######OpenITI# #META# الناشر: دار البيروتي - دمشق #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: طبقات مشاهير الدمشقيين من أهل القرن الرابع عشر الهجري ¶ المؤلف: محمد جمال الدين القاسمي (1283 - 1332ه) ¶ المحقق: محمود عبد القادر الأرناؤوط ¶ عدد الأجزاء: 1 ¶ الناشر: دار البيروتي - دمشق ¶ الطبعة: الأولى، 2006م ¶ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] ¶ أعده للشاملة: //محمود الجيزي - عفا الله عنه// ¶ ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# comp: 1 #META# auth: القاسمي، جمال الدين #META# bkid: 34654 #META# authno: 478 #META# bk: طبقات مشاهير الدمشقيين من أهل القرن الرابع عشر الهجري #META# ndata: الكتاب: E3173E17بيضاوي». #META# bkord: 8805 #META# idx: 1 #META# higrid: 1332 #META# iso: طبقات مشاهير الدمشقيين من اهل القرن الرابع عشر الهجري #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] #META# المحقق: محمود عبد القادر الأرناؤوط #META# أعده للشاملة: //محمود الجيزي - عفا الله عنه// #META# Lng: محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي #META# الطبعة: الأولى، 2006م #META# max: 130 #META# archive: 24 #META# عدد الأجزاء: 1 #META# ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# authinf: جمال الدين القاسمي (1283 - 1332 ه = 1866 - 1914 م) ¶ جمال الدين (أو محمد جمال الدين) بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق، من سلالة الحسين السبط: إمام الشام في عصره، علما بالدين، وتضلعا من فنون الأدب. ¶ مولده ووفاته في دمشق. ¶ كان سلفي العقيدة لا يقول بالتقليد. ¶ انتدبته الحكومة للرحلة وإلقاء الدروس العامة في القرى والبلاد السورية، فأقام في عمله هذا أربع سنوات (1308 - 1312 ه) ثم رحل إلى مصر، وزار المدينة. ¶ ولما عاد اتهمه حسدته بتأسيس مذهب جديد في الدين، سموه (المذهب الجمالي) فقبضت عليه الحكومة (سنة 1313 ه) وسألته، فرد التهمة فأخلي سبيله، واعتذر إليه والي دمشق، فانقطع في منزله للتصنيف وإلقاء الدروس الخاصة والعامة، في التفسير وعلوم الشريعة الإسلامية والأدب. ونشر بحوثا كثيرة في المجلات والصحف. ¶ اطلعت له على اثنين وسبعين مصنفا، منها: ¶ (دلائل التوحيد - ط) ¶ (ديوان خطب - ط) ¶ (الفتوى في الاسلام - ط) ¶ (إرشاد الخلق إلى العمل بخبر البرق - ط) ¶ (شرح لقطة العجلان - ط) ¶ (نقد النصائح الكافية - ط) ¶ (مذاهب الأعراب وفلاسفة الإسلام في الجن - ط) ¶ (موعظة المؤمنين - ط) اختصر به إحياء علوم الدين للغزالي، ¶ (شرف الأسباط - ط) ¶ (تنبيه الطالب إلى معرفة الفرض والواجب - ط) ¶ (جوامع الآداب في أخلاق الإنجاب - ط) ¶ (إصلاح المساجد من البدع والعوائد - ط) ¶ (تعطير المشام في مآثر دمشق الشام - خ) أربع مجلدات، ¶ (قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - ط) ¶ (محاسن التأويل - ط) في 17 مجلدا في تفسير القرآن الكريم. ¶ ولابنه الأستاذ ظافر القاسمي، كتاب (جمال الدين القاسمي وعصره - ط) ¶ نقلا عن: «الأعلام» للزركلي #META# ad: 1332 #META# المؤلف: محمد جمال الدين القاسمي (1283 - 1332ه) #META# cat: التراجم والطبقات #META# الكتاب: طبقات مشاهير الدمشقيين من أهل القرن الرابع عشر الهجري #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-10-01 #META#Header#End# ### | AUTO ذكر طبقات مشاهير الدمشقيين من أهل القرن الرابع عشر # بسم الله الرحمن الرحيم # (1) ### || AUTO طاهر أفندي بن عمر بن مصطفى الآمدي، الشهير بالمفتي 1. # من أجل أعيان فقهاء الشام وأوحدها في التفنن بالفروع والأصول والمعقول ~~والمنقول. # ولد سنة (1215) ونشأ مجتهدا في تحصيل العلوم، فقرأ على أبيه علامة عصره، ~~وعلى الشيخ سعيد الحلبي ولازمه كثيرا، ثم بعد وفاته لازم ابنه الشيخ عبد ~~الله الحلبي، وأم بالحنفية بعد أبيه في الجامع الأموي، وكانت له حجرة في ~~المرادية يقيم بها للقراءة والإقراء، وكان من أمناء الفتوى مدة حسين أفندي ~~المرادي، وابنه علي أفندي، ولما عزل نفسه عن الإفتاء علي أفندي المذكور ~~لرؤيا هالته، وكان المرجع في الشام الشيخ عبد الله الحلبي فتذاكر مع والي ~~الشام وقتئذ في نصب طاهر أفندي المترجم مفتيا فعينه، وورد المنشور من باب ~~المشيخة له بها، وقام بأعبائها، وكتب على الفتاوى، وأتخذ أولا المدرسة ~~الجقمقية دارا للفتوى وصار يجلس بها. وكان له دار ملاصقة لباب الجامع ~~الأموي من ناحية النوفرة، ثم في سنة (1273) وقع حائط الجامع من ناحيتها ~~فهدمت، فأنهى PageV01P005 ~~والي الشام وقتئذ لدار السلطنة بذلك فوردت إرادة سنية بإعطاء خمسين ألف قرش ~~للمفتي المذكور لشراء دار له فأعطي ذلك واشترى دارا في زقاق الشيخ عمود ~~داخل باب الجابية وعمرها عمارة حسنة وأما داره الأولى الملاصقة للجامع فجعل ~~بعضها زاوية وبعضها أدخل للمشهد، ووقتئذ وسع المشهد وبني داخله على هذه ~~الكيفية. # وكان في حائطه قديما كوة يقال إن رأس الحسين عليه السلام وضع بها. وكان ~~وراءها مربع من الدار المذكورة، فأدخلت للمشهد وجعل لها محراب وجعل المحل ~~الذي يقال إن رأسه الشريف وضع فيه على هيئة قبر، وصار يقال له مشهد الحسين ~~من حينئذ. # وأقول: لم يتعرض لذلك الحافظ ابن عساكر أصلا، مع أني سبرت «تاريخه» أجمع، ~~نعم الفجوة الأولى من هذا المشهد كانت تسمى مشهد زين العابدين لكونه لما ~~قدم دمشق كان يصلي فيه كما سلف ذكره 1 في التابعين الذين نزلوا دمشق، ولم ~~يزل المفتي المذكور على ms01 طريقته المثلى إلى أن وقعت حادثة النصارى سنة ~~(1277) الآتي إن شاء الله تعالى تفصيلها 2، ففيها لما قدم فؤاد باشا من دار ~~السلطنة مفتشا على هذه القضية أمر بإجلاء أعيانها عن دمشق، ومنهم المفتي ~~المذكور، فأجلي مع الشيخ عبد الله الحلبي، وعمر أفندي الغزي، وأحمد أفندي ~~حسيبي، إلى الماغوصة، فأقاموا بها مدة، ثم نقلوا منها إلى صاقص ومنها إلى ~~إزمير ومنها إلى الآستانة، واسترحموا العفو عنهم بعد أمور يطول شرحها، ثم ~~إن المفتي المذكور بعد ذلك تقلد القضاء في حمص لما كانت مركز المتصرفية، ~~ولما نقل المركز إلى حماة نقل إليها، واستمر متوليا القضاء بها سبع سنين ثم ~~سافر إلى الآستانة وعين قاضيا في معمورة العزيز، ثم أتم مدته وقصد الآستانة PageV01P006 ~~وعين قاضيا في جهة طرابلس الغرب، ثم أناخ ركابه بوطنه دمشق، ثم وجهت عليه ~~بها نيابة المحكمة الكبرى، فلم يزل عليها إلى أن توفي في (16) ربيع الثاني ~~سنة (1301) وشهدت الصلاة عليه في جامع بني أمية ودفنه في باب الصغير، ولي ~~منه إجازة عامة بما يجوز له روايته رحمه الله تعالى. # ووالده الشيخ عمر 1 ممن هاجر من ديار بكر إلى دمشق واتخذها دار إقامة ~~وقدم بابنه المذكور وعمره نحو سبع سنين، وأبقى بعض أولاده في وطنه الأصلي، ~~ووجهت عليه إمامة الحنفية بجامع بني أمية، وقرأ عليه جملة من الفضلاء في ~~المعقول إلى أن توفي سنة (1263) رحمه الله تعالى. # *** PageV01P007 # (2) ### || AUTO السيد محمود أفندي الحمزاوي بن محمد نسيب بن حسين بن يحيى بن حسن بن # عبد الكريم، المعروف كأسلافه بابن حمزة الحسيني الحنفي الدمشقي 1. # علامة الأعلام، وفهامة الأنام، ونخبة الأئمة الفخام، وفخر الموالي ~~العظام، ومرجع الخاص والعام، عمدة المفتين، وقدوة المحققين، الذي طنت حصاة ~~فضله واشتهر في الآفاق كمال علمه ونبله، فهو الحبر الذي فاق بصفاته ~~الأوائل، والبحر المشتمل على جواهر الفضائل. # ولد بدمشق سنة (1236) ودخل المدرسة سنة (1248) واجتهد في تحصيل العلوم، ~~فأخذ عن العلامة الشيخ سعيد الحلبي، والمحدث الكبير الشيخ عبد الرحمن ~~الكزبري، والقدوة الشيخ حامد العطار، والمتفنن الشيخ حسن الشطي، ms02 والمحقق ~~الشيخ عمر الآمدي، والمدقق الشيخ منلا بكر الكردي، وغيرهم ممن ذكرهم في ~~«ثبته» المسمى ب «عنوان الأسانيد» ثم تعاطى النيابات الشرعية في دمشق ~~وغيرها سنة (1260) وسافر إلى دار السلطنة وأناطولي سنة (1268) بعد أن انتظم ~~في سلك الموالي PageV01P008 ~~سنة (1266) وتدرج في الرتب العلمية إلى رتبة إسلامبول مع ما يتبع ذلك من ~~النياشين الرسمية، مثنى وثلاث ورباع مجيدية وعثمانية، ولم تر قط عليه لكنها ~~في الصندوق لديه، وتولى إفتاء الشام سنة (1284) بإنهاء والي الشام وقتئذ ~~محمد راشد باشا فاشتغل بتحرير المسائل الفقهية بجد واجتهاد، ودقق وحقق، ~~واشتهرت تحقيقاته البديعة، حتى كانت تتوارد عليه المسائل المعضلة من كل فج، ~~ووقع بينه وبين جمعية المجلة في دار السعادة مناقشات كلية، وكانوا يرجعون ~~إليه فيما أشكل من المسائل، ومع علو كعبه في العلوم العقلية والنقلية كان ~~له الباع الطويل والتفنن في كمالات وصنائع شتى، منها ما اشتهر عنه من أمر ~~الكتابة الكثيرة على القطع الصغيرة، فكان يكتب سورة الإخلاص على حبة من ~~حبوب الأرز، وبعضهم يبالغ عنه بأكثر من ذلك. # وبالجملة ففضله أشهر من أن يذكر وأما مؤلفاته فهي تناهز الأربعين منها ~~«درر الأسرار» وهو التفسير الجليل بالحروف المهملة، و«دليل الكمل إلى الكلم ~~المهمل» و«الفتاوى المنظومة» في مجلد، و«الفتاوى الحمزاوية الكبرى» و«نظم ~~الجامع الصغير» للإمام محمد 1 في نحو ثلاثة آلاف بيت من بحر البسيط، و«نظم ~~مرقاة الأصول» من البحر المذكور، وشرح «بديعية» والده شرحا لطيفا سماه «كشف ~~القناع». # ومن مؤلفاته [أيضا] 2: «غنية الطالب بشرح رسالة الصديق لعلي بن أبي طالب» ~~وكتاب «القواعد الفقهية» و«ترجيح البينات» وغير ذلك. وقد اقتبست معظم ما ~~ذكرت من رسالته التي ترجم بها نفسه بالطلب الحثيث من كمال بك أحد كبراء PageV01P009 ~~الأدباء وفضلاء دار السلطنة العلية وذكر في تلك الرسالة بعض محاسن أخلاقه ~~رحمه الله تعالى، فقال: أما أخلاقه فمنها أن عنده مطالعة الكتاب مقدمة على ~~منادمة الأحباب، يكره كثرة المخالطة ويأنف المشاططة والمغالطة، لا يحب ~~الدخول فيما لا يعنيه ويكره أكل لحم أخيه، يفر إلى الجبال كيلا يحضر ms03 مجامع ~~الرجال ويرجح راحة البال على كثرة المال متكاسل في سعي الأقدام إلى منازل ~~الأنام، عنده منة الرجال أثقل من الجبال، يتمثل بقول علي ابن أبي طالب رضي ~~الله عنه: لنقل الصخر من قلل الجبال أحب إلي من منن الرجال، متباعد عن قيل ~~وقال، ومختار للوحدة على كل حال، يميل إلى السكوت كميله إلى ضروري القوت، ~~ثم قال مخطابا للكمال المذكور: # كيف تهدى نقائصي للكمال ... هل تساوى قبائح بالجمال # ليس إلا امتثال أمرك أدى ... لارتكابي لديك سوء خصالي # وقال أيضا: # يا ذا الكمال الذي شاعت فضائله ... في كل قطر فلا يخفى كبدر سما # لا تعتمد خبر الأحباب متثقا ... إذ حسنوا الظن بي واستسمنوا الورما # ما كل فرد كمالا في الرجال ولا ... كل الحدائق في الدنيا غدت إرما # إن رمت ترجمتي مني فخذ خبري ... أنا السراب على بعد لأهل ظما # ولم يزل ناشرا ألوية العلم والفضل إلى أن توفي ليلة الاثنين تاسع محرم ~~الحرام سنة (1305) وحضرت الصلاة عليه بجامع بني أمية ودفنه في مقبرة باب ~~الفراديس وكان الجمع متوافرا ولي منه إجازة عامة بجميع مروياته أجاز لي ذلك ~~مرتين مرة في ذي PageV01P010 ~~الحجة سنة (1300) ذهبت لداره صحبة خال والدي الفقيه الكامل الشيخ حسن جبينة ~~الشهير بالدسوقي 1 فناولني إجازته التي جمعها في أربعة أوراق وأعدها ~~للمستجيزين فنسختها ثم ختمها، وشافهني بما يجوز له، ومرة في غرة محرم سنة ~~(1302) ذهبت لداره أيضا صحبة الفاضل المذكور وطلبنا منه أن يسمعنا حديث ~~الرحمة المسلسل بالأولية فأسمعنا إياه وأجاز لنا أيضا ما يجوز له روايته، ~~جزاه الله خير الجزاء وأناله ما يتمناه يوم الجزاء آمين. # *** PageV01P011 # (3) ### || AUTO محمد سعيد أفندي بن محمد أمين بن محمد سعيد بن علي بن أحمد ~~المعروف بالأسطواني # الحنفي الدمشقي 1، # قاضي دمشق الشام وأحد أعيانها ورؤسائها العظام. # ولد سنة (1237) بدمشق ونشأ بها على طلب العلوم وأخذ عن فضلائها وابتدأ في ~~العلوم العربية وبالوسائل إلى العلوم الشرعية عند الشيخ هاشم التاجي، ~~والشيخ عبد الله الحلبي، والشيخ حسن الشطي، وحضر عند شيخ الشيوخ المحدث ms04 ~~الشهير الشيخ عبد الرحمن بن محمد الكزبري، وأجازه بما حواه ثبت والده ~~المذكور. وأخذ عن العلامة الشيخ سعيد الحلبي، والإمام الشيخ حامد العطار، ~~والشيخ عبد الرحمن الطيبي، وأجازوه جميعا بمروياتهم. ولم يزل مقبلا على ~~الاشتغال والأخذ عن كمل الرجال حتى فاق واشتهر، وتفنن ومهر، واستفاد وأفاد، ~~وبلغ المراد، وولي خطابة الجامع الأموي سنة (1256) فخطب سنين عديدة. وفي ~~سنة (1258) قصد الديار الحجازية واستجاز من فضلاء هاتيك الأباطح الذكية، ~~فأخذ عن العالم الزاهد الشهير الشيخ محمد بن أحمد العطوشي، وأجازه بإسناد ~~عال جدا. وأخذ عن العلامة الشيخ يوسف الصاوي المالكي في المدينة المنورة. ~~واستجاز من الإمام العارف بالله تعالى صاحب الكرامات الشهيرة الشيخ حسين ~~سليم الدجاني مفتي يافا فأجازه بمروياته ومصنفاته. واستجاز بالمراسلة من ~~العلامة الشهير في الآفاق الشيخ إبراهيم PageV01P012 ~~الباجوري. وأخذ الطريقة الأحمدية عن المرشد الكامل الشهير الشيخ إبراهيم ~~الرشيد فلقنه الذكر وألبسه الخرقة، وتلقن الذكر أيضا ولبس الخرقة من الإمام ~~العالم العابد الحسيب النسيب فضل باشا بن الغوث علي بن محمد بن سهل مولى ~~الدويلة وأجازه بما يجوز له روايته عن مشايخه، منهم العارف الجليل عبد الله ~~بن حسين بن طاهر العلوي وأسانيده معروفة في مؤلفاته الشهيرة. وللمترجم ~~إجازات عن مشايخ آخرين غير ما ذكر. وكان حسن الأخلاق، كريم السجايا، واسع ~~الصدر، لطيف المزايا، متكلما بالصدق، قوالا بالحق، لا يبالي في إجراء ~~الحقوق ورفع المظالم، محبوبا للولاة والحكام، مهابا مقبولا للخاص والعام. ~~وانتخب للمعضلات ومهمات الأمور، فتعين في المجلس الكبير في الشام سنة ~~(1279) ولم يزل موظفا به إلى أن حدث ترتيب جديد مبني على تأليف مجلسين ~~كبيرين يدعى أحدهما مجلس إدارة الولاية الكبير والثاني يدعى مجلس دعاوى ~~الولاية الكبير، فعين عضوا في المجلس الثاني وذلك سنة (1282) ثم في سنة ~~(1283) عين نائبا لمحكمة الباب ورئيسا لمجلس الدعاوى ثم في سنة (1284) وجهت ~~عليه رتبة إزمير، وعين نائبا إلى طرابلس الشام ثم استعفى منها بعد سنة ~~وشهرين ورجع إلى دمشق، ثم في (15) ربيع الأول سنة (1286) وجه عليه قضاء ~~دمشق فباشر في خدمة الشريعة ms05 المطهرة على الوجه الأتقى متمسكا في فصل ~~القضايا بالعروة الوثقى ثم أعفي منها ولازم الإقراء والإفادة وانتفع به ~~كثير من الطلاب. وكان حسن التقرير، فصيح اللسان، حسن الضبط، له اعتقاد حسن ~~في الصلحاء ومحبة الفقراء وإكرام للغرباء، PageV01P013 ~~مشحونة مجالسه بالمذاكرة العلمية والمساجلة الأدبية. وله تعليقات على ~~«الأشباه والنظائر» 1 والطحطاوي 2 وابن عابدين 3 ولم يزل على حالته الحسنى ~~إلى أن توفي في (19) شعبان سنة (1305) وصلى عليه شيخنا العلامة الشيخ سليم ~~العطار في داره بوصية منه. وكان أوصى أيضا أن لا يفعل في جنازته شيء من ~~المبتدعات فنقل كما أوصى، ودفن في سفح قاسيون في تربة نبي الله ذي الكفل ~~عليه الصلاة والسلام. # *** PageV01P014 # (4) ### || AUTO الشيخ حسن بن أحمد آغا بن عبد القادر آغا الشهير بجبينة 1 ~~الحلبي الأصل. # سبط العلامة الشيخ السيد محمد الدسوقي المتقدم ذكره، وخال والدي، الشافعي ~~الخلوتي الفاضل الشهير والفقيه النحرير. كان إماما بارعا مشاركا في عدة ~~فنون، له استحضار حسن للفروع الفقهية وتضلع من مسائله وأبحاثه. ولد بدمشق ~~سنة (1241) وسرى سيرة آل والدته السادة الدسوقيين في أخذ العلوم والطريق عن ~~الأجلاء الأعلام، فقرأ على الشيخ هاشم التاجي بعض كتب في النحو والفرائض، ~~وعلى الشيخ محمد بن عبد الله الخاني حصة من الفقه الشافعي، وكذا عند الشيخ ~~أحمد البغال. وحضر في النحو أيضا عند الشيخ عبد الرحمن بايزيد، ولازم ~~الملازمة التامة، ليلا ونهارا، دروس سيدي وجدي العلامة الشيخ قاسم الشهير ~~بالحلاق، فقرأ عليه معظم كتب الفقه والحديث وغيره، وأعاد له دروسه بين ~~العشائين في جامع السنانية قبل سيدي الوالد، ثم بعد وفاة سيدي الجد المنوه ~~به لازم شيخنا، فريد عصره، الشيخ سليم العطار، فسمع منه مجالس من «الإحياء» ~~و«البيضاوي» و«القسطلاني» و«نوادر الأصول» وغير ذلك. واستجاز من مشاهير ~~فضلاء عصره دمشقيين وغيرهم، وجمع ذلك في «ثبت» فممن أجازه بجميع مروياته ~~سيدي الجد المتقدم ذكره، والعلامة الشيخ إبراهيم الباجوري، والشيخ إبراهيم ~~السقا، والشيخ أحمد [بن] زيني دحلان مفتي مكة المكرمة، والعارف بالله تعالى ~~الأمير عبد القادر الحسني الجزائري، والمولى ms06 محمود أفندي PageV01P015 ~~الحمزاوي مفتي دمشق، وشيخنا المحدث الشيخ سليم العطار، وغيرهم ممن يطول ~~المقام بذكرهم. ولما وظف سيدي الجد إماما بجامع السنانية صار المترجم إماما ~~بجامع حسان مكان سيدي الجد وأقرأ به وفي جامع السنانية دروسا خاصة وعامة ~~وانتفع به كثير من المتفقهة الشافعية، وكنت حضرت عليه حصة من «شرح ~~الحضرمية» وسمعت منه «الشمائل» و«الأربعين النووية» وغيرها وأجاز لي إجازة ~~عامة، وقد انتفعت بصحبته كثيرا جزاه الله خيرا، وكان رحمه الله عالما لطيفا ~~وفاضلا ظريفا، متواضع النفس، سخي الكف، له لطف طبع ومنادمة مقبولة واطلاع ~~على أخبار المتقدمين، وله رسالة في الأخلاق التي ينبغي للإنسان