######OpenITI# #META# comp: 1 #META# max: 688 #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : كتاب تخليص العاني من ربقة جهل المعاني للقطب اطفيش تحقيق محمد زمري ¶ ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع #META# comments: ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع #META# ndata: كتاب تخلBE9A34DDلمغاربي. #META# bk: كتاب تخليص العاني من ربقة جهل المعاني للقطب اطفيش تحقيق محمد زمري #META# bkord: 705 #META# archive: 1 #META# الكتاب: كتاب تخليص العاني من ربقة جهل المعاني للقطب اطفيش تحقيق محمد زمري #META# cat: الأدب والبلاغة #META# iso: كتاب تخليص العاني من ربقه جهل المعاني للقطب اطفيش تحقيق محمد زمري #META# bkid: 888 #META# ScrapeDate: 13-03-2020 #META# ScrapedFrom: ShamelaIbadiyya #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # ... وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما،{ هذا تأليف الشيخ ~~العالم العلامة، والبحر الفهامة النحرير، في متعاطيه ومرامه، عمنا امحمد بن ~~يوسف أطفيش نفعنا الله بعلمه المنير، واسدد اللهم علينا سبل غدران العمى، ~~وافتح اللهم لنا أبواب العلم} (¬1) جل الله عن الشريك والمضاد، وتعالى { ~~وتقدس } عن الشبيه (¬2) والمناد، وصلى الله وسلم هو وملائكته على مبلغ ~~أنبائه،رسوله محمد بن عبد الله أفضل خلقه وأنبيائه وآله وصحبه الأبرار، ~~ووفقني، ورحم الله من يستفيد من كتابي مخلصا ولم يعقني، وبعد:. # ... فيقول امحمد اطفيش{ وفي العافية يعيش،ودرجات الآخرة يريش}: هذا " ~~تخليص العاني من ربقة جهل المعاني (¬3) " تقبله الله مني، وجعله محوا ~~للذنوب عني، وهو الذي إذا غفر الذنب العظيم لم يبال، والغني المغني، ~~والكبير المتعال. # باب فصاحة المفردات PageV01P008 تقول:" غلام زيد " كلمتان فصيحتان، ~~و" زيد العاقل " كلمتان فصيحتان، و"إن قام زيد " كلم فصيحات، كما تقول: " ~~غلام " كلمة فصيحة، و" زيد " كلمة فصيحة، و"العاقل" كلمة فصيحة، و" إن " ~~كلمة فصيحة، و " قام " (¬1) كلمة فصيحة، و" زيد " كلمة فصيحة، وقول فصيح في ~~ذلك كله، وتقول: " غلام زيد " قول فصيح، و" زيد العاقل " قول فصيح.، و"إن ~~قام زيد " قول فصيح. # والفصاحة لغة لا تخرج عن معنى الظهور، فكل دلالة علىظهور تسمى فصاحة ~~سواء وضع اللفظ لتلك الدلالة وحدها، أو وضع لها مع غيرها دفعة فكانت جزء ~~معناه، أو استلزمها معناه، وسواء كانت حقيقة أو مجازا، وإنما قدمت الفصاحة ~~على البلاغة؛ إذ لا توجد البلاغة في كلام أو متكلم إلا بعد حصول فصاحة ~~المفرد والكلام، فكل بليغ من كلام متكلم فصيح أو بعض الفصيح. # والبليغ هو ما طابق مقتضى الحال من الفصيح؛ فإذا كان الكلام فصيحا بليغا ~~فالمتكلم فصيح بليغ، وإذا كانت المفردات فصيحات، فالمتكلم فصيح فيها. ولا ~~يقدر على تأليف كلام بليغ من لا يقدر على تأليف كلام فصيح، ولا يقدر على ~~تأليف كلام فصيح من لا يقدر على تأليف كلام صحيح في مطلق فن النحو. # وفصاحة كل مفرد في الاصطلاح ms001 كون حروفه متلائمة، مع كون ذلك المفرد كلمة ~~مشهورة وموافقة لقياس الصرف أو مخالفة له، لكن كثر ذكرها في كلام البلغاء ~~مع مخالفتها، أو لا تذكر إلا مع مخالفة فإن لم تتلاءم حروفه بل تنافرت، أو ~~لم يكن مشهورا بل غريبا، أو لم يوافق القياس أو وافق قياسا مهجورا لم يكن فصيحا. # باب التنافر في الكلمة # ... هو وصف فيها يوجب عسر النطق بها " كالهعخع " لنوع من النبات لصعوبة ~~اجتماع الهاء والعين المهملتين متصلتين، وهو بهاء مضمومة وعين مهملة ساكنة ~~فخاء مضمومة، وكقول امرئ القيس في وصف شعر حبيبته:[ من الطويل ] PageV01P009 غدائرها مستشزرات إلى العلا ... تضل ~~العقاص في مثنى ومرسل (¬1) # ومعنى " امرؤ القيس " إنسان القيس أو رجل القيس؛ أي رجل من قبيلة تسمى ~~"القيس " وذلك لقب له، وامرؤ الذي يذكر فيما همزته همزة وصل، كقوله تعالى { ~~إن امرؤ هلك } (¬2) ، والصحيح أن القيس الشدة؛ فمعنى " امرؤ القيس " رجل ~~الشدة والقوة ، وهذا تفاؤل، وقيل القيس جسم ، ولذا كره بأن يقال: يا امرأ ~~القيس، وكان يروى [ عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل ]، والبيت من قصيدته ~~المشهورة اللامية غير المردفة، والهاء في غدائره للشعر المعبر عنه بالفرع ~~في البيت قبله: # وفرع يزين المتن أسود فاحم ... أثيت كقنو النخلة المتعثكل (¬3) PageV01P010 # ... والغديرة: القطعة من الشعر الذي ينسدل من الرأس إلى الظهر إذا أرسل، ~~والمراد هنا الملوية، لكن لو أرسل لوصل الظهر، وسمي الشعر غديرة لأنه غودر ~~أي ترك حتى طال. ومستشزرات: مرتفعات (بكسر الزاي)؛ يقال: استشزر الشعر أو ~~غيره: ارتفع، واستشزرته: رفعته فهو مستشزر (بفتح الزاي) أي مرفوع، فهو في ~~البيت بالكسر من اللازم، أو بالفتح من المتعدي، وهو أولى إذا كان ذلك في ~~الشعر الملوي إذ الأنسب فترفعه، وأما بلا (لي) فالأولى كسره، وعلى كل حال ~~فهو كلمة غير فصيحة لثقلها على اللسان، وضابط التنافر أن كل ما يعده الذوق ~~السليم ثقيلا متعسر النطق فهو متنافر. # والذوق هو قوة إدراكية لها اختصاص بإدراك لطائف الكلام ومحاسنه، وهو إما ~~طبيعي كما للعرب العرباء أو كسبي كما للمولدين ms002 والممارسين،الباعثين ~~لنكائثهم وأسراره، فإذا عده الذوق السليم (¬1) متنافرا فهو متنافر سواء ~~أكان من قرب المخارج أومن بعدها من غير ذلك،فقد يوجد قرب المخارج ولا يوجد ~~التنافر، وليس كما قيل: إن المعول عليه في التنافر قرب المخارج أو بعدها أو ~~الإدخال من الشفة إلى جهة الحلق إذا كان عسرا دون العكس ،لأن كلا منهما لا ~~يطرد ، فقد حسن "بلغ " بالإدخال كما حسن " غلب " بالإخراج من جهة الحلق إلى ~~الشفة وحسن ملح، كما حلم وعلم وملع،فقيل <<مستشزرات>> تنافر ب(الشين) بين ~~(التاء) و(الزاي)، وبه قال الخلخالي (¬2) { PageV01P011 لأن ( ~~التاء) و ( الشين) من حروف الهمس وهي حروف قولك: << فحثه شخص سكت >> والهمس ~~الخفاء ، وهي جفية لضعفها بجريان النفس معها،لضعف الاعتماد عليها في ~~مخارجها،والزاي المعجمة التي هي من الحروف المجهورة الرخوة ، والجهر ~~الإعلان سميت للجهر بها لقوتها ومنع النفس أن يجري معها لقوتها في مخارجها، ~~وهي ما عدا المهموسة والشديدة حروف<< أجدل قطب>> والرخوة ما عدا ذلك وعدا ~~<< لم نروعا >> وحروف << لم نروعا >> بين الشديدة والرخوة ولو قال معتري ~~لزال ذلك ( بالراء المهملة )، PageV01P012 والصحيح ما قلنا من أن التنافر ~~ما استثقله الذوق السليم، وبه قال ابن الأثير أبو الفتح نصر الله بن محمد ~~(¬1) .وأما ما قاله الخلخالي فمعترض بأن (الراء) المهملة من المجهورة [ ~~فليحصل بها......................] وعلى صحة ما قاله فلا وجه لذكر كون ~~(التاء )همسية في تحصيل التنافر، لأنه لم يحصل بكونها شديدة لمنعها النفس ~~أن يجري معها لقوتها في مخارجها، وسميت حروف { لم نروعا } بينها وبين ~~الرخوة لأن النفس لم ينحبس معها انحباس الشديدة، ولم يجر معها جريانه مع ~~الرخوة.وإنما قلت (الراء) المهملة مع أن كتابتها تغني عن قيد المهملة؛ لأن ~~من العرب من ينطق ب(الزاي) إذا نطق باسمها فيقول:(زا) بنقطة فألف فهمزة، ~~فيحترزعلى هذه اللغة بقولنا المهملة. وأجيب من جانب الخلخالي أن الثقل ~~الزائد ب(الراء) المهملة في مستشرف[ هو] الثقل الحاصل إذا تلت (الشين) ~~(زاي) لامطلق الثقل و(الزاي) ولو جهرية، لكن بين الشديدة والرخوة، بخلاف ~~(الراء) فإنها مجهورة ورخوة. واعترض هذا بأن كون (الزاي) ms003 بين الرخوة ~~والشديدة يوجب ثقل مستشرفات على مستشزرات على مقتضى قول الخلخالي لأن ~~معاندة (الشين) لل(راء) من جهة همسها ورخاوتها، ومعاندة (الشين) لل(زاي) من ~~جهة همسها فقط؛ لأن (الزاي) مجهورة رخوة. وأجيب أيضا من جانب الخلخالي بأن ~~وجود (الراء) (والفاء) أورث عدم التنافر لأنهما من حروف الذلاقة، وهي ~~حروف<< مربنفل >>، والذلاقة سرعة النطق.قال الزوزني (¬2) " إن قرب المخارج ~~سبب للثقل المخل بالفصاحة " ، وإن في قوله تعالى (ألم أعهد ) (¬3) PageV01P013 ثقلا قريبا من المتناهي،فيخل بفصاحة الكلمة؛ ~~أي: بجمعها بين (الهمزة) و(الهاء) الخارجتين من أسفل الحلق، والعين الخارجة ~~من وسطه. # وأما الثقل المتناهي فنحو: " الهعخع " (بكسر الهاء وإسكان العين المهملة ~~وفتحها وبعدها غير مهملة)؛ وهو نبت أسود وتناهي ثقله لجمعه بين الهاء ~~الخارجة من أسفل الحلق والعين الخارجة من وسطه وذكرت مرتين والخاء ~~الخارجة من أعلاه، وذلك في " ألم أعهد " على قراءة غير ورش، وأما ورش (¬1) ~~فينقل فتحة الهمزة للميم ويسقط الهمزة. قلت: الجواب عندي إن مادة "ع ه د " ~~تدرب عليها اللسان في القرآن وغيره، وخفت في الذوق فصارت كسائر الكلمات ~~التي لا ثقل فيها، فلم يحصل الثقل بزيادة الهمزة، وذلك أنها كلمة تنطق بها ~~العرب كلهم؛ أعني مادة { ع ه د} خلقها الله في ألسنتهم كلها، وأن المتنافر ~~هو الثقيل على الإطلاق. # ... وأما بالنسبة، فكل كلمة تكون ثقيلة بالنسبة إلى ما هو أسهل، وقد ~~اجتمعت ثماني ميمات في قوله تعالى { أمم ممن معك } (¬2) ولم يثقل، قيل: بل ~~زاد خفة وإنما تحصلت ثماني ميمات بقلب النزن فيها. وأما الجواب فإن الكلام ~~الطويل المشتمل على كلمة غير فصيحة لا يخرج عن الفصاحة، كما لا يخرج الكلام ~~الطويل المشتمل على كلمة غير عربية عن أن يكون عربيا فلا يصح لأن الكلام ~~لا يسمى فصيحا ولو طال وكان غالبه كله فصيحا، إلا إن كانت كلماته كلها ~~فصيحات. # ركنا الإسناد وما اتصل بهما من الفضلات PageV01P014 ... والكلام في ~~هذا الفن " ركنا الإسناد مع ما اتصل بهما من الفضلات " إن كانت معهما فضلة، ~~ومرادي بالاتصال كون الفضلة ولو فضلت. ms004 وأما في اصطلاح النحو فالصحيح أن ~~الفضلة خارجة عن الكلام، وأنت خبير بإن" أعهد " ركن إسناد فهو أبعد عن أن ~~يدعى فيه تنافر، ولا يخفي أيضا أنه يلزم على ذلك الجواب أن لا تخرج السورة ~~عن الفصاحة بكون كلام تام فيها غير فصيح ولو كان وليس كذلك بل تخرج. لكن لا ~~يوجد كلام ولا كلمة في القرآن غير فصيحين ، وإلا كان[ معيبا ]، فكيف يكون ~~معجزا ؟ والحق إن إعجازه بلفظه أو به مع ما فيه من الإخبار بالغيب الخارج ~~على وفق الأخبار وأما كون بعض الكلام عجميا فلا يخرج الكلام عن كونه عربيا ~~إذا اللفظ العجمي معربا جيء به على طريقة العربية من كونه فاعلا أو مفعولا ~~أو مبتدأ أو خبرا أو نحو ذلك ولاسيما ما في القرآن من أسماء العجم ك( ~~إبراهيم ) و ( موسى ) فإنها كالأسماء العربيات، لأن العرب كانوا يذكرونها ~~كما ذكرت في القرآن ولو لم تذكر كذلك، بل بلفظ آخر لم تعرف والإجماع حجة. PageV01P015 # وقد أجمع الموحدون أن القرآن عربي، بل زعم بعض أنه يكفي في تسمية الكلام ~~عربيا كون أكثره عربيا، << والعلا >> بالضم جمع << العليا >> والمراد: ~~السموات أو أعالي [ الأرض ]، و<< تضل >> تغيب، و<< العقاص>> جمع عقيص وعقصة ~~( بكسر العين وإسكان القاف ) وهي:الخلصة المجموعة من الشعر المثنى المفتول ~~خلاف المرسل، أراد أن ذوائب شعرها مشدودة بخيوط على وسط رأسها، وأن عقائص ~~شعرها تغيبت في مثناه ومرسله، والمراد بالعقائص:هو الغدائر، فما شعر رأسها ~~إلا ثلاث غدائر:وهو العقائص ومثنى ومرسل، وفي جمع العقاص مع المراد المثنى ~~والمرسل إشارة إلى أن العقاص مع كثرتها تغيب في المثنى والمرسل مع وحدتهما ~~تلويحا بكثرة شعرها، وذكر بعضهم أن المثنى: المفتول والعقاص: الملوي ~~كالخيط، والمرسل: ما لم يلو ولم يفتل، وأن الذوائب تشمل الثلاثة، وأن الجمع ~~شد على الرأس بالخيوط فارتفعت إلى أعالي الرأس، وأن التقدير: تضل العقاص ~~منها في مثنى ومرسل منها أي الغدائر، ويروى: تضل المذاري: جمع مذرى ~~والمراد: المشط، وأصله: خشبة ذات أطراف يزال بها التبن ونحوه عن الحب ~~ونحوه، ms005 وقيل: من عادة نساء العرب أن تجمع المرأة شيئا من شعر رأسها في وسط ~~الرأس، وتشده بخيط، وتجعله كالرمانة؛ ويسمونه غديرة وذؤابة وعقيصة، ويسترنه ~~بإرخاء المثنى والمرسل فوقه الزوراء، ويسمى أيضا المثنى والمرسل غديرة ~~وذؤابة. والدليل على الشد بالخيوط لفظ " مستشزرات “، ولاسيما إن فتحت ~~الزاي. [ وأما ] لفظ " العقاص" فإن العقاص: شعر، و" عقاص": خيط يربط به ~~أطراف الذوائب، والله أعلم. # باب الغرابة PageV01P016 وهي كون الكلمة غير ظاهرة المعنى الموضوعة هي له ~~من حيث إنه لم يؤنس استعمال العرب لها، ولو أنس استعمالهم لها لكانت ظاهرة ~~المعنى، ولو لم يؤنس عند العلماء أو عند المولدين، وتسمى التي هي غير ظاهرة ~~المعنى أيضا وحشية لأنها لم يؤنس استعمال العرب لها أشبهت الحيوان الذي هو ~~وحشي، وإذا كانت كذلك لزمها اسم << الغريبة >> و<< الوحشية>> ولو كثر ~~استعمال العرب أو المولدين لها أو العامة، وخرج المتشابه في القرآن والمشكل ~~والمجمل، لأن معانيها لم تعلم لعدم الدلالة عليها، وإنما يعلم المجمل في ~~تفصيله. # والغرابة تتفاوت بالنسبة إلى قوم، فالمراد بالغرابة المخلة بالفصاحة: أن ~~يكون اللفظ غريبا بالنظر إلى الفصحاء كلهم لا إلى العرب كلهم، فإنه لا ~~يتصور، إذ لا أقل من تعارفه عند قوم يتكلمون به؛ فالغرابة أعم مما يخل ~~بالفصاحة، فثبتت فصاحة غريب القرآن والحديث، وبها تقرر علم أن قوله تعالى { ~~إن هذان لساحران } (¬1) فصيح لأنه مأنوس الاستعمال عند قوم من فصحاء العرب، ~~وعدم ظهور المعنى المخل بالفصاحة إنما هو بالنظر إلى الأعراب الخلص كلهم من ~~سكان البوادي لا بالنظر إلى البوادي؛ فإذا وصف اللفظ بها في مقام المدح ~~فإنما هو اعتبار المولدين، وأما باعتبار بعض الأعراب الخلص من أهل البادية ~~فلا قدح ولا مدح. ثم الغرابة قسمان: # أحدهما أن يكون اللفظ قليل الاستعمال فيخفى معناه، فيبحث عنه في كتب ~~اللغة أو في دواوين الأشعار أو نحو ذلك، أو تسأل عنه حفاظ اللغة، فيوجد أن ~~لفظ كذا وضع لمعنى كذا، ولم يكن خفاؤه لتصرف فيه بل لقلة استعماله. PageV01P017 والثاني: أن لا يظهر ~~معناه لتصرف ms006 فيه إلا بتكلف تخريج على وجه بعيد، وهذا أغرب من الأول؛ لأن ~~تخريجه على وجه بعيد فرع عدم وجوده في كتب اللغة؛ فالأول << كالجرشى>> في ~~قول أبي الطيب يمدح سيف الدولة أبا الحسن من المتقارب المحذوف العروض ~~والضرب: # مبارك الاسم أغر اللقب ... كريم الجرشى شريف النسب (¬1) # ... << مبارك>> الاسم وجه بركة اسمه أن اسمه<<علي >> مشعر بالعلو مع ~~موافقته لاسم <<علي بن أبي طالب>> فيما قيل، ولو قيل موافقة اسم الله لكان ~~أولى والمجتمع وافقة كنيته لكنية ( علي ) وهي: " أبو الحسن “ وموافقة اسمه ~~لاسم الله ولاسم ( علي ) ، وأغر اللقب: مشهور اللقب وهو " سيف الدولة " ~~واسمه أيضا أعز وهو ( علي (¬2) لكن الملوك تعظم بألقابها وتشريف النسب ~~لكونه عباسيا ، وأصل أغر: فرس أغر أبيض، استعير لكل أبيض أو كل مشهور[ وهو ~~استعارة] تصريحية وليس مجازا مرسلا، والسببية كما قيل. و<<الجرشى>>( بفتح ~~الجيم والراء وتشديد الشين بعدها ألف ): النفس. وهو لفظ غير فصيح لغرابته. ~~و" كتكأكأتم" و" افرنقعوا " في قول أبي علقمة عيسى بن عمر النحوي (¬3) حين ~~سقط من الحمار، واجتمع الناس عليه:(مالكم تكأكأتم علي تكأكؤكم على ذي جنة، ~~افرنقعوا عني ) أي ما لكم اجتمعتم علي اجتماعكم على ذي جنون ، افترقوا عني، ~~وذكر جل ذلك في الصحاح، وقال الزمخشري: في ( الدر الفائق عن الجاحظ ) (¬4) PageV01P018 إن أبا علقمة مر ببعض طرق ~~البصرة وهاجت به (مرة) يعني الصفراء فوثب عليه قوم يعصرون إبهامه ويؤذنون ~~في أذنه؛ يعني كما يفعل بالمجنون، فأفلت من أيديهم، فقال: (ما لكم تكأكأتم ~~علي تكأكؤكم على ذي جنة افرنقعوا عني) ، فقال بعضهم: " دعوه فإن شيطانه ~~يتكلم بالهندية " ، ويمكن الجمع بين ذلك بأنه سقط من الحمار لهيجان الصفراء به . # ... الثاني: كمسرج في قول العجاج:[من الرجز ] # أزمان أبدت واضحا مفلجا ... أغر براقا وطرفا أبرجا # ومقلة وحاجبا مزججا ... وفاحما ومرسنا مسرجا (¬1) PageV01P019 # ... << أزمان >> ظرف منصوب متعلق بما قبله مضاف للجملة بعده جمع " زمن "، ~~وفي << أبدت >> ضمير عائد إلى محبوبته، وقيل: << أزمان >> مبتدأ، اسم ~~امرأة، وفي << أبدت >> ضميرها، والجملة خبر. والمعنى أظهرت، و << واضحا >> ~~بمعنى شيء واضح أي ms007 أبيض وهو السن، و << مفلجا >> بمعنى مبعد عن الآخر بفسحة ~~بينهما، و << أغر >>: أبيض، و << طرفا >> عينا، و << أبرجا >>: محدق بياضه ~~بسواده كله، و << البرج >> ( بفتح الباء والراء ) أحداق بياضه بسواده، و << ~~المقلة >> بياض العين مع سوادها أو موضع البصر من السواد، والمرسن( بفتح ~~الميم وكسر السين وفتحها ):أنف البعير، اسم مكان أي موضع الرسن، و << رسنته ~~>>: جعلت له زماما أطلقه على الأنف مطلقا، فاستعمله في أنف المحبوبة مجازا ~~مرسلا لعلاقة الإطلاق والتقييد أو أحدهما، وهذا هنا أولى من التشبيه على ~~الاستعارة، إذ لا يحسن تشبيه أنف الحبيبة الممدوحة بأنف البعير؛ إذ لا جمال ~~في أنفه ولا زينة ولا فائدة في مطلق التشبيه بأنفه في أن كلا منهما ولا ~~سيما أن الاستعارة أبلغ. وعلى كل حال لا يحسن له التعبير عن أنفه باسم أنف ~~البعير، و<< مرججا >> بمعنى مدقق من الله مطول مع تقوس، و<< فاحما >> بمعنى ~~شعر أسود. يقال: فحم الشيء (بالضم ) فحومة فهو أفحم وفاحم أي: أسود. فليس ~~تشبيها بالفحم، ولا نسبا " كلابن " و" تامر"، فضلا عن أن تدعى فيه غرابة ~~كما قيل. و << مسرجا >> عند ابن دريد (¬1) بمعنى السيف المنسوب إلى سريج ~~وهو حداد تنسب إليه السيوف، ووجه الشبه الدقة والاستواء، أو بمعنى كالسراج ~~في اللمعان عند ابن سيدة (¬2) ، PageV01P020 وهو ~~اسم مفعول من << فعل>> (بالتشديد) بالنسبة إلى الأصل، كقولك: تممته أي ~~نسبته إلى " تميم " وفسقته: نسبة إلى الفسق، لا كما يقال: إنه بكسر( الراء ~~) للصيرورة أي:صائرا كالسيف السريجي أو كالسراج، ووجه البعد أن مجرد النسبة ~~لا يدل على التشبيه، فأخذه من بعيد، فذلك عند حفاظ اللغة أن لفظ << مسرج >> ~~لذلك المعنى، كما تجد أن لفظ << أسد >> للسبع، ولفظ كذا لكذا، ولا تجد ذلك ~~في كتب اللغة، ولا يعتبر وجوده بعد أن شهر هذا التخريج؛ لأن ذكر هذا في كتب ~~اللغة وحفظه ليس من نفس جمع الألفاظ اللغوية بل كتفسير إذ المراد بالرجل ~~فلان وبالأعمى ابن أم مكتوم . # ... ويجوز أن يكون << مسرجا >> من سرج الله وجهه أي حسنه ms008 فيكون من القسم ~~الأول، أو جعله ذا سراج فيكون من القسم الثاني الذي نحن فيه؛ وذلك أنه لا ~~يوجد << سرج >> بمعنى " حسن "، كما أنه لا يوجد << تكأكأ >> و << افرنقع >> ~~إلا قليلا، ولا يوجد << سرج >> بمعنى جعله ذا السراج إلا بهذا التصرف، فإن ~~المعنى الظاهر لسرج الله وجهه جعله ذا سراج حقيق مجمله على جعله ذا سراج ~~بالمشابهة في اللمعان تخريج على وجه بعيد، ووجود " سرجه الله " بمعنى " ~~حسنه | في ديوان اللغة و تاج العروس (¬1) ونحوهما لا يوجب فصاحته لإمكان ~~أنه أتى من استعمال الناس له بذلك المعنى، أوشهر في كتب اللغة بعد حكم ~~المتقدمين بأنه غريب، وقال المرزوقي (¬2) : PageV01P021 # السيف السريجي أيضا منسوب إلى السراج على غير قياس ؛لأنه إن نسب ~~إلى"السراج " بلا تصغير، فالقياس السراجي، أو نسب إلى تصغير سراج فالقياس ~~السريجي ( بتشديد الياء بعد الراء ) لتكون فيه ياء التصغير وياء عن ألف " ~~سراج " ، أو جاز أن يكون السريجي بمعنى السيف الذي هو ذو سراج أي يضيء ~~لصفائه كالسراج، قال كقولك:سرج الله أمرك أي حسنه ونوره، وهذا إثبات لهذا ~~المعنى على حد ما مر عند " التاج " و" الديوان" .وغيرهما . # والغرابة باعتبار الحسن والقبح قسمان أيضا. الأول: أن يكون غريبا حسنا لا ~~يعاب لعدم ثقله في السمع وعدم كراهته في الذوق " كشرنبث " لغليظ الكفين ~~والرجلين و"اشمخر " و" اقمطر " ، وهو في النظم أحسن منه في كلامهم.ومنه ~~غريب القرآن والحديث.والثاني: أن يكون غريبا قبيحا يعاب استعماله لثقله في ~~السمع والذوق، ويسمى متوعرا أو وحشيا غليظا " كجحيش" للفريد في خصلة حسنة ~~و" اطلخم " الأمر اختلط، والله أعلم. # باب المخالفة المخلة بالفصاحة PageV01P022 ... وهي مخالفة قياس الصرف ~~للضرورة أو الشذوذ الاستعمالي، فليس من الباب "أبى، يأبى" ولو فتح الماضي ~~والمضارع معا بلا حرف حلق عينا أو لاما، فقياس المضارع الكسر، و" عور، يعور ~~" بالتصحيح والقياس " عار، يعار"و" استحوذ " أيضا، والقياس " استحاذ " و" ~~قطط " القياس " قط " و" آل " و" ماء " القياس " أهل" و" ماه" ، إذ لا يقاس ~~قلب الهاء ألفا ولا همزة، ولو قلبت الهمزة بعد ذلك ms009 ألفا، ولا قلب الهاء ~~همزة؛ فمثل هذه الكلمات فصيح ولو خالف القياس لأنها ثبتت كذلك عن الواضع ، ~~فهي شاذة قياسا فصيحة استعمالا. وقيل في " يأبى":إنه غير شاذ قياسا، وإنه ~~مضارع أبي (بالكسر) استغنى به عن " يأبي " (بالكسر) مضارع أبي (بالكسر) ~~مضارع " أبى " (بالفتح)، أو إن الألف حرف حلق فأثر هذا في فتح المضارع ولو ~~لم يؤثر في نحو :" أتى " " يأتي " كما لو يؤثر الفتح في " رجع" " يرجع " ~~بسطت ذلك في " شرح اللامية " (¬1) . # ومثال المخالفة المخلة بالفصاحة أن تفك المدغم وتمد المقصور أو تصرف مثل ~~" عمر " أو " أحمد " للضرورة، مثل بعض قول أبي النجم (¬2) : # الحمد لله العلي الأجلل ... الواسع الفضل الوهوب المجزل # الحمد لله العلي الأجلل ... الواحد الفرد القديم الأول # وفي رواية: # الحمد لله العلي الأجلل ... أنت مليك الناس ربا فاقبل PageV01P023 # ... والقياس: الأجل (بالإدغام)، ولا تتوهم أن الضرورة كما أباحت مالا ~~يباح في السعة تنفي عن صاحبها عدم الفصاحة، بل ما يقبح من الضرائر مخل ~~بالفصاحة، بل قيل: ما يقبح منها ومالا يقبح منها كلاهما مخل، وقال عصام ~~الدين (¬1) : الضرورة: مقيسة وغير مقيسة، وفك الإدغام غير مقيس، ~~وغيرالمقيسة مخلة بالفصاحة، وكل ما يثبت من القبح والضعف فإنما يتوجه إلى ~~أبي النجم إذ فك لا في اسم الله - عز وجل - وتبارك وتعالى، وليس كون " ~~الأجلل " ( بالفك ) أصلا للأجل (بالإدغام ) يثبت الفصاحة له، لأنه أصل ~~مهجور وكذا أصل كل مغير موضوع. ولا يقال: " الأجلل " (بالفك ) داخل في ~~الغرابة لأنا نقول: " الأجلل " (بالفك ) و" الأجل " ( بالإدغام ) كلاهما ~~مادة واحدة في معنى واحد مشهور وما تصرفت منه وما تصرف معها. و" ربا " ( ~~بالتنوين ) حال من المستتر في مليك، ومن أجاز مجيء الحال من المبتدأ ومجيئه ~~من الخبر مطلقا أجاز كونه حالا من أنت، وقيل: إنه منادى بحرف محذوف وهو ~~مقصود لكن نون بالنصب للضرورة، وهذا على أن الضرورة ما ورد في الشعر ولو ~~كانت مندوحة، إن لم ينون لصح ( بالخبن ) (¬2) وعلى ذلك هو مما حذف حرف ~~النداء منه والمنادى أعني اللفظ أنت جنس، وقيل هو ms010 غير منون منادى مضاف ~~للياء المقلوبة ألفا. والله أعلم. # باب فصاحة الكلام PageV01P024 # ... هي كونه قوي التركيب متناسب الكلمات التي فيه كلها ظاهر الدلالة على ~~المعنى المراد منه، فصيح الكلمات التي فيه كلها بأن لا تكون فيه كلمة ~~تنافرت حروفها فيما بينها، ولا غريبة، ولا مخالفة للقياس؛ فإن كان ضعيف ~~التركيب أو تنافرت فيه كلمتان فصاعدا إحداهما مع تاليتها ولو كانت في حد ~~ذاتها لا تنافر بين حروفها ولم تتناسبا أو غير ظاهر الدلالة على المعنى ~~المراد، بل معقدا أو كانت كلمة منه غير فصيحة - فليس بفصيح. والله أعلم. ... # باب ضعف التركيب # ويقال ضعف التأليف والمراد هنا التركيب التام، والتركيب أعم لأن التأليف ~~تركيب مع ألفة ما ولو ضعيفة، والتركيب مطلقا: ضم كلمة إلى أخرى أو جمع ما ~~فوق الكلمتين بحيث يحسن السكوت ولو لم تحصل ألفة ما، وضعفه هوأن يكون تركيب ~~أجزاء الكلام على خلاف القانون النحوي المشتهر فيما بين معظم النحاة الذين ~~يقولون: إنه المقيس المطرد، وإيضاح ذلك أن النحاة كالخليل وسيبويه تصفحوا ~~كلام العرب فاختاروا منه ما اختاروا وجعلوه أصولا فهو القوي وغيره ضعيف، ~~فلا يوهمنك قول عصام الدين في " الأطول ": إن العرب لا تعرف القانون النحوي ~~لأن مرجع ذلك إلى من تصفح كلامهم لا إليهم ولأن القانون النحوي كما شخصه ~~الخليل وسبيويه وغيرهما قد عرفه العرب؛ وهو قانون لغتهم، ولو لم يعرفوا ما ~~أحدث النحاة في اصطلاحهم، والغالب أن يكون الصواب مع جمهور النحاة بما ~~منعوه كان غير فصيح، وقد يكون مع غير الجمهور لقرب مقاله إلى اللغة وظهور ~~شواهده، وإن لم يثبت أن أحد الرأيين رأي الجمهور ولا مرجح اعتبر ما هو أقرب ~~إلى اللغة؛ وإن اختلف البصريون والكوفيون ولا مرجح، فقيل: يرجح مذهب ~~البصريين لأنهم يتعمدون الدليل القوي الكثير من كلام العرب، والكوفيون ~~يكتفون بالدليل الغريب القليل، وقيل بالوقف ولسنا - ولا بد - متعبدين ~~بتقليد البصريين. PageV01P025 # وقد اختار ابن هشام (¬1) أن قراءة الجمهور لا تكون مرجوحة، وليست قراءة ~~غير الجمهور تنافي الفصاحة لإمكان إجازة الجمهور لها ms011 ولصحتها بأدلتها، بل ~~كثير من قراءة الجمهور لا تجوز عند جمهور النحاة، ولهذا ردها الزمخشري (¬2) ~~لاشتمالها على ضعف التأليف، وكذا يرد التفسير الذي يفيد ضعف التأليف. ومن ~~ضعف التركيب الإضمار قبل الذكر لفظا ومعنى وحكما لا لغرض أما لغرض فلا يخرج ~~عن الفصاحة، ومنه ما إذا حكم الواضع بوجوب الإضمار قبل الذكر فإنه فصيح، ~~كما أن المحذوف لعلة كالثابت، ومن [ الخطإ ] تقديمه لا لغرض فيخل بالفصاحة، ~~نحو: " ضرب غلامه زيدا " فهذا غير فصيح ولو أجازه الأخفش (¬3) وابن جني ~~معللين [ بما ورد عند ابن ] سيده اقتضاء للمنقول تارة كشدة اقتضائه للفاعل ~~مستدلين بما ورد ظاهره على ذلك، ووافقهما عبد القاهر وابن مالك في شرح ~~التسهيل (¬4) PageV01P026 وليس إجازة بعض النحاة مدخلة في الفصاحة وأخذ بعض ~~من إجازة عبد القاهر ذلك إنه فصيح، إذ هو قدوة في الفن ومنه جزى ربه عني ~~عدي بن حاتم. البيت (¬1) [ من الطويل ] ، وقوله:[من السريع ] # لما عصى أصحابه مصعبا ... أدى إليه الكيل صاعا بصاع (¬2) # ... وقوله: <<جزى بنوه أبا الغيلان>> (البيت) (¬3) [ من البسيط ] وقوله:[ ~~من الطويل] # ألا ليت شعري هل يلومن قومه ... زهيرا على ما جر من كل جانب (¬4) # وغير ذلك مما ذكرته في النحو، وقيل بشذوذ ذلك أو برد الضمير إلى مصدر ~~الفعل، أي رب الجزاء وأصحاب العصيان في الأول والثاني، وقد جعلوا الضمير ~~إلى مصدر الفعل السابق من تقدم المرجع كقوله تعالى { اعدلوا هو أقرب للتقوى ~~} (¬5) . PageV01P027 # وفي تقدم الذكر لفظا أن يكون المرجع ملفوظا به صريحا، نحو: " زيد ضرب ~~غلامه "، و" زيد أكرمه الله "، و" ضرب غلاما ربه " . # والذكر المعنوي أن لا يكون مرجع الضمير مصرحا به قبله، لكن هناك ما يقتضي ~~ذكره قبله ككون رتبة تقدم الفاعل [ تقتضي ] التقديم على المفعول به؛ نحو: " ~~ضرب غلامه زيد "، وككون رتبة المفعول الأول [ تتطلب ] التقديم على الثاني، ~~نحو: " أعطيت درهمه زيدا "، وكتضمن الكلام السابق للمرجع كقوله تعالى { ~~اعدلوا هو أقرب للتقوى } .فإن الفعل متضمن لمصدره، وكاستلزام السابق له ~~استلزاما قريبا، كقوله تعالى { ولأبويه } (¬1) أي أبوي الموروث أو أبوي ~~الميت، ms012 فإن الكلام السابق في بيان الميراث وهو يدل على الميت الموروث أو ~~استلزاما بعيدا، كقوله تعالى { حتى توارت بالحجاب } (¬2) أي الشمس بدليل العشي. PageV01P028 والذكر الحكمي أن لا يكون مصرحا به قبل الضمير ~~وليس هناك ما يقتضي ذكره قبله، إلا أن حكم الوضع أن المرجع يلزم تقدمه ~~وخولف مقتضاه لأغراض تجيء في وضع الظاهر المضمر، ومثال الذكر الحكمي ضمير ~~باب << نعم >> المفسر بتميز وضمير الشأن نحو { قل هو الله أحد } (¬1) إذا ~~جعلنا << هو >> للشأن، و" نعم رجلا زيد " إذا جعلنا << زيد >> مخصوصا ~~بالمدح، و"ربه رجلا أكرمه الله "، والحكمة في الثلاثة نكتة الإجمال ~~فالتفصيل؛ والذي عليه النحويون جميعا فصاحة " نعم رجلا زيد "، وعدم فصاحة " ~~ضرب غلامه زيدا "، وهو الحق وليس يجزي قصد نكتة في هذا المثال الأخير وبابه ~~فضلا عن أن يكون بها فصيحا، وقد علمت أن الكلام هنا دخلت فيه الفضلات فصح ~~التمثيل بضمير أضيف إليه ونحوه من الفضلات كالمفعول به، والله أعلم. # باب تنافر الكلمتين أو الكلمات # وهو أن يتعسر النطق بها متواليات ولو لم يكن في الكلمة نفسها حروف ~~متنافرة، وإن تنافرت حروف الكلمة في نفسها وتنافرت الكلمة بجملتها مع ~~الأخرى فهو أخرج عن الفصاحة ، وكذا إن كانت غريبة أو مخالفة للقياس وتنافرت ~~مع الأخرى ، بعض الجن [من الرجز ] # وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر (¬2) PageV01P029 ... فإن ما بعد <<ليس>> من الشطر الثاني متنافر، [ ~~قيل إن نوعا ] من الجن يقال له الهاتف صاح واحد فيهم على حرب بن أمية جد ~~معاوية بن أبي سفيان فمات، فقال ذلك الجني هذا البيت، والتمثيل بكلام الجني ~~جائز باتفاق وكذا بكلام كل أحد، وأما الاستشهاد فلا يجوز إلا بكلام العرب ~~الموثوق بهم، والجن لا يوثق بأنهم قد مارسوا لسان العرب حتى كان كلامهم ~~ككلام العرب، وقيل في جن بلاد العرب:إنه يوثق بهم، لكن من أين يعلم أنه من ~~جنها حتى يقال إنه مارس.وذكر المسعودي (¬1) << أن أمية كان مصحوبا تبدو له ~~الجن ، فخرج في عير من قريش، فمرت بهم حية فقتلوها، فاعترضت ms013 لهم حية أخرى ~~تطلب بثأرها، وقالت: قتلتم فلانا، ثم ضربت الأرض بقضيب فنفرت الإبل، فلم ~~يقدروا عليها إلا بعد عناء شديد. فلما جمعوها جاءت فضربت ثانية، فنفرت فلم ~~يقدروا عليها إلا بعد نصف الليل، ثم جاءت فضربت ثالثة فنفرتها فلم يقدروا ~~عليها حتى كادوا يهلكون عطشا وعناء وهم في مفازة لا ماء فيها، فقالوا ~~لأمية: " هل عندك من حيلة " قال: لعلها. # ... ثم ذهب حتى جاوز كثيبا فرأى ضوء نار على بعد فاتبعه حتى أتى على شيخ ~~في خباء، فشكا إليه ما نزل به وبصحبه، وكان الشيخ جنيا، فقال: اذهب فإن ~~جاءتكم فقل: باسمك اللهم سبعا. فرجع إليهم وقد أشرفوا على الهلكة، فأخبرهم ~~بذلك. فلما جاءتهم الحية، قالوا ذلك، فقالت: تبا لكم! من علمكم هذا؟ ثم ~~ذهبت وأخذوا إبلهم، وكان فيهم حرب بن أمية ابن عبد شمس جد معاوية بن أبي ~~سفيان، فقتله الجن بعد ذلك بثأر الحية المذكورة، وقالوا فيه: # وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر PageV01P030 # ... قيل: ولفظ البيت إخبار والمراد التحسر والتأسف على كون قبر حرب في ~~مكان قفر، ولهذا قال: قرب قبر حرب بوضع الظاهر موضع المضمر، إذ لم يقل: قرب ~~قبره زيادة في التحسر والتوجع حيث اعتنى بذكره، والواو في << وليس>> للحال، ~~أوللعطف، و<< قرب>> ظرف متعلق بخبر << ليس>> محذوفا نكرة، أو<< قرب >> غير ~~ظرف وهو الخبر بمعنى مقارب، فإضافته لمعرفة وهي<< قبر>> المعرف بالإضافة ~~إلى العلم وهو <<حرب>> لا تفيد تعريفا لأنها لفظية، فلم يلزم الإخبار ~~بالنكرة عن المعرفة، وذلك أن اسم ليس نكرة وهو<< قبر>> آخر البيت. وإنما ~~كانت إضافة مقارب للحال؛ لأن القصد ليس الآن << قرب قبر حرب قبر>> بقي أن ~~الروي في <<قفر>> مكسور وفي <<قبر>> مضموم، فيجاب بأن ذلك بيتان مشطوران كل ~~على حدة، أو بيت واحد غير مصرع بالحركة بل بالحرف فقط، أو بأن يكون <<قفر>> ~~مرفوعا للقطع ضرورة ولو لم يعلم منعوته أنه قفر بدونه أو على القلة من ~~القطع بلا علم بدونه. # وقد زعم بعض أنه ms014 مقيس بلا علم به بدون النعت أو بأن <<بمكان>> خبر ~~وتنكيره للتحقير و<<قفر>> خبر ثان أي وقبر حرب قفر في نفسه في مكان حقير، ~~أو الباء بمعنى " مع " تتعلق بمحذوف حال من المبتدإ على مذهب سيبويه، أو من ~~ضمير <<قفر>> أي خال، و<<قفر>> خبر، والله أعلم. وكقول أبي تمام: [من ~~الطويل] # كريم متى أمدحه أمدحه والورى ... معي ومتى ما لمته لمته وحدي (¬1) PageV01P031 # ... تنافر <<أمدحه>> مع <<أمدحه>> لتواليهما مع ما فيهما من حروف متحدة ~~مكررة وذكر (الحاء) و(الهاء) فيهما، ولم يحصل التنافر بتكرير (الهمزة) ~~و(الميم) و(الدال)، ولو لم يكرر <<أمدحه>> لم يحصل (للحاء) و(الهاء) ثقل ~~مخرج للكلام عن الفصاحة ولو كان بهما ثقل، وإنما حصل بتكريرها. ذكر أن ~~الصاحب إسماعيل بن عباد أنشد القيصدة التي فيها هذا البيت بحضرة ابن العميد ~~الوزير- وكان قد صحب ابن العميد في وزارته وتولى الوزارة بعده لفخر الدولة ~~ولقب بالصاحب الكافي، والصاحب في عرف الكتابة من يكتب للأمير كما يريد في ~~تلويح العبارة وبلاغتها لا كما يريد الأمير. والصابي من يكتب كما يؤمر كما ~~ذكرته في (ربيع البديع) (¬1) وكان الصاحب المذكور[ أستاذا ] لعبد القاهر- ~~ولما بلغ إنشاده هذا البيت قال له ابن العميد: وهو أستاذ أيضا هل[تعرف ~~فيه ]شيئا من الهجنة؟ يعني القبح.قال الصاحب: نعم، مقابلة المدح باللوم، ~~وإنما يقابل بالذم أو الهجاء، فقال ابن العميد: غير هذا أريد. فقال: لا ~~أدري ]غير ذلك. فقال ابن العميد: هذا التكرار في <<أمدحه>> مع الجمع بين ~~(الحاء) و(الهاء) وهما من حروف الحلق، خارج عن حد الاعتدال تنافر كل ~~التنافر، فأثنى عليه الصاحب إسماعيل. # ومعنى " كل التنافر " تنافر عظيم، لأنه ليس بمتناه؛ فإن المتناهي هو مثل ~~قوله << قرب قبر حرب قبر>>، وأما مقابلة المدح باللوم لا بالذم فلعلها لأنه ~~لا يخطر بالبال الذم لعلو مقام الممدوح عن أن يخطر ذمه ببال أحد. # وقال الزوزني (¬2) : PageV01P032 إن إتيانه ~~<<بإذا>> الدالة على القطع في جانب اللوم لا يناسب مقام المدح؛ فلو أتى ~~ب<<إن>> الدالة على الشك لكان أنسب بالمدح، عابه الزوزني بذلك. وأجيب ms015 بأنه ~~استعمل <<إذا>> والماضي لإيهام ثبوت الدعوى، كأنه تحقق منه أنه لامه فلم ~~يشاركه أحد، فهو خاصة للممدوح إذ لامه، قيل ثم إن <<إذا>> مع ذلك تفهم وقوع ~~اللوم بالفعل لدلالتها على الاستقبال، وإيهامه الوقوع لا يخل بذلك لأنه من ~~جهة أخرى. فكلامه غاية في تنزيهه عن استحقاق اللوم، ثم إنه لم يقدر على ذكر ~~ملامته إلا في صورة النفي، لأن صورة <<ما>> صورة نفي وهي زائدة، ثم إن ~~الفعلين على الإرادة أي متى أرد مدحه، وإذا أردت لومه. # والظاهر عندي مع ذلك كله أن المدح واللوم واقعان بالفعل غير مرة بالعرف، ~~وأما الفعل فلا يدل وضعا على تكرار، و<<إن>> أداة الاستقبال لتنزيل الماضي ~~منزلة الآتي، و( الواو ) في قوله <<والورى>> واو الحال و<<معي>> خبر ~~<<الورى>>؛ وهذا أولى من جعلها عاطفة على المستتر في أمدح الثاني، ولو وجد ~~الفاصل، فيكون <<معي>> حالا من <<الورى>> لتبادر كون (الواو) للحال ~~ولموافقة <<وحدي>> في الشطر الثاني فإنه حال، فتتقابل الحالان؛ كأنه قيل: ~~أمدحه في حضرة الناس ولمته في خلوة، والمتبادر أنه لم يرد العطف لأن المعنى ~~عليه أمدحه أنا والورى حال كونهم معي. وهذا المعنى في الظاهر غير مراد أصلا ~~فلا يتكلف له على وجه كون (الواو) للحال أن مدحهم يفيده <<معي>>؛ لأن عناية ~~قولك: والحال أن الورى معي في مدحه تكلف. ومما يقوي كون (الواو) للحال أنه ~~يحصل به تخالف الشرط والجواب، لأن الحال قيد في الجواب. وأما العطف فيتحدان ~~في وجهه، واتحادهم لا يجوز. كذا قيل، وأقول: يحصل التخالف بالعطف، وأما ~~تحصيل التخالف في وجه العطف بجعل العطف على المستتر في <<أمدح>> الأول، أو ~~بجعل المعية في الزمان فتكلف. PageV01P033 # واعلم أن التخالف قد حصل بتأويل الشرط بالإرادة كما مر التأويل بها، لكن ~~ليست فائدة كبيرة في التخالف بها لضعف ترتب المدح على إرادته في المقام ~~لاتحاد المراد، والمترتب فيه نظر لأنه يستشعر أولا إرادة مطلق المدح ويوقعه ~~ثانيا بحضرة الناس، وأما ما قيل من أنه يحصل التخالف في العطف بالسببية ~~فغير ms016 ظاهر؛ لأن عطف <<الورى>> على ضمير<< أمدح>> لا يفيد السببية، وإن ~~سلمنا بالسببية من حيث إن السبب في باب الشرط عند النحاة ما له إفضاء في ~~الجملة، لا ما يلزم من وجوده الوجود، وإن مدح الشاعر بحضرة الورى قد يفضي ~~إلى مدحهم معه لذكره أوصاف الممدوح الجميلة فيوافقوه، ففيه من القصور في ~~بيان المدح ما لا يخفى، وفيه أيضا أنه لا بد من الإرادة، والإرادة تكون ~~لكونها قلبية لا تتسبب لمدحهم له، لأنهم لا يعلمون بها، والجواب بظهور ~~أمارتها ضعيف، والجواب عن القصور<< أمدحه والورى >> بأنه لا يلزم من ذلك ~~توقف مدح الورى على مدحه، بحيث يلزم من انتفائه انتفاؤه لجواز تعدد أسبابه. ~~وإما أن يقال <<الورى >> مبتدأ خبره <<مع>>، والجملة معطوفة بالواو، ففيه ~~ما في العطف المذكور، وزيادة أن هذه جملة اسمية عطفت على فعلية هي ~~<<أمدحه>> الثاني، والله أعلم. # باب التعقيد PageV01P034 ... وهو إخفاء المعنى لنحو التقديم والتأخير، ~~والحذف بلا قرينة أو بقرينة غير واضحة، والفصل، أو لتعسر انتقال الذهن من ~~المعنى الأول المفهوم بحسب اللغة إلى المعنى الثاني المقصود. وإن شئت فقل: ~~هو أن لا يجعل الكلام ظاهر الدلالة على المراد لخلل في التركيب بنحو ~~التقديم والتأخير، والحذف بلا قرينة، والفصل، أو لخلل واقع في انتقال ذهن ~~السامع من المعنى الأول المفهوم بحسب اللغة إلى الثاني المقصود بأن يبطؤ ~~الانتقال بإيراد اللازم البعيد بدون افتقار إلى واسطة مع خفاء العلاقة بينه ~~وبين ملزومه - وذلك قليل- أو بإيراد لازم أو لازمين فصاعدا مع افتقار إلى ~~واسطة أو واسطتين فصاعدا مع خفاء القرينة الدالة في ذلك كله على المراد. ~~وهو مأخوذ من قولك: " عقدت الشيء " أو عقدت الخيط أو الحبل أو بهما ، إذا ~~ربطت بهما على شيء بحيث لا ينحل إلا بصعوبة. شبه به الكلام الذي أخفي معناه ~~على حد ما مر، لأنه لا يفسر إلا صعوبة وبها ينحل.وشدد للمبالغة فكان المصدر ~~التعقيد، فخرج بقولنا : ( لخلل) المتشابه والمجمل والمشكل، فإن عدم ظهور ~~دلالتها ليس لخلل النظم والانتقال، بل لإرادة إخفاء المراد ms017 منها لحكم ~~ومصالح. # ... ومن المشكل اللغز والمعمى، فهما صحيحان، وخفاء المراد منهما لا يمنع ~~فصاحتهما لما عرفت من أنه ليس لخلل النظم أو الانتقال. والمعمى: قول يستخرج ~~منه كلمة فأكثر بطريق الرمز والإيماء بحيث يقبله الذوق السليم، فالقول جنس ~~يشمل الكلمة فصاعدا سواء أكان كلاما تاما أم لا إذ قد يقع في المعميات أن ~~يكون ما يؤخذ منه المعمى جزء كلام [ حيث ] يؤخذ المعمى من ذلك الجزء فقط ~~ويترك ما عداه مما يصير به الكلام تاما. وخرج بطريق الرمز والإيحاء ما يدل ~~صريحا كقول الشاعر: [ من الرمل ] # لا تقولن لا فمكتوب على ... وجهك المشرق نصا نعم # نونها الحاجب والعين بها ... طرفك الفتان والميم فم PageV01P035 بحروف ~~أبدعت من قدرة ... ماجرى قط عليها القلم # ... ولا يشترط لصحة المعمى أن يكون الكلام الذي يستخرج المعنى المعمى ~~شعرا، خلافا لبعض زعم أن المعمى معنى لطيف وأسلوب ظريف، وعلى عدم الاشتراط ~~يكون موقعه من الشعر شرطا لحسنه، ولا يشترط في استخراج الكلمة بطريق ~~التعمية حصولها بحركاتها وسكناتها، بل يكفي حصول الكلمة من غير حصول هيئتها ~~الخاصة، فإن حصلت كذلك كان لزيادة الحسن، ويسمى عملا تذييليا. # والفرق أن الكلام إذا دل على شيء من الأشياء بذكر صفات لم تميزه عما عداه ~~كان ذلك لغزا، وإذا دل على اسم خاص بملاحظة كونه لفظا بدلالة مرموزة سمي ~~ذلك معمى؛ فالكلام الدال على بعض الكلمات يكون معمى من حيث إن مدلوله كلمة ~~بملاحظة الرمز على حروفه، ولغزا من حيث إن مدلوله ذات من الذوات بملاحظة ~~أوصافها. PageV01P036 # والمعمى يستخرج من الكلام ولو لم يقصده متكلمه. ويحكى أن الصاحب بن عباد ~~رأى أحد ندمائه متغيرا لسخنة، قال: ما الذي بك ؟ فقال: حمى يعنى حرارة، ~~فقال الصاحب: << قه >> يعني احترز منها، فقال النديم: << وه >> فاستحسن ~~الصاحب منه ذلك وأحسن إليه كل الإحسان. فإن << قه>> و<<وه >> هما <<قهوه>> ~~ولو كان <<قه>> مكسور القاف و<<قهوة>> مفتوحة لأنه لا يشترط التوافق في ~~ذلك، والصاحب لما صدر منه لفظ <<قه>> بعد لفظ <<حمى>>، فكان مجموعها ~~<<حماقة>> ms018 (بتخفيف الميم وفتح الحاء) أصلح النديم ذلك بأن أغضبه <<بوه>> ~~ليأخذ <<قه>> عن <<حمى>> فيصير <<قهوه>> مع <<وه>> فيبطل لفظ <<قهوة>>. ومن ~~ذلك ما روي: أن بعض الذين يسوقون البغال ساق بغلة في سوق بغداد، وكان بعض ~~شهود دار القضاء حاضرا، فضرطت فقال السائق: - على عادتهم إذا ضرطت - بلحية ~~العدل (بكسر العين)؛ أي ضراطها في أحد عدلي الحمل شبه بريء، ورمز إلى ~~التشبيه بإثبات اللحية، فقال بعض الظرفاء: - على الفور- افتح العين فإن ~~المولى حاضر؛ أراد بالعين عين البصر، وبالمولى من يستحيي منه في طلبه بفتح ~~العين الوجد تأديبا، لأن أساس العدل بالكسر والعدل أو أرد حرف العين ~~والمولى المستحق لذلك وهو الشاهد، ومن ذلك قول أبي بكر اليتيم في شراب: [ ~~من الكامل ] # بشرا يخر إلى السجود لربه ... فترى أسرة وجهه فوق الثرى # ... يريد أن لفظ <<بشرا>> يسجد بوجهه وهو الباء فتتقدم لما بعد الألف ~~فيكون لفظ << شراب>>، وكقول المذكور في اسم عثمان: # يامن عن الراح بات في شغل ... حتى اكتسى حمرة من الخجل # اشرب ففصل الربيع جاء وقد ... قارنت الشمس أول الحمل # ... أراد <<بالشمس>> لفظ <<العين>>؛ لأن العين من أسماء الشمس، وأراد ~~<<بأول الحمل>> لفظ # << ثمان>>، لأن عدد ( الحاء ) ثمان وثمان مع ( العين ) عثمان، والله اعلم. PageV01P037 # ولا تعقيد في الاتباع على المحل، ولا في عطف التوهم المسمى في القرآن ~~العطف على المعنى، ولا في جر الجوار لعدم خفاء المعنى بذلك، كالذي وقع من ~~ذلك في القرآن، وإن خفي المعنى به كان تعقيدا. # ومن التعقيد قول الفرزدق همام بن غالب بن صعصعة<< بن إسماعيل الملقب ~~بالمغيرة المخزومي>> (¬1) - من بني مخزوم وهم قبيلة من قريش ينتسب إليها ~~أعراب من ورجلان وبرابرة بلادنا وغيرهم، يقولون فيهم المخادمة في الجمع ~~والمخدمي في المفرد بالدال المهملة وهو خطأ، والصواب <<المخازمة>> (بالزاي ~~) والمخزومي ( بالزاي ) أيضا ، و ( الناء ) في الجمع عوض عن ( واو ) مخزوم ~~، وإن شئت قلت: # <<المخازيم>> ب( الياء ) بدلا من الواو وإسقاط التاء <<كالتلامذة>> ~~و<<التلاميذ >> أو التاء عوضا عن ( ياء) النسب في مخزومي و ( واوه ms019 - ) [ من ~~الطويل ]: # وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه (¬2) PageV01P038 # ... يمدح إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي بن المغيرة، <<مثله>> ~~مبتدأ لاسم <<ما>> كما قيل، لأن الفرزدق تميمي، و<<في الناس>> خبر المبتدأ ~~و<<إلا>> حرف استثناء و<<مملكا>> منصوب على الاستثناء مقدم على المستثنى ~~منه وهو حي، ولذلك اختار النصب مع كون الكلام تاما غير موجب، ولولا تقديمه ~~لرفع رجحانا، ويروى <<مملك>> بالرفع على أنه بدل من <<مثله>> فحينئذ يترجح ~~الرفع لتقدم المستثنى. ولو نصب أيضا على الاستثناء من <<مثله>> لجاز. ~~و<<أبو أمه>> مبتدأ و<<حي>> بدل من <<مثله>>. ولا بأس بتعدد البدل عند قوم؛ ~~فلا إشكال في إبدال <<حي>> و<<مملك>> (بالرفع) من <<مثله>> إذا جعلنا ~~<<مملكا>> مرفوعا بدلا من <<مثله>> و<<أبوه>> خبر <<أبو أمه>> والجملة نعت ~~<<لمملكا>>، و<<يقاربه>> نعت <<حي>>. ويجوز كون <<مثله>> خبرا مقدما ~~و<<حي>> مبتدأ، واستثناء <<مملكا>> ( بالنصب)، أو إبداله من <<مثله>> في ~~هذا الوجه فيترجح الإبدال؛ <<ففي الناس>> متعلق بمثله أو بمحذوف حال من ~~المستتر في <<مثله>> بمعنى مماثل، أو بمحذوف نعت من <<مثله>>، لأن إضافته ~~لا تعرف. وباقي الإعراب كما مر، و(هاء) <<مثله>> للممدوح. # ومعنى<<مملك>>معطى الملك و(هاء)<<أبوأمه>>للملك و(هاء)<<أبوه >>للممدوح، ~~وإذا كان أبو أم المملك أبا إبراهيم بن هشام الممدوح، فإبراهيم هذا خال ~~<<المملك>>، وإبراهيم هذا هو أيضا الممدوح؛ ففيه بيان لعلة المماثلة، لأن ~~الولد يشبه خاله. فهي زيادة مدح، لكن ليست كاملة؛ لأنه قال: <<يقاربه>> ~~فالاستثناء في المعنى من المقاربة، والحي ضد الميت لا نحو القبيلة، ~~وإبراهيم هذا أمير المدينة من قبل هشام، وهو من خلفاء بني أمية، فأنت ترى ~~كيف قدم وأخر، وفصل بين البدل والمبدل منه بكثير، وبين المبتدإ والخبر، ~~وبين النعت والمنعوت، وفكك الضمائر. PageV01P039 # ويجوز تخريج البيت على وجه لا تعقيد فيه، وهو أن يجعل <<مثله>> مبتدأ ~~و<<في الناس>> خبره، و<<مملكا>> مستثنى من المستتر في قوله<<في الناس>> ~~و<<أبو أمه>> مبتدأ و<<حي>> خبر، والجملة نعت <<لمملك>> على أن يراد ~~بالحياة الشباب كما ينزل الهرم منزلة الموت، و<<أبوه >>خبر ثان و<<يقاربه>> ~~نعت ثان، وغاية ms020 ما في هذا نصب مملكا مع تقدم السلب وهو مرجوح لا ممنوع ولا ~~حاصل به تعقيد، وهو خالص عن تقديم المستثنى وعن الفصل وتقديمه، ولو جاز ~~قياسا لكن يزيد عقدا إذا حصل عقد بدونه، بل يوهم ولو وحده في بعض المواضع، ~~فيحصل به العقد، والعقد قد يقوى وقد يضعف. # ولا يتوهم أن بيت الفرزدق على الأعاريب الأول خال عن ضعف التأليف، فإن ~~كثرة الفصل بأن يفصل بين شيئين، ثم بين شيئين، ثم يفصل بين شيئين بأجنبي من ~~ضعف التأليف، بل هو من ضعفه ولو مرة إذا كان بمفرد موهم - كما في البيت - ~~لكن ضعف التأليف أعم، فقد يحصل بلا تعقيد، نحو: << زان نوره الشجر>> وقد ~~يحصل معه كالبيت. وقد يحصل التعقيد بلا ضعف تأليف بأن تجتمع عدة أمور موجبة ~~لصعوبة فهم المراد ولو كان كل منهما جاريا على قانون النحو، وأما لو قيل: ~~<<جاء أحمد >>في النثر (بالتنوين)، فإن كان علما فلحن مردود، وإلا فصواب ~~مقبول إن أريد به غير الصفة، وذلك بأن يراد علم شائع كما يقال: << لكل ~~فرعون موسى>> [ بتنوينهما تنزيلا لهما ] منزلة المتجبر والقاهر، وإن احتمل ~~فإجمال لا تعقيد كما قيل، إلا إن كان المتكلم لا يقدر فلحن. وذلك كله كلام ~~في التعقيد اللفظي، وهو ما مر أنه لخلل في التركيب. # وأما التعقيد المعنوي وهو ما مر أنه لخلل في الانتقال، ومر تعريفه أول ~~الباب. فمثاله قول عباس بن الأحنف:[ من الطويل ] PageV01P040 سأطلب بعد ~~الدار عنكم لتقربوا ... وتسكب عيناي الدموع لتجمدا (¬1) # ... (السين) إشارة إلى البعد، وإن كان هناك وسيلة للقرب الذي هو المطلب ~~الأقصى للمشتاق، إلا أنه من حيث أنه في نفسه خليق بأن يسوف عليه، وإن جعلنا ~~(السين) لمجرد التأكيد فالإشارة إلى ذلك باعتبار العبارة الدالة وضعا على ~~التسويف، و<<عنكم >> متعلق ببعد، والمراد: بعد داري عنكم، إشارة إلى أنه لا ~~يرضى بنسبة البعد إلى دار المحبوب، فضلا عن أن يرض بنسبة البعد إلى نفس ~~المحبوب. و<<تسكب>> (بالرفع) معطوف على<< أطلب >> لا بالنصب عطفا على << ~~تقربوا >> لأنه ms021 ليس علة لطلب البعد ، بل علته القرب للزوم السرور به ~~ولاعطفا على حد ولبس عباءة ونقر عيني لأنه يقتضي أن يكون السكب مطلوبا ~~لعطفه على المطلوب، وهو كناية عن الحزن والأحبة وكل من السكب والحزن لازم ~~للآخر وملزوم له.. PageV01P041 # والحزن إن كان حاصلا فلا معنى لطلبه، وإن كان غير حاصل فليس ذلك من عادة ~~المحب، اللهم إلا أن يقال: إنه حاصل، فيراد بطلبه الرضى به أو زيادته. ~~و(ألف) << تجمدا>> للعينيين، ومعنىالبيت: ستطيب نفسي أو تطيب الآن، على ما ~~مر أن السين فيه للبعد وهو الاستقبال أو للتأكيد، وهي موضوعة للاستقبال ~~والتأكيد معا مطابقة، واستعمالها للتأكيد مطابقة أيضا؛ لأن المجاز مطابقة ~~كالحقيقة، وإنما التضمن مراعاة الجزء في ضمن مراعاة الكل تضمن وأوطنها على ~~فراق الأحبة والبعد عنهم لا توصل بذلك إلى قربكم وأتحمل حزنا على بعدهم ~~مفيضا للدموع لا توصل إلى سرور مستمر تجمد معه العينان لا تدمعان لعدم ~~الحزن، فإن الصبر مفتاح الفرج، ومع كل عسر يسرا، والشاهد في إفادته السرور ~~بجمود العين، لأن الفرح لا تدمع عينه بالبكاء، وانتقال النفس من تعقد ~~جمودها إلى حصول السرور غير متبادر، فحصل به التعقيد، وإنما المتبادر ~~انتقالها من تعلقه إلى البخل بالدموع، ومن البخل بها إلى انتفاء الحزن، ومن ~~انتفائه إلى ثبوت السرور الحاصل بالملاقاة، ولهذا يقال في الدعاء بالسرور: ~~لا زالت عينك جامدة! فهؤلاء: وسائط بين الجمود والسرور وجمود العين: كناية ~~على كونها لا تدمع، وإن كانت لا تدمع كان لا حزن في عادته . وإيضاح البيت ~~أنه أبقى على مباعدتهم أي هو باعد نفسه وتحمل ذلك صابرا ليترتب على صبره ~~الفرج بالملاقاة. وحزن جزنا يترتب عليه البكاء، والصبر المترتب عليه الفرح ~~بالملاقاة المترتب عليه عدم الدمع. وقيل: استعمل الجمود في خلو العين مطلقا ~~مجازا استعمالا للمقيد في المطلق، ثم يكنى بالمطلق عن السرور. PageV01P042 # وليس النقل شرطا في إيجاد المجاز على التحقيق، فضلا عن يقال: إن الشاعر ~~خرج عن كلام العرب، بل فعل شيئا معيبا خارجا عما يقبله البلغاء، وهو في ~~نفسه ms022 صحيح وهو ذلك التعقيد، ونظير ذلك البيت في كون تحمل المكروه سببا لوصل ~~المحبوب قول أبي العلاء:[ من الطويل ] # هو الهجر، حتى ما يلم خيال، ... وبعض صدود الزائرين وصال (¬1) # ... ولفظ <<هو>> عائد على معلوم في الذهن مبتدأ خبره <<الهجر>>، وفاعل<< ~~يلم>> ضمير <<الهجر>> مفسر به، أو <<الهجر>> بدله مفسر به، و<<خيال>> خبر. ~~ويجوز أن يكون [<<هو >> ] ضمير الشأن و<<الهجر خيال>> مبتدأ وخبر، والجملة ~~خبره، وفاعل <<يلم>> ضمير. ومنع بعض كون <<هو>> ضمير الشأن فيه، وأما ~~<<ما>> فقيل: نافية أي: حتى إذا اتنفي إلمامه فهو خيال لعدم وجوده، وقيل: ~~زائدة أي: حتى إذا ألم فهو خيال، لأنه لعدم طلبه واعتباره كالمعدوم الذي هو ~~خيال، وقيل: مصدرية أي: حتى إلمامه خيال و<<يلم>> مرفوع في هذا الوجه.ويجوز ~~رفعه ونصبه في الوجهين الأولين. وإذا جعلنا <<الهجر>> خبرا <<فخيال>> خبر ~~ثان أو فاعل<< يلم>>، كما قيل: المعنى حتى ما ينزل خيال من هذا الذي ~~يهجرنا، وبعض صدود الزائرين وصال بأن يراهم محبهم في النوم؛ فحضورهم في ~~النوم وصال منهم، ونحن لم ننل وصال من هجرنا ولو مناما، أو الصدود قد يعد ~~وصالا لما كان سببا لرؤيتهم في المنام بواسطة كثرة تعلق قلبه به. ويضعف أن ~~يقال: مراد عباس بن الأحنف: أن الدهر عنود، يقابل بصد المقصود، فاقصد البعد ~~ليحصل القرب، والحزن ليحصل السرور. PageV01P043 وقيل: فصاحة الكلام هي ما مر في قولي: " باب فصاحة الكلام مع ~~سلامته من كثرة التكرار ومن كثرة تتابع الإضافة "، وإنما قلت: " ومن كثرة ~~تتابع الإضافات " لأنبهك على أنه إذا كثرت الإضافات فقد كثر تتابع الإضافة، ~~فلا تهم وكما وهم من يزعم أنه قد تكثر الإضافات ولا يكثر تتابعها، فكان ~~يعبر بالخلوص من كثرة التكرار ومن تتابع الإضافات، ويفسر كلام غيره على ~~هذا. والأمر سهل، لأنك أيضا إذا قلت: " ومن تتابع الإضافات " أفاد الكثرة، ~~لأن <<الإضافات>> جمع أقله ثلاثة، لكن قد يمكن أن يراد به اثنان لا واحد؛ ~~لأن التتابع أقل ما يكون مرتين لأن تحصل إضافة، ثم تتبع بإضافة؛ فقولك: " ~~كثرة ms023 تتابع الإضافات " أولى، والكثرة تحصل بتكرير اللفظ ثلاثا بأن تضيف ~~اسما إلى آخر، وتضيف هذا الآخر إلى اسم ثان، وتضيف الثاني إلى الثالث؛ ~~والحاصل أن تضيف الأول إلى الثاني، والثاني إلى الثالث، والثالث إلى ~~الرابع.وعد عصام الدين في" الأطول على التلخيص " وليس من التكرار الإضافات ~~بلا تتابع بأن يضاف اسم إلى آخر، ثم يجاء باسم آخر يضاف إلى آخر بتتابع، ~~فيقال: كثرة التكرار والإضافة.والله أعلم. # باب كثرة التكرار وكثرة تتابع الإضافات PageV01P044 ... والحق أنهما لا ~~تخلان بفصاحة الكلام لذاتهما، فضلا عن أن يقال: حيثما وجدت إحداهما وجد ~~الإخلال بالفصاحة، بل إن ثقل اللفظ بسببها على اللسان، فالإخلال إنما هو ~~بالتنافر، وإلا فالكلام فصيح إن لم يوجد شيء آخر عن الفصاحة، ولا نسلم بأن ~~مطلق كثرة التكرار وتتابع الإضافات ثقيل على (¬1) السمع يكرهه السمع، كلا ~~بل إن تتنافر الحروف أو كان التكرار لغوا محضا. ولا نسلم بأن كراهة السمع ~~مخلة بالفصاحة ولو بلا ثقل، وقد وقع تتابع الإضافات في القرآن كقوله تعالى ~~{ مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود } (¬2) وكقوله تعالى { والشمس وضحاها*والقمر ~~إذا تلاها* } (¬3) PageV01P045 # إلى آخر السورة ، ولاسيما قوله تعالى : { وما سواها* فألهمها فجورها ~~وتقواها* } لقرب التكرار فيه، ووفقا في الحديث؛ كقوله - صلى الله عليه وسلم ~~- ( الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق ابن ~~إبراهيم ) (¬1) ففيه تكرير ابن الكريم والإضافة ولا عيب الإضافة في ذلك ، ~~ولا عيب التوكيد اللفظي حيث يكرر بعد ذلك مرتين، ومن كثرة التكرار قوله: [ ~~أي قول أبي الطيب المتنبي]: [من الطويل ] # وتسعدني في غمرة بعد غمرة ... سبوح لها منها عليها شواهد (¬2) PageV01P046 ومعنى <<تسعدني>> تعينني؛ وأنث لأن ~~فاعله <<سبوح>> أي: فرس سبوح، والفرس بلا (تاء) يذكر ويؤنث، لا كما قال ~~بعض: إنه يؤنث فقط، ولا كما قيل: إنه يذكر فقط، وشذ أن يقال في المؤنث: " ~~فرسة "، وقيل: " فرسة " للمذكر والمؤنث. وعليه، فلا يجب تأنيثه، وليس مما ~~يفرق بينه وبين جمعه بالتاء؛ لأن " الفرس " و" الفرسة " كليهما للمفرد. ~~والظاهر أن المراد بالإسعاد استمراره التجددي، لأن ms024 المضارع كثيرا ما يدل ~~على التكرار بقرينة المقام لا بالوضع، كأنه قال يتجدد منها الإسعاد في ~~الحروب، وهذا أولى من أن يقال: إنه أراد أسعدتني في بعض الحروب، وأنه عبر ~~بالمضارع الذي هو للحال استحضارا لصورة الإسعاد.و<< الغمرة>>: الشدة، وأصله ~~مايغمرك بالماء، و<<سبوح>>: فعول بمعنى "فاعل" وهو مما يكون للمؤنث ~~بلا(تاء) كالمذكر "كصبور"، ومعناه: حسنة الجري شديدته لا تتعب راكبها مع ~~أنها تنقذه أيضا من العدو. وشبه سهولة جريها بالسباحة في الماء؛ <<فسبوح>> ~~استعارة تبعية تصريحية، و<<لها>> متعلق بمحذوف وجوبا نعت <<لسبوح>> ~~و<<شواهد>>: فاعل لقوله <<لها >>لاعتماده على المنعوت، أو <<لها>>: خبر، ~~و<<شواهد>>: مبتدأ، والجملة: نعت <<لسبوح>>، و<<منها>>: حال من <<شواهد >>؛ ~~لأن نعت النكرة إذا تقدم عليها كان حالا منها، وهذا إذا جعلنا <<شواهد>> ~~فاعلا لقوله <<لها>>، أوعلى قول سيبويه بجواز الحال من المبتدأ إذا جعلنا ~~<<شواهد>> مبتدأ، وإن جعلناه مبتدأ ولم نجز الحال منه، <<فمنها>>. حال من ~~ضمير المبتدأ المستتر في <<لها>> ومن للابتداء و<< وعليها >> متعلق << ~~بشواهد >> ، أو بقوله لها ، أو لا تعلق به لها، أو حال من المستتر في << ~~لها >> أو في <<منها>> إذا استتر فيهما. # ... وليس من كثرة التكرار ولا من كثرة تتابع الإضافات، قوله:[ من الخفيف ~~] PageV01P047 يا علي بن حمزة بن عمارة ... أنت والله ثلجة في خياره (¬1) # لأن <<ابن>> ذكر مرتين لا ثلاثا، والإضافة مرة، لأن <<ابن>> أضيف ~~<<لحمزة>> و<<ابن>> أضيف <<لعمارة>> بلا تتابع، لأن <<ابن>> الثاني تابع ~~<<لحمزة>> لا مضاف إليه إلا ما مر عن عصام الدين، وليس من أنه لا يشترط ~~التتابع في الإضافات بل كثرتها، فالساقط هنا الكثرة، فليس البيت من كثرة ~~الإضافات، وأما سقوط التتابع فلا يخرج به عن الباب. ( و"عمارة ": هو بضم ~~العين، و"الخيار": القثاء، وأصله في العجمة وليس عربيا أصيلا). وفي البيت ~~قلب أصله: "أنت خيارة في ثلجة “، والمراد وصف البرودة التامة، لأن الخيار ~~بارد الطبع فيزيد بالثلج.وإن جعلت <<في>> بمعنى<<مع >>فلا قلب. والله أعلم. ~~ومن كثرة الإضافات بتتابع قوله:[ أي قول ابن المعتز] [ من الطويل ] # وظلت تدير الراح ms025 أيدي جآذر ... عتاق دنانير الوجوه ملاح (¬2) # وقوله: [ أي عبد الصمد بن منصور بن الحسن بن بابك] [من الطويل ] # حمامة جرعا حومة الجندل اسجعي ... فأنت بمرأى من سعاد ومسمع (¬3) PageV01P048 ... أراد الحمامة المخصوصة أو مطلق ذي الطوق، و" ~~الجرعاء ": مؤنث "الأجرع " قصر للضرورة، وهي: أرض ذات رمل مستوية لا تنبت ~~شيئا، أوهي نفس هذه الرملة، و<<الحومة>>:معظم الشيء، وإضافة <<جرعاء>> ~~<<لحومة>> للبيان أي: هي حومة الجندل، أو إضافة الجزء إلى الكل إن كانت ~~الجرعاء بعض الحومة، أو إضافة الكل للجزء إن كانت الحومة بعض الجرعاء. ~~والجندل اسم موضع، والأظهر أن الجرعاء بعض الحومة، والحومة بعض الجندل، ~~وقيل الجندل: أرض ذات حجارة (والدال) مفتوح.وفي الصحاح (¬1) أنه (بالفتح): ~~الحجارة، و(بفتح النون وكسر الدال): موضع؛ فيحتمل البيت بأن (تكسر داله)، ~~فيقال: سكن نونه للضرورة، والسجع حقيقة في هدير الحمام مجاز في حنين الناقة ~~ونحوها، و<<الفاء>> للتعليل، و<<مرأى>> <<ومسمع>>: اسمان لمكان الرؤية ~~ومكان السمع أي: لأنك في مكان تراك فيه سعاد وتسمع سجعك. قال الجوهري: يقال ~~فلان بمرأى مني ومسمع أي بحيث أراه وأسمعه، وقيل: إن المعنى لأنك في مكان ~~ترين منه سعاد وتسمعين كلامهما، ورؤيتك وسمعك إياها تزيدك نشاطا فتسجعين. ~~ولا يختص للسماع غير الصائت للصائت أن يكون هو الداعي للصوت، إذ لا مانع أن ~~يكون الداعي طرب الصائت بمشاهدته للسامع ولا يلزم ما قيل قيل: إن المحب إذا ~~رأى المحبوب دهش فينسد عنه طرق الكلام لأنه قد لا يكون ذلك لقوة القلب، ~~ولأنه قد يتسامح عنه ذلك ويعرض عنه في خطاب الحمامة ولو نزلها منزلة إنسان ~~يعقل، ولأن المحب قد يأمر غيره ممن لا محبة له، أو له محبة لا تدهشه أن ~~يتكلم ويفصح؛ فإما أن ينشط لنفسه أو لمساعدة الأمر. PageV01P049 # نعم، الظاهر أن << من >> للابتداء والمناسب له أن يكون الرائي السامع ~~<<سعاد >> لا <<الحمامة>>، إلا أن من الابتدائية قد تدخل على المرئي، يقال: ~~" رأيته من ذلك الموضع"، ويراد: أن المرئي هو الذي في ذلك الموضع، ويقال ~~أيضا: "رأيت القوم من أولهم إلى آخرهم". ويبحث ms026 بأن اللائق طلب الإصغاء عند ~~كلام المحبوب لا الصوت، فالأولى أن يقول: " أنصتي واسكتي " فيظهر أن الرائي ~~السامع سعاد، والمتكلم المسموع الحمامة. # والجواب: أنه لا يلزم - من كونها بمكان ترى منه سعاد وتسمعها- أن تكون ~~سعاد ترى وتتكلم، بل يجوز أن يكون المراد:أنك قريبة من سعاد بحيث لو رفعت ~~بصرها إليك لرأتك، ولو تكلمت سعاد لسمعتها أيتها الحمامة-والله أعلم- ومثل ~~هذا كثير شائع- والله أعلم- ولو كان الأصل أن تتحقق الرؤية والسمع.والله أعلم. # ... ... ... ... باب فصاحة المتكلم # وهي كيفية راسخة في النفس، يقدر بها جدا على التعبير عن مقصوده بلفظ فصيح ~~عبر أو سكت، وتلك الكيفية الراسخة " ملكة "؛ وذلك أن الصفة الحاصلة للإنسان ~~في أول أمرها تسمى حالا، لأن المتصف يقدر على إزالتها، فإذا ثبتت في محلها ~~وتقررت بحيث لا يمكن للمتصف بها إزالتها تسمى "ملكة " وهي من الكيفيات ~~النفسانية. والكيفيات أربع : # (الأولى): الكيفية المحسوسة: وهي إما راسخة كحلاوة العسل وصفرة الذهب؛ ~~وتسمى: " انفعالية "، أو غير راسخة كحمرة الخجل؛ وتسمى: " انفعالات " # (الثانية): الكيفية الكمية: كالزوجية، والفردية، والاستقامة، والانحناء. # (الثالثة): الكيفية النفسانية: أي: المختصة بذوات الأنفس ؛ وهي الحيوانات ~~دون الجماد والنبات، كالحياة، والإدراكات، والجهالات، واللذات، والآلام. ~~وهي: إما <<راسخة في النفس>> وتسمى: " ملكة " كملكة العلم والكتابة، وإما ~~<<غير راسخة>> وتسمى: " أحوالا " كالمرض والفرح. # ( PageV01P050 والرابعة) : الكيفية الاستعدادية : أي المقتضية انفعالا ~~وتهيؤا ؛ كقبول أثر، إما بسهولة كاللين وتسمى: " عدم القوى "، ويسمونه ~~بطريق اللحن " اللاقوة " ( بإدخال أل على لا)، ولعلهم أرادوا " أن لاقوة " ~~وأفسدوا الخط. وإما بصعوبة كالصلابة، وتسمى: "القوة " . # ... ولا يخفى أن الرسوخ هنا التوالي والتجدد؛ فلا يرد أن الكيفية عرض، ~~والعرض لا يبقى أكثر من حال.وخرج بقيد <<الرسوخ >> مالا يرسخ، كحمرة الخجل ~~وصفرة الوجل، وخرج <<بفي النفس>> ما رسخ في الجسم، كالبياض. والملكة هي: ~~الكيفية الراسخة في النفس، [ والكيفية ]عرض لا تتوقف صحة تعقله على تعقل ~~غيره، ولا يقتضي القسمة اقتضاء أوليا فخرج بالقيد الأول الأعراض النسبية ~~وهي الإضافة والملك والفعل والانفعال والأين والمتى والوضع .وبالقيد الثاني ~~الكم متصلا كان أو منفصلا وبالثالث [ الوحدة والنقطة] وبالرابع دخل ms027 مثل ~~العلم بالمعلومات المقتضية للقسمة وأن لا قسمة فإن اقتضاء العلم لذلك ثانوي ~~بواسطة المعلوم قيد # و" الكيفية المفردة " سواء أكانت راسخة أم لا هي: عرض لا يتوقف إدراكه ~~على إدراك غيره، ولا يستلزم في محلذه قسمة ولا عدمها استلزاما ذاتيا، ~~ومثاله: الإدراك والعلم والقدرة؛ فإنها تدرك معانيها ولو لم يدرك المدرك ~~والمعلوم أو المقدور عليه، ولو كانت لا تتصور خارجا بدون المدرك والمعلوم ~~والمقدور عليه، بل تصورها مستلزم لتصور الثلاثة، وكذا الحال في " الكيفيات ~~المختصة بالكميات " كالاستقامة، والانحناء، والتثليث، والتربيع. وخرجت " ~~الكيفية المركبة " لتوقف إدراكها على إدراك الأجزاء، " والكيفيات النظرية " ~~لتوقف تصورها على التعريف الشارح. PageV01P051 # وقد يصلح ذلك التعريف " للكيفية المركبة " بأن يراد بلفظ غيره: ما خرجت ~~عن حقيقته، وإن أريد بالتوقف التوقف الكامل - وهو الثابت في جميع الأحوال - ~~دخلت الكيفيات النظرية، ولكن مقام التعريف يأبى ذلك. ومثال " الكيفية ~~المركبة ": فزازة الرمان الحامض المركبة من الحموضة والحلاوة، ومعه ~~"الكيفيات النظرية " المكتسبة بالفكر المدركة بواسطة الحد أو الرسم، وخرج ~~النظر لأنه لا يتوقف بعد العلم على القول الشارح وهو التعريف؛ وهذا بحسب ~~النفوس القدسية، كالملائكة ومن يفيض الله عليه الأشياء بلا واسطة حد أو ~~رسم، فخرج بقولنا: لا يتوقف الأعراض النسبية، مثل " الإضافة "، وهي: النسبة ~~العارضة للشيء بالقياس إلى نسبة أخرى كالأبوة والنبوة. ومثل "الانفعال " ~~وهو: كون الشيء متأثرا عن غيره، كالمنقطع ما دام منقطعا. ومثل الفعل ونحو ~~ذلك كحصول الشيء في المكان المعبر عنه [بالأين، وكحصوله في الزمان المعبر ~~عنه ] بالمتى على طريق اللحن. ومنه كون الخسوف في ساعة كذا والوضع هيئة ~~حاصلة للشيء بسبب نسبة أجزائه بعضها إلى بعض، وبسبب نسبتها إلى الأمور ~~الخارجة، كالقيام والقعود.والملك حالة تحصل للشيء بسبب ما يحيط به وينتقل ~~بانتقاله، ككون الإنسان متقمصا أو متعمما، وإنما قلت <<الأين>> و<<المتى>> ~~لحن؛ لأن <<متى>> و<<أين>> إن أريد لفظهما كانا علمين، وإن أريد معناهما ~~فليسا مما يدخل عليه (أل)، كما لا تدخل على" مهما " و"حيث "و" إذا "، وإن ~~أريد بهما معنى مصطلح مفسر بما مر فلا ms028 يجوز ذلك التصرف فيهما. # والمذهب المشهور أن النسبة لازمة لتلك الأعراض لا ذاتية لها، وعليه فخروج ~~الأعراض النسبية بقولنا لا يتوقف... الخ لا يتم، لأنه لا يقال عليه تصور ~~تلك الأعراض يستلزمه تصور غيرها، ولا يتوقف عليه فتدخل في تعريف الكيفية. PageV01P052 # قيل:وصحة انقسام العرض إنما هي باعتبار المحل، والأعراض السبعة كلها نسب ~~يتوقف تعقلها على تعقل غيرها؛ " فالإضافة " نسبة يتوقف تعقلها على تعقل ~~نسبة أخرى، و" الفعل " نسبة يتوقف تعقلها على المؤثر والمؤثر فيه، ولما كان ~~المتوقف عليه في الإضافة نسبة دون بقية الأعراض النسبية خصت باسم الإضافة ~~وإن كانت كلها إضافات. والأمور النسبية لها وجود في الخارج، ولذلك دخلت في ~~العرض حتى خرجت والعرض موجود. # وقالت الأشاعرة: إنها أمور اعتبارية لا وجود لها في الخارج، على هذا فهي ~~خارجة بقولنا " عرض "، ووصف بعض الأعراض باقتضاء القسمة وعدمها، ودخول ~~النسب والإضافات في العرض، وانقسام العلم باعتبار العرض اصطلاح فيلسوفي، ~~والمعلوم في العرض اختصاصه بالموجود والنسب والإضافات. PageV01P053 # والمعلوم عندنا: أن العرض منقسم - كما قال أبو عمار رحمه الله - وعند ~~غيرنا: أنه لا يقبل القسمة. ومن العرض العلم وانقسامه إنما هو بناء على صحة ~~تعلقه بمتعدد، وإن قلنا: إن كل علم يتعلق بغير منقسم لم يتصور ما ذكره. ~~وخرج بقولنا( لا يقتضي القسمة) الكميات؛ لأن " الكم "عرض يقبل القسمة ~~لذاته؛ كالأعداد والمقادير كالخط والسطح، والمراد بقبول القسمة:ما يشمل ~~وجودها بالفعل كما في" الكم المنفصل " وهو العدد، ولا يخفى أنه ليس كل عرض ~~ينقسم؛ فإن العلم بوجود " زيد " مثلا لا ينقسم. وخرج بقولهم (وعدم القسمة) ~~النقطة والوحدة؛ " فالنقطة " : طرق الخط، و " الخط " : مقدار ينقسم من جهة ~~واحدة فقط، و" الوحدة ": كون الشيء بحيث لا ينقسم إلى أمور متشاركة في ~~الماهية، ومعنى " جهة واحدة ": جهة الطول، و" السطح" : مقدار ينقسم طولا ~~وعرضا، و" الجسم ": مقدار ينقسم طولا وعرضا وعمقا. ويسمى: " الجسم ~~التعليمي". والثلاثة أعراض من قبيل الكم؛ وأما " الجسم الطبعي " فهو: ~~الجوهر المعروض للامتدادات الثلاثة (الطول والعرض والعمق)، وجملتها " الجسم ~~التعليمي"؛ فالطبعي جوهر، والتعليمي ms029 عرض عارض له. PageV01P054 # وعندنا: لا يصح الجوهر الخارج عن الجسم والعرض في الأجسام؛ لأن آخر " ~~الخط " مثلا -إن فرضته - جزءا منه، ولا بد من ذلك، فهو جسم منقسم أو غير ~~جزء منه بعدم لا وجود له. وكذا " النقطة " يثبتها الأشاعرة ويسمونها " ~~الجوهرالفرد “، ولا يصح لأنها كلما تصورتها موجودة لزمتها القسمة؛ فالنقطة ~~عند مثبتها الجوهر الفرد، والخط: جوهر ينقسم طولا وعرضا وعمقا، وإنما يحترز ~~عن " النقطة " و" الوحدة " على مذهب من يجعلهما من" الأمور الاعتبارية "أو ~~"من مقولة الكيف". فمن يجعلهما من "الأمور الاعتبارية "فهما خارجتان عنده ~~عن الجنس، وهو العرض لأنه من قسم الموجود، والأمور الاعتبارية عير موجودة. ~~وأما من يجعلهما من "مقولة الكيف "فيجب عنده إدخالها في التعريف بأن يؤتى ~~بتعريف يتناولهما، لأنهما من المعرف، وعلى أن " النقطة " من " الكيف " فهي ~~من " كيفيات الكم ". PageV01P055 # ودخل بقولنا " ذاتيا " مثل وجود الموجود المركب المعنى كوجود" قيام زيد". ~~واعلم أن العلم بالمعلومات المقتضية للقسمة وعدمها، وهي المعلومات المركبة، ~~وذلك أن العلم "كيف" على الصحيح، واقتضاء العلم للقسمة في محله الذي هو ~~النفس وعدمها ليس اقتضاء ذاتيا، بل اعتبار متعلقه وهو وهو المعلوم فإن كان ~~متعلقه بسيطا كالعلم بوجود زيد كان مقتضيا اقتضاء ذاتيا لعدم القسمة في ~~محله، أو مركبا كالعلم بالجسم كان مقتضيا القسمة في محله اقتضاء لا بالذات؛ ~~فإن تعلق بكل من أبعاض المعلوم على التفصيل، فهناك علوم متعددة بتعدد تلك ~~الأبعاض، لا علم واحد يقتضي انقسام محله بالذات أو بتبعية المعلوم، وإن كان ~~إجماليا بأن تعلق بالمجموع فهناك علم واحد، لكن لا يقتضي انقسام محله ~~بالذات ولا بالتبع، ولو اتفق لمتكلم أنه عبرعن مقصوده بلفظ فصيح بلا ملكة ~~لم يسم متكلما فصيحا، وإن كان يعبر تارة بلفظ فصيح وتارة بدونه وكانت له ~~ملكة سمي فصيحا هكذا، إلا فيما لم يعبر فيه بلفظ فصيح، فلا يقال إنه فصيح ~~فيه، ولا يتصور أن يكون أكثر كلامه غير فصيح إن كانت له ملكة بل أقل كلامه، ~~فلا يخرج بكلام قليل لم يفصح فيه ms030 عن أن يكون فصيحا في سائر كلامه الذي أفصح ~~فيه، ولا يتصور أيضا أن يفصح في كل كلامه بلا ملكة.