######OpenITI# #META# max: 201 #META# higrid: 1332ه/1914م #META# المؤلف: نور الدين أبو محمد عبد الله بن حميد السالمي (المتوفى: 1332ه/1914م #META# authno: 512 #META# authinf: نور الدين أبو محمد عبد الله بن حميد السالمي العماني ¶ مجدد أمة ومحيي إمامة #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: بهجة الأنوار للسالمي ¶ المؤلف: نور الدين أبو محمد عبد الله بن حميد السالمي (المتوفى: 1332ه/1914م ¶ ترقيم الكتاب غير موافق للمطبوع، ولكن أرقام صفحات المطبوع مذكورة في المتن بين <> #META# comments: ترقيم الكتاب غير موافق للمطبوع، ولكن أرقام صفحات المطبوع مذكورة في المتن بين <> #META# comp: 1 #META# inf: الكتاب هو الشرح المختصر لمنظومة أنوار العقول للمؤلف نفسه #META# ad: 1332 #META# archive: 1 #META# bkord: 61 #META# Lng: نور الدين أبو محمد عبد الله بن حميد السالمي #META# auth: نور الدين أبو محمد عبد الله بن حميد السالمي #META# الكتاب: بهجة الأنوار للسالمي #META# iso: بهجه الانوار لنور الدين السالمي #META# cat: العقيدة #META# bk: بهجة الأنوار لنور الدين السالمي #META# bkid: 146 #META# ScrapeDate: 13-03-2020 #META# ScrapedFrom: ShamelaIbadiyya #META#Header#End# ### | CHECK بهجة الأنوار للسالمي # كتاب بهجة الأنوار # شرح [منظومة] أنوار العقول في التوحيد # للشيخ نور الدين أبي محمد عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي رحمه الله ~~(المتوفى سنة 1332ه / 1914م) # تصفيف # مصطفى بن محمد شريفي # (ذو الحجة 1418ه / أفريل 1998م) # ملاحظات: # - تم تصفيف الكتاب من الطبعة التي بهامش الجزء الأول من كتاب شرح طلعة ~~الشمس على الألفية، نشر: سالم بن سلطان الريامي، مطبعة الموسوعات، مصر، ~~د.ت. [في حياة المؤلف، أي قبل 1332ه/1914م]. # - ما وضعت بجانبه علامة || فمعناه أنني صححت الخطأ الموجود في النسخة ~~المطبوعة. # - الرقم الذي وضعته بين هاتين العلامتين < > يشير إلى رقم الصفحة في ~~الأصل المطبوع. # - تخريج الآيات من إضافتنا. # أخي القارئ الكريم: # - لم تتم مراجعة هذه المطبوعة، فلا شك أن فيها أخطاء عدة، فأفدنا بها. # - نعتذر عن عدم ضبط كل الآيات على رواية ورش؛ نظرا لأن النص الكامل ~~للقرآن الكريم لما ينجز بعد إبان التصفيف. # - لم نهتم بتنسيق الأبيات الشعرية؛ لأن هذه الطبعة مؤقتة. نسأل الله أن ~~يمن علينا بطبع نهائي مع التخريجات اللازمة. فلا تنسانا بدعائك. # القرارة: ليلة الأحد 13 محرم 1427ه # 12 فيفري 2006م # بسم الله الرحمن الرحيم # لك الحمد يا من نور عقولنا بالدين، وطهر قلوبنا من زيغ الملحدين، وصفى ~~عقائدنا من ضلالات المبتدعين، وخلص أعمالنا من أقاويل المبطلين، وجعلنا من ~~القوم الهادين المهتدين، والصلاة والسلام على خير مبعوث رحمة للعالمين، ~~وعلى آله وصحبه وعلى تابعيهم إلى يوم الدين. PageV01P001 # وبعد، فهذه منظومة من علي بها الرحمن المنان، في قواعد التوحيد والأديان، ~~سالكة أعلى منهج في هذا الشان، واردة أعلى منهل يحلو للأذهان؛ تنطق بالصدق ~~في كل نادي، وتصدع بالحق بين الحاضر والبادي؛ قريبة المأخذ للمتناول، بعيدة ~~الفور عن اعتراض المجادل؛ سميتها: «أنوار العقول»، وما أجدرها بما فيها أقول: # هذه الأنوار لا نجم ... زهر ... لا ولا إشراق شمس أو قمر # فلها ألباب أرباب ... العلى ... مطلع زانت به تلك الفكر # قربت في فنها ما قد ... نأى ... وحوت كلامهم معتبر # ليت أشياخي الألى قد ... سلفوا ... شهدوا وضع ms001 مبانيها الغرر # ورأوا تنقيحها في ... جمعها ... وانتخابي لمعانيها الدرر # فلهم فيها مجال ... واسع ... ولها عندهم أعلى ... قدر # وقد كنت شرحتها شرحا مختصرا، على معاني أبياتها مقتصرا، ثم إني زدت على ~~نظمها زيادات، وألحقته <3> جملة أبيات، فرجعت إلى ذلك الشرح فنقحته، وإلى ~~هذا المزيد فشرحته، فهاك نظما محررا، وشرحا مهذبا مختصرا، سميته: «بهجة ~~الأنوار»، جعله الله لي ذخرا في دار القرار. وهو حسبي ونعم الوكيل. # بسم الله الرحمن الرحيم # الباء للاستعانة متعلقة بمحذوف، مقدم عند النحويين، ومؤخر عند البيانيين، ~~لفائدة القصر والاهتمام. وهل ذلك المحذوف اسم أو فعل؟ والحق أنه فعل مناسب ~~لغرض المبسمل، تقديره: «بسم الله أبتدئ» أو «أؤلف»، أو نحو ذلك. # وإضافة «اسم» إلى «الله» للبيان أو للحقيقة أو للاستغراق كما في ~~“الهميان”؟ وصرح في “حاشية الشذور” أن الإضافة تأتي لما تأتي عليه «ال» من ~~المعاني. # والله علم على الذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد. PageV01P002 # الرحمن الرحيم، هل هما اسمان من أسماء الله أو صفتان؟ وعلى كلا القولين ~~فليسا بعلمين، لأن كل واحد منهما كلي ينحصر فيه فرد، والعلم ليس كذلك. وهل ~~هما في أوجه الإعراب صفتان لله أو بدلان منه؟ أو عطفا بيان؟ وجوه. وهل ~~الرحمن أبلغ معنى من الرحيم، أم الرحيم أبلغ معنى من الرحمن؟ أو هما ~~مترادفان في المعنى؟ كما يعلم من المطولات. # وابتدأ بالبسملة اقتداء بالكتاب العزيز، وعملا بما في الرواية عنه (ص): ~~«كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر»، وفي رواية: «أقطع»، وفي ~~رواية: «أجذم»، والمعنى <4> متحد في كلها، أي منقطع عن البركات، وإن تم ~~بناء لا يتم معنى. # وكذلك يكون الابتداء بالحمدلة بعد البسملة اقتداء بالكتاب العزيز، فإنها ~~في أول الفاتحة، وعملا بما في الرواية عنه (ص): «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ~~بحمد الله والصلاة علي فهو أقطع، أبتر، ممحوق من كل بركة». # الحمد لله الذي قد ... أشرقا ... شمس الأصول في نهى ذوي ... التقى # قال الملوي: «الحمد هو الثناء بغير الحادث المطبوع»، فدخل فيه الثناء على ~~الله ms002 تعالى بصفاته القديمة، فإنه من أجل المحامد، وبهذا يعترض على غير ~~التعريف من التعاريف، فإنها تخرج هذا الحمد، وإن كان قد أجيب عن ذلك ~~بتعسفات، في بعضها سوء أدب مع الرب تعالى، وليس هذا محل بسطه. # وخرج عن الثناء نحو وصف من هو في الدرك الأسفل من النار لما تضمنه: {ذق ~~انك أنت العزيز الكريم}، فإنه ليس بثناء، بل تنقيص له وسخرية. # والشكر فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب الإنعام، وقيل: لا بد أن يكون ~~الإنعام على الشاكر، فعلم أن بينهما عموما من وجه. PageV01P003 # و«ال» في «الحمد» إما للعهد، والمعهود حينئذ: الحمد القديم. وإما للجنس، ~~وهو مذهب الزمخشري في “كشافه”، وعليه فجائز تارة وممتنع أخرى على حسب ~~الاحتمالات كما في “الهميان” . وإما للاستغراق، فيكون المعنى كل فرد من ~~أفراد الحمد لله، وهو الحق وعليه اعتمد القطب في “الهميان” <5> ويؤيده قوله ~~تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله}، وينصره ما حكى الملوي في حاشيته مما ~~وجده مكتوبا بخط شيخه. قال الإمام الفخر: «الحمد معرفا لا يقال إلا في حق ~~الله عز وجل، ولا يجوز أن يقال: الحمد لزيد». # قال سيبويه: «اللام في “الله” للاختصاص، وينصره تقديم الجار والمجرور في ~~سورة التغابن، وذلك في قوله تعالى: {له الملك وله الحمد}. # و(أشرقا) إلخ... الهمزة للصيرورة، فكان المعنى: صير الأصول التي هي ~~كالشمس في الاهتداء بها مشرقة. فإن قلت: قد جعلت الشمس من باب المشبه به، ~~فلم لم تجعلها من باب الاستعارة؟ قلت: لا يصح أن يكون من باب الاستعارة إلا ~~حيث يطوى ذكر المشبه أصلا، وهو هنا مذكور وهو الأصول، والإضافة بينهما من ~~باب إضافة المشبه به إلى المشبه. # والأصول: جمع أصل، وهو ما عرف حكم غيره به. # والنهى: جمع نهية وهو العقل. # والتقى: اسم بمعنى التقوى وهو الزهد عن المحارم، والمسارعة إلى تأدية ~~اللوازم، وفيه إشارة إلى أن العلم النافع لا يعطى لغير المتقي، لأن وعاء ~~العلم: الورع. وفي الخبر: «يلهمه الله السعداء ويحرمه الأشقياء». # وفي قوله: (شمس الأصول) براعة الاستهلال، وهي ms003 أن يجعل المتكلم في أول ~~كلامه إشارة إلى مقصوده؛ وأحسنها ما يكون على وجه التورية. # فأبصروا بنورها ... المسالكا ... وجانبوا بسرها ... المهالكا PageV01P004 ~~قوله: (فأبصروا)، أراد بالبصيرة <6> لا بالبصر. والباء في قوله: (بنورها) ~~للسببية أو للمصاحبة. والهاء منه عائدة إلى الأصول لا إلى الشمس كما قد ~~يتوهم. والمسالك جمع مسلك، وهو مكان السلوك. # (وجانبوا) فاعل، من المجانبة وهي المباعدة. فإن قلت: لم أتيت بفاعل في ~~هذا المقام مع أنه موضوع للمفاعلة غالبا، ولم تأت بافتعل مع أنه موضوع ~~للتجنب والاتخاذ ونحوهما؟ قلت: الإتيان بفاعل في هذا الموضع أولى من ~~التعبير بافتعل، لكونه أبلغ معنى وأنجح فائدة وأوفى بتأدية المقصود، ألا ~~ترى أن المعنى حينئذ: كأن المهالك جانبتهم بنفسها بسبب ذلك السر الذي أودع ~~في الأصول، فلم تتعرض لهم أصلا، وبهذا يظهر لك المقصود. # والمهالك: جمع مهلك وهو موضع الهلاك. # حتى استووا على بساط ... القرب ... في حضرة قدسية في ... القرب # الاستواء هو الاعتدال. وبساط القرب عبارة عن كون الوصول إلى خير مأمول، ~~إلى مقام المشاهدة ودرجة المكاشفة. وتقرب العبد إلى مولاه امتثاله لأمره ~~وزجره. وتقريب الله لعبده توفيقه إياه لطاعته، وإعانته له وتخليصه له من ~~كثيف الغبار. والحضرة عبارة عن دائرة الكمال. قال الدمنهوري: «والمراد ~~بالحضرة، ويعبر عنها بحضرة القدس، وهي الحالة التي إذا وصل إليها السالك ~~سمي عارفا وواصلا، أن يكون في حالة لا يرى فيها إلا المولى، أي لا يرى <7> ~~صدور الأشياء على الحقيقة إلا منه تعالىح فانيا عن الأكوان، متوجها بقلبه ~~إلى الرحمن، متلقفا ما يلقيه المولى سبحانه وتعالى في قلبه من لطائف ~~العرفان. ولا شك أن الوسيلة إلى هذه الحالة ذكر المولى سبحانه وتعالى». PageV01P005 # والقدسية نسبة لها إلى القدس، وهو البعد عما لا يليق بها. ولا إيطاء في ~~البيت، لأن القرب الأول بمعنى التقرب الذي هو فعل العبد؛ والقرب الثاني ~~بمعنى التقريب، الذي هو فعل الله. # فانتعشت عقولهم ... بالذكر ... وبسقت أسرارهم ... بالفكر # يقال: انتعش العاثر إذا نهض من عثرته. # والعقول: جمع عقل. وقد اختلف فيه، فقال الشافعي: هو آلة ms004 خلقها الله في ~~عباده يميزون بها بين الأشياء وأضدادها ركبها فيهم سبحانه ليستدلوا بها بين ~~الأمور الغائبية بالعلامات نصبها لهم منا منه ونعمة. وقال قوم: هو معين في ~~القلب وسلطانه في الدماغ، لأن أكثر الحواس في الرأس، ولذلك قد يذهب بالضرب ~~على الدماغ. وقال آخرون: هو قوة وبصيرة في القلب، منزلته منه منزلة البصر ~~من العين. ويسمى عقلا لكونه مانعا للنفس عن فعل ما تهواه؛ مأخوذ من عقال ~~الناقة المانع لها أن تذهب حيث شاءت، وهو مخلوق في الإنسان أن يزداد وينتقص ~~جميع المعلومات بحس وغيره[كذا]، إليه مرجعها، وهو يميزها ويقضي عليها. # والذكر: القرآن العظيم. قال: وهو أصل للعلوم بأسرها، فما من أصل إلا وهو ~~<8> مستنبط منه. قال رسول الله (ص): «العلم كله القرآن»؛ وهو الأصل ~~والتنزيل، وما بعده من العلم تفسير له وتأويل. وسماه ذكرا لقوله تعالى: ~~{وهذا ذكر مبارك انزلناه}. # وقول الناظم: (وبسقت) أي طالت، كما عن مجاهد وعكرمة في تفسير قوله تعالى: ~~{والنخل باسقات}. والمراد بالأسرار: العقول. وضع الظاهر في موضع المضمر على ~~لفظ غير الأول، وهو أحسن ما يكون فيه. والفكر حركة النفس في المعقولات، ~~وحركتها في المحسوسات تخييل. # فأبرزوا نتائج ... الأفكار ... فأعربت عن شرف ... المقدار PageV01P006 ~~الإبراز: نقيض الإستار، والنتائج هي التي تنشأ عن الفكر، جمع نتيجة، وهي ~~لغة: الثمرة، وإضافة النتائج إلى الأفكار من باب إضافة المتسبب إلى السبب، ~~فأعربت أي أبانت. وشرف المقدار: عبارة عن الرتبة العالية التي وصلوا إليها، ~~ووقفوا لديها بواسطة العلم. # ثم صلاة الله مع ... سلامه ... مصطحبان بثنا أنعامه # ممتزجان بالثنا ... الجميل ... على النبي المصطفى ... الجليل # الصلاة من الله رحمة، ومن الملائكة استغفار، ومن الناس دعاء، وقيل: بل ~~صلاة الملائكة دعاء أيضا، وفي معناه قلت: # صلاة الله رحمة ... وأما ... صلاة الخلق معناها ... الدعاء # وجملة الصلاة خبرية لفظا، إنشائية <9> معنى. والسلام: التحية. ورفع ~~«مصطحبان» على أنه خبر لمبتدإ محذوف، تقديره هنا: مصطحبان. و(السنا)|| بفتح ~~السين للضوء. و(الأنعام) بفتح الهمزة جمع نعمة، وبكسرها: مصدر أنعم عليه. ~~وإضافة (السنا) إلى (الأنعام) من باب إضافة ms005 الصفة إلى موصوفها، والمعنى ~~فيه: مصطحبان بأنعامه السنية، ورفع (ممتزجان) على أنه خبر لمبتدإ أيضا. # و(النبي) إنسان أوحي إليه بشرع فإن أمر بتبليغه سمي رسولا أيضا، وهو ~~بالهمز من النبإ، أي الخبر، فيصح أن يكون بمعنى: فاعل، باعتبار أنه مخبر ~~بكسر الباء عن الله عز وجل؛ أو بمعنى: مفعول، باعتبار أن جبريل أخبره عن ~~الله تعالى، وبالبناء من النبوة وهي الرفعة، فيصح أن يكون بمعنى مفعول لأنه ~~مرفوع الرتبة عن غيره، أو فاعل لرفعه غيره، إذ ما من مرفوع إلا وباب رفعته ~~النبيء (ص) المصطفى. والجليل: العظيم. # محمد سيد كل من ... شفع ... والآل والصحب الرضا ومن ... تبع PageV01P007 ~~محمد: مفعل، من الحمد، علم لخاتم النبيئين والمرسلين (ص)، وسمي بذلك لكثرة ~~خصاله المحمودة. و(سيد كل من شفع) أي أشرفهم وأفضلهم. قال (ص): «أنا سيد ~~ولد آدم ولا فخر». و(الآل): المراد بهم آله (ص)، وهم هنا كل من كان على ~~طريقته متمسكا بشريعته، بدليل ما في الرواية عنه (ص): «آل محمد كل مؤمن». ~~<10> وفي رواية: «آل محمد كل تقي». وعلى هذا المعنى أنشد: # آل النبي هم أتباع ... ملته ... من الأعاجم والسودان ... والعرب # لو لم يكن آله إلا ... قرابته ... صلى المصلي على الغاوي ... أبي لهب # و(الصحب): بفتح المهملة الأولى، وإسكان الثانية: اسم جمع لصاحب، بمعنى ~~الصحابي، قال المناوي في التيسير: «هو من لقيه بعد النبوة وقبل موته مؤمنا ~~به» انتهى. و(الرضا) بكسر الراء: مصدر: رضي، بفتحها، صفة للآل والصحب على ~~حد: “زيد عدل”. ويجوز أن يقول: على حذف مضاف، تقديره: أهل الرضا، ونحوه. ~~وقوله: (ومن تبع) أراد التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. فإن قلت: قد ~~جعلت آله (ص) كل من كان على طريقته متمسكا بشريعته، ونفيت أن يكون آله على ~~الخصوص من أهديته [كذا] تشريفا لهم على غيرهم، فما الفائدة في عطف الصحب ~~والتابعين على الآل؟ قلت: هذا العطف من باب عطف الخاص على العام لنكتة ~~يدريها من خاض رياض جنان علم البيان؛ وقد ورد مثل هذا كثير في القرآن ~~العظيم، منها قوله ms006 تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى}. # وبعد فالدين أهم ... مقصدا ... وأنه أجل علم قصدا # لأنه يعرب ... للإنسان ... عن كل ما كلف ... بالبرهان PageV01P008 الواو ~~من قوله: (وبعد) إما عاطفة <11> والمعطوف حينئذ قصة على قصة، وإما نائبة ~~عن|| أما التفضيلية، وهذا الوجه أحسن من الأول لاقترانها بالفاء، وعليه ~~فيكون المعنى على مذهب سيبويه: مهما يكن من شيء بعد حمد الله والصلاة ~~والسلام على رسول الله و على أولياء الله علم الدين لشدة الاحتياج إليه، ~~وكثرة التعويل عليه. # وقوله: (فالدين) أي فعلم الدين إلخ والدين هو وضع إلهي لذوي العقول ~~باختيارهم المحمود إلى ما هو خير لهم بالذات؛ ويسمى شريعة باعتبار أن الله ~~شرعه لنا دينا؛ ويسمى دينا باعتبار أن الملك أملاه على النبيء (ص)، أو ~~باعنبار إملاء النبيء على أمته فالمعنى واحد، واختلاف العبارات باختلاف ~~الاعتبارات. # وقوله: (أهم مقصدا) أي مقصده أهم، أي أشدهما [كذا] من مقصد غيره. والهم ~~هنا بمعنى العزم. # وقوله: (وإنه أجل علم) أي وإن علم الدين أعظم كل علم طلب لينتفع به. # وقوله: (يعرب) أي يبين. و(الإنسان) هو الحيوان الناطق، والمراد به هنا: ~~المكلف. و(التكليف): إلزام الله العبد ما يشق على النفس فعله؛ وعرفه بعضهم ~~بأنه الأمر والنهي اللذان يجب بهما العقاب والثواب، وفيه نظر، لأن التكليف ~~غير الأمر والنهي. # و(البرهان): هو ما أثبت المعنى في النفس، وهو والحجة والدليل ألفاظ متحدة ~~المعنى. # وقد نظمت دررا في ... أصله ... إن تدرها جزت طريق ... عدله # <12> النظم لغة: لف الشيء إلى الشيء، يقال: نظمت اللؤلؤ في السلك إذا ~~ضممت بعضه إلى بعض، وفي الاصطلاح: وزن مخصوص على قافية مخصوصة. و(الدرر) ~~اللؤلؤ، شبه المسائل التي نظمها بالدرر، واستعار لها اسمها. PageV01P009 # وقوله: (في أصله): أي في أصوله، والضمير عائد إلى الدين لأنه شامل للأصول ~~والفروع، أي وقد نظمت هذه المسائل التي هي كالدرر في حسنها وصفائها في علم ~~أصول الدين، وهو معرفة ما للنفس وما عليها اعتقادا، وإنما سمي هذا العلم ~~أصول الدين لأن الدين كله مبني عليه صحة وفسادا، فلا دين لمن ms007 لا اعتقاد له. # وقوله: (إن تدرها) إن تعلمها، من درى الشيء إذا علمه. (جزت) بمعنى سلكت. ~~(طريق عدله): عبارة عن الاستقامة في الدين. # لقطتها من زاخر ... الآثار ... عن الكرام السادة ... الأبرار # التلقيط: الأخذ شيئا فشيئا من حيث لا يحس؛ والضمير في “لقطتها” عائد إلى ~~الدرر، بمعنى المسائل. و(الزاخر): الطامي، يقال: زخر البحر إذا طمي. # و(الآثار) جمع أثر، وهو في الأصل: الخبر المروي عن رسول الله (ص)، وهو ~~معنى قولهم: «لا حظ للنظر مع ورود الأثر»؛ ثم نقل في اصطلاحنا إلى كلام ~~العلماء في الأحكام الشرعية. وقوله: (عن الكرام): جمع كريم، وهو لغة: من ~~إذا سئل أعطى، ثم نقل إلى التقي لقوله <13> تعالى: {إن أكرمكم عند الله ~~أتقاكم}. و(السادة): جمع سيد، وهو من فاق قومه بفضيلة. و(الأبرار) جمع بر، ~~بفتح الموحدة، وهو من أصلح ما بينه وبين ربه. # والله بالقبول فيها ... يقضي ... حتى أراها في غد من ... قرضي # ومنه أرجو أن يعم ... نفعها ... كل الورى، وأن يتم ... صنعها # ( PageV01P010 القبول): الثواب على الشيء. و(يقضي): أي يحكم. وقوله: (حتى ~~أراها) أي كي أجدها، ف“حتى” بمعنى كي، كقولك للكافر: أسلم حتى تدخل الجنة. ~~و(غد): اسم لليوم الذي بعد يومك الذي أنت فيه، وأراد به هنا الآخرة، وفي ~~التعبير به عنها تنبيه على سرعة اضمحلال الدنيا وإقبال الآخرة. و(قرضي): أي ~~عمل [كذا] الصالح. وأصل القرض هو ما أعطيته غيرك لتقتضيه منه، شبه به العمل ~~بجامع أن كلا منهما راجع إلى صاحبه بنفعه، اقتباسا من قوله تعالى: {من ذا ~~الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه وله أجر كريم}. والهاء من قوله: (ومنه) ~~عائدة إلى اسم الجلالة. و(الورى): الخلق. و(الصنع) اسم بمعنى الصناعة. # الركن الأول في العلم وما يشتمل عليه # وفيه أربعة أبواب. # قدم ركن العلم على ركن الجملة، مع أنها هي العروة الوثقى لمن تمسك بها، ~~وهي السلامة لمن لم ينقضها <14> لكون العلم أصلا لها، وبه تقوم الحجة بها ~~على المكلف، وإن كانت حجة معناها تقوم بخاطر البال، فهو أيضا علم. # واختلف في حد العلم، فقال ms008 قوم: إنه لا حد له. وقيل: بل يحد ، وحده: إدراك ~~المعلوم على ما هو به. وقيل: الإدراك والإحاطة والاستبانة؛ قال في “الأدلة ~~والبيان”: وهو الصحيح. # الباب الأول # في أقسام العلم وأحكامه # جمع “حكم”، وهو النسبة التامة بين شيئين. وشرعا: هو أثر خطاب الله تعالى ~~المتعلق بفعل العباد، كان اقتضاء كالإيجاب والتحريم والندب والتكريه، أو ~~تخييرا|| كالإباحة. # قدم ذكر العلم على الجهل مع أن الجهل موجود طبعا في الإنسان لقوله تعالى: ~~{والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا} تنبيها على شرف العلم ~~وفضيلته، وارتفاع رتبته، وعلو درجته. # ومحدث العلم ضروري ... بلا ... تأمل، ونظري ... تؤملا PageV01P011 ينقسم ~~العلم الحادث بالنسبة إلى حصوله إلى قسمين: ضروري ونظري||. # فالضروري: هو الذي غير محتاج إلى تأمل أي تفكر واكتساب. وهو أنواع: # أقواها: علم الإنسان نفسه وما هو عليه من حالاته. # ثم الفرق بين الموجود والمعدوم، وأن الشيء يستحيل وجوده في مكانين في وقت ~~واحد؛ وموجود ومعدوم في وقت؛ وقائم وقاعد في حال. # ثم وقع [كذا] عند تواتر الأخبار كالعلم بالبلدان النائية، <15> والملوك ~~الماضية. # ثم العلم بحاجة البناء إلى بان، والكتابة إلى كاتب. # والنظري: هو الذي يحتاج في تحصيله إلى تأمل واكتساب، وفي الأدلة والبيان: ~~هو الذي يعلم بالاستدلال. # واحترز بمحدث|| العلم عن علمه تعالى، فإنه لا تقسيم له، ولا يوصف بأنه ~~ضروري ولا نظري. # وقسم العلم الإمام الخليلي إلى ثلاثة أقسام، فكان جوابه لمن سأله إلى ~~وهبي وضروري ومكتسبي، فكان جوابه لمن سأله عن الفرق بينهما بأن قال: ~~«الوهبي يلقيه الله تعالى في قلب عبده، فيض نوراني، ومدد رحماني، والضروري ~~لا يمكن أن يتصور لذي بال خلافه، بأن الاثنين أكثر من الواحد. والكسبي: ما ~~عرف بالتعلم والتحفظ والاجتهاد، فحصل بسمع من المسموعات، أو نظر من ~~المرئيات، أو بفكرة من المقدمات لأهل الاستدلال والنظر». انتهى. # وعند التحقيق فالوهبي راجع إلى الضروري وداخل في حده. # والكل من ذين له ... تعبد ... في الشرع معروفا كما ... سنورد # اختلف في دخول “ال” على “ كل ” و“ بعض ”، فأجازه قوم ومنعه آخرون، ms009 كذا ~~ذكره العطار في حاشيته الأزهرية. PageV01P012 # ولفظة “ذين” إشارة إلى الضروري والنظري، أي كل من الضروري والنظري له ~~تعبد، تدرك معرفة ذلك التعبد من علم الشرع، فتعبد الضروري كالإيمان بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم <16> الآخر. وكالاعتقاد بأنه لا يصح محسن مسيء ~~في حالة واحدة، ولا مؤمن كافر في حالة واحدة، ولا شقي سعيد في حالة واحدة، ~~إلى غير ذلك من الأضداد ونحوها. # وتعبد النظري هو كالمعرفة بتفاصيل الصلاة وحدودها، والمعرفة بالصيام ~~وحدوده وتفاصيله، والمعرفة بالحج ومواقيته وفرائضه وسننه، والمعرفة بالزكاة ~~وتفاصيلها إلى غير ذلك مما يدرك علمه بالاستدلال والتعلم والتفكر. # والعلم منه لازم قد ... وجبا ... تعليمه والثاني نفل ندبا # فكل شيء لم يسعنا ... جهله ... فواجب، وما عداه ... نفله # ينقسم العلم بالنسبة إلى الحكم الشرعي إلى واجب ومندوب إليه. # فالواجب: هو علم كل شيء غير واسع الجهل به، وهو المراد بقوله (ص): «العلم ~~فريضة على كل مسلم»، وفي رواية: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»، وقوله: ~~«اطلب العلم ولو بالصين». وهذا القسم مهما لزم أحدا لا يسعه التأخير عن ~~طلبه إلا بعذر بين، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. # والمندوب: هو علم كل شيء واسع الجهل به، لكن في تعليمه منفعة دينية، أو ~~صلاح للعالم، فمن طلبه من غير تضييع لفرض، كقوت عيال إلى غيره من الفرائض ~~الحاضرة كان له الفضل العظيم كما سيأتي إن شاء الله، وهذا القسم هو المشار ~~إليه بقوله تعالى: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر ~~أولو الالباب}. # ويصح على تأويل آخر أن <17> يحمل معنى الآية على الوجوب. # والبحث للواجب حتما ... يلزم ... لقادر بترك ذاك يأثم # والحد للقدرة أن يرى ... له ... معبرا وإن نأى يمض له # في الصح مع وجدان ما ... يحمله ... ومأمن مع قوت من ... يكفله # ( PageV01P013 البحث): طلب باجتهاد، أي يلزم طلب العلم الواجب لزوما ~~حتميا على من قدر عليه، ومن تركه مع القدرة على طلبه فهو آثم هالك إلا أن يتوب. # وحد القدرة في هذا أن يجد من يعلمه علم ذلك. ms010 وإن بعد هذا المعلم لزمه أن ~~يرحل إليه فيتعلم منه ما لزمه علمه. ولا يلزم المسير إليه إلا إن كان ~~صحيحا، واجدا للراحلة والأمان في الطريق، وواجدا للقوت الذي يتركه لمن ~~يلزمه عوله إلى أن يرجع إليهم. # فقوله: (يرى): أي يجد له. وقوله: (معبرا) أي من يعبر له علمه بعبارة ~~يعقلها، وإلا فلا يلزمه. وقوله: (وإن نأى) أي بعد ذلك المعبر عن بلده. ~~وقوله: (يمض له) أي يرحل إليه. وقوله: (في الصح) بضم الصاد، اسم بمعنى ~~الصحة. وقوله: (مع وجدان) مصدر وجد. وقوله: (ما يحمله) أي مع وجوده الذي ~~يحمله إليه وهو المركوب، وذلك إذا لم يستطع المشي إليه. وقوله: (ومأمن) ~~مصدر أمن بمعنى: الأمان. وقوله: (مع قوت من يكفله) أي مع وجدانه قوتا يتركه ~~لمن يكفله، أي لمن يلزمه عوله. # فهذه خمسة شروط: وهي وجود المعبر، <18> والصحة والمركوب إذا لم يستطع ~~المشي، والأمان وقوت العيال. وترك شرطا سادسا وهو الزاد المبلغ، إلا أنه ~~تنطوي عليه عبارته بالمأمن، فإن ترك الزاد مخوف. # وهذا الذي ذكره الناظم مما تقوم فيه الحجة بالسماع. وأما الذي تقوم عليه ~~فيه الحجة من العقل فغير منفس فيه لأحد بالسؤال بعد خطور البال، كما سيأتي ~~إن شاء الله تعالى في موضعه. # فإن قلت: هل يلزم علم ما يطمئن إليه قلبه أنه لو عاش يلزمه ذلك، ويخاف ~~عند لزومه أن لا يجد من يعبر له إياه ؟ PageV01P014 # قلت: لا يلزمه ذلك، إلا أنه من باب الفضيلة والوسيلة، ولو كان يلزمه ذلك ~~للزمه أن يعرف ما هو أبعد منه، فيتمشى هذا القول إلى أنه يلزمه أن يعرف ما ~~في علم الله، وهذا محال، والدائن به دائن بضلال. وبما أورده الإمام أبو ~~سعيد رضي الله عنه في كتاب الاستقامة كفاية من أن نطيل بالتفصيل له هاهنا. # وفضله ليس له ... إحصاء ... جاءت به من ربنا ... الأنباء # الهاء من قوله: (وفضله) عائدة إلى العلم. و(الإحصاء) بالكسر: الضبط ~~والحصر. و(الأنباء) بالفتح الأخبار، أي فضل العلم ليس له ضبط لمن رام ضبطه، ~~ولا حصر ms011 لمن شاء حصره، لعظم ما من الله بسببه من النعم على صاحبه، دلت على ~~ذلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. PageV01P015 # أما الآيات فقد قال عز وجل: {شهد الله أنه, لآ إله إلا هو <19> والملآئكة ~~وأولوا العلم قآئمام بالقسط} (¬1) ، فانظر كيف بدأ سبحانه وتعالى بنفسه ~~وثنى بالملائكة، وثلث بأهل العلم، وناهيك بهذا شرفا وفضلا. وقال الله ~~تعالى: {يرفع الله الذين ءامنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} (¬2) . قال ~~بن عباس رضي الله عنه: للعلماء درجات فوق درجات المؤمنين بسبعمائة درجة، ما ~~بين الدرجتين مسيرة خمسمائة عام. وقال الله عز وجل: {قل هل يستوي الذين ~~يعلمون والذين لا يعلمون} (¬3) . وقال تعالى: { إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء} (¬4) . وقال تعالى: {قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم ~~الكتاب} (¬5) . وقال تعالى: {قال الذي عنده علم من الكتاب أنآ ءاتيك به قبل ~~أن يرتد إليك طرفك} (¬6) ، تنبيها على أنه اقتدر بقوة العلم. وقال عز وجل: ~~{وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن امن وعمل صالحا} (¬7) ، ~~وفيه أن عظم قدر الآخرة يعلم بالعلم. وقال تعالى: {وتلك الامثال نضربها ~~للناس وما يعقلهآ إلا العالمون} (¬8) . وقال تعالى: {ولو ردوه إلى الرسول ~~وإلىآ أولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} (¬9) رد حكمه في ~~الوقائع إلى استنباطهم، وألحق رتبتهم برتبة الأنبياء في كشف حكم الله. # وأما الأخبار النبوية فقد أورد الحافظ ابن حجر منها جملة مسرودة محذوفة ~~الإسناد، فها نحن نوردها على طريقته: # ¬__________ # (¬1) - ... سورة آل عمران: 18. # (¬2) - ... سورة المجادلة: 11. # (¬3) - ... سورة الزمر: 9 . # (¬4) - ... سورة فاطر: 28 . # (¬5) - ... سورة الرعد: 43 . # (¬6) - ... سورة النمل: 40 . # (¬7) - ... سورة القصص: 80 . # (¬8) - ... سورة العنكبوت: 43 . # (¬9) - ... سورة النساء: 83 . PageV01P016 # قال رسول الله (ص): «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين». <20> «إذا ~~أراد الله بعبد خيرا فقهه في الدين وألهمه رشده». «أفضل العبادة الفقه، ~~وأفضل الدين الورع»، وفي حديث سنده مختلف فيه، والجمهور على قبوله: «فضل ~~العالم خير من فضل العبادة، وخير دينكم الورع، ومن سلك طريقا يلتمس فيه ~~علما سهل الله له طريقا إلى الجنة، وإن ms012 الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم ~~رضا بما يصنع||، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى ~~الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، ~~وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن العلماء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ~~ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ أوفر»، ووقع للناس في هذا الحديث اختلاف ~~كثير. قال صفوان بن عسال: يا رسول الله، جئت أطلب العلم، قال: «مرحبا بطالب ~~العلمن إن طالب العلم لتحفه الملائكة بأجنحتها، ثم يركب بعضهم بعضا حتى ~~يبلغوا سماء الدنيا من محبتهم لما يطلب». «يا أبا ذر، لأن تغدو فتعلم آية ~~من كتاب الله خير لك من أن تصلي مائة ركعة، ولأن تغدو فتعلم بابا من العلم ~~عمل به أو لم يعمل خير لك من أن تصلي ألف ركعة». «الدنيا ملعونة ملعون ما ~~فيها إلا ذكر الله وما والاه، وعالما ومتعلما». «إن مما يلحق لمؤمن من عمله ~~وحسناته بعد موته علما علمه ونشره، أو ولدا صالحا تركه، أو مصحفا ورثه، أو ~~مسجدا بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه، أو نهرا <21> أجراه، أو صدقة أخرجها ~~من ماله في صحته وحياته، تلحقه من بعد موته». «خير ما يخلف الرجل من بعده ~~ثلاث: ولد صالح يدعو له، وصدقه تجري يبلغه أجرها، وعلم يعمل به من بعده». « ~~PageV01P017 علماء هذه الأمة رجلان: رجل آتاه الله علما فبذله للناس ولم ~~يأخذ عليه طعما، ولم يشتر به ثمنا، فذلك يستغفر له حيتان البحر، ودواب البر ~~والطير في جو السماء. ورجل آتاه الله علما فبخل به عن عباد الله، وأخذ عليه ~~طعما، واشترى به ثمنا، فذلك يلجم يوم القيامة بلجام من نار، وينادي مناد: ~~هذا الذي آتاه الله علما فبخل به عن عباد الله، وأخذ به طعما واشترى به ~~ثمنا، وكذلك حتى يفرغ الحساب». «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم، ~~إن الله وملائكته وأهل السماوات وأهل الأرض حتى النملة في جحرها، وحتى ~~الحوت في الماء ليصلون على معلمي الناس الخير». «يقول الله ms013 عز وجل للعلماء ~~يوم القيامة إني لم أجعل علمي وحلمي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما ~~كان منكم ولا أبالي». وإضافة العلم والحلم الذين فيهم إليه تعالى صريح في ~~أنهم كانوا عاملين مخلصين. «العلم علمان: علم في القلب فذلك العلم النافع، ~~وعلم في اللسان فذلك حجة الله على ابن آدم». «من غدا إلى المسجد لا يريد ~~إلا أن يتعلم خيرا أو يعلمه، كان كأجر حاج تاما حجه». من خرج في طلب العلم ~~فهو في سبيل <22> الله حتى يرجع». «من غدا يريد العلم يتعلمه لله فتح الله ~~له بابا إلى الجنة، وفرشت له الملائكة اكتافها، وصلت عليه ملائكة السماوات ~~وحيتان البحر، وللعالم من الفضل على العابد كفضل القمر ليلة البدر على أصغر ~~كوكب في السماء والعلماء ورثة الأنبياء، إن العلماء لم يورثوا دينارا ولا ~~درهما، ولكنهم ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر»؛ زاد البيهقي: «وموت ~~العالم مصيبة لا تجبر، وثلمة لا تسد، وهو نجم طمس». «موت قبيلة أيسر من موت ~~عالم». « PageV01P018 نضر الله امرءا أي رزقه النضارة والبهجة والحسن سمع ~~مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب ~~حامل فقه ليس بفقيه». «ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ~~ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم الجماعة، فإن دعوتهم لا تحبط»، وفي رواية: «تحفظ ~~من ورائهم». ومن كانت الدنيا نيته فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين ~~عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب الله له، ومن كانت الآخرة نيته جمع ~~الله أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة؛ فمن دل على خير فله ~~مثل أجر فاعله»، أو قال: «عامله». «الدال على الخير كفاعله والله يحب إغاثة ~~اللهفان». «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك ~~من أجورهم شيئا». # الباب الثاني # في السؤال # وهذا لغة: الطلب. قال الشاعر: # سألناكم قبل الرماح ... حقوقنا ... <23> فلما أبيتم كان حاكمنا ... السمر # وفي الاصطلاح هو ما يبرهن ms014 به في العلم، ومنه اشتقاق المسألة علما على ~~طائفة مخصوصة من الكلام فهي من أعلام الأشخاص كأسماء سائر التراجم، وإنما ~~قدم المصنف هذا الباب على الذي يليه لأن السؤال سبب للفتوى، والسبب مقدم ~~على مسببه. # سؤالنا قسمان قسم ... حجرا ... والثاني تفويض المجيب ... قررا # ينقسم السؤال بالنسبة إلى مطالبة الجواب إلى: سؤال حجر، وسؤال تفويض. # فالأول: نحو سؤال الرجل عن العالم بفتح اللام هل هو محدث أم لا؟ فكأنه ~~حجر على المجيب إلا أن يجيبه بأحد الوجهين. PageV01P019 # والتفويض: هو نحو سؤال الرجل عن الدلالة على حدوث العالم فيجيب العالم ~~بأي دلالة شاء، فكأنه فوضه في ذلك. وفي شرح قصيدة فتح بن نوح قال: «وقسمه ~~آخرون على خمسة فقالوا: سؤال فائدة وسؤال تعنت، وسؤال استفهام وسؤال تقرير، ~~وسؤال إجلال ومثل هذا من المعاني، فكأنهم عبروا عن العلة التي بها سأل ~~السائل، إما أن يسأل ليستفهم أو ليتعنت، وليس هذا الوجه من أقسام السؤال، ~~وإنما هو من أقسام العلة التي لها سأل السائل». انتهى. # أقول: ولا مانع من تقسيم السؤال إلى ما ذكر باعتبار غرض السائل، والله أعلم. # <24> وباعتبار الشرع في ... التعبد ... للازم قسم، ونفل ... تهتدي # ينقسم السؤال بالنسبة إلى الاعتبار الشرعي في التعبد أي التكليف إلى ~~قسمين: لازم ونفل. # فاللازم: هو السؤال عن كل ما لا يسع جهله من دين الله. # والنفل: هو السؤال عن ما عدا ذلك، وعبارة الناظم تخرج السؤال المكروه ~~والمحجور كالسؤال عما لا فائدة فيه، والتجسس على|| العورات. قال القاضي في ~~الأكلة وحقائق الأدلة: «والسؤال سؤالان: سؤال مأمور به، وسؤال منهي عنه؛ ~~فالمأمور به على ضربين: سؤال عن واجب فهو واجب، وسؤال عن مندوب إليه فهو ~~سؤال ندب، فمن اعتقد ترك السؤال عن المندوب إليه فهو هالك بإجماع». أي من ~~اعتقد ذلك دينا فإنه لا شك في هلاكه بذلك لأنه دان لله بخلاف ما أمره به ~~وندبه إليه، والمتقرب إلى الله بخلاف ما أمره به هالك إجماعا، وليس المراد ~~بقوله: «فمن اعتقد ترك السؤال...» إلخ من عزم على ms015 تركه، لأن العازم على ترك ~~المندوب من غير دينونة بتركه مع تأدية ما وجب عليه وترك ما حرم عليه سالم ~~إجماعا، والله أعلم. # أسقط سؤالا إن أتى ... خمس به ... تناقض أو جاء باضطرابه # إثبات أو جمع سؤالين ... معا ... أو كونه من المحال ... وقعا PageV01P020 ~~ينقسم السؤال بالنظر إلى نفس لفظه: إلى سؤال صحيح، وإلى سؤال ساقط. # <25> فأما السؤال الصحيح فهو ما خلا من هذه الأشياء الخمسة، وحقه أن ~~يجاب، إلا إذا حصل له مانع من غير لفظه، كتعنت في السائل ونحو ذلك. # وأما السؤال الساقط فهو ما كان في لفظه أحد هذه الخمسة: وهي التناقض ~~الاضطراب والإثبات وجمع سؤالين مختلفين في سؤال واحد، ويطلب لهما جوابا ~~واحدا، والسؤال عن المحال؛ فإذا كان في السؤال أحد هذه الخمسة كان ساقطا ~~وحقه أن لا يجاب. # فأما التناقض فهو أن يكون آخر السؤال مناقضا لأوله، مثال ذلك أن يقول ~~السائل: إذا كان العالم محدثا فما الدليل على قدمه؟ أو يقول: إذا كان ~~الجماد غير متحرك فما الدليل على تحركه؟. # وأما الاضطراب فهو أن يدخل السائل في سؤاله الأعم في الأخص، مثال ذلك أن ~~يقول: ما الدليل الذي صار به العرض حركة، وما الدليل الذي صار به العالم ~~جسما؟ فالعرض أعم من الحركة، والعالم أعم من الجسم، وفي إدخال كل منهما في ~~صاحبه اضطراب. # وأما الإثبات فهو أن يسأل السائل عن زيادة فائدة في شيء والمسؤول ينفي ~~أصل ذلك الشيء، مثال ذلك أن يقول: ما الدليل على ثبوت رؤية الله في الآخرة؟ ~~والمسؤول ينقي الرؤية أصلا. وما الدليل على خروج أهل الكبائر من النار؟ ~~والمسؤول لا يقول بذلك. # وأما جمع السؤالين معا فهو أن يسأل عن شيئين مختلفين، ويريد لهما علة ~~واحدة، ودليلا واحدا في <26> الوجه الذي اختلفا فيه. مثال ذلك أن يقول: ما ~~العلة التي صار بها الجسم مؤلفا والعرض مضمحلا؟ وما الدليل على حدوث العالم ~~وصدق الرسل؟. PageV01P021 # وأما السؤال عن المحال فهو أن يسأل عن شيء يحيل العقل وجودهن مثال ذلك أن ~~يقول: ms016 هل يقدر الله أن يخلق له شريكا؟ وهل يقدر الله أن يجعل الإنسان ناطقا ~~صامتا في حالة واحدة؟. والله أعلم. # فصل في # الألفاظ الممتنع بها السؤال عن المولى جل وعلا # امنع بكيف لم وهل ... سؤالا ... من أي متى عن ربنا تعالى # أين ومن أين وكم ... فكيفا ... عن هيئة وعلة لم ... تلفا # يمتنع السؤال عن الله عز وجل بأشياء، لدلالتها على معنى حادث، فالسؤال ~~بها من خواص الحادثات، وتلك الأشياء هي: «كيف» و«لم» بكسر اللام وفتح ~~الميم، وتسكينه في الشعر شائع لاستقامة الوزن؛ و«هل»، و«من» بفتح الميم، ~~و«أي» بفتح الهمزة، و«متى»، و«أين»، و«من أين»، و«كم»، فهذه تسعة ألفاظ، ~~وترك عاشرا وهو «ما»، وهي سؤال عن ماهية الشيء، أي حقيقته، وكل واحدة من ~~هذه الألفاظ لها معنى بخلاف غيرها، ولها جواب بخلاف جواب الأخرى، وكلها غير ~~جائز في حق المولى جل وعلا. وكذا لا تجوز هذه الألفاظ سؤالا عن صفاته ~~الذاتية لأن صفاته هي ذاته لا غيرها، كما سيأتي إن شاء الله، فكل ما لا ~~يجوز في حقه تعالى لا يجوز في صفاته الذاتية <27> لما تقدم. # واختلف في السؤال ب«لم» منهه الألفاظ عن صفاته الفعلية، فأجازه قوم ومنعه ~~آخرون؛ والمنع مذهب الإمام أبي عبد الله محمد بن محبوب رحمه الله. وقيل: إن ~~كان السؤال بها عن الصفات الفعلية إنكارا لفعله تعالى فلا يجوز، وإن كان ~~تعلما وتفهما واستدلالا على قدرته تعالى فذلك جائز. واحتج القائلون بالمنع ~~بقوله تعالى: {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} (¬1) . وسيأتي الفرق بين ~~الصفات الذاتية والصفات الفعلية عند ذكر الناظم لها إن شاء الله. # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأنبياء: 23. PageV01P022 # وقوله: (فكيف عن هيئة) هذا شروع في الكلام على تفصيل معاني هذه الألفاظ، ~~أي: فكيف: سؤال يطلب به تعيين الهيئة، وهي الحالة التي عليها المسؤول عنه؛ ~~فإذا قلت مثلا: كيف زيد فكأنك سألت عن حالته، فيقال لك صحيح أم سقيم، أو حي ~~أو ميت؛ وهذا كله غير جائز في حقه تعالى. # وقوله: (وعلة لم تلفا) أي توجد، قال تعالى: {إنهم ألفوا ms017 آباءهم ضالين} ~~(¬1) ، أي وجدوا. والعلة: هي التي يكون لأجلها ذلك الشيء، يعني أن «لم» ~~سؤال عن علة، وهي مركبة من لام الجر و“ما” الاستفهامية، فحذف ألفها بدخول ~~حرف الجر عليها كما في القانون النحوي. # و“هل” لتصديق، و“من” عن ... جنس ... و“أي” عن شركة وأجزا ... النفس # “متى” سؤال جاء عن ... زمان ... “أين” و“من أين” عن ... المكان # و“كم” سؤال عدد ... وأنه <28> ... فرد قديم قاهر ... سبحانه # “هل” سؤال يطلب بها التصديق؛ وهو طلب النسبة بخلاف طلب التصور، فإنه طلب ~~التعيين بعد العلم بالنسبة، وله من الأدوات ما عداها. # وقوله: (و“من” عن جنس)، أي سؤال يراد به تشخيص الجنس، فقولك: «من هذا؟» ~~تريد تشخيصه ونسبته. و«من جبريل؟» تريد من أي جنس هو؟ فيقال لك: إنه من جنس ~~الملائكة. وإلى هذا قصد اللعين في سؤاله لموسى عليه السلام حين قال: {فمن ~~ربكما يا موسى} (¬2) أراد: من أي جنس. # وقوله: (وأي لشركة) إلخ البيت، يعني أن “أي” سؤال عما يميز المتشاركين ~~كقوله تعالى: {أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا} (¬3) أي: أنحن أم أصحاب ~~محمد لأنهما شريكان في الفريقية، ويسأل بها أيضا عن أجزاء النفس، كقولك: أي ~~أجزاء زيد أحسن؟ فيقال لك: وجهه أو يده أو نحو ذلك. # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الصافات: 69. # (¬2) - ... سورة طه: 49 . # (¬3) - ... سورة مريم: 73 . PageV01P023 # وقوله: (“متى” سؤال) أي لفظة “متى” سؤال يطلب بها تعيين الزمان ماضيا كان ~~أو مستقبلا، كقولك: «متى كان هذا؟» فيقال لك: أمس، أو «متى يكون هذا؟» ~~فيقال لك: غدا. # وقوله: (أين) إلخ البيت يعني أن “أين” و“من أين” بكسر|| الميم سؤالان ~~يطلب بهما تعيين المكان. قال السيوطي في شرح عقوده: قال الشيخ بهاء الدين: ~~«والفرق بين “أين” و“من أين” أن “أين” سؤال عن المكان الذي حل فيه الشيء، ~~و“من أين” سؤال عن المكان الذي برز منه الشيء» انتهى. # وقوله: (وكم) أي لفظة “كم” سؤال يطلب <29> بها تعيين العدد، كقوله تعالى: ~~{كم لبثتم؟ قالوا: لبثنا يوما او بعض يوم} (¬1) . # فهذه الألفاظ كلها يمتنع السؤال بها عن الباري سبحانه، وكذلك ما كان ~~بمعناها ms018 ك“أنى” فإنها تراة بمعنى: كيف، كقوله تعالى: {فاتوا حرثكم, أنىا ~~شئتم} (¬2) ، وأخرى بمعنى: من أين، كقوله: {أنىا لك هذا؟} (¬3) ، أي: من ~~أين لك هذا؟. وك“أيان” فإنها بمعنى: متى مطلقا عند النحويين نحو قوله ~~تعالى: {يسألونك عن الساعة أيان مرساها} (¬4) أي: متى. {يسأل أيان يوم ~~القيامة} (¬5) ، أي: متى يكون. وك“حتى” فإنها بمعنى: إلى متى يكون هذا ~~الشيء؟. قال في شفاء الحائم على بعض الدعائم: وقد قالوا: إن السؤال كله عن ~~تسعة أشياء: # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الكهف: 19 . # (¬2) - ... سورة البقرة: 223. # (¬3) - ... سورة آل عمران: 37 0 # (¬4) - ... سورة الأعراف: 187. # (¬5) - ... سورة القيامة: 6. PageV01P024 # أولها: السؤال ب“هل”، وهو لأنك تسأل أولا عن عدم الشيء ووجوده، وجوابه: ~~موجود، أو معدوم، فإن قال: معدوم فقد بطل، وإن قال: موجود، فحينئذ تسأل ~~ب“ما هو”، وإنما تسأل بها عن الجنس خاصة، فتقول: ما هو؟ تعني: أي جنس هو، ~~فيقال: إنه محدث، جنس حيوان، إنسان، عرض، حركة، سكون. فإذا سأل ب“من” فإنما ~~يسأل عن إنسان خاصة، فيقال له: أعراببي، تركي، أخ، ابن. فإذا سأل ب“أي» ~~فإنما سأل عن قصد وإشارة، فيقال له: هذا وذاك. فإذا سأل عن “كم هو” فإنما ~~سأل عن عدد، فيقال له: واحد، اثنان، ثلاثة. فإذا سأل ب“كيف” فإنما سأل عن ~~حال وصفة، فيقال له: حي أو ميت، أبيض، أسود، حلو، حامض. فإذا سأل ب“أين” ~~فإنما سأل عن مكان، فيقال له: في مكان كذا وكذا بالمشرق <30> أو بالمغرب، ~~أو بمكة أو بالمدينة. فإن سأل: “لم كان” فإنما سأل عن علة، فيقال له: لعلة ~~كذا وكذا. فإذا سأل ب“متى” فإنما سأل عن زمان ماض، أو مستقبل، فيقال له: ~~كان بالأمس، أو يكون غدا. # وقد ذكرها أبو نصر النفوسي في بيت فقال: # وتسع سؤالات عن الله ... فانفها ... سأجمعها في البيت نظما على ... ضمن # فهل من أي كيف أين متى ... لم ... وتاسعها: كم، فاحترز ... وتفطن # انتهى. # وقول الناظم: (وأنه فرد) إلخ أتى بالخبر مؤكدا لاقتضاء المقام ذلك، فإنه ~~لما ذكر أولا الألفاظ التي لا تجوز على الله سبحانه سارع إلى تنزيهه عن كل ms019 ~~ما لا يليق به، فحسن تأكيد الخبر. # وقوله: (فرد): لا شريك له ولا أجزاء فيسأل عنه ب“كم” و“أي”. # وقوله: (قديم) أي سابق على كل شيء، فلا يسأل عنه ب“هل”. ولا تأتي عليه ~~الأحوال فيسأل ب“كيف”، ولا جنس فيسأل عنه ب“من”، ولا حادث فيسأل عنه ب“لم” ~~و“متى”. # وقوله: (قاهر) أي غالب، لا مكان له يحويه فيسأل عنه ب“أين” و“من أين”. PageV01P025 # وقوله: (سبحانه) أي تنزيها له عن كل ما لا يليق به تعالى الله عن جميع ~~ذلك علوا كبيرا. # الباب الثالث # في الاجتهاد والفتوى # [الفتوى] بالواو مع فتح الفاء، وبالياء مع ضم الفاء، وهي تبيين الحق ~~للسائل. # وأما الاجتهاد فهو استفراغ الفقيه الوسع في تحصيل حادثة بشرع. # ولما كان مستمد الاجتهاد والفتوى الأصول الثلاثة بلا خلاف <31> بدأ بها فقال: # والأصل للفقه كتاب ... الباري ... إجماع بعد سنة ... المختار # أصول الفقه ثلاثة: كتاب الله، وسنة رسول الله (ص)، وإجماع المهتدين من ~~الأمة. وأما الكتاب فلأنه معجز، وهو من عند الله ولا شك، ولا يسع جهله، بل ~~ولا الشك فيه لمن قامت عليه حجته. # واختلف في وجه إعجازه، هل هو من حيث التراكيب على أنه أفحمالبلغاء فيها، ~~أو من حيث الإخبار بالغيب، أو من حيث إخباره عن الأمم الخالية، أو من حيث ~~عدم التناقض فيه... أقوال. والظاهر أن كل ذلك معجز. # وأما السنة فلثبوت أصلها من الكتاب، قال تعالى: {من يطع الرسول فقد اطاع ~~الله} (¬1) ، وقال: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} (¬2) ، وقال: ~~{وما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} (¬3) ، وقال: {ومآ أرسلنا ~~من رسول الا ليطاع بإذن الله} (¬4) . # ¬__________ # (¬1) - ... سورة النساء: 80 . # (¬2) - ... سورة النجم: 3-4. # (¬3) - ... سورة الحشر: 7 . # (¬4) - ... سورة النساء: 64 . PageV01P026 # وأما الإجماع فلثبوت أصله من الكتاب والسنة، فمن الكتاب قوله تعالى: ~~{وكذالك جعلناكم, أمة وسطا لتكونوا شهدآء على الناس، ويكون الرسول عليكم ~~شهيدا} (¬1) ، فبين سبحانه أنهم شهداء على الناس كما أن الرسول شهيد عليهم. ~~وقوله: {يآ أيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر ~~منكم} (¬2) ، فقرن سبحانه طاعتهم ms020 بطاعته وطاعة رسوله. وقوله: {ولو ردوه إلى ~~الرسول وإلى أولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} (¬3) . <32> ومن ~~السنة قوله (ص): «لا تجتمع أمتي على ضلالة»، وفي رواية: «لا يجمع الله أمتي ~~على ضلالة»، وفي حاشية الترتيب: ما كان الله ليجمع أمتي على ضلال»، وقوله: ~~«ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن». # فالمراد بأصل الفقه في كلام المصنف هو أدلة الفقه من حيث استناده إليها ~~وإضافته إليها. ومراده بالفقه: ما يعم العلم بالعمليات والعقائد والأخلاق. # والكتاب هو الكلام المنزل للإعجاز على رسولنا محمد (ص) المنقول عنه ~~تواترا. # والسنة: هي أقواله (ص) وأفعاله وتقريراته. # والإجماع: هو اتفاق مجتهدي الأمة على أمر في عصر. # وكل واحد من هذه الأصول الثلاثة يكون قطعي الدلالة، ويكون ظنيها. # فأما القطعي من الكتاب فهو ما كان نصا على شيء بعينه كما في قوله تعالى: ~~{حرمت عليكم الميتة والدم...}الآية (¬4) . # ¬__________ # (¬1) - ... سورة البقرة: 143 . # (¬2) - ... سورة النساء: 59 . # (¬3) - ... سورة النساء: 83 # (¬4) - ... سورة المائدة: 3 . PageV01P027 # وأما الظني من الكتاب فهو ما لم يكن في شيء بعينه، وإنما استخرج منه ذلك ~~الشيء من طريق الاستدلال والاستنباط، وذلك كما في قوله تعالى: {ووصينا ~~الانسان بوالديه حسنا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون ~~شهرا} (¬1) ، فاستنبط العلماء من هذه الآية أن أقل الحمل ستة أشهر، وذلك ~~لما علموا من قوله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين...}الآية ~~(¬2) أن مدة الرضاع حولين أسقطوا الحولين من ثلاثين شهرا <33> فبقيت ستة ~~أشهر، وليست الآية نصا في هذا كله، ولكن العلماء استنبطوا منها ذلك ~~بالإشارة إليه، فدلالتهما على ذلك ظنية. # وأما القطعي من السنة فهو ما نقله التواتر عنه (ص)، وأجمعت الأمة على أنه ~~عنه عليه الصلاة والسلام كحديث: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من ~~النار». # وأما الظني من السنة فهو ما نقل عنه (ص) من طريق الآحاد، أو من طريق ~~التواتر ولكنه ليس|| نصا في المطلوب. # وأما القطعي من الإجماع فهو ما كان في شيء لم يتقدم فيه خلاف، ولم ينازع ~~فيه أحد من المجمعين ms021 لا قبل انعقاده ولا بعده حتى انقرض عصرهم على ذلك، ولم ~~يكن مخالف النص من الكتاب أو السنة، فإن مخالفة النصوص حرام، ولا ينعقد على ~~مخالفتها إجماع. # وأما الظني من الإجماع فهو ما عدا ما ذكرته. # ولما كان مخالفة القطعي من كل واحد من هذه الثلاثة الأصول حراما وضلالة ~~بإجماع من اعترف بالإجماع من الأمة المحمدية أشار إلى ذلك فقال: # والاجتهاد عند هذي ... منعا ... وهالك من كان فيه ... مبدعا # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأحقاف: 15. # (¬2) - ... سورة البقرة: 233. PageV01P028 # تقدم أن الاجتهاد هو استفراغ الوسع في استحصال حادثة بشرع. وفي هذا البيت ~~إشارة إلى حكمه الشرعي، فيحرم الاجتهاد في مواضع ورد نص الكتاب أو السنة أو ~~الإجماع القطعي في بيان حكمها، ويجب التسليم لها والقبول لبيانها، ويجوز ~~الاجتهاد في <34> الأشياء التي لم يرد فيها نص من أحد هذه الثلاثة. ويجب ~~على من بلغ رتبة الاجتهاد، واحتاج إلى العمل أو الفتوى أو الحكم بما لم يرد ~~به نص من الأصول الثلاثة. # وقوله: (هالك...) إلخ أي من ابتدع حكما مع ورود أحد هذه الأصول فهو هالك، ~~لأن مخالفتها حرام وضلال. ولما كان الاجتهاد في غيرها قد يكون جائزا، وقد ~~يكون واجبا أشار إلى النوعين فقال: # والرأي في غير الأصول ... جوزا ... وواجب أن تتحرى ... الأجوزا # المراد بالرأي هنا: الاجتهاد الفقهي، وبالتحري طلب ما هو الأولى في ~~العمل، أي يجوز الاجتهاد في الأشياء التي لم يرد فيها نص أحد الأصول ~~الثلاثة لمن شاء أن يجتهد. ويجب على من بلغ رتبة الاجتهاد فأراد العمل أو ~~الفتوى أو الحكم بما لم يرد فيه نص أحد الثلاثة الأصول، فإذا اجتهد المجتهد ~~فعليه أن يأخذ بما أداه إليه اجتهاده، وإن خالفه عليه غيره. ولا يجوز له أن ~~يترك الأعدل في اجتهاده وإن خالفه من خالفه في ذلك خلافا لما في أجوبة ~~الإمام ابن محبوب رضي الله عنه لأهل المغرب، وتابعه على ذلك أبو الحسن ~~البسياني في سيرته، وذلك أنهما قالا: إن الحاكم يترك رأيه إن لم يوافقه ~~عليه أحد من الجماعة ويأخذ بقولهم، ms022 ولا يخفى ما فيه من العدول عن ذروة ~~التحقيق إلى حضيض التقليد. # ثم إنه أشار إلى هذا المعنى بعينه فقال: # ولم يجز خلافنا ... للأعدل <35> ... مما نرى وميلنا للأهزل # في غير ما قد حكم ... الحاكم أو ... كان خلاف كافر فيما رأوا PageV01P029 ~~أو من طريق الزهد كان ... أفضلا ... وإن حكمت فاقصدن الأعدلا # وذاك مثل الأكل للسباع ... قد ... رأيت حلها وإن نهي ورد # حملته على سبيل ... الأدب ... كمثل ما اختار إمام ... المذهب # يحرم على المجتهد العدول عن الرأي الذي يرى أنه هو الأقرب إلى العدل ~~للأدلة التي عنده عليه، والأخذ بالرأي الذي يرى أنه أبعد عن الصواب في نظره ~~لمخالفته الأدلة التي عنده، لأن الله عز وجل كلف كل واحد منا أن يأخذ عند ~~الحاجة إلى الأخذ بما أدى إليه اجتهاده، فهو فرض في حقه، والعدول إلى غيره ~~عدول عن فرضه. لكن استثنى بعضهم من هذه القاعدة ثلاثة أشياء، وذكر أن فيها ~~جواز العدول عن الأعدل إلى الأهزل في نظر المجتهد: # أحدهما: فيما إذا حكم عليك حاكم عدل، وكان ممن يجوز له الحكم في المختلف ~~فيه فإنه يجب عليك اتباعه فيما حكم به، ولا يجوز لك مخالفته في ذلك، وإن ~~كنت ترى أن الذي حكم به هو الأهزل والأبعد من الأدلة. # ويبحث فيه بأن هذا غير خارج من تلك القاعدة، ألا ترى أنه إذا حكم لك بشيء ~~ترى أنه لغيرك لا يجوز لك أخذه، غاية ما فيه أن الواجب في الصورة الأولى ~~الإنقياد لحكم الحاكم لا ترك الأعدل في نظره. PageV01P030 # <36> وثانيها: أنه إذا كان في الرأي الذي يرى أنه أبعد من الأدلة مخالفة ~~لكافر، قال: يجوز له ترك ما هو الأعدل في نظره، والأخذ بما هو أهزل، فيخالف ~~الكافر في ذلك، كان الكافر مشركا أو فاسقا. ونصب للأول دليلا: يهودي مر على ~~رسول الله (ص) وأصحابه واقفون عند دفن ميت، فقال اليهودي: هكذا تفعل ~~أحبارنا، قال: فقعد رسول الله (ص)، وأمر أصحابه بالقعود مخالفة لليهود. ~~ونصب للثاني دليلا: ما روي أن جابر بن ms023 زيد رضي الله عنه خالف الحسن البصري ~~حين قال له، وقد حضر معه في مرضه الذي مات فيه: قل يا جابر: لا إله إلا ~~الله، فأمسك جابر مع قدرته على النطق مخافة أن يقال: تبع الحسن في مذهبه. # ويبحث فيه بأن هذا كله خلاف ما عليه القاعدة، فإن القاعدة هي أنه لا يجوز ~~للمجتهد أن يخالف ما رآه أنه هو الحق في نظره، وأن ما عداه خلاف الحق في ~~نظره. وقعوده (ص)، وإمساك جابر عن القول ليسا حراما قبل ذلك. PageV01P031 # وثالثها: أنه إذا كان في الرأي الذي يرى أنه الأهزل في نظره نوع زهد ~~وتنزه، وفي الرأي الذي يرى أنه الأرجح والأعدل ترك لذلك التنزه والورع، ~~قال: فهاهنا يجوز له أن يترك ما يرى أنه الأعدل فيأخذ بما في نظره أنه ~~الأهزل، وضرب لذلك <37> مثلا بمسألة تحليل السباع وتحريمها، على أنه قد ورد ~~النهي من الشارع عن أكلها، وقد اختلف العلماء في تأويل هذا النهي، فذهب ~~بعضهم إلى أن هذا النهي للتحريم فحرم أكل السباع لذلك. وذهب آخرون منهم ~~إمام المذهب أبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي إلى حمل هذا النهي على الكراهية ~~والتنزه، فأجازوا أكل لحوم السباع وقالوا فيها بالتكريه، فإذا رأى المجتهد ~~جواز أكلها، وأن هذا النهي للكراهية كما عليه هذا الإمام رضوان الله عليه ~~كان جائزا له أن يتمسك بما رأى، فيأكل، وأن يدع أكلها تنزها لما في أكلها ~~من الكراهية، هذا في الحكم الذي يخصه بنفسه، أما إذا حكمه غيره وولي ~~الحكومة في ذلك وجب عليه أن يأخذ بما يرى أنه الأقرب إلى الصواب. مثال ذلك: ~~إذا تخاصم إليه رجلان، اصطاد أحدهما سبعا فأطلقه منه الآخر، وطلب المصطاد ~~حقه من الذي أطلق سبعه كان على هذا الحاكم أن يحكم لهذا المصطاد على هذا ~~الذي أطلقه بضمان سبعه. PageV01P032 # ويبحث فيه بأن ما ذكر من جواز الترك للأكل ليس من هذا الباب الذي نحن ~~بصدده فإن ترك هذا المجتهد أكل هذه السباع إنما لامتثال النهي الوارد عن ~~الشارع ms024 فلا يلزم من الامتناع عن أكلها القول بأن أكلها حرام. ألا ترى أنه ~~حين صار حاكما وجب عليه الأخذ بما رأى أنه الأرجح في نظره <38> فيلزمه ~~الحكم به. ولأجل هذه الإيرادات على هذه المستثنيات أشار المصنف للتبرؤ|| من ~~استثنائها بقوله: (فيما رأوا)، أي فيما رأى المستثنون لهذه الخصال. # ولما فرغ من بيان الأحكام التي تخص المجتهد شرع في بيان حكم الضعيف عن ~~الاجتهاد فقال: # والخلف إن لم نعرفن ... الأعدلا ... هل جائز مما نشا أن نعملا # أو لا إذا التحري في ذا ... يعدم ... بل نستشير واجبا من ... يعلم ~~PageV01P033 اختلف العلماء في الضعيف الذي لا قدرة له على الاجتهاد، ولا ~~استطاعة له على ترجيح الأقوال، وقد أراد أن يعمل بشيء من الأشياء التي قد ~~اختلف العلماء في حكمها، فذهب بعضهم إلى أن لهذا الضعيف أن يأخذ بأي قول ~~شاء من تلك الأقوال الموجودة في مسألته، ولا يلزمه في كل قضية أن يستعين ~~بالفقيه الحاضر. واحتج لذلك بأن قوله ليس بأثبت فيه ممن تقدمه فيه، فأورده ~~أثرا صحيحا، فيحسن اتباعه لمن بعده، بل قد يمكن أن يكون الأول أكثر علما ~~وأصح نظرا، وبالعكس، فاستوى الأمران فيما وجده من أثر صحيح أو نقله له عن ~~الأوائل من الاختلاف صحيح، أو أخبره الفقيه الحي بوجود الاختلاف فيه، وسكت ~~عن التعديل فيما يحكيه، وحكم ما عدله بعض علماء السلف، وعدل غير الفقيه ~~الحاضر من الخلف حكم ما اختلف الفقهاء تعديله، ويرجع الأمر فيه إلى <39> ~~جواز الأمرين. هذا كله إذا لم يكن لهذا الضعيف قدرة على معرفة الأعدل، ~~وكانت المسألة مما وجد الاختلاف فيها، أما إذا شاء العمل بشيء لم يوجد في ~~بيان حكمه شيء عن العلماء فهاهنا يجب عليه مشاورة أهل العلم في ذلك، ولا ~~يجوز له أن يعمل بهوى نفسه. PageV01P034 # وذهب آخرون إلى أنه يجب على هذا الضعيف إذا شاء العمل بما يختلف فيه أن ~~يشاور من قدر على مشورته من الفقهاء، وأن يستعينه في طلب الأعدل من ~~الأقوال. والدليل على ذلك قوله تعالى: {ولو ms025 ردوه إلى الرسول وإلى أولي ~~الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه, منهم} (¬1) ، لأن الاستنباط لا يكون إلا ~~من الفقهاء العلماء به، وقد أمر الضعفاء برد الأمر فيه إليهم وأخذ فيه ~~بقولهم، فهم الحجة فيه لهم وعليه. ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: {فاسألوا ~~أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} (¬2) . # أقول: وهذا المذهب أقوى دليلا وأقوم سبيلا من الذي قبله لهذه الأدلة، ~~ولما في مشورة العالم من إمكان الاطلاع على دليل القول الذي يرشده عليه ~~ويأمره بالأخذ به، فيكون مع ذلك أخذا بالدليل الذي سمعه، فينزل في وجوه ~~المشاورة للعالم عند وجوده منزلة القادر على الاجتهاد، ولا يخفى أن حكم من ~~كان مجتهدا ولم يطلع على الأدلة في شيء من الأحكام أن حكمه في ذلك حكم ~~الضعيف، لأنه في ذلك الحكم ضعيف أيضا بناء على القول <40> بتجزؤ الاجتهاد، ~~وهو مذهب الإمام الكدمي رضي الله عنه، وفي قول ثان أن الاجتهاد لا يتجزأ، ~~فلا يكون مجتهدا حتى يكون عالما بجميع الأدلة من الكتاب والسنة، والأول هو ~~المختار، والله أعلم. # وخطأ العالم في الفتوى ... همل ... والوزر والضمان للذي ... عمل # الخطأ نوعان: # ¬__________ # (¬1) - ... سورة النساء: 83. # (¬2) - ... سورة النحل: 43. PageV01P035 # أحدهما: أن يكون صاحبه معتقدا إصابة الحق فيما أفتى به، ويظن أنه صواب ~~وهو مخالف للحق، فهذا غير معذور من الإثم والضمان، كان عالما أو جاهلا إذا ~~حرم ما أحل الله أو أحل ما حرم الله، وقد حصل التحرز من هذا النوع بقول ~~الناظم: (وخطأ العالم)، لأن صاحب هذا النوع وإن كان عالما في غيره فهو جاهل به. # وثانيهما: أن يكون المفتي عالما بذلك الشيء الذي أخطأ فيه، وبأصوله فأخطأ ~~بلسانه، وهو يعلم أن لو انتبه أنه مخطئ فيه فهذا يختلف في تضمين صاحبه، ~~والذي عليه الجمهور من الجهابذة أنه لا ضمان عليه، وأما الإثم فلا نعلم أن ~~أحدا قال به في هذا الموضع. والذي وجدناه من علمائنا أنه لا إثم عليه بدليل ~~قوله (ص): «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان...» الحديث. وبإشارة قوله تعالى ~~حكاية عن المؤمنين دعاءهم: ms026 {ربنا لا تواخذنآ إن نسينآ أو اخطأنا} (¬1) . ~~وما أحسن قول الصائغي: # وزلة العالم في ... فتواه <41> ... مرفوعة عنه وما ... وأولاه # وقول الناظم: (في الفتوى): احتراز من خطإ العالم في الحكم فإنه لا يعذر ~~من ضمانه، أما الإثم فمعذور منه في الحالتين، وإنما كان عليه الضمان في ~~الحكم دون الفتوى لما في الحكم من جبر المحكوم على قبول قول الحاكم دون ~~الفتوى، فإنه ليس فيها جبر. # وقوله: (الوزر والضمان...) إلخ، أي إثم ذلك الخطإ وضمانه إنما هما على من ~~قبله من العالم [كذا] وعمل به، أو حكم بأنه لا يجوز لأحد أن يقبل خلاف الحق ~~أو يعمل به، ولو قال به من قال العلماء [كذا] فالعلماء إنما هو حجة في الحق ~~لا في الباطل. # ولما صرح بتأثيم العامل بخلاف الحق وتضمينه استدرك ذلك ببيان ثبوته فقال: # وإن خفى بطلانه ... عليه ... فالتوب مجملا أتى|| إليه # ¬__________ # (¬1) - ... سورة البقرة: 286. PageV01P036 # إن كان مما حجة السماع ... به ... ولم يجد معبرا ... فلتنتبه # الهاء من قوله: (بطلانه) عائدة إلى الخطإ، وكذلك في قوله: (إليه)، والهاء ~~من قوله: (عليه) عائدة إلى الذي عمل. # وانتصب (مجملا) إلى الحال من فاعل (أتى)، أي لا يخلو ذلك الخطأ إما أن ~~يكون مما تقوم حجته من العقل، أو مما تقوم حجته من السماع، فالأول غير ~~معذور صاحبه مهما خطر بباله إلا باعتقاده الحق فيه. والثاني نوعان: تأدية ~~مفروض وترك محجور؛ فأما تأدية المفروض فإذا لم يجد معبرا يعبر له إياه، ولم ~~يتأت|| <42> له من قبل بصيرته بإلهام ونحوه فهو معذور كما سيأتي إذا اعتقد ~~في جملته السؤال عن جميع ما يلزمه من دين الله. وأما ترك المحجور|| فقد ~~قيل: إنه لا يسع أحدا أن يرتكبه عالما بحجره كان أو جاهلا، مستحلا أو ~~محرما، ومن ارتكبه فهو هالك ظالم لأنه قد ورد في الأثر المجتمع عليه: «يسع ~~الناس جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوا أو يتولوا راكبه، أو يبرأوا من ~~العلماء إذا برأوا من راكبه»، وهذا قد ارتكب ذلك الأمر المحجور عليه ركابه ms027 ~~[كذا] فلا عذر له بجهل ولا بفتوى مخطئ، لأن المفتي إذا أخطأ وجه الصواب ~~فليس بحجة. وقيل: إذا لم يجد المعبر في هذا ونحوه، وكان قد اعتقد في جملته ~~المتاب عن جميع ما لزمته فيه التوبة، والسؤال عن جميع ما لزمه فيه السؤال ~~فهو سالم؛ وفي هذا قد سئل الإمام الخليلي رحمه الله: # نسائل شمس العصر أعني ... سعيدنا ... سلالة خلفان الخليلي الممجدا # عن الراكب المحجور جهلا ... ولم يزل ... مقيما عليه مدة الدهر سرمدا # يجالس أعلام الأنام ولم ... يسل ... وموطنه دار بهاء العلم والهدى # يدارس للآثار طول ... زمانه ... ولكنه لما يراه مسودا # ولم يسمع التحريم فيه ... ولم يكن ... خطورا له بالبال كي يتعبدا ~~PageV01P037 ويحسبه فعلا حلالا ... وأنه ... تقي كريم خائف موقع الردى # أيسلم عند الله إن مات ... هكذا <43> ... ... ويدخله الفردوس فيها مخلدا # فقل ما أراك الله فيها ... مصرحا ... صفات قيام الحجة لكل مرشدا # فلا زلت محبورا وحبرا ... موفقا ... لكشف مهمات خليفة أحمدا # عليه صلاة الله ما ناحت ... الربى ... نسيم الصبا أو جابت العيس ... فدفدا # فأجاب رضوان الله عليه: # إليك بحمد الله نظما ... مؤيدا ... بحكم كتاب الله من شرع أحمدا # عليه صلاة الله ثم ... سلامه ... وأهليه والأصحاب أفضل من هدى # فمن ركب المحجور جهلا ... بحجره ... من الحكم من مشروع رب تعبدا # وضيع مفروض السؤال ... وأنه ... على قدرة منه فقد ضل واعتدى # وما عذره بالجهل شيئا ... يفيده ... من الحق إلا أن يبشر بالردى # كزان ولم يدر الزنى ... محرما ... وواطئ أدبار النساء تعمدا # فذلك بالإجماع لا شك ... هالك ... إذا لم يسل من قبل فعل به ابتدا # وهذا عليه حجة الله ... ربنا ... أقيمت وما في الجهل عذر له بدا # ولو سقط التكليف عن كل ... جاهل ... لكان اقتناء الجهل للنفع أعودا # ولا تبغ في ذلك اختلافا ... فإنه ... ضلال وكن أهل الجدال مفندا # فهذا بإجماع على نص ... محكم ... الكتاب وما فيه اعوجاج تأودا # وإن تاب من قبل الذهاب ... فربنا ... حليم غفور ذنب من تاب واهتدى # ودعني من ذكر الذي ليس ... واجدا <44> ... ... له أحدا ممن يعبر للهدى # فهذا ms028 له حكم يخص ... عمومها ... ولكن أراه لم يكن مقصدا # فجئت بحمد الله بالحق ... واضحا ... سلام على هادي البرية ... أحمدا ~~PageV01P038 وقال في موضع آخر من فتاويه: وأما النوع الثاني، وهو ركوب ~~المحجور في دين الله تعالى من أصول ما لا تقوم به حجج العقول، فقيل في هذا ~~على الإطلاق بهلاك فاعله من المتعبدين، لأنه يفعل ما لا يجوز له في دينه، ~~وقد نقض|| الدين، وفي الأثر المجتمع عليه: «يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ~~ما لم يركبوه...» إلخ، وهذا قد ركبه فضاق عليه، ولم يسعه جهل بحكم ظاهره، ~~وإلا فالجهل أشرف بضاعة إن كان به عذر لمن أطاعه، فهو أولى بالكرامة لأنه ~~مطية السلامة، ويأبى الله ذلك. وفي قول آخر: فمتى إن لم تقم عليه الحجة ~~بحرامه أن لا يبلغ به إلى هلاكه وآثامه إن دان لله تعالى بالتوبة منه بعينه ~~إن كان في الدين حراما، وبالسؤال عنه بعينه أيضا إن هدي إلى ذلك في أحد ~~الوجهين أو فيهما تاما، وإلا ففي الجملة. PageV01P039 # ولا بد أن يدين في جملته التي تعبده بها أن يطيعه في كل شيء من أمره، ~~ويسأل مع القدرة عما يجب عليه السؤال عنه من دينه، ويتوب إليه من كل معصية ~~علمها أو جهلها في حينه، مع الدينونة له بما يجب عليه في ذلك أن يلزمه شيء ~~هنالك أو هدي إليه حال وجوبه بالتعيين أو في الجملة <45> من أصل ما به ~~يدين، فإذا دان الله تعالى بما يجب من هذا في الجملة إلا أنه لعدم قيام ~~الحجة عليه بحرمة ما ركبه لم يهد إلى حكمه فأتاه [من] غير عمد منه للمعصية، ~~وإنما وقع منه لقصور علمه، وكذلك إن أخذ فيه بفتيا من دله على غير عدله لا ~~مقلدا له على حال، ولا مدعيا على الله فيه بمحال، لكونه فيه على غير ~~استحلال ولا مهملا عليه اعتقاده فيه على الخصوص أو في الجملة إلا لعذر كما ~~سبق في مثله من مقال، فيكون الفتيا في هذا المقال لباطلها حكم لا ms029 شيء، ~~فكأنها لم تكن في الأحكام شيئا، فكان ذلك من خطإ المفتي على ما يعذر به، أم ~~يلام، فقابل ذلك على حجره، وإن لم يكن هذا من عذره إلا أنه ما لم تقسم ~~الحجة عليه به، وهو غير مقصر في الواجب من عقيدته، ففي قول الشيخ أبي نبهان ~~رحمة الله عليه في غير موضع من أجوبته ما دل أنه يحسن ظنه في الله، يرجو أن ~~لا يهلك من أجله بشرط ما ذكرناه من التزام طريقة النجاة في عقيدته، وقد صرح ~~في هذا وفي غيره من جوابه لوجود الاختلاف في هذا وبابه، وقوله صحيح. وآثار ~~الشيخ أبي سعيد رحمه الله تشهد له بصوابه وكفى بهما قدوة لمن أراد الله به ~~الهداية، وبآثارهما نورا، كما له هو أهل، وبحمده نتوسل إليه أن ينقذنا من ~~الجهل، وبمحمد وآله عليهم أفضل الصلاة والسلام. PageV01P040 # هذا كلامه، وبه تعلم أن ما في كلامه <46> المنظوم محمول على من أتى ~~الحرام بعد قيام الحجة عليه به، لأنه هو موضع الهلاك بإجماع، كما يرشد إليه ~~قوله: «ودعني من ذكر الذي ليس واجدا...» إلخ. والذي في كلامه المنثور محمول ~~على من أتى الحرام، والحال أن الحجة لم تقم عليه في ذلك الشيء بعينه، لكنها ~~قامت عليه في الجملة، وذلك كما لو علم أن في دين الله حلالا وحراما، فارتكب ~~شيئا لا يعلم حكم الله فيه، فإذا هو حرام في دين الله فإن هذا هو موضع ~~النزاع، والله الأعلم. أو نقول: إن كلامه المنظوم محمول على من ضيع فرض ~~السؤال، وضيع اعتقاده بالإهمال، وما في كلامه المنثور محمول على ما إذا لم ~~يضيع مفروض السؤال، ولم يهمل الاعتقاد في الاجتناب ما عدا الحلال. ثم ظهر ~~لي أن هذا الوجه هو أولى أن يحمل عليه كلام هذا المحقق، والله أعلم. # ولما كان الجهل نقيض العلم، وكانت أحكام العلم دائرة بينه وبين الجهل إذا ~~ما وجب علمه حرم جهله، وما حرم جهله وجب عليه ختم هذا الركن بهذا الباب، فقال: # الباب الرابع # في ms030 أقسام الجهل، وفيما يسع جهله وما لا يسع # وبه يتم الكلام على الركن الأول إن شاء الله. # والجهل قسمان: قسم ... سلما ... صاحبه، والثاني فهو ما انتمى # إلى مركب وليس ... يسلم ... صاحبه بفعله بل ... يأثم # ينقسم الجهل إلى بسيط وإلى مركب. PageV01P041 # فالبسيط: هو عدم العلم بالشيء <47> مما من شانه العلم، حتى لا يتصور في ~~باله شيء مما جهل به، ولا يخطر بعقله شيء من صفاته، وصاحب هذا القسم معذور ~~سالم لأن الحجة لم تقم عليه بعلم ما جهله، ولا يكون التكليف إلا بعد قيام ~~الحجة. أما ما قيل: إن راكب المحجور في دين الله هالك ولو لم يعلم بحجره ~~فذلك محمول على من علم أن في دين الله حلالا وحراما لكنه لم يعلم الحكم ~~فيما ارتكبه بعينه، وهذا قد تقدم له تصور علم بوجود جملة المحرمات، فهلاكه ~~إنما كان بعد قيام الحجة عليه في الجملة، وجهله بما ارتكبه جهل مركب لا بسيط. # وأما المركب: فهو اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه. وإنما سمى هذا القسم ~~مركبا لتركبه من عدم العلم بالشيء واعتقاد أنه عالم، فصاحبه يظن أنه عالم ~~بالشيء وهو جاهل به، وإليه الإشارة بقول القائل: # ومن عجب الأيام أنك ... جاهل ... وأنك لا تدري بأنك لا ... تدري # وصاحب هذا القسم هالك إن كان جهله لما يلزمه العلم به، وإنما كان هالكا ~~لقيام الحجة عليه بذلك الشيء واعتقاده فيه على خلاف حقيقته لا يكون عذرا له ~~بعد وجوب علمه، فالمراد بقوله: (والثاني فهو ما انتمى إلى مركب)، أي القسم ~~الثاني من قسمي الجهل هو ما انتسب إلى مركب، أي سمي بذلك. وقوله: (بل يأثم) ~~تأكيد لقوله: (وليس يسلم). # ولما <48> فرغ من تقسيم الجهل بالنظر إلى حقيقته، وحصوله في ذهن المكلف، ~~شرع في بيان تقسيم الجهل المركب منه بالنظر إلى حكم الشارع فيه، فقال: # وباعتباره لدى ... التكلف ... لواسع الجهل وضيق ... يفي PageV01P042 ~~الهاء من قوله: (وباعتباره) عائدة إلى القسم المركب من قسمي الجهل، لأنه ~~أقرب مذكور، ولأنه القسم الأول صاحبه معذور، وسالم، فلا ms031 يأتي فيه هذا ~~الانقسام، والمعنى أن الجهل المركب ينقسم بالنظر إلى حكم الشارع فيه إلى ~~قسمين: أحدهما: سالم صاحبه، والثاني هالك، فيسلم صاحبه إذا جهل لما لم ~~يلزمه العلم به، ويهلك إذا جهل بما لزمه العلم به، وسيأتي بيان ما يلزمه ~~العلم به وما لا يلزمه مفصلا. # ولك أن تقول: إن الهاء من قوله: (وباعتباره) إلى حقيقة الجهل مع قطع ~~النظر عن التقسيم المذكور، والمعنى: بتقسيم الجهل من حيث هو إلى: واسع ~~الجهل، وهو الجهل البسيط وبعض المركب، وإلى ما لا يسع جهله، وهو بعض ~~المركب. # وقول الناظم: (في التكلف) أي في التكليف، ففي إطلاق التكلف على التكليف ~~مجاز إرسالي لعلاقة المسببية، لأن التكلف مسبب للتكليف، يقال: كلفته فتكلف. # ولما فرغ من بيان أقسام الجهل وأحكامه شرع في بيان الأشياء التي يسع ~~جهلها، والأشياء التي لا يسع جهلها فقال: # وأي فرض فعله ... مؤقت <49> ... فعلمه في وقته مثبت # حجته تقوم ممن ... عبرا ... وقيل: لا حجة ممن كفرا # بل ما عدا البر أتى في ... المعتبر ... إن استطعته بلا نيل ... ضرر # تنقسم الأشياء التي تعبدنا بها إلى قسمين: # أحدهما: تقوم حجته (¬1) من عقل المكلف، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله ~~تعالى في بابه. # ثانيهما: تقوم حجته من السماع، وهو نوعان: امتثال أمر، وامتثال نهي. ~~فامتثال الأمر: تأدية المفترضات من الأبدان والأموال، وهو أيضا نوعان: # أحدهما: مؤقت العمل، أي يلزم أداؤه في وقت معين. # ثانيهما: ما ليس كذلك، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: + «عن»، ولا معنى لها في هذا السياق. PageV01P043 # فأما الذي عمله مؤقت كالصلاة والصوم، فيلزم علمه بدخول وقته، وتقوم حجته ~~حينئذ من جميع المعبرين، ولو كان المعبر كافرا أو طفلا، أو سمع ذلك من لسان ~~طائر ففهمه، أو وجده مكتوبا في كاغد وغيره، وهذا هو الذي أورده|| الإمام ~~أبو سعيد في استقامته، وقيل: إن الكافر ليس بحجة في هذا وغيره، بل ما عدا ~~البر بفتح الباء في جميع أموره، لا يكون حجة، قاله في “ المعتبر ” محتجا ~~له ms032 بقوله تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المومنين سبيلا} (¬1) . # قال أبو بكر في “ الاهتداء ” : «ذهبت النزوانية إلى قيام الحجة من كل ~~معلم من كافر ومسلم، أو كتابة في حجر، أو في فم طائر، واعتلوا بأن الحق ~~بنفسه حجة، فحيث وجد كان حجة لا يعتبرون في ذلك <50> المعلم به، والحجة لهم ~~[في] ذلك قوله (ص): «اقبل الحق ممن جاءك به بغيضا كان أو حبيبا، ورد الباطل ~~على من جاءك بعيدا كان أو قريبا». قالوا فلما كان الباطل غير مقبول ممن جاء ~~به من مسلم أو كافر بإجماع كان الحق مقبولا ممن جاء به من مسلم أو كافر. ~~وذهبت الرستاقية|| إلى أن الحجة في تفسير ما تعبد الله به إلا من الثقات، ~~واحتجوا بقول الله تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المومنين سبيلا} ~~(¬2) ، وبقوله سبحانه: {يآ أيها الذين ءامنوا إن جآءكم فاسقم بنبإ فتبينوا ~~أن تصيبوا قومام بجهالة} (¬3) ، قالوا: فقد أمر بالتبيين عند خبر الفاسق ~~دليل على ترك التبيين عند خبر غير الفاسق، والله أعلم». انتهى. # أقول: وفي كل واحد من هذين الاستدلالين نظر فليتأمل. # ¬__________ # (¬1) - ... سورة النساء: 141. # (¬2) - ... سورة النساء: 141. # (¬3) - ... سورة الحجرات: 6. PageV01P044 # وقول الناظم: (إن استطعته...) إلخ، أي: إن قدرت على ورود المهبر من غير ~~تحمل لمشقة خارجية، ولا إصابة ضرر في النفس والعيال، وقد تقدم ذكر الشروط ~~لمن يجب عليه الخروج في طلب المعبر في الباب الأول من هذا الركن، فراجعه من هنالك. # واعتقد السؤال إن لم ... تستطع ... معبرا نور هداه تتبع # لكن عليك أن تؤديه ... كما ... رأيت من أدائه متمما # فإن تكن موافقا صدق ... العمل ... <51> وفقك الباري وإلا فالبدل # مختلف فيه ومع من ... أثبته ... قولان بالفور ودين ... مثبته # أي اجعل في عقيدتك السؤال إذا لم تقدر على وجود المعبر حتى تتوصل إليه ~~بوجه من الوجوه، لكن عليك مع الاعتقاد للسؤال أن تؤدي ذلك المفترض الواجب ~~عليك فعله، كما حسن في عقلك من أدائه. # والأداء: فعل الشيء في وقته. والقضاء فعله بعد وقته استدراكا. والإعادة: ~~فعله في وقته ثانيا لخلل. # فإذا ms033 وجدت المعبر وعبر لك ذلك المفترض كما أديته أنت من قبل، فقد وفقك ~~الله عليه، ولا بدل عليك فيه. وإن عبر لك على خلاف ما أنت مؤد له فالبدل ~~مختلف فيه على قولين: هل هو عليك أولا؟ أوجبه قوم ولم يوجبه آخرون. واختلف ~~المثبتون للبدل هل هو لازم على الفور؟ أي في أسرع ما استطعت، لأن الفور ~~تعجيل إنفاذ الواجب، أو دين مثبت عليك متى ما شئت أن تؤديه فواسع لك، قولان. # والهاء في قول الناظم (مثبته) للمبالغة، كما في قوله تعالى: {بل الانسان ~~علىا نفسه بصيرة} (¬1) . # ثم إنه أشار إلى بيان النوع الثاني من نوعي الفرض الفعلي فقال: # وإن يكن غير مؤقت ... العمل ... فواسع جهلكه إلى الأجل # ما لم تكن معتقدا ... لتركه ... وقيل: كالأول نظم سلكه # وذاك مثل الحج ... والزكاة ... لأن وقت ذين ... للممات # ¬__________ # (¬1) - ... سورة القيامة: 14. PageV01P045 # هذا هو النوع الثاني من نوعي امتثال <52> الأمر، وهو الفرائض الغير ~~المؤقتة، أي لم يكن عملها محدودا في وقت معلوم، كالحج والزكاة، لأن وقتهما ~~واسع إلى حضور الموت لمن لم يدن بترك فعلهما، أو يعتقده من غير دينونة، ~~فإذا لزمك أحد هذين الفرضين، أو ما كان في معناهما فواسع جهلك بعلمه إلى ~~الأجل، أي إلى إلى حضور وقت انقضاء الأجل، فإذا حضر وقته لزمك علم ذلك ~~المفترض، وكان عليك حجة جميع من كان حجة في الصلاة والصوم اللازمين الحاضر ~~وقتهما. وقيل: بل يلزمك العلم بكل مفترض عليك وإن وسعك التأخير في أدائه ~~لئلا تكون جاهلا بما افترض عليك في دين الله، وهذا معنى قول الناظم: (وقيل: ~~كالأول) إلى|| آخر البيت. # والمراد بالأول في قوله: (الفرض المؤقت فعله)... (¬1) # وفيه قول ثالث وهو أنه لا يسع تأخير أدائه بعد الإمكان، فيكون من الفرائض ~~المؤقتة، ويحتمله قول الناظم أيضا وهذا القول لا يبعد عندي في الزكاة ~~لاقترانها بالصلاة في أكثر آي القرآن، ولقوله تبارك وتعالى: {وويل للمشركين ~~الذين لا يوتون الزكاة وهم بالاخرة هم كافرون} (¬2) ، وليس من المشركين من ~~يؤتي الزكاة وإنما ذكرها هنا تحريضا ms034 للمؤمنين على المسارعة في أدائها، ~~وتنبيها على لزوم فرضها، لأن القول الأول من هذه الأقوال الثلاثة هو الشهير ~~المتداول، وعليه الإمام أبو سعيد رضي الله تعالى عنه في الاستقامة. # <53> وواسع جهلك ... بالمحرم ... جميعه ما لم عليه تقدم # كالدم والميتة ... والخنزير ... إن قائم العين وكالخمور # وكالذي يذبح ... للأوثان ... في أي ما كان من المكان # وذا لدى المضطر قد ... أبيحا ... والخلف في الخمر أتى ... صريحا # ¬__________ # (¬1) - ... في العبارة نقص، وكذا قوله (الفرض المؤقت فعله) غير موجود في النظم. # (¬2) - ... سورة فصلت: 6-7. PageV01P046 # هذا النوع الثاني من النوعين اللذين تقوم بهما حجة السماع، وهو امتثال ~~النهي عن ارتكاب المحرمات جميعها، والجهل بها واسع لمن لم يقدم عليها ~~بارتكاب أو تحليل بقول دون ارتكاب؛ فإن كان شيء من ذلك فلا يسع جهلها، ولزم ~~الفاعل علم تحريمها، سواء كان ارتكابه إياه على علم بجنسها وجهل بتحريمها، ~~أو علم بتحريمها وجهل بجنسها، وتلك المحرمات. # (كالدم) والمراد به: الدم المسفوح، كما صرح به تعالى في سورة الأنعام ~~(¬1) . فإن قلت: من الدماء ما هو حرام بإجماع كالمسفوح، ومنه ما هو حلال ~~باتفاق كدم السمك، ومنها ما هو مختلف فيه كدم المستجلبات، فكيف لا يسع جهله ~~لراكبه مع وجود الاحتمال فيه، فالجواب أن الحكم فيه التحريم حتى يصح غيره. # وكالميتة: وهي التي لم تذك فدخل تحت هذه العبارة المنخنقة والموقوذة وهي ~~المضروبة بالعمد حتى ماتت، والمتردية وهي التي تتردى من علو إلى أسفل فماتت ~~من غير تذكية، والنطيحة وهي فعيلة بمعنى مفعول من النطح، وهو الدع، وما أكل ~~<54> السبع كالذئب والنمر ونحوهما. {إلا ما ذكيتم} (¬2) [أي] إلا ما أدركتم ~~ذكاته من هذه الأشياء فذكيتموه فهو حلال لكم، وحل ما يحل من هذه بالتذكية، ~~وهو أن تتحرك المذكاة بعد التذكية ولو بجارحة، قيل: ولو بتحريك طرف عينها ~~أي جفنها، وأما سائر البدن الذي ليس بجارحة فلا اعتبار بتحركه في تحليلها ~~لأنه قد تكون تلك الحركة فيه وهو لحم مسلوخ. # ¬__________ # (¬1) - ... وذلك في قوله تعالى: {قل لا أجد في مآ أوحي إلي ms035 محرما على ~~طاعم يطعمه, إلآ أن يكون ميتة او دما مسفوحا او لحم خنزير فإنه رجس} سورة ~~الأنعام: 145. # (¬2) - ... سورة المائدة: 3. PageV01P047 # ويخرج عن هذه العبارة ما كان مستثنى شرعا كميتة البحر، لقوله تبارك ~~وتعالى: {أحل لكم صيد البحر وطعامه, متاعا لكم وللسيارة} (¬1) فهو حلال على ~~الإطلاق، لقوله (ص) وقد سئل عنه: «هو الطهور ماؤه والحل ميتته»، وكميتة ~~الجراد للسنة، وما شابهه فو مقيس عليه. # وقول الناظم: (والخنزير إن قائم العين): أي وكالخنزير إن كان قائم العين، ~~أي لم يتغير شخصه فهو من المحرمات أيضا، فلا يجوز لأحد أن يقدم على ارتكابه ~~ولا تحليله بقول، سواء علم به أو جهل. وأما إن كان غير قائم العين بأن كان ~~لحما مقطعا فواسع جهله لمن أكله إذا لم يعلم به أنه لحم خنزير وأكله من عند ~~من تجوز ذبيحته، إذ لا فرق بين لحمه ولحم سائر الحيوانات. وما أحسن قول ابن النضر: # كذلك الخنزير حيا ... على ... ذي الجهل حرم وذوي العقل # وواسع من بعد ... تقطيعه ... جهلك بالأعضاء ... والنشل # <55> وحملوا على الخنزير القرد لاقترانهما في قوله تعالى: {وجعل منهم ~~القردة والخنازير} (¬2) . واختلفوا في خنزير البحر، فقال قوم: هو حلال لأن ~~الله أحل صيده على الإطلاق؛ وذهب آخرون إلى التحريم، لأن الله حرم الخنزير ~~على الإطلاق؛ وقيل فيه بالتكريه من غير تحريم، وهو سائغ. # وقوله: (وكالخمور) جمع خمر، أي: كذلك الخمور فهي حرام في كتاب الله ~~تعالى، ولا يجوز لأحد ارتكابها ولا تحليلها بجهل، ولا علم. قال ابن النضر ~~رحمه الله: # والخمر لا عذر لمن ... ذاقها ... في حال علم منه أو ... جهل # وكذلك كل مسكر لقوله (ص): «كل مسكر حرام»، خلافا لأبي حنيفة في تحليله ~~الخمر من غير الزبيب والتمر، قال ابن النضر: # والسكر مكروه حرام ... كله ... من كل مشروب ولو من ... ماء # ¬__________ # (¬1) - ... سورة المائدة: 96. # (¬2) - ... سورة المائدة: 60. PageV01P048 # وقوله: (وكالذي يذبح) إلى آخر البيت، أي وكذلك محرم ما ذبح للأوثان، جمع ~~وثن، وهو الصنم، ومثله: ما ذبح للنيران المعبودة في أي مكان ذلك المذبوح، ~~أي بإزاء ms036 الصنم، أو ناحية عنه بعيدة أو قريبة، ووجه القصد إليه، قال ابن النضر: # وما ذبحوا لغير الله ... حرم ... ولو ذكوه في الملإ ... الشهود # ومثل هذه المحرمات الذي لم يذكر اسم الله، لقوله تعالى: {ولا تاكلوا مما ~~لم يذكر اسم الله عليه} (¬1) . # وقوله: (وذا لدى المضطر) لفظة “ ذا ” إشارة <56> مكنى بها عن جميع ما ~~تقدم من المحرمات، فهي لمن اضطر إليها حلال، لقوله تعالى: {إلا ما اضطررتم, ~~إليه} (¬2) ، وحد الضرر أن يخاف على نفسه الهلاك من الجوع، ولم يجد ما يحيي ~~به نفسه إلا أحد هذه المحرمات، فجائز له بل واجب عليه أن يتناول منها قدر ~~ما يحيي به نفسه، لا زيادة، فإذا كان في حالة ضرر ووجد ميتة أنعام ولحم ~~خنزير فليتناول من الميتة ويدع الخنزير؛ وإن كان جائزا له التناول منه. ولا ~~يجوز له أن يحيي نفسه بميتة البشر. واختلف في الخمر هل يجوز للمضطر التناول ~~منها أو لا؟ قولان. واحتج القائلون بالمنع بأن الخمر لا تعصم من الهلاك. # والجهل بالأنساب أي ... تحريمها ... فواسع لجاهلي علومها # ما تركوا ارتكابها وضاق ... إن ... ارتكبوها جهلهم بها ... استبن # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأنعام: 121. # (¬2) - ... سورة الأنعام: 119. PageV01P049 # أي يسع جهل تحريم نكاح الأنساب الوارد ذكرها في الكتاب والسنة والإجماع ~~لمن تكن عليه حجة علمه، وذلك كتحريم نكاح الأمهات والبنات والأخوات والعمات ~~والخالات نسبا ورضاعا، وكتحريم الربائب على من دخل بأمهاتهن، ويحرم بالرضاع ~~ما يحرم بالنسب، وكتحريم ذوات الصهر، هذا كله ما لم يرتكبه بتحليل، فيكون ~~مستحلا لما حرم الله، أو بانتهاك، فيكون مضيعا لفرائض الله، سواء علم ~~بالحرمة أو جهل، إذا علم بأصل النسب وحده مرتكب ذلك بجهل أو بعلم أن يقتل ~~بالسيف. قال في “ شفاء الحائم ”: «وفي مثل <57> هذا الأثر المنقول في كتاب ~~أبي سفيان عن عبد الملك بن مروان والأعرابي الذي نكح امرأة أبيه فأتى به ~~عبد الملك فقال له: مالك نكحت أمك، فقال: ليست بأمي، وإنما هي امرأة أبي، ~~فظننت أنها لي حلال، فضرب عنقه، وقال: لا جهل ولا تجاهل في الإسلام، فبلغ ms037 ~~ذلك أبا الشعثاء فقال: أجاد عبد الملك، أو قال: أحسن. وفي هذا الأثر أيضا ~~ما يدل على أنه جائز للجبابرة إقامة الحدود». # (في تحريمها) في قول الناظم على البدلية على الأنساب، أو عطف بيان، ويجوز ~~أن يكون عطف نسق ب“ أي ” التفسيرية على مذهب الكوفيين. # و“ ما ” من قوله (ما تركوا) يجوز أن تكون شرطية، والجواب حينئذ محذوف ~~بدلالة ما قبله، تقديره: أن تركوا ارتكابها فالجهل لهم واسع؛ ويجوز أن تكون ~~ظرفية مصدرية مقدرة بمدة الترك، فتكون متعلقة ب“ واسع ”. # وقوله: (جهلهم) فاعل “ ضاق ”. وجملة الشرط معترضة بين الفعل وفاعله. # و(استبن) أمر بطلب البيان. # وواسع لجاهل ... الأنساب ... نكاح من شاء بلا ارتياب # إن كان لم يقصد خلافا ... ورجع ... متى رأى حرام ما فيه ... وقع ~~PageV01P050 أي يسع من كان جاهلا بالنسب، عالما بالحرمة، أو جاهلا بها نكاح ~~من شاء من النساء بلا ارتياب، أي بلا شك، وإن أمكن أن تكون تلك المنطوحة في ~~علم الله ممن يحرم <58> عليه نكاحها، فلا يزيل هذا الإمكان الإباحة التي ~~أحلها الله، وذلك مثلا أن يكون لرجل في قبيلة أو بلدة ذات محرم منه، ولا ~~يعرفها بعينها، ولا يستطيع إدراك معرفتها بعينها، فلا نقول إن ذلك الرجل ~~يمنع من أن يتزوج من تلك القبيلة أو البلدة، مع إمكان أن يقع في ذات ~~المحرم؛ قال ابن النضر: # والجهل إن لم يعلموا ... واسع ... بالنسب الواشج في الأصل # فقد أحل الله من ... فضله ... وطء ذوات الأعين النجل # ومن كل خود غضة ... بضة ... مهضومة ذوات ... شواخدل # هذا كله إذا كان الفاعل لذلك معتقدا لموافقة دين الله، ولم يقصد خلافا ~~لما أحل الله، وأنه متى ظهر له حرام ما وقع فيه رجع عما كان عليه، ولا يجوز ~~له الإقامة على ذلك بعد العلم به طرفة عين، وحجة العلم في ذلك إنما تقوم ~~بالشاهدين العدلين وما دون ذلك لا تكون حجة على ذلك؛ ومن هنا قال الشافعي: ~~إذا تزوج الرجل امرأة مجهولة النسب، وكان أبوه غائبا ثم رجع فقال: هذه ~~ابنتي، وقالت ms038 المرأة: هذا أبي فعلى الحاكم أن يحكم أنها ابنة أبي الرجل، ~~وأنها زوجته [كذا] فإن ما أبوهما كان الإرث بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين. # ولم يسع جهل ضلالة ... المصر ... محرما أو مستحلا إذا صر # من بعد أن تعلم ... كفره ومع ... <59> ... بعضهم ما لم تع الحكم يسع # بشرط أن لا يتولاه ... ولا ... تبرأ ولا تمسك عمن ... ضللا # الإصرار: القامة على الذنب وفعل الذنب استخفافا به، والمصر: فاعل ذلك، ~~وللمصر أربع مراتب على حسب أوجه الأحداث، لأن الأحداث تخرج على أربعة أوجه: PageV01P051 # أحدها: أن تكون في نفس الجملة أو في شيء منها، فهذا مما لا يسع من علمه ~~جهل ضلال راكبه، ولا جهل ضلال المتولي له، ولا جهل ضلال الشاك فيهما، أو في ~~أحدهما، حتى قال القائل بذلك: إنه لا يعلم فيه اختلافا. # وثانيها: أن يكون الحدث في تفسير الجملة أو في شيء منه مما تقوم به الحجة ~~من العقل، فهو كما مضى في الوجه الأول، إلا أنه قد قيل فيه في بعض القول ~~أنه يسع من علمه جهل ضلال راكبه ما لم يبن له علم ذلك، والأول أكثر. # وثالثها: أن يكون الحدث على وجه الاستحلال من تحليل الحرام وتحريم الحلال ~~مما لا تقوم الحجة به في الأصل إلا بالسماع، فالقول فيه كالقول في الحدث في ~~تفسير الجملة من الاختلاف. # ورابعها: أن يكون الحدث على سبيل الانتهاك لما يدين المحدث بتحريمه، ~~فيخرج فيه ما قد ذكرنا من الأثر المرفوع عن الإمام جابر رحمه الله، وسيأتي ~~ذكر الوجهين الأولين مرة أخرى عند ذكر الناظم لهما إن شاء الله تعالى. # وإشارة <60> الناظم تقتضي التسوية بين المحرم والمستحل على أنهما محادان ~~لإصرارهما، قال تعالى: {لا تجد قوما يومنون بالله واليوم الاخر يوآدون من ~~حآد الله ورسوله, ولو كانوا ءابآءهم...} إلى آخر الآية (¬1) . هذا كله بعد ~~العلم بحدث المصر، وهو معنى قوله: (من بعد أن تعلم كفره). # وأشار بقوله: (ومع بعضهم ما لم تع الحكم) إلى ما ذهب إليه بعض الفقهاء من ~~أنه يسع جهل ضلالة ms039 المصر محرما كان أو مستحلا إذا لم يعرف حكم الحدث الواقع ~~فيه، أعني: هل هو من المكفرات أم لا، وهذا القول حسن أيضا، إلا أنه معلق بشروط: # أحدها: أن لا تتولاه على فعله، وإن كان وليا لك فيما سلف. # ¬__________ # (¬1) - ... سورة المجادلة: 22. PageV01P052 # ثانيها: أن لا تبرأ ممن برئ منه عالما كان أو ضعيفا. # ثالثها: أن لا تقف عن ولاية من برئ منه إذا كان وليا لك من قبل، فإذا كان ~~منك أحد هذه الأشياء فلا يسعك جهل ضلالته. وأما على القول الأول: وإذا لم ~~يكن منك أحد هذه الأشياء فلا يسعك جهل ضلالته بعد العلم بحدثه. # وواسع جهلك ... بالمحلل ... إن أنت عن تحليله لم تعدل # كالبيع والملك ... وكالنكاح ... على شروطها ... وكالمباح # أي يسع جهلك بالمحللات في دين الله إن أنت لم تحرمها ، فتكون محرما لما ~~أحل الله ، فحينئذ يلزمك أن تعلم تحليلها، ولا يسعك جهل علمه، وذلك كتحليل ~~البيع على شروطه التي هي أن يكون المبيع من <61> جنس الحلال، وأن لا يكون ~~المبيع والمباع به من جنس واحد إلا يدا بيد، وأن يكون البائع مالكا للمبيع، ~~قادرا على تسليمه للمشتري. # (وكالملك) والمراد به الرق على شروطه التي هي أن يكون الرقيق ممن أباح ~~الشرع تملكه، إما بإرث أو بشراء أو بسبي، وشرط هذا أن يكون المسبي مشركا ~~غير عربي. # (وكالنكاح) على شروطه، وهي أربعة: الرضى من الزوجين، والمهر، وإذن الولي، ~~وحضرة شاهدين. وما أحسن قول ابن النضر فيها: # فإن بانت فتزويج ... جديد ... بمرء والولي ... وشاهدين # وترك الرضى تعويلا على أخذه من المقام. # (وكالمباحات) التي أباحها الله تعالى لعباده من غير ما ذكرنا. # هذا كله ما لم تقم حجة علمه بوجه من الوجوه، فإذا قامت فلا يسع دفعها. # وحرم ارتكاب ما لم ... يعلم ... ومن يكن موافقا لم يأثم # وإن يرد في قصده ... خلاف ما ... قد أوجب الباري عليه ... أثما # اعلم أن الأمور ثلاثة: أمر بان لك رشده فاتبعه، وأمر بان لك غيه فاجتنبه، ~~وأمر أشكل عليك حكمه فقف عنه، ولا يجوز ms040 لك القدوم عليه حتى يتضح لك حقه، ~~فإذا ارتكب الراكب أمرا لم يعلم حقه من باطله فلا يخلو ذلك الأمر من أحد ~~الأمرين: PageV01P053 # إما أن يكون باطلا في أصل دين الله أو حقا، فإن كان باطلا فالراكب له ~~هالك، قصده أو لم يقصده <62> إلا أن يتوب منه، وقد تقدم في باب الاجتهاد ~~والفتوى شيء من هذا النوع، فراجعه. وإن كان حقا فلا يخلو الراكب من أحد ~~أمرين أيضا: إما أن يكون في قصده موافقة الحق فلا إثم عليه في هذا لأنه قصد ~~الحق فوفق إليه؛ وقيل: إن عليه التوبة من قدومه على ما لا يعلم، والأول هو ~~الصحيح، لأن كثيرا من الصحابة قد فعلوا أشياء لم يعلموا حكم الله فيها فإذا ~~هي حق عند الله فأقرهم رسول الله (ص) على فعل ذلك، فهذا عمار بن ياسر رضي ~~الله عنه تلفظ للمشركين بالشرك تقية ولم يعلم جواز التقية يومئذ، بدليل ما ~~نقل عنه أنه قال لرسول الله (ص): «هلكت...» الحديث. وإما أن يكون في قصده ~~مخالفا لدين الله، فهذا هالك بنيته، ولا تنفعه موافقة الحق، بل عليه التوبة ~~من تلك النية. # فالأمور أربعة: # 1- موافقته للباطل مع قصده له. # 2- وموافقته له مع قصده للحق. # 3- وموافقته للحق مع قصده له. # 4- وموافقته له مع قصده للباطل. # وبين كلا الأمرين الأولين والآخرين واسطة، وهي نوعان: # أحدهما: أن يكون الراكب مهملا، أي لم يكن قاصدا لشيء دون شيء، فيحكم له ~~وعليه بحكم ما ارتكبه. # وثانيهما: أن يكون غير مبال أصاب حراما أم حلالا، فيحكم عليه بالهلاك عند ~~موافقة الباطل بالتوبة عند موافقة الحق. # خاتمة # وقد تقوم حجة العلم ... لما ... <63> ... وقد وسع الجهل بقول العلما # لو كان واحدا له الفضل ... علا ... وقيل: ما لم تبصر الحق فلا # ورجح الأول أن ... العلما ... كالأنبياء مقالهم قد ... لزما PageV01P054 ~~قيام الحجة عبارة عن وجودها، وأصل القيام: الانتصاب والحجة هي ما يقع به ~~للناظر حقيقة الشيء المنظور فيه. والعلماء جمع عالم، أي تقوم حجة العلم لما ~~وسع جهله بقول العلماء ولو كان ms041 القائل واحدا على مذهب الإمام أبي سعيد رضي ~~الله تعالى عنه، وهو الأصح. وقيل: لا تقوم بقول الواحد بل بقول العالمين؛ ~~وقيل: غير ذلك. # والعالم الذي تقوم به الحجة فيما يسع جهله هو الذي اشتهر في الناس عدله، ~~وانتشر في الآفاق فضله، وهذا هو معنى قول الناظم: (وفضله علا)، أي ارتفع، ~~كناية عن اشتهاره. ولا يكون حجة في هذا الموضع الأعلا من بلغته شهرة علمه، ~~وعرف شخصه أنه هو المشهور بوجه من الوجوه التي تأتي بها المعرفة الصحيحة، ~~وقيل: لا يكون العالم ولا العلماء حجة فيما يسع جهله حتى يبصر المفتى بفتح ~~التاء حق قول العالم. وعلى القولين لا يجوز للمفتى رد قول العالم ولا ~~تكذيبه. # والكل من هذين القولين قول صادر عن الفضلاء الكرام، وهم أهل الاستقامة في الدين. # واحتج القائلون بالأول أن العلماء يلزم قبول قولهم، كما يلزم قبول قول ~~الأنبياء فيما جاءوا به لأن العلماء <64> ورثة الأنبياء، وينصره قوله (ص) ~~في رواية أخرى: «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل». # واحتج القائلون بالثاني أن من لم يعرف بعض آي الكتاب العظيم، وكان قد آمن ~~به مجملا أنه ليس عليه أكثر من ذلك، ولا يجوز له رد ما سمعه من الآي التي ~~لم يعرفها، فكذلك هذا المفتى لا يلزمه قبول قول العلماء فيما يسعه جهله إذا ~~لم يرد قولهم ولم يكذبهم. PageV01P055 # قلت: وهذا قياس حسن إلا أن المقاس عليه مختلف فيه على قولين، فذهب قوم ~~إلى ما علمت من أن الإيمان بالقرآن مجملا يجزي لمن لم يعرف بعض آيه. وذهب ~~آخرون إلى أن الإيمان به مجملا لا يجزي لمن سمع منه الآية والآيتين، بل ~~عليه أن يؤن بكل ما سمع منه، فالأول من قول الناظم: (ورجح الأول) مفعول به، ~~والفاعل: أن وصلتها، لأنها في تقدير بمصدر. # وكل شيء واسع جهلك ... به ... ثم رأيت حقه ضاق ... انتبه # أي: كل شيء من دين الله وسعك جهله بأن لم تقم عليك حجة العلم به أو لم ~~تركبه فرأيت حقه من باطله، أي علمته، ms042 ضاق جهلك به، لن علمك بالشيء حجة ~~عليك، ولا يسعك الرجوع من العلم إلى الجهل؛ وإن لم تعلم أن علمك حجة عليك ~~كما أن القرآن هدي وإن لم يهتد به أحد مثلا. # الركن الثاني # في الجملة وتفسيرها وما يشتمل عليها # وفيه ستة أبواب. # <65> أخر هذا الركن عن الذي قبله لما تقدم هناك، وقدمه على ركن الولاية ~~والبراءة، لأن التعبد بهما لازم بعد التعبد بالجملة، فهي أحرى بالتقديم ~~منهما، وهما أجدر بالتأخير منها لما بينا. # الباب الأول من الركن الثاني # في لزوم الجملة وكيفية قيام الحجة بها # الجملة هي كما ذكرها ابن وصاف حيث قال: في الجملة التي لا يسع جهلها ولا ~~يسع تركها، وهي التي يدعو إليها رسول الله (ص)، وتدعو الأئمة إليها بعده أن ~~يقول: أشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن ما ~~جاء به حق من عند ربه. والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ~~والبعث والحساب والعقاب والجنة والنار، وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن ~~الله يبعث من في القبور. فهذا ما لا يسع جهله. PageV01P056 # قال البرادي: «الخلاف في هذا بين الأمة كثير، وبين الإباضية أشد. ~~والمشهور عند أكثر أصحابنا هذا، ومنهم من يزيد الإيمان بالقدر خيره وشره ~~وأنه من الله تعالى. ويزيد بعضهم تحريم دماء المسلمين، ويوجب الإيمان به في ~~العقيدة. ومن أصحابنا أيضا من اقتصر على التلفظ بالشهادة بثلاث كلمات ~~والاعتقاد لها لا غير: لا إله إلا الله محمد رسول الله (ص)، وما جاء به حق؛ ~~وهي طريقة الإمام عبد الرحمن بن رستم فيما وجدت عنه وهو الأشهر عند <66> ~~أكثر الفرق». اه. # أقول: وهذه الطريقة هي المراد من عبارة المصنف، وعليها بنى الأحكام التي ~~ذكرها فيما سيأتي، وعبر عما عداها من الأشياء التي ذكرها بتفسير الجملة. # والقول في الجملة ما لم ... يقم ... برهانها كغيرها لم تلزم # إذ لم يكن جل ... مكلفا بلا ... برهان صدق يوضحن السبلا # ولو يشاء لكان منه ... عدلا ... كمثل ما قد كان هذا ... فضلا ms043 # ( PageV01P057 القول) هنا بمعنى: الحكم، والجملة تقدم بيانها قريبا. ~~و(البرهان) بمعنى الحجة. والمراد ب(غيرها): سائر العبادات والاعتقاديات ~~والعمليات والتركيات. ومعنى (جل) أي عظم شأنه. و(مكلفا) أي ملزما للعباد ما ~~يشق على أنفسهم فعله. و(برهان صدق) أي دليل صادق. و(السبل): الطرق الموصلة ~~إلى معرفة الله تعالى، ومعرفة رسوله محمد (ص). و(العدل): وضع الشيء في ~~موضعه من غير اعتراض على فاعله، وضده الجور. و(الفضل): إعطاء بغير وجوب ولا ~~إيجاب. والمعنى أن حكم الجملة من جهة التكليف بها كحكم غيرها من سائر ~~العبادات لا يلزم اعتقادها إلا بعد قيام الحجة بها. والدليل على ذلك أنه ~~عظم شأنه لم يكلف العباد بغير حجة، وهو دليل صادق لقوله تعالى: {وما كنا ~~معذبين حتىا نبعث رسولا} (¬1) . وإذا ثبت <67> ما قررناه من أنه عز وجل لم ~~يكلف العباد بغير حجة، وكان إلزام الجملة من جملة التكليفات وجب أن لا تلزم ~~إلا بعد قيام الحجة إذ لم يقم دليل على تخصيص التكليف بها بحكم يخالف ~~التكليف بما عداها، فتساوي حكم الله في التكليف، فالجملة وغيرها في التكليف ~~سواء، وتكليفه عز وجل إيانا بعد قيام الحجة فضل منه تعالى تفضل به علينا، ~~ولو شاء أن يكلفنا بغير حجة ولا برهان كان ذلك عدلا منه كما كان التكليف ~~بعد قيام الحجة فضلا منه خلافا للمعتزلة في قولهم بوجوب الصلاحية والأصلحية ~~على الله تعالى. # وإن أتى دليلها امرأ ... فلا ... بنفس لحظة ... ليسألا # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الإسراء: 15. PageV01P058 # أي إذا قامت الحجة بتكليف الجملة على أحد ممن بلغ حد التكليف وجب عليه ~~اعتقادها وحرم عليه جهلها، وضاق عليه الشك فيها، ولم يوسع له في ترك ~~اعتقادها لحظة عين، وإن قصد بذلك السؤال عنها وعن حقها بيانه أنه إذا قامت ~~الحجة بأن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن ما جاء به محمد من ربه ~~حق وجب على من قامت عليه اعتقاد ذلك، فإن جهل أو شك أو توقف في الاعتقاد ~~حتى يسأل عن حق هذا الذي قامت به الحجة عليه كان بذلك كله ms044 كافرا، وإن مات ~~قبل التصديق واعتقاد حق الجملة مات هالكا والعياذ بالله. # فإن قيل: ما بال الجملة من بين سائر <68> العبادات لا ينفس في السؤال ~~عنها وما عداها ينفس في السؤال عنه، وقد قلتم بأن الجملة كغيرها في ~~التكليف؟ # قلنا: إن الجملة كغيرها في قيام الحجة بها للتكليف بها ولم نقل بأن جميع ~~أحكامها كغيرها، وإنما خصت بالتضييق عن السؤال عنها بعد قيام الحجة لأن ~~اعتقادها مطلوب في الحال، وكان العذر واسعا قبل الحجة، وقد قامت الحجة فلا ~~عذر في التأخير. أما ما عداها من العبادات والتركيات فربما يسع تأخيرها، ~~وربما يسلم صاحبها باعتقاد السؤال عنها والدينونة بالحق فيها لأدلة خاصة ~~بها نحو: {ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون} (¬1) . # وأما تفسيرها الاعتقادي فبعض ضيق في السؤال عنه كما ضيق فيها، ورأى أن ~~حكمه كحكمها، وبعض وسع في السؤال عنه، وعنده أنه داخل في هذه الجملة، فما ~~لم يرد شيئا منه فهو واسع له ترك اعتقاده بعينه حتى يرسخ في ذهنه علم ذلك وحقه. # ومنكر الجملة بعدما ... نظر ... برهانها كفر جحود قد ... كفر # ¬__________ # (¬1) - ... سورة آل عمران: 135. PageV01P059 # أي: ومن جحد الجملة بعد أن قامت عليه حجتها أو قبل|| ذلك فهو كافر [كفر] ~~جحود، ولا ينفعه عذر في ذلك. أما من جهلها بعد قيام الحجة بها أو شك فيها ~~فهو كافر أيضا، لكن كفره يسمى شرك مساواة، وذلك لأنه قد جعل ما وجب عليه ~~اعتقاده ولزمه علمه بمنزلة الذي لم يجب عليه فيه شيء من ذلك فكأنه ساوى بين ~~<69> الحكمين مع اختلاف الأمرين. والحكم في شرك الجحود وشرك المساواة متحد ~~دنيا وأخرى، والفرق بينهما إثما هو في نفس التسمية خاصة، وسيأتي بيان ~~حكمهما في الباب السادس من الركن الثالث إن شاء الله تعالى. # ولم يسع جهل ضلاله ... ولا ... تشك فيه والذي له تلا # كذاك جهل من يشك ... فيه ... على قياس شائع ... تلفيه # هذا بيان لحكم الواقف على إنكار منكر الجملة فحكمه أن يجب عليه أن يعلم ~~كفر منكر الجملة، ولا يسعه ms045 الجهل بكفره ولا الشك في كفره، كذلك لا يسع جهل ~~ضلال من صوبه على كفره ولا الشك فيه، وهو معنى قول المصنف: (والذي له تلا) ~~أي تبع. # وكذلك لا يسع جهل ضلال من شك في كفره فإن حكم الشاك في كفره بعد علمه ~~بكفره حكم من صوبه على كفره، لأنه لا يسع جهل ضلالة كل واحد منهما. وهذا ~~القياس أعني قياس الشاك في كفر منكر الجملة على مصوبه في عدم التوسعة في ~~جهل ضلالة كل واحد منهما قياس ظاهر جلي. # ومثل منكر الجملة في هذا الحكم الجاهل بالجملة بعد قيام الحجة بها والشاك ~~فيها، فإن كل واحد من هذين لا يسع جهل ضلاله ولا ضلال من صوبه على ضلاله، ~~ولا ضلال من شك في ضلاله، ولا يسع الشك في ضلال كل واحد <70> من هؤلاء. # واعلم أن مصوب المحدث في الجملة مشرك مثله، وأما الجاهل لضلاله والشاك في ~~في ضلاله مع اعتقاده حق الجملة فاسق منافق. PageV01P060 # وقول المصنف: (ولا تشك) بصيغة النهي على جهة التحريم. # وقوله: (والذي له تلا) معطوف على الضمير المجرور، على حد قوله تعالى: ~~{واتقوا الله الذي تسآءلون به والارحام} (¬1) بقراءة جر «الأرحام». # وقوله: (على قياس شائع) أي ظاهر. # ومعنى: (تلفيه) تجده. # والخلف في إيمانها بالقلب ... هل ... يجزيه دون نطقه إذا نزل # تكليفه بها فبعض ... ذهبا ... للاجتزاء|| والبعض منهم قد ... أبى # واختلف العلماء في كيفية الإيمان بالجملة فذهب بعضهم إلى أن كيفية ~~الإيمان بها أن يعتقد صدقها في جنانه، ويظهر ذلك إقرارا بلسانه، وأنه لا ~~يكون مرمنا إلا بذلك، فالتلفظ بالشهادتين عند هؤلاء شرط لوجود الإيمان. ~~وذهب آخرون إلى أن الإيمان بها هو التصديق بها في القلب، فإذا اعتقد حقها ~~بقلبه، وصدقها بجنانه كان ذلك مجزيا له فيما بينه وبين ربه، فإن مات على ~~ذلك فهو من جملة المؤمنين. وأما فيما بينه وبين الناس فإنه لا يكون مؤمنا ~~حتى يتلفظ بالشهادتين، ويلزمه التلفظ بهما إذا طولب بها. هذا إذا كان منكرا ~~للجملة فيما تقدم من أمره أو شاكا ms046 فيها أو جاهلا بها بعد قيام الحجة عليها ~~فيها؛ أما إذا لم يتقدم منه شيء من هذا كله، ولم يكن من أهل <71> دار يحكم ~~على أهلها بالشرك فلا يلزمه التلفظ بالشهادتين وإن طولب، ولا يسع لأحد أن ~~يحكم عليه بالشرك في عدم تلفظه بذلك، ولا يسعه أن يبرأ منه لذلك؛ ثم يندب ~~له أن يتلفظ مهما طولب بذلك إذا لم يكن له مانع من التلفظ. والله أعلم. # والخلف هل عليه أن ... يقررا ... تصديقه أن ذكرها قد خطرا # أو يجتزي بالماضي ما لم ... يحدث ... شيئا بها كعهدها لم ... ينكث # ¬__________ # (¬1) - ... سورة النساء: 1. PageV01P061 # اختلف القائلون باشتراط التلفظ للإيمان بالجملة. فذهب بعضهم إلى أن ~~التلفظ بها والتصديق بها مجزئ مرة واحدة في عمره، ولا يلزمه تكرار ذلك ما ~~لم يأت بحدث ينقض به إيمانه فيكون به مرتدا إلى الشرك بعد الإسلام. # وذهب آخرون إلى أنه يجب تكرار الإيمان بها إذا جرى ذكر ذلك، وعند هؤلاء ~~يجب على من كان موحدا أن يتلفظ بالشهادتين إذا طولب بذلك، لكن يخرج على ~~قواعدهم أنه إذا لم يجبهم إلى التلفظ بالشهادتين لا يسعهم أن يحكموا عليه ~~بالشرك، ولا أن يبرأوا منه لذلك. ووجه ذلك أن هذه المسألة اجتهادية؛ فلما ~~أبى من التلفظ ولم يتقدم منه حالة يشرك بها احتمل له أن يكون مذهبه عدم ~~وجوب تكرار التلفظ، أو أنه مقلد لمن لم ير وجوب ذلك؛ ومع تمسكه بقول من ~~أقوال المسلمين لا يحل لأحد أن يحكم عليه بالخروج من الدين. # هذا والصحيح عندي عدم <72> وجوب تكرار التلفظ بها وإن جرى ذكرها معه إذا ~~لم يخرج عن الإسلام بحدث فيها، لأن الصحابة رضوان الله عليهم لم ينقل عنهم ~~مع كثرة ذكرهم للجملة تكرار التلفظ بها كلما سمعوها، وإنما المنقول عنهم ~~وعن النبيء (ص) أنه إذا أسلم العبد وتلفظ بالشهادتين مرة واحدة أدخلوه في ~~حكم المسلمين، ولم يطالبوه بعد ذلك بشيء. والله تعالى أعلم. # وما عدا الجملة من ... تفسيرها ... كحكم ما رأيت من تعبيرها # إلا لدى السؤال والجهل ... بما ms047 ... أحدث والشائع ما تقدما # وما عدا الإيمان فاللازم ... في ... تفسيرها بالقلب في ... التكلف ~~PageV01P062 أي ما عدا الجملة من تفسيرها الاعتقاد [كذا] المشتملة عليه ~~والمندرج تحتها كمعرفة كمالات الله عز وجل، ومعرفة الأنبياء والرسل ~~والملائكة والكتب المنزلة والموت والبعث والحساب، وأن حساب الله لا يشبهه ~~حساب، ومعرفة الجنة والنار فحكمه حكم الجملة في جميع ما تقدم، ويخالفها في ~~ثلاثة مواضع مستثناة من تلك القاعدة: # - أحدها في السؤال، فإن الجملة لا يلزم لها اعتقاد سؤال قبل قيام الحجة، ~~ولا يوسع له السؤال بعد قيام الحجة بخلاف تفسيرها، وقد تقدم في هذا ما فيه ~~كفاية إن شاء الله. # - وثانيها: أن الحدث في الجملة لا يسع ضلالة محدثه ولا الشك فيه كما ~~تقدم، والحدث في تفسيرها قد قيل بأنه يسع <73> جهل ضلالة محدثه ولو علم ~~حدثه ما لم تبن له ضلالته، إلا أن الأكثر فيه ما قيل في الجملة، وهو المراد ~~بقول الناظم: (والشائع ما تقدما). # - وثالثها: أن الإيمان في الجملة مختلف فيه هل يجزي بالقلب دون النطق ~~باللسان أو لا، كما تقدم، ولم نعلم اختلافا في تفسيرها بل اللازم فيه ~~بالقلب فقط. # وانتصب (الجملة) في قول الناظم على الاستثناء. ولما كان التكليف بالجملة ~~متوقفا على قيام الحجة أخذ في بيان كيفية قيام الحجة هنا فقال: # فالحجة السماع في ذا ... كله ... وحجة المعنى له من ... عقله # اعلم أن قيام الحجة في كل شيء لا يكون إلا من أحد طريقين: # - الطريق الأول: العقل، وهو طريق لقيام الحجة بالمعاني. # - والطريق الثاني: النقل، وهو طريق قيام الحجة بالألفاظ مع معانيها. ولما ~~كان أعطم طرق النقل هو السمع أطلق في التعبير عن النقل على أن العقل قد ~~يكون من غير طريق السمع كالنظر؛ وذلك مثلا أن يراه مكتوبا، فإنه إن عرف لفظ ~~ذلك ومعناه كان في حكم من سمعه. PageV01P063 # ولما كانت الجملة وتفسيرها مشتملين على ألفاظ ومعان ثبت قيام حجة المعاني ~~بهما من العقل، وتوقف قيام الحجة في ألفاظهما على النقل فمن خطر بباله أن ~~له صانعا وأن ms048 لصانعه رسولا يبلغ الخلق عنه وأنه ليس كصانعه شيء، وأن لمن ~~أطاع صانعه ثوابا، ولمن عصاه عقابا، وجب عليه أن يعتقد <74> معنى ذلك، ولا ~~يجوز له أن ينكر شيئا منه، ولا يلزمه معرفة شيء من هذه الأشياء حتى تقوم ~~عليه الحجة من طريق النقل أن اسم صانعه “ الله ” أو “ الرحمن ” أو نحو ذلك، ~~وأن اسم رسوله “ محمد ” أو “ أحمد ”، وأن اسم ثوابه “ الجنة ” واسم عقابه “ ~~النار ” فإذا قامت عليه الحجة من طريق النقل بشيء من هذه الأسماء وجب عليه ~~معرفتها، وضاق عليه جهلها. # واعلم أن قيام الحجة من العقل بأن لله رسولا إنما هو مبني على مذهب بعض ~~الأصحاب، وذهب غيرهم إلى أن الحجة بذلك إنما هي من طريق النقل، وهو الصحيح. ~~والله أعلم. # الباب الثاني من الركن الثاني # في التوحيد # وفيه أربعة فصول وخاتمة. # الفصل الأول # في نفي الأضداد والأنداد والأشباه عن الله تعالى # وهاك توحيدا لنا ... فلتقتبس ... من نوره وعن هوى النفس ... احتبس # “ ها ” اسم فعل بمعنى خذوا. الكاف للخطاب. # والتوحيد: هو إثبات الوحدانية لله تعالى والإقرار له بالربوبية. # ففي إثبات الوحدانية له تعالى إثبات لكمالاته الذاتية، لأنها أنواع وحدة ~~الذات. وفي إثباتها له تعالى انتفاء المشابهة له تعالى وانتفاء صفات العجز ~~والحدوث في ذاته تعالى ووحدة الصفات ووحدة الأفعال، وفي إثبات كل واحدة ~~منهما إثبات للكمالات الإلهية. PageV01P064 # وفي الإقرار له تعالى بالربوبية استلزام توجيه العبادة إليه <75> ونفيها ~~عمن سواه، فمن عبد غيره لم يكن موحدا. # وقوله: (فلنقتبس) أي فلنتخذ ذلك قبسا من نور هذا التوحيد فإنه نور في ~~ظلمات الجهل. # وقوله: (وعن هوى النفس احتبس) أي: امتنع عما تميل إليه نفسك من الباطل، ~~{وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوىا فإن الجنة هي المأوىا} (¬1) . # ولما كان الإقرار بالربوبية مستلزما لثبوت العبادة له تعالى دون غيره أخذ ~~المصنف في بيان كيفية توجيهه العبادة لربه فقال: # نعبده جل امتثال ... أمره ... سبحانه ونهيه وزجره # فإن يشأ يرحمنا ... بفضله ... وإن يشأ عذبنا بعدله # فالملك والعزة ... والسلطان ... له، كذا القدرة ms049 ... والبرهان # أي نوجه العبادة إليه عظم شأنه لأجل امتثال أمره الذي أمرنا به في ~~الأشياء العملية، ولأجل امتثال نهيه في الأشياء التي نهانا عن فعلها، ~~فالفعل والترك منا إنما هما من أجل الأمر والنهي، فهما عبادة منا له تعالى، ~~ومع ذلك فنحن مفوضون الأمر إليه، ومسلمون لحكمه، وراضون بقضائه، ومتوكلون ~~عليه، فإن شاء أن يرحمنا فذلك بمحض فضله علينا، وإن شاء أن يعذبنا فذلك ~~بعدله فينا، فإن الملك والغلبة والقدرة له تعالى، فلا يعترض عليه في شيء من ~~ملكه، ولا يستطيع أحد لرد ما أراده وهو قادر على كل شيء؛ ومن كان مالكا ~~للأشياء قادرا <76> على فعل ما يريد فيها غير محكوم عليه ولا معترض عليه في ~~شيء من أفعاله، فجميع ما فعله في ملكه إما عدل وإما فضل. # ثم إن المصنف أخذ في بيان التنزيه فقال: # سبحانه ليس له ... مكان ... يحويه جل لا ولا زمان # بخلقه لكل شيء ... نشهد ... وأنه في ملكه ... منفرد # ¬__________ # (¬1) - ... سورة النازعات: 40-41. PageV01P065 # أي تنزيها له تعالى عن الحلول والأمكنة، وعن الحدوث في الأزمنة، فإن ~~المكان والزمان خلق من خلقه، ومن ضرورة العقل وجوب تقدم الخالق على المخلوق ~~في الوجود. # فلو كان تعالى حالا في مكان، أو حادثا في زمان لوجب تقدم المكان والزمان ~~عليه لضرورة العقل بذلك، فيستلزم خالقا غيره؛ وثبوت خالق غيره باطل|| لما ~~يلزم عليه من الأمور المستحيلة. # وأيضا فلو كان تعالى حالا في مكان لكان المكان حاويا له، فيلزم عليه ~~تحديده وتناهيه، ومن كان متحددا متناهيا فليس بإله. # ولو كان تعالى حادثا في زمان لوجب أن يكون له محدث غيره، ومن كان محدثا ~~فليس بإله. # وقوله: (وأنه في ملكه منفرد) إشارة إلى ثبوت الوحدانية له تعالى في مطلق ~~التصرف، وهي وحدة الأفعال، ولما نفى عنه تعالى صفتي الحلول والحدوث أخذ في ~~نفي الصفات التي تلازمهما فقال: # ليس له شبه ولا ... نظير ... ولا وزير لا ولا ... مشير # <77> الشبه بالكسر: هو المشارك لغيره، ولو في صفو واحدة من صفاته. # والنظير هو المثل المساوي. ms050 # والوزير هو المعين في الأمر العظيم بآرائه الصائبة وأفكاره الثاقبة. # والمشير هو الدال على فعل شيء أو على تركه بدلالة خفية، والمراد هنا مطلق ~~الدلالة. # والمعنى: أنه تعالى ليس له مشابه في ذاته ولا في أفعاله، ولا مماثل له في ~~ذلك ولا معين له على شيء من أفعاله التي فعلها أو سيفعلها، وأنه تعالى فعال ~~لما يريد لا لما يريد غيره، فلا مشير له في شيء من أفعاله ولا في شيء من ~~الأشياء التي لم يرد فعلها، تعالى الله عن ذلك. # عن ابن مسعود أنه قال: «ما عرف الله من شبهه بخلقه». PageV01P066 # نافع: أن عبد الله بن عمر كان جالسا في أناس، فأتى رجل فقال: أيكم عبد ~~الله بن عمر؟ فقال: أنا، فقال الرجل: إني تاجر أبتغي من فضل الله، وإني ~~قدمت البلدة هذه الليلة، فإذا أنا برجل قد توسمت فيه الخير، فقعدت إليه ~~فحدثني حديثا ضاق به صدري، فقال عبد الله: وما هو؟ فإنه لا إثم عليك إن ~~حدثت به من غيرك، فقال: قال لي إن الله تبارك وتعالى لما أراد أن يخلق آدم ~~لم يدر كيف يخلقه حتى خلق مرآة، فنظر فيها إلى وجهه فخلق مثاله، فقال ابن ~~عمر: تعالى الله لا مثل لله، إلا أن هذا الشيطان أراد أن يدخلك في دينه، ~~ألا وإن الششيطان قد أيس منكم أن تعبدوا أصناما ظاهرا فتعذرونه، ولكنه يأتي ~~الإنسان فيقول: كيف ربك؟ فلا <78> يزال به حتى يصف ربه بصفة الخلق، فيضل ~~ويضل، فإن لقيته فأخبره بأن ابن عمر بريء من دينك، ألاوغن نبي الله سئل عن ~~الله عز وجل فقال الله عز وجل: {قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ~~ولم يكن له, كفؤا احد}، فإن وسوس الشيطان لكم فقولوا له كما قال رسول الله ~~(ص) عن معاذ رضي الله عنه: «إنه سيرجع أقوام من هذه الأمة عند اقتراب ~~الساعة كفارا»، فقال رجل: يا أبا عبد الرحمن، أبالإحداث كفرهم أم بالجحود؟ ~~قال: لا، ولكن بالجحود، يجحدون خلقهم ms051 فيصفونه بالصورة والأعضاء والمفاصل، ~~أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولهم عذاب عظيم. # عن سعيد بن جبير أنه قال: أتى رهط من اليهود إلى رسول الله (ص)، فقالوا: ~~يا محمد، هذا الله خلق الخلق، فمن خلقه؟ قال: فغضب (ص) حتى انتقع لونه، ثم ~~واثبهم غضبا لربه، قال: فجاء جبرائيل صلى الله عليهما فسكنه وجاءه من الله ~~بجواب ما سألوه ب{قل هو الله أحد...} إلى تمام السورة. PageV01P067 # ليس له فوق ولا تحت ... ولا ... قبل ولا بعد فكل حظلا # كذا يمين وشمال ... والذي ... إليه تعزى حادث بذا ... احتذي # الفوق: اسم لجهة العلو. والتحت: اسم لجهة السفل. وقبل: اسم للتقدم. وبعد: ~~اسم للتأخر. ومعنى حظل: منع. ويمين: اسم للجهة اليمنى، <79> وشمال||: اسم ~~للجهة اليسرى. ومعنى تعزي||: تنسب. ومعنى حادث: أي موجود بعد عدم. احتذ: اقتد. # والمعنى: أنه تعالى ليس له جهة يكون فيها، لا جهة|| فوقية ولا تحتية ولا ~~عن يمين ولا عن شمال، ولا أمام ولا وراء. وليس له تعالى قبل، أي لا يقال: ~~إن وجوده تعالى مسبوق بشيء حتى يقال: إن قبله كذا. ولا بعد له: أي ليس ~~وجوده تعالى متناهيا حتى يقال: إن بعد تناهي وجوده يكون كذا. # وهذه الصفات أعني الجهات والقبلية والبعدية مستحيلة في حقه تعالى، لأن ~~من نسب إليه شيء منها واتصف به يكون حادثا قطعا، فهي دليل الحدوثن والرب ~~تعالى قديم ليس بحادث فلا يصح أن يتصف بشيء منها خلافا للمشبهة القائلين ~~بأنه تعالى في جهة الفوق، وأنه على العرش مستقر استقرار الملك على سريره ~~تعالى الله عن ذلك؛ وقد تلقوا هذه المقالة الشنيعة من اليهود أخزاهم الله تعالى. PageV01P068 # قال في الضياء: «وبلغنا أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مر بحلقة ~~وفيها رجل من اليهود يحدثهم، فقال: ما يحدثكم؟ قالوا: يحدثنا عن التوراة ~~وعن ربنا، قال: وعن ربكم؟! بماذا؟ قالوا: يقولون إن الله لما خلق السماوات ~~والأرض صعد إلى السماء من بيت المقدس، فوضع رجله على الصخرة التي فيه، وأنه ~~ينزل في السماء الدنيا ms052 في النصف من شعبان، فقال ابن مسعود رضي الله عنه: ~~{إنا لله وإنا <80> إليه راجعون} (¬1) ثلاث مرات، ثم قال: {ودوا لو تكفرون ~~كما كفروا فتكونون سوآء} (¬2) فهلا قلتم كما قال إبراهيم خليل الرحمن (ص): ~~{لآ أحب الافلين} (¬3) أي الزائلين المنتقلين؛ ألا فاتهموا اليهود والنصارى ~~على دينكم، ولا تصدقوهم على ما يخالف كتابكم، فإنهم سيضلون أكثر هذه الأمة، ~~ألا إن ربكم ليس بزائل، ومن وصف الله زائلا فقد كفر، ومن شبهه بشيء من ~~الأشياء فقد كفر». # ولم يزل وليس شيء ... معه ... وعالم من قبل أن يصنعه # بكونه ولونه ... وشكله ... وما إليه صائر ... بفعله # أي لم يزل تعالى ولا موجود سواه من جميع الأشياء، فهو تعالى منفرد ~~بالقدم؛ والقدم واجب له تعالى، فيستحيل عليه العدم، لأن ما وجب قدمه استحال عدمه. # وقوله: (وعالم...) إلخ أي وهو عالم، أي لم يزل تعالى متصفا بالعلم من قبل ~~وجود الأشياء، فعلمه تعالى صفة ذاتية له. # والهاء من قوله: (من قبل أن يصنعه) عائدة إلى الشيء في قوله: (وليس شيء معه). # ¬__________ # (¬1) - ... سورة البقرة: 156. # (¬2) - ... سورة النساء: 89. # (¬3) - ... سورة الأنعام: 76. PageV01P069 # وقوله: (بكونه) متعلق ب«عالم». ومعنى «كونه»: وجوده بعد عدم، أي لم يزل ~~تعالى وهو عالم بوجود الأشياء التي سيوجدها، وعالم بالزمان الذي سيوجدها ~~فيه، وبالمكان الذي ستكون فيه، وعالم بلونها الذي ستتصف به، وعالم بصورتها ~~التي يكون عليها شكلها من طول وقصر وعرض، <81> وعالم بمصيرها الذي ستصير ~~إليه بسبب أفعالها الحسنة وبسبب أفعالها القبيحة، فالضمير من بكونه ومن ~~لونه ومن شكله وما بعدها كله عائد إلى الشيء في قوله: (وليس شيء معه||). ~~والمراد بالشيء هنالك جميع الموجودات مما عدا الخالق تعالى. # وفي البيتين تصريح بأنه تعالى عالم بما كان وما سيكون وما هو كائن. # الفصل الثاني # في البراهين # جمع برهان، وهو ما تركب من مقدمات قطعية. و«ال» في البراهين للعهد ~~الذهني، أي البراهين المثبتة لمدعانا فيما تقدم. # لو أنه مشابه في ... ذاته ... جاز عليه وصف مخلوقاته # إذ كل شبهين بوجه ... لزما ... في الكل ما لذلك الوجه ... انتمى # هذا ms053 برهان استحالة المشابهة له تعالى المذكورة في قول المصنف: (ليس له ~~شبه...) إلخ. وصورة البرهان أنه لو كان تعالى مشابها في ذاته لجاز عليه ما ~~يجوز في على مشابهه من الصفات، ولا موجود إلا وهو إما خالق أو مخلوق، وقد ~~ثبت بالبرهان أنه تعالى هو الخالق، وأن جميع ما عداه مخلوق، فلو كان له ~~مشابه لكان ذلك المشابه هو أحد مخلوقاته، فيستلزم أن يكون عز وجل يصح أن ~~يتصف بصفات مخلوقاته، وصفات مخلوقاته مستحيلة في حقه، فالمشابه مستحيل ~~أيضا، ووجه ذلك أن المتشابهين إذا تشابها في صفة وجب أن يتصف كل واحد منهما ~~بموجب تلك الصفة، وهذا معنى قوله: (إذ كل شبهين...) إلخ. # ومعنى قوله: (في الكل) <82> أي من المتشابهين. ومعنى (انتمى) انتسب. PageV01P070 # لو كان ثان عنده في ... الأزل ... لكان كل صالحا لأن يلي # ولا دليل خص واحدا ... فقط ... والحكم من غير مرجح ... غلط # هذا برهان استحالة الشريك معه تعالى في الأزل المذكور في قول المصنف: ~~(ولم يزل وليس شيء معه). وصورة البرهان أنه لو كان معه تعالى ثان في الأزل ~~لكان كل واحد منهما صالحا لأن يتولى الأمر على صاحبه فيتمانعان، وليس في ~~واحد منهما خصوصية يستحق بها الاستبداد بالأمر والانفراد بالملك، وتخصيص ~~واحد منهما بذلك دون الآخر مع صلاحية كل منهما وعدم المخصص ترجيح بلا مرجح، ~~والترجيح بلا مرجح غلط لا يستقيم في المعقول، وبطلان استقامته ضروري. # لو أنه في أمره ... معان ... لزمه في ذاته ... النقصان # هذا برهان نفي العجز عنه تعالى واستحالته المشار إليه بقول المصنف: (ولا ~~وزير لا ولا مشير). # وصورة البرهان أنه لو كان تعالى معانا في أمره لكان ناقصا في ذاته، لكنه ~~كامل في ذاته، فهو غير معان في أمره، ووجه ذلك أنه لا يحتاج إلى المعونة ~~إلا من كان عاجزا عن إتمام الأمر، ومن كان عاجزا عن إتمام أمره فليس بكامل ~~في ذاته، لأن من الكمال الذاتي وجود القدرة الذاتية المنافية للعجز. # وهكذا يلزم في ... الزمان <83> ... وفي الجهات الست ... للمكان # هذا برهان نفي ms054 الحلول والحدوث عنه تعالى واستحالتهما في حقه المذكورين في ~~قول المصنف: (سبحانه ليس له مكان...) البيت، وفي قوله: (ليس له فوق...) إلخ. # وصورة البرهان أنه لو كان تعالى حالا في مكان أو حادثا في زمان للزم ~~اتصاف ذاته بغاية النقصان تعالى عن ذلك. ووجه ذلك أنه لو كان تعالى حالا في ~~مكان للزم أن يكون المكان محيطا به ولو من جهة واحدة، فيلزم تحديده ~~وتناهيه، وهما مستحيلان عليه تعالى. PageV01P071 # وأيضا فلو كان تعالى حالا في مكان للزم أن يكون المكان أقوى منه [وهو] محال. # ولو أنه تعالى حادث في زمان لاحتاج إلى محدث، ومن كان محتاجا إلى محدث ~~فهو عاجز ليس بإله. # وأيضا فلا يخلو أن يكون ذلك المحدث هو نفس هذا الحادث أو غيره، وكونه ~~نفسه محال لأنه يومئذ معدوم، والمعدوم لا يفعل شيئا في غيره، فضلا أن يفعله ~~في نفسه، فوجب أن يكون المحدث غيره، فيكون أولى بالألوهية منه وهو باطل لما ~~يلزم عليه من التسلسل. # لو أنه في ملكه ... مشارك ... كان فسادا ذلك ... التشارك # هذا برهان نفي الشريك عنه تعالى في ملكه. وبيان استحالته المذكور في قول ~~المصنف: (وأنه في ملكه منفرد). # وصورة البرهان أنه لو كان معه تعالى شريك في ملكه لفسد هذا العالم <84> ~~البديع الإتقان البالغ في الحكمة، لكن العالم غير فاسد، فدل على أنه تعالى ~~في ملكه غير مشارك، ووجه ذلك أن الشريكين إذا تشاركا في شيء فلا يخلو فيه ~~من أحد أمرين: إما أن يصطلحا على شيء فيه وإما أن يتنازعا فيه؛ واصطلاحهما ~~على شيء فيه مع كون كل