أن يكون ~~عليها أخذها من الآيات والأحاديث الشريفة، وله شعر متوسط مقبول منه قوله في ~~شروط السيران: # يا أيها الجمع على السيران .... فأجمعوا دراهم الإخوان # وبعد سيروا بالسرور والهنا .... وأرسلوا أكلا لنا يشبعنا # وهيئوا هذا الذي ذكرته .... ونوع حلو ليس يخفى نعته # واصطحبوا صوتا جميلا حسنا .... ومن يكون مطربا يضحكنا # وأبعدوا عمن إلينا يرقب .... وإن تشاؤا في الرياض فالعبوا # وانتخبوا لنا مكانا معتبر ..... وأجلسونا حول زهر ونهر # لنجتلي ثلاثة تجلي الحزن .... الماء والخضرة والشكل الحسن # وقال في غلام اسمه الرشا على لسان من يحبه: # إن فؤادي والحشا .... لم يقبلا إلا الرشا # نظمت فيك ما أشا .... فقل حبيبي ما تشا PageV01P016 ~~ولم يزل على سيرة حميدة وطريقة سديدة إلى أن أصابه مرض الاستسقاء بقي معه ~~نحو سنتين وفيه توفي يوم الثلاثاء قبيل العصر في (12) محرم سنة (1306) وحضر ~~مشهده جملة من علماء العصر، منهم العلامة الشيخ سليم العطار، وحضر الصلاة ~~عليه أيضا بجامع السنانية وأم الوالد الماجد بالصلاة عليه إماما، ودفن في ~~مقبرة الباب الصغير في جوار مقام سيدنا بلال رضي الله عنه. # * وجبينة: بضم الجيم أوله وفتح الموحدة بعده ثم ياء تحتية ساكنة لعلها ~~تصغير جبنة لقب لعائلة فخيمة في حلب الشهباء، وكان جده عبد القادر آغا قدم ~~منها إلى الشام، وكان تاجرا كبيرا، واتصل ابنه أحمد آغا والد المترجم ببنت ~~العلامة السيد الشيخ محمد الدسوقي الحسيني ms07 رحمهم الله تعالى. # *** PageV01P017 # (5) ### || AUTO الشيخ محمد بن مصطفى الطنطاوي الأزهري الشافعي الحسيني 1 نزيل دمشق. # علامة عصره ووحيد دهره. اجتمع فيه من العلوم ما لم يجتمع في غيره، ~~واستخرج من بحار المعارف نفائس الدرر بدقيق فكره. # ولد كما أخبرني ولده صديقنا الشيخ عبد القادر حفظه الله تعالى بعد سنة ~~(1230) بقليل في بلده، وحفظ القرآن المجيد وهو ابن سبع سنين، وأقبل على طلب ~~العلم، وأخذ عن أفاضل تلك الديار. ثم قدم إلى دمشق سنة (1255) مع أخيه، ~~وكان من الجنود المصرية فأقام بها خمس سنين، وفي خلالها حضر مجالس من دروس ~~بعض فضلاء دمشق وقتئذ. وكان مر على حلب وأخذ بها عن العلامة الشيخ أحمد ~~الزمانيني، ثم رحل إلى مصر، واشتغل في الجامع الأزهر بإتمام المادة على ~~فحول علمائه، كالعلامة الشيخ إبراهيم الباجوري، والشيخ إبراهيم السقا، ~~والشيخ محمد الخضري، وغيرهم. # ثم رجع إلى دمشق وقد أتقن كافة العلوم من صرف ونحو ومنطق وبيان ومعان ~~وكلام وحديث وتفسير وفقه وهيئة وحساب وميقات وحكمة وغيرها، حتى صار آية في ~~المعقول والمنقول باهرة، فطفق ينشر لواء العلوم، وكتب بخطه الجميل كتبا كثيرة، PageV01P018 ~~وانتفع به من الطلبة جم غفير. ولما قدم من مصر سكن أولا في ميدان الحصا، ~~وأقرأ الدروس في حجرة بجامع صهيب سنين عديدة، وورد عليه هناك للاستفادة من ~~لا يحصى. ثم في سنة ثمانين تقريبا نزل من الميدان وسكن في جوار الجامع ~~الأموي دارا اشتراها له الأمير السيد عبد القادر الحسني الجزائري قدس سره، ~~ولازم الإقراء في داره وتارة في حجرة له بمدرسة الباذرائية، وبين العشائين ~~في الجامع الأموي في محراب المالكية، وصارت له عند حضرة الأمير المنوه به ~~المكانة المكينة، حتى رتب له الأمير مدة حياته في كل شهر ألف قرش من ماله. ~~وفي سنة (1287) طلب الأمير من شيخنا المترجم أن يسافر إلى مدينة قونية، ~~وذلك لمقابلة نسخة «الفتوحات المكية» المطبوعة أول مرة بمصر على نسخة ~~مؤلفها الشيخ محي الدين ابن عربي الموجودة بخطه في المدينة المذكورة، فقابل ~~نسخته على نسخة مؤلفها ms08 مرتين في مقدار ثلاثة أشهر، وصححها وضبطها، ووجد في ~~المطبوعة تحريف وتقديم ونقص من محال متعددة وخصوصا من كتاب الصلاة. ولما ~~قدم دمشق صححت على نسخته كثير من النسخ. وكان شيخنا المترجم مرجعا لحل ~~مشكلات الفنون، قوالا بالصدق صداعا بالحق، لا يحابي في دينه أحدا، جسورا، ~~متعففا جدا، وعين له أحد ولاة الشام بإرادة سلطانية معاشا من الخزينة فأبى ~~أشد الإباء ولم يقبله. وكان فصيح العبارة، جيد التقرير والتحرير، يدقق في ~~المقولات والفنقلات أشد التدقيق، وله في حساب الزيج ورسمه حل إشكالات ~~وتوضيح معضلات، تشهد بسعة اطلاعه، ولما طرأ على حجر البسيط الذي وضعه علامة ~~زمانه الشيخ علاء الدين علي بن إبراهيم الفلكي، الشهير بابن الشاطر المتوفى ~~سنة (777) لمعرفة الأوقات في منارة العروس التي في الجامع الأموي قليل خلل لتقادم PageV01P019 ~~عهده، طلب متولي الجامع وغيره من العلماء إلى المترجم أن يصلح ما وقع فيه ~~فأصلحه، فلما أرادوا وضعه في مكانه وقع الحجر وانشق شطرين فنسبوا ذلك إلى ~~المترجم لحضور أحد تلامذته إذ ذاك فاضطر المترجم أن يبرئ نفسه وراح إلى ~~داره يصرف حولين كاملين ليعمل بسيطا يحاكي به بسيط ابن الشاطر فعمله وخرج ~~بسيطا أحسن من الأول وحسبه على الأفق الحقيقي وزاد فيه قوس الباقي للفجر ~~وأنزل القديم، وجعل هذا مكانه في يوم مشهور مشهود غبطه عليه أجلاء الفضلاء، ~~فجاء في غاية الضبط والإتقان، جزاه الله خير الجزاء وذلك سنة (1293). # وكان له شعر حسن ينظم أحيانا ما يبدو له، ولم يصرف نفيس وقته للاعتناء ~~به، ومنه ما رد به على الزمخشري في قوله: # لجماعة سموا هواهم سنة ... وجماعة حمر لعمري مؤكفه # قد شبهوه بخلقه فتخوفوا ... شنع الورى فتستروا بالبلكفه # فقال شيخنا المترجم رحمه الله: # سميت دين الله يا هذا هوى ... فهويت في نار الجحيم المتلفه # وجعلت خير الناس حمرا بعد ما ... شهد الإله بفضلهم هذا سفه # وكذبت في دعواك أن قد شبهوا ... مولاهم بالخلق ذاتا أوصفه # من أين هذا جاءكم فتيقظوا ... أنتم إذا حمر لعمري موكفة # صادمتم قول النبي المصطفى ms09 ... سترون ما فيكم إذا من معرفة # سنراه في الأخرى بعيني رأسنا ... إذ ذاك وعد الله ما لن يخلفه PageV01P020 ~~قلت ومن أراد تفصيل المنظومات في الرد على بيتي الزمخشري المذكورين فليرجع ~~إلى «طبقات التاج السبكي» في ترجمة الجاربردي 1 فإنه يرى ما يبهجه. هذا وقد ~~أحببت أن أحلي جيد ترجمة شيخنا المنوه به بذكر شذرة من فرائد فوائده الدالة ~~على أنه تسنم من المعارف ذروتها ومن بدائع التحقيقات ربوتها، فأقول: من ~~فوائده، رحمه الله، ما كتبه على «العزيزي في شرح الجامع الصغير» 2 عند حديث ~~أن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد إلخ، فإنه نقل عن العلقمي أن في هذا ~~الحديث ردا على من يزعم من أهل الهيئة أن الكسوف أمر عادي لا يتقدم ولا ~~يتأخر، إذ لو كان كما يقولون لم يكن في ذلك تخويف إلخ. فكتب شيخنا المترجم ~~رحمه الله ما نصه: قوله وفي هذا الحديث رد إلخ، أقول: قال حجة الإسلام ~~الغزالي في «كتابه المنقذ من الضلال» الآفة الثانية نشأت من صديق للإسلام ~~جاهل ظن أن الدين ينبغي أن ينصر بإنكار كل علم منسوب إليهم، أي إلى ~~الفلاسفة، فأنكر جميع علومهم وادعى جهلهم فيها حتى أنكر قولهم في الخسوف ~~والكسوف، وزعم أن ما قالوه فيهما على خلاف الشرع فإذا قرع ذلك سمع من عرف ~~ذلك بالبرهان القاطع فازداد للفلسفة حبا وللإسلام بغضا، ولقد عظم على الدين ~~جناية من ظن أن الإسلام ينصر بإنكار هذه العلوم وليس في الشرع تعرض لهذه ~~العلوم بالنفي والإثبات ولا في هذه العلوم تعرض للأمور الدينية. وقوله صلى ~~الله عليه وسلم: «إن الشمس PageV01P021 ~~والقمر آيتان من آيات الله تعالى إلخ» 1 ليس في هذا ما يوجب إنكار علم ~~الحساب المعرف لسير الشمس والقمر واجتماعهما أو مقابلتها على وجه مخصوص، ~~وأما قوله عليه السلام: «لكن الله إذا تجلى لشيء خضع له» فليس توجد هذه ~~الزيادة في الصحيح أصلا. اه. # وقد بسط الكلام في هذا المقام في المقالة الثانية من كتاب «تهافت ~~الفلاسفة». إذا علمت ذلك ms10 فاعلم أن قوله: إذ لو كان كما يقولون لم يكن في ~~ذلك تخويف. وقوله: فلو كان الكسوف بالحساب لم يقع الفزع ولم يكن الأمر ~~بالعتق والصدقة والذكر والصلاة معنى اه. # مع كونه إنكار للبرهان القاطع كما قال حجة الإسلام، جوابه أن يقال: إن ~~الله تعالى لما أراد خلق العالم على ما اقتضته حكمته من هذا الترتيب البديع ~~المشتمل على سير هذه الكواكب، وعلم أن بعض عباده يعبد بعض هذه الكواكب ~~لسابق الإرادة، رتب سير هذين الكوكبين على وجه يقتضي حصول الخسوف والكسوف ~~مع إمكان ترتيبه على وجه لا يقتضي ذلك إعلاما لعبادهما أنهما لو كانا إلهين ~~لما اعتراهما هذا النقص، فإذا رأينا الخسوف والكسوف اللذين أريد بهما ~~التنبيه والإعلام لعبادهما فلم يتنبهوا، خفنا وقوع العذاب بهم فيعمنا ~~ففزعنا إلى العبادة ليصرفه الله عنا، فقد ظهر عدم المنافاة بين ما جاء عن ~~الصادق وما قرره أهل الهيئة من غير حاجة إلى إنكار ما يكاد أن يلحق ~~بالبديهي فيكون الإنكار سببا لطعن الطاعن كما قال حجة الإسلام. قال شيخنا: ~~وهذا شيء لم يسبقني أحد إليه فيما أعلم، فلله الحمد والمنة. وقول المناوي 2 ~~في الجواب عن PageV01P022 ~~ذلك: وكونه تخويفا لا ينافي ما قرره علماء الهيئة في الكسوف لأن لله أفعالا ~~على حسب العادة وأفعالا خارجة عنها وقدرته حاكمة على كل بسبب اه. قال ~~شيخنا: كلام لم يفد شيئا من المطلوب وهو بعض كلام ابن دقيق العيد اه ولا ~~يخفاك أن ما ذكره شيخنا إنما يظهر بجملة عبادهما المذكورين، وأما علماؤهم 1 ~~فيعلمون أن الخسف ما عراهما ولحق ذاتهما فلا يتوجه ما ذكره بالنسبة إليهم ~~فالمرجع لكلام الغزالي فقط، والله أعلم. # ومن غرره ما كتبه على العزيزي أيضا عند حديث «آكل الربا وموكله وكاتبه ~~وشاهداه إن علموا به، والواشمة والموشومة للحسن، ولاوي الصدقة والمرتد ~~أعرابيا بعد الهجرة ملعونون على لسان محمد يوم القيامة» 2. # قال العزيزي: ملعونون، أي مطرودون، عن مواطن الأبرار لما اجترحوه من ~~ارتكاب هذه الأفعال القبيحة التي هي من كبار الآصار. ms11 اه. # قال شيخنا المترجم رحمه الله تعالى: أنت خبير بأن هذا الجواب الذي أطبقوا ~~عليه لا يليق بما أراده صلى الله عليه وسلم من بيان زيادة قبح هذه الذنوب ~~وأشباهها مما رتب عليه اللعن ومبالغته صلى الله عليه وسلم ببيان أن اللعن ~~من عند الله على لسانه وحينئذ فاللائق في نحو هذا الحديث أن يقال: المراد ~~مستحقون للعن الحقيقي وهو الطرد من رحمة الله بسلب الإيمان منهم، ثم قد ~~يعاملهم بما يستحقون وقد لا يعاملهم به فضلا منه وكرما. # قال شيخنا: وهذا مما تفضل الله به على المسلمين ولم أره لغيري. ثم ذكر أن ~~العزيزي نقل في حديث PageV01P023 ~~«أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام الخ» 1 أن من الأجوبة أنه يستحق ~~ذلك وإلا فلا يلزم من الوعيد الوقوع ا. ه. فنعمت الموافقة. ومن فرائده ما ~~كتبه على العزيزي أيضا عند حديث: «أبى الله أن يجعل لقاتل المؤمن توبة» 2. # قال العزيزي: هذا محمول على المستحل لذلك ولم يتب ويخلص التوبة أو هو من ~~باب الزجر والتنفير ليكف الشخص عن هذا الفعل المذموم ا. ه قال شيخنا ~~المترجم، نور الله مرقده، قوله: أو هو من باب الزجر الخ. هذا الجواب اتفق ~~عليه العلماء خلفا عن سلف ولعمري إنه لا يرتضيه من عرف عظيم قدر المصطفى ~~صلى الله عليه وسلم وكأنهم غفلوا عما يستلزمه هذا الجواب مما لا يرتضي أدنى ~~عالم أن ينسب إليه وهو الإخبار بخلاف الواقع لأجل الزجر ولو كان هذا مراد ~~السيد الأعظم لساغ لنا معشر علماء أمته أن نقول لا توبة للزاني مثلا للزجر ~~والتنفير، كيف وذلك من أكبر الكبائر؟ نعم يصح هذا الجواب فيما كان من قبيل ~~الإنشاء كقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان وأصحاب السنن: «أما ~~يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار أو يجعل ~~الله صورته صورة حمار» 3 ا. ه. أما ما كان من قبيل الحديث الذي هنا فلا ~~يجاب عنه بهذا PageV01P024 ~~الجواب مع إبقائه ms12 على خبريته بل إما أن يصرف إلى الإنشاء بجعله للإشفاق ~~وكأنه قال: لعل قاتل المؤمن لم يجعل الله له توبة، وحينئذ يسوغ دعوى إرادة ~~الزجر والتنفير. وإما أن يجاب بجواب لائق بمقام السيد الأعظم مما يعرفه ~~علماء أمته ممن يسوغ له الإقدام على تفسير كلام سيد الأنام، وإلا فيرفع ~~الأمر إلى أهله إن كان ممن يخشى الله ويتقه ا. ه. قال شيخنا: وهو مما فتح ~~الله به علي ولم أره لغيري. ومن تحفه ما كتبه على حديث «أبى الله أن يجعل ~~للبلاء سلطانا على بدن عبده المؤمن» 1 ونصه الذي يظهر كما في هذا الحديث ~~والله أعلم بمراد نبيه صلى الله عليه وسلم، أن المراد المؤمن الكامل ~~والبلاء الكامل وهو الذي لا يصحبه لطف أما الذي معه لطف من قوة يقين ~~ومشاهدة ما في البلاء من النعم فلا يمتنع وقوعه بالكامل بل لا يخلو منه ~~كامل، فاحرص على هذا التحقيق ينفعك في مواضع كثيرة فإنه مما من الله به على ~~هذا العبد ولم يسبقني إليه أحد فيما أعلم فلله الحمد والمنة على نعمه. قلت: ~~وما ذكره شيخنا هو ما يميل إليه القلب أكثر مما ذكره شراح «الجامع الصغير» ~~بأن المراد سلاطة البلاء على الدوام أو المراد المؤمن غير 2 الكامل كما لا ~~يخفى، ويقرب مما ذكره شيخنا قول الحفني: أي لم يجعل للسقم سلطانا على ~~القلب، فلم يمنع من التعلق بالله تعالى، فيكون أطلق البدن وأراد الحال فيه، ~~أو المراد بالبلاء المعاصي فإن بلاءها أشد ا. ه. PageV01P025 # ومن بدائعه ما كتبه على حديث: «إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد ~~آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبد بشيء أحب إلي مما افترضته عليه وما يزال ~~عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به. . . ~~الخ» 1 قال شيخنا: حيث احتيج للتأويل فالأوضح فيه أن يكون المعنى، فإذا ~~أحببته ألهمته حبه إياي، فإن حب العبد ربه متأخر عن حب ربه له يحبهم ~~ويحبونه 2 فكنى عن ms13 حبه لربه بقوله: «كنت سمعه. . . الخ» كما يقول المحب ~~لمحبوبه: أنت عيني، أنت روحي، أنت قلبي. . . الخ، وحينئذ يغيب عن كل ما ~~سواه بل وعن نفسه. وهذا المعنى الذي تفضل الله به علي يشمل جميع ما قالوه ~~بل ويشمل ما عليه العارفون في هذا الحديث والله سبحانه وتعالى أعلم. # ومن نفائسه ما كتبه على قول العزيزي في حديث «كل الناس يغدو فبائع نفسه. ~~. .الخ» 3 الفاء تفصيلية ونصه الذي يظهر لي أن الفاء عاطفة على حد يخرج ~~الحي من الميت ومخرج الميت من الحي وإن لم يتنبه له أحد من الشراح فيما ~~أعلم ا. ه. PageV01P026 # ومن لآلئه ما قاله في قوله عليه السلام: «لا تفضلوا بين الأنبياء» 1 الذي ~~يظهر لي أن المراد لا تفضلوا من عند أنفسكم حتى تسمعوا مني. قال: وهذا جواب ~~في غاية الحسن لم أره لغيري وهو نافع في جميع ما كان من هذا الباب بلا كلفة ا. ه. # ومن متفرداته ما قاله في حديث: «خديجة خير نساء عالمها، ومريم خير نساء ~~عالمها، وفاطمة خير نساء عالمها» 2 قد ظهر لي في هذا الحديث معنى بديع وهو ~~أن المراد بالعالم الصنف كما هو أحد إطلاقاته فإنه يقال عالم العباد وعالم ~~الزهاد وهكذا فالمعنى خديجة خير نساء الصنف الذي هي منه وهو صنف زوجات ~~الأنبياء ومريم خير نساء الصنف الذي هي منه وهو صنف أمهات الأنبياء وفاطمة ~~خير نساء الصنف الذي هي منه وهو بنات الأنبياء فاحرص على هذا الذي لم أسبق ~~إليه فيما أعلم ينفعك في مواطن كثيرة ومن فوائده ما رأيته بخطه ونصه: اعلم ~~أن الدرهم الموجود الآن أربع وستون حبة قمح والمثقال الموجود الآن ست ~~وتسعون لأنه درهم ونصف والدرهم الشرعي ست وخمسون حبة قمح فهو سبعة أثمان ~~الدرهم الموجود الآن فكل سبعة من الموجودة ثمانية من الشرعية والمثقال ~~الشرعي خمسة أسداس المثقال الموجود لأنه درهم شرعي وثلاثة أسباعه فهو ~~ثمانون حبة قمح وهي خمسة أسداس الستة والتسعين التي هي PageV01P027 ~~المثقال المتعارف، فكل خمسة ms14 مثاقيل من الموجودة الآن لستة شرعية، فاحرص على ~~هذه الفائدة فقد بذلت الجهد في تحريرها حين وقع له درهم من ضرب الملوك ~~السابقة هذا، ولو جمعت تحريراته وهوامشه لبلغت أسفارا، ولم يزل على سيرته ~~الحميدة إلى أن توفي يوم الأربعاء سلخ ربيع الثاني سنة (1306) ودفن بعد ما ~~صلي عليه في الجامع الأموي بمشهد عظيم جدا في جوار سيدنا بلال الحبشي رضي ~~الله عنه في مقبرة الباب الصغير. # *** PageV01P028 # (6) ### || AUTO الشيخ علاء الدين بن السيد محمد أمين بن السيد عمر الشهير بابن عابدين # الحنفي الخلوتي 1، # بهجة الموالي وتاج هام المعالي. # ولد في ربيع الثاني سنة (1244) ونشأ في حجر والده الفهامة الشهير السيد ~~محمد عابدين إلى أن ختم القرآن المجيد وحفظه بعض المتون، وكان يحضره في ~~جنبه في دروسه ويدعو له ويتفرس فيه الخير، ولما قرأ في نهاية أمره «ثبته» ~~الذي جمعه لشيخه الشيخ شاكر العقاد أحضر ابنه المترجم وأجازه مع الحاضرين ~~إجازة عامة، وشابكه، وصافحه، ودعا له، ثم بعد وفاة والده المذكور سنة ~~(1252) اجتهد في طلب العلم، فقرأ على مشايخ كثيرين، منهم الإمام النحرير ~~الشيخ هاشم التاجي. وكان جل انتفاعه منه. واستجاز من مشايخ كثيرين دمشقيين ~~ومصريين ومكيين وروميين، وبرع في الفقه، واشتهر، وشارك في بقية الفنون، ~~وعلا شأنه، وصار مرجعا في الفروع الفقهية الحنفية، وصنف في ذلك عدة مصنفات، ~~منها «قرة عيون الأخيار» تكملة حاشية والده «رد المحتار على الدر المختار» ~~ومنها «معراج النجاح شرح نور الإيضاح» ومنها «منة الجليل لإسقاط ما على ~~الذمة من كثير وقليل» ومنها «مثير الهمم الأبية فيما أدخلته العوام في ~~اللغة العربية» وتصدر