وقال السعد: لا يسمى ~~فصيحا حتى يفصح في كل ما وقع عليه قصد المتكلم وإرادته بملكة، وقيل بجواز ~~أن يحصل لشخص ملكة بالنظر إلى نوع من المعاني كالمدح والذم، ولا يقال: إن ~~هذا التعريف غير مانع لصدقه على الإدراك والحياة ونحوهما مما تتوقف عليه ~~القدرة المذكورة؛ لأنا نقول: ليست هذه أسبابا بل شروط، وإن سلمنا أنها ~~أسباب، فالمراد السبب الغريب لأنه السبب الحقيقي المتبادر إلى الفهم. PageV01P056 # ودخل بقولي: " بلفظ فصيح " المركب والمفرد، فإذا قال: " قام زيد " ~~بالملكة فهو متكلم فصيح بالمجموع، وهو أيضا متكلم فصيح باعتبار كل فرد من ~~الجملة فصح أنه متكام فصيح في الجملة وفي المفرد، ومن الفصاحة في المفرد ~~فيقال:" متكلم فصيح " إن يقال عند التعدد: " دار غلام جارية بساط " ونحو ~~ذلك. والله أعلم. # و" العرض “: هو مالا يقوم بذاته بل بغيره؛ بأن يكون تابعا له في التحيز ~~عند المتكلمين، أو مختصا به اختصاص النعت بالمنعوت عند الفلاسفة، ومعنى " ~~كونه تابعا لغيره في التحيز": هو أن وجوده في نفسه هو وجوده في الموضع، ~~بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما هي الإشارة إلى الآخر، ومعنى " اختصاص ~~النعت... الخ ": أن يكون بحيث يصير الأول نعتا والثاني منعوتا، ومعنى " ~~متحيز ": أن يحصل ويحل في حيز أي مكان. والله أعلم. ... # ... ... ... ... باب بلاغة الكلام # هي مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته، والحال هو الأمر # والحال هو الأمر الداعي إلى أن يعتبر مع الكلام الذي يؤدى به أصل المراد ~~خصوصية حال وموصوفها مقتضى الحال فكون المخاطب منكرا الحكم فلا يقتضي كلاما ~~مؤكدا وهو كلي، وهذا الكلي مقتضى الحال ، " وإن زيدا قائم " فرد من أفراد ~~ذلك الكلي مطابق له يعني مصدوق لذلك الكلي وفرد من أفراده وهذا عكس مطابقة ~~الكلي لجزئياته، إذ هي صادقيته على كل واحد منها وهكذا في التردد يقتضي ~~توكيدا استحسانا وفي الخلو يقتضي أن لا يؤكد وهكذا PageV01P057 ومرادنا<< ~~بمطابقته لمقتضى الحال >>: مطابقته كله ms031 من كل جهة بأن يقتضي المقام مثلا ~~التعريف والتأكيد والتقديم فيفعل ذلك كله، أو يقتضي أكثر من ذلك. وبأن ~~يقتضي تأكيدين وتنكيرا وتأخيرا فيفعل ذلك كله، فإن ذلك لا يتزاحم. فإذا ~~اقتضى المقام التعريف والتأكيد معا فاقتصر على أحدهما فليس أصل البلاغة ~~متحققا، فليس كلامه بليغا. كيف يكون الكلام بليغا بمراعاة أحد أمرين أو ~~أمور فقط - كما قيل - مع أن مقتضى حاله مراعاة الأمرين أو الأمور كلها. # و<<الحال>> هو ما يقتضي التعريف بجهد السامع، وما يقتضي التأكيد كإنكار ~~المخاطب، وما يقتضي الحصر كإنكار المخاطب المحصور فيه، وكزيادة غيره معه. ~~و<<مقتضىالحال>> هو نفس ذلك التعريف، والتأكيد وتركه، والحصر، والتقديم ~~والتأخير، والتمييز، والإضمار والإظهار، والفصل والوصل، والذكر والحذف، ~~والإطلاق والتقييد ،والإيجاز والإطناب، ونحو ذلك.فإن لم يكن ما اقتضاه ~~الحال فليس بليغا، ولو لم تكن الفصاحة لم يكن بليغا أيضا، مثل أن تقول: " ~~إن زيد قائم " (برفع زيد لحنا)، أو (بتقديم ضمير الشأن لإن المشددة). PageV01P058 # ... والبلاغة: صفة راجعة إلى اللفظ - كما يعرف من تعريفها - لكن من حيث ~~إفادته المعنى المراد المطابق لمقتضى الحال، وكثيرا ما تطلق الفصاحة ويراد ~~البلاغة، كما يقال: إعجاز القرآن هو من جهة كون القرآن في أعلى طبقات ~~الفصاحة، أي: في أعلى طبقات البلاغة، أي: في أعلى المطابقة لمقتضى الحال. ~~فالفصاحة أيضا بهذا المعنى: صفة للفظ باعتبار إفادته المعنى المطابق للحال. ~~فالبلاغة والفصاحة بمعناهما صفة للفظ لا باعتبار ذاته بل باعتبار إفادته ~~المعنى الثاني الزائد على أصل المراد، وهو المعبر عنه بالمطابق لمقتضى ~~الحال ومقتضى الحال بفتح الضاد ]ومطلوب الحال، والحال حال المخاطب من إنكار ~~وتردد. وخلو ونحو ذلك، فلذلك يقال: مقتضى الحال ..مهم.وهو: ذو الأحوال، ~~فالأحوال ومقتضى على هذا [التاكيد ] الظاهر من مقتضى الحال، فإنه قد يكون ~~[..........].وتركه مثلا لأنه لم ينكر فيؤكد له تنزيلا [لمخاطبه منزلة ] ~~المنكر،والظاهر أن لا يؤكد وكذا من حيث يجري الخالي مجرى المنكر، والمنكر ~~مجرى الخالي لوضوح [المعنى] حتى كأنه لم ينكر فلا، وهكذا. ومع كون القرآن ~~في أعلى طبقات البلاغة، أنه لا بلاغة ms032 تساويه أو تفوقه ولو كان بعض طبقاته ~~أعلى من بعض ذلك، لكن ليس لقصور بعض الطبقات بل لكون الأحوال المقتضية ~~للاعتبارات في بعضها أكثر فتكون المقتضيات المراعاة فيها أوفر من المقتضيات ~~المراعاة في الأخرى، وقيل كله سواء لكن لا تدرك ذلك، بل نقصر في فهم بعض ~~قصورا أعظم من قصورنا في البعض الآخر، وقيل: إن ما قرب فيه من الثقل “ ~~كسبحة “ دون ما ليس كذلك في البلاغة. PageV01P059 # وللبلاغة طرفان، الأول: أسفل، وهو: ما إذا صرف الكلام عنه خرج عن البلاغة ~~ولو كان صحيح الإعراب لخلوه عن مطابقته مقتضى الحال وعن اعتبار اللطائف ~~والخواص الزائدة على أصل المراد، وألحقه البلغاء بأصوات البهائم لبرودته ~~عندهم. والثاني: أعلى، وهو: إما الإعجاز، وهذا يختص بالقرآن. وأما ما دونه، ~~وهو كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبلغاء العرب، وهو - صلى الله ~~عليه وسلم - أبلغهم. وبين الطرفين مراتب متفاوتة، مثل: أن يشتد بعض في ~~مراعاة الاعتبارات والمناسبات، ومثله في العبادة: من يشتد ورعه حتى إنه ~~ليترك مالا يعاب عليه، ويقتصر بعض على مراعاة كاملة كافية. ومثل: أن يأتي ~~بكلام لا ثقل فيه ولا قرب ثقل، ويأتي الآخر بما فيه ما ليس ثقلا ولكن يقرب ~~منه، أو يأتي بذلك (¬1) واحد. # وأما المحسنات المعنوية واللفظية فليست من الفصاحة ولا من البلاغة، بل ~~تورث الكلام حسنا بعد فصاحته وبلاغته، وإن لم يكن فصيحا بليغا لم يحسن بها. ~~ولو قلته لمن لم ينكر (¬2) الله ولم يقر به ولم يعبد غيره معه ولا غيره ~~وحده ولا تردد ، ولا تردد: لا إله إلا الله لم تكن بليغا، بل قل له: لك ~~إله، أو تجب.عبادة الله ثم قل له يلزمك أن تقول :" لا إله إلا الله ~~"،.والله أعلم. # باب بلاغة المتكلم # وهو: القادر على الكلام البليغ المذكور في الباب قبل هذا وقد علمت أنه ~~لا يسمى بليغا إلا إن كان مطابقا لمقتضى الحال مع فصاحته، فالكلام الذي لا ~~مطابقية فيه لا يسمى بليغا ولا متكلمه بليغا، وكذا ما بمطابقه بلا فصاحة. ~~وفي ms033 معنى ذلك أن تقول: بلاغة المتكلم ملكة يقدر بها قدرة عظيمة على الإتيان ~~بكلام بليغ؛ أتى أو سكت أو تجاهل، لكن ليس بليغا فيما تجاهل فيه فلم يأت به ~~بليغا، ولا ذلك الكلام الذي تجاهل فيه بليغا. والله أعلم.. # باب الخبر PageV01P060 وهو: الكلام الذي ~~يكون بين المسند إليه والمسند منه في نفس الأمر نسبة ثبوتية، أو سلبية ~~ماضوية، أو حالية، أو استقبالية موافقة لما في نفس الأمر وغير موافقة؛ ~~فنحو: “ قام زيد “ موافق لما في نفس الأمر إن صح قيامه، وإن لم يصح فغير ~~موافق له، ونحو: " ما قام زيد " موافق إن صح أنه لم يقم، وغير موافق إن صح ~~أنه قام. فما لم تتم به الفائدة ليس خبرا، كما أنه ليس إنشاء “ كزيد “ و " ~~غلام زيد “ والذي قام وإن قام زيد، ولو كانت الصلة والشرط في نفسهما قبل ~~الوصل والشرط كلاهما يسمى خبرا وخرج الإنشاء، لأنه لا نسبة له يصدق عليها ~~أنها وافقت أو لم توافق. مثل: " قم " و " بعت " ، لأن << القيام>> مطلوب ~~الحصول لا مخبر بأنه سيقع، و البيع موقع بلفظ << بعت >>، فإن للإنشاء نسبة ~~لا يصدق عليها أنها وافقت أو لم توافق، والنسبة الإنشائية إثبات معنى ~~المسند لمعنى المسند إليه على جهة الطلب، "كقم " أو الإيقاع "كبعت "إيجابا ~~أو سلبا، ولما كانت على جهة الطلب أو الإيقاع لم يصح وصفها بالموافقة ~~وعدمها. ويطلق الخبر على المعنى المصدري أيضا وهو الإخبار بكسر الهمزة. ~~والله أعلم . # باب الصدق والكذب # وهما مختصان بالخبر لما علمت أنه لا نسبة للإنشاء توصف بالموافقة أو ~~بعدمها، وليس مرادنا أن الكذب مدلول للخبر كالصدق، بل الخبر لا يدل إلا على ~~الصدق، ولذلك وضع. وأما الكذب فنقيض الخبر لا مدلول للخبر. # وقيل: يكون الصدق والكذب أيضا في المركب الإضافي، نحو: "غلام زيد " إذا ~~لم يكن لزيد غلام. والتقييدي، نحو: " الغلام الذي في السوق " إذا لم يكن ~~فيه غلام. ويجاب بأن ذلك راجع إلى الخبر؛ فإذا قلت: " جاء غلام زيد " ولا ~~غلام لزيد، و "جاء الغلام ms034 الذي في السوق " ولا غلام فيه ، فمن كذب الخبر . PageV01P061 # وصدق الخبر: موافقة معناه لما في نفس الأمر، وكذبه: عدم موافقة معناه لما ~~في نفس الأمر. هذا مذهب الجمهور ؛ فينقسم الكذب إلى (ما يؤاخذ عليه ) وهو: ~~ما تعمد فيه عدم الموافقة إلا لضرورة أباحته، وإلى (ما لا يؤاخذ عليه ) ~~وهو: ما لم يتعمد فيه عدم الموافقة. فإذا وافق ما في نفس الأمر فصدق ولو ~~اعتقد صاحب الخبر غير لك، وإذا لم يوافق فكذب ولو لم يعتقد عدم الموافقة، ~~ويوصف الخبر بأنه صادق أو كاذب، وإذا قيل: الخبر صدق أو كذب، فمعناه: ذو ~~صدق أو ذو كذب أو صادق أو كاذب. [ وقال ] النظام (¬1) :- من المعتزلة- صدقه ~~موافقته لاعتقاد المخبر (بكسر الباء ) ولو كان اعتقاده خطأ وكذبه عدم ~~موافقته لاعتقاد المخبر (بكسرالباء ) ولو كان [ خطأ ] . وهو مذهب سخيف، ~~لأنه يوجب أن يكون قول اليهودي: الإسلام باطل صدقا، وأن يكون قوله: الإسلام ~~حق كذبا؛ وذلك لموافقة خبره لمعتقده. # وقد أجمعت الأمة على تصديق اليهودي إذا قال: الإسلام حق، وعلى تكذيبه إذا ~~قال الإسلام باطل. وإجماعها ولو على التسمية حجة؛ فحين أجمعت على تسمية ~~الأول صدقا لا غيره والثاني كذبا لا غيره، لم يجز إلا ذلك. واحتج بقوله ~~تعالى: { إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك ~~لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } (¬2) سماهم الله كاذبين في قولهم ~~<< إنك لرسول الله>> مع أنه رسول الله حقا، لأنهم لم يعتقدوا أنه رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - ، {ومذهب النظام} موافق لمذهب الجمهور في أن الخبر ~~إما صادق وإما كاذب . PageV01P062 وأجيب على احتجاجه بأن الله جل وعلا ~~سماهم كاذبين في قولهم إنهم استحقوا اسم الشهادة، إذ قالوا: << نشهد إنك ~~لرسول الله >> وهم لم يستحقوها، لأنها إنما تكون شهادة عن صميم القلب، وليس ~~في قلبهم أنه رسول الله، فليسوا مستحقين لها. وبأنه عز وجل سماهم << كاذبين ~~>> في قولهم: " إن شهادتنا هذه من صميم القلب " - والصميم: الخالص - وبأن ~~قولهم: << نشهد >> إخبار بالشهادة في الحال وهو كذب، لأن ms035 الشهادة خبر قاطع ~~ولا قطع عندهم، أو في الاستمرار والكذب عليه ظاهر. ولا يخفى أنه لم يريدوا ~~إنشاء الشهادة، وإن سلمنا أنه إنشاء للشهادة قلنا: صح تكذيبه باعتبار تضمنه ~~أخبارا بصدوره عنهم، وبأن الكذب في الشهادة عدم كونها عن مشاهدة وعيان، ~~وبأن التكذيب راجع إلى خبر تضمنه كثرة التأكيد في << إنك لرسول الله >>، ~~وهو كون هذا القول عن اعتقاد، وكون التسمية كذبا إنما هو باعتبار تضمنها ~~حكما خبريا، وهو أن إخبارهم هذا يسمى شهادة، فلا يردان الخبر وإنما يدخل ~~النسب الخبرية التامة. والتسمية وصف من أوصاف المسمى، فكيف يقال: إنه كذب، ~~وبأن المعنى: << إنهم لكاذبون >> في اعتقادهم أن قولهم << إنك لرسول الله ~~>> كذب منهم، أعني أن كذب هذا الخبر إنما هو لأنه عدم في اعتقادهم عدم ~~موافقته للواقع، وبأن التكذيب راجع إلى حلف المنافقين ( سمع زيد بن أرقم ~~عبد الله بن أبي [ بن سلول ]في غزوة يقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله ~~حتى ينفضوا من حوله، "ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأغر منها الأذل"، ~~فذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فدعاه، فحلف أنه لم يقل ذلك، ~~فلزم بيته اغتماما بأن صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبد الله ~~وكذبه، فقال له عمه: ما أردت إلا أن كذبك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وضعتك، فنزل << إذا جاءك المنافقون... >> الآية. PageV01P063 # فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى زيد فقال: إن الله صدقك. ) (¬1) . # وقال الجاحظ: صدق الخبر موافقته لما في نفس الأمر مع اعتقاداته أنه موافق ~~له، وكذبه عدم موافقته له مع اعتقاده أنه غير موافق له. فخرجت أربع صور لا ~~يسمين صدقا ولا كذبا، وهن: # - الموافقة مع اعتقاد عدمها # - الموافقة بدون اعتقادها ولا اعتقاد عدمها # - وعدم الموافقة مع اعتقادها، # - وعدم الموافقة بدون اعتقادها ولا اعتقاد عدمها. # ( والجاحظ هو أبو مسلم، ويقال: أبو عثمان عمرو بن بحر الأصفهاني ~~المعتزلي، وهو تلميذ النظام. لقب بالجاحظ لأن عينيه كانتا جاحظتين من جحظت ~~عينه إذا خرجت مقلته أو عظمت ms036 وكان قبيح الشكل جدا. وجاءت امرأة إلى صائغ، ~~وقالت له: صورة إبليس، فقال: لا أعرفها. فجاءت بالجاحظ إليه، تقول:اذهب معي ~~إلى الصائغ توهمه أنها تريد أن ينظر لها في حلي تصوغه فجعل الصائغ ينظر ~~إليه وينقش، وقال بعد ذلك: ما خدعني أحد مثل ما خدعتني تلك المرأة. ولما ~~أحضره المتوكل ليعلم أولاده استبشع منظره، فأمر له بعشرة آلاف وصرفه.ولذا ~~قيل فيه:[ من الرجز ] # لو يمسخ الخنزير مسخا ثانيا ... ما كان إلا دون قبح الجاحظ # رجل ينوب عن الجحيم بوجهه ... وهو القذى في عين كل ملاحظ (¬2) PageV01P064 ... وإليه ~~تنسب الطائفة الجاحظية من المعتزلة، وله التصانيف في كل جزء، وأصابه الفالج ~~في آخر عمره، وكان يطلي نصفه بالصندل والكافور لشدة حرارته، والنصف الآخر ~~المفلوج لو قرض بالمقاريض لم يحس به من شدة برودته. وكان يقول:أنا من جانبي ~~الأيمن مفلوج فلو قرض بالمقاريض ما علمت، ومن جانبي الأيسر منقرس فلو مر به ~~الذباب تألمت (¬1) ، وكان ينشد:[ من الوافر ] # أترجو أن تكون وأنت شيخ ... كما قد كنت أيام الشباب # لقد كذبتك نفسك ليس ثوب ... خليق كالجديد من الثياب (¬2) PageV01P065 ... وكان موته - بوقوع المجلدات عليه وهو ضعيف بالمرض والهرم - ~~بالبصرة سنة خمس وخمسين ومائتين وقد جاوز السبعين ) وكل من الصدق والكذب ~~بتفسيره أخص منه بتفسير الجمهور والنظام، لأنه اعتبر في الصدق والكذب ~~موافقة الواقع والاعتقاد جميعا، وفي الكذب عدم موافقتهما جميعا، بناء على ~~أن اعتقاد الموافقة يستلزم موافقة الاعتقاد، لأنه لابد من موافقة ما في نفس ~~الأمر.للاعتقاد، حين اعتقد موافقة الخبر لما في نفس الأمر، والحال إن الخبر ~~موافق للواقع، وكذا اعتقاد عدم الموافقة لما في نفس الأمر يستلزم عدم ~~موافقة الاعتقاد، فلا يقال: إنه ليس كما قال، وإنه إنما اعتبر اعتقاد ~~الموافقة وهو غير موافقة الاعتقاد. والمراد بهذه الموافقة: التوافق في ~~القدر المفهوم من الخبر، فلا يرد مثل أنك رأيت زيدا واعتقدت أنه عمرو، ~~وقلت: " رأيت رجلا " فإنه صادق عند الجاحظ مع عدم توافق الواقع والاعتقاد، ~~واحتج بقوله تعالى: { أافترى على الله كذبا أم به جنة ms037 } (¬1) قابلا لافتراء ~~وهو الكذب بالجنة، فهي غيره وغير الصدق أيضا؛ إذ هم يعتقدون عدم صدقه - صلى ~~الله عليه وسلم - . PageV01P066 وأجيب بأن <<الجنة>> كناية عن ~~الكذب بلا عمد، لأنه لا عمدلأنه لا عمد للمجنون إذا خلط، فهم ذكروا أنه - ~~صلى الله عليه وسلم - كذب عمدا، أو كذب بلا عمد. وإنما لم أجعله مجازا ~~مرسلا من إطلاق اسم الملزوم على اللازم؛ لأن المجاز لا بد له من قرينة ~~مانعة للحقيقة، ولا قرينة تمنع الجنون في كلامهم، والكناية لما جاز فيها ~~إرادة الموضوع له مع لازمة لم يشترط فيه قرينة مانعة والصواب كلام طابق ~~حكمه الواقع من غير اعتبار المطابقة من جانب عمومه ، والكلام الحق كلام ~~طابق الواقع باعتبار نسبة الواقع إليه، والصدق كلام طابق الواقع باعتبار ~~نسبته للواقع ويقابل الصواب الخطأ والثاني الباطل والثالث الكذب. والله أعلم . # باب النسبة # النسبة الحكمية: تعلق المسند بالمسند إليه على وجه الثبوت والانتفاء، ~~وأما التقييدية فتعلق شيء بشيء على جهة التقييد لا على تمام الفائدة، نحو: ~~"غلام زيد " و"زيد العاقل "، فجملة <<قام >>من قولك: " أعجبني رجل قام " ~~فيها النسبة الحكمية في ذاتها، والتقييدية من حيث وصف رجل بها. # وأجزاء الكلام المفيد أربعة: المسند إليه، والمسند، والنسبة الحكمية، ~~والحكم بمعنى الوقوع وعدم الوقوع. وتطلق النسبة الحكمية على الإيقاع ~~والانتزاع، ويقال لها <<نسبة الكلام>>؛ فالإثبات إيقاع، والسلب انتزاع، ~~والنسبة التي في الخارج الوقوع وعدم الوقوع وهو مذهب السيد (¬1) ، PageV01P067 # وقال السعد (¬1) : النسبة التي في الخارج ونسبة الكلام كلتاهما الوقوع ~~وعدم الوقوع، وأما الحكم فإثبات المسند للمسند إليه أو نفيه عنه،وقد يطلق ~~الحكم والنسبة على المحكوم به من قيام أو عدمه مثلا. والحكم على تفسيره ~~الأول هو الإيقاع والانتزاع، وقد يطلق على الوقوع وعدم الوقوع، وذكرالسيد ~~الشريف في (شرح مفتاح السكاكي ): أن الموصوف بالصدق والكذب ليس إلا الإيقاع ~~والانتزاع وكذا الموصوف باحتمال الصدق والكذب، ووجهه: أن الخبر لا يدل إلا ~~على الوقوع وعدم الوقوع، فهو النسبة المفهومية والخارجية، فكيف يتصور ~~توافقهما مع اتحادهما؟ والجواب: أن الوقوع له اعتباران، أحدهما : كونه ms038 ~~مفهوما من الكلام مع قطع النظر عن الواقع، والآخر: كونه في الواقع مع قطع ~~النظر عن الكلام، والوقوع بأحد الاعتبارين غيره بالاعتبار الآخر . PageV01P068 وذكر بعض أن كل نسبة إخبارية أو ~~إنشائية لها خارج؛ أما الإخبارية فظاهر، وأما الإنشائية فلأن قولك: " اضرب ~~مثلا " له نسبة كلامية أي مفهومة منه ذات الكلام؛ وهي: طلب الضرب من ~~المخاطب، وله نسبة خارجية؛ وهي: الطلب النفسي للضرب. وإذا كان للنسبة ~~الإنشائية خارج لم يمكن أن يخرج عن موافقتها له بأن يتحقق من المتكلم ذلك ~~الطلب النفسي أو عدم موافقتها بأن لا يتحقق منه. فلذلك نفى بعض ما اشتهر من ~~اختصاص الصدق والكذب بالخبر واختصاص احتمالهما به، وأثبت جميع ذلك في ~~الإنشاء، فلم يتميز الخبر من الإنشاء بما نقوله من أنه إن كان لنسبته خارج ~~توافقه أولا توافقه فخبر، ولذلك دفع بعضهم هذا الإيراد بتعبير الموافقة ~~وعدمها بقصد الموافقة وعدمها. والإنشاء وإن كان لنسبته خارج توافقه أو لا ~~توافقه لكن لا يقصد، أن الإنشاء بخلاف الخبر. ورد هذا الجواب: بأنه لا خبر ~~بقصد عدم الموافقة النسبية، لأن وضع الخبر للموافقة، وإنما عدمها احتمال ~~عقلي. نعم إن أريد بالنسبة ثبوت أمر لأمر، وأنه في الموجبة يقصد موافقتها ~~للخارج، وفي السالبة يقصد عدم موافقتها، فالقصد في "زيد قائم " إلى أن ثبوت ~~القيام لزيد واقع، وفي "زيد ليس بقائم" أن الثبوت المذكور لزيد غير واقع. ~~فالتحقيق أن النسبة التي لها خارج هي التي تكون حالة بين الطرفين في نفس ~~الأمر وتسمى حاكية عن نسبة الخارج ، فمعنى ثبوت الخارج لها كونه محكيها. # ... ... ونسب الإنشاءات ليست حاكية بل محضرة ليترتب عليها وجود أو عدم أو ~~معرفة أوتحسر أو غير ذلك، إلا نحو: " بعت "و "أعتقت " و "زوجت “، ونحو ذلك ~~من العقود، "كرهنت " فلا خارج له قبل النطق؛ إذ الحاصل قبله هو إرادة ~~الشيء، والحاصل بعده نقل الملك مثلا، وكل أمرين بينهما في حد ذاتهما مع قطع ~~النظر عن اعتبار معتبر حالة، إما بالثبوت أو الانتفاء، لاستحالة ارتفاع ~~النقيضين. PageV01P069 # والخبر دال وصفا ms039 على صورة ذهنية على وجه الإذعان تحكي تلك الحال الواقعية ~~وتبينها، والحكاية تدل على المحكي دلالة غير قطعية، فالخبر يدل عليه أيضا. ~~ويجوز تخلفه على كلا مدلوليه، ثم إن كان الطرفان على ما حكي وفهم من تلك ~~الصورة المعتبرة بالإيقاع والانتزاع، فبالضرورة تكون الصورة موافقة للحال ~~الواقعية في الكيفية موافقة الحكاية للمحكي، فهما ثبوتيان أو سلبيان، وإن ~~لم يكونا كذلك فهي مخالفة للحال في الكيفية. # فالصدق موافقة الحكم الذي هو الإيقاع والانتزاع لما في الواقع في ~~الكيفية، والكذب مخالفة إياه فيها. ولك أن تقول الحالة المحكية المعبرة ~~بالوقوع وعدم الوقوع من حيث أنها مدركة مفهومة من اللفظ إن وافقت في ~~الكيفية ما في الواقع لذاته مع قطع النظر عن كونها مدركة فصدق وإلا فكذب. # والمراد (بالصورة الذهنية ): الإيقاع والانتزاع، وهي مدلول الخبر. وهو ~~معنى قول ابن السبكي: مدلول الخبر الحكم بالنسبة والموافقة معتبرة بين ~~الحكم والوقوع وعدم الوقوع سواء أريد بالحكم الإيقاع والانتزاع، أوالوقوع ~~وعدم الوقوع، والتغاير بين المتوافقين حقيقي على الأول اعتباري على الثاني. ~~والمراد (بالموافقة في الكيفية ): الموافقة في الثبوت والسلب. والخبر موضوع ~~لصورة تبين ثبوت النسبة وتحكي ذلك، والإنشاء موضوع لنفس تلك النسبة. والله أعلم. # باب الإسناد الخبري PageV01P070 وهو: ضم كلمة أو ما يجري مجراها إلى أخرى ~~أو ما يجري في مجراها، بحيث يفيد الحكم بأن مفهوم إحداهما ثابت لمفهوم ~~الأخرى أو منفي. والمراد (بالمفهوم ): المعنى المستعمل له، سواء أكان حقيقة ~~أم مجازا. وقال السكاكي (¬1) [ - 626 ه ] : الإسناد الخبري الحكم لمفهوم ~~بمفهوم بأنه ثابت له أو منفي عنه، ولا يشكل عليه. كما قيل: إن المسند إليه ~~والمسند أوصاف الألفاظ؛ لأنه لم يتعرض لهما بل لمعناهما، وهو المعبر عنه ~~بالمفهوم، والحكم إنما يقع بالضم المذكور في التعريف الأول. # فالتعريفان سواء صحيحان على ظاهرهما، وليس كما قيل: إنه لا يصح إلا ~~بتفسير الضم بلازمة؛ وهو أن الانضمام إن كان الذي يتصف به اللفظ هو ~~الانضمام، لأنا نقول: الإسناد وصف للمتكلم لا للفظ، وكذا الضم وصف له لا ~~للفظ، ولا ms040 كما قيل: إنه لا يصح إلا بتفسير الانضمام بلازمة أيضا وهو النسبة ~~الكلامية، ولا كما قيل: إن الأسهل تقدير مضاف أي أثر ضم أولازم ضم. والأثر ~~النسبة وكذا اللازم، لأنا نقول: المعنى صحيح بدون التأويل. # وقال عصام الدين: الإسناد الخبري ضم كلمة أو ما يجري مجراها إلى أخرى، ~~بحيث يفيد أن مفهوم إحداهما ثابت لمفهوم الأخرى أو منفي عنه؛ لأن مفهوم ~~الخبرهو: الوقوع وعدم الوقوع لا الحكم بهما.ولا يرد على التعريف الأول ~~والثاني ما ذكره، لأنهما لم يحكما بأن الإسناد مفهومه الحكم، بل حكما بأن ~~الإسناد يفيد الحكم. والمراد( بما يجري مجرى ) الكلمة الواقعة في موقع ~~المبتدإ أو الخبر، والمركب، والتقييدي، والإضافي. ومن ذلك { وأن تصوموا خير ~~لكم } (¬2) . PageV01P071 وتسمع بالمعيدي عند من ~~زعم أن تسمع مبتدأ و" لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم كنز من كنوز ~~الجنة"، و" زيد قائم " جملة اسمية يجب توكيده إذا ألقي إلى المنكر. والمراد ~~الإفادة بحسب الوضع الباقي على أصل مفهومه عبر الخارج إلى التسمية، فدخلت ~~جملة الصلة والشرط لبقائها على مفهومها بالوضع، ولو لم يتم الكلام بها مع ~~الموصول وأداة الشرط إذ لم يسم بها ويرد لفظها، وقد كانت قبل كونها صلة أو ~~شرطا تفيد فائدة يحسن السكوت عليها، أولى من هذا أن نقول: دخلتا فيما يجري ~~مجرى الكلمة، فإنها مع الموصول أو الأداة كالكلمة الواحدة. والمراد بالحكم ~~المعنى المصدري اللغوي وهو الإدراك لا الاصطلاح المفسر بالإسناد لئلا يتوهم ~~الدور، واسم الفاعل ومرفوعه ونحوهما مما لا يتم فيه الكلام داخلان فيما ~~يجري مجرى الكلمة والله أعلم. # ... ... ... ... # باب فائدة الخبر # وهي الحكم: الذي قصد المتكلم إلقاءه في ذهن المخاطب، وإن شئت قلت في ذهن ~~السامع، ومرادي ( بالمخاطب ): من يلقى إليه الكلام ولو بدون صيغة الخطاب ~~النحوي، ومن كان هو المراد بالخطاب - ولو خوطب في الظاهر غيره - فيكفي في ~~التعريف أن يقال: فائدة الخبر إفادة الحكم - وهو تعريف أوجز - وإنما سمي ~~فائدة الخبرمن حيث أنه يستفيده المخاطب من الخبر لا من حيث أن المتكلم ms041 ~~يفيده للمخاطب، لأن (الفائدة ) لغة: ما استفدته من علم أو مال، فاللائق في ~~وجه تسمية الحكم (فائدة الخبر ) كونه مستفادا لا كونه مفادا - وهي تسمية ~~اصطلاحية - فلا يرد أن فائدة الشيء ما يترتب عليه. والحكم ليس كذلك، بل ~~المرتب على الخبر علم المخاطب بذلك على إفادة اللفظ ما يستفاد منه وهو ~~الحكم، وإن سلم فإطلاق فائدة الخبر على متعلقها لا محذور فيه، لأن غاية ما ~~يلزم التجوز وهو سائغ ولو في التعريف إذا شهر بقرينته عند قوم.والمستحق ~~لاسم الفائدة ما وضع له اللفظ. PageV01P072 # والمراد بالحكم في فائدة الخبر: وقوع النسبة وعدم الوقوع لا الإيقاع ~~والانتزاع؛ لأنه ليس قصد المتكلم إفادة أنه أوقع النسبة، وإلا لم يكن ~~لأنكار الحكم معنى، لامتناع أن يقال:إنه لم يوقع النسبة. # وقيل المراد: إفادة الإيقاع، لكن لم يرد ذلك بالذات بل هذا مدلول للخبر، ~~وليس مدلوله الأصلي إفادة الإيقاع. والمشهور أن الإيقاع والانتزاع ليسا من ~~مفاد الخبر؛ والإيقاع: إدراك الوقوع، والانتزاع: إدراك الانتفاء.. # ويجوز أن يراد بالحكم معنى النسبة؛ وهو تعلق المسند أو المسند إليه ~~بالآخر، ويقال: الخبر لا يدل على ثبوت المعنى ولا انتفائه، ومعنى هذا: أن ~~الخبر لا يستلزم تحقق الحكم في الواقع أو انتفاءه، لأن دلالة اللفظ على ~~معناه وضعية وليست عقلية تقتضي استلزام الدال للمدلول استلزاما عقليا ~~يستحيل فيه التخلف. # وليس معنى كون الخبر لا يدل على ثبوت المعنى أو انتفائه نفي دلالته على ~~ثبوت الحكم كالقيام وانتفاء الحكم، ولا يخفى أن مدلول" قام زيد " ثبوت ~~القيام لزيد، وأما عدم قيامه فاحتمال عقلي نشأ في كون دلالة الخبر وضعية ~~يجوز تخلف المدلول فيها عن الدال، وليس عدم قيامه مدلولا للفظ وكذا " ما ~~قام زيد" مدلوله عدم قيام زيد، وأما قيامه فاحتمال عقلي لا مدلول للفظ. # ومدلول الخبر- كما مر- الصدق فقط، وأما الكذب فيحتمله من حيث أنه لا ~~يمتنع عقلا، ولا يلزم من كون مدلوله الصدق، وأن يصدق أبدا بل يدل على ثبوت ~~المعنى في الواقع لكن لا على طريق القطع، ونفي التخلف في ms042 نفس الأمر وإلا لم ~~يوجد الكذب - وهو موجود قطعا- ولم يوجد التناقض بين قولك:” قام زيد " ~~وقولك: “ ما قام زيد " لامتناع تحقق النقيضين واجتماعهما وهو موجود قطعا. ~~وقال عبد القاهر في (شرح المفتاح): فائدة الخبر استفادة السامع من الخبر ~~الحكم. والله أعلم . # باب لازم فائدة الخبر PageV01P073 وهو: كون المخاطب عالما بالحكم، ~~والمراد بالمخاطب والحكم: ما مر في الباب قبل هذا. وقال عبد القاهر: هو ~~استفادة السامع من الخبر أن المتكلم عالم بالحكم، والمراد هنا وفي الباب ~~قبل بالحكم: ما كان مدلوله حقيقيا أو مجازيا أو كناويا، وسمي ما قبل هذا ~~الباب فائدة الخبر، لأن من شأنه [ أن يستفاد ] من الخبر، وإن استفيد من ~~غيره كالمشاهدة.وسمي ما في هذا الباب لازم لفائدة الخبر ، لنه كلما أفاد ~~المتكلم الحكم أفاد أنه عالم به، وليس كلما أفاد أنه عالم بالحكم أفاد قصر ~~الحكم لجواز أن يكون الحكم معلوما قبل الإخبار؛ كما هو فرض المسألة. # وفسر بعضهم الحكم في البابين بالتصديق بالنسبة وادعائها قطعا أو ظنا، وهو ~~كذلك، لما صرح به السيد: من أن مجرد التصور لا يسمى علما، وليس اللزوم في ~~قولنا: << لازم فائدة الخبر>> باعتبار ذات العلم وذات الحكم، لأنه لا تلازم ~~بينهما؛ إذ قد يتحقق الحكم ولا يعتقده المتكلم، بل باعتبار أن إفادة ذات ~~العلم ملزومة لإفادة ذات الحكم. وأما خبر الله فإنه ولو أفاد الحكم دون أن ~~يفيد أنه تعالى عالم به، إذ كان معلوما له تعالى قبل الخبر، لكن المعلوم ~~قبل الخبر ما يسمى مثله عندنا تصورا، والمقصود إفادته بالخبر ما يسمى مثله ~~عندنا تصديقا، وهو تعالى لا يعلم جميع الأشياء على الوجه المذكور بدليل ~~الكواذب فإنها معلومة (¬1) له لا على الوجه قطعا، فلا يعلم الشيء إلا على ~~ما هو عليه، فعلمه بالشيء على وجه تسميته تصديقا لا نعلمه إلا من خبره، ~~وبمنع تحقق علمنا بأنه تعالى عالم بهذا الحكم بخصوصه قبل علمنا به بخصوصه. PageV01P074 وقد يقال: يجوز أن يتصور الحكم ~~بخصوصه قبل الخبر مع العلم بأنه تعالى يعلمه بخصوصه، ms043 قال السيد: المراد ~~بعلم المتكلم الحكم تصديقه جازما أو راجحا، لكن لا نسلم أن المعلوم قبل ~~الخبر علم له تعالى، يسمى مثله عندنا تصورا بل ما هو أعم منه ومما يسمى ~~مثله عندنا تصديقا ، وكلما أفاد المتكلم الحكم أفاد أنه عالم به، ويشكل ~~عليه قولك: " أنا أعلم قيام زيد " تصريحا بلازم الفائدة، لأن علمك بقيام ~~زيد هو فائدة خبرك أيها المتكلم في هذا الكلام ولازم له، أعني أنه يقصد ~~إفادته بالخبر، وإلا فله لازم آخر وهو علمك بعلمك بقيام زيد، إذ العلم ~~يتعلق بالعلم، ويجاب بأن عدم اللازم المذكور لخصوص هذه المادة فلا يرد، ~~وليس كلما أفاد أنه عالم بالحكم أفاد نفس الحكم لجواز أن يكون الحكم معلوما ~~قبل الإخبار، كما في قولك لمن حفظ القرآن: " قد حفظت القرآن"، فاللازم أعم ~~لامساو، وهذا التمثيل يصح بأمرين، أحدهما: أن يعلم أن ما حفظه هو القرآن ~~وإلا فيمكن أن يحفظه من لا يعلم أنه القرآن. والثاني:أن يعلم أنه عالم بأنه ~~حفظه، إذ لا يلزم من حفظه علمه بأنه حفظه، إذ قد يحفظه من لا يعلم أنه ~~القرآن ولو كان حفظ القرآن لا ينفك عادة عن العلم به، ولا يقال:إن حفظ ~~القرآن معلوم للمخاطب لم يستفد من الخبر ولم يقصد به، فكيف يسمى فائدة ؟ ~~لأنا نقول: ليس المراد بالفائدة ما يستفاد من الخبر بالفعل، بل ما من شأنه ~~أن يستفاد منه. PageV01P075 # والمراد بعلم المتكلم بالحكم: حصول صورة الحكم في ذهنه مع الاعتقاد ~~الجازم أو الراجح، وأما الشك والوهم والكذب فليست صيغة الخبر، موضوعة لهن؛ ~~لأن من شك يقول: " إن قام"، أو يقول: " قام زيد أو قعد "، أو يقول: " أشك" ~~أو " تخيلت". أما إذا لم يقل ذلك فلا يحمل كلامه على أنه جاء به لذلك بل ~~على الجزم والرجحان. وسبق أن الخبر لم يوضع للكذب، واستفادة المخاطب الحكم ~~لا يحصل له من الخبر نفسه إلا إذا اعتقد أن المتكلم معتقد للحكم، وذلك معنى ~~كونه عالما به؛ فكلما أفاد المتكلم الحكم أفاد أنه عالم به. ms044 # وأما أن يراد بالعلم: مجرد حصول صورة الحكم في ذهن المتكلم ولو بلا جزم ~~ولا ترجيح، بل مع شك أو وهم أو كذب، أو بدون اعتقاد فلا يصح؛ لأن ذلك ~~الحصول لا يعتد به، ولا يسمى علما ولو كان اصطلاحا للحكماء، أو قيل: اشتهر ~~بين الناس ولا يقال: إذا كان الحكم بدهيا يحتاج إلى أدنى التفات وسماع، فإن ~~المخاطب يستفيد ولو لم يعتقد علم المتكلم؛ لأنا نقول مثل هذا لا يسمى ~~مستفادا من الخبر، ولا تسمى تأديته إفادة، ولا نسلم أن إطلاق العلم على ~~الظن والتقليد بأمارة، كما قيل مجاز بل حقيقة ولو كان في أصل اللغة مجازا، ~~فإذا شهد عدلان حصل لنا العلم بما شهدا به بمعنى إذعان النفس والتصديق، ~~وكذا كل من صدقنا لا العلم الجازم. PageV01P076 # وأما الجهل المركب فلا يسمى علما إلا مجازا، وإنما قلنا حصول صورة الحكم ~~مع أن العلم هو الصورة الحاصلة لنفيد أن صورة الحكم إنما كانت علما لحصولها ~~في الذهن، وإن قلت: إذا سمعنا خبرا وحصل لنا منه العلم يكون المتكلم عالما ~~به حصل في ذهننا صورة هذا الحكم سواء أعلمناه قبل أو لا، فإذا علمناه قبل ~~لم يكن علما جديدا، قلت إما أن ينسى ما علم قبل فيتجدد علمه بالخبر، وإما ~~أن لا ينساه فيحصل العلم بالخبر أيضا مطابقا للعلم الأول. وأيضا قد علمت أن ~~المراد بالمستفاد: ما استفيد بالفعل أوما من شأنه أن يستفاد من كلام ~~المتكلم الحاصل. وإن قلت: كثيرا ما تسمع خبرا ولا يخطر ببالنا أن صورة هذا ~~الحكم حاصلة في ذهن المتكلم أو غير حاصلة، قلت: يكفي في فائدة الخبر أن ~~يكون المتكلم عالما بحصول صورة الحكم في ذهنه، ولو لم يعلم السامع أن ~~المتكلم عالم به، وأيضا يكفي أن يكون الكلام أصله علم متكلمه بذلك. # وإنما قدمت الإخبار على الإنشاء لعظم شأنه وكثرة مباحثه، وذلك أن المزايا ~~والخواص المعتبرة عند البلغاء أكثر وقوعا، فيبدو أن الخبرأصل للإنشاء؛ لأن ~~الإنشاء خبر صار إنشاء بحذف، كما في " اضرب "، أو ms045 بزيادة، كما في " ليضرب " ~~و" لا تضرب " و" لتضرب " و" ليتك تضرب " و" لعلك تكرم ".أو بنقل " كنعم" و" ~~عسى " .والله أعلم. # واعلم أن ما ذكرته من فائدة الخبر ولازمها هو الأصل، بل فائدة الخبر أشد ~~أصالة، وكثيرا ما يرد الخبر لغير فائدة الخبر ولازمها، مثل إظهار الضعف في ~~قوله تعالى عن زكريا { قال رب إني وهن العظم مني } (¬1) ، PageV01P077 ومثل التحسر والتحزن في قوله تعالى { رب ~~إني وضعتها أنثى } (¬1) وذلك مجاز؛ فإن وضع المركب الخبري للإخبار ، فإذا ~~ورد لغرض آخر كان مجازا ، فالآية من المجاز المرسل ، إذ ذكر الملزوم وأريد ~~اللازم، فإن الشخص إذا أخبر عن نفسه بوقوع ضد ما يرجوه لزمه إظهار التحسر ~~والتحزن. وفي قول الشاعر: [ من الطويل ] # هواي مع الركب اليمانين مصعد ... جنيب وجثماني بمكة موثق (¬2) # فهذا كالآية في التحسر والتحزن والتجوز الإرسالي لعلاقة اللزوم. والله ~~أعلم. ... # باب خطاب خالي الذهن من الحكم # ومن لازمه ومن التردد في ذلك # إذا أريد خطاب الخالي عن ذلك لم يؤكد الحكم، لأنه يتمكن في ذهنه بلا ~~تأكيد، إذ وجده خاليا ليس فيه مناف له. وعندي أنه يجوز التأكيد زيادة في ~~التمكين وترغيبا في العمل بمقتضاه، فقد يخلوا ذهنه ولا ينشط بالكلام حتى ~~يؤكد، ويسمى الخلو عن التأكيد للخلوعن الحكم والتردد والإنكار ابتدائيا؛ ~~لكونه غير مسبوق بطلب أو إنكار. # وأما إن تردد في الحكم وطلبه فتوكيده حسن، وجاز ترك التوكيد وهو أيضا ~~صحيح ولكن لا حسن فيه، ويسمى هذا التوكيد المستحسن طلبيا؛ لأنه مسبوق ~~بالطلب.وإن أنكر الحكم وجب توكيده، و يسمى هذا التوكيد الواجب إنكاريا؛ ~~لأنه مسبوق بالإنكار. PageV01P078 وعندي أنه قد يخلو ذهن السامع، لكن تعلم أنك إذا ~~خاطبته بأمر فإنه يستحضره أو ينكره أو يشك فإنك تؤكد له، وإذا لم يكن داع ~~ما إلى التأكيد فالتأكيد غير جائز لعدم الحاجة إليه ؛ تقول: " قام زيد " ~~،وتقول لحافظ القرآن الذي خلا ذهنه عن علمك بحفظه وعدمه والتردد: " حفظت ~~القرآن " بلا تأكيد . ويجوز أن يلتحق بخالي الذهن منكر الحكم أو الشاك فيه ~~إذا ms046 كان معه من الدلائل ، ما إن تأمله بعقله ارتدع عن الإنكار أوعن شكه، ~~كقولك لمنكر الإسلام : " الإسلام حق " بلا تأكيد ، وإن أكدت فقلت: " إن ~~الإسلام حق " ، " وإن الإسلام لحق " ، و " والله إنه لحق " جاز . وإن وجد ~~الدليل في نفس الأمر ولم يكن معه لم يلحق بخالي الذهن وممن التحق به لوجود ~~الدليل معه - المخاطبون بقوله تعالى: { لا ريب فيه } (¬1) فإن المشركين ~~أنكروه ، لكن إنكارهم كالعدم لوجود أدلة ؛ كون القرآن ليس من مظان الريب ، ~~فمعنى { لا ريب فيه } أنه ليس مما يقبل الشك لوضوح أدلة كونه حقا ، وهذا ~~المعنى أنكروه وجعلوا القرآن قابلا للشك، وشكوا فيه بل أنكروه، ومع هذا لم ~~يؤكد لوضوح الأدلة ، وليس معناه أنه لم يشك فيه، فضلا عن أن يقال: إن ~~الأحسن أن يقال: تنزل ريب المرتابين منزلة عدمه تعويلا على وجود ما يزيله ~~من الأدلة الواضحة ، ولا يقال: إنه قد أكد في الآية بكون النفي بلا النافية ~~للجنس ، لأنا نقول: هذا النفي قدر لا بد منه بحيث يفيد الاستغراق نصا ، ~~وإنما التأكيد المتكلم عليه الآن أن يزاد على القدر الواجب للكلام، مثل: " ~~والله لا ريب فيه "، ولا يخفى أن الآية خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~والصحابة تبع بدليل الخطاب بإليك وقبلك ، لكنهم لم يرتابوا،فهي موجهة ~~للمرتابين المشركين؛ وهذا التوجيه خطاب لهم . PageV01P079 ومعنى قولي: إن <<لا للتأكيد >> أن النفي بها قوي، لأنها ~~استغرقت الجنس، وكذا أراد ابن مالك ومن تبعه في قوله: إن<< لا>> لتأكيد ~~النفي إذا عملت عمل <<إن >>، كما أن <<إن>> لتأكيد الإثبات، فلا يشكل عليه ~~أنه لا نفي قبل وجود لا فضلا عن أن تؤكده، وأيضا <<لا >>لتأكيد المحكوم ~~عليه فيما قيل لا لتأكيد الحكم. والكلام إنما هو في تأكيد الحكم، وهذا غير ~~مسلم عندي، إلا إن أريد بالتأكيد الاستغراق بلا، لأن تأكيد المحكوم ليس ~~بالذات بل باعتبار الحكم؛ إذ لا يخفى أنه لا معنى لتأكيد أنفس الرجال في ~~قولك: " لا رجل قائم " إلا باعتبار القيام المنفي، والجملة الاسمية ولو ~~أفادت التأكيد في ms047 الجملة، لكن ليست للتأكيد مطلقا بل إذا اعتبرت مؤكدة ( ~~بكسر الكاف )كذا قيل. ولا أسلمه إلا إن أريد بالتأكيد عدم الدلالة على ~~الحدوث مع أن الجملة الاسمية التي الخبر فيها دال على الحدوث، ولا نسلم ~~أنها لا تدل على الحدوث.والله أعلم. والمراد<< بالحكم>>: وقوع النسبة وعدم ~~وقوعها.والله أعلم. # باب خطاب المتردد في الحكم أو لازمه # إذا حضر في ذهنه ذلك، وتحير وطلب الإيقاع والانتزاع، حسن تقوية ذلك بمؤكد ~~واحد، فلو لم يؤكد أو أكد بمؤكدين فصاعدا لم يستحسن، فلا يكون الكلام به ~~مطابقا لمقتضى الحال، فلا يكون بليغا. والمراد<< بالكلام >>:هنا الوقوع ~~وعدمه، وإنما حسن التأكيد لأنه يزيل التردد ويمكن الحكم. PageV01P080 # وقال عبد القاهر: إنما يحسن التأكيد (¬1) إذا كان للمخاطب ظن على خلاف ~~حكمك، وعليه فإن كان له شك أو وهم لم يحسن التأكيد فلا يؤتى به، وأراد ~~<<بالظن>> الميل القوي عن حكمك من غير أن يصل إلى أن يحكم بغير حكمك ، وهو ~~قريب من إنكار حكمك، والقريب من الشيء لا يجب أن يعطي حكمه فلا يجب ~~التأكيد، كما قيل : إنه يجب التأكيد بأن في الظن ومن التأكيد بها في التردد ~~إنهم مغرقون وشرط بعض أن لا يؤكد في الظن إلا بإن وإذا تردد حافظ القرآن هل ~~علمت هل علمت أنه حفظه ،قلت: إنك حافظ القرآن بالتأكيد استحسانا، وإن علمت ~~أنه أنكر علمك بأنه حفظه وجب التأكيد، لأن المؤكد (بكسر الكاف) ولو كان ~~وضعه للحكم يجوز استعماله في لازم الحكم، والأصل أن نقول: " إنك حفظت ~~القرآن " في تأكيد الحفظ، وأما تأكيد العلم به فالأصدق فيه أن نقول:"إني ~~عالم بحفظك القرآن " . # وقد يجعل خالي الذهن كالمتردد الطالب للبيان فيحسن له التأكيد، وذلك إذا ~~قدم لخالي الذهن ما يشير له بالخبر فيجب معرفته، كقوله تعالى { إنهم مغرقون } (¬2) PageV01P081 أي: سيغرقون، وجرى ~~القضاء عليهم بالإغراق أكد <<بإن>>، لأن قوله تعالى { ولا تخاطبني في الذين ~~ظلموا } يشير إشارة إلى ذلك الخبر الذي هو الإغراق ، لأن المعنى: لا تستدفع ~~يا نوح الغرق عن قومك بدعائك ، فهذا ms048 يلوح أنهم مغرقون، ولا يجزم به لجواز ~~أن ينهاه عن الاستدفاع بدعائه مع أنهم لا يغرقون ، ولهذا الجواز كان التردد ~~وكذا قوله: ولضع الفلك يلوح بالإغراق بل هذا أدل على الإغراق لأنه يدل على ~~الغرق، ولا تخاطبني يدل على العذاب الذي هو جنس للغرق ومنه الغرق وهو ~~المراد.ويحتمل انه نهاه عن الخطاب لأنه قد قضى به أي لا تخاطبني بطلب ~~العذاب والله أعلم. # ... ... ... باب خطاب المنكر للحكم أو لازمه # المراد <<بالحكم>>: الإيقاع والانتزاع، اعلم أنه يجب في الإيجاب والسلب ~~توكيد الحكم له بحسب إنكاره قوة وضعفا وتوسطا، فيبالغ في التأكيد لقوي ~~الإنكار، ويوسط لمتوسطه، ويقلل لضعيفه. وعندي: لا بأس في تقويته لضعيف ~~الإنكار أو متوسطه، ولا في توسطه لضعيف الإنكار لوجود أصل الإنكار. وقد جاز ~~التأكيد للمتردد واستحسن، وورد لخالي الذهن، فكيف لا يجوز الزيادة على قدر ~~الإنكار، ولا بد أن يكون التأكيد للإنكار زائدا على التأكيد للتردد، وأن ~~يتفاوت بحسب المقامات. قال أبو إسحاق المتفلسف الكندي لأبي العباس المبرد ~~(¬1) " إني أجد في كلام العرب حشوا ، يقولون: " عبد الله قائم "، ثم ~~يقولون: " إن عبد الله قائم "، ثم يقولون: " إن عبد الله لقائم "، والمعنى ~~واحد ، فكيف ذلك ؟ فقال المبرد: بل المعاني مختلفة؛ فقولهم: " عبد الله ~~قائم "إخبار عن قيامه، وقولهم: " إن الله قائم “ جواب عن سؤال سائل يعني ~~أنه تأكيد للمتردد السائل، وقولهم، " إن عبد الله لقائم "جواب عن إنكار ~~منكر " . PageV01P082 ... ~~ومؤكدات الحكم هي: << قد >>، و<<أن >> (بالفتح)، [ وإن ] (بالكسر)- ولو ~~مخففة، والمشددة زادت في التأكيد على المخففة ومنها << اللام >> في اسم إن ~~أو خبرها أو معمول خبرها، و<<لام الابتداء >> وسواء في اللام بعد أن قلنا: ~~إنها << لام الابتداء>> وغيرها، ومنها << لام الفرق >> وإذا قلنا إنها ~~<<اللام >> التي تأتي بعد <<أن>>، ومنها <<القسم >> و<<اللام >> في جوابه ~~أوفي جواب <<لولا >> أو لوضع إفادة الربط في الثلاثة و<<نون التوكيد ~~الشديدة والخفيفة >> ، و<<المفعول المطلق غير النوعي والعددي>> و<<اسمية ~~الجملة >> و<<تكريرها >>، و<< ما الزائدة بعد أداة الشرط >> " كإما تخافن " ~~و " أياما تدعو "، أو <<الباء >> في خبر ما ms049 وليس وغيرهما ، و<<الحرف المزيد ~~مطلقا>> و<<حرف التنبيه >>، و<<لام الجحود >> - وعدها من المزيد أولى - ~~وغير ذلك <<كالتأكيد اللفظي >> نحو: " قام قام زيد "، و " ما قام زيد ما ~~قام زيد " وكون <<الباء في خبر ليس >> مثلا من مؤكدات الحكم وهو ظاهر كلام ~~السكاكي (¬1) ، ويدل له قول النحاة : " ما زيد بقائم " جواب " إن زيدا قائم ~~" ، وقال : يس هي من مؤكدات المحكوم به ، وقيل: إن التفصيل السابق في تأكيد ~~الحكم . ... # وأما مؤكدات الطرفين - كالتأكيد اللفظي والمعنوي - فإنها جائزة مع الخلو ~~والتردد والإنكار والخلف في الجملة الاسمية؛ فقيل تفيد التأكيد، وقيل: إن ~~لم يكن الخبر فعلا، وقد قال الله تعالى ردا على منكري البعث { ثم إنكم يوم ~~القيامة تبعثون } (¬2) بتأكيد واحد << بإن >> أو باثنين ثانيهما << الجملة ~~الاسمية >> على ما عرفت مع قوة إنكارهم ؛ ووجه ذلك أن أدلة البعث ظاهرة، ~~فكان حقيقا بأن لا ينكر، بل غاية أن يتردد فيه فنزل المخاطبون منزلة ~~المترددين . PageV01P083 والتأكيد والإنكار في مطلق الكلام ~~متعارضان، فتساقطا فبقي أصل الخبر مفيدا. وإذا قوي الإنكار دفع بتأكيدين، ~~ويدفع الإنكاران بثلاث تأكيدات لقوتهما إذا قويا، والثلاثة بأربع تأكيدات ~~كذلك. والتحقيق اعتبار اللائق فليس الإنكار الواحد أصله أن يدفع بتأكيد ~~واحد فقط، بل تارة فقد يقوى الإنكار الواحد فيدفع بتأكيدين أو أكثر، وقد ~~يضعف الإنكاران مثلا فيدفعان بواحد مثلا، وقيل: ذلك هو أصله، وقد وقع ~~التأكيد بأربع مؤكدات دفعا لثلاثة إنكارات في قوله تعالى { قالوا ربنا يعلم ~~إنا إليكم لمرسلون } (¬1) أكد بذكر الرب، وإن، واللام في خبرها، والجملة ~~الاسمية الثانية. وفي الأولى خلاف لفعلية الخبر فيها والتأكيد بذكر الرب، ~~ولوتأخر كان تأكيدا أيضا، نحو:<<يعلم ربنا >> دفع لأنكارهم الأول، إذ { ~~قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا } (¬2) PageV01P084 والثاني: إذ قالوا { وما أنزل الرحمان من شيء } ~~والثالث: إذ قالوا { إن أنتم إلا تكذبون } . ولا يقال: البشرية تنافي ~~الرسالة في زعمهم الباطل إذا كانت من عند الله، وهذه من عيسى لأنا نقول: ~~الخطاب في << إن أنتم >> يتناول عيسى ورسله، وغلب الخطاب على الغيبة، فيكون ~~نفي الرسالة تغليبا له عليهم؛ ms050 كأنهم أحضروا عيسى عليه السلام وخاطبوه بنفي ~~رسالته من الله ونظيره في الاشتمال على التغليبين أن يبلغ جماعة من خدم ~~السلطان حكمه إلى أهل بلد فيقولوا في ردهم: إن حكمكم لا يجري علينا، إذ ~~فينا من هو أعلى يدا منكم. أو نقول: المقصود نفي الرسالة من عند عيسى << إن ~~أنتم إلا بشر مثلنا فلا مزية تفضلكم علينا فلا تستحقون أن تكونوا آمرين ~~ناهين >>. أو نقول: رسل عيسى أوهموا الكفار أنهم رسل من الله بناء على أن ~~الرسالة من رسول الله في وجوب الانقياد لما يبلغ، والتصديق به دعا رسل عيسى ~~ملك إنطاكية، فقال: من أرسلكم، فقالوا: " الله الذي خلق كل شيء ". فجواب ~~الكفار مبني على ما فهموه. وفي الخطاب الأول أكد بأن والجملة الاسمية في ~~قوله تعالى { إنا إليكم مرسلون } (¬1) إذ كان التكذيب فيه دونه في الخطاب ~~الثاني.<<والله >> PageV01P085 وقد يجعل العالم ~~كالجاهل المنكر إذا ظهر عليه ما هو من شأن الإنكار، إذ لم يجر على ما ~~يوجبه، علمه، لأن من لا يجري على مقتضى علمه هو والجاهل سواء، لعدم الثمرة ~~المقصودة بالذات من العلم عنهما. مثال العالم بلازم الفائدة الحكم الجاري ~~في علمه به على خلاف مقتضى علمه به، قولك: " إنك ضربت ضربت زيدا " ( بفتح ~~التاء )لمن يعلم أنك عارف بضربك إياه لكنه يناجي به غيرك عندك، كأنه يخفي ~~عنك. ومثال العالم بفائدة الخبر الجاري على غير مقتضى علمه قولك للعالم ~~بوجوب الصلاة التارك لها: " قد وجبت الصلاة " أو" الصلاة واجبة “، وكذا ~~العالم بالفائدة واللازم فيؤكد في ذلك كما يؤكد لمنكر الحكم، ويجوز أن لا ~~يؤكد تنزيلا له منزلة خالي الذهن، ويجوز اعتباره كالمتردد وذلك بحسب قوة ~~مناسبة ما ظهر عليه للإنكار وعدمها. # والأنسب في مثال الصلاة التنزيل في منزلة المنكر، وقد كثر تنزيل العالم ~~منزلة الجاهل لأمور تعتبر حال الخطاب إقناعية تفيد ظن غير المخاطب: أن ~~المخاطب غير عالم، ولكونها إقناعية بالظن فقد نسبت إلى الخطاب، فقيل: ~~خطابية، وليس ذلك مختصا بفائدة الخبر ولازمها. # وكثر أيضا تنزيل الموجود منزلة ms051 المعدوم، ولو لم يكن تنزيل العلم منزلة ~~الجهل، فمن تنزيل العلم منزلة الجهل في غير فائدة الخبر ولازمها قوله تعالى ~~{ ولقد علموا لمن } إلى قوله تعالى { لو كانوا يعلمون } (¬1) PageV01P086 نفي ب << لو >> ~~عنهم العلم بعدما أثبته ؛ إذ لم يجر <<ما >> على مقتضاه، سواء أجعلنا <<لو ~~>> للامتناع ؛ فإن الامتناع نفي أم للتمني؛ فإن المتمنى غير حاصل ، ولو حصل ~~لم يتمن ، وذلك على أن<< لو كانوا يعلمون >> عائد إلى << ولقد علموا >> ، ~~وأنه اتحد متعلق العلم المثبت ومتعلق العلم المنفي ، كما هو الأبلغ في ~~تقبيح حالهم وسفاهة رأيهم المسوق لهما الكلام، فمتعلق <<يعلمون >> انتفاء ~~الخلاف ، كما هو متعلق <<علموا >> فإن علمهم بانتفاء الخلاف، والثواب كاف ~~في الامتناع من البيع، فكيف العلم بالذم؟ وأما إن عاد إلى <<لبئس >> وكان ~~متعلق <<يعلمون >> الذم والرداءة فمتعلقه غير متعلق <<علموا >>.وليست الآية ~~من تنزيل العالم منزلة الجاهل في الفائدة أو لازمها، لأن المخاطبين بها ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وهم المقصودون بالإعلام بمضمونها لا ~~اليهود، فضلا عن أن تكون خبرا ملقى إليهم مقصودا إعلامهم بمضمونه، وهم ~~ليسوا كذلك. والإخبار لغة: الإعلام بمضمون الجملة الخبرية، وفي العرف ~~الإتيان بها مرادا بها معناها سواء أحصل العلم أم لم يحصل. والإخبار أعم من ~~الإعلام والإفهام. # ومن تنزيل الموجود منزلة العدم دون تنزيل العلم منزلة الجهل قوله تعالى { ~~وما رميت إذ # رميت } (¬1) PageV01P087 أي: ~~رميك التراب إلى المشركين بمنزلة عدمه، إذ لم يصل إلى أفواههم ومناخرهم ~~برميك ، وليس ذلك في طوق البشر لانتشارهم وبعدهم ، <<ولكن الله رمى>> أي: ~~رميه المعتبر، إذ به وصل أفواههم ومناخرهم - فهذا ما عندي من تحقيق المقام- ~~فالمقصود صورة نفي الرمي مطلقا، فلا يحتاج إلى ما قيل:اعلم أنه إنما يكون ~~من قبيل تنزيل وجود الشيء منزلة العدم لو كان المقصود نفي الرمي مطلقا. وإن ~~تفسير السيد (¬1) السند حيث قال: إني ما رميت حقيقة إذ رميت صورة، لأن أثر ~~ذلك الرمي كان خارجا عن طوق البشر يخرج عما نحن فيه، إذ لا بد من اتحاد ~~مورد الإثبات والنفي حين ms052 يحتاج إلى التنزيل، وكذا ما نقله من أنه ما رميت ~~تأثيرا إذ رميت كسبا ، وزيفه بأنه ليس شيئا بجريانه في جميع الأفعال ودفع ~~بعضهم التزييف بأنه إنما ذكر ما يجري في جميع الأفعال ليدفع رسوله - صلى ~~الله عليه وسلم - بفعله هذا ، ودفع بعضهم الخروج عما نحن فيه بأن المراد: ~~الإشارة إلى وجه التنزيل منزلة العدم لا بيان المراد بالرمي المثبت وبالرمي ~~المنفي. والله أعلم. # ومن تنزيل العالم منزلة الجاهل في فائدة الخبر قول حجل - بفتح الحاء ~~المهملة وسكون الجيم- ابن نضلة واسمه مغيرة ونضلة أمه أو لقب عبد المطلب ~~(¬2) وهو جد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأما [ بفتحهما ] فهو عبد لمازن. ~~[ من السريع]: PageV01P088 جاء شقيق عارضا ~~رمحه ... إن بني عمك فيهم رماح (¬1) # ... <<شقيق>>: اسم رجل قتل آخر، وجاء إلى قوم المقتول عارضا لرمحه، أي ~~واضعا له على عرضه، أعني عرض الرمح؛ ومن شأن الرمح أن يولى إلى الأعداء ~~طوله، وهو ولاهم عرضه بأن وضعه على فخذيه؛ فكان سنانه إلى اليمين أو ~~الشمال، وقيل: معنى <<عارضا رمحه>>: جاعلا له على عرض فخذيه، وقد علم الرجل ~~أن في بني عمه وهم أولياء مقتوله رماحا، لكن مجيئه لأمر وللحرب عارضا للرمح ~~من غير تهيؤ للعدو أن أمره إنما يناسب أنه يعتقد أنه لا رمح فيهم، وأمارة ~~ولا سلاح؛ فكأنه أنكر وجود الرماح والسلاح فيهم، فخاطبه الشاعر بالتأكيد في ~~قوله: <<إن بني عمك فيهم رماح>>، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، لأن ~~الاسم الظاهر وهو هنا << شقيق>> من قبيل الغيبة، وإن كان الشاعر قال هذا ~~الشعر بحضرة << شقيق>> كان التفات آخر، وهو سكاكي في قوله: " جاء شقيق " إذ ~~مقتضى الظاهر حينئذ: "جئت عارضا رمحك"، فالتفت من الخطاب إلى الغيبة عكس ~~الالتفات الجمهوري السكاكي في قولك: " عمك " وإن قدر القول قبل قوله:<< إن ~~بني عمك >>أي فقلت له: << إن بني عمك >> فلا التفات في <<عمك>> ولا في ~~<<جاء شقيق>>؛ لأنه على وجه تقدير القول عما رأيت لا يصح أن يقال هذا البيت ~~بحضرة شقيق حين المجيء، ms053 ولكن لا حاجة إلى تقدير القول؛ لأن الارتباط بالشطر ~~الأول حاصل ولو لم يقدر، قيل: الشخص يجعل حاضرا بذكر أوصافه، وهذا لا يدفع ~~به الالتفات. PageV01P089 # وأما { إياك نعبد وإياك نستعين } (¬1) فلأن الله جل وعلا معنا بالعون ~~والقدرة والحفظ والإرادة ، وكون وضع الرمح على العرض أمارة على أنه ~~كالمعتقد أنه لا رمح فيهم إنما هو باعتبار حال<< شقيق>> في زعم الشاعر ، ~~وإلا فوضع الرمح على العرض قد يكون لشدة شجاعته وعدم مبالاته بالأعداء ، ~~فيحتمل أنه ينكر وجود مقاوم له فيهم تعمل رماحه عمل رمحه ، فالمعنى: أن ~~فيهم رماحا تعمل عمل رمحك، فيكون التأكيد للإنكار الحقيقي ، ويحتمل أن يكون ~~لعدم اعتقاده أن فيهم رماحا لا لاعتقاد أن لا رماح فيهم ، فهو كالمتردد ~~السائل ؛ فالتأكيد للتردد . # ورجح بعضهم الإنكار بأنه أنسب بزيادة تعبير شقيق، والمثال يكفي فيه ~~الاحتمال، وإنما يشترط الجزم في الاستشهاد، والبيت في جميع تلك الأوجه نصح ~~ونهي عن ترك التهيؤ للعدو، ويحتمل أن يكون تهكما واستهزاء على شقيق مع أن ~~فيه ما مر من تنزيل العالم منزلة الجاهل، ووجه التهكم والاستهزاء أنه ينسبه ~~للضعف والجبن حتى إنه لو علم أن فيهم رماحا لم ينصرف إلى جهة المحاربة ولم ~~تقو يده على حمل الرمح، كتهكم تمامة البراء بن عازب الأنصاري:[ من الوافر ] # فقلت لمحرز لما التقينا ... تنكب لا يقطرك الزحام (¬2) # أي: تنكب القتال والمقاتلين، أي: اعدل عنهم لا يلقك الزحام على أحد ~~قطريك، أي: جانبيك، أو لا يلقك في قطر الأرض - والأول أولى - وكان يخاف ~~عليه أن تطأه الأرجل لضعفه وقلة نفعه، وعدم مباشرته للشدائد، وجزم<< يقطر>> ~~في جواب الأمرأونهي، و<<محرز >> رجل من بني ضبه.والله أعلم.? # ... وأقسام مقتضى الظاهر في الخبر أو لازمه ثلاثة:الكلام مع الخالي، ~~والمتردد، والمنكر مع مراعاة ما يليق من تأكيد وتركه معهم.وأقسام خلاف ~~مقتضى الظاهر تسعة: PageV01P090 الكلام مع العالم ثلاثة ~~لتنزيله منزلة الخالي، والمنكر، والمتردد.والكلام مع الخالي المنزل منزلة ~~المتردد، والمنكر؛ لأن الخطاب ينافي التنزيل منزلة العالم.والكلام مع ~~المنكر المنزل منزلة أخويه.والكلام مع السائل المنزل منزلتهما. # وإخراج ms054 الكلام على الثلاثة الأولى إخراج على مقتضى الظاهر، وإخراجه على ~~التسعة إخراج على خلاف مقتضى الظاهر، ومقتضى الظاهر أخص خصوصا مطلقا من ~~مقتضى الحال، لأن معناه يقتضي ظاهر الحال؛ فكل مقتضى الظاهر مقتضى الحال من ~~غير عكس، كما في صور إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر، فإنه يكون على ~~مقتضى الحال، ولا يكون مقتضى الظاهر فيجتمعان فيما إذا كان المخاطب خالي ~~الذهن وأتي له بالخبر غير مؤكد، فإنه على مقتضى الحال والظاهر، وينفرد ~~مقتضى الحال فيما إذا نزل الشاك منزلة غير الشاك وألقي إليه الكلام غير ~~مؤكد، فإنه على مقتضى الحال لا على مقتضى الظاهر، كما لو نزل غير السائل ~~منزلة السائل ألقى إليه الكلام مؤكدا؛ فالتأكيد مقتضى الحال الذي هو السؤال ~~تنزيلا، لكنه على خلاف مقتضى ظاهر ظاهر الحال الذي هو عدم السؤال تحقيقا.. # وأنواع خلاف متقضى الظاهر أكثر من أنواع مقتضى الظاهر؛ لأن أنواع الأول ~~كما مر تسعة: تنزيل العالم منزلة المنكر أوالمتردد أو خالي الذهن، وتنزيل ~~المنكر منزلة المتردد أو خالي الذهن، وتنزيل المتردد منزلة المنكر أو خالي ~~الذهن، وتنزيل خالي الذهن منزلة المنكر أو المتردد. بل لك أن تقول أكثر، ~~لأن منها تنزيل السائل منزلة غير السائل وغير المنكر منزلة المنكر. والله أعلم . # باب الحقيقة العقلية PageV01P091 وهي: إسناد لفظ الفعل أو المصدر أو اسم ~~الفاعل أو صيغة المبالغة أو الصفة المشبهة أو اسم التفضيل أو الظرف أو ~~الجار والمجرور أو اسم الفعل أو المنسوب أو الاسم المتضمن لوصف أو اسم ~~المفعول أو الاسم المتضمن له إلى ما له تحقيقا أو ادعاء من نائب الفاعل ~~لاسم المفعول، وما تضمن اسم المفعول، وإلى الفاعل في غيرهما، وإسناد الخبر ~~إلى مبتدإه نحو:" الإنسان حيوان " سواء أطابق الاعتقاد أو الواقع أم لم ~~يطابق. وإن شئت فقل إسناد الفعل معنى الفعل أو ما بعده إلى ما له تحقيقا أو ~~ادعاء من مدلول نلئب أو فاعل أو نحوهما. فالظرف نحو: " أفي الدار زيد "، ~~و"أعندك زيد “ إذا جعلنا<< زيد >> فاعلا <<لفي الدار >> و<< ms055 لعند >>. ~~والمنسوب (¬1) نحو: "أقريشي الزيدان " <<فالزيدان >> فاعل قرشي مغن عن ~~خبره، ونحو: "زيد قرشي أبواه “ <<فأبواه >> فاعل <<قرشي >> و " زيد قرشي “ ~~ففي <<قرشي >> ضمير<< زيد >>. ونحو: " زيد تامر ولابن “ و " تمار ولبان “ ~~أي منتسب( بكسر السين)، وإن جعلته بمعنى منسوب فهو مما تضمن اسم المفعول. ~~ومن المتضمن للوصف " زيد أسد أبواه " أي: شجاع أبواه. ومن المبني للمفعول " ~~أكرم زيد وأعطي زيد" من قولك: " أعطى زيد مالا “ فذلك كله حقيقة، وسواء ~~اتصف المسند إليه بمدلول ذلك اللفظ باختياره، مثلما ذكر، و" قام زيد " أم ~~بغير اختياره "كتحرك المرتعش "و" كمرض عمرو "و"مات خالد ". # والإسناد في قول الكاذب " قعد زيد " حقيقة عقلية، لأنه لا يشترط مطابقة ~~الاعتقاد ولا مطابقة الواقع، فلو اعتقد أنه قعد وهو في نفس الأمر قائم فقال ~~" قعد زيد “ كان حقيقة عقلية، فكل إسناد على غير قصد المجاز حقيقة عقلية. PageV01P092 # والحقيقة العقلية تكون في الإخبار- كما رأيت - والإنشاء " كقم " و" ~~اشتريت " "وهل قمت"، وفي الإسناد التام - كما رأيت - والناقص نحو إسناد فعل ~~الصلة إلى فاعله وفعل الشرط إلى فاعله، ونحو "أعجبني ضربك عمرا " فإسناد ~~<<أعجب >> إلى الضرب إسناد تام، وإسناد <<الضرب >> إلى <<الكاف >> ناقص؛ ~~فكل واحد من الإسنادين حقيقة لغوية. وتكون أيضا في الفضلة كإسناد الضرب إلى ~~عمرو في المثال، ونحو: " أجريت النهر ". # وما ذكرته من أن الحقيقة العقلية هي الإسناد المذكور هو مذهب الزمخشري ~~وفيما نقله ابن الحاجب (¬1) PageV01P093 # عنه ونقل الخطيب القزويني (¬1) عن السكاكي أن (الحقيقة العقلية هي الكلام ~~) وهو الذي يدل عليه كلام عبد القاهر في مواضع من " دلائل الإعجاز " ونسبة ~~الإسناد إلى العقل لذاته ونسبة الكلام إليه بواسطة الإسناد فهو أحق ~~بالتسمية بالعقلي ، ووجه نسبه الإسناد إلى العقل أنه يدرك بالعقل لا ~~باعتبار الوضع اللغوي ، والكلام في المجاز العقلي في هذا وفي كونه هل هو ~~الكلام وهل هو الإسناد- كالكلام في الحقيقة العقلية، فكون الإسناد إلى ما ~~هو له في " أنبت الله البقل " ، وإلى غير ما هو له في " أنبت الربيع البقل ~~" مما يدرك بالعقل ولا دخل للغة ms056 فيه ، لأن الإسناد يتحقق في نفس المتكلم ~~قبل التعبير ، وهو إسناد إلى ما هو له وإلى غير ما هو له ؛ ولا يجعله ~~التغير شيئا منهما. بخلاف المجاز اللغوي فإنه يعرف بوضع اللغة لفظه لغير ما ~~عني به. PageV01P094 # والحقيقة اللغوية تعرف بوضع اللغة لفظها لما عني به؛ فبالوضع يحصل أن ~~اللفظ حقيقة أو مجاز، وقال الخطيب[ القزويني ]: إسناد الخبر إلى المبتدإ ~~إذا لم يكن الخبر فعلا أو مصدرا أو وصفا أو في تأويله، نحو: " الإنسان ~~حيوان “ والحيوان جسم ليس حقيقة ولا مجازا. والصحيح أنه إما حقيقة أو مجاز ~~لأن الخبر في معنى محكوم به؛ فالإنسان حيوان بمنزلة قولك: الإنسان محكوم ~~عليه بالحيوانية، والحيوان جسم بمنزلة قولك: الحيوان محكوم عليه بالجسمية. ~~وقيل عن الخطيب [القزويني ] إن إسناد الخبر إلى مبتدإ ليس حقيقة ولا مجازا ~~ولو كان فعلا أو وصفا، وإنما الإسناد الحقيقي أو المجازي إسناد ذلك الفعل ~~أو الوصف مثلا إلى ضمير المبتدإ أو إلى الظاهر نحو: "زيد قائم" أو " زيد ~~قائم أبوه " وإنما ذكروا الحقيقة العقلية والمجاز العقلي في فن المعاني، ~~لأن مطابقة اللفظ لمقتضى الحال تحصل بهما فيهما تعلق بفن المعاني من حيث ~~أنهما قد يقتضيهما الحال وأنهما من الإسناد. والإسناد من أحوال اللفظ بخلاف ~~الحقيقة والمجاز اللغويين والكناية، فهي نفس اللفظ لا من أحوال اللفظ، ~~واعتبار هذا أولى من اعتبار كونهما في كيفية الدلالة المقتضي لذكرهما في ~~البيان، وبمعرفتهما تترك التأكيد إذا قلت للموحد "أنبت الربيع البقل" لأنه ~~لا ينكر ولا يتردد، إلا إن تردد في لازم الفائدة أو صدر منه ما لا يناسب ~~كونه تعالى منبتا له. والله أعلم. # باب الحقيقة العقلية المطابقة للواقع والاعتقاد معا PageV01P095 هي نحو ~~قول المؤمن: " أنبت الله البقل " فهذا حقيقة عقلية، أعني هذا الكلام أو ~~الإسناد كان المخاطب - مؤمنا أو مشركا - عالما بأن المتكلم مؤمن أو غير ~~عالم، أو جازما بأنه مشرك؛ وإنما عممت هذا التعميم لأن التحقيق عندي: حصول ~~الحقيقة العقلية مطلقا بإسناد لفظ الفعل أو نحوه إلى مستحقه ولو ادعاء، أو ms057 ~~إذا كان ذلك فهو حقيقة عقلية علم المخاطب ذلك الاستحقاق وكون الإسناد حقيقة ~~عقلية، أو لم يعلم، كما لا يمنع كون اللفظ حقيقة لغوية جهل المخاطب أنه ~~حقيقة لغوية، ولا يمنع كون اللفظ مجازا لغويا جهل المخاطب بأنه مجاز إذا ~~نصب القرينة، ولا يمنع كون الإسناد مجازا عقليا جهل المخاطب به إذا نصب ~~القرينة. وليس كما قيل: إن قول المؤمن: "أنبت الله البقل" يكون حقيقة عقلية ~~بشرط أن يكون المخاطب مؤمنا عالما بأن المتكلم مؤمن، أو يكون المخاطب كافرا ~~يعلم أن المتكلم يضيف الإنبات إلى الله حقيقة، وأنه إن اعتقد المخاطب أن ~~المتكلم كافر يضيف الإنبات للربيع، فإنه ينبغي أن يكون الإسناد مجازا إذ ~~كان يفهم من ظاهر حال المتكلم كون الإسناد لغير من هو له، ولا كما قد يقال ~~باشتراط أن يكون المتكلم عالما بأن المخاطب يعتقد ما ذكر ليكون علمه ~~باعتقاد ذلك نصبا للقرينة ، لأنا نقول: الشرط وجود القرينة لا نصبها ، وإذا ~~تحققت ذلك فبالحرى أن يكون ذلك حقيقة عقلية إذا كان المخاطب مترددا في ~~اعتقاد المتكلم هل هو إضافة الإنبات إلى الله تبارك وتعالى ؟ # والحقيقة هي: الأصل، وما جاء على الأصل المشهور غير الملغى لا يحتاج إلى ~~نصب القرينة ولا سيما أصل مشهور، فليس كما قال المحقق الشنواني (¬1) PageV01P096 وأفهمه كلام المدقق الفنري (¬1) أنه ~~يشترط للحقيقة العقلية نصب القرينة، لكن قد يكون لهما حجة لم تظهر لي، ~~والعلامة الصبان (¬2) ذكر ذلك عنهما وأقره ، ثم إنه مثلا إذا قلت "ما صام ~~نهاري " وأردت: <<أن النهار لا يصوم>> فحقيقة عقلية، وإذا أردت بذلك: <<أني ~~ما صمت>> فمجاز عقلي . فإن حقيقته ما صمت، كما أن "صام نهاري" فمجاز عقلي ~~أيضا والمحتاج إلى القرينة المجاز، وأما الحقيقة فتصح بدونها، إلا أن يراد ~~بيان إجمال فيها فليؤت بالقرينة.والله أعلم. # باب الحقيقة العقلية المطابقة للاعتقاد فقط PageV01P097 # هي نحو قول المشرك:" أنبت الربيع البقل " وكذا الموحد الذي لم يتقن ~~التوحيد، لكن بقوله هذا يدخل في الشرك، وكذا من يثبت خلق الفعل للطبع، ~~وسواء أريد بالربيع ms058 المطر أو زمان الربيع، وهو المتبادر سواء أخاطبوا به ~~ممن اعتقد اعتقادهم وعلم اعتقادهم، أم اعتقده ولم يعلم اعتقادهم، أم خاطبوا ~~به مؤمنا متقنا علموا اعتقاد المخاطب أم لم يعلموا على حد ما مر في الباب ~~قبل هذا. # واشترط ابن قاسم أن يعلم المخاطب حال المتكلم، وقال:إن اعتقد المخاطب ~~خلاف حال المتكلم بأن اعتقد أنه مؤمن متقن، فإنه ينبغي أن يكون مجازا لأنه ~~المفهوم من ظاهر حاله، بل قال الفنري: ينبغي في البابين عدم إخفاء المتكلم ~~حاله من المخاطب لئلا يحمل على المجاز.ومن هذا الباب قول معتقد:" إن الشافي ~~الطبيب "و" شفى المريض الطبيب " وقول الجاهل: "أروى الماء وأشبع (¬1) ~~الطعام وقطع السكين " إذا اعتقد ذلك للماء والطعام والسكين تحقيقا والله أعلم. # باب الحقيقة العقلية المطابقة للواقع فقط # ولو طابقت الاعتقاد أيضا في الظاهر # هي نحو قول المعتزلي لمن أخفى المعتزلي حاله عنه:خلق الله الأفعال ~~كلها،أي الاختيارية كأفعال الإنسان والحيوان، والاضطرارية كحركة ~~المرتعش،والعروق المتحركة، وما تحرك بتحريك غيره له كدفعك إنسانا فيتحرك ~~بدفعك،وكرمي الحجر.. # ... وأما إذا أظهر المعتزلي حاله وهو أنه يعتقد أن الأفعال مخلوقة ~~لفاعلها على ما بسطنا في محله هو خطأ، فالإظهار قرينة على أن قوله:مجاز ~~عقلي من الإسناد إلى السبب وهو الله تعالى في زعمه لا مجاز عن الإقدار ~~والتمكين كما قيل، إذ حينئذ يكون فيه مجاز في الطرف، وهو لا ينافي الحقيقة ~~العقلية؛ فالأولى إبقاء الخلق على معناه، وجعله من باب الإسناد إلى السبب ~~ليكون مجازا عقليا، فيصح الاحتراز عنه. PageV01P098 وقد مر أنه لا يشترط القرينة للحقيقة، ~~فالمعتزلي إذا أخفى حاله من المخاطب وقال:"خلق الله الأفعال " لا ينصب ~~قرينة على عدم إرادة الظاهر، فيكون حقيقة سواء أعرف المخاطب حال المتكلم في ~~نفس الأمر أم لا؛ لأن معرفة حاله مع قصده إخفاء حاله لا تصلح قرينة على عدم ~~إرادة الظاهر، إذ عدم إرادته ينافيه قصد إخفاء الحال.وإذا قال المعتزلي ذلك ~~لمن يعرف حاله ولمن لا يعرفها فعندي هو مجاز كما مر، لأن مراده وقد نصب له ~~قرينة ولا ms059 يخرجه عن التجوز جهل الآخر، وقيل:هو مجاز باعتباره وحقيقة ~~باعتبار من لا يعرف حاله.والله أعلم. # باب الحقيقة العقلية التي لا تطابق الاعتقاد ولا الواقع # ... هي نحو قولك:" جاء زيد " وأنت تعلم أنه لم يجئ، والمخاطب يعلم أنه لم ~~يجئ، ولا يعلم أن المتكلم اعتقد أنه لم يجئ؛ فذلك حقيقة عقلية، والكذب لا ~~ينافي الحقيقة، لأن وضع ذلك المثال ونحوه وضع الحقيقة ولا يصار إلى المجاز ~~بلا قرينة. وإن علم المخاطب أن المتكلم اعتقد أنه لم يجئ كان مجازا عقليا ~~بأن يجعل المتكلم اعتقاد المخاطب قرينة صارفة. وإن علم المخاطب أنه لم يجئ ~~وعلم المتكلم أن المخاطب يعلم أنه لم يجئ، وجعل المتكلم علم المخاطب بأنه ~~لم يجئ قرينة على أنه لم يرد ظاهره كان مجازا عقليا، وإن لم يجعل المتكلم ~~ذلك قرينة كان حقيقة عقلية، وإن لم يكن دليلا على الجعل أو عدمه حمل على ~~الظاهر وهو الحقيقة العقلية. # وقال غيري: يحتملها ويحتمل المجاز العقلي وإن جعله قرينة وليس ثم ملابسة؛ ~~فهو مما لا يعتد به، ولا يعد من الحقيقة لهذا الجعل ولا من المجاز لعدم ~~العلاقة. وإن علم المخاطب أنه لم يجئ، ولم يعلم المتكلم أن المخاطب يعلم ~~ذلك لم يجز أن يكون مجازا لعدم تأتي جعل المتكلم على السامع قرينة. والله أعلم. # باب المجاز العقلي PageV01P099 ... يسمى بذلك لأن التجوز في أمر معقول ~~يدرك بالعقل وهو الإسناد، بخلاف المجاز اللغوي فإنه من أمر نقلي؛ وهو أن ~~هذا اللفظ لم يوضع لهذا المعنى. # ... ويسمى المجاز العقلي مجازا حكميا أي منسوبا إلى حكم العقل، وإلى ~~الحكم الذي هو أشرف أفراد المجاز العقلي وأغلب، وذلك كما أن المجاز العقلي ~~يشمل الإسناد ويشمل النسبة الإضافية والإيقاعية - أو منسوبا إلى الحكم الذي ~~هو مطلق النسبة لا خصوص النسبة التامة التي هي الإسناد. # ... ويسمى مجازا في الإثبات، والمراد بالإثبات هنا: الانتساب والاتصاف ~~تميزا بالملزوم عن اللازم فشمل الإيجاب والسلب. ويجوز أن يكون خص بالإثبات ~~لكونه في السلب فرعه في الإثبات لأن السلب يرد على الإثبات، ms060 فبعدما تصور " ~~قعد زيد " تقول: "ما قعد زيد " ويدخل عليه. # ... ويسمى أيضا إسنادا مجازيا نسبة إلى المجاز بمعنى المصدر، لأن الإسناد ~~جاوز به المتكلم حقيقته وأوصله إلى غيرها، وهو إسناد لفظ الفعل - أو ما ذكر ~~بعده في أول باب الحقيقة العقلية- إلى ما ليس له من نحو الفاعل لمخالطة ~~بينهما مع قرينة مانعة عن إرادة الإسناد إلى ما له من ذلك، وإن شئت قلت: ~~إسناد معنى الفعل إلى مدلول ما ذكر للقرينة، فإذا حصل ذلك كان مجازا. ولا ~~يعتبر عندي علم المخاطب بحال المتكلم أو عدم علمه، ولا علم المتكلم بحال ~~المخاطب. وأما غيري فأجراه على الأقسام الأربعة المذكورة في الحقيقة ~~العقلية. # ... مثال ما طابق الواقع والاعتقاد من المجاز العقلي على ما عند غيري: " ~~أنبت الله البقل " إذا خاطب به من يعتقد أنه يضيف الإنبات للربيع وعلم هذا ~~المتكلم بذلك. # ... ومثال ما طابق الاعتقاد فقط قول الجاهل: " أنبت الربيع البقل " لمن ~~يعتقد أن ذلك إذا خاطب به من يعتقد أن ذلك الجاهل يضيف الإنبات لله وعلم ~~الجاهل بذلك. PageV01P100 # ... ومثال ما طابق الواقع فقط قول المعتزلي: "خلق الله الأفعال كلها " ~~لمن يعرف حاله على ما سبق. ... ... ومثال ما لم يطابق الواقع ولا الاعتقاد ~~قولك: " جاء زيد" والحال أنك تعلم أنه لم يجئ، لكن يعلم المخاطب أنه لم يجئ ~~وجعل المتكلم علم المخاطب بقرينة على أنه لم يرد حقيقة هذا الإسناد، فافهم. # وإنما شرطت القرينة بناء على الغالب من كون المجاز العقلي له حقيقة، ومتى ~~لم تكن له حقيقة لم يحتج لقرينة نحو: " أقدمني بلدك حق لي على فلان " كذا ~~قيل ولعل له حقيقة عقلية والإسناد للسبب هكذا "أقدمت نفسي بلدك لحق لي على ~~فلان " أو " أقدمني الله بلدك لحق لي على فلان " ، اللهم إلا أن لم يعتبر ~~المتكلم هذه الحقيقة ، فلم يكن قد انتقل عنها إلى المجاز ، فيراد: أن هذا ~~المثال لا حقيقة له مستحضرة عنده مقصودة ولو كانت في نفس الأمر . PageV01P101 # وكون المجاز العقلي لا تكون له حقيقة عقلية تارة - وهو ms061 مذهب عبد القاهر- ~~وقيل: لا بد له من حقيقة عقلية. ويفرق عندي بين ما مر لي من أن المدار على ~~قصد المتكلم في الحقيقة العقلية بدون اعتبار السامع وبين كون المجاز لا بد ~~له من حقيقة ، أن المجاز عبور فلا بد من معبور عنه ، ولا بد للمتكلم ~~بالمجاز أن يلتفت إلى القرينة ويطلب وجودها لكلامه فينصبها لتصرف لفظه عن ~~ظاهره ، ولا بد للمخاطب أن يلتفت إليها ويطلبها ويفهمها ليخرج الكلام عن ~~الحقيقة . ويسمى كل من الطلبين تأولا (بضم الواو)، أي: طلب الأول (بفتح ~~الهمزة وإسكان الواو)، أي: الرجوع من آل يؤول، فالتأول [ على وزن ] تفعل من ~~آل إلى كذا رجع إليه، ومعناه: طلب المآل، وهو حقيقة الكلام الذي يؤول هو ~~إليها، والطلب للشيء إنما يكون بالدليل والأمارة بنصب القرينة على أن ~~المراد غير الظاهر، أو هو طلب المعنى المناسب لما إسناده مجازي الذي يؤول ~~الإسناد المجازي إليه من جهة العقل، ويكون هو المقصود منه؛ كالقدوم المناسب ~~<< لأقدم>> في المثال. وكل من المجاز العقلي والحقيقة كثير في القرآن، لكن ~~الحقيقة أكثر، وليس كما زعم بعض أنه لا مجاز فيه لقوي ولا عقلي.والله أعلم. # باب المخالطات للفعل أو ما ذكر # معه المناسبات في المجاز العقلي (¬1) PageV01P102 # وهي: الفاعل، والمفعول به، والمفعول المطلق، والزمان، والمكان، والسبب ؛ ~~وذلك أن يسند لهؤلاء ما ليس لهن . والفعل أو نحوه مطلقا يناسب الفاعل ~~لقيامه به ، والمفعول به لوقوعه ، والمصدر لكونه خبر مدلوله ، والزمان لذلك ~~أو لكونه لازم وجوده ، والمكان لكونه لازم وجوده ، والسبب لحصوله به.وإسناد ~~الفعل المبني للمفعول، أو اسم المفعول إلى نائب الفاعل حقيقة؛ سواء كان ~~النائب مفعولا به أو ظرفا ذكر معه الجار أو نوي، أو مجرورا ذكر معه الجار . # وإسناده إلى المفعول المطلق مجاز ، نحو : "ضرب ضرب شديد ". والذي ~~عندي:أنه حقيقة،لأن المعنى أوقع الضرب الشديد، وإنما التجوز في لفظ<< ضرب>> ~~لاستعماله في معنى أوقع وليس التجوز في الإسناد ، ولو قلت: " ضرب الدار " ~~بالبناء للمفعول ، أو "ضرب يوم الجمعة " على الاتساع، "وصيم النهار" ~~بإجرائها مجرى المفعول به ms062 كان مجازا ، ولو قلت: " ضرب في الدار" أو" في يوم ~~الجمعة " أو " ضرب يوم الجمعة " على تقدير معنى << في>> كان حقيقة وإسناد ~~المبني للمفعول . ومثله اسم المفعول إلى المفعول لأجله حقيقة، نحو: " ضرب ~~للتأديب " إذا جر بحرف التعليل << لاما>> أو غيرها، وإلا لم يكن نائب ~~الفاعل، لا يقال: " ضرب التأديب " .