######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0009993 #META# 000.BookURI :: AFTER1900 #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي (المتوفى: 1332هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1332 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: علوم الحديث #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0009993 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-9993 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/9993 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية -بيروت-لبنان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | خطبة الكتاب # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي أنزل أحسن الحديث، وأودع درر بيانه في محكم الحديث، وألهم ~~حملته العدول، وحفظته الفحول، إيضاح مصطلحه وقواعده، ليدنوا اجتناء ثمرات ~~فوائده فإنه لسماء المعارف الشمس البازغة، وللهداية إلى طريق الحق الحجة ~~الدامغة، أحمده حمد من أعمل بالحمد لسانه، وشغل بالشكر أركانه وجنانه، ~~وأشكره شكر معترف بامتنانه، مغترف من بحر بره وإحسانه وأصلي وأسلم على من ~~أوتي جوامع الكلم، وخص ببدائع الحكم، سيدنا محمد أفضل من كحلت به الرسالة ~~أجفانها، ونظمت به النبوة جمانها، وعلى آله الفائزين بتلقي إرساله، واتباع ~~أقواله وأفعاله، وعلى أصحابه الذين دأبوا في المآثر الصالحة، ونصبوا على ~~تعاطي التجارت الرابحة، وعلى السادة الأتباع، الذين اقتفوا مسالك الأتباع، ~~وجانبوا محدثات الابتداع، وعلى من تبعهم بإحسان، وتأسى بهم في حفظ الهدي ~~النبوي المصون، ما أرسل راو الإسناد وعنعنه، وصحح متنه وحسنه. # أما بعد. فإن من سعادة الأمة أن يكون لديها من العلماء طائفة مهتمة، يختص ~~عملها بتنوير عقولهم بالمعارف الحقة، وتحليتها بالعلوم الصافية بكمال ~~الدقة، لا ينون في تبيين طرق السعادة ومواردها. ولا يألون جهدا في السلوك ~~بهم في جوادها، وذلك أن بداهة العقل حاكمة بأن جل المعارف البشرية، ~~والعقائد الدينية، والأحكام الشرعية، مكتسبة أي من العلوم النظرية، فإن لم ~~يكن في الناس معلم حكيم، قصرت العقول عن درك ما ينبغي لها دركه من التقويم، ~~وانقطعت دون الكفاية مما يلزم لسد ضرورات الحياة الأولى، والاستعداد لما ~~يكون في الأخرى، وساوى الإنسان في معيشته سائر الحيوانات، وحرم سعادة ~~الدارين وفارق هذه الدنيا على أتعس الحالات. وإن من أعظم ما يسعى إليه ~~الساعون، ويتنافس في الدعوة إليه المتنافسون، علوم الحديث الكاشفة النقاب، ~~عن جمال وجوه مجملات الكتاب، والمدار لتفصيل الأحكام، وتبيين أقسام الحلال ~~والحرام: إذ مستندها ما صح من الأخبار، وثبت حسنه من الآثار، ولا طريق ~~لتعريف ذلك، إلا # PageV01P035 # بما اصطلع عليه من أصول تلك المسالك. ولما كان الشيء يشرف بشرف موضوعه أو ~~بمسيس الحاجة إليه، كان فن المصطلح مما جمع الأمرين، ms001 وفاز بالشرفين؛ لأنه ~~يبصر من سواء السبيل الجواد، ويرقى الهمم لتعرف سنن الرشاد، وإني منذ تنشقت ~~من علم الحديث أرج أردانه، حتى عمت من بحره في زاخره، وجريت طلقا في ~~ميدانه، لم أزل أسرح طرق الطرف في رياضه، وأورد ذود الفكر في حياضه، أستشيم ~~بارقه إذا سرى، وأجرى مع هواه حيث جرى، وأنظم فرائده، وأقيد أوابده، وأدل ~~على مقاصده، وأعوج إلى معاهده، حتى أشحذت كليل العزم، وأيقظت نائم الهم، ~~وأجبت داعي الفكر لمقترحه، من جمع ما كنت وعيت من مصطلحه؛ إذ هو قطب تدور ~~عليه أفلاك الأخبار، وعباب تنصب منه جداول معاني الآثار، قد سجم وابل فضله ~~في الأصول فأزهرها، وتبسم وجه إقباله في الفروع فنورها، فاستخرت الله فيما ~~قصدت، وتوكلت عليه فيما أردت، وشرعت في جمع لبابه، والمهمات من أبوابه، ~~وإبراز دفائنه وكنوزه، وحل غوامضه ورموزه، ومن الكتب المعول عليها، والأصول ~~المرجوع إليها، حتى غدا جامعا لمجمع المصطلحات، وحاصرا لامهاتها المعتبرات، ~~مع تنبيهات نافعة وتنويرات ساطعة، توضح معالم أسرار الآثار، وتصيرها كالشمس ~~في رائعة النهار، وضممت إليه فرائد تبهج الألباب، عثرت على خباياها في غير ~~ما كتاب، مما لم يذكر في أسفار المصطلح، ولا يعلم مظانها إلا من لزند ~~التنقيب اقتدح، فقيدت شواردها، وقصرت أوابدها على أسلوب جديد، يسهل الوقوف ~~على أسرار هذا الفن الباهرة، ويرقى إلى الرسوخ في مقاصد السنة الطاهرة، ~~والحذق في رد الخلاف إلى الحق المأثور، الذي تطمئن به القلوب وتنشرح ~~الصدور. مما يتنافس فيه الكاملون، ويتباهي بتحصيل معرفته الراغبون، وقد ~~سميته: "قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث" ورتبته على مقدمة وعشرة ~~أبواب، مذيلة بخاتمة في فوائد متنوعة يضطر إليها الأثرى، ثم بتتمة في ~~مقصدين بديعين. وعلى الله التكلان، في كل وقت وأوان، والحمد لله الذي هدانا ~~لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. # PageV01P036 # مقدمة: في مطالع مهمة # المطلع الأول: # قال الزركشي في قواعده: "إن تصنيف العلم فرض كفاية على من منحه الله فهما ~~واطلاعا فلو ترك التصنيف لضيع العلم على الناس وقد قال تعالى: ms002 {وإذ أخذ ~~الله ميثاق النبيين} 1 الآية، ولن تزال هذه الأمة في ازدياد وترق في ~~المواهب والعلم". ا. ه. # وقال نابغة البلغاء ابن المقفع في مقدمة الدرة اليتيمة2: "وجدنا الناس ~~قبلنا لم يرضوا بما فازوا به من الفضل لأنفسهم حتى أشركونا معهم فيما ~~أدركوا من علم الأولى والآخرة، فكتبوا به الكتب الباقية، وكفونا مئونة ~~التجارب والفطن، وبلغ من اهتمامهم بذلك أن الرجل منهم كان يفتح له الباب من ~~العلم والكلمة من الصواب وهو بالبلد غيرالمأهول فيكتبه على الصخور مبادرة ~~منه للأجل، وكراهية لأن يسقط ذلك على من بعده3، فكان صنيعهم في ذلك صنيع ~~الوالد الشفيق على ولده الرحيم بهم الذي يجمع لهم الأموال، والعقد4 إرادة ~~أن لا تكون عليهم مئونة في الطلب وخشية عجزهم إن هم طلبوا فمنتهى علم ~~عالمنا في هذا الزمان أن يأخذ من علمهم، وغاية إحسان محسننا أن يقتدي ~~بسيرتهم، وأحسن ما يصيب من الحديث محدثنا أن ينظر في كتبهم فيكون كأنه ~~إياهم يحاور، ومنهم يستمع غير أن الذي نجد في كتبهم هو المنتخل في آرائهم، ~~والمنتقي من أحاديثم ولم تجدهم غادروا شيئا يجد واصف بليغ في صفة له مقالا ~~لم يسبقوه إليه لا في تعظيم لله عز وجل وترغيب فيما عنده ولا في تصغير ~~للدنيا وتزهيد فيها ولا في تحرير صنوف العلم، وتقسيم أقسامه وتجزئة أجزائها ~~وتوضيح سبلها، PageV01P037 # وتبيين مآخذهم، ولا في وجوه الأدب، وضروب الأخلاق. فلم يبق في جليل من ~~الأمر لقائل بعدهم مقال، وقد بقيت أشياء من عمل الأمور فيها مواضع لصغار ~~الفطن، مشتقة من جسام حكم الأولين وقولهم ومن ذلك بعض ما أنا كاتب في كتابي ~~من أبواب الأدب التي يحتاج إليها الناس" انتهى كلامه. # وفي قوله: "وقد بقيت ... " فتح لباب التصنيف على نحو هذا المعنى وقد ~~قالوا: ينبغي أن لا يخلو تصنيف من أحد المعاني الثمانية التي تصنف لها ~~العلماء وهي: اختراع معدوم، أو جمع مفترق، أو تكميل ناقص، أو تفصيل مجمل، ~~أو تهذيب مطول، أو ترتيب مخلط، أو تعيين مبهم، أو ms003 تبيين خطأ كذا عدها أبو ~~حيان يمكن الزيادة فيها. # قال ملا كاتب جلبي رحمه الله: "ومن الناس من ينكر التصنيف في هذا الزمان ~~مطلقا، ولا وجه لإنكاره من أهله وإنما يحمله عليه التنافس والحسد الجاري ~~بين أهل الأعصار والله در القائل: # قل لمن لا يرى المعاصر شيئا ... ويرى للأوائل التقديما # إن ذاك القديم كان حديثا ... وسيبقى هذا الحديث قديما # واعلم: أن نتائج الأفكار لا تقف عند حد، وتصرفات الأنظار لا تنتهي إلى ~~غاية، بل لكل عالم ومتعلم منها حظ يحرزه في وقته المقدر له، وليس لأحد أن ~~يزاحمه فيه لأن العالم المعنوي واسع كالبحر الزاخر، والفيض الإلهي، ليس له ~~انقطاع ولا آخر، والعلوم منح إلهية ومواهب صمدانية، فغير مستبعد أن يدخر ~~لبعض المتأخرين، ما لم يدخر لكثير من المتقدمين، فلا تغتر بقول القائل: "ما ~~ترك الأول للآخر! " بل القول الصحيح الظاهر: "كم ترك الأول للآخر! " فإنما ~~يستجاد الشيء ويسترذل لجودته، ورداءته في ذاته لا تقدمه، وحدوثه. ويقال ~~"ليس كلمة أضر بالعلم من قولهم: ما ترك الأول شيئا" لأنه يقطع الآمال عن ~~العلم، ويحمل على التعلم، فيقتصر الآخر على ما قدم الأول من الظاهر، وهو ~~خطر عظيم، وقول سقيم فالأوائل وإن فازوا باستخراج الأصول وتمهيدها، ~~فالأواخر فازوا بتفريع الأصول وتشييدها كما قال عليه الصلاة والسلام: # PageV01P038 # "أمتي أمة مباركة لا يدرى أولها خير أو آخرها" قال ابن عبد ربه في العقد: ~~"إني رأيت آخر كل طبقة، واضعي كل حكمة، ومؤلفي كل أدب، أهذب لفظا وأسهل ~~لغة، وأحكم مذاهب، وأوضح طريقة من الأول؛ لأنه ناقض متعقب، والأول بادي ~~متقدم". # وفي كتاب: "جامع بيان العلم وفضله" للحافظ ابن عبد البر1 عن علي -رضي ~~الله عنه- أنه قال في خطبة خطبها: "واعلموا أن الناس أبناء ما يحسنون وقدر ~~كل آمري ما يحسن فتكلموا في العلم تتبين أقداركم". قال ابن عبد البر: ~~"ويقال إن قول علي بن أبي طالب: قيمة كل امرئ ما يحسن، لم يسبقه إليه أحد، ~~وقالوا: "ليس كلمة أحض على طلب العلم منها" وقالوا: ms004 "ولا كلمة أضر بالعلم ~~والعلماء والمتعلمين من قول القائل: "ما ترك الأول للآخر شيئا". ا. ه. # المطلع الثاني: # أتأسى في هذا التصنيف الميمون بقول السيد مرتضى اليماني رحمه الله في ~~كتابه: "إيثار الحق على الخلق"2: "وإنما جمعت هذا المختصر المبارك، إن شاء ~~الله تعالى، لمن صنفت لهم التصانيف، وعنيت بهدايتهم العلماء؛ وهم من جمع ~~خمسة أوصاف، معظهما: الإخلاص والفهم والإنصاف، ورابعها -وهو أقلها وجودا في ~~هذه الأعصار- الحرص على معرفة الحق من أقوال المختلفين وشدة الداعي إلى ذلك ~~الحامل على الصبر والطلب كثيرا وبذل الجهد في النظر على الإنصاف ومفارقة ~~العوائد وطلب الأوابد". # قال رحمه الله: "فإن الحق في مثل هذا الأعصار قلما يعرفه إلا واحد، وإذا ~~عظم المطلوب قل المساعد، فإن البدع قد كثرت، وكثرت الدعاة إليها، والتعويل ~~عليها، وطالب الحق اليوم شبيه بطلابه في أيام الفترة، وهم: سلمان الفارسي، ~~وزيد بن عمرو بن نفيل وأضرابهما رحمهما الله تعالى؛ فإنهم قدوة الطالب ~~للحق، وفيهم له أعظم أسوة فإنهم لما حرصوا PageV01P039 # على الحق وبذلوا الجهد في طلبه، بلغهم الله إليه، وأوقفهم عليه، وفازوا ~~من بين العوالم الجمة، فكم أدرك الحق طالبة في زمن الفترة! وكم عمي عنه ~~المطلوب له في زمن النبوة! فاعتبر بذلك واقتد بأولئك فإن الحق ما زال مصونا ~~عزيزا نفيسا كريما، لا ينال مع الإضراب عن طلبه وعدم التشوف والتشوق إلى ~~سببه ولا يهجم على المبطلين المعرضين ولا يفاجئ أشباه الأنعام الغافلين؛ ~~ولو كان كذلك ما كان على وجه الأرض مبطل ولا جاهل ولا بطال ولا غافل". ~~انتهى كلامه رحمه الله تعالى. # المطلع الثالث: # لا خفاء أن من المدارك المهمة في باب التصنيف، عزو الفوائد والمسائل ~~والنكت إلى أربابها تبرؤا من انتحال ما ليس له، وترفعا عن أن يكون كلابس ~~ثوبي زور. لهذا ترى جميع مسائل هذا الكتاب معزوة إلى أصحابها بحروفها وهذه ~~قاعدتنا فيما جمعناه ونجمعه. # وقد اتفق أني رأيت في "المزهر" للسيوطي هذا الملحظ حيث قال في ترجمة "ذكر ~~من سئل عن شيء فلم يعرفه فسأل ms005 من هو أعلم منه" ما نصه1: "ومن بركة العلم ~~وشكره، عزوه إلى قائله؛ قاله الحافظ أو طاهر السلفي: سمعت أبا الحسن ~~الصيرفي، يقول: سمعت أبا عبد الله الصوري يقول: قال لي عبد الغني بن سعيد: ~~"لما وصل كتابي إلى أبي عبد الله الحاكم، أجابني بالشكر عليه، وذكر أنه ~~أملاه على الناس، وضمن كتابه إلى الاعتراف بالفائدة وأنه لا يذكرها إلا ~~عني". وأن أبا العباس محمد بن يعقوب الأصم حدثهم، قال: حدثنا العباس بن ~~محمد الدوري، قال: سمعت أبا عبيد يقول: "من شكر العلم أن تستفيد الشيء، ~~فإذا ذكر لك قلت: خفي علي كذا وكذا ولم يكن لي به علم، حتى أفادني فلان فيه ~~كذا وكذا، فهذا شكر العلم. قال السيوطي: "ولهذا لا تراني أذكر في شيء من ~~تصانيفي حرفا إلا معزوا إلى قائله من العلماء مبينا كتابه الذي ذكره فيه". ~~ا. ه. PageV01P040 # المطلع الرابع: # قال الحافظ أبو الفضل ابن حجر1: "أول من صنف في الاصطلاح القاضي أبو محمد ~~الرامهرمزي، فعمل كتابه: "المحدث الفاصل" لكنه لم يستوعب والحاكم أبو عبد ~~الله النيسابوري لكنه لم يهذب ولم يرتب وتلاه أبو نعيم الأصبهاني فعمل ~~كتابه مستخرجا وأبقى أشياء للمتعقب ثم جاء بعده الخطيب البغدادي فعمل على ~~قوانين الرواية كتابا سماه: "الكفاية" وفي آدابها كتابا سماه: "الجامع ~~لآداب الشيخ والسامع" وقل فن من فنون الحديث إلا وقد صنف فيه كتابا مفردا ~~فكان كما قال الحافظ أبو بكر بن نقطة: "كل من أنصف علم أن المحدثين بعده ~~عيال على كتبه". ثم جمع ممن تأخر عنه القاضي عياض كتابه: "الإلماع" وأبو ~~حفص الميانجي جزءا سماه: "ما لا يسع المحدث جهله" والحافظ أبو بكر بن أحمد ~~القسطلاني في: "المنهج المبهج عند الاستماع، لمن رغب في علوم الحديث على ~~الاطلاع" إلى أن جاء الحافظ الإمام تقي الدين أبو عمرو عثمان بن الصلاح ~~الشهرزوري نزيل دمشق فجمع لما ولي تدريس الحديث بالمدرسة الإشرفية المعروفة ~~بدار الحديث، كتابه المشهور، فهذب فنونه، وأملاه شيئا فشيئا واعتنى بتصانيف ~~الخطيب المفرقة فجمع شتات ms006 مقاصدها وضم إليها من غيرها نخب فوائدها فاجتمع ~~في كتابه ما تفرق في غيره فلهذا عكف الناس عليه وساروا بسيره فمنهم المختصر ~~له كالنووي في تقريبه والناظم له كالعراقي والمستدرك والمعارض فجزاهم الله ~~خيرا". ا. ه. # وكتابنا هذا حوى بمعونته تعالى لباب مقاصد هذا الفن، من خلاصة المصنفات ~~المنوه بها، ومن نخب كتب الأصول، وممن حام حول خدمة فقه السنة مما ستقف، ~~على العزو إليه بحوله تعالى وقوته، وهو نعم المعين. PageV01P041 ### | الباب الأول: في التنويه بشأن الحديث وفيه مطالب ### $ 1- شرف علم الحديث: # عن أبي نجيح العرباض بن سارية السلمي -رضي الله عنه- قال: وعظنا رسول ~~الله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها ~~العيون قلنا: يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كأنها موعظة مودع فأوصنا! ~~قال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد. وإنه من يعش ~~منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، ~~عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة". رواه ~~الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وقال: "حديث حسن" وأبو نعيم وقال: "حديث ~~جيد من صحيح حديث الشاميين". وفي بعض الطرق: فماذا تعهد إلينا؟ قال: ~~"تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها فلا يزيغ عنها إلا هالك ومن يعش منكم ~~فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين ~~المهديين عضوا عليها بالنواجذ". وفي بعضها: "فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ~~ضلالة وكل ضلالة في النار". # قال الحافظ المنذري: وقوله -صلى الله عليه وسلم: "عضوا عليها بالنواجذ" ~~أي اجتهدوا على السنة وألزموها واحرصوا عليها كما يلزم العاض على الشيء ~~بنواجذه خوفا من ذهابه وتفلته والنواجذ الأنياب أو الأضراس. # وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- قال: "العلم ثلاثة؛ آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة وما ~~سوى ذلك فهو فضل" رواه أبو داود وابن ماجه. # PageV01P043 # وعن جابر -رضي الله عنه- قال: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول ~~في خطبته: "أما ms007 بعد؛ فإن أصدق الحديث كتاب الله، وإن أفضل الهدي هدي محمد، ~~وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة" ### | .... # نحو ما تقدم". رواه الإمام أحمد ومسلم وغيرهما. # وفي رواية: "أما بعد؛ فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد" ~~الحديث. # قال الإمام النووي قدس الله سره: "إن من أهم العلوم تحقيق معرفة الأحاديث ~~النبويات، أعني معرفة متونها صحيحها وحسنها وضعيفها وبقية أنواعها ~~المعروفات ودليل ذلك: أن شرعنا مبني على الكتاب العزيز والسنن المرويات ~~وعلى السنن مدار أكثر الأحكام الفقهيات؛ فإن أكثر الآيات الفروعيات مجملات ~~وبيانها في السنن المحكمات. وقد اتفق العلماء على أن من شرط المجتهد من ~~القاضي والمفتي أن يكون عالما بالأحاديث الحكميات فثبت بما ذكرناه أن ~~الاشتغال بالحديث من أجل العلوم الراجحات وأفضل أنواع الخير وآكد القربات ~~وكيف لا يكون كذلك وهو مشتمل على بيان حال أفضل المخلوقات عليه من الله ~~الكريم أفضل الصلوات والسلام والبركات ولقد كان أكثر اشتغال العلماء ~~بالحديث في الأعصار الخاليات حتى لقد كان يجتمع في مجلس الحديث من الطالبين ~~ألوف متكاثرات فتناقص ذلك وضعفت الهمم فلم يبق إلا آثار من آثارهم قليلات ~~والله المستعان على هذه المصيبة وغيرها من البليات، وقد جاء في فضل إحياء ~~السنن المماتات أحاديث كثيرة معروفات مشهورات فينبغي الاعتناء بعلم الحديث ~~والتحريض عليه لما ذكرنا من الدلالات ولكونه أيضا من النصيحة لله تعالى ~~وكتابه ورسوله وللأئمة والمسلمين والمسلمات وذلك هو الدين كما صح عن سيد ~~البريات. ولقد أحسن القائل: "من جمع أدوات الحديث استنار قلبه واستخرج ~~كنوزه الخفيات، وذلك لكثرة فوائده البارزات والكامنات وهو جدير بذلك فإنه ~~كلام أفصح الخلق ومن أعطى جوامع الكلمات صلى الله عليه وآله وسلم صلوات ~~متضاعفات". # وقال العلامة الشهاب أحمد المنيني الدمشقي الحنفي في القول السديد: "إن ~~علم الحديث # PageV01P044 # علم رفيع القدر، عظيم الفخر، شريف الذكر لا يعتني به إلا كل حبر، ولا ~~يحرمه إلا كل غمر، ولا تفنى محاسنه على ممر الدهر؛ لم يزل في القديم ~~والحديث يسمو عزة وجلالة، وكم عز به من ms008 كشف الله له عن مخبآت أسراره ~~وجلاله؛ إذ به يعرف المراد من كلام رب العالمين ويظهر المقصود من حبله ~~المتصل المتين، ومنه يدرى شمائل من سما ذاتا ووصفا واسما ويوقف على أسرار ~~بلاغة من شرف الخلائق عربا وعجما، وتمتد من بركاته للمعتنى به موائد ~~الإكرام من رب البرية، فيدرك في الزمن القليل من المولى الجليل المقامات ~~العلية، والرتب السنية من كرع من حياضه أو رتع في رياضه فليهنه الأنس بجنى ~~جنانه السنة المحمدية، والتمتع بمقصورات خيام الحقيقة الأحمدية؛ وناهيك ~~بعلم من المصطفى -صلى الله عليه وسلم- بدايته، وإليه مستنده وغايته. وحسب ~~الراوي للحديث شرفا وفضلا وجلالة ونبلا أن يكون أول سلسلة آخرها الرسول ~~وإلى حضرته الشريفة بها الانتهاء والوصول. # وطالما كان السلف الصالح يقاسون في تحمله شدائد الأسفار، ليأخذوه عن أهله ~~بالمشافهة ولا يقنعون بالنقل من الأسفار فربما ارتكبوا غارب الاغتراب ~~بالارتحال إلى البلدان الشاسعة لأخذ حديث عن إمام انحصرت رواتيه فيه أو ~~لبيان وضع حديث تتبعوا سنده حتى انتهى إلى من يختلق الكذب ويفتريه وتأسى ~~بهم من بعدهم من نقلة الأحاديث النبوية وحفظة السنة المصطفوية، فضبطوا ~~الأسانيد وقيدوا منها كل شريد، وسبروا الرواة بين تجريح وتعديل، وسلكوا في ~~تحرير المتن أقوم سبيل، ولا غرض لهم إلا الوقوف على الصحيح من أقوال ~~المصطفى وأفعاله، ونفي الشبهة بتحقيق السند واتصاله فهذه هي المنقبة التي ~~تتسابق إليها الهمم العوالي والمأثرة التي يصرف في تحصيلها الأيام ~~والليالي" # وقال الإمام أبو الطيب السيد صديق خان الحسيني الأثري عليه الرحمة ~~والرضوان قي كتابة: "الخطة": "اعلم أن آنف1 العلوم الشرعية ومفتاحها ومشكاة ~~الأدلة السمعية ومصباحها وعمدة المناهج اليقينية ورأسها ومبني شرائع ~~الإسلام وأساسها ومستند الروايات الفقهية كلها ومآخذ الفنون الدينية دقها ~~وجلها وأسوة جملة الأحكام وأسها PageV01P045 # وقاعدة جميع العقائد وأسطقسها، وسماء العبادات وقطب مدارها، ومركز ~~المعاملات ومحط حارها وقارها، هو علم الحديث الشريف الذي تعرف به جوامع ~~الكلم، وتنفجر منه ينابيع الحكم وتدور عليه رحى الشرع بالأسر، وهو ملاك كل ~~نهي وأمر ولولاه لقال من شاء ما ms009 شاء وخبط الناس خبط عشواء وركبوا متن عمياء ~~فطوبى لمن جد فيه وحصل منه على تنويه يملك من العلوم النواصي، ويقرب من ~~أطرافها البعيد القاصي. ومن لم يرضع من دره، ولم يخض في بحره، ولم يقتطف من ~~زهره، ثم تعرض للكلام في المسائل والأحكام فقد جار فيما حكم وقال على الله ~~تعالى ما لم يعلم؛ كيف وهو كلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والرسول ~~أشرف الخلق كلهم أجمعين، وقد أوتي جوامع الكلم وسواطع الحكم، من عند رب ~~العالمين. فكلامه أشرف الكلم وأفضلها، وأجمع الحكم وأكملها كما قيل: "كلام ~~الملوك ملوك الكلام". وهو تلو كلام الله العلام وثاني أدلة الأحكام. فإن ~~علوم القرآن وعقائد الإسلام بأسرها، وأحكام الشريعة المطهرة بتمامها، ~~وقواعد الطريقة الحقة بحذافيرها؛ وكذا الكشفيات والعقليات بنقيرها ~~وقطميرها، تتوقف على بيانه -صلى الله عليه وسلم- فإنها ما لم توزن بهذا ~~القسطاس المستقيم ولم تضرب على ذلك المعيار القويم، لا يعتمد عليها ولا ~~يصار إليها فهذا العلم المنصوص والبناء المرصوص بمنزلة الصراف لجواهر ~~العلوم عقليها ونقليها وكالنقاد لنقود كل الفنون أصليها وفرعيها من وجوه ~~التفاسير والفقهيات ونصوص الأحكام ومآخذ عقائد الإسلام وطرق السلوك إلى ~~الله سبحانه وتعالى ذي الجلال والإكرام فما كان منها كامل العيار في نقد ~~هذا الصراف فهو الحري بالترويج والاشتهار وما كان زيفا غير جيد عند ذاك ~~النقاد فهو القمين بالرد والطرد والإنكار فكل قول يصدقه خبر الرسول فهو ~~الأصلح للقبول وكل ما لا يساعده الحديث والقرآن فذلك في الحقيقة سفسطة بلا ~~برهان فهي مصابيح الدجى ومعالم الهدى وبمنزلة البدر المنير من أنقاد لها ~~فقد رشد واهتدى وأوتي الخير الكثير ومن أعرض عنها وتولى فقد غوى وهوى وما ~~زاد نفسه إلا التخسير فإنه -صلى الله عليه وسلم- نهى وأمر وأنذر وبشر، وضرب ~~الأمثال وذكر، وإنها لمثل # PageV01P046 # القرآن بل هي أكثر1. وقد أرتبط بها اتباعه -صلى الله عليه وسلم- الذي هو ~~ملاك سعادة الدارين، والحياة الأبدية بلا مين كيف وما الحق إلا فيما قاله ~~-صلى الله عليه وسلم- أو عمل به أو قرره ms010 أو أشار إليه، أو تفكر فيه أو خطر ~~بباله أو هجس في خلده واستقام عليه. فالعلم في الحقيقة هو علم السنة ~~والكتاب، والعمل بهما في كل إياب وذهاب ومنزلته بين العلوم منزلة الشمس بين ~~كواكب السماء ومزية أهله على غيرهم من العلماء مزية الرجال على النساء: ~~"وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء"2 فيا له من علم سيط3 بدمه الحق والهدى ونيط ~~بعنقه الفوز بالدرجات العلى. # وقد كان الإمام محمد بن علي بن الحسين عليه السلام يقول: "إن من فقه ~~الرجل بصيرته أو فطنته بالحديث". ولقد صدق فإنه لو تأمل المتأمل بالنظر ~~العميق والفكر الدقيق لعلم أن لكل علم خاصية تتحصل بمزاولته للنفس ~~الإنسانية كيفية من الكيفيات الحسنة أو السيئة وهذا علم تعطى مزاولته صاحب ~~هذا العلم معنى الصحابية لأنها في الحقيقة هي الاطلاع على جزئيات أحواله ~~-صلى الله عليه وسلم- ومشاهدة أوضاعه في العبادات والعادات كلها وعند بعد ~~الزمان يتمكن هذا المعنى بمزاولته في مدركة المزاول ويرتسم في خياله بحيث ~~يصير في حكم المشاهدة والعيان وإليه أشار القائل بقوله: # أهل الحديث هموا أهل النبي وإن ... لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا" # ويروى عن بعض الصلحاء أنه قال: "أشد البواعث وأقوى الدواعي لي على تحصيل ~~علم الحديث لفظ: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم. فالحاصل أن أهل ~~الحديث، كثر الله تعالى سوادهم، ورفع عمادهم لهم نسبة خاصة، ومعرفة مخصوصة ~~بالنبي لا يشاركهم فيها أحد من العالمين فضلا عن الناس أجمعين لأنهم الذين ~~لا يزال يجري ذكر صفاته العليا، وأحواله الكريمة وشمائله الشريفة على ~~لسانهم، ولم يبرح تمثال جماله الكريم، وخيال وجهه الوسيم ونور حديثه ~~المستبين يتردد في حاق وسط جنانهم فعلاقة باطنهم بباطنه العلي متصلة، ونسبة ~~ظاهرهم بظاهره النقي مسلسلة فأكرم بهم من كرام يشاهدون عظمة المسمى حين ~~يذكر الاسم ويصلون عليه كل لمحة ولحظة بأحسن الحد والرسم". PageV01P047 ### $ 2- فضل راوي الحديث: # كفى خادم الحديث فضلا دخوله في دعوته -صلى الله عليه وسلم- حيث قال: "نضر ~~الله امرأ سمع مقالتي، فحفظها ووعاها وأداها". رواه ms011 الشافعي والبيهقي عن ~~ابن مسعود، وأخرجه أبو داود والترمذي بلفظ: "نضر الله امرأ سمع منا شيئا ~~فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع". قال الترمذي: "حسن صحيح" وعن زيد ~~بن ثابت، قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "نضر الله المرء ~~سمع منا حديثا فبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ~~ليس بفقيه". رواه أبو داود والترمذي وحسنه، والنسائي وابن ماجه بزيادة وعن ~~أنس بن مالك قال خطبنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمسجد الخيف من منى ~~فقال: "نضر الله امرأ سمع مقالتي فحفظها ووعاها وبلغها من لم يسمعها ~~الحديث" رواه الطبراني وروى نحوه الإمام أحمد وغيره عن جبير بن مطعم. # قال سفيان بن عيينة: "ليس من أهل الحديث أحد إلا وفي وجهه نضرة لهذا ~~الحديث". # وقال -صلى الله عليه وسلم: "اللهم أرحم خلفائي" قيل: ومن خلفاؤك؟ قال: ~~"الذين يأتون من بعدي يروون أحاديثي، ويعلمونها الناس". رواه الطبراني ~~وغيره. # وكأن تلقيب المحدث بأمير المؤمنين مأخوذ من هذا الحديث، وقد لقب به جماعة ~~منهم سفيان وابن راهويه والبخاري وغيرهم. وقد قيل في قوله تعالى: # {يوم ندعو كل أناس بإمامهم} 1 ليس لأهل الحديث منقبة أشرف من ذلك لأنه لا ~~إمام لهم غيره -صلى الله عليه وسلم. كذا في التدريب2 وعن أسامة بن زيد -رضي ~~الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "يحمل هذا العلم من كل ~~خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين". ~~ورواه من الصحابة غير واحد أخرجه ابن عدي، والدارقطني وأبو نعيم. ~~PageV01P048 # وتعدد طرقه يقضي بحسنه كما جزم به العلائي. وفيه تخصيص حملة السنة بهذه ~~المنقبة العلية، وتعظيم لهذه الأمة المحمدية، وبيان لجلالة قدر المحدثين ~~وعلو مرتبتهم في العالمين؛ لأنهم يحمون مشارع الشريعة ومتون الروايات من ~~تحريف الغالين وتأويل الجاهلين، بنقل النصوص المحكمة لرد المتشابه إليها. # وقال النووي رحمه الله تعالى في أول تهذيبه: "هذا إخبار منه -صلى الله ~~عليه وسلم- بصيانة هذا العلم وحفظه، وعدالة ناقليه. وإن ms012 الله يوفق له في كل ~~عصر خلفا من العدول يحمونه وينفون عنه التحريف، فلا يضيع". وهذا تصريح ~~بعدالة حامليه في كل عصر. وهكذا وقع ولله الحمد، وهو من أعلام النبوة، ولا ~~يضر كون بعض الفساق يعرف شيئا من علم الحديث إنما هو إخبار بأن العدول ~~يحملونه لا أن غيرهم لا يعرف شيئا منه. # ومن شرف علم الحديث ما رويناه من حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- ~~قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "إن أولى الناس بي يوم القيامة ~~أكثرهم علي صلاة". قال الترمذي: "حسن غريب" وقال ابن حبان في صحيحه: "في ~~هذا الحديث بيان صحيح على أن أولى الناس برسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~في القيامة أصحاب الحديث إذ ليس من هذه الأمة قوم أكثر صلاة عليه منهم". # وقال أبو نعيم: هذه منقبة شريفة يختص بها رواة الآثار ونقلتها لأنه لا ~~يعرف لعصابة من العلماء من الصلاة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أكثر ~~ما يعرف لهذه العصابة. # وكان الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقول: لولا أهل المحابر لخطبت ~~الزنادقة على المنابر. # وقال أيضا: "أهل الحديث في كل زمان كالصحابة في زمانهم". # وقال أيضا: "إذا رأيت صاحب حديث فكأني رأيت أحدا من أصحاب رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم". # وكان أحمد بن سريج يقول: "أهل الحديث أعظم درجة من الفقهاء لاعتنائهم ~~بضبط الأصول". # PageV01P049 # وكان أبو بكر بن عياش يقول: "أهل الحديث في كل زمان؛ كأهل الإسلام مع أهل ~~الأديان". # وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول: "سيأتي قوم يجادلونكم بشبهات ~~القرآن، فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله عز وجل" نقله ~~الشعراني في مقدمة ميزانه1. # وقال الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي قدس الله سره في فتوحاته في الباب ~~الثالث عشر وثلاثمائة2 وللورثة حظ من الرسالة ولهذا قيل في معاذ وغيره: ~~"رسول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" وما فاز بهذه الرتبة ويحشر يوم ~~القيامة مع الرسل إلا المحدثون الذين يروون الأحاديث بالأسانيد المتصلة ~~بالرسول عليه ms013 السلام في كل أمة فلهم حظ في الرسالة وهم نقلة الوحي وهم ورثة ~~الأنبياء في التبليغ والفقهاء إذا لم يكن لهم نصيب في رواية الحديث فليست ~~لهم هذه الدرجة ولا يحشرون مع الرسل بل يحشرون في عامة الناس ولا ينطلق اسم ~~العلماء إلا على أهل الحديث وهم الأئمة على الحقيقة". # "وكذلك الزهاد والعباد وأهل الآخرة، ومن لم يكن من أهل الحديث منهم كان ~~حكمه حكم الفقهاء لا يتميزون في الورثة ولا يحشرون مع الرسل بل يحشرون مع ~~عموم الناس ويتميزون عنهم بأعمالهم الصالحة لا غير كما أن الفقهاء أهل ~~الاجتهاد يتميزون بعلمهم عن العامة". ا. ه. PageV01P050 ### $ 3- الأمر النبوي برواية الحديث وإسماعه: # روي الإمام أحمد والبخاري والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي ~~الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "بلغوا عني ولو آية ~~وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعدة من ~~النار". # وروى الطبراني عن أبي قرصافة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- قال: "حدثوا عني بما تسمعون، ولا تقولوا إلا حقا، ومن كذب علي بني له ~~بيت في جهنم يرتع فيه". # وروى الإمام أحمد، والبخاري في الأدب عن ابن عباس عن رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- أنه قال: "علموا، ويسروا، ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا، وإذا ~~غضب أحدكم فليسكت! ". # وروى الترمذي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم: "تعلموا الفرائض القرآن وعلموا الناس، فإني مقبوض". # قال العارف الشعراني قدس سره في العهود الكبرى1: "وفي كتابة الحديث ~~وإسماعه للناس فوائد عظيمة منها: عدم اندراس أدلة الشريعة، فإن الناس لو ~~جهلوا الأدلة جملة -والعياذ بالله تعالى- لربما عجزوا عن نصرة شريعتهم عند ~~خصمهم، وقولهم: "إنا وجدنا آباءنا على ذلك" لا يكفي. وماذا يضر الفقيه أن ~~يكون محدثا يعرف أدلة كل باب من أبواب الفقه. ومنها: تجديد الصلاة والتسليم ~~على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في كل حديث. وكذلك تجديد الترضي ~~والترحم على الصحابة والتابعين من الرواة ms014 إلى وقتنا هذا ومنها: وهو أعظمها ~~فائدة الفوز بدعائه لمن بلغ كلامه إلى أمته في قوله: "نضر الله امرأ سمع ~~مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها" ودعاؤه مقبول بلاشك إلا ما استثني كعدم ~~إجابته في أن الله تعالى لا يجعل بأس أمته فيما بينهم كما ورد". انتهى. ~~PageV01P051 ### $ 4- حث السلف على الحديث: # قال الشعراني قدس سره في مقدمة ميزانه1: كان الأعمش -رضي الله عنه- يقول: ~~"عليكم بملازمة السنة وعلموها للأطفال، فإنهم يحفظون على الناس دينهم إذا ~~جاء وقتهم". وكان وكيع رحمه الله تعالى يقول: "عليكم باتباع الأئمة ~~المجتهدين والمحدثين فإنهم يكتبون ما لهم وما عليهم بخلاف أهل الأهواء ~~والرأي فإنهم لا يكتبون قط ما عليهم". # وكان الشعبي وعبد الرحمن بن مهدي يزجران كل من رأياه يتدين بالرأي ~~وينشدان: # دين النبي محمد أخبار ... نعم المطية للفتي الآثار PageV01P051 # لا ترغبن عن الحديث وأهله ... فالرأي ليل والحديث نهار # وكان مجاهد يقول لأصحابه: "لا تكتبوا عني كل ما أفتيت به، وإنما يكتب ~~الحديث ولعل كل شيء أفتيتكم به اليوم أرجع عنه غدا". وكان أبو عاصم رحمه ~~الله تعالى يقول: "إذا تبحر الرجل في الحديث، كان الناس عنده كالبقر". وكان ~~الإمام أبو حنيفة -رضي الله عنه- يقول: "إياكم والقول في دين الله تعالى ~~بالرأي؛ وعليكم باتباع السنة فمن خرج عنها ضل". ودخل عليه مرة رجل من أهل ~~الكوفة والحديث يقرأ عنده فقال الرجل: "دعونا من هذه الأحاديث! " فزجره ~~الإمام أشد الزجر، وقال له: "لولا السنة ما فهم أحد منا القرآن". وقيل له ~~مرة: "قد ترك الناس العمل بالحديث واقبلوا على سماعه" فقال -رضي الله عنه: ~~"نفس سماعهم للحديث عمل به". وكان -رضي الله عنه- يقول: "لم تزل الناس في ~~صلاح ما دام فيهم من يطلب الحديث فإذا طلبوا العلم بلا حديث فسدوا". وكان ~~يقول: "لا ينبغي لأحد أن يقول قولا حتى يعلم أن شريعة رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- تقبله". وكان الإمام مالك -رضي الله عنه- يقول: إياكم ورأى ~~الرجال إلا إن أجمعوا عليه: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم} 1 ms015 وما جاء عن ~~نبيكم، وإن لم تفهموا المعنى فسلموا لعلمائكم، ولا تجادلوهم فإن الجدال في ~~الدين من بقايا النفاق. وروى الحاكم والبيهقي عن الإمام الشافعي -رضي الله ~~عنه- أنه كان يقول: " إذا صح الحديث فهو مذهبي" قال ابن حزم: "أي صح عنده ~~أو عند غيره من الأئمة" وفي رواية أخرى: "إذا رأيتم كلامي يخالف كلام رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- فاعملوا بكلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~واضربوا بكلامي الحائط" وقال مرة للربيع: "يا أبا أسحق، لا تقلدني في كل ما ~~أقول، وانظر في ذلك لنفسك فإنه دين". وكان -رضي الله عنه- إذا توقف في حديث ~~يقول: "لو صح ذلك لقلنا به". وكان يقول: "إذا ثبت عن النبي -بأبي هو وأمي- ~~شيء لم يحل تركه لشيء أبدا" وروى البيهقي عن الإمام أحمد -رضي الله عنه- ~~أنه كان إذا سئل عن مسألة يقول: "أولأحد كلام مع رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم؟ " وكان يتبرأ كثيرا من رأي الرجال ويقول: "لا ترى أحدا ينظر في كتب ~~الرأي غالبا إلا وفي قلبه دخل"2 وكان ولده عبد الله يقول: "سألت الإمام ~~أحمد عن الرجل PageV01P052 # يكون في بلد لا يجد فيها إلا صاحب حديث لا يعرف صحيحة من سقيمه، وصاحب ~~رأي، فمن يسأل منهما عن دينه؟ فقال: يسأل صاحب الحديث ولا يسأل صاحب ~~الرأي". وبلغنا أن شخصا استشاره في تقليد أحد من علماء عصره فقال: "لا ~~تقلدني، ولا تقلد مالكا، ولا الأوزاعي، ولا النخعي، ولا غيرهم، وخذ الأحكام ~~من حيث أخذوا". قال الشعراني: "وهو محمول على من له قدرة على استنباط ~~الأحكام من الكتاب والسنة". # وقال الشعراني أيضا في العهود1: "وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه الله يقول: ~~ليس مراد الأكابر من حثهم على العمل على موافقة الكتاب والسنة إلا مجالسة ~~الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- في ذلك الأمر لا غير، فإنهم يعلمون أن ~~الحق تعالى لا يجالسهم إلا في عمل شرعه هو ورسوله -صلى الله عليه وسلم- أما ~~ما ابتدع، فلا يجالسهم الحق تعالى ولا رسوله فيه، وإنما يجالسون فيه ms016 من ~~ابتدعه من عالم أو جاهل". ا. ه. # والآثار في الحث على الحديث عن السلف، وافرة وفي هذا القدر كفاية. ~~PageV01P053 ### $ 5- إجلال الحديث وتعظيمه والرهبة من الزيغ عنه: # عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "من ~~أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" رواه البخاري ومسلم، وأبو داود ~~ولفظة: "من صنع أمرا على غير أمرنا فهو رد" وفي رواية لمسلم: "من عمل عملا ~~ليس عليه أمرنا فهو رد" # وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "من رغب ~~عن سنتي فليس مني" رواه مسلم. # وعن العرباض بن سارية -رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- يقول: "لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا ~~هالك" رواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة بإسناد حسن. # PageV01P053 # وعن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ستة ~~لعنتهم ولعنهم الله، وكل نبي مجاب: الزائد في كتاب الله، والمكذب بقدر ~~الله، والمتسلط على أمتي بالجبروت ليذل من أعز الله، ويعز من أذل الله ~~والمستحل حرمة الله، والمستحل من عترتى ما حرم الله والتارك السنة" رواة ~~الطبراني وابن حبان في صحيحة والحاكم وقال: "صحيح الإسناد" قال المنذري: ~~"ولا أعرف له علة". # وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن ~~أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به" رواه البغوي في شرح السنة. وقال ~~النووي في أربعينه: "هذا حديث صحيح رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح". # قال الشافعي -رضي الله عنه- في باب الصيد من الأم: "كل شيء خالف أمر رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- سقط ولا يكون معه رأي ولا قياس فإن الله تعالى ~~قطع العذر بقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فليس لأحد معه أمر ولا نهى ~~غير ما أمر هو به". # وكان -رضي الله عنه- يقول: "رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجل في ~~أعيننا من أن نحب غير ما قضى ms017 به". # وقال الإمام محمد الكوفي -رضي الله عنه: "رأيت الإمام الشافعي بمكة: وهو ~~يفتي الناس، ورأيت الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه حاضرين فقال الشافعي: قال ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "هل ترك لنا عقيل من دار"؟ فقال إسحاق: ~~"روينا عن الحسن!! وإبراهيم أنهما لم يكونا يريانه وكذلك عطاء ومجاهد" فقال ~~الشافعي لإسحاق: "لو كان غيرك موضعك لفركت أذنه أقول قال رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- وتقول قال عطاء ومجاهد والحسن وهل لأحد مع قول رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- حجة بأبي هو وأمي" كذا في ميزان الشعراني1 قدس سره. # وقال الإمام الصغاني رحمه الله تعالى في: "مشارق الأنوار": "أخذت مضجعي ~~ليلة PageV01P054 # الأحد الحادية عشرة من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وستمائة، وقلت: ~~اللهم أرني الليلة نبيك محمدا -صلى الله عليه وسلم- في المنام وإنك تعلم ~~اشتياقي إليه، فرأيت بعد هجعة من الليل، كأني والنبي -صلى الله عليه وسلم- ~~في مشربة، ونفر من أصحابنا أسفل منا عند درج المشربة، فقلت: يا رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- ما تقول في ميت رماه البحر أحلال؟ فقال وهو مبتسم إلي ~~"نعم" فقلت وأنا أشير إلى من بأسفل الدرج: فقل لأصحابي فإنهم لا يصدقوني، ~~فقال: "لقد شتمتني وعابوني! " فقلت: كيف يا رسول الله؟ فقال كلاما ليس ~~يحضرني لفظه وإنما معناه: "عرضت قولي على من لا يقلبه"؛ ثم أقبل عليهم ~~يلومهم ويعظهم فقلت صبيحة تلك الليلة: وأنا أعوذ بالله من أن أعرض حديثه ~~بعد ليلتي هذه إلا على الذين يحكمونه فيما شجر بينهم ثم لا يجدون في أنفسهم ~~حرجا مما قضى ويسلموا تسليما. ا. ه. # وسيأتي إن شاء الله تعالى في الباب العاشر في فقه الحديث مزيد لهذا بحوله ~~سبحانه وقوته. # PageV01P055 ### $ 6- فضل المحامي عن الحديث والمحيي للسنة: # عن عمرو بن عوف -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال ~~لبلال بن الحرث يوما: "اعلم يا بلال" قال: "ما أعلم يا رسول الله؟ " قال: ~~"إن من أحيا سنة من سنتي أميتت بعدي، كان له من الأجر ms018 مثل من عمل بها من ~~غير أن ينقص من أجورهم شيئا ومن ابتدع بدعة ضلالة لا يرضاها الله ورسوله ~~كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئا". رواه ابن ~~ماجه والترمذي وحسنه قال الحافظ المنذري: "وللحديث شواهد". # وعن أنس، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "من أحب سنتي فقد ~~أحبني، ومن أحبني كان معي في الجنة". رواه الترمذي # قال الإمام السيد محمد بن المرتضى اليماني رحمه الله تعالى في مقدمة ~~كتابه: "إيثار الحق على # PageV01P055 # الخلق"1 ما نصه: "المحامي عن السنة، الذاب عن حماها كالمجاهد في سبيل ~~الله تعالى يعد للجهاد ما استطاع من الآلات والعدة والقوة، كما قال الله ~~سبحانه {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} 2 وقد ثبت في الصحيح أن جبريل عليه ~~السلام كان مع حسان بن ثابت يؤيده ما نافح عن رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- في أشعاره، فكذلك مع ذب عن دينه وسنته من بعده إيمانا به وحبا ونصحا ~~له ورجاء أن يكون من الخلف الصالح الذين قال فيهم رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم3: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال ~~المبطلين" والجهاد باللسان أحد أنواع الجهاد سبله وفي الحديث4: "أفضل ~~الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" وقد أحسن من قال في هذا المعنى شعرا: # جاهدت فيك بقولي يوم يختصم ال ... أبطال إذ فات سيفي يوم يمتصع5 # عن اللسان لوصال إلى طرق ... في الحق لا تهتديها الذبل السرع # ثم قال: "ولا ينبغي أن سنتوحش الظافر بالحق من كثرة المخالفين له، كما لا ~~يستوحش الزاهد من كثرة الراغبين، ولا المتقى من كثرة العاصين ولا الذاكر من ~~كثرة الغافلين ينبغي منه أن يستعظم المنة باختصاصة بذلك مع كثرة الجاهلين ~~له الغافلين عنه، وليوطن نفسه على ذلك فقد صح عن رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم وآله وسلم- أنه قال: "عن هذا الدين بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ ~~فطوبى للغرباء! " رواه مسلم في الصحيح من ms019 حديث أبي هريرة ورواه الترمذي من ~~حديث ابن مسعود وقال: "هذا حديث حسن صحيح" ورواه ابن ماجه وعبد الله بن ~~أحمد من حديث أنس وروى البخاري نحوه بغير لفظه من حديث ابن عمر وعن أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب عليه أفضل السلام عن رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- أنه قال: "طلب الحق غربة" رواه الحافظ الأنصاري في أول كتابه: "منازل ~~السائرين إلى الله" من حديث جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن جده وقال: "هذا ~~حديث غريب، لم اكتبه عاليا إلا من رواية علان، ولذلك شواهد قوية عن تسعة من ~~الصحابة ذكرها البيهقي في: "مجمع الزوائد" فنسأل الله أن يرحم غربتنا في ~~الحق، ويهدي ضالنا ولا يردنا عن أبواب رجائه، ودعائه وطلبه محرومين إنه ~~مجيب الداعين، وهادي المهتدين وأرحم الراحمين. PageV01P056 ### $ 7- أجر المتمسك بالسنة إذا اتبعت الأهواء وأوثرت الدنيا: # عن أبي ثعلبة الخشنى -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم: "ايتمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، حتى إذا رأيتم شحا مطاعا وهوى ~~متبعا، ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بنفسك، ودع عنك أمر ~~العوام فإن من ورائكم أياما الصبر فيهن كالقبض على الجمر؛ للعامل فيهن مثل ~~أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله". رواه ابن ماجه والترمذي وقال: "حديث حسن ~~غريب" وأبو داود وزاد قيل: يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجر خمسين ~~رجلا منا أو منهم، قال: "بل أجر خمسين منكم". # وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي قال: "المتمسك بسنتي عند فساد ~~أمتي له أجر شهيد" رواه الطبراني ورواه البيهقي من رواية الحسن بن قتيبة عن ~~ابن عباس رفعه: "من تمسك بسنتي عند فساد أمتي فله أجر مائة شهيد". # وعن معقل بن يسار -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ~~"عبادة في الهرج 1 كهجرة إلي" رواه مسلم والترمذي وابن ماجه. PageV01P057 ### $ 8- بيان أن الوقيعة في أهل الأثر من علامات أهل البدع: # قال الإمام الحافظ أبو حاتم الرازي: "علامة أهل البدع الوقيعة في أهل ms020 ~~الأثر وعلامة الجهمية أن يسموا أهل السنة مشبهة ونابتة وعلامة القدرية أن ~~يسمعوا أهل السنة مجبرة، وعلامة الزنادقة أن يسموا أهل الأثر حشوية" نقله ~~عنه الذهبي في كتاب: "العلو". # وقال الإمام العارف الرباني الشيخ عبد القادر الجيلاني قدس الله سره في ~~كتاب: "الغنية" نحو ما ذكر وزاد1: "وعلامة الرافضة تسميتهم أهل السنة ~~عاصبيه وكل ذلك عصبية، وغياظ لأهل السنة ولا اسم لهم إلا اسم واحد وهو: ~~"أصحاب الحديث" ولا يلتصق بهم ما لقيهم به أهل البدع كما لم يلتصق بالنبي ~~تسمية كفار مكة ساحرا، وشاعرا ومجنونا ومفتونا وكاهنا، ولم يكن اسمه عند ~~الله وعند ملائكته وعند أنسه وجنه وسائر خلقه إلا رسولا نبيا بريا من ~~العاهات كلها: {انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا} 2. ا. ~~ه. # وزاد شيخ الإسلام ابن تيميه: "أن المرجئة تسميهم شكاكا، قالوا: وهذا ~~علامة الإرث الصحيح والمتابعة التامة فإن السنة هي ما كان عليه رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- اعتقادا واقتصادا وقولا وعملا فكما كان المنحرفون عنه ~~يسمونه بأسماء مذمومة مكذوبة وإن اعتقدوا صدقها بناء على عقيدتهم الفاسدة ~~فكذلك التابعون له على بصيرة الذين هم أولى الناس بها في المحيا والممات ~~باطنا". ا. ه. PageV01P058 ### $ 9- ما روي أن الحديث من الوحي: # عن المقدام بن معديكرب قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "ألا ~~أوتيت القرآن، ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول علكم بهذا ~~القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه وإن ما ~~حرم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما حرم الله". رواه أبو داود والدارمي ~~وابن ماجه. # وعن حسان بن عطية قال: "كان جبريل عليه السلام ينزل على رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- بالنسبة كما ينزل عليه بالقرآن، ويعلمه إياها كما يعلمه ~~القرآن". # وعن مكحول قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "آتاني الله القرآن ~~ومن الحكمة مثليه" أخرجهما أبو داود في مراسيله. # قال أبو البقاء في كلياته: "والحاصل أن القرآن والحديث يتحدان في ms021 كونهما، ~~وحيا منزلا من عند الله بدليل: {إن هو إلا وحي يوحى} 1، إلا أنهما يتفارقان ~~من حيث إن القرآن هو المنزل للإعجاز والتحدي به بخلاف الحديث، وإن ألفاظ ~~القرآن مكتوبة في اللوح المحفوظ، وليس لجبريل عليه السلام، ولا للرسول عليه ~~الصلاة والسلام أن يتصرفا فيها أصلا، وأما الأحاديث فيحتمل أن يكون النازل ~~على جبريل معنى صرفا فكساه حلة العبارة وبين الرسول بتلك العبارة أو ألهمه ~~كما نتفقه2، فأعرب الرسول بعبارة تفصح عنه". ا. ه. # وفي المراقاة أن "منهم"3 من قال بأنه عليه الصلاة والسلام كان مجتهدا ~~ينزل اجتهاده منزلة الوحي لأنه لا يخطئ وإذا أخطأ ينبه عليه بخلاف غيره. # وفيها عن الشافعي أنه قال: "كل ما حكم به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~فهو مما فهمه من القرآن، قال: لقوله -صلى الله عليه وسلم4: "إني لا أحل إلا ~~ما أحل الله في كتابه ولا أحرم إلا ما حرم الله في كتابه" وقال: "جميع ما ~~تقوله الأئمة شرح للسنة جميع السنة شرح للقرآن" وقال: "ما نزل بأحد من ~~الدين نازلة إلا وهي في كتبا الله تعالى". # وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود: "إذا حدثتكم بحديث أنبأتكم بتصديقه من ~~كتاب الله". وعن ابن جبير: "ما بلغني حديث على وجهه إلا وجدت مصداقه في ~~كتاب الله تعالى". ا. ه. PageV01P059 ### $ 10- أيادي المحدثين البيضاء على الأمة وشكر مساعيهم: # يقول جامعه الفقير: # من أين للبليغ أن يحصي أيادي المحدثين، وهم الذين عشقوا الهدى النبوي دون ~~العالمين، فتتبعوه ممن بدا وحضر، وكابدوا لأخذه أهوال السفر! فكم جابوا ~~صحاري تتلظى يلظي الرمضاء، وقطعوا عن العمران فيافي تستدعي اليأس، وتروع ~~الأحشاء فحفظوا، ووعوا ولعهد النفر للتفقه في الدين رعوا، ودفعوا عن الدين ~~صنع الوضاعين، وانتحال المفترين وذبوا الكذب عن كلام الرسول الصادق بما ~~مهدوه من تحري كل راو موافق فدونوا ما سمعوه بالسند، فرارا عن الرمي باتباع ~~الأهواء، وتحكيم الآراء فاستبرءوا لدينهم بجليل هذا الاحتياط، ودربوا الأمة ~~على التثبت في توثيق عرى الارتباط رحماك اللهم فالاعتراف بآثرهم الحسنة ms022 ~~أمر، واجب وشكر فضلهم لا يقص عنه إلا من هو عن الاتباع ناكب أفليست ~~دواوينهم بعد القرآن دعائم الإسلام التي قامت عليها صروحه، وأعضاد الدين ~~التي بأن منها صريحه لا جرم لولا أخذهم بناصية ما دونوه من صحيح السنة ~~لانثالت على الناس جراثيم الأباطيل المستكنة التي رزى بها الدين في عصر ~~الوضاعين المنافقين الذين دخلوا في دين الله للتشويش فرد الله كيدهم بتنقيب ~~المحدثين من خرافاتهم ودأبهم في التفتيش حتى أشرقت شموس صحاح الأخبار ~~وانبعثت أشعتها في الأقطار وتمزقت عن البصائر حجب الجهالة وأغشية الضلالة، ~~فرحم الله تلك الأنفس التي نهضت لتأييد الدين، ورضى عمن أحيا آثارهم من ~~اللاحقين. آمين. # PageV01P060 ### | الباب الثاني: في معنى الحديث وفيه مباحث ### | ماهية الحديث والخبر والأثر # ... # الباب الثاني: في معنى الحديث؛ وفيه مباحث ### | 1- # ماهية الحديث والخير والأثر: # اعلم: أن هذه الثلاثة مترادفة عند المحدثين على معنى ما أضيف إلى النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- قولا أو فعلا أو تقريرا أو صفة وفقهاء خراسان يسمعون ~~الموقوف أثرا والمرفوع خبرا وعلى هذه التفرقة جرى كثير من المصنفين وقال ~~أبو البقاء1: الحديث هو اسم من التحديث وهو الإخبار ثم سمي به قول أو فعل ~~أو تقرير نسب إلى النبي عليه الصلاة والسلام ويجمع على: "أحاديث" على خلاف ~~القياس. قال الفراء: واحد الأحاديث أحدوثة ثم جعلوه جمعا للحديث، وفيه أنهم ~~لم يقولوا أحدوثة النبي. وفي الكشاف: "الأحاديث اسم جمع ومنه حديث النبي". ~~وفي البحر: ليس الأحاديث باسم جمع، بل هو جمع تكسير لحديث على غير القياس ~~كأباطيل، واسم الجمع يأت على هذا الوزن وإنما سميت هذه الكلمات، والعبارات ~~أحاديث كما قال الله تعالى {فليأتوا بحديث مثله} 2 لأن الكلمات إنما تتركب ~~من الحروف المتعاقبة المتوالية، وكل واحد من تلك الحروف يحدث عقيب صاحبه؛ ~~أو لأن سماعها يحدث في القلوب من العلوم والمعاني والحديث نقيض القديم كأنه ~~لوحظ فيه مقابلة القرآن والحديث ما جاء عن النبي والخبر ما جاء عن غيره ~~وقيل بينهما عموم وخصوص مطلق فكل حديث خبر من غير ms023 عكس". والأثر: ما روي عن ~~الصحابة ويجوز إطلاقه على كلام النبي أيضا". ا. ه. PageV01P061 # وفي التدريب1: "يقال أثرت الحديث بمعنى رويته، ويسمى المحدث أثريا نسبة ~~للأثر". # وقال الإمام تقي الدين بن تيميه في بعض فتاويه: "الحديث النبوي: هو عند ~~الإطلاق ينصرف إلى ما حدث به عنه -صلى الله عليه وسلم- بعد النبوة، من ~~قوله، وفعله، وإقراره، فإن سنته ثبتت من هذه الوجوه الثلاثة، فما قاله، إن ~~كان خبرا، وجب تصديقه به، وإن كان تشريعا إيجابا أو تحريما أو إباحة وجب ~~اتباعه فيه، فإن الآيات الدالة على نبوة الأنبياء، دلت على أنهم معصومون ~~فيما يخبرون به عن الله عز وجل فلا يكون خبرهم إلا حقا، وهذا معنى النبوة ~~وهو يتضمن أن الله ينبئه بالغيب وأنه ينبئ الناس بالغيب، والرسول مأمور ~~بدعوة الخلق وتبليغهم رسالات ربه". وقد روي أن عبد الله بن عمرو كان يكتب ~~ما يسمع من النبي فقال له بعض الناس: "إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~يتكلم في الغضب فلا تكتب كل ما تسمع". فسأل النبي عن ذلك فقال2: "اكتب! ~~فوالذي نفسي بيده ما خرج من بينهما إلا حق". يعني شفتيه الكريمتين وقد ثبت ~~عن أبي هريرة أنه قال: "لم يكن أحد من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- أحفظ مني إلا عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب بيده ويعي بقلبه، وكنت ~~أعي بقلبي ولا أكتب بيدي". وكان عند آل عبد الله بن عمرو بن العاص نسخة ~~كتبها عن النبي وبهذا طعن بعض الناس في حديث عمرو بن محمد بن عبد الله بن ~~عمرو بن العاص وقالوا: "إن عنى جده الأدنى محمدا، فهو مرسل فإنه لم يدرك ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- وإن عنى جده الأعلى فهو منقطع فإن شعيبا لم ~~يدركه" وأما أئمة الإسلام، وجمهور العلماء فيحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن ~~أبيه عن جده إذا صح النقل إليه مثل مالك بن أنس وسفيان بن عيينة ونحوهما، ~~ومثل الشافعي وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه وغيرهم قالوا: "الجد هو ms024 عبد ~~الله PageV01P062 # فإنه يجيء مسمى، ومحمد أدركه"، قالوا: "وإذا كانت نسخة مكتوبة من عهد ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- كان هذا أوكد لها وأدل على صحتها"، ولهذا كان ~~في نسخة عمرو بن شعيب من الأحاديث الفقهية، التي فيها مقدرات ما احتاج إليه ~~عامة علماء الإسلام. # والمقصود أن حديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- إذا أطلق دخل فيه ذكر ما ~~قاله بعد النبوة وذكر ما فعله فإن أفعاله التي أقر عليها حجة لا سيما إذا ~~أمرنا أن نتبعها كقوله1: "صلوا كما رأيتموني أصلى" وقوله2: "لتأخذوا عني ~~مناسككم". وكذلك ما أحله الله له فهو حلال للأمة ما لم يقم دليل التخصيص؛ ~~ولهذا قال: {فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج ~~في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا} 3 ولما أحل الله له الموهوبة قال: ~~{وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من ~~دون المؤمنين} 4 ولهذا كان النبي إذا سئل عن الفعل يذكر للسائل أنه يفعله ~~ليبين للسائل أنه مباح وكان إذا قيل له قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما ~~تأخر، قال5: "إني أخشاكم لله وأعلمكم بحدوده". ومما يدخل في مسمى حديثه ما ~~كان يقرهم عليه، مثل إقراره على المضاربة التي كانوا يعتادونها6، وإقراره ~~لعائشة على اللعب بالبنات7، وإقراره في الأعياد على مثل غناء الجاريتين8، ~~ومثل لعب الحبشة بالحراب في المسجد9، ونحو ذلك وإقراره لهم على أكل الضب ~~على مائدته10، وإن كان قد صح عنه أنه ليس PageV01P063 # بحرام، إلى أمثال ذلك؛ فهذا كله يدخل في مسمى الحديث، وهو المقصود بعلم ~~الحديث فإنه إنما يطلب ما يستدل به على الدين، وذلك إنما يكون بقوله أو ~~فعله أو إقراره، وقد يدخل فيها بعض أخباره قبل النبوة وبعض سيرته قبل ~~النبوة مثل تحنثه بغار حراء ومثل حسن سيرته لأن الحال يستفاد منه ما كان ~~عليه قبل النبوة من كرائم الأخلاق، ومحاسن الأفعال كقول خديجة له: "كلا ~~والله لا يخزيك الله إنك لتصل الرحم ms025 وتحمل الكل وتقري الضيف، وتكسب المعدوم ~~وتعين على نوائب الحق". ومثل المعرفة فإنه كان أميا لا يكتب، ولا يقرأ وإنه ~~كان معروفا بالصدق، والأمانة، وأمثال ذلك مما يستدل به على أحواله التي ~~تنفع في المعرفة بنبوته، وصدقة فهذه الأمور ينتفع بها في دلائل النبوة ~~كثيرا ولهذا يذكر مثل ذلك في كتب سيرته كما يذكر فيها نسبه وأقاربه وغير ~~ذلك من أحواله، وهذا أيضا قد يدخل في مسمى الحديث، والكتب التي فيها أخباره ~~منها كتب التفسير ومنها كتب السيرة، والمغازي ومنها كتب الحديث، وكتب ~~الحديث هي ما كان بعد النبوة أخص، وإن كان فيها أمور جرت قبل النبوة فإن ~~تلك لا تذكر لتوحد وشرع فعله قبل النبوة بل قد أجمع المسلمون على أن الذي ~~فرض على العباد الإيمان بهن والعمل هو ما جاء به بعد النبوة". ا. ه. # PageV01P064 ### $ 2- بيان الحديث القدسي: # قال العلامة الشهاب ابن حجر الهيتمي في شرح الأربعين النووية، في شرح ~~الحديث الرابع والعشرين المسلسل بالدمشقيين وهو حديث أبي ذر الغفاري -رضي ~~الله عنه، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه عن ربه تعالى أنه قال: ~~"يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ... " ~~الحديث ما نصه: # "فائدة يعم نفعها، ويعظم وقعها في الفرق بين الوحي المتلو وهو: "القرآن" ~~والوحي المروي عنه -صلى الله عليه وسلم- عن ربه عز وجل، وهو ما ورد من ~~الأحاديث الإلهية وتسمى: "القدسية"؛ وهي أكثر من مائة، وقد جمعها بعضهم في ~~جزء كبير. وحديث: "أبي ذر" هذا من أجلها: # PageV01P064 # اعلم: أن الكلام المضاف إليه تعالى أقسام ثلاثة: # أولها- وهو أشرفها: "القرآن" لتميزه عن البقية بإعجازه من أوجه كثيرة، ~~وكونه معجزة باقية على مر الدهر محفوظة من التغيير، والتبديل وبحرمة سمه ~~لمحدث، وتلاوته لنحو الجنب، وروايته بالمعنى وبتعينه في الصلاة، وبتسميته ~~قرآنا وبأن كل حرف منه بعشر حسنات، وبامتناع بيعه في رواية عند أحمد ~~وكراهته عندنا، وبتسمية الجملة منه آية وسورة وغيره من بقية الكتب، ~~والأحاديث القدسية لا يثبت لها شيء من ذكر ms026 فيجوز مسه، وتلاوته لمن ذكر ~~وروايته بالمعنى ولا يجري في الصلاة بل يبطلها، ولا يسمى قرآنا ولا يعطى ~~قارئة بكل حرف عشرا، ولا يمنع بيعه ولا يكره اتفاقا ولا يسمى بعضه آية ولا ~~سورة اتفاقا أيضا. # ثانيها- كتب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبل تغييرها وتبديلها. # ثالثها- بقية الأحاديث القدسية وهي ما نقل إلينا آحادا عنه -صلى الله ~~عليه وسلم- مع إسناده لها عن ربه، فهي من كلامه تعالى فتضاف إليه وهو ~~الأغلب، ونسبتها إليه حينئذ نسبة إنشاء لأنه المتكلم بها أولا وقد تضاف إلى ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- لأنه المخبر بها عن الله تعالى بخلاف القرآن ~~فإنه لا تضاف إلا إليه تعالى فيقال فيه: "قال الله تعالى" وفيها: "قال رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- فيما يروي عن ربه تعالى" واختلف في بقية السنة ~~هل هو كله يوحى أو لا وآية: {وما ينطق عن الهوى} 1 تؤيد الأول؟ ومن ثم قال ~~-صلى الله عليه وسلم2: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه". ولا تنحصر تلك ~~الأحاديث القدسية في كيفية من كيفيات الوحي بل يجوز أن تنزل بأي كيفية من ~~كيفياته كرؤيا النوم، والإلقاء في الروع وعلى لسان الملك، ولراويها صيغتان ~~إحداهما أن يقول: "قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "قال الله تعالى ~~فيما رواه عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والمعنى واحد". ا. ه. ~~PageV01P065 # وفي كليات أبي البقاء في الفرق بين القرآن والحديث القدسي1: "أن القرآن ~~ما كان لفظه ومعناه من عند الله بوحي جلي، وأما الحديث القدسي، فهو ما كان ~~لفظه من عند الرسول، ومعناه من عند الله بالإلهام أو المنام". وقال بعضهم: ~~"القرآن لفظ معجز، ومنزل بواسطة جبريل، والحديث القدسي غير معجز، وبدون ~~الواسطة، ومثله يسمى بالحديث القدسي والإلهي والرباني" وقال الطيبى: ~~"القرآن هو اللفظ المنزل به جبريل على النبي -صلى الله عليه وسلم- والقدسي ~~إخبار الله معناه بالإلهام أو بالمنام فأخبر النبي أمته بعبارة نفسه، وسائر ~~الأحاديث لم يضفها إلى الله تعالى ولم يروها عنه تعالى". ا. ه. # وقال العلامة السيد أحمد ms027 بن المبارك رحمه اله تعالى في الإبريز2: "وسألته ~~-يعني أستاذه نجم العرفان السيد عبد العزيز الدباغ قدس سره- الفرق بين هذه ~~الثلاثة يعني القرآن والحديث القدسي وغير القدسي فقال قدس سره: # "الفرق بين هذه الثلاثة وإن كانت كلها خرجت من بين شفتيه -صلى الله عليه ~~وسلم- وكلها معها أنوار من أنواره -صلى الله عليه وسلم: أن النور الذي في ~~القرآن، قديم من ذات الحق سبحانه لأن كلامه تعالى قديم والنور الذي في ~~الحديث القدسي من روحه -صلى الله عليه وسلم- وليس هو مثل نور القرآن، فإن ~~نور القرآن قديم، ونور هذا ليس بقديم، والنور الذي في الحديث الذي ليس ~~بقدسي من ذاته -صلى الله عليه وسلم- فهي أنوار ثلاثة، اختلفت بالإضافة، ~~فنور القرآن من ذات الحق سبحانه، ونور الحديث القدسي من روحه -صلى الله ~~عليه وسلم- نور ما ليس بقدسي من ذاته -صلى الله عليه وسلم." # فقلت: "ما الفرق بين نور الروح ونور الذات؟ ". # فقال -رضي الله عنه: "الذات خلقت من تراب، ومن التراب خلق سائر العباد؛ ~~والروح من الملأ الأعلى، وهم أعرف الخلق بالحق سبحانه، وكل واحد يحن إلى ~~أصله فكان نور الروح متعلقا بالحق سبحانه ونور الذات متعلقا بالخلق؛ فلذات ~~ترى الأحاديث القدسية تتعلق بالحق سبحانه وتعالى بتبيين عظمته أو لإظهار ~~رحمته أو بالتنبيه على سعة ملكه وكثرة عطائه فمن الأول حديث: "يا عبادي لو ~~أن أولكم وآخركم، PageV01P066 # وإنسكم وجنكم ... " إلى آخره وهو حديث أبي ذر في مسلم. ومن الثاني حديث: ~~"أعددت لعبادي الصالحين ... " 1 الحديث. ومن الثالث حديث: "يد الله ملأى، ~~لا يغيضها نفقه، سحاء الليل والنهار ... " 2 إلخ وهذه من علوم الروح في ~~الحق سبحانه، وترى الأحاديث التي ليست بقدسية تتكلم على ما يصلح البلاد، ~~والعباد بذكر الحلال، والحرام والحث على الامتثال بذكر الوعد والوعيد". هذا ~~بعض ما فهمت من كلامه -رضي الله عنه- والحق أني لم أوف به، ولم آت بجميع ~~المعنى الذي أشار إليه. # فقلتك: "الحديث القدسي من كلام الله عز وجل أم لا؟ ". # فقال: "ليس هو من كلامه وإنما ms028 هو من كلام النبي -صلى الله عليه وسلم:". # فقلت: "فلم أضيف للرب سبحانه فقيل فيه: "حديث قدسي" وقيل فيه: "فيما ~~يرويه عن ربه"، وإذا كان من كلامه عليه السلام فأي رواية له فيه عن ربه ~~وكيف نعمل مع هذه الضمائر في قوله: "يا عبادي لو أن أولكم وآخركم ... " إلخ ~~وقوله: "أعددت لعبادي الصالحين ... " وقوله: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكاف ~~ر3 ... "؟ فإن هذه الضمائر لا تليق إلا بالله فتكون الأحاديث القدسية من ~~كلام الله تعالى وإن لم تكن ألفاظها لإعجاز ولا تعبدنا بتلاوتها". # فقال -رضي الله عنه- مرة: "إن الأنوار من الحق سبحانه تهب على ذات النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- حتى تحصل له مشاهدة خاصة -وإن كان دائما في المشاهدة- ~~فإن سمع من الأنوار كلام الحق سبحانه، أو نزل عليه ملك فذلك هو: "القرآن"؛ ~~وإن لم يسمع كلاما، ولا نزل عليه ملك فذلك وقت الحديث القدسي. فيتكلم عليه ~~الصلاة والسلام ولا يتكلم حينئذ إلا في شأن الربوبية بتعظيمها، وذكر ~~حقوقها، ووجه إضافة هذا الكلام إلى الرب سبحانه أنه كان مع هذه المشاهدة ~~التي اختلطت فيها الأمور حتى رجع الغيب شهادة، والباطن ظاهرا فأضيف إلى ~~الرب وقيل فيه: "حديث رباني"، وقيل فيه: "فيما يرويه عن PageV01P067 # ربه عز وجل"؛ ووجه الضمائر، أن كلامه عليه السلام، خرج على حكاية لسان ~~الحال التي شاهدها من ربه عز وجل. وأما الحديث الذي ليس بقدسي فإنه يخرج مع ~~النور الساكن في ذاته عليه السلام الذي لا يغيب عنها أبدا، وذلك أنه عز وجل ~~أمد ذاته عليه السلام بأنوار الحق كما أمد جرم الشمس بالأنوار المحسوسة ~~فالنور لازم للذات الشريفة لزوم نور الشمس لها. # وقال مرة أخرى: "وإذا فرضنا محموما دامت عليه الحمى على قدر معلوم ~~وفرضناها تارة تقوى حتى يخرج بها عن حسه، ويتكلم بما لا يدري وفرضناها مرة ~~أخرى تقوى، ولا تخرجه عن حسه ويبقي على عقله، ويتكلم بما يدري فصار لهذه ~~الحمى ثلاثة أحوال قدرها المعلوم، وقوتها المخرجة عن الحس وقوتها التي لا ~~تخرج عن الحس ms029 فكذا الأنوار في ذاته عليه السلام فإن كانت على القدر المعلوم ~~فما كان من الكلام حينئذ فهو الحديث الذي ليس بقدسي، وإن سطعت الأنوار ~~وشغلت في الذات حتى خرج بها عليه السلام عن حالته المعلومة فما كان من ~~الكلام حينئذ فهو كلام الله سبحانه، وهذه كانت حالته عليه السلام عند نزول ~~القرآن عليه، وإن سطعت الأنوار ولم تخرجه عن حالته عليه السلام فيما كان من ~~الكلام حينئذ قيل فيه: حديث قدسي". # وقال مرة: "إذا تكلم النبي -صلى الله عليه وسلم- وكان الكلام بغير ~~اختياره، فهو: "القرآن"، وإن كان باختياره، فإن سطعت حينئذ أنوار عارضة، ~~فهو الحديث القدسي وإن كانت الأنوار الدائمة فهو الحديث الذي ليس بقدسي ~~ولأجل أن كلامه لا بد أن تكون معه أنوار الحق سبحانه كان جميع ما يتكلم به ~~-صلى الله عليه وسلم- وحيا يوحى وباختلاف أحوال الأنوار افترق إلى الأقسام ~~الثلاثة والله أعلم". # قال السيد أحمد بن المبارك: "فقلت هذا كلام في غاية الحسن ولكن ما الدليل ~~على أن الحديث القدسي ليس من كلامه عز وجل؟ ". # فقال -رضي الله عنه: "كلامه تعالى لا يخفى" فقلت: "بكشف؟ " فقال -رضي ~~الله عنه: "بكشف وبغير كشف، ولك من له عقل، وأنصت للقرآن ثم أنصت لغيره ~~أدرك # PageV01P068 # الفرق لا محالة. والصحابة -رضي الله عنهم- أعقل الناس، وما تركوا دينهم ~~الذي كانت عليه الآباء إلا بما وضح من كلامه تعالى، ولو لم يكن عند النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- إلا ما يشبه الأحاديث القدسية ما آمن من الناس أحد، ~~ولكن الذي ظلت له الأعناق خاضعة هو القرآن العزيز الذي هو كلام الرب سبحانه ~~وتعالى. # فقلت له: "ومن أين لهم أنه كلام الرب تعالى وإنما كانوا على عبادة ~~الأوثان، ولم تسبق لهم معرفة بالله عز وجل، حتى يعلموا أنه كلامه وغاية ما ~~أدركوه أنه كلام خارج عن طوق البشر فلعله من عند الملائكة مثلا؟ ". # فقال -رضي الله عنه: "كل من استمع القرآن، وأجرى معانيه على قلبه علم ~~علما ضروريا أنه كلام الرب سبحانه فإن العظمة التي ms030 فيه والسطوة التي عليه ~~ليست إلا عظمه الربوبية، وسطوة الألوهية والعاقل الكيس إذا استمع لكلام ~~السلطان الحادث ثم استمع لكلام رعيته، وجد لكلام السلطان نفسا به يعرف حتى ~~إنا فرضناه أعمى، وجاء إلى جماعة يتكلمون والسلطان معمور فيهم، وهم ~~يتناوبون الكلام لميز كلام السلطان من غيره بحيث لا تدخله في ذلك ريبة هذا ~~في الحادث مع الحادث فكيف بكلام القديم، وقد عرف الصحابة -رضي الله عنهم- ~~من القرآن ربهم عز وجل وعرفوا صفاته وما يستحقه من ربوبيته، وقام لهم سماع ~~القرآن في إفادة العلم القطعي به عز وجل مقام المعاينة والمشاهدة وحتى صار ~~الحق سبحانه عندهم بمنزلة الجليس ولا يخفى على أحد جليسه؟ ". # ثم نقل ابن المبارك كلام أستاذه المنوه به، في ما يعرف به كلامه تعالى ~~فانظره، وما نقلنا بحثه المذكور إلا لنفاسته لأنه منزع بديع ينشرح له القلب ~~والله العليم. # PageV01P069 ### $ 3- ذكر أول من دون الحديث: # قال الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري1: "اعلم -علمني الله وإياك- أن ~~آثار النبي -صلى الله عليه وسلم- لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مدونة ~~في الجوامع، ولا مرتبه لأمرين: # أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نهوا عن ذلك كما ثبت في صحيح ~~مسلم، خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن العظيم. # وثانيهما: لسعة حفظهم وسيلان أذهابهم، ولأن أكثرهم كانوا لا يعرفون ~~الكتابة ثم حدث في أواخر عصر التابعين تدوين الآثار، وتبويب الأخبار لما ~~انتشر العلماء في الأمصار، وكثر الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري ~~الأقدار. # فأول من جمع ذلك: "الربيع بن صبيح" و"سعيد بن أبي عروبة" وغيرهما. وكانوا ~~يصنفون كل باب على حدة إلى أن قام كبار أهل الطبقة الثالثة، فدونوا ~~الأحكام. # فصنف الإمام مالك: "الموطأ" وتوخى فيه القوي من حديث أهل الحجاز، ومزحه ~~بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين، ومن بعدهم وصنف أبو محمد عبد الملك بن عبد ~~العزيز بن جريح بمكة، وأبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي بالشام، وأبو ~~عبد الله سفيان بن سعيد الثوري بالكوفة وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار ms031 ~~بالبصرة ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم إلى أن رأى بعض ~~الأئمة منهم أن يفرد حديث النبي خاصة وذلك على رأس المائتين فصنف عبيد الله ~~بن موسى العبسي الكوفي مسندا وصنف مسدد بن مسرهد البصري مسندا وصنف أسد بن ~~موسى الأموي سندا وصنف نعيم بن حماد الخزاعي نزيل مصر مسندا". # "ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك آثرهم فقل إمام من الحفاظ إلا وصنف حديثه على ~~المسانيد كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه وعثمان بن شيبة وغيرهم من ~~النبلاء". PageV01P070 # "ومنهم من صنف على الأبواب وعلى المسانيد معا كأبي بكر بن أبي شيبة". # "ولما رأى البخاري هذه التصانيف ورواها، وجدها جامعة للصحيح والحسن، ~~والكثير منها يشمله التضعيف، فحرك همته لجمع الحديث الصحيح وقوى همته لذلك ~~ما سمعه من أستاذه الإمام إسحاق بن راهويه حيث قال لمن عنده والبخاري فيهم: ~~"لو جمعتم كتابا مختصرا لصحيح سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم" قال ~~البخاري: "فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع الجامع الصحيح". ا. ه. # قال السيوطي: "وهؤلاء المذكورون في أول من جمع، كلهم من أثناء المائة ~~الثانية، وأما ابتداء تدوين الحديث فإنه وقع على رأس المائة في خلافة عمر ~~بن عبد العزيز". وأفاد الحافظ في الفتح أيضا: أن أول من دون الحديث ابن ~~شهاب بأمر عمر بن عبد العزيز كما رواه أبو نعيم من طريق محمد بن الحسن عن ~~مالك قال: "أول من دون العلم ابن شهاب -يعني الزهري-" وأخرج الهروي في ذم ~~الكلام من طريق يحيى بن سعيد عن عبد الله بن دينار قال: "لم يكن الصحابة، ~~ولا التابعون يكتبون الأحاديث إنما كانوا يؤدونها لفظا ويأخذونها حفظا إلا ~~كتاب الصدقات والشيء اليسير الذي يقف عليه الباحث بعد الاستقصاء حتى خيف ~~عليه الدروس وأسرع في العلماء الموت أمر عمر بن عبد العزيز أبا بكر الحزمي ~~فيما كتب إليه أن انظر ما كان من سنة أو حديث فاكتبه". # وقال مالك في الموطأ، رواية محمد بن الحسن: "أخبرنا يحيى بن ms032 سعيد، أن عمر ~~بن عبد العزيز، كتب إلى أبي بكر بن عمرو بن حزم أن: "انظر ما كان من حديث ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو سنة أو حديث أو نحو هذا فاكتبه لي فإني ~~خفت دروس العلم، وذهاب العلماء" علقه البخاري في صحيحه، وأخرجه أبو نعيم في ~~تاريخ أصبهان بلفظ كتب عمر بن عبد العزيز إلى الآفاق: "انظروا حديث رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- فاجمعوه". # وروى عبد الرزاق عن ابن وهب سمعت مالكا يقول: "كان عمر بن عبد العزيز ~~يكتب إلى الأمصار يعلمهم السنن، والفقه، ويكتب إلى المدينة يسألهم عما مضى، ~~وأن يعملوا بما عندهم، ويكتب إلى أبي بكر بن حزن أن يجمع السنن ويكتب بها ~~إليه" فتوفي عمر وقد كتب ابن حزم كتبا قبل أن يبعث بها إليه. ا. ه. # PageV01P071 ### $ 4- بيان أكثر الصحابة حديثا وفتوى: # في التقريب وشرحه1: "أكثرهم -يعني الصحابة- حديثا، أبو هريرة، روى خمسة ~~آلاف وثلائمائة وأربعة وسبعين حديثا؛ وروى عنه أكثر من ثمانمائة رجل وهو ~~أحفظ الصحابة أسند البيهقي عن الشافعي أنه قال: "أبو هريرة أحفظ من روى ~~الحديث في دهره". وروى ابن سعد أن ابن عمر كان يترحم عليه في جنازته ويقول: ~~"كان يحفظ على المسلمين حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- "ثم عبد الله بن ~~عمر روى ألفي حديث وستمائة وثلاثين حديثا ثم أنس بن مالك روى ألفين، ~~ومائتين وستة وثمانين حديثا ثم ابن عباس روى ألفا وستمائه وستين حديثا. ثم ~~جابر بن عبد الله روى ألفا وخمسائة وأربعين حديثا. ثم أبو سعيد الخدري سعد ~~بن مالك روى ألفا ومائة وسبعين حديثا. ثم عائشة الصديقة أم المؤمنين روت ~~ألفين ومائتين وعشرة وليس في الصحابة من يزيد حديثه على ألف غير هؤلاء ~~وإياهم عني من أنشد: # سبع من الصحب فوق الألف قد نقلوا ... من الحديث عن المختار خير مضر # أبو هريرة، سعد، جابر، أنس ... صديقة، وابن عباس، كذا ابن عمر2 # وأما أكثرهم فتوى فقال ابن حزم: "أكثرهم فتوى مطلقا عمر، وعلي، وابن ~~مسعود، وابن عمر، وابن ms033 عباس، وزيد بن ثابت وعائشة". # قال: "ويمكن أن يجمع من فتيا كل واحد من هؤلاء مجلد ضخم". # قال: "وليهم عشرون أبو بكر، وعثمان، وأبو موسى، ومعاذ، وسعد بن أبي وقاص، ~~وأبو هريرة، وأنس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وسلمان، وجابر، وأبو سعيد، ~~PageV01P072 # وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وعمران بن حصين، وأبو بكر، وعبادة ~~بن الصامت، ومعاوية، وابن الزبير، وأم سلمة". # قال: "ويمكن أن يجمع من فتيا كل واحد منهم جزء صغير". # قال: "وفي الصحابة نحو مائة وعشرين نفسا، يقلون في الفتيا جدا، لا يروى ~~عن الواحد منهم إلا المسألة أو المسألتان أو الثلاث، كأبي بن كعب وأبي ~~الدرداء وأبي طلحة والمقداد ... " وسرد الباقين. # وقال الإمام محمد بن سعد في الطبقات: قال محمد بن عمر الأسلمى: "إنما قلت ~~الرواية عن الأكابر من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأنهم ماتوا ~~قبل أن يحتاج إليهم وإنما كثرت عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب لأنهما ~~وليا فسئلا، وقضيا بين الناس وكل أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~كانوا أئمة يقتدى بهم ويحفظ عنهم ما كانوا يفعلون ويستفتون فيفتون وسمعوا ~~أحاديث فأدوها فكان الأكابر من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أقل ~~حديثا عنه من غيرهم مثل أبي بكر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي ~~وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي عبيدة بن الجراح، وسعيد بن زيد بن عمرو بن ~~نفيل، وأبي بن كعب وسعد بن عبادة، وعبادة بن الصامت وأسيد بن حضير، ومعاذ ~~بن جبل ونظرائهم فلم يأت عنهم من كثرة الحديث مثل ما جاء عن الأحداث من ~~أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مثل جابر بن عبد الله وأبي سعيد ~~الخدري، وأبي هريرة وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن ~~العاص وعبد الله بن عباس، ورافع بن خديج وأنس بن مالك والبراء بن عازب، ~~ونظرائهم لأنهم بقوا وطالت أعمارهم في الناس فاحتاج الناس إليهم ومضى كثير ~~من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومنهم ms034 من لم يحدث عن رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- شيئا ولعله أكثر له صحبة ومجالسة وسماعا من الذي حدث ~~عنه ولكنا حملنا الأمر في ذلك منهم على التوقي في الحديث، وعلى أنه لم يحتج ~~إليه لكثرة أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعلى الاستغال بالعبادة ~~والأسفار في الجهاد في سبيل الله حتى مضوا ولم يحفظ عنهم عن النبي -صلى ~~الله عليه وسلم- شيء". ا. ه. # PageV01P073 ### $ 5- ذكر صدور التابعين في الحديث وألفتيا: # وهم المعروفون بالفقهاء السبعة من أهل: المدينة سعيد بن المسيب، والقاسم ~~بن محمد بن أبي بكر الصديق، وعروة بن الزبير، وخارجه بن زيد بن ثابت، وأبو ~~سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وعبيد الله بن عتبة بن مسعود، وسليمان بن يسار ~~الهلالي هكذا عدهم أكثر علماء أهل الحجاز، وجعل ابن المبارك سالم بن عبد ~~الله بن عمر بدل أبي سلمة وجعل أبو الزناد بدلهما أبا بكر بن عبد الرحمن ~~وعدهم ابن المديني اثني عشر وزاد إسماعيل أخا خارجة وسالما وحمزة وزيدا أو ~~عبيد الله وبلالا بدل عبد الله بن عمر وأبان بن عثمان وقبيصة بن ذؤيب. # وعن الإمام أحمد بن حنبل: "أفضل التابعين ابن المسيب، قيل له: فعلقمة ~~والأسود؟ قال: هو وهما". # وعنه أيضا: "لا أعلم فيهم مثل أبي عثمان النهدي، وقيس بن أبي حازم ولقمة ~~ومسروق". # وعنه أيضا: "ليس أحد أكثر فتوى في التابعين من الحسن، وعطاء كان عطاء ~~مفتي البصرة". كذا في التقريب وشرحه1. PageV01P074 ### | الباب الثالث: في بيان علم الحديث؛ وفيه مسائل ### $ 1- ماهية علم الحديث؛ رواية ودراية وموضوعه وغايته: # قال عز الدين بن جماعة: "علم الحديث علم بقوانين يعرف بها أحوال السند ~~والمتن وموضوعه السند، والمتن وغايته معرفة الصحيح من غيره". # وقال ابن الأكفاني: "علم الحديث الخاص بالرواية علم يشتمل على نقل أقوال ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- وأفعاله وروايتها وضبطها وتحرير ألفاظها. وعلم ~~الحديث الخاص بالدراية علم يعرف منه حقيقة الرواية وشروطها، وأنواعها، ~~وأحكامها، وحال الرواة وشروطهم وأصناف المرويات وما يتعلق بها". # قال السيوطي: "فحقيقة الرواية نقل السنة ms035 ونحوها وإسناد ذلك إلى من عزى ~~إليه بتحديث وإخبار وغير ذلك؛ وشروطها: تحمل راويها لما يرويه بنوع من ~~أنواع التحمل، من سماع أو عرض أو إجازة ونحوها، وأنواعها الاتصال ~~والانقطاع، ونحوهما وأحكامها القبول، والرد وحال الرواة العدالة والجرح ~~وشروطهم في التحمل وفي الأداء سيأتي نبذة منه وأصناف المرويات المصنفات من ~~المساند والمعاجم والأجزاء وغيرهم، وما يتعلق بها: هو معرفة اصطلاح أهلها". # PageV01P075 ### $ 2- المقصود من علم الحديث: # قال الإمام النووي قدس الله سره في شرح خطبة مسلم ما نصه1: "إن المراد من ~~علم الحديث، تحقيق معاني المتون، وتحقيق علم الإسناد والمعلل، والعلة عبارة ~~عن معنى في الحديث خفي يقتضي ضعف الحديث مع أن ظاهره السلامة منها، وتكون ~~العلة تارة في المتن، وتارة في الإسناد وليس المراد من هذا العلم مجرد ~~السماع، ولا الإسماع ولا الكتابة بل الاعتناء بتحقيقه، والبحث عن خفي معاني ~~المتون، والأسانيد والفكر في ذلك ودوام الاعتناء به، ومراجعة أهل المعرفة ~~به ومطالعة كتب أهل التحقيق فيه، وتقييد ما حصل من نفائسه، وغيرها فيحفظها ~~الطالب بقلبه ويفيدها بالكتابة ثم يديم مطالعة ما كتبه، ويتحرى التحقيق ~~فيما يكتبه، ويتثبت فيه فإنه فيما بعد ذلك يصير معتمدا عليه، ويذاكر ~~بمحفوظاته من ذلك من يشتغل بهذا الفن سواء كان مثله في المرتبة أو فوقه أو ~~تحته فإن بالمذاكرة يثبت المحفوظ، ويتحرر ويتأكد ويتقرر، ويزداد بحسب كثرة ~~المذاكر، ومذاكرة حاذق في الفن ساعة أنفع من المطالعة، والحفظ ساعات بل ~~أياما، وليكن في مذاكرته متحريا الإنصاف قاصدا الاستفادة والإفادة غير ~~مترفع على صاحبه بقلبه ولا بكلامه ولا بغير ذلك من حاله، مخاطبا له ~~بالعبارة الجميلة اللينة فبهذا ينمو علمه، وتزكو محفوظاته والله أعلم". ~~PageV01P076 ### $ 3- حد المسند والمحدث والحافظ: # كثيرا ما يوجد في الكتب تلقيب من يعاني الآثار بأحدها، فيظن من لا وقوف ~~له على مصطلح القوم ترادفها وجواز التلقيب بها مطلقا، وليس كذلك. # بيانه أن المسند: "بكسر النون" هو من يروي الحديث بإسناده، سواء كان عنده ~~علم به أو ليس له إلا مجرد روايته، وأما المحدث ms036 فهو أرفع منه بحيث عرف ~~الأسانيد والعلل، وأسماء الرجال. وأكثر من حفظ المتون وسماع الكتب الستة ~~والمسانيد والمعاجم والأجزاء الحديثية، وأما الحافظ فهو مرادف للمحدث عند ~~السلف. # وقال الشيخ فتح الدين بن سيد الناس: "المحدث في عصرنا، من اشتغل بالحديث ~~رواية ودراية، وجمع بين رواته، وأطلع على كثير من الرواة والروايا في عصره، ~~وتميز في ذلك حتى عرف فيه حظه واشتهر فيه ضبطه فإن توسع في ذلك حتى عرف ~~شيوخه، وشيوخ طبقة بعد طبقة بحيث يكون ما يعرفه من كل طبقة أكثر مما يجهله ~~فهذا هو الحافظ، وأما ما يحكى عن بعض المتقدمين من قولهم كنا لا نعد صاحب ~~حديث من لم يكتب عشرين ألف حديث في الإملاء فذلك بحسب أزمنهم! ". # وقال الإمام أبو شامة: "علوم الحديث الآن ثلاثة أشرفها: حفظ متونه ومعرفة ~~غريبها وفقهها، والثاني حفظ أسانيدها ومعرفة رجالها وتمييز صحيحها من ~~سقيمها، والثالث جمعه وكتابته وسماعه وتطريقه وطلب العلو فيه". # قال الحافظ ابن حجر: "من جمع هذه الثلاث كان فقيها محدثا كاملا ومن انفرد ~~باثنين منها كان دونه" كذا في التدريب. # PageV01P077 ### | الباب الرابع: في معرفة أنواع الحديث وفيه مقاصد ### $ 1- بيان المجموع من أنواعه: # اعلم: "أن أئمة المصطلح، سردوا في مؤلفاتهم من أنواعه ما أمكن تقريبه، ~~وجملة ما ذكره النووي، والسيوطي في التدريب خمسة وستون نوعا وقال: "ليس ذلك ~~بآخر الممكن في ذلك، فإنه قابل للتنويع إلى ما لا يحصى إذ لا تحصى أحوال ~~رواه الحديث وصفاتهم ولا أحوال متون الحديث وصفاتها". # وقال الحازمي في كتاب العجالة: "علم الحديث يشتمل على أنواع كثيرة تبلغ ~~مائة؛ كل نزع منها علم مستقل.". ا. ه. # ومع ذلك فأنواع الحديث لا تخرج عن ثلاثة: حسن صحيح، وحسن، وضعيف. لأنه إن ~~اشتمل من أوصاف القبول على أعلاها فالصحيح أو على أدناها فالحسن أو لم ~~يشتمل على شيء منها فالضعيف وسترى تفصيل ما ذكر مع مهمات أنواعه على نمط ~~بديع. # PageV01P079 ### $ 2- بيان الصحيح: # قال أئمة الفن: "الصحيح ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله، وسلم ms037 عن ~~شذوذ وعلة، ونعني بالمتصل ما لم يكن مقطوعا بأي وجه كان فخرج المنقطع ~~والمعضل والمرسل على رأي من لا يقبله وبالعدل من لم يكن مستور العدالة ولا ~~مجروحا فخرج ما نقله مجهول عينا أو حالا أو معروف بالضعيف وبالضابط من يكون ~~حافظا متيقظا فخرج ما نقله مغفل كثير الخطأ. وبالشذوذ ما يرويه الثقة ~~مخالفا لرواية الناس. وبالعلة ما فيه أسباب خفية قادحة فخرج الشاذ والمعلل ~~وسيأتي بيان هذه المخرجات كلها إن شاء الله تعالى. # PageV01P079 ### | بيان الصحيح لذاته والصحيح لغيره # ... ### | 3- # بيان الصحيح لذاته الصحيح لغيره: # اعلم: "أن ما عرفناه أولا هو الصحيح لذاته لكونه اشتمل من صفات القبول ~~على أعلاها؛ وأما الصحيح لغيره فهو ما صحح لأمر أجنبي عنه إذ لم يشتمل عن ~~صفات القبول على أعلاها كالحسن: فإنه إذا روي من غير وجه. أرتقى بما عضده ~~من درجة الحسن إلى منزلة الصحة وكذا ما أعتضد بتلقي العلماء له بالقبول ~~فإنه يحكم له بالصحة وإن لم يكن له إسناد صحيح". وكذا ما وافق آية من كتاب ~~تعالى أو بعض أصول الشريعة. # قال ابن الحصار: "قد يعلم الفقيه صحة الحديث إذا لم يكن في سنده كذاب ~~بموافقة آية من كتاب الله أو بعض أصول الشريعة فيحمله ذلك على قبول ~~والعمل". # PageV01P080 ### $ 4- تفاوت رتب الصحيح: # تتفاوت رتب الصحيح بسبب تفاوت الأوصاف المقتضية للتصحيح في القوة فإنها ~~لما كانت مفيدة لغلبة الظن الذي علية مدار الصحة اقتضت أن يكون لها درجات ~~بعضها فوق بعض بحسب الأمور المقوية، وإذا كان كذلك فما يكون رواته في ~~الدرجة العليا من العدالة، والضبط وسائر الصفات التي توجب الترجيح كان أصح ~~مما دونه فمن المرتبة العليا في ذلك ما أطلق علية بعض الأئمة أنه أصح ~~الأسانيد كالزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه، وكمحمد بن سيرين عن ~~عبيدة بن عمر، والسلماني عن علي وكإبراهيم النخعي عن علقمة عن ابن مسعود ~~وكمالك عن نافع عن ابن عمر وهذا قول البخاري. # قال الإمام أبو منصور التميمى: "فعلى هذا ms038 أجل الأسانيد الشافعي عن مالك ~~عن نافع عن ابن عمر للإجماع على أن أجل الرواة عن مالك الشافعي وعليه ~~فأجلها رواية # الإمام أحمد بن حنبل عن الشافعي عن مالك للاتفاق على أن أجل من أخذ عن ~~الشافعي أهل الحديث الإمام أحمد وتسمى هذه الترجمة: "سلسلة الذهب". ~~والمعتمد عدم إطلاق أصح الأسانيد لترجمة معينة منها نعم يستفاد من مجموعة ~~ما أطلق الأئمة عليه ذلك أرجحيته على ما لم يطلقوه ويلتحق بهذا التفاضل ما ~~اتفق الشيخان على تخريجه بالنسبة إلى ما انفرد به أحدهما، وما انفرد به ~~البخاري بالنسبة إلى ما انفرد به مسلم لاتفاق العلماء بعدهما على تلقي ~~كتابهما بالقبول كذا في شرح النخبة والتدريب1. PageV01P080 ### $ 5- أثبت البلاد في الحديث الصحيح في عهد السلف: # قال الإمام تقي الدين بن تيميه رحمه الله تعالى: "اتفق أهل العلم بالحديث ~~على أن أصح الأحاديث ما رواه أهل المدينة ثم أهل البصرة ثم أهل الشام". # وقال الخطيب: "أصح طرق السنن، ما يرويه أهل الحرمين؛ مكة والمدينة، فإن ~~التدليس عنهم قليل، والكذب ووضع الحديث عندهم عزيز. ولأهل اليمن روايات ~~جيدة، وطرق صحيحة، إلا أنها قليلة، ومرجعها إلى أهل الحجاز أيضا. ولأهل ~~البصرة من السنن الثابتة بالأسانيد الواضحة، ما ليس لغيرهم من إكثارهم ~~والكوفيون مثلهم في الكثرة غير أن رواياتهم كثيرة الدغل قليلة السلامة من ~~العلل وحديث الشاميين أكثره مراسيل ومقاطيع وما اتصل منه مما أسنده الثقات ~~فإنه صالح والغالب عليه ما يتعلق بالمواعظ". # وقال هشام بن عروة: "إذا حدثك العراقي بألف حديث فالق تسعمائة وتسعين وكن ~~من الباقي في شك". # قال الحاكم: "أثبت أسانيد الشاميين الأوزاعي عن حسان بن عطية عن ~~الصحابة". # وقال الحافظ ابن حجر: "رجح بعض أئمتهم رواية سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة ~~بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر". كذا في التدريب. # أقول: يتعرف حديث رواة هذه البلاد من مثل مسند أحمد فإنه يترجم فيه بمسند ~~البصريين ومسند الشاميين وهكذا # PageV01P081 ### $ 6- أقسام الصحيح: # قال النووي رحمه الله تعالى: "الصحيح أقسام: أعلاها ما ms039 اتفق عليه البخاري ~~ومسلم، ثم ما انفرد به البخاري ثم ما انفرد به مسلم ثم ما كان على شرطهما ~~وإن لم يخرجاه، ثم على شرط البخاري ثم على شرط مسلم، ثم ما صححه غيرهما من ~~الأئمة فهذه سبعة أقسام". # قال العلامة قاسم قطلوبوغا في حواشيه على شرح النخبة لشيخه ابن حجر: ~~"الذي يقتضيه النظر، أن ما كان على شرطهما، وليس له علة يقدم على ما أخرجه ~~مسلم وحده لأن قوة الحديث إنما هي بالنظر إلى رجاله لا بالنظر إلى كونه في ~~كتاب كذا". ا. ه. # PageV01P082 ### $ 7- معنى قولهم أصح شيء في الباب كذا: # قال النووي رحمه الله تعالى: "لا يلزم من هذه العبارة صحة الحديث فإنهم ~~يقولون: "هذا أصح ما جاء في الباب" وإن كان ضعيفا ومرادهم أرجحة أو أقله ~~ضعفا" # PageV01P082 ### $ 8- أول من دون الصحيح: # قال النووي في التقريب1 "أول مصنف في الصحيح المجرد صحيح البخاري". # واحترز: "بالمجرد" عن الموطأ للإمام مالك فإنه وإن كان أول مصنف في ~~الصحيح، لكن لم يجرد فيه الصحيح، بل أدخل المرسل والمنقطع، والبلاغات وذلك ~~حجة عنده. وأما البخاري فإنه وإن أدخل التعاليق ونحوها لكنه أوردها ~~استئناسا واستشهادا فذكرها فيه لا يخرجه عن كونه جرح الصحيح كذا فرق ابن ~~حجر وتعقبه السيوطي بأن ما في الموطأ من المراسيل مع كونها حجة عندنا إذا ~~اعتضد وما من مرسل في الموطأ من المراسيل مع كونها حجة عنده بلا شرط وعند ~~من وافقه من الأئمة هي حجة عندنا لأن المرسل حجة عندنا إذا اعتضد وما في ~~مرسل في الموطأ إلا وله عاضد أو عواضد وقد صنف ابن عبد البر كتابا في وصل ~~ما في الموطأ من المرسل والمنقطع والمعضل". ا. ه. # وعليه فأول من صنف في الصحيح الإمام -رضي الله عنه. PageV01P083 ### $ 9- بيان أن الصحيح لم يستوعب في مصنف: # قال العلامة الأمير في شرح: "غرامي صحيح": "لم يستوعب الصحيح في مصنف ~~أصلا لقول البخاري: "أحفظ مائة ألف حديث من الصحيح ومائتي ألف من غيره" ولم ~~يوجد في الصحيحين بل ولا ms040 في بقية الكتب الستة هذا القدر من الصحيح". # وقال النووي رحمه الله: "إن البخاري ومسلما -رضي الله عنهما، لم يلتزما ~~استيعاب الصحيح بل صح عنهما تصريحهما بأنهما لم يستوعياه وإنما قصدا جمع ~~جمل من الصحيح كما يقصد المصنف في الفقه جمع جملة من مسائلة لا أنه يحضر ~~جميع مسائلة لكنهما إذا كان الحديث الذي تركاه أو تركه أحدهما مع صحة ~~إسناده في الظاهر أصلا في بابه ولم يخرجا له نظيرا ولا ما يقوم مقامه ~~فالظاهر من حالهما أنهما اطلعا فيه على علة إن كانا رأياه ويحتمل أنهما ~~تركاه نسيانا أو إيثارا لترك الإطالة أو رأيا أن غيره مما ذكراه يسد مسده ~~أو لغير ذلك والله أعلم. # وقال السخاوي في الفتح: "إن الشيخين لم يستوعبا كل الصحيح في كتابيهما، # PageV01P083 # بل لو قيل إنهما لم يستوعبا مشروطهما لكان موجها؛ وقد صرح كل منهما بعدم ~~الاستيعاب، وحينئذ فإلزام الدارقطني لهما في جزء أفرده بالتصنيف بأحاديث من ~~رجال الصحابة رويت عنهم من وجوه صحاح تركاها مع كونها على شرطهما". # وكذا قول ابن حبان: "ينبغي أن يناقش البخاري ومسلم في تركهما إخراج ~~أحاديث هي من شرطهما" ليس بلازم؛ ولذلك قال الحاكم: "ولم يحكما ولا واحد ~~منهما أنه لم يصح من الحديث غير ما خرجه هذا" وذكر السلفي في معجم السفر: ~~"أن بعضهم رأى في المنام أبا داود صاحب السنن في آخرين مجتمعين وأن أحدهم ~~قال: "كل حديث لم يروه البخاري فأفلت عنه رأس دابتك". # PageV01P084 ### $ 10- بيان أن الأصول الخمسة لم يفتها من الصحيح إلا اليسير: # قال النووي: "الصواب أنه لم يفت الأصول الخمسة من الصحيح إلا اليسير أعني ~~الصحيحين وسنن أبي داود والترمذي، والنسائي، ولا يقال إن أحاديثها دون ~~المقدار الذي عده البخاري المتقدم بكثير لأنا نقول: "أراد البخاري بلوغ ~~الصحيح مائة ألف بالمكرر والموقوف وآثار الصحابة والتابعين وفتاويهم مما ~~كان السلف يطلقون على كل منها اسم الحديث وهو متعين". # PageV01P084 ### $ 11- ذكر من صنف في أصح الأحاديث: # جمع الحافظ أبو الفضل عبد الرحيم العراقي فيما عد من ms041 أصح الأسانيد كتابا ~~في الأحكام رتبه على أبواب الفقه سماه: "تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد" ~~وهو كل كتاب لطيف جمعه من تراجم ستة عشر قيل فيها إنها أصح الأسانيد إما ~~مطلقا أو مقيدا ومع ذلك فقد فاته جملة من الأحاديث كما قاله ابن حجر. # PageV01P084 ### | بيان الثمرات المجتناة من شجرة الحديث المباركة # ... ### | 12- # بيان الثمرات المجتناة من شجرة الحديث الصحيح المباركة: # الثمرة الأولى: # صحة الحديث توجب القطع به، كما اختاره ابن الصلاح في الصحيحين، وجزم بأنه ~~هو القول الصحيح. # قال السخاوي في فتح المغيث: "وسبقه إلى القول بذلك في الخبر المتلقى ~~بالقبول الجمهور من المحدثين والأصوليين، وعامة السلف، بل وكذا غير واحد في ~~الصحيحين". # قال أبو أسحق الإسفراييني: "أهل الصنعة مجمعون على أن الأخبار التي اشتمل ~~عليها الصحيحان مقطوع بصحة أصولها، ومتونها ولا يحصل الخلاف فيها بحال، وإن ~~حصل فذاك اختلاف في طرقها ورواتها قال: "فمن خالف حكمه خبرا منها وليس له ~~تأويل سائغ للخبر نقضنا حكمه لأن هذه الأخبار تلقتها الأمة بالقبول". # ونقل السيوطي في التدريب1، في آخر الكلام على الفائدة الرابعة من مسائل ~~الصحيح عن الحافظ ابن نصر السجزي أنه قال: "أجمع الفقهاء، وغيرهم أن رجلا ~~لو حلف بالطلاق أن جميع ما في البخاري صحيح قال رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- لا شك فيه لم يحنث". ا. ه. # ونقل بد أيضا1 أن إمام الحرمين قال: "لو حلف إنسان بطلاق امرأته أن ما في ~~الصحيحين مما حكما بصحته من قول النبي ألزمته الطلاق لإجماع المسلمين على ~~صحته". ا. ه. # واستثنى ابن الصلاح من المقطوع بصحته فيهما ما تكلم فيه من أحاديثهما، ~~وقد أجاب عنها الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح بتمامها قال النووي: "ما ضعف ~~من أحاديثهما مبني على علل ليست بقادحة". # هذا وقيل إن صحة الحديث لا توجب القطع به في نفس الأمر لجواز الخطأ ~~والنسيان على الثقة، وعزاه النووي1 للأكثرين والمحققين، وأنهم قالوا:"إنه ~~يفيد الظن ما لم يتواتر" قال في شرح مسلم: "لأن ذلك شأن الآحاد، ولا فرق في ~~ذلك ms042 بين الشيخين PageV01P085 # وغيرهما، وتلقي الأمة بالقبول إنما أفاد وجوب العمل بما فيهما من غير ~~توقف على النظر فيه، بخلاف غيرهما فلا يعمل به حتى ينظر فيه ويوجد فيه شروط ~~الصحيح ولا يلزم من إجماع الأمة على العمل بما فيهما إجماعهم على القطع ~~بأنه كلام النبي -صلى الله عليه وسلم". # وناقش البلقيني النووي فيما اعتمده، وذكر أن ما قاله ابن الصلاح محكي عن ~~كثير من فضلاء المذاهب الأربعة وأنه مذهب أهل الحديث قاطبة ومذهب السلف ~~عامة بل بالغ ابن طاهر المقدسي فألحق به ما كان على شرطهما وإن لم يخرجاه. # وقال الحافظ ابن حجر في شرح النخبة1: "الخبر المحتف بالقرائن يفيد العلم، ~~خلافا لمن أبى ذلك، قال: وهو أنواع، منها: ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما ~~مما لم يبلغ التواتر فإنه احتف به قرائن منها: جلالتهما في هذا الشأن، ~~وتقدمهما في تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول، ~~وهذا التلقي وحده أقوى إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر ~~إلا أن هذا مختص بما لم ينقده أحد من الحفاظ وبما لم يقع التجاذب بين ~~مدلوليه حيث لا ترجيح لاستحالة أن يفيد المتناقضان العلم بصدقهما من غير ~~ترجيح لأحدهما على الآخر وما عدا ذلك فالإجماع حاصل على تسليم صحته". # ثم قال: ومنها المشهور، إذا كانت له طرق متباينة سالمة من ضعف الرواة ~~والعلل، ومنها المسلسل بالأئمة الحفاظ حيث لا يكون غريبا كحديث يرويه أحمد ~~مثلا، ويشاركه فيه غيره عن الشافعي ويشاركه فيه غيره عن مالك فإنه يفيد ~~العلم عند سامعه بالاستدلال من جهة جلالة رواته". # قال: "وهذه الأنواع التي ذكرناها لا يحصل العلم فيها إلا للعالم المتبحر ~~في الحديث، العارف بأحوال الرواة والعلل، وكون غيره لا يحصل له العلم ~~لقصوره عن الأوصاف المذكورة لا ينفي حصول العلم للمتبحر المذكور". انتهى ~~قال ابن كثير: "وأنا مع ابن الصلاح فيما عول عليه وأرشد إليه". قال ~~السيوطي: "قلت وهو الذي أختاره ولا أعتقد سواه". ا. ه. PageV01P086 # أقول: # تلخص في القول بأن صحة الحديث ms043 توجب القطع به ثلاثة مذاهب: # الأول: إيجابها ذلك مطلقا ولو لم يخرجه الشيخان وهو ما قاله ابن طاهر ~~المقدسي. # الثاني: إيجابها ذلك فيما روياه أو أحدهما وهو ما اعتمده ابن الصلاح ~~وغيره. # الثالث: إيجابها ذلك في الصحيحين، وفي المشهور وفي المسلسل بالأئمة، وهو ~~ما اعتمده ابن حجر كما بينا. # الثمرة الثانية: # قال الحافظ ابن حجر في شرح النخبة: "اتفق العلماء على وجوب العمل بكل ما ~~صح ولو لم يخرجه الشيخان". # وقال الإمام شمس الدين بن القيم في: "إعلام الموقعين: "ترى كثيرا من ~~الناس إذا جاء الحديث يوافق قول من قلدة وقد خالفه راويه يقول: "الحجة فيما ~~روى لا في قوله" فإذا جاء قول الراوي موافقا لقول من قلده، والحديث يخالفه ~~قال: "لم يكن الراوي يخالف ما رواه إلا قد رأينا ذلك في الباب الواحد وهذا ~~من أقبح التناقض. # "والذي ندين لله به، ولا يسعنا غيره أن الحديث إذا صح عن رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- ولم يصح عنه حديث آخر بنسخه أن القرض علينا وعلى الأمة ~~الأخذ بحديثه وترك ما خلفه، ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنا من كان لا ~~راوية، ولا غيره إذ من الممكن أن ينسى الراوي الحديث ولا يحضره، وقت الفتيا ~~أو لا يتفطن لدلالته على تلك المسألة أو يتأول فيه تأويلا مرجوحا أو يكون ~~في ظنه ما يعارضه ولا يكون معارضا في نفس الأمر أو يقلد غيره في فتواه ~~بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه، وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه، ولو قدر ~~انتفاء ذلك كله -ولا سبيل إلى العلم بانتفائه ولا ظنه- لم يكن الراوي ~~معصوما، ولم توجب مخالفته لما رواه سقوط عدالته حتى تغلب سيئاته حسناته، ~~وبخلاف هذا الحديث الواحد لا يحصل له ذلك". ا. ه. # PageV01P087 # وفي كتاب: "قاموس الشريعة" للسعدي: "إذا رفع الصحابي خبرا عن الرسول -صلى ~~الله عليه وسلم- بإيجاب فعل وجب العمل به على من بلغه من المكلفين إلى أن ~~يلقى خبرا غيره ينسخ ذلك الخبر وحينئذ فعلى من عمل بالخبر الأول ms044 الرجوع إلى ~~الثاني وترك العمل بالأول". # وفيه أيضا: "كل مسألة لم يخل الصواب فيها من أحد القولين ففسد أحدهما ~~لقيام الدليل على فساده صح أن الحق في الآخر قال الله تعالى: {فماذا بعد ~~الحق إلا الضلال فأنى تصرفون} 1. # وقال الإمام ابن القيم في إعلام الموقعين2: "كان الإمام أحمد إذا وجد ~~النص أفتى بموجبه، ولم يلتفت إلى ما خالفه ولا من خالفه، كائنا من كان ولذا ~~لم يلتفت إلى خلاف عمر -رضي الله عنه- في المبتوتة لحديث فاطمة بنت قيس3 ~~ولا إلى خلافه في التيمم للجنب لحديث عمار بن ياسر4، ولا خلافة في استدامة ~~المحرم الطيب الذي يطيب به قبل إحرامه لصحة حديث عائشة في ذلك5 ولا خلافه ~~في منع المنفرد والقارن من الفسخ إلى التمتع PageV01P088 # لصحة أحاديث الفسخ1 وكذا لم يلتفت إلى قول علي وعثمان وطلحة وأبي بن كعب ~~-رضي الله عنهم- في ترك الغسل من الإكسال2، لصحة حديث عائشة3 أنها فعلته هي ~~ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاغتسلا ولم يلتفت إلى قول ابن عباس وإحدى ~~الروايتين عن علي أن عدة المتوفى عنها الحامل أقصى الأجلين لصحة حديث سبيعة ~~الأسلمية4؛ ولم يلتفت إلى قول معاذ ومعاوية في توريث المسلم من الكافر لصحة ~~الحديث المانع من التوارث بينهما5؛ ولم يلتفت إلى قول ابن عباس في الصرف ~~لصحة الحديث بخلافه6 ولا إلى قوله بإباحة لحوم الحمر كذلك7 وهذا كثير جدا ~~ولم يكن يقدم على الحديث الصحيح عملا، ولا رأيا ولا قياسا ولا قول صاحب ولا ~~عدم علمه بالمخالف الذي يسميه كثير من الناس إجماعا ويقدمونه على الحديث ~~الصحيح، وقد نص الشافعي في رسالته الجديدة على أن: "ما لا يعلم فيه الخلاف ~~لا يقال له إجماع" ولفظه: "ما لا يعلم فيه الخلاف فليس إجماعا" ثم قال ابن ~~القيم: "ونصوص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند الإمام أحمد وسائر أئمة ~~الحديث أجل من أن يقدم عليها توهم إجماع مضمونه عدم العلم المخالف ولو ساغ ~~لتعطلت PageV01P089 # النصوص، وساغ لكل من لم يعلم مخالفا في حكم مسألة، أن ms045 يقدم جهله بالمخالف ~~على النصوص؛ فهذا هو الذي أنكره الإمام أحمد والشافعي من دعوى الإجماع، لا ~~ما يظنه بعض الناس أنه استبعاد لوجوده". ا. ه. # وقال العارف الشعراني قدس الله سره في الميزان1: "فإن قلت: "فما أصنع ~~بالأحاديث التي صحت بعد موت إمامي، ولم يأخذ بها" فالجواب: "ينبغي لك أن ~~تعمل بها فإن إمامك لو ظفر بها، وصحت عنده لربما كان أمرك بها فإن الأئمة ~~كلهم أسرى في يد الشربعة، ومن فعل ذلك فقد حاز الخير بكلتا يديه ومن قال: ~~"لا أعمل بالحديث إلا إن أخذ به إمامي" فاته خير كثير كما عليه كثير من ~~المقلدين لأئمة المذاهب وكان الأولى لهم العمل بكل حديث صح بعد إمامهم ~~تنفيذا لوصية الأئمة فإن اعتقادنا فيهم أنهم لو عاشوا، وظفروا بتلك ~~الأحاديث التي صحت بعدهم لأخذوا بها، وعملوا بها وتركوا كل قياس كانوا ~~قاسوه، وكل قول كانوا قالوه وقد بلغنا من طرق صحيحة أن الإمام الشافعي أرسل ~~بقول للإمام أحمد بن حنبل: "إذا صح عندكم حديث فأعلموا به لنأخذ به، ونترك ~~كل قول قلناه قبل ذلك أو قاله غيرنا فإنكم أحفظ للحديث ونحن أعلم به". # وقال الشعراني2 قدس سره أيضا في الرد على من يزعم أن الإمام أبا حنيفة ~~-رضي الله عنه- يقدم القياس على الحديث ما نصه: "ويحتمل أن الذي أضاف إلى ~~الإمام أبي حنيفة، أنه يقدم القياس على النص ظفر بذلك في كلام مقلديه الذين ~~يلزمون العمل بما وجدوه عن إمامهم من القياس، ويتركون الحديث الذي صح بعد ~~موت الإمام فالإمام معذور وأتباعه غير معذورين، وقولهم: "إن إمامنا لم يأخذ ~~بهذا الحديث" لا ينهض حجة لاحتمال أنه لم يظفر به أو ظفر به لكن لم يصح ~~عنده وقد تقدم قول الأئمة كلهم: "إذا صح الحديث فهو مذهبنا" وليس لأحد معه ~~قياس ولا حجة إلا طاعة الله وطاعة رسوله بالتسليم له". ا. ه. PageV01P090 # وقال العمدة الشهير السيد محمد عابدين الدمشقي في شرح المنظومة المسماة ~~بعقود رسم المفتي: "إن الإمام أبا حنيفة رحمه الله ms046 تعالى، من شدة احتياطه ~~وورعه وعلمه بأن الاختلاف من آثار الرحمة قال لأصحابه إن توجه لكم دليل ~~فقولوا به". # وقال بعد أسطر: "فقد صح عن أبي حنيفة أنه قال: "إذا صح الحديث فهو ~~مذهبي". وقد حكى ذلك الإمام ابن عبد البر عن أبي حنيفة وغيره من الأئمة؛ ~~ونقله أيضا الإمام الشعراني عن الأئمة الأربعة؛ ونقل فيها عن البحر قال ~~إنهم نقلوا عن أصحابنا أنه لا يحل لأحد أن يفتي بقولنا حتى يعلم من أين ~~قلنا حتى نقل في السراجية أن هذا سبب مخالفة عصام للإمام، وكان يفتي بخلاف ~~قوله كثيرا لأنه لم يعلم الدليل، وكان يظهر له دليل غيره فيفتي به. # وفيها أيضا عن العلامة قاسم أنه قال في رسالته المسماة رفع الاشتباه عن ~~مسألة المياه: "لما منع علماؤنا رضي الله تعالى عنهم من كان له أهلية النظر ~~من محض تقليدهم على ما رواه الشيخ الإمام العلامة أبو إسحاق إبراهيم بن ~~يوسف، قال حدثنا أبو يوسف عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه قال ليس لأحد ~~أن يفتي بقولنا ما لم يعرف من أين قلنا تتبعت مآخذهم وحصلت منها بحمد الله ~~تعالى على الكثير ولم أقنع بتقليد ما في صحف كثير من المصنفين ... إلخ". # وقال في رسالة أخرى: "وإني ولله الحمد لأقول كما قال الطحاوي لابن حربويه ~~لا يقلد إلا عصبي أو غبي". ا. ه. # الثمرة الثالثة: # في "حصول المأمول من علم الأصول" ما نصه1: "اعلم أنه لا يضر الخبر الصحيح ~~عمل أكثر الأمة بخلافه؛ لأن قول الأكثر ليس بحجة؛ وكذا عمل أهل المدينة ~~بخلافه، خلافا لمالك وأتباعه؛ لأنهم بعض الأمة ولجواز أنهم لم يبلغهم ~~الخبر. ولا يضره عمل PageV01P091 # الراوي له بخلافه خلافا لجمهور الحنفية وبعض المالكية لأنا متعبدون بما ~~بلغ إلينا من الخبر، ولم نتعبد بما فهمه الراوي، ولم يأت من قدم عمل الراوي ~~على روايته بحجة تصالح للاستدال بها، ولا يضره كونه مما تعم به البلوى ~~خلافا للحنفية، وأبي عبد الله البصري لعمل الصحابة والتابعين بأخبار الآحاد ~~في ms047 ذلك، ولا يضره كونه في الحدود، والكفارات خلافا للكرخي من الخنفية، ولا ~~وجه لهذا الخلاف فهو خبر عدل في حكم شرعي ولم يثبت في الحدود والكفارات ~~دليل يخصها من عموم الأحكام الشرعية، ولا يضره أيضا كونه زيادة على النص ~~القرآني أو السنة القطعية خلافا للحنفية فقالوا إذا ورد بالزيادة كان نسخا ~~لا يقبل، والحق القبول لأنها زيادة غير منافية للمزيد فكانت مقبولة، ودعوى ~~أنها ناسخة ممنوعة وهكذا إذا ورد الخبر مخصصا للعام من كتاب أو سنة فإنه ~~مقبول ويبنى العام على الخاص خلافا لبعض الخنفية، وهكذا إذا ورد مقيدا ~~لمطلق الكتاب أو السنة المتواترة، ولا يضره أيضا كون راوية انفرد بزيادة ~~فيه على ما رواه غيره إذا كان عدلا فقد يحفظ الفرد ما لا تحفظه الجماعة، ~~وبه قال الجمهور وهذا في صورة عدم المنافاة وإلا فروية الجماعة أرجح ومثل ~~انفراد العدل بالزيادة انفراده برفع الحديث إلى رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- الذي وقفه الجماعة وكذا انفراده بإسناد الحديث الذي أرسلوه وكذا ~~انفراده بوصل الحديث الذي قطعوه فإن ذلك مقبول منه لأنه زيادة على ما ردوه ~~وتصحيح لما أعلوه، ولا يضره أيضا كونه خارجا مخرج ضرب الأمثال". # الثمرة الرابعة: # قال الإمام شمس الدين ابن القيم الدمشقي في كتاب الروح: "ينبغي أن يفهم ~~عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- مراده من غير غلو ولا تقصير، فلا يحمل ~~كلامه ما لا يحتمله، ولا يقصر عن مراده وما قصده من الهدي والبيان. وقد حصل ~~بإهمال ذلك والعدول عنه من الضلال عن الصواب ما لا يعلمه إلا الله بل سوء ~~الفهم عن الله رسوله أصل كل بدعة وضلالة نشأت في الإسلام بل هو أصل كل خطأ ~~في الأصول والفروع ولا سيما إن أضيف إليه # PageV01P092 # سوء القصد فيتفق سوء الفهم في بعض الأشياء من المتبوع مع حسن قصده، وسوء ~~القصد من التابع فيا محنة الدين، وأهله والله المستعان وهل أوقع القدر به ~~والمرجئة، والخوارج والمعتزلة والجهمية والروافض، وسائر طوائف أهل البدع ~~إلا سوء الفهم عن الله ورسوله ms048 -صلى الله عليه وسلم- حتى صار الدين بأيدي ~~أكثر الناس هو موجب هذه الأفهام والذي فهمه الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- ~~ومن تبعهم عن الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- فمهجور لا يلتفت إليه ولا ~~يرفع هؤلاء به رأسا ولكثرة أمثلة هذه القاعدة تركناها، فإنا لو ذكرناها ~~لزادت على عشرات ألوف حتى إنك لتمر على الكتاب من أوله إلى آخره فلا تجد ~~صاحبه فهم عن الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- مراده كما ينبغي في موضع ~~واحد وهذا إنما يعرفه من عرف ما عند الناس، وعرضه على ما جاء به الرسول ~~وأما من عكس الأمر فعرض ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- على ما ~~اعتقده وانتحله، وقلد فيه من أحسن به الظن فليس يجدي الكلام معه شيئا فدعه ~~وما اختاره لنفسه ووله ما تولى وأحمد الذي عافاك مما ابتلاه به". ا. ه. # وقال الإمام علم الدين الشيخ صالح الفلاني المالكي الأثري في كتابه: ~~"إيقاظ الهمم"1: "ترى بعض الناس إذا وجد حديثا يوافق مذهبة فرح به وانقاد ~~له وسلم وإن وجد حديثا صحيحا سالما من النسخ، والمعارض مؤيدا لمذهب غير ~~إمامه فتح له باب الاحتمالات البعيدة، وضرب عنه الصفح والعارض، ويلتمس ~~لمذهب إمامه أوجها من الترجيح مع مخالفته للصحابة، والتابعين والنص الصريح ~~وإن شرح كتابا من كتب الحديث حرف كل حديث خالف رأيه الحديث، وإن عجز من ذلك ~~كله ادعى النسخ بلا دليل أو الخصوصية أو عدم العمل به أو غير ذلك مما يحضر ~~ذهنه العليل وإن عجز عن ذلك كله ادعى أن إمامه اطلع على كل مروي أو جله فما ~~ترك هذا الحديث الشريف إلا وقد اطلع على طعن فيه برأيه المنيف فيتخذ علماء ~~مذهبه أربابا ويفتح لمناقبهم، وكراماتهم أبوابا ويعتقد أن كل من خالف ذلك ~~لم يوافق صوابا، وإن نصحه أحد من علماء السنة اتخذه عدوا ولو كانوا قبل ذلك ~~أحبابا وإن وجد كتابا من كتب مذهب PageV01P093 # إمامه المشهورة قد تضمن نصحه وذم الرأي والتقليد، وحرض على اتباع ~~الأحاديث المشهورة، نبذه وراء ms049 ظهره وأعرض عن نهيه وأمره واعتقده حجرا ~~محجورا". ا. ه. # أقول إن الشيخ الفلاني هو من كبار من أخذ عنه مسند الشام الشيخ عبد ~~الرحمن الكزبري ومن طريقه ارتفع علو إسناده في البخاري هو ومن شاركه في ~~الأخذ عنه رحمه الله تعالى. # الثمرة الخامسة: # لزوم قبول الصحيح وإن لم يعمل به أحد -قال الإمام الشافعي -رضي الله عنه- ~~في رسالته الشهيرة: "ليس لأحد دون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يقول ~~إلا لاستدلال ولا يقول بما استحسن فإن القول بما استحسن شيء يحدثه لا على ~~مثال سبق". # وقال أيضا: "إن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قضى في الإبهام بخمس عشرة، ~~فلما وجد كتاب آل عمرو بن حزم وفيه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~قال1: "وفي كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل" صاروا إليه قال ولم يقبلوا ~~كتاب آل عمرو بن حزم -والله أعلم- حتى ثبت لهم أنه كتاب رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- وفي هذا الحديث دلالتان إحداهما قبول الخبر، والأخرى أن ~~يقبل الخبر في الوقت الذي يثبت فيه، وإن لم يمض عمل من أحد من الأئمة يمثل ~~الخبر الذي قبلوا، ودلالة على أنه لو مضى أيضا عمل من أحد من الأئمة ثم وجد ~~عن النبي -صلى الله عليه وسلم- خبر يخالف عمله لترك عمله لخبر رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- ودلالة على أن حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~يثبت بنفسه لا بعمل غيره بعده". # قال الشافعي: "ولم يقل المسلمون قد عمل فينا عمر بخلاف هذا من المهاجرين ~~والأنصار، ولم تذكروا أنتم أن عندكم خلافه ولا غيركم بل صاروا إلى ما وجب ~~عليهم من قبول الخبر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وترك كل عمل خلفه ~~ولو بلغ عمر هذا صار إليه إن شاء الله PageV01P094 # كما صار إلى ما بلغه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بتقواه لله، ~~وتأديته الواجب عليه في اتباع أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعلمه ~~بأن ليس لأحد مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمر ms050 وأن طاعة الله في ~~اتباع أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم". # وقال علم الدين الفلاني المتقدم ذكره في كتابه: "إيقاظ الهمم": "قال شيخ ~~مشايخنا محمد حياة السندي، قال ابن الشحنة في: "نهاية النهاية": "وإن كان ~~-أي ترك الإمام الحديث- لضعفه في طريقة فينظر إن كان له طريق غير الطريق ~~الذي ضعفه به فينبغي أن تعتبر فإن صح عمل بالحديث، ويكون ذلك مذهبه ولا ~~يخرج مقلدة عن كونه حنفيا بالعمل به، فقد صح أنه قال: "إذا صح الحديث فهو ~~مذهبي" كذا قال بعض من صنف في هذا المقصود". # وقال في البحر: وإن لم يستفت ولكن بلغه الخبر وهو قوله عليه وعلى آله ~~الصلاة والسلام1: "أفطر الحاجم والمحجوم" وقوله2: "الغيبة تفطر الصائم" ولم ~~يعرف النسخ ولا تأويله فلا كفارة عليه عندهما لأن ظاهر الحديث واجب العمل ~~خلافا لأبي يوسف لأنه قال: "ليس للعامي العمل بالحديث لعدم علمه بالناسخ ~~والمنسوخ". # ونقل ابن العز في حاشية الهداية ذلك أيضا عن أبي يوسف وعلل بأن على ~~العامي الاقتداء بالفقهاء لعدم الاهتداء في حقه إلى معرفة الأحاديث؛ قال: ~~"في تعليله نظر فإن المسألة إذا كانت مسألة النزاع بين العلماء، وقد بلغ ~~العامي الحديث الذي احتج به أحد الفريقين كيف يقال في هذا إنه غير معذور ~~فإن قيل: "هو منسوخ" فقد تقدم أن المنسوخ ما يعارضه، ومن سمع الحديث فعمل ~~به، وهو منسوخ فهو معذور إلى أن PageV01P095 # يبلغه الناسخ، ولا يقال لمن سمع الحديث الصحيح: لا تعمل به حتى تعرضه على ~~رأي فلان، أو فلان وإنما يقال له: انظر هل هو منسوخ أم لا؟ أما إذا كان ~~الحديث قد اختلف في نسخة كما في هذه المسألة فالعامل به في غاية العذر فإن ~~تطرق الاحتمال إلى خطأ المفتي أولى من تطرق الاحتمال إلى نسخ ما سمعه من ~~الحديث، إلى أن قال: "فإذا كان العامي يسوغ له الأخذ بقول المفتي بل يجب ~~عليه مع احتمال خطأ المفتي كيف لا يسوغ الأخذ بالحديث فلو كانت سنة رسول ~~الله -صلى الله ms051 عليه وسلم- لا يجوز العمل بها بعد صحتها حتى يعمل بها فلان، ~~لكان قولهم شرطا في العمل بها وهذا من أبطل الباطل ولذا أقام الله الحجة ~~برسوله -صلى الله عليه وسلم- دون آحاد الأمة؛ ولا يفرض احتمال خطأ لمن عمل ~~بالحديث وأفتى به بعد فهمه إلا وأضعاف أضعافه حاصل لمن أفتى بتقليد من لا ~~يعلم خطأه من صوابه، ويجوز عليه التناقض، والاختلاف ويقول القول ويرجع عنه ~~ويحكي عنه عدة أقوال وهذا كله فيمن له نوع أهلية وأما إذا لم يكن له أهلية ~~ففرضه ما قال الله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} 1 وإذا ~~جاز اعتماد المستفتي على ما يكتب له من كلامه أو كلام شيخه وإن علا، فلأن ~~يجوز اعتماد الرجل على ما كتبه الثقات من كلام رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- أولي بالجواز، وإذا قدر أنه لم يفهم الحديث فكما إذا لم يفهم فتوى ~~المفتي فيسأل من يعرف معناها فكذلك الحديث. انتهى بحروفه. # الثمرة السادسة: # قال علم الدين الفلاني في: "إيقاظ الهمم"2 نقلا عن الإمام السندي الحنفي ~~قدس سره ما نصه: "تقرر أن الصحابة ما كانوا كلهم مجتهدين على اصطلاح ~~العلماء، فإن فيهم القروي والبدوي ومن سمع منه حديثا واحدا أو صحبه مرة، ~~ولا شك أن من سمع حديثا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو عن واحد من ~~الصحابة -رضي الله عنهم- كان يعمل به حسب فهمه مجتهدا كان أو لا، ولم يعرف ~~أن غير المجتهد منهم كلف بالرجوع إلى المجتهد PageV01P096 # فيما سمعه من الحديث لا في زمانه -صلى الله عليه وسلم- ولا بعده في زمان ~~الصحابة -رضي الله عنهم- وهذا تقرير منه -صلى الله عليه وسلم- بجواز العمل ~~بالحديث لغير المجتهد، وإجماع من الصحابة عليه، ولولا ذلك لأمر الخلفاء غير ~~المجتهد منهم سيما أهل البوادي أن لا يعملوا بما بلغهم عن النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- مشافهة أو بواسطة حتى يعرضوا على المجتهدين منهم، ولم يرد من ~~هذا عين ولا أثر؛ وهذا هو ظاهر قوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما ms052 ~~نهاكم عنه فانتهوا} 1 ونحوه من الآيات حيث لم يقيد بأن ذلك على فهم ~~الفقهاء، ومن هنا عرفت أنه لا يتوقف العمل بعد وصول الحديث الصحيح على ~~معرفة عدم الناسخ، أو عدم الإجماع على خلافه، أو عدم المعارض، بل ينبغي ~~العمل به إلى أن يظهر شيء من الموانع، فينظر ذلك، ويكفي في العمل كون الأصل ~~عدم هذه العوارض المانعة عن العمل، وقد بنى الفقهاء على اعتبار الأصل في ~~شيء أحكاما كثيرة في الماء، ونحوه لا تحصى على المتتبع لكتبهم، ومعلوم أن ~~من أهل البوادي والقرى البعيدة من كان يجيء إليه -صلى الله عليه وسلم- مرة ~~أو مرتين ويسمع شيئا ثم يرجع إلى بلاده ويعمل به والوقت كان وقت نسخ، ~~وتبديل ولم يعرف أنه -صلى الله عليه وسلم- أمر أحدا من هؤلاء بالمراجعة ~~ليعرف الناسخ من المنسوخ بل إنه قرر من قال2: "لا أزيد على هذا ولا أنقص" ~~-على ما قال- ولم ينكر عليه بأنه يحتمل النسخ بل دخل الجنة إن صدق؛ وكذلك ~~ما أمر الصحابة أهل البوادي وغيرهم بالعرض على مجتهد ليميز له الناسخ من ~~المنسوخ؛ فظهر أن المعتبر في النسخ ونحوه بلوغ الناسخ لا وجوده، ويدل على ~~أن المعتبر البلوغ لا الوجود أن المكلف مأمور بالعمل على وفق المنسوخ ما لم ~~يظهر عنده الناسخ فإذا ظهر لا يعيد ما عمل على وفق المنسوخ بل صحح ذلك حديث ~~نسخ القبلة PageV01P097 # إلى الكعبة المشرفة، فإن خبره وصل إلى أطراف المدينة المنورة كأهل قباء، ~~وغيرهم بعدما صلوا على وفق القبلة المنسوخة فمنهم من وصله الخبر في أثناء ~~الصلاة ومنهم من وصله بعد أن صلى الصلاة والنبي -صلى الله عليه وسلم- قررهم ~~على ذلك ولم يأمر أحدا منهم بالإعادة فلا عبرة لما قيل: "لا يجوز العمل قبل ~~البحث عن المعارض والمخصص وإن ادعي عليه الإجماع" فإنه لو سلم فإجماع ~~الصحابة وتقرير النبي -صلى الله عليه وسلم- مقدم على إجماع من بعدهم على أن ~~ما ادعي من الإجماع قد علم خلافه كما ذكر في بحر الزركشي في الأصول" انتهى ms053 ~~ملخصا. # الثمرة السابعة: # قال ابن السمعاني: "متى ثبت الخبر، صار أصلا من الأصول، ولا يحتاج إلى ~~عرضه على أصل آخر لأنه إن وافقه فذاك وإن خالفه لم يجز رد أحدهما لأنه رد ~~للخبر بالقياس وهو مردود بالاتفاق فإن السنة مقدمة على القياس". ا. ه. # ومنه يعلم أن من رد حديث أبي هريرة في المصراة1، المتفق عليه؛ لأنه لم ~~يكن كابن مسعود وغيره من فقهاء الصحابة فلا يؤخذ بما رواه مخالفا للقياس ~~فقد آذى قائله به نفسه وفي حكايته غنى عن تكلف الرد عليه، ولا قول لأحد مع ~~قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كائنا من كان، وأيا كان وممن كان و"إذا ~~جاء نهر الله بطل نهر معقل"2، وأين القياس وإن كان جليا من السنة المطهرة ~~إنما يصار إليه عند فقد الأصل من الكتاب والخبر لا مع وجود واحد منهما. # وقال ابن السمعاني في الاصطلاح: "التعرض إلى جانب الصحابة علامة على ~~خذلان فاعله، بل هو بدعة وضلالة، وقد اختص أبو هريرة بمزيد الحفظ لدعاء ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم- له PageV01P098 # يعني قوله: "إن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وكنت ~~ألزم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأشهد إذا غابوا وأحفظ إذا نسوا ... " ~~الحديث، وهو في كتاب العلم وأول البيوع أيضا عند البخاري. # الثمرة الثامنة: # لا يضر صحة الحديث تفرد صحابي به -قال الإمام ابن القيم في: "إغاثة ~~اللهفان"1 في مناقشة من طعن في حديث ابن عباس في المطلقة ثلاثا بأنها كانت ~~واحدة2 على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر وصدرا من خلافة ~~عمر ما نصه: وقد رده آخرون بمسلك أضعف من هذا كله فقالوا: هذا حديث لم يروه ~~عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا ابن عباس وحده، ولا عن ابن عباس إلا ~~طاوس وحده قالوا فأين أكابر الصحابة، وحفاظهم عن رواية مثل هذا الأمر ~~العظيم الذي الحاجة إليه شديدة جدا فكيف خفي هذا على جميع الصحابة وعرفه ~~ابن عباس وحده وخفي على أصحاب ابن عباس كلهم، وعلمه ms054 طاوس وحده؟ وهذا أفسد ~~من جميع ما تقدم، ولا ترد أحاديث الصحابة وأحاديث الأئمة الثقات بمثل هذا ~~فكم من حديث تفرد به واحد من الصحابة لم يروه غيره وقبله الأمة كلهم فلم ~~يرده أحد منهم، وكم من حديث تفرد به من هو دون طاوس بكثير، ولم يرده أحد من ~~الأئمة ولا نعلم أحدا من أهل العلم قديما ولا حديثا قال: "إن الحديث إذا لم ~~يروه إلا صحابي واحد لم يقبل" وإنما يحكى عن أهل البدع ومن تبعهم في ذلك ~~أقوال لا يعرف لها قائل من الفقهاء، وقد تفرد الزهري بنحو ستين سنة لن ~~يروها غيره وعملت بها الأمة، ولم يردوها بتفرده هذا مع أن عكرمة روى عن ابن ~~عباس -رضي الله عنه- حديث ركانه، وهو موافق لحديث طاوس عنه فإن قدح في ~~عكرمة أبطل، وتناقض فإن الناس احتجوا بعكرمة وصحح أئمة الحفاظ حديثه، ولم ~~يلتفتوا إلى قدح من قدح فيه. PageV01P099 # فإن قيل: "فهذا هو الحديث الشاذ، وأقل أحواله أن يتوقف فيه، ولا يجزم ~~بصحته عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عليه السلام" قيل: "ليس هذا هو ~~الشاذ، وإنما الشذوذ أن يخالف1 الثقات فيما رووه، فيشذ عنهم بروايته، فأما ~~إذا روى الثقة حديثا منفردا به لم يرو الثقات خلافه فإن ذلك لا يسمى شاذا. ~~وإن اصطلح على تسميته شاذا بهذا المعنى لم يكن هذا الاصطلاح موجبا لرده ولا ~~مسوغا له قال الشافعي رحمه الله: "وليس الشاذ أن ينفرد الثقة برواية الحديث ~~بل الشاذ أن يروي خلاف ما رواه الثقات" قاله في مناظرته بعض من رد الحديث ~~بتفرد الراوي فيه ثم إن هذا القول لا يمكن أحدا من أهل العلم، ولا من ~~الأئمة ولا من أتباعهم طرده ولو طردوه لبطل كثير من أقوالهم، وفتاويهم ~~والعجب أن الرادين لهذا الحديث بمثل هذا الكلام قد بنوا كثيرا من مذاهبهم ~~على أحاديث ضعيفة انفرد بها رواتها لا تعرف عن سواهم وذلك أشهر وأكثر من أن ~~يعد". # الثمرة التاسعة: # ما كل حديث صحيح تحدث به العامة -والدليل ms055 على ذلك ما رواه الشيخان عن ~~معاذ -رضي الله عنه- قال كنت ردف النبي -صلى الله عليه وسلم- على حمار ~~فقال: "يا معاذ! هل تدري ما حق الله على عباده، وما حق العباد على الله"؟ ~~قلت: الله ورسوله أعلم قال: "فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا ~~به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا" قلت: يا رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- أفلا أبشر به الناس؟ قال: "لا تبشرهم فيتكلوا! " ~~وفي رواية لهما عن أنس أن النبي -صلى الله علينه وسلم- قال لمعاذ وهو ردفه: ~~"ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار" قال: يا رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- أفلا أخبر به الناس فيستبشروا. قال: "إذا يتكلوا" فأخبر بها ~~معاذ عند موته تأثما وروى البخاري تعليقا عن علي -رضي الله عنه: "حدثوا ~~الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ " ومثله PageV01P100 # قول ابن مسعود: "ما أنت محدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم ~~فتنة" رواه مسلم. # قال الحافظ ابن حجر: "وممن كره التحديث ببغض دون بعض، أحمد في الأحاديث ~~التي ظاهرها الخروج على الأمير؛ مالك في أحاديث الصفات؛ وأبو يوسف في ~~الغرائب؛ ومن قبلهم أبو هريرة كما روي عنه في الجرابين1وأن المراد ما يقع ~~من الفتن؛ ونحوه عن حذيفة، وعن الحسن أنه أنكر تحديث أنس للحجاج بقصة ~~العرنيين2، أنه أتخذها وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء ~~بتأويله الواهي؛ وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة وظاهره في ~~الأصل غير مراد فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب". ا. ه. # ولما كان النهى للمصلحة لا للتحريم أخبر به معاذ لعموم الآية بالتبليغ. # قال بعضهم: "النهى في قوله: -صلى الله عليه وسلم- "لا تبشرهم" مخصوص ببعض ~~الناس وبه احتج البخاري على أن للعالم أن يخص بالعلم قوما دون قوم، كراهة ~~أن لا ms056 يفهموا وقد يتخذ أمثال هذه الأحاديث البطلة3 والمباحية4 ذريعة إلى ~~ترك التكاليف ورفع الأحكام وذلك يفضي إلى خراب الدنيا بعد خراب العقبى. ~~وأين هؤلاء ممن إذا بشروا زادوا جدا في العبادة وقد قيل للنبي -صلى الله ~~عليه وسلم: أتقوم الليل وقد غفر الله لك؟ فقال -صلى الله عليه وسلم5: "أفلا ~~أكون عبدا شكورا". PageV01P101 ### $ 13- بيان الحديث الحسن ذكر ماهيته: # قال العلامة الطيبي: "الحسن مسند من قرب من درجة الثقة، أو مرسل ثقة وروى ~~كلاهما من غير وجه، وسلم من شذوذ وعلة" وهذا الحد أجمع الحدود التي نقلت في ~~الحسن وأضبطها وإنما سمي حسنا لحسن الظن براويه. # PageV01P102 ### $ 14- بيان الحسن لذاته ولغيره: # اعلم أن ما عرفناه أولا هو الحسن لذاته قال ابن الصلاح: "الحسن لذاته أن ~~تشتهر رواته بالصدق ولم يصلوا في الحفظ رتبة رجال الصحيح؛ والحسن لغيره أن ~~يكون في الإسناد مستور لم تتحقق أهليته، غير مغفل، ولا كثير الخطأ في ~~روايته، ولا متهم بتعمد الكذب فيهان ولا ينسب إلى مفسق آخر واعتضد بمتابع ~~أو شاهد فأصله ضعيف وإنما طرأ عليه الحسن بالعاضد الذي عضده فاحتمل لوجود ~~العاضد ولولاه لاستمرت صفة الضعف فيه ولاستمر على عدم الاحتجاج به" كذا في ~~فتح المغيث1. PageV01P102 ### $ 15- ترقي الحسن لذاته إلى الصحيح بتعدد طرقه: # اعلم أن الحسن إذا روي من وجه آخر ترقى من الحسن إلى الصحيح لقوته من ~~الجهتين، فيعتضد أحدهما بالآخر؛ وذلك لأن الراوي في الحسن متأخر عن درجة ~~الحافظ الضابط مع كونه مشهورا بالصدق، والستر فإذا روي حديثه من غير، وجه ~~ولو وجها واحدا قوي بالمتابعة، وزال ما كان يخشى عليه من جهة سوء حفظ راويه ~~فارتفع حديثه من درجة الحسن إلى الصحيح قال السيد الشريف: "ونعني بالترقي ~~أنه ما حق في القوة بالصحيح لا أنه عينه" # PageV01P103 ### $ 16- بيان أول من شهر الحسن: # قال الإمام النووي في التقريب وشارحه السيوطي1: "كتاب الترمذي أصل في ~~معرفة الحسن وهو الذي شهره وأكثر من ذكره وإن وجد في متفرقات من كلام بعض ~~مشايخه والطبقة التي قبله". # وقال الإمام ms057 تقي الدين بن تيمية قدس سره في بعض فتاويه: "أول من عرف أنه ~~قسم الحديث إلى صحيح وحسن، وضعيف أبو عيسى الترمذي ولم تعرف هذه القسمة عن ~~أحد قبله، وقد بين أبو عيسى مراده بذلك فذكر أن الحسن ما تعددت طرقة، ولم ~~يكن فيهم متهم بالكذب، ولم يكن شاذا وهو دون الصحيح الذي عرف عدالة ناقليه، ~~وضبطهم" وقال: "الضعيف الذي عرف أن ناقله متهم بالكذب رديء الحفظ فإنه إذا ~~رواه المجهول خيف أن يكون كاذبا أو سيئ الحفظ فإذا وافقه آخر لم يأخذ عنه ~~عرف أنه لم يتعمد كذبه، واتفاق الاثنين على لفظ واحد طويل قد يكون ممتنعا، ~~وقد يكون بعيدا ولما كان تجويز اتفاقهما في ذلك ممكنا نزل من درجة الصحيح" ~~ثم قال تقي الدين قدس سره: "وأما من قبل الترمذي من العلماء فما عرف عنهم ~~هذا التقسيم الثلاثي لكن كانوا يقسمونه إلى صحيح، وضعيف، والضعيف كان عندهم ~~نوعان ضعيف ضعفا لا يمتنع العمل به، وهو يشبه الحسن في اصطلاح الترمذي ~~وضعيف ضعفا يوجب تركه وهو الواهي". PageV01P103 ### $ 17- معنى قول الترمذي: "حسن صحيح": # للعلماء في ملحظ الترمذي بهذه العبارة وجوه نقلها السيوطى في التدريب1. ~~قالوا: "العبارة المذكورة مما استشكل؛ لأن الحسن قاصر عن الصحيح فكيف يجتمع ~~إثبات القصور ونفيه في حديث، واحد وأجاب ابن دقيق العيد بأن الحسن لا يشترط ~~فيه القصور عن الصحة إلا حيث انفرد الحسن أما إذا ارتفع إلى درجة الصحة ~~فالحسن حاصل لا محالة تبعا للصحة لأن وجود الدرجة العليا، وهي الحفظ ~~والإتقان لا ينافي وجود الدنيا كالصدق فيصح أن يقال حسن باعتبار الصفة ~~الدنيا صحيح باعتبار العليا، ويلزم على هذا أن كل صحيح حسن، وقد سبقه إلى ~~نحو ذلك ابن المواق قال الحافظ ابن حجر: وشبه ذلك قولهم في الراوي صدوق فقط ~~وصدوق ضابط فإن الأول قاصر عن درجة رجال الصحيح والثاني منهم فكما أن الجمع ~~بينهما لا يضر ولا يشكل فكذلك الجمع بين الصحة والحسن". ا. ه. PageV01P104 ### $ 18- الجواب عن جمع الترمذي بين الحسن والغرابة ms058 على اصطلاحه: # قد أنكر بعض الناس على الإمام الترمذي تحديده للحسن بما حد به من كونه ~~يروى من غيروجه لقوله في بعض الأحاديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ~~والغريب الذي انفرد به الواحد، وأجاب الحافظ ابن حجر في شرح النخبة1: "بأن ~~الترمذي لم يعرف الحسن مطلقا وإنما عرفه بنوع خاص منه وقع في كتابه، وهو ما ~~يقول فيه حسن من غير صفة أخرى، وذلك أنه يقول في بعض الأحاديث حسن، وفي ~~بعضها صحيح وفي بعضها غريب، وفي بعضها حسن صحيح، وفي بعضها حسن غريب وفي ~~بعضها صحيح غريب، وفي بعضها حسن صحيح غريب، وتعريفه إنما وقع على الأول فقط ~~وعبارته ترشد إلى ذلك حيث قال في آخر كتابه: PageV01P104 # "وما قلنا في كتابنا: حديث حسن، فإنما أردنا به حسن إسناده عندنا؛ إذ كل ~~حديث يروى، لا يكون راويه متهما بكذب ويروى من غير وجه نحو ذلك ولا يكون ~~شاذا فهو عندنا حديث حسن" فعرف بهذا أنه إنما عرف الذي يقول فيه حسن فقط ~~أما ما يقول فيه حسن صحيح أو حسن غريب أو حسن صحيح غريب فلم يعرج على تعريف ~~ما يقول فيه صحيح فقط أو غريب فقط، وكأنه ترك ذلك استغناء لشهرته عند أهل ~~الفن واقتصر على تعريف ما يقول فيه في كتابه حسن فقط إما لغموضه، وإما لأنه ~~اصطلاح جديد ولذلك قيده بقوله: "عندنا" ولم ينسبه إلى أهل الحديث كما فعل ~~الخطابي". ا. ه. # وقال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية في فتوى له: "الذين طعنوا على ~~الترمذي لم يفهموا مراده في كثير مما قاله. فإن أهل الحديث قد يقولون: "هذا ~~الحديث غريب" أي من هذا الوجه؛ وقد يصرحون بذلك فيقولون غريب من هذا الوجه ~~فيكون الحديث عندهم صحيحا معروفا من طريق واحد. فإذا روي من طريق آخر، كان ~~غريبا من ذلك الوجه وإن كان المتن صحيحا معروفا. فالترمذي إذا قال: حسن ~~غريب قد يعني به أنه غريب من ذلك الطريق لكن المتن له شواهد صار ms059 بها من ~~جملة الحسن". ا. ه. # PageV01P105 ### $ 19- مناقشة الترمذي في بعض ما يصححه أو يحسنه: # قال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية: "بعض ما يصححه الترمذي ينازعه غيره ~~فيه، كما قد ينازعونه في بعض ما يضعفه ويحسنه، فقد يضعف حديثا ويصححه ~~البخاري، كحديث ابن مسعود لما قال له النبي -صلى الله عليه وسلم: "ابغني ~~أحجارا أستنفض بهن"؛ قال: فأتيته بحجرين وروثة قال فأخذ الحجرين وترك ~~الروثة وقال: "إنها رجس" 1. # فإن هذا اختلف فيه على أبي إسحاق السبيعي، فجعل الترمذي هذا الاختلاف ~~علة، ورجح روايته له عن أبي عبيدة عن أبيه وهو لم يسمع من أبيه، وأما ~~البخاري فصححه من طريق أخرى لأن أبا إسحاق كان الحديث يكون عنده عن جماعة ~~يرويه عن هذا تارة وعن هذا تارة، كما كان الزهري يروي الحديث تارة عن سعيد ~~بن المسيب، وتارة عن أبي سلمة وتارة يجمعها فمن لا يعرفه فيحدث به تارة عن ~~هذان، وتارة عن هذا يظن بعض الناس أن ذلك غلط وكلاهما صحيح وهذا باب يطول ~~وصفه". PageV01P105 ### $ 20- بيان أن الحسن على مراتب: # نبه الأئمة على أن الحديث الحسن على مراتب كالصحيح. قال الحافظ الذهبي: ~~"فأعلى مراتبه: بهز بن حكيم عن أبيه عن جده؛ وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده؛ ~~وابن إسحاق عن التيمي؛ وأمثال ذلك مما قيل فيه إنه صحيح، إنه أدنى مراتب ~~الصحيح ثم بعد ذلك ما اختلف في تحسينه وضعفه كحديث الحرث بن عبد الله وعاصم ~~بن ضمرة وحجاج بن أرطاة ونحوهم". # PageV01P106 ### $ 21- بيان كون الحسن حجة في الأحكام: # قال الأئمة: "الحسن كالصحيح في الاحتجاح به، وإن كان دونه في القوة ولهذا ~~أدرجه طائفة من نوع الصحيح، كالحاكم وابن حبان وابن خزيمة مع قولهم بأنه ~~دون الصحيح المبين أولا". # وقال السخاوى في الفتح: "منهم من يدرج الحسن في الصحيح لاشتراكهما في ~~الاحتجاج، بل نقل ابن تيمية إجماعهم إلا الترمذي خاصة عليه". # قال الخطابي: "على الحسن مدار أكثر الحديث لأن غالب الأحاديث لا تبلغ ~~رتبة الصحيح وعمل به عامة الفقهاء، وقبله ms060 أكثر العلماء وشدد بعض أهل ~~الحديث، فرد بكل علة قادحة كانت أم لا، كما روي عن ابن أبي حاتم أنه قال: ~~سألت أبي عن حديث فقال: "إسناده حسن" فقلت: "يحتج به" فقال: "لا". ا. ه. # والصواب مع الجمهور لما بينه الخطابي. هذا في الحسن لذاته وأما الحسن ~~لغيره فيلحق بذلك في الاحتجاج لكن فيما تكثر طرقه عند قوم، كما سنبينه في ~~بحث أنجبار الضعيف قريبا. # PageV01P106 ### $ 22- قبول زيادة راوي الصحيح والحسن: # قال الحافظ ابن حجر في النخبة وشرحها: "وزيادة راويهما -أي الصحيح ~~والحسن- مقبولة ما لم تقع منافية لرواية من هو أوثق ممن لم يذكر تلك ~~الزيادة؛ لأن الزيادة إما أن تكون لا تنافي بينها وبين رواية من لم يذكرها ~~فهذه تقبل مطلقا لأنها في حكم الحديث المستقل الذي ينفرد به الثقة ولا ~~يرويه عن شيخه غيره، وإما أن تكون منافية بحيث يلزم من قبولها رد الراوية ~~الأخرى فهذه التي يقع الترجيح بينها وبين معارضها فيقبل الراجح ويرد ~~المرجوح، واشتهر عن جمع من العلماء القول بقبول الزيادة مطلقا من غير تفصيل ~~ولا يتأتى ذلك على طريق المحدثين الذين يشترطون في الصحيح أن لا يكون شاذا ~~ثم يفسرون الشذوذ بمخالفة الثقة من هو أوثق منه، والعجب ممن أغفل ذلك منهم ~~مع اعترافه باشتراط انتفاء الشذوذ في حد الحديث الصحيح وكذا الحسن، ~~والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين كعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان ~~وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني والبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم ~~والنسائي والدارقطني وغيرهم اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها؛ ~~ولا يعرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة". ا. ه. # PageV01P107 ### | بيان ألقاب للحديث تشمل الصحيح والحسن وهي الجيد والقوى والصالح والمعروف والمحفوظ والمجود والثابت والمقبول # ... ### | 23- # بيان ألقاب للحديث نشمل الصحيح والحسن وهي الجيد والقوي والصالح والمعروف ~~والمحفوظ والمجود والثابت والمقبول: # "هذه الألفاظ مستعملة عند أهل الحديث في الخبر المقبول، والفرق بينها أن ~~الجودة قد يعبر بها عن الصحة فيتساوى حينئذ الجيد والصحيح، إلا أن المحقق ~~منهم، لا يعدل ms061 عن الصحيح إلى جيد إلا لنكتة كأن يرتقي الحديث عنده عن الحسن ~~لذاته ويتردد في بلوغه الصحيح، فالوصف به حينئذ أنزل رتبة من الوصف بصحيح ~~وكذا القوى، وأما الصالح فيشمل الصحيح والحسن لصلاحيتهما للاحتجاج، ويستعمل ~~أيضا في ضعيف يصلح للاعتبار، وسيأتي إن شاء الله معنى الاعتبار في تنبيه ~~على حدة قبل بحث الأنواع التي تختص بالضعيف، وأما المعروف فهو مقابل المنكر ~~والمحفوظ مقابل الشاذ وسيأتي بيان ذلك والمجود الثابت يشملان الصحيح ~~والحسن" كذا في التدريب1 وقد عرف الحافظ ابن حجر المقبول في شرح النخبة ~~بالذي يجب العمل به عند الجمهور، والمراد بالذي لم يرجح صدق المخبر به. ~~PageV01P108 ### $ 24- بيان الضعيف ماهية الضعيف وأقسامه: # قال النووي1: "الضعيف ما لم يوجد فيه شروط الصحة، ولا شروط الحسن، ~~وأنواعه كثيرة: منها الموضوع والمقلوب، والشاذ والمنكر، والمعلل، والمضطرب، ~~وغير ذلك" مما سيفصل بعونه تعالى. PageV01P108 ### $ 25- تفاوت الضعيف: # يتفاوت ضعفه بحسب شدة ضعف رواته وخفته، كصحة الصحيح؛ فمنه أوهى، كما أن ~~من الصحيح أصح. قال السخاوي في الفتح: "واعلم أنهم كما تكلموا في أصح ~~الأسانيد، مشوا في أوهى الأسانيد؛ وفائدته ترجيح بعض الأسانيد على بعض ~~وتمييز ما يصلح للاعتبار مما لا يصلح". ا. ه. # وللحاكم تفصيل لأوهى أسانيد الرجال والبلاد ساقه في التدريب؛ ولابن ~~الجوزي كتاب في الأحاديث الواهية. # PageV01P109 ### $ 26- بحث الضعيف إذا تعددت طرقه: # "اعلم أن الضعيف لكذب راويه أو لفسقه لا ينجبر بتعدد طرقة المثاثلة له ~~لقوة الضعف وتقاعد هذا الجابر. نعم! يرتقي بمجموعه عن كونه منكرا، أو لا ~~أصل له، وربما كثرت الطرق حتى أوصلته إلى درجة المستور، والسيئ الحفظ بحيث ~~إذا وجد له طريق آخر فيه ضعف قريب محتمل ارتقى بمجموع ذلك إلى درجة الحسن" ~~نقله في التدريب1 عن الحافظ ابن حجر. # وقال السخاوي في فتح المغيث إن الحسن لغيره يلحق فيما يحتج به، لكن فيما ~~تكثر طرقه؛ ولذلك قال النووي في بعض الأحاديث: "وهذه وإن كانت أسانيد ~~مفرداتها ضعيفة فمجموعها يقوي بعضه بعضا ويصير الحديث حسنا ويحتج به". ~~وسبقه البيهقي في تقوية الحديث ms062 بكثرة الطرق الضعيفة، وظاهر كلام أبي الحسن ~~بن القطان يرشد إليه، فإنه قال: "هذا القسم لا يحتج به كله بل يعمل به في ~~فضائل الأعمال ويتوقف عن العمل به في الأحكام، إلا إذا كثرت طرفه أو عضده ~~اتصال عمل، أو موافقة شاهد صحيح أو ظاهر القرآن واستحسنه شيخنا -يعني ابن ~~حجر- وصرح في موضع آخر بأن PageV01P109 # الضعف الذي ضعفه ناشئ عن سوء حفظه إذا كثرت طرقه ارتقى إلى مرتبة الحسن. # وفي عون الباري نقلا عن النووي أنه قال: "الحديث الضعيف عند تعدد الطرق ~~يرتقي عن الضعف إلى الحسن، ويصير مقبولا معمولا به". # قال الحافظ السخاوي: "ولا يقتضي ذلك الاحتجاج بالضعيف، فإن الاحتجاج إنما ~~هو بالهيئة المجموعة، كالمرسل حيث اعتضد بمرسل آخر، ولو ضعيفا كما قاله ~~الشافعي والجمهور". ا. ه. # وقد خالف في ذلك الظاهرية قال ابن حزم في الملل1 في بحث صفة وجوه النقل ~~الستة عند المسلمين ما صورته: "الخامس شيء نقل كما ذكرنا إما بنقل أهل ~~المشرق والمغرب أو كافة عن كافة أو ثقة عن ثقة حتى يبلغ إلى النبي -صلى ~~الله عليه وسلم- إلا أن في الطريق رجلا مجروحا بكذب أو غفلة أو مجهول الحال ~~فهذا أيضا يقول به بعض المسلمين ولا يحل عندنا القول به ولا تصديقه ولا ~~الأخذ بشيء منه وهو المتجه". PageV01P110 ### | ذكر قول مسلم رحمه الله إن السراوى عن الضعفاء غاش آثم جاهل # ... ### | 27- # ذكر قول مسلم رحمه الله إن الراوي عن الضعفاء غاسن آثم جاهل: # قال الإمام النووي1: "اعلم أن جرح الرواة جائز بل واجب بالاتفاق للضرورة ~~الداعية إليه، لصيانة الشريعة المكرمة وليس هو من الغيبة المحرمة بل من ~~النصيحة لله تعالى ورسوله والمسلمين ولم يزل فضلاء الأئمة وأخبارهم، وأهل ~~الورع منهم يفعلون ذلك". ا. ه. # وقد تكلم الإمام مسلم على جماعة منهم في مقدمة صحيحة ثم قال2: "وأشباه ما ~~ذكرنا من كلام أهل العلم في متهمي رواة الحديث وإخبارهم عن معايبهم كثير ~~يطول الكتاب PageV01P110 # بذكره على استقصائه، وفيما ذكرنا كفاية لمن تفهم وعقل مذهب القوم فيما ms063 ~~قالوا من ذلك وبينوا، وإنما ألزموا أنفسهم الكشف عن معايب رواة الحديث ~~وناقلي الأخبار وأفتوا بذلك حين سئلوا لما فيه من عظيم الخطر، إذ الأخبار ~~في أمر الدين إنما تأتي بتحليل أو تحريم، أو أمر أو نهى أو ترغيب أو ترهيب ~~فإذا كان الراوي لها ليس بمعدن للصدق، والأمانة ثم أقدم على الراوية عند من ~~قد عرفه، ولم يبين ما فيه لغيره ممن جهل معرفته كان آثما بفعله ذلك غاشا ~~لعوام المسلمين إذ لا يؤمن على بعض من سمع تلك الأخبار أن يستعملها أو ~~يستعمل بعضها، ولعلها أو أكثرها أكاذيب لا أصل لها مع أن الأخبار الصحاح من ~~رواة الثقات وأهل القناعة أكثر من أن يضطر إلى نقل من ليس بثقة، ولا مقنع ~~ولا أحسب كثيرا ممن يعرج من الناس على ما وصفنا من هذه الأحاديث الضعاف ~~والأسانيد المجهولة، ويعتد بروايتها بعد معرفته بما فيها من التوهن والضعف ~~إلا أن الذي يحمله على روايتها والاعتداد بها إرادة التكثر بذلك عند ~~العوام، ولأن يقال ما أكثر ما جمع فلان من الحديث وألف من العدد، ومن ذهب ~~في العلم هذا المذهب، وسلك هذا الطريق لا نصيب له فيه، وكان بأن يسمى جاهلا ~~أولى من أن ينسب إلى علم" انتهى كلام الإمام مسلم رحمه الله تعالى ورضي عنه ~~ولقد شفى وكفى. # PageV01P111 # مستنكر عن قوم غير مرضيين ممن ذم الرواية عنهم أئمة الحديث، لما سهل ~~علينا الانتصاب لما سألت من التمييز والتحصيل؛ ولكن من أجل ما أعلمناك من ~~نشر القوم الأخبار المنكرة، بالأسانيد الضعاف المجهولة، وقذفهم بها، إلى ~~العوام الذين لا يعرفون عيوبها خف على قلوبنا إجابتك إلى ما سألت" ثم قال: ~~"اعلم -وفقك الله تعالى- أن الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح ~~الروايات وسقيمها وثقات الناقلين لها من المتهمين أن لا يروي منها إلا ما ~~عرف صحة مخارجه، والستارة في ناقليه وأن يتقي منها ما كان عن أهل التهم ~~والمعاندين من أهل البدع، والدليل على أن الذي قلنا من هذا هو اللازم ms064 دون ~~ما خالفه قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ ~~فتبينوا} 1 الآية وقال عز وجل: {ممن ترضون من الشهداء} 2 وقال سبحانه: ~~{وأشهدوا ذوي عدل منكم} 3. فدل بما ذكرنا من هذا الآي، أن خبر الفاسق ساقط ~~غير مقبول وأن شهادة غير العدل مردوة والخبر إن فارق معناه معنى الشهادة في ~~بعض الوجوه، فقد يجتمعان في معظم معانيها إذ خبر الفاسق غير مقبول عند أهل ~~العلم كما أن شهادته مردودة عند جمعهم: ودلت السنة على نفي رواية المنكر من ~~الأخبار، كنحو دلالة القرآن على نفي خبر الفاسق وهو الأثر المشهور عن رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم4: "من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد ~~الكاذبين". ثم ساق مسلم رحمه الله ما ورد وعيد الكذب عليه -صلى الله عليه ~~وسلم- مما هو متواتر. ثم أسند عن أبي هريرة عن رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- أنه قال5: "سيكون في آخر أمتي أناس يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا ~~آباؤكم، فإياكم وإياهم لا يضلونكم ولا يفتنونكم". PageV01P112 ### $ 28- تشنيع الإمام مسلم على رواة الأحاديث الضعيفة والمنكرة وقذفهم بها إلى العوام، وإيجابه رواية ما عرفت صحة مخارجه: # قال الإمام مسلم رحمه الله تعالى في خطبة صحيحه1: "فلولا الذي رأينا من ~~سوء صنيع كثير ممن نصب نفسه محدثا فيما يلزمهم من طرح الأحاديث الضعيفة، ~~والروايات المنكرة وتركهم الاقتصار على الأخبار الصحيحة، مما نقله الثقات ~~المعروفون بالصدق والأمانة، بعد معرفتهم وإقرارهم بألسنتهم أن كثيرا مما ~~يقذفون به إلى الأغبياء من الناس، هو PageV01P028 ### $ 29- تحذير الإمام مسلم من روايات القصاص والصالحين: # روى الإمام مسلم في مقدمة صحيحه عن عاصم قال: "لا تجالسوا القصاص" وعن ~~يحيى بن سعيد القطان قال: "لم نر الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث". ~~وفي رواية: "لم نر أهل الخير في شيء أكذب منهم في الحديث" قال مسلم: "يعني ~~أنه يجري الكذب على لسانهم ولا يتعمدون الكذب". قال النووي: "لكونهم لا ~~يعانون صناعة أهل الحديث فيقع الخطأ في رواياتهم ولا يعرفونه ms065 ويروون الكذب ~~ولا يعلمون أنه كذب". # PageV01P113 ### $ 30- ذكر المذاهب في الأخذ بالضعيف واعتماد العمل به في الفضائل: # ليعلم أن المذاهب في الضعيف ثلاثة: # الأول لا يعمل به مطلقا؛ لا في الأحكام، ولا في الفضائل. حكاه ابن سيد ~~الناس في عيون الأثر، عن يحيى بن معين، ونسبه في فتح المغيث لأبي بكر بن ~~العربي، والظاهر أن مذهب البخاري ومسلم ذلك أيضا يدل عليه شرط البخاري في ~~صحيحة، وتشنيع الإمام مسلم على رواة الضعيف كما أسلفناه وعدم إخراجهما في ~~صحيحهما شيئا منه، وهذا مذهب ابن حزم رحمه الله أيضا حيث قال في الملل ~~والنحل: "ما نقله أهل المشرق والمغرب أو كافة عن كافة أو ثقة عن ثقة حتى ~~يبلغ إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا أن في الطريق رجلا مجروحا بكذب أو ~~غفلة، أو مجهول الحال فهذا يقول به بعض المسلمين ولا يحل عندنا القول به ~~ولا تصديقه ولا الأخذ بشيء منه". ا. ه. # الثاني: أنه يعمل به مطلقا قال السيوطي: "وعزى ذلك إلى أبي داود وأحمد ~~لأنهما يريان ذلك أقوى من رأي الرجال". # الثالث: يعمل به في الفضائل بشروطه الآتية وهذا هو المعتمد عند الأئمة. ~~قال ابن عبد البر: # PageV01P113 # "وأحاديث الفضائل لا يحتاج فيها إلى ما يحتج به". وقال الحاكم: "سمعت أبا ~~زكريا العنبري يقول الخبر إذا ورد لم يحرم حلالا، ولم يوجب حكما، وكان في ~~ترغيب أو ترهيب أغمض عنه وتسوهل في رواته". ولفظ ابن مهدي فيما أخرجه ~~البيهقي في المدخل: "إذا روينا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحلال ~~والحرام والأحكام، شددنا في الأسانيد، وانتقدنا في الرجال وإذا روينا في ~~الفضائل والثواب والعقاب سهلنا في الأسانيد وتسامحنا في الرجال". ولفظ أحمد ~~في رواية الميموني عنه: "الأحاديث الرقائق يحتمل أن يتساهل فيها حتى يجيء ~~شيء فيها حكم". وقال في رواية عباس الدوري عنه: "ابن إسحاق رجل تكتب عنه ~~هذه الأحاديث" -يعني المغازي ونحوها- وإذا جاء الحلال والحرام أردنا قوما ~~هكذا -وقبض أصابع يده الأربع. # PageV01P114 ### $ 31- الجواب عن رواية بعض كبار الأئمة عن الضعفاء: ms066 # قال الإمام النووي في شرح مسلم1: "قد يقال لم حدث هؤلاء الأئمة عن هؤلاء ~~مع علمهم بأنهم؟ لا يحتج بهم ويجاب عنه بأجوبة: # أحدها: أنهم رووها ليعرفوها وليبنوا ضعفها لئلا يلتبس في وقت عليهم أو ~~على غيرهم أو يتشككوا في صحتها. # الثاني: أن الضعيف يكتب حديثه ليعتبر أو يستشهد ولا يحتج به على انفراده. # الثالث: رواية الراوي الضعيف يكون فيها الصحيح والباطل، فيكتبونها ثم ~~يميز أهل الحديث والإتقان بعض ذلك من بعض وذلك سهل عليهم معروف عندهم وبهذا ~~احتج سفيان رحمه الله حين نهى عن الراوية عن الكلبي فقيل له: أنت تروي عنه ~~فقال: "أنا أعلم صدقة من كذبه". # الرابع أنهم قد يروون عنهم أحاديث الترغيب والترهيب وفضائل الأعمال ~~والقصص، PageV01P114 # وأحاديث الزهد، ومكارم الأخلاق ونحو ذلك مما لا يتعلق بالحلال، والحرام ~~وسائر الأحكام، وهذا الضرب من الحديث يجوز عند أهل الحديث، وغيرهم التساهل ~~فيه ورواية ما سوى الموضوع منه، والعمل به لأن أصول ذلك صحيحة مقررة في ~~الشرع معروفة عند أهله، وعلى كل حال فإن الأئمة لا يروون عن الضعفاء شيئا ~~يحتجون به، على انفراده في الأحكام فإن هذا شيء لا يفعله إمام من أئمة ~~المحدثين، ولا محقق من غيرهم من العلماء، وأما فعل كثيرين من الفقهاء أو ~~أكثرهم ذلك، واعتمادهم عليه فليس بصواب بل قبيح جدا، وذلك لأنه إن كان يعرف ~~ضعفه لم يحل له أن يحتج به فإنهم متفقون على أنه لا يحتج بالضعيف في ~~الأحكام وإن كان لا يعرف ضعفه لم يحل له أن يهجم على الاحتجاج به من غير ~~بحث عليه بالتفتيش عنه إن كان عارفا أو بسؤال أهل العلم به إن لم يكن ~~عارفا". ا. ه. # وقال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله تعالى: "قد يكون الرجل عندهم ضعيفا ~~لكثرة الغلط في حديثه ويكون حديثه الغالب عليه الصحة فيروون عنه لأجل ~~الاعتبار به، والاعتضاد به فإن تعدد الطرق، وكثرتها يقوى بعضها بعضا حتى قد ~~يحصل العلم بها، ولو كان الناقلون فجارا وفساقا فكيف إذا كانوا ms067 علماء عدولا ~~ولكن كثر في حديثهم الغلط، وهذا مثل عبد الله بن لهيعة فإنه من أكابر علماء ~~المسلمين، وكان قاضيا بمصر كثير الحديث، ولكن احترقت كتبه فصار يحدث من ~~حفظه فوقع في حديثه غلط كثير مع أن الغالب على حديثه الصحة قال أحمد قد ~~أكتب حديث الرجل للاعتبار به مثل ابن لهيعة، وأما من عرف منه أنه يتعمد ~~الكذب فمنهم من لا يروي عن هذا شيئا، وهذه طريقة أحمد بن حنبل، وغيره لم ~~يرو في مسنده عمن يعرف أنه يتعمد الكذب لكن يروي عمن عرف منه الغلط ~~للاعتبار به والاعتضاد، ومن العلماء من كان يسمع حديث من يكذب، ويقول إنه ~~يميز بين ما يكذبه وبين ما لا يكذبه، ويذكر عن الثوري أنه كان يأخذ عن ~~الكلبي وينهى عن الأخذ عنه ويذكر أنه يعرف ومثل هذا قد يقع لمن كان خبيرا ~~بشخص إذا حدثه بأشياء يميز بين ما صدق فيه وما كذب فيه، بقرائن لا يمكن # PageV01P115 # ضبطها. وخبر الواحد قد يقترن به قرائن تدل على أنه صدق، وقرائن تدل على ~~أنه كذب". ا. ه. # وروى الإمام ابن عبد البر في: "جامع بيان العلم وفضله" في باب الرخصة في ~~كتابة العلم1 عن سفيان الثوري أنه قال: "إني أحب أن أكتب الحديث على ثلاثة ~~أوجه، حديث أكتبه أريد أن أتخذه دينا وحديث رجل أكتبه فأوفقه لا أطرحه، ولا ~~أدين به وحديث رجل ضعيف أحب أن أعرفه ولا أعبأ به، وقال الأوزاعي تعلم ما ~~لا يؤخذ به كما تتعلم ما يؤخذ به". PageV01P116 ### $ 32- ما شرطه المحققون لقبول الضعيف: # قال السيوطي في التدريب: "لم يذكر ابن الصلاح والنووي لقبوله سوى هذا ~~الشرط كونه في الفضائل ونحوها". # وذكر الحافظ ابن حجر له ثلاثة: شروط أحدها أن يكون الضعف غير شديد فيخرج ~~من انفرد من الكذابين، والمتهمين بالكذب ومن فحش غلطه؛ نقل العلائي الاتفاق ~~عليه؛ الثاني: أن يندرج تحت أصل معمول به؛ الثالث: أن لا يعتقد عند العمل ~~به ثبوته، بل يعتقد الاحتياط. # وقال الزركشي: "الضعيف مردود ما ms068 لم يقتض ترغيبا، أو ترهيبا، أو تتعدد ~~طرقه؛ ولم يكن المتابع منحطا عنه". ا. ه. # قال السيوطي: "ويعمل بالضعيف أيضا في الأحكام إذا كان فيه احتياط"1. ا. ~~ه. PageV01P116 ### | تزييف درع الموسوسين في المتفق على ضعفه # ... ### | 33- # تزييف ورع الموسوسين في المتفق على ضعفه: # ذكر شارحو صحيح البخاري عند قوله في كتاب البيوع "باب من لم ير الوساوس ~~ونحوها من الشبهات" أن غرض البخاري بيان ورع الموسوسين، كمن يمتنع من أكل ~~الصيد خشية أن يكون الصيد كان لإنسان ثم انفلت منه، وكمن يترك شراء ما ~~يحتاج إليه من مجهول لا يجري أماله حرام أم حلال، وليست هناك علامة تدل على ~~الحرمة، وكمن يترك تناول الشيء لخبر ورد فيه متفق على ضعفه وعدم الاحتجاج ~~به ويكون دليل الإباحة قويا وتأويله ممتنع أو مستبعد. # قال الغزالي: "الورع أقسام: ورع الصديقين، وهو ترك ما لا يتناول بغير نية ~~القوة على العبادة؛ وورع المتقين، وهو ترك ما لا شبهة فيه، ولكن يخشى أن ~~يجر إلى الحرام؛ وورع الصالحين، وهو ترك ما يتطرق إليه احتمال التحريم بشرط ~~أن يكون لذلك الاحتمال موقع فإن لم يكن فهو ورع الموسوسين. قال: ووراء ذلك ~~ورع الشهود، وهو ترك ما يسقط الشهادة أعم من أن يكون ذلك المتروك حراما أم ~~لا". # PageV01P117 ### $ 34- ترجيح الضعيف على رأي الرجال: # نقل السخاوي في فتح المغيث عن الحافظ ابن منده مما سمعه من محمد بن سعد ~~الباوردي: "أن النسائي صاحب السنن لا يقتصر في التخريج عن المتفق على ~~قبولهم، بل يخرج عن كل من يجمع الأئمة على تركه". قال العراقي: "وهو مذهب ~~متسع". قال ابن منده: "وكذلك أبو داود يأخذ مأخذ النسائي، يعني في عدم ~~التقيد بالثقة والتخريج لمن ضعف في الجملة وإن اختلف صنيعهما". وقال ~~السخاوي: "أبو داود يخرج الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره، وهو أقوى عنده ~~من رأي الرجال، وهو تابع في ذلك شيخه الإمام أحمد فقد روينا من طريق عبد ~~الله بن أحمد بالإسناد الصحيح إليه قال: سمعت أبي يقول: لا ms069 تكاد ترى أحدا ~~ينظر في الرأي إلا وفي قلبه غل والحديث الضعيف أحب إلى من الرأي" # PageV01P117 # قال: "فسألته عن الرجل يكون ببلد لا يجد فيها إلا صاحب حديث لا يدري ~~صحيحه من سقيمه وصاحب رأي فمن يسأل قال: يسأل صاحب الحديث ولا يسأل صاحب ~~الرأي". # وذكر ابن الجوزي في الموضوعات أنه كان قدم الضعيف على القياس. بل حكى ~~الطوفي عن التقى ابن تيميه أنه قال: اعتبرت مسند أحمد فوجدته موافقا بشرط ~~أبي داود وزعم ابن حزم أن جميع الحنفية على أن مذهب إمامهم أيضا: أن ضعيف ~~الحديث أولى عنده من الرأي والقياس. ا. ه. # ثم رأيت في: "منهاج السنة" للإمام تقي الدين بن تيميه ما نصه: "وأما نحن ~~فقولنا إن الحديث الضعيف خير من الرأي ليس المراد به الضعيف المتروك لكن ~~المراد به الحسن؛ كحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده؛ وحديث إبراهيم الهجري ~~وأمثالهما ممن يحسن الترمذي حديثه أو يصححه. وكأن الحديث في اصطلاح من قبل ~~الترمذي إما صحيح، وإما ضعيف. والضعيف نوعان: ضعيف متروك، وضعيف ليس ~~بمتروك؛ فتكلم أئمة الحديث بذلك الاصطلاح، فجاء من لا يعرف إلا اصطلاح ~~الترمذي، فسمع قول بعض الأئمة: "الحديث الضعيف أحب إلي من القياس" فظن أنه ~~يحتج بالحديث الذي يضعفه مثل الترمذي وأخذ يرجح طريقة من يرى أنه اتبع ~~للحديث الصحيح، وهو في ذلك من المتناقضين الذي يرجحون الشيء على ما هو أولى ~~بالرجحان منه إن لم يكن دونه". ا. ه. # PageV01P118 ### $ 35- بحث الدواني في الضعيف: # قالت المحقق جلال الدين الدواني في رسالته أنموذج العلوم: "اتفقوا على أن ~~الحديث الضعيف، لا تثبت به الأحكام الشرعية، ثم ذكروا أنه يجوز، بل يستحب ~~العمل بالأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال. وممن صرح به النووي في كتبه لا ~~سيما كتاب: "الأذكار" وفيه إشكال لأن جواز العمل، واستحبابه كلاهما من ~~الأحكام الشرعية الخمسة فإذا استحب العمل بمقتضى الحديث الضعيف، كان ثبوته ~~بالحديث الضعيف، وذلك ينافي ما تقرر من عدم ثبوت الأحكام بالأحاديث ~~الضعيفة. وقد حاول بعضهم التفصي1 عن ms070 ذلك وقال: إن مراد النووي أنه إذا ثبت ~~حديث صحيح أو حسن في فضيلة عمل من الأعمال، تجوز رواية الحديث الضعيف في ~~هذا الباب؛ ولا يخفى أن هذا لا يرتبط بكلام النووي فضلا عن أن يكون مراده ~~ذلك! فكم من فرق بين جواز العمل واستحبابه، وبين مجرد نقل الحديث، على أنه ~~لو لم يثبت الحديث الصحيح أو الحسن في فضيلة عمل من الأعمال، يجوز نقل ~~الحديث الضعيف فيها لا سيما من التنبيه على ضعفه، ومثل ذلك في كتب الحديث، ~~وغيره كثير شائع يشهد به من تتبع أدنى تتبع، والذي يصلح للتعويل أنه إذا ~~وجد حديث ضعيف في فضيلة عمل من الأعمال، ولم يكن هذا العمل مما يحتمل ~~الحرمة أو الكراهة فإنه يجوز العمل به، ويستحب لأنه مأمون الخطر، ومرجو ~~النفع إذ هو دائر بين الإباحة والاستحباب فالاحتياط العمل به. رجاء الثواب ~~وأما إذا دار بين الحرمة والاستحباب فلا وجه لاستحباب العمل به. وأما إذا ~~دار بين الكراهة والاستحباب فمجال النظر فيه واسع إذ في العمل دغدغة2 ~~الوقوع في المكروه، وفي الترك مظنة ترك المستحب فلينظر إن كان خطر الكراهة ~~أشد بأن تكون الكراهة المحتملة شديدة كان خطر الكراهة أضعف بأن تكون ~~الكراهة على تقدير وقوعها ضعيفة دون مرتبة ترك العمل على تقدير استحبابه ~~فالاحتياط العمل به وفي صورة المساواة يحتاج إلى نظر تام، والظاهر أنه ~~يستحب أيضا لأن المباحات تصير بالنية عبادة فكيف ما فيه شبهة الاستحباب ~~لأجل الحديث الضعيف فجواز العمل واستحبابه مشروطان أما جواز العمل فبعدم ~~احتمال الحرمة وأما الاستحباب فيما ذكر مفصلا. # "بقي ها هنا شيء وهو أنه عدم احتمال الحرمة فجواز العمل ليس لأجل الحديث ~~إذ لو لم يوجد يجوز العمل أيضا لأن المفروض انتفاء الحرمة. لا يقال: الحديث ~~الضعيف ينفي احتمال الحرمة لأنا نقول الحديث الضعيف لا يثبت به شيء من ~~الأحكام الخمسة، PageV01P119 # وانتفاء الحرمة يستلزم ثبوت الإباحة والإباحة حكم شرعي فلا يثبت بالحديث ~~الضعيف ولعل مراد النووي ما ذكرنا، وإنما ذكر جواز العمل توطئة ms071 للاستحباب. # "وحاصل الجواب: أن الجواز معلوم من خارج، والاستحباب أيضا معلوم من ~~القواعد الشرعية الدالة على استحباب الاحتياط في أمر الدين فلم يثبت شيء من ~~الأحكام بالحديث الضعيف، بل أوقع الحديث شبهة الاستحباب فصار الاحتياط أن ~~يعمل به، فاستحباب الاحتياط معلوم من قواعد الشرع". ا. ه. # وقد ناقش الدواني رحمه الله الشهاب الخفاجي في: "شرح الشفا" فقال بعد ~~نقله ملخص كلامه المذكور ما صورته: "ما قاله الجلال، مخالف لكلامهم برمته، ~~وما نقله من الاتفاق غير صحيح، مع ما سمعته من الأقوال -يعني في العمل ~~بالضعيف- والاحتمالات التي أبداها لا تفيد سوى تسويد وجه القرطاس، والذي ~~أوقعه في الحيرة توهمه، أن عدم ثبوت الأحكام به متفق عليه، وأنه يلزم من ~~العمل به في الفضائل والترغيب أنه يثبت به حكم من الأحكام، وكلاهما غير ~~صحيح أما الأول فلأن من الأئمة من جوز العمل به بشروطه، وقدمه على القياس، ~~وأما الثاني فلأن ثبوت الفضائل والترغيب لا يلزمه الحكم ألا ترى أنه لو روى ~~حديث ضعيف في ثواب بعض الأمور الثابت استحبابها والترغيب فيه أو في فضائل ~~بعض الصحابة رضوان الله عليهم أو الأذكار المأثورة، لم يلزم مما ذكر ثبوت ~~حكم أصلا، ولا حاجة لتخصيص الأحكام والأعمال كما توهم للفرق الظاهر بين ~~الأعمال وفضائل الأعمال وإذا ظهر عدم الصواب؛ لأن القوس في يد غير باريها ~~ظهر أنه إشكال ولا خلل ولا اختلال". ا. ه. # وأقول إن للشهاب ولعا في المناقشة غريبا، وإن لم يحظ الواقف عليها بطائل! ~~وتلك عادة استحكمت منه في مصنفاته، كما يعلمه من طالعها؛ ولعله هو الذي سود ~~وجه القرطاس ها هنا؟ إذ لا غبار على كلام الجلال. وأما انتقاده عليه بنقله ~~الاتفاق على أن الحديث الضعيف لا تثبت به الأحكام مع وجود الخلاف فيه فلأنه ~~عنى اتفاق مدققي النقاد وأولى اشتراط # PageV01P120 # الصحة في قبول الإسناد، كالشيخين وأضرابهما ممن أسلفنا النقل عنهما في ~~المذهب الأول في الضعيف، إن لم نقل إن الجلال لم ير مقابله مما يجدر سوقه ~~مقابلا، حتى يحكي الخلاف ms072 فيه؛ وكثيرا ما يترفع المؤلفون عن الأقوال ~~الواهية؛ ولو في نظارهم فيحكون الاتفاق، ومرادهم اتفاق ذوي التحقيق، كما هو ~~معلوم في المؤلفات المتداولة. وأما مناقشته، بأن ثبوت الفضائل والترغيب لا ~~يلزمه الحكم، فإلزام لما لم يلتزمه الجلال؛ لأنه لم يدعه، وكلامه في ~~الأعمال خاصة؛ فمؤاخذته بمطلق الفضائل افتراء أو مشاغبة! وأما قوله: "ولا ~~حاجة لتخصيص الأحكام ... إلى آخره". فشط من القلم إلى جداول الجدل الفاضح! ~~وهل كلامه إلا في الأحكام والأعمال؟ وتعليله بظهور الفرق بين الأعمال ~~وفضائلها غير ظاهر هنا، لاتحادها في هذا البحث؛ لأن الإضافة في فضائل ~~الأعمال بيانه، أو من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: الأعمال الفاضلة. فتأمل ~~لعلك ترى القوس في يد الجلال، كما رآه الجمال. # PageV01P121 ### $ 36- مسائل تتعلق بالضعيف: # الأولى: من رأى حديثا بإسناد ضعيف، فله أن يقول: "هو ضعيف بهذا الإسناد" ~~ولا يقول: "ضعيف المتن" بمجرد ذلك الإسناد، فقد يكون له إسناد آخر صحيح؛ ~~إلا أن يقول إمام إنه لم يرد من وجه صحيح، أو إنه حديث ضعيف مبينا ضعفه. # الثانية: من أراد رواية ضعيف بغير إسناد فلا يقل: "قال رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- بل يقول: روي عنه كذا، أو بلغنا عنه كذا، أو ورد عنه، أو ~~جاء عنه، أو نقل عنه" وما أشبه ذلك من صيغ التمريض كروى بعضهم، وكذا يقول ~~في ما يشك في صحته وضعفه. أما الصحيح فيذكر بصيغة الجزم، ويقبح فيه صيغة ~~التمريض، كما يقبح في الضعيف صيغة الجزم. # الثالثة: لا يتصدى للجواب عن الحديث المشكل إلا إذا كان صحيحا. وأما إذا ~~كان ضعيفا فلا. قال العلامة السيد أحمد بن المبارك في "الإبريز" في خلال ~~بحث في بعض الأحاديث الضعيفة: وإن كان الحديث في نفسه مردودا، هان الأمر ~~ولله در أبي الحسن القابسي # PageV01P121 # رحمه الله حيث اعترض على الأستاذ أبي بكر بن فورك رحمه الله حيث تصدى ~~للجواب عن أحاديث مشكلة وهي باطلة، قال القابسي: "لا يتكلف الجواب عن ~~الحديث حتى يكون صحيحا والباطل يكفي في رده كونه باطلا". ا. ه. ms073 # وأما اعتذار ابن حجر الهيتمي في: "فتاواه الحديثية" عن ابن فورك بأنه: ~~"إنما تكلف الجواب عنها مع ضعفها لأنه ربما تشبث بها بعض من لا علم له ~~بصحيح الأحاديث من ضعيفها، فطلب الجواب عنها بفرض صحتها إذ الصحة والضعف ~~ليسا من الأمور القطعية بل الظنية، والضعيف يمكن أن يكون صحيحا، فبهذا ~~الفرض يحتاج إلى الجواب عنه" فلا يخفي ما فيه إذ الكلام مع من يعلم، ومن لا ~~يعلم فأحقر من أن يتمحل له والإمكان المذكور لا عبرة به لأنا نقف مع ما ~~صححوه أو ضعفوه وقوف الجازم به ونطرح ذاك الفرض الذي لا عبرة له في نظر ~~الأئمة إذ لا ثمرة لهم فافهم. # وفي الموعظة الحسنة: لا يستحق ما لا أصل أن يشتغل برده بل يكفي أن يقال: ~~"هذا كلام ليس من الشريعة" وكل ما هو ليس منها فهو رد أي مردود على قائله، ~~مضروب في وجهه. ا. ه. # نعم، لو اختلف في صحة حديث لعلة فيه رآها بعضهم غير قادحة فصححه وخالفه ~~آخر، فلا بأس أن يشتغل بتأويل هذا المعلل المختلف في صحته لاحتمال صحته ~~فيتأول على هذا التقدير. # الرابعة: إذا قال الحافظ الناقد المطلع في حديث: "لا أعرفه" اعتمد ذلك في ~~نفيه؛ لأنه بعد التدوين والرجوع إلى الكتب المصنفة يبعد عدم اطلاعه على ما ~~يورده غيره، فالظاهر عدمه كذا في التدريب. # الخامسة: قولهم: هذا الحديث ليس له أصل أو: لا أصل له قال ابن تيميه: ~~معناه ليس له إسناد. # السادسة: قال الحافظ ابن حجر: "لا يلزم من كون الحديث لم يصح أن يكون ~~موضوعا". # قال الزركشي: "بين قولنا موضوع، وقولنا لا يصح بون كثير، فإن في الأول ~~إثبات الكذب والاختلاق، وفي الثاني إخبارا عن عدم الثبوت، ولا يلزم منه ~~إثبات العدم، وهذا يجيء في كل حديث قال فيه ابن الجوزي لا يصح ونحوه. # السابعة: قال الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح: "الضعيف لا يعل به الصحيح". # PageV01P122 ### $ 37- ذكر أنواع تشترك في الصحيح والحسن والضعيف: # الأول المسند: هو على المعتمد ms074 ما اتصل سنده من راوية إلى متنهاه، مرفوعا ~~إلى النبي -صلى الله عليه وسلم. # الثاني المتصل: ويسمى الموصول وهو ما اتصل سنده سواء كان مرفوعا إليه ~~-صلى الله عليه وسلم- أو موقوفا. # الثالث المرفوع: وهو ما أضيف إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- خاصة من قول ~~أو فعل أو تقرير، سواء كان متصلا أو منقطعا، بسقوط الصحابي منه أو غيره؛ ~~فالمتصل قد يكون مرفوعا وغير مرفوعا، والمرفوع قد يكون متصلا وغير متصل ~~والمسند متصل مرفوع. # الرابع المعنعن: وهو ما يقال في سنده: فلان عن فلان، قيل إنه مرسل حتى ~~يتبين اتصاله، والجمهور على أنه متصل إذا أمكن لقاء من أضيفت العنعنة إليهم ~~بعضهم بعضا، مع براءة المعنعن من التدليس وإلا فليس بمتصل. وقد كثر المعنعن ~~في الصحيحين؛ وكثير من طرقة صرح فيها بالتحديث والسماع في المستخرجات ~~عليهما، وإن كان لا يرتاب في صحته فيهما وبراءة معنعنه من التدليس لدقة ~~شرطهما وكثر أيضا استعمال: "عن" في الإجازة فإذا قال أحدهم: "قرأت على فلان ~~عن فلان" فمراده أنه رواه عنه فلا تخرج عن الاتصال. # الخامس المؤنن: وهو ما يقال في مسنده: "حدثنا فلان أن فلانا" وهو ~~كالمعنعن. قيل إنه منقطع حتى يتبين السماع في ذلك الخبر بعينه من جهة أخرى؛ ~~والجمهور على أنه كالمعنعن في الاتصال بالشرط المتقدم. # PageV01P123 # السادس المعلق: وهو ما حذف من مبدأ إسناده واحد فأكثر على التوالي ويعزي ~~الحديث إلى من فوق المحذوف من رواته؛ مأخوذ من تعليق الجدار والطلاق ~~لاشتراكهما في قطع الاتصال وهو في البخاري كثير جدا. قال النووي: "فما كان ~~منه بصيغة الجزم كقال، وفعل، وأمر وروى، وذكر معروفا، فهو حكم بصحته عن ~~المضاف إليه؛ وما ليس فيه جزم كيروى، ويذكر، ويحكى، ويقال، وحكي عن فلان، ~~وروي، وذكر مجهولا فليس فيه حكم بصحته عن المضاف إليه ومع ذلك فإيراده في ~~كتاب الصحيح مشعر بصحة أصله إشعارا يونس به ويركن إليه وعلى المدقق إذا رام ~~الاستدلال به أن ينظر في رجاله وحال سنده ليرى صلاحيته للحجة وعدمها. # السابع المدرج: ms075 وهو أقسام: أخدها مدرج في حديث النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- بأن يذكر الراوي عقيبه كلاما لنفسه أو لغيره، فيرويه من بعده متصلا ~~بالحديث من غير فصل، فيتوهم أنه من الحديث؛ الثاني: أن يكون عنده متنان ~~بإسنادين فيرويهما بأحدهما؛ الثالث: أن يسمع حديثا من جماعة مختلفين في ~~إسناده أو متنه فيرويه عنهم باتفاق ولا يبين ما اختلف فيه قالوا تعمد كل ~~واحد من الثلاثة حرام، وصاحبه ممن يحرف الكلم عن مواضعه، وهو ملحن ~~بالكذابين نعم ما أدرج لتفسير غريب لا يمنع ولذلك فعله الزهري وغير واحد من ~~الأئمة. # الثامن المشهور: وهو ما له طرق محصورة بأكثر من اثنين سمي بذلك لوضوحه ~~ويطلق على ما اشتهر على الألسنة، فيشمل ما له إسناد واحد فصاعدا بل ما لا ~~يوجد له إسناد أصلا. "كذا في النخبة"1. وما اشتهر على الألسنة، أعم عن ~~اشتهاره عند المحدثين خاصة أو عندهم أو عند العامة مما لا أصل له. # التاسع المستفيض: هو المشهور، على رأي جماعة من أئمة الفقهاء، سمي بذلك ~~لانتشاره، من فاض الماء يفيض فيضا؛ ومنهم من غاير بين المستفيض والمشهور ~~بأن المستفيض PageV01P124 # يكون في ابتدائه وانتهائه سواء، والمشهور أعم من ذلك ومنهم من غاير على ~~كيفية أخرى، وليس من مباحث هذا الفن "كذا في شرح النخبة"1. # العاشر الغريب: هو ما رواه راو منفردا بروايته، فلم يروه غيره أو انفرد ~~بزيادة في متنه، أو إسناده، سواء انفرد به مطلقا، أو بقيد كونه عن إمام ~~شأنه أن يجمع حديثه لجلالته وثقته وعدالته، كالزهري وقتادة وإنما سمي غريبا ~~لانفراد راويه عن غيره كالغريب الذي شأنه الانفراد عن وطنه، والغالب أنه ~~غير صحيح ومن ثم كره جمع من الأئمة تتبعها قال مالك: "شر العلم الغريب، ~~وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس". # وقال الإمام أحمد: "لا تكتبوا هذه الغرائب، فإنها مناكير وغالبها عن ~~الضعفاء". ا. ه. # وينقسم الغريب إلى غريب متنا وإسنادا كما لو انفرد بمتنه واحد، وإلى غريب ~~إسنادا لا متنا كحديث معروف روى متنه جماعة من الصحابة ms076 انفرد واحد بروايته ~~عن صحابي آخر؛ فيه يقول الترمذي: غريب من هذا الوجه ولا يوجد ما هو غريب ~~متنا، وليس غريبا إسنادا إلا إذا اشتهر الحديث الفرد عمن انفرد به فرواه ~~عنه عدد كثير فإنه يصير غريبا مشهورا، وغريبا متنا لا إسنادا لكن بالنظر ~~إلى أحد طرفي الإسناد فإن إسناده غريب في طرفه الأول مشهور في طرفه الآخر ~~كحديث: "إنما الأعمال بالنيات" فإن الشهرة إنما طرأت له من عند يحيى بن ~~سعيد الآخذ عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة ابن وقاص الليثي عن عمر بن ~~الخطاب رفعه، ولا يدخل في الغريب إفراد البلدان كقولهم: "تفرد به أهل مكة ~~أو الشام أو البصرة" إلا أن يراد بتفرد أهل مكة انفراد واحد منهم تجوزا ~~فيكون حينئذ غريبا. # الحادي عشر، العزيز: وهو ما انفرد عن راويه اثنان أو ثلاثة ولو رواه بعد ~~ذلك عن هذين الاثنين أو الثلاثة مائة فقد يكون الحديث عزيزا مشهورا وينفرد ~~عن الغريب PageV01P125 # بكونه لا يرويه أقل من اثنين عن اثنين، بخلاف الغريب سمي عزيزا لقلة ~~وجوده أو لكونه قوي بمجيئه من طريق أخرى. # الثاني عشر، المصحف: وهو الذي وقع فيه تصحيف، ويكون في الإسناد والمتن ~~فمن الأول: العوام بن مراجم -بالراء والجيم- صحفه بعض الثقات فقال مزاحم ~~-بالزاي والحاء- ومن الثاني حديث1: "احتجر النبي -صلى الله عليه وسلم- في ~~المسجد" أي اتخذ حجرة صحفه بعضهم: "احتجم"؛ وهذان القسمان من تصحيف اللفظ، ~~وقد يكون في المعنى كقول محمد بن المثنى العنزي: "نحن قوم لنا شرف نحن من ~~عنزة صلى إلينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" فتوهم أنه صلى إلى قبلتهم ~~وإنما العنزة هنا: "الحرية" تنصب بين يديه -صلى الله عليه وسلم. # فائدة: التصحيف لغة: الخطأ في الصحيفة، باشتباه الحروف، مولدة، وقد تصحف ~~عليه لفظ كذا، والصحفي محركة من يخطئ في قراءة الصحيفة؛ وقول العامة: ~~"الصحفي" بضمتين، لحن: # الثالث عشر، المنقلب: وهو الذي ينقلب بعض لفظه على الراوي، فيتغير معناه، ~~كحديث البخاري في باب: "إن رحمه الله قريب من المحسنين" عن ms077 صالح بن كيسان ~~عن الأعرج عن أبي هريرة رفعه اختصمت الجنة والنار إلى ربهما ... " الحديث، ~~وفيه أنه: "ينشئ للنار خلقا". صوابه كما رواه في موضع آخر من طريق عبد ~~الرزاق، عن همام عن أبي هريرة بلفظ: "فأما الجنة فينشئ الله لها خلقا.." ~~فسبق لفظ الراوي من الجنة إلى النار وصار منقلبا، ولذا جزم ابن القيم بأنه ~~غلط ومال إليه البلقيني حيث أنكر هذه الرواية واحتج بقوله تعالى: {ولا يظلم ~~ربك أحدا} 2. # الرابع عشر، المسلسل: وهو ما يتابع رجال إسناده على حالة واحدة إما في ~~الراوي قولا نحو: "سمعت فلانا يقول سمعت فلانا. إلى المنتهى" أو: "أخبرنا ~~فلان والله، PageV01P126 # قال أخبرنا فلان والله ... " أو فعلا كحديث التشبيك باليد1 أو قولا وفعلا ~~كحديث2: "لا يجد العبد حلاوة الإيمان حتى يؤمن بالقدر خيره وشره حلوه ومره" ~~وقبض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على لحيته، وقال: "آمنت بالقدر خيره ~~وشره، حلوه ومره" وكذا كل راو من رواته قبض وقال ... وإما على صفة واحدة ~~كاتفاق أسماء الرواة كالمحمديين أو صفاتهم كالفقهاء أو نسبتهم كالدمشقيين، ~~وقد جمع الحفاظ في ذلك مؤلفات مشهورة، وأفضل المسلسلات ما دل على الاتصال ~~في السماع، وعدم التدليس ومن فوائده استماله على زيادة الضبط من الرواة ~~ولكن قلما يسلم عن خلل في التسلسل، وقد ينقطع تسلسله في وسطه أو أوله أو ~~آخره كحديث الرحمة المسلسل بالأولية فإنه انتهى فيه التسلسل إلى عمرو بن ~~دينار. # الخامس عشر، العالي: وهو ما قربت رجال سنده من رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- بسبب قلة عددها بالنسبة إلى سند آخر يرد بذلك الحديث بعينه بعدد كثير ~~أو بالنسبة لمطلق الأسانيد، وأجله ما كان بإسناد صحيح ولا التفات إلى العلو ~~مع ضعفه وإن وقع في بعض المعاجم، ومن العلو القرب من إمام من أئمة الحديث ~~كما لك، وإن كثر بعده العدد إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومنه القرب ~~إلى الصحيحين وأصحاب السنن والمسانيد والأول العلو الحقيقي وما بعده العلو ~~النسبي. # قال الحافظ في شرح النخبة3: "وفي العلو ms078 النسبي الموافقة وهي الوصول إلى ~~شيخ أحد المصنفين من غير طريقة كأن يروي البخاري عن قتيبة عن مالك حديثا، ~~فإذا روي من طريق البخاري كان العدد إلى قتيبة ثمانية، وإذا روي من غير ~~طريقه كان العدد إليه سبعة، فالراوي من الثاني وافق البخاري في شيخه مع علو ~~الإسناد على الإسناد إليه. وفي PageV01P127 # العلو النسبي البدل، وهو الوصول إلى شيخ شيخه كذلك وفيه أيضا المساواة، ~~وهي استواء عدد الإسناد من الراوي إلى آخره مع إسناد أحد المصنفين وفيه ~~المصافحة وهي الاستواء مع تلميذ ذلك المصنف". # السادس عشر، النازل: وهو ما قابل العالي بأقسامه السابقة، والإسناد ~~النازل مفضول إلا إن تميز بفائدة كزيادة الثقة في رجاله على العالي أو ~~كونهم أحفظ أو أفقه، ونحو ذلك قال ابن المبارك: "ليس جودة الحديث قرب ~~الإسناد بل جودته صحة الرجال". # السابع عشر، الفرد: وهو نوعان: فرد مطلق، وفرد نسبي. ولكل أقسام. فإما ~~الفرد المطلق فهو ما تفرد به راو واحد عن جميع الرواة، ثقات وغيرهم. وله ~~أربعة أحوال: حال يكون مخالفا لرواية من هو أحفظ منه فهذا ضعيف، ويسمى شاذا ~~ومنكرا كما سيأتي. وحال لا يكون مخالفا ويكون هذا الراوي حافظا ضابطا متقنا ~~فيكون صحيحا وحال يكون قاصرا عن هذا، ولكنه قريب من درجته فيكون حديثه ~~حسنا، وحال يكون بعيدا عن حاله فيكون شاذا منكرا مردودا فتحصل أن الفرد ~~المذكور قسمان: مقبول، ومردود. والمقبول ضربان: فرد لا يخالف، وراويه كامل ~~الأهلية، وفرد هو قريب منه، والمردود أيضا ضربان: فرد مخالف للأحفظ، وفرد ~~ليس في راويه من الحفظ والإتقان ما يجبر تفرده. القسم الثاني، الفرد ~~النسبي: وهو ما كان بالنسبة إلى صفة خاصة. وهو أنواع: ما قيد بثقة كقولهم: ~~لم يروه ثقة إلا فلان انفرد به عن فلان. أو قيد ببلد معين كمكة والبصرة ~~ومصر، كقولهم: لم يرو هذا الحديث غير أهل البصرة، ونحو تفرد به أهل مصر لم ~~يشركهم أحد، ولا يقتضي شيء من ذلك ضعفه إلا أن يراد تفرد واحد من أهل هذه ~~البلاد ms079 فيكون من الفرد المطلق أو قيد براو مخصوص كقولهم لم يروه عن بكر إلا ~~وائل ولم يروه عن وائل غير فلان فيكون غريبا. # الثامن عشر المتابع "بكسر الباء": وهو ما وافق روايه راو آخر، ممن يصلح ~~أن يخرج حديثه، فرواه عن شيخه أو من فوقه قال الحافظ في النخبة وشرحها1: ~~"والفرد PageV01P128 # النسبي إن وافقه غيره، فهو المتابع. والمتابعة على مراتب، إن حصلت للراوي ~~نفسه فهي تامة، أو لشيخه فمن فوقه فهي القاصرة، ويستفاد منها التقوية ولو ~~جاءت بالمعنى كفى لكنها مختصة من كونها من رواية ذلك الصحابي". # التاسع عشر، الشاهد: وهو ما وافق راو راويه عن صحابي آخر. قال الحافظ في ~~النخبة وشرحها1: "وإن وجد متن يروي من حديث صحابي آخر يشبه في اللفظ ~~والمعنى، أو في المعنى فقط فهو الشاهد. وخص قوم المتابعة بما حصل باللفظ ~~سواء كان من رواية ذلك الصحابي أم لا والشاهد بما حصل بالمعنى كذلك وقد ~~تطلق المتابعة على الشاهد وبالعكس". ا. ه. # تنبيه: في التقريب وشرحه2: "أن الاعتبار والمتابعات والشواهد أمور ~~يتداولها أهل الحديث، يتعرفون بها حال الحديث. ينظرون: هل تفرد راويه أو ~~لا؟ وهل هو معروف أو لا فالاعتبار أن يأتي إلى حديث لبعض الرواة فيعتبره ~~بروايات غيره من الرواة بسبر طرق الحديث ليعرف هل شارحه في ذلك الحديث، راو ~~غيره فرواه عن شيخه أو لا فإن لم يكن فينظر هل تابع أحد شيخ شيخه فرواه عمن ~~روى عنه، وهكذا إلى آخر الإسناد وذلك المتابعة فإن لم يكن فينظر هل أتى ~~بمعناه حديث آخر وهو الشاهد فإن لم يكن فالحديث فرد فليس الاعتبار قسيما ~~للمتابع والشاهد بل هو هيأة التوصل إليهما". ا. ه. # وقال الحافظ في النخبة وشرحها3: "واعلم أن تتبع الطرق من الجوامع ~~والمسانيد والأجزاء لذلك الحديث الذي يظن أنه فرد، ليعلم هل له متابع أم ~~لا، هو الاعتبار". PageV01P129 ### $ 38- ذكر أنواع تختص بالضعيف: # النوع الأول الموقوف: وهو المروي عن الصحابة قولا لهم أو فعلا أو تقريرا، ~~متصلا إسناده إليهم أو منقطعا؛ ويستعمل ms080 في غيرهم مقيدا؛ فيقال: وقفه فلان ~~على الزهري ونحوه، وسبق أول الكتاب أن فقهاء خراسان يسمون الموقوف أثرا ~~والمرفوع خبرا. # قال النووي: "وعند المحدثين، كل هذا يسميى أثرا؛ أي لأنه مأخوذ من أثرت ~~الحديث أي رويته" والموقوف ليس بحجة على الأصح. # الثاني، المقطوع: وهو ما جاء عن التابعين، أو من دونهم من أقوالهم، ~~وأفعالهم موقوفا عليهم وليس بحجة أيضا. # فائدتان: # الأولى: قال الزركشي في"النكت": "إدخال المقطوع في أنواع الحديث فيه ~~تسامح كبير، فإن أقوال التابعين، ومذاهبهم لا دخل لها في الحديث فكيف تعد ~~نوعا منة قال: نعم يجيء هنا ما في الموقوف من أنه إذا كان ذلك لا مجال ~~للاجتهاد فيهن يكون في حكم المرفوع، وبه صرح ابن العربي وادعى أنه مذهب ~~مالك". # الثانية: من مظان الموقوف والمقطوع، مصنف ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق ~~وتفاسير، ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وغيرهم. # الثالث، المنقطع: وهو ما لم يتصل إسناده، سواء سقط منه صحابي أو غيره. ~~وبعبارة أخرى سواء ترك ذكر الراوي من أول الإسناد أو وسطه أو آخره، إلا أن ~~الغالب استعماله في رواية من دون التابعي عن الصحابة كمالك عن ابن عمر. # الرابع المعضل: "بفتح الضاد" وهو ما سقط من إسناده اثنان فأكثر بشرط ~~التوالي كقول مالك قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقول الشافعي قال ~~ابن عمر. # الخامس، الشاذ: قال الشافعي: "الشاذ ما رواه المقبول مخالفا لرواية من هو ~~أولى # PageV01P130 # منه، لا أن يروي ما لا يروي غيره، فمطلق التفرد لا يجعل المروي شاذا كما ~~قيل، بل مع المخالفة المذكورة". # السادس، المنكر: وهو الحديث الفرد الذي لا يعرف متنه عن غير راويه وكان ~~راويه، بعيدا عن درجة الضابط. # تنبيه: اعلم أن الشاذ والمنكر يجتمعان في اشتراط المخالفة لما يرويه ~~الناس ويفترقان في أن الشاذ رواية ثقة أو صدوق والمنكر رواية ضعيف وقد غفل ~~من سوى بينهما. # السابع، المتروك: وهو ما يرويه متهم بالكذب، ولا يعرف إلا من جهته ويكون ~~مخالفا للقواعد المعلومة أو معروفا بالكذب في غير ms081 الحديث النبوي أو كثير ~~الغلط أو الفسق أو الغفلة. # الثامن، المعلل: ويقال المعلول، وهو ما ظاهره السلامة، اطلع فيه بعد ~~التفتيش على قادح؛ وتدرك العلة بعد جمع الطرق والفحص عنها بتفرد الراوي ~~وبمخالفة غيره له، ممن هو أحفظ أو أضبط أو أكثر عددا مع قرائن تضم إلى ذلك ~~يهتدي الناقد إليها إلى اطلاعه على تصويب إرسال في الموصول، أو تصويب وقف ~~في المرفوع أو دخل حديث في حديث أو وهم واهم بغير ذلك كإبدال راو ضعيف بثقة ~~بحيث غلب على ظنه ما وقف عليه من ذلك فحكم به أو تردد في ذلك فوقف عن الحكم ~~بصحة الحديث مع أن ظاهره السلامة من العلة، وأكثر ما تكون العلة في السند، ~~وقد تكون في المتن، ثم التي في السند قد تقدح في صحة المتن وقد لا تقدح، ~~وكما تكون خفية تكون ظاهرة فقد كثر إعلال الموصول بالإرسال، والمرفوع ~~بالوقف إذا قوي الإرسال أو الوقف بكون راويهما أضبط أو أكثر عددا على ~~الاتصال أو الرفع وقد يعلون الحديث بأنواع الجرح من الكذب والغفلة وفسق ~~الراوي وسوء الحفظ بل أطلق الخليل1 اسم العلة على غير القادح توسعا، ~~كالحديث الذي وصله الثقة وأرسله غيره. PageV01P131 # التاسع المضطرب: "بكسر الراء". وهو الذي يروى على أوجه مختلفة متقاربة، ~~والاختلاف إما من راو واحد، بأن رواه مرة على وجه، ومرة على وجه آخر مخالف ~~له أو أزيد من واحد بأن رواه كل من جماعة على وجه مخالف للآخر. والاضطراب ~~يوجب ضعف الحديث لإشعار بعدم الضبط من رواته الذي هو شرط في الصحة، والحسن. ~~ويقع الاضطراب في الإسناد وفي المتن وفي كليهما معا ثم إن رجحت إحدى ~~الروايتين أو الروايات يحفط راويها أو كثرة صحبته المروي عنه، أو غير ذلك ~~من وجوه الترجيحات الآتية فالحكم للراجحة، ولا يكون الحديث مضطربا. # تنبيه: قد يجامع الاضطراب الصحة، وذلك بأن يقع الاختلاف في اسم رجل واحد ~~وأبيه ونسبته ونحو ذلك ويكون ثقة، فيحكم للحديث بالصحة ولا يضر الاختلاف ~~فيما ذكر مع تسميته مضطربا، ms082 وفي الصحيحين أحاديث كثيرة بهذه المثابة قال ~~الزركشي: "قد يدخل القلب والشذوذ والاضطراب في قسم الصحيح والحسن". # العاشر: المقلوب: وهو ما بدل فيه راو بآخر في طبقته، أو أخذ إسناد متنه ~~فركب على متن آخر. ويقال له المركب. والقصد فيه إما الإعراب، فيكون كالوضع ~~أو اختبار حفظ المحدث، كما قلب أهل بغداد على البخاري لما جاءهم مائة حديث ~~امتحانا فردها على وجوهها فأذعنوا بفضله وقد يقع القلب غلطا لا قصدا كما ~~يقع الوضع كذلك. # الحادي عشر، المدلس: "بفتح اللام" وهو ما سقط من إسناده راو لم يسمه من ~~حدث عنه، موهما سماعه للحديث ممن لم يحدثه بشرط معاصرته له فإن لم يكن ~~عاصره فليست الرواية عنه تدليسا على المشهور، ومن التدليس أن يسقط الراوي ~~شيخ شيخه أو أعلى منه لكونه ضعيفا، وشيخه ثقة أو صغيرا تحسينا للحديث، ومنه ~~أن يسمى شيخه أو يكنيه أو ينسبه أو يصفه بما لا يعرف ثم إن كان الحامل ~~للراوي على التدليس تغطية الضعيف فجرح لأن ذلك حرام وغش وإلا فلا، وما كان ~~في الصحيحين وشبههما عن المدلسين: "بعن" فمحمول على ثبوت السماع من جهة ~~أخرى وإيثار صاحب الصحيح طريق العنعنة لكونها على شرطه دون تلك والله أعلم. # PageV01P132 # الثاني عشر، المرسل: وهو ما سقط منه الصحابي؛ كقول نافع قال رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- كذا أو فعل كذا. أو فعل بحضرته كذا ونحو ذلك هذا هو ~~المشهور. وقد يطلق المرسل على المقطع والمعضل السالف ذكرهما، كما يقع ذلك ~~في كثير من السنن والصحيح أيضا "كما في فتح المغيث". وهو رأي الفقهاء ~~والأصوليين. ومما يشهد للتعميم، قول ابن القطان: "إن الإرسال رواية الرجل ~~عمن لم يسمع منه". # تنبيه: عدنا للمرسل في أنواع الضعيف، موافقة للأكثرين ولا بأس بالإشارة ~~إلى المذاهب فيه، مع بسط ما فإنه موقف مهم فنقول: # للأئمة مذاهب في المرسل، مرجعها إلى ثلاثة: الأول: أنه ضعيف مطلقا ~~الثاني: حجة مطلقا الثالث التفصيل فيه. # فأما المذهب الأول: فهو المشهور. قال النووي رحمه الله في التقريب1: ms083 "ثم ~~المرسل حديث ضعيف عند جماهير المحدثين وكثير من الفقهاء، وأصحاب الأصول". ~~وقال رحمه الله في شرح المهذب بعد هذا: "وحكاه الحاكم أبو عبد الله عن سعيد ~~بن المسيب وجماعة أهل الحديث" وقال مسلم في مقدمة صحيحه: "والمرسل من ~~الروايات في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة ". ا. ه. # قال النووي: "ودليلنا في رد العمل به، أنه إذا كانت رواية المجهول المسمى ~~لا تقبل لجهالة حاله، فرواية المرسل أولى لأن المروي عنه محذوف مجهول العين ~~والحال. قال الحافظ في شرح النخبة2: "وإنما ذكر -يعني المرسل- في قسم ~~المردود للجهل بحال المحذوف؛ لأنه يحتمل أن يكون صحابيا، ويحتمل أن يكون ~~تابعيا وعلى الثاني يحتمل أن يكون ضعيفا، ويحتمل أن يكون ثقة، وعلى الثاني ~~يحتمل أن يكون حمل عن صحابي ويحتمل أن يكون حمل عن تابعي آخر، وعلى الثاني ~~فيعود الاحتمال السابق، ويتعدد أما بالتجويز العقلي فإلى ما لا نهاية له، ~~وأما بالاستقراء فإلى ستة أو سبعة وهو أكثر ما وجد من رواية بعض التابعين ~~عن بعض". ا. ه. PageV01P133 # وأما المذهب الثاني وهو من قال: "المرسل حجة مطلقا" فقد نقل عن مالك، ~~وأبي حنيفة، وأحمد في رواية حكاها النووي، وابن القيم، وابن كثير وغيرهم ~~وحكاه النووي أيضا في شرح المهذب عن كثيرين من الفقهاء أو أكثرهم. قال: ~~"ونقله الغزالي عن الجماهير" قال القرافي في شرح التنقيح1: "حجة الجواز أن ~~سكوته عنه مع عدالة الساكت، وعلمه أن روايته يترتب عليها شرع عام فيقتضي ~~ذلك أنه ما سكت عنه إلا وقد جزم بعدالته فسكوته كإخباره بعدالته، وهو لو ~~زكاه عندنا قبلنا تزكيته، وقبلنا روايته فكذلك سكوته عنه حتى قال بعضهم إن ~~المرسل أقوى من المسند بهذا الطريق لأن المرسل قد تذمم الراوي وأخذه في ~~ذمته عند الله تعالى، وذلك يقتضي وثوقه بعدالته، وأما إذا أسند فقد فوض ~~أمره للسامع ينظر فيه، ولم يتذممه فهذه الحالة أضعف من الإرسال". ا. ه. وفي ~~التدريب2 عن ابن جرير قال: "أجمع التابعون بأسرهم على قبول المرسل، ولم ms084 يأت ~~عنهم إنكاره، ولا عن أحد من الأئمة بعدهم إلى رأس المائتين، قال ابن عبد ~~البر: كأنه يعني أن الشافعي أول من رده". ا. ه. وقال السخاوي في فتح ~~المغيث: "قال أبو داود في رسالته: وأما المراسيل فقد كان أكثر العلماء ~~يحتجون بها فيما مضى مثل سفيان الثوري ومالك والأوزاعي حتى جاء الشافعي ~~رحمه الله فتكلم في ذلك وتابعه عليه أحمد وغيره". ا. ه. ثم اختلفوا هل هو ~~أعلى منه المسند أو دونه أو مثله وتظهر فائدة الخلاف عند التعارض والذي ذهب ~~إليه أحمد وأكثر المالكية والمحققون من الحنفية كالطحاوي وأبي بكر الرازي ~~تقديم المسند قال ابن عبد البر: "وشبهوا ذلك بالشهود يكون بعضهم أفضل حالا ~~من بعض وأقعد وأتم معرفة وإن كان الكل عدولا جائزي الشهادة". ا. ه. # والقائلون بأنه أعلى وأرجح من المسند، وجهوه بأن من أسند فقد أحالك على ~~إسناده، والنظر في أحوال رواته والبحث عنهم، ومن أرسل مع علمه ودينه ~~وإمامته وثقته، PageV01P134 # فقد قطع لك بصحته، وكفاك النظر فيه كما قدمنا عن القرافي. ومحل الخلاف ~~فيما قيل، إذا لم ينضم إلى الإرسال ضعف في بعض رواته، وإلا فهو حينئذ أسوأ ~~حالا من مسند ضعيف جزما ولذا قيل: إنهم اتفقوا على اشتراط ثقة المرسل، ~~وكونه لا يرسل إلا عن الثقات، قاله ابن عبد البر، وكذا أبو الوليد الباجي ~~من المالكية وأبو بكر الرازي من الحنفية. "وأما الثاني"1 فلا خلاف أنه لا ~~يجوز العمل بالمرسل إذا كان مرسله غير متحرز بل يرسل عن غير الثقات أيضا ~~وعبارة الأول: "فقال لم تزل الأئمة يحتجون بالمرسل إذا تقارب عصر المرسل، ~~والمرسل عنه، ولم يعرف المرسل بالرواية عن الضعفاء، وممن اعتبر ذلك من ~~مخالفيهم الشافعي فجعله شرطا في المرسل المعتضد، ولكن توفق شيخنا في صحة ~~نقل الاتفاق من الطرفين قبولا وردا، قال لكن ذلك فيهما عن جمهور مشهور". ا. ~~ه. وفي كلام الطحاوي ما يومئ إلى احتياج المرسل، ونحوه إلى الاحتفاف بقرينة ~~وذلك أنه قال -في حديث أبي عبيدة بن عبد ms085 الله بن مسعود أنه سئل: "كان عبد ~~الله مع النبي ليلة الجن قال: لا" ما نصه فإن قيل هذا منقطع لأن أبا عبيدة ~~لم يسمع من أبيه شيئا يقال: نحن لم نحتج به من هذه الجهة إنما احتججنا به. ~~لأن مثل أبي عبيدة على تقدمه في العلم وموضعه من عبد الله، وخلطته بخاصته ~~من بعده لا يخفى عليه مثل هذا من أموره، فجعلنا قوله حجة لهذا لا من الطريق ~~التي وصفت ونحوه قول الشافعي رحمه الله في حديث لطاوس عن معاذ: "طاوي لم ~~يلق معاذا لكنه علام بأمر معاذ، وإن لم يلقه لكثرة من لقيه ممن أخذ عن معاذ ~~وهذا لا أعلم من أحد فيه خلافا". وتبعه البيهقي وغيره ومن الحجج لهذا القول ~~أن احتمال الضعف في الواسطة حيث كان تابعيا لا سيما بالكذب بعيدا جدا فإنه ~~أثنى على عصر التابعين، وشهد له بعد الصحابة بالخيرية ثم للقرنين كما تقدم ~~بحيث استدل بذلك على تعديل أهل القرون الثلاثة، وإن تفاوتت منازلهم في ~~الفضل فإرسال التابعي، PageV01P135 # بل ومن اشتمل عليه باقي القرون الثلاثة الحديث بالجزم من غير وثوق بمن ~~قاله، مناف لها؛ هذا مع كون المرسل عنه ممن اشترك معهم في هذا الفضل. وأوسع ~~من هذا قول عمر -رضي الله عنه: "المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا في ~~حد. أو مجربا عليه شهادة زور أو ظنينا في ولاء أو قرابة" قالوا فاكتفى -رضي ~~الله عنه- بظاهر الإسلام في القبول إلا أن يعلم منه خلاف العدالة، ولو لم ~~يكن الواسطة من هذا القبيل لما أرسل عنه التابعين، والأصل قبول خبره حتى ~~يثبت عنه ما يقتضي الرد وكذا ألزم بعضهم المانعين بأن مقتضى الحكم لتعاليق ~~البخاري المجزومة بالصحة إلى من علق عنه أن من يجزم من أئمة التابعين عن ~~النبي بحديث يستلزم صحته من باب أولى لا سيما وقد قيل إن المرسل لو لم يحتج ~~بالمحذوف لما حذفه فكأنه عدله. ويمكن إلزامهم لهم أيضا بأن مقتضى تصحيحهم ~~في قول التابعي، من السنة وقفه ms086 على الصحابي حمل قول التابعي: "قال رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم" على أن المحدث له بذلك صحابي، تحسينا للظن به في ~~حجج يطول إيرادها لاستلزامه التعرض للرد مع كون جامع التحصيل في هذه ~~المسألة للعلائي متكفلا بذلك كله وكذا صنف فيها ابن عبد الهادي جزءا. # PageV01P136 ### $ 39- ذكر مناقشة الفريق الأول لما ذكره أهل المذهب الثاني: # قال السخاوي في فتح المغيث بعد حكايته عن الحاكم أنه روى عن سعيد بن ~~المسيب عدم قبول المرسل ما نصه: "وبسعيد يرد على ابن جرير الطبري من ~~المتقدمين، وابن الحاجب من المتأخرين، ادعاؤهما إجماع التابعين على قبوله؛ ~~إذ هو من كبارهم، مع أنه لم يتفرد من بينهم بذلك بل قال به منهم ابن سيرين ~~والزهري، وغايته أنهم غير متفقين على مذهب واحد، كاختلاف من بعدهم ثم إن ما ~~أشعر به كلام أبي داود في كون الشافعي أول من ترك الاحتجاج به ليس على ~~ظاهره، بل هو قول ابن مهدين ويحيى القطان وغير واحد ممن قبل الشافعي، ويمكن ~~أن يكون اختصاص الشافعي لمزيد التحقيق فيه" ثم قال السخاوي: "وما أوردته من ~~حجج الأولين مردود أما الحديث فمحمول على الغالب # PageV01P136 # والأكثرية، وإلا فقد وجد فيمن بعد الصحابة من القرنين، من وجدت فيه ~~الصفات المذمومة، لكن بقلة، بخلاف من بعد القرون الثلاثة فإن ذلك كثر فيهم ~~واشتهر. # وقد روى الشافعي عن عمه، حدثنا هشام بن عروة عن أبيه، قال: إني لأسمع ~~الحديث استحسنه، فما يمنعنى من ذكره إلا كراهية أن يسمعه سامع فيقتدي به. ~~وذلك أني أسمعه من الرجل لا أثق به قد حدث به عمن أثق به، أو اسمعه من ~~الرجل أثق به، قد حدث عمن لا أثق به. وهذا كما قال ابن عبد البر، يدل على ~~أن ذلك الزمان، أي زمان الصحابة والتابعين كان يحدث فيه الثقة وغيره ونحوه ~~ما أخرجه العقيلي من حديث ابن عون قال ذكر أيوب السختياني لمحمد بن سيرين ~~حديثا عن أبي قلابة فقال أبو قلابة رجل صالح، ولكن عمن ذكره أبو ms087 قلابة، ومن ~~حديث عمران بن حدير أن رجلا حدثه عن سليمان التيمي عن محمد بن سيرين أن من ~~زار قبرا أو صلى إليه فقد برئ الله منه قال عمران: "فقلت لمحمد عن أبي مجلز ~~إن رجلا ذكر عنك كذا فقال أبو مجلز كنت أحسبك يا أبا بكر أشد اتقاء فإذا ~~لقيت صاحبك. فأقرئه السلام وأخبره أنه كذب، قال ثم رأيت سليمان عند أبي ~~مجلز فذكرت ذلك له فقال سبحان الله إنما حدثنيه مؤذن لنا، ولم أظنه يكذب ~~فإن هذا والذي قبله فيهما رد أيضا على من يزعم أن المراسيل لم تزل مقبولة ~~معمولا بها، ومثل هذه حديث عاصم عن ابن سيرين قال: كانوا لا يسألون عن ~~الإسناد حتى وقعت الفتنة بعد وأعلى من ذلك ما رويناه في الحلية من طريق ابن ~~مهدي عن ابن لهيعة أنه سمع شيخا من الخوارج، يقول: بعد ما تاب: "إن هذه ~~الأحاديث دين فانظروا عمن تأخذون دينكم إنا كنا إذا هوينا أمرا صيرناه ~~حديثا". ا. ه. ولذا قال شيخنا إن هذه والله قاصمة الظهر للمحتجين بالمرسل ~~إذ بدعة الخوارج كانت في صدر الإسلام والصحابة متوافرون ثم في عصر ~~التابعين، فمن بعدهم وهؤلاء كانوا إذا استحسنوا أمرا جعلوه حديثا، وأشاعوه ~~فربما سمع الرجل الشيء فحدث به، ولم يذكر من حدثه به تحسينا للظن فيحمله ~~عنه غيره ويجيء الذي يحتج بالمقاطيع فيحتج به مع كون أصله # PageV01P137 # ما ذكرت، فلا حول ولا قوة إلا بالله1. وأما الإلزام بتعاليق البخاري، فهو ~~قد علم شرطه في الرجال وتقيده بالصحة بخلاف التابعين. وأما ما بعده ~~فالتعديل المحقق في المبهم لا يكفي على المعتمد فكيف بالاسترسال إلى هذا ~~الحد نعم قد قال ابن كثير: المبهم الذي لم يسم أو سمي ولم تعرف عينه لا ~~يقبل روايته أحد علمناه، ولكن إذا كان في عصر التابعين, والقرون المشهود ~~لها بالخير فإنه يستأنس بروايته ويستضاء بها في مواطن وقد وقع في مسند أحمد ~~وغيره من هذا القبيل كثير، وكذا يمكن الانفصال عن الأخير بأن الموقوف ms088 لا ~~انحصار له فيما اتصل بخلاف المحتج به وبهذا وغيره مما لا نطيل بإيراده قويت ~~الحجة في المرسل، وإدراجه في جملة الضعيف. PageV01P138 ### $ 40- ذكر المذهب الثالث في المرسل ممن اعتدل في شأنه وفصل فيه: # ذهب كثير من الأئمة إلى الاحتجاج بالمرسل بملاحظات دققوا فيها منهم ~~الإمام الشافعي رحمه الله تعالى. قال النووي في مقدمة شرح المهذب: "قال ~~الشافعي رحمه الله: وأحتج بمرسل كبار التابعين، إذا أسند من جهة أخرى، أو ~~أرسله من أخذ عن غير رجال الأول، أو وافق قول الصحابي، أو أفتى أكثر ~~العلماء بمقتضاه". هذا نظر الشافعي في الرسالة وغيرها. وكذا نقل عنه الأئمة ~~المحققون من أصحابنا الفقهاء والمحدثين كالبيهقي والخطيب البغدادي وآخرين؛ ~~لا فرق في هذا عنده بين مرسل سعيد بن المسيب وغيره. هذا هو الصحيح الذي ذهب ~~إليه المحققون. وقد قال الشافعي في مختصر المزني في آخر باب الربا: أخبرنا ~~مالك، عن زيد بن أسلم، عن سعيد بن المسيب، أن رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- نهى عن بيع اللحم بالحيوان. وعن ابن عباس: أن جزورا نحرت على عهد أبي ~~بكر الصديق -رضي الله عنه- فجاء رجل بعناق1، فقال أعطوني بهذه العناق! فقال ~~أبو بكر -رضي الله عنه: لا يصلح هذا. قال الشافعي رحمه الله: "وكان القاسم ~~بن محمد وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن، يحرمون ~~بيع اللحم بالحيوان" قال الشافعي: "وبهذا نأخذ ولا نعلم أحدا من أصحاب رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- خالف أبا بكر الصديق -رضي الله عنه" قال ~~الشافعي: "وإرسال ابن المسيب عندنا حسن" هذا نص الشافعي في المختصر نقلته ~~بحروفه لما يترتب عليه من الفوائد فإذا عرف هذا فقد اختلف أصحابنا ~~المتقدمون في معنى قول الشافعي: "إرسال ابن المسيب عندنا حسن" على وجهين ~~حكاهما الشيخ أبو إسحاق في كتابه اللمع، وحكاهما أيضا الخطيب البغدادي في ~~كتابه: "كتاب الفقيه، والمتفقه الكفاية" وحكاهما جماعات آخرون: # أحدهما: معناه أنه حجة عنده بخلاف غيرها من المراسيل. قالوا لأنها فتشت ~~فوجدت مسندة. # والوجه الثاني: أنها ms089 ليست بحجة عنده بل هي كغيرها على ما ذكرناه. # قالوا: وإنما رجح الشافعي رحمه الله بمرسله، والترجيح بالمرسل جائز. قال ~~الخطيب البغدادي في كتاب الفقيه والمتفقه: "والصواب الوجه الثاني؛ وأما ~~الأول فليس PageV01P139 # بشيء". وكذا قال في الكفاية: "الوجه الثاني هو الصحيح عندنا من الوجهين؛ ~~لأن في مراسيل سعيد ما لم يوجد مسندا، بحال من وجه يصح". قال: "وقد جعل ~~الشافعي لمراسيل كبار التابعين مزية على غيرهم كما استحسن مرسل سعيد" هذا ~~كلام الخطيب. # وذكر الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي رحمه الله نص الشافعي كما قدمته. ~~قال: "قال الشافعي: نقبل مراسيل كبار التابعين، إذا انضم إليها ما يؤكدها؛ ~~فإن لم ينضم لم نقبلها، سواء كان مرسل ابن المسيب أو غيره". قال: "وقد ~~ذكرنا مراسيل لابن المسيب لم يقبلها الشافعي حين لم ينضم إليها ما يؤكدها، ~~ومراسيل لغيره قال بها حين انضم إليها ما يؤكدها". قال: "وزيادة ابن المسيب ~~في هذا على غيره أنه أصح التابعين إرسالها فيما زعم الحفاظ". # فهذا كلام البيهقي والخطيب، وهما إمامان حافظان فقيهان شافعيان، متضلعان ~~من الحديث والفقه والأصول والخبرة التامة بنصوص الشافعي، ومعاني كلامه؛ ~~ومحلهما من التحقيق والإتقان، والنهاية في العرفان بالغاية القصوى، والدرجة ~~العليا. وأما قول الإمام أبي بكر القفال المروزي رحمه الله في أول كتابه: ~~"شرح التلخيص": "قال الشافعي في رهن الصغير: مرسل ابن المسيب عندنا حجة". ~~فهو محمول على التفصيل الذي قدمناه عن البيهقي والمحققين والله أعلم. # "قلت: ولا يصح تعلق من قال: إن مرسل سعيد حجة، بقوله: "إرساله حسن" لأن ~~الشافعي رحمه الله لم يعتمد عليه وحده، بل اعتمده لما انضم إليه من قول أبي ~~بكر الصديق ومن حضره وانتهى إليه قوله من الصحابة -رضي الله عنهم، مع ما ~~انضم إليه من قول أئمة التابعين الأربعة والذين ذكرهم وهم أربعة من فقهاء ~~المدينة السبعة وهو مذهب مالك وغيره. فهذا عاضد ثان للمرسل فلا يلزم من هذا ~~الاحتجاج بمرسل ابن المسيب إذا لم يعضده فإن قيل ذكرتم أن المرسل إذا أسند ~~من جهة ms090 أخرى احتج به. وهذا القول فيه تساهل لأنه إذا أسند عملنا بالمسند ~~فلا فائدة حينئذ في المرسل، ولا عمل به والجواب أن بالمسند يتبين صحة ~~المرسل وأنه مما يحتج به فيكون في المسألة حديثان # PageV01P140 # صحيحان، حتى لو عارضهما حديث صحيح من طريق واحد، وتعذر الجمع قدمناهما ~~عليه، والله أعلم". انتهى كلام النووي. # تتمة: أورد العلامة القرافي رحمه الله تعالى في التنقيح1 سؤالا فقال: ~~"الإرسال هو إسقاط صحابي من السند والصحابة كلهم عدول، فلا فرق بين ذكره ~~والسكوت عنه؛ فكيف جرى الخلاف فيه؟ " وأجاب هو كما في نسخة من التنقيح: ~~"بأنهم عدول إلا عند قيام المعارض وقد يكون المسكوت عنه منهم عرض في حقه ما ~~يوجب القدح فيتوقف في قبول الحديث حتى تعلم سلامته عن القادح". ا. ه. # وبهذا علل أيضا من رد المرسل، كما في شرح جمع الجوامع للمحلي، واعترضه ~~الشهاب2: "بأن هذا يخالف ما مر من أنهم عدول لا يبحث عن حالهم" وأجاب ابن ~~قاسم: "بأن هذا التوجيه مفرع على القول بأنهم كغيرهم يبحث عن عدالتهم". ا. ~~ه. # والتحقيق: أن جريان الخلاف فيه وقوة ضعفه لما أسلفناه أولا عن شرح النخبة ~~فتأمله. PageV01P141 ### $ 41- بيان أكثر من تروى عنهم المراسيل والموازنة بينهم: # قال الحاكم في علوم الحديث: "أكثر ما تروى المراسيل من أهل المدينة، عن ~~ابن المسيب؛ ومن أهل مكة عن عطاء بن أبي رباح؛ ومن أهل البصرة عن الحسن ~~البصري ومن أهل الكوفة عن إبراهيم بن يزيد النخعي، ومن أهل مصر عن سعيد بن ~~أبي هلال، ومن أهل الشام عن مكحول" قال: "وأصحها كما قال ابن معين مراسيل ~~ابن المسيب لأنه من أولاد الصحابة، وأدرك العشرة وفقيه أهل الحجاز ومفتيهم ~~وأول الفقهاء # السبعة الذين يعتد مالك بإجماعهم كإجماع كافة الناس. وقد تأمل الأئمة ~~المتقدمون مراسيله فوجدوها بأسانيد صحيحة، وهذه الشرائط لم توجد في مراسيل ~~غيره". قال: "والدليل على عدم الاحتجاج بالمرسل غير المسموع من الكتاب قوله ~~تعالى: {ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم} 1. ومن السنة: ~~"تسمعون ويسمع منكم ms091 ويسمع ممن يسمع منكم" 2. # قال السيوطي: "تكلم الحاكم على مراسيل سعيد فقط، دون سائر من ذكر معه؛ ~~ونحن نذكر ذلك: فمراسيل عطاء: قال ابن المديني: كان عطاء يأخذ عن كل ضرب؛ ~~مرسلات مجاهد أحب إلي من مرسلاته بكثير وقال أحمد بن حنبل. مرسلات سعيد بن ~~المسيب أصح المرسلات؛ ومرسلات إبراهيم النخعي لا بأس بها؛ وليس في المرسلات ~~أضعف من مرسلات الحسن، وعطاء بن أبي رباح، فإنهما كانا يأخذان عن كل أحد. ~~ومراسيل الحسن تقدم القول فيها عن أحمد. وقال ابن المديني: "مرسلات الحسن ~~البصري التي رواها عنه الثقات صحاح ما أقل ما يسقط منها! " وقال أبو زرعة: ~~"كل شيء قال الحسن قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجدت له أصلا ثابتا ~~ما خلا أربعة أحاديث". وقال يحيى بن سعيد القطان: "ما قال الحسن في حديثه ~~قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا وجدنا له أصلا إلا حديثا، أو ~~حديثين" قال شيخ الإسلام ابن حجر: "ولعله أراد ما جزم به الحسن" وقال غيره: ~~"قال رجل للحسن يا أبا سعيد! إنك تحدثنا فتقول قال رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- فلو كنت تسنده لنا إلى من حدثك؟ " فقال الحسن: "أيها الرجل ما ~~كذبنا ولا كذبنا!! ولقد غزونا غزوة إلى خراسان ومعنا فيها ثلاثمائة من ~~أصحاب محمد". وقال يونس بن عبيد: "سألت الحسن قلت: يا أبا سعيد إنك تقول: ~~قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإنك لم تدركه" فقال: "يابن أخي لقد ~~سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك ولولا منزلتك مني PageV01P142 # ما أخبرتك: إني في زمان كما ترى -وكان في زمن الحجاج- كل شيء سمعتني ~~أقوله: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهو عن علي بن أبي طالب غير أني ~~في زمان لا أستطيع أن أذكر عليا". وقال محمد بن سعيد: "كل ما أسند من ~~حديثه، أو روي عمن سمع منه، فهو حسن حجة وما أرسل من الحديث فليس بحجة". ~~مراسيل الحسن عندهم شبه الريح وأما مراسيل النخعي فقال ابن معين مراسيل ~~إبراهيم ms092 أحب إلي من مراسيل الشعبي. وعنه أيضا أعجب إلي من مرسلات سالم بن ~~عبد الله، والقاسم وسعيد بن المسيب، وقال أحمد لا بأس بها. وقال الأعمش: ~~"قلت لإبراهيم النخعي أسند لي عن ابن مسعود فقال إذا حدثتكم عن رجل عن عبد ~~الله فهو الذي سمعت وإذا قلت قال عبد الله فهو عن غير واحد عن عبد الله". ~~ا. ه. # PageV01P143 ### $ 42- ذكر مرسل الصحابة: # قال النووي: "ما تقدم من الخلاف في المرسل، كله في غير مرسل الصحابي؛ أما ~~مرسل الصحابي كإخباره عن شيء فعله النبي -صلى الله عليه وسلم- أو نحوه مما ~~يعلم أنه لم يحضره، لصغر سنه، أو لتأخر إسلامه أو غير ذلك؛ فالمذهب الصحيح ~~المشهور الذي قطع به جمهور أصحابنا وجماهير أهل العلم أنه حجة، وأطبق ~~المحدثون المشترطون للصحيح القائلون بأن المرسل ليس بحجة على الاحتجاج به. ~~وإدخاله في الصحيح وفي صحيحي البخاري، ومسلم من هذا ما لا يحصى، وقال أبو ~~إسحاق الإسفراييني لا يحتج به بل حكمه حكم مرسل غيره إلا أن يتبين أنه لا ~~يرسل إلا ما سمعه من النبي -صلى الله عليه وسلم- أو صحابي. قال: لأنهم قد ~~يروون عن غير صحابي. قال النووي: "والصواب الأول وأنه يحتج به مطلقا لأن ~~روايتهم عن غير الصحابي، نادرة وإذا رووها بينوها فإذا أطلقوا ذلك فالظاهر ~~أنه عن الصحابة، والصحابة كلهم عدول". ا. ه. # أي فلا تقدح فيهم الجهالة بأعيانهم، وأيضا فما يروونه عن التابعين، غالبه ~~بل عامته إنما هو من الإسرائيليات، وما أشبهها من الحكايات والموقوفات. # PageV01P143 ### $ 43- مراتب المرسل: # قال السخاوي في فتح المغيث: "المرسل مراتب، أعلاها ما أرسله صحابي ثبت ~~سماعه، ثم صحابي له رؤية فقط ولم يثبت سماعه ثم المخضرم، ثم المتقن كسعيد ~~بن المسيب، ويليها من كل يتحرى في شيوخه، كالشعبي ومجاهد، ودونها مراسيل من ~~كان يأخذ عن كل أحد، كالحسن. وأما مراسيل صفار التابعين كقتادة، والزهري ~~وحميد الطويل فإن غالب رواية هؤلاء عن التابعين. # PageV01P144 ### $ 44- بحث قول الصحابي من السنة كذا وقوله أمرنا بكذا ونهينا عن كذا: # اعلم أن ms093 قول الصحابي: "من السنة كذا، أو أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا" ~~وما أشبهه، كله مرفوع على الصحيح الذي قاله الجمهور؛ لأن مطلق ذلك ينصرف ~~بظاهره إلى من له الأمر والنهي، ومن يجب اتباع سنته وهو رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- واحتمال أن يكون الآمر غيره، وأن يريد سنة غيره بعيد، وإن ~~كنا لا ننكر أن إطلاق ذلك يصدق مع الواسطة، ولكن العادة أن من له رئيس معظم ~~فقال: أمرنا بكذا فإنما يريد أمر رئيسه ولا يفهم عنه إلا ذلك ورسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- هو عظيم الصحابة، ومرجعهم والمشار إليه في أقوالهم، ~~وأفعالهم فتصرف إطلاقاتهم إليه وما قيل: "إن الفاعل إذا حذف احتمل النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- وغيره فلا نثبت شرعا بالشك" فجوابه أن ظاهر الحال ~~صارف للنبي -صلى الله عليه وسلم- كما تقدم تقريره. # وكذلك السنة، أصلها في اللغة: الطريقة، ومنه سنن الطريق الذي يمشى فيه، ~~غير أنها في عرف الاستعمال صارت موضوعة لطريقته عليه السلام في الشريعة. ~~كذا قاله القرافي في التنقيح، ومما يؤيد أن ذلك في حكم الرفع في السنة ما ~~رواه البخاري في صحيحة في حديث ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله بن عمر عن ~~أبيه في قصته مع الحجاج حين قال له: "إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة" قال ~~ابن شهاب: "فقلت لسالم: # PageV01P144 # أفعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم؟ " فقال: وهل يعنون بذلك إلا سنته ~~-صلى الله عليه وسلم!. فنقل سالم -وهو أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة، ~~وأحد الحفاظ من التابعين عن الصحابة- أنهم إذا أطلقوا السنة لا يريدون بذلك ~~إلا سنة النبي -صلى الله عليه وسلم. ومما يؤيد الرفع في: "كنا نؤمر" ما ~~رواه الشيخان عن أبي موسى في قصة استئذانه على عمر؛ ولفظ البخاري: "عن أبي ~~موسى قال استأذنت على عمر؛ ثلاثا فلم يؤذن لي وكأنه كان مشغولا فرجعت ففرغ ~~عمر فقال: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس؟ إيذنوا له! قيل: قد رجع فدعاني ~~فقلت: "كنا نؤمر بذلك" فقال: "تأتيني ms094 على ذلك بالبينة؟ " فانطلقت إلى مجلس ~~الأنصار، فسألتهم فقالوا: لا يشهد لك على هذا إلا أصغرنا أبو سعيد الخدري، ~~فذهبت بأبي سعيد الخدري فذهبت بأبي سعيد الخدري فقال عمر: "أخفي علي هذا من ~~أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ألهاني الصفق بالأسواق" -يعنى الخروج ~~إلى التجارية- زاد مالك في الموطأ: "فقال عمر لأبي موسى: أما إني لم أتهمك، ~~ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله -صلى الله عليه وسلم" قال الشراح: ~~"وحينئذ فلا دلالة في طلبه البينة على أنه لا يحتج بخبر الواحد بل أراد سد ~~الباب خوفا من غير أبي موسى أن يختلق كذبا على رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- عند الرغبة والرهبة" وقالوا في بالحديث: "إن قول الصحابي "كنا نؤمر ~~بكذا" له حكم الرفع". # قال الحافظ في شرح النخبة: "وأما قول بعضهم: إن كان مرفوعا، فلم لا ~~يقولون فيه: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم؟ فجوابه أنهم تركوا الجزم ~~بذلك تورعا واحتياطا ومن هذا قول أبي قلابة عن أنس: "من السنة إذا تزوج ~~البكر على الثيب أقام عندها سبعا". أخرجاه قال أبو قلابة: "لو شئت لقلت إن ~~أنسا رفعه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم" أي لو قلت، لم أكذب لأن قوله: ~~"من السنة" هذا معناه لكن إيراده بالصيغة التي ذكرها الصحابي أولى". ا. ه. # أقول قوله: "تورعا واحتياطا" هذا يظهر في بعض الوجوه ومنه ما ذكره، # PageV01P145 # وأحسن منه أن يقال: إن قولهم من السنة، أو كنا نؤمر، ونحوهما، هو من ~~التفنن في تبليغ الهدي النبوي، لا سيما وقد يكون الحكم الذي قيل فيه أمرنا، ~~أو من السنة، من سنن الأفعال لا الأقوال، وقد يقولون ذلك إيجازا، أو لضيق ~~المقام؛ وكثيرا ما يجيب العالم عن المسائل التي يعلم حديثها المرفوع ويحفظه ~~بحروفه بقوله: "من السنة كذا" لما ذكرنا من الوجوه ولغيرنا وهو ظاهر. # تنبيه: ذكرنا أن السنة لغة: الطريقة؛ والمراد بها في اصطلاح الشارع وأهل ~~عصره، ما دل عليه دليل من قوله -صلى الله عليه وسلم- أو فعله، ms095 أو تقريره؛ ~~ولهذا جعلت السنة مقابلة للقرآن، وبهذا الاعتبار تطلق على الواجب، كما تطلق ~~على المندوب وأما ما اصطلح عليه الفقهاء وأهل الأصول من أنها خلاف الواجب ~~فهو اصطلاح حادث، وعرف متجدد. # PageV01P146 ### $ 45- الكلام على الخبر المتواتر وخبر الآحاد: # اعلم: أن المتواتر ما نقله من يحصل العلم بصدقهم ضرورة، بأن يكونوا جمعا ~~لا يمكن تواطؤهم على الكذب على مثلهم، من أوله إلى آخره؛ ولذا كان مقيدا ~~للعلم الضروري وهو الذي يضطر إليه الإنسان بحيث لا يمكنه دفعه، ويجب العمل ~~به من غير بحث عن رجاله، ولا يعتبر فيه عدد معين في الأصح. # ثم المتواتر قسمان: لفظي وهو ما تواتر لفظه، ومعنوي وهو ما تواتر القدر ~~المشترك فيه. وللأول أمثله كثيرة منها حديث: "من كذب علي متعمدا ... " رواه ~~نحو المائتين وحديث الحوض، رواه خمسون ونيف وحديث المسح على الخفين رواه ~~سبعون، وحديث رفع اليدين في الصلاة رواه نحو الخمسين وسوى ذلك مما ساقه في ~~التدريب1. # وللثاني أمثلة أيضا فمنه أحاديث رفع اليدين في الدعاء فقد روي عنه -صلى ~~الله عليه وسلم- نحو مائة حديث PageV01P146 # فيه رفع يديه في الدعاء، لكنها في قضايا مختلفة، فكل قضية منها لم ~~تتواتر، والقدر المشترك فيها، وهو الرفع عند الدعاء تواتر باعتبار المجموع. # تنبيه: وقع في كلام النووي في شرح مسلم في المتواتر أنه لا يشترط في ~~الخبرين به الإسلام، وكذا قال الأصوليون؛ ولا يخفى أن هذا اصطلاح ~~للأصوليين؛ وإلا فاصطلاح المحدثين فيه، أن يرويه عدد من المسلمين؛ لأنهم ~~اشترطوا فيمن يحتج برواية أن يكون عدلا ضابطا، بأن يكون مسلما بالغا فلا ~~تقبل رواية الكافر في باب الأخبار وإن بلغ في الكثرة ما بلغ، وعبارة جمع ~~الجوامع مع شرحه: "ولا تقبل رواية كافر وإن عرف بالصدق لعلو منصب الرواية ~~عن الكفار" نعم يقبل من الكافر ما تحمله في كفره إذا أسلم، كما سيأتي ~~التطرق لها في الباب السادس في الإسناد في بحث توسع الحفاظ، في طبقات ~~السماع وقد أفردت في مطولات المصطلح وأما خبر الواحد فهو ما لم ms096 يوجد فيه ~~شروط المتواتر سواء كان الراوي له واحدا أو أكثر. # PageV01P147 ### $ 46- بيان أن خبر الواحد الثقة حجة يلزم به العمل: # قال النووي رحمه الله تعالى في شرح مقدمة مسلم1: "نبه مسلم رحمه الله ~~تعالى على القاعدة العظيمة التي ينبني عليها معظم أحكام الشرع، وهو وجوب ~~العمل بخبر الواحد فينبغي الاهتمام بها، والاعتناء بتحقيقها، وقد أطنب ~~العلماء رحمهم الله في الاحتجاج لها وإيضاحها وأفردها جماعة من السلف ~~بالتصنيف، واعتنى بها أئمة المحدثين، وأول من بلغنا تصنيفه فيها الإمام ~~الشافعي رحمه الله، وقد تقررت أدلتها النقلية، والعقلية في كتب أصول الفقه، ~~ونذكر هنا طرفا فنقول اختلف العلماء في حكمه فالذي عليه جماهير المسلمين من ~~الصحابة والتابعين فمن بعدهم من المحدثين والفقهاء وأصحاب الأصول، أن خبر ~~الواحد الثقة حدة من حجج الشرع يلزم العمل بها، ويفيد الظن ولا يفيد العلم؛ ~~وأن وجوب PageV01P147 # العمل به عرفناه بالشرع لا بالعقل. وذهبت القدرية والرافضة وبعض أهل ~~الظاهر. إلى أنه لا يجب العمل به؛ ثم منهم من يقول: منع من العمل به دليل ~~العقل؛ ومنهم من يقول: منع دليل الشرع. وذهبت طائفة إلى أنه يجب العمل به ~~من جهة دليل العقل. وقال الجبائي من المعتزلة: "لا يجب العمل إلا بما رواه ~~اثنان عن اثنين" وقال غيره: "لا يجب العمل إلا بما رواه أربعة عن أربعة". ~~وذهبت طائفة من أهل الحديث إلى أنه يوجب العلم، وقال بعضهم: "يوجب العلم ~~الظاهر دون الباطن". وذهب بعض المحدثين إلى أن الآحاد التي في صحيح البخاري ~~وصحيح مسلم تفيد العلم دون غيرها من الآحاد. وهذه الأقاويل كلها، سوى قول ~~الجمهور، باطلة؛ وإبطال من قال: "لا حجة فيه" ظاهر. # فلم تزل كتب النبي -صلى الله عليه وسلم- وآحاد رسله، يعمل بها، ويلزمهم ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- العمل بذلك، واستمر على ذلك الخلفاء الراشدون ~~فمن بعدهم، ولم تزل الخلفاء الراشدون، وسائر الصحابة، فمن بعدهم من السلف ~~والخلف، على امتثال خبر الواحد إذا أخبرهم بسنة، وقضائهم به، ورجوعهم إليه ~~في القضاء والفتيا، ونقضهم به ما حكموا ms097 على خلافة، وطلبهم خبر الواحد عند ~~عدم الحجة ممن هو عنده، واحتجاجهم بذلك على من خالفهم، وانقياد المخالف ~~لذلك، وهذا كله معروف لا شك في شيء منه، والعقل لا يحيل العمل بخبر الواحد ~~وقد جاء الشرع بوجوب العمل به فوجب المصير إليه وأما من قال: "يوجب العلم" ~~فهو مكابر للحسن وكيف يحصل العلم واحتمال الغلط والوهم والكذب، وغير ذلك ~~متطرف إليه". ا. ه. # وفي حصول المأمول1: "قد دل على العمل بخبر الواحد، الكتاب والسنة ~~والإجماع ولم يأت من خالف في العمل به بشيء يصلح للتمسك به. ومن تتبع عمل ~~الصحابة من الخلفاء وغيرهم وعمل التابعين فتابعيهم بأخبار الآحاد، وجد ذلك ~~في غاية الكثرة، بحيث لا يتسع له إلا مصنف بسيط2؛ وإذا وقع من بعضهم التردد ~~في العمل به في بعض الأحوال PageV01P148 # فذلك لأسباب خارجة عن كونه خبر واحد من ريبة في الصحة، أو تهمة للراوي، ~~أو وجود معارض راجح أو نحو ذلك". ا. ه. # وقد جود الكلام على قبول خبر الواحد الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: في ~~رسالته الشهيرة في باب على حدة، ويجدر بذي الهمة الوقوف على لطائفة وأوسع ~~فيه أيضا الحافظ ابن حجر في الفتح عند قول البخاري: "باب ما جاء في إجازة ~~خبر الواحد الصدوق في الأذان، والصلاة والصوم، والفرائض، والأحكام" فليرجع ~~إليه ومما نقله فيه أن بعض العلماء احتج لقبول خبر الواحد أن كل صاحب أو ~~تابع سئل عن نازلة في الدين فأخبر السائل بما عنده فيها من الحكم أنه لم ~~يشترط عليه أحد منهم أن لا يعمل بما أخبره به. من ذلك حتى يسأل غيره فضلا ~~عن أن يسأل الكواف بل كان كل منهم يخبره بما عنده، فيعلم بمقتضاه ولا ينكر ~~عليه ذلك فدل على اتفاقهم على وجوب العمل بخبر الواحد. # وفيه أيضا: قال ابن القيم في الرد على من رد خبر الواحد إذا كان زائدا ~~على القرآن ما ملخصه: "السنة مع القرآن على ثلاثة أوجه أحدها: أن توافقه من ~~كل وجه فيكون من توارد ms098 الأدلة، ثانيها: أن تكون بيانا لما أريد بالقرآن، ~~ثالثها: أن تكون دالة على حكم سكت عنه القرآن. وهذا الثالث يكون حكما مبتدأ ~~من النبي -صلى الله عليه وسلم- فتجب طاعته فيه ولو كان النبي لا يطاع إلا ~~فيما وافق القرآن لم تكن له طاعة خاصة؛ وقد قال تعالى1 {من يطع الرسول فقد ~~أطاع الله} وقد تناقض من قال إنه لا يقبل الحكم الزائد على القرآن، إلا إن ~~كان متواترا أو مشهورا فقد قالوا بتحريم المرأة على عمتها وخالتها، وتحريم ~~ما يحرم من النسب بالرضاعة، وخيار الشرط والشفعة، والرهن في الحضر وميراث ~~الجدة وتخيير الأمة إذا أعتقت، ومنع الحائض من الصوم والصلاة، ووجوب ~~الكفارة على من جامع وهو صائم في رمضان ووجوب إحداد المعتدة عن الوفاة، ~~وتجويز الوضوء بنبيذ التمر وإيجاب الوتر وأن أقل الصداق عشرة دراهم وتوريث ~~بنت الابن السدس مع البنت واستبراء المسبية بحيضة، وأن أعيان بني الأم ~~يتوارثون، ولا يقاد الوالد بالولد، وأخذ الجزية من المجوس، وقطع رجل السارق ~~في الثانية، وترك الاقتصاص من الجرح قبل الاندمال، والنهى عن بيع الكالئ ~~وغيرها مما يطول شرحه، وهذه الأحاديث كلها آحاد، وبعضها ثابت وبعضها غير ~~ثابت، ولكنهم قسموها إلى ثلاثة أقسام ولهم في ذلك تفاصيل يطول شرحها، ومحل ~~بسطها أصول الفقه وبالله التوفيق". ا. ه. PageV01P149 ### $ 48- الكلام على الحديث الموضوع وفيه مباحث: ### | 1- # ماهية الموضوع: # "هو الكذب المختلق المصنوع" أي كذب الراوي في الحديث النبوي بأن يروي عنه ~~ما لم يقله، متعمدا لذلك. ### | 2- # حكم روايتة: # اتفقوا على أنه تحرم روايته مع العلم بوضعه، سواء كان في الأحكام أو ~~القصص والترغيب ونحوها، إلا مبينا وضعه؛ لحديث مسلم عن سمرة بن جندب، قال: ~~قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: $"من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو ~~أحد الكذابين" ورواه الإمام أحمد وابن ماجه روي الكذابين على صيغة التثنية، ~~والكاذبين بالجمع. ### | 3- # معرفة الوضع والحامل عليه: # ذكر المحدثون أمورا كليه، يعرف بها كون الحديث موضوعا؛ منها: اشتماله على ~~مجازفات في الوعد والوعيد، ومنها: سماجة الحديث ms099 وكونه مما يسخر منه، مثل ما ~~يروى في وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- ومنها مناقضته لما جاءت به السنة ~~الصريحة، # PageV01P150 # ومنها أن يكون باطلا في نفسه، فيدل بطلانه على وضعه، ومنها: أن لا يشبه ~~كلام الأنبياء، بل لا يشبه كلام الصحابة، ومنها أن يشتمل على تواريخ الأيام ~~المستقبلة، ومنها: أن يكون بكلام الأطباء أشبه، ومنها أن تقوم الشواهد ~~الصحيحة على بطلانه، ومنها: مخالفته لصريح القرآن، ومنها: أحاديث صلوات ~~الأيام والليالي، ومنها اقترانه بقرائن يعلم بها أنه باطل. # وقد استقصى المصنفون في الموضوعات إيراد الأمثلة المتوافرة لكل ما ذكر ~~فليرجع إليها وسيأتي نوع تفصيل لها قريبا. # قال الحافظ في شرح النخبة1: "الحكم بالوضع إنما هو بطريق الظن الغالب" لا ~~بالقطع؛ إذ قد يصدق الكذوب، لكن لأهل العلم بالحديث ملكة قوية يميزون بها ~~ذلك، وإنما يقوم بذلك منهم من يكون اطلاعه تاما، وذهنه ثاقبا وفهمه قويا، ~~ومعرفته بالقرائن الدالة على ذلك متمكنة وقد يعرف الوضع بإقرار واضعه". # ثم قال: "ومن القرائن التي يدرك بها الوضع، ما يؤخذ من حال الراوي، كما ~~وقع للمأمون بن أحمد، أنه ذكر بحضرته الخلاف في كون الحسن سمع من أبي هريرة ~~أولا فساق في الحال إسناده إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: سمع ~~الحسن من أبي هريرة وكما وقع لغياث بن إبراهيم حيث دخل على المهدي فوجده ~~يلعب بالحمام فساق في الحال إسنادا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال ~~سمع الحسن من أبي هريرة، وكما وقع لغياث بن إبراهيم حيث دخل على المهدي ~~فوجده يلعب بالحمام فساق في الحال إسنادا إلى النبي أنه قال: "لا سبق إلا ~~في نصل أو خف أو حافر 2 -أو جناح- " فزاد في الحديث: "أو جناح" فعرف المهدي ~~أنه كذب لأجله فأمر بذبح الحمام. ومنها: ما يؤخذ من حال المروي، كأن مناقضا ~~لنص القرآن، أو السنة المتواترة، أو الإجماع القطعي أو صريح العقل حيث لا ~~يقبل شيء من ذلك التأويل ثم المروي تارة يخترعه الواضع، وتارة يأخذ كلام ~~غيره كبعض السلف ms100 الصالح أو قدماء الحكماء أو الإسرائيليات أو يأخذ حديثا ~~ضعيف الإسناد فيركب له إسنادا صحيحا ليروج والحامل للواضع على الوضع إما ~~عدم PageV01P151 # الدين، كالزنادقة، أو غلبة الجهل كبعض المتعبدين، أو فرط العصبية، كبعض ~~المقلدين، أو اتباع هوى بعض الرؤساء، أو الإعراب لقصد الاشتهار، وكل ذلك ~~حرام بإجماع من يعتد به. إلا أن بعض الكرامية وبعض المتصوفة، نقل عنهم ~~إباحة الوضع في الترغيب والترهيب، وهو خطأ من فاعله نشأ عن جهل لأن الترغيب ~~والترهيب من جملة الأحكام الشرعية. واتفقوا على أن تعمد الكذب على النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- من الكبائر وبالغ أبو محمد الجويني فكفر من تعمد ~~الكذب على النبي -صلى الله عليه وسلم". ا. ه. # وقال حجة الإسلام الغزالي في الإحياء1: "وقد ظن ظانون، أنه يجوز وضع ~~الأحاديث في فضائل الأعمال، وفي التشديد في المعاصي، وزعموا أن القصد منه ~~صحيح، وهو خطأ محض؛ إذ قال -صلى الله عليه وسلم: "من كذب علي متعمدا، ~~فليتبوأ مقعدة من النار" وهذا لا يترك إلا لضرورة، ولا ضرورة إذ في الصدق ~~مندوحة عن الكذب ففيما، ورد من الآيات، والأخبار كفاية عن غيرها، وقول ~~القائل إن ذلك قد تكرر على الأسماع، وسقط وقعه، وما هو جديد فوقعه أعظم ~~فهذا هوس إذ ليس هذا من الأعراض التي تقاوم محذور الكذب على رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- وعلى الله تعالى ويؤدي فتح بابه إلى أمور تشوش الشريعة فلا ~~يقاوم خير هذا شره أصلا، والكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومن ~~الكبائر التي لا يقاومها شيء نسأل الله العفو عنه وعن جميع المسلمين". ا. ~~ه. # ورأيت لبعض فضلاء العصر مقالة غراء في هذا الموضوع، لا بأس بإيرادها ~~تعزيزا للمقام، قال رعاه الله: "الحديث الموضوع، هو المختلق المصنوع ~~المنسوب إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زورا وبهتانا، وهو أشد خطرا ~~على الدين، وأنكى ضررا بالمسلمين، من تعصب أهل المشرقين والمغربين؛ لأنه ~~يطرف الملة الحنيفية عن صراطها المستقيم، ويقذف بها في غياهب الضلالات حتى ~~ينكر الرجل أخاه والولد أباه ms101 وتطير الأمة شعاعا وتتفرق بدادا بدادا لالتباس ~~الفضيلة وأفول شمس الهداية وانشعاب الأهواء وتباين الآراء. PageV01P152 # وإن تفرق المسلمين إلى شيعة ورافضة وخوارج ونصيرية إلخ ... لهو أثر قبيح ~~من آثار الوضع في الدين. ولقد قام الحفاظ الثقات، وكادوا يزهقون الروح ~~بضبطهم الحديث حفظا وكتابة تلقينا، ومازوا الخبيث من الطيب، وقشعوا سحب ~~اللبس فتلألأ نور اليقين". # ثم قال: "ورب سائل يقول: إني ساغ للمسلمين أن يضعوا في دينهم ما ليس منه؟ ~~فالجواب أن أسباب الوضع كثيرة؛ منها: غفلة المحدث؛ أو اختلاط عقله في آخر ~~حياته؛ أو التكبر عن الرجوع إلى الصواب بعد استبانة الخطأ لسهو مثلا. ومنهم ~~قوم وضعوا الأحاديث لا يقصدون إلا الترغيب والترهيب، ابتغاء وجه الله فيما ~~يزعمون؛ وآخرون وضعوها انتصارا لمذهبهم؛ ومنهم طائفة أهمتهم أنفسهم، ~~فاختلقوا ما شاءوا للتقرب من السلاطين والأمراء، أو لاستمالة الأغنياء إلى ~~الإعطاء. ومن هذا الصنف القصاص الذين انتحلوا وظيفة الوعظ والتذكير في ~~المساجد والمجامع وأخذوا يهدمون من أركان هذا الدين لفلس يقتنونه أو حطام ~~خبيث يلتهمونه". # قال: ولقد شاهدت منهم في المسجد الحسيني رجلا بيده رقاع صغيرة، فيها دعاء ~~يقول: إنه دعاء موسى، وإن من قرأه أو حمله تسقط عنه الصلوات المفروضة، ~~والزحام حوله شبيه بزحام الحشر، حتى لا تكاد ترى إلا عمائم وطرابيش وبرانس ~~وخمرا، وأيديا ممتدة بفلوس أو دراهم، وهو في بهرة حلقهم، كأنه أبو زيد ~~السروجي يوزع الرقاع، ويجمع المتاع، ويخلب الأسماع، حتى كاد يبيح للمتصدقين ~~والمتصدقات، كل ما دخل تحت الحرمة، وشمله اسم النهي، هذا، وقد بلغني أن ~~بعضهم نبه شيخ الجامع الأزهر والسادات إلى إزالة هذا المنكر من مسجد سبط ~~الرسول، فأجاب بأن: هذا تجسس، والله يقول: {ولا تجسسوا} 1 ولا أدري هذا صح ~~عنه، من الذي أخطأ؟ أهو أم عمر بن الخطاب الذي كان يطرد القصاصين أمثال ~~هؤلاء من المساجد، مع أنهم لم يكونوا بهذه المثابة من التغرير والتضليل؟ ~~PageV01P153 # ولنرجع إلى الوضاع، فمنهم زنادقة قصدوا إفساد الشريعة والتلاعب بالدين، ~~{يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا ms102 أن يتم نوره} 1 فعملوا ~~على لبس الحق بالباطل، وخلط السم بالترياق، وهيئت لهم الفرص في الأزمان ~~الغابرة مجالا فسيحا لهذا البهتان، حتى شحنوا الأذهان وسودوا الدفاتر ~~وأفعموا الكتب بمفتريات: {ما أنزل الله بها من سلطان} 2. وقد سرى هذا الداء ~~في كتب التفسير والسير والتاريخ، وتلقتها العامة عن سلامة صدر، إما لشهرة ~~المعزو إليه، أو لاستبعاد كذبه على الرسول -صلى الله عليه وسلم- فخبطوا ~~وحادوا عن الجادة: {وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} 3. # ثم قال: "ولست أعجب من العامة وصنعهم هذا، ولكن العجب العجاب، من أهل ~~العلم الذين يرون هذا المنكر رأي العين صباحا ومساء، ويتأولون له كأنما ~~أعمال هؤلاء السوقة وحي سماوي متشابه، يجب تأويله في رأي العلماء المتأخرين ~~اللهم ألهمنا السداد، ووفقنا إلى سبيل الرشاد! # "والداهية الدهياء، أن الناس الآن، أخذت تروي الأحاديث من غير إجازة ولا ~~تلقين، وحول العلماء وجهتهم إلى فروع الفقه، وآلات التفسير والتوحيد ~~وانصرفوا عن الحديث إلا ما كان منه قراءة على سيل التبرك! فراجت سوق ~~الأراجيف المعزوة للدين، واختلط الباطل بالحق فمهدوا بهذا للطاغين على ~~الدين سبلا كان عذراء، وخططا كانت وعثاء فلا تكاد ترى حمارا أو حوذيا أو ~~خادما أو طاهيا أو أكارا أو قصارا أو كناسا أو رشاشا إلا وهو يستشهد في كل ~~عمل من أعماله بالحديث، سواء صح معناه ولفظه أم لم يصح. فإذا جلست في مرتاض ~~أو ناد أو سوق أو حانوت أو محفل عرس أو مأتم سمعت من خلطهم وخبطهم في الدين ~~ما تخرج لأجله النفوس من العيون وتمشي له القلوب في الصدور وربما كان في ~~مجلسهم عالم فيسأل عند اختلافهم فلا يجيب إلا: "بأظن كذا! "؛ "ويمكن أن ~~يكون كذا" والورع يقول: "لا أدري! " أو: "حتى أراجع PageV01P154 # الصحاح! " وقد يكون الحديث مشهورا بين كل الطبقات، وهو موضوع! فيظن أنه ~~صحيح لشهرته، خصوصا على ألسنة بعض المشايخ فيفتي بأنه صحيح وهناك الطامة ~~الكبرى!. # ثم قال: "الغرض إحياء السنة، وإماتة البدعة. ودرء المطاعن الأجنبية بشيء ~~ليس من ديننا، وذلك بالوقوف على طائفة ms103 من الأحاديث الموضوعة التي يستدل بها ~~الناس على عقيدة أو حكم أو فضيلة أو النهي عن رذيلة ليتميز الخبيث من ~~الطيب، ويبتعد حملة القرآن وخطباء المنابر ووعاظ المساجد من رواة الأكاذيب ~~المضادة للشرع والعقل باسم الدين وهم لا يشعرون، وفي مقدمة ذلك الأحاديث ~~المشهورة على ألسنة العامة، والخاصة في احتجاجهم، وأمرهم ونهيهم فإن ضررها ~~عظيم، وخطبها جسيم وذلك كحديث: "حب الوطن من الإيمان" الذي لا يفهم منه بعد ~~التأويل والتحليل إلا الحث على تفرق الجامعة الإسلامية التي ننشد الإيمان" ~~الذي لا يفهم منه بعد التأويل والتحليل إلا الحث على تفرق الجامعة ~~الإسلامية التي ننشد ضالتها الآن فإنه يقضي بتفضيل مسلمي مصر مثلا على من ~~سواهم وإن من في الشام يفضل إخوته هناك على غيرهم وهكذا وهو الانحلال بعينه ~~والتفرق المنهي عنه والله يقول: {إنما المؤمنون إخوة} 1، ولم يقيد الأخوة ~~بمكان ويقول: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} 2، وأقل ما فيه تفويت ~~فضيلة الإيثار ومن ذلك: "شاوروهن وخالفوهن" إلى غير ذلك. # ومما هو جدير بالعناية قصص المولد النبوي الذي اشتمل كثير من الخيال ~~الشعري، والأحاديث التي وضعها المطرون الغلاة كحديث: "لولاك ما خلقت ~~الأفلاك" وقولهم: "إن الميم من اسمه الشريف تدل على كذا والدال على كذا" ~~إلى آخر تصرفات الخيال ووصفهم الرسول -صلى الله ععليه وسلم- بضروب من الغزل ~~لا تليق إلا بمتخذات أخدان، مما يحل مقام النبوة عنه، وتنفر طبيعة الجلال ~~منه؛ وكروايتهم من المعجزات ما ليس له أصل، كحديث الضب، وأن الورد من عرقه ~~إلى آخر ما ينسبونه للمناوي، ولا أظنه إلا مصطنعا باسم الشيخ رحمه الله ~~ورضي عنه" انتهى ملخصا. PageV01P155 ### | 4- # مقالة في الأحاديث الموضوعة في فضيلة رجب: # نبه بعض الفضلاء ذلك في مقالة نشرها في مجلة نصحا لخطباء المنابر ~~المغفلين، وللوعاظ والقصاص البله فقال ما نصه: "كم اختلق الكذابون على ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- وكم وضعوا الأباطيل والمناكير، وركبوا الأسانيد ~~الملفقة، وأسهبوا وأطنبوا، وبالغوا في التحذير والترهيب، وشددوا، وسهلوا ~~على حسب ما تسول لهم أنفسهم، ولم يخشوا خالقا ms104 يعلم سرهم وعلانيتهم، ~~فيجازيهم بمقاعد في النار يتبوءونها جزاء افترائهم واختلاقهم وتجرئهم على ~~وضع الأحاديث التي: {ما أنزل الله بها من سلطان} وقد قال الحافظ سهل بن ~~السري: "قد وضع أحمد بن عبد الله الجوربياري، ومحمد بن عكاشة الكرماني، ~~ومحمد بن تميم الفريابي على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أكثر من عشرة ~~آلاف حديث. وقال حماد بن زيد: "وضعت الزنادقة على رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- أربعة آلاف حديث". وقال بعضهم: "سمعت ابن مهدي يقول لميسرة بن عبد ~~ربه: من أين جئت بهذه الأحاديث، من قرأ كذا فله كذا ومن صام كذا فله كذا؟ ~~قال: وضعتها أرغب الناس فيها!! " وقيل لأبي عصمة بن أبي مريم المروزي: "من ~~أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة، سورة وليس عند أصحاب ~~عكرمة هذا؟ فقال: إني رأيت الناس أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي ~~حنيفة، ومغازي ابن إسحاق، فوضعت هذا الحديث حسبة!! " ومما يوجب الأسف أن ~~يرى الإنسان تلك الموضوعات، والمناكير، والأباطيل قد انتشرت في الكتب ~~انتشارا زائدا، ورواها الخلف عن السلف وشحنت بها كتب الوعظ، والإرشاد ~~ودواوين الخطباء حتى إنك لا تطالع ديوانا من الدواوين المتداولة بين ~~خطبائنا إلا وترى فيه من فظائع الأكاذيب على نبينا عليه الصلاة والسلام ما ~~يستوجب العجب وما ذاك إلا لذهاب علماء الحديث ودخولهم في خبر كان وعدم ~~اعتناء أهل عصرنا به. # ومن افظع هذه الأباطيل، الأحاديث التي تروى في فضيلة رجب وصيامه، فأغلب ~~الدواوين نراها مشحونة بها. ونحن نأتي بتلك الأباطيل التي اختلقها ~~الوضاعون، ليحذرها # PageV01P156 # العموم، ويعرفها خطباء المنابر والوعاظ والقصاص، فيجتنبوها ولا ينسبوها ~~إليه عليه الصلاة والسلام؛ حذرا من الوقوع في الإثم، وفرارا من الكذب على ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- فنقول: # حديث: "فضل رجب على الشهور، كفضل القرآن على سائر الكلام؛ وفضل شهر شعبان ~~على الشهور، كفضلى على سائر الأنبياء؛ وفضل شهر رمضان، كفضل الله على سائر ~~العباد" موضوع قاله الحافظ ابن حجر؛ ذكره السخاوي في المقاصد الحسنة. # وقولهم: "أكثروا من الاستغفار ms105 في رجب، فإن لله في كل ساعة منه عتقاء من ~~النار؛ وإن لله مدائن لا يدخلها إلا من صام رجب" موضوع وفي إسناده: "الإصبغ ~~بن نباتة" ليس بشيء قاله السيوطي في اللآلئ المصنوعة. # وقولهم: "رجب شهر الله وشعبان شهري ... إلخ" أورده الصاغاني في ~~الموضوعات. # ومنها: "فضيلة ليلة أول جمعة من رجب، والصلاة الموضوعة فيها المسماة ~~بليلة الرغائب". # وقولهم: "في رجب يوم وليلة، من صام ذلك اليوم، وقام تلك الليلة، كان له ~~من الأجر كمن صام مائة سنة، وقام سنة وهي لثلاث بقين من رجب في ذلك اليوم ~~بعث الله محمدا نبيا" موضوع قاله السيوطي في النكت البديعات. # وقولهم: "من صام يوما من رجب، وقام ليلة من لياليه بعثه الله آمنا يوم ~~القيامة ومر على الصراط، وهو يهلل أو يكبر" موضوع وفي إسناده: "إسماعيل بن ~~يحيى" كذاب. # وقولهم: "من أحيى ليلة من رجب، وصام يوما منه أطعمه الله من ثمار الجنة، ~~وكساه من حلل الجنة، وسقاه من الرحيق المختوم" موضوع، وفي إسناده: "حصين بن ~~مخارق" كان يضع الحديث قاله السيوطي في اللآلئ المصنوعة. # وقولهم رجب من الأشهر الحرم وأيامه مكتوبة على أبواب السماء السادسة؛ ~~فإذا صام الرجل منه يوما وجرد صومه بتقوى الله، نطق الباب، ونطق اليوم ~~وقال: "يا رب! اغفر له! " وإذا لم يتم صومه بتقوى الله لم يستغفرا له، ~~وقالا: "خدعتك نفسك" موضوع وفي إسناده: "إسماعيل بن يحيى" كذاب قاله ~~السيوطي. # PageV01P157 # وقولهم: "رجب شهر الله الأصم المنبتر الذي أفرده تعالى لنفسه، فمن صام ~~منه يوما إيمانا واحتسابا، استوجب رضوان الله الأكبر.. إلخ" موضوع وفي ~~إسناده "عصام بن طليق" قال ابن معين ليس بشيء، وأبو هارون العبدي متروك. # وقولهم خطبنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل رجب بجمعه فقال: "أيها ~~الناس! إنه قد أظلكم شهر عظيم، شهر رجب، شهر الله الأصم تضاعف فيه الحسنات ~~وتستجاب الدعوات، وتفرج فيه الكربات، لا ترد للمؤمن فيه دعوة؛ فمن اكتسب ~~فيه خيرا ضوعف له فيه أضعافا مضاعفة فعليكم بقيام ليله وصيام نهاره ... ~~إلخ" موضوع ms106 ذكره السيوطي. # وقولهم: "من صام من رجب يوما تطوعا، أطفأ صومه ذلك اليوم غضب الله، وأغلق ~~عنه أبواب النار ... الخ" موضوع؛ ذكره السيوطي وقال: إسناده ظلمات بعضها ~~فوق بعض". انتهت المقالة. # ثم اعترض بعض الناس على من نشرها في مجلته وقال: "إن كانت هذه الأحاديث ~~موضوعة كما قال الكاتب، فما الغرض منها إلا الترغيب في العبادة التي يثاب ~~فاعلها على كل حال! وحينئذ يكون بيان كيفية وضعها وتكذيب واضعيها تثبيطا ~~غير محمود عن عبادة الله". # فأجاب ناشرها بقوله: "إن نشر مثل هذه الرسالة كان واجبا؛ ومن أفضل ضروب ~~العبادة إعلام المسلمين بأن هذا الحديث موضوع، إن كان كذلك، وصحيح إن كان ~~سنده صحيحا سواء كان مغزى الحديث مما ندبت إليه الشريعة بوجه عام أو مما ~~نهت عنه وكاتب الرسالة لم يحكم بوضع حديث من عندياته، وإنما ذكر أقوال أئمة ~~الحديث والحفاظ حتى ذكر قول الحافظ السيوطي في سند حديث من تلك الأحاديث ~~أنه ظلمات بعضها فوق بعض مبالغة في إنكار سند الحديث، وعدم الاعتداد به. ~~وهناك غرض لأئمة الحديث، في بيان صحته وضعفه، أسمى من غرض الترغيب في ~~العبادة والصيام والقيام: ألا وهو غرض تحرير الشريفة الغراء، وصونها عن ~~الدخيل فيها، خيرا كان أو شرا؛ لأنه إذا تطرق للحديث الكذب فيه بنية حسنة، ~~تطرقه كذلك نبيه سيئة وانهار بناء الشريعة المحمدية # PageV01P158 # بكثرة ما يتخللها من الأجنبي عنها، وأي شر أعظم مما يطرأ على الشريعة ~~الغراء لو أرخى العنان لوضاع الأحاديث، يضعون كيف شاءوا دون أن يميز الصدق ~~من الكذب في رواياتهم، ثم من هو الذي يقبل من المعترضين أن يكتب باسمه ~~الكتاب ما شاءوا من أفكار وأقوال ولو كانت حسنة مقبولة في حد ذاتها؟ بل من ~~يصدق أن يقوم أحد من الناس ويفتري على وزير أو مدير قرارا أو منشورا يصدره ~~بإمضائه، ولا يعد عابثا بالنظام، متوجبا التأديب أو على الأقل التكذيب؟ أو ~~من يتصور أنه يلفق صورة أمر عال، مهما كان موضعه وينشره كأنه صادر من ~~السلطان ولا يعاقب ms107 على فعله هذا فأي مسلم بعد هذا يسوغ أن يكذب على رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يقول: "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من ~~النار" لذلك نحن نشرنا رسالة الفاضل الذي أسند كل ما قال فيها للسلف الصالح ~~من أئمة الحديث وحفاظه شاكرين همته، مثنين عليه بما هو أهله معتبرين عمله ~~هذا من خير أعمال العبادة التي يتقرب بها إلى الله في مثل شهر رجب المبارك، ~~مؤملين أن يحذو الفضلاء الباحثون حذوه، ولا خوف من ذلك على الناس أن تثبط ~~هممهم عن عبادة الله، فإن الله عز وجل، قد أتم شريعته قبل أن يأخذ رسوله ~~إلى الرفيق الأعلى، فهي لا ينقصها شيء يحتاج وضاعو الحديث المفترون على ~~الله وعلى رسوله أن يتموه وعلى القراء أن يفقهوا مقاصد الكتاب في هذا الباب ~~والله الموفق والمعين. # ثم أجاب ناشرها أيضا بقوله في محاورة ثانية: "لم يقصد كاتب الرسالة في ~~بيان الأحاديث الموضوعة التي سردها تثبيط همم الناس عن العبادة، وإنما أراد ~~بيان عدم صحة تلك الأحاديث التي اعتاد بعض الخطباء العناية بذكرها عند دخول ~~مثل شهر رجب المبارك، ويحسبونها من أصول الدين، وليست منه في شيء تلك ~~الأحاديث التي أسندت للنبي -صلى الله عليه وسلم- وقال أئمة الحديث السالفون ~~وحفاظه المحققون إنها موضوعة مفتراة عليه. فقد قال كاتب الرسالة: "ونحن ~~نأتي بتلك الأباطيل التي اختلقها الوضاعون ليحذرها العموم، ويعرف خطباء ~~المنابر والوعاظ، والقصاص فيجتنبوها، ولا ينسبوها إليه عليه الصلاة والسلام ~~حذرا من الوقوع في الإثم وفرارا من الكذب على النبي -صلى الله عليه وسلم ~~... إلخ" # PageV01P159 # وهذا صريح في أنه إنما ينصح الخطباء والوعاظ، ليعدلوا عن ارتكاب الكذب في ~~إرشاد العامة، إلى ما هو الصدق فيه، والخير كله مع الصادقين. # ثم قال: "وقد بلغ حد التهافت على بيان أسرار الشريعة الغراء، عند بعض ~~خطباء الجمع على المنابر، أن جعلوا للفظه "ر ج ب" حروفا مقطعة، مدلولات ~~أخرى. فالراء لمعنى والجيم لآخر، والباء لغيرهما مع أن هذه الحروف ذاتها ~~موجودة في كل كلمة ثلاثية ms108 تركبت منها كجرب، وبرج ورجب أسماء مسميات أخرى، ~~وهلم جرا. بل لا ينكر عاقل أن الدخيل في الأحاديث، قد كان منه ما أضر ~~بالجامعة الإسلامية وجوهر الدين الحنيفي، ضررا بليغا، لو قيس بما نتجته ~~الأحاديث الموضوعة لمثل الترغيب في العبادة من الحسنات، لرجح عليها رجحانا ~~مبينا فكيف لا يكون سد هذا الباب مهما، وكيف لا يكون في الأمة، وعاظ ~~ومرشدون يبيتون الصدق من الكذب، والغث من السمين في كل وقت وليس للأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر وقت مخصوص، وأشد ما يطلب ذلك في الظروف التي ~~يكون فيها الأمر والنهي أبلغ تأثيرا في النفوس ولهذا اختار صاحب رسالة ~~الأحاديث الموضوعة أن يبين ما يختص منها بشهر رجب في الوقت الذي يصدع ~~الخطباء فيه بمواعظهم له، والله يوفق الجميع لما فيه الخير، والصواب وهو ~~الهادي إلى سبيل الرشاد". # وأقول: رأيت لشيخ الإسلام ابن تيميه قدس سره في كتابه: "اقتضاء الصراط ~~المستقيم" تطرقا لهذا المبحث الجليل، قال قدس سره: "شهر رجب، أحد الأشهر ~~الحرم". وقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان إذا دخل شهر رجب ~~قال1: "اللهم بارك لنا في رجب وشعبان، وبلغنا رمضان" ولم يثبت عن النبي في ~~فضل رجب حديث آخر، بل عامة الأحاديث المأثورة فيه عن النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- كذب والحديث إذا لم يعلم أنه كذب فروايته في الفضائل أمر قريب أما ~~إذا علم كذبه فلا يجوز روايته إلا مع بيان حاله لقوله -صلى الله عليه ~~وسلم2: "من روى عني حديثا PageV01P160 # وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين". نعم، روي عن بعض السلف في تفضيل ~~العشر الأول من رجب بعض الأثر وروي غير ذلك فاتخاذه موسما بحيث يفرد بالصوم ~~مكروه عند الإمام أحمد وغيره، كما روي عن عمر بن الخطاب وأبي بكرة وغيرهما ~~من الصحابة -رضي الله عنهم- وروى ابن ماجه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~نهى عن صوم رجب، وهل الإفراد المكروه أن يصومه كله، أو أن يقرن به شهر آخر؟ ~~فيه للأصحاب وجهان والله أعلم". ا. ms109 ه. ### | 5- # فتوى الإمام ابن حجر الهيتمي رحمه الله في خطيب لا يبين مخرجي الأحاديث: # في فتاواه الحديثية1 ما نصه: "وسئل -رضي الله عنه- في خطيب يرقى المنبر ~~في كل جمعة، ويروي أحاديث كثيرة، ولم يبين مخرجيها، ولا رواتها فما الذي ~~يجب عليه؟ فأجاب بقوله: ما ذكره من الأحاديث في خطبه من غير أن يبين ~~رواتها، أو من ذكرها، فجائز بشرط أن يكون من أهل المعرفة في الحديث أو ~~بنقلها من مؤلفه كذلك؛ وأما الاعتماد في رواية الأحاديث على مجرد رؤيتها في ~~كتاب ليس مؤلفه من أهل الحديث، أو في خطب ليس مؤلفها كذلك فلا يحل ذلك! ومن ~~فعله عزر عليه التعزير الشديد. وهذا حال أكثر الخطباء فإنهم بمجرد رؤيتهم ~~خطبة فيها أحاديث حفظوها، وخطبوا بها من غير أن يعرفوا أن لتلك الأحاديث ~~أصلا أم لا فيجب على حكام كل بلد أن يزجروا خطباءها عن ذلك، ويجب على حكام ~~بلد هذا الخطيب منعه من ذلك إن ارتكبه". ثم قال: "فعلى هذا الخطيب أن يبين ~~مستنده في روايته فإن كان مستندا صحيحا فلا اعتراض عليه والإساغ الاعتراض ~~عليه بل وجاز لولي الأمر -أيد الله به الدين وقمع بعدله المعاندين- أن ~~يعزله من وظيفة الخطابة زجرا له عن أن يتجرأ على هذه المرتبة السنية بغير ~~حق" انتهى ملخصا. PageV01P161 ### | 6- # ما جاء في نهج البلاغة من وجوه اختلاف الخبر وأحاديث البدع: # سئل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه عما في أيدي الناس من ~~أحاديث البدع واختلاف الخبر فقال1: "إن في أيدي الناس حقا وباطلا وصدقا ~~وكذبا، وناسخا، وممسوخا وعاما، وخاصا ومحكما، ومتشابها وحفظا ووهما، ولقد ~~كذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على عهده حتى قام خطيبا فقال: "من ~~كذب علي متعمدا، فليتبوا مقعده من النار" وإنما أتاك بالحديث أربعة رجال ~~ليس لهم خامس: # رجل منافق مظهر للإيمان، متصنع بالإسلام، لا يتأثم ولا يتحرج، يكذب على ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم- متعمدا فلو علم الناس أنه منافق كاذب لم ~~يقبلوا منه، ولم يصدقوا قوله ms110 ولكنهم قالوا صاحب رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- رأى وسمع منه، ولقف عنه فيأخذون بقوله وقد أخبرك الله عن المنافقين ~~بما أخبرك ووصفهم بما وصفهم به لك ثم بقوا بعده عليه وعلى آله السلام ~~فتقربوا إلى الأئمة فولوهم الأعمال، وأكلوا بهم الدنيا، وإنما الناس مع ~~الملوك والدنيا وإلا من عصم الله فهو أحد الأربعة. # ورجل سمع من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شيئا لم يحفظه على وجهه، ~~فوهم فيه ولم يعرف كذبا، فهو في يديه، ويرويه ويعمل به ويقول: "أنا سمعته ~~من رسول الله -صلى الله عليه وسلم" فلو علم المسلمون أنه وهم فيه لم يقبلوا ~~منه ولو علم أنه كذلك لرفضه. # ورجل ثالث سمع من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شيئا يأمر به، ثم نهى ~~عنه وهو لا يعلم؛ أو سمعه ينهى عن شيء ثم أمر به وهو لا يعلم فحفظ المنسوخ ~~ولم يحفظ الناسخ فلو علم أنه منسوخ لرفضه ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه ~~أنه منسوخ لرفضوه # وآخر رابع لم يكذب على الله ولا على رسوله مبغض للكذب خوفا من الله ~~وتعظيما لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولم يهم بل حفظ ما سمع على وجهه ~~فجاء به على سمعه لم يزد فيه ولم ينقص منه فحفظ الناسخ فعمل به وحفظ ~~المنسوخ فجنب عنه وعرف الخاص والعام، PageV01P162 # فوضع كل شيء موضعه، وعرف المتشابه ومحكمه وقد كان يكون من رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- الكلام له وجهان فكلام خاص وكلام عام فيسمعه من لا يعرف ما ~~عنى الله به، ولا عنى به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيحمله السامع ~~ويوجهه على غير معرفة بمعناه وما قصد به، وما خرج من أجله وليس كل أصحاب ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من كان يسأله ويستفهمه حتى إن كانوا ليحبون ~~أن يجيء الأعرابي الطارئ فيسأله عليه السلام حتى يسمعوا وكان لا يمر بي من ~~ذلك شيء إلا سألت عنه. وحفظته فهذه وجوه ما عليه الناس في اختلافهم وعللهم ~~في رواياتهم". ا. ه. ms111 ### | 7- # بيان ضرر الموضوعات على غير المحدثين وأن الدواء لمعرفتها الرسوخ في ~~الحديث: # قال الإمام أبو عبد الله محمد بن المرتضى اليماني في كتابه: "إيثار ~~الحق"1 في خلال البحث عن كون معظم ابتداع المبتدعين من أهل الإسلام راجعا ~~إلى هذين الأمرين الواضح بطلانهما وهما: الزيادة في الدين والنقص منه، ما ~~نصه: "من أنواع الزيادة في الدين، الكذب فيه عمدا، وهذا الفن يضر من لم يكن ~~من أئمة الحديث والسير والتواريخ، ولا يتوقف على نقدهم فيه بحيث لا يفرق ~~بين ما يتواتر عند أهل التحقيق، وبين ما يزوره غيرهم وليس له دواء إلا ~~إتقان هذا الفن، والرسوخ فيه وعدم المعارضة لأهله بمجرد الدعاوي الفارغة، ~~وهو علم صعب يحتاج إلى طول المدة، ومعرفة علوم الحديث، وعدم العجلة ~~بالدعوى، وإن كان جليا في معناه فإن الرسوخ فيه بعيد عن حصول العلم الضروري ~~بأحوال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأحوال السلف بحيث يعلم دينهم ~~بالضروة. مثل ما يعلم مذهب المعتزلة والأشعرية كذلك يطول البحث في علم ~~الكلام ويعلم ما يختلفون فيه وما لا يختلفون فيه، وما يمكن القدح فيه من ~~المنقولات المشهورة، وما لا يمكن من غير تقليد ولا أقل من معرفة مثل علوم ~~الحديث للحاكم في ذلك وهذا عندي هو الفائدة PageV01P163 # العظمي في الرسوخ في علم الحديث، وليس الفائدة العظمي فيه معرفة أحاديث ~~الأحكام، في فروع الحلال والحرام، كما يظن ذلك من يقتصر على قراءة بعض ~~المختصرات في ذلك، ويكتفي به في هذا العلم الجليل. ولأمر ما كان أئمة ~~الحديث الراسخون أركان الإيمان في الثبوت عند الفتن والامتحان". ا. ه. # وقال العارف الشعراني قدس سره في العهود الكبرى: "أخذ علينا العهد العام ~~من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن لا نتهور في رواية الحديث بل نتثبت ~~في كل حديث نرويه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا نرويه عنه إلا إن ~~كان لنا به رواية صحيحة" ثم قال قدس سره: "واعلم يا أخي أن أكثر من يقع في ~~خيانة هذا العهد المتصوفة الذين لا ms112 قدم لهم في الطريق فربما رووا عن رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- ما ليس من كلامه لعدم ذوقهم، وعدم فرقانهم بين ~~كلام النبوة، وكلام غيرها، وسمعت شيخنا شيخ الإسلام زكريا رحمه الله يقول ~~إنما قال بعض المحدثين: أكذب الناس الصالحون لغلبة سلامة بواطنهم فيظنون ~~بالناس الخير، وأنهم لا يكذبون على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فمرادهم ~~بالصالحين المتعبدون الذي لا غوص لهم في علم البلاغة، فلا يفرقون بين كلام ~~النبوة، وغيره بخلاف العارفين فإنهم لا يخفى عليهم ذلك". ا. ه. ### | 8- # هل يمكن معرفة الموضوع بضابط من غير نظر في سنده؟ # سئل الإمام شمس الدين ابن قيم الجوزية: هل يمكن معرفة الحديث الموضوع ~~بضابط من غير أن ينظر في سنده؟ فقال: "هذا سؤال عظيم القدر، وإنما يعرف ذلك ~~من تضلع في معرفة السنن الصحيحة، وخلطت بلحمه، ودمه وصار له فيها ملكة، ~~واختصاص شديد بمعرفة السنن والآثار، ومعرفة سيرة رسول الله عليه الصلاة ~~والسلام، وهديه فيما يأمير به وينهى عنه، ويخبر عنه، ويدعو إليه ويحبه ~~ويكرهه ويشرعه للأمة بحيث كأنه مخالط له عليه الصلاة والسلام بين أصحابه ~~الكرام فمثل هذا يعرف من أحواله وهديه وكلامه وأقواله وأفعاله وما يجوز أن ~~يخبر به وما لا يجوز ما لا يعرفه غيره، وهذا شأن كل متبوع # PageV01P164 # مع تابعه، فإن للأخص به، الحريص على تتبع أقواله وأفعاله، من العلم بها، ~~والتمييز بين ما يصح أن ينسب إليه وما لا يصح، ليس كمن لا يكون كذلك. وهذا ~~شأن المقلدين مع أئمتهم، يعرفون من أقوالهم ونصوصهم ومذاهبهم وأساليبهم ~~ومشاربهم ما لا يعرفه غيرهم". ثم أورد جملة مما روي في ذلك "انظر الموضوعات ~~لملا علي القاري". # وقال ابن دقيق العيد: "كثيرا ما يحكمون بالوضع باعتبار أمور ترجع إلى ~~المروي، وألفاظ الحديث. وحاصلة يرجع إلى أنه حصلت لهم لكثرة محاولة ألفاظ ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- هيئة نفسانية وملكة قوية عرفوا بها ما يجوز أن ~~يكون من ألفاظ النبوة وما لا يجوز". # وقد روى الخطيب عن الربيع بن خيثم التابعي الجليل ms113 قال: "إن للحديث ضوءا ~~كضوء النهار يعرف وظلمة كظلمة الليل تنكر". # ونحوه قول ابن الجوزي: "الحديث المنكر يقشعر منه جلد طالب العلم، وينفر ~~منه قلبه" يعني الممارس لألفاظ الشارع الخبير بها وبرونقها وبهجتها. ### | 9- # بيان أن للقلب السليم إشرافا على معرفة الموضوع: # قال أبو الحسن علي بن عروة الحنبلي في "الكواكب": # فصل: القلب إذا كان نقيا نظيفا زاكيا، كان له تمييز بين الحق والباطل، ~~والصدق والكذب، والهدي والضلال، ولا سيما إذا كان قد حصل له إضاءة وذوق من ~~النور النبوي، فإنه حينئذ تظهر له خبايا الأمور، ودسائس الأشياء والصحيح من ~~السقيم ولو ركب على متن ألفاظ موضوعة على الرسول إسناد صحيح، أو على متن ~~صحيح إسناد ضعيف لميز ذلك وعرفه، وذاق طعمه وميز بين غثه وسمينه وصحيحة ~~وسقيمه فإن ألفاظ الرسول لا تحفى على عاقل ذاقها، ولهذا قال النبي -صلى ~~الله عليه وسلم: "اتقوا فراسه المؤمن فإنه ينظر بنور الله". رواه الترمذي ~~من حديث أبي سعيد وقال جماعة من السلف في قوله تعالى: {إن في ذلك لآيات ~~للمتوسمين} 1 أي للمتفرسين، وقال معاذ بن جبل PageV01P165 # "إن للحق منارا كمنار الطريق". وإذا كان الكفار لما سمعوا القرآن في حال ~~كفرهم قالوا: "إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوه، وإن أسفله لمغدق وإن أعلاه ~~لمورق وإن له لثمرة، وإن له في القلوب لصولة ليست بصوله مبطل! " فما الظن ~~بالمؤمن التقي النقي، الذي له عقل تام عند ورود الشبهات، وبصر نافذ عند ~~ورود الشهوات؟ قال بعض السلف: "إن العبد ليهم بالكذب فأعرف مراده قبل أن ~~يتمم" وقد قال تعالى: {ولتعرفنهم في لحن القول} 1 وقد كان عمر بن الخطاب له ~~حظ من ذلك كقصته2 مع سواد بن قارب وغيره. فإن القلب الصافي له شعور بالزيغ ~~والانحراف في الأفعال والأعمال. فإذا سمع الحديث عرف مخرجه من أين، وإن لم ~~يتكلم فيه الحفاظ وأهل النقد. فمن كانت أعماله خالصة لله موافقة للسنة ميز ~~بين الأشياء، كذبها وصدقها، بشواهد تظهر له على صفحات الوجوه وفلتات ~~الألسنة. قال شاه ms114 الكرماني: "من عمر باطنة بدوام المراقبة وظاهره باتباع ~~السنة، وغض بصره عن المحارم، وعود نفسه أكل الحلال لم تخطئ له فراسة فالله ~~سبحانه هو الذي يخلق الرعب والظلمة في قلوب الكافرين، والنور والرهان في ~~قلوب المتقين، ولهذا ذكر الله آية النور عقيب غض النظر، وكف النفس عن ~~المحارم. وكذلك إذا كان العبد صدوق اللسان، كان أقوى له وأتم على معرفة ~~الأكاذيب والموضوعات فإن الجزاء من جنس العمل، فيثيب الله الصدوق ويجد ~~للكذب مضاضة ومرارة ينبو عنها سمعه ولا يقبلها عقله". ولما قدم وفد هوازن ~~على النبي -صلى الله عليه وسلم- مسلمين وسألوه أن يرد عليهم سبيهم ومالهم ~~قال لهم: "أحب الحديث إلى أصدقه" 3 ولهذا كان كعب بن مالك، بعد أن عمي، إذا ~~تلكم الرجل بين يديه بالكذب يقول له: "اسكت، إني لأجد من فيك رائحة الكذب! ~~" إذا سمع حديثا مكذوبا، عرف كذبه وذلك أنه أجمع الصدق لرسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- لما قدم من غزوة تبوك وأنزل الله عز وجل {يا أيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} 4 فإن الله سبحانه يلهم الصادق الذكي ~~معرفة الصدق PageV01P166 # من الكذب كما في الحديث: "الصدق طمأنينة، والكذب ريبة" وقال لوابصة: ~~"استفت قلبك" 1 وقد ترك النبي أمته على البيضاء ليلها كنهارها، وهذا من أدل ~~الأشياء على ما قلنا. وإنما يؤتى الإنسان ويدخل الزيف عليه والباطل من نقص ~~متابعته للرسول، بخلاف المؤمن المحسن المتبع له في أقواله وأفعاله فإن ~~أقوال الرسول عليها جلالة ولها ناموس، ولقد رأيت رجلا إذا سمع حديثا مرويا ~~عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وكان ليس مما قاله يرده ويقول: "هذا موضوع ~~أو ضعيف أو غريب" من غير أن يسمع في ذلك بشيء فيكشف عنه، فإذا هو كما قال ~~وكان قل أن يخطئ في هذا الباب فإذا قيل له من أين لك هذا؟ يقول كلام الرسول ~~عليه جلالة وفيه فحولة ليست لغيره من الناس وكذلك كلام أصحابه وكنت أكشف ~~عما يقول فأجده غالبا كما قال، وكان من أتبع الناس ms115 للسنة وأقلاهم للبدع ~~والأهواء وكذلك كان يقع هذا كثيرا، فإن الدين هو فعل ما أمر الله به وترك ~~ما نهى عنه، فمن تلبس في باطنه بالإخلاص والصدق، وفي ظاهره بالشرع لانت له ~~الأشياء ووضحت على ما هي عليه عكس حال أهل الضلال والبدع الذين يتكلمون ~~بالكذب والتحريف، فيدخلون في دين الله ما ليس منه وانظر ألفاظ القرآن لما ~~كانت محفوظة منقولة بالتواتر لم يطمع مبطل ولا غيره في إبطال شيء منه ولا ~~في زيادة شيء بخلاف الحديث فإن المحرفين والوضاعين تصرفوا فيه بالزيادة ~~والنقصان والكذب والوضع في متونه وأسانيده، ولكن أقام الله به من ينفي عنه ~~تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ويحميه من وضع الوضاعين ~~فبينوا ما أدخل أهل الكذب والوضع فيه وأهل التحريف في معانيه كمن صنف في ~~الصحيح كالبخاري ومسلم وابن خزيمة وكذلك أهل المساند كمسند أحمد ونحوه ~~وكمالك وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وغيرهم من تكلم على ~~الحديث، وكذلك الذين تكلموا على الرجال وأسانيدها: PageV01P167 # كيحيى بن سعيد الأنصاري ويحيى القطان وشعبة وسفيان وابن معين وابن ~~المدايني وابن مهدي وغيرهم فهؤلاء وأمثالهم أهل الذب عن أحاديث رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- عكس حال من صنف كتبا فيها من الموضوعات شيء كثير، وهو ~~لا يميز ولا يعرف الموضوع والمكذوب من غيره فيجيء الغر الجاهل فيرى حديثا ~~في كتاب مصنف فيغتر به وينقله وهؤلاء كثير أيضا مثل مصنف كتاب: "وسيلة ~~المتعبدين" الذي صنفه الشيخ عمر الموصلي ومثل: "تنقلات الأنوار" للبكري ~~الذي وضع فيه من الكذب ما لا يخفى على من له أدنى مسكة عقل، بل قد أنكر ~~العلماء على أهل التصوف كثيرا مما ذكروه في كتبهم من الأحاديث التي يعلمون ~~أنها من الموضوعات، ومن تفاسير آيات يعلمون أنها مخالفة مع أنهم قوم أحبوا ~~الأعمال، وكذلك أهل التفسير يضعون في تفاسيرهم أحاديث مكذوبة، وكذلك كثير ~~من الفقهاء يستدلون في كتبهم على المسائل بأحاديث ضعيفة أو مكذوبة، ومن لم ~~يميز يقع في غلط عظيم فالله المستعان، وقد فرق ms116 الله بين الحق والباطل بأهل ~~النور والإيمان والنقد العارفين بالنقل والذائقين كلام الرسول بالعقل، وقد ~~صنفوا في ذلك كتبا في الجرح والتعديل فهذا العلم مسلم لهم ولهم فيه معارف ~~وطرق يختصون بها. وقد قال الإمام أحمد: "ثلاثة علوم ليس لها أصل: المغازي ~~والملاحم والتفسير" ومعنى ذلك أن الغالب عليها أنها مرسلة وكذلك: "قصص ~~الأنبياء" للثعلبي فيها ما فيها. والمقصود أن الصادق تمر به أحاديث يقطع ~~قلبه بأنها موضوعة أو ضعيفة. # قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية: "القلب المعمور بالتقوى إذا رجح ~~بمجرد رأيه فهو ترجيح شرعي" قال: "فمتي ما وقع عنده وحصل في قلبه ما يظن ~~معه أن هذا الأمر أو هذا الكلام أرضى الله ورسوله كان ترجيحا بدليل شرعي، ~~والذين أنكروا كون الإلهام ليس طريقا إلى الحقائق مطلقا أخطئوا؛ فإذا اجتهد ~~العبد في طاعة الله وتقواه، كان ترجيحه لما رجح أقوى من أدلة كثيرة ضعيفة ~~فإلهام هذا دليل في حقه، وهو أقوى من كثير من الأقيسة الضعيفة والموهومة ~~والظواهر والاستصحابات الكثيرة التي يحتج بها # PageV01P168 # كثير من الخائضين في المذاهب والخلاف وأصول الفقه. وقد قال عمر بن ~~الخطاب: "اقربوا من أفواه المطيعين، واسمعوا منهم ما يقولون فإنهم تتجلى ~~لهم أمور صادقة" وحديث مكحول المرفوع: "ما أخلص عبد العبادة لله تعالى ~~أربعين يوما إلا أجرى الله الحكمة على قلبه، وأنطق بها لسانه"1 وقال أبو ~~سليمان الداراني: "إن القلوب إذا أجمعت على التقوى جالت في الملكوت، ورجعت ~~إلى صاحبها بطرف الفوائد من غير أن يؤدي إليها عالم علما" وقد قال النبي: ~~"الصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء" 2 ومن معه نور وبرهان وضياء كيف لا ~~يعرف حقائق الأشياء من فحوى كلام أصحابها، ولا سيما الأحاديث النبوية فإنه ~~يعرف ذلك معرفة تامة لأنه قاصد العمل فتتساعد في حقه هذه الأشياء مع ~~الاقتداء ومحبة الله ورسوله حتى إن المحب يعرف من فحوى كلام محبوبه مراده ~~تلويحا لا تصريحا: # والعين تعرف من عيني محدثها ... إن كان من حزبها أو من أعاديها # وقد قيل: # إنارة ms117 العقل مكسوف بطوع هوى ... وعقل عاصي الهوى يزداد تنويرا # وفي الحديث الصحيح: "لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا ~~أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله ~~التي يمشي بها" 3 ومن كان توفيق الله له كذلك، فكيف لا يكون ذا بصيرة نافذة ~~ونفس فعالة، وإذا كان الإثم والبر في صدور الخلق له تردد وجولان فكيف حال ~~من الله سمعه وبصره، وهو في قلبه. وقد قال ابن مسعود: "الإثم حزاز القلوب" ~~وقد قدمنا أن: "الكذب ريبة والصدق طمأنينة" فالحديث الصدق تطمئن إليه النفس ~~ويطمئن إليه القلب وأيضا فإن الله فطر عبادة على الحق فإذا لم تستحل ~~PageV01P169 # الفطرة، شاهدت الأشياء على ما هي عليه فأنكرت منكرها، وعرفت معروفها. قال ~~عمر: "الحق أبلج لا يخفى على فطن" فإذا كانت الفطرة مستقيمة على الحقيقة ~~منورة بنور القرآن تجلت لها الأشياء على ما هي عليه في تلك المرايا، ~~وانقشعت عنها ظلمات الجهالات فرأت الأمور عيانا مع غيبها عن غيرها، وفي ~~السنن والمسند، وغيره عن النواس بن سمعان عن النبي قال: "ضرب الله مثلا ~~صراطا مستقيما، وعلى جنبتي الصراط سوران، وفي السورين أبواب مفتحة، وعلى ~~الأبواب ستور مرخاة، وداع يدعو على رأس الصراط، وداع يدعو من فوق فالصراط ~~المستقيم هو الإسلام، والستور المرخاة حدود الله والأبواب المفتحة محارم ~~الله فإذا أراد العبد أن يفتح بابا من تلك الأبواب ناداه المنادى يا عبد ~~الله لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه؛ والداعي على رأس الصراط كتاب الله، ~~والداعي فوق الصراط، واعظ الله في قلب كل مؤمن" فقد بين هذا الحديث العظيم ~~الذي من عرفه انتفع به انتفاعا بالغا إن ساعده التوفيق، واستغنى به عن علوم ~~كثيرة أن في قلب كل مؤمن واعظا والوعظ هو الأمر والنهى والترغيب والترهيب، ~~وإذا كان القلب معمورا بالتقوى انجلت له الأمور وانكشفت بخلاف القلب الخراب ~~المظلم قال حذيفة بن اليمان: "إن في قلب المؤمن سراجا يزهر" وفي الحديث ~~الصحيح: "إن الدجال مكتوب بين ms118 عينيه: "كافر" يقرؤه كل مؤمن قارئ وغير قارئ" ~~1 فدل على أن المؤمن يتبين له ما لا يتبين، ولا سيما في الفتن وينكشف له ~~حال الكذاب الوضاع على الله ورسوله. فإن الدجال أكذب خلق الله مع أن الله ~~يجري على يديه أمورا هائلة، ومخاريق مزلزلة؛ حتى إن من رآه افتتن به؛ ~~فيكشفها الله للمؤمن حتى يعتقد كذبها وبطلانها. وكلما قوي الإيمان في القلب ~~قوي انكشاف الأمور له، وعرف حقائقها من بواطلها، وكلما ضعف الإيمان ضعف ~~الكشف. وذلك مثل السراج القوي والسراج الضعيف في البيت المظلم ولهذا قال ~~بعض السلف في PageV01P170 # قوله1: {نور على نور} قال: "هو المؤمن ينطق بالحكمة المطابقة للحق، وإن ~~لم يسمع فيها بالأثر، فإذا سمع فيها بالأثر، كان نورا على نور" فالإيمان ~~الذي في قلب المؤمن يطابق نور القرآن فالإلهام القلبي تارة يكون من جنس ~~القول والعلم، والظن أن هذا القول كذب وأن هذا العمل باطل وهذا أرجح من هذا ~~وأصوب، وفي الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "قد كان في ~~الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي فيهم أحد فعمر" 2. والمحدث هو الملهم ~~المخاطب في سره، وما قال عمر لشيء إني لأظنه كذا وكذا إلا كان كما ظنه ~~وكانوا يرون أن السكينة تنطق على قلبه ولسانه أيضا، فإذا كانت الأمور ~~الكونية تنكشف للعبد المؤمن لقوة إيمانه يقينا وظنا فالأمور الدينية كشفها ~~له أيسر بطريق الأولى فإنه إلى كشفها أحوج فالمؤمن تقع في قلبه أدلة على ~~الأشياء لا يمكنه التعبير عنها في الغالب فإن كل أحد لا يمكنه إبانه ~~المعاني القائمة بقلبه فإذا تكلم الكاذب بين يدي الصادق عرف كذبه من فحوى ~~كلامه فتدخل عليه نخوة الحياء الإيماني فتمنعه البيان، ولكن هو في نفسه قد ~~أخذ حذره منه، وربما لوح أو صرح به خوفا من الله وشفقة على خلق الله ~~فيحذرون من روايته أو العمل به، وكثير من أهل الإيمان والكشف يلقي الله في ~~قلبه أن هذا الطعام حرام، وأن هذا الرجل كافر، أو فاسق، ms119 أو ديوث، أو لوطي، ~~أو خمار، أو مغن، أو كاذب من غير دليل ظاهر بل بما يلقي الله في قلبه، ~~وكذلك بالعكس يلقي في قلبه حجة لشخص، وأنه من أولياء الله تعالى وأن هذا ~~الرجل صالح وهذا الطعام حلال، وهذا القول صدق فهذا وأمثاله لا يجوز أن ~~يستبعد في حق أولياء الله المؤمنين المتقين، وقصة الخضر مع موسى هي من هذا ~~الباب، وأن الخضر علم هذه الأحوال المغيبة بما أطلعه الله عليه، وهذا باب ~~واسع يطول بسطه وقد نبهنا فيه على نكت شريفة تطلعك على ما وراءها. ~~والمقصود: أن الحديث الموضوع يعرف كونه موضوعا إما بإقرار واضعه أو بركاكة ~~لفظه أو غير ذلك. وقد أشرنا فيما PageV01P171 # كتبنا فيما تقدم أن أهل الإيمان والتقوى والصدق والإخلاص لهم اطلاعات ~~وكشف وفراسات وإلهامات يلقيها الله في قلوبهم يعرفون بها صدق الصادق وكذب ~~الكاذب ووضع الوضاعين وصحيح الأخبار وكاذبها، وقد كان أبو سليمان الداراني ~~يسمي أحمد بن عاصم الأنطاكي: "جاسوس القلب" لحدة فراسته فعليك يا أخي ~~بالصدق وإياك والكذب فإنه يجانب الإيمان، والله سبحانه أعلم بالصواب وإليه ~~المنقلب والمآب والحمد لله رب العالمين" انتهى كلام الإمام ابن عروة ~~الحنبلي الدمشقي، رحمه الله تعالى. ### | 10- # الكلام على حديث من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار: # أعلم أن حديث: "من كذب علي ... " في غاية الصحة ونهاية القوى حتى أطلق ~~عليه جماعة أنه متواتر ونوزع بأن شرط التواتر استواء طرفيه وما بينهما في ~~الكثرة وليست موجودة في كل طريق بمفردها أجبيب بأن المراد من إطلاق كونه ~~متواترا رواية المجموع من المجموع من ابتدائة إلى انتهائه في كل عصر، وهذا ~~كاف في إفادة العلم، وقد رواه عن أنس العدد الكثير وتواترت عنهم الطرق، ~~ورواه عن علي -رضي الله عنه- ستة من مشاهير التابعين، وثقاتهم والعدد ~~المعين لا يشترط في التواتر بل ما أفاده العلم كاف، والصفات العلية في ~~الرواة تقوم مقام العدد أو تزيد عليه، ولا سيما قد روي هذا الحديث عن جماعة ~~كثيرين من الصحابة فحكى الإمام أبو ms120 بكر الصيرفي في شرحه لرسالة الشافعي أنه ~~قد روي عن أكثر من ستين صحابيا مرفوعا، وقال بعض الحفاظ إنه قد روي عن ~~اثنين وستين صحابيا، وفيهم العشرة المبشرة وقال: "ولا يعرف حديث اجتمع على ~~روايته العشرة المبشرة إلا هذا، ولا حديث يروى عن أكثر من ستين صحابيا إلا ~~هذا" وقال بعضهم إنه رواه مائتان من الصحابة، وقد اعتنى جماعة من الحفاظ ~~بجمع طرقه فقال إبراهيم الحربي إنه ورد من حديث أربعين من الصحابة، وكذا ~~قال أبو بكر البزار وجمع طرقه أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد فزاد قليلا ~~وجمعها الطبراني فزاد قليلا، وقال أبو القاسم # PageV01P172 # بن منده. رواه أكثر من ثمانين نفسا، وجمع طرقه ابن الجوزي في مقدمة كتاب ~~الموضوعات فجاوز التسعين، وبذلك جزم ابن دحية ثم جمعها الحافظان يوسف بن ~~خليل الدمشقي، وأبو علي البكري، وهما متعاصران فوقع لك منهما ما ليس عند ~~الآخر، وتحصل من مجموع ذلك كله رواية مائة من الصحابة -رضي الله عنهم- وقال ~~ابن الصلاح: "ثم لم يزل عدده في ازدياد، وهلم جرا على التوالي والاستمرار، ~~وليس في الأحاديث ما في مرتبته من التواتر" وقيل لم يوجد في الحديث مثال ~~للمتواتر إلا هذا، وقال ابن دحية قد أخرج من نحو أربعمائة طريق "كذا في ~~عمدة القاري للعيني" وهو خلاصة ما قرره الحافظ ابن حجر في الفتح قال الحافظ ~~في هذا الحديث: "أخرجه البخاري من حديث المغيرة، وعبد الله بن عمرو وواثلة، ~~واتفق مسلم معه على تخريجه عن علي وأنس وأبي هريرة والمغيرة وأخرجه مسلم من ~~حديث أبي سعيد أيضا وصح في غير الصحيحين من حديث ثلاثين من الصحابة، وورد ~~أيضا عن نحو خمسين من غيرهم بأسانيد ضعيفة، وعن نحو من عشرين بأسانيد ساقطة ~~ثم بين رحمه الله من اعتنى بجمعه كما تقدم. # وقوله -صلى الله عليه وسلم: "فليتبوأ مقعده من النار" أي فليتخذ لنفسه ~~منزلا. # يقال تبوأ الدار إذا اتخذها مسكنا وهو أمر معناه الخبر يعني فإن الله ~~يبوئه، وتعبيره بصيغة الأمر للإهانة، ولذا قيل ms121 الأمر فيه للتهكم أو التهديد ~~إذ هو أبلغ في التغليظ والتشديد من أن يقال كان مقعدة في النار، ومن ثم كان ~~ذلك كبيرة بل قال الشيخ أبو محمد الجويني إنه كفر يعني لأنه يترتب عليه ~~الاستخفاف بالشريعة، ويؤخذ من الحديث أن من قرأ حديثه وهو يعلم أنه يلحن ~~فيه سواء كان في أدائه أو إعرابه يدخل في هذا الوعيد الشديد لأنه بلحنه ~~كاذب عليه، وفيه إشارة إلى أن من نقل حديثا وعلم كذبه يكون مستحقا للنار ~~إلا أن يتوب لا من نقل عن راو عنه عليه الصلاة والسلام أو رأى في كتاب، ولم ~~يعلم كذبه قال الطيبي: "فيه إيجاب التحرز عن الكذب على رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- بأنه لا يحدث عنه إلا بما يصح بنقل الإسناد" قال ابن حجر: "وما ~~أوهمه كلام شارح من حرمة التحديث بالضعيف مطلقا مردود". ا. ه. والظاهر أن # PageV01P173 # مراد الطيبي بقوله: "إلا بما يصح" الصحة اللغوية التي بمعنى الثبوت لا ~~الاصطلاحية، وإلا لأوهم حرمة التحديث بالحسن أيضا، ولا يحسن ذلك ولا يظن به ~~هذا إذ من المعلوم أن أكثر الأحاديث الدالة على الفروع حسان، ومن المقرر أن ~~الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال فيتعين حمل كلامه على ما ذكرناه، ~~وكلامه أيضا مشعر بذلك إذ لم يقل: "بنقل الإسناد الصحيح" ولكنه موهم أنه لا ~~بد من ذكر الإسناد وليس كذلك لأن المراد أنه لا يحدث عنه إلا بما ثبت عنه، ~~وذلك الثبوت إنما يكون بنقل الإسناد وفائدته أنه لو روى عنه ما يكون معناه ~~صحيحا، لكن ليس له إسناد فلا يجوز أن يحدث به عنه واللام في الإسناد للعهد ~~أي الإسناد المعتبر عند المحدثين، وإلا فقد يكون للحديث الموضوع إسناد أيضا ~~قال عبد الله بن المبارك: "الإسناد من الدين ولو الإسناد لقال من شاء ما ~~شاء" قال ابن حجر: "ولكون الإسناد يعلم به بالموضوع من غيره كانت معرفته من ~~فروض الكفاية قيل: "بلغوا عني" يحتمل وجهين: أحدهما اتصال السند بنقل الثقة ~~عن مثله إلى ms122 منتهاه لأن التبليغ من البلوغ وهو إنهاء الشيء إلى غايته، ~~والثاني: أداء اللفظ كما سمع من غير تغيير، والمطلوب في الحديث كلا ~~الوجهين". "كذا في مرقاة المفاتيح". # تنبيه: قال الحافظ ابن حجر رحمه الله، في الفتح في شرح حديث البخاري عن ~~علي -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تكذبوا علي ~~فإنه من كذب علي فليلج النار" معناه: لا تنسبوا الكذب إلي، ولا مفهوم ~~لقوله: "علي" لأنه لا يتصور أن يكذب له لنهيه عن مطلق الكذب. وقد اعتز قوم ~~من الجهلة فوضعوا أحاديث في الترغيب والترهيب وقالوا: "نحن لم نكذب عليه، ~~بل فعلنا ذلك لتأييد شريعته" وما دروا أن تقويله -صلى الله عليه وسلم- ما ~~لم يقل يقتضي الكذب على الله تعالى؛ لأنه إثبات حكم من الأحكام الشرعية، ~~سواء كان في الإيجاب أو الندب، وكذا مقابلهما وهو الحرام والمكروه. ولا ~~يعتد بمن خالف ذلك من الكرامية، حيث جوزوا وضع الكذب في الترغيب والترهيب، ~~في تثبيت ما ورد في القرآن والسنة واحتج بأنه كذب له لا عليه، وهو جهل ~~باللغة العربية. # PageV01P174 # وتمسك بعضهم بما ورد في بعض طرق الحديث من زيادة لم تثبت، وهي ما أخرجه ~~البزار من حديث ابن مسعود بلفظ: "من كذب علي ليضل به الناس ... " الحديث ~~وقد اختلف في وصله وإرساله، ورجح الدارقطني والحاكم إرساله، وأخرجه الدارمي ~~من حديث يعلي بن مرة بسند ضعيف وعلى تقرير ثبوته فليست اللام فيه للعلة بل ~~للصيرورة كما فسر قوله تعالى1: {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل ~~الناس} . والمعنى أن مآل أمره إلى الإضلال، أو هو من تخصيص بعض أفراد ~~العموم بالذكر، فلا مفهوم له كقوله تعالى2: {لا تأكلوا الربا أضعافا ~~مضاعفة، ولا تقتلوا أولادكم من إملاق} فإن قتل الأولاد ومضاعفة الربا ~~والإضلال في هذه الآيات إنما هو لتأكيد الأمر فيها لا اختصاص الحكم". ا. ه. ### | 11- # بيان أنه ليس كل حديث في باب الترغيب تحدث به العامة: # ترجم لهذا المقصد المهم الإمام البخاري في صحيحه بقوله: "باب من خص ms123 ~~بالعلم أقواما دون قوم، كراهية أن لا يفهموا" ثم قال: قال علي -رضي الله ~~عنه- حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ ثم أسند عن أنس ~~بن مالك أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومعاذ رديفه على الرحل قال: "يا ~~معاذ بن جبل" قال: لبيك يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسعديك! " قال: ~~"يا معاذ" قال: "لبيك يا رسول الله وسعديك! ثلاثا؛ "ما من أحد يشهد أن لا ~~إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا حرمه الله على ~~النار" وقال: "يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أفلا أخبر به الناس ~~فيستبشروا" قال: "إذا يتكلوا" وأخبر بها معاذ عند موته تأثما وروى مسلم أن ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر أبا هريرة أن يبشر بذلك الناس، فلقيه عمر ~~فدفعه وقال: ارجع يا أبا هريرة ودخل على أثره فقال: "يا رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- لا تفعل فإني أخشى أن يتكل الناس فخلهم يعملون" فقال: ~~"فخلهم". PageV01P175 # وسبق في الثمرة التاسعة1 في بحث الصحيح شذرة من هذا البحث الجليل فتذكر. # وقد توسع فيه وأجاد صديقنا مؤلف كتاب أشهر مشاهير الإسلام2 بقوله تحت ~~عنوان ما كل حديث تحدث به العامة، وندم أبي عبيدة على نقله الحديث لعامة ~~الناس ما صورته: "كل مسلم أكتنه كنه الدين الإسلامي، ووقف على حكمه ~~وأسراره، يرى من آياته العظمى في الترغيب، والترهيب، ما لو أحسن استعماله ~~ووضع في موضعه، لكفى لإزعاج النفوس الشريرة عن مواطن الرذيلة مهما التصقت ~~بها وأمعنت فيها، ولجعل النفوس البارة نورا على نور، وألبسها من الفضيلة ~~لباسا لا يصيبه بلى، وقد جاء الكتاب الكريم بالترغيب ليكون باعثا للنفوس ~~على العمل الصالح رجاء الثواب الأخروي الذي أعده الله لعباده الصالحين لا ~~ليكون لاستدراج النفوس في مدارج الاستباحة طمعا في عفو الله لهذا جاء بإزاء ~~الترغيب بالترهيب لترسم على صفحات النفوس صورة العقاب، كما ارتسمت صورة ~~الثواب فيكون لها منها داع إلى الخير يذكرها بالثواب، ويمكن منها الرغبة ~~فيه لا إلى حد الطمع، ms124 والغرور ثم الاستدراج في الشرور وزاجر عن الشر يذكرها ~~بالعقاب، ويمكن منها الرهبة منه لا إلى حد الانقطاع إلى تقويم أود النفس ~~وتعطيل وظائف الحياة ولا إلى حد اليأس والقنوط ثم الاسترسال في الشهوات ~~واقتراف المنكرات على ذلك الأساس بني الترغيب والترهيب في الإسلام وكل ما ~~جاء منه في الحديث النبوي فالمراد منه عين ما أراده القرآن، ولكن ما الحيلة ~~وقد أولع كثير من علماء المسلمين بالإفراط في الوعظ ترغيبا وترهيبا وحملوا ~~عامة الناس على طريقتهم في فهم الدين فأكثروا من حمل الحديث وروايته دون ~~التفهم له والعلم بمقاصده ووضع كل شيء منه في محله، والتفريق بين صحيحه ~~وموضوعه حتى أغروا العامة بعقيدة الإباحة لكثرة ما يروون لهم من أحاديث ~~الترغيب ولو موضوعه كفضائل الصيام والصلاة وفضائل الشهور والأيام وفضائل ~~التلاوات وجلها -إن لم نقل كلها- من PageV01P176 # الموضوع الذي تستدرج به العامة للاستباحة لاعتقادهم بأن من صام كذا غفر ~~له من السيئات كذا وكذا ومن تنفل بيوم كذا محيت سيئاته إلى كذا. ولقد بلغ ~~ببعضهم سوء الفهم للدين أن جعلوا لبعض القصائد النبوية من الفضائل ما لم ~~يجعلوه للقرآن فقالوا إن البيت الفلاني منها لشفاء الأسقام، والآخر لمحو ~~الذنوب والآثام والثالث للنجاة من ظلم الحكام فليت شعري إذا اعتقد العامي ~~أن تلاوة بيت من قصيد يكفي لمحو كل ما يقترفه في يومه من الآثام فإلى أية ~~درجة ينتهى فساد أخلاقه وشرور نفسه، وماذا ينفعه القرآن بأوامره ونواهيه ~~ووعده ووعيده وحكمه وأحكامه اللهم إن هذا لغاية الاستهانة بالدين والجهل ~~بمقاصد الإسلام، ومنشؤه اضطراب الأفهام، وتلبس الحقائق بالأوهام منذ أخذ ~~الوضاعون بالكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأدخلوا في الدين ما ~~ليس منه يضاف إليه الإكثار من حمل الحديث على غير تفقه فيه، ووضع له في ~~مواضعه التي أرادها الشارع وقصدها الإسلام، ولو تتبع العلماء سيرة الصحابة ~~الكرام سيما خاصهم الذين لازموا النبي وفهموا هذا الدين حق الفهم لرأوا كيف ~~أنهم كانوا يقلون من رواية الحديث إلا للخاصة، أو ما تعلق منه ms125 بالأحكام حتى ~~بلغ بعمر -رضي الله عنه- أنه كان ينهى عن رواية الحديث ويقول: "عليكم ~~بالقرآن" وما ذلك إلا خوف الكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا ~~كثرت الرواية، والنقل وخوف افتنان العامة بما ليس لهم به علم، وبما لم ~~يتفقهوا فيه من الحديث. # "أبو عبيدة بن الجراح"، كان من خيرة الصحابة وعلى جانب من التفقه في ~~الدين والورع والتقوى دعا النبي -صلى الله عليه وسلم- لأن يسميه أمين هذه ~~الأمة وقد سمع من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حديثا ربما لم يسمعه منه ~~أحد من الصحابة، أو سمعه بعض الخاصة فرأى هذا الأمين أن يطوى هذا الحديث ~~بين الجوانح ويضن به، على العامة كما ضن به عليهم رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- لأن عقول العامة يلامسها الاغترار، ونفوسهم يلامسها الضعف وحب ~~الشهوات فهم بالوعيد أولى وبإلزامهم ظواهر الشرع أخرى، ولكن لما ألجأته ~~الضرورة القصوى وهو # PageV01P177 # محصور مع المسلمين في حمص، ورأى منهم فتورا عن الحرب لا لوهن في نفوسهم، ~~أو جبن أصابهم كلا! وإنما هو لرهبة الخالق التي تمكنت من أفئدتهم وقلوبهم ~~وإخافتهم من الموت، لا لذاته، بل لما بعده، فقام فخطب فيهم وتلا عليهم ذلك ~~الحديث وهو1: $"من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة" استحثاثا لهممهم، ~~وتخفيفا لروعهم مما بعد الموت، رجاء رحمه الله وعفوه عن ذنوب اقترفوها مما ~~دون الشرك إذا تابوا، وأنابوا قال لهم هذا وهو يظن أن هذا الحديث لا يتعدى ~~أسماعهم لاعتقاده أنهم إذا خرجوا لمكافحة الروم لا يبقى منهم أحد يحدث به، ~~أو يلابس نفسه أثر منه لكثرة من كان على حصارهم من جند الروم، ولما تم ~~الظفر للمسلمين ونجوا من براثن العدو ندم على أن حدثهم بذلك الحديث وخشي من ~~أن يعلق في نفوسهم شيء منه مع أنه علقه على التوبة، فقام وخطب فيهم فقال: ~~لا تتكلوا ولا تزهدوا في الدرجات فلو علمت أنه يبقى منا أحد لم أحدثكم بهذا ~~الحديث. وتالله إن قوما بلغ بهم الإيمان الصادق، واليقين الثابت ذلك المقام ms126 ~~مقام الرهبة من الله ومن الوقوف بين يدي قدرته بعد الموت لقوم عامتهم أعلم ~~بالدين وأخلص في اليقين من خاصتنا ذلك العصر وماذا يشترط في المحدثين وحملة ~~علوم الدين؟ ألا يشترط الوقوف على مقاصد الإسلام، والتفقه في الحديث والعلم ~~بحالة الخاطبين واجتناب الغلو معهم في الترغيب والترهيب، ومراعاة ما يلابس ~~عقولهم من القوة والضعف وأنى يتيسر هذا وقد نتج عن كثرة الرواية وحمل ~~الحديث بلا تفقه فيه زيغ العقول عن مقاصد الشرع واجتراء الكذابين على وضع ~~الحديث، وشحن الكتب الإسلامية بما لا يرضاه الله والرسول وهو ما كان يحذره ~~عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ولهذا نهى في عصره الذي هو خير العصور عن ~~الإكثار من رواية الحديث فما بالك بما يلي عصره من العصور؟ # "ذكر الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد البر القرطبي الأندلسي في كتابه: "جامع ~~بيان PageV01P178 # العلم وفضله"1 في باب ذكر من ذم الإكثار من الحديث دون التفهم له والتفقه ~~فيه ما نصه: "عن ابن وهب قال سمعت سفيان بن عيينه يحدث عن بيان عن عامر ~~الشعبي عن قرظة بن كعب قال: خرجنا نريد العراق فمشى معنا عمر إلى حرار ~~فتوضأ، فغسل اثنتين ثم قال: أتدرون لم مشيت معكم؟ قالوا: نعم، نحن أصحاب ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مشيت معنا فقال: إنكم تأتون أهل قرية لهم ~~دوي بالقرآن كدوي النحل فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جودوا القرآن ~~وأقلوا الرواية عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- امضوا وأن شريككم فلما ~~قدم قرظة قالوا: حدثنا قال: نهانا عمر بن الخطاب". # ثم قال ابن عبد البر بعد هذا بقليل ما نصه: "قول عمر، إنما كان لقوم لم ~~يكونوا أحصوا القرآن فخشي عليهم الاشتغال بغيره عنه؛ إذ هو الأصل لكل علم. ~~هذا معنى قول أبي عبيدة في ذلك ثم قال أيضا إن نهيه عن الإكثار، وأمره ~~بالإقلال من الرواية عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إنما كان خوف الكذب ~~على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وخوفا من أن يكونوا مع الإكثار يحدثون ~~بما ms127 لم يتيقنوا حفظه ولم يعوه؛ لأن ضبط من قلت روايته أكثر من ضبط ~~المستكثر، وهو أبعد من السهو والغلط الذي لا يؤمن مع الإكثار، فلهذا أمرهم ~~عمر من الإقلال من الرواية". ا. ه. ### | 12- # وجوب نعرف الحديث الصحيح من الموضوع: # لمن يطالع المؤلفات التي لم تميز بين صحيح الأحاديث وسقيمها: # قال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية رحمه الله تعالى في مكتوبة لجماعة ~~العارف الجليل الشيخ عدي بن مسافر رحمه الله تعالى في بعض فصوله2: وأنتم ~~-أصلحكم الله- قد من الله عليكم بالانتساب إلى الإسلام الذي هو دين الله ~~وعافاكم مما ابتلي به من خرج عن الإسلام من المشركين وأهل الكتاب وعافاكم ~~بانتسابكم إلى السنة من أكثر البدع المضلة PageV01P179 # مثل كثير من بدع الروافض والجهمية والخوارج والقدرية، بحيث جعل عندكم من ~~البغض لمن يكذب بأسماء الله وصفاته وقضائه، وقدره أو يسب أصحاب رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- ما هو من طريقة أهل السنة والجماعة. وهذا من أكبر نعم ~~الله على من أنعم عليه بذلك، فإن هذا تام الإيمان وكمال الدين؛ ولهذا أكثر ~~فيكم من أهل الصلاح والدين ما لا يوجد مثله في طرائف المبتدعين وفيكم من ~~أولياء الله المتقين من له لسان صدق في العالمين فإن قدماء المشايخ الذين ~~كانوا فيكم مثل الملقب بشيخ الإسلام أبي الحسن علي بن أحمد بن يوسف القرشي ~~الهكاري، وبعده الشيخ العارف القدرة عدي بن مسافر الأموي، ومن سلك سيبلهما ~~فيهم من الفضل والدين والصلاح والاتباع للسنة ما عظم الله به أقدارهم ورفع ~~به منارهم. # ثم قال: "والشيخ عدي قدس الله روحه، عقيدته المحفوظة عنه، لم يخرج فيها ~~عن عقيدة من تقدم من المشايخ الذين سلك سبيلهم، كالشيخ عبد الواحد ~~الشيرازي، وكشيخ الإسلام الهكاري ونحوهما. وهؤلاء المشايخ لم يخرجوا في ~~الأصول الكبار عن أصول أهل السنة، والجماعة بل كان لهم من الترغيب في أصول ~~أهل السنة، والدعاء إليها والحرص على نشرها، ومنابذة من خالفها مع الدين ~~والفضل والصلاح ما رفع الله به أقدارهم، وأعلى منارهم وغالب ما ms128 يقولونه في ~~أصولها الكبار جيد مع أنه لا بد وأن يوجد في كلامهم وكلام نظرائهم من ~~المسائل المرجوحة والدلائل الضعيفة كأحاديث لا تثبت ومقاييس لا تطرد ما ~~يعرفه أهل البصيرة وذلك أن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- لا سيما المتأخرون من الأمة الذين لم يحكموا معرفة الكتاب ~~والسنة والفقه فيهما ويميزوا بين صحيح الأحاديث وسقيمها وناتج المقاييس ~~وعقيمها مع ما ينضم إلى ذلك من غلبة الأهواء وكثرة الآراء وتغلظ الاختلاف ~~والافتراق وحصول العداوة والشقاق، فإن هذه الأسباب ونحوها مما يوجب قوة ~~الجهل والظلم اللذين نعت الله بهما الإنسان في قوله: {وحملها الأنسان إنه ~~كان ظلوما جهولا} 1 فإذا من الله على الإنسان بالعلم PageV01P180 # والعدل، أنقذه من هذا الضلال. وقد قال سبحانه: {والعصر، إن الإنسان لفي ~~خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} . وقد ~~قال تعالى: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا ~~يوقنون} 1. وأنتم تعلمون -أصلحكم الله- أن السنة التي يجب اتباعها، ويحمد ~~أهلها ويذم من خالفها هي سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أمور ~~الاعتقادات وأمور العبادات وسائر أمور الديانات. وذلك إنما يعرف بمعرفة ~~أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- الثابتة عنه في أقواله وأفعاله، وما ~~تركه من قول وعمل ثم ما كان عليه السابقون والتابعون لهم بإحسان، وذلك في ~~دواوين الإسلام المعروفة مثل صحيحي البخاري ومسلم وكتب السنن مثل سنن أبي ~~داود والنسائي وجامع الترمذي وموطأ الإمام مالك، ومثل المسانيد المعروفة ~~كمثل مسند الإمام أحمد وغيره ويوجد في كتب التفاسير والمغازي وسائر كتب ~~الحديث جملها وأجزائها من الآثار ما يستدل ببعضها على بعض، وهذا أمر قد ~~أقام الله له من أهل المعرفة من اعتنى به حتى حفظ الله الدين على أهله، وقد ~~جمع طوائف من العلماء الأحاديث والآثار المروية في أبواب عقائد أهل السنة ~~مثل حماد بن سلمة وعبد الرحمن بن مهدي وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ~~وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهم في طبقهم ومنها ما ms129 بوب عليه البخاري وأبو ~~داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم في كتبهم، ومثل مصنفات أبي بكر الأثرم وعبد ~~الله بن أحمد وأبي بكر الخلال وأبي القاسم الطبراني وأبي الشيخ الأصبهاني ~~وأبي بكر الآجري وأبي الحسن الدارقطني وأبي عبد الله بن منده وأبي القاسم ~~اللالكائي وأبي عبد الله بن بطة وأبي عمر الطلمنكي وأبي نعيم الأصبهاني ~~وأبي بكر البيهقي وأبي ذر الهروي، وإن كان يقع في بعض هذه المصنفات من ~~الأحاديث الضعيفة ما يعرفه أهل المعرفة. # "وقد يروي كثير من الناس في الصفات وسائر أبواب الاعتقادات وعامة أبواب ~~الدين أحاديث كثيرة تكون مكذوبة موضوعة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~وهي قسمان: PageV01P181 # منها ما يكون كلاما باطلا لا يجوز أن يقال فضلا عن أن يضاف إلى النبي ~~-صلى الله عليه وسلم. # والقسم الثاني: من الكلام، ما يكون قد قاله بعض السلف، أو بعض العلماء، ~~أو بعض الناس ويكون حقا أو مما يسوغ فيه الاجتهاد أو مذهبا لقائله فيعزى ~~إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وهذا كثير عند من لا يعرف الحديث مثل ~~المسائل التي وصفها الشيخ أبو الفرج عبد الواحد بن محمد بن علي الأنصاري ~~وجعلها محنة يفرق فيها بين السني والبدعي وهي مسائل معروفة عملها بعض ~~الكذابين، وجعل لها إسنادا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجعلها من ~~كلامه؛ وهذا يعلمه من له أدنى معرفة أنه مكذوب مفترى، وهذه المسائل وإن كان ~~غالبها موافقا لأصول السنة ففيها ما إذا خالفه الإنسان، لم يحكم بأنه مبتدع ~~مثل أول نعمة أنعم بها على عبده فإن هذه المسألة فيها نزاع بين أهل السنة ~~والنزاع فيها لفظي؛ لأن مبناها على أن اللذة يعتقبها ألم، هل تسمى نعمة أم ~~لا؟ وفيها أيضا أشياء مرجوحة. # والواجب: أن يفرق بين الحديث الصحيح والحديث الكذب، فإن السنة هي الحق ~~دون الباطل، وهي الأحاديث الصحيحة دون الموضوعة. فهذا أصل عظيم لأهل ~~الإسلام عموما ولمن يدعي السنة خصوصا. ا. ه. ### | 13- # بيان أنه لا عبرة بالأحاديث المنقولة في كتب الفقه والتصوف؛ ما لم ms130 يظهر ~~سندها وإن كان مصنفها جليلا: # قال العلامة ملا علي القاري في رسالة الموضوعات1: "حديث: من قضى صلاته من ~~الفرائض في آخر جمعة من رمضان، كان ذلك جابرا لكل صلاة فاتته في عمره إلى ~~سبعين سنة" باطل قطعا، ولا عبرة بنقل صاحب النهاية وغيره من بقية شراح ~~الهداية، فإنهم PageV01P182 # ليسوا من المحدثين ولا أسندوا الحديث إلى أحد من المخرجين. ا. ه. # وقال السيوطي في مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود، على حديث: "نهى أن يمتشط ~~أحدنا كل يوم ... " فإن قلت: "إنه -صلى الله عليه وسلم- كان يسرح لحيته كل ~~يوم مرتين، قلت: لم أقف على هذا بإسناد، ولم أر من ذكره إلا الغزالي في ~~الإحياء؛ ولا يخفى ما فيه من الأحاديث التي لا أصل لها". ا. ه. # وظاهر أنهم لم يوردوا ما أوردوا مع العلم بكونه موضوعا، بل ظنوه مرويا. ~~ونقد الآثار من وظيفة حملة الأخبار؛ إذ لكل مقام مقال ولكل فن رجال. ### | 14- # الرد على من يزعم تصحيح بعض الأحاديث بالكشف بأن مدار الصحة على السند: # في فتاوى العلامة الشيخ عليش رحمه الله ما مثاله: "وسئل عن حديث يس لما ~~قرئت له" هل هو صحيح وما يترتب على من شنع على من أنكر صحته أفيدوا الجواب؛ ~~فأجاب بما نصه: "الحمد لله؛ نص الحافظ السخاوي في كتابه: "المقاصد الحسنة ~~في الأحاديث المشتهرة على الألسنة" على أن هذا الحديث لا أصل له، وكذلك ~~سيدي محمد الزرقاني في مختصره، ويترتب على هذا المشنع المذكور الأدب الشديد ~~لتجرئه على التكلم بغير علم، والظاهر من حال هذا الرجل أنه جاهل جاف غليظ ~~الطبع لم يخالط أحدا من أهل العلم، ومثل هذا يخشى عليه مقت الله تعالى ~~لخوضه في الأحاديث بغير معرفة إذ من له معرفة لا ينكر المنصوص، وشدة الجهل ~~وضعف العقل وعدم الديانة توجب أكثر من ذلك والله أعلم. # وكتب على هذا السؤال أيضا الشيخ إبراهيم السقاء خطيب الأزهر ما نصه: ~~"الحمد لله؛ قرر الشعراني في كتابه البدر المنير، نقلا عن الحافظ السخاوي، ~~أن الحديث ms131 بهذا اللفظ لا أصل له ثم قال، وهو عند جماعة الشيخ إسماعيل ~~اليمني قطعي". ا. ه. # فهذا مما اختلف فيه الناس فلا يليق أن يرد على من أنكر صحته، فإن السخاوي ~~أنكرها، ولا يليق أن يرد على من قرره، فإن بعض الناس قد قرره كما سمعته عن # PageV01P183 # الشعراني وفضل: "يس" وكونها لقضاء الأغراض الدنيوية والأخروية، لا يتوقف ~~على هذا الحديث فإنه قد وردت به أحاديث أخر. هذا ما فتح الله به". # الفقير: # إبراهيم السقاء الشافعي عفى عنه. # قال جامع فتاوى الشيخ عليش رحمه الله ولما اطلع على هذا الجواب شيخنا أبو ~~يحيى "يعني الشيخ عليشا" كتب عليه ما نصه: "الحمد لله؛ من المعلوم لكل أحد ~~أن الأحاديث لا تثبت إلا بالأسانيد لا بنحو الكشف، وأنوار القلوب فما نقله ~~الشعراني عن جماعة سيدي إسماعيل اليمني إن كان المراد صحة اللفظ كما فهم ~~المفتي توقف الأمر على السند، وإلا رد القول على قائله كائنا من كان ودين ~~الله لا محاباة فيه، والولاية والكرامات لا دخل لها هنا إنما المرجع للحفاظ ~~العارفين بهذا الشأن، والحديث عندهم متفق على أنه لا أصل له فقد ذكره ملا ~~علي قاري وقال: قال السخاوي: لا أصل له، وقال في خطبة كتابه إنه لا يذكر ~~الحديث الثابت، ولا المختلف في، وضعه وإن كان المراد صحة معناه كما هو ~~اللائق بتحسين الظن بالسادة فهذا أمر قريب لأن من صح توكله وصدق إخلاصه إذا ~~دعا إلاله أجابه خصوصا إذ توسل بالقرآن ويقع مثل هذا في كلام الحفاظ فقد ~~قال أبو بكر بن العربي لما تكلم على حديث: "سورة المائدة نعمت الفائدة" أنا ~~أقول سورة المائدة نعمت الفائدة لكن اللفظ لم يرد". ا. ه. # إلا أن هذا غير ما نحن فيه فتعقب هذا المفتي على السخاوي بآخر عبارة ~~الشعراني في غير محله؛ لأنه مبني على ما فهم من إراده صحة اللفظ وقد علمت ~~أنه لا يصح لتوقفه على السند ولم يوجد؛ إذ لو وجد لعرفه الحفاظ، وذكروا ~~الحديث في كتبهم، وقوله: ms132 "فهذا مما اختلف فيه" فيه ما فيه ويرده كلام ملا ~~علي. وقوله: "ولا يليق الرد على من قرره" كأن مراده المفتي الأول، وهو لم ~~يرد على من قرر، إنما رد على من تكلم بلا علم وخاض بغير معرفة، والرد على ~~هذا متعين وكأنه لم يفهم ألفاظ من رد عليه، كما أنه لم يفهم مراد # PageV01P184 # من ردبه، وكما أنه لم يفهم السؤال حيث قال وفضل: "يس" إلخ فإن فضل جميع ~~القرآن لا نزاع فيه بين المسلمين وقوله: "هذا ما فتح الله به لم أفهم معناه ~~فإنه إذا لم يحقق مراد من يتعقب بكلامه، ولا يتدبر السؤال ولم يفهم ألفاظ ~~من رد عليه مع كون الرد فضولا؛ لأنه إنما سئل عما في السؤال وأما في جواب ~~المجيب فلا فبأى شيء وقع الفتح، وإن كان هذا غاية ملكة هذا الرجل، فإنا لله ~~قد كنت أظن أن تحت القبة شيخا والله أعلم". ا. ه. كلام الشيخ عليش. # PageV01P185 ### | الباب الخامس: في الجرح والتعديل وفيه مسائل ### $ 1- بيان طبقات السلف في ذلك: # قال الحافظ الذهبي الدمشقي رحمه الله تعالى في جزء جمعه في الثقات ~~المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم ما نصه: "وأما الصحابة -رضي الله عنهم- ~~فبساطهم مطوي وإن جرى ما جرى وإن غلطوا كما غلط غيرهم من الثقات فما يكاد ~~يسلم من الغلط أحد لكنه غلط نادر لا يضر أبدا إذ على عدالتهم وقبول ما ~~نقلوا العمل وبه ندين الله تعالى، وأما التابعون فيكاد يعدم فيهم من يكذب ~~عمدا لكن لهم غلط وأوهام فما ندر غلطه في جنب ما قد حمل احتمل ومن تعدد ~~غلطه وكان من أوعية العلم اغتفر له أيضا ونقل حديثه وعمل به على تردد بين ~~الأئمة الأثبات في الاحتجاج بمن هذا نعته كالحادث الأعور وعاصم بن ضمره ~~وصالح مولى التوءمة وعطاء بن السائب ونحوهم، ومن فحش خطؤه وكثر تفرده لم ~~يحتج بحديثه، ولا يكاد يقع ذلك في التابعين الأولين، ولو وجد ذلك في صغار ~~التابعين فمن بعدهم، وأما أصحاب التابعين كمالك والأوزاعي ms133 وهذا الضرب فعلى ~~المراتب المذكورة ووجد في عصرهم من يتعمد الكذب أو من كثر غلطة فترك حديثه ~~هذا مالك هو النجم الهادي بين الأمة، وما سلم من الكلام فيه، ولو قال قائل ~~عند الاحتجاج بمالك فقد تكلم فيهن لعزر وأهين وكذا الأوزاعي ثقة حجة وربما ~~انفرد ووهم وحديثه عن الزهري فيه شيء ما، وقد قال فيه أحمد بن حنبل: "رأي ~~ضعيف وحديث ضعيف، وقد تكلف لمعنى هذه اللفظة وكذا تكلم من لا يفهم في ~~الزهري لكونه خضب بالسواد، ولبس زي الجند، وخدم هشام بن عبد الملك. وهذا ~~باب واسع، والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث؛ والمؤمن إذا رجحت حسناته ~~وقلت سيئاته فهو من المفلحين. هذا أن لو كان ما قيل في الثقة الرضي مؤثرا ~~فكيف وهو لا تأثير له؟ " انتهى كلام الذهبي. # PageV01P187 ### $ 2- بيان أن جرح الضعفاء من النصيحة: # قال الإمام النووي: اعلم أن جرح الرواة جائز، بل واجب بالاتفاق للضرورة ~~الداعية إليه لصيانة الشريعة المكرمة، وليس هو من الغيبة المحرمة، بل من ~~النصيحة لله تعالى ورسوله والمسلمين ولم يزل فضلاء الأئمة، وأخيارهم، وأهل ~~الورع منهم يفعلون ذلك". وقد تكلم الإمام مسلم على جماعة منهم في مقدمة ~~صحيحه، وقدمنا في مبحث الضعيف تحت ترجمة قول مسلم رحمه الله أن الراوي عن ~~الضعفاء غاش آثم جاهل زيادة على ذلك فارجع إليه1. PageV01P188 ### $ 3- بحث تعارض الجرح والتعديل: # "إذا اجتمع في الراوي جرح مفسر وتعديل فالجمهور على أن الجرح مقدم. ولو ~~كان عدد الجارح أقل من المعدل. قالوا: لأن مع الجارح زيادة علم؛ وقيل: إن ~~زاد المعدلون في العدد على المجرحين قدم التعديل". انتهى ما في التقريب ~~وشرحه1. وهذا القول وإن ضعف فهو الذي يتجه. وما أحسن مذهب النسائي في هذا ~~الباب: وهو أن لا يترك حديث الرجل حتى يجتمع الجميع على تركه، ولذا أرى من ~~الواجب على المحقق أن لا يكتفي في حال الراوي على المختصرات في أسماء ~~الرجال بل يرجع إلى مطولاته التي تحكي أقوال الأئمة فعسى أن لا يرى إجماعا ~~على ms134 تركه بل يرى كثرة فيمن عدله فليتق الله الجارح، وليستبرئ لدينه والله ~~الموفق. # PageV01P188 # ثم رأيت التاج السبكي قال في طبقاته: "الحذر كل الحذر أن تفهم أن ~~قاعدتهم: الجرح مقدم على التعديل إطلاقها، بل الصواب أن من ثبتت إمامته ~~وعدالته، وكثر مادحوه، وندر جارحوه، وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه من ~~تعصب مذهبي أو غيره لم يلتفت إلى جرحه". وقال أيضا: "قد عرفناك أن الجارح ~~لا يقبل منه الجرح، وإن فسره في حق من غلبت طاعته على معاصيه ومادحوه على ~~ذاميه ومزكوه على جارحيه إذا كانت هناك قرينة يشهد العقل بأن مثله من تعصب ~~مذهبي أو منافسة دنيوية كما يكون بين النظراء وغير ذلك، وحينئذ فلا يلتفت ~~لكلام الثوري وغيره في أبي حنيفة وابن أبي ذئب وغيره في مالك وابن معين في ~~الشافعي، والنسائي في أحمد بن صالح ونحوه، ولو أطلقنا تقديم الجرح لما سلم ~~لنا أحد من الأئمة إذ ما من إمام إلا وقد طعن فيه طاعنون وهلك فيه هالكون". ~~ا. ه. # وقال الحافظ الذهبي في ميزانه في ترجمة الحافظ أبي نعيم أحمد بن عبد الله ~~الأصفهاني ما نصه: "كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به، لا سيما إذا لاح ~~لك أنه لعدواه أو لمذهب أو لحسد وما ينجو منه إلا من عصمه الله، وما علمت ~~أن عصرا من الأعصار سلم أهله من ذلك سوى الأنبياء والصديقين ولو شئت لسردت ~~من ذلك كراريس". ا. ه. # وقال العارف الشعراني قدس سره في مقدمة الميزان: "ما من راو من الرواة ~~المحدثين والمجتهدين كلهم إلا وهو يقبل الجرح كما يقبل التعديل لو أضيف ~~إليه ما عدا الصحابة، وكذا التابعون عند بعضهم لعدم العصمة، أو الحفظ في ~~بعضهم، ولكن لما كان العلماء -رضي الله عنهم- أمناء على الشريعة، وقدموا ~~الجرح أو التعديل عمل به مع قبول كل الرواة لما وصف به الآخر احتمالا، ~~وإنما قدم جمهورهم التعديل على الجرح وقالوا الأصل العدالة والجرح طارئ ~~لئلا يذهب غالب أحاديث الشريعة كما قالوا أيضا إن ms135 إحسان الظن بجميع الرواة ~~المستورين أولى، وكما قالوا إن مجرد الكلام في شخص لا يسقط مروية فلا بد من ~~الفحص عن حاله، وقد خرج الشيخان لخلق كثير ممن تكلم الناس فيهم إيثارا ~~لإثبات الأدلة الشرعية على نفيها ليحوز الناس فضل العمل بها؛ فكان في ذلك ~~فضل كثير للأمة، أفضل من تجريهم؛ كما أن تضعيفهم للأحاديث أيضا رحمه للأمة، ~~بتخفيف الأمر بالعمل بها، وإن لم يقصد الحفاظ ذلك، فإنهم لو لم يضعفوا شيئا ~~من الأحاديث وصححوها كلها لكان العمل بها واجبا، وعجز عن ذلك غالب الناس ~~فاعلم ذلك". ا. ه. # PageV01P189 ### $ 4- بيان أن تجريح بعض رجال الصحيحين لا يعبأ به: # قال الإمام الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي: "ما احتج البخاري ومسلم به ~~من جماعة علم الطعن فيهم من غيرهم محمول على أنه لم يثبت الطعن المؤثر مفسر ~~السبب". وقال النووي في شرح البخاري: "ما ضعف من أحاديثهما مبني على علل ~~ليست بقادحة". وقال الحافظ الذهبي في جزء جمعه في الثقات الذين تكلم فيهم ~~بما لا يوجب ردهم ما نصه وقد كتبت في مصنفي الميزان عددا كثيرا من الثقات ~~الذين احتج البخاري أو مسلم، أو غيرهم بهم لكون الرجل منهم قد دون اسمه في ~~مصنفات الجرح، وما أوردتهم لضعف فيهم عندي بل ليعرف ذلك، وما زال يمر بي ~~الرجل الثبت، وفيه مقال من لا يعبأ به، ولو فتحنا هذا الباب على نفوسنا ~~لدخل فيه عدة من الصحابة والتابعين والأئمة فبعض الصحابة كفر بعضهم بتأويل ~~ما، والله يرضي عن الكل ويغفر لهم فما هم بمعصومين، وما اختلافهم ومحاربتهم ~~بالتي تلينهم عندنا أصلا، وبتكفير الخوارج لهم انحطت رواياتهم بل صار كلام ~~الخوارج والشيعة فيهم جرحا في الطاعنين فانظر إلى حكمة ربك نسأل الله ~~السلامة، وهكذا كثير من كلام الأفران بعضهم في بعض ينبغي أن يطوى ولا يروى، ~~ويطرح ولا يجعل طعنا، ويعامل الرجل بالعدل والقسط. ا. ه. # وقال الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح1، في الفصل التاسع في سياق أسماء من ~~طعن فيه من رجال ms136 الصحيح والجواب عنه ما نصه: "ينبغي لكل منصف أن يعلم أن ~~تخريج صاحب الصحيح لأي راو كان مقتض لعدالته عنده، وصحة ضبطه وعدم غفلته، ~~ولا سيما PageV01P190 # ما الضاف إلى ذلك من إطباق جمهور الأئمة على تسمية الكتابين # بالصحيحين: وهذا معنى لم يحصل لغير من خرج عنه في الصحيح، فهو بمثابة ~~إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيهما هذا إذا خرج له في الأصول فأما إن ~~خرج له في المتابعات والشواهد والتعاليق فهذا يتفاوت درجات من أخرج له منهم ~~في الضبط، وغيره مع حصول اسم الصدق لهم، وحينئذ إذا وجدنا لغيره في أحد ~~منهم طعنا فذلك الطعن مقابل لتعديل هذا الإمام فلا يقبل إلا مبين السبب ~~مفسرا بقادح يقدح في عدالة هذا الراوي، وفي ضبطه مطلقا أو في ضبطه لخبر ~~بعينه لأن الأسباب الحاملة للأئمة على الجرح متفاوتة منها ما يقدح ومنها ما ~~لا يقدح، وقد كان الشيخ أبو الحسن المقدسي يقول في الرجل الذي يخرج عنه في ~~الصحيح: "هذا جاز القنطرة" يعني بذلك أنه لا يلتفت إلى ما قيل فيه قال ~~الشيخ: أبو الفتح القشيري هو ابن دقيق العيد في مختصره لكتاب ابن الصلاح في ~~مختصره: "وهكذا نعتقد وبه نقول ولا نخرج عنه إلا بحجة ظاهره، وبيان شاف ~~يزيد في غلبة الظن على المعنى الذي قدمناه من اتفاق الناس بعد الشيخين على ~~تسمية كتابيهما بالصحيحين، ومن لوازم ذلك تعديل رواتهما. # "قلت: فلا يقبل الطعن في أحد منهم إلا بقادح واضح لأن أسباب الجرح ~~مختلفة، ومدارها على خمسة أشياء: البدعة أو المخالفة أو الغلط أو جهالة ~~الحال أو دعوى الانقطاع في السند بأن يدعى في الراوي أنه كان يدلس أو يرسل: ~~فأما جهالة الحال فمندفعة عن جميع من أخرج لهم في الصحيح لأن شرط الصحيح أن ~~يكون راويه معروفا بالعدالة فمن زعم أن أحدا منهم مجهول فكأنه نازع المصنف ~~في دعواه أنه معروف ولا شك أن المدعي لمعرفته مقدم على من يدعي عدم معرفته ~~لما مع المثبت من زيادة العلم، ومع ms137 ذلك فلا تجد في رجال الصحيح أحدا ممن ~~يسوغ إطلاق اسم الجهالة عليه أصلا كما سنبينه، وأما الغلظ فتارة يكثر من ~~الراوي، وتارة يقل فحيث يوصف بكونه كثير الغلط ينظر فيما أخرج له إن وحد ~~مرويا عنده أو عند غيره من رواية غير هذا الموصوف بالغلط علم أن المعتمد ~~أصل # PageV01P191 # الحديث لا خصوص هذه الطريق، وإن لم يوجد إلا من طريقه فهذا قادح يوجب ~~التوقف عن الحكم بصحة ما هذا سبيله، وليس في الصحيح بحمد الله من ذلك شيء ~~وحيث يوصف بقلة الغلط كما يقال سيء الحفظ، أو له أوهام، أو له مناكير وغير ~~ذلك من العبارات، فالحكم فيه كالحكم في الذي قبله إلا أن الرواية عن هؤلاء ~~في المتابعات أكثر منها عند المصنف من الرواية عن أولئك، وأما المخالفة ~~وينشأ عنها الشذوذ والنكارة فإذا روى الضابط والصدوق شيئا فرواه من هو احفظ ~~منه، أو أكثر عددا بخلاف ما روي بحيث يتعذر الجمع على قواعد المحدثين فهذا ~~شاذ، وقد تشتد المخالفة أو يضعف الحفظ فيحكم على ما يخالف فيه بكونه منكرا، ~~وهذا ليس في الصحيح منه إلا نزر يسير، أما دعوى الانقطاع فمدفوعة عمن أخرج ~~لهم البخاري لما علم من شرطه، ومع ذلك فحكم من ذكر من رجاله بتدليس أو ~~إرسال أن تسبر أحاديثهم الموجودة عنده بالعنعنة فإن وجد التصريح بالسماع ~~فيها اندفع الاعتراض وإلا فلا، وأما البدعة فالموصوف بها إما أن يكون ممن ~~يكفر بها أو يفسق فالمكفر بها لا بد أن يكون ذلك التكفير متفقا عليه من ~~قواعد جميع الأئمة كما في غلاة الروافض من دعوى بعضهم حلول الإلهية في علي ~~أو غيره، أو الإيمان برجوعه إلى الدنيا قبل يوم القيامة، أو غير ذلك وليس ~~في الصحيح من حديث هؤلاء شيء البتة، والمفسق بها كبدع الخوارج والروافض ~~الذين لا يغلون ذلك الغلو، وغير هؤلاء من الطوائف المخالفين لأصول السنة ~~خلافا ظاهرا لكنه مستند إلى تأويل ظاهره سائغ فقد اختلف أهل السنة في قبول ~~حديث من هذا سبيله إذا ms138 كان معروفا بالتحرز من الكذب مشهورا بالسلامة من ~~خوارم المروءة موصوفا بالديانة أو العبادة فقيل يقبل مطلقا، وقيل يرد مطلقا ~~والثالث التفصيل بين أن يكون داعية لبدعته، أو غير داعية فيقبل غير ~~الداعية، ويرد حديث الداعية وهذا المذهب هو الأعدل، وصارت إليه طوائف من ~~الأئمة وادعى ابن حبان إجماع أهل النقل عليه لكن في دعوى ذلك نظر. ثم اختلف ~~القائلون بهذا التفصيل فبعضهم أطلق ذلك، وبعضهم زاده تفصيلا فقال إن اشتملت ~~رواية غير الداعية على # PageV01P192 # ما يشيد بدعته ويزينها ويحسنها ظاهرا فلا يقبل، وإن لم تشتمل فتقبل، وطرد ~~بعضهم هذا التفصيل بعينه في عكسه في حق الداعية فقال إن اشتملت روايته على ~~ما يرد بدعته قبل وإلا فلا، وعلى هذا إذا اشتملت رواية المبتدع، سواء كان ~~داعية أم لم يكن على ما لا تعلق له ببدعته أصلا هل تقبل مطلقا أو ترد مطلقا ~~مال أبو الفتح القشيري إلى تفصيل آخر فيه فقال: إن وافقه غيره فلا يلتفت ~~إليه هو إخمادا لبدعته وإطفاء لناره، وإن لم يوافقه أحد، ولم يوجد ذلك ~~الحديث إلا عنده مع ما وصفنا من صدقه وتحرزه عن الكذب واشتهاره بالدين، ~~وعدم تعلق ذلك الحديث ببدعته فينبغي أن تقدم مصلحة تحصيل ذلك الحديث، ونشر ~~تلك السنة على مصلحة إهانته وإطفاء بدعته والله أعلم. # "واعلم: أنه قد وقع من جماعة الطعن في جماعة بسبب اختلافهم في العقائد، ~~فينبغي التنبيه لذلك وعدم الاعتداد به إلا بحق، وكذا عاب جماعة من الورعين ~~جماعة دخلوا في أمر الدنيا فضعفوهم لذلك، ولا أثر لذلك التضعيف مع الصدق ~~والضبط والله الموفق، وأبعد ذلك كله من الاعتبار تضعيف من ضعف بعض الرواة ~~بأمر يكون الحمل فيه على غيره أو للتحامل بين الأقران، وأشد من ذلك تضعيف ~~من ضعف من هو أوثق منه أو أعلى قدرا أو أعرف بالحديث فكل هذا لا يعتبر ~~به"1. # ثم سرد الحافظ أسماء من طعن فيه من رجال البخاري مع حكاية الطعن والتنقيب ~~عن سببه، والقيام بجوابه والتنبيه على وجه رده ms139 فرحمه الله تعالى ورضي عنه ~~وجزاه خيرا. PageV01P193 ### $ 5- الناقلون المبدعون: # سلف في المقالة قبل أن من أسباب الجراح البدعة، ونقلنا عبارة الفتح في ~~ذلك بما كفى، بيد أن نزيد المقام بيانا لأهميته فنقول. # ذهب الجمهور إلى أنه لا تقبل رواية المكفر ببدعته، وهو من يعتقد ما ~~يستلزم الكفر قال الحافظ ابن حجر في شرح النخبة1: "والتحقيق أنه لا يرد كل ~~مكفر ببدعته؛ لأن كل طائفة تدعي أن مخالفيها مبتدعة، وقد تبالغ فتكفر ~~مخالفيها. فلو أخذ ذلك على الإطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف، فالمعتمد ~~أن الذي ترد روايته من أنكر أمرا متواترا من الشرع معلوما من الدين ~~بالضرورة، وكذا من اعتقد عكسه فأما من لم يكن بهذه الصفة وانضم إلى ذلك ~~ضبطه لما يرويه مع ورعه وتقواه فلا مانع من قبوله" # قال السخاوي: "وسبقه ابن دقيق العيد فقال: الذي تقرر عندنا أنه لا نعتبر ~~المذاهب في الرواية إذ لا نكفر أحدا من أهل القبلة إلا بإنكار قطعي من ~~الشريعة فإذا اعتبرنا ذلك، وانضم إليه الورع والتقوى فقد حصل معتمد ~~الرواية، وهذا مذهب الشافعي حيث يقبل شهادة أهل الأهواء" ثم قال السخاوي: ~~"وقد قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فيما روينا عنه لا تظنن بكلمة خرجت ~~من في امرئ مسلم شرا وأنت تحد لها في الخير محلا". # وفي جمع الجوامع2: "يقبل مبتدع يحرم الكذب". ا. ه. قال المحلي2: "لأمنه ~~فيه مع تأويله في الابتداع سواء دعا الناس إليه أم لا". ا. ه. ولذا رد ~~العراقي3 على من زعم أنه لا يحتج بالدعاة بأن الشيخين احتجا بهم قال: فاحتج ~~البخاري بعمران بن حطان، وهو من الدعاة -أي دعاة الخوارج- واحتجا بعبد ~~الحميد بن عبد الرحمن الحماني وكان داعية إلى الإرجاء وأجاب بأن أبا داود ~~قال: "ليس في أهل الأهواء أصح حديثا PageV01P194 # من الخوارج" ثم ذلك عمران بن حطان وأبا حسبان الأعرج. # أقول: ها هنا أمر ينبغي التفطن له، وهو أن رجال الجرح والتعديل عدوا في ~~مصنفاتهم كثيرا ممن رمي ببدعة، وسندهم في ذلك ما كان ms140 يقال عن أحد من أولئك ~~أنه شيعي أو خارجي، أو ناصبي أو غير ذلك مع أن القول عنهم بما ذكر قد يكون ~~تقولا، وافتراء، ومما يدل عليه أن كثيرا ممن رمي بالتشيع من رواة الصحيحين ~~لا تعرفهم الشيعة أصلا، وقد راجعت من كتب رجال الشيعة كتاب: "الكشي" ~~و"النجاشي" فما رأيت من رماهم السيوطي نقلا عمن سلفه بالتشيع في كتابه، ~~التقريب ممن خرج لهم الشيخان وعدهم خمسة وعشرين إلا راويين وهما أبان بن ~~تغلب وعبد الملك بن أعين، ولم أر للبقية في ذينك الكتابين ذكرا، وقد ~~استفدنا بذلك علما مهما، وفائدة جديدة وهي أنه ينبغي الرجوع في المرمى ~~ببدعه إلى مصنفات رجالها فيها يظهر الأصيل من الدخيل والمعروف من المنكور، ~~ونظير هذا ما كنت أدل عليه، وهو الرجوع في أقوال الفرق إلى مصنفاتها ~~المتداولة حتى ينثلج بها الصدر وإلا فكم من قول افترى على مذهب، أو نقل ~~مقلوبا أو فاقد شرط كما يعلمه من حقق ورجع إلى الأصول، بل رأيت من الشراح ~~من يضبط لفظه لغوية ويعزوها وبمراجعة المعزو إليه يظهر اشتباه في المادة، ~~فتنبيه لهذه الفائدة واحرص عليها. # PageV01P195 ### $ 6- الناقلون المجهولون: # قال الخطيب البغدادي: "المجهول عند أهل الحديث، هل كل من لم يشتهر بطلب ~~العلم في نفسه، ولا عرفه العلماء ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد، ~~وأقل ما يرتفع به الجهالة أن يروي عنه اثنان فصاعدا من المشهورين بالعلم، ~~إلا أنه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه" وقال الدارقطني: "تثبت ~~العدالة برواية ثقتين عنه". # PageV01P195 ### $ 7- قول الراوي حدثني الثقة أو من لا يتهم هل هو تعديل له؟ # ذهب الأكثرون إلى أنه لا يكتفى به في التعديل حتى يسميه؛ لأنه وإن كان ~~ثقة عنده، فلعله ممن جرح بجرح قادح عند غيره، بل إضرابه عن تسميته ريبة ~~توقع ترددا في القلب، وقيل إن قائل ذلك متى كان ثقة مأمونا فإنه يكتفى به ~~كما لو عينه؛ إذ لو علم فيه جرحا لذكره، ولو لم يذكره لكان غاشا في الدين، ~~ولا يلزم ms141 من إبهامه له تضعيفه عنده لأنه قد يهم لصغر سنة، أو لطبيعة ~~المعاصرة أو المجاورة مما تقتضيه ظروف الزمان، والمحققون على الأول كما في ~~التقريب وشرحه # PageV01P196 ### | ما وقع في الصحيحين وغيرهما من نحو: اين فلان، أو ولد فلان # ... ### | 8- # ما وقع في الصحيحين وغيرهما من نحو ابن فلان أو ولد فلان: # قال النووي: من عرفت عينه وعدالته، وجهل اسمه ونسبه احتج به أي لأن الجهل ~~باسمه لا يخل بالعلم بعدالته. # PageV01P196 ### $ 9- قولهم: عن فلان أو فلان وهما عدلان # قال النووي: وإذا قال الراوي: أخبرني فلان أو فلان على الشك، وهما عدلان ~~احتج به أي لأنه قد عينهما وتحقق سماعه لذلك الحديث من أحدهما، وكلاهما ~~مقبول. وذلك كحديث شعبة عن سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء، أو من زيد بن وهب ~~أن سويد بن غفلة ... الحديث. # PageV01P196 ### $ 10- من لم يذكر في الصحيحين أو أحدهما لا يلزم منه جرحه: # قال الذهبي في ميزانه في ترجمة أشعث بن عبد الملك: "ما ذكره أحد في ~~الضعفاء. نعم، ما أخرجا له في الصحيحين فكان ماذا؟ ". ا. ه. # PageV01P196 ### $ 11- اقتصار البخاري على رواية من روايات إشارة إلى نقد في غيرها: # قال الإمام تقي الدين بن تيميه في تفسير سورة: {قل هو الله أحد} 1: "قد ~~أنكروا على مسلم إخراج أشياء كثيرة يسيرة: مثل ما روى في بعض طرق حديث صلاة ~~كسوف الشمس أنه صلاها بثلاث ركوعات وأربع والصواب أنه لم يصلها إلا مرة ~~واحدة بركوعين، ولهذا لم يخرج البخاري إلا هذا، وكذلك الشافعي وأحمد بن ~~حنبل في إحدى الروايتين عنه وغيرهما، والبخاري سلم من مثل هذا فإنه إذا وقع ~~في بعض الروايات غلط ذكر الروايات المحفوظة التي تبين غلط الغالط فإنه كان ~~أعرف بالحديث وعلله وأفقه في معانية من مسلم ونحوه". ا. ه. PageV01P197 ### $ 12- ترك رواية البخاري لحديث لا يوهنه: # قال الإمام ابن القيم في: "إغاثة اللهفان"1 في بحث كون المطلق ثلاثا كان ~~على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر يحسب ~~له واحدة، وتقرير حديث مسلم ms142 في ذلك ما نصه: "رد الحديث فيه ضرب من التعنت ~~ورواته كلهم أئمة حفاظ" ثم قال: "والحديث من أصح الأحاديث، وترك رواية ~~البخاري لا يوهنه، وله حكم أمثاله من الأحاديث الصحيحة التي تركها البخاري ~~لئلا يطول كتابه فإنه سماه الجامع المختصر الصحيح". ا. ه. # وتوقف فيه بعض المحققين، بأن دعوى تسمية البخاري لجامعة بالمختصر، مطلوبة ~~البيان، ودعوى التسيمة غير دعوى عدم الاحاطة بالصحيح، فإنها معنى آخر لا ~~ينكر، إلا أن المدار على ما وقع عليه السبر. PageV01P197 ### $ 13- بيان أن من روى له حديث في الصحيح لا يلزم صحة جميع حديثه: # قال الشعراني قدس سره في مقدمة ميزانه: "قال الحافظ المزي والحافظ ~~الزيلعي رحمهما الله تعالى: وممن خرج لهم الشيخان مع كلام الناس فيهم جعفر ~~بن سليمان الضبعي والحارث بن عبيدة، ويونس بن أبي إسحاق السبيعي، وأبو ~~أويس، لكن للشيخين شروط في الرواية عمن تكلم الناس فيه منها أنهم لا يروون ~~عنه إلا ما توبع عليه، وظهرت شواهده، وعلموا أن له أصلا فلا يروون عنه ما ~~انفرد به، أو خالفه فيه الثقات وهذه العلة قد راجت على كثير من الحفاظ لا ~~سيما من استدرك على الصحيحين كأبي عبد الله الحاكم فكثيرا ما يقول: "وهذا ~~حديث صحيح على شرط الشيخين، أو أحدهما مع أن فيه هذه العلة" إذ ليس كل حديث ~~احتج براويه في الصحيح يكون صحيحا إذ لا يلزم من كون راويه محتجا به في ~~الصحيح أن يكون كل حديث وجدناه له يكون صحيحا على شرط صاحب ذلك الصحيح ~~لاحتمال فقد شرط من شروط ذلك الحافظ كما قدمنا". ا. ه. # PageV01P198 ### | ما كان من روى المناكير ضعيف # ... ### | 14- # ما كل من روى المناكير ضعيف: # قال السخاوي في فتح المغيث: "قال ابن دقيق العيد: قولهم "فلان روى ~~المناكير" لا يقتضي بمجردة ترك روايته، حتى تكثر المناكير في روايته، ~~وينتهي إلى أن يقال فيه منكر الحديث لأن منكر الحديث وصف في الرجل يستحق به ~~الترك بحديثه؛ وقد قال أحمد بن حنبل في محمد بن إبراهيم التيمي: ms143 يروي ~~أحاديث منكرة، وهو ممن اتفق عليه الشيخان وإليه المرجع في حديث: "إنما ~~الأعمال بالنيات". ا. ه. # وقال الحافظ الذهبي: "ما كل من روى المناكير بضعيف". # PageV01P198 ### $ 15- متى يترك حديث المتكلم فيه: # نقل الحافظ ابن حجر في شرح النخبة: "أن مذهب النسائي أن لا يترك حديث ~~الرجل حتى يجتمع الجميع على تركه". ا. ه. وهو مذهب جيد. # PageV01P199 ### $ 16- جواز ذكر الراوي بلقبه الذي يكرهه للتعريف وأنه ليس بغيبة له: # قال النووي: "قال العلماء من أصحاب الحديث والفقه وغيرهم: يجوز ذكر ~~الراوي بلقبه وصفته ونسبه الذي يكرهه، إذا كان المراد تعريفه لا تنقيصه، ~~وجوز هذا للحاجة كما جوز جرحهم للحاجة، ومثال ذلك الأعمش والأعرج والأحول، ~~والأعمى والأصم والأثرم، وابن علية وغير ذلك، وقد صنفت فيهم كتب معروفة". # PageV01P199 ### $ 17- الاعتماد في جرح الرواة وتعديلهم على الكتب المصنفة في ذلك: # لا يخفى أن الناس قد اعتمدوا في جرح الرواة وتعديلهم على الكتب التي ~~صنفها أئمة الحديث في ذلك، ولا يقال: قد اشترط الأئمة أن الجرح لا يثبت إلا ~~إذا كان مفسرا. # وفي بعض تلك المصنفات المختصرات لا يتعرض لبيان السبب بل يقتصر فيها على ~~نحو: ضعيف، أو مستور؛ واشتراط ذلك يفضي إلى تعطيل تلك المصنفات لأنا نقول ~~إنما لم يتعرض لسبب الجرح فيها اختصارا. وظاهر أن كل تصنيف لم يتعرض فيه ~~لذلك، فهو من المختصرات التي قصد بها تقريب الحكم للمراجع وإلا فالمطولات ~~تكفلت بذلك، وليس الوقوف عليها لذي الهمة بعزيز. # PageV01P199 ### $ 18- بيان عدالة الصحابة أجمعين: # وأن قول الراوي عن رجل من الصحابة من غير تسمية لا يضر في ذلك الخبر قال ~~النووي في التقريب: "الصحابة كلهم عدول، من لابس الفتن وغيرهم بإجماع من ~~يعتد به". # وقيل: يجب البحث عن عدالتهم مطلقا. وقال المازري في شرح البرهان: لسنا ~~نعني بقولنا: "الصحابة عدول" كل من رآه -صلى الله عليه وسلم- يوما ما أو ~~زاره، أو اجتمع به لغرض وانصرف وإنما يعني به الذين لازموه وعزروه ونصروه. ~~فإذا قال الراوي عن رجل من الصحابة ولم يسمه، كان ذلك حجة، ولا ms144 يضر الجهالة ~~لثبوت عدالتهم على العموم: # PageV01P200 ### | بيان معنى الصحابي # ... ### | 19- # بيان معنى لصحابي: # "هو من لقي النبي -صلى الله عليه وسلم- مؤمنا به، ولو ساعة، سواء روى عنه ~~أم لا. وإن كانت اللغة تقتضي أن الصاحب هو من كثرت ملازمته، فقد ورد ما يدل ~~على إثبات الفضيلة لمن لم يحص منه إلا مجرد اللقاء القليل، والرؤية، ولو ~~مرة ولا يشترط البلوغ لوجود كثير من الصحابة الذين أدركوا عصر النبوة، ~~ورووا ولم يبلغوا إلا بعد موته، ولا الرؤية لأن من كان أعمى مثل ابن أم ~~مكتوم، وقد وقع الاتفاق على أنه من الصحابة، ويعرف كونه صحابيا بالتواتر، ~~والاستفاضة وبكونه من المهاجرين أو من الأنصار"1. PageV01P200 ### $ 20- تفاضل الصحابة: # في شرح النخبة1: "لا خفاء برجحان رتبة من لازمه -صلى الله عليه وسلم- ~~وقاتل معه، أو قتل معه تحت رأيته، على من لم يلازمه، أو لم يحضر معه مشهدا، ~~وعلى من كلمه يسيرا، أو ما شاه قليلا، أو رآه على بعد، أو في حاله ~~الطفولية؛ وإن كان شرف الصحبة حاصلا للجميع ومن ليس له منهم سماع منه، ~~فحديثه مرسل من حيث الرواية وهم مع ذلك معدودون في الصحابة لما نالوه من ~~شرف الرؤية". ا. ه. PageV01P200 ### | الباب السادس: في الإسناد؛ وفيه مباحث ### $ 1- فضل الإسناد: # اعلم: أن الإسناد في أصله خصيصة فاضلة لهذه الأمة ليست لغيرها من الأمم. # قال ابن حزم: "نقل الثقة عن الثقة يبلغ به النبي -صلى الله عليه وسلم- مع ~~الاتصال، خص الله به المسلمين، دون سائر الملل وأما مع الإرسال والإعضال ~~فيوجد في كثير من اليهود، ولكن لا يقربون فيه من موسى قربنا من محمد -صلى ~~الله عليه وسلم- بل يقفون بحيث يكون بينهم، وبين موسى أكثر من ثلاثين عصرا، ~~وإنما يبلغون إلى شمعون ونحوه". قال: "وأما النصارى، فليس عندهم من صفة هذا ~~النقل إلا تحريم الطلاق فقط، وأما النقل بالطريق المشتملة على كذاب أو ~~مجهول العين فكثير في نقل اليهود، والنصاري" قال: "وأما أقوال الصحابة ~~والتابعين فلا يمكن اليهود أن يبلغوا إلى صاحب نبي أصلا ولا إلى ms145 تابع له، ~~ولا يمكن النصارى أن يصلوا إلى أعلى من شمعون وبولص". # وقال أبو علي الجياني: "خص الله تعالى هذه الأمة بثلاثة أشياء لم يعطها ~~من قبلها: الإسناد والأنساب، والإعراب". ومن أدلة ذلك ما رواه الحاكم وغيره ~~عن مطر الوراق في قوله تعالى {أو أثارة من علم} 1 قال: "إسناد الحديث". ~~وقال ابن المبارك: "الإسناد من الدين لولا الإسناد لقال من شاء ما يشاء" ~~أخرجه مسلم وقال سفيان بن عيينة: حدث الزهري يوما بحديث فقلت هاته بلا ~~إسناد؛ فقال الزهري أترقى السطح بلا سلم؟ وقال الثوري: الإسناد سلاح ~~المؤمن. وقال أحمد بن حنبل: طلب الإسناد العالي سنة عمن سلف لأن أصحاب عبد ~~الله كانوا يرحلون من الكوفة إلى المدينة فيتعلمون من عمر، ويسمعون منه ~~وقال محمد بن أسلم الطوسي قرب الإسناد قرب أو قربة إلى الله تعالى. ~~PageV01P201 ### $ 2- معنى السند والإسناد والمسند والمتن: # أما السند: فقال البدر بن جماعة والطيبي "هو الإخبار عن طريق المتن". # قال ابن جماعة: وأخذه إما من السند، وهو ما ارتفع وعلا من سفح الجبل؛ لأن ~~المسند يرفعه إلى قائله؛ أو من قولهم فلان سند، أي معتمد فسمى الإخبار عن ~~طريق المتن سندا لاعتماد الحفاظ في صحة الحديث وضعفه عليه. # وأما الإسناد: فهو رفع الحديث إلى قائله. قال الطيبي: "وهما متقاربان في ~~معنى اعتماد الحفاظ في صحة الحديث وضعفه عليهما" وقال ابن جماعة: " ~~المحدثون يستعلمون السند والإسناد لشيء واحد". # وأما المسند: "بفتح النون" فله اعتبارات أحدها: الحديث السابق في أنواع ~~الحديث؛ الثاني: الكتاب الذي جمع فيه ما أسنده الصحابة أي رووه، فهو اسم ~~مفعول؛ الثالث: أن يطلق ويراد به الإسناد فيكون مصدرا كمسند الشهاب ومسند ~~الفردوس؛ أي أسانيد أحاديثهما. # وأما المتن: فهو ألفاظ الحديث التي تقوم بها المعاني قاله الطيبى: وقال ~~ابن جماعة: "هو ما ينتهي إليه غاية السند من الكلام". وأخذه إمام المماتنه، ~~وهي المباعدة في الغاية لأنه غاية السند أو من متنت الكبش إذا شققت جلدة ~~بيضته، واستخرجتها فكأن المسند استخرج المتن بسنده أو من ms146 المتن، وهو ما صلب ~~وارتفع من الأرض لأن المسند يقويه بالسند ويرفعه إلى # قائله أو من تمتين القوس أي شدها بالعصب؛ لأن المسند يقوي الحديث بسنده # PageV01P202 ### $ 3- أقسام تحمل الحديث: # الأول: السماع من لفظ الشيخ إملاء من حفظه أو تحديثا من كتابه. # الثاني: قراءة الطالب على الشيخ وهو ساكت يسمع، سواء كانت قراءة الطالب ~~عليه من كتاب أو حفظ وسواء حفظ الشيخ ما قرئ عليه أم لا إذا أمسك أصله هو ~~أو ثقة غيره؛ ويسمى هذا عرضا؛ لأن القارئ يعرض على الشيخ ما يقرؤه أهل ~~السماع من الشيخ أعلى من القراءة عليه، أو القراءة أعلى أو هما سيان أقوال: ~~أصحها أولها حكاه ابن الصلاح عن جمهور أهل المشرق، وأصله الاقتداء بالنبي ~~-صلى الله عليه وسلم- فإنه كان يقرأ على الناس القرآن ويعلمهم السنن. # الثالث: سماع الطالب على الشيخ بقراءة غيره. # الرابع: المناولة مع الإجازة، كأن يدفع له الشيخ أصل سماعه، أو فرعا ~~مقابلا به ويقول له: أجزت لك روايته عني. # الخامس: الإجازة المجردة عن المناولة وهي أنواع. أعلاها أن يجيز لخاص في ~~خاص، أي: بكون المجاز له معينا، والمجاز به معينا، كأجزت لك أن تروي عني ~~البخاري، ويليه الإجازة لخاص في عام كأجزت لك رواية جميع مسموعاتي ثم لعام ~~في خاص نحو أجزت لمن أدركني رواية البخاري ثم لعام في عام، كأجزت لمن ~~عاصرني رواية جميع مروياتي، ثم لمعدوم تبعا للموجود كأجزت لفلان، ومن يوجد ~~بعد ذلك من نسله، وقد فعل ذلك أبو بكر بن أبي داود فقال: أجزت لك، ولولدك ~~ولحبل الحبلة يعني الذين لم يولدوا بعد وأما إجازة المعدوم استقلالا كأجزت ~~لمن يولد لفلان، ولمن سيوجد فجوزها الخطيب البغدادي، وألف فيها جزءا، وحكى ~~صحتها عن أبي الفراء الحنبلي، وابن عمروس المالكي، ونسبه القاضي عياض لمعظم ~~الشيوخ ومنعها غيرهم وصححه النووي في التقريب، وأما الإجازة للطفل الذي لا ~~يميز فصحيحة قال الخطيب: "وعلى الجواز كافة شيوخنا، واحتج له بأنها إباحة ~~المجيز للمجاز له أن يروي عنه، والإباحة تصح للعاقل ولغيره قال ms147 ابن الصلاح: # PageV01P203 # "كأنهم رأوا الطفل أهلا للتحمل ليؤدي بعد حصول الأهلية لبقاء الإسناد. ~~وأما المميز فلا خلاف في صحة الإجازة له. هذا، والصحيح الذي قاله الجمهور ~~واستقر عليه العمل: جواز الرواية والعمل بالإجازة. وادعى أبو الوليد ~~الباجي، والقاضي عياض الإجماع عليها حتى قصر أبو مروان الطبني الصحة عليها، ~~وحكى في التقريب، والتدريب عن جماعات إبطالها، وعن ابن حزم أنها بدعة بيد ~~أن الجمهور على قبولها وصحتها وهو الذي درج عليه المحدثون سلفا وخلفا. # السادس: المناولة من غير إجازة، بأن يناوله الكتاب مقتصرا على قوله: "هذا ~~سماعي" ولا يقول له: اروه عني ولا أجزت لك روايته؛ فقيل تجوز الرواية بها ~~والصحيح المنع. # السابع: الإعلام؛ كأن يقول هذا الكتاب من مسموعاتي على فلان، من غير أن ~~يأذن له في روايته عنه وقد جوز بها الرواية كثيرون وصحح آخرون المنع. # الثامن: الوصية، كأن يوصي بكتاب إلى غيره عند سفره أو موته، فجوز بعضهم ~~للموصي له روايته عنه تلك الوصية لأن دفعها له نوعا من الإذن، وشبها من ~~المناولة وصحح الأكثرون المنع. # التاسع: الوجادة، كأن يجد حديثا أو كتابا بخط شيخ معروف لا يرويه الواحد ~~عنه بسماع، ولا إجازة فله أن يقول وجدت أو قرأت بخط فلان وفي مسند الإمام ~~أحمد كثير من ذلك من رواية ابنه عنه قال النووي: "وأما العمل بالوجادة فعن ~~المعظم أنه لا يجوز، وقطع البعض بوجوب العمل بها عند حصول الثقة به، قال: ~~"وهذا هو الصحيح الذي لا يتجه في هذه الأزمان غيره". # تنبيه: الألفاظ التي تؤدي بها الرواية على ترتيب ما تقدم هكذا: أملى علي، ~~حدثني، قرأت عليه، قرئ عليه وأنا أسمع أخبرني إجازة ومناولة أخبرني إجازة ~~أنبأني مناولة أخبرني إعلاما أوصي إلي، وجدت بخطه. # PageV01P204 ### | بحث وحيز في الإجازة، ومعنى قولهم: أجزت له كذا بشرطه # ... ### | 4- # بحث وخبر في الإجازة ومعنى قولهم أجزت له كذا بشرطه: # قال الشهاب القسطلاني في المنهج: "الإجازة مشتقة من التجوز، وهو التعدي، ~~فكأنه عدي روايته حتى أوصلها للراوي عنه.". ا. ه. # وقال الغمام اللغوي ms148 ابن فارس رحمه الله في جزئه في المصطلح: "يعني ~~بالإجازة في كلام العرب1 مأخوذ من جواز الماء الذي يسقاه المال من الماشية، ~~والحرث، يقال منه استجزت فلانا فأجازني إذا أسقاك ماء لأرضك أو ماشيتك قال ~~القطامي: # وقالوا فقيم قيم الماء فاستجز ... عبادة إن المستجيز على قتر # أي: على ناحية. كذلك طالب العلم يسأل العالم أن يجيزه علمه فيجيزه إياه ~~فالطالب، مستجيز والعالم مجيز". ا. ه. # قال النووي: إنما تستحسن الإجازة إذا علم المجيز ما يجيزه، وكان المجاز ~~له من أهل العلم واشترطه بعضهم في صحتها فبالغ وقال ابن سيد الناس: أقل ~~مراتب المجيز أن يكون عالما بمعنى الإجازة العلم الإجمالي، من إنه روى ~~شيئا، وأ، معنى إجازته لذلك الغير في رواية ذلك الشئ عنه بطريق الإجازة ~~المعهودة، ولا العلم التفصيلي بما روى، وبما يتعلق بأحكام الإجازة، وهذا ~~العلم الإجمالي، حاصل فيما رأيناه من عوام الرواة فإن انحط راو في الفهم عن ~~هذه الدرجة -ولا إخال أحدا ينحط عن إدراك هذا إذا عرف به- فلا أحسبه أهلا ~~لن يتحمل عنه بإجازة ولا سماع، قال: وهذا الذي أشرت إليه من التوسع في ~~الإجازة هو طريق الجمهور قال القسطلاني: وما عداه من التشديد فهو مناف لما ~~جوزت الإجازة له من بقاء السلسلة نعم لا يشترط التأهل حين التحمل، ولم يقل ~~أحد بالأداء بدون شرط الرواية، وعليه يحمل قولهم: أجزت له رواية كذا بشرطه ~~ومنه ثبوت المروي من حديث المجيز وقال أبو مروان الطبي: إنها لا تحتاج لغير ~~مقابلة نسخة بأصول الشيخ. # وقال عياض: تصح بعد تصحيح روايات الشيخ ومسموعاته وتحقيقها وصحة مطابقة ~~كتب الراوي لها، والاعتماد على الأصول المصححة وكتب بعضهم لمن علم منه ~~التأهل: "أجزت له الرواية عني وهو لما علم من إتقانه وضبطه غني عن تقييدي ~~ذلك بشرطه". ا. ه. # وقد أوسعت الكلام على مادة الإجازة في شرحي على الأربعين العجلونية2 ~~المسمى: "بالفضل المبين على عقد الجوهر الثمين" في شرح خطبة المتن فارجع ~~إليه إن شئت PageV01P205 ### $ 5- أقدم إجازة عثرت عليها: # جاء في ms149 شرح ألفيه العراقي نقلا عن الإمام أبي الحسن محمد بن أبي الحسين ~~بن الوزان قال: ألفيت بخط أبي بكر أحمد بن أبي خيثمة زهير بن حرب الحافظ ~~الشهير صاحب يحيى بن معين وصاحب التاريخ ما مثاله: "قد أجزت لأبي زكريا ~~يحيى بن مسلمة أن يروي عني ما أحب من كتاب التاريخ الذي سمعه مني، أبو محمد ~~القاسم بن الأصبغ، ومحمد بن عبد الأعلى كما سمعاه مني، وأذنت له في ذلك ~~ولمن أحب من أصحابه فإن أحب أن تكون الإجازة لأحد بعد هذا فأنا أجزت له ذلك ~~بكتابي هذا، وكتبه أحمد بن أبي خيثمة بيده في شوال من سنة ست وسبعين ~~ومائتين". # وكذلك أجاز حفيد يعقوب بن شيبة وهذه نسختها فيما حكاه الخطيب: "يقول محمد ~~بن أحمد بن يعقوب بن شيبة: قد أجزت لعمر بن أحمد الخلال، وابنه عبد الرحمن ~~بن عمرو لختنه علي بن الحسن جميع ما فاته من حديثي مما لم يدرك سماعه من ~~المسند وغيره، وقد أجزت ذلك لمن أحب عمر فليرووه عني إن شاءوا وكتبت لهم ~~ذلك بخطي في صفر سنه اثنتين وثلاثين وثلاثمائة". ا. ه. # PageV01P206 ### $ 6- هل قول المحدث حدثنا وأخبرنا وأنبأنا بمعنى واحد أم لا؟ # قال الحكيم الترمذي قدس الله سره في نوادر الأصول: "من أراد أن يؤدي إلى ~~أحد حديثا قد سمعه، جاز له أن يقول أخبرني وحدثني، وكذلك إذا كتب إليه من ~~بلدة أخرى جاز أن يقول أخبرني، وحدثني فإن الخبر يكون شفاها أو بكتاب وذلك ~~قوله تعالى في تنزيله1: {من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير} فإنما صار ~~نبأ وخبرا بوصول علم ذلك إليه، وكذلك يجوز أن يقول حدثني لأنه قد حدث إليه ~~الخبر فسواء حدث شفاها أو بكتاب، وكذلك إذا ناوله كتابه فقال هذا حديثي لك، ~~وهذا خبرني إياك فحدث عني، وأخبر عني جاز له أن يقول حدثني وأخبرني وكان ~~صادقا في قوله لأنه قد حدث إليه وأخبره فليس للمتمنع أن يمتنع من هذا ~~تورعا، ويتفقد الألفاظ مستقصيا في تحري الصدق بتوهم ms150 أن ترجمة قوله أخبرني ~~وحدثني لفظه وبالشفتين، وليس هو كذلك فاللفظ لفظ والكلام كلام والقول قول ~~والحديث حديث والخبر خبر، فالقول ترجيع الصوت، والكلام كلم القلب بمعاني ~~الحروف، والخبر إلقاء المعنى إليك فسواء ألقاه إليك لفظا أو كتابا، وقد سمي ~~الله القرآن في تنزيله: "حديثا". حدث به العباد وخاطبهم به، وسمى الذي يحدث ~~في المنام حديثا فقال2: {ولنعلمه من تأويل الأحاديث} . ا. ه. # وروى البخاري في صحيحه عن الحميدي قال: "كان عند ابن عيينة حدثنا وأخبرنا ~~وأنبأنا وسمعت واحدا" قال الحافظ في الفتح إيراده قول ابن عيينة دون غيره ~~دال على أنه مختاره، واستدل البخاري على التسوية بين هذه الصيغ بحديث ابن ~~عمر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "إن من الشجر شجرة لا يسقط ~~ورقها، وإنها مثل المسلم فحدثوني ما هي" -وفي رواية: "أخبروني" وفي رواية: ~~"أنبئوني" فدل ذلك على أن التحديث والإخبار والإنباء عندهم سواء، وهذا لا ~~خلاف فيه عند أهل العلم بالنسبة إلى اللغة. ومن PageV01P207 # أصرح الأدلة فيه قوله تعالى1: {يومئذ تحدث أخبارها} وقوله تعالى2: {ولا ~~ينبئك مثل خبير} وأما بالنسبة إلى الاصطلاح ففيه الخلاف: فمنهم من استمر ~~على أصل اللغة. وهذا رأي الزهري ومالك وابن عيينة ويحيى القطان وأكثر ~~الحجازيين والكوفيين، وعليه استمر عمل المغاربة ورجحه ابن الحاجب في ~~مختصره، ونقل عن الحاكم أنه مذهب الأئمة الأربعة، ومنهم من رأى إطلاقه ذلك ~~حيث يقرأ الشيخ من لفظه، وتقييده حيث يقرأ عليه وهو التفرقة بين الصيغ بحسب ~~افتراق التحمل فيخصون التحديث بما يلفظ به الشيخ والإخبار بما يقرأ عليه، ~~وهذا مذهب ابن جريج والأوزاعي والشافعي وابن وهب وجمهور أهل المشرق، ثم ~~أحدث أتباعهم تفصيلا آخر، فمن سمع وحده من لفظ الشيخ أفرد فقال: حدثني، ومن ~~سمع مع غيره جمع، ومن قرأ بنفسه على الشيخ أفرد فقال: أخبرني، ومن سمع ~~بقراءة غيره جمع وكذا خصصوا الإنباء بالإجازة التي يشافه بها الشيخ من ~~يجيزه، وكل هذا مستحسن وليس بواجب عندهم، وإنما أرادوا التمييز بين أحوال ~~التحمل، وظن ms151 بعضهم أن ذلك على وجوب فتكلفوا في الاحتجاج له وعليه بما لا ~~طائل تحته نعم، يحتاج المتأخرون إلى مراعاة الاصطلاح المذكور لئلا يختلط؛ ~~لأنه صار حقيقة عرفية عندهم فمن تجوز عنها احتاج إلى الإتيان بقرينة تدل ~~على مراده، وإلا فلا يؤمن اختلاط المسموع بالمجاز بعد تقرير الاصطلاح فيحمل ~~ما يرد من ألفاظ المتقدمين على محمل واحد بخلاف المتأخرين. PageV01P208 ### $ 7- قول المحدث وبه قال حدثنا: # قال القسطلاني: "إذا قرأ المحدث إسناد شيخه المحدث أول الشروع، وانتهى، ~~عطف عليه بقوله في أول الذي يليه: "وبه قال حدثنا" ليكون كأنه أسنده إلى ~~صاحبه في كل حديث أي لعود ضمير: "وبه" على السند المذكور كأنه يقول: ~~"وبالسند المذكور، قال: أي صاحب السند لنا فهذا معنى قولهم: وبه قال. # PageV01P208 ### $ 8- الرمز ب: "ثنا" و"نا" و"أنا" و"ح": # قال النووي1: "جرت العادة بالاقتصار على الرمز في "حدثنا" و"أخبرنا" ~~واستمر الاصطلاح عليه من قديم الأعصار إلى زماننا، واشتهر ذلك بحيث لا يخفى ~~فيكتبون من حدثنا "ثنا" وربما حذفوا الثاء ويكتبون من أخبرنا "أنا"، وإذا ~~كان للحديث إسنادان أو أكثر، وجمعوا بينهما في متن واحد كتبوا عند الانتقال ~~من إسناده إلى إسناد "ح" وهي حاء مهملة مفردة، والمختار أنها مأخوذة من ~~التحول لتحوله من إسناده إلى إسناده وأنه يقول القارئ إذا انتهى إليها "حا" ~~ويستمر في قراءة ما بعدها، وقيل إنها من حال بين الشيئين إذا حجز لكونها ~~حالت بين الإسنادين، وأنه لا يلفظ عند الانتهاء إليها بشيء، وليست من ~~الرواية وقيل إنها رمز إلى قوله: "الحديث" وإن أهل المغرب كلهم يقولون إذا ~~وصوا إليها: "الحديث" وقد كتب جماعة من الحفاظ موضعها: "صح" فيشعر بأنها ~~رمز "صح"، وحسنت ها هنا كتابة "صح" لئلا يتوهم أنه سقط من الإسناد الأول ثم ~~هذه الحاء توجد في كتب المتأخرين كثيرا". ا. ه. # قلت: وقد كان بعض مشايخنا المسندين إذا وصل إليها يقول: "تحويل"، وكنت ~~أستحسنه منه. PageV01P209 ### $ 9- عادة المحدثين في قراءة الإسناد: # قال النووي: "جرت عادة أهل الحديث بحذف "قال" ونحوه فيما بين رجال ~~الإسناد ms152 في الخط، وينبغي للقارئ أن يلفظ بها، وإذا كان في الكتاب قرئ على ~~فلان أخبرك فلان فيقولون قرئ على فلان قيل أخبرك فلان، وإذا تكررت كلمة: ~~"قال" كقوله: "حدثنا صالح قال: قال الشعبي: "فإنهم يحذفون إحداهما في الخط ~~فيلفظ بهما القارئ". # PageV01P209 ### $ 10- الإتيان بصيغة الجزم في الحديث الصحيح والحسن دون الضعيف: # قال النووي في شرح مسلم: "قال العلماء ينبغي لمن أراد رواية حديث أو ذكره ~~أن ينظر، فإن كان صحيحا أو حسنا قال: "قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~كذا أو فعله أو تحو ذلك من صيغ الجزم"؛ وإن كان ضعيفا فلا يقل قال أو فعل ~~أو أمر أو نهى، وشبه ذلك من صيغ الجزم بل يقول روي عنه كذا أو جاء عنه كذا ~~أو يروى أو يذكر أو يحكى أو بلغنا وما أشبهه". # وقال في شرح المهذب: "قالوا صيغ الجزم موضوعة للصحيح أو الحسن، وصيغ ~~التمريض لسواهما. وذلك أن صيغة الجزم تقتضي صحته من المضاف إليه، فلا ينبغي ~~أن تطلق إلا فيما صح وإلا فيكون الإنسان في معنى الكاذب عليه، وهذا الأدب ~~أخل به جماهير الفقهاء من أصحابنا وغيرهم بل جماهير أصحاب العلوم مطلقا ما ~~عدا حذاق المحدثين، وذلك تساهل قبيح فإنهم يقولون كثيرا في الصحيح: "روي ~~عنه" وفي الضعيف: "قال وروى فلان، وهذا حيد عن الصواب". ا. ه. # PageV01P210 ### $ 11- متى يقول الراوي "أو كما قال": # قال النووي: "ينبغي للراوي وقارئ الحديث إذا اشتبه عليه لفظة فقرأها على ~~الشك أن يقول عقيبه: أو كما قال؛ وكذا يستحب لمن روى بالمعنى أن يقول بعده: ~~أو كما قال، أو نحو هذا كما فعلته الصحابة فمن بعدهم والله أعلم. وقد روى ~~الدارمي في مسنده في باب: "من هاب ألفتيا مخافة السقط" آثارا كثيرة في ذلك ~~فمن شاء فليرجع إليه". # PageV01P210 ### | السر في تفرقة البخارى بين قوله: حديثا فلان، وقال لى فلان # ... ### | 12- # السر في تفرقة البخاري بين قوله: حدثنا فلان وقال لي فلان: # لا يخفى أن البخاري رحمه الله احتاط لصحيحة ما لم يحتط لغيره من ms153 مصنفاته، ~~فإنه التزم فيه غاية الصحة فربما عبر في صحيحه يقول: "وقال لي علي بن عبد ~~الله، يعني ابن المديني"؛ وفي غيره كتاريخه بقوله: "حدثا علي بن عبد الله" ~~في القضية الواحدة. والسر في ذلك أنه لا يعبر في صحيحة بقوله: وقال لي ~~فلان، إلا في الأحاديث التي يكون في إسنادها عنده نظر أو التي تكون موقوفة، ~~وزعم بعضهم أنه يعبر في ذلك فيما أخذه في المذاكرة، أو المناولة قال الحافظ ~~ابن حجر: "وليس عليه دليل". # PageV01P211 ### $ 13- سر قولهم في خلال ذكر الرجال: يعني ابن فلان أو هو ابن فلان: # قال النووي: "ليس للراوي أن يزيد في نسب غير شيخه ولا صفته على ما سمعه ~~من شيخه، لئلا يكون كاذبا على شيخه فإذا أراد تعريفه وإيضاحه وزوال اللبس ~~المتطرق وإليه لمشابهة غيره، فطريقة أن يقول: قال حدثني فلان يعني ابن فلان ~~أو الفلاني، أو هو ابن فلان أو الفلاني أو نحو ذلك، وقد استعمله الأئمة، ~~وقد أكثر البخاري ومسلم منه غاية الإكثار، وهذا ملحظ دقيق ومن لا يعاني هذا ~~الفن قد يتوهم أن قوله: "يعني" وقوله: "هو" زيادة لا حاجة إليها، وأن الأول ~~حذفها وهذا جهل وسرها ما عرفت". # PageV01P211 ### $ 14- قولهم: دخل حديث بعضهم في بعض: # إذا روى الحفاظ حديثا في صحاحهم أو سننهم أو مسانيدهم، واتفقوا في لفظه ~~أو معناه، ووجد عند كل منهم ما انفرد به عن الباقين، وأراد راو أن يخرجه ~~عنهم بسياق واحد، فيقول حالتئذ: أخرج فلان وفلان وفلان دخل حديث بعضهم في ~~بعض إشارة إلى أن اللفظ لمجموعهم، وأن عند كل ما انفرد به عن غيره. # PageV01P211 ### $ 15- قولهم: "أصح شيء في الباب كذا": # قال النووي في الأذكار1: "لا يلزم من هذه العبارة صحة الحديث. فإنهم ~~يقولون هذا أصح ما جاء في الباب وإن كان ضعيفا ومرادهم أرجحه أو أقله ~~ضعفا". PageV01P212 ### $ 16- قولهم: "وفي الباب عن فلان": # كثيرا ما يأتي بذلك الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في جامعه حيث يقول: ~~"وفي الباب عن فلان وفلان" ويعدد صحابة، ولا يريد ذلك ms154 الحديث المعين بل ~~يريد أحاديث آخر يصح أن تكتب في الباب. قال العراقي: "وهو عمل صحيح، إلا أن ~~كثيرا من الناس يفهمون من ذلك أن من سمي من الصحابة يروون ذلك الحديث بعينه ~~وليس كذلك بل قد يكون كذلك" وقد يكون حديثا آخر يصح إيراده في ذلك الباب. # PageV01P212 ### $ 17- أكثر ما وجد من رواية التابعين بعضهم عن بعض: # قال الحافظ ابن حجر: "أكثر ما وجد من رواية التابعين عن بعض بالاستقراء ~~ستة أو سبعة". # PageV01P212 ### $ 18- هل يشترط في رواية الأحاديث السند أم لا: # اختلف العلماء فيمن نقل حديثا من كتاب من الكتب المشهورة، وليس له به سند ~~من أحد بطريق من الطرق، هل يسوغ له أن يقول قال: قال رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- كذا فالجمهور على جوازه، وضعفه قوم كما هو ظاهر كلام العراقي، ~~وصريح كلام الحافظ أبي بكر الإشبيلي، ونقل العلامة الشهاب ابن حجر المكي في ~~فتاواه الحديثية عن الزين العراقي، أنه قال: نقل الإنسان ما ليس له به ~~رواية غير سائغ بإجماع أهل الدراية، وعن الحافظ ابن جبر الإشبيلي خال ~~الحافظ السهيلي أنه قال: "اتفق العلماء أنه لا يصح لمسلم أن يقول قال النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- كذا حتى يكون عنده ذلك القول مرويا، ولو على أقل وجوه ~~الروايات"، وأطال في ذلك من النقول ثم قال: "كلام النووي، وابن الصلاح متفق ~~على عدم اشتراط تعدد الأصل المقابل عليه إذا كان النقل منه للرواية بخلافه ~~للعمل والاحتجاج فقد اشترط ابن الصلاح تعدد الأصول المقابل عليها دون ~~النووي فإنه اكتفى بأصل، واحد معتمد وقال ابن برهان: ذهب الفقهاء كافة إلى ~~أنه لا يتوقف العمل بالحديث على سماعه بل إذا صحت عنده النسخة من الصحيحين ~~مثلا، جاز له العمل بها وإن لم يسمعها". ا. ه. # وإلى هذا أشار الزين العراقي في ألفيته حيث قال: # وأخذ متن من كتاب لعمل ... أو احتجاج حيث ساغ قد جعل # عرضا له على أصول يشترط ... وقال يحيى النووي أصل فقط # ثم قال ابن حجر في الفتاوى المذكورة: ms155 "ومن هذا وما قبله تعين حمل اشتراط ~~ابن الصلاح للتعدد على الاستجباب، كما قاله جماعة، ولا منافاة بين ما قاله ~~ابن برهان من الإجماع على الجواز بشرطه على ما إذا كان لمجرد الاستنباط، ~~وبحمل عدمه بشرطه على ما إذا كان للرواية عن ذلك المصنف من غير أن تصح أصول ~~بسماعه له ولا تيقن أنه سمعه من شيخه". ا. ه. ملخصا. # وقال الحافظ السيوطي في كتابه: "تدريب الرواي شرح تقريب النواوي": # خاتمة: زاد العراقي في ألفيته هنا لأجل قول ابن الصلاح حيث ساغ له وذلك ~~أن الحافظ أبا بكر محمد بن جبر بن عمر الأموي "بفتح الهمزة" الإشبيلي خال ~~أبي القاسم السهيلي قال في برنامجه، اتفق العلماء على أنه لا يصح لمسلم أن ~~يقول قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كذا # PageV01P213 # حتى يكون عنده ذلك القول مرويا، ولو على أقل وجوه الروايات لحديث: "من ~~كذب علي". ا. ه. ولم يتعقبه العراقي، وقد تعقبه الزركشي في جزء له فقال ~~فيما قرأته بخطه: نقل الإجماع عجيب، وإنما حكى ذلك عن بعض المحدثين؛ ثم هو ~~معارض بنقل ابن برهان إجماع الفقهاء على الجواز فقال في الأوسط: ذهب ~~الفقهاء كافة إلى أنه لا يتوقف العمل بالحديث على سماعه بل إذا صح عنده ~~النسخة جاز له العمل بها، وإن لم يسمع، وحكى الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني ~~الإجماع على جواز النقل من الكتب المعتمدة، ولا يشترط اتصال السند إلى ~~مصنفيها وذلك شامل لكتب الحديث والفقه، وقال إلكيا الطبري في تعليقه من وجد ~~حديثا في كتاب صحيح جاز له أن يرويه ويحتج به، وقال قوم من أصحاب الحديث لا ~~يجوز له أن يرويه لأنه لم يسمعه، وهذا غلط. وكذا حكاه إمام الحرمين في ~~البرهان عن بعض المحدثين، وقال: هم عصبة لا مبالاة بهم في حقائق الأصول ~~-يعني المقتصرين على السماع لا أئمة الحديث- وقال الشيخ عز الدين بن عبد ~~السلام في جواب سؤال كتبه إليه محمد بن عبد الحميد: "وأما الاعتماد على كتب ~~الفقه الصحيحة الموثوق بها، فقد اتفق ms156 العلماء في هذا العصر على جواز ~~الاعتماد عليها والاستناد؛ إليها لأن الثقة قد حصلت بها كما تحصل بالرواية، ~~ولذلك اعتمد الناس على الكتب المشهورة في النحو واللغة والطب وسائر العلوم ~~لحصول الثقة بها وبعد التدليس، ومن اعتقد أن الناس قد اتفقوا على الخطأ في ~~ذلك فهو أولى بالخطأ منهم، ولولا جواز الاعتماد على ذلك لتعطيل كثير من ~~المصالح المتعلقة بها، وقد رجع الشارع إلى قول الأطباء في صور، وليست كتبهم ~~مأخوذة في الأصل إلا عن قوم كفار، ولكن لما بعد التدليس فيها اعتمد عليها ~~كما اعتمد في اللغة على أشعار العرب لبعد التدليس". ا. ه. # قال: -أي الزركشي المتقدم- "وكتب الحديث أولى بذلك من كتب الفقه وغيرها؛ ~~لاعتنائهم بضبط النسخ وتحريرها فمن قال إن شرط التخريج من كتاب يتوقف على ~~اتصال السند إليه فقد خرق الإجماع، وغاية المخرج أن ينقل الحديث من أصل ~~موثوق بصحته وينسبه إلى من رواه، ويتكلم على علته وغريبه وفقهه. قال: وليس ~~الناقل لإجماع مشهورا بالعلم مثل اشتهار هؤلاء الأئمة قال: بل نص الشافعي ~~في الرسالة على أنه يجوز أن يحدث بالخبر # PageV01P214 # وإن لم يعلم أنه سمعه، فليت شعري أي إجماع بعد ذلك؟ قال: واستدلاله على ~~المنع بالحديث المذكور أعجب وأعجب؛ إذ ليس في الحديث اشتراط ذلك وإنما فيه ~~تحريم القول بنسبة الحديث إليه حتى يتحقق أنه قاله، وهذا لا يتوقف على ~~روايته بل يكفي في ذلك وجوده في كتب من خرج الصحيح أو كونه نص على صحته ~~إمام وعلى ذلك عمل الناس". ا. ه. # "فتحرر من مجموعة ذلك أن الصحيح جواز نقل الحديث من الكتب المعتمدة ~~وإضافته إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- وإن لم يكن للناقل به رواية لكن ~~بشرط أن يكون المنقول عنه كتابا معتمدا به في الحديث مقابلا، ولو بأصل واحد ~~فلا يجوز إضافة حديث إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمجرد وجوده في ~~كتاب لم يعلم مؤلفه أو علم ولم يكن من أهل الحديث كما يؤخذ من كلام العز بن ~~جماعة" انتهى من ms157 القول السديد في اتصال الأسانيد للشهاب المنيني. # PageV01P215 ### $ 19- فوائد الأسانيد المجموعة في الأثبات: # اعلم أن في تطلب أسانيد الكتب غاية للحكماء سامية، ألا وهي التشوف إلى ~~الرجوع إليها ومطالعتها. فإن العاقل إذا رأى حرص الأقدمين على روايتها ~~بالسند إلى مصنفيها علم أن لها مقاما مكينا في سماء العرفان فيأخذ في ~~قراءتها، واقتباس الفوائد، والمعارف منها فيزداد تنورا وترقيا في سلم ~~العلوم، فإن العلم قوام العالم وعماد العمران وهو الكنز الثمين والذخر الذي ~~لا يفنى. # ومن فوائد أسانيد الكتب: حفظها من النسيان والضياع؛ ومن فوائدها: نشر ~~العلوم والمعارف وترويجها وإذاعتها بين الخاصة والعامة، لتقف عليها الطلاب ~~ومنها: الترغيب والتشويق لمطالعة الكتب فإن الرغبة في المطالعة من أكبر ~~النعم التي خص بها نوع الإنسان، ومن فوائدها الدلالة على اعتبار الأولين ~~لكتب العلم والتنويه بشأنها، وتعظيم قدرها وإعلائها فإن كتبهم تحمل علومهم ~~ومعارفهم وتذيعها في الخافقين وتقربها من طلابها ذانية القطوف، قريبة الجنا ~~والمرء يفخر وينافس أقرانه إذا لقي # PageV01P215 # رجلا من كبار العلماء، وحادثه ساعة من الزمان فكيف إذا استطاع أن يقيم ~~معه، ويحادثه مدة حياته؟ وهكذا من نظر في كتب الحديث فهو محادث للنبي -صلى ~~الله عليه وسلم- ومطلع على هديه وأخباره كما لو ساكنه، وعاشره وشافهه وما ~~أقربه وأيسره لمن روى تلك الكتب ودراها ولذلك قال الترمذي عن سننه: "من كان ~~في بيته فكأنما في بيته نبي يتكلم"، وهكذا يقال في بقية الجوامع الحديثية ~~فاعلم ذلك # وما أرق ما قاله الوزير لسان الدين بن الخطيب في مقدمة كتابه: "الإحاطة ~~في أخبار غرناطة"، ولولا ذلك لو يشعر آت في الخلق بذاهب، ولا اتصل بغائب ~~فماتت الفضائل بموت أهليها، وأفلت نجومها عن أعين مجتليها فلم يرجع إلى خبر ~~ينقل، ولا دليل يعقل، ولا سياسة تكتسب، ولا أصالة إليها ينتسب فهدى سبحانه ~~وألهم، وعلم الإنسان بالقلم ما لم يكن يعلم حتى ألفينا المراسم قائدة، ~~والمراشد هادية والأخبار منقولة والأسانيد موصولة والأصول محررة والتواريخ ~~مقررة والسير مذكورة والآثار مأثورة والفضائل من بعد أهلها باقية والمآثر ~~قاطعة شاهدة ms158 كأن نهار القرطاس وليل المداد ينافسان الليل والنهار في عالم ~~الكون والفساد، فمهما طويا شيئا ولعا بنشره أو دفنا ذكرا دعوا إلى نشره. # PageV01P216 ### $ 20- ثمرة رواية الكتب بالأسانيد في الأعصار المتأخرة: # قال الشيخ ابن الصلاح: "اعلم أن الرواية بالأسانيد المتصلة ليس المقصود ~~منها في عصرنا، وكثير من الأعصار قبله إثبات ما يروى إذ لا يخلو إسناد منها ~~عن شيخ لا يدري ما يرويه، ولا يضبط ما في كتابه ضبطا يصلح لأن يعتمد عليه ~~في ثبوته، وإنما المقصود بها بقاء سلسلة الإسناد التي خصت بها هذه الأمة، ~~زادها الله كرامة". ا. ه. # PageV01P216 ### $ 21- بيان أن تحمل الأخبار على الكيفيات المعروفة من ملح العلم لا من صلبه وكذا استخراج الحديث من طرق كثيرة: # قد بين ذلك الإمام أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله تعالى في موافقاته1 بقوله ~~في أقسام ما كان من ملح العلم: # "الثاني: تحمل الأخبار والآثار على التزام كيفيات لا يلزم مثلها، ولا ~~يطلب التزامها كالأحاديث المسلسلة التي أتى بها على وجوه ملتزمة في الزمان ~~المتقدم على غير قصد، فالتزمها المتأخرون بالقصد فصار تحملها على ذلك القصد ~~تحريا له، بحيث يتعنى في استخراجها، ويبحث عنها بخصوصها مع أن ذلك القصد لا ~~ينبني عليه عمل، وإن صحبها العمل؛ لأن تحلفه في أثناء تلك الأسانيد لا يقدح ~~في العمل بمقتضى تلك الأحاديث كما في حديث: "الراحمون يرحمهم الرحمن ... " ~~فإنهم التزموا فيه أن يكون أول حديث يسمعه التلميذ من شيخه فإن سمعه منه ~~بعد ما أخذ عنه، لم يمنع ذلك الاستفادة بمقتضاه، وكذا سائرها غير أنهم ~~التزموا ذلك على جهة التبرك، وتحسين الظن خاصة وليس بمطرد في جميع الأحاديث ~~النبوية أو أكثرها حتى يقال إنه مقصود فطلب مثل ذلك من ملح العلم لا من ~~صلبه. # "والثالث: التأنق في استخراج الحديث من طرق كثيرة لا على قصد طلب تواتره، ~~بل على أن يعد آخذا له عن شيوخ كثيرة من جهات شتى وإن كان راجعا إلى الآحاد ~~في الصحابة والتابعين أو غيرهم فالاشتغال بهذا من الملح لا من ms159 صلب العلم ~~خرج أبو عمر بن عبد البر عن حمزة بن محمد الكناني قال: خرجت حديثا واحدا عن ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- من مائتى طريق أو من نحو مائتى طريق شك الراوي، ~~فداخلني من ذلك من الفرح غير قليل وأعجبت بذلك فرأيت يحيى بن معين في ~~المنام فقلت له: يا أبا زكرياء قد خرجت حديثا عن النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- من مائتى طريق، قال فسكت عني ساعة ثم قال: أخشى أن يدخل هذا تحت: ~~"ألهاكم التكاثر"، هذا ما قال وهو صحيح في الاعتبار لأن تخريجه من طرق ~~يسيرة كاف في المقصود منه فصار الزائد على ذلك فضلا. ا. ه. PageV01P217 ### $ 22- توسع الحفاظ رحمهم الله تعالى في طبقات السماع: # قال السخاوي في فتح المغيث: "لما صار الملحوظ بقاء سلسلة الإسناد، توسعوا ~~فيه بحيث كان يكتب السماع عند المزي وبحضرته لمن يكون بعيدا عن القارئ، ~~وكذا للناعس والمتحدث والصبيان الذين لا ينضبط أحدهم بل يلعبون غالبا، ولا ~~يشتغلون بمجرد السماع حكاه ابن كثير قال: وبلغني عن القاضي التقي سليمان بن ~~حمرة أنه زجر في مجلسه الصبيان عن اللعب فقال: لا تزجروهم فإنا إنما سمعنا ~~مثلهم، وكذا حكي عن ابن المحب الحافظ التسامح في ذلك، ويقول: كذا كنا صغارا ~~نسمع، فربما ارتفعت أصواتنا في بعض الأحيان، والقارئ يقرأ فلا ينكر علينا ~~من حضر المجلس من كبار الحفاظ كالمزي، والبرزالي والذهبي وغيرهم من ~~العلماء، وذكر السخاوي قبل ذلك أن شيخنا -يعني الحافظ ابن حجر- سئل عمن لا ~~يعرف من العربية كلمة فأمر بإثبات سماعه، وكذا حكاه ابن الجزري عن كل من ~~ابن رافع وابن كثير وابن المحب، بل حكى ابن كثير أن المزي كان يحضر عنده من ~~يفهم ومن لا يفهم -يعني من الرجال- ويكتب للكل السماع، وذكر أيضا عند قول ~~العراقي: "وقبلوا من مسلم تحملا في كفره" ما نصه: "ومن هنا أثبت أهل الحديث ~~في الطباق اسم من يتفق حضوره مجالس الحديث من الكفار رجاء أن يسلم، ويؤدي ~~ما سمعه كما وقع في زمن التقي ابن ms160 تيميه أن الرئيس المطبب يوسف بن عبد ~~السيد اليهودي الإسرائيلي سمع في حال يهوديته مع أبيه من الشمس محمد بن عبد ~~المؤمن الصوري أشياء من الحديث، وكتب بعض الطلبة اسمه في الطبقة في جملة ~~أسماء السامعين فأنكر عليه، وسئل ابن تيميه عن ذلك فأجازه ولم يخالفه أحد ~~من أهل عصره بل ممن أثبت اسمه في الطبقة: الحافظ المزي، ويسر الله أنه أسلم ~~بعد، وسمي محمدا، وأدى فسمعوا منه، وممن سمع منه الحافظ الشمس الحسين وغيره ~~من أصحاب المؤلف -يعني العراقي- ولم يتيسر له هو السماع منه مع أنه رآه ~~بدمشق، ومات في رجب سنة سبع وخمسين وسبعمائة". ا. ه. # PageV01P218 ### $ 23- بيان الفرق بين المخرج "اسم فاعل" والمخرج "اسم مكان": # كثيرا ما يقولون بعد سوق الحديث: "خرجه فلان، أو أخرجه" بمعنى ذكره، ~~فالمخرج "بالتشديد أو التخفيف" اسم فاعل، هو ذاكر الرواية كالبخاري؛ وأما ~~قولهم في بعض الأحاديث: "عرف مخرجه" أو: "لم يعرف مخرجه" فهو "بفتح الميم ~~والراء" بمعنى محل خروجه، وهو رجاله الراوون له لأنه خرج منهم. # PageV01P219 ### $ 24- سر ذكر الصحابي في الأثر ومخرجه من المحدثين: # اعلم أنه يكفي في الأثر المروي ذكر الصحابي الذي رواه، ومخرجه من ~~المحدثين المشهورين، وفي ذلك فوائد جمة: أما ذكر الصحابي ففائدته أن الحديث ~~تتعدد رواته وطرقه وبعضها صحيح وبعضها ضعيف، فيذكر الصحابي ليعلم ضعيف ~~المروي من صحيحة، ومنها رجحان الخبر بحال الراوي من زيادة فقهه وورعه ~~ومعرفة ناسخه من منسوخه بتقدم إسلام الراوي وتأخره، وأما ذكر المخرج ~~ففائدته تعيين لفظ الحديث وتبيين رجال إسناده في الجملة، ومعرفة كثرة ~~المخرجين وقلتهم في ذلك الحديث لإفادة الترجيح، وزيادة التصحيح، ومنها: ~~الرجوع إلى الأصول عند الاختلاف في الفصول إلى غير ذلك من المنافع الجليلة ~~"كذا في شرح المشكاة". # PageV01P219 ### | الباب السابع: في أحوال الرواية؛ وفيه مباحث: ### $ 1- رواية الحديث بالمعنى: # اعلم أنه قد رخص في سوق الحديث بالمعنى، دون سياقه على اللفظ، جماعة ~~منهم: علي، وابن عباس، وأنس بن مالك، وأبو الدرداء، وواثلة بن الأسقع، وأبو ~~هريرة -رضي الله عنهم- ثم جماعة من ms161 التابعين يكثر عددهم منهم إمام الأئمة ~~الحسن البصري ثم الشعبي وعمرو بن دينار وإبراهيم النخعي ومجاهد وعكرمة نقل ~~ذلك عنهم في كتب سيرهم بأخبار مختلفة الألفاظ، وقال ابن سيرين: "كنت أسمع ~~الحديث من عشرة، المعنى واحد والألفاظ مختلفة" وكذلك اختلفت ألفاظ الصحابة ~~في رواية الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فمنهم من يرويه تاما ~~ومنهم من يأتي بالمعني، ومنهم من يورده مختصرا وبعضهم يغاير بين اللفظين ~~ويراه واسعا إذا لم يخالف المعنى، وكلهم لا يتعمد الكذب، وجميعهم يقصد ~~الصدق، ومعنى ما سمع فلذلك وسعهم وكانوا يقولون: "إنما الكذب على من تعمده" ~~وقد روي عن عمران بن مسلم، قال رجال للحسن: يا أبا سعيد إنما تحدث بالحديث ~~أنت أحسن له سياقا، وأجود تحبيرا، وأفصح به لسانا منه إذا حدثنا به. فقال: ~~"إذا أصيب المعنى فلا بأس بذلك" وقد قال النضر بن شميل: "كان هشيم لحانا ~~فكسوت لكم حديثه كسوة حسنة -يعني بالإعراب- وكان النضر بن شميل نحويا، وكان ~~سفيان يقول: "إذا رأيتم يشدد في ألفاظ الحديث في المجلس، فاعلم أنه يقول: ~~اعرفوني" قال: وجعل رجل يسأل يحيى بن سعيد القطان عن حرف في الحديث على ~~لفظه # PageV01P221 # فقال له يحيى: يا هذا ليس في الدنيا أجل من كتاب الله تعالى، قد رخص ~~للقراءة فيه بالكلمة على سبعة أحرف فلا تشدد!. # وفي شرح التقريب1 للحافظ السيوطي في النوع السادس والعشرين، في الفرع ~~الرابع منه، ما نصه مع بعض اختصار: "إن لم يكن الراوي عالما بالألفاظ، ~~خبيرا بما يحيل معانيها لم تجز له الرواية، لما سمعه بالمعنى بلا خلاف، بل ~~يتعين اللفظ الذي سمعه فإن كان عالما بذلك فقالت طائفة من أهل الحديث ~~والفقه والأصول: لا يجوز إلا بلفظه، وإليه ذهب ابن سيرين وثعلب وأبو بكر ~~الرازي من الحنفية، وروي عن ابن عمر وقال جمهور السلف والخلف من الطوائف، ~~منهم الأئمة الأربعة: يجوز بالمعنى في جميع ذلك إذا قطع بأداء المعنى؛ لأن ~~ذلك هو الذي يشهد به أحوال الصحابة والسلف، ويدل عليه رواياتهم اللفظة ms162 ~~الواحدة بألفاظ مختلفة، وقد ورد في المسألة حديث مرفوع رواه ابن منده في: ~~"معرفة الصحابة" والطبراني في: "الكبيرة" من حديث عبد الله بن سليمان بن ~~أكثم الليثي قال: قلت: يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إني إذا سمعت منك ~~الحديث لا أستطيع أن أرويه كما أسمع منك يزيد حرفا أو ينقص حرفا فقال: "إذا ~~لم تحلوا حراما ولم تحرموا حلالا وأصبتم المعنى فلا بأس" فذكرت ذلك للحسن ~~فقال: "لولا هذا ما حدثنا! " وقد استدل الشافعي لذلك بحديث: "أنزل القرآن ~~على سبعة أحرف" 2. وروى البيهقي عن مكحول قال: دخلت أنا وأبو الأزهر على ~~وأثلة بن الأسقع فقلنا له: "حدثنا بحديث سمعته من رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- ليس فيه وهم ولا تزيد ولا نسيان! " فقال: "هل قرأ أحد منكم من القرآن ~~شيئا فقلنا: نعم وما نحن بحافظين له جدا إنا نريد الواو والألف وننقص فقال: ~~فهذا القرآن مكتوب بين أظهركم لا تألونه حفظا، وإنكم تزعمون أنكم تزيدون ~~وتنقصون، فكيف بأحاديث سمعناها من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عسى أن ~~لا يكون سمعنا لها منه إلا مرة واحدة؟ حسبكم إذا حدثنا كم بالحديث على ~~المعنى". PageV01P222 # وأسند أيضا في: "المدخل" عن جابر بن عبد الله قال حذيفة: "إنا قوم عرب ~~نورد الحديث فنقدم ونؤخر" وأسند أيضا عن شعيب بن الحجاب قال: "دخلت أنا، ~~وعبدان على الحسن فقلنا: يا أبا سعيد الرجل يحدث بالحديث فيزيد فيه، أو ~~ينقص منه" قال: "إنما الكذب من تعمد ذلك". # وأسند أيضا عن جرير بن حازم، قال: "سمعت الحسن يحدث بأحاديث الأصل واحد ~~والكلام مختلف" وأسند عن ابن عمون قال: "كان الحسن وإبراهيم والشعبي يأتون ~~بالحديث على المعاني" وأسند عن أويس قال: "سألنا الزهري عن التقديم ~~والتأخير في الحديث فقال: هذا يجوز في القرآن فكيف به في الحديث وإذا أصيب ~~معنى الحديث فلم يحل به حراما، ولم يحرم حلالا فلا بأس" ونقل ذلك سفيان عن ~~عمرو بن دينار وأسند عن وكيع قال: "إن لم يكن المعنى واسعا فقد هلك ms163 الناس". ~~ا. ه. "ذكره السيد مرتضى في شرح الإحياء". # وقال الحكيم الترمذي قدس الله سره في كتابه: "نوادر الأصول": # الأصل الثامن والستون والمائتان: في سرد رواية الحديث بالمعنى عن عبد ~~الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم1: ~~"نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه كما سمع منا فإنه رب مبلغ هو أوعى له ~~من سامع" ثم رواه عن زيد بن ثابت، وجبير بن مطعم قال الترمذي قدس سره اقتضى ~~العلماء الأداء، وتبليغ العلم فلو كان اللازم لهم أن يؤدوا تلك الألفاظ ~~التي بلغت أسماعهم بأعيانها بلا زيادة، ولا نقصان، ولا تقديم ولا تأخير ~~كانوا يستودعونها الصحف كما فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالقران ~~فكان إذا نزل الوحي دعا الكاتب فكتبه مع ما توكل الله له يجمعه، وقرآنه ~~فقال2: {إن علينا جمعه وقرآنه} . وقال3: {وإنا له لحافظون} فكان الوحي ~~محروسا بكتبه ولو كانت هذه الأحاديث سبيلها PageV01P223 # هكذا لكتبها أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهل جاءنا عن أحد منهم ~~أنه فعل ذلك؟ وجاء عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما، أنه استأذن رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- في صحيفة فأذن له، وأما سائر الأخبار فإنهم ~~تلقوها منه حفظا وأدوها حفظا فكانوا يقدمون ويؤخرون، وتختلف ألفاظ الرواية ~~فيما لا يتغير معناه فلا ينكر ذلك منهم، ولا يرون بذلك بأسا. # ثم أسند الترمذي قدس سره عن أبي هريرة وعبد الله بن أكيمة مرفوعا جواز ~~ذلك إذا لم يحرم حلال ولم يحل حرام وأصيب المعنى كما تقدم قيل ثم قال ~~الترمذي: "فمن أراد أن يؤدي إلى من بعده حديثا قد سمعه جاز له، أن يغير ~~لفظه ما لم يتغير المعنى". ا. ه. # وقال الإمام ابن فارس في جزئه في المصطلح في الكلام على من كان من الرواة ~~يتورع في أداء اللفظ الملحون ويكتب عليه "كذا" ما مثاله: "هذا التثبت حسن ~~لكن أهل العلم قد يتساهلون إذا أدوا المعنى، ويقولون: لو كان أداء اللفظ ~~واجبا حتى لا ms164 يغفل منه حرف لأمرهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بإثبات ~~ما يسمعون منه كما أمرهم بإثبات الوحي الذي لا يجوز تغيير معناه ولا لفظه ~~فلما لم يأمرهم بإثبات ذلك دل على أن الأمر في التحديث أسهل وإن كان أداء ~~ذلك اللفظ الذي سمعه أحسن". ا. ه. # وقال الحافظ ابن حجر في شرح النخبة: "وأما الرواية بالمعنى فالخلاف فيها ~~شهير، والأكثر على الجواز أيضا ومن أقوى حججهم الإجماع على شرح الشريعة ~~للعجم بلسانهم للعارف به. فإذا جاز الإبدال بلغة أخرى فجوازه باللغة ~~العربية أولى، وقيل: إنما يجوز في المفردات دون المركبات، وقيل: إنما يجوز ~~لمن يستحضر اللفظ ليتمكن من التصرف فيه، وقيل: إنما يجوز لمن كان يحفظ ~~الحديث فنسي لفظه، وبقي معناه مرتسما في ذهنه فله أن يرويه بالمعنى لمصلحة ~~تحصيل الحكم منه بخلاف من كان مستحضرا للفظه وجميع ما تقدم يتعلق بالجواز ~~وعدمه، ولا شك أن الأولى إيراد الحديث بألفاظه دون التصرف فيه قال القاضي ~~عياض: "ينبغي سد باب الرواية بالمعني لئلا يتسلط من لا يحسن ممن يظن أنه ~~يحسن كما وقع لكثير من الرواة قديما وحديثا والله الموفق". # PageV01P224 # تنبيه: احتج بعضهم لمنع الرواية بالمعنى بحديث: "نضر الله امرأ سمع ~~مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها" وبأنه -صلى الله عليه وسلم- مخصوص بجوامع ~~الكلم، ففي النقل بعبارة أخرى لا يؤمن الزيادة والنقصان. # والجواب عن الأول: بأن الأداء كما سمع، ليس مقصورا على نقل اللفظ، بل ~~النقل بالمعنى من غير تغيير، أداء كما سمع، فإنه أدى المعنى كما سمع لفظه، ~~وفهمه منه نظيره أن الشاهد والمترجم إذا أدى المعنى من غير زيادة ولا ~~نقصان، يقال إنه أدى كما سمع، وإن كان الأداء بلفظ آخر. ولو سلم أن الأداء ~~كما سمع مقصور على نقل اللفظ، فلا دلالة في الحديث على عدم الجواز غايته ~~أنه دعاء للناقل باللفظ لكونه أفضل، ولا نزاع في الأفضلية وعن الثاني بأن ~~الكلام في غير جوامع الكلم ونظائرها. "كذا في المرآة وحواشيها". # PageV01P225 ### $ 2- جواز رواية بعض الحديث بشروطه: # قال الحافظ ابن ms165 حجر في شرح النخبة: "أما اختصار الحديث فالأكثر على جوازه ~~بشرط أن يكون الذي يختصره عالما؛ لأن العالم لا ينقص من الحديث إلا ما لا ~~تعلق له بما يبقيه منه، بحيث لا تختلف الدلالة، ولا يختل البيان، حتى يكون ~~المذكور والمحذوف بمنزلة خبرين، أو يدل ما ذكره على ما حذفه؛ بخلاف الجاهل ~~فإنه قد ينقص ما له تعلق، كترك الاستثناء". # وقال النووي رحمه الله في شرح مسلم: "الصحيح الذي ذهب إليه الجماهير ~~والمحققون من أصحاب الحديث جواز رواية بعض الحديث من العارف، إذا كان ما ~~تركه غير متعلق بما رواه، بحيث لا يختل البيان، ولا تختلف الدلالة في تركه، ~~سواء جوزنا الرواية بالمعنى أم لا، وسواء رواه قبل تاما أم لا". # ثم قال: وأما تقطيع المصنفين الحديث في الأبواب، فهو بالجواز أولى، بل ~~يبعد طرد الخلاف فيه؛ وقد استمر عليه عمل الأئمة الحفاظ الجلة من المحدثين ~~وغيرهم من أصناف العلماء. ا. ه. # PageV01P225 ### $ 3- سر تكرار الحديث في الجوامع والسنن والمسانيد: # قال الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح1 في الفصل الثالث في بيان تقطيع ~~البخاري للحديث، واختصاره وفائدة إعادته له في الأبواب وتكراره ما نصه "قال ~~الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي فيما رويناه عنه في جزء سماه جواب ~~المتعنت اعلم أن البخاري رحمه الله كان يذكر الحديث في كتابه مواضع، ويستدل ~~به في كل باب بإسناد آخر، ويستخرج منه بحسن استنباطه، وغزارة فقهه معنى ~~يقتضيه الباب الذي أخرجه فيه وقلما يورد حديثا في موضعين بإسناد واحد ولفظ ~~واحد، وإنما يورده من طريق أخرى لمعان نذكرها والله أعلم بمراده منها. # "فمنها: أنه يخرج الحديث عن صحابي ثم يورده عن صحابي آخر، والمقصود منه ~~أن يخرج الحديث عن حد الغرابة وكذلك يفعل في أهل الطبقة الثانية والثالثة ~~وهلم جرا إلى مشايخه فيعتقد من يرى ذلك من غير أهل الصنعة أنه تكرار، وليس ~~كذلك لاشتماله على فائدة زائدة. # ومنها: أنه صحح أحاديث على هذه القاعدة يشتمل كل حديث منها على معان ~~متغايرة فيورده ms166 في كل باب من طريق غير الطريق الأولى. # ومنها أحاديث يرويها بعض الرواة تامة ويرويها بعضهم مختصرة فيوردها كما ~~جاءت ليزيل الشبهة عن ناقليها. # ومنها: أن الرواة ربما اختلفت عباراتهم فحدث راو بحديث فيه كلمة تحتمل ~~معنى، وحدث به آخر فعبر عن تلك الكلمة بعينها بعبارة أخرى تحتمل معنى آخر ~~فيورده بطرقه إذا صحت على شرطه ويفرد لكل لفظه بابا مفردا. PageV01P226 # ومنها: أحاديث تعارض فيها الوصل والإرسال، ورجح عنده الوصل فاعتمده، ~~وأورد الإرسال منبها على أنه لا تأثير له عنده في الوصل. # ومنها: أحاديث تعارض فيها الوقف والرفع والحكم فيها كذلك. # ومنها: أحاديث زاد فيها بعض الرواة رجلا في الإسناد، ونقصه بعضهم فيوردها ~~على الوجهين حيث يصح عنده أن الراوي سمعه من شيخ حدثه به عن آخر ثم لقي ~~الآخر فحدثه به فكان يرويه، على الوجهين. # ومنها: أنه ربما أورد حديثا عنعنه راويه فيرويه من طريق أخرى مصرحا فيها ~~بالسماع على ما عرف من طريقته في اشتراط ثبوت اللقاء في المعنعن، فهذا ~~جميعه فيما يتعلق بإعادة المتن الواحد في موضع آخر أو أكثر. # وأما تقطيعه للحديث في الأبواب تارة، واقتصاره منه على بعضه أخرى فذلك ~~لأنه إن كان المتن قصيرا أو مرتبطا بعضه ببعض، وقد اشتمل على حكمين فصاعدا ~~فإنه يعيده بحسب ذلك مراعيا مع ذلك عدم إخلائه من فائدة حديثية، وهي إيراده ~~له عن شيخ سوى الشيخ الذي أخرجه عنه قبل ذلك كما تقدم تفصيله فيستفيد بذلك ~~تكثير الطرق لذلك الحديث، وربما ضاق عليه مخرج الحديث حيث لا يكون له إلا ~~طريق واحدة فيتصرف حينئذ فيه فيورده في موضع موصولا، وفي موضع معلقا ويورده ~~تارة تاما وتارة مقتصرا على طرفه الذي يحتاج إليه في ذلك الباب فإن كان ~~المتن مشتملا على جمل متعددة لا تعلق لإحداها بالأخرى فإنه يخرج كل جملة ~~منها في باب مستقل فرارا من التطويل، وربما نشط فساقه بتمامه فهذا كله في ~~التقطيع. # "وقد حكى بعض شراح البخاري أنه وقع في أثناء الحج في بعض النسخ ms167 بعد باب ~~قص الخطبة بعرفة باب تعجيل الوقوف قال أبو عبد الله يزاد في هذا الباب حديث ~~مالك عن ابن شهاب ولكني لا أريد أن أدخل فيه معادا". ا. ه. # وهو يقتضي أن لا يتعمد أن يخرج في كتابه حديثا معادا بجميع إسناده ومتنه، ~~وإن كان قد وقع له من ذلك شيء فعن غير قصد، وهو قليل جدا # PageV01P227 # "وأما اقتصاره على بعض المتن ثم لا يذكر الباقي في موضع آخر، فإنه لا يقع ~~له ذلك الغالب، إلا حيث يكون المحذوف موقوفا على الصحابي؛ وفيه شيء، قد ~~يحكم يرفعه فيقتصر على الجملة التي يحكم لها بالرفع، ويحذف الباقي لأنه لا ~~تعلق له بموضوع كتابه كما وقع في حديث هزيل بن شرحبيل عن عبد الله بن مسعود ~~رضي الله تعالى عنه قال: إن أهل الإسلام لا يسيبون وإن أهل الجاهلية كانوا ~~يسيبون هكذا أورده وهو مختصر من حديث موقوف أوله جاء رجل إلى عبد الله بن ~~مسعود فقال إني أعتقت عبدا لي سائبة فمات، وترك مالا ولم يدع وارثا، فقال ~~عبد الله: "إن أهل الإسلام لا يسيبون، وإن أهل الجاهلية كانوا يسيبون فأنت ~~ولي نعمته فلك ميراثه فإن تأثمت، وتحرجت في شيء فنحن نقبله منك ونجعله في ~~بيت المال" فاقتصر البخاري على ما يعطي حكم الرفع من هذا الحديث الموقوف، ~~وهو قوله: "إن أهل الإسلام لا يسيبون" لأنه يستدعى بعمومه النقل عن صاحب ~~الشرع لذلك الحكم واختصر الباقي لأنه ليس من موضوع كتابه، وهذا من أخفى ~~المواضع التي وقعت له من هذا الجنس وإذا تقرر ذلك اتضح أنه لا يعيد إلا ~~لفائدة حتى لو لم تظهر لإعادته فائدة من جهة الإسناد ولا من جهة المتن لكان ~~ذلك لإعادته لأجل مغايرة الحكم التي1 تشتمل عليه ترجمة الثانية موجبا لئلا ~~يعد مكررا فلا فائدة. كيف وهو لا يخليه مع ذلك من فائدة إسنادية وهي إخراجه ~~للإسناد عن شيخ غير الشيخ الماضي أو غير ذلك والله الموفق". انتهى كلام ~~الحافظ ابن حجر وبه يعلم سر ms168 صنيع من حذا حذو الإمام البخاري في مشربه ~~جميعه، أو بعضهن فتدبر فإنه من البدائع. PageV01P228 ### $ 5- ذكر الخلاف في الاستشهاد بالحديث على اللغة والنحو وكذلك بكلام الصحابة وآل البيت -رضي الله عنهم: # قال الشيخ عبد القادر البغدادي في خزانة الأدب، على شواهد شرح الكافية: ~~"قال الأندلسي في شرح بديعية رفيقه ابن جابر: علوم الأدب ستة وهي: الصرف ~~والنحو واللغة والمعاني والبيان والبديع؛ والثلاثة الأول لا يستشهد عليها ~~إلا بكلام العرب، دون الثلاثة الأخيرة فإنه يستشهد فيها بكلام غيرهم من ~~المولدين لأنها راجعة إلى المعاني، ولا فرق في ذلك بين العرب وغيرهم، ولذلك ~~قبل من أهل هذا الفن الاستشهاد بكلام البحتري وأبي تمام وأبي الطيب وهلم ~~جرا، قال وأقول الكلام الذي يستشهد به نوعان شعر وغيره فقائل الأول العلماء ~~على طبقات أربع: # الطبقة الأولى: الشعراء الجاهليون، وهم قبل الإسلام كامرئ القيس والأعشى، ~~والثانية: المخضرمون وهم الذين أدركوا الجاهلية والإسلام كلبيد وحسان، ~~والثالثة: المتقدمون ويقال لهم الإسلاميون وهم الذين كانوا في صدر الإسلام ~~كجرير والفرزدق، والرابعة المولدون ويقال لهم المحدثون وهم من بعدهم إلى ~~زماننا كبشار بن برد وأبي نواس. # فالطبقتان الأوليان يستشهد بشعرهما إجماعا وأما الثالثة فالصحيح صحة ~~الاستشهاد -لعل الصواب عدم صحة الاستشهاد- بكلامها وقد كان أبو عمرو بن ~~العلاء، وعبد الله بن أبي إسحاق والحسن البصري وعبد الله بن شبرمة يلحنون ~~الفرزدق والكميت وذا الرمة وأضرابهم وكانوا يعدونهم من المولدين لأنهم ~~كانوا في عصرهم، وأما الرابعة فالصحيح أنه لا يحتج بكلامها مطلقا، وقيل ~~يحتج بكلام من يوثق به منهم واختاره الزمخشري وتبعه الشارح المحقق "أي ~~الرضي" فإنه استشهد بشعر أبي تمام في عدة مواضع من هذا الشرح، واستشهد ~~الزمخشري أيضا في تفسير أوائل البقرة من الكشاف ببيت من شعره، وقال: وهو ~~وإن كان محدثا لا يستشهد بشعره في اللغة فهو عن علماء العربية فاجعل ما ~~يقوله بمنزلة ما يرويه. # PageV01P229 # وأما قائل الثاني "أي غير الشعر" فهو إما ربنا تبارك وتعالى، فكلامه عز ~~اسمه أفصح كلام وأبلغه، وإما أحد الطبقات الثلاث الأولى ms169 من طبقات الشعر ~~التي قدمناها. # وأما الاستدلال بحديث النبي -صلى الله عليه وسلم- فقد جوزه ابن مالك ~~ومنعه ابن الضائع وأبو حيان وسندهما أمران: أحدهما: أن الأحاديث لم تنقل ~~كما سمعت من النبي -صلى الله عليه وسلم- وإنما رويت بالمعنى. وثانيهما: أن ~~أئمة النحو المتقدمين من المصرين لم يحتجوا بشيء منه، ورد الأول على تقدير ~~تسليمه بأن النقل بالمعنى إنما كان في الصدر الأول قبل تدوينه في الكتب، ~~وقبل فساد اللغة، وغايته تبديل لف بلفظ يصح الاحتجاج به، ورد الثاني: بأنه ~~لا يلزم من عدم استدلالهم بالحديث عدم صحة الاستدلال به. # "والصواب جواز الاحتجاج بالحديث للنحوي في ضبط ألفاظه، ويلحق به ما روي ~~عن الصحابة وأهل البيت". # وقال السيوطي في "الاقتراح": "وأما كلامه -صلى الله عليه وسلم- فيستدل ~~منه بما ثبت أنه قاله على اللفظ المروي، وذلك نادر جدا، إنما يوجد في ~~الأحاديث القصار، على قلة أيضا، فإن غالب الأحاديث مروي بالمعنى، وقد ~~تداولتها الأعاجم والمولوون قبل تدوينها، وفرووها بما أدت إليه عباراتهم، ~~فزادوا ونقصوا، وقدموا وأخروا، وبدلوا ألفاظا بألفاظ، ولهذا ترى الحديث ~~الواحد في القصة الواحدة مرويا على أوجه شتى بعبارات مختلفة". # وقال أبو حيان في شرح التسهيل: "قد أكثر المصنف من الاستدلال بما وقع في ~~الأحاديث على إثبات القواعد الكلية في لسان العرب، وما رأيت أحدا من ~~المتقدمين والمتأخرين سلك هذه الطريقة وقد جرى الكلام في ذلك مع بعض ~~المتأخرين الأذكياء فقال: إنما ذكر العلماء ذلك لعدم وثوقهم أن ذلك لفظ ~~الرسول -صلى الله عليه وسلم- وإنما كان كذلك لأمرين أحدهما أن الرواة جوزوا ~~النقل بالمعنى، وقد قال سفيان الثوري: إن قلت لكم إني أحدثكم كأسمعت فلا ~~تصدقوني إنما هو المعنى والأمر الثاني أنه وقع اللحن كثيرا فيما روي من ~~الحديث لأن كثيرا من الرواة كانوا غير عرب بالطبع ويتعلمون لسان العرب # PageV01P230 # بصناعة النحو، فوقع اللحن في كلامهم وروايتهم، وهم لا يعلمون، ودخل في ~~كلامهم وروايتهم غير الفصيح من لسان العرب" انتهى باختصار. # قال بعضهم: ويلحق بذلك ما روي من خطب الإمام ms170 علي التي جمعها السيد الرضي ~~في كتاب: "نهج البلاغة"؛ وهذه أيضا لم يثبت أنها لفظ الإمام، فقد جاء في ~~خطبة جامع الكتاب ما نصه: "وربما جاء في أثناء هذا الاختيار اللفظ المردد ~~والمعنى المكرر والعذر في ذلك أن روايات كلامه تختلف اختلافا شديدا فربما ~~اتفق الكلام المختار في رواية فنقل على وجهه ثم وجد بعد ذلك في رواية أخرى ~~موضوعا غير وضعه الأول إما بزيادة مختارة أو بلفظ عبارة لتقتضى الحال أن ~~يعاد، واستظهارا للاختيار وغيره على عقائل الكلام" انتهى بحروفه. # بل جاء في ترجمة ابن خلكان للشريف المرتضى أخي الشريف الرضي ما نصه: "وقد ~~اختلف الناس في كتاب نهج البلاغة المجموع من كلام الإمام علي بن أبي طالب ~~-رضي الله عنه- هل هو جمعه أم جمع أخيه الرضي؟ وقد قيل: إنه ليس من كلام ~~علي، وإنما الذي جمعه ونسبه إليه هو الذي وضعه والله أعلم". # PageV01P231 ### | الباب الثامن: في ### | آداب المحدث # وطالب الحديث وغير ذلك؛ وفيه مسائل ### | 1- # آداب المحدث: # قال حجة الإسلام الغزالين في كتاب: "الأدب في الدين"1 ما مثاله: آداب ~~المحدث: يقصد الصدق ويجتنب الكذب ويحدث بالمشهور، ويروى عن الثقات ويترك ~~المناكير ولا يذكر ما جرى بين السلف، ويعرف الزمان ويتحفظ من الزلل ~~والتصحيف واللحن والتحريف ويدع المداعبة ويقل المشاغبة ويشكر النعمة إذ جعل ~~في درجة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ويلزم التواضع ويكون معظم ما يحدث به ~~ما ينتفع المسلمون به من فرائضهم وسننهم وآدابهم في معاني كتاب ربهم عز ~~وجل، ولا يحمل علمه إلى الوزراء ولا يغشى أبواب الأمراء فإن ذلك يزري ~~بالعلماء، ويذهب بهاء علمهم إذا حملوه إلى ملوكهم ومياسيرهم ولا يحدث بما ~~لا يعلمه في أصله ولا يقرأ عليه ما لا يراه في كتابه ولا يتحدث إذا قرئ ~~عليه، ويحذر أن يدخل حديثا في حديث. PageV01P233 ### $ 2- آداب طالب الحديث: # يكتب المشهور، ولا يكتب الغريب، ولا يكتب المناكير، ويكتب عن الثقات، ولا ~~يغلبه شهرة الحديث على قرينه، ولا يشغله طلبه عن مروءته وصلاته يجتنب ~~الغيبة وينصت للسماع ويلزم الصمت ms171 بين يدي محدثه، ويكثر التلفت عند إصلاح ~~نسخته، ولا يقول: سمعت وهو ما سمع، ولا ينشره لطلب العلو فيكتب من غير ثقة ~~ويلزم أهل المعرفة بالحديث من أهل الدين، ولا يكتب عمن لا يعرف الحديث من ~~الصالحين1. ا. ه. PageV01P234 ### $ 3- ما يفتقر إليه المحدث: # قال النووي: "مما يفتقر إليه من أنواع العلوم، صاحب هذه الصناعة، معرفة ~~الفقه والأصولين، والعربية، وأسماء الرجال، ودقائق علم الأسانيد، والتاريخ، ~~ومعاشرة أهل هذه الصنعة، ومباحثتهم مع حسن الفكر ونباهة الذهن، ومداومة ~~الاشتغال ونحو ذلك من الأدوات التي يفتقر إليها". # PageV01P234 ### | ما يستحب للمحدث عند التحديث # ... ### | 4- # ما يستحب للمحدث عنه التحديث: # يستحب له إذا أراد حضور مجلس التحديث أن يتطهر بغسل أو وضوء، ويتطيب ~~ويتبخر ويستاك كما ذكره ابن السمعاني، ويسرح لحيته ويجلس في صدر مجلسه ~~متمكنا في جلوسه بوقار وهيبة، وقد كان مالك يفعل ذلك فقيل له فقال: "أحب أن ~~أعظم حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا أحدث إلا على طهارة متمكنا". ~~وكان يكره أن يحدث في الطريق أو وهو قائم "أسنده البيهقى" وأسند عن قتادة ~~قال: "لقد كان يستجب أن لا تقرأ الأحاديث إلا على طهارة"، وعن ضرار بن مرة ~~قال: "كانوا يكرهون أن يحدثوا على غير طهر"، وعن ابن المسيب أنه سئل عن ~~حديث، وهو مضطجع في مرضه فجلس، وحدث به فقيل له وددت أنك لم تتعن فقال: ~~"كرهت أن أحدث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنا مضطجع". وعن بشر بن ~~الحارث أن ابن المبارك سئل عن حديث وهو يمشي فقال: "ليس هذا من توقير ~~العلم! " وعن مالك قال: "مجالس العلم تحتضر # PageV01P234 # بالخشوع والسكينة والوقار، ويكره أن يقوم لأحد" فقد قال: إذا قام القارئ ~~لحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأحد فإنه يكتب عليه خطيئة، فإن رفع ~~أحد صوته في المجلس زبره - أي انتهره- وزجره فقد كان مالك يفعل ذلك أيضا ~~ويقول قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت ~~النبي} 1 فمن رفع صوته عند حديثه فكأنما رفع صوته ms172 فوق صوته، ويقبل على ~~الحاضرين كلهم فقد قال حبيب بن أبي ثابت: "إن من السنة إذا حدث الرجل القوم ~~أن يقبل عليهم جميعا ويفتتح مجلسه ويختمه بتحميد الله تعالى والصلاة على ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- ودعاء يليق بالحال بعد قراءة قارئ حسن الصوت ~~شيئا من القرآن العظيم فقد روى الحاكم في: "المستدرك" عن أبي سعيد قال: كان ~~أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا اجتمعوا تذاكروا العلم، وقرءوا ~~سورة، ولا يسرد الحديث سردا عجلا يمنع فهم بعضه كما روي عن مالك أنه كان لا ~~يستعجل ويقول: "أحب أن أفهم حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم" وأورد ~~البيهقي في ذلك حديث البخاري عن عروة قال: جلس أبو هريرة إلى جنب حجرة ~~عائشة، وهي تصلي فجعل يحدث فلما قضت صلاتها قال: ألا تعجب إلى هذا وحديثه ~~إن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يسرد الحديث كسردكم" في لفظ عند ~~البيهقي عقيبه: "إنما كان حديثه فصلا تفهمه القلوب" "كذا في التقريب شرحه ~~التدريب"2. PageV01P235 ### $ 5- بيان طرق درس الحديث: # اعلم أن لدرس الحديث ثلاثة طرق عند العلماء: # أولها: السرد: وهو أن يتلو السيخ المسمع أو القارئ كتابا من كتب هذا الفن ~~من دون تعرض لمباحثه اللغوية والفقهية وأسماء الرجال ونحوها وثانيها: طريق ~~الحل والبحث: وهو أن يتوقف بعد تلاوة الحديث الواحد مثلا على لفظه الغريب، ~~وتراكيبه العويصة، واسم قليل الوقوع من أسماء الإسناد، وسؤال ظاهر الورود ~~والمسألة المنصوص عليها، ويحله بكلام متوسط ثم يستمر في قراءة ما بعدها. # وثالثها: طريق الإمعان: وهو أن يذكر على كلمة ما لها وما عليها، كما يذكر ~~مثلا على كل كلمة غريبة، وتراكيب عويصة شواهدها من كلام الشعراء، وأخوات ~~تلك الكلمة وتراكيبها في الاشتقاق ومواضع استعمالاتها؛ وفي أسماء الرجال ~~حالات قبائلهم وسيرهم ويخرج المسائل الفقيهة على المسائل المنصوص عليها ~~ويقص القصص العجيبة والحكايات الغريبة بأذنى مناسبة، وما أشبهها فهذه الطرق ~~هي المنقولة عن علماء الحرمين قديما وحديثا. # قال المولى ولي الله الدهلوي، ومختار الشيخ حسن العجيمي، والشيخ أحمد ~~القطان، ms173 والشيخ أبي طاهر الكردي: هو الطريق الأول -يعني السرد- بالنسبة إلى ~~الخواص المتبحرين ليحصل لهم سماع الحديث، وسلسلة روايته على عجالة ثم إحالة ~~بقية المباحث على شروحه لأن ضبط الحديث مداره اليوم على تتبع الشروح ~~والحواشي، وبالنسبة إلى المبتدئين والمتوسطين الطريق الثاني -يعني البحث ~~والحل- ليحيطوا بالضروري في علم الحديث علما، ويستفيدوا منه على وجه ~~التحقيق دركا وفهما، وعلى هذا يسرحون أنظارهم في شرح من شروح كتب الحديث ~~غالبا، ويرجعون إليه أثناء البحث لحل العضال ورفع الإشكال، وأما الطريق ~~الثالث فهو طريقة القصاص القاصدين منه إظهار الفضل والعلم لأنفسهم ونحوها ~~والله أعلم. # PageV01P236 ### $ 6- أمثلة من لا تقبل روايته ومنهم من يحدث لا من أصل مصحح: # في التقريب وشرحه1، في المسألة الحادية عشرة من النوع الثالث والعشرين ما ~~نصه: # "لا تقبل رواية من عرف بالتساهل في سماعه أو في إسماعه، كمن لا يبالي ~~بالنوم في السماع منه أو عليه، أو يحدث لا من أصل مصحح مقابل على أصله أو ~~أصل شيخه". PageV01P237 ### $ 7- الأدب عند ذكره تعالى وذكر رسوله والصحابة والتابعين: # قال النووي: "يستحب لكاتب الحديث إذا مر ذكر الله عز وجل أن يكتب: "عز ~~وجل" أو "تعالى" أو "سبحانه وتعالى" أو "تبارك وتعالى" أو "جل ذكره" أو ~~"تبارك اسمه" أو "جلت عظمته" أو ما أشبه ذلك وكذلك يذكر عند ذكر النبي -صلى ~~الله عليه وسلم: "بكمالهما لا رمزا إليهما ولا مقتصرا على أحدهما، وكذلك ~~يقول في الصحاب: "رضي الله عنه" فإن كان صحابيا ابن صحابي قال: "رضي الله ~~عنهما" وكذلك يترضى ويترحم على سائر العلماء والأخيار ويكتب1 كل هذا وإن لم ~~يكن مكتوبا في الأصل الذي ينقل منه، فإن هذا ليس رواية وإنما هو دعاء، ~~وينبغي للقارئ أن يقرأ كل ما ذكرناه، وإن لم يكن مذكورا في الأصل الذي يقرأ ~~منه، ولا يسأم من تكرر ذلك ومن أغفل هذا حرم خيرا عظيما وفوت فضلا جسيما". ~~PageV01P237 ### $ 8- الاهتمام بتجويد الحديث: # قال الإمام البديري في آخر شرحه لمنظومة البيقونية: "أما قراءة الحديث ~~مجودة كتجويد القرآن فهي مندوبة. وذلك ms174 لأن التجويد من محاسن الكلام، ومن ~~لغة العرب، ومن فصاحة المتكلم وهذه المعاني مجموعة فيه -صلى الله عليه ~~وسلم- فمن تكلم بحديثه -صلى الله عليه وسلم- فعليه بمراعاة ما نطق به -صلى ~~الله عليه وسلم". ا. ه. # ولا يخفى أن التجويد من مقتضيات اللغة العربية؛ لأنه من صفاتها الذاتية؛ ~~لأن العرب لم تنطق بكلمها إلا مجودة فمن نطق بها غير مجودة، فكأنه لم ينطق ~~بها فما هو في الحقيقة من محاسن الكلام بل من الذاتيات له فهو إذن من طبيعة ~~اللغة لذلك من تركه لقد وقع في اللحن الجلي لأن العرب لا تعرف الكلام إلا ~~مجودا. # PageV01P238 ### | الباب التاسع: في كتب الحديث؛ وفيه فوائد ### $ 1- بيان طبقات كتب الحديث: # قال الإمام العارف الكبير الشيخ أحمد المعروف بشاه ولي الله الدهلوي قدس ~~الله سره في كتابه: "حجة الله البالغة"1 تحت الترجمة المذكورة ما نصه: ~~"اعلم أنه لا سبيل لنا إلى معرفة الشرائع والأحكام إلا خبر النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- بخلاف المصالح فإنها قد تدرك بالتجربة والنظر الصادق والحدس ~~ونحو ذلك، ولا سبيل لنا إلى معرفة أخباره إلا تلقي الروايات المنتهية إلية ~~بالاتصال والعنعنة سواء كانت من لفظه أو كانت أحاديث موقوفة قد صحت الرواية ~~بها عن جماعة الصحابة والتابعين بحيث يبعد إقدامهم على الجزم بمثله لو النص ~~أو الإشارة من الشارع فمثل ذلك رواية عنه دلالة، وتلقي تلك الروايات لا ~~سبيل إليه في يومنا هذا إلا تتبع الكتب المدونة في علم الحديث، فإنه لا ~~يوجد اليوم رواية يعتمد عليها غير مدونة. # "وكتب الحديث على طبقات مختلفة، ومنازل متباينة، فوجب الاعتناء بمعرفة ~~طبقات كتب الحديث فنقول: هي باعتبار الصحة، والشهرة على أربع طبقات، وذلك ~~لأن أعلى أقسام الحديث ما ثبت بالتواتر، وأجمعت الأمة على قبوله والعمل به ~~ثم ما استفاض من طرق متعددة لا يبقى معها شبهة يعتد بها، واتفق على العمل ~~به جمهور فقهاء الأمصار أو لم يختلف فيه علماء الحرمين خاصة فإن الحرمين ~~محل الخلفاء الراشدين PageV01P239 # في القرون الأولى، ومحط رجال العلماء طبقة بعد ms175 طبقة، يبعد أن يسلموا منهم ~~الخطأ الظاهر؛ أو كان قولا مشهورا معمولا به في قطر عظيم مرويا عن جماعة ~~عظيمة من الصحابة والتابعين؛ ثم صح أو حسن سنده، وشهد به علماء الحديث ولم ~~يكن قولا متروكا لم يذهب إليه أحد من الأمة. # "أما ما كان ضعيفا1 موضوعا أو منقطعا أو مقلوبا في سنده أو متنه، أو من ~~رواية المجاهيل، أو مخالفا لما أجمع عليه السلف، طبقة بعد طبقة فلا سبيل ~~إلى القول به". # "فالصحة أن يشترط مؤلف الكتاب على نفسه إيراد ما صح، أو حسن غير مقلوب ~~ولا شاذ ولا ضعيف إلا من بيان حاله، فإن إيراد الضعيف مع بيان حاله لا يقدح ~~في الكتاب". # "والشهرة أن تكون الأحاديث المذكورة فيها دائرة على ألسنة المحدثين قبل ~~تدوينها، وبعد تدوينها فيكون أئمة الحديث قبل المؤلف رووها بطرق شتى ~~وأوردوها في مسانيدهم، ومجاميعهم وبعد المؤلف اشتغلوا برواية الكتاب وحفظه ~~وكشف مشكله وشرح غريبه وبيان إعرابه وتخريج طرق أحاديثه واستنباط فقهها، ~~والفحص عن أحوال رواتها طبقة بعد طبقة إلى يوما هذا حتى لا يبقى شيء مما ~~يتعلق به غير مبحوث عنه إلا ما شاء الله، ويكون نقاد الحديث قبل المصنف ~~وبعده، وافقوه في القول بها وحكموا بصحتها وارتضوا رأي المصنف فيها، وتلقوا ~~كتابه بالمدح والثناء ويكون أئمة الفقه لا يزالون يستنبطون ويعتمدون عليها ~~ويعتنون بها ويكون العامة لا يخلون عن اعتقادها، وتعظيمها، وبالجملة فإذا ~~اجتمعت هاتان الخصلتان في كتاب كان من الطبقة الأولى ثم وثم، وإن فقدتا ~~رأسا لم يكن له اعتبار، وما كان أعلى حد في الطبقة الأولى فإنه يصل إلى حد ~~التواتر وما دون ذلك يصل إلى الاستفاضة ثم إلى الصحة القطعية أعني القطع ~~المأخوذ في علم الحديث المفسد للعمل، والطبقة الثانية إلى الاستفاضة أو ~~الصحة القطعية، أو الظنية وهكذا ينزل الأمر. PageV01P240 # فالطبقة الأولى: محصرة بالاستقراء في ثلاثة كتب: الموطأ وصحيح البخاري ~~وصحيح مسلم، قال الشافعي: أصح الكتب بعد كتاب الله موطأ مالك، واتفق أهل ~~الحديث على أن جميع ما فيه ms176 صحيح على رأي مالك ومن وافقه، وأما على رأي غيره ~~فليس فيه مرسل، ولا منقطع إلا قد اتصل السند به من طرق أخرى فلا جرم أنها ~~صحيحة من هذا الوجه. # "ولم يزل العلماء يخرجون أحاديثه، ويذكرون متابعاته وشواهدة، ويشرحون ~~غريبة ويضبطون مشكله، ويبحثون عن فقهه، ويفتشون عن رجاله إلى غاية. ليس ~~بعدها غاية وإن شئت الحق الصراح، فقس كتاب: "الموطأ" بكتاب: "الآثار" لمحمد ~~و"الأمالي" لأبي يوسف، تجد بينه وبينهما بعد المشرقين فهل سمعت أحدا من ~~المحدثين والفقهاء تعرض لهما واعتنى بهما؟ # "أما الصحيحان فقد اتفق المحدثون على أن جميع ما فيهما من المتصل المرفوع ~~صحيح بالقطع وأنهما متواتران إلى مصنفيهما، وأن كل من يهون أمرهما فهو ~~مبتدع غير سبيل المؤمنين، وإن شئت الحق الصراح فقسهما بكتاب ابن أبي شيبة، ~~وكتاب الطحاوي، ومسند الخوارزمي وغيرهما تجد بينها وبينهما بعد المشرقين. # وهذه الكتب الثلاثة التي اعتنى القاضي عياض في المشارق بضبط مشكلها ورد ~~تصحيفها. # الطبقة الثانية: كتب لم تبلغ مبلغ الموطأ والصحيحين، ولكنها تتلوها، كان ~~مصنفوها معروفين بالوثوق والعدالة والحفظ، والتبحر في فنون الحديث ولم ~~يرضوا في كتبهم هذه بالتساهل فيما اشترطوا على أنفسهم، وتلقاها من بعدهم ~~بالقبول، واعتنى بها المحدثون والفقهاء طبقة بعد طبقة واشتهرت فيما بين ~~الناس، وتعلق بها القوم شرحا لغريبها، وفحصا عن رجالها، واستنباطا لفقهها ~~وعلى تلك الأحاديث بناء عامة العلوم كسنن أبي داود وجامع الترمذي ومجتبى ~~النسائي وهذه الطبقة الأولى اعتنى بأحاديثها # PageV01P241 # "رزين" في "تجريد الصحاح"، وابن الأثير في "جامع الأصول". وكاد مسند أحمد ~~يكون من جملة هذه الطبقة، فإن الإمام أحمد جعله أصلا يعرف به الصحيح ~~والسقيم. قال: "ما ليس فيه فلا تقبلوه". # والطبقة الثالثة: مسانيد وجوامع ومصنفات صنفت قبل البخاري ومسلم: وفي ~~زمانهم وبعدهما، جمعت بين الصحيح والحسن والضعيف والمعروف والغريب والشاذ ~~والمنكر والخطأ والصواب والثابت والمقلوب، ولم تشتهر في العلماء ذلك ~~الاشتهار وإن زال عنها اسم النكارة المطلقة، ولم يتداول ما تفردت به ~~الفقهاء كثير تداول، ولم يفحص عن صحتها وسقمها المحدثون كثير فحص ms177 ومنه ما ~~لم يخدمه لغوي لشرح غريب، ولا فقيه لتطبيقه بمذاهب السلف ولا محدث ببيان ~~مشكله، ولا مؤرخ بذكر أسماء رجاله ولا أريد المتأخرين المتعمقين، وإنما ~~كلامي في الأئمة المتقدمين من أهل الحديث فهي باقية على استتارها واختفائها ~~وخمولها كمسند أبي يعلى ومصنف عبد الرزاق ومصنف أبي بكر بن أبي شيبة ومسند ~~عبد بن حميد، والطيالسي وكتب البيهقي والطحاوي والطبراني، وكان قصدهم جمع ~~ما وجدوه لا تلخيصه وتهذيبه وتقريبه من العمل. # والطبقة الرابعة: كتب قصد مصنفوها بعد قرون متطاولة جمع ما لم يوجد في ~~الطبقتين الأوليين، وكانت في المجاميع والمسانيد المختفية فنوهوا بأمرها، ~~وكانت على ألسنة من لم يكتب حديثه المحدثون ككثير من الوعاظ المتشدقين وأهل ~~الأهواء والضعفاء أو كانت من آثار الصحابة والتابعين أو من أخبار بني ~~إسرائيل أو من كلام الحكماء والوعاظ خلطها الرواة بحديث النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- سهوا أو عمدا أو كانت من محتملات القرآن والحديث الصحيح فرواها ~~بالمعنى قوم صالحون لا يعرفون غوامض الرواية فجعلوا المعاني أحاديث مرفوعة ~~أو كانت معاني مفهومة من إشارات الكتاب والسنة جعلوها أحاديث مستبدة برأسها ~~عمدا، وكانت جملا شتى في أحاديث مختلفة جعلوها حديثا واحدا بنسق واحد، ~~ومظنة هذه الأحاديث كتاب: "الضعفاء" لابن حبان، وكامل بن عدي، # PageV01P242 # وكتب الخطيب وأبي نعيم والجوزقاني وابن عساكر وابن النجار والديلمي؛ وكاد ~~مسند الخوارزمي يكون من هذه الطبقة، وأصلح هذه الطبقة ما كان ضعيفا محتملا ~~وأسوؤها ما كان موضوعا أو مقلوبا، شديد النكارة. وهذه الطبقة مادة كتاب: ~~"الموضوعات" لابن الجوزي. # "وها هنا طبقة خامسة: منها ما اشتهر على ألسنة الفقهاء والصوفية ~~والمؤرخين ونحوهم وليس له أصل في هذه الطبقات الأربع؛ ومنها: ما دسه الماجن ~~في دينه العالم بلسانه فأتى بإسناد قوى لا يمكن الجرح فيه، وكلام بليغ لا ~~يبعد صدوره عنه -صلى الله عليه وسلم- فأثار في الإسلام مصيبة عظيمة. لكن ~~الجهابذة من أهل الحديث يوردون مثل ذلك على المتابعات، والشواهد فتهتك ~~الأستار ويظهر العوار. # "أما الطبقة الأولى والثانية فعليهما اعتماد المحدثين، وحوم حماهما ~~مرتعهم ms178 ومسرحهم، وأما الثالثة فلا يباشرها للعمل عليها والقول بها إلا ~~النحارير الجهابذة الذين يحفظون أسماء الرجال وعلل الأحاديث نعم ربما يؤخذ ~~منها المتابعات والشواهد وقد جعل الله لكل شيء قدرا، وأما الرابعة ~~فالاشتغال بجمعها والاستنباط منها نوع تعمق من المتأخرين، وإن شئت الحق ~~فطوائف المبتدعين من الرافضة والمعتزلة وغيرهم يتمكنون بأن يلخصوا منها ~~شواهد مذاهبهم فالأنصار بها غير صحيح في معارك العلماء بالحديث والله ~~أعلم". # PageV01P243 ### $ 2- بيان الرموز لكتب الحديث على طريقة الحافظ ابن حجر في التدريب: # قال رحمه الله في مقدمة التقريب: "وقد اكتفيت بالرقم على اسم كل راو ~~إشارة إلى من أخرج حديثه من الأئمة؛ فللبخاري في: "صحيحة" "خ"، فإن كان ~~حديثه عنده معلقا "خت"، وللبخاري في: "الأدب المفرد" "بخ"، وفي: "خلق أفعال ~~العباد" "عخ"، وفي: "جزء القراءة" "ز"، رفع اليدين" "ي"، ولمسلم "م"، وفي ~~مقدمة صحيحة # "مق"، ولأبي داود "د"، وفي: "المراسيل" له "مد"، وفي: "فضائل الأنصار" ~~"صد"، وفي: "الناسخ" "خد"، وفي: "القدر" "قد"، وفي: "التفرد" "ف"، وفي: ~~"المسائل" "ل"، وفي: "مسند مالك" "كد"، وللترمذي "ت"، وفي: "الشمائل" له ~~"تم"، وللنسائي "س"، وفي: "مسند علي" له "عس"، وفي كتاب: "عمل يوم وليلة" ~~"سي"، وفي: "خصائص علي" "ص"، وفي: "مسند مالك" "كس"، ولابن ماجه "ق"، فإن ~~كان حديث الرجل في أحد الأصول الستة اكتفى برقمه ولو أخرج له في غيرها، ~~وإذا اجتمعت فالرقم "ع" وأما علامة "4" فهي لهم سوى الشيخين، ومن ليست له ~~عندهم رواية مرقوم عليه تمييز إشارة إلى أنه ذكر ليتميز عن غيره". # PageV01P244 ### $ 3- بيان الرموز لكتب الحديث على طريقة السيوطي في الجامع الكبير والجامع الصغير: # "خ" للبخاري، "م" لمسلم، "ق" لهما. "د" لأبي داود، "ت" للترمذي، "ن" ~~للنسائي، "ه" لابن ماحه، "4" لهؤلاء الأربعة، "3" لهم إلا ابن ماجه، "حم" ~~للإمام أحمد في مسنده "عم" لابنه في زوائدة "ك" للحاكم، فإن كان في ~~المستدرك أطلقت، وإلا بينته "خد" للبخاري في الأدب، "تخ" له في التاريخ، ~~"حب" لابن حبان في صحيحه، "طب" لسعيد بن منصور في سننه، "طس" له في ms179 الأوسط، ~~"طص" له في الصغير، "ص" لسعيد بن منصور في سننه، "ش" لا بن أبي شيبة، "عب" ~~لعبد الرزاق في الجامع، "ع" لأبي يعلى في مسنده، "قط" للدارقطني فإن كان في ~~السنن أطلقت، وإلا بينته، "فر" للديلمي في الفردوس، "حل" لأبي نعيم في ~~الحلية، "هب" للبيهقي في شعب الإيمان، "هق" له في السنن، "عد" لأبي عدي في ~~الكامل، "عق" للعقيلي في الضعفاء، "خط" للخطيب، فإن كان في التاريخ أطلقت ~~وإلا بينته، "ض" للضياء المقدسي في المختارة، "ط" لأبي داود الطيالسي، "كر" ~~لابن عساكر في تاريخه "كذا في مقدمة الجامع الكبير". # PageV01P244 ### | بيان ما اشتمل على الصحيح فقظ أو مع غيره من هذه الكتب المرموز بها # ... ### | 4- # بيان ما اشتمل على الصحيح فقط أو مع غيره من هذه الكتب المرموز بها: # قال الحافظ السيوطي في مقدمة جمع الجوامع ما نصه: "جميع ما في الكتب ~~الخمسة: خ، م، حب، ك، ض، صحيح، فالعزو إليها معلم بالصحة، سوى ما في: ~~"المستدرك" من المتعقب، فأنبه عليه؛ وكذا ما في: "موطأ مالك" وصحيح ابن ~~خزيمة وأبي عوانة وابن السكن والمنتقى لابن الجاورد والمستخرجات، فالعزو ~~إليها معلم بالصحة أيضا، وفي د ما سكت عليه فهو صالح وما بين ضعفه نقلت ~~عنه؛ وفي ت. ن. ه. ط. حم. عم. عب. ص. ش. ع. طب. طس. قط. حل. هب. هق. صحيح ~~وحسن، وضعيف فأبينه غالبا؛ وكل ما كان في مسند أحمد فهو مقبول، فإن الضعيف ~~الذي فيه يقرب من الحسن؛ وكل ما عزى إلى عق عد خط كر أو للحكيم الترمذي في: ~~"نوادر الأصول" أو للحاكم في تاريخه أو لابن الجارود في تاريخه، أو للديلمي ~~في مسند الفردوس فهو ضعيف فيستغنى بالعزو إليها أو إلى بعضها عن بيان ضعفه، ~~وإذا أطلقت العزو إلى ابن جرير فهو في تهذيب الآثار فإن كان في تفسيره أو ~~في تاريخه بينته". ا. ه. # وقد بسط الكلام في ذلك صاحب "الأجوبة الفاضلة" في السؤال الثاني ونصه: # هل كل ما في هذه الكتب الضخام، كالسنن الأربعة، ms180 وتصانيف البيهقي، وتصانيف ~~الدارقطني، والحاكم، وابن أبي شيبة وغيرها من الكتب المشتهرة من الأحاديث ~~المجموعة، صحيح لذاته أو لغيره، أو حسن لذاته أو لغيره أم لا؟ # الجواب: # ليس كل ما في هذه الكتب وأمثالها صحيحا أو حسنا، بل هي مشتملة على ~~الأخبار الصحيحة والحسنة والضعيفة والموضوعة؛ أما كتب السنن فذكر ابن ~~الصلاح والعراقي وغيرهما أن فيها غير الحسن من الصحيح، والضعيف، وذكر ~~النووي أن في السنن الصحيح والحسن والضعيف والمنكر، ومن ها هنا اعترضوا على ~~تسمية صاحب المصابيح أحاديث # PageV01P245 # السنن بالحسان، بأنه اصطلاح لا يعرف عند أهل الفن؛ وذكر العراقي أنه قد ~~تساهل من أطلق الصحيح على كتب السنن، كأبي طاهر السلفي حيث قال في الكتب ~~الخمسة: اتفق على صحتها علماء المشرق والمغرب؛ وكالحاكم حيث أطلق على جامع ~~الترمذي "الجامع الصحيح"، وكذلك الخطيب أطلق عليه اسم الصحيح، وذكر الذهبي ~~في "أعلام سير النبلاء" أن أعلى ما في كتاب أبي داود من الثابت، ما أخرجه ~~الشيخان وذلك نحو شطر الكتاب ثم يليه، ما أخرجه أحد الشيخين ورغب عنه الآخر ~~ثم يليه ما رغبا عنه، وكان إسناده جيدا سالما من علة وشذوذ ثم يليه ما كان ~~إسناده صالحا، وقبله العلماء لمجيئه من وجهين لينين فصاعدا ثم يليه ما ضعف ~~إسناده لنقص حفظ راويه فمثل هذا يسكت عنه أبو داود غالبا ثم يليه ما كان ~~بين الضعف من جهة رواته فهذا لا يسكت عنه بل يوهنه غالبا، وقد يسكت عنه ~~بحسب شهرته ونكارته، وذكر أيضا قال أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق ~~الجامع -أي جامع الترمذي- على أربعة أقسام قسم مقطوع بصحته، وقسم على شرط ~~أبي داود والنسائي، وقسم أبان عن علته، وقسم رابع أبان عنه فقال ما أخرجت ~~في كتابي هذا إلا حديثا عمل به بعض الفقهاء سوى حديث: "فإن شرب في الرابعة ~~فاقتلوه" 1 وحديث: "جمع بين الظهر والعصر بالمدينة من غير خوف ولا سفر"2 ~~وذكر أيضا قد كان ابن ماجه حافظا صدوقا واسع العلم وإنما غض من رتبة سننه ~~ما ms181 في الكتاب من المناكير، وقليل من الموضوعات. # وقال ابن الصلاح في مقدمته: "كتاب أبي عيسى الترمذي أصل في معرفة الحديث ~~الحسن". وقال أيضا: "ومن مظانه سنن أبي داود روينا عنه أنه قال ذكرت فيه ~~الصحيح وما يشبهه ويقاربه وروينا عنه أيضا ما معناه إنه يذكر في كل باب أصح ~~ما يعرفه في ذلك الباب وقال: ما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد بينته، ~~وما لم أذكر فيه شيئا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض. قلت: فعلى هذا ما ~~وجدناه في كتابه مذكورا PageV01P246 # مطلقا، وليس في واحد من الصحيحين ولا نص على صحته أحد ممن ميز بين الصحيح ~~والحسن جزمنا بأنه من الحسن عند أبي داود وقد يكون في ذلك ما ليس بحسن عند ~~غيره. # وقال أيضا: حكى أبو عبد الله بن منده الحافظ أنه سمع محمد بن سعد ~~البارودي بمصر يقول: كان من مذهب النسائي أن يخرج عن كل من لم يجمع على ~~تركه قال ابن منده، وكذلك أبو داود يأخذ مأخذه، ويخرج الإسناد الضعيف إذا ~~لم يجد في الباب غيره لأنه أقوى عنده من رأي الرجال وذكر السيوطي في: ~~"ديباجة زهر الربى على المجتبى" قال الحافظ أبو الفضل بن طاهر في شروح ~~الأئمة كتاب أبي داود والنسائي ينقسم على ثلاثة أقسام الأول: الصحيح المخرج ~~في الصحيحين؛ الثاني: صحيح على شرطهما؛ وقد حكى عبد الله بن منده أن شرطهما ~~إخراج أحاديث أقوام لم يجمع على تركهم إذا صح الحديث باتصال الإسناد من غير ~~قطع، ولا إرسال فيكون هذا القسم من الصحيح إلا أنه طريق لا يكون طريق ما ~~أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما بل طريقه ما ترك البخاري ومسلم من الصحيح، ~~القسم الثالث: أحاديث أخرجاها من غير قطع عنهما بصحتها، وقد أبانا عليها ~~بما يفهمه أهل الطريق، وذكر أيضا قال الأمام أبو عبد الله بن رشيد كتاب ~~النسائي أبدع الكتب المصنفة في السنن وأحسنها ترصيفا وكأن كتابه بين جامع ~~البخاري ومسلم مع حظ كثير من بيان العلل، وبالجملة ms182 فهو أقل الكتب بعد ~~الصحيحين حديثا ضعيفا، ورجلا مجروحا ويقاربه كتاب أبي جارود وكتاب الترمذي، ~~ومقابله من الطرف الآخر كتاب ابن ماجه فإنه تفرد فيه بإخراج أحاديث عن رجال ~~متهمين بالكذب وسرقة الأحاديث، وبعض تلك الأحاديث لا تعرف إلا من جهتهم، ~~وأما ما حكاه ابن طاهر عن أبي زر عن الرازي أنه نظر فيه فقال: لعله لا يكون ~~فيه تمام ثلاثين حديثا مما فيه ضعف فهي حكاية لا تصح لانقطاع سندها، وإن ~~كانت صحيحة فلعله أراد ما فيه من الأحاديث الساقطة إلى الغاية. وذكر أيضا: ~~ذكر بعضهم أن النسائي لما صنف السنن الكبرى أهداه إلى أمير الرملة فقال له ~~الأمير: أكل ما في هذا صحيح قال لا! قال: فجرد الصحيح، # PageV01P247 # فصنف: "المجتبى" وهو بالباء الموحدة. وقال الزركشي في تخريج أحاديث ~~الرافعي: ويقال بالنون أيضا. وقال السيوطي في التدريب: قال شيخ الإسلام ~~-يعني الحافظ ابن حجر- مسند الدارمي ليس دون السنن في الرتبة، بل لو ضم إلى ~~الخمسة لكان أولي من ابن ماجه، فإنه أمثل منه بكثير. وقال العراقي: اشتهر ~~تسميته بالمسند كما سمى البخاري كتابه بالمسند، لكون أحاديثه مسندة إلا أن ~~فيه المرسل والمقطع والمقطوع كثيرا، على أنهم ذكروا في ترجمة الدارمي أن له ~~الجامع والمسند والتفسير وغير ذلك؛ فلعل الموجود الآن هو الجامع والمسند قد ~~فقد. # وأما تصانيف الدارقطني فقال العيني في: "البناية شرح الهداية" في بحث ~~قراءة الفاتحة في حقه: "من أين له تضعيف أبي حنيفة وهو مستحق التضعيف، وقد ~~روى في مسنده أحاديث سقيمة ومعلولة ومنكرة وغريبة وموضوعة". ا. ه. وقال ~~أيضا في بحث جهر البسملة: "الدارقطني كتابه مملوء من الأحاديث الضعيفة ~~والشاذة والمعللة، وكم فيه من حديث لا يوجد في غيره وحكى أنه لما دخل مصر ~~سأله بعض أهلها تصنيف شيء في الجهر بالبسملة فصنف فيه جزءا فأتاه بعض ~~المالكية فأقسم عليه أن يخبره بالصحيح من ذلك فقال كل ما روي عن النبي -صلى ~~الله عليه وسلم- في الجهر فليس بصحيح وأما عن الصحابة فمنه صحيح، ومنه ~~ضعيف". ms183 ا. ه. # وأما تصانيف البيهقي: فهي أيضا مشتملة على الأحاديث الضعيفة، وكذا تصانيف ~~الخطيب فإنه قد تجاوز عن حد التحامل واحتج بالأحاديث الموضوعة صرح به ~~العيني في البناية في بحث البسملة. # وأما تصانيف الحاكم: فقال الزيلعي في تخريج أحاديث الهداية: "قال ابن ~~دحية في كتابه: "العلم"؛ المشهور: يجب على أهل الحديث أن يتحفظوا من قول ~~الحاكم، فإنه كثير الغلط ظاهر السقط، وقد غفل عن ذلك كثير من جاء بعده ~~وقلده في ذلك". ا. ه. # وقال العيني في "البناية": "قد عرف تساهله وتصحيحه للأحاديث الضعيفة، بل ~~الموضوعة". ا. ه. # PageV01P248 # وقال السيوطي في رسالة التعقبات على ابن الجوزي: قال شيخ الإسلام ابن ~~حجر: تساهله وتساهل الحاكم في المستدرك أعدم النفع بكتابهما إذ ما حدث ~~فيهما إلا ويمكن أنه مما وقع فيه التساهل فلذلك وجب على الناقد الاعتناء ~~بما ينقله منهما من غير تقليد لهما". ا. ه. # وفي طبقات الشافعية لتقي الدين شهبة: قال الذهبي في المستدرك جملة وافرة ~~على شرطهما، وجملة وافرة على شرط أحدهما، ومجموع ذلك نحو نصف الكتاب وفيه ~~نحو الربع مما صح سنده، وفيه بعض الشيء معلل وما بقى مناكير وواهيات لا تصح ~~وفي ذلك بعض الموضوعات قد أعلمت عليها لما أختصرته". ا. ه. # وفي مقدمة ابن الصلاح: "هو -أي الحاكم- واسع الخطو في شرط الصحيح متساهل ~~في القضاء به. فما حكم بصحته ولم نجد ذلك لغيره من الأئمة إن لم يكن من ~~قبيل الصحيح فهو من قبيل الحسن يحتج به ويعمل إلا أن تظهر فيه علة توجب ~~ضعفه". ا. ه. # وتبعه النووي حيث قال في التقريب: "فما صححه ولم نجد فيه لغيره تصحيحا ~~ولا تضعيفا حكمنا بأنه حسن إلا أن يظهر فيه علة توجب ضعفه" قال السيوطي في ~~التدريب: "قوله فما صححه احتراز مما وجد في الكتاب ولم يصرح بتصحيحه فلا ~~يعتمد عليه". ا. ه. لكن تعقب ابن الصلاح البدر بن جماعة فقال في مختصره: ~~الصواب أن يتتبع، ويحكم عليه بما يليق من الحسن أو الصحة أو الضعف وتبعه ms184 في ~~هذا التعقب شراح الألفية العراقي والأنصاري والسخاوي، وقالوا: إنما قال ابن ~~الصلاح ما قال بناء على رأيه، أنه ليس لأحد أن يصحح في هذه الأعصار حديثا ~~وذكر ابن الصلاح أن صحيح ابن حبان يقاربه -أي مستدرك الحاكم- في التساهل ~~لكن نقل العراقي عن الحازمي أنه قال: ابن حبان أمكن في الحديث من الحاكم. ~~ا. ه. # وقال السيوطي في التدريب: "قيل ما ذكر من تساهل ابن حبان ليس بصحيح، ~~غايته # PageV01P249 # أن يسمي الحسن صحيحا، فإن كان نسبته إلى التساهل باعتبار وجد أن الحسن في ~~كتابه فهي مشاحة في الاصطلاح، وإن كان باعتبار خفة شروطه، فإنه يخرج في ~~الصحيح ما كان راويه ثقة غير مدلس سمع من شيخه، وسمع منه الآخذ عنه ولا ~~يكون هناك إرسال ولا انقطاع، وإذا لم يكن في الراوي جرح ولا تعديل كان كل ~~من شيخه والراوي عنه ثقة ولم يأت بحديث منكر فهو عنده ثقة، وفي كتاب الثقات ~~له كثير ممن هذا حاله ولأجل هذا ربما اعترض عليه في جعله ثقة من لم يعرف ~~حاله فلا اعتراض عليه فإنه لا مشاحة في ذلك، وهذا دون شرط الحاكم، فالحاصل ~~أن ابن حبان وفي بالتزام شروطه، ولم يوف الحاكم". ا. ه. # ومما يدل على كون ابن حبان أشد تحريا من الحاكم ما نقله السيوطي في: ~~"اللآلئ المصنوعة" عن تخريج أحاديث الرافعي للزركشي أن تصحيح الضياء ~~المقدسي صاحب المختارة أعلى مرتبة من تصحيح الحاكم، وأنه قريب من تصحيح ~~الترمذي، وابن حبان. ا. ه. وذكر النووي في شرح المهذب اتفق الحفاظ على أن ~~البيهقي أيضا أشد تحريا من الحاكم. ا. ه. وذكر ابن الصلاح كتب المسانيد غير ~~ملتحقة بالكتب الخمسة التي هي الصحيحان وسنن أبي داود وسنن النسائي وجامع ~~الترمذي وما جرى مجراها في الاحتجاج بها، والركون إلى ما هو فيها كمسند أبي ~~داود الطيالسي ومسند عبيد الله بن موسى ومسند أحمد ومسند إسحاق بن رهويه ~~ومسند عبد بن حميد ومسند الدارمي ومسند أبي يعلى الموصلي ومسند الحسن بن ~~سفيان ومسند ms185 البراز وأشباهها، فهذه عادتهم فيها أن يخرجوا في مسند كل صحابي ~~ما رووه من حديثه غير متقيدين بأن يكون حديثا محتجا به. ا. ه. وفي التدريب: ~~"صرح الخطيب وغيره بأن الموطأ مقدم على كل كتاب من الجوامع والمسانيد فعلى ~~هذا هو بعد صحيح الحاكم وأما ابن حزم فقال: أولى الكتب الصحيحان ثم صحيح ~~سعيد بن السكن والمتقى لابن الجارود وقاسم بن أصبغ، ثم بعد هذه الكتب كتاب ~~أبي داود وكتاب النسائي ومصنف قاسم بن أصبغ ومصنف الطحاوي ومسانيد أحمد ~~والبزار وابني أبي شيبة أبي بكر وعثمان، # PageV01P250 # وابن راهويه، والطيالسي، والحسن بن سفين، وابن سنجر، وعلي بن المديني، ~~وما جرى مجراها التي أفردت بكلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم ما كان ~~فيه الصحيح فهو أجل، مثل مصنف عبد الرزاق، ومصنف ابن أبي شيبة، وبقي بن ~~مخلد، وكتاب محمد بن نصر المروزي، وابن المنذر، ثم مصنف حماد بن مسلمة، ~~وسعيد بن منصور، ووكيع وموطأ مالك، وموطأ ابن أبي ذئب، وموطأ ابن وهب، ~~ومسائل ابن حنبل، وفقه أبي ثور. انتهى ملخصا. # ثم نقل السيوطي عنه أنه قال: في الموطأ نيف وسبعون حديثا، وقد ترك مالك ~~نفسه العمل بها، وفيها أحاديث ضعيفة. ونقل الذهبي في سير النبلاء عن ابن ~~حزم نحو ما مر، وقال: ما أنصف ابن حزم، بل رتبة الموطأ أن يذكر تلو ~~الصحيحين مع سنن أبي داود، لكنه تأدب وقدم المسندات النبوية الصرفة وما ذكر ~~سن ابن ماجه، ولا جامع أبي عيسى، فإنه ما رآهما، ولا دخلا إلى الأندلس إلا ~~بعد موته. ا. ه. # وذكر الزرقاني في شرح الموطأ عن السيوطي أن الموطأ صحيح كله على شرط ~~مالك. # وقال الذهبي في سير النبلاء: فيه -أي مسند أحمد- جملة من الأحاديث ~~الضعيفة مما يسوغ نقلها، ولا يجب الاحتجاج بها، وفيه أحاديث معدودة شبيهة ~~الموضوعة، لكنها قطرة في بحر. ا. ه. # وقال ابن تيمية في منهاج السنة: "صنف أحمد كتابا في فضائل الصحابة أبي ~~بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم، وقد روى في هذا الكتاب ms186 ما ليس في مسنده، وليس ~~كل ما رواه أحمد في المسند وغيره يكون حجة عنده، بل يروى ما رواه أهل ~~العلم، وشرطه في المسند أن لا يروى عن المعروف بالكذب عنده، وإن كان في ذلك ~~ما هو ضعيف، وشرطه في المسند أمثل من شرط أبي داود في سننه. وأما في كتب ~~الفضائل فروى ما سمعه من شيوخه سواء كان صحيحا أو ضعيفا، فإنه لم يقصد أن ~~لا يروى في ذلك إلا ما ثبت عنده، ثم زاد ابنه عبد الله على مسند أحمد ~~زيادات، وزاد أبو بكر القطيعي زيادات. وفي زيادات القطيعي أحاديث كثيرة ~~موضوعة، فظن ذلك الجهال أنه من رواية أحمد، رواها أحمد في المسند، وهذا خطأ ~~قبيح. ا. ه. # PageV01P251 # وخالفه العراقي وادعى أن في مسند أحمد موضوعات وصنف جزءا مستقلا وقال فيه ~~بعد الحمد والصلاة: "قد سألتني بعض أصحابنا من مقلدي الإمام أبي عبد الله ~~أحمد بن حنبل في سنة خمسين وسبعمائة، أو بعدها بيسير، أن أفرد له ما وقع في ~~مسند الإمام أحمد من الأحاديث التي قيل فيها إنها موضوعة، فذكرت له أن الذي ~~في المسند من هذا النوع أحاديث ذوات عدد ليست بالكثيرة، ولم يتفق لي جمعها، ~~فلما قرأت المسند سنة ستين وسبعمائة على الشيخ المسند علاء الدين أبي الحسن ~~علي بن أحمد بن محمد بن صالح الدمشقي وقع في أثناء السماع كلام: هل في ~~المسند أحاديث ضعيفة أو كله صحيح؟ فقلت: إن فيه أحاديث ضعيفة كثيرة، وإن ~~فيه أحاديث يسيرة موضوعة فبلغني بعد ذلك أن بعض ما ينتمي إلى مذهب أحمد ~~أنكر هذا إنكارا شديدا. ونقل عن الشيخ ابن تيمية الذي وقع فيه من هذا هو من ~~زيادات القطيعي، لا من رواية أحمد، ولا من رواية ابنه، فحرضنى قول هذا ~~القائل على أن جمعت في هذه الأوراق ما وقع في المسند من رواية أحمد، ومن ~~رواية ابنه مما قال فيه بعض أئمة هذا الشأن إنه موضوع" انتهى ملخصا. ثم ~~أورد تسعة أحاديث من المسند، ونقل عن ms187 ابن الجوزي وغيره الحكم بوضعها، ورده ~~في بعضها، ثم قام لرده الحافظ ابن حجر فصنف "القول المسدد في الذب عن مسند ~~أحمد" قال فيه بعد الحمد والصلاة: فقد رأيت أن أذكر في هذه الأوراق ما ~~حضرني من الكلام على الأحاديث التي زعم أهل الحديث أنها موضوعة وهي في مسند ~~أحمد ... إلخ ونقل فيه جزء شيخه العراقي حرفا حرفا، وأجاب عنه حديثا حديثا، ~~ثم أورد عدة أحاديث أخر من المسند حكم عليها ابن الجوزي بالوضع مما لم ~~يذكره العراقي ونفى وضعها بالبراهين الساطعة والحجج القاطعة. # وفي التدريب: "قيل: وإسحاق يورد أمثل ما ورد عن ذلك الصحابي فيما ذكره ~~أبو زرعة والرازي عنه، قال العراقي: ولا يلزم من ذلك أن يكون جميع ما فيه ~~صحيحا، بل هو أمثل بالنسبة لما تركه، وفيه الضعيف". ا. ه. وفيه أيضا: "قيل: ~~ومسند البزار يبين فيه الصحيح من غيره. قال العراقي: ولم يفعل ذلك إلا ~~قليلا إلا أنه يتكلم في تفرد بعض رواة الحديث ومتابعة غيره". ا. ه. # PageV01P252 # وفي منهاج السنة لابن تيميه: "ما ينقله الثعلبي في تفسيره: لقد أجمع أهل ~~العلم بالحديث أنه يروي طائفة من الأحاديث الموضوعة كالحديث الذي يرويه في ~~أول كل سورة وأمثال ذلك ولهذا يقولون: هو كحاطب ليل. وهكذا الواحدي تلميذه، ~~وأمثالهما من المفسرين، ينقلون الصحيح والضعيف ولهذا لما كان البغوي عالما ~~بالحديث أعلم به من الثعلبي والواحدي، وكان تفسيره مختصر تفسير الثعلبي لم ~~يذكر في تفسيره شيئا من الأحاديث الموضوعة التي يرويها الثعلبي، ولا ذكر ~~تفاسير أهل البدع التي يذكرها الثعلبي مع أن الثعلب فيه خير ودين لكنه لا ~~خبر له في الصحيح والسقيم من الأحاديث، وأما أهل العلم الكبار أصحاب ~~التفسير مثل تفسير محمد بن جرير الطبري وبقي بن مخلد وابن أبي حاتم وأبي ~~بكر بن المنذر وأمثالهم فلم يذكروا فيها مثل هذه الموضوعات دع من هو أعلم ~~منهم مثل تفسير أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه بل ولا يذكر مثل هذا عبد بن ~~حميد ولا عبد الرزاق مع ms188 أن عبد الرزاق كان يميل إلى التشيع ويروي كثيرا من ~~فضائل علي -رضي الله عنه- وإن كانت ضعيفة وقد أجمع أهل العلم بالحديث على ~~أنه لا يجوز الاستدلال بمجرد خبر يرويه الواحد من جنس الثعلب والنقاش ~~والواحدي وأمثال هؤلاء المفسرين لكثره ما يروونه من الحديث ويكون ضعيفا بل ~~موضوعا". ا. ه. وفي موضع آخر منه قد روى أبو نعيم في الحلية في أول فضائل ~~الصحابة، وفي كتاب مناقب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي أحاديث بعضها صحيحة ~~وبعضها ضعيفه بل منكرة، وكان رجلا عالما بالحديث لكن هو وأمثاله يروون ما ~~في الباب لأن يعرف أنه قد روى كالمفسر الذي ينقل أقوال الناس في التفسير ~~والفقيه الذي يذكر الأقوال في الفقه، وإن كان كثير من ذلك لا يعتقد صحته بل ~~يعتقد ضعفه لأنه يقول إنما نقلت ما ذكر غيري فالعهدة على القائل لا على ~~الناقل. ا. ه. وفي موضع آخر منه: "إن أبا نعيم روى كثيرا من الأحاديث التي ~~هي ضعيفه بل موضوعة، باتفاق علماء الحديث، وأهل السنة والشيعة وهو وإن كان ~~حافظا ثقة كثير الحديث واسع الرواية لكن روى كما هو عادة المحدثين يروون ما ~~في الباب لأجل المعرفة بذلك، وإن كان لا يحتج من ذلك إلا ببعضه". ا. ه. # PageV01P253 # وفي موضع آخر منه: "الثعلبي يروي ما وجد، صحيحا كان أو سقيما، وإن كان ~~غالب الأحاديث التي في تفسيره صحيحة، ففيه ما هو كذب موضوع". وفي موضع آخر ~~منه: "كتاب الفردوس للديلمي فيه موضوعات كثيرة، أجمع أهل العلم على أن مجرد ~~كونه رواه لا يدل على صحة الحديث". ا. ه. وفي موضع آخر: "النسائي صنف خصائص ~~علي، وذكر فيه عدة أحاديث كثيرة في فضائل علي كثير منها ضعيف"، وفي موضع ~~آخر منه: "من الناس من قصد رواية كل ما روي في الباب من غير تمييز بين صحيح ~~وضعيف كما فعله أبو نعيم وكذلك غيره ممن صنف في الفضائل مثل ما جمعه أبو ~~الفتح بن أبي الفوارس وأبو علي الأهوازي وغيرهما في فضائل ms189 معاوية، وكذلك ما ~~جمعه أبو القاسم بن عساكر في تاريخه في فضائل علي وغيره، وهذه عبارات ~~العلماء قد أفادت وجود المنكرات والمضعفات في الكتب المدونة وأمثالها كثيرة ~~لا تخفى على الناظر في الكتب المشتهرة، ولعل المتدبر يعلم مما نقلنا أن ما ~~ارتكز في أذهان بعض العوام أن كل حديث في السنن محتج به غير معتد به وكذا ~~ما ارتكز في أذهان البعض أن كل حديث في السنن محتج به غير معتد به. وكذا ما ~~ارتكز في أذهان البعض أن كل حديث في غير الكتب الستة أو السبعة ضعيف غير ~~محتج به". ا. ه. # PageV01P254 ### $ 5- الرجوع إلى الأصول الصحيحة المقابلة على أصل صحيح لمن أراد العمل بالحديث: # قال النووي في التقريب: "ومن أراد العمل بحديث من كتاب، فطريقة أن يأخذه ~~من نسخة معتمدة قابلها هو أو ثقة بأصول صحيحة، فإن قابلها بأصل محقق معتمد ~~أجزأه". ا. ه. # وقال العلامة ملا علي القاري في مرقاة المفاتيح عند قول صاحب: "المشكاة" ~~-وإذا نسبت الحديث إليهم كأني أسندت إلى النبي -صلى الله عليه وسلم: "علم ~~من كلام المصنف أنه يجوز نقل الحديث من الكتب المعتمدة التي اشتهرت وصحت ~~نسبها لمؤلفيها كالكتب الستة وغيرها من الكتب المؤلفة، سواء في جواز من ~~نقله مما ذكر، أكان نقله للعمل بمضمونة، وما اقتضاه كلام ابن الصلاح من ~~اشتراطه، حملوه على الاستحباب، ولكن يشترط في ذلك الأصل أن يكون قد قوبل ~~على أصل له معتمد مقابلة صحيحة لأنه حيئنذ يحصل به الثقة التي مدار ~~الاعتماد عليها صحة واحتجاجا. # "وعلم من كلام المنصف أيضا أنه لا يشترط في النقل من الكتب المعتمدة ~~للعمل أو للاحتجاج أن يكون له به رواية إلى مؤلفيها، ومن ثم قال ابن برهان: ~~ذهب الفقهاء كافة إلى أنه لا يتوقف العمل بالحديث على سماعه، بل إذا صحت ~~عنه النسخة من السنن جاز العمل بها وإن لم يسمع". ا. ه. # وفي تدريب الراوي شرح تقريب النواوي: "حكى الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني ~~الإجماع على جواز النقل من الكتب المعتمدة، ms190 ولا يشترط اتصال السند إلى ~~مصنفيها، وذلك شامل لكتب الحديث والفقه. وقال الطبري في تعليقه: من وجد ~~حديثا في كتاب صحيح، جاز له أن يرويه ويحتج به، وقال قوم من أصحاب الحديث: ~~لا يجوز له أن يروي لأنه لم يسمعه، وهذا غلط، وكذا حكاه إمام الحرمين في ~~البرهان عن بعض المحدثين، وقال: هم عصبة لا مبالاة بهم في حقائق الأصول ~~-يعني المقتصرين على السماع، لا أئمة الحديث- وقال عز الدين بن عبد السلام ~~في جواب سؤال كتبه إليه أبو محمد بن عبد الحميد، وأما الاعتماد على كتب ~~الفقه الصحيحة الموثوقة، فقد اتفق العلماء في هذا العصر على جواز الاعتماد ~~عليها والاستناد إليها؛ لأن الثقة قد حصلت بها كما تحصل بالرواية، ولذلك ~~اعتمد الناس على الكتب المشهورة في النحو واللغة والطب وسائر العلوم، لحصول ~~الثقة بها، وبعد التدليس، ومن زعم أن الناس اتفقوا على الخطأ في ذلك، فهو ~~أولى بالخطأ منهم، ولولا جواز الاعتماد على ذلك لتعطل كثير من المصالح ~~المتعلقة بها، قال: وكتب الحديث أولى بذلك من كتب الفقه وغيرها، لاعتنائهم ~~بضبط النسخ وتحريرها، فمن قال: إن شرط التخريج من كتاب يتوقف على اتصال ~~السند فقد خرق الإجماع". ا. ه. # PageV01P255 ### $ 6- إذا كان عند العالم الصحيحان: # أو أحدهما أو كتاب من السنن موثوق به هل له أن يفتي بما فيه. # قال المسند الجليل علم الدين الفلاني في: "إيقاظ الهمم": "قال الإمام ابن ~~القيم: إذا كان عند الرجل الصحيحان أو أحدهما، أو كتاب من سنن رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- موثوق بما فيه فهل له أن يفتي بما يجده فيه فقالت ~~طائفة من المتأخرين ليس "له" ذلك لأنه قد يكون منسوخا أو له معارض أو يفهم ~~من دلالته خلاف ما دل عليه، أو يكون أمر ندب فيفهم منه الإيجاب، أو يكون ~~عاما له مخصص أو مطلقا له مقيد، فلا يجوز له العمل به ولا الفتيا حتى يسأل ~~أهل الفقه والفتيا، وقالت طائفة: بل له أن يعمل به ويفتي بل متعين عليه كما ~~كان ms191 الصحابة يفعلون إذا بلغهم الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~وحدث به بعضهم بعضا بادروا إلى العمل به، من غير توقف، ولا بحث عن معارض، ~~ولا يقول أحد منهم قط هل عمل بهذا فلان وفلان ولو رأوا ذلك لأنكروا عليه ~~أشد الإنكار، وكذلك التابعون وهذا معلوم بالضرورة لمن له أدنى خبرة بحال ~~القوم وسيرتهم وطول العهد بالسنة وبعد الزمان، ولو كانت سنن رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- لا يسوغ العمل بها بعد صحتها حتى يعمل بها فلان وفلان لكان ~~قول فلان وفلان عيارا على السنن ومزكيا لها وشرطا في العمل بها، وهذا من ~~أبطل الباطل وقد أقام الله الحجة برسول الله -صلى الله عليه وسلم- دون آحاد ~~الأمة، وقد أمر النبي بتبليغ سننه ودعا لمن بلغها فلو كان من بلغته لا يعمل ~~بها حتى يعمل بها الإمام فلان والإمام فلان لم يكن في تبليغها فائدة وحصل ~~الاكتفاء بقول فلان وفلان. # قالوا: والنسخ الواقع الذي أجمعت عليه الأمة لا يبلغ عشرة أحاديث البتة، ~~بل ولا شطرها فتقدير وقوع الخطأ في الذهاب إلى المنسوخ أقل بكثير في وقوع ~~الخطأ من تقليد من يصيب ويخطئ، ويجوز عليه التناقض والاختلاف ويقول القول ~~ويرجع عنه ويحكي # PageV01P256 # عنه في المسألة الواحدة عدة أقوال، ووقوع الخطأ في فهم كلام المعصوم أقل ~~بكثير من وقوع الخطأ في فهم كلام الفقيه المعين، فلا يعرض احتمال خطأ لمن ~~عمل بالحديث وأفتى به إلا وأضعاف أضعافه حاصل لمن قلد من لا يعلم خطأه من ~~صوابه، والصواب في هذه المسألة التفصيل: فإن كانت دلالة الحديث ظاهرة بينة ~~لكل من سمعه لا يحتمل غير المراد فله أن يعمل به ويفتي به ولا يطلب له ~~التزكية من قول فقيه وإمام، بل الحجة قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~وإن خالفه من خالفه، وإن كانت دلالة خفية لا يتبين له المراد فيها لم يجز ~~له أن يعمل ولا يفتي بما يتوهمه مرادا، حتى يسأل ويطلب بيان الحديث ووجهه ~~وإن كانت دلالة ظاهرة كالعام على أفراده، ms192 والأمر على الوجوب، والنهي على ~~التحريم فهل له العمل والفتوى يخرج على أصل وهو العمل بالظواهر قبل البحث ~~على المعارض، وفيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره الجواز والمنع والفرق ~~بين العام، فلا يعمل به قبل البحث عن المخصص والأمر والنهي فيعمل به قبل ~~البحث من المعارض، وهذا كله إذا كان ثم أهلية، ولكنه قاصر في معرفة الفروع ~~وقواعد الأصوليين والعربية، وأما إذا لم يكن ثم أهلية ففرضه ما قال الله: ~~{فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} وقول النبي -صلى الله عليه وسلم1: ~~"ألا اسألوا إذا لم تعلموا، إنما شفاء العي السؤال". وإذا جاز اعتماد ~~المستفتي على ما يكتبه المفتي من كلامه وكلام شيخه وإن علا، فاعتماد الرجل ~~على ما كتبه الثقات من كلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أولى بالجواز ~~وإذا قدر أنه لم يفهم الحديث كما لو لم يفهم فتوى المفتي، فيسأل من يعرفه ~~معناه كما يسأل من يعرفه معنى جواب المفتي وبالله التوفيق. PageV01P257 ### $ 7- هل يجوز الاحتجاج في الأحكام بجميع ما في هذه الكتب من غير توقف أم لا? وهل تعذر التصحيح في الأزمان المتأخرة أم لا؟ : # في الأجوبة الفاضلة ما نصه: # "هل يجوز الاحتجاج في الأحكام بجميع ما في هذه الكتب من غير وقفه ونظر أم ~~لا؟ وعلى الثاني: فما وجه تمييز ما يجوز الاحتجاج به، عما لا يجوز ~~الاحتجاج؟ ". # الجواب: # "لا يجوز الاحتجاج في الأحكام بكل ما في الكتب المذكورة وأمثالها، من غير ~~تعمق يرشد إلى التمييز، لما مر أنها مشتملة على الصحاح والحسان والضعاف، ~~فلا بد من التمييز بين الصحيح لذاته أو لغيره، والحسن لذاته أو لغيره، ~~فيحتج به، وبين الضعيف بأقسامه فلا يحتج به، فيأخذ الحسن من مظانه، والصحيح ~~من مظانه، ويرجع إلى تصريحات النقاد الذين عليهم الاعتماد، وينتقد بنفسه إن ~~كان أهلا لذلك، فإن لم يوجد شيء من ذلك توقف فيما هنالك. قال شيخ الإسلام ~~زكريا الأنصاري في: "فتح الباقي شرح ألفية العراقي": من أراد الاحتجاج ~~بحديث من السنن أو المسانيد إن ms193 كان متأهلا لمعرفة ما يحتج به من غيره فلا ~~يحتج به حتى ينظر في اتصال إسناده، وأحوال رواته وإلا فإن وجد أحد من ~~الأئمة صححه أو حسنة فله تقليده وإلا فلا يحتج به". ا. ه. # وقال الإمام ابن تيميه في: "منهاج السنة": "المنقولات فيها كثير من ~~الصدق، وكثير من الكذب، والمرجع في التمييز بين هذا وبين هذا إلى أهل ~~الحديث، كما يرجع إلى النحاة في النحو ويرجع إلى علماء اللغة في ما هو من ~~اللغة، وكذلك علماء الشعر والطب، وغير ذلك فلكل علم رجال يعرفون به ~~والعلماء بالحديث أجل هؤلاء وأعظم قدرا وأعظمهم صدقا وأعلاهم منزلة وأكثرهم ~~دينا". ا. ه. # وقال أيضا في موضع آخر: "لو تناظر فقيهان في مسألة من مسائل الفروع، ولم ~~تقم # PageV01P258 # الحجة على المناظر إلا بحديث يعلم أنه مسند إسنادا تقوم به الحجة أو ~~يصححه من يرجع إليه من ذلك، فإذا لم يعلم إسناده، ولا أثبته أئمة النقل فمن ~~أين يعلم؟ ". ا. ه. # وفي خلاصة الطيبي: "اعلم أن الخبر ينقسم إلى ثلاثة أقسام قسم يجب تصديقه: ~~وهو ما نص الأئمة على صحته، وقسم يجب تكذيبه: وهو ما نصوا على وضعه وقسم ~~يجب التوقف فيه لاحتماله الصدق والكذب كسائر الأخبار الكثيرة فإنه لا يجوز ~~أن يكون كله كذبا؛ لأن العادة تمنع في الأخبار الكثيرة أن تكون كلها كذبا، ~~مع كثرة رواتها واختلافهم ولا أن تكون كلها صدقا لأن النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- قال: "سيكذب علي بعدي". ا. ه. # وفي مقدمة ابن الصلاح: "ثم إن الزيادة في الصحيح على ما في الكتابين ~~يتلقاها طالبها عما اشتمل عليه أحد المصنفات المعتمدة المشتهرة لأئمة ~~الحديث، كأبي داود السجستاني، وأبي عيسى الترمذي وأبي عبد الرحمن النسائي، ~~وأبي بكر بن خزيمة وأبي الحسن الدارقطني، وغيرهم منصوصا على صحته فيها، ولا ~~يكفي في ذلك مجرد كونه موجودا في كتاب أبي داود وكتاب الترمذي وكتاب أبي ~~بكر الإسماعيلي وكتاب النسائي وسائر من جمع في كتابه بين الصحيح وغيره، ~~ويكفي مجرد كونه موجودا في كتب ms194 من اشترط منهم الصحيح فيما جمعه ككتاب ابن ~~خزيمة، وكذلك ما يوجد في الكتب المخرجة على كتاب البخاري ومسلم ككتاب أبي ~~عوانة الإسفرايبني وكتاب أبي بكر وغيرهم". ا. ه. # وفيه أيضا: "إذا وجدنا فيما يروى من أجزاء الحديث وغيرها حديثا صحيح ~~الإسناد، ولم نجده في أحد الصحيحين، ولا منصوصا على صحته في شيء من مصنفات ~~أئمة الحديث المعتمدة المشهورة، فإننا لا نتجاسر على جزم الحكم بصحته، فقد ~~تعذر في هذه الأعصار الاستقلال بإدراك الصحيح بمجرد اعتبار الأسانيد لأنه ~~ما من إسناد إلا وتجد في رجاله من اعتمد في روايته على ما في كتابه عريا ~~عما يشترط في الصحيح من الحفظ والضبط والإتقان فآل الأمر إذن في معرفة ~~الصحيح والحسن إلى الاعتماد على ما نص عليه أئمة الحديث في تصانيفهم ~~المعتمدة المشهورة التي يؤمن فيها لشهرتها من التغيير والتحريف". ا. ه. # PageV01P259 # وقد اقتفى أثر ابن الصلاح في كل ما ذكره، من جاء بعده إلا في تعذر ~~التصحيح في الأعصار المتأخرة فخالفه فيه جمع ممن لحقه، فقال العراقي في شرح ~~ألفيته: "لما تقدم أن البخاري ومسلما لم يستوعبا إخراج الصحيح، فكأنه قيل ~~فمن أين يعرف الصحيح الزائد على ما فيهما؟ فقال: خذه إذ ينص صحته -أي حيث ~~ينص على صحته- إمام معتمد كأبي داود والترمذي والنسائي والدارقطني والبيهقي ~~والخطابي في مصنفاتهم المعتمدة كذا قيده ابن الصلاح ولم أقيده، بل إذا صح ~~الطريق إليهم أنهم صححوه ولو في غير مصنفاتهم أو صححه من لم يشتهر له تصنيف ~~من الأئمة كيحيى بن سعيد القطان وابن معين ونحوهما فالحكم كذلك على الصواب، ~~وإنما قيده ابن الصلاح بالمصنفات لأنه ذهب إلى أنه ليس لأحد في هذه الأعصار ~~أن يصحح الأحاديث فلذا لم يعتمد على صحة السند في غير تصنيف مشهور ويؤخذ ~~الصحيح أيضا من المصنفات المختصة بجمع الصحيح فقط كصحيح أبي بكر محمد بن ~~إسحاق بن خزيمة، وصحيح أبي حاتم محمد بن حبان البستي المسمى بالتقاسيم ~~والأنواع وكتاب المستدرك على الصحيحين لأبي عبد الله الحاكم، وكذلك لم ms195 يوجد ~~في المستخرجات على الصحيحين من زيادة، أو تتمة لمحذوف فهو محكوم بصحته". ا. ~~ه. ثم نقل بعد ذلك تعذر الحكم بالصحيح في هذه الأعصار عن ابن الصلاح. ا. ه. # وقال ابن جماعة في مختصره بعد ما نقل عن ابن الصلاح التعذر: "قلت مع غلبة ~~الظن إنه لو صح لما أهمله أئمة الأعصار المتقدمة؛ لشدة فحصهم واجتهادهم، ~~فإن بلغ واحد في هذه الأعصار أهلية ذلك، والتمكن من معرفته احتمل ~~استقلاله". ا. ه. # وقال النووي في التقريب: "الأظهر عندي جوازه لمن تمكن وقويت معرفته". ا. ~~ه. وقال السيوطي: "قال العرافي: وهو الذي عليه عمل أهل الحديث فقد صحح ~~جماعة من المتأخرين أحاديث، لم نجد لمن تقدمهم فيها تصحيحا؛ فمن المعاصرين ~~لابن الصلاح أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك بن القطان صاحب كتاب الوهم ~~والإيهام صحح فيه حديث ابن عمر أنه كان يتوضأ ونعلاه في رجليه ويمسح عليهما ~~ويقول: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يفعل ذلك # PageV01P260 # أخرجه البزار، وحديث أنس: "كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~ينتظرون الصلاة فيضعون جنوبهم فمنهم من ينام ثم يقوم إلى الصلاة" أخرجه ~~قاسم بن أصبغ. ومنهم الحافظ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي، جمع ~~كتابا سماه: "المختارة" التزم فيه الصحة وذكر فيه أحاديث لم يسبق إلى ~~تصحيحها: "وصحح الحافظ زكي الدين المنذري حديث يونس عن الزهري عن سعيد وأبي ~~سلمة عن أبي هريرة في غفران ما تقدم من ذنبه وما تأخر ولم يزل ذلك دأب من ~~بلغ أهليه ذلك". ا. ه. # ثم قال: "الحاصل أن ابن الصلاح سد باب التصحيح والتحسين والتضعيف على أهل ~~هذه الأزمان لشفع أهليتهم، وإن لم يوافق على الأول ولا شك أن الحكم بالوضع ~~أولى بالمنع مطلقا إلا حيث لا تخفى كالأحاديث الطوال الركيكة، وإلا ما فيه ~~مخالفة للعقل أو الإجماع، وأما الحكم للحديث بالتواتر والشهرة فلا يمتنع ~~إذا وجدت الطرق المعتبرة". ا. ه. # PageV01P261 ### $ 8- الاهتمام بمطالعة كتب الحديث: # قال العارف الشعراني قدس سره في عهوده الكبرى: "أخذ ms196 عليها العهد العام من ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن لا نمل من كثرة تعلمنا العلم والعمل به ~~لكون شربنا من حوض نبينا -صلى الله عليه وسلم- يكون بقدر تضلعنا من ~~الشريعة، كما أن مشينا على الصراط يكون بحسب استقامتنا بالعمل بها، فالحوض ~~علوم الشريعة والصراط أعمالها". ثم قال: "فاجتهد يا أخي في حفظ الشريعة ولا ~~تغفل. وعليك بكتب الحديث فطالعها لتعرف منازع الأئمة وماذا استندوا إليه من ~~الآيات والأحاديث والآثار ولا تقنع بكتب الفقه دون معرفة أدلتها". ا. ه. # PageV01P261 ### $ 9- ذكر أرباب الهمة الجليلة في قراءتهم كتب الحديث في أيام قليلة: # ذكر في ترجمة المجد الفيروزآبادي صاحب القاموس أنه قرأ صحيح مسلم في ~~ثلاثة أيام بدمشق، وأنشد # قرأت بحمد الله جامع مسلم ... بجوف دمشق السام جوف لإسلام # على ناصر الدين الإمام بن جهبل ... بحضرة حفاظ مشاهير أعلام # وتم بتوفيق الإله وفضله ... قراءة ضبط في ثلاثة أيام # وقرأ الحافظ أبو الفضل العراقي صحيح مسلم على محمد بن إسماعيل الخباز ~~بدمشق في ستة مجالس متوالية قرأ في آخر مجلس منها أكثر من ثلث الكتاب، وذلك ~~بحضور الحافظ زين الدين بن رجب، وهو يعارض بنسخته وفي تاريخ الذهبي في ~~ترجمة إسماعيل بن أحمد الحيري النيسابوري الضرير ما نصه: "وقد سمع عليه ~~الخطيب البغدادي بمكة صحيح البخاري بسماعه من الكشميهني في ثلاثة مجالس: ~~اثنان منها في ليلتين كان يبتدئ بالقراءة وقت المغرب ويختم عند صلاة الفجر، ~~والثالث من ضحوة النهار إلى طلوع الفجر" قال الذهبي: "وهذا شيء لا أعلم ~~أحدا في زماننا يستطيعه". ا. ه. # وقال الحافظ السخاوي: "وقع لشيخنا الحافظ ابن حجر أجل مما وقع لشيخه ~~المجد اللغوي، فإنه قرأ صحيح البخاري في أريعين ساعة رملية، وقرأ صحيح مسلم ~~في أربعة مجالس سوى مجلس الختم في يومين وشيء، وقرأ سنن ابن ماجه في أربعة ~~مجالس، وقرأ كتاب النسائي الكبير في عشرة مجالس كل مجلس منها نحو أربع ~~ساعات، وقرأ صحيح البخاري في عشرة مجالس كل مجلس منها أربع ساعات" ثم قال ~~السخاوي: "وأسرع شيء ms197 وقع له -أي لابن حجر- أنه قرأ في رحلته الشامية معجم ~~الطبراني الصغير في مجلس واحد بين صلاتي الظهر والعصر قال: وهذا الكتاب في ~~مجلد يشتمل على نحو ألف حديث وخمسمائة حديث". ا. ه. # PageV01P262 # والعبد الضعيف، جامع هذا الكتاب، قد من الله عليه بفضله فأسمع صحيح مسلم ~~رواية ودراية في مجالس من أربعين يوما آخرها في 28 من شهر صفر الخير سنة ~~"1316" وأسمع أيضا سنن ابن ماجه كذلك في مجالس من إحدى وعشرين يوما آخرها ~~في 22 من شهر ربيع الأول سنة "1316" وأسمع أيضا الموطأ كذلك مجالس من تسعة ~~عشر يوما آخرها في 15 من شهر ربيع الآخر سنة "1316"، وطالعت بنفسي لنفسي: ~~"تقريب التهذيب" للحافظ ابن حجر مع تصحيح سهو القلم فيه وضبطه وتحشيته من ~~نسخة مصححة جدا في مجالس من عشرة أيام آخرها في 18 من شهر ذي الحجة سنة ~~"1315" أقول وهذه الكتب قرأتها بإثر بعضها فأجهدت نفسي وبصرى حتى رمدت بأثر ~~ذلك شفاني الله بفضله وأشفقت من العود إلى مثل ذلك، وتبين أن الخيرة في ~~الاعتدال نعم لا ينكر أن بعض النفوس لا تتأثر بمثل ذلك لقوة حواسها، ~~وللإنسان بصيرة على نفسه وهو أدري بها! # PageV01P263 ### $ 10- قراءة البخاري لنازلة الوباء: # نقل القسطلاني رحمه الله تعالى، شارح البخاري، في مقدمة شرحه عن الشيخ ~~أبي محمد عبد الله بن أبي جمرة، قال: "قال لي من العارفين، عمن لقيه من ~~السادة المقر لهم: إن صحيح البخاري ما قرئ في شدة إلا فرجت، ولا ركب به ~~مركب فغرقت". ا. ه. # وقد جرى على العمل بذلك كثير من رؤساء العلم ومقدمي الأعيان إذا ألم ~~بالبلاد نازلة مهمة فيوزعون أجزاء الصحيح على العلماء والطلبة ويعينون ~~للختام يوما يفدون فيه لمثل الجامع الأموي أمام المقام اليحيوي في دمشق وفي ~~غيرها، كما يراه مقدموها، وهذا العمل ورثه جيل عن جيل مذ انتشار ذاك القول ~~وتحسين الظن بقائله، بل كان ينتدب بعض المقدمين إلى قراءته موزعا ثم ختمه ~~اجتماعا لمرض، والي بلدة أو عظيم من عظمائها مجانا أو بجائزة، ms198 بل قد يستأجر ~~من يقرؤه لخلاص وجيه من سجن أو شفائه من مرض على النحو المتقدم اعتقادا ~~ببركة هذا الصحيح وتقليدا لمن مضى ووقوفا مع ما مر عليه # PageV01P263 # قرون، وصقله العرف، وفي ذلك من تمكين الاعتقاد بصحيح البخاري والركون ~~إليه، والحرص عليه، ما لا يخفى. ولم يكن يخطر لي أن يناقش أحد في هذا ~~العمل، ويزيفة بمقالة رنانة تطبع وتنشر! نعم ربما يوجد من ينكر ذلك بقلبه، ~~أو يشافه به خاصته، والله أعلم بالضمائر! ولغرابة تلك المقالة آثرت نقلها ~~بحروفها؛ ليحيط الواقف علما بما وصلت إليه حرية الأفكار. وتلك المقالة ~~قدمها أحد الفضلاء الأزهريين في جمادى الآخر سنة "1320" لإحدي المجلات ~~العلمية في مصر فنشرتها عنه، وهاكها بحروفها تحت عنوان: # بماذا دفع العلماء نازلة الوباء؟ # دفعوها يوم الأحد الماضي في الجامع الأزهر، بقراءة متن البخاري موزعا ~~كراريس على العلماء، وكبار المرشحين للتدريس، في نحو ساعة، جريا على عادتهم ~~من إعداد هذا المتن أو السلاح الجبري؛ لكشف الخطوب، وتفريج الكروب فهو يقوم ~~عندهم في الحرب مقام المدفع والصرام والأسل، وفي الحريق مقام المضخة ~~والماء، وفي الهيضة مقام الحيطة الصحيحة وعقاقير الأطباء، وفي البيوت مقام ~~الخفراء والشرطة وعلى كل حال هو مستنزل الرحمات، ومستقر البركات ولما كان ~~العلماء أهل الذكر والله يقول: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} 1، ~~فقد جئت أسألهم بلسان كثير من المسترشدين عن مأخذ هذا الدواء من كتاب الله، ~~أو صحيح سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو رأي مستدل عليه لأحد ~~المجتهدين الذين يقلدونهم، إن كانوا قد أتوا هذا العمل على أنه ديني، داخل ~~في دائرة المأمور به. وإلا فعن أي حذاق الأطباء تلقوه ليتبين للناس منه أو ~~من مؤلفاته عمل تلاوه متن البخاري في درء الهيضة عن الأمة، وأن هذا داخل في ~~نواميس الفطرة أو خارج عنها خارق لها، وإذا كان هذا السر العجيب جاء من جهة ~~أن المقروء حديث نبوي، فلم خص بهذه المزية مؤلف البخاري، ولم لم يجز في هذا ~~موطأ مالك، وهو أعلى كعبا ms199 وأعرق نسبا وأغزر علما، ولا يزال مذهبه حيا ~~مشهورا، وإذا جروا على أن الأمر من وراء الأسباب فلم لا يقرؤه العلماء لدفع ~~ألم الجوع كما يقرءونه لإزالة المغص أو PageV01P264 # القيء أو الإسهال، حتى تذهب شحناء الجراية من صدور كثير من أهل العلم "أي ~~من أهل جامع الأزهر" وعلى هذا القياس يقرأ لكل شيء، ما دامت العلاقة بين ~~الشيء وسببه مفصومة فإن لم يستطيعوا عزو هذا الداء إلى نطاس الأطباء، سألت ~~الملم منهم بالتاريخ أن يرشدنا إلى من سن هذه السنة في الإسلام، وهل قرئ ~~البخاري لدفع الوباء قبل هذه المرة، فإنا نعلم أنه قرئ للعرابيين في واقعة ~~التل الكبير "أي في مصر" فلم يلبثوا أن فشلوا، ومزقوا شر ممزق، ونعلم أنه ~~يقرأ في البيوت لتأمن الحريق والسرقة، ولكن بأجر ليس شيئا مذكورا في جانب ~~أجر شركة التأمين المعروفة مع أن الناس يتسابقون إليها تسابقهم إلى شراء ~~الدواء إذا نزل الداء، ويعدلون عن الوقاية التي نحن بصددها، وهي تكاد تتكون ~~بالمجان ويجدون في نفوسهم اطمئنانا لذلك دون هذه فإن لم يجد العلماء عن هذه ~~المسألة إجابة شافية خشيت -كما يخشى العقلاء حملة الأقلام- عليهم حملة تسقط ~~الثقة بهم، حتى من نفس العامة وحينئذ تقع الفوضى الدينية المتوقعة من ضعف ~~الثقة، واتهام العلماء بالتقصير وكون أعمالهم حجة على الدين، هذا وقد لهج ~~الناس بآراء على أثر الاجتماع الهيضي الأزهري، فمن قائل: إن العلماء ~~المتأخرين من عادتهم أن يهربوا في مثل هذه النوازل من الأخذ بالأسباب، ~~والاصطبار على تحملها لمشقتها الشديدة، ويلجئون إلى ما وراء الأسباب من ~~خوارق العادات لسهولته ولإيهام العامة أنهم مرتبطون بعالم أرقى من هذا ~~العالم المعروف النظام فيكسبون الراحة والاحترام معا فيظهرون على الأمة ~~ظهور إجلال، ويمتكلون قلوبهم ويسيطرون على أروحهم ولهذا تمكثوا حتى فترت ~~شرة الوباء فقرءوا تميمتهم، ليوهموا أن الخطر إنما زال ببركة تميمتهم، ~~وطالع يمنهم ومن قائل: إنهم يخدعون أنفسهم بمثل هذه الأعمال بدليل أن من ~~يصاب منهم لا يعالج مرضه بقراءة كراسة من ذلك الكتاب، بل ms200 يعمد إلى المجربات ~~من النعنع والخل وماء البصل وما شابه أو يلجأ إلى الطبيب لا تلتفت نفسه إلى ~~الكراسة التي يعالج بها الأمة فهذا يدل على أن القوم يعملون على خلاف ما في ~~وجدانهم لهذه الأمة خادعين أنفسهم بتسليم أعمل سلفهم، ومن قائل: إن عدوا من ~~أعداء الدين الإسلامي أراد أن يشكك المسلمين فيه فدخل عليهم من جهة تعظيمه # PageV01P265 # فأوحى إلى قوم من متعالمية السابقين أن يعظموا من شأنه ويرفعوا من قدره ~~حتى يجعلوه فوق ما جاءت له الأديان فيدعون كشف نوائب الأيام بتلاوة أحاديث ~~خير الأيام ويروجون ما يقولون بأنه جرب، وأن من شك فيه فقد طعن في مقام ~~النبوة حتى إذا رسخت هذه العقيدة في الناس وصارت ملكة دينية راسخة عند ~~العوام وجربوها فلم تفلح وقعوا -والعياذ بالله- في الشك وأصابهم دوار ~~الحيرة كما حصل ذلك على أثر واقعة التل الكبير من كثير من الذين لم يتذوقوا ~~الدين من المسلمين حتى كانوا يسألون عن قوة: "البخاري" الحربية ونسبته إلى ~~البوارج ساخرين منه ومن قارئة، ولولا وقوف أهل الفكر منهم على أن هذا العمل ~~ليس من الدين وأن القرآن يقول: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط ~~الخيل} 1 لضلوا وأضلوا وقد جرأ هذا الأمر غير المسلمين على الخوض في الدين ~~الإسلامي وإقامة الحجة على المسلمين من عمل علمائهم ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله، ويقول قوم: إن التقليد بلغ بالعلماء مبلغا حرم على العقول النظر في ~~علم السلف وإن كذبته العينان وخالف الحسن والوجدان ويقول آخرون -ممن لا ~~خبرة لهم بهمة العلماء في مثل هذه الكوارث- أما كان ينبغي لهم أن ينبثوا في ~~المساجد والأبدية والولائم حاثين الناس على الوقاية من العدوى معاضدين ~~الحكومة في تسكين سورة الأهلين مفاوضين الصحة في فتح المساجد وتعهدها ~~بالنظافة فإن هذا يرتبط بهم أكثر مما يرتبط بوفد أعيان القاهرة جزاه الله ~~خير الجزاء، فإن أعوزهم البيان وخلب القلوب بذلاقة اللسان فلا أقل من أن ~~يؤلفوا رسالة في فهم ما ورد متشابها في موضوع ms201 العدوى حتى يعلم الناس أن ~~الوقاية من الداء مأمور بها شرعا وعقلا وسياسة، فيكون كل فرد عارف عضدا ~~للحكومة ولو طلبوا من الصحة طبع ما ألفوا وتوزيعه على المصالح والنواحي ~~للبت ذلك شاكرة وكان لهم الأثر النافع. # "وهذا ما يقوله القوم في شأن علمائهم نرفعه إليهم ليكونوا على بينه منه؛ ~~لأنهم لا يختلطون بالناس غالبا إلا في الولائم والمآتم وإن اختلطوا فقلما ~~يناقشونهم في شيء تحرزا PageV01P266 # من حديثهم في المناقشة، ورميهم مناظرهم بأول وهلة بالزيغ والزندقة؛ فلذلك ~~يجاملونهم ويوافقونهم خشية الهجر والمعاندة. أما أنا فإني لا أزال ألح في ~~طلب الجواب الشافي عن أصل دفع الوباء بقراءة الحديث، وعن منح متن البخاري ~~مزية لم يمنحها كتاب الله الذي نعتقد أنه متعبد بتلاوته دون الحديث؛ ولو ~~كان هذا العمل من غير العلماء الرسميين لضربت عنهم وعن عملهم صفحا، ولما ~~خططت كلمة، ولكنه من علماء لهم مراكز رسمية، يزاحمون بها مراكز الأمراء، ~~فيجب أن يؤبه لهم، وأن ينظر لعملهم بإزاء مركزهم عن الأمة التي يسألون ~~عنها، والله ولي التوفيق". # هذا ما رأيته، أثبته بحروفه، وقد وقع منشئها بإمضاء "متنصح"، ولو عرفنا ~~اسمه لنسبناه إليه أداء للأمانة إلى أهلها. # ثم رأيت العلامة عصام الدين الطاشكبري الحنفي ذكر في رسالة "الشفاء، ~~لأدواء الوباء" في المطلب السادس نقلا عن السيوطي أن الدعاء يرفع الطاعون ~~والاجتماع له بدعة، قال: "لأنه وقع في أيام عمر بن الخطاب -رضي الله عنه، ~~والصحابة يومئذ متوافرون وأكابرهم موجودون، فلم ينقل عن أحد منهم أنه فعل ~~شيئا من ذلك، ولا أمر به. # وكذا في القرن الثاني، وفيه خيار التابعين وأتباعهم؛ وكذا في القرن ~~الثالث والرابع. وإنما حدث الدعاء برفعه في الزمن الأخير، وذلك في سنة ~~749". # PageV01P267 ### | الباب العاشر: في فقه الحديث ### $ 1- بيان أقسام ما دون في علم الحديث: # قال الإمام ولي الله الدهلوي، قدس سره في الحجة البالغة ما نصه1، "اعلم ~~أن ما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ودون في كتب الحديث على قسمين: # "أحدهما: ما سبيله سبيل تبليغ الرسالة، وفيه ms202 قوله تعالى: {وما آتاكم ~~الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} منه علوم المعاد، وعجائب الملكوت، ~~وهذا كله مستند إلى الوحي2 ومنه شرائع وضبط للعبادات، والارتفاقات، وهذه ~~بعضها مستند إلى الوحي، وبعضها مستند إلى الاجتهاد، واجتهاده -صلى الله ~~عليه وسلم- بمنزلة الوحي؛ لأن الله تعالى عصمه من أن يتقرر رأيه على الخطإ، ~~وليس يجب أن يكون اجتهاده استنباطا من المنصوص، كما يظن، بل أكثره أن يكون ~~علمه الله تعالى مقاصد الشرع وقانون التشريع والتيسير والأحكام؛ فبين ~~المقاصد المتلقاة بالوحي بذلك القانون. ومنه3 حكم مرسلة ومصالح مطلقة، لم ~~يوقتها، ولم يبيح حدودها، كبيان الأخلاق الصالحة وأضدادها، ومستندها غالبا ~~الاجتهاد، بمعنى أن الله تعالى علمه قوانين الارتفاقات، فاستنبط منها حكمة ~~وجعل فيها كلية. ومنه فضائل الأعمال، ومناقب العمال؛ وأرى أن بعضها مستند ~~إلى الوحي، وبعضها إلى الاجتهاد، وهذا القسم هو الذي نقصد شرحه وبيان ~~معانيه. PageV01P269 # وثانيهما: ما ليس من باب تبليغ الرسالة، وفيه قوله -صلى الله عليه وسلم1: ~~"إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من ~~رأيي فإنما أن بشر" وقوله -صلى الله عليه وسلم- في قصة تأبير النخل1: "فإني ~~إنما ظننت ظنا، ولا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا ~~به، فإني لم أكذب على الله". فمنه الطب ومنه باب قوله -صلى الله عليه وسلم: ~~"عليكم بالأدهم والأقرح" ومستنده التجربة، ومنه ما فعله النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- على سبيل العادة، دون العبادة، وبحسب الاتفاق، دون القصد، ومنه ~~ما ذكره كما كان يذكر قومه، كحديث أم زرع2، وحديث خرافة3، وهو قول زيد بن ~~ثابت، حيث دخل عليه نفر، فقالوا: حدثنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~قال: كنت جاره، فكان إذا نزل عليه الوحي، بعث إلي فكتبته له، فكنا إذا ~~ذكرنا الدنيا، ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا ~~الطعام ذكره معنا، وكل هذا أحدثكم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومه ~~ما قصد به مصلحة جزئية يومئذ، وليس من الأمور اللازمة لجميع الأمة، وذلك ~~مثل ms203 ما يأمر به الخليفة من تعبئة الجيوش، وتعيين الشعار، وهو قول عمر -رضي ~~الله عنه: "ما لنا وللرمل، كما نتراءى به قوما قد أهلكهم الله! " ثم خشي أن ~~يكون له سبب آخر، وقد حمل كثير من الأحكام عليه كقوله -صلى الله عليه ~~وسلم4: "من قتل قتيلا فله سلبه" ومنه حكم وقضاء خاص، وإنما كان يتبع فيه ~~البينات والأيمان، وهو قوله -صلى الله عليه وسلم- لعلي رضي الله عنه5: ~~"الشاهد يرى ما لا يراه الغائب". ا. ه. PageV01P270 ### $ 2- بيان كيفية تلقي الأمة الشرع من النبي صلى الله عليه وسلم: # قال ولي الله قدس سره أيضا في الحجة البالغة1: واعلم أن تلقي الأمة منه ~~الشرع على وجهين: # أحدهما تلقي الظاهر، ولا بد أن يكون ما ينقل إما متواترا أو غير متواتر؛ ~~والمتواتر منه المتواتر لفظا كالقرآن العظيم، وكنبذ يسيره من الأحاديث منها ~~قوله -صلى الله عليه وسلم2: "إنكم سترون ربكم"، ومنه المتواتر معنى ككثير ~~من أحكام الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج والبيوع والنكاح والغزوات ~~مما لم يختلف فيه فرقة من فرق الإسلام، وغير المتواتر أعلى درجاته المستفيض ~~وهو ما رواه ثلاثة من الصحابة فصاعدا ثم لم يزل يزيد الرواة إلى الطبقة ~~الخامسة، وهذا قسم كثير الوجود وعليه بناء رءوس الفقه ثم الخبر المقضي له ~~بالصحة أو الحسن على ألسنه حفاظ المحدثين وكبرائهم ثم أخبار فيها كلام ~~قبلها بعض، ولم يقبلها آخرون فما اعتضد منها بالشواهد أو قول أكثر أهل ~~العلم أو العقل الصريح وجب اتباعه. # وثانيهما: التلقي دلالة وهي أن يرى الصحابة رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- يقول أو يفعل، فاستنبطوا من ذلك حكما من الوجوب وغيره، فأخبروا بذلك ~~الحكم فقالوا: الشيء الفلاني واجب وذلك الآخر جائز ثم تلقي التابعون من ~~الصحابة كذلك فدون الطبقة الثالثة فتاواهم وقضاياهم، وأحكموا الأمر وأكابر ~~هذا الوجه3 عم وعلي وابن مسعود وابن عباس -رضي الله عنهم، لكن كان من سيرة ~~عمر "رض" أنه كان يشاور الصحابة، ويناظرهم حتى تنكشف الغمة ويأتيه الثلج ~~فصار غالب قضاياه، وفتاواه متبعة في ms204 مشارق الأرض، ومغاربها، وهو قول ~~إبراهيم لما مات عمر -رضي الله عنه: "ذهب تسعة أعشار العلم" وقول ابن مسعود ~~-رضي الله عنه- كان عمر إذا سلك طريقا، وجدناه سهلا وكان علي -رضي الله ~~عنه- لا يشاور PageV01P271 # غالبا، وكان أغلب قضاياه بالكوفة ولم يحملها عنه الناس وكان ابن مسعود ~~-رضي الله عنه- بالكوفة، فلم يحمل عنه غالبا إلا أهل تلك الناحية، وكان ابن ~~عباس -رضي الله عنهما- اجتهد بعد عصر الأولين، فناقضهم في كثير من الأحكام ~~واتبعه في ذلك أصحابه من أهل مكة، ولم يأخذ بما تفرد به جمهورا أهل ~~الإسلام. وأما غير هؤلاء الأربعة فلم يكن لهم قول عند تعارض الأخبار، ~~وتقابل الدلائل إلا قليلا، كابن عمر وعائشة وزيد بن ثابت -رضي الله عنهم- ~~وأكابر هذا الوجه من التابعين بالمدينة الفقهاء السبعة، لا سيما ابن المسيب ~~بالمدينة، وبمكة عطاء بن بأبي رباح، وبالكوفة إبراهيم وشريح والشعبي، ~~وبالبصرة الحسن، وفي كل من الطريقتين خلل، إنما ينجبر بالأخرى، ولا غنى ~~لإحداهما عن صاحبتهما أما الأولى فمن خللها ما يدخل الرواية بالمعنى، من ~~التبديل ولا يؤمن من تغيير المغنى وونه ما كان الأمر في واقعة خاصة، فظن ~~الرواي وجوبا أو حرمة، وليس الأمر على ذلك، فمن كان فقيها وحضر الواقعة، ~~استنبط من القرا حقيقة الحال كقول زيد -رضي الله عنه- في النهي عن ~~المزارعة، وعن بيع الثماء قبل أن يبدو صلاحها إن ذلك كان كالمشهورة، وأما ~~الثانية فيدخل فيها قياسات الصحابة والتابعين، واستنباطهم من الكتاب ~~والسنة، وليس الاجتهاد مصيبا في جميع الأحوال، وربما كان لم يبلغ أحدهم ~~الحديث، أو بلغه بوجه لا ينتهض بمثلة الحجة، فلم يعمل به، ثم ظهر جلية ~~الحال على لسان صحابي آخر بعد ذلك كقول عمر وابن مسعود -رضي الله عنهما- في ~~التيمم عن الجنابة. وكثيرا ما كان اتفاق رءوس الصحابة -رضي الله عنهم- على ~~شيء من قبل دلالة العقل على ارتفاق وهو قوله -صلى الله عليه وسلم1: "عليكم ~~بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" وليس من أصول الشرع، فمن كان متبحرا ~~في الأخبار وألفاظ الحديث يتيسر ms205 له التقصي عن مزال الأقدام، ولما كان الأمر ~~كذلك وجب على الخائض في الفقه أن يكون متضلعا من كلا المشربين، ومتبحرا في ~~كلا المذهبين، وكان أحسن شعائر الملة ما أجمع عليه جمهور الرواة وحملة ~~العلم، وتطابق فيه الطريقتان جميعا. ا. ه. PageV01P272 ### $ 3- بيان أن السنة حجة على جميع الأمة وليس عمل أحد حجة عليها: # قال الله تعالى1: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} وقال ~~تعالى2: {وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى} . وقال تعالى3: {قل إن ~~كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم} وقال تعالى4: {لقد ~~كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر} وقال ~~تعالى5: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في ~~أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} . وقال تعالى6: {فإن تنازعتم في شيء ~~فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} . قال العلماء ~~معناه إلى الكتاب والسنة وقال تعالى7: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} 8: ~~وقال تعالى: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم، صراط الله} وقال تعالى9: {فليحذر ~~الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} . وقال ~~تعالى10: {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة} .. PageV01P273 # والآيات في ذلك كثيرة، وقد ساقها مع عدة أحاديث في معناها الإمام النووي ~~قدس الله سره في باب المر بالمحافظة على السنة وآدابها من: "رياض الصالحين" ~~فارجع إليه1. # وقد روى البيهقي عن الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول: إذا وجدتم ~~في كتابي خلاف سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقولوا بسنة رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- ودعوا ما قلت. فهذا مذهبه في اتباع السنة. وأخرج ~~البيهقي أيضا عن الشافعي قال: إذا حدث الثقة عن الثقة حتى ينتهي إلى رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- فهو ثابت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا ~~يترك لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- حديث أبدا إلا حديث وجد عن رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- حديث ms206 يخلفه، وقال الشافعي: إذا كان الحديث عن رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- لا مخالف له عنه، وكان يروي عمن دون رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- حديث يوافقه لم يزده قوة، وحديث النبي مستغن بنفسه ~~وإن كان يروي عمن دون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حديث يخلفه لم يلتفت ~~إلى ما خالفه، وحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أولى أن يؤخذ به، ولو ~~علم من روي عنه خلاف سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اتبعها إن شاء ~~الله تعالى. # وأخرج البيهقي أيضا عن الربيع قال: قال الشافعي في أقاويل أصحاب رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم: إذا تفرقوا فيها نصير إلى ما وافق الكتاب والسنة ~~والإجماع أو كان أصح في القياس، وإذا قال الواحد منهم القول لا يحفظ عن ~~غيره منهم فيه له موافقة، ولا خلاف صرت إلى اتباع قول واحدهم إذا لم أجد ~~كتابا، ولا سنة ولا إجماعا ولا شيئا في معناه يحكم له بحكمه أو وجد معه ~~قياس. # وأخرج أيضا عن الربيع قال: قال الشافعي: ما كان الكتاب والسنة موجودين ~~فالعذر على من سمعها مقطوع إلا باتباعهما فإذا لم يكن ذلك صرنا إلى أقاويل ~~أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أو واحدهم ثم كان قول الأئمة أبي بكر ~~وعمر وعثمان -رضي الله عنهم، إذا صرنا إلى التقليد أحب إلينا، وذلك إذا لم ~~نجد دلالة في الاختلاف تدل على أقرب الاختلاف PageV01P274 # من الكتاب والسنة، فنتبع القول الذي منه الدلالة لأن قول الإمام مشهور ~~بأنه يلزم الناس، ومن لزم قول الناس كان أشهر ممن يفتي الرجل والنفر، وقد ~~يأخذ بفتياه أو يدعها وأكثر المفتين يفتون الخاصة في بيوتهم ومجالسهم ولا ~~تعني العامة بما قالوا اعتناءهم بما قال الإمام، وقد وجدنا الأئمة يبتدئون ~~فيسألون عن العلم من الكتاب والسنة فيما أرادوا أن يقولوا فيه، ويقولون ~~فيخبرون بخلاف قولهم فيقبلون من المخبر ولا يستنكفون أن يرجعوا لتقواهم ~~الله، وفضلهم في حالاتهم فإذا لم يوجد عن الأئمة فأصحاب رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- في الدين ms207 في وضع الأمانة أخذنا بقولهم، وكان اتباعهم أولى ~~بنا من اتباع من بعدهم قال والعلم طبقات الأولى: الكتاب والسنة إذا ثبتت ~~السنة ثم الثانية: الإجماع فيما ليس فيه كتاب ولا سنة، والثالثة: أن يقول ~~بعض أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا يعلم له مخالف منهم، والرابعة: ~~اختلاف أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم، والخامسة: القياس على هذه ~~الطبقات، ولا يصار إلى شيء غير الكتاب، والسنة وهما موجودان وإنما يؤخذ ~~العلم من أعلى وذكر الشافعي في كتاب الرسالة القديمة بعد ذكر الصحابة ~~والثناء عليهم بما هم أهله قال: وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل ~~وأمر استدرك به علم أو استنبط به وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من آرائنا ~~عندنا لأنفسنا، والله تعالى أعلم ومن أدركنا ممن أراضي أو حكي لنا عنه ~~ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيه سنة إلى ~~قولهم إن اجتمعوا، وقول بعضهم إن تفرقوا هكذا نقول إذا اجتمعوا أخذنا ~~بإجماعهم، وإن قال واحد منهم ولم يخالفه غيره أخذنا بقوله، وإن اختلفوا ~~أخذنا بقول بعضهم، ولم نخرج من أقاويلهم كلهم قال الشافعي: إذا قال الرجلان ~~منهم في شيء قولين مختلفين نظرت فإن كان قول أحدهما أشبه بكتاب الله تعالى ~~أو أشبه بسنه من سنن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أخذت به لأن معه شيئا ~~يقوى بمثله ليس مع الذي يخالف مثله فإن لم يكن على واحد من القولين دلالة ~~بما وصفت كان قول الأئمة أبي بكر أو عمر أو عثمان -رضي الله عنهم، أرجح ~~عندنا من أحد لو خالفهم غير إمام، وذكر في موضع آخر من هذا الكتاب وقال: ~~وإن لم يكن على القول دلالة من كتاب أو سنة كان قول أبي بكر أو عمر أو ~~عثمان أو علي -رضي الله عنهم- أرجج عندنا من أحد لو خالفهم غير إمام وذكر ~~في موضع آخر من هذا الكتاب، وقال: وإن لم يكن على القول دلالة من كتاب أو ~~سنة كان قول أبي بكر أو عمر ms208 أو عثمان أو علي -رضي الله عنهم- أحب # PageV01P275 # إلى أن أقول به، من قول غيرهم إن خالفهم من قبل أنهم أهل علم وحكام. ثم ~~ساق الكلام إلى أن قال: فإن اختلف الحكام استدللنا بالكتاب والسنة في ~~اختلافهم، فصرنا إلى قول الذي عليه الدلالة من الكتاب والسنة وقلما يخلو ~~اختلافهم من دلائل كتاب أو سنة، وإن اختلف المفتون -يعني من الصحابة بعد ~~الأئمة- بلا دلالة فيما اختلفوا فيه نظرنا إلى الأكثر فإن تكافأ نظرنا إلى ~~أحسن أقاويلهم مخرجا عندنا، وإن وجدنا للمفتين في زماننا وقبله إجماعا في ~~شيء لا يختلفون فيه تبعناه، وكان أحد طرق الأخبار الأربعة وهي كتاب الله ~~تعالى ثم سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- ثم قول بعض الصحابة ثم إجماع ~~الفقهاء فإذا نزلت نازلة لم يجد فيها واحدة من هذه الأربعة الأخبار فليس ~~السبيل في الكلام في النازلة إلا اجتهاد الرأي. # وقال شمس الدين ابن القيم في إعلام الموقعين: "قال الأصم: أخبرنا الربيع ~~بن سليمان قال الشافعي: أنا أعطيك جملة تغنيك إن شاء الله تعالى: لا تدع ~~لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- حديثا أبدا إلا أن يأتي عن رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- حديث خلافه فتعمل بما قررت لك في الأحاديث إذا اختلف، وقال ~~أبو محمد الجارودي: سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول إذا وجدتم سنة ~~محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خلاف قولي فإني أقول به قال أحمد بن ~~عيسى بن ماهان الرازي سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول: كل مسألة فيها ~~صح الخبر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند أهل النقل بخلاف ما قلت ~~فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي وقال حرملة بن يحيى قال الشافعي: ما قلت ~~وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد قال بخلاف قولي فما صح من حديث النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- أولى ولا تقلدوني وقال الحميدي: سأل رجل الشافعي عن ~~مسألة فأفتاه وقال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- كذا وكذا فقال الرجل: ~~أتقول بهذا يا أبا عبد الله؟ فقال الشافعي: أرأيت في ms209 وسطي زنارا؟ أتراني ~~خرجت من الكنيسة؟ أقول: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- وتقول لي: أتقول ~~بهذا؟! أروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا أقول به؟ # PageV01P276 # وقال الربيع: قال الشافعي: لم أسمع أحدا نسبته إلى العلم أو نسبته العامة ~~إلى علم أو نسب نفسه إلى علم يحكي خلافا في أن فرض الله تعالى اتباع أمر ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والتسليم لحكمه فإن الله تعالى لم يجعل ~~لأحد بعده إلا اتباعه، وإنه لا يلزم قول رجل قال إلا بكتاب الله تعالى أو ~~سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإن ما سواهما تبع لهما، وإن فرض الله ~~تعالى علينا وعلى من بعدنا وقبلنا قبول الخبر عن رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- إلا فرقة سأصف قولها إن شاء الله تعالى. قال الشافعي: ثم تفرق أهل ~~الكلام في تثبيت خبر الواحد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تفرقا ~~متباينا، وتفرق منهم ممن نسبه العامة إلى الفقه فامتنع بعضهم عن التحقيق من ~~النظر وآثروا التقليد والغفلة والاستعجال بالرئاسة، وقال الإمام أحمد: قال ~~لنا الشافعي: إذا صح عندكم الحديث فقولوا لي كي أذهب إليه، وقال الإمام ~~أحمد: كان أحسن أمر الشافعي عندي أنه كان إذا سمع الخبر لم يكن عنده قال به ~~وترك قوله، قال الربيع: قال الشافعي: لا تترك الحديث عن رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- فإنه لا يدخله القياس ولا موضع له من السنة، قال الربيع: ~~وقد روى عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأبي هو وأمي، أنه قضى1 في بروع ~~بنت واشق ونكحت بغير مهر فمات زوجها فقضى لها بمهر مثلها وقضى لها ~~بالميراث، فإن كان لم يثبت عن النبي فهو أولى الأمور بنا، ولا حجة في قول ~~أحد دون النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا في القياس ولا شيء إلا طاعة الله ~~تعالى بالتسليم له، وإن كان لا يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن ~~لأحد أن يثبت عنه ما لم يثبت ولم أحفظه من وجه يثبت مثله هو مرة عن معقل ms210 بن ~~يسار ومرة عن معقل بن سنان ومرة عن بعض أشجعي لا يسمى، قال الربيع: سألت ~~الشافعي عن رفع الأيدي في الصلاة فقال: يرفع المصلي يديه إذا افتتح الصلاة ~~حذو منكبيه وإذا أراد أن يركع وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك ولا ~~يفعل ذلك في السجود قلت له: فما الحجة في ذلك قال: أنبأنا ابن عيينة عن ~~الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مثل قولنا قال ~~الربيع: فقلت فإنا نقول يرفع في الابتداء ثم لا يعود قال PageV01P277 # الشافعي: أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر، كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه ~~حذو منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما قال الشافعي -وهو يعني مالكا- ~~يروي عن النبي أنه كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع ~~رأسه من الركوع رفعهما كذلك ثم خالفتم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وابن ~~عمر فقلتم: لا يرفع يديه إلا في ابتداء الصلاة، وقد رويتم أنهما رفعا في ~~الابتداء، وعند الرفع من الركوع أفيجوز لعالم أن يترك فعل النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- وابن عمر لرأي نفسه أو فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- لرأي ابن ~~عمر ثم القياس على قول ابن عمر ثم يأتي موضع آخر يصيب فيه فيترك على ابن ~~عمر ما روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فكيف لم ينته بعض هذا عن بعض ~~أرأيت إذا جاز له أن يروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يرفع يديه في ~~مرتين أو ثلاث أو عن ابن عمر فيه اثنتين، ويأخذ بواحدة أيجوز لغيره ترك ~~الذي أخذ به، وأخذ الذي ترك أو يجوز لغيره ما روى عن النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- فقلت له: إن صاحبنا قال فما معنى الرفع قال: معناه تعظيم الله، ~~واتباع لسنة النبي ومعنى الرفع في الأدلة معنى الرفع الذي خالقتم فيه النبي ~~عند الركوع، وعد رفع الرأس ثم خالفتم فيه روايتكم عن النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- وابن عمر معا ويروي ذلك عن النبي -صلى الله عليه ms211 وسلم- ثلاثة عشر ~~رجلا، ويروى عن أصحاب النبي من غير وجه، ومن تركه فقد ترك السنة. # قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "قلت: وهذا تصريح من الشافعي بأن تارك ~~رفع اليدين عند الركوع، والرفع منه تارك للسنة؛ ونص أحمد على ذلك أيضا في ~~إحدى الروايتين عنه. وقال الربيع: سألت الشافعي عن الطيب قبل الإحرام بما ~~يبقى ريحه بعد الإحرام أو بعد رمي الجمرة والحلق وقبل الإفاضة، فقال: جائز ~~أخبه ولا أكرهه لثبوت السنة فيه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولإخبار غير ~~واحد من الصحابة فقلت: وما حجتك فيه؟ فذكر الأخبار، والآثار ثم قال: حدثنا ~~ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن سالم قال: قال عمر: من رمى الجمرة فقد حل له ~~ما حرم عليه إلا النساء والطيب. قال سالم وقالت عائشة: طيبت # PageV01P278 # رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لحله قبل أن يطوف بالبيت. وسنة رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- أحق أن تتبع. # قال الشافعي: وهكذا ينبغي أن يكون الصالحون وأهل العلم فأما ما تذهبون ~~إليه من ترك السنة وغيرها، وترك ذلك الغير لرأي أنفسهم، فالعلم إذن إليكم ~~تأتون منه ما شئتم وتدعون ما شئتم. # وقال في كتاب القديم: رواية الزعفراني في مسألة بيع المدين في جواب من ~~قال له: إن بعض أصحابك قال خلاف هذا، قال الشافعي: فقلت له من تبع سنة رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- وافقته، ومن غلط فتركها خالفته صاحبي الذي لا ~~أفارقه اللازم الثابت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإن بعد، والذي ~~أفارقه من لم يقل بحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإن قرب. ا. ه. # وقال العارف الشعراني قدس سره في مقدمة الميزان: "روى الحاكم، والبيهقي ~~عن الإمام الشافعي أنه كان يقول: إذا صح الحديث فهو مذهبي. قال ابن حزم: أي ~~صح عنده أو عند غيره من الأئمة. وفي رواية أخرى: إذا رأيتم كلامي يخالف ~~كلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاعملوا بكلام رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- واضربوا بكلامي عرض الحائط. وقال مرة للربيع: يا ms212 أبا إسحاق! لا ~~تقلدني في كل ما أقول وانظر في ذلك لنفسك، فإنه دين. وكان -رضي الله عنه- ~~إذا توقف في حديث يقول: لو صح ذلك لقلنا به، وروى البيهقي عنه ذلك في باب ~~حديث المستحاضة تغسل عنها أثر الدم وتصلي ثم تتوضأ لكل صلاة وقال: لو صح ~~هذا الحديث لقلنا به، وكان أحب إلينا من القياس على سنة محمد في الوضوء مما ~~خرج من قبل أو دبر. ا. ه. وكان يقول إذا ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~بأبي هو وأمي شيء لم يحل لنا تركه. # وقال في باب: "سهم البراذين": "لو كنا نثبت مثل هذا الحديث ما خالفناه؛ ~~وفي رواية أخرى: لو كنا ثبت مثل هذا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- لأخذنا ~~به فإنه أولى الأمور بنا، ولا حجة في قول أحد دون رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- وإن كثروا ولا في قياس ولا شيء إلا طاعة الله ورسوله بالتسليم له. ~~ذكره البيهقي في سننه في باب: "أحد الزوجين يموت ولم يفرض صداقا" وروى عنه ~~أيضا في باب السير أنه كان يقول: إن كان هذا الحديث # PageV01P279 # يثبت فلا حجة لأحد معه. وكان -رضي الله عنه- يقول: رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- أجل في أعيننا من أن نحب غير ما قضى به. وقال الشافعي في باب ~~الصيد من الأم: "كل شيء خالف أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سقط، ولا ~~يقوم معه رأي ولا قياس فإن الله تعالى قطع العذر بقول رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- فليس لأحد معه أمر، ولا نهى غير ما أمر هو به، وقال في باب: ~~"المعلم يأكل من الصيد": وإذا ثبت الخبر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~لم يحل تركه أبدا وقال في باب العتق من الأم: "وليس في قول أحد وإن كانوا ~~عددا مع النبي حجة". # قال الشعراني: "هذا ما اطلعت عليه من المواضع التي نقلت عن الإمام ~~الشافعي في تبرئة من الرأي، وأدبه مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بل ~~روينا عنه أنه ms213 كان يتأدب مع أقوال الصحابة والتابعين فضلا عن كلام سيد ~~المرسلين فنقل ابن الصلاح في علوم الحديث أن الشافعي قال في رسالته القديمة ~~بعد أن أثنى على الصحابة بما هم أهله والصحابة -رضي الله عنهم- فوقنا في كل ~~علم واجتهاد وورع وعقل وفي كل أمر استدرك به علم وآراؤهم لنا أحمد وأولى من ~~رأينا عندنا لأنفسنا". ا. ه. # قال الشيخ الأكبر قدس الله سره في فتوحاته المكية، في فصل صلاة الكسوف: ~~"فإن أخطأ المجتهد فهو بمنزلة الكسوف الذي في غيبة المكسوف، فلا وزر عليه ~~وهو مأجور وإن ظهر له النص، وتركه لرأية أو لقياسه فلا عذر له عند الله، ~~وهو مأثور وهو الكسوف الظاهر الذي يكون له الأثر المقرر عند علماء هذا ~~الشأن، وأكثر ما يكون هذا في الفقهاء المقلدين لمن قالوا لهم لا تقلدونا، ~~واتبعوا الحديث إذا وصل إليكم المعارض لكلامنا فإن الحديث مذهبنا، وإن كنا ~~لا نحكم بشيء إلا بدليل يظهر لنا في نظرنا أنه دليل، وما يلزمنا غير ذلك، ~~ولكن ما يلزمكم اتباعنا ولكن يلزمكم سؤالنا، وفي كل وقت في النازلة الواحدة ~~قد يتغير الحكم عند المجتهدين، ولهذا كان يقول مالك إذا سئل في نازلة هل ~~وقعت فإن قيل لا يقول لا أفتي وإن قيل نعم أفتى بذلك الوقت بما أعطاه دليله ~~فأبت المقلدة من الفقهاء أن توفي حقيقة تقليدها لإمامها باتباعها الحديث عن ~~أمر إمامها، وقلدته في الحكم مع وجود المعارض، فعصت الله في قوله: "وما ~~آتاكم الرسول فخذوه" وعصت الرسول في قوله: "فاتبعون" وعصت إمامها في قوله: ~~"خذوا بالحديث إذا بلغكم، واضربوا بكلامي الحائط". فهؤلاء الفقهاء في كسوف ~~دائم سرمد عليهم إلى يوم القيامة فيتبرأ منهم الله ورسوله، والأئمة فانظر ~~مع من يحشر مثل هؤلاء" انتهى كلام الشيخ الأكبر قدس سره بحروفه. # PageV01P280 ### $ 4- العمل بالحديث بحسب ما بدا لصاحب الفهم المستقيم: # قال علم الدين الفلاني في: "إيقاط الهمم": "قال بعض أهل التحقيق: الواجب ~~على من له أدنى دراية بالكتاب وتفسيره، والحديث وفنونه، أن يتتبع كل ~~التتبع، ويميز ms214 الصحيح عن الضعيف، والقوى عن غيره فيتبع ويعمل بما ثبتت ~~صحته، وكثرت رواته، وإن كان الذي قلده على خلافه ولا يخفى أن الانتقال من ~~مذهب إلى مذهب ما كان معلوما في الصدر الأول، وقد انتقل كبار العلماء من ~~مذهب إلى مذهب، وهكذا كان ما كان من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة ~~ينتقلون من قول إلى قول، والحاصل أن العمل بالحديث يحسب ما بدا لصاحب الفهم ~~المستقيم من المصلحة الدينية هو المذهب عند الكل وهذا الإمام الهمام أبو ~~حنيفة رحمه الله تعالى كان يفتي، ويقول: هذا ما قدرنا عليه في العلم فمن ~~وجد أوضح منه فهو أولى بالصواب "كذا في تنبيه المغترين" وعنه أنه قال: "لا ~~يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعرف مأخذه من الكتاب والسنة أو إجماع الأمة ~~أو القياس الجلي في المسألة". ا. ه. # PageV01P281 ### $ 5- لزوم الإفتاء بلفظ النص مهما أمكن: # قال الفلاني رحمه الله في: "إيقاظ الهمم": قال ابن القيم رحمه الله: ~~"ينبغي للمفتي أن يفتي بلفظ النص مهما أمكنه، فإنه يتضمن الحكم والدليل مع ~~البيان التام فهو حكم مضمون له الصواب، متضمن للدليل عليه في أحسن بيان. ~~وقد كان الصحابة والتابعون والأئمة الذين سلكوا على مناهجهم يتحرون ذلك ~~غاية التحري" ثم قال: # "فألفاظ النصوص عصمة وحجة بريئة من الخطأ والتناقض والتعقيد والاضطراب، ~~ولما كانت هي عصمة الصحابة وأصولهم التي إليها يرجعون، كانت علومهم أصح من ~~علوم من بعدهم وخطؤهم فيما اختلفوا فيه أقل من خطأ من بعدهم، ثم التابعون ~~بالنسبة إلى من بعدهم كذلك وهلم جرا" ثم قال: "قد كان أصحاب رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- إذا سئلوا عن مسألة يقولون: قال الله تعالى كذا قال رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- كذا وفعل كذا، ولا يعدلون عن ذلك ما وجدوا إليه ~~سبيلا قط فمن تأمل أجوبتهم وجدها شفاء لما في الصدور". # PageV01P282 ### $ 6- حرمة الإفتاء بضد لفظ النص: # قال العلامة الفلاني قدس الله سره في: "إيقاظ الهمم" في أواخره: "يحرم ~~على المفتي أن يفتي بضد لفظ النص وإن وافق ms215 مذهبه، ومثاله أن يسأل عن رجل ~~صلى من الصبح ركعة ثم طلعت الشمس فهل يتم صلاته أم لا فيقول لا يتمها ورسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "فليتم صلاته" 1، ومثل أن يسأل عن رجل مات ~~وعليه صيام هل يصوم عنه وليه؟ فيقول: لا يصوم عنه وليه، وصاحب الشرع يقول: ~~"من مات وعليه صوم صام عنه وليه"2 ومثل أن يسأل عن رجل باع متاعه ثم أفلس ~~المشتري فوجده بعينه هل هو أحق به؟ فيقول: ليس هو أحق به، وصاحب الشرع ~~يقول3: "هو أحق به" أن يسأل ومثل أن يسأل عن أكل كل ذي ناب: هل هو حرام؟ ~~فيقول: ليس بحرام؛ ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "أكل كل ذي ناب ~~من السباع حرم" 4 ومثل أن يسأل عن رجل له شريك في أرض، أو دار أو بستان هل ~~له أن يبيع حصته قبل إعلام الشريك بالبيع PageV01P282 # وعرضها عليه؟ فيقول: نعم يحل له أن يبيع حصته قبل إعلام شريكه بالبيع، ~~وصاحب الشرع يقول: "من كان له شريك في أرض أو ربعة أو حائط فلا يحل له أن ~~يبيع حتى يؤذن شريكه"1، ومثل أن يسأل عن قتل المسلم بالكافر فيقول نعم: ~~"يقتل المسلم بالكافر، وصاحب الشرع يقول: "لا يقتل المسلم بالكافر" 2، ومثل ~~أن يسأل عن الصلاة الوسطى فيقول ليست العصر، وصاحب الشرع يقول: "هي صلاة ~~العصر"3 ومثل أن يسأل عن رفع اليدين عند الركوع، والرفع منه هل مشروع في ~~الصلاة أو ليس بمشروع فيقول ليس بمشروع أو مكروه، وربما غلا بعضهم فقال: إن ~~صلاته باطلة، وقد روى بضعه وعشرون نفسا عن النبي -صلى الله عليه وسلم-4 أنه ~~كان يرفع يديه عند الافتتاح والركوع والرفع منه بأسانيد صحيحة لا مطعن ~~فيها، ومثل أن يسأل عن إكمال عدة شعبان ثلاثين يوما ليلة الإغمام فيقول: لا ~~يجوز إكماله ثلاثين يوما، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "فإن غم ~~عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما" 5 وأمثلته كثيرة، وفيما ذكرنا كفاية ~~وقد أنهاها ابن القيم ms216 إلى مائة وخسمين مثالا". ا. ه. PageV01P283 ### $ 7- رد ما خالف النص أو الإجماع: # قال الإمام القرافي رحمه الله تعالى في فروقه في الفرق الثامن والسبعين: # تنبيه: كل شيء أفتى فيه المجتهد فوقعت فتياه فيه على خلاف الإجماع، أو ~~القواعد أو النص أو القياس الجلي السالم عن المعارض الراجح لا يجوز لمقلدة ~~أن ينقله للناس، ولا يفتي به في دين الله تعالى فإن هذا الحكم لو حكم به ~~حاكم لنقضناه وما لا نقره شرعا بعد نقرره بحكم الحاكم أولى أن لا نقره شرعا ~~إذا لم يتأكد، وهذا لم يتأكد فلا نقره شرعا والفتيا بغير شرع حرام فالفتيا ~~بهذا الحكم حرام، وإن كان الإمام المجتهد غير عاص به، بل مثابا عليه؛ لأنه ~~بذل جهده على حسب ما أمر به، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "إذا اجتهد ~~الحاكم فأخطأ فله أجر وإن أصاب فله أجران". فعلى هذا يجب على أهل العصر ~~تفقد مذاهبهم، لكل ما وجدوه من هذا النوع يحرم عليهم الفتيا به، ولا يعرى ~~مذهب من المذاهب عنه، لكنه قد يقل وقد يكثر غير أنه لا يقدر أن يعلم هذا من ~~مذهبه إلا من عرف القواعد والقياس الجلي والنص الصريح عدم المعارض لذلك، ~~وباعتبار هذا الشرط يحرم على أكثر الناس الفتوى فتأمل ذلك فهذا أمر لازم ~~وكذلك كان السلف رضوان الله عليه يتوقفون في الفتوى توقفا شديدا، وقال ~~مالك: "لا ينبغي للعامل أن يفتي حتى يراه الناس أهلا لذلك ويرى هو نفسه ~~أهلا لذلك". ا. ه. # PageV01P284 ### $ 8- تشنيع المتقدمين على من يقول العمل على الفقه لا على الحديث: # قال العلامة الفلاني في "إيقاظ الهمم": "قال عبد الحق الدهلوي في شرح ~~الصراط المستقيم إن التحقيق في قولهم: إن الصوفي لا مذهب له أنه يختار من ~~روايات مذهبة الذي التزمه للعمل عليه ما يكون أحوط، أو يوافق حديثا صحيحا ~~وإن لم يكن ظاهر روايات ذلك المذهب ومشهورها نقل عنه أنه قال في الشرح ~~المذكور: "إذا وجد تابع المجتهد حديثا صحيحا، مخالفا لمذهبه هل له أن يعمل ms217 ~~به ويترك مذهبه فيه اختلاف فعند المتقدمين له ذلك قالوا لأن المتبوع ~~والمقتدى به هو النبي، ومن سواه فهو تابع له فبعد أن علم وصح قوله ~~فالمتابعة لغيره غير معقولة، وهذه طريقة المتقدمين". ا. ه. # وفي الظهيرية: "ومن فعل مجتهدا أو تقلد بمجتهد فلا عار عليه ولا شناعة ~~ولا إنكار". ا. ه. # وأما الذي لم يكن من أهل الاجتهاد، فانتقل من قول إلى قول من غير دليل، ~~لكن # PageV01P284 # لما يرغب من عرض الدنيا وشهواتها فهو المذموم الآثم "كذا في الجمادى" ~~وأما "ما" يورد على الألسنة من أن العمل على الفقه لا على الحديث، فتفوه لا ~~معنى له، إذ من البين أن مبنى الفقه ليس إلا الكتاب والسنة، وأما الإجماع ~~والقياس فكل واحد منهما يرجع إلى كل من الكتاب والسنة فما معنى إثبات العمل ~~على الفقه ونفي العمل عن الحديث فإن العمل بالفقه عين العمل بالحديث كما ~~عرفت، وغاية ما يمكن في توجيهه أن يقال إن ذلك حكم مخصوص بشخص مخصوص، وهو ~~من ليس من أهل الخصوص بل من العوام الذين هم كالهوام لا يفهمون معنى الحديث ~~ومراده ولا يميزون بين صحيحه وضعيفه ومقدمه ومؤخره ومجملة ومفسره وموضوعه ~~وغير ذلك من أقسامه، بل كل ما يورد عليهم بعنوان قال رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- فهم يعتمدون عليه، وستندون إليه من غير تمييز ومعرفة بأن قائل ~~ذلك من نحو المحدثين أم من غيرهم، وعلى تقدير كونه من المحدثين أعدل وثقة ~~أم لا وإن كان جيد الحفظ أو سيئه أو غير ذلك من فنونه فإن ورد على العامي ~~حديث ويقال له إنه يعمل على الحديث فربما يكون ذلك الحديث موضوعا ويعمل ~~عليه لعدم التمييز، وربما يكون ذلك الحديث ضعيفا والحديث الصحيح على خلافه ~~فيعمل على ذلك الحديث الضعيف ويترك الحديث الصحيح، وعلى هذا القياس في كل ~~أحواله يغلط أو يخلط فيقال لأمثاله إنه يعمل بما جاء عن الفقيه لا يعمل ~~بمجرد سماع الحديث لعدم ضبطه إنه يعمل بما جاء من فقيه، وإن كانت ms218 الأحاديث ~~الواردة فيه على خلاف ذلك لأن العمل على الفقه لا على الحديث هذا ثم مع هذا ~~لا يخفى ما في هذا اللفظ من سوء الأدب والشناعة والبشاعة فإن التفوه بنفي ~~العمل على الحديث على الإطلاق مما لا يصدر من عاقل فضلا عن فاضل، ولو قيل ~~بالتوجيه الذي ذكرناه أن العمل بالفقه لا على الحديث لقال قائل بعين ذلك ~~التوجيه إن العمل على الفقه لا على الكتاب فإن العامي لا يفهم شيئا من ~~الكتاب، ولا يميز بين محكمة ومتشابهة وناسخه ومنسوخه ومفسره ومجملة وعامه ~~وخاصة وغير ذلك من أقسامه، فصح أن يقال إن العمل على الفقه لا على الكتاب ~~والحديث وفساده، أظهر من أن يظهر وشناعته # PageV01P285 # أجلى من أن تستر؛ بل لا يليق بحال المسلم المميز أن يصدر عنه أمثال هذه ~~الكلمات على ما لا يخفى على ذوي الفطانة والدراية، وإذا تحققت ما تلونا ~~عليك عرفت أنه لو لم يكن نص من الإمام على المرام لكان من المتعين على ~~أتباعه من العلماء الكرام، فضلا عن العوام أن يعملوا بما صح عن سيد الأنام ~~عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام، ومن أنصف ولم يتعسف عرف أن سبيل أهل ~~التدين من السلف والخلف، ومن عدل عن ذلك فهو هالك يوصف بالجاهل المعاند ~~المكابر، ولو كان الناس من الأكابر وأنشدوا في هذا المعنى شعرا. # أهل الحديث همو أهل النبي وإن ... لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا # أماتنا الله سبحانه على محبة المحدثين وأتباعهم من الأئمة المجتهدين، ~~وحشرنا مع العلماء العاملين تحت لواء سيد المرسلين، والحمد لله رب ~~العالمين. ا. ه. # وقال العارف الشعراني قدس سره في مقدمة ميزانه: "أقول: الواجب على كل ~~مقلد من طريق الإنصاف أن لا يعمل برخصه قال بها إمام مذهبه، إلا إن كان من ~~أهلها، وأنه يجب عليه العمل بالعزيمة التي قال بها غير إمامه حيث قدر عليها ~~لأن الحكم راجع إلى كلام الشارع بالأصالة لا إلى كلام غيره لا سيما إن كان ~~دليل الغير أقوى خلاف ما عليه بعض ms219 المقلدين حتى إنه قال لي: لو وجدت حديثا ~~في البخاري ومسلم لم يأخذ به إمامي لا أعمل به، وذلك جهل منه بالشريعة وأول ~~من يتبرأ منه إمامه، وكان الواجب عليه حمل إمامه على أنه لم يظفر بذلك ~~الحديث أو لم يصح عنده". ا. ه. # PageV01P286 ### $ 9- رد الإمام السندي الحنفي رحمه الله على من يقول ليس لمثلنا أن يفهم الحديث: # قال علم الدين الفلاني رحمه الله تعالى في: "إيقاظ الهمم" ناقلا عن شيخه ~~مسند الحرمين في عصره أبي الحسن السندي الحنفي في حواشيه على: "فتح القدير" ~~ما نصه: "والعجب من الذي يقول: أمر الحديث عظيم وليس لمثلنا أن يفهمه فكيف ~~يعمل به؟ وجوابه بعد أن فرضنا موافقة فهمه لفهم ذلك العالم الذي يعتد بعلمه ~~وفهمه بالإجماع، أنه إن كان المقصود بهذا تعظيم الحديث وتوقيره، فالحديث ~~أعظم وأجل لكن من جملة تعظيمه وتوقيره أن يعمل به ويستعمل في مواده، فإن ~~ترك المبالاة به إهانة له نعوذ بالله منه، وقد حصل فهمه على الوجه الذي هو ~~مناط التكليف حيث وافق فهم ذلك العالم فترك العمل بذلك الفهم لا يناسب ~~التعظيم والإجلال فمقتضى التعظيم والإجلال الأخذ به لا بتركه، وإن كان ~~المقصود مجرد الرد عن نفسه بعد ظهور الحق فهذا لا يليق بشأن مسلم فإن الحق ~~أحق بالاتباع إذ لا يعلم ذلك الرجل أن الله عز وجل قد أقام برسوله الحجة ~~على من هو أغبى منه من المشركين الذين كانوا يعبدون الأحجار، وقد قال تعالى ~~فيهم1: {أولئك كالأنعام بل هم أضل} فهل أقام عليهم الحجة من غير فهم أو ~~فهموا كلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإن فهم هؤلاء الأغبياء فكيف لا ~~يفهم المؤمن مع تأييد الله تعالى له بنور الإيمان، وبعد هذا فالقول بأنه لا ~~يفهم قريب من إنكار البديهيات، وكثير ممن يعتذر بهذا الاعتذار يحض دروس ~~الحديث أو يدرس الحديث فلولا فهم أو أفهم، كيف قرأ أو أقرأ فهل هذا إلا من ~~باب مخالفة القول الفعل، والاعتذار بأن ذلك الفهم ليس مناطا للتكليف ms220 باطل ~~إذ ليس الكتاب والسنة إلا لذلك الفهم فلا يجوز البحث عنهما بالنظر إلى ~~المعاني التي لا يعمل بها كيف وقد أنزل الله تعالى كتابه الشريف للعمل به ~~وتعقل معانيه ثم أمر رسوله بالبيان للناس عموما فقال تعالى2: {إنا أنزلناه ~~قرآنا عربيا لعلكم تعقلون} وقال3: {لتبين للناس ما نزل إليهم} فكيف يقال إن ~~كلامه الذي هو بيان للناس غير مفهوم لهم إلا لواحد منهم بل في هذا الوقت، ~~ليس مفهوما لأحد بناء على زعمهم أنه لا مجتهد في الدنيا منذ كم سنين، ولعل ~~أمثال هذه الكلمات صدرت من بعض من أراد أن لا تنكشف حقيقة رأيه للعوام بأنه ~~مخالف للكتاب والسنة فتوصل إلى ذلك بأن جعل فهم الكتاب والسنة على الوجه ~~الذي هو مناط الأحكام مقصورا على أهل PageV01P287 # الاجتهاد، ثم نفى عن الدنيا أهل الأحكام ثم شاعت هذه الكلمات بينهم". ~~انتهى كلام السندي بحروفه، وله تتمة سابغة لتنظر في إيقاظ الهمم للفلاني # ويقرب من كلام السندي رحمه الله ما جاء في حواشي تنبيه الأفهام ولفظه: ~~"لا ندري ما هو الباعث لبعض المتفقهة على إنكار الاجتهاد وتحريمه على غير ~~أئمة المذاهب، والمبالغة في التقليد إلى درجة حملت بعض المستشرقين ~~الأوروبيين على الظن بأن الفقهاء إنما هم يعتقدون في الأئمة منزلة التشريع ~~لا منزلة الضبط، والتحرير وهذا وإن يكن سوء ظن أوجبه الفقهاء أنفسهم إلا أن ~~الحقيقة ليست كما ظنه ذلك المستشرق معاذ الله لأن الشارع، واحد والشرع كذلك ~~والأئمة لم ينهوا أحدا عن العمل بالدليل، والرجوع إلى الكتاب والسنة إذا ~~تعارض القول والنص، ومن كلام الإمام الشافعي بهذا الصدر إذا صح الحديث فهو ~~مذهبي، وقال: إذا رأيتم كلامي يخالف الحديث فاعملوا بالحديث، واضربوا ~~بكلامي عرض الحائط، ومن كلام الإمام الأعظم لا ينبغي لمن لا يعرف دليلي أن ~~يأخذ بكلامي لهذا كان من جاء بعدهم من أصحابهم أو من يوازيهم في العلم من ~~المرجحين يخالفون أئمتهم في كثير من الأحكام التي لم يتقيدوا بقول إمامهم ~~فيها لما قام لهم الدليل على مخالفتها ms221 لظاهر النص، وإنما بعض الفقهاء الذين ~~يسترون جهلهم بالتقليد ينتحلون -لدعواهم التقيد بقول الإمام دون نص الكتاب ~~أو السنة- أعذارا لا يسلم لهم بها أحد من ذوي العقل الراجح من أفاضل ~~المسلمين وعلمائهم العاملين الذين هم على بصيرة من الدين". # وجاء في الحواشي المذكورة أيضا ما نصه: "يعتذر بعضهم عن سد باب الاجتهاد ~~بسد باب الخلاف، وجمع شتات الأفكار المتأتى عن تعدد المذاهب والحال أن ~~الاجتهاد على طريقة السلف لا يؤدي إلى هذا المحذور كما هو مشاهد الآن عند ~~الزيدية من أهالي جزيرة العرب -وهم الذين ينتسبون إلى زيد بن زين العابدين ~~لا زيد بن الحسن المذكور في حواشي الدر- فإن دعوى الاجتهاد بين علمائهم ~~شائعة مستفيضة وطريقهم فيه طريقة السلف أي أنهم يأتون بالحكم معززا بالدليل ~~من الكتاب أو السنة أو الإجماع، وليس بعد إيراد الدليل مع الحكم أدنى طريق ~~للخلاف أو الاختلاف اللهم إلا فيما لم يوجد بإزائه نص صريح أو إجماع من ~~الصحابة أو التابعين واحتيج فيه إلى الاستنباط من أصول الدين وليس في # PageV01P288 # هذا من الخطر أو تشتت الأفكار، ولو جزءا يسيرا مما في طريقة الترجيح ~~والتخريج عند الفقهاء الآن على أصول أي مذهب من المذاهب الأربعة ويكفي ما ~~في هذه الطريقة من تشتت الأفكار خلاف الخرجين والمرجحين في المسألة الواحدة ~~خلافا لا ينتهي إلى غاية يرتاح إليها ضمير مستفيد لقذفهم بفكره في تيار ~~تتلاطم أمواجه بين قولهم المتعمد والمعول عليه كذا والصحيح كذا والأصح كذا ~~... والمفتي به كذا إلى غير ذلك من الخلاف العظيم في كل مسألة لم ينص عليها ~~الإمام نصا صريحا، ولا يخفى ما في هذا من الافتئات على الدين مما لا يعد ~~شيئا في جانبه خلاف الأئمة المجتهدين، ومنشؤه التقيد بالتقليد البحت وعدم ~~الرجوع إلى الكتاب والسنة، ولو عند تعذر وجود النص، ومع هذا فإنهم يرون هذا ~~الافتئات على الدين من الدين، ويوجبون على المؤمن العمل بأقوالهم بلا حجة ~~تقوم لهم ولا له يوم الدين مع أن الله تعالى يقول في كتابه العزيز1: {هؤلاء ms222 ~~قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين} الآية وفي هذا ~~دليل على فساد التقليد، وأن لا بد في الدين من حجة ثابتة لهذا كان التقليد ~~البحت لا يرضاه لنفسه إلا عامي أعمى، أو عالم لم يصل إلى مرتبة كبار ~~الفضلاء المتقدمين والمتأخرين الذين لم يرضوا لأنفسهم التقليد البحت ~~كالإمام الغزالي وابن حزم وشيخ الإسلام ابن تيميه والإمام السيوطي، ~~والشوكاني وغيرهم ممن اشتهر بالاجتهاد من أئمة المذاهب" انتهى بحروفه. ~~PageV01P289 ### $ 10- رد الإمام السندي رحمه الله أيضا على من يقرأ كتب الحديث لا للعمل: # قال العلامة الفلاني في: "إيقاظ الهمم": "لو تتبع الإنسان من النقول لوجد ~~أكثر مما ذكر، ودلائل العمل على الخبر أكثر من أن تذكر، وأشهر من أن تشهر ~~لكن لبس إبليس على كثير من البشر فحسن لهم الأخذ بالرأي لا الأثر وأوهمهم ~~أن هذا هو الأولى والأخير، فجعلهم بسبب ذلك محرومين عن العمل بحديث خير ~~البشر -صلى الله عليه وسلم- وهذه البلية من البلايا الكبر، إنا لله وإنا ~~إليه راجعون، ومن أعجب العجائب أنهم إذا بلغهم من بعض الصحابة -رضي الله ~~عنهم- ما يخالف الصحيح من الخبر، ولم يجدوا له محملا جوزوا عدم بلوغ الحديث ~~إليه، ولم يثقل ذلك عليهم، وهذا هو الصواب وإذا بلغهم حديث يخالف قول من ~~يقلدونه اجتهدوا في تأويله القريب والبعيد وسعوا في محامله النائية ~~والدانية وربما حرفوا الكلم عن مواضعها، وإذا قيل لهم عند عدم وجود المحامل ~~المعتبرة لعل من تقلدونه لم يبلغه الخبر أقاموا على القائل القيامة، وشنعوا ~~عليه أشد الشناعة، وربما جعلوه من أهل البشاعة، وثقل ذلك عليهم فانظر أيها ~~العاقل إلى هؤلاء المساكين يجوزون عدم بلوغ الحديث في حق أبي بكر الصديق ~~الأكبر، وأحزابه ولا يجوزون ذلك في أرباب المذاهب مع أن البون بين الفريقين ~~كما بين السماء والأرض، وتراهم يقرءون كتب الحديث ويطالعونها ويدرسونها لا ~~ليعملوا بها بل ليعلموا دلائل من قلدوه، وتأويل ما خالف قوله ويبالغون في ~~المحامل البعيدة، وإذا عجزوا عن المحمل قالوا من قلدنا أعلم منا بالحديث ms223 ~~ألا يعلمون أنهم يقيمون حجة الله تعالى عليهم بذلك، ولا يستوي العالم ~~والجاهل في ترك العمل بالحجة وإذا مر عليهم حديث يوافق قول من قلدوه ~~انبسطوا وإذا مر عليهم حديث يخالف قوله أو يوافق مذهب غيره ربما انقبضوا ~~ولم يسمعوا قول الله1: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم ~~لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} انتهى كلام السندي رحمه ~~الله تعالى. PageV01P290 ### $ 11- التحذير من التعسف في رد الأحاديث إلى المذاهب: # قال العلامة المحقق المقري في قواعده: "لا يجوز اتباع ظاهر نص الإمام مع ~~مخالفته لأصول الشريعة عند حذاق الشيوخ. قال الباجي: لا أعلم قولا أشد ~~خلافا على مالك من أهل الأندلس، لأن مالكا لا يجوز تقليد الرواة عنه عند ~~مخالفتهم الأصول، وهم لا يعتمدون على ذلك". ا. ه. # وقال أيضا: قاعدة: لا يجوز رد الأحاديث إلى المذاهب على وجه ينقص من ~~بهجتها، ويذهب بالثقة بظاهرها فإن ذلك فساد لها وحط من منزلتها لا أصلح ~~الله المذاهب لفسادها ولا رفعها يخفض درجاتها فكل كلام يؤخذ منه ويرد إلا ~~ما صح لنا عن محمد بل لا يجوز الرد مطلقا؛ لأن الواجب أن ترد المذاهب إليها ~~كما قال الشافعي، وغيره لا أن ترد هي إلى المذاهب كما تسامح فيه بعض ~~الحنفية خصوصا والناس عموما؛ إذ ظاهرها حجة على من خالفها حتى يأتي بما ~~يقاومها فنطلب الجمع مطلقا ومن وجه على وجه لا يصير الحجة أجحية، ولا ~~يخرجها عن طرق الخاطبات العامة التي انبنى عليها الشرع، ولا يخل بطرق ~~البلاغة والفصاحة التي جرت من صاحبه مجرى الطبع فإن لم يوجد طلب التاريخ ~~للنسخ فإن لم يكن طلب الترجيح، ولو بالأصل وإلا تساقطا في حكم المناظرة، ~~وسلم لكل ما عنده ووجب الوقف والتخيير في حكم الانتقال، وجاز الانتقال على ~~الأصح. ثم قال: # قاعدة: لا يجوز التعصب إلى المذاهب بالانتصاب للانتصار بوضع الحجاج، ~~وتقريبها على الطرق الجدلية مع اعتقاد الخطأ والمرجوحية عند المجيب، كما ~~يفعله أهل الخلاف إلا على وجه التدريب ms224 على نصب الأدلة والتعليم لسلوك ~~الطريق بعد بيان ما هو الحق، فالحق أعلى من أن يعلى وأغلب من أن يغلب، وذلك ~~أن كل من يهتدي لنصب الأدلة، وتقرير الحجاج لا يرى الحق أبدا في جهة رجل ~~قطعا ثم إنا لا نرى منصفا في الخلاف ينتصر لغير مذهب صاحبه مع علمنا برؤية ~~الحق في بعض آراء مخالفيه، وهذا تعظيم للمقلدين بتحقير الدين وإيثار للهوى ~~على الهدى، ولم يتبع الحق أهواءهم، ولله در علي -رضي الله عنه- أي بحر علم ~~ضم جنباه إذ قال لكميل بن زياد لما قال له أترانا نعتقد أنك على الحق وأن ~~طلحة والزبير على الباطل: "اعرف الرجال بالحق، ولا تعرف الحق بالرجال اعرف ~~الحق تعرف أهله"، وما أحسن قول أرسطو لما خالف أستاذه أفلاطون: "تخاصم ~~الحق، وأفلاطون وكلاهما صديق لي، والحق أصدق منه" وقال الشيخ أحمد زروق في # PageV01P291 # عمدة المريد الصادق ما نصه: "قال أبو إسحاق الشاطبي كل ما عمل به ~~المتصوفة المعتبرون في هذا الشأن -يعني كالجنيد وأمثاله- لا يخلو إما أن ~~يكون مما ثبت له أصل في الشريعة فهم خلفاؤه، كما أن السلف من الصحابة ~~والتابعين خلفاء بذلك، وإن لم يكن له أصل في الشريعة فلا أعمل عليه لأن ~~السنة حجة على جميع الأمة، وليس عمل أحد من الأمة حجة على السنة، ولأن ~~السنة معصومة عن الخطأ، وصاحبها معصوم وسائر الأمة لم تثبت لهم العصمة إلا ~~مع إجماعهم خاصة وإذا أجمعوا تضمن إجماعهم دليلا شرعيا والصوفية والمجتهدون ~~كغيرهم ممن لم يثبت لهم العصمة، ويجوز عليهم الخطأ والنسيان والمعصية ~~كبيرها وصغيرها والبدعة محرمها ومكروهها، ولذا قال العلماء: كل كلام منه ~~مأخوذ ومنه متروك إلا ما كان من كلامه عليه الصلاة والسلام قال: وقد قرر ~~ذلك القشيري رحمه الله تعالى أحسن تقرير فقال: فإن قيل فهل يكون الولي ~~معصوما قيل أما وجوبا كما يكون للأنبياء فلا، وأما أن يكون محفوظا حتى لا ~~يصر على الذنوب، وإن حصلت منهيات أو زلات في أوقات فلا يمنع في وصفهم قال: ~~ولقد قيل ms225 للجنيد رحمه الله: "العارف يزني؟ " فأطرق مليا ثم رفع رأسه وقال: ~~{وكان أمر الله قدرا مقدورا} وقال: فهذا كلام منصف فكما يجوز على غيرهم ~~المعاصي بالابتداع وغير ذلك يجوز عليهم البدع، فالواجب علينا أن نقف مع ~~الاقتداء به إشكال، بل يعرض ما جاء عن الأئمة على الكتاب والسنة فما قبلاه ~~قبلناه، وما لم يقبلاه تركناه وما عملنا به إذا قام الدليل على اتباع ~~الشارع، ولم يقم لنا الدليل على اتباع أقوال الفقهاء والصوفية، وأعمالهم ~~إلا بعد عرضها، وبذلك رضي شيوخهم علينا وإن جاء به صاحب الوجد والذوق من ~~العلوم والأحوال والفهوم يعرض على الكتاب والسنة فإن قبلاه صح وإلا لم يصح، ~~قال ثم نقول ثانيا إن نظرنا في رسومهم التي حددوها وأعمالهم التي امتازوا ~~بها عن غيرهم بحسب تحسين الظن، والتماس أحسن المخارج ولم نعرف له مخرجا ~~فالواجب التوقف عن الاقتداء، وإن كانوا في جنس من يقتدي بهم لا ردا له، ولا ~~اعتراضا عليه بل لأن لم نفهم وجه # PageV01P292 # رجوعه إلى القواعد الشرعية كما فهمنا غيره. ثم قال بعد كلام: فوجب بحسب ~~الجريان على آرائهم في سلوك أن لا يعمل بما رسموه، بما فيه معارضة بأدلة ~~الشرع، ونكون في ذلك متبعين لآثارهم مهتدين بأنوارهم خلافا لمن يعرض عن ~~الأدلة ويجمد على تقليدهم فيه فيما لا يصح تقليدهم على مذهبهم فالأدلة ~~الشرعية، والأنظار الفقهية، والرسوم الصوفية تذمه، وترده وتحمد من تحرى ~~واحتاط وتوقف عند الاشتباه، واستبرأ لدينه وعرضه، وهو من مكنون العلم ~~وبالله التوفيق. ا. ه. # وقال شمس الدين ابن القيم في كتاب: "الروح": "اعلم أنه لا يعترض على ~~الأدلة من الكتاب والسنة بخلاف المخالف، فإن هذا عكس طريقة أهل العلم، فإن ~~الأدلة هي التي تبطل ما خالفها من الأقوال، ويعترض بها على خالف موجبها ~~فتقدم على كل قول اقتضى خلافها لا أن أقوال المجتهدين تعارض بها الأدلة، ~~وتبطل بمقتضاها وتعدم عليها". ا. ه. # وقال رحمه الله أيضا في الكتاب المذكور: "الفرق بين الحكم المنزل الواجب ~~الاتباع، والحكم المؤول الذي غايته ms226 أن يكون جائز الاتباع أن الحكم المنزل ~~هو الذي أنزله الله عز وجل على رسوله وحكم به بين عبادة وهو الحكم الذي لا ~~حكم له سواه، وأما الحكم المؤول فهو أقوال المجتهدين المختلفة التي لا يجب ~~اتباعها، ولا يكفر ولا يفسق من خالفها فإن أصحابها لم يقولوا هذا حكم الله ~~ورسوله، بل قالوا اجتهدنا رأنا فمن شاء قبله، ومن شاء لم يقبله، قال أبو ~~حنيفة رحمه الله تعالى: هذا رأي فمن جاءنا بخير منه قبلناه، ولو كان هو حكم ~~الله لما ساغ لأبي يوسف ومحمد مخالفتهما فيه وكذلك مالك استشاره الرشيد أن ~~يحمل الناس على ما في: "الموطأ" فمنعه مالك، وقال: قد تفرق أصحاب رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- في البلاد وصار عند كل قوم علم غير ما عند الآخرين، ~~وهكذا الشافعي ينهى أصحابه عن تقليده بترك قوله إذا جاء الحديث بخلافه، ~~وهذا الإمام أحمد ينكر على من كتب فتاوية ودونها ويقول: لا تقلدوني ولا ~~تقلد فلانا ولا فلانا وخذ من حيث أخذوا ولو علموا رضي الله تعالى # PageV01P293 # عنهم أن أقوالهم وحي يجب اتباعه لحرموا على أصحابهم مخالفتهم، ولما ساغ ~~لأصحابهم أن يفتوا بخلافهم في شيء، ولما كان أحدهم يقول القول ثم يفتي ~~بخلافه فيروي عنه في المسألة القولان والثلاثة وأكثر من ذلك فالرأي ~~والاجتهاد أحسن أحواله أن يسوغ اتباعه، والحكم المنزل لا يحل لمسلم أن ~~يخالفه، ولا يخرج عنه وأما الحكم المبدل، وهو الحكم بغير ما أنزل الله عز ~~وجل فلا يحل تنفيذه، ولا العمل به ولا يسوغ اتباعه وصاحبه بين الكفر ~~والفسوق والظلم". ا. ه. # وقال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في جزء رفع اليدين قال وكيع: من طلب ~~الحديث كما هو فهو صاحب سنة، ومن طلب الحديث ليقوى هواه فهو صاحب بدعة قال: ~~يعني أن الإنسان ينبغي أن يلغي رأيه لحديث النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث ~~يثبت الحديث، ولا يعلل بعلل لا تصح ليقوى هواه، وقد ذكر عن النبي -صلى الله ~~عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى ms227 يكون هواه تبعا لما جئت به" وقد قال معمر: ~~"أهل العلم كان الأول فالأول أعلم، وهؤلاء الآخر فالآخر عندهم أعلم" وروى ~~البخاري رحمه الله تعالى أيضا في جزء القراءة خلف الإمام عن ابن عباس ~~ومجاهد أنهما قالا: ليس أحد بعد النبي إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي. ~~ا. ه. # PageV01P294 ### | الترهيب من عدم توقير الحديث وهجر من يعرض عنه والغضب لله في ذلك # ... ### | 12- # الترهيب من عدم توفير الحديث وهجر من يعرض عنه والغضب لله في ذلك: # قال الإمام الحافظ أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي رحمه الله ~~تعالى في سننه: باب تعجيل عقوبة من بلغه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~حديث فلم يعظمه ولم يوقره: أخبرنا عبد الله بن صالح حدثني الليث حدثني ابن ~~عجلان عن العجلان عن أبي هريرة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ~~"بينما رجل يتبختر في بردين خسف الله به الأرض، فهو يتجلل فيها إلى يوم ~~القيامة"! فقال له فتي قد سماه وهو في حلة له يا أبا هريرة! أهكذا كان يمشي ~~ذلك الفتي الذي خسف به؟ ثم ضرب بيده فعثر عثرة كاد يتكسر فيها فقال أبو ~~هريرة للمنخرين وللفم: {إنا كفيناك المستهزئين} . # PageV01P294 # أخبرنا محمد بن حميد حدثنا هارون -هو ابن المغيرة- عن عمر بن أبي قيس، عن ~~الزبير بن عدي عن خراش بن جبير، قال: رأيت في المسجد فتى يخذف1 فقال له ~~شيخ: لا تخذف فإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الخذف فغفل ~~الفتي، فظن أن الشيخ لا يفطن له فخذف فقال له الشيخ: أحدثك أني سمعت رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- ينهى عن الخذف ثم تخذف، والله لا أشهد لك جنازة، ~~ولا أعودك في مرض، ولا أكملك أبدا، فقلت لصاحب لي يقال له مهاجر: انطلق إلى ~~خراش فاسأله، فأتاه فسأله عنه، فحدثه. # أخبرنا سفيان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن عبد ~~الله بن مغفل قال: نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ms228 الخذف وقال: ~~"إنها لا تصطاد صيدا ولا تنكي عدوا، ولكنها تكسر السن، وتفقأ العين" فرفع ~~رجل بينه وبين سعيد قرابة شيئا من الأرض فقال: هذه، وما تكون هذه؟ فقال ~~سعيد: ألا أراني أحدثك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم تهاون به! لا ~~أكلمك أبدا. # أخبرنا عبد الله بن يزيد حدثنا كهمس بن الحسن، عن عبد الله بن بريده قال: ~~رأى عبد الله بن مغفل رجلا من أصحابه يخذف، فقال: لا تخذف! فإن رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- كان ينهى عن الخذف، وكان يكرهه وإنه لا ينكأ به عدو ~~ولا يصاد به صيد، ولكنه قد يفقأ العين ويكسر السن ثم رآه بعد ذلك يخذف فقال ~~له: ألم أخبرك أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان ينهى عنه ثم أراك ~~تخذف، والله لا أكلمك أبدا! # أخبرنا مروان بن محمد، حدثنا إسماعيل بن بشر، عن قتادة قال: حدث ابن ~~سيرين رجلا يحدث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال رجل: قال فلان وفلان ~~كذا وكذا، فقال ابن سيرين: أحدثك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وتقول: قال ~~فلان وفلان كذا وكذا لا أكلمك أبدا!. # أخبرنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن الزهري عن سالم عن ابن عمر أن رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا أستأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا ~~يمنعها". قال فلان بن عبد الله PageV01P295 # إذن والله وأمنعها، فأقبل عليه ابن عمر فشتمه شتمة لم أره شتمها أحدا ~~قبله، ثم قال: أحدثك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتقول: إذن والله ~~أمنعها؟ # أخبرنا محمد بن حميد حدثنا هارون بن المغيرة، عن معروف عن أبي المخارق، ~~قال: ذكر عبادة بن الصامت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن درهمين ~~بدرهم، قال فلان: ما أرى بهذا بأسا يدا بيد فقال عبادة: أقول: قال النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- وتقول: لا أرى به بأسا والله لا يظلني وإياك سقف ~~أبدا. # أخبرنا محمد بن يزيد الرفاعي حدثنا أبو عامر العقدي، عن زمعة عن سلمة بن ~~وهرام عن ms229 عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا ~~تطرقوا النساء ليلا"، قال: وأقبل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قافلا ~~فانساق رجلان إلى أهليهما، وكلاهما وجد مع امرأته رجلا. # أخبرنا أبو المغيرة، حدثنا الأوزاعي، عن عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي، عن ~~سعيد بن المسيب، قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا قدم من سفر، ~~نزل المعرش ثم قال: "لا تطرقوا النساء ليلا" فخرج رجلان ممن سمع مقالته ~~فطرقا أهلهما فوجد كل واحد منهما مع إمراته رجلا! # أخبرنا أبو المغيرة، حدثنا الأوزاعي، عن عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء ~~رجل إلى سعيد بن المسيب يودعه بحج أو عمرة فقال له: لا تبرح حتى تصلي فإن ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يخرج بعد النداء من المسجد، إلا ~~منافق، إلا رجل أخرجته حاجة، وهو يريد الرجعة إلى المسجد" فقال: إن أصحابي ~~بالحرة قال: فخرج قال: فلم يزل سعيد يولع بذكره حتى أخبر أنه وقع من راحلته ~~فانكسرت فخذه. ا. ه. # وروى مسلم حديث سالم عن ابن عمر المتقدم ورواه الإمام أحمد وزاد: "فما ~~كلمه عبد الله حتى مات". # قال الطيبي رحمه الله - شارح المشكاة: "عجبت ممن يتسمى بالسني، إذا سمع ~~من سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وله رأي رجح رأيه عليها وأي فرق ~~بينه وبين # PageV01P296 # المبتدع؟ أما سمع: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به" 1؟ وها ~~هو ابن عمر وهو من أكابر الصحابة وفقهائها كيف غضب لله ورسوله وهجر فلذة ~~كبده لتلك الهنة عبرة لأولي الألباب. ا. ه. # وقال النووي في شرح مسلم عند الكلام على حديث عبد الله بن مغفل الذي ~~تقدم: "فيه جواز هجران أهل البدع والفسوق، وأنه يجوز هجرانهم دائما فالنهي ~~عنه فوق ثلاثة أيام إنما هي في هجر لحظ نفسه ومعايش الدنيا، وأما هجر أهل ~~البدع فيجوز على الدوام كما يدل عليه هذا مع نظائر له كحديث كعب بن مالك ~~قال السيوطي: "وقد ألفت مؤلفا سميته: "الزجر بالهجر" لأني كثير ms230 الملازمة ~~لهذه السنة". ا. ه. # وقال الشعراني قدس سره: "سمع الإمام أحمد بن أبي إسحاق السبيعي يقول إلى ~~متى حديث: "اشتغلوا بالعلم"2 فقال له الإمام أحمد: "قم يا كافر لا تدخل ~~علينا أنت بعد اليوم ثم إنه التفت إلى أصحابه، وقال: ما قلت أبدا لأحد من ~~الناس لا تدخل داري غير هذا الفاسق". ا. ه. فانظر يا أخي كيف وقع من الإمام ~~هذا الزجر العظيم لمن قال إلى متى حديث: "اشتغلوا بالعلم" فكانوا -رضي الله ~~عنهم- لا يتجرأ أحد منهم أن يخرج عن السنة قيد شبر بل بلغنا أن مغنيا كان ~~يغني للخليفة فقيل له: إن مالك بن أنس يقول بتحريم الغناء فقال المغني: وهل ~~لمالك وأمثاله أن يحرم في دين ابن عبد المطلب والله يا أمير المؤمنين ما ~~كان التحريم لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا بوحي من ربه عز وجل، وقد ~~قال تعالى: {لتحكم بين الناس بما أراك الله} 3 لم يقل: "بما رأيت يا محمد" ~~فلو كان الدين بالرأي لكان رأي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يحتاج ~~إلى وحي وكان الحق تعالى أمره أن يعمل به بل عاتبه الله تعالى حين حرم على ~~نفسه ما حرم في قصة مارية وقال4: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} ~~الآية. ا. ه. PageV01P297 # وقال قدس الله سره أيضا: "كان الإمام أبو حنيفة -رضي الله عنه- يقول: ~~إياكم وآراء الرجال. ودخل عليه مرة رجل من أهل الكوفة والحديث يقرأ عنده ~~فقال الرجل: دعونا من هذه الأحاديث! فزجره الإمام أشد الزجر وقال له: لولا ~~السنة ما فهم أحد منا القرآن ثم قال للرجل: ما تقول في لحم القرد وابن ~~دليله من القرآن؟ فأفحم الرجل. فقال للإمام: فما تقول أنت فيه؟ فقال: ليس ~~هو من بهيمة الأنغام. فانظر يا أخي إلى مناضلة الإمام عن السنة وزجره من ~~عرض له بترك النظر في أحاديثها فكيف ينبغي لأحد أن ينسب الإمام إلى القول ~~في دين الله بالرأي الذي لا يشهد له ظاهر كتاب ولا ms231 سنة وكان -رضي الله عنه- ~~يقول عليكم بآثار من سلف، وإياكم ورأي الرجال وإن زخرفوه بالقول فإن الأمر ~~ينجلي حين ينجلي، وأنتم على صراط مستقيم، وكان يقول: إياكم والبدع والتبدع ~~والتنطع وعليكم بالأمر الأول العتيق، ودخل شخص الكوفة بكتاب: "دانيال" فكاد ~~أبو حنيفة أن يقتله، وقال له أكتاب ثم غير القرآن والحديث، وقيل له مرة: ما ~~تقول فيما أحدثه الناس من الكلام في العرض والجوهر والجسم، فقال: هذه ~~مقالات الفلاسفة فعليكم بالآثار وطريقة السلف وإياكم وكل محدث فإنه بدعة، ~~وقيل له مرة: قد ترك الناس العمل بالحديث، وأقبلوا على سماعه فقال -رضي ~~الله عنه: نفس سماعهم للحديث عمل به، وكان يقول: لم تزل الناس في صلاح ما ~~دام فيهم من يطلب الحديث فإذا طلبوا العلم بلا حديث فسدوا، وكان -رضي الله ~~عنه- يقول: قاتل الله عمرو بن عبيد فإنه فتح للناس باب الخوض في الكلام ~~فيما لا يعنيهم، وكان يقول: لا ينبغي لأحد أن يقول قولا حتى يعلم أن شريعة ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تقبله" انتهى ملخصا. # PageV01P298 ### | ما ينفى من قول أحد عند قول النبى صلى الله عليه وسلم # ... ### | 13- # ما يتقى من قول أحد عند قول النبي -صلى الله عليه وسلم: # قال الإمام الدارمي رحمه الله تعالى في مسنده، في باب: "ما يتقى من تفسير ~~حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- وقول غيره عند قوله -صلى الله عليه وسلم": ~~أخبرنا موسى بن خالد حدثنا معتمر عن أبيه قال ليتق من تفسير حديث كما تقي ~~من تفسير القرآن. أخبرنا صدقة بن الفضل حدثنا معتمر عن أبيه قال: قال ابن ~~عباس: أما تخافون أن تعذبوا ويخسف بكم أن تقولوا قال رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- وقال فلان. أخبرنا الحسن بن بشر حدثنا المعافي عن الأوزاعي قال: ~~كتب عمر بن عبد العزيز أن لا رأي لأحد في كتاب الله، وإنما رأي الأئمة فيما ~~لا ينزل فيه كتاب ولم تمض به سنة من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا ~~رأي لأحد في سنة سنها رسول الله ms232 -صلى الله عليه وسلم. حدثنا موسى بن خالد ~~حدثنا معتمر بن سليمان عن عبيد الله بن عمر أن عمر بن عبد العزيز خطب فقال: ~~"يا أيها الناس إن الله لم يبعث نبيا بعد نبيكم ولم ينزل بعد هذا الكتاب ~~الذي أنزله عليه كتابا، فما أحل الله على لسان نبيه فهو حلال إلى يوم ~~القيامة، وما حرم على لسان نبيه فهو حرام إلى يوم القيامة ألا وأني لست ~~بقاض ولكني منفذ، ولست بمبتدع ولكني متبع، ولست بخير منكم غير أني أثقلكم ~~حملا، وأنه ليس لأحد من خلق الله أن يطاع في معصية الله ألا هل أسمعت؟ ". # أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا سفيان بن عيينة عن هشام بن حجير قال: كان ~~طاوس يصلي ركعتين بعد العصر فقال له ابن عباس: اتركهما قال: إنما نهى عنهما ~~أن تتخذا سلما، قال ابن عباس: فإنه قد نهى عن صلاة بعد العصر فلا أدري ~~أتعذب عليها أم تؤخر؛ لأن الله يقول1: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى ~~الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} قال سفيان تتخذ سلما يقول: ~~يصلي بعد العصر إلى الليل حدثنا قبيصة أخبرنا سفيان عن أبي رباح شيخ من آل ~~PageV01P299 # عمر قال: رأى سعيد بن المسيب رجلا يصلي بعد العصر الركعتين، يكثر فقال ~~له: يا أبا محمد! أيعذبني الله على الصلاة؟ لا ولكن يعذبك الله بخلاف ~~السنة. ا. ه. # وقال الإمام الشافعي -رضي الله عنه- في رسالته: "أخبرني أبو حنيفة بن ~~سماك بن الفضل الشهاب قال: أخبرني ابن أبي ذئب عن المقبري، عن أبي شريح ~~الكعبي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال عام الفتح1: "من قتل له قتيل فهو ~~بخير النظرين عن أحب أخذ العقل، وإن أحب فله القود" قال أبو حنيفة: فقلت ~~لابن أبي ذئب أتأخذ بهذا يا أبا الحارث فضرب صدري، وصاح علي صياحا كثيرا، ~~ونال منى وقال: أحدثك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتقول: أتأخذ به؟ ~~نعم آخذ به، وذلك الفرض علي وعلى من سمعه ms233 إن الله تبارك وتعالى اختار محمدا ~~من الناس فهداهم به، وعلى يديه واختار لهم ما اختار له، وعلى لسانه فعلى ~~الخلق أن يتبعوه طائعين أو داخرين لا مخرج لمسلم من ذلك قال: وما سكت حتى ~~يمنيت أن يسكت". ا. ه. # وقال العارف الشعراني في مقدمة ميزانه: "قال الإمام محمد الكوفي رأيت ~~الإمام الشافعي -رضي الله عنه- بمكة وهو يفتي الناس، ورأيت الإمام أحمد ~~إسحاق بن راهويه حاضرين فقال الشافعي: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم2: ~~"وهل ترك لنا عقيل من دار"؟ فقال إسحاق روينا عن الحسن، وإبراهيم أنهما لم ~~يكونا يريانه، وكذلك عطاء ومجاهد فقال الشافعي لإسحاق: لو كان غيرك موضعك ~~لفركت أذنه أقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتقول: قال عطاء ~~ومجاهد والحسن؟ وهل لأحد مع قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حجة -بأبي ~~هو وأمي-". ا. ه. # وأخرج الحافظ ابن عبد البر عن بكير بن الأشج، أن رجلا قال للقاسم بن ~~محمد: عجبا من عائشة كيف كانت تصلي في السفر أربعا، ورسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- كان يصلي ركعتين ركعتين؟ فقال: يا بن أخي عليك بسنة رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- حيث وجدتها PageV01P300 # فإن من الناس من لا يعاب. وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: تمتع رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- فقال عروة: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة فقال ابن ~~عباس: يا تقول ما عروة؟ قال يقولون: نهي أبو بكر وعمر عن المتعة فقال ابن ~~عباس: أراهم سيهلكون أقول قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويقولون: قال ~~أبو بكر وعمر قال ابن عبد البر: يعني متعة الحج، وهو فسخ الحج في عمرة1. ~~وقال أبو الدرداء: من يعذرني من معاوية أحدثه عن رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- ويخبرني برأيه لا أساكنك بأرض أنت فيها، وعن عبادة بن الصامت مثل ~~ذلك، وعن عمر بن دينار عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال عمر: إذا رميتم ~~الجمرة سبع حصيات، وذبحتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء ms234 إلا الطيب والنساء، قال ~~سالم وقالت عائشة2 أنا طيبت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لحله قبل أن ~~يطوف بالبيت قال سالم: فسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحق أن تتبع. ~~نقله العلامة الفلاني في إيقاظ الهمم. PageV01P301 ### $ 14- ما يقوله من بلغه حديث كان يعتقد خلافه: # قال الإمام النووي في: "رياض الصالحين1" في باب: "وجوب الانقياد لحكم ~~الله وما يقوله عن دعي إلى ذلك". "قال الله تعالى2: {فلا وربك لا يؤمنون ~~حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا ~~تسليما} . وقال الله تعالى: {إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ~~ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون} . ثم ساق ~~شذرة من الأحاديث في ذلك. # وقال -رضي الله عنه- في أذكاره3 في باب: "ما يقوله من دعي إلى حكم الله ~~تعالى" ما صورته: "وكذلك ينبغي إذا قال له صاحبه هذا الذي فعلته خلاف حديث ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو نحو ذلك أن لا يقول لا ألتزم الحديث، أو ~~لا أعمل بالحديث أو نحو ذلك من العبارات المستبشعة. وإن كان الحديث متروك ~~الظاهر لتخصيص أو تأويل أو نحو ذلك: يقول عند ذلك هذا الحديث مخصوص أو ~~متاول، أو متروك الظاهر بالإجماع، وشبه ذلك". ا. ه. PageV01P301 ### | ما روى عن السلف في الرجوع إلى حديث # ... ### | 15- # ما روي عن السلف في الرجوع إلى البيت: # قال الإمام الشافعي في الرسالة أخبرنا سفيان بن عيينة، وعبد الوهاب ~~الثقفي عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ~~قضى في الإبهام بخمس عشرة، وفي التي تليها بعشر وفي الوسطى بعشر، وفي التي ~~تلي الخنصر بتسع وفي الخنضر بست قال الشافعي لما كان معروفا والله أعلم عند ~~عمر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قضى في اليد بخمسين، وكانت اليد ~~خمسة أطراف مختلفة الجمال والمنافع نزلها منازلها فحكم لكل واحد من الأطراف ~~بقدره من دية الكف فهذا قياس على الخبر قال الشافعي: فلما وجد كتاب آل ms235 عمرو ~~بن حزم1 فيه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "وفي كل إصبع مما ~~هنالك عشر من الإبل" صاروا إليه قال: ولم يقبلوا كتاب آل عمر بن حزم والله ~~أعلم حتى ثبت لهم أنه كتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفي هذا الحديث ~~دلالتان إحداهما قبول الخبر والأخرى أن يقبل الخبر في الوقت الذي يثبت فيه ~~وإن لم يمض عمل من أحد من الأئمة بمثل الخبر الذي قبلوا، ودلالة على أنه لو ~~مضى أيضا عمل من أحد من الأئمة ثم وجد عن النبي خبر يخالف عمله لترك عمله ~~لخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ودلالة على أن حديث رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- يثبت بنفسه لا بعمل غيره بعده قال الشافعي: ولم يقل ~~المسلمون قد عمل فينا عمر بخلاف هذا من المهاجرين والأنصار ولم تذكروا أنتم ~~أن عندكم خلافه، PageV01P302 # ولا غيركم، بل صاروا إلى ما وجب عليهم من قبول الخبر عن رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- وترك كل عمل خالفه. ولو بلغ عمر هذا صار إليه إن شاء الله، ~~كما صار إلى غيره مما بلغه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بتقواه لله ~~وتأديته الواجب عليه في اتباع أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعلمه ~~بأن ليس لأحد مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمر، وأن طاعة الله في ~~اتباع أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم. قال الشافعي: "فإن قال لي قائل: ~~فادللني على أن عمر عمل شيئا ثم صار إلى غيره لخبر عن رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- قلت: فإن أوجدتكه، قال: ففي إيجادك إياي ذلك دليل على أمرين: ~~أحدهما: أنه قد يعمل من جهة الرأي إذا لم يجد سنة والآخر: أن السنة إذا ~~وجدت عليه ترك عمل نفسه، ووجب على الناس ترك كل عمل، وجدت السنة بخلافة، ~~وإبطال أن السنة لا تثبت إلا بخبر تقدمها وعلم أنه لا يوهيها شيء إن خالفها ~~قال الشافعي: "أخبرنا سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب ms236 ~~-رضي الله عنه- كان يقول والدية على العاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها ~~شيئا حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كتب ~~إليه أن يورث امرأة أشيم الضباني من ديته فرجع إليه عمر. قال الشافعي: ~~أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار، وابن طاوس عن طاوس أن عمر قال: أذكر الله ~~امرأ سمع من النبي -صلى الله عليه وسلم- في الجنين شيئا فقام حمل بن مالك ~~بن النابغة فقال: كنت بين جاريتين لي -يعني ضرتين- فضربت إحداهما الأخرى ~~بمسطح فألقت جنينا ميتا فقضى فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بغرة1 ~~فقال عمر -رضي الله عنه: لو لم نسمع هذا لقضينا فيه بغير هذا، وقال غيره: ~~إن كدنا أن نقضي في مثل هذا برأينا قال الشافعي: فقد رجع عمر عما كان يقضي ~~به لحديث الضحاك إلى أن خالف فيه حكم نفسه، وأخبر في الجنين أنه لو لم يسمع ~~بهذا لقضى فيه بغيره، وقال: إن كدنا أن نقضي في مثل هذا بآرائنا قال ~~الشافعي: يخبر -والله أعلم- أن السنة إذا كانت موجودة بأن في النفس مائة من ~~الإبل فلا يعدو الجنين أن يكون حيا فتكون فيه مائة من الإبل، أو ميتا فلا ~~شيء فيه فلما أخبر بقضاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيه سلم له، ولم ~~يجعل لنفسه إلا اتباعه فيما مضى حكمه بخلافه وفيما كان رأيا منه لم يبلغه ~~عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيه شيء، فلما بلغه خلاف فعله صار إلى ~~حكم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وترك حكم نفسه وكذلك كان في كل أمره، ~~وكذلك يلزم الناس أن يكونوا. ا. ه. PageV01P303 ### $ 16- حق الأدب فيما لم تدرك حقيقة من الأخبار النبوية: # نقل القسطلاني في شرح البخاري عند باب: "صفة إبليس" آخر الباب عن: ~~"التوربشتي" في حديث: "إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضأ فليستنثر ثلاثا، ~~فإن الشيطان يبيت على خيشومه" 1 ما نصه: "حق الأدب دون الكلمات النبوية ~~التي هي مخازن لأسرار الربوبية ومعادن الحكم الإلهية أن لا يتكلم في ms237 الحديث ~~وإخوانه بشيء فإن الله تعالى خص رسوله -صلى الله عليه وسلم- بغرائب المعاني ~~وكاشفة عن حقائق الأشياء ما يقصر عن بيانه باع الفهم ويكل عن إدراكه بصر ~~العقل". ا. ه. # وقال العارف الشعراني قدس سره في ميزانه: "روينا عن الإمام الشافعي -رضي ~~الله عنه- أنه كان يقول التسليم نصف الإيمان قال له الربيع الجيزي بل هو ~~الإيمان كله يا أبا عبد الله فقال وهو كذلك وكان الإمام الشافعي يقول: من ~~كمال إيمان العبد أن لا يبحث في الأصول، ولا يقول فيها: "لم ولا كيف" فقيل ~~له: وما هي الأصول فقال: هي الكتاب والسنة، وإجماع الأمة. ا. ه. قال ~~الشعراني: أي فنقول في كل ما جاءنا عن ربنا أو نبينا آمنا بذلك على علم ~~ربنا فيه. ا. ه. # أقول: رأيت بخط شيخنا العلامة المحقق الشيخ محمد الطندتائي الأزهري ثم ~~الدمشقي على سؤال في فتاوي ابن حجر في الميت إذا ألحد في قبره هل يقعد ~~ويسأل، أم يسأل هو راقد وهل تلبس الجثة الروح إلخ ما نصه: "اعلم أن السؤال ~~عن هذه الأشياء، من باب الاشتغال بما لا يعني وقد ورد: "من حسن إسلام المرء ~~تركه ما لا يعنيه" وإنما كان من الاشتغال بما لا يعني لأن الله تعالى لم ~~يكلفنا بمعرفة حقائق الأشياء، وإنما كلفنا بتصديق نبيه في كل ما جاء به ~~وبامتثال أمره واجتناب نهيه. وإنما اشتغل بالبحث عن حقائق الأشياء. هؤلاء ~~الفلاسفة الذين سمعوا أنفسهم بالحكماء؛ لأنهم أنكروا المعاد الجسماني، ~~وقالوا بالحشر الروحاني، وزعموا أن النعيم إنما هو بالعلم، والعذاب إنما هو ~~بالجهل، وقد عم هذا البلاد كثيرا من العلماء حتى اعتقدوا أن هذه الفلسفة هي ~~الحكمة، ورأوها أفضل ما يكتسبه الإنسان، وإن ما سواها من علوم الدين ~~وآلاتها ليس فضيلة فلا حول ولا قوة إلا بالله، فالواجب تصديق الشارع في كل ~~ما ثبت عنه، وإن لم يفهم معناه فلا تضيع وقتك في الاشتغال بما لا يعنيك. ~~انتهى كلامه رحمه الله تعالى. PageV01P304 ### $ 17- بيان إمرار السلف الأحاديث على ظاهرها: # قال العارف ms238 الشعراني في ميزانه: "كان الإمام الشافعي يقول الحديث على ~~ظاهره، لكنه إذا احتمل عدة معان، فأولاها ما وافق الظاهر". ا. ه. # وقال قدس سره أيضا: "وقد كان السلف الصالح من الصحابة والتابعين يقدرون ~~على القياس، ولكنهم تركوا ذلك أدبا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومن ~~هنا قال سفيان الثوري: من الأدب إجراء الأحاديث التي خرجت مخرج الزجر، ~~والتنفير على ظاهرها من غير تأويل فإنها إذا أولت خرجت عن مراد الشارع ~~كحديث: "من غشنا فليس منا" 1 وحديث: "ليس منا من تطير أو تطير له" 2وحديث: ~~"ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية" 3 فإن العالم إذا ~~أولها بأن المراد: "ليس منا" في تلك الخصلة فقط أي وهو منا في غيرها هان ~~على الفاسق الوقوع فيها وقال مثل المخالفة في خصلة واحدة أمر سهل فكان أدب ~~السلف الصالح بعدم التأويل أولى بالاتباع للشارع وإن كان قواعد الشريعة قد ~~تشهد أيضا لذلك التأويل". ا. ه. # وهكذا مذهب السلف في الصفات. قال الحافظ شمس الدين الذهبي الشافعي ~~الدمشقي PageV01P305 # رحمه الله تعالى في كتاب: "العلو": "قال الإمام العلامة حافظ المغرب أبو ~~عمر يوسف بن عبد البر الأندلسي في شرح الموطأ: أهل السنة يجمعون على ~~الإقرار بالصفات الواردة في الكتاب والسنة وحملها على الحقيقة لا على ~~المجاز إلا أنهم لم يكيفوا شيئا من ذلك، وأما الجهمية والمعتزلة والخوارج ~~فكلهم ينكرها، ولا يحمل منها شيئا على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها ~~مشبه، وهم عند من أقر بها نافون للمعبود" قال الحافظ الذهبي صدق، والله فإن ~~من تأول سائر الصفات، وحمل ما ورد منها على مجاز الكلام أداه ذلك السلب إلى ~~تعطيل الرب، وأن يشابه المعدوم كما نقل عن حماد بن زيد أنه قال: "مثل ~~الجهمية كقوم قالوا في دارنا نخلة قيل: ألها سعف؟ قالوا: لا، قيل: فما في ~~داركم نخلة قلت: كذلك هؤلاء النفاة قالوا: إلهنا الله تعالى، وهو لا في ~~زمان ولا مكان، ولا يرى ولا يسمع ولا يبصر ولا ms239 يتكلم، ولا يرضى ولا يريد، ~~ولا ولا وقالوا سبحان المنزه عن الصفات بل نقول سبحان الله تعالى العظيم ~~السميع البصير المريد الذي كلم موسى تكليما، واتخذ إبراهيم خليلا، ويرى في ~~الآخرة المتصف بما وصف نفسه ووصفه به رسله المنزه عن سمات المخلوقين، وعن ~~جحد الجاحدين ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير". # ثم قال الذهبي: "وقال عالم العراق أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء ~~البغدادي الحنبلي في كتاب: "إبطال التأويل" له: لا يجوز رد هذه الأخبار، ~~ولا التشاغل بتأويلها، والواجب حملها على ظاهرها وأنها صفات الله عز وجل لا ~~تشبه بسائر صفات الموصوفين بها من الخلق قال: ويدل على إبطال التأويل أن ~~الصحابة، ومن بعدهم حملوها على ظاهرها، ولم يتعرضوا لتأويلها ولا صرفها عن ~~ظاهرها فلو كان التأويل سائغا لكانوا إليه أسبق لما فيه من إزالة التشبيه ~~يعني على زعمهم من قال إن ظاهرها تشبيه". قال الذهبي: قلت: المتأخرون من ~~أهل النظر قالوا مقالة مولده ما علمت أحدا سبقهم بها. قالوا: هذه # PageV01P306 # الصفات تمر كل جاءت، ولا تؤول مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد. فتفرع من ~~هذا أن الظاهر يعين به أمران: # "أحدهما: أنه لا تأويل لها غير دلالة الخطاب، كما قال السلف: الاستواء ~~معلوم؛ وكما قال سفيان وغيره: قراءتها تفسيرها، يعني أنها بينة واضحة في ~~اللغة لا يبتغى بها مضايق التأويل والتحريف، وهذا هو مذهب السلف مع اتفاقهم ~~أيضا أنها لا تشبه صفات البشر بوجه، إذ الباري لا مثل له لا في ذاته، ولا ~~في صفاته". # "الثاني: أن ظاهرها هو الذي يتشكل في الخيال من الصفة، كما يتشكل في ~~الذهن من وصف البشر. فهذا غير مراد، فإن الله تعالى فرد صمد ليس له نظير، ~~وإن تعددت صفاته فإنها حق ولكن ما لها مثل ولا نظير فمن ذا الذي عانيه ~~ونعته لنا، ومن ذا الذي يستطيع أن ينعت لنا كيف سمع كلامه؟ والله إنا ~~لعاجزون كالون حائرون باهتون في حد الروح التي فينا وكيف تعرج كل ليلة إذا ~~توفاها بارئها ms240 وكيف يرسلها وكيف تستقل بعد الموت، وكيف حياة الشهيد المرزوق ~~عند ربه بعد قتله، وكيف حياة النبيين الآن، وكيف شاهد النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- أخاه موسى يصلي في قبره قائما ثم رآه في السماء السادسة، وحاوره ~~وأشار عليه بمراجعة رب العالمين، وطلب التخفيف منه على أمته، وكيف ناظر ~~موسى أباه آدم، وحجه آدم بالقدر السابق وكذلك نعجز عن، وصف هيئتنا في الجنة ~~ووصف الحور العين فكيف بنا إذا انتقلنا إلى الملائكة وذواتهم وكيفيتها وأن ~~بعضهم يمكنه أن يلتقم الدنيا في لقمة مع رونقهم، وحسنهم وصفاء جوهرهم ~~النوراني فالله أعلى، وأعظم له المثل الأعلى والكمال المطلق ولا مثل له ~~أصلا آمنا بالله واشهد بأننا مسلمون". ا. ه. # ثم قال الذهبي: "قال الإمام الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي: أما الكلام ~~في كل لصفات: فأما ما روى منها في السنن الصحاح، فمذهب السلف إثباتها ~~وإجراؤها على ظواهرها نفى الكيفية والتشبيه عنها. ثم قال: والمراد بظاهرها ~~أنه لا باطن لألفاظ الكتاب السنة غير ما وضعت له كما قال مالك وغيره: ~~"الاستواء معلوم" وكذلك القول في السمع والبصر والعلم، والكلام والإرادة ~~والوجه ونحو ذلك. هذه الأشياء معلومة فلا تحتاج إلى بيان وتفسير، لكن الكيف ~~في جميعها مجهول عندنا. وقد نقل الذهبي في كتابه المذكور هذا المذهب عن ~~مائة وخمسين إماما بدأ منهم بأبي حنيفة -رضي الله عنهم- وختم بالقرطبي ~~فانظره. # PageV01P307 ### $ 18- قاعدة الإمام الشافعي رحمه الله في مختلف الحديث: # ساقها ضمن محاورة مع باحث فيما ورد في التغليس بالفجر والإسفار: # قال -رضي الله عنه- في رسالته في باب: "ما يعد مختلفا وليس عندنا بمختلف" ~~أخبرنا ابن عيينة عن محمد بن عجلان عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن ~~لبيد عن رافع بن خديج أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "أسفروا ~~بصلاة الفجر فإن ذلك أعظم للأجر، أو أعظم لأجوركم" قال الشافعي أخبرنا ابن ~~عيينة عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: كن من نساء المؤمنات يصلين مع ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- الصبح ثم ينصرفن وهن ms241 متلفعات بمروجهن ما يعرفهن ~~أحد من الغلس قال الشافعي، وذكر تغليس النبي بالفجر سهل بن سعد وزيد بن ~~ثابت وغيرهما من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شبيها بمعنى حديث ~~عائشة قال الشافعي: "قال لي قائل نحن نرى أن يسفر بالفجر اعتمادا على حديث ~~رافع، ونزعم أن الفضل في ذلك، وأنت ترى جائزا لنا إذا اختلف الحديثان أن ~~نأخذ بأحدهما، ونحن نعد هذا مخالفا لحديث عائشة قال الشافعي: فقلت له إن ~~كان مخالفا لحديث عائشة، فكأن الذي يلزمنا وإياك أن نصير إلى حديث عائشة ~~دونه لأن أصل ما نبني نحن، وأنتم عليه أن الأحاديث إذا اختلفت لم نذهب إلى ~~واحد منها دون غيره إلا بسبب يدل على أن الذي ذهبنا إليه أقوى من الذي ~~تركنا قال: وما ذلك السبب قلت: أن يكون أحد الحديثين أشبه بكتاب الله فإذا ~~أشبه كتاب الله كانت فيه الحجة قال: هكذا نقول، قلت: فإن # PageV01P308 # لم يكن فيه نص في كتاب الله كان أولاهما بنا الأثبت منهما، وذلك أن يكون ~~من رواه أعرف إسنادا، وأشهر بالعلم والحفظ له من الإملاء أو يكون روى ~~الحديث الذي ذهبنا إليه من وجهين أو أكثر، والذي تركنا من وجه فيكون الأكثر ~~أولى بالحفظ من الأقل، أو يكون الذي ذهبنا إليه أشبه بمعنى كتاب الله أو ~~أشبه بما سواهما من سنن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأولى بما يعرف أهل ~~العلم وأوضح في القياس، والذي عليه الأكثر من أصحاب رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم. قال: وهكذا نقول ويقول أهل العلم. قلت: فحديث عائشة أشبه بكتاب ~~الله؛ لأن الله عز وجل يقول: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} فإذا حل ~~الوقت فأولى المصلين بالمحافظة المقدم للصلاة. وهو أيضا أشهر رجل بالفقه ~~وأحفظ ومع حديث عائشة ثلاثة، كلهم يروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مثل ~~معنى حديث عائشة: زيد بن ثابت، وسهل بن سعد؛ والعدد الأكثر أولى بالحفظ ~~والنقل، وهذا أشبه بسنن النبي -صلى الله عليه وسلم- من حديث رافع بن خديج ~~قال: وأي ms242 سنن قلت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "أول الوقت رضوان ~~الله وآخره عفوه" 1. وهو لا يؤثر على رضوان الله شيئا والعفو لا يحتمل إلا ~~معنيين عفوا عن تقصير، أو توسعة، والتوسعة تشبه أن يكون الفضل في غيرها إذ ~~لم يؤمر بترك ذلك لغير التي وسع في خلافها. قال: وما تريد بهذا؟ قلت: إذا ~~لم يؤمر بترك الوقت الأول وكان جائزا أن يصلي فيه، وفي غيره قبله فالفضل في ~~التقديم والتأخير تقصير موسع، وقد أبان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مثل ~~ما قلنا وسئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: "الصلاة في أول وقتها" 2 وهو لا يدع ~~موضع الفضل ولا يأمر الناس إلا به وهو الذي لا يجهله عالم أن تقديم الصلاة ~~في أول وقتها أولي بالفضل لما يعرض للآدميين من الأشغال والنسيان والعلل ~~التي لا تجهلها العقول وهو أشبه بمعنى كتاب الله قال أين هو من الكتاب؟ ~~قلت: قال الله جل ثناؤه: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} ومن قدم ~~الصلاة في أول وقتها كان أولى بالمحافظة عليها ممن أخرها عن PageV01P309 # أول الوقت. وقد رأينا الناس فيما وجب عليهم وفيما تطوعوا به، يؤمرون ~~بتعجيله إذا أمكن، لما يعرض للآدميين من الأشغال والنسيان والعلل التي لا ~~تجهلها العقول، وأن تقديم صلاة الفجر في أول وقتها عن أبي بكر وعمر وعثمان ~~وعلي وابن مسعود وأبي موسى الأشعري وأنس بن مالك وغيرهم -رضي الله عنهم- ~~مثبت قال الشافعي: فقال إن أبا بكر وعمر وعثمان -رضي الله عنهم، دخلوا ~~الصلاة مغلسين وخرجوا منها مسفرين، بإطاله القراءة، فقلت له قد أطالوا ~~القراءة وأوجزوها، والوقت في الدخول لا في الخروج من الصلاة، وكلهم دخل ~~مغلسا، وخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منها مغلسا فخالفت الذي هو ~~أولى بك أن تصير إليه مما ثبت عن رسول، وخالفتهم فقلت يدخل الداخل منها ~~مسفرا ويخرج مسفرا، ويوجز القراءة فخالفتهم في الدخول وما احتججت به، من ~~طول القراءة وفي الأحاديث عن بعضهم أنه خرج منها مغلسا قال الشافعي: فقلت ~~إن رسول ms243 الله -صلى الله عليه وسلم- لما حض الناس على تقديم الصلاة وأخبر ~~بالفضل فيها احتمل أن يكون من الراغبين من يقدمها قبل الفجر الآخر فقال: ~~"أسفروا بالفجر" يعني حتى يتبين الفجر الآخر معترضا، قال أفيحتمل معنى غير ~~ذلك قال: نعم، يحتمل ما قلت؛ وما بين ما قلنا وقلت، وكل معنى يقع عليه اسم ~~الإسفار. قال: فما جعل معناكم أولى من معنانا؟ قلت: بما وصفت لك من الدليل ~~وبأن النبي -صلى الله عليه وسلم1: قال: هما فجران: "فأما الذي كأنه ذنب ~~السرحان فلا يحل شيئا ولا يحرمه وأما الفجر المعترض فيحل الصلاة ويحرم ~~الطعام". يعني على من أراد الصيام". ا. ه. # وقال -رضي الله عنه- قبل ذلك في باب وجه آخر من الاختلاف: "قال الشافعي: ~~فقال لي قائل قد اختلف في التشهد فروى ابن مسعود2 عن النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- أنه كان يعلمهم التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن فقال في مبتدئة ~~ثلاث كلمات التحيات لله فبأي التشهد أخذت قلت: أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن ~~عروة بن الزبير عن PageV01P310 # عبد الرحمن بن عبد القارئ أنه سمع عمر بن الخطاب1 -رضي الله عنه- يقول ~~على المنبر هو يعلم الناس التشهد -يقول قولوا: "التحيات لله الزاكيات لله ~~الطيبات، لله الصلوات لله السلام عليك أيها النبي ورحمه الله وبركاته ~~السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن ~~محمدا عبده وروسوله" قال الشافعي: هذا الذي علمنا من سبقنا بالعلم من ~~فقهائنا صغارا، ثم سمعناه بإسناده وسمعنا ما يخالفه فلم نسمع إسنادا في ~~التشهد يخالفه، ولا يوافقه أثبت عندنا منه وإن كان غيره ثابتا، وكان الذي ~~نذهب إليه أن عمر لا يعلم الناس على المنبر بين ظهراني أصحاب رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- إلا ما علمهم النبي -صلى الله عليه وسلم- فلما انتهى ~~إلينا من حديث أصحابنا حديث نثبته عن النبي -صلى الله عليه وسلم- صرنا إليه ~~وكان أولى بنا قال: وما هو قلت أخبرنا الثقة وهو يحيى بن حسان عن الليث بن ~~سعد ms244 عن أبي الزبير المكي عن سعيد بن جبير، وطاوس عن ابن عباس أنه قال: كان ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن ~~فكان يقول التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله السلام عليك أيها النبي ~~ورحمه الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله ~~إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله قال الشافعي: فإن قال قائل: فإنا نرى ~~الرواية اختلفت فيه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فروى2 ابن مسعود خلاف ~~هذا، وأبو موسى3 خلاف هذا وجابر4 خلاف هذا، وكلها قد يخالف بعضها بعضا في ~~شيء من لفظه ثم علم عمر خلاف هذا كله في بعض لفظه، وكذلك تشهد عائشة -رضي ~~الله عنها- وعن أبيها وكذلك تشهد ابن عمر ليس فيها شيء إلا في لفظه شيء غير ~~ما في لفظ صاحبه، وقد يزيد بعضهم الشيء على البعض قال الشافعي: فقلت له ~~الأمر في هذا بين قال فأبنه لي قلت كل كلام PageV01P311 # أريد به تعظيم الله جل ثناؤه فعلمهموه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~فلعله جعل يعلمه الرجل فينسى، والآخر فيحفظه وما أخذ خفظا فأكثر ما يحترس ~~فيه منه إحالة المعنى. فلم يكن فيه زيادة ولا نقص ولا اختلاف شيء من كلامه ~~يحيل المعنى فلا يسع إحالته، فلعل النبي -صلى الله عليه وسلم- أجاز لكل ~~امرئ منهم ما حفظ كما حفظ إذ كان لا معنى فيه يحيل شيئا عن حكمه، ولعل من ~~اختلفت روايته، واختلف تشهده إنما توسعوا فيه فقالوا على ما حفظوا على ما ~~حضرهم فأجيز لهم قال أتجد شيئا يدل على إجازة ما وصفت فقلت: نعم قال: وما ~~هو؟ قلت: أخبرنا مالك بن أنس عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن ~~بن عبد القارئ قال: سمعت عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول: سمعت هشام بن ~~حكيم بن حزام، يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها وكان النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- أقرأنيها فكدت أن أعجل عليه ثم أمهلته حتى انصرف ثم لببته ~~بردائه ms245 فجئت به النبي -صلى الله عليه وسلم- فقلت: يا رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها فقال له ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "اقرأ" فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ فقال ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "هكذا أنزلت" ثم قال: "اقرأ" فقرأت فقال: ~~"هكذا أنزلت إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه" 1 قال ~~الشافعي: فإذا كان الله جل ثناؤه لرأفته بخلقه انزل كتابه على سبعة أحرف ~~معرفة منه بأن الحفظ منه قد يزل ليحل لهم يعني قراءته، وإن اختلف اللفظ فيه ~~ما لم يكن في اختلافهم إحالة معنى كان ما سوى كتاب الله أولى أن يجوز فيه ~~اختلاف اللفظ ما لم يحل معناه، وكل ما لم يكن فيه حكم فاختلاف اللفظ فيه لا ~~يحيل معناه، وقد قال بعض التابعين: رأيت أناسا من أصحاب رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- فأجمعوا لي في المعنى، واختلفوا في اللفظ فقلت لبعضهم ذلك ~~فقال: لا بأس ما لم يحل المعنى قال الشافعي: فقال ما في التشهد إلا تعظيم ~~الله، وإني لأرجو أن يكون كل هذا فيه واسعا، وأن لا يكون الاختلاف فيه إلا ~~من حيث ما ذكرت، ومثل هذا كما قلت يمكن في صلاة الخوف فيكون إذا جاء بكمال ~~الصلاة على أي الوجوه روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم. اجزأه إذ خالف ~~الله عز وجل بينها وبين ما سواها من الصلوات قال: ولكن كيف صرت إلى اختيار ~~حديث ابن ابن عباس عن النبي في التشهد دون غيره؟ قلت: لما رأيته واسعا ~~وسمعته عن ابن عباس صحيحا كان عندي أجمع وأكثر لفظا من غيره فأخذت به غير ~~معنف لمن أخذ بغيره مما ثبت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم. ا. ه. ~~PageV01P312 ### $ 19- فذلكة وجوه الترجيح بين ما ظاهره التعارض: # اعلم أن من نظر في أحوال الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم وجدهم ~~متفقين على العمل بالراجح، وترك المرجوح وطرق الترجيح كثيرة جدا، ومدار ms246 ~~الترجيح على ما يزيد الناظر قوة في نظره على وجه صحيح مطابق للمسالك ~~الشرعية فما كان محصلا لذلك فهو مرجح معتبر، والترجيح قد يكون باعتبار ~~الإسناد وباعتبار المتن وباعتبار المدلول وباعتبار أمر خارج فهذه أربعة ~~أنواع: ### | 1- # وجوه الترجيح باعتبار الإسناد: ### | 1- # الترجيح بكثرة الرواة: فيرجح ما رواته أكثر على ما رواته أقل، لقوة الظن ~~به وإليه ذهب الجمهور. قال ابن دقيق العيد: هذا المرجح من أقوى المرجحات ~~وقال الكرخي: إنهما سواء، ولو تعارضت الكثرة من جانب والعدالة من الجانب ~~الآخر ففيه قولان ترجيح الكثرة، وترجيح العدالة فإنه رب عدل يعدل ألف رجل ~~في الثقة كما قيل إن شعبة بن الحجاج كان يعدل مائتين، وقد كان الصحابة ~~يقدمون رواية الصديق على رواية غيره. ### | 2- # ترجح رواية الكبير على رواية الصغير لأنه أقرب إلى الضبط إلا أن يعلم أن ~~الصغير مثله في الضبط، أو أكثر ضبطا منه. ### | 3- # ترجح رواية من كان فقيها على من لم يكن كذلك لأنه أعرف بمدلولات الألفاظ. ### | 4- # ترجح رواية الأوثق. ### | 5- # ترجح رواية الأحفظ. # PageV01P313 ### | 6- # أن يكون أحدهما من الخلفاء الأربعة دون الآخر. ### | 7- # أن يكون أحدهما صاحب الواقعة لأنه أعرف بالقصة. ### | 8- # أن يكون أحدهما مباشرا لما رواه دون الآخر. ### | 9- # أن يكون أحدهما كثير المخالطة للنبي -صلى الله عليه وسلم- دون الآخر لأن ~~كثرة الاختلاط تقتضي زيادة في الاطلاع. ### | 10- # أن يكون أحدهما قد ثبتت عدالته بالتزكية والآخر بمجرد الظاهر. ### | 11- # أن يكون المزكون لأحدهما أكثر من المزكين للآخر. ### | 12- # ترجح رواية من يوافق الحفاظ على رواية من ينفرد عنهم في كثير من رواياته. ### | 13- # ترجح رواية من دام حفظه وعقله ولم يختلط على من اختلط في آخر عمره ولم ~~يعرف هل روى الخبر حال سلامته أو حال اختلاطه. ### | 14- # تقدم رواية من كان أشهر بالعدالة والثقة من الآخر لأن ذلك يمنع عن الكذب. ### | 15- # تقدم رواية من تأخر إسلامه على من تقدم إسلامه لاحتمال أن يكون ما رواه ~~من تقدم إسلامه منسوخا. ### | 16- # تقدم رواية من ذكر سبب الحديث على من لم يذكر سببه. ### | 17- # تقدم الأحاديث التي في الصحيحين على ms247 الأحاديث الخارجة عنهما. ### | 18- # تقدم رواية من لم ينكر عليه على رواية من أنكر عليه فإن وقع التعارض في ~~بعض هذه المرجحات فعلى المجتهد أن يرجح بين ما تعارض منها. ### | 2- # وجوه الترجيح باعتبار المتن: # الأول- يقدم الخاص على العام. # الثاني- تقدم الحقيقة على المجاز إذا لم يغلب المجاز. # الثالث- يقدم ما كان حقيقة شرعية أو عرفية على ما كان حقيقة لغوية. # PageV01P314 # الرابع- يقدم ما كان مستغنيا عن الإضمار في دلالته على ما هو مفتقر إليه. # الخامس- يقدم الدال على المراد من وجهين على ما كان دالا عليه من وجه ~~واحد. # السادس- يقدم ما كان فيه الإيماء إلى علة الحكم على ما لم يكن كذلك لأن ~~دلالة المعلل أوضح من دلالة غير المعلل. # السابع- يقدم المقيد على المطلق. ### | 3- # وجوه الترجيح باعتبار المدلول: # الأول- يقدم ما كان مقررا لحكم الأصل والبراءة على ما كان ناقلا. # الثاني- أن يكون أحدهما أقرب إلى الاحتياط فإنه أرجح. # الثالث- يقدم المثبت على المنفي لأن مع المثبت زيادة علم. # الرابع- يقدم ما كان حكمه أخف على ما كان حكمه أغلط. ### | 4- # وجوه الترجيح باعتبار أمور خارجة: # الأول- يقدم ما عضده دليل آخر على ما لم يعضده دليل آخر. # الثاني- أن يكون أحدهما قولا والآخر فعلا فيقدم القول لأن له صيغة والفعل ~~لا صيغة له. # الثالث- يقدم ما كان فيه التصريح على ما لم يكن كذلك كضرب الأمثال ونحوها ~~فإنها ترجح العبارة على الإشارة. # الرابع- يقدم ما عمل عليه أكثر السلف على ما ليس كذلك لأن الأكثر أولى ~~بإصابة الحق. # الخامس- أن يكون أحدهما موافقا لعمل الخلفاء الأربعة دون الآخر فإنه يقدم ~~الموافق. # السادس- أن يكون أحدهما موافقا لعمل أهل المدينة. # السابع- أن يكون أحدهما أشبه بظاهر القرآن دون الآخر فإنه يقدم. # وللأصوليين مرجحات آخر في الأقسام الأربعة منظور فيها ولا اعتداد عندي ~~بمن نظر فيما سقناه لأن القلب السليم لا يرى فيه مغمزا، وبالجملة: فالمرجح ~~في مثل هذه الترجيحات هو نظر المجتهد المطلق فيقدم ما كان عنده أرجح على ~~غيره إذا تعارضت. # PageV01P315 ### $ 2- بحث الناسخ والمنسوخ: # قال الحافظ ابن حجر في شرح النخبة: "النسخ رفع تعلق حكم شرعي ms248 بدليل شرعي ~~متأخر عنه، والناسخ ما دل على الرفع المذكور، وتسميته ناسخا مجاز؛ لأن ~~الناسخ في الحقيقة هو الله تعالى، ويعرف النسخ بأمور أصرحها ما ورد في النص ~~كحديث بريده في صحيح مسلم: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر ~~الآخرة " ومنها ما يجزم الصحابي بأنه متأخر كقول جابر كان آخر الأمرين من ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ترك الوضوء مما مست النار، أخرجه أصحاب ~~السنن ومنها ما يعرف بالتاريخ، وهو كثير وليس منها ما يرويه الصحابي ~~المتأخر الإسلام معارضا لمتقدم عنه لاحتمال أن يكون سمعه من صحابي آخر أقدم ~~من المتقدم المذكور أو مثله فأرسله، لكن إن وقع التصريح بسماعه له من النبي ~~فيتجه أن يكون ناسخا بشرط أن يكون لم يتحمل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~شيئا قبل إسلامه. ا. ه. # PageV01P316 ### | بحث التحيل على إسقاط حكم أو قلبه # ... ### | 21- # بحث التحيل على إسقاط أو قلبه: # روى أبو داود والحاكم وصححه من حديث ابن عباس مرفوعا: "لعن الله اليهود ~~حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها" وفي رواية: "لعن الله اليهود، ~~حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها" أي أذابوها قال الخطابي: "في هذا ~~الحديث بطلان كل حيلة يحتال بها المتوصل إلى المحرم وأنه لا يتغير حكمه ~~بتغير هيئته وتبديل اسمه". # قال شيخ الإسلام ابن تيميه: "وجه الدلالة ما أشار إليه الإمام أحمد أن ~~اليهود لما حرم الله عليهم الشحوم، أرادوا الاحتيال على الانتفاع بها، على ~~وجه لا يقال في الظاهر إنهم انتفعوا بالشحم، فجملوه وقصدوا بذلك أن يزول ~~عنه اسم الشحم، ثم انتفعوا بثمنه بعد ذلك لئلا يكون الانتفاع في الظاهر ~~بعين المحرم ثم مع كونهم احتالوا بحيلة خرجوا بها في زعمهم من ظاهر التحريم ~~من هذين الوجهين لعنهم الله تعالى على لسان رسوله على هذا الاستحلال نظرا ~~إلى المقصود، وأن حكمه التحريم لا تختلف سواء كان جامدا أو مائعا، وبدل ~~الشيء يقوم مقامه ويسد مسده فإذا حرم الله الانتفاع بشيء حرم الاعتياض عن ~~تلك المنفعة فعلم أنه لو كان التحريم ms249 معلقا بمجرد اللفظ، وبظاهر من القول ~~دون مراعاة المقصود إلى الشيء المحرم، وحقيقته لم يستحقوا اللعنة لوجهين. # أحدهما: أن الشحم خرج بجمله عن أن يكون شحما، وصار ودكا، كما يخرج الربا ~~بالاحتيال فيه عن لفظ الربا، إلى أن يصير بيعا عند من يستحل ذلك، فإن من ~~أراد أن يبيع مائة بمائة وعشرين إلى أجل فأعطى سلعة بالثمن المؤجل ثم ~~اشتراها بالثمن الحال، ولا غرض لواحد منهما في السلعة بوجه ما، وإنما هي ~~كما قال فقيه الأمة: "دراهم بدراهم دخلت بينها حريرة" فلا فرق بين ذلك وبين ~~مائة بمائة وعشرين بلا حيلة البتة لا في شرع ولا عقل ولا عرف بل المفسدة، ~~ويلعن فاعله ويؤذنه بحرب منه ومن رسوله، ويتوعده أشد توعد ثم يبيح التحيل ~~على حصول ذلك بعينه مع قيام تلك المفسدة وزيادتها تبعث الاحتيال في مقته ~~ومخادعة الله ورسوله هذا لا يأتي به شرع، فإن الربا على الأرض أسهل وأقل ~~مفسدة من الربا بسلم طويل صعب المراقي يترابى المترابيان على رأسه فيا لله ~~العجب أي مفسدة من مفاسد الربا زالت بهذا الاحتياط والخداع، فهل صار هذا ~~الذئب العظيم -الذي هو من أكبر الكبائر عند الله- حسنة وطاعة بالخداع ~~والاحتيال، تالله كيف قلب الخداع والاحتيال حقيقته من الخبث إلى الطيب، ومن ~~المفسدة إلى المصلحة # PageV01P317 # وجعله محبوبا للرب تعالى بعد أن كان مسخوطا له؟ وإن كان الاحتيال يبلغ ~~هذا المبلغ، فإنه عند الله عز وجل ورسوله بمكان ومنزلة عظيمة، وإنه من أقوى ~~دعائم الدين، وأوثق عراه وأجل أصوله. ويا لله العجب كيف تزول مفسدة التحليل ~~التي أشار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بلعن فاعله مرة بعد أخرى بتسليف ~~شرطه وتقديمه على صلب العقد وإخلاء صلب العقد من لفظه، وقد وقع التواطؤ ~~والتوافق عليه وأي غرض للشارع، وأي حكمة في تقديم الشرط وتسليفه حتى تزول ~~به اللعنة وتنقلب به خمرة هذا العقد خلا، وهل كان عقد التحليل مسخوطا لله ~~ورسوله بحقيقته ومعناه أم لعدم حقيقة مقارنة الشرط له وحصول نكاح الرغبة مع ~~القطع ms250 بانتفاء حقيقته وحصول نكاح التحليل، وهكذا الحيل الربوبة فإن الربا ~~لم يكن حراما لصورته ولفظه، وإنما كان حراما لحقيقته التي امتاز بها عن ~~حقيقة البيع فتلك الحقيقة حيث وجدت وجد التحريم في أي صورة ركبت، وبأي لفظ ~~عبر عنها فليس الشأن في الأسماء وصور العقود، وإنما الشأن في حقائقها ~~ومقاصدها وما عقدت له. # الوجه الثاني: أن اليهود لم ينتفعوا بعين الشحم، وإنما انتفعوا بثمنه. ~~ويلزم من راعي الصور والظواهر والألفاظ دون الحقائق والمقاصد أن لا يحرم ~~ذلك؛ فلما لعنوا على استحلال الثمن، وإن لم ينص على تحريمه، علم أن الواجب ~~النظر إلى الحقيقة والمقصود لا إلى مجرد الصورة. ونظير هذا أن يقال لرجل: ~~لا تقرب مال اليتيم، فيبيعه ويأخذ ثمنه، ويقول: لم أقرب ماله! وكمن يقول ~~لرجل: لا تشرب من هذا النهر فيأخذ بيديه ويشرب من كفيه، ويقول: لم أشرب منه ~~وبمنزلة من يقول: لا تضرب زيدا فيضربه فوق ثيابه، ويقول إنما ضربت ثيابه، ~~وأمثال هذه الأمور التي لو استعملها الطبيب في معالجة المرضى لزاد مرضهم، ~~ولو استعملها المريض لكان مرتكبا لنفس ما نهاه عنه الطبيب كمن يقول له ~~الطبيب: لا تأكل اللحم فإنه يزيد في مواد المرض فيدقه، ويعمل منه هريسة، ~~ويقول: لم آكل اللحم وهذا المثال مطابق العامة الحيل الباطلة في الدين، ويا ~~لله العجب أي فرق بين بيع مائة بمائة وعشرين صريحا وبين إدخال سلعة لم تقصد ~~أصلا بل دخولها كخروجها؟ ولهذا # PageV01P318 # لا يسأل العاقد عن جنسها ولا صفتها ولا قيمتها، ولا عيب فيها ولا يبالي ~~بذلك البتة حتى لو كانت خرقة مقطعة أو أذن جدي أو عودا من حطب، أدخلوه ~~محللا للربا، ولما تفطن المحتالون إلى أن هذه المسألة لا اعتبار بها في نفس ~~الأمر، وأنها ليست مقصودة بوجه، وأن دخولها كخروجها تهاونوا بها ولم يبالوا ~~بكونها مما يتحول عادة، أو لا يتحول ولا يبالي بعضهم بكونها مملوكة للبائع ~~أو غير مملوكة بل لم يبال بعضهم بكونها مما يباع أو مما لا يباع كالمسجد ~~والمنارة والقلعة، ms251 وكل هذا واقع من أرباب الحيل وهذا لما علموا أن المشتري ~~لا غرض له في السلعة، وقالوا: أي سلعة اتفق حضورها حصل بها التحليل كأي يتس ~~اتفق في باب محلل النكاح، وما مثل من وقف مع الظواهر والألفاظ ولم يراع ~~المقاصد والمعاني إلا كمثل رجل قيل له لا تسلم على صاحب بدعة فقبل يده ~~ورجله ولم يسلم عليه، أو قيل له اذهب فاملأ هذه الجرة فذهب وملأها ثم تركها ~~على الحوض، وقال: لم يقل ائتني بها، وكمن قال لوكيله بع هذه السلعة فباعها ~~بدرهم، وهي تساوي مائة، ويلزم من وقف مع الظواهر أن يصحح هذا البيع، ويلزم ~~به الموكل وإن نظر إلى المقاصد تناقض حيث ألقاها في غير موضع، وكمن أعطاء ~~رجلا ثوبا فقال: والله لا ألبسه لما فيه من المنة فباعه، وأعطاه ثمنه فقبله ~~وكمن قال: والله لا أشرب هذا الشراب فجعله عقيدا أو ثرد فيه خبزا وأكله، ~~ويلزم من وقف مع الظواهر والألفاظ أن لا يحد من فعل ذلك بالخمر، وقد أشار ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى أن من الأمة من يتناول المحرم ويسميه بغير ~~اسمه فقال: "لتشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها يعزف على رءوسهم ~~بالمعازف، والقينات يخسف الله بهم ويجعل منهم القردة والخنازير" رواه أحمد ~~وأبو داود. # قال شيخ الإسلام ابن تيميه: وقد جاء حديث آخر يوافق هذا مرفوعا وموقوفا ~~من حديث ابن عباس: "يأتي على الناس زمان يستحل فيه خمسة أشياء بخمسة أشياء ~~يستحلون الخمر باسم يسمونها إياه، والسحت بالهدية والقتل بالرهبة، والزنا ~~بالنكاح والربا بالبيع" وهذا حق فإن استحلال الربا # PageV01P319 # باسم البيع ظاهر كالحيل الربوية التي صورتها صورة البيع، وحقيقتها حقيقة ~~الربا. ومعلوم أن الربا إنما حرم لحقيقته ومفسدته لا لصورته واسمه. فهب أن ~~المرابي لم يسمه ربا، وسماه بيعا فذلك لا يخرج حقيقته وماهيته عن نفسها، ~~وأما استحلال الخمر باسم آخر فكما استحل من استحل المسكر من غير عصير ~~العنب، وقال: لا اسميه خمرا وإنما هو نبيذ كما يستحلها طائفة إذا ms252 مزجت، ~~ويقولون: خرجت بالمزج عن اسم الخمر كما يخرج الماء بمخالطة غيره له عن اسم ~~الماء المطلق، وكما يستحلها من يستحلها إذا اتخذت عقيدا، ويقول: هذه عقيد ~~لا خمر، ومعلوم أن التحريم تابع للحقيقة والمفسدة لا الاسم ولا الصورة، ~~وأما استحلال السحت باسم الهدية فهو أظهر من أن يذكر كرشوة الحاكم والوالي ~~وغيرهما فإن المرتشي ملعون هو والراشي لما في ذلك من المفسدة، ومعلوم قطعا ~~أنهما لا يخرجان عن اللعنة، وحقيقة الرشوة بمجرد اسم الهدية وقد علمنا وعلم ~~الله وملائكته ومن له اطلاع على الحيل أنها رشوة، وأما استحلال القتل باسم ~~الإرهاب الذي تسميه ولاة الجور سياسة وهيبة وناموسا وحرمة للملك فهو أظهر ~~من أن يذكر، وأما استحلال الزنا بالنكاح فهو الزنا بالمرأة التي لا غرض له ~~أن تقيم معه ولا أن تكون زوجته وإنما غرضه أن يقضي منها وطره ويأخذ جعلا ~~على الفساد بها ويتوصل إلى ذلك باسم النكاح وإظهار صورته، وقد علم الله ~~ورسوله والملائكة والروح والمرأة أنه محلل لا ناكح1، وأنه ليس بزوج وإنما ~~هو تيس مستعار2 للضراب. فيا لله العجب أي فرق في نفس الأمر بين الزنا وبين ~~هذا. نعم هذا زنا بشهود من البشر، وذلك زنا بشهود من الكرام الكاتبين كما ~~صرح به أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقالا لا يزالان زانيين وإن ~~مكثا عشرين سنة إذا علم أنه إنما يريد أن يحلها، والمقصود أن هذا المحلل ~~إذا قيل له، هذا زنا قال: ليس بزنا، بل نكاح. # كما أن المرابي إذا قيل له هذا ربا، قال: بل هو بيع، ولو أوجب تبدل ~~الأسماء والصور PageV01P320 # تبدل الأحكام والحقائق، لفسدت الديانات، وبدلت الشرائع واضمحل الإسلام. ~~هذا ملخص ما أفاده في هذه المسألة الإمام ابن القيم في: "إعلام الموقعين"1 ~~وذكر رحمه الله أيضا فيه حكم الحيلة في إسقاط الزكاة إذا كان في يده نصاب ~~بأن يبيعه، أو يهبه قبل الحول ثم يشتريه فقال: "هذه حيلة محرمة باطلة، ولا ~~يسقط ذلك عنه فرض الله الذي فرضه، وأوعد بالعقوبة ms253 الشديدة من ضيعة وأهمله، ~~فلو جاز إبطاله بالحيلة التي هي مكر وخداع لم يكن في إيجابه والوعيد على ~~تركه فائدة، وقد استقرت سنة الله سبحانه في خلقه شرعا وقدرا على معاقبة ~~العبد بنقيض قصده كما حرم القاتل الميراث وورث المطلقة في مرض الموت، وكذلك ~~الفار العبد من الزكاة لا يسقطها عنه فراره ولا يعان على قصد الباطل فيتم ~~مقصودة ويسقط مقصود الرب سبحانه وتعالى. وكذلك عامة الحيل أنى يساعد فيها ~~المتحيل على بلوغ غرضه ويبطل غرض الشارع، وكذلك المجامع في نهار رمضان إذا ~~تغدى أو شرب الخمر أولا ثم جامع قالوا لا تجب عليه الكفارة، وهذا ليس بصحيح ~~فإن ضمه إلى إثم الجماع إثم الأكل، والشرب لا يناسب التخفيف عنه بل يناسب ~~تغليظ الكفارة عليه فسبحان الله هل أوجب الشارع الكفارة لكون الوطء لم ~~يتقدمه مفطر قبله أو للجناية على زمن الصوم الذي لم يجعله الله محلا للوطء ~~وانقلبت كراهة الشرع له محبة، ومنعه إذنا هذا من المحال، فتأمل كيف تتضمن ~~الحيل المحرمة مناقضة الدين وإبطال الشرائع، ويا لله العجب! أيروج هذا ~~الخداع والمكر والتلبيس على أحكم الحاكمين الذي يعلم خائنة الأعين، وما ~~تخفي الصدور فتعالى شارع هذه الشريعة الفائقة على كل شريعة أن يشرع فيها ~~الحيل التي تسقط فرائضه وتحل محارمه وتبطل حقوق عباده وتفتح للناس أبواب ~~الاحتيال، وأنواع المكر والخداع، وأن يبيح التوصل بالأسباب المشروعة إلى ~~الأمور المحرمة المنوعة، وقد أخبر الله سبحانه عن عقوبة المحتالين على حل ~~ما حرمه عليهم، وإسقاط ما فرضه عليهم في غير موضع من كتابه قال أبو بكر ~~PageV01P321 # الآجرى -وقد ذكر بعض الحيل الربوية التي يفعلها الناس- لقد مسخت اليهود ~~قردة بدون هذا، ولقد صدق إذا أكل حوت صيد يوم السبت، أهون عند الله وأقل ~~جرما من أكل الربا الذي حرمه الله بالحيل والمخادعة، ولكن قال الحسن: عجل ~~لأولئك عقوبة تلك الأكلة الوخيمة وأرجئت عقوبة هؤلاء فهذه العظائم والمصائب ~~الفاضحات لو اعتمدها مخلوق مع مخلوق لكان في نهاية القبح فكيف بم يعلم السر ~~وأخفى، ms254 وإذا وازن اللبيب بين حيلة أصحاب السبت والحيل التي يتعاطاها أرباب ~~الحيل في كثير من الأبواب ظهر له التفاوت، ومراتب المفسدة التي بينها وبين ~~هذه الحيل فإذا عرف قدر الشرع وعظمة الشارع وحكمته وما اشتمل عليه شرعه من ~~رعاية مصالح عبادة تبين له حقيقة الحال وقطع بأن الله سبحانه تنزه وتعالى ~~أن يسوغ لعبادة نقض شرعه وحكمته بأنواع الخداع والاحتيال. ا. ه. # وكما بسط رحمه الله الكلام في ذلك في: "إعلام الموقعين" أطنب فيه أيضا في ~~كتابه: "إغائة اللهفان" اهتماما بهذا الموضوع، ومما جاء فيه قوله1 ومن ~~مكايده -يعني الشيطان- التي كاد بها الإسلام، وأهله الحيل والمكر والخداع ~~الذي يتضمن تحليل ما حرم الله، وإسقاط ما فرضه ومضادته في أمره ونهيه، وهي ~~من الرأي الباطل الذي اتفق السلف على ذمه فإن الرأي رأيان رأي يوافق النصوص ~~وتشهد له بالصحة والاعتبار وهو الذي اعتبره السلف وعملوا به، ورأي يخالف ~~النصوص، وتشهد له بالإبطال والإهدار فهو الذي ذموه وأنكروه، وكذلك الحيل ~~نوعان نوع يتوصل به إلى فعل ما أمر الله تعالى به، وترك ما نهى عنه والتخلص ~~من الحرام وتخليص المحق من الظالم المانع له، وتخليص المظلوم من يد الظالم ~~الباغي فهذا النوع محمود ظالما والظالم مظلوما والحق باطلا والباطل حقا ~~فهذا النوع الذي اتفق السلف على ذمه، وصاحوا بأهله من أقطار الأرض. قال ~~الإمام أحمد رحمه الله لا يجوز شيء من الحيل في إبطال حق مسلم PageV01P322 # وقال الميموني: "قلت لأبي عبد الله: من خلف على يمين ثم احتال لإبطالها ~~فهل تجوز تلك الحيل؟ قال: نحن لا نرى الحيلة إلا بما يجوز، قلت: أليس ~~حيلتنا فيها أن تتبع ما قالوا، وإذا وجدنا لهم قولا في شيء اتبعناه قال بلى ~~هكذا هو. قلت: أو ليس هذا منا نحن حيلة؟ قال: نعم -فبين الإمام أحمد أن من ~~اتبع ما شرع له وجاء عن السلف في معاني الأسماء التي علقت بها الأحكام ليس ~~بمحتال الحيل المذمومة وإن سميت حيلة فليس الكلام فيها، وغرض الإمام أحمد ~~بهذا ms255 الفرق بين سلوك الطريق المشروعة التي شرعت بحصول مقصود الشارع، وبين ~~الطرق التي تسلك لإبطال مقصودة فهذا هو سر الفرق بين النوعين، وكلامنا الآن ~~في النوع الثاني" ثم جود الكلام في ذلك فأطال، وأطاب رحمه المولي الوهاب. # وكذلك الإمام أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله تعالى في موافقاته في كتاب: ~~"المقاصد في المسألة العاشرة"1، أسبغ البحث في ذلك، ولسهولة الوقوف من هذه ~~الكتب الجليلة اكتفينا بالإحالة عليها والله الموفق. PageV01P323 ### $ 22- بيان أسباب اختلاف الصحابة والتابعين في الفروع: # قال الإمام العلامة ولي الله الدهلوي في: "الحجة البالغة" تحت هذه ~~الترجمة1 "اعلم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يكن الفقه في زمانه ~~مدونا، ولم يكن البحث في الأحكام يومئذ مثل البحث من هؤلاء الفقهاء حيث ~~يبنون بأقصى جهدهم الأركان، والشروط وآداب كل شيء ممتازا عن الآخر بدليله، ~~ويفرضون الصور يتكلمون على تلك الصور المفروضة ويحدون ما يقبل الحد، ~~ويحصرون ما يقبل الحصر إلى غير ذلك من صنائعهم، أما رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- فكان يتوضأ فيرى الصحابة وضوءه فيأخذون به من غير أن يبين أن ~~هذا ركن وذلك أدب، وكان يصلي فيرون صلاته فيصلون كما رأوه يصلي، وحج فرمق ~~الناس حجة ففعلوا PageV01P323 # كما فعل فهذا كان غالب حاله -صلى الله عليه وسلم- ولم يبين أن فروض ~~الوضوء ستة أو أربعة، ولم يفرض أنه يحتمل أن يتوضأ إنسان بغير موالاة، حتى ~~يحكم عليه بالصحة أو الفساد إلا ما شاء الله وقلما كانوا يسألونه عن هذه ~~الأشياء. عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: ما رأيت قوما خيرا من أصحاب ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما سألوه عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض كلهن ~~في القرآن منهن: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير} 1، ~~{ويسألونك عن المحيض} 2 قال: ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم قال ابن عمر: ~~لا تسأل عما لم يكن فإني سمعت عمر بن الخطاب يلعن من سأل عما لم يكن قال ~~القاسم: إنكم تسألون عن أشياء ما كنا نسأل عنها ms256 وتنقرون3 عن أشياء ما كنا ~~ننقر عنها، تسألون عن أشياء ما أدري ما هي، ولو علمناها ما حل لنا أن ~~نكتمها عن عمر بن إسحاق قال: لمن أدركت من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- أكثر ممن سبقني منهم فما رأيت قوما أيسر سيرة، ولا أقل تشديدا منهم، ~~وعن عبادة بن بسر الكندي، وسئل عن امرأة ماتت مع قوم ليس لها ولي فقال: ~~أدركت أقواما ما كانوا يشددون تشديدكم، ولا يسألون مسائلكم "أخرج هذه ~~الآثار الدارمي"، وكان يستفتيه الناس في الوقائع فيفتيهم وترفع إليه ~~القضايا فيقضي فيها، ويرى الناس يفعلون معروفا فيمدحه أو منكرا فينكر عليه ~~وكل ما أفتى به مستفتيا أو قضى به في قضية أو أنكره على فاعله كان في ~~الاجتماعات، وكذلك كان الشيخان أبو بكر وعمر إذا لم يكن لهما علم في ~~المسألة يسألون الناس عن حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال أبو بكر ~~-رضي الله عنهما- سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال فيها شيئا -يعني ~~الجدة- وسأل الناس فلما صلى الظهر قال: أيكم سمع رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- قال في الجدة شيئا فقال: المغيرة بن شعبة أنا فقال: ماذا؟ قال: قال: ~~أعطاها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سدسا قال: أيعلم ذاك أحد غيرك؟ فقال ~~محمد بن سلمة: صدق - فأعطاها أبو بكر السدس وقصة سؤال عمر الناس في الغرة ~~PageV01P324 # ثم رجوعه إلى خبر مغيرة، وسؤاله إياهم في الوباء، ثم رجوعه إلى خبر عبد ~~الرحمن بن عوف، وكذا رجوعه في قصة المجوس إلى خبره وسرور عبد الله بن مسعود ~~بخير معقل بن يسار لما وافق رأيه، وقصة رجوع أبي موسى عن باب عمر وسؤاله عن ~~الحديث وشهادة أبي سعيد له، وأمثال ذلك كثيرة معلومة مروية في الصحيحين ~~والسنن، وبالجملة فهذه كانت عادته الكريمة -صلى الله عليه وسلم- فرأى كل ~~صحابي ما يسره الله له من عبادته وفتاواه وأقضيته، فخفظها وعقلها وعرف لكل ~~شيء وجها من قبل حفوف القرائن به فحمل بعضها على الإباحة وبعضها على النسخ ~~لأمارات وقرائن ms257 كانت كافية عنده، ولم يكن العمدة عندهم إلا وجدان الاطمئنان ~~والثلج من غير التفات إلى طرق الاستدلال كما ترى الأعراب يفهمون مقصود ~~الكلام فيما بينهم وتثلج صدورهم بالتصريح والتلويح والإيماء من حيث لا ~~يشعرون فانقضي عصره الكريم وهم على ذلك ثم إنهم تفرقوا في البلاد وصار كل ~~واحد مقتدي ناحية من النواحي فكثرت الوقائع ودارت المسائل فاستفتوا فيها ~~فأجاب كل واحد حسب ما حفظه أو استنبط وإن لم يجد فيما حفظه أو استنبط ما ~~يصلح للجواب اجتهد برأيه وعرف العلة التي أدار رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- عليها الحكم في منصوصاته، فطرد الحكم حيثما وجدها لا يألو جهدا في ~~موافقه عرضه عليه الصلاة والسلام فعند ذلك وقع الاختلاف بينهم على ضروب ~~منها أن صحابيا سمع حكما في قضية أو فتوى ولم يسمعه الآخر فاجتهد برأيه في ~~ذلك، وهذا على وجوه. # أحدها: أن يقع اجتهاده موافق الحديث مثاله ما رواه النسائي وغيره أن ابن ~~مسعود -رضي الله عنه- سئل عن امرأة مات عنها زوجها ولم يفرض لها -أي لم ~~يعين لها المهر- فقال: لم أر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقضي في ذلك ~~فاختلفوا عليه شهرا، وألحوا فاجتهد برأيه وقضى بأن لها مهر نسائها لا وكس ~~ولا شطط1 وعليها العدة، ولها الميراث فقام معقل بن يسار فشهد بأنه قضى بمثل ~~ذلك في امرأة منهم، ففرح بذلك ابن مسعود فرحة لم يفرح مثلها قط بعد ~~الإسلام. PageV01P325 # ثانيها: أن يقع بينهما المناظرة ويظهر الحديث بالوجه الذي يقع به غالب ~~الظن فيرجع عن اجتهاده إلى المسموع، مثاله ما رواه الأئمة من أن أبا هريرة ~~-رضي الله عنه- كان من مذهبه أنه من أصبح جنبا فلا صوم له حتى أخبرته بعض ~~أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- بخلاف مذهبه فرجع. # وثالثها: أن يبلغة الحديث، ولكن لا على الوجه الذي يقع به غالب الظن فلم ~~يترك اجتهاده، بل طعن في الحديث مثاله: ما رواه أصحاب الأصول1 من أن فاطمة ~~بنت قيس شهدت عند عمر بن الخطاب بأنها كانت مطلقة الثلاث ms258 فلم يجعل لها رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- نفقة ولا سكنى فرد شهادتها، وقال: لا أترك كتاب ~~الله بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت لها النفقة والسكني وقالت عائشة ~~-رضي الله عنها- لفاطمة ألا تتقي الله؟ يعني في قولها لا سكني ولا نفقة، ~~ومثال آخر روى الشيخان أنه كان من مذهب عمر بن الخطاب أن التيمم لا يجزي ~~للجنب الذي لا يجد ماء، فتمعك في التراب فذكر ذلك لرسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "إنما كان يكفيك أن تفعل ~~هكذا" وضرب بيديه الأرض فمسح بهما وجهه ويديه فلم يقبل عمر، ولم ينهض عنده ~~حجة لقادح خفي رآه فيه حتى استفاض الحديث في الطبقة الثانية من طرق كثيرة ~~واضمحل وهم القادح فأخذوا به. # ورابعها: أن لا يصل إليه الحديث أصلا مثاله: ما أخرج مسلم أن ابن عمر كان ~~يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رءوسهن، فسمعت عائشة بذلك فقالت: يا عجبا ~~لابن عمر هذا يأمر النساء أن ينقضن رءؤسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رءوسهن؟ ~~لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- من إناء واحد وما أزيد ~~على أن أفرع على رأسي ثلاث إفراغات. مثال آخر: ما ذكره الزهري من أن هندا ~~لم تبلغها رخصة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المستحاضة فكان تبكي ~~لأنها كانت لا تصلي. ومن تلك PageV01P326 # الضروب أن يروا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فعل فعلا فحمله بعضهم على ~~القربة وبعضهم على الإباحة، مثاله: ما رواه أصحاب الأصول في قضية التخصيب ~~-أي النزول بالأبطح عند النفر- نزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- به فذهب ~~أبو هريرة، وابن عمر إلى أنه على وجه القربة فجعلوه من سنن الحج، وذهبت ~~عائشة وابن عباس إلى أنه كان على وجه الاتفاق وليس من السنن، ومثال آخر ذهب ~~الجمهور إلى أن الرمل في الطواف سنة، وذهب ابن عباس إلى أنه إنما فعله ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- على سبيل الاتفاق لعارض عرض، وهو قول المشركين ~~حطمتهم حمى ms259 يثرب، وليس بسنة ومنها اختلاف الوهم مثاله أن رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- حج فرآه الناس فذهب بعضهم إلى أنه كان متمتعا، وبعضهم إلى ~~أنه كان قارنا وبعضهم إلى أنه كان مفردا، مثال آخر أخرج أبو داود عن سعيد ~~بن جبير أنه قال: قلت لعبد الله بن عباس: يا أبا العباس عجبت لاختلاف أصحاب ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين أوجب1 فقال: إني لأعلم الناس بذلك، ~~إنها كانت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حجة واحدة فمن هناك اختلفوا. ~~خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حاجا فلما صلى في مسجد ذي الخليفة ركعة ~~أوجب في مجلسه وأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه فسمع ذلك منه أقوام فحفظته عنه ~~ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهل وأدرك منه أقوام، وذلك أن الناس إنما ~~كانوا يأتون أرسالا، فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل فقالوا: إنما أهل رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- حين استقلت به ناقته ثم مضى رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- البيداء، وايم الله لقد أوجب في مصلاه، وأهل حين استقلت به ~~ناقته وأهل حين علا على شرف البيداء. # ومنها: اختلاف السهو والنسيان مثاله ما روي أن ابن عمر كان يقول اعتمر ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عمرة في رجب فسمعت بذلك عائشة فقضت عليه ~~بالسهو. PageV01P327 # ومنها: اختلاف الضبط مثاله ما روى ابن عمر1 أو عمر عنه -صلى الله عليه ~~وسلم- من أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، فقضت عائشة عليه بأنه لم يأخذ ~~الحديث على وجهه مر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على يهودية يبكي عليها ~~أهلها، فقال: "إنهم يبكون عليها وإنها تعذب في قبرها". فظن العذاب معلولا ~~للبكاء فظن الحكم عاما على كل ميت2. # ومنها: اختلافهم في علة الحكم، مثاله: القيام للجنازة فقال قائل: لتعظيم ~~الملائكة فيعم المؤمن والكافر، وقال قائل: لهول الموت فيعمهما، وقال2 الحسن ~~بن علي -رضي الله عنهما: مر على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بجنازة ~~يهودي فقام لها كراهية أن تعلو فوق رأسه فيخص الكافر. # ومنها: ms260 اختلافهم في الجمع بين المختلفين، مثاله: رخص3 رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- في المتعة عام خيبر، ثم رخص فيها عام أوطاس، ثم نهى عنها، ~~فقال ابن عباس: كانت الرخصة للضرورة، والنهي لانقضاء الضرورة، والحكم باق ~~على ذلك، وقال الجمهور: كانت الرخصة إباحة والنهي نسخا لها مثال آخر4. نهى ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن استقبال القبلة في الاستنجاء فذهب قوم ~~إلى عموم هذا الحكم، وكونه غير منسوخ ورآه جابر يبول قبل أن يتوفى بعام ~~مستقبل القبلة فذهب إلى أنه نسخ للنهي المتقدم، ورآه ابن عمر قضى حاجته ~~مستدبر القبلة مستقبل الشام فرد به قولهم وجمع قوم بين PageV01P328 # الروايتين. فذهب الشعبي وغيره إلى أن النهي مختص بالصحراء، فإذا كان في ~~المراحيض فلا بأس بالاستقبال والاستدبار، وذهب قوم إلى أن القول عام محكم، ~~والفعل يحتمل كونه خاصا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- فلا ينتهض ناسخا ولا ~~مخصصا، وبالجملة فاختلفت مذاهب أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وأخذ عنهم ~~التابعون كذلك كل واحد ما تيسر له فحفظ ما سمع من حديث رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- ومذاهب الصحابة وعقلها وجمع المختلف على ما تيسر له، ورجح بعض ~~الأقوال على بعض واضمحل في نظرهم بعض الأقوال وإن كان مأثورا عن كبار ~~الصحابة كالمذهب المأثور عن عمر وابن مسعود في تيمم الجنب، اضمحل عندهم لما ~~استفاض من الأحاديث عن عمار وعمران بن الحصين وغيرهما فعند ذلك صار لكل ~~عالم من علماء التابعين مذهب على حياله فانتصب في بلد إمام مثل سعيد بن ~~المسيب وسالم بن عبد الله بن عمر في المدينة، وبعدهما الزهري والقاضي يحيى ~~بن سعيد وربيعة بن عبد الرحمن فيها، وعطاء بن أبي رباح بمكة وإبراهيم ~~النخعي، والشعبي بالكوفة، والحسن البصري بالبصرة، وطاوس بن كيسان باليمن، ~~ومكحول بالشام فأظمأ الله أكبادا إلى علومهم فرغبوا فيها وأخذوا عنهم ~~الحديث وفتاوي الصحابة، وأقاويلهم ومذاهب هؤلاء العلماء وتحقيقاتهم من عند ~~أنفسهم واستفتي منهم المستفتون ودارت المسائل بينهم، ورفعت إليهم الأقضية ~~وكان سعيد بن المسيب وإبراهيم وأمثالهما جمعوا أبواب ms261 الفقه أجمعها، وكان ~~لهم في باب أصول تلقوها من السلف، وكان سعيد وأصحابه يذهبون إلى أن أهل ~~الحرمين أثبت الناس في الفقه، وأصل مذهبهم فتاوي عبد الله بن عمر وعائشة ~~وابن عباس وقضايا قشاة المدينة فجمعوا من ذلك ما يسره الله لهم ثم نظروا ~~فيها نظر اعتبار وتفتيش فما كان منها مجمعا عليه بين علماء المدينة فإنهم ~~يأخذون عليه بنواجذهم، وما كان فيه اختلاف عندهم فإنهم يأخذون بأقواها ~~وأرجحها إما بكثرة من ذهب إليه منهم، أو لموافقته بقياس قوي أو تخريج صريح ~~من الكتاب والسنة أو نحو ذلك، وإذا لم يجدوا فيما حفظوا منه جواب المسألة ~~خرجوا من كلامه، وتتبعوا الإيماء فحصل لهم مسائل كثيرة في كل باب، وكان ~~إبراهيم # PageV01P329 # وأصحابه يرون أن عبد الله بن مسعود وأصحابه أثبت الناس في الفقة، كما قال ~~علقمة لمسروق: هل أحد منهم أثبت من عبد الله؟ وقول أبي حنيفة -رضي الله ~~عنه- للأوزاعي: إبراهيم أفقه من سالم، ولولا فضل الصحبة لقلت إن علقمة أفقه ~~من عبد الله بن عمر، وعبد الله هو عبد الله وأصل مذهبه فتاوي عبد الله بن ~~مسعود، وقضايا علي -رضي الله عنهما- وفتاواه وقضايا شريح وغيره من قضاة ~~الكوفة فجمع من ذلك ما يسره الله ثم صنع في آثارهم كما صنع أهل المدينة في ~~آثار أهل المدينة، وخرج كما خرجوا فلخص له مسائل الفقه في كل باب باب، وكان ~~سعيد بن المسيب لسان فقهاء المدينة، وكان أحفظهم لقضايا عمر، ولحديث أبي ~~هريرة وإبراهيم لسان فقهاء الكوفة فإذا تكلما بشيء، ولم ينسباه إلى أحد ~~فإنه في الأكثر منسوب إلى أحد من السلف صريحا وإيماء، ونحو ذلك فاجتمع ~~عليهما فقهاء بلدهما، وأخذوا عنهما، وعقلوه وخرجوا عليه والله أعلم. # PageV01P330 ### $ 23- بيان أسباب اختلاف مذاهب الفقهاء: # قال الإمام ولي الله الدهلوي قدس سره في الحجة البالغة أيضا تحت هذه ~~الترجمة ما صورته1: "اعلم أن الله تعالى أنشأ بعد عصر التابعين نشئا من ~~حملة العلم، إنجازا لما وعده رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث قال: ~~"يحمل هذا ms262 العلم من كل خلف عدوله" 2، فأخذوا عمن اجتمعوا معه صفة الوضوء ~~والغسل والصلاة والحج والنكاح والبيوع وسائر ما يكثر وقوعه ورووا حديث ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- وسمعوا قضايا قضاة البلدان، وفتاوي مفتيها ~~وسألوا عن المسائل، واجتهدوا في ذلك كله ثم صاروا كبراء قوم ووسدوا إليهم ~~الأمر فنسجوا على منوال شيوخهم، ولم يألوا في تتبع الإيماءات والاقتصاءات ~~فقضوا، وأفتوا ورووا وعلموا وكان صنيع العلماء في هذه الطبقة متشابها، ~~وحاصل صنيعهم أن يتمسك بالمسند من حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~والمرسل جميعا ويستدل بأقوال PageV01P330 # الصحابة والتابعين، علما منهم أنها إما أحاديث منقولة عن رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- اختصروها فجعلوها موقوفة كما قال إبراهيم، وقد روى حديث ~~نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن المحاقلة والمزابنة1 فقيل له أما ~~تحفظ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حديثا غير هذا قال: بلي، ولكن أقول ~~قال عبد الله قال علقمة أحب إلي، وكما قال الشعبي، وقد سئل عن حديث وقيل ~~إنه يرفع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: لا علي من دون النبي -صلى ~~الله عليه وسلم- أحب إلينا فإن كان فيه زيادة ونقصان كان على من دون النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- أو يكون استنباطا منهم من المنصوص، أو اجتهادا منهم ~~بآرائهم وهم أحسن صنيعا في كل ذلك ممن يجيء بعدهم، وأكثر إصابة وأقدم زمانا ~~وأوعى علما فتعين العمل بها إلا إذا اختلفوا وكان حديث رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- يخالف قولهم مخالفة ظاهرة، وإنه إذا اختلفت أحاديث رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- في مسألة رجعوا إلى أقوال الصحابة، فإن قالوا بنسخ ~~بعضها أو بصرفه عن ظاهره أو لم يصرحوا بذلك ولكن اتفقوا على تركه، وعدم ~~القول بموجبه فإنه كإبداء علة فيه، أو الحكم بنسخه أو تأويله اتبعوهم في كل ~~ذلك، وهو قول مالك في حديث2: "إذا ولغ الكلب": "جاء هذا الحديث ولكن لا ~~أدري ما حقيقته" يعني حكاه ابن الحاجب في مختصر الأصول لم أر الفقهاء ~~يعلمون به، وإنه إذا اختلفت مذاهب الصحابة ms263 في مسألة فالمختار عند كل عالم ~~مذهب أهل بلده وشيوخه لأنه أعرف بصحيح أقاويلهم من السقيم وأوعى للأصول ~~المناسبة لها، وقلبه أميل إلى فضلهم وتبحرهم فمذهب عمر وعثمان وابن عمر ~~وعائشة وابن عباس وزيد بن ثابت وأصحابهم مثل سعيد بن المسيب فإنه كان ~~أحفظهم لقضايا عمر وحديث أبي هريرة، ومثل عروة وسالم وعطاء بن يسار وقاسم ~~وعبيد الله بن عبيد الله والزهري ويحيى بن سعيد وزيد بن أسلم وربيعة، أحق ~~بالأخذ من غيره عند أهل المدينة لما بينه النبي -صلى الله عليه وسلم- في ~~فضائل المدينة ولأنها مأوى الفقهاء ومجمع العلماء في كل عصر، ولذلك ترى ~~مالكا يلازم محجتهم ومذهب عبد الله بن مسعود وأصحابه وقضايا علي وشريح ~~والشعبي PageV01P331 # وفتاوي إبراهيم أحق بالأخذ عند أهل الكوفة من غيره، وهو قول علقمة حين ~~مال مسروق إلى قول زيد بن ثابت في التشريك، قال: هل أحد منكم أثبت من عبد ~~الله؟ فقال: لا، ولكن رأيت زيد بن ثابت وأهل المدينة يشركون، فإن اتفق أهل ~~البلد على شيء أخذوا بنواجذه وهو الذي يقول في مثله مالك: السنة التي لا ~~اختلاف فيها عندنا كذا وكذا، وإن اختلفوا أخذوا بأقواها وأرجحها، إما بكثرة ~~القائلين به، أو لموافقته لقياس قوي أو تخريج من الكتاب والسنة، وهو الذي ~~يقول في مثله مالك: هذا أحسن ما سمعت فإذا لم يجدوا فيما حفظوا منهم جواب ~~المسألة خرجوا من كلامهم، وتتبعوا الإيماء والاقتضاء وألهموا في هذه الطبقة ~~التدوين فدون مالك، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب بالمدينة وابن جريج ~~وابن عيينة بمكة، والثوري بالكوفة وربيع بن الصبيح بالبصرة، وكلهم مشوا على ~~هذا المنهج الذي ذكرته، ولما حد المنصور قال لمالك قد عزمت أن آمر بكتبك ~~هذه التي صنفتها فتنسخ ثم أبعث في كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة، ~~وآمرهم بأن يعملوا بما فيها، ولا يتعدوه إلى غيره فقال يا أمير المؤمنين: ~~لا تفعل هذا فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث ورووا روايات، ~~وأخذ كل قوم بما سبق ms264 إليهم وأتوا به، من اختلاف الناس فدع الناس وما اختار ~~أهل كل بلد منهم لنفسهم، ويحكي نسبة هذه القصة إلى هارون الرشيد، وأنه شاور ~~مالكا في أن يعلق الموطأ في الكعبة، ويحمل الناس على ما فيه فقال: لا تفعل ~~فإن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اختلفوا في الفروع، وتفرقوا في ~~البلدان وكل سنة مضت قال وفقك الله يا أبا عبد الله "حكاه السيوطي" وكان ~~مالك من أثبتهم في حديث المدنيين عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~وأوثقهم إسنادا وأعلمهم بقضايا عمر وأقاويل عبد الله بن عمر وعائشة ~~وأصحابهم من الفقهاء السبعة وبه وبأمثاله قام علم الرواية والفتوى، فلما ~~وسد إليه الأمر حدث وأفتى وأجاد وعله انطبق قول النبي -صلى الله عليه ~~وسلم1: "يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل، يطلبون العلم فلا يجدون أحدا أعلم ~~PageV01P332 # من علام المدينة" على ما قاله ابن عيينة، وعبد الرزاق وناهيك بهما، فجمع ~~أصحابه، رواياته، ومختاراته، ولخصوها، وحرروها وشرحوها وخرجوا عليها، ~~وتكلموا في أصولها ودلائها وتفرقوا إلى المغرب، ونواحي الأرض فنفع الله بهم ~~كثيرا من خلقه، وإن شئت أن تعرف حقيقة ما قلناه من أصل مذهبه فانظر في كتاب ~~الموطأ، تجده كما ذكرنا، وكان أبو حنيفة -رضي الله عنه- ألزمها بمذهب ~~إبراهيم، وأقرانه لا يجاوزه إلا ما شاء الله، وكان عظيم الشأن في التخريج ~~على مذهبه دقيق النظر في وجوه التخريجات مقبلا على الفروع أتم إقبال، وإن ~~شئت أن تعلم حقيقة ما قلنا فلخص أقوال إبراهيم وأقرانه من كتاب الآثار ~~لمحمد رحمه الله، وجامع عبد الرزاق ومصنف أبي بكر بن أبي شيبة ثم قايسه ~~بمذهبه تجده لا يفارق تلك المحجة إلا في مواضع يسيرة، وهو في تلك اليسيرة ~~أيضا لا يخرج عما ذهب إليه فقهاء الكوفة، وكان أشهر أصحابه ذكرا أبو يوسف ~~رحمه الله فولى قضاء القضاة أيام هارون الرشيد فكان سببا لظهور مذهبه، ~~والقضاء به في أقطار العراق وخراسان، وما وراء النهر. وكان أحسنهم تصنيفا ~~وألزمهم درسا محمد بن الحسن، وكان من خبره أنه تفقه ms265 على أبي حنيفة وأبي ~~يوسف، ثم خرج إلى المدينة فقرأ الموطأ على مالك ثم رجع إلى نفسه فطبق مذهب ~~أصحابه على الموطأ مسألة مسألة فإن وافق فيها، وإلا فإن رأى طائفة من ~~الصحابة والتابعين ذاهبين إلى مذهب أصحابه فكذلك، وإن وجد قياسا ضعيفا أو ~~تحزيجا لينا يخالفه حديث صحيح فيما عمل به الفقهاء، أو يخالفه عمل أكثر ~~العلماء تركه إلى مذهب من مذاهب السلف ما يراه أرجح ما هناك، وهذان لا ~~يزالان على محجة إبراهيم، وأقرانه ما أمكن لهما كما كان أبو حنيفة -رضي ~~الله عنه- يفعل ذلك، وإنما كان اختلافهم في أحد شيئين إما أن يكون لشيخهما ~~تخريج على مذهب إبراهيم يزاحمانه فيه، أو يكون هناك لإبراهيم ونظرائه أقوال ~~مختلفة يخالفان شيخهما في ترجيح بعضها على بعض فصنف محمد رحمه الله، وجمع ~~رأي هؤلاء الثلاثة، ونفع كثيرا من الناس، فتوجه أصحاب أبي حنيفة -رضي الله ~~عنه- إلى تلك التصانيف تلخيصا وتقريبا أو شرحا أو تخريجا، أو تأسيسا أو ~~استدلالا ثم تفرقوا إلى خراسان، وما وراء النهر فيسمى ذلك مذهب أبي حنيفة # PageV01P333 # "ونشأ الشافعي في أوائل ظهور المذهبين وترتيب أصولهما وفروعهما فنظر في ~~صنيع الأوائل فوجد فيه أمورا كبحث عنانه عن الجريان في طريقهم، وقد ذكرها ~~في أوائل كتاب الأم. منها: أنه وجدهم يأخذون بالمرسل والمنقطع فيدخل فيهما ~~الخلل فإنه إذا جمع طرق الحديث يظهر أنه كم من مرسل لا أصل له، وكم من مرسل ~~يخالف مسندا فقرر أن لا يأخذ بالمراسيل إلا عند وجود شروط وهي مذكورة في ~~كتب الأصول، ومنها أنه لم تكن قواعد الجمع بين المختلفات مضبوطة عندهم فكان ~~يتطرق بذلك خلل في مجتهداتهم فوضع لها أصولا، ودونها في كتاب وهذا أول ~~تدوين كان في أصول الفقه مثاله ما بلغنا أنه دخل على محمد بن الحسن، وهو ~~يطعن على أهل المدينة في قضائهم بالشاهد الواحد مع اليمين، ويقول هذا زيادة ~~على كتاب الله فقال الشافعي: أثبت عندك أنه لا تجوز الزيادة على كتاب الله ~~بخبر الواحد قال: نعم قال: ms266 فلم قلت: إن الوصية للوارث لا تجوز لقوله: "ألا ~~لا وصية لوارث" وقد قال الله تعالى: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت} 1 ~~الآية، وأورد عليه أشياء من هذا القبيل، فانقطع كلام محمد بن الحسن. ومنها: ~~أن بعض الأحاديث الصحيحة لم يبلغ علماء التابعين ممن وسد إليهم الفتوى ~~فاجتهدوا بآرائهم، واتبعوا العمومات واقتدوا بمن مضى من الصحابة فأفتوا حسب ~~ذلك ثم ظهرت بعد ذلك في الطبقة الثالثة، فلم يعملوا بها ظنا منهم أنها ~~تخالف عمل أهل مدينتهم، وسنتهم التي لا اختلاف لهم فيها، وذلك قادح في ~~الحديث، وعلة مسقطة له أو لم تظهر في الثالثة، وإنما ظهرت بعد ذلك عندما ~~أمعن أهل الحديث في جمع طرق الحديث، ورحلوا إلى أقطار الأرض، وبحثوا عن ~~حملة العلم فكثر من الأحاديث ما لا يرويه من الصحابة إلا رجل، أو رجلان ولا ~~يرويه عنه أو عنهما إلا رجل أو رجلان، وهلم جرا فخفي على أهل الفقه وظهر في ~~عصر الحفاظ الجامعين لطرق الحديث كثير من الأحاديث رواه أهل البصرة مثلا، ~~وسائر الأقطار في غفلة منهن فبين الشافعي أن العلماء من الصحابة والتابعين ~~لم يزل شأنهم أنهم يطلبون الحديث في المسألة فإذا لم يجدوا تمسكوا بنوع آخر ~~من الاستدلال، PageV01P334 # ثم إذا ظهر عليهم الحديث بعد رجعوا من احتهادهم إلى الحديث فإذا كان ~~الأمر على ذلك، لا يكون عدم تمسكهم بالحديث قدحا فيه اللهم إلا إذا بينوا ~~العلة القادحة مثاله حديث القلتين، فإنه حديث صحيح روي بطرق كثيرة معظمها ~~يرجع إلى أبي الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبد الله، أو ~~محمد بن عباد بن جعفر عن عبيد الله بن عبد الله كلاهما عن ابن عمر ثم تشعبت ~~الطرق بعد ذلك، وهذان وإن كانا من الثقات لكنهما ليسا ممن وسد إليهم الفتوى ~~وعول الناس عليهم فلم يظهر الحديث في عصر سعيد بن المسيب، ولا في عصر ~~الزهري ولم يمش عليه المالكية، ولا الحنيفة فلم يعملوا به وعمل به الشافعي، ~~وكحديث: "خيار المجلس" ms267 فإنه حديث صحيح روى بطرق كثيرة، وعمل به ابن عمر ~~وأبو هريرة من الصحابة، ولم يظهر على الفقهاء السبعة ومعاصريهم فلم يكونوا ~~يقولون به، فرأى مالك وأبو حنيفة هذه علة قادحة في الحديث، وعمل به ~~الشافعي. # ومنها أن أقوال الصحابة جمعت في عصر الشافعي فتكثرت واختلفت وتشعبت، ورأى ~~كثيرا منها يخالف الحديث الصحيح حيث لم يبلغهم، ورأى السلف لم يزالوا ~~يرجعون في مثل ذلك إلى الحديث فترك التمسك بأقوالهم، ما لم يتفقوا وقال: هم ~~رجال ونحن رجال! # ومنها أنه رأى قوما من الفقهاء يخلطون الرأي الذي لم يسوغه الشرع بالقياس ~~الذي أثبته فلا يميزون واحدا منها من الآخر، ويسمونه تارة بالاستحسان، ~~وأعني بالرأي أن ينصب مظنة حرج أو مصلحة علة الحكم، وإنما القياس أن تخرج ~~العلة من الحكم المنصوص، ويدار عليها الحكم فأبطل هذا النوع أتم إبطال، ~~وقال: من استحسن فإنه أراد أن يكون شارعا -حكاه ابن الحاجب في مختصر ~~الأصول- مثاله رشد اليتيم أمر خفي فأقاموا مظنة الرشد، وهو بلوغ خمس وعشرين ~~سنة مقامه وقالوا: إذا بلغ اليتيم هذا العمر سلم إليه ماله قالوا: هذا ~~استحسان، والقياس أن لا يسلم إليه، وبالجملة لما رأى في صنيع الأوائل مثل ~~هذه الأمور أخذ الفقه من الرأس فأسس الأصول وفرع الفروع وصنف الكتب فأجاد ~~وأفاد واجتمع عليه الفقهاء وتصرفوا اختصارا وشرحا واستدلالا وتخريجا، ثم ~~تفرقوا في البلدان، فكان هذا مذهبا للشافعى والله أعلم". # PageV01P335 ### $ 24- بيان الفرق بين أهل الحديث وأصحاب الرأي: # قال الإمام ولي الله الدهلوي قدس سره تحت هذا العنوان في الحجة البالغة ~~ما نصه1: "اعلم أنه كان من العلماء في عصر سعيد بن المسيب، وإبراهيم ~~والزهري، وفي عصر مالك وسفيان، وبعد ذلك يكرهون الخوص بالرأي، ويهابون ~~الفتيا والاستنباط إلا لضرورة لا يجدون منها بدا. وكان أكبرهم رواية حديث ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم. سئل عبد الله بن مسعود عن شيء فقال: إني ~~لأكره أن أحل لك شيئا حرمه الله عليك، أو أحرم ما أحله الله لك، وقال معاذ ~~بن جبل: يا ms268 أيها الناس لا تعجلوا بالبلاء قبل نزوله، فإنه لم ينفك المسلمون ~~أن يكون فيهم من إذا سئل سرد وروي نحو ذلك عن عمر وعلي وابن عباس وابن ~~مسعود في كراهة التكلم فيما لم ينزل، وقال ابن عمر لجابر بن زيد إنك من ~~فقهاء البصرة فلا تفت إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية فإنك إن فعلت غير ذلك ~~هلكت، وأهلكت، وقال أبو النصر لما قدم أبو سلمة البصرة أتيته أنا، والحسن ~~فقال للحسن: أنت الحسن؟ ما كان أحد بالبصرة أحب إلى لقاء منك، وذلك أنه ~~بلغني أنك تفتي برأيك فلا تفت برأيك إلا أن يكون سنة عن رسول أو كتابا ~~منزلا. وقال ابن المنكدر: إن العالم يدخل فيما بين الله وبين عبادة، فليطلب ~~لنفسه المخرج، وسئل الشعبي: كيف كنتم تصنعون إذا سئلتم؟ قال: على الخبير، ~~وقعت كان إذا سئل الرجل قال لصاحبه: أفتهم فلا يزال حتى يرجع إلى الأول. ~~وقال الشعبي: ما حدثوك هؤلاء عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فخذ به وما ~~قالوه برأيهم فألقه في الحش "أخرج هذه الآثار عن آخرها الدارمي". # "فوقع شيوع تدوين الحديث والأثر في بلدان الإسلام وكتابه الصحف والنسخ، ~~PageV01P336 # حتى قل من يكون أهل الرواية إلا كان له تدوين أو صحيفة أو نسخة من ~~حاجتهم، لموقع عظيم، فطاف من أدرك من عظائهم ذلك الزمان بلاد الحجاز والشام ~~والعراق ومصر واليمن وخراسان وجمعوا الكتب، وتتبعوا النسخ وأمعنوا في ~~التفحص غريب الحديث، ونوادر الأثر فاجتمع باهتمام أولئك من الحديث والآثار ~~ما لم يجتمع لأحد قبلهم، ويتسر لهم ما لم يتيسر لأحد قبلهم، وخلص إليهم من ~~طرق الأحاديث شيء كثير حتى كان يكثر من الأحاديث عندهم مائة طريق فما فوقها ~~فكشف بعض الطرق ما استتر في بعضها الآخر، وعرفوا محل كل حديث من الغرابة ~~والاستفاضة وأمكن لهم النظر في المتابعات والشواهد، وظهر عليهم أحاديث ~~صحيحة كثيرة لم تظهر على أهل الفتوى من قبل قال الشافعي: لأحمد أنتم أعلم ~~بالأخبار الصحيحة منا فإذا كان خبر صحيح فأعلموني حتى أذهب ms269 إليه كوفيا كان ~~أو بصريا أو شاميا "حكاه ابن الهمام" وذلك لأنه كم من حديث صحيح لا يرويه ~~إلا أهل بلد خاصة كأفراد الشاميين والعراقيين أو أهل بيت خاصة كنسخة بريد ~~عن أبي بردة عن أبي موسى، ونسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أو كان ~~الصحابي مقلا خاملا لم يحمل عنه إلا شرذمة قليلون فمثل هذه الأحاديث يغفل ~~عنها عامة أهل الفتوى، واجتمعت عندهم آثار فقهاء كل بلد من الصحابة ~~والتابعين، وكان الرجل فيما قبلهم لا يتمكن إلا من جمع حديث بلده وأصحابه، ~~وكان من قبلهم يعتمدون في معرفة أسماء الرجال ومراتب عدالتهم على ما يخلص ~~إليهم من مشاهدة الحال، وتتبع القرائن وأمعنت هذه الطبقة في هذا الفن، ~~وجعلوه شيئا مستقلا بالتدوين والبحث، وناظروا في الحكم بالصحة وغيرها ~~فانكشف عليهم بهذا التدوين والمناظرة ما كان خافيا من حال الاتصال ~~والانقطاع، وكان سفيان ووكيع وأمثالهما يجتهدون غاية الاجتهاد فلا يتمكنون ~~من الحديث المرفوع المتصل إلا من دون ألف حديث كما ذكره أبو داود السجستاني ~~في رسالته إلى أهل مكة، وكان أهل هذه الطبقة يروون أربعين ألف حديث فما ~~يقرب منها بل صح عن البخاري أنه اختصر صحيحة من # PageV01P337 # ستة آلاف حديث. وعن أبي داود أنه اختصر سننه من خمسة آلاف حديث، وجعل ~~أحمد مسنده ميزانا يعرف به حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم؛ فما وجد ~~فيه ولو بطريق واحد منه! فله وإلا فلا أصل له، فكان رءوس هؤلاء عبد الرحمن ~~بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان ويزيد بن هارون وعبد الرزاق وأبو بكر بن أبي ~~شيبة، ومسدد وهناد وأحمد بن حنبل وإسحاق بن واهويه، والفضل بن دكين وعلي ~~المديني وأقرانهم، وهذه الطبقة هي الطراز الأول من طبقات المحدثين فرجع ~~المحققون منهم بعد إحكام فن الرواية، ومعرفة مراتب الأحاديث إلى الفقه فلم ~~يكن عندهم من الرأي أن يجمع على تقليد رجل ممن مضى مع ما يرون من الأحاديث ~~والآثار المناقضة في كل مذهب من تلك المذاهب فأخذوا يتبعون أحاديث ms270 النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- وآثار الصحابة والتابعين والمجتهدين على قواعد ~~أحكموها في نفوسهم وأنا أبينها في كلمات يسيرة. # "كان عندهم أنه إذا وجد في المسألة قرآن ناطق فلا يجوز التحول إلى غيره، ~~وإذا كان القرآن محتملا لوجوه فالسنة قاضية عليه، فإذا لم يجدوا في كتاب ~~الله أخذوا بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سواء كان مستفيضا دائرا ~~بين الفقهاء أو يكون مختصا بأهل بلد أو أهل بيت أو بطريق خاصة، وسواء عمل ~~به الصحابة والفقهاء أو لم يعملوا به، ومتى كان في المسألة حديث فلا يتبع ~~فيها خلاف أثر من الآثار، ولا اجتهاد أحد من المجتهدين وإذا فرغوا جهدهم في ~~تتبع الأحاديث ولم يجدوا في المسألة حديثا أخذوا بأقوال جماعة من الصحابة ~~والتابعين، ولا يتقيدون بقوم دون قوم ولا بلد دون بلد كما كان يفعل من ~~قبلهم فإن اتفق جمهور الخلفاء والفقهاء على شيء فهو المقنع، وإن اختلفوا ~~أخذوا بحديث أعلمهم علما وأورعهم ورعا أو أكثرهم ضبطا أو ما اشتهر عنهم، ~~فإن وجدوا شئيا يستوي فيه قولان فهي مسألة ذات قولين فإن عجزوا عن ذلك أيضا ~~تأملوا في عمومات الكتاب والسنة وإيماءاتهما واقتضاءاتهما، وحملوا نظير ~~المسألة عليها في الجواب إذا كانتا متقاربتين بادي الرأي لا يعتمدون في ذلك ~~على قواعد من الأصول، ولكن ما يخلص إلى الفهم ويثلج به الصدر كما أنه ليس ~~ميزان # PageV01P338 # التواتر عدد الرواة، ولا حالهم ولكن اليقين الذي يعقبه في قلوب الناس. ~~وكانت هذه الأصول مستخرجه عن صنيع الأوائل وتصريحاتهم، وعن ميمون بن مهران ~~قال: كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما ~~يقضي بينهم قضى به، وإن لم يكن في الكتاب وعلم من رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- في ذلك الأمر سنة قضى بها، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين وقال: أتاني ~~كذا وكذا فهل علمتم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قضى في ذلك بقضاء؟ ~~فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكر من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيه ms271 ~~قضاء فيقول أبو بكر: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ على نبينا؛ فإن أعياه ~~أن يجد فيه سنة من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جمع رءوس الناس وخيارهم ~~فاستشارهم فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به، وعن شريح أن عمر بن الخطاب كتب ~~إليه: "إن جاءك شيء في كتاب الله فاقض به. ولا يلفتك عنه الرجال، فإن جاءك ~~ما ليس في كتاب الله ولم يكن فيه سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولم ~~يتكلم فيه أحد قبلك فاختر أي الأمرين شئت إن شئت أن تجتهد برأيك ثم تتقدم ~~فتقدم، وإن شئت أن تتأخر فتأخر ولا أرى التأخر إلا خيرا لك، وعن عبد الله ~~بن مسعود قال أتى علينا زمان لسنا نقضي، ولسنا هنالك وإن الله قد قدر من ~~الأمر أن قد بلغنا ما ترون فمن عرض له قضاء بعد اليوم فليقض فيه بما في ~~كتاب الله عز وجل فإن جاءه ما ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- فإن جاءه ما ليس في كتاب الله، ولم يقض به رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- فليقض بما قضى به الصالحون ولا يقل إني أخاف وإني ~~أرى1 فإن الحرام بين والحلال بين، وبين ذلك أمور مشتبهة فدع ما يريبك إلى ~~ما لا يريبك" وكان ابن عباس إذا سئل عن الأمر، فإن كان في القرآن أخبر به ~~PageV01P339 # وإن لم يكن في القرآن، وكان عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أخبر به، ~~وإن لم يكن فعن أبي بكر وعمر، فإن لم يكن قال فيه برأيه. # عن ابن عباس أما تخافون أن تعذبوا أو يخسف بكم أن تقولوا: قال رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم، وقال فلان، عن قتاده قال حدث ابن سيرين رجلا بحديث عن ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال الرجل: قال فلان كذا وكذا ... فقال ابن ~~سيرين: أحدثك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ويقول: قال فلان كذا وكذا عن ~~الأوزاعي، قال: كتب عمر بن عبد العزيز أنه ms272 لا رأي لأحد في كتاب الله، وإنما ~~رأي الأئمة فيما لم ينزل فيه كتاب، ولم تمض فيه سنة من رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- ولا رأي لأحد في سنة سنها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ~~الأعمش قال كان إبراهيم يقول: يقوم1 عن يساره، فحدثته عن سميع الزيات عن ~~ابن عباس2 أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أقامه عن يمينه، فأخذ به. عن ~~الشعبي: جاءه رجل يسأله عن شيء فقال: كان ابن مسعود يقول فيه كذا وكذا، ~~قال: أخبرني أنت برأيك، فقال: ألا تعجبون من هذا؟ أخبرته عن ابن مسعود ~~ويسألني عن رأيي! وديني عندي آثر من ذلك! والله لأن أتغنى بأغنية3 أحب إلي ~~من أن أخبرك برأيي. "أخرج هذه الآثار كلها الدارمي". # وأخرج الترمذي عن أبي السائب، قال: كنا عند وكيع فقال لرجل ممن ينظر في ~~الرأي: أشعر4 رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويقول أبو حنيفة: "هو مثله" ~~قال الرجل: فإنه قد روى عن إبراهيم النخعي أنه قال: الإشعار مثله، قال: ~~رأيت وكيعا غضب غضبا شديدا وقال أقول لك قال: رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- وتقول: قال إبراهيم؟! ما أحقك بأن تحبس ثم لا تخرج حتى تنزع عن قولك ~~هذا!! عن عبد الله بن عباس وعطاء ومجاهد ومالك بن أنس -رضي الله عنهم- أنهم ~~كانوا يقولون: ما من أحد إلا وهو مأخوذ من كلامه ومردود عليه إلا رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم. PageV01P340 # "وبالجملة فلما مهدوا الفقه على هذه القواعد، فلم تكن مسألة من المسائل ~~التي تكلم فيها من قبلهم، والتي وقعت في زمانهم إلا وجدوا فيها حديثا ~~مرفوعا متصلا أو مرسلا أو موقوفا، صحيحا أو حسنا أو صالحا للاعتبار، أو ~~وجدوا أثرا من آثار الشيخين، أو سائر الخلفاء وقضاءة الأمصار، وفقهاء ~~البلدان، أو استنباطا من عموم، أو إيماء أو اقتضاء، فيسر الله لهم العمل ~~بالنسبة على هذا الوجه، وكان أعظمهم شأنا وأوسعهم رواية، وأعرفهم للحديث ~~مرتبة، وأتمهم فقها أحمد بن محمد بن حنبل ثم إسحاق بن راهويه، وكان ترتيب ~~الفقه ms273 على هذا الوجه يتوقف على جمع شيء كثير من الأحاديث والآثار. # "ثم أنشأ الله تعالى قرنا آخر، فرأوا أصحابهم قد كفوا مئونة جمع ~~الأحاديث، وتمهيد الفقه على أصلهم فتفرغوا لفنون أخرى، كتمييز الحخديث ~~الصحيح المجمع عليه بين كبراء أهل الحديث كزيد بن هارون، ويحيى بن سعيد ~~القطان، وأحمد، وإسحاق، وأضرابهم، وكجمع أحاديث الفقه التي بنى عليها فقهاء ~~الأمصار وعلماء البلدان مذاهبهم، وكالحكم على كل حديث بما يستحقه، وكالشاذة ~~والفاذة من الأحاديث التي لم يرووها، أو طرقها التي لم يخرجوها من جهتها ~~الأوائل، مما فيه اتصال أو علو سند أو رواية فقيه عن فقيه أو حافظ عن حافظ، ~~ونحو ذلك من المطالب العلمية، وهؤلاء هم: البخاري ومسلم وأبو داود وعبد ~~الله بن حميد والدارمي وابن ماجه وأبو يعلى والترمذي والنسائي والدارقطني ~~والحاكم والبيهقي والخطيب والديلمي وابن عبد البر وأمثالهم. وكان أوسعهم ~~علما عندي، وأنفعهم تصنيفا وأشهرهم ذكرا رجال أربعة، متقاربون في العصر: # أولهم: أبو عبد الله البخاري، وكان غرضه تجريد الأحاديث الصحاح المستفيضة ~~المتصلة من غيرها، واستنباط الفقه والسيرة والتفسير منها، فصنف جامعه ~~الصحيح، ووفى بما شرط. وبلغنا أن رجلا من الصالحين رأى رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- في منامه وهو يقول: مالك اشتغلت بفقه محمد بن إدريس وتركت ~~كتابي؟ قال: يا رسول الله وما كتابك؟ قال: صحيح البخاري. ولعمري! إنه نال ~~من الشهرة والقبول درجة لا يرام فوقها. # PageV01P341 # وثانيهم: مسلم النيسابوي توخى تجريد الصحاح المجمع عليها بين المحدثين ~~المتصلة المرفوعة، مما يستنبط منه السنة، وأراد تقريبها إلى الأذهان، ~~وتسهيل الاستنباط منها، فرتب ترتيبا جيدا وجمع طرق كل حديث في موضع واحد ~~ليتضح اختلاف المتن، وتشعب الأسانيد أصرح ما يكون، وجمع بين المختلفات، فلم ~~يدع لمن له معرفة لسان العرب عذرا في الإعراض عن السنة إلى غيرها. # وثالثهم: أبو داود السجستاني، وكان همته جمع الأحاديث التي استدل بها ~~الفقهاء ودارت فيهم، وبنى عليها الأحكام علماء الأمصار، فصنف سننه، وجمع ~~فيها الصحيح والحسن واللين والصالح للعمل. قال أبو داود: "ما ذكرت في ms274 كتابي ~~حديثا أجمع الناس على تركه" وما كان منها ضعيفا صرح بضعفه، وما كان فيه علة ~~بينهما بوجه يعرفه الخائض في هذا الشأن. وترجم على كل حديث بما قد استنبط ~~منه عالم وذهب إليه ذاهب، ولذلك صرح الغزالي وغيره بأن كتابه كاف للمجتهد. # ورابعهم: أبو عيسى الترمذي، وكأنه استحسن طريقة الشيخين حيث بينا وما ~~أبهما، وطريقة أبي داود حيث جمع كل ما ذهب إليه ذاهب، فجمع كلتا الطريقتين ~~وزاد عليهما بيان مذاهب الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، فجمع كتابا ~~جامعا، واختصر طرق الحديث اختصارا لطيفا، فذكر واحدا، وأومأ إلى ما عداه، ~~وبين أمر كل حديث من أنه صحيح أو حسن أو ضعيف أو منكر وبين وجه الضعف، ~~ليكون الطالب على بصيرة من أمره، فيعرف ما يصلح للاعتبار عما دونه. وذكر ~~أنه مستفيض أو غريب. وذكر مذاهب الصحابة وفقهاء الأمصار، وسمى من يحتاج إلى ~~التسمية، وكنى من يحتاج إلى الكنية، ولم يدع خفاء لمن هو من رجال العلم؛ ~~ولذلك يقال: إنه كاف للمجتهد، مغن للمقلد. # "وكان بازاء هؤلاء في عصر مالك وسفيان وبعدهم قوم لا يكرهون المسائل، ولا ~~يهابون الفتيا، ويقولون: على الفقه بناء الدين، فلا بد من إشاعته، ويهابون ~~رواية حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والرافع إليه، حتى قال الشعبي: ~~على من دون النبي -صلى الله عليه وسلم- أحب إلينا، فإن كان # PageV01P342 # فيه زيادة أو نقصان، كان على من دون النبي -صلى الله عليه وسلم. وقال ~~إبراهيم: أقول: قال عبد الله وقال علقمة أحب إلينا. وكان ابن مسعود إذا حدث ~~عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تربد1 وجهه وقال: هكذا أو نحوه. وقال ~~عمر حين بعث رهطا من الأنصار إلى الكوفة: إنكم تأتون الكوفة فتأتون قوما ~~لهم أزيز2 بالقرآن، فيأتونكم فيقولون: قد أصحاب محمد، فيأتونكم، فيسألونكم ~~عن الحديث، فأفلوا الرواية عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم. قال ابن عون: ~~كان الشعبي إذا جاءه شيء اتقى، وكان إبراهيم يقول ويقول "أخرج هذه الآثار ~~الدارمي". # "فوقع تدوين الحديث والفقه أو المسائل من ms275 حاجتهم بموقع من وجه آخر، وذلك ~~أنه لم يكن عندهم من الأحاديث والآثار ما يقدرون به على استنباط الفقه على ~~الأصول التي اختارها أهل الحديث، ولم تنشرح صدورهم للنظر في أقول علماء ~~البلدان وجمعها والبحث عنها، واتهموا أنفسهم في ذلك، وكانوا اعتقدوا في ~~أتمتهم أنهم في الدرجة العليا من التحقيق، وكان قلوبهم أميل شيء إلى ~~أصحابهم، كما قال علقمة: هل أحد منهم أثبت من عبد الله؟ وقال أبو حنيفة: ~~إبراهيم أفقه من سالم، ولولا فضل الصحبة لقلت: علقمة أفقه من ابن عمر؛ وكان ~~عندهم من الفطانة والحدس وسرعة انتقال الذهن من شيء إلى شيء ما يقدرون به ~~على تخريج جواب المسائل على أقوال أصحابهم، و "كل ميسر لما خلق له" 3 و {كل ~~حزب بما لديهم فرحون} 4 فمهدوا الفقه على قاعدة التخريج، وذلك أن يحفظ كل ~~أحد كتاب من هو لسان أصحابه وأعرفهم بأقوال القومن وأصحهم نظرا في الترجيح، ~~فيتأمل في كل مسألة وجه الحكم، فكلما سئل عن شيء أو احتاج إلى شيء، رأي ~~فيما يحفظه من تصريحات أصحابه، فإن وجد الجواب فيها، وإلا نظر إلى عموم ~~كلامهم، فأجراه على هذا الصورة أو إشارة ضمنية لكلام، فاستنبط منها، وربما ~~كان لبعض الكلام إيمان أو اقتضاء يفهم المقصود، وربما كان للمسألة المصرح ~~بها نظير يحمل عليها، وربما نظروا في علة الحكم المصرح به بالتخريج أو ~~باليسر والحذف، فأداروا حكمه على غير المصرح به، وربما كان له PageV01P343 # كلامان، لو اجتمعا على هيئة القياس الاقتراني أو الشرطي، أنتجا جواب ~~المسألة؛ وربما كان في كلامهم ما هو معلوم بالمثال والقسمة، غير معلوم ~~بالحد الجامع المانع، فيرجعون إلى أهل اللسان، ويتكلفون في تحصيل ذاتياته، ~~وترتيب حد جامع مانع له، وضبط مبهمه، وتمييز مشكله، وربما كان كلامهم ~~محتملا بوجهين، فينظرون في ترجيح أحد المحتملين، وربما يكون تقريب الدلائل ~~خفيا، فيبينون ذلك؛ وربما استدل بعض المخرجين من فعل أئمتنهم وسكوتهم ونحو ~~ذلك، فهذا هو التخريج، ويقال له: القول المخرج لفلان كذا على مذهب فلان أو ~~على ms276 أصل فلان، أو على قول فلان، وجواب المسألة كذا وكذا، ويقال لهؤلاء: ~~المجتهدون في المذهب، وعنى هذا الاجتهاد على هذا الأصل من قال: من حفظ ~~المبسوط كان مجتهدا! أي: وإن لم يكن له علم برواية أصلا، ولا بحديث واحد، ~~فوقع التخريج في كل مذهب وكثر، فأي مذهب كان أصحابه مشهورين وسد إليهم ~~القضاء والإفتاء، واشتهر تصانيفهم في الناس، ودروسوا درسا ظاهرا انتشر في ~~أقطار الأرض. ولم يزل ينشر كل حين، وأي مذهب كان أصحابه خاملين، ولم يولوا ~~القضاء والإفتاء، ولم يرغب فيهم الناس اندرس بعد حين". ا. ه. # PageV01P344 ### $ 25- بيان حال الناس في الصدر الأول وبعده: # قال الإمام أبو زيد الدبوسي رحمه الله تعالى في تقويم الأدلة: "كان الناس ~~في الصدر الأول أعني: الصحابة والتابعين والصالحين يبنون أمورهم على الحجة، ~~فكانوا يأخذون بالكتاب ثم بالسنة، ثم بأقوال من بعد رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- ما يصح بالحجة؛ فكان الرجل يأخذ بقول عمر في مسألة، ثم يخالفه ~~بقول علي في مسألة أخرى. وقد ظهر من أصحاب أبي حنيفة أنهم وافقوا مرة، ~~وخالفوه أخرى، بحسب ما تتضح لهم الحجة، ولم يكن المذهب في الشريعة عمريا، ~~ولا علويا، بل النسبة كانت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكانوا ~~قرونا أثنى عليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالخير، فكانوا يرون ~~الحجة لا علماءهم ولا نفوسهم، فلما ذهبت # PageV01P344 # التقوى عن عامة القرن الرابع، وكسلوا عن طلب الحجج، جعلوا علماءهم حجة ~~واتبعوهم، فصار بعضهم حنفيا، وبعضهم مالكيا، وبعضهم شافعيا، ينصرون الحجة ~~بالرجال، ويعتقدون الصحة بالميلاد على ذلك المذهب، ثم كان قرن بعدهم اتبع ~~عالمه كيف ما أصابه بلا تمييز، حتى تبدلت السنن بالبدع، فضل الحق بين ~~الهوى". ا. ه. # وقال العلامة الدهلوي في الحجة البالغة، في باب حكاية حال الناس قبل ~~المائة الرابعة وبعدها1: "اعلم أن الناس كانوا قبل المائة الرابعة غير ~~مجتمعين على التقليد الخالص لمذهب واحد بعينه. قال أبو طالب المكي في قوت ~~القلوب: إن الكتب والمجموعات محدثة، والقول بمقالات الناس، والفتيا بمذهب ~~الواحد من ms277 الناس، واتخاذ قوله، والحكاية له من كل شيء، والتفقه على مذهبه، ~~لم يكن الناس قديما على ذلك في القرنين الأول والثاني". ا. ه. # قال الدهلوي قدس سره: "وبعد القرنين، حدث فيهم شيء من التخريج، غير أن ~~أهل المائة الرابعة لم يكونوا مجتمعين على التقليد الخالص على مذهب واحد ~~والتفقه له، والحكاية لقوله كما يظهر من التتبع، بل كان فيهم العلماء ~~والعامة، وكان من خبر العامة أنهم كانوا في المسائل الإجماعية التي لا ~~اختلاف فيها بين المسلمين أو جمهور المجتهدين لا يقلدون إلا صاحب الشرع، ~~وكانوا يتعلمون من الوضوء والغسل والصلاة والزكاة ونحو ذلك من آبائهم أو ~~معلمي بلدانهم، فيمشون حسب ذلك، وإذا وقعت لهم واقعة استفتوا فيها أي مفت ~~وجدوا من غير تعيين مذهب، وكان من خبر الخاصة أنه كان أهل الحديث منهم ~~يشتغلون بالحديث، فيخلص إليهم من أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- وآثار ~~الصحابة ما لا يحتاجون معه إلى شيء آخر في المسألة من حديث مستفيض أو صحيح ~~قد عمل به بعض الفقهاء، ولا عذر لتارك العمل به، أو أقوال متظاهرة لجمهورة ~~الصحابة والتابعين، مما لا يحسن مخالفتها، فإن لم يجد -أي أحدهم- في ~~المسألة ما يطمئن به قلبه، لتعارض النقل وعدم وضوح الترجيح، ونحو ذلك، رجع ~~إلى كلام بعض من مضى من الفقهاء، فإن وجد قولين اختار PageV01P345 # أوثقهما؟ سواء كان من أهل المدينة أو من أهل الكوفة، وكان أهل التخريج ~~منهم يخرجون فيما لا يجدونه مصرحا، ويجتهدون في المذهب، وكان هؤلاء ينسبون ~~إلى مذهب أصحابهم فيقال: فلان شافعي، وفلان حنفي، وكان صاحب الحديث أيضا قد ~~ينسب إلى أحد المذهب لكثرة موافقته له، كالنسائي والبيهقي، ينسبان إلى ~~الشافعي، فكان لا يتولى القضاء ولا الإفتاء إلا مجتهد، ولا يمسى الفقيه إلا ~~مجتهد، ثم بعد هذه القرون، كان ناس آخرون ذهبوا يمينا وشمالا وحدث فيهم ~~أمور، منها الجدل والخلاف في علم الفقه. وتفصيله على ما ذكره الغزالي أنه ~~لما انقرض عهد الخلفاء الراشدين المهديين أفضت الخلافة إلى قوم تولوهم بغير ~~استحقاق ولا ms278 استقلال بعلم الفتاوى والأحكام، فاضطروا إلى الاستعانة ~~بالفقهاء، وإلى استصحابهم في جميع أحوالهم، وقد كان بقي من العلماء من هو ~~مستمر على الطراز الأول، وملازم صفو الدين، فكانوا إذا طلبوا هربوا أو ~~أعرضوا، فرأى أهل تلك الأعصار عز العلماء، وإقبال الأئمة عليهم، مع ~~إعراضهم، فاشرأبوا بطلب العلم توصلا إلى نيل العز، ودرك الجاه، فأصبح ~~الفقهاء، بعد أن كانوا مطلوبين طالبين، وبعد أن كانوا أعزة بالإعراض عن ~~السلاطين، أذلة بالإقبال عليهم، إلا من وفقه الله. وقد كان من قبلهم قد صنف ~~ناس في علم الكلام، وأكثروا القال والقيل، والإيراد والجواب، وتمهيد طرق ~~الجدل. فوقع ذلك منهم بموقع من قبل أن كان من الصدور والملوك من مالت نفسه ~~إلى المناظرة في الفقه، وبيان الأولى من مذهب الشافعي وأبي حنيفة رحمه ~~الله، فترك الناس الكلام وفنون العلم وأقبلوا على المسائل الخلافية بين ~~الشافعي وأبي حنيفة رحمه الله على الخصوص، وتساهلوا في الخلاف مع مالك ~~وسفيان وأحمد بن حنبل وغيرهم، وزعموا أن غرضهم استنباط دقائق الشرع، وتقرير ~~علل المذهب، وتمهيد أصول الفتاوى، وأكثروا فيها التصانيف والاستنباطات، ~~ورتبوا فيها أنواع المجادلات والتصنيفات، وهم مستمرون عليه إلى الآن، لسنا ~~ندري ما الذي قدر الله تعالى فيما بعدها من الأعصار، انتهى حاصله. ومنها: ~~أنهم أطمأنوا بالتقليد ودب التقليد في صدروهم دبيب النمل، وهم لا يشعرون. ~~وكان سبب ذلك تزاحم الفقهاء وتجادلهم فيما بينهم، فإنهم لما وقعت المزاحمة ~~في الفتوى، كان كل من أفتى # PageV01P346 # بشيء نوقض في فتواه ورد عليهم، فلم ينقطع الكلام إلا بمصير إلى تصريح رجل ~~من المتقدمين في المسألة. وأيضا جوز القضاة، فإن القضاة لما جار أكثرهم، ~~ولم يكونوا أمناء لم يقبل منهم إلا ما لا يريب العامة فيه، ويكون شيئا قد ~~قيل من قبل. وأيضا جهل رءوس الناس، واستفتاء الناس من لا علم له بالحديث، ~~ولا بطريق التخريج كما ترى ذلك ظاهرا في أكثر المتأخرين، وقد نبه عليه ابن ~~الهمام وغيره، وفي ذلك الوقت يسمى غير المجتهد فقيها. ومنها: أن أقبل ~~أكثرهم على التعمقات ms279 في كل فن، فمنهم من زعم أنه يؤسس علم أسماء الرجال، ~~ومعرفة مراتب الجرح والتعديل ثم خرج من ذلك إلى التاريخ: قديمه وحديثه. # ومنهم من تفحص من نوادر الأخبار وغرائبها، وإن دخلت في حد الموضوع. ومنهم ~~من أكثر القال والقيل في أصول الفقه، واستنبط كل لأصحابه قواعد جدلية، ~~فأورد فاستقصى، وأجاب وتفصى، وعرف، وقسم، فحرر، طول الكلام تارة، وتارة ~~اختصر. # ومنهم من ذهب إلى هذا بفرض الصورة المستبعدة التي من حقها أن لا يتعرض ~~لها عاقل، وبفحص العمومات والإيماءات من كلام المخرجين فمن دونهم، مما لا ~~يرتضي استماعه عالم ولا جاهل. وفتنة هذا الجدل والخلاف والتعمق، قريبة من ~~الفتنة الأولى حين تشاجروا في الملك، وانتصر كل رجل لصاحبه: فكما أعقبت تلك ~~ملكا عضوضا، ووقائع صماء عمياء، فكذلك أعقبت هذه جهلا واختلاطا وشكوكا ~~ووهما ما لها من إرجاء. فنشأت بعدهم قرون على التقليد الصرف، لا يميزون ~~الحق من الباطل، ولا الجدل من الاستنباط. # فالفقيه يومئذ هو الثرثار المتشدق الذي حفظ أقول الفقهاء، قويها وضعيفها، ~~من غير تمييز، وسردها بشقشقة شدقيه. والمحدث من عد الأحاديث، صحيحها ~~وسقيمها، وهذها كهذ الأسمار بقولة لحييه. ولا أقول ذلك كليا مطردا، فإن لله ~~طائفة من عباده، لا يضرهم من خذلهم، وهم حجة الله في أرضه، وإن قلوا1. # "ولم يأت قرن بعد ذلك إلا هو أكثر فتنة، وأوفر تلقيدا، وأشد انتزاعا ~~للأمانة PageV01P347 # من صدور الرجال، حتى اطمأنوا بترك الخوض في أمر الدين، وبأن يقولوا: {إنا ~~وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون} 1 وإلى الله المشتكى، وهو ~~المستعان، وبه الثقة وعليه التكلان" انتهى كلام ولي الله الدهلوي، وقد سبقه ~~إلى كشف هذه الأسرار الشيخ الأكبر قدس سره في الفتوحات المكية حيث قال في ~~الباب الثامن عشر وثلاثمائة في معرفة منزل نسخ الشريعة المحمدية وغير ~~المحمدية، بالأغراض النفسية -عافانا الله وإياكم من ذلك ما نصه بعد أبيات ~~صدر بها هذا الباب: # "اعلم -وقفنا الله وإياك- أيها الولي الحميم، والصفي الكريم، أنا روينا ~~في هذا الباب عن عبد الله ms280 بن عباس -رضي الله عنهما- أن رجلا أصاب من عرضه، ~~فجاء إليه يستحله من ذلك، فقال له: يابن عباس! إنني قد نلت منك، فاجعلني في ~~حل من ذلك. فقال: أعوذ بالله أن أحل ما حرم الله! إن الله قد حرم أعراض ~~المسلمين، فلا أحله، ولكن غفر الله لك. فانظر: ما أعجب هذا التصريف، وما ~~أحسن العلم. ومن هذا الباب خلف الإنسان على ما أبيح له فعله أن لا يفعله، ~~أو يفعله، ففرض الله تحلة الإيمان، وهو من باب الاستدراج والمكر الإلهي، ~~إلا لمن عصمة الله بالتنبيه عليه، فما ثم شارع إلا الله تعالى، قال لنبيه ~~-صلى الله عليه وسلم: {لتحكم بين الناس بما أراك الله} 2 ولم يقل له: "بما ~~رأيت". # بل عاتبه سبحانه وتعالى، لما حرم على نفسه باليمين، في قضية عائشة ~~وحفصة3، فقال تعالى: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة ~~أزواجك} ؟ 4 فكان هذا ما أرته نفسه. فهذا يدلك أن قوله تعالى: {بما أراك ~~الله} أنه ما يوحى به إليه، لا ما يره في رأيه. فلو كان الدين بالرأي لكان ~~رأي النبي -صلى الله عليه وسلم- أولى من رأي كل ذي رأي، فإذا كان هذا حال ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما رأته نفسه فكيف رأي من ليس بمعصوم؟ ومن ~~الخطأ أقرب إليه من الإصابة؟ فدل أن الاجتهاد الذي ذكره رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- إنما هو في طلب PageV01P348 # الدليل على تعيين الحكم في المسألة الواقعة، لا في تشريع حكم في النازلة. ~~فإن ذلك شرع لم يأذن به الله. ولقد أخبرني القاضي عبد الوهاب الأسدي ~~الإسكندري بمكة المشرفة سنة تسع وتسعين وخمسمائة قال: رأيت رجلا من ~~الصالحين بعد موته في المنام، فسألته ما رأيت؟ فذكر أشياء؛ منها: قال: ولقد ~~رأيت كتبا موضوعة، وكتبا مرفوعة، فسألت ما هذه الكتب المرفوعة؟ فقيل لي: ~~هذه كتب الحديث. فقلت: وما هذه الكتاب الموضوعة؟ فقيل لي: هذه كتب الرأي، ~~حتى يسأل عنها أصحابها. فرأيت الأمر فيه شدة. # اعلم -وفقنا الله وإياك- أن ms281 الشريعة، هي المحجة الواضحة البيضاء، محجة ~~السعداء، وطريق السعادة، من مشي عليها نجا، ومن تركها هلك، قال1 رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- لما أنزل عليه قوله تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيما ~~فاتبعوه} 2 خط رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الأرض خطا، وخط خطوطا على ~~جانبي الخط، يمينا وشمالا، ثم وضع -صلى الله عليه وسلم- إصبعه على الخط، ~~وقال تاليا: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل} وأشار إلى ~~تلك الخط المستقيم. ولقد أخبرني بمدينة "سلا" -مدينة بالمغرب على شاطئ ~~البحر المحيط، يقال لها: منقطع التراب، ليس وراءها أرض- رجل من الصالحين ~~الأكابر من عامة الناس، قال: رأيت في النوم محجة بيضاء مستوية، عليها نور ~~سهلة، ورأيت عن يمين تلك المحجة وشمالها خنادق وشعابا وأودية، كلها شوك، لا ~~تسلك لضيقها، وتوعر مسالكها، وكثرة شوكها، والظلمة التي فيها، ورأيت جميع ~~الناس يخطبون فيها خبط عشواء، ويتركون المحجة البيضاء السهلة، وعلى المحجة ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونفر قليل معه يسير وهو ينظر إلى من خلفه، ~~وإذا في الجماعة متأخر عنها، لكنه عليها، الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن قرقور ~~المحدث، كان سيدا فاضلا في الحديث، اجتمعت بابنه، فكان يفهم عن رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- أنه يقول له: ناد في الناس بالرجوع إلى الطريق، فكان ~~ابن قرقور يرفع صوته ويقول PageV01P349 # في ندائه، ولا من داع، ولا من متداع: "هلموا إلى الطريق هلموا" قال: فلا ~~يجيبه أحد، ولا يرجع إلى الطريق أحد. # واعلم أنه لما غلبت الأهواء على النفوس، وطلبت العلماء المراتب عند ~~الملوك، تركوا المحجة البيضاء وجنحوا إلى التأويلات البعيدة لينفذوا أغراض ~~الملوك فيما لهم فيه هوى نفس ليستندوا في ذلك إلى أمر شرعي مع كون الفقيه ~~ربما لا يعتقد ذلك، ويفتي به، وقد رأينا منهم جماعة على هذا من قضاتهم، ~~وفقهائهم ولقد أخبرني الملك الظاهر غازي ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف ~~بن أيوب -وقد وقع بيني وبينه في مثل هذا كلام- فنادى بمملوك وقال: جئني ~~بالحرمدان فقلت: ما شأن الحرمدان قال: أنت ms282 تنكر على ما يجري في بلدي، ~~ومملكتي من المنكرات والظلم وأنا والله أعتقد مثل ما تعتقد أنت فيه من أن ~~ذلك كله منكر، ولكن والله يا سيدي ما منه منكر إلا بفتيا فقيه، وخط يده ~~عندي بجواز ذلك فعليهم لعنة الله، ولقد أفتاني فقيه هو فلان -وعين لي أفضل ~~فقيه عنده في بلده في الدين والتقشف- بأنه لا يجب علي صوم شهر رمضان هذا ~~بعينه، بل الواجب على شهر في السنة، والاختيار لي فيه أي شهر شئت من شهور ~~السنة، قال السلطان فلعنته في باطني، ولم أظهر له ذلك -وهو فلان فسماه لي- ~~رحم الله جمعيهم. # "فليعلم أن الشيطان قد مكنه الله من حضرة الخيال، وجعل له سلطانا فيها ~~فإذا رأى أن الفقيه يميل إلى هوى يعرف أنه لا يرضى عند الله زين له سوء ~~عمله بتأويل غريب، يمهد له فيه، وجها يحسنه في نظره ويقول له: إن الصدر ~~الأول قد دانوا الله بالرأي، وقاس العلماء في الأحكام واستنبطوا العلل ~~للأشياء فطردوها، وحكموا في المسكوت عنه بما حكموا به في المنصوص عليه، ~~للعلة الجامعة بينهما، والعلة من استنباطه فإذا مهد له هذا السبيل جنح إلى ~~نيل هواه، وشهوته بوجه شرعي في زعمه فلا يزال هكذا فعله في كل ماله أو ~~لسلطانه فيه هو نفس ويرد الأحاديث النبوية، ويقول لو أن هذا الحديث يكون ~~صحيحا وإن كان صحيحا يقول لو لم يكن له خبر آخر يعارضه، وهو ناسخ له لقال ~~به الشافعي إن كان هذا الفقيه شافعيا -أو قال به أبو حنيفة- إن كان الرجل ~~حنفيا وهكذا قول أتباع هؤلاء # PageV01P350 # الأئمة كلهم، ويرون أن الحديث والأخذ به مضلة وأن الواجب تقليد هؤلاء ~~الأئمة وأمثالهم فيما حكموا به، وإن عارضت أقوالهم الأخبار النبوية، ~~فالأولى الرجوع إلى أقاويلهم وترك الأخذ بالأخبار والكتاب والسنة فإن قلت ~~لهم قد روينا عن الشافعي -رحمه الله- أنه قال: إذا أتاكم الحديث يعارض قولي ~~فاضربوا بقولي الحائط، وخذوا بالحديث فإن مذهبي الحديث، وقد روينا عن أبي ~~حنيفة أنه قال لأصحابه: حرام على ms283 كل من أفتى بكلامي ما لم يعرف دليلي، وما ~~روينا شيئا من هذا عن أبي حنيفة إلا من طريق الحنفيين، ولا عن الشافعي إلا ~~من طريق الشافعية، وكذلك المالكية والحنابلة فإذا ضايقهم في مجال الكلام ~~هربوا وسكنوا، وقد جرى لنا هذا معهم مرارا بالمغرب وبالمشرق فما منهم أحد ~~على مذهب من يزعم أنه على مذهبه فقد انتسخت الشريعة بالأهواء، وإن كانت ~~الأخبار الصحاح موجودة مسطرة في الكتب الصحاح، وكتب التواريخ بالتجريح ~~والتعديل موجودة والأسانيد محفوظة مصونة من التغيير والتبديل، ولكن إذا ترك ~~العمل بها، واشتغل الناس بالرأي ودانوا أنفسهم بفتاوى المتقدمين مع معارضة ~~الأخبار الصحاح لها فلا فرق بين عدمها ووجودها إذا لم يبق لها حكم عندهم، ~~وأي نسخ أعظم من هذا، وإذا قلت لأحدهم في ذلك شيئا يقول لك هذا هو المذهب، ~~وهو والله كاذب فإن صاحب المذهب قال له إن عارض الخبر كلامي فخذ بالحديث، ~~واترك كلامي في الحش فإن مذهبي الحديث. فلو أنصف لكان على مذهب الشافعي من ~~ترك كلام الشافعي للحديث المعارض فالله يأخذ بيد الجميع" انتهى كلام الشيخ ~~الأكبر قدس سره. # PageV01P351 ### $ 26- فتوى الإمام تقي الدين أبي العباس فيمن تفقه على مذهب: # ثم اشتغل بالحديث فرأى في مذهبه ما يخالفه الحديث كيف يعمل؟ # سئل شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيميه عليه الرحمة، والرضوان عن رجل ~~تفقه على مذهب من المذاهب الأربعة، وتبصر فيه واشتغل بعده بالحديث فوجد ~~أحاديث صحيحة لا يعلم لها ناسخا ولا مخصصا ولا معارضا؛ وذلك المذهب فيه ما ~~يخالف تلك الأحاديث، فهل له العمل بالمذهب، أو يجب عليه الرجوع إلى العمل ~~بالحديث ومخالفة مذهبه؟ فأجاب رحمه الله تعالى: "قد ثبت بالكتاب والسنة ~~والإجماع، أن الله تعالى افترض على العباد طاعته وطاعة رسوله، ولم يوجب على ~~هذه الأمة طاعة أحد بعينه في كل ما أمر به ونهى عنه إلا رسوله -صلى الله ~~عليه وسلم- حتى كان صديق الأمة وأفضلها بعد نبيها -صلى الله عليه وسلم، ~~ورضي عنه يقول: "أطيعوني ما اطعت الله، فإذا عصيت ms284 الله فلا طاعة لي عليكم". ~~واتفقوا كلهم على أنه ليس أحد معصوما في كل ما أمر به ونهى عنه إلا رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- ولهذا قال غير واحد من الأئمة: كل أحد يؤخذ من ~~كلامه ويترك، إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهؤلاء الأئمة الأربعة قد ~~نهوا الناس عن تقليدهم في كل ما يقولونه. وذلك هو الواجب وقال أبو حنيفة: ~~"هذا رأيي، وهذا أحسن ما رأيت، فمن جاء برأي خير منه قبلناه" ولهذا لما ~~اجتمع أفضل أصحابه أبو يوسف بإمام دار الهجرة مالك بن أنس، وسأله عن مسألة ~~الصاع، وصدقة الخضروات، ومسألة الأحباس، فأخبره مالك بما دلت عليه السنة في ~~ذلك، فقال: رجعت لقولك يا أبا عبد الله ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما ~~رجعت. # ومالك رحمه الله كان يقول: "إنما أنا بشر أصيب وأخطئ فاعرضوا قولي على ~~الكتاب والسنة". أو كلام هذا معناه. والشافعي رحمه الله كان يقول: "إذا صح ~~الحديث بخلاف قولي فاضربوا بقولي الحائط. وإذا رأيت الحجة موضوعة على طريق ~~فهي قولي. وفي قال مع إعلامه نهيه عن تقليده وتقليد غيره من العلماء. ~~والإمام أحمد رحمه الله كان يقول: "من ضيق علم الرجل أن يقلد دينه الرجال. ~~قال: "لا تقلد دينك الرجال، فإنهم لم يسلموا أن يغلطوا". وقد ثبت في الصحيح ~~عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال1: "من يرد الله به خيرا يفقهه في ~~الدين ... " ولازم ذلك أن من لم يفقه في الدين لم يرد الله به خيرا فيكون ~~التفقه في الدين فرضا. والتفقه في الدين معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها ~~السمعية PageV01P352 # فمن لم يعرف ذلك لم يكن متفقها في الدين. لكن من الناس من قد يعجز عنها، ~~فيلزمه ما يقدر عليه. وأما القادر على الاستدلال، فقيل: يحرم عليه التقليد ~~مطلقا وقيل يجوز مطلقا، وقيل يجوز عند الحاجة كما إذا ضاق الوقت عند ~~الاستدلال، وهذا القول أعدل الأقوال إن شاء الله تعالى، والاحتهاد ليس هو ~~أمرا لا يقبل التجزء والانقسام، بل يكون الرجل مجتهدا في ms285 فن أو باب أو ~~مسألة دون فن وباب ومسألة وكل فاجتهاده بحسب وسعه فمن نظر في مسألة قد ~~تنازع العلماء فيها فرأى مع أحد القولين نصوصا لم يعلم لها معارضا بعد نظر ~~مثله فهو بين الأمرين إما أن يتبع قول القائل الآخر لمجرد كونه الإمام الذي ~~اشتغل على مذهبه، ومثل هذا ليس بحجة شرعية بل مجرد عادة تعارضها عادة غيره ~~واشتغاله بمذهب إمام آخر، وإما يتبع القول الذي ترجح بنظره بالنصوص الدالة ~~عليه فحينئذ موافقته لإمام يقاوم به ذلك الإمام، وتبقى النصوص النبوية ~~سالمة في حقه عن المعارض بالعمل فهذا هو الذي يصلح، وإنما تنزلنا هذا ~~التنزل لأنه قد يقال إن نظر هذا قاصر، وليس اجتهاده تاما في هذه المسألة ~~لضعف آلة الاجتهاد في حقه أما إذا قدر على الاجتهاد التام الذي يعتقد معه ~~أن القول الآخر ليس معه ما يدفع النص فهذا يجب عليه اتباع النصوص، وإن لم ~~يفعل كان متبعا للظن، وما تهوى الأنفس وكان من أكبر العصاة لله ولرسوله ~~بخلاف من يكون للقول الآخر حجة راجحة على هذا النص ويقول: "أنا لا أعلمها" ~~فهذا يقال له قال الله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} 1 وقال النبي -صلى ~~الله عليه وسلم: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" 2 والذي تستطيعه ~~من العلم، والفقه في هذه المسألة قد دل على أن حكمك في ذلك حكم المجتهد ~~المستقل إذا تغير اجتهاده، وانتقال الإنسان من قول إلى قول لأجل ما تبين له ~~من الحق هو محمود فيه بخلاف إقراره على قول لا حجة معه عليه، وترك القول ~~الذي وضحت حجته أو الانتقال عن قول إلى قول بمجرد عادة واتباع هوى فهذا ~~مذموم وإذا كان المقلد قد سمع الحديث وتركه لا سيما إذا كان قد رواه أيضا ~~عدل فمثل هذا وحده لا يكون عذرا في ترك النص فمن ترك الحديث لاعتقاده أنه ~~لم يصح، PageV01P353 # أو راويه مجهول، ونحو ذلك ويكون غيره قد علم صحته وثقة راويه فقد زال عذر ~~ذلك في ms286 حق هذا، ومن ترك الحديث لاعتقاده أن ظاهر القرآن يخالفه، أو القياس ~~أو عمل لبعض الأمصار وقد تبين لآخر أن ظاهر القرآن لا يخالفه، وأن نص ~~الحديث الصحيح مقدم على الظواهر ومقدم على القياس، والعمل لم يكن عذر ذلك ~~الرجل عذرا في حقه فإن ظهور المدارك الشرعية للأذهان، وخفاءها عنها أمر لا ~~يضبط طرفاه لا سيما إذا كان التارك للحديث معتقدا أنه يترك العمل به ~~المهاجرون والأنصار أهل المدينة النبوية، وغيرها الذين يقال إنهم لا يتركون ~~الحديث إلا لاعتقادهم أنه منسوخ، أو معارض براجح وقد بلغ من بعدهم أن ~~المهاجرين والأنصار لم يتركوه بل قد عمل به بعضهم أو من سمعه منهم، ونحو ~~ذلك مما يقدح في هذا المعارض للنص، وإذا قيل لهذا المستفتي المسترشد أنت ~~أعلم أم الإمام الفلاني كانت هذه معارضه فاسدة لأن الإمام الفلاني قد خالفه ~~في هذه المسألة من هو نظير من الأئمة، ولست من هذا ولا من هذا ولكن نسبة ~~هؤلاء الأئمة إلى نسبة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي ومعاذ ~~ونحوهم إلى الأئمة وغيرهم، فكما أن هؤلاء الصحابة بعضهم لبعض أكفاء في ~~موارد النزاع فإذا تنازعوا في شيء ردوه إلى الله ورسوله، وإن كان بعضهم قد ~~يكون أعلم في مواضع أخر، وكذلك موارد النزاع بين الأئمة، وقد ترك الناس قول ~~عمر وابن مسعود -رضي الله عنهما- في مسألة تيمم الجنب وأخذوا بقول أبي موسى ~~الأشعري -رضي الله عنه- وغيره لما احتج بالكتاب والسنة، وتركوا قول عمر في ~~دية الأصابع، وأخذوا بقول معاوية بن أبي سفيان لما كان من السنة أن النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- قال: "هذه وهذه سواء" وقد كان بعض الناس يناظر ابن ~~عباس -رضي الله عنهما- في المتعة فقال له قال أبو بكر وعمر فقال ابن عباس ~~يوشك أن ينزل عليكم حجارة من السماء أقول قال رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- وتقولون قال أبو بكر وعمر، وكذلك ابن عمر -رضي الله عنهما- لما سألوه ~~عنها فأمر بها فعارضوه بقول عمر فبين لهم أن عمر ms287 لم يرد ما يقولونه فألحوا ~~عليه فقال لهم أرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحق أن يتبع أم عمر؟ مع علم ~~الناس بأن أبا بكر وعمر أعلم من ابن عمر وابن عباس -رضي الله عنهم- ولو فتح ~~هذا الباب لأوجب أن يعرض عن أمر الله ورسوله، وبقي كل إمام في أتباعه ~~بمنزلة النبي -صلى الله عليه وسلم- في أمته. وهذا تبديل للدين وشبيه بما ~~عاب الله به النصارى في قوله: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ~~والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه ~~عما يشركون} 1 والله سبحانه أعلم". ا. ه. كلام الإمام تقي الدين قدس سره. ~~PageV01P354 ### $ 27- بيان معرفة الحق بالدليل: # قال الإمام الرباني أبو العباس أحمد الشهير بزروق المغربي قدس الله سره ~~في كتابه: "قواعد التصوف": # "قاعدة: العلماء مصدقون فيما ينقلون؛ لأنه موكول لأمانتهم مبحوث معهم ~~فيما يقولون لأنه نتيجة عقولهم، والعصمة غير ثابتة لهم فلزم التبصر طلبا ~~للحق والتحقيق لا اعتراضا على القائل والناقل، ثم إن أتى المتأخر بما لم ~~يسبق إليه فهو على رتبيه، ولا يلزمه القدح في المتقدم ولا إساءة الأدب معه ~~لأن ما ثبت من عدالة المتقدم قاض برجوعه للحق عند بيانه لو سمعه". ا. ه. # وقال الأصفهاني في: "أطباق الذهب" في المقالة الثالثة والثلاثين: "مثل ~~المقلد بين يدي المحقق كالضرير عند البصير المحدق، ومثل الحكيم والحشوي ~~كالميتة، والمشوي ما المقلد إلا جمل مخشوش له عمل مغشوش قصاراه لوح منقوش ~~يقنع بظواهر الكلمات، ولا يعرف النور من الظلمات يركض خيول الخيال في ظلال ~~الضلال شغله نقل النقل عن نخبة العقل، وأقنعه رواية الرواية عن در الدراية ~~يروي في الدين عن شيخ هم كمن يقود الأعمى في ليل مدلهم ومن عرف الحق ~~بالعنعت تورط في هوة العنت، والحق وراء السماع والعلم بمعزل عن الرقاع فما ~~أسعد من هدى إلى العلم ونزل رباعه وأرى الحق حقا ورزق اتباعه". # PageV01P355 # وقال أيضا في المقالة السابعة والثلاثين: "الحق يتضح بالأدلة، والشهور ~~تشتهر بالأهلة، وشفاء الصدور ms288 يحصل بالبلة طالب الحق ضيف الله، والدليل ~~القاطع سيف الله به يفك العلم وينشر، وبه يبقر الحق ويقشر ومثل العلوم ~~والبرهان كمثل المصباح والأدهان الحجة للأحكام كالعماد للخيام إعصار الظن ~~كدر كعصارة الدن، الزم اليقين تكن من المتقين فشواظ الوهم يشوي حمامة القلب ~~شيا، {وإن الظن لا يغني من الحق شيئا} 1. ا. ه. # وفي كتاب قاموس الشريعة: "لا يصح لامرئ إلا موافقة الحق، ولا يلزم الناس ~~طاعة أحد لأجل أنه عالم أو إمام مذهب، وإنما يلزم الناس قبول الحق ممن جاء ~~به على الإطلاق، ونبذ الباطل ممن جاء به بالاتفاق". # وفيه أيضا: "كل مسألة لم يخل الصواب فيها من أحد القولين، ففسد أحدهما ~~لقيام الدليل على فساده صح أن الحق في الآخر قال الله تعالى: {فماذا بعد ~~الحق إلا الضلال فأنى تصرفون} 2. # وفيه أيضا: "والذي يحرم على العالم تصنييع الاجتهاد والسكوت بعد التبصرة، ~~والإفراد بعد القطع حديث عبادة بن الصامت3: بايعنا رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- على أن نقول الحق ونعمل به، وأن لا تأخذنا في الله لومة لائم في ~~العسر، واليسر والمنشط والمكره". ا. ه. # وقال الإمام مفتي مكة الشيخ محمد عبد العظيم بن ملا فروخ في رسالته: ~~"القول السديد في بعض مسائل الاجتهاد والتقليد" في الفصل الأول: "اعلم أنه ~~لم يكلف الله تعالى أحدا من عبادة أن يكون حنفيا أو مالكيا أو شافعيا أو ~~حنبليا، بل أوجب عليهم الإيمان بما بعث به محمد، والعمل بشريعته غير أن ~~العمل بها متوقف على الوقوف عليها، والوقوف عليها له طرق فما كان منها مما ~~يشترك فيه العامة، وأهل النظر، كالعلم بفريضة PageV01P356 # الصلاة والزكاة والحج والصوم والوضوء إجمالا، وكالعلم بحرمة الزنا والخمر ~~واللواطة وقتل النفس ونحو ذلك مما علم من الدين بالضرورة، فذلك لا يتوقف ~~فيه على اتباع مجتهد ومذهب معين، بل كل مسلم عليه اعتقاد ذلك، يجب عليه فمن ~~كان في العصر الأول فلا يخفى وضوح ذلك في حقه، ومن كان في الأعصار المتأخرة ~~فلوصول ذلك إلى عمله ضرورة من الإجماع ms289 والتواتر والآيات والسنن المستفيضة ~~المصرحة بذلك في حق من وصلت إليه، وأما ما لا يتوصل إليه إلا بضرب من النظر ~~والاستدلال فمن كان قادرا عليه بتوفر آلته وجب عليه فعله كالأئمة ~~المجتهدين، ومن لم يكن له قدرة عليه، وجب عليه اتباع من أرشده إلى ما كلف ~~به من هو من أهل النظر والاحتهاد والعدالة، وسقط عن العاجز تكليفه في ~~البحث، والنظر لعجزه لقوله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} 1 وقوله ~~تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} 2 وهي الأصل في اعتماد ~~التقليد كما أشار إليه المحقق الكمال بن الهمام في التحرير". ا. ه. # وقال الإمام ابن الجوزي في تلبيس إبليس: "اعلم أن المقلد على غير ثقة ~~فيما قلد، وفي التقليد إبطال منفعة العقل لأنه خلق للتأمل والتدبر وقبيح ~~بمن أعطى شمعة يستضيء بها أن يطفئها، ويمشي في الظلمة واعلم أن عموم أصحاب ~~المذاهب يعظم في قلوبهم التفحص عن أدلة إمامهم فيتبعون قوله وينبغي النظر ~~إلى القول لا إلى القائل كما قال علي -رضي الله عنه- للحارث بن عبد الله ~~الأعور بن الحوطي وقد قال له أتظن أن طلحة، والزبير كانا على الباطل فقال ~~له: يا حارث إنه ملبوس عليك إن الحق لا يعرف بالرجال اعرف الحق تعرف أهله". ~~ا. ه. # وقال ابن القيم: "فإذا جاءت هذه - أي النفس المطمئنة - بتجريد المتابعة ~~للرسول لجاءت تلك -أي الأمارة- بتحكيم آراء الرجال وأقوالهم فأتت بالشبهة ~~المضلة بما يمنع من كمال المتابعة، وتقسم بالله ما مرادها إلا الإحسان ~~والتوفيق والله يعلم أنها كاذبة، وما مرادها إلا التفلت من سجي المتابعة ~~إلى قضاء إرادتها وحظوظها وتريه -أي وترى PageV01P357 # النفس الأمارة صاحبها- تجريد المتابعة للنبي -صلى الله عليه وسلم- وتقديم ~~قوله على الآراء في صورة تنقص العلماء وإساءة الأدب عليهم المفضي إلى إساءة ~~الظن به، وأنهم قد فاتهم الصواب فكيف لنا قوة برد عليهم أو نحظى بالصواب ~~دونهم وتقاسمهم بالله إن أرادت إلا إحسانا وتوفيقا {أولئك الذين يعلم الله ~~ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل ms290 لهم في أنفسهم قولا بليغا} 1. # والفرق بين تجريد متابعة المعصوم، وإهدار أقواله، وإلغائها أن تجريد ~~المتابعة أن لا تقدم على ما جاء به الرسول الله -صلى الله عليه وسلم- قول ~~أحد، ولا رأيه كائنا من كان بل تنظر في صحة الحديث أولا فإذا صح نظر في ~~معناه ثانيا فإذا تبين له لم يعدل عنه، ولو خالفه من بين المشرق والمغرب، ~~ومعاذ الله أن تتفق الأمة على ترك ما جاء به نبينا، بل لا بد أن يكون في ~~الأمة من قال به، ولو خفي عليك فلا تجعل جهلك بالقائل حجة على الله تعالى ~~ورسوله في تركه، بل اذهب إلى النص ولا تضعف، واعلم أنه قد قال به قائل ~~قطعا، ولكن لم يصل إليك علمه هذا مع حفظ مراتب العلماء وموالاتهم واعتقاد ~~حرمتهم وأمانتهم واجتهادهم في حفظ الدين وضبطه فهم -رضي الله عنهم- دائرون ~~بين الأجر والأجرين والمغفرة، ولكن لا يوجب هذا إهدار النصوص وتقديم قول ~~الواحد منهم عليها بشبهة أنه أعلم منك فإن كان كذلك فمن ذهب إلى النصوص ~~أعلم فهلا وافقته إن كنت صادقا فمن عرض أقوال العلماء على النصوص ووزنها ~~بها وخالف بها ما منها خالف النص لم يهدر أقوالهم ولم يهضم جانبهم، بل ~~اقتدى بهم فإنهم كلهم أمروا بذلك بل مخالفتهم في ذلك أسهل من مخالفتهم في ~~القاعدة الكلية التي أمروا بها ودعوا إليها من تقديم النص على أقوالهم، ومن ~~هذا يتبين الفرق بين تقليد العالم في جميع ما قال وبين الاستعانة بفهمه ~~والاستضاءة بنور علمه، فالأول يأخذ قوله من غير نظر فيه ولا طلب دليله من ~~الكتاب والسنة والمستعين بأفهامهم يجعلهم بمنزلة الدليل الأول فإذا وصل ~~استغنى بدلالته عن الاستدلال بغيره فمن استدل بالنجم على القبلة لم يبق ~~لاستدلاله معنى PageV01P358 # إذا شاهدها. قال الشافعي: أجمع الناس على أن من استبانت له سنة رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- لم يكن له أن يدعها لقول أحد، ومن هذا يتبين الفرق ~~بين الحكم المنزل الواجب الاتباع، والحكم المؤول الذي غايته أن يكون ms291 جائز ~~الاتباع بأن الأول هو الذي أنزل الله تعالى على رسوله متلوا، أو غير متلو ~~إذا صح وسلم من المعارضة، وهو حكمه الذي ارتضاه لعباده، ولا حكم له سواه، ~~وأن الثاني أقوال المجتهدين المختلفة التي لا يجب اتباعها، ولا يكفر ولا ~~يفسق من خالفها فإن أصحابها لم يقولوا هكذا حكم الله ورسوله قطعا، وحاشاهم ~~عن قول ذلك، وقد صح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- النهي عنه في قوله: ~~"وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله، وذمة رسوله فلا تجعل ~~لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه، ولكن أجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك فإنكم أن ~~تخفروا ذممكم، وذمة أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله، ورسوله وإذا حاصرت ~~أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن ~~أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيب حكم الله أم لا" أخرجه الإمام أحمد في ~~مسنده ومسلم في صحيحه من حديث بريدة، بل قالوا اجتهدنا رأينا فمن شاء قبله، ~~ومن شاء لم يقبله ولم يلزم أحد منهم بقول الأئمة قال الإمام أبو حنيفة: ~~"هذا رأي فمن جاء بخير منه قبلته" ولو كان هو عن حكم الله لما ساغ لأبي ~~يوسف ومحمد وغيرهما مخالفته فيه، وكذلك قال مالك لما استشاره هارون الرشيد ~~في أن يحمل الناس على ما في الموطأ فمنعه من ذلك وقال: "قد نفر أصحاب رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- في البلاد، وصار عند كل قوم من الأحاديث ما ليس ~~عند الآخرين" وهذا الشافعي ينهى أصحابه عن تقليده، ويوصيهم بترك قوله إذا ~~جاء الحديث بخلافه، وهذا الإمام أحمد منكر على من كتب فتاويه ودونها ويقول: ~~لا تقلدوني ولا تقلد فلانا وفلانا وخذ من حيث أخذوا". ا. ه. كلام ابن القمي ~~نقله الفلاني في: "إيقاظ الهمم". # وقال السيد الشريف المشتهر فضله في سائر الأقطار الأمير عبد القادر ~~الحسني الجزائري ثم الدمشقي في مقدمة كتابه: "ذكرى العاقل، وتنبيه الغافل" ~~ما نصه: "اعلموا أنه يلزم العاقل أن ينظر ms292 في القول ولا ينظر إلى قائله، فإن ~~كان القول حقا قبله سواء كان # PageV01P359 # قائله معروفا بالحق أو الباطل، فإن الذهب يستخرج من التراب والنرجس من ~~البصل، والترياق من الحيات ويجتني الورد من الشوك فالعاقل يعرف الرجال ~~بالحق ولا يعرف الحق بالرجال والكلمة من الحكمة ضالة العاقل يأخذها من عند ~~كل من وجدها عنده سواء كان حقيرا أو جليلا وأقل درجات العالم أن يتميز عن ~~العامي بأمور منها أنه لا يعاف العسل إذا وجده في محجمة الحجام، ويعرف أن ~~الدم قذر لا لكونه في المحجمة، ولكنه قذر في ذاته فإذا عدمت هذه الصفة في ~~العسل فكونه في ظرف الدم المستقذر لا يكسبه تلك الصفة ولا يوجب نفرة عنه، ~~وهذا وهم باطل غلب على أكثر الناس فمهما نسب كلام إلى قائل حسن اعتقادهم ~~فيه قبلوه، وإن كان القول باطلا وإن نسب القول إلى من ساء فيه اعتقادهم ~~ردوه، وإن كان حقا ودائما يعرفون الحق بالرجال، ولا يعرفون الرجال بالحق، ~~وهذا غاية الجهل والخسران فالمحتاج إلى الترياق إذا هربت نفسه منه حيث علم ~~أنه مستخرج من حية جاهل فيلزم تنبيهه على أن نفرته جهل محض وهو سبب حرمانه ~~من الفائدة التي هي مطلوبة فإن العالم هو الذي يسهل عليه إدراك الفرق بين ~~الصدق والكذب في الأقوال وبين الحق والباطل في الاعتقادات، وبين الجميل ~~والقبيح في الأفعال لا بأن يكون ملتبسا عليه الحق بالباطل والكذب بالصدق ~~والجميل بالقبيح ويصير يتبع غيره ويقلده فيما يعتقد، وفيما يقول فإن هذه ما ~~هي إلا صفات الجهال والمتبعون من الناس على قسمين قسم عالم مسعد لنفسه ~~ومسعد لغيره، وهو الذي عرف الحق بالدليل لا بالتقليد ودعا الناس إلى معرفة ~~الحق بالدليل لا بأن يقلدوه، وقسم لنفسه ومهلك لغيره وهو الذي قلد آباءه ~~وأجداده فيما يعتقدون ويستحسنون، وترك النظر بعقله ودعا الناس لتقليده، ~~والأعمى لا يصح أن يقود العميان وإذا كان تقليد الرجال مذموما غير مرضي في ~~الاعتقادات فتقليد الكتب أولى وأخرى بالذم، وإن بهيمة تقاد أفضل من مقلد ms293 ~~ينقاد، وإن أقوال العلماء والمتدينين متضادة متخالفة في الأكثر، واختيار ~~واحد منها واتباعه بلا دليل باطل لأنه ترجيح بلا مرجح فيكون معارضا بمثله، ~~وكل إنسان من حيث هو إنسان فهو مستعد لإدراك الحقائق # PageV01P360 # على ما هي عليه؛ لأن القلب الذي هو محل العلم بالإضافة إلى حقائق الأشياء ~~كالمرآة بالإضافة إلى صور المتلونات تظهر فيها كلها على التعاقب، لكن ~~المرآة قد لا تنكشف فيها الصور لأسباب أحدها: نقصان صورتها كجوهر الحديد ~~قبل أن يدور ويشكل ويصقل، والثاني: لخبثه وصدئه وإن كان تام الشكل، ~~والثالث: لكونه غير مقابل للجهة التي فيها الصورة كما إذا كانت الصورة وراء ~~المرآة، والرابع: لحجاب مرسل بين المرآة والصورة وجهتها فكذلك القلب مرآة ~~مستعدة لأن ينجلي فيها صور المعلومات كلها، وإن خلت القلوب عن العلوم التي ~~خلت عنها لهذه الأسباب الخمسة أولها نقصان في ذات القلب كقلب الصبي فإنه لا ~~تنجلي له المعلومات لنقصائه، والثاني: لكدورات الأشغال الدينوية، والخبث ~~الذي يتراكم على وجه القلب منها فالإقبال على طلب كشف حقائق الأشياء ~~والإعراض عن الأشياء الشاغلة القاطعة هو الذي يجلو القلب ويصفيه، والثالث: ~~أن يكون معدولا به عن جهة الحقيقة المطلوبة، والرابع: الحجاب فإن العقل ~~المتجرد للفكر في حقيقة من الحقائق ربما لا تنكشف له لكونه محجوبا باعتقاد ~~سبق إلى القلب وقت الصبا على طريق التقليد والقبول بحسن الظن فإن ذلك يحول ~~بين القلب والوصول إلى الحق ويمنع أن ينكشف في القلب غير ما تلقاه ~~بالتقليد، وهذا حجاب عظيم حجب أكثر الخلق عن الوصول إلى الحق لأنهم محجوبون ~~باعتقادات تقليدية رسخت في نفوسهم وجمدت عليها قلوبهم، والخامس الجهل ~~بالجهة التي يقع فيها العثور على المطلوب فإن الطالب لشيء ليس يمكنه أن ~~يحصله إلا بالتذكر للعلوم التي تناسب مطلوبة حتى إذا تذكرها ورتبها في نفسه ~~ترتيبا مخصوصا يعرفه العلماء فعند ذلك يكون قد صادف جهة المطلوب فتظهر ~~حقيقة المطلوب لقلبه فإن العلوم المطلوبة التي ليست فطرية لا تصاد إلا ~~بشبكة العلوم الحاصلة، بل كل علم لا يحصل إلا عن ms294 علمين سابقين يأتلفان ~~ويزدوجان على وجه مخصوص فيحصل من ازدواجهما علم ثالث على مثال حصول النتاج ~~من ازدواج الفحل والأنثى، ثم كما أن من أراد أن يستنتج فرسا لم يمكنه ذلك ~~من حمار وبعير، بل من أصل مخصوص من الخيل الذكر والأنثى، وذلك إذا وقع ~~بينهما ازدواج مخصوص، فكذلك كل علم فله أصلان مخصوصان، وبينهما طريق مخصوص ~~في الازدواج يحصل من ازدواجهما العلم المطلوب فالجهل بتلك الأصول وبكيفية ~~الازدواج هو المانع من العلم ومثاله ما ذكرناه من الجهل بالجهة التي الصورة ~~فيها". ا. ه. ملخصا. # PageV01P361 ### $ 28- بيان أن معرفة الشيء ببرهانه طريقة القرآن الكريم: # قال الأستاذ العلامة مفتي الديار المصرية الشيخ محمد عبده في المقالة ~~أثرت عنه ما صورته: "سعادة الناس في دنياهم، وأخراهم بالكسب والعمل فإن ~~الله خلق الإنسان، وأناط جميع مصالحه ومنافعه بعمله وكسبه والذين حصلوا ~~سعادتهم بدون عمل ولا سعى هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وحدهم لا ~~يشاركهم في هذا أحد من البشر مطلقا، والكسب مهما تعددت وجوهه فإنها ترجع ~~إلى كسب العلم لأن أعمال الإنسان إنما تصدر عن إرادته وإرادته تنبعث عن ~~آرائه، وآراؤه هي نتائج علمه فالعلم مصدر الأعمال كلها دنيوية وأخروية ~~فكمالا يسعد الناس في الدنيا إلا بأعمالهم كذلك لا يسعدون في الآخرة إلا ~~بأعمالهم، وحيث كان للعلم هذا الشأن فلا شك أن الخطأ فيه خطأ في طريق السير ~~إلى السعادة عائق أو مانع من الوصول إليها فلا جرم أن الناس في أشد الحاجة ~~إلى ما يحفظ من هذا الخطأ، ويسير بالعلم في طريقة القويم حتى يصل السائر ~~إلى الغاية". # ثم قال: "اعتنى العلماء في كل أمة بضبط اللسان، وحفظه من الخطأ في ~~الكلام، ووضعوا لذلك علوما كثيرة، وما كان للسان هذا الشأن إلا لأنه مجلي ~~للفكر وترجمان له، وآله لإيصال معارفه من ذهن إلى آخر فأجدر بهم أن تكون ~~عنايتهم بضبط الفكرأعظم كما أن اللفظ مجلي الفكر هو غطاؤه أيضا فإن الإنسان ~~لا يقدر على إخفاء أفكاره إلا بحجاب الكلام الكاذب حتى قال بعضهم ms295 إن اللفظ ~~لا يوجد إلا ليخفي الفكر". # ثم كشف الأستاذ النقاب عن حقيقة الفكر الصحيح الذي ينتفع بالميزان، ويكون # PageV01P362 # مطلقا يجري في مجراه الذي وضعه الله تعالى عليه، إلى أن يصل إلى غايته؛ ~~أما المقيد بالعادات، فهو الذي لا شأن له، وكأنه لا وجوده له، وقد جاء ~~الإسلام ليعتق الأفكار من رقها، ويحلها من عقلها، فترى القرآن ناعيا على ~~المقلدين، ذاكرا لهم بأسوأ ما يذكر به المجرم ولذلك بني على اليقين ثم قال: # "على طالب العلم أن يسترشد بم تقدمه، سواء كانوا أحياء أم أمواتا، ولكن ~~عليه أن يستعمل فكره فيما يؤثر عنهم، فإن وجده صحيحا أخذ به وإن وجده فاسدا ~~تركه، وحينئذ يكون ممن قال الله تعالى فيهم: {فبشر عباد، الذين يستمعون ~~القول فيتبعون أحسنه} 1 الآية، وإلا فهو كالحيوان، والكلام كاللحام له أو ~~الزمام يمنع به عن كل ما يريد صاحب الكلام منعه عنه، وينقاد إلى حيث يشاء ~~المتكلم أن ينقاد إليه من غير عقل ولا فهم". # ثم ألمع إلى الأشياء التي تجعل الفكر صحيحا مطلقا، فقال: "إن الكلام عنه ~~يحتاج إلى شرح طويل، ويمكن أن نقول فيه كلمة جامعة يرجع إليها كل ما يقال ~~وهي الشجاعة، الشجاع: هو الذي لا يخالف في الحق لومة لائم فمتى لاح له يصرح ~~به ويجاهر بنصرته، وإن خالف في ذلك الأولين والآخرين. ومن الناس من يلوح له ~~نور الحق فيبقى متمسكا بما عليه الناس ويجتهد في إطفاء نور الفطرة، ولكن ~~ضميره لا يستريح فهو يوبخه إذا خلا بنفسه ولو في فراشه لا يرجع عن الحق أو ~~يكتم الحق لأجل الناس إلا الذي لم يأخذ إلا بما قال الناس، ولا يمكن أن ~~يأتي هذا من موقن يعرف الحق معرفة صحيحة". # وبعد أن أفاض في الكلام على الشجاعة وبين احتياج الفكر والبصيرة في الدين ~~إليها قال: "وهنا شيء يحسبه بعضهم شجاعة، وما هو بشجاعة وإنما هو وقاحة ~~وذلك كالاستهزاء بالحق وعدم المبالاة بالحق فترى صاحب هذه الخلة يخوض في ~~الأئمة، ويعرض بتنقيص أكابر ms296 العلماء غرورا وحماقة، والسبب في ذلك أنه ليس ~~عنده من الصبر والاحتمال PageV01P363 # وقوة الفكر، ما يسبر به أغوار كلامهم، ويمحص به حججهم وبراهينهم ليقبل ما ~~يقبل عن بينة، ويترك ما يترك عن بينه، وهذا ولا شك أجبن ممن تحمل ثقل ~~التقليد على ما فيه، وربما تنبع في عقله خواطر ترشده إلى البصيرة أو تلمع ~~في ذهنه بوارق من الاستدلال لو مشى في نورها لاهتدى وخرج من الحيرة، وأما ~~المستهزئ فهو أقل احتمالا من المقلد فإن الهوى الذي يعرض لفكرة إنما يأتيه ~~من عدم صبره، وثباته على الأمور وعدم التأمل فيها، والحاصل أن الفكر الصحيح ~~يوجد بالشجاعة، وهي ها هنا التي يسميها بعض الكتاب العصريين: "الشجاعة ~~الأدبية" وهي قسمان شجاعة في رفع القيد الذي هو التقليد الأعمى، وشجاعة في ~~وضع القيد الذي هو الميزان الذي لا ينبغي أن يقر رأي ولا فكر إلا بعد ما ~~يوزن به ويظهر رحجانه، وبهذا يكون الإنسان عبدا للحق وحده، وهذه الطريقة ~~طريقة معرفة الشيء بدليله وبرهانه ما جاءتنا من علم المنطبق، وإنما هي ~~طريقة القرآن الكريم الذي ما قرر شيئا إلا واستدل عليه، وأرشد متبعيه إلا ~~الاستدلال، وإنما المنطق آله لضبط الاستدلال كما أن النحو آله لضبط الألفاظ ~~في الإعراب والبناء". ا. ه. # PageV01P364 ### $ 29- بيان أن من المصالح هذه المذاهب المدونة وفوائد مهمة من أصل التخريج على كلام الفقهاء وغير ذلك: # قال الإمام ولي الله الدهلوي قدس سره في الحجة البالغة: "ومما يناسب هذا ~~المقام التنبيه على مسائل ضلت في بواديها الأفهام، وزلت الأقدام وطغت ~~الأقلام، منها: أن هذه المذاهب الأربعة المدونة المحررة قد اجتمعت الأمة، ~~أو من يعتد به منها على جواز تقليدها إلى يومنا هذا، وفي ذلك من المصالح ما ~~لا يخفى لا سيما في هذه الأيام التي قصرت فيها الهمم جدا، وأشربت النفوس ~~الهوى وأعجب كل ذي رأي برأيه1 فما ذهب إليه ابن حزم PageV01P364 # حيث قال: "التقليد حرام ولا يحل لأحد أن يأخذ قول أحد غير رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- بلا برهان ms297 لقوله تعالى: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا ~~تتبعوا من دونه أولياء} 1 وقوله تعالى: {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله ~~قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا} 2 وقال مادحا لمن لم يقلد: {فبشر ~~عباد، الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم ~~أولو الألباب} 3 وقال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ~~إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} 4 فلم يبح الله تعالى الرد عند التنازع ~~إلى أحد دون القرآن والسنة، وحرم بذلك الرد عند التنازع إلى قوله قائل لأنه ~~غير القرآن والسنة، وقد صح إجماع الصحابة كلهم أولهم عن آخرهم، وإجماع ~~التابعين أولهم عن آخرهم، وإجماع تابعي التابعين أولهم عن آخرهم على ~~الامتناع، والمنع من أن يقصد منهم أحد إلى قول إنسان منهم أو ممن قبلهم ~~فيأخذه كله فليعلم من أخذ بجميع أقوال أبي حنيفة أو جميع أقوال مالك أو ~~جميع أقوال الشافعي أو جميع أقوال أحمد -رضي الله عنهم- ولم يترك قول من ~~اتبع منهم أو من غيرهم إلى قول غيره، ولم يعتمد على ما جاء في القرآن ~~والسنة غير صارف ذلك إلى قول إنسان بعينه أنه قد خالف إجماع الأمة كلها ~~أولها عن آخرها بيقين لا إشكال فيه، وأنه لا يجد لنفسه سلفا ولا إنسانا في ~~جميع الأعصار المحمودة الثلاثة فقد اتبع غير سبيل المؤمنين نعوذ بالله من ~~هذه المنزلة، وأيضا فإن هؤلاء الفقهاء كلهم قد نهوا عن تقليد غيرهم فقد ~~خالفهم من قلدهم، وأيضا فما الذي جعل رجلا من هؤلاء أو من غيرهم أولى أن ~~يقلد من عمر بن الخطاب أو علي بن أبي طالب أو ابن مسعود أو ابن عمر أو ابن ~~عباس أو عائشة أم المؤمنين -رضي الله تعالى عنهم- فلو ساغ التقليد لكان كل ~~واحد من هؤلاء أحق بأن يتبع من غيره". ا. ه. إنما5 يتم فيمن له ضرب من ~~الاجتهاد ولو في مسألة واحدة وفيمن PageV01P365 # ظهر عليه ظهورا بينا أن النبي -صلى الله عليه ms298 وسلم- أمر بكذا ونهى عن كذا ~~وأنه ليس بمنسوخ إما بأن يتتبع الأحاديث، وأقوال المخالف والموافق في ~~المسألة فلا يجد لها نسخا، أو بأن يرى جما غفيرا من المتبحرين في العلم ~~يذهبون إليه، ويرى المخالف له لا يحتج إلا بقياس أو استنباط أو نحو ذلك ~~فحينئذ لا سبب لمخالفة حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا نفاق خفي أو ~~حمق جلي، وهذا هو الذي أشار إليه الشيخ عز الدين بن عبد السلام حيث قال: ~~"ومن العجب العجيب أن الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مأخذ إمامه بحيث ~~لا يجد لضعفه مدفعا، وهو مع ذلك يقلده فيه، ويترك من شهد الكتاب والسنة ~~والأقيسة الصحيحة لمذهبهم جمودا على تقليد إمامه بل بتحيل لدفع ظاهر الكتاب ~~والسنة ويتأولها بالتأويلات البعيدة الباطلة نضالا عن مقلدة" وقال: "لم يزل ~~الناس يسألون من اتفق من العلماء من غير تقييد بمذهب، ولا إنكار على أحد من ~~السائلين إلى أن ظهرت هذه المذاهب، ومتعصبوها من المقلدين فإن أحدهم يتبع ~~إمامه مع بعد مذهبه عن الأدلة مقلدا لهم فيما قال كأنه نبي أرسل، وهذا نأي ~~عن الحق وبعد عن الصواب لا يرضى به أحد من أولي الألباب" وقال الإمام أبو ~~شامة: "ينبغي لمن اشتغل بالفقه أن لا يقتصر على مذهب إمام ويعتقد في كل ~~مسألة صحة ما كان أقرب إلى دلالة الكتاب والسنة المحكمة، وذلك سهل عليه إذا ~~كان أتقن معظم العلوم المتقدمة، وليجتنب التعصب والنظر في طرائق الخلاف ~~المتأخرة فإنها مضيعة للزمان، ولصفوه مكدرة فقد صح عن الشافعي أنه نهى عن ~~تقليده وتقليد غيره، قال صاحبه المزني في أول مختصره: "اختصرت هذا من علم ~~الشافعي، ومن معنى قوله لأقر به على من أراد مع إعلامية نهيه عن تقليده ~~وتقليد غيره لينظر فيه لدينه، ويحتاط لنفسه أي مع إعلامي من أراد علم ~~الشافعي نهى الشافعي عن تقليده، وتقليد غيره". ا. ه. وفيمن1 يكون عاميا، ~~ويقلد رجلا من الفقهاء بعينه يرى أنه يمتنع من مثله الخطأ، وأن ما قاله هو ~~الصواب البتة ms299 وأضمر في قلبه أن لا يترك تقليده، وإن ظهر الدليل على خلافه، ~~وذلك ما رواه الترمذي عن عدي بن حاتم أنه قال: "سمعت رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- يقرأ: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم PageV01P366 # أربابا من دون الله} 1 قال إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا ~~أحلوا لهم شيئا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه، وفيمن2 لا يجوز أن ~~يستفتي الحنفي مثلا فقيها شافعيا وبالعكس ولا يجوز أن يقتدى الحنفي بإمام ~~شافعي مثلا، فإن هذا قد خالف إجماع القرون الأولى وناقض الصحابة والتابعين ~~وليس محله3 فيمن لا يدين إلا بقول النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا يعتقد ~~حلالا إلا ما أحله الله ورسوله ولا حراما إلا ما حرمه الله ورسوله، لكنه ~~لما لم يكن له علم بما قاله النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا بطريق الجمع ~~بين المختلفات من كلامه ولا بطريق الاستنباط من كلامه اتبع عالما راشدا على ~~أنه مصيب فيما يقول ويفتي ظاهرا متبع سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم، ~~فإن خالف ما يظنه أقلع من ساعته من غير جدال ولا إصرار، فهذا كيف ينكره أحد ~~مع أن الاستفتاء والإفتاء لم يزل بين المسلمين من عهد النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- ولا فرق بين أن يستفتى هذا دائما أو يستفتى هذا حينا، وذلك حينا بعد ~~أن يكون مجمعا على ما ذكرناه كيف لا، ولم نؤمن بفقيه أيا كان أنه أوحى الله ~~إليه الفقه، وفرض علينا طاعته وأنه معصوم فإن اقتدينا بواحد منهم فذلك ~~لعلمنا بأنه عالم بكتاب الله وسنة رسوله فلا يخلو قوله إما أن يكون من صريح ~~الكتاب والسنة أو مستنبطا منهما بنحو من الاستنباط، أو عرف بالقرائن أن ~~الحكم في صورة ما منوط بعلة كذا، وأطمان قلبه بتلك المعرفة فقاس غير ~~المنصوص على المنصوص فكأنه يقول: ظننت أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~قال: كلما وجدت هذه العلة فالحكم في طريقة ظنون، ولولا ذلك لما قلد مؤمن ~~مجتهدا فإن بلغنا حديث من الرسول المعصوم الذي فرض الله علينا طاعته ms300 بسند ~~صالح يدل على خلاف مذهبه، وتركنا حديثه واتبعنا ذلك التخمين فمن أظلم منا؟ ~~وما عذرنا يوم يقوم الناس لرب العالمين؟. # "ومنها: أن التخريج على كلام الفقهاء وتتبع لفظ الحديث لكل منهما أصل ~~أصيل في الدين، ولم يزل المحققون من العلماء في كل عصر يأخذون بهما، فمنهم ~~من يقل من ذا، PageV01P367 # ويكثر من ذاك، ومنهم من يكثر من ذا، ويقل من ذاك فلا ينبغي أن يهمل أمر ~~واحد منهما بالمرة كما يفعله عامة الفريقين، وإنما الحق البحث أن يطابق ~~أحدهما بالآخر، وأن يجبر خلل كل بالآخر، وذلك قول الحسن البصري: "سنتكم، ~~والله الذي لا إله إلا هو بينهما" بين الغالي والجافي، فمن كان من أهل ~~الحديث ينبغي أن يعرض ما اختاره، وذهب إليه على رأي المجتهدين من التابعين، ~~ومن كان من أهل التخريج له أن يجعل من السنن ما يحترز به من مخالفة الصريح ~~الصحيح، ومن القول برأيه فيما فيه حديث أو يقدر الطاقة، ولا ينبغي لمحدث أن ~~يتعمق بالقواعد التي أحكمها أصحابه وليست منا نص عليه الشارع فيرد به حديثا ~~أو قياسا صحيحا كرد ما فيه أدنى شائبة الإرسال والانقطاع كما فعله ابن حزم ~~رد حديث تحريم المعازف لشائبة الانقطاع في رواية البخاري على أنه في نفسه ~~متصل صحيح فإن مثله إنما يصار إليه عند التعارض، وكقولهم فلان أحفظ لحديث ~~فلان من غيره فيرجحون حديثه على حديث غيره لذلك وإن كان في الآخر ألف رجه ~~من الرجحان، وكان اهتمام جمهور الرواة عند الرواية بالمعنى برءوس المعاني ~~دون الاعتبارات التي يعرفها المتعمقون من أهل العربية فاستدلالهم بنحو ~~الفاء والواو وتقديم كلمة وتأخيرها، ونحو ذلك من التعمق وكثيرا ما يعبر ~~الراوي الآخر عن تلك القصة فيأتي مكان ذلك الحرف بحرف آخر، والحق أن كل ما ~~يأتي به الراوي فظاهره أنه كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- فإن ظهر حديث ~~آخر أو دليل آخر وجب المصير إليه، ولا ينبغي لمخرج أن يخرج قولا لا يفيده ~~نفس كلام أصحابه، ولا يفهمه منه أهل العرف ms301 والعلماء باللغة ويكون بناء على ~~تخريج مناط أو حمل نظير المسألة عليها مما يختلف فيه أهل الوجوه وتتعارض ~~فيه الآراء، ولو أن أصحابه مثلوا عن تلك المسألة ربما يحملون النظير على ~~النظير لمانع، وربما ذكروا علة غير ما خرجه هو، وإنما جاز التخريج لأنه في ~~الحقيقة من تقليد المجتهد ولا يتم إلا فيما يفهم من كلامه، ولا ينبغي أن ~~يرد حديثا أو أثر تطابق عليه القوم لقاعدة استخرجها هو أو أصحابه كرد حديث ~~المصراة1. وكإسقاط سنهم ذوي القربى2، فإن رعاية الحديث أوجب من رعاية تلك ~~PageV01P368 # القاعدة المخرجة، وإلى هذا المعنى أشار الشافعي حيث قال: "مهما قلت من ~~قول أو أصلت من أصل فبلغ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خلاف ما قلت ~~فالقول ما قاله -صلى الله عليه وسلم". # "ومنها: أن تتبع الكتاب والآثار لمعرفة الأحكام الشرعية على مراتب أعلاها ~~أن يحصل له من معرفة الأحكام بالفعل أو بالقوة القريبة من الفعل ما يتمكن ~~به من جواب المستفتين في الوقائع غالبا بحيث يكون جوابه أكثر مما يتوقف ~~فيه، وتخص "أي هذه المعرفة" باسم الاجتهاد، وهذا الاستعداد يحصل تارة ~~بالإمعان في جمع الروايات وتتبع الشاذة والفاذة منها، كما أشار إليه أحمد ~~بن حنبل مع ما لا ينفك منه العاقل العارف باللغة من معرفة مواقع الكلام، ~~وصاحب العلم بآثار السلف من طريق الجمع بين المختلفات، وترتيب الاستدلالات ~~ونحو ذلك، وتارة بإحكام طرق التخريج على مذهب شيخ من مشايخ الفقه من معرفة ~~جملة صالحة من السنن والآثار بحيث يعلم أن قوله لا يخالف الإجماع القرآن ~~والسنن ما يتمكن به من معرفة رءوس مسائل الفقه المجمع عليها بأدلتها ~~التفصيلية، ويحصل له غاية العلم ببعض المسائل الاجتهادية من أدلتها، وترجيح ~~بعض الأقوال على بعض، ونقد التخريجات، ومعرفة الجيد والزيف، وإن لم يتكامل ~~له الأدوات كما يتكامل للمجتهد المطلق فيجوز لمثله أن يلفق من المذهبين إذا ~~عرف دليلهما، وعلم أن قوله ليس مما لا ينفذ فيه اجتهاد المجتهد، ولا يقبل ~~فيه قضاء القاضي ولا يجري فيه ms302 فتوى المفتين، وأن يترك بعض التخريجات التي ~~سبق الناس إليها إذا عرف عدم صحتها، ولهذا لم يزل العلماء ممن لا يدعي ~~الاجتهاد المطلق يصنفون ويرتبون ويخرجون ويرجحون، وإذا كان الاجتهاد يتجزأ ~~عند الجمهور والتخريج يتجزأ، وإنما المقصود تحصيل الظن وعليه مدار التكليف، # PageV01P369 # فما الذي يستبعد من ذلك؟ وأما ما دون ذلك من الناس، فمذهبه فيما يرد عليه ~~كثيرا ما أخذه عن أصحابه وآبائه وأهل بلده من المذاهب المتبعة، وفي الوقائع ~~النادرة فتاوى مفتيه، وفي القضايا ما يحكم القاضي، وعلى هذا وجدنا محققي ~~العلماء من كل مذهب قديما وحديثا، وهو الذي أوصى به أئمة المذاهب أصحابهم". # ثم قال الدهلوي رحمه الله: "قال ابن الصلاح من وجد من الشافعية حديثا ~~يخالف مذهبه نظر: إن كملت له آله الاجتهاد مطلقا، أو في ذلك الباب أو ~~المسألة كان له الاستقلال بالعمل به، وإن لم يكمل له آلة الاجتهاد وشق ~~مخالفة الحديث بعد أن يبحث فلم يجد للمخالف جوابا شافيا عنه فله العمل به، ~~إن كان عمل به إمام مستقل غير الشافعي، ويكون هذا عذرا له في ترك مذهب ~~إمامه ها هنا وحسنة النووي. # "ومنها: أن أكثر صور الاختلاف بين الفقهاء لا سيما في المسائل التي ظهر ~~فيها أقوال الصحابة في الجانبين كتكبيرات التشريق وتكبيرات العيدين، ونكاح ~~المحرم وتشهد ابن عباس وابن مسعود، والإخفاء بالبسملة وبآمين والإسفاع، ~~والإيثار في الإقامة، ونحو ذلك إنما هو في ترجيح أحد القولين، وكان السلف ~~لا يختلفون في أصل المشروعية، وإنما كان خلافهم في أولى الأمرين ونظيره ~~اختلاف القراء في وجوه القراءة، وقد عللوا كثيرا من هذا الباب بأن الصحابة ~~مختلفون، وأنهم جميعا على الهدى ولذلك لم يزل العلماء يجوزون فتاوى المفتين ~~في المسائل الاجتهادية، ويسلمون قضاء القضاة ويعملون في بعض الأحيان بخلاف ~~مذهبهم، ولا ترى أئمة المذاهب في هذه المواضع إلا وهم يضجعون القول ويبينون ~~الخلاف يقول أحدهم: هذا أحوط وهذا هو المختار وهذا أحب إلي ويقول: ما بلغنا ~~إلا ذلك، وهذا كثير في المبسوط وآثار محمد رحمه الله ms303 وكلام الشافعي رحمه ~~الله ثم خلف من بعدهم خلف اختصروا كلام القوم فقووا الخلاف، وثبتوا على ~~مختار أئمتهم، والذي يروى من السلف من تأكيد الأخذ بمذهب أصحابهم، وأن لا ~~يخرج منها بحال فإن ذلك إما لأمر جبلي، فإن كل إنسان يحب ما هو مختار ~~أصحابه وقومه حتى في الزي والمطاعم، أو لصوله ناشئة من ملاحظة الدليل، أو ~~لنحو ذلك من الأسباب # PageV01P370 # فظن البعض تعصبا دينيا، حاشاهم من ذلك. وقد كان في الصحابة والتابعين ومن ~~بعدهم من يقرأ البسملة، ومنهم من لا يقرؤها، ومنهم من يجهر بها، ومنهم من ~~لا يجهر بها، وكان منهم من يقنت في الفجر، ومنهم من لا يقنت في الفجر ومنهم ~~من يتوضأ من الحجامة والرعاف والقيء، ومنهم من لا يتوضأ من ذلك، ومنهم من ~~يتوضأ مما مسته النار، ومنهم من لا يتوضأ من ذلك، ومنهم من يتوضأ من أكل ~~لحم الإبل، ومنهم من لا يتوضأ من ذلك، ومع هذا فكان بعضهم يصلي خلف بعض مثل ~~ما كان أبو حنيفة أو أصحابه والشافعي وغيرهم -رضي الله عنهم- يصلون خلف ~~أئمة المدينة من المالكية وغيرهم، وإن كانوا لا يقرءون البسملة لا سرا ولا ~~جهرا وصلى الرشيد إماما وقد احتجم فصلى الإمام أبو يوسف خلفه ولم يعد، وكان ~~أفتاه الإمام مالك بأنه لا وضوء عليه، وكان الإمام أحمد بن حنبل يرى الوضوء ~~من الرعاف والحجامة فقيل له فإن كان الإمام قد خرج منه الدم ولم يتوضأ هل ~~تصلي خلفه؟ فقال: كيف لا أصلي خلف الإمام مالك وسعيد بن المسيب؟ وروي أن ~~أبا يوسف ومحمدا كانا يكبران في العيدين تكبير ابن عباس لأن هارون الرشيد ~~كان يحب تكبير جده، وصلى الشافعي رحمه الله الصبح قريبا من مقبرة أبي حنيفة ~~رحمه الله فلم يقنت تأدبا معه، وقال أيضا: ربما انحدرنا إلى مذهب أهل ~~العراق وقال مالك رحمه الله للمنصور وهارون الرشيد ما ذكرنا عنه سابقا، وفي ~~البزازية عن الإمام الثاني، وهو أبو يوسف رحمه الله أنه صلى يوم الجمعة ~~مغتسلا من الحمام، ms304 وصلى بالناس وتفرقوا ثم أخبر بوجود فأرة ميتة في بئر ~~الحمام فقال إذن نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة: "إذا بلغ الماء قلتين ~~لم يحمل خبثا" 1. ا. ه. # ثم قال الدهلوي قدس سره: "ومنها: أني وجدت بعضهم يزعم أن هنالك فرقتين لا ~~ثالث لهما: أهل الظاهر وأهل الرأي، وأن كل من قاس واستنبط فهو من أهل ~~الرأي. كلا والله بل ليس المراد بالرأي نفس الفهم والعقل، فإن ذلك لا ينفك ~~من أحد من العلماء، ولا الرأي الذي لا يعتمد على سنة أصلا فإنه لا ينتحله ~~مسلم البتة، ولا القدرة على الاستنباط والقياس فإن أحمد وإسحاق بل الشافعي ~~أيضا ليسوا من أهل الرأي بالاتفاق، وهم يستنبطون ويقيسون، بل المراد من أهل ~~الرأي قوم توجهوا بعد المسائل المجمع عليها بين المسلمين أو بين جمهورهم ~~إلى التخريج على أصل رجل من المتقدمين، فكان أكثر أمرهم حمل النظير على ~~النظير، والرد إلى أصل من الأصول دون تتبع الأحاديث والآثار. والظاهري من ~~لا يقول بالقياس ولا بآثار الصحابة والتابعين كداود وابن حزم وبينهما ~~المحقون من أهل السنة كأحمد وإسحاق". ا. ه. PageV01P371 ### $ 3- بيان وجوب موالاة الأئمة المجتهدين وأنه إذا وجد لواحد منهم قول صح الحديث بخلافة فلا بد له من عذر في تركة وبيان العذر: # قال الإمام شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيميه رضي الله عنه وأرضاه ~~وجعل الجنة متقلبه ومثواه آمين في كتابه: "رفع الملام عن الأئمة الأعلام" ~~في مقدمته بعد الخطبة ما صورته: يجب على المسلمين بعد موالاة الله ورسوله ~~موالاة المؤمنين كما نطق به القرآن خصوصا العلماء الذين هم ورثة الأنبياء ~~الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم يهتدى بهم في ظلمات البر والبحر، وقد أجمع ~~المسلمون على هدايتهم ودرايتهم. # ثم قال: فإنهم خلفاء الرسول في أمته والمحيون لما مات من سنته بهم قام ~~الكتاب وبه قاموا وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة ~~المقبولين عند الأمة قبولا عاما يتعمد مخالفة رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- في شيء من سنته ms305 دقيق ولا جليل فإنهم متفقون اتفاقا يقينيا على وجوب ~~اتباع الرسول، وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه ~~فلا بد له من عذر في تركه وجماع الأعذار ثلاثة أصناف أحدهم: عدم اعتقاد أن ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- قاله، والثاني: عدم اعتقاده إراده تلك المسألة ~~بذلك القول، والثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ وهذه الأصناف الثلاثة ~~تتفرع إلى أسباب متعددة: # السبب الأول: # أن لا يكون الحديث قد بلغه، ومن لم يبلغه الحديث لم يكلف أن # PageV01P372 # يكون عالما بموجبه، وإذا لم يكن قد بلغه، وقد قال في تلك القضية بموجب ~~ظاهر آية أو حديث آخر أو بموجب قياس أو موجب استصحاب، فقد يوافق ذلك الحديث ~~تارة، ويخالفه أخرى وهذا السبب الغالب على أكثر ما يوجد من أقوال السلف ~~مخالفا لبعض الأحاديث فإن الإحاطة بحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم ~~تكن لأحد من الأمة، وقد كان النبي يحدث أو يفتي أو يقضي أو يفعل الشيء ~~فيسمعه أو يراه من يكون حاضرا، ويبلغه أولئك أو بعضهم لمن يبلغونه فينتهي ~~علم ذلك إلى من شاء الله من العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ثم في ~~مجلس آخر قد يحدث أو يفتي أو يقول شيئا ويشهده بعض من كان غائبا من ذلك ~~المجلس، ويبلغونه لمن أمكنهم فيكون عند هؤلاء من العلم ما ليس عند هؤلاء، ~~وعند هؤلاء ما ليس عند هؤلاء، وإنما يتفاضل العلماء من الصحابة ومن بعدهم ~~بكثرة العلم أو جودته، وأما إحاطة واحد بجميع حديث رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- فهذا لا يمكن ادعاؤه قط واعتبر ذلك بالخلفاء الراشدين الذين هم ~~أعلم الأمة بأمور رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسنته وأحواله خصوصا ~~الصديق -رضي الله عنه- الذي لم يكن يفارقه حضرا ولا سفرا، بل كان يكون معه ~~في غالب الأوقات حتى إنه يسمر عنده بالليل في أمور المسلمين، وكذلك عمر بن ~~الخطاب -رضي الله ms306 عنه- فإنه -صلى الله عليه وسلم- كثيرا ما يقول: "دخلت أنا ~~وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر" ثم مع ذلك لما سئل أبو بكر -رضي ~~الله عنه- عن ميراث الجدة قال: "مالك في كتاب الله في شيء ولكن اسأل ~~الناس"1 فسألهم فقام المغيرة بن شعبة، ومحمد بن مسلمة فشهد أن النبي أعطاها ~~السدس، وقد بلغ هذه السنة عمران بن حصين وليس هؤلاء الثلاثة مثل أبي بكر ~~وغيره من الخلفاء ثم قد اختصوا بعلم هذه السنة التي قد اتفقت الأمة على ~~العمل بها، وكذلك عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لم يكن يعلم سنة الاستئذان ~~حتى أخبره بها أبو موسى استشهد بالأنصار2. وعمر أعلم ممن حدثه بهذه ~~PageV01P373 # السنة ولم يكن عمر أيضا يعلم أن المرأة ترث من دية زوجها بل يرى أن الدية ~~للعاقلة حتى كتب إليه الضحاك بن سفيان، وهو أمير الرسول على بعض البوادي ~~يخبره أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-1 ورث امرأة أشيم الضبابي من دية ~~زوجها فترك رأيه لذلك وقال: "لو لم نسمع بهذا لقضينا بخلافه"2. ولم يكن ~~يعلم حكم المجوس في الجزية حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنهما- ~~أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" 3. ولما ~~قدم: "سرغ" وبلغه أن الطاعون بالشام استشار المهاجرين الأولين الذين معه ثم ~~الأنصار ثم مسلمة الفتح، فأشار كل عليه بما رأى، ولم يخبره أحد بسنة حتى ~~قدم عبد الرحمن بن عوف فأخبره بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ~~الطاعون وأنه قال4: "إذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه وإذا ~~سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه " وتذاكر هو وابن عباس أمر الذي يشك في ~~صلاته، فلم يكن قد بلغته السنة في ذلك حتى حدثه عبد الرحمن بن عوف عن النبي ~~-صلى الله عليه وسلم-5 أنه يطرح الشك ويبني على ما استيقن، وكان مرة في ~~السفر فهاجت ريح فجعل يقول: من يحدثنا عن الريح قال أبو هريرة: "فبلغني ~~وأنا في أخريات الناس فحثثت ms307 راحلتي حتى أدركته فحدثنه بما أمر به النبي عند ~~هبوب الريح"6. فهذه مواضع لم يكن يعلمها حتى بلغه إياها من ليس مثله، ~~ومواضع أخر لم يبلغه ما فيها من السنة فقضى فيها أو أفتى فيها بغير ذلك مثل ~~ما قضى في دية الأصابع أنها مختلفة بحسب منافعها، وقد كان عند أبي موسى ~~وابن عباس -وهما دونه بكثير في العلم- علم بأن النبي قال: "هذه وهذه سواء" ~~7 يعني الإبهام، والخنصر فبلغت هذه السنة لمعاوية في إمارته فقضى بها ~~PageV01P374 # ولم يجد المسلمون بدا من اتباع ذلك. ولم يكن عيبا في عمر -رضي الله عنه- ~~حيث لم يبلغه الحديث. وكذلك كان ينهى المحرم عن التطيب قبل الإحرام، وقبل ~~الإفاضة إلى مكة بعد رمي جمرة العقبة هو وابنه عبد الله -رضي الله عنهما- ~~وغيرهما من أهل الفضل، ولم يبلغهم حديث عائشة -رضي الله عنها: "طيبت رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- لحرمه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف"1 وكان ~~يأمر لابس الخف أن يمسح عليه إلى أن يخلعه من غير توقيت، واتبعه على ذلك ~~طائفة من السلف، ولم تبلغهم أحاديث التوقيت التي صحت عند بعض من ليس مثلهم ~~في العلم، وقد روي ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من وجوه متعددة ~~صحيحة2. # وكذلك عثمان -رضي الله عنه- لم يكن عنده علم بأن المتوفى عنها زوجها تعتد ~~في بيت الموت، حتى حدثته الفريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري بقضيتها لما ~~توفي زوجها، وأن النبي قال لها: "امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله" 3 ~~فأخذ به عثمان، وأهدي له مرة صيد كان قد صيد لأجله فهم بأكله حتى أخبره علي ~~-رضي الله عنه- أن النبي رد لحما أهدي له4. # وكذلك علي -رضي الله عنه- قال: "كنت إذا سمعت من رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- حديثا نفعني الله بما شاء أن ينفعني منه، وإذا حدثني غيره ~~استحلفته فإذا حلف لي صدقته، وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر" وذكر حديث5 صلاة ~~التوبة المشهور، وأفتى هو وابن عباس وغيرهما بأن المتوفى عنها ms308 إذا كانت ~~حاملا تعتد أبعد الأجلين، ولم يكن قد بلغتهم سنة الله في سبيعة الأسلمية ~~حيث أفتاها النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن عدتها وضع حملها6 وأفتى هو وزيد ~~وابن عمر وغيرهم بأن المفوضه إذا مات عنها زوجها فلا مهر PageV01P375 # لها، ولم تكن بلغتهم سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "في بروع بنت ~~واشق"1 وهذا باب واسع يبلغ المنقول منه عن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- عددا كثيرا جدا، وأما المنقول منه عن غيرهم، فلا يمكن الإحاطة به ~~فإنه ألوف فإن هؤلاء كانوا أعلم الأمة وأفقهها وأتقاها وأفضلها، فمن بعدهم ~~أنقص، فخفاء بعض السنة عليه أولى فلا يحتاج إلى بيان فمن اعتقد أن كل حديث ~~صحيح قد بلغ كل واحد من الأئمة وإماما معينا فهو مخطئ خطأ فاحشا قبيحا. # ولا يقولن قائل: "إن الأحاديث قد دونت وجمعت، فخفاؤها والحال هذه بعيد! " ~~لأن هذه الدواوين المشهورة في السنن، إنما جمعت بعد انقراض الأئمة ~~المتبوعين، ومع هذا فلا يجوز أن يدعى انحصار حديث رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- في دواوين معينة، ثم لو فرض انحصار حديث رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- فليس كل ما في الكتب يعلمه العالم، ولا يكاد ذلك يحصل لأحد، بل قد ~~يكون عند الرجل الدواوين الكثيرة، وهو لا يحيط بما فيها، بل الذين كانوا ~~قبل جمع هذه الدواوين أعلم بالسنة من المتأخرين بكثير لأن كثيرا مما بلغهم ~~وصح عندهم قد لا يبلغنا إلا عن مجهول أو بإسناد منقطع أو لا يبلغنا بالكلية ~~فكانت دواوينهم صدورهم التي تحوي أضعاف ما في الدواوين، وهذا أمر لا يشك ~~فيه من علم القضية. ولا يقولن قائل "من لم يعرف الأحاديث كلها لم يكن ~~مجتهدا" لأنه إن اشترط في المجتهد علمه بجميع ما قاله النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- وفعله فيما يتعلق بالأحكام فليس في الأمة مجتهد، وإنما غاية العلم أن ~~يعلم جمهور ذلك وعظمه بحيث لا يخفى عليه إلا القليل من التفصيل، ثم إنه قد ~~يخالف ذلك القليل من التفصيل الذي يبلغه. ms309 # السبب الثاني: # أن يكون الحديث قد بلغه لكنه لم يثبت عنده إما لأن محدثه أو محدث محدثه ~~أو غيره من رجال الإسناد مجهول عنده أو متهم أو سيئ الحفظ، وإما أنه لم ~~يبلغه مسندا بل منقطعا أو لم يضبط لفظ الحديث مع أن ذلك الحديث، قد رواه ~~الثقات لغيره بإسناد متصل بأن يكون غيره يعلم من المجهول عنده الثقة، أو ~~يكون قد رواه غير PageV01P376 # أولئك المجروحين عنده، أو قد اتصل من غير الجهة المنقطعة، وقد ضبط ألفاظ ~~الحديث بعض المحدثين الحفاظ، أو لتلك الرواية من الشواهد والمتابعات ما ~~يبين صحتها، وهذا أيضا كثير جدا وهو في التابعين وتابعيهم إلى الأئمة ~~المشهورين من بعدهم أكثر من العصر الأول أو كثير من القسم الأول، فإن ~~الأحاديث كانت قد انتشرت واشتهرت، لكن كانت تبلغ كثيرا من العلماء من طرق ~~ضعيفة، وقد بلغت غيرهم من طرق صحيحة غير تلك الطرق فتكون حجة من هذا الوجه ~~مع أنها لم تبلغ من خالفها من هذا الوجه، ولهذا وجد في كلام غير واحد من ~~الأئمة تعليق القول بموجب الحديث على صحته فيقول قولي في هذه المسألة كذا، ~~وقد روي فيها حديث بكذا فإن كان صحيحا فهو قولي. # السبب الثالث: # اعتقاد ضعف الحديث باجتهاد قد خالفه فيه غيره، مع قطع النظر عن طريق آخر، ~~سواء كان الصواب معه أو مع غيره، أو معهما عند من يقول: كل مجتهد مصيب ~~ولذلك أسباب: # منها: أن يكون الحديث يعتقده أحدهما ضعيفا، ويعتقده الآخر ثقة -ومعرفة ~~الرجال علم واسع- ثم قد يكون المصيب من يعتقد ضعفه لاطلاعه على سبب جارح، ~~وقد يكون الصواب مع الآخر لمعرفته أن ذلك السبب غير جارح، إما لأن جنسه غير ~~جارح أو لأنه كان له فيه عذر يمنع الجرح، وهذا باب واسع وللعلماء بالرجال ~~وأحوالهم في ذلك من الإجماع والاختلاف مثل ما لغيرهم من سائر أهل العلم في ~~علومهم. # ومنها: أن لا يعتقد أن المحدث سمع الحديث ممن حدث عنه وغيره يعتقد أنه ~~سمعه لأسباب توجب معروفة ذلك. ms310 # ومنها: أن يكون للمحدث حالان: حال استقامة وحال اضطراب، مثل أن يختلط أو ~~تحرق كتبه، فما حدث به في حال الاستقامة صحيح، وما حدث به حال الاضطراب ~~ضعيف، فلا يدري ذلك الحديث من أي النوعين. وقد علم غيره أنه مما حدث به في ~~حال الاستقامة. # PageV01P377 # ومنها: أن يكون المحدث قد نسي ذلك الحديث، فلم يذكره فيما بعد. أو أنكر ~~أن يكون حدثه معتقدا أن هذا علة توجب ترك الحديث، ويرى غيره أن هذا مما يصح ~~الاستدلال به، والمسألة معروفة. # ومنها: أن كثيرا من الحجازيين يرون أن لا يحتج بحديث عراقي أو شامي إن لم ~~يكن له أصل بالحجاز حتى قال قائلهم: "نزلوا أحاديث أهل العراق بمنزلة ~~أحاديث أهل الكتاب، لا تصدقوهم، ولا تكذبوهم". وقيل لآخر: "سفيان عن منصور ~~عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله حجة؟ " قال: إن لم يكن له أصل بالحجاز ~~فلا. وهذا لاعتقادهم أن أهل الحجاز ضبطوا السنة فلم يشذ عنهم منها شيء، وأن ~~أحاديث العراقيين وقع فيها اضطراب أوجب التوقف فيها، وبعض العراقيين يرى أن ~~لا يحتج بحديث الشاميين، وإن كان أكثر الناس على ترك التضعيف بهذا فمتى كان ~~الإسناد جيدا كان الحديث حجة سواء كان الحديث حجازيا أو عراقيا أو شاميا أو ~~غير ذلك. # وقد صنف أبو داود السجستاني كتابا في مفاريد أهل الأمصار من السنن، يبين ~~ما اختص به أهل كل مصر من الأمصار من السنن التي لا توجد مسنده عند غيرهم، ~~مثل المدينة ومكة والطائف ودمشق وحمص والكوفة والبصرة وغيرها إلى أسباب أخر ~~غير هذه. # السبب الرابع: # اشتراطه في خبر الواحد العدل الحافظ شروطا يخالفه فيها غيره مثل اشتراط ~~بعضهم عرض الحديث على الكتاب والسنة، واشتراط بعضهم أن يكون المحدث فقيها ~~إذا خالف قياس الأصول، واشتراط بعضهم انتشار الحديث وظهوره إذا كان فيما ~~تعم به البلوى إلى غير ذلك مما هو معروف في مواضعه. # السبب الخامس: # أن يكون الحديث قد بلغه وثبت عنده، لكن نسيه وهذا يرد في الكتاب والسنة، ~~مثل الحديث المشهور ms311 عن عمر -رضي الله عنه- أنه سئل عن الرجل يجنب في السفر ~~فلا يجد الماء. فقال: "لا يصلي حتى يجد الماء" فقال له عمار1: "يا ~~PageV01P378 # أمير المؤمنين أما تذكر إذ كنت أنا وأنت في الإبل فاجتنبنا، فأما أنا ~~فتمرغت كما تمرغ الدابة، وأما أنت فلم تصل، فذكرت ذلك للنبي -صلى الله عليه ~~وسلم- فقال: "إنما يكفيك هكذا" وضرب بيديه الأرض فمسح بها وجهه وكفيه. فقال ~~له عمر: "اتق الله يا عمار" فقال: "إن شئت لم أحدث به" فقال: "بل نوليك من ~~ذلك ما توليت" فهذه سنة شهدها عمر، ثم نسيها، حتى أفتى بخلافها، وذكره عمار ~~فلم يذكر، وهو لم يكذب عمارا، بل أمره أن يحدث به. وأبلغ من هذا أنه خطب ~~الناس فقال: "لا يزيد رجل على صداق أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~وبناته إلا رددته" فقالت امرأة: "يا أمير المؤمنين! بل تحرمنا شيئا أعطانا ~~الله إياه؟ ثم قرأت: {وآتيتم إحداهن قنطارا} 1. فرجع عمر إلى قولها، وقد ~~كان حافظا للآية ولكن نسيها. وكذلك ما روي عن عليا ذكر الزبير يوم الجمل ~~شيئا عهده إليهما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فذكره حتى انصرف عن ~~القتال، وهذا كثير في السلف والخلف. # السبب السادس: # عدم معرفته بدلالة الحديث، تارة لكون اللفظ الذي في الحديث غريبا عنده، ~~مثل لفظ: المزابنة، والمحاقلة، والمخابرة، والملامسة، والمنابذة، والغرر ~~إلى غير ذلك من الكلمات الغريبة التي قد يختلف العلماء في تفسيرها2، ~~وكالحديث المرفوع3: "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق". فإنهم قد فسروا الإغلاق ~~بالإكراه ومن يخالفه لا يعرف هذا التفسير وتارة لكون معناه في لغته وعرفه ~~غير معناه في لغة النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يحمله على ما يفهمه في ~~لغته، بناء على أن الأصل بقاء اللغة كما سمع بعضهم آثارا في الرخصة في ~~النبيذ فظنوه بعض أنواع المسكر لأنه لغتهم وإنما هو ما ينبذ لتحلية الماء ~~قبل أن يشتد فإنه جاء مفسرا في أحاديث كثيرة صحيحة، وسمعوا لفظ الخمر في ~~الكتاب والسنة فاعتقدوه عصير العنب المشتد خاصة بناء على ms312 أنه كذلك في ~~اللغة، وإن كان قد جاء من الأحاديث أحاديث صحيحة تبين أن الخمر اسم لكل ~~شراب مسكر وتارة لكون اللفظ PageV01P379 # مشتركا أو مجملا أو مترددا بين حقيقة ومجاز، فيحمله على الأقرب عنده وإن ~~كان المراد هو الآخر كما حمل جماعة من الصحابة في أول الأمر الخيط الأبيض ~~والخيط الأسود على الحبل، وكما حمل آخرون قوله: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم} ~~1. على اليد إلى الإبط، وتارة لكون الدلالة من النص خفية، فإن جهات دلالات ~~الأقوال متسعة جدا يتفاوت الناس في إدراكها وفهم وجوه الكلام بحسب منح الحق ~~سبحانه ومواهبه، ثم قد يعرفها الرجل من حيث العموم ولا يتفطن لكون هذا ~~المعنى داخلا في ذلك العام ثم قد يتفطن له تارة ثم ينساه بعد ذلك، وهذا باب ~~واسع جدا لا يحيط به إلا الله، وقد يغلط الرجل فيفهم من الكلام ما لا ~~تحتمله اللغة العربية التي بعث الرسول بها. # السبب السابع: # اعتقاده أن لا دلالة في الحديث، والفرق بين هذا وبين الذي قبله: أن الأول ~~لم يعرف جهة الدلالة والثاني عرف جهة الدلالة، لكن اعتقد أنها ليست دلالة ~~صحيحة بأن يكون له من الأصول ما يرد تلك الدلالة سواء كانت في نفس الأمر ~~صوابا أو خطأ مثل أن يعتقد أن العام المخصوص ليس بحجة وأن المفهوم ليس بحجة ~~وأن العموم الوارد على سبب مقصور على سببه أو أن الأمر المجرد لا يقتضى ~~الوجوب أو لا يقتضي الفور أو أن المعرف باللام لا عموم له، أو أن الأفعال ~~المنفية لا تنفي ذواتها ولا جميع أحكامها، أو أن المتقضى لا عموم له فلا ~~يدعى العموم في المضمرات والمعاني إلى غير ذلك مما يتسع القول فيه فإن شطر ~~أصول الفقه تدخل مسائل الخلاف منه في هذا القسم، وإن كانت الأصول المجردة ~~لم تحط بجميع الدلالات المختلف فيها، وتدخل فيه أفراد أجناس الدلالات هل هي ~~من ذلك الجنس أم لا مثل أن يعتقد أن هذا اللفظ المعين مجمل بأن يكون مشتركا ~~دلالة تعين أحد معنييه أو ms313 غير ذلك. # السبب الثامن: # اعتقاده أن تلك الدلالة قد عارضها ما دل على أنها ليست مرادة مثل معارضة ~~العام بخاص أو المطلق بمقيد أو الأمر المطلق بما ينفي الوجوب أو الحقيقة ~~بما PageV01P380 # يدل على المجاز إلى أنواع المعارضات. وهو باب واسع أيضا، فإن تعارض ~~دلالات الأقوال وترجيح بعضها على بعض بحر خضم. # السبب التاسع: # اعتقاده أن الحديث معارض بما يدل على ضعفه أو نسخة أو تأويله إن كان ~~قابلا للتأويل، بما يصلح أن يكون معارضا بالاتفاق مثل آية أو حديث آخر أو ~~مثل إجماع، وهذا نوعان: "أحدهما" أن يعتقد أن هذا المعارض راجح في الجملة، ~~فيتعين أحد الثلاثة من غير تعيين واحد منها، وتارة يعين أحدها بأن يعتقد ~~أنه منسوخ أو أنه مؤول ثم قد يغلط في النسخ، فيعتقد المتأخر متقدما، وقد ~~يغلط في التأويل بأن يحمل الحديث على ما يحتمله لفظه أو هناك ما يدفعه، ~~وإذا عارضه من حيث الجملة فقد لا يكون ذلك المعارض دالا وقد لا يكون الحديث ~~المعارض في قوة الأول إسنادا أو متنا وتجيء هنا الأسباب المتقدمة وغيرها في ~~الحديث الأول، والإجماع المدعى في الغالب إنما هو عدم العلم بالمخالف، وقد ~~وجدنا من أعيان العلماء من صاروا إلى القول بأشياء متمسكهم فيها عدم العلم ~~بالمخالف مع أن ظاهر الأدلة عندهم يقتضي خلاف ذلك، لكن لا يمكن العالم أن ~~يبتدئ قولا لم يعلم به قائلا -مع علمه- بأن الناس قد قالوا خلافه حتى إن ~~منهم من يعلق القول فيقول: إن كان في المسألة إجماع فهو أحق ما يتبع، وإلا ~~فالقول عندي كذا وكذا، وذلك مثل من يقول لا أعلم أحدا أجاز شهادة العبد ~~وقبولها محفوظ عن علي وأنس وشريح وغيرهم، ويقول أجمعوا على أن المعتق بعضه ~~لا يرث، وتوريثه محفوظ عن علي وابن مسعود، وفيه حديث1 حسن عن النبي، ويقول ~~آخر: لا أعلم أحدا أوجب الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- في الصلاة2 ~~وإيجابها محفوظ عن أبي جعفر الباقر، وذلك أن غاية كثير من العلماء أن يعلم ms314 ~~أهل العلم الذين أدركهم في بلاده وأقوال جماعات غيرهم كما تجد كثيرا من ~~المتقدمين لا يعلم إلا قول المدنيين والكوفيين، وكثيرا من المتأخرين لا ~~PageV01P381 # يعلم إلا قول اثنين أو ثلاثة من الأئمة المتبوعين، وما خرج عن ذلك فإنه ~~عنده مخالف الإجماع؛ لأنه لا يعلم به قائلا وما زال يقرع سمعه خلافه، فهذا ~~لا يمكنه أن يصير إلى حديث يخالف هذا لخوفه أن يكون هذا خلافا للإجماع أو ~~لاعتقاده أنه مخالف للإجماع -والإجماع أعظم الحجج- وهذا عذر كثير من الناس ~~في كثير مما يتركونه، وبعضهم معذور فيه حقيقة وبعضهم معذور فيه، وليس في ~~الحقيقة بمعذور وكذلك كثير من الأسباب قبله وبعده. # السبب العاشر: # معارضته بما يدل على ضعفه أو نسخة أو تأويله مما لا يعتقد غيره، أو جنسه ~~معارض أو لا يكون في الحقيقة معارضا راجحا، كمعارضة كثير من الكوفيين ~~الحديث الصحيح بظاهر القرآن، واعتقادهم أن ظاهر القرآن من العموم، ونحوه ~~مقدم على نص الحديث ثم قد يعتقد ما ليس بظاهر ظاهرا لما في دلالات القول من ~~الوجوه الكثيرة، ولهذا ردوا حديث الشاهد واليمين1، وإن كان غيرهم يعلم أن ~~ليس في ظاهر القرآن ما يمنع الحكم بشاهد ويمين ولو كان فيه ذلك، فالسنة هي ~~المفسرة للقرآن عندهم، وللشافعي في هذه القاعدة كلام معروف، ولأحمد فيها ~~رسالته المشهورة في الرد على من يزعم الاستغناء بظاهر القرآن عن تفسير سنة ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد أورد فيها من الدلائل ما يضيق هذا ~~الموضع عن ذكره، ومن ذلك دفع الخبر الذي هو تخصيص لعموم الكتاب أو تقييد ~~لمطلقة أو فيه زيادة عليه، واعتقاد من يقول ذلك أن الزيادة على النص كتقييد ~~المطلق نسخ، وأن تخصيص العام نسخ وكمعارضه طائفة من المدنيين الحديث الصحيح ~~بعمل أهل المدينة بناء على أنهم مجمعون على مخالفة الخبر، وأن إجماعهم حجة ~~مقدمة على الخبر، كمخالفة أحاديث خيار المجلس بناء على هذا الأصل وإن كان ~~أكثر الناس قد يثبتون أن المدنيين قد اختلفوا في تلك المسألة، وأنهم لو ~~أجمعوا وخالفهم ms315 غيرهم لكانت الحجة في الخبر، وكمعارضة قوم من البلدين بعض ~~الأحاديث بالقياس الجلي، بناء على أن القواعد الكلية لا تنقض بمثل هذا ~~الخبر إلى غير ذلك من أنواع المعارضات سواء كان المعارض مصيبا أو مخطئا. ~~PageV01P382 # "فهذه الأسباب العشرة ظاهرة. وفي كثير من الأحاديث يجوز أن يكون للعالم ~~حجة في ترك العمل بالحديث، لم نطلع نحن عليها فإن مدارك العلم، واسعة ولم ~~نطلع نحن على جميع ما في بواطن العلماء، والعالم قد يبدي حجته وقد لا ~~يبديها وإذا أبداها قد تبلغنا وقد لا تبلغ، وإذا بلغتنا فقد ندرك موضع ~~احتجاجه وقد لا ندركه سواء كانت الحجة صوابا في نفس الأمر أم لا، لكن نحن ~~وإن جوزنا هذا فلا يجوز لنا أن نعدل عن قول ظهرت حجته بحديث صحيح وافقه ~~طائفة من أهل العلم إلى قول آخر قاله عالم يجوز أن يكون معه ما يدفع به هذه ~~الحجة، وإن كان أعلم إذ تطرق الخطأ إلى آراء العلماء أكثر من تطرقه إلى ~~الأدلة الشرعي فإن الأدلة الشرعية حجة الله على جميع عباده بخلاف رأي ~~العالم، والدليل الشرعي يمتنع أن يكون خطأ إذا لم يعارضه دليل آخر ورأي ~~العالم ليس كذلك، ولو كان العمل بهذا التجويز جائزا لما بقي في أيدينا شيء ~~من الأدلة التي يجوز فيها مثل هذا لكن الغرض أنه في نفسه قد يكون معذورا في ~~تركه له، ونحن معذورون في تركنا لهذا الترك وقد قال سبحانه: {تلك أمة قد ~~خلت لها ما كسبت} . # وقال سبحانه: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} وليس لأحد أن ~~يعارض الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بقول أحد من الناس كما قال ابن ~~عباس -رضي الله عنهما- لرجل سأله من مسألة فأجابه فيها بحديث فقال له: قال ~~أبو بكر، وعمر ... فقال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، ~~أقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتقولون: قال أبو بكر، وعمر، ~~وإذا كان الترك بكونه لبعض هذه الأسباب فإذا جاء حديث صحيح فيه تحليل ms316 أو ~~تحريم أو حكم فلا يجوز أن يعتقد أن التارك له -من العلماء الذين وصفنا ~~أسباب تركهم- يعاقب لكونه حلل الحرام أو حرم الحلال أو حكم بغير ما أنزل ~~الله، وكذلك إن كان في الحديث وعيد على فعل من لعنه أو غضب أو عذاب ونحو ~~ذلك فلا يجوز أن يقول إن ذلك العالم الذي أباح هذا أو فعله داخل في هذا ~~الوعيد، وهذا مما لا نعلم بين الأمة فيه خلافا إلا شيئا عن بعض معتزلة ~~بغداد مثل المريسي وإضرابه أنهم زعموا أن المخطئ من # PageV01P383 # المجتهدين يعاقب على خطئه، وهذا1 لأن لحوق الوعيد لمن فعل المحرم مشروط ~~بعلمه بالتحريم أو بتمكنه من العلم بالتحريم. فإن من نشأ ببادية، أو كان ~~حديث عهد بالإسلام، أو فعل شيئا من المحرمات، غير عالم بتحريمها لم يأثم ~~ولم يحد، وإن لم يستند في استحلاله إلى دليل شرعي فمن لم يبلغه الحديث ~~المحرم، واستند في الإباحة إلى دليل شرعي أولى أن يكون معذورا، ولهذا كان ~~هذا مأجورا محمودا لأجل اجتهاده قال الله سبحانه: {داوود وسليمان} إلى قوله ~~{وعلما} فاختص سليمان بالفهم وأثنى عليهما بالحكم والعلم. وفي الصحيحين عن ~~عمرو بن العاص -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا ~~اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر" فتبين أن المجتهد ~~مع خطئه له أجر وذلك لأجل اجتهاده، وخطؤه مغفور له لأن درك الصواب في جميع ~~أعيان الأحكام إما متعذر أو متعسر، وقد قال تعالى: {وما جعل عليكم في الدين ~~من حرج} وقال تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} وفي ~~الصحيحين عن النبي أنه قال لأصحابه عام الخندق: "لا يصلين أحد العصر إلا في ~~بني قريظة" فأدركهم صلاة العصر في الطريق فقال بعضهم: لا نصلي إلا في بني ~~قريظة وقال بعضهم: لم يرد منا هذا فصلوا في الطريق فلم يعب واحدة من ~~الطائفتين فالأولون تمسكوا بعموم الخطاب فجعلوا صورة الفوات داخلة في ~~العموم، والآخرون كان معهم من الدليل ما يوجب خروج هذه ms317 الصورة عن العموم ~~فإن المقصود المبادرة إلى القوم، وهي مسألة اختلف فيها الفقهاء اختلافا ~~مشهورا هل يخص العموم بالقياس، ومع هذا فالذين صلوا في الطريق كانوا أصوب، ~~وكذلك بلال -رضي الله عنه- لما باع الصاعين بالصاع أمره النبي برده ولم ~~يرتب على ذلك حكم آكل الربا من التفسيق واللعن والتغليظ لعدم علمه كان ~~بالتحريم، وكذلك عدي بن حاتم وجماعة من الصحابة لما اعتقدوا أن قوله تعالى: ~~{حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود} معناه الحبال البيض والسود ~~فكان أحدهم يجعل عقالين: أبيض وأسود ويأكل حتى يتبين أحدهما من PageV01P384 # الآخر، فقال النبي لعدي1: "إن وسادك إذن لعريض، إنما هو بياض النهار ~~وسواد الليل" فأشار إلى عدم فقهه لمعنى الكلام ولم يرتب على هذا الفعل ذم ~~من أفطر في رمضان، وإن كان من أعظم الكبائر بخلاف الذين أفتوا المشجوج في ~~البرد بوجوب الغسل فاغتسل فمات فإنه قال2: "قتلوه قتلهم الله هلا سألوا إذ ~~لم يعلموا إنما شفاء العي السؤال" فإن هؤلاء أخطئوا بغير اجتهاد إذ لم ~~يكونوا من أهل العلم وكذلك لم يوجب على أسامة بن زيد قودا ولا دية ولا ~~كفارة لما قتل الذي قال: "لا إله إلا الله" في غزوة الحرقات3 فإنه كان ~~معتقدا جواز قتله بناء على أن هذا الإسلام ليس بصحيح مع أن قتله حرام، وعمل ~~بذلك السلف وجمهور الفقهاء في أن ما استباحه أهل البغي من دماء أهل العدل ~~بتأويل سائغ لم يضمن بقود، ولا دية ولا كفارة وإن كان قتلهم وقتالهم محرما، ~~وهذا الشرط الذي ذكرناه في لحوق الوعيد لا يحتاج أن يذكر في كل خطاب ~~لاستقرار العلم به في القلوب كما أن الوعد على العمل مشروط بإخلاص العمل ~~لله، وبعدم حبوط العمل بالردة ثم إن هذا الشرط لا يذكر في كل حديث فيه وعد ~~ثم حيث قدر قيام الموجب للوعيد فإن الحكم يتخلف عنه الوعيد لمانع، وموانع ~~لحوق الوعيد متعددة؛ منها التوبة ومنها الاستغفار ومنها الحسنات الماحية ~~للسيئات ومنها بلاء الدنيا ومصائبها ومنها شفاعة شفيع ms318 مطاع ومنها رحمة أرحم ~~الراحمين، فإذا عدمت هذه الأسباب كلها -ولن تعدم إلا في حق من عتا وتمرد ~~وشرد على الله شراد البعير على أهله- فهنالك يلحق الوعيد به وذلك أن حقيقة ~~الوعيد بيان أن هذا العمل سبب في هذا العذاب فيستفاد من ذلك تحريم الفعل ~~وقبحه أما أن كل شخص قام به ذلك السبب يجب وقوع ذلك المسبب به فهذا باطل ~~قطعا لتوقف ذلك المسبب على وجود الشرط، وزوال جميع الموانع وإيضاح هذا أن ~~من ترك العمل بحديث فلا يخلو من ثلاثة أقسام: # "إما أن يكون تركا جائزا باتفاق المسلمين، كالترك في حق من لم يبلغه ولا ~~قصر في الطلب مع حاجته إلى الفتيا أو الحكم، كما ذكرناه عن الخلفاء ~~الراشدين وغيرهم، PageV01P385 # فهذا لا يشك مسلم أن صاحبه لا يلحقه من معرة الترك شيء. # "وإما أن يكون تركا غير جائز. فهذا لا يكاد يصدر من الأئمة إن شاء الله ~~تعالى لكن الذي قد يخاف على بعض العلماء، أن يكون الرجل قاصرا في درك تلك ~~المسألة فيقول مع عدم أسباب القول، وإن كان له فيها نظر واجتهاد، أو يقصر ~~في الاستدلال فيقول قبل أن يبلغ النظر نهايته مع كونه متمسكا بحجة أو يغلب ~~عليه عادة أو غرض بمنعه من استيفاء النظر لينظر فيما يعارض ما عنده، وإن ~~كان لم يقل إلا بالاجتهاد، والاستدلال فإن الحد الذي يجب أن ينتهي إليه ~~الاجتهاد قد ينضبط للمجتهد، ولهذا كان العلماء يخافون مثل هذا خشية أن لا ~~يكون الاجتهاد المعتبر قد وجد في تلك المسألة المخصوصة فهذه ذنوب، لكن لحوق ~~عقوبة الذنب بصاحبه إنما تنال لمن لم يتب، وقد يمحوها الاستغفار والإحسان ~~والبلاء والشفاعة والرحمة ولم يدخل في هذا من يغلبه الهوى ويصرعه حتى ينصر ~~ما يعلم أنه باطل أو من يجزم بصواب قول أو خطئة من غير معرفة منه بدلائل ~~ذلك القول نفيا وإثباتا فإن هذين في النار كما قال النبي -صلى اله عليه ~~وسلم1: "القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة؛ فأما ms319 الذي في الجنة ~~فرجل علم الحق فقضى به، وأما اللذان في النار فرجل قضى للناس على جهل ورجل ~~علم الحق وقضى بخلافه" والمفتون كذلك لكن لحوق الوعيد للشخص المعين أيضا له ~~موانع كما بيناه فلو فرض وقوع بعض هذا من بعض الأعيان من العلماء المحمودين ~~عند الأمة مع أن هذا بعيد أو غير واقع لم يعدم أحدهم هذه الأسباب، ولو وقع ~~لم يقدح في إمامتهم على الإطلاق فإنا لا نعتقد في القوم العصمة، بل نجوز ~~عليهم الذنوب ونرجو لهم مع ذلك أعلى الدرجات لما اختصهم الله به من الأعمال ~~الصالحة والأحوال السنية، وأنهم لم يكونوا مصرين على ذنب، وليسوا بأعلى ~~درجة من الصحابة -رضي الله عنهم- والقول فيهم كذلك فيما اجتهدوا فيه من ~~الفتاوى والقضايا والدماء التي كانت بينهم وغير ذلك، ثم إنهم مع العلم بأن ~~التارك الموصوف معذور بل مأجور لا يمنعنا أن نتبع الأحاديث الصحيحة التي لم ~~نعلم لها معارضا يدفعها، وأن نعتقد وجوب العمل بها على الأمة ووجوب ~~تبليغها، وهذا مما لا يختلف العلماء فيه" انتهى المقصود من هذا البحث من ~~فتوى شيخ الإسلام، ولها تتمة بديعة فلتنظر. PageV01P386 ### | الخاتمة في فوائد متنوعة يضطر إليها الأثري: ### $ 1- سبيل الترقي في علوم الدين: # قال الإمام تقي الدين رحمه الله في إحدى وصاياه: "جماع الخير أن يستعين ~~بالله سبحانه وتعالى في تلقي العلم المأثور عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~فإنه الذي يستحق أن يسمى علما، وما سواه إما أن يكون علما ولا يكون نافعا، ~~وإما أن لا يكون علما وإن سمي به، ولئن كان علما نافعا فلأن يكون في ميراث ~~محمد ما يغني عنه مما هو مثله وخير منه، وليكن همته فهم مقاصد الرسول في ~~أمره ونهيه وسائر كلامه، فإذا اطمأن قلبه أن هذا هو مراد الرسول فلا يعدل ~~عنه فيما بينه وبين الله تعالى ولا مع الناس إذا أمكنه ذلك، وليجهد أن ~~يعتصم في كل باب من أبواب العلم بأصل مأثور من النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~وإذا اشبته عليه مما قد ms320 اختلف في الناس فليدع بما رواه مسلم في صحيحه عن ~~عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقول إذا قام ~~يصلي من الليل: "الله رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات، والأرض ~~عالم الغيث والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما ~~اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" فإن الله تعالى ~~قال فيما رواه عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "يا عبادي كلكم ضال إلا ~~من هديته فاستهدوني أهدكم". ا. ه. # PageV01P387 ### $ 2- قاعدة المحققين في مسائل الدين وعلماء الفرق: # قال المحقق ابن القيم رحمه الله في كتابه طريق الهجرتين: "إن عادتنا في ~~مسائل الدين كلها، دقها وجلها، أن نقول بموجبها، ولا نضرب بعضها ببعض، ولا ~~نتعصب لطائفة على طائفة بل نوافق كل طائفة على ما معها من الحق، ونخالفها ~~فيما معها من خلاف الحق لا نستثني من ذلك طائفة ولا مقالة، ونرجو من الله ~~أن نحيا على ذلك ونموت عليه، ونلقى الله به ولا قوة إلا بالله". ا. ه. # وقال حكيم مصره بل عصره الشيخ محمد عبده مفتي مصر، في كتاب الإسلام ~~والنصرانية مع العلم والمدنية في مبحث: "سماحة الإسلام" ما لفظه: "آخذ بيد ~~القارئ الآن وأرجع به إلى ما مضى من الزمان، وأقف به وقفه بين يدي خلفاء ~~بني أمية والأئمة من بني العباس ووزرائهم والفقهاء والمتكلون والمحدثون ~~والأئمة المجتهدون من حولهم، والأدباء والمؤرخون والأطباء والفلكيون ~~والرياضيون والجغرافيون والطبيعيون، وسائر أهل النظر من كل قبيل مطيفون ~~بهم، وكل مقبل على عمله فإذا فرغ عامل من العمل أقبل على أخيه ووضع يده في ~~يده يصافح الفقية المتكلم والمحدث الطبيب والمجتهد الرياضي والحكم، وكل يرى ~~في صاحبه عونا على ما يشتغل هو به، وهكذا أدخل به بيتا من بيوت العلم فأجد ~~جميع هؤلاء سواء في ذلك البيت يتحادثون ويتباحثون، والإمام البخاري حافظ ~~السنة بين يدي الحسن البصري شيخ السنة من التابعين يتلقى عنه، وقد سئل ~~الحسن عنه فقال للسائل: "لقد ms321 سألت عن رجل كأن الملائكة أدبته، وكأن ~~الأنبياء ربته إن قام بأمر قعد به، وإن قعد بأمر قام به وإن أمر بشيء كان ~~ألزم الناس له، وإن نهى عن شيء كان أترك الناس له ما رأيت ظاهرا أشبه بباطن ~~منه، ولا باطنا أشبه بظاهر منه" بل أرفع بصري فأجد الإمام أبا حنيفة أمام ~~الإمام زيد بن علي صاحب مذهب الزيدية من الشيعة يتعلم منه أصول العقائد ~~والفقه، ولا يجد أحدهم من الأخر إلا ما يجد # PageV01P388 # صاحب الرأي في حادثة ممن ينازعه فيه اجتهادا في بيان المصلحة، وهما من ~~أهل بيت واحد أمر به بين تلك الصفوف التي كانت تختلف وجهتها في الطلب ~~وغايتها واحدة، وهي العلم، وعقيدة كل واحد منهم أن: "فكر ساعة خير من عبادة ~~ستين سنة"1 كما ورد في بعض الأحاديث. # ثم قال: الخلفاء أئمة في الدين مجتهدون، وبأيديهم القوة، وتحت أمرهم ~~الجيش، والفقهاء والمحدثون والمتكلمون والأئمة المجتهدون الآخرون، هم قادة ~~أهل الدين ومن جند الخلفاء الدين في قوته والعقيدة في أوج سلطانها، وسائر ~~العلماء ممن ذكرنا بعدهم يتمتعون في أكنافهم بالخير والسعادة ورفه العيش ~~وحرية الفكر، لا فرق في ذلك بين من كان من دينهم، ومن كان من دين آخر فهناك ~~يشير القارئ المنصف إلى أولئك المسلمين، وأنصار ذلك الدين، ويقول ها هنا ~~يطلق اسم التسامح مع العلم في حقيقته ها هنا يوصف الدين بالكرم، والحلم ها ~~هنا يعرف كيف يتفق الدين مع المدينة عن هؤلاء العلماء الحكماء تؤخذ فنون ~~الحرية في النظر، ومنهم تهبط روح المسألة بين العقل الوجدان أو بين العقل ~~والقلب، كما يقولون يرى القارئ أنه لم يكن جلاد بين العلم والدين، وإنما ~~كان بين الله أهل العلم بين أهل الدين شيء من التخالف في الآراء شأن ~~الأحرار في الأفكار لا الذين أطلقوا من غل التقليد، وعوفوا من علة التقليد، ~~ولم يكن يجري فيما بينهم اللمز والتنابر بالألقاب، فلا يقول أحد منهم لآخر ~~إنه زنديق أو كافر أو مبتدع أو ما يشبه ذلك، ولا ms322 تتناول أحدا منهم يد بأذى ~~إلا إذا خرج عن نظام الجماعة، وطلب الإجلال بأمن العامة فكان كالعضو المجذم ~~فيقطع ليذهب ضرره عن البدن كله. # ثم قال بعد ذلك تحت عنوان: "ملازمة العلم للدين، وعدوى التعصب في ~~المسلمين" ما صورته "متى ولع المسلمون بالتكفير والتفسيق، ورمى زيد بأنه ~~زنديق؟ أشرنا فيما سبق إلى مبدأ هذا المرض، ونقول الآن: إن ذلك بدأ فيهم ~~عندما بدأ الضعف في الدين يظهر بينهم وأكلت الفتن أهل البصيرة من أهله -تلك ~~الفتن التي كان يثيرها أعداء الدين في الشرق، وفي الغرب لخفض سلطانه وتوهين ~~أركانه- وتصدر للقول في الدين برأيه من لم تمتزج روحه PageV01P389 # بروح الدين، وأخذ المسلمون يظنون أن من البدع في الدين ما يحسن إحداثه ~~لتعظيم شأنه تقليدا لمن كان بين أيديهم من الأمم المسيحية وغيرها، وأنشئوا ~~ينسون ماضي الدين، ومقالات سلفهم فيه ويكتفون برأي من يرونه من المتصدرين ~~المتعالين، وتولى شئون المسلمين جهالهم وقام بإرشادهم في الأغلب ضلالهم في ~~أثناء ذلك حدث الغلو في الدين، واستعرت نيران العداوات بين النظار فيه، ~~وسهل كل منهم لجهله بدينه أن يرمي الآخر بالمروق منه لأدنى سبب، وكلما ~~ازدادوا جهلا بدينهم ازدادوا غلوا فيه بالباطل، ودخل العلم والفكر والنظر ~~-وهي لوازم الدين الإسلامي- في جملة ما كرهوه وانقلب عندهم ما كان واجبا من ~~الدين محظورا فيه". # PageV01P390 ### $ 3- وصية الغزالي في معاملة المتعصب: # قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في كتابه فيصل التفرقة، في تتمة ~~الفصل الأول، بعد حكمه على من يتخبط في الجواب، ويعجز عن كشف الغطاء بأنه ~~ليس من أهل النظر، وإنما هو مقلد ما نصه: "وشرط المقلد أن يسكت ويسكت عنه؛ ~~لأنه قاصر عن سلوك طريق الحجاج، ولو كان أهلا له كان مستتبعا لا تابعا، ~~وإماما لا مأموما، فإن خاض المقلد في المحاجة فذلك منه فضول، والمشتغل به ~~صار كضارب في حديد بارد، وطالب لصلاح الفاسد، وهل يصلح العطار ما أفسد ~~الدهر؟ ". # وقال رحمه الله في موضع آخر منه: "فإذا رأيت الفقيه الذي بضاعته مجرد ~~الفقه يخوض في ms323 التكفير والتضليل، فأعرض عنه، ولا تشغل به قلبك ولسانك، فإن ~~التحدي بالعلوم غريزة في الطبع لا يصبر عنه الجهال ولأجله كثر الخلاف بين ~~الناس، ولو ينكث من الأيدي من لا يدري لقل الخلاف بين الخلق". # أقول: هذا بمعنى قول سقراط: لو سكت من لا يعلم لسقط الاختلاف. # وقال الغزالي قدس سره في كتابه "المنقذ من الضلال"1: "لا مطمع في الرجوع ~~إلى التقليد بعد مفارقته؛ إذ من شرط المقلد أن لا يعلم أنه مقلد، فإذا علم ~~ذلك انكسرت زجاجة تقليده وهو شعب لا يرأب، وشعث لا يلم بالتلفيق، والتأليف ~~إلا أن يذاب بالنار، ويستأنف لها صيغة أخرى مستجدة". ا. ه. PageV01P390 ### $ 4- بيان من يسلم من الأغلاط: # قال الإمام السيد مرتضى اليماني في كتابه إيثار الحق: "واعلم أنه لا يكاد ~~يسلم من هذه الأغلاط إلا أحد رجلين؛ إما رجل ترك البدعة كلها، والتمذهب ~~والتقاليد والاعتزاء إلى المذاهب والأخذ من التعصب بنصيب، وبقي مع الكتاب ~~والسنة كرجل نشأ قبل حدوث المذاهب، ولم يعبر عن الكتاب والسنة بعبارة منه ~~مبتدعة، واستعان بالله وأنصف ووقف في مواقف التعارض والاشتباه، ولم يدع علم ~~ما لم يعلم، ولا تكلف ما لا يحسن، وهذا هو مسلك البخاري، وأئمة السنة غالبا ~~في ترجمة تصدير الأبواب، وفي العقائد بالآيات القرآنية والأخبار النبوية، ~~كما صنع في أبواب القدر وكتاب التوحيد والرد على الجهمية وأبواب المشيئة، ~~ورجل أتقن العلمين: العقلي والسمعي، وكان من أئمتهما معا بحيث يرجع إليه ~~أئمتهما في وقائعهما ومشكلاتهما مع حسن قصد وورع وإنصاف وتحر للحق فهذا لا ~~تخلف عنه هداية الله وإعانته، وأما من عادى أحد هذين العلمين، وعادى أهله ~~ولم يكن على الصفة الأولى من لزوم ما يعرف وترك ما لا يعرف، فإنه لا بد أن ~~تدخل عليه البدع والأغلاط والشناعات" # PageV01P391 ### | تتمة في مقصدين ### | 1- # المقصد الأول: # في أن طلب الحديث أن يتقى به الله عز وجل، وأن طلب الشارع للعمل لكونه ~~وسيلة إلى التعبد به. # قال العلامة أبو إسحاق الشاطبي في الموافقات في مقدمتها السابعة: "كل علم ~~شرعي، ms324 فطلب الشارع له إنما يكون من حيث هو وسيلة إلى التعبد به لله تعالى، ~~لا من جهة أخرى فإن ظهر فيه اعتبار جهة أخرى فبالتبع". ثم ساق الأدلة على ~~ذلك، ومنها أن الشرع إنما جاء بالتعبد وهو المقصود من بعثة الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام، وجود الكلام في ذلك على عادته رحمه الله ثم قال في المقدمة ~~الثامنة: "العلم الذي هو العلم المعتبر شرعا أعني الذي مدح الله ورسوله ~~أهله على الإطلاق هو العلم الباعث على العمل الذي لا يخلي صاحبه جاريا مع ~~هواه كيفما كان، بل هو المقيد لصاحبه بمقتضاه الحامل له على قوانينه طوعا ~~أو كرها، ومعنى هذه الجملة أن أصل العلم في طلبه، وتحصيله على ثلاثة مراتب: # المرتبة الأولى: الطالبون له ولما يحصلوا على كماله بعد، وإنما هم في ~~طلبه في رتبه التقليد فهؤلاء إذا دخلوا في العمل به فبمقتضى الحمل ~~التكليفي، والحث الترغيبي والترهيبي، وعلى مقدار شدة التصديق يخف ثقل ~~التكليف، فلا يكتفي العلم ها هنا بالحمل دون أمر آخر خارج مقوله من زجر أو ~~قصاص أو حد أو تعزير أو ما جرى هذا المجرى، ولا احتياج ها هنا إلى إقامة ~~برهان على ذلك إذ التجربة الجارية في الخلق قد أعطت هذه المرتبة برهانا لا ~~يحتمل النقيض بوجه. # والمرتبة الثانية: الواقفون منه على براهينه ارتفاعا عن حضيض التقليد ~~المجرد، واستبصارا فيه، حسبما أعطاه شاهد النقل الذي يصدقه العقل تصديقا ~~يطمئن إليه ويعتمد عليه إلا أنه بعد منسوب إلى العقل لا إلى النفس بمعنى ~~أنه لم يصر كالوصف الثابت للإنسان # PageV01P393 # وإنما هو كالأشياء المكتسبة، والعلوم المحفوظة التي يتحكم عليها العقل ~~ويعتمد في استجلابها حتى تصير من جملة مودعاته. فهؤلاء إذا دخلوا في العمل ~~خف عليهم خفة أخرى زائدة على مجرد التصديق في المرتبة الأولى، بل لا نسبة ~~بينهما؛ إذ هؤلاء يأبى لهم البرهان المصدق أن يكذبوا، ومن جملة التكذيب ~~الخفي العمل على مخالفة العلم الحاصل لهم، ولكنهم حين لم يصر لهم كالوصف ~~ربما كانت أوصافهم الثابته من الهوى ms325 والشهوة الباعثة الغالبة أقوى ~~الباعثين، فلا بد من الافتقار إلى أمر زائد من خارج غير أنه يتسع في حقهم ~~فلا يقتصر فيه على مجرد الحدود والتعزيرات، بل ثم أمور أخرى كمحاسن ~~العادات، ومطالبة المراتب التي بلغوها بما يليق بها، وأشباه ذلك، وهذه ~~المرتبة أيضا يقوم البرهان عليها من التجربة إلا أنها أخفى مما قبلها ~~فيحتاج إلى فضل نظر موكول إلى ذوي النباهة في العلوم الشرعية، والأخذ في ~~الإنصافات السلوكية. # والمرتبة الثالثة: الذين صار لهم العلم وصفا من الأوصاف الثابتة، بمثابة ~~الأمور البديهية في المعقولات الأولى أو تقاربها، ولا ينظر إلى طريق ~~حصولها، فإن ذلك لا يحتاج إليه، فهؤلاء لا يخليهم العلم وأهواءهم إذا تبين ~~لهم الحق، بل يرجعون إليه رجوعهم إلى دواعيهم البشرية وأوصافهم الخلقية، ~~وهذه المرتبة هي المترجم لها، والدليل على صحتها من الشريعة كثير كقوله ~~تعالى1: {أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ~~ربه} ثم قال1: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} الآية. فنسب ~~هذه المحاسن إلى أولي العلم من أجل العلم لا من أجل غيره. وقال تعالى2: ~~{الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ~~ربهم} والذين يخشون ربهم هم العلماء لقوله3: {إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء} وقال تعالى4: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من ~~الدمع مما عرفوا من الحق} الآية. ولما كان السحرة قد بلغوا في علم السحر ~~مبلغ PageV01P394 # الرسوخ فيه، وهو معنى هذه المرتبة بادروا إلى الانقياد والإيمان حين ~~عرفوا من علمهم أن ما جاء به موسى عليه السلام حق ليس بالسحر ولا الشعوذة، ~~ولم يمنعهم من ذلك التخويف ولا التعذيب الذي توعدهم به فرعون وقال تعالى1: ~~{وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} فحصر تعقلها في ~~العالمين. وهو قصد الشارع من ضرب الأمثال، وقال2: {أفمن يعلم أنما أنزل ~~إليك من ربك الحق كمن هو أعمى} ثم وصف أهل العلم بقوله3: {الذين يوفون بعهد ~~الله} إلى آخر الأوصاف ms326 وحاصلها يرجع إلى أن العلماء هم العاملون وقال في ~~أهل الإيمان -والإيمان من فوائد العلم- {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله ~~وجلت قلوبهم} 4 إلى أن قال5: {أولئك هم المؤمنون حقا} . ومن هذا قرن ~~العلماء في العمل بمقتضى العلم بالملائكة الذين {لا يعصون الله ما أمرهم ~~ويفعلون ما يؤمرون} 6 فقال تعالى7: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو} فشهادة الله تعالى وفق علمه ظاهرة ~~التوافق إذ التخالف محال وشهادة الملائكة على وفق ما علموا صحيحة لأنهم ~~محفوظون من المعاصي وأولو العلم أيضا كذلك من حيث حفظوا بالعلم، وقد كان ~~الصحابة -رضي الله عنهم- إذا نزلت عليهم آية فيها تخويف أحزنهم ذلك وأقلقهم ~~حتى يسألوا النبي -صلى الله عليه وسلم- كنزول آية البقرة8: {وإن تبدوا ما ~~في أنفسكم أو تخفوه} الآية وقوله9: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} ~~الآية، وإنما القلق والخوف من آثار العلم بالمنزل والأدلة أكثر من إحصائها ~~هنا وجميعها يدل على أن العلم المعتبر هو الملجئ إلى العمل به، فإن قيل هذا ~~غير ظاهر من وجهين: # أحدهما: أن الرسوخ في العلم، إما أن يكون صاحبه محفوظا به من المخالفة أو ~~لا؛ فإن لم يكن كذلك فقد استوى أهل هذه المرتبة مع من قبلهم ومعناه أن ~~العلم بمجرده PageV01P395 # غير كاف في العمل به، ولا ملجئ إليه؛ وإن كان محفوظا به من المخالفة لزم ~~أن لا يعصي العالم إذا كان من الراسخين فيه، لكن العلماء تقع منهم المعاصي ~~ما عدا الأنبياء عليهم السلام، ويشهد لهذا في أعلى الأمور قوله تعالى في ~~الكفار1: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} . وقال2: {الذين ~~آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق ~~وهم يعلمون} . وقال3: {وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم ~~يتولون من بعد ذلك} وقال4: {ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من ~~خلاق} ثم قال: {ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون} وسائر ما في هذا ~~المعنى فأثبت ms327 لهم المعاصي والمخالفات مع العلم فلو كان العلم صادا عن ذلك ~~لم يقع. # والثاني: ما جاء في ذم العلماء السوء وهو كثير، ومن أشد ما فيه قوله عليه ~~السلام5: "إن أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه" وفي ~~القرآن6: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب} وقال7: ~~{إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى} الآية. وقال8: {إن الذين ~~يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا} الآية. وحديث ~~الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة والأدلة فيه كثيرة، ~~وهو ظاهر في أن أهل العلم غير معصومين بعلهم، ولا هو ما يمنعهم عن إتيان ~~الذنوب فكيف يقال إن العلم مانع من العصيان فالجواب عن الأول أن الرسوخ في ~~العلم يأبى للعالم أن يخالفه بالأدلة المتقدمة، وبدليل التجربة العادية لأن ~~ما صار كالوصف الثابت لا يصرف صاحبه إلا على وفقه اعتيادا فإن تخلف فعلى ~~أحد ثلاثة أوجه PageV01P396 # الأول: مجرد العناد، فقد يخالف فيه مقتضى الطبع الجبلي، فغيره أولى؛ وعلى ~~ذلك دل قوله تعالى1: {وجحدوا بها} الآية وقوله تعالى: {ود كثير من أهل ~~الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين ~~لهم الحق} وأشباه ذلك، والغالب على هذا الوجه أن لا يقع إلا لغلبة هوى من ~~حب دنيا أوجاه أو غيره ذلك، بحيث يكون وصف الهوى قد غمر القلب حتى لا يعرف ~~معروفا ولا ينكر منكرا. # الثاني: الفلتات الناشئة عن الغفلات التي لا ينجو منها البشر، فقد يصير ~~العالم بدخوله الغفلة غير عالم وعليه يدل عند جماعة قوله تعالى2: {إنما ~~التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب} الآية. وقال ~~تعالى3: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} ~~ومثل هذا الوجه لا يعترض على أصل المسألة كما لا يعترض نحوه على سائر ~~الأوصاف الجبلية فقد لا تبصر العين ولا تسمع الأذن لغلبة فكر أو غفلة أو ~~غيرهما فترتفع ms328 في الحال منفعة العين والأذن حتى يصلب، ومع ذلك لا يقال إنه ~~غير مجبول على السمع والإبصار فما نحن فيه كذلك. # الثالث: كونه ليس من أهل هذه المرتبة، فلم يصر العلم له وصفا أو كالوصف ~~مع عده من أهلها وهذا يرجع إلى غلط في اعتقاد العالم في نفسه أو اعتقاد ~~غيره فيه، ويدل عليه قوله تعالى4: {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من ~~الله} . وفي الحديث5: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس" إلى ~~أن قال: "اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" ~~وقوله6: "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرفة أشدها فتنة على أمتي الذين ~~يقيسون الأمور بآرائهم" الحديث. PageV01P397 # فهؤلاء وقعوا في المخالفة بسبب ظن الجهل علما، فليسوا من الراسخين في ~~العلم ولا ممن صار لهم كالوصف، وعند ذلك لا حفظ لهم في العلم فلا اعتراض ~~بهم فأما من خلا عن هذه الأوجه الثلاثة فهو الداخل تحت حفظ العلم حسبما ~~نصته الأدلة، وفي هذا المعنى من كلام السلف كثير وقد روي عن النبي -صلى ~~الله عليه وسلم- أنه قال1: "إن لكل شيء إقبالا وإدبارا وإن لهذا الدين ~~إقبالا وإدبارا، وإن من إقبال هذا الدين ما بعثني الله به حتى إن القبيلة ~~لتتفقه من عند أسرها، أو قال آخرها حتى لا يكون فيها إلا الفاسق أو ~~الفاسقان فهما مقموعان ذليلان إن تكلما أو نطقا قمعا وقهرا واضطهدا" الحديث ~~وفي الحديث2: "سيأتي على أمتي زمان يكثر القراء ويقل الفقهاء ويقبض العلم ~~ويكثر الهرج" إلى أن قال: "ثم يأتي من بعد ذلك زمان يقرأ القرآن رجال من ~~أمتي لا يجاوز تراقيهم ثم يأتي من بعد ذلك زمان يجادل المنافق المشرك يمثل ~~ما يقوله" وعن علي: "يا حملة العلم اعملوا به فإن العالم من علم ثم عمل ~~ووافق عليه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم تخالف ~~سريرتهم علانيتهم ويخالف علمهم عملهم يقعدون حلقا يباهي بعضهم بعضا حتى إن ~~الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه، ms329 أولئك لا تصعد أعمالهم تلك ~~إلى الله عز وجل" وعن ابن مسعود: "كونوا للعلم وعاة ولا تكونا له رواة فإنه ~~قد يوعى، ولا يروى وقد يروى ولا يوعى" وعن أبي الدرداء: "لا تكون تقيا حتى ~~تكون عالما، ولا تكون بالعلم جميلا حتى تكون به عاملا" وعن الحسن: "العالم ~~الذي وافق علمه عمله ومن خالف علمه عمله فذلك راوية حديث سمع شيئا فقاله". ~~وقال الثوري: "العلماء إذا علموا عملوا فإذا عملوا شغلوا فإذا شغلوا فقدوا ~~فإذا فقدوا طلبوا فإذا طلبوا هربوا" وعن الحسن قال: "الذي يفوق الناس في ~~العلم جدير أن يفوقهم في العمل" وعنه في قول الله تعالى: {وعلمتم ما لم ~~تعلموا أنتم ولا آباؤكم} قال: علمتم فعلتم ولم تعملوا فوالله ما ذلكم بعلم! ~~وقال الثوري: "العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل" وهذا تفسير معنى ~~كون العلم هو الذي يلجئ إلى العمل، وقال الشعبي: PageV01P398 # "كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به" ومثله عن وكيع بن الجراح، وعن ابن ~~مسعود: "ليس العلم عن كثرة الحديث إنما العلم خشية الله" والآثار في هذا ~~النحو كثيرة، وبما ذكر يتبين الجواب عن الإشكال الثاني فإن علماء السوء هم ~~الذين لا يعملون بما يعلمون، وإذا لم يكونوا كذلك فليسوا في الحقيقة من ~~الراسخين في العلم، وإنما هم رواة والفقه فيما رووا أمر آخر أو ممن غلب ~~عليهم هوى غطى على القلوب، والعياذ بالله على أن المثابرة على طلب العلم ~~والتفقه فيه وعدم اجتزاء باليسير منه يجر إلى العمل به ويلجئ إليه كما تقدم ~~بيانه هو معنى قول الحسن: "كنا نطلب العلم للدنيا فجرنا إلى الآخره"، وعن ~~معمر أنه قال: "كان يقال من طلب العلم لغير الله يأبى عليه العلم حتى يصيره ~~إلى الله"، وعن حبيب بن أبي ثابت: "طلبنا هذا الأمر، وليس لنا فيه نية ثم ~~جاءت النية بعد" وعن الثوري قال: "كنا نطلب العلم للدنيا فجرنا إلى الآخره" ~~وهو معنى قوله في كلام آخر: "كنت أغبط الرجل يجتمع حوله، ويكتب عنه فلما ~~ابتليت ms330 به وددت أني نجوت منه كفافا لا علي ولا لي" وعن أبي الوليد الطيالسي ~~قال: "سمعت ابن عيننة منذ أكثر من ستين سنة يقول: طلبنا هذا الحديث لغير ~~الله فأعقبنا الله ما ترون"، وقال الحسن: "لقد طلب أقوام العلم ما أرادوا ~~به الله وما عنده فما زال بهم حتى أرادوا به الله وما عنده" فهذا أيضا مما ~~يدل على صحة ما تقدم. # ثم قال الشاطبي بعد ذلك: "ويتصدى النظر هنا في تحقيق هذه المرتبة وما هي، ~~والقول في ذلك على الاختصار أنها أمر باطن، وهو الذي عبر عنه بالخشية في ~~حديث ابن مسعود، وهو راجع إلى معنى الآية. وعنه عبر في الحديث في أول ما ~~يرفع من العلم الخشوع1، وقال مالك: "ليس العلم بكثرة الرواية ولكنه نور ~~يجعله الله في القلوب" وقال أيضا: "الحكمة والعلم نور يهدي به الله من يشاء ~~وليس بكثرة المسائل، ولكن عليه علامة ظاهرة وهو التجافي عن دار الغرور ~~والإنابة إلى دار الخلود، وذلك عبارة عن العمل بالعلم من غير مخالفة وبالله ~~التوفيق". ا. ه. PageV01P399 # وقال الحافظ السخاوي في فتح المغيث، تحت قول العرافي: "واعمل بما تسمع في ~~الفضائل" ما صورته: "لحديث مرسل قال رجل: يا رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- ما ينفي عني حجة العلم قال: "العمل"، ولقول مالك بن مغول في قوله ~~تعالى: {فنبذوه وراء ظهورهم} قال: تركوا العمل به ولقول إبراهيم الحربي إنه ~~ينبغي للرجل إذا سمع شيئا في آداب النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يتمسك به ~~ولأن ذلك سبب ثبوته وحفظه ونموه والاحتياج فيه إليه، ويروى أنه -صلى الله ~~عليه وسلم- قال: "من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم" وعن أبي ~~الدرداء قال: من عمل بعشر ما يعلم علمه الله ما يجهل، وعن ابن مسعود أنه ~~قال: ما عمل أحد بما علمه الله إلا احتاج الناس إلى ما عنده. # وقال النووي في الأذكار: ينبغي لما بلغه شيء من فضائل الأعمال أن يعمل به ~~ولو مرة ليكون من أهله ولا ينبغي ms331 أن يتركه مطلقا، بل يأتي بما تيسر منه ~~لقوله -صلى الله عليه وسلم1: "إذا أمرتكم بشيء فافعلوا منه ما استطعتم". # قلت: ويروى في الترغيب في ذلك عن جابر مرفوع لفظه: "من بلغه عن الله عز ~~وجل شيء فيه فضيلة فأخذ به إيمانا به ورجاء ثوابه أعطاه الله ذلك وإن لم ~~يكن كذلك"، وله شاهد قال أبو عبد الله محمد بن خفيف ما سمعت شيئا من سنن ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا واستعملته حتى الصلاة على أطراف ~~الأصابع، وهي صعبة. وقال الإمام أحمد: "ما كتبت حديثا إلا وقد عملت به حتى ~~مر بي في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- احتجم وأعطى أبا طيبة ~~دينارا فأعطيت الحجام دينارا حين احتجمت ويقال: "اسم أبي طيبة دينار"، ~~وحكاه ابن عبد البر ولا يصح وعن أبي عصمة عاصم بن عصام البيهقي قال: بت ~~ليلة عند أحمد فجاء بالماء فوضعه فلما أصبح نظر إلى الماء فإذا هو كما كان ~~فقال: سبحان الله رجل يطلب العلم لا يكون له ورد بالليل، وقال أحمد في قصة: ~~صاحب الحديث عندنا من يستعمل الحديث، وعن الثوري قال: "إن استطعت أن لا تحك ~~رأسك إلا بأثر فافعل" PageV01P400 # وصلى رجل ممن يكتب الحديث بجنب ابن مهدي فلم يرفع يديه فلما سلم قال له: ~~ألم تكتب عن ابن عيينة حديث الزهري عن سالم عن أبيه أن النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- كان يرفع يديه في كل تكبيرة؟ قال: نعم! قال: فماذا تقول لربك ~~إذا لقيك في تركك لهذا وعدم استعماله، وعن أبي جعفر أحمد بن حمدان بن علي ~~النيسابوري قال: كنت في مجلس أبي عبد الله المروزي فلما حضرت الظهر، وأذن ~~أبو عبد الله خرجت من المسجد فقال: إلى أين يا أبا جعفر قلت: أتطهر للصلاة ~~قال: كان ظبي بك غير هذا يدخل عليك وقت الصلاة، وأنت على غير طهارة، وعن ~~أبي عمرو محمد بن حمدان قال: صلى بنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل بمسجده ~~وعليه إزار ورداء فقلت لأبي: يا أبتا ms332 هو محرم فقال: لا، ولكنه يسمع مني ~~المستخرج الذي خرجته على مسلم فإذا مرت به سنة لم يكن استعملها فيما مضى ~~أحب أن يستعملها في يومه وليلته، وأنه سمع من جملة ما قرئ علي أن النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- صلى في إزار ورداء فأحب أن يستعمل هذه السنة قبل أن ~~يصبح، وعن بشر بن الحارث أنه قال: يا أصحاب الحديث أتؤدون زكاة الحديث فقيل ~~له: يا أبا نصر، وللحديث زكاة قال: نعم إذا سمعتم الحديث فما كان فيه من ~~عمل أو صلاة أو تسبيح استعملتموه، وفي لفظ عنه رويناه بعلو في جزء للحسن بن ~~عبد الملك أنه لما قيل له: كيف تؤدى زكاته قال: اعملوا من كل مائتي حديث ~~بخمسة أحاديث، وروينا عن أبي قلابة قال: إذا أحدث الله لك علما فأحدث له ~~عبادة، ولكن إنما همك أن تحدث به الناس، وعن الحسن البصري قال: كان الرجل ~~يطلب العلم فلا يلبث أن يرى ذلك في تخشعه وهديه ولسانه وبصره ويده. # PageV01P401 ### | 2- # المقصد الثاني: # فيما روي في مدح رواية الحديث ورواته من بدائع المنظومات: # قال الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر الدمشقي المؤرخ ~~الشهير: # واظب على جمع الحديث وكتبه ... واجهد على تصحيحه في كتبه # واسمعه من أربابه نقلا كما ... سمعوه من سمعوه من أشياخهم تسعد به # واعرف ثقات رواته من غيرهم ... كيما تميز صدقه من كذبه # فهو المفسر لكتاب وإنما ... نطق النبي لنا به عن ربه # وتفهم الأخبار تعرف حله ... من حرمه مع فرضه من ندبه # وهو المبين للعباد بشرحه ... سير النبي المصطفى مع صحبة # وتتبع العالي الصحيح فإنه ... قرب إلى الرحمن تحظ بقربه # وتجنب التصحيف فيه فربما ... أدى إلى تحريفه بل قلبه # واترك مقالة من لحاك بجهله ... عن كتبه أو بدعة في قلبه # فكفى المحدث رفعة أن يرتضي ... ويعد من أهل الحديث وحزبه # وقال رحمه الله تعالى: # لقول الشيخ: "أنبأني فلان، ... وكان من الأئمة عن فلان" # إلى أن ينتهي الإسناد أحلي ... لقلبي من محادثة الحسان # ومشتمل ms333 على صوت فصيح ... ألذ إلي من صوت القيان # وتزييني الطروس بنقش نقس ... أحب إلى من نقش الغوالي # وتخريج الفوائد والأمالي ... وتسطير الغرائب والحسان # وتصحيح العوالي من العوالي ... بنيسابور أو في أصفهان # أحب إلي من أخبار ليلي ... وقيس بن الملوح والأغاني # فإن كتابة الأخبار ترقي ... بصاحبها إلى غرف الجنان # PageV01P402 # وحفظ حديث خير الخلق مما ... ينال به الرضا بعد الأمان # فأجر العلم ينمو كل حين ... وذكر المرء يبقي وهو فاني # وقال الحافظ البرقاني رحمه الله تعالى: # أعلل نفسي بكتب الحدي ... ث وأجمل فيه لها موعدا # وأشغل نفسي بتصنيفه ... وتخريجه أبدا سرمدا # فطورا أصنفة في الشيو ... خ وطورا أصنفه مسندا # وأقفو البخاري فيما نحا ... وصنفه جاهدا مجهدا # ومسلما إذ كان زين الأنا ... م بتصنيفه مسلما مرشدا # وما لي فيه سوى أنني ... أراه هوى وافق المقصدا # وأرجو الثواب بكتب الصلا ... ة على السيد المصطفي أحمدا # وأسأل ربي إله العبا ... د جربا على ماله عودا # وقال الحميدي صاحب: "الجمع بين الصحيحين" من قصيدة وافرة: # ولو رواه الدين ضاعت وأصبحت ... معالمه في الآخرين تبيد # همو حفظو الآثار من كل شبهة ... وغيرهمو عما افتنوه رقود # وهم هاجروا في جمعها وتبادروا ... إلى كل أفق والمرام كؤود" # وقاموا بتعديل الرواة وجرحهم ... قيام صحيح النقل وهو حديد # بتبليغهم صحت شرائع ديننا ... حدود تحروا حفظها وعهود # وصح لأهل النقل منها احتجاحهم ... فلم يبق إلا عاند وحقود # ومما ينسب للإمام الشافعي -رضي الله عنه: # كل العلوم سوى القرآن مشغلة ... إلا الحديث وإلا الفقه في الدين # العلم ما كان فيه: "قال حدثنا" ... وما سواه فوسواس الشياطين # PageV01P403 # وأنشد أبو الظهير رحمه الله تعالى: # إذا رمت أن تتوخى الهدى ... وأن تأتي الحق من بابه # فدع كل قول ومن قاله ... لقول النبي وأصحابه # فلم تتج من محدثات الأمور ... بغير الحديث وأربابه # وقال الإمام شمس الدين ابن القيم الدمشقي في الكافية الشافية: # يا من يريد نجاته يوم الحسا ... ب من الجحيم وموقد النيران # ابتع رسول الله في الأقوال وال ... أعمال لا تخرج عن القرآن # وخذ الصحيحين اللذين ms334 هما لعق ... د الدين والإيمان واسطتان # واقرأهما بعد التجرد من هوى ... وتعصب وحمية الشيطان # واجعلهما حكما ولا تحكم على ... ما فيهما أصلا بقول فلان # واجعل مقالته كبعض مقالة ال ... أشباح تنصرها بكل أوان # وانصر مقالته كنصرك للذي ... قلدته من غير ما برهان # قد رسول الله عندك وحده ... والقول منه إليك ذو تبيان # ماذا ترى فرضا عليك معينا ... إن كنت ذا عق ذو إيمان # عرض الذي قالوا على أقواله ... أو عكس ذاك فذانك الأمران # هي مفرق الطرقات بين طريقنا ... وطريق أهل الزيغ والعدوان # قدر مقالات العباد جميعهم ... عدما وراجع مطلع الإيمان # واجعل جلوسك بين صحب محمد ... وتلق معهم عنه بالإحسان # وتلق عنهم ما تلقوه همو ... عنه من الإيمان والعرفان # أفليس في هذا بلاغ مسافر ... يبغي الإله وجنة الحيوان # لولا التنافس بين هذا الخلق ما ... كان التفرق قط في الحسبان # فالرب رب واحد وكتابه ... حق وفهم الحق منه دان # PageV01P404 # ورسوله قد أوضح الحق المبي ... ن بغاية الإيضاح والتبيان # ما ثم أوضح من عبارته فلا ... يحتاج سامعها إلى تبيان # والنصح منه فوق كل نصيحة ... والعلم مأخوذ عن الرحمن # فلأي شي يعدل الباغي الهدى ... عن قوله لولا عمي الخذلان # فالنقل عنه مصدق والقول من ... ذي عصمة ما عندنا قولان # والعكس عند سواه في الأمرين يا ... من يهتدي هل يستوى النقلان # تالله قد رح الصياح لمن له ... عينان نحو الفجر ناظرتان # وأخو العماية في عمايته يقو ... ل: الليل بعد أيستوى الرجلان # تالله قد رفعت له الأعلام إن ... كنت المشمر نلت دار أمان # وقال الحافظ ابن عبد البر. # مقالة ذي نصح وذات فوائد ... إذا من ذوي الألباب كان استماعها # عليكم بآثار النبي فإنها ... من أفضل أعمال الرجال اتباعها # وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: # هينئا لأصحاب خير الورى ... وطوبى لأصحاب أخباره # أولئك فازوا بتذكيره ... ونحن سعدنا بتذكاره # وهم سبقونا إلى نصره ... وها نحن أتباع أنصاره # ولما حرمنا لقا عينه ... عكفنا على حفظ آثاره # عسى الله يجمعنا كلنا ... برحمة معه في داره # وقوله: "ولما حرمنا ... إلخ" ms335 أخذه من قول ابن خطيب داريا: # لم أسع في طلب الحديث لسمعة ... أو لاجتماع قديمه وحديثه # لكن إذا فات المحب لقاء من ... يهوى تعلل باستماع حديثه # PageV01P405 # وقال العلامة السيد محمد بن إسماعيل الأمير اليماني قدس الله سره: # سلام على أهل الحديث فإنني ... نشأت على حب الأحاديث من مهدي # همو بذلوا في حفظ سنة أحمد ... وتنقيحها من جهدهم غاية الجهد # وأعني بهم أسلاف سنة أحمد ... أولئك في بيت القصيد همو قصدي # أولئك أمثال البخاري ومسلم ... وأحمد أهل الجد في العلم والجد # رووا وارتووا من بحر علم محمد ... وليس لهم تلك المذاهب من ورد # كفاهم كتاب الله والسنة التي ... كفت قبلهم صحب الرسول ذوي المجد # ولها تتمة سابغة الذيل صاح فيها على المتعصب بالويل! # وقال بعض الفضلاء وأجاد: # علم الحديث أجل السؤل والوطر ... فاقطع به العيش تعرف لذة العمر # وانقل رحالك عن مغناك مرتحلا ... لكي تفوز بنقل العلم والأثر # ولا تقل عاقني شغل فليس يري ... في الترك للعلم عن عذر لمعتذر # وأي شغل كمثل العلم تطلبه ... ونقل ما قد رووا عن سيد البشر # ألهى عن العلم أقواما تطلبهم ... لذات دنيا غدوا منها على غرر # وخلفوا ما له حظ ومكرمة ... إلى التي هي دأب الهون والخطر # وأي فخر بدنياه لمن هدمت ... معايب الجهل منه كل مفتخر # لا تفخرن بدنيا لا بقاء لها! ... وبالعفاف وكسب العلم فافتخر # يفنى الرجال ويبقى علمهم لهم ... ذكرا يجدد في الآصال والبكر # ويذهب الموت بالدنيا وصاحبها ... وليس يبقى له في الناس من أثر # تظن أنك بالدنيا أخو كبر ... وأنت بالجهل قد أصبحت ذا صغر # ليس الكبير عظيم القدر غير فتي ما ... زال بالعلم مشغولا مدى العمر # قد زاحمت ركبتاه كل ذي شرف ... في العلم والحلم لا في الفخر والبطر # PageV01P406 # فجالس العلماء المقتدى بهم ... تستجلب النفع أو تأمن من الضرر # هم سادة الناس حقا والجلوس لهم ... زيادة هكذا قد جاء في الخبر # والمرء يحسب من قوم يصاحبهم ... فاركن إلى كل صافي العرض عن كدر # فمن يجالس كريما نال مكرمة ... ولم ms336 يشن عرضه شيء من الغير # كصاحب العطر إن لم تستفد هبة ... من عطره لم تخب من ريحه العطر # ومن يجالس رديء الطبع يرد به ... وناله دنس من عرضه الكدر # كصاحب الكير إن يسلم مجالسه ... من نتنه لم يوق الحرق بالشرر # وكل من ليس ينهاه الحياء ولا ... تقوى فخف كل قبح منه وانتظر # والناس أخلاقهم شتى وأنفسهم ... منهم بصير ومنهم مخطئ النظر # وأصوب الناس رأيا من تصرفه ... فيما به شرف الألباب والفكر # واركن إلى كل من في وده شرف ... من نابه القدر بين الناس مشتهر # فالمرء يشرف بالأخبار يصحبهم ... وإن يكن قبل شيئا غير معتبر # إن العقيق ليسمو عند ناظره ... إذا بدا وهو منظوم مع الدرر # والمرء يخبث بالأشرار يألفهم ... ولو غدا حسن الأخلاق والسير # فالماء صفو طهور في أصالته ... حتى يجاوره شيء من الكدر # فكن بصحب رسول الله مقتديا ... فإنهم للهدى كالأنجم الزهر # وإن عجزت عن الحد الذي سلكوا ... فكن عن الحب فيهم غير مقتصر # والحق بقوم إذا لاحت وجوهم ... رأيتها من سنا التوفيق كالقمر # أضحوا من السنة العليا في سنن ... سهل وقاموا بحفظ الدين والأثر # أجل شيء لديهم: "قال أخبرنا ... عن الرسول" بما قدر صح من خبر # هذي المكارم لا قعبان من لبن ... ولا التمتع باللذات والأشر # لا شيء أحسن من: "قال الرسول" وما ... أجل من سند عن كل مشهر # PageV01P407 # ومجلس بين أهل العلم جادبما ... حلا من الدر أو حلي من الدرر # يوم يمر ولم أرو الحديث به ... فلست أحسب ذاك اليوم من عمر # فإن في درس أخبار الرسول لنا ... تمتعا في رياض الجنة الخضر # تعللا إذا عدمنا طيب رؤيته ... من فاته العين هد الشوق بالأثر # كأنه بين ظهرينا نشاهده ... في مجلس الدرس بالآصال والبكر # زين النبوة عين الرسل خاتمهم ... بعثا وأولهم في سابق القدر # صلى عليه إله العرش ثم على ... أشباعه ما جرى طل على زهر # مع السلام دواما والرضا أبدا ... عن صحبه الأكرمين الأنجم الزهر # وعن عبيدك نحن المذنبين فجد ... بالأمن من كل ما نخساه من ضرر ms337 # وتب على الكل منا واعطنا كرما ... دنيا وأخرى جميع السؤل والوطر # سبحانه ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب ~~العالمين. # جاء في آخر نسخة المؤلف قدس سره: # يقول جامعه: # كانت البداءة في تصنيفه في إحدى الجماديين عام "1320" ولما تم ترتيبه ~~شرعت في تبييضه ليلة العشر الأخير من رمضان من العام المذكور في السدة ~~اليمنى العلياء من حرم جامع السنانية في دمشق الفيحاء، ثم صحبته في رحلتي ~~القدسية في أواخر المحرم، وبيضت جانبا كبيرا من آخره في عمان البلقاء أيام ~~مسيري إلى القدس منها، وإقامتي بها عشرة أيام من أوائل صفر إلى أن كملت ~~نسخا وتبييضا بعونه تعالى صباح الخميس لخمس بقين من صفر المذكور عام "1321" ~~في المسجد الأقصى داخل حرمه الشريف أيام إقامتي في حجرته # PageV01P408 # القبلية. والحمد لله أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا. قاله بفمه ورقمه بقلمه، ~~العبد الذليل الضعيف، أفقر الورى لرحمه مولاه، محمد جمال الدين بن محمد ~~سعيد بن قاسم بن صالح بن إسماعيل بن بكر القاسمي الدمشقي غفر الله له. ~~ولوالديه ولأسلافه وأشياخه وأولاده ومحبيه، ولجميع المؤمنين والحمد لله رب ~~العالمين. # ثم جاء تحت هذه العبارة بالحبر الأحمر # بحمد تعالى تم مقابلة على أصلي، وكتبه مؤلفه جمال الدين في 19 ذي الحجة ~~1324. # PageV01P409 ms338