######OpenITI# #META# تعليق: سالم بن حمد الحارثي #META# المؤلف: نور الدين أبو محمد عبد الله بن حميد السالمي #META# comp: 1 #META# max: 97 #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة ¶ المؤلف : نور الدين أبو محمد عبد الله بن حميد السالمي ¶ نشر : سعود بن حمد بن نور الدين السالمي ¶ تعليق : سالم بن حمد الحارثي ¶ ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع #META# comments: ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع #META# ndata: (الحجج اFDA95D7F.... ص56 #META# bk: الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة لنور الدين السالمي نشر سعود السالمي #META# نشر: سعود بن حمد بن نور الدين السالمي #META# bkord: 297 #META# archive: 1 #META# الكتاب: الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة #META# cat: مسائل فقهية #META# iso: الحجج المقنعه في احكام صلاه الجمعه لنور الدين السالمي نشر سعود السالمي #META# bkid: 486 #META# ScrapeDate: 13-03-2020 #META# ScrapedFrom: ShamelaIbadiyya #META#Header#End# # التقديم # ...بسم الله الرحمن الرحيم - الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على ~~سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه وعلى جميع النبيين، وعلى الملائكة المقربين، ~~وعلى صالحي المؤمنين، صلاة وسلاما دائمين إلى يوم الدين. # ...أما بعد: - فقد سألني من هو أعز الأصحاب لدي، وأكرمهم علي، شيخنا ~~المجيد، حمد بن سيف بن سعيد، أسعده الله في داريه، وأمطر سحب الرحمة عليه، ~~سألني أن أضع له رسالة في صلاة الجمعة، وحجج الأصحاب فيها، فأجبته ملبيا ~~لخطابه، وسارعت في ترتيب جوابه، أداء لحق الأخوة، وانقيادا لحكم المروءة، ~~وتشييدا قواعد الدين، وتثبيتا لقلوب المؤمنين، فوضعت له هذه الرسالة ~~المشتملة على التحقيق، الهادية إلى سواء الطريق، ورتبتها على مقدمة ومقصدين ~~وخاتمة. # المقدمة في صفة صلاة الجمعة # وفي حكمها وفي الأدلة على وجوبها PageV01P006 ...اعلم أن صلاة الجمعة هي ~~ركعتان في وقت الظهر من يوم الجمعة، في مصر مع إمام بار أو فاجر أو نائب ~~إمام كذلك، يصليان بأذان وخطبة وإقامة، يجهر فيهما الإمام بالقراءة، ويقرأ ~~مع فاتحة الكتاب في كل ركعة منهما شيئا من القرآن، ويستحب أن يقرأ فيهما ~~بما كان يقرأه عليه الصلاة والسلام فيهما، فقد روي عنه أنه كان يقرأ في ~~ركعتي الجمعة - سورة الجمعة والمنافقين، وتارة يقرأ الجمعة، وهل أتاك حديث ~~الغاشية، وتارة سبح اسم ربك الأعلى والغاشية، ومن قرأ غير هذه السور أجزاه، ~~لأن في قراءته صلى الله عليه وسلم مرة هل أتاك حديث الغاشية ومرة سبح اسم ~~ربك الأعلى، ومرة غيرهما، ما يدل على أن الجمعة لا تختص بقراءة سورة دون ~~سورة، ولكن في التأسي به صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى من كمال انقياد ~~المتأسي، وتمام إذعانه، فيحوز بذلك الفضل الوافر، ولتكن الخطبة متصلة ~~بالأذان، والإقامة متصلة بالخطبة والصلاة متصلة بالإقامة، ولا يخطب الخطيب ~~حتى يقول المؤذن - لا إله إلا الله، ولا ينزل عن منبره حتى يقول المقيم - ~~قد قامت الصلاة، وسيأتي في شروط صحة صلاة الجمعة أحكام الأذان والخطبة. # ...قال في الإيضاح: وإذا دخل الإمام المسجد بعدما صلى في بيته ms01 شاء الله، ~~فليأت إلى المنبر، ويقدم في طلوعه رجله اليمنى، فإذا استوى على المنبر - ~~قعد منتظرا المؤذن ومن يأتي من الناس، فإذا أذن المؤذن الأذان الآخر وفرغ ~~من أذانه، قام الإمام واقفا على المنبر، وأخذ في خطبته قائما، ويبدأ في ~~خطبته بذكر الله والثناء عليه، والصلاة على نبيه، ويذكر الناس ويعظهم ~~ويخوفهم معادهم، وينبغي له أن يعتمد في حال خطبته على قوس أو على عود ~~المنبر، لما روي أنه كان صلى الله عليه وسلم إذا صعد على المنبر توكأ على ~~قوس أو سيف أو عصا، فينبغي الاقتداء به صلى الله عليه وسلم، ويستقبل الناس بوجهه. PageV01P007 # - انتهى كلامه - وفيه ما يدل على أن للجمعة أذانين، وما كان في عهده صلى ~~الله عليه وسلم ولا في عهد الخليفتين بعده إلا أذان واحد، وإنما أحدث ~~الأذان الأول عثمان لما رأى كثرة الناس، وهي بدعة حسنة قبلها منه المسلمون ~~فلا بأس بها. # ...ويروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه - كان يمهل يوم الجمعة حتى يجتمع ~~الناس، فإذا اجتمعوا خرج إليهم وحده، فإذا دخل المسجد سلم عليهم ثم يجلس، ~~ويأخذ بلال في الأذان، فإذا فرغ منه قام النبي صلى الله عليه وسلم يخطب من ~~غير فصل بين الأذان والخطبة. # ...وفي الأثر أنه قد كان بعض المبتدعين صلى ركعتين بعد الأذان واتبعه الناس ~~على ذلك، ثم إن محمد بن محبوب غير تلك البدعة. # حكم الدخول مع الإمام في صلاة الجمعة # ...وحكمها في الدخول مع الإمام حكم سائر الصلوات، لقوله صلى الله عليه ~~وسلم: (من أدرك من الجمعة ركعة فليصل إليها أخرى، ومن أدركهم في التشهد صلى ~~أربعا)، وفي رواية أخرى: ( من أدرك الإمام في التشهد يوم الجمعة فقد أدرك ~~الجمعة)، وهذه الرواية دليل على ما صرح به الإمام أبو سعيد رضي الله عنه، ~~مما حاصله -: أن من أدرك من صلاة الجمعة أو غيرها ما لا تتم الصلاة إلا به ~~كان مدركا للصلاة مع الإمام وليقض ما فاته منها. # ...وذهب بعض أصحابنا إلى أنه لم يدرك مع ms02 الإمام ركعة صلى أربعا - أي - صلاة ~~نفسه، ورفع هذا المذهب عن علي ابن أبي طالب، قال أبو محمد:- وقد كان في ~~الصحابة من يخالف عليا في هذه المسألة، وكان يرى أن من أدرك التشهد فقد ~~أدرك الجمعة، ويأتي بركعتين. PageV01P008 # ...انتهى - والدليل لمذهب علي هو ما في آخر الرواية الأولى من أنه من أدرك ~~الجماعة في التشهد صلى أربعا، وإذا دار الأمر بين ترجيح أحد القولين على ~~الآخر، قلنا: إن القول بأنه من أدرك الإمام في التشهد فقد أدرك الصلاة هو ~~الراجح، لما في تلك الرواية ولما عليها من شواهد من السنة والقياس، فأما ~~شواهدها من السنة فهو ما في أحاديث الدخول مع الإمام من العمومات التي لا ~~تنكر، ولم يقم دليل على خروج الجمعة من عموم تلك الأحاديث ولا على تخصيص ~~تلك الأحاديث بشيء من أركان الصلاة دون شيء، وأما شواهدها من القياس - فهو ~~أن الركعة ركن من الصلاة، والقعود ركن منها أيضا، فوجب أن يتساوى الركنان ~~في الحكم حيث لا مخصص، والله أعلم. # حكم من فسدت عليه صلاة الجمعة # ...ومن فسدت عليه صلاة الجمعة وعلم بفسادها في الوقت أعادها أربعا صلاة ~~الظهر، أو بعد الوقت قضاها أربعا كذلك، وذلك أنه لا جمعة له، فوجب المصير ~~إلى صلاة نفسه. # ...وقيل: إن علم بفسادها بعد خروج الوقت قضاها ركعتين صلاة الجمعة، لأنها ~~إنما وجبت عليه بالدخول مع الإمام ركعتين فيقضيها كذلك، وإن علم بفسادها في ~~الوقت صلاها صلاة نفسه، وهذا القول مبني على أن وجوب القضاء إنما هو بالأمر ~~الذي وجب به الأداء، وكان المأمور به عند الأداء ركعتين، فكذلك يقضي، وأيضا ~~فالقضاء استدراك لما فات وقته، ولا يكون المستدرك به إلا نظيرا للمستدرك، ~~ومماثلا له، وقد علمت أن المستدرك ركعتان، فكذلك القضاء، ولهاتين الحجتين ~~فرق أصحاب هذا القول، بين ما إذا علم بفسادها في الوقت، وبين ما إذا علم ~~بعد الوقت، لأنه إذا علم بفسادها في الوقت كان الواجب عليه إعادتها، ~~والإعادة هي غير القضاء، وإن علم بعد الوقت، كان عليه ms03 قضاءها. PageV01P009 # ...ولنا أن نقول: لا نسلم إن القضاء إنما وجب بالأمر الذي وجب به الأداء، ~~وإنما نقول: إنه وجب بأمر ثان كما بينته في - الشمس وفي طلعتها، وإن القضاء ~~وإن كان استدراكا لما فات، فالفائت عليه عندنا إنما هي صلاة نفسه، أما ~~الجمعة فقد فسدت عليه، وتحول الوجوب إلى الأربع، وهي التي فاتت، فالقضاء ~~إنما هو استدراك للأربع لا للجمعة، والله أعلم. # ...وقيل: إنه إن كان النقض من قبل المأموم، أعادها في الوقت أربعا، وقضاها ~~بعد الوقت ركعتين صلاة الإمام، وإن كان الفساد إنما هو من قبل الإمام، ~~صلاها أربعا في الوقت وبعد الوقت، لأن صلاة الجمعة لم تنعقد له مع الإمام، ~~وقد انعقدت فيما إذا كان الفساد من قبله، فلذلك يقضيها بعد الوقت ركعتين، ~~وهذا القول مبني أيضا على ما بني عليه القول الثاني مع زيادة التفصيل ~~المعلل بانعقاد الجمعة، وبعدم انعقادها، وأرجح الأقوال هو ما قدمته لك، ~~والله أعلم. # ...وهذه المذاهب موجودة أيضا فيما إذا صلى مسافر خلف مقيم صلاة رباعية، ~~ففسدت عليه، والله أعلم. # حكم صلاة الجمعة والأدلة على وجوبها # ...وأما حكم صلا الجمعة فهو إن الأمة اجتمعت على أنها فريضة على من اجتمعت ~~معه شروطها الآتي ذكرها، واستدل العلماء على أنها فرض بقوله تعالى: PageV01P010 # ...{ يا أيها الذين آمنوا إذ نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر ~~الله وذروا البيع}، وفسروا السعي بالمسير إليها على الأقدام أو على الدواب، ~~وفسر بعضهم ذكر الله - بالصلاة، وبعضهم بالخطبة، وفسره آخرون بحسب ظاهرها ~~كما ترى، أما أولا - فلأن الأمر بالسعي إلى ذكر الله ليس أمرا بفعل الصلاة، ~~وأما ثانيا - فإن ذكر الله ليس نصا في الصلاة، لكن أطبقت الأمة المحمدية ~~على فرضية صلاة الجمعة مع كمال شروطها، لما حصل لهم من الأدلة على ذلك من ~~أفعاله صلى الله عليه وسلم وأقواله وحملوا الآية على ذلك، فإذا ظهر لك أن ~~الآية ليست نصا في إيجاب صلاة الجمعة، وإنما إيجابها بانضمام ما علم من ~~السنة إليها، ظهر لك أنه ليس للخصم ms04 علينا بظاهر الآية حجة. # ...وإذا حول استدلاله إلى السنة، جئناه بأدلة من السنة أيضا، على اشتراط ما ~~اشترطنا في وجوبها وصحتها، فكما علمنا فرضيتها من السنة كذلك علمنا شروط ~~وجوبها وصحتها منها أيضا، ولو كانت الآية الشريفة نصا في إيجاب صلاة ~~الجمعة، لقلنا أن هذا النص مخصص بشروط من السنة، وقد صح واشتهر أن السنة ~~تخصص الكتاب، ثم أنه لا سبيل للخصم في إسقاط جميع الشروط الآتي ذكرها، وإن ~~ادعى سقوط بعضها، فإن الأمة المحمدية كما أنها اجتمعت على أن صلاة الجمعة ~~فريضة، كذلك اجتمعت على أنها لا تجب على صبي ولا مجنون ولا امرأة، وهكذا ~~بقية الشروط المجتمع عليها، وأنت خبير أنه لم يكن في الآية استثناء شيء من ~~ذلك، فقد أثبت الخصم تخصيص الآية على تقدير أنه نص في المراد، ولا مخصص لها ~~من نفسها، فاحتاج إلى طلب المخصص من خارج ضرورة، ولا مخصص سوى السنة، وهي ~~التي أثبتنا بها شروط الجمعة الآتي ذكرها، والله أعلم. # الدليل على وجوبها من السنة PageV01P011 ...وأما دليل وجوبها من السنة، فهو ~~ما في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: (يا أيها الناس - إن الله قد افترض عليكم الجمعة في ~~مقامي هذا، في يومي هذا، في شهري هذا، في عامي هذا، إلى يوم القيامة، فريضة ~~مكتوبة لمن وجد إليها سبيلا)، وفي حديث آخر عنه صلى الله عليه وسلم: ~~(الجمعة واجبة على كل محتلم سمع النداء في جماعة، إلا عبد مملوك، أو امرأة، ~~أو صبي، أو مريض، أو مسافر، ومن استغنى عنها بلهو أو تجارة، استغنى الله ~~عنه، والله غني حميد). # ...وفي حديث آخر عنه صلى الله عليه وسلم: (من سمع النداء فارغا صحيحا فلم ~~يجب فلا صلاة له). وروي أنه كان صلى الله عليه وسلم يحث على فعل الجمعة في ~~جماعة أكثر من غيرها ويقول: (من ترك ثلاث جمع تهاونا طبع الله على قلبه). PageV01P012 # ...وأنه كان صلى الله عليه وسلم ينهى ms05 رعاة الإبل والغنم يوم الجمعة أن ~~يبعدوا بها على رأس ميلين حتى لا يسمعوا النداء فلا يشهدوا الجمعة ويقول ~~لهم: (من فعل ذلك ثلاث جمع طبع الله على قلبه). وفي هذا الحديث دلالة على ~~أن المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: (الجمعة واجبة على كل محتلم سمع ~~النداء). هو أن يكون المحتلم في مكان يسمع منه النداء بالصوت المرتفع في ~~المكان العالي، في الوقت الخالي من الحواس، مع هدوء الحركات وسكون الرياح، ~~ووجه دلالة هذا الحديث على ذلك هو - أنه لو كان المراد من سماع النداء ~~ظاهره، ما نهى صلى الله عليه وسلم الرعاة أن يبعدوا حتى لا يسمعوا النداء، ~~وذلك أنه لو كان خروجهم قبل وجوب الصلاة، ولم يسمعوا النداء بآذانهم، كان ~~فرض الجمعة ساقطا عنهم، ولما تبين عدم سقوطه عنهم بالنهي عن الإبعاد، ~~وبالتوعد بالطبع على القلوب. علمنا أن المراد بسماع النداء هو ما ذكرت، وبه ~~قال بعض العلماء، وحكمة الحديث في النهي عن الإبعاد حتى لا يسمعوا النداء، ~~إنما هي مخافة أن لا يسمعوا النداء فلا يحضرون الصلاة وقد كانت واجبة ~~عليهم، ويحتمل أن يكون قوله صلى الله عليه وسلم سمع النداء جاريا مجرى ~~الأغلب المعتاد، فلا يدل على سقوط الجمعة عمن لم يسمع النداء. على ما في ~~الاحتجاج بمفهوم المخالفة من خلاف، كيف وقد قام الدليل من خارج على وجوبها ~~على من كان حاضرا سمع النداء أو لم يسمعه. وأيضا فلو كان المراد من سمع ~~النداء ظاهره، لسقطت الجمعة عن الأصم، والإجماع على أنها لا تسقط عنه بنفس الصمم. # بيان المكان الذي تؤتى منه الجمعة # ...وقال محبوب بن الرحيل رضي الله عنه: بلغنا أن أهل عمان كتبوا إلى جابر ~~بن زيد رحمه الله يسألونه - هل يأتي الجمعة من لا يسمع النداء؟ فكتب إليهم ~~جابر: لو لم يأت الجمعة إلا من سمع النداء لأقل الله أهلها، تؤتى من رأس ~~فرسخين وثلاثة، ومن قدر أن يأوي إلى منزله، فعليه الجمعة. PageV01P013 # ...ودليله على ذلك حديث أبي هريرة: (الجمعة على ms06 من آواه الليل إلى أهله). ~~وأنت خبير أنه لا جمعة على المسافر لاستثنائه ممن تجب عليه، بما سيأتي من ~~الأدلة على ذلك، فيجب أن يحمل كلام الإمام هاهنا على من في المصر الذي تقام ~~فيه الجمعة، ولم يكن بين أهله وبين مقام الجمعة فاصل من الأمكنة الخربة، ~~وإنما كانت العمارات متصلة بينهم، فإنه يجب عليه في مثل هذه الحالة أن يأتي ~~الجمعة، وإن بعدت من أهله قدر فرسخين أو ثلاثة فراسخ إذا كان يؤويه الليل ~~إلى أهله، لأنه في هذه الصورة لم يكن مسافرا، فيتوجه إليه الخطاب بحضور ~~الجمعة، فإن كان ممن لا يؤويه الليل إلى أهله، فلا يجب حضورها لحصول ~~المشقة، والمشقة تجلب التيسير، وعلى هذا التقرير فإن أمكن أحدا من الناس، ~~ممن اتصلت منازلهم بمحل الجمعة أن يحضر الجمعة من مسافة شهر مثلا، وأمكنه ~~أن يصلي الفجر في أهله، وأن يؤويه الليل إلى أهله بركوب السفينة الجارية ~~على البر، ولم تحصل له عند ذلك مشقة فعليه الجمعة، وإن كانت العمارات ~~منقطعة، والبلدان منفصلا بعضها من بعض، فلا يجب حضور الجمعة إلا على من كان ~~أهله دون الفرسخين، لأنه إذا كان أبعد من ذلك، - أي - دون الفرسخين يكون في ~~محل الجمعة مسافرا ولا جمعة على المسافر، لما سيأتي، فلا يجب عليه حضورها. # ...قيل: وكذلك من كان في المصر المتصل عمرانه فلا يجب عليه حضور الجمعة من ~~أبعد من فرسخين أيضا. # ...قال أبو سعيد: وهذا القول هو عندي أكثر قولهم، وقال أيضا: وأحسب أنهم ~~ذهبوا في ذلك إلى معنى سقوطها عن المسافر، في معنى الاتفاق، والمسافر معهم ~~من جاوز الفرسخين من وطنه، فإذا ثبت أنه لا جمعة على المسافر لموضع بعد ~~السفر عليه، فمثله لو كان في المصر، وكان بينه وبين موضع صلاة الجمعة ~~فرسخان في البعد من موضع الجمعة، لم تلزمه الجمعة، انتهى. PageV01P014 # ...وأقول: إن قياس الحاضر في هذا الحكم على المسافر لا يتم، لأن المسافر قد ~~خص في صلاة الجمعة بحكم لا يشاركه في الحاضر، وقد خص الحاضر ms07 بخطاب في حكم ~~صلاة الجمعة لا يشاركه في المسافر، فقياس كل واحد منهما على الآخر مع وجود ~~النص الخاص به، قياس مع نص، وإن اتحدت العلة مثلا، فما ذهب إليه الإمام ~~جابر هو الوجه عندي، والله أعلم. # بيان كيفية فرض الجمعة وأنه فرض على الأعيان # ...وبالجملة فالسنة في وجوب الجمعة مشهورة متواترة، والأحاديث في ذلك ~~متوافرة متكاثرة، فالواجب حينئذ أن نبين كيفية فرض الجمعة، أهو فرض عين أم ~~فرض كفاية. # ...قال في الإيضاح: وهي فرض على الأعيان، لما روي أنه قال عليه السلام: ~~(لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس، ثم أحرق على رجال يتخلفون عن صلاة ~~الجمعة)، ولما روي أنه قال عليه السلام: (من ترك الجمعة ثلاثا من غير ضرورة ~~طبع على قلبيه). وعن ابن عباس رضي الله عنهما: من ترك الجمعة أربعا ~~متواليات لا يكون لمن تركها عذرا إلا نبذ الإسلام وراء ظهره. انتهى. # ...ويدل أيضا على أنها فرض عين قوله صلى الله عليه وسلم في خطبته: (واعلموا ~~أن الله فرض عليكم الجمعة في مقامي هذا، في يومي هذا، في منبري هذا، في ~~عامي هذا إلى يوم القيامة، فمن تركها في حياتي وبعد وفاتي وله إمام عادل أو ~~جائر، استخفافا بها، فلا جمع الله شمله، ولا بارك الله له في أمره، ألا ولا ~~صلاة له، ألا ولا حج له، ألا ولا صوم له، ألا ولا بركة له حتى يتوب، فمن ~~تاب، تاب الله عليه). # ...وعلى ذلك قومنا أيضا، قال في الرحمة: اتفق العلماء على أن صلاة الجمعة ~~فرض واجب على الأعيان، وغلطوا من قال: هي فرض كفاية. انتهى. PageV01P015 # ...والقائل أنها فرض كفاية هو ابن كج من أصحاب الشافعي، وقال: القطب متعنا ~~الله بحياته في ذهبه: والجمعة فرض كفاية بالنظر إلى عموم الإسلام، وفرض عين ~~بالنظر إلى من في مصر الإمام، أو واليه، وإلى من في أحد الأمصار السبعة، ~~وكالجهاد فرض كفاية على عموم الإسلام، وفرض عين على من يعينه الإمام، أو ~~احتيج إليه واضطر، وكالحج فرض كفاية على ms08 عموم الإسلام، فإن لم يكن حج في ~~سنة كفروا، وفرض عين على من استطاع، انتهى. # ...وحاصله أن لكل واحد من الجمعة والجهاد والحج بالنظر إلى المكلفين جهتين، ~~إحداهما - تكون فيها هذه الأشياء فرض كفاية وهي عموم الإسلام، حتى أنهم لو ~~تركوا هذه الأشياء أو واحدا منها بلا عذر كفروا جميعا، ولا بد من سلامة ذي ~~العذر منهم، إذا تركها أو شيئا منها القادرون عليها أو على شيء منها. ~~والجهة الثانية - تكون هذه الأشياء فيها فرض عين، وهي في الجمعة من كملت ~~معه شروط وجوبها، وفي الجهاد من عينه الإمام للجهاد أو احتيج إليه، وفي ~~الحج من استطاع السبيل، ولأجل هذا التحرير ترى أن أهل المصر يكتفون بأداء ~~الجمعة في موضعين من المصر الواحد على ما سيأتي تحقيقه في محله إن شاء الله تعالى. # ...وبقى هنا إشكال وهو أن يقال: إذا كانت الجمعة فرض عين، فما معنى قوله ~~صلى الله عليه وسلم: (من ترك الجمعة ثلاثا من غير ضرورة طبع على قلبه). وما ~~معنى ما روي عن ابن عباس أنه قال: من ترك الجمعة أربعا متواليات لا يكون ~~لمن تركها عذرا لنبذه الإسلام وراء ظهره، حتى أن الفتوى من أهل المذهب، جرت ~~على ظاهر ما في الحديث، فقالوا بهلاك من ترك الجمعة ثلاث مرار متواليات ~~بغير عذر، ولم يحكموا بهلاك تاركها مرة أو مرتين. وكذا أفتوا بإجزاء صلاة ~~من صلى الظهر في بيته، وإن كان ممن تجب عليه الجمعة، وإن صلى في بيته ثم ~~خرج إلى المسجد فوجد الإمام لم يصل الجمعة، قالوا: يصلي الجمعة معهم نفلا، ~~وصلاته هي الأولى، وإن قيل بغير ذلك. PageV01P016 # ...