وأجاز الكسائي نيابة التمييزعن الفاعل ~~إذا كان محمولا عن الفاعل، نحو:"طيب نفس" والإسناد عليه حقيقة. PageV01P103 # ومثال إسناد ما للفاعل إلى المفعول قوله تعالى { عيشة راضية } (¬1) ؛ ~~فالإسناد فيه مجاز عقلي، وهو بين لفظ << راضية>> و<< الضمير المستتر فيه>> ~~لا بين << عيشة راضية >> فيما قيل عن القزويني (¬2) من أن المجاز لا يكون ~~بين المبتدإ والخبر ولا بين النعت والمنعوت ، بل الإسناد بينهما واسطة لا ~~حقيقة ولا مجاز؛ وبيان ذلك أن << العيشة>> مفعول به في المعنى مرضية، أعني: ~~يرضاها صاحبها ويقبلها راغبا فيها ، وليست هي التي < ترضى> ( بفتح التاء ~~والضاد ) غيرها وتقبله وترغب فيه، ومع هذا جاء اللفظ على أنها < ترضى غيرها ~~وترغب فيه> ، إذ هو << راضية >>اسم فاعل وفيه ضمير<< العيشة>> والفاعل في ~~المعنى هو: صاحبها ؛ فقد أسند ما له وهو << الرضى>> إليها . # ومثال إسناد ما للمفعول للفاعل: " سيل مفعم " (بفتح العين ) أي: مملوء، ~~فإن المملوء هو المكان يملأه السيل، و"السيل مالئ "، ولو قيل "سيل مفعم" ~~(بكسر العين) كان حقيقة. PageV01P104 ومثال إسناد ما للفاعل إلى المصدر " ~~جد جده " - برفع جده - على الفاعلية << لجد >> أي اجتهد اجتهاده - برفع ~~اجتهاده - فإن المجتهد هو الإنسان مثلا لا الاجتهاد. ومع ذلك جاء اللفظ.على ~~أن الاجتهاد هو المجتهد ، لأن الجد جزء معنى << جد>> فناسب بكونه جزأه و" ~~شعر شاعر" إن اعتبر معنى المصدرية في<< شعر>>، ولكن المتبادر أنه بمعنى ~~مفعول، وعليه فيكون من إسناد ما للفاعل وهو << الشاعر>> إلى المفعول وهو<< ~~الشعر>> وهو الكلام المنظوم، لكن كونه بمعنى مفعول من حيث المعنى لا من حيث ~~اللفظ؛ لأنه لا يقال: مشعور بمعنى منظوم، بل من حيث أنه صنعة صنعها الشاعر ~~ليست بصانعه، واللفظ جاء على أنها صانعة، ونحو" ms063 ليجد جدك "(بلام الأمر)، ~~فإن إسناد الأمر والنهي إلى ما ليس المطلوب صدوره الفعل أوالترك عنه مجاز عقلي . # ومثال إسناد ما للفاعل لزمان الفعل " صام نهار زيد " أي: صام زيد في ~~نهاره ونحو: "ليصم نهارك" بلام الأمر، ونحو: " لينبت الربيع ما شاء " بلام ~~الأمر على أن الزمان المخصوص لا المطر ولا يصم نهاره ولا ينم ليله . # ومثال إسناد ما للفاعل لمكان الفعل " جرى النهر " لأن النهر اسم لمكان ~~جري ماء العينن والجاري هو الماء فيه، أي: جرى الماء في النهر " وليت النهر جار". PageV01P105 # ومثال إسناد ما للفاعل للسبب، نحو: { ياهامان ابن لي صرحا } (¬1) فإن ~~البناء عمل العملة، و<< يا هامان>> سبب آمر، و" لينبت الربيع ما شاء الله " ~~(بلام الأمر) فإن <<الربيع>> ( بمعنى المطر) سبب النبات وذلك في الإنشاء، ~~ومثله في الإخبار " بنى الأمير المدينة " (الباني) جند الأمير لا الأمير ~~ولكنه سبب آمر، وقوله تعالى { يوم يقوم الحساب } (¬2) أي يوم يقوم أهل ~~الحساب لإجل الحساب، وقوله تعالى { أصلاتك تأمرك } (¬3) أي: أيأمرك ربك ~~بسبب صلاتك. # ويجري المجاز العقلي في النسبة الناقصة كما يجري في التامة، نحو " أعجبني ~~إنبات الربيع البقل " ، وهذه من النسبة الإيقاعية وهي نسبة الفعل إلى ~~المفعول ، فإن المتعدي واقع على المفعول أي متعلق به ، ومحل التمثيل لإنبات ~~الربيع البقل فإنه نسبة ناقصة ، وقيل: هذا من النسبة الإضافية . ونحو: " ~~أعجبني جري الأنهار " وهذه من النسبة الإضافية؛ وهي الواقعة بين المضاف ~~والمضاف إليه، وذلك إذا جعلت الإضافة في المثالين بمعنى (اللام )، وإن ~~جعلتها بمعنى (في) فالإسناد حقيقة لا مجاز، فإنه لا بد من النظر إلى قصد ~~المتكلم، ونفس الأمر فإن كان ما قصده مناسبا بحسب الأمر فحقيقة وإلا فمجاز. PageV01P106 ومن النسبة الإضافية " شقاق بينهما " أي شقاق الزوجين ~~بينهما، و" مكر الليل والنهار" أي: المكر في الليل والنهار، ومثله قوله: " ~~يا سارق الليلة أهل الدار " . # ومن الإيقاعية " نومت الليل " أي: أوقعت التنويم على الليل، وعبر بعضهم ~~بقوله: " نومته في الليل " وإلا ظهر ما ذكرته و" أجريت النهر " أي: أوقعت ~~الإجراء على ms064 النهر، أو "أجريت الماء في النهر"، وقوله تعالى { ولا تطيعوا ~~أمر المسرفين } (¬1) أي: لا تطيعوا المسرفين في أمرهم . حذف في هذه الأمثلة ~~ماحق الفعل أن يوقع عليه وأوقع على غيره. وإن قلت: هل النسبة الإيقاعية في ~~"ضربت زيدا " مجاز لكونها نسبة المبني للفاعل إلى المفعول؟ قلت: لا بل ~~حقيقة؛ لأنها ليست للمخالطة والمناسبة بل هي نفس المراد الموضوع له ~~الإسناد. # ومن الإسناد إلى السبب قول أبي النجم [ الفضل بن قدامة العجلي ] : [ من الرجز] # قد أصبحت أم الخيار تدعي ... علي ذنبا كله لم أصنع # من أن رأت رأسي كرأس الأصلع ... ميز عنه قنزعا عن قنزع # جذب الليالي أبطئي أو أسرعي ... أفناه قيل الله للشمس اطلعي # حتى إذا واراك أفق فارجعي (¬2) PageV01P107 أسند<< ميز>> إلى <<جذب الليالي>> لأنه السبب، ~~والفاعل <<الله >>تحقيقا، والقرينة كونه موحدا، ليس ممن جهل أن ذلك لله. ~~وقوله: << أفناه قيل الله للشمس اطلعي >> فإنه يدل على أن التمييز فعل الله ~~عنده، وأن الله هو المبدئ المعيد والمنشئ والمفني، ولا فرق بين التمييز ~~والإفناء وإطلاع الشمس، فظهر أن إسناد التمييز إلى <<الجذب>> مجاز؛ وهو من ~~إسناد إلى السبب وهو سبب عادي، والإضافة حقيقة في <<جذب الليالي>>، ويجوز ~~مرجوحا أن يكون من الإسناد إلى الزمان إن جعلنا <<جذب>> زائدا بناء على ~~جواز زيادة الأسماء، أو من زيادتها سماعا، أو جعلنا إضافته مجازية إضافة ~~صفة لموصوف أي: ميز عنه قنزعا عن قنزع الليالي الجاذبة، أو الليالي ذات ~~الجذب، أو التي هي نفس الجذب مبالغة وصفها بالمصدر لتأويله بالوصف، أو ~~تقدير مضاف، أو للمبالغة.وكون إسناد <<أفناه>> إلى <<قيل الله>> مجازا لا ~~ينافي أن يكون قرينة على أن التمييز حقيقة لله تعالى، لأنه على كل حال فيه ~~إقرار بالله، وأن الفاعل للأمر العظيم. PageV01P108 # والقائل بذلك لا يقول كما يقول المنجمون بتأثير الكواكب بسبب خلق الله ~~تعالى أنه أسند التمييز حقيقة بالتأثير إلى الجذب. ومعنى <<ميز>>: أزال، ~~و<<عنه>>: عن الرأس، و<<القنزع>> (بضم القاف وبضم الزاي وفتحها، لغتان ): ~~الشعر المجتمع في نواحي الرأس، و<< عن >>بمعنى ms065 " بعد "، و<<عن الأولى>> ~~للمجاورة، فلم يلزم تعلق حرفي جر بمعنى واحد بعامل واحد بلا واسطة التبعية، ~~والمراد <<بالليالي>>: مطلق الزمان، واختارها بالذكر لأن العرب تؤرخ ~~بالليالي؛ إذ كانوا يؤرخون بطلوع النجوم وهي تظهر في الليل. أو إشارة إلى ~~تشبيه عمره بالليالي في السواد والشدة، و<< جذب الليالي>> مضيها أو طلب ~~الليل النهار والنهار الليل بتعاقبهما إذ كل يخلف الآخر.و<< أبطئي أو ~~أسرعي>> مفعول لحال محذوفة من الليالي نائب فاعل أي:مقولا فيها أبطئي أو ~~أسرعي أي يقول الناس في حقها حين اليسر والرفاهية: أبطئي، وحين العسر ~~والضيق: أسرعي، أو يقول الشاعر ذلك لأنه لا يبالي بعد التمييز المذكور بها ~~كيف كانت. ويجوز أن يكون الأمر بمعنى المضارع هو ومرفوعه حال بلا تقدير ~~قول، لكن على تأويله بالغيبة عن الخطاب أي: تبطئ أو تسرع، فيكون قد عبر ~~بصيغة الأمر إشارة إلى أن الليالي في سيرها ومضيها مسخرات بأمر الله، أو ~~استئناف بياني كأنه قيل له[ عن ] الزمان: ما تقول فيما حدث ؟ فأجاب بأنه ~~راض بما يفعل أسرع فيه أو أبطأ، وجملة << أفناه قيل الله >> مبينة لقوله << ~~ميز>>، و<< هاء>> أفناه: لشعر رأس الشاعر أو للشاعر، أي أفناه أي: أهرمه- ~~يقال: شيخ فان أي هرم- أو أعدمه أي: صيره مشرفا على العدم، أو أعدم شعر ~~رأسه تحقيقا. و<<قيل الله>>: قول الله أي إرادته أي تعلق قضائه الأزلي ~~بوجود ما قضاه. و<<أطلعي>>: مفعول القيل على أنه باق على المصدرية، وإن كان ~~بمعنى اسم مفعول<< فأطلعي>>بدل أو بيان. PageV01P109 # والخطاب بلفظ <<كن>> في إيجاد الأشياء يصح في مذهبنا ولو كان لا بأس به ~~بتنطيق ملك أو خلق ما به، أو خلقه في الهواء، أو جسم بعد وجود الخلق ومنه ~~الهواء. وإنما قوله: << كن>> تعلق القضاء السابق بوجود ما أراد وجوده، وأنه ~~لا يتخلف ولا يبطأ. والله أعلم. . # وأما وقول الصلتان العبدي [ الشاعر الحماسي ]: [من المتقارب ] # أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الغداة ومر العشي (¬1) # ... (بإسكان ياء << العشي>> كما كان سائر قوافي القصيدة ) فلا ندري أمجاز ~~هو أم حقيقة ؟ لإمكان ms066 أن يكون قائله موحدا فيكون مجازا أو مشركا فيكون ~~حقيقة، ولا يخفى أن الصدور من الموحد قرينة. قيل: ويكفي الظن أن قائله لم ~~يعتقد ظاهره. # والظاهر أن العرب في الجاهلية ليست دهرية بل ينسبون الأمر لله عز وجل، ~~وهذا مما يظن به، والمعتبر العلم والظن لا الشك، ونرى في كلام العرب من أهل ~~الجاهلية " فعل الدهر كذا " أو " لم يفعل كذا بل كذا "، والشكوى من الدهر ~~كأنه الموجب السالب، والظاهر أنه مجاز من الإسناد إلى السبب عندهم، [ كقوله ~~تعالى ] { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله } (¬2) PageV01P110 ويضيفون الرزق ~~والإحياء والإماتة ونحو ذلك من الأفعال إلى الله تعالى - ولم يقل أحد من ~~المحقين ولا من المبطلين: أن <<مر العشي وكر الغداة>> مشيبان للصغير ~~ومفنيان للكبير تحقيقا، وكذا الليل والنهار. وزعم بعض المبطلين أن الممكن ~~مطلقا يوجد بنفسه، وذهب الحكماء المبطلون إلى أن المؤثر في عالمنا العقل، ~~والمنجمون المبطلون إلى أن المؤثر الكواكب. وأما قول العرب: << ما يهلكنا ~~إلا الدهر>> فلعلهم أرادوا به وقوع الهلاك بلا تأثير من أحد لا من الله ولا ~~من غيره، بل لانتهاء مادة الحياة- والكر: الرجوع - وينكرون ملك الموت وفيض ~~الروح، وقيل: كانوا ينسبون الحوادث إلى الدهر وحركات الأفلاك.والله أعلم. # والحق أن الإنساد في " رجل عدل " وقوله: " إنما هي إقبال وإدبار" ونحو ~~ذلك مما فيه حمل المصدر على الذات حقيقة عقلية لتأويل <<عدل>> <<بعادل>> ~~و<<إقبال>> <<بمقبلة>>..وهكذا، وإن لم يؤول بل أبقي على المبالغة فهو حقيقة ~~عقلية ادعاء ، نعم: مجاز عقلي إن أول بتقدير مضاف إذا اعتبراللفظ بلا تقدير ~~. وأما بالتقدير فحقيقة عقلية لأن المسند حينئذ المضاف، وليس كما قيل: إن ~~ذلك قد يقال ليس حقيقة ولا مجازا.وأما وصف الشيء بوصف موجده؛ " كالكتاب ~~الحكيم " و " الأسلوب الحكيم " و " أنشأت الكتاب " بإسناد المبني للفاعل ~~إلى المفعول الذي يخالطه ويناسبه فعل آخر من أفعاله لا المفعول الذي يناسبه ~~ويخالطه المسند المذطورفي الكلام ، والإسناد إلى المصدر الذي يلابسه فعل ~~آخر من أفعال فاعله " كالضلال البعيد " و " العذاب الأليم " ، إذ البعيد هو ms067 ~~الضال والأليم هو المعذب( بفتح الذال ) فمن الإسناد إلى المكان فهو مجاز ~~عقلي أي: حكيم في أسلوبه وكتابه ، وبعيد في ضلاله ،وأليم في عذابه . PageV01P111 # فإنه ليس المراد بقولهم الإسناد إلى المكان أو الزمان مجاز عقلي خصوص ما ~~يسمى في النحو ظرفا، فلا يحتاج إلى أن نقول ذلك مما بني للفاعل وأسند ~~للمفعول بواسطة حرف كما قيل، هذا ما ظهر لي على أن تكون المخالطة والمناسبة ~~للمذكور في العبارة، أما لو قلنا: تكفي المخالطة والمناسبة لغير مذكور في ~~العبارة ولا مقدر بالمخالطة والمناسبة في ذلك موجودة ولا إشكال. والله أعلم وأحكم. # باب أقسام المجاز العقلي # باعتبار المسند والمسند إليه فيه # وهن أربعة: # * الأول: أن يكون المسند والمسند إليه حقيقتين نحو قوله تعالى { وإذا ~~تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا } (¬1) فإن الزيادة وضمير الآيات كليهما ~~حقيقيان ، وإنما التجوز في الإسناد ، فإن الزيادة <<فعل الله>> أسندت إلى ~~السبب وهو الآيات . وقوله تعالى { يذبح أبناءهم } (¬2) <<التذبيح>> فعل ~~الجيش أسند إلى فرعون لكونه سببا آمرا، ويجوز أن يكون<<يذبح>> مجازا لغويا ~~بمعنى يأمر، فذكر المسبب بذكر السبب تسمية له بلفظ المسبذب. وقوله تعالى { ~~ينزع عنهما لباسهما } (¬3) PageV01P112 فينزع حقيق وضمير إبليس فيه حقيق، والتجوز ~~في إسناد النزع إليه - والعياذ بالله - إذ هو السبب بالوسوسة، وإنماهوحقيقة ~~لله تعالى. وقوله تعالى { يوما يجعل الولدان شيبا } (¬1) نسب الجعل شيبا ~~ليوم القيامة لأنه زمانه وهو حقيقة لله تعالى.وقوله تعالى { وأخرجت الأرض ~~أثقالها } (¬2) أسند الإخراج للأرض وهو حقيقة لله ، والظاهر أنه من الإسناد ~~للمفعول به بواسطة الجار لا إلى المكان،لأنه ليس المعنى ( أخرج الله أثقال ~~الأرض في الأرض) بل (من الأرض ) ثم رأيته والحمد لله منصوصا عليه ، ونحو " ~~أنبت الربيع البقل " . # ... والكناية ليست بحقيقة ولا مجاز عند بعض، وقيل: حقيقة، وهو الصحيح ~~عندي ولو أريد فيها اللازم فقط، فإنك إذا قلت: " فلان طويل النجاد “ ولا ~~نجاد عنده فمع ذلك فقد استعملت اللفظ في حقيقته، وانتقلت منه إلى المراد ~~وهو طول القامة، وهذا المراد مفهوم من اللفظ كمفاهيم الأصول، ومثله قولك: " ~~طول زيد سبعة ms068 أذرع " مع أنه لم يذرعه أحد ولا ذرع نفسه قط. PageV01P113 *والثاني: أن يكون المسند إليه ~~والمسند مجازين نحو " أحيا الأرض شباب الزمان" << فأحيا >> مجاز وهو مسند ~~و<<شباب>> مجاز وهو مسند إليه، والعلاقة فيهما المشابهة، فالمجاز: استعارة ~~تصريحية تبعية في الأول: حيث شبه تهييج القوى وهو إيجاد نضارة الأرض وإحداث ~~قوتها بالإحياء الذي هو إعطاء الحياة وإيجادها بجامع؛ أن كلا منهما إحداث ~~ما هو منشأ المنافع والمحاسن، واستعارة الإحياء للتهييج، واشتق من الإحياء ~~<< أحيا>> بمعنى هيج. وأصلية في الثاني: حيث شبه زمان ازدياد القوى أي كون ~~الزمان في ابتداء حرارته المخالطة له، وفي ابتداء ازدياد قواه يكون الحيوان ~~في زمان تكون حرارته الغريزة قوية مشتعلة، وشباب الزمان ازدياد قوى الأرض، ~~ومن شأن قواها تحصيل النمو في زمانه، فالقوى منمية، والإحياء في اللغة: ~~إيجاد الحياة، قيل الحياة: صفة تقتضي الحس بالحواس الخمس والحركة الإرادية، ~~وتفتقر إلى البدن والروح، وهذه حقيقة وهي: حياة المخلوق. والأظهر أن لا ~~يشترط الروح بل لله أن يوجد الحياة في الجسم ولو بلا روح ولا صورة حيوان. ~~وإحياء الجذع للنبي - صلى الله عليه وسلم - الجذع الذي[ كان] يستند إليه ~~حين الخطبة ، يحتمل أنه بلا روح أو به.والله أعلم. # *الثالث: أن يكون المسند حقيقة والمسند إليه مجازا، نحو " أنبت البقل ~~شباب الزمان ". # *الرابع: عكسه نحو " أحيا الأرض الربيع " . والله أعلم. # باب قرينة المجاز العقلي # << وجه تأخير باب القرينة عن المجاز العقلي وأقسامه >> PageV01P114 ... ~~إن القرينة خارجة عنه وعن أقسامه، وإنما هي شرطه، ووجه تقديمها عن أقسامه ~~وذكرها معه، ولو قدمت، أنه لا بد منها وأنه يتحقق بها، ولا بد له من قرينة ~~مانعة عن إرادة الحقيقة، لأن المتبادر إلى الفهم عند عدم القرينة هو ~~الحقيقة. ولا يشترط في القرينة أن تكون معينة لما هو الحقيقة، ولذلك اختلف، ~~هل يلزم أن تكون له حقيقة؟ ولا يشترط أن تكون معينة لنوع المجاز من السببية ~~والمفعولية أو نحو لك مما مر. # وهي إما لفظية كقول أبي النجم << أفناه قيل الله >> - كما مر - أو ms069 معنوية ~~ككون أبي النجم موحدا، ولا بأس باجتماع القرينة المعنوية واللفظية ولو لم ~~يعلم أبو النجم موحدا لكان قوله: << أفناه قيل الله >> قرينة لفظية لم تكن ~~معها معنوية خارجة، ولو أفادت هذه اللفظية كونه موحدا والصدور عن الموحد ~~يقيد بما إذا لم يعلم من لفظ يقارنه وإلا فالمعتمد اللفظ لأن القرينة يختار ~~لها الأقوى إذا أمكن غيره لكن لا مانع من قرائن متعددة حالية أو مقالية أو ~~مختلفة. PageV01P115 # ومن المعنوية استحالة الإسناد عقلا على ظاهره، نحو: " صام النهار " بمعنى ~~الصوم الشرعي و"صيم النهار" بالبناء للمفعول؛ لأن المبني للمفعول إذا أسند ~~لغير ما هو له كان الإسناد مجازا عقليا، وأما " أنبت الربيع البقل " فليس ~~ظاهره مستحيلا عند كل عقل، بل عند العقل الصحيح فيحتاج إلى قرينة كصدوره من ~~الموحد، وإن خاطب ذا العقل الصحيح موحد فقرينتان: كونه من الموحد واستحالة ~~ظاهره، والمعتمد كونه من الموحد، ويكون مع العقل في إثبات الاستحالة نظر أو ~~عادة أو تجربة أو إحساس. ومن قرينة الاستحالة ما في قولك: "محبتك جاءت بي ~~إليك " لظهور استحالة قيام المحبة بالمجيء؛ وحقيقته: " نفسي جاءت بي بسبب ~~المحبة "، فالمحبة سبب داع للمجيء للفاعل، وأوكد من هذا أن الحقيقة " الله ~~جاء بي بسبب المحبة " قيل استحالة إنما هي على مذهب المبرد من أن (الباء) ~~للمصحابة، وأن المفعول صاحب الفاعل في الحكم، ففي " جاء زيد بعمر " وجاءا ~~معا " لا على مذهب سيبويه من (الباء) للتعدية، أي: << صيرتني>> أو << صير ~~عمرا جائيا من غير أن يجيء هو>>، أو << مع مجيئه معه>>، لكن مجيئه ليس ~~تفيده العبارة على مذهب سيبويه إن جاء معه، فمعنى << محبتك جاءت بي>>: ~~جعلتني جائيا من غير أن يشاركني، بل هي سبب حاصل مثير على المجيء، فهي سبب ~~حقيقة فلا يكون إسناد المجيء إليها مجازا. # ومن المعنوية استحالة الإسناد على ظاهره عادة، نحو: "هزم الأمير الجند " ~~لاستحالة أن يهزم الأمير وحده الجند، ولو أمكن عقلا ووقع شاذا أيضا. واعلم ~~أن صدور ما لا يصح في اعتقاد المتكلم به إجراؤه على ms070 ظاهره يكون قرينة وهي ~~معنوية، ويقال للمعنوية حالية ويقابلها اللفظية، فصدور لفظ الشرك وما دونه ~~من الموحد المحقق غير مخفي حاله قرينة على إرادة غير ظاهره " كأنبت الربيع ~~البقل" وقول الموحد: # أشاب الصغير كر الغداة ... وأفنى الكبير مر العشي PageV01P116 ... وليس ~~هذا مما يستحيل عند كل عقل فلا بد من قرينة معه. والله أعلم. ... ... ... # باب حقيقة المجاز العقلي # ... هي: إما ظاهرة كقوله تعالى { فما ربحت تجارتهم } (¬1) فلا يخفى أن ~~حقيقته << فما ربحوا في تجارتهم>> أسند الربح للتجارة على طريق السلب ~~لكونها سببا في الربح، فالمسند إليه الذي يكون الإسناد إليه حقيقة هم ~~الكفار لا التجارة. وإما خفية تظهر بعد تأمل، نحو: " سرتني رؤيتك “ فهو ~~مجاز عقلي حقيقته << سرني الله عند رؤيتك>> وذلك إن أريد منه حصول السرور ~~عند الرؤية و<< سر>> حقيقة لغوية، وإن أريد أن الرؤية موجبة للسرور فهو ~~حقيقة عقلية، والتجوز في<< سرت >> بمعنى أوجبت وهو لغوي. وقول أبي نواس ~~الحسن بن هانئ - وقيل: ابن المعذل، ولا يصح أن يقال: ابن المعذل (¬2) كنية ~~أخرى لأبي نواس - [ من مجزوء الوافر ] # يرينا مهجتي قمر ... يفوق سناهما القمر # يزيدك وجهه حسنا ... إذا ما زدته نظرا (¬3) PageV01P117 ~~أي: يزيدك الله حسنا في وجهه لما أودعه من دقائق الحسن والجمال، يظهر ذلك ~~الحسن بعد التأمل والإمعان، أي: علم الحسن؛ فإن نفس الحسن حاضر في الوجه ~~يظهر بأول نظر، وإن الذي يزداد بتكرر النظر وإمعانه هو علامة الحسن ~~وظهورها، وبتقدير هذا المضاف وجد ما يقال: إن المفعول الثاني لفعل الزيادة ~~يجب أن يصح إضافته للأول، والإسناد للمفعول بواسطة <<في>> أي: يزيدك في ~~وجهه كما رأيت.وقال عبد القاهر: لا يجب في المجاز العقلي أن يكون للفعل ~~ونحوه فاعل يكون الإسناد إليه حقيقة، وقال: إنه ليس<< لسرتني رؤيتك>> و<< ~~يزيدك وجهه >> فاعل يكون الإسناد إليه حقيقة، وكذا " أقدمني بلدك حق لي على ~~فلان " ، وقد مر تقدير الفاعل الحقيقي لهن جميعا . فرد عليه الفخر الرازي ~~والسكاكي بذلك التقدير. والجواب: إذا أراد أنه لا يجب أن يكون له فاعل يقصد ms071 ~~في العرف والاستعمال إسناد الفعل إليه حقيقة، فلا يرد عليه تقدير الفاعل ~~حقيقة هو الله، ولا إمكان تقدير غيره مثل: " أقدمت نفسي بلدك لحق " لأن ~~ذللك لم يتعارف والكلام في فاعل الفعل المتعدي لا في فاعل الفعل اللازم، ~~وسر وزاد وأقدم ولو كن متعديات لكن المتكلم بهن لم يقصد معنى تعديهن، بل ~~معنى اللزوم وهو السرور والزيادة والقدوم إلا على سبيل التخيل، قال ~~الفخر:الفعل لا بد أن يكون له فاعل حقيقة لامتناع صدور الفعل لا عن فاعل، ~~فإن كان هو ما أسند إليه الفعل فلا مجاز وإلا فيمكن تقديره، وهذا هو من رده ~~المذكور. وقد مر جوابه أنه قد يكون له فاعل حقيقة لكن لا تستحضر فاعليته ~~عند التجوز العقلي، إذ لم تعتد في الحقيقة، وهذا مسلم به عند عبد القاهر، ~~وإنما الممتنع أن لا يكون له فاعل محقق لا معتبر ولا غير معتبر أصلا. PageV01P118 # ولا يخفى أن كل فعل مخلوق لله تعالى، ولا أن إقدامك نفسك ملغى لا يستحضر ~~إذا قلت "أقدمني بلدك حق "، وأما "مات" و"مرض" ومثلهما فيتناولها صدور ~~الفعل على أن يفسر بما يشمل قيام الفعل واتصاف الفاعل تجوزا، أو يخص ذلك ~~الصدور بمثل <<أقدمني>> لأنه محل النزاع، ويقال: إن المرض والموت وإن كانا ~~غير صادرين من المريض والميت لكنهما صادران عن غيرهما وحادثان؛ فالمقصود ~~أنه يستحيل أن يصدر الأثر بدون وجود الفاعل. والله أعلم . # باب إنكار السكاكي المجاز العقلي # ... إنما أنكره تقليلا للانتشار وتقريبا لضبط اعتبارات البلغاء، وجعله من ~~باب الاستعارة بالكناية (¬1) بأن يجعل المسند إليه استعارة بالكناية عن ~~الفاعل الحقيقي بواسطة المبالغة في التشبيه ، بأن يدعي أن المشبه من جنس ~~المشبه به ، ويجعل إثبات ما هو من لوازم المشبه به للمشبه قرينة الاستعارة . PageV01P119 فإن ~~الاستعارة بالكناية عنده هي: لفظ المشبه المراد به لفظ المشبه به الذي أريد ~~به المشبه مع إثبات ما للمشبه به للمشبه قرينة على أنه أريد بالمشبه لفظ ~~المشبه به الذي يعني به المشبه، ففي " أنشبت المنية أظفارها " لفظ ~~<<المنية>> مشبه معبر ms072 به عن لفظ <<السبع>> الذي يراد به: المنية بقرينة ~~نسبة الأظفار إليها وهي للسبع. ففي المجاز العقلي يشبه المسند إليه المجازي ~~بالمسند إليه الحقيقي في تعلق وجود الفعل به، ويذكر المجازي فقط ويثبت له ~~ما للحقيقي؛ ففي قول المؤمن: " أنبت الربيع البقل " يشبه الماء أو الزمان ~~المخصوص- فيما قيل عنه- بالقادر المختار سبحانه عن الشبه ويجعل نسبة ~~الإنبات الذي هو حقيقة لله تعالى إلى الماء أو الزمان قرينة للتشبيه ~~الاستعاري، وليس في ذلك التشبيه شرك، إلا أنه لفظ سوء لا يستقيم، وذلك أنه ~~ليس المراد حقيقة التشبيه، بل المراد: أنه قد عاد الإنبات إلى الله وعاد ~~إلى الماء أو الزمان فثبت عوده إلى أحدهما كما ثبت عوده إلى الله جل وعلا، ~~ولكن اختلف العودان إلى الله من حيث إنه الخالق للنبات وخروجه والعود ~~إليهما باعتبار السبب والزمانية المخصوصة. # وما ذكرته عن السكاكي من جعل نسبة الإنبات قرينة هو ما ذكره في ( بحث جعل ~~المجاز العقلي استعارة بالكناية ) والمشهور عنه: أن قرينة الاستعارة ~~بالكناية إثبات الصورة الوهمية المسماة ( بالاستعارة التخييلية ) فالقرينة ~~على هذا استعارة ما هو لخاصة من خواص المشبه به لصورة وهمية يتوهم في ~~المشبه تشبيهه بتلك الخاصة مثبتة للمشبه. PageV01P120 # ... ولا يخرج عن سوء اللفظ المتقدم في كلام السكاكي بقول عبد الحكم (¬1) ~~( كذا) إن المراد بالفاعل المختار عنوان هذا المفهوم لا من حيث خصوصية ذاته ~~تعالى فلا يرد ادعاء كون الربيع ذاته تعالى ركيك جدا . ( انتهى كلام عبد ~~الحكم ) لأنا نقول:المراد الذي في نفس الأمر أنه الله تعالى. # فالاعتراض على السكاكي باق ، وكذا يعترض عليه بأنه إنما تقصد المبالغة ~~والتشبيه، إنما يقصدان في بعض المواضع كالإسناد إلى السبب بخلاف الإسناد ~~إلى نحو المصدر، فلا قصد للتشبيه معه. PageV01P121 # ويعترض عليه أيضا بأن كلامه يستلزم أن لا يصح جعل ضمير <<العيشة>> في ~~قوله تعالى { فهو في عيشة راضية } (¬1) ظرفا لصاحبها، بل أن تكون صاحبها، ~~وكذا جعل << العيشة >> ( المجرور بفي) لأن مذهب السكاكي عدم اختصاص ما يقول ~~له غيره مجاز عقلي بإسناد لفظ الفعل أو ms073 نحوه إلى مرفوعه وهو يريد بالفاعل ~~في باب المجاز العقلي ما هو فاعل معنى ولو لم يكن فاعلا اصطلاحا كعيشة ( ~~المجرور بفي)، وكالمبتدإ في<<نهاره صائم>> وإنما اعترض عليه بذلك الاستلزام ~~لما ذكرته عنه من تفسيره الاستعارة بالكناية وهو يقتضي أن يكون المراد ~~بعيشة صاحبها إذا اقتضى أن المراد بالمسند إليه المجازي هو المسند إليه ~~الحقيقي وهو غير صحيح، لأنه لا معنى لقولك: <<من ثقلت موازينه>> في صاحب ~~عيشة بأن الشيء لا يكون ظرفا بنفسه، وتأويل<< صاحب>> <<بأصحاب>> فيصح، ~~يضعفه أن <<عيشة>> نكرة في الإثبات لا يحسن إرادة العموم بها، وأنه خلاف ~~المتبادر. وأن مثل هذا الكلام لا يستعمل في مثل هذا المعنى ولو كان من ~~لوازم معناه، وذلك الاستلزام مبني على أن المراد <<بعيشة>> وضمير راضية ~~واحد وهو: صاحب العيشة، وأما إن أريد <<بعيشة>> ما يتعيش به الإنسان ~~و<<بضمير راضية >>العيشة، ولكن لامعناها الأول بل بمعنى صاحبها على سبيل ~~الاستخدام، كقوله تعالى { لهم فيها دار الخلد } (¬2) PageV01P122 فلا فساد، لأن المعنى <<في عيشة>>: ~~صاحبها راض. كما أنه لا فساد على تقدير مضاف أي: << في عيشة راض صاحبها>> ~~بناء على اعتبار المضاف إذا حذف واستشعاره في الإسناد كاستحضار ما يذكر من ~~الألفاظ. والمراد <<بالعيشة>> أيضا: الصاحب على تقدير الاستعارة -على مذهب ~~السكاكي - من أن إسناد مجموع راضية وضميره لعيشة مجاز، وإن جعلت الضمير ~~للصاحب فإسناد المجموع على العيشة ليس مجازا. # ويعترض على السكاكي أن لا تصح الإضافة في المجاز العقلي الذي أضيف فيه ~~المسند إليه المجازي إلى الحقيقي، نحو: " نهاره صائم " لأن الشيء لا يضاف ~~إلى نفسه، وفي مذهبه يراد بالنهار: الإنسان، وأضيف إلى <<الهاء>> وهي: ضمير ~~ذلك الإنسان.وقد وقعت هذه الإضافة في مثل قوله تعالى { فما ربحت تجارتهم } ~~(¬1) فعلمنا أنها ليست إضافة شيء لنفسه بل تجارة ليست مستهلة فيما استعمله ~~له المضاف إليه ، كما يلزم على السكاكي، ودعوى أن الإضافة للبيان في ذلك ~~تكلف في مثل ذلك، لأنه ليس المعنى مسوقا لإضافة البيان ، ولا يلتفت إليها ~~في بلاغة هذا الكلام ، ودعوى ms074 أنه من إضافة المسمى إلى الاسم أشد تكلفا ~~وخروجا عن البلاغة . # ولكن يجوز في "نهاره صائم" أن يكون من الاستخدام؛ لأن للنهار معنيين: ~~الزمان المخصوص وهو الحقيقي، ويراد بضميره المعنى المجازي، فتكون الاستعارة ~~في الضمير المستتر لا في نهاره، فلا يلزم إضافة الشيء إلى نفسه. # ويعترض على السكاكي بأنه يلزم أن لا يكون الأمر بالبناء <<لهامان>> في ~~قوله { يا هامان ابن لي صرحا } (¬2) PageV01P123 لأن المراد بهامان -على مذهب السكاكي في الاستعارة ~~- هو العملة، ولا يخفى أن الأمر له لا لهم؛ لأن النداء له والخطاب معهم، ~~فلا بد أن الأمر له أيضا ، إذ لا يجوز تعدد المخاطب في كلام واحد من غير ~~عطف ولا تثنية أو جمع ، لا يقال : "أكرمك" تخاطب "بأكرم عمر" و "بالكاف ~~زيدا" . وأما أن يقال الأمر لهامان بأن يأمر العملة بالبناء ففيه أنه خروج ~~عما نحن فيه؛ لأنه حينئذ يكون مجازا لغويا في المسند لا مجازا عقليا في ~~الإسناد ولا استعارة بالكناية بأن يراد << بابن >> الأمر بالبناء، وقد يجوز ~~أن يراد بهامان العملة، فيكون النداء والخطاب والأمر كلهن للعملة سماهم ~~باسم القائم عليهم، كأنه قيل يدعى هامان أي قومه. ولا تصح في هذا أيضا ~~مكنية السكاكي. # ويعترض بأنه يلزم على مذهبه أن يكون الربيع في قول المؤمن: " أنبت الربيع ~~البقل " والطبيب في "شفى الطبيب المريض " والرؤية في " سرتني رؤيتك " ونحو ~~ذلك مما هو فاعل هو الله تعالى أن يكن أسماء الله. وأسماء الله توقيفية على ~~الصحيح، ولم يوقفنا الشارع على تسميته تعالى بهن، ولا يقال إن مذهب السكاكي ~~أنها غير توقيفية، لأنا نقول الرد عليه ليس باستعماله هو بل باستعمال غيره ~~ممن يذهب إلى أنها توقيفية مع عدم إنكار غيره؛ فمن يقول: إنها توقيفية ولو ~~كان كما ذكر السكاكي لتركه من يراها توقيفية أو لا ينكر عليه. PageV01P124 # وأجيب بأن هؤلاء الاعتراضات مبنية على أن المكنية عنده هو اسم الشبه الذي ~~أريد به المشبه به حقيقة المثبت له لازم المشبه به، وليس كذلك أن المكنية ~~هي المشبه على ms075 أنه المشبه به ادعاء أو مبالغة لظهور أن ليس المراد ~~<<بالمنية>> في "نشبت مخالب المنية بفلان" هو السبع حقيقة، وقد صرح السكاكي ~~نفسه بهذا في ( المفتاح ) وإنما المراد بالمنية: الموت لكن بادعاء السبعية ~~له. وجعل لفظ المنية مراد باللفظ السبع ادعاء، فيكون المراد <<بعيشة صاحبها ~~>>بادعاء الصاحبية لها، و<<بالنهار الصائم >> بادعاء الصائمية له لا ~~بالحقيقة حتى يفسد المعنى. وتبطل الإضافة ويكون الأمر بالبناء <<لهامان>>، ~~كما أن النداء له لكن بادعاء أنه <<بان>> وجعله من جنس العملة لشدة ~~المشابهة، ولا يكون <<الربيع>> اسما لله تعالى حقيقة حتى يتوقف على وروده ~~من الشارع، بل المراد به حقيقة هو الماء أو الزمان المخصوص لكن بادعاء أنه ~~قادر مختار مبالغة في التشبيه لكن كما يمنع تسمية الله باسم حقيق لم يرد ~~الإذن من الشارع به كذلك تمنع باسم غير حقيق لم يرد به الشارع، وأما أن ~~يقال: إن المكنية عنده هي المشبه به ادعاء أو مبالغة فيبحث فيه بأنه إذا ~~كان المراد بالمنية الموت بادعاء السبعية لها لم يخرج عن الإسناد المجازي؛ ~~لأن حق الإنبات أن يسند إلى القادر تحقيقا لا إلى الماء أو الزمان المدعى ~~أنه قادر. ولا يقال في الجواب: المسند إلى الاستعارة بالكناية عنده ليس ما ~~هو للمشبه به بل صورة وهمية شبيهة بالمسند، فهو للمشبه حقيقة، وحقه أن يسند ~~إليه، لأنا نقول: صرح في ( المفتاح) (¬1) PageV01P125 في بحث << رد ~~المجاز العقلي إلى الاستعارة بالكناية >> أن قرينة الاستعارة بالكناية قد ~~تكون أمرا وهميا كما في << أظفارالمنية >> و<< نطقت الحال >> ، وقد تكون ~~أمرا محققا كما في << أنبت الربيع البقل >> و << هزم الأمير الجند >> ، وقد ~~قيل بتخطئة ما قيل: إن قرينتها التي هي استعارة تخييلية هو اللفظ المستعمل ~~في الصورة الوهمية لا غيره . # ولا يرد على السكاكي في دعواه الاستعارة بالكناية في نحو: " نهاره صائم ~~ليله قائم " إنه جمع فيه بين المشبه به والمشبه على الاستعارة وهما: << ~~النهار>> و << الهاء >> مثلا من كل ما هو فاعل مجاز مع فاعل حقيق، لأن ~~جمعهما على الاستعارة ms076 إنما يمنع إذا كان على وجه ينبئ عن التشبيه بأن يكون ~~المشبه به خبرا أو صفة أو حالا؛ إذ صدقه على ما جرى عليه لا يكون إلا ~~بتقدير إرادة التشبيه، والمثالان ونحوهما ليست من هذا، ونظريهما " سيف زيد ~~في يد أسد " و"لما لقيني زيد رأيت السيف في يد أسد " مرادا بالأسد فيهما ~~زيد مبالغة. والله أعلم. # ويدل لذلك جعلهم قوله:[ من المنسرح ] # لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زر أزراره على القمر (¬1) # من الاستعارة مع ذكر المشبه والمشبه به وهما << القمر >> و << ضمير >> ~~أزراره أو << ضمير >> غلالته، والبلى( بكسر الباء) والقصر "بلي الثوب صار ~~خلقا وإذا فتح مد والغلالة: شعار يلبس تحت الثوب، وزر: عقد وأزرارة جمع زور ~~وهو: العقدة التي تدخل في الأخرى، و << الهاء >> للشخص المشبه بالقمر.والله أعلم . # باب حذف المسند إليه PageV01P126 قدمت الحذف على الذكر لأنه عدمي، والعدم ~~سابق على الوجود والحذف فيه عدم الوجود ولو كان بعد ذكر، ولا سيما أن ~~المراد بالحذف هنا: أن لا يؤتى بالمسند إليه رأسا لا أن يذكر ثم يحذف. ~~والمسند إليه الركن الأعظم كأنه قد ذكر ثم حذف ولو لم يذكر قط، ووجه ~~أعظميته أنه الموصوف، والصفة عارضة على الموصوف وفرعه، وإنما تتصور به يحذف ~~بوجوه، منها: # أن يدل عليه دليل واضح حتى يكون ذكره كالعبث، فإن كونه ركنا من الكلام لا ~~ينافي حذفه، لأن ركنيته والحاجة إليه باقيتان مع حذفه، إلا أنه لم يلفظ به، ~~فهو مستحضر ولا بد ولا خفاء فيه، فهذا ركنيته والحاجة إليه ولوجود ~~الاستحضار بلا تلفظ به ولا خفاء ولا تكلف صار التلفظ به كالعبث، ومع ذلك لو ~~ذكر لم يكن عبثا، فإن الذكر أدل من القرينة على المقصود، وكيف يكون ذكر ما ~~توقف عليه الكلام عبثا؟ ولذلك لم أقل عبثا بل كالعبث، وذلك إذا لم يكن داع ~~إلى ذكره، فإن كان فإنه يذكر مع وضوح الدلالة عليه؛ كذكره مع العلم به ~~للتلذذ أو التبرك، فترجح الذكر للتلذذ ونحوه، لأن الذكر الأصل. وقد تجتمع ~~النكت ms077 للحذف أو للذكر أو للوصف أو للتنكير أو غير ذلك من أحوال المسند إليه ~~والمسند والفضلات، لكن المدار على القصد والملاحظة، ومثال الحذف لدليل ~~قولك: << قائم >> في جواب: << كيف زيد ؟ >> PageV01P127 ومنها: أن يخيل ~~المتكلم للسامع بالحذف أنه عدل إلى أقوى الدالين وهما: اللفظ والعقل، ~~وأقواهما هو العقل، لكن لا مطلقا عندي بل من حيث أن الإدراك به؛ أعني أنه ~~يوقع ذلك في خيال السامع ووهمه، وذلك التخييل يوجب نشاط السامع ويوجه عقله ~~إلى المسند إليه زيادة توجيه؛ وذلك أن اللفظ يدل على معناه والعقل أيضا يدل ~~على معنى ذلك، فإذا ذكر اللفظ كان دالا على معناه بواسطة العقل - فللعقل ~~دلالة أيضا غير مستقلة لبنائها على ذكر اللفظ - كما أن دلالة اللفظ غير ~~مستقلة لأنها باستعمال العقل، والمعتبر في ذلك دلالة اللفظ، فقد دل بالعقل؛ ~~فهذه كلها دلالة اللفظ.وإذا حذف اللفظ دل على معناه العقل، وهذه دلالة ~~العقل وهي أقوى لافتقار اللفظ إليه، ولا بد فإن اللفظ لا يمكن أن يفهمك ~~شيئا بدون العقل، بخلاف العقل فإنه يمكن أن يفهمك شيئا بدون توسط (¬1) اللفظ. # وقال عصام الدين: كانت دلالة العقل أقوى لأنها لا تتخلفه بخلاف الدلالة ~~الوضعية وإنما قلت: يخيل لأن دلالة العقل ولو مع حذف اللفظ لا تستقل، بل ~~إنما يدل العقل بواسطة اللفظ المحذوف. وقد يمكن أن يدل بالقرائن على ذات ~~المسند إليه مع قطع النظر عن الألفاظ، لكن هذا خارج عن المعتاد من أن فهم ~~المعاني قلما ينفك عن تخيل الألفاظ. # وقال بعضهم: الدال حقيقة هو اللفظ فقط، وأن نسبة الدلالة إلى العقل تسمح ~~لأنه آلة للعلم بالدلالة، وعليه فليس في الحقيقة عدول عنه ولا دليل غيره، ~~ولما كانت دلالة اللفظ بمعونة العقل توهموا أن العقل دال وهذا محقق عندي. ~~وقد قيل أيضا: المدلول عليه بالقرائن هو اللفظ المحذوف لا ذات المسند إليه ~~فينتقل منه إلى ذاته، وهذا أولى من العكس عندي، لأن المسند المذكور يعنى ~~على اللفظ المحذوف لا مجرد الذات، قال الشاعر:[ من الخفيف ] PageV01P128 قال لي: ms078 كيف أنت ؟ قلت: عليل ... سهر ~~دائم وحزن طويل (¬1) # ... ... أي أنا عليل؛ فحذفه للاحتراز عن شبه العبث أو للتخييل أو كليهما، ~~قال عصام الدين في ( الأطول ) لم يقل: << أنا عليل >> لئلا يتبدل ما عبر به ~~السائل عن ذاته لاستلذاذه ما عبر به، أي عبر عنه السائل << بأنت >> فلم ير ~~أن يجعل في جوابه لفظ << أنا >>. # ... ... ومنها اختبار السامع هل يعرف المحذوف بالقرينة؟وإنما صح الاختبار ~~لأنه ليس الواجب على المتكلم إفهام السامع، حتى إنه لا يحذف اللفظ إلا وقد ~~اعتقد بالقرينة أن السامع يفهم بها ويجزم بفهمه، بل الواجب عليه نصب قرينة ~~صالحة لا يفهم بها السامع، ويظن أنه يفهم بها أو يشك أن يفهم بها سواء أكان ~~يفهم بها أم لا، كقولك لغلام يبكي جوعا: " أحاضر " تريد الجوع حاضر، فحذفته ~~لتعلم هل يعرفه. # ومنها اختبار مقدار فهمه بالقرينة؛ هل يفهم بالخفية إذا علمت أن له أصل ~~الفهم؟ ، مثل أن تقول لغلام: "دادق أجرام مضيئة حين لا شمس" تريد "الكواكب ~~أجرام " الخ، ومثل أن يحضر شخصان أحدهما أقدم صحبة فتقول: " أهل للإحسان ~~والله " وتريد << زيد >> الذي هو أحدهما وأقدم صحبة << أهل للإحسان >> ~~وحذفت << زيدا >> لتعرف ما مرتبة الآخر في الفهم . PageV01P129 ومنها صون المسند إليه عن السمع أو ~~المحل، أو صون السمع أو المحل عنه أولسانك عنه، أو صونه عن لسانك، أو إيهام ~~صونه عن السمع أو المحل أو السمع أو المحل أو لسانك عنه، أو صونه عن لسانك. ~~فصونه عن اللسان أو السمع أو إيهام هذا الصون تعظيم له وتحقير للسان ~~والسمع، وصون اللسان أو السمع وإيهام هذا الصون تعظيم للسان أو السمع ~~وتحقير له. وعلى كل حال فالمراد: تعظيم المصون والمصون عنه لا مجرد ترك ~~الذكر، فضلا عن أن يقال: إن في الحذف حقيقة الصون لا إيهامه، وقد يدعى صونه ~~عن تنجسه بواسطة المرور على اللسان فيكون إيهام صون، مثال ذلك أن يقول: " ~~من الكنيف آت " يريد الإمام آت، فقد صان عن لسانه أو السامع إذ كان في ~~الكنيف، وأن تقول: ms079 " آتية " تريد << فلانة الفاسقة آتية >> صنت لسانك أو ~~السامع أو كليهما عنها أو المسجد أو محل الذكر أو مع ما ذكر ، وأن تنزل ~~شيئا منزلة القبيح ادعاء ، أو ترفع له من قدره ادعاء ، فتعمل على ذلك في ~~إيهام الصون ، وأن توهم أن المحذوف يحبس اللسان أو السمع أو يضره. # ومنها أن يمكن الإنكار إذا احتيج إلى الإنكار، نحو قولك: " فاجر فاسق " ~~عند قيام القرينة على أن المراد << عمرو >>، فالتقدير " عمرو فاجر فاسق " ~~وحذفته ليمكن لك إذا عنفت على ذلك أن تقول: " ما أردت عمرا بل غيره ". PageV01P130 # ومنها تعينه لكون المسند لا يصح إلا له أو لكماله فيه؛ بحيث لا يسبق ~~الذهن إلى غيره، أو لكونه متعينا بين المتكلم والمخاطب ولا يتكرر ذلك مع ما ~~مر من الاحتراز عن شبه العبث؛ لأن مدار الدواعي والمقتضيات على القصد. وقصد ~~التعيين غير قصد الاحتراز؛ فقد يقصد أحدهما، وقد يقصدان معا، وكذا الحال في ~~جميع الدواعي قد يقصد منها اثنان فصاعدا، أو ايراد البعض؛ وذلك إذا لم يكن ~~تناف، ولو قسمنا شبه العبث من أول الأمر إلى شبه عبث بسبب دلالة القرينة ~~دلالة واضحة، وإلى شبه عبث بسبب عدم صلاحية المسند لغير المسند إليه، وإلى ~~شبه عبث بسبب كماله فيه وإلى شبهه بسبب تعينه بين المتكلم والمخاطب، أو ~~يدخل [.......................................] اسم الله أو رسوله - صلى ~~الله عليه وسلم - ،وحذف لم يجز أن يقال: تحرزا عن العبث أو شبه العبث، نحو: ~~" خالق لما يشاء فعال لما يريد " أي الله تبارك وتعالى خالق لما يشاء فعال ~~لما يريد ، ونحو: " خير الخلق " أي محمد - صلى الله عليه وسلم - خير الخلق ~~فيقال: [........] للتعين [....... ]حذف [........]عن العبث [ أو شبهه ] ~~لم[..........] ذلك من [........... ] الأدب. # ومنها ادعاء التعين، نحو: "وهاب الألوف " تريد: السلطان وهاب الألوف، أو ~~"زيد وهاب الألوف " أو نحو ذلك. ولك أن تقول: التعيين بياءين، إذ تدعي أنه ~~قد تعين أو أنك قد عينته. # ومنها الضجر بذكره؛ إذ كثر ذكر المتكلم له، أو إذ كثر ذكره بين الناس، أو ~~عيي ms080 بكلام آخر، أو بضعف بدنه، أو نحو ذلك. # ومنها خوف فوت الفرصة، والفرصة قطعة من الزمان، يفوت بها المقصود، وقيل: ~~ما يغتنم تناوله، نحو قولك: " دينار" أي: "هذا دينار" إذا رأيته في الأرض ~~فحذفت << هذا >> مسارعة للفظ دينار ليأخذه من الأرض خديمك، وقولك: "عقرب " ~~أي "هذه عقرب" حذفت << هذه >> ليغتنم سامعك تناولها بالقتل، وقول الصياد:" ~~غزال، غزال" أي: "هذا غزال فاصطادوه" . PageV01P131 # ومنها المحافظة على الوزن كقوله: " قلت: عليل "، فلو قال: "أنا عليل " ~~لفات الوزن. # ومنها المحافظة على السجع نحو: " من طابت سريرته حمدت سيرته " ببناء حمدت ~~للمفعول بعد حذف المسند إليه وهو: << الناس >> ، ولو قال: " حمد الناس ~~سيرته " بالبناء للفاعل لفات السجع لاختلاف حركة الروي، وكلا الإسنادين ~~حقيقة . # ومنها المحافظة على القافية، كقوله: " ولا يوما أن ترد الودائع"، فلو ~~قال: " أن يرد الخلق الودائع " لفاتت بالنصب بل تعاب وفات الوزن أيضا. ~~واعلم أنه لا يشترط في النكت أن لا تحصل النكتة إلا من الوجه الذي يذكر، بل ~~يعتبر ما استحضره المتكلم، كما أن الصورة على الصحيح ما اتفق للشاعر مما لا ~~يقع في النثر أصلا أو إلا شاذا، فلا يقال: إن فوت السجع أو القافية إنما هو ~~فيما إذا وجب تقديم المسند الذي به يتحصل السجع أو القافية، وأنه إذا لم ~~يجب وكان المسند إليه يحصل به السجع أو القافية فلا حاجة إلى حذف المسند ~~إليه، بل لو قدم عليه المسند لكان السجع أو القافية بحاله. # ومنها الإخفاء عن غير المقصود بالسماع من الحاضرين، مثل: أن تكون عندك ~~جماعة فتقول: " آت " تريد "زيد آت"، فحذفته ليعرف مقصودك فقط منهم لقرينة ~~عنده ولا يعرفه غيره، وإن لم يكن غيره سامعين فلا حاجة إلى الإخفاء. # ومنها اتباع المثل أو شبهه نحو: " رمية من غير رام " أي:" هذه رمية من ~~غير رام " أي "رميته مصيبة من غير رام مصيب " بل من رام مخطئ، وهو مثل يضرب ~~لمن صدر منه ما ليس أهلا للصدور منه من الأمور المستحسنة. PageV01P132 # ومنها في ترك نظائره، كقطع الصفة ms081 إلى الرفع نحو: "الحمد لله الحميد " ~~ونحو: " اللهم ارحم عبدك المسكين، والطف بعبدك الضعيف " وقد يقال: الحذف ~~هنا للمدح أو الترحم كالحذف تقدم للذم في: " أعود بالله من الشيطان الرجيم ~~" (بالضم )، ووجه هذا أن الممدوح معروف بلا ذكر المسند إليه، وكذا فيما ~~بعده. وقال عصام الدين: الحذف في ذلك للاحتراز عن مخالفة القياس وضعف ~~التأليف، فهو من متعلقات البلاغة التي مرجعها علم البلاغة، ولا تعلق له ~~بمقتضى الحال الذي هو وظيفة المعاني، وهكذا الكلام في كل ما يجب فيه حذف ~~المبتدإ. والله أعلم . # باب ما لا يجوز حذفه من المسند إليه # إلا للضرورة أو التقاء ساكنين PageV01P133 وليس الحذف لهما غرضا هنا، ~~وهو: الفاعل ونائب الفاعل، وأجاز الكوفيون حذفهما لدليل نحو: " قام وقعد ~~الزيدون " فأيهما أعملت عندهم قدرته الواو للآخر، والكلام في حذف المسند ~~إليه مع إقامة شيء مقامه أو بدون إقامة، وحيث يكون لغرض معنوي كما هو ~~اللائق بالفن لا مجرد أمر لفظي كالتقاء الساكنين، فمن الحذف مع إقامة شيء ~~لغرض حذف الفاعل وإبانة غيره لغرض كالخوف منه، أو عليه، أو الاختصار، أو ~~نحو ذلك؛ ففيه حذف المسند إليه وتعويض الآخر عنه، وفيه أنه يحذف المسند ~~إليه الذي هو الفاعل إذا بني الفاعل للمفعول ولو لم يدل عليه دليل، وبهذا ~~خالف سائر حذف المسند إليه. وقيل: حذف الفاعل وإقامة غيره لا يناسب ذكره ~~المقام، وليس كذلك لأنه عبارة أخرى غير عبارة البناء للفاعل على خلاف ~~الاستثناء المفرغ، فإنه لا يعد في هذا المقام للنيابة مع اتحاد العبارة، ~~نحو: "ما قام أحد إلا زيد" و " ما قام إلا زيد " ولا يحتاج فيه لقرينة فيما ~~قيل وليس كذلك عندي فلو أردت أنه لم يقم عمرو ولا بكر ولا خالد بل زيد لم ~~يجز لك أن تطلق " ما قام إلا زيد " لتوهم أنه: << ما قام أحد من أهل البلد ~~أو نحو ذلك إلا زيد >>، فلا بد أن تنصب قرينة تدل على أنك احترزت عن ~~الثلاثة، ولا بعد من المقام حذف فاعل المصدر، ولا ms082 يحتاج حذفه لقرينة.واعلم ~~أن القرينة المعينة مصححة للحذف، والكلام في القرينة المرجحة التي يختص ~~البليغ بملاحظتها، لأن العامي أيضا يحذف لوجود القرينة. والله أعلم. # باب ذكر المسند إليه PageV01P134 ... يذكر إذا لم يكن داع لحذفه، لأن ~~الأصل الذكر، والداعي لحذفه يكون في قصد المتكلم، فإذا لم يكن ذكر ولم ~~يحذف، ولو وجدت القرينة ولاسيما إن كانت القرينة خفية - فإنه يتأكد ذكره ~~احتياطا، لعل المخاطب لا يفهم بها لو حذف. واللفظ أقوى من القرينة العقلية، ~~لكن لا مطلقا عندي بل من حيث أنه ينتفع به في الدلالة مع أدنى عقل، ولا ~~حاجة معه إلى شدة بحث. وقيل: جنس القرينة العقلية أقوى من جنس اللفظ، وبعض ~~أفراد اللفظ أقوى من القرينة العقلية. # ويذكر المسند إليه مع وضوح القرينة إذا كان المقصود بالسماع غبيا لا يفهم ~~إلا بذكر، أو كان يفهمه ولكن يذكر له تنبيها على غباوته في سائر أمره أو في ~~بعض مخصوص، فيجري ذكره له مجرى التوبيخ على غباوته، أو يذكر له إهانة. ولو ~~كان ذكره في ذلك كالعبث بالنسبة لغيره لأن له داعيا لذكره وهو الغباوة، ~~مثال ذلك أن يقول: الغبي: " ماذا قال زيد " فتقول: " زيد قال كذا " ولو كان ~~لا يجوز على السامع غفلة عن سماع وعدم فهم تنبيها على أنه غبي لا ينبغ ~~الخطاب معه إلا هكذا. PageV01P135 # ويذكر أيضا لزيادة إيضاحه في ذهن السامع وتثبيته بحيث لو لم يذكر لعلمه ~~تحقيقا؛ فبذكره تجتمع الدلالة اللفظية والعقلية، ولا يصح التمثيل بقول الله ~~سبحانه وتعالى { أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون } (¬1) فعلى أن ~~<< هم >> ضمير فصل أو<< حرف >> ليس بمسند إليه قبله وهو:<< أولئك >> لزيادة ~~الإيضاح والتثبيت، ولو حذف لتبعه << هم >> في الحذف، لكن لا يبقى دليل على ~~المحذوف، بل يبقى عطف المفرد على الخبر هكذا: "أولئك على هدى من ربهم ~~والمفلحون". نعم لو تبعته( الواو) في الحذف لقيل: " أولئك على هدى من ربهم ~~المفلحون" فيكون<< المفلحون >> خبر المحذوف يدل عليه المقام، ولكن مطلقا لا ~~يفيد كونه أولئك أو ms083 لفظ << أولئك >> مع << هم >> أو لفظ << هم >> الذي يكون ~~مبتدأ، ومع ذلك لا يتعين الحذف لجواز أن يكون << المفلحون >> حينئذ خبرا ~~ثانيا، وهو المشهور عن جواز تعدد الخبر. وأما إن جعلنا << هم >> مبتدأ ~~ثانيا فلو حذف << أولئك >> لم يدل عليه لبقاء المسند إليه الآخر الذي في ~~معناه وهو<< هم >> بتعطف الجملة على الجملة أو على الخبر، سواء حذف << ~~أولئك >> مع << هم >> ؛ فالكلام فيه كالكلام فيما قبل . PageV01P136 ويذكر أيضا المسند إليه لتعظيمه ~~بذكر اسمه الدال على عظمته نحو: " أمير المؤمنين حاضر" إذا دل عليه دليل ~~ولو حذف، مثل أن يجري له ذكر في كلام المتكلم أو غيره، مثل أن يقال:"هل حضر ~~أمير المؤمنين " ولو قيل: "حضر" أو " نعم " لكفى، ولكن ذكر لذلك ولو لم يدل ~~دليل لم يحذف، وكذا ما أذكر بعد، وإنما لم أقل لإظهار تعظيمه؛ لأن لفظ ~~الإظهار يكفي عنه قولي بذكر اسمه فلا يرد علي أن التعظيم قد يحصل بمجرد ~~الإسناد إلى المسند إليه المحذوف؛ فإنك إذا قلت: "حاضر" لم يحصل تعظيمه ~~أصلا، وإن حصل فليس حاصلا بذكر اسمه، والمراد حصوله بذكر اسمه، فلو قلت: ~~لإظهار تعظيمه بذكر اسمه لصح وكان بسطا، ولو قلت: إظهار تعظيمه لصح، لأنه ~~علة للذكر فنقول الذكر ولو حصل مع حذفه، لكن أردنا تعظيمه بالذكر، ~~فالعبارات الثلاث كلهن صحيحات ولو قيل: لتعظيمه لضعفت العبارة، لأنه قد ~~يحصل التعظيم مع الحذف لكن تصح لأنها تفيد أن التعظيم بالذكر هو المراد هنا ~~لا مطلق التعظيم، ويذكر أيضا لإهانته باسمه الدال عليها نحو: " السارق ~~حاضر" و"اللئيم حاضر" مع وجود دليل عليه لو حذف، مثل أن نقول ذلك بعد ذكره ~~في كلامك أو كلام غيرك، مثل أن يقال:" هل حضر عمرو" فتقول ذلك، أو " هل حضر ~~سارق أو لئيم " ولو قيل " حاضر "أو "نعم" لكفى. PageV01P137 # ولكن ذكر لذلك وفي ذكر إظهار مع لفظ الإهانة ما ذكرته قبل هذا، ويذكر ~~أيضا تبركا بذكره مع أنه لو لم يذكر لدل عليه ما قبله، مثل أن يقال: " هل ~~قال هذا ms084 القول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ " فتقول: رسول - صلى ~~الله عليه وسلم - قائل هذا القول " ، أو تجيء بالجملة الفعلية فتقول : "قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا القول" ، فلو شئت لحذفت المسند إليه ~~في الاسمية ، ولو شئت الحذف لجعلتها اسمية فحذفت المبتدأ ، ولو شئت لقلت :" ~~نعم " لكنك ذكرت المسند إليه تبركا ، ويذكر أيضا للتلذذ بذكره - كالمثال ~~المذكور - إذا كان المتكلم يلتذ بأن يذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~. وكقولك: "الحبيب حاضر" إذا كان يعرف بلا ذكر، وذلك أنه يستلذ أن يذكره ~~أي: يجده لذيذا فيذكره ليحصل له الالتذاذ، ويذكر لشدة الشوق ويصلح لها ~~وللتبرك قول الأخضري [ من الرجز ] # محمد أجل من أهواه ... محمد شبعت من ذكراه # محمد يا فوز من يراه ... محمد أفلح من أتاه # محمد يا ليتني القاه ... محمد محبه?بشراه # محمد.سيد من سواه. ... محمد صلى عليه الله. # ... وقولك محمد - صلى الله عليه وسلم - زرته أو محمد لم تزره ويذكر أيضا ~~لبسط الكلام في المقام الذي يكون فيه السماع محبوبا للمتكلم لعظمته وشرفه، ~~ولهذا يطال الكلام مع الأحباء، كقوله تعالى عن موسى { هي عصاي } (¬1) PageV01P138 إلى { أخرى } ، وإنما قال السعد [ ~~التفتازاني ] : << وعليه قوله تعالى>> ولم يقل << كقوله تعالى>> ؛ لأن ذكره ~~بعد قول الخطيب[ القزويني] حيث الإصغاء مطلوب ، والله لا يوصف بالإصغاء ~~لأنه إمالة الأذن ، ولم يرد الأذن من الشارع في وصفه تعالى به ولو مجازا ، ~~فلم يصح وصفه به على تأويله بمطلق الإقبال على المتكلم ، فليس كما قيل: إنه ~~يجوز على هذا التأويل ، وإنما أجمل في قوله << مآرب أخرى>> مع أن المقام ~~مقام بسط، لأن هذا الإجمال يقتضي أن يقع السؤال عن تفصيله فتحصل زيادة ~~البسط ، فهو يترقب السؤال من الله تعالى عن تفصيله فليتذ بخطاب الله إياه ، ~~أو لأنه اسشعر من الله جل وعلا أن يريه في العصا عجائب وخوارق ولم يعلم ~~تفضيلها، أو كان عالما بتفضيلها ولكن أخذه الدهش ، ولولا أن المقام للبسط ~~لقال << عصا>>، لأن عصا هو الجنس لا << عصاي>>، وما للسؤال عن الجنس، ولما ms085 ~~كان له قال: << هي>> وأضافها لنفسه وذكر أوصافا ، فأجاب ما بالشخص وهو << ~~عصاي>> بالإضافة لا بالجنس وهو << عصا>> بلا إضافة، لأن الجنس في ضمن هذا ~~الشخص وهو << العصا>> المخصوصة بموسى . وقد تكون ما للسؤال عن الصفة عند ~~السكاكي، وقد ذكر صفة العصا في جوابها وهي: << التوكؤ عليها والهش بها ~~>>كأنه حملها على الجنس، فأجاب به في ضمن فرد، ثم قال: لعل الله سألني عن ~~الصفة، فجاء بالصفة. # ويذكر للتهويل نحو: " أمير المؤمنين يأمرك بكذا " إذا كان لو قلت: "آمر ~~لك بكذا" لفهم، فذكر اسم الأمير باسم الإمارة للمؤمنين تهويلا على المخاطب ~~ليمتثل أمره، ولو ذكرته باسم آخر لا يفيد ذلك وكان مسندا إليه - لكان ~~كحذفه، مثل أن يكون اسمه زيدا فتقول: " زيد يأمرك " أو " يأمرك زيد" ولم ~~أقل لإظهار التهويل لأن فرض الكلام في إفادة التهويل بذكر المفيد للتهويل ، ~~فالتهويل المفاد بالذكر زائد على التهويل الحاصل مع الحذف، أو بذكر الذات ~~بالاسم الذي لا إشعار له بالعظمة . PageV01P139 # والتهويل بلفظ يشعر بها تهويل مظهر فإن الإمارة تفيد العظمة مطلقا، بخلاف ~~لفظ << زيد >>فإنه لا إشعار له بلفظ العظمة إلا من حيث دلالته على الذات ~~المعظمة، هذا ما ظهر لي في تحقيق المقام. فلا حاجة كما قيل إلى ذكر لفظ ~~إظهار لزيادة بيان، ويذكر أيضا لإظهار التعجب كقولك: " الصبي قاوم الأسد " ~~ولو قلت: " مقاوم الأسد " بحذف الصبي أو ذكرت الصبي باسمه وهو << زيد ~~>>مثلا لم يفد أن المتكلم قد تعجب من مقاومته إلا بدلالة الحال التي هي ~~كونه في نفس الأمر صبيا ولا إشعار للفظ بها، بخلاف ما إذا قلت: " الصبي ~~قاوم الأسد " فلفظ الصبي مشعر بالتعجب لضعف الصبي في الجملة، فكيف قاوم ~~الأسد ؟ . ومثل بعض للتعجب بقولك " ما أحسن زيد " أو " زيد يقاوم الأسد " ~~ويذكر أيضا لإشهاد المتكلم السامع على ثبوت المسند للمسند إليه نحو قول ~~الإنسان:" هذا الشيء لفلان " ليقع الإشهاد عليه إذا قال ذلك شهد سامعه، ولا ~~يصح التمثيل بقولك: " فلان شاهد في هذه القضية "، وصح التمثيل بأن يقال ms086 ~~لشاهد واقعة لينقل عنه ما وقع لصاحب الواقعة عند قصد إشهاد الناقل: " هل ~~باع هذا كذا " فيقول المشهود على شهادته الذي قصد الناقل: " زيد باع كذا " ~~ليتعين زيد في قلب الشاهد على الشهادة، ويذكر أيضا لتعيين الذي قصد تسجيد ~~الحكم عليه، أعني كتابته في السجل، أي: الورقة حتى لا يجد السامع الإنكار، ~~مثل أن يقول الحاكم: "هل أقرهذا على نفسه بكذا " فيقول الشاهد: " نعم أقر ~~زيد هذا على نفسه بكذا " لئلا يجد السامع السبيل إلى أن يقول للحاكم عند [ ~~التسجيل: "إنما فهم الشاهد أنك أشرت ] إلى غيري" فأجاب: ولذلك لم أنكر ولم ~~أطلب التأخير إلى بيان الأمر، ويذكر لوزن أو قافية أو سجع، قيل ويذكر ~~للتعبد نحو قول المؤذن الله أكبر الله أكبر قلت: يقال إنما كرر شرعا ~~للتعظيم. والله أعلم . # باب تعريف المسند إليه بالنداء PageV01P140 نحو: " يا رجلا " لمعين فإنه ~~بمنزلة قولك: "يدعى هذا الرجل" (ببناء يدعى للمفعول)، وهو إنشاء لا إخبار، ~~ولهذا يتبع المعرف المنادى بالرفع، ولكن المشهور التأويل << بأدعو>> ؛ ~~فالضم في التابع لكون حركة النداء كحركة الإعراب، إذ تحدث بحدوث حرف النداء ~~كحدوث حركة الإعراب لعامل ، فالاتاع بالنصب لأنه مفعول به ،وعلى الأول ~~فالاتباع بالنصب لأنه ولو كان نائب الفاعل لكنه مفعول به في الأصل ،وساغ ~~اتباع محله بالنصب لأنه ليس مع حرف النداء على صورة المبني للمفعول ونائب ~~الفاعل وعلى الوجه الأخير وهو: تقدير أدعو . فتعريفه بالنداء كتعريف المسند ~~إليه لأن ما للمسند إليه والمسند من الأحوال هو للفضلة والتعريف في " يا ~~رجل " بالنداء للإشارة إلى حصة معينة من الجنس، فهو بمنزلة (اللام )في ~~العهد الخارجي، وربما يقصد منه تعيين الجنس لاعتباره في ضمن كل فرد، ونحو: ~~قوله تعالى { ياأيها الإنسان ما غرك } (¬1) ، قوله تعالى { ياأيها الإنسان ~~إنك كادح } (¬2) بمنزلة الاستغراقي والأصل أي: الراجح في المسند إليه ~~التعريف ليكون الحكم على شيء معين عند السامع، وفي المسند إليه التنكير ؛ ~~لأن المقصود ثبوت معناه لشيء، والتعريف زائد عليه يحتاج لداع، ولأن الأصل ~~فيه أن يفاد جاهله ، والمجهول ms087 يناسبه التنكير . ونكتة تعريف المسند إليه ~~بأي طريق من طرق التعريف قصد المتكلم إفادة المخاطب فائدة كاملة، ولكل ~~تعريف خاص نكتة زائدة على هذه العامة تراها في أبوابها، إن شاء الله تعالى. ~~والله أعلم . # باب تعريف المسند إليه بالإضمار PageV01P141 وهو يكون بضمير المتكلم إن ~~كان المقام للتكلم، إذا لم يكن مقتض للعدول نحو: " قمت " (بضم التاء ) و" ~~أنا قائم " و" أقوم". وإن كان مقتض للعدول عدل عنه كقول أمير المؤمنين عن ~~نفسه: "أمير المؤمنين يأمرك بكذا " تهويلا للامتثال بدل " أنا آمرك" ويشعر ~~بالتكلم ضميره لا ضمير المخاطب والغائب، وبضمير المخاطب إن كان المقام ~~للخطاب ولا داعي للعدول عنه، نحو: " ضربت " (بفتح التاء أو كسرها) و"أنت ~~ضارب "و" تضرب يا زيد" وإنما يشعر بالخطاب ضميره لا ضمير التكلم وضمير ~~الغيبة، وبضمير الغيبة إن كان المقام لها ولا داعي للعدول عنها، نحو:" زيد ~~قام " و" هو قائم " و"الزيدان قاما" وإنما يشعر بها ضميرها لا ضمير المتكلم ~~والمخاطب، وإن دعا داع إلى غير ذلك، كنكت الالتفات عدل عنه. # واعلم أن الاسم الظاهر من قيل الغيبة، ومع ذلك مثلت لها بما ذكر فيه ~~الظاهر، وعاد إليه ضمير الغيبة؛ لأن مرادي الغيبة في الضمير الراجع إليه لا ~~غيبته، وأنت خبير بأن في الخبر الجملي إسنادا، وبين جزءي الجملة وفي ~~المبتدإ معه إسنادا بينهما، وكذا الخبر الوصف، وقيل: لا إسناد بين المبتدإ ~~وخبره، فلا يلزم التمثيل بضمير غيبة، رجع إلى غير مذكور لدلالة لفظ أو حال ~~عليه "حتى توارت " أي الشمس و" هو أقرب للتقوى " و"ربه رجلا" و" نعم فتى ~~زيد "، وقيل هذين في نية التأخير عن مرجعهما، وليس كذلك أصل الخطاب أن يكون ~~لمعين مشاهد فصاعدا، فالخطاب بصيغة الواحد لواحد معين، والخطاب بصيغة ~~الاثنين لاثنين معينين، والخطاب بصيغة الجماعة لجماعة معينة أو للجميع، ~~كقوله تعالى { اعبدوا ربكم } (¬1) PageV01P142 وقوله - صلى الله عليه وسلم - ( أطيعوا ربكم ) ~~وذلك أن وضع المعارف على أن تستعمل لمعين مع أن الخطاب توجيه الكلام إلى ~~حاضر، ولا يردان المعرف بلام العهد الذهني ms088 ، لأنه معين في ذهن السامع ، ولو ~~لم يعين في ظاهر اللفظ ، فليس كما قيل : إنه لا يكفي إلا أن يستعمل في معين ~~في الخارج وظاهر اللفظ، وهو معين ذهنا لا خارجا ، وإن سلمنا فالجواب: أنه ~~حكم النكرة بحسب اللفظ، والكلام في معرفة ليست في حكم النكرة ، أو أن ~~المعرف << بلام العهد الذهني>> يستعمل في الجنس ، وإن كان باعتبار وجوده في ~~ضمن فرد ما غير معين ، والجنس معين في نفسه، فلفظ المعرف << بلام العهد >> ~~يعين المعنى الذي هو الجنس ؛ فإذا قلت: " جاء الرجل " لمعهود في ذهن السامع ~~فقد أشرت إلى حقيقة الرجال، فيأخذ منها السامع معهوده . ولا ترد النكرة إذا ~~قلنا: إنها موضوعة للجنس لا لفرد ما غير معين، لأنها في هذا القول وضعت ~~للجنس في غير اعتبار التعين، ولو تحقق إنما اعتبر في المعرف ( بلام العهد)، ~~مع أن الصحيح: أن النكرة وضعت لفرد غير معين بقي ما إذا وجه الخطاب لواحد ~~من الجماعة مبهم فإنه غير معين، وأما الحضور فهو حاضر الجواب: أنه يكفي ~~تعيينه في ذهن المتكلم. PageV01P143 # ... وقد يكون الكلام موجها إلى معين غير مشاهدة (بفتح الهاء ) تنزيلا ~~منزلة المشاهد، نحو: { إياك نعبد وإياك نستعين } (¬1) ، وقد ينزل الغائب ~~منزلة الحاضر وذلك لغرض - كما يأتي في الآية إن شاء الله تعالى - ، وقد ~~يؤتى بالخطاب لغير معين ليعلم كل من يصلح له على سبيل البدل لا الشمول بمرة ~~؛ لأن الخطاب لا يخرج عن أصل وضعه من كل وجه حتى يكون كالنكرة في العموم ~~تارة للبدلي وتارة للشمولي ، بل يصاحبه الإفراد المناسب للتعيين ، وللإشارة ~~إلى أن العموم فيه هو العموم الذي هو أصل هذا الأصل، فإن الضمير في الأصل ~~وضع وضعا عاما بدليا؛ (فأنت ) وضع لتخاطب به << بكرا>> أو << عمرا>> أو ~~غيرهما ممن تشاء ؛ فإذا استعملته في << بكر>> مثلا فهذا أصل ثان وفيه ~~تعيين، وإذا قلت : "أنت تجزى بما عملت " وأردت به كل مكلف كان عموما بدليا ~~بمعنى أنك استعملته ليتأوله كل أحد على حدة لنفسه لا على معنى أنتم بالشمول ~~. وذكرت ms089 من مصاحبة الإفراد إنما أردت به في صيغة ضمير خطاب الواحد، فإن ~~المتحقق أنه يجوز استعمال صيغة الاثنين أو الجماعة في العموم البدلي أيضا ~~فيصاحبها التثنية أو الجمع المناسب للتعيين - على حد ما مر آنفا - كقولك: ~~"أنتما تبعثان وتسألان عما فعلتما في صحبتكما " تشير إلى كل اثنين كل اثنين ~~على حدة " وأنتم تبعثون وتسألون" تشير إلى كل جماعة كل جماعة على حدة ~~تصاحبوا، كذا ظهر لي. PageV01P144 ثم رأيت ما يفيده لبعض، ولكنه استظهر ~~أن العموم معنى في الجمع في مثل ذاك لا بدلي، ونظير ذلك عندي في باب لا ~~النافية للجنس جزما، أن تقول: " لا رجلين " تفيد نفي جنس تثنية رجل، "ولا ~~رجال " تريد نفي جنس جميع رجل، أي: لا تجد رجلين كائنين ما كان، ولا رجالا ~~كائنين ما كانوا؛ كأنه قيل لا فلانا وفلانا، ولا فلانا وفلانا وهكذا، وكأنك ~~قلت: << لا ثلاثة من الرجال ولا ثلاثة أخرى ولا ثلاثة أخرى >>، وهكذا لا ~~جماعة من جماعاتهم، كما تقول:" لا رجل " بنفي كل فرد فرد. # ومن تعميم الخطاب قوله تعالى { ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ~~ربهم } (¬1) أي: لو ترى يا كل من تأتي منه الرؤية لأن حالهم تناهت في ~~الظهور لأهل الموقف من الخجل والذل واسوداد الوجه وغبرته ، و<<لو>> وإن ~~كانت للامتناع من الرؤية لكن إدخالها للإشعار بأن رؤية حالهم مع عمومها ~~تكاد تمتنع لفضاعة حالهم وعدم وفاء طاقة أحد بمشاهدتها ، ومطلق النفي لا ~~يمنع المسألة، لأن الحكم في النفي والإثبات في إرادة العموم البدلي ~~سواء.والله أعلم. # باب تعريف المسند إليه بالعلمية PageV01P145 معنى ~~العلمية: كونه علما وتفسيرها بإيراده علما تفسير باللازم البياني، إذ يترتب ~~على كونه علما إيراده علما، أي: الإتيان به علما، أو تفسير بالمسيب، وليس ~~كما قيل: إن العلمية مصدر المتعدي، لأن العلمية( بفتح اللام ) نسب إلى ~~العلم النحوي ( بفتحها أيضا)، وهو من معنى العلامة، وهو لازم والمتعدي علم ~~( بالتشديد) أي:ميزه وجعل عليه أمارة، وعلمت الاسم ( بالتشديد) جعلته علما، ~~والعلم مبسوط التعريف في النحو، وعرفه السعد [ التفتازاني ms090 ] بأنه وضع لشيء ~~مع جميع مشخصاته ( بكسر الخاء)، ومشخص الشيء ما يميزه، والمراد: أحواله ~~اللازمة التي ليس من شأنها أن تتبدل، وبها يمنع نفس تصوره من وقوع الشركة ~~فيه، فلا يكون مجازا تتبدل أحواله غير اللازمة بعد <<فزيد>> إنما وضع علما ~~للإنسان الذي هو أبوه فلان وأمه فلانة وجسمه هو الجسم الذي هو عليه، فلا ~~يضره نطقه بعد عدم النطق، وكبر جسمه بعد صغره، وغلظه بعد رقته، وبياضه ~~وحمرته بعد أن لم يكن كذلك. وهكذا وإن سمي الولد قبل أن يولد أو يرى، ~~فمشخصاته هو كونه ولد فلان وفلانة وأنه هو ذاك الجسم المخصوص، فإنه يكفي ~~معرفة المشخصات إجمالا، ولو على سبيل الظن والعادة، ولا يضر التخلف مثل أن ~~يتصوره بخمس أصابع وهو بستة. والمراد بالمشخصات: ما يعم الذهنية فيدخل علم ~~الجنس، وواضع العلم لشيء كواضع اللغة. وخرج بقوله: << وضع سائر المعارف>> ~~لأن واضع اللغة وضعها كليات، وإنما تكون جزئيات باستعمال المتكلم بها في ~~شيء معين، فالواضع وضع لفظ الرجل <<بأل>> لكل من عرف من الرجال، و<<الذي ~~قام>> لكل من عهد بالقيام، و<<أنت>> لكل ذكر تخاطبه، وهكذا فتستعمل أنت ذلك ~~في مسمى لفظ زيد فيكون جزئيا معينا باستعمالك. PageV01P146 # وقيل: سائر المعارف جزئيات وضعا واستعمالها كالعلم وعليه بالتعريف غير ~~جامع لدخولها فيه إلا أن يقال: المراد وضع لشيء من حيث أن ذلك الشيء هو ~~نفسه، فهذا خاص بالعلم، وأما سائر المعارف فوضعت لشيء لا بالذات بل لكونه ~~عهد بكذا مع أن الصحيح أنها وضعت كليات. ومعنى القول <<إنها وضعت جزئيات>>: ~~إنها وضعت لحقائقها ، أو إن الواضع وضع كذا ليستعمله زيد لكذا وعمرو لكذا - ~~وهكذا- ولو لم يعرف بمجيء هؤلاء بعد ، وإن كان الواضع هو الله - وهو الصحيح ~~- فهو عالم جزما ، وإنما يؤتى بالمسند إليه علما ليحضر مسماه في ذهن السامع ~~ولو على وجه عام باسم خاص به ومعنى <<إحضاره>> التفات النفس إليه، فلا يشكل ~~ما إذا حضر فيه قبل سماع لفظه وبقي حين السماع، فإن النفس إذا سمعت اللفظ ~~التفتت إلى مسماه ms091 ولو كان حاضرا فيها، ودخل بالإحضار بالوجه العام ما إذا ~~كان مسمى العلم غير معلوم عند المخاطب على الوجه المخصوص، كمن تسمع به ولم ~~تره، ولفظ الجلالة علم، ولا يدرك الله جل وعلا إلا بصفاته. وعلم الجنس مع ~~كون علميته غير حقيقة يعتبر فيه حضور تشخصات الماهية الذهنية والضمير، ولو ~~كان يحضر المتكلم أو المخاطب أو الغائب في ذهن السامع، لكن ليس اسمه مختصا ~~به وكذا سائر المعارف، وكذا إذا حضر باسم لاختصاص عارض، مثل أن تقول: " جاء ~~رجل حاكم بين القوم " إذا لم يكن في البلد إلا حاكم واحد، و<<حاكم>> نعت ~~و"جاء رجل حاكم القوم" و<<حاكم >>بدل ولو كان مشتقا. والمعارف غير العلم ~~مشتركة في هذا المعنى، ألا ترى أن ضمير الغيبة يحضر مسماه في القلب بواسطة ~~تقدم مرجعه أو استحضاره بوجه ما، وضمير الخطاب أو التكلم يحضر مسماه بقيد ~~مشاهدة التكلم أو الخطاب، أو ما يجري مجراها، وأن الموصول يحصر مسماه لعارض ~~المعرفة بصلته، والمعرف ( بأل العهدية) لعارض العهد، والمضاف لعارض ~~الإضافة. PageV01P147 # وما ذكرته كاف عن أن يزاد قيد الأولية بعد قولي " ليحضر" مثل أن أقول: ~~ليحضر أو لا مسماه...