منهما إلها محال لاستلزامه عجز كل واحد منهما، فتسقط ~~ألوهيتهما بسقوط قدرتهما. فلم يبق إلا التنازع فيه، ومع التنازع يحصل ~~الفساد، والمشاهد في العالم غير ذلك، فانتفى الشريك ضرورة. والله تعالى أعلم. # الفصل الثالث # في الصفات # أي في الصفات الجائزة في حقه تعالى والواجبة في حقه. # أما المستحيل في حقه فما تقدم في الفصل الأول، وقد أشار إليه هاهنا ~~إجمالا فقال: # في الذات والصفات ms055 ... والأفعال ... مخالف لنا بكل ... حال PageV01P072 أي ~~أنه تعالى مخالف لخلقه، في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله، أي لا تشبه ذاته ~~ذواتهم، ولا تشبه صفاته صفاتهم، ولا تشبه أفعاله أفعالهم. فهو تعالى واحد ~~في ذاته بمعنى أنه ليس كمثله في ذاته شيء، وواحد في أفعاله بمعنى أنه ليس ~~له في أفعاله مشارك ولا مشابه، فاستحال في حقه الشبيه من كل وجه، وقد تقدم ~~براهين ذلك . # ولم يجز وصفكه بغير ... ما ... بينه من وصف غيره ... اعلما # <85> أي لا يجوز لك أن تصفه تعالى بصفة لم يصف بها نفسه في كتبه أو على ~~لسان أحد من أنبيائه، فما ورد من وصفه لنفسه في شيء من كتبه أو على لسان ~~أحد من أنبيائه جاز لك وصفه به، وما لم يرد كذلك فالتوقف عنه أولى، والمنع ~~فيه أظهر. هذا مذهب بعض، وذهب آخرون إلى أنه يجوز أن نصفه تعالى بصفة تدل ~~على كمال ولو لم يرد الشرع بها، ما لم نمنع من ذلك. # حاصل ما في المقام أن الصفات إما أن يأذن الشرع أن نصفه بها تعالى، وإما ~~أن يمنع من وصفه بها، وإما أن يسكت عن ذكرها، فإن أذن فهو جائز إجماعا، وإن ~~منع فهو محرم إجماعا، وإن سكت فهو محل النزاع والله تعالى أعلم. # وأي وصف جاز وصفه ... بما ... عانده فوصف فعل احكما # وما عدا ذاك فوصف ... الذات ... يعرف وهو كالعليم ... آت # تنقسم صفاته تعالى إلى صفات ذاتية وإلى صفات فعلية. # فأما الصفات الفعلية فهي كل وصف صح أن يتصف به وبضده تعالى، كالإحياء ~~والإماتة، وإرسال الرسل وإنزال الكتب ونحو ذلك، فإنه تعالى يجوز أن يتصف ~~بهذه الأشياء وبأضدادها، فتقول: محي مميت، مرسل للرسل غير مرسل لهم بعد ~~محمد ص ، وهكذا... PageV01P073 # وأما صفات الذات فهي كل صفة استحال عليه تعالى الاتصاف بضدها، وذلك ~~كالعليم، فإنه يستحيل عليه <86> الاتصاف بضد العلم وهو الجهل، وكالسميع ~~والبصير والمريد والقدير، فإنه يستحيل عليه الاتصاف بأضداد هذه كلها. # وفرق بعضهم بين صفات الذات وصفات الأفعال بأن صفات الذات ms056 يجوز اتصافه ~~تعالى [بها] في الأزل، بل يجب ذلك في حقه، وصفات الأفعال لا يجوز اتصافه ~~بها في الأزل إلا على معنى أنه سيفعل ذلك، فتقول: لم يزل الله حيا مريدا ~~قادرا عليما سميعا بصيرا، ولا تقول: لم يزل الله محييا مميتا خالقا للخلق ~~مرسلا للرسل منزلا للكتب ونحو ذلك إلا على معنى أنه قادر على الإحياء ~~والإماتة إلى غير ذلك، ومنع بعض أصحابنا هذا الإطلاق مطلقا. والله تعالى أعلم. # صفاته لذاته هي ... ذاته ... لا غيرها دلت بذا آياته # إذ لم تكن فيه لئلا ... يلزم ... حلوله وليس منه نجزم # ولا عليه فيكون ... أفقرا ... لغيره وذاك دأب ... الفقرا PageV01P074 أي ~~صفاته تعالى الذاتية هي عين ذاته، وليست هي غير ذاته كما زعمت الأشعرية ~~القائلون بأن صفات الذات معان حقيقية زائدة على الذات قائمة بها، وهذا ~~القول باطل، لأنه لو كانت صفات ذاته تعالى غير ذاته للزم عليه إما أن تكون ~~حالة في ذاته العلية وهو باطل، لأن ذاته العلية لا يصح أن تكون محلا ~~للأشياء، وإما أن تكون بعضا من الذات العلية وهو باطل أيضا، لأن ذاته ~~العلية غير متبعضة، والتبعض <87> عليها محال وإما أن تكون شيئا زائدا على ~~الذات لا حالا فيها ولا بعضا منها، وهذا الوجه هو الذي اختاره الخصم وعولوا ~~عليه وهو باطل أيضا، لأنه لو كانت شيئا زائدا على الذات للزم عليه افتقار ~~الذات إلى ذلك الزائد، والذات العلية كاملة بنفسها عير مفتقرة إلى غيرها، ~~ومن كان مفتقرا إلى غيره فليس بإله لأنه عاجز في نفسه محتاج إلى غيره، ومن ~~كان عاجزا في نفسه ومحتاجا إلى غيره فهو بمعزل عن صفات الألوهية وعن ~~الكمالات الذاتية. وأيضا فلو كانت صفات ذاته غير ذاته للزم عليه إما أن ~~تكون مقارنة لذاته في الوجود، فيلزم عليه تعدد القدماء وهو باطل قطعا. وإما ~~أن تكون سابقة على ذاته في الوجود فيلزم عليه حدوث الذات العلية وهو باطل ~~أيضا، وإما أن تكون موجودة بعد الذات العلية فيلزم أن يكون الله عز وجل قبل ms057 ~~حدوثها غير متصف بهذه الكمالات، فيكون غير قادر وغير عالم إلى آخرها، وهو ~~باطل قطعا؛ فثبت ما قلناه، وبطل ما زعم الخصم. # قالوا: يلزمك على هذا التقدير نفي الصفات الذاتية. # قلنا: لا يلزمنا ذلك لأنا أنما ننفي الزيادة على الذات لا نفس الصفات. PageV01P075 # قالوا: الزائد الذي نفيتموه هو نفس الصفات إذ لا يصح أن تكون الصفات غير ~~[لعل الصواب: عين، تأمل] الذات، فلو كان ذلك لما كان لاتصاف الذات بالصفات ~~معنى، لأنه من اتصاف الشيء بذاته فيكون معنى <88> قولنا: الله قادر بمعنى ~~قولنا: ذاته ذاته، ولا شك أن كل عاقل ينكر تساويهما. # قلنا: الصفات عين الذات لما قدمناه من البرهان، ولا يلزم من ذلك ما ~~ذكرتموه من اتصاف الشيء بذاته، لأن هذه الصفات لها معان اعتبارية، وللذات ~~كمالات ذاتية لا يدل عليها نفس لفظ الذات، ولكل واحد من تلك الكمالات معنى ~~اعتباري يعبر عنه بالصفة، فالصفات عبارة عن المعاني الاعتبارية الدالة على ~~الكمالات الذاتية، فبهذا الاعتبار لم يكن قولنا: الله قدير بمنزلة قولنا: ~~ذاته ذاته، لما في قولنا: قدير من التعبير عن المعنى الاعتباري المفيد ~~للكمال الذاتي. # حاصل ما في المقام أن ذاته تعالى متصفة بالكمالات الذاتية، قائمة مقام ~~ذات وصفة، أي غنية بنفسها عن غيرها، والله تعالى أعلم. # فهو عليم لا بعلم ... جلبا ... وهو سميع لا بسمع ركبا # وهو بصير لا بعين ... نظرت ... وهو قدير لا بقدرة عرت # وهكذا في سائر ... الصفات ... لأنها في الأصل عين ... الذات PageV01P076 ~~أي فإذا ثبت بما قررناه من البرهان أن صفاته تعالى الذاتية عين ذاته لا ~~غيرها كما زعم الغير فنقول: إنه تعالى عليم بذاته لا بعلم هو غيره، أي ذاته ~~عز وجل منكشفة لها المعلومات انكشافا تاما، غير محتاجة في ذلك الانكشاف إلى ~~واسطة بينها وبين المعلوم كما زعم الغير، وأنه تعالى سميع <89> بذاته لا ~~بسمع مركب فيه أو زائد عليه، أي ذاته تعالى منكشفة لها المسموعات انكشافا ~~تاما غير محتاجة في ذلك الانكشاف إلى واسطة بينها وبين المسموعات كما زعم ~~الغير، وأنه ms058 تعالى بصير بذاته لا ببصر هو غيره، أي ذاته تعالى منكشفة لها ~~المبصرات انكشافا تاما غير محتاجة في ذلك الانكشاف إلى واسطة بينها وبين ~~المبصرات كما زعم الغير، وأنه تعالى قدير بذاته لا بقدرة هي غيره، أي ذاته ~~تعالى منفعلة لها الأشياء إيجادا وانعداما غير محتاجة في ذلك التأثير إلى ~~واسطة بينها وبين المؤثرات كما زعم الغير. وكذا القول في سائر الصفات، ~~فنقول: هو تعالى يريد بذاته لا بإرادة هي غيره، أي ذاته العلية كافية في ~~ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر غير محتاجة في ذلك التأثير الخاص إلى ~~واسطة بينها وبين المؤثر كما زعم الغير، ونقول: هو تعالى حي بذاته لا بحياة ~~هي غيره، أي ذاته العلية كافية للاتصاف بهذه الكمالات غير محتاجة في ~~الاتصاف بها إلى واسطة هي غيرها تسمى بالحياة كما زعم الغير، والله تعالى أعلم. # الفصل الرابع # في الرؤية # أي في بيان استحالة رؤية الباري عز وجل. PageV01P077 # هي اتصال شعاع الحدقة بالمرئي، وقد جوز الأشعرية اتصافه تعالى بها، ~~وقالوا|| بوقوع ذلك في الآخرة للمؤمنين، وأكثر الإسلاميين على استحالتها ~~عليه تعالى. وممن ذهب إلى ذلك المعتزلة <90> والخوارج وغيرهم، واستحالتها ~~هو الحق لما ستعلمه|| من الأدلة النقلية والبراهين العقلية. # وقد تعلق المثبتون للرؤية في حقه تعالى بظواهر الآيات، وبموضوع روايات لا ~~حاجة لنا بذكرها هاهنا خوف الإطالة فلنعد إلى بيان براهينها العقلية ~~والنقلية فنقول: # ورؤية الباري من ... المحال ... دنيا وأخرى احكم بكل حال # لأن من لازمها ... التميزا ... والكيف والتبعيض والتحيزا # في جهة تقابل الذي ... نظر ... فهذه وما أتى به السور # من قول لا تدركه ... الأبصار ... ولن تراني فانتفى الإبصار # لأنها مدح له ولا ... يصح ... زوال ما به الإله ممتدح # لو جاز أن يزول مدحه ... لزم ... تبديل عزه بذل ... وشتم # أي رؤية الباري تعالى من الأشياء التي لا يتصور في العقل صحة وجودها لأن ~~العقل يحيل ذلك. وذلك أن من لوازم الرؤية ومن شرائطها: # - أن يكون المرئي متميزا، أي متشخصا، والرب تعالى يستحيل عليه التشخيص. # - ومن لوازمها أيضا أن ms059 يكون المرئي متكيفا، أي ذا كيف أي لون، وذلك على ~~الله محال. # - ومن لوازمها أيضا أن يكون المرئي متبعضا أي ذا أبعاض أي أجزاء، لأن ~~النظر إما أن يحيط به كله، وكل محاط به متبعض ضرورة، وإما أن يدرك بعضه ~~فظهر فيه البعض حيث أدرك منه، وذلك في <91> حقه تعالى محال. # - ومن لوازمها أيضا أن يكون المرئي متحيزا في جهة من الجهات، أي حالا ~~فيها دون غيرها، والتحيز في حقه تعالى محال، وكذا يستحيل عليه المكان أيضا. PageV01P078 # - ومن لوازمها أيضا أن تكون الجهة التي يكون فيها المرئي مقابلة للرائي، ~~لأن الناظر لا يرى إلا ما يقابله، وذلك في حقه تعالى محال. # فاستحالة الرؤية في حقه تعالى لاستحالة لوازمها فشرائطها، فهذه البراهين ~~بالعقلية [كذا]. وأما ما أتى به السور من البراهين النقلية فأشياء منها: # - قوله تعالى: {لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار...} (¬1) فنفى عز وجل ~~إدراك الأبصار لذاته، وامتدح بذلك، فنفي الإدراك مدح له تعالى لهذه الآية، ~~وما كان مدحا له تعالى فلا يصح زواله عنه واتصافه بضده، لأن ما كان سببا ~~للمدح فهو كمال وضده نقص، ولا يصح أن يزول شيء من الكمالات الإلهية، ولا أن ~~يتصف الإله بشيء من أضدادها النقصانية، فلو جاز أن يزول ما كان سببا لمدحه ~~تعالى للزم عليه تبديل عزه تعالى بالذل، وحمده تعالى بالشتم، وهذا محال في ~~حق صفاته تعالى، فكذا الاتصاف بالرؤية في وقت من الأوقات، أو من شخص من ~~الأشخاص محال قطعا، لما يلزم عليه من تبديل موجب المدح وجواز الاتصاف بموجب ~~الذم؛ فصح استدلالنا بالآية، وسقط اعتراضات الخصم علينا بمحتملات وهمية ~~توهموا توهموا أنها التحقيق <92> في معنى الآية حتى افتخر بعض متأخريهم ~~بذلك فرحا بما لديه فقال: # لا تدرك الأبصار أكبر ... حجة ... لمقالهم معنى لها ما ألطفه # يدريه من خبر العلوم ... وراضها ... كابن الخطيب إمام أهل ... المعرفه # وأراد بابن الخطيب الفخر الرازي. # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأنعام: 103، وتمامها: {وهو اللطيف الخبير}. PageV01P079 # - ومنها قوله تعالى لكليمه موسى عليه السلام: {لن تراني} (¬1) حين قال ~~له: ms060 {رب أرني أنظر اليك}، فلو كانت الرؤية جائزة في حقه تعالى لما علقها ~~بالمستحيل في جوابه لكليمه عليه السلام، وذلك قوله تعالى: {ولكن انظر الى ~~الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني} فعلق الرؤية على استقرار الجبل، ~~واستقرار الجبل في علمه تعالى محال، والمعلق على المحال محال مثله، ألا ترى ~~أن أحدنا يقول: آتيك إذا شاب الغراب، أي ابيض شعره، وابيضاض شعر الغراب ~~محال، فالإتيان محال مثله لتعلقه به. # قالوا: استقرار الجبل ممكن في نفسه، والمعلق بالممكن ممكن مثله. # قلنا: إمكانه في نفسه إنما هو بحسب جهلنا بحقائق الأشياء، أما عند من علم ~~الحقائق فاستقراره محال، فظهر أن الاستقرار ليس بممكن في نفسه، وإنما كان ~~إمكانه بالنظر إلى عدم اطلاعنا على الحقائق، والرب تعالى عالم بها وبعدم ~~استقرار الجبل، وعلق وقوع الرؤية عليه، فصح ما قلناه والحمد لله. # ومن يدن بها بكفر ... النعم ... فاحكم له، والشرك إن يجسم # كأن يقول: يده مثل ... يدي ... <93>أو وجهه كوجه بعض ... الأعبد # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأعراف: 143. والآية بتمامها: {ولما جاء موسى لميقاتنا ~~وكلمه ربه قال رب أرني أنظر اليك قال لن تراني ولكن انظر الى الجبل فإن ~~استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلمآ ~~أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنآ أول المؤمنين} PageV01P080 أي: واحكم على ن ~~قال بجواز الرؤية في حقه تعالى، وعلى من قال بوقوعها في الآخرة بكفر ~~النعمة، وهو النفاق، فإن مجوز ذلك والقائل به لا شك أنه فاسق بمخالفته ~~العقل والنقل، فقضى الشرع بفسق من خالفه، هذا إذا لم يقل بتجسيم الباري، ~~أما إذا قال أنه يرى على كثيب أو جالسا على كرسي، أو له صورة كصورة ~~الإنسان، أو على صورة أحد من خلقه، أو له وجه كأوجهنا، أو يد كأيدينا، أو ~~نحو ذلك فهذا مشرك. وكذا من قال: إنه يرى في الدنيا مشرك لمكابرته العقل ~~والنقل بلا شبهة يتمسك بها. وإنما لم نشرك من قال بأنه تعالى يرى في الآخرة ~~لتأوله الكتاب، والمتأول إذا لم ms061 يوافق الحق في تأويله فليس بمشرك لكنه ~~منافق، والله سبحانه وتعالى أعلم. # الخاتمة # في تفسير ألفاظ تعلقت بها المشبهة من كتاب الله عز وجل # فوجهه أي ذاته في ... قوله ... وعينه أي حفظه ... لفعله # تعلقت المشبهة في تقرير تشبيههم بآيات من القرآن العظيم، وذلك أنهم ~~أثبتوا له تعالى وجها وعينا ويدا، إلى غير ذلك من صفات خلقه تعالى عن ذلك، ~~واستدلوا في إثبات الوجه بقوله تعالى: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام} ~~(¬1) {كل شيء هالك الا وجهه} (¬2) . # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الرحمن: 27. # (¬2) - ... سورة القصص: 88. PageV01P081 # قلنا: يأتي الوجه في اللغة على معان، منها الجارحة المحدودة، وتفسير ~~الوجه في حقه تعالى بها محال <94> للزومه التشبيه المصرح بنفيه قوله تعالى: ~~{ليس كمثله شيء} (¬1) مع ما تقدم من البرهان العقلي، فوجب تفسير الوجه بغير ~~الجارحة في حقه تعالى، فقلنا: معنى الوجه في الآيات إنما هو بمعنى الذات، ~~فقوله تعالى: {ويبقى وجه ربك} أي ذات ربك، وقوله تعالى: {كل شيء هالك الا ~~وجهه} أي ذاته، وكذا في نظائرهما من الآيات. # وتعلقوا في إثبات العين له تعالى بقوله تعالى: {ولتصنع على عيني} (¬2) ~~{تجري بأعيننا} (¬3) . # قلنا: معنى العين في الآيتين: الحفظ، فقوله تعالى: {ولتصنع على عيني} أي ~~على حفظي، و{تجري بأعيننا} أي بحفظنا. ولا يصح أن تكون العين هنا بمعنى ~~الجارحة الباصرة لما تقدم من البرهان العقلي والنقلي، ولأن الآيات لا يمكن ~~حمل معناها على العين التي هي بمعنى الباصرة، فإنه لا يشك عاقل في أنه ليس ~~المراد أن موسى عليه السلام مصنوع على العين الباصرة أي فوقها، ولا أن ~~السفينة تجري بالأعين الباصرة أيضا، فلا بد لهؤلاء المشبهة من تأويل ~~الآيتين قطعا، وقد فروا عن التأويل فوقعوا فيما فروا منه، وزادوا على ذلك ~~تشبيه ربهم تعالى. # واليد منه قدرة أو قل: ... نعم ... وقبضة والاستوا ملكا ... يسم # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الشورى: 11. # (¬2) - ... سورة طه: 39. # (¬3) - ... سورة القمر: 14. PageV01P082 # أي: ومعنى اليد في قوله تعالى: {يد الله فوق أيديهم} (¬1) القدرة، أي ~~قدرة الله فوق قدرتهم، لا كما زعمت المشبهة بأنها جارحة، تعالى الله عن ~~ذلك. ms062 وقد تأتي اليد بمعنى النعمة، كما في قوله تعالى: <95> {بل يداه ~~مبسوطتان} (¬2) أي نعمتاه الظاهرة والباطنة، والعرب تطلق اليد على القدرة ~~وعلى النعمة كما لا يخفى على من تتبع لغة العرب، لكن هؤلاء المشبهة لا ~~يفقهون العربية، لأن غالبهم كانوا أعاجم فبهرتهم أنوار التنزيل فوقعوا في ~~مهاوي الضلال والعياذ بالله. # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الفتح: 10. # (¬2) - ... سورة المائدة: 64، وتمام الآية: {وقالت اليهود يد الله مغلولة ~~غلت ايديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشآء} PageV01P083 ~~وقوله: (وقبضة والاستوا...) إلخ إشارة إلى ما في قوله تعالى: {والارض جميعا ~~قبضته, يوم القيامة} (¬1) وإلى ما في قوله تعالى: {الرحمن على العرش ~~استوىا} (¬2) أي فالقبضة في تلك الآية والاستواء في هذه الآية وفي نظائرها ~~بمعنى الملك، وكذا اليمين في قوله تعالى: {والسماوات مطوياتم بيمينه} (¬3) ~~فمعنى قوله تعالى: {والارض جميعا قبضته, يوم القيامة} أي يكون جميع الأرض ~~ملكه يوم القيامة، وكذلك هي اليوم، وإنما خص بذلك يوم القيامة لانتفاء مدعي ~~الملك هنالك بخلافه في هذه الدنيا فإن فيها من ادعى الملك لنفسه. وإلى هذا ~~المعنى الإشارة في قوله تعالى: {لمن الملك اليوم}؟ (¬4) . ومعنى قوله ~~تعالى: {والسماوات مطوياتم بيمينه} أي بقدرته، ومعنى قوله تعالى: {الرحمن ~~على العرش استوىا} أي استولى، بمعنى ملكه، والرب عز وجل مستول على العرش ~~وعلى غيره، وإنما خص العرش بالذكر في هذه الآية ونظائرها لأن العرش أعظم ~~المخلوقات، فناسب ذكره في مقام الامتداح. وإذا <96> كان تبارك وتعالى مالكا ~~لما هو أعظم المخلوقات، ومستوليا عليه كان استيلاؤه على ما هو دون ذلك ~~ثابتا بطريق الأولى. # ومعنى قوله: (يسم) بالبناء للمفعول، أي يدعى، أي كل واحد من القبضة ~~والاستواء يسمى ملكا، أي يفسر بالملك. والله سبحانه وتعالى أعلم. # وجده كوجهه أو قل ... عظم ... ومكره عقوبة لمن ... ظلم # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الزمر: 67. وتمامها: {والسماوات مطوياتم بيمينه سبحانه ~~وتعالىا عما يشركون}. # (¬2) - ... سورة طه: 5. # (¬3) - ... سورة الزمر: 67. # (¬4) - ... سورة غافر: 16. وتمامها: {لله الواحد القهار}. PageV01P084 # أي الجد المضاف إليه تعالى في قوله: {وإنه تعالى جد ربنا} (¬1) له ~~معنيان، أحدهما: أن يفسر بالذات كما ms063 فسر بذلك الوجه في قوله تعالى: {ويبقى ~~وجه ربك} (¬2) وعليه فالمعنى: وإنه تعالى ربنا، والمعنى الثاني: أن يفسر ~~بالعظمة، وعليه فالمعنى: وإنه تعالى عظمة ربنا، فالعظم في البيت بكسر العين ~~المهملة وفتح الظاء المعجمة بمعنى العظمة. # وقوله: (ومكره عقوبة...) إلخ، أي والمكر المسند إليه تعالى في نحو قوله ~~تعالى: {ومكروا ومكر الله} (¬3) إنما هو عقوبة للظالم لا غير ذلك من ~~المخادعة والاحتيال، فمعنى قوله تعالى: {ومكر الله} أي وعاقبهم الله، أي ~~قضى بعقوبتهم وحكم بها من حيث لا يعلمون ذلك. # الباب الثالث من الركن الثاني # في الأنبياء والرسل والملائكة والكتب # ثم من الجائز بعث ... الرسل ... يهدوننا إلى الصراط الأعدل # مقرونة دعواهم ... تفضلا ... بمعجزات تبطل ... التقولا # أي ثم إني أقول: إن من الجائز في حقه تعالى إرسال الرسل أي <97> الإيحاء ~~إلى الأنبياء وإنزال الكتب. ومعنى الجائز في حقه تعالى أي له أن يفعل ذلك، ~~وله أن لا يفعله، ويصح اتصافه به وعدم اتصافه به، خلافا لمن أوجب ذلك في ~~حقه تعالى ولمن أحاله، والقائل باستحالة ذلك مشرك إجماعا. # وقوله: (يهدوننا إلى الصراط) الجملة في محل الجار من الرسل، والمعنى: ~~هادين لنا إلى الصراط الأعدل، أي المستقيم؛ وفي هذا تنبيه على حكمة إرسال الرسل. # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الجن: 3. # (¬2) - ... سورة الرحمن: 27. # (¬3) - ... سورة آل عمران: 54. وتمامها: {ومكروا ومكر الله والله خير ~~الماكرين}. PageV01P085 # وقوله: (مقرونة دعواهم) حال من واو «يهدوننا»، أو من الرسل أيضا، أي ~~دعواهم بأنهم رسل من الله تعالى مقرونة بمعجزة، وهي الخارق للعادة المتحدى ~~بها على الخصم، فخرج بالخارق السحر فإنه غير خارق للعادة، وإنما هو أمر ~~مترتب على أسباب من أحكمها حصل له ذلك الأمر؛ والخارق ليس مترتبا على سبب، ~~لكن لما خفيت أسباب السحر على كثير من الناس ظن أنه خارق وليس كذلك. وخرج ~~بالمتحدى به إلى آخره كرامات الأولياء فهي وإن كانت خارقة أيضا لا تكون على ~~جهة التحدي، أي فلا تحصل لمن يدعي النبوة منهم إذا لم يكن نبيا، كذا جرت ~~عادته سبحانه وتعالى حفظا لرتبة النبوة، وصونا لمقام ms064 الرسالة. # وقوله: (تفضلا) حال من قوله: (بمعجزات) والعامل فيه (مقرونة)، أي مقرونة ~~دعواهم بمعجزات متفضلا بها عليهم. # وقوله: (تبطل التقولا) نعت للمعجزات، أي تلك المعجزات مبطلة لتقول الخصم ~~كادعائه أنه يستطيع <98> الإتيان بمثلها كما ادعى فرعون في قوله لموسى عليه ~~السلام: {فلناتينك بسحر مثله} (¬1) ، وكادعاء|| مسيلمة أنه يأتي بمثل ~~القرآن. # وواجب عليك أن تعرف ... ما ... يجوز للرسل، وما قد لزما # وما استحال عنهم. ... فاللازم ... في حقهم نعتا هي المكارم # كالصدق والتبليغ ... والأمانة ... والعقل والضبط وكالفطانة # والمستحيل ضدها ... كالكذب ... وكالجنون وارتكاب الريب # وما عدا ذلك فهو ... ممكن ... في حقهم إلا الذي ... يستهجن # للرسل والأنبياء صفات واجبة في حقهم، ولهم صفات مستحيلة في حقهم، وصفات ~~ممكنة في حقهم، ويلزم المكلف معرفة كل واحد من هذه الصفات بعد قيام الحجة ~~به عليه. # ¬__________ # (¬1) - ... سورة طه: 58. PageV01P086 # فيجب في حق الأنبياء والرسل التبليغ لما أمروا بتبليغه دون ما لم يؤمروا ~~بذلك، ودون ما خيروا في تبليغه. ويجب اتصافهم بالصدق، وهو مطابقة خبرهم ~~للواقع. ويجب اتصافهم بالأمانة وهي حفظ ما ائتمنوا عليه ووضعه في وأداؤه ~~إلى أهله، ويجب اتصافهم بالعقل فلا يكون المجنون رسولا ولا نبيا ولا يكون ~~نبي صبيا، أي متصفا بصفة الصبيان من عدم الاتصاف بموجبات العقل، فيخرج بهذا ~~التقييد يحيى عليه السلام لقوله تعالى: {وءاتيناه الحكم صبيا} (¬1) ، وكذا ~~من كان مثله. وحاصل ما في المقام أن الواجب الاتصاف بالعقل <99> فإذا حصل ~~في أحد فلا عبرة بكثرة عدد السنين وقلته، ويجب في حقهم الضبط، أي حفظ ما ~~أمروا بتبليغه وضبطه حتى يؤدوه|| على وجه لا يكون فيه خلل. # ويجب في حقهم الفطانة، وهي اليقظة في الأمور، ليحصل لهم بذلك محاورة ~~الأخصام ومجادلتهم بالتي هي أحسن. # ويستحيل في حقهم أضداد هذه الصفات، من ذلك: الكذب، وهو عدم مطابقة الخبر ~~لما في الواقع. ومن ذلك الجنون، وهو زوال العقل. ومن ذلك ارتكاب الريب، أي ~~المعاصي، فإنهم لو ارتكبوها ما كانوا أمناء في أوامر ربهم في أنفسهم، فلا ~~يكونون أمناء في غير ذلك. # وما عدا هذه الصفات ms065 التي ذكرناها|| فهي في حقهم من الممكن في حقهم، ~~والجائز اتصافهم بها، وذلك مثل النوم والأكل والشرب والجماع والمشي في ~~الأسواق، وغير ذلك من المباحات. نعم يستثنى من ذلك ما كان مستقبحا منها في ~~العقل كالبول قياما فإن العقل يستقبح ذلك في أدنى البشر فكيف يستحسنه في ~~أعلاهم؟! على أن الغرض اتصافهم بمكارم الأخلاق وليس هذا منها. # أفضلهم نبينا ثم ... الخليل ... ثم الكليم بعده عيسى الجليل # وبعدهم نوح فباقي ... الرسل ... فالأنبياء ذوو المقام ... الأكمل # ¬__________ # (¬1) - ... سورة مريم: 12. PageV01P087 # ووقع الإجماع على ثبوت تفاضل الرسل، لقوله تعالى: {تلك الرسل فضلنا بعضهم ~~علىا بعض} (¬1) . ووقع الإجماع أيضا على أفضلية نبينا عليه الصلاة والسلام ~~<100> على جميع الخلق لأدلة تخصه، ووقع الاتفاق على أن أفضل الرسل من بعده ~~أربعة: إبراهيم خليل الرحمن، وموسى كليم الله، وعيسى روح الله، ونوح نبي ~~الله عليهم الصلاة والسلام. ثم وقع الخلاف في تفضيل بعض هؤلاء على بعض، ~~واعتمد الأكثر الطريقة التي اعتمدها|| المصنف، ووقف بعض عن تعيين الأفضل ~~منهم، وقال: هذا باب لسنا بحكام فيه، لأن أمر ذلك إلى التوقيف من الشارع، ~~وهو حق، فالتوقف أولى فيما لم يرد فيه نص. # وقوله: (فباقي الرسل) أي بعد هؤلاء الخمسة في الفضل باقي الرسل، وعدد ~~الرسل مع هؤلاء الخمسة ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولا، أولهم آدم، وآخرهم محمد ~~صلى الله عليه وعليهم وسلم. # وقوله: (فالأنبياء) أي بعد الرسل في رتبة التفضيل الأنبياء، وهم الذين ~~أوحي إليهم بشرع لم يؤمروا بتبليغه، فإن أمروا بالتبليغ كانوا رسلا أيضا. ~~وعدد الأنبياء على القول المشهور مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، منهم الرسل ~~الثلاثمائة والثلاثة العشر. # وقوله: (ذوو المقام الأكمل) أي أصحاب المقام الكامل. # قد نسخت شرائع ... الجميع ... سوى الهدى بشرعنا البديع # وما له أي شرعنا ... مغير ... فهو على الدوام لا ... يغير # ¬__________ # (¬1) - ... سورة البقرة: 253. PageV01P088 # اعلم أن شريعة نبينا - صلى الله عليه وسلم - ناسخة لشرائع الأنبياء من ~~قبله، أي مبدلة لأحكامها بأحكام أخر، إما مخالفة لها <101> وإما موافقة، ~~إلا ما لا يصح نسخه من ذلك كالتوحيد، فإن ms066 صفاته تعالى لا يجوز عليها التغير ~~فلا يصح نسخ التقعد [كذا، لعله: الاعتقاد] فيها، فلا يمكن أن يتعبد أحدا من ~~أهل الملل أن يعتقدوا أنه لا يرى، ويتعبد آخرين أن يعتقدوا|| أنه يرى؛ ~~وكمكارم الأخلاق فإن الله يأمر بالعدل والإحسان، ومكارم الأخلاق داخلة تحت ~~العدل والإحسان، فلا يصح أن يأمر بخلاف المكارم، وهذا النوع أعني ما لا ~~يصح نسخه هو المراد من قول المصنف: (سوى الهدى) أي إلا الهدى فإنه لم ~~ينسخ، أي لأنه لا يصح نسخه. # وقوله: (وما له أي شرعنا) إلخ، أي لا يغير شرع نبينا - صلى الله عليه ~~وسلم - ناسخ لأنه ليس بعده نبي، كما صرح به حديث: «لا نبي بعدي»، وكما دل ~~عليه قوله تعالى: {وخاتم النبيئين} (¬1) فإن الخاتم لا يكون معقوبا، فثبت ~~امتناع نسخ شرعه، لاستحالة نبي بعده. واعتقاد أنه لا نبي بعده، وأن شريعته ~~لا تنخ من بعده واجب علينا، فلا يصح جهل علمه بعد قيام الحجة به. # وبعدهم ملائك ... حباهم ... مولاهم بالقرب واجتباهم # أفضلهم جبريل. والذي ... زعم ... تفضيله على الحبيب قد ... غشم # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأحزاب: 40. PageV01P089 # أي بعد درجة الأنبياء في الفضل درجة الملائكة عليهم السلام، فإنه قد ~~أعطاهم ربهم ومولاهم من الفضل الخاص بهم ما لم يعطه لغيرهم، واصطفاهم ~~لخدمته، وفرغهم لإنفاذ أمره، فلهم الفضل العظيم لهذا التبجيل والتعظيم؛ ~~<102> على أن الله عز وجل قد مدحهم في كتابه العزيز بقوله: {يسبحون الليل ~~والنهار لا يفترون} (¬1) ، وقوله: {لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما ~~يومرون} (¬2) ، فهم بهذا أفضل من سائر المؤمنين، ما عدا الأنبياء ~~والمرسلين. وفضل بعض أصحابنا وغيرهم المؤمنين عليهم، واستدل كل واحد من ~~الفريقين بأدلة ذكرناها في غير هذا المقام. # ولا شك أن بعض الملائكة أفضل من بعض، لقوله تعالى حكاية عنهم: {وما منآ ~~إلا له, مقام معلوم} (¬3) . وأفضلهم على الإطلاق جبريل عليه السلام، لأنه ~~الرسول من الله إلى أنبيائه، وإن كان غيره قد أرسل أيضا فإرساله هو أكثر من ~~غيره، ولكثرة خصاله الفاضلة والفواضل. # زعم الزمخشري أنه أفضل من حبيب الرحمن ms067 محمد - صلى الله عليه وسلم - وقد ~~خرق الإجماع بذلك، ودخل مدخلا كان الواجب عليه أن يقف دونه. # بهم جميعا يجب ... الإيمان ... وبالذي أنزله الرحمن # وهو كلام دل بالنظم ... الأتم ... على معانيه|| إرشاد ... الأمم # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأنبياء: 20. # (¬2) - ... سورة التحريم: 6. # (¬3) - ... سورة الصافات: 164. PageV01P090 # أي يجب التصديق على جهة الإذعان بالأنبياء جميعا وبالرسل جميعا ~~وبالملائكة جميعا، وبما أنزل الرحمن من الكلام على رسله، فالإيمان واجب بكل ~~واحد من هذه الأصناف جملة، ويجب علينا أن نخص محمدا وما أنزل عليه ~~بالإيمان، فلا يجزي الإيمان به مع جملة الرسل، ولا الإيمان بالقرآن في ~~<103> جملة الكتب. وكذا يجب علينا أن نخص بالإيمان من قامت علينا الحجة ~~برسالته أو بنبوته من الأنبياء والرسل الذين من قبله - صلى الله عليه وسلم - . # وقوله: (وهو كلام...) إلخ هذا تفسير لما أنزل الرحمن، أي الذي أنزله ربنا ~~هو كلام دل بالنظم التام على معان ترشد الأمم إلى نجاتها وإلى فلاحها ~~وصلاحها، وجملة ما أنزل الله من الكتب على ما في بعض الروايات مائة كتاب ~~وأربعة كتب، خمسون منها على شيت، وثلاثون على إدريس، فتلك ثمانون، وعشرة ~~صحف على إبراهيم، وعشرة على موسى قبل التوراة، فتلك مائة، والتوراة على ~~موسى، والزبور على داود، والإنجيل على عيسى، والقرآن العظيم على نبينا ~~الكريم، عليه وعليهم أفضل صلاة وأكمل تسليم. # والكل مخلوق لإمكان ... العدم ... ولانفراده تعالى ... بالقدم # أي كل واحد من الكلام المنزل على الرسل مخلوق لا شيء منه متصف بالقدم، لا ~~التوراة ولا الإنجيل ولا الزبور ولا القرآن ولا غيرها من سائر الكتب، وذلك ~~لأدلة عقلية ونقلية. # فأما العقلية فمنها أن الكلام المنزل ممكن فناؤه، وكل ما أمكن فناؤه ~~استحال قدمه. ومنها أنه تعالى منفرد بالقدم، فلو كان الكلام أو شيء منه ~~قديما للزم بطلان انفراده تعالى بالقدم، وقد قام البرهان على وجوب انفراده ~~بذلك، فلا قديم غيره. PageV01P091 # وأما النقلية فأشياء، <104> منها قوله تعالى: {خالق كل شيء} (¬1) والكلام ~~شيء فهو مخلوق لهذه الآية. ومنها قوله تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} ~~(¬2) ، والكلام شيء. ومنها أنه ms068 موقوف بالإنزال كما في قوله تعالى: {إنا ~~أنزلناه} (¬3) ، وكل منزل منتقل من جهة إلى جهة، وكل منتقل حادثن وكل حادث ~~مخلوق. إلى غير ذلك من الأدلة. والله تعالى أعلم. # فصل في # المحكم والمتشابه # وفي القرآن محكم ... ومشتبه ... ومجمل مفصل نؤمن به # كل أتى من ربنا ... والخلق في ... حديهما على أقاويل نفي # مع اتفاق منهم ... أنهما ... نوعان أي مختلف ... حكمهما # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأنعام: 102. # (¬2) - ... سورة القمر: 49. # (¬3) - ... سورة يوسف: 2. سورة الدخان: 3. سورة القدر: 1. PageV01P092 # أي في القرآن آيات محكمة، وفيه آيات متشابهة وفيه آيات مجملة وفيه آيات ~~مفصلة أي مبينة، ويجب الإيمان بجميعه محكمه ومتشابهه ومجملة ومفصله، لقوله ~~تعالى: {منه ءايات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات، فأما الذين في ~~قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه...} الآية (¬1) . وقد اختلف العلماء في ~~بيان المحكم من المتشابه في تعريف كل واحد منهما على أقاويل تجيء في النظم، ~~وهم مع اختلافهم متفقون على أن المحكم غير المتشابه والمتشابه غير المحكم، ~~فهما نوعان متغايران، وحكم كل واحد منهما يخالف حكم الآخر، لأن الرب تعالى ~~رتب على كل واحد حكما. ثم إنه أخذ في بيان حد المحكم وبيان حكمه فقال: # فالمحكم: المتضح المعنى ... انقسم ... <105> ... للنص والظاهر معنى فانحسم # في النص حكم القطع ... بالمراد ... والظن في الظاهر للعباد # وإن أتى بعكسه ... الدليل ... صير إليه وهو التأويل # وهو قريبا أو بعيدا ... وقعا ... أو متعذرا فلن ... يتبعا # ¬__________ # (¬1) - ... سورة آل عمران: 7. وتمامها: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه ~~ءايات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات، فأما الذين في قلوبهم زيغ ~~فيتبعون ما تشابه منه ابتغآء الفتنة وابتغآء تاويله، وما يعلم تاويله, إلا ~~الله والراسخون في العلم يقولون ءامنا به كل من عند ربنا، وما يذكر إلآ ~~أولوا الالباب} PageV01P093 أي المحكم من الآيات ومن غيرها من الروايات هو ~~ما اتضح معناه، وهو قسمان، لأنه إما أن يتضح المعنى ولم يحتمل معنى غيره، ~~وهو النص؛ وإما أن يحتمل معنى ثانيا، وإن كان احتمالا بعيد مثلا فهو ~~الظاهر. ولكل واحد من النص والظاهر حكم؛ فحكم ms069 النص القطع بمراد المتكلم، أي ~~إذا سمعنا من الكلام ما لا يحتمل إلا معنى واحدا قطعنا بأن مراد المتكلم هو ~~ذلك المعنى لا غيره لعدم احتمال الكلام لغيره، والحكم في الظاهر الظن بأن ~~ما ظهر من المعاني هو مراد المتكلم، أي إذا سمعنا كلاما يحتمل معنيين، لكن ~~السابق إلى الذهن أحدهما ظننا أن ذلك السابق إلى الذهن هو مراد المتكلم، ~~وإنما كان هذا كذلك لاحتمال أن يكون المتكلم أراد المعنى الثاني. هذا إذا ~~لم يقم دليل على أن مراد المتكلم المعنى المرجوح، فإن قام الدليل بذلك ترك ~~المعنى الظاهر وصير إلى المعنى الباطن لوجود ذلك الدليل الدال على أن ~~الباطن هو المراد. # والمصير من الظاهر إلى المعنى الباطن هو التأويل، وهو ينقسم إلى ثلاثة ~~أقسام: تأويل قريب وتأويل بعيد <106> وتأويل متعذر، كل ذلك بحسب قرب ~~الاحتمال للمعنى وبعده. فالتأويل القريب يترجح بأدنى دليل، والتأويل البعيد ~~يحتاج إلى دليل قوي، والمتعذر منه لا يقبل؛ فمن المتعذر تفسير الرافضة ~~لقوله تعالى: {كمثل الشيطان إذ قال للانسان اكفر} (¬1) قالوا: الشيطان عمر ~~بن الخطاب، والإنسان: أبو بكر، قال له: خذ الخلافة وأنا معينك عليها، ~~أخزاهم الله تعالى ورضي عن الشيخين، ولهم في تحريف القرآن العظيم على هذا ~~المنوال ما ينبغي أن ننزه مختصرنا هذا عن ذكره. # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الحشر: 16. PageV01P094 # ولما فرغ من بيان حد المحكم وأحكامه شرع في بيان حد المتشابه وأحكامه فقال: # وذو اشتباه ما اختفى ... كالمجمل ... أو مفهم تشبيه مولانا العلي # فمنه ما قيل بأنه ... الذي ... له احتمالان فصاعدا خذ # ومنه أيضا ما يكون ... مبهما ... كتسع عشر أمرهم قد أبهما # ومنه أنه الذي لم ... يعلم ... تأويله غير المهيمن اعلم # فكل هذا أصله ... متحد ... وجعله أشياء ليس يحمد # وقيل: أحرف أوائل ... السور ... وقيل: بالأمثال مع كل خبر # وقيل: ما قد كان منسوخا ... وما ... قد كان ناسخا يسمى ... محكما ~~PageV01P095 المتشابه هو خلاف المحكم، وعرفوه بأنه هو الذي اختفى معناه. ~~ولخفاء معناه سببان: أحدهما: إجمال في اللفظ، وثانيهما أن يكون ظاهره ~~مخالفا لدليل العقل <107> وذلك ms070 كما إذا كان في ظاهره تشبيه الباري عز وجل ~~بخلقه كآية الاستواء، فهو باعتبار سببه قسمان: مجمل. وما كان في ظاهره ~~التشبيه، وهذا الحد الذي ذكره المصنف وهو أن المتشابه ما اختفى معناه شامل ~~لأكثر التعاريف الواردة من العلماء في المتشابه ما كان له احتمالان فصاعدا ~~يختفي فيه المعنى المراد منه، ولا يعلم إلا بدليل خارجي وهذا الدليل هو ~~الذي نسميه بالبيان، ويدخل تحته أيضا قول من قال: إن المتشابه هو ما كان ~~مبهما، وذلك كما في قوله|| تعالى: {عليها تسعة عشر} (¬1) فأبهم المعدود من ~~هذه الآية فلم يدر ما هو، واحتمل أن يكون تسعة عشر ملكا، وأن يكون تسعة عشر ~~صفا إلى غير ذلك؛ وكما في قوله تعالى: {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية} ~~(¬2) فحقيقة الثمانية مبهمة، ووجه دخول هذا في تعريف المصنف إنما هو من حيث ~~خفاء المعنى المراد، ويدخل تحته أيضا قول من قال إن المتشابه هو ما لا يعلم ~~تأويله إلا الله، وككيفية الحشر وحقيقة الثواب، وحقيقة العقاب إلى غير ذلك، ~~ووجه دخوله فيما تقدم بجامع الخفاء؛ ولذا قال المصنف: (فكل هذا أصله متحد) ~~أي أصل هذه الأقاويل واحد وهو الخفاء. # وقوله: (وجعله أشياء...)