للإقراء في مدرسة التعديل وفي داره في محلة القنوات، ~~وانتفع به كثير من متفقهة الحنفية. ولما وفد إلى دمشق الشام مهاجرا الشيخ ~~محمد المهدي الخلوتي السابقة ترجمته أخذ المترجم عنه الطريقة الخلوتية، ~~واشتغل بها كثيرا وعمل الرياضات PageV01P029 ~~والخلوات، واشتهر بالصلاح والفضل والزهد، وصارت تؤثر عنه أحوال عجيبة. ثم ~~لما تولى إفتاء دمشق أمين أفندي الجندي ألح على المترجم أن يكون أمين ~~الفتوى عنده ms15 وألزمه بذلك لما اشتهر من ورعه وصلاحه، فباشر أمانة الفتوى ~~عنده إلى أن عزل المفتي المذكور. ثم تولى نيابة محكمة الباب 1 مدة فعظم ~~صيته. ولما عزل المفتي المذكور وعين بعد عزله عضوا في مجلس الشورى في ~~الآستانة سافر إليها وبصحبته المترجم، فاتفق أن صدرت الإرادة وقتئذ بعقد ~~مجلس يسمى الجمعية العلمية لجمع مسائل فقهية في مذهب الحنفية يكون على ~~موجبها جل الأحكام الشرعية، فكان ممن عين عضوا فيه المفتي المذكور، ثم عين ~~عضوا فيه المترجم بسعي المفتي المذكور. ورتبت تلك الجمعية «كتاب المجلة» ~~وحصل للمترجم المكافأة بالإحسانات العثمانية والرتب العلية، إلى أن وجهت ~~عليه رتبة الحرمين، ثم عينه شيخ الإسلام قاضيا في طرابلس الشام، فتوجه ~~إليها وباشر قضاءها 2 بسيرة حميدة وطريقة رشيدة، ولما عقد مجلس في دمشق ~~يسمى الجمعية الخيرية جعل المترجم رئيسه. # وبالجملة فإنه كان من أجلاء الأعيان وفضلاء الزمان. وكان محببا للخاص ~~والعام جميل الذكر بين الأنام، ولم يزل على مكانته السامية إلى أن توفي ~~ضحوة الاثنين في (21) شوال سنة (1306) وصلي عليه في الجامع الأموي، ودفن في ~~باب الصغير خلف ضريح والده والعلامة العلائي رحمهم الله تعالى. # *** PageV01P030 # (7) ### || AUTO الشيخ محمد بن ياسين بن حامد بن أحمد العطار الشافعي 1، # كان عالما فاضلا ونحريرا كاملا، له التفوق في كثير من العلوم. # ولد سنة (1245) بدمشق ونشأ بها، وشب على طلب الفنون والأخذ عن الأجلاء، ~~فقرأ على الشيخ هاشم التاجي، والشيخ عبد الرحمن بايزيد، وعلى علامة المعقول ~~ملا بكر الكردي، وعلى العلامة الشيخ حسن الشطي الحنبلي، وعلى الشيخ محمد ~~الجوخدار، ولازم أخاه العلامة الشيخ سليم الآتي بعده ذكره في فنون شتى، ~~وكان معيد دروسه العامة بين العشائين في الجامع الأموي وفي التكية ~~السليمانية خميس شهري رجب وشعبان. وله إجازة من جده الإمام الجليل الشيخ ~~حامد العطار. وتصدر للإقراء، وعكف على الإفادة في المدرسة السميساطية ليلا ~~ونهارا، وانتفع به كثيرون، وكان لطيف المحاورة، جميل المذاكرة، طارحا ~~للتكلف، ملازما على الجماعات في الجامع الأموي. ولم يتزوج في حياته، ولا ~~اقتنى دارا، بل ms16 كان عاكفا على ظل أخيه المذكور، رأ فلا في برود نعمائه. ~~ولأخيه مزيد التفات إليه وحنو زائد، ولم يزل على سيرته الحسنة إلى أن توفي ~~في دار أخيه في (2) جمادى الأولى يوم الثلاثاء سنة (1307) ودفن في مقبرة ~~باب الفراديس وحزن عليه حضرة أخيه حزنا كثيرا، وعاش بعده أسبوعا كما ~~سنذكره. # *** PageV01P031 # (8) ### || AUTO الشيخ سليم بن ياسين بن حامد بن أحمد الشهير بالعطار الشافعي ~~القادري 1 # شيخنا، صدر المدرسين، وإكليل أجلاء الكاملين، مخدوم السيادة والسعد، ~~وقدوة الحل والعقد. # ولد سنة (1231) بدمشق، وقرأ على الجلة من المشايخ، منهم جده الشيخ حامد ~~العطار، والشيخ عبد الرحمن الكزبري، والشيخ عبد الرحمن الطيبي، والشيخ سعيد ~~الحلبي، وعمر أفندي الآمدي، وغيرهم، في فنون كثيرة. وأجاز له العلامة الشيخ ~~إبراهيم الباجوري مكاتبة، ولما توفي جده المذكور، قرأ مكانه دروسه العامة ~~في الجامع الأموي وفي التكية السليمانية، خميس شهري رجب وشعبان، وتصدر ~~للإفادة والإقراء. # وتدرج في درجات الكمال، وترقى في معارج المجد والإجلال، وعكفت عليه ~~الطلاب، وسار صيته في سائر الجهات. وكان رئيسا، نبيها، وافر الحرمة، جليل ~~القدر، عظيم الهيبة، نافذ الكلمة، كبير الجاه عند الأمراء، عذب البيان، ~~لطيف المسامرة. وكان مرجعا لمعضلات الشام وكهفا للأمور العظام. وكان ينتصر ~~لطلبة العلم أشد انتصار، ويجير من ينتسب لجنابه أحسن جوار. وله قوة حافظة ~~يقضي منها بالعجب. PageV01P032 # وبالجملة فإن شيخنا المترجم كان من نوادر الأوان وحسنات الزمان. ولم يزل ~~على طريقة حميدة فريدة إلى أن توفي يوم الاثنين في (7) جمادى الأولى سنة ~~(1307) وأخر تجهيزه للثلاثاء، ودفن بعد زوالها في مقبرة باب الفراديس، وكان ~~الجمع متوافرا جدا، وكان مرضه قريبا من يومين فقط، رحمه الله تعالى. # *** PageV01P033 # (9) ### || AUTO الشيخ أحمد بن علي بن محمد الشهير بالحلواني الشافعي الرفاعي 1، # شيخ قراء عصره، ومرجع المجودين في قطره. # ولد بدمشق سنة (1228) ونشأ في حجر والده، ولما ترعرع حفظ القرآن عن ظهر ~~قلب من طريق حفص على الشيخ راضي، ثم أقبل على طلب العلم، فقرأ على فضلاء ~~زمانه، منهم الشيخ عبد الرحمن الكزبري. سمع منه «البخاري» وغيره ms17 و«الأربعين ~~العجلونية» وكتب له بخطه إجازة بديعة. ومنهم الشيخ عبد الرحمن الطيبي، حضره ~~في جمل من كتب فقه الشافعية. ومنهم الشيخ سعيد الحلبي، أخذ عنه طرفا من علم ~~العربية، ومنهم المحقق عبد اللطيف أفندي مفتي بيروت، أخذ عنه جانبا من ~~الصرف والبيان وغيرهما. ثم في سنة (1253) ذهب إلى مكة المشرفة واجتمع فيها ~~بالشيخ الإمام النحرير شيخ القراء في الأباطح المكية الشيخ أحمد المرزوقي ~~البصير، المصري الأصل المكي الدار والوفاة، فقرأ عليه ختمة مجودة من طريق ~~حفص، ثم حفظ عليه «الشاطبية» وقرأ القراءات من طريقها، ثم حفظ «الدرة» وقرأ ~~عليه ختمة للعشرة PageV01P034 ~~من طريق «الشاطبية» و«الدرة» ثم حفظ «الطيبة» لشيخ الفن العلامة ابن ~~الجزري، وقرأ عليه ختمة من طريقها للقراء العشرة أيضا، ثم أجازه شيخه ~~بالقراءات العشرة وما تجوز له روايته، وأقام المترجم بمكة أربع سنوات، ثم ~~رجع إلى وطنه دمشق سنة (1257) فتصدر للإقراء من طريق حفص وغيره من السبع، ~~فاشتهر ذكره، وعم نفعه، ثم سار إلى مكة المكرمة سنة (1265) وأقام بها ثلاث ~~عشرة سنة، مشتغلا بقراءة القرآن وتعليم القراءات، وانتفع به هناك خلق كثير، ~~ثم عاد إلى وطنه سنة (1277) فمكث يقرئ ويفيد إلى وفاته. # وكان رحمه الله حسن المفاكهة، لذيذ المحاضرة، لطيف المسامرة، كثير ~~الملازمة لبيته، لا يخرج إلا لضرورة، معتقدا محببا، مربيا، ناصحا، نظم ~~رسالة في التجويد سماها «المنحة السنية» ثم شرحها شرحا لطيفا سماه «اللطائف ~~البهية» جمع فيه معظم أحكام التجويد. وله منظومات كثيرة في بعض ضوابط ~~القراءات، وأنجب تلامذة في دمشق فضلاء، بعد أن كان فن القراءات انقطع سنين ~~منها. ووقع بينه وبين علماء عصره نزاع كبير في أن التجويد واجب شرعا أو ~~صناعة، فكان الأستاذ المترجم يعتمد الأول ويحاورهم في أدلة ذلك، وكانوا ~~يعتمدون الثاني. ثم ورد إلى دمشق سنة (1300) العلامة الشيخ محمد بن صلاح ~~الباقاني الحنفي النابلسي، فسأله المترجم عن حكم التجويد فأجاب بأنه لا ~~يعلم خلافا في وجوبه، فحينئذ التمس منه شيخنا المترجم أن يجمع ما نقل في ~~ذلك فأجاب، وصنف رسالة سماها القول ms18 السديد في وجوب التجويد وقد بيضتها ~~لشيخنا المترجم من خط مصنفها. قلت: وقد رأيت في «فتاوى العلامة ابن حجر ~~الحديثية» هذه المسألة بعينها، فإنه سئل عن قول الإمام ابن الجزري في ~~«مقدمته» و«طيبته» و«نشره»: يتحتم أن يراعي القرآن العظيم قواعد لغة العرب، ~~إلى أن قال: فإن PageV01P035 ~~حسن الأداء واجب على الصحيح بل الصواب، فأجاب العلامة ابن حجر بقوله: قد ~~اختلف المتكلمون على كلام هذا الحبر، فحمل بعضهم الوجوب في كلامه على ~~الوجوب الصناعي لا الشرعي، وبعضهم أجرى كلامه على ظاهره ولم يؤوله، والحق ~~في ذلك تفصيل. ثم أطال العلامة ابن حجر في ذلك وأطاب وأتى بما يبهج ~~الألباب، وأظن لو عثر على هذه الفتوى المتنازعون مع المترجم لكانت فيصلا ~~لهم وفرقانا، ولكن وقع للجميع تعصب شديد كما شاهدته حين المذاكرة في هذه ~~المسألة، ولم يزل المترجم على استقامته الجليلة إلى أن توفي بعد عصر يوم ~~الأحد في (26) جمادى الثانية سنة (1307) وأخر تجهيزه ليوم الاثنين، ودفن ~~بعد أن صلي عليه في الجامع الأموي بمقبرة باب الفراديس. ومما امتن الله به ~~علي قراءتي على الأستاذ المترجم، فإني لازمته مدة تنوف عن ثمان سنين، فقرأت ~~عليه ختمة وأكثر من نصف أخرى، على طريقة حفص، وسمعت منه «الميدانية» ثم ~~«شرح الجزرية» لشيخ الإسلام 1 مرتين، ثم شرحها للشيخ خالد الأزهري، ثم معظم ~~شرح منظومته المتقدم ذكره. وأجاز لي إجازة عامة بسائر مروياته، ثم إني ~~أحببت أن أشرح «الميدانية» فشرعت فيه وأتممته سنة (1304) وقابلته عليه ~~بتمامه فاستسحنه وقرظ عليه، ثم اطلع عليه معظم فضلاء دمشق فكتبوا عليه، وهو ~~أول مصنف لي ظهر للوجود. # وعملت أيضا جدولا بديعا في مخارج الحروف وصفاتها أطلعت أستاذنا المترجم ~~عليه فأعجبه ودعا لي جزاه الله خيرا. # *** PageV01P036 # (10) ### || AUTO الشيخ محمد بن حسن بن عمر الشطي الحنبلي 1. # الفقيه الفرضي الحيسوب الفلكي المتفنن المتضلع. # ولد بدمشق في جمادى الثانية سنة (1248) ونشأ في حجر والده على أحسن ~~تربية، وحفظ القرآن المجيد، ثم لازم دروس والده، فقها، وتفسيرا، وحديثا، ~~ونحوا، وصرفا، وحسابا، وفرائض، وغير ذلك ms19 من الفنون، وبه انتفع وتخرج، وبعد ~~وفاة والده لازم صدر دمشق الشيخ عبد الله الحلبي، فقرأ عليه مطولات النحو ~~والفقه، وكان والده استجاز له من المحدث الكبير الشيخ عبد الرحمن الكزبري، ~~والشيخ حامد العطار، والشيخ عبد الرحمن الطيبي، والشيخ محمد التميمي المصري ~~حين نزوله بدمشق، فأجازوه جميعا. ولما ورد دمشق العلامة الشيخ محمد أكرم ~~الأفغاني لازمه مدة إقامته 2 بدمشق في طرف من علم الهيئة وغيره، وأجاز له ~~مروياته، وتصدر المترجم للإفادة وأقرأ في فنون شتى وانتفع به جم غفير خصوصا ~~أرباب مذهبه من النجديين، والنابلسيين، وغيرهم. وكان له اليد الطولى في ~~الفرائض والحساب. وكان مرجع دمشق في تقسيم المياه في البيوت والمزارع، وصار ~~رئيس الكتاب في عدة محاكم بدمشق، وأخيرا PageV01P037 ~~محكمة الميدان، وله مؤلفات مفيدة، منها «الفتح المبين في تلخيص كلام ~~الفرضيين» ومنها «صحائف الرائض»، قسم فيه فن الفرائض تقسيما لطيفا وجعله ~~على رسم عناقيد وأشجار. وله رسالة في بيان بعض أقوال داود الظاهري، وكتاب ~~في فن الحساب، وآخر في الهندسة والمساحة اختصره من كتاب والده، وضم إليه ~~جملة قواعد وفوائد، وسماه باسم كتاب والده «بسط الراحة لتناول المساحة» ~~وذيله بخريطة في رسم الأشكال الهندسية وبيان كيفية أخذ مساحتها. وله رسالة ~~في مصطلح الحديث، وأخرى في حساب المياه وأحكامها وشرح الدور الأعلى، وغير ذلك. # وبالجملة فهو أحد فضلاء دهره المتفوقين، ولم يزل على طريقته الحسنى إلى ~~أن توفي بعد عصر يوم الخميس رابع شهر رمضان سنة (1307) ودفن يوم الجمعة ~~بتربة الذهبية في مقبرة باب الفراديس 1 رحمه الله تعالى. # *** PageV01P038 # (11) ### || AUTO الشيخ عمر بن طه بن أحمد العطار الشافعي 1. # كان إماما فاضلا متفننا، له يد طولى في المعقولات ودقائق علوم العربية، ~~كثير الاستحضار للشواهد والنكات، لطيف الطبع، حسن المعاشرة، متواضعا. # ولد سنة (1242) وحضر بعد أن ترعرع بعض مجالس عمه الإمام الشيخ حامد ~~العطار، وأجاز له عموم مروياته. وقرأ على أجلاء عصره، منهم: سيدي الجد فقيه ~~الشام الشيخ قاسم الشهير بالحلاق، فقد حضر عنده في كتب جمة من فقه الإمام ~~الشافعي، ms20 ك «المنهج» وغيره، ولازمه وانتفع به، وكان يحكي عن لطائفه ومحاسن ~~أخلاقه ما تتزين به المحافل. وأخذ النحو والصرف عن الشيخ محمد الجوخدار، ~~وقرأ على العلامة ملا بكر الكردي جملة صالحة من العلوم العقلية، وكذا على ~~الهمام الشيخ مصطفى التهامي المغربي. ولما وفد إلى دمشق العلامة الشيخ أكرم ~~الأفغاني لازمه مدة إقامته بدمشق وهي خمسة أشهر تقريبا، ولما سافر العلامة ~~المذكور منها إلى مصر تبعه المترجم، وأخذ عنه طرفا من فن التصوف، وتمكن من ~~قواعده واصطلاحاته، ثم عاد إلى دمشق، وتصدر للإفادة، وأقرأ في فنون شتى ~~وأخذ عنه جمع كثير، وألف مؤلفات PageV01P039 ~~بديعة، منها «الفتح المبين في رد اعتراض المعترضين على محيي الدين 1» تكفل ~~بحل ما استشكله السعد والقاري على العارف محيي الدين ابن عربي قدس سره في ~~«الفصوص» وغيرها، حيث لم يقفا على مراده قدس سره، وفوقا سهام الاعتراض عفا ~~الله عنهما. # ومن مؤلفاته شرح لطيف على «الإظهار» ورسالة في حل جهة الوحدة. وله غير ذلك. # ولم يزل على سيرة جميلة إلى أن توفي في (17) رمضان سنة (1308) ودفن بعد ~~ما صلي عليه في الجامع الأموي في مقبرة باب الفراديس، رحمه الله تعالى. # *** PageV01P040 # (12) ### || AUTO الشيخ محمد بن الشيخ حسن بن إبراهيم الشهير بالبيطار الحنفي 1. # أمين الفتوى الفاضل المتضلع صاحب اليد العليا في دقائق الفتيا. # ولد في خامس عشر ذي الحجة سنة (1231) وقرأ القرآن، ثم حفظه وجوده على ~~والده السالفة ترجمته. وتفقه عليه الفقه الشافعي، وقرأ منه كتبا كثيرة، ثم ~~أشار عليه بملازمة الفهامة الشهير السيد محمد عابدين محشي «الدر» فحضر عنده ~~في كتب متنوعة من فقه الإمام أبي حنيفة، وحفظ منه متونا جمة، ولازمه ~~الملازمة الكلية، واستنسخ جميع مؤلفاته في حياته. وكان يتوسم فيه النجاح. ~~وحضر أيضا مجالس المحدث الشهير الشيخ عبد الرحمن الكزبري، والشيخ حامد ~~العطار، والشيخ سعيد الحلبي. وقرأ على الشيخ عمر المجتهد المتقدم ذكرهم ~~جميعا، وله منهم الإجازة العامة. وقرأ على غيرهم أيضا. وبرع في الفروع ~~الحنفية، ومهر وتقدم في ذلك واشتهر. ولما تولى إفتاء دمشق أمين ms21 أفندي ~~الجندي سنة (1277) جعله أمين الفتوى مدة، ثم تولاها في عهد محمود أفندي ~~الحمزاوي، وبعده في أيام محمد أفندي المنيني، ولم يعول بها على غيره. وكان ~~متفردا في استخراج مظان المسائل. كاد أن لا يخفى عليه حكم مسألة لسائل، ~~حافظا للأحكام الشرعية والنظامات المرعية. وكان متى سئل عن سؤال أحضر النص ~~في الحال. # وبالحقيقة لم تلق هذه الأمانة في زمنه إلا إليه. وكان متواضعا، لطيفا، ~~متوددا، لا يميل PageV01P041 ~~إلى التنعم والتوسع ولا إلى الظهور والترفع. وذكر لي أخوه بهجة الفضلاء ~~الشيخ عبد الرزاق أفندي البيطار أنه كان يلازم نسخ الكتب فوق العادة، وأنه ~~نسخ في زمنه خمسة آلاف كراس وزيادة. ولم يزل على حالته الحسنى إلى أن مرض ~~أياما مرضه الذي توفي فيه وعدته في داره في الميدان جوار الزاوية السعدية، ~~ثم دعاه داعي الانتقال في سابع ذي الحجة سنة (1312) وحضرت الصلاة عليه ~~بجامع الدقاق، ودفنه في تربة القبيبات جوار السيد تقي الدين الحصني، رحمه ~~الله تعالى. # *** PageV01P042 # (13) ### || AUTO الشيخ محمد بن محمد بن محمد هلال الحموي الشهير بالهلالي 1، # والمعروف جده بالمفتي، والمتصل نسبه بالأمير حسن بن الأعوج المترجم في ~~«تاريخ المحبي» 2. # كان أديبا، شاعرا، محسنا، نبيه الذكر في الأدب. # ولد سنة (1242) بحماة، ونشأ في حجر أبيه، وقرأ على عمه الشيخ محمد زهير، ~~وعلى الشيخ إبراهيم الدباغ، والشيخ محمد الدباغ، وعلى غيرهم من مشايخ حماة، ~~وأقبل بكليته بعد ذلك على النظم والنثر وبرع فيه، وفاق في استخراج معانيه، ~~ثم رحل بعائلته إلى دمشق واتخذها وطنا إلى أن توفي سنة (1312) ودفن بمقبرة ~~باب الفراديس. وكان لطيف المحاضرة. فقيرا جدا، وله ديوان بديع مشهور، رحمه ~~الله تعالى. # *** PageV01P043 # (14) ### || AUTO الشيخ أحمد بن حسن بن عمر الشطي الحنبلي 1، # خاتمة أجلاء العلماء الحنابلة بدمشق والمتفنن في فنون شتى. # ولد سنة (1251) بدمشق، ونشأ في طلب العلوم بعد حفظه الكتاب المجيد، وتربى ~~في حجر والده، وتفقه عليه، كما حضره في فنون عديدة، من أخصها الحساب ~~والفرائض والهندسة وطرف من علم الهيئة والحكمة، وبعد وفاة والده قام مقامه ~~في ms22 إفادة الطالبين على سمت حسن وهدي بديع، وحضر مجالس أوحد الأجلاء الشيخ ~~عبد الله الحلبي في بعض الفنون. ولما قدم العلامة الشيخ محمد أكرم الأفغاني ~~لازمه في بعض الفنون الرياضية والعقلية مدة إقامته بدمشق. واستجاز له والده ~~من مسند الشام الشيخ عبد الرحمن الكزبري، و[من] الشيخ سعيد الحلبي، و[من] ~~الشيخ عبد الرحمن الطيبي، وتولى فرضية بلدية الشام سنين عديدة. وكان لطيف ~~الأخلاق، محببا للكافة. كثير التواضع على سعة فضله. وكان فصيح اللسان، ~~مسبوك العبارة في التقرير، عادلا عن حب الشهرة والظهور إلى التعفف والخمول. # انتفع به كثيرون، وكنت أحببت أن أتصل بسلسلة السادة الحنابلة جريا على ~~عادة المحدثين فاستجزته رحمه الله تعالى. وأظهر عند طلبي منه ذلك التواضع ~~الزائد وعدم الأهلية، أعلى المولى مقامه. وكانت تضمني وإياه مجالس لطيفه ~~تحوي محاورات رائقة ونكات شائقة. ولم يزل على طريقته المحمودة إلى أن توفي ~~في (22) صفر سنة (1316) عقب نزوله من مجتمع لطيف في جهة وادي الربوة، ولم ~~يسبق له مرض ظاهر، تغمده المولى وإيانا برحمته وغفرانه. # *** PageV01P044 # (15) ### || AUTO الشيخ محمد بن محمد بن عبد الله الخاني الدمشقي النقشبندي 1، # شيخنا العالم المحقق والصوفي المدقق. # ولد سنة (1247) ونشأ في حجر والده المرشد الجليل، وتلقى عنه جملة صالحة ~~من فنون شتى، واستجاز له والده من مسند الشام الشيخ عبد الرحمن