الخ، احترازا ما إحضاره ثانوي لا أولي، وهو المعرف ~~بالعهد الخارجي أو الصلة أو الإضافة المعهودتين خارجا، فإنه لا حاجة إلى ~~هذا الاحتراز، مع أن قولي<< باسم خاص>> مخرج لذلك ولكل ما يستحق الإخراج، ~~وأيضا الإحضار بالمعرف بذلك، قد نقول: إنه ليس ثانويا بل أولي، لأن الإحضار ~~الأولي فيها ليس لفظيا بل ذهني، والكلام إنما هو في الإحضار باللفظ والمعرف ~~( بأل العهدية )بعد ذكره بصيغة نكرة، إنما أحضر الحضور المراد هنا إلا عند ~~ذكره ثانيا ( بأل )، وأيضا ليس المعتبر في العهد تقدم الذكر فقط، بل تقدم ~~الإحضار حصل الذكر أولا أم لا. # وإن قلت: أي فرق بين العلم وغيره من المعارف من حيث التقدم، فإنه كما ~~يتقدم العلم بالصلة مثلا يتقدم العلم بالوضع في العلم، قلت: العلم يكفي فيه ~~الوضع ولو جهله جاهل. ومن الأعلام لفظ الجلالة، وأصله القريب ms092 الإله والبعيد ~~الأصيل، إله حذفت الهمزة مع حركتها تخفيفا على خلاف القياس، فأدغمت ( لام ~~أل )في ( لام إله) إدغاما قياسيا، لأن الساقط لغير علة تصريفية قياسية ~~كالعدم، وإنما كان الحذف على خلاف القياس لتعاصي الهمزة ببقاء حركتها معها ~~مع عدم تقدم همزة متصلة بها عن الحذف. PageV01P148 # والأصل في الحرف المتحرك ألا يحذف، وقد يحذف كما في الترخيم، وإن نقلت ~~حركة الهمزة إلى (لام أل) فحذف الهمزة قياسي لعدم حتركها والإدغام غير ~~قياسي، لأن المحذوف القياسي كالثابت، فهو كالفاصل بين المدغم والمدغم فيه، ~~فلا يكون المتحركان المتجانسان في كلمة واحدة من كل وجه، لكن ليس من شرط ~~الإدغام الكلمة الواحدة. نعم، هي شرط في الإدغام الواجب، بل ( أل) كلمة على ~~حدة ولو نزلت منزلة الجزء من مدخولها، حتى إنه يتخطاها العامل نعم بعد ~~العلمية جزء تحقيقا، لأن العلم مجموع ( أل )وما بعدها، فإذا اعتبرت أن وجوب ~~الإدغام بعد العلمية كان الإدغام قياسيا، لأن ذلك كله كلمة واحدة، بل أيضا ~~( أل) عوض عن الهمزة المحذوفة فهي بمنزلتها، فذلك كلمة واحدة تنزيلا؛ فوجوب ~~الإدغام قياسي. ومعنى كون ( أل )عوضا أنه قصد تعويضها بعد أن كانت غير عوض ~~في لفظ <<الإله>>، بل قيل لم تتمحض للتعويض، بل هي له وللتعريف، ويدل ~~للتعويض دخول حرف النداء وجواز قطع همزتها معه، تقول: " يا ألله " وقيل ~~المعوض ( اللام والهمزة ) تابعة، وأما الإله فتعريفه ( بأل )، وقيل: هو علم ~~أيضا لله تعالى يطلق على غيره إطلاق النجم على غير الثريا فحذفت الهمزة ~~وكان الإدغام لمزيد الاختصاص به، فلا يطلق على غيره أصلا والغلبة حينئذ ~~تقديرية، وذلك أن الإله والله علمان بالغلبة على المفهوم الكلي الذي هو ~~مطلق المعبود بحق ولو استحال عقلا ووجودا تعدده، وكونه غيره تعالى. PageV01P149 # وقيل: الإله اسم للمعبود ولو بإطلاق، وإنما صح أن يقال لفظ الجلالة علم ~~بالغلبة، مع أنه لم يوضع لكلي ولم يستعمل في غيره تعالى، فضلا عن أن يكون ~~بالغلبة التحقيقية، ولم يوضع لمفهوم كلي، واستعمل في الفرد المعين حتى يكون ~~بالغلبة التقديرية، ms093 لأن أصله الإله الذي هو علم بالغلبة تحقيقا؛ فهو بمنزلة ~~العلم بالغلبة التحقيقية، ومن قال: الله علم بالغلبة التقديرية نظر في قوله ~~بالغلبة إلى وضع أصله الكلي، وفي قوله التقديرية إلى عدم استعماله لغيره تعالى. # وقيل أيضا: لفظ الله غير علم بالأصالة ولو كان قد يجعل علما بالغلبة، بل ~~اسم لمفهوم هو الواجب لذاته، وهو من لا يحتاج في وجوده إلى غيره، فليس ~~بحادث أو لمفهوم هو المستحق لكون غيره عبد إله، وكل من المفهومين كلي وضعا ~~انحصر في فرد خارجا وعقلا ورد بأنه لو كان كليا لم يفد التوحيد في لا إله ~~إلا الله، والجواب: أنه أفاده بواسطة انحصاره في الفرد بالغلبة. والله أعلم. PageV01P150 # ويؤتى بالمسند إليه أيضا علما لتعظيمه أو لإهانته، أو تعظيم غيره أو ~~إهانته، سواء أكان علما لفظه لإهانة أو تعظيم أو لقبا؛ فإن اللقب لضعة ~~مسماه أو لرفعته، أم كنية؛ كقولك: ركب علي بن زيد وهرب معاوية بن عمرو، فإن ~~لفظ <<علي>> من العلو يدل على التعظيم، ولفظ <<معاوية>> من العي، وهو: ~~العجز يدل على الإهانة أو من عاوى الذئب آخر يعاويه وفيه إهانة، وكلاهما ~~غير لقب فيما يظهر ولو احتملا اللقبية وذلك أن الأعلام قد تتضمن المدح أو ~~الذم، وإن لم يقصد في وضعها إلا تمييز الذات لكونها منقولات من معان شريفة ~~أو خسيسة<< ككلب>> ونحو<< محمد >>، أو لاشتهار مسماه بصفة مدح أو ذم ~~<<كحاتم>> و<<نادر >> علمين لغير صاحبيهما الأولين. ومثال الكنية: "جاء أبو ~~الخير وأبو الفضل، وأبو الشر، وأبو الجهل"، ومثال تعظيم غير المسند إليه ~~وذمه بالمجيء بالمسند إليه علما "أبو الفضل صديقك " مدحا للمخاطب و" أبو ~~الجهل رفيق عدوك " ذما لعدوك. والله أعلم . # ويؤتى بالمسند إليه أيضا علما ليفيد الكناية عن معنى يصلح العلم له بحسب ~~لفظه قيد بالعلمية كقولك: " أبو لهب فعل كذا “ كناية عن كونه جهنميا؛ فإن ~~معناه بحسب الوضع المجازي قبل العلمية وهو المعنى الإضافي ملازم النار ~~وملابسها، وليس المراد: المعنى الحقيقي الذي هو أنه <<أبو النار>> والنار ~~بنته، ms094 فإن هذا لا يصح قصده، فهذه كناية عن كونه جهنميا مبنية على معنى ~~مجازي، ويلزم لزوما عرفيا من كونه ملابس النار أنه جهنمي. PageV01P151 # واللزوم العرفي ويقال له: البيان أن يكون المعنى بحيث يصلح الانتقال منه ~~إلى الآخر، و<<اللهب>> أعم من لهب جهنم، ولكن يصلح الانتقال من العام للخاص ~~الذي هو هناك لهب جهنم. وقال عصام الدين في أطوله على القزويني كالسعد في ~~مطوله: اللهب الحقيقي لهب جهنم (¬1) وليس كذلك فيما يظهر بل اللهب حقيقة في ~~لهب مطلق النار، و<<أبو لهب>> باعتبار الوضع العلمي مستعمل في الشخص ~~المعين، وينتقل منه بسبب التفاوت الذهني عند استعمال هذا الفظ باعتبار وضعه ~~الأصلي إلى ملابس اللهب لينتقل منه إلى أنه جهنمي ، فهو كناية عن الصفة ~~بالواسطة . # وقال عبد القاهر: لم يطلق الاسم إلا على الشخص المسمى <<بأبي لهب>> لكن ~~ينتقل منه إلى معنى ملازم اللهب لينتقل منه إلى <<الجهنمي>> وذلك انتقال من ~~الملزوم وهو << ملابس النار>> إلى اللازم وهو <<الجهنمي>>، أو بالعكس على ~~الخلاف في الانتقال عند الكناية. وهذا قدر لا بد منه في الكناية؛ أعني كون ~~الانتقال فيها إنما هو من المعنى المستهل فيه اللفظ ولو بواسطة أو وسائط، ~~والمعنى الإضافي لازم للعلمي لزوما عرفيا بالانتقال، بل لهم قدر كاف دون ~~ذلك؛ وهو أنه يستحضر عند استعمال اللفظ في المعنى العلمي وهو ذات ذلك ~~الكافر المعنى الإضافي؛ لأن للنفس بواسطة سماع اللفظ التفاتا إلى المعاني ~~الأصلية عند الاستعمال في المعاني الحالية، فينتقل عن المعنى الإضافي إلى ~~لازمه. وعلى كل حال العلم مستعمل في معناه الأصلي، وهو ملازم النار لينتقل ~~منه إلى لازمه، وهو الشخص المعين من حيث شخص معين، كذا قيل. ويبحث بأن ~~اللائق أنه استعمل في معناه العلمي ملتفتا معه إلى المعنى الأصلي ليتوصل به ~~إلى لازمه. PageV01P152 وأما أن يراد << ~~بأبي لهب>> غير الشخص المسمى به بل <<جهنمي آخر>> كما يقال: "جاء حاتم " ~~ويراد لازم له وهو جواد آخر غير << أبي عدي>> حتى يكون العلم مستعملا في ~~نفس اللازم، فلا يصح التمثيل ms095 به للكناية، لأنه حينئذ استعارة تصريحية أصلية ~~، وقيل: تبعية لعلاقة المشابهة في الكفر والجهنمية - أو مجاز مرسل من إطلاق ~~المقيد على المطلق الواقع في ضمن مقيد آخر، كإطلاق المشفر المقيد بشفة ~~البعير على مطلق الشفة الواقع في ضمن شفة الإنسان ؛ فإن نظرت على خصوص ~~المقيد الأخرى متفرعا على مجاز آخر. فالأول: من إطلاق المقيد على المطلق، ~~والثاني: بالعكس. ولا يصح التمثيل به للكناية أيضا، إذ لو كان المراد ذلك ~~لكان قولك: " فعل كذا هذا الرجل" مشيرا إلى كافر قاصدا إلى أن الفعل صدر من ~~غيره، وقولك:" فعل كذا أبو جهل " كناية عن الجهنمي، والجهنمي لازم للكافر ~~ولأبي لهب ولا قائل بأنه كناية، واعترض بأن اللازم على كون المراد ذلك صحة ~~القول به في المواضع الأخر لا القول به بالفعل، وإن أريد منع الصحة لم يصح ~~المنع ولا يضر أن أحدا لم يقله، قيل ويدل على أن ذلك فاسد تمثيل صاحب ~~المفتاح وغيره لهذه الكناية بقوله { تبت يدا أبي لهب وتب } (¬1) ولا شك أنه ~~ليس المراد في الآية كافرا آخر وإلا كان استعارة لا كناية، والمسند إليه ~~فيها في الحقيقة <<أبو لهب>> لأن << يدا >>مقحم وجه إقحامه أن جل الأعمال ~~باليدين، وإذا هلكنا هلك صاحبها. وقد يقال: المراد << بأبي لهب >> في ~~التمثيل به في غير الآية الذي اشتهر اتصاف المسمى به في ضمن هذا اللفظ، ~~وحينئذ فلا يحتاج إلى اعتبار المعنى الأصلي والانتقال منه إلى لازمه، بل ~~ينتقل إلى ذلك اللازم من مسمى اللفظ الذي هو الذات المخصوصة لاشتهار ~~اتصافها به في ضمن هذا اللفظ، وحاصله أن <<أبا لهب>> كناية عن صفة مسماه، ~~فلا يكون استعارة. PageV01P153 فيجب أن تعلم أن <<أبا لهب>> إنما ~~يستعمل هنا في الشخص المسمى به لا أن ينتقل منه إلى جهنمي، كما أن <<طويل ~~النجاد>> يستعمل في معناه الموضوع له لينتقل منه إلى طول القامة، وذلك أن ~~انتسابه إلى لهب النار يدل على ملابسته إياها.والله أعلم . # ويجاء بالمسند إليه علما للتلذذ بذكره تحقيقا، أو لإيهام التلذذ ونسوا ms096 في ~~التلذذ وإيهامه المتكلم أو المخاطب أو السامع، كقوله [ أي مجنون ليلى (¬1) ~~]: [ من البسيط ] # بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاي منكن أم ليلى من البشر PageV01P154 # قال: إن <<ليلى من البشر>>، ولم يقل: <<أم هي من البشر>>، ولم يقل: << أم ~~من البشر>> للتلذذ بذكر اسمها أو للتبرك به نحو: " الله الهادي " و" محمد ~~الشفيع " إذا قلت ذلك بعد ذكرهما قبل، لأنه يمكن أن تقول: "ربي الهادي " و" ~~نبيي الشفيع " ذكرا قبل أو لم يذكر، فأردت التبرك بلفظ الجلالة ولفظ محمد، ~~أو لإيهام التبرك، أو للتفاؤل أو إيهامه، نحو: " سعد في دارك "، أو للتطير ~~أو إيهامه، نحو: " السفاح في دار عدوك "، أو للتسجيل على السامع، وهو الضبط ~~عليه والاحتفاظ كأنه كتب عليه في السجل، أي: في الكتاب ما يحافظ عليه لئلا ~~يقدر على الإنكار، نحو: " زيد له عليك ألف" فيقول: " نعم " فذكرت <<زيد ~~>>بدل ذكر ما ينوب عنه" كابن فلان " أو "هذا ". وللتنبيه على غباوة السامع، ~~نحو: " الله فرض عليك كذا" بحيث لو قلت: ربك أو خالقك أو نحو ذلك أو فرض ~~عليك كذا الفهم. وقد ينبه أيضا عليها بغير العلم كربك وخالقك. والله أعلم . # باب تعريف المسند إليه بإيراده اسما موصولا PageV01P155 ... وفي الموصول ~~شبه باللقب في الدلالة على الذم والمدح؛ ولذا قدمته على اسم الإشارة مع أن ~~اسم الإشارة زاد عليه في التعريف، وأما المعرف (بأل العهدية ) ففي رتبة ~~الموصول يعرف المسند إليه بإيراده موصولا لعدم علم المخاطب بالأمور المختصة ~~به سوى الصلة فيكون معروفا بالموصول والصلة، نحو: "الذي دخل البلد رجل ~~عالم" تخاطب به من رأى زيدا مثلا دخل البلد ولا يدري أنه زيد، فلو قلت له: ~~" زيد رجل عالم " لم يعلم من هو، فعبرت عنه بما عرف به ذاته وهو دخول البلد ~~إذ شاهد دخوله. ومرادي بالاختصاص: أن لا يوجد ما يمتاز به في غالب الناس، ~~ولو جيء بالمسند نكرة ووصف بتلك الصلة لأفاد مقصودا، ولكن إذا كان الغرض ~~بعهد الصلة جيء به موصولا، وحكم الموصوف بالموصول كالموصول، ms097 نحو: " الرجل ~~الذي دخل البلد رجل عالم " إذا كان غرض في ذكر الموصوف ذكر، وكذا إذا كان ~~الغرض في التعبير بطريق غير الموصول عبر ما يفيد الغرض، مثل: " داخل البلد ~~اليوم رجل عالم "، وإذا لم يكن للمتكلم أو له وللمخاطب علم بغير الصلة ~~فالفائدة قليلة، نحو: " الذين في بلاد المشرق لا أعرفهم " أو " الذين كانوا ~~معك أمس لا أعرفهم " وذلك أن عدم معرفتهم معلوم، فيكون مثل هذا الكلام لغوا ~~لا يقع فيه معتبر، وإنما لم أقل بعدم الفائدة لأنه لا يخلو عن فائدة وأقلها ~~عدم المعرفة بهم ولكن فائدة قليلة؛ وذلك أن المفروض لا يعلم شيئا من الأمور ~~المختصة سوى الصلة، فلا يكون الحكم من المتكلم إلا بالأمور العامة؛ والحكم ~~بالأمور العامة قليل الفائدة، لأن الغالب العلم بها، بخلاف ما إذا لم يكن ~~للمخاطب علم بما سوى الصلة، فإن المتكلم يجوز أن يكون عالما بالأمور ~~المختصة بالمسند إليه فيحكم بها عليه، فتكثر الفائدة. PageV01P156 # وما قيل: إن في قولنا " الذين في بلاد الروم يكرمون العلماء " أو " الذين ~~في بلاد المشرق زهاد " فائدة تامة ليس بشيء، لأن فيه علما للمتكلم بأمر ~~مختص سوى الصلة وهو الإكرام أو الزهد.والله أعلم. # ويؤتى بالمسند إليه موصولا أيضا لاستقباح التصريح باسمه، الذي هو نوع من ~~أنواع العلم كان المسند إليه عظيما أو حقيرا أو لزيادة تقرير الغرض المسوق ~~له الكلام بالموصول والصلة، كقولك: " جاء الذي لقيته أمس " تريد رجلا اسمه ~~الكلب، فكرهت ذكر الكلب لنفسك أو لحال المخاطب أو لحال الزمان أو المكان ~~كالمسجد، وكقوله تعالى { وراودته التي هو في بيتها عن نفسه } (¬1) لم يقل ~~وراودته امرأة العزيز أو راودته زليخا (وهو بفتح الزاي وكسر اللام كما في ~~القاموس وهو المشهور، وقال بعض من مشى على البيضاوي: بضم الزاي وفتح اللام ~~لاستقباح ذكرها في مقام طلبها الزنا مع أن لها شرفا وتوبة، أو لزيادة ~~التقرير فإن القصد المسوق له الكلام تنزيه يوسف عن مقاربة الزنا، و<< ~~وراودته التي هو في بيتها >> أدل على هذا الغرض من ms098 << وراودته امرأة العزيز ~~>> ، أو << وراودته زليخا >> لأنه إذا كان في بيتها وتمكن من فعل مرادها مع ~~أنها تطلب ذلك المراد ، وأنها في غاية من الجمال والزينة ، كان غاية في ~~البعد عن الحسناء . PageV01P157 وقيل تقرير للمسند وهو <<المراودة >> لما في كونه في بيتها من ~~فرط الاختلاط والألفة، أي إن المراودة وقعت وثبتت لتيسرها بكونه في بيتها ~~مقهورا تحتها. وقيل: تقرير للمسند إليه وهو زوجة العزيز؛ إذ لو قيل: ~~<<وراودته امرأة العزيز >> لم يعلم أنها التي هو في بيتها ولعلها امرأة ~~أخرى للعزيز. أو قيل <<وراودته زليخا >> لم يعلم أنها زوجته التي هو في ~~بيتها ولعلها غير امرأته أو امرأة أخرى سميت بذلك الاسم الذي هو اسم للتي ~~هو في بيتها، وأيضا لفظ <<زليخا >> مستقبح في تركيب الحروف يكرهه السمع ~~وينفر عنه. والله أعلم. # والتحقيق ما ذكرته أولا لكون القصد تنزيه يوسف عليه السلام، وكل من ~~المسند والمسند إليه لإفادة ذلك المقصود، ولكن لا مانع أن يكون الموصول ~~لجميع ما ذكر من استقباح التصريح باسمها في مقام طلب الزنا، ومن زيادة ~~تقرير القصد المسوق له الكلام. وتقرير المسند والمسند إليه وكراهة لفظ << ~~زليخا >> لو جيء به ، وهكذا لا مانع من اجتماع نكت غير متنافية ، ولا يشكل ~~أنه يفاد ذلك بغير الموصول أيضا ، نحو: <<وراودته امرأة هو في بيتها >> ~~أو<< راودته صاحبة بيته >> لأنه اشترط في النكتة أن تختص بطريق تذكر له ولا ~~أن تكون أولى ب، بل يكفي أنها تحصل به سواء لم تحصل إلا به أو حصلت به ~~وتحصل أيضا بغيره . وقيل: لا بد أن يكون الحصول مختصا بالطريق أو راجحا به. ~~والله أعلم. ومن ذلك قول السقط: # أعباد المسيح تخاف صحبي ... ونحن عبيد من خلق المسيحا # فإنه أدل على عدم خوف صحبه من النصارى، من قوله: << ونحن عبيد الله >> # ... وقيل يؤتى به موصولا ليتوجه ذهن السامع إلى ما بعد كقوله تعالى { ~~والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون (¬1) وهو مما يشير على الخير ~~وذلك صحيح. PageV01P158 ويؤتى بالمسند إليه أيضا ms099 موصولا ~~لتعظيمه بالموصول والصلة والتخويف بهما، كقوله تعالى { فغشيهم من اليم ما ~~غشيهم } (¬1) عظم الأمر بكثرة الماء المجتمع وتضمنه أنواعا من العذاب، ~~وبالكيفية وخوف بذلك، والماء المجتمع إذا أرسل على طبعه كان في غاية السرعة ~~والإحاطة حتى لا يتخلص أحد منهم كأنه قيل: <<غشيهم من اليم ما لا يعلم كنهه ~~إلا الله تعالى >> ولو قيل: << فغشيهم من اليم ثلاثون قامة >> مثلا لم يفد ~~ذلك. والله أعلم.وقوله تعالى: { إذ يغشى السدرة ما يغشى } (¬2) ، وقوله ~~تعالى { فغشاها ما غشى } (¬3) ومن ذلك قول أبي نواس: [ من الكامل ] # ولقد نهزت مع الغواة بدلوهم ... وأسمت سرح اللحظ?حيث أساموا # وبلغت ما بلغ امرؤ بشبابه ... فإذا عصارة كل ذاك أثام . # ويؤتى بالمسند إليه موصولا أيضا لتنبيه المخاطب على خطإ غيره، نحو: " إن ~~الذي يظنه زيد أخاه يفرح لحزنه "، أو على خطأة نفسه أعني المخاطب، كقوله ~~تعالى { إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا } (¬4) وقوله ~~تعالى { إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم } (¬5) PageV01P159 وكقول [ الشاعر من الكامل ] # إن الذين ترونهم إخوانكم ... يشفى غليل صدورهم أن تصرعوا # نبه المخاطبين على خطئهم في ظنهم من يشفيه هلاكهم إخوانا لهم، وهم قوم ~~مخصوصون ظنوهم إخوانهم وهم أعداؤهم، هذا ما يتبادر لي وبه يقول السعد (¬1) ~~[ التفتازاني ] ولو قيل: <<إن بني فلان يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا >> لم ~~يكن تصريحا بخطإ المخاطبين، وقال عصام الدين [الإسفراييني ]: الظاهر أنه ~~تنبيه على خطإ ظن الأخوة بالناس أيا كانوا وفي أي وقت كان. وترونهم (بضم ~~التاء )مبني للمفعول من <<رأى >> الثلاثي- ومعناه: المبني للفاعل، أي: ~~تظنونهم - لا (بفتح التاء) من رأى الثلاثي بمعنى علم؛ لأن المروي فيه (الضم ~~)، قيل: ولأن (رأى )بمعنى علم، والعلم: الجزم المطابق للواقع بحجة وهو منتف ~~هنالك، قلت: لا مانع من كونه بالفتح بمعنى تظنونهم أو تجزمون بلا حجة أنهم ~~إخوانكم إلا رواية الضم، و<<غليل صدورهم >> الحقد أو ما في صدورهم من حرارة ~~الغيظ الشبيه بحرارة العطش و<<تصرعوا >> كناية عن الإهلاك أو عن الإصابة ~~بالحوادث. والله أعلم . # ويؤتى بالمسند ms100 إليه موصولا للإشارة به وبالصلة إلى أن بناء الخبر عليه هو ~~من طريق الثواب والعقاب أو المدح أو الذم أو غير ذلك، فيكون الموصول مبتدأ ~~في الحال أو في الأصل، كقوله تعالى { إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون ~~جهنم داخرين } (¬2) ، ففي قوله تعالى<< الذين يستكبرون عن عبادتي>> إشارة ~~إلى أن الخبر المبني عليه أمر من جنس العقاب والإذلال ، كما صرح به في قوله ~~<< سيدخلون جهنم داخرين >> والله أعلم. PageV01P160 وقد تجعل الإشارة بالإتيان ~~بالمسند إليه موصولا مع صلته إلى أن بناء الخبر عليه من طريق الثواب أو ~~غيره وسيلة إلى التعريض بالتعظيم لشأن الخبر، كقول الفرزدق: [ من الكامل ] # إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتا، دعائمه أعز وأطول (¬1) # ... ففي جعل المسند إليه << الذي سمك السماء >> إشارة إلى أن الخبر ~~المبني عليه يكون من جنس السمك وهو الرفع والبناء وتعريض بتعظيم هذا ~~البناء المسموك، لأنه بناء القادر الذي بنى السماء التي لا يخفى عظمها ~~ورفعها، ألا ترى أن ذكر الجواد في مقام العطاء يدل على عظمة ما يعطيه بعد ~~الدلالة على أصل العطاء، وهذا التعظيم معرض به، أعني مشار إليه من عرض ~~الكلام، أعني من جابنه، وذلك أن التعريض الدلالة على معنى ليس له في الكلام ~~ذكر ومن مطلق التعريض.وليس من الباب قولك: "ما أقبح البخل " إذا خاطبت به ~~بخيلا، تريد التلويح إليه أنه بخيل. وأراد الفرزدق بالبيت: الكعبة أو الشرف ~~شبهه بالبيت وسماه بلفظ بيت، وهذا هو الظاهر في مدح نفسه ونسبه في القصيدة، ~~و << دعائم البيت >> جمع دعامة ( بكسر الدال ) وهي عماد البيت؛ فالمراد ~~بالدعائم: ما تعتمد عليه الكعبة تحتها على الوجه الأول والذي تعتمد مثلها ~~في العزة وعلو الشأن، أو المراد بالدعائم: ما بني عليه شرف نسبه أو رجال ~~نسبه، والمراد أعز وأطول من دعائم كل بيت أو من دعائم بيتك يا جرير، لانه ~~يخاطبه أو أعز وأطول من السماء، أو اسم التفضيل خارج عن بابه، أي عزيزة طويلة. PageV01P161 ~~وإن قلت: لا نزاع في كون هذا الكلام مستعملا على ms101 الإشارة إلى كون بناء ~~الخبر من طريق المدح وعلى التعريض بتعظيم شأن الخبر، إلا أن تلك الإشارة لا ~~مدخل لها في إفادة تعظيم الخبر أصلا، فليست وسيلة إلى التعريض بالتعظيم، ~~وإنما نشأ التعظيم من نفس الصلة بناء على تشابه آثار المؤثر الواحد، فكما ~~أن صنعه للسماء صنع عظيم، كذلك يكون بناؤه البيت للفرزدق ومن معه عظيما، ~~ألا ترى أنك لو قلت: << بنى لنا بيتا من سمك السماء >> لكان التعريض بتعظيم ~~البناء باقيا على حاله، وليس المسند إليه فيه مبتدأ بل فاعل، قلت: التعظيم ~~المستفاد من نفس الموصول والصلة يحتاج على التوسل بالإشارة المذكورة، ~~والكلام إنما هو في هذا. # وأما التعظيم المدلول عليه بجموع الكلام أو مجموع الصلة والموصول فلا ~~يحتاج إليه، فإنه لا إشارة في << بنى لنا بيتا من سمك السماء >> لتأخر ~~المشير وإفادة مجموع هذا الكلام أو مجموع الصلة والموصول وهو الظاهر؛ ففي ~~بيت الفرزدق فهم تعظيم شأن الخبر بسبب الإشارة إلى أن الخبر من جنس البناء ~~الرفيع، إذ لولاه لاحتمل أن الخبر من جنس البناء الوضيع، فيفوت التعظيم. ~~والله أعلم. # ... وقد تجعل الإشارة بالإتيان بالمسند إليه موصولا مع صلته إلى أن بناء ~~الخبر من طريق الثواب أو غيره وسيلة إلى التعريض بتعظيم شأن غير الخبر ~~كقوله تعالى { الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين } (¬1) ففيه إشارة إلى ~~أن الخبر المبني عليه من جنس الخيبة والخسران ، لأن تكذيب النبي يوجب ذلك ~~ولا يوجب إلا الشر ، وفي هذه الإشارة تعظيم لشأن شعيب، حيث كان تكذيبه يوجب ~~الخسران في الدارين . والله أعلم. PageV01P162 وكما يؤتى بالمسند إليه موصولا ~~للإشارة المذكورة، وتجعل تلك الإشارة وسيلة إلى التعريض بالتعظيم لشأن ~~الخبر كذلك يؤتى به موصولا لها، وتجعل وسيلة إلى الإهانة لشأن الخبر، نحو: ~~" إن الذي لا يحسن معرفة الفقه قد صنف فيه " فقولك: الذي لا يحسن معرفة ~~الفقه يشير إلى أن مطلق الكلام على معاملة الفقه.وهذه الإشارة وسيلة إلى ~~التعريض بإهانة تصنيفه؛ لأنه من لا يحسن شيئا لا يحسن تصنيفه فيه، والمبني ~~على الجهل شيء ms102 قبيح. وقد تجعل تلك الإشارة وسيلة إلى الإهانة بشأن غير ~~الخبر، نحو: " إن الذي يتبع الشيطان خاسر " لما كان اتباعه أمرا قبيحا علم ~~أن متبعه قبيح - كذا مثل بعض - وفيه أنه تعلم إهانته من العلم بقبح اتباعه ~~مع قطع النظر عن جنس الخبر. وأجيب: بأنه تجعل بواسطة الإشارة إلى جنس الخبر ~~إهانته أتم مما تحصل به أولا، وقد تجعل تلك الإشارة وسيلة إلى تحقيق الخبر ~~في الخارج، كقوله:[ أي عبدة ابن يزيد الطبيب ]: [ من البسيط ] # إن التي ضربت بيتا مهاجرة ... بكوفة الجند غالت ودها غول (¬1) PageV01P163 ... <<البيت>> خبر لفظا تأسف معنى، و<<ضرب البيت>> كناية عن ~~الإقامة سواء أحصل مع الإقامة بناء البيت بضرب أوتاده أو بنحو ذلك أم لم ~~يحصل، و<<مهاجرة>> (بكسر الجيم) حال من المستتر في <<ضربت >>محكية لا ~~مقارنة ولا مقدرة، ولكن مصاحبة المعنى المحكي مما تسمى به مقارنة في اصطلاح ~~أسماء الحال، وذلك أن <<الهجر>> متقدم على <<ضرب البيت>> مستمر إليه، ~~و<<الكوفة>> (بضم الكاف) البلد المشهور مع البصرة في العراق، وأضيفت ~~<<للجند>> لإقامة جند كسرى فيها، (الباء) بمعنى <<في>> متعلق <<بضربت>>، ~~و<<غالت>>: أهلكت، وفاعله << غول>>؛ - والغول تؤنثه العرب- ومعناه: الأمر ~~المهلك، و<<الود>>: الحب، و<<إهلاك الحب>>: إزالته. ففي انقطاع المرأة عن ~~صحراء الأعرابي المحب لها إلى كوفة الجند وضرب بيتها فيها إشارة إلى أن ~~الخبر من جنس زوال المحبة وتحقيق بزوال الحب وتقرير لزواله في ذهن السامع، ~~حتى كأنه برهان على زواله وليس على طريق البرهان المعتاد، مثل أن يقول: " ~~أو ثبت حبها لثبتت معي ولم تهاجر إلى الكوفة " ومعنى <<مهاجرتها>>: مطلق ~~ذهابها عن صحراء الأعرابي واختيار الكوفة عنها، و<<المهاجرة>>: علة لزوال ~~المحبة فيحصل برهانها أو بالعكس فبرهانان اثنان، وإن قيل: إن معناها ~~هجرانها له هجران بغض كان من باب الإشارة أيضا؛ إذ لا يلزم من ذلك أن يخبر ~~بزوال حبها، فقد يمكن أن يخبر بأنها تابت إلى حبه. وعلى كل حال فيه الجزم ~~بمعنى الخبر المشار إليه لا الجزم بأنه يخبر بزوال الحب، فافهم. PageV01P164 # وليس هذا في قول الفرزدق ms103 <<إن الذي سمك البيت>> لأنه ليس في <<رفع الله ~~العظيم السماء>> تحقيق لبنائه لهم بيتا عقلا ولا عادة، فظهر الفرق بين ~~الإشارة المذكورة وتحقيق الخبر، فإن الإشارة إشعار بجنس الخبر مع إمكان ~~إنكاره والشك فيه إلى أن يصرح به، والتحقيق إثبات لمعناه، ألا ترى أن ضرب ~~البيت بالكوفة مع الهجر معتاد في زوال الحب، وكلما وجد تحقيق الخبر وجدت ~~تلك الإشارة ولا عكس، فقيل بينهما عموم وخصوص مطلق. # وإن قلت: الذي يستفاد منه تعظيم شعيب ويتوسل به إليه هو نسبة الخسران إلى ~~مكذبيه في الآية، وإهانة التصنيف مستفاد من عدم معرفة المصنف بما يصنف فيه، ~~وإهانة الشيطان من خسران من يتبعه- في المثالين- وتحقيق زوال المحبة من ضرب ~~البيت مع هجران قلت: التعظيم المستفاد من الموصول والصلة إنما يكون بسبب ~~الإشارة إلى أن الخبر من جنس العقاب حتى يكون تكذيبه قبيحا فيكون هو عظيما، ~~ومثل هذا في الإهانة والتحقيق. والله أعلم . # باب تعريف المسند إليه بإيراده اسم إشارة # ? ... يؤتى به اسم إشارة?ليتعين مسماه تميزا كاملا لغرض من الأغراض، ومن ~~قال لتميزه أكمل تمييز فلعل أكمل في كلامه اسم تفضيل خارجا عن بابه فيكون ~~معناه كاملا،?وهو من إضافة الصفة للموصوف، أو يبقى على بابه فيكون ~~المراد:?أكمل تمييز بالنسبة إلى ما تحته من المعارف مما يسعه المقام لا ~~بالنسبة إلى ما هو فوقه؛ لأن?كون اسم الإشارة أشد?معرفة من غيره غير ~~الصحيح، أو يكون المراد:?أنه أكمل من بعض الوجوه، فإنه من حيث أن?فيه إشارة ~~حسية أكمل في التمييز من غيره، وإن?كان غيره أكمل منه من وجه آخر، ~~ولا?يقال:?إذا كان غيره أكمل منه من وجه آخر فلا تختص?هذه النكتة به؛ لأنا ~~نقول لا يضر?ذلك،?إذ ليس الغرض انحصار النكتة فيه بل حصولها به، ولو حصلت ~~بغيره أيضا. PageV01P165 # والأصل في اسم الإشارة فيما قالوا أن يكون المشار إليه مبصرا للمتكلم ~~والسامع، ويكون المتكلم إشارة حسية بيده أو غيرها؛ فاستعمال اسم الإشارة في ~~كلامه تعالى مجاز سواء أكانت إلى المبصر أم إلى غيره لتنزيهه تعالى عن ~~الإشارة الحسية والجوارح، ms104 والتحيز والحلول، والجزئية والكلية. وكذلك ~~استعماله في غير المبصر سواء أكان مما يبصر ولم يبصر لغيبته أم مما لا ~~يبصر، وكان مما يدرك بالحس أم بالعقل، فغير المبصر بالفعل من المبصرات ~~يحتاج إلى تنزيله منزلة المبصر بالفعل، والمحس غير المبصر إلى تأويله ~~بالمبصر بالفعل، والمعقول إلى تأويله بالمحس ثم المبصر بالفعل، وهذا أولى ~~من قول السيد [ الشريف ]: السند أن غير المحس يحتاج إلى تأويلين تنزيله ~~منزلة المحس، ثم تنزيله منزلة المشاهد، والمحس غير المشاهد إلى تأويل واحد، ~~وهو تنزيله منزلة الشاهد. والذي عندي: أن اسم الإشارة حقيقة في المحس مجاز ~~في غيره كما قالوا، لكن ليس من وضعه أن يشار معه إشارة حسية بنحو: << يد >> ~~. ومثال الإشارة ليتميز المشار إليه كامل تميز قول الشاعر [ ابن الرومي ]: ~~[ من البسيط ] # هذا أبو الصقر فردا في محاسنه ... من نسل شيبان بين الضال والسلم (¬1) PageV01P166 ... << هذا >> مبتدأ و<<أبو ~~الصقر>> خبره و<< من نسل >> خبر ثان بيان لنسبه بعد بيان حسبه، أو حال ~~ثانية، والأولى << فردا>>، أو حال من المستتر في << فردا >>، أو << أبو ~~الصقر >> عطف بيان، و<< من نسل>> خبر، ولا يجوز تعليقه << بفردا>> على معنى ~~ممتازا منهم، لأنه لا يناسب مقام المدح المقتضي ثبوت الفرد به بالقياس إلى ~~الناس كافة لا نسل شيبان فقط، إلا أنه يبنى الكلام على ادعاء اشتهار أن نسل ~~شيبان ممتازا عمن سواهم في المحاسن، - والنسل الولد، وشيبان قبيلة من قبائل ~~العرب، وهو: شيبان ابن ثعلبة - و<< فردا >> حال من << أبو الصقر >> مؤكد ~~لصاحبها سواء جعل << أبو>> خبرا أو بيانا- أو حال من << هذا >> لأن اسم ~~الإشارة في معنى أشير، و<<ها>> التنبيه في معنى أنبه؛ فالعامل فيه معنى ~~الفعل في اسم الإشارة أو في حرف التنبيه، وقيل: العامل اسم الإشارة أو حرف ~~التنبيه لما فيهما من معنى الفعل. ولا يلزم كون عامل الحال غير عامل ~~صاحبها، لأن الخبر في المعنى مفعول لمعنى <<ذا>> أو لمعنى << ها >> و<< بين ~~>> متعلق بمحذوف حال من نسل لا من شيبان كما قيل. وقيل: حال من ms105 << أبو ~~الصقر>> و<< الضال>> (بتخفيف اللام) جمع ضالة أو اسم جمعها (بتخفيف اللام) ~~أيضا، و<<الضالة>>: شجرة السدر البري، و<<السلم>> جمع سلمة أو اسم جمعها، ~~و<<السلمة>>: شجرة العضاة وهي كل شجرة لها شوك عظيم، و<<المحاسن>> جمع حسن ~~على خلاف القياس وقيل لا مفرد له وقيل جمع محسن (بفتح الميم) اسم مصدر ~~العظيم الممدوح بأنه من أهل البدو-لأن فقد العز في الحضر- لأن عزهم ~~بفصاحتهم، وكمال فصاحتهم في إقامتهم بالبادية؛ إذ لو تركوها وأقاموا في ~~الحضر وقع الاختلاط بينهم وبين أهل الحضر الذين فيهم أعاجم، فيختلط كلامهم، ~~فيخل بفصاحتهم، فيفقد عزهم. PageV01P167 # والذي كنت أفهمه قبل هذا ما قيل: إن أهل الحضر ينالهم ذل الحكام ومشقتهم ~~بخلاف البادية، والبادية إلى الآن فيهم عزة النفس؛ ترى أعرابيا صغيرا أو ~~كبيرا حقيرا أو عظيما ينادي شيخ البلد: يا فلان، دون أن يقول: يا أبا فلان، ~~ولا يا عمي فلان، ولا يا سيدي، أو ما أشبه ذلك. والله أعلم . # ويؤتى بالمسند إليه اسم الإشارة أيضا للتعريض بغباوة السامع كان لا يدرك ~~إلا المحسوس، كقول الفرزدق:[ من الطويل ] # أولئك آبائي، فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع (¬1) ... # ... فإنه لو قال فلان وفلان وفلان آبائي لم يكن فيه تعريض بغباوة جرير، ~~ومراده: التعريض بها كما عرض بها له في قوله <<يا جرير>> بصيغة النداء، أو ~~يقال: لا تعرف أنك المخاطب ما لم تناد، ولاسيما إن قلنا: يا للبعيد، فكأنه ~~قيل: لا تعرف أنك المخاطب حتى تنادى، ولا تجيب مناديا حتى يكون نداؤه بصيغة ~~البعد لبلادتك ولا تزال بعيدا.والأمر في << فجئني >> للتعجيز على حد قوله ~~تعالى { فأتوا بسورة من مثله } (¬2) أي: لا تقدر على الإتيان بمثلهم في ~~مناقبهم، أي: فاذكر لي مثلهم من آبائك إذا جمعتنا المجامع للافتخار ؛ وذكر ~~<<المجامع>> إشارة إلى أنه بعيد عن الإنصاف مكابرة جدا حتى لو لم يكثر ~~الشاهدون بالحق لادعى ما شاء . والله أعلم . PageV01P168 ويؤتى ~~بالمسند إليه اسم إشارة لبيان حال مسماه في القرب أو البعد أو التوسط، ينظر ~~المتكلم إلى مقتضى الحال من قرب ms106 أو توسط أو بعد، فيعبر بما يفيده ك<<ذا>> ~~و<<ذاك>> و<<ذلك>>، فيختار لفظه بخصوصه على لفظ آخر شريك في الدلالة على ~~مطلق مسماه مثل أن يكون الجائي زيدا، فلو قلت: " قام زيد " لم تفد قربه أو ~~بعده أو توسطه، وإذا قلت: " قام ذا أو ذاك " لأفدت ذلك، فيذكر في النحو أن ~~<<ذا >>مثلا للقريب. وفي هذا الفن أنه يترك التعبير عن الشيء باسمه العلم ~~وبالاسم الموصول وغير ذلك إلى التعبير بالإشارة للإعلام بقربه أو بعده أو ~~توسطه، ومن ذكر التوسط قبل البعد راعى الترتيب الطبعي فإن الأقرب إليك أسبق ~~ثم المتوسط ثم البعيد، ومن أخره راعى أن التوسط لا يتصور إلا بعد تصور ~~القريب والبعيد معا. # ويؤتى بالمسند إليه اسم إشارة لتحقير المشار إليه بالقرب؛ فإن القرب ~~حينئذ عبارة عن دنو رتبته وسفالة درجته، ووجهه أن الشخص كلما كان أعلى قدرا ~~وأشرف درجة فاحتياج الوصول إليه إلى الوسائط أكثر وأشد عرفا وعادة، فارتفاع ~~الوسائط والاستغناء عنها دليل ظاهر على دنو قدره، وصلوح إشارة القرب ~~للتحقير بناء على انحطاط المشار إليه. والقرب قد يطلق على قرب المرتبة ~~ودناءة المحل، فيقال: " فلان قريب المحل قريب الهمة " إجراء للأمر المعقول ~~فجرى المحس، والأمر الحقير لا يمنتع عن الناس، بل يكون قريب الوصول سهل ~~التناول واقعا بين أيديهم وأرجلهم، فالحقارة تناسب القرب المكاني وتستلزمه ~~بوجه ما، كقوله تعالى { أهذا الذي يذكر آلهتكم } (¬1) PageV01P169 وقوله تعالى { أهذا الذي ~~بعث الله رسولا } (¬1) أشار أبو جهل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~. والله أعلم . # ويؤتى بالمسند إليه اسم إشارة لتعظيمه بالبعد، وصلوح إشارة البعد للتعظيم ~~بناء على مخالطة النفس؛ فإنه لا يغيب عنها فهو حاضر، وعلو الشأن ينزل منزلة ~~بعد المسافة، لأنه يحتاج في الوصول إليه إلى كثرة الوسائط، والأمر العظيم ~~يمتنع على الناس ويبعد عنهم لجلالة قدره ورفع شأنه، فالعظيم يناسبه البعد ~~المكاني ويستلزمه بوجه ما فيعبر عنه بإشارة البعد المكاني، كما أن البعد ~~نفسه قد يطلق على بعد المرتبة، فيقال: " فلان بعيد المحل بعيد الهمة " ~~إجراء ms107 للأمر العقلي مجرى الحسن، واستعمال اسم الإشارة في البعد العقلي أو ~~القرب العقلي مجاز بالاستعارة تشبيها بالبعد الحسي أو القرب الحسي في تفاوت ~~المراتب، أو بطريق المجاز المرسل لأن الحقارة تستلزم قرب المكان والفخامة ~~تستلزم بعده، كقوله تعالى { الم ( ذلك الكتاب لا ريب فيه } (¬2) تنزيلا ~~لعظم درجته ورفعة شأنه منزلة بعد المسافة . والله أعلم. PageV01P170 ويؤتى بالمسند إليه اسم إشارة لتحقير ~~المشار إليه بالبعد، كما يقال في الإنسان القريب " ذلك اللعين فعل كذا " ~~على المجاز الاستعاري أو الإرسالي تنزيلا لعدم صلوحه للحضور والخطاب منزلة ~~بعد المسافة أو لأن الشيء الحقير يبعد، ومن شأنه أن لا تلتفت إليه النفس ~~فناسبت الحقارة البعد المكاني واستلزمته -وأنت خبير - من ذلك أنه قد يقصد ~~التفخيم بالقرب بأن ينزل استحقاقه للحضور ومنزلة قربه لمكان الحضور ~~والخطاب، فيعبر عنه باسم إشارة القرب وهو بعيد المسافة، كقوله تعالى { ربنا ~~ما خلقت هذا باطلا } (¬1) ، ومن شأن العظيم أن تتوجه إليه الهمة وتطلب ~~القرب منه والوصول إليه. واسم إشارة البعد تصلح لكل غائب عن حس البصر معنى ~~أو عيبا على سبيل المجاز عندهم، نحو: " جاءني رجل " فقال ذلك الرجل: " كذا ~~" فسرني ذلك القول منه، ونحو: { كذلك يضرب الله للناس أمثالهم } (¬2) PageV01P171 أشار إلى ضرب المثل ~~المتقدم قريبا، وقوله تعالى { ذلك الكتاب } (¬1) ، ووجه ذلك عندي: أنه ما ~~لا يدرك بالبصر غائب ، واللفظ إذا تم وأشير إليه فليس بالحضرة فهو غائب ؛ ~~لأنه لا حضور له إلا في حال التلفظ به، وقد فرغ من التلفظ به ، فلو كان ~~متكلم يتكلم وآخر يشير إلى كلامه عد حاضرا إن اعتبر كله كالشيء الواحد ، ~~وأما أن يشير المتكلم نفسه إلى بعض ما تكلم به فإنه يشير بالبعيد ، ويجوز ~~في ذلك كله بالقريب والمتوسط اعتبارا لقرب مضى النطق به أو توسطه. والظاهر ~~عندي: أن اسم الإشارة الذي لا يدل على التوسط أو البعد إلا بإلحاق حرف ~~حقيقة في القرب والبعد والتوسط، إذ وضع وضعا كليا للثلاثة، ولكن لما كان ~~القرب هو الأصل حمل عليه عند التجرد، وإذا أريد ms108 البعد أو التوسط ألحق ما ~~يدل عليه من (كاف) و(لام )؛ (فالكاف) وضع حقيقة للمفرد المذكر وغيره، فإذا ~~أريد غيره ألحق ما يدل عليه من (ميم وغيره) نحو: "أكرمكما الله " و" أكرمكم ~~الله " وأبدلت فتحتها بالكسرة في خطاب المؤنث نحو: " أكرمك الله " فإذا ~~ألحقت الكاف واللام واستعمل للقريب أو للمتوسط أو الكاف وما استعمل للقريب ~~أو البعيد فالتجوز إنما هو في الحرف على الاستعارة التبعية أو المجاز ~~الإرسالي لا في نفس اسم الإشارة وإذا استعمل في المتوسط ا, البعيد بلا حرف ~~دال على ذلك متسامح إذ دل على ذلك بغير حرفه، والله أعلم. PageV01P172 ويؤتى بالمسند إليه اسم إشارة للتنبيه على أن المشار إليه حقيق ~~بما يجيء بعد اسم الإشارة لوصف أو لوصفين أو لأوصاف ذكرت قبله أو بعده، ~~كقوله تعالى { الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ( ~~والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون ( أولئك ~~على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ( } (¬1) المشار إليه هو << الذين ~~يؤمنون بالغيب >> وقد وصف بأوصاف متعددة هي: الإيمان بالغيب وإقام الصلاة ~~والإنفاق، والإيمان بكتب الله كلها، والإيمان بالآخرة. واسم الإشارة الذي ~~أشير به إلى مسمى <<الذين >> هو لفظ << أولئك >> جيء به مسندا إليه ليدل ~~على أن المشار إليهم تأهلوا بما بعده من الهدى والإفلاح لأجل اتصافهم ~~بالإيمان بالغيب وما بعده ، ومحط التمثيل <<أولئك >> في الموضعين؛ ففي ~~الآية مثالان لكن المشار إليه واحد، ومن ذلك قولك: " جاءني الفاضل الكامل ~~زيد " و"هذا يستحق الإكرام " فقد ذكرت الفضل والكمال قبل اسم الإشارة وقبل ~~المشار إليه الذي هو مسمى زيد وبهما استحق الإكرام، فإن قولي: << ذكرت قبله ~~>> شامل لما إذا ذكرت قبل اسم الإشارة وبعد المشار إليه كما في الآية، أو ~~قبله وقبل المشار إليه كما في الآية. PageV01P173 ولا يشترط في المشار إليه أن يكون مبتدأ ~~أو مسندا إليه، فإذا كان <<الذين >> نعت للمتقين لا مبتدأ فالمشار إليه ~~مسمى المتقين، ثم إنه لا يخفى أن الإشارة إلى الموصوف بتلك الصفات؛ فكأن ~~الخبر معلق ms109 بالمشتق فيستفاد أن تلك الصفات علة للخبر، وذلك أن اسم الإشارة ~~فيه ملاحظة إلى الذات وما ذكر معها من صفاتها، بخلاف الضمير، فإن ملاحظ ~~للذات" فزيد الصالح جاء وهو يكرم" في معنى "زيد الصالح جاء" و<<زيد >> الذي ~~هو مخبر عنه بالصلاح يكرم، و"زيد الصالح يكرم جاء " وذلك يكرم في معنى ~~<<زيد الصالح جاء >>، و<< زيد المتصف الصلاح جاء >> . والله أعلم. # باب تعريف المسند إليه بأداة التعريف # المسند (¬1) إليه يعرف بها للإشارة إلى معهود في الخارج، وأداة التعريف ~~العهدية يزيد تعريفها على تعريف الأداة التي للحقيقة، ولذلك قدمتها، ولطول ~~الكلام على<<أل >> التي للحقيقة، والمراد بالمعهود: الحصة المعهودة من ~~أفراد الحقيقة، وهي الكاملة في المعهودية لوقوعها في مقابلة تعبير الحقيقة. PageV01P174 وأما مطلق الإشارة إلى ~~المعهود فيتحقق بأداة التعريف الجنسية أيضا، والحصة والفرد والمعهود بمعنى ~~واحد، و<<الفرد >> في اصطلاح المنطق هو: المركب من الطبيعة الكلية وما ينضم ~~إليها من التشخص، و<<الحصة >> هي: الطبيعة من حيث إنها مقيدة بقيد هو خارج ~~وهو التشخص، و<<العهد >> إنما هو بين المتكلم والمخاطب. واعلم أن <<الفرد ~~>> هنا يراد به: ما يقابل الحقيقة فهو صادق بواحد وباثنين فصاعدا وبنوع ~~وبنوعين فصاعدا، مثل أن يقال: "جاء رجل أو رجلان أو رجال " فتقول: " أكرم ~~الرجل أو الرجلين أو الرجال "، كما أن المراد <<بالحصة>> ذلك، والتعبير بها ~~أظهر؛ لأن الفرد يتبادر منه خصوم الشخص الواحد لبادئ الرأي، و<<العهد >> ~~لغة:الإدراك والمراد لازمه وهو التعيين، فالمعهود هو المعين وسمي خارجيا ~~لأنه ليس في القلب وحده، بل ذكر أيضا قبل في الكلام بلفظه الذي ذكر به في ~~التعريف العهدي أو بغير لفظه، مثاله بلفظه: " جاء رجل فأكرم الرجل"، ومثاله ~~بغير لفظه: " جاء غلام فأكرم العبد " و " جاء زيد فأكرم الرجل " وتقدم ذكره ~~شرط في صحة استعمال العهد لا قرينة، على أن المراد بالمعرف بعد هو معهود، ~~إذ يلزم أن يكون استعمال المعرف فيه مجازا مع كمال التعريف فيه، قيل: من ~~العهد بغير لفظه قوله تعالى { رب إني نذرت لك ما في بطني محررا } (إلى قوله ms110 ~~تعالى ) { وليس الذكر كالأنثى } (¬1) PageV01P175 على أن الذكر هو ما توهمته أنه في بطنها ~~وعبرت عنه بقولها : <<ما في بطني >> إذ كانوا ينذرون ويحررون لخدمة بيت ~~المقدس ما في البطن ، أن كان ذكرا فما في بطني كناية لغوية عن الذكر أعني ~~أنه لم تصرح به على لفظ ذكر ، وقيل أيضا: كناية اصطلاحية على أنها اللفظ ~~المراد به لازم ما وضع له ، لأن الذكر لازم للمحرر فهو كناية لم يطلب بها ~~صفة ولا نسبة، ولا يخفى أن العهد الخارجي وضمير الغائب. قال الرضي (¬1) ~~:واسم الإشارة المستعمل في غير الحاضر عينا أو معنى مستويات في الاحتياج ~~إلى تقدم ذكر ، وأما الأنثى فأداة التعريف فيه دخلت على لفظ ما سبق وليس ~~مسندا إليه، ولكن حكم المسند والمسند إليه والفضلات سواء في نكت التعريف ~~والتنكير وغيرهما . والذي عندي: أن أداة التعريف في الذكر للحقيقة لا ~~للعهد، وكذا يصح في الأنثى لأنه قد تحقق بعد ولادة الأنثى أنه ليس جنينها ~~ذكرا، فكيف تقول: إن هذا الذكر ليس كالأنثى ؟ وتشير إلى ذكر غير موجود، ولا ~~يخفى أيضا ضعف قولك: ليس الذكر الموهوم كالأنثى، ولكن لا مانع من جعل أداة ~~التعريف في الذكر للحقيقة وفي الأنثى للعهد، ويجوز أن تكون الأداة فيها ~~للعهد الذهني، ولا يوصف الله تعالى بذهن تعلم ويقال له العهد التقديري، وهو ~~ما علم عند المخاطب والمتكلم بلا تقدم ذكر وهو مقابل للعهد الحقيقي، وهو ما ~~تقدم فيه ذكر مدخول الأداة بلفظه أو بغير لفظه. PageV01P176 والمراد بالمتقدم والمتأخر واحد، وهنا أريد ب<<ما في بطني>> ~~ذكر مخصوص موهوم في بطنها، وأريد ب<<الذكر>> في <<وليس الذكر>> غير ذلك ~~الموهوم بعينه، فكان ذهنيا ولو ناسبه الموهوم، فعهده ذهني لتعينه باعتبار ~~طلبها لا باعتبار ذكره، ومن العهد الخارجي عند بعضهم نحو: " يا أيها الرجل ~~" و " هذا الرجل " لتقدم ذكر الرجل قبل بلفظ <<هذا>> ولفظ <<أي>> فهو ما ~~تقدم فيه ذكره بلفظ آخر.وقال الرضي: للعهد الحضوري، ولا يعد الحضوري ذهنيا ~~حيث كان مذكورا بلفظ غير لفظه أو بلفظه، وهنا ذكر ms111 بلفظ <<أيها>> أو لفظ ~~<<هذا >>، وإذا كان الحضوري بلا لفظ الستة فقيل خارجي، لأنه بحضور محس، ~~وقيل ذهني لأنه لم يذكر قبل بلفظ، والمشهور الأول. وقال عصام الدين [ ~~الإسفراييني ]: إن الأداة في نحو: " يا أيها الرجل " و" هذا الرجل> " لبيان ~~الحقيقة دفعا للالتباس، وتقرر أن العهد خارجي أو حضوري نحو قولك: " نام ~~الرجل " تريد رجلا حاضرا نام. وذهني نحو: " خرج الأمير " إذا لم يكن في ~~البلد إلا أمير واحد، والقرينة حالية وهي انفراده في البلد. # وعبارة بعضهم <<اللام>> قسمان: << لام العهد الخارجي>> و<< لام ~~الحقيقة>>؛ ف<< لام العهد>> تحتها ثلاثة أقسام، لأن معهودها :إما صريحي أي: ~~تقدم ذكره صريحا ، أو كنائي أي: تقدم ذكره كناية ،أو علمي أي: لم يتقدم له ~~ذكر لكن للمخاطب علم به. و<<لام الحقيقة >> تحتها أربعة، لأن مدخولها إما ~~الحقيقة من حيث هي هي وتسمى: لام الجنس ولام الحقيقة. و<<لام الطبيعة>> من ~~حيث وجودها في ضمن فرد معين وتسمى: لام العهد الذهني، أو من حيث وجودها في ~~ضمن جميع الأفراد التي يتناولها بحسب اللغة وتسمى: لام الاستغراق الحقيقي ~~أو بحسب العرف ويسمى: لام الاستغراق العرفي. PageV01P177 # ثم <<لام الحقيقة>> أصل، و<<لام العهد الخارجي>> أصل آخر، وقيل: الأصل ~~<<لام العهد الخارجي>> ، وقيل: <<لام الاستغراق>> ، وقيل: الجميع أصول . ~~وقال حفيد السعد: التحقيق أن معنى اللام: الإشارة إلى معنى دخلت هي عليه؛ ~~فإن كان اسم الجنس موضوعا بإزاء الحقيقة فالأصل <<لام الحقيقة>> وسائر ~~الأقسام من فروعها حتى العهد الخارجي، ولهذا احتاج إلى القرينة وهو يقدم ~~الذكر أو علم المخاطب. وإن كان موضوعا بإزاء فرد ما فالأصل <<لام الذهن>> ~~وسائر الأقسام من فروعه بحسب المقامات والقرائن. # ولام الحقيقة تشير إلى نفس الحقيقة، قال عصام الدين في (أطوله): " اعلم ~~أن المذكور في كلام الشارح المحقق والإيضاح أن << لام الجنس >> و<< لام ~~الحقيقة>> بمعنى والمذكور في (حواشي السيد) السند نقلا عن بعض الأفاضل أن ~~<<لام الحقيقة>> و<<لام الطبيعة>>بمعنى وهوقسم من لام الجنس يقابل<<العهد ~~الذهني>> و<< الاستغراقي>> ( اه ). # ومن <<لام الحقيقة>> اللام الداخلة على ms112 المعرفات، نحو: " الإنسان حيوان ~~ناطق " والكلمة لفظ موضوع لمعنى مفرد لأن التعريف للماهية، واللام الداخلة ~~على موضوع القضية الطبيعية، نحو: " الحيوان جنس والإنسان نوع ". ومعنى ~~الحقيقة: هو مفهوم، هو المسمى لا الماهية الموجودة فقط. والمفهوم: قد يكون ~~مسمى بأن وضع له الاسم. والمسمى: قد لا يكون مفهوم الاسم بل ما صدق عليه، ~~وقد يجتمعان. والماهية الموجودة هي: الهوية الخارجية. # ... ولام الحقيقة لا يعتبر فيها ما يصدق عليه الاسم من الإفراد وقد ~~يعتبر، ومن ترك الاعتبار، قولك: " الرجل خير من المرأة “ و " الكل أعظم من ~~الجزء “ و " الدينار خير من الدرهم "، ولا ينافي ذلك كون بعض أفراد الرجال ~~أو الدنانير أو الكل دون بعض أفراد النساء أو الدرهم أو الأجزاء؛ فإن ~~العوائق قد تمنع عما يستحقه الجنس، وكم من وقاية خير من عمامة. PageV01P178 # ومما اعتبر فيه الإفراد <<لام العهد الذهني>> و<<لام الاستغراق >>على ~~أنهما من أقسام <<لام الحقيقة>> لكن بالنظر للقرائن.وأما لام الحقيقة ~~غيرهما فلا دلالة فيها على الإفراد لذاتها وقطع النظر عن القرائن وأما ~~بالقرائن فلا يعتبر الإفراد تارة ويعتبر بعضها تارة وتعتبر كلها أخرى. # والمعرف ب<<لام الحقيقة>> الذي هو موضوع للحقيقة المتحدة في الذهن كثيرا ~~ما يطلق على فرد ما موجود من الحقيقة باعتبار كونه معهودا في الذهن وجزئيا ~~من أجزاء تلك الحقيقة مطابقا لها، كما يطلق الكلي الطبعي المجرد من <<أل>> ~~على كل جزء من جزئياته. والطبعي منسوب للطبيعة وهي:الماهية لقصدها منه؛ ~~كحيوان من قولك: " الإنسان حيوان “ وإنسان من قولك: " زيد إنسان " ونحو ذلك ~~مما أريد به المفهوم وكان محمولا. # وما ذكرته من إطلاق المعرف بلام الحقيقة على الفرد الموجود من الحقيقة ~~إنما هو عند قيام قرينة دالة، على أن ليس القصد إلى نفس الحقيقة من حيث ~~أنها مقصودة، ولا من حيث أنها موجودة في ضمن جميع الأفراد من حيث جميع ~~الوجود في بعضها، مثاله قولك: " أدخل السوق " لم ترد حقيقة السوق؛ لأن ~~الحقيقة لا تدخل ولا جميع الأسواق التي تشملها الحقيقة، بل فرد من الأسواق ~~من حيث ms113 أنه تصورت فيه الحقيقة، أي: صدقت به لا سوق معهود، ومنه قوله تعالى ~~{ وأخاف أن يأكله الذئب } (¬1) ، وإذا قلت "ادخل السوق " وأردت سوقا ما فلا ~~إشكال ، وإذا أردت سوقا من أسواق بلد متعددة بلا تعيين لواحد فكذلك لا ~~إشكال ؛ لأنه لا عهد لمعين منها ولو كان عهد مجمل بأن يفهم السامع أن الأمر ~~إنما هو بدخول واحد منها هكذا أيا كان كفى ذلك . PageV01P179 والواحد مطابق للحقيقة ومعنى مطابقته لها صحة حملها ~~عليه وصدقها عليه عند السعد، وقال ابن الحاجب: معناه اشتماله عليها (¬1) ، ~~وعلى القولين فالفرد المبهم باعتبار مطابقته للحقيقة المعلومة صار كأنه ~~معهود أي معلوم، فله عهدية بهذا الاعتبار، فيسمى معهودا ذهنيا ، والحقيقة ~~متحدة في الذهن إنما يلحقها التعدد بحسب الوجود خارجا . PageV01P180 والمعرف ب<< ~~لام الحقيقة >> المطلق على فرد باعتبار وجود الحقيقة فيه فهو في الحقيقة ~~إنما أطلق على الحقيقة في ضمن الفرد للقرينة، والمعرف ب<<لام الحقيقة ~~المطلق>> على فرد ما منها كالنكرة في المعنى غالبا. قيل: بعد اعتبار ~~القرينة الدالة على أن المراد به فرد من الحقيقة، وأما قبل اعتبارها فلا؛ ~~إذ هو للحقيقة المتحدة في الذهن، والحقيقة معرفة لتعينها، ولا حاجة عندي ~~إلى هذه البعدية؛ لأن الكلام مفروض في المستعمل في فرد من الحقيقة بمعلوم ~~خروج الحقيقة منه إذا لم يرد بلفظها فرد، ولو كان إنما يصرف عن الحقيقة ~~الحالية إلى فرد بقرينة لا بد منها. وخرج بقولي: <<غالبا>> المصادر التي ~~ليست فيها شائبة وحدة، بل القصد فيها إلى الحقيقة كذكرى ورجعى وبشرى، ذلك ~~المعرف ب<<لام الحقيقة>> المطلق على فرد منها، كالمعرفة في الأحكام اللفظية ~~غالبا؛ كوقوعه مبتدأ في الحال أو في الأصل، وذا حال، ونعتا للمعرفة، ~~ومنعوتا لمعرفة، وكونه عطف بيان لمعرفة، ومعطوفا عليه عطف بيان بمعرفة، ~~وعدم صحة كونه حالا أو تمييزا أو اسم لا أو نحو ذلك مما يختص بالنكرة. ~~والفرق بينه وبين النكرة أو معناها الوضعي بعض غير معين من أفراد الحقيقة، ~~ومعناه الوضعي نفس الحقيقة، وإنما تستفاد البعضية من القرينة، كالدخول ~~والأكل في" ms114 أدخل السوق" و "يأكله الذيب >>، فإن الأكل والدخول لا يتصوران ~~في الحقائق بل في الأفراد، وحاصل ذلك أن معناها الجنس في ضمن فرد ما، ~~ومعناها فرد ما منتشر، وذلك إذا قلنا: النكرة موضوعة للفرد المنتشر، وإن ~~قيل: إنها للفرد المفهوم مثل ذلك المعرف فالفرق أن تعين الجنس وعهديته ~~معتبر في مدلول المعرف المذكور غير معتبر في النكرة، وإن كان حاصلا وإنما ~~تستعمل في الفرد المنتشر سواء أقلنا هي له أم للمفهوم، وإنما الخلاف فيما ~~وضعت له. PageV01P181 # وأما اسم لا النافية للجنس فهو للفرد، لكل فرد فرد بواسطة لا، وكذا حيث ~~تعين العموم بها، وأصل وضعها بدون اعتبار واسطة لا ونحوها فهي داخلة في ~~الخلاف، فذلك المعرف والنكرة سواء في إفادة بعض غير معين وإن كان في النكرة ~~بالوضع وفي ذي اللام بالقرينة، ومختلفان في أن النكرة وضعت للفرد المنتشر ~~والمعرف للحقيقة المعينة المتحدة في الذهن، وإنما أطلق على الفرد باعتبار ~~وجود الحقيقة فيه أو تصورها به، ولكونه في المعنى كالنكرة يوصف بالجملة ~~نحو: (ولقد أمر على اللئيم يسبني) (¬1) ??جملة يسبني نعت للئيم، لأن ~~???أل???فيه للجنس، وإن قيل حال وهو أظهر لما فيه من الاستعمالات بيان ~~العذر في توصيف المعرف بالجملة،?فالجواب??أنه ليس المعنى أنه يسبه حال ~~المرور، بل الغرض أن ذلك عادته. قيل: إلا إذا جعلت حالا مؤكدة، وكونه لئيما ~~يناسب ذلك. لكن قوله " ثمت قلت لا يعنيني " يناسب الحالية لأن قوله:????لا ~~يعنيني ???يحسن صدوره حال سماع السب [ لا حال المرور ] فيمن عادته السب ولو ~~في غير حال المرور، ومعنى???لا يعنيني????لا يريدني بل أراد غيري من عناه ~~معنى قصده، أو معناه:لا يهمني الاشتغال به والانتقام منه من عناه الأمر إذا أهمه. # والاستغراق في المسند إليه وغيره قسمان، الأول??حقيقي?وهو أن يراد كل ما ~~يتناوله اللفظ سواء كان اللفظ حقيقيا أو مجازيا نحو قولك: " أنا أشجع من ~~الأسد المقاتل بسيف أو نحوه " تريد ??أشجع ??من?جميع الرجال?المقاتلين؛ ~~ف??الأسد???مجاز، ونحو: { ?عالم الغيب والشهادة } (¬2) PageV01P182 ??أي: كل غيب وكل شهادة، وهما مجازيان إذ لفظهما ~~مصدر، ومعنى الأول?اسم ms115 فاعل، والثاني اسم مفعول، والمعنى: كل غائب وكل ~~مشهود أو كلاهما بمعنى فاعل أي غائب وشاهد، ونحو: { إن الأنسان لفي خسر } ? ~~(¬1) ?أي: كل إنسان بدليل استثناء ( الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا ~~بالحق وتواصوا بالصبر ) منه استثناء متصلا، وهذا لفظ حقيقي.وإنما لم ~~أقل:????ما يتناوله اللفظ بحسب اللغة???ليشمل ما يتناوله اللفظ بحسب الوضع ~~أو العرف أو الشرع، وشمل ذلك قولي حقيقة أو مجازا، وإنما قلت: ??أن ~~يراد???لأن إرادة العموم من اللفظ استغراق به؛ فالاستغراق فعل للمتكلم، ~~كما?أنه يوصف به اللفظ، ألا ترى أنك إذا قلت: " علم الله?الغيب والشهادة" ~~فقد استغرقت بلفظ الغيب والشهادة كل غيب وكل شهادة. PageV01P183 الثاني عرفي??وهو أن يراد كل فرد ~~مما يتناوله اللفظ بحسب متفاهم العرف، وهو ما يفهم أهل ذلك العرف العام أو ~~الخاص، نحو قولك: " أحضرت الموازين لتصحح " تريد موازين البلد أو تريد ~~موازين مملكة الإمام، ومثلوا بقولك: "جمع الأمير الصاغة " والمراد: صاغة ~~بلده أو صاغة مملكته ??والمملكة ما في تصرف الملك من البلاد ??والصاغة جمع ~~صائغ، وأصله صوغة( بفتح الصاد والواو) فقلبت ألفا لتحركها بعد (فتحة) ~~و??أل???فيه حرف تعريف لا اسم موصول لتغلب الاسمية عليه ولو كانت في مفرده ~~اسما موصولا، إذ لو تغلبت?الاسمية في مفرده لم يجمع على صاغة، بل قد أقول: ~~إن ??أل???في الصائغ والمؤمن والكافر والجاهل والعالم حرف تعريف، وإن ~~الاسمية تغلبت لكن لم تتغلب كل التغلب، بل بقيت بعض الوصفية بدليل الجمع ~~على صاغة ومؤمنين وكافرين وجاهلين وعالمين، ولو لم يكن الصائغ فيه وصفية لم ~~يجمع ككامل وكملة، ولو لم يكن المؤمن وما بعده فيهن وصفية، ثم يجمع جمع ~~المذكر السالم، ولسن بأعلام ولو لم تكن في ذلك وصفية لم ينعت به نحو: " ~~الرجل الصائغ " و"الرجل المؤمن العالم "، ولبقاء الوصفية كانت تلك الألفاظ ~~صفات مشبهات، فليست كالحارث علما. # و??أل???في الصفة المشبهة مختلف في كونها اسما موصولا أوحرف تعريف، وكذا ~~في التي في الوصف الباقي على الحدوث، ??كالقائم الآن أو أمس أو غدا???، ~~والصحيح أنها اسم موصول فيه ، وحرف تعريف في الصفة المشبهة ms116 وجميع أقسام أل ~~، كما تكون في الحرفية تكون في الموصولة وفي الموصولات ~~المشتركات،?ف??أل???الموصولة أيضا مما يأتي تارة للاستغراق أو نحو : " أكرم ~~الآتين " وكذا ??الذي???ونحوه ، نحو : "الذي يأتيك " و" الذين يأتونك " و" ~~التي تأتيك " و" اللاتي يأتينك". PageV01P184 # واعلم أن ??أل???في الاستغراق الحقيقي تشير إلى الحقيقة لا من حيث هي هي ~~ولا من حيث تحققها في بعض الأفراد بل من حيث تحققها في ضمن جميع الأفراد ~~بدليل صحة الاستثناء المتصل??كما مر ??وكذا في الاستغراق العرفي فإنه ولو ~~كان الإطلاق فيه على بعض الأفراد، لكن لا من حيث أنها أفراد، بل من حيث ~~أنها كل كأنه قيل جمع فيه تحقيقت فيه الصياغة من أهل بلده أو مملكته، كذا ~~ظهر لي?ولا تجده لغيري وليست ??أل العهدية???كذلك فإنها لفرد أو أفراد من ~~حيث هو أو هن بأعيانهن كذا ظهر لي أيضا، ثم رأيت الإشارة?لذلك ??والحمد لله ~~??في كلام عصام الدين ويأتي قريبا. PageV01P185 # قال بعض المحققين إن???اللام???التي?للتعريف المعهود الذهني أو لتعريف ~~المستغرق هي ??لام الحقيقة???حمل مدخولها على العهد أو الاستغراق أو ~~القرينة، وإن قيل: ??لام الحقيقة???إن أشير بها للماهية من حيث هي فلا ~~يمتاز مدخولها عن اسم الجنس الذي لا دلالة على كلية أو بعضية، ~~ك??ماء???و??لبن???و??عسل???و??بشرى???و??ذكرى???و??رجعى??، أو أشير بها ~~للماهية باعتبار حضورها?في الذهن لم تتميز عن المعرف بالعهد الخارجي، ~~قلنا??لا بد في ??لام الحقيقة ??المشار بها إلى الماهية من حيث هي من يقصد ~~بها الإشارة إلى الماهية باعتبار حضورها في الذهن لتتميز عن أسماء نحو ~~الرجعي الأجناس المنكرات، لأن الإشارة إلى أسماء الأجناس المنكرات لا ~~باعتبار كونها حاضرة بالحضور جزء المسمى في ??لام الحقيقة???، نحو: " ~~الرجعى " دون أسماء الأجناس المنكرات ، نحو : "رجعى " فالحضور مصاحب فيها ~~وملاحظ في المسمى مع ??لام الحقيقة???وفي علم الجنس ، والفرق بينهما أن ~~الوضع اعتبر?في دلالة المسمى?بعد ??لام الحقيقة???على الحضور قرينة خارجية ~~عن اللفظ الدال على الجنس وهي أل ؛ فكأنه قال : "رجعى " مثلا وضعته للدلالة ~~على الماهية المقيدة?بملاحظة الحضور بشرط اقترانه بأل، بخلاف علم الجنس ~~فإنه لم يعتبر فيه ذلك . # ويأتي المعرف باللام ms117 لواحد مبهم عرفيا، كما يأتي حقيقيا نحو: " ادخل ~~السوق" تريد واحدا أيا كان من الحقيقة، فهذا حقيقي، ونحو قولك: " في بلد ~~البطيخ خير من العنب" لأن ??بطيخه???خير من ??عنبه??، فالإشارة في كل من ~~البطيخ والعنب إلى جنس خاص بها بمعونة العرف، ولذا قد يعكس ذلك في بلد آخر، ~~وإن قلت: لم لم تجعل الصاغة عهدا تقديريا ؟ قلت: لا نزاع في صحة كونه عهدا ~~تقديريا، وإنما الكلام فيما إذا أريد به كل صاغة، وأردت صاغة البلد، قاله ~~عصام?الدين في ??أطوله?????كما مر وزدته?إيضاحا???والله أعلم. PageV01P186 # واستغراق المفرد المقرون بأداة الاستغراق أشمل من استغراق المثنى ~~والمجموع، واسمه غالبا " لا رجل " و" ما من رجل " و" إن الإنسان لفي خسر " ~~لأنه يتناول الأفراد كلها خلاف الجمع، واسمه نحو: " الناس من آدم " و" ~~الرجال عوراتهم من سررهم لركبهم " و" لا رجلين " و" لا رجال" و" لا قوم " ~~ألا ترى أن المعنى في " لا رجلين " لا يشمل الرجل الرجل ولا الرجال الرجال، ~~والمعنى في " لا رجال " لا يشمل رجلا رجلا ولا رجلين؛ فقد يقول " لا رجلين ~~في الدار وفيها رجل أو رجال"، أو يقال: " لا رجال فيها وفيها رجل أو رجلان ~~" . إلا أن الحق عندي???أن الجمع المقرون ب??أل الاستغراقية???كالمفرد ~~المقرون بها لا دونه في الاستغراق، ولكن هو دونه من جهة الدلالة، فإنه ~~لذاته?عندي?يحتمل استغراق كل فرد ويحتمل استغراق الجموع ولم تكن دلالته على ~~استغراق الأفراد نصا، كما أن دلالة المفرد عليه ??بأل???نصا وإنما يحمل ~~الجمع عليه نصا بقرينة؛ فليس?دون المفرد إلا بهذا الاعتبار، ومثل ~~??الرجال???بأل الاستغراقية ??القوم???بأل الاستغراقية، ومع ما تقدم يصح أن ~~يقال: " لا يطيق حمل هذا الحجر رجل?حيث يطيقه رجلان أو رجال " ولا يصح " لا ~~يطيقه رجال " وهو عكس أنه يصح " لا رجال" أو " لا رجلين " حيث لا يصح " لا ~~رجل " وصح " كل الرجال جاءوني مع تخلف رجل أو رجلين " دون???كل رجل جاءني " ~~ولا يرد على?ذلك صحة " كل رجل تسعه الدار دون كل الرجال ". ? PageV01P187 ~~واستغراق المثنى أشمل من استغراق الجمع، واستغراق جمع القلة أكثر من ms118 ~~استغراق جمع الكثرة، واستغراق كل جمع محصور أشمل مما فوقه، فقولك: " لا ~~عشرة رجال أشمل من لا عشرين رجلا??، فالضابط أن يقال: استغراق المشمول أشمل ~~من استغراق الشامل، قيل: ومن لا يفرق بين الجمع المحلى بأل والمفرد المحلى ~~بأل، في جانب الكثرة يوافق من يفرق بينهما في جانب القلة، لا يصح أن يراد ~~به الجنس في ضمن أي بعض، ولا ينافي هذا أن الجمع المستغرق تبطل جمعيته، ~~لأنه من خواص الجمع المستغرق للزوم التكرار مع بقاء الجمعية، والمعرف بلام ~~الجنس لا يستدعي بطلان الجمع لعدم الموجب، والحق عندي?أن الجمع المقرون بأل ~~يصح إطلاقه على الواحد، فقد أريد به الجنس في ضمن فرد، فمن قال: " لا أكلم ~~الرجال " حنث بواحد، ومثله اسم جمع نحو: " لا أتكلم النساء " (بأل)؛ وعليه ~~جاء قوله تعالى { ?لا يحل لك النساء من بعد } ? (¬1) ?، فقد بطل معنى ~~الجمعية بأل ، اللهم إلا أن يتكلف بأن المعنى " لا أكلم رجلا?من الرجال أو ~~امرأة من النساء " ولا تحل لك امرأة من النساء من بعد ، كما قيل: في { ?ولا ~~تكن للخائنين خصيما } ? (¬2) PageV01P188 ?لا تكن لخائن منهم خصيما أو لا ~~تخاصم عن خائن، قيل: وقد يكون الجمع أشمل في قولنا: " ليس كل رجال يحملون ~~الصخرة "وهذا الخبر يشبع كل رجال، إذ يلزم من عدم حمل كل رجال للصخرة ~~عدم?حمل كل رجل لها بالأولى، ومن إشباع الخبر لكل رجال إشباعه لكل رجل، ~~بخلاف قولنا: " ليس كل رجل يحمل الصخرة" وهذا الخبر يشبع كل رجل إذ لا يلزم ~~من ذلك عدم حمل الجمع، ولا إشباع الجمع. قلت: ليس استغراق المفرد واستغراق ~~الجمع في ذلك من واد واحد فضلا عن أن يقال: إن الجمع هنا أشمل، كذا ظهر ~~لي?بسرعة وبادئ، ثم رأيت الصبان (¬1) PageV01P189 ??والحمد لله ~~ثبت ما قلت?بقوله: بأن الشمول في نحو هذين?المثالين، إنما هو باللزوم لا ~~بالوضع، وأشملية المفرد بحسب الوضع، والكلام هنا إنما هو بحسب الوضع، وإنما ~~يكون نصا في العموم من النكرات النكرة بعد لا النفاية للجنس، والنكرة التي ~~زيد معها من، ms119 وقد قيل: اسم ??لا???هذه مزيد معها?من محذوفه وقد تظهر نحو " ~~ألا رب من سبيل إلى هند “، واختلفوا في النكرة بعد?السلب في غير ذلك؛ فقيل: ~~هي للعموم ما لم يوجد?دليل الخصوص، وقيل: يتبادر العموم تبادرا فقط. وقد ~~تستعمل النكرة في الإثبات للعموم مجازا، قيل: هو كثير في المبتدإ، نحو: " ~~ثمرة خير من جرادة "، وقليل في غيره، نحو: { ?علمت نفس ما قدمت } ? (¬1) ~~?نحو:( أيها المسلمون وقيتم شرا )، ومعلوم أن المراد الدعاء يدفع كل شر، ~~قال الحريري:( يا أهل هذا المغنى وقيتم شرا ) (¬2) ?أعني أنه قد ورد مثل ~~هذين المثالين?، وسمعت من شيخي الحاج إبراهيم بن يوسف يقول : ( ما من عام ~~إلا وقد خص ) ، ورأيت الصبان يقول : أورد على كون زيادة من موجبة للاستغراق ~~القطعي قول الأئمة : (ما من عام إلا وقد خص منه البعض???فإنه ليس نصا في ~~العموم ، وإلا لم يكن مخصوصا بالبعض فيكذب نفسه .وأجيب?بأنه مبالغة ~~وادعاء?لا يقبل الكذب. والله أعلم. PageV01P190 قال السيد: كأنه بطلت الجمعية في المحلى باللام، لأنه يلزم من ~~اعتبار كل جماعة تكرار الحكم على الجماعات؛ إذ ما من جماعة إلا?وهي داخلة ~~في جماعة فوقها، وهذا منه بناء على أن الجمعية تبطل?بأل كما مر؛ فرجال ~~لثلاثة فصاعدا حقيقة ولاثنين مجاز على الصحيح؛ فإذا قيل: "الرجال" (بأل) ~~التي للحقيقة صح إطلاقه على الواحد صاعدا، فلا يلزم فيه معنى الجمع. PageV01P191 # ?وقد يبحث في كلام السيد بأن يقال: يلزم تكرار الحكم على آحاد?الجنس ~~أيضا؛ إذ ما من واحد إلا وهو داخل?في جماعات متعددة، ثم إن جمع الجمع ~~مستغرق للجموع، وجمع جمع الجمع مستغرق لجموع الجمع، ولا يمكن بدون تكرار ~~الحكم، ولا يخفى أن المستثنى المستغرق أيضا يستلزم التكرار؛ إذ قولنا: " ~~كل?رجلين" يستلزم دخول?زيد مثلا مرارا غير?متناهية في الحكم، ولم?يثبت أنه ~~بمعنى كل رجل، قيل:????رجال???في " لا رجال " يدل على الجنس والجمعية، ~~فربما يقصد?بنفيه نفي الجنس مطلقا، فيكون قولك: " رجل لادونه في العموم " ~~ويرده أن هذا القصد خلاف المعهود في الاستعمال، فلا بد له من قرينة ~~فلا?يعترض به، واستدل بعض المحققين على أن ms120 الجمع المحلى (بأل) الاستغراقية ~~يتناول كل فرد من الأفراد بصحة قولك: " جاءني القوم والعلماء إلا زيدا أو ~~إلا الزيدين " مع امتناع قولك: " جاءني كل جماعة من العلماء إلا زيدا " على ~~الاستثناء المتصل، أي: لأن زيدا ليست جماعة?تستثنى من الجماعات، ~~قلت??دلالته على كل فرد صحيحة إلا أنا لا نسلم أن جاءني كل جماعة من ~~العلماء إلا زيدا استثناء منفصل، وأنه لا يجوز على الاتصال بل هو جائز على ~~الاتصال؛ لأنه لا يشترط في الاستثناء المتصل كون المستثنىمن أفراد المستثنى ~~منه بل يكفي كونه من أجزائه " فضربت الكافر إلا رأسه " من المتصل كما صرح ~~به محققو النحاة، وكما أن الرأس جزء من الكافر كذلك زيد جزء من جماعة، ثم ~~ظهر لي أنه منفصل في" جاء ني كل جماعة إلا زيدا "، لأن?الحكم فيه على كل ~~جماعة جماعة لا على كل فرد فرد فضلا من أن يكون متصلا، بخلاف " ضربت الكافر ~~إلا رأسه " فإنه قصد بالحكم فيه الأجزاء، والرأس?جزء منه. PageV01P192 # وإن قلت: كلام?علماء البيان على تقدير أن لا تبطل الجمعية بدخول ??أل ~~الجنسية???فإنها إذا دخلت على جمع أبطلت منه معنى الجمعية التي أقلها ثلاثة ~~أفراد، وعلى تقدير بقائه على معناه الأصلي. وكلام علماء الأصول والنحو ~~والتفسير فيما إذا بطل منه معنى الجمعية، قلت: تأملت?هذا فوجدته لا يصح ~~اعتراضا في إبطال معنى الجمع، فإن الجمع وضع لثلاثة فصاعدا، فمعناه الموضوع ~~هو له باق سواء استعمل في ثلاثة أو في الجميع، ثم إن النكرة كما مر موضوعة ~~للفرد الشائع، فهي دالة على الوحدة، وقيل: وضعت للحقيقة؛ فالغرض منها يتحقق ~~به وأقله فرد، فإفراد الاسم مقتضى للوحدة على القولين، والاستغراق بالنفي ~~ينافي ذلك. ? PageV01P193 وبحث بعض في دلالة "لا رجل" و"ما من رجل" على نفي ~~الجنس عند من يجعل الاسم موضوعا للفرد المنتشر بأن مقتضى وضعه?للفرد ~~المنتشر دلالة على نفي الوحدة لا على نفي الجنس. وأجيب??بأن الدلالة على ~~نفي الجنس بوضع آخر للمجموع، بأن وضع لا واسمه بإزاء نفي الجنس. وإن قلت: ~~الاسم المفرد لكونه في مقابلة التثنية ms121 والجمع يدل بإفراده على وحدة معناه ~~واستغراقه بأل أو سلب يدل على تعدده فتنافيا. PageV01P194 # قلت??استغراق المفرد بمعنى الكل الإفرادي، أي: كل فرد مع قطع النظر عن أن ~~يكون معه آخر، فكل فرد موصوف بالوحدة ??بمعنى عدم?اجتماع آخر معه??لا بمعنى ~~الكل المجموعي، أي: كل فرد?بشرط اجتماعه مع آخر، فلا يكون منافيا للوحدة ~~لاعتبار أمر آخر مثله معه بناء على أن مدلول الفرد الوحدة ??بمعنى عدم ~~اعتبار أمر آخر معه??لاعتبار عدم أمر آخر مثله، وإنما ذلك لعدم الدليل عليه ~~بمعنى الفرد في الاستغراق أو كل فرد لا مجموع، وإنما ينافي الوحدة مجموع ~~الأفراد?لا كل فرد، لاتصاف كل فرد بالوحدة والحاصل أنه ليس المراد ~~بالاستغراق: مجموع الأفراد فضلا عن أن ينافي الوحدة بل الشمول لكل فرد، ~~ويدل على أن معناه: كل فرد لا مجموع الأفراد امتناع وصفه بصفة الجمع قياسا ~~عند الجمهور، ولو حكاه الأخفش وقاسه في نحو: " أهلك الناس الدينار الصفر ~~والدرهم البيض " ??جمع أبيض وأصفر ??مراعاة لمعنى الدينار والدرهم، والوصف ~~يشمل النعت والحال والخبر؛ فلا يقال: " أعجبهم الدينار " أو" كل درهم " ~~??وأصل الدينار الدنار( بنون مشددة) أبدلت المدغمة (ياء) بدليل التكسير ~~والتصغير??ومثله قول عمر بن عبد العزيز لكاتب يأمره بتجويد خط البسملة: " ~~طول الباء وأظهر السنات ودور الميم “ بتشديد (النون) وأصله السينات ب(ياء ~~ونون) أبدلت (نونا) وأدغمت في (النون)؛ فالسنات السينات، وقد?روي (بالياء)، ~~وذلك أولى من?أن يقال: شبه كل واحد من?أجزاء السين بسن، لأن المجاز ~~مشروط?بالقرينة الصارفة وإلا ارتفع الوثوق، وقلت?أيضا في الجواب عن كون اسم ~~المفرد يدل على وحدة معناه والاستغراق على التعدد:???أنا لما سلمنا التنافي ~~بينهما، قلنا: أداة الاستغراق دخلت عليه بعد تجريده عن الوحدة، كما أن ~~علامة الجمع في نحو:???مسلمين " إنما دخلت بعد تجريده عنها، وكذا "مسلمات ~~"، وأما جمع التكسير فكذلك إنما صير إلى بنيته بعد تجريد المفرد عن الوحدة، ~~وهذا PageV01P195 مبني على أن مدلول المفرد الوحدة بمعنى اعتبار عدم آخر، ~~وهو الظاهر لأنه في مقابلة المثنى والمجموع، فكما يعتبر فيهما أن يكون آخر ~~معه كذلك يعتبر في ms122 المفرد أن لا يكون آخر معه، وإنما يكون آخر معه، ~~وإنما?كان يوصف المفرد لا بالجمع؛ أي إنه للوحدة نحو: " أعجب الناس الدينار ~~الأصفر والدرهم الأبيض" للمحافظة على التشاكل اللفظي، فيقال أيضا: " هذا ~~الدرهم أبيض وهذا الدينار أصفر " وأما نحو: " القوم " فاسم موضوع?للجماعة ~~ولو بدون أداة الاستغراق فيوصف بالجمع، وما مر من الدينار الصفر والدرهم ~~البيض روعي فيه المعنى لا المشاكلة اللفظية، كما جاز?ذلك في الموصولات ~~المشتركة. وذكر بعض أن المراد بقولهم لا التي لنفي الجنس: إنما نفي الحكم ~~عن جميع أفراد الجنس، وعليه لا يرد البحث من أصله.والله أعلم. # باب تعريف المسند إليه بالإضافة # ?يعرف بها لأنها زادت في الاختصار على سائر الطرق والتي تفيد مقصود ~~المتكلم أو السامع بحسب المقام، فإنه قد يكون لايجد المتكلم في بعض تكلمه ~~ما يؤدي غرضه باختصار دونه كما في قوله [ جعفر بن علبة (¬1) ?، حين حبس ~~بمكة بعد قتله واحدا من بني عقيل ، ثم إنه كان وقتئد ركب من اليمن وفيه ~~محبوبته ، ثم إن الركب عزم على الرحيل فأنشد هذه الأبيات ] : [ من الطويل ] # ??هواي مع الركب اليمانين مصعد ... جنيب وجثماني بمكة موثق # عجبت لمسراها وأنى تخلصت ... إلي وباب السجن دوني مغلق # ألمت فحيت ثم قامت فودعت ... فلما تولت كادت النفس تزهق (¬2) PageV01P196 ... ... ~~فإن مقصود المتكلم إفادة أنه محبوب له، وليس المراد الزيادة في الاختصار ~~لفظا، فإن العلم والضمير واسم الإشارة والمعرف بأل أقل حروفا، وقد تكون ~~أكثر، وقد تكون سواء، ولا يظهر إلا زيادة الموصول والصلة عليها حروفا - ~~وليس أيضا لازما ف<<بعلبك>> أكثر حروفا من <<عبدي>>، و<<الذي ملكت أكثر ~~حروفا من عبدي>>، و<<ذا>> أقل حروفا من <<عبدي>> - ومعنى << هواي مهويي>> ~~أي: الإنسان الذي أهواه وهو امرأة أومهويتي، وأصل المهوي مهووي ( قلبت ~~الواو ياء أو أدغمت في الياء لاجتماعها مع سكون السابقة وكسر ما قبلها ~~للمناسبة)، والمعنى: مهواي أي محل هواي؛ وهو القلب، وعلى كل حال فهو أي أقل ~~حروفا من قولك: " الذي أهواه " أو " التي أهواها " أو " من أهواها " أو " ~~الذي يميل إليه قلبي " أو ms123 " التي يميل إليها قلبي " أو نحو ذلك، والاختصار ~~مطلوب الشاعر لضيق المقام وفرط السآمة لكونه في السجن، وحبيبته عازمة على ~~الرحيل، واليماني بتخفيف (الياء) نسبة إلى اليمن حذفت إحدى ياءي النسب وعوض ~~عنها الألف، فإذا كان التنوين كان ك<< قاض>> جرا ورفعا، و<< قاضيا>> نصبا، ~~والقياس يمني(بلا ألف وبتشديد الياء). و<< مصعد>>: ذاهب وسائر ببعد في ~~الصعيد وهو التراب، و<< الجنيب >>:الشيء المصحوب في جانب أي: مجعول في ~~جنبه، وقيل: الذي جعل بجنب واستتبعه الرقباء والحراس فلا يفلت عنهم لموافاة ~~صحبه هنا، ولفظ البيت خبر ومعناه: تحسر وتحزن على بعد الحبيبة. PageV01P197 # ويعرف المسند إليه بالإضافة أيضا لتضمن الإضافة لشأن المضاف إليه، كقولك: ~~" عبدي حضر" أو " عبدي عندي " و" نبيئنا محمد - صلى الله عليه وسلم - " و " ~~ولدي صالح البلاد " أو لشأن المضاف " أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~مرحومة " نحو: " عبد الخليفة ركب " فإن فيه تعظيما للعبد بأنه عبد الخليفة ~~ركب، فإن فيه تعظيما للعبد بأنه عبد الخليفة أو لشأن غير المضاف والمضاف ~~إليه، نحو قولك: "عبد السلطان عندي " معظما لنفسك بأن عندك عبد السلطان ؛ ~~فإن (ياء) << عندي>> لم يضف إليها << عبد>> ، و ليست أضيف إليها المسند ~~إليه ، وليست مسندا إليها المضاف ، ولا أضيف إليها المسند إليه ، ويجوز أن ~~يقال: " عبد السلطان عندي " تعظيما للعبد أوله وللمتكلم ، لكن المراد أولا: ~~ملاحظة تعظيم المتكلم . # ويعرف المسند إليه بالإضافة تحقيرا للمسند إليه المضاف، نحو: " ولد ~~الحجام حاضر" ، أو تحقيرا للمضاف إليه، نحو : " ضارب عمرو حاضر" ، أو ~~غيرهما، نحو " ولد الحجام جليس عمرو" . # ويعرف المسند إليه أيضا بالإضافة لإغنائها عن تفصيل متعذر، نحو: " اتفق ~~أهل الدعوة على كذا " أو " اتفق أهل الحق على كذا "، وإنما ذكرته مع أن ~~قولي أولا زادت في الاختصار...الخ يغني عنه بحسب الظاهر؛ لأن ما هنا معناه: ~~أنها تغني عن تفضيل مطلقا لا بقيد، كون التفصيل بطريق التعريف، وكذا يعرف ~~بالإضافة لتعسر لو فصل المتعدد، وفيه ما في الذي قبله، نحو: " أهل البلد ~~فعلوا كذا " أو لأنه يمنع عن التفصيل ms124 مانع مثل تقديم البعض على البعض فيؤدي ~~إلى منافشة أو حقد أو غيرهما، نحو: " علماء البلد حاضرون ". PageV01P198 # ويعرف بها سترا له، نحو: " صاحبك فعل كذا ". وحثا للإكرام نحو: " صديقك ~~بالباب"،أو للترحم " كمسكنيك بالباب "،أو للإهانة، نحو: "عدوك بالباب ". ~~ولأجل اختصاص المضاف إليه بأمر في المضاف، نحو: [ قوله تعالى] { ولنعم دار ~~المتقين } (¬1) نسبها للمتقين مع أنها دارهم ودار غيرهم لاختصاصهم ~~بنعيمها.،أو للاستهزاء نحو: " إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ". وقولك ~~لمن يعتقد صلاح ذي بدعة: "صالحك تارك للصلاة ولأنه لا طريق إلى معرفته إلا ~~بالإضافة نحو: " غلام زيد بالباب " إذ لم تعرف اسمه ولم تجد ما يعرف به، ~~وأنت خبير بأن نكت الإضافة لا تختص بالمسند إليه، بل تكون أيضا في المسند ~~أيضا وفي الفضلة، وتكون أيضا بغير صورة الإضافة، نحو: " الذي هو عبد ~~السلطان عندي " فعظمت نفسك بالعبيد ولم تجئ به مسندا إليه مضافا، وقد مر ~~أنه لا يشترط في النكتة اختصاصها بما تذكر له ولا كونها أولى به ولتختص ~~أيضا نكت الإضافة بالتعريف، نحو: " ولد حجام حضر" أفادت تحقير المضاف فيه ~~و" ولد حجام صاحبك " أفادت فيه تحقير المخاطب. والله أعلم. # قال الله تعالى { فأرسل معي بني إسرائيل } (¬2) PageV01P199 فلو عدد لم يطق حصرهم، وقال ~~الله تعالى { أرأيت من اتخذ إلهه هواه } (¬1) ، وقال تعالى { ومن أضل ممن ~~اتبع هواه بغير هدى من الله } (¬2) فإن ذلك أقل حروفا من قولك " أفرأيت من ~~مالت نفسه إلى عبادة هواه ومن أضل ممن مالت نفسه إلى اتباعه "، والآيات ~~الثلاث في الإضافة وعدم كون المضاف مسندا إليه، وكذا قوله تعالى { فقاتلوا ~~أولياء الشيطان } (¬3) حقر المفعول بإضافته للشيطان، وقال الله تعالى عن ~~هارون على نبينا وعليه الصلاة والسلام { ابن أم } (¬4) PageV01P200 عرف بالإضافة استعطافا، وقال { لا تضار والدة ~~بولدها } (¬1) إضافة لها استعطافا لها عليه ، والآيتان في غير المسند إليه، ~~والله أعلم . # باب تنكير المسند إليه # يؤتى به منكرا مفردا أو مثنى أو مجموعا للقصد إلى واحد مخصوص من جنسه إن ~~كان مفردا، وإلى اثنين مخصوصين إن كان ms125 مثنى، وإلى جماعة مخصوصة إن كان ~~جمعا، أو اسمه مع إبهام في ذلك سواء أعرفهم المتكلم أم لا، وقد يكون المفرد ~~والمثنى والجمع واسمه أنواعا: ك<<لونين وألوان>>، و<<نوعين وأنواع >>، ~~و<<قومين وأقوام>>، و<< لون>> و<< نوع>> و<< قوم>>. وأجناسا: ك<< ماء ~~وماءين ومياه >> و<< زيت وزيتان وزيوت>>، ولا يخفى مناسبة التعريف والتنكير ~~فقرنتهما. # والسكاكي (¬2) قدم ضمير الفصل على التنكير لاختصاصه بالمعرفة، والتوابع ~~لمزيد اختصاصها بالمعارف ولو كن أيضا نكرات . وأما تقدم الكلام على المضاف ~~إليه على الكلام على المضاف فقيل: يقدم لأنه مقدم في الاعتبار، ولو أخر في ~~الذكر، ومثال التنكير: قوله تعالى { وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى } (¬3) PageV01P201 نكر<< ~~رجل>> ليفيد معنى قولك: " جاء واحد من الرجال " كما نقول بالبربرية: { إكن ~~ورجز }، وإنما قلت للقصد لأن الشيء يجعل شيئا بحسب الحقيقة، وبحسب القول، ~~وبحسب الاعتقاد، وعليهما قوله تعالى { فلا تجعلوا لله أندادا } (¬1) أي: لا ~~تعتقدوا أو لا تذكروا له ندا .