وشأن فرض العين هو أن يهلك تاركه بمرة واحدة إذا لم يكن في تركه عذر، ~~وبذلك يبرأ منه إذا لم يتب، ولا يجزيه إن فعل غيره وإن ظن فواته، وإنما ~~يلزمه نفس ذلك الفرض إذا أدركه. # ...ويجاب عن هذا الإشكال - بأن ما ذكر كله إنما هو خاص بصلاة الجمعة دون ~~غيرها، لطفا منه تعالى ومنا، لما قد ms09 يحصل بالسعي إليها من المشقة بسبب بعد ~~المسافة، أما تخصيصها بعد هلاك تاركها فيما دون ثلاث مرار، فلما تقدم آنفا ~~من أحاديث الطبع على قلب من تركها ثلاثا، وقول ابن عباس: من تركها أربعا، ~~لا ينافيه، لأن المراد منه أن يكون تاركها بعد الثلاث مطبوعا على قلبه، ~~ويكون في الرابعة نابذا للإسلام وراء ظهره. وأما تخصيصها بالاجتزاء عنها ~~بصلاة الظهر في بيت من تلزمه، فلما في حديث: (لقد هممت أن آمر رجلا يصلي ~~بالناس، ثم أحرق على رجال يتخلفون عن صلاة الجمعة في بيوتهم)، حيث أنه صلى ~~الله عليه وسلم لم يأمر المتخلفين بإعادة صلاتهم، ولو كانت صلاتهم في ~~بيوتهم غير مجزية في إسقاط الواجب عنهم، لأمرهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بإعادتها، ولو أمرهم بذلك لنقل كما نقل الحديث المذكور، ولاشتهر أيضا، ~~لأنه مما تعم به البلوى على أن المختار عندنا - إن صلاته في بيته لا تجزيه ~~عن الجمعة إذا أدركها، لأن المتعين عليه حينئذ الجمعة، وصلاته في بيته بلا ~~عذر لا تسقط عنه المتعين عليه من فرض الجمعة، وتخصيصه في الجمعة بما ذكر لا ~~يجزي عندنا، لأنه استدلال بالمسكوت عنه، فيحتمل سكوته صلى الله عليه وسلم ~~عن ذلك معاني لا توجب تخصيص الجمعة بذلك الحكم، فيحتمل أنه عليه الصلاة ~~والسلام سكت عن أمرهم بذلك، حيث أن التاركين لذلك لم يكونوا أناسا معروفين ~~بأعينهم حتى يقصدهم بذلك، ويحتمل غير ذلك أيضا، ويحتمل أنه أمرهم بالإعادة ~~فلم ينقل إلينا، إذ ليس كلما وقع في زمانه صلى الله عليه وسلم منقولا ~~إلينا، ويحتمل أنه نقل فلم يشتهر، ومع بعض هذا لا يكون حجة على ما ذكر، ~~فكيف PageV01P017 مع جميعه، وأيضا فالطبع على القلب، إنما هو عقوبة الذنب، ~~فليس فيه دلالة على أن تارك الجمعة مرة أو مرتين لا يهلك وإنما غاية ما فيه ~~- أنه يعاقب تاركها بهذا العقاب الخاص، إلا إذا تركها ثلاثا وعلى هذا فلا ~~تكون الجمعة مختصة من بين سائر الفرائض بشيء مما ذكر، ويكون توجيه كلام ~~أصحابنا ms10 في عدم البراءة منه في المرة الأولى وفي الثانية، هو أنه - لما ~~كانت تلك الأحاديث بحسب ظاهرها، محتملة أن تكون مخصصة للجمعة بهذه المزية ~~من غيرها، وكانت البراءة عندهم لا تنبني إلا على صحة شرعية، ولا يقيمونها ~~على شبهة انتظروا بتاركها المرة الأولى والمرة الثانية، مراعاة لظاهر ~~الحديث، واحتياطا لدينهم، وتثبيتا في الإسلام، ورفقا بالمؤمنين، والله أعلم. # المقصد الأول: # في شروط وجوب صلاة الجمعة PageV01P018 اعلم أن الشروط التي تجب بها صلاة ~~الجمعة نوعان، أحدهما - شروط عامة لوجوبها ولوجوب غيرها من سائر الفرائض، ~~وثانيهما - شروط خاصة بها من سائر العبادات، وقد تشاركها فيها صلاة ~~الجماعة، فأما الشروط العامة لها ولغيرها من سائر الفرائض فهي: البلوغ ~~والعقل والقدرة، فأما البلوغ والعقل، فلا خلاف في أن الفرض لا يجب على طفل ~~ولا مجنون، لقوله عليه السلام: (رفع القلم عن ثلاثة) الحديث، وأما القدرة - ~~فقد يكون سقوطها عذرا لإسقاط جميع الفرائض، فتكون شرطا عاما لوجوب الجمعة ~~وغيرها من سائر العبادات إجماعا، فلا يلزم المريض الذي لا يستطيع فعل شيء ~~من الواجبات أداء جمعة ولا غيرها، لقوله تعالى:{ لا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها}، ولأن تكليف المريض بما لم يكن في طاقته، تكليف بما لا يطاق، وهو ~~محال عندنا معشر الأباضية، وعند المعتزلة كذلك، ووجه كونه محالا عندنا هو ~~أن يكون الفعل نفسه مطلوبا ممن لا يقدر على فعله، لا أن يكون المطلوب ~~اختبار المكلف - هل يتهيأ للامتثال فيثاب، أو لا، فيعاقب، فإنه إذا كان ~~المطلوب للاختبار المذكور - فلا خلاف في جواز التكليف بما لا يطاق بهذا ~~المعنى، لأنه لم يكن تكليفا بما لا يطاق، والمحال عندنا إنما هو التكليف ~~بما لا يطاق، فبهذا تعرف أنه لا مخالفة بين ما ذكره القطب في ذهبه، وبين ما ~~ذكرته في المشارق من تجويز ذلك، وبين ما صرح به الأصحاب من المنع، وقد تكون ~~القدرة شرطا خاصا، فيسقط بعدها فرض الجمعة والجماعة، وسنذكرها فيما سيأتي، ~~إن شاء الله تعالى. # وأما الشروط الخاصة بها فهي: الذكورية، والحرية، والإقامة، والصحة، ms11 فلا ~~تجب صلاة الجمعة على امرأة ولا على عبد ولا على مسافر ولا على مريض، لقوله ~~صلى الله عليه وسلم: (الجمعة واجبة على كل محتلم سمع النداء في جماعة، إلا ~~عبد مملوك، أو امرأة أو صبي، أو مريض أو مسافر). PageV01P019 # فأما المرأة والمريض، فلا خلاف بين أحد من الأئمة أنه لا تجب عليهما صلاة ~~الجمعة، ويدخل تحت المريض أعمى العينين، إذا لم يهتد إلى حضور الجمعة، ولم ~~يجد قائدا، فإن اهتدى بنفسه، وجب عليه حضورها، لأن العلة التي لأجلها سقط ~~عنه فرض الجمعة، إنما هي عدم الاهتداء إلى حضورها، وهي ثمرة العمى، وليست ~~العلة نفس العمى، إذا لم يترتب عليه عدم اهتداء، وإن لم يهتد بنفسه، لكن ~~وجد إليها قائدا، فيخرج في وجوبها عليه قولان - وهي مسألة القادر بقدرة ~~غيره، والله أعلم. # وأما العبد والمسافر فعند أصحابنا وجمهور قومنا أنه لا جمعة عليهما أيضا، ~~وروي عن داود بن علي وأصحابه أنهم قالوا: على العبد والمسافر الجمعة، ويحكى ~~عن الزهري والنخعي - وجوبها على المسافر إذا سمع النداء، ويحكى عن الحسن ~~البصري وقتادة وأحمد - وجوب الجمعة على العبيد الذين يؤدون الفرائض، وعن ~~الأوزاعي - أنه إن كان العبد مخارجا أدى ضريبته فعليه الجمعة، قال صاحب ~~القواعد رحمه الله تعالى: وسبب الخلاف تنازعهم في صحة الحديث وهو قوله عليه ~~السلام: (الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة، إلا على أربعة - عبد مملوك، ~~أو امرأة، أو صبي، أو مريض)، وفي حديث آخر: ( إلا خمسة - أو مسافر) انتهى. PageV01P020 # ولأجل هذا التنازع استدل أبو محمد - على أنه لا جمعة على المرأة بقوله ~~صلى الله عليه وسلم: (صلاة المرأة في مخدعها أفضل من صلاتها في صحن دارها، ~~وصلاتها في دارها أفضل من صلاتها في مسجد جماعة)، واستدل كذلك على أن لا ~~جمعة على العبد، بإشارة قوله تعالى:{وذروا البيع}، لأنه خطاب لأهل الأمصار، ~~والعبد ليس منهم، ولأن العبد لا بيع له، والخطاب متوجه لمن له أن يبيع، ~~وتابعه في هذا الاستدلال الشيخ إسماعيل في قواعده، والشيخ عامر في ms12 إيضاحه، ~~ولذلك أيضا ركن الإمام الكدمي رضوان الله عليه - في الاستدلال على سقوط ~~الجمعة عن العبيد إلى القياس، فقاس الجمعة بالحج والجهاد والأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، بجامع أن كل واحد من هذه العبادات، ينتقل من حال إلى ~~حال، أي - تارة يلزم هذا، وتارة يلزم هذا، والعبادات المتنقلة لا تلزم ~~العبيد، وإنما تلزم الأحرار. # وغاية الأمر أن الروايات في سقوط الجمعة عن المرأة والعبد متناصرة يؤيد ~~بعضها بعضا، والقياس الذي صرح به الكدمي رحمه الله تعالى مؤيد لصحتها، وقد ~~استدل صاحب القواعد رحمه الله تعالى على سقوط الجمعة عن المسافر بما روي أن ~~النبي عليه السلام - صلى الظهر والعصر بعرفة صلاة المسافر، وهو يوم جمعة، ~~وبما روي أن عليا صلى بأهل مكة يوم الجمعة ركعتين وقال: أتموا صلاتكم، وقد ~~سبقه إلى هذا الاستدلال ابن بركة، وتبعهما عليه صاحب الإيضاح، لكن زاد ابن ~~بركة - أن عمر بن الخطاب فعل ذلك أيضا، وقال صاحب الأشراف: وقد روينا عن ~~علي بن أبي طالب أنه قال: ليس على المسافر جمعة. # وأقام أنس بسابور سنة أو سنتين فكان يجمع، وعبد الرحمن بكابول شتوة أو ~~شتوتين فكان لا يجمع، انتهى. PageV01P021 # ففي هذا كله ما يدل على أنه لا جمعة على المسافر، وفيما حكاه صاحب ~~الأشراف عن أنس وعبد الرحمن - دليل على ما قاله أصحابنا أن المسافر وإن ~~طالت مدة المقام في بلد، فحكمه فيها أنه مسافر ما لم ينو الوطن، فإذا حضر ~~من لا جمعة عليه من النساء والعبيد، والمسافرين، والمرضى الجمعة فصلوها ~~ركعتين مع الإمام كان ذلك مجزيا عنهم ومسقطا لفرضهم، قال ابن بركة: بإجماع ~~الأمة، وقد حكى صاحب الأشراف الإجماع على ذلك أيضا، وقال ابن بركة في موضع ~~آخر: وقال أصحابنا ليس على المسافر والعبد والمرأة جمعة والإجماع على ذلك، ~~وإذا حضروها وصلوها مع الإمام، سقط عنهم الفرض، قال: وفي نفسي من ذلك شيء، ~~لأنهم أتوا بما لم يؤمروا به، وتركوا الفرض الذي أمروا به، فأرى الفرض ~~باقيا عليهم، والله أعلم. # قال: ولا حظ ms13 للنظر مع الاتفاق والنص، وتابعه على هذا النظر صاحب الإيضاح ~~رحمه الله تعالى، فقال مثل مقالته في ذلك، لكن عكر عليه المشي بما حاصله: ~~إن لقول أصحابنا في هذه المسألة نظيرا وهو المسافر، فإن الفرض الواجب عليه ~~ركعتان، مع أنه إذا صلى مع الإمام المقيم صحت صلاته، وأدى الفرض الواجب ~~عليه، وحاصله أن الحكم هنا تغير بعذر، وهو تحصيل فضيلة الجماعة، مع قيام ~~السبب للحكم الأصلي فهو رخصة، والرخص خارجة عن القياس، فلا يعترض عليها، ~~فكان المسافر مأمور بركعتين إلا خلف الإمام، وكذا العبد والمرأة والمريض ~~مأمورون بأربع إلا خلف الإمام، فحينئذ لا يرد نظر المؤلف رحمه الله. # وقد قال فيما يأتي في باب القضاء: إن صلى مسافر مع مقيم، ثم تبين له فساد ~~صلاته بعد خروج الوقت، فإنه يقضيها صلاة الإمام كما وجبت عليه، إلى آخره، ~~حرره، انتهى. PageV01P022 # وأقول: إن مستند الإجماع في ذلك هو - ما علم من صلاة هؤلاء أو بعضهم ~~الجمعة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما يدل عليه قوله صلى الله عليه ~~وسلم: (من أتى الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل، ومن لم يأتها فليس عليه ~~غسل من الرجال والنساء)، وروي أنهم انفضوا مرة في أثناء الصلاة إلا اثني ~~عشر رجلا وامرأة، واعلم أنه لا منافاة بين ما نقل من الإجماع على جواز صلاة ~~المعذورين الجمعة، والاجتزاء بها عن الظهر في حقهم، وبين ما نقل من ~~الأحاديث الدالة على رفع وجوبها عنهم، وبيان ذلك أن الأحاديث الرافعة ~~للوجوب، لا تدل على منع الجواز وعدم الاجتزاء، وقد ثبت بأدلة أخرى الأمر ~~بإتيان الجمعة، والسعي إليها، فعمومات هذه الأدلة يدخل تحتها المعذور وغير ~~المعذور، والأدلة الرافعة لوجوب الجمعة عن المعذورين إنما هي مبينة لتلك ~~الأدلة الدالة على الوجوب، فارتفع بها الوجوب عن المعذورين، وبقي الجواز من ~~عمومات أدلة الأمر بها، والله أعلم. # واعلم أيضا أن نظر صاحب الإيضاح كابن بركة، إنما يتوجه على صلاة النساء ~~والعبيد والمريض دون صلاة المسافر، فإنه لا يقصر من صلاته شيئا، والله ms14 أعلم. PageV01P023 # وبقي هنا إشكال وهو - أن يقال: أن ابن بركة حكى على ذلك إجماع الأمة، ~~والإجماع أحد أدلة الشرع، فكيف له أن يخالف الإجماع إلى ما وقع في نفسه، ~~ويجاب عن هذا الإشكال - بأن الإجماع الذي هو أحد أدلة الشرع، وبه يقطع عذر ~~من خالفه، إنما هو الإجماع القطعي، وهو أن يفتي أو يعمل جميع علماء الملة ~~بشيء، ويتبعهم على ذلك باقي الأمة، فأما إذا أفتى أو عمل بعضهم، وسكت ~~الباقون، فلا يكون هذا إجماعا يقطع به عذر من خالفه، وكان الإجماع الذي ~~نقله ابن بركة - إنما هو الإجماع السكوتي، لا الإجماع القطعي، بدليل عبارته ~~عنه في الموضع الثاني - بالاتفاق. على أن ابن بركة سلم الأمر لما نقله من ~~الاتفاق ورجع إليه، وكذا صاحب الإيضاح أيضا، بدليل قول كل واحد منهما - ولا ~~حظ للنظر مع الاتفاق، فيكون ما أشار إليه كل واحد منهما إنما هو - إظهار أن ~~المقام مقام اجتهاد وتجويز للقول بالرأي في ذلك، والله أعلم. # ثم إنهم اختلفوا بعد اتفاقهم على ما مر من أنه لا جمعة على مسافر ولا عبد ~~ولا صبي، في أنه هل تصح إمامة العبد والمسافر في الجمعة؟ فأجازها قوم ~~ومنعها آخرون، والمنع أصح، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقل عنه أنه ~~صلى بهم الجمعة في شيء من أسفاره، ونقل عنه أنه صلى الظهر يوم الجمعة في ~~عرفة قصرا، ولم ينقل عنه أنه جهر بالقراءة فيها، ونقل أيضا عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه أقام زمن الفتح ثماني عشرة ليلة يصلي بالناس ركعتين ركعتين ~~إلا المغرب، ثم يقول: (يا أهل مكة قوموا فصلوا ركعتين أخريين، فإنا قوم سفر). PageV01P024 # وإن عليا صلى بالناس بمكة يوم الجمعة ركعتين وقال: أتموا صلاتكم، وكذلك ~~روي عن العمرين أيضا، وإن العبد لا تلزمه الجمعة، فالواجب عليه أربع ركعات، ~~وجوزوا له أن يصلي مع الجماعة ركعتي الجمعة للرخصة المتقدم ذكرها، فإذا كان ~~هو الإمام، فلا يصح أن يقصر من صلاته ركعتين لأجل من يصلي وراءه، هذا خاص ~~بإمامته ms15 في الجمعة، وأما إمامته في سائر الفرائض، فالراجح عندي جواز ذلك، ~~إذ ليس في صلاته حينئذ تقصير شيء من ركعاتها، ولأنه روي عنه صلى الله عليه ~~وسلم - أنه كان يرخص في إمامة الأرقاء للأحرار، وروي أن سالما مولى حذيفة، ~~وعمرا مولى عائشة يؤمان الناس وهما أرقاء، وروي أن سالما كان يصلي ~~بالمهاجرين من الأولين لما نزلوا قباء قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم، ~~لكونه كان أكثرهم قرآنا، وكان فيهم عمر بن الخطاب وأبو سلمة بن عبد الأسد، ~~وكذلك اختلفوا في إمامة الصبي بالبالغين في الجمعة وغيرها من سائر الفرائض، ~~فأجازها قوم، ومنعها آخرون، والمنع مروي عن ابن عباس وابن مسعود، وقيل ~~بجوازها إذا احتيج إليه، قال الإمام الكدمي: وإنه ليعجبني قول من قال - أنه ~~إذا لم يكن معهم من يقرأ، وعدموه، أنه تجوز إمامة الصبي إذا عقل، وذلك مروي ~~عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: الصلاة على من عقل، والصوم على من ~~أطاق، يعني من الصبيان. # ولثبوت معنى الجماعة أن لا تتعطل، أقول: ولما أعجبه رضي الله عنه شواهد، ~~فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يرخص في إمامة الصبي المميز، ~~لاسيما إن كان أكثر القوم قرآنا، وروي أن عمرو بن سلمة يؤم قومه وهو ابن ست ~~أو ثمان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. PageV01P025 # واعلم أن حكم المدبر في جميع ما مر، حكم العبد، لأنه مملوك بعد، وأما ~~المكاتب فهو حر عندنا، وأحكامه أحكامه، وإن أذن للعبد سيده أن يصلي الجمعة، ~~فعليه أن يصليها، لارتفاع المانع، وهو مخافة أن يشتغل عن خدمة سيده بحضوره ~~الجمعة، أو ليس عليه ذلك، وإن أذن له القيام المانع وهو الرق قولان قلتهما ~~تخريجا، والراجح عندي منهما هو القول الثاني، لظاهر الأحاديث المتقدم ~~ذكرها، ولأن التعليل لرفع وجوبها عن العبد بسبب الرق أولى وأقوى من التعليل ~~بالاشتغال عن خدمة السيد، كما هو ظاهر الحديث جلي. # وكذلك اختلفوا أيضا في - الرجل يسافر يوم الجمعة قبل الصلاة، فقال ms16 ابن ~~بركة: لا بأس أن يسافر الإمام وغيره يوم الجمعة، ما لم يدخل المؤذن في ~~الأذان، لأن السعي توجه إلى الجميع بالأذان، فما لم يلزمه السعي، لم يمنع ~~من السفر، وقال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني قول أصحابنا أنه إذا لم ~~يكن بحد السفر ويجاوز الفرسخين قبل أن تزول الشمس فعليه الجمعة، إلا أن ~~يكون ذلك الخروج من عذر في هذا الوقت، إلا أن يصير في موضع ما، لا تجب عليه ~~فيه الجمعة قبل زوال الشمس ودخول الجمعة، وهذا إذا كان الخروج لغير عذر، ~~وكان على المكنه. انتهى. # والمراد بالعذر هاهنا هو أن يكون له أحد الأعذار التي يسقط بها فرض ~~الجمعة. وحاصله أنه يلزم الرجل وإن خرج مسافرا أن يأتي الجمعة إذا حضر ~~وقتها، وهو بعد لم يخرج إلى حد السفر وهو الفرسخان، أو لم يكن في حال يكون ~~فيه مسافرا، وذلك الحال هو خروجه من عمران بلده، فيستلزم ما ذكره رحمه الله ~~تعالى منع الرجل عن السفر يوم الجمعة إذا تيقن أنه لا يكون في حال هو فيه ~~مسافر قبل دخول وقت صلاة الجمعة، وذلك أن الأصحاب أوجبوا حضور الجمعة على ~~البالغ الحر إذا لم يكن مسافرا فاستلزم قولهم بذلك وجوبها على من كان في ~~حكم الحضر وإن خرج للسفر. PageV01P026 # وأما ابن بركة فبنى مذهبه على الحديث المتقدم ذكره، وهو أن الجمعة واجبة ~~على كل محتلم سمع النداء. # وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا كنتم مسافرين فنودي بالصلاة ~~فلا يخرج أحدكم حتى يصلي). # يعني بقوله: (إذا كنتم مسافرين) - عازمين على السفر، وروي عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه كان يرخص في السفر يوم الجمعة، لا سيما لأمر مهم، كالجهاد، ~~أي - قبل سماع النداء، بدليل ما في الحديث الأول. # وسمع عمر مرة رجلا يقول: لولا الجمعة لسافرت اليوم، فقال له: اخرج لسفرك، ~~فإن الجمعة لا تحبس عن سفر. # فما ذهب إليه الإمام الكدمي رضي الله عنه إنما هو من باب تخصيص النص ~~بالقياس، وذلك ms17 أن هذه الأحاديث الدالة على جواز السفر يوم الجمعة عامة، وقد ~~ثبت بدليل آخر وجوب حضور الجمعة على من لم يكن مسافرا من الرجال، فالقياس ~~يقتضي وجوب حضور من لم يكن مسافرا والله أعلم. # واعلم أنه كما أن لصلاة الجمعة موجبات توجبها، كذلك لها موانع ترفع ~~وجوبها، ويبقى المعذور بعد حصول ما يرفع الوجوب في حكم من مر ذكره من ~~النساء والعبيد والمسافرين والمرضى، فيجوز لهم أن يحضروا الجمعة فيصلوها مع ~~الإمام، كما جاز ذلك لأولئك، ولهم أن لا يحضروا الجمعة فيصلوا أربعا في ~~بيوتهم لحصول العذر الرافع لوجوب الجمعة عنهم، وتلك الموانع المشار إليها ~~هي: إما أن تكون في النفس، كخوف القتل أو خوف ضرر بالجسم من نحو وقوع مطر ~~أو برد شديد أو حر كذلك، أو طلب ما يقوم به بنيته من القوت، وأما أن تكون ~~في المال وذلك نحو أن يخاف بمسيره إلى الجمعة ذهاب ماله أو ذهاب شيء منه أو ~~إضاعته أو إضاعة شيء منه، وأما أن تكون في الغير كطلب قوت لعياله وكخوف ~~إضاعة المريض الذي يلزمه القيام به، أو خوف إضاعة الميت الذي يلزمه تجهيزه، ~~وما أشبه ذلك من الأعذار، والأصل في هذا كله هو ما في حديث عبد الرحمن بن ~~سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كان مطرا وابلا فليصل أحدكم في رحله). PageV01P027 # وما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من سمع النداء فلم يجب فلا ~~صلاة له إلا من عذر). قيل له: يا رسول الله وما عذره. قال: (خوف أو مرض). # وفي حديث آخر عنه صلى الله عليه وسلم: (إذا ابتلت النعال فالصلاة في ~~الرحال). # ففهمت العلماء من هذه الأحاديث أن فرض الجمعة والجماعة يسقط بما إذا حصل ~~عذر يشابه الأعذار المذكورة في الأحاديث، إذ ليس المراد من ذكر المطر في ~~الحديثين، وذكر الخوف في الحديث الآخر، أن الفرض لا يسقط إلا بهذه الأشياء ~~المذكورة، وإنما المراد بيان ما يكون به العذر المسقط للفرض المذكور، ~~فحملوا على ms18 تلك الأشياء ما شابهها، ولك أن تدخل جميع ما ذكرته من الأعذار، ~~تحت إطلاق الخوف في الحديث الثاني، فإن جميعها مخوف، والله أعلم. # المقصد الثاني: # في شروط صحة صلاة الجمعة # ...