الكزبري، ~~فأجاز له إجازة عامة. وتخرج في العلوم العقلية والنقلية على العلامة الكبير ~~الشيخ محمد الطنطاوي. ولما توفي والده سنة (1279) قام مقامه في الإرشاد ~~وقراءة الدروس العامة والخاصة في جامع المرادية في محلة السويقة. ووجه عليه ~~مرتب والده عن تكية الجامع المذكور. وفي عام (1280) تزوج بنت علامة عصره ~~الشيخ خالد النقشبندي، فحظي بذلك، وسافر صحبتها إلى الحج والآستانة، ثم ~~اتصل بالأمير السيد عبد القادر الحسني الجزائري نزيل دمشق، وصحبه، وسمع منه ~~«صحيح البخاري» كله في دار الحديث، وأجاز له إجازة عامة، وجعله الأمير من ~~خاصته، ورتب له مرتبا لائقا بقدره، وأقامه وصيا على أولاده القاصرين فأحسن ~~كفالتهم. وكان الأمير أوصى له بعشرة آلاف قرش فلم يقبلها ms23 المترجم بعد وفاة ~~الأمير، وقال أقوم بالوصاية حسبة قياما بحقوق الصحبة والفواضل السالفة منه. ~~وحج مرارا. ولما حج صحبة والده عام (1262) استجاز من PageV01P045 ~~العلامة الشيخ عثمان الدمياطي. وسافر صحبة شيخه العلامة الطنطاوي المتقدم ~~سنة (1278) إلى مصر، واستجاز من فضلاء أزهرها، كالشيخ إبراهيم السقا، ~~والشيخ محمد الخضري. وفي آخر حجاته سنة (1310) أصيب بأحد أنجاله النجباء، ~~وهو الشاب الشيخ بشير، لم يبلغ العشرين عاما، وصبر على فقده صبرا جميلا. ~~وكان من عادة شيخنا المترجم الملازمة على الخلوة في رمضان وعشر ذي الحجة. ~~وكان مفردا في اللطف والبشاشة ومؤانسة الجليس، موصوفا بوفور العقل والدهاء، ~~قوي الفراسة، ثابت الجأش، كثير الحلم والتؤدة، لا تأخذه حدة. وقورا للغاية، ~~لا يمل جليسه حديثه. زيد بسطة في العلم والجسم، محببا لدى الخاصة والعامة. ~~وكان يجتمع عنده جمعية وافرة يوم الثلاثاء والجمعة في جامع المرادية لإسماع ~~الحديث، فيجلس لديه عدد عديد من عيون الطلبة وغيرهم على وقار وهيبة إلى ~~انتهاء الدرس. وكان يوم الثلاثاء والجمعة عنده في الجامع المذكور من ~~المجامع الغريبة كأنه موسم يوفد إليه من غالب أنحاء الشام حبا في المترجم ~~لما حوى من مكارم الأخلاق، وهو أحد مشايخي الذين صحبتهم وانتفعت بهم، قرأت ~~عنده كتبا عديدة من فنون متنوعة ولازمته ملازمة تامة ليلا ونهارا من سنة ~~(1303) إلى عام (1309) وسمعت منه حصة وافرة من «الموطأ» و«البخاري» و«سنن ~~أبي داود» و«الترمذي» وأجاز لي إجازة عامة. وكان يودني المودة الأكيدة ~~ويتفقدني إذا أبطأت عن زيارته لعارض، ويقبل إلي في مجلسه الإقبال الزائد، ~~ويخصني بالمحاورة والمحاضرة. وأصيب قبل وفاته بعام ونصف بغشاوة على بصره ~~سرت للحدقتين وفقد الإبصار رأسا، ثم تفقد أطباء الشام فقالوا: يمكن ~~المعالجة ويزول هذا العارض، فتوقف خشية عدم الفائدة، ثم أشير عليه بالذهاب ~~إلى بيروت والمعالجة ثمة، فقصدها، PageV01P046 ~~وكان ينتابها كثيرا ويستحسن هواءها، فمكث بها نحوا من شهرين وعالجه أحد ~~مهرة الأطباء فعوفي بحمد الله مما ألم به وارتد بصيرا فسر ذلك الأهل ~~والأصحاب، بيد أنه لم يلبث نحوا من خمسة أشهر بعد ذلك حتى ms24 فاجأه الحمام 1 ~~وذلك صبيحة الأربعاء خامس جمادى الأولى سنة (1316) توفي على إثر نوبة في ~~صدره اشتدت عليه من الليل إلى الصباح وفيه أسلم روحه الطاهرة، فكان لمنعاه ~~رنة أسف وصلي عليه في الجامع الأموي قبل العصر، ثم حمل إلى تربة الشيخ ~~خالد-قدس سره-في الصالحية ودفن جوار والده، وكان الجمع في مشهده وافرا، ~~رحمه الله تعالى رحمة واسعة. # *** PageV01P047 # (16) # والد جامع هذا الكتاب، هو نخبة الفضلاء وزهرة الأدباء: ### || AUTO الشيخ محمد سعيد ابن الشيخ قاسم ابن الشيخ صالح بن الشيخ ~~إسماعيل # القاسمي الدمشقي الشافعي 1. # ولد في دمشق رابع محرم الحرام عام تسع وخمسين ومائتين وألف (1259) ونشأ ~~في حجر والده، وحضر دروسه في الفنون العربية والعلوم الشرعية، وعكف عليه في ~~حياته، ولازم خدمته، وأقام على مرضاته ورعاية الأدب معه بما لم يسمع بمثله، ~~حتى كان لا يرفع طرفه بحضرته إلا وقت محادثته، وكان بسبب ذلك يمنحه الجد ~~وذريته دعواته الصالحة وتوجهاته القلبية الناجحة التي ظهر أثرها وبركتها- ~~والحمد لله تعالى- عليه وعلى سلالته. ولما توفي والده عام أربع وثمانين ~~ومأتين وألف كما تقدم قام مقامه في إمامة جامع السنانية وإحياء دروسه ~~الليلية والنهارية، فأفاد الجليس، ونثر الدر النفيس، وانتفع بعلومه وآدابه ~~الكثير من طلبه العلوم. وقد شهد لجنابه الخاص والعام بالفضل والذكاء وكمال ~~القريحة ورقة الحاشية ولين الطباع، حتى كان الأدباء يسعون لسماع خطابه ~~والتلذذ بكل ما يبديه من بديع الفوائد. وله أخذ وسماع وتحصيل عن غير PageV01P048 ~~والده الجليل، من أساتذة محققين، وأفاضل كاملين، منهم الشيخ محمد الطنطاوي، ~~والشيخ سليم العطار، والشيخ محمد المنير، والشيخ عمر العطار، والشيخ سعيد ~~الأزهري النابلسي البصير وغيرهم، بوأهم الله دار السلام. وفي سنة إحدى ~~وثلاثمائة وألف ذهب لزيارة بيت المقدس الجليل، ودعي لأداء فريضة الحج ذلك ~~العام، وعاد إلى الأوطان بغاية البهاء والاحتشام، وكان له إقبال عظيم على ~~شأنه، وانزواء شديد عن أكابر زمانه، وكان له مهابة في النفوس، أمارا ~~بالمعروف نهاءا عن المنكر، له حدة في الحق عمرية، وثبات جأش وقوة جنان ~~علية، ومع هذا فتواضعه في ms25 نفسه واطراحه مع صحابته أمر يقضى منه العجب، وقد ~~رزق طلاوة النطق وحلاوة التعبير، وانفرد عن أقرانه في دروسه بفصاحة التقرير ~~وجودة التحرير، فإذا تكلم خلب الألباب، كما إذا كتب سحر ببلاغته الكتاب، ~~وربما بقي في الكلام على حديث واحد ليالي متعددة يبث فيها سبائك المناسبات، ~~والفوائد المستنبطات، وبالجملة فلقد كان رضي الله عنه آية في استحضار ~~الشواهد وتقرير الأحكام، وكان حريصا على مطالعة الكتب وجمع الفوائد، ملازما ~~لبيته، لا يخرج منه إلا لصلاة الجماعة أو لمأرب صالح، هذا عدا عن الصلاح ~~الغض، والوفاء المحض، وما امتاز به من حسن السجايا، ولين العريكة، وكرم ~~المزايا، وكان له في دعائه أكبر خضوع، وفي صلاته خشوع وأي خشوع، وكان حسن ~~الظن بمولاه، متين اليقين، غزير الدمعة عند ذكره الرقائق وتقصير النفس. وقد ~~مدحه كثير من الأدباء في قصائد غراء، فمن ذلك للأديب الفاضل الشهير السيد ~~الحسين الحبال البيروتي مطرزا (مولاي سعيد) هذه الأبيات: # منازلهم بالشام بين الجداول ... سقاك وحياك الحيا من منازل PageV01P049 ~~ولا بارحت تلك الرياض حمائم ... تهيج إذا تبدي الهديل بلا بلي # لها مثل نوحي غير أني بأدمع ... تسيل ومنها الدمع ليس بسائل # إليك حمام الأيك مني رسالة ... توصلها نحو الحبيب المواصل # يمد لها كفا أود بأنني ... أفوز بمرآها ولثم الأنامل # سليل كرام فاق قسا 1 فصاحة ... وجر على سحبان 2 ذيل الفضائل # علا منبرا لو كان يعلم ما انبرى ... عليه لأبدى الفخر في زي باسل # يؤم الورى في جامع فيه للورى ... صلاة وتسبيح وتنبيه غافل # دعوة 3 سعيدا والسعادة ذاته ... ولا زال بدرا سعده غير آفل # وقد جمع - أعلى المولى مقامه - مصنفات أدبية ومجموعات بهية، منها: «بدائع ~~الغرف في الصناعات والحرف» لم ينسج فاضل على منواله، ولا ازدانت صحف ~~الصناعة بسفر على مثاله، أوضح فيه الصناعات الشامية، على الحروف الهجائية، ~~فغدا ك «القاموس المحيط» لمفرداتها والضالة المنشودة المتوشحة بلآلئ ~~تحريراتها، بيد أنه PageV01P050 ~~وصل إلى منته حرف السين، وحالت المنون دون إتمامه على نهجه المبين 1. ومن ~~تآليفه البهية تنقيح «الحوادث اليومية ms26 الواقعة في دمشق المحمية» التي جمعها ~~الشيخ أحمد البديري الشهير بالحلاق. ومن تصانيفه الفائقة كتاب «الثغر ~~الباسم في ترجمة والده سيدي الجد العلامة الشيخ قاسم» ومنها: «سفينة الفرج ~~فيما هب ودب ودرج» على نمط «الكشكول» 2 صاغها من سبائك الفوائد وطرزها ~~بنفائس الفرائد، وكان رحمه الله جميل الشكل، حسن البزة، بديع الصوت، له ~~معرفة جيدة بالأنغام، حفظ نحو نصف القرآن الكريم، جيد الأداء. وقد نسخ بخطه ~~البديع كثيرا من الكتب النفيسة، وكانت تدعوه الوزراء بالمكاتبات للمحافل ~~الرسمية فلا يحضرها تعففا عن الدخول والمزاحمة فيما لا يجديه. ولم يطمح ~~نفسه لطلب الوظائف والرحلة إليها، وحماه المولى من ذلك. وكان ينكر على من ~~أدخل نفسه من أهل العلم في تلك الأبواب. ولم يرحل إلا إلى المساجد الثلاث 3 ~~فقط، رضي عن المولى باليسير من الرزق وخلف أباه الماجد في PageV01P051 ~~الفضل والشهرة والذكر الحسن بين الناس، وتودد الفضلاء إلى زيارته، واقتنى ~~كتبا نفيسة، وكان لا يرى للعيش لذة ولا للحياة قيمة إلا في سبيل مطالعة ~~الكتب، فلا يمل منها ليلا ولا نهارا، وربما قطع معظم الليل في ذلك، حتى ~~كانت أدوات كتابته وما يطالعه جنب فراشه. وكان لا يجارى في المحاورات ~~العلمية لقوة استحضاره أطراف المسائل، ومن جاراه في مسألة لا يثبت معه ~~ويحار من سرعة أجوبته ومناقشته وكثيرا ما كان يعترض أثناء مطالعته بعض ~~المباحث المدونة في الحواشي والشروح، ويقرر وجه المناقشة فيها ذكاء وفهما ثاقبا. # وبالجملة فمزاياه الجليلة وشيمه الجميلة أجل من أن يحصيها قلمي، ويمليها ~~على طرس فمي. ولم يزل على طريقته الحسنة وفضائلها المستحسنة إلى أن فجعنا ~~بجوهره الخطير، ويا له من مصاب كبير، استهوى المدامع، ودق الأضالع، وذلك ~~صباح يوم الجمعة ثالث عشر شوال سنة سبع عشرة وثلاثمائة وألف فجأة. وكان ~~يومئذ أدى صلاة الفجر إماما بجامع السنانية ثم قدم إلى داره. وجئت على أثره ~~من جامع العنابة وجلست معه نتجاذب أطراف الأحاديث حتى هيء لنا شراب الشاي ~~فتناولناه معا على صفاء وسرور، ولم أزل أسقيه حتى قال ms27 لي: اكتفيت، وجلس بعد ~~شربه حصة ثم قام فتبعه ابني ضياء الدين وله عامان ونيف، فقلت له وهو واقف: ~~ما أولع ابني بك يا سيدي، فالتفت إليه ولاطفه ثم خرج إلى صحن الدار، فتبعته ~~ابنتي، ثم دخل إلى محل آخر واستند إلى حائطه وفاضت نفسه الكريمة، فلم نشعر ~~ونحن في محلنا إلا وابنتي مسرعة فزعة دخلت إلينا قائلة جدي لا أدري ما أصابه. # ولما صافح الأسماع منا ... تقطعت الضمائر والقلوب PageV01P052 ~~فخرجنا جميعا فأدركناه مغمى عليه وذلك في الضحوة الصغرى، فحينئذ بادرت ~~لإحضار الأطباء، فأشاروا ببعض وضعيات وبالانتظار أربعا وعشرين ساعة، ولكن ~~ما الحيلة وليس في الإمكان رد ما كان ولا حول ولا قوة إلا بالله، وبتنا ~~ليلتئذ في حال وأي حال، استعنا عليه بالصبر لأمر المولى المتعال، وضحوة ~~اليوم التالي (السبت) احتفل بمشهده احتفالا حافلا جدا يشهد بما له في قلوب ~~الناس من سمو المكانة والمنزلة العليا، مشى فيه جمع كبير من العلماء، ~~والشرفاء، والأعيان، وعوام لا يحصون عدا، حتى غصت الشوارع والأسواق، وهم ~~آسفون على أفول ذلك البدر، ذاكرين لصفاته الغر ومحاسنه التي أبكت مقلة ~~الدهر، فكان مشهدا مؤثرا ومأتما محزنا. وما كنت ترى إلا عينا تدمع وقلبا ~~يصدع. وسئلت عن موضع الصلاة عليه أفي الجامع الأموي، فقلت: بل في جامع ~~السنانية الذي كان موطنا لعبادته مدة حياته السنية. فلما دخلنا الجامع قدمت ~~للصلاة عليه استاذنا العلامة شيخ الشام ومقدم علمائها الأعلام الشيخ بكري ~~أفندي العطار، زيد فضله المدرار، ثم سرنا بمشهده الكبير إلى مقبرة الباب ~~الصغير، واستودعناه خزانة عفو الله وغفرانه وروضة كنز رحمته وإحسانه، فكان ~~مرقده الأعطر خلف مقام سيدي الجد الهمام، وراء ضريح العلامة الشيخ إسماعيل ~~الحائك مفتي الشام. # ما كنت أحسب قبل دفنك في الثرى ... إن الكواكب في التراب تغور # ومن غرائب الاتفاق الذي وقع لسيدي المرحوم، رضي الله عنه، أنه وقف في ~~الجامع الصغير. وكان أعاد قراءته ثانية بين العشائين في جامع السنانية عند الحديث PageV01P053 ~~الذي رواه أبو نعيم في «حلية الأولياء» عن أبي ms28 هريرة مرفوعا: «ادفنوا ~~موتاكم وسط قوم صالحين، فإن الميت يتأذى بجار السوء كما يتأذى الحي بجار ~~السوء» 1. # ولا بأس بذكر شيء من منظوماته اللطيفة فمنها قوله: # قصور عزائمي أبدا بواذخ ... ودور فضائلي بنيت شوامخ # وهمي همتي في دار دنيا ... بوضع مآثر تتلى لناسخ # ورفع لواء شعري بين نثري ... لجمع كتائب الأشعار ناسخ # مديحي للحبيب حياة دهر ... وهجوي للعدا بالحتف صارخ # ونثري في مراسلتي لآل بديع ... بيانها المنظوم باذخ # ومن وصفي التعفف وهو حسبي ... به استغنيت من بين المشايخ # وقوله: # من رام يدخل باب النصر والفرج ... فليجتنب صحبة الأوغاد والهمج # وليعتزل أهل هذا الوقت أجمعهم ... إلا لمن كان ذا دين بلا عوج # أو كان صاحب علم عاملا ورعا أو ... ذا سخاء فما في ذاك من حرج # واستعمل الناس مثل النار منقبضا ... منها وخذ نفعها واحذر من الوهج # فاسمع خليلي نصحي إنني رجل قد ... جرب الناس في ضيق وفي فرج PageV01P054 ~~وقال رحمه الله تعالى في حال المداهنين: # يقول لك المنافق وهو أدرى ... بأسلوب النفاق بما تمادى # إذا صلح الزمان فزد صلاحا ... وإن فسد الزمان فزد فسادا # وقال أعلى المولى درجته: # إذا لم أجد لي في الزمان مؤانسا ... جعلت كتابي مؤنسي وجليسي # وأغلقت بابي دون من كان زاغني ... وأمليت من مال القناعة كيسي # وكتب رحمه الله تعالى لأستاذ شقيقي صلاح الدين، وهو الشيخ زاهد شيخ الأرض: # يا أوحدا بالفضل يا سامي الذرا ... يا نافعا بالعلم أبناء الورى # أنت الهمام الزاهد الحبر الذي ... أقلام خطك بالجواهر تشترى # فامنح صلاح الدين منك محاسنا ... علما وتجويدا وخطا أزهرا # فلأشكرنك شكر خل صادق ... في حبه ويحق لي أن أشكرا # لا زلت ترقى كل فضل جامع ... وتزين المحراب بل والمنبرا # وقال رضي الله عنه: # حظوظ الناس لا تحصى بحفظ ... فهاك أجلها في حسن لفظ # فعلم ثم مال ثم جاه ... فحسبي أن يكون العلم حظي # أطالع من بدائعه فنونا ... وأبعد عن غليظ القلب فظ PageV01P055 ~~وقال أيضا: # كل من يبغي سوى المولى نقص ... واعتراه من ذوي الدنيا غصص # وإذا أمل ms29 منهم حاجة ... نغض المسؤول عنها ونكص # مكفهر الوجه لو أبصرته ... قلت من أين له داء البرص # وعلى السائل فرضا لو سخى 1 ... مرة ألقاه في ذل القفص # فاترك العالم طرا ثم سل ... ملكا يرغب أن تؤتى الرخص # منعما برا كريما رازقا ... ليس يرضى عن عبيد قد حرص # عالما إجمال أحوال الورى ... فهو أدرى في تفاصيل القصص # وقوله مخاطبا الفقير في إبان النشأة: # رضاء الله يا ولدي عليكا ... وعين الله ناظرة إليكا # فلازم درس أستاذ رشيد ... نصوح مخلص راض عليكا # لتخرج عالما في كل فن ... وتبقى الناس طوعا في يديكا # وقال مطلع قصيدة: # حتى متى أنت يا قلبي على مهل ... تسعى وترعى مع الأنعام والهمل # لقد أضعت لذيذ العمر أطيبه ... باللهو والسهو والتسويف والكسل # وخضت بحر توان العجز في خطر ... وجزت وعر هوينا الذل بالخطل # حتى وصلت لحال كله عدم ... فما تميز بين الخل والعسل PageV01P056 ~~هلا تداركت باقي العمر في همم ... تسعى إلى شرف بالجد والعجل # لعل تدرك فضلا أو تنال منى ... من جانب الفضل والعرفان بالعمل # فهل رأيت فتى آوى الحضيض ... وقد أراد يرقى بهذا منزل الحمل # أم هل رأيت جبانا آب منتصرا ... كلا فليس جبان القوم كالبطل # فانهض وسر طالبا هام العلا ... لتفز بما تريد وتبلغ غاية الأمل # أما ترى الشمس لو لا السير ما وصلت ... للغرب كالبدر لو لا السير لم يصل # واستعمل الحزم والعز اللذين هما ... للمرء كالدرع تأمن من بني ثعل # فإنني شمت بيتا فيه من حكم ... تغني اللبيب عن التفصيل والجمل # من ضيع الحزم لم يظفر بحاجته ... ومن رمى بسهام العجز لم يؤل # فلا تضيع ساعات الدهور فلن ... يعود ما فات من أيامه الأول # ولا تصاحب إلا من تزان به ... من كل شهم سليم القلب من علل # وقال أيضا [في] مطلع قصيدة: # حتى متى يا نفس ويحك خاملة ... وأراك دوما للشدائد حاملة # إني إليك لمشفق فاصغي لما ... أبديه نصحا لا تكوني ذا هله # ضيعت عمرك في البطالة فاحزني ... أسفا عليه فقد أضعتي عاجله # ترمي الزمان ms30 بسهم رأي فاسد ... إذ تزعمي لو شاء أعطى سائله # أحسبت كل فضيلة تأتي على ... كسل فأنت إذا لعمري غافله PageV01P057 ~~أم هل طمعت بأن تنالي رفعة ... هيهات إنك في الحضيض لنازله # أم هل زعمت بسوف أو بلعل أو ... بعسى تنالي أو تكوني واصله # فإلى متى هذا الخمول إلى متى ... هذا وأنت لكل فضل قابله # فدعي التواني والهوينا واعلمي ... أن الهوينا للهوان مقابله # واستدركي عمرا مضى من ما بقي ... منه فإنك عن قريب راحله # واستنهضي وتيقظي وتبصري ... وترقبي فرص الزمان القابله # فاستيقظت تبكي على ما فاتها ... وتأملت نصحي لها ودلائله # قالت فديتك من طبيب ناصح ... يصف الدواء لمن يريد تناوله # وقال في الشتاء: # ذهب الربيع بورده وبلينه ... وأتى الشتاء ببرده وبطينه # أما الفقير ففي الشتاء هلاكه ... من همه في فحمه وعجينه # وبسقف بيت عياله من وكفه ... وبرجفه من برده وأنينه # ومن غزلياته قوله مطلع قصيدة: # الشوق راق والهوى يتجدد ... والوجد باق والقوى تتجلد # والصبر قل ومقلتي تنفي الكرا ... والقلب ذل ومهجتي تتوقد # في أهيف يزري الغصون إذا انثنى ... فإليه تركع إن رأته وتسجد # يحكي الغزالة خفة وتلفتا ... والبدر يخجل من سناه ويحسد PageV01P058 ~~ما الفجر إلا من صباح جبينه ... والفرق زاه كان منه الفرقد # فعبير عنبر خده من خاله ... أبدا وعطر الورد منه مجرد # يا قاتلي بمثقل من ردفه مهلا ... فخصرك في نحولي يشهد # عجبا يتيه ولم أنل غير الجفا ... عجبا له وهو السخي المقصد # فإذا طلبت الراح فيه فلا تحد ... عن