والله أعلم. # ويؤتى بالمسند إليه نكرة للقصد إلى نوع منه، كقوله تعالى { وعلى أبصارهم ~~غشاوة } (¬2) أي: نوع من الأغطية ؛ وهو إعراضهم عن الإيمان ، وقد عرفوه حقا ~~، أو لو التفتوا إليه أدنى التفات لعرفوه ، ولا مانع من جعل الشيء أنواعا ~~أو نوعين بعضهما حقيق وبعضهما مجاز، فالغشاة أنواع بعضها مجاز كما في الآية ~~.وهو أيضا غطاء غير متعارف، إذ كما يفيد التنكير النوعية يفيد الإبهام ~~المؤدي إلى عدم الإزالة لعدم المعرفة بذلك حتى يعرف طريق إزالتها، فاندفع ~~ما قيل. إن الأولى ما قاله السكاكي (¬3) من أن التنكير في الآية للتعظيم، ~~أي:غشاوة عظيمة تحول بين أبصارهم، والحق المبين بالكلية لا بالمنافاة بين ~~ذلك؛ لأن الغشاوة العظيمة نوع من الغشاوة، ولكن المقصد يختلف. ومما يرجح ~~النوعية التلويح بأن كفرهم عناء ومكابرة وإنكار لما هو كالمحشر، وذلك أن ~~المعنى نوع من الغشاوة، فيفسر هذا النوع بهذا النوع من الكفر. PageV01P202 وينكر ~~المسند إليه أيضا للتعظيم - كما رأيت- وللتحقير أيضا واجتمعا في قول الشاعر ~~[ ابن أبي السمط (¬1) ]: [ من الطويل ] # له حاجب في كل أمر يشينه ... وليس له ms126 عن طالب العرف حاجب (¬2) # ف<<حاجب>> الأول للتعظيم، أي: له مانع عظيم عن كل أمر يقبحه، وهو نفسه ~~الإنسانية التي هي غريزة ربانية مخاطبة تثاب وتعاقب متعلقة بالقلب اللحمي ~~الصنوبري تعلق العرض بالجسم؛ ففي بمعنى عن متعلقة بحاجب. ويجوز أن تكون ~~ظرفية متعلقة بمحذوف نعت <<لحاجب>> أي: "حاجب عن الارتكاب في كل أمر ~~يشينه". وعلى كل حال فإنما تمنعه نفسه لكونه شينا لا لخوف من أحد أو عجز ما. # و<<حاجب>> الثاني للتحقير، أي: ليس حاجب عن طالب العرف حقير فكيف العظيم ~~والعرف والإحسان ؟ وإنما قال: <<عن طالب العرف>> ولم يقل <<عن العرف>> لأن ~~المراد: أنه يظهر لسائله بالإعطاء بنفسه- وهو أمدح - أو بواسطة، ولا يستتر ~~عنه شحا حتى لا يدري: أكان هناك أم لا ؟ كذا ظهر لي. # ثم رأيت في كلام عبد الحكم (¬3) PageV01P203 ما يشير إليه - والحمد لله - إذ قال: ( عدم ~~الحاجب عن طلاب المعروف كناية عن ورودهم عليه، وهو كناية عن حصول مقاصدهم، ~~فلا حاجة إلى ما قيل من تقدير المضاف هكذا ) (¬1) ، أي: عن إحسان طالب ~~العرف، أي الإحسان إليه، أي ليس له حاجب للطالب عن إحسان إليه، ولو قال: ~~"فليس له عن طالب العرف حاجب" (بالفاء) لكان مستحسنا لتفرع عدم الحاجب عن ~~طالب العرف على عدم الحاجب عن كل أمر يشينه، لأن الحاجب عن طالب العرف مما ~~يشينه، لكن للكلام مقاصد، والنكت لا تتزاحم ؛ إذ مقصد الشاعر أن يصفه في ~~كلام مستقل: بأنه لا يمنع سائلا فكان( بالواو) . أو أراد بالشطر الأول ~~التخلي عما يشينه مما لو فعله لقيل:إنه ظالم لغيره، وبالثاني التحلي بما هو ~~تبرع منه على غيره، وكون التنكير في الثاني للتحقير أولى من القول باعتبار ~~عموم النكرة المنفية ليكون بينه وبين الأول الطباق، وليكون فيه إثبات الشيء ~~بدليل استفادة انتفاء الحاجب العظيم من انتفاء الحقير الأول. ويجوز أن يكون ~~التنكير للقصد إلى الوحدة الشخصية، أي: ليس له حاجب واحد فكيف المتعدد؟ لكن ~~يفوت الطباق على هذا بين التنكيرين ؛ ووجه إفادة التنكير التعظيم أو ~~التحقير أنه بلغ المسند ms127 إليه مثلا في ارتفاع الشأن أو انحطاطه إلى حد لا ~~يمكن معه أن يعرف لعدم الوقوف على عظمة أو لعدم الاعتداد به الالتفات إليه . PageV01P204 وتوجيه مجيء ~~تنكير المسند إليه للتكثير كتوجيه مجيئه للتعظيم، وتوجيه مجيئه للتقليل ~~كتوجيه مجيئه للتحقير؛ فإن تنكيره يأتي أيضا للتكثير والتقليل، وقد يكون ~~تعظيمه لكثرته فتدخل في التعظيم، وقد يكون تحقيره لقلته فتدخل في التحقير. ~~ومثال التكثير (إن له لإبلا وأن له لغنما ) بلغت كثرها لحد لا يدرك فناسبه ~~التنكير، إذ كانت مجهولة الحد لا تدرك، وللمتكلم ( بأن له لإبلا وإن له ~~لغنما) قصد القلة، أو قصد التعظيم، أو قصد القلة مع التحقير، أو الكثرة مع ~~التعظيم، وأما قصد الكثرة مع الحقارة فسائغ عقلا لكن فيه تكلف، وأظهر منه ~~القلة مع التعظيم؛ لأن الكريم الحقيق من الأشياء قليل. ومثال التقليل: قوله ~~تعالى: { ورضوان من الله أكبر } (¬1) أي: رضوان قليل أكبر من كل نعيم في ~~الجنة لأن كل ما سواه هو من ثمراته، وإطلاق التقليل في رضوان الله جل وعلا ~~مجاز باعتبار تنزيل الرضا منزلة المتعددات نظرا إلى تعدد متعلقاته وإلا ~~فالرضا في نفسه لا يقبل القلة والكثرة حقيقة؛ لأنه بمعنى: علم الله جل ~~جلاله بالسعداء وما لهم فمتعلقه السعداء ومالهم وهم متعددون، فهو صفة ذات، ~~وأما على أنه صفة فعل وهو إعداده الخير للسعداء أو توفيقه لهم فمتعدد، لكن ~~التفسير عليه لا يناسب، كيف يقال: قليل من توفيقه أو من إعداده الخير أكبر ~~من كل نعيم في الجنة إلا بتكلف في التفسير بمراعاة ما أعد للسعيد ولو أقل ~~قليل مما أعده له إلا لكونه وليا له، ومراعاة أن أقل توفيق شروع في ~~الولاية. PageV01P205 وقيل التنكير للتعظيم، أي: رضوان عظيم من الله أكبر ~~من كل نعمة؛ لأن كل رضوان عظيم، فقد يقال: التعظيم وصف كاشف مبين أن رضوانه ~~عظيم لاحتراز عن رضوان حقير، إذ لا حقير له تعالى - عز وجل - ، وهب أنه ~~مراتب بعضها عظيم، أي: زائد على بعض ، لكن العظيم ليس لجميع المؤمنين. ~~وأيضا كونه للتقليل ms128 يتضمن الإشارة إلى كمال كبريائه والوعد لا بطريق الجزم، ~~كما هو شأن الملوك إشارة إلى أنه غني عن العالمين، واختار بعض أنه للتعظيم، ~~وأنه ليس <<رضوان>> مبتدأ خبره<< أكبر>>، كما هو إعراب من قال للتقليل، بل ~~خبره محذوف أي لهم، أو معطوف و<<أكبر>>ذنعته؛ لأن ذلك يفيد حصوله للمؤمنين ~~جزما، ولأن المقام مقام تعدد النعم، ومنها رضوانه في الجنة، فحينئذ لا مانع ~~من جعله للتكثير أو له مع التعظيم، ولا يفيد ذلك إعراب التقليل. # والفرق بين التعظيم والتكثير أن التعظيم بحسب علو الشأن ولو مع قلة ~~المعظم، والتكثير باعتبار أفراد الشيء ولو مع حقارة، سواء أكان التكثير ~~تحقيقا كما في " إبل " و" شاه " أو تقديرا كما في رضوان؛ إذ كان فيه ~~باعتبار متعلقاته كما مر. PageV01P206 # والفرق بين التحقير والتقليل: أن التحقير بحسب انحطاط الشأن ولو مع كثرة ~~الأفراد، والتقليل بحسب الأفراد ولو مع العظمة، ومن التنكير للتعظيم ~~والتكثير معا قوله تعالى { وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك } (¬1) نكر ~~رسلا لتكثير من كذب من الرسل ولتعظيمه "لست يا محمد منفردا بتكذيب الكفرة ~~لك، بل مضى رسل كثيرون مثلك في العظم مكذبون، فاصبر. " فإن لفظ <<رسل>> ~~يصدق على ثلاثة فصاعدا، لكن تنكيره حصل المبالغة في الكثرة. ومن التنكير ~~للتقليل والتحقير معا قولك: "حصل لي منه شيء قليل" . ومن تنكير غيرالمسند ~~إليه للإفراد أو النوعية قوله تعالى { والله خلق كل دابة من ماء } (¬2) PageV01P207 أي: كل فرد من أفراد الدواب من نطفة معينة هي نطفة ~~أبيه ونطفة أمه، والمختصين به اللتين كانتا إياه ؛ فتنكير <<دابة>> ~~و<<ماء>> للإفراد ، وإن قلت: الحمل على الإفراد لا يناسب التفصيل بعده، وهي ~~قوله:( فمنهم من يمشي ... الخ) قلت: التفصيل راجع إلى لفظ <<كل >>، وأما ~~مدخولها ففرد وحاصل ذلك أنه خلق الشخص من الشخص، والتنكير في <<ماء>> ~~و<<دابة>> للوحدة الشخصية . ويجوز أن يكون التنكير فيهما للتنويع، أي: خلق ~~كل نوع من أنواع الدواب من نوع من أنواع المياه، وهو نوع النطفة التي تختص ~~بذلك النوع من الدواب، لكن النوع إنما ms129 يصح خلقه، والخلق منه باعتبار ~~أفراده، لكن ليس الغرض الإشعار بالفردية بل بالنوع في ضمن الفرد، والبغل ~~ولو لم يخلق من نطفة البغل لكن نوع النطفة المختصة بالبغل هو المركب من ~~نطفة الحمار ونطفة الفرس؛ لأن الفرس الأنثى من الفرس الأنثى، والفرس الذكر ~~والبغل تلده الفرس الأنثى من الحمار، بل ذلك كله في النوع والأفراد على ~~الغالب، فلا يرد هذا في النوع، ولا يرد آدم وحواء وعيسى في احتمال النوع ~~والأفراد، ولا يرد في النوع أيضا ما يتولد من التراب كالبرغوث والذباب، وما ~~يتولد من البطن بلا نطفة كالعقرب، وقيل: هي من التراب، وكذا الفأر من ~~البطن، قيل: بلا نطفة. ويجوز اعتبار الأفراد في جانب الدابة، والنوعية في ~~جانب الماء؛ بمعنى أن كل فرد من أفراد الماء، إلا أن يعتبر الفرد الأول ~~الذي هو الأب الأول. وللسكاكي في (المفتاح) (¬1) تفسير آخر للماء، وهو نوع ~~الماء يعني النطفة إذ هي نوع من الماء، وهو ضعيف لأن سوق الآية تخصيص كل ~~نوع من الدواب بنوع من النطفة. PageV01P208 ومن تنكير غير المسند إليه للتعظيم قوله ~~تعالى { فأذنوا بحرب من الله ورسوله } (¬1) أي: بحرب عظيمة، وليس للتقليل ~~لأن الحرب القليلة تؤذن بالتساهل في النهي عن موجبها فكان المناسب الحرب ~~العظيمة. ويجوز أن يكون التنكير للتنويع، أي: نوع حرب غير متعارف؛ وهو حرب ~~جند الغيب لا يدرك فضلا عن أن يدفع ضره. # ومن تنكير غير المسند إليه للتحقير قوله تعالى { إن نظن إلا ظنا } (¬2) ~~أي ظنا حقيرا ضعيفا؛ لأن في الظن مراتب؛ ظن قوي، وظن أقوى كأنه علم، وظن ~~ضعيف، وظن أضعف كأنه شك، وكل ذلك ظن غير علم؛ فالمفعول المطلق هنا للنوعية ~~لا للتأكيد المجرد، وإنما قلت المجرد لأن المفعول المطلق أبدا للتأكيد؛ إما ~~التأكيد المجرد، وإما مع النوعية، وإما مع العددية، ولو كان بمجرد التأكيد ~~لم يصح التفريغ إليه، إذ لا يقال: "ما قام إلا قياما" وإلا كان كقولك: " ما ~~زيد إلا زيد" إذ لم يحتمل عموم محذوف قبل" إلا صالح "لأن يستثنى ms130 منه ما ~~بعدها، وكان أيضا كقولك الضرب وأن لا ضرب فيتناقض، فإذا قلت: "ما ضرب إلا ~~ضربا "وأردت مطلق الضرب لم يجز، وإن أردت بتنكيره نوعا منه أو وحدة أو كثرة ~~صح، كأنك قلت: "إلا نوعا من الضرب" أو" إلا ضربة" أو "ضربتين" أو" ضربات ~~كثيرة" فهو بلفظ واحد بلا تاء صالح للنوع والعدد.. PageV01P209 واعلم أنه إذا ~~كان التنكير يفيد التعظيم فأولى أن يفيده لفظ البعض كقوله تعالى { ورفع ~~بعضهم درجات } (¬1) أي ورفع محمدا - صلى الله عليه وسلم - درجات فذكره - ~~صلى الله عليه وسلم - بلفظ <<بعض>> تفخيما لفضله وإعلاء القدرة، وإيضاح ذلك ~~أن لفظ <<بعض>> مطلق يصلح له - صلى الله عليه وسلم - ولغيره، ولوح مع هذا ~~إلى أن المراد به هو - صلى الله عليه وسلم - وأنه لا يصلح له إلا هو - صلى ~~الله عليه وسلم - ،وما ذكر بهذا اللفظ المطلق إلا لكون المفسر به أعظم من ~~أن يعرف في رفعته فضلا عن أن يصرح به. والله أعلم. # باب المسند إليه منعوتا PageV01P210 ينعت لكشف ما يعني به حقيقة أو ~~مجازا، نحو قولك: " أعجبني الأسد " الذي ليس بجبان إذا لاقى الحرب فالأسد ~~الشجاع مجازا، والشجاع هو الذي ليس جبانا في الحرب، وقولك: "الجسم الطويل ~~العريض العميق يحتاج إلى فراغ يشغله " ف<<الجسم>> مبتدأ ويحتاج خبره، ووصف ~~<<بالطول، والعرض، والعمق>> لبيان أن حقيقة ذلك على كل حال. قال بعض علماء ~~(البليدة) - من أعمال الجزائر في مغربنا هذا وهو من شيوخ الصبان في مصر - ~~هذا في الجسم الطبعي، وأما التعليمي فلا يحتاج إلى فراغ لكونه عرضا، إذ هو ~~عبارة عن الامتدادات الثلاثة: الطول والعرض والعمق، وما ذكرته في الجسم هو ~~مذهبنا معشر الإباضية الوهبية أهل الدعوة وسائر الإباضية، ومذهب المعتزلة ~~أيضا، والظاهر أن مذهب الأشاعرة أيضا،* ونفاهالدمنهوري (¬1) عنهم، وهو منهم ~~* (¬2) . PageV01P211 والمراد بالعرض والطول هما تحقيقا أو ~~حكما، إذ يكون الجسم كرة أيضا، وقد يستوي عرضه وطوله، وقد لا يعلم ما عرضه ~~أو طوله، ولا إشكال إذا فسرنا الطول بالامتداد المفروض، والعرض بالامتداد ~~المفروض؛ بأن يفرض ms131 عرض الشيء هو هذه الجهة، وطولها هو هذه الجهة، كلوح مربع ~~تفرض سطوره من جهة ثقبته، بل بثقبته تبين طوله وعرضه، وربما احتاج إلى ما ~~ذكرت من قولي تحقيقا أو تنزيلا إذا فسرت الطول بأزيد الامتدادين والعرض ~~بأنقصهما، وقالت الحكماء: الجسم المركب من الهيولي والصورة، والهيولي ما ~~يصلح للتصور بصور، ك<<العجين>> و<<الشمع>>، وك<<الطفل>> يصلح أن يكون ~~لحيانا بعد، وأن يكون أمرد. وقال المتكلمون: الجسم ما تركب من جزأين ~~فصاعدا؛ أي: من جوهرين فردين فأكثر لا يصلحان للقسمة، وهذا لا يصح عندنا؛ ~~لأن الجسم أبدا منقسم، * وعندهم الجوهر فرد وهو جزء لا يقبل التجزئة، ومركب ~~من جزأين فصاعدا، أو هذا الأخير يسمى جسما * (¬1) وقال أهل اللغة الجسم [ ~~هو] البدن. # واعلم أن وصف الجسم بالطويل والعريض والعميق بمنزلة قولك الذاهب في ~~الجهات، والكشف بمجموع تلك الصفات لا بواحد، كقولك: " الرمان حلو وحامض " ~~فإن << حلو حامض >> بمنزلة خبر واحد؛ فالكشف كما يكون بواحد يكون بمتعدد، ~~ويجوز أن يقال: الكشف بالطويل مقيد بالعريض العميق على أنهما نعتان للطويل ~~مقيدتان له، وأيضا يكفي الكشف ولو من وجه واحد في الباب، ولو كان العموم ~~باقيا فإن الطويل مبين لبعض حقيقة الجسم ولو اقتصر عليه لصح مثالا، وكذا ~~بعده إذ لا يشترط التمييز عما عدا المسند إليه، إنما ذلك في الحدود، وبذكر ~~الطول والعرض والعمق معا تميز عما عداه. PageV01P212 ومذهبنا منع الجوهر الفرد كالحكماء ~~وهو جزء لا يتجزأ كما مر، وأثبته المعتزلة والأشاعرة، وعلى ثبوته فهو محتاج ~~للفراغ، ولو كان لا يوصف بطول وعرض وعمق، * والطول معتبر بتصعيد العين إلى ~~فوق، والعمق معتبر بتنزيل العين إلى أسفل* (¬1) ، ولا يختص الوصف للكشف ~~بالمسند إليه؛ فمنه في غيره قول الشاعر[ أوس بن حجر يرثي فضالة بن كلدة ] ~~من المنسرح: # إن الذي جمع المروءة والن ... جدة والبر والتقى جمعا # الألمعي الذي يظن بك الظ ... ن كأن قد رأى وقد سمعا (¬2) PageV01P213 # ف<<الألمعي >>معناه: الذكي الشديد الفهم، ف<<الذي يظن بك الظن...الخ>> ~~تفسير للألمعي، إذ يلزم من كون الشخص ذكيا شديدا الفهم موافقة ms132 ظنه للواقع؛ ~~كأنه شاهد الواقع الذي هو مما يرى فرآه، أو مما يسمع فسمعه، كما قال: <<كأن ~~قد رأى وقد سمعا>>، وليس <<الألمعي>> مسندا إليه بل مسند لأنه خبر إن، أو ~~نعت اسمها فينصب، أو مفعول لأعني، والأظهر أن الخبر هو قوله بعد خمسة أبيات: # أودى فلا تنفع الإشاحة من ... أمر لمن قد يحاول البدعا PageV01P214 ... ~~و<<أودى>>: هلك و<<الإشاحة>>: الحذر، وأراد ب<<البدع >>: الأمور الغريبة، ~~أي: لا ينجيه من الموت احتياله بها، و<<النجدة>>: الشجاعة و<<جمع>> جمع ~~جمعاء مؤنث أجمع، وليس معناه الذي يظن... الخ حقيقة بل لزوما، بخلاف الجسم ~~الطويل... الخ، فإنه قصر بالحقيقة لا باللازم، و<<الظن>> مفعول مطلق، ويظن ~~منزل كاللازم، وقيل: التقدير يظنك متصفا بصفة، و<<قد رأى>> من فاعل يظن ~~كونه حالا من الظن أو نعته، والمسند إليه المعرف رفعا للاحتمال. ونقول: ~~للأول في النحو التخصيص عبارة عن تقليل الاشتراك في النكرات، والتوضيح ~~عبارة عن رفع الاشتراك في المعارف؛ فإن كانت النكرة موضوعة للمفهوم الكلي ~~فلا إشكال، لأن في المفهوم الكلي اشتراك حقيقة، وإن كانت موضوعة لفرد ما ~~ففيها اشتراك على سبيل البدلية لصدقها على كل فرد على طريق البدلية لا ~~الشمول؛ إذ لا تعيين في مفهوم النكرة بحيث يمنع الاشتراك، إذ التعيين الذي ~~فيه بمعنى أنه فرد الرجل لا فرد غيره، لا بمعنى أنه معروف مشخص للمخاطبين ~~من حيث اللفظ ولو عرفوه من خارج وخصصوا التقليل، لأنه الغالب وإلا فقد يزول ~~الاشتراك بالكلية . واعلم أن رفع الاحتمال لا يتأتى في المعرف ب<<لام ~~الجنس>> لأن مدلوله الجنس، وفيه الاشتراك لصدقه على كثيرين؛ فوصفه لا يوضحه ~~بل يخصصه كالنكرات. PageV01P215 # وكذا المعرف<< باللام >>المشار بها إلى فرد ما باعتبار عهدية جنسه، ويوصف ~~المسند إليه للمدح أو للذم أو الترحم، ولا مانع من اجتماع معينين فصاعدا في ~~نعت واحد بأن يقصد أحدها بالذات والباقي غير مقصود بالذات، بل لا مانع عندي ~~من قصدها بالذات كلها، إذ ليس من باب استعمال الكلمة في معانيها، مثل أن ~~يكون زيد معروفا فنقول: " جاء زيد العالم" فتعطفه ms133 بلفظ العالم وتترحم عليه ~~بأن ذكرته بالعلم في مقام ذكر الإضرار به، أو مثل: " جاء زيد العالم " إذا ~~لم يعرف إلا بلفظ العالم فذكرته بعالم ليعرف به، ولفظ <<عالم>> مدح ولو لم ~~تقصده بالمدح أو قصدته. وقيل: إذا لم يكن الوصف للتخصيص أو الإيضاح حمل على ~~الذم أو المدح أو الترحم، ويوصف المسند إليه للتأكيد وهو التقرير، وليس ~~النعت فيه توكيدا اصطلاحيا معنويا ولا لفظيا، إذ اسمه نعت، نحو: " أمس ~~الدابر كان يوما عظيما" أو "الغد المستقبل كان يوما مهولا على أعدائنا " ~~فإن لفظ <<أمس>> يدل على الدبور، و<<الغد>> على الاستقبال، وقوله تعالى { ~~فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة } (¬1) فنفخة واحدة دال على الوحدة ، وإن ~~قيل: أي فائدة لهذا التوكيد في المثالين ، قلت: إنما يقال ذلك إذا اقتضاه ~~المقام ، كما إذا وقع في الأمس غم فيكون ذكر الدابر إشارة للفرح بدبوره ، ~~أو يكون فيه سرور فتشير بدبوره إلى التأسف عليه ، وتشير باستقبال غد إلى ~~أنه قريب الوصول إذ وصفته بأنه قد شرع في القرب إلى الوصول نحب ذلك لأن غم ~~العدو محبوب . # وينعت المسند إليه أيضا لبيان المقصود واحتمالي اللفظ أو احتمالاته، ~~كقوله تعالى { وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه } (¬2) PageV01P216 وصف الدابة ~~ب<<في الأرض>> و<<الطائر>> بيطير بجناحيه لبيان أن القصد الجنس المتحقق في ~~كل فرد لا طائفة من الأفراد مخصوصة فإنهما ولو كانا عامين لكونهما نكرتين ~~بعد السلب، لكن يجوز أن يراد بهما دواب أرض واحدة وطيور جو واحد فيكون ~~استغراقا عرفيا بوصفهما دواب الأرض كلها وطيور الجو كله، ولكن المراد: ما ~~من دابة سواكم؛ لقوله { إلا أمم أمثالكم } ، وإنما صح الإخبار ب<<أمم>> على ~~دابة وطائر مع أن المراد: كل فرد فرد لاعتبار المجموع المتحصل من كل فرد ~~فرد ، والمراد أن الدواب والطيور أمم مماثلة لكم في أن لها أرزاقا مقدرة ~~وآجالا مسماة وأحوالا محفوظة، ولكون الوصف لبيان قصد الجنس أفاد هذا الوصف ~~زيادة التعميم بحسب تحقق الجنس في جميع الأفراد . وأما أصل التعميم فبوقوع ~~النكرة بعد ms134 السلب، ولا يخفى أن المقصود في الوصف الكاشف إيضاح المعنى لا ~~بيان الاحتمال، والوصف المؤكد لمجرد التأكيد لا بيان المقصود الأصلي؛ وليس ~~الوصف هنا من أحد قسمي الوصف المخصص وهو ما يدفع احتمال الموصوف لأن ما هنا ~~في النكرات. والله أعلم . ... # باب تأكيد المسند إليه تأكيدا نحويا PageV01P217 ... يؤكد لتحقيق مدلوله ~~بإزالة احتمال غيره حتى لا يظن السامع أن المراد سواه ولا يتوهم، نحو قولك: ~~" جاء زيد زيد " ظننت غفلة السامع عن سماع لفظ زيد فأعدته، أو عن حمله على ~~معناه بأن يظن أو يتوهم أنه جاء غلام زيد، أو رسول زيد، أو كتابه، أو نحو ~~ذلك؛ فرفعت ذلك بإعادته، وهذا الغرض حاصل بالتوكيد اللفظي- كما رأيت- ~~وبالمعنوي الذي هو النفس والعين، نحو: " جاء زيد نفسه ". وأما الغفلة عن ~~سماع لفظ المسند إليه فلا ترفع بالمعنوي، وأما إعادة اللفظ بمرادفه نحو: " ~~الذهب العسجد عزيز" فليس من التأكيد المسمى بالمعنوي في عرف النحو، بل هو ~~قريب من اللفظي، ولو سمي " جلست قعودا " معنويا، ومثل " جاء زيد " أو " جاء ~~زيد نفسه " وإن أمكن حمله على دفع توهم التجوز أو السهو، لكن فرق بين القصد ~~إلى مجرد التقرير والقصد إلى دفع التوهم، وليس من التأكيد النحوي إذا عرفت ~~ولو أفاد تقرير الحكم فيما قيل بتكرير الإسناد إذ أسند عرف للتاء، وأسند ~~عرفت لأنا و " لا أنا سعيت في حاجتك وحدي"أو " أنا سعيت في حاجتك لا غيري " ~~، ولو أفاد تقرير الحكم عليه فيما قيل ، لأن التأكد الاصطلاحي لا يفيد ~~الإسناد مرتين ، فضلا عن أن يتقرر به الحكم ، وتأكيد المسند إليه لا يكون ~~لتقرير الحكم ؛ فإن التاء في <<عرفت>> فاعل و<<وحدي>> حال ولا غير في عطف ~~فلا تأكيد اصطلاحي ، بل المقرر للحكم التقديم في إذا عرفت لا التكرير، وإلا ~~إفادة التكرير في <<عرفت أنا >>وليس يفيده، وأما <<وحدي>> أو <<لا غيري>> ~~فيفيد التخصيص الذي أفاده تقديم <<أنا>> ولا يفيد تأكيد <<أنا >>. والله أعلم. PageV01P218 # ويؤكد المسند إليه لدفع توهم المجاز بالحذف أو المجاز العقلي، سواء كان ~~المسند إليه حقيقة، ms135 نحو: " قطع الأمير الأمير اللص " و" قطع الأمير نفسه ~~اللص " أو مجازا لغويا نحو: " رماه الأسد نفسه " أي الشجاع، وذلك دفع لأن ~~يتوهم أن القاطع غلام الأمير، أو خادمه، أو أن الرامي غلام الشجاع مثلا. # والتقرير لازم في باب التوكيد كله؛ لأن التوكيد تابع، يقرر أمر المتبوع ~~في النسبة أو الشمول إلا أن القصد إلى التقرير غير القصد إلى رفع التوهم، ~~وإلى غيره من المعاني، وإنما صح التمثيل بقطع "الأمير الأمير اللص" وهو " ~~كجاء زيد زيد "وهو مما يفيد رفع التجوز في المسند إليه لا رفع التجوز في ~~الإسناد؛ لأن رفع التجوز في الإسناد يفهم عرفا من رفع التجوز في المسند ~~إليه أيضا. وإذا قيل: " ضرب الأمير اللص " بلا تأكيد احتمل التجوز في ~~الإسناد بأن يكون القاطع بعض غلمان، أو التجوز بحذف مضاف -كما رأيت- أو ~~المجاز المرسل من إطلاق السبب الأمر وهو <<الأمير>> على المسبب المأمور، ~~وهو<< الغلام>> مثلا، أو المجاز الاستعاري، بأن شبه <<الغلام>> ب<<الأمير>> ~~بجامع ملابسة الفعل لكل استعارة لفظ <<الأمير>> <<للغلام >> ويرتفع ~~الاحتمال بالتأكيد، والله أعلم. PageV01P219 # ويؤكد المسند إليه لدفع توهم السامع سهو المتكلم، أو نسيانه، أو غلطه، ~~وذلك أنك تقول: "قام زيد وأنت ساه "، وفي تحقيقك أنه "قام عمر" بحيث لو ~~رجعت فقيل لك: " أقام ؟ " أو "هل قام ؟ " لقلت : " لا بل قام عمرو " وتقول ~~: " قام زيد " بسبق لسانك إلى ذلك عن قولك : " قام عمرو " وعلمت بسبق لسانك ~~، وتقول : " قام زيد " ناسيا من قلبك أنه "قام عمرو" ، فإذا قلت : " قام ~~زيد زيد " لم يتوهم سامعك أنك غلطت عن "قام عمرو" ، أو سهوت عنه ، أو نسيته ~~، وهذا في التوكيد اللفظي .وأما المعنوي فلا يرفع هذا التوهم؛ لأنه إذا ~~قال: " جاء زيد نفسه " احتمل أنه أراد"جاء عمرو نفسه" فسها وتلفظ بزيد مكان ~~عمرو وبنى التأكد على سهوه، بخلاف توهم التجوز فيدفع به ويؤكد المسند إليه ~~لدفع توهم عدم الشمول في المسند إليه، أو في الإسناد، نحو: " جاءني القوم ~~كلهم " إذ لو قلت: "جاءني القوم " لاحتمل أن تريد الخصوص وأن ms136 بعضا لم يجئ ~~ولم تعتد به. # ولما قلت: <<كلهم>> رفعت احتمال الخصوص ورفعت توهم عدم الشمول في المسند ~~إليه، وأيضا إذا قلت: " جاءني القوم " احتمل أنك جعلت المجيء الواقع من ~~البعض كالواقع من الكل، فأسندت ما للبعض للكل بناء على أنهم في حكم شخص ~~واحد لتعاونهم وتوقف بعض على بعض، فلا تفاوت في أن تنسب الفعل على بعضهم أو ~~كلهم فيكون مجازا في الإسناد. ... PageV01P220 # ولما قلت: <<كلهم>> ارتفع التجوز في الإسناد، وعلى هذا الوجه لا يكون ~~توهم عدم الشمول في لفظ القوم إذا علم أنه أريد به الكل، لكن توهم أن الفعل ~~المنسوب إلى الكل لم يصدر عنهم بل عن بعضهم، وإنما نسب إلى كلهم لأنهم ~~كواحد، بخلاف الوجه الأول فإن المجاز المدفوع فيه لغوي؛ إذ دفعت الشمول في ~~المسند إليه، إذ كان لفظ <<القوم>> يحتمل استعماله في بعضهم، والقصد إلى أن ~~البعض بمنزلة المجموع. وإن قلت: كيف يدفع المجاز الإسناد بكل وأخواته ؟ مع ~~أنك إذا قلت: " جاءني القوم كلهم " يفهم أفدت شمول آحاد القول قطعا، ولا ~~يلزم من ذلك شمول الإسناد لتلك الآحاد، ألا ترى أن قولك: " فعلوا كذا " ~~يفيد شمول الآحاد ومع ذلك يحتمل أن يكون الفعل المنسوب إلى جميع الآحاد ~~صادرا عن بعضهم، قيل: لعل شمول الأفراد يستلزم عرفا شمول الإسناد كما مر مثله. # وإذا لم يمكن التوهم في المتبوع لم يجز تأكيده بما يكون رافعا لتوهم عدم ~~الشمول، فلا يجوز " اختصم الرجلان كلاهما " أو " اصطفا كلاهما " ونحو ذلك ~~من المادات التي لا تستقل من واحد، أو من الهيئات كذلك، نحو: " تضاربا "، ~~بخلاف " جاءني الرجلان كلاهما " الجواز مجيء رجل واحد ولاحتمال جعلهما ~~كالواحد فتنسب إليهما معا يجيء أحدهما فترفع هذا الاحتمال بكلاهما. والله أعلم. # باب العطف على المسند إليه عطف بيان PageV01P221 يعطف عليه عطف بيان ~~لإيضاحه غالبا بإزالة الاحتمال عنه، سواء أكان معرفة أمنكرة على الصحيح من ~~جواز كونه نكرة، وذلك غالبا باسم يختص بالمسند إليه علم أو غيره علم من ~~المعارف أو النكرات إذا ذكر بعده، ms137 نحو: " قدم صديقك خالد "، ومثله في غير ~~المسند إليه قوله تعالى { من ماء صديد } (¬1) ، واعلم أنه إن قصد البيان ~~بالذات فعطف بيان ، وإن قصد الثاني بالحكم ذاتا ، والأول تمهيد فبدل مطابق ~~ولو حصل به بيان ؛ لأنه لم يكن بالذات، وإذا لم يتبين قصد المتكلم جازا ~~جميعا ، فاختار السعد[ التفتازاني ] كونه عطف بيان (¬2) لأن الإيضاح له ~~مزيد اختصاصه به، واختار الزمخشري كونه بدلا (¬3) ،ووجهه السيد [ الشريف ~~الجرجاني ] بأن في البدل تكرير العامل حكما ويفرع عليه تأكيد النسبة أعني ~~الإسناد، وبأن الأصل أن تجعل الذات مقصودة بالحكم أعني النسبة، وليس ~~الإيضاح يفوت ولو لم يقصد بالذات . ثم إنه قيل: يلزم أن يكون المعطوف أوضح ~~من المعطوف عليه، وليس كذلك لجواز أن يحصل الإيضاح من اجتماعهما، بل كونه ~~أوضح غالبا ومن غير الغالب مجيؤه لغيرالإيضاح كقوله تعالى { جعل الله ~~الكعبة البيت الحرام قياما للناس } (¬4) PageV01P222 إذا جعلنا البيت عطفا على الكعبة ~~للمدح بواسطة نعته بالحرام ولا للإيضاح، فعطف الموصوف بالحرام عطف بيان ~~وذلك مدح ، وقد يقال : <<البيت>> علم للكعبة بالغلبة أشهر من لفظ ~~<<الكعبة>> فهو للإيضاح مجردا ، فيكون المدح في وصف عطف بيان بالحرام لا في ~~جعل الموصوف بالحرام عطف بيان ، ومن غير الغالب أن يكون المعطوف مساويا ~~لمعطوف عليه في الوضوح أو دونه ، والإيضاح يحصل باجتماعهما ؛ مثل أن تفرض ~~<<أبا حفص>> كنية لرجال عشرة ، و<<عمر>> اسما لعشرين غير العشرة ؛ فإذا ~~عطفت هذه الكنية على هذا الاسم وقلت مثلا : " جاءني أبو حفص عمر " فالمعطوف ~~عليه أوضح من المعطوف، وإذا عكست وقلت مثلا : " جاءني عمر أبو حفص " ~~فالمعطوف أوضح . # ومن غير الغالب كون العطف باسم لا يخص المعطوف عليه إذا ذكر بعده، وأما ~~إذا ذكر منفردا عن المعطوف عليه فلا يلزم ولا يتوهم أن يكون مختصا به، ~~وإنما الفرض أن يختص به على وجه إذا ذكر بعده، وذلك بالقياس إلى بعض ما ~~يطلق عليه لفظ المعطوف عليه تحقيقا إن قصد إزالة إبهام محقق، أو تقدير إن ~~قصد دفع إبهام مقدر، وإن قصد المدح فلا اختصاص ms138 أصلا لا من وجه ولا مطلقا، ~~وممالا يخص المعطوف عليه قول الشاعر [ النابغة ]: [ من البسيط ] # والمؤمن العائذات الطير يمسحها ... ركبان مكة بين الغيل والسند # ما إن أتيت بشيء أنت تكرهه ... إذا فلا رفعت سوطا إلي يدي (¬1) PageV01P223 # ... فإن <<الطير>> مختص ببعض ما يطلق عليه العائدات، ذلك البعض هو <<طير ~~الحرم>> وإن لم يختص بالبعض الأخر وهو<< وحش الحرم>>، فالقصد ب<<الطير>> ~~إزالة إبهام محقق، بخلاف " ألا بعد العاد قوم هود " ، فإنه لا إبهام في ~~<<عاد>> يرفعه المعطوف الذي هو<< قوم هود>> ، إلا ما قد يقدر من اشتراك لفظ ~~<<عاد>> بين<< قوم هود >> وغيرهم ، أو من جواز إطلاقه على كل عاثين معاندين ~~لاستهتارهم بالعتو والعناد، فذلك رفع إبهام تقديري ، و<< المؤمن>> هو الله ~~أقسم به الشاعر، أي: الذي جعل طير الحرم في أمن من الصيد، و<<العائدات>> ~~مفعول به لمؤمن أو مضاف إليه اسم فاعل عاد يعود بالإعجام، أي: الملتجئات ~~إلى الحرم الساكنات به و<< الطير>> عطف بيان منصوب على لفظ <<العائدات>> ~~مفعولا ، وعلى محله إن جعل مضافا إليه، ولا يختص ب<<العائدات >> لأنه ~~يشملها وغيرها ، كما أن <<العائدات>> يشملها وغيرها ؛ فبينهما عموم وخصوص ~~من وجه و<< الغيل>> و<<السند >> موضعان في جانبي الحرم فيهما ماء ، وقوله: ~~<<ما إن أتيت >> جواب القسم و<< إن>> زائدة ولا رفعت دعاء على نفسه (عافانا الله). # باب الإبدال من المسند إليه # المسند إليه تمهيدا وصورة وهو المبدل منه، وبالذات والقصد هوالبدل، وليس ~~كالنعت والتوكيد والبيان في أنهن تتمات لما قبلهن، وليس مرادهم أكثر من هذا ~~إذا قالوا: المبدل منه في نية الطرح، أو في حكم الطرح، أو في حكم السقوط، ~~أو في حكم النتيجة، أو نحو ذلك من العبارات؛ ألا ترى أنه لو سقط المبدل ~~منه، نحو: " جاء أخوه "، وقد يحذف أو ينوب عنه ظاهرا، أو<<أل>> عن ~~الكوفيين. # وقد يتوقف الكلام على المبدل منه في بدل البعض، نحو: " زيد رأيت غلامه ~~رجلا صالحا " أو " رأيت غلامه عمرا "، فلو أسقط غلامه بفي المبتدأ بلا ~~رابط، وهب أنك حذفت المبدل منه وأبقيت ms139 الضمير وقلت: " زيد رأيته رجلا صالحا ~~" أو " رأيته عمرا " لتوهم بدل الإضراب. PageV01P224 # وكما يختل الكلام بإسقاطه، نحو: " جاءت هند غلامها " و" أعجبتني هند ~~كلامها " أو "وجهها"، فلو أسقطت لفظ <<هند>> لزم أنك أنثت الغلام والكلام ~~والوجه، ونحو: " جاء زيد بنته " فلو أسقطت زيد لبقي " جاء بنته " بتذكير ~~البنت وهو مؤنث تحقيقا بلا فصل وبدون وجود حجة اكتفاء زيد عنها، بحيث يفهم ~~أنها المراد، وإنما مثلت لبدل الاشتمال " بجاء زيد أخوه " و" جاءت هند ~~غلامها " و"أعجبتني هند كلامها " و" جاء زيد بنته " لأن مذهبي: أن بدل ~~الاشتمال هو الذي بينه وبين المبدل منه ملابسة بغير الجزئية والكلية، ومنه: ~~" ضربت عمرا حماره" ولم يشعر المبدل منه بالبدل أو أشعر به إجمالا أو ~~تعيينا. ولو اختار الجمهور أن ذلك بدل غلط، واختاروا أن بدل الاشتمال ~~معناه: أن يشتمل المبدل منه على البدل، بحيث يكون مشعرا بالبدل إجمالا ~~ومتقاضيا له بوجه، بحيث تبقى النفس عند ذكر المبدل منه متشوفة إلى ذكره ~~منتظرة له، وعندي: تنتظره بعينه وذاته، أو تنتظر إلى ذكر بدل يناسب الحكم ~~فيعلم عينه بذكره " فقتل الأمير سيافه" تتشوف إليه بعينه و" أعجبتني هند ~~كلامها " تتشوف إليه هكذا بلا تشخيص، وإنما يتشخص بذكره؛ لأنه يمكن أن ~~يعجبك منها سكوتها. # ولا تتوهم أن بدل الاشتمال هو ما اشتمل عليه المبدل منه اشتمال الظرف على ~~المظروف لا غيره بل أعم من ذلك، فتارة كذلك مثل: { يسألونك عن الشهر الحرام ~~قتال فيه } (¬1) PageV01P225 و { أصحاب الأخدود * النار } (¬1) ، وتارة ليس كذلك ، ~~نحو: " شق عمرو ثوبه " فالمبدل منه في هذا هو المظروف إذا كان الثوب على ~~بدنه ، وإلا فبدل اشتمال غير مظروف ولا ظرف . # ولا يخفى أن نحو " قتل الأمير سيافه " و" بنى الأمير عماله " بدل اشتمال ~~عندي لا عند الجمهور؛ لأن نسبة القتل والبناء غير إجمالية، بل تتعين ~~بالسياف والعمال؛ لأنه معلوم أن الذين يلون القتل والبناء السياف والعمال ~~ولا يليهما الأمير.والجمهور يعدون هذا بدل عنه. ثم رأيت عيسى الصفوي ذهب ما ~~ذهبت؛ إذ استبعد أن يكون ms140 " رأيت زيدا عمامته أو ثوبه " بدل غلط، ومال إلى ~~أنه بدل اشتماله، وإلى أنه لا يشترط أن لا يصح الإسناد إلى المبدل منه ~~ظاهرا كما شرطه بعض مثل: " ركبت عمرا حماره " فإن <<الركوب>> لا يسند ~~تحقيقا ل<<عمر>> بل <<للحمار>> إسنادا إيقاعيا. وكذا رأيت ابن الحاجب عد " ~~رأيت زيدا أخاه " من بدل الاشتمال. وكذا عصام الدين إلا أنه جعل ما شرطه ~~الجمهور شرطا لاعتباره عند البلغاء لا لتحققه. ... ومما يرد على الجمهور: ~~أن بدل الغلط لا يقع في فصيح الكلام، فكيف يحملون عليه ما يقع في الفصيح ؟ ~~ولو قالوا بدل إضراب لكان أولى، لأن بدل الإضراب يعم بدل الغلط وبدل ~~الانتقال والإبطال، وبدل الانتقال بدون الإبطال؛ وهذان الأخيران إما أن ~~ينفيهما المبدل منه عمدا أو نسيانا أو سهوا أو كل ذلك غير الغلط، إلا أنه ~~لا مانع من أن يؤتى بصورة الغلط عمدا، فيكون تغالطا لا غلطا حقيقيا، فيجوز ~~وقوعه في الفصيح، نحو: " بدر شمس جاءني " من عمدت إلى بدر تري أنه سبق به ~~لسانك وهو واقع في كلام البلغاء ومعتمد للشعراء، وشرطه الترقي من الأدنى ~~إلى الأعلى، كما في المثال. PageV01P226 وأما المعطوف عليه ببل فهو ~~مقصود قطعا لا غلط ولا سهو ولا نسيان، والعقل يجيز أن يكون كبدل الغلط ~~أيضا، والمبدل منه غلطا حقيقا ليس مسندا إليه إذ لم يقصد، وأما ذكره تغالطا ~~فقيل كذلك، والأولى أنه مسند إليه تحقيقا جيء به على صورة الغلط لأنه مقصود ~~بالذكر، ومعنى قولهم بدل الغلط البدل لأجل الغلط؛ فالإضافة للملابسة، أو ~~البدل لتدارك الغلط، أو بدل المغلوط إليه؛ أعني المبدل منه. ثم إنه يبدل من ~~المسند إليه لتقرير الإسناد، كأنه وقع مرتين كما شهر أنه بنية تكرير ~~العامل، ولا ينافي ما مر من المبدل منه في حكم الطرح، لأنه اعتبر الحكم ~~مسندا للمبدل منه تمهيدا واعتبر أنه مسند للبدل؛ إذ كان المقصود بالذات، ~~ولو قصد التقرير لجيء بالبدل فقط، فقيل في: " جاءني زيد أخوك " من البدل ~~المطابق " جاءني أخوك " و" في جاءني القوم ms141 أكثرهم " من بدل البعض " جاءني ~~أكثر القوم "، وفي " سلب زيد ثوبه " من بدل الاشتمال " ثوب زيد " فلما ذكر ~~المبدل منه والبدل وقد تعلق الحكم بهما جميعا واحدا فواحدا كان فيه تقرير، ~~وسلب متعد لواحد؛ فإذا قيل: " سلبت زيدا ثوبه " ف<<ثوب>> بدل منه لا مفعول ~~ثان أو مفعول به، و<<زيدا>>منصوب على تقدير صاحب لا متعد لاثنين، فضلا عن ~~أن يقال: إن المفعول الآخر محذوف أي " سلب زيد ثوبه بياضه "وفي البدل ~~المطابق تقرير آخر هو: إيضاح المبدل منه إذا حصل بالبدل وهو: تقرير للمبدل ~~منه عنه. والمبدل منه قد حكم عليه، فقد تعلق هذا التقرير بالحكم أيضا بعض ~~تعلق، وقد يحصل به فائدة أخرى تعود للمبدل منه المتعلق به الحكم: " نحو جاء ~~زيد أخوك " فإن الأخ هو ذات زيد، وأفاد الأخوة زيادة على الذات. PageV01P227 # ومن البدل المطابق عند البصريين " ضربتك إياك " و " ضربته إياه " و" مررت ~~بك أنت وبه " و"قمت أنت " و" إنك أنت قائم ". والذي عندي أن ذلك توكيد ~~كالتوكيد اللفظي - كما هو مذهب الكوفيين - إذ لم يفد شيئا سوى ما أفاد ~~الأول، أعني أن ذات المبدل والبدل ومفهومهما واحد، بخلاف " جاء أخوك زيد " ~~فإن قولك: " زيد " يبين الاسم ويزيل توهم الآخ الآخر إن كان، فإن لفظ ~~<<الأخ>> يحتمل في الجملة <<زيدا>> وغيره، بخلاف " إياك " فإنه لا يفيد إلا ~~ما أفاد (الكاف) في " ضربتك" وليست (الكاف) تحتمل شيئا يزيله إياك، وكذا ما ~~بعده من الأمثلة. # فقد ظهر لك أن الحق ما قلته لا ما قاله البصريون وأقره الرضي وجعل قول ~~الكوفيين تحكما. وقد وافق البصريون ما ذكرته في قوله: " زيد قام هو " ~~وجعلوا <<هو>> " تأكيدا للمستتر لا بدلا، وكذا قيل عنهم في " قمت أنت "، ~~وفي بدل البعض تقرير آخر لأن المبدل منه يعمه، فكأنه ذكر مرتين، إذ المبدل ~~منه مشتمل عليه اشتمال الكل على إجرائه، وإنما لم يسم بدل اشتمال للفرق ~~بينه وبين بدل الاشتمال وخص بهذا الاسم بدل الاشتمال؛ لأن اشتماله اشتمال ~~ملابسة ومناسبة لا اشتمال كل على بعض، ms142 فهو اشتمال فيه خفاء، فاحتاج للتنبيه ~~ولأنه الاشتمال الحقيق، لأن الاشتمال الحقيق هو: أن يكون المشمول ليس بعض ~~الشامل، وإلا كان بعض الشيء شاملا مشمولا. وفي بدل الاشتمال تقرير آخر إذا ~~كان المبدل منه متقاضيا للبدل مستدعيا له، كما شرط الجمهور فيه. والله أعلم. # باب العطف بالحرف على المسند إليه PageV01P228 ... يعطف عليه لإفادة ~~المعاني المذكورة لحروف العطف في النحو مع اختصار وتفصيل لبيانه، نحو: "جاء ~~زيد وعمرو " فإنه تفصيل لقولك: " جاء رجلان "، فهذا بيان لخصوص كل من ~~المتعددين يفوت بالإجمال في قولك: " قام رجلان "، ونحو: " جاء زيد ورجل آخر ~~" فإنه تفصيل لبيان بعض الإجمال في قولك: " جاء رجلان " ، أو مع اختصار ~~وتفصيل لقصد التعريض بغباوة السامع تلويحا إلى أنه لا يفهم المتعدد من صيغة ~~التثنية ، نحو: " جاء رجل ورجل آخر " تريد أنك لو قلت " جاء رجلان " لم ~~يفهم أن من جاء اثنان ، قيل: بيان الاختصار في ذلك أنه لو أعيد العامل ~~فقيل: " جاء زيد وجاء عمرو " أو " جاء زيد وجاء رجل آخر " لطال وخرج الكلام ~~عن عطف المسند إليه إلى عطف الجمل ، والذي عندي: في أن ذلك اختصار في جانب ~~المسند نعم، ولو ذكرا بإجمال ثم فصلا بعطف بيان ، نحو : " جاء رجلان زيد ~~وعمرو " ،أو بالصفة نحو : " جاء رجلان أحدهما زيد والآخر عمرو " لطال وكانا ~~مسندا إليهما بواسطة التبعية فيهما جميعا. وأنت خبير بأن العطف لتفصيل ~~المسند إليه لا يخص العطف على المسند إليه الذي هو في الكلام متبوع محض، بل ~~يعم العطف على المسند إليه التابع، نحو: " جاء اثنان زيد وعمرو " و" جاء ~~الرجلان زيد وعمرو ".والله أعلم. PageV01P229 # وكذلك " جاء زيد فعمرو فخالد " تفصيل لقولك: " جاء رجال " وبيان له ~~واختصار عندهم عن قولك: " جاء زيد وجاء عمرو عقبه وجاء خالد عقب عمرو "، أو ~~بلا إعادة << لجاء >>، وكذلك " جاء زيد ثم عمرو ثم خالد " تفصيل لقولك: " ~~جاء رجال " وبيان له واختصار عندهم عن قولك: " جاء زيد وجاء عمرو بعده ~~بمهلة أو بسنة وخالد بعد عمرو بشهر " أو نحو ذلك، أو ms143 بلا إعادة<<لجاء >>، ~~وليس في العطف (بالفاء) أو( ثم) باعتبار تفصيل المسند اختصار، وإنما فيه ~~باعتبار تفصيل المسند تفصيل للمسند، وأما المسند إليه فيه ففيه تفصيل له مع ~~اختصار، ولكن قد علمت أنه لو أطيل لخرج عن عطف المسند إليه إلى عطف الجمل ~~بتكرير العامل، نحو: " جاء زيد فجاء عمرو" أو " ثم جاء عمرو " .والذي عندي ~~في ذلك: أن الاختصار بترك تكرير العامل اختصار في المسند - كما علمت-، ثم ~~أنه كما يفصل المسند (بالفاء) و(ثم)، إذ بين ب(الفاء) ترتيبه باتصال في ~~جانب المسند إليه المعطوف، وب(ثم) بانفصال في جانبه، كذلك يفصل ب(حتى) نحو: ~~" جاءني القوم حتى خالد " إذ أجزاء ما قبل <<حتى >> مرتبة في الذهن من ~~الضعيف إلى القوي، ومن القوي إلى الضعيف؛ فمعنى تفصيل المسند إليه ب<<حتى>> ~~أن يعتبر تعلقه بالمتبوع أولا، وبالتابع ثانيا من حيث أنه قوي أو ضعيف ~~بالنسبة إلى أجزاء المتبوع. وحاصل ذلك أن تعلق الحكم بالأول أولى من تعلقه ~~بالثاني، وليس مدلول <<حتى>> ترتيب تلك الأجزاء في الذهن بسبب التفاوت ~~بالضعف والقوة إلى أن ينتهي إلى أقواها أو أدناها وهو المعطوف، وإنما ~~مدلولها الغاية قوة أو ضعفا، وإنما <<حتى>> على ترتيب الأجزاء باللزوم لا ~~بالوضع. PageV01P230 # وكذا يفصل ب<<حتى>> المسند إليه، فإن قولك: " جاء القوم حتى خالد " تفصيل ~~لجاء القوم كلهم، أو لجاء القوم قويهم وضعيفهم؛ ف(الفاء) و(ثم) و(حتى) ~~مشتركات في تفصيل المسند والمسند إليه، وليس في (حتى) اختصار الإسناد كما ~~كان في( الفاء) و(ثم)؛ لأن قولك: " جاء القوم حتى خالد " ليس على قصد قولك: ~~" جاء القوم حتى جاء خالد " ولو كان ربما جاء مثل قولك: " أكرمت القوم حتى ~~أكرمت دوابهم " لكن إنما يجيء مثل هذا على قصد معنى قولك: " عممتهم ~~بالإكرام حتى دوابهم " وإنما صح حتى دوابهم لأن مدخول (حتى) كما يكون بعضا ~~مما قبلها يكون جزاء " كأكلت السمكة حتى رأسها " أو كجزء نحو: "أكرمنا الله ~~حتى دوابنا " و" أعجبتني الجارية حتى حديثها " والجملة يشترط أن يكون ~~متبوعها ذا تعدد في الجملة حتى يتحقق فيه نقص، ms144 وتفصيل المسند إليه ب(الفاء) ~~و(ثم) و(حتى) ليس العطف بهن لأجله فهو حاصل بهن لا مقصود بهن، فتفصيل ~~المسند إليه كأنه كان أمرا معلوما، فسيق الكلام لبيان أن مجيء أحدهما بعد ~~آخر باتصال أو انفصال، أو أن المعطوف غاية فيما قبله قوة أو ضعفا، وهذا في ~~(حتى) لأنها لا تفيد الترتيب في صدور الفعل المنسوب أو انتفائه، فهي تعطف ~~السابق على اللاحق، واللاحق على السابق والمتلاحقين؛ فتقول: " قدم الحاج ~~حتى المشاة " سواء تأخر قدوم المشاة عن الراكبين أو تقدم، أو مثل: " مات كل ~~أب حتى آدم " جاء وامعا. وتفصيل المسند إليه للتوسل إلى تفصيل المسند، ~~فالمسند هو المقصود بالذات بالتفصيل كان المسند إليه متبوعا " كجاء زيد ~~وعمرو "، أو تابعا نحو " جاء اثنان زيد وعمرو " PageV01P231 # ويعطف على المسند إليه لرد خطإ السامع، أو لإزالة شكه، أو لتعيين ما جهله ~~ولم يتصد له، نحو قوله: " جاء زيد لا عمرو " وردا على من قال: " جاء عمرو ~~ولم يجئ زيد "، أو ردا على من قال: " جاءا جميعا "، أو قال: " لم يجئ زيد ~~ولا عمرو ". أو لإزالة شك من شك " أجاء زيد أوجاء عمرو أو جاءا جميعا ". أو ~~إفادة لمن جهل ذلك ولم يشك، وكذا في نحو: " ما جاء زيد لكن عمرو " أو " بل ~~عمرو "، هذا تحقيق المقام عندي لا ما قال السعد [ التفتازاني ]: إن <<لكن>> ~~لا تجيء في قصر الإفراد (¬1) مثل أن يقال: " جاءا " فتقول: " ما جاء عمرو ~~ولكن زيد "، ولا ما قد يقال: إنه لا يقال " ما جاء عمرو ولكن زيد " إلا ردا ~~على من قال: " جاءا جميعا ". ولا ما قال عبد الحكيم (¬2) <<لكن>> لا يجيء ~~لقصر التعيين شيء من حروف العطف. ولا ما قيل إن الصحيح ما قاله ابن مالك ~~والسكاكي والقزويني من أن << لكن >> لقصر الغلبة. وإنما وسعت ذلك التوسيع ~~في إباحة استعمال <<لا>> و<<لكن>>، لأنه إن اعتقد نسيان أن زيدا وعمرا لم ~~يجئا لا هذا ولا هذا وقلت له: " ما جاء زيد وقد جاء عمرو "، أو اعتقد أنهما ~~جاءا، أو قلت ms145 له: " جاء زيد ولم يجئ عمرو " ، أو عكست له ، أو لم يعتقد ~~شيئا فأفدت له أنه جاء أحدهما دون الآخر ، أو أنهما لم يجئا ، أو أنهما ~~جاءا ، لم تكن مخطئا، فكذا إذا استعملت في تلك المعاني لكن. PageV01P232 # ... والظاهر أن كونها لرفع ما يتوهم أغلبي لا لازم، فقد تكون لمجرد ~~الإلحاق كما تكون، بل تارة لمجرد الانتقال، وكثير من المواضع في القرآن لا ~~يظهر فيه رفع التوهم ب<<لكن >>إلا بوجه خفي، ألا ترى أن نفي الأبوة في قوله ~~تعالى { ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله } (¬1) لا يوهم نفي ~~الرسالة لعدم الاتصال بينهما عند المخاطب، فكيف يستدرك ثبوتها ؟ فقال: يسر ~~فيه أن <<لكن>> لمجرد قصر لقلب من غير استدراك، والمشركون يعتقدون فيه ~~الأبوة ونفي الرسالة، فغلب عليهم اعتقادهم، ولعل مرادهم بالأبوة مطلق ~~التعظيم. ثم إنك قد علمت أن النكت لا يجب اختصاصها فلا يشكل أن قولك: " ما ~~جاء إلا زيد " أو " إنما جاء زيد " يفيد ما أفاد " جاء زيد لا عمرو " أو " ~~ما جاء عمرو لكن زيد " ويفيده <<لكن>> التي ليست بعاطفة مثل التي قرنت ~~ب(الواو). # ومن العطف على المسند إليه ب(الفاء) قولك: " جاء الآكل فالشارب فالنائم " ~~نزلت تعدد الصفة منزلة الموصوف وهو في منزلة عطف المسند؛ كأنه قيل: " جاء ~~الذي يأكل فيشرب فينام " بعطف الجمل، لكن اللام صارت مع دخولها كالكلمة ~~الواحدة لشدة الامتزاج، فدخل عاطف الصلة على اللام كما يدخل إعراب اللام ~~على الصلة، وليس كما قيل: إنه لو قدرت الموصوف هكذا " جاء الرجل الآكل ~~فالشارب فالنائم " تكفي. # ثم اعلم أن أحوال المسند إليه لا تختص به، بل تجيء أيضا في الفضلات وفي ~~المسند، لكن أرادوا بيانها فاقتصروا في البيان لها على المسند إليه؛ لأنه ~~أعظم، ولأنه أنسب بذكر أحوال الإسناد، ثم إنه لا يخفى أن قولك: " جاء زيد ~~لا عمرو “ اختصار من قولك: " جاء زيد ولم يجئ عمرو" وهكذا. PageV01P233 ثم اعلم أن بل لا تنقل ~~النفي السابق لما بعدها؛ لا بإبطاله عما قبلها ولا بجعله ms146 كالمسكوت عنه، بل ~~ما بعدها على الإثبات نحو: " ما جاء زيد بل عمرو "، وأجاز المبرد ذلك ولم ~~يوجبه. قال الصبان: ضبط المذاهب في <<بل>> إذا كانت في الإثبات؛ فحكم ~~المتبوع أنه كالمسكوت عنه عند الجمهور. وانتفاء الحكم عنه قطعا عند ابن ~~الحاجب. وحكم التابع الجزم بالثبوت له عندهم جميعا. وإذا كان في النفي فحكم ~~المتبوع أنه كالمسكوت عنه عند الجمهور (¬1) . والجزم بالانتفاء عند ابن ~~مالك (¬2) . وبالإثبات على ما توهمه القزويني (¬3) . وحكم التابع الجزم ~~بالثبوت له عند الجمهور. والجزم بالانتفاع على رأي الخضر والتردد على رأي ~~السكاكي (¬4) . والله أعلم. # باب تعقب المسند إليه بالفصل PageV01P234 وهو على القول بأنه ضمير عبارة عن ~~المسند إليه المتقدم عنه راجع إليه مطابق له، وعلى القول بأنه حرف يكون ~~بصورة الضمير الراجع إليه المطابق له. والصحيح عندي: الأول، وعند بعض - ~~كابن قاسم-: الثاني. ويسمى أيضا عليه ضمير فصل تجوزا إرساليا لعلاقة ~~المشاكلة؛ لأنه على شكل الضمير، أو لعلاقة كونه ضميرا قبل استعماله فصلا، ~~فإنه نقل عن الضمير أن يعقب المسند إليه به لتأكيد الحصر وإزالة توهم أن ما ~~بعده نعت إذا أمكن التوهم، نحو: " زيد هو القائم " و" الله هو الرزاق “ و" ~~الزيدان هما القائمان " و" الزيدون هم القائمون " و" الهندان هما ~~القائمتان" و" الهندات هن القائمات "، وإنما قلت لتأكيد الحصر لأن تعريف ~~المسند إليه والمسند يفيد الحصر ولو بلا فصل، نحو: " إن الزيدين القائمون " ~~أو " إن زيدا للقائم ". وإذا قيل: " زيد القائم " احتمل القائم أن يكون ~~نعتا وأن يكون خبرا. وإذا قيل: " زيد هو القائم " زال توهم النعت، فسمي ~~فصلا بين المسند إليه والمسند نطقا، وفصل بين أن يكون ما بعده خبرا أو نعتا ~~معنى، ولعظم موقع هذا التمييز به بينهما سمي باسم المصدر وهو مبالغة مع ~~حصول وقوعه بين المسند إليه والمسند، ولا يخلو مع ذلك عن التوكيد وعن ~~التوطية والتمهيد للخبر. والله أعلم . # باب ذكر المسند إليه أولا PageV01P235 ... يذكر أولا لكونه أهم من ذكر ~~باقي أجزاء الكلام، بمعنى أن العناية به أكثر من ms147 العناية بذكر غيره، وذلك ~~شامل لذكر المبتدإ قبل الخبر، ولذكر الفاعل أو النائب قبل المفعول به وسائر ~~الفضلات، ولا بد للاهتمام من جهة يذكرها المصنفون في هذا الفن، أو المخرج ~~لكلام غيره على الاهتمام، وذلك أن ذكر المسند إليه قبل هو الأصل لأنه محكوم ~~عليه، ولا يحكم على الشيء إلا بعد أن يتصور في ذهن المتكلم تصورا بكنهه أو ~~بوجه ما؛ فناسب أن يذكر قبل حين لا مقتضى للتأخير، ألا ترى أنه لما كان ~~العامل مقتضيا لأن يكون قبل المعمول ذكر الفاعل أو النائب بعده، ومثل ذلك ~~تقدم الخبر الذي هو اسم استفهام، وإذا لم يكن لتقديم المفعول مثلا على ~~الفاعل مقتض أخر وإن كان قدم. وإن قلت: الأصالة نكتة ومقتضى التأخير نكتة، ~~فلم حكم بمقتضى التأخير من ألغيت نكتة الأصالة ؟ قلت : إذا كانت نكتة ~~التأخير بحسب النحو كالفاعل والمبتدإ المخبر عنه باسم الاستفهام ؛ فلأنها ~~أقوى، وإذا كانت لا بحسب النحو فلضعف نكتة الأصالة بالنسبة إلى نكتة لا ~~تحصل إلا بالتأخير؛ لأن المعنى الحاصل بذكر المسند أولا غير فائت بتأخيره، ~~فإذا أخر لنكتة حصلت وحصل معها فتحفظ على هذا ، فإنك لا تجده بتمامه، هكذا ~~لغيري . PageV01P236 # وإن قلت: كما أنه لا يحكم على الشيء ذهنا ولا خارجا إلا بعد تصوره، كذلك ~~لا يحكم بالشيء إلا بعد تصوره، فكل من المحكوم عليه والمحكوم به سواء في ~~حصول التصور في الذهن قبل الحكم في اللفظ، فلم رجح المحكوم عليه وهو المسند ~~فجعل له أصل الذكر أولا ؟ قلت: لأن المحكوم به مطلوب لأجل المحكوم عليه، ~~فناسب ملاحظة المحكوم عليه قبل، ولأن المحكوم به صفة له، والموصوف يلاحظ ~~قبل ومتقدم وجودا، أو أكثر ما يكون المحكوم به إذا كان حدث، وإذا لم يكن ~~كذلك حمل على الأكثر، بل يؤول أيضا بالحدث؛ فإن معنى قولك: " هذا زيد " أو ~~" المنطلق الزيدان " متصف بكونه زيدا. # واعلم أن ثبوت الصفة فرع ثبوت الموصوف، وقالوا: ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت ~~الشيء الثاني. واعترض بأنه لا يتأتى في ثبوت الوجود لشيء؛ ms148 فإنه لو كان ثبوت ~~الوجود ل<<زيد>> فرع وجود <<زيد>> لاقتضى وجودا آخر، وهكذا فيتسلسل، بل ~~ثبوت شيء لشيء يستلزم ثبوت المثبت له ولو بذلك الثبوت، فإثبات الوجود ~~ل<<زيد >>يستلزم وجود <<زيد>> بذلك الوجود، ولعل هذا مراد بالدخول في قولهم ~~( ثبوت شيء لشيء فرع... الخ ). والله أعلم. # ويذكر المسند إليه أولا لتشوف النفس إلى ذكر ما يحكم عليه به فيجيء، ~~والنفس مستعدة له، فيتمكن فيها؛ فالمسند إليه أهم لذلك، فيذكر أولا كقوله [ ~~أي قول أبي العلاء في رثاء أحد فقهاء الحنفية ] : [من الخفيف ] # والذي حارت البرية فيه ... حيوان مستحدث من جماد (¬1) PageV01P237 ... ومعناه إثبات البعث للأجسام ~~والأرواح، والرد على منكري البعث أصلا كمشركي العرب، وعلى منكري بعث ~~الأجسام فقط وهم النصارى قبحهم الله - عز وجل - ، وكأنه يقول: الجنس الذي ~~تحيرت في بعثه البريئة الذين هم مشركو العرب وغيرهم والنصارى فأنكروه حيوان ~~كان معدوما ، ثم أحدثه الله إحداثا عظيما محكما من تراب بخلق أبيهم منه أو ~~من نطفة، ومعلوم لبادي الرأي أن البعث أهون من الإنشاء؛ وهما عند الله ~~سواء، فالمراد ب<<الذي>> الجنس ، ولذلك أفرد وكذا أراد بحيوان جاء به نكرة ~~للعموم الشمولي مع أنه في الإثبات ، وذلك قليل ولكن سهله أنه لم يستقل بذلك ~~بل أخبر به عن الجنس . والمراد ب<<البرية>> من أنكر البعث - كما مر لا ~~الخلق- العقلاء كلهم، لأن من أثبت بعث الأجسام والأرواح لا حيرة له في ذلك، ~~اللهم إلا أن يقال: أراد مطلق الحيرة الشاملة لجيرة مثبتة لأنه يدفع شبهة ~~المنكرين ودفعها لا يخلق غالبا عن التحير ولحيرة منكره، أو يقال: أراد بها ~~مطلق الاضطراب والاختلاف والتحير في الشيء يلزمه الاختلاف في بعض الصور ~~فيكون من إطلاق الملزوم على اللازم، أو يقال: أراد التحير في كيفية البعث، ~~فيراد بالبرية مثبتة للروح والجسم، كما استزاد الخليل إبراهيم - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال: { رب أرني كيف تحي الموتى } (¬1) ، PageV01P238 أو ~~يراد بها المثبت كذلك والمنكر على فرض ثبوت البعث كيف يكون . و(السين) في ~~<<مستحدث>> للمبالغة، و<<الجماد>> التراب أو النطفة بناء على أنها ms149 جماد، ~~وهذا الشاعر قائل بالبعث للجسم والروح، وقيل: البيت لأبي العلاء المعري ~~ونسبوا إليه الإلحاد والكفر وهو القائل: # يد بخمس مئين عسجد وديت ... ما بالها قطعت في ربع دينار (¬1) # وأجابه بعض: [ من البسيط ] # عز الأمانة أغلاها وأرخصها ... ذل الخيانة فافهم حكمة الباري # - ذكره الفنرى على المطول- و<<أغلى>> و<<أرخص>> فعلان ماضيان، و(ها) في ~~<<أغلاها>> للأمانة، وفي <<أرخصها>> لليد. ونسبوه للشرك بقوله ( يد بخمس ~~مئين .... البيت.) إنكارا منه لقطع السارق، وأقول: لم ينكر بل يتعجب من أمر ~~الله ويستعظمه؛ وكأنه يسأل حكمة، والقائل: (عز الأمانة... البيت. ) هو عبد ~~الوهاب المالكي (¬2) ، PageV01P239 # وفي رواية : # صيانة العضو أغلاها وأرخصها ... صيانة المال فافهم حكمة الباري # ... قال ابن حجر: شرح ذلك أن الدية لو كانت (ربع دينار) لكثرت الجنايات ~~على الأيدي، ولو كان نصاب القطع خمس مائة لكثرت الجنايات على الأموال، ~~فظهرت الحكمة في الجانبين، فكان في ذلك صيانة من الطرفين، وكقولك: " إن ~~الرجل الذي رأيته يؤذن قد مات " و" صار الذي صيره مؤذنا مقعدا أبكم أصم " و ~~"علمت قاضي البلد الذي يجور أعمى ".والله أعلم . # ويذكر المسند إليه أولا لتعجيل السرور، وذلك بأن يكون لفظا تميل النفس ~~إلى معناه لما فيه من الخير فيذكر أولا، فذكره أولا تعجيل بذكر ما يسر فهو ~~تعجيل للسرور، وحمل على التفاؤل به أولا، ولو أخر لحصل للنفس سرور وتفاؤل، ~~لكن أخيرا، نحو: " سعد في دارك ". # ويذكر أولا أيضا لتعجيل المساءة على عكس ما مضى، كقولك لعدوك:" السفاح في ~~دارك " و" الغراب في بيتك " وسواء في ذلك كان<< سفاح>> علما لرجل - كأول ~~خليفة من بني العباس- أو صفة بمعنى <<سفاك الدماء>> وهو أصل ذلك العلم، ~~وأما <<سعد>> فعلم وإلا لم يجز الابتداء به لعدم المسوغ. والله أعلم . # ويذكر أولا أيضا لإيهام المتكلم السامع أنه لا يزول ذلك المسند إليه عن ~~قلبهما أو عن قلب أحدهما لكونه أمرا مطلوبا، وما لا يزول عن القلب يجري على ~~اللسان أولا، فهو أنسب بالذكر أولا. وإنما قلت: <<لإيهام>> لأن المراد عدم ~~الزوال أصلا، ولا شك أن عدم ms150 الزوال أصلا أمر وهمي لا يتحقق؛ لأنه لا بد أن ~~يزول عن القلب في بعض الأحيان، والله أعلم. مثل أن تقول للحريص على المال ~~بحيث يكثر تصوره في نفسه " المال يجيئك من أرض فلان، أو تكون الحريص فتقول: ~~" المال يجيئني من الله " أو " المال مطية دينية ودنيوية ". PageV01P240 # ويذكر المسند إليه أولا لإيهام استلذاذ ذكره لكون مدلوله محبوبا استلذاذا ~~حسيا، أو لتحقيق الاستلذاذ مثل أن تقول: " المال نافع " تستلذ ذكر المال ~~تحقيقا، أو توهم السامع أن ذكره لذيذ، وذلك عند المتكلم أو السامع - كما ~~رأيت -أو كليهما. والله أعلم. # ويذكر أيضا أولا إظهارا لتعظيمه نحو: " رجل فاضل في الدار " و" أبو الفضل ~~معي " و" ابن السلطان عندي " وأصل التعظيم يحصل من اللفظ ولو تأخر، لكن ~~يتعجل الإظهار، بل قد يقال: إن اللفظ قد يكون لفظ تعظيم وليس في نية ~~المتكلم التعظيم، فيقدمه ليظهر أنه قد عظم مدلوله، ويلوح أن الكلام سيق له ~~نفسه، أو يقال التقديم في الذكر اللساني يشعر بالتقدم والشرف في الرتبة. # وكذلك يذكر أولا إظهارا لتحقيره، ووجه ذلك أنه يظهر التلهف إلى ذكره ~~بسوء، وأنه لا يحتمل التأخير، كقولك فيمن يزيده بمكروه: " الأحمق جاء ". ~~والله أعلم. # ويذكر المسند إليه أولا ليفيد ذكره أولا أن الخبر الفعلي السلبي المتضمن ~~لضمير المبتدإ على الفاعلية إنما هو له، وذلك إذا ولي المسند إليه حرف ~~النفي، نحو قولك: " ما أنا قلت هذا " أي عدم التكلم به مقصور علي، أما غيري ~~فقد قاله، وهو من زعم المخاطب أنه قاله معك سواء أراد المخاطب أنه قاله جمع ~~من سواك معك أو قاله بعض من سواك فيكون القصر قصر إفراد، أو زعم أنك قلته ~~وردك دونه فيكون القصر قصر إفراد فيجيء قصرك بحسب رد ما أراد، وإن أصبت ~~الرد وزدت عليه صح القصر، وأخطأت أو أصبت مثل أن يريد أنك قلته مع بعض ~~وتريد في قصرك أنك لم تقله وجميع من سواك قاله. ولا يفيد الخبر الوصفي ذلك، ~~نحو: "ما أنا قائل هذا "، أو قوله ms151 تعالى { وما أنت علينا بعزيز } (¬1) PageV01P241 إذ ليس المراد أن ~~<<العزيز>> أنت وغيرك ، ولا أن<< العزيز>> غيرك، لأنه ولو كان هذا الأخير ~~مرادهم في نفس الأمر لكن لم يقصدوه بالعبارة ، وقال السعد في (لمطول) (¬1) ~~: إنه يفيد الوصف ما يفيد الفعل وإن كان فعليا ، والفاعل غير ضمير المبتدإ ~~، نحو : " ما أنا قال " أي هذا لم يفد ذلك ، وقيل: يفيده ، وعلى إفادة ذلك ~~يكون معنى " ما أنا قائل هذا " أي قائله غيري ، ومعنى " ما أنا قال" أي هذا ~~إن قائله غيري . ومعنى الآية:أن <<العزيز>> غيرك وهو سلطانهم أو أكابرهم. ~~وقيل: يفيد القصر ولو لم يله حرف النفي، بل فصل بمعمول الفعل، نحو: " ما ~~هذا أنا قلت " و" ما زيدا أنا ضربت " و" ما في الدار أنا جلست "، وهذا ~~الأخير على القول بجواز تقديم معمول الخبر الفعلي على مبتدئه إذا لم يلبس ~~وهو الصحيح. # ثم اعلم أنه قد ينسب المخاطب الفعل إليك من غير تعرض لغيرك، مثل أن يعتقد ~~أنك قلت هذا ولم يعتقد أن غيرك قاله معك، ولا أنك وحدك قلته، فتقول في الرد ~~عليه: " ما أنا قلت هذا " تقصد مجرد نفي ما اعتقده، ولا تقصد الحصر، وأصل ~~هذه العبارة الحصر، وإنما تخرج عنه لقرينة، وإن قصدت الحصر جاز وكنت قد زدت ~~على الرد عليه، كما يجوز للمجيب أن يزيد على ما في السؤال مثل { هي عصاي } ~~(¬2) الآية. ففيها زيادة على { وما تلك بيمينك يا موسى? } . PageV01P242 ولإفادة القصر بذكر المسند ~~إليه أولا متلوا بحرف النفي أو مفصولا بمعمول الخبر، لم يصح "ما أنا قلت ~~هذا ولا غيري" لتناقضه؛ لأن قولك: << ما أنا قلت هذا >> بمعنى أن غيري قاله ~~ولم أقله، وقولك: << ولا غيري >> نص في أن غيرك أيضا لم يقله، إلا إن كنت ~~نصبت القرينة على أنك لم ترد الحصر بقولك: << ما أنا قلت هذا>> فحينئذ يصح ~~أن تقول: <<ولا غيري>> وانظر هل يكون قولك ولا غيري قرينة عدم الحصر؟ فيجوز ~~أن تقول ذلك ولا حصر فيه - كما قاله ابن قاسم- ويناسبه قولهم عدم ms152 الجواز ~~دليل التجوز، يعنون أن عدم صحة حمل الكلام على حقيقته دليل على أن قائله قد ~~استعمل فيه المجاز ، والذي يجب تحقيقه أن قولهم : هذا لا يطرد في جميع ~~الصور ، وأن الناطق به إذا علمت أنه لم يقصد المجاز بل جهل أو أخطأ لم تحمل ~~كلامه على المجاز ، وكذا إذا لم تعلم أنه قصده ، ولا أنه لم يقصده ، ولا ~~علمت أنه أهل لأن يقصده . PageV01P243 # وإن قلت: إذا قال: " ما أنا قلت هذا ولا غيري " دل بالعطف على أنه لم ~~يقصد الحصر - كما قال ابن قاسم - فلم يلزم التناقض بل لزم كون التقدم لغوا ~~إن لم يكن له داع غير الحصر، وإن كان له داع غير الحصر صح ولم يكن لغوا، ~~فظهر أنه يجوز ذكر المسند إليه أولا لغير الحصر في مثل هذه العبارة إذا كان ~~ثم غرض آخر - كما قاله عصام الدين في (الأطول) - قلت: هذه العبارة موضوعة ~~للحصر لا تستعمل في غيره إلا لقرينة واضحة غير قولك: <<ولا غيري >>. واعلم ~~أيضا أنه لا يجوز عند بعض المحققين " ما أنا رأيت أحدا " لما مر من إفادة ~~ذكر المسند إليه أولا متلوا بحرف النفي... الخ الحصر، وذلك أن معنى قولك: " ~~ما أنا رأيت أحدا " معناه: ليس أحد من الناس رأيته، وكل أحد لم أره لوقوع ~~النكرة في سياق السلب، ومعناه أيضا: مع ذلك أن بعض الناس قد رأى كل أحد، ~~لإفادة الذكر أولا الحصر الراد على المخاطب، وليس ممكنا أن يرى بعض الناس ~~جميع الناس، والحاصل أنه بمنزلة قولك: " ما أنا رأيت كل أحد، بل غيري قد ~~رأى كل أحد " وهو غير صحيح، وإنما يصح ذلك أن حملت النكرة في المثال على ~~استغراق عرفي لا حقيقي، وإن قلت: " ما أنا رأيت أحدا " سالبة كلية نقيضها ~~موجبة جزئية هكذا " بعض الناس رأيتهم" فصح المثال مع ثبوت رؤية غيره ولو ~~أحدا من الناس. PageV01P244 # وها أنا أزيدك إيضاحا بأن استحضر لك أن النكرة في سياق السلب تعم كل فرد ~~على حدة حتى يعمهم النفي ms153 كلهم؛ فإذا قلت: " أنا ما رأيت أحدا " فمعناه أنا ~~ما رأيت هذا ولا هذا ولا هذا " وهكذا حتى تفرغ الآحاد، فأي مانع أن يجيء ~~القصر على بعض الآحاد على حدة، فيكون كقولك: " أنا ما رأيت زيدا ولا عمرا " ~~وهكذا، " بل فلان رأى زيدا "، ولا ينهض ردا على ما قلته قول بعض: إن ~~التركيب المفيد لحصر النفي على المتكلم إنما هو في اصطلاح البلغاء لمن ~~اعتقد وقوع الفعل على الوجه الذي وقع عليه النفي من العموم والخصوص، وأخطأ ~~في تعيين الفاعل. # واعلم أنه لا يجوز عند ذلك المحقق "ما أنا أكرمت إلا زيدا " لأنه يقتضي ~~أن يكون غيرك قد أكرم كل أحد سوى زيد وليس ممكنا إلا في العموم العرفي وفيه ~~البحث السابق آنفا، قال عصام الدين في (الأطول): الحصر إنما يحصل بذكر ~~المسند إليه أولا متلوا بالفني إذا لم يكن المسند إليه دالا على العموم ~~وإلا فلا حصر، كقوله: <<ما كل ما يتمنى المرء يدركه >> والله أعلم. # وإن لم يل المسند إليه حرف النفي بأن تأخر حرف الفني عنه أو فصل أو لم ~~يكن في الكلام حرف النفي فقد يذكر أولا للحصر ويلزمه التقوي وإن كان غير ~~مقصود وغير ملحوظ. مثال عدم النفي: " أنا سعيت في حاجتك " ومثال أن لا يلي ~~حرف النفي: " أنا ما قلت" فإنه متلو بحرف النفي والتالي حرف النفي، و"ما ~~زيدا أنا ضربت" على ما مر فيه و" ما إن أنا ضربت زيدا " للفصل بإن الزائدة ~~المؤكدة لما النافية، أو بإن النافية المؤكدة على القول بجواز التوكيد ~~اللفظي بالمرادف بلا إعادة مدخول الحرف، وقيل: لا يعد الفصل فصلا. PageV01P245 # وقولك: " أنا سعيت في حاجتك " إن خاطبت به من تردد " سعيت أنت أو غيرك في ~~حاجته " فهو قصر تعيين، وإن خاطبت به من زعم أنذك وغيرك ساعيان فيها فقصر ~~إفراد، وإن خاطبت به من زعم أنذك لم تسع فيها بل غيرك فقصر قلب، وإن خاطبت ~~من لم يتردد ولم يزعم أحد الزعمين فلا قصر إن لم تقصده، ولك ms154 قصده منعا ~~لمخاطبك أن يكون مترددا بعد أو زاعما، وإن شككت لعله تردد أو زعم فلك قصد ~~الحصر بحسب ما شككت فيه. وإذا قصرت قصر قلب وأردت التوكيد قلت: " أنا سعيت ~~في حاجتك لا غيري " أو" لا زيد" إن زعم مخاطبك أن زيدا هو الساعي فيها، أو ~~" لا عمرا " إن زعم أن عمرا هو الساعي فيها وهكذا. أو " لا من سواي ". وإذا ~~قصرت قصر إفراد وأردت التوكيد قلت: " أنا سعيت في حاجتك وحدي " و" أنا سعيت ~~في حاجتك منفردا " أو" أنا سعيت في حاجتك غير مشارك "، ولو قلت في قصر ~~الإفراد " لا غيري " أو" لا زيدا " وما أشبه ذلك لأفاد تأكيد قصر الإفراد، ~~إلا أن نحو قولك: " وحدي " أو " منفردا " أولى لأنه يدل على نفي الشركة ~~تصريحا، ونحو قولك: " لا غير " أو" لا زيد " يدل على نفيها التزاما، والغرض ~~تأكيد نفي الشركة المخالطة لقلب السامع فما هو في دفعها أصرح " ك<<وحدي >> ~~و<<منفردا >> أولى.ولو قلت في قصر القلب "أنا سعيت في حاجتك وحدي " أ و " ~~منفردا " أو نحو ذلك لأفاد تأكيد الدلالة؛ فكون دلالته على نفي كون الساعي ~~هو <<زيد >> مثلا لكن دلالة التزام بخلاف <<لاغيري >> أو نحوه، فإنه يدل ~~على نفي ذلك تصريحا، والشبهة وما فوقها يدفعان تصريحا.والله أعلم . PageV01P246 # وقد يذكر المسند إليه أولا لتقوية الحكم وتقريره في ذهن السامع بلا حصر ~~في الإثبات كقولك: " اتق الله وأطعه هو يعطي الجزيل " تقصد أنه يعطي الجزيل ~~تحقيقا، وذلك في كل مسند إليه مقدم على خبر مسند إلى ضميره إسنادا تاما، ~~والتقوية من جهة تكرار الإسناد التام عند السكاكي والقزويني، وقال عبد ~~القاهر الجرجاني: في كل مبتدإ مقدم على خبره الجملي والتقوية بارتباطه ~~بالمبتدإ بسبب العائد فعلى هذا "زيد أكرمته " للتقوية عند عبد القاهر دون ~~القزويني والسكاكي، و"زيد قام " للتقوية عندهم كلهم، وقال السيد بموافقة ~~السكاكي لعبد القاهر. PageV01P247 # ... ثم إنه كما لابد للتخصيص من داع إليه كذلك التقوية وهو إزالة الشك أو ~~الإنكار حقيقة أو ادعاء، وكذلك إذا كان الفعل منفيا بحرف ms155 مؤخر عن المسند ~~إليه، فقد يأتي للحصر - كما مر - نحو: " أنت ما سعيت في حاجتي " قصدا إلى ~~قصر عدم السعي فيها على مخاطبك وإلى أن غيره سعى فيها، وتقدم ذلك ولكن ~~ذكرته الآن لأقول: وقد يأتي لتقوية نفي الحكم كالمثبت نحو " أنت لا تكذب " ~~فقدمت لفظ <<أنت >> لتقوية نفي الكذب، ولو قلت: " لا تكذب " لكنت نفيت ~~<<الكذب >> بلا تأكيد لنفيه، وذلك أن في <<أنت لا تكذب >> إسنادين، وفي ~~<<لا تكذب >> إسنادا واحدا، وكذا تقول: << أنت ما سعيت في حاجتي >> تأكيدا ~~لنفي السعي، ولو قلت: <<ما سعيت >> لم يكن تأكيدا، وإن أردت به الحصر جاز ~~كما مر. والحصر في<<أنا ما سعيت >> عند قصد الحصر إنما يراد به الرد على من ~~اعتقد عدم السعي في حاجته وأصاب، لكن أخطأ في الذي لم يسع، فزعم أنه غيرك ~~أو أنت بمشاركة غيرك، والحصر في << أنا ما سعيت >> عند قصده إنما يراد به ~~الرد على من اعتقد وجود السعي في حاجته وأصاب، لكنه أخطأ في الذي لم يسع، ~~فزعم أنه غيرك أنت بمشاركة غيرك. والحصر في " ما أنا سعيت " عند قصده إنما ~~يراد منه الرد على من اعتقد وجود السعي وأصاب، لكنه أخطأ في الذي يسعى، ~~فزعم أنه انفرادا أو مشاركة، ولا بد فيه من ثبوت الفعل على الوجه الذي ذكر ~~في النفي إن عاما فعام وإن خاصا فخاص. والله أعلم. # ... وإذا قلت " لا تكذب أنت " فليس فيه تأكيد بإسنادين لأن فيه إسناد ~~واحد، ولكن فيه تأكيد للمسند إليه بلفظ << أنت >> رفعت به أن يقال أسندت ~~(للتاء) للسهو أو الغلط أو النسيان أو التجوز، وليس<<أنت >> تأكيد للحكم. ~~والله أعلم . PageV01P248 # ... وإذا بني الفعل على منكرأو على ضمير عائد إليه أفاد ذكره أولا الحصر، ~~كما في المعرفة، لكن هنا حصر على الجنس أو النوع، أو الواحد فصاعدا أو إياه ~~فصاعدا مع الجنس، أو مع النوع، ونحو: " جاءني رجل " أي <<لا امرأة >> فيكون ~~قصرا على الجنس أو <<لا رجلان >> أو <<لا رجال >> فيكون قصرا على الجنس، ~~أو<<لا امرأة ms156 ولا رجلان >> أو <<ولا رجال >> فيكون للقصر على الجنس وعلى ~~الواحد؛ كأنه قال: إن المتصف بالمجيء من الرجال لا من النساء، وأنه واحد لا ~~اثنان أو أكثر. ومثال الضمير الرافع للنكرة " أكرمت رجلا وهو جاءني "؛ ~~فقولك " وهو جاءني للحصر في جنس الرجل، أو في الرجل الواحد >>، أو فيهما؛ ~~كأنك قلت: <<جاءني الرجل الواحد لا المرأة ولا رجلان فصاعدا >>، والمسوغ ~~لرجل الحصر أو كونه فاعلا في المعنى. وفي قولك: " رجل ما جاءني " و" ما رجل ~~جاءني " ما تقدم في (ما أنا قلت هذا )، و( أنا ما قلت هذا ). PageV01P249 # ... والغالب في النكرة المفردة سواء قلنا: وضع النكرة للفرد المنتشر أو ~~للمفهوم أن تستعمل في الواحد من الجنس فتدل على الواحد بقيد كونه من الجنس؛ ~~ففيها دلالة على الوحدة والجنس. وقد يقصد بها الجنس فقط، نحو: " جاء رجل " ~~إذا نفيت به كون الجائي من النساء ولم ترد النص على الوحدة سواء أردتها أم ~~أرد ت اثنين أم أكثر. وقد يقصد بها الواحد بلا قصد إلى نفي عدم كونه من ~~الجنس مع المراد أنه من الجنس، وكما يفيد ذكر المعرفة أولا التقوية تفيدها ~~النكرة على حد ما في المعرفة، والتقوية تكون أيضا في جميع صور الحصر الواقع ~~بالذكر أولا، لكن قد يلاحظ في بعض وقد لا يلاحظ، وقال عبد القاهر إن ولي ~~المسند إليه حرف النفي فذكره أولا هو للحصر قطعا، نحو: " ما أنا قلت " و" ~~ما رجل ذهب"، وإلا فقد يكون للحصر، وقد يكون للتقوية مضمرا كان المسند إليه ~~أو مظهرا معرفا أو منكرا، نحو: " أنا قلت " و" رجل قال " و" أنا ما قلت " ~~و" رجل ما قال "، وذلك بخلاف مذهب السكاكي (¬1) ؛ فإنه يرى إن كان نكرة ~~فللحصر نصا إن لم يمنع منه مانع، وإن كان معرفة مظهرا فليس إلا للتقوية ~~لعدم جواز تقديره مؤخرا على أنه فاعل معنى فقط الذي هو من شروط الحصر عنده، ~~وإن كان مضمرا فقد يكون للتقوية، وقد يكون للحصر إن جاز تقديره مؤخرا على ~~أنه فاعل معنى ms157 واعتبر هذا التقدير- فإن السكاكي يشترط في الحصر بذكر المسند ~~إليه أولا أن يجوز أن يقدر كونه في الأصل فاعلا معنى مؤخرا أوأن يعتبر هذا ~~التقدير، وأن لا يمنع مانع من الحصر. PageV01P250 قال الصبان حاصل الصور على ~~مذهب السكاكي وعبد القاهر تسع؛ لأن المسند إليه المقدم نكرة أو معرفة مظهرة ~~أو مضمر؛ فهؤلاء ثلاث بعد حرف النفي أو قبله أو في الإثبات، وهذه ثلاث في ~~الثلاث بتسع. فعبد القاهر فصلها تفصيلين، الأول: ما تعين فيه الحصر؛ وهو ~~ثلاث صور: النكرة والمعرفة الظاهرة والمضمر إذا وقعن بعد النفي، الثاني:ما ~~يحتمل الحصر والتقوية؛ وهو ست صور: وهذه الثلاث قبل النفي وهذه الثلاث في ~~الإثبات. وأما السكاكي ففصلها ثلاث تفاصيل؛ الأول: ما تعين فيه الحصر؛ وهو ~~النكرة بعد النفي أو قبله أو في الإثبات إذا لم يمنع مانع من الحصر، ~~الثاني: ما تعين فيه التقوية؛ وهو المعرفة الظاهرة بعد النفي أو قبله أو في ~~الإثبات، الثالث: المضمر بعد النفي أو قبله أو في الإثبات. # ... فاتفقا في ثلاث: في النكرة بعد حرف النفي على أن تقديمها للحصر فقط، ~~والمضمر في الإثبات، أو قبل النفي على أن يحتمل الحصر والتقوية. واختلفا في ~~ست: النكرة قبل النفي، أو في الإثبات للحصر عند السكاكي وله، أو للتقوية ~~عند عبد القاهر، والمعرفة الظاهرة بعد النفي أو قبله، أو في الإثبات ~~للتقوية عنده. وقال عبد القاهر: ( المعرفة بعد النفي وقبله أو في الإثبات ~~له أو للتقوية والمضمر بعد النفي للحصر عنده)، وله أولها عند السكاكي. قال ~~القزويني في (شرح المفتاح ) المعرفة الظاهرة للحصر أو للتقوية، وإن كلام ~~السكاكي في (المفتاح ) يشير إلى ذلك. PageV01P251 # ... ومثال تقدير المبتدأ مؤخرا فاعلا معنى في الأصل نحو : " أنا قمت " ~~فإنه يجوز أن يقدر أن الأصل " قمت أنا " فيكون << أنا>> فاعلا معنى تأكيدا ~~لفظا ، وإن لم يجز تقدير كونه في الأصل مؤخرا على أنه فاعل معنى، أو جاز ~~ذلك ولم يعتبر أفاد تقوية الحكم فقط ، نحو : " أنا قمت " إذا لم يعتبر ، ~~ونحو : " زيد قام " فإنه لا ms158 يجوز أن يقدر أن أصله " قام زيد " لأن الفاعل ~~لا يقدم، وهذا إذا أخر كان فاعلا لفظا ، بخلاف " أنا قمت " فإنه إذا أخر ~~كان تأكيدا لفظا فاعلا معنى ، لأن تأكيد الفاعل فاعل ، وأنت خبير أنه لا ~~يكون ، نحو: "رجل جاءني" من كل مسند إليه منكر إذا أخر كان فاعلا لفظا كما ~~هو فاعلا معنى مفيدا للحصر بل التقوية. وقال السكاكي إنه يفيد الحصر أيضا ~~على أن <<رجل>> مبتدأ في نية التأخير ونية بدل أنه من ضمير <<جاء >>على أن ~~في <<جاء>> ضميرا معتبرا ولو مع تأخير <<رجل>> على حد { وأسروا النجوى ~~الذين ظلموا } (¬1) إذا قيل<<الذين >> بدل من ( واو) <<أسروا>>، وذلك أنه ~~يكون<< رجل >> حينئذ فاعلا معنى إذا نوي بالتأخير بدلا من الفاعل، ولكن ~~يبحث فيه بأنه لا دليل علي هذا؛ فإنه إذا قيل: " جاء رجل " لم يدل دليل على ~~أن في جاء ضميرا - بخلاف الآية - اللهم إلا أن يقال المراد بالمنكر الخالي ~~من مسوغ الابتداء هو الذي يجب فيه اعتبار الحصر بالتقديم، بخلاف نحو: " ~~بقرة تكلمت " و" كوكب أنقض الساعة " و { وجوه يومئذ ناضرة } (¬2) فلا حاجة ~~لاعتبار الحصر بالتقديم. PageV01P252 وإبدال المظهر من المستتر في الفعل أن ~~يسلم وجوده في مثل: " قام رجل " فلا يخفى أنه قليل فلا تحمل الكلام الشائع ~~عليه بلا ضرورة، وإن وجدت ضرورة وهي خلو النكرة من مسوغ سوء الحصر جاز، ~~وإنما تكلف السكاكي ذلك لأنه لا مفيد للحصر وهو مراده، فكلف له وجها وهو ~~كونه في نية التأخير.