اعلم أن شروط صحة صلاة الجمعة منها ما يكون شرطا لصحتها فقط، ومنها ما ~~يكون شرطا لصحتها ولوجوبها أيضا، فما تقدم في المقصد الأول، إنما هو شرط ~~لوجوبها فقط، لأنك قد عرفت مما تقدم هنالك، أنها تصح لمن لم تكمل فيه تلك ~~الشروط، أما ما سنذكره في هذا المقصد، فلا تصح بدونه أصلا - هذا مذهبنا - ~~ووافقنا عليه الحنفية، واشترطوا جميع ما سنشترطه ها هنا، وزادوا عليه بعض ~~الشروط، كما ستعرفه مما سيأتي إن شاء الله تعالى. # ...وتلك الشروط هي - المصر والإمام وإذنه والجماعة، والوقت والنداء، ~~والخطبة، والإقامة. وخالفنا في بعض هذه الشروط - الشافعي، ومالك بن أنس، ~~وابن حنبل، فلم يشترطوا المصر والإمام، فأجازوها في القرى، وإن لم يكن فيها ~~أمير، ولم يشترط ابن حنبل الوقت، فأجازها قبله. وستقف على حججنا على من ~~خالفنا في ذلك إن شاء الله تعالى عند تفصيلنا للشروط. PageV01P028 # ...فأما المصر والإمام فهما شرطان لوجوب الجمعة، ولصحتها، فلا تجب الجمعة ~~ولا تصح إلا عند حصولهما معا، فإن حصل المصر والإمام وجبت الجمعة إجماعا، ~~والخلاف فيما إذا حصل أحدهما دون الآخر، فقيل: تجب صلاة الجمعة في المصر ~~الممصر ولو لم يكن مع إمام، وقيل: لا تجب إلا مع الإمام في المصر الممصر، ~~وقيل: تجب مع الإمام في المصر الممصر وفي غير الممصر، والمراد المصر الممصر ~~هو ( أن يكون المصر أحد الأمصار الثمانية أو السبعة التي مصرها أبو حفص عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه ) - وسيأتي بيانها - والمصر بهذا المعنى، هو الذي ~~يريده أئمتنا عند إطلاق المصر، وقد يطلق المصر ويراد به غير الأمصار ~~السبعة، لأن المصر في اللغة ( كل كورة(1) يقسم فيها الفيء والصدقات). قال ~~في الإيضاح: قاله ابن فارس. وقال الأستاذ الحنفي: والأبنية المجتمعة إذا ~~كانت قليلة سميت قرية، وإن كانت كثيرة سميت مصرا، وإن كانت متوسطة ms19 عرفا ~~سميت مدينة، ولهذا اضطربت أقوال الحنفية في حد المصر، فروي عن أبي يوسف - ~~أن المصر هو ما لا يسع أكبر مساجده أهله، وفي رواية عنه: كل موضع له أمير ~~وقاض ينفذ الأحكام ويقيم الحدود. وعن أبي حنيفة: كل بلدة لها سكك وأسواق ~~ووال لدفع المظالم وعالم يرجع إليه في الحوادث. # __________ # (1) إقليم. PageV01P029 # وأقول: إن تمصير عمر للأمصار السبعة، وتعيينه لها أمصارا، مع اشتمال كل ~~واحدة منها على قرى كثيرة، كادت القرية الواحدة منها أن تعد مصرا في العرف، ~~دليل على أن المصر المشترط لوجوب الجمعة وصحتها هو المكان المشتمل على ~~أبنية كثيرة، بها جمع من الخلق، سواء كانت أبنيته متصلا بعضها ببعض، كمكة ~~شرفها الله تعالى، أو منقسما قرى كثيرة، منفصلا بنيان كل واحد منها عن التي ~~تليها، كالمدينة المشرفة وكعمان - وما سيأتي من الأحاديث يشهد بذلك - والذي ~~ينبغي اعتباره في ضبط المصر، هو أن يكون المكان منحازا بما فيه من قرى ومدن ~~وغير ذلك، لا يحتاج أهله في قضاء حوائجهم غالبا أن يتعدوه إلى غيره من ~~الأماكن، فإذا حصل مكان صفته هذه، فهو مصر، سواء كان متصل العمارات أو ~~منفصلها، لكن المصر المجتمع عليه عند أصحابنا، إنما هو أن يكون أحد الأمصار ~~التي مصرها عمر، وما عدا ذلك فهو مختلف عندهم في إعطائه حكم المصر من إقامة ~~الجمعات، والله أعلم. # ولنا على أن المصر الجامع شرط لوجوب الجمعة ولصحتها أدلة، منها - قوله ~~صلى الله عليه وسلم: ( لا جمعة إلا في مصر جامع(1) ). رواه أبو سعيد رضي ~~الله عنه في زيارات الأشراف، وزاد بعده قوله: وأحسب في بعض الحديث أنه: (لا ~~جمعة حتى يجتمع لها ثلاثة مصر جامع وإمام ومنبر). # ثم فسر المنبر بالخطبة، فهو من باب تسمية الشيء بمحله، لأن المنبر محل ~~الخطبة، ولك أن تفسره بالجامع، فيكون دليلا على منع الجمعة في غير المسجد ~~الجامع. # __________ # (1) * ولعل معنى (جامع) - أي جامع للعديد من القرى والمدن منحازة في حوزة ~~واحدة، وتحت سلطة واحدة، الناشر. PageV01P030 # ومنها ما روى القسطلاني ms20 في شرح البخاري، عنه صلى الله عليه وسلم: (لا ~~جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع)، ثم قال: رواه عبد الرزاق، ومنها ما روى ~~البيهقي في المعرفة وعبد الرزاق وابن أبي شيبة عن علي رضي الله عنه قال: لا ~~جمعة ولا تشريق ولا صلاة فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع أو مدينة، حكى ذلك ~~الحسيني في شرح الأحياء، وروى الشيخ إسماعيل في القواعد عن أبي عبيدة عن ~~علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أيضا أنه قال: لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر ~~جامع، وكذلك روى عنه صاحب الإيضاح أيضا، وزاد صاحب الإيضاح - قال أبو ~~عبيدة: يعني أنه لا صلاة يوم الجمعة والعيد إلا في الأمصار. وهذا أمر لا ~~يدرك إلا بالتوقيف من الشارع، فلم يقله علي باجتهاد منه، فهو حديث أوقفته ~~الرواة عند علي كرم الله وجهه، وقد رواه الزمخشري في كشافه، وصاحب المراقي ~~في مراقيه عنه صلى الله عليه وسلم، فهو حديث مرفوع، وعبارة الزمخشري - ~~لقوله عليه السلام: (لا جمعة ولا تشريق ولا فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع)، ~~وعبارة صاحب المراقي - لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا جمعة ولا تشريق ولا ~~صلاة فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع أو مدينة عظيمة)، ومنها ما أخرج البخاري ~~في صحيحه، ومسلم وأبو داؤد في الصلاة عن عائشة زوج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم والعوالي - الحديث - قال ~~القسطلاني: العوالي - جمع عالية - مواضع وقرى شرقي المدينة، وأدناها من ~~المدينة على أربعة أميال أو ثلاثة، وأبعدها ثمانية. وقال الحسيني في شرح ~~القاموس: وأدناها من المدينة على أربعة أميال، وأبعدها من جهة نجد ثمانية. PageV01P031 # وأنت خبير أنه لو لم يكن المصر شرطا في وجوب الجمعة وصحتها، ما انتاب ~~إليها هؤلاء من هذه القرى البعيدة المسافة، ولصلاها كل أهل قرية في قريتهم. ~~ومنها ما روى صاحب كشف الغمة - أنه كان صلى الله عليه وسلم - يأمر الناس ~~بحضور الجمعة من (قباء)، وأن أبا هريرة ms21 يأتي إليها من (ذي الحليفة) يمشي، ~~وقال: وهي على رأس ستة أميال. # قال في القاموس وشرحه: إن قباء موضع قرب المدينة المشرفة، بظاهرها من ~~الجنوب نحو ميلين، كما في المصباح، أو ستة كما في الأنساب للسمعاني - وبهذا ~~الموضع المسجد المؤسس على التقوى - انتهى. # والغرض من هذا الاستدلال بيان أنه لو لم يكن المصر شرطا لصحة الجمعة، لما ~~دعت الحاجة إلى إتيانها من هذه المسافة، وقد صح وشهر أن لأهل (قباء) مسجدا ~~يصلون فيه جماعة، وأنهم لا يأتون المدينة لسائر الفرائض، كما يدل عليه حديث ~~تحويل القبلة وغيره، ومنها حديث أبي هريرة مرفوعا: (الجمعة على من آواه ~~الليل إلى أهله). قال القسطلاني: أي - أنه إذا أجمع مع الإمام أمكنه العود ~~إلى أهله آخر النهار، قبل دخول الليل، انتهى. PageV01P032 # وأنت خبير بأن الرجل بعد انصرافه عن الإمام يوم الجمعة، قد يمر على قرى ~~كثيرة إلى دخول الليل، قل لم يكن المصر شرطا وجوبها وصحتها، ما كان لهذا ~~التحديد معنى. ومنها ما أخرجه البخاري عن ابن عباس أنه قال: إن أول جمعة ~~جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد عبد القيس ~~ب(جواثي) من البحرين. ووجه الاستدلال بهذا الحديث هو أنه لو لم يكن المصر ~~شرطا في وجوب الجمعة، ما كانت هذه أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن قرى كثيرة أسلمت قبل البحرين، وتلك ~~القرى أقرب إلى المدينة من البحرين، وذلك أن البحرين إنما أسلمت بعد السنة ~~السابعة من الهجرة، وفي (تاريخ الخميس) ما نصه: وفي هذه السنة - يعني السنة ~~الثامنة - قبل منصرفه من الجعرانة، وقيل قبل الفتح، وفي (الاكتفاء) بعد ~~انصرافه من الحديبية، فيكون قبل الفتح، بعث العلاء الحضرمي إلى المنذر ~~الساوي العبدي ملك البحرين، وكتب إليه كتابا ودعاه إلى الإسلام، فلما انتهى ~~إليه وقرأ الكتاب، أسلم، وكتب جواب الكتاب، فقال: يا رسول الله، إن الله قد ~~أعطاني بك نعمة الإسلام، وقد قرأت كتابك على أهل البحرين، ms22 وفي (الاكتفاء) ~~على أهل هجر، فأسلم بعضهم، وأبى بعضهم، إلى آخره. PageV01P033 # وصلاة الجمعة إنما شرعت في السنة الأولى من الهجرة، أو قبلها، أما استلال ~~الشافعي وأحمد بهذا الحديث على أن الجمعة تقام في القرية إذا كان فيها ~~أربعون رجلا أحرارا بالغين مقيمين، لا يظعنون عنها صيفا ولا شتاء إلا ~~لحاجة، سواء كانت أبنيتها من حجر أو طين أو خشب أو قصب أو نحوها، فلو ~~انهدمت أبنيتها فأقام أهلها على العمارة، لزمتهم الجمعة فيها، لأنها وطنهم، ~~سواء كانوا في مظال أم لا، هذا مردود لما قدمناه، ولأن هذه الشروط التي ~~ذكروها، لا يدل الحديث على شيء منها أصلا، ولأنه إنما دعاهم إلى الاستدلال ~~بهذا الحديث، هو ما في رواية (وكيع): على أن (جواثي) قرية من قرى البحرين. ~~ويجاب: بأنه قد يطلق على المصر اسم القرية. كما في قوله تعالى: ((لولا أنزل ~~هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم)). والمراد بالقريتين في الآية - مكة ~~والطائف. على أن الجوهري وابن الأثير قالا: أن (جواثي) اسم لحصن بالبحرين، ~~وكذا قال شارح القاموس أيضا، وضبطه في المراصد (جواثي)، بالضم، ويمد ويقصر، ~~- حصن لعبد القيس بالبحرين، وقال صاحب (المبسوط): هي مدينة، وكذا قال ~~البكري في معجمه أيضا، واستدل الحنفية على أن (جواثي) مدينة بقول امرؤ القيس: # ورحنا كأنا من جواثي عشية ==== نعالي النعاج بين عدل ومحقب. PageV01P034 # يريد - كأنا من تجار (جواثي) لكثرة ما معهم من الصيد، وأراد كثرة تجار ~~(جواثي) مدينة قطعا، لأن القرية لا يكون فيها تجار، وحكم المدينة في إقامة ~~الجمعات والحدود وإنفاذ الأحكام، حكم المصر، لما تقدم من الأحاديث، وفي ~~بعضها - أنه لا جمعة ولا تشريق ولا صلاة فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع أو ~~مدينة عظيمة، وذلك لأن المدينة في معنى المصر، لاشتمالها على ما يشتمل عليه ~~المصر من كثرة الأبنية واجتماع الناس، ولأنها تغني أهلها غالبا عن الاحتياج ~~إلى غيرها في قضاء حوائجهم، فهي مصر في المعنى، وإن خصت باسم آخر، ولو قيل: ~~بأن المدينة هي المصر المتصلة أبنيته، وأن ms23 المصر يطلق على هذا المعنى، وعلى ~~ما إذا انفصلت الأبنية، وكانت قرى كثيرة لكان ذلك حسنا، وعلى هذا فيكون بين ~~المصر والمدينة - عموم وخصوص مطلق، لأن كل مدينة مصر، وليس كل مصر مدينة، ~~ولك أن تقسم المدينة إلى نوعين أحدهما - مدينة عظيمة، وهي التي تكون نوعا ~~من المصر، ويعطى لها حكمه، ومدينة صغيرة، وهي ما ليس كذلك، وعلى هذا فيكون ~~بين المدينة والمصر عموم وخصوص من وجه، وفي وصف الحديث - المدينة بالعظم، ~~إشارة إلى هذا المعنى، وعلى كل حال فتعلق الشافعي وأحمد بالحديث ساقط، ~~والحديث دليل عليهما، لا لهما، كما قدمناه لك آنفا، والله أعلم. # ومنها ما ذكره الحسيني في شرح (الأحياء) من أنه كان لمدينة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم - قرى كثيرة، ولم ينقل أنه صلى اله عليه وسلم أمر بإقامة ~~الجمعة فيها كلها. قلت: وقد نقل أنه كان يأمرهم بإتيان الجمعة من (قباء). ~~ونقل عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: الجمعة على من آواه الليل إلى ~~أهله)، ونقل عن الصحابة أنهم كانوا يأتونها من العوالي، وجميع هذه النقول ~~دال على اشتراط المصر في صحة الجمعة، كما قدمناه آنفا. PageV01P035 # ومنها ما استدل به ابن بركة في جامعه: من أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~مصر الأمصار للجمعة، فصار على ذلك اتفاق، ولم يخالف عليه أحد في فعله، ~~ومعنى مصر الأمصار - أي - عينها لإقامة الجمعة فيها، ووجه هذا الاستدلال - ~~أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أحد الخلفاء الراشدين، وهو أمير المؤمنين ~~وإمام المسلمين، عين للجمعة مواضع مخصوصة لتصلى فيها، وجعلها في زمانه في ~~سبعة أمصار، على قول. وفي ثمانية على قول آخر. وكان ذلك بمحضر من الصحابة، ~~وهو إمامهم، فلم يخالفه في فعله ذلك أحد منهم، فكان ذلك إجماعا منهم على أن ~~المصر شرط لوجوب الجمعة، ولو لم يكن ذلك شرطا، لردوا على عمر قوله، ~~ولأنكروا عليه فعله، وهل يخطر ببال أحد من أدنى مسكة من عقل، أن الصحابة ~~كلهم يسكتون على تعطيل فرض من فرائض الله ms24 تعالى أوجبه على عباده، حتى يهمل ~~من جميع الأماكن، إلا ثمانية أمصار أو سبعة، وهم أئمة الهدى، ومصابيح ~~الدجى، وما ظنك بمن ظن بهم ذلك، إلا أنه أساء الظن فيهم، ونسب الكبيرة ~~إليهم، والله أعلم. PageV01P036 # فإن قال قائل - إن الرواية عن عمر في تمصير الأمصار لم تصح عندنا، ولم ~~يروها أحد من أئمة الحديث ممن علمنا، ولو وقع ذلك من عمر لنقل، ولو نقل ~~لاشتهر، لأنه مما تعم به البلوى وهو من أمور الدين، فمثله في العبادة لا ~~يختفي على رواة الحديث، فلا يتم لكم ما ادعيتموه من الإجماع على ذلك، ~~فجوابه: إن ذلك قد وقع من عمر بن الخطاب، وقد نقل واشتهر ونقله من رواة ~~الحديث السيوطي في تاريخ الخلفاء، نقلا عن النووي، محرر مذهب الشافعي، فقال ~~في أوليات ما نصه: وهو أول من مصر الأمصار - الكوفة والبصرة والجزيرة ~~والشام ومصر وموصل، انتهى. وقال مرتضى الحسيني في شرح القاموس: وكان عمر ~~رضي الله عنه قد مصر الأمصار، منها - البصرة والكوفة، انتهى. وهذا الحسيني ~~هو خاتمة المحدثين، ونادرة العلماء المحققين، كما يعرفه بذلك من وقف على ~~تآليفه المشهورة، (كالإتحاف على الأحياء) والسيوطي لا يخفى حاله عند ~~العارفين، والأئمة المحدثين، والنووي عند الفريقين كنار على علم، ولو لم ~~ينقل قضية التمصير إلا هؤلاء الثلاثة لكفى، كيف وقد نقله من المؤرخين ~~الديار بكري في ( تاريخ الخميس)، وأشار إله ابن الأثير في كامله، وصرح بأن ~~الأمصار ثمانية، على أن أصحابنا رضي الله عنهم قد انطبقت كلمتهم جميعا، ~~وتواترت أخبارهم، وتتابعت آثارهم على نقل قضية التمصير، حتى قال ابن أبي ~~نبهان: إن نقلها مجتمع عليه، وهو ظاهر لعدم المنكر لذلك، فلو لم ينقل قضية ~~التمصير أحد من قومنا، لكان في نقل أصحابنا لها أقوى حجة، وأقوم برهانا ~~لأنهم العدول، وإليهم المرجع في هذا الشان، واعلم أن غرضنا مما نقلناه عن ~~السيوطي في التاريخ نقلا عن النووي، ومما نقلناه عن الحسيني في شرح ~~القاموس، إنما هو إثبات قضية التمصير، فلا يضرنا مخالفة نقل بعضهم في ms25 تعيين ~~بعض الأمصار، والله أعلم. PageV01P037 # ومنها ما استدل به صاحب ( مراقي الفلاح على نور الإيضاح )، وهو أحد ~~الحنفية - حيث قال: ولم ينقل عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم حين فتحوا ~~البلاد اشتغلوا بنصب المنابر والجمع، إلا في الأمصار دون القرى، ولو كان، ~~لنقل ولو آحادا، قلت: وقد نقل عن الفاروق تمصير الأمصار للجمعة، فبضم ما ~~ذكره صاحب (المراقي) إلى ما قدمت ذكره من قضية التمصير، يظهر لك حصول ~~الإجماع على اشتراط المصر في وجوب الجمعة، كما لا يخفى. # ومنها ما استدل به صاحب (الإيضاح) ومحشيه رحمهما الله تعالى، وهو قوله ~~تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ~~ذكر الله وذروا البيع))، وذلك إن البيع إنما يكون في الأمصار - أي في غالب ~~أحواله، أو المراد بالبيع المنهي عنه في الآية - البيع المشغل عن ذكر الله، ~~وهذا النوع من البيع لا يكون إلا في الأمصار العظيمة، لأن القرى وصغار ~~البلدان، لا يكون فيها من نوع البيع ما يشغل المرء عن ذكر ربه، فهو استدلال ~~بالإشارة كما صرح به المحشي والله أعلم. PageV01P038 # هذه أدلتنا على اشتراط المصر في وجوب الجمعة وصحتها، فهل لهم دليل واحد ~~يعارض ما ذكرناه من الأدلة، أو يثبت له بعض ما ادعاه من عدم اشتراط المصر ~~في ذلك، وعلى وجوب الجمعة على أربعين رجلا أحرارا بالغين أصحاء، قد وطنوا ~~قرية لا يظعنون عنها إلا لحاجة، فإن نقص واحد من هذا العدد سقطت الجمعة في ~~قوله، وهل لمن ادعى عدم اشتراط المكان أصلا في وجوب الجمعة دليل أيضا، على ~~أن الإجماع من الأمة قد انعقد على اعتبار المكان شرطا في وجوب الجمعة، وإن ~~اختلفت آراؤهم في تحديد المكان، فمدعي عدم اعتبار المكان شرطا في ذلك، قد ~~خالف السنة المحمدية، بدليل ما رويناه من الأخبار، ونبذ الإجماع القطعي ~~وراء ظهره، بدليل ما نقلناه من الآثار، وإن أعجب برأيه، وتعجب من الأمة في ~~اشتراطه ذلك، وادعى أن بيده فصل الخطاب، قال تعالى ((ومن يضلل الله فلا ms26 ~~هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون)). PageV01P039 # أما الشافعي فقد تشبث في التحديد المذكور بحديث ابن عباس في (جواثي)، وقد ~~تقدم بيان سقوط استدلاله بذلك الحديث، واستدل على تحديد الأربعين بحديث كعب ~~بن مالك: أول من جمع بنا أسعد بن زرارة في بقيع الخضمان، قيل لكعب: كم كنتم ~~يومئذ؟ قال أربعون رجلا، فجمع بنا قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم من ~~مكة، وجوابه: أنه ليس في الحديث ما يدل على أن الأربعين شرط لانعقاد ~~الجمعة، ولوجود وجوبها ما يعارض الحديث، فقد روى أبو أمامة: الجمعة واجبة ~~على الخمسين رجلا وليس ما دون الخمسين جمعة، ولأن ما في حديث كعب إنما هو ~~واقعة حال، فالظاهر لو أن أسعد وجد دون الأربعين أو أكثر منهم لجمع، فأي ~~تشبث لهذا المبتدع المدعي عدم اعتبار المكان شرطا في وجوب الجمعة وصحتها، ~~وعلى كل حال فما ذهب إليه الشافعي محتمل للرأي وإن كان ضعيفا جدا، فقد قال ~~الشيخ محمد بن روح رحمه الله تعالى: وقال من قال من قومنا أن صلاة الجمعة ~~تجب من حيث كانوا أربعون رجلا، فإنا لا نرى ذلك، ولا نأمر به، ولا نعمل به، ~~ولا نخلع عن الإسلام من قال بذلك، إلا أن يخالف المسلمين مخالفة يجب بها ~~تضليله، وليست المخالفة في الرأي مثل المخالفة في الدين، انتهى كلامه. # وأما ما ذهب إليه هذا المبتدع المدعي عدم اعتبار المكان شرطا في وجوب ~~الجمعة وصحتها، فلا محتمل له في الرأي ولا مدخل له في الاجتهاد، لمخالفته ~~السنة المشهورة، والإجماع القاطع. والله أعلم. PageV01P040 # وإذا عرفت أن المصر شرط في وجوب الجمعة وصحتها، بما تقدم من الأدلة، ~~فاعلم أن أصحابنا رحمهم الله تعالى، قد خالفوا في وجوب الجمعة في غير ~~الأمصار التي مصرها أبو حفص عمر بن الخطاب رضوان الله تعالى عليه، وهي كما ~~قال أبو عبد الله: سمعنا أن الأمصار التي مصرها عمر بن الخطاب رحمه الله - ~~مكة، والمدينة، والبصرة، والكوفة، والشام، واليمن، والبحرين وعمان مصر ~~واحد. وفي قول غيره: إن كل واحد ms27 من عمان والبحرين مصر برأسه، فالأمصار على ~~قول أبي عبد الله سبعة، وفي قول غيره ثمانية، وفي رواية أبي معاوية - إسقاط ~~عمان والبحرين، وأبدل مكان الشام مصرا، وقيل أن الجمعة بالشام إنما هي ~~بدمشق، وفي اليمن بصنعاء، وفي عمان بصحار، فبعض أصحابنا لم ير أن الجمعة ~~واجبة في غير هذه الأمصار السبعة، أو الثمانية، وهو إحدى الروايتين عن أبي ~~عبيدة رضي الله عنه، فقد روي عنه أنه كان لا يرى في شيء من أرض الأعاجم ~~جمعة، وفي رواية أخرى عنه أنه كان يقول: كل مصر أقيمت فيه الحدود، مع إمام ~~عدل ففيه الجمعة، وروي عن جابر بن زيد وعن ضمام بن السائب- مثل هذه ~~الرواية، فأخذ الناس بقولهم، فأقاموها مع الإمام في هذه الأمصار، وفي ~~غيرها، ثم اختلفوا بعد ذلك في وجوب إقامتها متعددة في المصر الواحد، فذهب ~~الجمهور منا إلى منع تعددها فيه(1) # __________ # (1) * قال صلى الله عليه وسلم: (من يعش بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم ~~بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات ~~الأمور، فإن كل محدثة بدعة) وقال صلى الله عليه وسلم: ( كل شيء ليس عليه ~~امرنا فهو رد)، وذكر في بيان الشرع أن بعض المتعلمين يتطلعون إلى هذا القول ~~في كل وقت، ولكن العلماء يردونهم إلى الحق، وهذا القول - أي - نعددها، ظاهر ~~بطلانه، وإن استدلوا له بعموم قوله عز من قائل: (( إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله))، فلا يخفى على كل عالم أن الأمر بالصلاة ~~والزكاة والحج نزل عاما، وفسرته السنة بتفاصيله، كما بين رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم - كيفية صلاة الجمعة، حيث عين تفاصيلها وربط محلها إجماع ~~الصحابة في زمان الفاروق، فمن هذا الذي يريد أن يكمل شيئا يرى في نفسه أنهم ~~قصروا في عمله؟ والله تعالى يقول: ((وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل ~~إليهم))، وذكر السيوطي: أن أول بدعة حدثت تعدد الجمعة في المصر الواحد في ~~زمان المعتضد، وما كانت تعدد قبل زمانه، والأعجب من هذا ms28 تخطئة من يخالف هذا ~~القول، وهو قول باطل كما ترى، والحق التمسك بما عليه السلف الصالح، فعلى ~~المؤمن أن يحذر من الانزلاق فيما يسمى بدعة وإن كان بعض البدع حسنة ففي ~~بيان الشرع جواز ترك إجابة الجمعة حتى في صحار في غير زمان الإمام فإن ~~المجمع عليه إجابتها في زمان الإمام في المصر الممصر ولبعضهم وعليه أن يصلي ~~الظهر فهي فريضة بلا خلاف والخروج من الخلاف أولى من الدخول في المشكل # نتهم النفوس فيما أشكلا ==== ونعرف الفضل لأرباب العلى # انتهى # سالم بن حمد الحارثي. PageV01P041 # ، وقصروها على المحل الذي وجدت تقام فيه في زمان الصحابة رضي الله عنهم، ~~وقد تواترت آثارهم وأخبارهم أن المحل الذي عين لها في عمان هو قصبة صحار، ~~فأوجبوها هنالك، ومنعوها في غيره، لألا تختلف أحكام الإسلام بين المسلمين، ~~ولأن السنة إذا عينت شيئا من الأشياء لشيء من الأحكام، فلا يجوز تبديله عن ~~ذلك التعيين، ولأن الجمعة إنما تقام لإظهار شعائر الإسلام، فوضعها في مجمع ~~الناس، وفي المكان الذي فيه بيضة الإسلام وقوة المسلمين، وإليه مطمح الخصم ~~أنسب وأولى، وبهذا القول أخذ الإمام وارث بن كعب رضي الله عنه، فقد روي عنه ~~أنه كان لا يصلي الجمعة في نزوى، واختاره الشيخ محمد بن روح رحمه الله ~~تعالى، وذهب بعض أصحابنا إلى وجوب إقامة الجمعة في جميع بلدان المصر، وواجب ~~المحافظة عليها في السهل والجبل، قائلا: إن المصر الواحد قد عين كله لإقامة ~~الجمعة، وإن اختصاص مكان منه بوجوب إقامتها دون مكان مشكل، فتجب إقامتها في ~~جميع المصر، وينبغي أن يكون محل الخلاف فيما إذا كان بين إقامتها أكثر من ~~أربعة فراسخ، لما قدمت لك آنفا - من أنه يجب إتيانها مما دون الفرسخين، فلو ~~أقيمت في موضعين ليس بينهما قدر فرسخين، لبطل ذلك الإيجاب الذي أوجبوه على ~~من دون الفرسخين أن يأتيها، ولو أقيمت في موضعين بينهما قدر فرسخين، وبعض ~~فرسخ، لتدافعت الأحكام فيمن هو قريب من الإقامتين، فيجب عليه إتيان هذه ~~الجمعة، وإتيان هذه، فيتعلق عليه واجبان، ms29 لا يستطيع فعلهما معا، ولا يمكنه ~~ذلك، والقول بأنه مخير في أيهما شاء أن يذهب إليها، محتاج إلى دليل، لأن ~~التخيير بين فعلين واجبين، وإسقاط أحدهما بفعل الآخر حكم شرعي، لا يدرك إلا ~~بالتوقيف من الشارع، كما في خصال الكفارات. والله أعلم. PageV01P042 # لا يقال أنه لا يلزم من إقامتها في موضعين ليس بينهما قدر جمعين ما ذكر ~~من تدافع الأحكام على من هو قريب من الإقامتين، كيف يلزم ذلك؟ وهو إنه إنما ~~يجب عليه أن يجيب أول الندائين إذا تساوت معه المسافتان، ويجب عليه أن يحضر ~~أقرب الجمعتين إذا تفاوتتا قربا وبعدا، فلا يلزم المحذور من تدافع الأحكام، ~~ولا يحتاج حينئذ إلى التخيير المذكور، لأنا نقول: إن ما ذكرناه من تدافع ~~الأحكام، متوجه على من تساوت معه المسافتان بالنسبة إلى الجمعتين، واتحد ~~معه وقت الندائين، فيحتاج حينئذ إلى التخيير المذكور، ولا ملجأ منه، وهذا ~~التقدير كاف في منع إقامتها في موضعين ليس بينهما قدر جمعتين. # ثم إن ما استشكله أرباب القول الثاني من منع تعددها في المصر الواحد، ~~مدفوع بما قدمت من الاعتلال للمانعين، وهو إنهم أوقفوا الجمعة حيث أوقفتها ~~السنة، على أنهم قد تناقلوا إقامتها في صحار، آخرا عن أول، وكابرا عن كابر، ~~وتداولوا عدم إقامتها في غير صحار كذلك، وأنت خبير أن عمان قد أسلمت في ~~عصره صلى الله عليه وسلم، وأجابت دعوته بغير حرب ولا عناء، وأن أحكامه صلى ~~الله عليه وسلم قد نفذت فيها في حياته، بواسطة عامله عليها عمرو بن العاص، ~~وأن عمان منذ ذلك الزمان قرى كثيرة، ورساتيق عديدة، فلو أقيمت الجمعة في ~~عهده صلى الله عليه وسلم في غير صحار من سائر بلدان عمان ورساتيقها، لنقل ~~ذلك إلينا، كما نقلت إقامتها بصحار، على أنك قد عرفت حذاقة أصحابنا في ~~الأمور الشرعية، فلا يبدلون شيئا منها، وعرفت احتياطهم في أمور دينهم، فكيف ~~يتركون الواجب منها؟ وإن قال بعض بوجوبها في غير صحار من عمان، فقوله بذلك ~~إنما نشأ عن قياس واجتهاد، لا عن سنة ms30 وأثر، فظهر أن إقامتها إنما هي واجبة ~~في موضع واحد من المصر، لا في جميع قرى المصر وبلدانه، وإتيان أهل العوالي ~~للجمعة بالمدينة يشهد بذلك. PageV01P043 # على أني أقول: أن تعيين صحار نفسها لإقامة الجمعة بعمان - وإن كان في ~~عهده صلى الله عليه وسلم - فليس هو من الأمور التي لا يمكن تبديلها ولا ~~تحويلها، وإنما عينت في عصره صلى الله عليه وسلم لأنها هي ذلك اليوم رأس ~~الملك، وقصبة عمان، وبها بيضة الإسلام، وإليها ينتاب الناس في قضاء ~~حوائجهم، فإذا سلبت هذه الخصال التي لأجلها كانت محلا لإقامة الجمعة، ووجدت ~~في غيرها من سائر نواحي عمان، فالواجب عندي إقامة الجمعة هنالك، ويشهد لذلك ~~أنه لو خربت صحار مثلا، حتى صارت صحراء، وعمرت غيرها من القرى، حتى صارت ~~مصرا، فلا أظن أن أحدا يقول - أنه لا تجب إقامتها في ذلك المصر المعمور، ~~لأجل أن مصرها الذي كانت تقام فيه قد أعفته الدهور، فظهر بهذا التقرير - ~~أنها لم تخص صحار بإقامة الجمعة لكونها مكانا فقط، لكن للخصال التي قدمت ~~ذكرها، والله أعلم. PageV01P044 # ولا يجوز لمن كان دون الفرسخين من الموضع الذي تقام فيه الجمعة أن يتخلف ~~عن موضع إقامتها، ولا يجوز أن يقيموها في غير الجامع، فلا تصلى في صحراء، ~~وإن كانت قريبة من المصر، خلافا للحنفية في تجويزهم إقامتها في فناء المصر، ~~وهو المكان الذي أعد لقضاء حوائج المصر، إذا لم يكن بينه وبين المصر قدر ~~فرسخين، لأنه صلى الله عليه وسلم إنما أقامها في الجامع في مسجده، ولا دليل ~~لهم في جواز صلاة العيدين في فناء المصر، لأن السنة في العيدين الخروج إلى ~~المصلى، والسنة في الجمعة إقامتها في المسجد، ولا دليل لهم أيضا في صلاة ~~أسعد بن زرارة رضي الله عنه - أول جمعة أقيمت في المدينة في بقيع الخضمان ~~من المدينة، إذ ليس في الرواية نص على أنه صلاها في صحراء، وإن سلمنا أنه ~~يمكن أن يكون صلاها في صحراء هنالك، فيمكن أنه صلاها في مسجد أيضا، وإن ~~سلمنا أنه ms31 لم يصلها في مسجد هنالك، لقلة المساجد ذلك اليوم، فصلاته في ~~الصحراء إنما لضرورة، وللاضطرار حكم يخالف الاختيار، وإذا صلى الإمام في ~~المسجد ومعه بعض الجماعة، وصلى باقي الناس في رحاب المسجد وجوانبه، لضيق ~~المسجد وعدم سعته، فصلاتهم تامة، إذا كانوا في موضع يجوز لهم أن يصلوا فيه ~~مع إمام المسجد جماعة، لا إذا حال بينهم وبين الإمام حائط ليس فيه فرجة، أو ~~طريق، أو نحو ذلك من القواطع، على ما في المسألة من تفصيل، محله باب صلاة ~~الجماعة والله أعلم. PageV01P045 # هذا آخر كلامنا في أحكام المصر، وأما الإمام فهو شرط لوجوب الجمعة ~~ولصحتها عندنا، كان الإمام عادلا أو جائرا، لقوله صلى الله عليه وسلم: (فمن ~~تركها وله إمام عادل أو جائر، استخفافا بها، فلا جمع الله شمله، ولا بارك ~~الله في أمره، ألا ولا صلاة له، ألا ولا حج له، ألا ولا صوم له، ألا ولا ~~بركة له حتى يتوب، فمن تاب، تاب الله عليه). ولقوله صلى الله عليه وسلم: ~~(أربع إلى الولاة - الفيء والصدقات والحدود والجمعات)، وحكم عمالهم إذا ~~أذنوا لهم في صلاة الجمعة، حكمهم للحديث الثاني، ووجه الاستدلال بالحديث ~~الأول أنه صلى الله عليه وسلم رتب الوعيد على من ترك الجمعة وله إمام ~~فمفهومه - إن من تركها وليس له إمام عادل أو جائر، فلا يدخل تحت ذلك ~~الوعيد، ووجه الاستدلال بالحديث الثاني - هو أنه صلى الله عليه وسلم جعل ~~أمر الأربع إلى الولاة، فمفهومه أن غير الولاة ليس لهم من أمر الأربع شيء، ~~وذهب بعض أصحابنا على وجوب إقامتها في الأمصار الممصرة، وإن لم يكن بها ~~إمام ولا وال، وهو مذهب أبي عبد الله محمد بن محبوب رضي الله عنه، فقد روي ~~عنه أنه كان يقول: صلاة الجمعة بصحار على كل حال تكون ركعتين، كان بها إمام ~~أو وال أو لم يكن فيها أحد من السلطان، فكأن هؤلاء لم يروا الاستدلال ~~بمفهوم المخالفة شيئا، مع قوة حجيته في الحديثين، واعتبروا المصر فقط، ~~وحجتهم على ذلك - أن علي ms32 بن أبي طالب كرم الله وجهه صلى بالناس الجمعة يوم ~~الدار، وعثمان محصور، وذلك بعد ما خلع عثمان، ولا شك أنه لا إمام لهم ~~يومئذ، وكان ذلك بمحضر من المهاجرين والأنصار، فلم ينكر عليهم أحد ولم ينقل ~~أن أحدا ممن كان بالمدينة من الصحابة تخل عن الجمعة يومئذ، وإن أهل الكوفة ~~أخرجوا عاملهم سعيد بن العاص، وهو والي عثمان عليهم، وقدموا أبا موسى ~~الأشعري، فصلى بهم ركعتين بعد خطبة، وأن أهل البصرة قدموا الحسن بن أبي ~~الحسن، فصلى بهم ركعتين بعد خطبة، وكانت قد خلت من أمير، PageV01P046 ولم ~~نعلم أن أحدا من الصحابة ولا من التابعين أنكر على أهل الكوفة ولا على أهل ~~البصرة صنيعهم في الجمعة، على أن الخطاب بفرض الجمعة شامل للمؤمنين، كان ~~معهم إمام أو لم يكن. # والجواب عن الاستدلال الأول - أن إمام الصحابة يومئذ عثمان، وقد قيل أن ~~عليا إنما صلى بالناس عن أمره، وقد قدمنا لك أن الإمام العادل والجائر سواء ~~في وجوب الجمعة وصحتها، فخلع عثمان لا يسقط وجوب الجمعة حتى يكون معدوما ~~بالكلية، أو نازلا منزلة واحد من الرعية. PageV01P047 # والجواب عن الاستدلال الثاني والثالث هو - إن أهل الكوفة وأهل البصرة ~~إنما فعلوا ذلك برأي منهم واجتهاد، فليسوا بحجة على غيرهم، وعدم الإنكار ~~عليهم، إنما هو لكونهم لم يفعلوا منكرا مجتمعا عليه، سلمنا أن المسألة ~~اجتهادية، فالغرض المطلوب إنما هو إقامة الدليل على جواز ذلك، ولا يكفي ~~دليلا فعل المجتهد بنفسه، ولا فتواه بذلك، وإن تعدد المفتون في ذلك، بل ~~المجتهد بنفسه محتاج في ذلك إلى إقامة الدليل على صحة قوله وفعله، ويبحث في ~~هذا الجواب بأن في كل واحدة من الكوفة والبصرة يومئذ جمع كثير من الصحابة، ~~ففعلهم وقولهم حجة على غيرهم في ذلك، ويجاب عن هذا البحث بأنه لا نسلم أن ~~فعل الصحابي وقوله حجة على غيره في ذلك، حتى ينزل فعله أو قوله منزلة ~~المجتمع عليه من الأمة، أو يروي لذلك شاهدا من السنة، فالحجة حينئذ إنما هي ~~الإجماع والسنة، لا ms33 فعل المجتهد ولا قوله، والجواب عن هذا الاستدلال بعموم ~~الخطاب في فرض الجمعة لجميع المؤمنين هو - إن عموم الخطاب مخصص بقيود من ~~السنة، منها وجود الإمام العادل أو الجائر، وتقدم الدليل على ذلك، وذهب بعض ~~أصحابنا - قال ابن بركة: وهم الأقل - إلى أن الإمام العادل هو الشرط في ~~وجوب الجمعة وصحتها، وأنها لا تجوز خلف الجبابرة لوجوه، أحدها، - إن الجمعة ~~وجبت في الأصل مع الإمام العادل باتفاق الأمة، فهي واجبة مع الإمام العادل ~~للاتفاق على ذلك، فالإمام العادل شرط في وجوب الجمعة وصحتها لهذا الاتفاق، ~~فنحن لا نوجبها إلا حيث أوجبها الاتفاق، ونمنع جوازها في غير ذلك، وثانيها ~~- إن الإمام الجائر فاسق بلا خلاف، وإن الفاسق لا تصح منه الصلاة، كما أن ~~الكافر بالله لا تصح منه الصلاة أيضا، فكيف تصح منه الجمعة، أو يكون فيها ~~إماما. وثالثها - إن الجبار مغتصب للمنبر، لأنه ليس هو من أهله، والصلاة ~~خلف المغتصب قد عرفتم ما فيها، ورابعها - إن الخطبة ركن من أركان الصلاة، ~~لأنها قائمة مقام ركعتين، والجبابرة PageV01P048 يعصون الله فيها، بثنائهم ~~على الظلمة، وبشتمهم المسلمين، وبتحسينهم القبيح، وتقبيحهم الحسن، وخامسها ~~- إن الجماعة الحاضرين لاستماع الخطبة، إنما هم يستمعون المنكر الذي تخطب ~~به الظلمة، وقد أمروا بالسعي إلى ذكر الله، وخطبة الظلمة ليست من ذكر الله، ~~وإنما هي من معاصي الله تعالى، فالواجب اجتناب استماع المعاصي عند القدرة ~~على ذلك، وسادسها - قوله صلى الله عليه وسلم: (من صلى بقوم وهم له كارهون، ~~فلا تجاوز صلاته أذنه)، وكأن هؤلاء لم يقرع أسماعهم قوله صلى الله عليه ~~وسلم: (من تركها وله إمام عادل أو جائر)، - الحديث - وهو حديث مشهور عند ~~الأصحاب وغيرهم، ولا بد من الجواب عن هذه الاستدلالات كلها، فأقول: الجواب ~~على الاستدلال الأول - إن وجوب الجمعة وتوجيه الخطاب بفرضها في زمن العدل، ~~لا يوجب سقوطها في زمن الجور، سلمنا إنها إنما وجبت في أول الأمر خلف ~~الإمام العادل، فهل من دليل على أنها لا تجب خلف الإمام الجائر، على أنا ~~نقول: أنه ms34 يلزم صاحب هذا القول - سقوط الفرائض كلها في زمن الجور، لأنها ~~إنما خوطب بفرضها كلها في زمن العدل، ولا يقول ذلك عاقل، والجواب عن ~~الاستدلال الثاني - هو إن فسق الجبار ليس بناقض لصلاته، بدليل أنه لا يلزم ~~إعادة الصلاة إذا تاب، وقياسه في ذلك على الكافر بالله، غير مسلم، لأن ~~الإسلام شرط في صحة العبادات كلها، وقد حصل للفاسق دون المشرك، والجواب على ~~الاستدلال الثالث - هو أن اغتصاب الجبار لمنبر الجمعة، ليس كاغتصاب ~~الأملاك، لأن المنبر ليس بملك لأحد، سلمنا أن الجبار منع المنبر أهله، ~~فغاية ما فيه أنه عاص بمنعه، وعصيانه بعض فسوقه، وقد قدمنا الجواب عنه، ~~والجواب عن الاستدلال الرابع - هو أنا لا نسلم أن الخطبة بدل في الجمعة من ~~الركعتين، حتى تكون ركنا من الصلاة، فيفسدها ما يفسد الصلاة، لكنا نقول: ~~إنها شرط لصحة الصلاة، ولا يفسد الشرط جميع ما يفسد الصلاة، فعصيان الجبار ~~في الخطبة لا يفسد PageV01P049 الصلاة ولا الخطبة، كيف نسلم أنها بدل من ~~الركعتين، وهي إنما يستقبل بها غير القبلة، فلو كانت بدلا من الركعتين، ~~لكانت نحو القبلة، إذ لا يصح أن يكون بعض الصلاة نحو القبلة، وبعضها إلى ~~غير القبلة، وفي هذا التعليل بحث، وهو أن أمر العبادات، أمر توقيفي من ~~الشارع، وقد وجدنا الشارع يستقبل بالخطبة غير القبلة، فهذه العبادة مخصوصة ~~بهذه الهيئة من بين سائر الصلوات، ولا جواب عن هذا البحث، لكنا نعدل إلى ~~استدلال آخر فنقول: إن كون الخطبة بدلا من الركعتين في الصلاة، أمر لا يعلم ~~إلا من التوقيف الشرعي، فأين الدليل على ذلك، والله أعلم. # والجواب عن الاستدلال الخامس هو أن الجماعة إنما حضروا لاستماع الذكر، لا ~~لاستماع المنكر، ولا يلزمهم أن لا يحضروا، لأجل ما فيه من المعصية، وإنما ~~يلزمهم أداء الواجب عليهم، وإنكار ما قدروا على إنكاره، ومعصية العاصي لا ~~تحط فرضا وجب على الغير. قال ابن بركة: الدليل على ذلك إجماع العلماء على ~~أن لو كان مسجد بقربه صوت مزمار، أو بعض المنكرات، لم يجز ms35 لأهل المسجد أن ~~يعطلوه ويخربوه، لأجل ما يسمعون من المنكر وهم فيه، ولا يطيقون دفع ذلك، ~~وكذلك لا يجوز ترك الجنازة وتعطيل القيام بها، وما يجب على المسلمين من فرض ~~دفن موتاهم، والصلاة عليهم، إذا كان هناك نوح وأصوات مناكر لا يمكن صرفها، ~~قال: وقد روي أن الحسن بن أبي الحسن صحب جنازة، وخلفها أصوات نوح، فقال له ~~رجل من أصحابه: يا أبا سعيد أما تسمع إلى هذا المنكر، وهم الرجل بالانصراف، ~~وقال له الحسن: يا هذا إن كنت كلما سمعت منكرا تركت لأجله معروفا، أسرع ذلك ~~في دينك، انتهى كلامه. PageV01P050 # والجواب عن الاستدلال السادس - إن الحديث محمول على نفي كمال الصلاة، لا ~~على نفي صحتها، كما حمل ذلك على قوله صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لجار ~~المسجد إلا في المسجد)، قال ابن بركة وصاحب القواعد: وقد أجمعوا على صحة ~~صلاة من صلى في بيته، وإن كان جارا للمسجد، ومعنى نفي الكمال هو - أنه لا ~~يثاب عليها مثل ما يثاب على الصلاة الكاملة، والمراد من إطلاق هذا النفي، ~~على هذا المعنى، المبالغة في زجر فاعل ذلك عن العودة إليه، وتهويل شأنه عن ~~الوقوف عليه، فسقط جميع ما تعلقوا به والحمد لله. PageV01P051 # وممن رأى جواز الجمعة خلف الجبابرة - ابن عباس، وجابر بن زيد، والإمام ~~عبد الوهاب بن عبد الرحمن المغربي، فمن دونهم رضي الله عنهم، وروي أن جابر ~~بن زيد كان يصلي الجمعة خلف زياد وعبيد الله بن زياد والحجاج، وكلهم عمال ~~بني أمية، وقد شهروا جميعا بانتهاك المحارم، واقتراف المظالم، ويحكى أن ~~حبيب بن عمرو وهو أبو الربيع بن حبيب، كان مع جابر بن زيد يوم الجمعة، فقال ~~جابر بن زيد: الرواح إلى الجمعة، فقال حبيب: أخلف الحجاج؟ قال جابر: نعم، ~~إنها صلاة جامعة وسنة متبعة، وقال أبو عبد الله محمد بن محبوب رضي الله ~~عنه: فالذي نحن عليه ومضى عليه أسلافنا من الفقهاء، أنه لا بأس بالصلاة خلف ~~أئمة قومنا إذا قاموا الصلاة لوقتها، وقد كان جابر بن ms36 زيد رحمه الله يصلي ~~الجمعة خلف الحجاج، فإن قال قائل - أنه لا يرى الجمعة خلف أئمة قومنا، ولم ~~يصح له إلا اتباع أئمة المسلمين، وأخبر برأي المسلمين، فإن رجع إلى رأي ~~المسلمين، فذلك الواجب عليه، وإن ثبت على قوله، كان في الصدور منه حرج، ولا ~~تسقط ولايته حتى يزعم أن جابرا أو غيره - ممن لم ير بالصلاة خلفهم بأسا، ~~ليسوا على صواب، وأنهم كانوا في ذلك على غير الحق، فإذا صار إلى هذه ~~المنزلة، استتابه المسلمون من ذلك، فإن تاب وترك ما اختاره من رأيه، لم ~~تسقط ولايته، وإن أصر وأدبر، كان حقا على المسلمين البراءة منه، انتهى كلام ~~أبي عبد الله، وأقول على إثره: وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يصلون الجمعة ~~وغيرها من الصلوات، خلف عثمان وعماله، بعد ما نقموا عليه أفعاله، وأنكروا ~~عليه أقواله، ووضعوا إمامته عن رقابهم، بسبب نكثه العهد الذي بايعوه عليه، ~~وناهيك أن ابن مسعود وغيره من أفاضل الصحابة، كانوا يصلون خلف الوليد بن ~~عقبة، والي عثمان على الكوفة، وقد شهر بشرب الخمر، حتى أنه صلى بهم الفجر ~~ذات يوم أربع ركعات وهو سكران، وقال لهم: أزيدكم؟ قال البدر الشماخي رحمه ~~الله: قال المسعودي: قيل - قال في PageV01P052 سجوده، اشرب واسقني، وقال ~~عتاب بن غيلان: لا تزيدنا، لا زادك الله مزيد الخير، والله ما أعجب إلا ممن ~~بعثك إلينا أميرا، وعلينا واليا، فدخل قصره لعنه الله، وهو يتمثل: # ولست بعيدا عند خمر وقينة ==== ولا بصفا صلد عن الخير معزل # ولكنني أروي من الخمر هامتي === وأمشي الملا بالشاحب المتثلثل # وفي ذلك يقول الحطيئة: # نادى وقد تمت صلاتهم ==== أزيدكم ثملا وما يدري # ليزيدهم أخرى، ولو قبلوا ==== لأتت صلاتهم على العشر # حبسوا عنانك إذ جريت ولو ==== خلوا عنانك لم تزل تجري # ففي هذا كله ما يدل على جواز صلاة الجمعة وغيرها خلف الجبابرة، فلو قيل - ~~إن جوازها خلف الجبابرة مجتمع عليه، ما كان بعيدا، ولذلك يشير أبو عبد الله ~~بقوله: والذي نحن عليه، ومضى عليه أسلافنا من الفقهاء، ms37 أنه لا بأس بالصلاة ~~خلف أئمة قومنا وبقوله: وإن ثبت على قوله كان في الصدور منه حرج، إلى آخر ~~ما ذكره هنالك، والله أعلم. # ...وقال أبو المؤثر وأبو الحواري: صلاة الجمعة خلف الجبابرة جائزة في ~~الأمصار الممصرة، إذا صلوها في وقتها بحدودها، وأما إن صلوا الجمعة ركعتين ~~في غير الأمصار الممصرة، فلا يصلى خلفهم، ومن صلى خلفهم أعاد أربعا، فهؤلاء ~~اشترطوا في صحة الجمعة خلف الجبابرة المصر الممصر، فيحتمل أن يكونوا من ~~الطائفة الذي يرون صلاة الجمعة مقصورة على الأمصار الممصرة مع الإمام، ومع ~~عدمه، ويحتمل أن يكونوا من الطائفة الذي يرون اشتراط الإمام والمصر معا ~~لحصة الجمعة، فعلى الاحتمال الأول - فيكون معهم وجود الجبار كعدمه، فلا ~~يكون حصوله شرطا لصحة الجمعة عندهم، ولهم أن يستدلوا على ذلك بصلاة الصحابة ~~والتابعين خلف الجبابرة، فإنهم لم ينقل عنهم أنهم صلوا الجمعة خلف الجبابرة ~~إلا في الأمصار الممصرة، والله أعلم. PageV01P053 # ...واعلم أن جميع ما مر من بيان صلاة الإمام العادل والجائر الجمعة، إنما ~~هو في محل إقامة الإمام، أو في المكان الذي حكمه حكم إقامته، كما إذا كان ~~في محل دون الفرسخين من وطنه، ولم يكن الإمام راجعا في من سفره، فإن حكمه ~~في إذا لم يكن راجعا إليه من سفر - حكمه في وطنه، فعليه فيه إقامة الجمعة، ~~كما كان عليه في وطنه، أما إذا سافر الإمام، أو كان في موضع حكمه فيه حكم ~~المسافر، ففي جواز صلاته الجمعة قولان: فقيل: له أن يصليها هنالك جمعة وهو ~~مذهب الأوزاعي وأبي ثور، وعمل به عمر بن عبد العزيز، وإمام المسلمين عزان ~~بن قيس رضي الله عنه، وقيل: ليس له أن يصلي الجمعة في السفر، وهو مذهب ~~جمهور أصحابنا، قال ابن بركة في جامعه: ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~صلى بعرفة الظهر والعصر صلاة المسافر، وكان يوم جمعة، فهذا يدل على أن ~~الإمام إذا سافر، فوافق الجمعة، كان حكمه حكم المسافرين، وقول من قال: إن ~~الإمام حكمه في الحضر والسفر في صلاة ms38 الجمعة سواء، وإنه حيث حضرت الجمعة ~~صلاها صلاة المقيم، باطل، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يجهر بالقراءة في ~~صلاة الظهر بعرفة، كما يفعل الإمام في صلاة الجمعة، والرواية بذلك صحيحة، ~~فمن ادعى أنه جهر بالقراءة، كانت عليه إقامة الدليل، وقال في موضع آخر من ~~جامعه: وليس على الإمام جمعة في السفر، ولا يصلي في السفر إلا صلاة مسافر، ~~وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه - صلى بأهل مكة ركعتين، ثم قال: أتموا ~~فإنا قوم سفر، وإن عليا كرم الله وجهه صلى بالناس يوم الجمعة ركعتين، ثم ~~التفت إليهم فقال: أتموا صلاتكم، وكان يرى أن القصر على الإمام وغيره في ~~السفر وكان لا يرى الجمعة إلا في مصر جامع، انتهى. PageV01P054 # ...قلت، وقد قدمت لك فيما مر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام زمن ~~الفتح ثماني عشرة ليلة يصلي بالناس ركعتين ركعتين إلا المغرب، ثم يقول: (يا ~~أهل مكة قوموا فصلوا ركعتين أخريين فإنا قوم سفر)، وأنه صلى الله عليه وسلم ~~كان يمر في سفره على قرى كثيرة، ولم ينقل عنه أنه صلى في شئ منها الجمعة، ~~ففي هذا ما يدل على أن ليس للإمام أن يصلي الجمعة في سفره، ولا أعرف لأرباب ~~القول الأول حجة فأذكرها هاهنا، ولعلهم إنما استدلوا على ذلك بما روي أن ~~أول جمعة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة في المسجد الذي في ~~بطن وادي بني سالم، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم قدم المدينة يوم الاثنين، ~~فأقام الثلاثاء والأربعاء والخميس في بني عمرو بن عوف، وأسس مسجدهم، ثم خرج ~~من عندهم فأدركته الجمعة في بني سالم، فصلاها في مسجدهم، وبما روي عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما - من أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يتحرى في الاتكاء ~~في حال خطبته شيئا، ولكن كان يتوكأ في الحرب على السيف، وفي الحضر على ~~العصا - وأراد بالحرب السفر لأنه هو المقابل للحضر. # ...ويجاب على الاستدلال الأول - بأن ذلك إنما كان في ms39 أول الهجرة، وقضية ~~الفتح وصلاته صلى الله عليه وسلم بعرفة ظهرا يوم الجمعة متأخرة، والعمل ~~بالمتأخر من أفعاله صلى الله عليه وسلم، لأنه في حكم الناسخ لما تقدم، مع ~~أنه يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم، علم من ربه أن المدينة هي وطنه ومستقره ~~، فصلاته فيها صلاة موطن، وذلك ظاهر، ويجاب عن الاستدلال الثاني - بأن ما ~~ذكره ابن عباس غير نص على أن ذلك في صلاة الجمعة، وأنه صلى الله عليه وسلم ~~كان يخطب للجمعة وغيرها، فلا يعارض ما قدمناه من النص على خلاف ذلك، والله أعلم. PageV01P055 # ...وقد استثنى الإمام الكدمي رحمه الله من هذه القاعدة صورة قال فيها: إن ~~الإمام يصلي الجمعة فيها باتفاق، وهي ما إذا دخل الإمام مصرا من الأمصار ~~الممصرة، فإنه يجب عليه أن يصلي الجمعة ركعتين في ذلك المصر، وإن كان فيه ~~مسافرا، لما حصل له من معنى الإمامة، ومعنى المصر، وكونه مسافرا لا يسقط ~~فرض الجمعة عن غيره بعد حصول علته، وأقول: إن ظاهر الرواية عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه كان يصلي الظهر بمكة ركعتين في الجمعة، وغيرها، ثم يأمرهم ~~بإتمام الركعتين الأخريين، ما يدل على أن الإمام وإن دخل المصر لا يصلي ~~جمعة إذا كان مسافرا، وأكد هذه السنة فعل كل واحد من العمرين، وعلي بن أبي ~~طالب كرم الله وجهه ذلك، وقول كل واحد لهم - أتموا، فلو كانت السنة منسوخة ~~مثلا، ما كان لهؤلاء الخلفاء أن يعملوا بالمنسوخ، فثبت أنها غير منسوخة، ~~وأن الصورة التي أخرجها الإمام الكدمي عن تلك القاعدة، ليست خارجة بإجماع، ~~ووجه استثناء الكدمي لها هو - أنه لم يعلم إلا الاتفاق عليها من أصحابه، ~~فأخرجها على حسب ما علم، ولا بأس، فإنه لم يدع القطع فيها، والله أعلم(1). # __________ # (1) الظاهر من صلاة الإمام عزان الجمعة وهو مسافر، ذلك لأنه يختلف عن ~~غيره من الأئمة لأن بيعته بيعة دفاع فهو شبه موطن في كل مكان يستقر فيه وفي ~~آخر زمانه عزم على الإستيطان بنزوى وكان قبل ذلك في صدر ms40 إمامته غير مستقر ~~والغريب من تساهل من يتساهل في هذه المسألة فيصلي بالناس الجمعة وهو أجير ~~ومسافر وتشديد العلماء المحققين في تعدد الجمعة في المصر كما ترى ذلك لأنه ~~لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن خلفائه الراشدين أنه صلى ~~الجمعة إماما وهو مسافر وما ورد عن بعضهم فذلك لشيء خاص به لا يتجاوزه إلى ~~غيره فإنا لله وإنا إليه راجعون، ذهب العلم بذهاب أهله، سالم بن حمد ~~الحارثي. PageV01P056 # ...وأما إذن الإمام فهو شرط في صحة الجمعة، لقوله صلى الله عليه وسلم (أربع ~~إلى الولاة - الفيء والصدقات والحدود والجمعات)، فبين عليه الصلاة والسلام ~~أن أمر هذه الأشياء كلها لولاة الأمر، ولا إشكال في أنه لا يصح إقامة ~~الحدود بغير إذن الإمام، فإقامة الجمعات مثلها لاستوائهما في هذا الحكم، ~~والفرق بينهما عسير جدا، واستدل ابن بركة على ذلك بقوله صلى الله عليه ~~وسلم: (لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس، ثم أحرق على رجال يتخلفون عن ~~صلاة الجمعة بيوتهم)، واستدلاله بهذا الحديث، إنما هو في قوله صلى الله ~~عليه وسلم: (أن آمر رجلا) إلى آخر الحديث، فأخذ منه ابن بركة أنه لا تصح ~~الصلاة إلا بأمر الإمام، إذ لو كانت تصح بدون ذلك، ما قال: (أن آمر)، وفي ~~هذا الاستدلال ما لا يخفى، إذ لا يلزم من قوله صلى الله عليه وسلم: (أن آمر ~~رجلا) إلى آخره، كون الأمر شرط لصحة الصلاة، لاحتمال أن يكون إنما قال ذلك ~~لما علم من الصحابة أنه لا يصلون وراء غيره وهو حاضر إلا بأمره، فيكون أمره ~~بذلك إعلاما لهم أنه لا يصلي معهم، فينقطع هنالك انتظارهم له صلى الله عليه ~~وسلم، فيصلون خلف غيره، ولك أن تجعل قوله صلى الله عليه وسلم: (فمن تركها ~~وله إمام)، الحديث - دليلا على اشتراط إذن الإمام، ووجه ذلك هو أنه ليس ~~المراد من كون الإمام شرطا لصحة الجمعة، نفس وجود شخص الإمام، بل ما كان ~~شرطا لذلك، إلا لأنه هو ولي أمرها، وبيده الإذن ms41 بإقامتها، وذلك موجود في ~~الأحكام المشروطة صحتها بوجود الإمام، فلا يصح لأحد من الناس، أن ينفذ شيئا ~~منها عند وجود الإمام إلا بإذنه، فعلمنا أنه ليس نفس وجود شخص الإمام شرطا ~~لصحة تلك الأحكام، وإنما شرط وجوده في ذلك، ليكون ممتازا بأمره عن غيره، ~~فتنقطع الأطماع في طلب التقدم في ذلك الأمر، وينتفي التنازع، ويرتفع الفشل، ~~وفي الإيضاح - وجائز للإمام أن يأمر عماله في الأمصار بإقامة الجمعة، لأن ~~خليفته في مقامه، فإن لم يأمرهم، PageV01P057 فليصلوا أربع ركعات وقد روي ~~أن عليا كرم الله وجهه صلى بأهل مكة يوم الجمعة ركعتين، فقال: أتموا ~~صلاتكم، ولا يجوز للعامل أن يأمر غيره بإقامة الجمعة إلا بإذن الإمام، وهذا ~~كله مبني على إذن الإمام شرط لصحة الجمعة. # ...وذهب بعض أصحابنا إلى عدم اشتراط ذلك في صحة الجمعة، وفي الأثر ما نصه - ~~وكان عبد الملك بن حميد بنزوى مريضا، فلم يخرج إلى الجمعة، وصلى عمر بن ~~الأخنس الجمعة بالناس بنزوى ركعتين، من غير أن يأمره الإمام عبد الملك بن ~~حميد أن يصلي بالناس، وكان موسى بن علي يومئذ حاضرا، فلم ير موسى عليهم ~~النقض، وأجاز صلاتهم، قال أبو عبد الله: فأنا أرى على عمر بن الأخنس وعلى ~~من صلى معه النقض. # ...فهذا أبو علي لم ير بأسا بصلاة عمر ومن خلفه، فكأنه لم ير أن إذن الإمام ~~شرط في صحة الجمعة، وأبو عبد الله رأى عليهم النقض، فمذهبه أن إذن الإمام ~~شرط في صحتها، وقد تقدم عن أبي عبد الله أنه لا يرى أن نفس وجود الإمام شرط ~~في صحة الجمعة، وقد أجازها بصحار مطلقا عند إمام عادل أو جائر، أو عند والي ~~الإمام العادل أو الجائر، أو لم يكن أحد من قبل السلطان أصلا، فاشترطه إذن ~~الإمام لصحتها مع ما تقدم عنه مشكل جدا، ويندفع هذا الإشكال بما إذا قلت إن ~~أبا عبد الله إنما لم يشترط الإمام لصحة الجمعة في الأمصار الممصرة دون ~~غيرها من سائر القرى، أما في سائر القرى والأمصار التي ms42 لم تمصر، فيشترط ~~ذلك، والقضية الواقعة هاهنا، إنما هي بنزوى لا بصحار، وليست نزوى من ~~الأمصار الممصرة، فاندفع الإشكال واتضح الحق، والله أعلم. PageV01P058 # ...واشترط الحنفية لصحة الجمعة الإذن العام، وهو أن تفتح أبواب الجامع ~~للوارد، فلا يمنع من الجامع يومئذ أحد، ولا تصح الجمعة عندهم بدون ذلك، وهو ~~ظاهر، لأنه صلى الله عليه وسلم ما كان يمنع أحدا من حضور الجمعة،، بل كان ~~يحثهم على حضورها، ويحرضهم عليه، وكذلك الخلفاء من بعده، وأنه سبحانه ~~وتعالى أمر بالسعي إلى ذكر الله، وعند غلق الأبواب يتعذر على المأمور ~~بالسعي امتثال ما أمر به، ولا تصح صلاة جمعة على خلاف الحالة التي أمر بها ~~الكتاب، وجاءت بها السنة، والله أعلم. # ...وأما الجماعة فهم - شرط لصحة الجمعة، فلا بد من حضور من يطلق عليهم اسم ~~جماعة، لقوله صلى الله عليه وسلم: (الجمعة واجبة على كل محتلم سمع النداء ~~في جماعة)، واشتراط ذلك - قال صاحب القواعد: بإجماع الأمة، وقد حكى الإجماع ~~على ذلك غير صاحب القواعد، فما يروى عن ابن عباس - من أن الجمعة تصح وإن من ~~واحد لا إمام في غير المسجد، مخالف لما نقل من الإجماع، فمثل هذا لا ينبغي ~~أن يكون صحيحا عن ابن عباس، وإن سوغ صحته القطب في ذهبه قائلا: وإنما شدد ~~الشارع صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون في حضور الجمعة وعدم صحتها ~~فرادى، خوف أن يتساهل الناس في الحضور، فلا يقوم للجمعة شعار، فسدوا باب ~~ذلك، وكذا لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد، ولا للواحد خلف الصف، وقد ~~سبقه إلى ذلك الشعراني نقلا عن شيخه. PageV01P059 # ...وأقول: أنه لا ينبغي لأحد من الأمة أن يفتح بابا سده الشارع وسده ~~الخلفاء الراشدون من بعده، وأطبقت على سده كلمة العلماء، وانطبق عليه إجماع ~~الأمة، أفيفتحه ابن عباس؟ وهو بحر العلم، وحبر الأمة، على أن شعار الجمعة ~~إنما هو بالاجتماع، ولا يكون لها بالانفراد شعار، فلو صحت من المنفرد وإن ~~أقام شعارها بغيره، للزم أن تصح منه، وإن لم يقم شعارها ms43 بغيره، والتفريق ~~بين ما إذا قام الشعار بغيره، وبين ما إذا لم يقم، محتاج إلى دليل، ولا ~~دليل على ذلك، والأدلة الشرعية دالة على وجوب حضور الجمعة مع الجماعة، وعلى ~~عدم صحتها من المنفرد، فتخصيص الأدلة بوجوب حضورها في بعض الأحوال دون بعض، ~~محتاج إلى دليل، وليس شأن الجمعة في حضور الجماعة، كشأن غيرها من سائر ~~الفرائض، حتى يحمل ما ورد في ترك حضورها من التشديد على التخويف والتهديد، ~~والله أعلم. PageV01P060 # ...وقد اختلفوا في المقدار الذي تصح به الجمعة، فقال بعضهم: تنعقد باثنين ~~فصاعدا، لقوله صلى الله عليه وسلم: (الاثنان فما فوقهما جماعة) وروي أنه ~~صلى الله عليه وسلم رأى رجلين يصليان فقال: (هذان جماعة)، وقال بعض: أقل ~~ذلك ثلاثة، الإمام واثنان غيره، لقوله تعالى: ((فاسعوا إلى ذكر الله)) ~~فالأمر بالسعي هاهنا إنما هو أمر لجماعة، وأقل الجماعة اثنان، على قول، ولا ~~بد أن يحضروا إلى من يسمعهم ذكر الله، وهو الخطيب، فتلكم ثلاثة، وقال بعض: ~~أقل ما تصح به الجمعة أربعة - مؤذن وإمام ورجلان، والحجة لهم على ذلك، ~~رواية ابن مسعود عنه صلى الله عليه وسلم: ((الجمعة واجبة على كل قرية وإن ~~لم يكن فيها إلا أربعة)) فإن صحت هذه الرواية، فتحتاج إلى جمع بينها وبين ~~ما قدمناه من الأدلة، على اشتراط المصر في وجوب الجمعة، على أنه لا إشكال، ~~إن ما قدمناه آنفا أقوى احتجاجا، وأوضح دلالة، وأقوم سبيلا من هذه الرواية، ~~فيقال في الجمع بينهما: إن المراد بالقرية في هذه الرواية - المصر، على ~~سبيل المجاز الإرسالي أو الإستعاري، والقرينة على ذلك هو ما مر من الأدلة، ~~فلا إشكال، واعلم أنه لا تعلق للشافعي بهذه الرواية في وجوب الجمعة على أهل ~~القرية إذا بلغوا أربعين رجلا، لأن ما في هذه الرواية مسقط لتحديده ~~بالأربعين، فهو إما أن يثبتها كلها، فيسقط في يده التحديد بالأربعين، وإما ~~أن يطعن فيها كلها، فيسقط في يده الاستدلال بها على وجوبها على أهل القرية، ~~والقول بنسخ بعضها دون بعض، لا سبيل إليه، لاحتياجه ms44 إلى الدليل، ولا دليل، ~~وكذا لا سبيل إلى الطعن في بعضها دون بعض، لأنها إنما جاءت كذلك من طريق ~~واحد، والله أعلم. PageV01P061 # ...وذهب عكرمة إلى صحتها بسبعة، وذهب ربيعة إلى أنها تصح بتسعة، وفي وراية ~~عنه باثنتي عشر، وذهب إسحاق إلى صحتها بثلاثة عشر، أحدهم الإمام، وذهب مالك ~~إلى صحتها بعشرين، وفي رواية بثلاثين، ولا أعرف لهؤلاء حججا، وذهب الشافعي ~~إلى صحتها بأربعين، أحدهم الإمام، وفي قول له - أربعين غير الإمام، وبه قال ~~عمر بن عبد العزيز، وطائفة من قومنا وبعض أصحابنا، وحجتهم على ذلك حديث كعب ~~بن مالك - أول من جمع بنا أسعد بن زرارة في بقيع الخصمان، قيل لكعب: كم ~~كنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلا، فجمع بنا قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم ~~من مكة، قال الشعراني: قال شيخنا - والظاهر أن العدد المذكور ليس بشرط، ولو ~~كان أسعد وجد دون الأربعين لجمع بهم، وأقام شعار الجمعة، بدليل الحديثين ~~قبله، فهي واقعة حال، وذهب أحمد إلى صحتها بخمسين، لرواية أبي أمامة أنه ~~سمعه عليه الصلاة والسلام يقول: (الجمعة واجبة على الخمسين رجلا وليس على ~~ما دون الخمسين جمعة)، وذهب طاووس إلى صحتها بثمانين، وذهب بعض علماء ~~الحديث إلى صحتها بجمع كثير من غير حصر، ولا أعرف لطاووس في التحديد ~~بالثمانين حجة، وأما حجة بعض أهل الحديث - فهي أن الجمعة لم تصل منذ عهده ~~صلى الله عليه وسلم إلى اليوم إلا بجمع كثير، وإن تفاوتت الجمع في الكثرة، ~~فالتفاوت لا عبرة به، فإنه قد يكون الحاضرون في بعض الأحيان أكثر منهم في ~~بعضها، وعل كل قول من هذه الأقوال فلا تصح الصلاة عند قائله بما دون ذلك ~~القدر، والصحيح إنها إنما تنعقد بما يطلق عليه اسم جمع حقيقة، وهم من ~~الثلاثة فصاعدا، أو حكما، وهم من الاثنين فصاعدا، أما التحديد بما يفوق ذلك ~~فلا سبيل إليه، إذ لا دليل عليه، أما رواية ابن مسعود في التحديد بالأربعة، ~~فهي على تقدير صحتها، إنما هي دليل على أقل من تجب عليه ms45 الجمعة، لا على أقل ~~من تصح منه، وبين الوجوب والصحة فرق بين، وكذا القول في رواية أبي أمامة في ~~التحديد بالخمسين، وأما PageV01P062 رواية كعب، فقد عرفت ما فيها من ~~احتمال، فلا دليل فيها على التحديد بالأربعين، والله أعلم. # ...وإذا لم يحضر الجمعة أحد ممن تجب عليه، وحضرها المسافرون والعبيد ~~والصبيان والنساء، أو أحد من هؤلاء، قال ابن بركة: لم تكن جمعة، لأن الجمعة ~~لا تنعقد إلا بالمخاطبين بها، لأن المتعبد به، شرط في تجويز صلاة الجمعة ~~كالإمام فحكمهم حكم الإمام، فمن لا يصح أن يكون إماما فيها، لم يجز أن يكون ~~شرطا في تجويزها، انتهى. # ...وقد قدمت لك ذكر الخلاف في جواز إمامة هؤلاء كلهم إلا النساء في صلاة ~~الجمعة، فينبغي أن يجري هاهنا الخلاف المذكور هنالك، فيقال: على قياده أنه ~~تنعقد الجمعة على قول بهؤلاء كلهم إلا النساء، فلا تنعقد بهن وحدهن، لعدم ~~صحة إمامتهن فيها، ولو قيل بانعقادها بهن أيضا إذا كان الإمام من أهل ~~الجمعة، للاتفاق على جواز صلاتهن الجمعة، واجتزائهن بها عن الظهر، ما كان ~~بعيدا، وحينئذ فيطالب ابن بركة الدليل على اشتراطه أن يكون من تجوز به ~~الجمعة، ممن تصح منه الإمامة فيها، ولا دليل له على ذلك، والله أعلم. # ...