فيه واشرب فهو نعم المورد # واذكر عقيق الأبرقين وغن لي ... لحن الصبا ودع العذول يعربد # كم راح نحوي لائم في حبه ... يا ويحه أو ما درى من يجحد # تالله ما لام العذول ولا وشا ... إلا أزيد محبة وأجدد # كيف الذي أهتز شوقا كلما ... ذكر اسمه ومودتي تتأكد # وأحب من كان اسمه طبق اسمه ... وأود شوقا من له يتودد # يا راميا قلبي بنبل لحاظه ... يكفي فنار صبابتي لا تخمد # يا متلفي بصدوده مهلا فقد ... حار الطبيب ومل مني العود # *** PageV01P059 # (17) ### || AUTO الشيخ محمد ms31 بن علي بن عبد الرحمن الطيبي الشافعي 1، # مفتي حوران وأحد فضلاء الزمان. # ولد بدمشق سنة (1241) ونشأ على طلب العلم، وتفقه على أبيه وجده فقيه ~~عصره، وقرأ جانبا من فن الحساب على أبيه، واشتغل في الفرائض والحساب أيضا ~~على العلامة فرضي دمشق الشيخ حسن الشطي، وطالع الربع والاسطرلاب وطرفا من ~~الهندسة على الفاضل ميرزا جعفر العجمي، وقرأ طرفا من الهيئة على العلامة ~~الشيخ محمد أكرم الهندي الأفغاني، وعلى القاضي محمد الجيلي. ورحل في شبابه ~~إلى مصر، وأدرك العلامة الباجوري، وحضر دروسه. ولما عاد من الحجاز الفهامة ~~الشيخ حامد العطار إلى مصر سنة (1260) أمر المترجم بالعود إلى دمشق لملاحظة ~~شؤون جده المنوه به، وقد كان والده الشيخ علي توفي في حياة جده، فعاد إلى ~~دمشق وتلقى جانبا من الحديث على جده وعلى مسند الشام الشيخ عبد الرحمن ~~الكزبري، والشيخ حامد العطار المنوه به، وخدم المترجم في أمانة فتوى الشام ~~مدة وفي تقسيم المواريث والمياه في الشام. وقرأ الدرس العام في الجامع ~~الأموي، ورحل مع جده المذكور سنة (1263) إلى PageV01P060 ~~الآستانة لما دعي لحضور ختان أنجال السلطان عبد المجيد خان. وكان شيخ ~~الإسلام عارف حكمت بك عرض على جده أن يدخل حفيده في سلك الموالي فلم يقبل. ~~وله تصانيف مفيدة، منها «خلاصة الترجيح للدين الصحيح» طبع في مصر، و«مناسك ~~الحج» وكتاب في فن المساحة وتحويل الأقيسة العتيقة إلى الأقيسة الجديدة مع ~~تحويل الأكيال والأوزان. وابتكر طريقا سهلا لضرب الأقق والدراهم في الغروش ~~والبارات، وطريقا سهلا لضرب الأذرع والقراريط أو الغروش والبارات في مثلها، ~~وأودع ذلك كله ضمن رسالة. وفي سنة (1288) انتخب لإفتاء حوران فتقلده بمنشور ~~من باب المشيخة بمعاش شهري قدره (475) قرشا ثم حول إلى (342). و[كانت] له ~~وظيفة النظر في مقام الصحابي الجليل معاذ بن جبل رضي الله عنه، المدفون في ~~غور بيسان، وهذه الوظيفة فخرية بدون معاش متوارثة من أسلافه. وكان قد اتخذ ~~المترجم قرية طفس من حوران وطنا له، وكان يتردد إلى مركز المتصرفية بالشيخ ~~سعد، ويأتي لدمشق كثيرا، وكان له أدب ms32 وافر في المحافل والمجالس، وقورا، ~~متئدا في المحاورة. ولما رحلت إلى حوران في ذي الحجة سنة (1314) إجابة ~~لدعوة أحد الأخصاء، وكان سبقني إليها سيدي الإمام الوالد قدس الله سره، ~~اجتمعت بالمترجم في المركز أياما عديدة، وكانت مجالسنا بالمذاكرات العلمية ~~حميدة. ولما عزمنا على الرحلة منها ذهبنا إلى طفس ونزلنا في داره، وكان خطر ~~لي لما أشرفت على بطاح طفس السندسية هذا المفرد: # يا نسيم الأنس من نحو طفس ... طاب من مسراك ذياك النفس # فأنشدته للمترجم وأشرت عليه بأن يذيله بأبيات من نظمه، فبعد وصولنا للوطن ~~راسل سيدي الوالد عليه الرضوان بكتاب مطلعه المفرد المتقدم مع تذييله وهو: PageV01P061 # يا نسيم الأنس من نحو طفس ... طاب من مسراك ذياك النفس # هل ترى ترتبها طيبة ... أم جمال الدين ذا فيها غرس # مر مع والده الحبر الذي ... نشر الفضل وأحيى ما اندرس # سادة زاروا رباها بغتة ... لاكتشاف غرة منا وجس # وأقاموا ساعة أو نحوها ... ورجونا مكثهم حتى الغلس # فدعتهم شامهم أن يسرعوا ... أين روض الشام من أرض طفس # ركب الوابور كل بعضهم ... واقف والبعض منهم قد جلس # ليتهم لم يوحشوا المفتي الذي ... بعدهم أورثه طول النفس # كلما يذكر ما فاه به حبرهم ... فتحا لقولي ذا وأس # أي جمال الدين كرر طربا ... مطلع النظم ودع عنا البلس # فلك الفضل به بيت القصي ... د فنظمي من معانيه اختلس # وصلاتي وسلامي أبدا لعلا ... المختار ما ضاء قبس # ولآل ولصحب كلما ... غرد القمري أو ظبي كنس # فأجابه سيدي الإمام الوالد رحمه الله تعالى بقوله: # هل حبيب زارني وقت الغلس ... أم بشير الأنس وافى من طفس # أم كتاب جاءني من فاضل ... زرع الحب بقلبي وغرس # مفتي حوران الهمام الطيبي ... مفرد في العصر محيي ما اندرس PageV01P062 ~~فهو مشكاة المصابيح التي ... كل من يبغي الهدى منها اقتبس # منهل البر صفا مورده ... وابل الجود إذا القطر احتبس # قد أتانا من لآلي نثره ... نظم در من معانيه انبجس # وبه ذكرنا وقتا مضى ... معه ما شابه قط دنس # وبشيخ السعد نلنا زمنا ... من صفاء ms33 الدهر حقا مختلس # بالأديبين وبالبيك حلا ... وأمين الود من لطفا رأس # فهم النجم وأنتم بدرهم ... كيف لا والفضل منكم يلتمس # وجمال الدين مع والده ... ناظم الأبيات دوما في هجس # باشتياق لسنا طلعتكم ... لم نذق من بعدكم طيب النعس # فعسى الدهر يرينا وجهكم ... نجمع الشمل نهارا بغلس # هاك يا مفتي لوا حوراننا ... رملا يرفل من غير شرس # جاء يسعى خجلا يبغي الرضا ... منكم والصفح عن هذا النفس # ولم يزل المترجم على حالته إلى أن عراه داء استطلاق البطن مدة وتوفي به ~~في (28) شوال سنة (1317) ودفن في مسكنه بطفس، رحمه الله تعالى. # وقال مخاطبا أحد الحوارنة: # خف إله العرش واتبع أمره ... واجتنب ما قد نهى عز وجل # آن أن ترفض جهلا موبقا ... في بلاد أنت فيها ذو أمل PageV01P063 ~~عابهم في الإرث حرمان النسا ... والتهام المهر من أقوى الزلل # ليس يغني عنك ما اعتيد بها ... من أمور خالفت خير الملل # عابهم في الإرث حرمان النسا ... والتهام المهر من أقوى الزلل # بات شرع المصطفى ما بينهم ... ساقطا عند التداعي بالعمل # دأبهم حب السوادي بينهم ... بدلوا الأنثى بأنثى يا بطل # ألفوا ظلم النسا حتى فشا ... بينهم تزويجهن للسفل # لا تراهم يشفقوا إن ظلموا ... وترى الزوج إذا هاج قتل # عندهم ظلم النسا مستحسن ... لا ترى يشفع فيهم من عقل # زين الشيطان للكل الردى ... فارتدى بالجهل في كل عمل # *** PageV01P064 # (18) ### || AUTO الشيخ عبد المجيد ابن شيخنا محمد بن محمد بن عبد الله الخاني ~~الدمشقي # الشافعي النقشبندي 1. # أديب كبير، وبليغ شهير، انفرد بين أقرانه بجودة الصناعتين جودة فاقت ~~الوصف وذوق للدقائق الأدبية بلغ الغاية، ورقة حاشية ولطف سمت إليه النهاية. # ولد في صفر (1263) بدمشق ونشأ في حجر جده الجليل، وبعد أن مهر في القراءة ~~والكتابة حضر بعض دروس جده من نحو وفقه وحديث، ولقنه ذكر السادة ~~النقشبندية، ولما ترعرع قرأ على العلامة الشيخ محمد الطنطاوي، وسمع منه ~~بحضور الأمير عبد القادر الجزائري ثم الدمشقي أكثر «الفتوحات المكية» وذلك ~~في دار الأمير المنوه به، كما سمع من الأمير المشار إليه ms34 أكثر «صحيح ~~البخاري» في مدرسة دار الحديث بدمشق، وحضر عند والده شيخنا أكثر كتب الحديث ~~الستة، وأقرأ في حياة أبيه في داره طرفا من فن العربية، وكذلك في حجرة له ~~في جامع المرادية المعروف بالسويقة طرفا من الفقه وغيره. وكان يخطب به ويؤم ~~به في التراويح. وعنه في إمامة بقية الأوقات وكيل، وانفرد بفن الأدب، وأخذ ~~الشهرة الوحيدة فيه، وكان إذا سمع بيتا بليغا أو نثرا فائقا PageV01P065 ~~يتمايل طربا ويهتز ذوقا ويغلب على لفظه حينئذ كلمة مدهش، حتى إنه لكثرة ما ~~كان يستعملها صار يتوهم أنه له كتابا اسمه «المدهش» وكان له في عنفوان ~~الشباب مع سيدي الوالد قدس سره المودة الفريدة. وكان يحيي معه الليالي ~~الطويلة إلى الصباح، ويتجاذبان أطراف اللطائف الأدبية، وكنت آنس كثيرا ~~بزيارته لنا، وكان كلما نظم قصيدة عرضها على سيدي الوالد وأسمعه إياها. ~~ويتحاوران في أثناء ذلك ويتناقشان ألطف محاورة ومناقشة. وكان إذا ابتهج ~~بقصيدة يسبق لسانه إلى الدعاء على نظمها يدل الدعاء له غيرة أدبية وذائقة ~~عربية، وراجت صناعته أيام الأمير عبد القادر 1 فعمل له المقامات وامتدحه ~~بالقصائد العاليات، وكان الأمير يجيزه الجوائز الوافرات، وبسببه أقبل على ~~الأدب كليا وعشق مطالعة «ريحانة الألبا» و«نفخ الطيب» وقال لي مرة: كنت ~~أنام على «نفح الطيب» وصاحب الأدباء، وعاشرهم وراسل النائين منهم، وانعقدت ~~الصحبة مراسلة بينه وبين الفاضل الكبير عبد الله فكري باشا المصري، ولما ~~رحل إلى دمشق الباشا المذكور حل ضيفا في دار أبي المترجم، وعمل الباشا ~~«رحلة» ونوه بالمترجم في طليعة «رحلته» وكان يكاتب الأدباء المشتهرين في ~~البلاد. ولما وفد الشيخ محمد الكاملي المغربي، الأديب الشهير، صاحبه ~~المترجم، و[كان] يتردد إليه كثيرا، إذ كان نزيل الأمير المنوه به، والجميع ~~دائما في ظله، وسافر سنة (1293) إلى الآستانة، ولم يطل المقام بها. وكان ~~يخالط الولاة والكبراء ورؤساء المجالس ويمدح الأعيان تحببا وتوددا. ولما ~~قدم لدمشق توفيق أفندي قاضيا أحب والد المترجم وتردد إليه كثيرا لأنه كان ~~يظهر أنه PageV01P066 ~~نقشبندي، فجعل القاضي المذكور المترجم نائبا في محكمة ms35 الميدان، وبعد فصل ~~القاضي المذكور عن دمشق استقال المترجم من نيابة المحكمة المذكورة، وكان ~~عائشا 1 هو وعائلته في كنف والده، ويقوم بإدارة شؤون والده ومهماته، وفي ~~سنة (1314) ذهب إلى الآستانة وسعى بواسطة بعض مقدميها بمرتب شهري لوالده ~~قدره ثلاثمائة قرش يسمى معاش قيد حياة، زيادة على معاش مشيخة النقشبندية في ~~السويقة، وهو نحو ألف قرش. وكان أخذ مضبطة من دمشق وصدق عليها وجهاء الشام ~~بحاجته لذلك، فوجه إلى والده المعاش المذكور، وسعى أيضا هناك لأحد أولاده ~~بالقضاء فرد ابنه إلى الشام ليجري امتحانه بها، فحضرها ابنه وأخذ شهادة ~~الامتحان من المحكمة بإعانة صديقهم نائب المحكمة صالح أفندي قطنا، وعاد إلى ~~الآستانة وأبوه المترجم ينتظره. # فنال من باب المشيخة ابنه نيابة في بعض القرى، ونال المترجم بواسطة من ~~ذكرنا رتبة أزمير المجردة، ثم عاد إلى دمشق بعد تغيبه عنها نحو عام، ثم لم ~~يلبث أن توفي والده شيخنا، فتصدر في مكانه في مشيخة الطريقة النقشبندية ~~بجامع السويقة، وفي قراءة درس البخاري، فدعا المترجم لحضور أول يوم من درسه ~~مفتي الحنفية بالشام صالح أفندي قطنا، وكثيرا من الفضلاء، وشرع في إكمال ~~«البخاري» من الموضع الذي وقف عنده والده، وأذن المترجم لأخيه الصغير بعد ~~وفاة أبيه أن يذهب للآستانة لتحصيل معاشه الأخير، فسافر فما نجح، وكان وجه ~~ذلك المعاش لغيره وبقي معاش مشيخة السويقة، فقدم المترجم لجانب الولاية ~~مضبطة بطلبه وتوجيه المشيخة فوجهها عليه PageV01P067 ~~القاضي، وصدق عليها مجلس الإدارة، وأرسلت أوراقه إلى الآستانة، فلم يفجأه ~~وهو في هذا الاهتمام إلا وعمه الشيخ أحمد الخاني ينازعه المشيخة المذكورة ~~وكان نائبا في بني صعب، فقدم دمشق وذهب إلى الوالي وقال له: أنا أسن منه، ~~وابن صاحب الوظيفة الأصلية، وأرشد منه، ويشهد لي ملأ من المريدين وغيرهم، ~~فقال له الوالي: لقد تأخرت، ولو جئت قبل معاملتها لكان لنا معك نظر أما ~~الآن فإن الأوراق في الآستانة فاتبعها هناك، فأرسل عمه أكبر أولاده الشيخ ~~ياسين فتتبعها هناك، وروجع قيود البراءة الأولى من نظارة الأوقاف فوجد أنها ms36 ~~تقضي بتوجيه الوظيفة للأقرب فالأقرب من صاحبها الأول، فأعيدت أوراقه للشام ~~لتجري عليها المعاملة، وقام في الدفاع عن المترجم مفتي الحنفية بدمشق صالح ~~أفندي قطنا، لكون المفتي أخا صهر المترجم على شقيقته وصاحب والده، وحصل ~~اختباط بين المترجم وعمه شديد، وكان يذهب المترجم إلى جامع السويقة مباكرا ~~فيقيم الختم فيأتي عمه للميعاد ليقيمه فيجد المريدين منفضين، وكاد يحصل ~~بينهما ما لا يحمد، ثم إن عمه اعتراه مرض في إحدى عينيه فقوي عليه بعد ذلك ~~ولم يزل يشتد معه، وانقلب عليه بمرض آخر حتى توفي إلى رحمة الله تعالى في ~~ذي الحجة سنة (1317) بدمشق ودفن بتربة الشيخ خالد قدس سره، فظن المترجم أن ~~الأمر صفا له والمشيخة تمت له، فلم يفجأه إلا وعمه الشيخ عبد الله ينازعه ~~المشيخة، وكان حرشه على طلبها الشيخ أسعد الصاحب لعداوة بينه وبين المترجم، ~~سنأتي عليها، وللشيخ أسعد وقتئذ تداخل كبير وتردد وفير على والي الشام فما ~~دونه، وكان لا يتأمل من عمه المذكور هذا الطلب أصلا، كما أنه ليس من خلفاء ~~أبيه في الطريقة على قاعدتهم خصوصا مع صغر سن عمه ومزية المترجم. نعم لعمه السابق PageV01P068 ~~التقدم بالسن والقبول لدى المريدين، والمحبة له أكثر منه المترجم، وكان ~~الذي قوى عمه الشيخ عبد الله على ذلك الشيخ أسعد المذكور، وساعده على مضبطة ~~جددها له، فختمها بعض الوجهاء والعلماء، في لياقته واستقامته، وعارضه ~~المترجم بمضبطة أخرى فما نجحت. وروعي في هذه الوظيفة شرط التوجيه الأصلي، ~~فاعترض المترجم بعدم لياقة عمه المذكور وأنه ليس من الخلفاء، فأعانه الشيخ ~~أسعد وأعطاه صك الخلافة منه وأنه خليفة له، ورد أمره إلى الامتحان عند ~~القاضي، فامتحن في بعض شؤون الطريق وبعض مسائل من الفقه فأجاب عنها، فصدق ~~له باللياقة، ووجه القاضي المشيخة عليه وصدق عليها مجلس الولاية، وأرسلت ~~إلى الآستانة، وخرجت البراءة السلطانية عليها. # ولما تحقق المترجم انسلاخ وظيفة المشيخة عنه سافر إلى الآستانة غرة رمضان ~~سنة (1318) لطلب معاش يكون عوضا عما فاته، فاستحصل معاشا قدره ثلاثمائة ~~قرش، فصدرت الإرادة السلطانية ms37 بذلك، إلا أنه وقع في الأمر العالي تلقيب ~~المترجم بحفيد الشيخ خالد، فكتبت جريدة المعلومات صورة صدور الأمر العالي ~~للمترجم حفيد الشيخ خالد، فخشي المترجم أن يرمى لدى الناس بأنه ما توصل ~~لهذا المعاش إلا بهذا الإفتراء ودعوى أنه حفيد الشيخ خالد، فكتب المترجم ~~كتابا إلى صديقنا الكاتب البارع أديب بك نظمي محرر «جريدة الشام» يقول له: ~~أرجو منكم إصلاح الغلط الذي وقع في جريدة المعلومات من تلقيبنا بحفيد الشيخ ~~خالد، وأن تنبهوا عليه لكي يعلم، فأشهره صديقنا في جريدته تحت عنوان إصلاح ~~غلط، ثم لما وصل الأمر إلى ناظر المالية توقف عن إمضائه واعتذر بأن الأمر ~~إنما هو لحفيد الشيخ خالد والمترجم ليس بحفيده، فجد هناك واجتهد في تمضيته ~~بدعوى أن الأتراك ربما لقبوا ولد الصهر حفيدا. ولما كان PageV01P069 ~~والده تزوج إحدى بنات الشيخ خالد وتوفيت عنده فصلح أن يسمى حفيدا للشيخ ~~خالد لأنه ابن صهره، فطلب حينئذ ناظر المالية بشهادة على حقية أن والده كان ~~صهر الشيخ خالد فقدم مضبطة شهد له فيها بعض الشاميين هناك، فمشى حينئذ ناظر ~~المالية الأمر وأعطي براءة المعاش، فلم يكد يتم فرحه مما نال حتى دعاه ~~الداعي فيها فلباه وورد خبر وفاته في أواخر جمادى الثانية سنة (1319) وأنه ~~مرض بالحمى نحو أسبوع وصلي عليه صلاة الغائب بالجامع الأموي وجامع ~~السنانية، وكان لمنعاه رنة أسف لما جبل عليه من اللطف والإيناس ورقة ~~الحاشية وشهرة الأدب، ولا غرو أن بكته عيون المعارف، فقد كان زهرة الأدباء ~~وريحانة الألباء، وكان قد جمع منظوماته في ديوان سماه «جهد المقل» ولما ~~أراد انتخابه دعاني لداره وشاورني في ترتيبه وما يثبته وما ينفيه، فنظرا ~~لوحدة الحال بيننا أشرت عليه، فوافقني في البعض وعزم على ذلك، وجمعه ثانية ~~وسماه «وجه الحل من جهد المقل» وجمع المترجم كتابا في طبقات مشاهير ~~النقشبندية، وختمها بترجمة جده وأبيه وسماه «الحدائق الوردية في حقائق ~~أجلاء النقشبندية» وكان هذا الاسم تاريخ العام الذي به كمل تأليفه سنة ~~(1306) ثم أهداه المترجم إلى طلعة باشا أحد ms38 كبراء مصر، وكتب له على عنوان ~~الكتاب: # حدائق الورد في الأكمام دانية ... قطوفها من جنان الشام للجاني # أكف أوراقها نحو السما بسطت ... تدعو لأول ممدوح بلا ثاني # ذو الفضل أحمد باشا طلعت الوزرا ... لا زال مظهر معروف وعرفان # أهدي له دوحها المخضود منشئها ... داعيه عبد المجيد الخالدي الخاني PageV01P070 ~~فأمر الباشا بطبعها على نفقته فطبعت في مصر أيضا سنة (1308) وقد تأنق ~~المترجم عليه الرحمة في تأليف هذا الكتاب وأبدع في ترصيع تراجمه وترتيبه ~~بما يبهج الألباب وتعالى في الأوصاف والألقاب على طريقة بلغاء الكتاب، ولما ~~اطلع على هذا الكتاب الشيخ أسعد ابن الشيخ محمود الصاحب شقيق حضرة الشيخ ~~خالد قدس سره ولم ير فيه تعرضا لترجمة والده لا في خلفاء أخيه ولا في موضع ~~آخر، أكبر ذلك وبدأ ينقب على المترجم وينكر خلافة جده من عمه الشيخ خالد ثم ~~استعان بمن ألف له كتابا في ترجمة والده الصاحب وعرض في الخلال للحدائق ~~وأعرض عن زيارة شيخنا والد المترجم بعد ما كانا يتزاوران وسعى بعض الفضلاء ~~في أن يصلح بين شيخنا والشيخ أسعد المذكور فلم يقبل شيخنا، وقال: لا فائدة ~~في ذلك، ولم يزالا مصرين على الهجران حتى فرق بينهما الحمام، عفا المولى عن ~~الجميع إنه القريب السميع. # ومن بدائع منظوماته قوله مطلع قصيدة في مدح الأمير الخطير السيد عبد ~~القادر الحسني الجزائري: # خليلي ما للناس عندي وماليا ... إذا في الهوى أنفقت عمري وماليا # وقالوا الهوى صعب المراس وأرجفوا ... بأني على السلوان ألقى المراسيا # فيا ليت قومي يعلمون بخلتي ... وإن قدروا فليصحبوا القلب خاليا # سلا جيرة الوادي المقدس هل سلا .... فؤادي أو أمسى من الشوق خاليا # معاذ الهوى أن يخطرن بخاطري ... سلو أو الإرجاف يرجف باليا # ألم يأن لي أن أقدر الحب قدره ... وأعلم فيه ما علي وماليا PageV01P071 ~~وكيف ولي في دولة الحب منصب ... هو الصدر والعشاق طرا حواليا # ولو أن قيسا في زمان صبابتي ... على عشقه لم يرض إلا اتباعيا # وقد جبلت من نشوة الحب نشأتي ... فأنى ترى يا صاح نشوان ms39 صاحيا # إذا كان سكري عين صحوي بحبهم ... وذلي لهم عزي ومحوي بقائيا # أأسلوا ونفسي للمعالي طموحة ... ومن ذا الذي يعطي فبابي المعاليا # وآية حبي للعلا أن يرى الورى ... بمدح أمير العارفين افتخاريا # أمير وإني للملوك سلوك ما تقدس من أخلاقه وهي ما هيا # جلال ولا كبر وعلم ولا خفا ... وسيف ولا حيف وتقوى ولا ريا # وتتمتها في «الحدائق» وقوله مطلع غيرها: # روى النسيم عن الأرواح إذ وصفا ... شمائل الود في أرواحه وصفا # عن الجداول ما بين الخمائل في ... وقت الأصائل تروي السهل والشعفا # عن السحائب تبكي في الربا سحرا ... فيضحك الزهر في الأكمام منحرفا # عن الرياض زهت أنوارها وجلت ... أثمارها فزكت طيبا ومقتطفا # عن الضحى حين عاطته البلابل في ... كأس من الورد صهباء الندى أنفا # عن الهزار رخيم الصوت يرفعه ... إن الأمير هو الغوث الذي وصفا PageV01P072 ~~وتتمتها في «الحدائق» أيضا ومن غزلياته وحسن اقتباساته قوله: # أما وليال من ذوائبها عشر ... وما نسخت بالفرق من صورة الفجر # وما كتبت بالمسك في وجناتها ... فحالاتها تختال بالشفع والوتر # وسين جبين فوق نون حواجب ... على قمر والليل فيه إذا يسر # وما نفثت بالسحر من لحظاتها ... وذا قسم لا ريب فيه لذي حجر # إذا كان من أهواه عني راضيا ... فلا رضيت عني الأنام [إلى] الحشر # ومن موشحاته: # سلم الله غزالا سلما ... بعيون كحلت بالنعس # وفم أتقنه الله فما فيه ... عيب غير طيب اللعس # ربرب ربي في وادي زرود ... ما لوى الجيد إلى ماء اللوا # لو رآه البدر يهوي للسجود ... وهو لا يعلم ما معنى الهوى # ذو محيا خاله فوق الخدود ... ملك الزنج 1 على العرش استوى # كل من علمه منع الكما ... جاهل قدر حياة الأنفس # ماله من مشبه نفسي وما لي ... فدا ذاك الرضاب الأنفس PageV01P073 ~~وأطلعه بعض الأفاضل على رحلة أدبية فقرظها بقوله: # راجعتها وأنا لها متشوق ... ورجعتها وأنا لها متشوف # لا يثنين على مؤلفها بها ... لكن به يثني عليها المنصف # حبر إذا أجرى يراع براعة ... سجدت له خلف المعاني الأحرف # طارت إلى العليا بلابل ms40 فكره ... فغدت على عرش المرام ترفرف # وأتت مطوقة بطوق بلاغة ... يسمو على العقد الفريد ويشرف # لا زال طرف سعوده يجري بما ... يرجو وطرف كما له لا يطرف # *** PageV01P074 # (19) ### || AUTO السيد مرتضى بن السيد محمد السعيد بن السيد محيي الدين الحسني ~~الجزائري ثم # الشامي 1، # شيخ مشايخ الطريقة القادرية، المرشد الكامل والعالم الأديب الفاضل. # ولد، رحمه الله، سنة (1245) (كما أخبرني من لفظه) في القيطنة وهي قرية ~~اختطها جده الفاضل الجليل السيد المصطفى في إيالة وهران من أعمال الجزائر، ~~وتربى في حجر والده إلى أن بلغ سن التمييز، فشرع في حفظ الكتاب العزيز، ثم ~~تلقى الفنون على والده العلامة وغيره من الفضلاء، فقرأ النحو، والتوحيد، ~~والأصول، والوضع، والمعاني، والبيان، والتفسير، على والده، وقرأ النحو أيضا ~~على عمه السيد المصطفى بن محيي الدين. وقرأ الحديث «البخاري» و«مسلما» على ~~عمه الأمير السيد عبد القادر قدس سره، ورسالة ابن أبي زيد عليه أيضا، وقرأ ~~«الشمسية» أيضا على ابن عمة والده السيد مصطفى ابن التهامي. وقرأ «شرح ~~الكبرى» للإمام السنوسي على السيد الحبيب ابن المصطفى ابن عمة والده، فبرع ~~وحصل ملكة جيدة، وحضر مع عمه الأمير عبد القادر قدس سره من مواقعه الشهيرة ~~في المغرب ثلاث وقائع كانت بين الأمير وسلطان مراكش، ثم حمل مع جملة ~~العائلة الكريمة إلى فرنسا، ثم صار نابليون رئيس جمهورية فرنسا، واستولى ~~على رؤسائها تمام الاستيلاء، استحسن أن يمتن على الأمير ويوفي له بالعهد ~~الذي كان عاهدته فرنسا يوم تسليمه نفسه إليهم، فاقتضى له كمال السياسة أن PageV01P075 ~~يفرق بين الأمير وبين إخوته ويبعثهم إلى الجزائر ويجعلهم كالمراهين عند ~~تسريحه، ثم ينظر ما ذا تتكلم به فرنسا في أنديتها ومحافلها. ثم بعد ~~استقرارهم في البلدة المذكورة بثلاثة أشهر جاء هو إلى الأمير وأعطاه تسريحه ~~بيده، وبعد أن سرحه بأيام قلائل اتفقت على جعله ملكا عليها، وكان المترجم ~~مع والده وأعمامه لما سرحوا إلى مدينة عنابة من أعمال الجزائر أقاموا بها ~~نحوا من خمس سنين، ثم أذنت لهم الدولة المذكورة باللحوق بالأمير إلى الشام، ~~فحضروا ms41 دمشق سنة (1273) فقرأ المترجم بدمشق على فضلائها أيضا، منهم شيخنا ~~الشيخ سليم العطار، حضره في مختصر السعد، وكذلك الشيخ محيي الدين الإدلبي، ~~حضره فيه أيضا. وأخبرني من لفظه أنه استجاز من سيدي الجد، قدس سره، وأنه ~~كان له حضور عنده في بعض دروسه، ثم في سنة (1277) بعثه الأمير وأصحبه جملة ~~مكاتيب للأعيان بدار السعادة لكي تعين لجميع أقارب الأمير مرتبا، فأجابته ~~لذلك، وعينت لجميع إخوة الأمير وأقاربه المرتبات الكافية، ومنها للمترجم ~~ألفا وخمسمائة قرش شهريا. وفي سنة (1281) لحق بالأمير بعد سنة من سفره ~~للحجاز حتى أدى الفريضة، وأطلعني على إجازة من السيد عبد الغني الدهلوي ثم ~~المدني، وكان سمع منه في المدينة المنورة شيئا من «سنن الترمذي» فأجاز له ~~ذلك وغيره إجازة عامة، واستجاز أيضا من الشيخ عبد الغني الميداني الدمشقي، ~~بعد أن قرأ عليه «الشفا» وأقام المترجم بدمشق مدة، وقطن ناحية باب السريجة، ~~ودرس بجامع العنابة هناك، وبنيت له في الجامع المذكور حجرة مرتفعة جنب ~~مأذنته، فأقام بها يرشد ويعظ. وتلقى عنه الطريقة القادرية زمرة من أهالي ~~تلك الناحية، وأقام الذكر ثمة بعد العشاء، واجتمع لديه مريدون حسن اعتقادهم ~~فيه جدا. ثم تحسن لديه الإقامة في بيروت PageV01P076 ~~لموافقة هوائها له، فارتحل من دمشق إليها في سنة (1294) ومع ذلك كان يتردد ~~ما بينها وبين دمشق، غير أن معظم إقامته كانت في الثغر، وغالب مجيئه لدمشق ~~أواخر فصل الربيع إلى أواخر الصيف، هربا من شدة الحر وقتئذ في بيروت، وتصدى ~~أول مقدمه إلى بيروت إلى الوعظ والتدريس العام في كتب القوم، فكان يبدي من ~~باهر الإرشاد وفصاحة اللهجة ما يدهش الألباب، ثم اقتصر على الوعظ والإرشاد ~~في بيته مراعاة لصحته، وكان يخبر عن ضرب لطيف من التعليم، كان والده يمرنه ~~عليه أيام طلبه للعلم، وذلك أنه كان يتلقى عن والده الدرس ثم يأمره ~~بمطالعته وحفظه وإلقائه عليه في اليوم الثاني من سماعه عليه، فكان يلقيه ~~كما سمعه لتمام محفوظيته، ويجعله والده كأنه شيخه وهو تلميذه، وكان تلقى ~~الذكر عن عمه الأمير ms42 قدس سره، وأجاز له بالأوراد القادرية، وتلقى أيضا عن ~~السيد سلمان أفندي نقيب السادة الأشراف في بغداد. ومن سلالة القطب الجليل ~~السيد عبد القادر الجيلاني، قدس سره، وذلك عند زيارته لهذه البلاد، وقد كان ~~المترجم، رحمه الله، جليل القدر، مهابا، تكسو مجلسه الهيبة والوقار، كريم ~~الطبع، حسن المسامرة، لطيف المعاشرة، ذا فكرة وقادة وحافظة عجيبة، مشهورا ~~ببلاغة الإنشاء وجودة النظم، وكان غيورا على المنكرات والبدع 1، سليط ~~اللسان على المبتدعين، ينهج في أحواله منهج السلف ويدعو إلى ذلك، وكان لا ~~يرضى بأدنى بدعة مخالفة لما يعهده من السيرة الحميدة، ولذلك كان كثير ~~الاحتجاب، لا يخرج إلا لبعض إخوانه أو لمنتزه يخلو به معهم، فلا يتردد إلى ~~الكبراء ولا يزورهم ولا يجيب دعوتهم وإن PageV01P077 ~~كان يجلهم إذا صادف وجودهم في مجلس، ولم يحصل له الإجلال والشهرة الكبرى ~~إلا في بيروت، حتى صار عند أهلها أول جليل بها، ولا يزوره أحد إلا ويذكر له ~~ما يبلغه من المنكرات، فيستغرق مجلسه في ذمها ولعن فاعلها وتقبيحهم والدعاء ~~عليهم، وتأخذه الحدة العمرية جدا، ويظهر من التألم ما لا مزيد عليه. واتفق ~~أن أحد الوجهاء في بيروت صادفه في الطريق فأقبل عليه وقبل يده، وكان معه ~~ابنه وعلى رأسه قبعة تشبه القبعة الفرنجية، فقال له: من هذا؟ فقال له: ~~ابني، فقال له: أكفرتم بعد إيم?انكم الله أكبر، وصار يكرر عليه ذلك، فطفق ~~يعتذر له ولا يزيده إلا إنكارا. وكان ينكر علي إدخال الساعات إلى الجوامع ~~ويقول: إنها في دقها تشبه الناقوس، وأنكر مرة على إمام جامع إقراره على ~~امرأة كانت تقعد عند بابه فتحفظ نعال المصلين وأمر بإخراجها. وله في النظر ~~إلى دقائق الأحوال فكر عجيب، وربما يمرض من كثرة التألم على بعض المنكرات. ~~ولما قدم دمشق مرة وشاهد في مرجتها ما استحدث من القهاوي على جانب بردى ~~تألم وقال: متى كانت دمشق في هذا الحال، وصار يسترجع ويحوقل، وكان يسمي ~~بيروت دار الكافرين ودمشق دار الفاسقين، ولما رحلت إلى بيروت صحبة عمه ~~صفينا العلامة المفضال ms43 السيد أحمد الحسني سنة (1315) استقبلنا المترجم إلى ~~محطة الحدث وأعد لنا أنفس عجلة 1، وعمل لنا دعوة عظيمة، وكنت أشاهد من ~~سيرته وغيرته وهديه أحوالا عجيبة، وكان يضرب الأمثال بهدي سيدي الجد، ~~ويترحم عليه كثيرا، وكان يذكر لإخوانه أنه لم ير من طبقة سيدي الجد مثله، ~~بل إني ما رأيته أثنى على أحد PageV01P078 ~~كثنائه عليه، وقال: كذا فليكن العالم ورعا وتعففا وانزواء وعدم مزاحمة على ~~مطلب دنيوي وصلاحا وشدة إتباع، يعني ذلك ما كان عليه سيدي الجد، وكان يروي ~~له مناقب جمة، ورآه ليلة وفاة الجد برؤيا غريبة كان دائما يقصها ويعبرها ~~بعلو مقامه. ولما أخبرني في بيروت أنه أخذ عن سيدي الجد أحببت أن يكتب لي ~~إجازة فامتنع تواضعا، ثم ألححت فأبدع في تلك الإجازة. وأطلعته في إحدى ~~رحلاته إلى دمشق على كتابي «الجواب السني» فقرظه تقريظا بديعا. # وأنشدني مرة: # ولقد سألت عن الكرام فقيل لي ... إن الكرام رهائن الأرماس # ذهب الأكارم جودهم ووجودهم ... وحديثهم إلا من القرطاس # وزاره مرة أحد الشيوخ الأجلاء فلم يجده فوضع له بطاقة الزيارة المتداولة ~~الآن، فلما جاء المترجم ورآها أنكر ذلك، وقال: سنة الفرنج وحوقل، فذكرت ذلك ~~لما بلغني إنكاره لزائره، فقال: عجبا وهل هذه البطاقة إلا مختصر كتاب يعرفه ~~بمن زاره. وبلغه مرة ذهاب بعض الفضلاء ليبارك لكبير في تولية منصب رياسة ~~البلدية في بيروت فأنكر عليه ذهابه، وأكبر ذلك، وذكر مثالب ذاك المنصب ~~ومضراته الدينية، ولم يدخل الجامع الأموي بعد عمارته الحديثة إثر احتراقه 1 ~~زعما أنه عمر من مال فيه شائبة، سيما لما بلغه PageV01P079 ~~زخرفة محرابه ومنبره. ولما حكي له أن الجامع الأموي أريد في أيام الشيخ عبد ~~الله الحلبي تجديد تبليطه وأنه عمل اكتتابا من الأغنياء. ثم جاءه الشيخ حسن ~~الشطي الحنبلي وقال للشيخ عبد الله: بلغني عزمكم على تبليطه من أموال الناس ~~فأبقوا للحنابلة في الجامع رقعة غير مبلطة ثم توقف العمل عن تبليطه. فلما ~~ذكرت هذه القصة للمترجم صار يقول: حشرني الله في زمرة الشطي. ولما سعى له ms44 ~~ابن عمه أحد يا وري الحضرة السلطانية الأمير محمد باشا ابن الأمير السيد ~~عبد القادر بتوجيه رتبة أزمير المجردة عليه وعلى أخيه وابن عمه السيد محمد ~~أبي طالب، قام المترجم وقعد وأبرق وأرعد، وقال: ما لي ولمثل هذه الرتب التي ~~لا جدوى لها، وأغلق بابه في بيروت دون المهنئين ولم يفتح لأحد، وتهيب منه ~~كتاب الجرائد في بيروت أن يدرجوا نبأ هذا التوجيه إلا بإذنه فلم يأذن لهم ~~إلا بعد إلحاح كثير منهم، وله غرائب في معنى ما ذكرنا، وكان يقوم لزائره ~~إلى باب المخدع ويستقبله استقبالا مدهشا ويضعه في أرفع مكان ويودعه إلى ~~خارج باب الدار، ولا يمكن أحدا من تقبيل يده، وإذا دخل أحد الأكابر مكانا ~~وهو فيه، فإن لم يمكنه الصدع بالحق فيه يتجلل بالسكوت كما شاهدته في بيروت، ~~وله نظم ونثر لطيفان 1 إلا أن نثره أجود. # ومن شعره قوله وقد أشرف من قصره ليلا على بيروت: # أنظر إلى بيروت في أضوائها ... تحكي سماء الزهر في لألائها # إن جئتها ليلا وجلت بناظر ... خلت النجوم تجول في أنحائها # يا لائمي في حبها مهلا فلا ... تعجل فإن اللوم من أعدائها PageV01P080 ~~ولم يزل قدوة للصالحين، وبهجة لمجالس المتقين، سالكا بمريديه سبيل المكرمات ~~مطهرا قلوبهم من أدران المنكرات، إلى أن توفي ليلة الأربعاء قبيل العشاء ~~لأحد عشر يوما خلت من ذي القعدة سنة 1319 على إثر داء عياء، حارت فيه حيل ~~الأطباء، وما نجعت فيه وسائل الشفاء، وقبيل ظهر الأربعاء احتفل في بيروت ~~بمشهده بجمع غفير وصلي عليه في الجامع العمري الكبير ودفن في تربة الباشورة ~~ورثاه أدباء بيروت بقصائد بديعة، سقاه الله غيث الرحمة والرضوان، وجعل ~~مسكنه في غرف الجنان. # *** PageV01P081 # (20) ### || AUTO السيد أحمد بن السيد محيي الدين بن المصطفى بن محمد بن المختار الحسني # الجزائري ثم الدمشقي المالكي الأثري 1، # صفينا وصديقنا، إمام لا يدرك شأوه، ولا يسبق في المعالي خطوه، ولا يبارى ~~في مضمار المعارف، ولا يجارى في حلبة اللطائف، فهو السيد الذي طلع في جبهة ~~العصر غرة، والكوكب ms45 الغني عن الوصف بالشهرة. # ولد، رحمه الله تعالى، في شعبان سنة (1249) في القيطنة من ضواحي وهران، ~~وتربى في حجر أخيه العلامة السيد محمد السعيد، السالفة ترجمته 2، حيث توفي ~~والده قبل فطامه. ولما بلغ سن التمييز شرع في حفظ القرآن الكريم فحفظه عن ~~ظهر قلب وهو دون البلوغ، ثم اشتغل بطلب العلم، فقرأ على أخيه المنوه به، ~~وقرأ على ابنه السيد مرتضى، المتقدم ذكره 3، طرفا من النحو والوضع، وقرأ ~~التوحيد على أخيه العارف الجليل الأمير السيد عبد القادر قدس سره، والفقه ~~المالكي على الشيخ محمد بن عبد الله الخالدي، ولما اشتبك القتال بين أخيه ~~الأمير عبد القادر وفرنسا، كان المترجم في سن PageV01P082 ~~المراهقة، فلهذا لم يحضر وقائعه المشهورة، ثم استصحبه أخوه في جملة العائلة ~~الكريمة إلى فرنسا. ولما نقل الأمير إلى بروسا سار المترجم مع إخوته إلى ~~مدينة عنابة من أعمال الجزائر وتزوج هناك وأقام هو وإخوته بها نحو خمس ~~سنين، ورتبت لهم الدولة الفرنساوية المرتبات الكافية، ثم تراءى لأكبر إخوته ~~السيد محمد السعيد أن يسير إلى مدينة تونس ويستوطنها مع إخوته، ورأى المقام ~~بها أجود من عنابة لوفرة علمائها وفضلائها، فكاتب أحد أمرائها يستشيره فرحب ~~به ووعده أن يقوم بجليل شأنه، فعرض أمر الرحلة على وكيل الفرنساويين في ~~عنابة فأجيب بأنه لا يسرح ما لم يسلم بمرتبه، فأجاب بتسلمه، فلما سلم معاشه ~~أصالة عن نفسه ووكالة عن إخوته تسليما رسميا، هيأت فرنسا وابورا 1 بحريا ~~ونقلته مع إخوته وفيهم المترجم من عنابة إلى الشام، وألحقتهم بأخيهم الأمير ~~السيد عبد القادر، ورفضت فرنسا الإذن لهم بتواطن تونس إبعادا لهم عن قارة ~~المغرب كليا، خوفا من إقبال العموم عليهم، لما لهذا البيت في المغرب من عظم ~~الشهرة وكبر الاعتقاد في نفوس العامة والخاصة، فقضت سياستهم إلحاقهم بأخيهم ~~الأمير، فلما رأوا ذلك سقط في أيديهم، ولم يكن في بالهم هذا الحسبان، ~~فقدموا دمشق سنة (1273) واضطر أخوهم الأمير إلى عمل مرتبات لهم مما رتبته ~~له فرنسا، وجاء أقل من راتبهم السالف، ثم إن أحد ms46 إخوة المترجم طلب من والي ~~دمشق أحمد باشا الشهيد سنة (1276) توجيه مرتب له كاف من الدولة العلية، ~~فأمره بعمل مضبطة، فأجرى موجبها وسار إلى الآستانة، فوجه له معاش كاف، فلما ~~رأى بقية PageV01P083 ~~إخوته ذلك تحركت همتهم لمثل هذا وتذاكروا في الذهاب إلى الآستانة، فعند ذلك ~~جمعهم أخوهم الأمير قدس سره، وكتب مضبطة بأسمائهم وأرسلها مع السيد مرتضى، ~~السالفة ترجمته 1، فسار إلى الآستانة ووجه له ولهم معاشات كافية، فكان ~~لصفينا المترجم ألف قرش راتب شهري، وذلك سنة (1277) ولا زال يستوفي هذا ~~المعاش إلى أن توفي أخوه الأمير، فوقتئذ انقسمت العائلة قسمين، قسم بقي على ~~أنه من تبعة فرنسا، وقسم انخرط في تابعية الدولة العلية، ورتبت كلتا ~~الدولتين لمن كان على تبعتهما المرتبات الكافية، فكان ممن بقي على تبعة ~~فرنسا صفينا المترجم، فعينت له ألف قرش أيضا مشاهرة، ومنحتين في كل عام في ~~عيدين لهم، كل منحة نحوا من خمس وعشرين ليرا فرنساوية على حسب أصولهم. ولما ~~حصل اكتتاب النفوس سنة (1301) بدمشق طلب من المترجم أن يقبل التقييد في سجل ~~النفوس العثماني ويعطى هو وعائلته أوراق النفوس فلم يقبل، فسعى بعض أقاربه ~~ممن تعثمن 2 إلى الوالي حمدي باشا فوقف معاشه من الدولة العلية، فاعترض ~~المترجم [على] هذا التوقيف بأن الدولة العلية لما رتبت له ما شرطت أن يكون ~~من تبعتها، فلم يفد اعتراضه، وبقي معاشه موقفا ومعاش فرنسا جاريا عليه. هذا ~~ولما قدم المترجم إلى دمشق أكب على تحصيل العلوم والفنون، فحضر في فن ~~النحو، والتوحيد، والبيان، والمنطق، والوضع، والأصول، على العلامة المحقق ~~الشيخ محمد الطندتائي، وقرأ في فن النحو على ابن عمته أيضا العلامة السيد PageV01P084 ~~مصطفى بن التهامي، وقرأ جانبا من التوحيد على الصوفي المبارك الشيخ محيي ~~الدين العاني، وكذا على العلامة الشيخ يوسف المغربي، وحضره في «الجزرية» من ~~علم التجويد أيضا وحضر في التفسير على أخيه العلامة السيد محمد السعيد، ~~وسمع من سيدي وجدي العلامة الشيخ قاسم «صحيح البخاري» بطرفيه بعد العصر في ~~جامع السنانية في شهر رمضان من ms47 سنتين مع طلبة أجلة، وإحضار شروح «الصحيح» ~~والضبط التام والتحقيق البديع كما شافهني به المترجم مرارا، وكتبه لي في ~~مشيخته، وكذا حضر على الجد قدس سره جملة من «تفسير البيضاوي» من أوائل