والإبدال من ضمير في الفعل مقدم للحصر، بخلاف المعرفة؛ ~~فيصح جعلها مبتدأ بلا حصر، فلم يجعلها في نية التأخير والإبدال. # ومثال المانع من الحصر قولك: ( شر أهر ذا ناب) (¬1) PageV01P253 # فإن فيه مانعا من الحصر، أما على الحصر في الجنس فلا امتناع أن يراد أن ~~الذي أهره شر لا خير؛ لأن الخير لا يكون مهرا، فضلا عن أن ينفي هريره ذا ~~ناب بالحصر في الشر، وإن قلت: فليكن الحصر تصريحا بالواقع كالصفة الكاشفة ~~لا احترازا فلا مانع من أن يقال: ms159 "إنما أهره شر" ولو كان لا يمكن أن يهره ~~خير. وقد لوح السكاكي إلى أن اختصاص الصفة بالموصوف لا يمنع الحصر بل ~~يجامعه، قلت: ما لا يحتاج إليه ممنوع عند البلغاء الذين كلامهم موضوع هذا ~~الفن، فهو خارج عن البلاغة ولو كان جائزا في نفسه، ولعل كون اختصاص الصفة ~~بالموصوف لا يمنع الحصر إنما هو إذا لم يكن الاختصاص معلوما لكل أحد، ولذا ~~منع السكاكي الحصر في <<شر أهر ذا ناب>>، وأما على الحصر في الواحد فلأنه ~~ليس المراد أن المهر شر لاشران أو لا شرور. أما على مورده فظاهر، وأما على ~~مضربه إذ كان يضرب في مقام الحث على شدة التحريض على قوة الاعتناء بالشر، ~~فكون المهر شرا لا شرين ولا شرورا يوجب التساهل وقلة الاعتناء - و<<ذو ~~ناب>>: كلب، و<<الإهرار>>: صوته عند تأذيه أو عجزه عما يؤذيه، وقيل مطلق ~~الصوت - وعليه فالتقديم للحصر فهو يصوت للخير وللشر فجاء الحصر أنه ما أهره ~~إلا شر، والصحيح الأول. PageV01P254 # وقد صرح الأئمة بالحصر فيه مطلقا، وقالوا معناه: <<ما أهر ذا ناب إلا ~~شر>> ووجهه أن تنكيره للتعظيم والتهويل، والحصر من جهة التعظيم والتهويل، ~~فالمعنى شر عظيم فظيع لا شر حقير، فالحصر نوعي في الجنس أو الواحد، ومانع ~~الحصر إنما منعه من حيث الجنس والوحدة، والحاصل أن معنى شر عظيم أهر ذا ناب ~~لا شر حقير مقبول، ومعنى شر أهره لا خير لا خير أو شر لا شران أو شرور غير ~~مقبول. ورد مذهب السكاكي بأن الفاعل اللفظي والمعنوي سواء في امتناع ~~التقديم ما بقيا على حالهما، فكما لا تقول في " رجل جاء " أن رجلا فاعل ~~مقدم لفظي، لا تقول إنه فاعل معنى لو أخر كان بدلا من ضمير ينوى في <<جاء ~~>>، ولا تقول في " أنت قمت " <<أنت>> فاعل معنى أصله أن يتأخر ويكون ~~تأكيدا، وذلك أنه لا يجوز أيضا تقديم البدل ولا التوكيد، بل عدم جواز ~~تقديمهما أولى؛ لأن فيه تقديم التابع على المتبوع وتقديمه على ما لا يتقدم ~~عليه المتبوع، بخلاف ms160 تقديم الفاعل لأنه تقديم واحد، ولأن الكوفيين أجازوا ~~تقديمه، ولأن الفاعل إذا فسخ عن الفاعلية وقدم وجعل مبتدأ يخلفه ضمير، ~~بخلاف التابع فلا يخلفه شيء. # وأما تقديم التابع على المتبوع دون العامل فقد ورد في الضرورة كقوله:[ من ~~الطويل ] ... ... ... # بنيت بها قبل المحاق بليلة ... فكان محاقا كله ذلك الشهر (¬1) PageV01P255 # وقال أبو حيان (¬1) في (الارتشاف) بدل البعض والاشتمال يتقدمان نحو: " ~~أكلت ثلثه الرغيف "و" أعجبني حسنه زيد "، لكن الأحسن << ثلث الرغيف >> ~~و<<حسن زيد >> ، وتقدم العاطف والمعطوف في الضرورة، نحو قوله : "عليك ورحمة ~~الله والسلام" (¬2) . ... وتجويز السكاكي تقديم الفاعل المعنوي غير باق على ~~حاله دون اللفظي تحكم وترجيح للمرجوح، وكذا تجويز الفسخ في التابع عن ~~التابعية دون الفاعل عن الفاعلية تحكم؛ لأن الفاعلية غير لازمة بذات الفاعل ~~كالتبعية، فلا يقال: الفرق جواز الفسخ عن التابعية # وإلا فلا امتناع في " زيد قام " أن يقال أصله: " قام زيد " فقدم زيد وجعل ~~مبتدأ، كما يقال في تقديم الصفة على الموصوف؛ فتعرب بحسب العامل وتضاف ~~للمتبوع، نحو: " جرد قطيفة " فمنع الفسخ في الفاعل كالمكابرة، ولا يقال ~~الفرق: إن تقديم الفاعل يخل بالجملة ويخرجها عن كونها جملة إذا لم نجعل ~~ضميره في فعله بعد تقديمه، ويوجب كون الفعل بلا فاعل، بخلاف الخلو عن ~~التابع فلا إخلال فيه؛ لأنا نقول هذا الفسخ اللازم عليه الخلو المذكور ~~اعتبار محض فلا يضر فيه الخلو المذكور، لأنه إنما يضر عند التركيب اللفظي، ~~والفسخ ليس أمرا محققا بل اعتباري محض، وأيضا بقاء الفعل بلا فاعل يندفع ~~باعتبار الضمير مقارنا لاعتبار الفسخ. PageV01P256 # والاعتبار الوهمي المحض لا يجري في الأحكام العربية المبنية على القواعد ~~الاستقرائية اللفظية، فامتناع خلو الفعل عن الفاعل غنما هو عند التركيب ~~اللفظي، والخلو في حالة التقديم غير لازم، إنما يلزم عند التقرير الوهمي ~~الذي لا يناسب الأحكام العربية، وقد لا نسلم الخلو، ولما أفاد السكاكي أنه ~~لولا كون النكرة في نحو: " رجل جاءني " تفيد الحصر بنية كونها مقدمة من ~~تأخير. أجيب بأنها تفيده بدون تلك النية أيضا، كما يفيده التعظيم ms161 والتحقير ~~والتكثير والتقليل، وإذا لم يوجد فوجب للحصر سوى التقديم فهو المفيد له . ~~وقد يقال من جانب السكاكي: إن مراده بالحصر المفاد بالتقديم الحصر في الجنس ~~أو الواحد، أي: " رجل لا امرأة " أو" رجل واحد لا اثنان ". والابتداء يصح ~~مع كونه المطلوب الحصر في الجنس الواحد، وصحته تتوقف على ذلك الحصر لا على ~~مطلق الحصر؛ فلا يقال: إنه يصح بمطلق الحصر. والله أعلم . # والضمير في الوصف، نحو: " زيد قائم " يفيد تقوية منحطة عن تقوية الضمير ~~في الفعل، نحو: "زيد قام " و " هو قام " ولا يفيد الحصر إذ لو أخر زيد في ~~زيد في " زيد قائم " لكان مبتدأ مؤخرا عند مشترط الاستفهام أو النفي في رفع ~~الوصف ما يكتفي به عن الخبر، ولكان فاعلا لفظا ومعنى معا لا لفظا فقط عند ~~من لم يشترط، وإنما انحطت تقويته؛ لأن الوصف والضمير المستتر فيه ليسا جملة ~~لضعف ضميره؛ ألا تراه لا يتغير في التكلم والخطاب والغيبة، كأنه لم يكن ~~نحو:" أنا قائم " و" أنت قائم " و" هو قائم " ، كما تقول " أنا رجل" و" أنت ~~رجل " و" هو رجل "، بخلاف << قام >> تقول : " زيد قام " و" أنا قمت " و"أنت ~~قمت " ألا ترى أنه يعرب في آخره ، وليست الجملة تعرب كما أنها ليست تبنى ، ~~وقيل يطلق عليها أنها مبنية. PageV01P257 # والوصف مع مستتره معرب، إلا أنه أجري الإعراب على الجزء الأول وهو الوصف ~~كما أجري إعراب <<عبد الله>> علما على جزئه الأول، وذلك لتنزيلهما منزلة ~~الاسم الواحد وهو معرب بإعراب نفسه لا بإعراب استحقه المجموع؛ لأن المجموع ~~لم يستحق الإعراب، وإنما تركيب الضمير فيه يستدعي حصول معنى آخر فيه. # وأما الوصف ومرفوعه البارز أو المظهر فجملة في نحو: " أقائم هما " ~~لمذكرين أو مذكر ومؤنث، و"أقائمة هما " لمؤنثين، و" أقائم الزيدون ". ~~وقالوا في صلة (أل ) إنها مع مستترها (¬1) كالجملة فهو شبه جملة لا جملة ~~كما ادعى السيد، وذلك أنها تقدر بالفعل، والكلام ما اشتمل على نسبة أصلية ~~مقصودة، والجملة ما اشتملت على نسبة أصلية؛ فالوصف مع مرفوعه المستتر ms162 ليس ~~جملة إلا إذا وقع صلة لأل فإنه يقدر بالفعل فتكون نسبته أصلية - كذا قال ~~-.والتحقيق مع ذلك أنه شبه جملة، ولعله أراد بجملتيه شبهه بها، وإنما أعرب ~~الوصف مع كون مرفوعه ظاهرا، نحو:" أقائم الزيدان " و" زيد قائم آباؤه " ، ~~ولم يجعل كالفعل بعينه لأنه حمل على رافع المستتر. والله أعلم. PageV01P258 ... ويجب سماعا تقديم لفظ << مثل ~~وغير >> في نحو:"مثلك لا يبخل وغيرك لا يجود " على الكناية، ولفظ << أنت >> ~~في نحو: " أنت تقدم رجلا وتؤخر أخرى " على المجاز ، ومقتضى القياس جواز ~~التأخير لكن لزم التقديم في الاستعمال لقوة مقتضى التقديم ؛ حتى كأنه موجب ~~، والبليغ لا يليق به ترك ما هو كالواجب، وذلك أن الكناية أبلغ والتقديم ~~معين لأنه يفيد التقوية ، ومعنى الأولين " أنت لا تبخل وأنت تجود " ولست ~~تريد فيهما تعريضا بغير المخاطب وهو إنسان آخر مماثل للمخاطب أو غير مماثل ~~، بل أردت نفي <<البخل>> عن المخاطب على طريق الكناية بطريق كالبرهان ؛ ~~لأنك إذا نفيت <<البخل>> عمن اتصف بصفته من غير قصد لماثل مخصوص لزم إثباته ~~له ، لأن <<الجود>> موجود ولا بد، فلما لم يكن محله غير مخاطبك كان مخاطبك ~~، وإن أردت إنسانا معينا بالمثلية والغيرية لم يكن التقديم كالواجب ولم يكن ~~ذلك من الكناية . وذلك التعريض لغوي، وهو: عدم التصريح بل الإشارة إجمالا ~~وألحق ب<<مثل>> و<<غير>> وما أشبههما ك<<مماثل>> و<<مشابه>> و<<شبه>> ~~و<<نظير>> و<<مغاير>>. # وقال عصام الدين: فرق بين <<مثل >>و<<مماثل>> في الكناية عن الحكم على ~~المضاف إليه بالحكم المذكور، فإنه يلزم من الحكم على المضاف إليه الحكم على ~~المثل بطريق الأولى؛ لأن المثل هو الأدنى، وفي المماثل يلزم الحكم على ~~المضاف إليه لا لأنه الأولى بل لأنهما متساويان (¬1) في منشإ الحكم، لأن ~~المماثل هو المشارك المساوي. بخلاف المثل فإنه الأدنى الملحق، ومسوغ ~~الابتداء ب<<مثل>> و<<غير>> تخصيصهما بالإضافة ولو لم يتعرفا بها لتوغلهما ~~في الإبهام. والله أعلم . PageV01P259 ... قال ابن مالك ومن تبعه كعبد ~~القاهر شيخ السعد ما حاصله أنه لا بد من تقديم المسند إليه المسور بالسور ~~الكلي كلفظ << كل>> و<<جميع>> ms163 و<<أل الاستغراقية>> على المسند المقرون ~~بأداة السلب، حيث أريد سلب المحكوم به عن كل فرد فيفيد تقديم العموم فيكون ~~الكلام كلية لا كلا وحكما على الجميع لا على المجموع، ومن عموم السلب لا من ~~سلب العموم، نحو: " كل إنسان لم يقم" وقول أبي النجم:[ من الرجز ] # قد أصبحت أم الخيار تدعي ... علي ذنبا كله لم أصنع (¬1) # ... برفع <<كل>> على الابتداء وحذف العائد، أي: لم أصنعه. وقوله - صلى ~~الله عليه وسلم - (كل ذلك لم يكن ) (¬2) PageV01P260 # أي: لا القصر ولا النسيان، وقد حمل ذو اليدين على عموم السلب. الحديث ، ~~إذ قال: << بل بعض ذاك كان>> ودل عليه أيضا أنه جواب <<لام>> وهي تجاب ~~بتعيين أو بنفي المتعاطفين جميعا، وحاصل المعنى أنه لم يكن قصرا ولا نسيانا ~~في ظني، فبين ذو اليدين أنه لم يطابق ظنه - صلى الله عليه وسلم - الواقع؛ ~~إذ وقع أحدهما ولا كذب بلا عمد ولا ينسب الكذب بهذا اللفظ إليه - صلى الله ~~عليه وسلم - ولو بلا عمد بل يقال نسي أو غلط ( والصلاة الظهر أو العصر ) ~~فالمسند إليه إنسان مثلا وكل هو سوره المحيط، والأظهر أن طريقة المعاني ~~كطريقة النحو فينبغي أن يطلق لفظ المسند إليه على لفظ <<كل>> لأنه المبتدأ، ~~ولو كان أيضا سور الإحاطة، وتسمية ما أضيف إليه <<كل>> في المثال مسندا ~~إليه إنما هو موافقة لجعله في المنطق هو الموضوع، وجعل كل سورا، والمعنى في ~~ذلك كله واحد، وسواء في إفادة العموم أكان الخبر حقيقيا أم سببيا، نحو: " ~~كل إنسان لم يقم أبوه " وإن أخر عن أداة السلب لفظ " كل " أو نحوه،والمسند ~~إليه في الفن يراد به اللفظ، فهو لفظ << كل وباعتبار المنطق يكون سورا، ~~والمسند إليه ما أضيفت إليه نظرا للمعنى. بينت كل كمية إفرادة، ويناسبه أن ~~الذي يوصف هو ما أضيفت إليه لا هي قلنا: بل يجوز أيضا وصفها ويناسبه وضع ~~<<لام الاستغراق >> موضعها، وهو لا يكون مسندا إليه، قلنا: لا ضير لأنه ~~كالجزء من مدخولها، وقد جاز "كل الرجال جاءني" كما جاز "جاءوني"، ms164 وقيل ~~بوجوب <<جاءني>>، وقيل مرجوح ؟ وقد أثبت هذا البحث بل جله من عندي والحمد ~~لله. وبعد يومين اطلعت عليه في كلام الصبان أو قدم وكان في نية التأخير، ~~نحو: " لم يقم كل إنسان " و " لم آخذ كل الدراهم " ، وقوله: [ أي المتنبي ~~]: [ من البسيط ] # ما كل ما يتمنى المرء يدركه * تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن. PageV01P261 # و"ما جاءني القوم كلهم" و"ما جاءني كل القوم" و"كل إنسان لم أضرب". لم ~~يكن العموم بل يراد سلب العموم فيكون الكلام كلا لا كلية، وحكما على ~~المجموع لا على الجميع، ومن سلب العموم لا عموم السلب، فمعنى <<كل إنسان لم ~~يقم>> أنه لم يكن واحد من الناس إلا وهو غير قائم، ومعنى <<لم يقم كل ~~إنسان>> أنهم لم يقوموا كلهم، بل قام بعض ولم يقم بعض، وعبرت بأداة السلب ~~لتشمل النفي بالحرف والاسم ك<<غير>>، والفعل ك<<ليس>>، والنهي<< كلا ~~الناهية>>.وذلك حيث لا دليل، على خلاف ما ذكرته، وإن وجد دليل حكم به، ~~كقوله تعالى { لا يحب كل خوان } (¬1) و " لا يحب كل ختار" (¬2) و { لا يحب ~~كل مختال } (¬3) و "لا تطع كل كفار" (¬4) ، PageV01P262 ~~فهذا العموم السلب مع تأخر " كل " عن أداة السلب فإنك لا تجد <<خوانا>> أو ~~<<ختارا>> يحبه الله، ولا <<كفارا>> تجوز طاعته. وإن لم يكن السور، نحو: " ~~إنسان لم يقم " لم يفد العموم ولو تقدم، وكذا إن لم يكن النفي، نحو " إنسان ~~قام "، وإنما أفاد تقديم " كل " على السلب العموم في نحو: " كل إنسان لم ~~يقم" لتكرر الإسناد فيفيد التقوية لا محالة، فلا بد لجعل النكتة فيه إفادة ~~العموم دون تأكيد الحكم - من سبب، وذلك السبب أن تقوية الحكم تأكيد، وإفادة ~~العموم تأسيس. وترجيح التأكيد على التأسيس، كترجيح <<الخسيس>>على ~~<<النفيس>>، فلا يحسن للبليغ، فلا يظن به. # ثم إني أزيد لك بيانا فأقول: " لم يقم كل إنسان " تركيب تأخر فيه " كل "، ~~وإذا جددت عبارة أخرى وقلت فيها: " كل إنسان لم يقم " بتقديم " كل " كان ~~ينبغي أن يكون هذا التجديد لفائدة لم تكن في التأخير، أعني ms165 أنه ينبغي أن ~~يتغاير المعنيان، ولو لم يتغايرا وكانا على سلب العموم لكانت العبارتان ~~متواطئتين على معنى واحد مشبهتين لشيئين أحدهما مؤكد للآخر، والإفادة خير ~~من الإعادة. قيل غالبا ومن غير الغالب التأكيد للمنكر الذي ليس معه ما يزيل ~~إنكاره، فإنه يجب التأكيد والإعادة، فليست الإفادة خيرا. # وقد قررت لك أنه ليس المراد بالتأكيد في هذا المبحث التأكيد الاصطلاحي، ~~بل أن لا يتبدل المعنى فلا يعترض بأنه لم تؤكد كل شيئا بل بدلت العبارة، ~~وإن قلت: استعمال << كل >> في التأكيد أكثر فالحمل عليه أرجح، قلت: ليس ~~بأكثر، لأن استعماله في التأكيد مشروط بأن يكون مضافا إلى ضمير غير مجرد عن ~~العوامل اللفظية، ولو سلمنا أنه أكثر لكان أيضا غير معارض لما ذكرنا لأنه ~~أقوى، لأن وضع الكلام على الإفادة، وأكثر الكلام إفادة لا إعادة. والله أعلم. PageV01P263 # ومعنى عموم السلب: أن السلب عم الإفراد كلها، ومعنى سلب العموم: سلب عموم ~~الإفراد فيبقى بعض. وأزيدك بيانا وأقول: اعلم أن قولنا: " إنسان لم يقم " ~~بدون " كل " قضية موجبة مهملة، أما كونه <<قضية >>فلأنه كلام مفيد، وأما ~~كونها <<موجبة>> مع أن النفي في خبر المبتدإ فلأنه حكم فيها بثبوت عدم ~~القيام لإنسان لا ينفي القيام عنه؛ لأن حرف السلب وقع جزءا من المحمول، ~~والمحمول هو خبر المبتدإ وفعل الفاعل وما أشبه ذلك، وأما كونها <<مهملة>> ~~فلأنها أهملت عن السور، إذ لم يكن على موضوعها سور <<الكل>> ولا سور ~~<<البعض>> الدالان على كمية إفراد الموضوع، مع أن الحكم على ما صدق عليه ~~الإنسان لا على الماهية، والموضوع هو المبتدأ والفاعل ونحوهما، إلا إن كان ~~المبتدأ أو الفاعل أو نحوهما لفظ << كل >> أو<< بعض >> أو نحوهما، فالموضوع ~~المضاف إليه، والقضية التي جعل أداة السلب جزءا من محمولها تسمى معدولة. # وحقق بعض المناطقة أن الحكم إن كان بسلب الربط فهي سالبة، وإن كان بربط ~~السلب فهي معدولة؛ فالمحكوم به في<< إنسان لم يقم>> نسبة سلب القيام إلى ~~الفاعل فهي معدولة، وفي << لم يقم إنسان>> نسبة سلب القيام ms166 عن إنسان فهي ~~سالبة. وذلك فرق لفظي، ولنا فرق معنوي هو: أن السالبة لا تقتضي وجود ~~الموضوع، والمعدولة تقتضي وجوده لأنها موجبة، وأداة السلب في << إنسان لم ~~يقم>> جزء من المحمول؛ إذ لا يمكن تقدير الرابطة بعدها، لأن << لم >> شديدة ~~الاتصال بالفعل، فلا يفصل بينهما بالرابطة.فاندفع ما يقال: لا يتعين أن ~~تكون معدولة المحمول. PageV01P264 # ولا يسمى نحو: " الإنسان حيوان" مما الحكم فيه بالطبيعة مهملة ولو لم يكن ~~فيها سور، وإذا كان قولك: " إنسان لم يقم " موجبة مهملة وجب أن يكون معناه ~~اللازمي نفي القيام عن جملة الأفراد لا عن كل فرد؛ لأن الموجبة المهملة ~~المعدولة المحمول في قوة السالبة الجزئية عند وجود الموضوع، << فإنسان لم ~~يقم >> في قوة << لم يقم بعض الإنسان >> وأعني ببعض الإنسن فردا يصدق لفظ ~~الإنسان عليه، وذلك أن << إنسان لم يقم >> موجبة مهملة وهي معدولة المحمول. ~~والموجبةالمهملة: هي التي تشتمل على ما يفيد كون المحكوم عليه بعض الأفراد ~~أو كلها. وقولك: "لم يقم بعض الإنسان " سالبة جزئية، وهي التي ذكر فيها ما ~~يدل على أن السلب عن البعض، وأما " لم يقم إنسان " فسالبة كلية، وإذا لم ~~يوجد موضوع السالبة فليست الموجبة المهملة المعدولة المحمول في قوة هذه ~~السالبة التي لم يوجد موضوعها؛ وذلك أن السالبة تصدق بنفي الموضوع، مثل أن ~~تقول: " لا رجل جالس في السوق " وأنت تعلم أنه لا رجل فيه أصلا لا جالس ولا ~~قائم ولا ماش. PageV01P265 # فالموجبة المهملة المعدولة المحمول، نحو: " إنسان لم يقم "، والسالبة ~~الجزئية التي لها موضوع في الخارج، نحو: " لم يقم بعض الإنسان " متلازمتان ~~في الصدق، لأنه قد حكم في <<المهملة>> بثبوت انتفاء القيام عما صدق عليه ~~الإنسان سواء جميع الأفراد أوبعضها وأيا ما كان يصدق نفي القيام الذي هو ~~مدلول السالبة الجزئية عن البعض، إلا أنه على جميع الأفراد <<تضمني>>، وعلى ~~البعض <<مطابقي>>، وذلك إيضاح أن المهملة المعدولة تستلزم السالبة الجزئية، ~~وأما إيضاح أن السالبة الجزئية تستلزم المهملة المعدولة، فإنا نقول: كلما ~~صدق ونفي القيام عن البعض صدق نفيه ms167 عما صدق عليه الإنسان في الجملة، فإذا ~~تقرر ذلك علمت أن المهملة المعدولة في قوة السالبة الجزئية المستلزمة نفي ~~الحكم عن كل فرد. والسالبة الجزئية تحتمل نفي الحكم عن كل فرد، وتحتمل نفيه ~~عن بعض وثبوته لبعض، وعلى كل تقدير تستلزم نفي الحكم عن جملة الأفراد فهي ~~لا تقتضي صريح السلب عن كل فرد، بخلاف السالبة الكلية فإنها تقتضي بصريحها ~~نفي الحكم عن كل فرد، وإذا كان<< إنسان لم يقم >> معناه: نفي القيام عن ~~جملة الأفراد لا عن كل فرد، فلو كان بعد دخول << كل>>أيضا معناه: كذلك كان ~~<< كل >> لتأكيد المعنى الأول، فيجب أن يحمل على نفي الحكم عن كل فرد ليكون ~~<<كل >> لتأسيس معنى آخر ترجيحا للتأسيس على التأكيد. والله اعلم . PageV01P266 # واعلم أن قولك: << لم يقم إنسان>> سالبة مهملة لا سور فيها. والسالبة ~~المهملة في قوة السالبة الكلية الدالة بالمطابقة على النفي عن كل فرد، نحو: ~~" لا شيء من الإنسان بقائم " لأن موضوعها نكرة في سياق السلب غير مسورة << ~~بكل >> ولو سورت بعد السلب كانت لسلب العموم. وإذا كان << لم يقم إنسان >> ~~معناه: نفي القيام عن كل فرد، فلو كان بعد دخول << كل >> أيضا كذلك كان << ~~كل >> لتأكيد المعنى الأول، فيجب أن يحمل على نفي القيام عن جملة الأفراد ~~ليكون <<كل >> لتأسيس معنى آخر. # وما تقرر من أن المهملة في قوة الجزئية إنما هو في غير التي موضوعها نكرة ~~في سياق السلب غير مصدرة ب<<كل>>، وما ذكرته من وجوب الحمل على نفي القيام ~~عن جملة الأفراد ليكون << كل >> للتأسيس، إنما هو لأن لفظ <<كل>> لا يفيد ~~إلا أحد هذين المعنيين: نفي القيام عن <<كل>> فرد، ونفيه عن جملة الإفراد؛ ~~فعند انتفاء أحدهما يثبت الآخر ضرورة. # والحاصل أن تقديم المسند إليه المنكر بدون <<كل>> لسلب العموم، ونفي ~~الشمول باعتبار لازم معناه، ومعناه الصريح: ثبوت عدم القيام لما صدق عليه ~~الإنسان لكن يستلزم السالبة الجزئية. والتأخير بدون <<كل>> لعموم السلب ~~وشمول النفي فبعد دخول << كل>> يجب أن يعكس هذا ليكون للتأسيس ms168 الراجح لا ~~للتأكيد المرجوح. PageV01P267 # والسالبة المهملة، نحو: " لم يقم إنسان " يفيد النفي عن كل فرد، فهي ~~لعموم السلب، فلو أدخلت فيه << كل >> فقيل: " لم يقم كل إنسان "، فأبقي ~~الكلام على النفي عن كل فرد لكان المعنى بعد دخول<<كل>> مثله قبل دخولها، ~~وهو خلاف الأصل إذ الأصل تغاير المعنيين، بأن يتجدد معنى غير الأول ~~بدخولها. وقيل- كما مر-: إن المثل << لم يقم إنسان >> يفيد النفي في الجملة ~~في ضمن النفي عن كل فرد، وفي ضمن النفي عن بعض مع الثبوت لبعض، و<<كل>> ~~تفيد الثاني والمفاد قبل<<كل>> هو الأول؛ فذلك تأسيس. وإن قيل: << لم يقم ~~إنسان >> دال على النفي عن المجموع بالمطابقة؛ فذلك تأسيس، قلنا: لو اشترط ~~في التأسيس عدم الدلالتين لم يكن << كل إنسان لم يقم >> على تقدير كونه ~~لنفي الحكم عن المجموع تأكيدا، لأن دلالة << إنسان لم يقم >> على هذا ~~المعنى بالالتزام. والله أعلم . # باب خروج الكلام عن مقتضى الظاهر # بوضع الضمير المسند إليه موضع المظهر # ... اعلم أن ما مر من الحذف والذكر والإضمار وغير ذلك على مقتضى الظاهر ~~من الحال وإذا اقتضى الحال خلاف مقتضى الظاهر جاء الكلام على خلاف مقتضى ~~الظاهر، إلا أنه قد تقدم أن ترك التعيين في الخطاب هو من خلاف مقتضى الظاهر ~~ومن خلافه في الضمير، نحو: " نعم رجلا زيد " و" نعم رجلين الزيدان " " ونعم ~~رجالا الزيدون "، ومقتضى الظاهر " نعم الرجل زيد " و" نعم الرجلان الزيدان ~~" و" نعم الرجال الزيدون "؛ ففي << نعم >> ضمير لمتعقل معهود في الذهن جعل ~~في اللفظ مبهما يفسره التمييز ، وهو مع تمييزه كالاسم الظاهر المرفوع على ~~الفاعلية ؛ ك<<الرجل>> و<<الرجلان >>و<<الرجال>> وذلك ليحصل الإبهام ثم ~~التفسير المناسب لوضع (باب نعم وبئس) الذي هو للمدح العام أو الذم العام من ~~غير تعيين خصلة، و(أل) في <<الرجل >> للعهد الذهني . PageV01P268 # ... وقيل للجنس كقولك: " ادخل السوق " حيث لا عهد بينك وبين مخاطبك ورد ~~بفوات الإبهام المقصود في هذا الباب، وبجواز تفسيره ب<<زيد >> مثلا نحو " ~~نعم الرجل زيد " وبجواز تثنيته وجمعه. وأجيب بأن المراد: الجنس ادعاء لا ~~حقيقة، ms169 وأما<<نعم الرجلان>> و<< نعم الرجال >> فالمراد فيهما: جنس التثنية ~~وجنس الجمع؛ فالضمير المستتر في << نعم رجلا >> أو << رجلين>> أو << رجالا ~~>> عائد للجنس، وفي الحمل على الجنس فيه، وفي (أل) زيادة مبالغة تناسب ~~المقام. ومن قال: (أل) في الرجل للعهد قال الضمير للمعهود، وذلك إذا جعلنا ~~المخصوص خبر المحذوف أي: <<هو زيد >>، أو مبتدأ خبره محذوف أي: << زيد ~~ممدوح>>، وبه قال ابن عصفور. # ... ويبحث فيه بأنه لا يجب حذف الخبر إن لم يسد شيء مسده، وبأن الخبر محط ~~الفائدة؛ فلا يناسب الحذف إلا بدليل واضح. وأما إذا جعلناه مبتدأ و<<نعم ~~رجلا>> خبره فليس من هذا الباب على القطع، لجواز أن يكون ضمير <<نعم رجلا>> ~~عائدا إليه فليس من الباب، وجواز أن يعود إلى المتعقل الذهني فيكون من هذا ~~الباب، وعليه فالرابط كونه عبارة عنه في الخارج كذا قيل، وفيه نظر لأنه ~~حينئذ من وضع الضمير المبهم موضع المضمر المعين، لا من وضع الضمير موضع ~~الظاهر؛ وذلك أن مقتضى الظاهر عوده إلى معين << هوزيد >> لا إلى <<هو في ~~نفس الأمر زيد>>، فهو من خلاف مقتضى الظاهر، لكن لا من وضع الضمير موضع ~~الظاهر. PageV01P269 # وإن قيل: لو عاد الضمير إلى المخصوص لبرز تثنية أو جمعا، كما يستتر ضمير ~~التثنية والجمع في اسم الفعل نحو: " صه " أو " نزال يا زيدان " أو " يا ~~زيدون " أو " يا هندان " أو " يا هندات " لجمود فعل هذا الباب بعد استعماله ~~في المدح أو الذم كجمود اسم الفعل، وإنما لم يستتر ضمير التثنية والجمع في ~~ليس -مع أنها أشد جمودا- أو استتر في فعل الباب ليدل باستتاره على جموده ~~الحادث وخروجه إلى إنشاء المدح والذم وليناسب مبالغة الباب بالإبهام، وكذا ~~<<ليس>> لما تغيرعن أصله بالاستثناء صح أن يقال: استتر فيه ضمير الاثنين أو ~~الجماعة، نحو: " قاموا ليس زيد " أي: << ليس القائمون زيدا >> أي: لا تجد ~~واحدا منهم زيدا. وإن قلت في عوده للمخصوص فوات الإبهام والتفسير بعده، ~~قلت: قد حصل الإبهام بعده تفسير بتقديمه عن مرجعه، والتمييز لتأكيد التفسير ~~بعد الإبهام. ms170 # ومن خلاف مقتضى الظاهر بذكر الضمير بدون تقدم مرجعه ضمير القصة والشأن، ~~نحو:"هو زيد عالم " أي: <<الشأن زيد عالم >> والجملة نفس المبتدأ في ~~المعنى، وقوله تعالى { فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا } (¬1) PageV01P270 << شاخصة >> خبر مقدم ~~و<<أبصار>> مبتدأ، أي: القصة أبصار الذين كفروا شاخصة، قيل: إذا كان في ~~الكلام مؤنث غير فضلة أتي بضمير مؤنث عائد إلى القصة وإلا أتي به مذكرا، ~~نحو: { قل هو الله أحد } (¬1) إذا قلنا: << هو>> ضمير الشأن، وبالقياس يجوز ~~تذكيره - ولو كان في الكلام مؤنث غير فضلة - وتأنيثه- ولو كان فيه- لأن ~~مضمون الجملة المفسرة له قصة وشأن على كل حال، فيجوز <<هي زيد عالم>> كما ~~يجوز <<هو زيد عالم>>، وحكمة الإضمار ثم التفسير تحصيل التمكن في ذهن ~~المخاطب، فإنه إذا لم يفهم من الضمير معنى انتظر ما يعقب الضمير ليفهم منه ~~معنى، فيتمكن بعد وروده تمكنا زائدا على التمكن لو حصل بالإظهار من أول ~~الأمر، لأن المحصل بعد الطلب أعز من المنساق بلا تعب؛ لأن فيه أمرين: لذة ~~العلم ودفع ألم الشوق، بخلاف المنساق بلا تعب فإن فيه الأول فقط. ولا يخفى ~~أن اللذة المشتملة على دفع الألم أحلى من اللذة الموجودة بدون، وإن قلت: لا ~~يخفى أن هذا لا يحسن في باب <<نعم>> و<<ضمير الشأن المستتر>> لأن السامع لا ~~يعلم أن في الفعل ضمير ما لم يسمع المفسر، فلا يتحقق فيه التشوق والانتظار. ~~قلت: نعم، لكن يتشوق إلى حضور الفاعل؛ فإذا جاء المفسر علم أن الفاعل قد ~~مضى مستترا.والله أعلم. # باب خروج الكلام عن مقتضى الظاهر # بوضع المسند إليه المظهر موضع الضمير # إن كان المظهر اسم إشارة فلكمال العناية بتمييز المسند إليه لكونه محكوما ~~عليه بأمر بديع فتبرزه مبرز المحس كقوله [ أي قول ابن الراوندي (¬2) PageV01P271 # ]: [ من البسيط ] # كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه ... وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا # هذا الذي ترك الأوهام حائرة ... وصير العالم النحرين زنديقا (¬1) # <<عاقل الثاني>> نعت الأول للتأكيد، أي: تحقق أنه عاقل، أو نعت من لفظ ~~المنعوت مفيد للكمال، أي: حكم عاقل بلغ النهاية ms171 في العقل كظل ظليل، وجملة<< ~~أعيت مذاهبه >> برفع مذاهب على الفاعلية خبر المبتدأ وهو في <<جاهل جاهل>> ~~ما في <<عاقل عاقل>>، إلا أنهما بالرفع على الابتداء أو بالخبر عطفا على ~~<<عاقل عاقل>> على تقديركم، وعلى كل حال <<فتلقاه مرزوقا>> خبر المبتدإ. # ... واعلم أن المقابل الحقيقي للعاقل المجنون وللجاهل العالم، ففي إيقاع ~~جاهل مقابلا للعاقل رمز إلى أن العقل بلا علم لا يعتد به، وأن الجهل يلزمه ~~الجنون. فالعاقل يجب عليه أن يتحلى بالعلوم لئلا يتعطل عقله، والجاهل مجنون ~~لتباعده عن اكتساب الكمالات. وأراد بقوله <<عاقل وزنديق نفسه>> فأخطأ في ~~الأول وأصاب في الثاني؛ أما في الأول فلأن مقتضى العقل أن لا يتوغل في ~~الأمور الإلهية ولا يعترض على الله فيها، وأما في الثاني فلأنه زنديق ملحد. # وخطأ أيضا في وصف نفسه ب<<العالم النحرير>>لأنه لو كان عالما نحريرا ما ~~اعترض على الله في ذلك، وغفل عن كون الرزق رزقين حسيا ومعنويا، وأن الثاني ~~أفضل لأنه رزق العلوم والمعارف والحكم، وأين هذا من قول بعض العارفين: [ من ~~الرجز ] # كم عاقل يسكن بيتا بالكرا ... وجاهل له قصور وقرى # لما قرأت قوله سبحانه ... { نحن قسمنا } (¬2) PageV01P272 بينهم زال المرا # (وقول بعضهم: [ من الرجز ] # كم من أريب فهم قلبه ... مستكمل العقل عقل غريم # ومن جهول مكثر ماله ... ذلك تقدير العزيز العليم # ... - ومعنى << أعيت مذاهبه >> أعجزته مذاهبه، وهي طرق معايشه- << ~~فأعيت>> متعد - أو صعبت عليه مذاهبه فهو لازم، والأول أولى لأن حذف المفعول ~~به أولى من حذف الجار والمجرور، و<<ترك>> بمعنى صير متعد لاثنين، ~~و<<الأوهام>> العقول على حذف مضاف أي: أصحاب الأوهام، أو على تسمية المحل ~~وهو: أصحاب العقول باسم المال، أو على ظاهره بجواز وصف العقل بالحيرة ~~و<<النحرير>> المتقن، يقال: نحر الأمور علما، أي: أتقنها و<< علما >> تمييز ~~عن مفعول، أي: أتقن علم الأمور. وتفسير <<النحر>> بالإتقان تفسير مجازي ~~لعلاقة المشابهة، ووجه الشبه إزالة ما به الضرر، فإن <<النحر>> الذي هو في ~~معنى الذبح يزيل الدماء والرطوبات التي بالحيوان، و<<الإتقان>> يزيل الشكوك ~~والشبهات، أو وجه الشبه: إثبات ms172 الشيء بحيث لا يتعاصى؛ فإن المنحور ميت ~~لايتعاصى، وكذا الأمر المعلوم المتقن أو التمكن بالدخول. و<<الزنديق>> ~~الجاحد لله تعالى، وإن قلت: إذا كان هذا ضمير <<الأوهام حائرة >> فغاية أمر ~~العالم أن يتحير فمن أين يصيره جاحد الله جل؟ قلت:إن نفي وجود الله جحود، ~~وعدم العلم بوجوده جحود، والتردد في وجوده جحود، كذا ظهر لي - فإذا تحير ~~فهو جاحد. ثم رأيت عصام الدين أجاب بغير هذا؛ وهو أنه جعله الغضب المستولي ~~عليه من حرمانه مع استحقاقه على زعمه منكرا لله معاندا. PageV01P273 # وقوله هذا إشارة إلى حكم سابق غير محس وهو: كون العاقل محروما والجاهل ~~مرزقا؛ فالقياس الإضمار لتقدم ذكره مع كونه غير محس، والإشارة حقيقة في ~~المحس ولكن عدل إليها لكمال العناية بتمييز ذلك الحكم، ليري السامعين أن ~~هذا الشيء المتميز المعين هو الذي له الحكم العجيب، وهو جعل الأوهام حائرة ~~والعالم النحرير زنديقا، فالحكم البديع هو الذي أثبت للمسند إليه المعبر ~~عنه باسم الإشارة، وهو: <<جعل الأوهام حائرة وتصيير العالم النحرير ~~زنديقا>> لا ما قال بعض: إن الحكم البديع كون العاقل محروما والجاهل ~~مرزوقا، وأن معنى كونه بديعا أنه ضد ما كان ينبغي. ومثله قول الشاعر:[ من ~~البسيط ] # كم من قوي قوي في تقلبه ... مهذب الرأي عنه الرزق منحرف # وكم ضعيف ضعيف في تقلبه (¬1) ... كأنه من خليج البحر يغترف # هذا دليل على أن الإله له ... في الخلق سر خفي ليس ينكشف # والله أعلم. # ويوضع اسم الإشارة موضع الضمير للتهكم بالسامع كما إذا كان السامع فاقد ~~البصر أو لا يكون في حضرة المتكلم مشار إليه محس بل فيها غير محس أو لم يكن ~~فيها أصلا بل غائب، كما إذا قال أعمى:" هل قام عمرو " فقلت: " قام هذا " ~~مشيرا لغائب أو حاضر لم يحسه ببذنه ولا بسمعه. # ويوضع أيضا موضعه للنداء على كمال بلادة السامع بأنه لا يدرك غير المحس، ~~كقوله:[ أي قول الفرزدق ]: [ من الطويل ] # أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع # ... أي: هم آبائي، وكما إذا قيل لك: ms173 " يا ابن اللئيم"، فقلت له: " زيد ~~فقيه البلد وذلك كريمه " تشير باسم الإشارة إلى <<زيد>> وهو أبوك، أو ~~للنداء على كمال فطنته، أو التنبيه على كمال حدة بصره، أو لادعاء كمال ظهوره. PageV01P274 ومنه في غير باب المسند إليه، كقوله[أي قول عبد الله بن ~~دمينة الخثعمي (¬1) ] : [ من الطويل ] # قفي قبل وشك البين يا ابنة مالك ... ولا تحرميني نظرة من جمالك # تعاللت كي أشجى ومابك علة ... تريدين قتلي قد ظفرت بذلك # فإن ساءني في ذكراك لي بمساءة ... فقد سرني أني خطرت ببالك # ... <<وشك البين>>: قرب البعد، و<<تعاللت>>: أظهرت العلة وتصورت بصورة ~~العليل المريض، والحال أنه لا علة بك، فجملة << ما بك علة >> حال مؤكدة ~~لعاملها، وقيل: يجوز كونها دعاء و<<تريدين >> مستأنف أو حال ثانية أو حال ~~من (كاف) << بك>> أو بدل اشتمال من <<تعاللت>> و<< قد ظفرت بذلك>> جواب ~~سؤال تقديره: هل ظفرت بذلك المراد؟ و<<أشجى>> (بالفتح) مضارع<<شجي>> بمعنى: ~~أحزن لازما، أو يبنى للمفعول متعديا، فإنه يستعمل [ لازما ومتعديا، ~~و<<تريدين>> ] لحكاية الحال الماضية، ومقتضى الظاهر <<قد ظفرت به>> أي: ~~بقتلي، لأنه غير محس، لكن أشار إليه تنزيلا منزلة المحسوس في الظهور، وإن ~~قلت: ليس في ذلك كمال الظهور، قلت: كمال ظهور المعاني كالقتل أن تكون ~~كالمحسوس؛ فظهورها ظهور المحسوس كمال في ظهورها. غاية الأمر أن هذا الكمال ~~الذي هو ظهور المحسوس له مراتب متفاوتة، والمعتبر نفس الكمال الصادق بكل ~~مرتبة، وفي اسم الإشارة وجميع تلك النكت زيادة التمكين. والله أعلم. # باب خروج الكلام عن مقتضى الظاهر # بوضع المظهر المسند إليه الذي هو غير اسم الإشارة موضع المضمر PageV01P275 ~~... حكمة ذلك تقوية تمكين المسند إليه في ذهن السامع باعتبار ما يحكم عليه ~~به، فإن أصل التمكين يحصل بالضمير إذا اتضح مرجعه، ويقوى التمكين بوضع ~~الظاهر موضعه؛ لأن الاسم الظاهر أوضح بلفظه من الضمير، إذ في الظاهر تقليد ~~الاشتراك لأن وضعه في غير موضعه كحدوث ما ليس مترقبا، فيعظم وقعه في النفس ~~ويؤثر فيها. # وإن قلت: قد يكون الظاهر أخفى من الضمير يحتمل أن يكون ms174 غير المراد ~~بالظاهر الأول بحيث لو أضمر لم يكن الخفاء كثيرا، أو يزول البتة، نحو: " ~~زيد أكرمته" فإنه أوضح من قولك: " زيد أكرمت الرجل " قلت: لا يحمل على وضع ~~الظاهر موضع المضمر إلا إذا قام دليله، نحو قوله تعالى { الله الصمد } (¬1) ~~بعد قوله تعالى { قل هو الله أحد } (¬2) لم يقل <<هو الصمد>> ليقوى التمكين ~~، ويحتمل أنه لم يقل <<هو الصمد>> لئلا يتوهم أن <<هو>> ضمير الشأن ، وأن ~~<<الصمد>> مبتدأ خبره لم يلد ، والجملة مفسرة ، وللتنبيه على بلادة ~~السامعين كأنم لا يفهمون الضمير . PageV01P276 من وضع الظاهر موضع الضمير لتقوية التمكين ~~من غير باب المسند إليه قوله تعالى: { وبالحق أنزلناه وبالحق نزل } (¬1) ، ~~<<الحق الأول >>: الحكمة المقتضية للإنزال وهي: صلاح المعاش والمعاد وعدم ~~البطلان . و<<الثاني>> بمعنى الأول، ومقتضى الظاهر أن يقول: و<<به نزل>> ، ~~وإن أريد ب<<الحق الثاني>> الأوامر والنواهي لم يكن من وضع الظاهر موضع ~~المضمر، ولو جعل الضمير فيه على الاستخدام ، فقيل: و<<به نزل>> فترد ~~(الهاء) بمعنى الأوامر والنواهي إلى الحق بمعنى الحكمة لكان الضمير ليس ~~مستحقا لمحله ، فضلا عن يقال الظاهر وضع في موضعه لأن الأصل ترك الاستخدام، ~~فالموضع للظاهر الذي هو غير الأول معنى . # ويوضع الظاهر موضع المضمر لإدخال الخوف في ضمير السامع وتربية الحالة ~~الناشئة من الخوف مع تقوية التمكين، أو لتقوية ما يدعو المأمور إلى امتثال ~~ما أمر به كقولك: "أمير المؤمنين يأمرك بكذا " فكان قولك: " الخليفة يأمرك ~~بكذا " أو قولك: " فلان يأمرك بكذا " مشيرا إلى أمير المؤمنين، أو قولك: " ~~أنا آمرك بكذا " إذا كنت أمير المؤمنين. فإن قولك <<أمير المؤمنين>> أدل ~~على التسلط والتمكن بالمأمور لو خالف ما أمر به من ضمير المتكلم ولفظ ~~<<الخليفة>>، فالمثال صالح لتقوية ما يدعو المأمور إلى الامتثال ولإدخال ~~الخوف وتربية الحالة الناشئة منه. # ويصلح لهما أيضا من غير باب المسند إليه قوله تعالى: { فإذا عزمت فتوكل ~~على الله } (¬2) PageV01P277 ومقتضى الظاهر<< فتوكل علي >>، لكن وضع لفظ ~~الجلالة مكان (ياء) المتكلم، لأن سماع لفظ الجلالة الجامع لصفات اللطف ~~والقهر والقدرة من إدخال الروع ms175 في قلب السامع، وتقوية الداعي ما ليس في ~~سماع ضمير المتكلم. # ويوضع الظاهر موضع المضمر أيضا لطلب العطف والرحمة، كقول معاوية: ( اللهم ~~ارحم العبد العاصي ذا القلب القاسي )، وقول الشاعر: [ من الوافر ] # إلهي عبدك العاصي أتاكا ... مقرا بالذنوب وقد دعاكا # فإن تغفر فأنت لذاك أهل ... وإن تطرد فمن يرحم سواكا # بإسكان <<يرحم>> للضرورة، ومقتضى الظاهر: " اللهم ارحمني وأنا أتيتك " ~~لكن جيء بلفظ تخضعا واستجلابا للرحمة. والله أعلم . # باب خروج الكلام عن مقتضى الظاهر بالالتفات # ... هو في الأصل مطاوع لفته يلفته بمعنى لواه، تقول: لفته فالتفت، أي: ~~لواه فالتوى، والتفت: نظر إلى يمينه وشماله. واستعمل في الاصطلاح بمعنى ~~الانتقال إلى واحد من التكلم أو الخطاب أو الغيبة من الآخر منهن عند ~~الجمهور والسكاكي بشرط أن يكون التعبير الثاني على خلاف ما يقتضيه الظاهر ~~ويترقبه السامع، وزاد السكاكي والزمخشري أن يعبر بأحدهن مع أن مقتضى ظاهر ~~الكلام التعبير بالآخر بدون أن يتقدم غيره. وذكر الالتفات (في المعاني) ~~صحيح؛ لأن المقام قد يقتضي كثرة الإصغاء إلى الكلام واستحسانه، فيتوصل إلى ~~ذلك بالالتفات. فإن اعتبر مجرد تحسين الكلام من غير مراعاة المطابقة كان من ~~(البديع)، فسمي في البديع والمعاني باسم واحد، وهو من مباحث (المعاني) ~~و(البديع )من جهتين مختلفتين - كما رأيت - وهو أيضا من (البيان) من حيث إنه ~~من أفراد خلاف مقتضى الظاهر الذي هو من أفراد الكناية المبحوث عنها في ~~(البيان)؛ لأن <<التصريح>>: إيراد لفظ ظاهر الدلالة من غير اعتبار معتبر، ~~و<<الكناية>> بخلافه. PageV01P278 # ... و<<مقتضى الظاهر>> من باب الأول، وخلافه من باب الثاني، وأقسامه ستة: ~~الالتفات من التكلم إلى الخطاب أو الغيبة، أو من الخطاب إلى التكلم أو ~~الغيبة، أو من الغيبة إلى التكلم أو الخطاب. وعلى مذهب السكاكي والزمخشري ~~اثني عشر: هذه الستة. وستة أخرى وهن: أن يكون مقتضى الظاهر التكلم ويعدل ~~عنه إلى الخطاب أو الغيبة، أو يكون مقتضى الظاهر الخطاب فيعدل عنه إلى ~~التكلم أو الغيبة، أو يكون مقتضى الظاهر الغيبة فيعدل عنها إلى التكلم أو ~~الخطاب. وقال: صدر الدين تلميذ ms176 الزمخشري مثل ما قال الزمخشري إلا أنه شرط ~~أن يكون المخاطب في التعبيرين واحدا واشترط بعض أن يكون التعبيران في كلام ~~واحد، وكل التفات عند الجمهور التفات عند السكاكي وبعض التفات السكاكي ~~التفات الجمهور لا كله كما رأيت. # وليس من الالتفات قولك: " أنا زيد وأنت عمرو " أو " لا أنا زيد وهو عمرو" ~~و" لا أنت عمرو وأنا زيد" و" لا أنت عمرو وهو زيد " و" لا هو زيد وأنت ~~عمرو" و" لا هو زيد وأنا عمرو "؛ لأن التعبير بأحد الثلاثة: الخطاب والتكلم ~~والغيبة بعد الآخر، وليس على خلاف مقتضى الظاهر ومترقب السامع ، بل ليس ~~أيضا " أنا زيد " من الالتفات ، وكذا كل جملة بعده في هذه الأمثلة على حدة . # ولو كان الاسم الظاهر من قبيل الغيبة "ألا هو زيد " ومثله:" زيد هو " فلا ~~يتوهم فيه متوهم أنه التفات، وإنما لم يكن الظاهر مع الخطاب أو التكلم ~~المخبر عنه بذلك الظاهر التفاتا، لأنه لا يخالف مقتضى الظاهر وما يترقبه ~~السامع، وكذا إذا قدم الظاهر على ضمير المتكلم أو المخاطب نحو: " زيد أنا " ~~ونحو: " زيد أنت " لأنه يخبر بالظاهر عن الضمير وبالضمير عن الظاهر، ويوافق ~~مقتضى الحال. PageV01P279 # وليس من الالتفات " أنت الذي يقبل اليسير ويعفو عن الكثير " ب(الياء) آخر ~~الحروف في <<يقبل>> و<<يعفو>>، و" أنت الذي قام " و" لا يا من يقبل اليسير ~~ويعفو عن الكثير " بالياء آخر الحروف، ولا قوله: [ من الرجز ] # نحن اللذون صبحوا الصباحا ... يوم النخيل غارة ملحاحا # ... لأن الموصول من قبيل الغيبة وصلته تطابقه، فأخطأ من قال: << يا أيها ~~الذين آمنوا>> من الالتفات؛ لأن حق العائد إلى الموصول (¬1) أن يكون بلفظ ~~الغيبة. ظهر في نص الكلام بعد تمام المنادى أن يكون بطريق الخطاب ولا يتم ~~المنادى الموصول إلا بصلته، لأنها كالجزء منه؛ فلا يراعى فيه حكم الخطاب، ~~العارض بالنداء إلا بعد تمامه بالصلة، ولو قيل في ذلك: تقبل وتعفو وقمت ~~بالخطاب وصبحنا لكان ضعيفا، وقد عدوا (أنا الذي سمتن أمي حيدرة) (¬2) شاذا ~~، والقياس << سمته أمه>> ونسب << لعلي>> (¬3) . PageV01P280 وقال ابن ms177 هشام: ~~مقيسه قليل، وقيل: خطأ، وأقول: لو قيل على نية الالتفات لصح لجواز الالتفات ~~في الكلام الواحد، وكتب <<اللذون>> بلامين لأنه معرب في لغة الشاعر، بخلاف ~~<<الذين>> في لغة بنائه مشبهة بالحرف بالبناء يكتب بلام واحدة، وذلك لئلا ~~يرى حرف التعريف في شبه الحرف داخلا في الخط على أن (أل) للتعريف العهدي، ~~وشبه حرف التعريف على أن التعريف بالصلة. و<<صبحوا>> أتوا في الصباح؛ ~~ف<<الصباح>> ظرف مؤكد لمتعلقه أو <<صبحوا>> بمعنى أتوا استعمال للمقيد في ~~العام، ف<<الصباح>> ظرف غير مؤكد، ويجوز كون <<الصباح>> مفعولا مطلقا بمعنى ~~<<التصبيح>> كأنبت نباتا.و<< النخيل >> بصيغة التصغير موضع بالشام. و<<غارة ~~>> مفعول <<صبحوا>> أو مفعول له محذوف، أي صبحوهم أو أصبحوا العدو، ~~و<<غارة>> مفعول لأجله أي: الإغارة اسم مصدر، و<<ملحاحا>> نعت لغارة صفة ~~مبالغة. # وليس من الالتفات ما يجيء بعد الالتفات مطابقا له نحو: { إياك نعبد وإياك ~~نستعين } (¬1) ف<<إياك نعبد>> على طريق الالتفات من الغيبة، و<<إياك ~~نستعين>> جار على أسلوب <<إياك نعبد>> لأنه بعد الالتفات في <<إياك نعبد>> ~~جار على ما هو ضرب صيغ الخطاب ، وكان من مقتضى الظاهر معه ، لكن لا مانع أن ~~يقال : التفات بواسطة العطف عن الغيبة إذا جعلت الواو للعطف . # ومن الالتفات عند السكاكي (¬2) والزمخشري (¬3) قول امرئ القيس:[من ~~المتقارب] # تطاول ليلك بالأثمد ... ونام الخلي ولم ترقد # مطلع القصيدة وبعده: # وبات وباتت له ليلة ... كليلة ذي العائر الأرمد # وذلك من نبإ جاءني ... وخبرته أبي الأسود (¬4) PageV01P281 ... ومقتضى الظاهر << تطاول ليلي ~~بالإثمد ولم أرقد >> ولكن خاطب نفسه خطاب المذكر لأنها بمنزلة مكروب أو ~~مستحق للعقاب.وكسر بعضهم (الكاف) وخطأوه وردوا عليه بقوله << ولم ترقد >> ~~لأنه خطاب مذكر، ولو كان خطاب مؤنث لكان( بالياء) بعد (الدال) في الخط. ~~وقال الفارسي، وتلميذه أبو افتح بن جني، وابن الأثير: إن قوله<< ليلك>> ~~تجريد، فقيل لا منافاة بين الالتفات فيه والتجريد، ويرده أن مبنى التجريد ~~على مغايرة المنتزع للمنتزع منه ليرتب عليه ما قصد به من المبالغة في ~~الوصف، ومدار الالتفات على اتحاد المعنى ليحصل ما أريد من إرادة المعنى في ms178 ~~صورة أخرى غير ما تستحق بحسب الظاهر، فإن حمل <<ليلك>> على الالتفات لم يكن ~~تجريدا، وإن عد تجريدا لم يكن التفاتا. قال الزمخشري: التفت ثلاث التفاتات، ~~في كل بيت التفات. وكذا قال السكاكي. # ... وإن قلت: يجوز أن يكون أحدهما في << بات >> والآخران في << جاءني >> ~~أحدهما من الخطاب في << ليلك >> والآخر من الغيبة في << بات >>، فيكون ثلاث ~~التفاتات عند الجمهور أيضا، قلت: اضمحل الخطاب بعد الانتقال عنه في << ليلك ~~>> إلى غيبة في << بات>>، فالأسلوب للغيبة، فمنها الالتفات إلى التكلم في ~~<< جاءني >>، وإن قيل: الثاني في لفظ << ذلك >> من الغيبة على الخطاب، ~~والثالث في << جاءني >> من الخطاب للتكلم، قلت: ليس الخطاب في لفظ ذلك ~~للمتكلم في << جاءني >> بل لمن يتلقى منه الكلام، كقوله تعالى { ثم عفونا ~~عنكم من بعد ذلك } (¬1) [ وقوله تعالى ] { ثم توليتم من بعد ذلك } (¬2) ؛ PageV01P282 الخطاب الأول في الاثنين للجماعة ، والثاني لرسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أو لكل من يصلح له.و<< الأثمد>>بفتح (الهمزة ~~والميم )وبضم (الميم) أيضاو(بكسرها): موضع. # ... ومن الالتفات عند الزمخشري، قوله [ تعالى ] وما يدريك } (¬1) فإن ~~العدول فيه عن قتضى ظاهر الكلام حيث كان سياقه وهو قوله تعالى { عبس وتولى* ~~أن جاءه الأعمى* } (¬2) صيغة الغيبة لا عن مقتضى ظاهر المقام، لأن مقتضاه ~~الخطاب في الموضعين ، ونكتة العدول عن مقتضاه التعظيم للنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - والتلطف في مقام العتاب بالعدول على مواجهة الخطاب. # ... مثال الالتفات من التكلم إلى الخطاب قوله تعالى { وما لي لا أعبد ~~الذي فطرني وإليه ترجعون } (¬3) . ومقتضى الظاهر: <<وإليه أرجع>> لأن قوله ~~تعالى << لا أعبد الذي فطرني >> للتكلم، وهو عبارة عن أن يقول: << مالكم لا ~~تعبدون الذي فطركم >> لكن لما عبر تعريضا بتكلمه أن خطابهم طابقه أيضا أن ~~يتكلم عن خطابهم في قوله << ترجعون>> فيقول: <<ارجع>>، لكن التفت لخطابهم ~~تأكيدا، هذا [ أليق ] للمقام. وعليه فالالتفات في << لا أعبد الذي فطرني >> ~~سكاكي، بل في << لي >>، وأما ما بعده فتبع، وفي << ترجعون >> سكا كي مشهور ~~به. وقيل إن قوله << مالي لا أعبد الذي فطرني>> جاء على أصله ms179 في التكلم عن ~~نفسه وليس تعريضا عن خطابهم، وفي قوله " وإليه ترجعون " التفات مقتضى ~~الظاهر <<وإليه أرجع>>. ولا بد من صرف أوله لآخره وآخره لأوله، والتحقيق ~~الأول، لأن القائل (حبيب النجار) (¬4) PageV01P283 وهو يعبد الذي فطره فعرض لهم ، لأن ~~التعريض أدخل في النصح لما أنه لا يريد لهم إلا ما أراد لنفسه ، وكونه من ~~التعريض لا ينافي الالتفات ، لأن التعريض: إما مجاز أو كناية ، وهنا مجاز ~~لامتناع إرادة الموضوع له ، فيكون اللفظ مستعملا ، فيغير ما وضع له ، فيكون ~~المعبر عنه في الأسلوبين واحدا . نعم على ما حققه السيد أن معنى التعريض من ~~مستتبعات التركيب، واللفظ ليس بمستعمل فيه، بل هو بالنسبة إلى المعنى ~~المستعمل فيه إما حقيقة أو مجازا أو كناية، يرد أن اللفظ ليس مستعملا في ~~المخاطبين، فلا يكون المعبر عنه في الأسلوبين واحدا، ولو كان المراد بقوله ~~<<ترجعون >> المخاطبين تحقيقا لأنفس عبادة عنهم لماصح الاستفهام الإنكاري، ~~لأن رجوع العبد إلى مولاه ليس بمستلزم أن يعبده غيره، فتبين أن المراد<< ~~ترجعون>>: <<ارجع >> المعبر به عن <<ترجعون>> المنبه على أنه مثله ونحوه في ~~العبادة. وقوله تعالى { وأمرنا لنسلم لرب العالمين*وأن أقيموا الصلاة } (¬1) . PageV01P284 ومثال الالتفات من التكلم إلى الغيبة ~~قوله تعالى { إنا أعطيناك الكوثر * فصل لربك وانحر * } (¬1) لأن " رب " اسم ~~ظاهر من قبيل الغيبة، وصدر الكلام تكلم، فمقتضى الظاهر فصل لنا، لكن قال: ~~<< لربك >> ليدل بلفظ <<رب>> على التربية المستحقة للعبادة، ففي لفظ <<رب>> ~~حث على فعل المأمور به من الصلاة والنحر، وقوله تعالى { إنا فتحنا لك فتحا ~~مبينا*ليغفر لك الله } (¬2) ومقتضى الظاهر<< لنغفر لك ما تقدم من ذنبك وما ~~تأخر>> ، وقوله تعالى { أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين *رحمة من ربك } (¬3) ~~ومقتضى الظاهر << رحمة منا >> ، وقوله تعالى { إني رسول الله إليكم جميعا } ~~إلى قوله { فآمنوا بالله ورسوله } (¬4) PageV01P285 مقتضى الظاهر <<فآمنوا بالله وبي>> ~~لكن قال: << ورسوله >> تنبيها على استحقاقه الاتباع بما اتصف به من الصفات ~~المذكورة بعد قوله: << ورسوله>> ودفعا للتهمة عن نفسه بالتعصب لها. ومن حكم ~~الالتفات على الغيبة من التكلم ms180 أن يفهم السامع أن هذا نمط المتكلم وقصده من ~~السامع حضر أو غاب، وأنه ليس في كلامه ممن يتلون ويتوجه، ويبدي في الغيبة ~~خلاف ما يبدي في الحضور.من الالتفات من الخطاب إلى التكلم قول الشاعر [ ~~علقمة بن عبدة العجلي يمدح الحرث بن جبلة الغساني ويطلبه أن يفك أخاه الذي ~~أسره ]: [ من الطويل ] # طحا بك قلب في الحسان طروب ... بعيد الشباب عصر حان مشيب # تكلفني ليلى وقد شط وليها ... وعادت عواد بيننا وخطوب (¬1) PageV01P286 ~~خاطب نفسه في قوله: << طحا بك >> وتكلم في قوله: << تكلفني >>، ومقتضى ~~الظاهر<< تكلفك>>. ومعنى <<طحا بك>>: ذهب بك و(الباء) للتعدية، أي: ~~<<أطحاك>>، أي: أذهبك (بفتح الكاف وكسرها ). و<<الطروب>>: صفة مبالغة ~~ف(الطاء مفتوحة ) والطرب: خفة تعتري إنسانا لشدة سرور أو حزن، و>> في ~~الحسان>> متعلق بطروب أو بذهب، أي: دخل بك في طلب الحسان ومراودتهن وأهلكك، ~~أو المعنى: أن له طربا في طلب الحسان ونشاطا في مراودتهن، و<< بعيد ~~الشباب>>بمعنى: بعيد معظم الشباب تصغير بعد، << عصر >> بدل بعيد و<<حان >> ~~قرب والجملة مضاف إليها عصر و<< ليلى>> فاعل <<تكلفني>> ب(التاء المثناة ~~فوق)، والمفعول الثاني محذوف، أي: تكلفني ليلى شدائد فراقها، أو تنازع تكلف ~~وشط في وليها، أي: يكلفني حب ليلى وليها وقد شط، أو يكلفني حب ليلى وقد شط ~~وليها، فيكون التكليف بمعنى التحمل في وجه الشارع، أو تكلف خطاب للقلب ~~فيكون التفات آخر من الغيبة للخطاب، لأن قلب غائب وتكلف خطاب، وعليه ~~ف<<ليلى>> مفعول ثان، أي: يكلفني وصل ليلى، وتكلف على هذا تطلب. واعتبار ~~الالتفات في <<تكلفني>> بالنظر إلى <<طحا بك>> لا يجامع اعتباره بالنظر إلى ~~القلب المذكور؛ إذ من شرط الالتفات إجراؤه على الأصل في الجملة، وهنا يمكن ~~ذلك على تقدير رجع التفات القلب إلى أصله وإن لم يكن بدونه، والمشهور<< ~~يكلفني>> ب(المثناة التحتية )، وضميره للقلب، و<<ليلى>> مفعول به، أي: ~~يطلبني بوصل ليلى أو يلزمني وصلها وهو شاق علي، و<<الولي>> القرب، و<<شط>> ~~بعد و<<عادت>> فاعلت، والأصل: عادات حذفت (الألف ) بعد (الدال للساكن ) من ~~عادى يعادي، وعواد جمع عادية ms181 كجارية وجوار، وهي: ما يعوفك عن الشيء ويشغلك، ~~و<<الخطوب>> جمع خطب وهو: الأمر العظيم. أو <<عادت>> من عاد يعود، أي: رجعت ~~إلينا موانع كانت تمنعنا من الوصل قبل ذهبت فرجعت. اللهم لا تقطع عنا رحمتك ~~دنيا ولا أخرى. PageV01P287 # ولم يرد الالتفات من الخطاب إلى التكلم في القرآن، وقيل منه قوله تعالى { ~~فاقض ما أنت قاض } (¬1) { قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي ~~فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا } وليس هذا في رائحة من ~~الالتفات لأن شرط الالتفات أن يراد مقصد واحد. # ومن الالتفات من الخطاب إلى الغيبة قول المعري أبي العلاء: [ من الكامل ] # هل يزجرنكم رسالة مرسل ... أم ليس ينفع في أولاك ألوك (¬2) # ... ... ف<<أولا>> غيبة لأنه اسم إشارة وهو لغة ترك الهمزة، و(كاف) << ~~يزجرنكم >> خطاب، و<<ألوك>>: رسالة، وقال صدر الأفاضل: ليس التفاتا لأن ~~الخطاب بها لبني كنانة، وب(كاف) <<أولاك>>: لك. وقوله تعالى { إذا كنتم في ~~الفلك وجرين بهم } (¬3) ، PageV01P288 ومقتضى الظاهر <<وجرين بكم>> بالخطاب ، لكن قيل <<بهم>> ~~بالغيبة للتعجيب من كفرهم وفعلهم ، إذ لو استمر الكلام في خطابهم لفاتت ~~فائدة حكاية حالهم العجيبة. قال السيوطي: وقيل لأن الخطاب <<أولا>> كان مع ~~الناس مؤمنهم وكافرهم بدليل<< هو الذي يسيركم في البر والبحر>> فلو قال: << ~~وجرين بكم>> للزم الذم للجميع، فالتفت الكلام عن الخطاب بلا إشارة إلى ~~اختصاصه بهؤلاء الذين شاقهم ماذكر عنهم في آخر الآية عدولا من الخطاب العام ~~إلى الحاضر. قلت: ورأيت عن بعض السلف في توجيهه عكس ذلك، وهو: أن الخطاب ~~أوله خاص وآخره عام، وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه ~~قال في قوله تعالى (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم) قال: ذكر الحديث عنهم ~~ثم حذف عن غيرهم، ولم يقل:<<وأجري بكم>>لأنه قصد أن يجمعهم وغيرهم، <<وجرين ~~بهؤلاء وغيرهم من الخلق>> هذه عبارته. - فلله در السلف ما كان أوقفهم على ~~المعاني اللطيفة التي يدأب المتأخرون فيها زمانا طويلا، ويفنون فيها ~~أعمارهم، ثم غايتهم أن يحوموا حول الحمى ms182 - ومما ذكر في توجيهه أيضا أنهم ~~وقت الركوب حضروا بقلوبهم، لأنهم خافوا الهلاك وغلبة الرياح، فخاطبهم خطاب ~~الحاضرين، ثم لما جرت الرياح بما لا تشتهي السفن وأمنوا الهلاك لم يبق ~~حضورهم كما كان عادة الإنسان أنه إذا أمن غاب قلبه عن ربه، فلما غابوا ~~ذكرهم الله بصيغة الغيبة، وهذه إشارة صوفية. # ... وقوله تعالى { وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون ~~} (¬1) ، PageV01P289 وقوله تعالى { ~~وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون } (¬1) مقتضى الظاهر ~~<<فأنتم المضعفون>> و<<أنتم الراشدون>>.وقوله تعالى { ادخلوا الجنة أنتم ~~وأزواجكم تحبرون * يطاف عليهم } (¬2) قتضى الظاهر <<عليكم>>، وأما قوله بعد ~~ذلك { وأنتم فيها خالدون ) فهو من الالتفات.والسيوطي قال : كرر الالتفات ~~يعني: أن قوله تعالى ( أنتم فيها خالدون ) التفات إلى الخطاب من الغيبة في ~~قوله <<عليهم >>الملتفت إليها من الخطاب في << ادخلوا >> . # ومثال الالتفات من الغيبة إلى التكلم قوله تعالى { والله الذي أرسل ~~الرياح فتثير سحابا فسقناه } (¬3) مقتضى الظاهر <<فساقه>>.وقوله تعالى { ~~وأوحى في كل سماء أمرها وزينا } (¬4) PageV01P290 مقتضى الظاهر<< وزين>>.وقوله تعالى { سبحان الذي أسرى } إلى ~~قوله { باركنا حوله } ثم جاء قوله تعالى { إنه هو السميع البصير } (¬1) ~~التفاتا من التكلم في <<باركنا>> إلى الغيبة، وكذا قرأ الحسن <<ليريه>> ~~بالمثناة تحت على الالتفات إلى الغيبة من التكلم في <<باركنا>> ، وعلى ~~قراءته يكون قوله: <<من آيتنا>> التفاتا ثالثا من الغيبة في<< ليريه>> ~~بالمثناة تحت إلى التكلم ، وفي أنه التفات رابع من التكلم في <<آياتنا>>إلى ~~الغيبة . قال الزمخشري: وفائدته في هذه الآيات وأمثالها التنبيه على ~~التخصيص بالقدرة، وأنه لا يدخل تحت قدرة أحد. # ومثال الالتفات من الغيبة على الخطاب قوله تعالى { وقالوا اتخذ الرحمن ~~ولدا* لقد جئتم شيئا إدا* } (¬2) ، وقوله تعالى { ألم يروا كم أهلكنا من ~~قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم } (¬3) [ PageV01P291 فإن (هاء) <<مكناهم>> و(كاف) <<لكم>> ] ~~لفريق واحد.وقوله تعالى { وسقاهم ربهم شرابا طهورا*إن هذا كان لكم جزاء ~~وكان سعيكم مشكورا* } (¬1) # فإن (هاء) <<سقاهم>> و(كاف) <<لكم>> لفريق واحد.وقوله تعالى { إن أراد ~~النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون ms183 المؤمنين } (¬2) PageV01P292 ف(لكاف) <<للنبي>> والنبي ظاهر.وقوله تعالى { ~~إياك نعبد } (¬1) فإنه جاء على صورة الخطاب، وما قبله على صيغة الغيبة، ~~ومقتضى الظاهر <<إياه نعبد>> على صيغة الغيبة فيما بعده كله، لكن جيء بصيغ ~~الخطاب لأن العبد إذا ذكر الحقيق بالحمد عن قلب حاضر يجد من نفسه محركا ~~للإقبال على ذلك الحقيق بالحمد، وكلما أجرى عليه صفة من تلك الصفات العظام ~~قوي ذلك المحرك إلى أن ينتهي الأمر إلى خاتمة الصفات، وهي << ملك يوم الدين ~~>>المفيدة أن ذلك الحقيق بالحمد هو مالك الأمر كله في يوم الجزاء، فحينئذ ~~يوجب ذلك المحرك لتناهيه في القوة إقبال العبد على ذلك الحقيق بالحمد، ~~ويوجب التكلم له على صيغة الخطاب بتخصيصه بغاية الخضوع والاستعانة في ~~المهمات * كلها* (¬2) ، وكل ما يحتاج إليه مهم، فإنه لا يكون شيء إلا ~~بتكوين الله - جل جلاله - فإن تقديم اللفظ الذي هو مفعول به اصطلاحا، وهو: ~~إياك للتخصيص، وحذف معمول <<نستعين>> الظرفي للعموم؛ إذ لم يقل نستعين في ~~كذا أو على كذا، أو العبد إذا أخذ في القراءة تأكد عليه أن تكون قراءته على ~~وجه يحد به من نفسه ذلك المحرك بأن يحضر قلبه ويتأثر. وقد علمت أن << إياك ~~نستعين >> ليس التفاتا بل جاء على مقتضى ظاهر قوله: << إياك نعبد >> وهو ~~تبع له في قوة محرك الإقبال، ومفعول<< ملك>> محذوف نسيا منسيا، حتى إنه ~~تنزل منزلة اللازم لعدم كونه من باب ما يتعلق الغرض به، أعني المفعول به ~~الحقيق، أي<<ملك الأمور في يوم الدين>>. PageV01P293 وأما << يوم الدين >> فمفعول به توسعي ~~أضيف إليه فأوقعت النسبة على المفعول الحقيقي وعلى المجازي وهي نسبة ~~إيقاعه، وإنما سميت <<يوم الدين>> مفعولا مجازيا لأنه في الحقيقة ظرف، وليس ~~في ذلك جمع بين الحقيقة والمجاز، لأن المفعول الحقيقي غير معتبر هنا، لأنه ~~من باب ما لم يتعلق الغرض به، والنسبة إيقاعية وهي هنا إسناد عقلي مجازي ~~بالنظر على يوم الدين، هذا على أن الإضافة مجازية بمعنى(اللام )؛ فلو ~~جعلناها حقيقة على معنى في التوسع إنما هو في مجرد حذف في ms184 ارتفع توهم الجمع ~~بين الحقيقة والمجاز، ولم اعتبر المفعول الحقيق أو ذكر، وإنما لم تجعل صاحب ~~القول الإضافة حقيقة بمعنى في للمبالغة، لأن قولك: "فلان مالك الدهر وصاحب ~~الزمان " أبلغ من قولك: "في الدهر وصاحب في الزمان ".وقال عصام الدين: ~~الجمع بين الحقيقة والمجاز غير عزيز في البدل كما في " قطع زيد يده " و" ~~سلب زيد ثوبه " فيجوز كون يوم مفعولا به على المجاز بحيث يصير بدلا من ~~المفعول الحقيق لو ذكر كقوله: " يا سارق الليلة أهل الدار " إضافة سارق ~~لليلة والمشهور إضافته <<لأهل >>، والفصل <<بالليلة >>منصوبا ظرفا له. ... ~~ووجه حسن الالتفات مطلقا أن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب كان أحسن في ~~تحصيل النشاط إن لم يوجد بدون التفات، وفي تجديده وتزيينه والترغيب فيه أن ~~يحصل بدون الالتفات، وذلك أن للجديد لذة وتنضم لذلك نكت يحسن بها الالتفات ~~في كل فرد من أفراد الالتفات.والله أعلم. # باب خروج الكلام عن مقتضى الظاهر PageV01P294 بأن يقابل المخاطب المتكلم ~~بخلاف مراد المتكلم تنبيها على أن خلاف مراده هو الأولى بالقصد أو هو ~~الواجب، وهذه الأولوية أو الوجوب بالنظر إلى المتكلم أو المخاطب أو غيرهما، ~~كما روي أن القبعثرى كان جالسا مع جماعة في بستان عنب، وكان الأوان أوان ~~حصرم العنب، فذكر الحجاج، فقال القبعثرى: ( اللهم سود وجهه واقطع عنقه ~~واسقني من دمه ) فأخبر الحجاج بذلك، فأرسل إليه وهدده على قوله المذكور، ~~فقال: إنما أردت بقولي المذكور عني العنب الحصرم، ثم قال له الحجاج: ~~لأحملنك على الأدهم، فقال له: مثل الأمير يحمل الأدهم والأشهب، فقال له ~~الحجاج: إنما أردت الحديد، فقال له: لأن يكون حديدا خير من أن يكون بليدا، ~~فقال الحجاج لأعوانه: احملوه فلما حملوه، قال: ( سبحان الذي سخر لنا هذا ~~وما كنا له مقرنين ) (¬1) PageV01P295 فقال ~~الحجاج: اطرحوه فلما طرحوه، قال: ( منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم ~~تارة أخرى) (¬1) فأعجب منه وعفا عنه . والمراد<< بتسويد وجهه>>: إنضاجه، ~~و<<بقطع عنقه>>: قطعه، و<<بدمه>>: الخمر المعمولة منه، ومع ذلك أراد ~~التلويح للحجاج، و<<الحديد>> في كلام ms185 الحجاج هو: الحديد الذي تصنع منه ~~الموسى والسيف وغيرهما كالقيود.وحمله القبعثرى على ضد البليد من الحدة، وأن ~~الفرس النشيط الكريم حديد، بمعنى: أنه منفعل تحت الفارس شديد الانبعاث، ~~وضده الفرس البليد؛ كأنه بلد في مكانه، أي: أقام فيه، فذلك حمل على غير ~~مراد الحجاج ثان بعد الحمل بعد الأول، إذ حمل أولا قوله <<الأدهم>> على ~~الفرس الأدهم، وهو الذي ذهب بياضه حتى غلب على سواده بأن ينقلب البياض ~~سوادا كما ينقلب الشعر الضعيف من حمرة إلى سواد لحدوث القوة وكما ينعكس ~~الشعر الأسود أبيض، أو ذهب بياضه في رأي العين لقلته، وإنما أراد الحجاج ~~ب<<الأدهم>> الحديد الذي يعمل منه القيد، ومراده: أن يفيده بالحديد، وضم ~~القبعثرى <<الأشهب>> إلى <<الأدهم>> ليبين ما أراد من حمل كلام الحجاج، وهو ~~الفرس الأبيض - قال بعض قومنا: إن القبعثرى رأس من رؤساء العرب وفصحائهم ~~وأنه كان من الخوارج الذين خرجوا عن علي - وإنما صح أن يقول لأحملن الأدهم ~~عليك مع أن القيد هو الذي يوضع على الرجل وليست الرجل هي التي توضع عليه، ~~لأن هذا الاستعمال أمر وضعي؛ يقال حمل على الأدهم أي قيد، ويحتمل أن يكون ~~من القلب، أوشبه القيد بالمركب على طريق الاستعارة بالكناية والحمل تخييل ~~والجامع مطلق التمكن، وحاصل حمل كلام الحجاج على ذلك أنه لوح إلى أن ~~السلطان أن يوسع العطاء لا أن يقيد بالحديد، والله أعلم. # باب خروج الكلام عن مقتضى الظاهر بأن # يقابل المتكلم سائله بجواب ليس مطابقا لسؤاله PageV01P296 تنبيها له على أنه كان ينبغي أن يسأل عن ذلك ~~الجواب، لأنه أنسب بحاله، أو لأنه المهم له الواجب، وتنزيلا لسؤاله منزلة ~~عدم السؤال والجواب ولو كان يجب أن يطابق السؤال. لكن السؤال ضربان: جدلي ~~وتعليمي؛ الأول: يجب أن يطابق جوابه، والثاني: يجب فيه أن يبنى الأمر على ~~حال السائل؛ فالطبيب يبني علاجه على حال المريض دون سؤاله فتجوز المخالفة ~~فيه، وسؤال الأهلة من هذا القبيل في قوله تعالى { يسألونك عن الأهلة قل هي ~~مواقيت للناس والحج } (¬1) ، PageV01P297 سأل معاد بن ms186 جبل وثعلب بن غنم ~~الأنصاري ، واثنان جمع مجازا أو حقيقة ، وأيضا ارتضى غيرهما سؤالهما ، ~~وأيضا هما في جملة العرب: ( ما بال الهلال يبدو دقيقا مثل الخيط، ثم يتزايد ~~قليلا حتى يمتلئ ويستوي، ثم لا يزال حتى يعود كما بدا. ) فأجيبوا بأن هذا ~~التزايد والنقص معالم بوقت الناس، بها أمورهم من المزارع والمتاجر، ~~والإجارة ومحال الديون، والصوم والزكاة، والحمل والحيض والنفاس والعدة، ~~وغير ذلك من مصالح معاشهم للتنبيه على أن الأولى والأليق بحالهم أن يسألوا ~~عن ذلك. والنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما بعث لبيان ذلك، ومقتضى الظاهر ~~أن يجابوا بما بين في علم الهيئة من قربه من الشمس، فيقل: نوره منها ~~فيزداد، وتفاصيل ذلك ولا غرض لهم في هذا ، مع أن علم الهيئة باطل في الشرع ~~لبنائه على أمور لم يثبت شيء منها في الشرع ، كما قاله الصبان عن عبد ~~الحكيم (¬1) . وأما فهمهم علم الهيئة فلو توجهوا إليه لأدركوه إدراكا لا ~~يصله غيرهم، لكونهم عربا فصحاء يعملون بما علموا، فلا شك أن يهبهم الله علم ~~ما جهلوا، فلو أجيبوا لفهموه حق الفهم، واستشكل التمثيل بالآية بإمكان حمله ~~على السؤال عن الفائدة فيكون على مقتضى الظاهر. قال عبد الحكيم: ما يسأل ~~بها عن الجنس، فالمسئول عنه بها هنا حقيقة أمر الهلال، وشأنه لأي شيء ~~اختلاف تشكلاته النورانية ثم عوده إلى ما كان عليه، وذلك الأمر المسؤول عنه ~~يحتمل أن يكون غايته وحكمته وأن يكون سببه. PageV01P298 وعليه فسبب ~~النزول لا اختصاص له بأحدهما وكذا لفظ القرآن، أو يجوز أن يقدر: يسألونك عن ~~سبب اختلاف الأهلة وأن يقدر حكمة الأهلة، فاختار صاحب الكشاف والراغب ~~والقاضي أنه سؤال عن الحكمة إخراج للكلام على مقتضى الظاهر لأنه الأصل، ~~واختار السكاكي أنه سؤال عن السبب الفاعلي لأن الحكمة ظاهرة، أي: وهي السبب ~~الغائي لا يستحق السؤال عنها والجواب، فذلك عنده خروج عن مقتضى الظاهر. ~~ويبحث في مذهبه بأنه حيث كانت الحكمة ظاهرة لا تستحق السؤال والجواب فكيف ~~يجاب بها تنبيها على أن السؤال أولى بحالهم، ويجاب ms187 بأن المعلوم عندهم العلة ~~الفاعلية وهي السبب الفاعلي؛ وهو القرب والبعد من الشمس، لا السبب الغائي ~~وهو التوقيت. # ومن هذا الباب قوله تعالى { يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير ~~فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل } (¬1) PageV01P299 روي أن عمرو بن الجموح وهو شيخ كبير له مال عظيم جاء إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ماذا ننفق من أموالنا ؟ وأين نضعها ؟ ~~فذكر الله تعالى سؤاله الأول فقط وهو قوله: " ماذا ننفق من أموالنا إبرام ~~شعير أم دراهم؟ " وهكذا ولم يذكر سؤاله الثاني ، وهو قوله : " وأين نضعها؟ ~~" وأجاب بالثاني الذي لم يذكر، وترك الجواب عن الأول تنبيها على اللائق بهم ~~تركه والاقتصار عن الثاني. ولا يخفى أن إجابة السؤال عن الجنس الذي يتصدق ~~به ببيان مصرف الصدقة من خلاف مقتضى الظاهر، هكذا ظهر لي ولم أجده لغيري. ~~وبه يحصل الجواب عن إيراد صاحب عروس الأفراح (¬1) ولو أقره الصبان ، ويسر ~~أن ذلك من مقتضى الظاهر إذا أجيب عن بعض ما يطلب والسائل واحد ، وجمع لأنه ~~في جملة الصحابة ، ولأنهم رضوا سؤاله فاعتبروا في مرجع الضمير ، ولا يظهر ~~أيضا أن السؤال عن مقدار النفقة أقليل أم كثير ولا عنه وعن الجنس كما أجاز ~~بعضهما الاحتمالين، بل هو عن الجنس وحده، فأجيبوا بما هو أهم وهو بيان ~~مصرفها، لأن النفقة لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها، بخلاف ما يتصدق به فإنه ~~يعتد به من أي جنس، وقليلا أو كثيرا؛ وهي الصدقة النافلة لأنها لا يعتد بها ~~لو وقعت في محرم كالصدقة على عاص لأجل عصيانه، أو عاص لا يجوز أن ينفق عليه ~~كالطاعن في الدين والناشزة، وكالإنفاق في معصية. فبين الله مصارف النفقة ~~المختارة، ولو جاز غيرها أيضا وأثيب عليه؛ كالنفقة على غير أجنب. PageV01P300 ~~والمراد النفقة على هؤلاء لولادتهم وأقربيتهم ويتمهم ومسكنتهم وسبيليتهم لا ~~لعصيانهم، فلو كان فيهم مانع الإنفاق لم يجر إنفاقهم بدليل خارجي، فلم يلزم ~~ما قيل: إن صدقة النفل يشكل عليها نفي الاعتداد. وليس المراد الصدقة ~~الواجبة لأنه ms188 ليست تجوز للأقربين مطلقا، بل إن كانوا فقراء وفي الولاية، ~~ولا للوالدين لوجوب النفقة لهما، ومن تجب نفقته عليك لا تعطه الزكاة ولو ~~كان أقرب دون الوالدين، وإن حمل الوالدين على من لا تجب نفقته منهما كأم ~~تحت زوج غير أبي ولدها، قيل: وكأم وابن قائمين في المعيشة غير محتاجين ~~للإنفاق وليس غنيين، ففيه بعد لعموم اللفظ وعموم الخطاب.