وإذا انفضت الجماعة عن الإمام حتى لم يبق منهم أحد - فإن انفضوا قبل ~~الإحرام، فحكمهم كما لو لم يحضروا الجمعة أصلا، وعلى الإمام أن يصليها ~~ظهرا، وإن انفضوا بعد الإحرام، قال ابن بركة: أتمها جمعة قال: قال أصحابنا: ~~إذا تفرقوا عنه صلى ظهرا، والنظر يوجب عندي ما قلناه، لأنهم اشتركوا فيما ~~يحسب من أركانها، وعليه بناؤها كلها، ألا ترى أن الإمام إذا أحدث بعدما ~~افتتح، ثم استخلف من لم يشهد الخطبة، وفاته منها شي يبني على ما بقي منها، ~~للزومه ذلك، وقال في موضع آخر: والموجب عليه غير ذلك محتاج إلى دليل. PageV01P063 # ...والقول بأن الإمام يتمها جمعة، قد تقدمه إلى ذكره أبو جابر في جامعه، ~~فحكاه هنالك، فوضحه هذا الشيخ بما ترى، فالقول إنما هو ms46 للأقدمين والأصحاب ~~لم يتفقوا على خلافه، وإن قال الإمام الكدمي رحمه الله: ومعي أنه ما لم يكن ~~معه من تقوم به الجمعة حتى يتمها، لم يبن لي أن يتم صلاة الجمعة إذا ذهب من ~~لا تقوم الصلاة إلا به، فقوله بذلك إنما هو إخبار عما يبين له والله أعلم. # ...وإذا عرفت هذا التحقيق، فاعلم أنه إذا انفض الناس عن الإمام، ولم يبق ~~معه إلا النساء أو العبيد أو الصبيان أو المسافرون، فمن الأولى أن يتمها ~~بهم جمعة، وحكى أبو جابر في ذلك قولا - بأنه يصلي الإمام أربعا، وإن بقي ~~معه أحد من هؤلاء، لأن هؤلاء لا جمعة عليهم، وقال بعد حكايته لذلك القول: ~~وأحب النظر في ذلك، وإنما أحب النظر فيه لما قدمت لك، والله أعلم. # ...وأما الوقت وهو ما بعد الزوال، فهو شرط لصحة الجمعة عندنا، وعند جمهور ~~مخالفينا، لقوله تعالى: ((أقم الصلاة لدلوك الشمس))، ودلوكها زوالها، ~~ولحديث أنس - أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس، ~~ولقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا مالت الشمس فصل بالناس الجمعة)، ولأن ~~الجمعة إنما هي بدل من صلاة الظهر، ووقت صلاة الظهر بعد الزوال بإجماع ~~الأمة، فكذا وقت ما هو بدل منها، واستدل صاحب الإتحاف - بما أخرجه البخاري، ~~أنه كان صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة حين تميل الشمس، قال: وواضب عليه ~~الخلفاء الراشدون، فصار إجماعا منهم على أن وقتها وقت الظهر، فلا تصح قبله، ~~وتبطل بخروجه لفوات الشرط، والله أعلم. PageV01P064 # ...وقال أحمد بن حنبل: بجواز الجمعة قبل الزوال، واستدل بما روي عنه صلى ~~الله عليه وسلم - أنه كان يصلي الجمعة في أكثر أوقاته بعد الزوال، وفي ~~بعضها قبله، وعن أنس - كثير ما نصلي الجمعة مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم ~~نرجع إلى القائلة فنقيل، وعن سهل بن سعد - ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد ~~صلاة الجمعة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحو ذلك من الأحاديث، ~~وأجيب بأنها منسوخة بقوله تعالى: ((أقم الصلاة لدلوك ms47 الشمس))، واعترض بأن ~~الآية نزلت قبل ذلك، وبأن الصديق يصليها قبل الزوال، وكذا عثمان وجابر ~~وسعيد ومعاوية، قال القطب: ولعل ذلك لم يصح. # ...أقول: وما تقدم ذكره عن صاحب الإتحاف، يخالف ما ذكر هاهنا، وكذا ما ~~قدمناه من الأحاديث، فلو لم تترجح الأحاديث بشيء من الوجوه، على هذه ~~الأحاديث التي استدل بها أحمد، لوجب تساقطها معا، ووجب المصير إلى دليل ~~خارجي، ولا دليل سوى الكتاب، والكتاب قاض بإقامتها بعد الدلوك، وكذلك ~~القياس يقتضي ذلك، فإنها بدل من الظهر، ووقتها هذا مع تقدير تساقط ~~الأحاديث، ونحن لا نسلم تساقطها، لكنا نطعن فيما استدل به أحمد، أو نقول - ~~على تقدير صحة بعضه هو أنه منسوخ بما روينا، والله أعلم. PageV01P065 # ...وإذا عرفت أن الوقت شرط في صحة الجمعة، فاعلم أنه لا يجوز تقديمها على ~~الوقت ولا تأخيرها عنه، فإنها إذا تقدمت عليه، اختل شرط صحتها فتفسد لذلك، ~~وكذلك إذا أخرت عنه، وحكم ما إذا قدم عليه بعضها، كحكم ما إذا قدم عليه ~~كلها، وكذلك في تأخير بعضها عنه، فإنه يكون في حكم تأخيرها كلها عنه، فلا ~~جمعة لمن خرج عليه الوقت، وقد بقي عليه ركن من الصلاة لا تتم الجمعة بما ~~دونه، والخلاف الموجود في الحالة التي تتم بها الصلاة، يخرج كله هاهنا، ~~فإذا خرج وقتها وقد أدى جميع أركانها إلا التسليم، ففي جمعته قولان، قيل ~~بصحتها، بناء على أن الصلاة تتم بما دون التسليم، وقيل بفسادها، بناء على ~~أنها لا تتم بما دونه، وهذا القول هو الصحيح، لحديث - (تحريمها التكبير ~~وتحليلها التسليم). أما حديث: (فإذا قعدت وقلت فقد تمت صلاتك)، فلا يعارض ~~هذا الحديث، لإجمال القول فيه، فيحتمل أنه أراد: (وقلت) جميع ما وجب عليك ~~من التشهد والتسليم، ويحتمل غير ذلك، وحديث: (تحليلها التسليم)، مفسر لهذا ~~الإجمال، فيجب حمله عليه، وكذا الخلاف الموجود في تمام الصلاة بالاجتزاء ~~ببعض التشهد دون بعض، هو خارج هاهنا أيضا، واعلم أن من خواص الجمعة أنها لا ~~تصح أن تقضى جمعة أصلا، وإنما يقضيها من فسدت عليه ms48 صلاة نفسه، وما تقدم من ~~ذكر الخلاف في قضائها بعد الوقت أربعا أو ركعتين، لا ينافي ما ذكرته هاهنا، ~~لأن من قال بقضائها ركعتين، فهي عنده ليس بجمعة أيضا، لعدم صحة اجتماع ~~شرائط الجمعة فيها، فلا يصح عند الجميع أن تقضى بعد الوقت بجماعة وخطبة كما ~~هي كذلك في الوقت، فظهر أن القضاء وإن كان ركعتين، ليس هو بجمعة، وقد تقدم ~~بيان وجه القول به، والله أعلم. PageV01P066 # ...وأما النداء وهو الأذان للجمعة، فهو شرط لصحة الجمعة أيضا، فلا تتم ~~الجمعة بدونه، وممن صرح بذلك أبو اسحق في خصاله، وذكره ابن بركة في جامعه ~~من فرائض الجمعة، والمعنى واحد، لأن فرض الجمعة هو الذي لا تتم الجمعة ~~بدونه، والدليل على أن النداء شرط لصحة الجمعة قوله تعالى: (يا أيها الذين ~~آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة). الآية، فالأمر بالسعي إلى ذكر الله ~~متوقف على وجوب النداء، وما توقف عليه الواجب فهو واجب، فالنداء للجمعة ~~واجب لهذا المعنى، وعلى ذلك جرى فعله صلى الله عليه وسلم حتى قبض، وعليه ~~جرى عمل الأئمة الراشدين، وأطبقت عليه كلمة الموافقين والمخالفين، فهو ثابت ~~بالكتاب والسنة والإجماع، بلا خلاف ولا نزاع، ولا يشترط، أن يكون بعد دخول ~~الوقت، بل يصح أن يكون قبله، حتى صرح الإمام أبو اسحق - أن تقديمه على ~~الوقت من سنن الجمعة عند بعض أصحابنا، وهو من خصوصيات الجمعة، إذ لا يجوز ~~تقديم الأذان على الوقت إلا في هذا الموضع، ويشارك الجمعة في هذه الخصوصية ~~صلاة الفجر، فإنه يجوز تقديم آذانها على وقتها كالجمعة، صرح به الإمام أبو ~~اسحق أيضا، ولم أجد في السنة ما يدل على تقديم أذان الجمعة عن وقتها، والذي ~~وجدته في أذان الجمعة هو ما روى ابن عمر أنه كان صلى الله عليه وسلم إذا ~~رقى المنبر سلم ثم جلس خفيفا مستقبل الناس واستقبلوه كذلك، ثم يؤذن المؤذن، ~~روى الشعراني أنه لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم في مكان التجميع ~~غير مؤذن واحد يؤذن إذا جلس ms49 النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر ويقيم إذا ~~نزل، وكان الأذان على باب المسجد، ففي هذا كله ما يدل على أن الأذان بعد ~~دخول الوقت، ويمكن أن يكون قبل دخوله بمقدار ما يستكمل المؤذن أذانه، ثم ~~يدخل الوقت، لكن هذا بالإمكان بعيد جدا، وتمييز المقدار من الوقت عسر جدا، ~~ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يراعي لهم ذلك القدر من ~~الوقت، وكذلك لم ينقل عن الصحابة من بعده PageV01P067 صلى الله عليه وسلم، ~~وظاهر كلام ابن بركة أنه لم ترد سنة في تقديم أذان الجمعة على وقتها، حيث ~~قاس جواز تقديم آذانها عن وقتها بتقديم أذان الفجر على وقته فقال: والعلة ~~التي أوجبت إجازة الأذان للفجر قبل وقته بقوله عليه السلام: إن بلالا يؤذن ~~بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم)، ثم قال في خبر آخر: (إن بلالا ~~يوقظ نائمكم ويرد غائبكم) فكانت هذه العلة موجودة في صلاة الجمعة، لأن أكثر ~~الناس في أيام النبي صلى الله عليه وسلم - إن صلاة الصبح تفوتهم عند النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فقال عليه السلام: (من سمع نداءنا فليجب)، انتهى. # ... # ...وقد قدمت لك في المقدمة أن الأذان كان على عهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وعلى عهد الخليفتين من بعده، إنما هو أذان واحد، وإن عثمان رضي الله ~~عنه أحدث أذانا آخر لما كثر الناس، فأمر أن يؤذن الأذان الأول على داره ~~المعروفة بالزوراء، فلم يعب عليه في ذلك أحد، لأنه بدعة حسنة، أحدثها لحث ~~الناس على إتيان الجمعة، فمضى على ذلك من جاء من بعده، قال في القواعد: ~~واختلف في الأذان لها - يعني الجمعة - فقيل هو أذان واحد، وقيل أكثر من ~~ذلك، انتهى. # ...والظاهر إن الواجب إنما هو أذان واحد، وبه تتم الصلاة بلا خلاف، والخلاف ~~في أنه هل يكرر لها الأذان مرتين أو لا والله أعلم. PageV01P068 # ...وإذا نودي للصلاة من يوم الجمعة وجب السعي إليها، وحرم البيع والشراء، ~~لقوله تعالى: ((وذروا البيع))، فأمرنا بترك البيع، حينئذ ms50 فيحرم علينا فعله، ~~ولا يتم ترك البيع إلا بترك الشراء، فيحرم الشراء، إذ ما لا يمكن ترك ~~الحرام إلا بتركه، فهو حرام مثله، وقيل بحرمة البيع بعد النداء إذا كان ~~النداء بعد الزوال، وهو وقت الصلاة، أما إذا كان قبل الزوال فلا يحرم، وهذا ~~القائل إنما نظر إلى أن النداء قبل الزوال ليس هو النداء المشروع، الذي يجب ~~به ترك البيع وإنما النداء المشروع الذي يجب به ذلك، هو النداء الذي في وقت ~~الصلاة، قال في الإيضاح: وكذلك لا يجوز البيع والشراء بعد أن تزول الشمس ~~حتى يصلى، وإن لم يؤذن إذا كانت قد زالت، لأن الأصل في تحريم البيع بعد ~~النداء، إنما هو أن يجيب إلى الجمعة، والأصل إن جميع ما يشغل عن إجابة ~~النداء حرام، إلا إن وقع فرض على فرض، قياسا على البيع وتبعا له، والله ~~أعلم، انتهى. وظاهر كلامه، بل صريحه، إنما عدا البيع من المشغلات، مقيس على ~~البيع في تحريمه، والعلة الجامعة بينهما هو الشغل عن ذكر الله، وظاهر كلام ~~الزمخشري - إن الأمر بترك البيع إنما هو أمر بترك جميع المشغلات، وإن ذكر ~~البيع في الآية، إنما هو من باب ذكر أغلب الأشياء وقوعا، وأكثرها تعودا، مع ~~ثبوت الحكم لجميعها، فلا مفهوم لذكر البيع في الآية عنده، ونص كلامه - أراد ~~الأمر بترك ما يذهل عن ذكر الله من شواغل الدنيا، وإنما خص البيع من بينها، ~~لأن يوم الجمعة، يوم يهبط الناس فيه من قراهم وبواديهم، وينصبون إلى المصر ~~من كل أوب، ووقت هبوطهم واجتماعهم واغتصاص الأسواق بهم إذا انفتح النهار، ~~وتعالى الضحى، ودنا وقت الظهيرة، وحينئذ تحر التجارة ويتكاثر البيع ~~والشراء، فلما كان ذلك الوقت مظنة الذهول بالبيع عن ذكر الله، والمضي إلى ~~المسجد، قيل لهم - بادروا تجارة الآخرة، واتركوا تجارة الدنيا، واسعوا إلى ~~ذكر الله الذي لا شيء أنفع منه PageV01P069 وأربح، وذروا البيع الذي نفعه ~~يسير وربحه متقارب، انتهى كلامه. # ... # ...وما ذهب إليه صاحب الإيضاح، أظهر معنى، وأقوم سبيلا مما ذهب إليه ~~الزمخشري، والله ms51 أعلم. # ...وإذا تبايع اثنان في الوقت الذي أمروا بترك البيع، فيه إثم بلا خلاف، ~~واختلفوا في صحة بيعهما وفساده، قال بعض أصحابنا منهم هاشم: بفساده، وقيل ~~بصحته، ونسبه الزمخشري إلى عامة العلماء، قالوا: لأن البيع لم يحرم لعينه، ~~ولكن لما فيه من الذهول عن الواجب، فهو كالصلاة في الأرض المغصوبة، والثوب ~~المغصوب، والوضوء بماء مغصوب. أقول: وبعض العلماء أوجب فساد ما حرم، سواء ~~كان إنما حرم لعينه أو لغيره، وعليه ينبني مذهب القائلين بفساد البيع، وقال ~~في القواعد: وسبب الخلاف تنازعهم في النهي، هل يدل على فساد المنهي عنه أم ~~لا؟ أقول: وهذا السبب مبني على مذهب بعض الأصوليين من أن الأمر بالشيء نهي ~~عن ضده، فالبيع إنما أمرنا بتركه حينئذ ففعله عند هؤلاء منهي عنه بذلك ~~الأمر، وقد صححت في (طلعة الشمس) خلافه، والله أعلم. # ...وهذه الأحكام كلها إنما هي خاصة بمن تلزمه إجابة النداء للجمعة، أما ~~النساء والعبيد والصبيان والمسافرون، فلا يحرم عليهم البيع، ولا يفسد، ~~والله أعلم. وإن بايع أحد من هؤلاء أحدا ممن تجب عليهم الجمعة، أو العكس، ~~فالبيع فاسد على مذهب من قال بفساده، لأن بعض أركانه وهو فعل المكلف منهما ~~حرام، وهما آثمان لارتكابهما ذلك، إلا أن يكون أحدهما صبيا فيتوجه الإثم ~~للمكلف منهما خاصة، أما إثم من وجب عليه السعي فظاهر، وأما إثم الآخر ~~فلأنهه أشغل من يجب عليه السعي ببيعه، فكأنما منعه من فعل ما وجب عليه، أو ~~أعانه على تركه، والمانع من فعل الواجب والمعين على تركه كلاهما آثم، والله أعلم. PageV01P070 # ...وأما الخطبة فهي شرط عندنا لصحة الجمعة، صرح بذلك صاحب القواعد، وصاحب ~~الإيضاح، فلا تتم الجمعة بلا خطبة، صرح بذلك أبو إسحاق في خصاله، وقال صاحب ~~القواعد وصاحب الإيضاح وغيرهما من أصحابنا - أنه إذا لم تكن خطبة صلوا أربع ~~ركعات - أي صلاة الظهر - وذلك إذا لم تجب عليهم الجمعة، أما إذا وجبت ~~عليهم، حتما فلا يصح لهم إلا أن يخطبوا ويجمعوا، وبتركهم الخطبة آثمون، ~~وصلاتهم أربع ركعات بلا خطبة عند ms52 وجوب الجمعة عليهم مجزية لهم، على قول ~~تقدم ذكره في المقدمة، وهم مع ذلك آثمون بلا خلاف، لتضييعهم الجمعة الواجبة ~~عليهم، والله أعلم. # ...قال في القواعد: وقد احتج مالك بن أنس في أن الخطبة فريضة بقول الله ~~تعالى: ((وتركوك قائما))، يقول: تخطب، وقال في الإيضاح: ويدل أيضا على وجوب ~~الخطبة كونها راتبة من بين سائر الخطب، وقد احتج قوم لوجوبها بقوله تعالى: ~~((فاسعوا إلى ذكر الله)) وقالوا - هو الخطبة، وقال قوم: المقصود بالخطبة ~~الموعظة المقصودة من سائر الخطب، وأنها ليست من شروط الصلاة على هذا القول، ~~فإن صلى الإمام ركعتين من غير خطبة فلا إعادة عليه على هذا القول، والقول ~~الأول أصح، وعليه العمل، أقول: وإنما صحح القول الأول لأنه هو الذي عليه ~~عمله صلى الله عليه وسلم، وعمل الخلفاء الراشدين من بعده، وعمل جميع ~~المؤمنين، والله أعلم. PageV01P071 # والكلام في هذا المقام ينحصر في ثلاثة مواطن، الموطن الأول فيما يختص ~~بلفظ الخطبة، الموطن الثاني فيما يختص بالخطيب، الموطن الثالث فيما يختص ~~بمن حضر الخطبة، فأما الموطن الأول وهو فيما يختص بلفظ الخطبة، فاعلم أن ~~أكثر أصحابنا ذهبوا إلى أن الخطبة ليست بدلا من الركعتين في الصلاة، ~~لوجهين، أحدهما - إن الصلاة إنما يستقبل بها القبلة، والخطبة إنما يستقبل ~~بها نحو الجماعة، ولا شيء من الصلاة يستقبل بها نحو ذلك، وثانيهما - إن من ~~دخل في صلاة الجمعة، وفاتته الخطبة، لم يجب عليه أن يقضي ما فاته من ~~الصلاة، فلو كانت الخطبة قائمة مقام شطر من الصلاة، لوجب عليه أن يعيدها، ~~أو يصلي أربعا، والسنة على خلاف ذلك، كما قدمت لك في المقدمة، وقد بحثت في ~~الوجه الأول من هذين الوجهين عند الكلام في الصلاة خلف الجبابرة، وذهب محمد ~~بن المسبح، وابن النظر في دعائمه، وبعض مخالفينا إلى أن الخطبة قائمة مقام ~~ركعتين، ورفع ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأقول: إن كان فيها من ~~السنة دليل على أنها قائمة مقام ركعتين، فمسلم، وإن كان إنما نشأ عن ~~اجتهاد، فهذا الأمر ms53 لا يدرك بالاجتهاد، وإنما يدرك بالتوقيف من الشارع، ولم ~~نقف على توقيف عليه، فنحن على أن الخطبة شرط للصلاة، لا شطر منها، والله أعلم. PageV01P072 # ويجب أن تكون الخطبة في وقت الصلاة، فإن خطب الإمام قبل الوقت، وجب عليه ~~أن يعيدها في الوقت، فإن لم يعدها، فهو كمن صلى بلا خطبة، فلا تتم جمعتهم، ~~والله أعلم، ولا بد في الخطبة من كلام طويل يطلق عليه اسم خطبة، قال ابن ~~بركة: وأقل الخطبة التي تصح بها الجمعة، وتنعقد بها صلاة العيدين، ويتم بها ~~التزويج، ما حفظنا عن الشيخ أبي مالك رحمه الله، وهي - الحمد لله رب ~~العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصل اللهم على ~~محمد خاتم النبيين، واغفر اللهم لنا ولجميع المسلمين، وحكى القطب في (الذهب ~~الخالص) قولا: إن صحة النكاح لا تتوقف عليها وقيل تتوقف، وقال أبو اسحق في ~~(خصاله): أقل ما يجزي من الخطبة ثلاث كلمات، أحدهما أن يبتدي بالحمد لله، ~~ثم يثني بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يستغفر لذنبه وللمؤمنين ~~والمؤمنات أو ما أشبههما من كلام الموعظة، وزاد الشافعي وبعض أصحابنا ركنا ~~رابعا، وهو قراءة آية فأكثر، وزاد الشافعي أيضا ركنا خامسا، وهو الوصية ~~بالتقوى، والدليل على ذلك كله ما يروى - أنه كانت خطبته صلى الله عليه وسلم ~~في الجمعة وغيرها، مشتملة على حمد الله والثناء عليه، والصلاة على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، والموعظة والقراءة، وروي عنه صلى الله عليه وسلم ~~أنه كان يقول: (كل خطبة ليس فيها حمد ولا تشهد فهي كاليد الجذماء)، وعلى ~~هذه الرواية فالواجب أن يزاد فيها ركن آخر، وهو التشهد، قال بعضهم: ويستدل ~~لوجوب ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة بقوله تعالى: ( ورفعنا لك ~~ذكرك)، وبقوله صلى الله عليه وسلم: ( ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه ~~ولم يصلوا على نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم إلا كأنما تفرقوا عن جيفة ~~حمار)، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يطيل الموعظة ms54 يوم الجمعة، ~~إنما هن كلمات يسيرة، وكان تشهده صلى الله عليه وسلم أن يقول: (الحمد لله ~~الذي نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله PageV01P073 من شرور أنفسنا، من يهد ~~الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن ~~محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرا ونذيرا، بين يدي الساعة، ومن يطع ~~الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، ولا يضر الله شيئا)، وفي تاريخ ~~الخميس ما نصه: روي عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحي أنه بلغه عن خطبة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في أول جمعة صلاها في المدينة في بني سالم بن عوف: ~~(الحمد لله أحمده وأستعينه وأستغفره وأستهديه وأومن به، ولا أكفره، وأعادي ~~من يكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله، أرسله بالهدى والنور والموعظة على فترة من الرسل، وقلة من الرسل، ~~وقلة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنو من الساعة، وقرب ~~من الأجل، من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ورسوله فقد غوى وفرط ~~وضل ضلالا بعيدا، أوصيكم بتقوى الله، فإن خير ما أوصى المسلم المسلم أن ~~يحضه على الآخرة، وأن يأمره بتقوى الله، فاحذروا ما حذركم الله من