سورة ~~البقرة، وسمع على أخيه الأمير قدس سره «صحيح البخاري» و«مسلم» في مدرسة دار ~~الحديث الأشرفية، وكتب له إجازة رأيتها، وحضره في مواقفه الشهيرة، وفي ~~«الفتوحات المكية» في داره لما قرئت بحضوره بعد تصحيحها. وولع المترجم بفن ~~التصوف وأدمن النظر فيه، وتلقن ذكر الطريقة القادرية من السيد محمد علي ~~أفندي الكيلاني الشهير بحماه، ومن أخيه الأمير أيضا. واشتهر فضله ونبله ~~وصلاحه وتقواه، وأقرأ في داره في فنون متنوعة، وكذا في جامع العناية في ~~جواره من قسم باب السريجة درسا عاما بين العشائين مدة، وكان محافظا على ~~أوقاته، يقسمها على الذكر وتلاوة التنزيل العزيز، ومطالعة العلم والتصنيف، ~~وزيارة الإخوان في الله تعالى، وصلة الأرحام، ورياضة البدن أحيانا. وكان له ~~ميعاد بين العشائين ليلتي الاثنين والجمعة في داره، يجتمع عنده فيهما بعض ~~مريديه فيذكرون الله تعالى إلى العشاء ذكرا خاليا من شائبة الابتداع. وكان ~~شديد المحافظة على الجماعة أول الوقت، فقل أن تفوته إلا أن يغلب عليها لأمر ~~ضروري. وكان شديد المحافظة على قيام الليل حضرا وسفرا كما شاهدته PageV01P085 ~~في سياحتي في صحبته إلى بيروت مرة وإلى منازه الغوطتين في كل عام مرارا، ~~يطيل القيام والركوع والسجود، اقتفاء للهدي النبوي، مجللا عند الخاصة ~~والعامة، محببا للكافة، ويقصد لحل المشكلات، سمحا بجاهه، منتدبا لإغاثة ~~الملهوف، فيه دعابة، وله شعر سليقي 1 ونثر حسن، وله ذوق عربي غريب، يقدر ~~قدر البليغ من الكلام، ويقضي بما حوى من رقة وانسجام، مشربه الحديث والعمل ~~به والدعوة إلى التمسك به والحث عليه، ألوفا، ودودا، متواضعا، حسن ~~المحاضرة، كثير المفاكهة والمطايبة، يحفظ تواريخ المغرب ونوادره وجغرافيته ~~البحرية والبرية، ويعلم حالة العصر السياسية ويدري داءها ودواءها. وله ~~فراسة في الوقائع السياسية عالية، مما يشف على ذكاء الفؤاد ونباهة الخاطر. ~~وكان لا يجيب دعوة من يعلم أن مكسبه ms48 حرام وإن اضطر إلى الحضور فلا يأكل بل ~~يجلس على المائدة ويعتذر بأنه اضطر إلى طعام قبل حضوره، وإن أكل في بعض ~~الأحيان فيتقلل منه ثم يتصدق بقيمة ما أكل، هكذا عادته، يتأثر بها بعض ~~الصوفية، وكان يقابل زائريه بالبشاشة الزائدة واللقي المدهش، ويرد الزيارة ~~لمن زاره، ولا يتملق الأعيان، ولا يزور من لا يزوره منهم، ولا يبالي بصدعهم ~~بالحق في المحافل إذا اختلفوا، وربما عول في صدعهم على اجتهاده، وإذا جودل ~~يحرر المسألة المتنازع فيها ويرشحها بالأدلة والبراهين. وكم له في ذلك من ~~مقالات فائقة، وله فتاوى عديدة في مواضيع مختلفة حسب الأسئلة التي كانت ~~ترفع إليه يؤخذ منها فوائد كثيرة يعز وجودها في الأسفار النادرة، كما أن له ~~مصنفات بديعة، منها: كتاب على قول الإمام علي، كرم الله PageV01P086 ~~وجهه: (العلم نقطة كثرها الجاهلون). سماها «نثر الدر» وبسطه وقد أطلع عليها ~~1 فضلاء عصره فقرظوها، وفي مقدمتهم مفتي دمشق العلامة محمود أفندي الحمزاوي ~~ومن [في] طبقته، ورسالة على بيتي (توضأ بماء الغيث) الشهيرين شرحهما على ~~لسان العارفين، قدس سرهم، ورسالة في السماع سماها «الجنا المستطاب والزبرج ~~المذاب في الرد على من زعم أن سماع المعازف يحرك القلب لرب الأرباب» وقد ~~قرظتها بقولي: # كتاب كريم علي الجناب ... بديع الفرائد عذب الخطاب # أبان عن الحكم في مشكل ... بأسمى مقال وأسنى جواب # وأرشد للسالك مطلوبه 2 ... وأدنى إليه سلوك الصواب # فدونك سفرا بدا وجهه ... يضيء وقد زال عنه النقاب # تمسك بإرشاده واتعظ ... ودع لهو دف الهوى والرباب # فذاك ابتداع وأي ابتداع ... وذاك حجاب وأي حجاب # أمور مناكير ما إن لها ... لسنة طه الرسول انتساب # توهم قوم وصولا بها ... فهيهات ما ذاك إلا سراب # فتعمير قلب الفتى ذكره ... لمولاه واللهو فيه الخراب # وكل الذي سنه المصطفى ... ففيه إلى الحق أعلى اقتراب PageV01P087 ~~فلازم على الشرع واعمل به ... وحاذر لما فيه أدنى ارتياب # وهذا الكتاب بذا كافل ... ولم لا وذاك الجنا المستطاب # فرد من كؤوس هدى نصحه ... سلافة حق صفت للشراب # وخل فؤادا بناصع ما ms49 حوى ... صفو زبرجه ذا المذاب # أدام الإله لمن شاده ... رقي المعالي ليوم الحساب # وأوفى لعلياه من فضله ... تمام الثواب وحسن المآب # وكنت حرضته على جمع «تاريخ» في سيرة أخيه الأمير لما كان يشنف أسماعنا ~~ويؤنس مجالسنا دائما بنبئه العاطر، فأجاب وجمع «تاريخا» له في مجلد سماه ~~«نخبة ما تسر به النواظر وأبهج ما يسطر في الدفاتر في بيان سبب تولية ~~الأمير عبد القادر في إقليم الجزائر» وقرظته أيضا بقولي: # ذي نخبة سرت فؤاد الناظر ... أبه مآثر سطرت بدفاتر # في سيرة المولى الأمير المجتبى ... العارف الحسني عبد القادر # من أدهشت آثاره أهل النهى ... وغدت بجيد الدهر عقد جواهر # يا طالما الفضلاء ودت لو ترى ... آثاره جمعت بسفر باهر # كيما تحلى فكرها أخباره ... أيام دولته بقطر جزائر # وإذا النفوس تعطشت لمؤلف ... في ذلك النبأ العظيم الغابر # أمضى اليراع لذا أخوه المعتلى ... مجدا وفضلا فوق كل مناظر PageV01P088 ~~الحبر أحمد بهجة العلماء من ... ورث المعارف كابرا عن كابر # فأبان منتخبا عظيما وقعه ... لاحت به آيات صدق ظاهر # لا زال جامعه يفيد لطائفا ... تملى وتتلى في رؤوس منابر # ما فاح طيب مآثر النبلاء من ... روض المعارف بالكمال الوافر # وبالجملة فقد كان المترجم آية في الفضل واللطف ورقة الحاشية والتمسك من ~~التقوى بالسبب الأقوى، صديقا صادقا وخليلا موافقا. عقدت الصداقة والصحبة ~~بيننا من سنة (1303) عام اختارني أن أكون إماما في جامع العنابة في جواره، ~~وجاء إلى سيدي الوالد وجهاء جيرانه في شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة، ~~وكنت أشاهد منه ملازمة مدهشة على الجماعة أول الوقت، فكان مثابرا عليها ~~صيفا وشتاء، ولا يترخص في الأوقات الممطرة ولا المثلجة، حبا في العزائم ~~وجهاد النفس في القيام على قدم العبادة، ولا تنفك في كل وقت من المذاكرة، ~~في حديث، أو آية، أو تاريخ، أو نكتة أدبية، وغالب اجتماعنا في حجرة كانت لي ~~في الجامع المذكور. وحصل لي من بركة صحبته نفع وافر ديني وعلمي، واقتبست من ~~أخلاقه الطاهرة، واستجزت منه فأبى ثم ألححت عليه فأجاب، وأردت اتصال سندي ms50 ~~بسيدي الجد من طريقه، فجزاه الله أحسن الجزاء وأتمه. # وقد زار بيت المقدس والخليل وغيرهما في صحبة الأمير 1 قدس سره، ولم يزل ~~على سيرته الحسنة وشمائله المستحسنة، إلى أن ألم بمزاجه مرض عصبي في بدنه قبيل PageV01P089 ~~وفاته بأعوام، كان يخبرني عنه، وفي آخر المدة قبيل وفاته بأشهر ضعفت قواه ~~وصار يتجلد في الخروج للجماعة ونحوها، إلى أن استحكم معه بإدرار تمكن منه ~~في المثاني، ثم في أوائل ربيع الأول حصل له التهاب في المثاني، ولزم ~~الفراش، وأخذ يشتد معه الألم من ذلك. وذكر بعض الأطباء أن مرضه كان كمرض ~~أخيه الأمير إلى أن أسلم الروح الطاهرة صباح الأربعاء في (17) ربيع الثاني ~~عام (1320) الموافق 10 تموز 1 ولما ذاع نعيه في أنحاء البلدة، أم داره ~~العلماء والوجهاء يحوقلون ويسترجعون، واحتفل بمأتمه احتفالا بالغا، وحمل ~~بنعشه من داره في باب السريجة إلى الجامع الأموي، حتى إذا قضيت الصلاة عليه ~~سير به إلى مقبرة باب الصغير، حيث واروه جدث الرحمة والرضوان، قريبا من ~~مقام الصحابي الجليل بلال الحبشي رضي الله عنه. وأخبرت أن الجمع كان وافرا ~~جدا. ولم يقدر لي حضور مشهده لأني كنت مع بعض الإخوان في عين الفيجة. وفي ~~مساء الخميس ثاني يوم وفاته حضرت في الوابور 2 منها إلى البلد فخبرت بهذا ~~المصاب العظيم والرزء الجسيم، فنزل به 3 ما الله به عليم وودت أن لم أكن ~~وقتئذ غائبا ثم تذكرت هذين البيتين: # قالوا ألم تحضر خليلك عند ما ... دفنوه قلت هناك بئس المحضر # لا أستطيع أرى المعالي بينكم ... محمولة وأرى المكارم تقبر PageV01P090 ~~وفي صباح الجمعة زرت ضريحه وصليت عليه، ومكثت مع أهله برهة أتذكر فقدنا ~~لتلك الأخلاق الطاهرة والمزايا الباهرة والمودة الأكيدة والصحبة الحميدة. # كفى حزنا أني أمر بقبره فأمضي وقلبي بالأسى متكسر # فرحم الله روحه ونور ضريحه، آمين. # *** PageV01P091 # (21) ### || AUTO الشيخ بكري بن حامد بن أحمد بن عبيد، الشهير بالعطار، الدمشقي ~~الشافعي1، # خاتمة شيوخنا العظام، وأساتذتنا المقدمين الكرام، العلامة العلم، كوكب ~~الشام، وبهجة أقرانه الأعلام، وبقية الفضلاء الصالحين ms51 والأجلاء البارعين ~~المتمكنين. # ولد سنة (1251) بدمشق، ونشأ في حجر والده نخبة الأفاضل الشيخ حامد ~~العطار، وحفظ القرآن عن ظهر قلب، وجود على شيخنا مقرئ الشام الشيخ أحمد ~~الحلواني، وحفظه والده المنوه به «الأربعين النووية» فاستظهرها، وأسمعه ~~«الأربعين العجلونية» مع جماعة. وأجاز له إجازة عامة. ولما هم والده بالحج ~~سنة (1262) استصحبه معه، ثم لما توفي منصرفه من الحج في القطرانة قرب معان، ~~كما سلف في ترجمته 2، حضر شيخنا مع حاشية والده إلى دمشق، وأخذ بالجد في ~~الطلب، وحفظ كثيرا من المتون في فنون متنوعة، فحضر في الفقه على شافعي وقته ~~الشيخ عبد الرحمن الطيبي من أقران والده، وقرأ على الفاضل البارع هاشم ~~التاجي البعلي، وحضر على الشيخ عبد الله الحلبي في «البخاري» وقرأ على ~~العلامة الشيخ حسن البيطار طرفا من PageV01P092 ~~النحو والحديث، وعلى العلامة الشيخ حسن الشطي الحنبلي «صحيح البخاري» ~~والفرائض، وأخذ النحو على الأستاذ الشيخ عبد الرحمن با يزيد، وكان انفرد ~~بفن النحو، واشتهر باستحضار قواعده وشواهده، وقرأ على الصوفي الصالح الشيخ ~~محمد العاني جانبا من فن التوحيد، وحضر مجالس ذكره في داره ولازمه، وقرأ في ~~الفقه أيضا على الفاضل الشيخ أحمد المنير إمام الشافعية بالأموي، وحضر بعض ~~كتب الحديث عند السيد عمر أفندي الغزي وأجاز له، وقرأ على العلامة الرحالة ~~الشيخ أكرم الأفغاني عام قدومه لدمشق طرفا من المنطق وغيره، ولازم إمام ~~المعقول العلامة ملا داود الكردي النقشبندي نزيل جامع الورد بدمشق فحضره في ~~«الجامي» وحواشيه، و«الشمسية» وحواشيها، وأشهر كتب المنطق والصرف، وغير ~~ذلك، وحضر في المعاني والبيان على شيخنا ابن أخيه القائم مقام أبيه الشيخ ~~سليم العطار، وأعاد له درسه في التكية السليمانية شهري رجب وشعبان سنين، ثم ~~تركه، وقرأ على العلامة السيد مصطفى المغربي الجزائري ثم الدمشقي جانبا من ~~فن العربية، واستجاز من العلامة الشيخ محمد التميمي، وأسمعه حديث الرحمة ~~المسلسل بالأولية بأولية حقيقية، ومن الشيخ داود البغدادي، وكانا قدما إلى ~~دمشق، وجد واجتهد في الأخذ والحفظ والتلقي والمطالعة والمذاكرة وحفظ الوقت ~~للإفادة والاستفادة، وتصدى للإقراء بإذن ms52 شيوخه، حتى نما فضله، واشتهر صيته، ~~وأضحى من المنوه بهم، واشتهر بحسن التفهيم وجودة التعليم، فأكبت الطلبة ~~عليه ولزمته، وانتفع به من لا يحصى، وأخذت الطلبة في الإقبال عليه سيما ~~أوقات امتحان طلبة العلم الذين أصابتهم القرعة العسكرية، فقد كان المرجع ~~لهم في الكتب التي يمتحنون منها، وفي عويصات المسائل التي يسألون عنها، ~~وانفرد باستحضار الدقائق المنطقية والصرفية والنحوية والفقهية وحفظها ~~والكشف عنها PageV01P093 ~~انفرادا لم يشاركه فيه أحد من أقرانه فيما أعلم، لقوة ملكته وذكائه، وغور ~~فهمه، [و] كان يقرأ مثل حواشي العصام على «الجامي» وحواشي «الشمسية» ~~وشروحها، و«حواشي الفناري» و«حواشي النتائج» و«المغني» وشروح «الشافية» ~~ومثل «التحفة» في الفقه الشافعي، بلا مطالعة متقدمة، بل يدرك غورها ومالها ~~وما عليها بمجرد مروره عليها أول وهلة، مما لم أره لغيره من أقرانه. وانفرد ~~أيضا بحفظ كثير من الأوراد المأثورة وغيرها، فقد كان يلازم تلاوتها صباحا ~~ومساء. ويتلوها صباحا بعد الفجر أمام المقام اليحيوي بالجامع الأموي. وفي ~~سنة (1262) قدم لدمشق السيد محمد علي أفندي الكيلاني مفتي حماه، فلقنه ~~الذكر، وأجازه بالأوراد القادرية، وألبسه تاجا، ولم يزل يتعمم التاج منفردا ~~عن أقرانه بذلك محافظة على العهد. وكان له في داره ميعاد ذكر ليلة السبت ~~بعد العشاء يجتمع عنده لفيف من الفقراء وأهل الذكر، وقصد لعمل التهاليل في ~~دمشق، فقل أن يمضي شهر إلا وعنده تهليلة أو أكثر. وكان يصنع تهليلة لوالده ~~سنوية في الليلة السادسة من شهر صفر يدعو إليها علماء الشام وأعيانها ~~وسواهم، فيغدو المجمع في داره حافلا جدا. وكان قدس سره متوددا إلى الكافة، ~~لطيف الأخلاق، متواضعا، بشوشا، سليم الصدر، لين العركة، سهل الانقياد، ~~محببا إلى الجميع، سخيا سخاء جبليا، مضيافا، يلاطف الكبير والصغير، ويعاشر ~~طلبته ويحادثهم ويحادثونه، يحفظ أخبار الطبقة المتقدمة وما جرياتها، منقطعا ~~للإفادة والتعليم. وبلغت دروسه عشرة في اليوم والليلة. وربما أقرأ قبل طلوع ~~الشمس وأقرأ كثيرا بعد العشاء في الليالي الطويلة. وحضرته سنة من السنين ~~وقتئذ وله درس عام بين العشائين في الأموي درس فيه كثيرا من الحديث ms53 ~~والتفسير وغيرهما. PageV01P094 # وبالجملة فإكبابه على التعليم والتدريس والإفادة والصبر على الطلبة وتكرير ~~المسائل وتفهيمها أمر غريب، كأنه قدس سره شغف بهذه الحالة، ولم يتولع ~~بتأليف، وإن كان جمع عنه بعض الطلبة كثيرا من التقارير والتحارير وتوضيحات ~~المسائل جملة وافرة. وكان قوي الحافظة، شديد الاستحضار للقواعد الصرفية ~~والنحوية والمنطقية، بحيث يكاد أن لا يغيب عن ذهنه كلية منها أو شاهد، وإذا ~~جر البحث في دروسه العامة لمسألة نحوية أو صرفية يفيض الكلام على أطرافها ~~إفاضة غريبة، وانتفع به من لا يحصى بحيث كاد أن لا يبقى أحد من غير أقرانه ~~إلا وهو تلميذه أو تلميذ تلميذه. وفي سنة (1298) قصد الديار الحجازية ومر ~~في ذهابه على مصر. ولقي أفاضلها. واستجاز من العلامة الشيخ عليش 1 مفتي ~~المالكية، ومن الأستاذ البنا في الاسكندرية، ومن الشيخ أحمد [بن زيني] ~~دحلان في مكة المشرفة، وقدم على طريق البر. ولما توفي شيخنا المسند الشيخ ~~سليم العطار سنة (1307) طلب شيخنا المترجم درسه في التكية السليمانية خميس ~~شهري رجب وشعبان بحجة أنه وظيفة والده الشيخ حامد، وأن النظام كان يقتضي ~~توجيهه عليه أصالة لا على ابن أخيه المنوه به، فعورض بتوجيهه على ابن أخيه ~~ببراءة سلطانية، وأن النظام يقضي بتوجيهها على المتأهل لذلك من أولاده، ~~فترشح لذلك ولده الأكبر فلم يؤد الامتحان، ثم استدعى شقيقه الأصغر منه فلم ~~يؤد الامتحان أيضا، فقضي الأمر بتوجيه الدرس المذكور على ولد له صغير، وأن ~~يكون شيخنا المترجم وكيلا عنه ريثما يتأهل، وأن يكون معاش الدرس المذكور ~~أثلاثا، لشيخنا PageV01P095 ~~الثلث ولذاك الثلثان، فقرر القاضي ذلك، وجاءت البراءة بمقتضاه، وابتدأ ~~شيخنا المترجم في الدرس المذكور سنة (1308) من المحل الذي وقف عليه شيخنا ~~ابن أخيه، وهو من «صحيح البخاري» باب قوله تعالى: إن رحمت الل?