######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_006677 #META# 000.BookURI :: AFTER1900 #META# 010.AuthorAKA :: القاسمي #META# 010.AuthorNAME :: محمد جمال الدين القاسمي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1332 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الكتب الجامعة لمصطلحات الحديث :: كتب مصطح الحديث :: مصطلح الحديث #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: قواعد التحديث #META# 030.LibURI :: JK_006677 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية #META# 044.EdPLACE :: بيروت #META# 045.EdYEAR :: 1399هـ - 1979م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # # | مقدمة في مطالع مهمة # المطلع الأول : # قال الزركشي في قواعده : ( ( إن تصنيف العلم فرض كفاية على من منحة الله ~~فهما واطلاعا فلو ترك التصنيف لضيع العلم على الناس ، وقد قال تعالى : ( ^ ~~وإذا أخذ الله ميثاق النبيين ) الآية ، ولن تزال هذه الأمة في ازدياد وترق ~~في المواهب والعلم ) ) . انتهى . # وقال نابغة البلغاء ابن المقفع في مقدمة الدرة اليتيمة : ( ( وجدنا الناس ~~قبلنا لم يرضوا بما فازوا به من الفضل لأنفسهم حتى أشركونا معهم فيما ~~أدركوا من علم الأولى والآخرة ، فكتبوا به الكتب الباقية ، وكفونا مؤونة ~~التجارب والفطن ، وبلغ من اهتمامهم بذلك : أن الرجل منهم كان يفتح له الباب ~~من العلم ، والكلمة من الصواب ، وهو بالبلد غيرالمأهول ، فيكتبه على الصخور ~~مبادرة منه للأجل ، وكراهية لأن يسقط ذلك على من بعده ، فكان صنيعهم في ذلك ~~صنيع الوالد الشفيق ، على ولده الرحيم بهم ، الذي يجمع لهم الأموال والعقد ~~إرادة أن لا تكون عليهم مؤونة في الطلب ، وخشية عجزهم إن هم طلبوا . فمنتهى ~~علم عالمنا في هذا الزمان أن يأخذ من علمهم ، وغاية إحسان محسننا أن يقتدى ~~بسيرتهم ، وأحسن ما يصيب من الحديث محدثنا ، أن ينظر في كتبهم ، فيكون كأنه ~~إياهم يحاور ، ومنهم يستمع ، غير أن الذي نجد في كتبهم هو المنتخل في ~~آرائهم ، والمنتقى من أحاديثم ، ولم تجدهم غادروا شيئا يجد واصف بليغ في ~~صفة له مقالا لم يسبقوه إليه ، لا في تعظيم لله عز وجلن وترغيب فيما عنده ، ~~ولا في تصغير للدنيا وتزهيد فيها ، ولا في تحرير صنوف العلم ، وتقسيم ~~أقسامه وتجزئة أجزاءها وتوضيح سبلها ، PageV01P037 وتبيين مآخذهم ، ولا في ~~وجوه الأدب ، وضروب الأخلاق . فلم يبق في جليل من الأمر لقائل بعدهم مقال ، ~~وقد بقيت أشياء من عمل الأمور ، فيها مواضع لصغار الفطن ، مشتقة من جسام ~~حكم الأولين وقولهم ، ومن ذلك بعض ما أنا كاتب في كتابي من أبواب الأدب ~~التي يحتاج إليها الناس ) ) انتهى كلامه . # وفي قوله : ( ^ وقد بقيت . . . ) فتح لباب التصنيف على نحو هذا المعنى . ~~وقد قالوا : ينبغي أن لا يخلو تصنيف من ms001 أحد المعاني الثمانية التي تصنف لها ~~العلماء وهي : 1 - اختراع معدوم ، 2 - أو جمع مفترق ، 3 - أو تكميل ناقص ، ~~4 - أو تفصيل مجمل ، 5 - أو تهذيب مطول ، 6 - أو ترتيب مخلط ، 7 - أو تعيين ~~مبهم ، 8 - أو تبيين خطأ ، كذا عدها أبو حيان ويمكن الزيادة فيها . # قال ملا كاتب جلبي رحمه الله : ( ( ومن الناس من ينكر التصنيف في هذا ~~الزمان مطلقا ، ولا وجه لإنكاره من أهله ، وإنما يحمله عليه التنافس والحسد ~~الجاري بين أهل الأعصار والله در القائل : # ( قل لمن لا يرى المعاصر شيئا % ويرى للأوائل التقديما ) # ( إن ذاك القديم كان حديثا % وسيبقى هذا الحديث قديما ) # وأعلم : أن نتائج الأفكار لا تقف عند حد ، وتصرفات الأنظار لا تنتهي إلى ~~غاية ، بل لكل عالم ومتعلم منها حظ يحرزه في وقته المقدر له ، وليس لأحد أن ~~يزاحمه فيه ، لأن العالم المعنوي واسع كالبحر الزاخر ، والفيض الإلهي ، ليس ~~له انقطاع ولا آخر ، والعلوم منح إلهية ، ومواهب صمدانية ، فغير مستبعد أن ~~يدخر لبعض المتأخرين ، ما لم يدخر لكثير من المتقدمين ، فإنما يستجاد الشيء ~~يسترذل ، لجودته ورداءته في ذاته ، لا تقدمه وحدوثه . فيقتصر الآخر على ما ~~قدم الأول من الظاهر ، وهو خطر عظيم ، وقول سقيم ، كما قال عليه الصلاة ~~والسلام : PageV01P038 ( ( أمتي أمة مباركة لا يدري أولها خير أو آخرها ) ) ~~: رأيت آخر كل طبقة ، وأضعى كل حكمة ، ومؤلفى كل أدب ، أهذب لفظا ، وأسهل ~~لغة ، وأحكم مذاهب ، وأوضح طريقة من الأول ، لأنه ناقض متعقب ، والأول بادي ~~متقدم ) ) . # وفي كتاب ( ( جامع بيان العلم وفضله ) ) للحافظ ابن عبد البر : عن علي ~~رضي الله عنه أنه قال في خطبة خطبها : ( ( واعلموا أن الناس أبناء ما ~~يحسنون وقدر كل آمري ما يحسن ، فتكلموا في العلم تتبين أقداركم ) ) . قال ~~ابن عبد البر : ( ( ويقال إن قول علي بن أبي طالب : قيمة كل امرئ ما يحسن ، ~~لم يسبقه إليه أحد ، وقالوا : ( ( ليس كلمة أحض على طلب العلم منها ) ) ~~وقالوا : ( ( ولا كلمة أضر بالعلم والعلماء والمتعلمين من قول القائل : ( ( ~~ما ترك الأول للآخر شيئا ) ) انتهى ms002 . * * * # المطلع الثاني : # أتأسى في هذا التصنيف الميمون بقول السيد مرتضى اليماني رحمه الله في ~~كتابه ( ( إيثار الحق على الخلق ) ) : ( ( وإنما جمعت هذا المختصر المبارك ~~، إن شاء الله تعالى ، لمن صنفت لهم التصانيف ، وعنيت بهدايتهم العلماء ؛ ~~وهم من جمع خمسة أوصاف ، معظهما : الإخلاص والفهم والإنصاف ، ورابعها - وهو ~~أقلها وجودا في هذه الأعصار - الحرص على معرفة الحق من أقوال المختلفين ، ~~وشدة الداعي إلى ذلك ، الحامل على الصبر والطلب كثيرا ، وبذل الجهد في ~~النظر على الإنصاف ، ومفارقة العوائد وطلب الأوابد ) ) . # قال رحمه الله : وإذا عظم المطلوب قل المساعد وطالب الحق اليوم ، شبيه ~~بطلابه في أيام الفترة ، وهم : سلمان الفارسي ، وزيد بن عمرو بن نفيل ~~وأضرابهما رحمهما الله تعالى ؛ فإنهم قدوة الطالب للحق ، وفيهم له أعظم ~~أسوة ، فإنهم لما حرصوا PageV01P039 على الحق وبذلوا الجهد في طلبه ، بلغهم ~~الله إليه ، وأوقفهم عليه ، وفازوا من بين العوالم الجمة ، فكم أدرك الحق ~~طالبة في زمن الفترة ! وكم عمي عنه المطلوب له في زمن النبوة ! فاعتبر بذلك ~~، واقتد بأولئك ، فإن الحق ما زال مصونا عزيزا ، نفيسا كريما ، لا ينال مع ~~الإضراب عن طلبه وعدم التشوف والتشوق إلى سببه ، ولا يهجم على المبطلين ~~المعرضين ، ولا يفاجئ أشباه الأنعام الغافلين ؛ ولو كان كذلك ما كان على ~~وجه الأرض مبطل ولا جاهل ، ولا بطال ولا غافل ) ) . انتهى كلامه رحمه الله ~~تعالى . * * * # المطلع الثالث : # لاخفاء أن وقد أتفق أني رأيت في ( ( المزهر ) ) للسيوطي هذا الملحظ حيث ~~قال في ترجمة ( ( ذكر من سئل عن شيء فلم يعرفه فسأل من هو أعلم منه ) ) ما ~~نصه : # قاله الحافظ أبو طاهر السلفي : سمعت أبا الحسن الصيرفي يقول : سمعت أبا ~~عبد الله الصوري يقول : قال لي عبد الغني بن سعيد : ( ( لما وصل كتابي إلى ~~أبي عبد الله الحاكم ، أجابني بالشكر عليه ، وذكر أنه أملاه على الناس ، ~~وضمن كتابه إلى الاعتراف بالفائدة وأنه لا يذكرها إلا عني . ) ) وأن أبا ~~العباس محمد بن يعقوب الأصم حدثهم ، قال : حدثنا العباس بن محمد الدوري ، ~~قال : سمعت أبا عبيد يقول : ( ( من شكر ms003 العلم أن تستفيد الشيء ، فإذا ذكر ~~لك قلت : خفي على كذا وكذا ولم يكن لي به علم ، حتى أفادني فلان فيه كذا ~~وكذا ، فهذا شكر العلم ) ) PageV01P040 # المطلع الرابع : # قال الحافظ أبو الفضل ابن حجر : ( ( أول من صنف في الاصطلاح القاضي أبو ~~محمد الرامهرمزي ، فعمل كتابه ( ( المحدث الفاصل ) ) لكنه لم يستوعب ~~والحاكم أبو عبد الله النيسابوري لكنه لم يهذب ولم يرتب ، وتلاه أبو نعيم ~~الأصبهاني فعمل كتابه مستخرجا ، وأبقى أشياء للمتعقب ، ثم جاء بعده الخطيب ~~البغدادي فعمل على قوانين الرواية كتابا سماه ( ( الكفاية ) ) وفي آدابها ~~كتابا سماه : ( ( الجامع ، لآداب الشيخ والسامع ) ) وقل فن من فنون الحديث ~~إلا وقد صنف فيه كتابا مفردا ، فكان كما قال الحافظ أبو بكر بن نقطة : ( ( ~~كل من أنصف علم أن المحدثين بعده عيال على كتبه . ) ) ثم جمع ممن تأخر عنه ~~القاضي عياض كتابه ( ( الإلماع ) ) وأبو حفص الميانجي جزءا سماه ( ( ما لا ~~يسع المحدث جهله ) ) والحافظ أبو بكر بن أحمد القسطلاني في ( ( المنهج ~~المبهج عند الاستماع ، لمن رغب في علوم الحديث على الاطلاع ) ) إلى أن جاء ~~الحافظ الإمام تقي الدين أبو عمرو عثمان بن الصلاح الشهرزوري نزيل دمشق ، ~~فجمع لما ولي تدريس الحديث بالمدرسة الإشرفية المعروفة بدار الحديث ، كتابه ~~المشهور ، فهذب فنونه ، وأملاه شيئا فشيئا ، واعتنى بتصانيف الخطيب المفرقة ~~، فجمع شتات مقاصدها ، وضم إليها من غيرها نخب فوائدها ، فاجتمع في كتابه ~~ما تفرق في غيره ، فلهذا عكف الناس عليه ، وساروا بسيره ، فمنهم المختصر له ~~كالنووي في تقريبه ، والناظم له كالعراقي ، والمستدرك ، والمعارض ، فجزاهم ~~الله خيرا ) ) . انتهى . * * * # مما ستقف على العزو إليه بحوله تعالى وقوته ، وهو نعم المعين . ~~PageV01P041 الباب الأول في التنويه بشأن الحديث وفيه مطالب # | 1 - شرف علم الحديث # عن أبي نجيح العرباض بن سارية السلمي رضي الله عنه ، قال : وعظنا رسول ~~الله موعظة وجلت منها القلوب ، وذرفت منها العيون ؛ قلنا : ( ( يا رسول ~~الله كأنها موعظة مودع فأوصنا ! ) ) قال : أوصيكم بتقوى الله ، والسمع ~~والطاعة ، وإن تأمر عليكم عبد . وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا ، ~~فعليكم بسنتي ms004 وسنة الخلفاء الراشدين المهديين . عضوا عليها بالنواجذ . ~~وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل بدعة ضلالة ) ) . رواه الإمام أحمد وأبو ~~داود والترمذي وقال : ( ( حديث حسن ) ) وأبو نعيم وقال : ( ( حديث جيد من ~~صحيح حديث الشاميين ) ) . وفي بعض الطرق : ( ( فماذا تعهد إلينا ؟ ) ) قال ~~: ( ( تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها ، فلا يزيغ عنها إلا هالك ، ومن ~~يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء ~~الراشدين المهديين . عضوا عليها بالنواجذ ) ) . وفي بعضها : ( ( فإن كل ~~محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار ) ) . # قال الحافظ المنذري : ( ( وقوله : عضوا عليها بالنواجذ ، أي : اجتهدوا ~~على السنة وألزموها ، واحرصوا عليها ، كما يلزم العاض على الشيء بنواجذه ~~خوفا من ذهابه وتفلته . والنواجذ : الأنياب أو الأضراس ) ) . # وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنه ، أن رسول الله قال : ( ( ~~العلم ثلاثة : آية محكمة ، أو سنة قائمة ، أو فريضة عادلة ؛ وما سوى ذلك ~~فهو فضل ) ) . رواه أبو داود وابن ماجه . PageV01P043 # وعن جابر رضي الله عنه قال : ( ( كان رسول الله يقول في خطبته : ( ( أما ~~بعد ، فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وإن أفضل الهدي هدي محمد ، وشر الأمور ~~محدثاتها ، وكل محدثة بدعة . . . نحو ما تقدم ) ) . رواه الإمام أحمد ومسلم ~~وغيرهما . # وفي رواية : ( ( أما بعد ؛ فإن خير الحديث كتاب الله ، وخير الهدى هدي ~~محمد . . . الحديث ) ) . # قال الإمام النووي قدس الله سره : ( ( إن من أهم العلوم تحقيق معرفة ~~الأحاديث النبويات ، أعنى معرفة متونها ، صحيحها وحسنها وضعيفها وبقية ~~أنواعها المعروفات . ودليل ذلك : أن شرعنا مبنى على الكتاب العزيز والسنن ~~المرويات ، وعلى السنن مدار أكثر الأحكام الفقهيات ؛ فإن أكثر الآيات ~~الفروعيات مجملات وبيانها في السنن المحكمات . وقد اتفق العلماء على أن من ~~شرط المجتهد من القاضي والمفتى أن يكون عالما بالأحاديث الحكميات . فثبت ~~بما ذكرناه : أن الاشتغال بالحديث من أجل العلوم الراجحات وأفضل أنواع ~~الخير وآكد القربات . وكيف لا يكون كذلك وهو مشتمل على بيان حال أفضل ~~المخلوقات ، عليه من الله الكريم أفضل الصلوات والسلام والبركات ؟ ولقد كان ~~أكثر اشتغال العلماء بالحديث في الأعصار ms005 الخاليات ؛ حتى لقد كان يجتمع في ~~مجلس الحديث من الطالبين ألوف متكاثرات ، فتناقص ذلك وضعفت الهمم ، فلم يبق ~~إلا آثار من آثارهم قليلات ، والله المستعان على هذه المصيبة وغيرها من ~~البليات . وقد جاء في فضل إحياء السنن المماتات أحاديث كثيرة معروفات ~~مشهورات . فينبغي الاعتناء بعلم الحديث والتحريض عليه لما ذكرنا من ~~الدلالات ولكونه أيضا من النصيحة لله تعالى وكتابه ورسوله وللأئمة ~~والمسلمين والمسلمات ، وذلك هو الدين كما صح عن سيد البريات . ولقد أحسن ~~القائل ( ( من جمع أدوات الحديث استنار قلبه واستخرج كنوزه الخفيات ؛ وذلك ~~لكثرة فوائده البارزات والكامنات ، وهو جدير بذلك ، فإنه كلام أفصح الخلق ~~ومن أعطى جوامع الكلمات صلى الله عليه وآله وسلم صلوات متضاعفات . ) ) # وقال العلامة الشهاب أحمد المنينى الدمشقي الحنفي في القول السديد : ( ( ~~إن علم الحديث PageV01P044 علم رفيع القدر ، عظيم الفخر ، شريف الذكر ، لا ~~يعتني به إلا كل حبر ، ولا يحرمه إلا كل غمر ، ولا تفني محاسنه على ممر ~~الدهر ؛ لم يزل في القديم والحديث يسمو عزة وجلالة ، وكم عز به من كشف الله ~~له عن مخبآت أسراره وجلاله ، إذ به يعرف المراد من كلام رب العالمين ، ~~ويظهر المقصود من حبله المتصل المتين ، ومنه يدري شمائل من سما ذاتا ووصفا ~~واسما ، ويوقف على أسرار بلاغة من شرف الخلائق عربا وعجما ، وتمتد من ~~بركاته للمعتني به موائد الإكرام من رب البرية ، فيدرك في الزمن القليل من ~~المولى الجليل المقامات العلية والرتب السنية ، من كرع من حياضه أو رتع في ~~رياضه فليهنه الأنس يجني ، جنانه السنة المحمدية ، والتمتع بمقصورات خيام ~~الحقيقة الأحمدية ؛ وناهيك بعلم من المصطفى بدايته ، وإليه مستنده وغايته ، ~~وحسب الراوي للحديث شرفا وفضلا ، وجلالة ونبلا ، أن يكون أول سلسلة آخرها ~~الرسول ، وإلى حضرته الشريفة بها الإنتهاء والوصول . وطالما كان السلف ~~الصالح يقاسون في تحمله شدائد الأسفار ، ليأخذوه عن أهله بالمشافهة ولا ~~يقنعون بالنقل من الأسفار ؛ فربما ارتكبوا غارب الاغتراب بالارتحال إلى ~~البلدان الشاسعة لأخذ حديث عن إمام انحصرت رواتيه فيه ، أو لبيان وضع حديث ~~تتبعوا سنده حتى ms006 انتهى إلى من يختلق الكذب ويفتريه ؛ وتأسي بهم من بعدهم من ~~نقلة الأحاديث النبوية ، وحفظة السنة المصطفوية ، فضبطوا الأسانيد وقيدوا ~~منها كل شريد ، وسبروا الرواة بين تجريح وتعديل ، وسلكوا في تحرير المتن ~~أقوم سبيل ، ولا غرض لهم إلا الوقوف على الصحيح من أقوال المصطفى وأفعاله ، ~~ونفي الشبهة بتحقيق السند واتصاله . فهذه هي المنقبة التي تتسابق إليها ~~الهمم العوالي ، والمأثرة التي يصرف في تحصيلها الأيام والليالي ) ) . # وقال الإمام أبو الطيب السيد صديق خان الحسيني الأثري ، عليه الرحمة ~~والرضوان ، قي كتابة ( ( الخطة ) ) : ( ( أعلم أن آنف العلوم الشرعية ~~ومفتاحها ، ومشكاة الأدلة السمعية ومصباحها ، وعمدة المناهج اليقينية ~~ورأسها ، ومبني شرائع الإسلام وأساسها ، ومستند الروايات الفقهية كلها ، ~~ومآخذ الفنون الدينية دقها وجلها ، وأسوة جملة الأحكام وأسها PageV01P045 ~~وقاعدة جميع العقائد وأسطقسها ، وسماء العبادات وقطب مدراها ، ومركز ~~المعاملات ومحط حارها وقارها ، هو علم الحديث الشريف الذي تعرف به جوامع ~~الكلم ، وتنفجر منه ينابيع الحكم ، وتدورعليه رحى الشرع بالأسر ، وهو ملاك ~~كل نهى وأمر ، ولولاه لقال من شاء ما شاء ، وخبط الناس خبط عشواء ، وركبوا ~~متن عمياء ، فطوبي لمن جد فيه ، وحصل منه على تنويه ، يملك من العلوم ~~النواصي ، ويقرب من أطرافها البعيد القاصي . ومن لم يرضع من دره ، ولم يخص ~~في بحره ، ولم يقتطف من زهره ، ثم تعرض للكلام ، في المسائل والأحكام ، فقد ~~جار فيما حكم ، وقال على الله تعالى ما لم يعلم ؛ كيف وهو كلام رسول الله . ~~والرسول أشرف الخلق كلهم أجمعين ، وقد أوتى ، جوامع الكلم ، وسواطع الحكم ، ~~من عند رب العالمين . فكلامه أشرف الكلم وأفضلها ، وأجمع الحكم وأكملها ، ~~كما قيل : ( ( كلام الملوك ملوك الكلام ) ) . وهو تلو كلام الله العلام ~~وثاني أدلة الأحكام . فإن علوم القرآن وعقائد الإسلام بأسرها ، وأحكام ~~الشريعة المطهرة بتمامها ، وقواعد الطريقة الحقة بحذافيرها ؛ وكذا الكشفيات ~~والعقليات بنقيرها وقطميرها ، تتوقف على بيانه ، فإنها ما لم توزن بهذا ~~القسطاس المستقيم ، ولم تضرب على ذلك المعيار القويم ، لا يعتمد عليها ، ~~ولا يصار إليها . فهذا العلم المنصوص ، والبناء المرصوص ، بمنزلة الصراف ~~لجواهر العلوم ، عقليها ونقليها ، وكالنقاد ms007 لنقود كل الفنون : اصليها ~~وفرعيها ، من وجوه التفاسير والفقهيات ونصوص الأحكام ، ومآخذ عقائد الإسلام ~~، وطرق السلوك إلى الله سبحانه وتعالى ذي الجلال والإكرام ، فما كان منها ~~كامل العيار ، في نقد هذا الصراف ، فهو الحري بالترويج والاشتهار ، وما كان ~~زيفا غير جيد عند ذاك النقاد ، فهو القمين بالرد والطرد والإنكار ، فكل قول ~~يصدقه خبر الرسول ، فهو الأصلح للقبول ، وكل ما لا يساعده الحديث والقرآن ، ~~فذلك في الحقيقة سفسطة بلا برهان . فهي مصابيح الدجى ، ومعالم الهدى ؛ ~~وبمنزلة البدر المنير ، من أنقاد لها فقد رشد واهتدى ، وأوتى الخير الكثير ~~، ومن أعرض عنها وتولى ، فقد غوى وهوى ، وما زاد نفسه إلا التخسير ، فإنه ~~نهى وأمر ، وأنذر وبشر ، وضرب الأمثال وذكر ، وإنها لمثل PageV01P046 ~~القرآن بل هي أكثر . وقد أرتبط بها اتباعه الذي هو ملاك سعادة الدارين ، ~~والحياة الأبدية بلا مين كيف وما الحق إلا فيما قاله أوعمل به أو قرره أو ~~أشار إليه ، أو تفكر فيه أو خطر بباله أو هجس في خلده واستقام عليه . ~~فالعلم في الحقيقة هو علم السنة والكتاب ، والعمل ، العمل بهما في كل إياب ~~وذهاب ؛ ومنزلته بين العلوم منزلة الشمس بين كواكب السماء ، ومزية أهله على ~~غيرهم من العلماء ، مزية الرجال على النساء ، ( ( وذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء ) ) فياله من علم سيط بدمه الحق والهدى ، ونيط بعنقه الفوز بالدرجات ~~العلى . وقد كان الإمام محمد بن علي بن الحسين عليه السلام يقول : ( ( إن ~~من فقه الرجل بصيرته أو فطنته بالحديث ) ) . ولقد صدق ، فإنه لو تأمل ~~المتأمل بالنظر العميق ، والفكر الدقيق ، لعلم أن لكل علم خاصية ، تتحصل ~~بمزاولته للنفس الإنسانية كيفية من الكيفيات الحسنة أو السيئة ، وهذا علم ~~تعطى مزاولته صاحب هذا العلم معنى الصحابية ، لأنها في الحقيقة هي الاطلاع ~~على جزئيات أحواله ، ومشاهدة أوضاعه في العبادات والعادات كلها . وعند بعد ~~الزمان ، يتمكن هذا المعنى بمزاولته في مدركة المزاول ، ويرتسم في خياله ~~بحيث يصير في حكم المشاهدة والعيان . وإليه أشار القائل بقوله : # ( أهل الحديث هموا أهل النبي وإن % لم يصحبوا نفسه أنفاسه ms008 صحبوا ) # ويروي عن بعض الصلحاء أنه قال : ( ( أشد البواعث وأقوى الدواعي لي على ~~تحصيل علم الحديث لفظ ( ( قال رسول الله ) ) . فالحاصل أن أهل الحديث ، كثر ~~الله تعالى سوادهم ، ورفع عمادهم ، لهم نسبة خاصة ، ومعرفة مخصوصة بالنبي ، ~~لا يشاركهم فيها أحد من العالمين ، فضلا عن الناس أجمعين . لأنهم الذين لا ~~يزال يجري ذكر صفاته العليا وأحواله الكريمة وشمائله الشريفة على لسانهم ، ~~ولم يبرح تمثال جماله الكريم ، وخيال وجهه الوسيم ، ونور حديثه المستبين ، ~~يتردد في حاق وسط جنانهم ، فعلاقة باطنهم بباطنه العلي متصلة ، ونسبة ~~ظاهرهم بظاهرة النقي مسلسلة . فأكرم بهم من كرام يشاهدون عظمة المسمي حين ~~يذكر الأسم ، ويصلون عليه كل لمحة ولحظة بأحسن الحد والرسم ) ) . ~~PageV01P047 # | 2 - فضل راوي الحديث # كفى خادم الحديث فضلا دخوله في دعوته حيث قال : ( ( نضر الله امرأ سمع ~~مقالتي ، فحفظها ووعاها وأداها ) ) . رواه الشافعي والبيهقي عن ابن مسعود ، ~~وأخرجه أبو داود والترمذي بلفظ : ( ( نضرالله امرأ سمع منا شيئا فبلغه كما ~~سمعه ، فرب مبلغ أوعى من سامع ) ) . قال الترمذي : ( ( حسن صحيح ) ) وعن ~~زيد بن ثابت ، قال : سمعت رسول الله يقول : ( ( نضر الله المرء سمع منا ~~حديثا فبلغه غيره ، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ، ورب حامل فقه ليس ~~بفقيه ) ) . رواه أبو داود والترمذي وحسنه ، والنسائي وابن ماحه بزيادة . ~~وعن أنس بن مالك ، قال : خطبنا رسول الله بمسجد الخيف من منى فقال : ( ( ~~نضر الله امرأ سمع مقالتي فحفظها ووعاها وبلغها من لم يسمعها . . . الحديث ~~) ) . رواه الطبراني . وروي نحوه الإمام أحمد وغيره عن جبير بن مطعم . # قال سفيان بن عيينة : ( ( ليس من أهل الحديث أحد إلا وفي وجهه نضرة لهذا ~~الحديث ) ) . # وقال : ( ( اللهم أرحم خلفائي ) ) قيل : ومن خلفاؤك ؟ قال : ( ( الذين ~~يأتون من بعدي يروون أحاديثي ، ويعلمونها الناس ) ) . رواه الطبراني وغيره ~~. # وكأن تلقيب المحدث بأمير المؤمنين مأخوذ من هذا الحديث ، وقد لقب به ~~جماعة منهم سفيان وابن راهويه والبخاري وغيرهم . وقد قيل في قوله تعالى : ( ~~^ يوم ندعو كل أناس بإمامهم ) ( ( ليس لأهل الحديث منقبة أشرف من ذلك . ~~لأنه لا ms009 إمام لهم غيره ) ) . كذا في التدريب وعن أسامة بن زيد رضي الله عنه ~~، عن النبي أنه قال : ( ( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحر يف ~~الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين ) ) . ورواه من الصحابة غير ~~واحد ، أخرجه ابن عدي ، والدار قطني ، وأبو نعيم . PageV01P048 # وتعدد طرقه يقضي بحسنه كما جزم به العلائى . وفيه تخصيص حملة السنة بهذه ~~المنقبة العلية ، وتعظيم لهذه الأمة المحمدية ، وبيان لجلالة قدر المحدثين ~~، وعلو مرتبتهم في العالمين ، لأنهم يحمون مشارع الشريعة ومتون الراويات من ~~تحريف الغالين ، وتأويل الجاهلين ، بنقل النصوص المحكمة لرد المتشابه إليها ~~. # وقال النووي رحمه الله تعالى في أول تهذيبه : ( ( هذا إخبار منه بصيانة ~~هذا العلم وحفظه ، وعدالة ناقليه . وإن الله يوفق له في كل عصر خلفا من ~~العدول ، يحمونه وينفون عنه التحريف ، فلا يصنع ) ) . وهذا تصريح بعدالة ~~حامليه في كل عصر . وهكذا وقع ولله الحمد ، وهو من أعلام النبوة ، ولا يضر ~~كون بعض الفساق يعرف شيئا من علم الحديث ، إنما هو إخبار بأن العدول ~~يحملونه ، لا أن غيرهم لا يعرف شيئا منه . # ومن شرف علم الحديث ، ما رويناه من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ~~قال : قال رسول الله : ( ( إن أولي الناس بي يوم القيامة أكثرهم على صلاة ) ~~) . قال الترمذي : ( ( حسن غريب ) ) وقال ابن حبان في صحيحه : ( ( في هذا ~~الحديث بيان صحيح على أن أولى الناس برسول الله في القيامة أصحاب الحديث ، ~~إذ ليس من هذه الأمة قوم أكثر صلاة عليه منهم ) ) . # وقال أبو نعيم : هذه منقبة شريفة يختص بها رواة الآثار ونقلتها ؛ لأنه لا ~~يعرف لعصابة من العلماء من الصلاة على رسول الله أكثر ما يعرف لهذه العصابة ~~) ) . # وكان الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقول : لولا أهل المحابر ، لخطبت ~~الزنادقة على المنابر ) ) . # وقال أيضا : ( ( أهل الحديث في كل زمان كالصحابة في زمانهم ) ) . # وقال أيضا : ( ( إذا رأيت صاحب حديث فكأني رأيت أحدا من أصحاب رسول الله ~~) ) . # وكان أحمد بن سريج يقول : ( ( أهل الحديث أعظم درجة من الفقهاء ، ~~لاعتنائهم بضبط الأصول ms010 ) ) . PageV01P049 # وكان أبو بكر بن عياش يقول : ( ( أهل الحديث في كل زمان ؛ كأهل الإسلام ~~مع أهل الأديان ) ) . # وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : ( ( سيأتي قوم يجادلونكم بشبهات ~~القرآن ، فخذوهم بالسنن ، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله عز وجل ) ) . ~~نقله الشعراني في مقدمة ميزانه . # وقال الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي قدس الله سره في فتوحاته في الباب ~~الثالث عشر وثلثمائة : وللورثة حظ من الرسالة ، ولهذا قيل في معاذ وغيره : ~~( ( رسول رسول الله ) ) وما فاز بهذه الرتبة ويحشر يوم القيامة مع الرسل ~~إلا المحدثون الذين يروون الأحاديث بالأسانيد المتصلة بالرسول عليه السلام ~~في كل أمة ، فلهم حظ في الرسالة ، وهم نقلة الوحي وهم ورثة الأنبياء في ~~التبليغ . والفقهاء إذا لم يكن لهم نصيب في رواية الحديث ، فليست لهم هذه ~~الدرجة ، ولا يحشرون مع الرسل ، بل يحشرون في عامة الناس ، ولا ينطلق أسم ~~العلماء إلا على أهل الحديث ، وهم الأئمة على الحقيقة ) ) . # ( ( وكذلك الزهاد والعباد وأهل الآخرة ، ومن لم يكن من أهل الحديث ، منهم ~~كان حكمه حكم الفقهاء ، لا يتميزون في الورثة ، ولا يحشرون مع الرسل ، بل ~~يحشرون مع عموم الناس ويتميزون عنهم بأعمالهم الصالحة لا غير ، كما أن ~~الفقهاء أهل الإجتهاد يتميزون بعلمهم عن العامة ) ) انتهى . * * * # | 3 - الأمر النبوي برواية الحديث وإسماعه # روي الإمام أحمد والبخاري والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي ~~الله عنهما قال : قال رسول الله : ( ( بلغوا عني ولو آية ، وحدثوا عن بني ~~إسرائيل ولا حرج ومن كذب على متعمدا فليتبوأ مقعدة من النار ) ) . # وروى الطبراني عن أبي قرصافة رضي الله عنه ، عن رسول الله ، قال : ( ( ~~حدثوا PageV01P050 عني بما تسمعون ، ولا تقولوا إلا حقا ، ومن كذب على بني ~~له بيت في جهنم يرتع فيه ) ) . # وروي الإمام أحمد ، والبخاري في الأدب ، عن ابن عباس عن رسول الله أنه ~~قال : ( ( علموا ويسروا ولا تعسروا ، وبشروا ولا تنفروا ؛ وإذا غضب أحدكم ~~فليسكت ! ) ) . # وروي الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن رسول الله : ( ( تعلموا ~~الفرائض القرآن وعلموا الناس ms011 ، فإني مقبوض ) ) . # قال العارف الشعراني قدس سره في العهود الكبرى : ( ( وفي كتابة الحديث ~~وإسماعه للناس فوائد عظيمة ، منها : عدم أندراس أدلة الشريعة ، فإن الناس ~~لو جهلوا الأدلة جملة - والعياذ بالله تعالى - لربما عجزوا عن نصرة شريعتهم ~~عند خصمهم ، وقولهم : ( ( إنا وجدنا آباءنا على ذلك ) ) لا يكفي . وماذا ~~يضر الفقيه أن يكون محدثا يعرف أدلة كل باب من أبواب الفقه . ومنها : تجديد ~~الصلاة والتسليم على رسول الله في كل حديث . وكذلك تجديد الترضي والترحم ~~على الصحابة والتابعين من الرواة إلى وقتنا هذا . ومنها : - وهو أعظمها ~~فائدة - الفوز بدعائه لمن بلغ كلامه إلى أمته في قوله : ( ( نضر الله امرأ ~~سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها ) ) . ودعاؤه مقبول بلاشك ، إلا ما ~~استثنى ، كعدم إجابته في أن الله تعالى لا يجعل بأس أمته فيما بينهم كما ~~ورد ) ) انتهى . * * * # | 4 - حث السلف على الحديث # قال الشعراني قدس سره في مقدمة ميزانه : كان الأعمش رضي الله عنه يقول : ~~( ( عليكم بملازمة السنة ، وعلموها للأطفال ، فإنهم يحفظون على الناس دينهم ~~إذا جاء وقتهم ) ) . وكان وكيع رحمه الله تعالى يقول : ( ( عليكم باتباع ~~الأئمة المجتهدين والمحدثين ، فإنهم يكتبون ما لهم وما عليهم بخلاف أهل ~~الأهواء والرأي فإنهم لا يكتبون قط ما عليهم ) ) . وكان الشعبي وعبد الرحمن ~~بن مهدي يزجران كل من رأياه يتدين بالرأي وينشدان : # ( دين النبي محمد أخبار % نعم المطية للفتي الآثار ) PageV01P051 # ( لا ترغبن عن الحديث وأهله % فالرأي ليل والحديث نهار ) # وكان مجاهد يقول لأصحابه : ( ( لا تكتبوا عني كل ما أفتيت به ، وإنما ~~يكتب الحديث . ولعل كل شيء أفتيتكم به اليوم أرجع عنه غدا ) ) . وكان أبو ~~عاصم رحمه الله تعالى يقول : ( ( إذا تبحر الرجل في الحديث ، كان الناس ~~عنده كالبقر ) ) . وكان الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه يقول : ( ( إياكم ~~والقول في دين الله تعالى بالرأي ؛ وعليكم باتباع السنة ، فمن خرج عنها ضل ~~) ) . ودخل عليه مرة رجل من أهل الكوفة والحديث يقرأ عنده ، فقال الرجل : ( ~~( دعونا من هذه الأحاديث ! ) ) فزجره الإمام أشد الزجر ، وقال له : ( ( ~~لولا السنة ما فهم أحد ms012 منا القرآن ) ) . وقيل له مرة ( ( قد ترك الناس ~~العمل بالحديث ، واقبلوا على سماعه ) ) فقال رضي الله عنه : ( ( نفس سماعهم ~~للحديث عمل به ) ) . وكان رضي الله عنه يقول : ( ( لم تزل الناس في صلاح ، ~~ما دام فيهم من يطلب الحديث ، فإذا طلبوا العلم بلا حديث فسدوا ) ) . وكان ~~يقول : ( ( لا ينبغي لأحد أن يقول قولا حتى يعلم أن شريعة رسول الله تقبله ~~) ) . وكان الإمام مالك رضي الله عنه يقول : ( ( إياكم ورأى الرجال ، إلا ~~إن أجمعوا عليه ، ( ( واتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ) ) وما جاء عن نبيكم ~~، وإن لم تفهموا المعني فسلموا لعلمائكم ، ولا تجادلوهم ، فإن الجدال في ~~الدين من بقايا النفاق ) ) . وروى الحاكم والبيهقي عن الإمام الشافعي رضي ~~الله عنه أنه كان يقول : ( ( إذا صح الحديث فهو مذهبي ) ) قال ابن حزم : ( ~~( أي صح عنده أو عند غيره من الأئمة ) ) . وفي رواية أخرى ؛ ( ( إذا رأيتم ~~كلامي يخالف كلام رسول الله : فاعملوا بكلام رسول الله ، واضربوا بكلامي ~~الحائط ) ) . وقال مرة للربيع : ( ( يا أبا إسحاق ، لا تقلدني في كل ما ~~أقول ، وانظر في ذلك لقلنا به ) ) . وكان يقول : ( ( إذا ثبت عن النبي - ~~بأبي هو وأمي - شيء لم يحل تركه لشيء أبدا ) ) . وروي البيهقي عن الإمام ~~أحمد رضي الله عنه أنه كان إذا سئل عن مسألة يقول : ( ( أو لأحد كلام مع ~~رسول الله ؟ ) ) وكان يتبرأ كثيرا من رأي الرجال ويقول : ( ( لا ترى أحدا ~~ينظر في كتب الرأي غالبا إلا وفي قلبه دخل ) ) وكان ولده عبد الله يقول : ( ~~( سألت الإمام أحمد عن الرجل PageV01P052 يكون في بلد لا يجد فيها إلا صاحب ~~حديث لا يعرف صحيحة من سقيمه ، وصاحب رأي ، فمن يسأل منهما عن دينة ؟ فقال ~~: يسأل صاحب الحديث ولا يسأل صاحب الرأي ) ) . وبلغنا أن شخصا استشاره في ~~تقليد أحد من علماء عصره فقال : ( ( لا تقلدني ، ولا تقلد مالكا ، ولا ~~الأوزاعي ، ولا النخعي ، ولا غيرهم وخذ الأحكام من حيث أخذوا ) ) . قال ~~الشعراني : ( ( وهو محمول على من له قدرة على استنباط الأحكام من الكتاب ~~والسنة ) ) . # وقال الشعراني أيضا في العهود ms013 : ( ( وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اله ~~يقول : ليس مراد الأكابر من حثهم على العمل على موافقة الكتاب والسنة إلا ~~مجالسة الله ورسوله ، أما ما ابتدع فلا يجالسهم الحق تعالى ولا رسوله فيه ، ~~وإنما يجالسون فيه من ابتدعه من عالم أو جاهل ) ) انتهى . # والآثار في الحث على الحديث عن السلف وافرة ، وفي هذا القدر كفاية . * * ~~* # 5 - إجلال الحديث وتعظيمه والرهبة من الزيغ عنه # عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله : ( ( من أحدث في أمرنا هذا ~~ما ليس منه فهو رد ) ) رواه البخاري ومسلم ، وأبو داود ولفظة : ( ( من صنع ~~أمرا على غير أمرنا فهو رد ) ) . وفي رواية لمسلم : ( ( من عمل عملا ليس ~~عليه أمرنا فهو رد ) ) . # وعن أنس رضي اله عنه قال : ( ( قال رسول الله : ( ( من رغب عن سنتي فليس ~~مني ) ) رواه مسلم . # وعن العرباض بن سارية رضي الله عنه أنه سمع رسول الله يقول : ( ( لقد ~~تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها إلا هالك ) ) رواه ~~ابن أبي عاصم في كتاب السنة بإسناد حسن . PageV01P053 # وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله قال : ( ( ستة لعنتهم الله ، وكل ~~نبي مجاب : الزائد في كتاب الله ، والمكذب بقدر الله ، والمتسلط على أمتي ~~بالجبروت ليذل من أعز الله ويعز من أذل الله ، والمستحل حرمة الله ، ~~والمستحل من عترتى ما حرم الله ، والتارك السنة . ) ) رواة الطبراني ، وابن ~~حبان في صحيحة ، والحاكم وقال : ( ( صحيح الإسناد . ) ) قال المنذري : ( ( ~~ولا أعرف له علة ) ) . # وعن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله : ( ( لا يؤمن أحدكم حتى يكون ~~هواه تبعا لما جئت به ) ) رواه البغوي في شرح السنة . وقال النووي في ~~أربعينه : ( ( هذا حديث صحيح رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح ) ) . # قال الشافعي رضي الله عنه في باب الصيد من الأم : ( ( كل شيء خالف أمر ~~رسول الله سقط ، ولا يكون معه رأي ولا قياس ؛ فإن الله تعالى قطع العذر ~~بقول رسول الله ، فليس لأحد معه أمر ولا نهى غير ما أمر هو به ) ) . # وكان رضي الله عنه ms014 يقول : ( ( رسول الله أجل في أعيننا من أن نحب غير ما ~~قضى به ) ) . # وقال الإمام محمد الكوفي رضي الله عنه : ( ( رأيت الإمام الشافعي بمكة : ~~وهو يفي الناس ، رأيت الإمام أحمد وإسحق بن راهويه حاضرين ، فقال الشافعي : ~~قال رسول الله ( ( هل ترك لنا عقيل من دار ؟ ) ) فقال إسحق : ( ( روينا عن ~~الحسن وإبراهيم ، أنهما لم يكونا يريانه ، وكذلك عطاء ومجاهد ! ) ) فقال ~~الشافعي لإسحق : ( ( لو كان غيرك موضعك لفركت أذنه ! ! أقول : قال رسول ~~الله ، وتقول : قال عطاء ومجاهد والحسن ! ! وهل لأحد مع قول رسول الله حجة ~~؟ بأبي هو وأمي ) ) كذا في ميزان الشعراني قدس سره . # وقال الإمام الصغاني رحمه الله تعلى في ( ( مشارق الأنوار ) ) : ( ( أخذت ~~مضجعي ليلة PageV01P054 الأحد الحادية عشرة من شهر ربيع الأول سنة اثنتين ~~وعشرين وستمائة ، وقلت : اللهم أرني الليلة نبيك محمدا في المنام وإنك تعلم ~~اشتياقي إليه ، فرأيت بعد هجعة من الليل ، كأني والنبي في مشربة ، ونفر من ~~أصحابنا أسفل منا عند درج المشربة ، فقلت : يا رسول الله ! ما تقول في ميت ~~رماه البحر ، أحلال ؟ فقال وهو مبتسم إلى ( ( نعم ) ) فقلت وأنا أشير إلى ~~من بأسفل الدرج : ( ( فقل لأصحاب فإنهم لا يصدقوني ) ) فقال : ( ( لقد ~~شتمتني وعابوني ! ) ) فقلت : ( ( كيف يا رسول الله ؟ ) ) فقال كلاما ليس ~~يحضرني لفظه ، وإنما معناه : ( ( عرضت قولي على من لا يقلبه ) ) ؛ ثم أقبل ~~عليهم يلومهم ويعظهم ! فقلت صبيحة تلك الليلة : ( ( وأنا أعوذ بالله من أن ~~أعرض حديثه بعد ليلتي هذه إلا على الذين يحكمونه فيما شجر بينهم ثم لا ~~يجدون في أنفسهم حرجا مما قضى ويسلوا تسليما ) ) انتهى . # وسيأتي إن شاء الله تعالى في الباب العاشر في فقه الحديث مزيد لهذا بحوله ~~سبحانه وقوته . * * * # 6 - فضل المحامي عن الحديث والمحي للسنة # عن عمرو بن عوف رضي الله عنه أن رسول الله قال لبلال بن الحرث يوما : ( ( ~~اعلم يا بلال ) ) قال : ( ( ما أعلم يا رسول الله ؟ ) ) قال : ( ( إن من ~~أحي سنة من سنتي أميتت بعدي ، كان له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ~~ينقص من ms015 أجورهم شيئا ؛ ومن ابتدع بدعة ضلالة لا يرضاها الله ورسوله ، كان ~~عليه مثل آثام من عمل بها ، لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئا ) ) . رواه ~~ابن ماجة ، والترمذي وحسنه . قال الحافظ المنذري : ( ( وللحديث شواهد ) ) . # وعن أنس ، قال : قال رسول الله : ( ( من أحب سنتي فقد أحبني ، ومن أحبني ~~كان معي في الجنة ) ) . رواه الترمذي . # قال الإمام السيد محمد بن المرتضي اليماني رحمه الله تعالى في مقدمة ~~كتابه ( ( إيثار الحق على PageV01P055 # الخلق ) ) ما نصه : ( ( المحامي عن السنة ، الذاب عن حماها ، كالمجاهد في ~~سبيل الله تعالى ، يعد للجهاد ما استطاع من الآلات والعدة والقوة ، كما قال ~~الله سبحانه : ( ^ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) . وقد ثبت في الصحيح أن ~~جبريل عليه السلام كان مع حسان بن ثابت يؤيده ما نافح عن رسول الله في ~~أشعاره ، فكذلك مع ذب عن دينه وسنته من بعده إيمانا به وحبا ونصحا له ، ~~ورجاء أن يكون من الخلف الصالح الذين قال فيهم رسول الله : ( ( يحمل هذا ~~العلم من كل خلف عدو له ، ينفون عنه تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ) ) ~~والجهاد باللسان أحد أنواع الجهاد سبله . وفي الحديث : ( ( أفضل الجهاد ~~كملة حق عند سلطان جائر ) ) وقد أحسن من قال في هذا المعنى شعرا : # ( جاهدت فيك بقولي يوم يختصم ال % أبطال إذ فات سيفي يوم يمتصع # ( عن اللسان لوصال إلى طرق % في الحق لا تهتديها الذبل السرع # ثم قال : ( ( ولا ينبغي أن سنتوحش الظافر بالحق من كثرة المخالفين له ، ~~كما لا يستوحش الزاهد من كثرة الراغبين ، ولا المتقى من كثرة العاصين ، ولا ~~الذاكر من كثرة الغافلين ، ينبغي منه أن يستعظم المنة باختصاصة بذلك ، مع ~~كثرة الجاهلين له ، الغافلين عنه ، وليوطن نفسه على ذلك ، فقد صح عن رسول ~~الله وآله وسلم أنه قال : ( ( عن هذا الدين بدأ غريبا ، وسيعود غريبا كما ~~بدأ ، فطوبى للغرباء ! ) ) رواه مسلم في الصحيح من حديث أبي هريرة ، ورواه ~~الترمذي من حديث ابن مسعود وقال : ( ( هذا حديث حسن صحيح ) ) ورواه ابن ~~ماجه وعبد الله بن أحمد من حديث ms016 أنس . وروي البخاري نحوه بغير لفظه من حديث ~~ابن عمر . وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه أفضل السلام عن رسول ~~الله أنه قال : ( ( طلب الحق غربة ) ) رواه الحافظ الأنصاري في أول كتابه ( ~~( منازل السائرين إلى الله ) ) من حديث جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن جده ~~، وقال : ( ( هذا حديث غريب ، PageV01P056 لم اكتبه عاليا إلا من رواية ~~علان ، ولذلك شواهد قوية عن تسعة من الصحابة ذكرها البيهقي في ( ( مجمع ~~الزوائد ) ) فنسأل الله أن يرحم غربتنا في الحق ويهدي ضالنا ولا يردنا عن ~~أبواب رجائه ودعائه وطلبه محرومين ، إنه مجيب الداعين ، وهادي المهتدين ، ~~وأرحم الراحمين ) ) . * * * # 7 - أجر المتمسك بالسنة إذا اتبعت الأهواء وأوثرت الدنيا # عن أبي ثعلبة الخشنى رضي الله عنه قال : قال رسول الله : ( ( أيتمروا ~~بالمعروف وانهوا عن المنكر ، حتى إذا رأيتم شحا مطاعا ، وهوى متبعا ، ودينا ~~مؤثرة ، وإعجاب كل ذي رأى برأيه ، فعليك بنفسك ودع عنك أمر العوام ، فإن من ~~ورائكم أياما ، الصبر فيهن كالقبض على الجمر ؛ للعامل فيهن مثل أجر خمسين ~~رجلا يعملون مثل عمله ) ) . رواه ابن ماجه ، والترمذي وقال : ( ( حديث حسن ~~غريب ) ) ، وأبو داود وزاد : قيل : ( ( يا رسول الله أجر خمسين رجلا منا أو ~~منهم ؟ ) ) قال ( ( بل أجر خمسين منكم ) ) . # وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال : ( ( المتمسك بسنتي عند فساد ~~أمتي له أجر شهيد ) ) رواه الطبراني ، ورواه البيهقي من رواية الحسن بن ~~قتيبة عن ابن عباس رفعه : ( ( من تمسك بسنتي عند فساد أمتي فله أجر مئة ~~شهيد ) ) . # وعن معقل بن يسار رضي الله عنه أن رسول الله قال : ( ( عبادة PageV01P057 # 8 - بيان أن الوقيعة في أهل الأثر من علامات أهل البدع # قال الإمام الحافظ أبو حاتم الرازي : ( ( علامة أهل البدع الوقيعة في أهل ~~الأثر ، وعلامة الجهمية أن يسموا أهل السنة مشبهة ونابتة ، وعلامة القدرية ~~أن يسمعوا أهل السنة مجبرة ، وعلامة الزنادقة أن يسموا أهل الأثر حشوية ) ) ~~. نقله عنه الذهبي في كتاب ( ( العلو ) ) . # وقال الإمام العارف الرباني الشيخ عبد القادر الجيلاني قدس الله سره في ms017 ~~كتاب ( ( الغنية ) ) نحو ما ذكر وزاد : ( ( وعلامة الرافضة تسميتهم أهل ~~السنة عاصبيه . وكل ذلك عصبية وغياظ لأهل السنة ولا اسم لهم إلا اسم واحد ~~وهو ( ( أصحاب الحديث ) ) ولا يلتصق بهم ما لقيهم به أهل البدع كما لم ~~يلتصق بالنبي تسمية كفار مكة : ساحرا ، وشاعرا ، ومجنونا ، ومفتونا ، ~~وكاهنا ، ولم يكن اسمه عند الله وعند ملائكته وعند أنسه وجنه وسائر خلقه ~~إلا رسولا نبيا بريا من العاهات كلها ( ( أنظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا ~~فلا يستطعون سبيلا ) ) 1 ه . # وزاد شيخ الإسلام ابن تيميه : ( ( أن المر جئة تسميهم شكاكا ، قالوا : ~~وهذا علامة الإرث الصحيح والمتابعة التامة فإن السنة هي ما كان عليه رسول ~~الله اعتقادا واقتصادا وقولا وعملا . فكما كان المنحرفون عنه يسمونه بأسماء ~~مذمومة مكذوبة وإن اعتقدوا صدقها بناء على عقيدتهم الفاسدة فكذلك التابعون ~~له على بصيرة ، الذين هم أولى الناس بها في المحيا والممات باطنا ) ) انتهى ~~. * * * # 9 - ما روى أن الحديث من الوحي # عن المقدام بن معد يكرب قال : قال رسول الله : ( ( ألا أوتيت القرءان ~~ومثله معه ، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول : علكم بهذا القرءان فما ~~وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فرحموه ، وإن ما حرم رسول ~~الله كما حرم الله ) ) . رواه أبو داود والدارمي وابن ماجه . PageV01P058 # وعن حسان بن عطية قال : ( ( كان جبريل عليه السلام ينزل على رسول الله ~~بالنسبة كما ينزل عليه بالقرآن ، ويعلمه إياها كما يعلمه القرآن ) ) . # وعن مكحول قال : قال رسول : ( ( آتاني الله القرءان ومن الحكمة مثليه ) ) ~~أخرجهما أبو داود في مراسيله . # قال أبو البقاء في كلياته : ( ( والحاصل أن القرآن والحديث يتحدان في ~~كونهما وحيا منزلا من عند الله ، بدليل : ( ( إن هو إلا وحي يوحي ) ) ، إلا ~~أنهما يتفارقان من حيث إن القرآن هو المنزل للإعجاز والتحدي به بخلاف ~~الحديث ، وإن ألفاظ القرآن مكتوبة في اللوح المحفوظ ، وليس لجبريل عليه ~~السلام ولا للرسول عليه الصلاة والسلام أن يتصرفا فيها أصلا . وأما ~~الأحاديث فيحتمل أن يكون النازل على جبريل معنى صرفا فكساه ms018 حلة العبارة ، ~~وبين الرسول بتلك العبارة أو ألهمه ، كما نتفقه ، فأعرب الرسول بعبارة تفصح ~~عنه ) ) انتهى . # وفي المراقاة أن ( منهم ) من قال بأنه عليه الصلاة والسلام كان مجتهدا ~~ينزل اجتهاده منزلة الوحى لأنه لا يخطىء ، وإذا أخطأ ينبه عليه ، بخلاف ~~غيره . # وفيها عن الشافعي أنه قال : ( ( كل ما حكم به رسول الله فهو مما فهمه من ~~القرآن ، قال : لقوله : ( ( إني لا أحل إلا ما أحل الله في كتابه ولا أحرم ~~إلا ما حرم الله في كتابه ) ) وقال : ( ( جميع ما تقوله الأئمة شرح للسنة ، ~~جميع السنة شرح للقرآن ) ) وقال : ( ( ما نزل بأحد من الدين نازلة إلا وهي ~~في كتبا الله تعالى ) ) . # وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود : ( ( إذا حدثتكم بحديث أنبأتكم بتصديقه ~~من كتاب الله ) ) . وعن ابن جبير : ( ( ما بلغني حديث على PageV01P059 # 10 - أبادي المحدثين البيضاء على الأمة وشكر مساعبهم # يقول جامعة الفقير : # من أين للبليغ أن يحصى أيادي المحدثين ، وهم الذين عشقوا الهدى النبوي ~~دون العالمين ، فتتبعوه ممن بدا وحضر ، وكابدوا لأخذه أهوال السفر ! فكم ~~جابوا صحاري تتلظى يلظى الرمضاء ، وقطعوا عن العمران فيافي تستدعى اليأس ~~وتروع الأحشاء ! فحفظوا ووعوا ، ولعهد النفر للتفقه في الدين رعوا ، ودفعوا ~~عن الدين صنع الوضاعين ، وانتحال المفترين ، وذبوا الكذب عن كلام الرسول ~~الصادق ، بما مهدوه من تحرى كل راو موافق ، فدونوا ما سمعوه بالسند فرارا ~~عن الرمى باتباع الأهواء ، وتحكيم الآراء ، فاستبرأوا لدينهم بجليل هذا ~~الاحتياط ودربوا الأمة على التثبت في توثيق عرى الارتباط ! رحماك اللهم ~~فالاعتراف بآثرهم الحسنة أمر واجب ، وشكر فضلهم لا يقص عنه إلا من هو عن ~~الاتباع ناكب . أفليست دواوينهم بعد القرآن دائم الإسلام التي قامت عليها ~~صروحه ، وأعضاد الدين التي بأن منها صريحه ؟ لا جرم لولا أخذهم بناصية ما ~~دونوه من صحيح السنة ، لا نثالت على الناس جراثيم الأباطيل المستكنة ، التي ~~رزى بها الدين ، في عصر الوضاعين المنافقين ، الذين دخلوا في دين الله ~~للتشويش ، فرد الله كيدهم بتنقيب المحدثين من خرافاتهم ودأبهم في التفتيش ، ~~حتى أشرقت شموس صحاح ms019 الأخبار ، وانبعثت أشعتها في الأقطار ، وتمزقت عن ~~البصائر حجب الجهالة ، وأغشية الضلالة ، فرحم الله تلك الأنفس التي نهضت ~~لتأييد الدين ، ورضى عمن أحيى آثارهم من اللاحقين . آمين . PageV01P060 # | الباب الثاني في معنى الحديث وفيه مباحث # 1 - أعلم : أن هذه الثلاثة مترادفة عند المحدثين على معنى ما أضيف إلى ~~النبي قولا أو فعلا أو تقريرا أو صفة ، وفقهاء خراسان يسمعون الموقوف أثرا ~~، والمرفوع خبرا ، وعلى هذه التفرقة جرى كثير من المصنفين . وقال أبو ~~البقاء : ( ( الحديث هو اسم من التحديث ، وهو الإخبار ، ثم سمى به قول أو ~~فعل أو تقرير نسب إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، ويجمع على ( ( أحاديث ) ~~) على خلاف القياس . قال الفراء : واحد الأحاديث أحدوثة ، ثم جعلوه جمعا ~~للحديث ، وفيه أنهم لم يقولوا أحدوثة النبي ) ) . وفي الكشاف : ( ( ~~الأحاديث اسم جمع ، ومنه حديث النبي ) ) . وفي البحر : ( ( ليس الأحاديث ~~باسم جمع ، بل هو جمع تكسير لحديث على غير القياس كأباطيل ، واسم الجمع يأت ~~على هذا الوزن وإنما سميت هذه الكلمات والعبارات أحاديث كما قال الله تعالى ~~: ( ^ فليأتوا بحديث مثله ) لأن الكلمات إنما تتركب من الحروف المتعاقبة ~~المتوالية ، وكل واحد من تلك الحروف يحدث عقيب صاحبه ؛ أو لأن سماعها يحدث ~~في القلوب من العلوم والمعاني ، والحديث نقيض القديم ، كأنه لوحظ فيه ~~مقابلة القرآن ، والحديث ما جاء عن النبي ، والخبر ما جاء عن غيره . وقيل : ~~بينهما عموم وخصوص مطلق ، فكل حديث خبر من غير عكس ) ) . والأثر : ما روى ~~عن الصحابة ويجوز إطلاقه على كلام النبي أيضا ) ) انتهى . PageV01P061 # وفي التدريب : ( ( يقال أثرت الحديث : بمعنى رويته ، ويسمى المحدث أثريا ~~نسبة للأثر ) ) . وفي الإمام تقي الدين بن تيميه في بعض فتاويه : ( ( ~~الحديث النبوي : هو عند الإطلاق ينصرف إلى ما حدث به عنه بعد النبوة ، من ~~قوله ، وفعله ، وإقراءه ، فإن سنته ثبتت من هذه الوجوه الثلاثة ، فما قاله ~~، إن كان خبرا ن وجب تصديقه به ، وإن كان تشريعا : دلت على أنهم معصومون ~~فيما يخبرون به عن الله عز وجل ، فلا يكون خبرهم إلا حقا ، وهذا معنى ~~النبوة ، وهو يتضمن ms020 أن الله ينبئه بالغيب ، وأنه ينبى الناس بالغيب ، ~~والرسول مأمور بدعوة الخلق وتبليغهم رسالات ربه ) ) . وقد روى أن عبد الله ~~بن عمرو كان يكتب ما يسمع من النبي فقال له بعض الناس : ( ( إن رسول الله ~~يتكلم في الغضب فلا تكتب كل ما تسمع ) ) فسأل النبي عن ذلك ، فقال : ( ( ~~اكتب ! فوالذي نفسي بيده ، ما خرج من بينهما إلا حق ) ) يعني شفتيه ~~الكريمتين . وقد ثبت عن أبي هريرة أنه قال : ( ( لم يكن أحد من أصحاب رسول ~~الله أحفظ مني إلا عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب بيده ، ويعى بقلبه ، ~~وكنت أعى بقلبي ولا أكتب بيدى ) ) . وكان عند آل عبد الله بن عمر بن العاص ~~نسخة كتبها عن النبي ، وبهذا طعن بعض الناس في حديث عمرو ابن محمد بن عبد ~~الله بن عمرو بن العاص - وقالوا : ( ( إن عنى جده الأدنى محمدا فهو مرسل ، ~~فإنه لم يدرك النبي ، وإن عنى جده الأعلى ، فهو منقطع ، فإن شعيبا لم يدركه ~~) . وأما أئمة الإسلام ، وجمهور العلماء ، فيحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن ~~أبيه عن جده ، إذا صح النقل إليه ، مثل مالك بن أنسن وسفيان بن عيينة ، ~~ونحوهما ، ومثل الشافعي وأحمد بن حنبل ، وأسحق بن راهويه ، وغيرهم . قالوا ~~: ( ( الجد هو عبد الله PageV01P062 فإنه يجيء مسمى ، ومحمد أدركه ) ) ، ~~قالوا : ( ( وذا كانت نسخة مكتوبة من عهد النبي ، كان هذا أو كد لها ، وأدل ~~على صحتها ) ) ، ولهذا كان في نسخة عمرو ابن شعيب من الأحاديث الفقيهة ، ~~التي فيها مقدرات ما احتاج إليه عامة علماء الإسلام . والمقصود أن حديث ~~الرسول ، إذا أطلق دخل فيه ذكر ما قاله بعد النبوة ، وذكر ما فعله ، فإن ~~أفعاله التي أقر عليها حجة ، لا سيما إذا أمرنا أن نتبعها ، كقوله . ( ( ~~صلوا كما رأيتموني أصلى ) ) وقوله : ( ( لتأخذوا عني مناسككم ) ) . وكذلك ~~ما أحله الله له فهو حلال للأمة ، ما لم يقم دليل التخصيص ؛ ولهذا قال : ( ~~( فلما قضى زيد منها وطرا زوجنا كها لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج ~~أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا ) ) ، ولما أحل الله له ms021 الموهوبة قال : ( ( ~~وامرأة مؤمنه إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من ~~دون المؤمنين ) ) ، ولهذا كان النبي إذا سئل عن الفعل يذكر للسائل أنه ~~يفعله ليبين للسائل أنه مباح ، وكان إذا قيل له قد غفر الله لك ما تقدم من ~~ذنبك وما تأخرن قال : ( ( إني أخشاكم لله وأعلمكم بحدوده ) ) . ومما يدخل ~~في مسمى حديثه ما كان يقرهم عليه ، مثل إقراره على المضاربة التي كانوا ~~يعتادونها ، وإقراره لعائشة على اللعب بالبنات ، وإقراره في الأعياد على ~~مثل غناء الجاريتين ، ومثل لعب الحبشة بالحراب في المسجد ، ونحو ذلك ، ~~وإقراره لهم على أكل الضب على مائدته ، وإن كان قد صح عنه أنه ليس ~~PageV01P063 بحرام ، إلى أمثال ذلك ؛ فهذا كله يدخل في مسمى الحديث ، وهو ~~المقصود بعلم الحديث ، فإنه إنما يطلب ما يستدل به على الدين ، وذلك إنما ~~يكون بقوله أو فعله أو إقراره ، وقد يدخل فيها بعض أخباره قبل النبوة وبعض ~~سيرته قبل النبوة ، مثل تحنثه بغار حراء ومثل حسن سيرته لأن الحال يستفاد ~~منه ما كان عليه قبل النبوة من كرائم الأخلاق ، ومحاسن الأفعال ، كقول ~~خديجة له : ( ( كلا والله ، لا يخزيك الله إنك لتصل الرحم وتحمل الكل ، ~~وتقرى الضيف ، وتكسب المعدوم ، وتعين على نوائب الحق ) ) . ومثل المعرفة : ~~فإنه كان أميا لا يكتب ولا يقرأ ، وإنه كان معروفا بالصدق والأمانة ، ~~وأمثال ذلك مما يستدل به على أحواله التي تنفع في المعرفة بنبوته وصدقة . ~~فهذه الأمور ينتفع بها في دلائل النبوة كثيرا . ولهذا يذكر مثل ذلك في كتب ~~سيرته كما يذكر فيها نسبه وأقاربه ، وغير ذلك من أحواله . وهذا أيضا قد ~~يدخل في مسمى الحديث . والكتب التي فيها أخباره ، منها كتب التفسير ، ومها ~~كتب السيرة والمغازي ، ومنها كتب الحديث . وكتب الحديث : هي ما كان بعد ~~النبوة أخص ، وإن كان فيها أمور جرت قبل النبوة فإن تلك لا تذكر لتوحد وشرع ~~فعله قبل النبوة ، بل قد أجمع المسلمون على أن الذي فرض على العباد الإيمان ~~بهن والعمل هو ما جاء به بعد ms022 النبوة ) ) انتهى . * * * # - بيان الحديث القدسي # قال العلامة الشهاب ابن حجر الهيتمي في شرح الأربعين النووية ، في شرح ~~الحديث الرابع والعشرين المسلسل بالدمشقيين ، وهو حديث أبي ذر الغفاري رضي ~~الله عنه ، عن النبي ، فيما يرويه عن ربه تعالى أنه قال : ( ( يا عبادي إني ~~حرمت الظلم على نفسي ، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا . . . ) ) الحديث ، ~~ما نصه : # ( ( فائدة يعم نفعها ، ويعظم وقعها ، في الفرق بين الوحي المتلو وهو ( ( ~~القرآن ) ) والوحي المروي عنه عن ربه عز وجل ، وهو ما ورد من الأحاديث ~~الإلهية ، وتسمى ( ( القدسية ) ) ؛ وهي أكثر من مئة ، وقد جمعها بعضهم في ~~جزء كبير . وحديث ( ( أبي ذر ) ) هذا من أجلها : PageV01P064 # أعلم : أن الكلام المضاف إليه تعالى أقسام ثلاثة : # أولها - وهو أشرفها ( ( القرآن ) ) لتميزه عن البقية بإعجازه من أوجه ~~كثيرة ، وكونه معجزة باقية على ممر الدهر ، محفوظة من التغيير والتبديل ~~وبحرمة سمه لمحدث ، وتلاوته لنحو الجنب ، وروايته بالمعنى ، وبتعينه في ~~الصلاة وبتسميته قرآنا وبأن كل حرف منه بعشر حسنات ، وبامتناع بيعه في ~~رواية عند أحمد ، وكراهته عندنا . وبتسمية الجملة منه آية وسورة ، وغيره من ~~بقية الكتب والأحاديث القدسية لا يثبت لها شيء من ذكر ، فيجوز مسه وتلاوته ~~لمن ذكر ، وروايته بالمعني ، ولا يجري في الصلاة ، بل يبطلها ، ولا يسمى ~~قرآنا ، ولا يعطي قارئة بكل حرفي عشرا ، ولا يمنع بيعه ، ولا يكره اتفاقا ~~ولا يسمى بعضه آية ولا سورة اتفاقا أيضا . # ثانيها - كتب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، قبل تغييرها وتبديلها . # ثالثها - بقية الأحاديث القدسية ، وهي ما نقل إلينا آحادا عنه ، مع ~~إسناده لها عن ربه ، فهي من كلامه تعالى ، فتضاف إليه ، وهو الأغلب ؛ ~~ونسبتها إليه حينئذ نسبة إنشاء ، لأنه المتكلم بها أولا وقد تضاف إلى النبي ~~، لأنه المخبر بها عن الله تعالى ، يخلاف القرآن ، فإنه لا تضاف إلا إليه ~~تعالى ، فيقال فيه : ( ( قال الله تعالى ) ، وفيها : ( ( قال رسول الله ، ~~فيما يروي عن ربه تعالى ) ) واختلف في بقية السنة ، هل هو كله يوحي أولا ؟ ~~وآية ( ( وما ينطق عن الهوى ) ) تؤيد الأول ؟ ومن ثم قال : ( ( إلا إني ms023 ~~أوتيت الكتاب ومثله معه ) ) . ولا تنحصر تلك الأحاديث القدسية في كيفية من ~~كيفيات الوحي ، بل يجوز أن تنزل بأي كيفية من كيفياته ، كرؤيا النوم ، ~~والإلقاء في الروع ، وعلى لسان الملك . ولراويها صيغتان : إحداهما أن يقول ~~: ( ( قال رسول الله : ، ( ( قال الله تعالى ، فيما رواه عنه رسول الله ، ~~والمعنى واحد ) ) انتهى . PageV01P065 # وفي كليات أبي البقاء في الفرق بين القرآن والحديث القدسي : ( ( أن ~~القرآن ما كان لفظه ومعناه من عند الله يوحي جلي ، وأما الحديث القدسي ، ~~فهو ما كان لفظه من عند الرسول ، ومعناه من عند الله بالإلهام أو المنام . ~~وقال بعضهم : ( ( القرآن لفظ معجز ، ومنزل بواسطة جبريل ؛ والحديث القدسي ~~غير معجز . وبدون الواسطة ، ومثله يسمى بالحديث القدسي والإلهي والرباني ) ~~) . وقال الطيبى : ( ( القرآن هو اللفظ المنزل به جبريل على النبي ، ~~والقدسي إخبار الله معناه بالإلهام أو بالمنام ؛ فأخبر النبي أمته بعبارة ~~نفسه ، # وسائر الأحاديث لم يضفها إلى الله تعالى ، ولم يروها عنه تعالى ) ) . ~~انتهى # وقال العلامة السيد أحمد بن المبارك رحمه اله تعالى في الإبريز : ( ( ~~وسألته - يعني أستاذه نجم العرفان السيد عبد العزيز الدباغ قدس سره - الفرق ~~بين هذه الثلاثة يعني : القرآن ، والحديث القسي ، وغير القدسي ، فقال قدس ~~سره : # ( ( الفرق بين هذه الثلاثة ، وإن كانت كلها خرجت من بين شفتيه وكلها معها ~~أنوار من أنوار : أن النور الذي في القرآن ، قديم من ذات الحق سبحانه ، لأن ~~كلامه تعالى قديم والنور الذي في الحديث القدسي من روحه ، وليس هو مثل نور ~~القرآن ، فإن نور القرآن قديم ، ونور هذا ليس بقديم ، والنور الذي في ~~الحديث الذي ليس بقدسي من ذاته ، فهي أنوار ثلاثة ، اختلفت بالإضافة ، فنور ~~القرآن من ذات الحق سبحانه ، ونور الحديث القدسي من روحه . ) ) ، نور ما ~~ليس بقدسي من ذاته . ) ) . # فقلت : ( ( ما الفرق بين نور الروح ونور الذات ؟ ) ) . # فقال رضي الله عنه : ( ( الذات خلقت من تراب ، ومن التراب خلق سائر ~~العباد ؛ والروح من الملأ الأعلى ، وهم أعرف الخلق بالحق سبحانه ، وكل واحد ~~يحن إلى أصله ؛ فكان نور الروح متعلقا بالحق سبحانه ، ونور الذات ms024 متعلقا ~~بالخلق ؛ فلذات ترى الأحاديث القدسية تتعلق بالحق سبحانه وتعالى بتبيين ~~عظمته ، أو لإظهار رحمته ، أو بالتنبيه على سعة ملكه وكثرة عطائه . فمن ~~الأول حديث : ( ( يا عبادي ! لو أن أو لكم وآخركم ، PageV01P066 وإنسكم ~~وجنكم . . . إلى آخره ) ) وهو حديث أبي ذر في مسلم . ومن الثاني حديث : ( ~~أعددت لعبادي الصالحين . . . ) ) الحديث . ومن الثالث حديث : ( ( يد الله ~~ملأى ، لا يغيضها نفقه ، سحاء الليل والنهار . . . ) ) الخ ؛ وهذه من علوم ~~الروح في الحق سبحانه . وترى الأحاديث التي ليست بقدسية تتكلم على ما يصلح ~~البلاد والعباد ، بذكر الحلال والحرام ، والحث على الامتثال بذكر الوعد ~~والوعيد ) ) . هذا بعض ما فهمت من كلامه رضي الله عنه ، والحق أني لم أوف ~~به ، ولم آت بجميع المعنى الذي أشار إليه ) ) . # فقلتك ( ( الحديث القدسي من كلام الله عز وجل أم لا ؟ ) ) . # فقال : ( ( ليس هو من كلامه ، وإنما هو من كلام النبي ) ) . # فقلت : ( ( فلم أضيف لرب سبحانه ، فقيل فيه : ( ( حديث قدسي ) ) وقيل فيه ~~: ( ( فيما يرويه عن ربه ) ) ، وذا كان من كلامه عليه السلام ، فأي رواية ~~له فيه عن ربه ، وكيف نعمل مع هذه الضمائر ، في قوله : ( ( يا عبادي لو أن ~~أولكم وآخركم . . . ) ) الخ وقوله : ( ( أعددت لعبادي الصالحين . . . ) ) ~~وقوله : ( ( أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر . . . ) ) ؟ فإن هذه الضمائر لا ~~تليق إلا بالله ! فتكون الأحاديث القدسية من كلام الله تعالى وإن لم تكن ~~ألفاظها لإعجاز ، ولا تعبدنا بتلاوتها ) ) . # فقال رضي الله عنه مرة : ( ( إن الأنوار من الحق سبحانه ، تهب على ذات ~~النبي ، حتى تحصل له مشاهدة خاصة - وإن كان دائما في المشاهدة - فإن سمع من ~~الأنوار كلام الحق سبحانه ، أو نزل عليه ملك ، فذلك هو ( ( القرآن ) ) ؛ ~~وإن لم يسمع كلاما ، ولا نزل عليه ملك ، فذلك وقت الحديث القدسي . فيتكلم ~~عليه الصلاة والسلام ، ولا يتكلم حينئذ إلا في شأن الربوبية ، بتعظيمها ~~وذكر حقوقها ؛ ووجه إضافة هذا الكلام إلى الرب سبحانه ، أنه كان مع هذه ~~المشاهدة التي اختلطت فيها الأمور ، حتى رجع الغيب شهادة ، والباطن ظاهرا ، ~~فأضيف إلى الرب ، وقيل فيه : ( ( حديث رباني ) ) ، وقيل فيه : ( ( فيما ms025 ~~يرويه عن PageV01P067 ربه عز وجل ) ) ؛ ووجه الضمائر ، أن كلامه عليه ~~السلام ، خرج على حكاية لسان الحال التي شاهدها من ربه عز وجل . وأما ~~الحديث الذي ليس بقدسي ، فإنه يخرج مع النور الساكن في ذاته عليه السلام ، ~~الذي لا يغيب عنها أبدا ، وذلك أنه عز وجل ، أمد ذاته عليه السلام بأنوار ~~الحق ، كما أمد جرم الشمس بالأنوار المحسوسة ، فالنور لازم للذات الشريفة ~~لزوم نور الشمس لها ) ) . # وقال مرة أخرى : ( ( وإذا فرضنا محموما دامت عليه الحمى على قدر معلوم ، ~~وفرضناها تارة تقوى ، حتى يخرج بها عن حسه ، ويتكلم بما لا يدري ، وفرضناها ~~مرة أخرى تقوى ولا تخرجه عن حسه ، ويبقي على عقله ، ويتكلم بما يدري ؛ فصار ~~لهذه الحمى ثلاثة أحوال : قدرها المعلوم وقوتها المخرجة عن الحس ، وقوتها ~~التي لا تخرج عن الحس ، فكذا الأنوار في ذاته عليه السلام ، فإن كانت على ~~القدر المعلوم ، فما كان من الكلام حينئذ فهر الحديث الذي ليس بقدسي ، وإن ~~سطعت الأنوار ، وشغلت في الذات ، حتى خرج بها عليه السلام عن حالته ~~المعلومة ، فما كان من الكلام حينئذ ، فهو كلام الله سبحانه ، وهذه كانت ~~حالته عليه السلام عند نزول القرآن عليه ؛ وإن سطعت الأنوار ولم تخرجه عن ~~حالته عليه السلام فيما كان من الكلام حينئذ قيل فيه : حديث قدسي ) ) . # وقال مرة : ( ( إذا تكلم النبي ، وكان الكلام بغير اختيارهن فهو ( ( ~~القرآن ) ) ، وإن كان باختياره ، فإن سطعت حينئذ أنوار عارضة ، فهو الحديث ~~القدسي ، وإن كانت الأنوار الدائمة ، فهو الحديث الذي ليس بقدسي ؛ ولأجل أن ~~كلامه ، لا بد أن تكون معه أنوار الحق سبحانه ، كان جميع ما يتكلم به وحيا ~~يوحي ، وباختلاف أحوال الأنوار ، افترق إلى الأقسام الثلاثة ، والله أعلم ) ~~. # قال السيد أحمد بن المبارك : ( ( فقلت هذا كلام في غاية الحسن ، ولكن ما ~~الدليل على أن الحديث القدسي ليس من كلامه عز وجل ؟ ) ) . # فقال رضي الله عنه : ( ( كلامه تعالى لا يخفي ) ) فقلت : ( ( بكشف ؟ ) ) ~~فقال رضي الله عنه ( ( بكشف وبغير كشف ، ولك من له عقل ، وأنصت للقرآن ، ثم ~~أنصت لغيره ، أدرك PageV01P068 الفرق ms026 لا محالة . والصحابة رضي الله عنهم ، ~~أعقل الناس وما تركوا دينهم الذي كانت عليه الآباء ، إلا بما وضح من كلامه ~~تعالى ، ولو لم يكن عند النبي إلا ما يشبه الأحاديث القدسية ، ما آمن من ~~الناس أحد ، ولكن الذي ظلت له الأعناق خاضعة ، هو القرآن العزيز ، الذي هو ~~كلام الرب سبحانه وتعالى ) ) . # فقلت له : ( ( ومن أين لهم أنه كلام الرب تعالى ، وإنما كانوا على عبادة ~~الأوثان ، ولم تسبق لهم معرفة بالله عز وجل ، حتى يعلموا أنه كلامه ، وغاية ~~ما أدركوه أنه كلام خارج عن طوق البشر ، فلفله من عند الملائكة مثلا ) ) ؟ ~~. # فقال رضي الله عنه : ( ( كل من استمع القرآن ، وأجرى معانيه على قلبه ، ~~علم علما ضروريا ، أنه كلام الرب سبحانه ؛ فإن العظمة التي فيه ، والسطوة ~~التي عليه ، ليست إلا عظمه الربوبية ، وسطوة الألوهية ، والعاقل الكيس ، ~~إذا استمع لكلام السلطان الحادث ، ثم استمع لكلام رعيته ، وجد لكلام ~~السلطان نفسا به يعرف ، حتى إنا فرضناه أعمى ، وجاء إلى جماعة يتكلمون ، ~~والسلطان معمور فيهم ، وهم يتناوبون الكلام ، لميز كلام السلطان من غيره ، ~~بحيث لا تدخله في ذلك ريبة ، هذا في الحادث مع الحادث ، فكيف بكلام القديم ~~، وقد عرف الصحابة رضي الله عنهم من القرآن ربهم عز وجل ، وعرفوا صفاته ، ~~وما يستحقه من ربوبيته ، وقام لهم سماع القرآن في إفادة العلم القطعي به عز ~~وجل ، مقام المعانية والمشاهدة ، وحتى صار الحق سبحانه عندهم بمنزلة الجليس ~~، ولا يخفي على أحد جليسه ؟ ) ) . # ثم نقل ابن المبارك كلام أستاذه المنوه به ، في ما يعرف به كلامه تعالى ، ~~فأنظره . وما نقلنا بحثه المذكور إلا لنفاسته ، لأنه منزع بديع ، بنشرح له ~~القلب ، والله العليم . * * * PageV01P069 # ذكر أول من دون الحديث # قال الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري : ( ( أعلم - علمني الله وإياك - ~~أن آثار النبي ، لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مدونة في الجوامع ، ولا ~~مرتبه ، لأمرين : # أحدهما : أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نهوا عن ذلك ، كما ثبت في صحيح ~~مسلم ، خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن العظيم . # وثانيهما ms027 : لسعة حفظهم وسيلان أذهابهم ، ولأن أكثرهم كانوا لا يعرفون ~~الكتابة . ثم حدث في أواخر عصر التابعين تدوين الآثار ، وتبويب الأخبار ، ~~لما انتشر العلماء في الأمصار ، وكثر الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري ~~الأقدار . # فأول من جمع ذلك ( ( الربيع بن صبيح ) ) و ( ( سعيد بن أبي عروبة ) ) ~~وغيرهما . وكانوا يصنفون كل باب على حدة ، إلى أن قام كبار أهل الطبقة ~~الثالثة ، فدونوا الأحكام . فصنف الإمام مالك ( ( الموطأ ) ) وتوخي فيه ~~القوى من حديث أهل الحجاز ، ومزحة بأقوال الصحابة ، وفتاوى التابعين ، ومن ~~بعدهم . وصنف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز ابن جريح بمكة . وأبو عمرو ~~عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي بالشام . وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري ~~بالكوفة . وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة . ثم تلاهم كثير من أهل ~~عصرهم في النسج على منوالهم ، إلى أن رأى بعض الأئمة منهم أن يفرد حديث ~~النبي خاصة ، وذلك على راس المائتين ، فصنف عبيد الله ابن موسى العبسي ~~الكوفي مسندا ، وصنف مسدد بن مسرهد البصري مسندا ، وصنف أسد بن موسى الأموي ~~سندا ، وصنف نعيم بن حماد الخزاعي نزيل مصر مسندا ) ) . # ( ( ثم افتفى الأئمة بعد ذلك آثرهم ، فقل إمام من الحفاظ إلا وصنف حديثه ~~على المسانيد ، كالإمام أحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، وعثمان بن شيبة ~~، وغيرهم من النبلاء ) ) . PageV01P070 # ( ( ومهم من صنف على الأبواب وعلى المسانيد معا كأبي بكر بن أبي شيبة ) ) ~~. # ( ( ولما رأى البخاري هذه التصانيف ورواها ، وجدها جامعة للصحيح والحسن ، ~~والكثير منها يشمله التضعيف ، فحرك همته لجمع الحديث الصحيح ، وقوى همته ~~لذلك ما سمعه من أستاذه الإمام إسحاق بن راهويه حيث قال لمن عنده والبخاري ~~فيهم : ( ( لو جمعتم كتابا مختصرا لصحيح سنة رسول الله ) ) قال البخاري : ( ~~( فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع الجامع الصحيح ) ) انتهى . # قال السيوطي : ( ( وهؤلاء المذكورون ، في أول من جمع ، كلهم من أثناء ~~المئة الثانية ، وأما ابتداء تدوين الحديث فإنه وقع على رأس المئة في خلافة ~~عمر بن عبد العزيز ) ) . وأفاد الحافظ في الفتح أيضا : أن أول من دون ms028 ~~الحديث ابن شهاب بأمر عمر بن عبد العزيز كما رواه أبو نعيم من طريق محمد بن ~~الحسن عن مالك ، قال : ( ( أول من دون العلم ابن شهاب - يعني الزهري - ) ) ~~وأخرج الهروي في ذم الكلام من طريق يحيى بن سعيد ، عن عبد الله ابن دينار ~~قال : ( ( لم يكن الصحابة ولا التابعون يكتبون الأحاديث ، إنما كانوا ~~يؤدونها لفظا ، ويأخذونها حفظا ، إلا كتاب الصدقات ، والشيء اليسير الذي ~~يقف عليه الباحث بعد الاستقصاء ، حتى خيف عليه الدروس ، وأسرع في العلماء ~~الموت ، أمر عمر بن عبد العزيز أبا بكر الحزمى فيما كتب إليه أن : انظر ما ~~كان من سنة أو حديث فاكتبه ) ) . # وقال مالك في الموطأ ، رواية محمد بن الحسن : ( ( أخبرنا يحيى بن سعيد ، ~~أن عمر بن عبد العزيز ، كتب إلى أبي بكر بن عمرو بن حزم أن : ( ( انظر ما ~~كان من حديث رسول الله أو سنة أو حديث أو نحو هذا ، فاكتبه لي ، فإني خفت ~~دروس العلم ، وذهاب العلماء ) ) . علقه البخاري في صحيحه ، وأخرجه أبو نعيم ~~في تاريخ أصبهان بلفظ : كتب عمر بن عبد العزيز إلى الآفاق : ( ( انظروا ~~حديث رسول الله فاجمعوه ) ) . # وروى عبد الرزاق عن ابن وهب ، سمعت مالكا يقول : ( ( كان عمر بن عبد ~~العزيز يكتب إلى الأمصار يعلمهم السنن والفقه ، ويكتب إلى المدينة يسألهم ~~عما مضى ، وأن PageV01P071 يعملوا بما عندهم ، ويكتب إلى أبي بكر بن حزن أن ~~يجمع السنن ، ويكتب بها إليه ) ) فتوفى عمر وقد كتب ابن حزم كتبا قبل أن ~~يبعث بها إليه ) ) . انتهى . * * * # 4 - بيان أكثر الصحابة حديثا وفتوى # في التقريب وشرحه : ( ( أكثرهم - يعني الصحابة - حديثا ، أبو هريرة ، روى ~~خمسة آلاف وثلائمائة وأربعة وسبعين حديث ؛ وروى عنه أكثر من ثمانمائة رجل ، ~~وهو أحفظ الصحابة . أسند الببهقي عن الشافعي أنه قال : ( ( أبو هريرة أحمد ~~أحفظ من روى الحديث في دهره ) ) . وروى ابن سعد أن ابن عمر كان يترحم عليه ~~في جنازته ويقول : ( ( كان يحفظ على المسلمين حديث النبي ) ) . ثم عبد الله ~~بن عمر ، روى ألفى حديث وستمائة وثلاثين حديثا . ثم أنس بن ms029 مالك ، روى ~~ألفين ومائتين وستة وثمانين حديثا . ثم ابن عباس ، روى ألفا وستمائه وستين ~~حديثا . ثم جابر بن عبد الله روى ألفا وخمسائة وأربعين حديثا . ثم أبو سعيد ~~الخدري سعد بن مالك ، روى ألفا ومائة وسبعين حديثا . ثم أبو سعيد الخدري ~~سعد بن مالك ، روى ألفا ومائة وسبعين حديثا . ثم عائشة الصديقة أم المؤمنين ~~، روت ألفين ومائتين وعشرة ؛ وليس في الصحابة من يزيد حديثه على ألف غير ~~هؤلاء ، وإياهم عني من أنشد : # ( سبع من الصحب فوق الألف قد نقلوا % من الحديث عن المختار خير مضر # ( أبو هريرة ، سعد ، جابر ، انس ، % صديقة ، وابن عباس ، كذا ابن عمر # وأما أكثرهم فتوى ، فقال ابن حزم : ( ( أكثرهم فتوى مطلقا عمر ، وعلى ~~وابن مسعود ، وابن عمرن وابن عباس ، وزيد بن ثابت ، وعائشة ) ) . # قال : ( ( وليهم عشرون : أبو بكر ، وعثمان ، وأبو موسى ، ومعاذ ، وسعد بن ~~أبي وقاص ، وأبو هريرة ، وأنس ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وسلمان ، ~~وجابر ، وأسعد سعيد ، PageV01P072 # وطلحة ، والزبير ، وعبد الرحمن بن عوف ، وعمران بن حصين ، وأبو بكر ، ~~وعبادة بن الصامت ، ومعاوية وابن الزبير ، وأم سلمة ) ) . # قال : ( ( ويمكن أن يجمع من فتيا كل واحد منهم جزء صغير ) ) . # قال : ( ( وفي الصحابة نحو مائة وعشرين نفسا ، يقلون في الفتيا جدا ، لا ~~يروي عن الواحد منهم غلا المسألة أو المسألتان أو الثلاث ، كأبي بن كعب ، ~~وأبي الدرداء ، وأبي طلحة ، والمقداد . . . ) ) وسرد الباقين . # وقال الإمام محمد بن سعد في الطبقات : قال محمد بن عمر الأسلمى : ( ( ~~إنما قلت الرواية عن الأكابر من أصحاب رسول الله ، لأنهم ماتوا قبل أن ~~يحتاج إليهم . وإنما كثرت عن عمر بن الخطاب وعلى بن أبي طالب ، لأنهما وليا ~~فسئلا ، وقضيا بين الناس . وكل أصحاب رسول الله كانوا أئمة يقتدي بهم ويحفظ ~~عنهم ما كانوا يفعلون ، ويستفتون فيفتون . وسمعوا أحاديث فأدوها ، فكان ~~الأكابر من أصحاب رسول الله أقل حديثا عنه من غيرهم ، مثل أبي بكر ، وعثمان ~~، وطلحة ، والزبير ، وسعد بن أبي وقاص ، وعبد الرحمن بن عوف ، وأبي عبيدة ~~بن الجراح ، وسعيد بن زيد بن عمرو ms030 بن نفيل ، وأبي بن كعب ، وسعد بن عبادة ، ~~وعبادة بن الصامت ، وأسيد بن حضير ، ومعاذ بن جبل ، ونظرائهم . فلم يأت ~~عنهم من كثرة الحديث مثل ما جاء عن الأحداث من أصحاب رسول الله ، مثل : ~~جابر بن عبد الله ، وأبي سعيد الخدري ، وأبي هريرة ، وعبد الله بن عمر بن ~~الخطاب ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وعبد الله بن عباس ، ورافع بن خديج ~~، وانس بن مالك ، والبراء بن عازب ونظرائهم ؛ لأنهم بقوا وطالت أعمارهم في ~~الناس ، فاحتاج الناس إليهم . ومضى كثير من أصحاب رسول الله . ومنهم من لم ~~يحدث عن رسول الله شيئا ، ولعله أكثر له صحبة ومجالسة وسماعا من الذي حدث ~~عنه . ولكنا حملنا الأمر في ذلك منهم على التوفي في الحديث ، PageV01P073 ~~وعلى أنه لم يحتج إليه لكثرة أصحاب رسول الله ، وعلى الاستغال بالعبادة ~~والأسفار في الجهاد في سبيل الله حتى مضوا ولم يحفظ عنهم عن النبي شيء ) ) ~~. انتهى . * * * # 5 - ذكر صدور التابعين في الحديث وألفتيا # وهم المعروفون بالفقهاء السبعة من أهل المدينة ، سعيد بن المسيب ، ~~والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، وعروة بن الزبير ، وخارجه بن زيد بن ~~ثابت ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن ابن عوف ، وعبيد الله بن عتبة بن مسعود ، ~~وسليمان بن يسار الهلالي . هكذا عدهم أكثر علماء أهل الحجاز ، وجعل ابن ~~المبارك سالم بن عبد الله بن عمر بدل أبي سلمة ، وجعل أبو الزناد بدلهما ~~أبا بكر بن عبد الرحمن ، وعدهم ابن المدينى أثنى عشر ، وزاد إسماعيل أخا ~~خارجة ، وسالما ، وحمزة ، وزيدا ، أو : عبيد الله ، وبلالا بدل عبد الله بن ~~عمر ، وأبان ابن عثمان ، وقبيصة بن ذؤيب . # وعن الإمام أحمد بن حنبل : ( ( أفضل التابعين ابن المسيب ؛ قيل له : ~~فعلقمة والأسود ؟ قال : هو وهما ) ) . # وعنه أيضا : ( ( لا أعلم فيهم مثل أبي عثمان النهدي ، وقيس بن أبي حازم ، ~~ولقمة ، ومسروق ) ) . # وعنه أيضا : ( ( ليس أحد أكثر فتوى في التابعين من الحسن ، وعطاء ، كان ~~عطاء مفتى PageV01P074 # | الباب الثالث في بيان علم الحديث وفيه مسائل # : # 1 - ما هية علم الحديث ms031 رواية ودراية - وموضوعه وغايته # قال عز الدين بن جماعة : ( ( علم الحديث علم بقوانين يعرف بها أحوال ~~السند والمتن ، وموضوعه السند والمتن ، وغايته معرفة الصحيح من غيره ) ) . # وقال ابن الأكفاني : ( ( علم الحديث الخاص بالرواية علم يشتمل على نقل ~~أقوال النبي وأفعاله وروايتها وضبطها وتحرير ألفاظها . وعلم الحديث الخاص ~~بالدراية علم يعرف منه حقيقة الرواية وشروطها وأنواعها وأحكامها ، وحال ~~الرواة وشروطهم ، وأصناف المرويات وما يتعلق بها ) ) . # قال السيوطي : ( ( فحقيقة الرواية نقل السنة ونحوها وإسناد ذلك إلى من ~~عزى إليه بتحديث وإخبار وغير ذلك ؛ وشروطها : تحمل راويها لما يرويه بنوع ~~من أنواع التحمل ، من سماع ، أو عرض ، أو إجازة ونحوها . وأنواعها : ~~الاتصال والانقطاع ونحوهما ، وأحكامها : القبول والرد ، وحال الرواة : ~~العدالة والجرح . وشروطهم في التحمل وفي الأداء سيأتي نبذة منه ، وأصناف ~~المرويات المصنفات من المساند والمعاجم والأجزاء وغيرهم PageV01P075 # 2 - المقصود من علم الحديث # قال الإمام النووي قدس الله سره في شرح خطبة مسلم ما نصه : ( ( إن المراد ~~من علم الحديث ، تحقيق معاني المتون ، وتحقيق علم الإسناد والمعلل ، والعلة ~~عبارة عن معنى في الحديث خفي يقتضي ضعف الحديث ، مع أن ظاهرة السلامة منها ~~، وتكون العلة تارة في المتن ، وتارة في الإسناد ، وليس المراد من هذا ~~العلم مجرد السماع ولا الإسماع ولا الكتابة ، بل الاعتناء بتحقيقه ، والبحث ~~عن خفي معاني المتون والأسانيد والفكر في ذلك ، ودوام الاعتناء به ، ~~ومراجعة أهل المعرفة به ، ومطالعة كتب أهل التحقيق فيه ، وتقييد ما حصل من ~~نفائسه وغيرها ، فيحفظها الطالب بقلبه ، ويفيدها بالكتابة ؛ ثم يديم مطالعة ~~ما كتبه ، ويتحرى التحقيق فيما يكتبه ويتثبت فيه ، فإنه فيما بعد ذلك يصير ~~معتمدا عليه ، ويذاكر بمحفوظاته من ذلك من يشتغل بهذا الفن ، سواء كان مثله ~~في المرتبة ، أو فوقه ، أو تحته ؛ فإن بالمذاكرة يثبت المحفوظ ويتحرر ، ~~ويتأكد ويتقرر ، ويزداد بحسب كثرة المذاكر . ومذاكرة حاذق في الفن ساعة ، ~~أنفع من المطالعة والحفظ ساعات ، بل أياما ؛ وليكن في مذاكرته متحريا ~~الإنصاف ، قاصدا الاستفادة والإفادة ، غير مترفع على صاحبه بقلبه ولا ~~بكلامه ولا بغير ذلك من حاله ms032 ، مخاطبا له بالعبارة الجميلة اللينة ، فبهذا ~~ينمو علمهن وتزكو محفوظاته والله أعلم ) ) . * * * # 3 - حد المسند والمحدث والحافظ # كثيرا ما يوجد في الكتب تلقيب من يعاني الآثار بأحدها ، فيظن من لا وقوف ~~له على مصطلح القوم ترادفها ، وجواز التلقيب بها مطلقا ، وليس كذلك . # بيانه : أن المسند ( ( بكسر النون ) ) هو من يروي الحديث بإسناده ، سواء ~~كان عنده علم به ، أو ليس له إلا مجرد روايته ، وأما المحدث ، فهو أرفع منه ~~بحيث عرف الأسانيد PageV01P076 والعلل ، وأسماء الرجال . وأكثر من حفظ ~~المتون وسماع الكتب الستة والمسانيد والمعاجم والأجزاء الحديثية ؛ وأما ~~الحافظ ، فهو مرادف للمحدث عند السلف . # وقال الشيخ فتح الدين بن سيد الناس : ( ( المحدث في عصرنا ، من اشتغل ~~بالحديث رواية ودراية ، وجمع بين رواته ، وأطلع على كثير من الرواة ~~والروايا في عصره ، وتميز في ذلك حتى عرف فيه حظه ، واشتهر فيه ضبطة ، فإن ~~توسع في 1 لك حتى عرف شيوخه وشيوخ طبقة بعد طبعة بحيث يكون ما يعرفه من كل ~~طبقة أكثر مما يجهله ، فهذا هو الحافظ . وأما ما يحكي عن بعض المتقدمين من ~~قولهم : كنا لا نعد صاحب حديث من لم يكتب عشرين ألف حديث في الإملاء فذلك ~~بحسب أزمنهم ) ) . # وقال الإمام أبو شامة : ( ( علوم الحديث الآن ثلاثة : أشرفها : حفظ متونه ~~، ومعرفة غريبها وفقهها ؛ والثاني : حفظ أسانيدها ، ومعرفة رجالها ، وتمييز ~~صحيحها من سقيمها ؛ والثالث : جمعه وكتابته وسماعه وتطريقه وطلب العلو فيه ~~) ) . # قال الحافظ ابن حجر : ( ( من جمع هذه الثلاث كان فقيها محدثا كاملا ، ومن ~~انفرد باثنين منها كان دونه ) ) . كذا في PageV01P077 # | الباب الرابع # # | في معرفة أنواع الحديث وفيه مقاصد # : # 1 - بيان المجموع من أنواعه # 1 - أعلم : ( ( أن أئمة المصطلح ، سردوا في مؤلفاتهم من أنواعه ما أمكن ~~تقريبه ، وجملة ما ذكره النووي والسيوطي في التدريب ، خمسة وستون نوعا ، ~~وقال : ( ( ليس ذلك بآخر الممكن في ذلكن فإنه قابل للتنويع ، إلى ما لا ~~يحصى ، إذ لا تحصى أحوال رواه الحديث وصفاتهم ، ولا أحوال متون الحديث ~~وصفاتها ) ) . # وقال الحازمي في كتاب العجالة : ( ( علم الحديث يشتمل على أنواع ms033 كثيرة ~~تبلغ مئة ، كل نزع منها علم مستقل ) ) . 1 ه . # ومع ذلك ، فأنواع الحديث لا تخرج عن ثلاثة : حسن صحيح ، وحسن ، وضعيف . ~~لأنه إن اشتمل من أوصاف القبول على أعلاها فالصحيح ، أو على أدناها فالحسن ~~، أو لم يشتمل على شيء منها فالضعيف ، وسترى تفصيل ما ذكر مع مهمات أنواعه ~~على نمط بديع . * * * # 2 - بيان الصحيح # قال أئمة الفن : ( ( الصحيح ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله ، ~~وسلم عن شذوذ وعلة ، ونعني بالمتصل ما لم يكن مقطوعا بأي وجه كان ، فخرج ~~المنقطع والمعضل والمرسل على رأي من لا يقبله ، وبالعدل من لم يكن مستور ~~العدالة ولا مجروحا فخرج ما نقله مجهول عينا أو حالا أو معروف بالضعيف ، ~~وبالضابط من يكون حافظا متيقظا فخرج ما نقله PageV01P079 مغفل كثير الخطأ . ~~وبالشذوذ ما يرويه الثقة مخالفا لرواية الناس . وبالعلة ما فيه أسباب خفية ~~قادحة ، فخرج الشاذ والمعلل . وسيأتي بيان هذه المخرجات كلها إن شاء الله ~~تعالى . * * * # 3 - بيان الصحيح لذاته الصحيح لغيره # أعلم : ( ( أن ما عرفناه أولا هو الصحيح لذاته ، لكونه اشتمل من صفات ~~القبول على أعلاها ؛ وأما الصحيح لغيره ، فهو ما صحح لأمر أجنبي عنه ، إذ ~~لم يشتمل عن صفات القبول على أعلاها ؛ كالحسن : فإنه إذا روى من غير وجه ، ~~أرتقى بما عضده من درجة الحسن إلى منزلة الصحة . وكذا ما أعتضد بتلقى ~~العلماء له بالقبول ، فإنه يحكم له بالصحة ، وإن لم يكن له إسناد صحيح ) . ~~وكذا ما وافق آية من كتاب تعالى أو بعض أصول الشريعة . # قال ابن الحصار : ( ( قد يعلم الفقيه صحة الحديث ، إذا لم يكن في سنده ~~كذاب ، بموافقة آية من كتاب الله ، أو بعض أصول الشريعة ، فيحمله ذلك على ~~قبول والعمل ) ) . # 4 - تفاوت رتب الصحيح # تتفاوت رتب الصحيح بسبب تفاوت الأوصاف المقتضية للتصحيح في القوة ، فإنها ~~لما كانت مفيدة لغلبة الظن الذي علية مدار الصحة اقتضت أن يكون لها درجات ~~بعضها فوق بعض ، بحسب الأمور المقوية ؛ وإذا كان كذلك فما يكون رواته في ~~الدرجة العليا من العدالة والضبط ms034 ، وسائر الصفات التي توجب الترجيح ، كان ~~أصح مما دونه ، فمن المرتبة العليا في ذلك ، ما أطلق علية بعض الأئمة أنه ~~أصح الأسانيد ، كالزهري عن سالم بن عبد الله ابن عمر عن أبيه ، وكمحمد بن ~~سيرين عن عبيدة بن عمر والسلماني عن علي ، وكإبراهيم النخعي عن علقمة عن ~~ابن مسعود ، وكمالك عن نافع عن ابن عمر ، وهذا قول البخاري . # قال الإمام أبو منصور التميمى : ( ( فعلى هذا ، أجل الأسانيد : الشافعي ~~عن مالك عن نافع عن ابن عمر لإجماع ؛ على أن أجل الرواة عن مالك ، الشافعي ~~؛ وعليه فأجلها رواية PageV01P080 الإمام أحمد بن حنبل عن الشافعي عن مالك ~~للاتفاق ؛ على أن أجل من أخذ عن الشافعي أهل الحديث الإمام أحمد ؛ وتسمى ~~هذه الترجمة ( ( سلسلة الذهب ) ) . والمعتمد عدم إطلاق أصح الأسانيد لترجمة ~~معينة منها . نعم ، يستفاد من مجموعة ما أطلق الأئمة عليه ذلك أرجحيته على ~~ما لم يطلقوه ، ويلتحق بهذا التفاضل ما اتفق الشيخان على تخريجه بالنسبة ~~إلى ما انفرد به أحدهما ، وما انفرد به البخاري بالنسبة إلى ما انفرد به ~~مسلم ، لاتفاق العلماء بعدهما على تلقي كتابهما بالقبول . كذا في شرح ~~النخبة والتدريب . * * * # 5 - أثبت البلاد في الحديث الصحيح في عهد السلف # قال الإمام تقي الدين بن تيميه رحمه الله تعالى : ( ( اتفق أهل العلم ~~بالحديث ، على أن أصح الأحاديث ، ما رواه أهل المدينة ، ثم أهل البصرة ، ثم ~~أهل الشام ) ) . # وقال الخطيب : ( ( أصح طرق السنن ، ما يرويه أهل الحرمين ؛ مكة والمدينة ~~، فإن التدليس عنهم قليل ، والكذب ووضع الحديث عندهم عزيز . ولأهل اليمن ~~روايات جيدة ، وطرق صحيحة ، إلا أنها قلية ، ومرجعها إلى أهل الحجاز أيضا . ~~ولأهل البصرة من السنن الثابتة بالأسانيد الواضحة ، ما ليس لغيرهم من ~~إكثارهم ، والكوفيون مثلهم في الكثرة ، غير أن رواياتهم كثيرة الدغل ، ~~قليلة السلامة من العلل . وحديث الشاميين أكثره مراسيل ومقاطيع ، وما اتصل ~~منه مما أسنده الثقات ، فإنه صالح ، والغالب عليه ما يتعلق بالمواعظ ) ) . # وقال هشام بن عروة : ( ( إذا حدثك العراقي بألف حديث ، فالق تسعمائة ~~وتسعين ، وكن من الباقي في شك ) ) . # قال ms035 الحاكم : ( ( أثبت أسانيد الشاميين الأوزاعي عن حسان بن عطية عن ~~الصحابة ) ) . PageV01P081 # وقال الحافظ ابن حجر : ( ( رجح بعض أئمتهم رواية سعيد بن عبد العزيز عن ~~ربيعة ابن يزيد عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر ) ) . كذا في التدريب . # أقول : يتعرف حديث رواة هذه البلاد من مثل مسند أحمد ، فإنه يترجم فيه ~~بمسند البصريين ، ومسند الشاميين وهكذا . . . * * * # 6 - أقسام الصحيح # قال النووي رحمه الله تعالى : ( ( الصحيح أقسام : أعلاها ما اتفق عليه ~~البخاري ومسلم ، ثم ما انفرد به البخاري ، ثم ما انفرد به مسلم ، ثم ما كان ~~على شرطهما وإن لم يخرجاه ، ثم على شرط البخاري ، ثم على شرط مسلم ، ثم ما ~~صححه غيرهما من الأئمة ؛ فهذه سبعة أقسام ) ) . # قال العلامة قاسم قطلوبوغا في حواشيه على شرح النخبة لشيخه ابن حجر : ( ( ~~الذي يقتضيه النظر ، أن ما كان على شرطهما ، وليس له علة ، يقدم على ما ~~أخرجه مسلم وحده ، لأن قوة الحديث إنما هي بالنظر إلى رجاله ، لا بالنظر ~~إلى كونه في كتاب كذا ) ) . انتهى . * * * # 7 - معنى قولهم : أصح شيء في الباب كذا # قال النووي رحمه الله تعالى : ( ( لا يلزم من هذه العبارة صحة الحديث ، ~~فإنهم يقولون : ( ( هذا أصح ما جاء في الباب ) ) وإن كان ضعيفا ، ومرادهم ~~أرجحة أو أقله ضعفا ) ) . * * * # 8 - أول من دون الصحيح # قال النووي في التقريب : ( ( أول مصنف في الصحيح المجرد ، صحيح البخاري ) ~~) PageV01P082 واحترز ( ( بالمجرد ) ) عن الموطأ للإمام مالك ، فإنه وإن ~~كان أول مصنف في الصحيح ، لكن لم يجرد فيه الصحيح ، بل أدخل المرسل ، ~~والمنقطع ، والبلاغات ، وذلك حجة عنده . وأما البخاري فإنه ، وإن أدخل ~~التعاليق ونحوها ، لكنه أوردها استئناسا ، واستشهادا ، فذكرها فيه لا يخرجه ~~عن كونه جرح الصحيح . كذا فرق ابن حجر ، وتعبقه السيوطي بأن ما في الموطأ ~~من المراسيل مع كونها حجة عندنا إذا أعتضد ، وما من مرسل في الموطأ من ~~المراسيل مع كونها حجة عنده بلا شرط ، وعند من وافقه من الأئمة هي حجة ~~عندنا ؛ لأن المرسل حجة عندنا إذا أعتضد ، وما في مرسل في الموطأ إلا وله ms036 ~~عاضد أو عواضد ، وقد صنف ابن عبد البر كتابا في وصل ما في الموطأ من المرسل ~~والمنقطع والمعضل ) ) . انتهى . # وعليه فأول من صنف في الصحيح الإمام رضي الله عنه . * * * # 9 - بيان أن الصحيح لم يستوعب في مصنف # قال العلامة الأمير في شرح ( ( غرامي صحيح ) ) : ( ( لم يستوعب الصحيح في ~~مصنف أصلا ، لقول البخاري : ( ( أحفظ مئة ألف حديث من الصحيح ، ومئتي ألف ~~من غيره ) ) . ولم يوجد في الصحيحين بل ولا في بقية الكتب الستة ، هذا ~~القدر من الصحيح ) ) . # وقال النووي رحمه الله : ( ( إن البخاري ومسلما رضي الله عنهما لم يلتزما ~~استيعاب الصحيح ، بل صح عنهما تصريحهما بأنهما لم يستوعياه ، وإنما قصدا ~~جمع جمل من الصحيح ، كما يقصد المصنف في الفقه جمع جملة من مسائلة ، لا أنه ~~يحضر جميع مسائلة ؛ لكنهما إذا كان الحديث الذي تركاه أو تركه أحدهما ، مع ~~صحة إسناده في الظاهر ، أصلا في بابه ، ولم يخرجا له نظيرا ولا ما يقوم ~~مقامه ، فالظاهر من حالهما أنهما أطلعا فيه على علة إن كانا رأياه ، ويحتمل ~~أنهما نسيانا ، أو إيثارا لترك الإطالة ، أو رأيا أن غيره مما ذكراه يسد ~~مسده ، أو لغير ذلك والله أعلم . # وقال السخاوي في الفتح : ( ( إن الشيخين ، لم يستوعبا كل الصحيح في ~~كتابيهما ، PageV01P083 بل لو قيل إنهما لم يستوعبا مشروطهما لكان موجها ؛ ~~وقد صرح كل منهما بعدم الاستيعاب ، وحينئذ فإلزام الدار قطني لهما في جزء ~~أفرده بالتصنيف بأحاديث من رجال الصحابة رويت عنهم من وجوه صحاح ، تركاها ~~مع كونها على شرطهما ) ) . # وكذا قول ابن حبان : ( ( ينبغي أن يناقش البخاري ومسلم في تركهما إخراج ~~أحاديث هي من شرطهما ) ) ليس بلازم ؛ ولذلك قال الحاكم : ( ( ولم يحكما ، ~~ولا واحد منهما أنه لم يصح من الحديث غير ما خرجه هذا ) ) وذكر السلفي في ~~معجم السفر : ( ( أن بعضهم رأى في المنام أبا داود صاحب السنن في آخرين ~~مجتمعين ، وأن أحدهم قال : ( ( كل حديث لم يروه البخاري فأفلت عنه رأس ~~دابتك ) ) . * * * # 10 - بيان أن الأصول الخسمة لم يفتها من الصحيح إلا اليسير # قال النووي ms037 : ( ( الصواب أنه لم يفت الأصول الخمسة من الصحيح إلا اليسير ~~، أعنى الصحيحين ، وسنن أبي داود ، والترمذي ، والنسائي ، ولا يقال : إن ~~أحاديثها دون المقدار الذي عده البخاري المتقدم بكثير ، لأنا نقول : ( ( ~~أراد البخاري بلوغ الصحيح مئة ألف بالمكرر ، والموقوف ، وآثار الصحابة ، ~~والتابعين وفتاويهم ، مما كان السلف يطلقون على كل منها اسم الحديث وهو ~~متعين ) ) . * * * # 11 - ذكر من صنف في أصح الأحاديث # جمع الحافظ أبو الفضل عبد الرحيم العراقي فيما عد من أصح الأسانيد كتابا ~~في الأحكام رتبه على أبواب الفقه ، سماه ( ( تقريب الأسانيد ، وترتيب ~~المسانيد ) ) وهو كل كتاب لطيف ، جمعه من تراجم ستة عشر ، قيل فيها إنها ~~أصح الأسانيد ، إما مطلقا أو مقيدا ، ومع ذلك فقد فاته جملة من الأحاديث ~~PageV01P084 # 12 - بيان الثمرات المجتناة من شجرة الحديث الصحيح المباركة # الثمرة الأولى : # صحة الحديث توجب القطع به ، كما اختاره ابن الصلاح في الصحيحين ، وجزم ~~بأنه هو القول الصحيح . # قال السخاوي في فتح المغيث : ( ( وسبقه إلى القول بذلك في الخبر المتلقى ~~بالقبول الجمهور من المحدثين والأصوليين ، وعامة السلف ، بل وكذا غير واحد ~~في الصحيحين ) ) . # قال أبو إسحاق الإسفراييني : ( ( أهل الصنعة مجمعون على أن الأخبار التي ~~اشتمل عليها الصحيحان مقطوع بصحة أصولها ومتونها ، ولا يحصل الخلاف فيها ~~بحال ، وإن حصل فذاك اختلاف في طرقها ورواتها ؛ قال : ( ( فمن خالف حكمه ~~خبرا منها وليس له تأويل سائغ للخبر ، نقضنا حكمه ، لأن هذه الأخبار تلقتها ~~الأمة بالقبول ) ) . # ونقل السيوطي في التدريب ، في آخر الكلام على الفائدة الرابعة من مسائل ~~الصحيح عن الحافظ ابن نصر السجزي أنه قال : ( ( أجمع الفقهاء وغيرهم ، أن ~~رجلا لو حلف بالطلاق أن جميع ما في البخاري صحيح ، قال رسول الله لا شك فيه ~~، لم يحنث ) ) . انتهى . # ونقل بد أيضا أن إمام الحرمين قال : ( ( لو حلف إنسان بطلاق امرأته أن ما ~~في الصحيحين مما حكما بصحته من قول النبي ألزمته الطلاق ، لإجماع المسلمين ~~على صحته . انتهى . # واستثنى ابن الصلاح من المقطوع بصحته فيهما ما تكلم فيه من أحاديثهما وقد ~~أجاب عنها الحافظ ابن حجر ms038 في مقدمة الفتح بتمامها ، قال النووي : ( ( ما ~~ضعف من أحاديثهما مبنى على علل ليست بقادحة ) ) . # هذا وقيل : إن صحة الحديث لا توجب القطع به في نفس الأمر ، لجواز الخطأ ~~والنسيان على الثقة ؛ وعزاه النووي في التقريب للأكثرين والمحققين ، وأنهم ~~قالوا : ( ( إنه يفيد الظن ما لم يتواتر ) ) قال في شرح مسلم : ( ( لأن ذلك ~~شأن الآحاد ، ولا فرف في ذلك بين الشيخين PageV01P085 وغيرهما ، وتلقى ~~الأمة بالقبول إنما أفاد وجوب العمل بما فيهما من غير توفق على النظر فيه ، ~~بخلاف غيرهما ، فلا يعمل به حتى ينظر فيه ، ويوجد فيه شروط الصحيحح ولا ~~يلزم من إجماع الأمة على العمل بما فيهما إجماعهم على القطع بأنه كلام ~~النبي ) ) . # وناقش البلقيني النووي فيما أعتمده ، وذكر أن ما قاله ابن الصلاح محكي عن ~~كثير من فضلاء المذاهب الأربعة ، وأنه مذهب أهل الحديث قاطبة ، ومذهب السلف ~~عامة ؛ بل بالغ ابن طاهر المقدسي فألحق به ما كان على شرطهما وإن لم يخرجاه ~~. # وقال الحافظ ابن حجر في شرح النخبة : ( ( الخبر المحتف بالقرائن يفيد ~~العلم ، خلافا لمن أبي ذلك ، قال : وهو أنواع ؛ منها : ما أخرجه الشيخان في ~~صحيحيهما مما لم يبلغ التواتر فإنه احتف به قرائن ، منها : جلالهما في هذا ~~الشأن ، وتقدمهما في تمييز الصحيح على غيرهما ، وتلقي العلماء لكتابيهما ~~بالقبول ؛ وهذا التلقي وحده أقوى إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة ~~عن التواتر ؛ إلا أن هذا مختص بما لم ينقده أحد من الحفاظ ، وبما لي يقع ~~التجاذب بين مدلوليه ، حيث لا ترجيح ، لاستحالة أن يفيد المتناقضان العلم ~~بصدقهما من غير ترجيح لأحدهما على الآخر ؛ وما عدا ذلك فالإجماع حاصل على ~~تسليم صحته ) ) . # ثم قال : ومنها المشهور ، إذا كانت له طرق متباينة سالمة من ضعف الرواة ~~والعلل ؛ ومنها المسلسل بالأئمة الحفاظ ، حيث لا يكون غريبا ، كحديث يرويه ~~أحمد مثلا ، ويشاركه فيه غيره عن الشافعي ، ويشاركه فيه غيره عن مالك فإنه ~~يفيد العلم عند سامعه بالاستدلال من جهة جلالة رواته ) ) . # قال : ( ( وهذه الأنواع التي ذكرناها لا يحصل العلم فيها إلا للعالم ms039 ~~المتبحر في الحديث ، العارف بأحوال الرواة والعلل ، وكون غيره لا يحصل له ~~العلم لقصوره عن الأوصاف المذكورة لا ينفي حصول العلم للمتبحر المذكور ) ) ~~. انتهى قال ابن كثير : ( ( وأنا مع ابن الصلاح فيما عول عليه وأرشد ) ) . ~~قال السيوطي : ( ( قلت وهو الذي أختاره ولا أعتقد سواه ) ) . انتهى . ~~PageV01P086 # أقول : # تلخص في القول بأن صحة الحديث توجب القطع به ، ثلاثة مذاهب : # الأول : إيجابها ذلك مطلقا ولو لم يخرجه الشيخان وهو ما قاله ابن طاهر ~~المقدسي . # الثاني : إيجابها ذلك في روياه ، أو أحدهما ، وهو ما اعتمده ابن الصلاح ~~وغيره . # الثالث : إيجابها ذلك في الصحيحين وفي المشهور وفي المسلسل بالأئمة ، وهو ~~ما اعتمده ابن حجر كما بينا . # الثمرة الثانية : # قال الحافظ ابن حجر في شرح النخبة : ( ( اتفق العلماء على وجوب العمل بكل ~~ما صح ، ولو لم يخرجه الشيخان ) ) . # وقال الإمام شمس الدين بن القيم في ( ( إعلام الموقعين : ( ( ترى كثيرا ~~من الناس إذا جاء الحديث يوافق قول من قلدة ، وقد خالفه راويه ، يقول : ( ( ~~الحجة فيما روى ، لا في قوله ) ) فإذا جاء قول الراوي موافقا لقول من قلده ~~، والحديث يخالفه ، قال : ( ( لم يكن الراوي يخالف ما رواه ، إلا قد رأينا ~~ذلك في الباب الواحد ، وهذا من أقبح التناقض . # ( ( والذي ندين لله به ، ولا يسعنا غيره : أن الحديث إذا صح عن رسول الله ~~، ولم يصح عنه حديث آخر بنسخه ، أن القرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه ، ~~وترك ما خلفه ، ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنا من كان ، لا راوية ولا ~~غيره ، إذ من الممكن أن يضى الراوي الحديث ، ولا يحضره وقت أنفتيا ، أو لا ~~يتفطن لدلالته على تلك المسألة ، أو يتأول فيه تأويلا مرجوحا ، أو يكون في ~~ظنه ما يعارضه ، ولا يكون معارضا في نفس الأمر ، أو يقلد غيره في فتواه ~~بخلافه ، لاعتقاده أنه أعلم منه ، وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه ، ولو ~~قدر انتفاء ذلك كله - ولا سبيل إلى العلم بانتفائه ولا ظنه - لم يكن الراوي ~~معصوما ، ولم توجب مخالفته لما رواه سقوط عدالته حتى تغلب ms040 سيئاته حسناته ، ~~وبخلاف هذا الحديث الواحد لا يحصل له ذلك ) ) . انتهى . PageV01P087 # وفي كتاب ( ( قاموس الشريعة ) ) للسعدي : ( ( إذا رفع الصحابي خبرا عن ~~الرسول بإيجاب فعل ، وجب العمل به على من بلغه من المكلفين ، إلى أن يلقي ~~خبرا غيره ينسخ ذلك الخبر ، وحينئذ فعلى من عمل بالخبر الأول الرجوع إلى ~~الثاني ، وترك العمل بالأول ) ) . # وفيه أيضا : ( ( كل مسألة لم يخل الصواب فيها من أحد القولين ففسد أحدهما ~~لقيام الدليل على فساده ، صح أن الحق في الآخر . قال الله تعالى ( ^ فماذا ~~بعد الحق إلا الضلال ! فأبي تصرفون ؟ ) . # وقال الإمام ابن القيم في إعلام الموقعين : ( ( كان الإمام أحمد إذا وجد ~~النص أفتى بموجبه ، ولم يلتفت إلى ما خالفه ، ولا من خالفه ، كائنا من كان ~~، ولذا لم يلتفت إلى خلاف عمر رضي الله عنه في المبتوتة ، لحديث فاطمة بنت ~~قيس ، ولا إلى خلافه في التيمم للجنب ، لحديث عمرا بن ياسر ، ولا خلافة في ~~استدامة المحرم الطيب الذي يطيب به قبل إحرامه ، لصحة حديث عائشة في ذلك ؛ ~~ولا خلافه في منع المنفرد والقارن من الفسخ إلى التمتع PageV01P088 لصحة ~~أحاديث الفسخ وكذا لم يلتفت إلى قول على وعثمان وطلحة وأبي بن كعب رضي الله ~~عنهم في ترك الغسل من الإكسال ، لصحة حديث عائشة أنها فعلته هي ورسول ، ~~فاغتسلا ، ولم يلتفت إلى قول ابن عباس ، وإحدى الروايتين عن على ، أن عدة ~~المتوفى عنها الحامل أقصى الأجلين ، لصحة حديث سبيعة الأسلمية ؛ ولم يلتفت ~~إلى قول معاذ ومعاوية في توريث المسلم من الكافر ، لصحة الحديث المانع من ~~التوارث بينهما ؛ ولم يلتفت إلى قول ابن عباس في الصرف ، لصحة الحديث ~~بخلافه ولا إلى قوله بإباحة لحوم الحمر كذلك ، وهذا كثير جدا . ولم يكن ~~يقدم على الحديث الصحيح عملا ولا رأيا ولا قياسا ، ولا قول صاحب ، ولا عدم ~~علمه بالمخالف ، الذي يسميه كثير من الناس إجماعا ، ويقدمونه على الحديث ~~الصحيح . وقد نص الشافعي في رسالته الجديدة على أن : ( ( ما لا يعلم فيه ~~الخلاف لا يقال له إجماع ) ) ولفظه : ( ( ما لا يعلم فيه ms041 الخلاف فليس ~~إجماعا ) ) . ثم قال ابن القيم : ( ( ونصوص رسول الله عند الإمام أحمد ، ~~وسائر أئمة الحديث ، أجل من أن يقدم عليها توهم إجماع ، مضمونه عدم العلم ~~المخالف ، ولو ساغ لتعطلت PageV01P089 النصوص ، وساغ لكل من لم يعلم مخالفا ~~في حكم مسالة ، أن يقدم جهله بالمخالف على النصوص ؛ فهذا هو الذي أنكره ~~الإمام أحمد والشافعي من دعوى الإجماع ، لا ما يظنه بعض الناس أنه استبعاد ~~لوجوده ) ) انتهى . # وقال العارف الشعراني قدس الله سره في الميزان : ( ( فإن قلت : ( ( فما ~~أصنع بالأحاديث التي صحت بعد موت إمامي ، ولم يأخذ بها ؟ ) ) فالجواب : ( ( ~~ينبغي لك أن تعمل بها ، فإن إمامك لو ظفر بها ، وصحت عنده ، لربما كان أمرك ~~بها ؛ فإن الأئمة كلهم أسرى في يد الشربعة ، ومن فعل ذلك فقد جاز الخير ~~بكلتا يديه ؛ ومن قال : ( ( لا أعمل بالحديث إلا إن أخذ به إمامي ! ) ) ~~فاته خير كثير ، كما عليه كثير من المقلدين لأئمة المذاهب ، وكان الأولى ~~لهم العمل بكل حديث صح بعد إمامهم ، تنفيذا لوصية الأئمة ؛ فإن اعتقادنا ~~فيهم ، أنهم لو عاشوا وظفروا بتلك الأحاديث التي صحت بعدهم ، لأخذوا بها ، ~~وعملوا بها وتركوا كل قياس كانوا قاسوه ، وكل قول كانوا قالوه . وقد بلغنا ~~من طرق صحيحة أن الإمام الشافعي أرسل بقول للإمام أحمد بن حنبل : ( ( إذا ~~صح عندكم حديث فأعلموا به لنأخذ به ونترك كل قول قلناه قبل ذلك ، أو قاله ~~غيرنا ، فإنكم أحفظ للحديث . ونحن أعلم به ) ) . # وقال الشعراني قدس سره أيضا في الرد على من يزعم أن الإمام أبا حنيفة رضي ~~الله عنه ، يقدم القياس على الحديث ما نصه : ( ( ويحتمل أن الذي أضاف إلى ~~الإمام أبي حنيفة أنه يقدم القياس على النص ، ظفر بذلك في كلام مقلديه ~~الذين يلزمون العمل بما وجدوه عن إمامهم من القياس ، ويتركون الحديث الذي ~~صح بعد موت الإمام ، فالإمام معذور ، وأتباعه غير معذورين ؛ وقولهم : ( ( ~~إن إمامنا لم يأخذ بهذا الحديث ) ) لا ينهض حجة ، لاحتمال أنه لم يظفر به ~~أو ظفر به لكن لم يصح عنده ؛ وقد تقدم قول الأئمة ms042 كلهم : ( ( إذا صح الحديث ~~فهو مذهبنا ) ) وليس لأحد معه قياس ولا حجة ، إلا طاعة الله وطاعة رسوله ~~بالتسليم له ) ) انتهى . PageV01P090 # وقال العمدة الشهير السيد محمد عابدين الدمشقي في شرح المنظومة المسماة ~~بعقود رسم المفتى : ( ( إن الإمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى ، من شدة ~~احتياطه وورعه وعلمه بأن الاختلاف من آثار الرحمة قال لأصحابه : إن توجه ~~لكم دليل فقولوا به ) ) . # وقال بعد أسطر : ( ( فقد صح عن أبي حنيفة أنه قال : ( ( إذا صح الحديث ~~فهو مذهبي ) ) . وقد حكى ذلك الإمام ابن عبد البر عن أبي حنيفة وغيره من ~~الأئمة ونقله أيضا الإمام الشعراني عن الأئمة الأربعة ؛ ونقل فيها عن البحر ~~قال : إنهم نقلوا عن أصحابنا أنه لا يحل لأحد أن يفتي بقولنا حتى يعلم من ~~أين قلنا ، حتى نقل في السراجية أن هذا سبب مخالفة عصام للإمام ، وكان يفتي ~~بخلاف قوله كثيرا ، لأنه لم يعلم الدليل ، وكان يظهر له دليل غيره فيفتي به ~~) ) . # وفيها أيضا عن العلامة قاسم أنه قال في رسالته المسماة رفع الاشتباه ، عن ~~مسألة المياه : ( ( لما منع علماؤنا رضي الله تعالى عنهم من كان له أهلية ~~النظر من محض تقليدهم على ما رواه الشيخ الإمام العلامة أبو إسحاق إبراهيم ~~بن يوسف ، قال : حدثنا أبو يوسف عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه قال : ~~ليس لأحد أن يفتي بقولنا ما لم يعرف من أين قلنا ؛ تتبعت مآخذهم ، وحصلت ~~منها بحمد الله تعالى على الكثير ، ولم أقنع بتقليد ما في صحف كثير من ~~المصنفين . . . الخ . # وقال في رسالة أخرى : ( ( وإني ، ولله الحمد ، لأقول كما قال الطحاوي ~~لابن حربويه : لا يقلد إلا عصبي أو غبي ) ) انتهى . # الثمرة الثالثة : # في حصول المأمول من علم الأصول ) ) ما نصه : ( ( أعلم أنه لا يضر الخبر ~~الصحيح عمل أكثر الأمة بخلافه ، لأن قول الأكثر ليس بحجة ؛ وكذا عمل أهل ~~المدينة بخلافه ، خلافا لمالك وأتباعه ، لأنهم بعض الأمة ، ولجواز أنهم لم ~~يبلغهم الخبر . ولا يضره عمل PageV01P091 الراوي له بخلافه ، خلافا لجمهور ~~الحنفية وبعض المالكية ، لأنا متعبدون بما بلغ ms043 إلينا من الخبر ، ولم نتعبد ~~بما فهمه الراوي ، ولم يأت من قدم عمل الراوي على روايته بحجة تصالح ~~للإستدال بها ، ولا يضره كونه مما تعم به البلوي ، خلافا للحنفية وأبي عبد ~~الله البصري ، لعمل الصحابة والتابعين بأخبار الآحاد في ذلك . ولا يضره ~~كونه في الحدود والكفارات ، خلافا للكرخي من الخنفية ، ولا وجه لهذا الخلاف ~~فهو خبر عدل في حكم شرعي ، ولم يثبت في الحدود والكفارات دليل بخصها من ~~عموم الأحكام الشرعية ولا يضره أيضا كونه زيادة على النص القرآني ، أو ~~السنة القطعية ، خلافا للحنفية ، فقالوا إذا ورد بالزيادة كان نسخا لا يقبل ~~. والحق القبول ، لأنها زيادة غير منافية للمزيد ، فكانت مقبولة ، ودعوى ~~أنها ناسخة ممنوعة . وهكذا إذا ورد الخبر مخصصا للعام من كتاب أو سنة ، ~~فإنه مقبول ، ويبنى العام على الخاص ، خلافا لبعض الخنفية ؛ وهكذا إذا ورد ~~مقيدا لمطلق الكتاب أو السنة المتواترة . ولا يضره أيضا كون رواية انفرد ~~بزيادة فيه ، على ما رواه غيره ، إذا كان عدلا ؛ فقد يحفظ الفرد ما لا ~~تحفظه الجماعة ، وبه قال الجمهور ؛ وهذا في صورة عدم المنافاة ، وإلا فروية ~~الجماعة أرجح ؛ ومثل انفراد العدل بالزيادة انفراده برفع الحديث إلى رسول ~~الله الذي وقفه الجماعة ؛ وكذا انفراده بإسناد الحديث الذي أرسلوه ، وكذا ~~انفراده بوصل الحديث الذي قطعوه ، فإن ذلك مقبول منه ، لأنه زيادة على ما ~~ردوه ، وتصحيح لما أعلوه . ولا يضره أيضا كونه خارجا مخرج ضرب الأمثال ) ) ~~. # الثمرة الرابعة : # قال الإمام شمس الدين ابن القيم الدمشقي في كتاب الروح : وقد حصل بإهمال ~~ذلك والعدول عنه من الضلال عن الصواب ، ما لا يعلمه إلا الله ؛ بل سوء ~~الفهم عن الله رسوله أصل كل بدعة وضلالة نشأت في الإسلام ، بل هو أصل كل ~~خطأ في الأصول والفروع ، ولا سيما إن أضيف إليه PageV01P092 سوء القصد ، ~~فيتفق سوء الفهم في بعض الأشياء من المتبوع ، مع حسن قصده ، وسوء القصد من ~~التابع ، فيا محنة الدين وأهله ! والله المستعان . وهل أوقع القدر به ~~والمرجئة والخوارج والمعتزلة والجهمية والروافض وسائر طوائف أهل ms044 البدع إلا ~~سوء الفهم عن الله ورسوله ، حتى صار الدين بأيدي أكثر الناس ، هو موجب هذه ~~الأفهام ! والذي فهمه الصحابة رضي الله تعالى عنهم ومن تبعهم عن الله ~~ورسوله فمهجور لا يلتفت إليه ، ولا يرفع هؤلاء به رأسا ؛ ولكثرة أمثلة هذه ~~القاعدة تركناها ، فإنا لو ذكرناها لزادت على عشرات ألوف ، حتى إنك لتمر ~~على الكتاب من أوله إلى آخره ، فلا تجد صاحبه فهم عن الله ورسوله مراده كما ~~ينبغي في موضع واحد ، وهذا إنما يعرفه من عرف ما عند الناس وعرضه على ما ~~جاء به الرسول . وأما من عكس الأمر فعرض ما جاء به الرسول على ما اعتقده ~~وانتحله ، وقلد فيه من أحسن به الظن ، فليس يجدي الكلام معه شيئا ، فدعه ~~وما اختاره لنفسه ووله ما تولى ، وأحمد الذي عافاك مما ابتلاه به ) ) انتهى ~~. # وقال الإمام علم الدين الشيخ صالح الفلاني المالكي الأثري في كتابه ( ( ~~إيقاظ الهم ) ) : ( ( ترى بعض الناس إذا وجد حديثا يوافق مذهبة ، فرح به ~~وانقاد له وسلم ؛ وإن وجد حديثا صحيحا سالما من النسخ والمعارض ، مؤيدا ~~لمذهب غير إمامه ، فتح له باب الاحتمالات البعيدة ، وضرب عنه الصفح والعارض ~~، ويلتمس لمذهب إمامه أوجها من الترجيح ، مع مخالفته للصحابة والتابعين ~~والنص الصريح ؛ وإن شرح كتابا من كتب الحديث حرف كل حديث خلف رأيه الحديث ؛ ~~وإن عجز من ذلك كله أدعى النسخ بلا دليل ، أو الخصوصية ، أو عدم العمل به ، ~~أو غير ذلك مما يحضر ذهنه العليل ؛ وإن عجز عن ذلك كله أدعى أن إمامه اطلع ~~على كل مروي أو جله ، فما ترك هذ 1 الحديث الشريف ، إلا وقد اطلع على طعن ~~فيه برأيه المنيف ، فيتخذ علماء مذهبه أربابا ، ويفتح لمناقبهم وكراماتهم ~~أبوابا ، ويعتقد أن كل من خالف ذلك لم يوافق صوابا ؛ وإن نصحه أحد من علماء ~~السنة اتخذه عدوا ، ولو كانوا قبل ذلك أحبابا ؛ وإن وجد كتابا من كتب مذهب ~~PageV01P093 إمامه المشهورة قد تضمن نصحه وذم الرأي والتقليد ، وحرض على ~~اتباع الأحاديث المشهورة نبذه وراء ظهره ، وأعرض عن نهيه ms045 وأمره ، واعتقده ~~حجرا محجورا ) ) انتهى . # أقول : إن الشيخ الفلاني هو من كبار من أخذ عنه مسند الشام الشيخ عبد ~~الرحمن الكزبري ومن طريقة ارتفع علو إسناده في البخاري هو ومن شاركه في ~~الأخذ عنه رحمه الله تعالى . # الثمرة الخامسة : لزوم قبول الصحيح وإن لم يعمل به أحد - قال الإمام ~~الشافعي رضي الله عنه في رسالته الشهيرة : ( ( ليس لأحد دون رسول الله أن ~~يقول إلا لاستدلال ، ولا يقول بما استحسن ، فإن القول بما استحسن شيء يحدثه ~~لا على مثال سبق ) ) . # وقال أيضا : ( ( إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قضى في الإبهام بخمس عشرة ~~، فلما وجد كتاب آل عمرو بن حزم وفيه أن رسول الله قال : ( ( وفي كل إصبع ~~مما هنالك عشر من الإبل ) ) صاروا إليه . قال : ولم يقبلوا كتاب آل عمرو بن ~~حزم - والله أعلم - حتى ثبت لهم أنه كتاب رسول الله . وفي هذا الحديث ~~دلالتان : إحداهما قبول الخبر ، والأخرى : أن يقبل الخبر في الوقت الذي ~~يثبت فيه ، وإن لم يمض عمل من أحد من الأئمة يمثل الخبر الذي قبلوا ؛ ~~ودلالة على أنه لو مضى أيضا عمل من أحد من الأئمة ثم وجد عن النبي خبر ~~يخالف عمله لترك عمله لخبر رسول الله ، ودلالة على أن حديث رسول الله يثبت ~~بنفسه لا بعمل غيره بعده ) ) . # قال الشافعي : ( ( ولم يقل المسلمون قد عمل فنيا عمر بخلاف هذا من ~~المهاجرين والأنصار ، ولم تذكروا أنتم أن عندكم خلافه ، ولا غير كم ، بل ~~صاروا إلى ما وجب عليهم من قبول الخبر عن رسول الله ، وترك كل عمل خلفه ؛ ~~ولو بلغ عمر هذا صار إليه إن شاء الله ، PageV01P094 كما صار إلى ما بلغه ~~عن رسول الله ، بتقواه لله ، وتأديته الواجب عليه ، في اتباع أمر رسول الله ~~، وعلمه بأن ليس لأحد مع رسول الله ، أمر ، وأن طاعة الله في اتباع أمر ~~رسول الله ) ) . # وقال علم الدين الفلاني المتقدم ذكره في كتابه ( ( إيقاظ الهمم ) ) : ( ( ~~قال شيخ مشايخنا محمد حياة السندي ، قال ابن الشحنة في ( ( نهاية النهاية ) ~~) : ( ( وإن ms046 كان - أي ترك الإمام الحديث - لضعفه في طريقة ، فينظر إن كان ~~له طريق غير الطريق الذي ضعفه به ، فينبغي أن تعتبر ، فإن صح عمل بالحديث ، ~~ويكون ذلك مذهبه ، ولا يخرج مقلدة عن كونه حنفيا بالعمل به ؛ فقد صح أنه ~~قال : ( ( إذا صح الحديث فهو مذهبي ) ) كذا قال بعض من صنف في هذا المقصود ~~) ) . # وقال في البحر : ( ( وإن لم يستفت ولكن بلغه الخبر ، وهو قوله ، عليه ~~وعلى آله الصلاة والسلام : ( ( أفطر الحاجم والمحجوم ) ) وقوله ( ( الغيبة ~~تفطر الصائم ) ) ولم يعرف النسخ ولا تأويله ، فلا كفارة عليه عندهما ، لأن ~~ظاهرة الحديث واجب العمل ، خلافا لأبي يوسف لأنه قال : ( ( ليس للعامي ~~العمل بالحديث لعدم علمه بالناسخ والمنسوخ ) ) . # ونقل ابن العز في حاشية الهداية ذلك أيضا عن أبي يوسف ، وعلل بأن على ~~العامي الاقتداء بالفقهاء ، لعدم الاهتداء في حقه إلى معرفة الأحاديث ؛ قال ~~: ( ( في تعليله نظر ، فإن المسألة إذا كانت مسألة النزاع بين العلماء ، ~~وقد بلغ العامي الحديث الذي احتج به أحد الفريقين ، كيف يقال في هذا إنه ~~غير معذور ؟ فإن قيل : ( ( هو منسوخ ) ) ، فقد تقدم أن المنسوخ ما يعارضه ؛ ~~ومن سمع الحديث فعمل به وهو منسوخ ، فهو معذور إلى أن PageV01P095 يبلغه ~~الناسخ ؛ ولا يقال لمن سمع الحديث الصحيح : لا تعمل به حتى تعرضه على رأي ~~فلان أو فلان ، وإنما يقال له : انظر هل هو منسوخ أم لا ؟ أما إذا كان ~~الحديث قد اختلف في نسخة كما في هذه المسألة ، فالعامل به في غاية العذر ؛ ~~فإن تطرق الاحتمال إلى خطأ المفتي أولى من تطرق الاحتمال إلى نسخ ما سمعه ~~من الحديث ) ) إلى أن قال : ( ( فإذا كان العامي يسوغ له الأخذ بقول المفتي ~~، بل يجب عليه مع احتمال المفتي ، كيف لا يسوغ الأخذ بالحديث ؟ فلو كانت ~~سنة رسول الله لا يجوز العمل بها بعد صحتها حتى يعمل بها فلان ، لكان قولهم ~~شرطا في العمل بها ، وهذا من أبطل الباطل ؛ ولذا أقام الله الحجة برسوله ، ~~دون آحاد الأمة ؛ ولا يفرض احتمال خطأ لمن عمل بالحديث وأفتى به ms047 بعد فهمه ~~إلا وأضعاف أضعافه حاصل لمن أفتى بتقليد من لا يعلم خطأه من صوابه ، ويجوز ~~عليه التناقض والاختلاف ، ويقول القول ويرجع عنه ، ويحكي عنه عدة أقوال ، ~~وهذا كله فيمن له نوع أهلية ، وأما إذا لم يكن له أهلية ففرضه ما قال الله ~~تعالى ( ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) ) وإذا جاز اعتماد ~~المستفتي على ما يكتب له من كلامه أو كلام شيخه وإن علا ، فلان يجوز اعتماد ~~الرجل على ما كتبه الثقات من كلام رسول الله أولي بالجواز ؛ وإذا قدر أنه ~~لم يفهم الحديث فكما إذا لم يفهم فتوى المفتى فيسأل من يعرف معناها فكذلك ~~الحديث ) ) . انتهى بحروفه . # الثمرة السادسة : # قال علم الدين الفلاني في ( ( إيقاظ الهمم ) ) نقلا عن الإمام السندي ~~الحنفي قدس سره ما نصه : ( ( تقرر أن الصحابة ما كانوا كلهم مجتهدين على ~~اصطلاح العلماء ، فإن فيهم القروى والبدوي ، ومن سمع منه حديثا واحدا ، أو ~~صحبه مرة . ولا شك أن من سمع حديثا عن رسول الله أو عن واحد من الصحابة رضي ~~الله عنهم كان يعمل به حسب فهمه ، مجتهدا كان أولا ، ولم يعرف أن غير ~~المجتهد منهم كلف بالرجوع إلى المجتهد PageV01P096 فيما سمعه من الحديث ، ~~لا في زمانه ، ولا بعده في زمان الصحابة رضي الله عنهم ، وهذا تقرير منه ~~بجوار العمل بالحديث لغير المجتهد ، وإجماع من الصحابة عليه ، ولولا ذلك ~~لأمر الخلفاء غير المجتهد منهم ؛ سيما أهل البوادي ، أن لا يعملوا بما ~~بلغهم عن النبي مشافهة أو بواسطة حتى يعرضوا على المجتهدين منهم ، ولم يرد ~~من هذا عين ولا أثر ؛ وهذا هو ظاهر قوله تعالى : ( ^ وما آتاكم الرسول ~~فخذوه ، وما نهاكم عنه فانتهوا ) ونحوه من الآيات ، حيث لم يفيد بأن ذلك ~~على فهم الفقهاء ، ومن هنا عرفت ، وقد بني الفقهاء على اعتبار الأصل في شيء ~~أحكاما كثيرة في الماء ونحوه لا تحصى على المتتبع لكتبهم ؛ ومعلوم أن من ~~أهل البوادي والقرى البعيدة من كان يجىء إليه مرة أو مرتين ويسمع شيئا ثم ~~يرجع إلى بلاده ويعمل ms048 به ، والوقت كان وقت نسخ وتبديل ، ولم يعرف أنه أمر ~~أحدا من هؤلاء بالمراجعة ليعرف الناسخ من المنسوخ بل إنه قرر من قال : ( ( ~~لا أزيد على هذا ولا أنقص ) ) - على ما قال - ولم ينكر عليه بأنه يحتمل ~~النسخ ، بلا دخل الجنة إن صدق ؛ وكذلك ما أمر الصحابة أهل البوادي وغيرهم ~~بالعرض على مجتهد ليميز له الناسخ من المنسوخ ؛ فظهر أن المعتبر في النسخ ~~ونحوه بلوغ الناسخ لا وجوده ، ويدل على أن المعتبر البلوغ لا الوجود ، أن ~~المكلف مأمور بالعمل على وفق المنسوخ ما لم يظهر عنده الناسخ ، فإذا ظهر لا ~~يعبد ما عمل على وفق المنسوخ ، بل صحح ذلك حديث نسخ القبلة PageV01P097 إلى ~~الكعبة المشرفة ، فإن خبره وصل إلى أطراف المدينة المنورة كأهل قباء وغيرهم ~~بعد ما صلوا على وفق القبلة المنسوخة ، فمنهم من وصله الخبر في أثناء ~~الصلاة ، ومنهم من وصله بعد أن صلى الصلاة ، والنبي قررهم على ذلك ، ولم ~~يأمر أحدا منهم بالإعادة ، فلا عبرة لما قيل : ( ( لا يجوز العمل قبل البحث ~~عن المعارض والمخصص وإن أدعى عليه الإجماع ) ) فإنه لو سلم فإجماع الصحابة ~~وتقرير النبي مقدم على إجماع من بعدهم ؛ على أن ما أدعى من الإجماع قد علم ~~خلافه ، كما ذكر في بحر الزركشي في الأصول ) ) . انتهى ملخصا . # الثمرة السابعة : # قال ابن السمعاني : ( ( متى ثبت الخبر ، صار أصلا من الأصول ولا يحتاج ~~إلى عرضه على أصل آخر ، لأنه عن وافقه فذاك ، وإن خالفه لم يجز رد أحدهما ~~لأنه رد للخبر بالقياس ، وهو مردود بالاتفاق ، فإن السنة مقدمة على القياس ~~) ) . انتهى . # ومنه يعلم أن من رد حديث أبي هريرة في المصراة ، المتفق عليه ، لأنه لم ~~يكن كابن مسعود وغيره من فقهاء الصحابة ، فلا يؤخذ بما رواه مخالفا للقياس ~~، فقد آذى قائله به نفسه ، وفي حكايته غنى عن تكلف الرد عليه . ولا قول ~~لأحد مع قول رسول الله ، كائنا من كان ، وأيا كان ، وممن كان ، و ( ( إذا ~~جاء نهر الله ، بطل نهر معقل ) ) ، وأين القياس ، وإن كان جليا ، من ms049 السنة ~~المطهرة ؟ إنما يصار إليه عند فقد الأصل من الكتاب والخبر ، لا مع وجود ~~واحد منهما . # وقال ابن السمعاني في الاصطلاح : ( ( التعرض إلى جانب الصحابة علامة على ~~خذلان فاعله ، بل هو بدعة وضلالة ، وقد اختص أبو هريرة بمزيد الحفظ لدعاء ~~رسول الله له ؛ PageV01P098 يعني قوله : ( ( إن إخواني من المهاجرين كان ~~يشغلهم الصفق بالأسواق ، وكنت ألزم رسول الله ، فأشهد إذا غابوا ، وأحفظ ~~إذا نسوا . . . الحديث ) ) وهو في كتاب العلم ، وأول البيوع أيضا عند ~~البخاري . # الثمرة الثامنة : # لا يضر صحة الحديث تفرد صحابي به - قال الإمام ابن القيم في ( ( إغاثة ~~اللهفان ) ) في مناقشة من طعن في حديث ابن عباس في المطلقة ثلاثا بأنها ~~كانت واحدة على عهد رسول الله وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر ما نصه : ( ( ~~وقدرده آخرون بمسلك أضعف من هذا كله ، فقالوا : هذا حديث لم يروه عن رسول ~~الله إلا ابن عباس وحده ، ولا عن ابن عباس إلا طاوس وحده ؛ قالوا : فأين ~~أكابر الصحابة وحفاظهم عن رواية مثل هذا الأمر العظيم ، الذي الحاجة إليه ~~شديدة جدا ؟ فكيف خفي هذا على جميع الصحابة ، وعرفه ابن عباس وحده ؟ وخفي ~~على أصحاب ابن عباس كلهم وعلمه طاوي وحده ؟ وهذا أفسد من جميع ما تقدم . ~~ولا ترد أحاديث الصحابة وأحاديث الأئمة الثقات بمثل هذا ؛ فكم من حديث تفرد ~~به واحد من الصحابة ، لم يروه غيره ، وقبله الأمة كلهم ، فلم يرده أحد منهم ~~؛ وكم من حديث تفرد به من هو دون طاوس بكثير ولم يرده أحد من الأئمة ، ولا ~~نعلم أحدا من أهل العلم قديما ولا حديثا قال : ( ( إن الحديث إذا لم يروه ~~إلا صحابي واحد لم يقبل ) ) وإنما يحكي عن أهل البدع ومن تبعهم في ذلك ~~أقوال لا يعرف لها قائل من الفقهاء ؛ وقد تفرد الزهري بنحو ستين سنة لن ~~يروها غيره ، وعملت بها الأمة ولم يردوها بتفرده ؛ هذا مع أن عكرمة روى عن ~~ابن عباس رضي الله عنه حديث ركانه وهو موافق لحديث طاوس عنه ، فإن قدح في ~~عكرمة أبطل وتناقض ، فإن ms050 الناس احتجوا بعكرمة ، وصحح أئمة الحفاظ حديثه ولم ~~يلتفتوا إلى قدح من قدح فيه . PageV01P099 فإن قيل : ( ( فهذا هو الحديث ~~الشاذ ، وأقل أحواله أن يتوقف فيه ، ولا يجزم بصحته عن رسول الله عليه ~~السلام ) ) قيل : ( ( أبس هذا هو الشاذ ، وإنما الشذوذ أن يخالف الثقات ~~فيما رووه ، فيشذ عنهم بروايته ، فأما إذا روى الثقة حديثا منفردا به لم ~~يرو الثقات خلافه ، فإن ذلك لا يسمى شاذا . وإن اصطلح على تسميته شاذا بهذا ~~المعنى لم يكن هذا الاصطلاح موجبا لرده ولا مسوغا له . قال الشافعي رحمه ~~الله : ( ( وليس الشاذ أن ينفرد الثقة برواية الحديث ، بل الشاذ أن يروي ~~خلاف ما رواه الثقات ) ) قاله في مناظرته بعض من رد الحديث بتفرد الراوي ~~فيه . ثم إن هذا القول ، لا يمكن أحدا من أهل العلم ، ولا من الأئمة ، ولا ~~من أتباعهم طرده ؛ ولو طردوه لبطل كثير من أقوالهم وفتاويهم . والعجب أنن ~~الرادين لهذا الحديث بمثل هذا الكلام قد بنوا كثيرا من مذاهبهم على أحاديث ~~ضعيفة ، انفرد بها رواتها ، لا تعرف عن سواهم ، وذلك أشهر وأكثر من أن يعد ~~) ) . # الثمرة التاسعة : # ما كل حديث صحيح تحدث به العامة - والدليل على ذلك ما رواه الشيخان عن ~~معاذ رضي الله عنه قال : كنت ردف النبي على حمار فقال : ( ( يا معاذ ! هل ~~تدري ما حق الله على عباده ، وما حق العباد على الله ؟ ) ) قلت : ( ( الله ~~ورسوله أعلم ) ) قال : ( ( فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به ~~شيئا ، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا بشرك به شيئا ) ) قلت : ( ( ~~يا رسول الله ، أفلا أبشر به الناس ؟ ) ) قال : ( ( لا تبشرهم فيتكلوا ! ) ~~) وفي رواية لهما عن أنس أن النبي قال لمعاذ وهو ردفه : ( ( ما من أحد يشهد ~~أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على ~~النار ) ) قال : ( ( يا رسول الله أفلا أخبر به الناس فيستبشروا ؟ ) ) قال ~~: ( ( إذا يتكلوا ) ) ؛ فأخبر بها معاذ عند موته تأثما . وروى البخاري ~~تعليقا عن على رضي الله ms051 عنه : ( ( حدثوا الناس بما يعرفون ؛ أتحبون أن يكذب ~~الله ورسوله ؟ ) ) ومثله PageV01P100 قول ابن مسعود : ( ( ما أنت محدث قوما ~~حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة ) ) رواه مسلم . # قال الحافظ ابن حجر : ( ( وممن كره التحديث ببغض دون بعض ، أحمد ، في ~~الأحاديث التي ظاهرها الخروج على الأمير ؛ ومالك في أحاديث الصفات ؛ وأبو ~~يوسف في الغرائب ؛ ومن قبلهم أبو هريرة كما روى عنه في الجرابين وأن المراد ~~ما يقع من الفتن ؛ ونحوه عن حذيفة ؛ وعن الحسن أنه أنكر تحديث أنس للحجاج ~~بقصة العرنيين ، لأنه أتخذها وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك ~~الدماء بتأويله الواهي ؛ وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث بقوى البدعة ، ~~وظاهرة في الأصل غير مراد ، فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره ~~مطلوب ) ) انتهى . # ولما كان النهى للمصلحة لا للتحريم ، أخبر به معاذ لعموم الآية بالتبليغ ~~. # قال بعضهم : ( ( النهى في قوله ، ( ( لا تبشرهم ) ) مخصوص ببعض الناس ، ~~وبه احتج البخاري على أن للعالم أن يخص بالعلم قوما دون قوم ، كراهة أن لا ~~يفهموا ، وقد يتخذ أمثال هذه الأحاديث البطلة والمباحية ذريعة إلى ترك ~~التكاليف ورفع الأحكام ، وذلك يفضي إلى خراب الدنيا بعد خراب العقبى . وأين ~~هؤلاء ممن إذا بشروا PageV01P101 زادوا جدا في العبادة ؟ وقد قيل للنبي : ( ~~( أتقوم الليل وقد غفر الله لك ؟ ) ) فقال : ( ( وأفلا أكون عبدا شكورا ) ) ~~. * * * # 13 - بيان الحديث الحسن ذكر ما هيته # قال العلامة الطيب : ( ( الحسن مسند من قرب من درجة الثقة ، أو مرسل ثقة ~~، وروى كلاهما من غير وجه ، وسلم من شذوذ وعلة ) ) وهذا الحد أجمع الحدود ~~التي نقلت في الحسن وأضبطها ، وإنما سمى حسنا لحسن الظن براوية . * * * # 14 - بيان الحسن لذاته ولغيره # أعلم : أن ما عرفناه أولا هو الحسن لذاته ؛ قال ابن الصلاح : ( ( الحسن ~~لذاته أن تشهر رواته بالصدق ، ولم يصلوا في الحفظ رتبة رجال الصحيح ؛ ~~والحسن لغيره أن يكون في الإستاذ مشتور لم تتحقق أهليته ، غير مغفل ، ولا ~~كثير الخطأ في روايته ، ولا متهم بتعمد الكذب فيهان ولا ينسب إلى مفسق آخر ms052 ~~، واعتضد بمتابع أو شاهد ؛ فأصله ضعيف ، وإنما طرأ عليه الحسن بالعاضد الذي ~~عضده فاحتمل لوجود العاضد ، ولولاه لاستمرت صفة الضعف فيه ، ولا ستمر على ~~عدم الاحتجاج به ) ) كذا في فتح المغيث . * * * # 15 - ترقى الحسن لذاته إلى الصحيح بتعدد طرقه # أعلم أن الحسن إذا روى من وجه آخر ، ترقى من الحسن إلى الصحيح ، لقوته من ~~الجهتين ، فيعتضد أحدهما بالآخر ؛ وذلك لأن الراوي في الحسن متأخر عن درجة ~~الحافظ PageV01P102 الضابط مع كونه مشهورا بالصدق والستر ، فإذا روى حديثه ~~من غير وجه ولو وجها واحدا قوى بالمتابعة وزال ما كان يخشى عليه من جهة سوء ~~حفظ راويه ، فارتفع حديثه من درجة الحسن إلى الصحيح . قال السيد الشريف : ( ~~( ونعنى بالترقى أنه ما حق في القوة بالصحيح ، لا أنه عينه ) ) . * * * # 16 - بيان أول من شهر الحسن # قال الإمام النووي في التقريب وشارحه السيوطي : ( ( كتاب الترمذي أصل في ~~معرفة الحسن وهو الذي شهره ، وأكثر من ذكره وإن وجد في متفرقات من كلام بعض ~~مشايخه والطبقة التي قبله ) ) . # وقال الإمام تقي الدين تيمية قدس سره في بعض فتاويه : ( ( أول من عرف أنه ~~قسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف ، أبو عيسى الترمذي ، ولم تعرف هذه القسمة ~~عن أحد قبله ؛ وقد بين أبو عيسى مراده بذلك ، فذكر أن الحسن ما تعددت طرقة ~~ولم يكن فيهم متهم بالكذب ، ولم يكن شاذا . وهو دون الصحيح الذي عرف عدالة ~~ناقليه وضبطهم ) ) . وقال : ( ( الضعيف الذي عرف أن ناقله متهم بالكذب ، ~~ردئ الحفظ ، فإنه إذا رواه المجهول ، خيف أن يكون كاذبا أو سيء الحفظ ؛ ~~فإذا وافقه آخر لم يأخذ عنه ، عرف أنه لم يتعمد كذبه واتفاق الأتنين على ~~لفظ واحد طويل قد يكون ممتنعا وقد يكون بعيدا ، ولما كان تجويز اتفاقهما في ~~ذلك ممكنا ، نزل من درجة الصحيح ) ) . ثم قال تقي الدين قدس سره : ( ( وأما ~~من قلل الترمذي من العلماء فما عرف عنهم هذا التقسيم الثلاثي ، لكن كانوا ~~يقسمونه إلى صحيح وضعيف . والضيف كان عندهم نوعان : ضعيف ضعفا لا يمتنع ~~العمل به ، وهو يشبه ms053 الحسن في اصطلاح الترمذي ؛ وضعيف ضعفا يوجب تركه ؛ وهو ~~الواهي ) ) . PageV01P103 # 17 - معنى قول الترمذي ( ( حسن صحيح ) ) # للعلماء في ملحظ الترمذي بهذه العبارة وجوه نقلها السيوطى في التدريب . ~~قالوا : ( ( العبارة المذكورة مما استشكل ، لأن الحسن قاصر عن الصحيح ، ~~فكيف يجتمع إثبات القصور ونفيه في حديث واحد ؟ وأجاب ابن دقيق العيد : بأن ~~الحسن لا يشترط فيه القصور عن الصحة إلا حيث انفرد الحسن ، أما إذا ارتفع ~~إلى درجة الصحة فالحسن حاصل لا محالة تبعا للصحة . لأن وجود الدرجة العليا ~~وهي الحفظ والإتقان لا ينافي وجود الدنيا كالصدق ، فيصح أن يقال : حسن ، ~~باعتبار الصفة الدنيا ، صحيح باعتبار العليا . ويلزم على هذا أن كل صحيح ~~حسن . وقد سبقه إلى نحو ذلك ابن المواق ، قال الحافظ ابن حجر : وشبه ذلك ~~قولهم في الراوي صدوق فقط ، وصدوق ضابط ، فإن الأول قاصر عن درجة رجال ~~الصحيح ، والثاني منهم . فكما أن الجمع بينهما لا يضر ولا يشكل ، فكذلك ~~الجمع بين الصحة والحسن ) ) انتهى . * * * # 18 - الجواب عن جمع الترمذي بين الحسن والغرابة على اصطلاحه # قد أنكر بعض الناس على الإمام الترمذي تحديده للحسن بما حد به من كونه ~~يروى من غير وجهن لقوله في بعض الأحاديث : حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا ~~الوجه . والغريب الذي انفرد به الواحد . وأجاب الحافظ ابن حجر في شرح ~~النخبة : ( ( بأن الترمذي لم يعرف الحسن مطلقا ، وإنما عرفه بنوع خاص منه ~~وقع في كتابه ، وهو ما يقول فيه : حسن من غير صفة أخرى . وذلك أنه يقول في ~~بعض الأحاديث : حن ؛ وفي بعضها : صحيح ، وفي بعضها : غريب وفي بعضها : حسن ~~صحيح ، وفي بعضها : حسن غريب ، وفي بعضها : صحيح غريب ، وفي بعضها حسن صحيح ~~غريب . وتعريفه إنما وقع على الأول فقط ، وعبارته ترشد إلى ذلك ، حيث قال ~~في آخر كتابه : PageV01P104 ( ( وما قلنا في كتابنا : حديث حسنه ، فإنما ~~أردنا به حسن إسناده عندنا ، إذ كل حديث يروى ، لا يكون راويه متهما بكذب ~~ويروى من غير وجه نحو ذلك ، ولا يكون شاذا فهو عندنا : حديث حسن ) ) . فعرف ms054 ~~بهذا أنه إنما عرف الذي يقول فيه : حسن فقط . أما ما يقول فيه : حسن صحيح ، ~~أو حسن غريب ، أو حسن صحيح غريب ، فلم يعرج على تعريف ما يقول فيه : صحيح ~~فقط ، أو غريب فقط . وكأنه ترك ذلك ، استغناء لشهرته عند أهل الفن . واقتصر ~~على تعريف ما قول فيه في كتابه : حسن فقط ، إما لغموضه وإما لأنه اصطلاح ~~جديد . ولذلك قيده بقوله : ( ( عندنا ) ) ولم ينسبه إلى أهل الحديث كما فعل ~~الخطابي ) ) . انتهى . # وقال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية في فتوفى له : ( ( الذين طعنوا على ~~الترمذي لم يفهموا مراده في كثير مما قاله . فإن أهل الحديث قد يقولون : ( ~~( هذا الحديث غريب ) ) أي : من هذا الوجه . وقد يصرحون بذلك فيقولون : غريب ~~من هذا الوجه ؛ فيكون الحديث عندهم صحيحا معروفا من طريق واحد . فإذا روى ~~من طريق آخر ، كان غريبا من ذلك الوجه ، وإن كان المتن صحيحا معروفا . ~~فالترمذي إذا قال : حسن غريب ، قد يعني به أنه غريب من ذلك الطريق ، لكن ~~المتن له شواهد صار بها من جملة الحسن ) ) . انتهى . * * * # 19 - مناقشة الترمذي في بعض ما يصححه أو بحسنه # قال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية : ( ( بعض ما يصححه الترمذي ، ينازعه ~~غيره فيه ، كما قد ينازعونه في بعض ما يضعفه ويحسنه ، فقد يضعف حديثا ~~ويصححه البخاري ، كحديث ابن مسعود لما قال له النبي : ( ( أبغنى أحجارا ~~أستنفض بهن ؛ قال : فأتيته بحجرين وروثة ؛ قال : فأخذ الحجرين وترك الروثة ~~وقال : وقال : إنها رجس ) ) PageV01P105 فإن هذا اختلف فيه على أبي إسحاق ~~السبيعي ، فجعل الترمذي هذا الاختلاف علة ، ورجح روايته له عن أبي عبيدة عن ~~أبيه ، وهو لم يسمع من أبيه ؛ وأما البخاري فصححه من طريق أخرى ، لأن أبا ~~إسحق ، كان الحديث يكون عنده عن جماعة ، يرويه عن هذا تارة ، وعن هذا تارة ~~، كما كان الزهري الحديث تارة عن سعيد بن المسيب ، وتارة عن أبي سلمة ، ~~وتارة بجمعها ؛ فمن لا يعرفهن فيحدث به تارة عن هذان وتارة عن هذا ، يظن ~~بعض الناس أن ذلك غلط ، وكلاهما صحيح ms055 ، وهذا باب يطول وصفه ) ) . * * * # 20 - بيان أن الحسن على مراتب # نبه الأئمة على أن الحديث الحسن على مراتب كالصحيح . قال الحافظ الذهبي : ~~( ( فأعلى مراتبه : بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ؛ وعمرو بن شعيب عن أبيه عن ~~جده ؛ وابن إسحق عن التيمى ؛ وأمثال ذلك مما قيل فيه إنه صحيح ، إنه أدنى ~~مراتب الصحيح ثم بعد ذلك ما اختلف في تحسينه وضعفه ، كحديث الحرث بن عبد ~~الله ، وعاصم بن ضمرة ، وحجاج ابن أرطاة ونحوهم ) ) . * * * # 21 - بيان كون الحسن حجة في الأحكام # قال الأئمة : ( ( الحسن كالصحيح في الاحتجاح به ، وإن كان دونه في القوة ~~، ولهذا أدرجه طائفة من نوع الصحيح ، كالحاكم ، وابن حبان ، وابن خزيمة ، ~~مع قولهم بأنه دون الصحيح المبين أولا ) ) . # وقال السخاوى في الفتح : ( ( منهم من يدرج الحسن في الصحيح لاشتراكهما في ~~الاحتجاج ، بل نقل ابن تيمية إجماعهم إلا الترمذي خاصة عليه ) ) . # قال الخطابي : ( ( على الحسن مدار أكثر الحديث ، لأن غالب لا تبلغ رتبة ~~الصحيح ، وعمل به عامة الفقهاء ، وقبله أكثر العلماء ، وشدد بعض أهل الحديث ~~، PageV01P106 فرد بكل علة ، قادحة كانت أم لا ، كما روى عن ابن أبي حاتم ~~أنه قال : سألت أبي عن حديث فقال : ( ( إسناده حسن ) ) فقلت : ( ( يحتج به ~~؟ ) ) فقال : ( ( لا ! ) ) انتهى . # والصواب مع الجمهور لما بينه الخطابي . هذا في الحسن لذاته وأما الحسن ~~لغيره فيلحق بذلك في الاحتجاج لكن فيما تكثر طرقه عند قوم ، كما سنبينه في ~~بحث أنجبار الضعيف قريبا . * * * # 22 - قبول زيادة راوي الصحيح والحسن # قال الحافظ ابن حجر في النخبة وشرحها : ( ( وزيادة راويهما - أي الصحيح ~~والحسن - مقبولة ما لم منافية لرواية من هو أوثق ممن لم يذكر تلك الزيادة ؛ ~~لأن الزيادة إما أن تكون لا تنافى بينها وبين رواية من لي يذكرها ، فهذه ~~تقبل مطلقا ، لأنها في حكم الحديث المستقل ، الذي ينفرد به الثقة ، ولا ~~يرويه عن شيخه غيره ؛ وإما أن تكون منافية ، بحيث يلزم من قبولها رد ~~الراوية الأخرى ، فهذه التي يقع الترجيح بينها وبين معارضها ، فيقبل الراجح ~~، ويرد المرجوح ، واشتهر عن جمع ms056 من العلماء القول بقبول الزيادة مطلقا من ~~غير تفصيل ، ولا يتأتى ذلك على طريق المحدثين الذين يشترطون في الصحيح أن ~~لا يكون شاذا ، ثم يفسرون الشذوذ بمخالفة الثقة من هو أوثق منه ، والعجب ~~ممن أغفل ذلك منهم ، مع اعترافه باشتراط انتفاء الشذوذ في حد الحديث الصحيح ~~وكذا الحسن ؛ والمقول عن أئمة الحديث المتقدمين ، كعبد الرحمن بن مهدي ، ~~ويحيى القطان ، وأحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، وعلى بن المديني ، ~~والبخاري ، وأبي زرعة ، وأبي حاتم ، والنسائي ، والدار قطني ، وغيرهم ، ~~اعتبار الترجيح فيما يتعلق PageV01P107 # 23 - بيان ألقاب للحديث نشمل الصحيح والحسن وهي الجيد والقوى والصالح ~~والمعروف والمحفوظ والمجود والثابت والمقبول # ( ( هذه الألفاظ مستعملة عند أهل الحديث في الخبر المقبول ، والفرق بينها ~~أن الجودة قد يعبر بها عن الصحة ، فيتساوى حينئذ الجيد والصحيح ، إلا أن ~~المحقق منهم ، لا يعدل عن الصحيح إلى جيد إلا لنكتة كأن يرتقى الحديث عنده ~~عن الحسن لذاته ويتردد في بلوغه الصحيح ، فالوصف به حينئذ أنزل رتبة من ~~الوصف بصحيح وكذا القوى . وأما الصالح فيشمل الصحيح والحسن ، لصلاحيتهما ~~للاحتجاج ؛ ويستعمل أيضا في ضعيف يصلح للاعتبار . وسيأتي إن شاء الله معنى ~~الاعتبار في تنبيه على حدة قبل بحث الأنواع التي تختص بالضعيف . وأما ~~المعروف ، فهو مقابل المنكر ، والمحفوظ مقابل الشاذ . وسيأتي بيان ذلك ~~والمجود الثابت ، يشملان الصحيح والحسن ) ) كذا في التدريب وقد عرف الحافظ ~~ابن حجر المقبول في شرح النخبة بالذي يجب العمل به عند الجمهور ، والمراد ~~بالذي لم يرجح صدق المخبر به . * * * # 14 - بيان الضعيف ماهية الضعيف وأقسامه # قال النووي : ( ( الضعيف ما لم يوجد فيه شروط الصحة ، ولا شروط الحسن ، ~~وأنواعه كثيرة : منها الموضوع ، والمقلوب ، والشاذ ، والمنكر ، والمعلل ، ~~والمضطرب ، وغير ذلك ) ) مما سيفصل PageV01P108 # 25 - تفاوت الضعيف # يتفاوت ضعفه بحسب شدة ضعف رواته ، وخفته ، كصحة الصحيح ؛ فمنه أوهي ، كما ~~أن من الصحيح أصح . قال السخاوي في الفتح : ( ( وأعلم أنهم كما تكلموا في ~~أصح الأسانيد ، مشوا في أو هي الأسانيد ؛ وفائدته ترجيح بعض الأسانيد على ~~بعض ، وتمييز ما يصلح للاعتبار مما لا ms057 يصلح ) ) انتهى . # وللحاكم تفصيل لأوهي أسانيد الرجال والبلاد ، ساقه في التدريب ؛ ولابن ~~الجوزي كتاب في الأحاديث الواهية . * * * # 26 - بحث الضعيف إذا تعددت طرقه # ( ( أعلم : أن الضعيف لكذب راويه أو لفسقه ، لا ينجبر بتعدد طرقة ~~المثاثلة له لقوة الضعف ، وتقاعد هذا الجابر . نعم ! يرتقى بمجموعه عن كونه ~~منكرا ، أو لا أصل له ، وربما كثرت الطرق حتى أوصلته إلى درجة المستور ، ~~والسيىء الحفظ ، بحيث إذا وجد له طريق آخر ، فيه ضعف قريب محتمل ، ارتقى ~~بمجموع ذلك درجة الحسن ) ) . نقله في التدريب عن الحافظ ابن حجر . # وقال السخاوي في فتح المغيث : إن الحسن لغيره يلحق فيما يحتج به ، لكن ~~فيما تكثر طرقه ؛ ولذلك قال النووي في بعض الأحاديث : ( ( وهذه وإن كانت ~~أسانيد مفرداتها ضعيفة ، فمجموعها بقوى بعضه بعضا ، ويصير الحديث حسنا ، ~~ويحتج به ) ) . وسبقه البهقي في تقوية الحديث بكثرة الطرق الضعيفة . وظاهر ~~كلام أبي الحسن بن القطان يرشد إليه ، فإنه قال : ( ( هذا القسم لا يحبج به ~~كله ، بل يعمل به في فضائل الأعمال ، ويتوقف عن العمل به في الأحكام ، إلا ~~إذا كثرت طرفه ، أو عضده اتصال عمل ، أو موافقة شاهد صحيح ، أو ظاهر القرآن ~~واستحسنه شيخنا - يعنى ابن حجر - وصرح في موضع آخر بأن PageV01P109 الضعف ~~الذي ضعفه ناشي عن سوء حفظه ، إذا كثرت طرقه ارتقى إلى مرتبة الحسن . # وفي عون الباري نقلا عن النووي أنه قال : ( ( الحديث الضعيف عند تعدد ~~الطرق يرتقى عن الضعف إلى الحسن ، ويصير مقبولا معمولا به ) ) . # قال الحافظ السخاوي : ( ( ولا يقتضى ذلك الاحتجاج بالضعيف ، فإن الاحتجاج ~~إنما هو بالهيئة المجموعة ، كالمرسل ، حيث أعتضد بمرسل آخر ، ولو ضعيفا كما ~~قاله الشافعي والجمهور ) ) انتهى . # وقد خالف في ذلك الظاهرية ، قال ابن حزم في الملل في بحث صفة وجوه النقل ~~الستة عند المسلمين ما صورته : ( ( الخامس شيء نقل كما ذكرنا ، إما ينقل ~~أهل المشرق والمغرب ، أو كافة عن كافة ، أو ثقة عن ثقة ، حتى يبلغ إلى ~~النبي ، إلا أن في الطريق رجلا مجروحا بكذب أو غفلة أو مجهول الحال ؛ فهذا ~~أيضا يقول ms058 به بعض المسلمين ولا يحل عندنا القول به ولا تصديقه ولا الأخذ ~~بشيء منه وهو المتجه ) ) . * * * # 27 - ذكر قول مسلم رحمه الله إن الراوي عن الضعفاء غاسن آثم جاهل # قال الإمام النووي : ( ( أعلم أن جرح الرواة جائز بل واجب بالاتفاق ، ~~للضرورة الداعية إليه ، لصيانة الشريعة المكرمة . وليس هو من الغيبة ~~المحرمة ، بل من النصيحة لله تعالى ورسوله والمسلمين . ولم يزل فضلاء ~~الأئمة وأخبارهم ، وأهل الورع منهم يفعلون ذلك ) ) . انتهى # وقد تكلم الإمام مسلم على جماعة منهم في مقدمة صحيحة ثم قال : ( ( وأشباه ~~ما ذكرنا من كلام أهل العلم في متهمي رواة الحديث وإخبارهم عن معايبهم ، ~~كثير يطول الكتاب PageV01P110 بذكره على استقصائه ، وفيما ذكرنا كفاية لمن ~~تفهم وعقل مذهب القوم فيما قالوا من ذلك وبينوا ، وإنما ألزموا أنفسهم ~~الكشف عن معايب رواة الحديث وناقلى الأخبار وأفتوا بذلك حين سئلوا لما فيه ~~من عظيم الخطر ، غذ الأخبار في أمر الدين ، إنما تأتي بتحليل أو تحريم ، أو ~~أمر أو نهى ، أو ترغيب أو ترهيب ؛ فإذا كان الراوي لها ليس بمعدن للصدق ~~والأمانة ، ثم أقدم على الراوية عند من قد عرفه ، ولم يبين ما فيه لغيره ~~ممن جهل معرفته ، كان آثما بفعله ذلك ، غاشا لعوام المسلمين ، إذ لا يؤمن ~~على بعض من سمع تلك الأخبار أن يستعملها أو يستعمل بعضها ، ولعلها ، أو ~~أكثرها ، أكاذيب لا أصل لها ، مع أن الأخبار الصحاح من رواة الثقات ، وأهل ~~القناعة ، أكثر من أن يضطر إلى نقل من ليس بثقة ولا مقنع ، ولا أحسب كثيرا ~~ممن يعرج من الناس على ما وصفنا من هذه الأحاديث الضعاف والأسانيد المجهولة ~~، ويعتد بروايتها بعد معرفته بما فيها من التوهن والضعف ؛ إلا أن الذي ~~يحمله على روايتها والاعتداد بها إرادة التكثر بذلك عند العوام ، ولأن يقال ~~ما أكثر ما جمع فلان من الحديث ، وألف من العدد . ومن ذهب في العلم هذا ~~المذهب ، وسلك هذا الطريق ، لا نصيب له فيه ، وكان بأن يسمى جاهلا أولى من ~~أن ينسب إلى علم ) ) . انتهى كلام الإمام مسلم ms059 رحمه الله تعالى ورضى عنه ~~ولقد شفى وكفى . * * * # 28 - تشيع الإمام مسلم على رواة الأحاديث الضعيفة والمنكرة # وقد فهم بها إلى العوام ، وإيجابه رواية ما عرفت صحة مخارجه قال الإمام ~~مسلم رحمه الله تعالى في خطبة صحيحه : ( ( فلولا الذي رأينا من سوء صنيع ~~كثير ممن نصب نفسه محدثا فيما يلزمهم من طرح الأحاديث الضعيفة ، والروايات ~~المنكرة وتركهم الاقتصار على الأخبار الصحيحة ، مما نقله الثقات المعروفون ~~بالصدق والأمانة ، بعد معرفتهم ، وإقرارهم بألسنتهم أن كثيرا مما يقذفون به ~~إلى الأغبياء من الناس ، هو PageV01P111 مستنكر عن قوم غير مرضيين ممن ذم ~~الرواية عنهم أئمة الحديث ، لما سهل علينا الانتصاب لما سألت من التمييز ~~والتحصيل ؛ ولكن من أجل ما أعلمناك من نشر القوم الأخبار المنكرة ، ~~بالأسانيد الضعاف المجهولة ، وقذفهم بها إلى العوام الذين لا يعرفون عيوبها ~~، خف على قلوبنا إجابتك إلى ما سألت ) ) . ثم قال : ( ( أعلم - وفقك الله ~~تعالى - أن الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها ، ~~وثقات الناقلين لها من المتهمين ، أن لا يروي منها إلا ما عرف صحة مخارجه ، ~~والستارة في ناقليه ، وأن يتقى منها ما كان عن أهل التهم والمعاندين من أهل ~~البدع . والدليل على أن الذي قلنا من هذا هو اللازم دون ما خالفه ، قول ~~الله تعالى ( ^ يا أيها الذين آمنوا إن جاء كم فاسق بنبأ فتبينوا . . . ~~الآية ) ) وقال عز وجل : ( ^ ممن ترضون من الشهداء ) وقال سبحانه : ( ^ ~~واشهدوا ذوي عدل منكم ) . فدل بما ذكرنا من هذا الآي ، أن خبر الفاسق ساقط ~~غير مقبول ، وأن شهادة غير العدل مردوة ؛ والخبر إن فارق معناه معنى ~~الشهادة في بعض الوجوه ، فقد يجتمعان في معظم معانيها ، إذخبر الفاسق غير ~~مقبول عند أهل العلم ، كما أن شهادته مردودة عند جمعهم : ودلت السنة على ~~نفي رواية المنكر من الأخبار ، كنحو دلالة القرآن على نفي خبر الفاسق ، وهو ~~الثر المشهور عن رسول الله : ( ( من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد ~~الكاذبين ) ) . ثم ساق مسلم رحمه الله ما ورد وعيد الكذب عليه ، مما ms060 هو ~~متواتر . ثم أسند عن أبي هريرة عن رسول الله أنه قال : ( ( سيكون في آخر ~~أمتي أناس يحدثونكم بما لم تسمعوا PageV01P112 # 28 - تحذير الإمام مسلم من روايات القصاص والصالحين # روى الإمام مسلم في مقدمة صحيحه عن عاصم قال : ( ( لا تجالسوا القصاص ) ) ~~وعن يحيى بن سعيد القطان قال : ( ( لم نر الصالحين في شيء أكذب منهم في ~~الحديث ) ) . وفي رواية : ( ( لم نر أهل الخير في شيء أكذب منهم في الحديث ~~) ) قال مسلم : ( ( يعنى أنه يجري الكذب على لسانهم ولا يتعمدون الكذب ) ) ~~. قال النووي : ( ( لكونهم لا يعانون صناعة أهل الحديث ، فيقع الخطأ في ~~رواياتهم ، ولا يعرفونه ، ويروون الكذب ، ولا يعلمون أنه كذب ) ) . # 29 - ذكر المذاهب في الأخذ بالضعيف واعتماد العمل به في الفضائل # ليعلم أن المذاهب في الضعيف ثلاثة : # الأول لا يعمل به مطلقا ؛ لا في الأحكام ، ولا في الفضائل . حكاه ابن سيد ~~الناس في عيون الأثر ، عن يحيى بن معين ، ونسبه في فتح المغيث لأبي بكر بن ~~العربي . والظاهر أن مذهب البخاري ومسلم ذلك أيضا ؛ يدل عليه شرط البخاري ~~في صحيحة ، وتشنيع الإمام مسلم على رواة الضعيف كما أسلفناه ، وعدم ~~إخراجهما في صحيحهما شيئا منه . وهذا مذهب ابن حرم رحمه الله أيضا حيث قال ~~في الملل والنحل : ( ( ما نقله أهل المشرق والمغرب ، أو كافة عن كافة ، أو ~~ثقة ، حتى يبلغ إلى النبي ؛ إلا أن في الطريق رجلا مجروحا بكذب أو غفلة ، ~~أو مجهول الحال ؛ فهذا يقول به بعض المسلمين ، ولا يحل عندنا القول به ولا ~~تصديقه ولا الأخذ بشيء ) ) انتهى . # الثاني : أنه يعمل به مطلقا . قال السيوطي : ( ( وعزى ذلك إلى أبي داود ، ~~وأحمد لأنهما يريان ذلك أقوى من رأي الرجال ) ) . # الثالث : يعمل به في الفضائل بشروطه الآتية وهذا هو المعتمد عنه الأئمة . ~~قال ابن عبد البر : PageV01P113 ( ( وأحاديث الفضائل لا يحتاج فيها إلى ما ~~يحتج به ) ) . وقال الحاكم : ( ( سمعت أبا زكريا العنبري يقول : الخبر إذا ~~ورد لم يحرم حلالا ، ولم يوجب حكما ، وكان في ترغيب أو ترهيب ، أغمض عنه ~~وتسوهل في رواته ) ) . ولفظ ms061 ابن مهدي فيما أخرجه البهقي في المدخل : ( ( ~~إذا روينا عن النبي في الحلال والحرام والأحكام ، شددنا في الأسانيد ، ~~وانتقدنا في الرجال ، وإذا روينا في الفضائل والثواب والعقاب ، سهلنا في ~~الأسانيد وتسامحنا في الرجال ) ) . ولفظ أحمد في رواية الميموني عنه : ( ( ~~الأحاديث الرقائق يحتمل أن يتساهل فيها حتى يجيء شيء فيها حكم ) ) . وقال ~~في رواية عباس الدوري عنه : ( ( ابن إسحاق رجل تكتب عنه هذه الأحاديث ) ) - ~~يعني المغازي ونحوها - وإذا جاء الحلال والحرام أردنا قوما هكذا - وقبض ~~أصابع يده الأربع - . * * * # 30 - الجواب عن رواية بعض كبار الأئمة عن الضعفاء # قال الإمام النووي في شرح مسلم : ( ( قد يقال لم حدث هؤلاء الأئمة عن ~~هؤلاء مع علمهم بأنهم لا يحتج بهم ؟ ويجاب عنه بأجوبة : # أحدها : أنهم رووها ليعرفوها ، وليبنوا ضعفها لئلا يلتبس في وقت عليهم ، ~~أو على غيرهم ، أو يتشككوا في صحتها : # الثاني : أن الضعيف يكتب حديثه ليعتبر أو يستشهد ، ولا يحتج به على ~~انفراده . # الثالث : رواية الراوي الضعيف يكون فيها الصحيح والباطل ، فيكتبونها ثم ~~يميز أهل الحديث والإتقان بعض ذلك من بعض وذلك سهل عليهم ، معروف عندهم . ~~وبهذا أحتج سفيان رحمه الله ، حين نهى عن الراوية عن الكلبي ؛ فقيل له : ~~أنت تروي عنه ! فقال : ( ( أنا أعلم صدقة من كذبه ) ) . # الرابع : أنهم قديروون عنهم أحاديث الترغيب والترهيب ، وفضائل الأعمال ، ~~والقصص ، PageV01P114 وأحاديث الزهد ، ومكارم الأخلاق ، ونحو ذلك مما لا ~~يتعلق بالحلال والحرام ، وسائر الحكام . وهذا الضرب من الحديث يجوز عند أهل ~~الحديث وغيرهم التساهل فيه ، ورواية ما سوى الموضوع منه ، والعمل به لأن ~~أصول ذلك صحيحة مقررة في الشرع ، معروفة عند أهله . وعلى كل حال فإن الأئمة ~~لا يروون عن الضعفاء شيئا يحتجون به على انفراده في الأحكام ، فإن هذا شيء ~~لا يفعله إمام من أئمة المحدثين ، ولا محقق من غيرهم من العلماء . وأما فعل ~~كثيرين من الفقهاء ، أو أكثرهم ، ذلك ، واعتمادهم عليه ، فليس بصواب ! بل ~~قبيح جدا ! وذلك لأنه إن كان يعرف ضعفه لم يحل له أن يحتج به فإنهم متفقون ~~على أنه لا يحتج ms062 بالضعيف في الأحكام ، وإن كان لا يعرف ضعفه ، لم يحل له أن ~~يهجم على الاحتجاج به من غير بحث عليه بالتفتيش عنه إن كان عارفا ، أو ~~بسؤال أهل العلم به إن لم يكن عارفا ) ) انتهى . # وقال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله تعالى : ( ( قد يكون الرجل عندهم ~~ضعيفا لكثرة الغلط في حديثه ، ويكون حديثه الغالب عليه الصحة ، فيروون عنه ~~لأجل الاعتبار به ، والاعتضاد به ، فإن تعدد الطرق وكثرتها بقوى بعضها بعضا ~~، حتى قد يحصل العلم بها ، ولو كان الناقلون فجارا وفساقا ، فكيف إذا كانوا ~~علماء عدولا ، ولكن كثر في حديثهم الغلط ؟ وهذا مثل عبد الله بن لهيعة ، ~~فإنه من أكابر علماء المسلمين ، وكان قاضيا بمصر ، كثير الحديث ، ولكن ~~احترقت كتبه فصار يحدث من حفظه فوقع في حديثه غلط كثير ، مع أن الغالب على ~~حديثه الصحة . قال أحمد : قد أكتب حديث الرجل للاعتبار به ، مثل ابن لهيعة ~~، وأما من عرف منه أنه يتعمد الكذب فمنهم من لا يروى عن هذا شيئا . وهذه ~~طريقة أحمد بن حنبل وغيره : لم يرو في مسنده عمن يعرف أنه يتعمد الكذب ، ~~لكن يروى عمن عرف منه الغلط للاعتبار به ، والاعتضاد . ومن العلماء من كان ~~يسمع حديث من يكذب ويقول : إنه يميز بين ما يكذبه وبين ما لا يكذبه ، ويذكر ~~عن الثوري أنه كان يأخذ عن الكلبي ، وينهى عن الأخذ عنه ، ويذكر أنه يعرف . ~~ومثل هذا قد يقع لمن كان خبيرا بشخص ، إذا حدثه بأشياء يميز بين ما صدق فيه ~~، وما كذب فيه ، بقرائن لا يمكن PageV01P115 ضبطها . وخبر الواحد قد يقترن ~~به قرائن تدل على أنه صدق ، وقرائن تدل على أنه كذب ) ) انتهى . # وروى الإمام ابن عبد البر في ( ( جامع بيان العلم وفضله ) ) في باب ~~الرخصة في كتابة العلم ، عن سفيان الثوري أنه قال : ( ( إني أحب أن أكتب ~~الحديث على ثلاثة أوجه ، حديث أكتبه أريد أن أتخذه دينا ، وحديث رجل أكتبه ~~فأوفقه لا أطرحه ولا أدين به ، وحديث رجل ضعيف أحب أن أعرفه ولا أعبأ به . ~~وقال ms063 الأوزاعي : تعلم مالا يؤخذ به ، كما تتعلم ما يؤخذ به ) ) . * * * ~~أنااااعععاااغغمم # 32 - ما شرطه المحققون لقبول الضعيف # قال السيوطي في التدريب : ( ( لم يذكر ابن الصلاح والنووي لقبوله سوى هذا ~~الشرط : كونه في الفضائل ونحوها ) ) . # وذكر الحافظ ابن حجر له ثلاثة شروط : أحدها أن يكون الضعف غير شديد فيخرج ~~من انفرد من الكذابين ، والمتهمين بالكذب ، ومن فحش غلظه ؛ نقل العلائي ~~الاتفاق عليه ؛ الثاني : أن يندرج تحت أصل معمول به ؛ الثالث : أن لا يعتقد ~~عند العمل به ثبوته ، بل يعتقد الاحتياط ) ) . # وقال الزركشي : ( ( الضعيف مردود ما لم يقتض ترغيبا ، أو ترهيبا ، أو ~~تتعدد طرقه ؛ ولم يكن المتابع منحطا عنه ) ) انتهى . # قال السيوطي : PageV01P116 # 33 - تزبيف ورع الموسوسين في المتفق على ضعفه # ذكر شارحو صحيح البخاري عند قوله في كتاب البيوع ( باب من لم ير الوساوس ~~ونحوها من الشبهات ) ) أن غرض البخاري بيان ورع الموسوسين ، كمن يمتنع من ~~أكل الصيد خشية أن يكون الصيد كان لإنسان ثم انفلت منه ، وكمن يترك شراء ما ~~يحتاج إليه من مجهول لا يجري أماله حرام أم حلال ، وليست هناك علامة تدل ~~على الحرمة ؛ وكمن يترك تناول الشيء لخبر ورد فيه متفق على ضعفه وعدم ~~الاحتجاج به ، ويكون دليل الإباحة قويا ، وتأويله ممتنع أو مستبعد . # قال الغزالي : ( ( الورع أقسام : ورع الصديقين ، وهو ترك ما لا يتناول ~~بغير نية القوة على العبادة ؛ وورع المتقين ، وهو ترك ما لا شبهة فيه ، ~~ولكن يخشى أن يجر إلى الحرام ؛ وورع الصالحين ، وهو ترك ما يتطرق إليه ~~احتمال التحريم بشرط أن يكون لذلك الاحتمال موقع ، فإن لم يكن فهو ورع ~~الموسوسين . قال : ووراء ذلك ورع الشهود ، وهو ترك ما يسقط الشهادة أعم من ~~أن يكون ذلك المتروك حراما أم لا ) ) . * * * # 34 - ترجيح الضعيف على رأي الرجال # نقل السخاوي في فتح المغيث عن الحافظ ابن منده مما سمعه من محمد بن سعد ~~الباوردي : ( ( أن النسائي صاحب السنن لا يقتصر في التخريج عن المتفق على ~~قبولهم ، بل يخرج عن كل من يجمع الأئمة على تركه ) ) . قال ms064 العراقي : ( ( ~~وهو مذهب متسع ) ) . قال ابن منده : ( ( وكذلك أبو داود يأخذ مأخذ النسائي ~~، يعنى في عدم التقيد بالثقة والتخريج لمن ضعف في الجملة ، وإن اختلف ~~صنيعهما ) ) . وقال السخاوي : ( ( أبو داود يخرج الضعيف إذا لم يجد في ~~الباب غيره ، وهو أقوى عنده من رأي الرجال ، وهو تابع في ذلك شيخه الإمام ~~أحمد ، فقد روينا من طريق عبد الله بن أحمد ، بالإسناد الصحيح إليه ، قال ~~سمعت أبي يقول : لا تكاد ترى أحدا ينظر في الرأي إلا وفي قلبه غل ، والحديث ~~الضعيف أحب إلى من الرأي ) ) PageV01P117 قال : ( ( فسألته عن الرجل يكون ~~ببلد لا يجد فيها إلا صاحب حديث لا يدري صحيحه من سقيمه وصاحب رأي فمن يسأل ~~؟ قال : يسأل صاحب الحديث ولا يسأل صاحب الرأي ) ) . وذكر ابن الجوزي في ~~الموضوعات أنه كان قدم الضعيف على القياس . بل حكى الطوفي عن التقي ابن ~~تيميه أنه قال : اعتبرت مسند أحمد فوجدته موافقا بشرط أبي داود . وزعم ابن ~~حزم أن جميع الحنفية على أن مذهب إمامهم أيضا : أن ضعيف الحديث أولى عنده ~~من الرأي والقياس ) ) انتهى . # ثم رأيت في ( ( منهاج السنة ) ) للإمام تقي الدين بن تيميه ما نصه : ( ( ~~وأما نحن فقولنا إن الحديث الضعيف خير من الرأي ، ليس المراد به الضعيف ~~المتروك ، لكن المراد به الحين ؛ كحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ؛ ~~وحديث إبراهيم الهجري وأمثالهما ممن يحسن الترمذي حديثه أو يصححه . وكأن ~~الحديث في اصطلاح من قبل الترمذي إما صحيح ، وإما ضعيف . والضعيف نوعان : ~~ضعيف متروك ، وضعيف ليس بمتروك ؛ فتكلم أئمة الحديث بذلك الاصطلاح ، فجاء ~~من لا يعرف إلا اصطلاح الترمذي ، فسمع قول بعض الأئمة : ( ( الحديث الضعيف ~~، أحب إلى من القياس ) ) فظن أنه يحتج بالحديث الذي يضعفه مثل الترمذي ، ~~وأخذ يرجح طريقة من يرى أنه اتبع للحديث الصحيح ، وهو في ذلك من المتناقضين ~~الذي يرجحون الشيء على ما هو أولى بالرجحان منه إن لم يكن دونه ) ) 1 ه . * ~~* * # 35 - بحث الدواني في الضعيف # قالت المحقق جلال الدين الدواني في رسالته أنموذج العلوم : ( ( اتفقوا ms065 ~~على أن الحديث الضعيف ، لا تثبت به الأحكام الشرعية ، ثم ذكروا أنه يجوز ، ~~بل يستحب ، العمل بالأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال . وممن صرح به النووي ~~في كتبه ، لا سيما كتاب ( ( الأذكار ) ) وفيه إشكال ، لأن جواز العمل ~~واستحبابه كلاهما من الأحكام الشرعية الخمسة ، فإذا استحب العمل بمقتضى ~~الحديث الضعيف ، كان ثبوته بالحديث الضعيف ، PageV01P118 وذلك ينافي ما ~~تقرر من عدم ثبوت الأحكام بالأحاديث الضعيفة . وقد حاول بعضهم التفصي عن ~~ذلك وقال : إن مراد النووي أنه إذا ثبت حديث صحيح أو حسن في فضيلة عمل من ~~العمال ، تجوز رواية الحديث الضعيف في هذا الباب ؛ ولا يخفي أن هذا لا ~~يرتبط بكلام النووي فضلا عن أن يكون مراده ! فكم من فرق بين جواز العمل ~~واستحبابه ، وبين مجرد نقل الحديث ؟ على أنه لو لم يثبت الحديث الصحيح أو ~~الحسن في فضيلة عمل من الأعمال ، يجوز نقل الحديث الضعيف فيها ؛ لا سيما من ~~التنبيه على ضعفه . ومثل ذلك في كتب الحديث وغيره كثير شائع ، يشهد به من ~~تتبع أدنى تتبع . والذي يصلح للتعويل ، أنه إذا وجد حديث ضعيف في فضيلة عمل ~~من الأعمال ، ولم يكن هذا العمل مما يحتمل الحرمة أو الكراهة ، فإنه يجوز ~~العمل به ويستحب ، لأنه مأمون الخطر ، ومرجو النفع ، إذ هو دائر بين ~~الإباحة والاستحباب ، فالاحتياط العمل به رجاء الثواب . وأما إذا دار بين ~~الحرمة والاستحباب ، فلا وجه لاستحباب العمل به . وأما إذا دار بين الكراهة ~~والاستحباب ، فمجال النظر فيه واسع إذ في العمل دغدغة الوقوع في المكروه ، ~~وفي الترك مظنة ترك المستحب ؛ فلينظر إن كان خطر الكراهة أشد ، بأن تكون ~~الكراهة المحتلمة شديدة ، كان خطر الكراهة أضعف ، بأن تكون الكراهة على ~~تقدير وقوعها ضعيفة ، دون مرتبة ترك العمل على تقدير استحبابه ، فالاحتياط ~~العمل به ؛ وفي صورة المساواة يحتاج إلى نظر تام ، والظاهر أنه يستحب أيضا ~~، لأن المباحات تصير بالنية عبادة ، فكيف ما فيه شبهة الاستحباب لأجل ~~الحديث الضعيف ؟ فجواز العمل واستحبابه مشروطان ؛ أما جواز العمل ، فبعدم ~~احتمال الحرمة ، وأما الاستحباب فيما ذكر ms066 مفصلا . # ( ( تقي ههنا شيء وهو أنه عدم احتمال الحرمة فجواز العمل ليس لأجل الحديث ~~إذ لم يوجد يجوز العمل أيضا ، لأن المفروض انتفاء الحرمة . لا يقال : ~~الحديث الضعيف ينفي احتمال الحرمة ، لأنا نقول : الحديث الضعيف لا يثبت به ~~شيء من الأحكام الخمسة ، PageV01P119 وانتفاء الحرمة يستلزم ثبوت الإباحة ، ~~والإباحة حكم شرعي ، فلا يثبت بالحديث الضعيف ولعل مراد النووي ما ذكرنا ، ~~وإنما ذكر جواز العمل توطئة للاستحباب . # ( ( وحاصل الجواب : أن الجواز معلوم من خارج ، والاستحباب أيضا معلوم من ~~القواعد الشرعية الدالة على استحباب الاحتياط في أمر الدين ، فلم يثبت شيء ~~من الأحكام بالحديث الضعيف ، بل أوقع الحديث شبهة الاستحباب فصار الاحتياط ~~أن يعمل به ، فاستحباب الاحتياط معلوم من قواعد الشرع ) ) انتهى . # وقد ناقش الدواني رحمه الله الشهاب الخفاجي في ( ( شرح الشفا ) ) فقال ~~بعد نقله ملخص كلامه المذكور ما صورته : ( ( ما قاله الجلال ، مخالف ~~لكلامهم برمته ، وما نقله من الاتفاق غير صحيح ، مع ما سمعته من الأقوال - ~~يعني في العمل بالضعيف - والاحتمالات التي أبداها لا تفيد سوى تسويد وجه ~~القرطاس ، والذي أوقعه في الحيرة ، توهمه أن عدم ثبوت الأحكام به متفق عليه ~~، وأنه يلزم من العمل به في الفضائل والترغيب ، أنه يثبت به حكم من الأحكام ~~، وكلاهما غير صحيح . أما الأول فلان من الأئمة من جوز العمل به بشروطه ، ~~وقدمه على القياس ؛ وأما الثاني فلان ثبوت الفضائل والترغيب لا يلزمه الحكم ~~. ألا ترى أنه لو روى حديث ضعيف في ثواب بعض الأمور الثابت استحبابها ~~والترغيب فيه ، أوفي فضائل بعض الصحابة ، رضوان الله عليهم ، أو الأذكار ~~المأثورة ، لم يلزم مما ذكر ثبوت حكم أصلا ؟ ولا حاجة لتخصيص الأحكام ~~والأعمال كما توهم للفرق الظاهر بين الأعمال ، وفضائل الأعمال ! وإذا ظهر ~~عدم الصواب ، لأن القوس في يد غير باريها ، ظهر أنه إشكال ولا خلل ولا ~~اختلال ) ) 1 ه . # وأقول : إن للشهاب ولعا في المناقشة غريبا ، وإن لم يحظ الواقف عليها ~~بطائل ! وتلك عادة استحكمت منه في مصنفاته ، كما يعلمه من طالعها ؛ ولعله ~~هو الذي سود وجه ms067 القرطاس ههنا ؟ إذ لا غبار على كلام الجلال . وأما انتقاده ~~عليه بنقله الاتفاق على أن الحديث الضعيف لا تثبت به الأحكام مع وجود ~~الخلاف فيه ، فلأنه عني اتفاق مدققي النقاد ، وأولى اشتراط PageV01P120 ~~الصحة في قبول الإسناد ، كالشيخين وأضرابهما ممن أسلفنا النقل عنهما في ~~المذهب الأول في الضعيف ، إن لم نقل إن الجلال لم ير مقابله مما يجدر سوقه ~~مقابلا ، حتى يحكى الخلاف فيه ؛ وكثيرا ما يترفع المؤلفون عن الأقوال ~~الواهية ؛ ولو في نظرهم فيحكون الاتفاق ، ومرادهم اتفاق ذوي التحقيق ، كما ~~هو معلوم في المؤلفات المتداولة . وأما مناقشته بأن ثبوت الفضائل والترغيب ~~لا يلزمه الحكم ، فإلزام لما لم يلتزمه الجلال ، لأنه لم يدعه ، وكلامه في ~~الأعمال خاصة ؛ فمؤاخذته بمطلق الفضائل افتراء أو مشاغبة ! وأما قوله : ( ^ ~~ولا حاجة لتخصيص الأحكام . . . إلى آخره . ) فشط من القلم إلى جداول الجدل ~~الفاضح ! وهل كلامه إلا في الأحكام والأعمال ؟ وتعليله بظهور الفرق بين ~~الأعمال وفضائلها غير ظاهر هنا ، لا تحادها في هذا المبحث ، لأن الإضافة ~~الأعمال بيانية ، أو من إضافة الصفة إلى الموصوف أي : الأعمال الفاضلة . ~~فتأمل لعلك ترى القوس في يد الجلال ، كما رآه الجمال . * * * # 36 - مسائل تتعلق بالضعيف # الأولى : من رأي حديثا بإسناد ضعيف ، فله أن يقول : ( ( ضعيف بهذا ~~الإسناد ) ) ولا يقول : ( ( ضعيف المتن ) ) بمجرد ذلك الإسناد ، فقد يكون ~~له إسناد آخر صحيح ؛ إلا أن يقول إمام أنه لم يرد من وجه صحيح ، أو إنه ~~حديث ضعيف مبينا ضعفه . # الثانية : من أراد رواية ضعيف بغير إسناد فلايقل : ( ( قال رسول الله ) ) ~~بل يقول : روى عنه كذا ، أو بلغنا عنه كذا ، أو بلغنا عنه كذا ، أو ورد ~~عنهن أو جاء عنه ، أو نقل عنه ) ) وما أشبه ذلك من صيغ التمريض كروي بعضهم ~~، وكذا يقول في ما يشك في صحته وضعفه . أما الصحيح فيدكر بصيغة الجزم ، ~~وبقبح فيه صيغة التمريض ، كما يقبح في الضعيف صيغة الجزم . # الثالثة : لا يتصدى للجواب عن الحديث المشكل إلا إذا كان صحيحا ، وأما ~~إذا كان ضعيفا فلا . قال العلامة السيد أحمد بن ms068 المبارك في ( ( الإبريز ) ) ~~في خلال بحث في بعض الأحاديث الضعيفة : ( ( وإن كان الحديث في نفسه مردودا ~~، هان الأمر ولله در أبي الحسن القابسي PageV01P121 رحمه الله حيث اعترض ~~على الأستاذ أبي بكر بن فورك رحمه الله ، حيث تصدى للجواب عن أحاديث مشكلة ~~وهي باطلة ، قال القابسي : ( ( لا يتكلف الجواب عن الحديث حتى يكون صحيحا ، ~~والباطل يكفي في رده كونه باطلا ) ) انتهى . # وأما اعتذار ابن حجر الهيتمي في ( ( فتاواه الحديثية ) ) عن ابن فورك ~~بأنه : ( ( إنما تكلف الجواب عنها مع ضعفها ، لأنه ربما تشبث بها بعض من لا ~~علم له بصحيح الأحاديث من ضعيفها ، فطلب الجواب عنها بفرض صحتها ، إذ الصحة ~~والضعف ليسا من الأمور القطعية ، بل الظنية . والضعيف يمكن أن يكون صحيحا ، ~~فبهذا الفرض يحتاج إلى الجواب عنه ) ) فلا يخفي ما فيه ، إذ الكلام مع من ~~يعلم ومن لا يعلم ، فأحقر من أن يتمحل له ، والإمكان المذكور لا عبرة به ~~لأنا نقف مع ما صححوه أو ضعفوه وقوف الجازم به ونطرح ذاك الفرض الذي لا ~~عبرة له في نظر الأئمة ، إذ لا ثمرة لهم ، فافهم . # وفي الموعظة الحسنة : ( ( لا يستحق ما لا أصل أن يشتغل برده ، بل يكفي أن ~~يقال : ( ( هذا كلام ليس من الشريعة ) ) وكل ما هو ليس منها فهو رد ، أي ~~مردود على قائله ، مضروب في وجهه ) ) انتهى . # نعم ، لو اختلف في صحة حديث لعلة فيه رآها بعضهم غير قادحة ، فصححه ~~وخالفه آخر ، فلا بأس أن يشتغل بتأويل هذا المعلل المختلف في صحته ، ~~لاحتمال صحته ، فيتأول على هذا التقدير . # الرابعة : إذا قال الحافظ الناقد المطلع في حديث ( ( لا أعرفه ) ) اعتمد ~~ذلك في نفيه ، لأنه بعد التدوين والرجوع إلى الكتب المصنفة يبعد عدم اطلاعه ~~على ما يورده غيره ، فالظاهر عدمه . كذا في التدريب . # الخامسة : قولهم : هذا الحديث ليس له أصل ، أو : لا أصل له ، قال ابن ~~تيميه : معناه ليس له إسناد . # السادسة : قال الحافظ ابن حجر : ( ( لا يلزم من كون الحديث لم يصح أن ~~يكون موضوعا ) ) PageV01P122 قال الزركشي : ( ( بين قولنا موضوع ms069 ، وقولنا ~~لا يصح ، بون كثير ؛ فإن في الأول إثبات الكذب والاختلاق ، وفي الثاني ~~إخبارا عن عدم الثبوت ، ولا يلزم منه إثبات العدم ، وهذا يجىء في كل حديث ~~قال فيه ابن الجوزي : لا يصح ، ونحوه . # السابعة : قال الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح : ( ( الضعيف لا يعل به ~~الصحيح ) ) . * * * # 37 - ذكر أنواع نشترك في الصحيح والحسن والضعيف # الأول ، المسند : هو على المعتمد ، ما اتصل سنده ، من راوية إلى منهاه ، ~~مرفوعا إلى النبي . # الثاني ، المتصل : ويسمى الموصول ، وهو ما اتصل سنده ، سواء كان مرفوعا ~~إليه أو موقوفا . # الثالث ، المرفوع : وهو ما أضيف إلى النبي خاصة من قول أو فعل أو تقرير ، ~~سواء كان متصلا أو منقطعا ، بسقوط الصحابي منه أو غيره ؛ فالمتصل قد يكون ~~مرفوعا وغير مرفوعا ، والمرفوع قد يكون متصلا وغير متصل ، والمسند متصل ~~مرفوع . # الرابع ، المعنعن : وهو ما يقال في سنده : فلان عن فلان ، قيل إنه مرسل ~~حتى يتبين اتصاله ؛ والجمهور على أنه متصل إذا أمكن لقاء من أضيفت العنعنة ~~إليهم ، بعضهم بعضا ، مع براءة المعنعن من التدليس ، وإلا فليس بمتصل . وقد ~~كثر المعنعن في الصحيحين ؛ وكثير من طرقة صرح فيها بالتحديث والسماع في ~~المستخرجات عليهما ، وإن كان لا يرتاب في صحته فيهما ، وبراءة معنعنه من ~~التدليس لدقة شرطهما . وكثر أيضا استعمال ( ( عن ) ) في الإجازة فإذا قال ~~أحدهم : ( ( قرأت على فلان عن فلان ) ) فمراده أنه رواه عنه فلا تخرج عن ~~الاتصال . # الخامس ، المؤنن : وهو ما يقال في مسنده : ( ( حدثنا فلان ، أن فلانا ) ) ~~وهو كالمعنعن . قيل إنه منقطع حتى يتبين السماع في ذلك الخبر بعينه من جهة ~~أخرى ؛ والجمهور على أنه كالمعنعن في الاتصال بالشرط المتقدم . PageV01P123 # السادس ، المعلق : وهو ما حذف من مبدأ إسناده واحد فأكثر على التوالي ، ~~ويعزي الحديث إلى من فوق المحذوف من رواته ؛ مأخوذ من تعليق الجدار والطلاق ~~لاشتراكهما في قطع الاتصال . وهو في البخاري كثير جدا . قال النووي : ( ( ~~فما كان منه بصيغة الجزم كقال ، وفعل ، وأمر ، وروى ، وذكر معروفا ، فهو ~~حكم بصحته عن المضاف إليه ؛ وما ليس فيه ms070 جزم كيروي ، ويذكرن ويحكي ، ويقال ~~، وحكى عن فلان ، وروى ، وذكر مجهولا ، فليس فيه حكم بصحته عن المضاف إليه ~~؛ ومع ذلك فإيراده في كتاب الصحيح مشعر بصحة أصله إشعارا يونس به ، ويركن ~~إليه . وعلى المدقق إذا رام الاستدلال به أن ينظر في رجاله وحال سنده ليرى ~~صلاحيته للحجة وعدمها . # السابع ، المدرج : وهو أقسام : أخدها مدرج في حديث النبي ، بأن يذكر ~~الراوي عقيبة كلاما لنفسه أو لغيره ، فيرويه من بعده متصلا بالحديث من غير ~~فصل ، فيتوهم أنه من الحديث ؛ الثاني : أن يكون عنده متنان بإسنادين ~~فيرويهما بأحدهما ؛ الثالث : أن يسمع حديثا من جماعة مختلفين في إسناده أو ~~متنه فيرويه عنهم باتفاق ، ولا يبين ما اختلف فيه . قالوا : تعمد كل واحد ~~من الثلاثة حرام ، وصاحبه ممن يحرف الكلم عن مواضعه ، وهو ملحن بالكذابين . ~~نعم ، ما أدرج لتفسير غريب لا يمنع ، ولذلك فعله الزهري ، وغير واحد من ~~الأئمة . # الثامن : المشهور : وهو ماله طرق محصورة بأكثر من اثنين ، سمى بذلك ~~لوضوحه ويطلق على ما اشتهر على الألسنة ، فيشمل ماله إسناد واحد فصاعدا ، ~~بل مالا يوجد له إسناد أصلا . ( كذا في النخبة ) . وما اشتهر على الألسنة ، ~~أعم عن اشتهاره عند المحدثين خاصة ، أو عندهم ، أو عند العامة مما لا أصل ~~له . # التاسع ، المستفيض : هو المشهور ، على رأي جماعة من أئمة الفقهاء ، سمى ~~بذلك لاننشاره ، من : فاض الماء يفيض فيضا ؛ ومنهم من غاير بين المستفيض ~~والمشهور ، بأن المستفيض PageV01P124 يكون في ابتدائه وانتهائه سواء ، ~~والمشهور أعم من ذلك ؛ ومنهم من غاير على كيفية أخرى ، وليس من مباحث هذا ~~الفن . ( كذا في شرح النخبة ) . # العاشر ، الغريب : هو ما رواه راو منفردا بروايته ، فلم يروه غيره ، أو ~~انفرد بزيادة في متنه ، أو إسناده ، سواء انفرد به مطلقا ، أو بقيد كونه عن ~~إمام شأنه أن يجمع حديثه لجلالته وثقته وعدالته ، كالزهري وقتادة . وإنما ~~سمى غريبا لانفراد راويه عن غيره ، كالغريب الذي شأنه الانفراد عن وطنه . ~~والغالب أنه غير صحيح ؛ ومن ثم كره جمع من الأئمة تتبعها . قال مالك : ( ( ~~شرا العلم الغريب ms071 ، وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس . ) ) وقال ~~الإمام أحمد : ( ( لا تكتبوا هذه الغرائب ، فإنها مناكير ، وغالبها عن ~~الضعفاء ) ) انتهى . # وينقسم الغريب إلى غريب متنا وإسنادا كما لو انفرد بمتنه واحد ، وإلى ~~غريب إسنادا لامتنا ، كحديث معروف روى متنه جماعة من الصحابة انفرد واحد ~~بروايته عن صحابي آخر ؛ فيه يقول الترمذي : غريب من هذا الوجه ) ) . ولا ~~يوجد ما هو غريب متنا ، وليس غريبا إسنادا ، إلا إذا اشتهر الحديث الفرد ، ~~عمن انفرد به فرواه عنه عدد كثير ، فإنه يصير غريبا مشهورا ، وغريبا متنا ~~لا إسنادا ، لكن بالنظر إلى أحد طرفي الإسناد ، فإن إسناده غريب في طرفه ~~الأول ، مشهور في طرفه الآخر ، كحديث : ( ( إنما الأعمال بالنيات ) ) فإن ~~الشهرة إنما طرأت له من عند يحيى بن سعيد الآخذ عن محمد بن إبراهيم التيمي ~~، عن علقمة ابن وقاص الليثي ، عن عمر بن الخطاب رفعه . ولا يدخل في الغريب ~~إفراد البلدان كقولهم : ( ( تفرد به أهل مكة أو الشام أو البصرة ) ) إلا أن ~~يراد بتفرد أهل مكة ، انفراد واحد منهم تجوزا ن فيكون حينئذ غريبا . # الحادي عشر ، العزيز : وهو ما انفرد عن راويه اثنان أو ثلاثة ، ولو رواه ~~بعد ذلك عن هذين الاثنين أو الثلاثة مئة ؛ فقد يكون الحديث عزيزا مشهورا ، ~~وينفرد عن الغريب PageV01P125 بكونه لا يرويه أقل من اثنين عن اثنين ، ~~بخلاف الغريب . سمى عزيزا لقلة وجوده ، أو لكونه قوى بمجيئه من طريق أخرى . # الثاني عشر ، المصحف : وهو الذي وقع فيه تصحيف ، ويكون في الإسناد والمتن ~~فمن الأول : العوام بن مراجم - بالراء والجيم - صحفه بعض الثقات فقال : ~~مزاحم - الزاي والحاء - ؛ ومن الثاني حديث : ( ( احتجر النبي في المسجد ) ) ~~أي اتخذ حجرة ، صحفه بعضهم : ( ( احتجم ) ) ؛ وهذان القسمان من تصحيف اللفظ ~~، وقد يكون في المعنى ، كقول محمد بن المثنى العنزي ( ( نحن قوم لنا شرف ، ~~نحن من عنزة ، صلى إلينا رسول الله ) ) فتوهم أنه صلى إلى قبلتهم ، وإنما ~~العنزة هنا ( ( الحرية ) ) تنصب بين يديه . # فائدة : التصحيف لغة : الخطأ في الصحيفة ، باشتباه الحروف ، مولدة ، وقد ~~تصحف عليه لفظ كذا ؛ والصحفي ms072 محركة من يخطىء في قراءة الصحيفة ؛ وقول ~~العامة : ( ( الصحفي ) ) بضمتين ، لحن : # الثالث عشر ، المنقلب : وهو الذي ينقلب بعض لفظه على الراوي ، فيتغير ~~معناه ، كحديث البخاري ، في باب : ( ( إن رحمه الله قريب من المحسنين ) ) ~~عن صالح بن كيسان ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة رفعه : اختصمت الجنة والنار ~~إلى ربهما . . . الحديث ) ) وفيه أنه ( ( ينثي للنار خلقا ) ) . صوابه كما ~~رواه في موضع آخر من طريق عبد الرزاق ، عن همام ، عن أبي هريرة بلفظ : ( ( ~~فأما الجنة فينشىء الله لها خلقا . . ) ) فسبق لفظ الراوي من الجنة إلى ~~النار ، وصار منقلبا ، ولذا جزم ابن القيم بأنه غلط ، ومال إليه البلقيني ، ~~حيث أنكر هذه الرواية ، واحتج بقوله تعالى : ( ^ ولا يظلم ربك أحدا ) . # الرابع عشر ، المسلسل : وهو ما يتابع رجال إسناده على حالة واحدة ، إما ~~في الراوي قولا نحو : ( ( سمعت فلانا يقول ، سمعت فلانا . . إلى المنتهى ) ~~) أو : ( ( أخبرنا فلان والله ، PageV01P126 قال أخبرنا فلان والله . . ) ) ~~أو فعلا كحديث التشبيك باليد أو قولا وفعلا كحديث : ( ( لا يجد العبد حلاوة ~~الإيمان حتى يؤمن بالقدر خيره وشره ، حلوه ومره ) ) وقبض رسول الله على ~~لحيته ، وقال : آمنت بالقدر خيره وشره ، حلوه ومره ) ) وكذا كل راو من ~~رواته قبض وقال . . وإما على صفة واحدة ، كاتفاق أسماء الرواة ، كالمحمديين ~~، أو صفاتهم كالفقهاء ، أو نسبتهم كالدمشقيين ؛ وقد جمع الحفاظ في ذلك ~~مؤلفات مشهورة . وأفضل المسلسلات ما دل على الاتصال في السماع ، وعدم ~~التدليس . ومن فوائده استماله على زيادة الضبط من الرواة ، ولكن قلما يسلم ~~عن خلل في التسلسل ، وقد ينقطع تسلسله في وسطه أو أوله أو آخره ، كحديث ~~الرحمة المسلسل بالأولية فإنه انتهى فيه التسلسل إلى عمرو بن دينار . # الخامس عشر ، العالي : وهو ما قربت رجال سنده من رسول الله ، بسبب قلة ~~عددها ، بالنسبة إلى سند آخر يرد بذلك الحديث بعينه بعدد كثير أو بالنسبة ~~لمطلق الأسانيد ؛ وأجله ما كان بإسناد صحيح ، ولا التفات إلى العلو مع ضعفه ~~وإن وقع في بعض المعاجم . ومن العلو القرب من إمام من أئمة الحديث ، كما لك ~~، وإن كثر بعده ms073 العدد إلى رسول الله ، ومنه القرب إلى الصحيحين وأصحاب ~~السنن والمسانيد والأول العلو الحقيقي ، وما بعده العلو النسبي . # قال الحافظ في شرح النخبة : ( ( وفي العلو النسبي الموافقة وهي الوصول ~~إلى شيخ أحد المصنفين من غير طريقة ، كأن يروي البخاري عن قتيبة عن مالك ~~حديثا ، فإذا روى من طريق البخاري كان العدد إلى قتيبة ثمانية ، وإذا روى ~~من غير طريقة كان العدد إليه سبعة ، فالراوي من الثاني وافق البخاري في ~~شيخه مع علو الإسناد على الإسناد إليه . وفي PageV01P127 العلو النسبي ~~البدل ، وهو الوصول إلى شيخ شيخه كذلك . وفيه أيضا المساواة ، وهي استواء ~~عدد الإسناد من الراوي إلى آخره مع إسناد أحد المصنفين . وفيه المصافحة وهي ~~الاستواء مع تلميذ ذلك المصنف ) ) . # السادس عشر ، النازل : وهو ما قابل العالي بأقسامه السابقة . والإسناد ~~النازل مفضول ، إلا إن تميز بفائدة كزيادة الثقة في رجاله على العالي أو ~~كونهم أحفظ أو أفقه ونحو ذلك . قال ابن المبارك : ( ( ليس جودة الحديث قرب ~~الإسناد ، بل جودته صحة الرجال ) ) . # السابع عشر ، وهو نوعان : فرد مطلق ، وفرد نسبي . ولكل أقسام . فإما ~~الفرد المطلق فهو ما تفرد به راو واحد عن جميع الرواة ، ثقات وغيرهم . وله ~~أربعة أحوال : حال يكون مخالفا لرواية من هو أحفظ منه ، فهذا ضعيف ، ويسمى ~~شاذا ومنكرا كما سيأتي . وحال لا يكون مخالفا ، ويكون هذا الراوي حافظا ~~ضابطا متقنا فيكون صحيحا . وحال يكون قاصرا عن هذا ، ولكنه قريب من درجته ، ~~فيكون حديثه حسنا . وحال يكون بعيدا عن حاله فيكون شاذا منكرا مردودا . ~~فتحصل أن الفرد المذكور قسمان : مقبول ، ومردود والمقبول ضربان : فرد لا ~~يخالف ، وراويه كامل الأهلية . وفرد هو قريب منه ، والمردود أيضا ضربان : ~~فرد مخالف للأحفظ ، وفرد ليس في راويه من الحفظ والإتقان ما يجبر تفرده . ~~القسم الثاني ، الفرد النسبي : وهو ما كان بالنسبة إلى صفة خاصة . وهو ~~أنواع : ما قيد بثقة ، كقولهم : لم يروه ثقة إلا فلان ، انفرد به عن فلان . ~~أو قيد ببلد معين كمكة والبصرة ومصر ، كقولهم : لم يرو هذا الحديث غير أهل ms074 ~~البصرة ، ونحو : تفرد به أهل مصر ، لم يشركهم أحد . ولا يقتضى شيء من ذلك ~~ضعفه إلا أن يراد تفرد واحد من أهل هذه البلاد ، فيكون من الفرد المطلق . ~~أو قيد براو مخصوص ، كقولهم : لم يروه عن بكر إلا وائل ، ولم يروه عن وائل ~~غير فلان ، فيكون غريبا . # الثامن عشر المتابع ( بكسر الباء ) : وهو ما وافق روايه راو آخر ، ممن ~~يصلح أن يخرج حديثه ، فرواه عن شيخه أو من فوقه . قال الحافظ في النخبة ~~وشرحها : ( ( والفرد PageV01P128 النسبي ، إن وافقه غيره ، فهو المتابع . ~~والمتابعة على مراتب ، إن حصلت للراوي نفسه فهي تامة ، أو لشيخه ، فمن فوقه ~~فهي القاصرة ، ويستفاد منها التقوية ، ولو جاءت بالمعنى كفي ، لكنها مختصة ~~من كونها من رواية ذلك الصحابي ) ) . # التاسع عشر ، الشاهد : وهو ما وافق راو راويه عن صحابي آخر . قال الحافظ ~~في النخبة وشرحها : ( ( وإن وجد متن يروي من حديث صحابي آخر يشبه في اللفظ ~~والمعنى ، أو في المعنى فقط ، فهو الشاهد . وخص قوم المتابعة بما حصل ~~باللفظ سواء كان من رواية ذلك الصحابي أم لا ؛ والشاهد بما حصل بالمعنى ~~كذلك . وقد تطلق المتابعة على الشاهد وبالعكس ) ) انتهى . # تنبيه : - في التقريب وشرحه : ( ( أن الاعتبار والمتابعات والشواهد أمور ~~يتداولها أهل الحديث ، يتعرفون بها حال الحديث . ينظرون : هل تفرد راويه ~~أولا ؟ وهل هو معروف أولا ؟ فالاعتبار أن يأتي إلى حديث لبعض الرواة ~~فيعتبره بروايات غيره من الرواة بسبر طرق الحديث ، ليعرف هل شارحه في ذلك ~~الحديث راو غيره فرواه عن شيخه أولا ؟ فإن لم يكن فينظر : هل تابع أحد شيخ ~~شيخه فرواه عمن روى عنه ؟ وهكذا إلى آخر الإسناد . وذلك المتابعة . فإن لم ~~يكن ، فينظر : هل أتي بمعناه حديث آخر ، وهو الشاهد ؟ فإن لم يكن فالحديث ~~فرد . فليس الاعتبار قسيما للمتابع والشاهد ، بل هو هيأة التوصل إليهما ) ) ~~انتهى . # وقال الحافظ في النخبة وشرحها : ( ( وأعلم أن تتبع الطرق من الجوامع ~~والمسانيد والأجزاء لذلك الحديث الذي PageV01P129 # 38 - ذكر أنواع تختص بالضعيف # النوع الأول ، الموقوف : وهو المروى عن الصحابة قولا لهم ، أو ms075 فعلا ، أو ~~تقريرا ، متصلا إسناده إليهم أو منقطعا ؛ ويستعمل في غيرهم مقيدا ؛ فيقال : ~~وقفه فلان على الزهري ونحوه ، وسبق أول الكتاب أن فقهاء خراسان يسمون ~~الموقوف أثرا ، والمرفوع خبرا . # قال النووي : ( ( وعند المحدثين ، كل هذا يسمي أثرا ؛ أي لأنه مأخوذ من ~~أثرت الحديث أي روبية . ) ) والموقوف ليس بحجة على الأصح # الثاني ، المقطوع : وهو ما جاء عن التابعين ، أو من دونهم من أقوالهم ، ~~وأفعالهم ، موقوفا عليهم ، وليس بحجة أيضا . # فائرتان : # الأولي : قال الزركشي في ( ( النكت ) ) : ( ( إدخال المقطوع في أنواع ~~الحديث ، فيه تسامح كبير ، فإن أقوال التابعين ومذاهبهم لا دخل لها في ~~الحديث ، فكيف تعد نوعا منة ؟ قال : نعم ؛ يجىء هنا ما في الموقوف ، من أنه ~~إذا كان ذلك ، لا مجال للاجتهاد فيهن يكون في حكم المرفوع ؛ وبه صرح ابن ~~العربي ، وادعى أنه مذهب مالك ) ) . # الثانية : من مظان الموقوف والمقطوع ، مصنف ابن أبي شيبة ، وعبد الرزاق ، ~~وتفاسير ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وابن المنذر ، وغيرهم . # الثالث ، المنقطع : وهو ما لم يتصل إسناده ، سواء سقط منه صحابي أو غيره ~~. وبعبارة أخرى ، سواء ترك ذكر الراوي من أول الإسناد أو وسطه أو آخره ، ~~إلا أن الغالب استعماله في رواية من دون التابعي عن الصحابة ، كما لك عن ~~ابن عمر . # الرابع ، المعضل : ( ( بفتح الضاد ) ) وهو ما سقط من إسناده أثنان فأكثر ~~، بشرط التوالي ؛ كقول مالك : قال رسول الله ، وقول الشافعي : قال ابن عمر ~~. # الخامس ، الشاذ : قال الشافعي : ( ( الشاذ ما رواه المقبول مخالفا لرواية ~~من هو أولى PageV01P130 منه ، لا أن يروي مالا يروي غيره ، فمطلق التفرد لا ~~يجعل المروي شاذا كما قيل ، بل مع المخالفة المذكورة ) ) . # السادس ، المنكر : وهو الحديث الفرد الذي لا يعرف متنه عن غير راويه ، ~~وكان راويه بعيدا عن درجة الضابط . # تنبيه : أعلم أن الشاذ والمنكر يجتمعان في اشتراط المخالفة لما يرويه ~~الناس ، ويفترقان في أن الشاذ رواية ثقة أو صدوق ، والمنكر رواية ضعيف . ~~وقد غفل من سوى بينهما . # السابع ، المتروك : وهو ما يرويه متهم بالكذب ، ولا يعرف إلا من جهته ، ~~ويكون مخالفا ms076 للقواعد المعلومة ، أو معروفا بالكذب في غير الحديث النبوي ، ~~أو كثير الغلط ، أو الفسق ، أو الغفلة . # الثامن ، المعلل : ويقال المعلول ، وهو ما ظاهره السلامة ، اطلع فيه بعد ~~التفتيش على قادح ؛ وتدرك العلة بعد جمع الطرق والفحص عنها بتفرد الراوي ، ~~وبمخالفه غيره له ، ممن هو أحفظ أو أضبط ، أو أكثر عددا ، مع قرائن تضم إلى ~~ذلك يهتدى الناقد إليها إلى اطلاعه على تصويب إرسال في الموصول ، أو تصويب ~~وقف في المرفوع ، أو دخل حديث في حديث ، أو وهم واهم بغير ذلك ، كإبدال راو ~~ضعيف بثقة ، بحيث غلب على ظنه ما وقف عليه من ذلك ، فحكم به أو تردد في ذلك ~~، فوقف عن الحكم بصحة الحديث ، مع أن ظاهره السلامة من العلة . وأكثر ما ~~تكون العلة في السند ، وقد تكون في المتن . ثم التي في السند قد تقدح في ~~صحة المتن ، وقد لا تقدح . وكما تكون خفية ، تكون ظاهرة ؛ فقد كثر إعلال ~~الموصول بالإرسال ، والمرفوع بالوقف إذا قوى الإرسال أو الوقف بكون راويهما ~~أضبط أو أكثر عددا على الاتصال ، أو الرفع ؛ وقد يعلون الحديث بأنواع الجرح ~~من الكذب والغفلة ، وفسق الراوي ، وسوء الحفظ ، بل أطلق الخليل اسم العلة ~~على غير القادح توسعا ، كالحديث الذي وصله الثقة ، وأرسله غيره . ~~PageV01P131 # التاسع المضطرب : ( ( بكسر الراء ) ) ، وهو الذي يروي على أوجه مختلفة ~~متقاربة ، والاختلاف إما من راو واحد ، بأن رواه مرة على وجه ، ومرة على ~~وجه آخر مخالف له ، أو أزيد من واحد ، بأن رواه كل من جماعة على وجه مخالف ~~للآخر . والاضطراب يوجب ضعف الحديث لإشعار بعدم الضبط من رواته ، الذي هو ~~شرج في الصحة والحسن . ويقع الاضطراب في الإسناد وفي المتن وفي كليهما معا ~~. ثم إن رجحت إحدي الروايتين أو الروايات ، يحفط راويها ، أو كثرة صحبته ~~المروي عنه ، أو غير ذلك من وجوه الترجيحات الآتية ، فالحكم للراجحة ولا ~~يكون الحديث مضطربا . # تنبيه . - قد يجامع الاضطراب الصحة ، وذلك بأن يقع الاختلاف في اسم رجل ~~واحد وأبيه ونسبته ونحو ذلك ، ويكون ثقة ، فيحكم للحديث بالصحة . ولا ms077 يضر ~~الاختلاف فيما ذكر مع تسميته مضطربا . وفي الصحيحين أحاديث كثيرة بهذه ~~المثابة قال الزركشي : ( ( قد يدخل القلب والشذوذ والاضطراب في قسم الصحيح ~~والحسن ) ) . # العاشر : المقلوب : وهو ما بدل فيه راو بآخر في طبقته ، أو أخذ إسناد ~~متنه فركب على متن آخر . ويقال له المركب . والقصد فيه إما الإعراب ، فيكون ~~كالوضع ، أو اختبار حفظ المحدث ، كما قلب أهل بغداد على البخاري ، لما ~~جاؤهم ، مئة حديث امتحانا فردها على وجوهها فأذعنوا بفضله . وقد يقع القلب ~~غلطا لا قصدا كما يقع الوضع كذلك . # الحادي عشر ، المدلس : ( ( بفتح اللام ) ) وهو ما سقط من إسناده راو لم ~~يسمه من حدث عنه ، موهما سماعه للحديث ممن لم يحدثه ، بشرط معاصرته له ؛ ~~فإن لم يكن عاصره فليست الرواية عنه تدليسا على المشهور . ومن التدليس أن ~~يسقط الراوي شيخ شيخه أو أعلى منه لكونه ضعيفا ، وشيخه ثقة ، أو صغيرا ~~تحسينا للحديث . ومنه أن يسمى شيخه أو يكنيه أو ينسبه أو يصفه بما لا يعرف ~~، ثم إن كان الحامل للراوي على التدليس تغطية الضعيف فجرح ، لأن ذلك حرام ~~وغش ، وإلا فلا ؛ وما كان في الصحيحين وشبههما عن المدلسين ( ( بعن ) ) ~~فمحمول على ثيوت السماع من جهة أخرى ، وإيثار صاحب الصحيح طريق العنعنة ~~لكونها على شرطه دون تلك والله أعلم . PageV01P132 # الثاني عشر ، المرسل : وهو ما سقط منه الصحابي ؛ كقول نافع : قال رسول ~~الله كذا ، أو فعل كذا ، أو فعل بحضرته كذا ، ونحو ذلك . هذا هو المشهور . ~~وقد يطلق المرسل على المقطع والمعضل السالف ذكرهما ، كما يقع ذلك في كثير ~~من السنن والصحيح أيضا ( كما في فتح المغيث ) . وهو رأي الفقهاء والأصوليين ~~. ومما يشهد للتعميم ، قول ابن القطان : ( ( إن الإرسال رواية الرجل عمن لم ~~يسمع منه ) ) . # تنبيه . - عدنا للمرسل في أنواع الضعيف ، موافقة للأكثرين ، ولا بأس ~~بالإشارة إلى المذاهب فيه ، مع بسط ما ، فإنه موقف مهم فنقول : # للأئمة مذاهب في المرسل ، مرجعها إلى ثلاثة : الأول : أنه ضعيف مطلقا ؛ ~~الثاني : حجة مطلقا ؛ الثالث : التفصيل فيه . # فأما المذهب الأول : فهو المشهور . قال النووي ms078 رحمه الله في التقريب : ( ~~( ثم المرسل حديث ضعيف عند جماهير المحدثين ، وكثير من الفقهاء ، وأصحاب ~~الأصول . ) ) وقال رحمه الله في شرح المهذب بعد هذا : ( ( وحكاه الحاكم أبو ~~عبد الله . عن سعيد بن المسيب ، وجماعة أهل الحديث . ) ) وقال مسلم في ~~مقدمة صحيحه : ( ( والمرسل من الروايات في أصل قولنا وقول أهل العلم ~~بالأخبار ، ليس بحجة : ) ) انتهى . # قال النووي : ( ( ودليلنا في رد العمل به ، أنه إذا كانت رواية المجهول ~~المسمى لا تقبل لجهالة حاله ، فرواية المرسل أولى ، لأن المروي عنه محذوف ~~مجهول العين والحال . قال الحافظ في شرح النخبة : وإنما ذكر - يعنى المرسل ~~- في قسم المردود للجهل بحال المحذوف ، لأنه يحتمل أن يكون صحابيا ، ويحتمل ~~أن يكون تابعيا ، وعلى الثاني يحتمل أن يكون ضعيفا ، ويحتمل أن يكون ثقة ؛ ~~وعلى الثاني يحتمل أن يكون حمل عن صحابي ، ويحتمل أن يكون حمل عن تابعي آخر ~~؛ وعلى الثاني فيعود الاحتمال السابق ويتعدد ، أما بالتجويز العقلي فإلي ما ~~لا نهاية له ، وأما بالاستقراء فإلى ستة أو سبعة ، وهو أكثر ما وجد من ~~رواية بعض التابعين عن بعض . ) ) انتهى . PageV01P133 # وأما المذهب الثاني وهو من قال : ( ( المرسل حجة مطلقا ) ) فقد نقل عن ~~مالك ، وأبي حنيفة ، وأحمد في رواية حكاها النووي ، وابن القيم ، وابن كثير ~~، وغيرهم . وحكاه النووي أيضا في شرح المهذب عن كثيرين من الفقهاء أو ~~أكثرهم . قال : ( ( ونقله الغزالي عن الجماهير ) ) قال القرافي في شرح ~~التنقيح : ( ( حجة الجواز أن سكوته عنه مع عدالة الساكت ، وعلمه أن روايته ~~يترتب عليها شرع عام ، فيقتضى ذلك أنه ما سكت عنه إلا وقد جزم بعدالته ؛ ~~فسكوته كإخباره بعدالته ، وهو لو زكاه عندنا ، قبلنا تزكيته ، وقبلنا ~~روايته ؛ فكذلك سكوته عنه ، حتى قال بعضهم : إن المرسل أقوى من المسند بهذا ~~الطريق ، لأن المرسل قد تذمم الراوي وأخذه في ذمته عند الله تعالى وذلك ~~يقتضى وثوقه بعدالته ؛ وأما إذا أسند فقد فوض أخره للسامع ، ينظر فيه ، ولم ~~يتذممه ؛ فهذه الحالة أضعف من الإرسال ) ) انتهى . وفي التدريب عن ابن جرير ~~قال : ( ( أجمع التابعون بأسرهم على قبول ms079 المرسل ، ولم يات عنهم إنكاره ولا ~~عن أحد من الأئمة بعدهم إلى رأس المئتين ؛ قال ابن عبد البر : كأنه يعنى أن ~~الشافعي أول من رده ) ) انتهى . وقال السخاوي في فتح المغيث : ( ( قال أبو ~~داود في رسالته : وأما المراسيل فقد كان أكثر العلماء يحتجون بها فيما مضى ~~، مثل سفيان الثوري ، ومالك ، والأوزاعي حتى جاء الشافعي رحمه الله ، فتكلم ~~في ذلك ، وتابعه عليه أحمد وغيره . ) ) انتهى . ثم اختلفوا : هل هو أعلى ~~منه المسند ، أو دونه ، أو مثله ؟ وتظهر فائدة الخلاف عند التعارض ؛ والذي ~~ذهب إليه أحمد ، وأكثر المالكية ، والمحققون من الحنفية ، كالطحاوي وأبي ~~بكر الرازي ، تقديم المسند . قال ابن عبد البر : ( ( وشبهوا ذلك بالشهود ، ~~يكون بعضهم أفضل حالا من بعض ، وأقعد وأتم معرفة ، وإن كان الكل عدولا ~~جائزي الشهادة ) ) انتهى . # والقائلون بأنه أعلى وأرجح من المسند ، وجهوه بأن من أسند فقد أحالك على ~~إسناده ، والنظر في أحوال رواته ، والبحث عنهم ، ومن أرسل مع علمه ودينه ~~وإمامته وثقته ، PageV01P134 فقد قطع لك بصحته ، وكفاك النظر فيه كما قدمنا ~~عن القرافي . ومحل الخلاف فيما قيل ، إذا لم ينضم إلى الإرسال ضعف في بعض ~~رواته ، وإلا فهو حينئذ أسوأ حالا من مسند ضعيف جزما ، ولذا قيل : إنهم ~~اتفقوا على اشتراط ثقة المرسل ، وكونه لا يرسل إلا عن الثقات ، قاله ابن ~~عبد البر ، وكذا أبو الوليد الباجي من المالكية ، وأبو بكر الرازي من ~~الحنفية . ( وأما الثاني ) فلا خلاف أنه لا يجوز العمل بالمرسل إذا كان ~~مرسله غير متحرز بل يرسل عن غير الثقات أيضا . وعبارة الأول : ( ( فقال : ~~لم تزل الأئمة يحتجون بالمرسل إذا تقارب عصر المرسل والمرسل عنه ، ولم يعرف ~~المرسل بالرواية عن الضعفاء . وممن اعتبر ذلك من مخالفيهم ، الشافعي ، ~~فجعله شرطا في المرسل المعتضد ، ولكن توفق شيخنا في صحة نقل الاتفاق من ~~الطرفين قبولا وردا . قال : لكن ذلك فيهما عن جمهور مشهور . ) ) انتهى . ~~وفي كلام الطحاوي ما يومئ إلى احتياج المرسل ونحوه إلى الاحتفاف بقرينة ~~وذلك أنه قال - في حديث أبي عبيدة بن عبد الله بن ms080 مسعود أنه سئل : ( ( كان ~~عبد الله مع النبي ليلة الجن ؟ : قال : لا ) ) - ما نصه : فإن قيل هذا ~~منقطع لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه شيئا ، يقال : نحن لم نحتج به من هذه ~~الجهة ، إنما احتججنا به لأن مثل أبي عبيدة على تقدمه في العلم ، وموضعه من ~~عبد الله ، وخلطته بخاصته من بعده لا يخفي عليه مثل هذا من أموره ، فجعلنا ~~قوله حجة لهذا ، لا من الطريق التي وصفت . ونحوه قول الشافعي رحمه الله في ~~حديث لطاوس عن معاذ : ( ( طاوي لم يلق معاذا ، لكنه علام بأمر معاذ وإن لم ~~يلقه ، لكثرة من لقيه ، ممن أخذ عن معاذ ، وهذا لا أعلم من أحد فيه خلافا . ~~) ) وتبعه البيهقي وغيره . ومن الحجج لهذا القول : أن احتمال الضعف في ~~الواسطة حيث كان تابعيا ، لا سيما بالكذب ، بعيدا جدا ، فإنه أثنى على عصر ~~التابعين ، وشهد له بعد الصحابة بالخيرية ، ثم للقرنين ، كما تقدم ، بحيث ~~استدل بذلك على تعديل أهل القرون الثلاثة ، وإن تفاوتت منازلهم في الفضل ؛ ~~فإرسال التابعي ، PageV01P135 بل ومن اشتمل عليه باقي القرون الثلاثة ، ~~الحديث بالجزم من غير وثوق بمن قاله ، مناف لها ؛ هذا مع كون المرسل عنه ~~ممن اشترك معهم في هذا الفضل . وأوسع من هذا قول عمر رضي الله عنه : ( ( ~~المسلمون عدول ، بعضهم على بعض ، إلا مجلودا في حد ، أو مجربا عليه شهادة ~~زور ، أو ظنينا في ولاء أو قرابة . ) ) قالوا : فاكتفى رضي الله عنه بظاهر ~~الإسلام في القبول ، إلا أن يعلم منه خلاف العدالة ، ولو لم يكن الواسطة من ~~هذا القبيل لما أرسل عنه التابعين والأصل قبول خبره حتى يثبت عنه ما يقتضى ~~الرد . وكذا ألزم بعضهم المانعين بأن مقتضى الحكم لتعاليق البخاري المجزومة ~~بالصحة إلى من علق عنه أن من يجزم من أئمة التابعين عن النبي بحديث يستلزم ~~صحته من باب أولي ، لا سيما وقد قيل : إن المرسل لو لم يحتج بالمحذوف لما ~~حذفه ، فكأنه عدله . ويمكن إلزامهم لهم أيضا بأن مقتضى تصحيحهم في قول ~~التابعي من السنة ، وقفه على ms081 الصحابي حمل قول التابعي ( ( قال رسول الله ) ~~) على أن المحدث له بذلك صحابي ، تحسينا للظن به ف حجج يطول إيرادها لا ~~ستلزامه التعرض للرد مع كون جامع التحصيل في هذه المسألة للعلائي متكفلا ~~بذلك كله ، وكذا صنف فيها ابن عبد الهادي جزءا . # 39 - ذكر مناقشة الفريق الأول لما ذكره أهل المذهب الثاني # قال السخاوي في فتح المغيث بعد حكايته عن الحاكم أنه روى عن سعيد بن ~~المسيب عدم قبول المرسل ما نصه : ( ( وبسعيد يرد على ابن جرير الطبري من ~~المتقدمين ، وابن الحاجب من المتأخرين ، ادعاؤهما إجماع التابعين على قبوله ~~، إذ هو من كبارهم ، مع أنه لم يتفرد من بينهم بذلك ، بل قال به منهم ابن ~~سيرين ، والزهري ؛ وغايته : أنهم غير متفقين على مذهب واحد ، كاختلاف من ~~بعدهم ، ثم إن ما أشعر به كلام أبي داود في كون الشافعي أول من ترك ~~الاحتجاج به ، ليس على ظاهره ، بل هو قول ابن مهدين ويحيى القطان ، وغير ~~واحد ممن قبل الشافعي ؛ ويمكن أن يكون اختصاص الشافعي لمزيد التحقيق فيه . ~~) ) ثم قال السخاوي : ( ( وما أوردته من حجج الأولين ، مردود . أما الحديث ~~فمحمول على الغالب PageV01P136 والأكثرية ، وإلا فقد وجد فيمن بعد الصحابة ~~من القرنين ، من وجدت فيه الصفات المذمومة ، لكن بقلة ؛ بخلاف من بعد ~~القرون الثلاثة ، فإن ذلك كثر فيهم واشتهر . وقد روى الشافعي عن عمهن حدثنا ~~هشام بن عروة عن أبيه ، قال : إني لأسمع الحديث استحسنه ، فما يمنعنى من ~~ذكره إلا كراهية أن يسمعه سامع فيقتدى به ، وذلك أني أسمعه من الرجل لا أثق ~~به قد حدث به عمن أثق به ، أو اسمعه من الرجل أثق به ، قد حدث عم لا أثق به ~~. وهذا ، كما قال ابن عبد البر ، يدل على أن ذلك الزمان ، أي زمان الصحابة ~~والتابعين كان يحدث فيه الثقة وغيره ، ونحوه ما أخرجه العقيلي من حديث ابن ~~عون ، قال : ذكر أيوب السختياني لمحمد بن سيرين حديثا عن أبي قلابة ، فقال ~~: أبو قلابة رجل صالح ، ولكن عمن ذكره أبو قلابة ؟ ومن حديث ms082 عمران بن حدير ~~، أن رجلا حدثه عن سليمان التيمي ، عن محمد بن سيرين ، أن من زار قبرا أو ~~صلى إليه ، فقد برئ الله منه ، قال عمران ( ( فقلت لمحمد عن أبي مجلز : إن ~~رجلا ذكر عنك كذا ، فقال أبو مجلز : كنت أحسبك يا أبا أبا برك أشد اتقاء ، ~~فإذا لقيت صاحبك فأقرئه السلام ، وأخبره أنه كذب ، قال : ثم رأيت سليمان ~~عند أبي مجلز ، فذكرت ذلك له ، فقال : سبحان الله ! إنما حدثنيه مؤذن لنا ، ~~ولم أظنه يكذب . فإن هذا والذي قبله فيهما رد أيضا على من يزعم أن المراسيل ~~لم تزل مقبولة معمولا بها . ومثل هذه حديث عاصم عن ابن سيرين قال : كانوا ~~لا يسألون عن الإسناد حتى وقعت الفتنة بعد . وأعلى من ذلك ، ما رويناه في ~~الحلية من طريق ابن مهدي عن ابن لهيعة ، أنه سمع شيخا من الخوارج يقول بعد ~~ما تاب . ( ( إن هذه الأحاديث دين ، فانظروا عمن تأخذون دينكم ، إنا كنا ~~إذا هوينا أمرا صيرناه حديثا . ) ) انتهى . ولذا قال شيخنا إن هذه والله ~~قاصمة الظهر للمحتجين بالمرسل ، إذ بدعة الخوارج كانت في صدر الإسلام ، ~~والصحابة متوافرون ، ثم في عصر التابعين ، فمن بعدهم ، وهؤلاء كانوا إذا ~~استحسنوا أمرا جعلوه حديثا ، وأشاعوه ، فربما سمع الرجل الشيء فحدث به ولم ~~يذكر من حدثه به تحسينا للظن ، فيحمله عنه غيره ، ويجئ الذي يحتج بالمقاطيع ~~، فيحتج به ، مع كون أصله PageV01P137 ما ذكرتن فلا حول ولا قوة إلا بالله ~~. وأما الإلزام بتعاليق البخاري ، فهو قد علم شرطه في الرجال وتقيده بالصحة ~~، بخلاف التابعين . وأما ما بعده ، فالتعديل المحقق في المبهم لا يكفي على ~~المعتمد ، فكيف بالاسترسال إلى هذا الحد ؟ نعم قد قال ابن كثير : المبهم ~~الذي لم يسم ، أو سمى ولم تعرف عينهن لا يقبل روايته أحد علمناه ، ولكن إذا ~~كان في عصر التابعين والقرون المشهود لها بالخير ، فإنه يستأنس بروايته ، ~~ويستضاء بها في مواطن ؛ وقد وقع في مسند أحمد وغيره من هذا القبيل كثير . ~~وكذا يمكن الانفصال عن الأخير ، بأن الموقوف لا انحصار له ms083 فيما اتصل ، ~~بخلاف المحتج به . وبهذا وغيره مما لا نطيل بإيراده قوبت الحجة في المرسل ~~وإدراجه في جملة الضعيف . * * * # 40 - ذكر المذهب الثالث في المرسل ممن اعتدل في شأنه وفصل فيه # ذهب كثبر من الأئمة إلى الاحتجاج بالمرسل بملاحظات دققوا فيها ؛ منهم ~~الإمام الشافعي رحمه الله تعالى . قال النووي في مقدمة شرح المهذب : ( ( ~~قال الشافعي رحمه الله : وأحتج بمرسل كبار PageV01P138 التابعين ، إذا أسند ~~من جهة أخرى ، أو أرسله من أخذ عن غير رجال الأول ، أو وافق قول الصحابي ، ~~أو أفتى أكثر العلماء بمقتضاه . ) ) هذا نظر الشافعي في الرسالة وغيرها . ~~وكذا نقل عنه الأئمة المحققون من أصحابنا الفقهاء والمحدثين كالبيهقي ~~والخطيب البغدادي ، وآخرين ؛ لا فرق في هذا عنده بين مرسل سعيدين المسيب ~~وغيره . هذا هو الصحيح الذي ذهب إليه المحققون . وقد قال الشافعي في مختصر ~~المزني في آخر باب الربا : أخبرنا مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن سعيد بن ~~المسيب ، أن رسول الله نهى عن بيع اللحم بالحيوان . وعن ابن عباس : أن ~~جزورا نحرت على عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه فجاء رجل بعناق ، فقال : ~~أعطوني بهذه العناق ! فقال أبو بكر رضي الله عنه : لا يصلح هذا . ) ) قال ~~الشافعي رحمه الله : ( ( وكان القاسم بن محمد ، وسعيد بن المسيب ، وعروة بن ~~الزبير ، وأبو بكر بن عبد الرحمن ، يحرمون بيع اللحم بالحيوان . ) ) قال ~~الشافعي : ( ( وبهذا نأخذ ، ولا نعلم أحدا من أصحاب رسول الله حالف أبا بكر ~~الصديق رضي الله عنه . ) ) يحروفه لما يترتب عليه من الفوائد . فإذا عرف ~~هذا ، فقد اختلف أصحابنا المتقدمون في معنى قول الشافعي : ( ( إرسال ابن ~~المسبب عندنا حسن ) ) على وجهين ، حكاهما الشيخ أبو إسحاق في كتابه اللمع ، ~~وحكاهما أيضا الخطيب البغدادي في كتابه ( ( كتاب الفقيه والمتفقه ؛ ~~والكفاية ) ) وحكاهما جماعات آخرون : # أحدهما : معناه أنه حجة عنده بخلاف غيرها من المراسيل . قالوا : لأنها ~~فتشت فوجدت مسندة . # والوجه الثاني : أنها ليست بحجة عنده ، بل هي كغيرها على ما ذكرناه . # قالوا : وإنما رجح الشافعي رحمه الله بمرسله ، والترجيح بالمرسل جائز . ~~قال الخطيب ms084 البغدادي في كتاب الفقيه والمتفقه : ( ( والصواب ، الوجه الثاني ~~؛ قالوا : لأنها فتشت فوجدت مسندة . # والوجه الثاني : أنها ليست بحجة عنده ، بل هي كغيرها على ما ذكرناه . # قالوا : وإنما رجح الشافعي رحمه الله بمرسله ، والترجيح بالمرسل جائز . ~~قال الخطيب البغدادي في كتاب الفقيه والمتفقه : ( ( والصواب ، الوجه الثاني ~~؛ وأما الأول فليس PageV01P139 بشيء . ) ) وكذا قال في الكفاية : : ( ( ~~الوجه الثاني هو الصحيح عندنا من الوجهين ، لأن في مراسيل سعيد ، ما لم ~~يوجد مسندا بحال ، من وجه يصح . ) ) قال : ( ( وقد جعل الشافعي لمراسيل ~~كبار التابعين مزية على غيرهم ، كما استحسن مرسل سع . ) ) هذا كلام الخطيب ~~. # وذكر الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي رحمه الله نص الشافعي كما قدمته . ~~قال : ( ( قال الشافعي : نقبل مراسيل كبار التابعين ، إذا انضم إليها ما ~~يؤكدها ؛ فإن لم ينضم لم نقبلها ، سواء كان مرسل ابن المسيب أو غيره . ) ) ~~قال : ( ( وقد ذكرنا مراسيل لابن المسيب لم يقبلها الشافعي حين لم ينضم ~~إليها ما يؤكدها ، ومراسيل لغيره قال بها حين انضم إليها ما يؤكدها . ) ) ~~قال : ( ( وزيادة ابن المسيب في هذا على غيره أنه أصح التابعين إرسالها ~~فيما زعم الحفاظ . ) ) فهذا كلام البيهقي والخطيب ، وهما إمامان حافظان ~~فقيهان شافعيان ، متضلعان من الحديث والفقه والأصول والخبرة التامة بنصوص ~~الشافعي ، ومعاني كلامه ؛ ومحلهما من التحقيق والإتقان ، والنهاية في ~~العرفان ، بالغاية القصوى ، والدرجة العليا . وأما تول الإمام أبي بكر ~~القفال المروزي رحمه الله في أول كتابه ( ( شرح التلخيص ) ) : ( ( قال ~~الشافعي في رهن الصغير : مرسل ابن المسيب عندنا حجة . ) ) فهو محمول على ~~التفصيل الذي قدمناه عن البيهقي والمحققين ، والله أعلم . # ( ( قلت : ولا يصح تعلق من قال : إن مرسل سعيد حجة ، بقوله : ( ( إرساله ~~حسن ) ) لأن الشافعي رحمه الله لم يعتمد عليه وحجه ، بل اعتمده لما انضم ~~إليه من قول أبي بكر الصديق ، ومن حضره ، وانتهى إليه قوله من الصحابة رضي ~~الله عنهم ، مع ما انضم إليه من قول أئمة التابعين الأربعة ، والذين ذكرهم ~~. وهم أربعة من فقهاء المدينة السبعة وهو مذهب مالك وغيره . فهذا عاضد ثان ~~للمرسل ؛ فلا يلزم من هذا ms085 الاحتجاج بمرسل ابن المسيب ، إذا لم يعضده : فإن ~~قيل : ذكرتم أن المرسل إذا أسند من جهة أخرى احتج به ، وهذا القول فيه ~~تساهل ، لأنه إذا أسند عملنا بالمسند ، فلا فائدة حينئذ في المرسل ، ولا ~~عمل به ؟ والجواب أن بالمسند يتبين صحة المرسل ، وأنه مما يحتج به ، فيكون ~~في المسألة حديثان PageV01P140 صحيحان ، حتى لو عارضهما حديث صحيح من طريق ~~واحد ، وتعذر الجمع ، قدمناهما عليه والله أعلم . ) ) انتهى كلام النووي . # تتمة : . - أورد العلامة القرافي رحمه الله تعالى في التنقيح سؤالا فقال ~~: ( ( الإرسال هو إسقاط صحابي من السند ، والصحابة كلهم عدول ، فلا فرق بين ~~ذكره والسكوت عنه ؛ فكيف جرى الخلاف فيه ؟ ) ) وأجاب هو كما في نسخة من ~~التنقيح : ( ( بأنهم عدول إلا عند قيام المعارض ، وقد يكون المسكوت عنه ~~منهم ، عرض في حقه ما يوجب القدح ، فيتوقف في قبول الحديث ، حتى تعلم ~~سلامته عن القادح ) ) انتهى . # وبهذا علل أيضا من رد المرسل ، كما في شرح جمع الجوامع للمحلي ، واعترضه ~~الشهاب : ( ( بأن هذا يخالف ما مر من أنهم عدول لا يبحث عن حالهم ) ) وأجاب ~~ابن قاسم : ( ( بأن هذا التوجيه مفرع على القول بأنهم كغيرهم يبحث عن ~~عدالتهم ) ) انتهى . # والتحقيق : أن جريان الخلاف فيه وقوة ضعفه لما أسلفناه أولا عن شرح ~~النخبة فتأمله . * * * # 41 - بيان أكثر من تروي عنهم المراسيل والموازنة بينهم # قال الحاكم في علوم الحديث : ( ( أكثر ما تروى المراسيل من أهل المدينة ، ~~عن ابن المسيب ؛ ومن أهل مكة ، عن عطاء بن أبي رباح ؛ ومن أهل البصرة ، عن ~~الحسن البصري ؛ ومن أهل الكوفة ، عن إبراهيم بن يزيد النخعي ؛ ومن أهل مصر ~~، عن سعيد بن أبي هلال ؛ ومن أهل الشام ، عن مكحول . ) ) قال : ( ( وأصحها ~~كما قال ابن معين ، مراسيل ابن المسيب ، لأنه من أولاد الصحابة ، وأدرك ~~العشرة ، وفقيه أهل الحجاز ، ومفتيهم ، وأول الفقهاء PageV01P141 السبعة ~~الذين يعتد مالك بإجماعهم كإجماع كافة الناس . وقد تأمل الأئمة المتقدمون ~~مراسيله فوجدوها بأسانيد صحيحة ، وهذه الشرائط لم توجد في مراسيل غيره . ) ~~) قال : ( ( والدليل على عدم الاحتجاج بالمرسل غير المسموع من الكتاب ms086 ، ~~قوله تعالى : ( ^ ليتفقهوا في الدين ، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم . ) ~~) ومن السنة : ( ( تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن يسمع منكم ) ) . # قال السيوطي : ( ( تكلم الحاكم على مراسيل سعيد فقط ، دون سائر من ذكر ~~معه ؛ ونحن نذكر ذلك : فمراسيل عطاء : قال ابن المديني : كان عطاء يأخذ عن ~~كل ضرب ؛ مرسلات مجاهد أحب إلى من مرسلاته بكثير . وقال أحمد بن حنبل . ~~مرسلات سعيد بن المسيب أصح المرسلات ؛ ومرسلات إبراهيم النخعي لا بأس بها ؛ ~~وليس في المرسلات أضعف من مرسلات الحسن ، وعطاء بن أبي رباح ، فإنهما كانا ~~يأخذان عن كل أحد . ومراسيل الحسن تقدم القول فيها عن أحمد . وقال ابن ~~المديني : ( ( مرسلات الحسن البصري التي رواها عند عنه الثقات صحاح ، ما ~~أقل ما يسقط منها ! ) ) وقال أبو زرعة : ( ( كل شيء ، قال الحسن قال رسول ~~الله ، وجدت له أصلا ثابتا ما خلا أربعة أحاديث . ) ) وقال يحيى ابن سعيد ~~القطان : ( ( ما قال الحسن في حديثه : قال رسول الله ، إلا وجدنا له أصلا ، ~~إلا حديثا أو حديثين . ) ) قال شيخ الإسلام ابن حجر : ( ( ولعله أراد ما ~~جزم به الحسن ) ) وقال غيره ( ( قال رجل للحسن يا أبا سعيد ! إنك تحدثنا ~~فتقول : قال رسول الله ، فلو كنت تسنده لنا إلى من حدثك ؟ ) ) فقال الحسن : ~~( ( أيها الرجل ! ما كذبنا ولا كذبنا ! ! ولقد غزونا غزوة إلى خراسان ومعنا ~~فيها ثلاثمائة من أصحاب محمد . ) ) وقال يونس بن عبيد ( ( سألت الحسن ، قلت ~~يا أبا سعيد ! إنك تقول : قال رسول الله ، وإنك لم تدركه ؟ ) ) فقال : ( ( ~~يا ابن أخي ! لقد سألتني عن شيء ، ما سألني عنه أحد قبلك ، ولو منزلتك مني ~~PageV01P142 ما أخبرتك : إني في زمان كما ترى - وكان في زمن الحجاج - كل ~~شيء شمتني أقوله : قال رسول الله ، فهو على بن أبي طالب ؛ غير أني في زمان ~~لا أستطيع أن أذكر عليا . ) ) وقال محمد بن سعيد : ( ( كل ما أسند من حديثه ~~، أو روى عمن سمع منه ، فهو حسن حجة ، وما أرسل من الحديث ، فليس بحجة . ) ~~) مراسيل الحسن عندهم شبه الريح . وأما مراسيل النخعي ، فقال ابن معين ms087 : ~~مراسيل إبراهيم أحب إلى من مراسيل الشعبي ) ) . وعنه أيضا : أعجب إلى ~~مرسلات سالم بن عبد الله ، والقاسم ، وسعيد بن المسيب . وقال : أحمد لا بأس ~~بها . ) ) وقال الأعمش : ( ( قلت لإبراهيم النخعي : أسند لي عن ابن مسعود ~~فقال : إذا حدثتكم عن رجل ، عن عبد الله فهو الذي سمعت ؛ وإذا قلت : قال ~~عبد الله ، فهو عن غير واحد عن عبد الله . ) ) انتهى . * * * # 42 - ذكر مرسل الصحابة # قال النووي : ( ( ما تقدم من الخلاف في المرسل ، كله في غير مرسل الصحابي ~~؛ أما مرسل الصحابي كإخباره عن شيء فعله النبي ، أو نحوه مما يعلم أنه لم ~~يحضره ، لصغر سنه ، أو لتأخر إسلامه ، أو غير ذلك ، فالمذهب الصحيح المشهور ~~الذي قطع به جمهور أصحابنا ، وجماهير أهل العلم ، أنه حجة . وأطبق المحدثون ~~المشترطون للصحيح ، القائلون بأن المرسل ليس بحجة على الاحتجاج به ، ~~وإدخاله في الصحيح ، وفي صحيحي البخاري ومسلم ، من هذا ما لا يحصى . وقال ~~أبو إسحاق الأسفراييني لا يحتج به بل حكمه حكم مرسل غيره ، إلا أن يتبين ~~أنه لا يرسل إلا ما سمعه من النبي ، أو صحابي . قال : لأنهم قد يروون عن ~~غير صحابي . ) ) قال النووي : ( ( والصواب الأول ، وأنه يحتج به مطلقا ، ~~لأن روايتهم عن غير الصحابي نادرة ، وإذا رووها بينوها ، فإذا أطلقوا ذلك ، ~~فالظاهر أنه عن الصحابة ، والصحابة كلهم عدول . ) ) انتهى . # أي فلا تقدح فيهم الجهالة بأعيانهم ، وأيضا فما يروونه عن التابعين ، ~~غالبه بل عامته إنما هو من الإسرائيليات ، وما أشبهها من الحكايات ~~والموقوفات . PageV01P143 # 43 - مراتب المرسل # قال السخاوي في فتح المغيث : ( ( المرسل مراتب ، أعلاها ما أرسله صحابي ~~ثبت سماعه ثم صحابي له رؤية فقط ولم يثبت سماعه ، ثم المخضرم ، ثم المتقن ~~كسعيد بن المسيب ، ويليها من كل يتحرى في شيوخه ، كالشعبي ومجاهد ، ودونها ~~مراسيل من كان يأخذ عن كل أحد ، كالحسن . وأما مراسيل صفار التابعين كقتادة ~~، والزهري ، وحميد الطويل ، فإن غالب رواية هؤلاء عن التابعين . * * * # 44 - بحث قول الصحابي : من السنة كذا ، وقوله أمرنا بكذا ، ونهينا هن كذا # أعلم أن قول الصحابي : ( ( من السنة ms088 كذا ، أو أمرنا بكذا ، أو نهينا عن ~~كذا ) ) وما أشبهه ، كله مرفوع على الصحيح الذي قاله الجمهور ، لأن مطلق ~~ذلك ينصرف بظاهره إلى من له الأمر والنهي ، ومن يجب اتباع سنته ، وهو رسول ~~الله ، واحتمال أن يكون الآمر غيره ، وأن يريد سنة غيره بعيد ، وإن كنا لا ~~ننكر أن إطلاق ذلك يصدق مع الواسطة ولكن العادة أن من له رئيس معظم فقال : ~~أمرنا بكذا ، فإنما يريد أمر رئيسه ، ولا يفهم عنه إلا ذلك ، ورسول الله ، ~~هو عظيم الصحابة ، ومرجعهم ، والمشار إليه في أقوالهم وأفعالهم ، فتصرف ~~إطلاقاتهم إليه ، وما قيل : ( ( إن الفاعل إذا حذف احتمل النبي وغيره ، فلا ~~نثبت شرعا بالشك ! فجوابه أن ظاهر الحال صارف للنبي كما تقدم تقريره . # وكذلك السنة ، أصلها في اللغة : الطريقة ، ومنه سنن الطريق الذي يمشى فيه ~~، غير أنها في عرف الاستعمال صارت موضوعة لطريقته عليه السلام في الشريعة . ~~كذا قاله القرافي في التنقيح ، ومما يؤيد أن ذلك في حكم الرفع في السنة ، ~~ما رواه البخاري في صحيحة في حديث ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله بن عمر ، ~~عن أبيه ، في قصته مع الحجاج حين قال له : ( ( إن كنت تريد السنة ، فهجر ~~بالصلاة ) ) قال ابن شهاب : ( ( فقلت لسالم : PageV01P144 أفعله رسول الله ~~؟ ) ) فقال : وله يعنون بذلك إلا سنته ! ) ) فنقل سالم - وهو أحد الفقهاء ~~السبعة من أهل المدينة ، وأحد الحفاظ من التابعين عن الصحابة - أنهم إذا ~~أطلقوا السنة لا يريدون بذلك إلا سنة النبي . ومما يؤيد الرفع في ( ( ~~كنانؤمر ) ) ما رواه الشيخان عن أبي موسى في قصة استئذانه على عمر ؛ ولفظ ~~البخاري : ( ( عن أبي موسى قال : استأذنت على عمر ثلاثا ، فلم يؤذن لي ، ~~وكأنه كان مشغولا ، فرجعت ؛ ففرغ عمر فقال : ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس ~~؟ إيذنوا له ! قيل : قد رجع ! فدعاني ، فقلت : ( ( كنا نؤمر بذلك ) ) فقال ~~: ( ( تأتيني على ذلك بالبينة ؟ ) ) فانطلقت إلى مجلس الأنصار ، فسألتهم ، ~~فقالوا : لا يشهد لك على هذا إلا أصغرنا أبو سعيد الخدري ، فذهبت بأبي سعيد ~~الخدري ، فذهبت بأبي سعيد الخدري ، فقال ms089 عمر : ( ( أخفي على هذا من أمر ~~رسول الله ؟ ألهاني الصفق بالأسواق ؟ ) ) يعنى الخروج إلى التجارية - . زاد ~~مالك في الموطأ : ( ( فقال عمر لأبي موسى أما إني لم أتهمك ، ولكن خشيت أن ~~يتقول الناس على رسول الله . ) ) قال الشراح : ( ( وحينئذ فلا دلالة في ~~طلبه البينة على أنه لا يحتج بخبر الواحد ، بل أراد سد الباب خوفا من غير ~~أبي موسى أن يختلق كذبا على رسول الله ، عند الرغبة والرهبة ) ) . وقالوا ~~في بالحديث : ( ( إن قول الصحابي ( كنا نؤمر بكذا ) له حكم الرفع ) ) . # قال الحافظ في شرح النخبة : ( ( وأما قول بعضهم : إن كان مرفوعا ، فلم لا ~~يقولون فيه : قال رسول الله ؟ فجوابه : أنهم تركوا الجزم بذلك تورعا ~~واحتياطا . ومن هذا قول أبي قلابة عن أنس : ( ( من السنة إذا تزوج البكر ~~على الثيب ، أقام عندها سبعا . ) ) أخرجاه . قال أبو قلابة : ( ( لو شئت ~~لقلت : إن أنسا رفعه إلى النبي . ) ) أي لو قلت ، لم أكذب ، لأن قوله : ( ( ~~من السنة ) ) هذا معناه ، لكن إيراده بالصيغة التي ذكرها الصحابي أولى ) ) ~~انتهى . # أقول : قوله : ( ( تورعا واحتياطا ) ) هذا يظهر في بعض الوجوه ؛ ومنه ما ~~ذكره ، PageV01P145 واحسن منه أن يقال : إن قولهم من السنة ، أو كنا نؤمر ، ~~ونحوهما ، هو من التفنن في تبليغ الهدى النبوي ، لا سيما وقد يكون الحكم ~~الذي قيل فيه أمرنا ، أو من السنة ، من سنن الأفعال لا الأقوال ، وقد ~~يقولون ذلك إيجازا ، أو لضيق المقام ؛ وكثيرا ما يجيب العالم عن المسائل ~~التي يعلم حديثها المرفوع ، ويحفظه بحروفه بقوله ( ( من السنة كذا ) ) لما ~~ذكرنا من الوجوه ، ولغيرنا وهو ظاهر . # تنبيه . - ذكرنا أن السنة لغة : الطريقة ؛ والمراد بها في اصطلاح الشارع ~~وأهل عصره ، ما دل عليه دليل من قوله ، أو فعله ، أو تقريره ؛ ولهذا جعلت ~~السنة مقابلة للقرآن ، وبهذا الاعتبار تطلق على الواجب ، كما تطلق على ~~المندوب وأما ما اصطلح عليه الفقهاء وأهل الأصول من أنها خلاف الواجب فهو ~~اصطلاح حادث ، وعرف متجدد . * * * # 45 - الكلام على الخبر المتواتر وخبر الآحاد # أعلم : أن المتواتر ما نقله من يحصل العلم بصدقهم ضرورة ms090 ، بأن يكونوا ~~جمعا لا يمكن تواطؤهم على الكذب على مثلهم ، من أوله إلى آخره ، ولذا كان ~~مقيدا للعلم الضروري وهو الذي يضطر إليه الإنسان ، بحيث لا يمكنه دفعه ؛ ~~ويجب العمل به من غير بحث عن رجاله ، ولا يعتبر فيه عدد معين في الأصح . # ثم المتواتر قسمان : لفظي وهو ما تواتر لفظه ، ومعنوي وهو ما تواتر القدر ~~المشترك فيه . وللأول أمثله كثيرة ، منها حديث : ( ( من كذب على متعمدا . . ~~. ) ) رواه نحو المئتين ؛ وحديث الحوض ، رواه خمسون ونيف ؛ وحديث المسح على ~~الخفين ، رواه سبعون ؛ وحديث رفع اليدين في الصلاة ، رواه نحو الخمسين ؛ ~~وسوى ذلك مما ساقه في التدريب . # وللثاني أمثلة أيضا ، فمنه أحاديث رفع اليدين في الدعاء فقد روى عنه نحو ~~مئة حديث PageV01P146 فيه رفع يديه في الدعاء ، لكنها في قضايا مختلفة ، ~~فكل قضية منها لم تتواتر ، والقدر المشترك فيها ، وهو الرفع عند الدعاء ~~تواتر باعتبار المجموع . # تنبيه . - وقع في كلام النووي في شرح مسلم في المتواتر أنه لا يشترط في ~~الخبرين به الإسلام ، وكذا قال الأصوليون ؛ ولا يخفي أن هذا اصطلاح ~~للأصوليين ؛ وإلا فاصطلاح المحدثين فيه ، أن يرويه عدد من المسلمين ، لأنهم ~~اشترطوا فيمن يحتج برواية أن يكون عدلا ضابطا ، بأن يكون مسلما بالغا ، فلا ~~تقبل رواية الكافر في باب الأخبار ، وإن بلغ في الكثرة ما بلغ . وعبارة جمع ~~الجوامع مع شرحه : ( ( ولا تقبل رواية كافر ، وإن عرف بالصدق ، لعلو منصب ~~الرواية عن الكفار ) ) . نعم ! يقبل من الكافر ما تحمله في كفره إذا أسلم ، ~~كما سيأتي التطرق لها في الباب السادس في الإسناد في بحث توسع الحفاظ في ~~طبقات السماع . وقد أفردت في مطولات المصطلح . وأما خبر الواحد ، فهو ما لم ~~يوجد فيه شروط المتواتر ، سواء كان الراوي له واحدا أو أكثر . * * * # 46 - بيان أن خبر الواحد الثقة حجة يلزم به العمل # قال النووي رحمه الله تعالى في شرح مقدمة مسلم : ( ( نبه مسلم رحمه الله ~~تعالى على القاعدة العظيمة التي ينبني عليها معظم أحكام الشرع ، وهو وجوب ~~العمل بخير الواحد ، فينبغي الاهتمام ms091 بها ، والاعتناء بتحقيقها . وقد أطنب ~~العلماء رحمهم الله في الاحتجاج لهان وإيضاحها ؛ وأفردها جماعة من السلف ~~بالتصنيف ، واعتنى بها أئمة المحدثين . وأول من بلغنا تصنيفه فيها ، الإمام ~~الشافعي رحمه الله ، وقد تقررت أدلتها النقلية والعقلية في كتب أصول الفقه ~~؛ ونذكر هنا طرفا فنقول : اختلف العلماء في حكمه ، فالذي عليه جماهير ~~المسلمين من الصحابة والتابعين ، فمن بعدهم من المحدثين والفقهاء وأصحاب ~~الأصول ، أن خبر الواحد الثقة حدة من حجج الشرع يلزم العمل بها ، ويفيد ~~الظن ، ولا يفيد العلم ؛ وأن وجوب PageV01P147 العمل به عرفناه بالشرع لا ~~بالعقل . وذهبت القدرية والرافضة وبعض أهل الظاهر . إلى أنه لا يجب العمل ~~به ؛ ثم منهم من يقول : منع من العمل به دليل العقل ؛ ومنهم من يقول : منع ~~دليل الشرع . وذهبت طائفة إلى أنه يجب العمل به من جهة دليل العقل . وقال ~~الجبائي من المعتزلة : ( ( لا يجب العمل إلا بما رواه اثنان عن اثنين ) ) . ~~وقال غيره : ( ( لا يجب العمل إلا بما رواه أربعة عن أربعة ) ) . وذهبت ~~طائفة من أهل الحديث إلى أنه يوجب العلم ، وقال بعضهم : ( ( يوجب العلم ~~الظاهر ، دون الباطن ) ) . وذهب بعض المحدثين إلى أن الآحاد التي في صحيح ~~البخاري وصحيح مسلم تفيد العلم دون غيرها من الآحاد . وهذه الأقاويل كلها ، ~~سوى قول الجمهور ، باطلة ؛ وإبطال من قال : ( ( لا حجة فيه ) ) ظاهر . فلم ~~تزل كتب النبي وآحاد رسله ، يعمل بها ، ويلزمهم النبي العمل بذلك واستمر ~~على ذلك الخلفاء الراشدون ، فمن بعدهم ، ولم تزل الخلفاء الراشدون ، وسائر ~~الصحابة ، فمن بعدهم من السلف والخلف ، على امتثال خير الواحد إذا أخبرهم ~~بسنة ، وقضائهم به ، ورجوعهم إليه في القضاء والفتيا ، ونقضهم به ما حكموا ~~على خلافة ، وطلبهم خبر الواحد عند عدم الحدة ممن هو عندهن واحتجاجهم بذلك ~~على من خالفهم ، وانقياد المخالف لذلك . وهذا كله معروف ، لا شك في شيء منه ~~، والعقل لا يحيل العمل بخبر الواحد . وقد جاء الشرع بوجوب العمل به ، فوجب ~~المصير إليه . وأما من اقل : ( ( يوجب العلم ) ) فهو مكابر للحسن ؛ وكيف ~~يحصل العلم واحتمال الغلظ والوهم ms092 والكذب وغير ذلك متطرف إليه ؟ ) ) انتهى . # وفي حصول المأمول : ( ( قد دل على العمل بخبر الواحد ، الكتاب والسنة ~~والإجماع ولم يأت من خالف في العمل به بشيء يصلح للتمسك به . ومن تتبع عمل ~~الصحابة من الخلفاء وغيرهم ، وعمل التابعين فتابعيهم بأخبار الآحاد ، وجد ~~ذلك في غاية الكثرة ، بحيث لا يتسع له إلا مصنف بسيط : وإذا وقع من بعضهم ~~التردد في العمل به في بعض الأحوال ، PageV01P148 فذلك لأسباب خارجة عن ~~كونه خبر واحد من ريبة في الصحة ، أو تهمة للراوي ، أو وجود معارض راجح أو ~~نحو ذلك ) ) 1 ه . # وقد جود الكلام على قبول خبر الواحد الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في ~~رسالته الشهيرة في باب على حدة ، ويجدر بذب الهمة الوقوف على لطائفة ؛ ~~وأوسع فيه أيضا الحافظ ابن حجر في الفتح ، عند قول البخاري : ( ( باب ما ~~جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض ~~والأحكام ) ) فليرجع إليه . ومما نقله فيه أن بعض العلماء احتج لقبول خبر ~~الواحد أن كل صاحب أو تابع سئل عن نازلة في الدين ، فأخبر السائل بما عنده ~~فيها من الحكم أنه لم يشترط عليه أحد منهم أن لا يعمل بما أخبره به من ذلك ~~حتى يسأل غيره فضلا عن أن يسأل الكواف ؛ بل كان كل منهم يخبره بما عنده ، ~~فيعلم بمقتضاه ولا ينكر عليه ذلك فدل على اتفاقهم على وجوب العمل بخبر ~~الواحد . # وفيه أيضا : قال ابن القيم في الرد على من رد خبر الواحد ، إذا كان زائدا ~~على القرآن ما ملخصه : ( ( السنة مع القرآن على ثلاثة أوجه : أحدها : أن ~~توافقه من كل وجه ، فيكون من توارد الأدلة ؛ ثانيها : أن تكون بيانا لما ~~أريد بالقرآن ؛ ثالثها : أن تكون دالة على حكم سكت عنه القرآن . وهذا ~~الثالث يكون حكما مبتدأ من النبي ، فتجب طاعته فيه . ولو كان النبي لا يطاع ~~إلا فيما وافق القرآن لم تكن له طاعة خاصة ؛ وقد قال تعالى : ( ^ من يطع ~~الرسول فقد أطاع الله ) وقد تناقض من قال إنه لا يقبل ms093 الحكم الزائد على ~~القرآن إلا إن كان متواترا ، أو مشهورا فقد قالوا بتحريم المرأة على عمتها ~~وخالتها ، وتحريم ما يحرم من النسب بالرضاعة ، وخيار الشرط ، والشفعة ، ~~والرهن في الحضر وميراث الجدة ، وتخيير الأمة ، إذا أعتقت ، ومنع الحائض مع ~~الصوم والصلاة ، ووجوب الكفارة على من جامع وهو صائم في رمضان ، ووجوب ~~إحداد المعتدة عن الوفاة ، وتجويز الوضوء بنبيذ التمر ، وإيجاب الوتر ، وأن ~~أقل الصداق عشرة دراهم ، وتوريث بنت الابن PageV01P149 السدس مع البنت ، ~~واستبراء المسبية بحيضة ، وأن أعيان بني الأم يتوارثون ، ولا يقاد الوالد ~~بالولد ، وأخذ الجزية من المجوس ، وقطع رجل السارق في الثانية ، وترك ~~الاقتصاص من الجرح قبل الاندمال ، والنهى عن بيع الكالئ وغيرها مما يطول ~~شرحه . وهذه الأحاديث ، كلها آحاد ، وبعضها ثابت ، وبعضها غير ثابت ، ~~ولكنهم قسموها إلى ثلاثة أقسام ، ولهم في ذلك تفاصيل يطول شرحها ، ومحل ~~بسطها أصول الفقه ، وبالله التوفيق ) ) انتهى . * * * # 48 - الكلام على الحديث الموضوع وفيه مباحث # 1 - ما هية الموضوع # ( ( هو الكذب المختلق المصنوع ) ) أي كذب الراوي في الحديث النبوي ، بأن ~~يروى عنه ، ما لم يقله ، متعمدا لذلك . # 2 - حكم رواية # اتفقوا على أنه تحرم روايته ، مع العلم بوضعه ، سواء كان في الأحكام ، أو ~~القصص والترغيب ونحوها ، إلا مبينا وضعه ؛ لحديث مسلم عن سمرة بن جندب ، ~~قال قال رسول الله : ( ( من حدث عني بحديث يرى أنه كذب ، فهو أحد الكذابين ~~) ) ورواه الإمام أحمد ، وابن ماجه . روى الكذابين على صيغة التثنية ، ~~والكاذبين بالجمع . # 3 - معرفة الوضع والحامل عليه # ذكر المحدثون أمورا كليه ، يعرف بها كون الحديث موضوعا ؛ منها : اشتماله ~~على مجازفات في الوعد والوعيد ، ومنها : سماجة الحديث ، وكونه مما يسخر منه ~~، مثل ما يروى في وفاة ، ومنها : مناقضته لما جاءت به السنة الصريحة ، ~~PageV01P150 ومنها أن يكون باطلا في نفسهن فيدل بطلانه على وضعه ، ومنها : ~~أن لا يشبه كلام الأنبياء ، بل لا يشبه كلام الصحابة ، ومنها : أن يشتمل ~~على تواريخ الأيام المستقبلة ، ومنها : أن يكون بكلام الأطباء أشبه ، ومنها ~~: أن تقوم الشواهد الصحيحة على بطلانه ، ومنها : مخالفته لصريح ms094 القرآن ، ~~ومنها : أحاديث صلوات الأيام والليالي ومنها : أفترانه بقرائن يعلم بها أنه ~~باطل . # وقد استقصى المصنفون في الموضوعات إيراد الأمثلة المتوافرة لكل ما ذكر ، ~~فليرجع إليها . وسيأتي نوع تفصيل لها قريبا . # قال الحافظ في شرح النخبة : ( ( الحكم بالوضع إنما هو بطريق الظن الغالب ~~) ) لا بالقطع ، إذ قد يصدق الكذوب ، لكن لأهل العلم بالحديث ملكة قوية ~~يميزون بها ذلك . وإنما يقوم بذلك منهم من يكون اطلاعه تاما ، وذهنه ثاقبا ~~، وفهمه قويا ، ومعرفته بالقرائن الدالة على ذلك متمكنة . وقد يعرف الوضع ~~بإقرار واضعه . ) ) # ثم قال : ( ( ومن القرائن التي يدرك بها الوضع ، ما يؤخذ من حال الراوي ، ~~كما وقع للمأمون بن أحمد ، أنه ذكر بحضرته الخلاف في كون الحسن سمع من أبي ~~هريرة أولا فساق في الحال إسناده إلى النبي أنه قال : سمع الحسن من أبي ~~هريرة وكما وقع لغياث ابن إبراهيم ، حيث دخل على المهدى فوجده يلعب بالحمام ~~، فساق في الحال إسنادا إلى النبي أنه قال : سمع الحسن من أبي هريرة وكما ~~وقع لغياث ابن إبراهيم ، حيث دخل على المهدى فوجده يلعب بالحمام ، فساق في ~~الحال إسنادا إلى النبي أنه قال : ( ( لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر - ~~أو جناح _ ) ) فزاد في الحديث ( ( أو جناح ) ) فعرف المهدي أنه كذب لأجله ~~فأمر بذبح الحمام . ومنها : ما يؤخذ من حال المروي ، كأن مناقضا لنص القرآن ~~، أو السنة المتواترة ، أو الإجماع القطعي ، أو صريح العقل ، حيث لا يقبل ~~شيء من ذلك التأويل ، ثم المروي تارة يخترعه الواضع ، وتارة يأخذ كلام غيره ~~، كبعض السلف الصالح ، أو قدماء الحكماء ، أو الإسرائيليات ؛ أو يأخذ حديثا ~~ضعيف الإسناد فيركب له إسنادا صحيحا ليروج . والحامل للواضع على الوضع ، ~~إما عدم PageV01P151 الدين ، كالزنادقة ، أو غلبة الجهل كبعض المتعبدين ، ~~أو فرط العصبية ، كبعض المقلدين ، أو اتباع هوى بعض الرؤساء ، أو الإعراب ~~لقصد الاشتهار ، وكل ذلك حرام بإجماع من يعتد به . إلا أن بعض الكرامية ، ~~وبعض المتصوفة ، نقل عنهم إباحة الوضع في الترغيب والترهيب ، وهو خطأ من ~~فاعله ، نشأ عن ms095 جهل ، لأن الترغيب والترهيب من جملة الأحكام الشرعية . ~~واتفقوا على أن تعمد الكذب على النبي من الكبائر . وبالغ أبو محمد الجويني ~~فكفر من تعمد الكذب على النبي ) ) . انتهى . # وقال حجة الإسلام الغزالي في الإحياء : ( ( وقد ظن ظانون ، أنه يجوز وضع ~~الأحاديث في فضائل الأعمال ، وفي التشديد في المعاصي ، وزعموا أن القصد منه ~~صحيح ، وهو خطأ محض ، إذ قال : ( ( من كذب على متعمدا ، فليتبوأ معقدة من ~~النار ) ) وهذا لا يترك إلا لضرورة ، ولا ضرورة ، إذ في الصدق مندوحة عن ~~الكذب ، ففيما ورد من الآيات والأخبار كفاية عن غيرها ، وقول القائل ، إن ~~ذلك قد تكرر على الأسماع وسقط وقعه ، وما هو جديد فوقعه أعظم ، فهذا هوس ، ~~إذ ليس هذا من الأعراض التي تقاوم محذور الكذب على رسول الله ، وعلى الله ~~تعالى ، ويؤدي فتح بابه إلى أمور تشوش الشريعة ، فلا يقاوم خير هذا شره ~~أصلا والكذب على رسول الله ومن الكبائر التي لا يقاومها شيء ، نسأل الله ~~العفو عنه وعن جميع المسلمين ) ) انتهى . # ورأيت لبعض فضلاء العصر مقالة غراء في هذا الموضوع ، لا بأس بإيرادها ~~تعزيزا للمقام ، قال رعاه الله : ( ( الحديث الموضوع ، هو المختلق المصنوع ~~المنسوب إلى رسول الله زورا وبهتانا ، وهو أشد خطرا على الدين ، وأنكى ضررا ~~بالمسلمين ، من تعصب أهل المشرقين والمغربين ، لأنه يطرف الملة الحنيفية عن ~~صراطها المستقيم ، ويقذف بها في غياهب الضلالات ، حتى ينكر الرجل أخاه ، ~~والولد أباه ، وتطير الأمة شعاعا ، وتتفرق بدادا بدادا ، لالتباس الفضيلة ، ~~وأفول شمس الهداية ، وانشعاب الأهواء وتباين الآراء . PageV01P152 # وإن تفرق المسلمين إلى شيعة ورافضة وخوارج ونصيرية الخ . . . لهو أثر ~~قبيح من آثار الوضع في الدين . ولقد قام الحفاظ الثقات ، وكادوا يزهقون ~~الروح بضبطهم الحديث حفظا وكتابة تلقينا ، ومازوا الخبيث من الطيب ، وقشعوا ~~سحب اللبس فتلألأ نور اليقين ) ) . # ثم قال : ( ( ورب سائل يقول : أني ساغ للمسلمين أن يضعوا في دينهم ما ليس ~~منه ؟ فالجواب أن أسباب الوضع كثيرة ؛ منها : غفلة المحدث ؛ أو اختلاط عقله ~~في آخر حياته ؛ أو التكبر عن الرجوع إلى الصواب بعد استبانه ms096 الخطأ لسهو ~~مثلا . ومنهم قوم وضعوا الأحاديث لا يقصدون إلا الترغيب والترهيب ، ابتغاء ~~وجه الله فيما يزعمون ؛ وآخرون وضعوها انتصارا لمذهبهم ؛ ومنهم طائفة ~~أهمتهم أنفسهم ، فاختلقوا ما شاءوا للتقرب من السلاطين والأمراء ، أو ~~لاستمالة الأغنياء إلى الإعطاء . ومن هذا الصنف القصاص الذين انتحلوا وظيفة ~~الوعظ والتذكير في المساجد والمجامع ، وأخذوا يهدمون من أركان هذا الدين ، ~~لفلس يقتنونه ، أو حطام خبيث يلتهمونه ) ) . ولا أدرى إن هذا صح عنه ، من ~~الذي أخطأ ؟ أهو أم عمر بن الخطاب الذي كان يطرد القصاصين أمثال هؤلاء من ~~المساجد ، مع أنهم لم يكونوا بهذه المثابة من التغرير والتضليل ؟ ~~PageV01P153 # ( ( ولنوجع إلى الوضاع ، فمنهم زنادقة قصدوا إفساد الشريعة والتلاعب ~~بالدين ، ( ( يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ، ويأبى الله إلا أن يتم ~~نوره ) ) فعملوا على لبس الحق بالباطل ، وخلط اسم بالترياق ، وهيأت لهم ~~الفرص في الأزمان الغابرة مجالا فسيحا لهذا البهتان ، حتى شحنوا الأذهان ، ~~وسودوا الدفاتر ، وأفعموا الكتب بمفتريات ( ( ما أنزل الله بها من سلطان ) ~~) . وقد سرى هذا الداء في كتب التفسير والسير والتاريخ ، وتلقتها العامة عن ~~سلامة صدر ، إما لشهرة المعزو إليه ، أو لاستبعاد كذبه على الرسول ؛ فخبطوا ~~وحادوا عن الجادة : ( ( وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ) ) . # ثم قال : ( ( ولست أعجب من العامة وصنعهم هذا ، ولكن العجب العجاب ، من ~~أهل العلم الذين يرون هذا المنكر رأى العين صباحا ومساء ، ويتأولون لهن ~~كأنما أعمال هؤلاء السوقة وحي سماوي متشابه ، يجدب تأويله في رأى العلماء ~~المتأخرين ! ! اللهم ألهمنا السداد ، ووفقنا إلى سبيل الرشاد ! # ( ( والداهية الدهياء ، أن الناس الآن ، أخذت تروي الأحاديث من غير إجازة ~~ولا تلقين ، وحول العلماء وجهتهم إلى فروع الفقه ، وآلات التفسير والتوحيد ~~، وانصرفوا عن الحديث ، إلا ما كان منه قراءة على سيل التبرك ! فراجت سوق ~~الأراجيف المعزوة للدين ، واختلط الباطل بالحق ، فمهدوا بهذا للطاغين على ~~الدين سبلا كان عذراء ، وخططا كانت وعثاء ، فلا تكاد ترى حمارا أو حوذيا أو ~~خادما أو طاهيا أو أكارا أو قصارا أو كناسا أو رشاشا إلا وهو يستشهد في كل ~~عمل من أعماله ms097 بالحديث ، سواء صح معناه ولفظه أم لم يصح . فإذا جلست في ~~مرتاض أو ناد أو سوق أو حانوت أو محفل عرس أو مأتم ، سمعت من خلطهم وخبطهم ~~في الدين ، ما تخرج لأجله النفوس من العيون ، وتمشى له القلوب في الصدور . ~~وربما كان في مجلسهم عالم ، فيسأل عند اختلافهم ، فلا يجيب إلا ( ( بأظن في ~~الصدور . وربما كان مجلسهم عالم ، فيسأل عند اختلافهم ، فلا يجيب إلا ( ( ~~بأظن كذا ! ) ) ( ( ويمكن أن يكون كذا ! ) ) ؛ والورع يقول : ( ( لا أدري ! ~~) ) أو ( ( حتى أراجع PageV01P154 الصحاح ! ) ) وقد يكون الحديث مشهورا بين ~~كل الطبقات ، وهو موضوع ! فيظن أنه صحيح لشهرته ، خصوصا على ألسنة بعض ~~المشايخ فيفتى بأنه صحيح ، وهناك الطامة الكبرى ! ) ) # ثم قال : ( ( الغرض إحياء السنة ، وإماتة البدعة . ودرء المطاعن الأجنبية ~~بشيء ليس من ديننا ، وذلك بالوقوف على طائفة من الأحاديث الموضوعة التي ~~يستدل بها الناس على عقيدة أو حكم أو فضيلة أو النهى عن رذيلة ليتميز ~~الخبيث من الطيب ، ويبتعد حملة القرآن ، وخطباء المنابر ، ووعاظ المساجد ، ~~من رواة الأكاذيب المضادة للشرع والعقل باسم الدين وهم لا يشعرون . وفي ~~مقدمة ذلك الأحاديث المشهورة على ألسنة العامة والخاصة ، في احتجاجهم ~~وأمرهم ونهيهم ، فإن ضررها عظيم ، وخطبها جسيم . وذلك كحديث : ( ( حب الوطن ~~من الإيمان ) ) الذي لا يفهم منه بعد التأويل والتحليل إلا الحث على تفرق ~~الجامعة الإسلامية ، التي ننشد الإيمان ) ) الذي لا يفهم منة بعد التأويل ~~والتحليل إلا الحث على تفرق الجامعة الإسلامية ، التي ننشد ضالتها الآن ! ~~فإنه يقضي بتفضيل مسلمي مصر مثلا على من سواهم وإن من في الشام يفضل إخوته ~~هناك على غيرهم ، وهكذا ، وهو الانحلال بعينه ، والتفرق المنهى عنه ؛ والله ~~يقول : ( ( إنما المؤمنون إخوة ) ) ، ولم يقيد الأخوة بمكان ، ويقول : ( ( ~~ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) ) ، وأقل ما فيه تفويت فضيلة ~~الإيثار . ومن ذلك : ( ( شاوروهن وخالفوهن ) ) إلى غير ذلك . # ومما هو جدير بالعناية ، قصص المولد النبوي ، الذي اشتمل كثير من الخيال ~~الشعري ، والأحاديث التي وضعها المطرون الغلاة ، كحديث : ( ( لولاك ما خلقت ~~الأفلاك ) ) وقولهم : ( ( إن الميم من اسمه الشريف ms098 تدل على كذا ، والدال ~~على كذا . . . . ) ) إلى آخر تصرفات الخيال ؛ ووصفهم الرسول بضروب من الغزل ~~، لا تليق إلا بمتخذات أخدان ، مما يحل مقام النبوة عنه ، وتنفر طبيعة ~~الجلال منه ؛ وكرواتيهم من المعجزات ما ليس له أصل ، كحديث الضب ، وأن ~~الورد من عرقه إلى آخر ما ينسبونه للمناوي ، ولا أظنه إلا مصطنعا باسم ~~الشيخ رحمه الله ورضى عنه ) ) انتهى ملخصا . PageV01P155 # 4 - مقالة في الأحاديث الموضوعة في فضيلة رجب # نبه بعض الفضلاء ذلك في مقالة نشرها في مجلة نصحا لخطباء المنابر ~~المغفلين ، وللوعاظ والقصاص البله ، فقال ما نصه : ( ( كم اختلق الكذابون ~~على النبي ، وكم وضعوا الأباطيل والمناكير ، وركبوا الأسانيد الملفقة ، ~~وأسهبوا وأطنبوا ، وبالغوا في التحذير والترهيب ، وشددوا وسهلوا ، على حسب ~~ما تسول لهم أنفسهم ، ولم يخشوا خالقا يعلم سرهم وعلانيتهم ، فيجازيهم ~~بمقاعد في النار يتبوأونها جزاء افترائهم واختلاقهم وتجرئهم على وضع ~~الأحاديث ، التي ( ( ما أنزل الله بها من سلطان ) ) وقد قال الحافظ سهل بن ~~السري : ( ( قد وضع أحمد بن عبد الله الجوربياري ، ومحمد بن عكاشة الكرماني ~~، ومحمد بن تميم الفريابي على رسول الله أكثر من عشرة آلاف حديث . وقال ~~حماد بن زيد : ( ( وضعت الزنادقة على رسول الله أربعة آلاف حديث ) ) . ~~وقالا بعضهم : ( ( سمعت ابن مهدي يقول لميسرة بن عبد ربه : من أين جئت بهذه ~~الأحاديث ، من قرأ كذا فله كذا ، ومن صام كذا فله كذا ؟ قال : وضعتها أرغب ~~الناس فيها ! ! ) ) وقيل لأبي عصمة ابن أبي مريم المروزي : ( ( من أين لك ~~عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة ، وليس عند أصحاب عكرمة ~~هذا ؟ فقال : إني رأيت الناس أعرضوا عن القرآن ، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ، ~~ومغازي ابن إسحق ، فوضعت هذا الحديث حسبة ! ! ) ) ومما يوجب الأسف أن يرى ~~الإنسان تلك الموضوعات والمناكير والأباطيل ، قد انتشرت في الكتب انتشارا ~~زائدا ، ورواها الخلف عن السلف ، وشحنت بها كتب الوعظ والإرشاد ، ودواوين ~~الخطباء ، حتى إنك لا تطالع ديوانا من الدواوين المتداولة بين خطبائنا إلا ~~وترى فيه من فظائع الأكاذيب على نبينا عليه الصلاة والسلام ، ما ms099 يستوجب ~~العجب ! وما ذاك إلا لذهاب علماء الحديث ، ودخولهم في خبر كان ، وعدم ~~اعتناء أهل عصرنا به . # ومن افظع هذه الأباطيل ، الأحاديث التي تروي في فضيلة رجب وصيامه ، فأغلب ~~الدواوين نراها مشحونة بها . ونحن نأتي بتلك الأباطيل التي اختلقها ~~الوضاعون ، ليحذرها PageV01P156 العموم ، ويعرفها خطباء المنابر والوعاظ ~~والقصاص ، فيجتنبوها ، ولا ينسبوها إليه عليه الصلاة والسلام ، حذرا من ~~الوقوع في الإثم ، وفرارا من الكذب على النبي ، فنقول : # حديث : ( ( فضل رجب على الشهور ، كفضل القرآن على سائر الكلام ؛ وفضل شهر ~~شعبان على الشهور ، كفضلى على سائر الأنبياء ؛ وفضل شهر رمضان ، كفضل الله ~~على سائر العباد ) ) موضوع قاله الحافظ ابن حجر ؛ ذكره السخاوي في المقاصد ~~الحسنة . # وقولهم : ( ( أكثروا من الاستغفار في رجب ، فإن لله في كل ساعة منه عتقاء ~~من النار ؛ وإن الله مدائن لا يدخلها إلا من صام رجب ) ) موضوع ؛ وفي ~~إسناده ( ( الإصبغ بن نباتة ) ) ليس بشيء . قاله السيوطي في اللآلئ ~~المصنوعة . # وقولهم : ( ( رجب شهر الله ، وشعبان شهري . . . الخ ) ) أورده الصاغاني ~~في الموضوعات . ومنها : ( ( فضيلة ليلة أول جمعة من رجب ، والصلاة الموضوعة ~~فيها المسماة بليلة الرغائب ) ) . # وقولهم : ( ( في رجب يوم وليلة ، من صام ذلك اليوم ، وقام تلك الليلة ، ~~كان له من الأجر كمن صام مئة سنة ، وقام سنة ، وهي لثلاث بقين من رجب ؛ في ~~ذلك اليوم ، بعث الله محمدا نبيا ) ) موضوع قاله السيوطي في النكت البديعات ~~. # وقولهم : ( ( من صام يوما من رجب ، وقام ليلة من لياليه ، بعثه الله آمنا ~~يوم القيامة ومر على الصراط وهو يهلل أو يكبر ) ) موضوع وفي إسناده ( ( ~~إسماعيل بن يحيى ) ) كذاب . # وقولهم : ( ( من أحي ليلة من رجب ، وصام يوما منه ، أطعمه الله بن ثمار ~~الجنة ، وكساه من حلل الجنة ، وسقاه من الرحيق المختوم ) ) موضوع ، وفي ~~إسناده ( ( حصين ابن مخارق ) ) كان يضع الحديث . قاله السيوطي في اللآلي ~~المصنوعة . # وقولهم : رجب من الأشهر الحرم ، وأيامه مكتوبة على أبواب السماء السادسة ~~؛ فإذا صام الرجل منه يوما وجرد صومه بتقوى الله ، نطق الباب ، ونطق اليوم ~~وقال : ( ( يا رب ! اغفر له ! ) ) وإذا لم يتم ms100 صومه بتقوى الله لم يستغفرا ~~له ، وقالا : ( ( خدعتك نفسك ) ) موضوع وفي إسناده ( ( إسماعيل بن يحيى ) ) ~~كذاب . قاله السيوطي . PageV01P157 # وقولهم : ( ( رجب شهر الله الأصم المنبتر الذي أفراده تعالى لنفسه ، فمن ~~صام منه يوما إيمانا واحتسابا ، استوجب رضوان الله الأكبر . . . إلخ ) ) ~~موضوع . وفي إسناده 00 ( ( عصام ابن طليق ) ) قال ابن معين ليس بشيء ، وأبو ~~هارون العبدي متروك . # وقولهم : خطبنا رسول الله قبل رجب بجمعه ، فقال : ( ( أيها الناس ! إنه ~~قد أظلكم شهر عظيم ، شهر رجب ، شهر الله الأصم ، تضاعف فيه الحسنات وتستجاب ~~الدعوات ، وتفرج فيه الكريات ، لا ترد للمؤمن فيه دعوة ؛ فمن اكتسب فيه ~~خيرا ، ضوعف له فيه أضعافا مضاعفة ، فعليكم بقيام ليله ، وصيام نهاره . . . ~~إلخ ) ) موضوع ذكره السيوطي . # وقولهم : ( ( من صام من رجب يوما تطوعا ، أطفأ صومه ذلك اليوم غضب الله ، ~~وأغلق عنه أبواب النار . . . الخ ) ذكره السيوطي وقال : إسناده ظلمات بعضها ~~فوق بعض ) ) . انتهت المقالة . # ثم اعترض بعض الناس على من نشرها في مجلته وقال : ( ( إن كانت هذه ~~الأحاديث موضوعة كما قال الكاتب ، فما الغرض منها إلا الترغيب في العبادة ~~التي يثاب فاعلها على كل حال ! وحينئذ يكون بيان كيفية وضعها وتكذيب ~~واضعيها تثبيطا غير محمود عن عبادة الله ) ) . # فأجاب نأشرها بقوله : ( ( إن نشر مثل هذه الرسالة كان واجبا ؛ ومن أفضل ~~ضروب العبادة إعلام المسلمين بأن هذا الحديث موضوع ، إن كان كذلك ، وصحيح ، ~~إن كان سنده صحيحا . سواء كان مغزي الحديث مما ندبت إليه الشريعة بوجه عام ~~، أو ممانهت عنه ؛ وكاتب الرسالة لم يحكم بوضع حديث من عندياته ، وإنما ذكر ~~أقوال أئمة الحديث والحفاظ حتى ذكر قول الحافظ السيوطي في سند حديث من تلك ~~الأحاديث أنه ظلمات بعضها فوق بعض ، مبالغة في إنكار سند الحديث ، وعدم ~~الاعتداد به . وهناك غرض لأئمة الحديث ، في بيان صحته وضعفه ، أسمي من غرض ~~الترغيب في العبادة والصيام والقيام : ألا وهو غرض تحرير الشريفة الغراء ، ~~وصونها عن الدخيل فيها ، خيرا كان أو شرا ، لأنه إذا تطرق للحديث الكذب فيه ~~بنية حسنة ، تطرقه كذلك نبيه سيئة ، وانهار ms101 بناء الشريعة المحمدية ~~PageV01P158 بكثرة ما يتخللها من الأجنبي عنها ، وأي شر أعظم مما يطرأ على ~~الشريعة الغراء لو أرخي العنان لوضاع الأحاديث ، يضعون كيف شاءوا ، دون أن ~~يميز الصدق من الكذب في رواياتهم ؟ ثم من هو الذي يقبل من المعترضين أن ~~يكتب باسمه الكتاب ما شاءوا من أفكار وأقوال ولو كانت حسنة مقبولة في حد ~~ذاتها ؟ بل من يصدق أن يقوم أحد من الناس ويفتري على وزير أو مدير قرارا أو ~~منشورا يصدره بإمضائه ، ولا يعد عابثا بالنظام ، متوجبا التأديب ، أو على ~~الأقل التكذيب ؟ أو من يتصور أنه يلفق صورة أمر عال ، مهما كان موضعه ، ~~وينشره كأنه صادر من السلطان ، ولا يعاقب على فعله هذا ؟ فأي مسلم بعد هذا ~~يسوغ أن يكذب على رسول الله وهو يقول ( ( من كذب على متعمدا ، فليتبوأ ~~مقعده من النار ) ) لذلك نحن نشرنا رسالة الفاضل الذي أسند كل ما قال فيها ~~للسلف الصالح من أئمة الحديث وحفاظه ، شاكرين همته ، مثنين عليه بما هو ~~أهله معتبرين عمله هذا من خير أعمال العبادة التي يتقرب بها إلى الله في ~~مثل شهر رجب المبارك ، مؤملين أن يحذو الفضلاء الباحثون حذوه ، ولا خوف من ~~ذلك على الناس أن تثبط هممهم عن عبادة الله ، فإن الله عز وجل ، قد أتم ~~شريعته قبل أن يأخذ رسوله إلى الرفيق الأعلى ، فهي لا ينقصها شيء يحتاج ~~وضاعوا الحديث المفترون على الله وعلى رسوله أن يتموه ؛ وعلى القراء أن ~~يفقهوا مقاصد الكتاب في هذا الباب ، والله الموفق والمعين ) ) : # ثم أجاب ناشرها أيضا بقوله في محاورة ثانية : ( ( لم يقصد كاتب الرسالة ~~في بيان الأحاديث الموضوعة التي سردها تثبيط همم الناس عن العبادة ، وإنما ~~أراد بيان عدم صحة تلك الأحاديث التي اعتاد بعض الخطباء العناية بذكرها عند ~~دخول مثل شهر رجب المبارك ، ويحسبونها من أصول الدين ، وليست منه في شيء ؛ ~~تلك الأحاديث التي أسندت للنبي ، وقال أئمة الحديث السالفون ، وحفاظه ~~المحققون ، إنها موضوعة مفتراة عليه . فقد قال كاتب الرسالة : ( ( ونحن ~~نأتي بتلك الأباطيل التي اختلقها الوضاعون ms102 ليحذرها العموم ، ويعرف خطباء ~~المنابر والوعاظ والقصاص ، فيجتنبوها ولا ينسبوها إليه عليه الصلاة والسلام ~~، حذرا من الوقوع في الإثم ، وفرارا من الكذب على النبي . . . الخ ) ) ~~PageV01P159 وهذا صريح في أنه إنما ينصح الخطباء والوعاظ ، ليعدلوا عن ~~ارتكاب الكذب في إرشاد العامة ، إلى ما هو الصدق فيه ، والخير كله مع ~~الصادقين ) ) . # ثم قال : ( ( وقد بلغ حد التهافت على بيان أسرار الشريعة الغراء ، عند ~~بعض خطباء الجمع على المنابر ، أن جعلوا للفظه ( ر ج ب ) حروفا مقطعة ، ~~مدلولات أخرى . فالراء لمعنى والجيم لآخر ، والباء لغيرهما مع أن هذه ~~الحروف ذاتها موجودة في كل كلمة ثلاثية تركبت منها ، كجرب ، وبرج ، ورجب ~~أسماء مسميات أخرى وهلم جرا . بل لا ينكر عاقل أن الدخيل في الأحاديث ، قد ~~كان منه ما أضر بالجامعة الإسلامية وجوهر الدين الحنيفي ، ضررا بليغا ، لو ~~قيس بما نتجته الأحاديث الموضوعة لمثل الترغيب في العبادة من الحسنات ، ~~لرجح عليها رجحانا مبينا . فكيف لا سكون سد هذا الباب مهما . وكيف لا يكون ~~في الأمة وعاظ ومرشدون ، يبيتون الصدق من الكذب ، والغث من السمين ، في كل ~~وقت ؟ وليس للأمر بالمعروف ، والنهى عن المنكر ، وقت مخصوص ! وأشد ما يطلب ~~ذلك ، في الظروف التي يكون فيها الأمر والنهى أبلغ تأثيرا في النفوس . ~~ولهذا اختار صاحب رسالة الأحاديث الموضوعة ، أن يبين ما يختص منها بشهر رجب ~~، في الوقت الذي يصدع الخطباء فيه بمواعظهم له والله يوفق الجميع لما فيه ~~الخير والصواب ، وهو الهادي إلى سبيل الرشاد ) ) . # وأقول : رأيت لشيخ الإسلام ابن تيميه قدس سره في كتابه ( ( اقتضاء الصراط ~~المستقيم ) ) تطرقا لهذا المبحث الجليل ، قال قدس سره : ( ( شهر رجب ، أحد ~~الأشهر الحرم ) ) . وقد روى عن النبي ، أنه كان إذا دخل شهر رجب قال : ( ( ~~اللهم بارك لنا في رجب وشعبان ، وبلغنا رمضان ) ) ولم يثبت عن النبي في فضل ~~رجب حديث آخر ، بل عامة الأحاديث المأثورة فيه عن النبي ، كذب ؛ والحديث ~~إذا لم يعلم أنه كذب ، فروايته في الفضائل أمر قريب ؛ أما إذا علم كذبه ، ~~فلا يجوز روايته إلا مع بيان ms103 حاله ، لقوله : ( ( من روى عنى حديثا ~~PageV01P160 وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين . ) ) نعمن روى عن بعض السلف ~~في تفضيل العشر الأول من رجب ، بعض الأثر ، وروى غير ذلك ؛ فاتخاذه موسما ~~بحيث يفرد ، بالصوم ، مكروه عند الإمام أحمد وغيره ؛ كما روى عن عمر بن ~~الخطاب وأبي بكرة وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم . وروى ابن ماجه ، أن ~~النبي ، نهى عن صوم رجب ، وهل الإفراد المكروه أن يصومه كله ، أو أن يقرن ~~به شهر آخر ؟ فيه للأصحاب وجهان ، والله أعلم ) ) . انتهى . # 5 - فتوى الغمام ابن حجر الهيتمي رحمه الله في خطيب لا يبين مخرجي ~~الأحاديث # في فتاواه الحديثية ما نصه : ( ( وسئل رضي الله عنه في خطيب يرقى المنبر ~~في كل جمعة ، ويروى أحاديث كثيرة ، ولم يبين مخرجيها ، ولا رواتها فيما ~~الذي يجب عليه ؟ فأجاب بقوله : ما ذكره من الأحاديث في خطبه من غير أن ببين ~~رواتها ، أو من ذكرها ، فجائز بشرط أن يكون من أهل المعرفة في الحديث أو ~~بنقلها من مؤلفه كذلك ؛ وأما الاعتماد في رواية الأحاديث على مجرد رؤيتها ~~في كتاب ليس مؤلفه من أهل الحديث ، أو في خطب ليس مؤلفها كذلك ، فلا يحل ~~ذلك ! ومن فعله عزر عليه التعزير الشديد . وهذا حال أكثر الخطباء ، فإنهم ~~بمجرد رؤيتهم خطبة فيها أحاديث حفظوها وخطبوا بها من غير أن يعرفوا أن لتلك ~~الأحاديث أصلا أم لا ، فيجب على حكام كل بلد أن يزجروا خطباءها عن ذلك ، ~~ويجب على حكام بلد هذا الخطيب منعه من ذلك إن ارتكبيه . ) ) ثم قال : ( ( ~~فعلى هذا الخطيب أن يبين مستنده في روايته ؛ فإن كان مستندا صحيحا ، فلا ~~اعتراض عليه ، والإساغ الاعتراض عليه ، بل وجاز لولي الأمر - أيد الله به ~~الدين ، وقمع بعدله المعاندين - أن يعزله من وظيفة الخطابة زجرا له عن أن ~~يتجرأ على هذه المرتبة السنية بغير حق ) ) انتهى ملخصا . PageV01P161 # 6 - ما جاء في نهج البلاغة من وجوه اختلاف الخبر وأحاديث البدع # سئل أمير المؤمنين على بن أبي طالب كرم الله وجهه عما في أيدي ms104 الناس من ~~أحاديث البدع واختلاف الخبر فقال : ( ( إن في أيدي الناس حقا وباطلا ، ~~وصدقا وكذبا ، وناسخا وممسوخا ، وعاما وخاصا ، ومحكما ومتشابها ، وحفظا ~~ووهما ؛ ولقد كذب على رسول الله على عهده ، حتى قام خطيبا فقال : ( ( من ~~كذب على متعمدا ، فليتبوا مقعده من النار ) ) . وإنما أتاك بالحديث أربعة ~~رجال ، ليس لهم خامس : - # رجل منافق مظهر لإيمان ، متصنع بالإسلام ، لا يتأثم ولا يتحرج ، يكذب على ~~رسول الله متعمدا ، فلو علم الناس أنه منافق كاذب ، لم يقبلوا منه ، ولم ~~يصدقوا قوله ، ولكنهم قالوا : صاحب رسول الله ، رأي وسمع منه ، ولقف عنه ، ~~فيأخذون بقوله . وقد أخبرك الله عن المنافقين بما أخبرك ، ووصفهم بما وصفهم ~~به لك ، ثم بقوا بعده ، عليه وعلى آله السلام ، فتقربوا إلى الأئمة ، ~~فولوهم الأعمال ، وأكلوا بهم الدنيا ، وإنما الناس مع الملوك والدنيا ، ~~وإلا من عصم الله ، فهو أحد الأربعة . # ورجل سمع من رسول الله شيئا لم يحفظه على وجهه ، فوهم فيه ، ولم يعرف ~~كذبا ، فهو في يديه ، ويرويه ويعمل به ويقول : ( ( أنا سمعته من رسول الله ~~) ) فلو علم المسلمون أنه وهم فيه ، لم يقبلوا منه ، ولو علم أنه كذلك ~~لرفضه . # ورجل ثالث سمع من رسول الله شيئا يأمر به ، ثم نهى عنه وهو لا يعلم ؛ أو ~~سمعه ينهى عن شيء ثم أمر به وهو لا يعلم ، فحفظ المنسوخ ، ولم يحفظ الناسخ ~~، فلو علم أنه منسوخ لرفضه ، ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنه منسوخ ~~لرفضوه . # وآخر رابع لم يكذب على الله ولا على رسوله ، مبغض للكذب خوفا من الله ، ~~وتعظيما لرسول الله ، ولم يهم ، بل حفظ ما سمع على وجهه ، فجاء به على سمعه ~~، لم يزد فيه ولم ينقص منه ، فحفظ الناسخ فعمل به ، وحفظ المنسوخ فجنب عنه ~~، وعرف الخاص والعام ، PageV01P162 فوضع كل شيء موضعه ، وعرف المتشابه ~~ومحكمه . وقد كان يكون من رسول الله الكلام له وجهان ، فكلام خاص ، وكلام ~~عام ، فيسمعه من لا يعرف ما عنى الله به ، ولا عني به رسول الله ، فيحمله ~~السامع ، ويوجهه على غير معرفة بمعناه ms105 ، وما قصد به ، وما خرج من أجله . ~~وليس كل أصحاب رسول الله من كان يسأله ويستفهمه ، حتى إن كانوا ليحبون أن ~~يجيء الأعرابي الطارئ فيسأله عليه السلام ، حتى يسمعوا ، وكان لا يمر بي من ~~ذلك شيء إلا سألت عنه ، وحفظته ، فهذه وجوه ما عليه الناس في اختلافهم ~~وعللهم في رواياتهم ) ) انتهى : # 7 - بيان ضرر الموضوعات على غير المحدثين وان الدواء لمعرفتها الرسوخ في ~~الحديث # قال الإمام أبو عبد الله محمد بن المرتضى اليماني في كتابه ( ( إيثار ~~الحق ) ) في خلال البحث عن كون معظم ابتداع المبتدعين من أهل الإسلام راجعا ~~إلى هذين الأمرين الواضح بطلانهما ، وهما : الزيادة في الدين ، والنقص منه ~~، ما نصه : ( ( من أنواع الزيادة في الدين ، الكذب فيه عمدا ، وهذا الفن ، ~~يضر من لم يكن من أئمة الحديث والسير والتواريخ ، ولا يتوقف على نقدهم فيه ~~، بحيث لا يفرق بين ما يتواتر عند أهل التحقيق وبين ما يزوره غيرهم ؛ وليس ~~له دواء إلا إتقان هذا الفن ، والرسوخ فيه ، وعدم المعارضة لأهله بمجرد ~~الدعاوي الفارغة : وهو علم صعب ، يحتاج إلى طول المدة ، ومعرفة علوم الحديث ~~، وعدم العجلة بالدعوى ، وإن كان جليا في معناه ؛ فإن الرسوخ فيه بعيد عن ~~حصول العلم الضروري بأحوال رسول الله ، وأحوال السلف ، بحيث يعلم دينهم ~~بالضروة ، مثل ما يعلم مذهب المعتزلة والأشعرية ؛ كذلك يطول البحث في علم ~~الكلام ، ويعلم ما يختلفون فيه وما لا يختلفون فيه ، وما يمكن القدح فيه من ~~المنقولات المشهورة وما لا يمكن ، من غير تقليد . ولا أقل من معرفة مثل ~~علوم الحديث للحاكم في ذلك ، وهذا عندي هو الفائدة PageV01P163 العظمي في ~~الرسوخ في علم الحديث ، وليس الفائدة العظمي فيه معرفة أحاديث الأحكام ، في ~~فروع الحلال والحرام ، كما يظن ذلك من يقتصر على قراءة بعض المختصرات في ~~ذلك ، ويكتفي به في هذا العلم الجليل . ولأمر ما كان أئمة الحديث الراسخون ~~أركان الإيمان في الثبوت عند الفتن والامتحان ) ) انتهى . # وقال العارف الشعراني قدس سره في العهود الكبرى : ( ( أخذ علينا العهد ~~العام ، من رسول الله ، أن ms106 لا نتهور في رواية الحديث ، بل نتثبت في كل حديث ~~نرويه عن رسول الله ، ولا نرويه عنه إلا إن كان لنا به رواية صحيحة . ) ) ~~ثم قال قدس سره : ( ( وأعلم يا أخي ، أن أكثر من يقع في خيانة هذا العهد ~~المتصوفة الذين لا قدم لهم في الطريق ، فربما رووا عن رسول الله ، ما ليس ~~من كلامه ، لعدم ذوقهم ، وعدم فرقانهم بين كلام النبوة وكلام غيرها . وسمعت ~~شيخنا شيخ الإسلام زكريا رحمه الله يقول : إنما قال بعض المحدثين : أكذب ~~الناس الصالحون ، لغلبة سلامة بواطنهم ، فيظنون بالناس الخير ، وأنهم لا ~~يكذبون على رسول الله ؛ فمرادهم بالصالحين : المتعبدون الذي لا غوص لهم في ~~علم البلاغة ، فلا يفرقون بين كلام النبوة وغيره ، بخلاف العارفين فإنهم لا ~~يخفي عليهم ذلك ) ) انتهى . # 8 - هل يمكن معرفة الموضوع بضابط من غير نظر في سنده ؟ # سئل الإمام شمس الدين ابن قيم الجوزية : هل يمكن معرفة الحديث الموضوع ~~بضابط من غير أن ينظر في سنده ؟ فقال : ( ( هذا سؤال عظيم القدر ، وإنما ~~يعرف ذلك من تضلع في معرفة السنن الصحيحة ، وخلطت بلحمه ودمه ، وصار له ~~فيها ملكة واختصاص شديد بمعرفة السنن والآثار ، ومعرفة سيرة رسول الله عليه ~~الصلاة والسلام ، وهديه فيما يأمير به وينهى عنه ، ويخبر عنهن ويدعو إليه ، ~~ويحبه ويكرهه ، ويشرعه للأمة ، بحيث كأنه مخالط له عليه الصلاة والسلام ، ~~بين أصحابه الكرام ، فمثل هذا يعرف من أحواله وهديه وكلامه وأقواله وأفعاله ~~، وما يجوز أن يخبر به وما لا يجوز ما لا يعرفه غيره ، وهذا شأن كل متبوع ~~PageV01P164 مع تابعه ، فإن للأخص به ، الحريص على تتبع أقواله وأفعاله ، ~~من العلم بها ، والتمييز بين ما يصح أن ينسب إليه وما لا يصح ، ليس كمن لا ~~يكون كذلك . وهذا شأن المقلدين مع أئتهم ، يعرفون من أقوالهم ونصوصهم ~~ومذاهبهم وأساليبهم ومشاربهم ما لا يعرفه غيرهم . ) ) ثم أورد جملة مما روى ~~في ذلك . ( انظر الموضوعات لملا على القارى ) . # وقال ابن دقيق العيد : ( ( كثيرا ما يحكمون بالوضع باعتبار أمور ترجع إلى ~~المروي ، وألفاظ الحديث . وحاصلة يرجع ms107 إلى أنه حصلت لهم لكثرة محاولة ألفاظ ~~النبي هيأة نفسانية ، وملكة قوية ، عرفوا بهاما يجوز أن يكون من ألفاظ ~~النبوة . وما لا يجوز ) ) . # وقد روى الخطيب عن الربيع بن خيثم التابعي الجليل قال : ( ( إن للحديث ~~ضوءا كضوء النهار يعرف ، وظلمة كظلمة الليل تنكر ) ) . # ونحوه قول ابن الجوزي : ( ( الحديث المنكر يقشعر منه جلد طالب العلم ، ~~وينفر منه قلبه ) ) يعني الممارس لألفاظ الشارع ، الخبير بها وبرو نقها ~~وبهجتها . # 9 - بيان أن للقلب السليم إشرافا على معرفة الموضوع # قال أبو الحسن علي بن عروة الحنبلي في ( ( الكواكب ) ) : # فصل : القلب إذا كان نقيا نظيفا زاكيا ، كان له تمييز بين الحق والباطل ، ~~والصدق والكذب ، والهدى والضلال ، ولا سيما إذا كان قد حصل له إضاءة وذوق ~~من النور النبوي ، فإنه حينئذ تظهر له خبايا الأمور ، ودسائس الأشياء ، ~~والصحيح من السقيم . ولو ركب على متن ألفاظ موضوعة على الرسول إسناد صحيح ، ~~أو على متن صحيح إسناد ضعيف لميز ذلك وعرفه ، وذاق طعمه ، وميز بين غثه ~~وسمينه ، وصحيحة وسقيمه ، فإن ألفاظ الرسول لا تحفي على عاقل ذاقها ، ولهذا ~~قال النبي : ( ( اتقوا فراسه المؤمن ، فإنه ينظر بنور الله ) ) . رواه ~~الترمذي من حديث أبي سعيد . وقال جماعة من السلف في قوله تعالى : ( ^ إن في ~~ذلك لآيات للمتوسمين ) ) أي للمتفرسين . وقال معاذ بن جبل : PageV01P165 ( ~~( إن للحق منارا كمنار الطريق ) ) ، وإذا كان الكفار لما سمعوا القرآن في ~~حال كفرهم قالوا ( ( إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوه ، وإن أسفله لمغدق ، ~~وإن أعلاه لمورق ، وإن له لثمرة ، وإن له في القلوب لصولة ليست بصوله مبطل ~~! ) ) فما الظن بالمؤمن التقي النقي ، الذي له عقل تام عند ورود الشبهات ، ~~وبصر نافذ عند ورود الشهوات ؟ قال بعض السلف ( ( إن العبد ليهم بالكذب ، ~~فأعرف مراده قبل أن يتمم ) ) وقد قال تعالى : ( ^ ولتعرفنهم في لحن القول ) ~~وقد كان عمر بن الخطاب له حظ من ذلك ، كقصته مع سواد ين قارب وغيره . فإن ~~القلب الصافي له شعور بالزيغ والانحراف في الأفعال والأعمال . فإذا سمع ~~الحديث عرف مخرجه من أين ، وإن ms108 لم يتكلم فيه الحفاظ وأهل النقد . فمن كانت ~~أعمله خالصة لله ؛ موافقو للسنة ، ميز بين الأشياء ، كذبها وصدقها ، بشواهد ~~تظهر له على صفحات الوجوه ، وفلتات الألسنة . قال شاه الكرماني : ( ( من ~~عمر باطنة بدوام المراقبة وظاهره باتباع السنة ، وغض بصره عن المحارم ، ~~وعود نفسه أكل الحلال ، لم تخطئ له فراسة ! فالله سبحانه هو الذي يخلق ~~الرعب والظلمة في قلوب الكافرين ، والنور والرهان في قلوب المتقين ؛ ولهذا ~~ذكر الله آية النور عقيب غض النظر وكف النفس عن المحارم . وكذلك إذا كان ~~العبد صدوق اللسان ، كان أقوى له وأتم على معرفة الأكاذيب والموضوعات فإن ~~الجزاء من جنس العمل ، فيثيب الله الصدوق ، ويجد للكذب مضاضة ومرارة ينبو ~~عنها سمعه ولا يقبلها عقله . ) ) ولما قدم وفد هوازن على النبي مسلمين ، ~~وسألوه أن يرد عليهم سبيهم ومالهم ، قال لهم : ( ( أحب الحديث إلى أصدقه ) ~~) ولهذا كان كعب بن مالك ، بعد أن عمى ، إذا سمع حديثا مكذوبا ، عرف كذبه ، ~~وذلك أنه أجمع الصدق لرسول الله لما قدم من غزوة تبوك وأنزل الله عز وجل . ~~( ^ يا أيها الذين آمنوا اتقوا وكونوا مع الصادقين ) فإن الله سبحانه يلهم ~~الصادق الذكي معرفة الصدق PageV01P166 من الكذب كما في الحديث : ( ( الصدق ~~طمأنينة ، والكذب ريبة ) ) وقال لوابصة : ( ( استفت قلبك ) ) وقد ترك النبي ~~أمته على البيضاء ، ليلها كنهارها وهذا من أدل الأشياء على ما قلنا . وإنما ~~يؤتي الإنسان ويدخل الزيف عليه والباطل ، من نقص متابعته للرسول ، بخلاف ~~المؤمن المحسن ، المتبع له في أقواله وأفعاله ، فإن أقوال الرسول عليها ~~جلالة ، ولها ناموس . ولقد رأيت رجلا إذا سمع حديثا مرويا عن النبي وكان ~~ليس مما قاله يرده ويقول : ( ( هذا موضوع أو ضعيف أو غريب ) ) من غير أن ~~يسمع في ذلك بشيء ، فيكشف عنه ، فإذا هو كما قال ، وكان قل أن يخطيء في هذا ~~الباب ، فإذا قيل له : من أين لك هذا ؟ يقول : كلام الرسول عليه جلالة ، ~~وفيه فحولة ليست لغيره من الناس ، وكذلك كلام أصحابه . وكنت أكشف عما يقول ~~فأجده غالبا كما قال . وكان من أتبع الناس ms109 للسنة ، وأقلاهم للبدع والأهواء ~~. وكذلك كان يقع هذا كثيرا ، فإن الدين هو فعل ما أمر الله به ، وترك ما ~~نهى عنه فمن تلبس في باطنه بالإخلاص والصدق ، وفي ظاهره بالشرع لانت له ~~الأشياء ، ووضحت على ما هي عليه ، عكس حال أهل الضلال والبدع ، الذين ~~يتكلمون بالكذب والتحريف ، فيدخلون في دين الله ما ليس منه . وانظر ألفاظ ~~القرآن لما كانت محفوظة منقولة بالتواتر ، لم يطمع مبطل ولا غيره في إبطال ~~شيء منه ، ولا في زيادة شيء بخلاف الحديث ، فإن المحرفين والوضاعين تصرفوا ~~فيه بالزيادة والنقصان ، والكذب والوضع في متونه وأسانيده ، ولكن أقام الله ~~به من ينفي عنه تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين ، ~~ويحميه من وضع الوضاعين ، فبينوا ما أدخل أهل الكذب والوضع فيه ، وأهل ~~التحريف في معانيه ، كمن صنف في الصحيح كالبخاري ، ومسلم ، وابن خزيمة ، ~~وكذلك أهل المساند : كمسند أحمد ونحوه ، وكمالك ، وعبد الرزاق ، وسعيد بن ~~منصور ، وابن أبي شيبة ، وغيرهم من تكلم على الحديث . وكذلك الذين تكلموا ~~على الرجال وأسانيدها : PageV01P167 كيحي بن سعيد الأنصاري ، ويحي القطان ، ~~وشعبة ، وسفيان ، وابن معين ، وابن المدايني ، وابن مهدي ، وغيرهم ، فهؤلاء ~~وأمثالهم أهل الذب عن أحاديث رسول الله عكس حال من صنف كتبا فيها من ~~الموضوعات شيء كثير ، وهو لا يميز ولا يعرف الموضوع والمكذوب من غيره ، ~~فيجيء الغر الجاهل ، فيرى حديثا في كتاب مصنف فيغتر به وينقله وهؤلاء كثير ~~أيضا مثل مصنف كتاب ( ( وسيلة المتعبدين ) ) الذي صنفه الشيخ عمر الموصلي ~~ومثل ( ( تنقلات الأنوار ) ) للبكري ، الذي وضع فيه من الكذب ما لا يخفي ~~على من له أدنى مسكة عقل . بل قد أنكر العلماء على أهل التصوف كثيرا مما ~~ذكروه في كتبهم من الأحاديث التي يعلمون أنها من الموضوعات ، ومن تفاسير ~~آيات يعلمون أنها مخالفة ، مع أنهم قوم أحبوا الأعمال . وكذلك أهل التفسير ~~يضعون في تفاسيرهم أحاديث مكذوبة . وكذلك كثير من الفقهاء يستدلون في كتبهم ~~على المسائل بأحاديث ضعيفة أو مكذوبة . ومن لم يميز ، يقع في غلط عظيم . ~~فالله المستعان . وقد فرق الله بين الحق ms110 والباطل ، بأهل النور والإيمان ~~والنقد العارفين بالنقل ، والذائقين كلام الرسول بالعقل ، وقد صنفوا في ذلك ~~كتبا في الجرح والتعديل . فهذا العلم مسلم لهم ، ولهم فيه معارف وطرق ~~يختصون بها . وقد قال الإمام أحمد : ( ( ثلاثة علوم ، ليس لها أصل : ~~المغازي ، والملاحم ، والتفسير ) ) ومعنى ذلك أن الغالب عليها أنها مرسلة ، ~~وكذلك ( ( قصص الأنبياء ) ) للثعلبي فيها ما فيها . والمقصود أن الصادق تمر ~~به أحاديث يقطع قلبه بأنها موضوعة أو ضعيفة . # قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية : ( ( القلب المعمور بالتقوى ، إذا ~~رجح بمجرد رأيه ، فهو ترجيح شرعي ) ) قال : ( ( فمتي ما وقع عنده ، وحصل في ~~قلبه ما يظن معه أن هذا الأمر ، أو هذا الكلام أرضى الله ورسوله ، كان ~~ترجيحا بدليل شرعي الدين أنكروا كون الإلهام ليس طريقا إلى الحقائق مطلقا ، ~~أخطأوا ؛ فإذا اجتهد العبد في طاعة الله وتقواه ، كان ترجيحه لما رجح أقوى ~~من أدلة كثيرة ضعيفة ، فإلهام هذا دليل في حقه ، وهو أقوى من كثير من ~~الأقيسة الضعيفة والموهومة ، والظواهر والاستصحابات الكثيرة التي يحتج بها ~~PageV01P168 كثير من الخائضين في المذاهب والخلاف وأصول الفقه . وقد قال ~~عمر بن الخطاب : ( ( اقربوا من أقواه المطيعين ، واسمعوا منهم ما يقولون ، ~~فإنهم تتجلى لهم أمور صادقة . ) ) وحديث مكحول المرفوع : ( ( ما أخلص عبد ~~العبادة لله تعالى أربعين يوما إلا أجرى الله الحكمة على قلبه ، وأنطق بها ~~لسانه . ) ) وقال أبو سليمان الداراني : ( ( إن القلوب إذا أجمعت على ~~التقوى جالت في الملكوت ورجعت إلى صاحبها بطرف الفوائد ، من غير أن يؤدي ~~إليها عالم علماء . ) ) وقد قال النبي : ( ( الصلاة نور ، والصدقة برهان ، ~~والصبر ضياء ) ) ومن معه نور وبرهان وضياء كيف لا يعرف حقائق الأشياء من ~~فحوى كلام أصحابها ولا سيما الأحاديث النبوية ؟ فإنه يعرف ذلك معرفة تامة ، ~~لأنه قاصد العمل ، فتتساعد في حقه هذه الأشياء مع الاقتداء ، ومحبة الله ~~ورسوله ، حتى إن المحب يعرف من فحوى كلام محبوبه مراده تلويحا لا تصريحا : # ( والعين تعرف من عيني محدثها % إن كان من حزبها أو من أعاديها ) وقد قيل ~~: # ( إنارة العقل مكسوف بطوع هوى ms111 % وقل عاصي الهوى يزداد تنويرا # وفي الحديث الصحيح : ( ( لا يزال عبدي بتقرب إلى بالنوافل ، حتى أحبه ، ~~فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش ~~بها ورجله التي يمشى بها . ) ) ومن كان توفيق الله له كذلك ، فكيف لا يكون ~~ذا بصيرة نافذة ، ونفس فعاة . وإذا كان الإثم والبر في صدور الخلق له تردد ~~وجولان ، فكيف حال من الله سمعه وبصره ، وهو في قلبه . وقد قال ابن مسعود : ~~( ( الإثم حزاز القلوب ) ) وقد قدمنا أن ( ( الكذب ريبة ، والصدق طمأنينة ) ~~) فالحديث الصدق تطمئن إليه النفس ، ويطمئن إليه القلب . وأيضا فإن الله ~~فطر عبادة على الحق ، فإذا لم تستحل PageV01P169 الفطرة ، شاهدت الأشياء ~~على ما هي عليه ، فأنكرت منكرها ، وعرفت معروفها . قال عمر : ( ( الحق أبلج ~~لا يخفي على فطن ) ) فإذا كانت الفطرة مستقيمة على الحقيقة ، منورة بنور ~~القرآن تجلت لها الأشياء على ما هي عليه في تلك المرايا ، وانقشعت عنها ~~ظلمات الجهالات ، فرأت الأمور عيانا مع غيبها عن غيرها . وفي السنن والمسند ~~وغيره عن النواس بن سمعان ، عن النبي قال : ( ( ضرب الله مثلا صراطا ~~مستقيما ، وعلى جنبتي الصراط سوران ، وفي السورين أبواب مفتحة ، وعلى ~~الأبواب ستور مرخاة ؛ وداع يدعو على رأس الصراط ، وداع يدعو من فوق . ~~فالصراط المستقيم هو الإسلام ، والستور المرخاة حدود الله ، والأبواب ~~المفتحة محارم الله . فإذا أراد العبد أن يفتح بابا من تلك الأبواب ، ناداه ~~المنادى : يا عبد الله ! لا تفتحه ، فإنك إن تفتحه تلجه ؛ والداعي على رأس ~~الصراط كتاب الله ، والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مؤمن . ) ) فقد ~~بين هذا الحديث العظيم ، الذي من عرفه انتفع به انتفاعا بالغا ، إن ساعده ~~التوفيق ، واستغنى به عن علوم كثيرة ، أن في قلب كل مؤمن واعظا ، والوعظ هو ~~الأمر والنهى ، والترغيب والترهيب وإذا كان القلب معمورا بالتقوى ، انجلت ~~له الأمور وانكشفت ، بخلاف القلب الخراب المظلم . قال حذيفة بن اليمان : ( ~~( إن في قلب المؤمن سراجا يزهر . ) ) وفي الحديث الصحيح : ( ( إن الدجال ~~مكتوب بين عينيه ( ( كافر ) ) يقرؤه كل مؤمن ms112 قارئ وغير قارئ ) ) فدل على أن ~~المؤمن يتبين له ما لا يتبين ولا سيما في الفتن ، وينكشف له حال الكذاب ~~الوضاع على الله ورسوله . فإن الدجال أكذب خلق الله مع أن الله يجري على ~~يديه أمورا هائلة ، ومخاريق مزلزلة ؛ حتى إن من رآه افتتن به ؛ فيكشفها ~~الله للمؤمن حتى يعتقد كذبها وبطلانها . وكلما قوى الإيمان في القلب ، قوى ~~انكشاف الأمور له وعرف حقائقها من بواطلها ، وكلما ضعف الإيمان ضعف الكشف . ~~وذلك مثل السراج القوى ، والسراج الضعيف في البيت المظلم . ولهذا قال بعض ~~السلف في PageV01P170 قوله : ( ^ نور على نور ) قال : ( ( هو المؤمن ينطق ~~بالحكمة المطابقة للحق ، وإن يسمع فيها بالأثر ، فإذا سمع فيها بالأثر ، ~~كان نورا على نور ) ) فالإيمان الذي في قلب المؤمن يطابق نور القرآن . ~~فالإلهام القلبي تارة يكون من جنس القول والعلم ، والظن أن هذا القول كذب ، ~~وأن هذا العمل باطل ، وهذا أرجح من هذا وأصوب . وفي الصحيح عن النبي أنه ~~قال : ( ( قد كان في الأمم قبلكم محدثون ، فإن يكن في أمتي فيهم أحد ، فعمر ~~. ) ) والمحدث هو الملهم المخاطب في سره . وما قال عمر لشيء إني لأظنه كذا ~~وكذا ، إلا كان كما ظنه . وكانوا يرون أن السكينة تنطق على قلبه ولسانه ~~أيضا . فإذا كانت الأمور الكونية تنكشف للعبد المؤمن لقوة إيمانه يقينا ~~وظنا ، فالأمور الدينية كشفها له أيسر بطريق الأولى ، فإنه إلى كشفها أحوج ~~. فالمؤمن تقع في قلبه أدلة على الأشياء لا يمكنه التعبير عنها في الغالب . ~~فإن كل أحدلا يمكنه إبانه المعاني القائمة بقلبه . فإذا تكلم الكاذب بين ~~يدي الصادق عرف كذبه من فحوى كلامه ، فتدخل عليه نخوة الحياء الإيماني . ~~فتمنعه البيان ، ولكن هو في نفسه قد أخذ حذره منه . وربما لوح أو صرح به ~~خوفا من الله ، وشفقة على خلق الله ، فيحذرون من روايته أو العمل به . ~~وكثير من أهل الإيمان والكشف يلقي الله في قلبه أن هذا الطعام حرام ، وأن ~~هذا الرجل كافر أو فاسق أو ديوث أو لوطي أو خمار أو مغن أو كاذب من ms113 غير ~~دليل ظاهر ، بل بما يلقي الله في قلبه . وكذلك بالعكس يلقي في قلبه حجة ~~لشخص ، وأنه من أولياء الله تعالى ، وأن هذا الرجل صالح ، وهذا الطعام حلال ~~، وهذا القول صدق . فهذا وأمثاله لا يجوز أن يستبعد في حق أولياء الله ~~المؤمنين المتقين . وقصة الخضر مع موسى هي من هذا الباب ، وأن الخضر علم ~~هذه الأحوال المغيبة بما أطلعه الله عليه . وهذا باب واسع يطول بسطه ، وقد ~~نبهنا فيه على نكت شريفة تطلعك على ما وراءها . والمقصود : أن الحديث ~~الموضوع يعرف كونه موضوعا ، إما بإقرار واضعه ، أو بركاكة لفظه ، أو غير ~~ذلك . وقد أشرنا فيما PageV01P171 كتبنا فيما تقدم أن أهل الإيمان والتقوى ~~والصدق والإخلاص ، لهم أطلاعات وكشف وفراسات وإلهامات ، يلقيها الله في ~~قلوبهم ، يعرفون بها صدق الصادق ، وكذب الكاذب ووضع الوضاعين ، وصحيح ~~الأخبار وكاذبها . وقد كان أبو سليمان الداراني يسمى أحمد بن عاصم الأنطاكي ~~( ( جاسوس القلب ) ) لحدة فراسته . فعليك يا أخي بالصدق ، وإياك والكذب ، ~~فإنه يجانب الإيمان ، والله سبحانه أعلم بالصواب وإليه المنقلب والمآب ~~والحمد لله رب العالمين . ) ) انتهى كلام الإمام ابن عروة الحنبلي الدمشقي ~~رحمه الله تعالى . # 10 - الكلام على حديث من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار # أعلم : أن حديث ( ( من كذب على . . . ) ) في غاية الصحة ، ونهاية القوى ، ~~حتى أطلق عليه جماعة أنه متواتر ؛ ونوزع بأن شرط التواتر استواء طرفيه ، ~~وما بينهما في الكثرة وليست موجودة في كل طريق بمفردها ؛ أجبيب بأن المراد ~~من إطلاق كونه متواترا ، رواية المجموع من المجموع ، من ابتدائة إلى ~~انتهائه في كل عصر ، وهذا كاف في إفادة العلم . وقد رواه عن أنس العدد ~~الكثير ، وتواترت عنهم الطرق ، ورواه عن علي رضي الله عنه ستة من مشاهير ~~التابعين وثقاتهم . والعدد المعين لا يشترط في التواتر ، بل ما أفاده العلم ~~كاف ، والصفات العلية في الرواة تقوم مقام العدد ، أو تزيد عليه ، ولا سيما ~~قد روى هذا الحديث عن جماعة كثيرين من الصحابة : فحكى الإمام أبو بكر ~~الصيرفي في شرحه لرسالة الشافعي أنه قد روى ms114 عن أكثر من ستين صحابيا مرفوعا ~~، وقال بعض الحفاظ إنه قد روى عن اثنين وستين صحابيا ، وفيهم العشرة ~~المبشرة ، وقال : ( ( ولا يعرف حديث اجتمع على روايته العشرة المبشرة إلا ~~هذا ، ولا حديث يروي عن اكثر من ستين صحابيا إلا هذا ) ) وقال بعضهم : إنه ~~رواه مئتان من الصحابة . وقد اعتنى جماعة من الحفاظ بجمع طرقه ، فقال ~~إبراهيم الحربي : إنه ورد من حديث أربعين من الصحابة وكذا قال أبو بكر ~~البزار ، وجمع طرقه أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد ، فزاد قليلا ، وجمعها ~~الطبراني فزاد قليلا وقال أبو القاسم PageV01P172 ابن منده . رواه أكثر من ~~ثمانين نفسا ، وجمع طرقه ابن الجوزي في مقدمة كتاب الموضوعات ، فجاوز ~~التسعين ، وبذلك جزم ابن دحية ، ثم جمعها الحافظان يوسف بن خليل الدمشقي ~~وأبو على البكري وهما متعاصران ، فوقع لك منهما ما ليس عند الآخر ، وتحصل ~~من مجموع ذلك كله رواية مئة من الصحابة رضي الله عنهم . وقال ابن الصلاح : ~~( ( ثم لم يزل عدده في ازديار وهلم جرا على التوالي والاستمرار ، وليس في ~~الأحاديث ما في مرتبته من التواتر ) ) وقيل : لم يوجد في الحديث مثال ~~للمتواتر إلا هذا . وقال ابن دحية : قد أخرج من نحو أربعمائة طريق . ( كذا ~~في عمدة القارى للعيني ) وهو خلاصة ما قرره الحافظ ابن حجر في الفتح . قال ~~الحافظ في هذا الحديث : ( ( أخرجه البخاري من حديث المغيرة ، وعبد الله بن ~~عمرو ، وواثلة ؛ واتفق مسلم معه على تخريجه عن علي وأنس وأبي هريرة ~~والمغيرة . وأخرجه مسلم من حديث أبي سعيد أيضا . وصح في غير الصحيحين من ~~حديث ثلاثين من الصحابة وورد أيضا عن نحو خمسين من غيرهم بأسانيد ضعيفة ، ~~وعن نحو من عشرين بأسانيد ساقطة ، ثم بين رحمه الله من اعتنى بجمعه كما ~~تقدم . # وقوله : ( ( فليتبوأ مقعده من النار ) ) أي فليتخذ لنفسه منزلا . يقال ~~تبوأ الدار ، إذا اتخذها مسكنا ، وهو أمر معناه الخبر ، يعني : فإن الله ~~يبوئه ، وتعبيره بصيغة الأمر للإهانة ، ولذا قيل : الأمر فيه للتهكم أو ~~التهديد إذ هو أبلغ في التغليظ والتشديد من ms115 أن يقال : كان مقعدة في النار ، ~~ومن ثم كان ذلك كبيرة ، بل قال الشيخ أبو محمد الجويني : إنه كفر ، يعني ~~لأنه يترتب عليه الاستخفاف بالشريعة . ويؤخذ من الحديث أن من قرأ حديثه وهو ~~يعلم أنه يلحن فيه ، سواء كان في أدائه أو إعرابه ، يدخل في هذا الوعيد ~~الشديد ، لأنه بلحنه كاذب عليهن وفيه إشارة إلى أن من نقل حديثا وعلم كذبه ~~، يكون مستحقا للنار ، إلا أن يتوب ، لا من نقل عن راو عنه عليه الصلاة ~~والسلام ، أو رأي في كتاب ولم يعلم كذبه قال الطيبي : ( ( فيه إيجاب التحرز ~~عن الكذب على رسول الله ، بأنه لا يحدث عنه إلا بما يصح بنقل الإسناد ) ) ~~قال ابن حجر : ( ( وما أوهمه كلام شارح من حرمة التحديث بالضعيف مطلقا ~~مردود . ) ) 1 ه والظاهر أن PageV01P173 مراد الطيبي بقوله : ( ( إلا بما ~~يصح ) ) الصحة اللغوية التي بمعنى الثبوت ، لا الاصطلاحية ، وإلا لأهم حرمة ~~التحديث بالحسن أيضا ولا يحسن ذلك ، ولا يظن به هذا ، إذ من المعلوم ، أن ~~أكثر الأحاديث الدالة على الفروع حسان ، ومن المقرر أن الحديث الضعيف يعمل ~~به في فضائل الأعمال ، فيتعين حمل كلامه على ما ذكرناه ، وكلامه أيضا مشعر ~~بذلك ، إذ لم يقل ( ( بنقل الإسناد الصحيح ) ) ولكنه موهم أنه لا بد من ذكر ~~الإسناد ، وليس كذلك . لأن المراد أنه لا يحدث عنه ، إلا بما ثبت عنه ، ~~وذلك الثبوت ، إنما يكون بنقل الإسناد ، وفائدته أنه لو روى عنه ما يكون ~~معناه صحيحا ، لكن ليس له إسناد ، فلا يجوز أن يحدث به عنه ؛ واللام في ~~الإسناد للعهد ، أي الإسناد المعتبر عند المحدثين ، وإلا فقد يكون للحديث ~~الموضوع إسناد أيضا . قال عبد الله بن المبارك : ( ( الإسناد من الدين ولو ~~الإسناد لقال من شاء ما شاء . ) ) قال ابن حجر : ( ( ولكون الإسناد يعلم به ~~بالموضوع من غيره ، كانت معرفته من فروض الكفاية ، قيل ( ( بلغوا عني ) ) ~~يحتمل وجهين : أحدهما اتصال السند بنقل الثقة عن مثله إلى منتهاه لأن ~~التبليغ من البلوغ وهو إنهاء الشيء إلى عايته ، والثاني : أداء اللفظ كما ~~سمع ms116 من غير تغيير ، والمطلوب في الحديث كلا الوجهين . ) ) ( كذا في مرقاة ~~المفاتيح ) . # تنبيه - قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح ، في شرح حديث البخاري عن ~~علي رضي الله عنه عن النبي قال : ( ( لا تكذبوا علي ، فإنه من كذب على ~~فليلج النار ) ) معناه : لا تنسبوا الكذب إلى ، ولا مفهوم لقوله ( ( على ) ~~) لأنه لا يتصور أن يكذب له لنهيه عن مطلق الكذب . وقد اعتز قوم من الجهلة ~~فوضعوا أحاديث في الترغيب والترهيب ، وقالوا : ( ( نحن لم نكذب عليه ، بل ~~فعلنا ذلك لتأييد شريعته ) ) وما دروا أن تقويله ما لم يقل ، يقتضى الكذب ~~على الله تعالى ، لأنه إثبات حكم من الأحكام الشرعية ، سواء كان في الإيجاب ~~أو الندب ، وكذا مقابلهما وهو الحرام والمكروه . ولا يعتد بمن خالف ذلك من ~~الكرامية ، حيث جوزوا وضع الكذب في الترغيب والترهيب ، في تثبيت ما ورد في ~~القرآن والسنة واحتج بأنه كذب له لا عليه ، وهو جهل باللغة العربية . ~~PageV01P174 وتمسك بعضهم بما ورد في بعض طرق الحديث من زيادة لم تثبتن وهي ~~ما أخرجه البزار من حديث ابن مسعود بلفظ : ( ( من كذب على ليضل به الناس . ~~. . الحديث ) ) وقد اختلف في وصله وإرساله ، ورجح الدار قطني والحاكم ~~إرساله ، وأخرجه الدارمي من حديث يعلي بن مرة بسند ضعيف . وعلى تقرير ثبوته ~~، فليست اللام فيه للعلة ، بل للصيرورة كما فسر قوله تعالى : ( ( فمن أظلم ~~ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس ) ) والمعنى أن مآل إلى الإضلال ، أو ~~هو من تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر ، فلا مفهوم له كقوله تعالى : ( ^ لا ~~تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة - ولا تقتلوا أولادكم من إملاق ) فإن قتل ~~الأولاد ، ومضاعفة الربا ، والإضلال ، في هذه الآيات ، إنما هو لتأكيد ~~الأمر فيها ، لا اختصاص الحكم . ) ) انتهى # 11 - بيان أنه ليس كل حديث في باب الترغيب تحدث به العامة # ترجم لهذا المقصد المهم الإمام البخاري في صحيحه بقوله : ( ( باب من خص ~~بالعلم أقواما دون قوم ، كراهية أن لا يفهموا ) ) ثم قال : قال علي رضي ~~الله عنه : حدثوا الناس بما يعرفون ، أتحبون ms117 أن يكذب الله ورسوله ؟ ثم أسند ~~عن أنس بن مالك أن رسول الله ومعاذ رديفه على الرحل قال ( ( يا معاذ بن جبل ~~! ) ) قال : لبيك يا رسول الله وسعديك ! ) ) ، قال : ( ( يا معاذ ! ) ) قال ~~: ( ( لبيك يا رسول الله وسعديك ! ثلاثا ؛ ( ( ما من أحد يشهد أن لا إله ~~إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، إلا حرمه الله على النار ) ) . وقال : ( ~~( يا رسول الله أفلا أخبر به الناس فيستبشروا إذا يتكلوا ) ) وأخبر بها ~~معاذ عند موته تأثما . وروى مسلم أن النبي أمر أبا هريرة أن يبشر بذلك ~~الناس ، فلقيه عمر ، فدفعه وقال : ارجع يا أبا هريرة ) ) ودخل على أثره ~~فقال ( ( يا رسول الله لا تفعل ، فإني أخشى أن يتكل الناس ، فخلهم يعملون ) ~~) فقال : فخلهم ) ) . PageV01P175 # وسبق في الثمرة التاسعة في بحث الصحيح شذرة من هذا البحث الجليل فتذكر . # وقد توسع فيه وأجاد صديقنا مؤلف كتاب أشهر مشاهير الإسلام بقوله تحت ~~عنوان : ما كل حديث تحدث به العامة وندم أبي عبيدة على نقله الحديث لعامة ~~الناس ) ) ما صورته : ( ( كل مسلم أكتنه كنه الدين الإسلامي ، ووقف على ~~حكمه وأسراره ، يرى من آياته العظمى في الترغيب والترهيب ، ما لو أحسن ~~استعماله ووضع في موضعه ، لكفى لإزعاج النفوس الشريرة عن مواطن الرذيلة ، ~~مهما التصقت بها ، وأمعنت فيهان ولجعل النفوس البارة نورا على نور ، ~~وألبسها من الفضيلة لباسا لا يصيبه بلى . وقد جاء الكتاب الكريم بالترغيب ، ~~ليكون باعثا للنفوس على العمل الصالح رجاء الثواب الأخروي ، الذي أعده الله ~~لعباده الصالحين ، لا ليكون لاستدراج النفوس في مدارج الاستباحة ، طمعا في ~~عفو الله . لهذا جاء بإزاء الترغيب بالترهيب ، لترسم على صفحات النفوس صورة ~~العقاب كما ارتسمت صورة الثواب ، فيكون لها منها داع إلى الخير ، يذكرها ~~بالثواب ، ويمكن منها الرغبة فيه لا إلى حد الطمع والغرور ، ثم الاستدراج ~~في الشرور ؛ وزاجر عن الشر يذكرها بالعقاب ، ويمكن منها الرهبة منه لا إلى ~~حد الانقطاع إلى تقويم أود النفس وتعطيل وظائف الحياة ، ولا إلى حد اليأس ~~والقنوط ، ثم الاسترسال في الشهوات ، واقتراف المنكرات . على ذلك ms118 الأساس ، ~~بنى الترغيب والترهيب في الإسلام وكل ما جاء منه في الحديث النبوي ، ~~فالمراد منه عين ما أراده القرآن ، ولكن ما الحيلة ، وقد أولع كثير من ~~علماء المسلمين بالإفراط في الوعظ ترغيبا وترهيبا ، وحملوا عامة الناس على ~~طريقتهم في فهم الدين ، فأكثروا من حمل الحديث وروايته ، دون التفهم له ، ~~والعلم بمقاصده ، ووضع كل شيء منه في محله ، والتفريق بين صحيحه وموضوعه ، ~~حتى أغروا العامة بعقيدة الإباحة ، لكثرة ما يروون لهم من أحاديث الترغيب ، ~~ولو موضوعه ، حتى أغروا العامة بعقيدة الإباحة ، لكثرة ما يروونه لهم من ~~أحاديث الترغيب ، ولو موضوعة ، كفضائل الصيام والصلاة ، وفضائل الشهور ~~والأيام ، وفضائل التلاوات ؛ وجلها - إن لم نقل كلها - من PageV01P176 ~~الموضوع الذي تستدرج به العامة للاستباحة لاعتقادهم بأن من صام كذا غفر له ~~من السيئات كذا وكذا ، ومن ننفل بيوم كذا محيت سيئاته إلى كذا . ولقد بلغ ~~ببعضهم سوء الفهم للدين ، أن جعلوا لبعض القصائد النبوية من الفضائل ما لم ~~يجعلوه للقرآن ، فقالوا : إن البيت الفلاني منها ، لشفاء الأسقام ، والآخر ~~لمحو الذنوب والآثام ، والثالث للنجاة من ظلم الحكام . فليت شعري ! إذا ~~اعتقد العامي أن تلاوة بيت من قصيد ، يكفى لمحو كل ما يقترفه في يومه من ~~الآثام ، فإلى أية درجة ينتهى فساد أخلاقه ، وشرور نفسه ؟ وماذا ينفعه ~~القرآن بأوامره ونواهيه ، ووعده ووعيده ، وحكمه وأحكامه ؟ اللهم إن هذا ~~لغاية الاستهانة بالدين ، والجهل بمقاصد الإسلام ، ومنشؤه اضطراب الأفهام ، ~~وتلبس الحقائق بالأوهام ، منذ أخذ الوضاعون بالكذب على رسول الله ، وأدخلوا ~~في الدين ما ليس منه يضاف إليه الإكثار من حمل الحديث على غير تفقه فيه ، ~~ووضع له في مواضعه التي أرادها الشارع وقصدها الإسلام . ولو تتبع العلماء ~~سيرة الصحابة الكرام ، سيما خاصهم الذين لا زموا النبي ، وفهموا هذا الدين ~~حق الفهم ، لرأوا كيف أنهم كانوا يقلون من رواية الحديث إلا للخاصة ، أو ما ~~تعلق منه بالأحكام 1 حتى بلغ بعمر رضي الله عنه أنه كان ينهى عن رواية ~~الحديث ، ويقول : ( ( عليكم بالقرآن ) ) وما ذلك إلا خوف الكذب على رسول ~~الله ms119 ، إذا كثرت الرواية والنقل ، وخوف افتنان العامة بما ليس لهم به علم ~~وبما لم يتفقهوا فيه من الحديث . # ( ( أبو عبيدة بن الجراح ) ) ، كان من خيرة الصحابة ، وعلى جانب من ~~التفقه في الدين والورع والتقوى دعا النبي لأن يسميه أمين هذه الأمة ؛ وقد ~~سمع من رسول الله حديثا ربما لم يسمعه منه أحد من الصحابة ، أو سمعه بعض ~~الخاصة ، فرأى هذا الأمين أن يطوى هذا الحديث بين الجوانح ، ويضن به على ~~العامة كما ضن به عليهم رسول الله ، لأن عقول العامة يلامسها الاغترار ، ~~ونفوسهم يلامسها الضعف وحب الشهوات ، فهم بالوعيد أولى ، وبإلزامهم ظواهر ~~الشرع أخرى . ولكن لما ألجأته الضرورة القصوى وهو PageV01P177 محصور مع ~~المسلمين في حمص ، ورأى منهم فتورا عن الحرب لا لوهن في نفوسهم ، أوجبن ~~أصابهم ، كلا ! وإنما هو لرهبة الخالق التي تمكنت من أفئدتهم وقلوبهم ~~وإخافتهم من الموت ، لا لذاته ، بل لما بعده ، فقام ، فخطب فيهم وتلا عليهم ~~ذلك الحديث وهو : ( ( من مات لا يشرك بالله شيئا ، دخل الجنة ) ) استحثاثا ~~لهممهم ، وتخفيفا لروعهم مما بعد الموت ، رجاء رحمه الله وعفوه عن ذنوب ~~اقترفوها مما دون الشرك ، إذا تابوا وأنابوا . قال لهم هذا ، وهو يظن أن ~~هذا الحديث لا يتعدى أسماعهم لاعتقاده أنهم إذا خرجوا لمكافحة الروم ، لا ~~يبقى منهم أحد يحدث به ، أو يلابس نفسه أثر منه ، لكثرة من كان على حصارهم ~~من جند الروم . ولما تم الظفر للمسلمين ونجوا من براثن العدو ، ندم على أن ~~حدثهم بذلك الحديث وخسي من أن يعلق في نفوسهم شيء منه مع أنه علقه على ~~التوبة ، فقام وخطب فيهم فقال : ( ( لا تتكلوا ، ولا تزهدوا في الدرجات ، ~~فلو علمت أنه يبقى منا أحد لم أحدثكم بهذا الحديث . ) ) وتالله إن قوما بلغ ~~بهم الإيمان الصادق ، وليقين الثابت ذلك المقام ، مقام الرهبة من الله ومن ~~الوقوف بين يدي قدرته بعد الموت ، لقوم عامتهم أعلم بالدين ، وأخلص في ~~اليقين من خاصتنا . ذلك العصر ، وماذا يشترط في المحدثين وحملة علوم الدين ~~؟ إلا يشترط الوقوف على مقاصد الإسلام ، والتفقه ms120 في الحديث ، والعلم بحالة ~~الخاطبين ، واجتناب الغلو معهم في الترغيب والترهيب ، ومراعاة ما يلابس ~~عقولهم من القوة والضعف ؟ وأني يتيسر هذا ، وقد نتج عن كثرة الرواية وحمل ~~الحديث بلا تفقه فيه ، زيغ العقول عن مقاصد الشرع واجتراء الكذابين على وضع ~~الحديث ، وشحن الكتب الإسلامية بما لا يرضاه الله والرسول ؛ وهو ما كان ~~يحذره عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، ولهذا نهى في عصره الذي هو خير العصور ~~، عن الإكثار من رواية الحديث ، فما بالك بما يلي عصره من العصور ؟ # ( ( ذكر الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد البر القرطبي الأندلسي في كتابه ( ( ~~جامع بيان PageV01P178 العلم وفضله ) ) في باب ذكر من ذم الإكثار من الحديث ~~دون التفهم له والتفقه فيه ما نصه : ( ( عن ابن وهب قال : سمعت سفيان بن ~~عيينه يحدث عن بيان ، عن عامر الشعبي ، عن قرظة بن كعب قال : خرجنا نريد ~~العراق ، فمشى معنا عمر إلى حرار ، فتوضأ ، فغسل اثنتين ، ثم قال : أتدرون ~~لم مشيت معكم ؟ قالوا : نعمن نحن أصحاب رسول الله ، مشيت معنا ؛ فقال : ~~إنكم تأتون أهل قرية ، لهم دوي بالقرآن كدوي النحل فلا تصدوهم بالأحاديث ~~فتشغلوهم ؛ جودوا القرآن ، وأقلوا الرواية عن رسول الله ؛ امضوا وأن شريككم ~~. فلما قدم قرظة قالوا : حدثنا ؛ قال : نهانا عمر بن الخطاب ) ) . # ثم قال ابن عبد البر بعد هذا بقليل ما نصه : ( ( قول عمر ، إنما كان لقوم ~~لم يكونوا أحصوا القرآن فخشى عليهم الاشتغال بغيره عنه ، إذ هو الأصل لكل ~~علم . هذا معنى قول أبي عبيدة في ذلك . ثم قال أيضا : إن نهيه عن الإكثار ، ~~وأمره بالإقلال من الرواية عن رسول الله ، إنما كان خوف الكذب على رسول ~~الله ، وخوفا من أن يكونوا مع الإكثار ، يحدثون بما لم يتيقنوا حفظه ولم ~~يعوه ، لأن ضبط من قلت روايته ، أكثر من ضبط المستكثر ، وهو أبعد من السهو ~~والغلط الذي لا يؤمن مع الإكثار ، فلهذا أمرهم عمر من الإقلال من الرواية ) ~~) انتهى . # 12 - وجوب نعرف الحديث الصحيح من الموضوع # لمن يطالع المؤلفات التي لم تميز بين صحيح ms121 الأحاديث وسقيمها # قال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية رحمه الله تعالى في مكتوبة لجماعة ~~العارف الجليل الشيخ عدي بن مسافر رحمه الله تعالى في بعض فصوله : وأنتم - ~~أصلحكم الله - قد من الله عليكم بالانتساب إلى الإسلام ، الذي هو دين الله ~~، وعافاكم مما ابتلى به من خرج عن الإسلام من المشركين وأهل الكتاب وعافاكم ~~بانتسابكم إلى السنة من أكثر البدع المضلة PageV01P179 مثل كثير من بدع ~~الروافض والجهمية والخوارج والقدرية ، بحيث جعل عندكم من البغض لمن يكذب ~~بأسماء الله وصفاته وقضائه وقدره ، أو يسب أصحاب رسول الله ما هو من طريقة ~~أهل السنة والجماعة . وهذا من أكبر نعم الله على من أنعم عليه بذلك ، فإن ~~هذا تام الإيمان وكمال الدين ؛ ولهذا أكثر فيكم من أهل الصلاح والدين ، ما ~~لا يوجد مثله في طرائف المبتدعين ، وفيكم من أولياء الله المتقين ، من له ~~لسان صدق في العالمين . فإن قدماء المشايخ الذين كانوا فيكم ، مثل الملقب ~~بشيخ الإسلام أبي الحسن على بن أحمد ابن يوسف القرشي الهكاري ، وبعده الشيخ ~~العارف القدرة عدي بن مسافر الأموي ، ومن سلك سيبلهما ، فيهم من الفضل ~~والدين والصلاح والاتباع للسنة ، ما عظم الله به أقدارهم ، ورفع به منارهم ~~) ) . # ثم قال : ( ( والشيخ عدي قدس الله روحه ، عقيدته المحفوظة عنه ، لم يخرج ~~فيها عن عقيدة من تقدم من المشايخ الذين سلك سبيلهم ، كالشيخ عبد الواحد ~~الشيرازي ، وكشيخ الإسلام الهكاري ونحوهما . وهؤلاء المشايخ لم يخرجوا في ~~الأصول الكبار عن أصول أهل السنة والجماعة ، بل كان لهم من الترغيب في أصول ~~أهل السنة ، والدعاء إليها ، والحرص على نشرها ، ومنابذة من خالفها ، مع ~~الدين والفضل والصلاح ، ما رفع الله به أقدارهم ، وأعلى منارهم ؛ وغالب ما ~~يقولونه في أصولها الكبار جيد ، مع أنه لا بد وأن يوجد في كلامهم وكلام ~~نظرائهم من المسائل المرجوحة ، والدلائل الضعيفة ، كأحاديث لا تثبتن ~~ومقاييس لا تطرد ، ما يعرفه أهل البصيرة . وذلك أن كل أحد يؤخذ من قوله ~~ويترك ، إلا رسول الله ، لا سيما المتأخرون من الأمة الذين لم يحكموا ms122 معرفة ~~الكتاب والسنة ، والفقه فيهما ، ويميزوا بين صحيح الأحاديث وسقيمها ، وناتج ~~المقاييس وعقيمها ، مع ما ينضم إلى ذلك من غلبة الأهواء ، وكثرة الآراء ، ~~وتغلظ الاختلاف والافتراق ، وحصول العداوة والشقاق ؛ فإن هذه الأسباب ~~ونحوها ، مما يوجب قوة الجهل والظلم اللذين نعت الله بهما الإنسان في قوله ~~: ( ( وحملها الإنسان ؛ إنه كان ظلوما جهولا ! ) ) فإذا من الله على ~~الإنسان بالعلم PageV01P180 والعدل ، أنقذه من هذا الضلال . وقد قال سبحانه ~~: ( ^ والعصر ، إن الإنسان لفي خسر ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، ~~وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر . ) ) وقد قال تعالى : ( ^ وجعلناهم أئمة ~~يهدون بأمرنا لما صبروا ، وكانوا بآياتنا يوقنون . ) ) وأنتم تعلمون - ~~أصلحكم الله - أن السنة التي يجب اتباعها ، ويحمد أهلها ، ويذم من خالفها ، ~~هي سنة رسول الله في أمور الاعتقادات وأمور العبادات ، وسائر أمور الديانات ~~. وذلك إنما يعرف بمعرفة أحاديث النبي ، الثابتة عنه في أقواله وأفعاله ، ~~وما تركه من قول وعمل ، ثم ما كان عليه السابقون والتابعون لهم بإحسان . ~~وذلك في دواوين الإسلام المعروفة مثل صحيحي البخاري ومسلم ، وكتب السنن ، ~~مثل سنن أبي داود ، والنسائي ، وجامع الترمذي ، وموطأ الإمام مالك ؛ ومثل ~~المسانيد المعروفة ، كمثل مسند الإمام أحمد وغيره . ويوجد في كتب التفاسير ~~والمغازي ، وسائر كتب الحديث ، جملها وأجزائها ، من الآثار ، ما يستدل ~~ببعضها على بعض ، وهذا أمر قد أقام الله له من أهل المعرفة من اعتنى به حتى ~~حفظ الله الدين على أهله وقد جمع طوائف من العلماء الأحاديث والآثار ~~المروية في أبواب عقائد أهل السنة ، مثل حماد بن سلمة ، وعبد الرحمن بن ~~مهدي ، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ، وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهم ~~في طبقهم . ومنها ما بوب عليه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم ~~في كتبهم ، ومثل مصنفات أبي بكر الأثرم ، وعبد الله بن أحمد ، وأبي بكر ~~الخلال ، وأبي القاسم الطبراني ، وأبي الشيخ الأصبهاني ، وأبي بكر الآجري ، ~~وأبي الحسن الدار قطني ، وأبي عبد الله بن مندة ، وأبي القاسم اللالكائي ، ~~وأبي عبد الله بن بطة ، وأبي عمر الطلمنكي ، وأبي نعيم الأصبهاني ، وأبي ~~بكر البيهقي ، وأبي ms123 ذر الهروي ؛ وإن كان يقع في بعض هذه المصنفات من ~~الأحاديث الضعيفة ، ما يعرفه أهل المعرفة . # ( ( وقد يروي كثير من الناس في الصفات وسائر أبواب الاعتقادات ، وعامة ~~أبواب الدين ، أحاديث كثيرة ، تكون مكذوبة موضوعة على رسول الله وهي قسمان ~~: # منها : ما يكون كلاما باطلا ، لا يجوز أن يقال ، فضلا عن أن يضاف إلى ~~النبي . # والقسم الثاني : من الكلام ، ما يكون قد قاله بعض السلف ، أو بعض العلماء ~~، أو بعض الناس ، ويكون حقا ، أو مما يسوغ فيه الاجتهاد ، أو مذهبا لقائله ~~فيغزى إلى النبي ، وهذا كثير عند من لا يعرف الحديث ، مثل المسائل التي ~~وصفها الشيخ أبو الفرج عبد الواحد ابن محمد بن علي الأنصاري ، وجعلها محنة ~~يفرق فيها بين السني والبدعي ، وهي مسائل معروفة عملها بعض الكذابين ، وجعل ~~لها إسنادا إلى رسول الله ، وجعلها من كلامه ؛ وهذا يعلمه من له أدنى معرفة ~~أنه مكذوب مفترى ، وهذه المسائل ، وإن كان غالبها موافقا لأصول السنة ، ~~ففيها ما إذا خالفه الإنسان لم يحكم بأنه مبتدع ، مثل أول نعمة أنعم بها ~~على عبده ، فإن هذه المسألة ، فيها نزاع بين أهل السنة ، والنزاع فيها لفظي ~~، لأن مبناها على أن اللذة يعتقبها ألم ، هل تسمى نعمة أم لا ؟ وفيها أيضا ~~أشياء مرجوحة . # والواجب : أن يفرق بين الحديث الصحيح ، والحديث الكذب ، فإن السنة هي ~~الحق دون الباطل ، وهي الأحاديث الصحيحة دون الموضوعة . فهذا أصل عظيم لأهل ~~الإسلام عموما ، ولمن يدعي السنة خصوصا . انتهى . # 13 - بيان أنه عبرة بالأحاديث المنقولة في كتب الفقه والتصوف # ما لم يظهر سندها وإن كان مصنفها جليلا # قال العلامة ملا على القارى في رسالة الموضوعات : ( ( حديث : من قضى ~~صلاته من الفرائض في آخر جمعة من رمضان ، كان ذلك جابرا لكل صلاة فاتته في ~~عمره إلى سبعين سنة ) ) باطل قطعا ، ولا عبرة بنقل صاحب النهاية وغيره من ~~بقية شراح الهداية ، فإنهم PageV01P181 ليسوا من المحدثين ، ولا أسندوا ~~الحديث إلى أحد من المخرجين ) ) . 1 ه # وقال السيوطي في مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود ، على حديث ms124 ( ( نهى أن ~~يمتشط أحدنا كل يوم . . . ) ) : فإن قلت : ( ( إنه كان يسرح لحيته كل يوم ~~مرتين ، قلت ، لم أقف على هذا بإسناد ، ولم أر من ذكره إلا الغزالي في ~~الإحياء ؛ ولا يخفي ما فيه من الأحاديث التي لا أصل لها ) ) . 1 ه # وظاهر أنهم لم يوردوا ما أوردوا مع العلم يكونه موضوعا ، بل ظنوه مرويا . ~~ونقد الآثار من وظيفة حملة الأخبار ، إذ لكل مقام مقال ، ولكل فن رجال . # 14 - الرد على من يزعم تصحيح بعض الأحاديث بالكشف بأن مدار الصحة على ~~السند # في فتاوى العلامة الشيخ عليش رحمه الله ما مثاله : ( ( وسئل عن حديث يس ~~لما قرئت له ) ) هل هو صحيح ، وما يترتب على من شنع على من أنكر صحته ، ~~أفيدوا الجواب ؛ فأجاب بما نصه : ( ( الحمد لله ؛ نص الحافظ السخاوي في ~~كتابه ( ( المقاصد الحسنة ، في الأحاديث المشتهرة على الألسنة ) ) على أن ~~هذا الحديث لا أصل له ، وكذلك سيدي محمد الزرقاني في مختصره ، ويترتب على ~~هذا المشنع المذكور ، الأدب الشديد ، لتجرئه على التكلم بغير علم ، والظاهر ~~من حال هذا الرجل أنه جاهل جاف غليظ الطبع ، لم يخالط أحدا من أهل العلم ، ~~ومثل هذا يخشى عليه مقت الله تعالى لخوضه في الأحاديث بغير معرفة ، إذ من ~~له معرفة لا ينكر المنصوص ، وشدة الجهل وضعف العقل وعدم الديانة توجب أكثر ~~من ذلك والله أعلم . ) ) # وكتب على هذا السؤال أيضا الشيخ إبراهيم السقاء ، خطيب الأزهر ما نصه : ( ~~( الحمد لله ؛ قرر الشعراني في كتابه البدر المنير ، نقلا عن الحافظ ~~السخاوي ، أن الحديث بهذا اللفظ لا أصل له . ثم قال : وهو عند جماعة الشيخ ~~إسماعيل اليمني قطعي ) ) انتهى . # فهذا مما اختلف فيه الناس ، فلا يليق أن يرد على من أنكر صحته ، فإن ~~السخاوي أنكرها ، ولا يليق أن يرد على من قرره ، فإن بعض الناس قد قرره كما ~~سمعته عن PageV01P183 الشعراني ، وفضل ( ( يس ) ) وكونها لقضاء الأغراض ~~الدنيوية والأخروية ، لا يتوقف على هذا الحديث فإنه قد وردت به أحاديث أخر ~~. هذا ما فتح الله به . ) ) # إبراهيم السقاء الشافعي عفى ms125 عنه # قال جامع فتاوى الشيخ عليش رحمه الله : ولما اطلع على هذا الجواب شيخنا ~~أبو يحي ( يعني الشيخ عليشا ) كتب عليه ما نصه : ( ( الحمد لله ، من ~~المعلوم لكل أحد ، أن الأحاديث لا تثبت إلا بالأسانيد ، لا بنحو الكشف ~~وأنوار القلوب ، فما نقله الشعراني عن جماعة سيدي إسماعيل اليمني ، إن كان ~~المراد صحة اللفظ كما فهم المفتي ، توقف الأمر على السند ، وإلا رد القول ~~على قائله كائنا من كان ، ودين الله لا محاباة فيه ، والولاية والكرامات لا ~~دخل لها هنا ، إنما المرجع للحفاظ العارفين بهذا الشأن . والحديث عندهم ~~متفق على أنه لا أصل له . فقد ذكره ملا على قارئ وقال : قال السخاوي : لا ~~أصل له ، وقال في خطبة كتابه إنه لا يذكر الحديث الثابت ، ولا المختلف في ~~وضعه وإن كان المراد صحة معناه ، كما هو اللائق بتحسين الظن بالسادة ، فهذا ~~أمر قريب ، لأن من صح توكله ، وصدق إخلاصه ، إذا دعا إلا له أجابه ، خصوصا ~~إذ توسل بالقرآن . ويقع مثل هذا في كلام الحفاظ ، فقد قال أبو بكر بن ~~العربي لما تكلم على حديث ( ( سورة المائدة ، نعمت الفائدة ) ) : أنا أقول ~~: سورة المائدة نعمت الفائدة ، لكن اللفظ لم يرد ) ) . انتهى . # إلا أن هذا غير ما نحن فيه ، فتعقب هذا المفتي على السخاوي بآخر عبارة ~~الشعراني في غير محله ، لأنه مبنى على ما فهم من إراده صحة اللفظ . وقد ~~علمت أنه لا يصح لتوقفه على السند ، ولم يوجد ، إذ لو وجد لعرفه الحفاظ ، ~~وذكروا الحديث في كتبهم . وقوله : ( ( فهذا مما اختلف فيه ) ) فيه ما فيه ؛ ~~ويرده كلام ملا على . وقوله : ( ( ولا يليق الرد على من قرره ) ) كأن مراده ~~المفتي الأول ، وهو لم يرد على من قرر ، إنما رد على من تكلم بلا علم ، ~~وخاض بغير معرفة ، والرد على هذا متعين ، وكأنه لم يفهم ألفاظ من رد عليه ، ~~كما أنه لم يفهم مراد PageV01P184 من ردبه ، وكما أنه لم يفهم السؤال حيث ~~قال : وفضل ( ( يس ) ) الخ فإن فضل جميع القرآن لا نزاع فيه بين المسلمين . ~~وقوله ms126 : ( ( هذا ما فتح الله به ، لم أفهم معناه ، فإنه إذا لم يحقق مراد ~~من يتعقب بكلامه ، ولا يتدبر السؤال ، ولم يفهم ألفاظ من رد عليه ، مع كون ~~الرد فضولا ، لأنه إنما سئل عما في السؤال ، وأما في جواب المجيب فلا ؛ ~~فبأى شيء وقع الفتح ، وإن كان هذا غاية ملكة هذا الرجل ، فإنا الله ! قد ~~كنت أظن أن تحت القبة شيخا والله أعلم ! ! ) ) 1 ه كلام الشيخ عليش . ~~PageV01P185 $ الباب الخامس في الجرح والتعديل وفيه مسائل : # 1 - بيان طبقات السلف في ذلك # قال الحافظ الذهبي الدمشقي رحمه الله تعالى في جزء جمعه في الثقات ~~المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم ما نصه : ( ( وأما الصحابة رضي الله عنهم ~~فبساطهم مطوي ، وإن جرى ما جرى ، وإن غلطوا كما غلط غيرهم من الثقات ، فما ~~يكاد يسلم من الغلط أحد ، لكنه غلط نادر لا يضر أبدا ، إذ على عدالتهم ~~وقبول ما نقلوا العمل ، وبه ندين الله تعالى . وأما التابعون فيكاد يعدم ~~فيهم من يكذب عمدا ، لكن لهم غلط وأوهام . فما ندر غلطه في جنب ما قد حمل ~~احتمل ، ومن تعدد غلطه وكان من أوعية العلم اغتفر له أيضا ، ونقل حديثه ، ~~وعمل به على تردد بين الأئمة الأثبات في الاحتجاج بمن هذانعته كالحادث ~~الأعور وعاصم بن ضمره وصالح مولى التوأمة ، وعطاء بن السائب ونحوهم ، ومن ~~فحش خطؤه وكثر تفرده لم يحتج بحديثه ؛ ولا يكاد يقع ذلك في التابعين ~~الأولين ولو وجد ذلك في صغار التابعين فمن بعدهم . وأما أصحاب التابعين ~~كمالك والأوزاعي وهذا الضرب ، فعلى المراتب المذكروة ووجد في عصرهم من ~~يتعمد الكذب أو من كثر غلطة فترك حديثه . هذا مالك هو النجم الهادي بين ~~الأمة وما سلم من الكلام فيه ، ولو قال قائل عند الاحتجاج بمالك : فقد تكلم ~~فيهن لعزر وأهين . وكذا الأوزاعي ثقة حجة وربما انفرد ووهم ؛ وحديثه عن ~~الزهري فيه شيء ما ، وقد قال فيه أحمد بن حنبل : ( ( رأي ضعيف ، وحديث ضعيف ~~وقد تكلف لمعنى هذه اللفظة ، وكذا تكلم من لا يفهم في الزهري ms127 لكونه خضب ~~PageV01P187 بالسواد ، ولبس زي الجند ، وخدم هشام بن عبد الملك . وهذا باب ~~واسع ، والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث ؛ والمؤمن إذا رجحت حسناته وقلت ~~سيئاته فهو من المفلحين . هذا أن لو كان ما قيل في الثقة الرضى مؤثرا ، ~~فكيف وهو لا تأثير له ؟ ) ) انتهى كلام الذهبي . * * * # 2 - بيان أن جرح الضعفاء من النصيحة # قال الإمام النووي : ( ( أعلم أن جرح الرواة جائز بل واجب بالاتفاق ، ~~للضرورة الداعية إليه ، لصيانة الشريعة المكرمة ، وليس هو من الغيبة ~~المحرمة ، بل من النصيحة لله تعالى ورسوله والمسلمين . ولم يزل فضلاء ~~الأئمة وأخيارهم ، وأهل الورع منهم يفعلون ذلك ) ) . وقد تكلم الإمام مسلم ~~على جماعة منهم في مقدمة صحيحه ، وقدمنا في مبحث الضعيف تحت ترجمة قول مسلم ~~رحمه الله أن الراوي عن الضعفاء غاش آثم جاهل زيادة على ذلك فارجع إليه . * ~~* * # 3 - بحث تعارض الجرح والتعديل # ( ( إذا اجتمع في الراوي جرح مفسر وتعديل ، فالجمهور على أن الجرح مقدم . ~~ولو كان عدد الجارح أقل من المعدل . قالوا : لأن مع الجارح زيادة علم ؛ ~~وقيل : إن زاد المعدلون في العدد على المجرحين ، قدم التعديل ) ) . انتهى ~~ما في التقريب وشرحه . وهذا القول وإن ضعف فهو الذي يتجه . وما أحسن مذهب ~~النسائي في هذا الباب : وهو أن لا يترك حديث الرجل حتى يجتمع الجميع على ~~تركه ، ولذا أرى من الواجب على المحقق أن لا يكتفي في حال الراوي على ~~المختصرات في أسماء الرجال ، بل يرجع إلى مطولاته التي تحكي أقوال الأئمة ؛ ~~فعسى أن لا يرى إجماعا على تركه بل يرى كثرة فيمن عدله ، فليتق الله الجارح ~~، وليستبري لدينه ، والله الموفق . PageV01P188 ثم رأيت التاج السبكي قال ~~في طبقاته : ( ( الحذر كل الحذر أن تفهم أن قاعدتهم : الجرح مقدم على ~~التعديل إطلاقها ، بل الصواب أن من ثبتت إمامته وعدالته ، وكثر ما دحوه ، ~~وندر جارحوه ، وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه ، من تعصب مذهبي ، أو ~~غيره ، لم يلتفت إلى جرحه ) ) . وقال أيضا : ( ( قد عرفناك أن الجارح لا ~~يقبل منه الجرح وإن فسره في ms128 حق من غلبت طاعته على معاصيه ، وما دحوه على ~~ذاميه ، ومزكوه على جارحيه ، إذا كانت هناك قرينة يشهد العقل بأن مثله من ~~تعصب مذهبي ، أو منافسة دنيوية ، كما يكون بين النظراء وغير ذلك . وحينئذ ~~فلا يلتفت لكلام الثوري وغيره في أبي حنيفة ، وابن أبي ذئب وغيره في مالك ، ~~وابن معين في الشافعي ، والنسائي في أحمد بن صالح ، ونحوه . ولو أطلقنا ~~تقديم الجرح ، لما سلم لنا أحد من الأئمة إذ ما من إمام إلا وقد طعن فيه ~~طاعنون ، وهلك فيه هالكون ) ) 1 ه . # وقال الحافظ الذهبي في ميزانه في ترجمة الحافظ أبي نعيم أحمد بن عبد الله ~~الأصفهاني ما نصه : ( ( كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به ، لا سيما ~~إذا لاح لك انه لعدواه أو لمذهب أو لحسد ؛ وما ينجو منه إلا من عصمه الله ؛ ~~وما علمت أن عصرا من الأعصار سلم أهله من ذلك سوى الأنبياء والصديقين ولو ~~شئت لسردت من ذلك كراريس . ) ) انتهى . # وقال العارف الشعراني قدس سره في مقدمة الميزان : ( ( ما من راو من ~~الرواة المحدثين والمجتهدين كلهم إلا وهو يقبل الجرح كما يقبل التعديل لو ~~أضيف إليه ، ما عدا الصحابة ؛ وكذا التابعون عند بعضهم لعدم العصمة ، أو ~~الحفظ في بعضهم . ولكن لما كان العلماء رضي الله عنهم أمناء على الشريعة ~~وقدموا الجرح أو التعديل عمل به مع قبول كل الرواة لما وصف به الآخر ~~احتمالا ؛ وإنما قدم جمهورهم التعديل على الجرح ، وقالوا : الأصل العدالة ، ~~والجرح طارئ ، لئلا يذهب غالب أحاديث الشريعة ؛ كما قالوا أيضا : إن إحسان ~~الظن بجميع الرواة المستورين أولى ، وكما قالوا : إن مجرد الكلام في شخص لا ~~يسقط مروية ، فلا بد من الفحص عن حاله . وقد خرج الشيخان لخلق كثير ممن ~~تكلم الناس فيهم ، إيثارا لإثبات الأدلة الشرعية على نفيها ، ليحوز الناس ~~فضل العمل بها ؛ فكان في ذلك فضل كثير للأمة ، PageV01P189 افضل من تجريهم ~~؛ كما أن تضعيفهم للأحاديث أيضا رحمه للأمة ، بتخفيف الأمر بالعمل بها ، ~~وإن لم يقصد الحفاظ ذلك ، فإنهم لو لم يضعفوا ms129 شيئا من الأحاديث ، وصححوها ~~كلها ، لكان العمل بها واجبا ن وعجز عن ذلك غالب الناس ، فأعلم ذلك ) ) ~~انتهى . * * * # 4 - بيان أن تجريح بعض رجال الصحيحين لا يعبأ به # قال الإمام الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي : ( ( ما احتج البخاري ومسلم ~~به من جماعة علم الطعن فيهم من غيرهم ، محمول على أنه لم يثبت الطعن المؤثر ~~مفسر السبب ) ) . وقال النووي في شرح البخاري : ( ( ما ضعف من أحاديثهما ~~مبنى على علل ليست بقادحة ) ) . وقال الحافظ الذهبي في جزء جمعه في الثقات ~~الذين تكلم فيهم بما لا يوجب ردهم ما نصه : وقد كتبت في مصنفي الميزان عددا ~~كثيرا من الثقات الذين احتج البخاري أو مسلم أو غيرهم بهم لكون الرجل منهم ~~قد دون اسمه في مصنفات الجرح وما أوردتهم لضعف فيهم عندي ، بل ليعرف ذلك ، ~~وما زال يمر بي الرجل الثبت ، وفيه مقال من لا يعبأ به . ولو فتحنا هذا ~~الباب على نفوسنا لدخل فيه عدة من الصحابة والتابعين والأئمة ، فبعض ~~الصحابة كفر بعضهم بتأويل ما ، والله يرضي عن الكل ، ويغفر لهم ، فما هم ~~بمعصومين ، وما اختلافهم ومحاربتهم بالتي تلينهم عندنا أصلا ، وبتكفير ~~الخوارج لهم انحطت رواياتهم بل صار كلام الخوارج والشيعة فيهم جرحا في ~~الطاعنين . فانظر إلى حكمة ربك ، نسأل الله السلامة . وهكذا كثير من كلام ~~الأفران بعضهم في بعض ، ينبغي أن يطوي ولا يروي ، ويطرح ولا يجعل طعنا ، ~~ويعامل الرجل بالعدل والقسط ) ) انتهى . # وقال الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح ، في الفصل التاسع في سياق أسماء من ~~طعن فيه من رجال الصحيح والجواب عنه ما نصه : ( ( ينبغي لكل منصف أن يعلم ~~أن تخريج صاحب الصحيح لأي راو كان مقتض لعدالته عنده ، وصحة ضبطه ، وعدم ~~غفلته ، ولا سيما PageV01P190 ما انضاف إلى ذلك من إطباق جمهور الأئمة على ~~تسمية الكتابين الكتابين بالصحيحين : وهذا معنى لم يحصل لغير من خرج عنه في ~~الصحيح ، فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيهما . هذا إذا خرج ~~له في الأصول ، فأما إن خرج له في المتابعات والشواهد ms130 والتعاليق ، فهذا ~~يتفاوت درجات من أخرج له منهم في الضبط وغيره ، مع حصول اسم الصدق لهم ، ~~وحينئذ إذا وجدنا لغيره في أحد منهم طعنا ، فذلك الطعن مقابل لتعديل هذا ~~الإمام ، فلا يقبل إلا مبين السبب ، مفسرا بقادح يقدح في عدالة هذا الراوي ~~، وفي ضبطه مطلقا ، أو في ضبطه لخبر بعينه ، لأن الأسباب الحاملة للأئمة ~~على الجرح متفاوتة ، منها ما يقدح ومنها ما لا يقدح . وقد كان الشيخ أبو ~~الحسن المقدسي يقول في الرجل الذي يخرج عنه في الصحيح : ( ( هذا جاز ~~القنطرة ) ) يعني بذلك أنه لا يلتفت إلى ما قيل فيه . قال الشيخ أبو الفتح ~~القشيري ، هو ابن دقيق العيد في مختصره لكتاب ابن الصلاح في مختصره : ( ( ~~وهكذا نعتقد ، وبه نقول ، ولا نخرج عنه إلا بحجة ظاهره ، وبيان شاف ، يزيد ~~في غلبة الظن على المعنى الذي قدمناه من اتفاق الناس بعد الشيخين على تسمية ~~كتابيهما بالصحيحين ، ومن لوازم ذلك تعديل رواتهما . # ( ( قلت : فلا يقبل الطعن في أحد منهم إلا بقادح واضح ، لأن أسباب الجرح ~~مختلفة ، ومدارها على خمسة أشياء : البدعة أو المخالفة أو الغلط أو جهالة ~~الحال أو دعوى الانقطاع في السند بأن يدعي في الراوي أنه كان يدلس أو يرسل ~~. فأما جهالة الحال فمندفعة عن جميع من أخرج لهم في الصحيح ، لأن شرط ~~الصحيح أن يكون راوية معروفا بالعدالة . فمن زعم أن أحدا منهم مجهول فكأنه ~~نازع المصنف في دعواه أنه معروف ، ولا شك أن المدعى لمعرفته مقدم على من ~~يدعي عدم معرفته لما مع المثبت من زيادة العلم . ومع ذلك فلا تجد في رجال ~~الصحيح أحدا ممن يسوغ إطلاق اسم الجهالة عليه أصلا ، كما سنبينه . وأما ~~الغلظ فتارة يكثر من الراوي ، وتارة يقل ، فحيث يوصف بكونه كثير الغلط ينظر ~~فيما أخرج له ، إن وحد مرويا عنده أو عند غيره من رواية غير هذا الموصوف ~~بالغلط علم أن المعتمد أصل PageV01P191 الحديث لا خصوص هذه الطريق ، وإن لم ~~يوجد إلا من طريقه ، فهذا قادح يوجب التوقف عن الحكم بصحة ما هذا ms131 سبيله . ~~وليس في الصحيح بحمد الله من ذلك شيء وحيث يوصف بقلة الغلط كما يقال : سيء ~~الحفظ ، أوله أوهام ، أوله مناكير وغير ذلك من العبارات ، فالحكم فيه ، ~~كالحكم في الذي قبله ، إلا أن الرواية عن هؤلاء في المتابعات ، أكثر منها ~~عند المصنف من الرواية عن أولئك ، وأما المخالفة ، وينشأ عنها الشذوذ ~~والنكارة ، فإذا روى الضابط والصدوق شيئا فرواه من هو احفظ منه ، أو أكثر ~~عددا ، بخلاف ما روى ، بحيث يتعذر الجمع على قواعد المحدثين ، فهذا شاذ ؛ ~~وقد تشتد المخالفة أو يضعف الحفظ ، فيحكم على ما يخالف فيه بكونه منكرا . ~~وهذا ليس في الصحيح منه إلا تزر يسير . أما دعوى الانقطاع ، فمدفوعة عمن ~~أخرج لهم البخاري ، لما علم من شرطه ، ومع ذلك فحكم من ذكر من رجاله بتدليس ~~أو إرسال أن تسبر أحاديثهم الموجودة عنده بالعنعنة ، فإن وجد التصريح ~~بالسماع فيها ، اندفع الاعتراض وإلا فلا . وأما البدعة ، فالموصوف بها غما ~~أن يكون ممن يكفر بها أو يفسق ، فالمكفر بها لا بد أن يكون ذلك التكفير ~~متفقا عليه من قواعد جميع الأئمة كما في غلاة الروافض ، من دعوى بعضهم حلول ~~الإلهية في على أو غيره ، أو الإيمان برجوعه إلى الدنيا قبل يوم القيامة ، ~~أو غير ذلك ، وليس في الصحيح من حديث هؤلاء شيء البتة . والمفسق بها كبدع ~~الخوارج والروافض الذين لا يغلون ذلك الغلو ، وغير هؤلاء من الطوائف ~~المخالفين لأصول السنة خلافا ظاهرا ، لكنه مستند إلى تأويل ظاهره سائغ . ~~فقد اختلف أهل السنة في قبول حديث من هذا سبيله إذا كان معروفا بالتحرز من ~~الكذب ، مشهورا بالسلامة من خوارم المروءة ، موصوفا بالديانة أو العبادة ، ~~فقيل : يقبل مطلقا ؛ وقيل : يرد مطلقا ، والثالث التفصيل بين أن يكون داعية ~~لبدعته ، أو غير داعية ، فيقبل غير الداعية ، ويرد حديث الداعية ، وهذا ~~المذهب هو الأعدل ، وصارت إليه طوائف من الأئمة . وادعى ابن حبان إجماع أهل ~~النقل عليه ، لكن في دعوى ذلك نظر . ثم اختلف القائلون بهذا التفصيل فبعضهم ~~أطلق ذلك ، وبعضهم زاده تفصيلا فقال : إن اشتملت رواية ms132 غير الداعية على ~~PageV01P192 ما يشيد بدعته ويزينها ويحسنها ظاهرا فلا يقبل ، وإن لم تشتمل ~~فتقبل ، وطرد بعضهم هذا التفصيل بعينه في عكسه في حق الداعية فقال : إن ~~استملت روايته على ما يرد بدعته قبل وإلا فلا ، وعلى هذا إذا اشتملت رواية ~~المبتدع ، سواء كان داعية أم لم يكن ، على مالا تعلق له ببدعته أصلا ، هل ~~تقبل مطلقا أو ترد مطلقا ؟ مال أبو الفتح القشيري إلى تفصيل آخر فيه فقال : ~~إن وافقه غيره فلا يلتفت إليه هو ، إخمادا لبدعته ، وإطفاء لناره ، وإن لم ~~يوافقه أحد ، ولم يوجد ذلك الحديث إلا عنده مع ما وصفنا من صدقة ، وتحرزه ~~عن الكذب واشتهاره بالدين ، وعدم تعلق ذلك الحديث ببدعته ، فينبغي أن تقدم ~~مصلحة تحصيل ذلك الحديث ، ونشر تلك السنة على مصلحة إهانته وإطفاء بدعته . ~~والله أعلم # ( ( وأعلم : أنه قد وقع من جماعة الطعن في جماعة بسبب اختلافهم في ~~العقائد ، فينبغي التنبيه لذلك ، وعدم الاعتداد به إلا بحق . وكذا عاب ~~جماعة من الورعين جماعة دخلوا في أمر الدنيا ، فضعفوهم لذلك ، ولا أثر لذلك ~~التضعيف مع الصدق والضبط والله الموفق . وأبعد ذلك كله من الاعتبار تضعيف ~~من ضعف بعض الرواة بأمر يكون الحمل فيه على غيره أو للتحامل بين الأقران . ~~وأشد من ذلك تضعيف من ضعف من هو أوثق منه ، أو أعلى قدرا أو أعرف بالحديث ، ~~فكل هذا لا يعتبر به ) ) # ثم سرد الحافظ أسماء من طعن فيه من رجال البخاري مع حكاية الطعن والتنقيب ~~عن سببه ، والقيام بجوابه والتنبيه على وجه رده ، فرحمه الله تعالى ، ورضي ~~عنه ، وجزاه خيرا . PageV01P193 # 5 - الناقلون المبدعون # سلف في المقالة قبل ، أن من أسباب الجراح البدعة ، ونقلنا عبارة الفتح في ~~ذلك بما كفى . بيد أن نزيد المقام بيانا لأهميته فنقول . # ذهب الجمهور إلى أنه لا تقبل رواية المكفر ببدعته ، وهو من يعتقد ما ~~يستلزم الكفر قال الحافظ ابن حجر في شرح النخبة ( ( والتحقيق أنه لا يرد كل ~~مكفر ببدعته ، لأن كل طائفة تدعى أن مخالفيها مبتدعة ، وقد تبالغ فتكفر ~~مخالفيها ms133 . فلو أخذ ذلك على الإطلاق لا ستلزم تكفير جميع الطوائف . ~~فالمعتمد أن الذي ترد روايته من أنكر أمرا متواترا من الشرع ، معلوما من ~~الدين بالضرورة . وكذا من اعتقد عكسه . فأما من لم يكن بهذه الصفة ، وانضم ~~إلى ذلك ضبطه لما يرويه مع ورعه وتقواه ، فلا مانع من قبوله ) ) . # قال السخاوي : ( ( وسبقه ابن دقيق العيد فقال : الذي تقرر عندنا ، أنه لا ~~نعتبر المذاهب في الرواية ، إذ لا نكفر أحدا من أهل القبلة إلا بإنكار قطعي ~~من الشريعة ، فإذا اعتبرنا ذلك ، وانضم إليه الورع والتقوى ، فقد حصل معتمد ~~الرواية . وهذا مذهب الشافعي حيث يقبل شهادة أهل الأهواء ) ) . ثم قال ~~السخاوي : ( ( وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيما روينا عنه : لا ~~تظنن بكلمة خرجت من في امرئ مسلم شرا ، وأنت تحد لها في الخير محلا ) ) . # وفي جمع الجوامع : ( ( يقبل مبتدع يحرم الكذب ) ) . 1 ه قال المحلي : ( ( ~~لأمنه فيه مع تأويله في الابتداع ، سواء دعا الناس إليه أم لا ) ) . انتهى ~~: ولذا رد العراقي على من زعم أنه 8 لا يحتج بالدعاة ، بأن الشيخين احتجا ~~بهم . قال : فاحتج البخاري بعمران بن حطان ، وهو من الدعاة - أي دعاة ~~الخوارج - واحتجا بعبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني وكان داعية إلى ~~الإرجاء ؛ وأجاب بأن أبا داود قال : ( ( ليس في أهل الأهواء أصح حديثا ~~PageV01P194 من الخوارج ) ) . ثم ذلك عمران بن حطان وأبا حسبان الأعرج . # أقول : ههنا أمر ينبغي التفطن له ، وهو أن رجال الجرح والتعديل عدوا في ~~مصنفاتهم كثيرا ممن رمى ببدعة ، وسندهم في ذلك ما كان يقال عن أحد من أولئك ~~أنه شيعي أو خارجي أو ناصبي أو غير ذلك ، مع أن القول عنهم بما ذكر قد يكون ~~تقولا وافتراء ومما يدل عليه أن كثيرا ممن رمى بالتشيع من رواة الصحيحين لا ~~تعرفهم الشيعة أصلا . وقد راجعت من كتب رجال الشيعة كتاب ( ( الكشي ) ) و ( ~~( النجاشي ) ) ، فما رأيت من رماهم السيوطي نقلا عمن سلفه بالتشيع في كتابه ~~التقريب ، ممن خرج لهم الشيخان وعدهم خمسة وعشرين إلا راويين ms134 وهما : أبان ~~بن تغلب ، وعبد الملك بن أعين ، ولم أر للبقية في دينك الكتابين ذكرا . وقد ~~استفدنا بذلك علما مهما ، وفائدة جديدة ، وهي أنه ينبغي الرجوع في المرمى ~~ببدعه إلى مصنفات رجالها ، فيها يظهر الأصيل من الدخيل ، والمعروف من ~~المنكور . ونظير هذا ما كنت أدل عليه ، وهو الرجوع في أقوال الفرق إلى ~~مصنفاتها المتداولة حتى ينثلج بها الصدر ، وإلا فكم من قول افترى على مذهب ~~أو نقل مقلوبا ، أو فاقد شرط ، كما يعلمه من حقق ورجع إلى الأصول . بل رأيت ~~من الشراح من يضبط لفظه لغوية ويعزوها ، وبمراجعة المعزو إليه يظهر اشتباه ~~في المادة ، فتنبيه لهذه الفائدة واحرص عليها . * * * # 6 - الناقلون المجهولون # قال الخطيب البغدادي : ( ( المجهول عند أهل الحديث ، هل كل من لم يشتهر ~~بطلب العلم في نفسه ، ولا عرفه العلماء ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو ~~واحد ، وأقل ما يرتفع به الجهالة ، أن يروي عنه اثنان فصاعدا من المشهورين ~~بالعلم ، إلا أنه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه ) ) وقال الدار ~~قطني : ( ( تثبت العدالة برواية PageV01P195 # 7 - قول الراوي : حدثني الثقة ، أو من لا يتهم ، هل هو تعديل له ؟ # ذهب الأكثرون إلى أنه لا يكتفي به في التعديل حتى يسميه ، لأنه وإن كان ~~ثقة عنده ، فلعله ممن جرح بجرح قادح عند غيره ، بل إضرابه عن تسميته ريبة ~~توقع ترددا في القلب وقيل : إن قائل ذلك متى كان ثقة مأمونا ، فإنه يكتفي ~~به كما لو عينه ، إذ لو علم فيه جرحا لذكره ، ولو لم يذكره لكان غاشا في ~~الدين ، ولا يلزم من إبهامه له تضعيفه عنده ، لأنه قد يهم لصغر سنة ، أو ~~لطبيعة المعاصرة أو المجاورة مما تقتضيه ظروف الزمان ، والمحققون على الأول ~~كما في التقريب وشرحه . * * * # 8 - ما وقع في الصحيحين وغيرهما من نحو : ابن فلان ، أو ولد فلان # قال النووي . من عرفت عينه وعدالته ، وجهل اسمه ونسبه ، احتج به ) ) . أي ~~: لأن الجهل باسمه لا يخل بالعلم بعدالته . * * * # 9 - قولهم : عن فلان أو فلان ، وهما عدلان # قال النووي ms135 : وإذا قال الراوي : أخبراني فلان أو فلان على الشك ، وهما ~~عدلان احتج به : أي لأنه قد عينهما وتحقق سماعه لذلك الحديث من أحدهما ، ~~وكلاهما مقبول . وذلك كحديث شعبة عن سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء ، أو من ~~زيد بن وهب أن سويد بن غفلة . . . الحديث ) ) . * * * # 10 - من لم يذكر في الصحيحين أو أحدهما لا يلزم منه جرحه # قال الذهبي في ميزانه في ترجمة أشعث بن عبد الملك : ( ( ما ذكره أحد في ~~الضعفاء . نعم ، ما أخرجا له في الصحيحين ، فكان ماذا ؟ ) ) انتهى . ~~PageV01P196 # 11 - اقتصار البخاري على رواية من روايات إشارة إلى نقد في غيرها # قال الإمام تقي الدين بن تيميه في تفسير سورة ( ( قل هو الله أحد ) ) : ~~قد أنكروا على مسلم إخراج أشياء كثيرة يسيرة : مثل ما روى في بعض طرق حديث ~~صلاة كسوف الشمس ، أنه صلاها بثلاث ركوعات وأربع ، والصواب أنه لم يصلها ~~إلا مرة واحدة بركوعين ولهذا لم يخرج البخاري إلا هذا . وكذلك الشافعي ~~وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه وغيرهما . والبخاري سلم من مثل هذا ، ~~فإنه إذا وقع في بعض الروايات غلط ذكر الروايات المحفوظة التي تبين غلط ~~الغالط ، فإنه كان أعرف بالحديث وعلله ، وأفقه في معانية من مسلم ونحوه . ) ~~) 1 ه . # 12 - ترك رواية البخاري لحديث لا يوهنه # قال الإمام ابن القيم في ( ( إغاثة اللهفان ) ) في بحث كون المطلق ثلاثا ~~كان على عهد رسول الله وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر يحسب له واحدة ، وتقرير ~~حديث مسلم في ذلك ما نصه : ( ( رد الحديث فيه ضرب من التعنت ، ورواته كلهم ~~أئمة حفاظ ) ) ثم قال : ( ( والحديث من أصح الأحاديث ، وترك رواية البخاري ~~لا يوهنه ، وله حكم أمثاله من الأحاديث الصحيحة التي تركها البخاري لئلا ~~يطول كتابه ، فإنه سماه : الجامع المختصر الصحيح ) ) . انتهى . # وتوقف فيه بعض المحققين ، بأن دعوى تسمية البخاري لجامعة بالمختصر ، ~~مطلوبة البيان ، ودعوى التسيمة غير دعوى عدم الاحاطة PageV01P197 # 13 - بيان أن من روى له حديث في الصحيح لا يلزم صحة جميع حديثه # قال الشعراني قدس سره ms136 في مقدمة ميزانه : ( ( قال الحافظ المزي والحفظ ~~الزيلعي رحمهما الله تعالى : وممن خرج لهم الشيخان مع كلام الناس فيهم جعفر ~~بن سليمان الضبعي والحارث ابن عبيدة ، ويونس بن أبي إسحاق السبيعي ، وأبو ~~أويس ، لكن للشيخين شروط في الرواية عمن تكلم الناس فيه ، منها : أنهم لا ~~يروون عنه إلا ما توبع عليه ، وظهرت شواهده ، وعلموا أن له أصلا ، فلا ~~يروون عنه ما انفرد به ، أو خالفه فيه الثقات . وهذه العلة قد راجت على ~~كثير من الحفاظ ، لا سيما من استدرك على الصحيحين كابي عبد الله الحاكم ، ~~فكثيرا ما يقول : ( ( وهذا حديث صحيح على شرط الشيخين أو أحدهما مع أن فيه ~~هذه العلة ) ) ؛ إذ ليس كل حديثا أحتج براويه في الصحيح يكون صحيحا إذ لا ~~يلزم من كون راوية محتجا به في الصحيح أن يكون كل حديث وجدناه له يكون ~~صحيحا على شرط صاحب ذلك الصحيح ، لاحتمال فقد شرط من شروط ذلك الحافظ ، كما ~~قدمنا ) ) . انتهى . * * * # 14 - ما كل من روى المناكير ضعيف # قال السخاوي في فتح المغيث : ( ( قال ابن دقيق العيد : قولهم ( ( فلان ~~روى المناكير ) ) لا يقتضى بمجردة ترك روايته ، حتى تكثر المناكير في ~~روايته ، وينتهي إلى أن يقال فيه منكر الحديث ، لأن منكر الحديث وصف في ~~الرجل يستحق به الترك بحديثه ؛ وقد قال أحمد بن حنبل في محمد بن إبراهيم ~~التيمي : يروي أحاديث منكرة ، وهو ممن اتفق عليه الشيخان ، وإليه المرجع في ~~حديث : ( ( إنما الأعمال بالنيات ) ) انتهى . # وقال الحافظ PageV01P198 # 15 - متى يترك حديث المتكلم فيه # نقل الحافظ ابن حجر في شرح النخبة : ( ( أن مذهب النسائي أن لا يترك حديث ~~الرجل حتى يجتمع الجميع على تركه ) ) . انتهى وهو مذهب جيد . * * * # 16 - جواز ذكر الراوي بلقبه الذي يكرهه للتعريف وأنه ليس بغيبة له # قال النووي : ( ( قال العلماء من أصحاب الحديث والفقه وغيرهم : يجوز ذكر ~~الراوي بلقبه وصفته ونسبه الذي يكرهه ، إذا كان المراد تعريفه ، لا تنقيصه ~~؛ وجوز هذا للحاجة ، كما جوز جرحهم للحاجة . ومثال ذلك : الأعمش ، والأعرج ~~، والأحول ، والأعمى ، والأصم ، والأثرم ، وابن ms137 عليه ، وغير ذلك . وقد صنفت ~~فيهم كتب معروفة ) ) . * * * # 17 - الاعتماد في جرح الرواة وتعديلهم على الكتب المصنفة في ذلك # لا يخفي أن الناس قد اعتمدوا في جرح الرواة وتعديلهم على الكتب التي ~~صنفها أئمة الحديث في ذلك ، ولا يقال : قد اشترط الأئمة أن الجرح لا يثبت ~~إلا إذا كان مفسرا . وفي بعض تلك المصنفات المختصرات لا يتعرض لبيان السبب ~~بل يقتصر فيها على نحو : ضعيف ، أو مستور ؛ واشتراط ذلك يفضي إلى تعطيل تلك ~~المصنفات لأنا نقول إنما لم يتعرض لسبب الجرح فيها اختصارا . وظاهر أن كل ~~تصنيف لم يتعرض فيه لذلك ، فهو من المختصرات التي قصد بها تقريب الحكم ~~للمراجع وإلا فالمطولات تكفلت بذلك ، وليس الوقوف عليها لذي الهمة بعزيز . ~~* * * # 18 - بيان عدالة الصحابة أجمعين # وأن قول الراوي عن رجل من الصحابة من غير تسمية لا يضر في ذلك الخبر ~~PageV01P199 # قال النووي في التقريب : ( ( الصحابة كلهم عدول ، من لابس الفتن وغيرهم ، ~~بإجماع من يعتد به ) ) . # وقيل : يجب البحث عن عدالتهم مطلقا . وقال المازري في شرح البرهان : لسنا ~~تعني بقولنا : ( ( الصحابة عدول ) ) كل من رآه يوما ما ، أو زاره ، أو ~~أجتمع به لغرض وانصرف وإنما يعني به الدين لا زموه وعزروه ونصرره . فإذا ~~قال الراوي عن رجل من الصحابة ولم يسمه ، كان ذلك حجة ، ولا يضر الجهالة ~~لثبوت عدالتهم على العموم : * * * # 19 - بيان معنى لصحابي # ( ( هو من لقي النبي مؤمنا بهن ولو ساعة ، سواء روى عنه أم لا . وإن كانت ~~اللغة تقتضى أن الصاحب هو من كثرت ملازمته ، فقد ورد ما يدل على إثبات ~~الفضيلة لمن لم يحص منه إلا مجرد اللقاء القليل ، والرؤية ، ولو مرة . ولا ~~يشترط البلوغ ، لوجود كثير من الصحابة الذين أدركوا عصر النبوة ، ورووا ولم ~~يبلغوا إلا بعد موته ؛ ولا الرؤية ، لأن من كان أعمى مثل ابن أم مكتوم ، ~~وقد وقع الاتفاق على أنه من الصحابة ، ويعرف كونه صحابيا بالتواتر ~~والاستفاضة ، وبكونه من المهاجرين أو من الأنصار ) ) . * * * # 20 - تفاضل الصحابة # في شرح النخبة : ( ( لا خفاء يرجحان رتبة ms138 من لازمة ، وقاتل معه ، أو قتل ~~معه تحت رأيته ، على من لم يلازمه ، أو لم يحضر معه مشهدا ، وعلى من كلمه ~~يسيرا ، أو ما شاه قليلا ، أو رآه على بعد ، أو في حاله الطفولية ؛ وإن كان ~~شرف الصحبة حاصلا للجميع ، ومن ليس له منهم سماع منه ، فحديثه مرسل من حيث ~~الرواية ، وهم مع ذلك معدودون في الصحابة ، لما نالوه من شرف الرؤية ) ) . ~~انتهى . PageV01P200 # | الباب السادس # # | في الإسناد وفيه مباحث # : # 1 - فضل الإسناد # أعلم : أن الإسناد في أصله خصيصة فاضلة لهذه الأمة ، ليست لغيرها من ~~الأمم . قال ابن حزم : ( ( نقل الثقة عن الثقة يبلغ به النبي مع الاتصال ، ~~خص الله به المسلمين ، دون سائر الملل ، وأما مع الإرسال والإعضال فيوجد في ~~كثير من اليهود ، ولكن لا يقربون فيه من موسى قربنا من محمد ، بل يقفون ~~بحيث يكون بينهم وبين موسى أكثر من ثلاثين عصرا ، وإنما يبلغون إلى شمعون ~~ونحوه ) ) . قال : ( ( وأما النصارى ، فليس عندهم من صفة هذا النقل إلا ~~تحريم الطلاق فقط . وأما النقل بالطريق المشتملة على كذاب ، أو مجهول العين ~~، فكثير في نقل اليهود والنصاري ) ) . قال : ( ( وأما أقوال الصحابة ~~والتابعين ، فلا يمكن اليهود أن يبلغوا إلى صاحب بني أصلا ، ولا إلى تابع ~~له ، ولا يمكن النصاري أن يصلوا إلى أعلى من شمعون وبولص ) ) . # وقال أبو علي الجياني : ( ( خص الله تعالى هذه الأمة بثلاثة أشياء لم ~~يعطها من قبلها : الإسناد ، والأنساب ، والإعراب ) ) . ومن أدلة ذلك ما ~~رواه الحاكم وغيره عن مطر الوراق في قوله تعالى : ( ^ أو أثاره من علم ) ~~قال : ( ( إسناد الحديث ) ) . وقال ابن المبارك : ( ( الإسناد من الدين . ~~لولا الإسناد لقال من شاء ، ما يشاء ) ) أخرجه مسلم . وقال سفيان ابن عيينة ~~: حدث الزهري يوما بحديث فقلت : هاته بلا إسناد ؛ فقال الزهري : أترقي ~~PageV01P201 السطح بلا سلم ؟ وقال الثوري : الإسناد سلاح المؤمن . وقال ~~أحمد بن حنبل : طلب الإسناد العالي سنة عمن سلف ، لأن أصحاب عبد الله كانوا ~~يرحلون من الكوفة إلى المدينة ، فيتعلمون من عمر ، ويسمعون منه . وقال محمد ~~بن أسلم الطوسي : قرب ms139 الإسناد قر أو قربة إلى الله تعالى . * * * # 2 - معنى السند والإسناد والمسند والمتن # أما السند - فقال البدر بن جماعة فلتطيبي : ( ( هو الإخبار عن طريق المتن ~~) ) . قال ابن جماعة : وأخذه إما من السند ، وهو ما ارتفع وعلا من سفح ~~الجبل ، لأن المسند يرفعه إلى قائله ؛ أو من قولهم : فلان سند ، أي : معتمد ~~، فسمى الإخبار عن طريق المتن سندا لاعتماد الحفاظ في صحة الحديث وضعفه ~~عليه . # وأما الإسناد - فهو رفع الحديث إلى قائله . قال الطيبي : ( ( وهما ~~متقاربان في معنى اعتماد الحفاظ في صحة الحديث وضعفه عليهما ) ) . وقال ابن ~~جماعة : ( ( المحدثون يستعلمون السند والإسناد لشيء واحد ) ) . # وأما المسند - ( بفتح النون ) فله اعتبارات : أحدها : الحديث السابق في ~~أنواع الحديث ؛ الثاني : الكتاب الذي جمع فيه ما أسنده الصحابة أي رووه ، ~~فهو أسم مفعول ؛ الثالث : أن يطلق ويراد به الإسناد ، فيكون مصدرا كمسند ~~الشهاب ، ومسند الفردوس ؛ أي أسانيد أحاديثهما . # وأما المتن - فهو ألفاظ الحديث التي تقوم بها المعاني ، قاله الطيبى : ~~وقال ابن جماعة ( ( هو ما ينتهي إليه غاية السند من الكلام ) ) . وأخذه ~~إمام ، المماتنه ، وهي المباعدة في الغاية ، لأنه غاية السند ، أو من متنت ~~الكبش إذا سققت جلدة بيضته واستخرجتها ، فكأن المسند استخرج المتن بسنده ؛ ~~أو من المتن : وهو ما صلب وارتفع من الأرض ، لأن المسند يقويه بالسند ~~ويرفعه إلى PageV01P202 # 3 - أقسام تحمل الحديث # الأول : السماع من لفظ الشيخ إملاء من حفظه ، أو تحديثا من كتابه . # الثاني : قراءة الطالب على الشيخ وهو ساكت يسمع ، سواء كانت قراءة الطالب ~~عليه من كتاب أو حفظ وسواء حفظ الشيخ ما قرىء عليه أم لا ، إذا أمسك اصله ~~هو أو ثقة غيره ؛ ويسمى هذا عرضا ، لأن القارئ يعرض على الشيخ ما يقرؤه أهل ~~السماع من الشيخ أعلى من القراءة أعلى ، أو هما سيان ؟ أقوال : أصحها أولها ~~حكاه ابن الصلاح عن جمهور أهل المشرق ، وأصله الاقتداء بالنبي ، فإنه كان ~~يقرأ على الناس القرآن ، ويعلمهم السنن . # الثالث : سماع الطالب على الشيخ بقراءة غيره . # الرابع : المناولة مع الإجازة ، كأن يدفع له الشيخ أصل ms140 سماعه ، أو فرعا ~~مقابلا به ويقول له : أجزت لك روايته عني . # الخامس : الإجازة المجردة عن المناولة ، وهي أنواع . أعلاها أن يجيز لخاص ~~في خاص ، أي : بكون ، المجاز له معينا ، والمجاز به معينا ، كأجزت لك أن ~~تروي عني البخاري ؛ ويليه الإجازة لخاص في عام ، كأجزت لك رواية جميع ~~مسموعاتي ؛ ثم لعام في خاص ، نحو أجزت لمن أدركني رواية البخاري ؛ ثم لعام ~~في عام ، كأجزت لمن عاصرني رواية جميع مروياتي ؛ ثم لمعدوم تبعا للموجود ، ~~كأجزت لفلان ، ومن يوجد بعد ذلك من نسله ، وقد فعل ذلك أبو بكر بن أبي داود ~~فقال : أجزت لك ولولدك ، ولحبل الحبلة ، يعنى الذين لم يولد وأبعد . وأما ~~إجازة المعدوم استقلالا ، كأجزت لمن يولد لفلان ، ولمن سيوجد ، فجوزها ~~الخطيب البغدادي ، وألف فيها جزءا ؛ وحكى صحتها عن أبي الفراء الحنبلي ، ~~وابن عمروس المالكي ؛ ونسبه القاضي عياض لمعظم الشيوخ ، ومنعها غيرهم ؛ ~~وصححه النووي في التقريب . وأما الإجازة للطفل الذي لا يميز فصحيحة ، قال ~~الخطيب : ( ( وعلى الجواز كافة شيوخنا ، واحتج له بأنها إباحة المجيز ~~للمجاز له أن يروي عنه ؛ والإباحة تصح للعاقل ولغيره ؛ قال ابن الصلاح : ~~PageV01P203 # كأنهم رأوا الطفل أهلا للتحمل ليؤدي بعد حصول الأهلية لبقاء الإسناد . ~~وأما المميز فلا خلاف في صحة الإجازة له . هذا ، والصحيح الذي قاله الجمهور ~~واستقر عليه العمل : جواز الرواية والعمل بالإجازة . وادعى أبو الوليد ~~الباجي ، والقاضي عياض الإجماع عليها ، حتى قصر أبو مروان الطبني الصحة ~~عليها . وحكى في التقريب والتدريب عن جماعات إبطالها ، وعن ابن حزم أنها ~~بدعة . بيد أن الجمهور على قبولها وصحتها ، وهو الذي درج عليه المحدثون ~~سلفا وخلفا . # السادس : المناولة من غير إجازة ، بأن يناوله الكتاب مقتصرا على قوله : ( ~~( هذا سماعي ) ) ولا يقول له : اروه عني ، ولا أجزت لك روايته ؛ فقيل : ~~تجوز الرواية بها ، والصحيح المنع . # السابع : الإعلام ؛ كأن يقول : هذا الكتاب من مسموعاتي على فلان ، من غير ~~أن يأذن له في روايته عنه ، وقد جوز بها الرواية كثيرون ، وصحح آخرون المنع ~~. # الثامن : الوصية ، كأن يوصي بكتاب إلى غيره عند سفره أو ms141 موته ، فجوز ~~بعضهم للموصي له روايته عنه تلك الوصية ، لأن دفعها له نوعا من الإذن ، ~~وشبها من المناولة ، وصحح الأكثرون المنع . # التاسع : الوجادة ، كأن يجد حديثا أو كتابا بخط شيخ معروف لا يرويه ~~الواحد عنه بسماع ولا إجازة ، فله أن يقول : وجدت أو قرأت بخط فلان . وفي ~~مسند الإمام أحمد كثير من ذلك ، من رواية ابنه عنه . قال النووي : ( ( وأما ~~العمل بالوجادة ، فعن المعظم أنه لا يجوز ، وقطع البعض بوجوب العمل بها عند ~~حصول الثقة به ) قال : ( ( وهذا هو الصحيح الذي لا يتجه في هذه الأزمان ~~غيره ) ) . # تنبيه : - الألفاظ التي تؤدي بها الرواية على ترتيب ما تقدم هكذا : أملى ~~على ، حدثني ، قرأت عليه ، قرئ عليه وأنا أسمع ، أخبرني إجازة ومناولة ، ~~أخبرني إجازة ، أنبأني مناولة ، أخبرني إعلاما ، أوصي إلى ، PageV01P204 # 4 - بحث وخبر في الإجازة ، ومعنى قولهم : أجزت له كذا بشرطه # قال الشهاب القسطلاني في المنهج : ( ( الإجازة مشتقة من التجوز ، وهو ~~التعدي ، فكأنه عدي روايته حتى أوصلها للراوي عنه ) ) . انتهى . # وقال الغمام اللغوي ابن فارس رحمه الله في جزئه في المصطلح : ( ( يعني ~~بالإجازة في كلام العرب مأخوذ من جواز الماء الذي يسقاه المال من الماشية ~~والحرث ، يقال منه : استجزت فلانا فأجازني ، إذا أسقاك ماء لأرضك أو ماشيتك ~~. قال القطامي : # ( وقالوا فقيم قيم الماء فاستجز % عبادة إن المستجيز على قتر ) # أي : على ناحية . كذلك طالب العلم ، يسأل العالم أن يجيزه علمه فيجيزه ~~إياه ، فالطالب مستجيز ، والعالم مجيز ) ) انتهى . # قال النووي : إنما تستحسن الإجازة إذا علم المجيز ما يجيزه ، وكان المجاز ~~له من أهل العلم واشترطه بعضهم في صحتها ، فبالغ . وقال ابن سيد الناس : ~~أقل مراتب المجيز أن يكون عالما بمعنى الإجازة العلم الإجمالي ، حاصل فيما ~~رأيناه من عوام الرواة ، فإن انحط راو في الفهم عن هذه الدرجة ، - ولا إخال ~~أحدا ينحط عن إدراك هذا إذا عرف به - فلا أحسبه أهلا لن يتحمل عنه بإجازة ~~ولا سماع . قال : وهذا الذي أشرت إليه من التوسع في الإجازة هو طريق ~~الجمهور . قال القسطلاني : وما عداه من ms142 التشديد ، فهو مناف لما جوزت ~~الإجازة له من بقاء السلسلة ؛ نعمن لا يشترط التأهل حين التحمل ، ولم يقل ~~أحد بالأداء بدون شرط الرواية ، وعليه بحمل قولهم : أجزت له رواية كذا ~~بشرطه ؛ ومنه ثبوت المروي من حديث المجيز . وقال أبو مروان الطبي : إنها لا ~~تحتاج لغير مقابلة نسخة بأصول الشيخ . وقال عياض : تصح بعد تصحيح روايات ~~الشيخ ومسموعاته وتحقيقها وصحة مطابقة كتب الراوي لها ، والاعتماد على ~~الاعتماد على الأصول المصححة ، وكتب بعضهم لمن علم منه PageV01P205 التأهل ~~: ( ( أجزت له الرواية عني وهو لما علم من إتقانه وضبطه عني عن تقييدي ذلك ~~بشرطه ) ) 1 ه . # وقد أوسعت الكلام على مادة الإجازة في شرحي على الأربعين العجلونية ~~المسمى ( ( بالفضل المبين على عقد الجوهر الثمين ) ) في شرح خطبة المتن ~~فارجع إليه إن شئت . * * * # 5 - اقدم إجازة عثرت عليها # جاء في شرح ألفيه العراقي نقلا عن الإمام أبي الحسن محمد بن أبي الحسين ~~بن الوزان قال : ألفيت بخط أبي بكر أحمد بن أبي خيثمة زهير بن حرب الحافظ ~~الشهير صاحب يحيى ابن معين ، وصاحب التاريخ ما مثاله : ( ( قد أجزت لأبي ~~زكريا يحيى بن مسلمة أن يروي عني ما أحب من كتاب التاريخ الذي سمعه مني أبو ~~محمد القاسم بن الأصبغ ، ومحمد بن عبد الأعلى كما سمعاه مني ، وأذنت له في ~~ذلك ، ولمن أحب من أصحابه ، فإن أحب أن تكون الإجازة لأحد بعد هذا ، فأنا ~~أجزت له ذلك بكتابي هذا ، وكتبه أحمد بن أبي خيثمة بيده في شوال من سنة ست ~~وسبعين ومئتين ) ) . # وكذلك أجاز حفيد يعقوب بن شيبة وهذه نسختها فيما حكاه الخطيب : ( ( يقول ~~محمد بن أحمد ابن يعقوب بن شيبة : قد أجزت لعمر بن أحمد الخلال ، وابنه عبد ~~الرحمن بن عمرو لختنه على ابن الحسن جميع ما فاته من حديثي مما لم يدرك ~~سماعه من المسند وغيره ، وقد أجزت ذلك عن أحب عمر ، فليرووه عني إن شاءوا ، ~~وكتبت لهم ذلك بخطى في صفر سنه اثنتين وثلاثين وثلاثمائة ) ) 1 ه . ~~PageV01P206 # 6 - هل قول المحدث : حدثنا وأخبرنا ms143 وأنبأنا بمعنى واحد أم لا ؟ # قال الحكيم الترمذي قدس الله سره في نوادر الأصول : ( ( من أراد أن يؤدي ~~إلى أحد حديثا قد سمعه ، جاز له أن يقول : أخبرني وحدثني ، وكذلك إذا كتب ~~إليه من بلدة أخرى جاز أن يقول : أخبرني وحدثني ، فإن الخبر يكون شفاها ، ~~أو بكتاب . وذلك قوله تعالى في تنزيله : ( ^ من أنباك هذا ؟ قال نبأني ~~العليم الخبير ) ) . فإنما صار نبأ خبرا بوصول علم ذلك إليه ؛ وكذلك يجوز ~~أن يقول : حدثني لأنه قد حدث إليه الخبر ، فسواء حدث شفاها أو بكتاب ؛ ~~وكذلك إذا ناوله كتابه فقال : هذا حديثي لك ، وهذا خبرني إياك ، فحدث عني ، ~~وأخبر عني ، جاز له أن يقول : حدثني وأخبرني ، وكان صادقا في قوله ، لأنه ~~قد حدث إليه وأخبره ، فليس للمتمنع أن يمتنع من هذا تورعا ، ويتفقد الألفاظ ~~مستقصيا في تحري الصدق ، بتوهم أن ترجمة قوله : أخبرني وحدثني لفظه ~~وبالشفتين ، وليس هو كذلك فاللفظ لفظ ، والكلام كلام ، والقول قول ، ~~والحديث حديث ، والخبر خبر ؛ فالقول ترجيع الصوت ، والكلام كلم القلب ~~بمعاني الحروف ، والخبر إلقاء المعنى إليك ، فسواء ألقاه إليك لفظا أو ~~كتابا . وقد سمى الله القرآن في تنزيله ( ( حديثا ) ) حدث به العباد ، ~~وخاطبهم به ، وسمى الذي يحدث في المنام حديثا فقال : ( ( ولنعلمه من تأويل ~~الأحاديث ) ) انتهى . # وروى البخاري في صحيحه عن الحميدي قال : ( ( كان عند ابن عيينة حدثنا ~~وأخبرنا وأنبأنا وسمعت واحدا ) ) . قال الحافظ في الفتح : إيراده قول ابن ~~عيينة دون غيره ، دال على أنه مختاره ؛ واستدل البخاري على التسوية بين هذه ~~الصيغ بحديث ابن عمر قال قال رسول الله : ( ( إن من الشجر شجرة لا يسقط ~~ورقها وإنها مثل المسلم ، فحدثوني ما هي ؟ وفي رواية : ( ( أخبروني ) ) وفي ~~رواية : ( ( أنبئوني ) ) فدل ذلك على أن التحديث والإخبار والإنباء عندهم ~~سواء ؛ وهذا لا خلاف فيه عند أهل العلم بالنسبة إلى اللغة . ومن ~~PageV01P207 أصرح الأدلة فيه قوله تعالى : ( ^ يومئذ تحدث أخبارها ) وقوله ~~تعالى : ( ^ ولا ينبئك مثل خبير ) وأما بالنسبة إلى الاصطلاح فقيه الخلاف : ~~فمنهم من استمر على أصل اللغة . وهذا رأى الزهري ms144 ومالك وابن عيينة ويحيى ~~القطان وأكثر الحجازيين والكوفيين ، وعليه استمر عمل المغاربة ، ورجحه ابن ~~الحاجب في مختصره ، ونقل عن الحاكم أنه مذهب الأئمة الأربعة ، ومهم من رأي ~~إطلاقه ذلك حيث يقرأ الشيخ من لفظه ، وتقييده حيث يقرأ عليه ، وهو التفرقة ~~بين الصيغ بحسب افتراق التحمل ، فيخصون التحديث بما يلفظ به الشيخ ، ~~والإخبار بما يقرأ عليه ، وهذا مذهب ابن جريج ، والأوزاعي ، والشافعي وابن ~~وهب وجمهور أهل المشرق ؛ ثم أحدث أتباعهم تفصيلا آخر ، فمن سمع وحده من لفظ ~~الشيخ ، افرد فقال : حدثني ؛ ومن سمع مع غيره جمع ؛ ومن قرأ بنفسه على ~~الشيخ أفرد فقال : أخبرني ؛ ومن سمع بقراءة غيره جمع ؛ وكذا خصصوا الإنباء ~~بالإجازة التي يشافه بها الشيخ من يجيزه ، ولك هذا مستحسن ، وليس بواجب ~~عندهم ، وإنما أرادوا التمييز بين أحوال التحمل ؛ وظن بعضهم أن ذلك على ~~وجوب فتكلفوا في الاحتجاج له وعليه بما لا طائل تحته . نعم ، يحتاج ~~المتأخرون إلى مراعاة الاصطلاح المذكور لئلا يختلط ، لأنه صار حقيقة عرفية ~~عندهم ، فمن بجوز عنها احتاج إلى الإتيان بقرينة تدل على مراده ) ) وإلا ~~فلا يؤمن اختلاط المسموع بالمجاز بعد تقرير الاصطلاح ، فيحمل ما يرد من ~~ألفاظ المتقدمين على محمل واحد بخلاف المتأخرين . * * * # 7 - قول المحدث : وبه قال حدثنا # قال القسطلاني : ( ( إذا قرأ المحدث إسناده شيخه المحدث أول الشروع ، ~~وانتهى ، عطف عليه بقوله في أول الذي يليه : ( ( وبه قال حدثنا ) ) ليكون ~~كأنه أسنده إلى صاحبه في كل حديث ، أي لعود ضمير ( ( وبه ) ) على السند ~~المذكور كأنه يقول : ( ( وبالسند المذكور ، قال : أي صاحب السند لنا ، فهذا ~~معنى قولهم : وبه قال ) ) . PageV01P208 # 8 - الرمز ب ( ( ثنا ) ) و ( ( نا ) ) و ( ( أنا ) ) و ( ( ح ) ) # اقل النووي : ( ( جرت العادة بالاقتصار على الرمز في ( ( حدثنا ) ) و ( ( ~~أخبرنا ) ) واستمر الاصطلاح عليه من قديم الأعصار إلى زماننا ، واشتهر ذلك ~~بحيث لا يخفي فيكتبون من حدثنا ( ثنا ) ) وربما حذفوا الثاء ؛ ويكتبون من ~~أخبرنا ( أنا ) ، وإذا كان للحديث إسنادا ، أو أكثر ، وجمعوا بينهما في متن ~~واحد ، كتبوا عند الانتقال من إسناده إلى إسناد ( ح ) وهي ms145 حاء مهملة مفردة ~~، والمختار أنها مأخوذة من التحول ، لتحوله من إسناده إلى إسناده ، وأنه ~~يقول القارئ إذا انتهى إليها ( حا ) ، ويستمر في قراءة ما بعدها ؛ وقيل ~~إنها من حال بي الشيئين ، إذا حجز ، لكونها حالت بي الإسنادين ، وأنه لا ~~يلفظ عند الانتهاء إليها بشيء ، وليست من الرواية ؛ وقيل إنها رمز إلى قوله ~~: ( ( الحديث ) ) وإن أهل المغرب كلهم يقولون إذا وصوا إليها : ( ( الحديث ~~) ) وقد كتب جماعة من الحفاظ موضعها ( ( صح ) ) فيشعر بأنها رمز ( صح ) ~~وحسنت ههنا كتابة ( صح ) لئلا يتوهم أنه سقط من الإسناد الأول ، ثم هذه ~~الحاء توجد في كتب المتأخرين كثيرا ) ) 1 ه . # قلت : وقد كان بعض مشايخنا المسندين إذا وصل إليها يقول : ( ( تحويل ) ) ~~، وكنت أستحسنه منه . * * * # 9 - عادة المحدثين في قراءة الإسناد # قال النووي : ( ( جرت عادة أهل الحديث بحذف ( قال ) ونحوه فيما بين رجال ~~الإسناد في الخط ، وينبغي للقارئ أن يلفظ بها ، وإذا كان في الكتاب قرئ على ~~فلان ، أخبرك فلان . فيقولون : قرئ على فلان ، قيل : أخبرك فلان ، وإذا ~~تكررت ، كلمة ( ( قال ) ) ، كقوله : ( ( حدثنا صالح ، قال ؛ قال الشعبي ) ) ~~فإنهم يحذفون إحداهما في الخط فيلفظ بهما القارئ ) ) . PageV01P209 # 10 - الإتيان بصيغة الجزم في الحديث الصحيح والحسن دون الضعيف # قال النووي في شرح مسلم : ( ( قال العلماء ينبغي لمن أراد رواية حديث أو ~~ذكره أن ينظر ، فإن كان صحيحا أو حسنا قال : ( ( قال رسول الله كذا ، أو ~~فعله ، أو تحو ذلك من صيغ الجزم ) ) ؛ وإن كان ضعيفا فلا يقل : قال أو فعل ~~أو أمر أو نهى وشبه ذلك من صيغ الجزم ، بل يقول : روى عنه كذا أو جاء عنه ~~كذا أو يروي أو يذكر أو يحكي أو بلغنا وما أشبهه ) ) . # وقال في شرح المهذب : ( ( قالوا صيغ الجزم موضوعة للصحيح أو الحسن ، وصيغ ~~التمريض لسواهما . وذلك أن صيغة الجزم تقتضى صحته من المضاف إليه ، فلا ~~ينبغي أن تطلق إلا فيما صح ، وإلا فيكون الإنسان في معنى الكاذب عليه ، ~~وهذا الأدب أخل به جماهير الفقهاء من أصحابنا وغيرهم ، بل جماهير أصحاب ~~مطلقا ، ما عدا ms146 حذاق المحدثين ، وذلك تساهل قبيح ، فإنهم يقولون كثيرا في ~~الصحيح : ( ( روى عنه ) ) . وفي الضعيف : ( ( قال ، وروي فلان ، وهذا حيد ~~عن الصواب ) ) انتهى . * * * # 11 - متى يقول الراوي ( ( أو كما قال ) ) ؟ # قال النووي : ( ( ينبغي للراوي وقارئ الحديث إذا اشتبه عليه لفظة فقرأها ~~على الشك أن يقول عقيبه : أو كما قال ؛ وكذا يستحب لمن روى بالمعنى أن يقول ~~بعده : أو كما قال ، أو نحو هذا ، كما فعلته الصحابة فمن بعدهم ، والله ~~أعلم . وقد روى الدارمي في مسنده في باب ( ( من هاب ألفتيا مخافة السقط ) ) ~~آثارا كثيرة في ذلك ، فمن فليرجع إليه ) ) . * * * # 12 - السر في تفرقة البخاري بين قوله : حدثنا فلان ، وقال لي فلان # لا يخفي أن البخاري رحمه الله احتاط لصحيحة ما لم يحتط لغيره من مصنفاته ~~، فإنه التزم فيه غاية الصحة ؛ فربما عبر في صحيحه يقول : ( ( وقال لي علي ~~بن عبد الله ، يعني PageV01P210 ابن المديني ) ) ؛ وفي غيره كتاريخه بقوله ~~: ( ( حدثا علي بن عبد الله ) ) في القضية الواحدة . والسر في ذلك أنه لا ~~يعبر في صحيحة بقوله : وقال لي فلان ، إلا في الأحاديث التي يكون في ~~إسنادها عنده نظر ، أو التي تكون موقوفة ، وزعم بعضهم أنه يعبر في ذلك فيما ~~أخذه في المذاكرة أو المناولة . قال الحافظ ابن حجر : ( ( وليس عليه دليل ) ~~) . * * * # 13 - سر قولهم في خلال ذكر الرجال : يعني ابن فلان أو هو ابن فلان # قال النووي : ( ( ليس للراوي أن يزيد في نسب غير شيخه ، ولا صفته ، على ~~ما سمعه من شيخه ، لئلا يكون كاذبا على شيخه ، فإذا أراد تعريفه وإيضاحه ، ~~وزوال اللبس المتطرق وإليه ، لمشابهة غيره ، فطريقة أن يقول : قال حدثني ~~فلان ، يعني ابن فلان . أو الفلاني أو هو ابن فلان أو الفلاني ، أو نحو ذلك ~~. وقد استعمله الأئمة ؛ وقد أكثر البخاري ومسلم منه غاية الإكثار . وهذا ~~ملحظ دقيق ، ومن لا يعاني هذا الفن ، قد يتوهم أن قوله : ( ( يعني ) ) ~~وقوله ( ( هو ) ) زيادة لا حاجة إليها ، وأن الأول حذفها ، وهذا جهل وسرها ~~ما عرفت ) ) . * * * # 14 - قولهم : دخل حديث بعضهم في بعض # إذا ms147 روى الحفاظ حديثا في صحاحهم أو سننهم أو مسانيدهم ، واتفقوا في لفظه ~~أو معناه ، ووجد عند كل منهم ما انفرد به عن الباقين ، وأراد راو أن يخرجه ~~عنهم بسياق واحد ، فيقول حالتئذ : أخرج فلان وفلان وفلان ، دخل حديث بعضهم ~~في بعض ، إشارة إلى أن اللفظ لمجموعهم ، وأن عند كل ما انفرد به عن غيره . ~~PageV01P211 # 15 - قولهم : ( ( أصح شيء في الباب كذا ) ) # قال النووي في الأذكار : ( ( لا يلزم من هذه العبارة صحة الحديث ، فإنهم ~~يقولون هذا أصح ما جاء في الباب وإن كان ضعيفا ، ومرادهم أرجحه أو أفله ~~ضعفا ) ) . * * * # 16 - قولهم : ( ( وفي الباب عن فلان ) ) # كثيرا ما يأتي بذلك الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في جامعة حيث يقول : ~~( ( وفي الباب عن فلان وفلان ) ) ويعدد صحابة ، ولا يريد ذلك الحديث المعين ~~، بل يريد أحاديث أخر يصح أن تكتب في الباب . قال العراقي : ( ( وهو عمل ~~صحيح ، إلا أن كثيرا من الناس يفهمون من ذلك أن من سمى من الصحابة يروون ~~ذلك الحديث بعينه ، وليس كذلك . بل قد يكون كذلك ) ) وقد يكون حديثا آخر ~~يصح إيراده في ذلك الباب . * * * # 17 - أكثر ما وجد من رواية التابعين بعضهم عن بعض بالاستقرار ستة أو سبعة ~~) ) . * * * # 18 - هل يشترط في رواية الأحاديث السند أم لا ؟ # اختلف العلماء فيمن نقل حديثا من كتاب من الكتب المشهورة وليس له به سند ~~من أحد بطريق من الطرق ، هل يسوغ له أن يقول : قال ، قال رسول الله كذا ؟ ~~فالجمهور على جوازه ، وضعفه قوم كما هو ظاهر كلام العراقي ، وصريح كلام ~~الحافظ أبي بك الأشبيلي ، PageV01P212 ونقل العلامة الشهاب ابن حجر المكي ~~في فتاواه الحديثية عن الزين العراقي أنه قال : نقل الإنسان ما ليس له به ~~رواية غير سائغ بإجماع أهل الدراية ؛ وعن الحافظ ابن جبر الأشبيلي خال ~~الحافظ السهيلي أنه قال : ( ( اتفق العلماء أنه لا يصح لمسلم أن يقول : قال ~~النبي كذا حتى يكون عنده ذلك القول مرويا ولو على أقل وجوه الروايات ) ) . ~~وأطال في ذلك من النقول ، ثم قال : ( ( كلام النووي ms148 وابن الصلاح متفق على ~~عدم اشتراط تعدد الأصل المقابل عليه ، إذا كان النقل منه للرواية بخلافه ~~للعمل والاحتجاج ، فقد اشترط ابن الصلاح تعدد الأصول المقابل عليها ، دون ~~النووي ، فإنه اكتفى بأصل واحد معتمد . وقال ابن برهان : ذهب الفقهاء كافة ~~إلى أنه لا يتوقف العمل بالحديث على سماعه ، بل إذا صحت عنده النسخة من ~~الصحيحين مثلا ، جاز له العمل بها ، وإن لم يسمعها ) ) انتهى . # وإلى هذا أشار الزين العراقي في ألفيته حيث قال : # ( وأخذ متن من كتاب لعمل % أو احتجاج حيث ساغ قد جعل # ( عرضا له على أصول يشترط % وقال يحيى النووي أصل فقط # ثم قال ابن حجر في الفتاوى المذكورة : ( ( ومن هذا وما قبله تعين حمل ~~اشتراط ابن الصلاح للتعدد على الاستجباب ، كما قاله جماعة ، ولا منافاة بين ~~ما قاله ابن برهان من الإجماع على الجواز بشرطه على ما إذا كان لمجرد ~~الاستنباط ، وبحمل عدمه بشرطه على ما إذا كان للرواية عن ذلك المصنف من غير ~~أن تصح أصول بسماعه له ، ولا تيقن أنه سمعه من شيخه ) ) انتهى ملخصا . # وقال الحافظ السيوطي في كتابه ( ( تدريب الرواي شرح تقريب النواوي ) ) . # خاتمة . - زاد العراقي في ألفيته هنا لأجل قول ابن الصلاح حيث ساغ له ~~وذلك أن الحافظ أبا بكر محمد بن جبر بن عمر الأموي ( بفتح الهمزة ) ~~الأشبيلي خال أبي القاسم السهيلي قال في برنامجه : اتفق العلماء على أنه لا ~~يصح لمسلم أن يقول : قال رسول الله كذا ، PageV01P213 حتى يكون عنده ذلك ~~القول مرويا ، ولو على أقل وجوه الروايات لحديث : ( ( من كذب على ) ) انتهى ~~. ولم يتعقبه العراقي ، وقد تعقبه الزركشي في جزء له فقال فيما قرأته بخطه ~~: نقل الإجماع عجيب ، وإنما حكى ذلك عن بعض المحدثين ؛ ثم هو معارض بنقل ~~ابن برهان إجماع الفقهاء على الجواز ، فقال في الأوسط : ذهب الفقهاء كافة ~~إلى أنه لا يتوقف العمل بالحديث على سماعه ، بل إذا صح عنده النسخة جاز له ~~العمل بها وإن لم يسمع . وحكى الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني الإجماع على ~~جواز النقل من ms149 الكتب المعتمدة ولا يشترط اتصال السند إلى مصنفيها ، وذلك ~~شامل لكتب الحديث والفقه . وقال إلكيا الطبري في تعليقه : من وجد حديثا في ~~كتاب صحيح جاز له أن يرويه ويحتج به . وقال قوم من أصحاب الحديث : لا يجوز ~~له أن يرويه لأنه لم يسمعه ، وهذا غلظ . وكذا حكاه إمام الحرمين في البرهان ~~عن بعض المحدثين ، وقال : هم عصبة لا مبالاة بهم في حقائق الأصول - يعني ~~المقتصرين على السماع لا أئمة الحديث - . وقال الشيخ عز الدين بن عبد ~~السلام في جواب سؤال كتبه إليه محمد بن عبد الحميد : ( ( وأما الاعتماد على ~~كتب الفقه الصحيحة الموثوق بها ، فقد اتفق العلماء في هذا العصر على جواز ~~الاعتماد عليها والاستناد إليها ، لأن الثقة قد حصلت بها كما تحصل بالرواية ~~، ولذلك اعتمد الناس على الكتب المشهورة في النحو واللغة والطب وسائر ~~العلوم لحصول الثقة بها وبعد التدليس ومن اعتقد أن الناس قد اتفقوا على ~~الخطأ في ذلك فهو أولي بالخطأ منهم ، ولولا جواز الاعتماد على ذلك لتعطيل ~~كثير من المصالح المتعلقة بها ، وقد رجع الشارع إلى قول الأطباء في صور ، ~~وليست كتبهم مأخوذة في الأصل إلا عن قوم كفار ، ولكن لما بعد التدليس فيها ~~اعتمد عليها كما اعتمد في اللغة على أشعار العرب لبعد التدليس ) ) انتهى . # قال : - أي الزركشي المتقدم - ( ( وكتب الحديث أولي بذلك من كتب الفقه ~~وغيرها ، لاعتنائهم بضبط النسخ وتحريرها ، فمن قال إن شرط التخريج من كتاب ~~يتوقف على اتصال السند إليه ، فقد خرف الإجماع ، وغاية المخرج أن ينقل ~~الحديث من أصل موثوق بصحته وينسبه إلى من رواه ، ويتكلم على علته وغريبه ~~وفقهه . قال : وليس الناقل لإجماع مشهورا بالعلم مثل اشتهار هؤلاء الأئمة . ~~قال : بل نص الشافعي في الرسالة على أنه يجوز أن يحدث بالخبر PageV01P214 ~~وإن لم يعلم أنه سمعه ، فليت شعري ! أي إجماع بعد ذلك ؟ قال : واستدلاله ~~على المنع بالحديث المذكور أعجب إذ ليس في الحديث اشتراط ذلك وإنما فيه ~~تحريم القول بنسبه الحديث إليه حتى يتحقق أنه قاله ، وهذا لا يتوقف على ms150 ~~روايته بل يكفي في ذلك وجوده في كتب من خرج الصحيح أو كونه نص على صحته ~~إمام وعلى ذلك عمل الناس ) ) انتهى . # ( ( فتحرر من مجموعة ذلك أن الصحيح جواز نقل الحديث من الكتب المعتمدة ، ~~وإضافته إلى الرسول ، وإن لم يكن للناقل به رواية ، لكن بشرط أن يكون ~~المنقول عنه كتابا معتمدا به في الحديث مقابلا ، ولو بأصل واحد ، فلا يجوز ~~إضافة حديث إلى رسول الله بمجرد وجوده في كتاب لم يعلم مؤلفه أو علم ولم ~~يكن من أهل الحديث كما يؤخذ من كلام العز بن جماعة ) ) . انتهى من القول ~~السديد في اتصال الأسانيد للشهاب المنيني . * * * # 19 - فوائد الأسانيد المجموعة في الأثبات # اعلم أن في تطلب أسانيد الكتب غاية للحكماء سامية ، ألا وهي التشوف إلى ~~الرجوع إليها ومطالعتها . فإن العاقل إذا رأى حرص الأقدمين على روايتها ~~بالسند إلى مصنفيها ، علم أن لها مقاما مكينا في سماء العرفان ، فيأخذ في ~~قراءتها واقتباس الفوائد والمعارف منها ، فيزداد تنورا وترقيا في سلم ~~العلوم ، فإن العلم قوام العالم ، وعماد العمران ، وهو الكنز الثمين ، ~~والذخر الذي لا يفني . # ومن فوائد أسانيد الكتب : حفظها من النسيان والضياع ؛ ومن فوائدها : نشر ~~العلوم والمعارف وترويجها وإذاعتها بين الخاصة والعامة ، لتقف عليها الطلاب ~~؛ ومنها : الترغيب والتشويق لمطالعة الكتب ، فإن الرغبة في المطالعة من ~~أكبر النعم التي خص بها نوع الإنسان . ومن فوائدها : الدلالة على اعتبار ~~الأولين لكتب العلم ، والتنويه بشأنها وتعظيم قدرها ، وإعلائها ، فإن كتبهم ~~تحمل علومهم ومعارفهم ، وتذيعها في الخافقين ، وتربها من طلابها ذانية ~~القطوف ، قريبة الجنا . والمرء يفخر وينافس أقرانه إذا لقي PageV01P215 ~~رجلا من كبار العلماء ، وحادثه ساعة من الزمان ، فكيف إذا استطاع أن يقيم ~~معه ، وبحادثه مدة حياته ؟ وهكذا من نظر في كتب الحديث ، فهو محادث للنبي ، ~~ومطلع على هديه وأخباره ، كما لو ساكنه وعاشره وشافهه ، وما أقربه وأيسره ~~لمن روى تلك الكتب ودراها ، ولذلك قال الترمذي عن سننه : ( ( من كان في ~~بيته ، فكأنما في بيته نبي بتكلم ! ) ) وهكذا يقال في بقية الجوامع ~~الحديثية ، فأعلم ذلك . # وما ms151 أرق ما قاله الوزير لسان الدين بن الخطيب في مقدمة كتابه ( ( الإحاطة ~~في أخبار غرناطة ) ) : ولولا ذلك لو يشعرآت في الخلق بذاهب ، ولا أتصل ~~بغائب ، فماتت الفضائل بموت أهليها ، وأقلت نجومها عن أعين مجتليها ، فلم ~~يرجع إلى خبر ينقل ، ولا دليل يعقل ، ولا سياسة تكتسب ، ولا أصالة إليها ~~ينتسب ، فهدى سبحانه وألهم ، وعلم الإنسان بالقلم ما لم يكن يعلم ، حتى ~~ألفينا المراسم قائدة ، والمراشد هادية ، والأخبار منقولة ، والأسانيد ~~موصولة ، والأصول محررة ، والتواريخ مقررة ، والسير مذكورة ، والآثار ~~مأثورة ، والفضائل من بعد أهلها باقية ، والمآثر قاطعة شاهدة ، كأن نهار ~~القرطاس وليل المداد ، ينافسان الليل والنهار في عالم الكون والفساد ، ~~فمهما طويا شيئا ولعا بنشره ، أو دفنا ذكرا دعوا إلى نشره . * * * # 20 - ثمرة رواية الكتب بالأسانيد في الأعصار المتأخرة # قال الشيخ ابن الصلاح : ( ( أعلم أن الرواية بالأسانيد المتصلة ، ليس ~~المقصود منها في عصرنا وكثير من الأعصار قبله إثبات ما يروى ، إذ لا يخلو ~~إسناد منها عن شيخ لا يدري ما يرويه ، ولا يضبط ما في كتابه ضبطا يصلح لأن ~~يعتمد عليه في ثبوته ؛ وإنما المقصود بها بقاء سلسلة الإسناد التي خصت ~~PageV01P216 # 21 - بيان أن تحمل الأخبار على الكيفيات المعروفة من ملح العلم لا من ~~صلبه وكذا استخراج الحديث من طرق كثيرة # قد بين ذلك الإمام أبو إسحاق الشاطيء رحمه الله تعالى في موافقاته بقوله ~~في أقسام ما كان من ملح العلم : # ( ( الثاني : - تحمل الأخبار والآثار ، على التزام كيفيات لا يلزم مثلها ~~، ولا يطلب التزامها ، كالأحاديث المسلسلة التي أتى بها على وجوه ملتزمة في ~~الزمان المتقدم على غير قصد ، فالزمها المتأخرون بالقصد ، فصار تحملها على ~~ذلك القصد تحريا له ، بحيث يتعنى في استخراجها ، ويبحث عنها بخصوصها ؛ مع ~~أن ذلك القصد لا ينبني عليه عمل ، وإن صحبها العمل ، لأن تحلفه في أثناء ~~تلك الأسانيد ، لا يقدح في العمل بمقتضى تلك الأحاديث ، كما في حديث : ( ( ~~الراحمون يرحمهم الرحمن . . . ) ) فإنهم التزموا فيه أن يكون أول حديث ~~يسمعه التلميذ من شيخه ، فإن سمعه منه بعد ما أخذ عنه ms152 ، لم يمنع ذلك ~~الاستفادة بمقتضاه ، وكذا سائرها . غير أنهم التزموا ذلك على جهة التبرك ~~وتحسين الظن خاصة ، وليس بمطرد في جميع الأحاديث النبوية ، أو أكثرها ، حتى ~~يقال إنه مقصود ، فطلب مثل ذلك من ملح العلم لا من صلبه . # ( ( والثالث : - التأنق في استخراج الحديث من طرق كثيرة ، لا على قصد طلب ~~تواتره ، بل على أن يعد آخذ له عن شيوخ كثيرة ، من جهات شتى ، وإن كان ~~راجعا إلى الآحاد في الصحابة والتابعين أو غيرهم . فالاشتغال بهذا من الملح ~~لا من صلب العلم . خرج أبو عمر بن عبد البر ، عن حمزة بن محمد الكناني قال ~~: خرجت حديثا واحدا عن النبي من مئتى طريق أو من نحو مئتى طريق ، شك الراوي ~~، فداخلني من ذلك من الفرح غير قليل ، وأعجبت بذلك ؛ فرأيت يحي بن معين في ~~المنام ، فقلت له : يا أبا زكرياء ! قد خرجت حديثا PageV01P217 عن النبي من ~~مئتى طريق ، قال فسكت عني ساعة ثم قال : أخشى أن يدخل هذا تحت ( ( ألهاكم ~~التكاثر ) ) ، هذا ما قال ، وهو صحيح في الاعتبار ، لأن تخريجه من طرق ~~يسيرة كاف في المقصود منه ، فصار الزائد على ذلك فضلا ) ) انتهى . * * * # 22 - توسع الحفاظ رحمهم الله تعالى في طبقات السماع # قال السخاوي في فتح المغيث : ( ( لما صار الملحوظ بقاء سلسلة الإسناد ، ~~توسعوا فيه ، بحيث كان يكتب السماع عند المزي وبحضرته لمن يكون بعيدا عن ~~القارئ ، وكذا للناعس والمتحدث والصبيان الذين لا ينضبط أحدهم ، بل يلعبون ~~غالبا ، ولا يشتغلون بمجرد السماع ؛ حكاه ابن كثير ، قال : وبلغني عن ~~القاضي التقي سلميان بن حمرة أنه زجر في مجلسه الصبيان عن اللعب فقال : لا ~~تزجروهم ، فإنا إنما سمعنا نسمع ، فربما ارتفعت أصواتنا في بعض الأحيان ~~والقارئ يقرأ ، فلا ينكر علينا من حضر المجلس من كبار الحفاظ : كالمزي ~~والبرزالي والذهبي وغيرهم من العلماء . وذكر السخاوي قبل ذلك أن شيخنا - ~~يعني الحافظ ابن حجر - سئل عمن لا يعرف من العربية كلمة فأمر بإثبات سماعه ~~؛ وكذا حكاه ابن الجزري عن كل من ابن رافع وابن كثير وابن ms153 المحب ؛ بل حكى ~~ابن كثير أن المزي كان يحضر عنده من يفهم ومن لا يفهم - يعني من الرجال - ~~ويكتب للكل السماع ؛ وذكر أيضا عند قول العراقي : ( ( وقبلوا من مسلم تحملا ~~في كفره ) ) ما نصه : ( ( ومن هنا أثبت أهل الحديث في الطباق اسم من يتفق ~~حضوره مجالس الحديث من الكفار رجاء أن يسلم ويؤدي ما سمعه ، كما وقع في زمن ~~التقي ابن تيميه ، أن الرئيس المطبب يوسف بن عبد السيد اليهودي الإسرائيلي ~~، سمع في حال يهوديته مع أبيه من الشمس محمد بن عبد المؤمن الصوري أشياء من ~~الحديث ؛ وكتب بعض الطلبة اسمه في الطبقة ، في جملة أسماء السامعين ، فأنكر ~~عليه ، وسئل ابن تيميه عن ذلك فأجازه ، ولم يخالفه أحد من أهل عصره ، بل ~~ممن أثبت اسمه في الطبقة : الحافظ PageV01P218 المزي ، ويسر الله أنه أسلم ~~بعد ، وسمى محمدا ، وأدى ، فسمعوا منه ، وممن سمع منه الحافظ الشمس الحسين ~~وغيره من أصحاب المؤلف - يعني العراقي - ولم يتيسر له هو السماع منه ، مع ~~أنه رآه بدمشق ومات في رجب سنة سبع وخمسين وسبعمائة ) ) 1 ه . # 23 - بيان الفرق بين المخرج ( اسم فاعل ) والمخرج ( اسم مكان ) # كثيرا ما يقولون بعد سوق الحديث : ( ( خرجه فلان ، أو أخرجه ) ) بمعنى ~~ذكره ، فالمخرج ( بالتشديد أو التخفيف ) اسم فاعل ، هو ذاكر الرواية ~~كالبخاري ؛ وأما قولهم في بعض الأحاديث : ( ( عرف مخرجه ) ) أو ( ( لم يعرف ~~مخرجه ) ) فهو ( بفتح الميم والراء ) بمعنى محل خروجه ، وهو رجاله الراوون ~~له ، لأنه خرج منهم . * * * # 24 - سر ذكر الصحابي في الأثر ومخرجه من المحدثين # أعلم : أنه يكفي في الأثر المروي ذكر الصحابي الذي رواه ، ومخرجه من ~~المحدثين المشهورين ، وفي ذلك فوائد جمة : أما ذكر الصحابي ففائدته أن ~~الحديث تتعدد رواته وطرقه وبعضها صحيح ، وبعضها ضعيف فيذكر الصحابي ليعلم ~~ضعيف المروي من صحيحة ؛ ومنها : رجحان الخبر بحال الراوي من زيادة فقهه ~~وورعه ، ومعرفة ناسخه من منسوخه ، بتقدم إسلام الراوي وتأخره . وأما ذكر ~~المخرج ففائدته تعيين لفظ الحديث وتبيين رجال إسناده في الجملة ، ومعرفة ~~كثرة المخرجين وقلتهم في ذلك الحديث ms154 ، للإفادة الترجيح ، وزيادة التصحيح ؛ ~~ومنها : الرجوع إلى الأصول عند الاختلاف في الفصول ، إلى غير ذلك من ~~المنافع الجليلة . ( كذا في شرح المشكاة ) . PageV01P219 # | الباب السابع # # | في أحوال الرواية # # | وفيه مباحث # : # 1 - رواية الحديث بالمعنى # أعلم أنه قد رخص في سوق الحديث بالمعنى ، دون سياقه على اللفظ ، جماعة ، ~~منهم : على ، وابن عباس ، وأنس بن مالك ، وأبو الدرداء ، وواثلة بن الأسقع ~~، وأبو هريرة رضي الله عنهم ؛ ثم جماعة من التابعين يكثر عددهم ، منهم : ~~إمام الأئمة الحسن البصري ، ثم الشعبي ، وعمرو بن دينار ، وإبراهيم النخعي ~~، ومجاهد ، وعكرمة ؛ نقل ذلك عنهم في كتب سيرهم بأخبار مختلفة الألفاظ . ~~وقال ابن سيرين : ( ( كنت أسمع الحديث من عشرة ، المعنى واحد ، والألفاظ ~~مختلفة ) ) وكذلك اختلفت ألفاظ الصحابة في رواية الحديث عن رسول الله ، ~~فمنهم من يرويه تاما ، ومنهم من يأتي بالمعني ، ومنهم من يورده مختصرا ، ~~وبعضهم يغاير بين اللفظين ويراه واسعا إذا لم يخالف المعنى ، وكلهم لا ~~يتعمد الكذب ، على من تعمده ) ) وقد روى عن عمران بن مسلم . قال رجال للحسن ~~: يا أبا سعيد ! إنما تحدث بالحديث أنت ، أحسن له سياقا ، وأجود تحبيرا ، ~~وافصح به لسانا منه إذا حدثنا به فقال : ( ( إذا أصيب المعنى فلا بأس بذلك ~~) ) . وقد قال النضر بن شميل : ( ( كان هشيم لحانا ، فكسوت لكم حديثه كسوة ~~حسنة - يعنى بالإعراب - وكان النضر بن شميل نحويا . وكان سفيان يقول : ( ( ~~إذا رأيتم يشدد في ألفاظ الحديث في المجلس ، فأعلم أنه يقول : اعرفوني ! ) ~~) قال : وجعل رجل يسأل يحيى بن سعيد القطان عن حرف في الحديث على لفظه ~~PageV01P221 فقال له يحيى : يا هذا ! ليس في الدنيا أجل من كتاب الله تعالى ~~، قد رخص للقراءة فيه بالكلمة على سبعة أحرف ، فلا تشدد ! ) ) . # وفي شرح التقريب للحافظ السيوطي في النوع السادس والعشرين ، في الفرع ~~الرابع منه ، ما نصه مع بعض اختصار : ( ( إن لم يكن الراوي عاما بالألفاظ ، ~~خبيرا بما يحيل معانيها لم تجز له الرواية لما سمعه بالمعنى بلا خلاف ، بل ~~يتعين اللفظ الذي سمعه ؛ فإن كان عالما بذلك فقالت طائفة من أهل ms155 الحديث ~~والفقه والأصول : لا يجوز إلا بلفظه ، وإليه ذهب ابن سيرين وثعلب وأبو بكر ~~الرازي من الحنفية ؛ وروى عن ابن عمر ، وقال جمهور السلف والخلف من الطوائف ~~، منهم الأئمة الأربعة : يجوز بالمعنى في جميع ذلك ، إذا قطع بأداء المعنى ~~، لأن ذلك هو الذي يشهد به أحوال الصحابة والسلف ، ويدل عليه رواياتهم ~~اللفظة الواحدة بألفاظ مختلفة . وقد ورد في المسألة حديث مرفوع رواه ابن ~~منده في ( ( معرفة الصحابة ) ) ، والطبراني في ( ( الكبيرة ) ) ، من حديث ~~عبد الله بن سليمان بن أكثم الليثي ، قال : قلت يا رسول الله إني إذا سمعت ~~منك الحديث لا أستطيع أن أرويه كما أسمع منك ، يزيد حرفا ، أو ينقص حرفا ~~فقال : ( ( إذا لم تحلوا حراما ، ولم يحرموا حلالا ، وأصبتم المعنى ، فلا ~~بأس ) ) فذكرت ذلك للحسن فقال : ( ( لولا هذا ما حدثنا ! ) ) وقد استدل ~~الشافعي لذلك بحديث : ( ( أنزل القرآن على سبعة أحرف ) ) . وروى البيهقي عن ~~مكحول ، قال دخلت أنا وأبو الأزهر على وأثلة بن الأسقع ، فقلنا له : ( ( ~~حدثنا بحديث سمعته من رسول الله ليس فيه وهم ولا تزيد ولا نسيان ! ) ) فقال ~~: ( ( هل قرأ أحد منكم من القرآن شيئا ؟ فقلنا : ( ( نعم وما نحن بحافظين ~~له جدا ، إنا نريد الواو والألف ونتقص . فقال : فهذا القرآن مكتوب بين ~~أظهركم لا تألونه حفظا ، وإنكم تزعمون أنكم تزيدون وتنقصون ، فكيف بأحاديث ~~سمعناها من رسول الله ، عسى أن لا يكون سمعنا لها منه إلا مرة واحدة ؟ ~~حسبكم إذا حدثنا كم بالحديث على المعنى ) ) . PageV01P222 # وأسند أيضا في ( ( المدخل ) ) عن جابر بن عبد الله قال حذيفة : ( ( إنا ~~قوم عر نورد الحديث فتقدم ونؤخر ) ) وأسند أيضا عن شعيب بن الحجاب قال : ( ~~( دخلت أنا وعبدان على الحسن فقلنا : يا أبا سعيد ! الرجل يحدث بالحديث ~~فيزيد فيه أو ينقص منه ) ) قال : ( ( إنما الكذب من تعمد ذلك ) ) . # وأسند أيضا عن جرير بن حازم ، قال : ( ( سمعت الحسن يحدث بأحاديث ، الأصل ~~واحد والكلام مختلف . ) ) وأسند عن ابن عمون قال : ( ( كان الحسن وإبراهيم ~~والشعبي يأتون بالحديث على المعاني . ) ) وأسند عن أويس قال : ( ( سألنا ~~الزهري عن التقديم ms156 والتأخير في الحديث فقال : هذا يجوز في القرآن ، فكيف به ~~في الحديث ؟ وإذا أصيب معنى الحديث فلم يحل به حراما ، ولم يحرم حلالا فلا ~~بأس . ) ) ونقل ذلك سفيان عن عمرو بن دينار ، وأسند عن وكيع قال : ( ( إن ~~لم يكن المعنى واسعا فقد هلك الناس ) ) 1 ه ( ذكره السيد مرتضى في شرح ~~الإحياء ) . # وقال الحكيم الترمذي قدس الله سره في كتابه ( ( نوادر الأصول ) ) : # الأصل الثامن والستون والمئتان : في سرد رواية الحديث بالمعنى : عن عبد ~~الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله : ( ( نضر الله امرأ سمع ~~منا حديثا فبلغه كما سمع منا ، فإنه رب مبلغ هو أوعى له من سامع ) ) ثم ~~رواه عن زيد بن ثابت وجبير ابن مطعم . قال الترمذي قدس سره : اقتضى العلماء ~~الأداء ، وتبليغ العلم ، فلو كان اللازم لهم أن يؤدوا تلك الألفاظ التي ~~بلغت أسماعهم بأعيانها بلا زيادة ولا نقصان ، ولا تقديم ولا تأخير ، كانوا ~~يستودعونها الصحف ؛ كما فعل رسول الله بالقران ، فكان إذا نزل الوحي دعا ~~الكاتب فكتبه مع ما توكل الله له يجمعه وقرآنه فقال : ( ( إن علينا جمعه ~~وقرآنه ) ) وقال : ( ( وإنا له الحافظون ) ) فكان الوحي محروسا بكتبه ، ولو ~~كانت هذه الأحاديث سبيلها PageV01P223 هكذا ، لكتبها أصحاب رسول الله ، فهل ~~جاءنا عن أحد منهم أنه فعل ذلك ؟ وجاء عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، ~~أنه استأذن رسول الله في صحيفة فأذن له ، وأما سائر الأخبار فإنهم تلقوها ~~منه حفظا وأدوها حفظا ، فكانوا يقدمون ويؤخرون ، وتختلف ألفاظ الرواية فيما ~~لا يتغير معناه ، فلا ينكر ذلك منهم ، ولا يرون بذلك بأسا ) ) . # ثم أسند الترمذي قدس سره عن أبي هريرة وعبد الله بن أكيمة مرفوعا جواز ~~ذلك إذا لم يحرم حلال ، ولم يحل حرام ، وأصيب المعنى ، كما نقدم قيل . ثم ~~قال الترمذي : ( فمن أراد أن يؤدي إلى من بعده حديثا قد سمعه ، جاز له أن ~~يغير لفظه ما لم يتغير المعنى ) انتهى . # وقال الإمام ابن فارس في جزئه في المصطلح في الكلام على من كان من ms157 الرواة ~~يتورع في أداء اللفظ الملحون ، ويكتب عليه ( كذا ) ما مثاله : ( هذا التثبت ~~حسن ، لكن أهل العلم قد يتساهلون إذا أدوا المعنى ، ويقولونك لو كان أداء ~~اللفظ واجبا حتى لا يغفل منه حرف ، لأمرهم رسول الله بإثبات ما يسمعون منه ~~، كما أمرهم بإثبات الوحي الذي لا يجوز تغيير معناه ولا لفظه ؛ فلما لم ~~يأمرهم بإثبات ذلك ، دل على أن الأمر في التحديث أسهل ، وإن كان أداء ذلك ~~اللفظ الذي سمعه أحسن ) انتهى . # وقال الحافظ ابن حجر في شرح النخبة : ( ( وأما الرواية بالمعنى ، فالخلاف ~~فيها شهير ، والأكثر على الجواز أيضا ؛ ومن أقوى حججهم الإجماع على شرح ~~الشريعة للعجم بلسانهم للعارف به فإذا جاز الإبدال بلغة أخرى ، فجوازه ~~باللغة العربية أولى . وقيل إنما يجوز في المفردات ، دون المركبات . وقيل : ~~إنما يجوز لمن يستحضر اللفظ ليتمكن من التصرف فيه . وقيل : إنما يجوز لمن ~~كان يحفظ الحديث فنسى لفظه وبقى معناه مرتسما في ذهنه . فله أن يرويه ~~بالمعنى لمصلحة تحصيل الحكم منه ، بخلاف من كان مستحضرا للفظه . وجميع ما ~~تقدم يتعلق بالجواز وعدمه ، ولا شك أن الأولى إيراد الحديث بألفاظه ، دون ~~التصرف فيه . قال القاضي عياض : ( ينبغي سد باب الرواية بالمعني ، لئلا ~~يتسلط من لا يحسن ممن يظن أنه يحسن ، كما وقع لكثير من الرواة قديما وحديثا ~~، والله الموفق ) . PageV01P224 # تنبيه . احتج بعضهم لمنع الرواية بالمعنى بحديث : ( نضر الله امرأ سمع ~~مقالتي فوعاها ، فأداها كما سمعها ) وبأنه مخصوص بجوامع الكلم ، ففي النقل ~~بعبارة أخرى لا يؤمن الزيادة والنقصان . # والجواب عن الأول : بأن الأداء كما سمع ، ليس مقصودا على نقل اللفظ ، بل ~~النقل بالمعنى من غير تغيير ، أداء كما سمعن فإنه أدى المعنى كما سمع لفظه ~~، وفهمه منه نظيره أن الشاهد والمترجم إذا أدى المعنى من غير زيادة ولا ~~نقصان ، يقال إنه أدى كما سمع ، وإن كان الأداء بلفظ آخر . ولو سلم أن ~~الأداء كما سمع مقصور على نقل اللفظ ، فلا دلالة في الحديث على عدم الجواز ~~، غايته أنه داء للناقل باللفظ لكونه أفضل ، ولا نزاع ms158 في الأفضلية وعن ~~الثاني بأن الكلام في غير جوامع الكلم ونظائرها . ( كذافى المرآة وحواشيها ~~) . * * * # 2 - جواز رواية بعض الحديث بشروطه # قال الحافظ ابن حجر في شرح النخبة : ( أما اختصار الحديث فالأكثرون على ~~جوازه بشرط أن يكون الذي يختصره عالما ، لأن العالم لا ينقص من الحديث إلا ~~ما لا تعلق له بما يبقيه منه ، بحيث لا تختلف الدلالة ، ولا يختل البيان ، ~~حتى يكون المذكور والمحذوف بمنزلة خبرين ، أو يدل ما ذكره على ما حذفه ؛ ~~بخلاف الجاهل فإنه قد ينقص ما له تعلق ، كترك الاستثناء ) . # وقال النووي رحمه الله في شرح مسلم : ( ( الصحيح الذي ذهب إليه الجماهير ~~والمحققون من أصحاب الحديث جواز رواية بعض الحديث من العارف ، إذا كان ما ~~تركه غير متعلق بما رواه ، بحيث لا يختل البيان ، ولا تختلف الدلالة في ~~تركه ، سواء جوزنا الرواية بالمعنى أم لا ، وسواء رواه قبل تاما أم لا ) . # ثم قال : وأما تقطيع المصنفين الحديث في الأبواب ، فهو بالجواز أولى ، بل ~~يبعد طرد PageV01P225 الخلاف فيه ؛ وقد استمر عليه عمل الأئمة الحفاظ الجلة ~~من المحدثين وغيرهم من أصناف العلماء ) انتهى . * * * # 3 - سر تكرار الحديث في الجوامع والسنن والمسانيد # قال الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح في الفصل الثالث في بيان تقطيع ~~البخاري للحديث ، واختصاره ، وفائدة إعادته له في الأبواب ، وتكراره ما نصه ~~: ( قال الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي فيما رويناه عنه في جزء ~~سماه جواب المتعنت : أعلم أن البخاري رحمه الله ، كان يذكر الحديث في كتابه ~~مواضع ، ويستدل به في كل باب بإسناد آخر ، ويستخرج منه بحسن استنباطه ، ~~وغزارة فقهه معنى يقتضيه الباب الذي أخرجه فيه ، وقلما يورد حديثا في ~~موضعين بإسناد واحد ولفظ واحد ؛ وإنما يورده من طريق أخرى لمعان نذكرها ~~والله أعلم بمراده منها . # ( ( فمنها : أنه يخرج الحديث عن صحابي ، ثم يورده عن صحابي آخر ، ~~والمقصود منه أن يخرج الحديث عن حد الغرابة . وكذلك يفعل في أهل الطبقة ~~الثانية والثالثة وهلم جرا إلى مشايخه ، فيعتقد من يرى ذ لك من غير أهل ms159 ~~الصنعة أنه تكرار ، وليس كذلك لاشتماله على فائدة زائدة . # ( ( ومنها : أنه صحح أحاديث على هذه القاعدة يشتمل كل حديث منها على معان ~~متغايرة ، فيورده في كل باب من طريق غير الطريق الأولى . # ( ( ومنها : أحاديث يرويها بعض الرواة تامة ، ويرويها بعضهم مختصرة ، ~~فيوردها كما جاءت ليزيل الشبهة عن ناقليها . # ( ( ومنها : أن الرواة ربما اختلفت عباراتهم ، فحدث راو بحديث فيه كلمة ~~تحتمل معنى ، وحدث به آخر ، فعبر عن تلك الكلمة بغينها بعبارة أخرى تحتمل ~~معنى آخر فيورده بطرقه إذا صحت على شرطه ، ويفرد لكل لفظه بابا مفردا . ~~PageV01P226 # ( ( ومنها : أحاديث تعارض فيها الوصل والإرسال ، ورجح عنده الوصل ، ~~فاعتمده ، وأورد الإرسال منبها على أنه لا تأثير له عنده في الوصل . # ( ( ومنها : أحاديث تعارض فيها الوقف والرفع ؛ والحكم فيها كذلك . # ( ( ومنها : أحاديث زاد فيها بعض الرواة رجلا في الإسناد ، ونقصه بعضهم ~~فيوردها على الوجهين ، حيث يصح عنده أن الراوي سمعه من شيخ حدثه به عن آخر ~~، ثم لقى الآخر فحدثه به ، فكان يرويه على الوجهين . # ( ( ومنها : أنه ربما أورد حديثا عنعنه راويه ، فيرويه من طريق أخرى ~~مصرحا فيها بالسماع على ما عرف من طريقته في اشتراط ثبوت اللقاء في المعنعن ~~. فهذا جميعه فيما يتعلق بإعادة المتن الواحد في موضع آخر أو أكثر . # ( ( وأما تقطيعه للحديث في الأبواب تارة ، واقتصاره منه على بعضه أخرى ، ~~فذلك لأنه إن كان المتن قصيرا أو مرتبطا بعضه ببعض وقد اشتمل على حكمين ~~فصاعدا فإنه يعيده بحسب ذلك مراعيا مع ذلك عدم إخلائه من فائدة حديثية : ~~وهي إيراده له عن شيخ سوى الشيخ الذي أخرجه عنه قبل ذلك كما تقدم تفصيله ، ~~فيستفيد بذلك تكثير الطرق لذلك الحديث . وربما ضاق عليه مخرج الحديث حيث لا ~~يكون له إلا طريق واحدة فيتصرف حينئذ فيه ، فيورده في موضع موصولا ، وفي ~~موضع معلقا ويورده تارة تاما ، وتارة مقتصرا على طرفه الذي يحتاج إليه في ~~ذلك الباب . فإن كان المتن مشتملا على جمل متعددة ، لا تعلق لإحداها ~~بالأخرى ، فإنه يخرج كل جملة منها في باب مستقل ms160 ، فرارا من التطويل ؛ وربما ~~نشط فساقه بتمامه . فهذا كله في التقطيع . # ( ( وقد حكى بعض شراح البخاري أنه وقع في أثناء الحج في بعض النسخ ، بعد ~~باب قص الخطبة بعرفة ، باب تعجيل الوقوف ؛ قال أبو عبد الله : يزاد في هذا ~~الباب حديث مالك عن ابن شهاب ، ولكني لا أريد أن أدخل فيه معادا ) ) انتهى ~~. # ( ( وهو يقتضى أن لا يتعمد أن يخرج في كتابه حديثا معادا بجميع إسناده ~~ومتنه ، وإن كان قد وقع له من ذلك شيء ، فعن غير قصد ، وهو قليل جدا . ~~PageV01P227 # ( ( وأما اقتصاره على بعض المتن ، ثم لا يذكر الباقي في موضع آخر ، فإنه ~~لا يقع له ذلك الغالب ، إلا حيث يكون المحذوف موقوفا على الصحابي ؛ وفيه ~~شيء قد يحكم يرفعه ، فيقتصر على الجملة التي يحكم لها بالرفع ، ويحذف ~~الباقي لأنه لا تعلق له بموضوع كتابه ، كما وقع في حديث هزيل بن شرحبيل عن ~~عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : إن أهل الإسلام لا يسيبون ، ~~وإن أهل الجاهلية كانوا يسيبون ، هكذا أورده وهو مختصر من حديث موقوف أوله ~~: جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال : إني أعتقت عبدا لي سائبة فمات ، ~~وترك مالا ، ولم يدع وارثا . ) ) فقال عبد الله : ( ( إن أهل الإسلام لا ~~يسيبون ، وإن أهل الجاهلية كانوا يسيبون ، فأنت ولي نعمته ، فلك ميراثه ؛ ~~فإن تأثمت وتحرجت في شيء فنحن نقبله منك ، ونجعله في بيت المال . ) ) ~~فاقتصر البخاري على ما يعطى حكم الرفع من هذا الحديث الموقوف ، وهو قوله : ~~( ^ إن أهل الإسلام لا يسيبون ) لأنه يستدعى بعمومه النقل عن صاحب الشرع ~~لذلك الحكم ، واختصر الباقي لأنه ليس من موضوع كتابه . وهذا من أخفى ~~المواضع التي وقعت له من هذا الجنس وإذا تقرر ذلك ، اتضح أنه لا يعيد إلا ~~لفائدة ، حتى لو لم تظهر لإعادته فائدة من جهة الإسناد ، ولا من جهة المتن ~~لكان ذلك لإعادته لأجل مغايرة الحكم التي تشتمل عليه ترجمة الثانية موجبا ~~لئلا يعد مكررا فلا فائدة . كيف وهو لا يخليه مع ذلك من ms161 فائدة إسنادية وهي ~~إخراجه للإسناد عن شيخ غير الشيخ الماضي أو غير ذلك والله الموفق . ) ) ~~انتهى كلام الحافظ ابن حجر ، وبه يعلم سر صنيع من حذا حذو الإمام البخاري ~~في مشربه ، جميعه أو بعضهن فتدبر ، فإنه من البدائع . PageV01P228 # 5 - ذكر الخلاف في الاستشهاد بالحديث على اللغة والنحو وكذلك بكلام ~~الصحابة وآل البيت رضي الله عنهم # قال الشيخ عبد القادر البغدادي في خزانة الأدب ، على شواهد شرح الكافية : ~~( ( قال الأندلسي في شرح بديعية رفيقه ابن جابر : علوم الأدب ستة وهي : ~~الصرف والنحو واللغة والمعاني والبيان والبديع ؛ والثلاثة الأول لا يستشهد ~~عليها إلا بكلام العرب ، دون الثلاثة الأخيرة فإنه يستشهد فيها بكلام غيرهم ~~من المولدين ، لأنها راجعة إلى المعاني ، ولا فرق في ذلك بين العرب وغيرهم ~~. ولذلك قبل من أهل هذا الفن الاستشهاد بكلام البحتري وأبي تمام وأبي الطيب ~~وهلم جرا قال : وأقول : الكلام الذي يستشهد به نوعان : شعر ، وغيره ؛ فقائل ~~الأول العلماء على طبقات أربع : # الطبقة الأولى : الشعراء الجاهليون ، وهم قبل الإسلام كامرئ القيس ، ~~والأعشى ؛ والثانية : المخضرمون ، وهم الذين أدركوا الجاهلية والإسلام ~~كلبيد وحسان ؛ والثالثة : المتقدمون ، ويقال لهم الإسلاميون ، وهم الذين ~~كانوا في صدر الإسلام كجرير والفرزدق ، والرابعة : المولدون ، ويقال لهم ~~المحدثون ، وهم من بعدهم إلى زماننا ، كبشار بن بردن وأبي نواس . # فالطبقتان الأوليان يستشهد بشعرهما إجماعا ؛ وأما الثالثة فالصحيح صحة ~~الاستشهاد - لعل الصواب عدم صحة الاستشهاد - بكلامها ، وقد كان أبو عمرو بن ~~العلاء ، وعبد الله بن أبي إسحاق ، والحسن البصري ، وعبد الله بن شبرمة ~~يلحنون الفرزدق والكميت وذا الرمة وأضرابهم وكانوا يعدونهم من المولدين ، ~~لأنهم كانوا في عصرهم . وأما الرابعة : فالصحيح أنه لا يحتج بكلامها مطلقا ~~، وقيل : يحتج بكلام من يوثق به منهم ؛ واختاره الزمخشري ، وتبعه الشارح ~~المحقق ( أي الرضى ) فإنه استشهد بشعر أبي تمام في عدة مواضع من هذا الشرح ~~، واستشهد الزمخشري أيضا في تفسير أوائل البقرة من الكشاف ببيت من شعره ~~وقال : وهو وإن كان محدثا لا يستشهد بشعره في اللغة ، فهو عن علماء العربية ~~فاجعل ما يقوله ms162 بمنزلة ما يرويه . PageV01P229 # وأما قائل الثاني ( أي غير الشعر ) فهو إما ربنا تبارك وتعالى ، فكلامه ~~عز أسمه أفصح كلام وأبلغه ، وإما أحد الطبقات الثلاث الأولى من طبقات ~~الشعراء التي قدمناها . # وأما الاستدلال بحديث النبي ، فقد جوزه ابن مالكن ومنعه ابن الضائع وأبو ~~حيان وسندهما أمران : أحدهما : أن الأحاديث لم تنقل كما سمعت من النبي ~~وإنما رويت بالمعنى وثانيهما : أن أئمة النحو المقدمين من المصرين لم ~~يحتجوا بشيء منه . ورد الأول على تقدير تسليمه بأن النقل بالمعنى إنما كان ~~في الصدر الأول قبل تدوينه في الكتب ، وقبل فساد اللغة ، وغايته تبديل لفظ ~~بلفظ يصح الاحتجاج به ، ورد الثاني : بأنه لا يلزم من عدم استدلالهم ~~بالحديث عدم صحة الاستدلال به . # ( ( والصواب جواز الاحتجاج بالحديث للنحوي في ضبط ألفاظه ، ويلحق به ما ~~روى عن الصحابة وأهل البيت ) ) . # وقال السيوطي في ( الاقتراح ) : ( وأما كلامه ، فيستدل منه بما ثبت أنه ~~قاله على اللفظ المروي ، وذلك نادر جدا ؛ إنما يوجد في الأحاديث القصار ، ~~على قلة أيضا ، فإن غالب الأحاديث مروي بالمعنى ، وقد تداولتها الأعاجم ~~والمولدون قبل تدوينها ، فرووها بما أدت إليه عباراتهم ، فزادوا ونقصوا ، ~~وقدموا وأخروا ، وبدلوا ألفاظ بألفاظ ، ولهذا ترى الحديث الواحد في القصة ~~الواحدة مرويا على أوجه شتى بعبارات مختلفة ) . # وقال أبو حيان في شرح التسهيل : ( قد أكثر المصنف من الاستدلال بما وقع ~~في الأحاديث على إثبات القواعد الكلية في لسان العرب . وما رأيت أحدا من ~~المتقدمين والمتأخرين سلك هذه الطريقة . وقد جرى الكلام في ذلك مع بعض ~~المتأخرين الأذكياء . فقال : إنما ذكر العلماء ذلك لعدم وثوقهم أن ذلك لفظ ~~الرسول ، وإنما كان كذلك لأمرين : أحدهما أن الرواة جوزوا النقل بالمعنى ، ~~وقد قال سفيان الثوري : إن قلت لكم إني أحدثكم كأسمعت فلا تصدقوني ، إنما ~~هو المعنى ؛ والأمر الثاني : أنه وقع اللحن كثيرا فيما روى من الحديث ، لأن ~~كثيرا من الرواة كانوا غير عرب بالطبع ، ويتعلمون لسان العرب PageV01P230 ~~بصناعة النحو ، فوقع اللحن في كلامهم وروايتهم ، وهم لا يعلمون ، ودخل في ~~كلامهم وروايتهم غير الفصيح من ms163 لسان العرب ) . انتهى باختصار . # قال بعضهم : ويلحق بذلك ما روى من خطب الإمام على التي جمعها السيد الرضى ~~في كتاب ( ( نهج البلاغة ) ) ؛ وهذه أيضا لم يثبت أنها لفظ الإمام ، فقد ~~جاء في خطبة جامع الكتاب ما نصه : ( ( وربما جاء في أثناء هذا الاختيار ~~اللفظ المردد ، والمعنى المكرر ، والعذر في ذلك أن روايات كلامه تختلف ~~اختلافا شديدا ، فربما اتفق الكلام المختار في رواية ، فنقل على وجهه ، ثم ~~وجد بعد ذلك في رواية أخرى موضوعا غير وضعه الأول : إما بزيادة مختارة ، أو ~~بلفظ عبارة ، لتقتضى الحال أن يعاد ، واستظهارا للاختيار ، وغيره على عقائل ~~الكلام ) ) . انتهى بحروفه . # بل جاء في ترجمة ابن خلكان للشريف المرتضى أخي الشريف الرضى ما نصه : ( ( ~~وقد اختلف الناس في كتاب نهج البلاغة المجموع من كلام الإمام على بن أبي ~~طالب رضي الله عنه ، هل هو جمعه أم جمع أخيه الرضى ؟ وقد قيل : إنه ليس من ~~كلام على ، وإنما الذي جمعه ونسبه إليه هو الذي وضعه والله أعلم ) ) . ~~PageV01P231 # | الباب الثامن في آداب المحدث وطالب الحديث وغير ذلك وفيه مسائل # 1 - آداب المحدث # قال حجة الإسلام الغزالي في كتاب ( ( الأدب في الدين ) ) ما مثاله : آداب ~~المحدث : يقصد الصدق ، ويجتنب الكذب ، ويحدث بالمشهور ، ويروى عن الثقات ، ~~ويترك المناكير ، ولا يذكر ما جرى بين السلف ، ويعرف الزمان ، ويتحفظ من ~~الزلل والتصحيف واللحن والتحريف ، ويدع المداعبة ، ويقل المشاغبة ، ويشكر ~~النعمة إذ جعل في درجة الرسول ، ويلزم التواضع ، ويكون معظم ما يحدث به ما ~~ينتفع المسلمون به من فرائضهم وسننهم وآدابهم في معاني كتاب ربهم عز وجل ، ~~ولا يحمل علمه إلى الوزراء ، ولا يغشى أبواب الأمراء ، فإن ذلك يزري ~~بالعلماء ، ويذهب بهاء علمهم إذا حملوه إلى ملوكهم ومياسيرهم ، ولا يحدث ~~بما لا يعلمه في أصله ، ولا يقرأ عليه ما لا يراه في كتابه ، ولا يتحدث إذا ~~قرئ عليه ، ويحذر أن يدخل حديثا في حديث . * * * # 2 - آداب طالب الحديث # يكتب المشهور ، ولا يكتب الغريب ، ولا يكتب المناكير ، ويكتب عن الثقات ، ~~ولا يغلبه شهرة الحديث على ms164 قرينه ، ولا يشغله طلبه عن مروءته وصلاته ، ~~يجتنب الغيبة ، وينصت للسماع ، ويلزم الصمت بين يدي محدثهن ويكثر التلفت ~~عند إصلاح نسخته ، ولا PageV01P233 يقول : سمعت وهو ما سمع ، ولا ينشره ~~لطلب العلو فيكتب من غير ثقة ، ويلزم أهل المعرفة بالحديث من أهل الدين ، ~~ولا يكتب عمن لا يعرف الحديث من الصالحين . انتهى . * * * # 3 - ما يفتقر إليه المحدث # قال النووي : ( ( مما يفتقر إليه من أنواع العلوم ، صاحب هذه الصناعة ، ~~معرفة الفقه والأصولين ، والعربية ، وأسماء الرجال ، ودقائق علم الأسانيد ، ~~والتاريخ ، ومعاشرة أهل هذه الصنعة ، ومباحثتهم ، مع حسن الفكر ، ونباهة ~~الذهن ، ومداومة الاشتغال ، ونحو ذلك من الأدوات التي يفتقر إليها ) ) . * ~~* * # 4 - ما يستحب للمحدث عنه التحديث # يستحب له إذا أراد حضور مجلس التحديث أن يتطهر بغسل أو وضوء ، ويتطيب ، ~~ويتبخر ، ويستاك ، كما ذكره ابن السمعاني ، ويسرح لحيته ، ويجلس في صدر ~~مجلسه متمكنا في جلوسه بوقار وهيبة . وقد كان مالك يفعل ذلك فقيل له ، فقال ~~: ( ( أحب أن أعظم حديث رسول الله ، ولا أحدث إلا على طهارة متمكنا ) ) . ~~وكان يكره أن يحدث في الطريق ، أو وهو قائم ( أسنده البيهقى ) . وأسند عن ~~قتادة قال : ( ( لقد كان يستجب أن لا تقرا الأحاديث إلا على طهارة ) ) . ~~وعن ضرار بن مرة قال : ( ( كانوا يكرهون أن يحدثوا على غير طهر ) ) . وعن ~~ابن المسيب أنه سئل عن حديث وهو مضطجع في مرضه ، فجلس وحدث به ، فقيل له : ~~وددت أنك لم تتعن ؛ فقال : ( ( كرهت أن أحدث عن رسول الله وأنا مضطجع ) ) . ~~وعن بشر بن الحارث أن ابن المبارك سئل عن حديث وهو يمشى فقال : ( ( ليس هذا ~~من توقير العلم ! ) ) . وعن مالك قال : ( ( مجالس العلم تحتضر PageV01P234 ~~بالخشوع والسكينة والوقار ، ويكره أن يقوم لأحد ) ) فقد قال : إذا قام ~~القارئ لحديث رسول الله لأحد ، فإنه يكتب عليه خطيئة ، فإن رفع أحد صوته في ~~المجلس زبره - أي أنهره - وزجره فقد كان مالك يفعل ذلك أيضا ويقول : قال ~~الله تعالى : ( ^ يا أيها الذين آمنوا لا يرفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ) ) ~~فمن رفع صوته عند حديثه ، فكأنما رفع صوته ms165 فوق صوته ، ويقبل على الحاضرين ~~كلهم ؛ فقد قال حبيب بن أبي ثابت : ( ( إن من السنة إذا حدث الرجل القوم ، ~~أن يقبل عليهم جميعا ، ويفتتح مجلسه ويختمه بتحميد الله تعالى ، والصلاة ~~على النبي ، ودعاء يليق بالحال بعد قراءة قارئ حسن الصوت شيئا من القرآن ~~العظيم ، فقد روى الحاكم في ( ( المستدرك ) ) عن أبي سعيد قال : كان أصحاب ~~رسول الله إذا اجتمعوا تذاكروا العلم ، وقرأوا سورة ، ولا يسرد الحديث سردا ~~عجلا يمنع فهم بعضه ؛ كما روى عن مالك أنه كان لا يستعجل ويقول : ( ( أحب ~~أن أفهم حديث رسول الله ) ) وأورد البيهقي في ذلك حديث البخاري عن عروة قال ~~: جلس أبو هريرة إلى جنب حجرة عائشة وهي تصلى ، فجعل يحدث ، فلما قضت ~~صلاتها قال : ألا تعجب إلى هذا وحديثه ؟ إن النبي لم يكن يسرد الحديث ~~كسردكم ) ) . في لفظ عند البيهقي عقيبه : ( ( إنما كان حديثه فصلا تفهمه ~~القلوب ) ) ( كذا في التقريب ، شرحه التدريب ) . * * * # 5 - بيان طرق درس الحديث # أعلم أن لدرس الحديث ثلاثة طرق عند العلماء : # أولها : - السرد : وهو أن يتلو السيخ المسمع أو القارئ كتابا من كتب هذا ~~الفن ، من دون تعرض لمباحثه اللغوية والفقهية ، وأسماء الرجال ونحوها . ~~PageV01P235 # وثانيها : - طريق الحل والبحث : وهو أن يتوقف بعد تلاوة الحديث الواحد ~~مثلا على لفظه الغريب ، وتراكيبه العويصة ، واسم قليل الوقوع من أسماء ~~الإسناد وسؤال ظاهر الورود والمسألة المنصوص عليها ، ويحله بكلام متوسط ، ~~ثم يستمر في قراءة ما بعدها . # وثالثها : - طريق الإمعان : وهو أن يذكر على كلمة ما لها وما عليها ، كما ~~يذكر مثلا على كل كلمة غريبة ، وتراكيب عويصة ، شواهدها من كلام الشعراء ، ~~وأخوات تلك الكلمة ، وتراكيبها في الاشتقاق ، ومواضع استعمالاتها ؛ وفي ~~أسماء الرجال حالات قبائلهم وسيرهم ويخرج المسائل الفقيهة على المسائل ~~المنصوص عليها ، ويقص القصص العجيبة ، والحكايات الغريبة بأذنى مناسبة وما ~~أشبهها . فهذه الطرق هي المنقولة عن علماء الحرمين ، قديما وحديثا . # قال المولي ولي الله الدهلوي ، ومختار الشيخ حسن العجيمي ، والشيخ أحمد ~~القطان ، والشيخ أبي طاهر الكردي : هو الطريق الأول - يعني السرد - بالنسبة ~~إلى الخواص ms166 المتبحرين ، ليحصل لهم سماع الحديث ، وسلسلة روايته على عجالة ، ~~ثم إحالة بقية المباحث على شروحه ، لأن ضبط الحديث مداره اليوم على تتبع ~~الشروح والحواشي ، وبالنسبة إلى المبتدئين والمتوسطين الطريق الثاني - يعنى ~~البحث والحل - ليحيطوا بالضروري في علم الحديث علما ، ويستفيدوا منه على ~~وجه التحقيق دركا وفهما ، وعلى هذا يسرحون أنظارهم في شرح من شروح كتب ~~الحديث غالبا ، ويرجعون إليه أثناء لحل العضال ، ورفع الإشكال ؛ وأما ~~الطريق الثالث ، فهو طريقة القصاص القاصدين منه إظهار الفضل والعلم . ~~لأنفسهم PageV01P236 # 6 - أمثلة من لا تقبل روايته ، ومهم من يحدث لا من أصل مصحح # في التقريب وشرحه ، في المسألة الحادية عشرة من النوع الثالث والعشرين ما ~~نصه : # ( ( لا تقبل رواية من عرف بالتساهل في سماعه أو في إسماعه ، كمن لا يبالي ~~بالنوم في السماع منه أو عليه ، أو يحدث لا من أصل مصحح مقابل على أصله أو ~~أصل شيخه ) ) . * * * # 7 - الأدب عند ذكره تعالى وذكر رسوله والصحابة والتابعين # قال النووي : ( ( يسحب لكاتب الحديث إذا مر ذكر الله عز وجل أن يكتب ( ( ~~عز وجل ) ) أو ( ( تعالى ) ) أو ( ( سبحانه وتعالى ) ) أو ( ( تبارك وتعالى ~~) ) أو ( ( جل ذكره ) ) أو ( ( تبارك اسمه ) ) أو ( ( جلت عظمته ) ) أو ما ~~أشبه ذلك . وكذلك يذكر عند ذكر النبي ( ( ) ) بكمالهما لا رمزا إليهما ، ~~ولا مقتصرا على أحدهما . وكذلك يقول في الصحاب ( ( رضي الله عنه ) ) ، فإن ~~كان صحابيا ابن صحابي قال ( ( رضي الله عنهما ، وكذلك يترضى ويترحم على ~~سائر العلماء والأخيار ويكتب . كل هذا وإن لم يكن مكتوبا في الأصل الذي ~~ينقل منهن فإن هذا ليس رواية ، وإنما هو دعاء ، وينبغي للقارئ أن يقرأ كل ~~ما ذكرناه ، وإن لم يكن مذكورا في الأصل الذي يقرأ منه ، ولا يسأم من تكرر ~~ذلك ، ومن أغفل هذا حرم خيرا عظيما ن وفوت فضلا جسيما ) ) . * * * # 8 - الاهتمام بتجويد الحديث # قال الإمام البديري في آخر شرحه لمنظومة البيقونية : ( ( أما قراءة ~~الحديث مجودة 238 كتجويد القرآن فهي مندوبة . وذلك لأن التجويد من محاسن ~~الكلام ، ومن لغة العرب ، ومن فصاحة المتكلم ، وهذه المعاني ms167 مجموعة فيه ، ~~فمن تكلم بحديثه ، فعليه بمراعاة ما نطق به ) ) انتهى . # ولا يخفي أن التجويد من مقتضيات اللغة العربية ، لأنه من صفاتها الذاتية ~~، لأن العرب لم تنطق بكلمها إلا مجودة ، فمن نطق بها غير مجودة ، فكأنه لم ~~ينطق بها ، فما هو في الحقيقة من محاسن الكلام ، بل من الذاتيات له ، فهو ~~إذن من طبيعة اللغة ، لذلك من تركه لقد وقع في اللحن الجلي ، لأن العرب لا ~~تعرف الكلام إلا مجودا . PageV01P237 # | الباب التاسع في كتب الحديث # وفيه فوائد # 1 - بيان طبقات كتب الحديث # قال الإمام العارف الكبير الشيخ أحمد المعروف بشاه ولي الله الدهلوي قدس ~~الله سره في كتابه ( ( حجة الله البالغة ) ) تحت الترجمة المذكورة ما نصه : ~~( ( أعلم أنه لا سبيل لنا إلى معرفة الشرائع والأحكام إلا خبر النبي ، ~~بخلاف المصالح ، فإنها قد تدرك بالتجربة والنظر الصادق والحدس ونحو ذلك . ~~ولا سبيل لنا إلى معرفة أخباره إلا تلقي الروايات المنتهية إلية بالاتصال ~~والعنعنة ، سواء كانت من لفظه ، أو كانت أحاديث موقوفة قد صحت الرواية بها ~~عن جماعة الصحابة والتابعين ، بحيث يبعد إقدامهم على الجزم بمثله ، لو النص ~~، أو الإشارة من الشارع فمثل ذلك رواية عنه دلالة ، وتلقي تلك الروايات لا ~~سبيل إليه في يومنا هذا إلا تتبع الكتب المدونة في علم الحديث ، فإنه لا ~~يوجد اليوم رواية يعتمد عليها غير مدونة . # ( ( وكتب الحديث على طبقات مختلفة ، ومنازل متباينة ، فوجب الاعتناء ~~بمعرفة طبقات كتب الحديث فنقول : هي باعتبار الصحة والشهرة على أربع طبقات ~~: وذلك لأن أعلى أقسام الحديث : ما ثبت بالتواتر ، وأجمعت الأمة على قبوله ~~والعمل به ؛ ثم ما استفاض من طرق متعددة لا يبقي معها شبهة يعتد بها ، ~~واتفق على العمل به جمهور فقهاء الأمصار ؛ أو لم يختلف فيه علماء الحرمين ~~خاصة ، فإن الحرمين محل الخلفاء الراشدين PageV01P239 في القرون الأولى ، ~~ومحط رجال العلماء طبقة بعد طبقة ، يبعد أن يسلموا منهم الخطأ الظاهر ؛ أو ~~كان قولا مشهورا معمولا به في قطر عظيم ، مرويا عن جماعة عظيمة من الصحابة ~~والتابعين ؛ ثم صح أو ms168 حسن سنده ، وشهد به علماء الحديث ، ولم يكن قولا ~~متروكا لم يذهب إليه أحد من الأمة . # ( ( أما ما كان ضعيفا موضوعا أو منقطعا أو مقلوبا في سنده أو متنه ، أو ~~من رواية المجاهيل ، أو مخالفا لما أجمع عليه السلف ، طبقة بعد طبقة ، فلا ~~سبيل إلى القول به ) ) . # ( ( فالصحة أن يشترط مؤلف الكتاب على نفسه إيراد ما صح أو حسن غير مقلوب ~~ولا شاذ ولا ضعيف ، إلا من بيان حاله ، فإن إيراد الضعيف مع بيان حاله لا ~~يقدح في الكتاب ) ) . # ( ( والشهرة أن تكون الأحاديث المذكورة فيها دائرة على ألسنة المحدثين ~~قبل تدوينها وبعد تدوينها ، فيكون أئمة الحديث قبل المؤلف رووها بطرق شتي ~~وأوردوها في مسانيدهم ومجاميعهم ، وبعد المؤلف اشتغلوا برواية الكتاب وحفظه ~~، وكشف مشكله ، وشرح غريبة ، وبيان إعرابه ، وتخريج طرق أحاديثه ، واستنباط ~~فقههان والفحص عن أحوال رواتها طبقة بعد طبقة إلى يوما هذا ، حتى لا يبقى ~~شيء مما يتعلق به غير مبحوث عنه إلا ما شاء الله ، ويكون نقاد الحديث قبل ~~المصنف وبعده وافقوه في القول بها ، وحكموا بصحتها ، وارتضوا رأي المصنف ~~فيها ، وتلقوا كتابه بالمدح والثناء ويكون أئمة الفقه لا يزالون يستنبطون ~~ويعتمدون عليها ، ويعتنون بها ، ويكون العامة لا يخلون عن اعتقادها ~~وتعظيمها . وبالجملة فإذا اجتمعت هاتان الخصلتان في كتاب كان من الطبقة ~~الأولى ثم وثم ، وإن فقدتا رأسا لم يكن له اعتبار ؛ وما كان أعلى حد في ~~الطبقة الأولى ، فإنه يصل إلى حد التواتر وما دون ذلك يصل إلى الاستفاضة ، ~~ثم إلى الصحة القطعية ، أعنى : القطع المأخوذ في علم الحديث ، المفسد للعمل ~~؛ والطبقة الثانية إلى الاستفاضة أو الصحة القطعية أو الظنية ، وهكذا ينزل ~~الأمر . PageV01P240 # فالطبقة الأولى : محصرة بالاستقراء في ثلاثة كتب : الموطأ ، وصحيح ~~البخاري ، وصحيح مسلم . قال الشافعي : أصح الكتب بعد كتاب الله موطأ مالك ، ~~واتفق أهل الحديث على أن جميع ما فيه صحيح على رأي مالك ومن وافقه ، وأما ~~على رأي غيره فليس فيه مرسل ولا منقطع إلا قد اتصل السند به من طرق أخرى ~~فلا جرم أنها ms169 صحيحة من هذا الوجه . # ( ( ولم يزل العلماء يخرجون أحاديثه ، ويذكرون متابعاته وشواهدة ، ~~ويشرحون غريبة ويضبطون مشكله ، ويبحثون عن فقهه ، ويفتشون عن رجاله ، إلى ~~غاية ليس بعدها غاية . وإن شئت الحق الصراح ، فقس كتاب ( ( الموطأ ) ) ~~بكتاب ( ( الآثار ) ) لمحمد ، و ( ( الأمالي ) ) لأبي يوسف ، تجد بينه ~~وبينهما بعد المشرفين ، فهل سمعت أحدا من المحدثين والفقهاء تعرض لهما ~~وأعتنى بهما . # ( ( أما الصحيحان فقد اتفق المحدثون على أن جميع ما فيهما من المتصل ~~المرفوع صحيح بالقطع ، وأنهما متواتران إلى مصنفيهما ، وأن كل من يهون ~~أمرهما فهو مبتدع غير سبيل المؤمنين . وإن شئت الحق الصراح فقسهما بكتاب ~~ابن أبي شيبة ، وكتاب الطحاوي ومسند الخوارزمي ، وغيرهما ، تجد بينها ~~وبينهما بعد المشرقين . # ( ( وهذه الكتب الثلاثة التي اعتنى القاضي عياض في المشارق بضبط مشكلها ، ~~ورد تصحيفها . # ( ( الطبقة الثانية : كتب لم تبلغ مبلغ الموطأ والصحيحين ، ولكنها تتلوها ~~، كان مصنفوها معروفين بالوثوق والعدالة والحفظ والتبحر في فنون الحديث ، ~~ولم يرضوا في كتبهم هذه بالتساهل فيما اشترطوا على أنفسهم ، وتلقاها من ~~بعدهم بالقبول ، وأعنى بها المحدثون والفقهاء طبقة بعد طبقة ، واشتهرت فيما ~~بين الناس ، وتعلق بها القوم ، شرحا لغريبها ، وفحصا عن رجالها ، واستنباطا ~~لفقهها ، وعلى تلك الأحاديث بناء عامة العلوم : كسنن أبي داود ، وجامع ~~الترمذي ، ومجتبي النسائي ، وهذه الطبقة الأولى ، اعتنى بأحاديثها ~~PageV01P241 ( ( رزين ) ) في ( ( تجريد الصحاح ) ) ، وابن الأثير في ( ( ~~جامع الأصول ) ) . وكاد مسند أحمد يكون من جملة هذه الطبقة ، فإن الإمام ~~أحمد جعله أصلا يعرف به الصحيح والسقيم . قال ( ( ما ليس فيه فلا تقبلوه ) ~~) . # والطبقة الثالثة - مسانيد وجوامع ومصنفات صنفت قبل البخاري ومسلم : ( وفي ~~زمانهم ، وبعدهما ، جمعت بين الصحيح والحسن والضعيف والمعروف والغريب ~~والشاذ والمنكر والخطأ والصواب والثابت والمقلوب ، ولم تشتهر في العلماء ~~ذلك الاشتهار ، وإن زال عنها اسم النكارة المطلقة ؛ ولم يتداول ، ما تفردت ~~به ، الفقهاء كثير تداول ، ولم يفحص عن صحتها وسقمها المحدثون كثير فحص ؛ ~~ومنه ما لم يخدمه لغوي لشرح غريب ، ولا فقيه لتطبيقه بمذاهب السلف ، ولا ~~محدث ببيان مشكله ، ولا مؤرخ بذكر أسماء رجاله ولا أريد المتأخرين ~~المتعمقين ms170 ، وإنما كلامي في الأئمة المتقدمين من أهل الحديث ، فهي باقية ~~على استتارها واختفائها وخمولها ؛ كمسند أبي يعلي ، ومصنف عبد الرزاق ، ~~ومصنف أبي بكر بن أبي شيبة ومسند عبد بن حميد والطيالسي ، وكتب البيهقي ~~والطحاوي والطبراني ، وكان قصدهم جمع ما وجووه ، لا تلخيصه وتخذيبه وتقريبه ~~من العمل . # والطبقة الرابعة - كتب قصد مصنفوها بعد قرون متطاولة جمع ما لم يوجد في ~~الطبقتين الأوليين ، وكانت في المجاميع والمسانيد المختفية ، فنوهوا بأمرها ~~، وكانت على السنة من لم لم يكتب حديثه المحدثون : ككثير من الوعاظ ~~المتشدقين ، وأهل الأهواء والضعفاء ، أو كانت من آثار الصحابة والتابعين ، ~~أو من أخبار بني إسرائيل ، أو من كلام الحكماء والوعاظ ، خلطها الرواة ~~بحديث النبي سهوا أو عمدا ، أو كانت من محتملات القرآن والحديث الصحيح ، ~~فرواها بالمعنى قوم صالحون ، لا يعرفون غوامض الرواية ، فجعلوا المعاني ~~أحاديث مرفوعة ، أو كانت معاني مفهومة من إشارات الكتاب والسنة جعلوها ~~أحاديث مستبدة برأسها عمدا ، وكانت جملا شتى في أحاديث مختلفة ، جعلوها ~~حديثا واحدا بنسق واحد . ومظنة هذه الأحاديث كتاب ( ( الضعفاء ) ) لابن ~~حبان ، وكامل بن عدي ، PageV01P242 وكتب الخطيب وأبي نعيم والجوزقاني وابن ~~عساكر وابن النجار والديلمي ؛ وكاد مسند الخوارزمي يكون من هذه الطبقة . ~~وأصلح هذه الطبقة ما كان ضعيفا محتملا ، وأسوؤها ما كان موضوعا أو مقلوبا ، ~~شديد النكارة . وهذه الطبقة مادة كتاب ( ( الموضوعات ) ) لابن الجوزي . # ( وههنا طبقة خامسة - منها : ما اشتهر على ألسنة الفقهاء والصوفية ~~والمؤرخين ونحوهم وليس له أصل في هذه الطبقات الأربع ؛ ومنها : ما دسه ~~الماجن في دينه ، العالم بلسانه ، فأتى بإسناد قوى لا يمكن الجرح فيه ، ~~وكلام بليغ لا يبعد صدوره عنه ، فأثار في الإسلام مصيبة عظيمة . لكن ~~الجهابذة من أهل الحديث يوردون مثل ذلك على المتابعات والشواهد ، فتهتك ~~الأستار ، ويظهر العوار . # ( ( أما الطبقة الأولى والثانية فعليهما اعتماد المحدثين ، وحوم حماهما ~~مرتعهم ومسرحهم ؛ وأما الثالثة فلا يباشرها للعمل عليها والقول بها إلا ~~النحارير الجهابذة الذين يحفظون أسماء الرجال وعلل الأحاديث . نعم ، ربما ~~يؤخذ منها المتابعات والشواهد وقد جعل الله لكل شيء قدرا . وأما ms171 الرابعة ، ~~فالاشتغال بجمعها والاستنباط منها نوع تعمق من المتأخرين . وإن شئت الحق ، ~~فطوائف المبتدعين من الرافضة والمتزلة وغيرهم يتمكنون بأن يلخصوا منها ~~شواهد مذاهبهم ، فالأنصار بها غير صحيح في معارك العلماء بالحديث والله ~~أعلم ) ) . * * * # 2 - بيان الرموز لكتب الحديث على طريقة الحافظ ابن حجر في التدريب # قال رحمه الله في مقدمة التقريب : ( ( وقد اكتفيت بالرقم على اسم كل راو ~~إشارة إلى من أخرج حديثه من الأئمة ؛ فللبخاري في ( ( صحيحة ) ) ( خ ) ؛ ~~فإن كان حديثه عنده معلقا ( خت ) ، وللبخاري في ( ( الأدب المفرد ) ) ( بخ ~~) في ( ( خلق أفعال العباد ) ) ( عخ ) وفي ( ( جزء القراءة ) ) ( ز ) ، رفع ~~اليدين ) ) ( ي ) ، ولمسلم ( م ) ، وفي مقدمة صحيحة PageV01P243 ( مق ) ، ~~ولأبي داود ( د ) ، وفي ( ( المراسيل ) ) له ( مد ) ، وفي ( ( فضائل ~~الأنصار ) ) ( صد ) ، وفي ( ( الناسخ ) ) ( خد ) ، وفي ( ( القدر ) ) ( قد ~~) ، وفي ( ( التفرد ) ) ( ف ) ، وفي ( ( المسائل ) ) ( ل ) ، وفي ( ( مسند ~~مالك ) ) ( كد ) ، وللترمذي ( ت ) ، وفي ( ( الشمائل ) ) له ( تم ) ~~وللنسائي ( س ) وفي ( ( مسند على ) ) له ( عس ) وفي كتاب ( ( عمل يوم وليلة ~~) ) ( سي ) ، وفي ( ( خصائص على ) ) ( ص ) ، وفي ( ( مسند مالك ) ) ( كس ) ~~، ولابن ماجه ( ق ) ، فإن كان حديث الرجل في أحد الأصول الستة اكتفى برقمه ~~ولو أخرج له في غيرها ؛ وإذا اجتمعت ، فالرقم ( ع ) ، وأما علامة ( 4 ) فهي ~~لهم سوى الشيخين ، ومن ليست له عندهم رواية مرقوم عليه تمييز إشارة إلى أنه ~~ذكر ليتميز عن غيره ) ) . * * * # 3 - بيان الرموز لكتب الحديث على طريقة السيوطي في الجامع الكبير والجامع ~~الصغير # ( خ ) للبخاري ، ( م ) لمسلم ، ( ق ) لهما . ( د ) لأبي داود ، ( ت ) ~~للترمذي ، ( ن ) للنسائي ( 5 ) لابن ماحه ، ( 4 ) لهؤلاء الأربعة ، ( 3 ) ~~لهم إلا ابن ماجه ، ( حم ) للإمام أحمد في مسنده ( عم ) لابنه في زوائدة ( ~~ك ) للحاكم ، فإن كان في المستدرك أطلقت ، وإلا بينته ، ( خذ ) للبخاري في ~~الأدب ، ( تخ ) له في التاريخ ، ( حب ) لابن حبان في صحيحه ، ( طب ) لسعيد ~~بن منصور في سنه ، ( طس ) له في الأوسط ، ( طص ) له في الصغير ، ( ص ) ~~لسعيد بن منصور في سننه ، ( ش ) لا بن أبي شيبة ، ( عب ) لعبد الرزاق في ~~الجامع ، ( ع ) لأبي يعلي في مسنده ms172 ، ( قط ) للدار قطني ، فإن كان في السنن ~~أطلقت ، وإلا بينتهن ( فر ) للديلمي في الفردوس ، ( حل ) لأبي نعيم في ~~الحلية ( هب ) للبيهقي في شعب الإيمان . ( هق ) له في السنن ، ( عد ) لأبي ~~عدي في الكامل ، ( عق ) للعقيلي في الضعفاء ، ( خط ) للخطيب ، فإن كان في ~~التاريخ أطلقت وإلا بينته ، ( ض ) للضياء المقدسي في المختارة ، ( ط ) لأبي ~~داود الطيالسي ، ( كر ) لابن عساكر في تاريخه ( كذا في مقدمة الجامع الكبير ~~) . PageV01P244 # 4 - بيان ما اشتمل على الصحيح فقط أو مع غيره من هذه الكتب المرموز بها # قال الحافظ السيوطي في مقدمة جمع الجوامع ما نصه : ( ( جميع ما في الكتب ~~الخمسة : خ ، م ، حب ، ك ، ض ، صحيح ، فالعزو إليها معلم بالصحة ، سوى ما ~~في ( ( المستدرك ) ) من المتعقب ، فأنبه عليه ؛ وكذا ما في ( ( موطأ مالك ) ~~) وصحيح ابن هزيمة وأبي عوانة وابن السكن والمنتقى لابن الجاورد ~~والمستخرجات ، فالعزو إليها معلم بالصحة أيضا ؛ وفي د ما سكت عليه فهو صالح ~~، وما بين ضعفه نقلت عنه ؛ وفي ت . ن . ه . ط . حم . عم . عب . ص . ش . ع . ~~طب . طس . قط . حل . هب . هق . صحيح وحسن وضعيف فأبينه غالبا ؛ وكل ما كان ~~في مسند أحمد فهو مقبول ، فإن الضعيف الذي فيه يقرب من الحسن ؛ وكل ما عزى ~~إلى عق . عد . خط . كر . أو للحكيم الترمذي في ( ( نوادر الأصول ) ) أو ~~للحاكم في تاريخه ، أو لا بن الجارود في تاريخه ، أو للديلمي في مسند ~~الفردوس فهو ضعيف ، فيستغنى بالعزو إليها ، أو إلى بعضها عن بيان ضعفه ؛ ~~وإذا أطلقت العزو إلى ابن جرير فهو في تهذيب الآثار ، فإن كان في تفسيره أو ~~في تاريخه بينته ) ) . انتهى # وقد بسط الكلام في ذلك صاحب ( الأجوبة الفاضلة ) في السؤال الثاني ونصه : # هل كل ما في هذه الكتب الضخام ، كالسنن الأربعة ، وتصانيف البيهقي ، ~~وتصانيف الدار قطني ، والحاكم ، وابن أبي شيبة وغيرها من الكتب المشتهرة من ~~الأحاديث المجوعة ، صحيح لذاته أو لغيره ، أو حسن لذاته أو لغيره ، أم لا ؟ # الجواب : # ليس كل ما في هذه الكتب وأمثالها صحيحا أو حسنا ms173 ، بل هي مشتملة على ~~الأخبار الصحيحة والحسنة والضعيفة والموضوعة ؛ أما كتب السنن ، فذكر ابن ~~الصلاح والعراقي وغيرهما أن فيها غير الحسن من الصحيح والضعيف ، وذكر ~~النووي أن في السنن الصحيح والحسن والضعيف والمنكر ، ومن ههنا اعترضوا على ~~تسمية صاحب المصابيح أحاديث PageV01P245 السنن بالحسان ، بأنه اصطلاح لا ~~يعرف عند أهل الفن ؛ وذكر العراقي أنه قد تساهل من أطلق الصحيح على كتب ~~السنن ، كأبي طاهر السلفي حيث قال في الكتب الخمسة : اتفق على صحتها علماء ~~المشرق والمغرب ؛ وكالحاكم حيث أطلق على جامع الترمذي ( الجامع الصحيح ) ، ~~وكذلك الخطيب أطلق عليه أسم الصحيح . وذكر الذهبي في ( أعلام سير النبلاء ) ~~أن أعلى ما في كتاب أبي داود من الثابت ، ما أخرجه الشيخان ، وذلك نحو شطر ~~الكتاب ، ثم يليه ما أخرجه أحد الشيخين ورغب عنه الآخر ثم يليه ما رغبا عنه ~~، وكان إسناده جيدا سالما من علة وشذوذ ، ثم يليه ما كان إسناده صالحا ~~وقبله العلماء لمجيئه من وجهين لينين فصاعدا ، ثم يليه ما ضعف إسناده لنقص ~~حفظ راويه ، فمثل هذا يسكت عنه أبو داود غالبا ، ثم يليه ما كان بين الضعف ~~من جهة رواته ، فهذا لا يسكت عنه بل يوهنه غالبا ، وقد يسكت عنه بحسب شهرته ~~ونكارته . وذكر أيضا قال أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق : الجامع - أي ~~جامع الترمذي - على أربعة أقسام : قسم مقطوع بصحته وقسم على شرط أبي داود ~~والنسائي ، وقسم أبان عن علته ، وقسم رابع أبان عنه فقال : ما أخرجت في ~~كتابي هذا إلا حديثا عمل به بعض الفقهاء سوى حديث : ( ( فإن شرب في الرابعة ~~فاقتلوه ) ) وحديث : ( ( جمع بين الظهر والعصر بالمدينة من غير خوف ولا سفر ~~) ) وذكر أيضا : قد كان ابن ماجه حافظا ، صدوقا ، واسع العلم ، وإنما غض من ~~رتبة سننه ما في الكتاب من المناكير وقليل من الموضوعات . # وقال ابن الصلاح في مقدمته : ( ( كتاب أبي عيسى الترمذي أصل في معرفة ~~الحديث الحسن . ) ) وقال أيضا : ( ( ومن مظانه سنن أبي داود ، روينا عنه ~~أنه قال : ذكرت فيه الصحيح وما يشبهه ويقاربه ms174 ، وروينا عنه أيضا ما معناه : ~~إنه يذكر في كل باب أصح ما يعرفه في ذلك الباب ، وقال : ما كان في كتابي من ~~حديث فيه وهن شديد بينته ، وما لم أذكر فيه شيئا فهو صالح ، وبعضها أصح من ~~بعض . قلت : فعلى هذا ما وجدناه في كتابه مذكورا PageV01P246 مطلقا ، وليس ~~في واحد من الصحيحين ، ولا نص على صحته أحد ممن ميز بين الصحيح والحسن ~~جزمنا بأنه من الحسن عند أبي داود وقد يكون في ذلك ما ليس بحسن عند غيره . ~~وقال أيضا : حكى أبو عبد الله بن منده الحافظ أنه سمع محمد بن سعد البارودي ~~بمصر يقول : كان من مذهب النسائي أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه . قال ~~ابن منده : وكذلك أبو داود يأخذ مأخذه ، ويخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجد ~~في الباب غيره ، لأنه أقوى عنده من رأي الرجال . وذكر السيوطي في ( ( ~~ديباجة زهر الربي على المجتبي ) ) : قال الحافظ أبو الفضل بن طاهر في شروج ~~الأئمة : كتاب أبي داود والنسائي ينقسم على ثلاثة أقسام : الأول : الصحيح ~~المخرج في الصحيحين ؛ الثاني : صحيح على شرطهما ؛ وقد حكى عبد الله ابن ~~منذه أن شرطهما إخراج أحاديث أقوام لم يجمع على تركهم إذا صح الحديث باتصال ~~الإسناد من غير قطع ولا إرسال ، فيكون هذا القسم من الصحيح ، إلا أنه طريق ~~لا يكون طريق ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما ، بل طريقه ما ترك البخاري ~~ومسلم من الصحيح ؛ القسم الثالث : أحاديث أخرجاها من غير قطع عنهما بصحتها ~~، وقد أبانا عليها بما يفهمه أهل الطريق . وذكر أيضا : قال الأمام أبو عبد ~~الله بن رشيد : كتاب النسائي أبدع الكتب المنصفة في السنن ، وأحسنها ترصيفا ~~، وكأن كتابه بين جامع البخاري ومسلم ، مع حظ كثير من بيان العلل ، ~~وبالجملة فهو أقل الكتب بعد الصحيحين حديثا ضعيفا ، ورجلا مجروحا ، ويقاربه ~~كتاب أبي جاود وكتاب الترمذي ؛ ومقابله من الطرف الآخر كتاب ابن ماجه ، ~~فإنه تفرد فيه بإخراج أحاديث عن رجال متهمين بالكذب ، وسرقة الأحاديث ؛ ~~وبعض تلك الأحاديث لا تعرف ms175 إلا من جهتهم . وأما ما حكاه ابن طاهر عن أبي ~~زرعن الرازي أنه نظر فيه فقال : لعله لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثا مما ~~فيه ضعف ، فهي حكاية لا تصح لانقطاع سندها ، وإن كانت صحيحة فلعله أراد ما ~~فيه من الأحاديث الساقطة إلى الغاية . وذكر أيضا : ذكر بعضهم أن النسائي ~~لما صنف السنن الكبرى أهداه إلى أمير الرملة فقال له الأمير : أكل ما في ~~هذا صحيح ؟ قال : لا ! قال : فجرد الصحيح ، PageV01P247 فصنف ( ( المجتبي ) ~~) وهو بالباء الموحدة . وقال الزركشي في تخريج أحاديث الرافعي : ويقال ~~بالنون أيضا . وقال السيوطي في التدريب : قال شيخ الإسلام - يعني الحافظ ~~ابن حجر مسند الدارمي ليس دون السنن في الرتبة ، بل لو ضم إلى الخمسة لكان ~~أولي من ابن ماجه ، فإنه أمثل منه بكثير . وقال العرافي : اشتهر تسميته ~~بالمسند كما سمى البخاري كتابه بالمسند لكون أحاديثه مسندة ، إلا أن فيه ~~المرسل والمقطع والمقطوع كثيرا . على أنهم ذكروا في ترجمة الدارمي أن له ~~الجامع والمسند والتفسير وغير ذلك ؛ فلعل الموجود الآن هو الجامع ، والمسند ~~قد فقد . # وأما تصانيف الدار قطني فقال العيني في ( ( البناية شرح الهداية ) ) في ~~بحث قراءة الفاتحة ، في حقه : ( ( من أين له تضعيف أبي حنيفة هو مستحق ~~التضعيف ، وقد روى في مسنده أحاديث سقيمة ومعلومة ومنكرة وغريبة وموضوعة . ~~) ) انتهى . وقال أيضا في بحث جهر البسملة : ( ( الدار قطني كتابه مملوء من ~~الأحاديث الضعيفة والشاذة والمعللة ، وكم فيه من حديث لا يوجد في غيره . ~~وحكى أنه لما دخل مصر سأله بعض أهلها تصنيف شيء في الجهر بالبسملة فصنف فيه ~~جزءا ، فأتاه بعض المالكية فأقسم عليه أن يخبره بالصحيح من ذلك فقال : كل ~~ما روى عن النبي في الجهر فليس بصحيح ، وأما عن الصحابة فمنه صحيح ، ومنه ~~ضعيف ) ) . انتهى . # وأما تصانيف البيهقي - فهي أيضا مشتملة على الأحاديث الضعيفة ، وكذا ~~تصانيف الخطيب فإنه قد تجاوز عن حد التحامل ، واحتج بالأحاديث الموضوعة ، ~~صرح به العيني في البناية في بحث البسملة . # وأما تصانيف الحاكم - فقال الزيلعي في تخريج أحاديث الهداية : ( ( قال ms176 ~~ابن دحية في كتابه ( ( العلم ) ) ؛ المشهور : يجب على أهل الحديث أن ~~يتحفظوا من قول الحاكم ، فإنه كثير الغلط ، ظاهر السقط ، وقد غفل عن ذلك ~~كثير من جاء بعده وقلده في ذلك ) ) انتهى . # وقال العيني في ( ( البناية ) ) : ( ( قد عرف تساهله وتصحيحه للأحاديث ~~الضعيفة ، بل الموضوعة . ) ) انتهى . PageV01P248 # وقال السيوطي في رسالة التعقبات على ابن الجوزي : قال شيخ الإسلام ابن ~~حجر : تساهله وتساهل الحاكم في المستدرك أعدم النفع بكتابهما ، إذ ما حدث ~~فيهما إلا ويمكن أنه مما وقع فيه التساهل ، فلذلك وجب على الناقد الاعتناء ~~بما ينقله منهما من غير تقليد لهما . ) ) انتهى . # وفي طبقات الشافعية لتقي الدين شهبة : قال الذهبي : في المستدرك جملة ~~وافرة على شرطهما ، وجملة وافرة على شرط أحدهما ، ومجموع ذلك نحو نصف ~~الكتاب ، وفيه نحو الربع مما صح سنده ، وفيه بعض الشيء معلل ، وما بقى ~~مناكير وواهيات لا تصح ، وفي ذلك بعض الموضوعات قد أعلمت عليها لما أختصرته ~~) ) انتهى . # وفي مقدمة ابن الصلاح : ( ( هو - أي الحاكم - واسع الخطو في شرط الصحيح ، ~~متساهل في القضاء به ، فما حكم بصحته ولم نجد ذلك لغيره من الأئمة ، إن لم ~~يكن من قبيل الصحيح ، فهو من قبيل الحسن ، يحتج به ويعمل ، إلا أن بظهر فيه ~~علة توجب ضعفه ) ) انتهى . # وتبعه النووي حيث قال في التقريب : ( ( فما صححه ولم نجد فيه لغيره ~~تصحيحا ولا تضعيفا حكمنا بأنه حسن ، إلا أن يظهر فيه علة توجب ضعفه . ) ) ~~قال السيوطي في التدريب : ( ( قوله : فما صححه ، احتراز ، مما وجد في ~~الكتاب ولم يصرح بتصحيحه ، فلا يعتمد عليه . ) ) انتهى لكن تعقب ابن الصلاح ~~البدر بن جماعة فقال في مختصره : الصواب أن يتتبع ، ويحكم عليه بما يليق من ~~الحسن أو الصحة أو الضعف ) ) وتبعه في هذا التعقب شراح الألفية : العرافي ~~والأنصاري والسخاوي ، وقالوا : إنما قال ابن الصلاح ما قال بناء على رأيه ~~أنه ليس لأحد أن يصحح في هذه الأعصار حديثا . وذكر ابن الصلاح أن صحيح ابن ~~حبان يقاربه - أي مستدرك الحاكم - في التساهل ، لكن نقل العراقي عن الحازمي ~~أنه ms177 قال : ابن حبان أمكن في الحديث من الحاكم ) ) انتهى . # وقال السيوطي في التدريب : ( ( قيل ما ذكر من تساهل ابن حبان ليس بصحيح ، ~~غايته PageV01P249 أن يسمى الحسن صحيحا ، فإن كان نسبته إلى التساهل ~~باعتبار وجدان الحسن في كتابه فهي مشاحة في الاصطلاح ، وإن كان باعتبار خفة ~~شروطه ، فإنه يخرج في الصحيح ما كان راويه ثقة غير مدلس سمع من شيخه ، وسمع ~~منه الآخذ عنه ، ولا يكون هناك إرسال ولا انقطاع ، وإذا لم يكن في الراوي ~~جرح ولا تعديل كان كل من شيخه والراوي عنه ثقة ولم يأت بحديث منكر فهو عنده ~~ثقة . وفي كتاب الثقات له كثير ممن هذا حاله ، ولأجل هذا ربما اعترض عليه ~~في جعله ثقة من لم يعرف حاله ، فلا اعتراض عليه ، فإنه لا مشاحة في ذلك ، ~~وهذا دون شرط الحاكم . فالحاصل أن ابن حبان وفي بالتزام شروطه ولم يوف ~~الحاكم ) ) انتهى . # ومما يدل على كون ابن حبان أشد تحريا من الحاكم ، ما نقله السيوطي في ( ( ~~اللآلئ المصنوعة ) ) عن تخريج أحاديث الرافعي للزركشي أن تصحيح الضياء ~~المقدسي ، صاحب المختارة ، أعلى مرتبة من تصحيح الحاكم ، وأنه قريب من ~~تصحيح الترمذي وابن حبان ) ) انتهى . وذكر النووي في شرح المهذب : اتفق ~~الحفاظ على أن البيهقي أيضا أشد تحريا من الحاكم ) ) انتهى . وذكر ابن ~~الصلاح : كتب المسانيد غير ملتحقة بالكتب الخمسة التي هي : الصحيحان وسنن ~~أبي داود وسنن النسائي وجامع الترمذي وما جرى مجراها في الاحتجاج بها ، ~~والركون إلى ما هو فيها كمسند أبي داود الطيالسي ، ومسند عبيد الله ابن ~~موسى ، ومسند أحمد ، ومسند إسحاق بن رهوبه ومسند عبد بن حميد ، ومسند ~~الدارمي ، ومسند أبي يعلى الموصلي ومسند الحسن بن سفيان ، ومسند البراز ، ~~وأشباهها . فهذا عادتهم فيها أن يخرجوا في مسند كل صحابي ما رووه من حديثه ~~غير متقيدين بأن يكون حديثا محتجا به ) ) انتهى . وفي التدريب : ( ( صرح ~~الخطيب وغيره بأن الموطأ مقدم على كل كتاب من الجوامع والمسانيد ، فعلى هذا ~~هو بعد صحيح الحاكم . وأما ابن حزم فقال : أولي الكتب الصحيحان ms178 ، ثم صحيح ~~سعيد بن السكن ، والمتقى لابن الجارود ، وقاسم ابن أصبغ ، ثم بعد هذه الكتب ~~كتاب أبي داود ، وكتاب النسائي ، ومصنف قاسم ابن أصبغ ، ومصنف الطحاوي ، ~~ومسانيد أحمد والبزار ، وابني أبي شيبة : أبي بكر وعثمان ، PageV01P250 ~~وابن راهوية ، والطيالسي ، والحسن بن سفيان ، وابن سنجر ، وعلي بن المديني ~~، وما جرى مجراها التي أفردت بكلام رسول الله ، ثم ما كان فيه الصحيح فهو ~~أجل ، مثل مصنف عبد الرزاق ، ومصنف ابن أبي شيبة ، وبقي بن مخلد ، وكتاب ~~محمد بن نصر المروزي ، وابن المنذر ، ثم مصنف حماد بن مسلمة ، وسعيد بن ~~منصور ، ووكيع ، وموطأ مالك ، وموطأ ابن أبي ذئب ، وموطأ ابن وهب ، ومسائل ~~ابن حنبل ، وفقه أبي ثور ) ) انتهى ملخصا . ثم نقل السيوطي عنه أنه قال : ~~في الموطأ نيف وسبعون حديثا ، قد ترك مالك نفسه العمل بها ، وفيه أحاديث ~~ضعيفة . ونقل الذهبي في سير النبلاء عن ابن حزم نحو ما مر ، وقال : ما أنصف ~~ابن حزم ، بل رتبة الموطأ إن يذكر تلو الصحيحين مع سنن أبي داود ، لكنه ~~تأدب وقدم المسندات النبوية الصرفة وما ذكر سنن ابن ماجه ، ولا جامع أبي ~~عيسى ، فإنه ما رآهما ، ولا دخلا إلى الأندلس إلا بعد موته ) ) انتهى . # وذكر الزرقاني في شرح الموطأ عن السيوطي أن الموطأ صحيح كله على شرط مالك ~~. وقال الذهبي في سير النبلاء : فيه - أي مسند أحمد - جملة من الأحاديث ~~الضعيفة ممن يسوغ نقلها ، ولا يجب الاحتجاج بها ، وفيه أحاديث معدودة شبيهة ~~الموضوعة ، لكنها قطرة في بحر ) ) انتهى . # وقال ابن تيميه في منهاج السنة : ( ( صنف أحمد كتابا في فضائل الصحابة ~~أبي بكر وعمر وعثمان وعلى وغيرهم ، وقد روى في هذا الكتاب ما ليس في مسنده ~~، وليس كل ما رواه أحمد في المسند وغيره يكون حجة عنده ، بل يروي ما رواه ~~أهل العلم ، وشرطه في المسند أن لا يروي عن المعروف بالكذب عنده ، وإن كان ~~في ذلك ما هو ضعيف ، وشرطه في المسند أمثل من شرط أبي داود في سننه . وأما ~~في كتب الفضائل فروي ما سمعه ms179 من شيوخه سواء كان صحيحا أو ضعيفا ، فإنه لم ~~يقصد أن لا يروي في ذلك إلا ما ثبت عنده ، ثم زاد ابنه عبد الله على مسند ~~أحمد زيادات ، وزاد أبو بكر فقطيعي زيادات . وفي زيادات القطيعي أحاديث ~~كثيرة موضوعة ، فظن ذلك الجهال أنه من رواية أحمد ، رواها في المسند ، وهذا ~~خطأ قبيح ) ) انتهى . PageV01P251 # وفي منهاج السنة لابن تيميه : ( ( ما ينقله الثعلبي في تفسيره : لقد أجمع ~~أهل العلم بالحديث أنه يروي طائفة من الأحاديث الموضوعة كالحديث الذي يرويه ~~في أول كل سورة وأمثال ذلك . ولهذا يقولون : هو كحاطب ليل . وهكذا الواحدي ~~تلميذه ، وأمثالهما من المفسرين ، ينقلون الصحيح والضعيف ، ولهذا ، لما كان ~~البغوي عالما بالحديث ، أعلم به من الثعلبي والواحدي ، وكان تفسيره مختصر ~~تفسير الثعلبي ، لم يذكر في تفسيره شيئا من الأحاديث الموضوعة التي يرويها ~~الثعلبي ، ولا ذكر تفاسير أهل البدع التي يذكرها الثعلبي ، مع أن الثعلب ~~فيه خير ودين ، لكنه لا خبر له في الصحيح والسقيم من الأحاديث وأما أهل ~~العلم الكبار ، أصحاب التفسير : مثل تفسير محمد بن جرير الطبري ، وبقي بن ~~مخلد ، وابن أبي حاتم ، وأبي بكر بن المنذر ، وأمثالهم ، فلم يذكروا فيها ~~مثل هذه الموضوعات ، دع من هو أعلم منهم ؛ مثل تفسير أحمد بن حنبل ، وإسحاق ~~بن راهويه ، بل ولا يذكر مثل هذا عبد بن حميد ولا عبد الرزاق ، مع أن عبد ~~الرزاق كان يميل إلى التشيع ، ويروى كثيرا من فضائل على رضي الله عنه ، وإن ~~كانت ضعيفة . وقد أجمع أهل العلم بالحديث على أنه لا يجوز الاستدلال بمجرد ~~خبر يرويه الواحد من جنس الثعلب والنقاش والواحدي وأمثال هؤلاء المفسرين ~~لكثره ما يروونه من الحديث ويكون ضعيفا بل موضوعا ) ) . انتهى . وفي موضع ~~آخر منه قد روى أبو نعيم في الحلية ، في أول فضائل الصحابة ، وفي كتاب ~~مناقب أبي بكر وعمر وعثمان وعلى أحاديث ، بعضها صحيحة ، وبعضها ضعيفه بل ~~منكرة ، وكان رجلا عالما بالحديث ، لكن هو وأمثاله يروون ما في الباب ، لأن ~~يعرف أنه قد روى ؛ كالمفسر الذي ينقل أقوال ms180 الناس في التفسير ، والفقيه ~~الذي يذكر الأقوال في الفقه ، وإن كان كثير من ذلك لا يعتقد صحته ، بل ~~يعتقد ضعفه ، لأنه يقول : إنما نقلت ما ذكر غيري ، فالعهدة على القائل لا ~~على الناقل ) ) . انتهى . وفي موضع آخر منه ( ( إن أبا نعيم روى كثيرا من ~~الأحاديث التي هي ضعيفه بل موضوعة باتفاق علماء الحديث وأهل السنة والشيعة ~~وهو وإن كان حافظا ثقة ، كثير الحديث ، واسع الرواية ، لكن روى ، كما هو ~~عادة المحدثين يروون ما في الباب لأجل المعرفة بذلك ، وإن كان لا يحتج من ~~ذلك إلا ببعضه ) ) ، انتهى . PageV01P253 وفي موضع آخر منه : ( ( الثعلبي ~~يروي ما وجد ، صحيحا كان أو سقيما ، وإن كان غالب الأحاديث التي في تفسيره ~~صحيحة ، ففيه ما هو كذب موضوع ) ) . وفي موضع آخر منه : ( ( كتاب الفردوس ~~للديلمي فيه موضوعات كثيرة ، أجمع أهل العلم على أن مجرد كونه رواه لا يدل ~~على صحة الحديث ) ) . انتهى وفي موضع آخر : ( ( النسائي صنف خصائص على وذكر ~~فيه عدة أحاديث كثيرة في فضائل على ، كثير منها ضعيف ) ) . وفي موضع آخر ~~منه : ( ( من الناس من قصد رواية كل ما روى في الباب من غير تمييز بين صحيح ~~وضعيف ، كما فعله أبو نعيم وكذلك غيره ممن صنف في الفضائل ، مثل ما جمعه ~~أبو الفتح بن أبي الفوارس وأبو على الأهوازي وغيرهما في فضائل معاوية ، ~~وكذلك ما جمعه أبو القاسم بن عساكر في تاريخه في فضائل على وغيره . وهذه ~~عبارات العلماء قد أفادت وجود المنكرات والمضعفات في الكتب المدونة ~~وأمثالها كثيرة لا تخفي على الناظر في الكتب المشتهرة ، ولعل المتدبر يعلم ~~مما نقلنا أن ما ارتكز في أذهان بعض العوام أن كل حديث في السنن محتج به ~~غير معتد به ، وكذا ما ارتكز في أذهان البعض أن كل حديث في السنن محتج به ~~غير معتد به وكذا ما ارتكز في أذهان البعض أن كل حديث في غير الكتب الستة ~~أو السبعة ضعيف غير محتج به ) ) انتهى . * * * # 5 - الرجوع إلى الأصول الصحيحة المقابلة على أصل صحيح لمن ms181 أراد العمل ~~بالحديث # قال النووي في التقريب : ( ( ومن أراد العمل بحديث من كتاب ، فطريقة أن ~~يأخذه من نسخة معتمدة قابلها هو أو ثقة بأصول صحيحة ، فإن قابلها بأصل محقق ~~معتمد أجزأه ) ) انتهى ، # وقال العلامة ملا على القاري في مرقاة المفاتيح عند قول صاحب ( ( المشكاة ~~) ) - وإذا نسبت الحديث إليهم كأني أسندت إلى النبي - : ( ( علم من كلام ~~المصنف أنه يجوز نقل PageV01P254 الحديث من الكتب المعتمدة التي اشتهرت ~~وصحت نسبتها لمؤلفيها كالكتب الستة وغيرها من الكتب المؤلفة ، سواء في جواز ~~نقله مما ذكر ، أكان نقله للعمل بمضمونه ، ولو في الأحكام ، أو للاحتجاج . ~~ولا يشترط تعدد الأصل المنقول عنه ، وما اقتضاه كلام ابن الصلاح من اشتراطه ~~، حملوه على الاستحباب ، ولكن يشترط في ذلك الأصل أن يكون قد قوبل على أصل ~~له معتمد مقابلة صحيحة لأنه حينئذ يحصل به الثقة التي مدار الاعتماد عليها ~~صحة واحتجاجا . # ( ( وعلم من كلام المصنف أيضا أنه لا يشترط في النقل من الكتب المعتمدة ~~للعمل أو الاحتجاج أن يكون له به رواية إلى مؤلفيها ، ومن ثم قال ابن برهان ~~: ذهب الفقهاء كافة إلى أنه لا يتوقف العمل بالحديث على سماعه ، بل إذا صحت ~~عنه النسخة من السنن جاز العمل بها وإن لم يسمع ) ) انتهى . # وفي تدريب الراوي شرح تقريب النواوي : ( ( حكى الأستاذ أبو إسحاق ~~الأسفراييني الإجماع على جواز النقل من الكتب المعتمدة ، ولا يشترط اتصال ~~السند إلى مصنفيها ، وذلك شامل لكتب الحديث والفقه . وقال الطبري في تعليقه ~~: من وجد حديثا في كتاب صحيح ، جاز له أن يرويه ويحتج به . وقال قوم من ~~أصحاب الحديث : لا يجوز له أن يروي لأنه لم يسمعه ، وهذا غلط . وكذا حكاه ~~إمام الحرمين في البرهان عن بعض المحدثين ، وقال : هم عصبة لا مبالاة بهم ~~في حقائق الأصول - يعني المقتصرين على السماع ، لا أئمة الحديث - . وقال عز ~~الدين بن عبد السلام في جواب سؤال كتبه إليه أبو محمد بن عبد الحميد وأما ~~الاعتماد على كتب الفقه الصحيحة الموثوقة ، فقد اتفق العلماء في هذا العصر ~~على جواز ms182 الاعتماد عليها ، والاستناد إليها ، لأن الثقة قد حصلت بها كما ~~تحصل بالرواية ، ولذلك اعتمد الناس على الكتب المشهورة في النحو واللغة ~~والطب وسائر العلوم ، لحصول الثقة بها ، وبعد التدليس ، ومن زعم أن النسا ~~اتفقوا على الخطأ في ذلك ، فهو أولي بالخطأ منهم ، ولولا جواز الاعتماد على ~~ذلك لتعطل كثير من المصالح المتعلقة بها . قال : وكتب الحديث أولي بذلك من ~~كتب الفقه وغيرها ، لاعتنائهم بضبط النسخ وتحريرها ، فمن قال : إن شرط . ~~PageV01P255 التخريج من كتاب يتوقف على اتصال السند ، فقد خرق الإجماع ) ) ~~. انتهى . * * * # 6 - إذا كان عند العالم الصحيحان # أو أحدهما أو كتاب من السنن موثوق به هل له أن يفتي بما فيه # قال المسند الجليل علم الدين الفلاني في ( ( إيقاظ الهمم ) ) : ( ( قال ~~الإمام ابن القيم : إذا كان عند الرجل الصحيحان أو أحدهما ، أو كتاب من سنن ~~رسول الله موثوق بما فيه فهل له أن يفتي بما يجده فيه ؟ فقالت طائفة من ~~المتأخرين : ليس ( له ) ذلك لأنه قد يكون منسوخا ، أو له معارض ، أو يفهم ~~من دلالته خلاف ما دل عليه أو يكون أمر ندب فيفهم منه الإيجاب ، أو يكون ~~عاما له مخصص ، أو مطلقا له مقيد ، فلا يجوز له العمل به ولا الفتيا حتى ~~يسأل أهل الفقه والفتيا . وقالت طائفة : بل له أن يعمل به ويفتى ، بل متعين ~~عليه كما كان الصحابة يفعلون : إذا بلغهم الحديث عن رسول الله ، وحدث به ~~بعضهم بعضا ، بادروا إلى العمل به من غير توقف ولا بحث عن معارض ، ولا يقول ~~أحد منهم قط : هل عمل بهذا فلان وفلان ، ولو رأوا ذلك لأنكروا عليه أشد ~~الإبكار ؛ وكذلك التابعون ، وهذا معلوم بالضرورة لمن له أدنى خبرة بحال ~~القوم وسيرتهم ، وطول العهد بالسنة ، وبعد الزمان . ولو كانت سنن رسول الله ~~لا يسوغ العمل بها بعد صحتها حتى يعمل بها فلان وفلان ، لكان قول فلان ~~وفلان عيار على السنن ومزكيا لها ، وشرطا في العمل بها وهذا من أبطل الباطل ~~. وقد أقام الله الحجة برسول الله دون آحاد الأمة ، وقد ms183 أمر النبي بتبليغ ~~سننه ، ودعا لمن بلغها ، فلو كان من بلغته لا يعمل بها حتى يعمل بها الإمام ~~فلان ، والإمام فلان لم يكن في تبليغها فائدة وحصل الاكتفاء بقول فلان ~~وفلان . # قالوا : والنسخ الواقع الذي أجمعت عليه الأمة لا يبلغ عشرة أحاديث البتة ~~، بل ولا شطرها فتقدير وقوع الخطأ في الذهاب إلى المنسوخ أقل بكثير في وقوع ~~الخطأ من تقليد من يصيب ويخطئ ، ويجوز عليه التناقض والاختلاف ، ويقول ~~القول ويرجع عنه ، ويحكي PageV01P256 عنه في المسألة الواحدة عدة أقوال ، ~~ووقوع الخطأ في فهم كلام المعصوم أقل بكثير من وقوع الخطأ في فهم كلام ~~الفقيه المعين ، فلا يعرض احتمال خطأ لمن عمل بالحديث وأفتي به إلا وأضعاف ~~أضعافه حاصل لمن قلد من لا يعلم خطأه من صوابه ، والصواب في هذه المسألة ~~التفصيل : فإن كانت دلالة الحديث ظاهرة بينة لكل من سمعه لا يحتمل غير ~~المراد فله أن يعمل به ويفتي به ، ولا يطلب له التزكية من قول فقيه وإمام ~~بل الحجة قول رسول الله ، وإن خالفه من خالفه . وإن كانت دلالة خفية لا ~~يتبين له المراد فيها لم يجز له أن يعمل ولا يفتي بما يتوهمه مرادا حتى ~~يسأل ويطلب بيان الحديث ووجهه ، وإن كانت دلالة ظاهرة كالعام على أفراده ~~والأمر على الوجوب ، والنهي على التحريم ، فهل له العمل والفتوى ؟ يخرج على ~~أصل ، وهو العمل بالظواهر قبل البحث على المعارض ، وفيه ثلاثة أقوال : في ~~مذهب أحمد وغيره الجواز والمنع والفرق بين العام ، فلا يعمل به قبل البحث ~~عن المخصص والأمر والنهي فيعمل به قبل البحث من المعارض ، وهذا كله إذا كان ~~ثم أهلية ولكنه قاصر في معرفة الفروع وقواعد الأصوليين والعربية ، وأما إذا ~~لم يكن ثم أهلية ففرضه ما قال الله : ( ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا ~~تعلمون ) ) . وقول النبي : ( ( ألا اسألوا إذا لم تعلموا ، إنما سفاء العي ~~السؤال ) ) . وإذا جاز اعتماد المستفتي على ما يكتبه المفتي من كلامه وكلام ~~شيخه وإن علا ، فاعتماد الرجل على ما كتبه الثقات من كلام رسول ms184 الله أولي ~~بالجواز ، وإذا قد أنه لم يفهم الحديث كما لو لم يفهم فتوى المفتي ، فيسأل ~~من يعرفه معناه ، كما يسأل من يعرفه معنى جواب PageV01P257 # 7 - هل يجوز الاحتجاج في الأحكام بجميع ما في هذه الكتب # من غير توقف أم لا ؟ وهل تعذر التصحيح في الأزمان المتأخرة أم لا ؟ في ~~الأخوية الفاضلة ما نصه : # ( ( هل يجوز الاحتجاج في الأحكام بجميع ما في هذه الكتب من غير وقفه ونظر ~~أم لا ؟ وعلى الثاني : فما وجه تمييز ما يجوز الاحتجاج به عما لا يجوز ~~الاحتجاج ؟ ) ) . # الجواب : # ( ( لا يجوز الاحتجاج في الأحكام بكل ما في الكتب المذكورة وأمثالها ، من ~~غير تعمق يرشد إلى التمييز ، لما مر أنها مشتملة على الصحاح والحسان ~~والضفاف ، فلا بد من التمييز بين الصحيح لذاته أو لغيره ، والحسن لذاته أو ~~لغيره ، فيحتج به ، وبين الضعيف بأقسامه ، فلا يحتج به . فيأخذ الحسن من ~~مظانه ، والصحيح من مظانه ، ويرجع إلى تصريحات النقاد الذين عليهم الاعتماد ~~، وينتقد بنفسه إن كان أهلا لذلك ، فإن لم يوجد شيء من ذلك توقف فيما هنالك ~~. قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في ( ( فتح الباقي شرح ألفية العراقي ) ) ~~: من أراد الاحتجاج بحديث من السنن أو المسانيد إن كان متأهلا لمعرفة ما ~~يحتج به من غيره ، فلا يحتج به حتى ينظر في اتصال إسناده ، وأحوال رواته ، ~~وإلا فإن وجد أحد من الأئمة صححه أو حسنة ، فله تقليده ، وإلا فلا يحتج به ~~) ) انتهى . # وقال الإمام ابن تيميه في ( ( منهاج السنة ) ) : ( ( المنقولات فيها كثير ~~من الصدق ، وكثير من الكذب ، والمرجع في التمييز بين هذا وبين هذا إلى أهل ~~الحديث ، كما يرجع إلى النحاة في النحو ، ويرجع إلى علماء اللغة في ما هو ~~من اللغة ، وكذلك علماء الشعر والطب وغير ذلك . فلكل علم رجال يعرفون به . ~~والعلماء بالحديث أجل هؤلاء وأعظم قدرا ، وأعظمهم صدقا ، وأعلاهم منزلة ، ~~وأكثرهم دينا ) ) انتهى . # وقال أيضا في موضع آخر : ( ( لو تناظر فقيهان في مسألة من مسائل الفروع ، ~~ولم تقم PageV01P258 الحجة على المناظر إلا بحديث يعلم أنه مسند ms185 إسنادا ~~تقوم به الحجة أو يصححه من يرجع إليه من ذلك ، فإذا لم يعلم إسناده ، ولا ~~أثبته أئمة النقل ، فمن أين يعلم ؟ ) ) انتهى . # وفي خلاصة الطيبي : ( ( أعلم أن الخبر ينقسم إلى ثلاثة أقسام : قسم يجب ~~تصديقه : وهو ما نص الأئمة على صحته ، وقسم يجب تكذيبه : وهو ما نصوا على ~~وضعه ، وقسم يجب التوقف فيه لاحتماله الصدق والكذب ، كسائر الأخبار الكثيرة ~~فإنه لا يجوز أن يكون كله كذبا ، لأن العادة تمنع في الأخبار الكثيرة أن ~~تكون كلها كذبا ، مع كثرة رواتها واختلافهم ، ولا أن تكون كلها صدقا لأن ~~النبي قال : ( ( سيكذب على بعدي ) ) انتهى . # وفي مقدمة ابن الصلاح : ( ( ثم إن الزيادة في الصحيح على ما في الكتابين ~~يتلقاها طالبها عما اشتمل عليه أحد المصنفات المعتمدة المشتهرة لأئمة ~~الحديث : كأبي داود السجستاني ، وأبي عيسى الترمذي ، وأبي عبد الرحمن ~~النسائي ، وأبي بكر بن خزيمة وأبي الحسن الدار قطني وغيرهم منصوصا على صحته ~~فيها ، ولا يكفي في ذلك مجرد كونه موجودا في كتاب أبي داود ، وكتاب الترمذي ~~، وكتاب أبي بكر الإسماعيلي ، وكتاب النسائي ، وسائر من جمع في كتابه بين ~~الصحيح وغيره ، ويكفي مجرد كونه موجودا في كتب من اشترط منهم الصحيح فيما ~~جمعه : ككتاب وغيره ، ويكفي مجرد كونه موجودا في كتب من اشترط منهم الصحيح ~~فيما جمعه : ككتاب ابن خزيمة ، وكذلك ما يوجد في الكتب المخرجة على كتاب ~~البخاري ومسلم ، ككتاب أبي عوانة الاسفرايبني ، وكتاب أبي بكر وغيرهم ) ) ~~انتهى . # وفيه أيضا : ( ( إذا وجدنا فيما يروي من أجزاء الحديث وغيرها حديثا صحيح ~~الإسناد ، ولم نجده في أحد الصحيحين ، ولا منصوصا على صحته في شيء من ~~مصنفات أئمة الحديث المعتمدة المشهورة ، فإننا لا نتجاسر على جزم الحكم ~~بصحته ، فقد تعذر في هذه الأعصار الاستقلال بإدراك الصحيح بمجرد اعتبار ~~الأسانيد ، لأنه ما من إسناد إلا وتجد في رجاله من اعتمد في روايته على ما ~~في كتابه عريا عما يشترط في الصحيح من الحفظ والضبط والإتقان . فآل الأمر ~~إذن في معرفة الصحيح والحسن إلى الاعتماد على ما نص ms186 على عليه أئمة الحديث ~~في تصانيفهم المعتمدة المشهورة التي يؤمن فيها لشهرتها من التغيير والتحريف ~~) ) انتهى . PageV01P259 # وقد اقتفى أثر ابن الصلاح في كل ما ذكره ، من جاء بعده إلا في تعذر ~~التصحيح في الأعصار المتأخرة فخالفه فيه جمع ممن لحقه . فقال العراقي في ~~شرح ألفيته : ( ( لما تقدم أن البخاري ومسلما لم يستوعبا إخراج الصحيح ، ~~فكأنه قيل ، فمن أين يعرف الصحيح الزائد على ما فيهما ؟ فقال : خذه إذ ينص ~~صحته - أي حيث ينص على صحته - إمام معتمد كأبي داود والترمذي والنسائي ~~والدار قطني والبيهقي والخطابي في مصنفاتهم المعتمدة . كذا قيده ابن الصلاح ~~، ولم أقيده ؛ بل إذا صح الطريق إليهم أنهم صححوه ، ولو في غير مصنفاتهم ، ~~أو صححه من لم يشتهر له تصنيف من الأئمة كيحي بن سعيد القطان وابن معين ~~ونحوهما فالحكم كذلك على الصواب ، وإنما قيده ابن الصلاح بالمصنفات لأنه ~~ذهب إلى أنه ليس لأحد في هذه الأعصار أن يصحح الأحاديث ، فلذا لم يعتمد على ~~صحة السند في غير تصنيف مشهور . ويؤخذ الصحيح أيضا من المصنفات المختصة ~~بجمع الصحيح فقط ، كصحيح أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة ، وصحيح أبي حاتم ~~محمد بن حبان البستي المسمى بالتقاسيم والأنواع ، وكتاب المستدرك على ~~الصحيحين لأبي عبد الله الحاكم . وكذلك لم يوجد في المستخرجات على الصحيحين ~~من زيادة ، أو تتمة لمحذوف ، فهو محكوم بصحته ) ) . انتهى . ثم نقل بعد ذلك ~~تعذر الحكم بالصحيح في هذه الأعصار عن ابن الصلاح . انتهى . # وقال ابن جماعة في مختصره بعد ما نقل عن ابن الصلاح التعذر : ( ( قلت مع ~~غلبة الظن إنه لو صح ، لما أهمله أئمة الأعصار المتقدمة ، لشدة فحصهم ~~واجتهادهم ، فإن بلغ واحد في هذه الأعصار أهلية ذلك ، والتمكن من معرفته ~~احتمل استقلاله ) ) انتهى . # وقال النووي في التقريب : ( ( الأظهر عندي جوازه لمن تمكن وقويت معرفته ) ~~) انتهى . وقال السيوطي : ( ( قال العرافي : وهو الذي عليه عمل أهل الحديث ~~، فقد صحح جماعة من المتأخرين أحاديث لم نجد لمن تقدمهم فيها تصحيحا ؛ فمن ~~المعاصرين لابن الصلاح أبو الحسن على بن محمد ms187 ابن عبد الملك بن القطان صاحب ~~كتاب الوهم والإيهام ، صحح فيه حديث ابن عمر أنه كان يتوضأ ونعلاه في رجليه ~~، ويمسح عليهما ويقول : كان رسول الله يفعل ذلك PageV01P260 أخرجه البزار ، ~~وحديث أنس : ( ( كان أصحاب رسول الله ينتظرون الصلاة ، فيضعون جنوبهم فمنهم ~~من ينام ثم يقوم إلى الصلاة ) ) أخرجه قاسم بن أصبغ . ومنهم الحافظ ضياء ~~الدين محمد ابن عبد الواحد المقدسي ، جمع كتابا سماه ( ( المختارة ) ) ~~التزم فيه الصحة وذكر فيه أحاديث لم يسبق إلى تصحيحها . ( ( وصحح الحافظ ~~زكي الدين المنذري حديث يونس عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة في ~~غفران ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، ولم يزل ذلك دأب من بلغ أهليه ذلك ) ) . ~~انتهى . # ثم قال : ( ( الحاصل أن ابن الصلاح سد باب التصحيح والتحسين والتضعيف على ~~أهل هذه الأزمان لشفع أهليتهم ، وإن لم يوافق على الأول ، ولا شك أن الحكم ~~بالوضع أولي بالمنع مطلقا ، إلا حيث لا تخفي كالأحاديث الطوال الركيكة ، ~~وإلا ما فيه مخالفة للعقل أو الإجماع . وأما الحكم للحديث بالتواتر والشهرة ~~في يمتنع إذا وجدت الطرق المعتبرة ) ) انتهى . * * * # 8 - الاهتمام بمطالعة كتب الحديث # قال العارف الشعراني قدس سره في عهوده الكبرى : ( ( أخذ عليها العهد ~~العام من رسول الله ، أن لا نمل من كثرة تعلمنا العلم والعمل به . لكون ~~شربنا من حوض نبينا يكون بقدر تضلعنا من الشريعة ، كما أن مشينا على الصراط ~~يكون بحسب استقامتنا بالعمل بها ، فالحوض علوم الشريعة ، والصراط أعمالها ) ~~) . ثم قال : ( ( فاجتهد يا أخي في حفظ الشريعة ولا تغفل . وعليك بكتب ~~الحديث فطالعها لتعرف منازع الأئمة ، وماذا استندوا إليه من الآيات ~~والأحاديث والآثار ولا تقنع بكتب الفقه دون معرفة أدلتها ) ) . انتهى . ~~PageV01P261 # 9 - ذكر أرباب الهمة الجليلة في قراءتهم كتب الحديث في أيام قليلة # ذكر في ترجمة المجد الفيروز أبادي صاحب القاموس أنه قرأ صحيح مسلم في ~~ثلاثة أيام بدمشق وأنشد : # ( قرأت بحمد الله جامع مسلم % بجوف دمشق السام جوف لإسلام ) # ( على ناصر الدين الإمام بن جهبل % بحضرة حفاظ مشاهير أعلام ) # وتم بتوفيق ms188 الإله وفضله % قراءة ضبط في ثلاثة أيام ) # وقرأ الحافظ أبو الفضل العراقي صحيح مسلم على محمد بن إسماعيل الخباز ~~بدمشق في ستة مجالس متوالية ، قرأ في آخر مجلس منها أكثر من ثلث الكتاب ، ~~وذلك بحضور الحافظ زين الدين بن رجب وهو يعارض بنسخته . وفي تاريخ الذهبي ~~في ترجمة إسماعيل ابن أحمد الحيري النيسابوري الضرير ما نصه : ( ( وقد سمع ~~عليه الخطيب البغدادي بمكة صحيح البخاري بسماعه من الكشميهي في ثلاثة مجالس ~~: اثنان منها في ليلتين كان يبتدئ بالقراءة وقت المغرب ويختم عند صلاة ~~الفجر ، والثالث من ضحوة النهار إلى طلوع الفجر . ) ) قال الذهبي : ( ( ~~وهذا شيء لا أعلم أحدا في زماننا يستطيعه ) ) انتهى . # وقال الحافظ السخاوي ( ( وقع لشيخنا الحافظ ابن حجر أجل مما وقع لشيخه ~~المجد اللغوي ، فإنه قرأ صحيح البخاري في أريعين ساعة رملية ، وقرأ صحيح ~~مسلم في أربعة مجالس سوى مجلس الختم في يومين وشيء ، وقرأ سنن ابن ماجه في ~~أربعة مجالس ، وقرأ كتاب النسائي الكبير في عشرة مجالس ، كل مجلس منها نحو ~~أربع ساعات ، وقرأ صحيح البخاري في عشرة مجالس كل مجلس منها أربع ساعات ) ) ~~. ثم قال السخاوي : ( ( وأسرع شيء وقع له - أي لابن حجر - أنه قرا في رحلته ~~الشامية معجم الطبراني الصغير في مجلس واحد بين صلاتي الظهر والعصر . قال : ~~وهذا الكتاب في مجلد يشتمل على نحو ألف حديث وخمسمائة حديث ) ) انتهى . ~~PageV01P262 # والعبد الضعيف ، جامع هذا الكتاب ، قدمن الله عليه بفضله ، فأسمع صحيح ~~مسلم رواية ودراية في مجالس من أربعين يوما ، آخرها في 28 من شهر صفر الخير ~~سنة ( 1316 ) وأسمع أيضا سنن ابن ماجه كذلك في مجالس من إحدى وعشرين يوما ~~آخرها في 22 من شهر ربيع الأول سنة ( 1316 ) وأسمع أيضا الموطأ كذلك مجالس ~~من تسعة عشر يوما آخرها في 15 من شهر ربيع الآخر سنة ( 1316 ) ، وطالعت ~~بنفسي لنفسي ( ( تقريب التهذيب ) ) للحافظ ابن حجر ، مع تصحيح سهو القلم ~~فيه ، وضبطه وتحشيته من نسخة مصححة جدا ، في مجالس من عشرة أيام آخرها في ~~18 من شهر ms189 ذي الحجة سنة ( 1315 ) . أقول : وهذه الكتب ، قرأتها بإثر بعضها ~~، فأجهدت نفسي وبصرى حتى رمدت ، بأثر ذلك شفاني الله بفضله ، وأشفقت من ~~العود إلى مثل ذلك ، وتبين أن الخيرة في الاعتدال ! نعم ، لا ينكر أن بعض ~~النفوس لا تتأثر بمثل ذلك ، لقوة حواسها ؛ وللإنسان بصيرة على نفسه وهو ~~أدري بها ! * * * # 10 - قراءة النحاري لنازلة الوباء # نقل القسطلاني ، رحمه الله تعالى ، شارح البخاري ، في مقدمة شرحه عن ~~الشيخ أبي محمد عبد الله بن أبي جمرة ، قال : ( ( قال لي من العارفين ، عمن ~~لقيه من السادة المقر لهم : إن صحيح البخاري ما قرئ في شدة إلا فرجت ، ولا ~~ركب به مركب فغرقت ) ) . انتهى . # وقد جرى على العمل بذلك كثير من رؤساء العلم ، ومقدمي الأعيان ، إذا ألم ~~بالبلاد نازلة مهمة ، فيوزعون أجزاء الصحيح على العلماء والطلبة ، ويعينون ~~للختام يوما يفدون فيه لمثل الجامع الأموي ، أمام المقام اليحيوي في دمشق ~~وفي غيرها ، كما يراه مقدموها ، وهذا العمل ورثه جيل عن جيل ، مذ انتشار ~~ذاك القول وتحسين الظن بقائله ، بل كان ينتدب بعض المقدمين إلى قراءته ~~موزعا ، ثم ختمه اجتماعا لمرض والى بلدة أو عظيم من عظمائها مجانا أو ~~بجائزة ، بل قد يستأجر من يقرؤه لخلاص وجيه من سجن ، أو شفائه من مرض ، على ~~النحو المتقدم ، اعتقادا ببركة هذا الصحيح ، وتقليدا لمن مضى ، ووقوفا مع ~~ما مر عليه PageV01P263 قرون ، وصقله العرف ، وفي ذلك من تمكين الإعتقاد ~~بصحيح البخاري والركون إليه ، والحرص عليه ، ما لا يخفي . ولم يكن يخطر لي ~~أن يناقش أحد في هذا العمل ، ويزيفة بمقالة رنانة ، تطبع وتنشر ! نعم ربما ~~يوجد من ينكر ذلك بقلبه ؛ أو يشافه به خاصته ، والله أعلم بالضمائر ! ~~ولغرابة تلك المقالة آثرت نقلها بحروفها ؛ ليحيط الواقف علما بما وصلت إليه ~~حرية الأفكار . وتلك المقالة قدمها أحد الفضلاء الأزهربين في جمادي الآخر ~~سنة ( 1320 ) لإحدي المجلات العلمية في مصر ، فنشرتها عنه ، وهاكها بحروفها ~~تحت عنوان : # بماذا دفع العلماء نازلة الوباء ؟ # دفعوها يوم الأحد الماضي في الجامع الأزهر ، بقراءة متن البخاري موزعا ms190 ~~كراريس على العلماء وكبار المرشحين للتدريس ، في نحو ساعة ، جريا على ~~عادتهم من إعداد هذا المتن أو السلاح الجبري ، لكشف الخطوب ، وتفريج الكروب ~~، فهو يقوم عندهم في الحرب مقام المدفع والصرام والأسل ، وفي الحريق مقام ~~المضخة والماء ، وفي الهيضة مقام الحيطة الصحيحة وعقاقير الأطباء ، وفي ~~البيوت مقام الخفراء والشرطة ، وعلى كل حال ، هو مستنزل الرحمات ، ومستقر ~~البركات ، ولما كان العلماء أهل الذكر ، والله يقول : ( ^ فاسألوا أهل ~~الذكر إن كنتم لا تعلمون ) ، فقد جئت أسألهم بلسان كثير من المسترشدين من ~~مأخذ هذا الدواء من كتاب الله ، أو صحيح سنة رسول الله ، أو رأى مستدل عليه ~~لأحد المجتهدين الذين يقلدونهم إن كانوا قد أتوا هذا العمل على أنه ديني ~~داخل في دائرة المأمور به ، وإلا فعن أي حذاق الأطباء تلقوه ، ليتبين للناس ~~منه أو من مؤلفاته عمل تلاوه متن البخاري في درء الهيضة عن الأمة . وأن هذا ~~داخل في نواميس الفطرة ، أو خارج عنها ، خارق لها . وإذا كان هذا السر ~~العجيب جاء من جهة أن المقروء حديث نبوي ، فلم خص بهذه المزية مؤلف البخاري ~~، ولم لم يجز في هذا موطأ مالك وهو أعلى كعبا ، وأعرق نسبا ، وأغزر علما ، ~~ولا يزال مذهبه حيا مشهورا ، وإذا جروا على أن الأمر من وراء الأسباب ، فلم ~~لا يقرؤه العلماء لدفع ألم الجوع ، كما يقرأونه لإزالة المغص أو ~~PageV01P264 القيء أو الإسهال ، حتى تذهب شحناء الجراية من صدور كثير من ~~أهل العلم ( أي من أهل جامع الأزهر ) وعلى هذا القياس يقرأ لكل شيء ، ما ~~دامت العلاقة بين الشيء وشببه مفصومة فإن لم يستطيعوا عزو هذا الداء إلى ~~نطاس الأطباء ، سألت الملم منهم بالتاريخ أن يرشدنا إلى من سن هذه السنة في ~~الإسلام ، وهل قرئ البخاري لدفع الوباء قبل هذه المرة ، فإنا نعلم أنه قرئ ~~للعرابيين في واقعة التل الكبير ( أي في مصر ) فلم يلبثوا أن فشلوا ، ~~ومزقوا شر ممزق ، ونعلم أنه يقرأ في البيوت لتأمن الحريق والسرقة ، ولكن ~~بأجر ليس شيئا مذكورا في جانب أجر شركة التأمين المعروفة ms191 ، مع أن الناس ~~يتسابقون إليها تسابقهم إلى شراء الدواء إذا نزل الداء ، ويعدلون عن ~~الوقاية التي نحن بصددها ، وهي تكاد تتكون بالمجان ويجدون في نفوسهم ~~أطمئنانا لذلك ، دون هذه ، فإن لم يجد العلماء عن هذه المسألة إجابة شافية ~~، خشيت - كما يخشى العقلاء ، حملة الأقلام - عليهم حملة تسقط الثقة بهم ، ~~حتى من نفس العامة ، وحينئذ تعف الفوضى الدينية المتوقعة - من ضعف الثقة ، ~~واتهام العلماء بالتقصير ، وكون أعمالهم حجة على الدين . هذا وقد لهج الناس ~~بآراء على أثر الاجتماع الهيضي الأزهري ؛ فمن قائل : إن العلماء المتأخرين ~~من عادتهم أن يهربوا في مثل هذه النوازل من الأخذ بالأسباب والاصطبار على ~~تحملها ، لمشقتها الشديدة ، ويلجأون إلى ما وراء الأسباب من خوارق العادات ~~، لسهولته ولإيهام العامة أنهم مرتبطون بعالم أرقي من هذا العالم المعروف ~~النظام ، فيكسبون الراحة والاحترام معا ، فيظهرون على الأمة ظهور إجلال ، ~~ويمتكلون قلوبهم ، ويسيطرون على أروحهم ، ولهذا تمكثوا حتى فترت شرة الوباء ~~، فقرأوا تميمتهم ، ليوهموا أن الخطر إنما زال ببركة تميمتهم ، وطالع يمنهم ~~، ومن قائل : إنهم يخدعون أنفسهم بمثل هذه الأعمال بدليل أن من يصاب منهم ~~لا يعالج مرضه بقراءة كراسة من ذلك الكتاب ، بل يعمد إلى المجربات من ~~النعنع والخل وماء البصل وما شابه ، أو يلجأ إلى الطبيب ، لا تلتفت نفسه ~~إلى الكراسة التي يعالج بها الأمة ! فهذا يدل على أن القوم يعملون على خلاف ~~ما في وجدانهم لهذه الأمة ، خادعين أنفسهم بتسليم أعمل سلفهم . ومن قائل : ~~إن عدوا من أعداء الدين الإسلامي أراد أن يشكك المسلمين فيه ، فدخل عليهم ~~من جهة تعظيمه PageV01P265 فأوحى إلى قوم من متعالمية السابقين أن يعظموا ~~من شأنه ، ويرفعوا من قدرة ، حتى يجعلوه فوق ما جاءت له الأديان ، فيدعون ~~كشف نوائب الأيام ، بتلاوة أحاديث خير الأيام ، ويروجون ما يقولون بأنه جرب ~~، وأن من شك فيه فقد طعن في مقام النبوة ، حتى إذا رسخت هذه العقيدة في ~~الناس ، وصارت ملكة دينية راسخة عند العوام ، وجربوها فلم تفلح ، وقعوا - ~~والعياذ بالله ! في الشك ، وأصابهم دوار الحيرة ؛ كما حصل ms192 ذلك على أثر ~~واقعة التل الكبير من كثير من الذين لم يتذوقوا الدين من المسلمين ، حتى ~~كانوا يسألون عن قوة ( ( البخاري ) ) الحربية ! ونسبته إلى البوارج ساخرين ~~منه ومن قارئة ! ولولا وقوف أهل الفكر منهم على أن هذا العمل ليس من الدين ~~، وأن القرآن يقول : ( ^ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ) ~~لضلوا وأضلوا . وقد جرأ هذا الأمر غير المسلمين على الخوض في الدين ~~الإسلامي ، وإقامة الحجة على المسلمين من عمل علمائهم ، ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله . ويقول قوم : إن التقليد بلغ بالعلماء مبلغا حرم على العقول ~~النظر في علم السلف ، وإن كذبته العينان ، وخالف الحسن والوجدان . ويقول ~~آخرون : - ممن لا خبرة لهم بهمة العلماء في مثل هذه الكوارث - أما كان ~~ينبغي لهم أن ينبثوا في المساجد والأبدية والولائم ، حاثين الناس على ~~الوقاية من العدوى ، معاضدين الحكومة في تسكين سورة الأهلين ، مفاوضين ~~الصحة في فتح المساجد وتعهدها بالنظافة ؟ فإن هذا يرتبط بهم أكثر مما يرتبط ~~بوفد أعيان القاهرة ، جزاه الله خير الجزاء ، فإن أعوزهم البيان ، وخلت ~~القلوب بذلاقة اللسان ، فلا أقل من أن يؤلفوا رسالة في فهم ما ورد متشابها ~~في موضوع العدوى ، حتى يعلم الناس أن الوقاية من الداء مأمور بها شرعا ~~وعقلا وسياسة ، فيكون كل فرد عارف عضدا للحكومة ، ولو طلبوا من الصحة طبع ~~ما ألفوا وتوزيعه على المصالح والنواحي ، للبت ذلك شاكره ، وكان لهم الأثر ~~النافع . # ( ( وهذا ما يقوله القوم في شأن علمائهم ، نرفعه إليهم ليكونوا على بينه ~~منه ، لأنهم لا يختلطون بالناس غالبا إلا في الولاثم والمآثم ، وإن اختلطوا ~~فقلما يناقشونهم في شيء تحرزا PageV01P266 من حدتهم في المناقشة ، ورميهم ~~مناظرهم لأول وهلة بالزيغ والزندقة ؛ فلذلك يجاملونهم ويوافقونهم خشية ~~الهجر والمعاندة . أما أنا فإني لا أزال ألح في طلب الجواب الشافي عن أصل ~~دفع الوباء بقراءة الحديث ، وعن منح متن البخاري مزية لم يمنحها كتاب الله ~~الذي نعتقد أنه متعبد بتلاوته دون الحديث ؛ ولو كان هذا العمل من غير ~~العلماء الرسميين لضربت عنهم وعن عملهم ms193 صفحا ، ولما خططت كلمة ، ولكنه من ~~علماء لهم مراكز رسمية ، يزاحمون بها مراكز الأمراء ، فيجب أن يؤبه لهم ، ~~وأن ينظر لعملهم بإزاء مركزهم من الأمة التي يسألون عنها ، والله ولي ~~التوفيق ) ) . # هذا ما رأيته ، أثبته بحروفه ، وقد وقع منشئها بإمضار ( متنصح ) ، ولو ~~عرفنا اسمه لنسبناه إليه أداء للأمانة إلى أهلها . # ثم رأيت العلامة عصام الدين الطاشكبري الحنفي ذكر في رسالة ( ( الشفاء ، ~~لأدواء الوباء ) ) في المطلب السادس نقلا عن السيوطي أن الدعاء يرفع ~~الطاعون والاجتماع له بدعة ، قال : ( ( لأنه وقع في أيام عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه ، والصحابة يومئذ متوافرون ، وأكابرهم موجودن ، فلم ينقل عن أحد ~~منهم أنه فعل شيئا من ذلك ، ولا أمر به . وكذا في القرن الثاني ، وفيه خيار ~~التابعين وأتباعهم ؛ وكذا في القرن الثالث والرابع . وإنما حدث الدعاء ~~برفعه في الزمن الأخير ، وذلك في سنة 749 ) ) . PageV01P267 $ الباب ~~العاشرة في فقه الحديث # 1 - بيان أقسام ما دون في علم الحديث # قال الإمام ولي الله الدهلوي ، قدس سره في الحجة البالغة ما نصه ، ( ( ~~أعلم أن ما روى عن النبي ، ودون في كتب الحديث على قسمين : # ( ( أحدهما : ما سبيله سيبل تبليغ الرسالة ، وفيه قوله تعالى : ( ^ وما ~~آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا . ) ) منه علوم المعاد ، وعجائب ~~المكوت ، وهذا كله مستند إلى الوحي ومنه شرائع وضبط للعبادات ، والارتفاقات ~~، وهذه بعضها مستند إلى الوحي ، وبعضها مستند إلى الاجتهاد ، واجتهاده ~~بمنزلة الوحي ، لأن الله تعالى عصمه من أن يتقرر رأيه على الخطأ ، وليس يجب ~~أن يكون اجتهاده استنباطا من المنصوص ، كما يظن ، بل أكثره أن يكون علمه ~~الله تعالى مقاصد الشرع ، وقانون التشريع والتيسير والأحكام ؛ فببين ~~المقاصد المتلقاة بالوحي بذلك القانون . ومنه حكم مرسلة ومصالح مطلقة لم ~~يوقتها ، ولم يبين حدودها ، كبيان الأخلاق الصالحة وأضدادها ، ومتندها ~~غالبا الاجتهاد ، بمعنى أن الله تعالى علمه قوانين ، الارتفاقات ، فاستنبط ~~منها حكمه وجعل فيها كلية . ومنه فضائل الأعمال ، ومناقب العمال ؛ وأرى أن ~~بعضها مستند إلى الوحي ، وبعضها إلى الاجتهاد ، وهذا القسم هو الذي نقصد ~~شرحه وبيان ms194 معانيه . PageV01P269 وثانيهما : ما ليس من باب تبليغ الرسالة ، ~~وفيه قوله : ( ( إنما أنا بشر ، إذا أمرتكم بشيء من دينكم ، فخذوا به ، ~~وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر ) ) وقوله في قصة تأبير النخل : ( ( ~~فإني إنما ظننت ظنا ، ولا تؤاخذوني بالظن ، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا ~~فخذوا به ، فإني أكذب على الله . ) ) فمنه الطب ومنه باب قوله : ( ( عليكم ~~بالأدهم الأقرح ) ) ومستنده التجربة ، ومنه ما فعله النبي على سبيل العادة ~~، دون العبادة ، وبحسب الاتقان ، دون القصد ، ومنه ما ذكره كما كان يذكر ~~قومه ، كحديث أو زرع ، وحديث خرافة ، وهو قول زيد بن ثابت ، حيث دخل عليه ~~نفر ، فقالوا : حدثنا أحاديث رسول الله ، قال : كنت جاره ، فكان إذا نزل ~~عليه الوحي ، بعث إلى فكتبته له ، فكنا إذا ذكرنا الدنيا ، ذكرها معنا ، ~~وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا ، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا ، وكل هذا ~~أحدثكم عن رسول الله ، ومنه ما قصد به مصلحة جزئية يومئذ ، وليس من الأمور ~~اللازمة لجميع الأمة ، وذلك مثل ما يأمر به الخليفة من تعبئة الجيوش ، ~~وتعيين الشعار ، وهو قول عمر رضي الله عنه : ( ( ما لنا واللرمل ، كنا ~~نتراءى به قوما قد أهلكهم الله ! ) ) ثم خشى أن يكون له سبب آخر ، وقد حمل ~~كثير من الأحكام عليه كقوله : ( ( من قتل قتيلا فله سلبه ) ) . ومنه حكم ~~وقضاء خاص ، وإنما كان يتبع فيه البينات والأيمان ، وهو قوله PageV01P270 # 2 - بيان كيفية تلقي الأمة الشرع من النبي # قال ولي الله قدس سره أيضا في الحجة البالغة : ( ( وأعلم أن تلقي الأمة ~~منه الشرع على وجهين : # أحدهما : تلقي الظاهر ، ولا بد أن يكون ما ينقل إما متواترا ، أو غير ~~متواتر ؛ والمتواتر منه المتواتر لفظا كالقرآن العظيم ، وكنبذ يسيره من ~~الأحاديث ، منها قوله : ( ( إنكم سترون ربكم ) ) ، ومنه المتواتر معنى ~~ككثير من أحكام الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج والبيوع والنكاح ~~والغزوات مما لم يختلف فيه فرقة من فرق الإسلام . وغير المتواتر ، أعلى ~~درجاته المستفيض : وهو ما رواه ثلاثة من الصحابة فصاعدا ، ثم لم يزل يزيد ~~الرواة إلى ms195 الطبقة الخامسة ، وهذا قسم كثير الوجود ، وعليه بناء رءوس الفقه ~~. ثم الخبر المقضى له بالصحة أو الحسن على ألسنه حفاظ المحدثين وكبرائهم . ~~ثم أخبار فيها كلام قبلها بعض ، ولم يقبلها آخرون ؛ فما اعتضد منها ~~بالشواهد أو قول أكثر أهل العلم أو العقل الصريح ، وجب اتباعه . # وثانيهما : التلقي دلالة ، وهي أن يرى الصحابة رسول الله يقول أو يفعل ، ~~فاستنبطوا من ذلك حكما من الوجوب وغيره ، فأخبروا بذلك الحكم ، فقالوا : ~~الشيء الفلاني واجب ، وذلك الآخر جائز ، ثم تلقي التابعون من الصحابة كذلك ~~، فدون الطبقة الثالثة فتاواهم وقضاياهم ، وأحكموا الأمر ، وأكابر هذا ~~الوجه عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم ، لكن كان من سيرة عمر ~~( رض ) أنه كان يشاور الصحابة ويناظرهم حتى تنكشف الغمة . ويأتيه الثلج ، ~~فصار غالب قضاياه وفتاواه متبعة في مشارق الأرض ومغاربها وهو قول إبراهيم ~~لما مات عمر رضي الله عنه : ( ( ذهب تسعة أعشار العلم ) ) ، وقول ابن مسعود ~~رضي الله عنه : كان عمر إذا سلك طريقا وجدناه سهلا ، وكان علي رضي الله عنه ~~لا يشاور PageV01P271 غالبا ، وكان أغلب قضاياه بالكوفة ولم يحملها عنه ~~الناس ) ) وكان ابن مسعود رضي الله عنه بالكوفة ، فلم يحمل عنه غالبا إلا ~~أهل تلك الناحية ، وكان ابن عباس رضي الله عنهما اجتهد بعد عصر الأولين ، ~~فناقضهم في كثير من الأحكام ، واتبعه في ذلك أصحابة من أهل مكة ، ولم يأخذ ~~بما تفرد به جمهور أهل الإسلام . وأما غير هؤلاء الأربعة فلم يكن لهم قول ~~عند تعارض الأخبار ، وتقابل الدلائل إلا قليلا ، وكابن عمر وعائشة وزيد بن ~~ثابت رضي الله عنه ، وأكابر هذا الوجه من التابعين بالمدينة الفقهاء السبعة ~~، لا سيما ابن المسيب بالمدينة ، وبمكة عطاء بن أبي رباح ، وبالكوفة ~~إبراهيم وشريح والشعبي ، وبالبصرة الحسن ، وفي كل من الطريقتين خلل ، إنما ~~ينجبر بالأخرى ، ولا غني لإحداهما عن صاحبتها أما الأولى فمن خللها ما يدخل ~~الرواية بالمعني ، من التبديل ولا يؤمن من تغيير المعنى ومنه ما كان الأمر ~~في واقعة خاصة ، فطنه الراوي حكما كليا ، ومنه ما ms196 أخرج فيه الكلام مخرج ~~التأكيد ليعضوا عليه بالنواخذ ، فظن الراوي وجوبا أو حرمه ، وليس الأمر على ~~ذلك ، فمن كان فقيها وحضر الواقعة ، استنبط من القرائن حقيقة الحال كقول ~~زيد رضي الله عنه في النهي عن المزارعة ، وعن بيع الثمار قبل أن يبدو ~~صلاحها إن ذلك كان كالمشورة . وأما الثانية فيدخل فيها قياسات الصحابة ~~والتابعين ، واستنباطهم من الكتاب والسنة ، وليس الاجتهاد مصيبا في جميع ~~الأحوال ، وربما كان لم يبلغ أحدهم الحديث ، أو بلغة بوجه لا ينتهض بمثله ~~الحجة ، فلم يعمل به ، ثم ظهر جلية الحال على لسان صحابي آخر بعد ذلك كقول ~~عمر وابن مسعود رضي الله عنهما في التيمم عن الجنابة . وكثيرا ما كان اتفاق ~~رءوس الصحابة رضي الله عنهم على شيء من قبل دلالة العقل على أرتفاق وهو ~~قوله ، ( ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ) ) وليس من أصول ~~الشرع ، فمن كان متبحرا في الأخبار وألفاظ الحديث يتيسر له التقصي عن مزال ~~الأقدام ، ولما كان الأمر كذلك وجب على الخائض في الفقه أن يكون متضلعا من ~~كلا المشربين ، ومتبحرا في كلا PageV01P272 المذهبين ، وكان أحسن شعائر ~~الملة ما أجمع عليه جمهور الرواة وحملة العلم ، وتطابق فيه الطريقتان جميعا ~~) ) . انتهى . * * * # 3 - بيان أن السنة حجة على جميع الأمة وليس عمل أحد حجة عليها # قال الله تعالى : ( ^ وما آتاكم الرسول فخذوه ، وما نهاكم عنه فانتهوا ) ~~) . وقال تعالى : ( ^ وما ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحي . ) ) وقال ~~تعالى : ( ^ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ~~) ) وقال تعالى : ( ^ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ، لمن كان يرجو ~~الله واليوم الآخر ) . وقال تعالى ( ^ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما ~~شجر بينهم ، ثم لا يجدوا وفي أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) . وقال ~~تعالى : ( ^ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ، إن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر ) . قال العلماء : معناه : إلى الكتاب والسنة ؛ وقال ~~تعالى ( ^ من يطع الرسول فقد أطاع الله ) وقال تعالى : ( ^ وإنك لتهدي إلى ~~صراط ms197 مستقيم ، صراط الله ) وقال تعالى : ( ^ فليحذر الذين يخالفون عن أمره ~~أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب اليم ) وقال تعالى ( ^ واذكرن ما يتلى في ~~بيوتكن من آيات الله والحكمة ) . PageV01P273 # والآيات في ذلك كثيرة ، وقد ساقها مع عدة أحاديث في معناها الإمام النووي ~~قدس الله سره ، في باب المر بالمحافظة على السنة وآدابها من ( ( رياض ~~الصالحين ) ) فارجع إليه . # وقد روى البيهقي عن الربيع بن سليمان يقول : سمعت الشافعي يقول : إذا ~~وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله فقولوا بسنة رسول الله ، ودعوا ما قلت . ~~فهذا مذهبة في اتباع السنة . وأخرج البيهقي أيضا عن الشافعي قال : إذا حدث ~~الثقة عن الثقة حتى ينتهي إلى رسول الله ، فهو ثابت عن رسول الله ، ولا ~~يترك لرسول الله حديث أبدا إلا حديث وجد عن رسول الله حديث يخلفه . وقال ~~الشافعي : إذا كان الحديث عن رسول الله لا مخالف له عنه ، وكان يروي عمن ~~دون رسول الله حديث يوافقه ، لم يزده قوة . وحديث النبي مستغن بنفسه ، وإن ~~كان يروي عمن دون رسول الله حديث يخلفه لم يلتفت إلى ما خالفه ، وحديث رسول ~~الله أولي أن يؤخذ بهن ولو علم من روي عنه خلاف سنة رسول الله أتبعها إن ~~شاء الله تعالى . # وأخرج البيهقي أيضا عن الربيع قال : قال الشافعي في أقاويل أصحاب رسول ~~الله : إذا تفرقوا فيها ، نصير إلى ما وافق الكتاب والسنة والإجماع أو كان ~~أصح في القياس . وإذا قال الواحد منهم القول لا يحفظ عن غيره منهم فيه له ~~موافقة ، ولا خلاف ، صرت إلى اتباع قول واحدهم إذا لم أجد كتابا ولا سنة ~~ولا إجماعا ولا شيئا في معناه يحكم له بحكمه ، أو وجد معه قياس . # وأخرج أيضا عن الربيع قال : قال الشافعي : ما كان الكتاب والسنة موجودين ~~، فالعذر على من سمعها مقطوع إلا باتباعهما ، فإذا لم يكن ذلك صرنا إلى ~~أقاويل أصحاب النبي ، أو واحدهم . ثم كان قول الأئمة أبي بكر وعمر وعثمان ~~رضي الله عنهم ، إذا صرنا إلى التقليد أحب إلينا ، وذلك إذا ms198 لم نجد دلالة ~~في الاختلاف تدل على أقرب الاختلاف PageV01P274 من الكتاب والسنة ، فنتبع ~~القول الذي منه الدلالة ، لأن قول الإمام مشهور بأنه يلزم الناس ، ومن لزم ~~قول الناس كان أشهر من يفتى الرجل والنفر ، وقد يأخذ بفتياه أو يدها وأكثر ~~المفتين يفتون الخاصة في بيوتهم ومجالسهم ، ولا تعني العامة بما قالوا ~~اعتناءهم بما قال الإمام . وقد وجدنا الأئمة يبتدئون فيسألون عن العلم من ~~الكتاب والسنة فيما أرادوا أن يقولوا فيه ، ويقولون فيخبرون بخلاف قولهم ، ~~فيقبلون من المخبر . ولا يستنكفون أن يرجعوا لتقواهم الله ، وفضلهم في ~~حالاتهم ، فإذا لم يوجد عن الأئمة فأصحاب رسول الله في الدين في وضع ~~الأمانة ، أخذنا بقولهم وكان اتباعهم أولي بنا من اتباع من بعدهم ، قال : ~~والعلم طبقات : الأولى : الكتاب والسنة ، إذا ثبتت السنة ، ثم الثانية : ~~الإجماع فيما ليس فيه كتاب ولا سنة ، والثالثة : أن يقول بعض أصحاب النبي ~~ولا يعلم له مخالف منهم . والرابعة : اختلاف أصحاب النبي ، والخامسة القياس ~~على هذه الطبقات ولا يصار إلى شيء غير الكتاب والسنة وهما موجودان ، وإنما ~~يؤخذ العلم من أعلى . وذكر الشافعي في كتاب الرسالة القديمة بعد ذكر ~~الصحابة والثناء عليهم بما هم أهله قال : وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع ~~وعقل وأمر استدرك به علم ، أو استنبط به ، وآراؤهم لنا أحمد ، وأولي بنا من ~~آرائنا عندنا لأنفسنا . والله تعالى أعلم . ومن أدركنا ممن أراضي أو حكى ~~لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا لرسول الله فيه سنة إلى قولهم إن ~~اجتمعوا وقول بعضهم إن تفرقوا ، هكذا نقول : إذا اجتمعوا أخذنا بإجماعهم ، ~~وإن قال واحد منهم ولم يخالفه غيره أخذنا بقوله ، وإن اختلفوا أخذنا بقول ~~بعضهم ولم نخرج من أقاويلهم كلهم . قال الشافعي : إذا قال الرجلان منهم في ~~شيء قولين مختلفين نظرت ، فإن كان قول أحدهما أشبه بكتاب الله تعالى أو ~~أشبه بسنه من سنن رسول الله ، أخذت به لأن معه شيئا يقوى بمثله ليس مع الذي ~~يخالف مثله ، فإن لم يكن على واحد من القولين دلالة بما ms199 وصفت ، كان قول ~~الأئمة أبي بكر أو عمر أو عثمان رضي الله عنهم أرجح عندنا من أحد ، لو ~~خالفهم غير إمام . وذكر في موضع آخر من هذا الكتاب وقال : وإن لم يكن على ~~القول دلالة من كتاب أو سنة كان قول أبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي رضي ~~الله عنهم أرجج عندنا من أحد ، لو خالفهم غير إمام . وذكر في موضع آخر من ~~هذا الكتاب وقال : وإن لم يكن على القول دلالة من كتاب أو سنة كان قول أبي ~~بكر أو عمر عثمان أو علي رضي الله عنهم أحب PageV01P275 إلى أن أقول بهن من ~~قول غيرهم إن خالفهم ، من قبل أنهم أهل علم وحكام . ثم ساق الكلام إلى أن ~~قال : فإن اختلف الحكام ، استدللنا بالكتاب والسنة في اختلافهم ، فصرنا إلى ~~قول الذي عليه الدلالة من الكتاب والسنة ، وقلما يخلوا اختلافهم من دلائل ~~كتاب أو سنة ؛ وإن اختلف المفتون - يعني من الصحابة بعد الأئمة - بلا دلالة ~~فيما اختلفوا فيه نظرنا إلى الأكثر فإن تكافأ نظرنا إلى أحسن أقاويلهم ~~مخرجا عندنا ، وإن وجدنا للمفتين في زماننا وقبله إجماعا في شيء لا يختلفون ~~فيه تبعناه ، وكان أحد طرق الأخبار الأربعة وهي : كتاب الله تعالى ، ثم سنة ~~نبيه ، ثم قول بعض الصحابة ، ثم إجماع الفقهاء ؛ فإذا نزلت نازلة لم يجد ~~فيها واحدة من هذه الأربعة الأخبار ، فليس السبيل في الكلام في النازلة إلا ~~اجتهاد الرأي . # وقال شمس الدين ابن القيم في أعلام الموقعين : ( ( قال الأصم : أخبرنا ~~الربيع بن سليمان قال الشافعي : أنا أعطيك جملة تغنيك إن شاء الله تعالى : ~~لا تدع لرسول الله حديثا أبدا غلا أن يأتي عن رسول الله حديث خلافه ، فتعمل ~~بما قررت لك في الأحاديث إذا اختلف . وقال أبو محمد الجارودي : سمعت الربيع ~~يقول : سمعت الشافعي يقول : إذا وجدتم سنة محمد رسول الله خلاف قولي ، فإني ~~أقول به . قال أحمد بن عيسى بن ماهان الرازي : سمعت الربيع يقول : سمعت ~~الشافعي يقول : كل مسألة فيها صح الخبر عن رسول ms200 الله عند أهل النقل بخلاف ~~ما قلت فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي . وقال حرملة بن يحي : قال ~~الشافعي ما قلت وكان النبي قد قال بخلاف قولي ، فما صح من حديث النبي أولي ~~، ولا تقلدوني . وقال الحميدي : سأل رجل الشافعي عن مسألة ، فأفتاه وقال ~~قال النبي كذا وكذا ، فقال الرجل ، أتقول بهذا يا أبا عبد الله ؟ فقال ~~الشافعي : أرأيت في وسطي زنارا ؟ أتراني خرجت من الكنيسة ؟ أقول : قال ~~النبي ، وتقول لي : أتقول بهذا ؟ ! أروي عن النبي ولا أقول به ؟ ~~PageV01P276 # وقال الربيع : قال الشافعي : لم أسمع أحدا نسبته إلى العلم ، أو نسبته ~~العامة إلى علم أو نسب نفسه إلى علم يحكي خلافا في ان فرض الله تعالى اتباع ~~أمر رسول الله ، والتسليم لحكمه ، فإن الله تعالى لم يجعل لأحد بعده إلا ~~اتباعه ، وإنه لا يلزم قول رجل قال إلا بكتاب الله تعالى أو سنة رسول الله ~~، وإن ما سواهما تبع لهما ، وإن فرض الله تعالى علينا وعلى من بعدنا وقبلنا ~~قبول الخبر عن رسول الله ، إلا فرقة سأصف قولها إن شاء الله تعالى . قال ~~الشافعي : ثم تفرق أهل الكلام في تثبيت خبر الواحد عن رسول الله تفرقا ~~متباينا ، وتفرق منهم ممن نسبه العامة إلى الفقه ، فامتنع بعضهم عن التحقيق ~~من النظر . وآثروا التقليد والغفلة والاستعجال بالرئاسة . وقال الإمام أحمد ~~: قال لنا الشافعي : إذا صح عندكم الحديث فقولوا لي كي أذهب إليه ! وقال ~~الإمام أحمد : كان أحسن أمر الشافعي عندي أنه كان إذا سمع الخبر لم يكن ~~عنده ، قال به وترك قوله . قال الربيع : قال الشافعي : لا تترك الحديث عن ~~رسول الله فإنه لا يدخله القياس ، ولا موضع له من السنة . قال الربيع وقد ~~روى عن رسول الله - بابي هو وأمي - ، أنه قضى في بروع بنت واشق ، ونكحت ~~بغير مهر ، فمات زوجها ، فقضى لها بمهر مثلها ، وقضى لها بالميراث ، فإن ~~كان لم يثبت عن النبي ، فهو أولي الأمور بنا ، ولا حجة في قول أحد دون ~~النبي ، ولا في القياس ، ولا شيء ms201 إلا طاعة الله تعالى بالتسليم له ، وإن ~~كان لا يثبت عن النبي لم يكن لأحد أن يثبت عنه ما لم يثبت ، ولم أحفظه من ~~وجه يثبت مثله هو مرة عن معقل بن يسار ومرة عن معقل بن سنان ، ومرة عن بعض ~~أشجعي لا يسمى . قال الربيع : سألت الشافعي عن رفع الأيدي في الصلاة فقال : ~~يرفع المصلي يديه إذا افتتح الصلاة حذو منكبيه ، وإذا أراد أن يركع ، وإذا ~~رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك ، ولا يفعل ذلك في السجود . قلت له فما ~~الحجة في ذلك ؟ قال : أنبأنا ابن عيينة ، عن الزهري ، عن سالمن عن أبيه ، ~~عن النبي مثل قولنا . قال الربيع : فقلت فإنا نقول : يرفع في الابتداء ثم ~~لا يعود . قال PageV01P277 الشافعي : أخبرنا مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، ~~كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه ، وإذا رفع رأسه من الركوع ~~رفعهما ، قال الشافعي - وهو يعني مالكا - يروي عن النبي أنه كان إذا افتتح ~~الصلاة رفع يديه حذو منكبيه ، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك ، ثم ~~خالفتم رسول الله وابن عمر ، فقلتم : لا يرفع يديه إلا في ابتداء الصلاة ، ~~وقد رويتم أنهما رفعا في الابتداء ، وعند الرفع من الركوع ، أفيجوز لعالم ~~أن يترك فعل النبي وابن عمر لرأي نفسه ، أو فعل النبي لرأي ابن عمر ثم ~~القياس على قول ابن عمر ؟ ثم يأتي موضع آخر يصيب فيه فيترك على ابن عمرما ~~روى عن النبي ، فكيف لم ينته بعض هذا عن بعض ؟ أرأيت إذا جاز له أن يروي عن ~~النبي أن يرفع يديه في مرتين أو ثلاث ، أو عن ابن عمر فيه اثنتين ، ويأخذ ~~بواحدة ؟ أيجوز لغيره ترك الذي أخذ به ، وأخذ الذي ترك ؟ أو يجوز لغيره ما ~~روى عن النبي ؟ فقلت له : إن صاحبنا قال : فما معنى الرفع ؟ قال : معناه ~~تعظيم الله واتباع لسنة النبي ، ومعنى الرفع في الأدلة ، معنى الرفع الذي ~~خالقتم فيه النبي عند الركوع ، وعد رفع الرأس ، ثم خالفتم فيه روايتكم عن ~~النبي وابن عمر معا ms202 ، ويروي ذلك عن النبي ثلاثة عشر رجلا . ويروي عن أصحاب ~~النبي من غير وجه ، ومن تركه فقد ترك السنة . # قال ابن القيم رحمه الله تعالى : ( ( قلت : وهذا تصريح من الشافعي بأن ~~تارك رفع اليدين عند الركوع ، والرفع منه ، تارك للسنة ؛ ونص أحمد على ذلك ~~أيضا في إحدى الروايتين عنه . وقال الربيع : سألت الشافعي عن الطيب قبل ~~الإجرام بما يبقي ريحه بعد الإجرام ، أو بعد رمي الجمرة ، والحلق وقبل ~~الإفاضة ، فقال : جائز أخبه ولا أكرهه لثبوت السنة فيه عن النبي ولإخبار ~~غير واحد من الصحابة ؛ فقلت : وما حجتك فيه ؟ فذكر الأخبار والآثار ، ثم ~~قال : حدثنا ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن سالم ، قال : قال عمر : من ~~رمي الجمرة فقد حل له ما حرم عليه إلا النساء والطيب . قال سالم : وقالت ~~عائشة : طيبت PageV01P278 رسول الله لحله قبل أن يطوف بالبيت . وسنة رسول ~~الله أحق أن تتبع . قال الشافعي : وهكذا ينبغي أن يكون الصالحون وأهل العلم ~~، فأما ما تذهبون إليه من ترك السنة وغيرها ، وترك ذلك الغير لرأي أنفسهم ، ~~فالعلم إذن إليكم تأتون منه ما شئتم ، وتدعون ما شئتم . # وقال في كتاب القديم : رواية الزعفراني في مسألة بيع المدين في جواب من ~~قال له : إن بعض أصحابك قال خلاف هذا ، قال الشافعي : فقلت له : من تبع سنة ~~رسول الله وافقته ومن غلط فتركها خالفته ، صاحبي الذي لا أفارقه اللازم ~~الثابت مع رسول الله وإن بعد ، والذي أفارقه من لم يقل بحديث رسول الله وإن ~~قرب ) ) انتهى . # وقال العارف الشعراني قدس سره في مقدمة الميزان : ( ( روي الحاكم ~~والبيهقي عن الإمام الشافعي أنه كان يقول : إذا صح الحديث فهو مذهبي . قال ~~ابن حزم : أي صح عنده أو عند غيره من الأئمة . وفي رواية أخرى : إذا رأيتم ~~كلامي يخالف كلام رسول الله الله فاعملوا بكلام رسول الله واضربوا بكلامي ~~عرض الحائط . وقال مرة للربيع : يا أبا إسحاق ! لا تقلدني في كل ما أقول ، ~~وانظر في ذلك لنفسك ، فإنه دين . وكان رضي الله عنه إذا توقف ms203 في حديث يقول ~~: لوضح ذلك لقلنا به ؛ وروي البيهقي عنه ذلك في باب حديث : المستحاضة تغسل ~~عنها أثر الدم وتصلي ثم تتوضأ لكل صلاة ، وقال : لوضح هذا الحديث لقلنا به ~~، وكان أحب إلينا من القياس على سنة محمد في الوضوء مما خرج من قبل أو دبر ~~. ) ) انتهى . وكان يقول : إذا ثبت عن النبي - بأبي هو وأمي - شيء لم يحل ~~لنا تركه . # وقال في باب ( ( سهم البراذين ) ) : ( ( لو كنا ثبت مثل هذا الحديث ، ما ~~خالفناه ؛ وفي رواية أخرى : لو كنا ثبت مثل هذا عن النبي لأخذنا به ، فإنه ~~أولي الأمور بنا ، # ولا حجة في قول أحد دون رسول الله ، وإن كثروا ، ولا في قياس ، ولا شيء ~~إلا طاعة الله ورسوله بالتسليم له . ذكره البيهقي في سننه في باب ( ( أحد ~~الزوجين يموت ولم يفرض صداقا ) ) . وروى عنه أيضا في باب السير أنه كان ~~يقول : إن كان هذا الحديث PageV01P279 يثبت فلا حجة لأحد معه . وكان رضي ~~الله عنه يقول : رسول الله أجل في أعيننا من أن نحب غير ما قضى به . وقال ~~الشافعي في باب الصيد من الأم : ( ( كل شيء خالف أمر رسول الله سقط ، ولا ~~يقوم معه رأي ولا قياس ، فإن الله تعالى قطع العذر بقول رسول الله ، فليس ~~لأحد معه أمر ولا نهى غير ما أمر هو به . وقال في باب ( ( المعلم يأكل من ~~الصيد ) ) : وإذا ثبت الخبر عن رسول الله لم يحل تركه أبدا . وقال في باب ~~العتق من الأم : ( ( وليس في قول أحد ، وإن كانوا عددا ، مع النبي حجة ) ) ~~. # قال الشعراني : ( ( هذا ما اطلعت عليه من المواضع التي نقلت عن الإمام ~~الشافعي في تبرئة من الرأي ، وأدبه مع رسول الله ، بل روينا عنه أنه كان ~~يتأدب مع أقوال الصحابة والتابعين ، فضلا عن كلام سيد المرسلين ، . فنقفل ~~ابن الصلاح في علوم الحديث أن الشافعي قال في رسالته القديمة بعد أن أثنى ~~على الصحابة بما هم أهله : والصحابة رضي الله عنهم ، فوقنا في كل علم ~~واجتهاد ، وورع ، وعقل ، وفي كل أمر ms204 استدرك به علم . وآراؤهم لنا أحمد ~~وأولي من رأينا عندنا لأنفسنا ) ) انتهى . # قال الشيخ الأكبر قدس الله سره في فتوحاته المكية ، في فصل صلاة الكسوف : ~~( ( فإن أخطأ المجتهد ، فهو بمنزلة الكسوف الذي في غيبة المكسوف ، فلا وزر ~~عليه ، وهو مأجور ، وإن ظهر له النص وتركه لرأية أو لقياسه ، فلا عذر له ~~عند الله ، وهو مأثور ، وهو الكسوف الظاهر الذي يكون له الأثر المقرر عند ~~علماء هذا الشأن . وأكثر ما يكون هذا في الفقهاء المقلدين لمن قالوا لهم : ~~لا تقلدونا ، واتبعوا الحديث ، إذا وصل إليكم ، المعارض لكلامنا ، فإن ~~الحديث مذهبنا ، وإن كنا لا نحكم بشيء إلا بدليل يظهر لنا في نظرنا أنه ~~دليل ، وما يلزمنا غير ذلك ، ولكن ما يلزمكم اتباعنا ولكن يلزمكم سؤالنا . ~~وفي كل وقت ، في النازلة الواحدة ، قد يتغير الحكم عند المجتهدين ، ولهذا ~~كان يقول مالك إذا سئل في نازلة : هل وقعت ؟ فإن قيل : لا ، يقول لا أفتي ؛ ~~وإن قيل : نعم ، أفتي بذلك الوقت بما أعطاه دليله . فأبت المقلدة من ~~الفقهاء أن توفي حقيقة تقليدها لإمامها باتباعها PageV01P280 الحديث عن أمر ~~إمامها ، وقلدته في الحكم مع وجود المعارض ، فعصت الله في قوله : ( ^ وما ~~آتاكم الرسول فخذوه ) وعصت الرسول في قوله : ( ( فاتبعون ) ) وعصت إمامها ~~في قوله : ( ( خذوا بالحديث إذ 1 بلغكم ، واضربوا بكلامي الحائط . ) ) ~~فهؤلاء الفقهاء في كسوف دائم سرمد عليهم إلى يوم القيامة ، فيتبرأ منهم ~~الله ورسوله والأئمة . فانظر مع من يحشر مثل هؤلاء . ) ) انتهى كلام الشيخ ~~الأكبر قدس سره بحروفه . * * * # 4 - العمل بالحديث بحسب ما بدا لصاحب الفهم المستقيم # قال علم الدين الفلاني في ( ( إيقاط الهمم ) ) : ( ( قال بعض أهل التحقيق ~~: الواجب على من له أدني دراية بالكتاب وتفسيره ، والحديث وفنونه ، أن ~~يتتبع كل التتبع ، ويميز الصحيح عن الضعيف ، والقوى عن غيره ، فيتبع ويعمل ~~بما ثبتت صحته ، وكثرت رواته ، وإن كان الذي قلده على خلافه ، ولا يخفي أن ~~الانتقال من مذهب إلى مذهب ، ما كان معلوما في الصدر الأول ، وقد انتقل ~~كبار العلماء من مذهب إلى مذهب ، وهكذا كان ms205 ما كان من الصحابة والتابعين ؛ ~~والأئمة الأربعة ينتقلون من قول إلى قول . والحاصل : أن العمل بالحديث يحسب ~~ما بدا لصاحب الفهم المستقيم من المصلحة الدينية ، هو المذهب عند الكل ، ~~وهذا الغمام الهمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى كان يفتي ويقول : هذا ما ~~قدرنا عليه في العلم ، فمن وجد أوضح منه فهو أولي بالصواب . ( كذا في تنبيه ~~المغترين ) وعنه أنه قال : ( ( لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعرف ~~مأخذه من الكتاب والسنة ، أو إجماع الأمة أو القياس الجلي في المسألة ) ) ~~انتهى . * * * # 5 - لزوم الإفتاء بلفظ النص مهما أمكن # قال الفلاني رحمه الله في ( ( إيقاظ الهمم ) ) : قال ابن القيم رحمه الله ~~: ( ( ينبغي للمفتي أن يفتي بلفظ النص مهما أمكنه ، فإنه يتضمن الحكم ~~والدليل مع البيان التام ، فهو حكم PageV01P281 مضمون له الصواب ، متضمن ~~للدليل عليه في أحسن بيان . وقد كان الصحابة والتابعون والأئمة الذين سلكوا ~~على مناهجهم يتحرون ذلك غاية التحري ) ) ثم قال : # ( ( فألفاظ النصوص عصمة وحجة بريئة من الخطأ والتناقض والتعقيد والاضطراب ~~، ولما كانت هي عصمة الصحابة وأصولهم التي إليها يرجعون ، كانت علومهم أصح ~~من علوم من بعدهم ، وخطؤهم فيما اختلفوا فيه ، أقل من خطأ من بعدهم ، ثم ~~التابعون بالنسبة إلى من بعدهم كذلك وهلم جرا ) ) ثم قال : ( ( قد كان ~~أصحاب رسول الله إذا سئلوا عن مسألة يقولون : قال الله تعالى كذا ، قال ~~رسول الله كذا ، وفعل كذا ، ولا يعدلون عن ذلك ما وجدوا إليه سبيلا قط ، ~~فمن تأمل أجوبتهم وجدها شفاء لما في الصدور ) ) . # 6 - حرمة الإفناء بضد لفظ النص # قال العلامة الفلاني قدس الله سره في ( ( إيقاظ الهمم ) ) في أواخره : ( ~~( يحرم على المفتي أن يفتي بضد لفظ النص ، وإن وافق مذهبه ، ومثاله أن يسأل ~~عن رجل صلي من الصبح ركعة ثم طلعت الشمس ، فهل يتم صلاته أم لا ؟ فيقول : ~~لا يتمها ، ورسول الله يقول : ( ( فليتم صلاته ) ) . ومثل أن يسأل عن رجل ~~مات وعليه صيام هل يصوم عنه وليه ؟ فيقول : لا يصوم عنه وليه ؛ وصاحب الشرع ~~يقل : ( ( من مات ms206 وعليه صوم صام عنه وليه ) ) . ومثل أن يسأل عن رجل باع ~~متاعه ثم أفلس المشتري فوجده بعينه هل هو أحق به ؟ فيقول : ليس هو أحق به ، ~~وصاحب الشرع يقول : ( ( هو أحق به ) ) أن يسأل ومثل أن يسأل عن أكل كل ذي ~~ناب : هل هو حرام ؟ فيقول ليس بحرام ؛ ورسول الله يقول : ( ( أكل كل ذي ناب ~~من السباع حرام ) ) ومثل أن يسأل عن رجل له شريك في أرض أو دار أو بستان ، ~~هل له أن يبيع حصته قبل إعلام الشريك بالبيع ، PageV01P282 وعرضها عليه ؟ ~~فيقول : نعم ، يحل له أن يبيع حصته قبل إعلام شريكه بالبيع ، وصاحب الشرع ~~يقول : ( ( من كان له شريك في أرض أو ربعة أو حائط ، فلا يحل له أن يبيع ~~حتى يؤذن شريكه ) ) ومثل أن يسأل عن قتل المسلم بالكافر ، فيقول : نعم ، ( ~~( يقتل المسلم بالكافر وصاحب الشرع يقول : ( ( لا يقتل المسلم بالكافر ) ) ~~. ومثل أن يسأل عن الصلاة الوسطى فيقول : ليست العصر ؛ وصاحب الشرع يقول : ~~( ( هي صلاة العصر ) ) . ومثل أن يسأل عن رفع اليدين عند الركوع والرفع منه ~~هل مشروع في الصلاة أو ليس بمشروع ؟ فيقول : ليس بمشروع ، أو مكروه ، وربما ~~غلا بعضهم فقال : إن صلاته باطلة . وقد روى بضعه وعشرون نفسا عن النبي أنه ~~كان يرفع يديه عند الافتتاح والركوع والرفع منه بأسانيد صحيحة ، لا مطعن ~~فيها . ومثل أن يسأل عن إكمال عدة شعبان ثلاثين يوما ليلة الإغمام ، فيقول ~~: لا يجوز إكماله ثلاثين يوما ، وقد قال رسول الله : ( ( فإن غم عليكم ~~فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما ) ) . وأمثلته كثيرة ، وفيما ذكرنا كفاية ، ~~وقد أنهاها ابن القيم إلى مئة وخسمين مثالا ) ) . انتهى . * * * # 7 - رد ما خالف النص أو الإجماع # قال الإمام القرافي رحمه الله تعالى في فروقه ، في الفرق الثامن والسبعين ~~: # تنبيه : كل شيء أفتي فيه المجتهد فوقعت فتياه فيه على خلاف الإجماع أو ~~القواعد أو النص أو القياس الجلي السالم عن المعارض الراجح ، لا يجوز ~~لمقلدة أن ينقله للناس ، ولا يفتي به في دين الله تعالى ؛ فإن هذا الحكم لو ms207 ~~حكم به حاكم لنقضناه ، وما لا نقره شرعا بعد نقرره بحكم الحاكم ، أولي أن ~~لا نقره شرعا إذا لم يتأكد ، وهذا لم يتأكد ، فلا نقره شرعا ، والفتيا ~~PageV01P283 يغير شرع حرام ، فالفتيا بهذا الحكم حرام ، وإن كان الإمام ~~المجتهد غير عاص به ، بل مثابا عليه ، لأنه بذل جهده على حسب ما أمر به ، ~~وقد قال عليه الصلاة والسلام : ( ( إذا اجتهد الحاكم فأخطأ ، فله أجر وإن ~~أصاب فله أجران ) ) . فعلى هذا يجب على أهل العصر تفقد مذاهبهم ، لكل ما ~~وجدوه من هذا النوع يحرم عليهم الفتيا به ، ولا يعري مذهب من المذاهب عنه ، ~~لكنه قد يقل ، وقد يكثر ، غير أنه لا يقدر أن يعلم هذا من مذهبه إلا من عرف ~~القواعد والقياس الجلي والنص الصريح عدم المعارض لذلك ، وباعتبار هذا الشرط ~~يحرم على أكثر الناس الفتوى . فتأمل ذلك . فهذا أمر لازم ، وكذلك كان السلف ~~رضوان الله عليه يتوقفون في الفتوى توقفا شديدا . وقال مالك : ( ( لا ينبغي ~~للعامل أن يفتي حتى يراه الناس أهلا لذلك ، ويري هو نفسه أهلا لذلك ) ) . ~~انتهى . * * * # 8 - تشنيع المتقدمين على من يقول : العمل على الفقه لا على الحديث # قال العلامة الفلاني في ( إيقاظ الهمم ) ) : ( ( قال عبد الحق الدهلوي في ~~شرح الصراط المستقيم : إن التحقيق في قولهم : إن الصوفي لا مذهب له أنه ~~يختار من روايات مذهبة الذي التزمه للعمل عليه ما يكون أحوط ، أو يوافق ~~حديثا صحيحا ، وإن لم يكن ظاهر روايات ، ذلك المذهب ومشهورها . نقل عنه أنه ~~قال في الشرح المذكور : ( ( إذا وجد تابع المجتهد حديثا صحيحا مخالفا ~~لمذهبه ، هل له أن يعمل به ويترك مذهبه ؟ فيه اختلاف : فعند المتقدمين له ~~ذلك ، قالوا : لأن المتبوع والمقتدي به هو النبي ، ومن سواه فهو تابع له ، ~~فبعد أن علم وصح قوله ، فالمتابعة لغيره غير معقولة ، وهذه طريقة المتقدمين ~~) ) . انتهى . # وفي الظهيرية : ( ( ومن فعل مجتهدا أو تقلد بمجتهد ، فلا عار عليه ولا ~~شناعة ولا إنكار ) ) . انتهى . # وأما الذي لم يكن من أهل الاجتهاد ، فانتقل من قول إلى قول من غير ms208 دليل ، ~~لكن PageV01P284 لما يرغب من عرض الدنيا وشهواتها ، فهو المذموم الآثم ( ~~كذا في الجمادي ) وأما ( ما ) يورد على الألسنة من أن العمل على الفقه لا ~~على الحديث ، فتفوه لا معنى له ، إذ من البين أن مبنى الفقه ليس إلا الكتاب ~~والسنة ، وأما الإجماع والقياس ، فكل واحد منهما يرجع إلى كل من الكتاب ~~والسنة ، فما معنى إثبات العمل على الفقه ، ونفي العمل عن الحديث ؟ فإن ~~العمل بالفقه عين العمل بالحديث كما عرفت ؛ وغاية ما يمكن في توجيهه أن ~~يقال : إن ذلك حكم مخصوص ، بشخص مخصوص ، وهو من ليس من أهل الخصوص ، بل من ~~العوام الذين هم كالهوام ، لا يفهمون معنى الحديث ومراده ، ولا يميزون بين ~~صحيحه وضعيفه ، ومقدمه ومؤخره ، ومجملة ومفسره ، وموضوعه ، وغير ذلك من ~~أقسامه ، بل كل ما يورد عليهم بعنوان : قال رسول الله ، فهم يعتمدون عليه ، ~~وستندون إليه ، من غير تمييز ومعرفة بأن قائل ذلك من نحو المحدثين أم من ~~غيرهم ، وعلى تقدير كونه من المحدثين ، أعدل وثقة أم لا ؟ وإن كان جيد ~~الحفظ أو سيئه أو غير ذلك من فنونه ، فإن ورد على العامي حديث ، ويقال له . ~~إنه يعمل على الحديث ، فربما يكون ذلك الحديث موضوعا ، ويعمل عليه لعدم ~~التمييز ، وربما يكون ذلك الحديث ضعيفا ، والحديث الصحيح على خلافه ، فيعمل ~~على ذلك الحديث الضعيف ، ويترك الحديث الصحيح ، وعلى هذا القياس في كل ~~أحواله يغلط أو يخلط فيقال لأمثاله : إنه يعمل بما جاء عن الفقيه ، لا يعمل ~~بمجرد سماع الحديث ، لعدم ضبطه ، إنه يعمل بما جاء من فقيه وإن كانت ~~الأحاديث الواردة فيه على خلاف ذلك ، لأن العمل على الفقه لا على الحديث . ~~هذا ، ثم مع هذا ، لا يخفي ما في هذا اللفظ من سوء الأدب والشناعة والبشاعة ~~، فإن التفوه بنفي العمل على الحديث على الإطلاق ، مما لا يصدر من عاقل ، ~~فضلا عن فاضل ، ولو قيل بالتوجيه الذي ذكرناه أن العمل بالفقه لا على ~~الحديث ، لقال . قائل بعين ذلك التوجيه : إن العمل على الفقه لا على الكتاب ~~، فإن العامي ms209 لا يفهم شيئا من الكتاب ، ولا يميز بين محكمة ومتشابهة ، ~~وناسخه ومنسوخه ، ومفسره ومجملة ، وعامه وخاصة ، وغير ذلك من أقسامه . فصح ~~أن يقال : إن العمل على الفقه لا على الكتاب والحديث ، وفساده أظهر من أن ~~يظهر ، وشناعته PageV01P285 أجلي من أن تستر ؛ بل لا يليق بحال المسلم ~~المميز أن يصدر عنه أمثال هذه الكلمات على ما لا يخفي على ذوي الفطانة ~~والدراية ، وإذا تحققت ما تلونا عليك ، عرفت أنه لو لم يكن نص من الإمام ~~على المرام لكان من المتعين على أتباعه من العلماء الكرام ، فضلا عن العوام ~~، أن يعملوا بما صح عن سيد الأنام ، عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام ؛ ~~ومن أنصف ولم يتعسف ، عرف أن سبيل أهل التدين من السلف والخلف ، ومن عدل عن ~~ذلك فهو هالك ، يوصف بالجاهل المعاند المكابر ، ولو كان الناس من الأكابر . ~~وأنشدوا في هذا المعنى شعرا : # ( أهل الحديث همو أهل النبي وإن % لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا ) # أماتنا الله سبحانه على محبة المحدثين وأتباعهم من الأئمة المجتهدين ، ~~وحشرنا مع العلماء العاملين تحت لواء سيد المرسلين ، والحمد لله رب ~~العالمين ) ) انتهى . # وقال العارف الشعراني قدس سره في مقدمة ميزانه : ( ( أقول : الواجب على ~~كل مقلد من طريق الإنصاف أن لا يعمل برخصه قال بها إمام مذهبه ، إلا إن كان ~~من أهلها ، وأنه يجب عليه العمل بالعزيمة التي قال بها غير إمامه حيث قدر ~~عليها ، لأن الحكم راجع إلى كلام الشارع بالأصالة لا إلى كلام غيره ، لا ~~سيما إن كان دليل الغير أقوى ، خلاف ما عليه بعض المقلدين ، حتى إنه قال لي ~~: لو وجدت حديثا في البخاري ومسلم لم يأخذ به إمامي لا أعمل به ؛ وذلك جهل ~~منه بالشريعة ، وأول يتبرأ منه إمامه ، وكان الواجب عليه حمل إمامه على أنه ~~لم يظفر بذلك الحديث أو لم يصح عنده ) ) انتهى . * * * # 9 - رد الإمام السندي الحنفي رحمه الله على من يقول : ليس لمثلنا أن يفهم ~~الحديث ! # قال علم الدين الفلاني رحمه الله تعالى في ( ( إيقاظ الهمم ) ) ناقلا عن ~~شيخه ms210 مسند الحرمين في عصره أبي الحسن السندي الحنفي في حواشيه على ( ( فتح ~~القدير ) ) ما نصه : ( ( والعجب PageV01P286 من الذي يقول : أمر الحديث ~~عظيم ، وليس لمثلنا أن يفهمه ، فكيف يعمل به ؟ وجوابه بعد أن فرضنا موافقة ~~فهمه لفهم ذلك العالم الذي يعتد بعلمه وفهمه بالإجماع ، أنه إن كان المقصود ~~بهذا تعظيم الحديث وتوقيره ؛ فالحديث أعظم وأجل ، لكن من جملة تعظيمه ~~وتوقيره أن يعمل به ، ويستعمل في مواده ، فإن ترك المبالاة به إهانة له ، ~~نعوذ بالله منه . وقد حصل فهمه على الوجه الذي هو مناط التكليف ، حيث وافق ~~فهم ذلك العالم ؛ فترك العمل بذلك الفهم لا يناسب التعظيم والإجلال ، ~~فمقتضي التعظيم والإجلال الأخذ به ، لا بتركه ! وإن كان المقصود مجرد الرد ~~عن نفسه بعد ظهور الحق ؛ فهذا لا يليق بشأن مسلم ، فإن الحق أحق بالاتباع ، ~~إذ لا يعلم ذلك الرجل أن الله عز وجل قد أقام برسوله الحجة على من هو أغبي ~~منه من المشركين الذين كانوا يعبدون الأحجار ، وقد قال تعالى فيهم : ( ( ~~أولئك كالأنعام بل هم أضل ! ) ) فهل أقام عليهم الحجة من غير فهم ، أو ~~فهموا كلام رسول الله ؟ فإن فهم هؤلاء الأغبياء ، فكيف لا يفهم المؤمن مع ~~تأييد الله تعالى له بنور الإيمان ؟ وبعد هذا فالقول بأنه لا يفهم قريب من ~~إنكار البديهيات . وكثير ممن يعتذر بهذا الاعتذار يحض دروس الحديث أو يدرس ~~الحديث ! فلولا فهم أو أفهم ، كيف قرأ أو أقرأ ؟ فهل هذا إلا من باب مخالفة ~~القول الفعل ؛ والاعتذار بأن ذلك الفهم ليس مناطا للتكليف باطل ، إذ ليس ~~الكتاب والسنة إلا لذلك الفهم . فلا يجوز البحث عنهما بالنظر إلى المعاني ~~التي لا يعمل بها ، كيف وقد أنزل الله تعالى كتابه الشريف للعمل به ، وتعقل ~~معانيه ، ثم أمر رسوله بالبيان للناس عموما فقال تعالى : ( ^ إنا أنزلناه ~~قرآنا عربيا ، لعلكم تعقلون ) وقال : ( ^ لتبين للناس ما نزل إليهم ) فكيف ~~يقال : إن كلامه الذي هو بيان للناس غير مفهوم لهم إلا لواحد منهم ؟ بل في ~~هذا الوقت ليس مفهوما لأحد بناء على زعمهم ms211 أنه لا مجتهد في الدنيا منذ كم ~~سنين ؟ ولعل أمثال هذه الكلمات صدرت من بعض من أراد أن لا تنكشف حقيقة رأيه ~~للعوام بأنه مخالف للكتاب والسنة ، فتوصل إلى ذلك بأن جعل فهم الكتاب ~~والسنة على الوجه الذي هو مناط الأحكام ، مقصورا على أهل PageV01P287 ~~الاجتهاد ، ثم نفي عن الدنيا أهل أحكام ثم شاعت هذه الكلمات بينهم . ) ) ~~انتهى كلام السندي بحروفه ، وله تتمة سابغة ، لتنظر في إيقاظ الهمم للفلاني ~~. # ويقرب من كلام السندي رحمه الله ما جاء في حواشي تنبيه الأفهام ولفظه : ( ~~( لا ندري ما هو الباعث لبعض المتفقهة على إنكار الاجتهاد ، وتحريمه على ~~غير أئمة المذاهب والمبالغة في التقليد إلى درجة حملت بعض المستشرقين ~~الأوربيين على الظن بأن الفقهاء إنما هم يعتقدون في الأئمة منزلة التشريع ~~لا منزلة الضبط والتحرير . وهذا وإن يكن سوء ظن أوجبه الفقهاء أنفسهم ، إلا ~~أن الحقيقة ليست كما ظنه ذلك المستشرق ، معاذ الله 1 لأن الشارع واحد ، ~~والشرع كذلك ، والأئمة لم ينهوا أحدا عن العمل بالدليل والرجوع إلى الكتاب ~~والسنة إذا تعارض القول والنص . ومن كلام الإمام الشافعي بهذا الصدر : إذا ~~صح الحديث ، فهو مذهبي ، وقال إذا رأيتم كلامي يخالف الحديث فاعملوا ~~بالحديث واضربوا بكلامي عرض الحائط . ومن كلام الإمام الأعظم : لا ينبغي ~~لمن لا يعرف دليلي أن يأخذ بكلامي . لهذا كان من جاء بعدهم من أصحابهم ، أو ~~من يوازيهم في العلم من المرجحين يخالفون أئتهم في كثير من الأحكام التي لم ~~يتقيدوا بقول إمامهم فيها لما قام لهم الدليل على مخالفتها لظاهر النص ، ~~وإنما بعض الفقهاء الذين يسترون جهلهم بالتقليد ينتحلون - لدعواهم التقيد ~~بقول الإمام ، دون نص الكتاب أو السنة - أعذارا لا يسلم لهم بها أحد من ذوي ~~العقل الراجح من أفاضل المسلمين وعلمائهم العاملين الذين هم على بصيرة من ~~الدين ) ) . # وجاء في الحواشي المذكورة أيضا ما نصه : ( ( يعتذر بعضهم عن سد باب ~~الاجتهاد بسد باب الخلاف وجمع شتات الأفكار المتأتي عن تعدد المذاهب ، ~~والحال أن الاجتهاد على طريقة السلف لا يؤدي إلى هذا ms212 المحذور كما هو مشاهد ~~الآن عند الزيدية من أهالي جزيرة العرب - وهم الذين ينتسبون إلى زيد بن زين ~~العابدين ، لا زيد بن الحسن المذكور في حواشي الدر - فإن دعوى الاجتهاد بين ~~علمائهم شائعة مستفيضة ، وطريقهم فيه طريقة السلف ، أي أنهم يأتون بالحكم ~~معززا بالدليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع وليس بعد إيراد الدليل مع ~~الحكم أدني طريق للخلاف أو الاختلاف ، اللهم إلا فيما لم يوجد بإزائه نص ~~صريح ، أو إجماع من الصحابة أو التابعين ، واحتيج فيه إلى الاستنباط من ~~أصول الدين ، وليس في PageV01P288 هذا من الخطر أو تشتت الأفكار ، ولو جزءا ~~يسيرا ، مما في طريقة الترجيح والتخريج عند الفقهاء الآن على أصول أي مذهب ~~من المذاهب الأربعة ، ويكفي ما في هذه الطريقة من تشتت الأفكار خلاف ~~الخرجين والمرجحين في المسألة الواحدة ، خلافا لا ينتهي إلى غاية يرتاح ~~إليها ضمير مستفيد ، لقذفهم بفكره في تيار تتلاطم أمواجه بين قولهم : ~~المتعمد والمعول عليه كذا ، والصحيح كذا ، والأصح كذا والمفتي به كذا . . . ~~إلى غير ذلك من الخلاف العظيم في كل مسألة لم ينص عليها الإمام نصا صريحا ، ~~ولا يخفي ما في هذا من الافتئات على الدين ، مما لا يعد شيئا في جانبه خلاف ~~الأئمة المجتهدين ، ومشؤه التقيد بالتقليد البحت ، وعدم الرجوع إلى الكتاب ~~والسنة ، ولو عند تعذر وجود النص ، ومع هذا فإنهم يرون هذا الافتئات على ~~الدين من الدين ، ويوجبون على المؤمن العمل بأقوالهم بلا حجة تقوم لهم ولا ~~له يوم الدين ، مع أن الله تعالى يقول في كتابه العزيز : ( ( هؤلاء قومنا ~~اتخذوا من دون الله آلهة ، لولا يأتون عليهم بسلطان بين ) ) الآية ، وفي ~~هذا دليل على فساد التقليد ، وأن لا بد في الدين من حجة ثابتة ، لهذا كان ~~التقليد البحت لا يرضاه لنفسه إلا عامي أعمى ، أو عالم لم يصل إلى مرتبة ~~كبار الفضلاء المتقدمين والمتأخرين ، الذين لم يرضوا لأنفسهم التقليد البحت ~~، كالإمام الغزالي ، وابن حزم ، وشخ الإسلام ابن تيميه ، والإمام السيوطي ، ~~والشوكاني ، وغيرهم ممن اشتهر بالاجتهاد من أئمة المذاهب ) ) ، انتهى ms213 ~~بحروفه . * * * # 10 - رد الإمام السندي رحمه الله أيضا على من يقرأ كتب الحديث لا للعمل # قال العلامة الفلاني في ( ( إيقاظ الهمم ) ) : ( ( لو تتبع الإنسان من ~~النقول ، لوجد أكثر مما ذكر ، ودلائل العمل على الخبر أكثر من أن تذكر ، ~~وأشهر من أن تشهر ، لكن لبس إبليس على كثير من البشر ، فحسن لهم الأخذ ~~بالرأي لا الأثر ، وأوهمهم أن هذا PageV01P289 هو الأولي والأخير ، فجعلهم ~~بسبب ذلك محرومين عن العمل بحديث خير البشر وهذه البلية من البلايا الكبر ، ~~إنا الله إليه راجعون . ومن أعجب العجائب أنهم إذا بلغهم من بعض الصحابة ~~رضي الله عنهم ما يخالف الصحيح من الخبر ، ولم يجدوا له محملا ، جوزوا عدم ~~بلوغ الحديث إليه ، لوم يتقل ذلك عليهم ، وهذا هو الصواب . وإذا بلغهم حديث ~~يخالف قول من يقلدونه اجتهدوا في تأويله القريب والبعيد ، وسعوا في محامله ~~الثائية والدانية ، وربما حرفوا الكلم عن مواضعها . وإذا قيل لهم عند عدم ~~وجود المحامل المعتبرة : لعل من تقلدونه لم يبلغه الخبر ! أقاموا على ~~القائل القيامة ، وشنعوا عليه أشد الشناعة ، وربما جعلوه من أهل البشاعة ، ~~وثقل ذلك عليهم . فانظر أيها العاقل إلى هؤلاء المساكين ! . يجوزون عدم ~~بلوغ الحديث في حق أبي بكر الصديق الأكبر وأحزابه ، ولا يجوزون ذلك في ~~أرباب المذاهب ، مع أن البون بين الفريقين كما بين السماء والأرض ، وتراهم ~~يقرؤن كتب الحديث ويطالعونها ويدرسونها لا ليعملوا بها ، بل ليعلموا دلائل ~~من قلدوه ، وتأويل ما خالف قوله ، ويبالغون في المحامل البعيدة ، وإذا ~~عجزوا عن المحمل قالوا : من قلدنا أعلم منا بالحديث ! ألا يعلمون أنهم ~~يقيمون حجة الله تعالى عليهم بذلك ؟ ولا يستوي العالم والجاهل في ترك العمل ~~بالحجة ! وإذا مر عليهم حديث يوافق قول من قلدوه انبسطوا ، وإذا مر عليهم ~~حديث يخالف قوله ، أو يوافق مذهب غيره ربما انقبضوا ، ولم يسعوا قول الله : ~~( ^ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ، ثم لا يجدوا في أنفسهم ~~حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) انتهى كلام السندي رحمه الله تعالى . # 12 - التحذير من التعسف في ms214 رد الأحاديث إلى المذاهب # قال العلامة المحقق المقري في قواعده : ( ( لا يجوز اتباع ظاهر نص الإمام ~~مع مخالفته لأصول الشريعة ، عند حذاق الشيوخ . قال الباجي : لا أعلم قولا ~~أشد خلافا على مالك من أهل الأندلس ، لأن مالكا لا يجوز تقليد الرواة عنه ، ~~عند مخالفتهم الأصول ، وهم لا يعتمدون على ذلك ) ) . انتهى . وقال أيضا : ~~PageV01P290 # قاعدة : _ لا يجوز رد الأحاديث إلى المذاهب على وجه ينقص من بهجتها ، ~~ويذهب بالثقة بظاهرها ، فإن ذلك فساد لها ، وحط من منزلتها ! لا أصلح الله ~~المذاهب لفسادها ولا رفها يخفض درجاتها ؛ فكل كلام يؤخذ منه ويرد ، إلا ما ~~صح لنا عن محمد ، بل لا يجوز الرد مطلقا ، لأن الواجب أن ترد ، المذاهب ~~إليها ، كما قال الشافعي وغيره ، لا أن ترد هي إلى المذاهب ، كما تسامح فيه ~~بعض الحنفية خصوصا ، والناس عموما إذ ظاهرها حجة على من خالفها ، حتى يأتي ~~بما يقاومها ، فنطلب الجمع مطلقا ، ومن وجه على وجه لا يصير الحجة أجحية ، ~~ولا يخرجها عن طرق الخاطبات العامة التي انبنى عليها الشرع ولا يخل بطرق ~~البلاغة والفصاحة التي جرت من صاحبه مجرى الطبع ، فإن لم يوجد طلب التاريخ ~~للنسخ ، فإن لم يكن طلب الترجيح ، ولو بالأصل ، وإلا تساقطا في حكم ~~المناظرة ، وسلم لكل ما عنده ، ووجب الوقف والتخيير في حكم الانتقال ، وجاز ~~الانتقال على الأصح ) ) . ثم قال : # قاعدة : - لا يجوز التعصب إلى المذاهب بالانتصاب للانتصار بوضع الحجاج ~~وتقريبها على الطرق الجدلية ، مع اعتقاد الخطأ والمرجوحية عند المجيب ، كما ~~يفعله أهل الخلاف إلا على وجه التدريب على نصب الأدلة والتعليم ، لسلوك ~~الطريق بعد بيان ما هو الحق ، فالحق أعلى من أن يعلي ، وأغلب من أن يغلب . ~~وذلك أن كل من يهتدي لنصب الأدلة وتقرير الحجاج ، لا يري الحق أبدا في جهة ~~رجل قطعا . ثم إنا لا نرى منصفا في الخلاف ينتصر لغير مذهب صاحبه ، مع ~~علمنا برؤية الحق في بعض آراء مخالفيه ، وهذا تعظيم للمقلدين بتحقير الدين ~~، وإيثار للهوى على الهدي ، ولم يتبع الحق أهواءهم ، ولله در ms215 على رضي الله ~~عنه ! أي بحر علم ضم جنباه إذ قال لكميل بن زياد لما قال له أترانا نعتقد ~~أنك على الحق وأن طلحة والزبير على الباطل : ( ( اعرف الرجال بالحق ، ولا ~~تعرف الحق بالرجال اعرف الحق تعرف أهله ) ) . وما أحسن قول أرسطولما خالف ~~أستاذه أفلاطون : ( ( تخاصم الحق وأفلاطون ، وكلاهما صديق لي والحق أصدق ~~منه ) ) . وقال الشيخ أحمد زروق في PageV01P291 عمدة المريد الصادق ما نصه ~~: ( ( قال أبو إسحاق الشاطبي : كل ما عمل به المتصوفة المعبرون في هذا ~~الشأن - يعني : كالجنيد وأمثاله - لا يخلو : إما أن يكون مما ثبت له أصل في ~~الشريعة ، فهم خلفاؤه ، كما أن السلف من الصحابة والتابعين خلفاء بذلك ، ~~وإن لم يكن له أصل في الشريعة ، فلا أعمل عليه ؛ لأن السنة حجة على جميع ~~الأمة ، وليس عمل أحد من الأمة حجة على السنة ، ولأن السنة معصومة عن الخطأ ~~، وصاحبها معصوم ، وسائر الأمة لم تثبت لهم العصمة إلا مع إجماعهم خاصة ، ~~وإذا أجمعوا تضمن إجماعهم دليلا شرعيا ، والصوفية والمجتهدون كغيرهم ممن لم ~~يثبت لهم العصمة ، ويجوز عليهم الخطأ والنسيان والمعصية ، كبيرها وصغيرها ، ~~والبدعة محرمها ومكروهها ؛ ولذا قال العلماء : كل كلام منه مأخوذ ومنه ~~متروك ، إلا ما كان من كلامه عليه الصلاة والسلام . قال : وفد قرر ذلك ~~القشيري رحمه الله تعالى أحسن تقرير ، فقال : فإن قيل : فهل يكون الولي ~~معصوما قيل : أما وجوبا كما يكون للأنبياء فلا ! وأما أن يكون محفوظا حتى ~~لا يصر على الذنوب ، وإن حصلت منهيات أو زلات في أوقات ، فلا يمنع في وصفهم ~~. قال : ولقد قيل للجنيد رحمه الله : ( ( العارف يزني ؟ ) ) فأطرق مليا ، ~~ثم رفع رأسه وقال : ( ( وكان أمر الله قدرا مقدورا ) ) . وقال : فهذا كلام ~~منصف ، فكما يجوز على غيرهم المعاصي بالابتداع وغير ذلك ، يجوز عليهم البدع ~~. فالواجب علينا أن نقف مع الاقتداء به إشكال ، بل يعرض ما جاء عن الأئمة ~~على الكتاب والسنة ، فما قبلاه قبلناه . وما لم يقبلاه تركناه ، وما عملنا ~~به ، إذا قام الدليل على اتباع الشارع ، ولم يقم لنا الدليل على اتبارع ms216 ~~أقوال الفقهاء والصوفية وأعمالهم إلا بعد عرضها ، وبذلك رضي شيوخهم علينا ؛ ~~وإن جاء به صاحب الوجد والذوق من العلوم والأحوال والفهوم ، يعرض على ~~الكتاب والسنة ، فإن قبلاه صح ، وإلا لم يصح . قال ثم نقول ثانيا : إن ~~نظرنا في رسومهم التي حددوها ، وأعمالهم التي امتازوا بها عن غيرهم بحسب ~~تحسين الظن ، والتماس أحسن المخارج ، ولم نعرف له مخرجا ، فالواجب التوقف ~~عن الاقتداء ، وإن كانوا في جنس من يقتدي بهم ، لا ردا له ولا اعتراضا عليه ~~، بل لأن لم نفهم وجه PageV01P292 رجوعه إلى القواعد الشرعية كما فهمنا ~~غيره . ثم قال بعد كلام : فوجب بحسب الجريان على آرائهم في سلوك أن لا يعمل ~~بما رسموه ، بما فيه معارضة بأدلة الشرع ، ونكون في ذلك متبعين لآثارهم ، ~~مهتدين بأنوارهم ، خلافا لمن يعرض عن الأدلة ، ويجمد على تقليدهم فيه فيما ~~لا يصح تقليدهم على مذهبهم . فالأدلة الشرعية ، والأنظار الفقهية ، والرسوم ~~الصوفية تذمه وترده ؛ وتحمد من تحري واحتاط وتوقف عند الاشتباه ، واستبرأ ~~لدينه وعرضه ، وهو من مكنون العلم ، وبالله التوفيق ) ) . انتهى . # وقال شمس الدين ابن القيم في كتاب ( ( الروح ) ) : ( ( أعلم أنه لا يعترض ~~على الأدلة من الكتاب والسنة بخلاف المخالف ، فإن هذا عكس طريقة أهل العلم ~~، فإن الأدلة هي التي تبطل ما خلالفها من الأقوال ، ويعترض بها على خالف ~~موجبها ، فتقدم على كل قول اقتضى خلافها ، لا أن أقوال المجتهدين تعارض بها ~~الأدلة وتبطل بمقتضاها ، وتعدم عليها ) ) . انتهى # وقال رحمه الله أيضا في الكتاب المذكور : ( ( الفرق بين الحكم المنزل ~~الواجب الاتباع والحكم المؤول الذي غايتهأن يكون جائز الاتباع ، أن الحكم ~~المنزل هو الذي أنزله الله عز وجل على رسوله ، وحكم به بين عبادة ، وهو ~~الحكم الذي لا حكم له سواه . وأما الحكم المؤول ، فهو أقوال المجتهدين ~~المختلفة التي لا يجب اتباعها ولا يكفر ولا يفسق من خلالفها ، فإن أصحابها ~~لم يقولوا : هذا حكم الله ورسوله ، بل قالوا : اجتهدنا رأنا ، فمن شاء قبله ~~، ومن شاء لم يقبله ، قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى : هذا رأي فمن جاءنا ~~بخير ms217 منه قبلناه . ولو كان هو حكم الله لما ساغ لأبي يوسف ومحمد مخالفتهما ~~فيه ، وكذلك مالك استشاره الرشيد أن يحمل الناس على ما في ( ( الموطأ ) ) ~~فمنعه مالك وقال : قد تفرق أصحاب رسول الله في البلاد ، وصار عند كل قوم ~~علم غير ما عند الآخرين ، وهكذا الشافعي ينهي أصحابه عن تقليده بترك قوله ~~إذا جاء الحديث بخلافه ، وهذا الإمام أحمد ينكر على من كتب فتاوية ودونها ~~ويقول : لا تقلدوني ولا تقلد فلانا ، ولا فلانا ، وخذ من حيث أخذوا ، ولو ~~علموا رضي الله تعالى PageV01P293 عنهم أن أقوالهم وحي يجب اتباعه لحرموا ~~على أصحابهم مخالفتهم ، ولما ساغ لأصحابهم أن يفتوا بخلافهم في شيء ، ولما ~~كان أحدهم يقول القول ثم يفتي بخلافه ، فيروي عنه في المسألة القولان ~~والثلاثة وأكثر من ذلك ، فالرأي والاجتهاد أحسن أحواله أن يسوغ اتباعه ، ~~والحكم المنزل لا يحل لمسلم أن يخالفه ، ولا يخرج عنه ، وأما الحكم المبدل ~~: وهو الحكم بغير ما أنزل الله عز وجل فلا يحل تنفيذه ، ولا العمل به ، ولا ~~يسوغ اتباعه ، وصاحبه بين الكفر والفسوق والظلم ) ) . انتهى # وقال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في جز رفع اليدين : قال وكيع : من ~~طلب الحديث ، كما هو ، فهو صاحب سنة ، ومن طلب الحديث ليقوى هواه ، فهو ~~صاحب بدعة قال : يعني أن الإنسان ينبغي أن يلغي رأيه لحديث النبي ، حيث ~~يثبت الحديث ولا يعلل بعلل لا تصح ليقوى هواه . وقد ذكر عن النبي : ( ( لا ~~يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به . ) ) وقد قال معمر : ( ( أهل ~~العلم كان الأول فالأول أعلم ، وهؤلاء الآخر فالآخر عندهم أعلم ) ) . وروي ~~البخاري رحمه الله تعالى أيضا في جزء القراءة خلف الإمام عن ابن عباس ~~ومجاهد أنهما قالا : ليس أحد بعد النبي ، إلا يؤخذ من قوله ويترك ، إلا ~~النبي ) ) . انتهى * * * # 12 - الترهيب من عدم توفير الحديث وهجر من يعرض عنه والغضب لله في ذلك # قال الإمام الحافظ أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي رحمه الله ~~تعالى في سننه : باب تعجيل عقوبة من بلغه ms218 عن النبي حديث فلم يعظمه ولم ~~يوقره : أخبرنا عبد الله ابن صالح ، حدثني الليث ، حدثني ابن عجلان ، عن ~~العجلان ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله قال : ( ( بينما رجل يتبختر في ~~بردين ، خسف الله به الأرض ، فهو يتجلل فيها إلى يوم القيامة ! ) ) فقال له ~~فتي قد سماه وهو في حلة له : يا أبا هريرة ! أهكذا كان يمشي ذلك الفتي الذي ~~خسف به ؟ ثم ضرب بيده ، فعثر عثر كاد يتكسر فيها - فقال أبو هريرة : ~~للمنخرين وللفم ( ( إنا كفيناك المستهزئين ) ) . PageV01P294 # أخبرنا محمد بن حميد ، حدثنا هارون - هو ابن المغيرة - عن عمر بن أبي قيس ~~، عن الزبير ابن عدي عن خراش بن جبير ، قال : رأيت في المسجد فتي يخذف ، ~~فقال له شيخ : لا تخذف فإني سمعت الله نهى عن الخذف ، فغفل الفتي ، فظن أن ~~الشيخ لا يفطن له ، فخذف ، فقال له الشيخ : أحدثك أني سمعت رسول الله ينهي ~~عن الخذف ، ثم تخذف ، والله لا أشهد لك جنازة ، ولا أعودك في مرض ، ولا ~~أكملك أبدا . فقلت لصاحب لي يقال له مهاجر : انطلق إلى خراش فاسأله ، فأتاه ~~، فسأله عنه ، فحدثه . # أخبرنا سفيان بن حرب ، حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن سعيد بن جبير ، ~~عن عبد الله بن مغفل قال : نهى رسول الله عن الخذف وقال : ( ( إنها لا ~~تصطاد صيدا ، ولا تنكي عدوا ، ولكنها تكسر السن ، وتفقا العين ) ) فرفع رجل ~~بينه وبين سعيد قرابة شيئا من الأرض فقال : هذه ، وما تكون هذه ؟ فقال سعيد ~~: ألا أراني أحدثك عن رسول الله ثم تهاون بها ! لا أكلمك أبدا . # أخبرنا عبد الله بن يزيد ، حدثنا كهمس بن الحسن ، عن عبد الله بن بريده ~~قال : رأي عبد الله بن مغفل رجلا من أصحابه يخذف ، فقال : لا تخذف ! فإن ~~رسول الله كان ينهي عن الخذف ، وكان يكرهه ، وإنه لا ينكأ به عدو ، ولا ~~يصاد به صيد ، ولكنه قد يفقأ العين ، ويكسر السن ؛ ثم رآه بعد ذلك يخذف ، ~~فقال له : ألم أخبرك أن رسول الله كان ينهي عنه ، ثم أراك تخذف ! والله ms219 لا ~~أكلمك أبدا ! # أخبرنا مروان بن محمد ، حدثنا إسماعيل بن بشر ، عن قتادة ، قال : حدث ابن ~~سيرين رجلا يحدث عن النبي فقال رجل : قال فلان وفلان كذا وكذا ، فقال ابن ~~سيرن : أحدثك عن النبي ، وتقول : قال فلان وفلان كذا وكذا ، لا أكلمك أبدا ~~! # أخبرنا محمد بن كثير ، عن الأوزاعي ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر ، ~~أن رسول الله قال : إذا أستأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها ) ) . ~~قال فلان بن عبد الله PageV01P295 إذن والله وأمنعها ، فأقبل عليه ابن عمر ~~، فشتمه شتمة لم أره شتمها أحدا قبله ، ثم قال : أحدثك عن رسول الله ، ~~وتقول : إذن والله أمنعها ؟ # أخبرنا محمد بن حميد ، حدثنا هارون بن المغيرة ، عن معروف ، عن أبي ~~المخارق ، قال : ذكر عبادة بن الصامت أن النبي نهى عن درهمين بدرهم ، قال ~~فلان : ما أرى بهذا بأسا ، يدا بيد ، فقال عبادة : أقول : قال النبي وتقول ~~: لا أرى به بأسا ، والله لا يظلني وإياك سقف أبدا ! # أخبرنا محمد بن يزيد الرفاعي ، حدثنا أبو عامر العقدي ، عن زمعة ، عن ~~سلمة بن وهرام عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي قال : ( ( لا تطرقوا ~~النساء ليلا ) ) قال : وأقبل رسول الله قافلا ، فانساق رجلان إلى أهليهما ~~وكلاهما وجد مع امرأته رجلا . # أخبرنا أبو المغيرة ، حدثنا الأوزاعي ، عن عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي ، ~~عن سعيد ابن المسيب ، قال : كان رسول الله إذا قدم من سفر ، نزل المعرش ثم ~~قال ( ( لا تطرقوا النساء ليلا ) ) فخرج رجلان ممن سمع مقالته فطرقا أهلهما ~~فوجد كل واحد منهما مع إمراته رجلا ! # أخبرنا أبو المغيرة ، حدثنا الأوزاعي ، عن عبد الرحمن بن حرملة ، قال : ~~جاء رجل إلى سعيد بن المسيب يودعه بحج أو عمرة فقال له : لا تبرح حتى تصلي ~~، فإن رسول الله قال ( ( لا يخرج بعد النداء من المسجد إلا منافق ، إلا رجل ~~أخرجته حاجة وهو يريد الرجعة إلى المسجد . ) ) فقال : إن أصحابي بالحرة ، ~~قال : فخرج ، قال . فلم يزل سعيد يولع بذكره ، حتى أخبر أنه وقع من راحلته ~~فانكسرت فخذه ) ) انتهى ms220 . # وروى مسلم حديث سالم عن ابن عمر المتقدم ، ورواه الإمام أحمد وزاد : ( ( ~~فما كلمه عبد الله حتى مات ) ) . # قال الطيبي رحمه الله - شارح المشكاة - : ( ( عجبت ممن يتسمى بالسني ، ~~إذا سمع من سنة رسول الله ، وله رأي ، رجح رأيه عليها ، وأي فرق بينه وبين ~~PageV01P296 المبتدع ؟ أما سمع : ( ( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما ~~جئت به ) ) ؟ وها هو ابن عمر ، وهو من أكابر الصحابة وفقهائها ، كيف غضب ~~لله ورسوله ، وهجر فلذة كبده ، لتلك الهتة ، عبرة لأولي الألباب ) ) . 1 ه ~~. # وقال النووي في شرح مسلم عند الكلام على حديث عبد الله بن مغفل الذي تقدم ~~: ( ( فيه جواز هجران أهل البدع والفسوق ، وأنه يجوز هجرانهم دائما ، ~~فالنهي عنه فوق ثلاثة أيام إنما هي في هجر لحظ نفسه ، ومعايش الدنيا وأما ~~هجر أهل البدع فيجوز على الدوام ، كما يدل عليه هذا مع نظائر له ، كحديث ~~كعب بن مالك . قال السيوطي : ( ( وقد الفت مؤلفا سميته ( ( الزجر بالهجر ) ~~) لأني كثير الملازمة لهذه السنة ) ) انتهى . # وقال الشعراني قدس سره : ( ( سمع الإمام أحمد بن أبي إسحاق السبيعي يقول ~~: إلى متى حديث ( ( اشتغلوا بالعلم ) ) فقال له الإمام أحمد : ( ( قم يا ~~كافر ، لا تدخل علينا أنت بعد اليوم . ثم إنه التفت إلى أصحابه وقال : ما ~~قلت أبدا لأحد من الناس : لا تدخل داري غير هذا الفاسق ) ) 1 ه فانظر يا ~~أخي كيف وقع من الإمام هذا الزجر العظيم ، لمن قال إلى متى حديث : ( ( ~~اشتغلوا بالعلم ) ) فكانوا رضي الله عنهم لا يتجرأ أحد منهم أن يخرج عن ~~السنة قيد شبر ؛ بل بلغنا أن مغنيا كان يغني للخليفة ، فقيل له : إن مالك ~~بن أنس يقول بتحريم الغناء ، فقال المغني : وهل لمالك وأمثاله أن يحرم في ~~دين ابن عبد المطلب ، والله يا أمير المؤمنين ، ما كان التحريم لرسول الله ~~إلا يوحي من ربه عز وجل . وقد قال تعالى : ( ( لتحكم بين الناس بما أراك ~~الله ) ) لم يقل : ( ( بما رأيت يا محمد ) ) . فلو كان الدين بالرأي ، لكان ~~رأي رسول الله لا يحتاج إلى وحي ms221 ، وكان الحق تعالى أمره أن يعمل به ، بل ~~عاتبه الله تعالى حين حرم على نفسه ما حرم في قصة مارية وقال : ( ^ يا أيها ~~النبي لم تحرم ما أحل الله لك ؟ ) الآية . انتهى PageV01P297 # وقال قدس الله سره أيضا : ( ( كان الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه يقول : ~~إياكم وآراء الرجال . ودخل عليه مرة رجل من أهل الكوفة ، والحديث يقرأ عنده ~~، فقال الرجل : دعونا من هذه الأحاديث 1 فزجره الإمام أشد الزجر وقال له : ~~لولا السنة ، ما فهم أحد منا القرآن . ثم قال للرجل : ما تقول في لحم القرد ~~وأبن دليله من القرآن ؟ فأفحم الرجل . فقال للإمام : فما تقول أنت فيه ؟ ~~فقال : ليس هو من بهيمة الأنغام . فانظر يا أخي إلى مناضلة الإمام عن السنة ~~، وزجره من عرض له بترك النظر في أحاديثها . فكيف ينبغي لأحد أن ينسب ~~الإمام إلى القول في دين الله بالرأي الذي لا يشهد له ظاهر كتاب ولا سنة ؟ ~~وكان رضي الله عنه يقول : عليكم بآثار من سلف ، وإياكم ورأي الرجال ، وإن ~~زخرفوه بالقول ، فإن الأمر ينجلي حين ينجلي ، وأنتم على صراط مستقيم . وكان ~~يقول : إياكم والبدع والتبدع والتنطع ، وعليكم بالأمر الأول العتيق . ودخل ~~شخص الكوفة بكتاب ( ( دانيا ) ) فكاد أبو حنيفة أن يقبله وقال له : أكتاب ~~ثم غير القرآن والحديث ؟ وقيل له مرة : ما تقول فيما أحدثه الناس من الكلام ~~في العرض والجوهر والجسم ؟ فقال : هذه مقالات الفلاسفة ، فعليكم بالآثار ، ~~وطريقة السلف ، وإياكم وكل محدث ، فإنه بدعة ، وقيل له مرة : قد ترك الناس ~~العمل بالحديث وأقبلوا على سماعه ، فقال رضي الله عنه : نفس سماعهم للحديث ~~عمل به . وكان يقول : لم تزل الناس في صلاح ما دام فيهم من يطلب الحديث ~~فإذا طلبوا العلم بلا حديث فسدوا . وكان رضي الله عنه يقول : قاتل الله ~~عمرو بن عبيد ، فإنه فتح للناس باب الخوض في الكلام فيما لا يعنيهم . وكان ~~يقول : لا ينبغي لأحد أن يقول قولا حتى يعلم أن شريعة رسول الله تقبله ) ) ~~. انتهى ملخصا . PageV01P298 # 13 - ما ينقي من تفسير حديث ms222 النبي وقول غيره عند قوله ) ) . أخبرنا موسى ~~بن خالد حدثنا معتمر عن أبيه قال : ليتق من تفسير حديث كما تقي من تفسير ~~القرآن . أخبرنا صدقة بن الفضل ، حدثنا معتمر عن أبيه قال : قال ابن عباس : ~~أما تخافون أن تعذبوا ويخسف بكم أن تقولوا قال رسول الله ، وقال فلان . ~~أخبرنا الحسن بن بشر ، حدثنا المعافي ، عن الأوزاعي قال : كتب عمر بن عبد ~~العزيز أنه لا رأي لأحد في كتاب الله ، وإنما رأي الأئمة فيما لا ينزل فيه ~~كتاب ، ولم تمض به سنة من رسول الله ، ولا رأي لأحد في سنة سنها رسول الله ~~حدثنا موسى بن خالد ، حدثنا معتمر بن سليمان ، عن عبيد الله بن عمر أن عمر ~~أن عمر بن عبد العزيز خطب فقال : ( ( يا أيها الناس ، إن الله لم يبعث نبيا ~~بعدنبيكم ، ولم ينزل بعد هذا الكتاب الذي أنزله عليه كتابا ، فما أحل الله ~~على لسان نبيه فهو حلال إلى يوم القيامة ، وما حرم على لسان نبيه فهو حرام ~~إلى يوم القيامة ، ألا وأني لست بقاض ؛ ولكني منفض ولست بمبتدع ، ولكني ~~متبع ، ولست بخير منكم ، غير أني أثقلكم حملا ، وأنه ليس لأحد من خلق الله ~~أن يطاع في معصية الله . ألا هل أسمعت ؟ ) ) # أخبرنا عبيد الله بن سعيد ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن هشام بن حجير ، ~~قال : كان طاوس يصلي ركعتين بعد العصر ، فقال له ابن عباس : اتركهما ، قال ~~: إنما نهى عنهم أن تتخذا سلما ، قال ابن عباس : فإنه قد نهى عن صلاة بعد ~~العصر ، فلا أدري أتعذب عليها أم تؤخر ، لأن الله يقول : ( ( وما كان لمؤمن ~~ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ) ) . قال ~~سفيان : تتخذ سلما ، يقول يصلي بعد العصر إلى الليل . حدثنا قبيصة ، أخبرنا ~~سفيان ، عن أبي رباح شيخ من آل PageV01P299 عمر قال ؛ رأي سعيد بن المسيب ~~رجلا يصلي بعد العصر الركعتين ، يكثر ، فقال له : يا أبا محمد ! أيعذبني ~~الله على الصلاة ؟ لا ، ولكن يعذبك الله بخلاف السنة ) ) . انتهى # وقال ms223 الإمام الشافعي رضي الله عنه في رسالته : ( ( أخبرني أبو حنيفة بن ~~سماك بن الفضل الشهاب ، قال أخبرني ابن أبي ذئب عن المقبري ، عن أبي شريح ~~الكعبي ، أن النبي قال عام الفتح : ( ( من قتل له قتيل فهو بخير النظرين عن ~~أحب أخذ العقل وإن أحب لفه القود ) ) . قال أبو حنيفة فقلت لابن أبي ذئب : ~~أتأخذ بهذا يا أبا الحارث ؟ فضرب صدري وصاح على صياحا كثيرا ونال منى وقال ~~: أحدثك عن رسول الله ، وتقول أتأخذ به ؟ نعم ، أخذ به ، وذلك الفرض على ~~وعلى من سمعه . إن الله تبارك وتعالى اختار محمدا من الناس فهداهم به وعلى ~~يديه ، واختار لهم ما اختار له ، وعلى لسانه ؛ فعلي الخلق أن يتبعوه طائعين ~~أو داخرين ، لا مخرج لمسلم من ذلك . قال : وما سكت حتى يمنيت أن يسكت ) ) . ~~انتهى . # وقال العارف الشعراني في مقدمة ميزانه : ( ( قال الإمام محمد الكوفي ، ~~رأيت الإمام الشافعي رضي الله عنه بمكة وهو يفتي الناس ، ورأيت الإمام أحمد ~~إسحاق بن راهويه حاضرين فقال الشافعي : قال رسول الله : ( ( وهل ترك لنا ~~عقيل من دار ؟ ) ) فقال إسحاق : روينا عن الحسن وإبراهيم أنهما لم يكونا ~~يريانه ، وكذلك عطاء ومجاهد ! فقال الشافعي لإسحاق : لو كان غيرك موضعك ~~لفركت أذنه ! أقول : قال رسول الله ، ونقول : قال عطاء ومجاهد والحسن ؟ وهل ~~لأحد مع قول رسول الله حجة - بأبي هو وأمي - ) ) . انتهى # وأخر الحافظ ابن عبد البر عن بكير بن الأشج ، أن رجلا قال للقاسم بن محمد ~~: عجبا من عائشة كيف كانت تصلي في السفر أربعا ، ورسول الله كان يصلي ~~ركعتين ركعتين ؟ فقال : يا ابن أخي عليك بسنة رسول الله حيث وجدتها ~~PageV01P300 فإن من الناس من لا يعاب . وعن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال ~~: تمتع رسول الله ، فقال عروة : نهى أبو بكر وعمر عن المتعة ، فقال ابن ~~عباس : ما تقول ما عروة ؟ قال يقولون : نهي أبو بكر وعمر عن المتعة ، فقال ~~ابن عباس : أراهم سيهلكون ، أقول : قال رسول الله ، ويقولون : قال أبو بكر ~~وعمر . قال ابن عبد البر ms224 : يعني متعة الحج ، وهو فسخ الحج في عمرة . وقال ~~أبو الدرداء : من يعذرني من معاوية ؟ أحدثه عن رسول الله ، ويخبرني برأيه ! ~~لا أساكنك بأرض أنت فيها . وعن عبادة بن الصامت مثل ذلك . وعن عمر بن دينار ~~، عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه قال عمر : إذا رميتم الجمرة سبع حصيات ، ~~وذبحتم وحلقتم ، فقد حل لكم كل شيء إلا الطيب والنساء . قال سالم : وقالت ~~عائشة أنا طيبت رسول الله لحله قبل أن يطوف بالبيت . قال سالم : فسنة رسول ~~الله أحق أن تتبع ) ) . نقله العلامة الفلاني في إيقاظ الهمم . * * * # 14 - ما يقوله من بلغه حديث كان يعتقد خلافه # قال الإمام النووي في ( ( رياض الصالحين ) ) في باب ( ( وجوب الانقياد ~~لحكم الله ، وما يقوله عن دعي إلى ذلك ) ) . ( ( قال الله تعالى . ( ^ فلا ~~وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا ~~مما قضيت ، ويسلموا تسليما ) ) . وقال الله تعالى : ( ^ إنما كان قول ~~المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا : سمعنا وأطعنا ، ~~وأولئك هم المفلحون ) ) . ثم ساق شذرة من الأحاديث في ذلك . # وقال رضي الله عنه في أذكاره في باب ( ( ما يقوله من دعي إلى حكم الله ~~تعالى ) ) PageV01P301 ما صورته : ( ( وكذلك ينبغي إذا قال له صاحبه : هذا ~~الذي فعلته خلاف حديث رسول الله ، أو نحو ذلك أن لا يقول : لا ألتزم الحديث ~~، أو لا أعمل بالحديث أو نحو ذلك من العبارات المستبشعة . وأن كان الحديث ~~متروك الظاهر ، لتخصيص أو تأويل أو نحو ذلك يقول عند ذلك : هذا الحديث ~~مخصوص أو متاول ، أو متروك الظاهر بالإجماع وشبه ذلك ) ) انتهى . * * * # 15 - ما روى عن السلف في الرجوع إلى البيت # قال الإمام الشافعي في الرسالة : أخبرنا سفيان بن عيينة وعبد الوهاب ~~الثقفي ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب ، أن عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه قضى في الإبهام بخمس عشرة ، وفي التي تليها بعشر ، وفي الوسطى بعشر ، ~~وفي التي تلي الخنصر بتسع وفي الخنضر بست . قال الشافعي : لما كان ms225 معروفا - ~~والله أعلم - عند عمر أن رسول الله قضى في اليد بخمسين ، وكانت اليد خمسة ~~أطراف مختلفة الجمال والمنافع نزلها منازلها ، فحكم لكل واحد من الأطراف ~~بقدره من دية الكف ، فهذا قياس على الخبر . قال الشافعي : فلما وجد كتاب آل ~~عمرو بن حزم ، فيه أن رسول الله قال : ( ( وفي كل إصبع مما هنالك عشر من ~~الإبل ) ) صاروا إليه . قال : ولم يقبلوا كتاب آل عمر بن حزم - والله أعلم ~~- حتى ثبت لهم أنه كتاب رسول الله . وفي هذا الحديث دلالتان : إحداهما : ~~قبول الخبر ، والأخرى : أن يقبل الخبر في الوقت الذي يثبت فيه ، وإن لم يمض ~~عمل من أحد من الأئمة بمثل الخبر الذي قبلوا . ودلالة على أنه لو مضى أيضا ~~عمل من أحد من الأئمة ، ثم وجد عن النبي خبر يخالف عمله ، لترك عمله لخبر ~~رسول الله ، ودلالة على أن حديث رسول الله يثبت بنفسه لا بعمل غيره بعده . ~~قال الشافعي : ولم يقل المسلمون : قد عمل فينا عمر بخلاف هذا من المهاجرين ~~والأنصار ، ولم تذكروا أنتم أن عندكم خلافه ، PageV01P302 ولا غيركم ، بل ~~صاروا إلى ما وجب عليهم من قبول الخبر عن رسول الله وترك كل عمل خالفه . ~~ولو بلغ عمر هذا صار إليه ، إن شاء الله ، كما صار إلى غيره مما بلغه عن ~~رسول الله بتقواه لله ، وتأديته الواجب عليه في اتباع أمر رسول الله ، ~~وعلمه بأن ليس لأحد مع رسول الله أمر ، وأن طاعة الله في اتباع أمر رسول ~~الله . قال الشافعي : ( ( فإن قال لي قائل : فاد للني على أن عمر عمل شيئا ~~، ثم صار إلى غيره لخبر عن رسول الله ، قلت : فإن أوجدتكه ، قال : ففي ~~إيجادك إياي ذلك دليل على أمرين : أحدهما : أنه قد يعمل من جهة الرأي إذا ~~لم يجد سنة ، والآخر : أن السنة إذا وجدت عليه ترك عمل نفسه ، ووجب على ~~الناس ترك كل عمل وجدت السنة بخلافة ، وإبطال أن السنة لا تثبت إلا بخبر ~~تقدمها وعلم أنه لا يوهيها شيء إن خالفها . قال الشافعي : ( ( أخبرنا سفيان ms226 ~~عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول : ~~والدية على العاقلة ، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئا ، حتى أخبره الضحاك ~~بن سفيان أن رسول الله كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضباني من ديته ، فرجع ~~إليه عمر ، قال الشافعي : أخبرنا سفيان ، عن عمرو بن دينار وابن طاوس ، عن ~~طاوس ، أن عمر قال : أذكر الله امرءا سمع من النبي في الجنين شيئا ، فقام ~~حمل بن مالك بن النابغة فقال : كنت بين جاريتين لي - يعني ضرتين - فضربت ~~إحداهما الأخرى بمسطح ، فألقت جنينا ميتا ، فقضى فيه رسول الله بغرة ، فقال ~~عمر رضي الله عنه : لو لم نسمع هذا لقضينا فيه بغير هذا . وقال غيره : إن ~~كدنا أن نقضي في مثل هذا برأينا . قال الشافعي : فقد رجع عمر عما كان يقضي ~~به لحديث الضحاك إلى أن خالف فيه حكم نفسه ؛ وأخبر في الجنين أنه لو لم ~~يسمع بهذا لقضي فيه بغيره ، وقال : إن كذنا أن نقضي في مثل هذا بآراتنا . ~~قال الشافعي : يخبر - والله أعلم - أن السنة إذا كانت موجودة بأن في النفس ~~مائة من الإبل ، فلا يعدو الجنين أن يكون حيا ، فتكون فيه مائة من الإبل ، ~~أو ميتا فلا شيء فيه . فلما أخبر بقضاء رسول الله فيه سلم له ولم يجعل ~~لنفسه إلا اتباعه فيما مضى حكمه بخلافه ، وفيما كان رأيا منه لم ~~PageV01P303 يبلغه عن رسول الله فيه شيء ، فلما بلغه خلاف فعله ، صار إلى ~~حكم رسول الله وترك حكم نفسه وكذلك كان في كل أمره ، وكذلك يلزم الناس أن ~~يكونوا ) ) . انتهى # 16 - حق الأدب فيما لم تدرك حقيقة من الأخبار النبوية # نقل القسطلاني في شرح البخاري عند باب ( ( صفة إبليس ) ) آخر الباب عن ( ~~( التوربشتي ) ) في حديث : ( ( إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضأ ، فليستنثر ~~ثلاثا ، فإن الشيطان يبيت على خيشومه ) ) ما نصه : ( ( حق الأدب دون ~~الكلمات النبوية التي هي مخازن لأسرار الربوبية ، ومعادن الحكم الإلهية ، ~~أن لا يتكلم في الحديث وأخوانه بشيء . فإن الله تعالى ms227 خص رسول بغرائب ~~المعاني ، وكاشفة عن حقائق الأشياء ما يقصر عن بيانه باع الفهم ، ويكل عن ~~إدراكه بصر العقل ) ) . انتهى . # وقال العارف الشعراني قدس سره في ميزانه : ( ( روينا عن الإمام الشافعي ~~رضي الله عنه أنه كان يقول : التسليم نصف الإيمان قال له الربيع الجيزي : ~~بل هو الإيمان كله يا أبا عبد الله فقال : وهو كذلك . وكان الإمام الشافعي ~~يقول : من كمال إيمان العبد أن لا يبحث في الأصول ولا يقول فيها ( ( لم ولا ~~كيف ؟ ) ) فقيل له : وما هي الأصول ؟ فقال : هي الكتاب والسنة وإجماع الأمة ~~. انتهى . قال الشعراني : أي فنقول في كل ما جاءنا عن ربنا أو نبينا : آمنا ~~بذلك على علم ربنا فيه ) ) . انتهى . # أقول : رأيت بخط شيخنا العلامة المحقق الشيخ محمد الطندتائي الأزهري ثم ~~الدمشقي على سؤال في فتاوي ابن حجر في الميت إذا ألحد في قبره ، هل يقعد ~~ويسأل ، أم يسأل هو راقد ؟ وهل تلبس الجثة الروح . . . الخ ما نصه : ( ( ~~أعلم : أن السؤال عن هذه الأشياء من باب الاشتغال بما لا يعني ، وقد ورد ( ~~( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ) ) وإنما كان من الاشتغال بما لا ~~يعني ، لأن الله تعالى لم يكلفنا بمعرفة حقائق الأشياء ، وإنما كلفنا ~~بتصديق نبيه في كل ما جاء به ، وبامتثال أمره ، واجتناب نهيه . وإنما اشتغل ~~PageV01P304 بالبحث عن حقائق الأشياء . هؤلاء الفلاسفة الذين سمعوا أنفسهم ~~بالحكماء ، لأنهم أنكروا المعاد الجسماني ، وقالوا بالحشر الروحاني ، ~~وزعموا أن النعيم إنما هو بالعلم ، والعذاب إنما هو بالجهل . وقد عم هذا ~~البلاد كثيرا من العلماء ، حتى اعتقدوا أن هذه الفلسفة هي الحكمة ورأوها ~~أفضل ما يكتسبه الإنسان ، وإن ما سواها من علوم الدين وآلاتها ، ليس فضيلة ~~. فلا حول ولا قوة إلا بالله 1 فالواجب تصديق الشارع في كل ما ثبت عنه وإن ~~لم يفهم معناه ، فلا تضيع وقتك في الاشتغال بما لا يعنيك ) ) . انتهى كلامه ~~رحمه الله تعالى . * * * # 17 - بيان إمراء السلف الأحاديث على ظاهرها # قال العارف الشعراني في ميزانه : ( ( كان الإمام الشافعي يقول الحديث على ms228 ~~ظاهره ، لكنه إذا احتمل عدة معان ، فأولاها ما وافق الظاهر ) ) . انتهى . # وقال قدس سره أيضا : ( ( وقد كان السلف الصالح من الصحابة والتابعين ~~يقدرون على القياس ، ولكنهم تركوا ذلك أدبا مع رسول الله . ومن هنا قال ~~سفيان الثوري : من الأدب إجراء الأحاديث التي خرجت مخرج الزجر والتنفير على ~~ظاهرها من غير تأويل ، فإنها إذا أولت خرجت عن مراد الشارع ، كحديث : ( ( ~~من غشنا فليس منا ) ) وحديث ( ( ليس منا من تطير أو تطير له . . . ) ) ~~وحديث ( ( ليس منا من لطم الخدود ، وشق الجيوب ، ودعا بدعوى الجاهلية ) ) ~~فإن العالم إذا أولها بأن المراد ( ( ليس منا ) ) في تلك الخصلة فقط ، أي ، ~~وهو منا في غيرها ، هان على الفاسق الوقوع فيها وقال : مثل المخالفة في ~~خصلة واحدة أمر سهل . فكان أدب السلف الصالح بعدم التأويل أولي بالاتباع ~~للشارع ، وإن كان قواعد الشريعة قد تشهد أيضا لذلك التأويل ) ) انتهى . # وهكذا مذهب السلف في الصفات . قال الحافظ شمس الدين الذهبي الشافعي ~~الدمشقي PageV01P305 رحمه الله تعالى في كتاب ( ( العلو ) ) : ( ( قال ~~الإمام العلامة حافظ المغرب أبو عمر يوسف ابن عبد البر الأندلسي في شرح ~~الموطأ : أهل السنة يجمعون على الإقرار بالصفات الواردة في الكتاب والسنة ، ~~وحملها على الحقيقة لا على المجاز . إلا أنهم لم يكيفوا شيئا من ذلك . وأما ~~الجهمية والمعتزلة والخوارج ، فكلهم ينكرها ، ولا يحمل منها شيئا على ~~الحقيقة ، ويزعمون أن من أقر بها مشبه ، وهم عند من أقر بها نافون للمعبود ~~. ) ) قال الحافظ الذهبي : صدق والله ، فإن من تأول سائر الصفات ، وحمل ما ~~ورد منها على مجاز الكلام ، أداه ذلك السلب إلى تعطيل الرب ، وأن يشابه ~~المعدوم ؛ كما نقل عن حماد بن زيد أنه قال : ( ( مثل الجهمية كقوم قالوا : ~~في دارنا نخلة ، قيل : ألها سعف ؟ قالوا : لا ! قيل : فما في داركم نخلة ! ~~! قلت : كذلك هؤلاء النفاة ، قالوا : إلهنا الله تعالى ، وهو لا في زمان ~~ولا مكان ولا يري ولا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم ولا يرضي ولا يريد ولا ولا . ~~. . وقالوا : سبحان المنزه عن الصفات ، بل نقول : سبحان الله ms229 تعالى العظيم ~~السميع البصير المريد الذي كلم موسى تكليما ، وأتخذ إبراهيم خليلا ، ويرى ~~في الآخرة ، المتصف بما وصف نفسه ، ووصفه به رسله ، المنزه عن سمات ~~المخلوقين ، وعن حجد الجاحدين ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) ) . # ثم قال الذهبي : ( ( وقال عالم العراق أبو يعلي محمد بن الحسين بن الفراء ~~البغدادي الحنبلي في كتاب ( ( إبطال التأويل ) ) له : لا يجوز رج هذه ~~الأخبار ، ولا التشاغل بتأويلها ، والواجب حملها على ظاهرها ، وأنها صفات ~~الله عز وجل ، لا تشبه بسائر صفات الموصوفين بها من الخلق . قال : ويدل على ~~إبطال التأويل أن الصحابة ومن بعدهم حملوها على ظاهرها ، ولم يتعرضوا ~~لتأويلها ، ولا صرفها عن ظاهرها ، فلو كان التأويل سائغا لكانوا إليه أسبق ~~، لما فيه من إزالة التشبيه ، يعني على زعمهم من قال : إن ظاهرها تشبيه . ) ~~) قال الذهبي : قلت : المتأخرون من أهل النظر قالوا مقالة مولده ما علمت ~~أحدا سبقهم بها . قالوا : هذه PageV01P306 الصفات تمر كل جاءت ، ولا تؤول ~~مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد . فتفرع من هذا أن الظاهر يعين به أمران : # ( ( أحدهما : أنه لا تأويل لها غير دلالة الخطاب ، كما قال السلف : ~~الاستواء معلوم ؛ وكما قال سفيان وغيره : قراءتها تفسيرها ، يعني أنها بينة ~~واضحة في اللغة لا يبتغي بها مضايق التأويل والتحريف . وهذا هو مذهب السلف ~~مع اتفاقهم أيضا أنها لا تشبه صفات البشر بوجه ، إذا الباري لا مثل له ، لا ~~في ذاته ، ولا في صفاته . # ( ( الثاني : أن ظاهرها هو الذي يتشكل في الخيال من الصفة ، كما يتشكل في ~~الذهن من وصف البشر . فهذا غير مراد ، فإن الله تعالى فرد صمد ، ليس له ~~نظير ، وإن تعددت صفاته فإنها حق ، ولكن ما لها مثل ولا نظير . فمن ذا الذي ~~عانيه ونعته لنا ، ومن ذا الذي يستطيع أن ينعت لنا كيف سمع كلامه ؟ والله ~~إنا لعاجزون كالون حائرون باهتون في حد الروح التي فينا ، وكيف تعرج كل ~~ليلة إذا توفاها بارئها ، وكيف يرسلها ، وكيف تستقل بعد الموت وكيف حياة ~~الشهيد المرزوق عند ربه بعد قتله ، وكيف حياة ms230 النبيين الآن ، وكيف شاهد ~~النبي أخاه موسى يصلي في قبره قائما ، ثم رآه في السماء السادسة ، وحاوره ، ~~وأشار عليه بمراجعة رب العالمين ، وطلب التخفيف منه على أمته ، وكيف ناظر ~~موسى أباه آدم ، وحجه آدم بالقدر السابق . وكذلك نعجز عن وصف هيئتنا في ~~الجنة ، ووصف الحور العين ، فكيف بنا إذا انتقلنا إلى الملائكة وذواتهم ، ~~وكيفيتها ، وأن بعضهم يمكنه أن يلتقم الدنيا في لقمة مع رونقهم وحسنهم ~~وصفاء جوهرهم النوراني ، فالله أعلى وأعظم ، له المثل الأعلى والكمال ~~المطلق ، ولا مثل له أصلا ، آمنا بالله ، واشهد بأننا مسلمون ) ) انتهى . # ثم قال الذهبي : ( ( قال الإمام الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي : أما ~~الكلام في كل لصفات : فأما ما روى منها في السنن الصحاح ، فمذهب السلف ~~إثباتها وإجراؤها على ظواهرها نقي الكيفية والتشبيه عنها . ثم قال : ~~والمراد بظاهرها أنه لا باطن لألفاظ الكتاب السنة غير ما وضعت له كما قال ~~مالك وغيره : ( ( الاستواء معلوم ) ) . وكذلك القول في السمع PageV01P307 ~~والبصر والعلم ، والكلام والإرادة والوجه ونحو ذلك ، هذه الأشياء معلومة ~~فلا تحتاج إلى بيان وتفسير ، لكن الكيف في جميعها مجهول عندنا . وقد نقل ~~الذهبي في كتابه المذكور هذا المذهب عن مئة وخمسين إماما ، بدأ منهم بأبي ~~حنيفة رضي الله عنهم ، وختم بالقرطبي فانظره . * * * # 18 - قاعدة الإمام الشافعي رحمه الله في مختلف الحديث # ساقها ضمن محاورة مع باحث فيما ورد في التغليس بالفجر والإسفار # قال رضي الله عنه في رسالته في باب ( ( ما يعد مختلفا وليس عندنا بمختلف ~~) ) أخبرنا ابن عيينة عن محمد بن عجلان ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، عن ~~محمود بن لبيد ، عن رافع بن خديج ، أن رسول الله قال : ( ( أسفروا بصلاة ~~الفجر فإن ذلك أعظم للأجر أو أعظم لأجوركم ) ) قال الشافعي ؛ أخبرنا ابن ~~عيينة عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت : كن من نساء المؤمنات يصلين مع ~~النبي الصبح ، ثم ينصرفن وهن متلفعات بمروجهن ، ما يعرفهن أحد من الغلس . ~~قال الشافعي : وذكر تغليس النبي النبي بالفجر سهل بن سعد وزيد بن ثابت ~~وغيرهما من أصحاب ms231 رسول الله شبيها بمعنى حديث عائشة . قال الشافعي : ( ( ~~قال لي قائل نحن نرى أن يسفر بالفجر اعتمادا على حديث رافع ، ونزعم أن ~~الفضل في ذلك ، وأنت ترى جائزا لنا إذا اختلف الحديثان أن نأخذ بأحدهما ، ~~ونحن نعد هذا مخالفا لحديث عائشة . قال الشافعي : فقلت له : إن كان مخالفا ~~لحديث عائشة فكأن الذي يلزمنا وإياك أن نصير إلى حديث عائشة دونه ، لأن أصل ~~ما نبني نحن وأنتم عليه ، أن الأحاديث إذا اختلفت لم نذهب إلى واحد منها ~~دون غيره إلا بسبب يدل على أن الذي ذهبنا إليه أقوى من الذي تركنا . قال : ~~وما ذلك السبب ؟ قلت : أن يكون أحد الحديثين أشبه بكتاب الله ، فإذا أشبه ~~كتاب الله كانت فيه الحجة . قال : هكذا نقول . قلت : فإن PageV01P308 لم ~~يكن فيه نص في كتاب الله ، كان أولاهما بنا الأثبت منهما وذلك أن يكون من ~~رواه أعرف إسنادا ، وأشهر بالعلم والحفظ له من الإملاء ، أو يكون روي ~~الحديث الذي ذهبنا إليه من وجهين أو أكثر ، والذي تركنا من وجه ، فيكون ~~الأكثر أولي بالحفظ من الأقل ، أو يكون الذي ذهبنا إليه أشبه بمعنى كتاب ~~الله أو أشبه بما سواهما من سنن رسول الله ، وأولي بما يعرف أهل ! العلم ~~وأوضح في القياس ، والذي عليه الأكثر من أصحاب رسول الله . قال : وهكذا ~~نقول ويقول أهل العلم . قلت : فحديث عائشة أشبه بكتاب الله ، لأن الله عز ~~وجل يقول ( ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) ) فإذا حل الوقت فأولي ~~المصلين بالمحافظة المقدم للصلاة . وهو أيضا أشهر رجل بالفقه وأحفظ ومع ~~حديث عائشة ثلاثة ، كلهم يروي عن النبي مثل معنى حديث عائشة : زيد بن ثابت ~~، وسهل بن سعد ؛ والعدد الأكثر أولي بالحفظ والنقل ، وهذا أشبه بسنن النبي ~~من حديث رافع بن خديج : قال : وأي سنن ؟ قلت : قال رسول الله : ( ( أول ~~الوقت رضوان الله وآخره عفوه . ) ) وهو لا يؤثر على رضوان الله شيئا ، ~~والعفو لا يحتمل إلا معنيين : عفوا عن تقصير ، أو توسعة ، والتوسعة تشبه أن ~~يكون الفضل في غيرها إذ لم يؤمر ms232 بترك ذلك لغير التي وسع في خلافها . قال : ~~وما تريد بهذا ؟ قلت إذا لم يؤمر بترك الوقت الأول وكان جائزا أن يصلي فيه ~~وفي غيره قبله ، فالفضل في التقديم ، والتأخير تقصير موسع ، وقد أبان رسول ~~الله مثل ما قلنا ، وسئل أي الأعمال أفضل قال : ( ( الصلاة في أول وقتها ) ~~) وهو لا يدع موضع الفضل ، ولا يأمر الناس إلا به وهو الذي لا يجهله عالم : ~~أن تقديم الصلاة في أول وقتها أولي بالفضل لما يعرض للآدميين من الأشغال ~~والنسيان والعلل التي لا تجهلها العقول وهو أشبه بمعنى كتاب الله ، قال أين ~~هو من الكتاب ؟ قلت : قال الله جل ثناؤه ( ( حافظوا على الصلوات والصلاة ~~لوسطى ) ) ومن قدم الصلاة في أول وقتها كان أولي بالمحافظة عليها ممن أخرها ~~عن PageV01P309 أول الوقت . وقد رأينا الناس فيما وجب عليهم ، وفيما تطوعوا ~~به ، يؤمرون بتعجيله إذا أمكن ، لما يعرض للآدميين من الأشغال والنسيان ~~والعلل التي لا تجهلها العقول ، وأن تقديم صلاة الفجر في أول وقتها عن أبي ~~بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي موسى الأشعري وأنس بن مالك وغيرهم ~~رضي الله عنهم مثبت . قال الشافعي : فقال : إن أبا بكر وعمر وعثمان رضي ~~الله عنهم ، دخلوا الصلاة مغلسين وخرجوا منها مسفرين ، بإطاله القراءة ، ~~فقلت له قد أطالوا القراءة وأوجزوها ، والوقت في الدخول لا في الخروج من ~~الصلاة ، وكلهم دخل مغلسا ، وخرج رسول الله منها مغلسا ، فخالفت الذي هو ~~أولي بك أن تصير إليه مما ثبت عن رسول وخالفتهم ، فقلت : يدخل الداخل منها ~~مسفرا ، ويخرج مسفرا ، ويوجز القراءة فخالفتهم في الدخول . وما احتججت به ~~من طول القراءة . وفي الأحاديث عن بعضهم أنه خرج منها مغلسا . قال الشافعي ~~: فقلت إن رسول الله لما حض الناس على تقديم الصلاة ، وأخبر بالفضل فيها ~~احتمل أن يكون من الراغبين من يقدمها قبل الفجر الآخر ، فقال : ( ( أسفروا ~~بالفجر ) ) يعني حتى يتبين الفجر الآخر معترضا ، قال أفيحتمل معنى غير ذلك ~~؟ قال : نعم ، يحتمل ما قلت ؛ وما بين ما قلنا وقلت ، وكل معنى يقع عليه ms233 ~~اسم الإسفار . قال : فما جعل معناكم أولي من معنانا ؟ قلت : بما وصفت لك من ~~الدليل وبأن النبي قال : هما فجران ( ( فأما الذي كأنه ذنب السرحان فلا يحل ~~شيئا ولا يحرمه ، وأما الفجر المعترض ، فيحل الصلاة ويحرم الطعام . ) ) ~~يعني على من أراد الصيام ) ) . انتهى # وقال رضي الله عنه قبل ذلك في باب وجه آخر من الاختلاف : ( ( قال الشافعي ~~: فقال لي قائل قد اختلف في التشهد فروى ابن مسعود عن النبي أنه كان يعلمهم ~~التشهد ، كما يعلمهم السورة من القرآن ، فقال في مبتدئة ثلاث كلمات : ~~التحيات لله ، فبأي التشهد أخذت ؟ قلت : أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن عروة ~~بن الزبير عن PageV01P310 عبد الرحمن بن عبد القارئ أنه سمع عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه يقول على المنبر هو يعلم الناس التشهد - يقول : قولوا : ( ( ~~التحيات لله ، الزاكيات لله ، الطيبات لله ، الصلوات لله السلام عليك أيها ~~النبي ورحمه الله وبركاته ، السلام علينا وعلي عباد الله الصالحين ، أشهد ~~أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده وروسوله ) ) قال الشافعي : هذا ~~الذي علمنا من سبقنا بالعلم من فقهائنا صغارا ، ثم سمعناه بإسناده ، وسمعنا ~~ما يخالفه ، فلم نسمع إسنادا في التشهد يخالفه ولا يوافقه أثبت عندنا منه ، ~~وإن كان غيره ثابتا . وكان الذي نذهب إليه أن عمر لا يعلم الناس على المنبر ~~بين ظهراني أصحاب رسول الله إلا ما علمهم النبي . فلما انتهى إلينا من حديث ~~أصحابنا حديث نثبته عن النبي ، صرنا إليه وكان أولي بنا ؛ قال : وما هو ؟ ~~قلت أخبرنا الثقة ، وهو يحيى ابن حسان ، عن الليث بن سعد عن أبي الزبير ~~المكي عن سعيد بن جبير وطاوس عن ابن عباس أنه قال : كان رسول الله يعلمنا ~~التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن ، فكان يقول : التحيات المباركات ~~الصلوات الطيبات لله السلام عليك أيها النبي ورحمه الله وبركاته ، السلام ~~علينا وعلي عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا ~~رسول الله . قال الشافعي : فإن قال قائل فإنا نرى الرواية اختلفت فيه عن ms234 ~~النبي ، فروي ابن مسعود خلاف هذا ، وأبو موسى خلاف هذا ، وجابر خلاف هذا ، ~~وكلها قد يخالف بعضها بعضا في شيء من لفظه ، ثم علم عمر خلاف هذا كله في ~~بعض لفظه ، وكذلك تشهد عائشة رضي الله عنها وعن أبيها ، وكذلك تشهد ابن عمر ~~، ليس فيها شيء إلا في لفظه شيء غير ما في لفظ صاحبه ، وقد يزيد بعضهم ~~الشيء على البعض . قال الشافعي : فقلت له . الأمر في هذا بين ، قال فأبنه ~~لي ، قلت كل كلام PageV01P311 أريد به تعظيم الله جل ثناؤه فعلمهموه رسول ~~الله ، فلعله جعل يعلمه الرجل فينسى ، والآخر فيحفظه ، وما أخذ خفظا فأكثر ~~ما يحترس فيه منه إحالة المعنى . فلم يكن فيه زيادة ولا نقص ولا اختلاف شيء ~~من كلامه يحيل المعنى فلا يسع إحالته ، فلعل النبي أجاز لكل امرئ منهم ما ~~حفظ كما حفظ ، إذ كان لا معنى فيه يحيل شيئا عن حكمه ، ولعل من اختلفت ~~روايته واختلف تشهده ؛ إنما توسعوا فيه فقالوا على ما حفظوا على ما حضرهم ، ~~فأجيز لهم ، قال : أتجد شيئا يدل على إجازة ما وصفت ؟ فقلت نعم ، قال : وما ~~هو ؟ قلت أخبرنا مالك بن أنس عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن ~~بن عبد القارئ قل : سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : سمعت هشام بن ~~حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها وكان النبي أقرأنيها ، ~~فكدت أن أعجل عليه ثم أمهلته حتى انصرف ثم لببته بردائه ، فجئت به النبي ~~فقلت : يا رسول الله إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها ~~. فقال له رسول الله : اقرأ فقرا القراءة التي سمعته يقرا ، فقال رسول الله ~~: هكذا أنزلت ، ثم قال : اقرأ فقرأت ، فقال هكذا أنزلت ، إن هذا القرآن ~~أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه ) ) قال الشافعي فإذا كان الله جل ~~ثناؤه لرأفته بخلقه انزل كتابه على سبعة أحرف معرفة منه بأن الحفظ منه قد ~~يزل ليحل لهم يعني قراءته ، وإن اختلف اللفظ فيه ms235 ما لم يكن في اختلافهم ~~إحالة معنى ، كان ما سوى كتاب الله أولي أن يجوز فيه اختلاف اللفظ ، ما لم ~~يحل معناه ، وكل ما لم يكن فيه حكم ، فاختلاف اللفظ فيه لا يحيل معناه . ~~وقد قال بعض التابعين رأيت أناسا من أصحاب رسول الله ، فأجمعوا لي في ~~المعنى ، واختلفوا في اللفظ ، فقلت لبعضهم ذلك ، فقال : لا بأس ما لم يحل ~~المعنى . قال الشافعي : فقال : ما في التشهد إلا تعظيم الله ، وإني لأرجو ~~أن يكون كل هذا فيه واسعا ، وأن لا يكون الاختلاف فيه إلا من حيث ما ذكرت ، ~~ومثل هذا كما قلت يمكن في صلاة الخوف ، فيكون إذا جاء بكمال الصلاة على أي ~~الوجوه . روي عن النبي . اجزأه إذ خالف الله عز وجل بينها وبين ما سواها من ~~الصلوات قال : ولكن كيف صرت إلى اختيار حديث ابن PageV01P312 ابن عباس عن ~~النبي في التشهد دون غيره ؟ قلت : لما رأيته واسعا ، وسمعته عن ابن عباس ~~صحيحا ، كان عندي أجمع وأكثر لفظا من غيره ، فأخذت به غير معنف لمن أخذ ~~بغيره مما ثبت عن رسول الله ) ) انتهى . # 19 - فذلكة وجوه الترجيح بين ما ظاهره التعارض # أعلم : أن من نظر في أحوال الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم وجدهم ~~متفقين على العمل بالراجح وترك المرجوح ، وطرق الترجيح كثيرة جدا ، ومدار ~~الترجيح على ما يزيد الناظر قوة في نظره ، على وجه صحيح مطابق للمسالك ~~الشرعية ، فما كان محصلا لذلك فهو مرجح معتبر . والترجيح قد يكون ، باعتبار ~~الإسناد ، وباعتبار المتن ، وباعتبار المدلول ، وباعتبار أمر خارج ، فهذه ~~أربعة أنواع : # 1 - وجوه الترجيح باعتبار الإسناد # 01 - الترجيح بكثرة الرواة : فيرجح ما رواته أكثر على ما رواته أقل ، ~~لقوة الظن به وإليه ذهب الجمهور . قال ابن دقيق العيد : هذا المرجح من أقوى ~~المرجحات . وقال الكرخي : إنهما سواء ولو تعارضت الكثرة من جانب ، والعدالة ~~من الجانب الآخر . ففيه قولان : ترجيح الكثرة ، وترجيح العدالة ؛ فإنه رب ~~عدل يعدل ألف رجل في الثقة ، كما قيل : إن شعبة بن الحجاج كان يعدل مئتين ، ~~وقد ms236 كان الصحابة يقدمون رواية الصديق على رواية غيره . # 02 - ترجح رواية الكبير على رواية الصغير ، لأنه أقرب إلى الضبط ، إلا أن ~~يعلم أن الصغير مثله في الضبط ، أو أكثر ضبطا منه . # 03 - ترجح رواية من كان فقيها على من لم يكن كذلك ، لأنه أعرف بمدلولات ~~الألفاظ . # 04 - ترجح رواية الأوثق . # 05 - ترجح رواية الأحفظ PageV01P313 # 06 - أن يكون أحدهما من الخلفاء الأربعة دون الآخر . # 07 - أن يكون أحدهما صاحب الواقعة ، لأنه أعرف بالقصة . # 08 - أن يكون أحدهما مباشرا لما رواه دون الآخر . # 09 - أن يكون أحدهما كثير المخالطة للنبي دون الآخر ، لأن كثرة الاختلاط ~~تقتضي زيادة في الاطلاع . # 010 - أن يكون أحدهما قد ثبتت عدالته بالتزكية ، والآخر بمجرد الظاهر . # 011 - أن يكون المزكون لأحدهما أكثر من المزكين للآخر . # 012 - ترجح رواية من يوافق الحفاظ ، على رواية من ينفرد عنهم في كثير من ~~رواياته . # 013 - ترجح رواية من دام حفظه وعقله ، ولم يختلط ، على من اختلط في آخر ~~عمره ، ولم يعرف هل روي الخبر حال سلامته أو حال اختلاطه . # 014 - تقدم رواية من كان أشهر بالعدالة والثقة من الآخر ، لأن ذلك يمنع ~~عن الكذب . # 015 - تقدم رواية من تأخر إسلامه على من تقدم إسلامه ، لاحتمال أن يكون ~~ما رواه من تقدم إسلامه منسوخا . # 016 - تقدم رواية من ذكر سبب الحديث على من لم يذكر سببه . # 017 - تقدم الأحاديث التي في الصحيحين على الأحاديث الخارجة عنهما . # 018 - تقدم رواية من لم ينكر عليه على رواية من أنكر عليه ؛ فإن وقع ~~التعارض في بعض هذه المرجحات فعلى المجتهد أن يرجح بين ما تعارض منها . # 2 - وجوه الترجيح باعتبار المتن # الأول 0 - يقدم الخاص على العام . # الثاني 0 - تقدم الحقيقة على المجاز ، إذا لم يغلب المجاز . # الثالث 0 - يقدم ما كان حقيقة شرعية أو عرفية ، على ما كان حقيقة لغوية . ~~PageV01P314 # الرابع 0 - يقدم ما كان مستغنيا عن الإضمار في دلالته على ما هو مفتقر ~~إليه # الخامس 0 - يقدم الدال على المراد من وجهين ، على ما ms237 كان دالا عليه من ~~وجه واحد . # السادس 0 - يقدم ما كان فيه الإيماء إلى علة الحكم ، على ما لم يكن كذلك ~~. لأن دلالة المعلل أوضح من دلالة غير المعلل . # السابع 0 - يقدم المقيد على المطلق . # 3 - وجوه الترجيح باعتبار المدلول # الأول 0 - يقدم ما كان مقررا لحكم الأصل والبراءة على ما كان ناقلا . # الثاني 0 - أن يكون أحدهما أقرب إلى الاحتياط فإنه أرجح . # الثالث 0 - يقدم المثبت على المنفي لأن مع المثبت زيادة علم . # الرابع 0 - يقدم ما كان حكمه أخف ، على ما كان حكمه أغلط . # 4 - وجوه الترجيح باعتبار أمور خارجة # الأول 0 - يقدم ما عضده دليل آخر على ما لم يعضده دليل آخر . # الثاني 0 - أن يكون أحدهما قولا ، والآخر فعلا . فيقدم القول لأن له صيغة ~~، والفعل لا صيغة له . # الثالث 0 - يقدم ما كان فيه التصريح على ما لم يكن كذلك . كضرب الأمثال ~~ونحوها ، فإنها ترجح العبارة على الإشارة . # الرابع 0 - يقدم ما عمل عليه أكثر السلف ، على ما ليس كذلك . لأن الأكثر ~~أولي بإصابة الحق . # الخامس 0 - أن يكون أحدهما موافقا لعمل الخلفاء الأربعة دون الآخر ، فإنه ~~يقدم الموافق . # السادس 0 - أن يكون أحدهما موافقا لعمل أهل المدينة . # السابع 0 - أن يكون أحدهما أشبه بظاهر القرآن دون الآخر ، فإنه يقدم . # وللأصوليين مرجحات آخر في الأقسام الأربعة منظور فيها . ولا اعتداد عندي ~~بمن PageV01P315 نظر فيما سقناه . لأن القلب السليم لا يري فيه مغمزا . ~~وبالجملة : فالمرجح في مثل هذه الترجيحات هو نظر المجتهد المطلق ، فيقدم ما ~~كان عنده أرجح على غيره إذا تعارضت . * * * # 20 - بحث الناسخ والمنسوخ # قال الحافظ ابن حجر في شرح النخبة : ( ( النسخ رفع تعلق حكم شرعي ، بدليل ~~شرعي متأخر عنه . والناسخ ما دل على الرفع المذكور . وتسميته ناسخا مجاز ، ~~لأن الناسخ في الحقيقة هو الله تعالى . ويعرف النسخ بأمور : أصرحها ما ورد ~~في النص ، كحديث بريده في صحيح مسلم : ( ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور ~~فزوروها ، فإنها تذكر الآخرة : ) ) ومنها ما يجزم الصحابي بأنه متأخر كقول ms238 ~~جابر : كان آخر الأمرين من رسول الله ترك الوضوء مما مست النار - أخرجه ~~أصحاب السنن - ومنها ما يعرف بالتاريخ ، وهو كثير ، وليس منها ما يرويه ~~الصحابي المتأخر الإسلام معارضا لمتقدم عنهن لاحتمال أن يكون سمعه من صحابي ~~آخر أقدم من المتقدم المذكور أو مثله ، فأرسله لكن إن وقع التصريح بسماعه ~~له من النبي ، فيتجه أن يكون ناسخا بشرط أن يكون لم يتحمل عن النبي شيئا ~~قبل إسلامه ) ) . انتهى . * * * # 21 - بحث التحيل على إسقاط أو قلبه # روى أبو داود والحاكم وصححه من حديث ابن عباس مرفوعا : ( ( لعن الله ~~اليهود حرمت علهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها ) ) وفي رواية ( ( لعن ~~الله اليهود ، حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها ) ) أي أذابوها . قال ~~الخطابي ( ( في هذا الحديث بطلان كل حيلة يحتال بها المتوصل إلى المحرم ، ~~وأنه لا يتغير حكمه بتغير هيأته وتبديل اسمه ) ) . # قال شيخ الإسلام ابن تيميه : ( ( وجه الدلالة ما أشار إليه الإمام أحمد ، ~~أن اليهود لما PageV01P316 حرم الله عليهم الشحوم ، أرادوا الاحتيال على ~~الانتفاع بها ، على وجه لا يقال في الظاهر إنهم انتفعوا بالشحم ، فجملوه ، ~~وقصدوا بذلك أن يزول عنه اسم الشحم ، ثم انقفعوا بثمنه بعد ذلك ، لئلا يكون ~~الانتفاع في الظاهر بعين المحرم . ثم مع كونهم احتالوا بحيلة خرجوا بها في ~~زعمهم من ظاهر التحريم من هذين الوجهين ، لعنهم الله تعالى على لسان رسوله ~~على هذا الاستحلال نظرا إلى المقصود ، وأن حكمه التحريم لا تختلف ، سواء ~~كان جامدا أو مائعا . وبدل الشيء يقوم مقامه ويسد مسده ؛ فإذا حرم الله ~~الانتفاع بشيء ، حرم الاعتياض عن تلك المنفعة . فعلم أنه لو كان التحريم ~~معلقا بمجرد اللفظ ، وبظاهر من القول ، دون مراعاة المقصود إلى الشيء ~~المحرم ، وحقيقته ، لم يستحقوا اللعنة لوجهين : # أحدهما : أن الشحم خرج بجمله عن أن يكون شحما ، وصار ودكا ، كما يخرج ~~الربا بالاحتيال فيه عن لفظ الربا ، إلى أن يصير بيعا عند من يستحل ذلك ، ~~فإن من أراد أن يبيع مئة بمئة وعشرين إلى أجل ، فأعطى سلعة بالثمن المؤجل ، ~~ثم اشتراها بالثمن الحال ms239 ولا غرض لواحد منهما في السلعة بوجه ما ، وإنما هي ~~كما قال فقيه الأمة : ( ( دراهم بدراهم دخلت بينها حريرة ) ) فلا فرق بين ~~ذلك وبين مئة بمئة وعشرين ، بلا حيلة البتة ، لا في شرع ولا عقل ولا عرف ، ~~بل المفسدة ، ويلعن فاعله ويؤذنه بحرب منه ومن رسوله ، ويتوعده أشد توعد ، ~~ثم يبيح التحيل على حصول ذلك بعينه مع قيام تلك المفسدة وزيادتها تبعث ~~الاحتيال في مقته ومخادعة الله ورسوله ، هذا لا يأتي به شرع ، فإن الربا ~~على الأرض أسهل وأقل مفسدة من الربا بسلم طويل ، صعب المراقي ، يترابي ~~المترابيان على رأسه فيالله العجب ! - أي مفسدة من مفاسد الربا زالت بهذا ~~الاحتياط والخداع ؟ فهل صار هذا الذئب العظيم - الذي هو من أكبر الكبائر ~~عند الله - حسنة وطاعة بالخداع والاحتيال ؟ تالله كيف قلب الخداع والاحتيال ~~حقيقته من الخبث إلى الطيب ، ومن المفسدة إلى المصلحة PageV01P317 وجعله ~~محبوبا للرب تعالى بعد أن كان مسخوطا له ؟ وإن كان الاحتيال يبلغ هذا ~~المبلغ ، فإنه عند الله عز وجل ورسوله بمكان ومنزلة عظيمة ، وإنه من أقوى ~~دعائم الدين ، وأوثق عراه وأجل أصوله . ويالله العجب كيف تزول مفسدة ~~التحليل التي أشار رسول الله بلغن فاعله مرة بعد أخرى ، بتسليف شرطه ~~وتقديمه على صلب العقد وإخلاء صلب العقد من لفظه ، وقد وقع التواطؤ ~~والتوافق عليه ، وأي غرض للشارع وأي حكمة في تقديم الشرط وتسليفه حتى تزول ~~به اللعنة ، وتنقلب به خمرة هذا العقد خلا ؟ وهل كان عقد التحليل مسخوطا ~~لله ورسوله بحقيقته ومعناه ، أم لعدم حقيقة مقارنة الشرط له ، وحصول نكاح ~~الرغبة مع القطع بانتفاء حقيقته وحصول نكاح التحليل ؛ وهكذا الحيل الربوبة ~~، فإن الربا لم يكن حراما لصورته ولفظه ، وإنما كان حراما لحقيقته التي ~~امتاز بها عن حقيقة البيع فتلك الحقيقة ، حيث وجدت وجد التحريم ، في أي ~~صورة ركبت ، وبأي لفظ عبر عنها ؟ فليس الشأن في الأسماء وصور العقود ، ~~وإنما الشأن في حقائقها ومقاصدها وما عقدت له . # الوجه الثاني : أن اليهود لم ينتفعوا بعين الشحم ، وإنما انتفعوا بثمنه . ~~ويلزم من ms240 راعي الصور والظواهر والألفاظ ، دون الحقائق والمقاصد أن لا يحرم ~~ذلك ؛ فلما لعنوا على استحلال الثمن ، وإن لم ينص على تحريمه ، علم أن ~~الواجب النظر إلى الحقيقة والمقصود ، لا إلى مجرد الصورة . ونظير هذا أن ~~يقال لرجل : لا تقرب مال اليتيم ، فيبيعه ويأخذ ثمنه ، ويقول : لم أقرب ~~ماله ! وكمن يقول لرجل : لا تشرب من هذا النهر ، فيأخذ بيديه ويشرب من كفيه ~~ويقول : لم أشرب منه ، وبمنزلة من يقول : لا تضرب زيدا فيضربه فوق ثيابه ، ~~ويقول : إنما ضربت ثيابه . وأمثال هذه الأمور التي لو استعملها الطبيب في ~~معالجة المرضي لزاد مرضهم ولو استعملها المريض لكان مرتكبا لنفس ما نهاه ~~عنه الطبيب ، كمن يقول له الطبيب : لا تأكل اللحم فإنه يزيد في مواد المرض ~~، فيدقه ويعمل منه هريسة ويقول : لم آكل اللحم وهذا المثال مطابق العامة ~~الحيل الباطلة في الدين . ويالله العجب ! أي فرق بين بيع مئة بمئة وعشرين ~~صريحا ، وبين إدخال سلعة لم تقصد أصلا ، بل دخولها كخروجها ؟ ولهذا ~~PageV01P318 لا يسأل العاقد عن جنسها ولا صفتها ولا قيمتها ، ولا عيب فيها ~~ولا يبالي بذلك البتة حتى لو كانت خرقة مقطعة أو أذن جدي أو عودا من حطب ، ~~أدخلوه محللا للربا ، ولما تفطن المحتالون إلى أن هذه المسألة لا اعتبار ~~بها في نفس الأمر ، وأنها ليست مقصودة يوجه ، وأن دخولها كخروجها تها ~~ونوابها ، ولم يبالوا بكونها مما يتحول عادة أولا يتحول ولا يبالي بعضهم ~~بكونها مملوكة للبائع أو غير مملوكة ، بل لم يبال بعضهم بكونها مما يباع أو ~~مما لا يباع ، كالمسجد والمنارة والقلعة : وكل هذا واقع من أرباب الحيل . ~~وهذا لما علموا أن المشتري لا غرض له في السلعة ، وقالوا : أي سلعة اتفق ~~حضورها حصل بها التحليل كأي يتس اتفق في باب محلل النكاح . وما مثل من وقف ~~مع الظواهر والألفاظ ولم يراع المقاصد والمعاني ، إلا كمثل رجل قيل له : لا ~~تسلم على صاحب بدعة ، فقبل يده ورجله ولم يسلم عليه . أو قيل له : أذهب ~~فاملأ هذه الجرة ، فذهب وملأها ثم ms241 تركها على الحوض ، وقال : لم يقل ائتني ~~بها . وكم قال لوكيله : بع هذه السلعة ؛ فباعها بدرهم وهي تساوي مئة ، ~~ويلزم من وقف مع الظواهر أن يصحح هذا البيع ، ويلزم به الموكل ، وإن نظر ~~إلى المقاصد تناقض حيث ألقاها في غير موضع . وكمن أعطاء رجلا ثوبا فقال : ~~والله لا ألبسه لما فيه من المنة ، فباعه وأعطاه ثمنه فقبله ! وكمن قال : ~~والله لا أشرب هذا الشراب ، فجعله عقيدا أو ثرد فيه خبزا وأكله . ويلزم من ~~وقف مع الظواهر والألفاظ أن لا يحد من فعل ذلك بالخمر ، وقد أشار النبي إلى ~~أن من الأمة من يتناول المحرم ويسميه بغير اسمه ، فقال : ( ( لتشر بن ناس ~~من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها يعزف على رءوسهم بالمعازف والقينات ، ~~يخسف الله بهم ويجعل منهم القردة والخنازير . ) ) رواه أحمد وأبو داود . # قال شيخ الإسلام ابن تيميه : وقد جاء حديث آخر يوافق هذا مرفوعا وموقوفا ~~من حديث ابن عباس : ( ( يأتي على الناس زمان يستحل فيه خمسة أشياء بخمسة ~~أشياء يستحلون الخمر باسم يسمونها إياه ، والسحت بالهدية ، والقتل بالرهبة ~~والزنا بالنكاح ، والربا بالبيع . ) ) وهذا حق ، فإن استحلال الربا ~~PageV01P319 باسم البيع ظاهر كالحيل الربوية ، التي صورتها صورة البيع ، ~~وحقيقتها حقيقة الربا . ومعلوم أن الربا إنما حرم لحقيقته ومفسدته ، لا ~~لصورته واسمه . فهب أن المرابي لم يسمه ربا ، وسماه بيعا ، فذلك لا يخرج ~~حقيقته وما هيته عن نفسها . وأما استحلال الخمر باسم آخر ، فكما استحل من ~~استحل المسكر من غير عصير العنب ، وقال : لا أسميه خمرا ، وإنما هو نبيذ ، ~~كما يستحلها طائفة إذا مزجت ويقولون : خرجت بالمزج عن اسم الخمر ، كما يخرج ~~الماء بمخالطة غيره له عن اسم الماء المطلق ، وكما يستحلها من يستحلها إذا ~~اتخذت عقيدا ويقول : هذه عقيد لا خمر . ومعلوم أن التحريم تابع للحقيقة ~~والمفسدة لا الاسم ولا الصورة . وأما استحلال السحت باسم الهدية ، فهو أظهر ~~من أن يذكر ، كرشوة الحاكم والوالي وغيرهما . فإن المرتشي ملعون هو والراشي ~~، لما في ذلك من المفسدة ، ومعلوم قطعا أنهما لا يخرجان عن ms242 اللعنة ، وحقيقة ~~الرشوة بمجرد اسم الهدية . وقد علمنا وعلم الله وملائكته ومن له اطلاع على ~~الحيل أنها رشوة . وأما استحلال القتل باسم الإرهاب الذي تسميه ولاة الجور ~~سياسة وهيبة وناموسا وحرمة للملك ، فهو أظهر من أن يذكر . وأما استحلال ~~الزنا بالنكاح فهو الزنا بالمرأة التي لا غرض له أن تقيم معه ولا أن تكون ~~زوجته ، وإنما غرضه أن يقضي منها وطره ويأخذ جعلا على الفساد بها ، ويتوصل ~~إلى ذلك باسم النكاح وإظهار صورته ، وقد علم الله ورسوله والملائكة والروح ~~والمرأة أنه محلل لا ناكح ، وأنه ليس بزوج ، وإنما هو نيس مستعار للضراب . ~~فيالله العجب ! أي فرق في نفس الأمر بين الزنا وبين هذا . نعم هذا زنا ~~بشهود من البشر ، وذلك زنا بشهود من الكرام الكاتبين ، كما صرح به أصحاب ~~رسول الله ، وقالا : لا يزالان زانيين وإن مكثا عشرين سنة ، إذا علم أنه ~~إنما يريد أن يحلها . والمقصود أن هذا المحلل ، إذا قيل له : هذا زنا ، قال ~~: ليس يزنا ، بل نكاح . كما أن المرابي إذا قيل له : هذا ربا ، قال : بل هو ~~بيع : ولو أوجب تبدل الأسماء والصور PageV01P320 تبدل الأحكام والحقائق ، ~~لفسدت الديانات ، وبدلت الشرائع ، واضمحل الإسلام ) ) هذا ملخص ما أفاده في ~~هذه المسألة الإمام ابن القيم في ( ( أعلام الموقعين ) ) . وذكر رحمه الله ~~أيضا ، فيه حكم الحيلة في إسقاط الزكاة إذا كان في يده نصاب ، بأن يبيعه أو ~~يهبه قبل الحول ، ثم يشتريه ، فقال : ( ( هذه حيلة محرمة باطلة ، ولا يسقط ~~ذلك عنه . فرض الله الذي فرضه ، وأوعد بالعقوبة الشديدة من ضيعة وأهمله ، ~~فلو جاز إبطاله بالحيلة التي هي مكر وخداع ، لم يكن في إيجابه والوعيد على ~~تركه فائدة . وقد استقرت سنة الله سبحانه في خلقه شرعا وقدرا على معاقبة ~~العبد بنقيض قصده ، كما حرم القاتل الميراث ، وورث المطلقة في مرض الموت ؛ ~~وكذلك الفار العبد من الزكاة ، لا يسقطها عنه فراره ، ولا يعان على قصد ~~الباطل ، فيتم مقصودة ، ويسقط مقصود الرب سبحانه وتعالى . وكذلك عامة الحيل ~~أني يساعد فيها المتحيل على بلوغ ms243 غرضه ، ويبطل غرض الشارع . وكذلك المجامع ~~في نهار رمضان ، إذا تغدي ، أو شرب الخمر أولا ثم جامع ، قالوا ، لا تجب ~~عليه الكفارة ، وهذا ليس بصحيح ، فإن ضمه إلى إثم الجماع إثم الأكل والشرب ~~لا يناسب التخفيف عنه ، بل يناسب تغليظ الكفارة عليه . فسبحان الله ! هل ~~أوجب الشارع الكفارة لكون الوطء لم يتقدمه مفطر قبله ، أو للجناية على زمن ~~الصوم الذي لم يجعله الله محلا للوطء ، وانقلبت كراهة الشرع له محبة ، ~~ومنعه إذنا ، هذا من المحال . فتأمل كيف تتضمن الحيل المحرمة مناقضة الدين ~~، وإبطال الشرائع . ويالله العجب 1 أيروج هذا الخداع والمكر والتلبيس على ~~أحكم الحاكمين الذي يعلم خائية الأعين وما تخفي الصدور ، فتعالى شارع هذه ~~الشريعة الفائقة على كل شريعة أن يشرع فيها الحيل التي تسقط فرائضه ، وتحل ~~محارمه ، وتبطل حقوق عباده ، وتفتح للناس أبواب الاحتيال ، وأنواع المكر ~~والخداع ، وأن يبيح التوصل بالأسباب المشروعة إلى الأمور المحرمة المنوعة . ~~وقد أخبر الله سبحانه عن عقوبة المحتالين على حل ما حرمه عليهم ، وإسقاط ما ~~فرضه عليهم ، في غير موضع من كتابه . قال أبو بكر PageV01P321 الآجرى - وقد ~~ذكر بعض الحيل الربوية التي يفعلها الناس - : لقد مسخت اليهود قردة بدون ~~هذا ، ولقد صدق إذا أكل حوت صيد يوم السبت ، أهون عند الله وأقل جرما من ~~أكل الربا الذي حرمه الله بالحيل والمخادعة ، ولكن قال الحسن : عجل لأولئك ~~عقوبة تلك الأكلة الوخيمة ، وأرجئت عقوبة هؤلاء . فهذه العظائم والمصائب ~~الفاضحات ، لو اعتمدها مخلوق مع مخلوق ، لكان في نهاية القبح ، فكيف بم ~~يعلم السر وأخفي ؟ وإذا وازن اللبيب بين حيلة أصحاب السبت ، والحيل التي ~~يتعاطاها أرباب الحيل في كثير من الأبواب ، ظهر له التفاوت ومراتب المفسدة ~~التي بينها وبين هذه الحيل ، فإذا عرف قدر الشرع ، وعظمة الشارع ، وحكمته ~~وما اشتمل عليه شرعه من رعاية مصالح عبادة ، تبين له حقيقة الحال ، وقطع ~~بأن الله سبحانه تنزه وتعالى أن يسوغ لعبادة نقض شرعه وحكمته بأنواع الخداع ~~والاحتيال ) ) 1 ه . # وكما بسط رحمه الله الكلام في ذلك في ( ( أعلام الموقعين ms244 ) ) أطنب فيه ~~أيضا في كتابه ( ( إغائة اللهفان ) ) أهتماما بهذا الموضوع ، ومما جاء فيه ~~قوله : ومن مكايده - يعني الشيطان - التي كاد بها الإسلام وأهله ، الحيل ~~والمكر والخداع الذي يتضمن تحليل ما حرم الله ، وإسقاط ما فرضه ، ومضادته ~~في أمره ونهيه ، وهي من الرأي الباطل الذي اتفق السلف على ذمه ، فإن الرأي ~~رأيان : رأي يوافق النصوص ، وتشهد له بالصحة والاعتبار ، وهو الذي اعتبره ~~السلف وعملوا به ؛ ورأي يخالف النصوص وتشهد له بالإبطال والإهدار ، فهو ~~الذي ذموه وأنكروه . وكذلك الحيل نوعان : نوع يتوصل به إلى فعل ما أمر الله ~~تعالى به ، وترك ما نهى عنه ، والتخلص من الحرام ، وتخليص المحق من الظالم ~~، المانع له ، وتخليص المظلوم من يد الظالم الباغي . فهذا النوع محمود ~~ظالما ، والظالم مظلوما والحق باطلا ، والباطل حقا . فهذا النوع الذي اتفق ~~السلف على ذمه وصاحوا بأهله من أقطار الأرض . قال الإمام أحمد رحمه الله : ~~لا يجوز شيء من الحيل في إبطال حق مسلم . PageV01P322 وقال الميموني : ( ( ~~قلت لأبي عبد الله : من خلف على يمين ثم احتال لإبطالها ، فهل تجوز تلك ~~الحيل ؟ قال : نحن لا نرى الحيلة إلا بما يجوز . قلت : أليس حيلتنا فيها أن ~~تتبع ما قالوا وإذا وجدنا لهم قولا في شيء اتبعناه ؟ قال : بلى ، هكذا هو . ~~قلت : أو ليس هذا منا نحن حيلة ؟ قال : نعم - فبين الأمام أحمد أن من اتبع ~~ما شرع له ، وجاء عن السلف في معاني الأسماء التي علقت بها الأحكام ، ليس ~~بمحتال الحيل المذمومة وإن سميت حيلة ، فليس الكلام فيها . وغرض الإمام ~~أحمد بهذا الفرق بين سلوك الطريق المشروعة التي شرعت بحصول مقصود الشارع ، ~~وبين الطرق التي تسلك لإبطال مقصودة . فهذا هو سر الفرق بين النوعين ، ~~وكلامنا الآن في النوع الثاني ) ) ثم جود الكلام في ذلك ، فأطال وأطاب رحمه ~~المولي الوهاب . # وكذلك الإمام أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله تعالى في موافقاته ، في كتاب ( ~~( المقاصد في المسألة العاشرة ) ) ، أسبغ البحث في ذلك ، ولسهولة الوقوف من ~~هذه الكتب الجليلة ، اكتفينا بالإحالة عليها والله الموفق . * * * # 22 - بيان أسباب ms245 اختلاف الصحابة والتابعين في الفروع # قال الإمام العلامة ولي الله الدهلوي في ( ( الحجة البالغة ) ) تحت هذه ~~الترجمة : ( ( أعلم أن رسول الله لم يكن الفقه في زمانه مدونا ، ولم يكن ~~البحث في الأحكام يومئذ مثل البحث من هؤلاء الفقهاء حيث يبنون بأقصى جهدهم ~~الأركان والشروط وآداب كل شيء ممتازا عن الآخر بدليله ، ويفرضون الصور ~~يتكلمون على تلك الصور المفروضة ويحدون ما يقبل الحد ، ويحصرون ما يقبل ~~الحصر ، إلى غير ذلك من صنائعهم . أما رسول الله فكان يتوضأ ، فيرى الصحابة ~~وضوءه فيأخذون به من غير أن يبين أن هذا ركن ، وذلك أدب . وكان يصلي فيرون ~~صلاته فيصلون كما رأوه يصلي . وحج فرمق الناس حجة ، ففعلوا PageV01P323 كما ~~فعل ، فهذا كان غالب حاله ، ولم يبين أن فروض الوضوء ستة أو أربعة ، ولم ~~يفرض أنه يحتمل أن يتوضأ إنسان بغير موالاة ، حتى يحكم عليه بالصحة أو ~~الفساد إلا ما شاء الله وقلما كانوا يسألونه عن هذه الأشياء . عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما قال : ما رأيت قوما خيرا من أصحاب رسول الله . ما سألوه عن ~~ثلاث عشرة مسألة حتى قبض ، كلهن في القرآن منهن : ( ( يسألونك عن الشهر ~~الحرام ، قتال فيه ؟ قل : قتال فيه كبير ) ) ( ( ويسألونك عن المحيض ) ) ~~قال : ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم . قال ابن عمر : لا تسأل عما لم يكن ~~، فإني سمعت عمر بن الخطاب يلعن من سأل عما لم يكن . قال القاسم : إنكم ~~تسألون عن أشياء ما كنا نسأل عنها وتنقرون عن أشياء ما كنا ننقر عنها . ~~تسألون عن أشياء ما أدري ما هي ، ولو علمناها ما حل لنا أن نكتمها : عن عمر ~~بن إسحاق قال لمن أدركت من أصحاب رسول الله ، أكثر ممن سبقني منهم ، فما ~~رأيت قوما أيسر سيرة ، ولا أقل تشديدا منهم . وعن عبادة بن بسر الكندي ، ~~وسئل عن امرأة ماتت مع قوم ليس لها ولي فقال : أدركت أقواما ما كانوا ~~يشددون تشديدكم ، ولا يسألون مسائلكم ( أخرج هذه الآثار الدارمي ) . وكان ~~يستفتيه الناس في الوقائع فيفتيهم ، وترفع إليه القضايا ms246 فيقضى فيها ، ويرى ~~الناس يفعلون معروفا فيمدحه أو منكرا فينكر عليه ، وكل ما أفتي به مستفتيا ~~أو قضى به في قضية ، أو أنكره على فاعله ، كان في الاجتماعات . وكذلك كان ~~الشيخان أبو بكر وعمر ، إذا لم يكن لهما علم في المسألة يسألون الناس عن ~~حديث رسول الله . وقال أبو بكر رضي الله عنه ما سمعت رسول الله قال فيها ~~شيئا - يعني الجدة - . وسأل الناس ، فلما صلى الظهر قال : أيكم سمع رسول ~~الله قال في الجدة شيئا ؟ فقال المغيرة بن شعبة : أنا . فقال : ماذا قال ؟ ~~قال : أعطاها رسول الله سدسا . قال : أيعلم ذاك أحد غيرك ؟ فقال محمد بن ~~سلمة : صدق - فأعطاها أبو بكر السدس . وقصة سؤال عمر الناس في الغرة ~~PageV01P324 ثم رجوعه إلى خبر مغيرة ، وسؤاله إياهم في الوباء ، ثم رجوعه ~~إلى خبر عبد الرحمن بن عوف ، وكذا رجوعه في قصة المجوس إلى خبره ، وسرور ~~عبد الله بن مسعود بخير معقل بن يسار لما وافق رأيه ، وقصة رجوع أبي موسى ~~عن باب عمر ، وسؤاله عن الحديث ، وشهادة أبي سعيد له وأمثال ذلك كثيرة ~~معلومة مروية في الصحيحين والسنن . وبالجملة فهذه كانت عادته الكريمة . ~~فرأى كل صحابي ما يسره الله له من عبادته وفتاواه وأقضيته ، فخفظها وعقلها ~~، وعرف لكل شيء وجها من قبل حفوف القرائن به ، فحمل بعضها على الإباحة ، ~~وبعضها على النسخ لأمارات وقرائن كانت كافية عنده ، ولم يكن العمدة عندهم ~~إلا وجدان الاطمئنان والثلج من غير التفات إلى طرق الاستدلال ، كما ترى ~~الأعراب يفهمون مقصود الكلام فيما بينهم وتثلج صدورهم بالتصريح والتلويح ~~والإيماء من حيث لا يشعرون ، فانقضي عصره الكريم وهم على ذلك . ثم إنهم ~~تفرقوا في البلاد ، وصار كل واحد مقتدي ناحية من النواحي . فكثرت الوقائع ، ~~ودارت المسائل ، فاستفتوا فيها . فأجاب كل واحد حسب ما حفظه أو استنبط . ~~وإن لم يجد فيما حفظه أو أشتنبط ما يصلح للجواب ، اجتهد برأيه ، وعرف العلة ~~التي أدار رسول الله عليها الحكم في منصوصاته ، فطر الحكم حيثما وجدها ، لا ~~يألو جهدا في موافقه ms247 عرضه عليه الصلاة والسلام فعند ذلك وقع الاختلاف بينهم ~~على ضروب ، منها : أن صحابيا سمع حكما في قضية أو فتوى ، ولم يسمعه الآخر ، ~~فاجتهد برأيه في ذلك ، وهذا على وجوه . # أحدها : أن يقع اجتهاده موافق الحديث ، مثاله ما رواه النسائي وغيره أن ~~ابن مسعود رضي الله عنه سئل عن امرأة مات عنها زوجها ول يفرض لها - أي لم ~~يعين لها لمهر - فقال : لم أر رسول الله يقضي في ذلك . فاختلفوا عليه شهرا ~~وألحوا ، فاجتهد برأيه وقضى بأن لها مهر نسائها لا وكس ولا شطط وعليها ~~العدة ، ولها الميراث ، فقام معقل بن يسار ، فشهد بأنه قضى بمثل ذلك في ~~امرأة منهم . ففرح بذلك ابن مسعود فرحة لم يفرح مثلها قط بعد الإسلام . ~~PageV01P325 ثانيها : أن يقع بينهما المناظرة ويظهر الحديث بالوجه الذي يقع ~~به غالب الظن فيرجع عن اجتهاده إلى المسموع ، مثاله : ما رواه الأئمة من أن ~~أبا هريرة رضي الله عنه ، كان من مذهبه أنه : من أصبح جنبا فلا صوم له ، ~~حتى أخبرته بعض أزواج النبي بخلاف مذهبه فرجع . # وثالثها : أن يبلغة الحديث ، ولكن لا على الوجه الذي يقع به غالب الظن ~~فلم يترك اجتهاده ، بل طعن في الحديث ، مثاله : ما رواه أصحاب الأصول ، من ~~أن فاطمة بنت قيس ، شهدت عند عمر بن الخطاب بأنها كانت مطلقة الثلاث ، فلم ~~يجعل لها رسول الله نفقة ولا سكني ، فرد شهادتها وقال : لا أترك كتاب الله ~~بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت ؟ لها النفقة والسكني . وقالت عائشة : ~~رضي الله عنها لفاطمة ألا تتقي الله ؟ يعني في قولها : لا سكني ولا نفقة . ~~ومثال آخر : روي الشيخان أنه كان من مذهب عمر بن الخطاب أن التيمم لا يجزي ~~للجنب الذي لا يجد ماء ، فتمعك في التراب فذكر ذلك لرسول الله : فقال رسول ~~الله : ( ( إنما كان يكفيك أن تفعل هكذا ) ) وضرب بيديه الأرض ، فمسح بهما ~~وجهه ويديه ؛ فلم يقبل عمر ، ولم ينهض عنده حجة لقادح خفي رآه فيه ، حتى ~~استفاض الحديث في الطبقة الثانية من طرق ms248 كثيرة واضمحل وهم القادح ، فأخذوا ~~به . # ورابعها : أن لا يصل إليه الحديث أصلا ، مثاله : ما أخرج مسلم أن ابن عمر ~~كان يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن ، فسمعت عائشة بذلك فقالت : يا ~~عجبا لابن عمر هذا يأمر النساء أن ينقضن رؤؤسهن ، أفلا يأمرهن أن يحلقن ~~رؤؤسهن ؟ لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله من إناء واحد ، وما أزيد على أن ~~أفرع على رأسي ثلاث إفراغات . مثال آخر : ما ذكره الزهري من أن هندا لم ~~تبلغها رخصة رسول الله في المستحاضة ، فكان تبكي لأنها كانت لا تصلي . ومن ~~تلك PageV01P326 الضروب أن يروا رسول الله فعل فعلا فحمله بعضهم على القربة ~~وبعضهم على الإباحة ، مثاله : ما رواه أصحاب الأصول في قضية التخصيب - أي ~~النزول بالأبطح عند النفر - نزل رسول الله به ، فذهب أبو هريرة وابن عمر ~~إلى أنه على وجه القربة ، فجعلوه من سنن الحج . وذهبت عائشة وابن عباس إلى ~~أنه كان على وجه الاتفاق ، وليس من السنن . ومثال آخر : ذهب الجمهور إلى أن ~~الرمل في الطواف سنة ، وذهب ابن عباس إلى أنه إنما فعله النبي على سبيل ~~الاتفاق لعارض عرض ، وهو قول المشركين : حطمتهم حمى يثرب ، وليس بسنة . ~~ومنها اختلاف الوهم مثاله : أن رسول الله حج فرآه الناس فذهب بعضهم إلى أنه ~~كان متمتعا ، وبعضهم إلى أنه كان قارنا ، وبعضهم إلى أنه كان مفردا . مثال ~~آخر : أخرج أبو داود عن سعيد بن جبير ، أنه قال : قلت لعبد الله بن عباس : ~~يا أبا العباس ! عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله حين أوجب ، فقال : إني لأعلم ~~الناس بذلك إنها كانت من رسول الله حجة واحدة فمن هناك اختلفوا . خرج رسول ~~الله حاجا ، فلما صلى في مسجد ذي الخليفة ركعة ، أوجب في مجلسه وأهل بالحج ~~حين فرغ من ركعتيه ، فسمع ذلك منه أقوام فحفظته عنه ثم ركب : فلما استقلت ~~به ناقته أهل وأدرك منه أقوام وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون أرسالا ، ~~فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل ، فقالوا : إنما أهل رسول الله حين استقلت ms249 ~~به ناقته . ثم مضى رسول الله البيداء ، وأيم الله لقد أوجب في مصلاه وأهل ~~حين استقلت به ناقته ، وأهل حين علا على شرف البيداء . # ومنها : اختلاف السهو والنسيان ، مثاله : ما روي أن ابن عمر كان يقول : ~~اعتمر رسول الله عمرة في رجب ، فسمعت بذلك عائشة فقضت عليه بالسهو . ~~PageV01P327 # ومنها : اختلاف الضبط ، مثاله : ما روي ابن عمر أو عمر عنه من أن الميت ~~يعذب ببكاء أهله عليه ، فقضت عائشة عليه بأنه لم يأخذ الحديث على وجهه مر ~~رسول الله على يهودية يبكي عليها أهلها ، فقال : إنهم يبكون عليها وإنها ~~تعذب في قبرها . فظن العذاب معلولا للبكاء ، فظن الحكم عاما على كل ميت : # ومنها : اختلافهم في علة الحكم ، مثاله : القيام للجنازة فقال قائل : ~~لتعظيم الملائكة فيعم المؤمن والكافر ؛ وقال قائل : لهول الموت ، فيعمهما ، ~~وقال الحسن بن علي رضي الله عنهما : مر على رسول الله بجنازة يهودي فقام ~~لها كراهية أن تعلو فوق رأسه فيخص الكافر . # ومنها : اختلافهم في الجمع بين المختلفين ، مثاله : رخص رسول الله في ~~المتعة عام خيبر ، ثم رخص فيها عام أوطاس ، ثم نهى عنها ، فقال ابن عباس : ~~كانت الرخصة للضرورة ، والنهي لانقضاء الضرورة ، والحكم باق على ذلك . وقال ~~الجمهور : كانت الرخصة إباحة والنهي نسخا لها . مثال آخر : نهى رسول الله ~~عن استقبال القبلة في الاستنجاء ، فذهب قوم إلى عموم هذا الحكم ، وكونه غير ~~منسوخ ورآه جابر يبول قبل أن يتوفى بعام مستقبل القبلة ، فذهب إلى أنه نسخ ~~للنهي المتقدم ورآه ابن عمر قضى حاجته مستدبر القبلة ، مستقبل الشام ، فرد ~~به قولهم ، وجمع قوم بين PageV01P328 الروايتين . فذهب الشعبي وغيره إلى أن ~~النهي مختص بالصحراء ، فإذا كان في المراحيض ، فلا بأس بالاستقبال ~~والاستدبار . وذهب قوم إلى أن القول عام محكم ، والفعل يحتمل كونه خاصا ~~بالنبي . فلا ينتهض ناسخا ، ولا مخصصا وبالجملة فاختلفت مذاهب أصحاب النبي ~~، وأخذ عنهم التابعون كذلك كل واحد ما تيسر له ، فحفظ ما سمع من حديث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، ومذاهب الصحابة ، وعقلها ، وجمع المختلف على ms250 ما ~~تيسر له ، ورجح بعض الأقوال على بعض ؛ واضمحل في نظرهم بعض الأقوال ، وإن ~~كان مأثورا عن كبار الصحابة ، كالمذهب المأثور عن وابن مسعود في تيمم الجنب ~~، اضحمحل عندهم لما استفاض من الأحاديث عن عمار وعمران بن الحصين وغيرهما . ~~فعند ذلك صار لكل عالم من علماء التابعين مذهب على حياله . فانتصب في بلد ~~إمام ، مثل سعيد بن المسيب ، وسالم بن عبد الله بن عمر في المدينة ، ~~وبعدهما الزهري ، والقاضي يحيى بن سعيد ، وربيعة بن عبد الرحمن فيهان وعطاء ~~بن أبي رباح بمكة ، وإبراهيم النخعي والشعبي بالكوفة ، والحسن البصري ~~بالبصرة ، وطاوس بن كيسان باليمن ، ومكحول بالشام . فأظمأ الله أكبادا إلى ~~علومهم فرغبوا فيها ، وأخذوا عنهم الحديث . وفتاوي الصحابة وأقاويلهم ، ~~ومذاهب هؤلاء العلماء وتحقيقاتهم من عند أنفسهم ، واستفتي منهم المتفتون . ~~ودارت المسائل بينهم ورفعت إليهم الأقضية ، وكان سعيد بن المسيب وإبراهيم ~~وأمثالهما ، جمعوا أبواب الفقه أجمعها ، وكان لهم في باب أصول تلقوها من ~~السلف . وكان سعيد وأصحابه يذهبون إلى أن أهل الحرمين أثبت الناس في الفقه ~~، وأصل مذهبهم فتاوي عبد الله بن عمر وعائشة وابن عباس وقضايا قشاة المدينة ~~فجمعوا من ذلك ما يسره الله لهم ، ثم نظروا فيها نظر اعتبار وتفتيش ، فما ~~كان منها مجمعا عليه بين علماء المدينة ، فإنهم يأخذون عليه بنواجذهم ، وما ~~كان فيه اختلاف عندهم فإنهم يأخذون بأقواها وأرجحها ، إما بكثرة من ذهب ~~إليه منهم أو لموافقته بقياس قوى ، أو تخريج صريح من الكتاب والسنة أو نحو ~~ذلك ، وإذا لم يجدوا فيما حفظوا منه جواب المسألة خرجوا من كلامه وتتبعوا ~~الإيماء ، فحصل لهم مسائل كثيرة في كل باب . وكان إبراهيم PageV01P329 ~~وأصحابه يرون أن عبد الله بن مسعود وأصحابه أثبت الناس في الفقة ، كما قال ~~علقمة لمسروق : هل أحد منهم أثبت من عبد الله ؟ وقول أبي حنيفة رضي الله ~~عنه للأوزاعي : إبراهيم أققه من سالم ، ولولا فضل الصحبة لقلت : إن علقمة ~~أفقه من عبد الله بن عمر وعبد الله هو عبد الله . وأصل مذهبه فتاوي عبد ~~الله بن مسعود ms251 وقضايا على رضي الله عنهما . وفتاواه وقضايا شريح وغيره من ~~قضاة الكوفة ، فجمع من ذلك ما يسره الله ثم صنع في آثارهم كما صنع أهل ~~المدينة في آثار أهل المدينة ، وخرج كما خرجوا ، فلخص له مسائل الفقه في كل ~~باب باب . وكان سعيد بن المسيب لسان فقهاء المدينة ، وكان أحفظهم لقضايا ~~عمر ، ولحديث أبي هريرة . وإبراهيم لسان فقهاء الكوفة ، فإذا تكلما بشيء ~~ولم ينسباه إلى أحد ، فإنه في الأكثر منسوب إلى أحد من السلف صريحا وإيماء ~~ونحو ذلك . فاجتمع عليهما فقهاء بلدهما ، وأخذوا عنهما ، وعقلوه ، وخرجوا ~~عليه والله أعلم . * * * # 23 - بيان أسباب اختلاف مذاهب الفقهاء # قال الإمام ولي الله الدهلوي قدس سره في الحجة البالغة أيضا ، تحت هذه ~~الترجمة ما صورته : ( ( أعلم أن الله تعالى أنشأ بعد عصر التابعين نشئا من ~~حملة العلم ، إنجازا لما وعده رسول الله حيث قال : ( ( يحمل هذا العلم من ~~كل خلف عدوله ) ) فأخذوا عمن اجتمعوا معه صفة الوضوء والغسل والصلاة والحج ~~والنكاح والبيوع وسائر ما يكثر وقوعه ، ورووا حديث النبي ، وسمعوا قضايا ~~قضاة البلدان ، وفتاوي مفتيها ، وسألوا عن المسائل ، واجتهدوا في ذلك كله . ~~ثم صاروا كبراء قوم ، ووسدوا إليهم الأمر ، فنسجوا على منوال شيوخهم ، ولم ~~يألوا في تتبع الإيماءات والاقتصاءات فقضوا وأفتوا ، ورووا ، وعلموا ، وكان ~~صنيع العلماء في هذه الطبقة متشابها ، وحاصل صنيعهم أن يتمسك بالمسند من ~~حديث رسول الله والمرسل جميعا ، ويستدل بأقوال PageV01P330 الصحابة ~~والتابعين ، علما منهم أنها إما أحاديث منقولة عن رسول الله اختصروها ~~فجعلوها موقوفة كما قال إبراهيم ، وقد روى حديث نهى رسول الله عن المحاقلة ~~والمزابنة ، فقيل له : أما تحفظ عن رسول الله حديثا غير هذا ؟ قال : بلي ، ~~ولكن أقول : قال عبد الله ، قال علقمة ، أحب إلي . وكما قال الشعبي ، وقد ~~سئل عن حديث ، وقيل إنه يرفع إلى النبي ، قال : لا على ، من دون النبي أحب ~~إلينا ، فإن كان فيه زيادة ونقصان ، كان على من دون النبي ، أو يكون ~~استنباطا منهم من المنصوص ، أو اجتهادا منهم بآرائهم ، وهم أحسن صنيعا في ms252 ~~كل ذلك ممن يجيء بعدهم ، وأكثر إصابة وأقدم زمانا ، وأوعي علما ، فتعين ~~العمل بها ، إلا إذا اختلفوا ، وكان حديث رسول الله يخالف قولهم مخالفة ~~ظاهرة ، وإنه إذا اختلف أحاديث رسول الله في مسألة رجعوا إلى أقوال الصحابة ~~، فإن قالوا بنسخ بعضها أو بصرفه عن ظاهره أو لم يصرحوا بذلك ، ولكن اتفقوا ~~على تركه ، وعدم القول بموجبه فإنه كإيداء علة فيه ، أو الحكم بنسخه أو ~~تأويله ، اتبعوهم في كل ذلك ، وهو قول مالك في حديث ( ( إذا ولغ الكلب ) ) ~~: ( ( جاء هذا الحديث ، ولكن لا أدري ما حقيقته ! ) ) يعني : حكاه ابن ~~الحاجب في مختصر الأصول لم أر الفقهاء يعلمون به ، وإنه إذا اختلفت مذاهب ~~الصحابة في مسألة ، فالمختار عند كل عالم مذهب أهل بلده وشيوخه ، لأنه أعرف ~~بصحيح أقاويلهم من السقيم ، وأوعي للأصول المناسبة لها ، وقلبه أميل إلى ~~فضلهم ، وتبحرهم ؛ فمذهب عمر وعثمان وابن عمر وعائشة وابن عباس وزيد بن ~~ثابت وأصحابهم مثل سعيد بن المسيب ، فإنه كان أحفظهم لقضايا عمر ، وحديث ~~أبي هريرة ؛ ومثل عروة وسالم وعطاء بن يسار وقاسم وعبيد الله بن عبيد الله ~~والزهري ويحيى بن سعيد وزيد بن أسلم وربيعة - أحق بالأخذ من غيره عند أهل ~~المدينة ، لما بينه النبي في فضائل المدينة ، ولأنها مأوي الفقهاء ، ومجمع ~~العلماء في كل عصر ، ولذلك تري مالكا يلازم محجتهم . ومذهب عبد الله بن ~~مسعود وأصحابه وقضايا على وشريح والشعبي PageV01P331 وفتاوي إبراهيم أحق ~~بالأخذ عند أهل الكوفة من غيره ، وهو قول علقمة حين مال مسروق إلى قول زيد ~~بن ثابت في التشريك ، قال : هل أحد منكم أثبت من عبد الله ؟ فقال : لا ، ~~ولكن رأيت زيد بن ثابت وأهل المدينة يشركون ، فإن اتفق أهل البلد على شيء ~~أخذوا بنواجذه ، وهو الذي يقول في مثله مالك : السنة الني لا اختلاف فيها ~~عندنا كذا وكذا ، وإن اختلفوا أخذوا بأقواها وأرجحها ، إما بكثرة القائلين ~~به ، أو لموافقته لقياس قوى أو تخريج من الكتاب والسنة ، وهو الذي يقول في ~~مثله مالك : هذا أحسن ما سمعت ، فإذا لم يجدوا ms253 فيما حفظوا منهم جواب ~~المسألة ، خرجوا من كلامهم ، وتتبعوا الإيماء والاقتضاء . وألهموا في هذه ~~الطبقة التدوين ، فدون مالك ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب بالمدينة ، ~~وابن جريج وابن عيينة بمكة والثوري بالكوفة ، وربيع بن الصبيح بالبصرة ، ~~وكلهم مشوا على هذا المنهج الذي ذكرته . ولما حد المنصور قال لمالك : قد ~~عزمت أن آمر بكتبك هذه التي صنفتها فتنسخ ، ثم أبعث في كل مصر من أمصار ~~المسلمين منها نسخة ، وآمرهم بأن يعملوا بما فيها ، ولا يتعدوه إلى غيره ! ~~فقال : يا أمير المؤمنين ! لا تفعل هذا ، فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل ، ~~وسمعوا أحاديث ، ورووا روايات ، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم وأتوا به من ~~اختلاف الناس ، فدع الناس ، وما اختار أهل كل بلد منهم لنفسهم . ويحكي نسبة ~~هذه القصة إلى هرون الرشيد وأنه شاور مالكا في أن يعلق الموطأ في الكعبة ~~ويحمل الناس على ما فيه ، فقال : لا تفعل ! فإن أصحاب رسول الله اختلفوا في ~~الفروع وتفرقوا في البلدان ، وكل سنة مضت . قال : وفقك الله يا أبا عبد ~~الله . ( حكاه السيوطي ) . وكان مالك من أثبتهم في حديث المدنيين عن رسول ~~الله ، وأوثقهم إسنادا ، وأعلمهم بقضايا عمر ، وأقاويل عبد الله بن عمر ~~وعائشة وأصحابهم من الفقهاء السبعة ، وبه وبأمثاله قام علم الرواية والفتوى ~~. فلما وسد إليه الأمر حدث وأفتي وأجاد ، وعله انطبق قول النبي : ( ( يوشك ~~أن يضرب الناس أكباد الأبل ، يطلبون العلم ، يطلبون العلم فلا يجدون أحدا ~~أعلم PageV01P332 من علام المدينة ) ) على ما قاله ابن عيينة وعبد الرزاق ~~وناهيك بهما ، فجمع أصحابه ، رواياته ، ومختاراته ، ولخصوها ، وحرروها ~~وشرحوها وخرجوا عليها ، وتكلموا في أصولها ودلائها ، وتفرقوا إلى المغرب ~~ونواحي الأرض ، فنفع الله بهم كثيرا منن خلقه . وإن شئت أن تعرف حقيقة ما ~~قلناه من أصل مذهبه فانظر في كتاب الموطأ ، تجده كما ذكرنا . وكان أبو ~~حنيفة رضي الله عنه ألزمها بمذهب إبراهيم وأقرانه ، لا يجاوزه إلا ما شاء ~~الله ، وكان عظيم الشأن في التخريج على مذهبه ، دقيق النظر في وجوه ~~التخريجات ، مقبلا على الفروع ms254 أتم إقبال ، وإن شئت أن تعلم حقيقة ما قلنا ، ~~فلخص أقوال إبراهيم وأقرانه من كتاب الآثار لمحمد رحمه الله ، وجامع عبد ~~الرزاق ، ومصنف أب بكر بن أبي شيبة ، ثم قايسه بمذهبه تجده لا يفارق تلك ~~المحجة إلا في مواضع يسيرة ، وهو في تلك اليسيرة أيضا لا يخرج عما ذهب إليه ~~فقهاء الكوفة ، وكان أشهر أصحابه ذكرا أبو يوسف رحمه الله فولى قضاء القضاة ~~أيام هرون الرشيد ، فكان سببا لظهور مذهبخ ، والقضاء به في أقطار العراق ~~وخراسان ، وما وراء النهر . وكان أحسنهم تصنيفا وألرزمهم درسا محمد بن ~~الحسن ، وكان من خبره أنه نفقه على أبي حنيفة وأبي يوسف ، ثم خرج إلى ~~المدينة فقرأ الموطأ على مالك ، ثم رجع إلى نفسه فطبق مذهب أصحابه على ~~الموطأ مسألة مسألة ، فإن وافق فيها ، وإلا فإن رأى طائفة من الصحابة ~~والتابعين ذاهبين إلى مذهب أصحابه فكذلك ، وإن وجد قياسا ضعيفا أو تحزيجا ~~لينا يخالفه حديث صحيح فيما عمل به الفقهاء أو يخالفه عمل أكثر العلماء ، ~~تركه إلى مذهب من مذاهب السلف ، ما يراه أرجح ما هناك . وهذان لا يزالان ~~على محجة إبراهيم وأقرانه ما أمكن لهما . كما كان أبو حنيفة رضي الله عنه ~~يفعل ذلك وإنما كان اختلافهم في أحد شيئين : إما أن يكون لشيخهما تخريج على ~~مذهب إبراهيم يزاحمانه فيه ، أو يكون هناك لإبراهيم ونظرائه أقوال مختلفة ~~يخالفان شيخهما في ترجيح بعضها على بعض ، فصنف محمد رحمه الله وجمع رأى ~~هؤلاء الثلاثة ، وتقريبا أو شرحا أو تخريجا أو تأسيسا أو استدلالا ، ثم ~~تفرقوا إلى خراسان وما وراء النهر ، فيسمى ذلك مذهب أبي حنيفة . ~~PageV01P333 # ( ( ونشأ الشافعي في أوائل ظهور المذهبين وترتيب أصولهما وفروعهما ، فنظر ~~في صنيع الأوائل فوجد فيه أمورا كبحث عنانه عن الجريان في طريقهم ، وقد ~~ذكرها في أوائل كتاب الأم . منها : أنه وجدهم يأخذون بالمرسل والمنقطع ، ~~فيدخل فيهما الخلل ، فإنه إذا جمع طرق الحديث يظهر أنه كم من مرسل لا أصل ~~له وكم من مرسل يخالف مسندا ، فقرر أن لا يأخذ بالمراسيل إلا ms255 عند وجود شروط ~~، وهي مذكورة في كتب الأصول . ومنها : أنه لم تكن قواعد الجمع بين ~~المختلفات مضبوطة عندهم ، فكان يتطرق بذلك خلل في مجتهداتهم ، فوضع لها ~~أصولا ، ودونها في كتاب ، وهذا أول تدوين كان في أصول الفقه ، مثاله : ما ~~بلغنا أنه دخل على محمد بن الحسن وهو يطعن على أهل المدينة في قضائهم ~~بالشاهد الواحد مع اليمين ، ويقول هذا زيادة على كتاب الله فقال الشافعي : ~~أثبت عندك أنه لا تجوز الزيادة على كتاب الله بخبر الواحد ؟ قال نعم . قال ~~: فلم قلت : إن الوصية للوارث لا تجوز ، لقوله : ( ( ألا لا وصية لوارث ) ) ~~وقد قال الله تعالى : ( ^ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت ) . الآية ، وأورد ~~عليه أشياء من هذا القبيل ، فانقطع كلام محمد بن الحسن . ومنها : أن بعض ~~الأحاديث الصحيحة لم يبلغ علماء التابعين ممن وسد إليهم الفتوى فاجتهدوا ~~بآرائهم ، واتبعوا العمومات واقتدوا بمن مضى من الصحابة ، فأفتوا حسب ذلك ، ~~ثم ظهرت بعد ذلك في الطبقة الثالثة ، فلم يعملوا بها ، ظنا منهم أنها تخالف ~~عمل أهل مدينتهم ، وسنتهم التي لا اختلاف لهم فيها ، وذلك قادح في الحديث ، ~~وعلة مسقطة له ، أو لم تظهر في الثالثة ، وإنما ظهرت بعد ذلك عندما أمعن ~~أهل الحديث في جمع طرق الحديث ، ورحلوا إلى أقطار الأرض ، وبحثوا عن حملة ~~العلم ، فكثر من الأحاديث ما لا يرويه من الصحابة إلا رجل أو رجلان ، ولا ~~يرويه عنه أو عنهما إلا رجل أو رجلان وهلم جرا . . . فخفي على أهل الفقه ، ~~وظهر في عصر الحفاظ الجامعين لطرق الحديث كثير من الأحاديث رواه أهل البصرة ~~مثلا ، وسائر الأقطار في غفلة منهن فبين الشافعي أن العلماء من الصحابة ~~والتابعين ، لم يزل شأنهم أنهم يطلبون الحديث في المسألة ، فإذا لم يجدوا ~~تمسكوا بنوع آخر من الاستدلال ، PageV01P334 ثم إذا ظهر عليهم الحديث بعد ~~رجعوا من احتهادهم إلى الحديث ، فإذا كان الأمر على ذلك ، لا يكون عدم ~~تمسكهم بالحديث قدحا فيه ، اللهم إلا إذا بينوا العلة القادحة ، مثاله : ~~حديث القلتين ، فإنه حديث صحيح ، روى بطرق كثيرة ms256 ، معظمها يرجع إلى أبي ~~الوليد بن كثير ، عن محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عبد الله ، أو : محمد بن ~~عباد بن جعفر عن عبيد الله ابن عبد الله ، كلاهما عن ابن عمر ، ثم تشعبت ~~الطرق بعد ذلك ، وهذان ، وإن كانا من الثقات ، لكنهما ليسا ممن وسد إليهم ~~الفتوى ، وعول الناس عليهم . فلم يظهر الحديث في عصر سعيد بن المسيب ، ولا ~~في عصر الزهري ، ولم يمش عليه المالكية ، ولا الحنيفة ، فلم يعملوا به ، ~~وعمل به الشافعي . وكحديث ( ( خيار المجلس ) ) فإنه حديث صحيح ، روى بطرق ~~كثيرة ، وعمل به ابن عمر وأبو هريرة من الصحابة ، ولم يظهر على الفقهاء ~~السبعة ومعاصريهم ، فلم يكونوا يقولون به ، فرأى مالك وأبو حنيفة هذه علة ~~قادحلة في الحديث وعمل به الشافعي . # ومنها أن أقوال الصحابة جمعت في عصر الشافعي فتكثرت واختلفت وتشعبت ، ~~ورأى كثيرا منها يخالف الحديث الصحيح حيث لم يبلغهم ، ورأى السلف لم يزالوا ~~يرجعون في مثل ذلك إلى الحديث ، فترك التمسك بأقوالهم ، ما لم يتفقوا ، ~~وقال : هم رجال ونحن رجال ! # ومنها : أنه رأى قوما من الفقهاء يخلطون الرأي الذي لم يسوغه الشرع ~~بالقياس الذي أثبته فلا يميزون واحدا منها من الآخر ، ويسمونه تارة ~~بالاستحسان . وأعنى بالرأي أن ينصب مظنة حرج أو مصلحة علة الحكم ، وإنما ~~القياس أن تخرج العلة من الحكم المنصوص ، ويدار عليها الحكم ، فأبطل هذا ~~النوع أتم إبطال . وقال : من استحسن فإنه أراد أن يكون شارعا - حكاه ابن ~~الحاجب في مختصر الأصول - . مثاله : رشد اليتيم أمر خفي ، فأقاموا مظنة ~~الرشد ، وهو بلوغ خمس وعشرين سنة ، مقامه ، وقالوا : إذا بلغ اليتيم هذا ~~العمر ، سلم إليه ماله . قالوا : هذا استحسان ، والقياس أن لا يسلم إليه . ~~وبالجملة لما رأى في صنيع الأوائل مثل هذه الأمور ، أخذ الفقه من الرأس ، ~~فأسس الأصول وفرع الفروع ، وصنف الكتب ، فأجاد وأفاد ، واجتمع عليه الفقهاء ~~، وتصرفوا اختصارا وشرحا PageV01P335 واستدلالا وتخريجا ، ثم تفرقوا في ~~البلدان ، فكان هذا مذهبا للشافعي والله أعلم ) ) . * * * # 24 - بيان الفرق بين أهل الحديث وأصحاب الرأي # قال الإمام ولي ms257 الله الدهلوي قدس سره تحت هذا العنوان في الحجة البالغة ~~ما نصه : ( ( أعلم أنه كان من العلماء في عصر سعيد بن المسيب ، وإبراهيم ~~والزهري ، وفي عصر مالك وسفيان ، وبعد ذلك يكرهون الخوص بالرأي ، ويهابون ~~الفتيا والاستبناط إلا لضرورة لا يجدون منها بدا . وكان أكبرههم رواية حديث ~~رسول . سئل عبد الله بن مسعود عن شيء فقال : إني لأكره أن أحل لك شيئا حرمه ~~الله عليك ، أو أحرم ما أحله الله لك . وقال معاذ بن جبل : يا أيها الناس ! ~~لا تعجلوا بالبلاء قبل نزوله ، فإنه لم ينفك المسلمون أن يكون فيهم من إذا ~~سئل سرد . وروي نحو ذلك عن عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود في كراهة التكلم ~~فيما لم ينزل . وقال ابن عمر لجابر بن زيد : إنك من فقهاء البصرة ، فلا تفت ~~إلا بقرآن ناطق ، أو سنة ماضية ، فإنك إن فعلت غير ذلك ، هلكت وأهلكت . ~~وقال أبو النصر : لما قدم أبو سلمة البصرة ، أتيته أنا والحسن ، فقال للحسن ~~: أنت الحسن ؟ ما كان أحد بالبصرة أحب إلى لقاء منك ، وذلك أنه بلغني أنك ~~تفتي برأيك ، فلا تفت برايك إلا أن يكون سنة عن رسول أو كتابا منزلا . وقال ~~ابن المنكدر : إن العالم يدخل فيما بين الله وبين عبادة ، فليطلب لنفسه ~~المخرج . وسئل الشعبي : كيف كنتم تصنعون إذا سئلتم ؟ قال : على الخبير وقعت ~~، كان إذا سئل الرجل قال لصاحبه : أفتهم ، فلا يزال حتى يرجع إلى الأول . ~~وقال الشعبي : ما حدثوك هؤلاء عن رسول الله فخذ به ، وما قالوه برأيهم ، ~~فألقه في الحش . ( أخرج هذه الآثار عن آخرها الدارمي ) . # ( ( فوقع شيوع تدوين الحديث والأثر في بلدان الإسلام وكتابه الصحف والنسخ ~~. PageV01P336 حتى قل من يكون أهل الرواية إلا كان له تدوين أو صحيفة أو ~~نسخة من حاجتهم ، لموقع عظيم ، فطاف من أدرك من عظائهم ذلك الزمان بلاد ~~الحجاز والشام والعراق ومصر واليمن وخراسان ، وجمعوا الكتب ، وتتبعوا النسخ ~~، وأمعنوا في التفحص غريب الحديث ، ونوادر الأثر فاجتمع باهتمام أولئك من ~~الحديث والآثار ما لم يجتمع لأحد قبلهم ms258 ويتسر لهم ما لم يتيسر لأحد قبلهم ، ~~وخلص إليهم من طرق الأحاديث شيء كثير ، حتى كان يكثر من الأحاديث عندهم مئة ~~طريق فما فوقها ، فكشف بعض الطرق ما استتر في بعضها الآخر ، وعرفوا محل كل ~~حديث من الغرابة والاستفاضة ، وأمكن لهم النظر في المتابعات والشواهد ، ~~وظهر عليهم أحاديث صحيحة كثيرة لم تظهر على أهل الفتوى من قبل . قال ~~الشافعي لأحمد : أنتم أعلم بالأخبار الصحيحة منا ، فإذا كان خبر صحيح ~~فأعلموني حتى أذهب إليه ، كوفيا كان أو بصربا أو شاميا . ( حكاه ابن الهمام ~~) . وذلك لأنه كم من حديث صحيح لا يرويه إلا أهل بلد خاصة ؛ كأفراد ~~الشاميين والعراقيين أو أهل بيت خاصة ، كنسخة يريد عن أبي بردة عن أبي موسى ~~، ونسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، أو كان الصحابي مقلا خاملا لم يحمل ~~عنه إلا شرذمة قليلون . فمثل هذه الأحاديث يغفل عنها عامة أهل الفتوى ، ~~واجتمعت عندهم آثار فقهاء كل بلد من الصحابة والتابعين ، وكان الرجل فيما ~~قبلهم لا يتمكن إلا من جمع حديث بلده وأصحابه وكان من قبلهم يعتمدون في ~~معرفة أسماء الرجال ومراتب عدالتهم على ما يخلص إليهم من مشاهدة الحال ، ~~وتتبع القرائن ، وأمعنت هذه الطبقة في هذا الفن ، وجعلوه شيئا مستقلا ~~بالتدوين والبحث ، وناظروا في الحكم بالصحة وغيرها فانكشف عليهم بهذا ~~التدوين والمناظرة ما كان خافيا من حال الاتصال والانقطاع . وكان سفيان ~~ووكيع وأمثالهما يجتهدون غاية الاجتهاد فلا يتمكنون من الحديث المرفوع ~~المتصل إلا من دون ألف حديث كما ذكره أبو داود السجستاني في رسالته إلى أهل ~~مكة . وكان أهل هذه الطبقة يروون أربعين ألف حديث ، فما يقرب منها ، بل صح ~~عن البخاري أنه اختصر صحيحة من PageV01P337 ستة آلاف حديث . وعن أبي داود ~~أنه اختصر سننه من خمسة آلاف حديث ، وجعل أحمد مسنده ميزانا يعرف به حديث ~~رسول الله ، فما وجد فيه ولو بطريق واحد منه ! فله وإلا فلا أصل له ، فكان ~~رؤوس هؤلاء عبد الرحمن بن مهدي ويحيي ابن سعيد القطان ويزيد بن هارون وعبد ms259 ~~الرزاق وأبو بكر بن أبي شيبة ومسدد وهناد وأحمد بن حنبل وإسحاق بن واهويه ~~والفضل بن دكين وعلى المديني وأقرانهم . وهذه الطبقة هي الطراز الأول من ~~طبقات المحدثين ، فرجع المحققون منهم بعد إحكام فن الرواية ومعرفة مراتب ~~الأحاديث إلى الفقه ، فلم يكن عندهم من الرأي أن يجمع على تقليد رجل ممن ~~مضى مع ما يرون من الأحاديث والآثار المناقضة في كل مذهب من تلك المذاهب ، ~~فأخذوا يتبعون أحاديث النبي ، وآثار الصحابة والتابعين والمجتهدين ، على ~~قواعد أحكموها في نفوسهم وأنا أبينها في كلمات يسيرة : # ( ( كان عندهم أنه إذا وجد في المسألة قرآن ناطق فلا يجوز التحول إلى ~~غيره ، وإذا كان القرآن محتملا لوجوه ، فالسنة قاضية عليه ، فإذا لم يجدوا ~~في كتاب الله أخذوا بسنة رسول الله ، سواء كان مستفيضا دائرا بين الفقهاء ، ~~أو يكون مختصا بأهل بلد ، أو أهل بيت ، أو بطريق خاصة ، وسواء عمل به ~~الصحابة والفقهاء أو لم يعملوا به ، ومتى كان في المسألة حديث فلا يتبع ~~فيها خلاف أثر من الآثار ، ولا اجتهاد أحد من المجتهدين ، وإذا فرغوا جهدهم ~~في تتبع الأحاديث ، ولم يجدوا في المسألة حديثا ، أخذوا بأقوال جماعة من ~~الصحابة والتابعين ، ولا يتقيدون بقوم دون قوم ، ولا بلد دون بلد كما كان ~~يفعل من قبلهم ، فإن اتفق جمهور الخلفاء والفقهاء على شيء فهو المقنع ، وإن ~~اختلفوا أخذوا بحديث أعلمهم علما ، وأورعهم ورعا ، أو أكثرهم ضبطا ، أو ما ~~اشتهر عنهم فإن وجدوا شئيا يستوي فيه قولان ، فهي مسألة ذات قولين ، فإن ~~عجزوا عن ذلك أيضا تأملوا في عمومات الكتاب والسنة وإيماءاتهما ، ~~واقتضاءاتهما ، وحملوا نظير المسألة عليها في الجواب إذا كانتا متقاربتين ~~بادي الرأي ، لا يعتمدون في ذلك على قواعد من الأصول ، ولكن ما يخلص إلى ~~الفهم ، ويثلج به الصدر ، كما أنه ليس ميزان PageV01P338 التواتر عدد ~~الرواة ، ولا حالهم ، ولكن اليقين الذي يعقبه في قلوب الناس . وكانت هذه ~~الأصول مستخرجه عن صنيع الأوائل وتصريحاتهم . وعن ميمون بن مهران قال : كان ~~أبو بكر إذا ورد عليه الخصم ، نظر في ms260 كتاب الله ، فإن وجد فيه ما يقضي ~~بينهم ، قضى به وإن لم يكن في الكتاب وعلم من رسول الله في ذلك الأمر سنة ~~قضى بها ، فإن أعياه خرج فسال المسلمين وقال : أتاني كذا وكذا ، فهل علمتم ~~أن رسول الله قضى في ذلك بقضاء ؟ فربما اجتمع إليه النفر ، كلهم يذكر من ~~رسول الله فيه قضاء فيقول أبو بكر : الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ على ~~نبينا ؛ فإن أعياه أن يجد فيه سنة من رسول الله ، جمع رؤوس الناس وخيارهم ، ~~فاستشارهم فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به . وعن شريح ، أن عمر بن الخطاب ~~كتب إليه : ( ( إن جاءك شيء في كتاب الله فاقض به ، ولا يلفتك عنه الرجال ، ~~فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ، ولم سكن فيه سنة رسول الله ولم يتكلم فيه ~~أحد قبلك ، فاختر أي الأمرين شئت : إن شئت أن تجتهد برأيك ثم تتقدم فتقدم ، ~~وإن شئت أن تتأخر فتأخر ، ولا أرى التأخر إلا خيرا لك . وعن عبد الله بن ~~مسعود ، قال أتي علينا زمان ، لسنا نقضي ، ولسنا هنالك ! وإن الله قد قدر ~~من الأمر أن قد بلغنا ما ترون ، فمن عرض له قضاء بعد اليوم فليقض فيه بما ~~في كتاب الله عز وجل فإن جاءه ما ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به رسول ~~الله ، فإن جاءه ما ليس في كتاب الله ولم يقض به رسول الله ، فليقض بما قضى ~~به الصالحون ، ولا يقل : إني أخاف وإني أرى فإن الحرام بين والحلال بين ~~وبين ذلك أمور مشتبهة ، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك ) ) . وكان ابن عباس ~~إذا سئل عن الأمر ، فإن كان في القرآن أخبر به PageV01P339 وإن لم يكن في ~~القرآن ، وكان عن رسول الله اخبر به ، وإن لم يكن فعن أبي بكر وعمر ، فإن ~~لم يكن ، قال فيه برأيه . # عن ابن عباس أما تخافون أن تعذبوا أو يخسف بكم أن تقولوا : قال رسول الله ~~، وقال فلان . عن قتاده قال : حدث ابن سيرين رجلا بحديث ms261 عن النبي فقال ~~الرجل : قال فلان كذا وكذا . . . ، فقال ابن سيرين : أحدثك عن النبي ويقول ~~: قال فلان كذا وكذا . عن الأوزاعي ، قال : كتب عمر بن عبد العزيز أنه لا ~~رأى لأحد في كتاب الله ، وإنما رأى الأئمة فيما لم ينزل فيه كتاب ، ولم تمض ~~فيه سنة من رسول الله ، ولا رأى لأحد في سنة سنها رسول الله . عن الأعمش ، ~~قال : كان إبراهيم يقول : يقوم عن يساره ، فحدثته عن سميع الزيات عن ابن ~~عباس أن النبي أقامه عن يمينه ، فأخذ به . عن الشعبي : جاءه رجل يسأله عن ~~شيء فقال : كان ابن مسعود يقول فيه كذا وكذا ، قال أخبرني أنت برأيك ، فقال ~~ألا تعجبون من هذا ؟ أخبرته عن ابن مسعود ويسألني عن رأي ! وديني عندي آثر ~~من ذلك ! والله لأن أتغني بأغنية أحب إلى من أن أخبرك برأيي . ( أخرج هذه ~~الآثار كلها الدارمي ) . # وأخرج الترمذي عن أبي السائب ، قال : كنا عند وكيع فقال لرجل ممن ينظر في ~~الرأي : أشعر رسول الله ، ويقول أبو حنيفة : ( ( هو مثله ) ) قال الرجل : ~~فإنه قد روى عن إبراهيم النخعي أنه قال : الإشعار مثله ، قال : رأيت ، ~~وكيعا غضب غضبا شديدا وقال : أقول لك قال رسول الله وتقول : قال إبراهيم ؟ ~~! ما أحقك بأن تحبس ثم لا تخرج حتى تنزع عن قولك هذا ! ! عن عبد الله بن ~~عباس وعطاء ومجاهد ومالك بن أنس رضي الله عنهم أنهم كانوا يقولون : ما من ~~أحد إلا وهو مأخوذ من كلامه ومردود عليه إلا رسول الله . PageV01P340 # ( ( وبالجملة فلما مهدوا الفقه على هذه القواعد ، فلم تكن مسألة من ~~المسائل التي تكلم فيها من قبلهم ، والتي وقعت في مازنهم إلا وجدوا فيها ~~حديثا مرفوعا ، متصلا أو مرسلا أو موقوفا ، صحيحا أو حسنا أو صالحا ~~للاعتبار ، أو وجدوا أثرا من آثار الشيخين ، ك أو سائر الخلفاء وقضاة ~~الأمصار ، وفقهاء البلدان ، أو استنباطا من عموم ، أو إيماء واقتضاء ، فيسر ~~الله لهم العمل بالسنة على هذا الوجه ، وكان أعظمهم شأنا وأوسعهم رواية ، ~~وأعرفهم للحديث مرتبة ، وأعمقهم فقها أحمد بن ms262 محمد بن حنبل ثم إسحاق بن ~~راهويه ، وكان ترتيب الفقه على هذا الوجه يتوقف على جمع شيء كثير من ~~الأحاديث والآثار . # ( ( ثم أنشأ الله تعالى قرنا آخر ، فرأوا أصحابهم قد كفوا مؤونة جمع ~~الأحاديث ، وتمهيد الفقه على أصلهم فتفرغوا لفنون أخرى ، كتمييز الحديث ~~الصحيح المجمع عليه بين كبراء أهل الحديث كزيد بن هرون ، ويحيى بن سعيد ~~القطان ، وأحمد ، وإسحاق ، وأضرابهم ، وكجمع أحاديث الفقه التي بني عليها ~~فقهاء الأمصار وعلماء البلدان مذاهبهم ، وكالحكم على كل حديث بما يستحقه ، ~~وكالشاذة والفاذة من الأحاديث التي لم يرووها ، أو طرقها التي لم يخرجوا من ~~جهتها الأوائل مما فيه اتصال أو علو سند أو رواية فقيه عن فقيه أو حافظ عن ~~حافظ ، ونحو ذلك من المطالب العلمية ، وهؤلاء هم : البخاري ومسلم وأبو داود ~~وعبد ابن حميد والدارمي وابن ماجة وأبو يعلي والترمذي والنسائي والدار قطني ~~والحاكم والبيهقي والخطيب والديلمي وابن عبد البر وأمثالهم . وكان أوسعهم ~~علما عندي ، وأنفعهم تصنيفا ، وأشهرهم ذكرا رجال أربعة ، متقاربون في العصر ~~: # أولهم : أبو عبد الله البخاري ، وكان غرضه تجويد الأحاديث الصحاح ~~المستفيضة المتصلة من غيرها ، واستنباط الفقه والسيرة والتفسير منها ، فصنف ~~جامعه الصحيح ، ووفي بما شرط . وبلغنا أن رجلا من الصالحين رأي رسول الله ف ~~منامه وهو يقول : مالك اشتغلت بفقه محمد بن إدريس وتركت كتابي ؟ قال : يا ~~رسول الله وما كتابك ؟ قال : صحيح البخاري . ولعمري ! إنه نال من الشهرة ~~والقبول درجة لا يرام فوقها . PageV01P341 # وثانيهم : مسلم النيسابوري توخي تجريد الصحاح المجمع عليها بين المحدثين ~~المتصلة المرفوعة ، مما يستنبط منه السنة ، وأراد تقريبها إلى الأذهان ، ~~وتسهيل الاستنباط منها ، فرتب ترتيبا جيدا وجمع طرق كل حديث في موضع واحد ~~ليتضح اختلاف المتون ، وتشعب الأسانيد أصرح ما يكون ، وجمع بين المختلفات ، ~~فلم يدع لمن له معرفة لسان الرعب عذرا في الإعراض عن السنة إلى غيرها . # وثالثهم : أبو داود السجستاني ، وكان همته جمع الأحاديث التي استدل بها ~~الفقهاء ودارت فيهم ، وبنى عليها الأحكام علماء الأمصار ، فصنف سننه ، وجمع ~~فيها الصحيح والحسن واللين والصالح ms263 للعمل . قال أبو داود : ( ( ما ذكرت في ~~كتابي حديثا أجمع الناس على تركه ) ) وما كان منها ضعيفا صرح بضعفه ، وما ~~كان فيه علة بينها بوجه يعرفه الخائض في هذا الشأن ، وترجم على كل حديث بما ~~قد استنبط منه عالم وذهب إليه ذاهب ، ولذلك صرح الغزالي وغيره بأن كتابه ~~كاف للمجتهد . # ورابعهم : أبو عيسى الترمذي ، وكأنه استحسن طريقة الشيخين حيث بينا وما ~~أبهما ، وطريقة أبي داود حيث جمع كل ما ذهب إليه ذاهب ، فجمع كلتا ~~الطريقتين وزاد عليهما بيان مذاهب الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار ، فجمع ~~كتابا جامعا ، واختصر طرق الحديث اختصارا لطيفا ، فذكر واحدا ، وأومأ إلى ~~ما عداه ، وبين أمر كل حديث من أنه صحيح أو حسن أو ضعيف أو منكر ، وبين وجه ~~الضعف ، ليكون الطالب على بصيرة من أمره ، فيعرف ما يصلح للاعتبار عما دونه ~~، وذكر أنه مستفيض أو غريب . وذكر مذاهب الصحابة وفقهاء الأمصار ، وسمى من ~~يحتاج إلى التسمية ، وكنى من يحتاج إلى الكنية ، ولم يدع خفاء لمن هو من ~~رجال العلم ، ؛ ولذلك يقال : إنه كاف للمجتهد ، مغن للمقلد . # ( ( وكان بإزاء هؤلاء في عصر مالك وسفيان وبعدهم قوم لا يكرهون المسائل ، ~~ولا يهابون الفتيا ، ويقولون : على الفقه بناء الدين ، فلا بد من إشاعته ، ~~ويهابون رواية حديث رسول الله ، والرفع إليه ، حتى قال الشعبي : على من دون ~~النبي أحب إلينا ، فإن كان PageV01P342 فيه زيادة أو نقصان ، كان على من ~~دون النبي . وقال إبراهيم : أقول : قال عبد الله وقال علقمة أحب إلينا . ~~وكان ابن مسعود إذا حدث عن رسول الله تربد وجهه وقال : هكذا أو نحوه . وقال ~~عمر حين بعث رهطا من الأنصار إلى الكوفة : إنكم تأتون الكوفة فتأتون قوما ~~لهم أزيز بالقرآن ، فيأتونكم فيقولون : قدم أصحاب محمد ، فيأتونكم ، ~~فيسألونكم عن الحديث ، فأقلوا الرواية عن رسول الله . قال ابن عون : كان ~~الشعبي إذا جاءه شيء اتقي ، وكان إبراهيم يقول ويقول ( أخرج هذه الآثار ~~الدارمي ) . # ( ( فوقع تدوين الحديث والفقه والمسائل من حاجتهم بموقع من وجه آخر ، ~~وذلك أنه لم يكن عندهم من ms264 الأحاديث والآثار ، ما يقدرون به على استنباط ~~الفقه على الأصول التي اختارها أهل الحديث ، ولم تنشرح صدورهم للنظر في ~~أقوال علماء البلدان ، وجمعها والبحث عنها ، واتهموا أنفسهم في ذلك ، ~~وكانوا اعتقدوا في أئمتهم أنهم في الدرجة العليا من التحقيق ، وكان قلوبهم ~~أميل شيء إلى أصحابهم ، كما قال علقمة : هل أحد منهم أثبت من عبد الله ؟ ~~وقال أبو حنيفة : إبراهيم أفقه من سالم ، ولولا فضل الصحبة لقلت : علقمة ~~أفقه من ابن عمر ؛ وكان عندهم من الفطانة والحدس وسرعة انتقال الذهن من شيء ~~إلى شيء ما يقدرون به على تخريج جواب المسائل على أقوال أصحابهم ، و ( ( كل ~~ميسر لما خلق له ) ) و ( ( كل حزب بما لديهم فرحون ) ) فمهدوا الفقه على ~~قاعدة التخريج ، وذلك أن يحفظ كل أحد كتاب من هو لسان أصحابه وأعرفهم ~~بأقوال القوم ، وأصحهم نظرا في الترجيح ، فيتأمل في كل مسألة وجه الحكم ، ~~فكلما سئل عن شيء أو احتاج إلى شيء ، رأي فيما يحفظه من تصريحات أصحابه ، ~~فإن وجد الجواب فيها ، وإلا إلى عموم كلامهم ، فأجراه على هذه الصورة أو ~~إشارة ضمنية لكلام ، فاستنبط منها ، وربما كان لبعض الكلام إيماء أو اقتضاء ~~يفهم المقصود ، وربما كان للمسألة المصرح بها نظير يحمل عليها ، وربما ~~نظروا في علة الحكم المصرح به بالتخريج أو باليسر والخذف ، فأداروا حكمه ~~علي غير المصرح به ، وربما كان له PageV01P343 كلامان ، لو اجتمعا على هيأة ~~القياس الاقتراني أو الشرطي ، أنتجا جواب المسألة ؛ وربما كان في كلامهم ما ~~هو معلوم بالمثال والقسمة ، غير معلوم بالحد الجامع المانع ، فيرجعون إلى ~~أهل اللسان ، ويتكلفون في تحصيل ذاتيانه ، وترتيب حد جامع مانع له ، وضبط ~~مبهمه ، وتمييز مشكله ، وربما كان كلامهم محتملا بوجهين ، فيظرون في ترجيح ~~أحد المحتملين ، وربما يكون تقريب الدلائل خفيا ، فيبينون ذلك ؛ وربما ~~استدل بعض المخرجين من فعل أئتهم وسكوتهم ونحو ذلك ، فهذا هو التخريخ ، ~~ويقال له : القول المخرج لفلان كذا على مذهب فلان أو على اصل فلان ، أو على ~~قول فلان ، وجواب المسألة كذا وكذا ، ويقال لهؤلاء : المجتهدون في ms265 المذهب ، ~~وعنى هذا الاجتهاد على هذا الأصل من قال : من حفظ المبسوط كان مجتهدا ! أي ~~: وإن لم يكن له علم برواية أصلا ، ولا بحديث واحد ، فوقع التخريج في كل ~~مذهب ، وكثر ، فأي مذهب كان أصحابه مشهورين وسد إليهم القضاء والإفتاء ، ~~واشتهر تصانيفهم في الناس ، ودرسوا درسا ظاهرا انتشر في أقطار الأرض ، ولم ~~يزل ينشر كل حين ، وأي مذهب كان أصحابه خاملين ، ولم يولوا القضاء والإفناء ~~، ولم يرغب فيهم الناس اندرس بعد حين ) ) انتهى . * * * # 25 - بيان حال الناس في الصدر الأول وبعده # قال الإمام أبو زيد الدبوسي رحمه الله تعالى في تقويم الأدلة : ( ( كان ~~الناس في الصدر الأول - أعني : الصحابة والتابعين والصالحين يبنون أمورهم ~~على الحجة ، فكانوا يأخذون بالكتاب ثم بالسنة ، ثم بأقوال من بعد رسول الله ~~ما يصح بالحجة ؛ فكان الرجل يأخذ بقول عمر في مسألة ، ثم يخالفه بقول على ~~في مسألة أخرى . وقد ظهر من أصحاب أبي خنيفة أنهم وافقوه مرة ، وخالفوه ~~أخرى ، بحسب ما تتضح لهم الحجة ، ولم يكن المذهب في الشريعة عمريا ، ولا ~~علويا ، بل النسبة كانت إلى رسول الله ، فكانوا قرونا أثني عليهم رسول الله ~~بالخير ، فكانوا يرون الحجة لا علماءهم ، ولا نفوسهم ، فلما ذهبت ~~PageV01P344 التقوى عن عالمة القرن الرابع ، وكسلوا عن طلب الحجج ، جعلوا ~~علماءهم حجة واتبعوهم ، فصار بعضهم حنفيا ، وبعضهم مالكيا ، وبعضهم شافعيا ~~، ينصرون الحجة بالرجال ، ويعتقدون الصحة بالميلاد على ذلك المذهب ، ثم كل ~~قرن بعدهم اتبع عالمة كيف ما أصابه بلا تمييز ، حتى تبدلت السنن بالبدع ، ~~فضل الحق بين الهوى ) ) انتهى . # وقال العلامة الدهلوي في الحجة البالغة ، في باب حكاية حال الناس قبل ~~المئة الرابعة وبعدها : ( ( أعلم أن الناس كانوا قبل المئة الرابعة غير ~~مجتمعين على التقليد الخالص لمذهب واحد بغينه . قال أبو طالب المكي في قوت ~~القلوب : إن الكتب والمجوعات محدثة ، والقول بمقالات الناس ، ولفتيا بمذهب ~~الواحد من الناس ، واتخاذ قوله ، والحكاية له من كل شيء ، والتفقه على ~~مذهبه ، لم يكن الناس قديما على ذلك في القرنين الأول والثاني ) ) . انتهى ~~. # قال الدهلوي ms266 قدس سره : ( ( وبعد القرنين ، حدث فيهم شيء من التخريج ، غير ~~أن أهل المئة الرابعة لم يكونوا مجتمعين على التقليد الخالص على مذهب واحد ~~، والتفقه له ، والحاكية لقوله ، كما يظهر من التتبع ، بل كان فيهم العلماء ~~والعامة ، وكان من خبر العالمة أنهم كانوا في المسائل الإجماعية التي لا ~~اختلاف فيها بين المسلمين ، أو جمهور المجتهدين لا يقلدون إلا صاحب الشرع ، ~~وكان يتعلمون من الوضوء والغسل والصلاة والزكاة ونحو ذلك من آبائهم أو ~~معلمي بلدانهم ، فيمشون حسب ذلك ، وإذا وقعت لهم واقعة استفتوا فيها أي مفت ~~وجدوا من غير تعيين مذهب ، وكان من خبر الخاصة أنه كان أهل الحديث منهم ~~يشتغلون بالحديث ، فيخلص إليهم من أحاديث النبي وآثار الصحابة ما لا ~~يحتالون معه إلى شيء آخر في المسألة من حديث مستفيض أو صحيح قد عمل به بعض ~~الفقهاء ، ولا عذر لتارك العمل به ، أو أقوال متظاهرة لجمهور الصحابة ~~والتابعين ، مما لا يحسن مخالفتها ، فإن لم يجد - أي أحدهم - في المسألة ما ~~يطمئن به قلبه ، لتعارض النقل وعدم وضوح الترجيح ، ونحو ذلك ، رجع إلى كلام ~~بعض من مضى من الفقهاء ، فإن وجدقولين اختار PageV01P345 أوثقهما ؟ سواء ~~كان من أهل المدينة أو من أهل الكوفة ، وكان أهل التخريج منهم يخرجون فيما ~~لا يجدونه مصرحا ، ويجتهدون في المذهب ، وكان هؤلاء ينسبون إلى مذهب ~~أصحابهم فيقال : فلان شافعي ، وفلان حنفي ، وكان صاحب الحديث أيضا قد ينسب ~~إلى أحد المذاهب لكثرة موافقته لهن كالنسائي والبيهقي ، ينسبان إلى الشافعي ~~، فكان لا يتولى القضاء ولا الإفتاء إلا مجتهد ، ولا يسمى الفقيه إلا مجتهد ~~، ثم بعد هذه القرون ، كان ناس آخرون ذهبوا يمينا وشمالا - وحدث فيهم أمور ~~، منها الجدل والخلاف في علم الفقه . وتفصيله - على ما ذكره الغزالي ، أنه ~~لما انقرض عهد الخلفاء الراشدين المهدبين ، أفضت الخلافة إلى قوم تولوها ~~بغير استحقاق ولا استقلال بعلم الفتاوى والأحكام ، فاضطروا إلى الاستعانة ~~بالفقهاء ، وإلى استصحابهم في جميع أحوالهم ، وقد كان بقي من العلماء من هو ~~مستمر على الطراز الأول ، وملازم صفو الدين ، فكانوا ms267 إذا طلبوا هربوا ~~وأعرضوا ، فرأى أهل تلك الأعصار عز العلماء ، وإقبال الأئمة عليهم ، مع ~~إعراضهم ، فاشر أبوا بطلب العلم توصلا إلى نيل العز ، ودرك الجاه ، فأصبح ~~الفقهاء ، بعد أن كانوا مطلوبين طالبين ، وبعد أن كانوا أعزة بالإعراض عن ~~السلاطين ، أدلة بالإقبال عليهم ، إلا من وفقه الله . وقد كان من قبلهم قد ~~صنف ناس في علم الكلام ، وأكثروا القال والقيل ، والإيراد والجواب ، وتمهيد ~~طرق الجدل ، فوقع ذلك منهم بموقع من قبل أن كان من الصدور والملوك من مالت ~~نفسه إلى المناظرة في الققه ، وبيان الأولى من مذهب الشافعي وأبي حنيفة ~~رحمه الله ، فترك الناس الكلام وفنون العلم وأقبلوا على المسائل الخلافية ~~بين الشافعي وأبي حنيفة رحمه الله على الخصوص ، وتساهلوا في الخلاف مع مالك ~~وسفيان وأحمد بن حنبل وغيرهم وزعموا أن غرضهم استنباط دقائق الشرع ، وتقرير ~~علل المذهب ، وتمهيد أصول الفتاوى ، وأكثروا فيها التصانيف والاستنباطات ، ~~ورتبوا فيها أنواع المجادلات والتصنيفات ، وهم مستمرون عليه إلى الآن ، ~~لسنا ندري ما الذي قدر الله تعالى فيما بعدها من الأعصار ، انتهى حاصله . ~~ومنها : أنهم اطمأنوا بالتقليد ودب التقليد في صدروهم دبيب النمل ، وهم لا ~~يشعرون . وكان سبب ذلك تزاحم الفقهاء وتجادلهم فيما بينهم ، فإنهم لما وقعت ~~فيهم المزاحمة في الفتوى ، كان كل من أفتي PageV01P346 بشيء نوقض في فتواه ~~ورد عليهم ، فلم ينقطع الكلام إلا بمصير إلى تصريح رجل من المتقدمين في ~~المسألة . وأيضا جور القضاة ، فإن القضاة لما جار أكثرهم ، ولم يكونا أمناء ~~لم يقبل منهم إلا ما لا يريب العامة فيه ، ويكون شيئا قد قيل من قبل . ~~وأيضا جهل رؤوس الناس ، واستفتاء الناس من لا علم له بالحديث ، ولا بطريق ~~التخريج كما ترى ذلك ظاهرا في أكثر المتأخرين ، وقد نيه عليه ابن الهمام ~~وغيره ، وفي ذلك الوقت يسمى غير المجتهد فقيها . ومنها : أن أقبل أكثرهم ~~على التعميات في كل فن ، فمهم من زعم أنه يؤسس علم أسماء الرجال ، ومعرفة ~~مراتب الجرح والتعديل ثم خرج من ذلك إلى التاريخ : قديمة وحديثه . ومنهم من ~~تفحص عن ms268 نوادر الأخبار وغرائبها ، وإن دخلت في حد الموضوع . ومنهم من أكثر ~~القال والقيل في أصول الفقه ، واستنبط كل لأصحابه قواعد جدلية ، فأورد ~~فاستقصى ، وأجاب وتفصي ، وعرف ، وقسم ، فحرر ، طول الكلام تارة ، وتارة ~~اختصر . ومنهم من ذهب إلى هذا بفرض الصور المستبعدة التي من حقها أن لا ~~يتعرض لها عاقل ، وبفحص العمومات والإيماءات من كلام المخرجين فمن دونهم ، ~~مما لا يرتضي استماعه عالم ولا جاهل . وفتنة هذا الجدل والخلاف والتعمق ، ~~قريبة من الفتنة الأولى حين تشاجروا في الملك ، وانتصر كل رجل لصاحبه : ~~فكما أعقبت تلك ملكا عضوضا ، ووقائه صماء عمياء ، فكذلك أعقبت هذه جهلا ~~واختلاطا وشكوكا ووهما ما لها من إرجاء . فنشأت بعدهم قرون على التقليد ~~الصرف ، لا يميزون الحق من الباطل ، ولا الجدل عن الاستنباط . فالفقيه ~~يومئذ هو الثرثار المتشدق الذي حفظ أقوال الفقهاء ، قويها وضعيفها ، من غير ~~تمييز ، وسردها بشقشقة شدقيه . والمحدث من عد الأحاديث ، صحيحها وسقيمها ، ~~وهذها كهذا الأسماء بقوة لحييه . ولا أقول ذلك كليا مطردا ، فإن لله طائفة ~~من عباده ، لا يضرها من خذلهم ، وهم حجة الله في أرضه ، وإن قلوا . # ( ( ولم يأت قرن بعد ذلك إلا وهو أكثر فتنة ، وأوفر تقليدا ، وأشد ~~انتزاعا للأمانة PageV01P347 من صدور الرجال ، حتى اطمأنوا بترك الخوص في ~~أمر الدين ، وبأن يقولوا : ( ( إنا وجدنا آباءنا على أمة ، وإنا على آثارهم ~~مقتدون ) ) وإلى الله المشتكى ، وهو المستعان ، وبه الثقة وعليه التكلان ) ~~) انتهى كلام ولي الله الدهلوي ، وقد سبقه إلى كشف هذه الأسرار الشيخ ~~الأكبر قدس سره في الفتوحات المكية حيث قال في الباب الثامن عشر وثلائمائة ~~، في معرفة منزل نسخ الشريعة المحمدية وغير المحمدية ، بالأعراض النفسية - ~~عافانا الله وإياكم من ذلك ما نصه - بعد أبيات صدر بها هذا الباب : # ( ( أعلم - وفقنا الله وإياك - أيها الولي الحميم ، والصفى الكريم ، أنا ~~روينا في هذا الباب عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رجلا أصاب من ~~عرضه ، فجاء إليه يستحله من ذلك ، فقاله له : يا ابن عباس ! إنني قد نلت ~~منك ، فاجعلني في حل ms269 من ذلك . فقال : أعوذ بالله أن أحل ما حرم الله ! إن ~~الله قد حرم أعراض المسلمين ، فلا أحله ، ولكن ، غفر الله لك . فانظر : ما ~~أعجب هذا التصريف ، وما أحسن العلم . ومن هذا الباب حلف الإنسان على ما ~~أبيح له فعله أن لا يفعله ، أو يفعله ، ففرض الله تحلة الأيمان ، وهو من ~~باب الاستدراج والمكر الإلهي ، إلا لمن عصمه الله بالتنبيه عليه ، فما ثم ~~شارع إلا الله تعالى ، قال لنبيه : ( ( لتحكم بين الناس بما أراك الله ) ) ~~ولم يقل له : ( ( بما رأيت ) ) . بل عاتبه سبحانه وتعالى ، لما حرم على ~~نفسه باليمين ، في قضية عائشة وحفصه ، فقال تعالى : ( ^ يا أيها النبي لم ~~يحرم ما أحل الله لك ؟ تبتغي مرضاة أزواجك ؟ ) فكان هذا مما أرته نفسه . ~~فهذا بدلك أن قوله تعالى ( ^ بما أراك الله ) أنه ما يوحي به إليه ، لا ما ~~يراه في رأيه . فلو كان الدين بالرأي لكان رأي النبي أولي من رأي كل ذي رأي ~~، فإذا كان هذا حال النبي ، فيما رأته نفسه فكيف رأي من ليس بمعصوم ؟ ومن ~~الخطأ أقرب إليه من الإصابة ؟ فدل أن الاجتهاد الذي ذكره رسول الله أنما هو ~~في طلب PageV01P348 الدليل على تعيين الحكم في المسألة الواقعة ، لا في ~~تشريع حكم في النازلة ، فإن ذلك شرع لم يأذن به الله . ولقد أخبرني في ~~القاضي عبد الوهاب الأسدي الإسكندري بمكة المشرفة سنة تسع وتسعين وخمسمائة ~~قال : رأيت رجلا من الصالحين بعد موته في المنام ، فسألته ما رأيت ؟ فذكر ~~أشياء ؛ منها : قال : ولقد رأيت كتبا موضوعة ، وكتبا مرفوعة ، فسألت ما هذه ~~الكتب المرفوعة ؟ فقيل لي : هذه كتب الحديث . فقلت : وما هذه الكتب ~~الموضوعة ؟ فقيل لي : هذه كتب الرأي ، حتى يسأل عنها أصحابها . فرأيت الأمر ~~فيه شدة . # أعلم - وفقنا الله وإياك - أن الشريعة ، هي المحجة الواضحة البيضاء ، ~~محجة السعداء ، وطريق السعادة ، من مشى عليها نجا ، ومن تركها هلك ، قال ~~رسول الله لما أنزل عليه قول تعالى : ( ^ وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ) ~~خط رسول الله في الأرض خطا ، وخط خطوطا على ms270 جانبي الخط ، يمينا وشمالا ، ثم ~~وضع إصبعه على الخط ، وقال تاليا : ( ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ، ~~ولا تتبعوا السبل ) ) وأشار إلى تلك الخطوط التي خطها عن يمين الخط ويساره ~~( ( فتفرق بكم عن سبيله ) ) وأشار إلى الخط المستقيم . ولقد أخبرني بمدينة ~~( ( سلا ) ) - مدينة بالمغرب على شاطي البحر المحيط ، يقال لها : منقطع ~~التراب ، ليس وراءها أرض - رجل من الصالحين الأكابر من عامة الناس ، قال : ~~رأيت في النوم محجة بيضاء مستوية ، عليها نور سهلة ، ورأيت عن يمين تلك ~~المحجة وشمالها خنادق وشعابا واودية ، كلها شوك ، لا تسلك لضيقها ، وتوعر ~~مسالكها ، وكثرة شوكها ، والظلمة التي فيها ، ورأيت جميع الناس يخبطون فيها ~~خبط عشواء ، ويتركون المحجة البيضاء السهلة ، وعلى المحجة رسول الله ، ونفر ~~قليل معه يسير وهو ينظر إلى من خلفه ، وإذا في الجماعة متأخر عنها ، لكنه ~~عليها ، الشيخ أبو إسحاق إبراهيم ابن قرقور المحدث ، كان سيدا فاضلا في ~~الحديث ، اجتمعت بابنه ، فكان يفهم عن رسول الله أنه يقول له : ناد في ~~الناس بالرجوع إلى الطريق ، فكان ابن قرقور يرفع صوته ويقول PageV01P349 في ~~ندائه ، ولا من داع ، ولا من متداع : ( ( هلموا إلى الطريق هلموا ) ) قال : ~~فلا يجيبه أحد ، ولا يرجع إلى الطريق أحد . # ( ( وأعلم أنه لما غلبت الأهواء على النفوس ، وطلبت العلماء المراتب عند ~~الملوك ، تركوا المحجة البيضاء ، وجنحوا إلى التأويلات البعيدة ، لينفذوا ~~أغراض الملوك فيما لهم فيه هوى نفس ، ليستندوا في ذلك إلى أمر شرعي ، مع ~~كون الفقيه ربما لا يعتقد ذلك ، ويفتي به . وقد رأينا منهم جماعة على هذا ، ~~من قضاتهم وفقهائهم . ولقد أخبرني الملك الظاهرة غازي ابن الملك الناصر ~~صلاح الدين يوسف بن أيوب - وقد وقع بيني وبينه في مثل هذا كلام - فنادي ~~بملوك وقال : حئني بالحرمدان : فقلت ما شأن الحرمدان ؟ قال أنت تنكر على ما ~~يجري في بلدي ومملكتي من المنكرات والظلم ، وأنا والله أعتقد مثل ما تعتقد ~~أنت فيه من أن ذلك كله منكر ، ولكن والله يا سيدي ، ما منه منكر إلا بفتيا ~~فقيه وخط يده عندي بجواز ذلك ، فعليهم ms271 لغنة الله . ولقد أفتاني فقيه ، هو ~~فلان - وعين لي أفضل فقيه عنده في بلده في الدين والتقشف - بأنه لا يجب على ~~صوم شهر رمضان هذا بعينه ، بل الواجب على شهر في السنة ، والاختيار لي فيه ~~أي شهر السنة . قال السلطان : فلعنته في باطني ، ولم أظهر له ذلك - وهو ~~فلان ، فسماه لي - رحم الله جمعيهم . # ( ( فليعلم أن الشيطان قد مكنه الله من حضرة الخيال ، وجعل له سلطانا ~~فيها ، فإذا رأى أن الفقيه يميل إلى هوى يعرف أنه لا يرضي عند الله ، زين ~~له سوء عمله بتأويل غريب ، يمهد له فيه وجها يحسنه في نظره ، ويقول له : إن ~~الصدر الأول قد دانوا الله بالرأي وقاس العلماء في الأحكام ، واستنبطوا ~~العلل للأشياء ، فطردوها ، وحكموا في المسكوت عنه بما حكموا به في المنصوص ~~عليه ، للعلة الجامعة بينهما ، والعلة من استنباطه ، فإذا مهد له هذا ~~السبيل ، جنح إلى نيل هواه وشهوته بوجه شرعي في زعمه ، فلا يزال هكذا فعله ~~في كل ماله أو لسلطانه فيه هو نفس ، ويرد الأحاديث النبوية ويقول : لو أن ~~هذا الحديث يكون صحيحا ، وإن كان صحيحا يقول : لو لم يكن له خبر آخر يعارضه ~~وهو ناسخ له ، لقال به الشافعي إن كان هذا الفقيه شافعيا - أو قال به أبو ~~حنيفة - إن كان الرجل حنفيا - وهكذا قول أتباع هؤلاء PageV01P350 الأئمة ~~كلهم ، ويرون أن الحديث والأخذ به مضلة وأن الواجب تقليد هؤلاء الأئمة ~~وأمثالهم فيما حكموا به ، وإن عارضت أقوالهم الأخبار النبوية ، فالأولي ~~الرجوع إلى أقاويلهم وترك الأخذ بالأخبار والكتاب والسنة . فإن قلت لهم : ~~قد روينا عن الشافعي رحمه الله أنه قال : إذا أتاكم الحديث يعارض قولي ، ~~فاضربوا بقولي الحائط وخذوا بالحديث فإن مذهبي الحديث ، وقد روينا عن أبي ~~حنيفة أنه قال لأصحابه : حرام على كل من أفتى بكلامي ما لم يعرف دلبلي . ~~وما روينا شيئا من هذا عن أبي حنيفة إلا من طريق الحنفينن ، ولا عن الشافعي ~~إلا من طريق الشافعية ، وكذلك المالكية والحنابلة . فإذا ضايقهم في مجال ~~الكلام هربوا وسكنوا . وقد ms272 جرى لنا هذا معهم مرارا بالمغرب وبالمشرق ، فما ~~منهم أحد على مذهب من يزعم أنه على مذهبه ، فقد انتسخت الشريعة بالأهواء . ~~وإن كانت الأخبار الصحاح موجودة مسطرة في الكتب الصحاح . وكتب التواريخ ~~بالتجريح والتعديل موجودة والأسانيد محفوظة مصونة من التغيير والتبديل ، ~~ولكن إذا ترك العمل بها ، واشتغل الناس بالرأي ، ودانوا أنفسهم بفتاوى ~~المتقدمين ، مع معارضة الأخبار الصحاح لها ، فلا فرق بين عدمها ووجودها ، ~~إذا لم يبق لها حكم عندهم . وأي نسخ أعظم من هذا . وإذا قلت لأحدهم في ذلك ~~شيئا يقول لك : هذا هو المذهب ، وهو والله كاذب ، فإن صاحب المذهب قال له : ~~إن عارض الخبر كلامي ، فخذ بالحديث واترك كلامي في الحش ، فإن مذهب الحديث ~~. فلو أنصف لكان على مذهب الشافعي من ترك كلام الشافعي للحديث المعارض ، ~~فالله يأخذ بيد الجميع ) ) . انتهى كلام الشيخ الأكبر قدس سره . * * * # 26 - فتوى الإمام تقي الدين أبي العباس فيمن نقفه على مذهب # ثم اشتغل بالحديث فرأى في مذهبه ما يخالفه الحديث كيف يعمل ؟ # سئل شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيميه ، عليه الرحمة والرضوان ، عن ~~رجل تفقه على مذهب من المذاهب الأربعة ، وتبصر فيه ، واشتغل بعده بالحديث ، ~~فوجد أحاديث PageV01P351 صحيحة لا يعلم لها ناسخا ولا مخصصا ولا معارضا ؛ ~~وذلك المذهب فيه ما يخالف تلك الأحاديث ، فهل له العمل بالمذهب ، أو يجب ~~عليه الرجوع إلى العمل بالحديث ومخالفة مذهبه ؟ فأجاب رحمه الله تعالى : ( ~~^ قد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع ، أن الله تعالى افترض على العباد طاعته ~~وطاعة رسوله ، ولم يوجب هذه الأمة طاعة أحد بعينه في كل ما أمر به ونهى عنه ~~إلا رسول ، حتى كان صديق الأمة وأفضلها بعد نبيها ، ورضي عنه يقول : ( ( ~~أطيعوني ما أطعت الله ، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم ) ) . واتفقوا ~~كلهم على أنه ليس أحد مصصوما في كل ما أمر به ونهى عنه ، إلا رسول الله ، ~~ولهذا قال غير واحد من الأئمة : كل أحد يؤخذ من كلامه ويترك ، إلا رسول ~~الله وهؤلاء الأئمة الأربعة قد نهوا الناس من تقليدهم ms273 في كل ما يقولونه ، ~~وذلك هو الواجب وقال أبو حنيفة : ( ( هذا رأي ، وهذا أحسن ما رأيت ، فمن ~~جاء برأي خير منه قبلناه ) ) ولهذا لما اجتمع أفضل أصحابه أبو يوسف بإمام ~~دار الهجرة مالك بن أنس ، وسأله عن مسألة الصاع ، وصدقة الخضروات ، ومسألة ~~الأحباس ، فأخبره مالك بما دلت عليه السنة في ذلك ، فقال : رجعت لقولك يا ~~أبا عبد الله ولو رأي صاحبي ما رأيت لرجع كما رجعت . ومالك رحمه الله كان ~~يقول : ( ( إنما أنا بشر أصيب وأخطيء فاعرضوا قولي على الكتاب والسنة ) ) . ~~أو كلام هذا معناه . والشافعي رحمه الله كان يقول : ( ( إذا صح الحديث ~~بخلاف قولي فاضربوا بقولي الحائط . وإذا رأيت الحجة موضوعة على طريق فهي ~~قولي ) ) . وفي مختصر المزني لما اختصره ذكر أنه أختصره من مذهب الشافعي ~~لمن أراد معرفة مذهبه ، قال مع إعلامه نهية عن تقليده وتقليد غيره العلماء ~~. والإمام أحمد رحمه الله كان يقول : ( ( من ضيق علم الرجل أن يقلد دينه ~~الرجال . قال : ( ( لا تقلد دينك الرجال ، فإنهم لم يسلموا أن يغلطوا ) ) . ~~وقد ثبت في الصحيح عن النبي أنه قال : ( ( من يرد الله به خيرا يفقهه في ~~الدين . . ) ) ولا زم ذلك أن من لم يفقهه في الدين لم يرد الله به خيرا ~~فيكون التفقه في الدين فرضا . والتفقه في الدين معرفة الأحكام الشرعية ~~بأدلتها السمعية PageV01P352 فمن لم يعرف ذلك لم يكن متفقها في الدين . لكن ~~من الناس من قد يعجز عنها ، فيلزمه ما يقدر عليه . وأما القادر على ~~الاستدلال ، فقيل : يحرم عليه التقليد مطلقا ؛ وقيل : يجوز مطلقا . وقيل : ~~يجوز عند الحاجة ، كما إذا ضاق الوقت عند الاستدلال . وهذا القول أعدل ~~الأقوال إن شاء الله تعالى . والاحتهاج ليس هو امرأ لا يقبل التجزء ~~والانقسام ، بل يكون الرجل مجتهدا في فن أو باب أو مسألة دون فن وباب ~~ومسألة وكل فاجتهاده بحسب وسعه فمن نظر في مسألة قد تنازع العلماء فيها ، ~~فرأى مع أحد القولين نصوصا لم يعلم لها معارضا بعد نظر مثله ، فهو بين ~~الأمرين : إما أن يتبع قول ms274 القائل الآخر لمجرد كونه الإمام الذي اشتغل على ~~مذهبه ، ومثل هذا ليس بحجة شرعية . بل مجرد عادة تعارضها عادة غيره ~~واشتغاله بمذهب إمام آخر ، وإما يتبع القول الذي ترجح بنظره بالنصوص الدالة ~~عليه ، فحينئذ موافقته لإمام يقاوم به ذلك الإمام ، وتبقي النصوص النبوية ~~سالمة في حقه عن المعارض بالعمل . فهذا هو الذي يصلح . وإنما تنزلنا هذا ~~التنزل ، لأنه قد يقال إن نظر هذا قاصر وليس اجتهاده تاما في هذه المسألة ~~لضعف آلة الاجتهاد في حقه ؛ أما إذا قدر على الاجتهاد التام الذي يعتقد معه ~~أن القول الآخر ليس معه ما يدفع النص فهذا يجب عليه اتباع النصوص وإن لم ~~يفعل ، كان متبعا للظن ، وما تهوى الأنفس وكان من أكبر العصاة لله ولرسوله ~~يخلاف من يكون للقول الآخر حجة راجحة على هذا النص ، ويقول : ( ( أنا لا ~~أعلمها ) ) فهذا يقال له : قال الله تعالى ( ^ فاتقوا الله ما استطعتم ) ~~وقال النبي : ( ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ) ) والذي تستطيعه ~~من العلم والفقه في هذه المسألة قد دل على أن حكمك في ذلك حكم المجتهد ~~المستقل إذا تغير اجتهاده ، وانتقال الإنسان من قول إلى قول لأجل ما تبين ~~له من الحق ؛ هو محمود فيه ، بخلاف إقراره على قول لا حجة معه عليه ، وترك ~~القول الذي وضحت حجته ، أو الانتقال عن قول إلى قول بمجرد عادة ، واتباع ~~هوى ، فهذا مذموم . وإذا كان المقلد قد سمع الحديث وتركه ، لا سيما إذا كان ~~قد رواه أيضا عدل ، فمثل هذا وحده لا يكون عذرا في ترك النص ، فمن ترك ~~الحديث لاعتقاده أنه لم يصح ، PageV01P353 أو راويه مجهول ، ونحو ذلك ، ~~ويكون غيره قد علم صحته وثقة راويه ، فقد زال عذر ذلك في حق هذا . ومن ترك ~~الحديث لاعتقاده أن ظاهر القرآن يخالفه ، أو القياس ، أو عمل لبعض الأمصار ~~؛ وقد تبين لآخر أن ظاهر القرآن لا يخالفه ، وأن نص الحديث الصحيح مقدم على ~~الظواهر ومقدم على القياس والعمل ، لم يكن عذر ذلك الرجل عذرا في حقه . فإن ~~ظهور المدارك ms275 الشرعية للأذهان وخفاءها عنها أمر لا يضبط طرفاه ، لا سيما ~~إذا كان التارك للحديث معتقدا أنه يترك العمل به المهاجرون والأنصار ، أهل ~~المدينة النبوية وغيرها الذين يقال إنهم لا يتركون الحديث إلا لاعتقادهم ~~أنه منسوخ أو معارض براجح ، وقد بلغ من بعدهم أن المهاجرين ، والأنصار لم ~~يتركوه ، بل قد عمل به بعضهم أو من سمعه منهم ، ونحو ذلك مما يقدح في هذا ~~المعارض للنص . وإذا قيل لهذا المتفتي المسترشد : أنت أعلم أم الإمام ~~الفلاني ؟ كانت هذه معارضه فاسدة ، لأن الإمام الفلاني قد خالفه في هذه ~~المسألة من هو نظير من الأئمة ، ولست من هذا ولا من هذا ، ولكن نسبة هؤلاء ~~الأئمة إلى نسبة أبي بكر وعمر وعثمان وعلى وابن مسعود وأبي ومعاذ ونحوهم ~~إلى الأئمة وغيرهم ، فكما أن هؤلاء الصحابة بعضهم لبعض أكفاء في موارد ~~النزاع ، فإذا تنازعوا في شيء ردوه إلى الله ورسوله ، وإن كان بعضهم قد ~~يكون أعلم في مواضع أخر . وكذلك موارد النزاع بين الأئمة . وقد ترك الناس ~~قول عمر وابن مسعود رضي الله عنهما في مسألة تيمم الجنب ، وأخذوا بقول أبي ~~موسى الأشعري رضي الله عنه وغيره لما احتج بالكتاب والسنة ؛ وتركوا قول عمر ~~في دية الأصابع ، وأخذوا بقول معاوية بن أبي سفيان ، لما كان من السنة أن ~~النبي قال : ( ( هذه وهذه سواء ) ) وقد كان بعض الناس يناظر ابن عباس رضي ~~الله عنهما في المتعة فقال له : قال أبو بكر وعمر ، فقال ابن عباس : يوشك ~~أن ينزل عليكم حجارة من السماء ! أقول : قال رسول الله ، وتقولون : قال أبو ~~بكر وعمر . وكذلك ابن عمر رضي الله عنهما لما سألوه عنها ، فأمر بها ، ~~فعارضوه بقول عمر ، فبين لهم أن عمر لم يرد ما يقولونه ، فألحوا عليه ، ~~فقال لهم : أرسول الله أحق أن يتبع أم عمر ؟ مع علم الناس بأن أبا بكر وعمر ~~أعلم من أبن عمر وابن عباس رضي الله عنهم ! ولو فتح هذا الباب لأوجب أن ~~يعرض عن أمر الله ورسوله ، وبقي كل إمام في PageV01P354 أتباعه بمنزلة ms276 ~~النبي في أمته . وهذا تبديل للدين وشبيه بما عاب الله به النصارى في قوله : ~~( ^ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما ~~أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا ! سبحانه عما يشركون ) ) والله سبحانه أعلم ) ~~) . 1 ه كلام الإمام تقي الدين قدس سره . * * * # 27 - بيان معرفة الحق بالدليل # قال الإمام الرباني أبو العباس أحمد الشهير بزروق المغربي قدس الله سره ~~في كتابه ( ( قواعد التصوف ) ) : # ( ( قاعدة : - العلماء مصدقون فيما ينقلون ، لأنه موكول لأمانتهم ، مبحوث ~~معهم فيما يقولون ، لأنه تيتجة عقولهم ، والعصمة غير ثابتة لهم ، فلزم ~~التبصر طلبا للحق والتحقيق ، لا اعتراضا على القائل والناقل . ثم إن أتى ~~المتأخر بما لم يسبق إليه ، فهو على رتبيه ، ولا يلزمه القدح في المتقدم ، ~~ولا إساءة الأدب معه ، لأن ما ثبت من عدالة المتقدم قاض برجوعه للحق عند ~~بيانه لو سمعه ) ) . انتهى . # وقال الأصفهاني في ( ( أطباق الذهب ) ) في المقالة الثالثة والثلاثين : ( ~~( مثل المقلد بين يدي المحقق ، كالضرير عند البصير المحدق ؛ ومثل الحكيم ~~والحشوي ، كالميتة والمشوي . ما المقلد إلا جمل مخشوش ، له عمل مغشوش ، ~~فصاراه لوح منقوش . يقنع بظواهر الكلمات ، ولا يعرف النور من الظلمات . ~~يركض خيول الخيال ، في ظلال الضلال . شغله نقل النقل ، عن نخبة العقل . ~~وأقنعه رواية الرواية ، عن در الدراية . يروي في الدين عن شيخ هم ، كمن ~~يقود الأعمى في ليل مدلهم . ومن عرف الحق بالعنعت ، تورط في هوة العنت . ~~والحق وراء السماع ، والعلم بمعزل عن الرقاع . فما أسعد من هدى إلى العلم ~~ونزل رباعه ، وأرى الحق حقا ورزق اتباعه ) ) . PageV01P355 # وقال أيضا في المقالة السابعة والثلاثين : ( ( الحق يتضح بالأدلة ، ~~والشهور تشتهر بالأهلة ، وشفاء الصدور يحصل بالبلة . طالب الحق ضيف الله ، ~~والدليل القاطع سيف الله . به يفك العلم وينشر ، وبه يبقر الحق ويقشر . ~~ومثل العلوم والبرهان ، كمثل المصباح والأدهان . الحجة للأحكام ، كالعماد ~~للخيام . إعصار الظن كدر كعصارة الدن ، الزم اليقين تكن من المتقين . فشواظ ~~الوهم يشوي حمامة القلب شيا ، وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ) ) انتهى . # وفي كتاب قاموس الشريعة : ( ( لا يصح ms277 لامرئ إلا موافقة الحق ، ولا يلزم ~~الناس طاعة أحد لأجل أنه عالم أو إمام مذهب ، وإنما يلزم الناس قبول الحق ~~ممن جاء به على الإطلاق ونبذ الباطل ممن جاء به بالاتفاق ) . # وفيه أيضا : ( ( كل مسألة لم يخل الصواب فيها من أحد القولين ، ففسد ~~أحدهما لقيام الدليل على فساده ، صح أن الحق في الآخر . قال الله تعالى : ( ~~^ فماذا بعد الحق إلا الضلال ؟ ! فأني تصرفون ) ) . # وفيه أيضا : ( ( والذي يحرم على العالم تصنييع الاجتهاد والسكوت بعد ~~التبصرة ، والإفراد بعد القطع ، حديث عبادة بن الصامت : بايعنا رسول الله ~~على أن نقول الحق ونعمل به ، وأن لا تأخذنا في الله لومة لائم ، في العسر ~~واليسر ، والمنشط والمكره ) ) انتهى . # وقال الإمام مفتي مكة الشيخ محمد عبد العظيم بن ملا فروخ في رسالته ( ( ~~القول السديد في بعض مسائل الاجتهاد والتقليد ) ) في الفصل الأول : ( ( ~~أعلم أنه لم يكلف الله تعالى أحدا من عبادة أن يكون حنفيا أو مالكيا أو ~~شافعيا أو حنبليا ، بل أوجب عليهم الإيمان بما بعث به محمد ، والعمل ~~بشريعته ، غير أن العمل بها متوقف على الوقوف عليها ، والوقوف عليها له طرق ~~. فما كان منها مما يشترك فيه العامة وأهل النظر ، كالعلم بفريضة ~~PageV01P356 الصلاة والزكاة والحج والصوم والوضوء إجمالا ، وكالعلم بحرمة ~~الزنا والخمر واللواطة وقتل النفس ونحو ذلك مما علم من الدين بالضرورة ، ~~فذلك لا يتوقف فيه على اتباع مجتهد ومذهب معين ، بل كل مسلم عليه اعتقاد ~~ذلك . يجب عليه ، فمن كان في العصر الأول فلا يخفي وضوح ذلك في حقه . ومن ~~كان في الأعصار المتأخرة ، فلوصول ذلك إلى عمله ضرورة من الإجماع والتواتر ~~والآيات والسنن المتفيضة المصرحة بذلك في حق من وصلت إليه . وأما ما لا ~~يتوصل إليه إلا بضرب من النظر والاستدلال ، فمن كان قادرا عليه بتوفر آلته ~~، وجب عليه فعله . كالأئمة المجتهدين . ومن لم يكن له قدرة عليه وجب عليه ~~اتباع من أرشده ، إلى ما كلف به من هو من أهل النظر والاحتهاد والعدالة ، ~~وسقط عن العاجز تكليفه في البحث والنظر لعجزه ، لقوله ms278 تعالى : ( ^ لا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها ) وقوله تعالى : ( ^ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا ~~تعلمون ) وهي الأصل في اعتماد التقليد ، كما أشار إليه المحقق الكمال بن ~~الهمام في التحرير ) ) . انتهى . # وقال الإمام ابن الجوزي في تلبيس إبليس : ( ( أعلم أن المقلد على غير ثقة ~~فيما قلد ، وفي التقليد إبطال منفعة العقل ، لأنه خلق للتأمل والتدبر . ~~وقبيح بمن أعطى شمعة يستضىء بها أن يطفئها ويمشى في الظلمة . وأعلم أن عموم ~~أصحاب المذاهب يعظم في قلوبهم التفحص عن أدلة إمامهم ، فيتبعون قوله ، ~~وينبغي النظر إلى القول لا إلى القائل كما قال على رضي الله عنه للحارث بن ~~عبد الله الأعور بن الحوطي ، وقد قال له : أتظن أن طلحة والزبير كانا على ~~الباطل ؟ فقال له : يا حارث ! إنه ملبوس عليك ، إن الحق لا يعرف بالرجال ، ~~اعرف الحق تعرف أهله ) ) . انتهى . # وقال ابن القيم : ( ( فإذا جاءت هذه - أي النفس المطمئنة - بتجريد ~~المتابعة للرسول ، لجاءت تلك - أي الأمارة - بتحكيم آراء الرجال وأقوالهم ، ~~فأتت بالشبهة المضلة بما يمنع من كمال المتابعة ، وتقسم بالله ما مرادها ~~إلا الإحسان والتوفيق والله يعلم أنها كاذبة وما مرادها إلا التفلت من سجي ~~المتابعة ، إلى قضاء إرادتها وحظوظها ، وتريه - أي وترى PageV01P357 النفس ~~الأمارة صاحبها - تجريد المتابعة للنبي وتقديم قوله على الآراء في صورة ~~تنقص العلماء وإساءة الأدب عليهم المفضى إلى إساءة الظن به ، وأنهم قد ~~فاتهم الصواب فكيف لنا قوى برد عليهم أو نحظى بالصواب دونهم ، وتقاسمهم ~~بالله إن أرادت إلا إحسانا وتوفيقا . ( ^ أولئك الذين يعلم الله ما في ~~قلوبهم فأعرض عنهم ، وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا ) ) . # والفرق بين تجريد متابعة المعصوم وإهدار أقواله وإلغائها : أن تجريد ~~المتابعة أن لا تقدم على ما جاء به الرسول الله قول أحد ولا رأيه ، كائنا ~~من كان ، بل تنظر في صحة الحديث أولا ، فإذا صح ، نظر في معناه ثانيا ، ~~فإذا تبين له ، لم يعدل عنه ، ولو خالفه من بين المشرق والمغرب . ومعاذ ~~الله أن تتفق الأمة على ترك ما جاء به نبينا ms279 ، بل لا بد أن يكون في الأمة ~~من قال به ، ولو خفي عليك ، فلا تجعل جهلك بالقائل حجة على الله تعالى ~~ورسوله في تركه ، بل اذهب إلى النص ولا تضعف ، وأعلم أنه قد قال به قائل ~~قطعا ولكن لم يصل إليك علمه . هذا مع حفظ مراتب العلماء وموالاتهم ، ~~واعتقاد حرمتهم وأمانتهم ، واجتهادهم في حفظ الدين وضبطه ، فهم رضي الله ~~عنهم ، دائرون بين الأجر والأجرين ، والمغفرة ، ولكن لا يوجب هذا إهدار ~~النصوص ، وتقديم قول الواحد منهم عليها بشبهة أنه أعلم منك ، فإن كان كذلك ~~، فمن ذهب إلى النصوص أعلم ، فهلا وافقته إن كنت صادقا ؟ فمن عرض أقوال ~~العلماء على النصوص ، ووزنها بها ، وخالف بها ما منها خالف النص ، لم يهدر ~~أقوالهم ، ولم يهضم جانبهم ، بل اقتدى بهم ، فإنهم كلهم أمروا بذلك ، بل ~~مخالفتهم في ذلك أسهل من مخالفتهم في القاعدة الكلية التي أمروا بها ، ~~ودعوا إليها من تقديم النص على أقوالهم . ومن هذا يتبين الفرق بين تقليد ~~العالم في جميع ما قال وبين الاستعانة بفهمه ، والاستضاءة بنور علمه . ~~فالأول يأخذ قوله من غير نظر فيه ، ولا طلب دليله من الكتاب والسنة ، ~~والمستعين بأفهامهم ، يجعلهم بمنزلة الدليل الأول ، فإذا وصل استغنى ~~بدلالته عن الاستدلال بغيره ، فمن استدل بالنجم على القبلة ، لم يبق ~~لاستدلاله معنى PageV01P358 إذا شاهدها . قال الشافعي : أجمع النسا على أن ~~من استبانت له سنة رسول الله لم يكن له أن يدعها لقول أحد . ومن هذا يتبين ~~الفرق بين الحكم المنزل الواجب الاتباع ، والحكم المؤول الذي غايته أن يكون ~~جائز الاتباع ، بأن الأول هو الذي أنزل الله تعالى على رسوله متلوا أو غير ~~متلو ، إذا صح وسلم من المعارضة ، وهو حكمه الذي ارتضاه لعباده ، ولا حكم ~~له سواه ، وأن الثاني أقوال المجتهدين المختلفة التي لا يجب اتباعها ، ولا ~~يكفر ولا يفسق من خالفها ، فإن أصحابها لم يقولوا : هكذا حكم الله ورسوله ~~قطعا وحاشاهم عن قول ذلك ، وقد صح عن رسول الله النهي عنه في قوله : ( ( ~~وإذا حاصرت أهل حصن ، فأرادوك أن ms280 تجعل لهم ذمة الله وذمة رسوله ، فلا تجعل ~~لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه ، ولكن أجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك ، فإنكم أن ~~تخفروا ذممكم وذمة أصحابكم ، أهون من أن تخفروا ذمة الله ورسوله . وإذا ~~حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله ، فلا تنزلهم على حكم الله ، ~~ولكن أنزلهم على حكمك ، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله أم لا . ) ) أخرجه ~~الإمام أحمد في مسنده ، ومسلم في صحيحه من حديث بريدة - بل قالوا : اجتهدنا ~~رأينا ، فمن شاء قبله ، ومن شاء لم يقبله ، ولم يلزم أحد منهم بقول الأئمة ~~. قال الإمام أبو حنيفة : ( ( هذا رأي ، فمن جاء بخير منه قبلته ) ) ولو ~~كان هو عن حكم الله ، لما ساغ لأبي يوسف ومحمد وغيرهما مخالفته فيه . وكذلك ~~قال مالك لما استشاره هارون الرشيد في أن يحمل الناس على ما في الموطا ، ~~فمنعه من ذلك وقال : ( ( قد نفر أصحاب رسول الله في البلاد ، وصار عند كل ~~قوم من الأحاديث ما ليس عند الآخرين ) ) . وهذا الشافعي ينهي أصحابه عن ~~تقليده ويوصيهم بترك قوله إذا جاء الحديث يخلافه . وهذا الإمام أحمد منكر ~~على من كتب فتاويه ودونها ويقول : لا تقلدوني ولا تقلد فلانا وفلانا ، وخذ ~~من حيث أخذوا ) ) انتهى كلام ابن القمي ، نقله الفلاني في ( ( إيقاظ الهمم ~~) ) . # وقال السيد الشريف المشتهر فضله في سائر الأقطار الأمير عبد القادر ~~الحسني الجزائري ثم الدمشقي في مقدمة كتابه ( ( ذكرى العاقل ، وتنبيه ~~الغافل ) ) ما نصه : ( ( اعلموا أنه يلزم العاقل أن ينظر في القول ولا ينظر ~~إلى قائله ، فإن كان القول حقا قبله ، سواء كان PageV01P359 قائله معروفا ~~بالحق أو الباطل ، فإن الذهب يستخرج من التراب والنرجس من البصل ، والترياق ~~من الحيات ، ويجتنى الورد من الشوك ؛ فالعاقل يعرف الرجال بالحق ، ولا يعرف ~~الحق بالرجال ، والكلمة من الحكمة ضالة العاقل ، يأخذها من عند كل من وجدها ~~عنده ، سواء كان حقيرا أو جليلا . وأقل درجات العالم أن يتميز عن العامي ~~بأمور ، منها : أنه لا يعاف العسل إذا وجده في محجمة الحجام ، ويعرف أن ~~الدم ms281 قذر لا لكونه في المحجمة ولكنه قذر في ذاته ، فإذا عدمت هذه الصفة في ~~العسل فكونه في ظرف الدم المستقذر لا يكسبه تلك الصفة ، ولا يوجب نفرة عنه ~~. وهذا وهم باطل غلب على أكثر الناس . فمهما نسب كلام إلى قائل حسن ~~اعتقادهم فيه قبلوه ، وإن كان القول باطلا ؛ وإن نسب القول إلى من ساء فيه ~~اعتقادهم ردوه ، وإن كان حقا . ودائما يعرفون الحق بالرجال ، ولا يعرفون ~~الرجال بالحق ؛ وهذا غاية الجهل والخسران . فالمحتاج إلى الترياق إذا هربت ~~نفسه منه ، حيث علم أنه مستخرج من حية ، جاهل ، فيلزم تنبيهه على أن نفرته ~~جهل محض ، وهو سبب حرمانه من الفائدة التي هي مطلوبة ، فإن العالم هو الذي ~~يسهل عليه إدراك الفرق بين الصدق والكذب في الأقوال ، وبين الحق والباطل في ~~الاعتقادات ، وبين الجميل والقبيح في الأفعال ، لا بأن يكون ملتبسا عليه ~~الحق بالباطل ، والكذب بالصدق ، والجميل بالقبيح ، ويصير يتبع غيره ويقلده ~~فيما يعتقد وفيما يقول ، فإن هذه ما هي إلا صفات الجهال . والمتبعون من ~~الناس على قسمين : قسم عالم مسعد لنفسه ومسعد لغيره ، وهو الذي عرف الحق ~~بالدليل لا بالتقليد ، ودعا الناس إلى معرفة الحق بالدليل ، لا بأن يقلدوه ~~، وقسم لنفسه ، ومهلك لغيره ، وهو الذي قلد آباءه وأجداده فيما يعتقدون ~~ويستحسنون ، وترك النظر بعقله ودعا الناس لتقليده ، والأعمى لا يصح أن يقود ~~العميان ، وإذا كان تقليد الرجال مذموما ، غير مرضى في الاعتقادات ، فتقليد ~~الكتب أولي وأخرى بالذم ، وإن بهيمة تقاد ، أفضل من مقلد ينقاد ، وإن أقوال ~~العلماء والمتدينين متضادة متخالفة في الأكثر ، واختيار واحد منها واتباعه ~~بلا دليل باطل ، لأنه ترجيح بلا مرجح ، فيكون معارضا بمثله . وكل إنسان من ~~حيث هو إنسان ، فهو مستعد لإدراك الحقائق PageV01P360 على ما هي عليه ، لأن ~~القلب الذي هو محل العلم بالإضافة إلى حقائق الأشياء كالمرآة بالإضافة إلى ~~صور المتلونات ، تظهر فيها كلها على التعاقب ، لكن المرآة قد لا تنكشف فيها ~~الصور لأسباب ، أحدها : نقصان صورتها كجوهر الحديد قبل أن يدور ويشكل ويصقل ~~؛ والثاني لخبثه وصدئه ، وإن ms282 كان تام الشكل ؛ والثالث : لكونه غير مقابل ~~للجهة التي فيها الصورة ، كما إذا كان الصورة وراء المرآة ؛ والرابع : ~~لحجاب مرسل بين المرآة والصورة وجهتها ، فكذلك القلب مرآة مستعدة لأن ينجلي ~~فيها صور المعلومات كلها ، وإن خلت القلوب عن العلوم التي خلت عنها لهذه ~~الأسباب الخمسة ، أولها : نقصان في ذات القلب ، كقلب الصبي ، فإنه لا تنجلى ~~له المعلومات لنقصائه ؛ والثاني : لكدورات الأشغال الدينوية ، والخبث الذي ~~يتراكم على وجه القلب منها ، فالإقبال على طلب كشف حقائق الأشياء ، ~~والإعراض عن الأشياء الشاغلة القاطعة هو الذي يجلو القلب ويصفيه ؛ والثالث ~~: أن يكون معدولا به عن جهة الحقيقة المطلوبة ؛ والرابع : الحجاب ، فإن ~~العقل المتجرد للفكر في حقيقة من الحقائق ، ربما لا تنكشف له ، لكونه ~~محجوبا باعتقاد سبق إلى القلب وقت الصبا ، على طريق التقليد ، والقبول بحسن ~~الظن ، فإن ذلك يحول بين القلب والوصول إلى الحق ، ويمنع أن ينكشف في القلب ~~غير ما تلقاه بالتقليد ، وهذا حجاب عظيم ، حجب أكثر الخلق عن الوصول إلى ~~الحق ، لأنهم محجوبون باعتقادات تقليدية رسخت في نفوسهم وجمدت عليها قلوبهم ~~؛ والخامس : الجهل بالجهة التي يقع فيها العثور على المطلوب ، فإن الطالب ~~لشيء ليس يمكنه أن يحصله إلا بالتذكر للعلوم التي تناسب مطلوبة ، حتى إذا ~~تذكرها ورتبها في نفسه ترتيبا مخصوصا ، يعرفه العلماء ، فعند ذلك يكون قد ~~صادف جهة المطلوب ، فتظهر حقيقة المطلوب لقلبه ، فإن العلوم المطلوبة التي ~~ليست فطرية ، لا تصاد إلا بشبكة العلوم الحاصلة ، بل كل علم لا يحصل إلا عن ~~علمين سابقين ، يأتلفان ويزدوجان على وجه مخصوص ، فيحصل من أزدواجهما علم ~~ثالث على مثال حصول النتاج من ازدواج الفحل والأنثى ، ثم كما أن من أراد أن ~~يستنتج فرسا لم يمكنه ذلك من حمار وبعير ، بل من PageV01P361 اصل مخصوص من ~~الخيل : الذكر والأنثى ، وذلك إذا وقع بينهما أزدواج مخصوص ، فكذلك كل علم ~~فله أصلان مخصوصان ، وبينهما طريق مخصوص في الازدواج ، يحصل من ازدواجهما ~~العلم المطلوب . فالجهل بتلك الأصول ، وبكيفية الازدواج ، هو المانع من ~~العلم ، ومثاله ما ذكرناه من الجهل بالجهة ms283 التي الصورة فيها ) ) . انتهى ~~ملخصا . * * * # 28 - بيان أن معرفة الشيء ببرهانه طريقة القرآن الكريم # قال الأستاذ العلامة مفتى الديار المصرية الشيخ محمد عبده في المقالة ~~أثرت عنه ما صورته : ( ( سعادة الناس في دنياهم وأخراهم بالكسب والعمل ، ~~فإن الله خلق الإنسان ، وأناط جميع مصالحه ومنافعه بعمله وكسبه . والذين ~~حصلوا سعادتهم بدون عمل ولا سعى ، هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وحدهم ~~، لا يشاركهم في هذا أحد من البشر مطلقا . والكسب مهما تعددت وجوهه ، فإنها ~~ترجع إلى كسب العلم ، لأن أعمال الإنسان إنما تصدر عن إرادته ، وإرادته ~~تنبعث عن آرائه ، وآراؤه هي نتائج علمه ؛ فالعلم مصدر الأعمال كلها : ~~دنيوية وأخروية ، فكمالا يسعد الناس في الدنيا إلا بأعمالهم ، كذلك لا ~~يسعدون في الآخرة إلا بأعمالهم ، وحيث كان للعلم هذا الشأن ، فلا شك أن ~~الخطأ فيه خطأ في طريق السير إلى السعادة ، عائق أو مانع من الوصول إليها . ~~فلا جرم أن الناس في أشد الحاجة إلى ما يحفظ من هذا الخطأ ويسير بالعلم في ~~طريقة القويم ، حتى يصل السائر إلى الغاية ) ) . # ثم قال : ( ( اعتنى العلماء في كل أمة بضبط اللسان ، وحفظه من الخطأ في ~~الكلام ، ووضعوا لذلك علوما كثيرة ، وما كان للسان هذا الشأن إلا لأنه مجلي ~~للفكر ، وترجمان له ، وآله لإيصال معارفه من ذهن إلى آخر ، فأجدر بهم أن ~~تكون عنايتهم بضبط الفكرأعظم ، كما أن اللفظ مجلي الفكر هو غطاؤه أيضا ، ~~فإن الإنسان لا يقدر على إخفاء أفكاره إلا بحجاب الكلام الكاذب ، حتى قال ~~بعضهم : إن اللفظ لا يوجد إلا ليخفى الفكر ) ) . # ثم كشف الأستاذ النقاب عن حقيقة الفكر الصحيح الذي ينتفع بالميزان ، ~~ويكون PageV01P362 مطلقا يجري في مجراه الذي وضعه الله تعالى عليه ، إلى أن ~~يصل إلى غايته ؛ أما المقيد بالعادات ، فهو الذي لا شأن له ، وكأنه لا ~~وجوده له ، وقد جاء الإسلام ليعتق الأفكار من رقها ، ويحلها من عقلها ، ~~فترى القرآن ناعيا على المقلدين ، ذاكرا لهم بأسوأ ما يذكر به المجرم ولذلك ~~بني على اليقين . ثم قال : # ( ( على طالب العلم أن يسترشد بم ms284 تقدمه ، سواء كانوا أحياء أم أمواتا ، ~~ولكن عليه أن يستعمل فكره فيما يؤثر عنهم ، فإن وجده صحيحا ، أخذ به ، وإن ~~وجده فاسدا تركه وحينئذ يكون ممن قال الله تعالى فيهم : ( ^ فبشر عباد ~~الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ) الآية ، وإلا فهو كالحيوان ، والكلام ~~كاللحام له أو الزمام يمنع به عن كل ما يريد صاحب الكلام منعه عنه ، وينقاد ~~إلى حيث يشاء المتكلم أن ينقاد إليه من غير عقل ولا فهم ) ) ز # ثم ألمع إلى الأشياء التي تجعل الفكر صحيحا مطلقا ، فقال : ( ( إن الكلام ~~عنه يحتاج إلى شرح طويل ، ويمكن أن نقول فيه كلمة جامعة يرجع إليها كل ما ~~يقال ، وهي الشجاعة - الشجاع : هو الذي لا يخالف في الحق لومة لائم - فمتى ~~لاح له يصرح به ويجاهر بنصرته وإن خالف في ذلك الأولين والآخرين . ومن ~~الناس من يلوح له نور الحق ، فيبقى متمسكا بما عليه الناس ، ويجتهد في ~~إطفاء نور الفطرة ، ولكن ضميره لا يستريح ، فهو يوبخه إذا خلا بنفسه ، ولو ~~في فراشه ، لا يرجع عن الحق ، أو يكتم الحق لأجل الناس ، إلا الذي لم يأخذ ~~إلا بما قال الناس ، ولا يمكن أن يأتي هذا من موقن يعرف الحق معرفة صحيحة ) ~~) . # وبعد أن أفاض في الكلام على الشجاعة ، وبين احتياج الفكر والبصيرة في ~~الدين إليها قال : ( ( وهنا شيء يحسبه بعضهم شجاعة ، وما هو بشجاعة ، وإنما ~~هو وقاحة ، وذلك كالاستهزاء بالحق ، وعدم المبالاة بالحق ، فترى صاحب هذه ~~الخلة يخوض في الأئمة ، ويعرض بتنقيص أكابر العلماء ، غرورا وحماقة . ~~والسبب في ذلك أنه ليس عنده من الصبر والاحتمال PageV01P363 وقوة الفكر ، ~~ما سيبر به أغوار كلامهم ، ويمحص به حججهم وبراهينهم ليقبل ما يقبل عن بية ~~، ويترك ما يترك عن بينه ، وهذا ولا شك أجبن ممن تحمل ثقل التقليد ، على ما ~~فيه ، وربما تنبع في عقله خواطر ترشده إلى البصيرة ، أو تلمع في ذهنه بوارق ~~من الاستدلال لو مشى في نورها لاهتدى وخرج من الحيرة . وأما المستهزئ فهو ~~أقل احتمالا من المقلد فإن الهوى الذي يعرض لفكرة ms285 إنما يأتيه من عدم صبره ~~وثباته على الأمور ، وعدم التأمل فيها . والحاصل أن الفكر الصحيح يوجد ~~بالشجاعة ، وهي ها هنا التي يسميها بعض الكتاب العصريين ( ( الشجاعة ~~الأدبية ) ) وهي قسمان : شجاعة في رفع القيد الذي هو التقليد الأعمى ؛ ~~وشجاعة في وضع القيد ، الذي هو الميزان الذي لا ينبغي أن يقر رأى ولا فكر ~~إلا بعد ما يوزن به ، ويظهر رحجانه ، وبهذا يكون الإنسان عبدا للحق وحده ~~وهذه الطريقة طريقة معرفة الشيء بدليله وبرهانه ، ما جاءتنا من علم المنطبق ~~، وإنما هي طريقة القرآن الكريم الذي ما قرر شيئا إلا واستدل عليه ، وأرشد ~~متبعيه إلا الاستدلال وإنما المنطق آله لضبط الاستدلال ، كما أن النحو آله ~~لضبط الألفاظ في الإعراب والبناء ) ) . انتهى * * * # 29 - بيان أنن من المصالح هذه المذاهب المدونة وفوائد مهمة من أصل ~~التخريج على كلام الفقهاء وغير ذلك # قال الإمام ولي الله الدهلوي قدس سره في الحجة البالغة : ( ( ومما يناسب ~~هذا المقام التنبيه على مسائل ضلت في بواديها الأفهام ، وزلت الأقدام . ~~وطغت الأقلام ، منها : أن هذه المذاهب الأربعة المدونة المحررة قد اجتمعت ~~الأمة ، أو من يعتد به منها ؛ على جواز تقليدها إلى يومنا هذا ، وفي ذلك من ~~المصالح ما لا يخفي ، لا سيما في هذه الأيام التي قصرت فيها الهمم جدا ، ~~وأشربت النفوس الهوى وأعجب كل ذي رأى برأيه ، فما ذهب إليه ابن حزم ~~PageV01P364 حيث قال : ( ( التقليد حرام ولا يحل لأحد أن يأخذ قول أحد غير ~~رسول الله ، بلا برهان لقوله تعالى : ( ^ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا ~~تتبعوا من دونه أولياء ) ) ، وقوله تعالى : ( ^ وإذا قيل لهم اتبعوا ما ~~أنزل الله قالوا : بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ) وقال مادحا لمن لم يقلد ~~: ( ^ فبشر عباد . الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، أولئك الذين هداهم ~~الله وأولئك هم أولو الألباب ) وقال تعالى : ( ^ فإن تنازعتم في شي فردوه ~~إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ) . فلم يبح الله ~~تعالى الرد عند التنازع إلى أحد دون القرآن والسنة . وحرم بذلك الرد عند ~~التنازع ms286 إلى قوله قائل : لأنه غير القرآن والسنة . وقد صح إجماع الصحابة ~~كلهم أولهم عن آخرهم ، وإجماع التابعين أولهم عن آخرهم ، وإجماع تابعي ~~التابعين أولهم عن آخرهم ، على الامتناع والمنع من أن يقصد منهم أحد إلى ~~قول إنسان منهم ، أو ممن قبلهم فيأخذه كله . فليعلم من أخذ بجميع أقوال أبي ~~حنيفة أو جميع أقوال مالك أو جميع أقوال الشافعي أو جميع أقوال أحمد ، رضي ~~الله عنهم ، ولم يترك قول من اتبع منهم أو من غيرهم إلى قول غيره ، ولم ~~يعتمد على ما جاء في القرآن والسنة غير صارف ذلك إلى قول إنسان بعينه ، أنه ~~قد خالف إجماع الأمة كلها ، أولها عن آخرها ، بيقين لا إشكال فيه ؛ وأنه لا ~~يجد لنفسه سلفا ولا إنسانا في جميع الأعصار المحمودة الثلاثة ، فقد اتبع ~~غير سبيل المؤمنين ، نعوذ بالله من هذه المنزلة . وأيضا فإن هؤلاء الفقهاء ~~كلهم قد نهوا عن تقليد غيرهم فقد خالفهم من قلدهم . وأيضا فما الذي جعل ~~رجلا من هؤلاء أو من غيرهم ، أولي أن يقلد من عمر بن الخطاب أو علي بن أبي ~~طالب ، أو ابن مسعود ، أو ابن عمر أو ابن عباس أو عائشة أم المؤمنين رضي ~~الله تعالى عنهم . فلو ساغ التقليد لكان كل واحد من هؤلاء أحق بأن يتبع من ~~غيره ) ) 1 ه . إنما يتم فيمن له ضرب من الاجتهاد ولو في مسألة واحدة وفيمن ~~PageV01P365 ظهر عليه ظهورا بينا ، أن النبي أمر بكذا ، ونهى عن كذا ، وأنه ~~ليس بمنسوخ ، إما بأن يتتبع الأحاديث ، وأقوال المخالف والموافق في المسألة ~~، فلا يجد لها نسخا ، أو بأن يرى جما غفيرا من المتبحرين في العلم يذهبون ~~إليه ، ويرى المخالف له لا يحتج إلا بقياس أو استنباط ، أو نحو ذلك ، ~~فحينئذ لا سبب لمخالفة حديث النبي إلا نفاق خفي أو حمق جلي . وهذا هو الذي ~~أشار إليه الشيخ عز الدين بن عبد السلام حيث قال : ( ( ومن العجب العجيب أن ~~الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مأخذ إمامه ، بحيث لا يجد لضعفه مدفعا ~~، وهو ms287 مع ذلك يقلده فيه ، ويترك من شهد الكتاب والسنة والأقيسة الصحيحة ~~لمذهبهم جمودا على تقليد إمامه ، بل بتحيل لدفع ظاهر الكتاب والسنة ~~ويتأولها بالتأويلات البعيدة الباطلة ، نضالا عن مقلدة ) ) . وقال : ( ( لم ~~يزل الناس يسألون من اتفق من العلماء من غير تقييد بمذهب ولا إنكار على أحد ~~من السائلين ، إلى أن ظهرت هذه المذاهب ، ومتعصبوها من المقلدين ، فإن ~~أحدهم يتبع إمامه مع بعد مذهبه عن الأدلة ، مقلدا لهم فيما قال ، كأنه نبي ~~أرسل ، وهذا نأي عن الحق ، وبعد عن الصواب ، لا يرضي به أحد من أولي ~~الألباب ) ) وقال الإمام أبو شامة : ( ( ينبغي لمن اشتغل بالفقه أن لا ~~يقتصر على مذهب إمام ، ويعتقد في كل مسألة صحة ما كان أقرب إلى دلالة ~~الكتاب والسنة المحكمة ، وذلك سهل عليه إذا كان أتقن معظم العلوم المتقدمة ~~، وليجتنب التعصب والنظر في طرائق الخلاف المتأخرة ، فإنها مضيعة للزمان ، ~~ولصفوه مكدرة ، فقد صح عن الشافعي أنه نهى عن تقليده وتقليد غيره . قال ~~صاحبه المزني في أول مختصره : ( ( اختصرت هذا من علم الشافعي ، ومن معنى ~~قوله لأقر به على من أراد ، مع إعلامية نهيه عن تقليده وتقليد غيره ، لينظر ~~فيه لدينه ، ويحتاط لنفسه ، أي مع إعلامي من أراد علم الشافعي : نهى ~~الشافعي عن تقليده وتقليد غيره ) ) انتهى . وفيمن يكون عاميا ويقلد رجلا من ~~الفقهاء بعينه يرى أنه يمتنع من مثله الخطأ ، وأن ما قاله هو الصواب البتة ~~، وأضمر في قلبه أن لا يترك تقليده ، وإن ظهر الدليل على خلافه . وذلك ما ~~رواه الترمذي عن عدي بن حاتم أنه قال : ( ( سمعت رسول الله يقرأ ( ( أتخذوا ~~أحبارهم ورهبانهم PageV01P366 أربابا من دون الله ) ) قال إنهم لم يكونوا ~~يعبدونهم ، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه ، وإذا حرموا عليهم ~~شيئا حرموه . وفيمن لا يجوز أن يستفتي الحنفي مثلا فقيها شافعيا وبالعكس ~~ولا يجوز أن يقتدي الحنفي بإمام شافعي مثلا ، فإن هذا قد خالف إجماع القرون ~~الأولى وناقض الصحابة والتابعين ؛ وليس محله فيمن لا يدين إلا بقول النبي ، ~~ولا يعتقد حلالا إلا ما ms288 أحله الله ورسوله ، ولا حراما إلا ما حرمه الله ~~ورسوله ، لكنه لما لم يكن له علم بما قاله النبي ، ولا بطريق الجمع بين ~~المختلفات من كلامه ولا بطريق الاستنباط من كلامه اتبع عالما راشدا على أنه ~~مصيب فيما يقول ويفتي ظاهرا ، متبع سنة رسول الله ، فإن خالف ما يظنه ، ~~أفلع من ساعته من غير جدال ولا إصرار ، فهذا كيف ينكره أحد ، مع أن ~~الاستفتاء والإفتاء لم يزل بين المسلمين من عهد النبي ، ولا فرق بين أن ~~يستفتي هذا دائما ، أو يستفتي هذا حينا ، وذلك حينا ، بعد أن يكون مجمعا ~~على ما ذكرناه . كيف لا ولم نؤمن بفقيه أيا كان أنه أوحي الله إليه الفقه ، ~~وفرض علينا طاعته ، وأنه معصوم ، فإن اقتدينا بواحد منهم ، فذلك لعلمنا ~~بأنه عالم بكتاب الله وسنة رسوله ، فلا يخلو قوله إما أن يكون من صريح ~~الكتاب والسنة ، أو مستنبطا منهما بنحو من الاستنباط ، أو عرف بالقرائن أن ~~الحكم في صورة ما منوط بعلة كذا ، وأطمان قلبه بتلك المعرفة ، فقاس غير ~~المنصوص على المنصوص ، فكأنه يقول : ظننت أن رسول الله قال : كلما وجدت هذه ~~العلة فالحكم في طريقة ظنون . ولولا ذلك لما قلد مؤمن مجتهدا . فإن بلغنا ~~حديث من الرسول المعصوم الذي فرض الله علينا طاعته بسند صالح يدل على خلاف ~~مذهبه ، وتركنا حديثه واتبعنا ذلك التخمين ، فمن أظلم منها ؟ وما عذرنا يوم ~~يقوم الناس لرب العالمين ؟ # ( ( ومنها : أن التخريج على كلام الفقهاء وتتبع لفظ الحديث لكل منهما أصل ~~أصيل في الدين ، ولم يزل المحققون من العلماء في كل عصر يأخذون بهما ، ~~فمنهم من يقل من ذا . PageV01P367 ويكثر من ذاك ، ومنهم من يكثر من ذا ، ~~ويقل من ذاك ، فلا ينبغي أن يهمل أمر واحد منهما بالمرة ، كما يفعله عامة ~~الفريقين ، وإنما الحق : البحث أن يطابق أحدهما بالآخر ، وأن يجبر خلل كل ~~بالآخر ، وذلك قول الحسن البصري : ( ( سنتكم والله الذي لا إله هو بينهما ) ~~) بين الغالي والجافي ، فمن كان من أهل الحديث ينبغي أن يعرض ما اختاره ~~وذهب ms289 إليه على رأي المجتهدين من التابعين ، ومن كان من أهل التخريج له أن ~~يجعل من السنن ما يحترز به من مخالفة الصريح الصحيح ، ومن القول برأيه فيما ~~فيه حديث أو يقدر الطاقة ، ولا ينبغي لمحدث أن يتعمق بالقواعد التي أحكمها ~~أصحابه ، وليست منا نص عليه الشارع ، فيرد به حديثا أو قياسا صحيحا كرد ما ~~فيه أدنى شائبة الإرسال والانقطاع كما فعله ابن حزم : رد حديث تحريم ~~المعازف لشائبة الانقطاع في رواية البخاري ، على أنه في نفسه متصل صحيح ، ~~فإن مثله إنما يصار إليه عند التعارض . وكقولهم : فلان أحفظ لحديث فلان من ~~غيره ، فيرجحون حديثه على حديث غيره لذلك ، وإن كان في الآخر ألف رجه من ~~الرجحان ؛ وكان اهتمام جمهور الرواة عند الرواية بالمعنى برؤوس المعاني دون ~~الاعتبارات التي يعرفها المتعمقون من أهل العربية ، فاستدلالهم بنحو الفاء ~~والواو ، وتقديم كلمة وتأخيرها ونحو ذلك من التعمق . وكثيرا ما يعبر الراوي ~~الآخر عن تلك القصة فيأتي مكان ذلك الحرف بحرف آخر . والحق أن كل ما يأتي ~~به الراوي فظاهره أنه كلام النبي ، فإن ظهر حديث آخر ، أو دليل آخر ، وجب ~~المصير إليه . ولا ينبغي لمخرج أن يخرج قولا لا يفيده نفس كلام أصحابه ، ~~ولا يفهمه منه أهل العرف والعلماء باللغة ، ويكون بناء على تخريج مناط ، أو ~~حمل نظير المسألة عليها ، مما يختلف فيه أهل الوجوه ، وتتعارض فيه الآراء . ~~ولو أن أصحابه مثلوا عن تلك المسألة ربما يحملون النظير على النظير لمانع . ~~وربما ذكروا علة غير ما خرجه هو . وإنما جاز التخريج لأنه في الحقيقة من ~~تقليد المجتهد ، ولا يتم إلا فيما يفهم من كلامه ، ولا ينبغي أن يرد حديثا ~~أو أثر تطابق عليه القوم لقاعدة استخرجها هو أو أصحابه كرد حديث المصراة . ~~وكإسقاط سنهم ذوي القربى . فإن رعاية الحديث أوجب من رعاية تلك PageV01P368 ~~القاعدة المخرجة ، وإلى هذا المعنى أشار الشافعي حيث قال : ( ( مهما قلت من ~~قول أو أصلت من أصل ، فباخ عن رسول الله خلاف ما قلت ، فالقول ما قاله ) ) ~~. # ( ( ومنها : أن تتبع ms290 الكتاب والآثار لمعرفة الأحكام الشرعية ، على مراتب ~~: أعلاها أن يحصل له من معرفة الأحكام ، بالفعل أو بالقوة القريبة من الفعل ~~، ما يتمكن به من جواب المستفتين في الوقائع غالبا ، بحيث يكون جوابه أكثر ~~مما يتوقف فيه ، وتخص ( أي هذه المعرفة ) باسم الاجتهاد ، وهذا الاستعداد ~~يحصل تارة بالإمعان في جمع الروايات ، وتتبع الشاذة والفاذة منها ، كما ~~أشار إليه أحمد بن حنبل ، مع ما لا ينفك منه العاقل العارف باللغة من معرفة ~~مواقع الكلام ، وصاحب العلم بآثار السلف ، من طريق الجمع بين المختلفات ، ~~وترتيب الاستدلالات ، ونحو ذلك ؛ وتارة بإحكام طرق التخريج على مذهب شيخ من ~~مشاسخ الفقه ، من معرفة جملة صالحة من السنن والآثار ، بحيث يعلم أن قوله ~~لا يخالف الإجماع ، القرآن والسنن ما يتمكن به من معرفة الجيد والزيف ، وإن ~~لم يتكامل له الأدوات كما بتكامل للمجتهد المطلق . فيجوز لمثله أن يلفق من ~~المذهبين إذا عرف دليلهما ، وعلم أن قوله ليس مما لا ينفذ فيه اجتهاد ~~المجتهد ، ولا يقبل فيه قضاء القاضي ، ولا يجري فيه فتوى المفتين ، وأن ~~يترك بعض التخريجات التي سبق الناس إليها ، إذا عرف عدم صحتها ، ولهذا لم ~~يزل العلماء ممن لا يدعي الاجتهاد المطلق ، يصنفون ويرتبون ويخرجون ويرجحون ~~. وإذا كان الاجتهاد يتجزأ عند الجمهور ، والتخريج يتجزأ ، وإنما المقصود ~~تحصيل الظن ، وعليه مدار التكليف ، PageV01P369 فما الذي يستبعد من ذلك ؟ ~~وأما ما دون ذلك من الناس ، فمذهبه فيما يرد عليه كثيرا ، ما أخذه عن ~~أصحابه وآبائه وأهل بلده من المذاهب المتبعة ، وفي الوقائع النادرة فتاوي ~~مفتيه ، وفي القضايا ما يحكم القاضي ، وعلى هذا وجدنا محققي العلماء من كل ~~مذهب ، قديما وحديثا ، وهو الذي أوصي به أئمة المذاهب أصحابهم ) ) . # ثم قال الدهلوي رحمه الله : ( ( قال ابن الصلاح : من وجد من الشافعية ~~حديثا يخالف مذهبه ، نظر : إن كملت له آله الاجتهاد مطلقا ، أو في ذلك ~~الباب أو المسألة ، كان له الاستقلال بالعمل به ، وإن لم يكمل له آلة ~~الاجتهاد ، وشق مخالفة الحديث بعد أن يبحث ، فلم يجد للمخالف جوابا شافيا ~~عنه ms291 ، فله العمل به ، إن كان عمل به إمام مستقل غير الشافعي ويكون هذا عذرا ~~له في ترك مذهب إمامه ها هنا ، وحسنة النووي . # ( ( ومنها : أن أكثر صور الاختلاف بين الفقهاء لا سيما في المسائل التي ~~ظهر فيها أقوال الصحابة في الجانبين ، كتكبيرات التشريق ، وتكبيرات العيدين ~~، ونكاح المحرم ، وتشهد ابن عباس وابن مسعود ، والإخفاء بالبسملة وبأمين ~~والإسفاع والإيثار في الإقامة ونحو ذلك إنما هو في ترجيح أحد القولين . ~~وكان السلف لا يختلفون في أصل المشروعية وإنما كان خلافهم في أولي الأمرين ~~. ونظيره اختلاف القراء في وجوه القراءة ، وقد عللوا كثيرا من هذا الباب ~~بأن الصحابة مختلفون ، وأنهم جميعا على الهدى ، ولذلك لم يزل العلماء ~~يجوزون فتاوى المفتين في المسائل الاجتهادية ، ويسلمون قضاء القضاة ، ~~ويعملون في بعض الأحيان بخلاف مذهبهم ، ولا ترى أئمة المذاهب في هذه ~~المواضع إلا وهم يضجعون القول ويبينون الخلاف . يقول أحدهم : هذا أحوط وهذا ~~هو المختار ، وهذا أحب إلي . ويقول : ما بلغنا إلا ذلك . وهذا كثير في ~~المبسوط ، وآثار محمد رحمه الله ، وكلام الشافعي رحمه الله ، ثم خلف من ~~بعدهم خلف اختصروا كلام القوم ، فقووا الخلاف وثبتوا على مختار أئمتهم . ~~والذي يروي من السلف من تأكيد الأخذ بمذهب أصحابهم وأن لا يخرج منها بحال ، ~~فإن ذلك إما لأمر جبلي ، فإن إنسان يجب ما هو مختار أصحابه وقومه حتى في ~~الزي والمطاعم ، أو لصوله ناشئة من ملاحظة الدليل ، أو لنحو ذلك من الأسباب ~~. PageV01P370 فظن البعض تعصبا دينيا ، حاشاهم من ذلك . وقد كان في الصحابة ~~والتابعين ومن بعدهم من يقرا البسملة ، ومنهم من لا يقرؤها ، ومنهم من يجهر ~~بها ، ومنهم لا يجهر بها ، وكان منهم من يقنت في الفجر ، ومنهم من لا يقنت ~~في الفجر ومنهم من يتوضأ من الحجامة والرعاف والقيء ، ومنهم من لا يتوضأ من ~~ذلك ، ومنهم من يتوضأ مما مسته النار ، ومنهم من لا يتوضأ من ذلك ، ومنهم ~~من يتوضأ من أكل لحم الإبل ، ومنهم من لا يتوضأ من ذلك ؛ ومع هذا فكان ~~بعضهم يصلي خلف بعض ms292 ، مثل ما كان أبو حنيفة أو أصحابه والشافعي وغيرهم رضي ~~الله عنهم يصلون خلف أئمة المدينة من المالكية وغيرهم ، وإن كانوا لا ~~يقرءون البسملة لا سرا ولا جهرا . وصلى الرشيد إماما وقد احتجم ، فصلى ~~الإمام أبو يوسف خلفهن ولم يعد وكان أفتاه الإمام مالك بأنه لا وضوء عليه . ~~وكان الإمام أحمد بن حنبل يري الوضوء من الرعاف والحجامة ، فقيل له : فإن ~~كان الإمام قد خرج منه الدم ولم يتوضأ ، هل تصلي خلفه ؟ فقال كيف لا أصلي ~~خلف الإمام مالك وسعيد بن المسيب ؟ وروي أن أبا يوسف ومحمدا كانا يكبران في ~~العيدين تكبير ابن عباس ، لأن هرون الرشيد كان يحب تكبير جده . وصلى ~~الشافعي رحمه الله الصبح قريبا من مقبرة أبي حنيفة رحمه الله فلم يقنت ~~تأدبا معه . وقال أيضا : ربما انحدرنا إلى مذهب أهل العراق . وقال مالك ~~رحمه الله للمنصور وهارون الرشيد ، ما ذكرنا عنه سابقا . وفي البرازية عن ~~الإمام الثاني ، وهو أبو يوسف رحمه الله ، أنه صلى يوم الجمعة مغتسلا من ~~الحمام ؛ وصلى بالناس وتفرقوا ، ثم أخبر بوجود فأرة ميتة في بئر الحمام ، ~~فقال : إذن نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة : ( ( إذا بلغ الماء فلتين لم ~~يحمل خبثا ) ) انتهى . # ثم قال الدهلوي قدس سره ( ( ومنها : أني وجدت بعضهم يزعم أن هنالك فرقتين ~~لا ثالث لهما : أهل الظاهر ، وأهل الرأي ؛ وأن كل من قاس واستنبط فهو من ~~أهل الرأي . كلا والله ! بل ليس المراد بالرأي نفس الفهم والعقل ، فإن ذلك ~~لا ينفك من أحد من العلماء ، ولا الرأي الذي لا يعتمد على سنة أصلا ، فإنه ~~لا ينتحله مسلم البتة ، ولا القدرة على الاستنباط والقياس ، فإن أحمد ~~وإسحاق بل الشافعي أيضا ، ليسوا من أهل الرأي بالاتفاق ، وهم يستنبطون ~~ويقيسون ، بل المراد من أهل الرأي قوم توجهوا بعد المسائل المجمع عليها بين ~~PageV01P371 المسلمين ، أو بين جمهورهم ، إلى التخريج على أصل رجل من ~~المتقدمين ، فكان أكثر أمرهم حمل النظير على النظير ، والرد إلى أصل من ~~الأصول ، دون تتبع الأحاديث والآثار . والظاهري من لا ms293 يقول بالقياس ، ولا ~~بآثار الصحابة والتابعين ، كداود وابن حزم ، وبينهما المحقون من أهل السنة ~~كأحمد وإسحق ) ) . انتهى . * * * # 30 - بيان وجو موالاة الأئمة المجتهدين وأنه إذا وجد لواحد منهم قول صح ~~الحديث بخلافة فلا بد له من عذر في تركة ، وبيان العذر # قال الإمام شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيميه رضي الله عنه وأرضاه ، ~~وجعل الجنة متقلبه ومثواه ، آمين ، في كتابه ( ( رفع الملام عن الأئمة ~~الأعلام ) ) في مقدمته بعد الخطبة ما صورته : ( ( يجب على المسلمين بعد ~~موالاة الله ورسوله موالاة المؤمنين ، كما نطق به القرآن ، خصوصا العلماء ~~الذين هم ورثة الأنبياء ، الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم يهتدي بهم في ~~ظلمات البر والبحر ، وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم . # ثم قال : ( ( فإنهم خلفاء الرسول في أمته ، والمحيون لما مات من سنته . ~~بهم قام الكتاب وبه قاموا ، وبهم نطق الكتاب ، وبه نطقوا . وليعلم أنه ليس ~~أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولا عاما يتعمد مخالفة رسول الله في ~~شيء من سنته ، دقيق ولا جليل ، فإنهم متفقون اتفاقا يقينيا على وجوب اتباع ~~الرسول ، وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك ، إلا رسول الله ؛ ~~ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه ، فلا بد له من عذر ~~في تركه . وجماع الأعذار ثلاثة أصناف : أحدهم عدم اعتقاد أن النبي قاله ، ~~والثاني عدم اعتقاده إراده تلك المسألة بذلك القول ، والثالث اعتقاده أن ~~ذلك الحكم منسوخ . وهذه الأصناف الثلاثة تتفرع إلى أسباب متعددة : # السبب الأول . أن لا يكون الحديث قد بلغه ، ومن لم يبلغه الحديث لم يكلف ~~أن PageV01P372 يكون عالما بموجبه ، وإذا لم يكن قد بلغه وقد قال في تلك ~~القضية بموجب ظاهر آية أو حديث آخر أو بموجب قياس أو موجب استصحاب ، فقد ~~يوافق ذلك الحديث تارة ويخالفه أخرى وهذا السبب الغالب على أكثر ما يوجد من ~~أقوال السلف مخالفا لبعض الأحاديث ، فإن الإحاطة بحديث رسول الله لم تكن ~~لأحد من الأمة . وقد كان النبي يحدث أو يفتي أو يقضي ms294 أو يفعل الشيء فيسمعه ~~أو يراه من يكون حاضرا ويبلغه أولئك أو بعضهم لمن يبلغونه ، فينتهي علم ذلك ~~إلى من شاء الله من العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، ثم في مجلس ~~آخر قد يحدث أو يفتي أو يقول شيئا ، ويشهده بعض من كان غائبا من ذلك المجلس ~~، ويبلغونه لمن أمكنهم ، فيكون عند هؤلاء من العلم ما ليس عند هؤلاء ، وعند ~~هؤلاء ما ليس عند هؤلاء ، وإنما يتفاضل العلماء من الصحابة ومن بعدهم بكثرة ~~العلم ، أو جودته . وأما إحاطة واحد بجميع حديث رسول الله ، فهذا لا يمكن ~~ادعاؤه قط 1 واعتبر ذلك بالخلفاء الراشدين الذين هم أعلم الأمة بأمور رسول ~~الله ، وسنته وأحواله ، خصوصا الصديق رضي الله عنه ، الذي لم يكن يفارقه ~~حضرا ولا سفرا ، بل كان يكون معه في غالب الأوقات ، حتى إنه يسمر عنده ~~بالليل في أمور المسلمين . وكذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فإنه كثيرا ~~ما يقول : ( ( دخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر ) ) . ثم مع ~~ذلك لما سئل أبو بكر رضي الله عنه عن ميراث الجدة قال : ( ( مالك في كتاب ~~الله في شيء ، ولكن اسأل الناس ) ) فسألهم . فقام المغيرة بن شعبة ، ومحمد ~~بن مسلمة فشهد أن النبي أعطاها السدس ، وقد بلغ هذه السنة عمران بن حصين ~~وليس هؤلاء الثلاثة مثل أبي بكر وغيره من الخلفاء . ثم قد اختصوا بعلم هذه ~~السنة التي قد اتفقت الأمة على العمل بها . وكذلك عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه ، لم يكن يعلم سنة الاستئذان حتى أخبره بها أبو موسى ، استشهد بالأنصار ~~. وعمر أعلم من حدثه بهذه PageV01P373 السنة ولم يكن عمر أيضا يعلم أن ~~المرأة ترث من دية زوجها ، بلا يرى أن الدية للعاقلة حتى كتب إليه الضحاك ~~بن سفيان وهو أمير الرسول على بعض البوادي ، يخبره أن رسول الله ورث امرأة ~~أشيم الضبابي من دية زوجها ، فترك رأيه لذلك وقال : ( ( لو لم نسمع بهذا ~~لقضينا بخلافه ) ) . ولم يكن يعلم حكم المجوس في الجزية ، حتى أخبره عبد ms295 ~~الرحمن بن عوف رضي الله عنهما أن رسول الله قال : ( ( سنوا بهم سنة أهل ~~الكتاب ) ) . ولما قدم ( ( سرغ ) ) وبلغه أن الطاعون بالشام ، استشار ~~المهاجرين الأولين الذين معه ، ثم الأنصار ، ثم مسلمة الفتح ، فأشار كل ~~عليه بما رأى ، ولم يخبره أحد بسنة حتى قدم عبد الرحمن بن عوف ، فأخبره ~~بسنة رسول الله في الطاعون وأنه قال : ( ( إذا وقع بأرض وأنتم بها فلا ~~تخرجوا فرارا منه وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه ) ) وتذاكر هو وابن ~~عباس أمر الذي يشك في صلاته ، فلم يكن قد بلغته السنة في ذلك حتى حدثه عبد ~~الرحمن بن عوف عن النبي أنه يطرح الشك ويبني على ما استيقن . وكان مرة في ~~السفر فهاجت ريح فجعل يقول : من يحدثنا عن الريح ؟ قال أبو هريرة : ( ( ~~فبلغني وأنا في أخريات الناس ، فحثثت راحلني حتى أدركته فحدثنه بما أمر به ~~النبي عند هبوب الريح ) ) . فهذه مواضع لم يكن يعلمها حتى بلغه إياها من ~~ليس مثله . ومواضع أخر لم يبلغه ما فيها من السنة ، فقضي فيها أو أفتى فيها ~~بغير ذلك : مثل ما قضى في دية الأصابع أنها مختلفة بحسب منافعها ، وقد كان ~~عند أبي موسى وابن عباس - وهما دونه بكثير في العلم - علم بأن النبي قال : ~~( ( هذه وهذه سواء ) ) يعني الإبهام والخنصر ، فبلغت هذه السنة لمعاوية في ~~إمارته فقضى بها ، PageV01P374 ولم يجد المسلون بدا من اتباع ذلك . ولم يكن ~~عيبا في عمر رضي الله عنه حيث لم يبلغه الحديث . وكذلك كان ينهي المحرم عن ~~التطيب قبل الإحرام وقبل الإفاضة إلى مكة بعد رمي جمرة العقبة ، هو وابنه ~~عبد الله رضي الله عنهما وغيرهما من أهل الفضل ، ولم يبلغهم حديث عائشة رضي ~~الله عنها : ( ( طيبت رسول الله لحرمه قبل أن يحرم ، ولحله قبل أن يطوف ) ) ~~. وكان يأمر لا بس الخف أن يمسح عليه إلى أن يخلعه من غير توقيت ، واتبعه ~~على ذلك طائفة من السلف ، ولم تبلغهم أحاديث التوقيت التي صحت عند بعض من ~~ليس مثلهم في العلم وقد روى ذلك ms296 عن النبي من وجوه متعددة صحيحة . # وكذلك عثمان رضي الله عنه لم يكن عنده علم بأن المتوفى عنها زوجها تعتد ~~في بيت الموت ، حتى حدثته الفريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري بقضيتها ~~لما توفى زوجها وأن النبي قال لها : ( ( امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب ~~أجله ) ) فأخذ به عثمان . وأهدى له مرة صيد كان قد صيد لأجله ، فهم بأكله ~~حتى أخبره على رضي الله عنه أن النبي رد لحما أهدى له . # وكذلك على رضي الله عنه قال : ( ( كنت إذا سمعت من رسول الله حديثا تفعني ~~الله بما شاء أن ينفعني منه ، وإذا حدثني غيره استحلفته ، فإذا حلف لي ~~صدقته ) ) وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر ) ) وذكر حديث صلاة التوبة المشهور ~~، وأفتي هو وابن عباس وغيرهما بأن المتوفى عنها إذا كانت حاملا تعتد أبعد ~~الأجلين ، ولم يكن قد بلغتهم سنة الله في سبيعة الأسلمية ، حيث أفتاها ~~النبي بأن عدتها وضع حملها . وأفتى هو وزيد وابن عمر وغيرهم بأن المفوضه ~~إذا مات عنها زوجها فلا مهر بأن عدتها وضع حملها . وأفتى هو وزيد وابن عمر ~~وغيرهم بأن المفوضه إذا مات عنها زوجها فلا مهر بأن عدتها وضع حملها . ~~وأفتى هو وزيد وابن عمر وغيرهم بأن المفوضه إذا مات عنها زوجها فلا مهر ~~PageV01P375 لها ، ولم تكن بلغتهم سنة رسول الله ( ( في بروع بنت واشق ) ) ~~وهذا باب واسع يبلغ المنقول منه عن أصحاب رسول الله عددأ كثيرا جدا ، وأما ~~المنقول منه عن غيرهم ، فلا يمكن الإحاطة به ، فإنه ألوف ؛ فإن هؤلاء كانوا ~~أعلم الأمة وأفقهها وأتقاها وأفضلها ، فمن بعدهم أنقص ، فخفاء بعض السنة ~~عليه أولي ، فلا يحتاج إلى بيان ، فمن اعتقد أن كل حديث صحيح قد بلغ كل ~~واحد من الأئمة وإماما معينا فهو مخطىء خطأ فاحشا قبيحا . # ولا يقولن قائل : ( ( إن الأحاديث قد دونت وجمعت ، فخفاؤها والحال هذه ~~بعيد 1 ) ) لأن هذه الدواوين المشهورة في السنن ، إنما جمعت بعد انقراض ~~الأئمة المتبوعين ، ومع هذا فلا يجوز أن يدعي انحصار حديث رسول الله ms297 في ~~دواوين معينة . ثم لو فرض انحصار حديث رسول الله ، فليس كل ما في الكتب ~~يعلمه العالم ، ولا يكاد ذلك يحصل لأحد ، بل قد يكون عند الرجل الدواوين ~~الكثيرة وهو لا يحيط بما فيها ؛ بل الذين كانوا قبل جمع هذه الدواوين أعلم ~~بالسنة من المتأخرين بكثير ، لأن كثيرا مما بلغهم وصح عندهم ، قدلا يبلغنا ~~إلا عن مجهول أو بإسناد منقطع ، أو لا يبلغنا بالكلية . فكانت دواوينهم ~~صدورهم التي تحوي أضعاف ما في الدواوين ، وهذا أمر لا يشك فيه من علم ~~القضية . ولا يقولن قائل : النبي ، وفعله فيما يتعلق بالأحكام ، فليس في ~~الأمة مجتهد ، وإنما غاية العلم أن يعلم جمهور ذلك وعظمه بحيث لا يخفي عليه ~~إلا القليل من التفصيل ، ثم إنه قد يخالف ذلك القليل من التفصيل الذي يبلغه ~~. # السبب الثاني . - أن يكون الحديث قد بلغه ، لكنه لم يثبت عنده ، إما لأن ~~محدثه أو محدث محدثه أو غيره من رجال الإسناد مجهول عنده ، أو متهم أو سيء ~~الحفظ ، وإما أنه لم يبلغه مسندا بل منقطعا ، أو لم يضبط لفظ الحديث ، مع ~~أن ذلك الحديث قد رواه الثقات لغيره بإسناد متصل ، بأن يكون غيره يعلم من ~~المجهول عنده الثقة ، أو يكون قد رواه غير PageV01P376 أولئك المجروحين ~~عنده ، أو قد اتصل من غير الجهة المنقطعة ، وقد ضبط ألفاظ الحديث بعض ~~المحدثين الحفاظ ، أو لتلك الرواية من الشواهد والمتابعات ما يبين صحتها ، ~~وهذا أيضا كثير جدا ، وهو في التابعين وتابعيهم إلى الأئمة المشهورين من ~~بعدهم ، أكثر من العصر الأول أو كثير من القسم الأول ، فإن الأحاديث كانت ~~قد انتشرت واشتهرت ، لكن كانت تبلغ كثيرا من العلماء من طرق ضعيفة ، وقد ~~بلغت غيرهم من طرق صحيحة غير تلك الطرق ، فتكون حجة من هذا الوجه ، مع أنها ~~لم تبلغ من خالفها من هذا الوجه ، ولهذا وجد في كلام غير واحد من الأئمة ~~تعليق القول بموجب الحديث على صحته ، فيقول : قولي في هذه المسألة كذا ، ~~وقد روى فيها حديث بكذا ، فإن كان صحيحا فهو قولي . # السبب ms298 الثالث 0 - اعتقاد ضعف الحديث باجتهاد قد خالفه فيه غيره ، مع قطع ~~النظر عن طريق آخر ، سواء كان الصواب معه أو مع غيره ، أو معهما عند من ~~يقول : كل مجتهد مصيب ، ولذلك أسباب : # منها : أن يكون الحديث يعتقده أحدهما ضعيفا ، ويعتقده الآخر ثقة - ومعرفة ~~الرجال علم واسع - ثم قد يكون المصيب من يعتقد ضعفه لاطلاعه على سبب جارح ، ~~وقد يكون الصواب مع الآخر لمعرفته أن ذلك السبب غير جارح ، إما لأن جنسه ~~غير جارح ، أو لأنه كان له فيه عذر يمنع الجرح . وهذا باب واسع ، وللعلماء ~~بالرجال وأحوالهم في ذلك من الإجماع والاختلاف مثل ما لغيرهم من سائر أهل ~~العلم في علومهم . # ومنها : أن لا يعتقد أن المحدث سمع الحديث ممن حدث عنه ، وغيره يعتقد أنه ~~سمعه لأسباب توجب ذلك معروفة . # ومنها : أن يكون للمحدث حالان : حال استقامة ، وحال اضطراب ، مثل أن ~~يختلط أو تحرق كتبه ، فما حدث به في حال الاستقامة صحيح ، وما حدث به حال ~~الاضطراب ضعيف ، فلا يدري ذلك الحديث من أي النوعين . وقد علم غيره أنه مما ~~حدث به في حال الاستقامة . PageV01P377 # ومنها : أن يكون المحدث قد نسى ذلك الحديث ، فلم يذكره فيما بعد . أو ~~أنكر أن يكون حدثه معتقدا أن هذا علة توجب ترك الحديث ، ويرى غيره أن هذا ~~مما يصح الاستدلال بهن والمسألة معروفة . # ومنها : أن كثيرا من الحجازيين يرون أن لا يحتج بحديث عراقي أو شامي إن ~~لم يكن له أصل بالحجاز حتى قال قائلهم : ( ( نزلوا أحاديث أهل العراق ~~بمنزلة أحاديث أهل الكتاب ، لا تصدقوهم ، ولا تكذبوهم ) ) . وقيل لآخر : ( ~~( سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله حجة ؟ ) ) قال : إن لم ~~يكن له أصل بالحجاز فلا . وهذا لاعتقادهم أن أهل الحجاز ضبطوا السنة ، فلم ~~يشذ عنهم منها شيء ، وأن أحاديث العراقيين وقع فيها اضطراب أوجب التوقف ~~فيها ، وبعض العراقيين يرى أن لا يحتج بحديث الشاميين ، وإن كان أكثر الناس ~~على ترك التضعيف بهذا فمتى كان الإسناد جيدا كان الحديث حجة ، سواء ms299 كان ~~الحديث حجازيا أو عراقيا أو شاميا أو غير ذلك . # وقد صنف أبو داود السجستاني كتابا في مفاريد أهل الأمصار من السنن ، يبين ~~ما اختص به أهل كل مصر من الأمصار من السنن التي لا توجد مسنده عند غيرهم ، ~~مثل المدينة ومكة والطائف ودمشق وحمص والكوفة والبصرة وغيرها ، إلى أسباب ~~أخر غير هذه . # السبب الرابع . - اشتراطه في خبر الواحد العدل الحافظ شروطا يخالفه فيها ~~غيره ، مثل اشتراط بعضهم عرض الحديث على الكتاب والسنة ، واشتراط بعضهم أن ~~يكون المحدث فقيها إذا خالف قياس الأصول ، واشتراط بعضهم انتشار الحديث ~~وظهوره إذا كان فيما تعم به البلوي ، إلى غير ذلك مما هو معروف في مواضعه . # السبب الخامس . - أن يكون الحديث قد بلغه وثبت عنده ، لكن نسيه ، وهذا ~~يرد في الكتاب والسنة ، مثل الحديث المشهور عن عمر رضي الله عنه أنه سئل عن ~~الرجل يجنب في السفر فلا يجد الماء . فقال : ( ( لا يصلي حتى يجد الماء ) ) ~~فقال له عمار : ( ( يا PageV01P378 أمير المؤمنين ! أما تذكر إذ كنت أنا ~~وأنت في الإبل فأجنبنا ، فأما أنا فتمرغت كما تمرغ الدابة ، وأما أنت فلم ~~تصل ، فذكرت ذلك النبي فقال : ( ( إنما يكفيك هكذا ) ) وضر بيديه الأرض ~~فمسح بهما وجهه وكفيه ) ) فقال له عمر : ( ( اتق الله يا عمار ) ) فقال : ( ~~( إن شئت لم أحدث به ) ) فقال : ( ( بل نوليك من ذلك ما توليت ) ) فهذه سنة ~~شهدها عمر ، ثم نسيها ، حتى أفتى بخلافها ، وذكره عمار فلم يذكر ، وهو لم ~~يكذب عمارا ، بل أمره أن يحدث به . وأبلغ من هذا أنه خطب الناس فقال : ( ( ~~لا يزيد رجل على صداق أزواج النبي وبناته إلا رددته ) ) فقالت امرأة : ( ( ~~يا أمير المؤمنين 1 لم تحرمنا شيئا أعطانا الله إياه ؟ ثم قرأت : ( ( أو ~~آتيتم إحداهن قنطارا ) ) . فرجع عمر إلى قولها ، وقد كان حافظا للآية ولكن ~~نسيها . وكذلك ما روى أن عليا ذكر الزبير يوم الجمل شيئا عهده إليهما رسول ~~الله فذكره حتى انصرف عن القتال ، وهذا كثير في السلف والخلف . # السبب السادس . عدم معرفته بدلالة الحديث ، تارة لكون ms300 اللفظ الذي في ~~الحديث غريبا عنده ، مثل لفظ : المزابنة ، والمحاقلة ، والمخابرة ، ~~والملامسة ، والمنابذة ، والغرر ، إلى غير ذلك من الكلمات الغريبة التي قد ~~يختلف العلماء في تفسيرها ، وكالحديث المرفوع ( ( لا طلاق ولا عتاق في ~~إغلاق . ) ) فإنهم قد فسروا الإغلاق بالإكراه ، ومن يخالفه لا يعرف هذا ~~التفسير ، وتارة لكون معناه في لغته وعرفه ، غير معناه في لغة النبي وهو ~~يحمله على ما يفهمه في لغته ، بناء على أن الأصل بقاء اللغة ، كما سمع ~~بعضهم آثارا في الرخصة في النبيذ ، فظنوه بعض أنواع المسكر لأنه لغتهم ؛ ~~وإنما هو ما ينبذ لتحلية الماء قبل أن يشتد ، فإنه جاء مفسرا في أحاديث ~~كثيرة صحيحة ، وسمعوا لفظ الخمر في الكتاب والسنة ، فاعتقدوه عصير العنب ~~المشتد خاصة ، بناء على أنه كذلك في اللغة ، وإن كان قد جاء من الأحاديث ~~أحاديث صحيحة تبين أن الخمر اسم لكل شراب مسكر ، وتارة لكون اللفظ ~~PageV01P379 مشتركا أو مجملا ، أو مترددا بين حقيقة ومجاز ، فيحمله على ~~الأقرب عنده ، وإن كان المراد هو الآخر ، كما حمل جماعة من الصحابة في أول ~~الأمر الخيط الأبيض والخيط الأسود على الحبل ، وكما حمل آخرون قوله : ( ^ ~~فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ) . على اليد إلى الأبط ، وتارة لكون الدلالة من ~~النص خفية ، فإن جهات دلالات الأقوال متسعة جدا يتفاوت الناس في إدراكها ، ~~وفهم وجوه الكلام بحسب منح الحق سبحانه ومواهبه ، ثم قد يعرفها الرجل من ~~حيث العموم ولا يتفطن لكون هذا المعنى داخلا في ذلك العام ، ثم قد يتفطن له ~~تارة ثم ينساه بعد ذلك . وهذا باب واسع جدا لا يحيط به إلا الله . وقد يغلط ~~الرجل فيفهم من الكلام ما لا تحتمله اللغة العربية التي بعث الرسول بها . # السبب السابع . - اعتقاده أن لا دلالة في الحديث ، والفرق بين هذا وبين ~~الذي قبله : أن الأول لم يعرف جهة الدلالة ، والثاني عرف جهة الدلالة ، لكن ~~اعتقد أنها ليست دلالة صحيحة ، بأن يكون له من الأصول ما يرد تلك الدلالة ، ~~سواء كانت في نفس الأمر صوابا أو خطأ ، مثل أن يعتقد أن ms301 العام المخصوص ليس ~~بحجة ، وأن المفهوم ليس بحجة ، وأن العموم الوارد على سبب مقصور على سببه ، ~~أو أن الأمر المجرد لا يقتضى الوجوب أو لا يقتضى الفور أو أن المعرف باللام ~~لا عموم له ، أو أن الأفعال المنفية لا تنفي ذواتها ، ولا جميع أحكامها ، ~~أو أن المتقضى لا عموم له ، فلا يدعي العموم في المضمرات والمعاني إلى غير ~~ذلك مما يتسع القول فيه . فإن شطر أصول الفقه تدخل مسائل الخلاف منه في هذا ~~القسم ، وإن كانت الأصول المجردة لم تحط بجميع الدلالات المختلف فيها ، ~~وتدخل فيه أفراد أجناس الدلالات ، هل هي من ذلك الجنس أم لا ؟ مثل أن يعتقد ~~أن هذا اللفظ المعين مجمل بأن يكون مشتركا دلالة تعين أحد معنييه ، أو غير ~~ذلك . # السبب الثامن . - اعتقاده أن تلك الدلالة قد عارضها ما دل على أنها ليست ~~مرادة مثل معارضة العام بخاص ، أو المطلق بمقيد أو الأمر المطلق بما ينفي ~~الوجوب ، أو الحقيقة بما PageV01P380 يدل على المجاز ، إلى أنواع المعارضات ~~. وهو باب واسع أيضا ، فإن تعارض دلالات الأقوال وترجيح بعضها على بعض بحر ~~خضم . # السبب التاسع . - اعتقاده أن الحديث معارض بما يدل على ضعفه أو نسخة أو ~~تأويله إن كان قابلا للتأويل بما يصلح أن يكون معارضا بالاتفاق ، مثل آية ~~أو حديث آخر أو مثل إجماع ، وهذا نوعان : ( أحدهما ) أن يعتقد أن هذا ~~المعارض راجح في الجملة ، فيتعين أحد الثلاثة من غير تعيين واحد منها ، ~~وتارة يعين أحدها بأن يعتقد أنه منسوخ أو أنه مؤول ، ثم قد يغلط في النسخ ، ~~فيعتقد المتأخر متقدما ، وقد يغلط في التأويل بأن يحمل الحديث على ما ~~يحتمله لفظه ، أو هناك ما يدفعه ، وإذا عارضه من حيث الجملة ، فقد لا يكون ~~ذلك المعارض دالا ، وقد لا يكون الحديث المعارض في قوة الأول إسنادا أو ~~متنا ، وتجىء هنا الأسباب المتقدمة وغيرها في الحديث الأول . والإجماع ~~المدعي في الغالب إنما هو عدم العلم بالمخالف ، وقد وجدنا من أعيان العلماء ~~من صاروا إلى القول بأشياء ، متمسكهم فيها عدم ms302 العلم بالمخالف ، مع أن ظاهر ~~الأدلة عندهم يقتضي خلاف ذلك ، لكن لا يمكن العالم أن يبتدئ قولا لم يعلم ~~به ، قائلا - مع علمه - بأن الناس قد قالوا خلافه حتى إن منهم من يعلق ~~القول فيقول : إن كان في المسألة إجماع فهو أحق ما يتبع ، وإلا فالقول عندي ~~كذا وكذا . وذلك مثل من يقول لا أعلم أحدا أجاز شهادة العبد ، وقبولها ~~محفوظ عن على وأنس وشريح وغيرهم ، ويقول : أجمعوا على أن المعتق بعضه لا ~~يرث ، وتوريثه محفوظ عن علي وابن مسعود ، وفيه حديث حسن عن النبي . ويقول ~~آخر : لا أعلم أحدا أوجب الصلاة على النبي ، وإيجابها محفوظ عن أبي جعفر ~~الباقر . وذلك أن غاية كثير من العلماء أن يعلم أهل العلم الذين أدركهم في ~~بلاده ، وأقوال جماعات غيرهم ، كما تجد كثيرا من المتقدمين لا يعلم إلا قول ~~المدنيين والكوفيين ، وكثيرا من المتأخرين لا PageV01P381 يعلم إلا قول ~~اثنين أو ثلاثة من الأئمة المتبوعين ، وما خرج عن ذلك فإنه عنده مخالف ~~الإجماع ، لأنه لا يعلم به ، قائلا وما زال يقرع سمعه خلافه ، فهذا لا ~~يمكنه أن يصير إلى حديث يخالف هذا ، لخوفه أن يكون هذا خلافا للإجماع ، أو ~~لاعتقاده أنه مخالف للإجماع - والإجماع أعظم الحجج - وهذا عذر كثير من ~~الناس في كثير مما يتركونه ، وبعضهم معذور فيه حقيقة ، وبعضهم معذور فيه ، ~~وليس في الحقيقة بمعذور . وكذلك كثير من الأسباب قبله وبعده . # السبب العاشر . - معارضته بما يدل على ضعفه أو نسخة أو تأويله ، مما لا ~~يعتقد غيره أو جنسه معارض ، أو لا يكون في الحقيقة معارضا راجحا ، كمعارضة ~~كثير من الكوفيين الحديث الصحيح بظاهر القرآن ، واعتقادهم أن ظاهر القرآن ~~من العموم ونحوه مقدم على نص الحديث . ثم قد يعتقد ما ليس بظاهر ظاهرا ، ~~لما في دلالات القول من الوجوه الكثيرة . ولهذا ردوا حديث الشاهد واليمين ، ~~وإن كان غيرهم يعلم أن ليس في ظاهرة القرآن ما يمنع الحكم بشاهد ويمين ، ~~ولو كان فيه ذلك ، فالسنة هي المفسرة للقرآن عندهم . وللشافعي في هذه ~~القاعدة كلام معروف ms303 ، ولأحمد فيها رسالته المشهورة في الرد على من يزعم ~~الاستغناء بظاهر القرآن عن تفسير سنة رسول الله ، وقد أورد فيها من الدلائل ~~ما يضيق هذا الموضع عن ذكره . ومن ذلك دفع الخبر الذي هو تخصيص لعموم ~~الكتاب ، أو تقييد لمطلقة ، أو فيه زيادة عليه ، واعتقاد من يقول ذلك أن ~~الزيادة على النص كتقييد المطلق نسخ ، وأن تخصيص العام نسخ ، وكمعارضه ~~طائفة من المدنيين الحديث الصحيح بعمل أهل المدينة ، بناء على أنهم مجمعون ~~على مخالفة الخبر ، وأن إجماعهم حجة مقدمة على الخبر ، كمخالفة أحاديث خيار ~~المجلس ، بناء على هذا الأصل وإن كان أكثر الناس قد يثبتون أن المدنيين قد ~~اختلفوا في تلك المسألة ، وأنهم لو أجمعوا وخالفهم غيرهم ، لكانت الحجة في ~~الخبر . وكمعارضة قوم من البلدين بعض الأحاديث بالقياس الجلي ، بناء على أن ~~القواعد الكلية لا تنقض بمثل هذ 1 الخبر إلى غير ذلك من أنواع المعارضات ~~سواء كان المعارض مصيبا أو مخطئا . PageV01P382 # ( ( فهذه الأسباب العشرة ظاهرة . وفي كثير من الأحاديث يجوز أن يكون ~~للعالم حجة في ترك العمل بالحديث ، لم نطلع نحن عليها ، فإن مدارك العلم ~~واسعة ، ولم نطلع نحن على جميع ما في بواطن العلماء . والعالم قد يبدي حجته ~~، وقد لا يبديها ، وإذا أبداها ، قد تبلغنا ، وقد لا تبلغ ، وإذا بلغتنا ، ~~فقد ندرك ، موضع احتجاجه ، وقد لا ندركه ، سواء كانت الحجة صوابا في نفس ~~الأمر أم لا . لكن نحن ، وإن جوزنا هذا ، فلا يجوز لنا أن نعدل عن قول ظهرت ~~حجته بحديث صحيح ، وافقه طائفة من أهل العلم إلى قول آخر قاله عالم يجوز أن ~~يكون معه ما يدفع به هذه الحجة ، وإن كان أعلم ، إذ تطرق الخطأ إلى آراء ~~العلماء أكثر من تطرقه إلى الأدلة الشرعي ، فإن الأدلة الشرعية حجة الله ~~على جميع عباده بخلاف رأي العالم . والدليل الشرعي الشرعي يمتنع أن يكون ~~خطأ إذا لم يعارضه دليل آخر ، ورأي العالم ليس كذلك ، ولو كان العمل بهذا ~~التجويز جائزا لما بقى في أيدينا شيء من الأدلة التي يجوز ms304 فيها مثل هذا ، ~~لكن الغرض أنه في نفسه قد يكون معذورا في تركه له ونحن معذورون في تركنا ~~لهذا الترك . وقد قال سبحانه : ( ^ تلك أمة قد خلت لها ما كسبت . . ) . # وقال سبحانه : ( ^ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ) وليس ~~لأحد أن يعارض الحديث عن النبي بقول أحج من الناس ، كما قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما لرجل سأله من مسألة فأجابه فيها بحديث ، فقال له : قال أبو بكر ~~وعمر . . . فقال ابن عباس : أبو بكر وعمر ! ! وإذا كان الترك يكونه لبعض ~~هذه الأسباب ، فإذا جاء حديث صحيح فيه تحليل أو تحريم أو حكم ، فلا يجوز أن ~~يعتقد أن التارك له - من العلماء الذين وصفنا أسباب تركهم - يعاقب لكونه ~~حلل الحرام ، أو حرم الحلال ، أو حكم بغير ما أنزل الله . وكذلك إن كان في ~~الحديث وعيد على فعل من لعنه أو غضب أو عذاب ونحو ذلك ، فلا يجوز أن يقول : ~~إن ذلك العالم الذي أباح هذا أو فعله داخل في هذا الوعيد . وهذا مما لا ~~نعلم بين الأمة فيه خلافا إلا شيئا عن بعض معتزلة بغداد ، مثل المريسي ~~وإضرابه أنهم زعموا أن المخطىء من PageV01P383 المجتهدين يعاقب على خطئه ، ~~وهذا لأن لحوق الوعيد لمن فعل المحرم مشروط بعلمه بالتحريم أو بتمكنه من ~~العلم بالتحريم . فإن من نشأ ببادية ، أو كان حديث عهد بالإسلام ، أو فعل ~~شيئا من المحرمات ، غير عالم بتحريمها ، لم يأثم ، ولم يحد ، وإن لم يستند ~~في استحلاله إلى دليل شرعي ، فمن لم يبلغه الحديث المحرم ، واستند في ~~الإباحة إلى دليل شرعي أولي أن يكون معذورا . ولهذا كان هذا مأجورا ، ~~محمودا لأجل اجتهاده . قال الله سبحانه : ( ^ وداود وسليمان . . . ) إلى ~~قوله : ( ^ وعلما ) ، فاختص سليمان بالفهم ، وأثنى عليهما بالحكم والعلم . ~~وفي الصحيحين عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي قال : ( ( إذا اجتهد ~~الحاكم فأصاب ، فله أجران ، وإذا أجتهد فأخطأ فله أجر ) ) فتبين أن المجتهد ~~مع خطئه له أجر ، وذلك لأجل اجتهاده ، وخطؤه مغفور له ، لأن درك الصواب في ~~جميع ms305 أعيان الأحكام ، إما متعذر أو متعسر ، وقد قال تعالى : ( ^ وما جعل ~~عليكم في الدين من حرج ) وقال تعالى : ( ^ يريد الله بكم اليسر ، ولا يريد ~~بكم العسر ) وفي الصحيحين عن النبي أنه قال لأصحابه عام الخندق : ( ( لا ~~يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة ) ) فأدركهم صلاة العصر في الطريق ، فقال ~~بعضهم : لا نصلي إلا في بني قريظة ، وقال بعضهم : لم يرد منا هذا ، فصلوا ~~في الطريق ، فلم يعب واحدة من الطائفتين . فالأولون تمسكوا بعموم الخطاب ، ~~فجعلوا صورة الفوات داخلة في العموم ، والآخرون كان معهم من الدليل ما يوجب ~~خروج هذه الصورة عن العموم ، فإن المقصود المبادرة إلى القوم ، وهي مسألة ~~اختلف فيها الفقهاء اختلافا مشهورا ، هل يخص العموم بالقياس ؟ ؟ ومع هذا ~~فالدين صولا في الطريق كانوا أصوب . وكذلك بلال رضي الله عنه ، لما باع ~~الصاعين بالصاع ، أمره النبي برده ، ولم يرتب على ذلك حكم آكل الربا من ~~التفسيق واللعن والتغليظ ، لعدم علمه كان بالتحريم . وكذلك عدي بن حاتم ، ~~وجماعة من الصحابة لما اعتقدوا أن قوله تعالى : ( ^ حتى يتبين لكم الخيط ~~الأبيض من الخيط الأسود ) ) معناه الحبال البيض والسود ، فكان أحدهم يجعل ~~عقالين : أبيض وأسود ، ويأكل حتى يتبين أحدهما من PageV01P384 الآخر ، فقال ~~النبي لعدي ( ( إن وسادك إذن لعريض ، إنما هو بياض النهار وسواد الليل ) ) ~~فأشار إلى عدم فقهه لمعنى الكلام ، ولم يرتب على هذا الفعل ذم من أفطر في ~~رمضان ، وإن كان من أعظم الكبائر ، بخلاف الذين أفتوا المشجوج في البرد ، ~~بوجوب الغسل ، فاغتسل ، فمات ، فإنه قال : ( ^ قتلوه ، قتلهم الله ! هلا ~~سألوا إذ لم يعلموا ؟ إنما شفاء العي السؤال ) فإن هؤلاء أخطأوا بغير ~~اجتهاد ، إذ لم يكونوا من أهل العلم ، وكذلك لم يوجب على أسامة بن زيد قودا ~~ولا دية ولا كفارة لما قتل الذي قال : ( ( لا إله إلا الله ) ) في غزوة ~~الحرقات ، فإنه كان معتقدا جواز قتله بناء على أن هذا الإسلام ليس بصحيح ، ~~مع أن قتله حرام ، وعمل بذلك السلف وجمهور الفقهاء في أن ما استباحه أهل ~~البغي من دماء ms306 أهل العدل بتأويل سائغ ، لم يضمن بقود ولا دية ولا كفارة ، ~~وإن كان قتلهم وقتالهم محرما . وهذا الشرط الذي ذكرناه في لحوق الوعيد لا ~~يحتاج أن يذكر في كل خطاب ، لاستقرار العلم به في القلوب ، كما أن الوعد ~~على العمل مشروط بإخلاص العمل لله ، وبعدم حبوط العمل بالردة . ثم إن هذا ~~الشرط لا يذكر في كل حديث فيه وعد . ثم حيث قدر قيام الموجب للوعيد ، فإن ~~الحكم يتخلف عنه الوعيد لمانع ، وموانع لحوق الوعيد متعددة : منها التوبة ، ~~ومنها الاستغفار ، ومنها الحسنات الماحية للسيئات ، ومنها بلاء الدنيا ~~ومصائبها ، ومنها شفاعة شفيع مطاع ، ومنها رحمة أرحم الراحمين . فإذا عدمت ~~هذه الأسباب كلها - ولن تعدم إلا في حق من عتا وتمرد وشرد على الله شراد ~~البعير على أهله - فهنالك يلحق الوعيد به ، وذلك أن حقيقة الوعيد ، بيان أن ~~هذا العمل سبب في هذا العذاب ، فيستفاد من ذلك تحريم الفعل وقبحه . أما أن ~~كل شخص قام به ذلك السبب يجب وقوع ذلك المسبب به ، فهذا باطل قطعا لتوقف ~~ذلك المسبب على وجود الشرط وزوال جميع الموانع . وإيضاح هذا : أن من ترك ~~العمل بحديث ، فلا يخلو من ثلاثة أقسام : # ( ( إما أن يكون تركا جائزا باتفاق المسلمين ، كالترك في حق من لم يبلغه ~~، ولا قصر في الطلب مع حاجته إلى الفتيا أو الحكم ، كما ذكرناه عن الخلفاء ~~الراشدين وغيرهم ، PageV01P385 فهذا لا يشك مسلم أن صاحبه لا يلحقه من معرة ~~الترك شيء . # ( ( وإما أن يكون تركا غير جائز . فهذا لا يكاد يصدر من الأئمة إن شاء ~~الله تعالى ، لكن الذي قد يخاف على بعض العلماء ، أن يكون الرجل قاصرا في ~~درك تلك المسألة ، فيقول مع عدم أسباب القول ، وإن كان له فيها نظر واجتهاد ~~، أو يقصر في الاستدلال فيقول . قبل أن يبلغ النظر نهايته ، مع كونه متمسكا ~~بحجة ، أو يغلب عليه عادة أو غرض بمنعه من استيفاء النظر ، لينظر فيما ~~بعارض ما عنده وإن كان لم يقل إلا بالاجتهاد والاستدلال فإن الحد الذي يجب ~~أن ينتهي إليه ms307 الاجتهاد قد ينضبط للمجتهد . ولهذا كان العلماء يخافون مثل ~~هذا ، خشية أن لا يكون الاجتهاد المعتبر قد وجد في تلك المسألة المخصوصة . ~~فهذه ذنوب ، لكن لحوق عقوبة الذنب بصاحبه ، إنما تنال لم يتب ، وقد يمحوها ~~الاستغفار والإحسان والبلاء والشفاعة والرحمة ، ولم يدخل في هذا من يغلبه ~~الهوى ، ويصرعه حتى ينصر ما يعلم أنه باطل ، أو من يجزم بصواب قول أو خطئة ~~، من غير معرفة منه بدلائل ذلك القول نفيا وإثباتا ، فإن هذين في النار ، ~~كما قال النبي ( ( القضاة ثلاثة : قاضيان في النار ، وقاض في الجنة ، فأما ~~الذي في الجنة فرجل علم الحق فقضى به ، وأما اللذان في النار ، فرجل قضى ~~للناس على جهل ، ورجل علم الحق وقضى بخلافه ) ) والمفتون كذلك . لكن لحوق ~~الوعيد للشخص المعين أيضا ، له ، موانع كما بيناه ، فلو فرض وقوع بعض هذا ~~من بعض الأعيان من العلماء المحمودين عند الأمة ، مع أن هذا بعيد أو غير ~~واقع لم يعدم أحدهم هذه الأسباب ، ولو وقع لم يقدح في إمامتهم على الإطلاق ~~، فإنا لا نعتقد في القوم العصمة ، بل نجوز عليهم الذنوب ، ونرجو لهم مع ~~ذلك أعلى الدرجات ، لما اختصهم الله به من الأعمال الصالحة ، والأحوال ~~السنية ، وأنهم لم يكونوا مصرين على ذنب ، وليسوا بأعلى درجة من الصحابة ~~رضي الله عنهم . والقول فيهم كذلك فيما اجتهدوا فيه من الفتاوى والقضايا ~~والدماء التي كانت بينهم وغير ذلك ، ثم إنهم مع العلم بأن التارك الموصوف ~~معذور بل مأجور ، لا يمنعنا أن تتبع الأحاديث الصحيحة التي لم نعلم لها ~~معارضا يدفعها ، وأن نعتقد وجوب العمل بها على الأمة ، ووجوب تبليغها . ~~وهذا مما لا يختلف العلماء فيه ) ) . انتهى المقصود من هذا البحث من فتوى ~~شيخ الإسلام ، ولها تتمة بديعة فلتنظر . PageV01P386 # | الخاتمة في فوائد متنوعة يضطر إليها الأثري # 1 - سبيل الترقي في علوم الدين # قال الإمام تقي الدين رحمه الله في إحدى وصاياه : ( ( جماع الخير ، أن ~~يستعين بالله سبحانه وتعالى في تلقي العلم المأثور عن النبي ، فإنه الذي ~~يستحق أن يسمى علما ، وما سواه ms308 ، إما أن يكون علما ، ولا يكون نافعا ، وإما ~~أن لا يكون علما ، وإن سمى به ، ولئن كان علما نافعا ، فلان يكون في ميراث ~~محمد ما يغني عنه مما هو مثله وخير منه . وليكن همته فهم مقاصد الرسول في ~~أمره ونهيه ، وسائر كلامه ، فإذا اطمأن قلبه أن هذا هو مراد الرسول ، فلا ~~يعدل عنه فيما بينه وبين الله تعالى ، ولا مع الناس إذا أمكنه ذلك . وليجهد ~~أن يعتصم في كل باب من أبواب العلم بأصل مأثور من النبي وإذا أشبته عليه ~~مما قد اختلف في الناس ، فليدع بما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله ~~عنها أن رسول الله كان يقول إذا قام يصلي من الليل : ( ( الله رب جبرائيل ~~وميكائيل وإسرافيل ، فاطر السموات والأرض ، عالم الغيث والشهادة ، أنت تحكم ~~بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذانك ، ~~إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ) ) . فإن الله تعالى قال فيما رواه عنه ~~رسول الله : يا عبادي كلكم ضال ، إلا من هديته ، فاستهدوني أهدكم ) ) انتهى ~~. PageV01P387 # 2 - قاعدة المحققين في مسائل الدين وعلماء الفرق # قال المحقق ابن القيم رحمه الله في كتابه طريق الهجرتين : ( ( إن عادتنا ~~في مسائل الدين كلها ، دقها وجلها ، أن نقول بموجبها ، ولا نضرب بعضها ببعض ~~، ولا نتعصب لطائفة على طائفة ، بل نوافق كل طائفة على ما معها من الحق ، ~~ونخالفها فيما معها من خلاف الحق ، لا نستثنى من ذلك طائفة ولا مقالة ، ~~ونرجو من الله أن نحيا على ذلك ونموت عليه ، ونلقي الله به ، ولا قوة إلا ~~بالله . ) ) انتهى # وقال حكيم مصره بل عصره ، الشيخ محمد عبده مفتي مصر ، في كتاب الإسلام ~~والنصرانية مع العلم والمدنية ، في مبحث ( ( سماحة الإسلام ) ) ما لفظه : ( ~~( أخذ بيد القارئ الآن ، وأرجع به إلى ما مضى من الزمان ، وأقف به وقفه بين ~~يدي خلفاء بني أمية ، والأئمة من بني العباس ، ووزرائهم . والفقهاء ~~والمتكلون والمحدثون والأئمة المجتهدون من حولهم والأدباء والمؤرخون ~~والأطباء والفلكيون والرياضيون والجغرافيون والطبيعيون ، وسائر أهل النظر ~~من ms309 كل قبيل ، مطيفون بهم ، وكل مقبل على عمله ، فإذا فرغ عامل من العمل ~~أقبل على أخيه ، ووضع يده في يده ، يصافح الفقية المتكلم ، والمحدث الطبيب ~~والمجتهد الرياضي ، والحكم ، وكل يرى في صاحبه عونا على ما يشتغل هو به ، ~~وهكذا أدخل به بيتا من بيوت العلم ، فأجد جميع هؤلاء سواء في ذلك البيت ، ~~يتحادثون ويتباحثون ، والإمام البخاري حافظ السنة بين يدي الحسن البصري شيخ ~~السنة من التابعين ، يتلقي عنه ، وقد سئل الحسن عنه فقال للسائل : ( ( لقد ~~سألت عن رجل كأن الملائكة أدبية ، وكأن الأنبياء ربته إن قام بأمر قعد به ، ~~وإن قعد بأمر قام به ، وإن أمر بشيء كان ألزم الناس له ، وإن نهى عن شيء ~~كان أترك الناس له ، ما رأيت ظاهرا أشبه بباطن منه ، ولا باطنا أشبه بظاهر ~~منه . ) ) بل أرفع بصرى ، فأجد الإمام أبا حنيفة أمام الإمام زيد بن علي ، ~~صاحب مذهب الزيدية من الشيعة ، يتعلم منه أصول العقائد والفقه ، ولا يجد ~~أحدهم من الأخر إلا ما يجد PageV01P388 صاحب الرأي في حادثة ممن ينازعه فيه ~~؛ اجتهادا في بيان المصلحة ، وهما من أهل بيت واحد أمر به بين تلك الصفوف ~~التي كانت تختلف وجهتها في الطلب وغايتها واحدة ، وهي العلم ؛ وعقيدة كل ~~واحد منهم أن ( ( فكر ساعة خير من عبادة ستين سنة ) ) كما ورد في بعض ~~الأحاديث . # ثم قال : الخلفاء أئمة في الدين مجتهدون ، وبأيديهم القوة ، وتحت أمرهم ~~الجيش ، والفقهاء والمحدثون والمتكلمون والأئمة المجتهدون الآخرون ، هم ~~قادة أهل الدين ، ومن جند الخلفاء . الدين في قوته ، والعقيدة في أوج ~~سلطانها ، وسائر العلماء ممن ذكرنا بعدهم يتمتعون في أكنافهم بالخير ~~والسعادة ، ورفه العيش ، وحرية الفكر ، لا فرق في ذلك بين من كان من دينهم ~~، ومن كان من دين آخر ، فهناك يشير القارئ المنصف إلى أولئك المسلمين ، ~~وأنصار ذلك الدين ، ويقول : ها هنا يطلق اسم التسامح مع العلم في حقيقته ، ~~ها هنا يوصف الدين بالكرم ، والحلم ها هنا يعرف كيف يتفق الدين مع المدينة ~~. عن هؤلاء العلماء الحكماء ، تؤخذ فنون الحرية في ms310 النظر ، ومنهم تهبط روح ~~المسألة بين العقل الوجدان أو بين العقل والقلب كما يقولون ، يرى القارئ ~~أنه لم يكن جلاد بين العلم والدين وإنما كان بين الله أهل العلم بين أهل ~~الدين شيء من التخالف في الآراء ، شأن الأحرار في الأفكار لا ، الذين ~~أطلقوا من غل التقليد ، وعوفوا من علة التقليد . ولم يكن يجري فيما بينهم ~~اللمز والتنابر بالألقاب ، فلا يقول أحد منهم لآخر : إنه زنديق أو كافر أو ~~مبتدع أو م يشبه ذلك ، ولا تناول أحدا منهم يد بأذى إلا إذا خرج عن نظام ~~الجماعة وطلب الإجلال بأمن العامة ، فكان كالعضو المجذم فيقطع ليذهب ضرره ~~عن البدن كله ) ) . # ثم قال بعد ذلك تحت عنوان ( ( ملازمة العلم للدين ، وعدوي التعصب في ~~المسلمين ) ) ما صورته ( ( متى ولع المسلمون بالتكفير والتفسيق ، ورمي زيد ~~بأنه زنديق ؟ أشرنا فيما سبق إلى مبدأ هذا المرض ، ونقول الآن : إن ذلك بدأ ~~فيهم عندما بدأ الضعف في الدين يظهر بينهم وأكلت الفتن أهل البصيرة من أهله ~~- تلك الفتن التي كان يثيرها أعداء الدين في الشرق وفي الغرب لخفض سلطانه ~~وتوهين أركانه - وتصدر للقول في الدين برأيه من لم تمتزج روحه PageV01P389 ~~بروح الدين ، وأخذ المسلمون يظنون أن من البدع في الدين ما يحسن إحداثه ~~لتعظيم شأنه تقليدا لمن كان بين أيديهم من الأمم المسيحية وغيرها ، وأنشأوا ~~ينسون ماضي الدين ، ومقالات سلفهم فيه ، ويكتفون برأي من يرونه من ~~المتصدرين المتعالين ، وتولى شؤون المسلمين جهالهم ، وقام بإرشادهم في ~~الأغلب ضلالهم . في أثناء ذلك حدث الغلو في الدين ، واستعرت نيران العداوات ~~بين النظار فيه ، وسهل كل منهم لجهله بدينه أن يرمي الآخر بالمروق منه ~~لأدنى سبب ، وكلما أزدادوا جهلا بدينهم ، ازدادوا غلوا فيه بالباطل ، ودخل ~~العلم والفكر والنظر - وهي لوازم الدين الإسلامي - في جملة ما كرهوه ، ~~وانقلب عندهم ما كان واجبا من الدين ، محظورا فيه ) ) . * * * # 3 - وصية الغزالي في معاملة المتعصب # قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في كتابه فيصل التفرقة ، في تتمة ~~الفصل الأول ، بعد حكم على من يتخبط في ms311 الجواب ، ويعجز عن كشف الغطاء بأنه ~~ليس من أهل النظر ، وإنما هو مقلد ما نصه : ( ( وشرط المقلد أن يسكت ويسكت ~~عنه ، لأنه قاصر عن سلوك طريق الحجاج ، ولو كان أهلا له كان مستتبعا لا ~~تابعا ، وإماما لا مأموما ، فإن خاض المقلد في المحاجة ، فذلك منه فضول ، ~~والمشتغل به صار كضارب في حديث بارد ، وطالب لصلاح الفاسد ، وهل يصلح ~~العطار ما أفسد الدهر ؟ ) ) . # وقال رحمه الله في موضع آخر منه : ( ( فإذا رأيت الفقيه الذي بضاعته مجرد ~~الفقه يخوض في التكفير والتضليل ، فأعرض عنه ، ولا تشغل به قلبك ولسانك ، ~~فإن التحدي بالعلوم غريزة في الطبع ، لا يصبر عنه الجهال ، ولأجله كثر ~~الخلاف بين الناس ، ولو ينكث من الأيدي من لا يدري ، لقل الخلاف بين الخلق ~~) ) . # أقول : هذا بمعنى قول سقراط : لو سكت من لا يعلم لسقط الاختلاف . # وقال الغزالي قدس سره في كتابه ( ( المنقذ من الضلال ) ) : ( ( لا مطمع ~~في الرجوع PageV01P390 إلى التقليد بعد مفارقته ، إذ من شرط المقلد أن لا ~~يعلم أنه مقلد ، فإذا علم ذلك انكسرت زجاجة تقليده وهو شعب لا يرأب ، وشعث ~~لا يلم بالتلفيق والتأليف ، إلا أن يذاب بالنار ، ويستأنف لها صيغة أخرى ~~مستجدة ) ) انتهى . * * * # 4 - بيان من يسلم من الأغلاط # قال الإمام السيد مرتضي اليماني في كتابه إيثار الحق : ( ( وأعلم أنه لا ~~يكاد يسلم من هذه الأغلاط إلا أحد رجلين : إما رجل ترك البدعة كلها ، ~~والتمذهب والتقاليد والاعتزاء إلى المذاهب ، والأخذ من التعصب بنصيب ، وبقي ~~مع الكتاب والسنة كرجل نشأ قبل حدوث المذاهب ، ولم يعبر عن الكتاب والسنة ~~بعبارة منه مبتدعة ، واستعان بالله وأنصف ووقف في مواقف التعارض والاشتباه ~~، ولم يدع علم ما لم يعلم ، ولا تكلف ما لا يحسن . وهذا هو مسلك البخاري ~~وأئمة السنة غالبا في ترجمة تصدير الأبواب ، وفي العقائد بالآيات القرآنية ~~والأخبار النبوية ، كما صنع في أبواب القدر وكتاب التوحيد والرد على ~~الجهمية وأبواب المشيئة . ورجل أتقن العلمين : العقلي والسمعي ، وكان من ~~أئمتهما معا ، بحيث يرجع إليه أئمتهما في وقائعهما ومشكلاتهما ، مع حسن قصد ms312 ~~وورع وإنصاف وتحر للحق فهذا لا تخلف عنه هداية الله وإعانته ؛ وأما من عادي ~~أحد هذين العلمين ، وعادي أهله ، ولم يكن على الصفة الأولى من لزوم ما يعرف ~~، وترك ما لا يعرف ، فإنه لا بد أن تدخل عليه البدع والأغلاط والشناعات ) ) ~~. PageV01P391 # | تتمة في مقصدين # 1 - المقصد الأول في أن طلب الحديث أن يتقي به الله عز وجل ، وأن طلب ~~الشارع للعمل لكونه وسيلة إلى التعبد به # قال العلامة أبو إسحاق الشاطبي في الموافقات في مقدمتها السابعة : ( ( كل ~~علم شرعي ، فطلب الشارع له إنما يكون من حيث هو وسيلة إلى التعبد به لله ~~تعالى ، لا من جهة أخرى فإن ظهر فيه اعتبار جهة أخرى ، فبالتبع ) ) . ثم ~~ساق الأدلة على ذلك ، ومنها : أن الشرع إنما جاء بالتعبد ، وهو المقصود من ~~بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وجود الكلام في ذلك على عادته رحمه ~~الله . ثم قال في المقدمة الثامنة : ( ( العلم الذي هو العلم ، المعتبر ~~شرعا أعنى الذي مدح الله ورسوله أهله على الإطلاق ، هو العلم الباعث على ~~العمل الذي لا يخلي صاحبه جاريا مع هواه كيفما كان ، بل هو المقيد لصاحبه ~~بمقتضاه ، الحامل له على قوانينه ، طوعا أو كرها . ومعنى هذه الجملة : أن ~~أصل العلم في طلبه وتحصيله على ثلاثة مراتب : # المرتبة الأولى : الطالبون له ولما يحصلوا على كماله بعد ، وإنما هم في ~~طلبه في رتبه التقليد ، فهؤلاء إذا دخلوا في العمل به فبمقتضى الحمل ~~التكليفي ، والحث الترغيبي والترهيبي وعلى مقدار شدة التصديق ، يخف ثقل ~~التكليف ، فلا يكتفي العلم ها هنا بالحمل دون أمر آخر خارج مقوله من زجر أو ~~قصاص أو حد أو تعزير ، أو ما جرى هذا المجرى . ولا احتياج ها هنا إلى إقامة ~~برهان على ذلك ، إذ التجربة الجارية في الخلق ، قد أعطت هذه المرتبة برهانا ~~لا يحتمل النقيض بوجه # والمرتبة الثانية : الواقفون منه على براهينه ، ارتفاعا عن حضيض التقليد ~~المجرد ، واستبصارا فيه ، حسبما أعطاه شاهد النقل الذي يصدقه العقل تصديقا ~~يطمئن إليه ، ويعتمد عليه ، إلا أنه بعد منسوب إلى ms313 العقل لا إلى النفس ، ~~بمعنى أنه لم يصر كالوصف الثابت للإنسان ، PageV01P393 وإنما هو كالأشياء ~~المكتسبة ، والعلوم المحفوظة التي يتحكم عليها العقل ، ويعتمد في استجلابها ~~حتى تصير من جملة مودعاته . فهؤلاء إذا دخلوا في العمل ، خف عليهم خفة أخرى ~~زائدة على مجرد التصديق في المرتبة الأولى ، بل لا نسبة بينهما ، إذ هؤلاء ~~يأبي لهم البرهان المصدق أن يكذبوا ، ومن جملة التكذيب الخفي العمل على ~~مخالفة العلم الحاصل لهم ، ولكنهم حين لم يصر لهم كالوصف ، ربما كانت ~~أوصافهم الثابته من الهوى والشهوة الباعثة الغالبة أقوى الباعثين ، فلا بد ~~من الافتقار إلى أمر زائد من خارج ، غير أنه يتسع في حقهم فلا يقتصر فيه ~~على مجرد الحدود والتعزيرات ، بل ثم أمور أخرى ، كمحاسن العادات ، ومطالبة ~~المراتب التي بلغوها بما يليق بها ، وأشباه ذلك . وهذه المرتبة أيضا يقوم ~~البرهان عليها من التجربة ، إلا أنها أخفي مما قبلها ، فيحتاج إلى فضل نظر ~~موكول إلى ذوي النباهة في العلوم الشرعية والأخذ في الإنصافات السلوكية . # والمرتبة الثالثة : الذين صار لهم العلم وصفا من الأوصاف الثابتة ، ~~بمثابة الأمور البديهية في المعقولات الأولى ، أو تقاربها ، ولا ينظر إلى ~~طريق حصولها ، فإن ذلك لا يحتاج إليه ، فهؤلاء لا يخليهم العلم وأهواءهم ~~إذا تبين لهم الحق ، بل يرجعون إليه رجوعهم إلى دواعيهم البشرية وأوصافهم ~~الخلقية . وهذه المرتبة هي المترجم لها ، والدليل على صحتها من الشريعة ~~كثير كقوله تعالى : ( ^ أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ~~ويرجو رحمة ربه ؟ ) ) ثم قال ( ^ قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا ~~يعلمون ؟ ) ) الآية . فنسب هذه المحاسن إلى أولي العلم من أجل العلم ، لا ~~من أجل غيره . وقال تعالى ( ^ الله نزل أحسن الحديث ، كتابا متشابها مثاني ~~تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ) ) والذين يخشون ربهم هم العلماء لقوله : ~~( ^ إنما يخشى الله من عبادة العلماء ) ) وقال تعالى : ( ^ وإذا سمعوا ما ~~أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق ) ) الآية . ~~ولما كان السحرة قد بلغوا في علم السحر مبلغ PageV01P394 الرسوخ فيه ، وهو ms314 ~~معنى هذه المرتبة ، بادروا إلى الانقياد والإيمان ، حين عرفوا من علمهم أن ~~ما جاء به موسى عليه السلام حق ليس بالسحر ولا الشعوذة ، ولم يمنعهم من ذلك ~~التخويف ولا التعذيب الذي توعدهم به فرعون . وقال تعالى : ( ^ وتلك الأمثال ~~نضربها للناس ، وما يعقلها إلا العالمون ) ) فحصر تعقلها في العالمين . وهو ~~قصد الشارع من ضرب الأمثال . وقال : ( ^ أفمن يعلم أن ما أنزل إليك من ربك ~~الحق كمن هو أعمى ؟ ) ) ثم وصف أهل العلم بقوله : ( ^ الذين يوفون بعهد ~~الله ) إلى آخر الأوصاف ، وحاصلها يرجع إلى أن العلماء هن العاملون . وقال ~~في أهل الإيمان - والإيمان من فوائد العلم - : ( ^ إنما المؤمنون الذين إذا ~~ذكر الله وجلت قلوبهم ) ) إلى أن قال : ( ( أولئك هم المؤمنون حقا ) ) . ~~ومن هذا قرن العلماء في العمل بمقتضى العلم بالملائكة الذين ( ^ لا يعصون ~~الله ما أمرهم ، ويفعلون ما يؤمرون ) فقال تعالى : ( ^ شهد الله أنه لا إله ~~إلا هو ، والملائكة ، وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو ) ) . فشهادة ~~الله تعالى وفق علمه ظاهرة التوافق ، إذ التخالف محال ، وشهادة الملائكة ~~على وفق ما علموا صحيحة لأنهم محفوظون من المعاصي ، وأولو العلم أيضا ، ~~كذلك من حيث حفظوا بالعلم . وقد كان الصحابة رضي الله عنهم إذا نزلت عليهم ~~آية فيها تخويف ، أحزنهم ذلك ، وأقلقهم ، حتى يسألوا النبي ، كنزول آية ~~البقرة : ( ^ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ) الآية . وقوله : ( ^ الذين ~~آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ) الآية . وإنما القلق والخوف من آثار العلم ~~بالمنزل . والأدلة أكثر من إحصائها هنا ، وجميعها يدل على أن العلم المعتبر ~~هو الملجئ إلى العمل به . فإن قيل : هذا غير ظاهر من وجهين : # أحدهما : أن الرسوخ في العلم ، إما أن يكون صاحبه محفوظا به من المخالفة ~~أو لا ؛ فإن لم يكن كذلك ، فقد استوى أهل هذه المرتبة مع من قبلهم . ومعناه ~~أن العلم بمجرده PageV01P395 غير كاف في العمل بهن ولا ملجئ إليه ؛ وإن كان ~~محفوظا به من المخالفة لزم أن لا يعصي العالم إذا كان من الراسخين فيه ، ~~لكن العلماء تقع منهم ms315 المعاصي ما عدا الأنبياء عليه السلام . ويشهد لهذا في ~~أعلى الأمور قوله تعالى في الكفار : ( ^ وجحدوا بها ، وأستيقنتها أنفسهم ~~ظلما ، وعلوا ) ) . وقال : ( ^ الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ~~أبناءهم ، وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون ) ) . وقال : ( ^ وكيف ~~يحكمونك ، وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك ؟ ) وقال : ( ~~^ ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق 1 ) ثم قال : ( ^ ولبئس ~~ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون ) وسائر ما في هذا المعنى ، فأثبت لهم ~~المعاصي والمخالفات مع العلم . فلو كان العلم صادا عن ذلك لم يقع . # والثاني : ما جاء في ذم العلماء السوء ، وهو كثير ، ومن أشد ما فيه قوله ~~عليه السلام : ( إن أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه ~~) ) وفي القرآن : ( ^ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ؟ وأنتم تتلون ~~الكتاب ؟ 1 ) وقال : ( ^ إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى ) ~~الآية . وقال : ( ^ إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ، ويشترون به ~~ثمنا قليلا ) الآية . وحديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم ~~القيامة ، والأدلة فيه كثيرة ، وهو ظاهر في أن أهل العلم غير معصومين بعلهم ~~، ولا هو ما يمنعهم عن إتيان الذنوب ، فكيف يقال : إن العلم مانع من ~~العصيان ؟ فالجواب عن الأول . أن الرسوخ في العلم يأبي للعالم أن يخالفه ، ~~بالأدلة المتقدمة ، وبدليل التجربة العادية ، لأن ما صار كالوصف الثابت لا ~~يصرف صاحبه إلا على وفقه اعتيادا ، فإن تخلف ، فعلى أحد ثلاثة أوجه : ~~PageV01P396 # الأول : - مجرد العناد ، فقد يخالف فيه مقتضى الطبع الحبلي ، فغيره أولي ~~؛ وعلى ذلك دل قوله تعالى : ( ^ وجحدوا بها . . . ) الآية وقوله تعالى : ( ~~^ ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند ~~أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق ) وأسباه ذلك . والغالب على هذا الوجه أن ~~لا يقع إلا لغلبة هوى من حب دنيا أوجاه أو غيره ذلك ، بحيث يكون وصف الهوى ~~قد غمر القلب ، حتى لا يعرف معروفا ، ولا ينكر منكرا . # الثاني : _ ms316 الفلتات الناشئة عن الغفلات التي لا ينجو منها البشر ، فقد ~~يصير العالم بدخوله الغفلة غير عالم ، وعليه يدل عند جماعة قوله تعالى : ( ~~^ إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة فيم يتوبون من قريب . . ~~. ) الآية . وقال تعالى : ( إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان ~~تذكرون فإذا هم مبصرون ) ومثل هذا الوجه لا يعترض على أصل المسألة ، كما لا ~~يعترض نحوه على سائر الأوصاف الجبلية ؛ فقد لا تبصر العين ، ولا تسمع الأذن ~~، لغلبة فكر أو غفلة أو غيرهما ، فترتفع في الحال منفعة العين والأذن ، حتى ~~يصلب ، ومع ذلك لا يقال إنه غير مجبول على السمع والإبصار ، فما نحن فيه ~~كذلك . # الثالث : - كونه ليس من أهل هذه المرتبة ، فلم يصر العلم له وصفا أو ~~كالوصف ، مع عده من أهلها ، وهذا يرجع إلى غلط في اعتقاد العالم في نفسه ، ~~أو اعتقاد غيره فيه ، ويدل عليه قوله تعالى : ( ^ ومن أضل ممن اتبع هواه ~~بغير هدي من الله ) . وفي الحديث : ( ( إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ~~ينتزعه من الناس ) ) إلى أن قال : ( ( اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا ~~فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ) ) وقوله : ( ( ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ~~فرفة ، أشدها فتنة على أمتي الذين يقيسون الأمور بآرائهم ) ) الحديث . ~~PageV01P397 فهؤلاء وقعوا في المخالفة بسبب ظن الجهل علما ، فليسوا من ~~الراسخين في العلم ، ولا ممن صار لهم كالوصف ، وعند ذلك لا حفظ لهم في ~~العلم ، فلا اعتراض بهم ، فأما من خلا عن هذه الأوجه الثلاثة ، فهو الداخل ~~تحت حفظ العلم ، حسبما نصته الأدلة ، وفي هذا المعني من كلام السلف كثير . ~~وقد روى عن النبي أنه قال : ( ( إن لكل شيء إقبالا وإدبارا ، وإن لهذا ~~الدين إقبالا وإدبارا ، وإن من إقبال هذا الدين ما بعثني الله به ، حتى إن ~~القبيلة للتفقه من عند أسرها ، أو قال آخرها ، حتى لا يكون فيها إلا الفاسق ~~أو الفاسقان ، فهما مقموعان ذليلان ، إن تكلما أو نطقا قمعا وقهرا واضطهدا ~~. . . ) ) الحديث . وفي الحديث : ( ( سيأتي على أمتي زمان ، يكثر القراء ، ~~ويق الفقهاء ويقبض العلم ms317 ، ويكثر الهرج . . . ) ) إلى أن قال : ( ( ثم يأتي ~~من بعد ذلك زمان ، يقرأ القرآن رجال من أمتي ، لا يجاوز تراقيهم ، ثم يأتي ~~من بعد ذلك زمان يجادل المنافق المشرك يمثل ما يقوله . ) ) وعن على : ( ( ~~يا حملة العلم ، اعملوا به ، فإن العالم من علم ثم عمل ، ووافق عليه عمله ، ~~وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم ، تخالف سريرتهم علانيتهم ~~ويخالف علمهم عملهم ، يقعدون حلقا يباهي بعضهم بعضا ، حتى إن الرجل ليغضب ~~على جليسه أن يجلس إلى غيره ، ويدعه أولئك ، لا تصعد أعمالهم تلك إلى الله ~~عز وجل . ) ) وعن ابن مسعود : ( ( كونوا للعلم وعاة ، ولا تكونا له رواة ، ~~فإنه قد يوعي ولا يروي ، وقد يروي ولا يوعي . ) ) وعن أبي الدرداء : ( ( لا ~~تكون تقيا حتى تكون عالما ، ولا تكون بالعلم جميلا ، حتى تكون به عاملا . ) ~~) وعن الحسن : ( ( العالم الذي وافق علمه عمله ، ومن خالف علمه عمله ، فذلك ~~راوية حديث سمع شيئا فقاله ) ) . وقال الثوري : ( ( العلماء إذا علموا ~~عملوا ، فإذا عملوا ، شغلوا ، فإذا شغلوا ، فقدوا ، فإذا فقدوا ، طلبوا ، ~~فإذا طلبوا هربوا . ) ) وعن الحسن قال : ( ( الذي يفوق الناس في العلم ، ~~جدير أن يفوقهم في العمل . ) ) وعنه في قول الله تعالى : ( ^ وعلمتم ما لم ~~تعلموا أنتم ولا آباؤكم ) قال : علمتم فعلتم ، ولم تعملوا فوالله ما ذلكم ~~بعلم ! وقال الثوري : ( ( العلم يهتف بالعمل ، فإن أجابه وإلا ارتحل . ) ) ~~وهذا تفسير معنى كون العلم ، هو الذي يلجئ إلى العمل . وقال الشعبي ~~PageV01P398 ( ( كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به ) ) ومثله عن وكيع بن ~~الجراح ، وعن ابن مسعود ( ( ليس العلم عن كثرة الحديث ، إنما العلم خشية ~~الله ) ) والآثار في هذا النحو كثيرة . وبما ذكر يتبين الجواب عن الإشكال ~~الثاني ، فإن علماء السوء هم الذين لا يعملون بما يعلمون ، وإذا لم يكونوا ~~كذلك ، فليسوا في الحقيقة من الراسخين في العلم ، وإنما هم رواة ، والفقه ~~فيما رووا أمر آخر . أو ممن غلب عليهم هوي غطى على القلوب والعياذ بالله ~~على أن المثابرة على طلب والتفقه فيه ، وعدم اجتزاء باليسير منه ، يجر إلى ~~العمل به ms318 ويلجئ إليه ، كما تقدم بيانه ، هو معنى قول الحسن : ( ( كنا نطلب ~~العلم للدنيا ، فجرنا إلى الآخره . ) ) وعن معمر أنه قال : ( ( كان يقال : ~~من طلب العلم لغير الله ، يأبي عليه العلم حتى يصيره إلى الله . ) ) وعن ~~حبيب بن أبي ثابت : ( ( طلبنا هذا الأمر ، وليس لنا فيه نية ، ثم جاءت ~~النية بعد . ) ) وعن الثوري قال : ( ( كنا نطلب العلم للدنيا فجرنا إلى إلى ~~الآخره . ) ) وهو معنى قوله في كلام آخر : ( ( كنت أغبط الرجل يجتمع حوله ؛ ~~ويكتب عنه ، فلما ابتليت به ، وددت أني نجوت منه كفافا لا على ولا لي ) ) ~~وعن أبي الوليد الطيالسي قال : ( ( سمعت ابن عيننة منذ أكثر من ستين سنة ~~يقول : طلبنا هذا الحديث لغير الله ، فأعقبنا الله ما ترون ) ) وقال الحسن ~~: ( ( لقد طلب أقوام العلم ، ما أرادوا به الله ، وما عنده . فما زال بهم ~~حتى أرادوا به الله وما عنده ) ) . فهذا أيضا مما يدل على صحة ما تقدم ) ) ~~. # ثم قال الشاطبي بعد ذلك : ( ( ويتصدى النظر هنا في تحقيق هذه المرتبة وما ~~هي ، والقول في ذلك على الاختصار أنها أمر باطن ، وهو الذي عبر عنه بالخشية ~~في حديث ابن مسعود ، وهو راجع إلى معنى الآية . وعنه عبر في الحديث ، في ~~أول ما يرفع من العلم الخشوع وقال مالك : ( ( ليس العلم بكثرة الرواية ، ~~ولكنه نور يجعله الله في القلوب ) ) . وقال أيضا : ( ( الحكمة والعلم نور ~~يهدي به الله من يشاء ، وليس بكثرة المسائل ، ولكن عليه علامة ظاهرة ، وهو ~~التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود . وذلك عبارة عن العمل ~~بالعلم من غير مخالفة وبالله التوفيق ) ) . انتهى . PageV01P399 # وقال الحافظ السخاوي في فتح المغيث ، تحت قول العرافي : ( ( واعمل بما ~~تسمع في الفضائل ) ) ما صورته : ( ( لحديث مرسل ، قال رجل : يا رسول الله ~~ما ينفي عني حجة العلم ؟ قال : العمل . ولقول مالك بن مغول في قوله تعالى : ~~( ^ فنبذوه وراء ظهورهم ) قال : تركوا العمل به . ولقول إبراهيم الحربي : ~~إنه ينبغي للرجل إذا سمع شيئا في آداب النبي أن يتمسك به ، ولأن ذلك سبب ~~ثبوته وحفظه ونموه والاحتياج ms319 فيه إليه . ويروي أنه : قال : ( ( من عمل بما ~~علم أورثه الله علم ما لم يعلم ) ) . وعن أبي الدرداء قال : من عمل بعشر ما ~~يعلم ، علمه الله ما يجهل . وعن ابن مسعود أنه قال : ما عمل أحد بما علمه ~~الله إلا احتاج الناس إلى ما عنده ) ) . # وقال النووي في الأذكار : ينبغي لما بلغه شيء من فضائل الأعمال أن يعمل ~~به ولو مرة ليكون من أهله ، ولا ينبغي أن يتركه مطلقا بل يأتي بما تيسر منه ~~، لقوله : ( ( إذا أمرتكم بشيء فافعلوا منه ما استطعتم ) ) . # قالت : ويروي في الترغيب في ذلك عن جابر مرفوع لفظه : ( ( من بلغه عن ~~الله عز وجل شيء فيه فضيلة ، فأخذ به إيمانا به ، ورجاء ثوابه ، أعطاه الله ~~ذلك وإن لم يكن كذلك ) ) : وله شاهد : قال أبو عبد الله محمد بن خفيف : ما ~~سمعت شيئا من سنن رسول الله إلا واستعملته ، حتى الصلاة على أطراف الأصابع ~~، وهي صعبة ) ) . وقال الإمام أحمد : ( ( ما كتبت حديثا إلا وقد عملت به ~~حتى بي في الحديث أن النبي احتجم وأعطي أبا طيبة دينارا فأعطيت الحجام ~~دينارا حين أحتجمت . ويقال : ( ( اسم أبي طيبة دينار ) ) . وحكاه ابن عبد ~~البر ، ولا يصح . وعن أبي عصمة عاصم بن عصام البيهقي قال : بت ليلة عند ~~أحمد ، فجاء بالماء ، فوضعه ، فلما أصبح نظر إلى الماء ، فإذا هو كما كان ، ~~فقال : سبحان الله ! رجل يطلب العلم لا يكون له ورد بالليل ! وقال أحمد في ~~قصة : صاحب الحديث عندنا من يستعمل الحديث . وعن الثوري قال : ( ( إن ~~استطعت أن لا تحك رأسك إلا بأثر فافعل ) ) PageV01P400 وصلي رجل ممن يكتب ~~الحديث بجنب ابن مهدي ، فلم يرفع يديه ، فلما سلم قال له : ألم تكتب عن ابن ~~عيينة حديد الزهري عن سالم عن أبيه أن النبي كان يرفع يديه في كل تكبيرة ؟ ~~قال : نعم ! قال : فماذا تقول لربك إذا لقيك في تركك لهذا ، وعدم استعماله ~~؟ وعن أبي جعفر أحمد بن حمدان بن علي النيسابوري قال : كنت في مجلس أبي عبد ~~الله المروزي ، فلما حضرت الظهر ms320 وأذن أبو عبد الله ، خرجت من المسجد فقال : ~~إلى أين يا أبا جعفر ؟ قلت : أتظهر للصلاة ؛ قال : كان ظبي بك غير هذا ! ~~يدخل عليك وقت الصلاة وأنت إلى غير طهارة ؟ وعن أبي عمرو محمد بن حمدان قال ~~: صلى بنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل بمسجده ، وعليه إزار ورداء ، فقلت ~~لأبي : يا أبتا هو محرم ؟ فقال : لا ، ولكنه يسمع مني المستخرج الذي خرجته ~~على مسلم ، فإذا مرت به سنة لم يكن استعملها فيما مضى ، أحب أن يستعملها في ~~يومه وليلته ، وأنه سمع من جملة ما قرئ على أن النبي صلى في إزار ورداء ~~فأحب أن يستعمل هذه السنة قبل أن يصبح . وعن بشر بن الحارث أنه قال : يا ~~أصحاب الحديث أتؤدون زكاة الحديث 4 ؟ فقيل له : يا أبا نصر ! وللحديث زكاة ~~؟ قال : نعم ! إذا سمعتم الحديث ، فما كان فيه من عمل أو صلاة أو تسبيح ~~استعملتموه . وفي لفظ عنه ، رويناه بعلو في جزء للحسن بن عبد الملك أنه لما ~~قيل له : كيف تؤدي زكاته قال : أعملوا من كل مئتي حديث بخمسة أحاديث . ~~وروينا عن أبي قلابة قال : إذا أحدث اله لك علما ، فأحدث له عبادة ، ولكن ~~إنما همك أن تحدث به الناس . وعن الحسن البصري قال : كان الرجل يطلب العلم ~~فلا يلبث أن يرى ذلك في تخشعه وهديه ولسانه وبصره ويده . PageV01P401 # 2 - المقصد الثاني # فيما روى في مدح رواية الحديث ورواته من بدائع المنظومات # قال الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر الدمشقي المؤرخ ~~الشهير : # ( واظب على جمع الحديث وكتبه % واجهد على تصحيحه في كتبه ) # ( واسمعه من أربابه نقلا كما سمعوه من % سمعوه من أشياخهم تسعد به ) # ( واعرف ثقات رواته من غيرهم % كيما تميز صدقه من كذبه ) # ( فهو المفسر لكتاب وإنما % نطق النبي لنا به عن ربه ) # ( وتفهم الأخبار تعرف حله % من حرمه مع فرضه من ندبه ) # ( وهو المبين للعباد بشرحه % سير النبي المصطفى مع صحبة ) # ( وتتبع العالي الصحيح فإنه % قرب إلى الرحمن تحظ بقربه ) # ( وتجنب التصحيف ms321 فيه فربما % أدى إلى تحريفه بل قلبه ) # ( واترك مقالة من لحاك بجهله % عن كتبه أو بدعة في قلبه ) # ( فكفي المحدث رفعة أن يرتضي % ويعد من أهل الحديث وحزبه ) وقال رحمه ~~الله تعالى : # ( لقول الشيخ : ( ( أنبأني فلان ، % وكان من الأئمة عن فلان ) # ( إلى أن ينتهي الإسناد ، أحلي % لقلبي من محادثة الحسان ) # ( ومشتمل على صوت فصيح % ألذ إلي من صوت القيان ) # ( وتزييني الطروس بنقش نقس % أحب إلى من نقش الغوالي ) # ( وتخريج الفوائد والأمالي % وتسطير الغرائب والحسان ) # ( وتصحيحح العوالي من العوالي % بنيسابور أو في أصفهان ) # ( أحب إلى من أخبار ليلي % وقيس بن الملوح والأغاني ) # ( فإن كتابة الأخبار ترقي % بصاحبها إلى غرف الجنان ) PageV01P402 # ( وحفظ حديث خير الخلق مما % ينال به الرضا بعد الأمان ) # ( فأجر العلم ينمو كل حين % وذكر المرء يبقي وهو فاني ) وقال الحافظ ~~البرقاني رحمه الله تعالى : # ( أعلل نفسي بكتب الحديث % وأجمل فيه لها موعدا ) # ( وأشتمل نفسي بتصنيفه % وتخريجه أبدا سرمدا ) # ( فطورا أصنفة في الشيوخ % وطورا أصنفه مسندا ) # ( وأقفو البخاري فيما نحا % وصنفه جاهدا مجهدا ) # ( ومسلما إذ كان زين الأنام % بتصنيفه مسلما مرشدا ) # ( ومالي فيه سوى أنني % أراه هوى وافق المقصدا ) # ( وأرجو الثواب بكتب الصلاة % على السيد المصطفي أحمدا ) # ( وأسأل ربي إله العباد % جربا على ماله عودا ) وقال الحميدي صاحب ( ( ~~الجمع بين الصحيحين ) ) من قصيدة وافرة : # ( ولو رواه الدين ضاعت وأصبحت % معالمه في الآخرين تبيد ) # ( همو حفظو الآثار من كل شبهة % وغيرهمو عما افتنوه رقود ) # ( وهم هاجروا في جمعها وتبادروا % إلى كل أفق والمرام كؤود ) # ( وقاموا بتعديل الرواة وجرحهم % قيام صحيح النقل وهو حديد ) # ( بتبليغهم صحت شرائع ديننا % حدود تحروا حفظها وعهود ) # ( وصح لأهل النقل منها احتجاحهم % فلم يبق إلا عاند وحقود ) ومما ينسب ~~للإمام الشافعي رضي الله عنه : # ( كل العلوم سوى القرآن مشغلة % إلا الحديث وإلا الفقه في الدين ) # ( العلم ما كان فيه ( ( قال حدثنا % وما سواه فوسواس الشياطين ) ~~PageV01P403 وأنشد أبو الظهير رحمه الله تعالى : # ( إذا رمت أن تتوخى الهدى % وأن تأتي الحق من بابه ) # ( فدع كل قول ومن قاله % لقول ms322 النبي وأصحابه ) # ( فلم تتج من محدثات الأمور % بغير الحديث وأربابه ) وقال الإمام شمس ~~الدين ابن القيم الدمشقي في الكافية الشافية : # ( يا من يريد نجاته يوم الحساب % من الجحيم وموقد النيران ) # ( ابتع رسول الله في الأقوال % والأعمال لا تخرج عن القرآن ) # ( وخذ الصحيحين اللذين همالعة % الدين والإيمان واسطتان ) # ( واقرأهما بعد التجرد من هوى % وتعصب وحمية الشيطان ) # ( واجعلهما حكما ولا تحكم على % ما فيهما أصلا بقول فلان ) # ( واجعل مقالته كبعض مقالة ال % أشباح تنصرها بكل أوان ) # ( وانصر مقالته كنصرك للذي % قلدته من غير ما برهان ) # ( قد رسول الله عندك وحده % والقول منه إليك ذو تبيان ) # ( ماذا ترى فرضا عليك معنيا % إن كنتا ذا عق ذو إيمان ) ؟ # ( عرض الذي قالوا على أقواله % أو عكس ذاك ؟ فذانك الأمران # ( هي مفرق الطرقات بين طريقنا % وطريق أهل الزيغ والعدوان ) # ( قدر مقالات العباد جميعهم % عدما وراجع مطلع الإيمان ) # ( واجعل جلوسك بين صحب محمد % وتلق معهم عنه بالإحسان ) # ( وتلق عنهم ما تلقوه همو % عنه من الإيمان والعرفان ) # ( أفليس في هذا بلاغ مسافر % يبغي الإله وجنة الحيوان ) # ( لولا التنافس بين هذا الخلق ما % كان التفرق قط في الحسبان ) # ( فالرب رب واحد وكتابه % حق وفهم الحق منه دان ) PageV01P404 # ( ورسوله قد أوضح الحق المبين % بغاية الإيضاح والتبيان ) # ( ما ثم أوضح من عبارته فلا % يحتاج سامعها إلى تبيان ) # ( والنصح منه فوق كل نصيحة % والعلم مأخوذ عن الرحمن ) # ( فلأي شي يعدل الباغي الهدى % عن قوله لولا عمي الخذلان ) # ( فالنقل عنه مصدق والقول من % ذي عصمة ما عندنا قولان ) # ( والعكس عند سواه في الأمرين يا % من يهتدي هل يستوى النقلان ) # ( تالله قد رح الصياح لمن له % عينان نحو الفجر ناظرتان ) # ( وأخو العماية في عمايته يقول % الليل بعد أيستوى الرجلان ) # ( تالله قد رفعت له الأعلام إن % كنت المشمر نلت دار أمان ) وقال الحافظ ~~ابن عبد البر . # ( مقالة ذي نصح وذات فوائد % إذا من ذوي الألباب ) # ( عليكم بآثار النبي فإنها % من أفضل أعمال الرجال اتباعها ) وقال الحافظ ~~ابن حجر رحمه الله تعالى : # ( هينئا لأصحاب خير الوري ms323 % وطوبي لأصحاب أخباره ) # ( أولئك فازوا بتذكره % ونحن سعدنا بتذكاره ) # ( وهم سبقونا إلى نصره % وها نحن أتباع أنصاره ) # ( ولما حرمنا لقا عينه % عكفنا على حفظ آثاره ) # ( عسى الله يجمعنا كلنا % برحمة معه في داره ) وقوله : ( ( ولما حرمنا . ~~. . الخ ) ) أخذه من قول ابن خطيب داريا : # ( لم اسع في طلب الحديث لسمعه % أو لاجتماع قديمة وحديثه ) # ( لكن إذا فات المحب لقاء من % يهوي تعلل باستماع حديثه ) PageV01P405 ~~وقال العلامة السيد محمد بن إسماعيل الأمير اليماني قدس الله سره : # ( سلام على أهل الحديث فإنني % نشأت على حب الأحاديث من مهدي ) # ( همو بذلوا في حفظ سنة أحمد % وتنقيحها من جهدهم غاية الجهد ) # ( وأعني بهم أسلاف سنة أحمد % أولئك في بيت القصيد همو قصدي ) # ( أولئك أمثال البخاري ومسلم % وأحمد أهل الجد في العلم والجد ) # ( رووا وارتووا من بحر علم محمد % وليس لهم تلك المذاهب من ورد ) # ( كفاهم كتاب الله والسنة التي % كفت قبلهم صحب الرسول ذوي المجد ) ولها ~~تتمة سابغة الذيل ، صاح فيها على المتعصب بالويل ! وقال بعض الفضلاء وأجاد ~~: # ( علم الحديث أجل السؤل والوطر % فاقطع به العيش تعرف لذة العمر ) # ( وانقل رحالك عن مغناك مرتحلا % لكي تفوز بنقل العلم والأثر ) # ( ولا تق عاقني شغل فليس يري % في الترك للعلم عن عذر لمعتذر ) # ( وأي شغل كمثل العلم تطلبه % ونقل ما قد رووا عن سيد البشر ؟ # ( ألهي عن العلم أقواما تطلبهم % لذات دنيا غدوا منها على غرر ) # ( وخلفوا ما له حظ ومكرمة % إلى التي هي دأب الهون والخطر ) # ( وأي فخر بدنياه لمن هدمت % معايب الجهل منه كل مفتخر ؟ ) # ( لا تفخرن بدنيا لا بقاء لها 1 % وبالعفاف وكسب العلم فافتخر ) # ( يفني الرجال ويبقي علمهم لهم % ذكرا يجدد في الآصال والبكر ) # ( ويذهب الموت بالدنيا وصاحبها % وليس يبقي له في الناس من أثر ) # ( تظن أنك بالدنيا أخو كبر % وأنت بالجهل قد أصبحت ذا صغر ) # ( ليس الكبير عظيم القدر غير فتي % ما زال بالعلم مشغولا مدى العمر ) # ( قد زاحمت ركبتاه كل ذي شرف % في العلم والحلم لافي الفخر والبطر ) ~~PageV01P406 # ( فجالس العلماء المقتدي ms324 بهم % تستجلب النفع أو تأمن من الضرر ) # ( هم سادة الناس حقا والجلوس لهم % زيادة هكذا قد جاء في الخبر ) # ( والمرء يحسب من قوم يصاحبهم % فاركن إلى كل صافي العرض عن كدر ) # ( فمن يجالس كريما نال مكرمة % ولم يشن عرضه شيء من الغير ) # ( كصاحب العطر إن لم تستفد هبة % من عطره لم تخب من ريحه العطر ) # ( ومن يجالس ردئ الطبع يرد به % وناله دنس من عرضه الكدر ) # ( كصاحب الكير إن يسلم مجالسه % من نتنه لم يوق الحرق بالشرر ) # ( وكل من ليس ينهاه الحياء ولا % تقوي فخف كل قبح منه وانتظر ) # ( والناس أخلاقهم شتي وأنفسهم % منهم بصير ومنهم مخطئ النظر ) # ( وأصوب الناس رأيا من تصرفه % فيما به شرف الألباب والفكر ) # ( واركن إلى كل من في وده شرف % من نابه القدر بين الناس مشتهر ) # ( فالمرء يشرف بالأخبار يصحبهم % وإن يكن قبل شيئا غير معتبر ) # ( إن العقيق ليسمو عند ناظره % إذا بدا وهو منظوم مع الدرر ) # ( والمرء يخبث بالأشرار يألفهم % ولو غدا حسن الأخلاق والسير ) # ( فالماء صفو طهور في أصالته % حتى يجاوره شيء من الكدر ) # ( فكن بصحب رسول الله مقتديا % فإنهم للهدى كالأنجم الزهر ) # ( وإن عجزت عن الحد الذي سلكوا % فكن عن الحب فيهم غير مقتصر ) # ( والحق بقوم إذا لاحت وجوهم % رأيتها من سنا التوفيق كالقمر ) # ( أضحوا من السنة العليا في سنن % سهل وقاموا بحفظ الدين والأثر ) # ( أجل شيء لديهم ( ( قال أخبرنا % عن الرسول ) ) بما قدر صح من خبر ) # ( هذي المكارم لا قعبان من لبن % ولا التمتع باللذات والأشر ) # ( لا شيء أحسن من ( ( قال الرسول ) ) وما % أجل من سند عن كل مشهر ) ~~PageV01P407 # ( ومجلس بين أهل العلم جادبما % حلا من الدر أو حلي من الدرر ) # ( يوم يمر ولم أرو الحديث به % فلست أحسب ذاك اليوم من عمر ) # ( فإن في درس أخبار الرسول لنا % تمتعا في رياض الجنة الخضر ) # ( تعللا إذا عدمنا طيب رؤيته % من فاته العين هد الشوق بالأثر ) # ( كأنه بين ظهرينا نشاهده % في مجلس الدرس بالآصال والبكر ) # ( زين النبوة عين الرسل خاتمهم % بعثا وأولهم ms325 في سابق القدر ) # ( صلى عليه إله العرش ثم على % أشباعه ما جرى طل على زهر ) # ( مع السلام دواما والرضا أبدا % عن صحبه الأكرمين الأنجم الزهر ) # ( وعن عبيدك نحن المذنبين فجد % بالأمن من كل ما نخساه من ضرر ) # ( وتب على الكل منا واعطنا كرما % دنيا وأخرى جميع السؤل والوطر ) * * * # سبحانه ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب ~~العالمين . * * * # جاء في آخر نسخة المؤلف قدس سره # يقول جامعه : # كانت البداءة في تصنيفه في إحدى الجماديين عام ( 1320 ) . ولما تم ترتيبه ~~شرعت في تبييضه ليلة العشر الأخير من رمضان من العام المذكور ، في السدة ~~اليمني العلياء من حرم جامع السنانية في دمشق الفيحاء ، ثم صحبته في رحلتي ~~القدسية في أواخر المحرم ، وبيضت جانبا كبيرا من آخره في عمان البلقاء ، ~~أيام مسيري إلى القدس منها وإقامتي بها عشرة أيام من أوائل صفر ، إلى أن ~~كملت نسخا وتبييضا بعونه تعالى صباح الخميس ، لخمس بقين من صفر المذكور عام ~~( 1321 ) في المسجد الأقصى ، داخل حرمه الشريف ، أيام إقامتي في حجرته ~~PageV01P408 القبلية . والحمد لله أولا وآخرا ، وظاهرا وباطنا . قاله بفمه ~~، ورقمه بقلمه ، العبد الذليل الضعيف ، أفقر الوري لرحمه مولاه ، محمد جمال ~~الدين بن محمد سعيد بن قاسم بن صالح بن إسماعيل ابن بكر القاسمي الدمشقي ، ~~غفر الله له ولوالديه ، ولأسلافه وأشياخه وأولاده ومجيه ، ولجميع المؤمنين ~~، والحمد لله رب العالمين . # ثم جاء تحت هذه العبارة بالحبر الأحمر بحمد تعالى تم مقابلة على أصلي ، ~~وكتبه مؤلفه جمال الدين في 19 ذي الحجة 1324 أن PageV01P409 ms326