وأما الاعتداد ~~بقليل من الزكاة إذا لم يعط الواجب كله فلا يعتبر من حيث أنه لا يثاب عليه ~~ولو برئت ذمته من ذلك الذي أعطى، وكل ما فيه خير فهو صالح للإنفاق، فذكر ~~قوله: << ما أنفقتم من خير >> على سبيل التضمن دون القصد، وبهذا يندفع ما ~~يقال: إن في الآية بيان ما ينفق وهو الخير، فثبت ما سألوا عنه وزيادة، ~~فأجاب بما ذكر، وأيضا ليس في الآية بيان ما ينفق بخصوصه، بل بوجه عام فهو ~~ذكر توطئة لما بعده. والله أعلم . # باب عد السكاكي من خلاف مقتضى الظاهر التعبير # عن المعنى المستقبل بلفظ وضع للمعنى الماضي PageV01P301 والعكس يعبر عن ~~الماضي بالمستقبل تنزيلا له منزلة ما يترقب ليتحقق ونحو ذلك، أو بالحال ~~تنزيلا منزلة الحاضر ليكون كالمعاين. وعن المستقبل بالماضي لتحقق وقوعه حتى ~~كأنه وقع، وإذا عبر مثلا عن المستقبل بالماضي كان خلاف مقتضى الظاهر، وإن ~~عبر عنه بعد بالمستقبل كان أيضا خلاف مقتضى الظاهر، وذلك استعارة لأنه شبه ~~المستقبل مثلا بالماضي في تحقق الوقوع؛ فهو من فن البيان، لكنه من فن ~~المعاني أيضا من حيث أن الداعي إليه التنبيه على تحقق الوقوع مثلا، وتلك ~~الاستعارة في المشتق إذا كانت في الفعل باعتبار الهيئة؛ لأن الفعل يدل على ~~الزمان بهيئته لا بذاته، ولم يذكروه في مباحث الاستعارة، من ذلك قوله تعالى ~~{ ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض } (¬1) وقوله تعالى { ~~ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الأرض } (¬2) ومعنى نفخ ~~ينفخ، ومعنى صعق وفزع يصعق ويفزع، ومن ذلك قوله تعالى { وإن الدين لواقع } ~~(¬3) ف<< واقع >> اسم فاعل ms189 موضوع للماضي ولكن استعمل في الاستقبال المنزل ~~منزلة الماضي لتحقق الوقوع، وقوله تعالى { ذلك يوم مجموع له الناس } (¬4) PageV01P302 <<مجموع>>: اسم مفعول وموضوع للماضي ~~لكن استعمل في الاستقبال المنزل منزلة الماضي لتحقق الوقوع، و<<الدين>>: ~~الجزاء. # واستعمال اسم الفاعل للحال أو استقبال مجاز للماضي حقيقة هذا ما عندي ~~الآن، وبه قال بعض الشافعية واختاره عبد القاهر (¬1) [ الجرجاني ] وأبو ~~هاشم ونص السعد في شرح المفتاح (¬2) : أن كل مجاز من خلاف مقتضى الظاهر ، ~~لأن مقتضى الظاهر أن يعبر عن كل معنى بما وضع له ، وخلاف مقتضى الظاهر أعم ~~من المجاز لشموله الكناية وجريانه في بعض أفراد الحقيقة، وقال: الأكثر اسم ~~الفاعل واسم المفعول حقيقتان في الحال مجازان في الماضي والاستقبال ، ولا ~~تتوهم أني أردت أنهما يدلان على الزمان الماضي أو الحاضر ؛ فإن الزمان ليس ~~في وضعهما بل أردت أنهما وضعا للحدث الواقع في الماضي على قول ، والحدث ~~الواقع في الحال على قول مع الذات الفاعلة لذلك الحدث ، أو الذات الواقع ~~عليها ذلك الحدث.فإذا كان الحدث متحققا حاصلا بالفعل كان الوصف حقيقة لتحقق ~~الحدث أو حضوره، لا لكون الزمان ماضيا أو حاضرا، ولو كان الزمان لازما ~~للحدث؛ ففرق بين الزمان المعتبر في المفهوم واللازم للمفهوم - وأعني ~~المفهوم مدلول اللفظ الموضوع له اللفظ - وإذا لم يكن الحدث حاصلا بالفعل ~~كان الوصف مجازا لعدم حصوله بالفعل، لا لكون الزمان مستقبلا على القولين، ~~ولا لكونه حاضرا على القول الأول. والله أعلم . وأما الصفة المشبهة واسم ~~التفضيل فحقيقتان في الحدث الحاضر وصاحبه، ولا يضر تقدمه قبل واستمراره ~~بعد. والله أعلم . # باب الخروج عن مقتضى الظاهر بالقلب PageV01P303 ... وهو أن يجعل أحد الجزأين من ~~الكلام مكان الآخر، والآخر مكانه بأن يثبت لأحد الجزأين حكم الجزء الآخر ~~وعكسه لا مجرد تبديل المكان كما في عكس القضية، نحو:"عرضت الناقة على الحوض ~~" مكان " عرضت الحوض على الناقة " أي أظهرته عليها لتشرب، وذلك لأن المعروض ~~عليه هنا يجب أن يكون له إدراك يميل به إلى المعروض أو يرغب عنه، وقد يكون ~~المعروض عليه ذا إدراك، ms190 وذلك إذا كان المراد بالعرض المعنى المجازي؛ أعني ~~مجرد الإتيان بالمعروض إلى المعروض عليه لا معناه الحقيقي، وإيضاح المثال ~~أن الحوض والناقة يشتركان في حكم مطلق العرض، إلا أن الحكم الثابت للحوض هو ~~العرض بلا واسطة حرف جر، فيكون معروضا وللناقة هو العرض بواسطة حرف جر ~~فتكون معروضا عليها، كقولك: " زيد ممرور به" وقلب ذلك وأثبت لكل واحد حكم ~~الآخر، فصار ما كان حكمه العرض بلا واسطة حكمه العرض بالواسطة، وما حكمه ~~العرض بها حكمه العرض بدونها. # فليس من القلب " في الدار زيد " بتقديم الخبر مكان المبتدإ وتأخير ~~المبتدأ مكان الخبر، و" ضرب عمرا زيد " بتقديم المفعول مكان الفاعل وتأخير ~~الفاعل مكان المفعول لبقاء كل على حكمه، وخرج أيضا " ضرب عمرو " بالبناء ~~للمفعول، لأن الأخير لم يكن في مكان الأول، لأن الأول حذف حذفا، ولبقاء ~~الحكم عندي لأن المضروب <<عمرو>> والضارب غيره على كل حال، إلا أنه لم يذكر ~~الضارب. PageV01P304 # ولا يخفى أن القلب أخص من العكس، وقال ابن جماعة: القلب أعم مطلقا من ~~العكس المستوي عند أهل المنطق، واعلم أن كون <<عرضت الناقة على الحوض>> من ~~القلب هو قول جماعة منهم: الجوهري والسكاكي (¬1) والزمخشري، وقال يعقوب بن ~~السكيت في (التوسعة): إن القلب هو قولك: " عرضت الحوض على الناقة " وقيل: ~~لا قلب في واحد منهما، واختاره أبو حيان قال السيد. وفي قولك: " عرضت ~~الناقة على الحوض " قلب باعتبار لطيف، وهو أن المعتاد أن يؤتى بالمعروض إلى ~~المعروض عليه، فحيث أتى بالناقة إلى الحوض جعلت كأنها معروضة، والحوض معروض عليه. # واعلم أن الداعي إلى حمل كلام غيرك على القلب أو على اعتقاد أن كلامك من ~~باب القلب ضربان،( الأول ): يكون جهة اللفظ بأن يتوقف صحة اللفظ عليه ويكون ~~المعنى تابعا، كما إذا أخبر عن النكرة بالمعرفة، كقول الشاعر[ القطامي]:[ ~~من الوافر ] # قفي قبل التفرق يا ضباعا ... ولايك موقف منك الوداعا (¬2) # ... فإنه مقلوب من قولك: <<لا يكن الوداع موقفا منك >>، أي: <<لا يكن ~~موقف الوداع موقفا منك>>، وإنه إذا كان المقام مقام ms191 أن يقال: " كان المؤذن ~~زيدا " وقلت: " كان زيد مؤذنا " كان قلبا ولو كانا معا معرفتين. ( ~~والثاني): أن يكون جهة المعنى كالمثال الأول، وكقولك: " أدخلت القلنسوة في ~~رأسي والخاتم في إصبعي " لأن <<القلنسوة والخاتم>> ظرفان و<<الرأس ~~والإصبع>> مظروفان، لكن لما كان المناسب وهو أن يؤتى بالمعروض إلى المعروض ~~عليه ويتحرك بالمظروف نحو الظرف، وها هنا الأمر بالعكس قلبوا الكلام رعاية ~~لهذا اعتبار. وأما قوله : [ من الوافر ] PageV01P305 فإنك لا تبالي بعد حول ... أظبي كان أمك أم حمار ؟ (¬1) # فقيل إنه قلب من جهة اللفظ بناء على أن <<ظبي>> اسم لكان محذوفة لا ~~مبتدأ، لأن الاستفهام بالفعل أولى، وهو نكرة معربة خبر لكان. وسبك الكلام: ~~"أكان ظبي أم حمار أمك ؟ " فحذفت <<كان>> وفسرت بالمذكورة. وقيل <<ظبي>> ~~مبتدأ، وفي <<كان>> ضمير يعود إلى أحد شيئين <<ظبي>> و<<حمار>>؛ لأن ~~<<الحمار>> في نية التقديم - كما رأيت - وهو الصحيح بناء على أنه لا يلزم ~~تقدير فعل يلي الهمزة إذا كان في حيزها، ولا قلب فيه على هذا القول من جهة ~~اللفظ بل هو من جهة المعنى، لأن المخبر عنه في الأصل هو <<الأم>>؛ فإن ~~المقصود: <<أكانت أمك ظبيا أو حمارا ؟ >> وإنما لم يقل: << كانت >>لأنه لا ~~ضمير (للام) في <<كان >>، ومعنى البيت: أنه ذهب السؤدد من الناس، واتصفوا ~~بصفات اللئام، حتى لو بقوا على هذا الوصف سنة قمرية لا يبالي إنسان منهم، ~~أهجينا كان أم غير هجين ؟ والقلب مقبول مطلقا عند السكاكي (¬2) لأنه يورث ~~الكلام ملاحة، ومردود عند غيره مطلقا، لأنه عكس المطلق ونقيض المقصود، قال ~~القزويني (¬3) : إنه تضمن اعتبارا لطيفا - غير الملاحة التي أورثها نفس ~~القلب - قبل وإلا رد، لأنه عدول عن الظاهر من غير نكتة يعتد بها، وتلك ~~الملاحة لا يعتد بها. ومثال ما تضمن اعتبارا لطيفا قوله [ أي قول رؤبة بن ~~العجاج ]: [ من الرجز ] # ومهمه مغبرة أرجاؤه ... كان لون أرضه سماؤه (¬4) PageV01P306 << المهمه >>: اسم الأرض التي لا ماء فيها ~~ولا كلإ، وتسمى: مفازة من باب أسماء الأضداد، لأنها مهلكة لا مفازة و<< ~~مغبرة >>اسم فاعل بمعنى ms192 ممتلئة و<< أرجاء>>جمع رجا مقصور بمعنى ناحية وطرف، ~~ويقدر مضاف، هكذا كان لون أرضه لون سمائه لغبرتها، والاعتبار اللطيف فيه ما ~~شاع في كل تشبيه مقلوب من المبالغة في كمال المشبه إلى أن استحق جعله مشبها ~~به، فإن مقتضى الظاهر كان لون سمائه لون أرضه، فبالغ في وصفه لون سمائه ~~بالغبرة حتى كأنها أصل في الغبرة يشبه بها لون الأرض فقلب لذلك مع أن الأصل ~~فيها الأرض. قال عصام الدين: ويمكن تقسير قوله: كان لون أرضه سماءه بما لا ~~يكون فيه قلب ولا حذف؛ أي ارتفع الغبار فيها متراكما واتصل بالسماء بحيث ~~صار السماء متصلا بالأرض اتصال اللون بالجسم، كان لون الأرض نفس السماء. # ثم إن القلب من حيث يورث الملاحة من علم البديع، وأنه من حيث المطابقة ~~بالنكتة من علم المعاني، ولا يخفى أن عكس التشبيه قلب لنكتة المبالغة في ~~وجه الشبه، وتعريف القلب يشمله. وتردد بعضهم: ( هل هو قلب ؟ ) وقال على ~~تقدير الفرق بينهما لم يذكر أحدهما في المعاني والآخر في البيان، قال ابن ~~جماعة: ذكر القلب في <<المعاني>>، وفي <<البيان>> في بحث التشبيه وهو ~~التشبيه المقلوب، وفي <<البديع>> في التجنيس وفيه في غير التجنيس، وفي ~~الخاتمة في بحث السرقة. وأقول: هو من حيث النكتة غير ملاحة القلب يعد من ~~المعاني والبيان ومن حيث الملاحة يعد من البديع، وأقول: ليس القلب الذي هو ~~جلل اللفظ صالحا لأن يقرأ من آخره لأوله، ولا يختلف من هذا الباب. # ومثال ما لم يتضمن الاعتبار اللطيف قول القطامى يصف ناقة له بالسمن: [ من ~~الوافر ] # فلما أن مضت سنتان(عنها ... وصارت حقة تعلو الجداعا # عرفنا ما يرى البصراء فيها ... فآلينا عليها أن تباعا PageV01P307 وقلنا ~~أمهلوا( لثنيتها ... لكي تزداد للسفر( اطلاعا # فلما أن جرى سمن عليها ... كما طينت بالفدن السياعا # أمرت بها الرجال ليأخذوها ... ونحن نظن أن لن تستطاعا (¬1) # ... ... <<الفدن>>: القصر و<<السياع>>: الطين المخلوط بالتبن، فكأنه قال: ~~كما طينت بالقصر الطين المخلوط بالتبن وإنما يطين القصر بالطين لا الطين ~~بالقصر، ولكنه قلب ولا حكمة في ms193 ذلك سوء الملاحة، وقد يقال: فيه حكمة سواها ~~وهو أن السياع قد بلغ في العظم والكثرة على أن صار بمنزلة الأصل، فيدل على ~~عظم سمنها المشبه بالطين حتى صار الشحم لكثرته بالنسبة للأصل من العظم ~~وغيره كأنه الأصل، و<<الفدن>> بعد القلب بالنسبة إلى الأصل ك<<السياع>> قبل ~~القلب بالنسبة إلى <<الفدن>>؛ فلا يقال: إن كثر ة تطيين القصر لا لطف في ~~الوصف به، لأنا نقول: هو وإن لم يكن فيه لطف في نفسه لكن فيه لطف بالنسبة ~~إلى المقصود المرتب عليه، وهو إفادة المبالغة في وصف الناقة بالسمن. # وروي ( كما بطنت بالفدن السياعا ) أي جعلت <<الفدن>> بطانة <<للسياع >> ~~وجعلت <<السياع>> ظهارته ولا قلب حينئذ؛ قاله السبكي (¬2) PageV01P308 # وابن القاسم ، ونسب السبكي (¬1) هذه الرواية للجوهري والحاتمي في (حلية ~~المحاضرة ) وابن السكيت وذكرعن ابن السكيت أن فيه قلبا قال : وينظر فيه بأن ~~يجعل <<القصر>> بطانة <<للطين>> لأنه داخله فلا قلب، وكل ماكان ظهارة لغيره ~~كان غيره له بطانة، وفي نسخة قديمة مصححة ( فلما أن جرى عسن عليها * كما ~~بطنت بالفدن السياعا ) و<<العسن>> ب(الضم) : الشحم. قال الزمخشري: [ إن ~~قوله تعالى ] { ويوم يعرض الذين كفروا على النار (¬2) PageV01P309 # } من القلب. وقال أبو حيان : لا ينبغي حمل القرآن على القلب ، إذ الصحيح ~~أنه ضرورة ، وإذا كان المعنى صحيحا دونه فما الحامل عليه . وليس في قولهم: ~~<< عرضت الناقة على الحوض >> ما يدل على القلب؛ لأن عرض الناقة على الحوض، ~~وعرض الحوض على الناقة صحيحان. قال الدماميني: هذا كلام أبي حيان. وقال ~~تلميذه الشيخ بهاء الدين السبكي ( لم ينفرد الزمخشري بجعل عرضت الناقة على ~~الحوض مقلوبا بل ذكره الجوهري وغيره، وحكمته أن المعروض ليس اختيارا، ~~والاختيار إنما هو للمعروض عليه، فإنه قد يقبل وقد يرد، فعرض الحوض على ~~الناقة لا قلب فيه، لأنها قد تقبله وقد ترده، وعرضها عليه مقلوب لفظا، وعرض ~~الكفار على النار [ كما قال ابن عباس رضي الله عنهما ] ليس بمقلوب لفظا ~~للمعنى الذي أشرنا إليه؛ وهو أن الكفار مقهورون فكأنهم لا اختيار لهم، ~~والنار متصرفة فيهم، ms194 وهم كالمتاع الذي يتصرف فيه من يعرض عليه، كما قالوا: ~~" عرضت الجارية على البيع " و" عرضت القاتل على السيف " و"الجاني على السوط ~~“، <<فالنار>> لما كانت هي المتصرفة في <<العود>>؛ قيل: " عرضت العود على ~~النار " وهذا الذي قلنا غير ما قاله شيخنا أبو حيان، وغير ما قاله ~~الزمخشري، وحاصله أن الذي في الآية قلب معنوي ولا شذوذ فيه، والذي في ~~<<عرضت الناقة>> قلب لفظي وهو شاذ، والحق ما قلناه.إن شاء الله تعالى.) " ~~إلى هنا كلامه". # وقراءة الجمهور حقيق على أن لا أقول بترك (ياء )المتكلم، وإدخال (على) ~~الجارة على قوله: أن لا أقول قلب لقراءة نافع فإن قولك: " رسول واجب علي ~~عدم قولي شيئا " إلا نحو قلب لقولك: " رسول واجب عليه أن لا يقول إلا الحق ~~" إلا أن ضمن حقيق معنى حريص فلا قلب. ومنه قول عروة بن الورد: [ من الوافر ] # فديت بنفسه نفسي ومالي ... وما ألوك إلا ما أطيق PageV01P310 ... أصله: ~~فديت نفسه بنفسي ومالي، يقال: ألوت الشيء التزمته وضمن معنى الإعطاء أي: ~~أعطيك إلا ما أطيقه. وقول الشاعر: [ من المتقارب ] # فإن أنت لاقيت من نجدة ... فلا يتهيبك أن تقدما # ... ف<<الإقدام>> فاعل <<يتهيب>>، والأصل أنه مفعول، أي: فلا تهب الإقدام ~~كذا قيل، وقيل: لا قلب فيه، إذ المعنى لا يخوفنك الإقدام. وفيه نظر، لأنه ~~يحتاج إلى ثبوت <<التهيب>>بمعنى التخوف والنجدة والشدة أوالقتال أوالهول ~~والفزع. وقول ابن مقبل (¬1) [ من البسيط ] # ولا تهيبني الموماة أركبها ... إذا تجاوبت الأصداء بالسحر # ... الأصل لا أتهيب الموماة أي: المفازة، و<<الأصداء>> جمع صدى وهو ذكر ~~البوم أو كطائر صفير يصيح ليلا ويقفز.والله أعلم. # باب عدم ذكر المسند # يترك ذكره لما مر في المسند إليه كقول ضابي بن الحارث البرجمي (¬2) - ~~بياء ساكنة حذفت للساكن بعد الموحدة وفيه بالهمزة من ضبأ بمعنى اختبأ - [ ~~من الطويل ] # من يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب PageV01P311 # واسم <<أمسى>> ضمير <<من>>، و<<بالمدينة>> خبر للمبتدأ بعده وهو<< ~~رحله>>، والجملة خبر <<أمسى>>، وأن يكون <<رحله>> فاعل <<أمسى>> بتجوز في ~~إسناد الإمساء إلى <<الرحل>>، أو في ms195 جعل <<أمسى>> بمعنى صار وبالمدينة ~~متعلق ب<<أمسى>> أو حال من <<رحله>> وجملة <<أمسى>> وما معها على الأوجه ~~خبر <<يك>>، و<<الرحل>>: المأوى والمنزل فيما قيل، وجملة إني لغريب ~~تعليل:ساد مسد جواب <<من>>، أي: ومن يك أمسى بالمدينة رحله حسن حاله مع ~~رداءة حالي، لأني بها غريب. ويجوز أن يريد ب<<الرحل>>: ما يرحل به على ~~البعير كناية بإمسائه فيها عن بلوغ قراره ومنزله، ويجوز أن يريد ما يرحل به ~~على البعير ولا كناية، بل على معنى: ومن يك أمسى بالمدينة رحله للاستراحة ~~أو الحاجة، فإني مثله لأني بها غريب. و<<قيار>>: اسم فرس ويقال: غلام، ~~و<<غريب>> خبر <<إن>> لاقترانه ب<<لام التأكيد>>. وأما خبر <<قيار>> فهو ~~مقدر، وجملتهما في نية التأخير، أي: فإني لغريب بها أي فيها، وقيار غريب ~~فيها، أو وقيار كذلك حذف لضيق المقام بالوزن وبسبب التوجع. PageV01P312 # فإن البيت إخبار لفظا وإنشاء تحسر وتوجع للغربة معنى، ولقصد الاختصار ~~والاجتراز عن الغيث بناء على الظاهر، ولتخييل العدول إلى أقوى الدليلين: ~~العقل واللفظ، وهو العقل -على ما مر من البحث - و<<بها>> متعلق بغريب بعده، ~~لأنه يجوز تقديم معمول الخبر الظرفي على (لام التأكيد) في خبر <<إن>> كقوله ~~تعالى { إن ربهم بهم يومئذ لخبير } (¬1) أي: لخبير بهم يومئذ - أو<< قيار>> ~~المحذوف فيقدر مثله لقوله <<لغريب >>، ويضعف أن يقال: (اللام) للابتداء ~~داخلة على مبتدإ محذوف، فحينئذ يجوز كون جملة <<لهو غريب>> خبرا ل<<قيار>> ~~فيقدر لإن خبر، أي: إني غريب، ولا يقال: يجوز أن يكون <<قيار>> معطوف على ~~محل اسم <<إن>>؛ إذ محله رفع على الابتداء و<<غريب>> خبر عنهما ولو كان ~~مفردا لأنه بوزن المصدر. أو لأن <<قيار>> كجزء المتكلم، لأنا نقول: لا نسلم ~~أن محل اسم <<إن>> رفع ولو كان أصله مبتدأ مرفوعا، ولأنه يلزم توجه عاملين ~~على معمول واحد الابتداء، وإن نعم يجوز ذلك عند الكوفيين لأن خبر <<إن>> ~~عندهم مرفوع بما رفع به قبل دخوله <<إن>>، وهم مجيزون العطف على محل ولو ~~كان محلا لا يظهر في الفصيح، ويقولون اسم <<إ ن>> في محل ms196 رفع. وأما إذا ~~قدرنا الجملة وأخرناها عن قوله ل<<غريب>> - كما مر - فعندي عطفت جملة مجردة ~~عن إن على <<إن>> واسمها وخبرها، ولا يجوز غير ذلك عندي ثم رأيته أيضا لغيري. PageV01P313 والموجود في الأثر: أن الجملة بعد خبر ~~<<إن>> معطوفة على محل اسم <<إن>> عند بعض، وعلى محل <<إن>> واسمها عند ~~بعض، على أنهما بمنزلة المبتدإ، ولو قلدنا القولين لم يصح التقليد إلا ~~بتأويل أن تقول: المراد بعطف الجملة في ذلك اعتبار العطف فيها، وأن المعطوف ~~كذلك هو المبتدأ، وأما خبره فيعطف على خبر <<إن>>، قال الصبان: لكن يلزم ~~على القول الأول العطف على معمولي عاملين مختلفين، لأن <<قيارا>> معطوف على ~~محل اسم <<إن>>، والعامل فيه الابتداء وخبره معطوف على خبر <<إن>>، والعامل ~~فيه <<إن>>، وهو غير جائز على الصحيح في مثل هذه الصورة. ولا يقال خبر ~~<<إن>> مرفوع بالابتداء؛ فالعامل واحد لأنا نقول: هذا بناء على مرجوح، ~~والصحيح أن خبر المبتدإ مرفو ع بالمبتدأ لا بالابتداء، ولا يجوز أن يكون ~~البيت من الحذف بأن يقول بها خبر <<قيار>> أي: ثابت بها، ومن الباب قول ~~الشاعر من بحر المنسرح: # نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف # ... أي: نحن بما عندنا راضون، دل عليه <<راض>> فحذف من الأول لدلالة ~~الثاني عكس البيت الأول- لما علمت أن <<قيار>> في نية التأخير وعلى كل حال ~~حذف خبر المبتدإ الأول هنا وخبر الثاني هناك- ولا يجوز الإخبار ب<<راض>> عن ~~<<نحن>> ويقدر مثله <<لأنت>> لأن <<نحن>> يعامل معاملة الجمع و<<راض>> ~~مفرد، ولو اعتبر هنا للواحد المعظم نفسه. إذ لا يحفظ <<نحن قائم>> إن أريد ~~واحد ولا <<نحن قائمان >>إن أريد اثنان، بل قائمون في الإفراد والتثنية ~~والجمع، اللهم إلا أن يقاس <<نحن>> على <<نا>> والإفراد على التثنية في ~~المطابقة، فإنه قد جاء مثل قولك: <<إنا قائمان>> كقوله تعالى { إنا رسولا ~~ربك } (¬1) ، PageV01P314 فيقال في ~~إرادة الواحد <<نحن قائم>> فكذا في الاثنين <<نحن قائمان>> أو يؤخذ بظاهر ~~قوله تعالى { إنا رسول } (¬1) على أن يريد موسى نفسه ، وتأولته في ms197 (هميان ~~الزاد إلى دار المعاد) (¬2) . PageV01P315 # ومن الباب قولك: " زيد قائم وعمرو " أي عمرو قائم، فحذف للاحتراز عن ~~العبث من غير ضيق المقام وهو من عطف جملة على جملة، ولا دليل على أنه من ~~العطف على معمولي عاملين مختلفين بأن يعطف <<عمرو>> على<< زيد >>، و<<قائم ~~المحذوف>> على <<قائم المذكور>>، وعامل المبتدأ الابتداء، وعامل الخبر ~~المبتدأ، وأجازه السعد في ( شرح المفتاح ) (¬1) بناء على ذلك العطف مطلقا ~~ولو في غير قولك : " زيد في الدار والحجرة عمرو " أو على أن العامل واحد ~~وهو الابتداء على القول بأنه رافع المبتدأ والخبر جميعا . PageV01P316 و " من الباب خرجت فإذا زيد موجود ~~أو حاضر أو واقف أو بالباب " أو نحو ذلك، فحذف لما مر في المثال الذي قبله ~~مع اتباع الاستعمال لأن <<إذا الفجائية>> تدل على مطلق الوجود، وقد تنضم ~~إليها قرائن تدل على نوع خصوصية كلفظ الخروج المشعر بأن المراد ( فإذا زيد ~~بالباب أو حاضر أو واقف أو نحو ذلك ) وأيضا حذف لاتباع الاستعمال، وقال ~~المبرد والسيرافي: <<إذا الفجائية>> ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر، أي: " ففي ~~الحضرة زيد "، " ففي مكان الحضور زيد "، وعليه فإذا ذكر الخبر تعلقت به، ~~نحو " فإذا زيد قائم " سواء أريد أنه قام في الحضرة أو حصل له فيها الحكم ~~بالقيام، وإن ذكر ما يكون كالمرادف لها كان بدلا كليا منها، نحو: " فإذا ~~زيد بالباب " ف<<بالباب>> بدل من<< إذا >>، و<<إذا>> خبر، لكن يلزم عليه ~~الفصل بين البدل والمبدل منه بالمبتدأ، أو <<إذا >> خبر أول وب<<الباب>> ~~خبر ثان، أو بالباب حال من ضمير الاستقرار، وعلى أن <<إذا>> ظرف مخبر به ~~يعد من الإخبار الواجبات التقديم، ويبحث بأنه لا يمكن ذلك في: " فإذا إن ~~زيدا بالباب " أو "قائم " (بكسر إن) لأنه لا يعمل ما بعدها في ما قبلها، ~~ولا يقال: التقدير ففي الحضرة أمر فيكون " إن زيدا بالباب " تفسيرا له لأن ~~هذا تكلف، وقال الزجاج: ظرف زمان، فإذا قيل " فإذا زيد " قدر اسم المعنى ~~لئلا يخبر بالزمان عن الجيئة،أي: ففي الزمان الحاضر حصول زيد، والبحث في ms198 ~~جعلها زمانا مثله في جعلها مكانا وال<<فاء >> قبل <<إذا الفجائية>> ~~للسببية، فمعنى قولك: <<خرجت فإذا زيد>> مفاجأة زيد لازمة للخروج، وفيه نظر ~~لأن الخروج اتفق بالمفاجأة ولم يتسبب لها، وقيل للعطف حملا على المعنى ~~فتكون <<إذا>> مفعولا، أي: <<خرجت ففاجأت وجود زيد بالباب >>على حرفية إذا ~~الفجائية أو <<ففاجأت وقت وجود زيد>> على أنها ظرف مضاف للجملة بعدها. PageV01P317 # وقال المازني زائدة، ولا يرد عليه عدم جواز حذفها، لأن جواز الحذف ليس من ~~لوازم الزائد. # ... ومن الباب قول الشاعر [ الأعشى ]: من المنسرح # إن محلا وإن مرتحلا ... وإن في السفر إذ مضوا مهلا (¬1) PageV01P318 ف<<محلا>> و<<مرتحلا>> مصدران ميميان، أي: حلولا ~~وارتحالا، أي: إن لنا مرتحلا فحذف الخبر، أي: لنا حلولا في الدنيا، وإن لنا ~~ارتحالا منها على الآخرة، وإن في السفر، أي: الموتى، أي: في زمان غيبتهم. ~~وهو اسم جمع <<لسافر>>، و<<إذ >> ظرف بدل اشتمال أوكل من قوله <<في ~~السفر>>، أو اسم غير ظرف بدل اشتمال من السفر. و<<المهل>>: البعد والطول، ~~فإننا لاحقون بهم، لكن بتراخ كل أحد بعمره، وقد يقرب. وأما هم فلا رجوع لهم ~~إلى الدنيا فالحذف في البيت للاختصار وضيق النظم والعدول إلى الدليل الأقوى ~~وهو العقل، ولاتباع الاستعمال الوارد في حذف خبر إن إذا تكررت وتعدد اسمها، ~~كقولك: "إن مالا " و" إن ولدا " و" إن زيدا " و" إن عمرا ". # وقد وضع سيبويه لهذا بابا فقال: ( هذا باب إن مالا وإن ولدا ) أي: إن لنا ~~مالا وإن لنا ولدا، ومن الباب قوله تعالى { قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ~~ربي } (¬1) ، أي: تملكون بطريق التوكيد اللفظي لا على الجمع بين المفسر ~~والمفسر ، فحذف << تملك>> الأول وفسره الثاني ، وانفصل الضمير لحذف عامله؛ ~~والحذف للاحتراز عن العبث ، وبهد الحذف كان الثاني عوضا عن المحذوف فلا ~~يجمعان ، فلو ذكر # المحذوف مع مفسره لكان عبثا وزالت فائدة الإبهام في التعبير، ويحتمل قوله ~~تعالى { فصبر جميل } (¬2) PageV01P319 أن يكون من حذف المسند إليه، وأن يكون من حذف ~~المسند، أي: فأمري الذي ينبغي أن اتصف به صبر جميل، ms199 وفصبري صبر جميل،: أن ~~الحذف من الأخير أولى ؛ لأن الأول أخذ مكانه فيقدر المحذوف عند الحاجة إليه ~~، فإذا تقرر الأول ثم جيء بما بعده طلب ما يناسب الأول ، فيقدر حين احتيج ~~إليه إلا لدليل يرجح التقدير أولا أو يعينه .وفي إيراد الكلام محتملا ~~لنوعين من الحذف أو أنواع إما هذا أو إما هذا تكثير لفائدة بإمكان حمل ~~الكلام على كل من النوعين أو الأنواع، بخلاف ما لو ذكر فإنه حين الذكر يكون ~~نصا في أحدهما أو إحداهن، ويجوز في تقدير المسند أن يكون هكذا " فصبر جميل ~~لي" لأن لفظ صبر مصدر وأصله (النصب )، أي <<اصبر صبرا جميلا>> عدل (للرفع) ~~ليدل على الثبات، والشائع في مثل هذا الإخبار بمعمول الفعل كما في ( الحمد ~~لله ) ويدل له قراءة << فصبرا جميلا >> (بالنصب). ويجوز أن يكون من حذف ~~المسند إليه والمسند جميعا أي << فلي صبر وهو جميل>>وفيه تكلف لتبادر كون ~~جميل نعتا، ولا دليل على أنه خبر لمحذوف، وإن قلت: الحذف لا ندل له من دليل ~~يدل على عين المحذوف، فإن دل على المسند لم يدل على المسند إليه، وبالعكس ~~فيكيف يحتمل الآية أن تكون مما حذف فيه المسند، وأن تكون مما حذف فيه ~~المسند إليه، قلت: الدليل لا يجب أن يكون دالا على معين، بل يكفي أن يدل ~~على محذوف صالح، لأن يكون كذا ولأن يكون كذا، كما تقرر أن القرينة إما ~~مانعة وإما معينة وهذا أولى مما أجاب به ابن قاسم: من أنه يجوز أن يكون ~~هناك قرينتان، إحداهما: تدل على حذف المسند إليه لمناسبة بينهما وبينه، ~~والآخر: على حذف المسند كذلك. PageV01P320 # غاية الأمر أن إحداهما كاذبة ولا يضر ذلك، إذ القرينة أمر ظني، والظني ~~يجوز تخلف مدلوله عنه- إلى هنا كلامه - وأولى مما أجاب به يس من أنه لا ~~مانع من أن يقصد المتكلم تجويز حذف كل من المسند إليه والمسند، ويجعل لكل ~~قرينة صادقة، وأن يشهد لذلك في الفضلة ما تقرر في قوله تعالى { فذلكن الذي ~~لمتنني } (¬1) من أن يحتمل <<لمتنني ms200 >>في مراودته بدليل تراود فتاها أو في ~~حبه بدليل قد شغفها حبا، فكذب إحدى القرينتين غير لازم .وإن قلت: كيف جاز ~~فصبر جميل أجمل مع كونه على تقدير أجمل من صبر غير جميل، أو من الجزع ولا ~~جمال في الجزع وفي صبر غير جميل ؟ قلت: في غير الجميل أو في الجزع جمال ~~بالنسبة إلى النفس؛ لأن في الجزع والصبر غير الجميل جمالا دنيويا غير ديني، ~~وهو استراحة النفس إلى ما تخرج به عن الصبر الجميل، أو يقدر فرض جمال أي ~~أجمل من غيره لو كان في غيره جمال، كقولك: " عمرو أفضل من الحمار " ، ~~والصبر الجميل الذي لا شكاية معه إلى الخلق ، والهجر الجميل الذي لا إداية ~~معه ، والصفح الجميل الذي لا عتاب معه . وقد أطلت تفسير الصبر والجزع في ~~كتاب شرح التبيين من النيل (¬2) . PageV01P321 وقد يترجح في الآية ~~تقدير المسند إليه لأنه أكثر، فالحمل عليه أولى، ولأن الكلام سيق للمدح ~~بحصول الصبر له، والإخبار بأن الصبر الجميل أجمل لا يدل على حصوله له، ~~ولأنه في الأصل مصدر منصوب - كما مر - وحمله على حذف المبتدإ أوفق لقراءة ~~(النصب) التي يعهد في مثلها العدول إلى الرفع على الابتداء - كما مر-ولأن ~~الأصل في المبتدإ التعريف وهو حاصل إذا حملت الآية على حذف المبتدإ لا إذا ~~حملت على حذف الخبر ولتكلف الجواب في قولك: " صبر جميل أجمل " بأن المراد: ~~أجمل من الجزع مثلا باعتبار أن فيه جمالا بحسب النفس، أو بفرض أن فيه ~~جمالا، قيل: ولأن قيام الصبر به قرينة حالية على حذف المبتدإ وليس لك دليل ~~على حذف خصوص لفظ الخبر الذي هو أجمل. وبحث فيه السعد (¬1) بأن وجود الدليل ~~شرط الحذف فحينئذ لا يجوز الحذف أصلا، والدليل هنا إذا أصاب الإنسان مكروه ~~فكثيرا ما يقول: << الصبر خير >>حتى صار هذا المقام مما يفهم منه هذا ~~المعنى بسهولة .والله أعلم. # باب اشتراط القرينة للحذف # ... ... لابد لحذف المسند إليه أو المسند من قرينة، وأما الفضلة فتحذف ~~ولو بدليل، ولكن إذا صلح الكلام بلا تكلف ms201 لأن يكون بلا حذف فلا تقبل دعوى ~~الحذف إلا لدليل، ومن الدلائل وقوع الكلام جوابا لسؤال محقق أو مقدر ~~بالمحقق كقوله تعالى { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله } (¬2) PageV01P322 وإنما قلنا: هذا ~~سؤال محقق مع الإتيان بأداة التردد وهي (إن الشرطية)؛ لأن ذكر جملة السؤال ~~قد جرى في الآية تحقيقا، إذ لا شك في ذكرها وهي قوله: <<من خلق السموات >> ~~فالجواب جاء على مقتضى ذكرها - هذا ما ظهر لي - أو لأن السؤال محقق عند ~~تحقق ما فرض من الشرط والجزاء، أعني وقوع ذلك بالفعل بأن يقول لهم: << من ~~خلق السموات والأرض؟ >> ويقولون: << الله >> . ثم رأيت - والحمد لله - ما ~~أجبت به أولا قد ذكره الصبان ثانيا، ثم رد الثاني بأن مثله يلزم في السؤال ~~المقدر، فيقال فيه عند تحقق ما قدر من السؤال: يكون هذا الكلام جوابا عنه، ~~فلا يظهر فرق بين المحقق والمقدر بذلك والمناسب، كما قال ابن هشام أن يقدر ~~المحذوف في موضع بحسب ماذكر في مثل؛ ففي الآية يكون لفظ الجلالة فاعلا ~~لمحذوف، أي " ليقولن خلقهن الله " لقوله تعالى { ولئن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم } (¬1) ، وقوله تعالى { قال من ~~يحي العظام وهي رميم ( قل يحييها الذي أنشأها أول مرة } (¬2) PageV01P323 فجعلنا المحذوف في الآية هو المسند الذي فعل رافع المسند إليه ~~الذي هو فاعل ؛ لأن المسند في الآيتين ذكر وهو فعل رافع للمسند إليه الذي ~~هو فاعل ، ومع ذلك فأتت المطابقة في كون الجملة اسمية أو فعلية بين الجواب ~~والسؤال ، والمطابقة مطلوبة ، ولو قلنا: لفظ الجلالة مبتدأ خبره محذوف، أي: ~~الله خلقهن لطابق الجواب السؤال في كون جملة اسمية ، ولكن رجحت الفعلية . ~~قال السيد: لأن جملة السؤال في منزلة الفعلية، لأن قولك: "من قام؟ " بمنزلة ~~قولك: "أقام زيد أم عمرو أم بكر" وهكذا، وإنما جيء << بمن >> اختصارا في ~~ذكر الذوات المسند إليها على الترديد بنحو <<أم>> مع إفادته الاستفهام، ~~فإيراد الجواب فعلية تنبه على المطابقة المعنوية. # ... ... وبحث حفيد السعد فيه بأن خلق السموات والأرض ms202 محقق، وإنما المسؤول ~~عنه الخالق، من هو؟ فالمناسب اسمية السؤال لفظا وتحقيقا، وإنما يقرن ~~بالهمزة الاستفهامية ما عنه السؤال، قلت: إنما يتحقق هذا البحث في ~~الاستفهام بلا عطف( بأم)، أو بأن لا يكون عطف، أو يكون بغيرها، وفرض ~~المسألة العطف بأحدهما، فإنك أيضا تقول: " أقام زيد أم عمرو" والسؤال عن ~~ذات القائم مع تحقق نفس القيام. والآية بمنزلة << أخلق السموات والأرض ~~اللات أم العزى أم مناه أم كذا أم كذا >> فكلام السيد حق. وأما عصام الدين ~~فعلل عدم المطابقة بأنها إيهام قصد التقوية وهو لا يليق بالمقام لأن ~~التقوية شأن ما يشك فيه أو ينكر، واعتبار ذلك هنا غير مناسب للمقام. وجاء ~~الجواب جملة اسمية مطابقا للسؤال في قوله تعالى { قل من ينجيكم من ظلمات ~~البر والبحر } إلى قوله تعالى { قل الله ينجيكم منها } (¬1) ، PageV01P324 فقال بعض: ليفيد تقديم المسند إليه التخصيص ، وهذا ~~إنما يصح على قول الزمخشري أن تقديم المسند إليه مع الإخبار عنه بالجملة ~~الفعلية يفيد الحصر، نحو: " زيد قام " ، والسكاكي لا يقول بذلك . وعلى كل ~~حال فتقدير الفعل قبل لفظ الجلالة في قوله تعالى { ليقولن الله } (¬1) ~~أولى، لأنه الموافق لذكره في قوله { ليقولن خلقهن العزيز العليم } (¬2) ~~وعبارة بعض أن تقدير الفعل أولى لأن الأكثر ذكره، ولأن الفاعل أقوى العمد، ~~فالحمل عليه أولى وذلك لأن الفاعل أصل العمد على الصحيح، فللخلاف في أصل ~~العمد فائدة خلافا لأبي حيان، ورجح تقدير الفعل قبل المرفوع، فكون الجملة ~~فعلية لتقليل الحذف، وتقليله ينبغي كما قال ابن هشام ما أمكن. PageV01P325 ولا يقال إن الزيادة لفائدة التقوية ومطابقة ~~السؤال؛ فإنك إذا قدرت الفعل مؤخرا كان فيه حذف الفعل وفيه ضمير أيضا، ولكن ~~فيه تقوية الإسناد والمطابقة، لأن قولك: " زيد قام " أقوى من " قام زيد " ~~لأنا نقول ليس المقام للتقوية والمطابقة. ومثال الوقوع في جواب سؤال مقدر ~~قول ضرار بن نهشل يرثي أخاه يزيد بن نهشل: [ من الطويل ] # ليبك يزيد ضارع في خصومة ... ومختبط مما تطيح الطوائح (¬1) PageV01P326 ... ... و<<يبك>> مجزوم ب(لام الأمر) مبني للمفعول، ~~و<<يزيد>> نائب ms203 الفاعل، وهو من بكى الثلاثي لأنه يتعدى، ويلزم يقال بكيته ~~وبكيت عليه، فلا حاجة إلى أن يقال من باب الحذف والإيصال. وإن الأصل " بكيت ~~على يزيد " ولكن لا يخفى أنه إذا تعدى على مفعول؛ فليس بمفعول به صريح بل ~~مقيد. والأظهر أنه يقال بكاه يبكيه بالثلاثي في المراثي، فلعله ضمن معنى ~~ذكرت اسمه في بكائي فيكون مفعول له صريحا، وبعض أطلق أنه يتعدى مطلقا ~~ويلزم. و<<ضارع>> فاعل محذوف أي<<يبكيه ضارع >> كأنه قال: " ليبك يزيد "، ~~قيل له: من يبكيه ؟ فقال: " يبكيه ضارع "، وهذا أوفق للسؤال. أو يقدر ~~<<ليبكه ضارع>> ب(لام الأمر والجزم) وهو أوفق لقوله <<ليبك يزيد >>وذلك من ~~حذف المسند. ويجوز أن يقال: <<ضارع>> خبر لمحذوف، أي المأمور بالبكاء ضارع، ~~كأنه لما قال: " ليبك يزيد " قيل له: " من المأمور بالبكاء " فيجيب بذلك، ~~فيكون من حذف المسند إليه. ويجوز أن يكون <<يزيد>> منادى بحرف محذوف، ~~و<<ضارع>> نائب فاعل <<ليبك >>، أي: " ليبك يا يزيد ضارع لمصيبته فيك " أي: ~~" ليبك على ضارع لزوال نعمتك منه بموتك"، و<<الضارع >>:الدليل . و<<لخصومة ~~>> تعليل أو توقيت؛ أي: <<عند خصومة>> متعلق ب<<ضارع>>، وتعليقه <<بيبكي>> ~~المقدر ليس قويا من جهة المعنى؛ لأن البكاء حينئذ يكون للخصومة دون يزيد. ~~والبيت مسوق لبيان أن يبكيه ضارع لخصومة، إذ كان ملجأ للإذلال وعونا ~~للضعفاء. و<<المختبط>> من يأتي للمعروف بدون شفيع ودون نعمة تقدمت منه يطلب ~~المكافأة عليها، وقيل: الذي يخفي سؤاله عن الناس، إذ كان ذا مال وابتلي ~~بالسؤال لأجل إهلاك المهلكات ماله. و<<تطيح>> بضم (التاء) من الإطاحة ~~والإذهاب والإهلاك، و<<الطوائح>> جمع مطيحة على غير قياس، و<<الطوائح>> ~~قياس طائحة أي: ذاهبة وهالكة، وكأنه جمع على حذف الزوائد، ولا يقال في جمع ~~مطيحة مطيحات PageV01P327 مع أنه القياس وذلك <<كلواقح >>في جمع ملقحة، ~~يقال: رياح لواقح للسحب لا ملقحات- وبما متعلق ب<< مختبط >> وما مصدرية أي: ~~وسائل من أجل إذهاب الوقائع ماله، ويجوز تعليقه <<بيبكي>> المقدر لكنه ~~ضعيف، لأنه لما بين سبب الضراعة ناسب أن يبين سبب الضراعة ناسب أن يبين سبب ~~الاختباط، أي: يبكي ms204 لأجل إذهاب الموت <<يزيد>>. PageV01P328 # ... ... وفي قوله " ليبك يزيد " بأن ذكر إنك ضارع بالبناء للمفعول، ورفع ~~<<يزيد>> به، و<<ضارع>> بفعل محذوف مبني للفاعل تكرر الإسناد، إذ جاء ~~الإسناد إجمالا ثم تفصيلا، أما الإجمال ففي قوله: << ليبك >>، فإنه لم يعين ~~فيه الباكي؛ كما نقول: " ضرب زيد " بالبناء للمفعول، فإن الفعل إذا بني ~~للمفعول لم يذكر فاعله، ولا بد له من فاعل على حذف، وأقيم المفعول مقامه. ~~وأما التفصيل أي: التعيين، ففي <<ضارع>> أي << يبكيه ضارع >> ولا شك أن ~~المتكرر أوكد وأقوى. وأن الإجمال والتفصيل أوكد في النفس، وفي ذلك وقوع ~~<<يزيد>> عمدة لا فضلة، و<<يزيد>> هو المقصود بالذات؛ لأن المرثية في بيان ~~أحواله، فالمناسب كون اسمه عمدة، وفي ذلك أيضا حصول نعمة غير مترقبة، وهي ~~معرفة الفاعل وهو <<ضارع>>، وغير المترقبة: غير مشوبة بألم الانتظار وتعب ~~الطلب، فهي لذة محضة فتكون ألذ، وذلك أن قوله <<ليبك يزيد >>غير مطمع في ~~تعيين الباكي، لأن المعتاد في البناء للمفعول أن يعين الفاعل بعده قريبا أو ~~لا يعين البتة، وإذا بني الفعل للفاعل أشعر ببيان الفاعل، إذ لا بد من ~~الفاعل. وإن قلت: ما ذكرت من حصول نعمة غير مترقبة ينافي في كون ضارع في ~~جواب سؤال مقدر، كما قال عصام الدين في (الأطول)، قلت: كما قال الصبان ~~المراد: غير مترقبة في الجملة الأولى أعني <<ليبك تزيد>> لا مطلقا. وإن ~~قلت: كيف جعلت النعمة الحاصلة بلا تعب أعظم في الالتذاذ مع ما تقرر من أن ~~المنساق بعد الطلب أعز من المنساق بلا تعب ؟ قلت: النكت يرجح بعضها على بعض ~~يقصد المتكلم واعتباره وملاحظته ولا مزاحمة، فقد يرجح في كلام ما لم يرجح ~~في الآخر. PageV01P329 # ولا يخفى أن الدية: نيل الشيء بعد طلبه من حيث شفاء النفس من تعب الطلب ~~وألم الانتظار، والدية: النعمة غير المترقبة من حيث عدم سبقها بألم ~~انتظارها، ولو قال: << ليبك يزيد ضارع >> ببناء<< يبك>> للفاعل ورفع <<ضارع ~~>> به على أنه الفاعل، ونصب <<يزيد>> على أنه مفعول لم يحصل ما ذكرناه تكرر ms205 ~~الإسناد والإجمال والتفصيل، وكان<< يزيد >>فضلة مع أنه المراد في الكلام ~~بالذات، ولم تحصل نعمة غير مترقبة - والله أعلم - وحصول ذلك وحصول العمدية ~~أحق في المقام من الذكر الذي هو الأصل. والله أعلم . # باب ذكر المسند # يذكر[ المسند] لكون الذكر الأصل مع عدم المقتضى للعدول عنه ولو وجدت ~~قرينة تدل عليه لو حذف، ولاسيما لو كانت خفية فإنه يترجح الذكر، وإن لم تكن ~~وجب الذكر. وذكر في قوله تعالى { خلقهن العزيز العليم } (¬1) فقيل: لضعف ~~التعويل على القرينة فإن وجود القرينة مصحح للحذف لا موجب له، فإن عول على ~~دلالتها حذف وإن لم يعول احتياطا بناء على أن المخاطب ضد ما يغفل عنها ذكر، ~~ولو اتحد المخاطب والكلام في حالة التعويل وحالة عدم التعويل والمخاطبون ~~المسئولون لما كانوا أغبياء الاعتقاد لكفرهم- جاز أن يتوهموا أن السائل أو ~~من معه ممن يقصد إسماعه يغفل، أو نزلوه منزلة من غفل فأتوا بالجواب تاما ~~لقصدهم التقرير الذي أصله ضعف العويل بزعمهم الفاسد، ولو كان السائل ليس ~~كذلك فذكر عنهم الجواب مختلفا باعتبار ما قد يخطر لهم عند المحاورة، ~~والسؤال ذكر المسند إليه هنا وحذف في قوله تعالى { ليقولن الله } (¬2) PageV01P330 والسؤال فيهما ~~قرينة . # ويذكر المسند أيضا لغباوة السامع، نحو قولك: " محمد نبينا " في جواب من ~~قال: من نبيكم؟ ويذكر المسند ليتعين كونه اسما فيفيد مع المسند إليه ~~الثبوت، أو كونه فعلا فيفيد الحدوث. وإن قلت: هذا داخل في الذكر للاحتياط ~~لضعف التعويل على القرينة لأن قرينة الحذف تعين المحذوف فيتعين كونه اسما ~~أو فعلا، قلت: لا يلزم أن تعين القرينة إن المحذوفة فعل أو اسم، بل يكفي أن ~~تكون القرينة تدل على أن المحذوف من مادة كذا مع احتمال كونه اسما أو فعلا؛ ~~فإذا ذكر تعين، ألا ترى أنه لما لم يذكر في نحو " زيد في الدار " احتمل ~~تقدير ثبت أو ثابت، وإنما يدخل في ذلك ما دلت قرينة على أنه اسم أو فعل، ~~وإذا دلت قرينة على كونه اسما أو فعلا عمل بها، وإن لم ms206 تقم قرينة على ذلك ~~لم يجز الحذف. # ... ومعنى قولنا الجملة الاسمية مثلا تدل على الثبوت حصول المسند للمسند ~~إليه من غير دلالة على تقييده بالزمان، والمراد بالدوام عدم التعرض للحدوث، ~~بل معنى الثبوت هذا أيضا، أو أن الأصل في كل ثابت دوامه، والمراد بالحدوث ~~والتجدد: حصول المسند للمسند إليه واقترانه بالزمان، ومن ذلك اسم التفضيل ~~والصفة الشبهة فإنهما للثبوت.والله أعلم. # باب إفراد المسند PageV01P331 وهو جعله غير جملة، يفرد إذا لم يقصد تقوي ~~الحكم بتكرير الإسناد ولم يقصد كونه سببا، فإن سبب كونه جملة أحد أمرين ~~سببيا، وكونه مفيدا للتقوي، وسبب الإفراد انتفاؤهما جميعا ولم يعدوا من ~~السببي قولك: " زيد قائم أبوه " إذا جعل <<قائم>> خبرا ل<<زيد>> و<<أبوه>> ~~فاعلا ل<<قائم>>. وقياس النحو أنه سببي، وإنما يعد في هذا الفن سببا ما كان ~~من الخبر جملة، وقيل في ذلك: إنه سببي، وأما ضمير الوصف المستتر فلا يكون ~~المسند جملة، نحو: " زيد قائم " فلا يفيد التقوي- كما مر- ولو كان قريبا من ~~ضمير الوصف المستتر في الفعل، نحو: " زيد قام ".والبارز كالمستتر ، نحو : " ~~زيد عمرو مكرمه " هو برد (هاء) مكرمه ل<<عمرو>> ، ورد (هو) ل<<زيد >>، ولا ~~ضمير في <<مكرم>> ، ومع ذلك فلا يخلو مرفوع الوصف المستتر والبارزعن بعض ~~تقو إذا أخبر بذلك الوصف، وأما الجملة المخبر بها عن ضمير الشأن فلا تفيد ~~التقوي لأنها نفس ضمير الشأن في المعنى بمنزلة المفرد، فلم يتكرر الإسناد ~~بها، فلم يتقو الحكم ، ولكونها في معنى الضمير لم تربط به لأن الشيء لا ~~يربط به ، وكذا كل جملة كانت نفس المبتدإ في المعنى، وأما الجملة المراد ~~بها لفظها فهي اسم مفرد ، نحو : " بعض كنوز الجنة لا حول ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم " . PageV01P332 # وتقوي الحكم في الاصطلاح تأكده بتكرر الإسناد مع اتحاد المسند إليه معنى، ~~فإن <<زيد >> و<<ضميره>> في "زيد قام" لذات واحدة. وإن قلت نحو: " أنا سعيت ~~في حاجتك " و" رجل جاءني " و" ما أنا فعلت هذا " لا يفيد التقوي مع أنه من ~~غير المفرد وغير السببي، بل يفيد التخصيص، ms207 قلت: يفيد التخصيص بالذات، ويفيد ~~التقوي بالعرض ضرورة تكرر الإسناد فيه. وتقدم أن نحو: " ما أنا فعلت هذا " ~~للتخصيص والتقوي عند السكاكي (¬1) وإن عبد القاهر (¬2) يرى أن المسند إليه ~~إذا تقدم وولي حرف النفي لا يكون إلا للتخصيص ، وأن نحو : " رجل جاءني " ~~يحتمل التخصيص والتقوي عنده ، وأنه ليس إلا للتخصيص عند السكاكي . وقد قيل: ~~إن الواجب أن لا يحصل التقوي إلا بتكرر الإسناد لا أنه كلما تكرر الإسناد ~~حصل التقوي. والسببي يطلق في النحو على النعت الجاري على غير صاحبه مفردا ~~أو جملة ك"جاء زيد قائم أبواه " وإني قست عليه الحال، نحو: " جاء زيد راكبا ~~أبوه"والخبر، نحو:" زيد قائم أبواه " والصلة نحو: " قام أبوه " فأقول حال ~~سببي، وخبر سببي، وصلة سببية. والنعت الحقيقي خلاف السببي، فكذا اسمي أنا ~~الحال والخبر والصلة حقيقيات إذا كن غير سببيات، وكان السكاكي يسمي المسند ~~إذا كان جملة في مثل ذلك سببيا على طبق ما كنت أقوله بالقياس قبل الاطلاع ~~على كلامه، إلا أنه يسمي خلاف السببي فعليا، " كجاء رجل قام " و" جاء الذي ~~قام " و " زيد قام " و" جاء زيد بفرح" وكذا يسمي المسند الحقيقي مسندا ~~فعليا في ذلك. PageV01P333 واعلم أن المسند إليه ~~السببي أربعة أقسام: جملة اسمية يكون الخبر فيها فعلا نحو: " زيد أبوه ~~انطلق " أو " زيد أبوه رحم " أو وصفا، نحو: " زيد أبوه منطلق " أو مرحوم " ~~أواسما جامدا، نحو: " زيد أخوه عمرو " أو جملة فعلية مرفوع الفعل فيها ~~ظاهر، نحو: " زيد انطلق أبوه " أو " رحم أبوه " هذا ما يفيده كلام السكاكي ~~بزيادة تصحيح مني. وأما نحو: " زيد مررت به " و" زيد ضربت عمرا في داره " ~~و" زيد ضربته " فغير داخل في المسند السببي، كما أنه غير داخل في الفعلي ~~عنده، ولكن بالتحقيق يدخل في السببي، ثم رأيت السعد (¬1) عده سببيا زيادة ~~على السكاكي واستظهارا به عليه .والله أعلم. # باب كون المسند فعلا أو اسم فعل PageV01P334 لتقييد حدثه قيل أو النسبة ~~بالزمان الماضي أو الحاضر أو الآتي على أخصر وجه مع إفادة التجدد ms208 على أخصر ~~وجه أيضا، ومثل الفعل اسم الفعل ك<<رويد>> و<<هيهات >> و<<وي>> و<<صه>> ~~و<<نزال>>، لكن الفعل يزاد الزمان بهيئته بلا قرينة دلالة تضمن، واسم لفعل ~~يدل عليه بواسطة دلالته على لفظ الفعل، وتقدم الكلام على دلالة الصفة على ~~الزمان. وإن قيل: تدل عليه التزاما وعلى الحدث الحاضر حقيقة دلالة تضمن، ~~ويدل صريحا عليه بقرينة ك<<قائم الآن أو أمس أو غدا >>. وأما اسم الزمان ~~فيدل على الزمان بجوهره إذ وضع اسما للزمان ك<< يوم >>، وأما اسم الزمان ~~الميمي فيدل عندي بهيئته على الزمان ك<<مضرب>> أي: زمان الضرب على الحدث ~~بجوهره، والتجدد لازم للزمان؛ لأن الزمان مقدار غير ثابت بل زائل، فإنه عرض ~~لا تجتمع أجزاؤه في الوجود، والتجدد اللازم للزمان هو التقضي شيئا فشيئا، ~~والتجدد الذي هو من مدلول الفعل هو حصول الشيء بعد إن لم يكن، وأما التجدد ~~بمعنى وقوع الشيء مرة بعد أخرى فليس من وضع الفعل بل يختص بالمضارع بواسطة ~~المقام، نحو: " الحيوان يأكل ويشرب " و" المؤمن يصلي ويصوم " فإن المراد: ~~أنه يأكل مرة بعد أخرى وهكذا، وإنما قيدت التجدد، والتقييد بأخصر وجه لأن ~~التجدد والتقييد يمكنان بالاسم بقرينة، فدلالة الفعل عليهما بلا قرينة ~~اختصار. وإن قلت: المضارع إذا قلنا: وضع للحال والاستقبال يحتاج لقرينة ~~تعين أحدهما ولو دل على أحدهما إجمالا بالوضع.قلت: تكفي دلالة الإجمال ~~ويتدرج بعدها للتعيين، والتدرج فائدة لمزيد التقرر. وإن قلت: قد تكون قرينة ~~الزمان في الاسم عقلية فهي أيضا على أخصر وجه. قلت: ليست في الاختصار ~~كدلالة الوضع لأن الفعل أشد استعمالا معها بخلاف دلالة الوضع، فإن اللفظ ~~كاف فيها بمجرد حضور العقل وتلفه. PageV01P335 # وعرفوا الزمان الماضي بأنه الزمان الذي قبل زمانك الذي أنت فيه، ~~والمستقبل بأنه الزمان الذي يترقب وجوده بعد الزمان الحاضر، والحال بأنه ~~أجزاء من أواخر الماضي وأوائل المستقبل متعاقبة متصلة. وإن قلت: كيف قلت ~~قبل زمانك ؟ مع أن هذه العبارة تفيد أن يكون الزمان ظرفا لزمان آخر، لأن ~~<<قبل>> هو زمان، وقد جعلت فيه زمانا إذ قلت: <<الزمان الذي قبل ms209 زمانك>>، ~~فلزم أن يكون للزمان زمان آخر، وإن جعلت <<قبل>> عينا للزمان الذي قلت إنه ~~قبله لزم ظرفية الشيء لنفسه. قلت: ضمن لفظ قبل معنى سابق، كأنه قيل: الزمان ~~الذي هو سابق زمانك، وأيضا لنا جواب ثان هو أنه لا مانع من ظرفية الكل ~~للبعض؛ تقول: " شهر في سنة " أو " يوم في أسبوع " فإن الزمان السابق على ~~الزمان الحاضر إذا اعتبرت بعضه، ولا بد في العبارات من اعتباره وجدته بعضا ~~مغمورا في كل؛ فإذا قلت: " قام زيد " فقد اعتبرت بعضا من الزمان السابق، ~~ولست تريد جميع الزمان الماضي، (الزمان الذي خلقه الله ) أو لا للأزمنة وما ~~اتصل بحالك وما بينهما، بل بعضا من عمر زيد. نعم لو أردت جميع ما خلق من ~~الأزمان من أولها إلى وقتك، لم يصح الجواب الثاني بل الأول، وليس بمراد هنا ~~ذلك الجميع. PageV01P336 # ولنا جواب ثالث: هو أن القبلية في أجزاء الزمان ذاتية لا زمانية فظرفية ~~قبل فيها باعتبار زمان آخر فيها، مع أن السؤال تدقيق فلسفي لا ينظر إليه ~~أهل اللغة والعرف، وبعدم نظرهم إليه ينحل الإشكال الوارد على قولنا ~~<<يترقب>>، ووجه الإشكال أن <<يترقب>> يدل على زمان مستقبل، فإن كان عين ~~الزمان المعرف وهو المستقبل لزم تعريف الشيء بنفسه، وإن كان غيره لزم أن ~~يكون للزمان زمان آخر، وأن كون <<الترقب>> في الاستقبال يقتضي عدم حصول ~~الزمان المستقبل بعيد زمانك الذي أنت فيه، وكونه بعد هذا الزمان يقتضي ~~حصوله بعده فيلزم اجتماع النقيضين على تقدير تغايرهما، وإن حملت يترقب على ~~الحال لزم ذكر الحال في تعريف المستقبل، وقد ذكر المستقبل في تعريف الحال ~~فيلزم توقف كل على الآخر، وهذا إذا جمع التعريفان أو اعتبر كل في الآخروإن ~~عرف، أو الاستقبال بغير ما ذكر لم يكن الإشكال. ويمكن مثل الجواب الثاني ~~هنا أيضا، فإن كل جزء من المستقبل مغمور في باقيه، وأيضا <<الترقب>> فعل في ~~الزمان وهو في التعريف مراد بالذات وزمانه بالعرض كذا لاح لي بعجلة. # ثم رأيت للصبان والحمد لله ما يناسب، ms210 إذ دفعه بقول السيد الأفعال ~~المأخوذة في التعاريف مجردة عن الزمان، وقال أيضا إنه بعدما دفعه بقول ~~السيد رأى ما يفيد بخط العلامة الشنواني (¬1) PageV01P337 عن ابن قاسم قال - فلله الحمد - واعلم ~~أنه كان لا زمان ، ثم خلق الله عز وعلا الزمان ولا يزال يتجدد بلا انتهاء، ~~فزمان الدنيا متصل بزمان الآخرة والجنة والنار لا يفنيان هما ولا من فيهما ~~، ولو قال: من قال ما بين فناء الخلق والبعث ليس من الدنيا ولا من الآخرة ~~لم يكن أيضا خارجا عن الزمان، إلا إن كان الله شاء إفناء الزمان مع فناء ~~الخلق الآخر أيضا ، فيخلق الله الزمان عند البعث المترقب ، ولا بد من وجوده ~~وإنما الذي قد يتخلف ما يترقب وقوعه فيه ، إلا إن قيل بفناء الزمان مع فناء ~~الخلق ، فحينئذ قد يقال: أفعل فقد تقوم الساعة قبل فعله ، ولا يبقى زمان . # وقد اختلف هل تفنى الحيوان والملائكة أو جميع المخلوقات ولا بد من فناء ~~الجبال؟ وهل الزمان أمر موجود؟ وبه قال الحكماء، وقال المتكلمون أمر موهوم، ~~قال ابن قاسم وأقره الصبان: (المراد من قولهم يترقب وجوده أنه من شأنه أن ~~يترقب، وأنه بهذه العناية يندفع- ما قيل- كم من شيء، ولا يترقب وجوده مع ~~هذا يكون مستقبلا ) اه. # واختلف هل من شرط الفعل العمد بحيث يمكن فعلى اشتراطه ما لم تكن مترقبا ~~له لا يقال إنه مستقل ( بفتح الباء أو كسرها )، أو إنك مستقبل له بكسرها ~~إلا مجازا أو على عدمه يقال ذلك، وبني عليه قولهم: كل ما مستقبله فقد ~~استقبلك( بالباء) في المستقبل (تفتح وتكسر)، وبما قررت لك من أن الزمان لا ~~يتناهى يندفع ما قيل: إن تعريف الحال المذكور لا يستقيم في انتهاء الزمان، ~~نعم لا يستقيم في ابتداء الزمان لأنه لا زمان حينئذ متقدم، فضلا عن أن يقال ~~أجزاء من أوائل الماضي. PageV01P338 # وتعريف الحال بما ذكر هو المعتبر في النحو واللغة، كقولك: " زيد يصلي " ~~و" زيد يحج " إذا قلت ذلك بعد الدخول في الصلاة أو الحج وقبل الفراغ، فتارة ~~يقصر ms211 العام وتارة يطول. وأما الحال الحقيقي المبني على التضييق فهو الزمان ~~الذي لا يتجزأ. والتجدد الذي هو وقوع الشيء مرة بعد أخرى ليس من وضع الفعل، ~~بل يدل له دليل حالي - كما مر- في قولك: " زيد يصلي ويصوم " ونحوه، أو ~~مقالي كلفظ <<كل>> في قول طريف بن تميم [ العنبري ]: [ من الكامل ] # أو كلما وردت عكاظ قبيلة ... بعثوا إلي رسولهم يتوسم (¬1) # ... ... ف<<بعثوا>> للتكرر لأن كل ظرف له متعلق، وأما <<يتوسم>> بدل على ~~التكرر بدليل حالي وهو المقام، أي: يصدر عنه تفرس وجهي شيئا فشيئا، أي: ~~يتفرس بعض وجهي ثم يتفرس بعضه الآخر. وهكذا. وإنما قلت: <<وجهي>> لقوله ~~<<إلي>>، ولذلك عدلت عن قول السعد: ( يصدر عنه تفرس الوجوه وتأملها شيئا ~~فشيئا ولحظة فلحظة) (¬2) وإنما وضع ليدل على حدوث التوسم مطلقا ، ~~و(الهمزة)مما بعد (الواو) العاطفة على ما قبله في البيت قبله ، أو داخلة ~~على معطوف عليه محذوف ، أي: أحضروا وبعثوا و<<عكاظ>> - (بضم العين) - مفعول ~~<<وردت>> بسوق بصحراء بين مكة والطائف عند إهلال ذي الحجة إلى تمام عشرين ~~يوما منه تجتمع العرب ويتعاكظون أي: يتفاخرون، ومراده بقوله <<بعثوا ... ~~الخ>>: أنهم يبعثون من ينظر إليه لعظم جثته. وقيل معناه: أن لي على كل ~~قبيلة جناية، فإذا وردوا عكاظ جاءوا يتوسمون وجهي؛ وهذا مدح للجريء من ~~العرب. وقيل يبعثون إليه لأنه لا يتم فخرهم إلا بحضرته، لأنه الرئيس على كل ~~شريف والقاضي على كل مجد منيف، والعريف القيم بأمر القوم الذي شهر بذلك. ~~والله أعلم. # باب كون المسند اسما PageV01P339 يكون اسما لإفادة الثبوت وهو تحقق ~~المسند للمسند إليه من غير تعرض للحدوث وذلك بحسب الوضع، ويقال للثبوت ~~والدوام، وأقول: الدوام إن أريد أن الأصل في الثابت الدوام، فليس بالوضع بل ~~من خارج، وإن أريد به الثبوت تأكيدا فذلك ضعيف، والأولى على كل حال تركه ~~نعم، إلا أن يذكر وينبه على أنه ليس بالوضع، وإنما يقصد الثبوت والدوام ~~لأغراض تتعلق بذلك كما في مقام المدح والمبالغة ونحوه مما يناسب الثبوت ~~والدوام، والثبوت والدوام كل دائم ثابت وبعض الثابت ms212 دائم، ولذلك يحسن تقديم ~~الثبوت على الدوام إذا ذكرا معا، ومثال ذلك قوله [ أي قول النضر بن جؤية ~~يتمدح بالغنى والكرم ]: [ من البسيط ] # إنا إذا اجتمعت يوما دراهمنا ... ظليت إلى طرق الخيرات تستبق # لا يألف الدرهم المضروب صرتنا ... لكن يمر عليها وهو منطلق (¬1) PageV01P340 ... ... يعني أن الانطلاق من الصرة لازم ~~للدرهم دائما، نجود به على الناس. والمشهور أن الصفة تدل على على الحدوث ~~والتجدد إذا لم تكن صفة مشبهة أو اسم تفضيل. والحدوث مقابل الثبوت. وقد ~~يقال: إن دلالة الصفة على الحدوث من خارج لا بالوضع، ولذلك قال عبد القاهر ~~(¬1) [ الجرجاني ]: موضوع الاسم على أن يثبت به شيء لشيء من غير اقتضاء ~~تجدد وحدوث ، فلا تعرض في " زيد منطلق " لأكثر من إثبات الانطلاق فعلا له ~~كما في الصفة المشبهة ك<<طويل وقصير>> . وعليه فالصفة المشبهة واسم التفضيل ~~موضوعان للثبوت، ولا يدلان على الحدوث بأنفسهما ولا بواسطة إلا خارجا محضا ~~لا تعلق له بهما؛ ككون المخلوق حادثا ولا بد، ونحو ذلك، وأما غيرهما من ~~الصفات فلا يدلان على التجدد وضعا بل يدلان عليه بواسطة يلوحان لها، ولا ~~ترى هذا التحقيق لغيري إن شاء الله تعالى.و<< الدرهم >> فاعل و<< الصرة >> ~~مفعول على المشهور؛ لأن الأصل تقديم الفاعل، وجاز العكس، ورجح من حيث أن ~~يكون عدم الألفة من جانب << صرته>>. وأضاف << الصرة >> لضمير المتكلم ومن ~~معه ليلوح إلى أنها مشتركة بينه وبين الناس، ولو كانت له وحدة تحقيقا لفرط ~~جوده، و<< يمر >> للتجدد، و<< منطلق >> للثبوت، وجملة <<هو منطلق >> حال ~~دائمة، وفي قوله:<< لكن يمر عليها>> تكميل حسن؛ إذ قوله: <<لا يألف... الخ ~~>> يحتمل أنه لا يدخلها درهم أصلا لعدم حصول المال بيده، وأنه يدخلها ~~ويخرجه للإعطاء، واحترز عن الأول بقوله: << لكن يمر >> فافهم أنه يملك ولا ~~يمسكه. والله أعلم. # باب تقييد المسند بفضلة من مفعول ونحوه # كالحال والتمييز والمستثنى والمضاف إليه والنعت PageV01P341 ... قال الرضي الذي أسند إليه ~~الفعل أوشبهه وهو المستثنى منه مع المستثنى، وإنما أعرب المستثنى منه بما ~~يقتضيه المسند دون المستثنى لأنه ms213 الجزء الأعظم، والمستثنى صار بعده في حيز ~~الفضلات فأعرب (بالنصب). قال عبد الحكيم: وبهذا ظهر كونه قيد الفعل، واندفع ~~ما قيل أن المستثنى من تتمة المستثنى منه، فهو من تتمة الفاعل أو المفعول ~~أو غيرهما فلا معنى لتقييد الفعل به. PageV01P342 # واعلم أنه يفيد المسند بما ذكر لزيادة الفائدة زيادة يقوى بها الحكم ~~ويربو، فإن الحكم كلما ازداد خصوصا زاد بعدا عن الذهن بقلة خطور بالبال، ~~وكلما زاد بعدا زاد إفادة بالنسبة إلى السامع، كما يظهر بالنظر إلى قولنا: ~~شيء ما موجود "فلان بن فلان حفظ التوراة سنة كذا في بلد كذا ". وإن قلت: ~~هذا يشكل في المفعول به لأن الفعل المتعدي يتوقف تعقله على على تعقل ~~المفعول به، فالتقييد به لأصل الفائدة لا لتربيتها، وإن فرق بينه وبين ~~الفاعل فإن تعقل ذلك الفعل يتوقف على تعقل الفاعل. قلت: الفعل المتعدي ~~يتوقف تعقله على تعقل مفعول ما مفعول لكل أحد لا على تعقل المخصوص، بخلاف ~~الفاعل فإن تعقل الفعل يقتضي تعقل خصوصه لأنه اعتبر في مفهومه النسبة إلى ~~الفاعل الخاص. وإن قلت: المفعول المطلق المؤكد والحال المؤكدة لا يفيدان ~~زيادة الفائدة، قلت: الفعل مثلا يحتمل الحقيقة والمجاز، والمصدر المؤكد ~~مثلا أفاد نفس الحقيقة؛ فالفائدة تعيينها بعد كونها محتملة وبها يقوى ~~الحكم. وإن قلت: خبر كان من مشبهات المفعول والتقييد به ليس لترك الفائدة ~~لعدم الفائدة بدونه، قلت: المفيد في نحو: "كان زيد منطلقا " هو منطلق لا ~~كان؛ لأن <<منطلقا>> هو نفس المسند، ولفظ <<كان>> قيد له أو للنسبة للدلالة ~~على زمان النسبة؛ فالتقييد بها كالتقييد بالظرف الزماني الماضي كأنك قلت: " ~~زيد منطلق في الزمان الماضي" . وهذا على أن <<كان>> الناقصة لا تدل على ~~الحدث، ولا مصدر لها، ولا يتعلق بها الظرف والمجرور، وهو قول السيد.وأما ~~على مختار الرضي من دلالتها على الحدث ولها مصدر وتتعلق بها الظروف، فهي ~~المسند حتى إن معنى " كان زيد " حصل شيء لزيد، وقولك: "بعده منطلقا" تفصيل ~~وتبين لذلك الشيء المبهم. PageV01P343 # والقولان مشهوران في النحو وبسطتها فيه، ms214 ولا دلالة للمصدر على زمان ~~النسبة، وإنما يدل عليها التزاما، ومر الكلام على الأوصاف، وهي والمصدر ~~توابع في الدلالة على زمان النسبة، فلا تفيد زمانا يكون قيدا على ما مر في ~~الأوصاف، بل تفيد النسبة على الخلاف في مصدر <<كان>> الناقصة هل تفيدها، ~~وإنما قلت: لفظ <<كان>> قيد للمسند أو للنسبة وغيرها من الأفعال مثلها؛ لأن ~~تقييد كل يؤول إلى تقييد الآخر. والله أعلم . # باب ترك تقييد المسند # يترك تقييده بما له من القيود في نفس الأمر لخوف انقضاء الفرصة، نحو: " ~~غزال ظهر" ولإرادة أن لا يطلع الحاضرون على زمان الفعل أو مكانه أو مفعوله ~~أو نحو ذلك، ويترك أيضا لعدم العلم بما له من القيد في نفس الأمر. والله أعلم . # باب تقييد الحكم بالشرط # ... ... نحو " زيد قائم إن قمت " و" أقوم إن قمت " و" إن قمت أقم " يقيد ~~به لاعتبار تعليق حصول مضمون جملة بحصول مضمون أخرى، إما في الماضي كما في ~~" لو قاما " في الاستقبال مع القطع، كما في إذا، أو مع الشك كما في إن، ~~فيعتبر في كل مقام ما يناسبه من معاني تلك الأدوات؛ فإذا كان المخاطب يعتقد ~~مثلا أنه إذا تكرر المجيء إليك مللت قلت نفيا لذلك: " كلما جئتني ازددت فيك ~~حبا " وكذا إذا كان يعتقد أن الجائي في وقت كذا لا يصادف طعاما عند زيد ~~مثلا قلت: " متى جئت زيدا وجدت عنده طعاما " أو يعتقد أنك لا تجالسه إلا ~~بالمسجد مثلا قلت:" أينما تجلس أجلس معك ". وهكذا بحسب معاني أدوات الشرط ~~الشرط ومنها هنا، وفي المنطق: " كلما كان كذا كان كذا " ودليل الجواب يسمى ~~في الفن جوابا " كزيد قائم إن قمت " و" أقوم إن قمت "، كما أجاز الكوفيون ~~جزمه لفظا مع تقدمه؛ فيقولون: جواب مقدم، وكذا يقولون جواب مقدم إذا كان ~~يظهر جزمه وتقدم، والبصريون يقولون: الجواب محذوف دل عليه ما تقدم شهر هذا عندهم. PageV01P344 # وتحقيق المقام أنه دليل الجواب مغن عنه الجواب؛ إذ لا يحسن تقدير مثله ~~بعد الأداة بل على التأكيد، ولا ms215 الكلام سيق على تقدم مثله، ولا ينافي ~~البلاغة قولنا في هذا الفن: إن المتقدم جواب لأنه مبني على المعنى. وقد ~~علمت من ترجمة الباب أن الشرط قيد للنسبة وهي الحكم، وهو إثبات شيء لشيء أو ~~نفيه عنه في الخبر، وبعض يعبر بثبوت وانتفاء- كما مر - وطلب الشيء أو تمنيه ~~أو ترجيه في الإنشاء، قال عبد الحكيم: ليس التقييد بالشرط مثل التقييد ~~بالظرف، لأن الظرف قيد لنفس المسند دون النسبة وهي مطلقة، فالمسند المقيد ~~بالزمان والمكان ثابت للمسند إليه، فقولنا: " أضرب زيد يوم الجمعة " إخبار ~~بثبوت الضرب الواقع في يوم الجمعة للمتكلم فلا بد في صدقه من تحقق المقيد ~~والمقيد معا.وأما الشرط فهو قيد لثبوت المسند بمعنى قولنا: " إن ضربني زيد ~~ضربته " الإخبار بثبوت ضرب المتكلم لزيد في وقت ثبوت ضرب زيد له، وصدقه لا ~~يتوقف على تحقق الشرط والخبر، بل على أن يكون في وقت ثبوته وإن لم يثبتا، ~~وإن قلت: مضمون الجملة الشرطية تعليق حصول مضمون الجزاء بحصول مضمون الشرط، ~~فما معنى ذلك في الإنشاء ؟ وكيف امتنع في الشرط دون الجزاء ؟ قلت : الحصول ~~قد يكون لثبوت شيء لشيء أو انتفاؤه عنه كما هو مدلول الخبر ، وقد يكون ~~لتوجه الطلب أو التمني أو نحو ذلك مما هو مدلول الإنشاء فيعلق ذلك بحصول ~~مضمون الشرط المفروض الصدق ، فمن هنا امتنع كونه إنشاء ، فحاصل قولك : " إن ~~جاء زيد فأكرمه " إي على تقدير صدق مجيئه أطلب منك إكرامه ، لا بمعنى ~~الإخبار بالطلب بل بمعنى إنشائه ؛ فالشرط قيد للثبوت أو الانتفاء في الخبر ~~وللطلب أو للتمني أو الترجي في الإنشاء ، وذلك أولى مما قيل :إن الشرط قيد ~~للمسند . PageV01P345 # واعلم أن الشرط في علم النحو والمعاني والبيان واللغة قيد لحكم الجزاء، ~~مثل المفعول ونحوه، فقولك: " إن جئتني أكرمك وقت مجيئك إياي " فالكلام هو ~~الجزاء، وإنما الشرط قيد له ولو كانت أداة الشرط مبتدأ إن جعل الخبر فعل ~~الشرط ومرفوعه، وهو المصحح عند النحاة. وأما إن جعل جملة الشرط والجواب أو ~~جملة الجواب فالكلام مجموع الجملتين، لأن ms216 الخبر من حيث هو خبر ليس بكلام، ~~وكذا جزؤه من باب أولى، وإن قلت: أي لفظ أفاد الوقت في قولك: " إن جئتني ~~أكرمك " حتى جعلته بمنزلة قولك: " أكرمك وقت مجيئك إياي " قلت الشرط للجزاء ~~وزمان المعلول زمان العلة، فالجزاء يثبت حين ثبت الشرط، فالمعنى: "أكرمك ~~لأجل مجيئك إياي وفي زمانه". وقال عصام الدين: إنه بمنزلة أكرمك على تقدير ~~مجيئك"، ولا تخرج جملة الجواب عما كانت عليه قبل التقييد بالشرط من الخبرية ~~والإنشائية، بل إن كان إخبارا فالجملة الشرطية خبرية، وإن كان إنشاء ~~فإنشائية، وذلك أن الشرط قيد للجزاء فهو تبع له. PageV01P346 # وإن قلت: جملة الجزاء في قولك: " أإن ضربتك تضربني " خبر مع أن جملة ~~الشرط إنشائية لهمزة الاستفهام، قلت: الاستفهام في المعنى مسلط على الجزاء، ~~وأما نفس الشرط فقد أخرجته الأداة عن الخبرية؛ لأنه ليس كلاما أصلا إلى حكم ~~الإنشاء، وليس بإنشاء أيضا إذ لم يحتمل الصدق والكذب فصار كالمفعول. وقالت ~~المناطقة: كل من الشرط والجزاء على حدته خارج عن الخبرية؛ إذلم يحتمل الصدق ~~والكذب، وإنما الخبر مجموعهما المحكوم فيه بلزوم الثاني للأول، فمفهوم ~~قولنا: " كلما كانت الشمس طالعة فالنهار موجود " باعتبار المناطقة الحكم ~~بلزوم وجود النهار لطلوع الشمس؛ فالمحكوم عليه طلوع الشمس والمحكوم به لزوم ~~وجود النهار، ومفهومه باعتبار النحاة واللغويين والمعانيين والبيانيين ~~الحكم بوجود النهار في كل وقت من أوقات طلوع الشمس، فالمحكوم عليه هو ~~النهار، والمحكوم به هو الوجود. وحاصل الاختلاف أن المناطقة قالوا: الجملة ~~الشرطية الواقعة في استعمال العرب معناها الحكم بلزوم شيء لشيء، والنحاة ~~وأهل اللغة والمعاني والبيان يقولون: معناها ثبوت الجزاء على تقدير ثبوت ~~الشرط وهو أولى بالاتباع، وليس معنى ذلك أن المناطقة وضعوا الشرط بهذا ~~المعنى حتى يرد ما يقال: إنهم بصدد بيان مفهوم القضايا المستعملات، فكيف ~~يقولون ذلك. والشرط عند النحاة ومن معهم مخصص للجزاء ببعض التقديرات، فيكون ~~التقييد مفهومه مفهوم مخالفة كما ذهبنا إليه معشر الإباضية الوهبية، وإليه ~~ذهب الشافعية وغيرهم. وعند المناطقة كل واحد من الشرط والجزاء بمنزلة جزء ~~القضية ms217 الجملية لا يفيد الحكم أصلا، فلا يكون الشرط مخصصا للجزاء ببعض ~~التقديرات، فلا يتصور مفهوم المخالفة بل ساكت عنه كما هو مذهب الحنفية. PageV01P347 # و<<إن>> و<<إذا>> للشرط في الاستقبال وهو تعليق حصول مضمون جملة الجزاء ~~على حصول مضمون جملة الشرط في الاستقبال. وأصل <<إن>> عدم الجزم بوقوع ~~الشرط نفيا أو إثباتا، ومثلها أدوات الشرط كلها إلا إذا كن صادقات بالشك في ~~الوقوع وتوهمه وظنه والجزم بعدمه، أما ظن الوقوع والجزم بعدمه فليس موقعا ~~لها في الأصل، وأما الشك والتوهم فقيل هما معا موضع لها، وقيل: الشك فقط، ~~وقيل: تدخل على المظنون، وأما نحو قولك: " إن مات زيد أفعل كذا " مما لا بد ~~من وقوعه، فوجهه إن وقت الموت مثلا لما كان غير معلوم استحسن دخول <<إن>> ~~عليه، ولا تقع<< إن>> في كلام الله تعالى لكونها لعدم الجزم إلا إن ذكرها ~~عن غيره، أو على ضرب من التأويل والمجاز ، وهي حقيقة في عدم الجزم مجاز في ~~غيره . مثال ذكرها عن غيره قوله تعالى { ولئن لم يفعل } (¬1) قالته ~~<<زليخا>> أو أعيد، وقوله عن يوسف { وإلا تصرف عني كيدهن } (¬2) وعن إخوته ~~{ إن يسرق فقد سرق أخ له } (¬3) . PageV01P348 ومثال ضرب التأويل والمجاز النظر إلى حال المخاطب غير الجازم ~~بوقوع الشرط، وسوق المعلوم مساق المشكوك لنكتة تقتضيه، وذلك كما تستعمل إما ~~لتفصيل المجمل الواقع في ذهنه، وأصل الجزم بوقوع الشرط نفيا أو إثباتا في ~~المستقبل بحسب اعتقاده؛ لأن الشرط مطلقا مقدر الوقوع في المستقبل فاصل إن ~~عدمي. وأصل<< إذا >> وجودي؛ والوجود يقدم على العدم في الذكر، وقدمت الكلام ~~على <<إن>> مع ذلك لأنها أصل أدوات الشرط، ولاعتبار تقدم العدم على الوجود، ~~والمتبادر منعدم الجزم بالوقوع في العرف التردد، كما صرح النحاة بأن << إن ~~>> تستعمل في المعاني المحتملة المشكوك فيها، ف<<إن>> و<<إذا>> مشتركتان في ~~الاستقبال، وأما عدم الجزم ب<<إن>> لا وقوع، فليس مما يقبل الاشتراك تحقيقا ~~بينهما لأن إذا لما كانت للجزم كان عدم الجزم ب<<إن>> لا وقوع لازما للجزم، ~~ولأن عدم الجزم بعدم الوقوع مع إذا ms218 بمعنى أنه منتف، ومع <<إن>> بمعنى: أنه ~~لا يجوز. وحاصل ذلك أن عدم الجزم بعدم وقوع الشرط مع <<إن>> لوجود الشك، ~~وفي <<إذا>> وجود الجزم بوقوعه، ولكون أصل إن الشك كان الحكم النادر الوقوع ~~لكونه غير مقطوع به في الغالب موقعا لإن، ولكون أصل <<إذا>> الجزم بالوقوع ~~غلب معها الفعل الماضي؛ إذ يدل على الوقوع قطعا نظرا إلى نفس اللفظ ولو ~~نقلته <<إذا>> للاستقبال وقيدت بالغالب؛ لأن النادر قد يقطع بوقوعه، كيوم ~~القيامة فإنه نادر الوقوع لأنه إنما يقع مرة مع أنه مقطوع بوقوعه فإن ~~النادر هو ما يقل وجوده جدا، أما # بإن يكون الغالب عدم وقوعه وقد يقع وقد لا يقع، وأما بإن يكون وقوعه لا ~~بد منه لكنه مرة أو مرتين، المشكوك فيه موقع لإن حقيقة والمجزوم به موقع ~~لها تجوزا. PageV01P349 # ومثال <<إذا>> <<قوله تعالى { فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه ، } ~~ومثال << إن>> قوله تعالى { وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه } (¬1) ~~وذلك أن الحسنة كالخصب والرخاء مقطوع بها، ولذا جيء ب<<إذا>> والماضي، ~~وعرفت تعريف الحقيقة في ضمن فرد غير معين، فهي للعهد الذهني . والسيئة ~~كالجدب والبلاء قليلة الوقوع بالنسبة إلى الحسنة فنكرت لذلك، وجيء معها ~~ب<<إن>> والمضارع. # وتستعمل <<إذا >> مجازا في مقام الشك تلويحا إلى أنه ينبغي أن يكون ~~مجزوما به، كقول الإمام: " إذا غنمت من وجهتنا هذه أعطيتك " وقد شك في ~~الغنيمة ولم يجزم بها، أو لعدم شك المخاطب بإن جزم والمقام للشك، أو ~~لتنزيله منزلة الجازم، أو لتغليب الجازم على غيره، أو لغير ذلك من الأغراض. # ومن استعمال <<إن>> في مقام الجزم بوقوع الشرط كما إذا سئل العبد عن ~~سيده: " هل هو في الدار" وهو يعلم أنه فيها، وقد أوصاه أن لا يعلم أحدا ~~بكونه فيها، فيقول تجاهلا: " إن كان فيها أجابك" وهذا التجاهل من هذا الفن ~~إذا اقتضاه المقام، وإن كان لمجرد الطرافة كان من البديع. # ومن استعمالها في حال الجزم لعدم جزم المخاطب قولك لمن يكذبك: " إن صدقت ~~فماذا تفعل " وذلك بأن يكون ms219 الخاطب شاكا في صدقك أو متوهما له، وعندي يجوز ~~أن نقول ذلك لمن يجزم بكذبك بأن تنزلت له لتجره إلى التصديق، وأن تقول ذلك ~~تجاهلا. PageV01P350 ومن استعمال <<إن>> في حال الجزم أن تنزل المخاطب العالم ~~بالشرط ثبوتا أو عدما منزلة جاهله لمخالفة مقتضى عليه، فتقول مثلا له وهو ~~يؤذي أباه: " إن كان أباك فلا تؤذه " ولك أن تجعل نكتة التنزيل جارية على ~~موجب الجهل، ولك أن تعتبر في هذا المثال ونحوه تنزيل المتكلم نفسه منزلة ~~الشاك؛ لأن فعل المخاطب وهو إيذاء أبيه مثلا كان أوقع المتكلم في الشك، وفي ~~هذا الاعتبار ملاحظة المتكلم كما هو الأصل في <<إن>>. # ... ... وتستعمل <<إن>> في حال الجزم لتعبير المخاطب أو غيره على الشرط، ~~وذلك بأن يصور أن المقام لاشتماله على ما يقلع الشرط عن أصله لا يصلح إلا ~~لغرض من الأغراض كالتبكيت والإلزام والمبالغة كثيرا مع <<إن>> وفي سائر ~~الكلام، كقوله تعالى { أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين } (¬1) ~~فكونهم مسرفين مجزوم به ، لكن جيء ب<<أن>> لقصد التعيير، ونسميه التوبيخ ، ~~وبيان ذلك أن الإسراف مع وجود الآيات الصارفة عنه يكون كالمحال لا محالا بل ~~متعسر ، والمتعسر يقبل الشك في الوقوع، بل المحال مع القطع بعدم وقوعه ~~تستعمل فيه <<إن>> لتنزيله منزلة ما لا قطع بعدمه على سبيل المساهلة وإرخاء ~~العنان لقصد التبكيت وهو إسكات الخصم بالحجة ، لأن الخصم إذا تنزل معه إلى ~~ظهور مدعاه في صورة المشكوك اطمأن لاستماعه ، فحينئذ يترتب عليه لازما مسلم ~~الانتفاء ، كما في قوله تعالى { وإن كنتم في ريب } (¬2) ، PageV01P351 أو لازما قاطع ~~الرجاء بتمكنه في الذهن كما في قوله تعالى { قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول ~~العابدين } (¬1) أي: فأنا أول العابدين لله تعالى ، ينفي الولد ، أو فأنا ~~أول المطيعين لذلك الولد لو كان ، لكن لم يكن فأعبد ربي وحده . # وإذا استعملت <<إن>> في ما هو كالمحال، فإنه ينزل الجائز أولا منزلة ~~المحال، ثم ينزل منزلة ما لا قطع بعده ولا بوجوده؛ لأن التدريج أبلغ فيحصل ~~تنزيلان: تنزيل المقطوع ms220 به منزلة المحال، وتنزيل المحال منزلة المشكوك فيه. ~~ومثال تعيير غير المخاطب "إن كان هذا أبا زيد فلا يؤذه زيد"، ويجوز أن يصور ~~المقام غير صالح إلا لفرض الشرط، حيث لا تعيير كما جاز حيث التعبير، كقولك ~~إذا لم ترد تعييرا: " إن كان هذا أباك فلا تؤذه" # ... ... وتستعمل في تغليب غير المتصف بالشك على المتصف به في المضي إذا ~~كان لفظ <<كان>> وفي المستقبل <<إن كان>>، وذلك كما إذا كان القيام قطعي ~~الحصول لزيد غير قطعي لعمرو، فتقول: " إن قمتما كان" كذا قيل، وكقوله تعالى ~~{ وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا } (¬2) PageV01P352 إذ غلب غير المرتابين على المرتابين، ~~لأنه كان من المخاطبين من يعرف الحق وينكره عنادا ، وجعل الجميع كأنه لا ~~ارتياب لهم ، والمراد بغير المرتابين: من لم يتصف بالريب لا من شك في ربهم ~~، لأن فيهم من عرب الحق ، وإنما أنكره عنادا ، ولأن مخاطبهم بهذا الكلام هو ~~لله تعالى ، فلا معنى لكونه غير المرتاب بالنسبة إليه تعالى ، وهو المشكوك ~~في ريبه. ويبحث ب<<إن>> حقيقة التغليب أن يوجد للكلمة ما ليس لها ويغلب ما ~~لها على ما ليس لها، وهنا ليس كذلك لأن البعض مرتاب قطعا والبعض غير مرتاب ~~قطعا، فلم يوجد ما يليق ب<<إن>> فمجرد التغليب لا يكفي، بل لا بد من انضمام ~~شيء آخر يصح به استعمال <<إن>>. قلت: قد يجاب بوجود صورة الشك تنزيلا لا ~~تحقيقا في جانب من لم يرتب، وأنكر بأن اعتبر مخالفتها لما لم يرتب فيه مما ~~يشك به في ارتيابه، فناسب <<إن>> فغلب جانبه على جانب من يقطع بشكه، فافهم ~~ذلك فإنك لا تراه لغيري. # وأداة الشرط تغلب الماضي للاستقبال إلا لفظ <<كان>> ولا يشاركها في ذلك ~~أخواتها ولا لفظ <<لم يكن>>، وقيل: تغلب <<كان>> أيضا. ونسب للجمهور ووجه ~~اختصاص <<كان>> بذلك قوة دلالتها على المضي لأن الحدث المطلق مستفاد من ~~الخبر، فلا يستفاد من <<كان>> إلا الزمان، وأعني بالحدث المطلق مطلق الوجود ~~فإنه المستفاد من الخبر في ضمن استفادة الحدث المخصوص ms221 مثل القيام، ولا ~~يضرنا أن هذا التعليل لا يجري في أخوات <<كان>> ك<<صار>> مثلا إذ الانتقال ~~الذي هو مدلوله لا يستفاد من الخبر حتى يتمخض للدلالة على الزمان، لأن ~~المدعي مخصوص ب<<كان>>، إلا أنه ورد أنه كما اعتبر الانتقال في <<صار>> ~~اعتبر الاستمرار أو الانقطاع في <<كان>>، وهما غير مستفادين من الخبر قطعا، ~~فلا يتم التعليل. PageV01P353 # ثم رأيت ما يلائم قولي: ( قد يجاب بوجود...