ه قريب من ~~المحسنين 1 من آخر الصحيح، ولم يزل حتى ختم «الصحيح» سنة (1314) وابتدأ ~~بقراءته إلى أثناء كتاب العلم، وكان يحضر درسه المذكور العلماء والأعيان ~~ويدعو له كثيرا من موظفي الحكومة، ويخلع عليه يوم الختام حسب العادة من ~~الوالي ms54 والمشير، وسما قدره لدى الأكابر وأولي الأمر سموا عظيما وأجلوه ~~إجلالا باهرا، وصار يدعى شيخ الشام، حتى في آخر سنيه صار يقدمه قاضي الشام ~~على نفسه في المحافل ويتأدب معه. وكان يتودد إلى الأعيان والموظفين ويزورهم ~~ويزورونه ويقبلون رجاه، ويسعى في قضاء مأرب من يرجوه. ولم يزل على طريقته ~~المثلى ممتعا بصحته وقوته وسمعه وبصره على ضعف اعتراه فيه إلى أن فجعت ~~الشام به خامس شوال سنة (1320) وذلك في مرض الوباء الذي نزل بالشام في ~~أواخر شعبان وبقي بها أشهرا وذهب، قدس سره، يوم رابع شوال لرد زيارة العيد ~~لبعض جيرانه وأرحامه ثم عاد وتغدى قبيل الظهر، ثم أخذ في القيلولة على ~~عادته واستيقظ قبيل العصر، فشرع في الوضوء لصلاة الظهر، فبعد أن صلى قاء، ~~ثم اعتراه إسهال نحوا من مرتين وتغير مزاجه، وصلى العصر والمغرب والعشاء ~~بجماعة في بيته، وازداد انحرافه فأحضرت له الأطباء فسكنوا روعه، ووضعوا له ~~علاج الوباء فتناوله، وبذلوا الجهد في كل ما يقدرون عليه فلم ينجع شيء، ~~وأخذ يغيب ويفيق، ثم أدرك من نفسه الإشراف على الدار الآخرة، فأخذ يذكر ~~الله كلما صحا وأوصى، PageV01P096 ~~بخمسة آلاف قرش، ولم يزل يشتد معه الحال إلى صباح ذلك النهار وهو يوم ~~الأحد، ففيه أسلم الروح الطاهرة بعد طلوع الشمس وذلك في (22) كانون الأول ~~1، وكان اليوم ممطرا موحلا والناس في الاجتماع لرؤيا محفل الحج، فشاع الخبر ~~في البلد، وأعلم بنبأه في المآذن، وطارت قلوب الناس جزعا، وأرسل إلى أهله ~~بعض الرؤساء أن يتمهلوا بتجهيزه ويخرجوا به من الدار الساعة الثامنة بعد ~~الظهر 2 بساعة، ففعل ذلك، ودخلت جنازته إلى الجامع الأموي ونحن في انتظارها ~~بعد الساعة الثامنة، ولا تسل عن المجمع المحتشد من أهالي دمشق على طبقاتهم، ~~واحتمل السير به من الجامع إلى مقبرة الدحداح حيث واروه جدث الرحمة ~~والرضوان أكثر من ساعة، وعند دفنه هطلت السماء بالغيث المدرار، وتذكرت قول ~~من قال في مثل ذلك مطلع قصيدة: (بكت السماء عليه ساعة دفنه) ورجعت الأقوام ~~والأسف والحزن يملأ قلوبهم ms55 3، فرحمه الله ورضي عنه. # وقد كان، قدس سره، له تودد للفقير زائد، وبعد أن اكتفيت بما قرأته عليه ~~من بعض الفنون الآلية لازمت مجالسه الحديثية صباح كل ثلاثاء وجمعة في ~~«البخاري» و«مسلم» و«الموطأ» و«أبي داود» و«ابن ماجه» و«النسائي» زيادة عن ~~نصفه، وفيه اخترمته المنية. وكان درسه في الحديث المذكور غاصا في داره ~~بكبار الطلبة والنبلاء، وكان يجلسني إلى جانبه، وكثيرا يستطلع جوابي في بحث ~~لطفا منه وتواضعا، فإذا PageV01P097 ~~حضرت في درسه العام فيتوجه إلي التوجه التام محبة وإيناسا. وكان يتفقدني ~~إذا غبت تفقدا قلبيا، ولا أنسى كثيرا من مجيئه لدارنا أيام سيدي الوالد، ~~قدس سره، وبعده أيضا، واتفق في رمضان هذا العام أنه لم يتيسر لي زيارته أول ~~شهر لباسور كان ألم بي، فثقلت علي الحركة بسببه، فسأل، قدس سره، عني شقيقي ~~عيدا، فأخبره، فحضر لعيادتي نهارا إلى جامع السنانية في أواخر العشر الأول ~~من رمضان، فقدمته لصلاة العصر، فأمنا، ثم جلسنا على السدة اليمنى، وقال: ~~جئت لأجلك، فابتهجت به، وكذا إخواننا، وتفاوضنا فيما ألم بي وفي أدويته، ~~وداعبته في قول الأقدمين (الباسور داء الشافعية) وجلسنا حصة وافرة، ثم ~~ألححت عليه أن يتكرم بالإفطار عندنا فاعتذر، ثم ودعناه إلى باب الجامع بعد ~~ما لثمنا 1 يده المباركة، ثم زرته بعد ليلة بعد صلاة التراويح فرحب بي ~~وأدناني، وقال: كلفت نفسك، وإني اطمأننت عليك، فقلت له: تنسمت العافية ~~والشفاء منذ تشريفكم، فرحم الله تلك النفس الطاهرة والأخلاق الباهرة، وإنا ~~لله وإنا إليه راجعون، ورثي بقصائد كثيرة، منها قول بعض الأدباء: # تزعزعت المشارق والمغارب ... وجاءت في مدامعها السحائب # وباتت ناعيات الشام تبكي ... على عطارنا بكري المشارب # إمام في الحقيقة لا يبارى ... وحصن للشريعة والمذاهب PageV01P098 ~~سراج العلم أطفأه هواء ... قد أصفرت له شمس الكواكب # فحادت عن مراكزها الرواسي ... وضاقت في نواحينا السباسب # بيوم المحمل انقضت علينا ... جبال العلم فانهدت مناكب # أجل والله خطب جل فينا ... به هانت لنا باقي المصائب # *** PageV01P099 # (22) ### || AUTO الشيخ عبد الحكيم بن محمد نور بن الحاج ميرزا الأفغاني الحنفي ~~1، نزيل ms56 دمشق. # كان صالحا، قانعا، متقشفا، محببا، منزويا في حجرته في دار الحديث، لا ~~يخرج منها إلا إلى الجماعة أو المكتبة العمومية أو الرياضة البدنية في ~~أطراف البلدة أو سفح جبلها، مكبا على المطالعة والإقراء، لا سيما في الفقه ~~الحنفي. وله رسائل وتعليقات على كتب شتى وشرح على «الكنز». وكان يتعبد على ~~أقوال أبي حنيفة رضي الله عنه مع انقباض ومشرب حاد، وكنت طلبت ترجمته ~~بواسطة أحد تلامذته فأملى عليه ما مثاله عن نفسه: خرج من بلده سنة (1285) ~~إلى مصر فأقام بها سنة، ثم رحل إلى الآستانة فأقام بها سنة أيضا، ثم منها ~~إلى إزمير فأقام بها كذلك، ثم منها إلى طرسوس فأقام بها سنتين، ثم منها إلى ~~الشام فأقام بها سنة، ثم منها إلى المجدل فأقام بها كذلك، ثم [منها] إلى ~~عكا فأقام بها كذلك، ثم إلى كفر تخارين-قرية من قرى حلب-فأقام بها كذلك، ثم ~~إلى ساحل القدس فأقام بها سنة، ثم رحل إلى دمشق واتخذها وطنا، وحج منها ~~عاما واحدا، ولما قدم دمشق أقام أولا في المدرسة المرادية ثم انتقل منها ~~إلى دار الحديث. # ولازمته المتفقهة من الطلبة في حجرته بها. وكان يعتزل القراءة في كل عام ~~شهرا كاملا PageV01P100 ~~يصنع لنفسه شرابا من عقاقير معدودة يتداوى به، ويقصد وقتئذ الجبال ومواضع ~~النزهة أو القرى والثغور، ثم أخذ منه السن، واحدودب ظهره أخيرا، واعتراه ~~هزال وضعف تجلده معه إلى أن توفي رحمه الله ليلة الاثنين ثامن شوال سنة ~~(1326) عن نحو خمس وسبعين عاما، وفي الصباح أمت الناس والفضلاء وكبراء ~~البلدة المدرسة واحتفلوا بتشييع جنازته، وبعد الصلاة عليه في الجامع الأموي ~~ساروا به إلى مقبرة الباب الصغير حيث أعدوا له قبرا بين العلائي وابن ~~عابدين فدفن فيه رحمه الله تعالى. # وقبل وفاته وزع كتبه وأثاث حجرته الخلق على تلامذته وما معه من قليل ~~الدراهم. # وبالجملة فكان قدوة في الصلاح والكمال والاشتغال وعدم الدخول فيما لا ~~يعني، وترك ممالأة الحشوية في مقاصدهم، عاملا بما تتقاضاه صفة العلم ~~والظهور به، من نهج طريقة ms57 السلف، ومن مؤلفاته: «كشف الحقائق شرح كنز ~~الدقائق» وشرح على «المنار» وتعليقات على «البخاري» وتعليقات على «تفسير ~~النسفي» وله رحمه الله تعليقات أخر، ولم يخلف مثله في الهمة والجد ~~والاشتغال. # *** PageV01P101 # (23) ### || AUTO الشيخ مصطفى بن علي بن قاسم الشهير بالحلاق، الدمشقي الأثري ~~النظار 1، # من علماء دمشق المشاهير. # كان جده يحترف صنعة الحلاقة، ثم استأجر حماما وأدار عمله، ونشأ أبوه ~~حلاقا أيضا، ثم تاجر ببيع ورق التبغ فاستغنى بذلك وأثرى، وتوفي وعمر ولده ~~المترجم نحو ست سنين، وقد كانت ولادة ابنه سنة (1276) ثم شب وعين العناية ~~ترمقه فجود القرآن والكتابة والحساب، وحفظ معظم القرآن عن ظهر قلب، وأقبل ~~على طلب العلم إقبالا عظيما وتفرغ له، مع يتمه وحداثة سنه. وجهل كافليه، ~~[و] كان ذلك بوازع رباني ومدد إلهي، وأخذ يحضر دروس شيوخ دمشق في العلوم ~~العربية والشرعية، وتفقه على المذهب الحنفي أولا، وأخذ يقرأ ويقرئ على صغره ~~بهمة لا تعرف الملل ولا الفتور، وكم أحيا ليله وواصل به نهاره، وظهرت عليه ~~نجابة ونباهة انفرد بها، وبلغ من الذكاء والفطنة مبلغا لم يلحقه فيه أحد من ~~أقرانه ولا من شيوخه ولا من تلامذته، حتى ضرب بذكائه المثل، وأصبح أعجوبة ~~في الفهم وسرعة البديهة وحسن المحاضرة وقوة الحفظ وإفحام المناظر بالحق ~~وإدهاش المحاور بالإلزام، وصارت له مكانة الفضل في القلوب وهيبة العلم في ~~النفوس. وكان شديدا PageV01P102 ~~حديدا توجل النفوس منه وتشفق لاستيقان محاوره الغلب معه، وأنه ليس من رجال ~~ميدانه، وأجلته شيوخه، وأضحى بهجة الدروس وزينة المجالس ومجلي غوامض ~~المشكلات، وعرف بذلك وشهر به شهرة أربت على أقرانه كلهم. وقد كان لمعاشريه ~~راحة أنفسهم وقرة أعينهم، إذ له من المحاضرة والنكت والأجوبة اللطيفة ~~والشواهد العذبة ما يسلي الحزين ويكشف الغمة. وقد فطر على سخاء ندر أن يوجد ~~في كبار المثرين على قلة ذات يده، وبلغ من ذكائه أن كان يدرك خفايا الأمور ~~ودقائقها حتى من الصناعات والحرف والتجارة والمبيعات، فكان لا يخفى عليه ~~مكامن غش المصنوعات والمنسوجات والمبيعات على أنواعها، وقد يظن من يساومه ms58 ~~أنه ممن احترف بحرفته وعمل بصنعته لقوة إدراكه وشدة فطنته، وكنت أشاهد منه ~~عجائب وغرائب، وأما سرعة فهمه لدقائق المسائل وغوامض العبارات لا سيما في ~~المؤلفات التي اشتهرت بالصعوبة والغموض وإنها كالألغاز والأحاجي وإدراكه ~~لها بأدنى التفات فأمر لم أره لغيره، وقد أدرك ما أدرك من العلوم بمدة ~~قليلة لأنه كان لا يعوزه لنيله إلا تصفحه والمرور عليه، وربما كان شهره ~~أيام طلبه بستين من غيره، وكان في خلال ترداده على الشيوخ يقرئ الطلبة ~~ويصبر على طول حصة الدرس، وربما قضى معظم الليل معهم. وقد أقرأ في مدرسة ~~التعديل بالقنوات وهو في عنفوان الشباب، ولازمه كثير من طلبة العلم، وأقرأ ~~أيضا في مدرسة العداس في القنوات. وكان له حجرة فيها يقطنها، ومن الأسف أن ~~كل من تردد للقراءة عليه لم يصبر على صحبته لينتفع منه إذ يرون منه سرعة ~~التأثر مما لا يوافق مشربه PageV01P103 ~~والصدع فيما لا يلائم مزاجه وفكره، مع أن ذلك الخلق سببه شدة الذكاء ولطف ~~المزاج والثبات على الأحسن والأكمل وعدم النفاق، لذا كان يرغب أن يكون ~~معاشره وتلميذه على شاكلته، فكان يحتد ويشتد على من يتهاون فيما لا يحبه أو ~~يتساهل فيما لا يوافقه، وربما أعرض عنه وهجره، ولكنه كان سليم القلب فلا ~~يلبث بعد هجره صاحبه أن يقبل عليه ويصافحه ويدعوه لمحله ويضيفه ويكرمه، وقد ~~كان كثير الضيافات لأصدقائه وتلامذته، يعمل لهم أحسن المطاعم حسب جهده ~~ومشربه، وكان لا يأكل إلا أجود المطاعم ولا يبتاع إلا أثمنها، وله براعة في ~~فن الطبخ وتفنن في إجادة ذلك، أربى به على أربابه، وقد عين له مرتب شهري من ~~صندوق البلدية، وكذا مرتب شهري على تدريس في الجامع الأموي بعد الظهر من ~~جهة أحد أغنياء الأتراك، ثم انقطع عنه المرتب الثاني فرأى قلة الأول جدا، ~~ورأى أن الوظائف العلمية متسلسلة بناموس الوراثة عن الأب والجد لا بناموس ~~الأهلية والاستحقاق، ورأى أن الديون ركبته فأخذ يتعلم فن المحاماة ووكالة ~~الدعاوي بمصاحبة نجباء أهلها، فبرع في ذلك في أقرب وقت، ms59 وصار يحامي في ~~المحكمة الشرعية والمحاكم النظامية واشتهر بذلك لذكائه وقوة عارضته، وعرف ~~بين المحامين ورزق حظا من ذلك واتسعت دنياه عن ذي قبل، وتزوج، ورزق أولادا، ~~وزاد سخاء وجودا واختص بشؤون المحاماة، وقصد للمراجعة في معضلاتها واستفادة ~~المخارج من الدعاوي العسيرة. وكان يحدثني بغرائب من تقصيه في مضايق يحار ~~لها اللبيب الألمعي، وكانت عنده على طرف الثمام وكان أوحد خلاني PageV01P104 ~~وأصدقائي، صحبته وصحبني في كثير من مشايخي ودروسي، ولما ألفت كتاب «إرشاد ~~الخلق في العمل بخبر البرق» كان يعجب من المعترضين في ذلك ويرد شبههم التي ~~أوردتها بطريقتي، وأعانني في تلك الأجوبة وقت المذاكرة، وكان يميل إلى ~~الأخذ بالأثر إذا صح ولا يقلد إلا ما وافق الحق، ويناظر أهل الجمود ~~والتقليد ويحجهم، وكان ربما عد في هذا الباب بألف من غيره، وكان يرغب إلي ~~في السير إلى المنتزهات في أوقاتها شفقة منه علي لما يرى من انكبابي على ما ~~أنا عليه ويسير بي من دروسي وجامعي إلى داره كثيرا، واستفاد من صحبة ~~الأستاذ العلامة الشيخ عبد الرزاق أفندي البيطار علما جما وتنويرا للفكر لم ~~ينله قبل، وكان يحمد الله على ذلك. ومن أشياخه والدي، قرأ عليه شيئا من ~~العربية أوائل طلبه، وكذا قرأ على الشيخ سليم العطار، والشيخ بكري العطار، ~~ولازمهما كثيرا في عدة فنون، وعلى الشيخ بدر الدين المغربي، وأعاد له درسه ~~سنين ثم تركه، وعلى الشيخ محمد الخاني. . . في «اصطلاحات الكاشاني» ~~و«المواقف» و«حواشي الأمير. . . 1 عليه السلام» معي، وقرأ على غير هؤلاء ~~وجل انتفاعه من صدق طلبه وحرصه على القراءة والإقراء وما وهب من الذكاء، ~~وكان يترخص أحيانا بالجلوس على حافات الأنهار والمنتديات العامة يقصد بذلك ~~ترويح نفسه إذ عراه رحمه الله مرض ضيق الصدر والسعال، وكانت وفاته فجأة ~~ليلة الأربعاء غرة رجب سنة (1329) متأثرا من قضية أصابه بها نزلة صدرية ~~فعاجلته المنية، ودفن ضحوة الأربعاء في مقبرة الباب الصغير غربي المقام ~~البلالي ولم أحضر مشهده لتغيبي في القلمون ولكن جئت PageV01P105 ~~ثاني يوم وصليت على قبره ودعوت ms60 له، وتلك القضية أشارت لها جريدة المقتبس في ~~عدد (716) بتاريخ (2) رجب سنة (1329) قالت في الصفحة (4) ليلة أمس في ~~الساعة الثالثة تقريبا بينما كان الشيخ مصطفى الحلاق مع رفيقه أحمد أفندي ~~أمام مكتب الإعدادي جالسين بقهوة الجسر إذ بأديب الحلبي من سكان حي باب ~~السريجة ومن المتشردين جاءهما وهو بحالة السكر وطلب من الشيخ مصطفى دراهم ~~على سبيل الصدقة وبما أنه لم يعطه (أي لأنه رأى ذلك إعانة على معصية) أخذ ~~السائل يسبه ويشتمه بكلمات مهينة فأخبر بوليس النقطة بالأمر وبعد جلبه إلى ~~الدائرة والقيام بالتحقيق كرر السائل سبه وشتمه ومن بعدها خرج الشيخ مصطفى ~~آيبا إلى القهوة وقال لرفيقه أحمد أفندي أثناء الطريق اذهب أمامي للقهوة ~~وأنا باق لدفع حاجة فعندها ذهب رفيقه إلى القهوة وبقي وحده في الطريق قاعدا ~~وعند مجيء دورية الشرطة نظرت إليه فوجدت القميص وباقي ثيابه ملقاة على ~~الأرض وهو يئن أنينا ضعيفا، فسألاه ما ذا أصابك فالتفت إليهم مشيرا بيده ~~اليمنى إلى قلبه وبالحال أحضروه للدائرة من دون حراك والزبد يخرج من فمه ~~وبعد خمس دقائق فاضت روحه. وقد تبين من تقرير البلدية أنه توفي بداء السكتة ~~القلبية ا. ه. قال المقتبس مذيلا المرحوم الشيخ مصطفى الحلاق هو من وكلاء ~~الدعاوي، ومن أهل العلم، أسف لوفاته جميع من عرفوه رحمه الله تعالى وعزى ~~آله ا. ه. وقد اعترضت جريدة العصر الجديد في عددها (499) لما ذكرت هذه ~~الحادثة بتاريخ (3) رجب سنة (1329) قالت في الصفحة (3) وفي قرار طبيب PageV01P106 ~~البلدية: إن سبب موته داء السكتة القلبية. قلنا في الأمر نظر إذ من المعلوم ~~أن التأثرات النفسية إذا شاركت العلة القلبية سببت موت المتأثر وعليه يحكم ~~على مسبب التأثر بالجنحة شرعا لأنه سبب اشتراك التأثر مع العلة ولنا على ~~ذلك عدة شواهد منها حادثة جرت في دمشق منذ آن غير بعيد انته. ثم كتبت جريدة ~~المقتبس في عددها (717) بتاريخ (4) رجب (1329) على حادثة المرحوم المترجم ~~مقالة افتتاحية عنوانها (المتشردون والجنايات) قالت: لو نفذ قانون ~~المتشردين الجديد على بعض فكان النقد ms61 فيه حق تنفيذه في دمشق بل سورية بل ~~الولايات أجمع لقلت الجنايات قلة لا تكاد تصدق، بل ولو نفذ الحكم الشرعي ~~والقانوني بالقاتلين فقتل القاتل في أسرع ما يمكن لما رأينا في بضع سنين ~~رجلا يقدم على ارتكاب أمر فظيع كقتل نفس وغير ذلك، خذ لذلك مدينة دمشق، فقد ~~وقعت فيها بعد الدستور من جملة الجنايات ثلاث جنايات مهمة لو عجل بإنزال ~~العقوبة الشرعية بالمجرمين لما كان اثنان من المتشردين أمس قتلا رجلا ~~وامرأة، قتل المتشرد الأول رجلا من أهل الفضل والعرض والناموس، ونعني به ~~المرحوم الشيخ مصطفى الحلاق لأنه آذاه بكلام قاله له في حال سكره وهو يطلب ~~منه صدقة (ثم ذكرت الحادثة الثانية وقالت بعد: إن الجنايتين اللتين وقعتا ~~أول أمس في دمشق فاهتزت لسماع خبرهما الأعصاب الحساسة كان فيها الجرم ~~مشهودا فهل لعدلية دمشق أن ترينا معاملة الحكومة الدستورية في الإسراع ~~بالحكم على القاتلين في بضعة أيام إذا فعلت فنحن على ثقة من أن دمشق لا ~~تعود تسمع بجناية يرتكبها متشرد أو PageV01P107 ~~معربد في كل خمس سنين) ثم قالت: وفي الختام نلقي كلمة إلى الحاكم الأعظم في ~~هذه الولاية ونعني به واليها: إن كنت تحب تقوى الله وتخاف عقابه وترجو ~~ثوابه وتحب أن تأخذ راتبك الجسيم حلالا طاهرا فاصدع بحكم الله واسع مع ~~المراجع العليا في إقامة الحد على أولئك القاتلين فلا يعبد الله بأجمل من ~~تنفيذ شريعته في خليقته انته. وقد اهتمت الحكومة بعد ذلك في استنطاق هذا ~~المتشرد المتسبب، لعنه الله وأخزاه، وسجنته بضعة أيام ثم أطلقت سراحه ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولقد خسرنا بوفاة هذا الصديق النبيه ~~رجلا لا يخلف مثله، فإنا لله وإنا إليه راجعون. # *** PageV01P108 # (24) ### || AUTO الشيخ محمد بن الشيخ المبارك المغربي الجزائري الدمشقي 1، # أحد الأساتذة الأفاضل والأدباء البارعين. # ولد في بيروت سنة (1263) أثناء قدوم أبيه إلى الديار الشامية مهاجرا من ~~بلاد الجزائر لما استولى عليها الفرنساويون، ثم يمم والده دمشق واستوطنها ~~إلى أن توفي سنة (1269) ونشأ ابنه على ms62 كمال وأدب، فحفظ القرآن الكريم، ~~وتلقى طرفا من العلوم العربية وغيرها على بعض الأساتذة، وحفظ «المقامات ~~الحريرية» عن ظهر قلب، وأكثر من مطالعة دواوين الشعراء، وصارت له ملكة في ~~الصناعتين، فنظم ونثر، وأنشأ عدة مقامات أدبية، واختص بالأمير عبد القادر ~~الحسني الجزائري، واقتصر على مدحه وحصر جميع ما أنشأه من المحاورات ~~والرحلات باسمه، ووظفه الأمير مؤدبا لأطفاله، فكان له في دار الأمير محل ~~على حدة يقرئ فيه أولاده ويؤدبهم، ثم صار في المدرسة الريحانية أستاذا لها ~~واختص بها، وأقام معه من تلامذته من يعينه في تعليم الأطفال وبعد PageV01P109 ~~وفاة أخيه الشيخ محمد الطيب سنة (1314) التف حوله إخوانه ومريدوه، وصار ~~يقرأ لهم كتبا في الرقائق ليلتين في الأسبوع يذهب فيهما مع إخوانه لدور بعض ~~إخوانهم فيقرأ الدرس ثمة. وكان يجيد تصحيح ما يقرؤه ويراجع لضبطه كتب اللغة ~~ويقابله على أصوله. وله دقة في ذلك، وقد استعرت من مصححاته كتاب «سيرة ابن ~~هشام» وكتاب «الذريعة» للراغب الأصفهاني، وكتاب «المقصد الأسنى في شرح ~~الأسماء الحسنى»، وكان عني بتصحيحها وضبطها، والفضل في ذلك لأستاذه وصديقه ~~العلامة الأوحد الشيخ طاهر أفندي الجزائري، فإنه كان يشير عليه بمثل ذلك، ~~والمترجم يأتمر بأمره ويتقبل نصيحته. وكان كثيرا ما يستعير من مصححاتي ~~والنوادر التي عندي فأعيره لما كان بيننا من أكيد المودة، وقد اقترحت عليه ~~عام (1310) أن يتمم ما عندي من مدائح دمشق على ترتيب حروف الهجاء، وكان نقص ~~من ذلك المقفى على قافية الثاء المثلثة والخاء، والذال، والشين، والضاد، ~~والظاء، والغين، والواو وأمثالها مما يقل التقفية عليه فأجاب وأكملها، ~~وضممت ذلك إلى كتابي هذا 1 كما ستراه في محله منه عند ذكر مدائح دمشق ~~المنظومة، وأقل الخروج من داره في آخر أمره إلا لدعوة أو حاجة واعتراه مرض ~~أنهكه ولكن تجلد في تحمله وتصبر له، وكان للنساء اعتقاد فيه ككل مغربي ~~متصوف، فكن يقصدنه للرقى والتمائم والصرع، ويأخذ في مقابلة ذلك ما جرت به ~~العادة لأمثاله، وكان لطيف المعشر، رقيق الحاشية، كريم الطبع، سخي الكف، PageV01P110 ~~بشوش الوجه، ms63 كثير الترحيب لزائره، أديبا في جلسته ومحاضرته، له انبساط مع ~~إخوانه وإيناس. # وبالجملة فكان بهجة أقرانه، وكانت وفاته ضحوة الثلاثاء في (5) جمادى ~~الثانية سنة (1330) في الصالحية، وأوصى أن تحمل جنازته بلا عمامة ولا غطاء، ~~وصلي عليه في الجامع السليمي في الصالحية، ودفن على والده في سفح قاسيون في ~~المقبرة المنسوبة الذي الكفل عليه السلام. # *** PageV01P111 ms64