نفسه، ~~ولا أفضل من ذلك ذكر، وإن تقوى الله لمن عمل به على وجل ومخافة من ربه، عون ~~صدق على ما تبغون من أمر الآخرة، ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمره في ~~السر والعلانية لا ينوي بذلك إلا وجه الله، يكن له ذكر في عاجل أمره، وذخرا ~~فيما بعد الموت، حين يفتقر المرء إلى ما قدم، وما كان سوى ذلك يود لو أن ~~بينها وبينه أمدا بعيدا، ويحذركم الله نفسه، والله رؤوف بالعباد، والذي صدق ~~قوله، وأنجز وعده، لا خلاف في ذلك، فإنه يقول: (ما يبدل القول لدي وما أنا ~~بظلام للعبيد). فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله، في السر والعلانية، فإنه ~~من يتق الله يكفر ms55 عنه سيئاته ويعظم له أجرا، ومن يتق الله فقد فاز فوزا ~~عظيما، وإن تقوى الله توقي مقته وعقوبته وسخطه، وتبيض الوجوه، وترضي الرب ~~وترفع الدرجة، خذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب الله، فقد علمكم الله ~~PageV01P074 كتابه، ونهج لكم سبيله، ليعلم الذين صدقوا وليعلم الكاذبين، ~~فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه وجاهدوا في الله حق جهاده، هو ~~اجتباكم وسماكم المسلمين، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة، ولا ~~قوة إلا بالله، وأكثروا ذكر الله، واعلموا أنه خير من الدنيا وما فيها، ~~واعملوا لما بعد الموت، فإنه من يصلح ما بينه وبين الله يكفيه الله ما بينه ~~وبين الناس، ولا يقضون عليه، ويملك من الناس، ولا يملكون عليه، ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله العلي العظيم)، وقال في الخميس - كذا أوردها في المنتقى، وفي ~~خلاصة الوفاء، وكان صلى الله عليه وسلم يقرأ سورة (ق) على المنبر كثيرا، ~~حتى حفظها منه جماعة من كثرة تكراره لها كل جمعة، وذهب أبو حنيفة إلى أنه ~~إن اقتصر الخطيب على مقدار يسمى ذكر الله، كقوله - الحمد لله وسبحان الله، ~~جاز لوجهين، أحدهما أنه تعالى سمى الخطبة ذكرا، وقول الحمد لله ذكر، فمن ~~اقتصر عليه فقد أتى بما أمر به، وثانيهما - أن عثمان صعد المنبر فقال: ~~الحمد لله، وارتج عليه، فقال إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام ~~مقالا، وإنكم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال، وستأتيكم الخطب، ثم ~~نزل، وكان ذلك بحضرة الصحابة، ولم ينكر عليه أحد، والجواب عن الوجه الأول - ~~إن ذكر الله في الآية ليس نصا على الخطبة، بل يحتمل أن تكون هي المراد ~~بالذكر، وأن يكون المراد منه الصلاة أو الأذان، وعلى تقدير أنها هي المراد ~~بالذكر، فالذكر في الآية مجمل، فسرت كيفيته السنة، فالعدول عن التفسير إلى ~~الإجمال، عدول عن الجادة المنيرة، والجواب عن الوجه الثاني - إنه قد كثر ~~الإنكار على عثمان في أحداثه، وإن الصحابة قد ضاقت صدورهم من أفعاله ~~وأقواله، فما زالوا ينكرون ms56 عليه أحداثه، ولا يلزم الإنكار على المحدث في ~~جميع مواطنه، لا سيما إذا لم يخرج منه قبول ذلك، لكن بقي البحث هاهنا في ~~صلاتهم خلفه، مع اقتصاره على ما ذكر، ومع كلامه الذي PageV01P075 ربما يكون ~~طعنا على من قبله من الأئمة الراشدين، وتزكيته لنفسه، حيث أشار إلى أن كل ~~واحد من الإمامين قوال، وأنه هو الإمام الفعال، وفي هذا الكلام ما لا يخفى، ~~فإن صحت الرواية، فلا جواب عن هذا البحث، إلا أن يقال - يمكن أنهم أعادوا ~~صلاتهم التي صلوها خلفه، وهذا الإمكان بعيد جدا، أما أولا - فلأنه لم تجر ~~عادة الصحابة بالمداهنة في الدين، والتساهل في الشرعيات، وأما ثانيا - ~~فلأنهم لو صلوا خلفه في ظاهر الأمر، ثم أعادوا بعد ذلك صلاتهم، كان ذلك ~~تلبيسا على العوام، وهو محرم في الإسلام، فكيف يصدر من هؤلاء الأعلام؟ وأما ~~ثالثا - فلأنهم لو أعادوا صلاتهم التي صلوها وراءه، لنقل ذلك عنهم كما نقل ~~عن عثمان خطبته بهم، فإن صحت الرواية المذكورة عن عثمان، فهي حجة لأبي ~~حنيفة على مذهبه، وبالجملة فإن مذهبه إنما هو خارج مخرج الرأي، ومثاره عن ~~اجتهاد، والله أعلم. # وفي الأثر عن أبي الحواري رحمه الله قال: أما خطبة الجمعة فإنه حدثنا ~~نبهان بن عثمان عن الإمام الصلت بن مالك أنه يحفظ - إن قل هو الله أحد، ~~تقوم مقام خطبة الجمعة، قال أبو الحواري: وأحسب أن الصلت بن مالك كان يحفظ ~~هذا عن سعيد بن المبشر، وفي هذا الأثر ما يدل على أن أركان الخطبة المتقدم ~~ذكرها عن أبي إسحاق وأبي مالك وغيرهما، لا يلزم إتيان جميعها، وأنه يجري ~~الاقتصار على بعضها، والصحيح عندي هو ما قدمت لك من التزام الأركان ~~المذكورة، فلا تجزي عن الخطبة قراءة سورة، أما أولا - فلما تقدم من ~~الروايات عنه صلى الله عليه وسلم، وأما ثانيا - فلأن قراءة سورة من القرآن ~~لا يطلق عليها في كلام العرب اسم خطبة، والمشروع هاهنا إنما هو الخطبة لا ~~القراءة، والله أعلم. PageV01P076 # قال أبو إسحاق في خصاله: والذي يستحب ms57 فيه خطبتان أربع خصال، أحدهما ~~الجمعة، إلى أن قال: ويستحب عندي أن يفصل بين كل خطبتين لسكتة بلا جلوس، ~~وذكر في موضع آخر من خصاله، إن الخطبة الثانية، والسكتة بين الخطبتين من ~~سنن الجمعة، وظاهر كلامه رضي الله عنه أن الخطبة الأولى تجزي لصحة الجمعة، ~~وأن الثانية زيادة فضل، وهو المذهب، وبه قال عطاء، ومالك، والأوزاعي ~~وغيرهم، كما في الأشراف، وقال الشافعي: لا يجزي إلا خطبتان، يفصل بينهما ~~بجلوس، ففي كلام الشافعي ما يدل على أن كل واحدة من الخطبتين فريضة، واشترط ~~الفصل بينهما بجلوس، وقد تقدم لك عن أبي إسحاق أن يستحب أن يفصل بينهما ~~بسكتة ليس معها جلوس، فالجلوس بين الخطبتين عندنا محدث مكروه، وأول من ~~أحدثه عثمان لما كبر سنه، وضعف جسمه، وقال طاووس: الجلوس يوم الجمعة بدعة، ~~وأول من فعله معاوية، ثم ردوه من بعده، وقال الشافعي: إنما خطب معاوية ~~جالسا حين كثر شحم بطنه ولحمه، وأنت خبير أنه إذا كان الجلوس بين الخطبتين ~~محدثا، فالمندوب تركه، أما أولا - فلأن التأسي بالسنة أولى من العدول إلى ~~البدعة، وإن كانت جائزة، وأما ثانيا - فلأن عثمان أو معاوية إنما أحدث ~~الجلوس، لما حصل له من العذر، فلا ينبغي للصحيح الغير المعذور أن يتأسى ~~بالمعذور، وإن كان فعل المعذور جائزا، مثلا إذا كان المشروع خلافه، والفضل ~~في غيره، وما ذكرته من أن الجلوس بين الخطبتين محدث، هو عين ما صرح به ~~الأصحاب - رحمهم الله تعالى، وقيل أنه غير محدث، وأن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قد فعل ذلك، ففي كشف الغمة - أنه كان صلى الله عليه وسلم يخطب ~~قائما ويجلس بين الخطبتين، ويقرأ آيات، ويذكر الناس ولعل الشافعي استدل ~~بهذا الحديث فأوجب الجلوس بين الخطبتين، وحينئذ فيشكل ما قاله من وجوب ~~الجلوس بين الخطبتين مع قوله إنما خطب معاوية جالسا حين كثر شحم بطنه ~~ولحمه، ويجمع بين قوليه بأن يقال - إن الذي حكاه عن معاوية هو PageV01P077 ~~الجلوس في حال الخطبة، وإن الذي أوجبه هو الجلوس بين الخطبتين، والله ms58 أعلم. # وذكر صاحب القواعد عن بعضهم: استحباب الجلوس بين الخطبتين، ولعله لأجل ما ~~روي من الحديث المتقدم ذكره، ففي استحباب الجلوس حينئذ قولان لأصحابنا(1)، ~~وعلى القول باستحبابه فهو جلسة خفيفة، لا يتكلم فيها الخطيب بشيء، والله أعلم. # __________ # (1) لو ثبت الجلوس بين الخطبتين لرويت الخطبتان نصا عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولكنه لم يرو أنه قال في الخطبة الأولى كذا وفي الثانية ~~كذا، وكل أقواله وأفعاله محفوظة ومشهورة ولم يرو إلا خطبة واحدة. سالم بن ~~حمد الحارثي. PageV01P078 # هذا حاصل ما يختص بنفس الخطبة، وأما الموطن الثاني وهو الذي يختص ~~بالخطيب، فهو أن يكون الخطيب ممن تصح منه الإمامة في الجمعة، وهو أن يكون ~~ذكرا حرا بالغا عاقلا، هذا هو المجتمع عليه، والخلاف الموجود في إمامة ~~العبد والصبي والمسافر، خارج هاهنا، وأن يكون الخطيب على طهارة إذ من شروط ~~الخطبة ذلك، وأن يكون مستقبل القوم بوجهه حال خطبته، لأن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان يخطب كذلك، وأن يكون قائما في الخطبتين معا، فلا يخطب ~~جالسا لقوله تعالى: (وتركوك قائما)، ورأى كعب بن عجرة عبد الرحمن بن الحكم ~~يخطب قاعدا فأنكر عليه وقال: انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعدا، والله ~~تعالى يقول: (وتركوك قائما)، وكان جابر بن عبد الله يقول: من قال أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب جالسا فقد كذب، لقد صليت مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أكثر من ألفي صلاة. وأما الجلوس بين الخطبتين فقد تقدم ~~ذكره، وأن يكون الخطيب معتمدا على قوس أو سيف أو عصا، لما روي عنه صلى الله ~~عليه وسلم - أنه كان يعتمد في خطبته على قوس، وتارة على عطا، قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما: ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحرى شيئا من ذلك، ~~ولكن كان يتوكأ في الحرب على السيف، وفي الحضر على العصا - يعني لأن الغالب ~~في السفر السيف وفي الحضر العصا - وفي الإيضاح - ويستحب للخطيب أن لا يأمر ~~ولا ينهى، ms59 ولا يعارض في خطبته، إلا كنحو ما يكون في المخالفة في القرآن ~~بالموعظة فإن فعل فلا نقض عليه حتى يغلو، وقد أجازوا أن يعظ في كلامه ببيت ~~شعر، وغير ذلك، وترك الرواية أحب إليهم، وقد ذكر في بعض كتب أصحابنا، قال ~~الفضل رحمه الله: إذا روى الخطيب رواية فلا أعرف على الناس إعادة، إلا أن ~~سعيد بن أبي بكر كان يخطب بصحار، فروى قول أبي بكر رضي الله عنه - إني قد ~~وليتكم ولست بخير منكم - إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، فأعاد محمد ~~بن محبوب رحمه الله الصلاة، وأقول: PageV01P079 # والظاهر أنه لا إعادة عليه، لوجوه، أحدها - إن الخطبة ليست بشطر من ~~الصلاة حتى ينقضها ما ينقض الصلاة من كلام الآدميين، وثانيها - إن الخطبة ~~أمر غير محصور على شيء بعينه، وغير محدود بحد، لا يحل لأحد أن يتجاوزه إلى ~~غيره، حتى يكون النقض على مجاوزه، وثالثها - إن حكم الخطيب في خطبته مخالف ~~لحكم الجماعة في استماعهم، فيلزم الجماعة الإنصات لاستماع الخطبة - وحكم ~~الخطيب الإجهار بالخطبة والموعظة الحسنة، فلا ينقض على الخطيب جميع ما ينقض ~~على الحاضرين، ورابعها - إن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن الكلام ~~والإمام يخطب، ويرخص في تكلمه وتكليمه لمصلحة، كذا في كشف الغمة، وفيه أيضا ~~أنه صلى الله عليه وسلم كان كثيرا ما يقول لمن يراه بعيدا عن سماع الخطبة: ~~(تعالى إلى هنا)، وفي البخاري - أن عمر بن الخطاب بينما هو قائم في الخطبة ~~يوم الجمعة، إذ دخل عليه رجل من المهاجرين الأولين من أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فناداه عمر أية ساعة هذه، قال: إني شغلت فلم أنقلب إلى أهلي حتى ~~سمعت التأذين فلم أزد أن توضأت، فقال: والوضوء أيضا، وقد علمت أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل، وقد نقل عن كل واحد من عثمان وعلي أنه ~~تكلم في الخطبة بما ليس منها، والله أعلم. PageV01P080 # وإن أحدث في خطبته بحدث يبني عليه في الصلاة، فإنه يذهب ويتوضأ ويبني على ~~خطبته ms60 كما يبني في الصلاة، وإن مات الإمام في خطبته فإنهم يصلون أربع ~~ركعات، وإن عقدوا الإمامة لآخر حين مات الأول في الخطبة، فإن الآخر يستأنف ~~الخطبة، وإن أحدث الإمام بعدما فرغ من خطبته،فإنه يستخلف عليهم من يصلي بهم ~~ركعتين، ولا يستخلف للناس من لم تجب عليه صلاة الجمعة، مثل المسافرين ~~والعبيد، كذا في الإيضاح، وهو مبني على منع إمامة المسافرين والعبيد في ~~الجمعة، ولا بد من جواز استخلافهم على القول بجواز إمامتهم، وليس ما ذكره ~~من البناء على الخطبة مبنيا على أن الخطبة شطر من الصلاة، ووجه ذلك أن ~~الخطيب مخير في هذه الصورة بين أن يستأنف خطبته وبين أن يبني عليها، ولا ~~كذلك البناء على الصلاة، فإن البناء على الصلاة ليس فيه تخيير على القول ~~بثبوته، والله أعلم. # وجائز أن يكون الخطيب غير الإمام الذي يصلي، وجائز أن يكون الخطيب ~~والإمام في الصلاة غير الإمام المنصوب له الإمامة، إذا كان ذلك بأمر من ~~الإمام - خرجه الكدمي على معاني الاتفاق من قول أصحابنا - وأقول: وإن كان ~~ذلك جائزا، فاتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى، فإنه كان يخطب ~~بنفسه، وهو الذي يصلي بهم، ولا يخطب الخطيب حتى يحضر الإمام الذي يصلي، إذا ~~كان الإمام غير الخطيب كذا خرجه الكدمي أيضا، وإشارته أن ذلك على جهة ~~الاستحباب لا الإيجاب. فظاهر كلامه أنه إذا لم يسمع الإمام المصلي خطبة ~~الخطيب أنه لا بأس بذلك، وأن لهم أن يصلوا وراءه، ولا أحب هذا كله عند ~~السعة والإمكان وإن كان ذلك جائزا والله أعلم. # وقد تقدم ذكر شيء من أحوال الخطيب في مقدمة الكتاب، وعند ذكر الأذان. # المقصد الثالث: PageV01P081 # ...وأما الموطن الثالث وهو الذي يختص بمن حضر الخطبة، فهو أنهم يستقبلون ~~الخطيب بوجوههم على هيئة الجلوس، وعليهم السكينة والوقار، لأن الصحابة ~~كانوا على ذلك، ويؤمرون بالإنصات واستماع الخطبة، وأن لا يتخطوا رقاب ~~الناس، فأما الإنصات - فقال في القواعد: اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال، منهم ~~من قال: هو حكم لازم من أحكام الخطبة، وعلى ms61 هذا الجمهور من الناس، لقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب فقد لغوت)، ~~واختلفوا في رد السلام وتشميت العاطس، فأجازه قوم، ومنع منه آخرون، والقول ~~الثاني أن الكلام جائز إلا عند قراءة القرآن، روي ذلك عن الشعبي وإبراهيم ~~النخعي، ويعيد بن جبير، واحتجوا بقوله تعالى: ( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا ~~له)، الآية. # ...وإن ما عدا القرآن فليس يجب له الإنصات، وفرق آخرون بين أن يسمع الخطبة ~~أو لا يسمعها، فأما اختلافهم في رد السلام وتشميت العاطس، فلتعارض الأمر ~~بينهم، والأمر بالإنصات، والله أعلم. PageV01P082 # ...أقول: والمختار من هذه الأقوال هو ما عليه الجمهور من حرمة الكلام ~~والإمام يخطب، سواء كان المتكلم بمكان يسمع فيه الخطبة، أو بمكان لا يسمعها ~~فيه، لعموم الأحاديث الدالة على حرمة ذلك، فمن ذلك قوله صلى الله عليه ~~وسلم: (إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب فقد لغوت)، وقوله صلى الله عليه ~~وسلم:( من قال صه فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له، وهو كمثل الحمار يحمل ~~أسفارا)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (يحضر يوم الجمعة ثلاثة نفر، رجل حضرها ~~بلغو وهو حظه منها، ورجل حضرها يدعوا، فهو رجل دعا الله عز وجل، إن شاء ~~أعطاه وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكوت، ولم يتخط رقبة مسلم ولم يؤذ ~~أحدا فهو كفارة إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام)، ففي هذه ~~الأحاديث دليل على حرمة الكلام والإمام يخطب، وهي عامة لمن كان قريبا من ~~الإمام يسمع الخطبة ولمن كان بعيدا منه. وعن عثمان أنه كان يقول: استمعوا ~~وأنصتوا، فإن للمنصت الذي لا يسمع من الحظ مثل ما للمنصت السامع. ومثل هذا ~~لا يقال إلا عن توقيف، فهو نص على المطلوب، ولا بأس بتشميت العاطس، لقوله ~~صلى الله عليه وسلم: (إذا عطس أحدكم والإمام يخطب يوم الجمعة فشمتوه)، قال ~~أنس: فكنا نشمته تارة باللفظ، وتارة بالإشارة. وأما رد السلام، فيحتمل أن ~~يقاس على تشميت العاطس، فيقال بجوازه، لأن كلا منهما فعل معروف، مأمور ~~بفعله، ويحتمل ms62 أن يفرق بينهما فيمنع رد السلام دون تشميت العاطس، ووجه ~~الفرق بينهما هو - أنه إنما نهينا عن الكلام والإمام يخطب، مخافة الاشتغال ~~عن سماع الذكر الذي أمرنا بالسعي إليه، وفي رد السلام ما يشغل عن ذلك، ~~لكثرة الداخلين، ولا كذلك التشميت، فإنه لا يكون في غالب الأحوال إلا نادرا ~~والله أعلم. # ... PageV01P083 ...واعلم أن من لغا فقد فسدت جمعته لظاهر الحديث: (ومن لغا ~~فلا جمعة له) وهو مذهب أبي عبد الله، وعن أبي مروان - أن أبا علي رحمه الله ~~كان يجبن أن ينقض صلاة من تكلم والإمام يخطب يوم الجمعة، وأمر بعض أصحابنا ~~من تكلم والإمام يخطب يوم الجمعة أن يخرج من المسجد، حتى يكون بمكان لا تصح ~~فيه الصلاة بصلاة الإمام، ثم يرجع فيدخل مع الداخلين فيسمع ما يدرك سماعه ~~من الخطبة، ويصلي مع الإمام، وتصح جمعته بذلك، وقد فاته بسبب لغوه ثواب ~~السبق وفضيلة التقدم. # ...وقيل لمحمد بن المسبح - كيف يؤمر من تكلم والخطيب يخطب يوم الجمعة أن ~~يخرج من المسجد ثم يرجع يدخل؟ قال: لأنه إذا تكلم في المسجد والخطيب يخطب، ~~انتقضت صلاته، فيخرج من باب المسجد حتى يصير إلى موضع لا يجوز لمن كان فيه ~~أن يصلي بصلاة الإمام في المسجد، ثم يدخل فيسمع ما بقي من الخطبة، لأن ~~الخطبة مقام ركعتين، وقد تمت صلاته بما أدرك من الخطبة، وإذا لم يخرج من ~~باب المسجد وصلى، كانت صلاته منتقضة لفسادها من أولها. وظاهر كلامه أن من ~~لم يسمع من الخطبة شيئا فلا جمعة له، وهو لازم مذهبه في أن الخطبة مقام ~~ركعتين، وبه صرح بعض قومنا، لكن ما قدمته لك في المقدمة ينافيه، فاعمل بما ~~فيه، وصريح كلامه أن الأمر بالخروج، مبني على أن الخطبة قائمة مقام ركعتين، ~~ولا يستلزم ذلك، بل يحتمل أن يكون مبنيا على ذلك، وأن يكون مبنيا على قطع ~~النظر عن سبقه الذي كان فيه، وحاله الذي أبطله بلغوه، حتى كأنه برجوعه، ممن ~~جاء آخرا، لا ممن تقدم، كما تشير إليه كلام ابن ms63 بركة وهو أظهر احتماليه ~~والأولى أن يعول عليه. PageV01P084 # ...وأما تخطي رقاب الناس فقال ابن بركة: لا يجوز لما روي عنه صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: ( من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة، اتخذ جسرا إلى جهنم)، وروي ~~عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لرجل رآه يتخطى رقاب الناس: (اجلس فقد ~~آذيت)، وروي عنه أنه قال: (من يتخطى رقاب الناس ويفرق بين الاثنين بعد خروج ~~الإمام كالجار قصبه في النار). والقصب هي الأمعاء والمصارين، قاله أئمة ~~اللغة - في هذه الأحاديث دليل على تحريم تخطي رقاب الناس يوم الجمعة، بل ~~دليل على أن فعل ذلك كبيرة، لما يترتب عليه من الوعيد الشديد. # ...وفصل الإمام الكدمي رضي الله عنه بينما إذا حصل من تخطي الرقاب أذى لمن ~~يتخطاه، وبين ما إذا لم يحصل أذى، فقال بحرمته في الصورة الأولى، وبكراهيته ~~في الصورة الثانية، إلا إذا أراد به معنى يندب إليه كسد فرجة في الصف، وكذا ~~حرم التخطي لأجل معنى فاسد كطلب الرياسة والتقدم في المنزلة ونحو ذلك، وهذا ~~التفصيل إنما أخذه من إشارة قوله صلى الله عليه وسلم لمن يتخطى رقاب الناس: ~~(اجلس فقد آذيت)، فإشارة الحديث إن الأمر بالجلوس والإمساك عن تخطي الرقاب ~~إنما هو لأجل حصول الأذى من ذلك المتخطي وقاس على الأذى المعنى الفاسد، كما ~~تقدم، ويدل على تفصيله المذكور، ما روي عنه صلى الله عليه وسلم - أنه كان ~~ينهى عن تخطي رقاب الناس إلا لحاجة. وروي - أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا ~~إذا رأوا أمامهم فرجة قريبة يتخطون الرقاب إليها ليسدوها، ففي هذه الأحاديث ~~دليل على ما قاله الإمام الكدمي رضوان الله عليه، فيحمل ما تقدم من أحاديث ~~الوعيد على من تخطى رقاب الناس فآذاهم، أو كان تخطيه لمعنى فاسد، بدلالة ~~هذه الأحاديث، فهي في حكم المخصص لما تقدم، والله أعلم. # ... # ... # الإقامة PageV01P085 ...