إلخ أي جعل ما ذكر هاهنا أشياء متعددة لمعان ~~مختلفة غير محدود، لأن كل واحد من تلك الأقوال <108> إنما اعتبر جهة من ~~جهات الخفاء، فالقدر المشترك بين الجميع هو الخفاء، فينبغي أن يؤخذ في ~~تعريف المتشابه، فتكون تلك الأقاويل أنواعا له كما صنع المصنف. # ¬__________ # (¬1) - ... سورة المدثر: 30. # (¬2) - ... سورة الحاقة: 17. PageV01P096 # وأما قوله: (وقيل: أحرف...) إلخ فهذه ثلاثة أقاويل في المتشابه خارجة عن ~~ضابط الخفاء: # - أحدها: أن المتشابه هو الحروف المقطعة في أوائل السور ك{الم} {المص} ~~{الر} {المر} {كهيعص} إلى آخرها، ووجه خروج هذا من ذلك الضابط هو أن القول ~~به يفيد حصر المتشابه في هذه الحروف دون ما عداها من الآيات. # - وثانيها: أن المتشابه هو القصص والأمثال، وهو معنى قوله: (وقيل: ~~بالأمثال مع كل خبر). # - وثالثها: أن المتشابه هو ما كان منسوخا من الآيات، ms071 وأما ما كان منها ~~ناسخا فيسمى محكما. # وحكمه الوقوف في ... الإجمال ... حتى يبين أظهر احتمال # والرد للمحكم حكم ... الثاني ... أو يلزمن تناقض ... القرآن # لما كان المتشابه قسمين ثبت لكل قسم حكم فله أيضا حكمان: # - فأما حكم المجمل منه فهو الوقوف عن تعيين المراد منه حتى يبين المراد ~~منه بدليل يسمى بيانا، وهذا معنى قوله: (حتى يبين أظهر احتمال). # - وأما حكم النوع الثاني منه وهو ما كان ظاهره التشبيه، فحكمه أن يرد إلى ~~المحكم من الآيات فيفسر به، لقوله تعالى: {منه ءايات محكمات هن أم الكتاب} ~~(¬1) . ومثال ذلك قوله تعالى: {الرحمن <109> على العرش استوىا} (¬2) فإنه ~~يجب أن يرد إلى قوله تعالى: {ليس كمثله شيء} (¬3) ، فيستحيل أن يفسر ~~الاستواء بالاستقرار، لأنه لو فسر بذلك لكان مثله شيء في ذلك الوجه، فيلزم ~~تناقض القرآن، والقول بتناقضه باطل، وهذا معنى قوله: (أو يلزمن تناقض ~~القرآن) # الباب الرابع من الركن الثاني # في الوعد والوعيد # وفيه أربعة فصول: # الفصل الأول # في الموت والبعث والحساب # ¬__________ # (¬1) - ... سورة آل عمران: 7. # (¬2) - ... سورة طه: 5. # (¬3) - ... سورة الشورى: 11. PageV01P097 # أي وفي غير ذلك من المعاني، كبيان الرزق وعذاب القبر والحوض والكتب. # والموت حق يجب ... الإيمان ... به كذاك البعث ... والحسبان # أي الموت ثابت على كل ذي روح لا يشك في ثبوته أحد لأنه موجود ضرورة، فيجب ~~الإيمان به تصديقا لقوله تعالى: {كل نفس ذآئقة الموت} (¬1) فنعتقد أن كل ذي ~~روح يموت، وأما ما عدا ذوات الأرواح فالفناء في حقهم ثابت فهم يفنون قطعا، ~~لقوله تعالى: {كل شيء هالك الا وجهه} (¬2) . فالموت فناء خاص بذوات ~~الأرواح. والفناء عدم عام لها ولغيرها. # وكذلك البعث ثابت بالبراهين النقلية، فالإيمان به واجب. # وكذلك الحساب بعد البعث ثابت بالبراهين النقلية أيضا، فالإيمان به واجب أيضا. # ثم إنه أخذ في بيان كيفية الموت والبعث فقال: # فالموت أن تفارق الروح ... الجسد ... والبعث ردها إليه ... للأبد # أي فالموت هو مفارقة الروح <110> الجسد، لأن حياة الجسد إنما هي بسبب ~~ممازجة الروح له، قال في القناطر: «واختلفوا في كيفية قبض الروح، فقال بعض ~~العلماء: ms072 إن ملك الموت للروح بمنزلة حجر المغناطيس في جذبه للحديد، وأنه ~~إذا ظهر الملك للروح طارت إليه، وقال قوم: إن الله تعالى يخرج الروح ~~فيتلقاها الملك، قال: والصحيح أن الله سبحانه هو الذي يحيي ويميت وهو أعلم ~~بكيفية ذلك». انتهى. وفي تصحيحه رحمه الله تعالى إشارة إلى التوقف عن القول ~~بأحد القولين، فهو مذهب ثالث له. ووجه تصحيحه المتوقف أن هذا شيء لا يطلع ~~عليه إلا بتوقيف من الشارع، وكأنه لم يثبت عنده توقيف، فرأى التوقف أولى. # ¬__________ # (¬1) - ... سورة آل عمران: 185. # (¬2) - ... سورة القصص: 88. PageV01P098 # وقوله: (والبعث ردها إليه) أي رد الروح إلى الجسد خلقا ثانيا، وإعادة ~~ابتدائية بعد إعدام محض، وهو ممكن عقلا، وصرح بثبوته النقل، قال تعالى: ~~{كما بدأنآ أول خلق نعيده} (¬1) {قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة} (¬2) ، ~~فليست الإعادة أشد من الإنشاء الأول، والكل في قدرته تعالى ممكن وواقع بلا ~~شك، فالإيمان بالبعث واجب. # وقوله: (للأبد) المراد بالأبد عدم الغاية فيما يستقبل، أي رد الروح للجسد ~~بعد الموت هي حياة لا غاية لها إما في نعيم، وإما في جحيم، وهذا التأبيد ~~خاص للمكلفين دون غيرهم من الحيوانات والحشرات فإنها إنما تبعث ثم تصير ~~ترابا. وأما أولاد المكلفين فحكمهم في البعث حكم <111> آبائهم، لكن يخلد من ~~لم يبلغ منهم في الجنة لعدم نقضهم الميثاق الذي أخذ الله عليهم. وكذلك حكم ~~المجانين في البعث حكم المكلفين فإنهم إم أن يكونوا قد أتت عليهم حالة ~~حكمها حكم البالغين، فهم على ذلك الحكم من خير أو شر، وإما أن يكونوا لم ~~تأت عليهم حالة من ذلك فحكمهم حينئذ حكم من لم يبغ الحلم، لعدم نقضهم ~~لميثاق أيضا. والله أعلم. # والقول بالإمساك في الروح ... أحق ... وما سوا التخمين للذي ... نطق # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأنبياء: 104. # (¬2) - ... سورة يس: 79. PageV01P099 # اختلف العلماء في بيان الروح، فوقف بعض عن تعيينها، وخاض آخرون في ~~بيانها، والقول بالوقوف أولى وأثبت لعدم الدليل المصرح بتعيينها، وبيان ~~كيفية حالها، فالخائضون في بيانها مع عدم النص المصرح بذلك ليس لهم مستند ~~غير التخمين، وهو القول ms073 بالظن، ولأن الله تعالى لم يخبر نبيه بالوح وقد سئل ~~عنها، فقال له ربه: {قل الروح من امر ربي} (¬1) فالعلم بها مما استأثر الله ~~به ولم يطلع عليه أحد. # أما الخائضون في بيان الروح فقالوا: إنه تعالى لم يمت نبيه إلا وقد أطلعه ~~على حقيقة الروح، وأما قوله: {قل الروح من امر ربي} فذلك لموافقة ما في ~~التوراة لتكون موافقتها علما على نبوته، وذلك أن اليهود أمروا قريشا أن ~~يسألوا رسول الله (ص) عن ثلاث، وقالوا: إن أجاب عنها كلها فليس بنبيء، وإن ~~سكت عنها كلها فليس بنبيء، وإن <112> أجاب عن بعضها وسكت عن بعض فهو نبيء، ~~وتلك الثلاث هي الروح، وأصحاب لكهف وذو القرنين، فأفتاه ربه في أصحاب الكهف ~~وذي القرنين، وأمره في الروح بقوله: {قل الروح من امر ربي}، وكان في ~~التوراة أن الروح من أمر الله، فطابق جوابه ما كتابهم. قالوا: فالأمر ~~بالوقوف عن الخوض في الروح إنما هو لهذا العارض لا لأن العلم بالروح مما لم ~~يطلع الله عليه أحدا. # قلنا: بعد تسليم ما قلتموه لا يطلع على حقيقة الروح إلا بتوقيف من الشارع ~~ولم يرد التوقيف فالاطلاع متعذر، فالكف عن الخوض أولى وأحق. # ولم يمت قبل انقضا العمر ... أحد ... وقبل رزقه الذي له يحد # كان حلالا أو حراما ... حجرا ... أو شبهة والله كلا قدرا # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الإسراء: 85، وتمام الآية: {ويسألونك عن الروح قل الروح ~~من امر ربي ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا} PageV01P100 إذ ليس في العالم ~~شيء ... يصدر ... إلا وربنا له ... مقدر # اعلم أن الله تبارك وتعالى قد وقت الآجال وحدد الأعمار، فلا يموت أحد قبل ~~انقضاء عمره وقبل استيفاء أجله، قال تعالى: {لكل أجل كتاب} (¬1) ، وقال ~~تعالى: {فإذا جآء اجلهم لا يستاخرون ساعة ولا يستقدمون} (¬2) سواء كان هذا ~~الميت ميتا حتف أم مقتولا. # وذهبت المعتزلة إلى أن المقتول ميت في غير أجله، وقبل انقضاء عمره وأنه ~~لو لم يقتل لعاش إلى الوقت الذي حدد له، وهو مذهب <113> فاسد بينا بطلانه ~~في غير هذا ms074 الكتاب. # وكذلك قدر الله الأرزاق، فمن قدر له رزق فلا يموت قبل استيفاء رزقه الذي ~~قدر له، كان ذلك الرزق حلالا، وهو ما لم يرد في تناوله عقاب، أو حراما وهو ~~ما ورد في تناوله عقاب، أو شبهة وهو ما تجاذبه أصلان، أصل يقتضي تحليله ~~وأصل يقتضي تحريمه، ولم يترجح واحد منهما على الآخر، والله تعالى قدر جميع ~~ذلك، فهو تعالى مؤصل للآجال، ورازق للعباد، بأي جهة كان رزقهم، إذ ليس يوجد ~~شيء من المخلوقات أو فيها إلا ربنا تعالى هو المقدر لذلك، هذا مذهب ومذهب ~~الأشعرية. # وذهب المعتزلة إلى أن الله تعالى لا يرزق الحرام لأن رزق الحرام قبيح، ~~ولا يصدر منه تعالى ما هو قبيح. ومنعوا إطلاق اسم الرزق على الحرام. # قلنا: إن قبح ذلك متوقف على نهي الشارع عنه، والرب تعالى غير محكوم عليه ~~بشيء، بل هو الحاكم في الأشياء، وهو الفعال لما يريده، والأشياء جميعها ملك ~~له، لا معارض له في شيء منها، والمتصرف في ملكه أو في شيء منه لا يكون ~~فاعلا لقبيح، والله تعالى أعلم. # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الرعد: 38. # (¬2) - ... سورة النحل: 61. PageV01P101 # أقول: وبعد أن نظمت هذه الأبيات بمدة وقفت على الشطر الأول من البيت ~~الأول منها في زبد بن رسلان ونصه: # ولم يمت قبل انقضاء العمر ... أحد ... والروح تفنى ليس تبقى ... للأبد # فهو من توارد الخواطر. والله أعلم. # ثم عذاب القبر مما جاء ... به ... <114> ... تواتر الأخبار معنى فانتبه # واعتقدن صدقه ولا ... تحل ... تعذيب ميت لوجوه ... تحتمل # المراد بعذاب القبر هو عذاب الميت مطلقا، كان مدفونا أو في بطون السباع ~~والطيور، أو في بطون الحيتان أو على وجه الأرض، وعبر عن هذا كله بعذاب ~~القبر لأنه غالب في الموتى، وإذا ثبت عذاب القبر بما سيأتي ثبت أيضا تنعيمه ~~لمن أراد الله تنعيمه فيه من أهل السعادة إذ لا قائل بالفرق بينهما. # وعذاب القبر قد وردت في ثبوته الأحاديث النبوية، وأشارت إليه الآيات ~~القرآنية، فمن تلك الآيات قوله تعالى: {النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم ~~تقوم الساعة ms075 أدخلوا ءال فرعون أشد العذاب} (¬1) ، فقوله تعالى: {يعرضون ~~عليها غدوا وعشيا} دال على أن ذلك العرض قبل يوم القيامة وهو المطلوب. # وأما الأحاديث النبوية فقد قال صاحب المعالم رحمه الله تعالى: إنها مما ~~تواتر معنى، أي معنى عذاب القبر قد بلغ حد التواتر في الأحاديث التي جاءت ~~به وإن اختلفت عباراتها. فمن تلك الأحاديث قوله - صلى الله عليه وسلم - : ~~«إن الموتى ليعذبون في قبورهم...» الحديث. # وقوله: (واعتقدن صدقه) أي صدق عذاب القبر، أي أن من شأن ما توراترت به ~~الأخبار أن يقطع بصدقه. # ¬__________ # (¬1) - ... سورة غافر: 46. PageV01P102 # وقوله: (تحل تعذيب ميت) أي: ولا تقل إن عذاب الميت محال كما ذهبت إليه ~~طائفة، لأنا نقول: إنه <115> ليس بمحال، فإنه يحتمل أن يرد الله عليه روحه ~~فيحس ألم العذاب، ويحتمل أن يخلق الله فيه حاسة يحس بها ألم العذاب، ويحتمل ~~غير ذلك، وهو معنى قوله: (لوجوه تحتمل) على أنه لم يرد النص على أن الميت ~~يعذب وهو ميت أي في حال مفارقة روحه للجسد. # أما الحساب فهو تمييز ... العمل ... خيرا وشرا ليراه من ... فعل # أي حساب الله لخلقه يوم القيامة إنما هو تمييز الأعمال الحسنة من الأعمال ~~القبيحة، فيرى الفاعل أعماله الخيرية وأعماله الشرية، وليس الحساب يومئذ ~~كحساب بعضنا لبعض لاستلزامه التشبيه الذي يحيله العقل، ويبطله النقل، هذا ~~ما عليه الأصحاب رحمهم الله. والذي أقوله أنه لا بأس أن يكون الحساب يوم ~~القيامة هو الحساب المتعارف فيما بيننا ويكون المحاسب يومئذ هو خلقا من ~~خلقه تعالى جعله لذلك، فلا يلزم على هذا المعنى ما ذكر من التشبيه، والقول ~~به عندي أولى لأن ظواهر الآيات والروايات دالة عليه، فلو قيل بغيره لزم صرف ~~كثير من الآيات والروايات على خلاف ظاهرها مع إمكان الأخذ بالظاهر. # فمن تلك الآيات قوله تعالى: {يوم تاتي كل نفس تجادل عن نفسها} (¬1) ففي ~~هذه المجادلة النص الصريح على ما قدمت ذكره من بيان الحساب. # ¬__________ # (¬1) - ... سورة النحل: 111. PageV01P103 # ومنها قوله تعالى: {حتىآ إذا ما جآءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم ~~بما ms076 كانوا يعملون(20) وقالوا لجلودهم لم شهدتم <116> علينا...} الآية (¬1) ~~ففي هذه الآية ما يدل على أن هنالك مخاطبة وتكلما وشهودا. وكذا قوله تعالى: ~~{اليوم نختم علىآ أفواههم وتكلمنآ أيديهم وتشهد أرجلهم...} (¬2) . وكذا ~~قوله تعالى: {وجآءت كل نفس معها سآئق وشهيد} (¬3) . # ومن الروايات الدال ظاهرها على ما قلته ما أخرجه الترمذي وصححه: «لا تزول ~~قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن عمله ما ~~عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه». وما ~~أخرجه البزار: «يخرج لابن آدم يوم القيامة ثلاثة دواوين: ديوان فيه العمل ~~الصالح، وديوان فيه ذنوبه، وديوان فيه النعم من الله عليه، فيقول الله ~~تبارك وتعالى لأصغر نعمة أحسبه قال: في ديوان النعم خذي ثمنك من عمله ~~الصالح، فتستوعب عمله الصالح ثم تنتحي وتقول: وعزتك من استوفيت، وتبقى ~~الذنوب والنعم وقد ذهب العمل الصالح، فإذا أراد الله أن يرحم عبدا قال: يا ~~عبدي، قد ضاعفت لك حسناتك وتجاوزت عن سيئاتك، أحسبه قال: ووهبت لك نعمي». ~~وغير هذا من الأحاديث كثير، فلا نطيل بإيراده هاهنا لأن المقام إنما هو ~~مقام اختصار والله أعلم. # خص به مقصر ... ليعلما ... أو فاسق ليكثر التندما # وما عداهما إلى ... الجنان ... بلا حساب أو إلى ... النيران # أي خص بالحساب صنفان من الناس: # ¬__________ # (¬1) - ... سورة فصلت: 20-21. وتمام الآية: {وقالوا لجلودهم لم شهدتم ~~علينا؟ قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم, أول مرة وإليه ~~ترجعون} # (¬2) - ... سورة يس: 65. # (¬3) - ... سورة ق: 21. PageV01P104 # <117> - أحدهما: المؤمن المقصر التائب من ذنبه. # - وثانيهما: الفاسق العاصي. # والحكمة في حساب المؤمن المقصر هي أن يعلم نعمة الله عليه بغفران ذنوبه، ~~وستر عيوبه. والحكمة في حساب الفاسق هي ازدياد حسراته، وتضعيف تنكيله ~~بالتأسف على إضاعة عمله، فإنه متى ما رأى العمل الموجب للغفران محبوطا بعمل ~~صدر منه ازداد بذلك حسرة وندامة. ومن الحكمة في هذا أيضا إظهار إنصاف الله ~~تعالى لخلقه، فإنه {لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون} (¬1) . # وما عدا هذين الصنفين فهم ms077 إما في الجنة بلا حساب وهم المؤمنون الموفون، ~~وإما في النار بلا حساب وهم المشركون. # وهذا حاصل ما ذكره في القواعد، وعليه جريت في النظم، وظاهره أن المشركين ~~غير محاسبين، ثم ظهر لي بعد ذلك أنهم محاسبون، لقوله تعالى: {وقفوهم, إنهم ~~مسئولون ما لكم لا تناصرون} (¬2) ، ولقوله تعالى: {زعم الذين كفروا أن لن ~~يبعثوا قل بلىا وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم} (¬3) ، ولغير ذلك من ~~الآيات. ويحتمل أن يقال: إن السؤال والإنباء الذي في الآيتين غير الحساب ~~المذكور، ثم ظهر لي أن هذا الاحتمال هو الأولى، فلا دليل في الآيتين على ~~المطلوب، والله أعلم. # والخلف هل قد خلقا وهو ... الأصح ... أم يخلقان بعدما الفناء اتضح # والوقف عن تعييننا ذاك ... المحل ... أولى بنا إذ لا دليل|| ثم دل # <118> وعدم التعيين ليس ... يقدح ... في قولنا إن الوجود ... أرجح # ¬__________ # (¬1) - ... سورة يونس: 44. # (¬2) - ... سورة الصافات: 24-25. # (¬3) - ... سورة التغابن: 7. PageV01P105 # اختلف الناس في الجنة والنار هل هما مخلوقتان الآن أم لا. فذهب الجمهور ~~منا ومن غيرنا أنهما مخلوقتان الآن، واستدلوا بأحاديث عنه - صلى الله عليه ~~وسلم - تدل وجود الجنة، قالوا: ومثلها في الوجود النار، إذ لا قائل بالفرق ~~بينهما في ذلك. وذهب البعض منا وكثير من غيرنا إلى أنهما ليستا بمخلوقتين ~~الآن، وإنما هما سيخلقان بعد وقوع الفناء العام. قالوا: ولو كانتا مخلوقتين ~~الآن للزم فناؤهما لقوله تعالى: {كل شيء هالك الا وجهه} (¬1) ؛ وهما مخلدان ~~فلا يصح أن تكونا موجودتين الآن. والأصح ما عليه الجمهور من وجودهما الآن ~~لما ثبت بالأدلة القاطعة أن آدم وحواء كانا في الجنة وقد أهبطا منها، ~~والقول بأن الجنة التي كانا فيها هي غير الجنة الموعود بها تكلف لا دليل عليه. # والجواب عما استدل به النافون لوجودهما الآن هو أن نقول إن قوله تعالى: ~~{كل شيء هالك...} عام يحتمل التخصيص، فالجنة والنار قد خصصا بعدم الفناء ~~بالأدلة القاطعة على بقائهما أبدا، أو نقول: إن الجنة والنار قابلتان ~~للفناء بحسب ذاتهما، والقابل للفناء فان في المعنى، لجواز ذلك عليه، ~~والجواب الأول أظهر. ms078 # ثم اختلف القائلون بوجودهما الآن في محلهما الآن الذي هما فيه، فعين ~~بعضهم المحل ووقف بعضهم عن التعيين، والوقف عن تعيين محلهما هو الأولى بنا، ~~إذ لا <119> علم لنا إلا بما علمنا، ولم يرد عن الشارع تعيين محلهما، وإن ~~قدر أن هنالك دليلا فهو آحادي لا يفيد العلم، ووقوفنا عن تعيين المحل لا ~~يقدح في ترجيحنا القول بوجودهما الآن، لأنه لا يلزم من علمنا بوجودهما ~~علمنا بتعيين محلهما، والله تعالى أعلم. # ¬__________ # (¬1) - ... سورة القصص: 88. PageV01P106 # والكتب صحف حوت ... الأعمالا ... والحوض حق فاترك الجدالا # يرده من أمة ... الرسول ... من قد وفى بعهده ... المسؤول # أي الكتب التي ذكر الله في كتابه العزيز في نحو قوله تعالى: {فأما من ~~اوتي كتابه, بيمينه} (¬1) وأمثالها من الآيات هي صحف حاوية لأعمال العباد ~~من خير وشر، ولقوله تعالى: {وإذا الصحف نشرت} (¬2) فذكر تعالى في هذه الآية ~~أن هنالك صحفا تنشر، وهي الكتب المذكورة هنالك، فلا التفات إلى من جعلها ~~عبارات عن ضبط أعمال العباد، لأن في جعل الكتب عبارات عدولا عن الحقيقة إلى ~~المجاز بلا دليل؛ نعم الدليل الذي ذكرناه يعضد جانب الحقيقة فلا وجه ~~للعدول، وإنما عدل ذلك القائل بحمل الكتب على العبارات عن المعنى المذكور ~~إنما هو لأجل فراره عن احتياج الله تعالى إلى ضبط أعمال العباد في صحف لأن ~~ذلك شأن من يطرقه النسيان، ولا يلزم من ذلك ما توهمه، فإن في رسم الأعمال ~~في الصحف المذكورة حكما كثيرة، ولا يلزم منه أنه تعالى محتاج إلى ذلك. # وقوله: (والحوض حق...) إلخ أي <120> الحوض الذي هو لرسول الله (ص) في ~~الموقف حق ثابت جاءت به الأحاديث المستفيضة من رواية جابر وغيره، فلا عبرة ~~بمن أنكر وجوده. # أخرج الشيخان: «حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء، وماؤه أبيض من الورق»، وفي ~~رواية: «اللبن» وفي أخرى صحيحة أيضا: «أحلى من العسل»، وفي أخرى صحيحة: ~~«وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منه لا يظمأ أبدا»، ~~وفي رواية صحيحة: لا يسود وجهه أبدا». # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الحاقة: 19. سورة الانشقاق: ms079 7. # (¬2) - ... سورة التكوير: 10. PageV01P107 # وقوله: (يرده...) إلخ أي يرد الحوض من أمة رسول الله (ص) هو من وفى بعهد ~~الله الذي أخذه عليه، وهو طاعة الله وطاعة رسوله في فعل الواجبات وترك ~~المحرمات بدليل ما في تلك الروايات أن من شرب منه لا يظمأ أبدا، ولا يسود ~~وجهه، ولا تكون هاتان الخصلتان في الآخرة إلا لمن وفى بعهد الله، والله أعلم. # الفصل الثاني # في الميزان والصراط # وإنما الميزان في ... الحسبان ... عدل وإنصاف من الرحمن # لا مثل قول ذي الخلاف إذ ... غدا ... يؤولنه كفة ... وأعمدا # “ إنما ” أداة قصر، قصر بها تفسير الميزان يوم القيامة على العدل ~~والإنصاف، وهو قصر قلب؛ وذلك أن بعض المخالفين ذهب إلى أن الميزان هو عمود ~~وكفتان ينصبه الله تعالى يوم القيامة لوزن أعمال العباد، وزعم أن من رجحت ~~كفة حسناته على <121> كفة سيئاته دخل الجنة، ومن رجحت كفة سيئاته على كفة ~~حسناته دخل النار، ووصفوا الميزان بأوصاف لا حاجة لذكرها هنا، ورووا في ذلك ~~أحاديث لم تثبت عندنا، وتعلقوا من الكتاب بنحو قوله تعالى: {فمن ثقلت ~~موازينه, فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه, فأولئك الذين خسروا أنفسهم ~~في جهنم خالدون} (¬1) ، ونحن نقول: إن هذه الموازين المذكورة عبارة عن معنى ~~السعادة والشقاوة، فثقل الميزان كناية عن السعادة، وخفته كناية عن الشقاوة، ~~والعرب كانت تعبر بثقل الميزان عن علو الشأن، وبخفته عن عكس ذلك. قال ~~الشاعر: # لو يوضعوا أباي في ... ميزانهم ... رجحوا وشال أبوك ... بالميزان # وقد تعبر بالوزن للشيء عن العلم به، كما في قوله تعالى: {وأنبتنا فيها من ~~كل شيء موزون} (¬2) أي معلوم المقدار عنده تعالى. # ¬__________ # (¬1) - ... سورة المؤمنون: 102-103. # (¬2) - ... سورة الحجر: 19. PageV01P108 # أما الوزن المفسر عندنا بالعدل والإنصاف المشار إليه في النظم فهو ما ~~قوله تعالى: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة} (¬1) فالقسط بدل من ~~الموازين لا نعت له، كما يدل عليه قوله تعالى: {والوزن يومئذ الحق} (¬2) ، ~~وإنما عدلنا في تفسير الميزان عن حقيقته المشهورة إلى ما ذكرناه من العدل ~~والإنصاف لأن حمله على الحقيقة المشهورة محال، ووجه ذلك أن ms080 أعمال العباد ~~أعراض، ووزن الأعراض محال، ولذا تردد الخصم في حقيقة الموزون حتى زعم بعض ~~أن الموزون هم الأشخاص، <122> وبعضهم أن الله يخلق في إحدى الكفتين ظلمة ~~وفي الأخرى نورا، وبعضهم أن الأعمال تتجسد فتوزن الأجساد، والكل باطل، فوجب ~~المصير إلى التأويل. # والمراد بقوله: (في الحسبان) يوم القيامة، لأنها محل الحساب. # والمراد بقوله: (لا مثل قول ذي الخلاف) أي لا أقول مث قول صاحب الخلاف. # وقوله: (كفة وأعمدا) عبر بالكفة وهي مفرد عن مثنى، وعبر بأعمد وهو جمع عن ~~مفرد على سبيل المجاز، وله محل في البلاغة. فمثال الأول قوله: # «إذا ما القارظ الغنوي آبا» # عبر بالقارظ عن القارظين، فإن المثل: «حتى يؤوب القارظان»، ومثال الثاني ~~قوله تعالى: {قال رب ارجعون} (¬3) أي رب أرجعنين وقول العرب: «شابت مفارقه» ~~وليس له إلا مفرق واحد. # وقوله الصراط فهو الحق ... لا ... جسر كما بعضه ... تأولا # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأنبياء: 47. # (¬2) - ... سورة الأعراف: 8. # (¬3) - ... سورة المؤمنون: 99. PageV01P109 # الضمير في (قوله) عائد إلى الرحمن في آخر قوله: (وإنما الميزان في ~~الحسبان)، أي الصراط في قوله تعالى: {أفمن يمشي مكبا علىا وجهه أهدىآ أمن ~~يمشي سويا علىا صراط مستقيم} (¬1) هو عبارة عن الحق، وفي الآية تمثيل ~~لحالتي العاصي والطائع، وعلى هذا يحمل ما ورد من الأحاديث في بيان الصراط، ~~لأنه إنما هو تمثيل لحالة الحق، وبيان ما فيها من الخطر العظيم، وتمثيل ~~لأحوال سالكيه ما بين موفق ومخذول. وزعم بعض منا وجمهور الأشاعرة أن الصراط ~~إنما هو جسر ممدود <123> على متن جهنم، إلى آخر ما وصفوه به، وحملوا ما ورد ~~من الأحاديث في بيانه على حقيقتها، وتأولوا بها قوله تعالى: {فاهدوهم, إلى ~~صراط الجحيم وقفوهم, إنهم مسئولون ما لكم لا تناصرون} (¬2) . غاية الأمر أن ~~هذه المسألة ومسألة الميزان ليستا من المسائل القطعية لعدم ورود القاطع ~~فيهما، وإنما هما من المسائل الظنية فلا يجب اعتقاد شيء منها ولا يخطئ ~~[كذا، لعله: ولا يخطأ] القائل فيها برأيه والله أعلم. # الفصل الثالث # في الشفاعة # شفاعة الرسول ... للتقي ... من الورى وليس ... للشقي # ¬__________ # (¬1) - ... سورة ms081 الملك: 22. # (¬2) - ... سورة الصافات: 24. PageV01P110 # الشفاعة حق والإيمان بها بعد قيام الحجة واجب، ووقوعها في المحشر قبل ~~دخول أحد الفريقين مسكنه، وهي مخزونة حتى يأتيها رسول الله (ص)، فيكون أول ~~من تجعل له، ثم الأنبياء من بعده، وهي المقام المحمود الذي وعده الله تعالى ~~به على معنى ما ورد، وثبوتها للمؤمن لا لغيره من أهل الكبائر، لقوله تعالى: ~~{ولا يشفعون إلا لمن ارتضىا} (¬1) ، وقوله: {ما|| للظالمين من حميم ولا ~~شفيع يطاع} (¬2) ، ولقوله - صلى الله عليه وسلم - : «لا تنال شفاعتي أهل ~~الكبائر من أمتي» . وفي الأثر أن رسول الله (ص) قعد على المنبر ثم قال: ~~«لصلاة جامعة رحمكم الله، ثم قال: يا عباس عم رسول الله، ويا فاطمة بنت ~~محمد، ويا آل محمد جميعا، إني والذي نفسي بيده عند ربي لمطاع مكين، فلا ~~تغرن <124> امرءا نفسه يقول: أنا عم رسول الله (ص)، أو تقول: بنت محمد، أو ~~من آل محمد، اشتروا أنفسكم من النار، فإنكم إن لم تفعلوا هلكتممع من عرفتم ~~هلاكه، إني على الحوض يوم القيامة فارط أي متقدم فيرد علي أناس من أصحابي ~~ثم يأتيني رجل قد عرفته من أصحابي ليحتلقن نقرة رأسه، ثم لآخذن بحجزته، ~~فأقول: أرسلوه إنه من أصحابي، فليؤخذ بيدي فكاكا أرسل أرسل [كذا] فإنه ~~والله ما مشى من بعدك قدما، ولكنه مشى القهقرى ليدخل جهنم فلا أستطيع شيئا، ~~الحذر الحذر يا آل محمد. وذكر جابر بن زيد رضي الله عنه أنه لما نزلت: ~~{وأنذر عشيرتك الاقربين} (¬3) # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأنبياء: 28. # (¬2) - ... سورة غافر: 18. # (¬3) - ... سورة الشعراء: 214.. PageV01P111 # جعل رسول الله (ص) بفخذ أفخاذ قريش فخذا فخذا حتى أتى على بني عبد ~~المطلب، فقال: يا بني عبد المطلب، إن الله أمرني أن أنذركم، ألا وإني لا ~~أغني عنكم من الله شيئا ، ألا وإن أوليائي منكم المتقون، ألا لأعرفن ما جاء ~~الناس غدا بالدين وجئتم بالدنيا تحملونها على رقابكم، يا فاطمة بنت محمد، ~~ويا صفية عمة محمد، اشتريا أنفسكما من الله فإني لا أغني عنكما من الله شيئا. # فإن قيل: المؤمنون مستوجبون للجنة ms082 بأعمالهم فلا معنى للشفاعة لهم. # فالجواب: إن الشفاعة له مهي طلب تنقلهم من المحشر ودخولهم الجنة بسرعة. ~~ويمكن أن تكون هي طلب زيادة فضل لهم، وثواب يعطونه، ونعيم في الجنة، ورفع ~~درجة فوق يستوجبون بأعمالهم. <125> اللهم اجعلنا من أهل شفاعة نبيك محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - . # ومن يقل بغير ذا فقد ... كفر ... كفر نعيم إن تأول ظهر # وإن يكن بغير ما ... تأول ... فذاك شرك، أي أشر منزل # لأنه مخالف ... الكتاب ... وسنة الرسول والألباب # كليس للظالم من ... حميم ... ولا شفيع من لظى ... الجحيم PageV01P112 ومن ~~يقل بغير ما قلنا من الشفاعة للمؤمنين فخالف وقال: بل هي لأهل الكبائر ~~محتجا بما رووه من طريق أنس: «أعددت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي»، وزعم أن ~~أهل الكبائر يخرجون من النار بشفاعة الرسول لهم فهو كافر كفر نعمة إذا ظهر ~~منه هذا التأويل الفاسد، فإن لم يظهر منه تأويل فهو كافر كفر شرك، لا يناكح ~~ولا يوارث، وهو المراد بقوله: (أي أشر منزل). وكان تولد هذين الحكمين [كذا] ~~إنما هما لمخالفة كتاب الله وسنة رسول الله، وقد تقدم ذكرهما، ومخالفة ~~الألباب، وهي العقول، إذ لو كانت الشفاعة لأهل الكبائر ما جاز لأحد أن يسأل ~~أن يكون من أهل الشفاعة، لأنه إنما يسأل بذلك أن يكون من أهل الكبائر على ~~زعمهم، وكتاب الله ناطق بتكذيبهم، كقوله: {ما|| للظالمين من حميم ولا شفيع ~~يطاع} (¬1) . # الفصل الرابع # في خلود أهل الجنة والنار # ومن عصى ولم يتب ... يخلد ... <126> في النار دائما بهذا ... نشهد # افترقت الأمة في أهل الجنة والنار على أربع فرق، فذهب فرقة إلى أن من مات ~~على طاعة الرحمن فهو مخلد في دار الرضوان، ومن مات على عصيان ربه مصرا على ~~ذنبه فهو مخلد في النار، لا فرق في ذلك بين أحد من الفجار كان من أهل الشرك ~~أو الفساق؛ وهذه الفرقة هي المحقة، ومن قال بخلافها فهو هالك. فالمراد ~~بالعصيان في قول الناظم: (ومن عصى) إنما هو إتيان الكبيرة والإصرار على ~~الصغير لما سيأتي أن الصغائر مغفورة ms083 عند اجتناب الكبائر. # وذهبت فرقة إلى أن أهل الجنة وأهل النار زائلون، والداران فانيتان بعد ~~دخول أهلهما فيهما، وسيأتي الرد على هذه الفرقة عند ذكر الناظم لها إن شاء الله. # وذهبت فرقة إلى تخليد أهل الجنة في الجنة وعدم تخليد أهل النار في النار ~~مشركا كان أو منافقا، وسيأتي الرد على هذه الفرقة أيضا. # ¬__________ # (¬1) - ... سورة غافر: 18. PageV01P113 # وذهبت فرقة إلى تخليد أهل الجنة والمشركين من أهل النار فيهما، وزعموا أن ~~أهل الكبائر غير المشركين يخرجون من النار فيدخلون الجنة، وإلى الرد على ~~هذه الفرقة أشار بقوله: # وكافر بنعمة من ... فرقا ... ما بين ذي شرك ومن قد فسقا # أعني لدى الخلود والفرق ... نشا ... لدى منازل العذاب ... وفشا # أي كافر كفر نعمة لا كفر شرك من قال بأن المشركين مخلدون في <127> النار ~~وما عداهم من الفسقة وأهل الكبائر غير مخلدين في النار، كما يروى عن مالك ~~بن أنس الأصبحي أنه قال: «من مات على كبيرة فلا يخلو من أحد ثلاثة أمور: ~~إما أن يغفر الله له بعفوه، أو يشفع فيه الرسول، أو يعذب مقدار عمله، ثم ~~يخرح فيدخل الجنة». وفي قول الشافعي أنه يكتب على جباههم: «هؤلاء جهنميون ~~فيعيرهم أهل الجنة على ذلك، فيسألون الله زواله، فيمحوه الله عنهم، ويبدلهم ~~مكانه نورا يتلألأ فيود أهل الجنة أن لو عملوا كعملهم، وهذا رأس الضلال ~~وعين المحال بأن جعلوا العاصي أشرف من الطائع، وجمعوا بين الأضداد، وكتاب ~~الله ناطق بخلاف ما زعموا، قال تعالى: {أفمن كان مومنا كمن كان فاسقا لا ~~يستوون} (¬1) ، وقال تعالى: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون} ~~(¬2) ، وقال تعالى: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين ءامنوا ~~وعملوا الصالحات سوآء محياهم ومماتهم سآء ما يحكمون} (¬3) . ولله در ابن ~~النضر حيث قال: # كذبت لقد منتك نفسك ... ضلة ... خروجك من نار مؤججة حطم # وسكناك مع أهل السعادة في ... العلى ... فيصبح من صلى وصام كمن غشم # ومن أخلص التقوى إلى الله ... راغبا ... كمن عبد الأوثان والجبت والصنم # ¬__________ # (¬1) - ... سورة السجدة: 18. # (¬2) - ... سورة القلم: ms084 35-36. # (¬3) - ... سورة الجاثية: 21. PageV01P114 # لك الويل فارجع عن ضلالك ... تائبا ... فليس الذي أشقى الإله كمن ... عصم # وقول الناظم: (أعني لدى الخلود...) إلخ، أي لا فرق بين المشرك والفاسق ~~<128> المنافق في الخلود، بل كل منهم مخلد لقوله تبارك وتعالى: {بلىا من ~~كسب سيئة وأحاطت به خطيئاته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} (¬1) ، ~~ولقوله تعالى: {ومن يعص الله ورسوله, فإن له, نار جهنم خالدين فيهآ أبدا} ~~(¬2) ، وإنما الفرق بين أهل النار في منازل العذاب، إذ كل معذب بقدر عمله، ~~فللنار دركات بعضها أشد عذابا من بعض، وأكثر نكالا من غيرها، حتى روي أن من ~~أقل الناس عذابا من ينعل بنعلين من نار فيفور منهما مخه من أعلى هامته. ~~والدليل على الفرق بينهم في أنواع العذاب قوله عز وجل: {إن المنافقين في ~~الدرك الاسفل من النار} (¬3) ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : «إن من أشد ~~الناس عذابا يوم القيامة المصورون». فدلت الآية والحديث معا على أن أحدا ~~دون هذين الفريقين في العذاب. # كذاك من قال بأنه ... يجي ... وقت على النار بلا ... تأجج # ¬__________ # (¬1) - ... سورة البقرة: 81. # (¬2) - ... سورة الجن: 23. # (¬3) - ... سورة النساء: 145. PageV01P115 # هذا البيت إشارة إلى الرد على الفرقة القائلة بعدم تخليد أهل النار فيها، ~~وذلك أنهم زعموا أنه يأتي على النار وقت تصفق أبوابها وليس بها أحد، فينبت ~~فيها شجر الجرجير، وتشبثوا في ذلك بحديث يروى عن طريق ابن عمرو بن العاص: ~~«ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد، وذلك بعدما يلبثون ~~فيها أحقابا»، وبقوله تعالى في شأن إبليس: {وإن عليك لعنتي إلىا يوم الدين} ~~(¬1) قالوا: فاللعنة مغياة <129> بذلك اليوم، فيفهم منه أنه لا لعن بعد ذلك ~~اليوم، وإذا ثبتت هذه الرحمة لإبليس فغير إبليس من سائر العصاة أولى بها وأحق. # ¬__________ # (¬1) - ... سورة ص: 78. PageV01P116 # والجواب عن الحديث أنه آحادي لا يعارض القطعيات، فلو صح لم يفد علمان فلا ~~ينبني عليه اعتقاد، كيف وتأويله محتمل بأن يقال: إنهم يخرجون من النار إلى ~~واد هو أشد عذابا منها يقال له الزمهرير يعذبون فيه بالبرد. يروى أنهم ms085 إذا ~~دخلوا فيه استغاثوا منه إلى النار. وأما الآية فلا تفيد ما ذكروه، وعلى ~~تقدير إفادتها لذلك فإنما هو مفهوم مخالفة، واختلف في ثبوت حجيته في ~~الظنيات فكيف يبنى عليه اعتقاد، بل وكيف يعارض به القطعي الوارد في قوله ~~تعالى: {قال فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم, أجمعين} ~~(¬1) ، والقطعي الوارد في قوله تعالى: {بلىا من كسب سيئة وأحاطت به خطيئاته ~~فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} (¬2) في أمثالها من الآيات العديدة ~~التي نبذوها وراء ظهورهم واستبدلوا عنها هوى أنفسهم، فضلوا وأضلوا، فحكمهم ~~أنهم كفار نعمة لما تقدم من تأويلهم، كذا قيل فيهم، وعليه مشيت في النظم، ~~ثم ظهر لي بعد ذلك أنهم مشركون، وأن ذلك التأويل ليس بمستر لهم عن الكفر، ~~فهم في حكم المكذبين لهذه الآيات كلها، والله أعلم. # وهكذا من قال كل ... يدخل ... فيها سعيد وشقي ... مبطل # ¬__________ # (¬1) - ... سورة ص: 84-85. # (¬2) - ... سورة البقرة: 81. PageV01P117 # زعمت المرجئة أن كل أحد يدخل النار <130> سعيدا كان أو شقيا، وقالوا ينجي ~~منها السعيد ويترك فيها الشقي، وتعلقوا في ذلك بقوله تعالى: {وإن منكم, إلا ~~واردها كان على ربك حتما مقضيا، ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها ~~جثيا} (¬1) ، ولا تعلق لهم في هذه الآية لأن الخطاب فيها للمتقدم ذكرهم، ~~ورد على سبيل الامتثال من الغيبة إلى الحضور، وذلك أنه قدم ذكر المنكرين ~~للبعث فقال: {ويقول الانسان أ.ذا ما مت لسوف أخرج حيا اولا يذكر الانسان ~~أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا؟ فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول ~~جهنم جثيا ثم لننزعن من كل شيعة ايهم, أشد على الرحمن عتيا ثم لنحن أعلم ~~بالذين هم, أولى بها صليا} (¬2) ، فهذه الآيات كلها خطاب لمنكري البعث؛ ~~وكذلك آية الورود، فهي كما بيناه من أنها خطاب لهم ورد على سبيل الالتفات، ~~ومثل هذا كثير في القرآن، منها قوله تعالى في خطابه لبني إسرائيل: {وظللنا ~~عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى، كلوا من طيبات ما رزقناكم} (¬3) . # ومن وجه آخر أن الورود يتصرف فيرد بمعنى ms086 الدخول تارة، كقوله تعالى: {إنكم ~~وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون} (¬4) ، وبمعنى المشارفة ~~للشيء [تارة] أخرى، كقوله تعالى: {ولما ورد مآء مدين} (¬5) ، وقول زهير: # ¬__________ # (¬1) - ... سورة مريم: 71-72. # (¬2) - ... سورة مريم: 66-69. # (¬3) - ... سورة الأعراف: 160. # (¬4) - ... سورة الأنبياء: 98. # (¬5) - ... سورة القصص: 23. PageV01P118 # ولما وردن الماء رزقا ... جمامه ... وضعنا عصا الحاضر ... المتخيم # وقال امرؤ القيس: # <131> فأوردها ماء قليلا ... ينسه ... يحاذرن عمرا صاحب ... الفترات # فبطل حمل الآية على الوجه الأول أن لو وافقناهم أن الخطاب في الآية ~~للمؤمنين والكافرين جميعا من حيث إنه يلزمهم القول بدخول الأنبياء النار مع ~~المؤمنين، فيكون كتاب الله ناطقا بتكذيبهم في قوله تعالى: {أولئك عنها ~~مبعدون لا يسمعون حسيسها} (¬1) ، وقوله تعالى: {يوم نحشر المتقين إلى ~~الرحمن وفدا ونسوق المجرمين إلىا جهنم وردا} (¬2) ، وقوله تعالى: {يوم لا ~~يخزي الله النبيء والذين ءامنوا معه} (¬3) ، وذكر في آية أخرى قوله: {ربنآ ~~إنك من تدخل النار فقد اخزيته} (¬4) ، فيلزمهم على مقالتهم هذه تناقض هاتين ~~الآيتين، وكلاهما خبر لا يأتي النسخ على أحدهما، ولكنا لا نسلم أن الخطاب ~~في الآية للمؤمنين والكافرين، بل لا نقول إلا أنه متوجه للكافرين، فالورود ~~عندنا هو الدخول نفسه على هذا التأويل. # فإن قيل: أما في قوله تعالى: {ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها ~~جثيا} (¬5) دليل على ما تعلقت به المرجئة. # فالجواب أن قوله: {ننجي} ليس فيه دليل على دخولهم النار لأن التنجية تكون ~~من الشيء المخوف المترقب وقوعه، كقولك: نجيت زيدا من القتل، فإن زيدا لم ~~يقتل بعد، وإنما قارب ذلك الأمر الذي يترقب وقوعه. # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأنبياء: 101-102. وأول الآية قوله تعالى: {إن الذين ~~سبقت لهم منا الحسنىآ...} # (¬2) - ... سورة مريم: 85-86. # (¬3) - ... سورة التحريم: 8. # (¬4) - ... سورة آل عمران: 192. # (¬5) - ... سورة مريم: 72. PageV01P119 # وللمثبتين للورود لجميع الأمة أقاويل نضرب صفحا عن ذكرها مخافة التطويل. ~~وبالجملة <132> فحكمهم حكم من قبلهم من أنهم كفار نعمة لا شرك ما لم يظهر ~~منهم رد لتنزيل فيحكم عليهم بالشرك، هذا كله إذا قالوا إن الداخلين في ~~النار هم المؤمنون والفاسقون جميعا. # ومن يقل دار الخلود ms087 ... فانيه ... أو أهلها ففاسق ... علانيه # هذا بيان الرد على الفرقة القائلة بفناء الجنة والنار بعد دخول كل فيها، ~~وهم الجهمية، على ما وجدت في الأثر، والرد عليهم ظاهر من الكتاب وشاهد ~~العقل، قال تبارك وتعالى: {وقالوا: لن تمسنا النار إلآ أياما معدودة، قل ~~اتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده, أم تقولون على الله ما لا تعلمون ~~بلىا من كسب سيئة وأحاطت به خطيئاته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} ~~(¬1) ، وقال تعالى: {ومن يعص الله ورسوله, فإن له, نار جهنم خالدين فيهآ ~~أبدا} (¬2) ، وقال تعالى في وصف أهل الجنة: {عطآء غير مجذوذ} (¬3) أي غير ~~مقطوع في أمثالها من الآيات. # ¬__________ # (¬1) - ... سورة البقرة: 80-81. # (¬2) - ... سورة الجن: 23. # (¬3) - ... سورة هود: 108. PageV01P120 # وشاهد العقل يقضي أن الكريم إذا أنعم بنعمة قد وعد بعدم انقطاعها أنه لو ~~قطعها لكان غير كريم، بل كان سفيها كذابا من حيث أنه يعد بالشيء فلا ينجز ~~وعده، وهو قادر عليه، ولو قيل إنه غير قادر للزم عليه عجز الباري جل وعلا، ~~وهو باطل. وبالجملة فهم متأولون، فحكمهم حكم من قبلهم من الفرق من حيث إنهم ~~كفار نعمة لا شرك ما لم يظهر منهم رد التنزيل، أو تكذيب الرسولن فيحكم ~~عليهم <133> بالشرك، كذا قيل، وعليه جريت في النظم، والظاهر أن هؤلاء ~~مشركون لما في مقالتهم هذه من رد الأدلة القطعية من الآيات القرآنية، وما ~~تخيل لهم من التأويل هي خيالات لا تدفع عنهم هذا الحكم، إذ لم تكن هنالك ~~شبهة يتمسكون بها، فيعطون حكم المتأولين؛ وليس كل من آثر هواه على دليل ~~هداه يعطى حكم المتأولين، والله أعلم. # هذا إذا ما كان ... بالتأويل ... والشرك في الرد على ... التنزيل # الإشارة كناية عن الأحكام المتقدم ذكرها في أرباب المقالات الزائغة، وأهل ~~الطرق الضالة، فهذا حكمهم إذا كانت مقالتهم ناشئة عن تأويل للأدلة الشرعية ~~فإن المتأول إذا أخطأ في تأويله بما لا يسعه الخطأ فيه من الدين يكون كافرا ~~كفر نعمة، وفاسقا هالكا لا يحكم عليه بالشرك حتى يظهر منه رد لتنزيل أو ms088 ~~تكذيب لرسول، فإن ظهر منه شيء من ذلك حكم عليه بالشرك إجماعا. # واختلفوا في المتأول إذا استلزم مذهبه رد الكتاب، أو تكذيب الرسول فشركه ~~قومه، ولم يشركه آخرون، والله أعلم. # الباب الخامس من الركن الثاني # في القضاء والقدر # وبالقضاء نؤمن أيضا ... والقدر ... ولم يجز إغراقنا فيه ... النظر ~~PageV01P121 ومما يجب الإيمان به: قضاء الله وقدره، لأنهما أصلان من أصول ~~الدين، وركنان من الإيمان. قال - صلى الله عليه وسلم - <134> لعبادة بن ~~الصامت: «إنك لن تجد ولن تبلغ حقيقة الإيمان حتى تؤمن بالقدر خيره وشره أنه ~~من الله تعالى»، قال: يا رسول الله، وكيف لي أن أعلم خير القدر وشره؟ قال: ~~تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، فإن مت على غير ~~ذلك دخلت النار». وسئل رسول الله (ص) عن الإيمان فقال: «أن تؤمن بالله ~~وملائكته وكتبه ولقائه واليوم الآخر وأن تؤمن بالقدر خيره وشره أنه من الله ~~تعالى». # والفرق بينهما أن القضاء عبارة عن وجود المكونات في اللوح إجمالا. والقدر ~~عبارة عن وجودها في المواد تفصيلا، قال تعالى: {وإن من شيء الا عندنا ~~خزآئنه, وما ننزله, إلا بقدر معلوم} (¬1) . وعليه قوله - صلى الله عليه ~~وسلم - وقد مر تحت جدار مائل فأسرع المشي، فقيل: يا رسول الله، أتفر من ~~قضاء الله؟ فقال: أفر من قضاء الله إلى قدره». هذا في العرف الشرعي. # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الحجر: 21. PageV01P122 # وأما في اللغة فيتصرف كل منهما إلى أوجه، فيرد القضاء بمعنى الخلق، وهو ~~المراد هنا قبل النقل، كقوله تعالى: {فقضاهن سبع سماوات في يومين} (¬1) . ~~ويرد بمعنى الحكم، كقوله تعالى: {إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة} (¬2) . ~~ويرد بمعنى الأمر، كقوله تعالى: {وقضىا ربك ألا تعبدوا إلآ إياه} (¬3) . ~~ويرد بمعنى الخبر، كقوله تعالى: {وقضينآ إلىا بني إسرائيل في الكتاب} (¬4) ~~. وبمعنى ما لفراغ [كذا] من الشيء، كقوله تعالى: {فإذا قضيتم الصلاة} (¬5) ~~<135> وقول الشاعر: # قضينا من تهامة كل ... ريب ... وخيبر ثم أغمدت ... السيوف # وبمعنى الصنع للشيء كقوله تعالى: {فاقض مآ أنت قاض} (¬6) ، أي: اصنع ما ~~أنت صانع. ms089 وكقول الشاعر: # وعليهما مسرودتان ... قضاهما ... داود أو صنع السوابغ ... تبع # فتلك ستة معان، وقد جمعتها بقولي: # قضا خلق وحكم ثم ... أمر ... وإخبار وإفراغ ... وصنع # وأما القدر فيرد على معان أيضا: # منها أنه بمعنى خلق، ويمثل له بقوله تعالى: {والذي قدر فهدىا} (¬7) ، أي ~~خلق الإنسان فهدى الذكر إلى إتيان الأنثى، وهذا الوجه هو المقصود هنا قبل ~~النقل، فالقضاء والقدر في هذا الموضع مترادفان لغة لا عرفا كما تقدم. # ومنها التقدير، كقوله تعالى: {وأنزلنا من السمآء مآءم بقدر} (¬8) ، أي ~~بتقدير، ومنها التصوير، كقوله تعالى: {فقدرنا فنعم القادرون} (¬9) أي ~~المصورون. # ¬__________ # (¬1) - ... سورة فصلت: 12. # (¬2) - ... سورة يونس: 93. # (¬3) - ... سورة الإسراء: 23. # (¬4) - ... سورة الإسراء: 4. # (¬5) - ... سورة النساء: 103. # (¬6) - ... سورة طه: 72. # (¬7) - ... سورة الأعلى: 3. # (¬8) - ... سورة المؤمنون: 18. # (¬9) - ... سورة المرسلات: 23. PageV01P123 # ومنها الوجود، كقوله تعالى: {إلا امرأته, قدرنآ إنها لمن|| الغابرين} ~~(¬1) أي وجدناها من الهالكين، وهذا التفسير إنما يصح في سورة الحجر خاصة، ~~لأنه من خطاب الملائكة عليهم السلام لخليل الرحمن عليه السلام؛ وأما في ~~سورة النمل فهو بمعنى القضاء كالآية المشار إليها. وكقوله تعالى: {فالتقى ~~المآء علىآ أمر قد قدر} (¬2) ، أي قد قضي. # ومنها التضييق، كقوله تعالى: {وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه} (¬3) ، ~~أي <136> ضيقه، ومنها المثل، كقوله تعالى: {فسالت اوديةم بقدرها} (¬4) ، أي ~~بمثلها، فتلك بعة أوجه، وقد جمعتها أيضا فقلت: # معاني القدر سبع هاك ... نظما ... حواها وهي خلق ثم يحلو # وتقدير وتصوير ... وجود ... قضاء ثم تضييق ... ومثل # وفي القدر لغتان: فتح الدال، وعليه بيت المتن، وسكونها وعليه البيت الأول ~~من هذين البيتين؛ وثم بفتح الثاء وتشديد الميم إشارة إلى المكان البعيد، ~~وإنما أتى بها مع كونه مشيرا إلى قريب لتعظيم المقام وتجليله على حد قوله ~~تعالى: {ذلك الكتاب} (¬5) ، أي معنى القدر الذي هو الخلق يحلو في هذا ~~المقام كما قدمنا، فمعنى قولنا: إن الله قدر المعصية أي خلقها، وكذلك معنى ~~قولنا: إن الله قضى المعصية والطاعة أي خلقهما. # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الحجر: 60. # (¬2) - ... سورة القمر: 12. # (¬3) - ... سورة الفجر: 16. # (¬4) - ... سورة الرعد: 17. # (¬5) - ... سورة البقرة: 1. PageV01P124 # وقول الناظم: (ولم يجز إغراقنا...)إلخ الإغراق بكسر الهمزة: الاستقصاء في ~~الشيء، والإحاطة بجميع ms090 صفاته. والنظر هنا الفكر. وفيه إشارة إلى قوله - صلى ~~الله عليه وسلم - : «يقول تبارك وتعالى: القدر سري، ولا ينبغي لأحد أن يطلع ~~على سري». وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إذا ذكر القدر فأمسكوا»، ~~وإنما كان ذلك مخافة الخوض في القدر، فيلحق الخائض الننمي [كذا، لعله: ~~التسمي] بالقدري، فيكون من القوم الذين قال فيهم رسول الله (ص): «لكل أمة ~~مجوس، ومجوس هذه الأمة القدرية». وقال - صلى الله عليه وسلم - : <137> ~~«المرجئة يهود هذه الأمة، والقدرية مجوسها». وقال - صلى الله عليه وسلم - : ~~«لعنت القدرية على لسان سبعين نبيا قبلي». PageV01P125 # وقال في شفاء الحائم: «وأول من تكلم في القدر في أيام الصحابة غيلان ~~الدمشقي ومعبد الجهني ويونس الأسواري، وبعدهم أبو حذيفة واصل|| بن عطاء ~~انتصب لمذهب القدرية، وهو قد تتلمذ للحسن البصري، ومكث في مجالسه عشرين ~~سنة، وهو المقرر لقواعد القول بقدرة العبد وخلقه الفعل، وقال: إن الباري ~~عادل حكيم لا يجوز أن يضاف إليه شين ولا ظلم، ولا يجوز أن يريد من العباد ~~خلاف ما يأمرهم به، ولا يجوز أن يخلق للعباد شيئا ثم يجازيهم عليه، والعبد ~~هو الفاعل للخير والشر والطاعة والمعصية، والله سبحانه مجاز له بفعله. ~~وقال: ليس من الحكمة أن يكون الله سبحانه يخلق الكفر للكافرين وهو مبغض ~~للكفر معاد للكافرين، فيكون في ذلك كمن أعان على شتم نفسه، وقال جميع الأمة ~~قويها وضعيفها وصغيرها وكبيرها: القدر خيره وشره من الله تعالى، وهو الخالق ~~للخير والشر والقاضي والمريد والمقدر والمكون له في أوقاته التي يكون فيها، ~~وهو مع هذا كله فعل للعبد، والعبد فاعله، وهو له مريد مختار، قاصد إليه ~~متحرك أو ساكن به غير مجبور عليه، ولا مضطر إليه. إلا ما كان من الجهم بن ~~صفوان وأصحابه، فقد نقض الإجماع وقال: القدر <138> خيره وشره من الله تعالى ~~لا على ما قاله الأولون بل على جهة الجبر والإكراه والاضطرار للعباد إلى ~~أعمالهم، ولا قدرة للعبد في شيء من ذلك، ولا قصد ولا اختيار ولا إرادة. ~~قالوا: وماذا للعبد ms091 من الأفعال وهو متصرف في قبضة القهر، ومصرف بمقتضى ~~العلم والإرادة والمشيئة. قالوا: وقد وجدنا الله سبحانه يقول: {يضل من يشآء ~~ويهدي من يشآء} (¬1) ، وقال: {من يضلل الله فلا هادي له} (¬2) ، # ¬__________ # (¬1) - ... سورة النحل: 93. # (¬2) - ... سورة الأعراف: 186.. PageV01P126 # فمن شاء الله خلق له الخير، ومن شاء خلق له الشر، فهذه مقالتهم». انتهى. # فتلخص من كلامه أن الأمة في القدر على ثلاثة فرق: # 1- فرقة تعلقت بالأمر فزلوا، وهم الذين قالوا إن الله لم يخلق أفعال ~~العباد، وإنما كان ذلك من خلق أنفسهم، فقدرتهم صالحة لإيجاد فعلهم. # 2- وفرقة تعلقت بالمشيئة فضلوا ولم يجعلوا للمكلف اختيارا في فعله، بل ~~قالوا ذلك على طريق الجبر؛ فضلال أولئك من حيث نفي القدر، وضلال هؤلاء من ~~حيث الغلو في إثباته، فهما ضدان، وقد تعلق كل منهما بآيات من القرآن نذكر ~~كل شيء في محله إن شاء الله تعالى. # 3- وفرقة جمعت بين الأمر والمشيئة، وقالوا: أفعال العباد خلق من الله ~~واكتساب من العبد، فهدوا إلى صراط مستقيم. وعن عكرمة عن ابن عباس رضي الله ~~عنه وقد سئل عن القدر، فقال: «الناس فيه على ثلاث منازل: من قال إن أمر ~~المشيئة إلى العباد، وأن الأعمال مفوضة إليهم <139> ولا قدر فقد ضاد الله ~~في أمره، ومن أضاف إلى الله شيئا مما ينزه عنه فقد افترى عظيما على الله عز ~~وجل، ورجل قال: إن رحمت فبفضل الله، فذلك سلم له دينه ودنياه». # ومن يقل إلهنا لم ... يخلق ... أفعالنا بعدا له من أحمق # لقوله: لكل شيء ... خالق ... سبحانه الرب المليك الرازق # لو كان خالقا سواه ... لزما ... تعدد الإله قطعا حتما # ولو تعدد الإله ... لظهر ... فساد هذا العالم الذي بهر # لكن لنا في أفعالنا ... اكتساب ... به الثواب وبه العقاب # من ثم قد نيل به أعلى ... الرتب ... إلا النبوات فليس ... تكتسب # هذا بيان الرد على الفرقة الأولى من القدرية، وهم القائلون: الله لم يخلق ~~أفعال العباد، وإنما ذلك من خلق أنفسهم، قالوا إن الله أكرم من أن يخلق ~~خلقا فيعذبنا عليه. PageV01P127 # وتعلقوا في جواز أن ms092 يكونوا خالقين لأفعالهم، وفي وقوع ذلك بآيات من ~~القرآن: # منها قوله عز وجل: {وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير} (¬1) . # قلنا: إسناد الخلق إلى عيسى عليه السلام في الآية مجاز لا حقيقة، لأنه من ~~إسناد الفعل إلى سببه لا إلى موجده، فعيسى عليه السلام سبب لإيجاد تلك ~~الهيئة لا موجد لها على الحقيقة، وإنما الموجد لذلك هو الله تعالى. # ومنها قوله تعالى: {وتخلقون إفكا} (¬2) . # قلنا: معنى {تخلقون}: تفترون كذبا. # ومنها <140> قوله تعالى: {ويجعلون لله ما يكرهون} (¬3) . # قلنا: معنى الجعل هنا: الوصف لا الخلق، أي: ويصفون الله بما يكرهون من ~~وجود البنات لهم. والآية رد على المشركين في زعمهم أن الملائكة بنات الله. # ومنها قوله تعالى: {ما جعل الله منم بحيرة ولا سآئبة} (¬4) أي ومن ~~المعلوم أن العرب قد جعلوا البحيرة والسائبة، فنفى ربنا أن يكون هذا الجعل ~~من فعله، فصح أنه من فعلهم. # قلنا: نفى ربنا عز وجل جعل (¬5) التبحير وما بعده دينا، أي لم يشرع للعرب ~~ذلك وإنما ابتدعوه من تلقاء أنفسهم لا لأنهم هم الخالقون لها صفة التبحير، ~~فالمنفي هو شرعية معتقدهم في البحيرة وما بعدها ليس إلا. # ومنها قوله تعالى في قصة يعقوب عليه السلام: {بل سولت لكم, أنفسكم, أمرا} ~~(¬6) ، وقوله تعالى: {فطوعت له, نفسه, قتل أخيه} (¬7) . # ¬__________ # (¬1) - ... سورة المائدة: 110. # (¬2) - ... سورة العنكبوت: 17. # (¬3) - ... سورة النحل: 62. # (¬4) - ... سورة المائدة: 103. # (¬5) - ... في الأصل: + «بان»، ولم نجد له معنى في هذا السياق. # (¬6) - ... سورة يوسف: 18. # (¬7) - ... سورة المائدة 30. PageV01P128 # قلنا: أما تسويل النفس وتطويعها فالمراد به ترغيبها في ذلك الفعل وتزيينه ~~لفاعله لا أنها هي التي أوجدت فعل ذلك، فسقط تعلقهم بهذه الآيات، والحمد لله. # ومما استدلوا به من العقليات أنهم قالوا: لا تخلو أفعال العباد من أحد ~~ثلاثة أمور، إما أن تنسب إليه تعالى وحده، أو تنسب إليه وإلى العبد معا، أو ~~تنسب إلى العبد فقط، فبطل الأول لاستلزامه الجبر الآتي بيان بطلانه فيما ~~سيأتي إن شاء الله، وبطل الثاني لاستلزامه مشاركة الله في أفعاله، وهو ~~تعالى منزه عن ذلك، فببطلان هذين الوجهين ثبت <141> الثالث. # قلنا: ms093 لا نسلم استلزام مشاركة الله في أفعاله على ثبوت الوجه الثاني، لأن ~~لفعل العبد جهتين: جهة إيجاد، وهي الجهة التي يخرج بها فعل العبد من العدم ~~إلى الوجود؛ وبهذه الجهة تتعلق قدرة الباري تعالى؛ وجهة اكتساب، وهي إضافة ~~ذلك الفعل إلى العبد، مع اختيار العبد لذلك؛ وبهذه الجهة تتعلق قدرة العبد، ~~فالله تعالى إنما يخلق الفعل للعبد حال اختيار العبد له، وتوجيه القدرة ~~إليه لاكتسابه، فالعبد مكتسب، والله تعالى موجد؛ وإذا اختلف الجهتان انتفت ~~المشاركة، فقد سقط بحمد الله ما تعلقوا به. ولنرجع الآن إلى بيان استدلالنا عليهم. # واستدلالنا في ذلك من طريقين: # - أحدهما طريق النقل وهو المشار إليه بقول الناظم: (لكل شيء خالق...)إلخ البيت. # - وثانيهما طريق العقل، وهو المشار إليه بقوله: (لو كان خالقا سواه) إلى ~~آخر الأبيات. PageV01P129 # أما قوله: (لكن لنا في فعلنا اكتساب) إلخ فاستدراك لما قد يتوهم من ~~الاستدلال على نفي خلق العبد لفعله أن الأفعال منسوبة إليه تعالى جبرا، ~~فرفع ذلك التوهم حيث أثبت للعبد في فعله اكتسابا يثاب عليه، ويعاقب عليه، ~~{لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} (¬1) ، {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ~~ما كسبتم} (¬2) . # ثم أخذ في ثبوت تقرير هذا الاكتساب بقوله: (من ثم قد نيل به...) إلخ، أي ~~من أجل أن الاكتساب ثابت للخلق في أفعالهم <142> قد نالوا به أعلى الرتب، ~~وتفاوتوا في ذلك، كل بحسب اجتهاده، ثم استثنى من جملة ما ينال بالاكتساب ~~النبوات، وصرح بأنها ليس مما يكتسب لأنها من الأشياء التي يخص بها ربنا من ~~يشاء، فيضعها حيث يشاء من غير أن يتقدم للعبد اكتساب لأسبابها، وتهيؤ ~~لمرتبتها، إذ لا أسباب لها حتى يصح تعاطيها بخلاف غيرها. # ¬__________ # (¬1) - ... سورة البقرة: 286. # (¬2) - ... سورة البقرة: 134، 141. PageV01P130 # - فأما استدلالنا النقلي فقوله تعالى: {وأسروا قولكم, أو اجهروا به إنه, ~~عليمم بذات الصدور، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} (¬1) فدلت الآية أن ~~جميع ما أسره العباد وما أظهروه خلقه، والإسرار والإجهار أفعال العباد، ~~والله تعالى يقول: {ألا يعلم من خلق}، أي كيف لا ms094 يعلم ذلك وهو قد خلقه، وهل ~~يخلق من لا يعلم. وقوله: {ومن اياته منامكم بالليل والنهار وابتغآؤكم من ~~فضله} (¬2) ، وكيف يكون الابتغاء للفضل الذي هو فعل من أفعال العباد من ~~آياته وهو لم يخلقه ولم يدبره. وقوله تعالى: {هو الذي يسيركم في البر ~~والبحر} (¬3) وهو من فعلهم كما ترى، فأضافه إليه. وقوله تعالى: {مآ أصاب من ~~مصيبة في الارض ولا في أنفسكم, إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} (¬4) أي من ~~قبل أن نخلقها، وقوله عز وجل: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} (¬5) ، وقوله عز ~~وجل: {خالق كل شيء} (¬6) . # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الملك: 13-14. # (¬2) - ... سورة الروم: 23. # (¬3) - ... سورة يونس: 22. # (¬4) - ... سورة الحديد: 22. # (¬5) - ... سورة القمر: 49. # (¬6) - ... سورة الأنعام: 102. PageV01P131 # - وأما استدلالنا العقلي، فهو أنه لو كان العبد خالقا لأفعاله للزم عليه ~~تعدد الخالقين، ولكان كل من خلق شيئا فهو إله ذلك الشيء، فيلزم <143> عليه ~~تعدد الآلهة، وتعددها باطل قطعا لما ثبت من البراهين العقلية والنقلية على ~~وجوب الوحدانية|| ومن تلك البراهين أنه لو تعددت الآلهة للزم فساد هذا ~~العالم الذي بهذا الخلق صنعه لقوله: {لو كان فيهمآ ءالهة الا الله لفسدتا} ~~(¬1) ونحن نشاهد أن هذا العالم [غير] فاسد، فصح أن الإله واحد والله تعالى أعلم. # وفاسق من قال إن الله ... جل ... قد جبر الإنسان فيما قد فعل # وأنه لم يجعل ... استطاعة ... له لكفر شاءه أو طاعه # لأنه لو كان هذا ... بطلا ... أمر ونهي مع وعد جعلا # وبطل الوعيد مع بعث ... الرسل ... وجاز تكليف الجماد ... كالنبل # هذا بيان الرد على الفرقة الثانية من القدرية وهم الجهمية نسبة لهم إلى ~~الجهم بن صفوان وهم القائلون بالجبر المتعلقون بالمشيئة فقط. قالوا: إن ~~الله عز وجل قد جبر العبد على فعل الطاعة والمعصية، وأنه لم يجعل له ~~استطاعة لما شاء أن يفعله من فعل المعاصي والطاعات، فهو عندهم كالجماد لا ~~يستطيع تحريكا إلا أن يحرك، وكالخيط المعلق في الهواء تقلبه الرياح كيف ~~شاءت، وإنما كان ذلك منهم مخافة أن يكون خالقا غير الله كما كان من ~~المعتزلة مقالهم مخافة أن ينسب ms095 إلى الله المعاصي وفعل المكروه، فكلا ~~الفريقين ضال منافق. وقد تعلق هؤلاء بآيات من القرآن كما تعلق <144> أولئك. # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأنبياء: 22. PageV01P132 # منها قوله تعالى: {وأنه, هو أضحك وأبكىا وأنه, هو أمات وأحيا} (¬1) ~~قالوا: فالضحك والبكاء من أفعالنا قد أضافهما الله تعالى إلى نفسه كما أضاف ~~الإماتة والإحياء، فليس لنا فيهما تصرف. فلما أضافهما تعالى إلى نفسه ~~لكونهما خلقا له لا لنا وإنما لنا من ذلك الاكتساب المناط بالاختيار، ~~فالأفعال خلق منه والاكتساب منا، وخلقه للأفعال لا يستلزم الجبرية كما ~~سيأتي بيانه. # ومنها قوله تعالى: {فأنى توفكون} (¬2) ، وقوله تعالى: {فأنى تصرفون} (¬3) ~~، قالوا: فمن يؤفكهم ومن يصرفهم إلا الله. وقوله عز وجل: {من يضلل الله فلا ~~هادي له} (¬4) وقوله: {من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له, وليا ~~مرشدا} (¬5) . # والجواب عن هذه الآيات كلها هو عين الجواب عن الآية الأولى. # ومنها قوله تعالى: {ولو شئنا ءلاتينا كل نفس هداها} (¬6) . # قلنا: لا تعلق لكم في هذه الآية ولا في شيء من نظائرها، لأنها أخبار عن ~~نفوذ قدرته تعالى وتأثير إرادته، أي فلو شاء أن يفعل لهم الهداية لفعل لهم ~~ذلك لأنهم لا يعجزونه، لكن اقتضت حكمته تخييرهم بين الهداية والضلالة، وقد ~~جعل لهم قدرة صالحة لاكتساب أي واحد شاؤوا فلا جبر. # وإذا عرفت سقوط تعلقهم بهذه الآيات فارجع إلى الوقوف على الاحتجاج عليهم، ~~وبيان ما يؤدي إليه مذهبهم، فاعلم أن الاحتجاج عليهم من الكتاب العزيز ~~<145> كثير. # ¬__________ # (¬1) - ... سورة النجم: 43-44. # (¬2) - ... سورة الأنعام: 95، سورة يونس: 34. سورة فاطر: 3. سورة غافر: 62. # (¬3) - ... سورة يونس: 32. سورة الزمر: 6. # (¬4) - ... سورة الأعراف: 186. # (¬5) - ... سورة الكهف: 17. # (¬6) - ... سورة السجدة: 13. PageV01P133 # منها ما أوردته المعتزلة استدلالا لهم على خلق أفعالهم، فإن جميع ما مر ~~في ذلك مناف للجبر الذي زعمه هؤلاء. # ومنها آيات الاكتساب فإنها مصرحة بإضافة الكسب إلى العبد قطعا، وإذا ثبت ~~لهم الكسب انتفى الجبر لأنهما متضادان. # وأما ما يؤدي إليه مذهبهم من البطلان فهو ما أشار إليه الناظم بقوله: ~~(ولو كان هذا...) إلخ، أي لو صح مذهب الجبرية وثبت القول بالجبر ms096 للزم عليه ~~بطلان الأمر والنهي والوعد والوعيد، لأن العبد إذا لم تكن له قدرة على فعل ~~شيء من المأمورات ولا على ترك شيء من المنهيات كان توجيه الأوامر والنواهي ~~إليه عبثا ينزه الباري تعالى عنه؛ وإذا بطل توجيه الخطاب إليه بالأمر ~~والنهي بطل توجيه الوعد والوعيد إليه، لأن الوعد مترتب على فعل الأوامر، ~~والوعيد مترتب على فعل المناهي. وإذا بطل هذا كله بطل إرسال الرسل، لأنهم ~~إنما يرسلون لذلك، ومع بطلان ذلك فلا فائدة ولا حكمة في الإرسال، فيؤدي ~~مذهبهم إلى إبطال النبوات كما ترى، نعم ويؤدي إلى إبطال التكليف رأسا، لأن ~~من لا اكتساب له ولا اختيار له لا يصح في الحكمة تكليفه، كما لا يصح تكليف ~~النباتات والجمادات وهذا معنى قوله: (وجاز تكليف الجماد كالنبل) جمع نبيل، ~~وهو العاقل. # ثم إنه لما كان للجبرية شبه في خلق الله تعالى لأفعالنا، وفي علمه بهن ~~وفي إرادته <146> لهن أخذ يدفع وجه الشبهة في ذلك، ويبين أن هذه الأشياء ~~كلها لا تستلزم الجبر، ولا تنافي الاكتساب، فقال: # وخلقه أفعالنا ... وعلمه ... بهن لا يوجب جبرا حكمه # كذاك كونها له ... مرادا ... لأنه قد خير العبادا # لو لم يكن يعلم ذا ... لجهله ... لو لم يكن خالقه من فعله # لو لم يرد وقوعه ... ووقعا ... لكان مكرها على ما صنعا PageV01P134 لكن ~~لذا التخيير ... واكتسابنا ... قد انتفى الإجبار عن ... رقابنا # أي نعتقد أنه تعالى خالق لأفعالنا، وأنه تعالى عالم بها ومريد لها، ومع ~~ذلك فهو قد خيرنا في فعلها وتركها، أي لم يجبرنا على واحد من الأمرين، فمن ~~شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وقد وعد بالثواب على امتثال أوامره وترك ~~مناهيه، وتوعد بالعقاب على من فعل مناهيه أو ترك أوامره، ولا يلزم من خلقه ~~تعالى لأفعالنا ومن علمه بهن، ومن إرادته لهن جبرنا على فعلهن، ونفي ~~اكتسابنا لهن، لأنه تعالى لم يثبنا ولم يعذبنا على خلقه لهن ولا على علمه ~~بهن، ولا على إرادته لهن، وإنما أثابنا وعذبنا على اختيارنا وكسبنا لهن، ~~وهو تعالى قد جعل لنا ms097 اختيارا في ذلك، وقدرة صالحة لاكتساب ذلك، فلأجل هذا ~~الاختيار، ولأجل هذه القدرة المكتسبة قد انتفى عنا الجبر على أفعالنا، ~~وإنما قلنا إن الله عالم بأفعالنا <147> لأنه لو لم يكن عالما بها للزم أن ~~يكون جاهلا بها وهو تعالى متصف بالكمال الذاتي، والجهل من صفات النقص ~~يستحيل اتصافه به تعالى، وهذا معنى قول الناظم: (لو لم يكن يعلم ذا لجهله). # وأما معنى قوله: (لو لم يكن خالقه من فعله) أي لو لم يكن تعالى خالقا ~~لأفعالنا فمن الخالق لها إذن؟ {هل من خالق غير الله}؟ (¬1) . وقد تقرر فيما ~~تقدم بطلان القول بأن العبد خالق لفعله، وإذا بطل أن يكون العبد خالقا ~~لفعله فبطلان أن يكون غيره من المخلوقات خالقا لفعله أظهر، وإذا بطل هذان ~~النوعان ثبت أن الخالق لذلك هو الإله. # ¬__________ # (¬1) - ... سورة فاطر: 3. PageV01P135 # وأما قوله: (لو لم يرد وقوعه...) إلخ، أي لو لم يرد تعالى وقوع فعلنا، ~~ووقع على خلاف مراده للزم عليه أن يكون مكرها على وقوع ذلك الفعل مغلوبا في ~~حدوثه، والإكراه ينافي الاختيار والإرادة، ومن كانت هذه حالته فليس بإله. ~~على أنه تقرر أن الإله متصف بالكمال الذاتي، والإكراه يضاد ذلك وينافيه، ~~والله تعالى أعلم. # الباب السادس # في الإيمان والإسلام # وبه يتم الكلام على الركن الثاني إن شاء الله تعالى. # إيماننا التصديق ... والإسلام ... إذعاننا لما دعا الأحكام # ولهما في الشرع معنى ... ملتزم ... تصديق قول عملا إذا لزم # ومن يكن مضيعا ... لواحد ... منها استحق هلكة ... المعاند # اختلف الناس في الإيمان والإسلام <148> هل هما شيء واحد أو لا ؟ وعلى ~~القول الثاني، هل هما متخالفان أو مترادفان أو متلازمان ؟ وقد أطالوا ~~الكلام فيهما، فلنقتصر من ذلك على ما تحصل به الفائدة، فنقول: # الحق فيهما أن لهما استعمالين: # - أحدهما لغوي وهو المشار إليه بقول الناظم: (إيماننا التصديق...) إلخ، ~~أي إيماننا معشر العرب هو التصديق. والإسلام في لغتنا هو الإذعان وترك ~~التمرد، فهما في هذا الاستعمال متخالفان لا مترادفان ولا متلازمان. PageV01P136 # - والاستعمال الثاني هو ما عليه العرف الشرعي، وذلك أن الشرع ms098 قد نقل كل ~~واحد من الإيمان والإسلام عن معناه اللغوي، فاستعملهما معا في الوفاء ~~بالواجبات، كانت الواجبات اعتقادية أو قولية أو عملية، فهما في هذا ~~الاستعمال مترادفان، وإليه أشار الناظم بقوله: (ولهما في الشرع معنى...) ~~إلخ، أي للإيمان والإسلام في العرف الشرعي معنى واحد ملتزم التصديق بالجنان ~~إذا لزم، والقول باللسان إذا لزم والعمل بالأركان إذا لزم؛ فمن كان صبيا ~~مثلا أو ناقص العقل لا يسمى كافرا بتركه التصديق في حال ذلك لعدم لزومه ~~عليه، ومن كان عاقلا وصدق النبيء عليه الصلاة والسلام فيما جاء به ولم ~~يطالب بالنطق بذلك باللسان، ولم ينزل عليه التكليف بالعمل فهو مؤمن لعدم ~~لزوم القول والعمل عليه، فهو موف بما لزمه، ومن تلفظ بالشهادتين عند وجوب ~~ذلك عليه، وبعد تصديقه بالجنان ولم يلزمه شيء من العمليات <149> بعد فهو ~~مؤمن لوفائه بما وجب عليه؛ ومن لزمه شيء من الأعمال فأداه كما شرع عليه بعد ~~التصديق والتلفظ الواجبين عليه فهو مؤمن لوفائه بجميع ما وجب عليه. ومن ضيع ~~واحدة من هذه الثلاث بعد وجوبها عليه فهو خارج عن الإيمان هالك في النيران، ~~وهذا معنى قوله: (ومن يكن مضيعا...) إلخ فلا منزلة عندنا بين الإيمان ~~والكفر، أي فمن لم يكن بمؤمن فهو كافر، والمراد بالكفر ما يشمل كفر النعمة ~~وكفر الشرك. ومن كان كافرا بالله أو بنعمته فقد استحق ما يستحقه المعاند من ~~الهلاك، هذا مذهبنا وهو الحق خلافا لمن قال: إن الإيمان قول وتصديق دون ~~عمل، ولمن قال: إن الإيمان التلفظ بالشهادتين وإن لم يطابقه اعتقاد، ولمن ~~قال: إن الإيمان التصديق فقط. # والدليل على أن الإيمان والإسلام في العرف الشرعي مترادفان: PageV01P137 # - قوله تعالى: {ياقوم إن كنتم, ءامنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم ~~مسلمين} (¬1) . # - وقوله تعالى: {فأخرجنا من كان فيها من المومنين فما وجدنا فيها غير بيت ~~من المسلمين} (¬2) ، ولم يكن بالاتفاق هنالك إلا بيت واحد. # - وقوله - صلى الله عليه وسلم - : «بني الإسلام على خمس...» وقد سئل - ~~صلى الله عليه وسلم - عن الإيمان مرة أخرى فأجاب بهذه ms099 الخمس. # وما ورد من الآيات والأحاديث ما ظاهره مخالف لهذه الأدلة فهو محمول على ~~المعنى اللغوي جمعا بين الأدلة، فإن الشارع تارة يعبر باللفظ <150> عن ~~معناه اللغوي، وتارة عن معناه الشرعي، كل ذلك بحسب مقتضى الحال، فلا تنافي ~~ما في الكتاب العزيز ولا في السنة، والله تعالى أعلم. # في وجهه الشرعي ليس ... ينقص ... لكن يزيد، هكذا قد خصصوا # لأنه إن هدم البعض ... انهدم ... جميعه، وذا هو القول ... الأتم # اختلف الناس في الإيمان الشرعي، فذهب بعض قومنا إلى أن الإيمان الشرعي ~~يزيد وينقص، وعليه جمهور الأشاعرة. وذهب بعضهم إلى أن الإيمان لا يزيد ولا ~~ينقص، وعليه أبو حنيفة وإمام الحرمين وبعض الأشاعرة. وذهب أصحابنا إلى أن ~~الإيمان يزيد ولا ينقص. # ¬__________ # (¬1) - ... سورة يونس: 84. # (¬2) - ... سورة الذاريات: 35-36. PageV01P138 # وبيان ذلك أن الإيمان عندنا هو الوفاء بجميع الواجبات، فمن وجب عليه فرض ~~لا يكون مؤمنا حتى يؤديه على وجهه، ثم يزيد الإيمان بزيادة التكاليف. ولا ~~يصح نقصه، لأن نقصه إخلال ببعض الواجبات، وقد تقدم أن التارك لبعض الواجبات ~~عليه خارج عن الإيمان، فالترك لبعضه ترك لجميعه، أي لا ينتفع ببعض إيمانه ~~في الآخرة. والمراد بعدم انتفاعه بذلك في الآخرة هو أن بعض الإيمان لا ~~ينجيه من عذاب الله، لا أنه لا يخفف عنه العذاب لأجل ذلك، فإن العذاب ~~متفاوت في أهل المعاصي كل على قدر جنايته {جزآء وفاقا} (¬1) . وهذا معنى ~~قول الناظم: (إن هدم البعض...) إلخ، لا يقال إن المراد بنقصان الإيمان هو ~~ارتفاع بعض الواجبات عن <151> المكلف لعذر كارتفاع وجوب الصلاة عن الحائض، ~~لأنا نقول إن الإيمان في حق من رفع عنه بعض الفرائض هو وفاؤه بما بقي عليه ~~من الواجبات، فإيمانه إن وفى بما عليه كامل لا ناقص، لكن لو أن القائل ~~بنقصان الإيمان أراد نقصانه بهذا الاعتبار لكان الخلاف بيننا وبينهم لفظيا ~~صورته أنهم يسمون من ارتفع عنه وجوب بعض ما كان عليه ناقص الإيمان، ونحن ~~نمنع من تسميته بذلك، والمراد واحد، لكنهم لم يريدوا ذلك، وإنما أرادوا ~~بنقصانه الإخلال ببعض ms100 الواجبات، وعلى هذا فالخلاف معنوي مبني على الخلاف في ~~حقيقة الإيمان فتفطن له، والله تعالى أعلم. # الركن الثالث # في الولاية والبراءة وما يشتمل عليها وما يتولدان منه # وفيه ستة أبواب أيضا. # أخر هذا الركن عن الذي قبله لما تقدم هناك، وقدمه على ركن التوبة من حيث ~~إن وجوب التوبة بعد وجوده تنتقض به الولاية، وتجب به البراءة. # ¬__________ # (¬1) - ... سورة النبأ: 26. PageV01P139 # فإن قيل: ليست التوبة شرطا للولاية توجد بوجودها، وتنعدم بانعدامها. # فالجواب إنما ذلك خاص عند وجود الذنب الموجب للبراءة، ولا يجوز إطلاقه ~~على العموم، ألا ترى أن من رأينا منه حق الموافقة وصدق المرافقة وجبت علينا ~~ولايته، ولا يلزمنا أن نستتيبه إلا بعد أن يحدث حدثا يخرج به عن تلك ~~الموافقة؛ وكذلك في ولد الولي تجب علينا <152> ولايته بولاية أبيه حتى يبلغ ~~ويصح منه ما تنتقض منه الولاية. # فإن قيل: أما قيل بالوقوف عنه بعد بلوغه حتى تصح منه الموافقة. # فالجواب أن القائل بهذا لم يلزمنا استتابة هذا البالغ، وإنما كان معه ~~وجود ولايته بسبب ولاية أبيه، فلما بلغ وصار متعبدا بنفسه انقطعت تلك ~~الولاية معه بانقطاع سببها، وصار عنده في حد الوقوف بالدين بمنزلة مجهول الحال. # الباب الأول # في وجوب الولاية والبراءة وأقسام كل منهما # ولاية المؤمن فرض ... حققا ... وهكذا براءة للذي ... فسقا PageV01P140 ~~الولاية هي المحبة بالقلب والثناء باللسان والنصر والإعانة بالجوارح عند ~~القدرة على كل ذلك، وعند ارتفاع الموانع. والبراءة هي البغض بالقلب، والشتم ~~باللسان والردع بالجوارح، وهما فرضان بالإجماع، لكن الوجوب الثابت في ~~الولاية إنما هو نفس المحبة على الدين، والوجوب الثابت في البراءة إنما هو ~~البغض على فعل الكبائر من الذنوب، وما عدا هذين من الثناء باللسان والشتم ~~به من الإعانة بالجوارح والردع بها فيلزم تارة ويرتفع أخرى، كل ذلك بحسب ~~المقامات والتكليف بالفرائض، وباعتبار الأحوال الداعية لذلك فيلزم الثناء ~~على الولي في موضع يكون فيه ترك الثناء عليه ضررا به أو بوليه ويلزم ~~الإعانة والنصر في موضع القدرة منه واحتياج الولي إلى ذلك، ويلزم <153> شتم ms101 ~~العدو في موضع يكون ترك الشتم له مقويا لبدعة أو مفسدا لشيء من الدين أو ~~مضرا بالنفس أو الولي. ويلزم الردع بالجوارح في موضع يكون فيه المنكر قادرا ~~على الإنكار، والعدو فيه مقيما على فعل المنكر لا ينفك عنه إلا بزجر رادع، ~~أو بسيف قاطع. # ولما كان كل واحد من الولاية والبراءة على أقسام شرع في بيان أقسام كل ~~واحد منهما فقال: # والكل من ذين على ... أقسام ... ثلاثة تأتي على تمام # حقيقة وهي التي قد ... نطقا ... بها كتاب أو رسول حققا # والحكم بالظاهر وهو ... الثاني ... ثالثها عقيدة ... الإنسان # ينقسم كل واحد من الولاية والبراءة إلى ثلاثة أقسام: # القسم الأول: ولاية الحقيقة وبراءة الحقيقة: # ولا يتأدى كل واحد منهما إلا من أحد طريقين: # ? الطريق الأول هو أن يرد كتاب من كتب الله بسعادة امرئ أو شقاوته، وهو أنواع: PageV01P141 # 1. النوع الأول أن يصرح الكتاب باسم السعيد واسم الشقي، مثال ذلك في جانب ~~الولاية: التصريح بأسماء الأنبياء، كآدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد - ~~صلى الله عليه وسلم - . ومثاله في جانب البراءة كإبليس وفرعون وهامان ~~وقارون. # 2. النوع الثاني: من كنى عنهم دون تصريح بأسمائهم، فمثال ذلك في جانب ~~الولاية أم موسى، ومثاله في جانب البراءة أبو لهب. # 3. النوع الثالث: من جيء به منكرا <154> لم يصرح فيه باسمه ولا بكنيته، ~~مثال ذلك في جانب الولاية مؤمن آل فرعون، وكالذي في قوله تعالى: {وجآء من ~~اقصى المدينة رجل يسعىا قال يا قوم اتبعوا المرسلين...}|| الآية (¬1) . ~~ومثاله في جانب البراءة قوله تعالى: {وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في ~~الارض ولا يصلحون} (¬2) ، وقوله تعالى: {فنادوا صاحبهم فتعاطىا فعقر} (¬3) . # ¬__________ # (¬1) - ... سورة يس: 20. # (¬2) - ... سورة النمل: 48. # (¬3) - ... سورة القمر: 29. PageV01P142 # ? الطريق الثاني: من طريقي الحقيقة في الولاية والبراءة هو أن يقول رسول ~~من رسل الله: «إن فلانا من أهل الجنة» أو «من أهل النار»، لا إذا قال: «إن ~~فلانا رجل صالح»، ولا «إنه فاسق»، ولا إذا دعا له أو عليه، فإنه لا يكون ~~بهذا القول متولى ومتبرى بالحقيقة، لأنه - صلى الله عليه ms102 وسلم - يتولى ~~ويتبرى بحكم الظاهر، وبالحقيقة. وما كان محتملا للظاهر وللحقيقة فلا يقطع ~~به أنه من الحقيقة. أما قوله: «إن فلانا من أهل الجنة» أو «من أهل النار» ~~فلا يحتمل إلا الحقيقة، فإنه وإن جاز لنا أن نقول بحسب الظاهر: «إن فلانا ~~من أهل الجنة» لمن علمنا منه خيرا، و«إن فلانا من أهل النار لمن علمنا منه ~~ضد ذلك فإن هذا القول منا مجاز عبرنا به عن فعل ما يؤدي إلى ذلك، والقرينة ~~أحوالنا، أو هي العلم بأنا لم نطلع على الغيوب، والعلم بأنا لم نرد حقيقة ~~هذا القول، وهو - صلى الله عليه وسلم - ممن اطلع على كثير من المغيبات، ~~فإذا صدر منه مثل هذا الكلام قطع بأن المراد منه حقيقته، إلا بدليل يصرفه ~~عنها؛ ولأنه - صلى الله عليه وسلم - <155> لو لم يرد بهذا الكلام حقيقته مع ~~إمكانها وعدم قرينة المجاز لكان هذا الكلام كذبا بحسب الظاهر، والكذب في ~~حقه - صلى الله عليه وسلم - مستحيل، سلمنا أنه ليس بكذب لكنه تلبيس على ~~السامع بحيث يفهم الكل منه خلاف مراده، والتلبيس في حق الأنبياء عليهم ~~السلام مستحيل أيضا. # وأنواع هذا الطريق هي أنواع الطريق الأول، وحكم ما صرح باسمه في هذين ~~الطريقين أن يعتقد فيه باسمه ما اقتضاه النص فيه، وكذا حكم من صرح بكنيته، ~~فإنا نعتقد في صاحب تلك الكنية ما اقتضاه النص فيه. PageV01P143 # وحكم من جاء من ذلك مبهما منكرا أن نعتقد فيه مقتضى النص بحسب تلك الصفة ~~التي نعت بها، ولا نصرح باسمه ولا بكنيته في الاعتقاد حتى ينقل لنا التواتر ~~هذا المذكور في هذا النص هو فلان باسمه أو بكنيته، أو تجتمع الأمة على ذلك، ~~فإذا يلزمنا القطع به وقصده بذلك الحكم بعينه. # واعلم أن هذا الطريق لا يتأدى مقتضاه ولا يصح الحكم به إلا من أحد أمرين: # - أحدهما: المشاهدة للرسول الناطق بهذا الكلام، وشرطوا فيه أن ينظر شفتيه ~~عند النطق به، كل ذلك دفعا للاحتمال، فإنه متى ما لم ينظره كذلك احتمل أن ~~يكون الناطق بذلك ms103 غير الرسول عليه السلام، والحقيقة حكم قطعي لا ينبني على ~~الاحتمال عندهم. # - وثانيهما: الشهرة القاضية بصدور <156> ذلك الحديث من ذلك الرسول، ~~وكأنهم أرادوا بهذه الشهرة التواتر، فإنه هو الذي يقطع بصدقه؛ ويحتمل أنهم ~~أرادوا ما يعم التواتر والمستفيض المتلقى بالقبول بين الأمة مقطوع بصدقه، ~~فلا معنى لما قاله الشيخ ناصر بن أبي نبهان من أن الشهرة لا توجب ولاية ~~الحقيقة، وقد انفرد بهذا القول من بين سائر الأصحاب. # هذا وأما شهادة العدلين فإنها لا توجب الحقيقة في الولاية والبراءة لأنه ~~لا يصح القطع بصدق مقالهما، نعم يصير من شهدوا فيه بأن النبيء (ص) قال فيه ~~كذا مما يوجب الحقيقة يصير متولى بالظاهر، أو متبرأ منه بالظاهر حتى يعلم ~~منه حدث يخالف ما شهدوا به فيحكم عليه وله، بمقتضى حدثه. # القسم الثاني: الولاية بحكم الظاهر والبراءة بحكم الظاهر: # ولهما طرق وصفات نذكرها في الباب الثاني إن شاء الله. # القسم الثالث: ولاية الجملة وبراءة الجملة PageV01P144 وصفاتها أن يعتقد ~~المكلف أن يتولى المؤمنين من الأولين والآخرين إلى يوم الدين، وأنه يبرأ من ~~الفاسقين من الأولين والآخرين إلى يوم الدين. وهذا القسم هو الذي عبر عنه ~~الناظم بعقيدة الإنسان، وسبب تعبيره عنه بذلك هو أن هذا القسم يجب على كل ~~مكلف أن يعتقده مع توحيده، فلا يعذر أحدا [كذا] بعد قيام الحجة به إلا إذا ~~اعتقده كذلك، أما ولاية الحقيقة وبراءتها، وولاية الحكم بالظاهر وبراءته ~~<157> فلا يلزمان كل أحد، وإنما يلزمان من بلغه علم الحقيقة بأحد الطرق ~~المتقدم ذكرها، والتكليف بحكم الظاهر من أحد الطرق الآتي بيانها. فالأقسام ~~ستة حاصلة من ضرب اثنين في ثلاثة، وهي: ولاية الحقيقة وبراءة الحقيقة، ~~وولاية الظاهر وبراءة الظاهر، وولاية الجملة وبراءة الجملة. # الباب الثاني # في وجوب الولاية والبراءة بحكم الظاهر # براءة الظاهر حكما ... تجب ... بواحد من أربع تعتقب # عيان أو إقرار أو ... شهادة ... عدلين أو حق أتى بشهرة # واستثن الإقرار لدى ... الولاية ... وإنما الوجوب ... بالثلاثة # لكل من الولاية والبراءة موجبات. # فأما موجبات الولاية فهي الموافقة في القول والعمل. ms104 وأما موجبات البراءة ~~فهي المخالفة في القول والعمل أو في أحدهما، ولكل واحد من هذه الموجبات طرق ~~تتأدى منها. # فأما موجبات البراءة فتتأدى من أحد أربعة طرق: # ? الطريق الأول: العيان، أي المعاينة للمعصية من العاصي، بمعنى المشاهدة ~~لها، وعبر بعضهم عن هذا الطريق بالخبرة، وكلتا العبارتين سائغة، غير أن ~~العبارة الأخيرة محتملة للعموم، فيدخل تحتها كل طريق من هذه الطرق لصدق ~~الخبرة عليه؛ والعبارة الأولى أخص، فالتعبير بها في هذا المقام أولى. PageV01P145 # ? الطريق الثاني: الإقرار، وهو أن يقر العاصي بمعصية إقرارا <158> موجبا ~~للبراءة منه، لا لكونه مستعظما ذنبه نادما على تفريطه، سائلا عما يلزمه في ~~فعله، فإن هذا ليس من ذلك القبيل. # ? الطريق الثالث: شهادة العدلين، كانا عالمين أو ضعيفين، وسيأتي ما على ~~كل الفريقين عند قول الناظم (لكن على العدول...) إلخ. # ? الطريق الرابع: الشهرة القاضية المحقة، لا كشهرة الشيع بالبراءة من أبي ~~بكر وعمر رضي الله عنهما، فإنها وإن كانت قاضية عندهم فليست محقة، بل ~~بطلانها بحمد الله ظاهر، والدافع لها من فضل الله شاهر. والشهرة المحقة هي ~~الخارج أصلها من حق، وكان من جواب الإمام أبي سعيد رضي الله عنه وقد سئل ~~عنها، فقيل له: وما معنى الشهرة التي تجب بها الولاية والبراءة بأن قال: ~~«معنى أنها تكون على معان كثيرة في وجوه كثيرة، ومبلغ ثبوتها ووجوبها وورود ~~علمها على الممتحن فيها من المبتلى بها من تظاهر صحة الأخبار، على غير ~~تناكر من أهلها الذين تقوم بهم الحجة فيها؛ ولو كثر التناكر والاختلاف من ~~غير أهلها على سبيل الدعاوي وإنكار اليقين فيها، فإذا ثبت العلم بغير ~~ارتياب ممن علمها فيها وفي وجوبها وعلمها عندي». انتهى. # وأما موجبات الولاية فتتأدى من أحد ثلاثة طرق مجتمع عليها، وطريق رابع ~~مختلف فيه، وسيأتي بعد إن شاء الله. فأما الطرق المجتمع عليها فهي: # ? العيان: بالتفسير المتقدم. # ? وشهادة العدلين فما فوق. # ? والشهرة المحقة. # وهذا <159> معنى قوله: (واستثن الإقرار...) إلخ، أي استثن من الطرق التي ~~تتأدى بها موجبات البراءة في موجبات الولاية الإقرار، فإنه ms105 لا يوجبهما ما ~~لم يكن ثمة موجب آخر. PageV01P146 # وقوله: (بواحد) متعلق بقوله: (تجب). وقوله: (من أربع) متعلق ب(واحد)، ~~وجملة (تعتقب) نعت ل(أربع)، و(تعتقب) بالبناء للمفعول، أي يؤتى بها في عقب ~~هذا الكلام. و(عيان) بدل تفصيل من (أربع)، وما بعده عطف عليه. # والخلف في رفيعة ... الولاية ... من واحد عدل بلا عناية # وإن تكن عنيته ... فالزم|| ... وقيل: لا لزوم ثم ... يعلم # هذا هو الطريق الرابع من الطرق التي تتأدى بها موجبات الولاية، وهو ~~الطريق المختلف فيه، وهو رفيعة العالم الواحد بما يوجب الولاية لمعين. # فذهب بعض إلى أنه حجة له وعليه، وحملوه على معنى الشهادة في حقوق الله ~~كصوم رمضان وكطهارة الثياب من النجاسات، فإن العدل في كل ذلك حجة. # وذهب قوم إلى أن رفيعة العالم العدل غير موجبة للولاية حتى يكونا عدلين ~~فالوجوب حينئذ متحتم كالشهادة في الحقوق. # وذهب قوم إلى التفصيل على إن سئل هذا العدل عن ولاية معين وجبت ولايته ~~على السائل. وإن لم يسأل عنها، كأن ينطق بها ابتداء فلا وجوب، قياسا على ~~العدل إذا سئل عن عدالة معين وجب قبول قوله في التعديل، وإن لم يسأل فلا ~~<160> وجوب، وهذا معنى قول الناظم: (وإن تكن عنيته فالزم) فالعناية هنا ~~القصد|| عبر بها عن السؤال لملازمته له. # وذهب آخرون إلى التخيير في رفيعة العالم العدل للولاية، أي إن شاء ~~المرفوع له قبلها فتولى، وإن شاء تركها من غير تكذيب للدافع، وهو معنى ~~قوله: (وقيل: لا لزوم...) إلخ، فيدخل تحت هذا التأصيل رفيعة الأعمى ~~للولاية، فقد قيل فيها أيضا باختلاف، ورفيعة المرأة والعبد ففي رفيعة كل ~~واحد من هؤلاء للولاية اختلاف صرح به الأثر الصحيح، بشرط أن يكون كل واحد ~~من الرافعين عالما بالولاية والبراءة. # لكن على العدو دليل ... العلما ... تفصيل ما جاؤوا به ... ليعلما ~~PageV01P147 الاستدراك من قوله: (أو شهادة عدلين) في الأبيات المتقدمة أن ~~ينقسم الرافعون للولاية والبراءة إلى قسمين: ضعفاء وعلماء، فإما الضعفاء ~~فعليهم تفصيل ما رفعوا من الولاية والبراءة، فإذا قالوا: إن فلانا ولي أو ~~عدو مستوجب ms106 للبراءة فإنه لا يجوز لك أن تتولى أو تتبرأ بقولهم هذا حتى ~~يفصلوا، أي يبينوا الأعمال التي استوحب بها هذا المعين الولاية أو البراءة، ~~فتنظر فيها أنت فيها إن كانت موجبة لهما. وعلة ذلك المنع أن الضعيف لا ~~يعرف|| الأمور التي توجب البراءة؛ وقيل: يقبل قولهم من غير تفصيل، والعلة ~~فيه ثقتهم وعدالتهم، على أنهم لا يقولون بشيء <161> غير معلوم عندهم، حكاه ~~الشيخ ناصر بن أبي نبهان. # وأما العلماء وهم العالمون بأصول الولاية والبراءة وأحكامها فليس عليهم ~~تفصيل أي تبيين فيما رفعوا من ولاية أو براءة، بل يجب قبول قولهم ولو ~~مجملا؛ اللهم إلا أن يكون هؤلاء العلماء رفعوا البراءة من رجل عند وليه على ~~غير وجه الشهادة عليه بها، فإنهم يكونون بذلك مبطلين عنده مخلوعين بتلك ~~الرفيعة حتى يتوبوا أو يأتوا بشاهدي عدل على تصديق ما قالوه، أو أربعة شهود ~~في الزنى. ويستثنى من هذا المقام ما إذا كان المتولي مشاهدا لحدث وليه فلم ~~يعرف الحكم فيه، فقال العالم: إن هذا الحدث مكفر||، وأن صاحب هذا الحدث ~~كافر، وأن فلانا كافر بحدثه كذا وكذا، فكل هذا من العالم فتوى تقوم به ~~الحجة على المتولي بكسر اللام على ترك ولاية المتولى بفتحها أو يتوب من ~~حدثه ذلك، فإن برئ العالم من ولي هذا المتولى بالحدث الذي شاهده منه من غير ~~تبيين ولا فتوى فلا يجوز لأحد ولا يلزمه أن يبرأ من العالم بسبب براءته ~~من|| وليه بحدثه الذي علمه منه. PageV01P148 # فإن قيل: ما الفرق بين الحالتين فقد ألزمتموه وجوب البراءة من وليه في ~~الحالة الأولى ولم تجوزوها له في الحالة الثانية. # في الجواب [كذا، لعل الصواب: فالجواب] أن العالم في الحالة الأولى مفت ~~والحجة قائمة من فتواه، وفي الحالة الثانية حاكم، ولا يجوز لأحد أن يحكم ~~بحكم الحاكم حتى يعلم <162> الحكم في ذلك الشيء لعلم الحاكم فيه، والله أعلم. # فصل # في أحوال الولي بالظاهر|| # وفي ولي وجبت ... ولايته ... على الورى، سريرة براءته # إن وجبت عليك، والذي ... نطق ... بها جهارا للبراءة ms107 استحق # ومن يبح براءة من ... نفسه ... فهالك، وهو حري|| ... بخسه # الأولياء بحكم الظاهر على صنفين: # - فصنف تجب لهم ولاية على العموم من أهل الدار. # - وصنف لا تجب لهم ولاية على العموم، وإنما تجب على الخصوص ممن عرف منهم ~~الموافقة، وسيأتي بيان الحكم فيهم. PageV01P149 # فأما أهل الصنف الأول فلا يجوز لأحد البراءة منهم جهرا وإن أتوا ما ~~يستوجبون به البراءة في حكم الظاهر إذا لم يشتهر منهم ذلك، وإنما على من ~~علم منهم ذلك الحدث أن يبرأ منهم سرا، ولا يجوز له أن يظهر البراءة منهم مع ~~أحد من الناس إلا مع من علم كعلمه فيهم، وهذا معنى قول الناظم: (سريرة ~~براءته إن وجبت عليك). وأشار بقوله: (والذي نطق بها...) إلخ إلى حكم من ~~أظهر البراءة من أهل هذا الصنف عند من لم يعلم كعلمه فيهم، فحكم ذلك أنه ~~مستحق للبراءة منه ممن سمع منه ذلك القول، لأنه في حكم الظاهر قاذف لوليه، ~~والقاذف للولي مستحق للبراءة، وإن كان هو في السريرة صادقا، لأنه لا يحل له ~~أن يخالف الحكم الظاهر، وليس له أن يأتي بفعل يبيح به من نفسه البراءة لأحد ~~<163> من الناس؛ ومن أتى بفعل يبيح من نفسه البراءة فهو هالك في الآخرة ما ~~لم يتب من ذلك الفعل، وسبب هلاكه أنه قد خالف ما أمر الله به من وجوب تجنب ~~المضلات في الظاهر، ومن خالف ما أوجب الله عليه فهو هالك. # ومعنى (حري) بتخفيف الياء للوزن حقيق، أي وهو حقيق بتلك الخسة التي ~~أنزل نفسه فيها. # وإن يكن من الألى|| ... لم تلزم ... ولاية لهم على الكل اعلم # فبعضهم وسع، ما لم ... تعلم ... ولاية، والبعض من ذا ... يحتمي ~~PageV01P150 هذا هو الصنف الثاني من صنفي الأولياء بحكم الظاهر، وهم الذين ~~لم تجب لهم ولاية على الكل لكن على الخصوص ممن علم منهم الموافقة في الدين ~~بالقول والعمل، فإذا علم أحد من أهل هذا الصنف ما يستوجبون به البراءة منهم ~~عند من لم تعلم لهم ولاية عنده، فبعضهم وسع في إظهار ms108 البراءة منهم عند من ~~لم يعلم منه أنه يتولاهم، لأن الأصل عدم ثبوت ولايتهم على أحد من الناس، ~~وبعضهم منع من إظهار البراءة منهم مخافة أن يصادف من يتولاهم فيكون المتبري ~~منهم مبيحا من نفسه البراءة عند ذلك المتولي لهم؛ وأقول: إن هذا الاحتمال ~~مع قربه لا يفيد المنع من إظهار البراءة منهم، ولا يكون المتبري منهم عند ~~من لم يعلم أن يتولاهم مبيحا من نفسه البراءة، لأنه إذا وسعه أن يتبرأ منهم ~~وإن على قول لبعض المسلمين <164> فليس للمتولي لهم أن يبرأ من هذا المتبرئ ~~منهم الآخذ بقول من أقوال المسلمين، نعم إن أخبره بأن ذلك الذي يتبرأ منه ~~ولي له فعلى هذا أن يكف عن البراءة منه عنده، فإن أصر عليها بعد ذلك كان ~~حينئذ مبيحا من نفسه البراءة عند من يتولاه، ووجه ذلك أن من يدعي ولاية أحد ~~من الناس فهو مصدق في دعواه ما لم ينزل من يدعي هو ولايته منزلة من تجب ~~البراءة منه بالشهرة، أو تقوم عليه البينة بحدثه المكفر، والله أعلم. # وإن يكن كفرانه ... مشتهرا ... لا بأس إن بكفره قد ... جهرا PageV01P151 ~~المراد بالكفران: الفعل الموجب للبراءة، والمراد بالكفر ما يشتمل النفاق ~~والشرك، والمعنى: إذا كان الفعل الموجب للبراءة مشتهرا بين الخاص والعام ~~فلا بأس على أحد بإظهار البراءة منه، لأنه قد نزل في منزلة لا يصح لأحد أن ~~يتولاه عليها ولو كان في الأصل قبل الحدث ممن تجب على الخلق ولايته، أو ممن ~~تمكن ولايته لأحد من الناس دون غيره. والمدعي لولايته بعد شهرة حدثه غير ~~مسموع فلا حجة له على المتبرئ منه، ولا حرمة لذلك المتبرإ منه، لقوله - صلى ~~الله عليه وسلم - : «مالكم وللمنافق؟ قولوا فيه ما فيه»، ولقوله - صلى الله ~~عليه وسلم - : «أذيعوا بخبر الفاسق ليحذر الناس شره». # وأشار بقوله: (ولا بأس...) إلخ إلى أن إظهار كفر من اشتهر كفره جائز لا ~~واجب، فالأمر في الحديثين إنما هو <165> للإباحة لا للوجوب، والله أعلم. # ومتبر من ولي لك ... قل ... بكفره إن لم ms109 يتب عما ... فعل # أي إذا كان لك ولي، فبرأ منه متبرئ فعليك أن تبرأ منه بعد أن تستتيبه فلم ~~يتب. قال الشيخ ناصر بن أبي نبهان: «إذا قذف وليك قاذف استتبه، فإن امتنع ~~فنبهه بوجوب التوبة عليه، فإن امتنع فحينئذ عليك أن تتبرأ منه». قلت: ~~والاستتابة قبل البراءة مستحسنة، وفي وجوبها اختلاف من الفقهاء كما سيأتي ~~إن شاء الله تعالى في الباب الرابع من هذا الركن. # وفي ولي ترك الفرض ... اقتفي ... عذرا له، إن لم تجد قف # ثم استتبه إن يكن منك ... قبل ... ولتبر إن لم يرجعن عما ... عمل ~~PageV01P152 أي إذا أحدث الولي حدثا، فلا يخلو ذلك الحدث من أحد أمرين: إما ~~أن يكون فيه حق لله جل فقط، أو لله وللعباد معا؛ وسيأتي بيان الأمر الثاني ~~إن شاء الله تعالى، فإن أحدث حدثا فيه الحق لله وحده، كترك فريضة من صلاة ~~أو صيام أو نحو ذلك فاقتفي أي اتبع العذر له في ذلك، فإذا احتمل له وجه ~~عذر من نسيان ونحوه فهو على احتماله حتى يصح بطلانه، ولا يجوز لك أن تبرأ ~~منه على هذا، فإذا انقطع العذر وارتفع الاحتمال، والمختار أن تستتيبه فإن ~~تاب رجع إلى ولايته، وإن امتنع فعليك أن تبرأ منه ولا يجوز لك التمسك ~~بولايته ولا الوقوف عنه في هذه الحالة. # <166> وإن أتى الولي ما لله ... به ... حق وللعباد كالقتل انتبه # توله، والبعض منهم ... يقف ... عنه وفي البراءة منه ضعف # كذاك إن أتى بفعل ... حجرا ... في أصله وعارض الحل يرى # هذا إذا [ما] كان فعله ... احتمل ... حقا وباطلا وإلا حيث ... حل ~~PageV01P153 أي إذا أحدث الولي حدثا يكون الحق فيه لله وللعباد كقتل النفس ~~ونحوه، فلك فيه ثلاثة طرق إذا لم يصح عندك أن فعله ذلك حق، أو يصح أنه ~~باطل، فإن صح حقه فليس إلا الولاية، وإن صح باطله فليس إلا البراءة، وهذا ~~هو معنى قول الناظم: (هذا إذا ما كان...) البيت إلخ. ومعنى قوله: (وإلا حيث ~~حل) أي: وإن لم يحتمل حقه وباطله فأنزله ms110 حيث نزل من حق أو باطل. أما قوله: ~~(كذا إذا أتى[كذا]...) إلخ ففيه الإشارة إلى حكم الولي إن أتى فعلا محجورا ~~في الأصل، لكن يصح أن تكون الإباحة فيه عارضة، فأشار إلى أن حكم الولي عند ~~هذه الحالة كحكمه فيما إذا أتى بفعل فيه لله حق ولعباده حق أيضا، أي فلك ~~فيه الطرق الثلاثة. فمثال ما كان أصله محجورا والإباحة فيه ممكنة لعارض هو ~~أن ترى وليك يأكل لحما من يد مجوسي فإن اللحم من يده حرام في الأصل لمن لم ~~يعلم أن المذكي لذلك اللحم ممن تجوز ذكاته، والإباحة فيه ممكنة لاحتمال أن ~~يكون الذابح هو غير المجوسي، فمن هنا صح في هذا الموضع <167> الطرق ~~الثلاثة: # - الطريق الأول: إبقاؤه على حالته الأولى من الولاية، وعليه الإمام أبو ~~علي رضي الله تعالى عنه، وصححه الإمام أبو سعيد رضي الله تعالى عنه في ~~الاستقامة، وذلك أن ولايته وقعت بيقين، ولا يزيل اليقين إلا يقين مثله. # - الطريق الثاني: الوقوف عنه بالرأي لما دخل فيه من الإشكال مخافة أن ~~تتولى محدثا، قال الإمام أبو سعيد رضي الله تعالى عنه: «وهو أسلم» يعني أن ~~الوقوف أسلم، أي أقرب إلى السلامة. PageV01P154 # - الطريق الثالث: البراءة منه على أنه أتى محجورا في حكم الظاهر حتى يصح ~~أنه أتاه على وجه من وجوه الحق، وعليه الإمام موسى بن أبي جابر حيث قال: ~~«أتولى المقتول وأبرأ من القاتل» وقد ضعف هذا الطريق جدا الإمام أبو سعيد ~~في الاستقامة، يراجعه من أراد الوقوف عليه. فإذا ادعى هذا القاتل على ذلك ~~المقتول بعد قتله دعوى يصح بها تحليل دم المقتول، كأن يقول: إنه ارتد عن ~~الإسلام، أو جاءه ليقتله فسبقه، أو أدركه على امرأته فقتله ونحو ذلك، فإن ~~كان المقتول وليا، ففي كل هذا يكون القاتل قاذفا|| مخلوعا عن حكم الإسلام ~~حتى يأتي بشاهدي عدل تصديقا لمقالته في غير الزنى، وبأربعة شهود في الزنى. ~~وإن كان المقتول غير ولي فلا بأس على من قال فيه شيئا من ذلك إلا إذا رماه ms111 ~~بالزنى فإن القاذف بالزنى مخلوع شرعا، سواء كان المقذوف وليا أو غير ولي ~~حتى يحضر الشهود على ذلك، والله أعلم. # <168> وفي وليين تخالفا ... بما ... يوجب كفر واحد فابتهما # تولى بالرأي وإن شئت ... فقف ... وقوف رأي إن يكونا في ضعف # وإن يكونا عالمين ... تلزم ... ولاية المحق فيما نعلم # وأجبن براءة من ... المصر ... وقيل: من يتوله ... عذر PageV01P155 إذا ~~اختلف المختلفان في الدين فلا يجوز أن يكون كلاهما محقين، ويجوز أن يكون ~~كلاهما مبطلين، وأن يكون أحدهما محقا والآخر مبطلا، فإذا وقع ذلك في حضرتك ~~أو معك علمه، فلا يخلو هذان المختلفان من أحد أمرين، إما أن يكونا غير ~~وليين لك فيما تقدم فأنت في سلامة من أمرهما، اللهم إلا أن يكون المحق ~~منهما عالما فيقيم الحجة عليك ببطلان من خالفه، فحينئذ يجب عليك أن تبرأ من ~~المبطل على المذهب المختار. أو يكون الحدث في الجملة فلا يسع الجهل بضلال ~~المضل. أو يكون الحدث في شيء من تفسيرها فأنت على ما تقدم من الاختلاف. # وإن كانا وليين لك فيما تقدم، فلا يخلوان من أحد أربعة أمور: إما أن ~~يكونا ضعيفين معا أو عالمين معا، أو المحق عالما والمبطل ضعيفا أو العكس. # ? فإن كانا ضعيفين معا فلك في أمرهما طريقان: # - الطريق الأول: تنزيلهما من ولاية الدين إلى ولاية الرأي. PageV01P156 # - الطريق الثاني: أن تقف عنهما وقوف رأي، ومعنى وقوف الرأي أن تعتقد أنك ~~واقف عنهما <169> لما عرض لك من الأمر المشكل بحيث لا يجوز أن يكونا فيه ~~كلاهما محقين، وتعتقد مع ذلك أنك تتولى المحق منهما وتتبرأ من المبطل. ~~فينبني على ما ذكرنا أنك إذا توليتهما برأي يجوز لك أن تدعو لهما كما كان ~~للولي، بشريطة... (¬1) ، وإذا وقفت عنهما بالرأي لا يجوز لك أن تدعو لهما ~~بما يستحقه الولي حتى يتبين المحق منهما فتواليه والمبطل فتعاديه، وإن كان ~~كلاهما عالمين فلا يجوز لك إلا أن تتولى المحق منهما على ما كان عليه من ~~ولاية الدين، وتبرأ من المبطل بدين، وهذه إحدى طريقتين فيه. والطريقة ~~الثانية: ms112 لا يلزمك البراءة من المبطل منهما إذا لم يتبين لك ضلاله بل يجوز ~~لك أن تتولاه برأي، وأن تقف عنه برأي، وهذه الطريقة موقوفة على شرطين: # - أحدهما: أن لا تجمع المختلفين في ولاية الدين. # - وثانيهما: أن لا تتبرأ من المحق منهما لأجل قوله بالحق، وأن لا تقف عنه ~~برأي ولا دين. # ? وإن كان المحق عالما والمبطل ضعيفا، فهما بمنزلة أن لو كانا عالمين. # ? وإن كان المبطل عالما والمحق ضعيفا فهما بمنزلة أن لو كانا ضعيفين، ~~والله أعلم. # ومن تولى محدثا ... لفعله ... قالوا: فذاك هالك ... كمثله # ¬__________ # (¬1) - ... يبدو أن في العبارة نقصا. PageV01P157 # لا يجوز لأحد أن يتولى محدثا حدثا من الأحداث القبيحة على حدثه ذلك، ومن ~~فعل ذلك فهو هالك كمثل المحدث فيطلق عليه من التسمية ما يطلق على المحدث. ~~قال تعالى: {فلم <170> تقتلون أنبئآء الله من قبل} (¬1) وكان هؤلاء ~~المخاطبون في زمن خاتم الرسل - صلى الله عليه وسلم - ولم يقتلوا نبيا ~~بأيديهم وإنما سماهم قتلة لولايتهم آباءهم القاتلين، وقال تعالى: {ومن ~~يتولهم منكم فإنه, منهم} (¬2) فقد حكم ربنا تعالى في هذه الآية على المتولي ~~بحكم المتولى فجعلهم سواء في الضلالة، والله أعلم. # الباب الثالث من الركن الثالث # في الوقوف وأقسامه وأحكامه # وقوف دين رأي أو ... سؤال ... إشكال أو شك على ... ضلال # الوقوف اصطلاحا هو الإمساك عن الدخول في ولاية أحد بعينه، وعن الدخول في ~~البراءة منه، فيسمى الممسك عن ذلك واقفا. وأقسامه خمسة: - وقوف الدين. - ~~ووقوف الرأي. - ووقوف السؤال. - ووقوف الإشكال. - ووقوف الشك. فهذه خمسة ~~وقوفات كلها جائزة إلا الأخيرة منها. # بدأ الناظم بوقوف الدين لكونه أصل الوقوفات، ولأنه المجتمع عليه وعلى ~~وجوبه دون الثلاثة التي تليه، فإنه مختلف في ثبوتها وفي وجوبها. # وثنى بوقوف الرأي لكون الرأي جزءا من الدين، فهو عند من رأى ثبوته واجب ~~لا يجوز تركه في موضعه عنده. # وثلث بوقوف السؤال لكونه أخص مطلقا من وقوف الرأي، وملازما له، فبعض من ~~أوجب وقوف الرأي أوجب وقوف السؤال، ونفاه آخرون منهم. # وعقبه بوقوف الإشكال لكونه أخص ms113 من وقوف الرأي أيضا، ففي <171> بعض صور ~~وقوف الرأي يكون وقوف الإشكال، وفي بعضها لا يوجد. # وختم بوقوف الشك ليتمكن من بيان حكمه، كما أشار إلى ذلك بقوله: (أو شك ~~على ضلال). # ¬__________ # (¬1) - ... سورة البقرة: 91. # (¬2) - ... سورة المائدة: 51. PageV01P158 # فالدين في كل فتى لم ... تعهد ... خيرا وشرا منه كيما ... تقتدي # هذا بيان وقوف الدين، وبيان محله. فأما وقوف الدين فهو الكف عن ولاية ~~معينة وعن البراءة منه كما تقدم. وأما محله فإنه يكون في كل مكلف لم تعلم ~~منه من أعمال الخير ما يوجب الولاية ولا من أفعال الشر ما يوجب البراءة، ~~فإن حكم مثل هذا الشخص الوقوف وجوبا، فلا يسعك فيه إلا ذلك لأن الوقوف على ~~ولاية المجهول محجور دينا؛ وكذا الإقدام على البراءة منه. # ومعنى قوله: (كيما تقتدي) أي لتقتدي بما علمت منه، أي لم يتقدم لك فيه ~~علم خير يوجب الولاية ولا علم شر يوجب البراءة فتقتدي بما علمت فيه، ف«ما» ~~في قوله: (كيما) زائدة، والله أعلم. # والرأي في الولي إن ... تسنما ... أمرا عليك حكمه قد أبهما # قيل: والسؤال مع ذا ... يلزم ... فهو حليف الرأي مع من ... ألزموا ~~PageV01P159 وقوف الرأي هو أن تقف عن الذي تقدمت له عندك ولاية بسبب ركوبه ~~أمرا أشكل عليك حكمه، واستتر عنك علمه، فلا تدري أهو حق فتواليه عليه، أو ~~باطل فتعاديه عليه، فإن أصحابنا من أهل المشرق رحمهم الله <172> تعالى ~~جوزوا لك في هذه ا لحالة الوقوف عن وليك حتى تعلم حكم حدثه، وسموا الوقوف ~~بهذا المعنى وقوف الرأي، وبعض من أجاز ذلك أوجب على الواقف أن يسأل عن حكم ~~حدث وليه حتى يخرج عن حيز الإشكال إلى مقام البيان. وسموا الوقوف بالرأي مع ~~اعتقاد السؤال عن حكم الحدث وقوف سؤال، وهذا معنى قوله: (وقيل: والسؤال...) ~~البيت. وأما قوله: (فهو حليف الرأي) أي فوقوف السؤال ملازم لوقوف الرأي عند ~~الذين قالوا بلزومه، أي لا يكون وقوف السؤال عند القائلين به إلا وهو مصاحب ~~لوقوف الرأي، فإن كان مع وقوف الرأي اعتقاد سؤال سمي ms114 وقوف سؤال ووقوف رأي. ~~وإن تجرد وقوف الرأي عن اعتقاد السؤال فيسمى وقوف رأي ليس إلا، والله أعلم. # وفي وليين تلاعنا ... احكم ... وقوف إشكال إذا لم يعلم # بطلان كل منهما ... والشك ... أن تولي غير من ... يشك PageV01P160 وقوف ~~الإشكال هو الوقوف عن الوليين إذا فعلا فعلا يوجب كفر أحدهما، وذلك مثل أن ~~يلعن بعضهما بعضا، أو يبرأ بعضهما من بعض، ولم يعلم أيهما المبطل وأيهما ~~المحق في ذلك فإن الواجب على من يتولاهما إذا سمع منهما ذلك أن يقف عنهما ~~لهذا الإشكال الذي هما فيه، فإنه لا بد من بطلان أحدهما، فإذا تولاهما معا ~~كان <173> لا شك واقعا في ولاية مبطل، وإذا تبرأ منهما معا خيف عليه الوقوع ~~في البراءة من المحق، هذا على قول من أثبت وقوف الإشكال من أصحابنا، وهم ~~المشارقة رحمهم الله. ومن أوجب اعتقاد السؤال عند وقوف الرأي أوجبه هنا ~~أيضا، لكن لا على معنى التجسس عن المبطل من الوليين، وإنما يعتقد السؤال ~~عندهم في هذا الموضع لقصد الخروج عما وقع فيه من الحال. فإذا عرفت هذا ~~فاعلم أن وقوف الإشكال أخص مطلقا من وقوف الرأي يصدق على الوقوف عن الوليين ~~إذا أحدثا حدثا لا يكونان فيه محقين، فلم يعلم من المبطل منهما، ويصدق على ~~الوقوف عن الولي إذا أحدث حدثا لا نعرف حكمه. ووقوف الإشكال لا يصدق إلا ~~على الوليين إذا أحدثا حدثا لم يدر أيهما المبطل فيه. وتسمية الكل اصطلاح، ~~ولا مشاححة في الاصطلاح. # أما قوله: (والشك...) إلخ فهو إشارة إلى بيان حقيقة وقوف الشك، وعرفه ~~بأنه ترك ولاية من لا يشك مثل شكك، أي: فوقوف الشك هو أن تقف عن شيء وتترك ~~ولاية من دخل فيه، بشرط أن يكون ذلك الشيء لا يوجب بطلان الداخل فيه. وحكم ~~هذا الوقوف أنه محرم لما يدخل فيه من ترك ولاية المحق لأجل حق دخل فيه، ~~وترك ولايته بهذا المعنى حرام، فوقوف الشك أيضا حرام. والله تعالى أعلم. # الباب الرابع من الركن الثالث # في أقسام <174> الذنوب، ومعرفة الصغائر ms115 والكبائر منها PageV01P161 ناسب ~~ذكر هذا الباب في هذا الركن إنما هو لأجل ما يترتب على معرفة الصغائر ~~والكبائر من أحكام الولاية والبراءة إنما هو منحصر في معرفة الصغائر ~~والكبائر، فالعالم بالصغائر والكبائر عالم بالولاية والبراءة، ولا يكون ~~عالما بالولاية والبراءة وإن أحاط بأقوال العلماء فيها حتى يكون عالما ~~بالصغائر والكبائر. هذا وأما البابان اللذان يليان هذا الباب إنما هما معا ~~بمنزلة الجزء من الكل، وبمنزلة التفصيل مع الإجمال، فإن كلا منهما في بيان ~~بعض مخصوص من الكبائر وفي بيان أحكام ذلك، لكن لما كانت تلك الكبائر ~~المذكورة في البابين مختصة من بين سائر الكبائر بأحكام تترتب عليها أفردهما ~~في التراجم كما لا يخفى ذلك على متأمل منصف، والله أعلم. # ولما كانت جزئيات الكبائر والصغائر يفوت حصرها أخذ في بيان الفرق بينهما ~~إجمالا ليستدل الواقف عليها بهذا الإجمال الذي ذكرته العلماء. وقد أخذوا في ~~تعريف الكبائر وعرفوها بحدود كثيرة أصحها ما أشار إليه الناظم بقوله حيث قال: # والذنب قسمان: كبير ... وجبا ... حد به والباري منه غضبا # فأوجب اللعن عليه أو ... سخط ... أو قبح الرسول من به ... سقط ~~PageV01P162 ينقسم الذنب إلى صغير وكبير، فأما الصغير فسيأتي بيانه، وأما ~~الكبير <175> فهو الذنب الذي ثبت لفاعله بسببه حد في الدنيا كالزنا والسرقة ~~وشرب الخمر، أو وعيد في الآخرة، وهو ما أشار إليه الناظم بقوله: (والباري ~~منه غضبا)، وذلك مثل العقوق والربا. ويدخل تحت هذا النوع ما ترتب على فاعله ~~بسبب فعله اللعن كالشرك في قوله تعالى: {أولئك جزآؤهم, أن عليهم لعنة الله} ~~(¬1) ، وكذلك أيضا ما اقترن بسخط من الله تعالى فوصفه بأنه كبير أو عظيم، ~~وذلك كما في قوله تعالى: {إنه, كان حوبا كبيرا} (¬2) ، {سبحانك هذا بهتان ~~عظيم} (¬3) . وكذلك يدخل تحت هذا النوع أيضا الذنب الذي قال فيه رسول الله ~~(ص): «قبح الله فاعل كذا» فإن هذا التقبيح ونحوه لا يصدر من الشارع إلا على ~~ما كان كبيرا من الذنوب، والله تعالى أعلم. # وعكسه الصغير مثل ... الكذب ... إن خف والرقص ومثل ... اللعب # ¬__________ # (¬1) - ... سورة ms116 آل عمران: 87. وتمام الآية: {أولئك جزآؤهم, أن عليهم ~~لعنة الله والملآئكة والناس أجمعين} # (¬2) - ... سورة النساء: 2. # (¬3) - ... سورة النور: 16. PageV01P163 # الصغير من الذنوب هو عكس الكبير، فيقال في تعريفه هو الذي لم يثبت على ~~فاعله حد في الدنيا ولا وعيد في الآخرة. وأنكر بعضهم وجود الصغائر، ونسب ~~هذا الإنكار إلى ابن عباس، فروي عنه أنه قال: «كل معصية يعصى الله بها ~~كبيرة» لا إنكارا|| لحكمها فإن حكمها ثابت بنص الكتاب ليس لأحد رده. وبعض ~~أصحابنا قال بوجود الصغائر، وأنكر تعيينها في الخارج، فمعه أنها <176> ~~موجودة غير معلومة للبشر، قال: ولو عينت لكان تعيينها إغراء بارتكابها من ~~حيث إنها معفو عنها باجتناب الكبائر. وذهب جمهور أصحابنا من أهل المشرق إلى ~~أنها موجودة في الخارج معلومة للبشر، ومثلوا لها بالكذب الخفيف وبالرقص ~~وباللعب الغير المباح، وهذا معنى قول الناظم: (مثل الكذب إن خف...) إلخ، ~~والمراد بالكذب الخفيف هو الذي لم يبطل به حق، ولم يعطل به حكم، فإن ترتب ~~عليه أحد هذين المذكورين فليس بالخفيف، ويكون حينئذ من كبائر الذنوب. ~~والمراد باللعب الغير المباح: هو اللعب الذي لم ترد من الشارع إباحته، فإن ~~ما كان منه مباحا فليس بمعصية، وذلك مثل ملاعبة الرجل لفرسه وقوسه وعرسه ~~وولده الصغير، وما أشبه ذلك، ولربما خرجت هذه الأشياء وما أشبهها من حد ~~الإباحة إلى حد الندبية، وربما خرجت من حد الإباحة إلى حد التحريم بحسب ~~النية، والله تعالى أعلم. # ومن أصر بصغيرة ... فكمن ... أتى الكبير في الكتاب ... والسنن ~~PageV01P164 للصغائر من الذنوب أحكام، كما أن لكبائرها أحكاما أيضا، فمن ~~أحكام الصغائر ما هو مشترك بينها وبين الكبائر، وهو كون الإصرار عليها ~~كبيرة، فإن كون الإصرار كبيرة موجود في الصغائر والكبائر ومن أحكامها، وهو ~~مختص بها دون الكبائر، وبيانها عند قول الناظم: (والحكم <177> للراكب|| ~~ذنبا صغرا||...) البيت. فأما الإصرار|| على الصغيرة فإنه يصيرها كبيرة من ~~كبائر الذنوب، لقوله تعالى: {ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون} (¬1) بعد ~~قوله تعالى: {والذين إذا فعلوا فاحشة او ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا ~~لذنوبهم..} ms117 الآية فإن قوله: {ولم يصروا} معطوف على قوله: {ذكروا الله ~~فاستغفروا لذنوبهم}، أي ذكروا عقاب الله، فحملهم ذلك على طلب الغفران ~~والإقلاع عن الذنب، وفعل ذلك واجب بعد فعل فاحشة وبعد ظلم النفس. ووجوب ذلك ~~قطعي لهذه الآية وغيرها، فوجوب المعطوف عليه قطعي لذلك. هذا تحرير ~~الاستدلال بالآية، وفيه نظر لا يخفى على متأمل، ووجه ذلك النظر أنه لو سلم ~~وجوب ترك الإصرار لما ذكرها هنا فليس فيه دليل على تحريمه في الصغيرة، لأنه ~~إنما سيق في مقام الإقلاع عن الفاحشة وظلم النفس وهما كبيرتان فالأحسن ~~الرجوع إلى الاستدلال بالسنة وإجماع الأمة على أنهم لا يجتمعون على ضلالة ~~بنص الشارع على ذلك. # ¬__________ # (¬1) - ... سورة آل عمران: 135. PageV01P165 # فمن السنة الصريحة في ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - : «هلك المصرون ~~قدما إلى النار»، وفي حديث: «لا صغيرة عند إصرار، ولا كبيرة عند توبة ~~واستغفار» وهذه الأحاديث وإن كانت آحادية الإسناد فمعناها مستفيض في الأمة، ~~وعليه أطبقت كلمة العلماء، فلا نجد فيهم من يحلل الإصرار <178> أصلا، ولا ~~من يقول إن الإصرار صغيرة، والله أعلم. # وراكب الكبير توبه ... فإن ... أبى إلى الله ببغضه فدن # وبعضهم ضلله ... وتوبا ... ثم استمر إن عن الثوب ... أبى # هذا بيان حكم الكبائر من الذنوب. # اعلم أن للكبائر أحكاما، منها ما يكون في الآخرة وهو الخلود في النار ~~والعياذ بالله، وقد تقدم بيان هذا الحكم في باب الوعد والوعيد، ومنها ما ~~يكون في الدنيا، وهذا النوع ينقسم إلى قسمين: # - أحدهما: ما يكون من العقوبات العاجلة على فاعل ذلك، كالقطع في السرقة ~~والجلد والرجم في الزنى والجلد في الخمر ونحو ذلك، ومحل هذا القسم في الفقه ~~فلا حاجة لذكره هنا. # - وأما القسم الثاني: فهو ما يتعلق من أحكامها بالاعتقاد، وهو المراد ~~بقول الناظم: (وراكب الكبير...) البيتين، وحاصل ما فيهما أن العلماء ~~اختلفوا في راكب الكبيرة من الذنوب على مذهبين: # - المذهب الأول: أن فاعل الكبيرة يستتاب من فعله، فإن تاب قبل منه، وإن ~~أصر على معصيته وامتنع من التوبة برئ منه، وهذا ms118 معنى قول الناظم: (توبه...) إلخ. # ومعنى (أبى) أي امتنع. ومعنى قوله: (إلى الله ببغضه فدن) أي اعتقد بغضه ~~دينا لله تعالى، وهذا المذهب هو اختيار الإمام أبي سعيد رضي الله عنه، ~~ومقتضى ظاهره أن فاعل الكبيرة يستتاب قبل البراءة منه، كان وليا فعلها أو ~~غير ولي. PageV01P166 # <179> - المذهب الثاني: أن فاعل الكبيرة يبرأ منه من حين فعله ذلك ثم ~~يستتاب فإن تاب قبل منه وإن أصر مستمرا على ذنبه استمر على البراءة منه، ~~وهذا معنى قول الناظم: (وبعضهم ضلله...) إلخ، أي وبعض العلماء حكم بضلال ~~فاعل الكبيرة واعتقد البراءة منه قبل أن يستتيبه ثم استتابه من بعد ذلك، ~~ولا بد من الاستتابة عند الفريقين على من قدر عليها، لأنها من باب الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، ويسقط فرضها عمن لا يقدر على فعلها؛ والخلاف في ~~وجوبها على القادر الآيس من قبول الفاعل لها، كل ذلك تخريج على مذاهبهم في ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والله أعلم. # والحكم للراكب ذنبا ... صغرا ... إسلامه حتى يرى ... مستكبرا # قد تقدم بعض أحكام الصغائر وهو الحكم المشترك بينها|| وبين الكبائر، وهذا ~~محل بيان الحكم الخاص لها. # اعلم أن الحكم الخاص بالصغائر نوعان: دنيوي وأخروي، فأما حكمهما الأخروي ~~فهو أنها مغفورة باجتناب الكبائر، لقوله تعالى: {إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون ~~عنه نكفر عنكم سيئاتكم} (¬1) ، ولقوله تعالى: {الذين يجتنبون كبآئر الاثم ~~والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة} (¬2) ، واللمم هي صغائر الذنوب، ~~وأما حكمها الدنيوي فهو أنه يحكم لفاعله ببقائه على الإسلام، فلا يضلل ولا ~~يفسق حتى يعلم منه <180> إصرارا عليها، وهذا معنى قوله: (حتى يرى مستكبرا) ~~أي حتى يعلم منه استكبار عن طاعة الله وعدم انقياد لأمر الله. # ثم إن الناظم أخذ في بيان حقيقة الإصرار فقال: # والخلف في الإصرار للصغير ... هل ... إذا مضى ولم يتب من العمل # أو إن يكن أتاه ... باستخفاف ... والثاني عندهم بلا ... خلاف # ¬__________ # (¬1) - ... سورة النساء: 31. # (¬2) - ... سورة النجم: 32. PageV01P167 # أي اختلف العلماء في بيان حقيقة الإصرار الذي تصير به الصغائر كبائر، ~~ويستحق فاعله التضليل ms119 والتفسيق، فقال قوم: إن الإصرار على الذنب هو الإقامة ~~عليه وترك الإقلاع عنه، ومثل هذا المذهب ما يروى عن السدي حيث قال: إن ~~الإصرار الاستمرار. # وذهب آخرون إلى أن الإصرار على الذنب هو فعله بقصد الاستخفاف له ~~واستحقاره، وهذا الوجه لا خلاف بينهم أنه إصرار، وإنما الخلاف في الوجه ~~الأول، أما إذا أتى الذنب مستخفا لنهي الله عنه فهو والعياذ بالله شرك ~~فافهم الفرق بين الاستخفاف للذنب وبين الاستخفاف لنهي الله عنه فإنه مزلة ~~الأقدام. # وعن الحسن أن إتيان الذنب عمدا إصرار، وعليه فهو مذهب ثالث، وتحرير ~~المقال أن فاعل الصغيرة لا يبرأ منه حتى ينزل منزلة لا خلاف بين العلماء ~~أنها إصرار، لأن المختلف فيه لا يعد دينا. والله تعالى أعلم. # والخلف في الولي إن ... أتاه ... فبعضهم في حكمه رآه # <181> ولم يتوبه وبعض ... ذهبا ... إلى الوقوف قبل أن يتوبا # وبعضهم أحسن ظنه ... به ... وبعد ذا استتابه من ... ذنبه # الهاء من قوله: (أتاه) عائدة إلى الذنب الصغير لا إلى الإصرار كما يعلم ~~مما تقدم أن الإصرار كبيرة، والمعنى أن العلماء اختلفوا في الولي إذا أتى ~~الذنب الصغير، فذهب بعضهم إلى أن باق على ولايته غير محتاج إلى أن يستتاب ~~من ذنبه، وهذا معنى قوله: (فبعضهم في حكمه رآه ولم يتوبه)، والمراد ب(حكمه) ~~أي الحكم الذي كان عليه قبل ذلك الفعل وهو الولاية، وهذا مذهب هو أصح ~~المذاهب فيه. # وذهب قوم إلى الوقوف عنه بالرأي حتى يستتاب فإن تاب قبل منه ورجع إلى ~~ولايته، وإن أصر برئ منه. PageV01P168 # وذهب آخرون إلى أنه لا يوقف عن ولايته، ولكن يحسن به الظن ويستتاب من ~~ذنبه، فإن تاب قبل منه، وإن أصر برئ منه، والله سبحانه وتعالى أعلم. # الباب الخامس من الركن الثالث # في شيء من الكبائر وأحكام القاذف # وغيبة المؤمن ... والتجسس ... والقذف في الكل حرام ... أسسوا # ذكر في هذا البيت من الكبائر ثلاثة أنواع: # أحدها مختص بكونه|| كبيرا في المؤمن لا ما عداه، والنوعان الآخران مشترك ~~في حجرهما المؤمن والكافر، وهما التجسس والقذف ms120 بالزنى. # فأما الأول فقد استدل على أنه محجور في المؤمن خاصة بقوله عز وجل: {ولا ~~<182> يغتب بعضكم بعضا} (¬1) والخطاب للمؤمنين كما يعلم من أول الآية. # والغيبة في المنافق والمشرك مباحة لمفهوم الآية، ولقوله - صلى الله عليه ~~وسلم - : «أذيعوا بخبر الفاسق ليحذر الناس شره». ولفظة الفاسق يشترك فيها ~~المنافق والمشرك. واشترط في هذا أن يكون المتكلم غير متلذذ بغيبة هؤلاء، بل ~~يكون ناويا فيه تحذير الناس من أن يقعوا في أحبولة غدره، كما يعلم من ~~الحديث. # النوع الثاني: التجسس، وهو السؤال عن أحوال الغير لقصد الاطلاع على ~~عوراته، وحكمه أنه محجور في المؤمن والكافر، وإنما قلنا إن التجسس هو ~~السؤال عن أحوال الغير لقصد الاطلاع على عوراته ليخرج نحو ما ذكره الإمام ~~أبو سعيد رضي الله عنه أن في من خرج مستخبرا عن المؤمنين الماضيين ليسلك ~~منهاجهم، وعن الفسقة وأهل الأحداث ليجتنب اعوجاجهم أنه لا بأس عليه إذا كان ~~على هذا القصد، وهذا عنده غير تجسس، فإذا صادف ما تجب به الولاية لمعين ~~تولاه به، أو براءة لمعين تبرأ منه به. # النوع الثالث: وهو نوعان: # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الحجرات: 12. PageV01P169 # - النوع الأول: قذف بزنى، وهو محجور في الكل، أي من مسلم وكافر، قال الله ~~تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم ياتوا بأربعة شهدآء...} الآية (¬1) . # - النوع الثاني: قذف بمكفرة غير الزنى، وهو محجور في المؤمنين خاصة، ~~ويلحق بهم مجهول الحال، لأن التكلم فيه كذب صريح، وقد تقدم ذكر هذا <183> ~~النوع في باب الولاية والبراءة، والمقصود في هذا الباب بيان أحكام فاعل ~~النوع الأول. # وقاذف الولي إن حرا ... وإن ... عبدا وإن صبيا|| كفره ركن # وإن يكن حرا ولم يكن ... ولي ... وبالغا كان فمثل ... الأول # القاذف بالزنى له أربع منازل: # - المنزلة الأولى: يكفر فيها من حينه اتفاقا. # - المنزلة الثانية: يختلف في كفره، إلا بعد الامتناع من التوبة. # - المنزلة الثالثة: لا يكون فيها كافرا من حينه حتى يصر على قذفه اتفاقا. # - المنزلة الرابعة: لا يكون فيها كافرا أبدا ما لم يكن مفتريا في قوله، ~~فإن كفره إذن ms121 من حيث الافتراء، وسيأتي تفصيل كل من الثانية والثالثة ~~والرابعة على التوالي. # وأما المنزلة الأولى، وهي التي يكفر فيها القاذف من حينه فتقع في موضعين: # - الموضع الأول: إذا قذف القاذف وليا، سواء كان ذلك الولي حرا أو عبدا أو ~~صبيا، ذكرا أو أنثى، كانت ولايته واجبة على أهل الدار جميعا، أو على أحد ~~مخصوص، فيقذفه مع وليه، وهذا معنى قول الناظم: (فكفره ركن) أي علم. # وأما الحر والعبد فقد تقع لهما ولاية من خاصية أنفسهم. # ¬__________ # (¬1) - ... سورة النور: 4. وتمامها: {فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا ~~لهم شهادة ابدا وأولئك هم الفاسقون} PageV01P170 وأما الصبي فولايته بولاية ~~أبيه بإجماع. وقد اختلف في ولايته بأمه هل هي واجبة أو لا ؟ قولان؛ هذا ما ~~عليه الأصحاب في هذا المقام. والذي يظهر لي من غير قصد خلاف لهم أن قاذف ~~الصبي لا يكون بنفس القذف فاسقا، وإن كان الصبي <184> وليا، لأن الزنى من ~~الصبي نفسه إذا تيقن صدوره منه لا يخرجه عن حكم الولاية، لارتفاع التكليف ~~عنه، وإذا لم يكن الصبي بذلك فاسقا فالقاذف له بذلك لا يكون في حكم القاذف ~~لمن هو يفسق بذلك، والله أعلم. # - الموضع الثاني: إذا قذف القاذف حرا بالغا من أهل الإقرار ولم يكن ذلك ~~المقذوف وليا فهو كالحكم الأول، أي يكفر ذلك القاذف من حينه. # وانتصب حرا وعبدا وصبيا على أن كل واحد منهن خبر لكان محذوفة مع اسمها، ~~تقديره: إن كان الولي حرا وإن كان عبدا وإن كان صبيا. # وإن يكن المقذوف عبدا ... أو صبي ... غير وليين ومشركا أبي # فالخلف في تكفيره من ... قبل ... تتويبه مما أتى من ... فعل # هذه المنزلة الثانية وهي التي يختلف في كفر القاذف فيها من حينه، أي قبل ~~الامتناع عن التوبة، وتقع في ثلاثة مواضع: # - الأول: إذا كان المقذوف عبدا غير ولي. # - الثاني: إذا كان المقذوف صبيا غير ولي. # - الثالث: إذا كان المقذوف مشركا. فإذا نزل القاذف بهذه المنزلة صح فيه ~~ما علمت من الاختلاف في كفره، فذهب قوم إلى أنه يكفر من حين ms122 ما قذف. وذهب ~~آخرون إلى أنه لا يكفر إلا بعد الامتناع عن التوبة والإقامة على فعله ذلك. # ومعنى قول الناظم: (أبي) أي ممتنع، فهو اسم فاعل من أبى يأبى <185> إذا ~~امتنع، وكان على الناظم أن يقف بالألف على (صبي) و(أبي) بدلا من التنوين ~~الواقع بعد فتحه كما عليه الجمهور، وإنما عدل عن ذلك آخذا بلغة ربيعة لأن ~~من لغتهم عدم الإبدال في الوقف على المنصوب. PageV01P171 # وإن يك المقذوف مجهولا ... فلا ... تحكم بكفر قاذف ... مستعجلا # هذه ا لمنزلة الثالثة، وهي التي إذا نزل بها القاذف لا يحكم بكفره قبل ~~الامتناع عن التوبة، وذلك متى ما كان المقذوف مجهول الحال، أي لا يعلم أهو ~~ولي أو غير ولي، حر أم عبد، صبي [أم] بالغ، مسلم أو مشرك، فإذا نزل القاذف ~~بهذه المنزلة فهو على حالته الأولى، أي التي كان عليها قبل القذف حتى يعلم ~~حال المقذوف فيحكم على القاذف بما يستوجبه، أو يصير القاذف على ما كان عليه. # وانتصب (مستعجلا) على الحالية من فاعل (تحكم). # والقذف عند مشرك لم ... يوجب ... كفران آتيه إذا لم يكذب # كذاك مع من لم يكن ... مكلفا ... بحكمه مثل صبي ... فاعرفا # هذه المنزلة الرابعة، وهي التي إذا نزل بها القاذف لا يكون كافرا أصلا من ~~غير اختلاف فيما علمناه، وتقع في موضعين: # - الموضع الأول: إذا كان القذف عند مشرك يستحل القذف. # - الموضع الثاني: إذا كان القذف عند من لم يكلف بحكمه كالصبي والمجنون. ~~ويشترط في هذه المنزلة أن يكون القاذف غير كاذب فيما قال به، فإن كان <186> ~~كاذبا فلا إشكال أنه كافر بكذبه وبهتانه. # هذا إذا ما القذف كان ... بالزنى ... أو يحضر الشهود في ذا ... معلنا ~~PageV01P172 هذا الحكم الذي ذكرناه في القاذف من أول الباب إلى هنا إنما هو ~~في القذف بالزنى، وذلك كأن يقول: فلان زان، وابن زانية، أو نحو ذلك. أما ~~القذف بغير الزنى فلا تدخل فيه هذه الأحكام المذكورة هنا، واعلم أن القاذف ~~بالزنى إذا أحضر الشهود على صدق قوله، فشهدوا أنهم رأوا فرج المقذوف ms123 في ~~المرأة كالميل في المكحلة فلا يبرأ منه حينئذ، وإنما يبرأ من المقذوف، ~~ويقام عليه بذلك الحد، فإن لم يحضر الشهود برئ منه على حسب ما مر، وأقيم ~~عليه حد القاذف. ولا يجزي من الشهود في هذا المقام دون أربعة عدول ليس فيهم ~~امرأة، فإن شهد ثلاثة ولم يشهد الرابع كانوا جميعا قذفة، وأقيم عليهم الحد. ~~وكذا إن شهد ثلاثة معهم امرأة أو امرأتان أو أكثر. والله تعالى أعلم. # الباب السادس # في انقسام الكبائر إلى كفر نعيم وجحود # وبه يتم الكلام على الركن الثالث إن شاء الله. # والكفر قسمان: جحود ... ونعم ... وبالنفاق الثاني منهما وسم # وامنعه في الأول حتما وهو ... ما ... لرد تنزيل ومرسل ... نما # أي تنقسم الكبائر من الذنوب إلى قسمين: كفر جحود وكفر نعم. PageV01P173 # - فأما <187> الأول، ويسمى شركا، فهو ما كان سببه رد تنزيل، أي رد كتاب ~~من كتب الله التي أنزلها على رسله، سواء رد جميعها أو صدق ببعضها ورد ~~البعض، أو صدق بها كلها ورد آية منها، أو حرفا واحدا، أو حكما واحدا؛ ففي ~~جميع ذلك يكون الرد شركا، وكذا ما كان بسببه رد مرسل، أي رسول من رسل الله ~~الذين أوحي إليهم بالتبليغ، سواء كان الرد لجميع الرسل أو لبعضهم، أو لحكم ~~واحد منهم، ففي جميع ذلك يكون الرد شركا. وفي حكم الرسل الأنبياء، فإنه يجب ~~تصديقهم بأنهم أنبياء، وأن الله قد أوحى إليهم، والمكذب لواحد منهم مشرك ~~إجماعا، ويدخل تحت هذين النوعين أعني رد الكتب ورد الرسل جميع أنواع ~~الشرك فإنه من صدق بالرسل والكتب ولم يرد شيئا منها كان سالما من الشرك، ~~سواء كان عاملا بمقتضاها أو تاركا له، ولا يكون المشرك مشركا إلا برده حكما ~~من أحكام الله، أو كتابا من كتب الله، أو بتكذيبه رسولا من رسل الله. ومن ~~هنا اختلف في المشبهة المصدقين للرسل والكتب لكنهم أظهروا التشبيه وصرحوا ~~بالتجسيم، فقال قوم: هم منافقون غير مشركين لتسترهم بالتأويل، وعدم ردهم ~~للتنزيل؛ وذهب قوم إلى أنهم مشركون، لأن تأويلهم قد خالف ms124 نص الكتاب، فهم ~~بذلك في حكم الرد للنص القطعي؛ والخلاف موجود في كتب الأصحاب وكتب قومنا. PageV01P174 # - وأما القسم الثاني <188> وهو كفر النعمة فهو ما كان من الكبائر، وليس ~~فيه رد لتنزيل، ولا تكذيب لرسول، فإن هذا النوع يسمى كفر نعمة، ويسمى أيضا ~~نفاقا، وهذا معنى قوله: (وبالنفاق الثاني منهما وسم) أي علم، أي سمي القسم ~~الثاني من قسمي الكفر بالنفاق، ولا يجوز إطلاق اسم النفاق على الشرك، فلا ~~يسمى المشرك منافقا، كما لا يسمى المنافق مشركا، وهذا معنى قوله: (وامنعه ~~في الأول)، أي امنع اسم النفاق في القسم الأول من قسمي الكفر، فإنه لا يجوز ~~إطلاقه عليه، وإنما امتنع إطلاق كل واحد من الاسمين على مسمى صاحبه لما أنه ~~يترتب على كل واحد منهما من الأحكام ما لا يترتب على الآخر، فللمنافق أحكام ~~تخالف أحكام المشرك، وكذا للمشرك أحكام تخالف أحكام المنافق؛ فالمنافق ~~يناكح ويوارث، ويعامل في الدنيا بأحكام المؤمنين، إلا في مواضع مخصوصة، وهي ~~رد شهادته وترك ولايته ووجوب البراءة منه وحل قتله وإضاعة ماله إذا صدر منه ~~بغي ولم يقدر على رده عن بغيه إلا بذلك. # وأما أحكام المشرك فقد تكفل الناظم ببيانها فقال: # واحكم برجس أهله على ... الأبد ... واغتنمن في الحرب منهم ... السبد # واسب ذراريهم ... وحرم ذبحهم ... تناكحا توارثا منا لهم # وهكذا منهم لنا ... سواء ... في الحرب أو بجزية هم ... جاءوا # اعلم أن لأهل الشرك أحكاما تخالف <189> أحكام أهل النفاق بحكم الظاهر: PageV01P175 # - أحدها: أنه يحكم برجس أهله، والرجس بكسر الراء وسكون الجيم: القذر، قال ~~في القاموس: «ويحرك وتفتح الراء وتكسر الجيم» انتهى (¬1) . ولا يصلح في ~~البيت إلا الوجه الأول الذي قدمناه، ويطلق اسم الرجس على كل ما استقذر من ~~الأعمال المؤدية إلى سوء العاقبة، وليس هذا من غرضنا، فإن المشرك والمنافق ~~مشتركان فيه، قال تعالى في المنافقين: {إنهم رجس ومأواهم جهنم} (¬2) ، ~~وإنما غرضنا الوجه الأول لا غير، وهو القذر، ونعني به عدم الطهارة، فإن ~~المشركين منعدمون من طهارة التوحيد فيحكم عليهم بالرجس، وكذلك ما مسوه من ~~الرطوبات، ms125 قال تعالى: {إنما المشركون نجس} (¬3) . واختلف في المشرك إذا دخل ~~في التوحيد هل عليه اغتسال بالماء أولا وقد طهره التوحيد. # - وثانيها: أن اغتنام أموالهم في الحرب، أي إذا كانوا حربا للمسلمين ~~حلال، بخلاف المنافقين فإنه لا يحل غنم أموالهم. # و(السبد) في قول الناظم هو المال، قال ابن وصاف: «وقوله: ما له سبد ولا ~~لبد، فالسبد: المال، ما كان من ذهب وفضة وعقار، واللبد: الحيوان ما كان من ~~جمال أو أو بقر وغنم وضأن» انتهى. # - وثالثها: حل سبي ذراريهم في الحرب أيضا إذا كانوا من غير مشركي العرب، ~~وفي الأثر: فإن قال لأي علة يحل بها سبي الأطفال وهم ممن ليس عليهم ذنب، ~~قيل له: ذكروا في ذلك ثلاثة أوجه ليجروهم <190> إلى الإسلام، فيكون ذلك ~~سببا لدخولهم فيه، وذلك أنفع لهم، والثاني: نظرا بهم حين قتل آباؤهم لئلا ~~يموتوا هزالا. والوجه الثالث: تقوية لبيت المال. والله أعلم. انتهى. # ¬__________ # (¬1) - ... الفيروزآبادي: القاموس، ص 493، مادة: «رجس». # (¬2) - ... سورة التوبة: 95. # (¬3) - ... سورة التوبة: 28. PageV01P176 # - ورابعها: تحريم ذبائحهم إن كانوا غير أهل الكتاب، فلا يجوز لأحد أن ~~يأكل منها. # - وخامسها: تحريم مناكحتهم. # - وسادسها: تحريم موارثتهم. فقوله: (منا لهم) أي يحرم علينا أن نزوجهم ~~مسلمة، وأن نورثهم من مسلم. وقوله: (وهكذا منهم لنا): أي يحرم علينا أن ~~نتزوج منهم مشركة أو نرث منهم مشركا، فالحكم في التناكح والتوارث واحد، ~~كانوا حربا للمسلمين أو أعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. # فتلخص مما ذكرنا أن أحكام أهل الشرك قسمان: أحدهما متعلق وجوده بوجود ~~غيره، وهو اغتنام أموالهم وسبي ذراريهم فإن تحليل كل منهما متعلق بوجود ~~الحرب فقط. وثانيهما لم يتعلق وجوده بوجود غيره، وهو ما عدا القسم الأول. ~~ثم هذا نوعان: أحدهما مختص بهم فقط، وهو النجاسة والذبح، ألا ترى أنا لا ~~يجوز لنا أن نأكل من ذبائحهم مع جواز أن نطعمهم من ذبائحنا. وثانيهما غير ~~مختص بهم دوننا فيهم وهو التناكح والتوارث، ثم لا يخفى أن غالب هذه الأحكام ~~إنما هو مختص بذوي الأوثان من المشركين، فإنهم هم الذين لا ms126 يقبل منهم إلا ~~الإسلام أو السيف، وهذا معنى قوله: (سواء في الحرب أو بجزية هم جاءوا) إذ ~~المعنى أن