وأما الإقامة فهي شرط لصحة الجمعة، لمواظبته صلى ~~الله عليه وسلم عليها، ومواظبة الصحابة عليها من بعده، فلا تتم الجمعة إلا ~~بها، وقد ذكرها الإمام أبو ms64 إسحاق في الخصال التي لا تتم الجمعة إلا بها، ~~وهو ظاهر لما قدمت لك، والله أعلم. # ...هذه الشروط التي تصح بها الجمعة، وتختص بها من بين سائر الفرائض، ولها ~~شروط أخر تشاركها فيها بعض العبادات، وسائر الصلوات، كالإسلام والإختتان ~~والطهارة والنية واستقبال القبلة واللباس الساتر، والبقعة الطاهرة، ونحو ~~ذلك، فنعدل عن ذكرها، إذ ليست هي المقصود في هذه الرسالة، وإنما المقصود ~~بها بيان ما تختص به الجمعة من غيرها، والله أعلم. # الخاتمة # في سنن الجمعة وآدابها وفضلها # ...فمن سنن الجمعة الغسل يوم الجمعة، والناس فيه على ثلاثة مذاهب، المذهب ~~الأول لأصحابنا وجمهور قومنا - وهو أنه مندوب لمن حضر صلاة الجمعة لا واجب ~~عليه، لقوله صلى الله عليه وسلم: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل ~~فالغسل أفضل)، ولما روي أن عمر بن الخطاب بينما هو قائم في الخطبة يوم ~~الجمعة، إذ دخل عليه رجل من المهاجرين الأولين من أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فناداه عمر - أية ساعة هذه، قال: إني شغلت فلم أنقلب إلى أهلي ~~حتى سمعت التأذين فلم أزد أن توضأت، فقال: والوضوء أيضا، وقد علمت أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل - والرجل هو عثمان - ووجه ~~الاستدلال بهذا الحديث هو ما قاله الشافعي: وهو أنه لما لم يترك عثمان ~~الصلاة للغسل، ولم يأمره عمر بالخروج للغسل، دل ذلك على أنهما قد علما أن ~~الأمر بالغسل للاختيار، انتهى, ولما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما وقد ~~سئل عن الغسل يوم الجمعة، أواجب هو أم لا؟ فقال: ليس بواجب، ولكنه أطهر، ~~وخير لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس هو بواجب عليه. PageV01P086 # ...وسأخبرك كيف كان بدأ الغسل، كان الناس مجهودين، يلبسون الصوف، ويعملون ~~على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيقا مقارب السقف، إنما هو عريش كعريش موسى، تصله ~~الأيدي، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم حار، وقد عرق ~~الناس في ذلك الصوف، حتى صارت منهم رياح آذى بعضهم بعضا، فلما وجد رسول ~~الله ms65 صلى الله عليه وسلم تلك الروائح قال: (يا أيها الناس إذا كان هذا ~~اليوم فاغتسلوا وليمس أحدكم أفضل ما يجد من دهنه وطيبه). قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: ثم جاء الله تعالى بالخير ولبسوا غير الصوف وكفوا العمل ~~بغيرهم، ووسع مسجدهم، وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضهم بعضا من العرق، ~~والصنان. وكذا كانت عائشة رضي الله عنها إذا سئلت عن الغسل تقول: كان الناس ~~مهنة أنفسهم، وكانوا أهل عمل، ولم يكن لهم كفاة يكفونهم العمل، وكانوا ~~ينتابون الجمعة من العوالي، فيأتون في العباء، ويصيبهم الغبار والعرق، ~~فيخرج منهم الريح الكريه، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالغسل فلما فتح ~~الله عليهم ولبسوا الثياب الحسنة، وزالت تلك الروائح، قال لهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: (من توضأ يوم الجمعة فبما ونعمت، ومن اغتسل فالغسل ~~أفضل). فمن كان بموضع لا يلزمه حضور الجمعة منه، أو كان من المعذورين عن ~~حضورها، فاغتسل لغير حضورها، فليس له من الأجر مثل من اغتسل لأجل حضورها، ~~لظاهر هذه الأحاديث، ولمفهوم قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا جاء أحدكم ~~الجمعة فليغتسل). ولقول عمر رضي الله عنه: إنما يغتسل من أراد الحضور. وكذا ~~من اغتسل بعد صلاة الجمعة فليس له من الأجر مثل للمغتسل قبلها لهذه ~~الروايات أيضا، ويجزيه أن يغتسل بعد طلوع الفجر عندنا وعند الشافعية ~~والحنفية، وقال المالكية - يعتبر أن يكون الغسل متصلا بالذهاب لألا يفوت ~~الغرض، وهو رعاية الحاضرين من التأذي بالروائح حال الاجتماع، وهو غير مختص ~~بمن تلزمه. قالوا: ومن اغتسل ثم اشتغل عن الرواح إلى أن بعد ما PageV01P087 ~~بينهما عرفا، فإنه يعيد الغسل لتنزيل البعد منزلة الترك، وكذا إذا نام ~~اختيارا، بخلاف من غلبه النوم، أو أكل أكلا كثيرا بخلاف القليل، انتهى. ~~وأنت خبير بأنه إذا كان المقصود من شرع الغسل هاهنا إنما هو لأجل رعاية ~~الحاضرين من التأذي بالروائح حال الاجتماع، فلا يدل على جميع ما ذكروه ~~هاهنا، ولا يدل على عدم الاجتزاء بتقديم الغسل أول اليوم أيضا، فإنه قد ms66 ~~يتراخى الرجل عن الذهاب بعد أن يغتسل، وقد ينام ولا يحصل له شيء من الروائح ~~المؤذية للحاضرين، فكان ينبغي أن يقال - أن الغسل في أول اليوم مجز، إلا ~~إذا حدث بالمغتسل حادث يتولد منه الروائح المؤذية، فيسن له حينئذ أن يعيد ~~غسله، لأنه إذا لم يعده، فات الغرض المقصود من شرع الغسل هاهنا، والله أعلم. # ...المذهب الثاني لطائفة من قومنا - وهو أن الغسل المشروع يوم الجمعة، لمن ~~أراد أن يحضر الجمعة ولمن لم يرد، واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: (على ~~كل رجل مسلم في كل سبعة أيام غسل يوم الجمعة). وفي رواية: (حق الله على كل ~~مسلم أن يغسل في كل سبعة أيام يوما، يغسل رأسه وجسده)، قلنا - هذه الرواية ~~مجملة، وما قدمنا من الأحاديث بيان لها، فيجب الأخذ بما مر، لكونه بيانا، ~~والله أعلم. PageV01P088 # ...المذهب الثالث لأهل الظاهر - وهو أن الغسل يوم الجمعة واجب، واستدلوا ~~بقوله صلى الله عليه وسلم: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم)، وبقوله صلى ~~الله عليه وسلم: (على كل رجل مسلم في كل سبعة أيام غسل يوم وهو يوم ~~الجمعة). وبقول ابن عمر: أما الغسل فأشهد بأنه واجب. والجواب عن الاستدلال ~~بهذه الأحاديث هو أن المراد بها أن الغسل كالواجب في تأكيد الندبية، أو ~~كالواجب في الاختيار، وكرم الأخلاق والنظافة، أو في الكيفية لا في الحكم، ~~وحاصل الجواب - أنه استعير لفظ الواجب، ولفظ على، فاستعملا في غير محلهما، ~~وهو تأكيد في الندبية بقرينة الأحاديث المتقدم ذكرها. وقيل - أن ما دل على ~~الوجوب من هذه الأحاديث منسوخ بما مر من الأحاديث، واعترض بأن النسخ لا ~~يصار إليه إلا بدليل، ومجموع الأحاديث يدل على استمرار الحكم، فإن في حديث ~~عائشة - أن ذلك في أول الحال حيث كانوا مجهودين. وأبو هريرة وابن عباس إنما ~~صحبا النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن حصل التوسع بالنسبة إلى ما كانوا فيه ~~أولا، ومع ذلك فقد سمع كل منهما منه عليه الصلاة والسلام - الأمر بالغسل ~~والحث عليه، والترغيب فيه، فكيف ms67 يدعي النسخ مع ذلك، وأقول: أن الأحاديث ~~الدالة على أن الغسل يوم الجمعة فضيلة لا حكم واجب، يكفي أن تكون دليلا ~~لنسخ الوجوب واستمرار الأمر بالغسل يوم الجمعة لا ينافي ذلك فإنه ليس ~~المدعي نسخ الأمر به مطلقا، وإنما المدعي نسخ وجوبه، فاستمرار الأمر به بعد ~~ذلك، إنما هو حث على فعل الفضيلة، وبالجملة فكل واحد من الوجوب والندبية ~~حكم برأسه، ولا يلزم من نسخ أحدهما نسخ الآخر، وبهذا يظهر لك أن القول بنسخ ~~الأحاديث الدالة على وجوب الغسل أولى من تكلف تأويلها، والله أعلم. PageV01P089 # ...وصفة الغسل المشروع يوم الجمعة، هو كالغسل المشروع من الجنابة، لقوله ~~صلى الله عليه وسلم: (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح)، الحديث. ~~ومن سننها السواك لقوله صلى الله عليه وسلم: (غسل الجمعة واجب على كل مسلم ~~وأن يستن بالسواك) - وقد قدمت لك معنى كونه واجبا وأن المراد منه غير ~~ظاهره، أو هو منسوخ - ومن سننها اتخاذ أحسن اللباس عند الرواح إليها، لقوله ~~صلى الله عليه وسلم: (ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي ~~مهنته). ولقوله صلى الله عليه وسلم: (ليغسل أحدكم يوم الجمعة ويلبس من صالح ~~ثيابه). الحديث. ومن سننها التطيب يوم الجمعة، وهو استعمال المرء أطيب ما ~~يجد من الطيب إذا أراد الخروج إلى الجمعة والدليل على ذلك قوله صلى الله ~~عليه وسلم في حديث ابن عباس المتقدم: (يا أيها الناس، إذا كان هذا اليوم ~~فاغتسلوا، وليمس أحدكم أفضل ما يجد من دهنه وطيبة)، ومن سننها التبكير، وهو ~~تقديم الخروج إليها، سواء كان على الأقدام أو على الدواب، وهو السعي الذي ~~أمرنا به ربنا تعالى، فهو بعد النداء واجب، وقبله مسنون، والسعي على ~~الأقدام أفضل منه على الراحلة، ويعبر عن الخروج عنه بالرواح، والدليل على ~~أن التبكير إليها مسنون قوله صلى الله عليه وسلم: (من اغتسل يوم الجمعة غسل ~~الجنابة ثم راح، فكأنما قرب بدنه(1)، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب ~~بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما ms68 قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة ~~الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، ~~فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر). قال الربيع(2): ليس يريد ~~عدد الساعات، وإنما أراد بين أول الوقت إلى آخره، والله أعلم. وعلى هذا فقد ~~جعل صلى الله عليه وسلم للرائحين إلى الجمعة خمس درجات، # __________ # (1) وهي الناقة المختارة. # (2) وهو الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي، من أئمة المائة الثانية ~~للهجرة، وهو صاحب الجامع الصحيح. PageV01P090 # كل واحدة منهن أعلى من التي تليها، والله أعلم. # ...ومن سننها أن يخرج بعد أن يغتسل ويتسوك ويلبس من صالح ثيابه، ويتطيب بما ~~قدر عليه، ثم يأتي المسجد ويركع فيه ركعتين تطوعا، لقوله صلى الله عليه ~~وسلم: (ليغتسل أحدكم يوم الجمعة ويلبس من صالح ثيابه ويتطيب ويدهن بما وجد ~~في بيته، ثم يخرج وعليه السكينة حتى يأتي المسجد فيركع إن بدا له، ولا يؤذي ~~أحدا، ثم إذا خرج إمامه أنصت حتى يصلي، فمن فعل، كانت كفارة لما بينهما ~~وبين الجمعة الأخرى). هذا إذا كان مأموما، وإن يكن هو الإمام فالسنة أن ~~يصلي في بيته ما شاء، ثم يخرج للجماعة، بعد أن يجتمعوا، ويصعد على المنبر، ~~على حسب ما قدمته لك، والله أعلم. PageV01P091 # ...ومن سننها أن ينتف إبطيه ويجز شاربه، ويقلم أظافره، ويصلح من فطرته ما ~~أمر به، يفعل جميع ذلك يوم الخميس، ليكون يوم الجمعة متأهبا للبكور فلا ~~يشغله عن الرواح إليها شاغل، والدليل على ذلك ما روي عنه صلى الله عليه ~~وسلم - أنه كان يأمر بالغسل والتنظيف قبل الحضور ويأمر بتقليم الأظافر ونتف ~~الإبط وإزالة الشعر بعد الصلاة، ويقول: (مثل المؤمن يوم الجمعة كمثل ~~المحرك، لا يأخذ من شعره ولا من أظافره حتى تنقضي الصلاة). قيل يا رسول ~~الله، متى يتأهب للجمعة؟ قال: (يوم الخميس). وظاهر الحديث أنه إذا لم يتأهب ~~لها يوم الخميس، فلا يصنع شيئا من ذلك حتى تنقضي صلاة الجمعة، ثم يفعله ~~حينئذ، وفيه إشكال، وهو أنه إذا كانت هذه الأشياء إنما شرعت ms69 لأجل الحضور ~~لصلاة الجمعة، فبانقضائها يفوت المقصود من شرعها، وإن كانت إنما شرعت ليوم ~~الجمعة خاصة، فما معنى الحث على فعلها يوم الخميس، ويندفع هذا الإشكال بما ~~إذا قيل - إن هذه الأشياء شرعت مطلوبة لنظافة البدن في كل أسبوع كذلك، لكن ~~أمرنا بفعلها يوم الخميس لتكون من كمال النظافة لحضور الجمعة، فإذا لم نفعل ~~ذلك حتى دخلت الجمعة أمرنا بتأخير فعلها حتى تنقضي الصلاة، ثم أمرنا بفعلها ~~بعد ذلك، إشارة إلى الاهتمام بشأن الجمعة، وإلى تعظيم مكانها، فالمسنون ~~حينئذ فعل هذه الأشياء يوم الخميس أو بعد صلاة الجمعة، والله أعلم. PageV01P092 # وأما آدابها - فمنها ما هو مختص بالحضور، ومنها ما يكون لليوم مع ليلتها، ~~فأما آداب الحضور، فمنها ما تقدم ذكره في الموطن المختص بأحكام الحاضرين ~~لسماع الخطبة، ومنها ما سنذكره هاهنا. روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان ~~ينهى أن يقيم الرجل أخاه ثم يجلس موضعه، ويقول: (لا يقيم أحدكم أخاه يوم ~~الجمعة ثم يخالفه إلى مقعده ولكن ليقل تفسحوا وتوسعوا، وإذا قام أحدكم من ~~مجلسه لحاجته ثم رجع إليه، فهو أحق به، وكان ابن عمر إذا قام له رجل من ~~مجلسه لا يجلس فيه زجرا له، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا نعس أحدكم ~~في مجلسه يوم الجمعة، فليتحول إلى غيره). وكان صلى الله عليه وسلم ينهى ~~أصحابه عن الحبوة(1) إذا كان بهم نعاس، ويرخص لهم في الاحتباء إذا كانوا ~~يقظين لا نعاس عندهم. # ...وأما آداب اليوم مع ليلتها - فمنها أن لا تخص ليلة الجمعة من بين سائر ~~الليالي بصلاة أو قيام، وإنما ينبغي عمل العامل ديمة مستمرة على حالة ~~واحدة، والدليل على ذلك ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تخصوا ~~ليلة الجمعة بصلاة من بين الليالي). وفي رواية: (بقيام) بدل صلاة، قال ~~الشعراني: قال شيخنا: معناه في الليالي. # __________ # (1) الحبوة والاحتباء - ربط الرجلين مع الظهر برداء خفيف أو تطويق ~~الرجلين باليدين. PageV01P093 # ...قوموا كلها بدليل ما ورد في قيام الليل. وقد سئلت عائشة ms70 رضي الله عنها. ~~هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يختص شيئا من الأيام؟ قالت: لا، كان ~~عمله ديمة، وأيكم يستطيع ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستطيع، فعلم ~~أن قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تخصوا ليلة الجمعة بصلاة)، إنما هو حث على ~~القيام في جميع ليالي الأسبوع، ومنها - أن يقرأ ليلة الجمعة أو يومها ~~(حم)(الدخان) لقوله صلى الله عليه وسلم: (من قرأ حم الدخان ليلة الجمعة أو ~~يومها، غفر له ذنوبه، وأصبح يستغفر له سبعون ألف ملك، وبنى الله له بيتا في ~~الجنة) ومنها _ أن يقرأ يوم الجمعة سورة الكهف، لقوله صلى الله عليه وسلم: ~~(من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة، أضاء له من النور ما بين الجمعتين). وفي ~~رواية: (ما بينه وبين البيت العتيق). وفي رواية: (سطع له نور من تحت قدمه ~~إلى عنان السماء، يضيء له يوم القيامة، وغفر له ما بين الجمعتين). ومنها - ~~أن يكثر من الصلاة والتسليم على النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة الجمعة ~~ويومها، لقوله صلى الله عليه وسلم: (أكثروا علي من الصلاة في الليلة الغراء ~~واليوم الأزهر، فإنه يوم مشهود، ما من عبد يصلي علي فيه، إلا عرضت صلاته ~~علي حين يفرغ منها) قالوا: يا رسول الله، وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت؟ ~~- أي بليت - فقال: (إن الله عز وجل حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء) ~~وأما فضلها - فيدل عليه ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يبالغ في ~~تعظيم يوم الجمعة، ويقول: (هو سيد الأيام، وأعظمها عند الله عز وجل، وأعظم ~~عنده من يوم الفطر ويوم الأضحى، ففيه خلق آدم، وفيه أهبط إلى الأرض، وفيه ~~توفاه الله تعالى، وفيه ساعة لا يسأل العبد فيها شيئا إلا آتاه الله إياه، ~~ما لم يسأل حراما). وقال بيده يقللها: (وفيه تقوم الساعة، وما من ملك مقرب، ~~ولا سماء ولا أرض ولا رياح ولا جبال ولا بحر، إلا وهن يشفقن من يوم ~~الجمعة). وقال بيده يقللها ms71 - PageV01P094 أي - أشار بيده إلى تقليل ساعة ~~الإجابة، وإشفاق الجمادات من يوم الجمعة - إنما هو تمثيل، أي - لو كانت ممن ~~يعقل ذلك لأشفقن، أو إشفاقهن بحسب ما يليق بحالهن، وعنه صلى الله عليه ~~وسلم: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا ليلة الجمعة، من غروب الشمس إلى طلوع ~~الفجر، فلا يرد سائلا قط، ما لم يسأل هجرا). ومعنى ينزل ربنا - أي - ينزل ~~أمره أو رحمته، استحالة النزول على ذاته تعالى، فإن النزول من صفات ~~المخلوقين، وهي دليل على العجز، والرب تعالى، متعال عن ذلك، وهو الخالق ~~القادر، لا يشابه شيئا من مخلوقاته في شيء من صفاتهم، ليس كمثله شيء، ~~فالحديث مؤول على حد قوله تعالى: ( وجاء ربك والملك صفا صفا)، وعنه صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: (تضاعف الحسنات يوم الجمعة). وكان صلى الله عليه ~~وسلم - كثيرا ما يسأل عن وقت الإجابة فيقول: إني علمتها ثم أنسيتها كما ~~أنسيت ليلة القدر). وكان تارة يقول: (بين أن يجلس الإمام - يعني على المنبر ~~- إلى أن تنقضي الصلاة)، وتارة يقول: (هي آخر ساعة من ساعات النهار، لا ~~يوافقها عبد مؤمن يصلي يسأل الله شيئا إلا قضى حاجته). فقيل له - إن هذه ~~ليست ساعة صلاة. قال: (بلى، إن العبد المؤمن إذا صلى ثم جلس، لا يحبسه إلا ~~الصلاة فهو في صلاة). وتارة يقول: (هي بعد العصر). وتذاكر أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يوما في هذه الساعة، فتفرقوا كلهم على إنها آخر ساعة من ~~يوم الجمعة، قال الشعراني - قال شيخنا: فتحصل من هذا أنها تنتقل في ساعات ~~اليوم كليلة القدر، والله أعلم. وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: إن الله ~~تبارك وتعالى ليس بتارك أحدا يوم الجمعة إلا غفر له، وهذا الأمر لا يعلم ~~إلا من الشارع، فهو حديث موقوف. وعنه صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يموت ~~يوم الجمعة أو ليلة الجمعة، إلا وقاه الله فتنة القبر). والمراد بالمسلم في ~~الحديث - هو المؤمن الموفي بما أوجب الله عليه أو المراد به كل مسلم ms72 كان ~~PageV01P095 موفيا أو غير موف، ورفع العذاب عنه في القبر لفضل ليلة الجمعة ~~ويومها، ولا يستلزم رفع العذاب عنه في القبر رفع عذاب الآخرة عنه إن كان ~~غير موفي بما أوجب الله عليه. وقانا الله فتنة الدنيا وعذاب القبر ومناقشة ~~الحساب ورزقنا الإبعاد من النار، ومن علينا وعلى أئمتنا ومشايخنا وإخواننا ~~بالغفران ودخول الجنان، وآمنا من الفزع الأكبر، إنه ولي المغفرة وهو على ما ~~يشاء قدير. # ...هذا آخر ما يسر الله كتابته من الحجج المقنعة، في أحكام صلاة الجمعة، ~~والله ربنا ولي قبولها منا، وهو المرجو أن يثيبنا عليها، وعلى صالح ~~أعمالنا، وأن يستر سيئها، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصل ~~اللهم على سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وعلى آله وصحبه الفضلاء الكاملين، ~~وعلى تابعيهم بإحسان إلى يوم الدين. وقد وافق تمام تسويدها وكمال تبييضها ~~يوم الجمعة الزهراء لخمس عشرة ليلة خلون من شهر صفر من سنة 1315 ه. ms73