هذه|| الأحكام متعلقة بهؤلاء المشركين <191> كانوا حربا للمسلمين ~~أو دانوا بأداء الجزية، لأن الجزية لا تقبل منهم، كما سيأتي ذكره، فسواء في ~~حكمهم دانوا بأدائها أو لم يدينوا به. أما ما عدا أهل الأوثان من المشركين ~~فيختصون بأحكام أشار الناظم إليها فقال: # والذبح من أهل الكتاب ... جوزا ... مع النكاح دون حرب جوزا # ويرفع الحرب لجزية ... أتت ... منهم وفي المجوس حكمهم ثبت # إلا الذباح والنكاح ... فهما ... محرمان في المجوس ... فاعلما ~~PageV01P177 يختص أهل الكتاب من اليهود والنصارى والصابئين بأحكام ليست في ~~أهل الأوثان من المشركين، ويشاركهم في بعض تلك الأحكام المجوس، فأما اليهود ~~والنصارى فلا خلاف بين أحد من المسلمين أنهم أهل الكتاب، والخلاف في ~~الصابئين، والمختار عند أصحابنا أنهم أهل كتاب، فتجرى عليهم أحكام أهل ~~الكتاب. # - فأحد تلك الأحكام: قبول الجزية منهم إذا أتوها عن يد وهم صاغرون؛ ~~وبقبولها يرفع الحرب عنهم، ويصيرون أهل ذمة. والجزية هي أربعة دراهم في كل ~~شهر على الغني، ودرهمان على المتوسط، ودرهم على الفقير، يأتي بها من وجبت ~~عليه إلى القائم بأمر المسلمين، ولا يجزي عنه أن يأمر غيره أن يؤديها عنه ~~لقوله تعالى: {عن يد وهم صاغرون} (¬1) . ولا شيء على المفلس، ولا جزية على ~~امرأة أو عبد أو طفل أو شيخ أو حبر أو مجنون <192> أو راهب. # - وثانيها: أنهم إذا صاروا أهل ذمة حلت ذبائحهم للمسلمين. # - وثالثها: أنهم إذا صاروا أهل ذمة أيضا حل نكاح حرائرهم للمسلمين أما ~~إماؤهم فلا، ويشاركهم المجوس في قبول الجزية منهم وإعطاء الذمة لهم، لقوله ~~- صلى الله عليه وسلم - : «سنوا بهم سنة أهل الكتاب». أما حل ذبائحهم ~~وتجويز التزوج منهم فلا يشاركونهم فيهما، فالمجوسي لا تحل ذبيحته وإن أعطى ~~الجزية؛ وكذا لا يحل تزوج المجوسية للمسلم وإن كانت في ذمة وحكم أهل الكتاب كلهم. # وحكم المجوس فيما عدا الأمور التي ذكرتها حكم المشركين من أهل الأوثان، ~~وكذا يكونون مثلهم في ms127 جميع أحكامهم المتقدم ذكرها إذا لم يعطوا الجزية عن ~~يد وهم صاغرون فإنهم يقاتلون على ترك الإسلام حتى يسلموا أو يؤتوا الجزية ~~عن يد وهم صاغرون. ويترتب على حربهم غنم أموالهم، وسبي ذراريهم، وتحريم ~~ذبائحهم، ومناكحتهم، والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) - ... سورة التوبة: 29. PageV01P178 # ثم إنه أشار إلى بيان الحكم الذي يختص به أهل الأوثان من المشركين فقال: # والمشركون من ذوي ... الأوثان ... ليس لهم واق سوى ... الإيمان # هذا بيان الحكم المختص بعبدة الأوثان من المشركين، وهم الذين ليسوا أهل ~~الكتاب، وإنما نصبوا تصاوير وتماثيل، واعتقدوا أنها آلهة، فعبدوها من دون ~~الله، أو عبدوها مع الله تعالى، كما كان ذلك في المشركين <193> العرب قبل ~~الإسلام، فحكم هؤلاء أنهم يقاتلون على تركهم الإسلام، ولا يقبل منهم جزية، ~~ولا يعطون ذمة، ولا يرفع عنهم الحرب حتى يظهروا الإسلام، وهذا معنى قوله: ~~(ليس لهم واق سوى الإيمان) أي لا يمنعهم من الحرب شيء غير تصديق الرسول ~~عليه الصلاة والسلام، والانقياد لحكمه. # كذاك حكم راجع عن ... دينه ... وآخذ بالشرك عن ... يقينه # المراد بالراجع عن دينه هو الخارج عن الإسلام إلى شيء من ملل الكفر أو ~~الجاحد لشيء مما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وليس المراد بالراجع ~~عن دينه ما يعم المرتد عن الإسلام إلى إحدى ملل الكفر، والتارك للدين كان ~~عليه كالنصراني يترك ملة عيسى واليهودي يترك ملة موسى لأن ملل الكفر كلها ~~ملة واحدة. والمراد بالآخذ بالشرك المتردد في توحيده الغير الجازم به أي ~~حكم المرتد عن دين الإسلام وحكم التارك لدينه الذي كان عليه، وحكم المتردد ~~في توحيده الشاك فيه حكم عبدة الأوثان من المشركين لا تقبل منهم جزية، ولا ~~يرفع السيف عنهم حتى يسلموا. وفي حكم هؤلاء الجاهل المشرك بجهله، فإنه لا ~~يقبل منه إلا الإسلام أو السيف، والله سبحانه وتعالى أعلم. # الركن الرابع # في التوبة # وفيه أربعة أبواب. # <194> ختم الأركان بهذا الركن تفاؤلا بحسن الخاتمة، فإن من ظفر بالتوبة ~~ختاما لعمله فقد ظفر، ختم الله لنا بها وتقبلها منا، آمين. # الباب الأول ms128 PageV01P179 في التوبة وأركانها وشروطها # أي في بيان أحكام التوبة، وبيان أركانها وشروطها التي تتوقف عليها صحتها. # توبتنا قسمان: فرض ... وجبا ... لمن عصى والثاني نفل ... ندبا # تنقسم التوبة بالنظر إلى حكم الشارع فيها إلى قسمين: واجب ومندوب. # - فأما الواجب فهو التوبة من المعصية، وهذا معنى قوله: (فرض وجبا لمن ~~عصى) أي: على من عصى، سواء كانت معصيته صغيرة أو كبيرة، فإن التوبة من ~~النوعين واجبة. والمراد بالتوبة من الصغيرة هو ترك الإصرار عليها، فإن ~~الإصرار عليها كبيرة كما مر. والمراد بالتوبة من الكبيرة هو ما يأتي من ~~بيان أركانها. # - وأما المندوب من القسمين فهو توبة من لم تصدر منه معصية، فإن الندم على ~~التقصير، وإن لم يفض إلى معصية، وقصد عدم العود إليه، وانكسار النفس عند ~~ذكره، وطلب الغفران له مندوب شرعا؛ والله سبحانه وتعالى أعلم. # أركانها: ندم مع ... استغفار ... والعزم والرجوع ... بانكسار # أركان التوبة التي تحصل بها حقيقتها للتائب هي: أربعة أشياء، ثلاثة منها ~~متفق عليها، فلا بد من حصولها للتائب، وهي الندم والإقلاع عن الذنب، وقصد ~~<195> أن لا يعود إليه. وواحد مختلف فيه، فأوجب بعضهم حصوله للتائب، ولم ~~يوجبه آخرون، وهو الاستغفار باللسان، أي طلب الغفران باللفظ. # فأما الندم فهو الحزن على ما وقع من المعصية، فلا بد منه قطعا، على أنه ~~هو أصل الأركان وأساسها، وعنه تنشأ بقيتها، ومن هنا قصر الشارع التوبة ~~عليها، فقال: التوبة الندم. # والمراد بالعزم في قول الناظم: القصد على عدم العودة إلى الذنب، فإن قاصد ~~العودة إليه مصر. # والقصد بعدم العودة هو الذي نعده ركنا للتوبة لا عدم العودة نفسه، كما ~~قاله بعض قومنا. PageV01P180 # والمراد بالرجوع هو الإقلاع عن الذنب، والمراد بالانكسار تذلل النفس ~~لمالكها، وخوفها من أليم عقابه، والله سبحانه وتعالى أعلم. # وأصلها امتثال أمر ... الباري ... ومنتهاها الحط ... للأوزار # المراد بأصلها هو الأمر الباعث لفعلها. والمراد بمنتهاها هو ثمرتها التي ~~تترتب على حصولها، أي أصل التوبة الذي يبعث لفعلها هو امتثال أمر ربنا ~~تعالى، فإن العبد إذا نظر إلى أوامر الله تعالى ms129 وإلى مناهيه، وعزم على ~~امتثال ذلك انبعثت نفسه، وتحرك خاطره إلى تدارك ما ترك من المأمورات، ~~والإقلاع عما ارتكب من المنهيات، وأورثه ذلك الامتثال الندم على ما فات من ~~الزلات، فالتجأ إلى الله تعالى طالبا لغفران الخطايا والسيئات، فكان ذلك ~~منه هو التوبة بعينها. فإذا حصلت له هذه الخصال انتهى به الحال إلى بلوغ ~~<196> مراده، وهو غفران ذنوبه وستر عيوبه، وحط أوزاره، وهذه الخصلة هي ثمرة ~~التوبة وغايتها، والرتبة التي ينتهي إليها الراجع عن عصيانه بالنظر إلى أول ~~أحواله. أما ما يكون له من الثواب الجزيل والعطاء الجليل، فذلك أمر أسداه ~~إليه محض الفضل وسعة الرحمة بسبب امتثال قوله تعالى: {وتوبوا إلى الله ~~جميعا ايها المومنون} (¬1) . عاملنا الله بفضله، وأدخلنا في واسع رحمته، ~~إنه كريم رحيم، والله سبحانه وتعالى أعلم. # والتوب مثل الذنب عن ... نبينا ... سرا وجهرا هكذا قد بينا # فالعجب والكبر معا ... والحسد ... كذا الرياء توبتها أن تفقد # وهكذا العزم على ... الكفران ... فالحق أنه من ... العصيان # يجب أن تكون التوبة في الإسرار والإعلان مثل المعصية، فإن كانت المعصية ~~من الأعمال الباطنية فالتوبة منها سترا يجزيه، فإن أعلن بها فذلك نفل. # ¬__________ # (¬1) - ... سورة النور: 31. PageV01P181 # وإن كانت المعصية من الأفعال الظاهرة كشرب الخمر وأكل الميتة ونحو ذلك ~~فلا تجزي التوبة عنها إلا جهرا لقوله - صلى الله عليه وسلم - : «إذا عملت ~~سيئة فأحدث توبة، السر بالسر والعلنية بالعلنية». # فإذا عرفت هذا فاعلم أن العجب والكبر والحسد والرياء من المعصيات ~~الباطنية، فالتوبة منها إزالتها بالكلية، وصرفها بعلاجاتها الباطنية، ولا ~~يلزم الإعلان بالتوبة منها، وهذا معنى قوله: (توبتها أن تفقد) أي <197> ~~توبة هذا [كذا] الأمور هو إعدامها من نفس المأمور. # ورفع (تفقد) على لغة قوم يهملون أن المصدرية، ولا يعملونها، ومثل هذه ~~الأمور في صفة التوبة، منها العزم على الفسوق، فإن العزم على ذلك من ~~المعاصي الباطنة، فيجزي في التوبة منها الرجوع عما عزم عليه، والندم على ما ~~كان منه، وهذا معنى قوله: (وهكذا العزم على الكفران) والمراد بالكفران هو ~~ما عدا الشرك من ms130 المعاصي. # أما العزم على الشرك فقد صرح الشهاب بن حجر من قومنا أنه شرك ووجهه أن ~~العازم على الشرك لا يخلو من أحد أمور: إما أن يكون عزمه ذلك من أجل تعصب ~~الشرك أو القدح في الإسلام، أو لتردد في التوحيد، أو الجهل بما يلزمه علمه ~~من التوحيد، والكل من هذه الأمور شرك. ويحتمل أنه أراد أن نفس العزم على ~~الشرك شرك|| مع قطع النظر عن هذه الأمور، وهو ظاهر عبارته، والله أعلم. # وأما قوله: (فالحق أنه من العصيان) أي فالقول الحق أن العزم على الكفران ~~معصية، خلافا لمن قال إنه ليس بمعصية، والله سبحانه وتعالى أعلم. # ولم يرد تائب من ... ذنبه ... حتى يرى الموت دنا من قربه # أو تطلع الشمس من المغرب ... قد ... أتى عن المختار فيما قد ... ورد ~~PageV01P182 أي وعدنا ربنا تعالى بقبول التوبة، فلا يرد تائب عن ذنبه من ~~قبولها إذا أتى بها في وقتها الذي تقبل فيه، <198> ووقتها الذي تقبل فيه هو ~~العمر كله، إلا في موضعين: # - أحدهما: وقت الغرغرة بالموت، ومشاهدة أسبابه، فإن التائب في هذا الوقت ~~لا تقبل منه توبته إذا كان قبل ذلك الوقت مصرا، لأن توبته حينئذ لا عن ~~اختيار منه لها، وإنما كانت منه اضطرار لما تيقن من حضور الموت وانقضاء ~~الدنيا عنه، والدليل على ذلك قوله تعالى: {وليست التوبة للذين يعملون ~~السيئات حتىآ إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الان} (¬1) ، وقوله - صلى ~~الله عليه وسلم - : «إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر». وروى عطاء أنها ~~تقبل قبل موته ولو بفواق ناقة. # - والموضع الثاني: وقت طلوع الشمس من مغربها علامة لقيام الساعة، وهو بعض ~~آياتها، وقد قال تعالى: {يوم ياتي بعض ءايات ربك لا ينفع نفسا ايمانها لم ~~تكن امنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا} (¬2) ، وقال - صلى الله عليه ~~وسلم - : «التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها»، وفي حديث آخر: «للتوبة ~~باب بالمغرب مسيرة سبعين عاما، لا يزال كذلك حتى يأتي بعض آيات ربك: طلوع ~~الشمس من ms131 مغربها». وفي حديث آخر: «إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب ~~مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من ~~مغربها»، ومعنى يبسط يده أي يسدي نعمته ويسبلها على من توجه إليه تائبا، كل ~~ذلك ترغيب للعباد في المسارعة إلى التوبة والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) - ... سورة النساء: 18. # (¬2) - ... سورة الأنعام: 158. PageV01P183 # <199> وإنما كانت التوبة لا تقبل بعد طلوع الشمس من مغربها لأن بطلوعها ~~يتيقن انقضاء الدنيا وفناؤها وقدوم الآخرة وبقاؤها، فتوبة التائب ضرورية لا ~~اختيارية، ومن هنا لم تقبل توبة فرعون، لأنه إنما تاب بعد تيقن الهلاك، ~~وبعد علمه بانقضاء دنياه، وفي ذلك الحين {قال ءامنت أنه, لآ إله إلا الذي ~~ءامنت به بنو إسرآءيل وأنا من المسلمين} (¬1) فقيل له على جهة الإنكار ~~عليه: {ءالان وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين} (¬2) ؛ وهلاك فرعون ورد توبته ~~مما أطبقت عليه الأمة ودلت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، فما ~~نسب إلى ابن العربي من قومنا من أن فرعون مؤمن شهيد مخالف للكتاب والسنة ~~وخارق لإجماع الأمة، فلا يلتفت إليه، والله سبحانه وتعالى أعلم. # فقاتل المؤمن عمدا ... تقبل ... توبته وهكذا المضلل # من بعد موت من أضل ... وإذا ... آلى ليبطلن حقا فكذا # وقيل أن لا توبة لهم ... وفي ... قول أبي نبهان أن ليس اصطفي # لكن على المضل أن يبلغ ... من ... أضله بما دعا ومن فتن # إن كان في مقدرة ... وإلا ... فهو حري بمتاب ... المولى # ¬__________ # (¬1) - ... سورة يونس: 90. # (¬2) - ... سورة يونس: 91. PageV01P184 # أي فإذا علمت أن التائب من ذنبه لا يرد ما لم يغرغر بنفسه أو تطلع الشمس ~~من مغربها، فاعلم أن قاتل المؤمن عمدا والداعي إلى ضلالة <200> والحالف على ~~إبطال حق تقبل جميعا توبتهم إذا جاءوا بها على شروطها، لأن الأدلة الدالة ~~على قبول التوبة قبل الغرغرة وقبل طلوع الشمس من مغربها عامة تشمل هؤلاء ~~وغيرهم، وتخصيصهم من هذا العموم مفتقر إلى دليل. وذهب بعض العلماء إلى أن ~~هؤلاء الثلاثة ليس لهم توبة، وكذا عندهم من ألحقت زوجها ولدا من غيره، ~~فهؤلاء الأربعة لا توبة لهم عند ms132 هؤلاء، وكذا قالوا فيمن قتل نبيا أو قتله ~~نبي؛ وضعف الشيخ أبو نبهان جاعد بن خميس الخروصي رضوان الله عليه تخصيص ~~عموم الآيات الواردة في قبول التوبة من جميع التائبين، فأجراها على عمومها، ~~واختار أن التوبة مقبولة ما لم يغرغر أو تطلع الشمس من مغربها، وهذا معنى ~~قوله: (وفي قول أبي نبهان أن ليس اصطفي) أي أن القول بأن هؤلاء الثلاثة غير ~~مقبولة توبتهم ليس بالمختار في قول أبي نبهان. PageV01P185 # أما قوله: (لكن على المضل...) إلخ فهو بيان كيفية توبة الداعي إلى ضلالة ~~فأجيب إليها، اعلم أن توبة من دعا إلى ضلالة فأجيب إليها مشروطة بأن يبلغ ~~من أجابه إلى تلك الضلالة بأنه تاب منها، وأنها بدعة وضلالة، فإن قبل منه ~~ذلك، وإلا فلا شيء عليه فوق ذلك، وإن لم يقدر على إبلاغ من أضله بيان ~~ضلالته بأن مات مجيبا إليها، أو غاب حيث لا يمكنه إبلاغه، فلا شيء عليه سوى ~~التوبة ، لقوله تعالى: {إن الذين فتنوا المومنين <201> والمومنات ثم لم ~~يتوبوا...} الآية (¬1) ، فإنه تعالى شرط الوعيد بعدم التوبة، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. # الباب الثاني من الركن الرابع # في أحوال التائب # والمراد بأحواله بيان ما له وما عليه بعد <202> التوبة. # فأما بيان ما عليه فأشار إليه بقوله: # وتارك فرضا لمولاه ... مضى ... كفارة وتوبة قد فرضا # عليه مع إبداله، وقيل: ... لا ... شيء سوى التوبة في ذا جعلا # وذاك مثل الصوم ... والصلاة ... <203>في حكم من حرم ... للحرمات # اعلم أن التائب من الذنب إما أن يكون ذنبه من جهة ارتكاب ما حرم الله ~~تعالى، وإما أن يكون من ترك ما فرض الله عليه. فإن كان من الأول فلا شيء ~~عليه سوى التوبة <204> اتفاقا من المشارقة، وعليه مع التوبة الكفارة مغلظة ~~في أصحابنا المغاربة، بشرط أن يكون من المحرمين لما ارتكبه، ولا كفارة (¬2) ~~عندهم على المستحل لذلك، كذا يؤخذ من استقراء قواعدهم. # ¬__________ # (¬1) - ... سورة البروج: 10. وتمامها: {فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب ~~الحريق}. # (¬2) - ... في الأصل: + «على». PageV01P186 # <205> وإن كانت معصيته بترك ما فرض الله عليه فعله ms133 كالصلاة والصوم ~~يفوتهما عمدا، فلا يخلو في تفويته لهما من أحد أمرين: إما أن يكون مستحلا ~~لتركهما، وإما أن يكون منتهكا غير مستحل|| لذلك؛ فإن كان <206> مستحلا ~~لتركها فلا شيء عليه سوى التوبة من ذلك، وإن كان منتهكا وفي اعتقاده دائن ~~بفرضيتهما عليه ففيه ثلاثة أقوال: # - أحدها: أن عليه التوبة من ذلك والكفارة عنه، وتداركه بالبدل. # - ثانيها: أن <207> عليه التوبة والبدل ولا كفارة عليه. # - ثالثها: أن لا كفارة ولا بدل، وإنما عليه التوبة فقط، وهذا معنى قوله: ~~(لا شيء...) إلخ. # ومعنى قوله: (جعلا) أي شرع ومعنى قوله: (في حكم من حرم للحرمات) أي هذه ~~الأقوال <208> إنما هي مختصة بحكم من اعتقد تحريم المحرمات شرعا، أما من ~~ترك الصوم والصلاة على جهة الاستحلال لهما فلا شيء عليه سوى التوبة من ذلك ~~لأنه يكون باستحلاله لذلك مشركا وبرجوعه عنه إلى <209> الحق مسلما، ~~والإسلام جب لما قبله {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} (¬1) ~~، والله سبحانه وتعالى أعلم. # وفي المصر إن أتى الطاعة ... هل ... له ثوابها إذ الغفران حل # أو لا أو التفصيل أولى إن ... عصى ... <210> من غير ما شرك أتى ... محصحصا # هذا بيان الطرف الثاني من أحوال التائب، وهو الجانب الذي له. وقد اختلف ~~العلماء في التائب إذا كان في حال إصراره فاعلا لطاعة، هل يعطى ثواب تلك ~~الطاعات بعد <211> التوبة أم لا ؟ ففيه ثلاثة أقوال: # - الأول: لأبي عبد الله محمد بن محبوب رضي الله تعالى عنه واختاره ابن ~~أبي نبهان: أنه يعطى ثواب طاعته. وظاهر كلامهما الإطلاق. # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأنفال: 38. PageV01P187 # - القول الثاني: للفضل بن الحواري واختاره جماعة، <212> وهو أنه لا يعطى ~~من ثواب تلك الطاعة شيئا. # - القول الثالث: لبشير، واختاره الزاملي أنه إذا كان هذا المصر حين فعله ~~للطاعة مشركا فلا ثواب له بعد التوبة على تلك الطاعة، وإن كان غير مشرك ~~فيعطى <213> بعد التوبة ثواب طاعته. # ففي المسألة إطلاقان: # - وتفصيل الإطلاق الأول: أنه يعطى ثوابها بعد التوبة مطلقا، كان حين فعل ~~الطاعة مشركا أو فاسقا غير مشرك. ms134 # - الإطلاق الثاني: أنه لا يعطى ثواب ما عمل <214> حال إصراره ولو تاب ~~وغفر له، كان حال الإصرار مشركا أو غير مشرك. # - وأما التفصيل: فهو أنه إن كان بإصراره مشركا فلا ثواب له فيما عمل من ~~الطاعات في حال شركه. وإن كان غير مشرك فله ثوابه إذا <215> تاب من إصراره. # - ولي في المسألة تفصيل آخر: هو أنه إن كانت الطاعة التي عملها مشروطا ~~صحتها بالإسلام، كالصلاة والصيام فلا ثواب لها إن عملها في الشرك لأن شرط ~~صحتها غير موجود، <216> وثواب العمل مترتب على صحته ولا صحة فلا ثواب. # وإن كانت تلك الطاعة غير مشروط في صحتها الإسلام كبر الوالدين وإقراء ~~الضيف وصلة الرحم وإغاثة الملهوف ونصر المظلوم وهكذا... فله ثوابها إذا ~~أسلم، وإن <217> عملها في الشرك؛ وكذا القول فيما عمل من الطاعات في حال ~~إصراره الذي لا يشرك به، فإنه وإن كانت تلك الطاعة مشروطا في صحتها الإيمان ~~الكامل وهو الوفاء بجميع الواجبات، فلا صحة لها بتركه، <218> فلا ثواب عليها. # وإن كانت تلك الطاعة غير مشروط في صحتها الإيمان الكامل فله على فعلها ~~ثوابها بعد توبته. # وهذا التفصيل حسن جدا، ولا يقال إنه لم يتقدمني عليه أحد، فإن الحق مقبول ~~ممن جاء به. PageV01P188 # فإن قيل: <219> لا شيء من الطاعات مشروط صحته بالإيمان الكامل، فلا وجه ~~لآخر [كذا] التفصيل، قلنا: بل له وجه ظاهر، وهو أن الفقهاء اختلفوا في ~~أشياء من الطاعات كالصلاة خلف الفاسق، فأبطلها قوم، وصححها آخرون، فالقائل ~~<220> ببطلانها يشترط في صحتها أن يكون الإمام كامل الإيمان وعلى مذهبه، ~~فتلك الصلاة غير صحيحة، فلا ثواب لها، وإن بعد التوبة على هذا التفصيل الذي ~~ذكرته، وكذا فيما أشبه ذلك والله أعلم. # <221> الباب الثالث من الركن الرابع # في توبة المحرم والمستحل # ومجمل توبة من ... يحرم ... والمستحل عكس هذا ... يلزم # والمراد بالمحرم: المنتهك، وهو الذي يفعل الذنب مع اعتقاده له أنه ذنب. ~~والمراد بالمستحل من <222> يفعل الذنب ويعتقد أنه غير ذنب لشبهة تمسك بها، ~~أو لتقليده من تمسك بالشبهة في ذلك فهو يدين ms135 بتخطئة من خالفه في ذلك، ~~فالمحرم على هذا أيسر حالا من المستحل، لأن المستحل جمع مع ارتكاب <223> ~~الذنب اعتقاد أنه غير ذنب وتخطئة من خالفه في ذلك، فمن هنا كانت توبة ~~المحرم أيسر حالا من توبة المستحل، فيجزي المحرم أن يتوب من جميع ذنوبه ~~إجمالا، ولا يجزى المستحل ذلك، لكن يلزمه التوبة <224> عن كل ما استحله، ~~فيذكر ذنوبه ذنبا ذنبا، ويتوب عن كل واحد منها توبة، وهذا معنى قول الناظم: ~~(والمستحل عكس هذا يلزم) أي يلزم المستحل في كيفية التوبة عكس ما يلزم ~~المحرم، فيلزم المحرم <225> الإجمال، ويلزم المستحل التفصيل، هذا حاصل ما ~~في الأثر. والظاهر أن لزوم التفصيل في التوبة على المستحل إنما هو تعبد خاص ~~له فيما بينه وبين الخلق، أما فيما بينه وبين الله فلا يلزمه ذلك، وإنما ~~<226> يجزيه الإجمال إذا قصد بالتوبة التوبة عن كل ذنب استحله، والله أعلم. PageV01P189 # ومن أتى أمرا على ... التحريم ... لم يجزه التوب بلا تغريم # وإن يكن أتاه ... باستحلال ... بعكسه في أعدل الأقوال # <227> وإن يكن في يده ما قد ... كسب ... عليه أن يرده لمن ... سلب # يشترط في توبة من فعل أمرا ويعتقد أنه حرام، فلزمه منه ضمان كأكل مال ~~الغير بغير إذن أن يتخلص إلى أرباب ذلك الشيء، إما يغرمه له أو يحل منهم ~~<228> ولا يجزيه التوبة منه بغير تخلص، فإن لم يقدر على التخلص دان بأداء ~~ذلك عند القدرة، فإذا حضره الموت وهو غير قادر على الخلاص أوصى به، وليس ~~عليه فوق ذلك شيء، والله رؤوف بالعباد. ولا يشترط <229> هذا الاشتراط في ~~توبة من فعل ذلك الفعل وهو مستحل له على أكثر الأقوال، وعدله الناظم هاهنا ~~لكن بشرط أن لا يكون ما أخذه بطريق الاستحلال باقيا في يده، فإنه إن كان ~~باقيا بعينه في يده ففي <230> أكثر أقوالهم أن عليه أن يرده إلى من أخذه ~~منه؛ وقيل: لا يلزمه أن يرده إليه، لأنه إنما أخذه يوم أخذه وهو مستحل له. ~~وفي قول ثالث أن على المستحل رد ما أخذه إن كان ms136 باقيا، وغرمه إن كان متلفا. ~~هذا <231> محصل ما في الأثر في هذا المقام، وعندي فيه تفصيل، هو أنه: # - إن كان المستحل مشركا، فلا يلزمه غرم ما أتلفه في حال شركه على ~~المسلمين، ولا يلزمه رد ما أخذ منهم بعد أن أسلم، ولو كان باقيا في يده لأن ~~له <232> ما أسلم عليه لأدلة ذكرتها في غير هذا الكتاب. # - وإن كان المستحل من أهل القبلة فإنه يلزمه رد ما أخذ على المسلمين ~~باستحلاله، وغرمه إن كان قد تلف من يديه، لأنه لا تحل أموال أهل القبلة ~~بنفس <233> الاعتقاد لحلها، والله سبحانه وتعالى أعلم. # وحكمه محرم حين ... فعل ... حتى يصح أنه قد ... استحل PageV01P190 أي حكم ~~أخذ أموال أهل القبله أنه محرم لأخذها، فهو محكوم عليه بغرمها، وإن ادعى ~~<234> الاستحلال لها، لأن أموال أهل القبلة في دين الله محجورة بغير إذن ~~أهلها، فيحكم على من أخذها بردها إليهم، ودعواه أنه مستحل لأخذها دعوى لو ~~صحت تسقط عنه الحكم بردها إليهم على قول بعض. # <235> وأيضا فحكم أهل الإقرار كلهم التحريم لما حرم الله، ودعواه أنه ~~مستحل تخالف أهل هذا الحكم فلا تسمع منه أنه مستحل إلا بصحة شرعية، وهي ~~شهرة أو شهادة عدلين، وذلك أن تقضي <236> الشهرة أو يشهد العدلان بأن هذا ~~الرجل قد كان على دين الأزارقة مثلا، والله أعلم. # الباب الرابع من الركن الرابع # في الأمور التي لا تلزم منها توبة # أي لعفو الله تعالى عنها بمنه، وهي أربعة أشياء: التقية، <237> والخطأ، ~~والنسيان، وحديث النفس. فعقد لكل واحد من التقية والخطإ فصلا، وعقد لحديث ~~النفس والنسيان فصلا واحدا، فلذا قال: وفيه ثلاثة فصول: # الفصل الأول # في التقية # أجز التقية بقول إن ... خلص ... <238> من نيل ضر من به القول ... يخص # وامنعها في إتلاف نفس إن ... جنى ... والخلف في إتلاف مال ... ضمنا # التقية إما أن تكون بالفعل، وسيأتي بيان حكم التقية بالفعل. # وأما التقية بالقول فتجوز في موضع وتمنع في موضع آخر، <239> ولها موضع ~~ثالث يختلف في جوازها فيه. PageV01P191 # فأما الموضع الذي تجوز فيه فهي ms137 ما إذا كان القول ليس فيه ضرر على أحد من ~~البشر، وكان المجبور قد أكره على القول به فإنه يجوز له في هذا الموضع أن ~~يدفع عن نفسه <240> ما يخشاه من القتل ونحوه بالقول الذي طلب منه، ولو كان ~~ذلك القول شركا، وهذا معنى قوله: (أجز تقية بقول...) إلخ. ومعنى قوله: (إن ~~خلص من نيل ضر...) إلخ، أي إن خلص ذلك القول من وقوع الضرر <241> في الغير ~~فهو تقييد للجواز، وجواز ما ذكرناه مأخوذ من الكتاب والسنة، فأما الكتاب ~~فقوله تعالى: {إلا من اكره وقلبه, مطمئنم بالايمان} (¬1) ، وقوله تعالى: ~~{الآ أن تتقوا منهم تقاة} (¬2) . # وأما السنة فقوله <242> - صلى الله عليه وسلم - : «عفي عن أمتي الخطأ ~~والنسيان وما حدثوا به أنفسهم وما أكرهوا عليه». ومن ذلك ما جرى لعمار بن ~~ياسر حين أخذه المشركون فلم يدعوه حتى سب رسول الله <243> - صلى الله عليه ~~وسلم - وذكر آلهتهم بخير، فلما جاء إلى النبيء - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~يا رسول الله، ما أراني إلا هلكت، فأخبره الخبر، قال: «كيف تجد قلبك؟» قال: ~~مطمئن بالإيمان، قال: «فإن عادوا فعد». # ¬__________ # (¬1) - ... سورة النحل: 106. # (¬2) - ... سورة آل عمران: 28. PageV01P192 # وأما الموضع الذي تمنع <244> فيه التقية بالقول فهو ما إذا كان القول ~~ضررا على أحد من البشر، كإتلاف نفس الغير، أو قطع عضوه، فإنه لا تجوز لأحد ~~التقية في هذا الموضع إذ لا يحل لأحد أن ينجي نفسه بضرر غيره، إذ <245> ~~ليست نفسه أولى بذلك من نفس غيره، وهذا معنى قوله: (وامنعها في إتلاف نفس ~~إن جنى) أي: وامنع التقية بالقول في موضع لا يجني فيه القول إتلاف نفس ~~الغير، وكذا حكم عضوه، ومثال ذلك أن يكره <246> جبار ذو قدرة معروف بالغشم ~~أحدا ممن يقدر عليه أن يدله على أحد من البشر ليقتله بباطل، أو ليقطع عضوه ~~بغير حق، وكان قد توعده بالقتل إن لم يدله عليه، فلا يجوز لهذا المجبور ~~<247> أن يدل الجبار على ذلك المطلوب، وإن خاف على نفسه منه. # وأما الموضع الذي يختلف فيه جواز التقية ms138 فيه بالقول فهو ما إذا كان في ~~ذلك القول إتلاف لمال الغير، كأن يدل الجبار على مال <248> لغيره أن يضيعه ~~أو يقتله الجبار، فإن بعضا قد أجاز له أن يدله على ذلك مع اعتقاد الضمان ~~له، وبعض منع من ذلك. وهذا معنى قوله: (والخلف...) إلخ. والجواز في هذا ~~الموضع أظهر من المنع، لأن المال <249> لا يقاوم النفس، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. # ولم تجز تقية ... بالفعل ... كالحرق والغرق ومثل القتل # لكن جواز ما أبيح ... للضرر ... كالأكل للميتة والدم ... اشتهر ~~PageV01P193 هذا بيان حكم التقية بالفعل. <250> وحكمها أنها لا تجوز عند ~~الأصحاب، وذلك كحرق النفس وكتغريقها وكقتلها، فإن هذه الصور كلها لا يجوز ~~لأحد أن ينجي نفسه بفعلها، لكن اشتهر عندهم جواز التقية بفعل الأشياء التي ~~أبيح فعلها للمضطر <251> كأكل الميتة والدم، وهذا الجواز وإن كان على قول ~~لبعضهم فهو مشهور في آثارهم، فيدل على أن كلامهم في منع التقية بالفعل مجمل ~~لا بد له من تفصيل، وتفصيله أن نقول: إن الفعل الذي يكره عليه الإنسان: # <252> - إما أن يكون به ضرر بالغير كحرق النفس وغرقها وقتلها. # - وإما أن يكون ليس فيه ضرر بالغير، لكن فيه إتلاف لمال الغير. # - وإما أن يكون ليس فيه ضرر للغير ولا إتلاف لماله. # فإن كان فيه ضرر بالغير <253> فهو الممنوع اتفاقا، وإن كان فيه إتلاف مال ~~الغير فيخرج فيه الخلاف المذكور في جواز التقية بالقول، بشرط ضمان ذلك ~~المتلف، والذي ليس فيه ضرر بالغير ولا إتلاف لماله نوعان: # - أحدهما: فعل لا يقبل <254> الجبر والإكراه، بمعنى أنه لا يتأتى فعله ~~عند ذلك كالزنى، فإن فعله لا يصدر إلا عن اختيار من الرجل دون المرأة، فلا ~~يحل للرجل التقية به، ولا للمرأة أن تساعد عليه. # - وثانيهما: فعل يقبل الإكراه والجبر، <255> وذلك كأكل الميتة وأكل الدم ~~وأكل لحم الخنزير، ونحو ذلك مما أبيح لنا فعله في الاضطرار إليه، فأجاز ~~التقية به قوم، ومنعها به آخرون. # وحجة|| المجيزين للتقية به أن هذه الأشياء قد أباحها الله لنا في حال ~~الاضطرار <256> لها، ومقام ms139 الجبر والإكراه مقام اضطرار، فجاز لنا لذلك، ~~وأيضا فإن الحكمة من شرعية الإباحة لفعل ما ذكر عند الاضطرار إنما هي حفظ ~~النفس، وهي حاصلة هاهنا. PageV01P194 # قال المانعون: إن إباحة ما ذكر مقيدة <257> بالاضطرار في المخمصة، فلا ~~تكون الإباحة في غير المخمصة وإن اضطر إلى فعله، قلنا: ذكر المخمصة في ~~الآية لا مفهوم له، وإنما هو جار على الأغلب من أحوال الاضطرار، فإن الغالب ~~من حال الاضطرار إلى أكل <258> ما ذكر إنما هو في حال المخمصة، والتقييد ~~بالأغلب المعتاد لا مفهوم له، لأنه لم يذكر للقيد، فبهذا التحقيق يظهر لك ~~صحة القول بجواز التقية بأكل نحو الميتة، والله سبحانه وتعالى أعلم. # ومكره جاء بما الحد ... يجب ... <259> عليه في أن لا يحد ... نستحب # إذا أكره المكلف على فعل شيء يجب على فاعله الحد، كالسرقة والزنى فهل ~~يقام عليه ذلك الحد أم لا ؟ # قال قوم: يقام عليه الحد بذلك، لأنه فعل موجبه، والتقية بفعله حرام، فلا ~~<260> يدفع عنه الحد بذلك. # وقال قوم: يدفع عنه بذلك لحصول الشبه بالإكراه، وفي حديث: «ادرؤوا الحدود ~~بالشبهات»، وهذه شبهة فلا يقام معها الحد، وهذا القول أظهر، ودليله أوضح، ~~فقول الناظم: (في أن لا يحد <261> نستحب) اختيارا لهذا القول، ومعناه أن ~~استحبابنا في عدم حده. # واعلم أن الخلاف الجاري في إقامة الحد مع التقية بنحو الزنى والسرقة لا ~~يجري في التقية بنحو قتل النفس وقطع عضو منها، لأن في هذا الفعل <262> تعلق ~~حق للعباد، فيجب عليه القود والقصاص، والخلاف المتقدم آنفا إنما هو في موجب ~~الحدود التي لم يكن للخلق فيها حق. هذا ما يظهر لي في تحرير المقام. ثم إني ~~أحسب أني وقفت على حكاية الخلاف <263> في ثبوت القود على قاتل المجبور، ~~ووجهه أن القود قد اختلف فيه هل هو حد أم حق، فعلى القول بأنه حد يسقط ~~بالشبهة ولا يسقط على القول بأنه حق للعباد، والله أعلم. # <264> الفصل الثاني PageV01P195 في الخطإ # وفع الإثم لدى الخطإ ... ومن ... ألزمه الظاهر حكما يسلمن # كالقاتل النفس ... وكالمطلق ... زوجته خطأ ومثل ms140 ... المعتق # ومما لا يؤاخذ العبد به، ولا تلزمه فيما بينه وبين الله منه <265> توبة: ~~الخطأ، وهو أن يقصد إلى فعل طاعة أو مباح، فيخطئ إلى غير مقصوده، وهو نوعان: # - أحدهما غير محاكم فيه، لكونه خاصا بنفسه، كما في الحديث [الذي] ~~يروونه|| أن رجلا أراد أن يقول: «اللهم أسكني الجنة»، فقال: «اللهم <266> ~~أسكني النار»، فاشتد ذلك عليه، فقال له النبيء (ص): «لا بأس عليك، لك ما نويت». # - وأما النوع الذي هو فيه محاكم، فهو مثل أن يقصد إلى تجديد كلمة التوحيد ~~فيخطئ منها إلى كلمة الشرك، أو يقصد إلى إظهار <267> ولاية المسلمين فيخطئ ~~منها إلى إظهار البراءة منهم، أو يقصد أن يقول لزوجته: «أنت بارة»، فيخطئ ~~إلى قوله: «أنت طالق»، أو يقصد أن يقول لعبده: «أنت صالح»، فيخطئ إلى قوله: ~~«أنت حر»، فإنه يكون في هذه <268> الصور كلها محاكما، فيحكم عليه بالكفر في ~~إظهار الكفر بالعداوة في موضع العداوة، وبالطلاق لزوجته وبالعتق لعبده إن ~~خاصماه في ذلك، وعليه هو أن يسلم للحكم الظاهر إذا حكم عليه بشيء فيجب عليه ~~<269> تجديد التوحيد وإظهار الولاية للمسلمين وتسريح الزوجة ورفع اليد عن ~~العبد، وهذا معنى قوله: (ومن ألزمه الظاهر حكما يسلمن) أي ومن ألزمه الحكم ~~الظاهر شيئا من الأحكام الشرعية فعليه أن ينقاد له وأن <270> لا يتمرد ~~عليه، والله أعلم. # الفصل الثالث # في النسيان وحديث النفس # ورفض الوزر|| لدى ... النسيان ... وهكذا وسوسة الشيطان # من بعد أن جاهده بما ... قدر ... إذ لم تكن أشد من لمح ... البصر ~~PageV01P196 <271> المراد برفض الوزر رفعه، أي رفع الإثم عن المكلف في ~~حالتي النسيان ووسوسه الشيطان للحديث المتقدم ذكره. فأما رفع الإثم في ~~النسيان فظاهر، وأما رفعه في وسوسة الشيطان، والمراد بها حديث النفس فمقيد ~~<272> بما إذا لم يقدر المكلف أن يدفع الوسوسة الحاصلة في نفسه لأنه يجب ~~عليه بذل مجهوده في دفع الوسوسة المحرمة شرعا، والمعفو عنه منها إنما هو ~~حديث النفس الذي لا يمكن المكلف دفعه، ومثال هذا الحكم في <273> رفع الإثم ~~من الأمور الحسية هو رؤيا البصر ms141 الواقعة على محجور شرعا فإن الشرع لم ~~يؤاخذنا في الخطإ في ذلك ولا فيما لم يمكننا غض النظر عنه، وليست الوسوسة ~~بالمعنى المذكور أشد من رؤيا البصر <274> على المنظور المحجور، والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. # خاتمة الكتاب # تمت بحمد الله أنوار ... العقول ... حاوية أهم شيء في ... الأصول # المراد ب(أنوار العقول) هذه المنظومة، فهو علم عليها، وإنما <275> سميتها ~~بذلك لأن موضوعها علم الاعتقادات، ومحل ذلك العلم هو الفعل، فالمتمسك بما ~~في هذه المنظومة إنما هو متمسك بنور العقل، والعادل عما لا يصح له العدول ~~فيه منها خارج من النور إلى الظلمات. <276> والمراد بقوله: (حاوية أهم شيء ~~في الأصول) أي جامعة للأمور التي لا بد منها ومن معرفتها من أصول الديانات، ~~والله سبحانه وتعالى أعلم. # عارية من وصمة ... الإخلال ... سالكة طريقة ... الكمال PageV01P197 <277> ~~معنى قوله: (عارية) أي متجردة، و(الوصمة): العيب، و(الإخلال): التقصير عما ~~لا ينبغي التقصير عنه، و(الكمال): التمام، أي تمت <278> هذه المنظومة حال ~~كونها جامعة للأهم من أصول الديانات، وعارية من عيب التقصير عما لا ينبغي ~~التقصير <279> عنه، وحال كونها سالكة الطريقة التامة من التحقيق، وواردة ~~المنهل الوافي من التدقيق، والله سبحانه وتعالى أعلم. # <280> أهديتها صرفا لكل ... طالب ... تصونه من كل قول ... كاذب # معنى قوله: (أهديتها): أي صيرتها هدية، ومعنى قوله: (صرفا) <281> أي ~~خالصة، ومعنى قوله: (تصونه) تحفظه، ومعنى قوله: (من كل قول كاذب): أي ~~اعتقاد مخالف للحق، أي صيرت هذه <282> المنظومة هدية خالصة لا أبغي عليها ~~أجرا إلا من الله لكل طالب للحق، وملتمس للهدى، والحال أنها تحفظ هذا ~~الطالب <283> من الاعتقادات الفاسدة، والله سبحانه وتعالى أعلم. # وأحمد الله على التيسير ... في ... أتم ما قد رمته من ... شرف # <284> أي أثني على الله تعالى بما هو له أهل من الجميل على تيسيره إلى ~~إتمام ما قصدت إتمامه في أتم حال، وأوفى مقام. # <285> ثم الصلاة مع تسليم ... على ... محمد المبعوث من خير ملا # وآله وصحبه ومن ... قفا ... مناهجهم على التمام ... والوفا PageV01P198 ~~ثم إني بعد حمد الله أصلي <286> الصلاة وأسلم التسليم المأمور بهما شرعا ~~على ms142 نبي هذه الأمة المبعوث من خير قوم يملؤون العين شرفا، وعلى آله ~~التابعين له وعلى صحبه <287> المناصرين له، وعلى من تبع سبيلهم غير مبدل ~~ولا مغير من بعده صلى الله عليه وعليهم أجمعين. ففي قوله: (على التمام ~~والوفا) براعة حسن <288> الاختتام على تمام هذا النظام، وفي هذا المقام ~~انتهى بناء الكلام على شرح هذا النظام، جعله الله تعالى عونا للطالبين، ~~ونورا للمهتدين <289> وفوزا لناظمه يوم الدين. # والصلاة على خاتم المرسلين وعلى آله وصحبه، وعلى جميع المؤمنين، والحمد ~~لله رب العالمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله <290> العلي العظيم. # قد تم هذا الشرح المختصر على المنظومة المسماة بأنوار العقول، وهو الشرح ~~الصغير من شرحي ناظمها عليها، وذلك في سنة أربعة <291> عشر وثلاثمائة سنة ~~وألف سنة من الهجرة النبوية الإسلامية على مهاجرها أفضل الصلاة والسلام. # تمت على يد الفقير <292> الحقير الذليل المعتصم إلى مولاه سعيد بن خميس ~~بن أحمد بن سالم المدسري البهلوي خادم بني علي عفي عنه. # المحتويات # الركن الأول في العلم وما يشتمل عليه ... 8 # الباب الأول في أقسام العلم وأحكامه ... 8 # الباب الثاني في السؤال ... 12 # فصل في الألفاظ الممتنع بها السؤال عن المولى جل وعلا ... 14 # الباب الثالث في الاجتهاد والفتوى ... 17 # الباب الرابع في أقسام الجهل، وفيما يسع جهله وما لا يسع ... 24 # خاتمة ... 32 # الركن الثاني في الجملة وتفسيرها وما يشتمل عليها ... 33 # الباب الأول من الركن الثاني في لزوم الجملة وكيفية قيام الحجة بها ... 34 # الباب الثاني من الركن الثاني في التوحيد ... 38 # الفصل الأول في نفي الأضداد والأنداد والأشباه عن الله تعالى ... 38 ~~PageV01P199 الفصل الثاني في البراهين ... 41 # الفصل الثالث في الصفات ... 43 # الفصل الرابع في الرؤية ... 45 # الخاتمة في تفسير ألفاظ تعلقت بها المشبهة من كتاب الله عز وجل ... 47 # الباب الثالث من الركن الثاني في الأنبياء والرسل والملائكة والكتب ... 49 # فصل في المحكم والمتشابه ... 53 # الباب الرابع من الركن الثاني في الوعد والوعيد ... 56 # الفصل الأول في الموت والبعث والحساب ... 56 # الفصل ms143 الثاني في الميزان والصراط ... 62 # الفصل الثالث في الشفاعة ... 63 # الفصل الرابع في خلود أهل الجنة والنار ... 64 # الباب الخامس من الركن الثاني في القضاء والقدر ... 69 # الباب السادس في الإيمان والإسلام ... 76 # الركن الثالث في الولاية والبراءة وما يشتمل عليها وما يتولدان منه ... 78 # الباب الأول في وجوب الولاية والبراءة وأقسام كل منهما ... 79 # القسم الأول: ولاية الحقيقة وبراءة الحقيقة: ... 79 # القسم الثاني: الولاية بحكم الظاهر والبراءة بحكم الظاهر: ... 81 # القسم الثالث: ولاية الجملة وبراءة الجملة ... 81 # الباب الثاني في وجوب الولاية والبراءة بحكم الظاهر ... 81 # فصل في أحوال الولي بالظاهر|| ... 83 # الباب الثالث من الركن الثالث في الوقوف وأقسامه وأحكامه ... 87 # الباب الرابع من الركن الثالث في أقسام الذنوب، ومعرفة الصغائر والكبائر ~~منها ... 89 # الباب الخامس من الركن الثالث في شيء من الكبائر وأحكام القاذف ... 92 # الباب السادس في انقسام الكبائر إلى كفر نعيم وجحود ... 95 # الركن الرابع في التوبة ... 98 # الباب الأول في التوبة وأركانها وشروطها ... 99 # الباب الثاني من الركن الرابع في أحوال التائب ... 102 # الباب الثالث من الركن الرابع في توبة المحرم والمستحل ... 104 # الباب الرابع من الركن الرابع في الأمور التي لا تلزم منها توبة ... 105 # الفصل الأول في التقية ... 105 # الفصل الثاني في الخطإ ... 107 # الفصل الثالث في النسيان وحديث النفس ... 108 # خاتمة الكتاب ... 108 PageV01P200 تم بحمد الله وحسن عونه تصفيف بهجة ~~الأنوار على يد الفقير إلى الله الغني عمن سواه: مصطفى بن محمد شريفي ~~بالقرارة، ليلة الإثنين 16 ذو الحجة 1418ه / 13 أفريل 1998م. # وتم إدراج أرقام صفحات الأصل، مع بعض التنسيقات وحذف الهوامش غير ~~الضرورية ليلة الأحد 13 محرم 1427ه / 12 فيفري 2006م.تم بحمد الله وحسن ~~عونه تصفيف بهجة الأنوار على يد الفقير إلى الله الغني عمن سواه: ~~مصطفى بن محمد شريفي بالقرارة، ليلة الإثنين 16 ذو الحجة 1418ه / ~~13 أفريل 1998م. # وتم إدراج أرقام صفحات الأصل، مع بعض التنسيقات وحذف الهوامش غير ~~الضرورية ليلة الأحد 13 محرم 1427ه / 12 فيفري ms144 2006م. # ----NO PAGE NO------ ms145