الخ) في كلام السعد (¬1) إذ ~~قال: حاصله <<إن>> مجرد تغليب غير المرتابين على المرتابين، لا يصح استعمال ~~<<إن>> هنا بل لا بد من أن يقال: لما غلب صار الجميع بمنزلة غير المرتابين ~~فصار الشرط قطعي الانتفاء، فاستعمل فيه <<إن>> على سبيل الفرق والتقدير بأن ~~نزل الريب المقطوع بعدمه منزلة المشكوك فيه وعلى سبيل التبكيت والإلزام، ~~كقوله تعالى { فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا } (¬2) فإن الإيمان ~~كما قال الصبان بمثل القرآن محال لعدم وجوده إلا بفرض التبكيت في فرض ~~المحال يكون من جهة أن الخصم إذا تنزل معه إلى إظهاره مدعاة في صورة ~~المشكوك اطمأن إلى استماعه. وقال الكوفيون: إن في <<إن كنتم قوما مسرفين>> ~~بمعنى <<إذ>>. ويجوز كونها فيه للتوبيخ والتصوير المذكور، فالظاهر أن ~~المخاطب بالآية جميع من لم يؤمن وفيهم غير المرتابين، فالأحسن في التوبيخ ~~أن يعتبر أولا تغليب المرتاب على غيره، وقيل المخاطب المرتاب لأنه الموبخ ~~على الريب. والله أعلم . # والتغليب باب واسع يجري في فنون كثيرة، ومنه قوله تعالى { وكانت من ~~القانتين } (¬3) PageV01P354 وجميع باب ~~التغليب مجاز، لأن اللفظ فيه لم يستعمل فيما وضع، ألا ترى أن <<القانتين>> ~~موضوع للذكور الموصوفين بالقنوت؛ فإطلاقه على الذكور والأناث إطلاق على غير ~~ما وضع له، وذلك على أن <<من>> للتبعيض لأن الغرض مدحها بأنها صدقت بشرائع ~~ربها وكتبه وكانت من المطيعين، فالمراد: مدحها بالحسب. وإن جعلت للابتداء ~~لم يكن مجازا وتغليبا، وكان مدحها بالنسب ولو لوح أيضا للحسب، وذلك أنها من ~~ذرية هارون أخي موسى عليهما السلام، أي: ناشئة من القانتين، والظاهر أنه إن ~~قدر موصوف ms222 يعم الذكور والأناث حقيقة لم يكن تغليبا ومجازا؛ مثل أن يقدر << ~~وكانت من الناس المطيعين>> سواء جعلت <<من>> تبعيضية أو ابتدائية. ثم رأيت ~~بعضه لابن قاسم حكاه عنه الصبان، لكن قدر الجميع القانتين، وقال: إن لفظ ~~الجمع يوصف بالمذكر ولو أريد به مؤنث. وفيه نظر إذ الواضح إذا أريد بلفظ ~~النساء وحدهن كصنف ونوع وفريق مما يصلح لجماعة الإناث ويصلح لجماعة الذكور ~~أن يراعى معناه ويجمع وصفه جمع سلامة لمؤنث مثل: " رأيت نوعا جميلات " أو ~~جمع تكسير ك"رأيت فريقا حسانا " أو يراعى لفظه فيفرد ويذكر إذ كان لفظه ~~كذلك، نحو: " رأيت نوعا جميلا " أو يفرد ويؤنث بتأويل الجماعة ك"صنفا جميلة ~~" ونكتة التغليب في الآية الإشعار بأن طاعتها لم تقصر عن طاعة الرجال حتى ~~عدت من جملتهم. PageV01P355 # ومن التغليب قوله تعالى { بل أنتم قوم تجهلون } (¬1) ومقتضى الظاهر ~~<يجهلون <<بالتحتية>> لأنه نعت <<قوم>> ، و<<قوم >>ظاهر، والظاهر من قبيل ~~الغيبة ، ولكن غلب جانب المعنى وهو جانب الخطاب على جانب الغيبة ، وذلك ~~مجاز علاقته المجاورة في الذهن أو في الذكر أو في غيرهما . قال السعد - ~~وتبعه السيد -: ليس هذا من الجمع بين الحقيقة والمجاز لأن الجمع بينهما أن ~~يراد باللفظ كل منهما، وها هنا أريد به معنى واحد تركب من المعنى الحقيقي ~~والمجازي، ولم يستعمل اللفظ في كل منهما بل في المجموع مجازا يعنيان أنه من ~~عموم المجاز. وفيه نظر، لأن <<تجهلون >>فيه الخطاب مناسبا ل<<أنتم>> وفيه ~~(الواو) مناسبا ل<<قوم>> كما ناسب <<أنتم>> لكنه ل<<قوم>> لأن الجملة نعت ~~<<قوم>>. وقد يقال: <<تجهلون>> خبر ثان، والأول <<قوم>> وهو خبر موطئ ~~كالنعت الموطئ والحال الموطئ، وذلك إذا كان المقصود بالذات هو الخبر الثاني ~~ونعت المنعوت ونعت الحال وكذا تجهلون هو المقصود بالذات إذا جعل نعتا وقوم ~~خبرا. وقد جعل ابن هشام <<قوم>> موطئا لأنه لم يقصد بالذات ولم يجعل ~~<<تجهلون>> من التغليب، قال: ليس تغليبا بل من مراعاة المعنى. قال كمال ~~باشا زاده: ومما يظن أنه التفات قوله تعالى ( بل أنتم قوم تجهلون) (¬2) لأن ~~في لفظ ms223 <<قوم >>غيبة لأنه اسم ظاهر وخطابا لحمله على <<أنتم>> ووصف ~~ب<<تجهلون >> ترجيحا لجانب الخطاب إذ كان أفضل من الغيبة وأدل، وهو جانب ~~معنى، والغيبة جانب لفظ ،والمعنى أرجح فغلب؛ فهو من التغليب. PageV01P356 وقال عبد الحكيم: ليس المراد ~~ب<<قوم>> قوم موسى حتى يكون المعبر عنه في الأسلوبين واحد، فليست الآية من ~~الالتفات من الغيبة في <<قوم>> إلى الخطاب في <<تجهلون>>. # ومن التغليب أبوان للأب والأم أو للأب والخالة، والعمران لأبي بكر وعمر، ~~والقمران للشمس والقمر، قيل: لعثمان- نسألك سيرة العمرين أي أبي بكر وعمر - ~~وأما العمران لعمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز كقول قتادة:اعتق العمران ~~ومن بينهما من الخلفاء أمهات الأولاد. فليس من التغليب، لأن اسم كل منهما ~~<<عمر>> (بضم العين، وفتح الميم). وقال أبو الطيب:[ في مدح عبد الواحد أبي ~~العباس الأصبع الكاتب ]: [من الكامل] # واستقبلت قمر السماء بوجهها ... فأرتني القمرين في وقت معا (¬1) PageV01P357 ... أراد الشمس وهو وجهها، و<<قمر ~~السماء>> يعني أن وجهها لشدة صقالته انطبعت فيه صورة القمر لما استقبلته ~~كما تطبع الصورة في المرآة، فرأى برؤية وجهها الشمس والقمر في آن واحد. ~~وقال التبريزي: يجوز أن يريد قمرا لأنه لا يجتمع قمران في ليلة كما لا ~~يجتمع الشمس والقمر، والأولى أن يراد الشمس والقمر، لأن إرادتهما أمدح، لأن ~~القمرين في العرف الشمس والقمر. وإن قيل في عمرو ( بفتح العين وإسكان الميم ~~) وعمر ( بضم العين وفتح الميم ) العمران بضبط الأول أو بضبط الثاني كان ~~تغليبا كقوله - صلى الله عليه وسلم - << اللهم أيد الإسلام بأحد العمرين >> ~~- بضم العين وفتح الميم - أراد عمر بن الخطاب وعمرو بن هشام - بفتح العين ~~وإسكان الميم - أبا جهل، إلا أن تغليب التثنية كالأبوين والعمرين والقمرين ~~غير مقيس ولو كان مجازا، والمجاز مقيس لعلاقة وقرينة، قال ابن ظفر في شرح ~~التسهيل: قالوا مما يعرف به المجاز عدم وجوب الاطراد بأن لا يطرد، كما في { ~~واسأل القرية } (¬1) أ ي أهلها ، ولا يقال: اسأل البساط أي صاحبه ، أو يطرد ~~لا وجوبا كما في <<الأسد >> للرجل الشجاع ، فيصح في ms224 جميع جزئياته من غير ~~وجوب لجواز أن يعبر في بعضها بالحقيقة، فقولهم ذلك يدل على أن اللفظ يستعمل ~~في محل لوجود العلاقة ، ثم لا يجوز استعماله في محل آخر لوجود تلك العلاقة ~~، ألا ترى أن النخلة تطلق على الإنسان لطوله ولا تطلق على طويل آخر غير ~~الإنسان . وأن الرواية تستعمل في المزادة للمجاورة ولا تستعمل الشبكة في ~~الصيد للمجاورة. ويغلب الأكثر على الأقل والأشرف على الأخس، إلا أن يكون ~~لفظ <<الأشرف>> أثقل أو يكون مؤنثا مع تذكير الأدنى فيغلب ما لفظه أخف ~~كالعمرين، أو ما لفظه مذكر كالعمرين. PageV01P358 ويغلب المتكلم على المخاطب ~~والغائب، والمخاطب على الغائب من غير عكس ولو كان الغائب أكثر أو أشرف من ~~المخاطب، والمخاطب أكثر أو أشرف من المتكلم، ولا يخالف ذلك إلا لنكتة، كما ~~غلب - صلى الله عليه وسلم - عمر رضي الله عنه على عمرو مع أن عمر أخف لتعلق ~~رغبته في عمر، وقد حققها الله تعالى. وكتسميته الشخص الذي كان في زمانه - ~~صلى الله عليه وسلم - يعمل بيديه جميعا ذا الشمالين واسمه <<عمير>> غلب ~~الشمال مع أن اليمين أشرف، لأن مخالفة العادة إنما حصلت بعمل الشمال، قال ~~الصبان: وقد يقال لفظ الشمال أخف من لفظ اليمين، لأن ( الألف ) أخف من ( ~~الياء )، وليس ذا اليدين كما قيل عن الزهري لأن ذا اليدين اسمه الخرباق. # ... وكيفية التغليب أن يرجح أحد المتصاحبين أو المتشابهين على الآخر بأن ~~يجعل موافقا له في الاسم، ثم يثنى ذلك الاسم ويقصد أبيهما جميعا. والأصح أن ~~باب التغليب ملحق بالمثنى لا مثنى حقيق، وأنه لا يكفي الاتفاق في اللفظ ولو ~~كان حقيقة في كل، ك<<قرء>> فلا يقال قرأين لحيض وطهر إلا تجوزا، ومثل ~~<<أبوين>> ليس من قبيل قوله تعالى { وكانت من القانتين } (¬1) PageV01P359 كما قد يتوهم ~~بعض، لأن الأبوة ليست صفة مشتركة بينهما، بخلاف القنوت فإنه مشترك بينهما ~~وبين غيرها لمخالفة الظاهر في مثل القانتين من جهة الهيئة لا المادة ، وفي ~~مثل <<أبوان>> من جهة المادة وفي الهيئة أيضا ؛ إذ هيئة التثنية موضوعة ms225 ~~للمشتركين لفظا ومعنى على مذهب الجمهور ، أو لفظا فقط على مذهب ابن الحاجب ~~. ولكن جهة المادة هي جهة الافتراق بين مثل<< أبوين>> ومثل <<القانتين>>، ~~وارتكاب المجاز في المادة مثل أبوين لضرورة الهيئة؛ إذ هيئة التثنية هنا لا ~~تمكن إلا بعد تغيير مادة أحد الشيئين إلى مادة الآخر، ولكون <<إن>> ~~و<<إذا>> لتعليق حصول الجواب بحصول الشرط في الاستقبال كان شرطهما وجوابهما ~~على الأصل جملة فعلية، فعلها مضارع مجرد من <<لم>>. وأما الشرط فلأنه مفروض ~~الحصول على الاستقبال، وأما الجواب فلتعلقه على الشرط المستقبل، والمتعلق ~~على المستقبل مستقبل، ولا يخالف ذلك إلا لنكتة لامتناع مخالفة مقتضى الظاهر ~~بلا حكمة، ولا يخرج عن ذلك ولو كان الشرط أو الجزاء أو كلاهما ماضيا أو ~~جملة اسمية على قول الأخفش والكوفيين - بجواز كون الشرط جملة اسمية والمعنى ~~على الاستقبال. وعندي: أن الشرط أبدا مستقبل إلا شرط << لو >>؛ فمعنى قولك: ~~" إن أكرمتني أمس أو الآن أكرمك غدا " إن صح إكرامك إياي، فالصحة مترقبة ~~الوقوع. وعندي: <<إن كان>> ولم يكن كذلك إذا كانا شرطا وكذا الجواب، فإن ~~معنى قولك: " إن أكرمتني أمس أو الآن أو غدا فقد أكرمتك أمس" أن تعتد ~~بإكرامك إياي فاعتد أنت بإكرامي إياك أمس بصيغة الأمر، أو اعتد أنا بصيغة ~~المضارع، وجميع أصنافهما مردود عندي إلى ذلك. فمعنى قوله تعالى { إن كان ~~قميصه قد من قبل فصدقت } (¬1) PageV01P360 وقوله تعالى { وإن ~~كان قميصه قد من دبر فكذبت } (¬1) ، إن صح قد قميصه؛ فالصحة مترقبة، أو ~~تقدم <<إن كان>>، و<<لم يكن>> للماضي ولو مع كونهما شرطا في قول، وصاحب هذا ~~القول لم يعتبر ترقب الصحة استقبالا مخرجا للماضي إلى الاستقبال إذا مضى ~~معناه تحقيقا أو تقديرا، ومعنى { وإن كنتم في ريب } (¬2) إن ثبت في ~~المستقبل كونكم فيما مضى كذلك وإن قدر: وإن كنتم في ريب فيما مضى واستمر ~~إلى وقت الخطاب لم يفد البقاء على المضي لملاحظة معنى قولك : إن ثبت كونكم ~~في ريب فيما مضى واستمراره لشرط الخطاب وكذا قيل: إن الماضي باق على المضي ms226 ~~قياسا بعد <<إن>> الوصلية المقرونة ب(الواو) في مقام التأكيد سواء صلحت ~~(الواو) للحال والعطف أو كانت للحال ، نحو : " زيد وإن كثر ماله وعمرو وإن ~~أعطي جاها لئيم " أي: إن قل ماله، وإن كثر، وإن لم يعط جاها، وإن أعطي ~~جاها؛ وهي للعطف على محذوف أو والحال أنه كثير المال ، أو أنه أعطي الجاه، ~~فكيف لو لم يكثر أو لم يعط وهي للحال. # و<<إن>> الوصلية شرطية، وقيل: خارجة عن الشرط وهو المشهور وباق على المضي ~~قليلا في غير ذلك كقوله [ أي قول أبي العلاء المعري ]: [من الطويل ] # فيا وطني إن فاتني لك سابق ... من الدهر فلينعم لساكنك البال (¬3) PageV01P361 ... أي: إن كان زمان سبق ~~من الدهر فوت علي المقام في وطني فليطب به قلوب ساكنيه، نعم ينعم كعلم يعلم ~~أو صار لينا أو التذ، و<<البال>>: القلب، فاعل، وقيل <<البال>> هنا الحال، ~~وقيل: ينعم بالبناء للمفعول، ف<<البال>> نائب الفاعل. # ... وقالوا: ومن استعمال <<إذا >> في الماضي قوله تعالى { آتوني زبر ~~الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني ~~أفرغ عليه قطرا } (¬1) حتى إذا ساوى بين <<الصدفين >>، وأقول: هي فيه ~~للاستقبال فرض زمان ذي القرنين، كأنه زمان نزول الآية قبل أن يقول ذلك، ~~والله جل وعلا يقول: إنه إذا ساوى بين << الصدفين >> بعد نزول الآية، يقول: ~~انفخوا. أو فرض زمان نزولها قبل زمان ذي القرنين، فرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - يترقب أن يساوي ذو القرنين فيقول: وقالوا إنها للاستمرار في قوله ~~تعالى { وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا } (¬2) ، PageV01P362 وأقول : ليس ذلك حالا بل قولهم << آمنا >> مستقبل يتكرر لقاؤهم ~~<<الذين آمنوا >>. قال عصام الدين: ها هنا بحث شريف لا ينبغي فوته؛ وهو أنه ~~هل يصح كون الطلب جزاء بلا تأويل إلى الخبر أو لا كما ادعاه السيد السند، ~~وادعى أن الوجدان الصحيح يحكم بأن الإنشاء لا يقبل الارتباط بالشرط إلا ~~بالتأويل إلى الخبر؛ فكل جملة شرطية محتملة للصدق والكذب يعني قبل جعلها ~~شرطا، أو أراد بالجملة الشرطية الشرط والجواب، وإن ms227 جعل الجزاء إنشاء. والحق ~~<<إن >>الشرط في قولك: " إن جاء زيد فأكرمه " مثلا قيد المطلوب لا للطلب، ~~والطلب تعلق بالإكرام المقيد، والطلب في الطلبي كالإخبار في الخبرية، فكما ~~أن القيد في " أضرب زيدا غدا " لم يتعلق بالإخبار بل بالمخبر عنه فكذا في ~~الطلبي، فالشرطية التي جزاؤها إنشاء لا تحتمل الصدق والكذب، نعم لو كان ~~المقصد بالإفادة في الشرطية النسبة بين المركبين، على خلاف ما ذهب إليه ~~صاحب المفتاح (¬1) وتبعه في ذلك القزويني (¬2) كان الأمر على ما ذكره السيد ~~السند، فكان هذا الخلاف متفرع على الخلاف في النسبة التامة في الشرطية في ~~أنها بين المركبين أو في الجزاء ، وإنما يعدل عن المضارع المجرد من <<لم ~~>>- كما علمت- إلى لفظ الماضي لنكتة ، كإبراز غير الحاصل في صورة الحاصل ~~الذي حصل ، وذلك الإبراز لقوة الأسباب المجتمعة في حصوله ، أو لكون ما هو ~~للوقوع كالواقع ، أو للتفاؤل ، أو لإظهار الرغبة في وقوعه، وذلك في صفة ~~المخلوق. وأما في حق الله فيعبر عن ذلك بإظهار كمال الرضى وشدة الرضى، ولك ~~أن تعبر به في حق الله وحق المخلوق. وكإبراز غير الحاصل في صورة الحاصل ~~للتعريض أو غير ذلك. PageV01P363 مثال قوة الأسباب، قولك في حال ~~اجتماع أسباب الشراء:"إن اشترينا كان كذا ". ومثال ما هو للوقوع كالواقع ~~أعني في ترتب ثمرة الوقوع في الجملة على كل قولك وقد حضر لك آلة البناء وما ~~يبنى به: "إن بنينا هذه الدار حصل لنا إلف " وذلك أنه إذا عرفكم الناس بذلك ~~عاملوكم ولو بالنسبة. ومثال التفاؤل أو إظهار الرغبة: " إن ظفرت بحسن ~~العاقبة فهو المرام " فإن أردت التفاؤل فتحت (التاء)؛ لأن حصول التفاؤل ~~إنما يكون للمخاطب، وإن أردت إظهار الرغبة ضممتها؛ لأن إظهار الرغبة إنما ~~يكون للمتكلم.وقال عصام الدين وبعض: إن إظهار الرغبة والتفاؤل يكونان جميعا ~~والمخاطب فيصح فتحها وضمها لإظهار الرغبة، والمتكلم لا يكون منه إلا ~~التفاؤل. ومعنى إظهار الرغبة من السامع: إظهارها في الوقوع من المتكلم، ~~والطالب لأمر إذا عظمت رغبته في حصوله يكثر استحضاره في عقله حتى يصير ms228 كأنه ~~حاصل قابل أن يعبر عنه بالماضي. # ومن استعمال الماضي لإظهار كمال الرضى قوله تعالى { ولا تكرهوا فتياتكم ~~على البغاء إن أردن تحصنا } (¬1) PageV01P364 إذ لم يقل " إن يردن " ~~منطوق الآية: إن أردن تحصنا ولا تكرهوهن على الذي، ومفهومها بحسب اللفظ:أنه ~~إن لم يردن التحصن جاز إكراههن، وهو غير ممكن لأنه لا يتصور الإكراه على ~~الشيء مع عدم الامتناع عنه، فالشرط لموافقة الواقع، ودلالة الشرط على ~~انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط، إنما هي بحسب الظاهر. وقد صح الإجماع ~~والقرآن والحديث في تحريم الزنى مطلقا مع حب أو إكراه، وإنما يقال بتلك ~~الدلالة إن لم تظهر للشرط فائدة أخرى، وهي هنا المبالغة في النهي عن ~~الإكراه، بمعنى أنهن إن أردن العفة فالمولى أحق بإرادتها، لأنهن أنقص عقلا ~~وأميل منه. وأيضا نزلت فيمن أردن التحصن، وأيضا انتفاء المشروط له عند ~~انتفاء الشرط النحوي غير لازم بل غالب. # ومثال الإبراز في صورة الحاصل للتعريض ب<<إن>> ينسب الفعل إلى أحد، ~~والمراد غيره نسبة لكل وجه يفهم منه المقصود قوله تعالى { لئن أشركت ليحبطن ~~عملك } (¬1) PageV01P365 فالمخاطب هو النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لا أمته، وكل رسول على حدة لا أمته، والأفراد باعتبار كل واحد على ~~حدة. وقيل: استعمل ضمير المخاطب المفرد فيما يشمل الغائب مجازا، وعدم إشراك ~~الأنبياء مقطوع به في جميع أزمنتهم، لكن جيء بلفظ الماضي، وإن كان على ~~الاستقبال إبراز للإشراك غير الحاصل منهم في صورة الحاصل منهم على سبيل ~~الفرض، والتقدير تعريضا بمن صدر منهم الإشراك من سائر الناس بأنه قد حبطت ~~أعمالهم لتحقق سببه فيهم، كما إذا شتمك أحد وقلت تعريضا بأن شتمك يستحق ~~العقوبة مطلقا: " والله إن شتمني الأمير لأضربنه ".وإن قلت : إذا كان عدم ~~الإشراك مقطوعا به لا تصح <<إن>> لأنها للشك ، قلت : تستعمل <<إن>> في مثل ~~ذلك لتنزيله منزلة مالا قطع بعدمه على سبيل المساهلة وإرخاء العنان . وإن ~~قلت: التعريض عام لمن صدر منهم الإشراك في الماضي ولغيرهم، وهذا يحصل بصيغة ~~المضارع أي: << لئن تشرك >> قلت: من لم يشرك ms229 لم يستحق التعريض، فلا وجه ~~لتعميم من أشرك لأن القصد بالتعريض التوبيخ، والتوبيخ إنما يكون على ما وقع ~~لا على ما سيقع، والتعريض نشأ من صيغة الماضي لأنه على خلاف الأصل ليحصل به ~~التعريض.وأما المضارع فهو على أصله فلا معنى لقصد التعريض به إذ لا يفيده، ~~وحملنا الكلام على التعريض لأن فيه إسناد الفعل إلى من لا يتصور منه. والله أعلم . # وفي التعريض فائدتان، الأولى: أنه إذا كان الإشراك يحبط عمل الأنبياء لو ~~صدر بها حال غيره، وهذا بالنسبة إلينا فلا يرد أن الكفار لا يقولون بنبوة ~~سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا أنهم يقولون بنبوة غيره، فيصبح ~~بالنسبة إليهم أيضا. والثانية: أن الكبار لا يستحقون الخطاب كالبهائم؛ ففي ~~ذلك غاية الإرذال لهم. PageV01P366 # وأما <<لو>> فلتعليق حصول مضمون الجواب إيجابا أو سلبا بحصول مضمون الشرط ~~في الماضي على سبيل الفرض كذلك مع القطع بانتفاء الشرط في الواقع ولو ثبت ~~على سبيل الفرض، والمتبادر انتفاء الجواب عند انتفاء الشرط ولو أمكن أن يكو ~~ن للجواب سبب آخر يثبت به مع انتفاء الشرط، فهو المتبادر معتبر للواضع، ومن ~~هذا أنه ينتفي الجواب بانتفاء الشرط، وحاصله أنها وضعت لتستعمل حيث يقصد ~~انتفاء جوابها، ويترتب على انتفاء شرطها وذلك بواسطة <<لو>>، فمدلول <<لو>> ~~التعليق المذكور معه الانتفاءين، وهذا مذهب الجمهور. # وقال الشوين وابن عصفور: إنه لمجرد التعليق بين الحصولين في الماضي من ~~غير دلالة انتفاء الجزاء بل يستفاد من القرينة، فيقال على قول الجمهور: ~~<<لو>> هي لامتناع الجواب لامتناع الشرط؛ فهو منتف انتفاء الشرط في قصد ~~المتكلم بها أعني أن المتكلم بها يتكلم بها على ذلك القصد، وهذا ما عندي في ~~إيضاح مذهب الجمهور ولا تكلف فيه. واعترض عليه ابن الحاجب بأن الشرط سبب ~~والجواب سبب، وانتفاء السبب لا يدل على انتفاء المسبب لجواز أن يكون للشيء ~~أسباب متعددة، كل واحد كاف في وجوده، بل انتفاء المسبب يدل على انتفاء ~~أسبابه، وإلا كان حاصلا ف<<لو>> لامتناع الشرط لامتناع الجواب، ألا ترى ~~قوله تعالى ms230 { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } (¬1) PageV01P367 فإنه سيق ليدل على امتناع تعدد الآلهة بامتناع ~~الفساد؛ أي: لأن امتناعه معلوم، وإنما يستدل لما جهل بما علم واستحسنه ~~المتأخرون الذين بعده لما ذكرته عنه، أو لكون الشرط ملزوما والجواب لازما، ~~وانتفاء الملزوم من غير عكس لجواز أن يكون اللازم أعم، نحو: " لو كانت ~~الشمس طالعة كان الضوء موجودا " قيل: ولا بد من زيادة قولي: <<لكون الشرط ~~ملزوما...الخ >> لا ما ذكرته عن ابن الحاجب لا يتأتى في نحو: " لو كان ~~النهار موجودا لكانت الشمس طالعة " إذ لو وجود النهار ليس سببا لطلوع الشمس ~~بل الأمر بالعكس، ولا في نحو: " لوكان لي مال لحججت" إذ وجود المال ليس ~~سببا للحج بل غيره، لكن كل من وجود المال والنهار وجود ملزوم لطلوع الشمس ~~والحج فعدلوا إلى اللازم والملزوم، إلا أنه أيضا لا يتم في نحو: " لو كان ~~الماء حارا لكانت النار موجودة " لأن الحرارة ليست ملزومة للنار لأنها قد ~~توجد بالشمس، فإن ادعي أن المراد الملزوم ولو جعليا أو ادعائيا. فلابن ~~الحاجب أن يريد السببية ولوجعلية أو ادعائية فلا تفاوت إلا أن يجاب بأنه ~~يعلم من تتبع اللغة << إن الشرطية >>اعتبر فيها اللزوم، ولم يعتبر فيها ~~السببية حتى يصح أن يعتبر كونها جعليةأو ادعائية. واختار السعد مذهب ~~الجمهور، ورد على ابن الحاجب بأن معنى قولهم << لو >> لامتناع الثاني ~~لامتناع الأول أنها للدلالة على أن انتفاء الثاني في الخارج إنما بسبب ~~انتفاء الأول في الخارج، وليس معناه أنه يستدل بامتناع الأول على امتناع ~~الثاني، فضلا عن أن يرد عليهم أن انتفاء السبب أو الملزوم لا يوجب انتفاء ~~المسبب أو اللازم، قيل: إنه يلزم أن لا تصدق الشرطية حينئذ إلا إذا كان ~~الواقع كذلك؛ بأن يكون انتفاء الجواب في الواقع انتفاء الشرط، وأن تكذب إذا ~~لم تكن كذلك بأن لم يكن انتفاء الشرط علة لانتفاء الجواب مع أنه ليس كذلك. PageV01P368 # ومما لم يكن فيه انتفاء الشرط علة لانتفاء الجواب في الواقع قولك: " لو ~~كان هذا إنسانا ms231 كان حيوانا " إذ ليس انتفاء الحيوانية لانتفاء الإنسانية، ~~وقولك: " لو أضاءت الدار لكانت الشمس قد طلعت “ مما يكون الشرط فيه معلولا ~~والجواب علة، وأقول: جميع تلك الأمثلة لا يخرج معناها عن مذهب الجمهور بل ~~يطابقه، مع أنا نراهم يعتبرون في التمثيل أمثلة تناسب المنطق وتخالف ~~بظاهرها الجمهور المناسب للغة، مع أن المنطق عجمي وإنما القصد ما يوافق ~~العربية لا العجمية.قال بعض المغاربة: تستعمل فيما إذا علم انتفاء أمرين في ~~الخارج للدلالة على انتفاء أحدهما، وهو الجواب بسبب انتفاء الآخر وهو ~~الشرط، وأما إذا جهل انتفاء شيء وعلم انتفاء سبب له فلا يستدل على انتفاء ~~ذلك الشيء بانتفاء ذلك السبب، قلنا: ومعنى قوله تعالى { وعلى الله قصد ~~السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين } (¬1) << ولو شاء لهداكم >> إن ~~انتفاء الهداية إنما هو سبب انتفاء المشيئة، وذلك أنها تستعمل للدلالة على ~~أن علة انتفاء مضمون الجواب في الخارج هي انتفاء مضمون الشرط في الخارج من ~~غير أن يلتفت الجمهور على علة العلم بانتفاء الجواب ما هي. وتوهم ابن ~~الحاجب أنهم التفتوا لذلك فأورد ما مر، وهو يقول معنى قولك: " لولا علي ~~لهلك عمرو" إن وجود <<علي>> سبب لعدم هلاك <<عمرو>>، ولا يقولون: معناه أن ~~وجوده دليل على عدم هلاك <<عمرو >>، ولذلك صح قولك: " لو جئتني لأكرمتك ~~لكنك لم تجئ " ولو كان المراد: أنه يستدل بامتناع الأول على امتناع الثاني ~~لم يصح، ألا ترى أن استثناء نقيض المقدم لا ينتج لجواز كون اللازم أعم، فلا ~~يلزم من رفع المقدم رفع الثاني. PageV01P369 وما تقرر من أن <<لو>> تغني عن استثناء نقيض ~~الثاني لا يشكل على ذلك؛ لأن الاستغناء عنه لا ينافي صحته، والمراد: ~~الاستثناء ب<<لكن>>، والمقدم أشرط، والتالي الجواب. قال الشاعر [ أبي بن ~~سلمي الضبي ]: [ من المتقارب ] # ولو طار ذو حافر قبلها ... لطارت ولكنه لم يطر # ... يعني أن عدم طيران ذلك الفرس بسبب أنه لا يطير ذو حافر قبلها وعدم ~~طيران الفرس معلوم؛ والغرض بيان السبب في عدم طيرانها. وهذا البيت ذكره أبو ~~تمام ms232 حبيب بن أوس الطائي [ في كتابه الحماسة ] جمع فيه أشعار العرب الذين ~~يستشهد بكلامهم، وإذا قيل هذا البيت حماسي يراد أنه مذكور في ذلك الكتاب، ~~وإذا قيل قال الحماسي فالمراد أحد الشعراء الذين ذكرت أشعارهم في ذلك ~~الكتاب، والحماسة الشدة والقوة أو الشجاعة وهي تناسب القوة، فالأشعار التي ~~فيه قوية لا ضعف فيها- وقال المعري: [ من الطويل ] # ولو دامت الدولات كانوا كغيرهم ... رعايا ولكن ما لهن دوام (¬1) # ... أي: لو دامت دولات من تقدم كان أهل دولة زماننا رعايا كغيرهم، ~~والدولة: أن تغلب إحدى الطائفتين على الأخرى (بالفتح)، والدولة (بالضم): في ~~المال، يقال: "صار الفيء دولة" أي يتداولونه مرة كان لهذا ومرة لهذا. وقال ~~أبو عبيدة: الدولة (بالضم): الشيء الذي يتداول بعينه و(بالفتح): المصدر. ~~وقيل: لغتان بمعنى واحد. وقال أبو عمرو بن العلاء: الدولة (بالضم) في المال ~~و(بالفتح) في الحرب. وقال عيسى بن عمر: كلتاهما في المال والحرب. وقال ~~يونس: والله ما أدري ما بينهما. و<<كغيرهم>> خبر، و<<رعايا>> خبر ثان أو ~~عطف بيان <<للكاف>> أو لمتعلقها إذا جعلت حرفا، أو خبر، وك<<غيرهم>> حال ~~مقدمة. والله أعلم . PageV01P370 والمنطقيون يجعلون <<إن>> و<<لو>> ~~و<<إذا>> و<<كلما>> ونحوهن أدوات لزوم، وهو مذهب ابن الحاجب المتقدم، ~~واستعمال <<لو>> على قاعدة اللغة والنحو والمعاني والبيان أكثر في القرآن ~~والحديث وأشعار العرب ونثرهم، وعلى قاعدة المنطق أكثر في استعمال أرباب ~~التأليف خصوصا في كتب المنطق وعلم الكلام؛ لأن المقصود بتحصيل العلوم بيان ~~أن سبب الثبوت والانتفاء في الواقع ماذا، وثمرة الخلاف بين الطرفين تظهر؛ ~~فباستثناء نقيض المقدم فإنه جائز عند أهل اللغة ومن معهم دون أهل المنطق، ~~وفي استثناء عين المقدم فإنه العكس. وأما استثناء نقيض التالي فجائز اتفاقا ~~واستثناء عينه باطل اتفاقا، وهن عند المنطقيين للدلالة على أن العلم ~~بانتفاء الثاني علة للعلم بانتفاء الأول ضرورة انتقاء اللازم من غير التفات ~~إلى أن علة انتفاء الجزاء في الخارج ما هي العلم بالثبوت كذلك، وليست تلك ~~الدلالة معناهن عندهم، بل يترتب على معناهن، ومعناهن هو لزوم الثاني للأول ~~مع انتفاء ms233 اللازم المعلوم فيستدل به على انتفاء الملزوم المجهول. ومثال ~~الدلالة على كون العلم بانتفاء الثاني علة للعلم بانتفاء الأول أن يستثنى ~~نقيض التالي في نحو: " كلما كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، لكن النهار ~~ليس بموجود فالشمس ليست بطالعة ". ومثال الثبوت: وهو أن تدل على أن العلم ~~بوجود الأول علة للعلم بوجود الثاني أن يقال في استثناء عين المقدم: " كلما ~~كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، لكن الشمس طالعة فالنهار موجود ".قيل: وقد ~~تستعمل <<لو>> في اللغة استعمال المنطق قليلا، كقوله تعالى { لو كان فيهما ~~آلهة إلا الله لفسدتا } (¬1) PageV01P371 إذ المقصود تعليم الخلف الاستدلال على الوحدانية بأن ~~يستدلوا بالتصديق بانتفاء إفساد على التصديق بانتفاء التعدي، وليس المقصود ~~بيان أن انتفاء الفساد في الخارج علته انتفاء التعدد، قلت: بل المقصود هذا ~~البيان لا تعليم الخلق الاستدلال؛ فالآية على قاعدة النحو واللغة، وأي دليل ~~على أن المقصود تعليم الاستدلال، وإنما الظاهر الجاري على سائر أحكام ~~القرآن بيان أنه لا تعدد، وكل آية توهم بها أحد ما توهم بالآية، قلت فيها ~~ما قلت في الآية، وحين يستفاد الحكم على طريق العربية قاس المستفيد عليها ~~أو لم يقس. # وذكر بعض أن <<لو>> إما لمجرد الوصل ولا امتناعها، نحو: " زيد ولو قل ~~ماله جواد " وإما للترتيب الخارجي فهي لامتناع الثاني لامتناع الأول. وإما ~~للاستدلال العقلي فهي لامتناع الأول لامتناع الثاني، وإما لبيان استمرار ~~شيء يربطه بما بعد النقيضين، كقوله: " لو لم يخف الله لم يعصه " فهذه أربع ~~استعمالات. والله أعلم. # ... وإذا تقرر لك أن << لو >> لتعليق حصول مضمون الجواب بحصول مضمون ~~الشرط في الماضي - على حد ما مر علمت أنه يلزم غالبا المضي وعدم الثبوت في ~~شرطها وجوابها إذ الثبوت ينافي التعليق، والاستقبال ينافي المضي، فلا ~~يخرجان عن الماضوية إلا لنكتة، كقوله تعالى { لو يطيعكم في كثير من الأمر ~~لعنتم } (¬1) PageV01P372 دخلت على المضارع لقصد الاستمرار التجددي في ~~الفعل وهو الإطاعة فيما مضى وقتا فوقتا فيستمر نفيه لدخول <<لو>>، أي: لو ~~أطاعكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms234 - مرة بعد مرة في كثير من الأمر ~~لوقعتم في جهد وهلاك، أي: امتناع عنتكم بسبب استمرار امتناعه عن إطاعتكم.إذ ~~كما يجوز أن يكون المستمر امتناع الإطاعة فيكون المعنى امتناع عنتكم بسبب ~~استمرار امتناعه عن إطاعتكم؛ إذ كما يجوز يفيد المضارع المثبت استمرار ~~الثبوت يجوز أن يفيد المنفي استمرار النفي، والامتناع ب<<لو>> نفي كما تفيد ~~الاسمية تأكيد الثبوت، وإذا نفيت أفادت النفي كما هو أحد أوجه ذكرتها في ~~قوله تعالى { وما ربك بظلام للعبيد } (¬1) أي: عدم ظلمه أكيد فليس النفي ~~نفيا للتأكيد ولو تقرر أن النفي يتوجه على الأصل إلى القيد، لأن هذا إنما ~~هو إذا اعتبر القيد سابقا على النفي، ألا ترى قوله تعالى { وما هم بمؤمنين ~~} (¬2) إذ كان ردا لإثبات أكيد في قولهم <<إنا آمنا>>؛ فالمراد تأكيد النفي ~~لا نفي التأكيد وإلا أفاد أن لهم إيمانا غير أكيد وليس كذلك لأن دعواهم ~~بقولهم: <<إنا آمنا>> حصول مطلق الإيمان، وحمل لو يطيعكم على استمرار ~~الإطاعة أولى لوجهين، الأول: أن الغالب توجيه النفي إلى القيد هو هنا ~~الاستمرار والمقيد هو الإطاعة. والثاني: أن عنتهم إنما يلزم من استمراره - ~~صلى الله عليه وسلم - على إطاعتهم (¬3) فيما يرون صوابا فكأنهم قدوته عكس ~~الواجب. PageV01P373 وأما مطاوعته لهم في قليل من ~~الأمر فاستجلاب فيما لا ضير فيه، وأما حمله الآية على استمرار الامتناع ~~ففيه الوجه الثاني دون الأول. ورجح بعضهم حملها على استمرار الامتناع لأنه ~~يلزم على حملها على استمرار الإطاعة ثبوت إطاعتهم في الكثير، لأن المنفي ~~عليه الاستمرار على إطاعتهم في كثير فيثبت نفس إطاعتهم في كثير.وقلت: فيه ~~نظر لأن معنى نفي الاستمرار على الإطاعة في كثير هو نفي نفس تكرر الإطاعة ~~في هذا الأمر، وفي هذا الأمر، وهكذا. وأوجب بعضهم حملها على استمرار ~~الامتناع لأن مضمون الكلام عليه أن علة انتفاء العنت هي استمرار امتناع ~~الإطاعة، وهو لا ينافي ثبوت أصلها ومع ثبوتها لا ينتفي العنت. ويبحث بأن ~~الإطاعة في البعض لا يترتب عليها عنت، فلا حاجة لنفي أصل الإطاعة كما هو ~~مقتضى ms235 استمرار الامتناع، بل الواجب نفي استمرارها كما هو مقتضى نفي استمرار ~~الإطاعة إلا أن يقال: أصل الإطاعة في البعض موجود أيضا في وجه نفي استمرار ~~إطاعة تأمل. # ودخلت<<لو>>على المضارع في قوله تعالى { ولو ترى إذ وقفوا على النار } (¬1) PageV01P374 لنكتة هي تنزيله منزلة الماضي ~~لصدوره عمن لا خلف في أخباره. وإن قلت: أخبار الصادق شيء يدل على تحققه، ~~قلت: فرض الرؤية إنما هو بالنسبة إلى المخاطب، وأما أصل الرؤية فأمر مذكور ~~لا على وجه الفرض؛ فكأنه قيل: يرى أهل النار موقوفين على النار، ولو ترى ~~أنت لترى أمرا عجيبا. فدخول<<لو>>يجعل <<ترى>> بمنزلة الماضي في تحقق أصل ~~الرؤية الذي يشعر به قوله: <<ولو ترى>>، وبهذا أيضا عما قد يقال: من أن ~~تنزيل المضارع منزلة الماضي في التحقق ينافي دخول <<لو>> الدالة على ~~الامتناع باعتبار الإسناد إلى المخاطب والتحقق لأصل الفعل، فذكر<< لو>> ~~للإشعار بأن الرؤية بمثابة من الهول أنه يمتنع من المخاطب، ورؤية الكفار ~~وما معها إنما هي يوم القيامة لكنها جعلت بمنزلة الماضي المتحقق، فاستعمل ~~فيها <<لو>> المختص بالماضي، لكن عدل عن لفظ الماضي الأنسب بحسب الظاهر ~~تنبيها على أن لفظ المستقبل الصادر عمن لا خلاف في إخباره بمنزلة الماضي ~~المعلوم تحقق معناه، ولما كانت الرؤية والوقف على النار وقولهم ماضية ~~تأويلا مستقبلة تحقيقا روعي الجانبان معا فأتي ب<<لو>> وصيغة المضارع، وفي ~~صيغة المضارع إحضار الرؤية والوقف. وقولهم لأن المضارع للحال أو للاستقبال ~~والإيقان بالمشاهدة، ولا بد في الإحضار من تنزيل المستقبل منزلة الماضي ثم ~~هذا الماضي التنزيلي منزلة الحال الحاضرة، فذلك مجاز على مجاز بناء على ما ~~قيل من أن تنزيل المستقبل منزلة الحال إحضار له يشاهد لم يوجد في كلامهم، ~~وأن الماضي هو الذي يجوز تنزيله منزلة الحال الحاضر. PageV01P375 # وأقول: لا مانع من أن يقال في الآية: نزل المستقبل منزلة الحال الحاضر ~~لأنه مقصد مقبول لا تكلف فيه ولا حجة على منعه، وقال المبرد: قد تستعمل ~~<<لو>> في المستقبل استعمال إن للمستقبل بلا شرطها نكتة كقوله - صلى الله ~~عليه ms236 وسلم - << ولو بالصين >> أي: وتطلبونه بالصين أو لو يكون العلم ~~بالصين، وقوله - صلى الله عليه وسلم - << تناكحوا تناسلوا فإني مباه بكم ~~يوم القيامة ولو بالسقط>> أي: ولو أباهي بالسقط أو لو يكون التباهي السقط، ~~و<<تناكحوا >>أمر و<<تناسلوا>> مضارع مجزوم في جوابه محذوفة منه إحدى ~~التاءين، أو أمر بدل من الأول بدل اشتمال؛ فإن التناسل ليس للتناكح لكن ~~إسناد نسبة الطلب إليهم في التناسل مجاز، لأن التناسل ليس باختيارهم. # * ومن إذا الشرطية قول أبي نواس : [ من مجزوء الوافر ] # يزيدك وجهها حسنا ... إذا ما زدته نظرا # ... روي أنه كان عند الرشيد جارية بديعة الجمال تسمى جنان، وكان له ولع ~~بها زائد، فنظم فيها ليلة بيتا واجتهد أن يزيد آخر فلم يقدر، فقال علي بأبي ~~نواس، فبادر الغلمان وأحضروه في الحال وقد امتلأ قلبه رعبا، فقال له: لا ~~تجزع، فقال: فكيف لا أجزع وقد طرقت في مثل هذه الساعة وذعر أهلي وتركت ~~النائحة في بيتي ولا يشك أهلي في مثلي، قال: أحضرناك لتجيز بيتا قال: ما هو ~~يا أمير المؤمنين قال: # <<جنان قد رأيناها فلم نر مثلها بشرا >>. # فقال أبو نواس: << يزيدك وجهها حسنا إذا ما زدته نظرا >> # فقال الرشيد: أحسنت فزد # فقال: إذا ما الليل جار عليك في الظلماء واعتدى*وراح وما به قمر فأبرزها ~~تر القمرا # فأنس الرشيد منه وقال: قد دعوتك في مثل هذه الساعة وأفزعناك فحق لك علي ~~الجائزة، وأمر له بمبلغ فأخذه وانصرف * (¬1) . والله أعلم . # باب تنكير المسند PageV01P376 ينكر لعدم إرادة الحصر والعهد، نحو: " زيد ~~كاتب " بمعنى أنه يكتب بالقلم أو بمعنى أنه يتكلم نثرا، وهو معنى معتاد ~~شهير يقابلون به كلاما آخر يناسب الباب ويصح مثالا له وهو قولك: " زيد شاعر ~~" ولست أعن أنه إذا نكر فلا حصر ولو مع أداة الحصر، فإن هذا لا يتوهم دخوله ~~في العبارة، فإن نحو: " ما زيد إلا كاتب أو إلا شاعر " و" إنما زيد كاتب أو ~~شاعر " للحصر قطعا ، وليس كلامي أيضا مفيدا بمفهومه أنه كلما عرف المسند ~~كان العهد لجواز ms237 إرادة الجنس ، نحو: " الشجعان الرجال" وفي هذا المثال ~~الحصر ، ولجواز إرادة غير الجنس وغير العهد نحو : " إن رجلا شجاعا عالما ~~ورعا ابنك " حيث لا عهد وليس في هذا حصر . # وحاصل مرادي أنه لو أريد الحصر به مع ما يكون كالجزء منه كأل والمضاف ~~إليه لا بنحو تقديم وإلا وإنما، أو أريد به العهد لعرف. وينكر أيضا ~~للتفخيم؛ أعني أنه يقصد التفخيم بتنكيره لا أن التفخيم لا يحصل إلا ~~بتنكيره، فإنه يحصل أيضا بالتعريف بأن يجعل المعهود هو الفرد العظيم، بل ~~التفخيم بالتنكير أعظم بمعنى أن هذا الفرد بلغ من العظمة بحيث لا يدرك كنهه ~~نحو: [ قوله تعالى ] { هدى للمتقين } (¬1) إذا جعل خبرا ل << ذلك ~~الكتاب>>أو خبرا آخر له، أوخبرا لمحذوف أي كامل الهداية، وأكد ذلك بجعله ~~نفس الهداية ، إذ كان لفظ << هدى >> مصدرا أبقي مبالغة أو أول بوصف أو ~~إضافة ، وإن جعل حالا أفاد التفخيم أيضا ، ولم يكن من الباب . PageV01P377 وليس التنكير المفيد هو الجائز فقط بل الجائز ~~والواجب، وليس كل تنكير جائز أو واجب يفيد التفخيم، بل تارة فالحال واجب ~~التنكير، تارة يجيء للتفخيم وتارة لغير التفخيم. وينكر المسند أيضا للتحقير ~~نحو: " الحاصل لك من هذا العمل شيء " أي: حقير. وأما نحو: " ما عمر وشيئا ~~قائما " أفاد التحقير نفى كونه شيئا بل لفظ شيء فيه أقرب للتفخيم إذ قصد ما ~~عمر شيئا معتدا به. والله أعلم . # باب تخصيص المسند # بالإضافة أو الوصف أو الحال أو التمييز أو بالظرف # أو الجار والمجرور المتعلقين أو بغيرهن من الفضلات # يخص بذلك لزيادة الفائدة نحو: " ذلك الإنسان رجل عالم " لأن <<ذلك ~~الإنسان>> يصلح للذكر والأنثى، فأفاد أنه رجل وزاد فائدة العلم. وأما نحو: ~~" زيد رجل عالم " فالخبر فيه موطئ لا مفيد فنعته مفيد لا زائد فائدة، إلا ~~إن اعتبرت أنه قد يكون زيد طفلا فأفدت برجل أنه بالغ، أو أن زيدا قد يكون ~~اسم امرأة، فحينئذ يكون الخبر مفيدا لا موطئا للفائدة، فيكون النعت يزيد ~~فائدة. ومثال الإضافة "عمرو غلام هند " إذا لم ms238 يعلم المخاطب أن عمرا غلام ~~أو عبد، فأفدته أنه غلام، وزدت أنه لهند، وإن علم أنه غلام ولا يدرى أنه ~~لهند فالإضافة لتوقف الفائدة عليها لا لزيادة فائدة. PageV01P378 # ولا يخفى أن التخصيص لغة يصح إطلاقه ولو في نعت المعرفة أو المضاف إليه ~~المعرف، وتخصيصه بالمعرفة اصطلاح نحو، ولذلك لم أشعر حتى أطلقت هنا في ~~المعرفة، وكما يصلح غلام إذا أطلق لأن يكون غلام زيد أو غيره أو أبيض أو ~~أسود مثلا، فيفيد مثلا بأنه << غلام زيد >> بالإضافة أو بأنه << غلام ~~أبيض>> بالنعت، كذلك " جاء زيد " يحتمل أنه جاء راجلا أو راكبا فيفيد مثلا ~~راكبا وهو حال، و" طاب زيد " يحتمل أنه من جهة النفس وغيرها فيفيد ب(نفسا ) ~~وهو تمييز، و" ضربت الكافر " يحتمل أن الضرب بالعصا أو بالسوط فيفيد مثلا ~~بالسوط، وكذا سائر الفصلات تعم العموم البدلي ذاتي للنكرة في الإثبات خارج ~~عن ذات الفعل مطلقا. والله أعلم . # باب ترك تخصيص المسند # بالإضافة والوصف ونحوهما # ... ... يترك لما مر في ترك تقييد المسند إليه لمانع من زيادة الفائدة. ~~والله اعلم. # باب تعريف المسند [ لإفادة السامع ] # ... ... يعرف لإفادة السامع حكما بأمر قد علمه بأحد طرق التعريفعلى أمر ~~آخر قد علمه أيضا باحد طرق التعريف سواء اتحد الطريقان نحو: "الراكب هو ~~المنطلق "، أم اختلفا نحو: " زيد هو المنطلق ". أو لإفادة السامع لازم ~~الحكم بأمر بأحد طرق التعريف على أمر آخر قد علمه أيضا بأحد طرق التعريف؛ ~~كالمثالين إذا أريد بهما لازم الفائدة وليس في كلامهم مسند إليه ومسند ~~معرفة في الجملة الخبرية، وجاز ذلك في الجملة الإنشائية نحو: " من أنت " و" ~~ما هذا " و " كم درهما مالك ". # ويزاد مبتدأ هو اسم تفضيل في جملة هو نعت نحو: " مررت برجل أفضل منه أبوه ~~" إذا ذكرت من التفضيلية إذا اسم التفضيل بمنزلة المعرفة لامتناع دخول ~~<<أل>> عليه حينئذ، فإن سيبويه يجوز الإخبار بالمعرفة عن النكرة المتصفة ~~للاستفهام أو أفعل التفضيل على حد ما مر آنفا، وغيره يجعل النكرة خبرا ~~مقدما، وهو الصحيح؛ ألا ترى أن ms239 معنى " من أنت أنت أريد أن أعرفك " وهكذا. PageV01P379 # ولا بد من مغايرة المسند والمسند إليه بحسب المفهوم ليكون الكلام مفيدا ~~ولو اتحدا في الماصدق، ولا بد من اتحادهما فيه؛ إذ لا يقال: " الصخرة الريح ~~" أو نحو ذلك، بل " زيد القائم" و " زيد القائم " فمفهوم <<زيد>> هو مسماه، ~~ومفهوم <<قائم>> الذي قام، ويفيد أن زيدا قام. وأما " أنا أبو النجم وشعري ~~شعري " فعلى تقدير شعري الآن مثل شعري القديم لم يتبدل عن الصفة التي اشتهر ~~بها من الفصاحة والبلاغة. وعلمت من قولنا: ( على أمر آخر قد علمه أيضا ~~بأحد...الخ ) أنه يقال مثلا: " زيد أخوك " لمن يعرف أن له أخا. وقال عبد ~~القاهر، شيخ السعد التفتازاني في الإيضاح: إنه يقال لمن يعرف زيدا بعينه ~~سواء كان يعرف أن له أخا أو لم يعرف. وذكر الرضي شيخه الآخر أن أصل وضع ~~تعريف الإضافة على اعتبار العهد وإلا لم يبق فرق بين " غلام زيد " و" غلام ~~لزيد " فلم يكن أحدهما معرفة والآخر نكرة يعني كما صرح به السيد، حتى إنه ~~لو كان له غلامان أي أو غلمان فلا بد أن يشار إلى غلام له مريد اختصاص زيد ~~لكونه أعظم غلمانه وأشهرهم بكونه غلاما له، أو لكونه معهودا بين المتكلم ~~والمخاطب. وإذا قيل: " غلام زيد " بلا إشارة إلى معين فالإضافة للحقيقة ~~الصادقة بفرد ما من غلمانه أو بكلهم، كما تجيء <<أل>> كذلك. # والضابط في التقديم في نحو " زيد أعود" " وعمرو المنطلق " و" أخوك زيد ~~المنطلق عمرو" أنه إذا كان للذات صفتان ولو بالتأويل ك<<الأخ>> إذ تضمن ~~الأخوة وك<<زيد>> إذ هو معنى مسمى بزيد. وهو كالصفة في التعيين وكلتاهما ~~معرفة، وعرف السامع اتصافه بأحدهما دون الآخر، فأيهما كان بحيث يعرف السامع ~~اتصاف الذات به. وهو كالطالب بحسب زعمك لأن تحكم عليه بالأخرى، وجب أن تقدم ~~اللفظ الدال عليه وتجعله مبتدأ، وأيهما كان بحيث يجهل اتصاف الذات به. وهو ~~كالطالب أن تحكم بثبوته للذات وانتفائه عنها، وجب أن تؤخر اللفظ الدال عليه ~~وتجعله خبرا. PageV01P380 # وإذا عرف السامع ms240 كلا من الصفتين للذات ولم يعرف أن الذات متحدة، كما عرف ~~السامع أن له أخا وعرف زيدا بعينه ولم يعرف أن زيدا وأخاه متحدان، فأنت ~~بالخيار في جعل أيهما شئت مبتدأ أو خبرا. وإذا عرف السامع زيدا بعينه واسمه ~~ولا يعرف اتصافه بأنه أخوك وأردت أن تعرفه ذلك قلت: " زيد أخوك ". وإذا عرف ~~أخا له ولا يعرفه على التعيين وأردت تعيينه عنده قلت: " أخوك زيد " والسامع ~~على التقدير يعرف أن له أخا ويعرف الاسم ويعرف الذات بعينها، لكن تارة يعرف ~~اتصاف تلك الذات بذلك الاسم ويجهل اتصافه بالأخوة، وتارة بالعكس. ولا يصح ~~في التقدير الثاني أن تقول: " زيد أخوك " وإن قلت ينبغي أن يصح لحصوله ~~المقصود عليه من إفادة السامع أن الأخ متصف بأنه مسمى بزيد. غاية الأمر أن ~~قولك: " أخوك زيد " أولى فكيف يجعل واجبا ؟ قلت: الأمر المستحسن في نظر ~~البلغاء لا يجوز مخالفته لنكتة؛ فهو واجب بلاغة وإن لم يكن واجبا عقلا وفي ~~مطلق صحة الكلام، ويظهر ذلك في قولك: " رأيت أسودا غابها الرماح " فإنه لا ~~يصح رماحها الغاب لأن الأسد الحقيقي لا يناسبه الرمح بل الغاب، فلا يعاجل ~~في وصفه بذكر الرمح.والمراد بالأسود: الشجعان، لكن جعلتهم سباعا مبالغة ~~وادعاء. وإذا قلت مثلا: " عمرو منطلق " وأردت اعتبار الجنس أفاد القصر، ~~ومثله " زيد الأمير " وإذا لم يكن أمير سواه و" عمرو شجاع " وذلك تحقيق بأن ~~اعتبرت القصر الإضافي بالنسبة إلى قوم أو زمان أو مكان أو غيره، أو مبالغة ~~بأن تريد أنه لا منطلق إلا عمرو، ولا أمير إلا زيد، ولا شجاع إلا عمرو، ~~وغير معتد بانطلاق غير عمرو وشجاعة غيره ولا بإمارة غير زيد. PageV01P381 # وكذا يفيد الكلام الحصر إذا جعل المعرف ب<<أل>> مبتدأ نحو " المنطلق عمرو ~~" و" الأمير زيد" و" الشجاع عمرو " إلا أنه جعل خبرا كان مقصودا على الخبر، ~~وإن جعل خبرا فهو مقصور على المبتدإ. وقال السيد: الجزئي الحقيقي لا يكون ~~محمولا، والصحيح أنه يكون محمولا؛ نحو: " المنطلق زيد " وتأوله بأن المعنى ~~المنطلق المسمى زيدا. وعلى ms241 تأويله يختلف قولك " المنطلق زيد" و" زيد ~~المنطلق " فإن موضوع " زيد المنطلق " جزئي حقيقي لا تأويل فيه؛ فالموضوع ~~جزئي والمحمول كلي، بخلاف " المنطلق زيد " على تأول السيد، فكلاهما كلي. ~~ولا يقال عندنا: " الله الدهر " وقال غيرنا: قد ورد (لا تسبوا الدهر فإن ~~الله هو الدهر)، فقيل: الدهر اسم الله. والظاهر عندي: أن المعنى أن الله هو ~~الذي يخلق ما تنسبونه إلى الزمان. كذا ظهر لي منذ عشر سنين أو أكثر، ثم ~~رأيت والحمد لله للصبان عن حاشية عبد الحكم( كذا )على السعد عن فائق ~~الزمخشري ما وافقه، ونصه: أن قولك: << الله هو الدهر>> معناه: أن الجالب ~~للحوادث هو الله لا غيره، وقيل أيضا في قولك: <<التوكل على الله>> ~~و<<الإمام من قريش>> أنه يفيد الحصر. وإذا عرف المبتدأ والخبر جميعا ب<<لام ~~الجنس>> احتمل قصر المبتدإ على الخبر وقصر الخبر على المبتدإ؛ واختار السعد ~~قصره على الخبر؛ لأن القصر مبني على قصر الاستغراق، وذلك بالمبتدإ أنسب إذ ~~القصد فيه إلى الذات، وفي الخبر إلى الصفة. وقال السيد: لا يخفى أنه يصح ~~ذلك فيما إذا كان المبتدأ أعم من الخبر كقولنا: " الناس العلماء " وأما إذا ~~كان الخبر أعم كما في قولنا: " العلماء الناس " فلا، إذ لا وجه لقصر العام ~~على العام، فلا يتجه اختيار قصر المبتدإ على الخبر، والصواب أن يقال: " إنه ~~إن كان أحدهما أعم فهو المقصور، وإن كان بينهما عموم من وجه يفوض إلى ~~القرائن، وإن لم توجد قرينة فالأظهر قصر المبتدإ في الخبر. PageV01P382 # ... ... ومن الإخبار بالعام على الخاص قول الخنساء: [ من الوافر ] # إذا قبح البكاء على قتيل ... رايت بكاءك الحسن الجميلا (¬1) # ... وهو مثل قولك: " العلماء الناس "، ولا قصر في البيت عند السعد (¬2) ~~قال : إنه لا قصر فيه إذ ليس المعنى عليه عند الذوق السليم والطبع المستقيم ~~، ولو أمكن بحسب النظر والتأمل القاصر ؛ لأن هذا الكلام للرد على من يتوهم ~~أن البكاء على أخيها الذي ترثيه قبيح كغيره ، فالرد على هذا المتوهم بمجرد ~~إخراج بكائه من القبح إلى كونه حسنا، وليس ms242 هذا الكلام واردا في مقام من ~~يسلم حسن البكاء ، إلا أنه يدعي أن بكاء غيره حسن أيضا حتى يكون معناه: إن ~~بكاء ك هو الحسن الجميل فقط ، إذ لا يلائمه قولها : إذا قبح البكاء على ~~قتيل، وإنما الملايم له إذا ادعى حسن البكاء عليك وعلى غيرك، فيقال حينئذ: ~~إن بكاءك فقط هو الحسن الجميل . والذي عندي غير هذا؛ وهو أن فيه القصر ~~مبالغة منها في المقابلة، والجواب تدعي أن الحسن الجميل كله مقصور على ~~بكائك، وتقول: إن البكاء إنما يقبح على غير أخيها من القتلى لا على أخيها ~~بل البكاء على أخيها هو الحسن الجميل، حتى كأنه لا جمال غيره زعما ودعوى، ~~وإلا لقالت حسنا جميلا بالتنكير ففيه ما يلائم قولها إذا قبح البكاء على ~~قتيل وزيادة، وليس هذا قصور نظر كما قال السعد. والله أعلم . PageV01P383 وأما إذا كان التعريف ب(أل للعهد) ~~فقيل لا حصر يتصور فيما يكون فيه عموم كالجنس فيحصر في بعض الأفراد، نعم ~~قصر القلب يتأتى في العهد أيضا، فيقال لمن اعتقد أن ذلك المنطلق هو عمرو" ~~المنطلق زيد " أي: <<لا عمر كما تعتقد>>. ومثله قصر التعيين إلا إذا كان ~~المعهود نوعا فإنه يصح فيه أيضا قصر الإفراد، فتقول: " زيد المنطلق " مريدا ~~النوع الفلاني من المنطلق ؟ فيصبح حصره إفرادا، وقال الفخر الرازي (¬1) : ~~في نحو " زيد المنطلق " و" المنطلق زيد " الاسم متعين للابتداء في الحال أو ~~في الأصل تقدم أو تأخر لدلالته على الذات والصفة متعينة للجزية تقدمت أو ~~تأخرت لدلالتها على أمر نسبي ، وهو المعنى القائم بالذات ، لأن معنى ~~المبتدإ هو المنسوب إليه معنى الخبر هو المنسوب، والذات هي المنسوبة إليها، ~~والصفة هي المنسوب قال عبد الحكيم: الصفة هي ما دل على ذات مبهمة باعتبار ~~معنى قائم بها فمقابلها الاسم ما يدل على الذات فقط، أو المعنى فقط، أو ~~الذات المعينة باعتبار المعنى، كاسم الزمان والمكان والآلة، قلت: الأولى ~~إسقاط لفظ المعينة وكذا في النحو، وأما في اللغة وعلم الكلام فالصفة المعنى ~~المصدري، ورد قول الفخر [ الرازي] ms243 أن المنطلق إذا قدم وجعل مبتدأ لم يرد به ~~مفهومه المشتمل على معنى نسبي وهو ثبوت الانطلاق لشيء، بل أريد به ذاته وهو ~~ما صدق عليه فهو كالاسم.. PageV01P384 و<< زيد>> إذا أخر وجعل خبرا أريد ~~به مفهوم مسمى ب<<زيد>> مثلا فهو كوصف، فيكون الوصف مسندا إلى الذات دون ~~العكس، وهذا على أن الجزئي الحقيقي لا يصح حمله بل يكون موضوعا تحمل عليه ~~المفهومات الكلية يشهد بذلك تأملك في المعنى مع قطع النظر عما توهمه ~~الألفاظ، وهو قول الكوفيين أن الخبر أبدا مشتق أو في معنى المشتق، ومذهب ~~السعد والجمهور أنه يصح حمل الجزئي؛ فلا يؤول <<زيد>> المخبر به بمسمى، ~~فمعنى <<المنطلق زيد>> الذات التي ثبت لها الانطلاق، هي الذات المشخصة ذات ~~<<زيد>> وهو الصحيح من مذهب البصريين. وإن قلت أي حاجة في قول من يقول ~~بتأويل <<زيد>> بمسمى أو بصاحب، قلت: الاحتياج إلى التأويل إنما هو من جهة ~~أن السامع قد عرف ذلك الشخص بعينه، وإنما المجهول عنده اتصافه بكونه صاحب ~~اسم، وسوق هذا الكلام إنما هو لإفادة هذا المعنى. وأما عند المنطقيين فهذا ~~التأويل واجب قطعا؛ لأن الحقيقي عندهم لا يكون محمولا البتة، فلا بد من ~~التأويل بمعنى كلي وإن انحصر في الواقع على شخص. والله أعلم . # باب كون المسند جملة PageV01P385 ... ... يكونها لتقوية ثبوت المسند ~~للمسند إليه أو انتفائه عنه نحو: "زيد قام" و"ما قام زيد "وهي مقصودة ~~بالذات وللحصر، فيفيد الكلام التقوية بالعرض نحو"أنا سعيت في حاجتك" ~~وللبيان بعد الإجمال مع ضمير الشأن أو لكونها سببية، نحو: "زيد أبوه قائم" ~~و"ما زيد أبوه قائم" وسبب التقوية على ما مر تكرير الإسناد. وذكر السكاكي ~~في المفتاح (¬1) أن المسند إليه لكونه مسندا إليه يستدعي أن يسند إليه شيء ~~، فإذا جاء ما يصلح أن يسند إليه صرفه المسند إليه إلى نفسه، أي: مع قطع ~~النظر عن إسناد فيه، وسواء كان خاليا عن الضمير أو متضمنا له فينعقد بينهما ~~حكم، ثم إذا كان متضمنا لضميره المعتد به صرفه ذلك الضمير إلى المسند ms244 إليه ~~ثانيا فيكتسي الحكم قوة ، وظاهر هذا أنه تختص التقوية بما يكون مسندا إلى ~~ضميرالمبتدإ فيخرج ، نحو: " زيد ضربته" لأنه فضلة فضعف وليس ذلك مرادا له ~~به، لأنه قال: إن قولك : " زيد عرفته " يفيد تحقيقا، وخرج بالمعتد مالا ~~يعتد به وهو ضمير الوصف ، نحو: " زيد قائم " وتقدم كلام في ذلك فإنه لا ~~يكون مع الوصف جملة . # وقال عصام الدين: الأظهر أن الضمير يصرف الجملة إلى المسند إليه أولا، ~~لأن كونها صالحة للصرف إليه بملاحظة الضمير، ثم يصرفها المبتدأ إلى نفسه ~~لكونها صالحة. وقال عبد القاهر في دلائل الإعجاز: إنك إذا أتيت لاسم معرى ~~عن العوامل دل على أنه قد قوي إسناد حدث إليه، فإذا قلت: " زيد " فقد أشعرت ~~قلب السامع بأنك تريد إسناد حدث إليه، فهذه توطئة، فإذا ذكرت الخبر دخل في ~~قلبه دخول المأنوس لترقبه، فذلك تقوية، ولكن هذا بظاهره يصلح أيضا لما إذا ~~لم يكن الخبر جملة. PageV01P386 والإعلام بالشيء بعد التنبيه ~~عليه أقوى من الإعلام به بغتة، ويدخل الجملة التي ضميرها العائد للمبتدإ ~~فضلة، ويتحصل مما ذكرته أولا تعليل بطريق آخر، وهو أنه أسند الفعل إلى ~~المبتدإ وإلى ضميره فقد أسند الفعل وحده لا مع ضميره إلى المبتدإ. والله ~~أعلم. ثم كون الجملة المسندة اسمية للثبوت وكونها فعلية للتجدد والدلالة ~~علىأحد الأزمنة بأقرب طريق، وكونها شرطية لاعتبارات معاني أدوات الشرط، ~~وحققوا أن الجملة الاسمية التي الخبر فيها فعل ومرفوعه لا تفيد الثبوت بل ~~التجدد. والله أعلم . # باب كون المسند جملة ظرفا أو جارا ومجرورا PageV01P387 يكون ذلك لاختصار ~~الفعلية إن قدر المتعلق فعلا، إذ لو صرح به لطال الكلام لأنه يعتبر هو ~~والضمير فيه، وأما الوصف فضميره لا يعتبر. وقال عصام الدين: التحقيق أنه ~~ليس لظرفية الجملة نكتة داعية إليها بالذات، إنما تصير ظرفية بالضرورة لما ~~مر من دواعي حذف المسند، واعلم أن الأصح تقدير الفعل عند بعض لأن الفعل هو ~~الأصل في عمل النصب والرفع، والظرف والمجرور منصوبان بما يتعلق بهما، وهما ~~معمولان لما تعلقا به، وكذا الضمير ms245 المستتر فيهما مرفوع على الفاعلية، ~~فكونه قبل الانتقال إليهما مرفوعا بالفعل أولى، وإنما كان أصلا في العمل ~~لأنه يدل بالوضع على حدث وصاحب ومحل وزمان وعلة، فهو مفتقر إلى ذلك كله، ~~والعامل إنما يعمل لافتقاره إلى غيره من حيث المعنى فيعمل فيه، والفعل أشد ~~افتقارا وهو يفتقر من حيث الحدث وغيره، والاسم إنما يعمل من حيث الحدث فقط، ~~ويدل أيضا لتقدير الفعل، قيل لتعينه في الصلة الظرفية، نحو: " الذي عندك " ~~و" الذي على الفرس " فيحمل عليها الخبر الظرفي، وقيل تقدير الاسم أولى وهو ~~الصحيح عندي لأن مراعاة الإفراد في الخبر أرجح من مراعاة الأصالة في العمل، ~~والأصل تقليل المحذوف. وإذا قدر فعلا كان الخبر جملة محذوفة على قول، أو ~~حذف فعلها وانتقل ضميره إلى الظرف والجار والمجرور على قول. وإذا قدر وصفا ~~فضمير الوصف مع الوصف ليس جملة استتر فيه أو انتقل، وأما تعين الفعل في ~~الصلة فلا دليل فيه لأنه قياس مع وجود الفارق؛ إذ الصلة من مظان الجملة. ~~قيل وأيضا قد تعين الاسم في نوع من الخبر وهو ما بعد <<أما>> و<<إذا ~~الفجائية >>، نحو: " أما في الدار فزيد " و" إذا لهم مكر في أتينا " لأن ~~<<إما>> لا تفصل من (الفاء) إلا بالاسم أو جملة شرط، و<<إذا الفجائية >>لا ~~يليها الفعل على الأصح. قلت: لا دليل في ذلك لأن المحذوف في ذلك واجب الحذف ~~فتكتفي <<إما>> و<<إذا>> بما يذكر بعدها من اسم. PageV01P388 # والله أعلم . # باب تأخر المسند # يتأخر لكون المسند إليه ذكره أهم إذا كان أهم، ولأن الأصل في المسند ~~التأخر، أو لأن فيه ضمير عائد إلى المسند إليه، نحو: " زيد في داره " فإنه ~~يترجح على <<في داره زيد >> وغير ذلك مما يعرف من تقديم المسند إليه ~~وتأخيره. والله أعلم. # باب تقديم المسند # يقدم لكونه أهم إذا كان أهم في نفسه أو لاتصال ضمير بعضه بالمسند إليه، ~~نحو: " في الدار صاحبها " إذ لا يجوز "صاحبها في الدار". وللصدارة نحو: " ~~أين عمرو ". ولحصر المسند إليه فيه، نحو: " قريشي أنا " أي: ms246 ما أنا إلا ~~قريشي، وقوله تعالى { لا فيها غول } (¬1) أي: الغول من حيث انتفاؤه لا يوجد ~~إلا في خمر الجنة، أي: انتفاء الغول لا يوجد إلا في خمرها، فعدم الغول ~~مقصور على الاتصاف بالحصول في خمور الجنة لا يجاوزه إلى الاتصاف بالحصول في ~~خمور الدنيا، وإنما قلت: <<على الاتصاف>> لأن قصر الموصوف على الصفة معناه ~~قصره على الاتصاف بها، وهذا إنما هو إن اعتبرت النفي في جانب المسند إليه ~~وجعلته جزءا منه، فتكون القضية معدولة الموضوع لجعل حرف النفي جزءا منه، ~~فهي موجبة، وإن اعتبرته في جانب المسند كانت معدولة المحمول لجعل حرف النفي ~~وهو لا جزءا منه فتكون القضية موجبة أيضا، وباعتبار العدول في الوجهين ~~يندفع ما يرد من أنه إذا كان تقديم المسند في الآية للحصر؛ فإذا نفي حصر ~~القول في خمور الجنة لا نفي الغول عنها، وقد اعترض جعلها معدولة الموضوع ~~بفصل فيها بين الموضوع و<<لا>>، أجيب بأن الفصل بين <<لا>> و<<غول>> ففيها ~~لا يصح لكونه ظرفيا يتسع فيه. PageV01P389 والمعنى على اعتبار النفي في جنب المسند أن <<الغول>> ~~مقصور على عدم الحصول في خمور الجنة لا يتجاوزه إلى عدم الحصول في خمور ~~الدنيا، وهذا نوع من القصر الإضافي فلا يرد عليه أن الحصر في صفة لنفي ~~مقابلها، وأن المتبادر من حصر <<الغول>> في عدم الحصول في خمور الجنة أنه ~~لا يتصف بمقابل ذلك وهو الحصول فيها. كما أن قولك: "إنما زيد قائم " نفي ~~لقعوده لا لقيام عمرو، وبكون الحصر إضافيا يندفع ما يقال على الحصر من أنه ~~يلزم أن عدم <<الغول>> لا يتجاوز إلى لبن الجنة مثلا وليس بمراد، فإنه لا ~~يخفى أن الحصر في مقابلة خمور الدنيا دون سائر المشروبات، وبحثوا في تخريج ~~الآية على الحصر بأن تقديم الخبر على النكرة لا يفيد الحصر، إلا إن كان لها ~~مسوغ ابتداء غير ذلك التقديم، قلنا: قد تقدم أن القضية فيها موجبة لجعل حرف ~~النفي كجزء من المجهول أو الموضوع، فعلى هذا قد يقال إن التقديم للتسويغ ~~وللحصر ms247 معا، وأما لو جعلنا القضية سالبة بأن لم نجعل حرف النفي كجزء من ~~أحدهما فهو المسوغ والتقديم للحصر، وقد يقال التنوين في غول للتنويع؛ فهو ~~المسوغ وتخلص التقديم للحصر. ومثل الآية في الحصر الإضافي لكن مع التعريف، ~~قوله تعالى { لكم دينكم ولي ديني } (¬1) أي: لكم لا لي دينكم ولي لا لكم ~~ديني، فلا يرد أن دينه له وللمسلمين، ولا أن دينهم ولغيرهم من المشركين، ~~ومثلها قوله تعالى { إن حسابهم إلا على ربي } (¬2) في قصر الموصوف على ~~الصفة في باب الظرف قصرا إضافيا، لكن مع التعريف وتأخير الخبر. PageV01P390 قال في المفتاح: المعنى حسابهم مقصور على الاتصاف ~~ب<<على ربي>> لا يتجاوزه إلى الاتصاف بعلي وذلك أن ذلك النبي عليه السلام ~~هو الذي يتوهم كون الحساب عليه لكونه المتصدي للدعوة إلى الله تعالى وإن ~~شئت فقل المعنى نفي حسابهم مقصور على الاتصاف بعلى غير ربي فيكون الحصر ~~حقيقيا لأن ما عدا الله غير محاسب لهم لا ذلك النبي ولا غيره من الخلق؛ ~~فذلك كله قصر موصوف، وهو المبتدأ على الصفة، وهو الخبر لا عكس ذلك، لأن ~~الحمل على العكس يستدعي جعل التقديم لقصر المسند على المسند إليه، والقانون ~~إنه لقصر المسند إليه على المسند، وقيل بصحة العكس على معنى أن الكينونة في ~~خمور الجنة مقصورة على عدم الغول لا تتجاوزه إلى الغول. وللخمر صفات كالصحة ~~والسلامة لا عدم الغول فقط فهو إضافي، وقيل بصحة العكس بمعونة المقام لا ~~بالوضع، وحمل عليه قول علي: ( لنا علم وللأعداء مال ) أي: مالنا إلا العلم، ~~وما للأعداء إلا المال، وليس المراد: أن العلم مقصور على الاتصاف ~~ب<<لنا>>وأن المال مقصور على الاتصاف ب<<الأعداء>> إذ السياق يأباه، ولعدم ~~إرادة الحصر في قوله تعالى { لا ريب فيه } (¬1) لم يقدم قوله فيه لأن الحصر ~~يفيد الريب في سائر كتب الله عز وجل؛ إذ هي المعتبرة في مقالة ( الكتاب ) ~~بمعنى القرآن لا مطلق الكلام، وكتب الله معجزة بالإخبار بالغيب، فلا ريب ~~فيه للاهتمام لتوهم الحصر. والله أعلم . PageV01P391 ويقدم المسند للتنبيه من أول ms248 الأمر إلى أنه خبر لا نعت ~~للمبتدإ الذي هو نكرة، سواء أكان لها مسوغ أو لم يكن إذا كان يتوهم النعت ~~بالتأخير، والتقديم إراحة للفكر إذ لو أخر واستعمل الفكر لأدرك بالمعنى أو ~~بعدم وجودها ما يكون خبرا سواه أو غير ذلك أنه خبر لا نعت، أما إذا كان ~~المسند نكرة والمسند إليه معرفة فلا إيهام. واعلم أن حاجة النكرة إلى نعت ~~أشد من حاجتها إلى الخبر؛ فهي تطلب النعت طلبا حثيثا، وبذلك يندفع أنه مع ~~التقديم تتوهم الحالية إذا صلح لها، وقد لا يعلم أنه خبر إلا بالتقديم؛ ~~فالتقديم حينئذ ليعلم أنه خبر لا ليعلم من أول الأمر، ومثال ذلك: قول حسان ~~يمدح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ من الطويل ] # له همم لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجل من الدهر # له راحة لو أن معشار جودها ... على البر كان البر أندىمن البحر ~~PageV01P392 ... ولو قال <<همم له>> لتوهم النعت توهما قويا لاستدعاء ~~النكرة في مقام الابتداء التخصيص وصلاحية الظرف لذلك، وكون<<لا منتهى ~~لكبارها>>خبرا له، أو صفة بعد صفة، أو حالا من المستتر في << له >> لو كان ~~نعتا والخبر محذوف، كلاهما خلاف المقصد، وهو إثبات الهمم الموصوفة له - صلى ~~الله عليه وسلم - لا إثبات الصفة المذكورة لهممه، ولا إثبات أخرى للهمم ~~الموصوفة بل إثباتها له، ولا يخفى أن الإخبار ب(له) أظهر فقدم ليفاد أولا، ~~والهمة: الإرادة، وتمدح إذا تعلقت بالأمور العالية، وصغرى هممه - صلى الله ~~عليه وسلم - أجل من الدهر نفسه، فكيف لا يكون أجل من همم الدهر. والعرب ~~تضرب المثل بالدهر لوقوع عظائم الأمور فيه كأن له همم، ويجوز أن يكون ذلك ~~على حذف، أي: أجل باعتبار متعلقها أو أجل من همم أهل الدهر باعتبار متعلقها ~~أيضا، وإنما قلت: باعتبار متعلقها لأن الهمة وهي الإرادة لا يفاضل فيها ~~باعتبار نفسها. ويقدم المسند أيضا للتفاؤل كقوله: [ من الكامل] # سعدت بغرة وجهك الأيام ... وتزينت ببقائك الأعوام # ? ... والمسند <<سعدت>>?ولو أخر وجعل فيه ضمير <<الأيام>>?وكانت الجملة ~~خبرا لكان مسندا مع ضميره مؤخرا، هكذا ms249 الأيام سعدت، ولكن قدم ولا ضمير فيه، ~~وكان الأيام فاعلا، ويقدم السند للتشويق إلى ذكر المسند إليه بأن يكون في ~~المسند المتقدم طول يشوق النفس إلى ذكر المسند إليه فيكون له وقع في النفس ~~ومحل من القبول، لأن الحاصل بعد الطلب أعز من المنساق بتعب، كقوله [ محمد ~~بن وهيب الحميري صلبية في مدح المعتصم ]: [ من البسيط ] # خليفة الله إن الجود أودية ... أحلك الله منها حيث تجتمع # إن أخلف القطر لن تخلف مخايله ... أو ضاق أمر ذكرناه فيتسع # فليدخل وإلا فلينصرف، فقام محمد بن وهيب فقال: من يقول مثله قال: ( ثلاثة ~~تشرق...الخ ) &%$ PageV01P393 ... ف<<ثلاثة>> مسند وهو خبر مقدم، و<<شمس ~~الضحى>> مسند إليه مبتدأ، ولم يعكس ذلك لئلا يخبر من نكرة بمعرفة مع أن تلك ~~النكرة ليست اسم استفهام ولا اسم تفضيل. ولا حاجة إلى كون << ثلاثة >> خبر ~~المحذوف و<< شمس >> بدلا من << ثلاثة>> لما فيه من التكلف، وقدم << ثلاثة ~~>> ووصفه بإشراق الدنيا ببهجتها ليشتاق إلى ذكر من هي له و" تشرق " مضارع ~~أشرق الرباعي بمعنى تصير مضيئة و"الدنيا " فاعل والجملة نعت <<ثلاثة>> ~~والرابط ( ها ) من ب<<هجتها>> لعوده ل<<ثلاثة>> أي: ببهائها، وأضاف الشمس ~~للضحى؛ لأن ساعة قوتها مع عدم شدة إيذائها، و << أبو إسحاق >> كنية المعتصم ~~ووسطه بين <<الشمس>> و<<القمر>> للإشارة إلى أنه خير منهما، لأن خير الأمور ~~أوسطها، ولإيهام تولده من <<الشمس>> و<<القمر>>، وأن <<الشمس>> أمه ~~و<<القمر>> أبوه. وجميع أحوال المسند والمسند إليه جارية في الفضلات بحسب ~~الإمكان كالذكر والتقديم والتنكير والإطلاق وأضداد ذلك وغير ذلك، وإنما ~~يذكر ذلك فيهما فقط لكونهما عمدتين كما تقدم إلا ضمير الفصل، وكون المسند ~~فعلا فإن ذلك مختص بالمسند، إذ كل فعل مسند دائما إلا باب كان على ما مر ~~وما لا فاعل له، كالفعل المؤكد للفعل وحده، وطال وقل على القول بأنه لا ~~فاعل لهن في طالما وقلما وكثير ما، والصحيح أن <<ما>> كافة عن طلب الفاعل ~~بل مصدرية والمصدر فاعل.والله أعلم. # باب ذكر المفعول مع الفعل (¬1) PageV01P394 يذكر معه لإفادة ~~وقوع الفعل عليه، كما يذكر ms250 الفاعل لإفادة وقوع الفعل من الفاعل، أو اتصاف ~~الفاعل به؛ فالفعل تلبس بكل منهما ولو لم يكن المراد تلك الإفادة والتلبس، ~~بل حصول الفعل أو انتفاؤه فقط لقيل مثلا وقع الضرب وثبت أو لم يثبت أو لم ~~يقع، ولم يقل: << ضرب زيد عمرا >> أو << لم يضربه>> ومثل ذلك يجري في سائر ~~الفضلات، لكن المفعول به أكثر حذفا وقربا من الفاعل، ويقال لهن متعلقات ~~الفعل (بكسراللام)عند المحققين ولو صح (الفتح ) أيضا إذ المراد معمولات ~~الفعل، والمتعارف أن المعمول متعلق (بالكسر )، والعامل متعلق (بالفتح )، ~~وسره أن التعلق هو التثبت، والمتشبث (بالكسر ) هو المعمول الضعيف، والمتشبث ~~به (بالفتح ) هو العامل القوي. والله أعلم . # باب تنزيل المتعدي منزلة اللازم # وهو أن لا يتعلق القصد إلى مفعول عام ولا خاص، فحينئذ لا يذكر له مفعول ~~به ولا يقدر، لأن الغرض مجرد حصول الفعل من الفاعل أو عدم حصوله له، حتى ~~إنه لو أريد أيضا مجرد حصول الفعل ولم يتعدى الغرض بفاعله لم يذكر من صدر ~~منه، فيقال: " وقع الضرب " وإن أريد بيان المفعول مع الفعل مثلا ليفيد وقع ~~الضرب على <<زيد>> بالبناء للمفعول. ولو تعلق بمفعول دون آخر ذكر ما تعلق ~~به نحو: " زيد يعطي ألفا " في مقام ذكر جوده، إذ ليس الغرض بيان الذي يعطيه ~~<<زيد>> ألفا، ولو أريد بيانه فقط لقيل: " زيد يعطي عمرا " في مقام بيان ~~أنه لا يحرمه، وإذا قصدا معا ذكرا معا. PageV01P395 # وكذا الكلام في ثلاثة المفاعيل؛ يذكر ما تعلق الغرض به منهن، وإن تعلق ~~بهن ذكرن، أو لم يتعلق بهن لم يذكرن، ولا يقال في عدم التعلق: إنه محذوف، ~~لأن المحذوف كالمذكور في تعلق الغرض به، لكن حذف للعلم، أو للاختصار، أو ~~نحو ذلك، أو للعموم. وقيل يجوز أن ينزل منزلة اللازم ويقصد العموم، وقال ~~السكاكي: إذا كان المقام خطابيا، وهو ما يكتفي فيه بمجرد الظن لا استدلاليا ~~وهو ما يطلب فيه اليقين البرهاني، فالفعل لمجرد الثبوت أو الانتفاء مع ~~التعميم في إفراد الفعل لا في إفراد المفعول، ولو ms251 كان يلزم عليه التعميم في ~~إفراد المفعول، وليس التعميم منافيا لكون الغرض الثبوت أو الانتفاء؛ لأن ~~التعميم مفاد غير مقصود بالذات، وعدم كون الشيء معتبرا في الغرض لا يستلزم ~~عدم كونه مفادا من الكلام، فهو دال على مجرد الثبوت والانتفاء، والتعميم دل ~~عليه المقام بواسطة ذكر الفعل بلا مفعول، ولا قصد مفعول دلت عليه قرينة، ~~لأن حمله حينئذ على فرد من أفراد الفعل دون الآخر تحكم، وهو ترجيح أحد ~~الشيئين على الآخر بلا مرجح، تقول: " زيد يعطي " وتريد كل إعطاء مبالغة، ~~فيقصد المطلق ليجعل وسيلة إلى جميع أفراد الفعل فالمقصود أولا وبالذات ~~الإطلاق وثانيا وبالعرض العموم، وقيل: مقصود بالذات أيضا، وعلى كل حال ~~فمفيد التعميم في الإفراد الفعل لا بالوضع ولا بذاته، بل بمعونة المقام؛ ~~فالكلام المشتمل على ذلك ممدوح يقصد ذلك بتلويحه إليه، ولو لم يشتمل على ~~التلويح به، بل فهم من مجرد الخارج لم يعتد به، ومن هذا الباب قوله تعالى { ~~قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون } (¬1) PageV01P396 أي: من توجد له حقيقة العلم ومن لا توجد له، إذ ليس ~~المعنى نفي المساواة بين من يعلم كذا ومن لا يعلمه، ولا بين من هو أهل علم ~~مخصوص وبين من هو ليس من أهل العلم المخصوص، ولا كناية في ذلك عن فعل متعلق ~~بمفعول. # ... وقيل: الأكثر أن يكون الفعل المنزل منزلة اللازم عن فعل على لفظه ~~متعلق بمفعول به محسوس مدلول عليه بقرينة، وعلى المعنى المكنى يقال: " فلان ~~يعطي " أي يعطي كل أحد فيعطي هكذا على إطلاقه كناية عن يعطي كل أحد، لأن ~~الإعطاء إذا صدر منه مثله لا يخص أحدا، ويحتمله قوله تعالى { والله يدعو ~~إلى دار السلام } (¬1) أي: تحصل منه الدعوة، ودعوته ملزومة لكل أحد لتقرر ~~عموم لطفه، ومنه قول البحتري يمدح المعتز بالله معرضا بذم المستعين بالله، ~~وكلاهما ولد المتوكل على الله [ من الخفيف ]: # شجو حساده وغيظ عداه ... أن يرى مبصر ويسمع واع (¬2) PageV01P397 ... <<الشجو>>:?الحزن والحساد، و<<الأعداء >>:المستعين ~~بالله ومن وافقه، و<<الرؤية والسمع>>?المذكوران ليسا نفس الشجو ms252 والغيظ ولكن ~~أخبر بهما عنهما،?لأنهما سببها. والشاعر وقف على المنقوص المنون برد الياء ~~إذ سقط التنوين، والأفصح الوقف بإبقاء بها على الحذف وإسكان ما قبلها، فلا ~~تكتب كما في قاض ومن كان يقف بعدها، فإنه يكتبها ويحتمل أن الشاعر كسر ~~(العين )?وأثبت (الياء )?للضرورة، وإن أصل (العين )?السكون للوقف وكسره ~~لساكن قصده وهو(الياء )?التي أرادها لوزن القافية، وهي لام الكلمة، ويحتمل ~~أنها أخرى، ومعنى ???يرى مبصر ويسمع واع????أن يثبت ذو رؤية وذو سمع، فيدرك ~~بالبصر محاسنه وبالسمع أخباره الظاهرة الدالة على استحقاقه الإمامة دون ~~غيره، فلا يجد أعداءه وحساده الذين يتمنون الإمامة إلى منازعته في الإمامة ~~سبيلا فترى أنه نزل يرى ويسمع منزلة اللازم؛ أي:?يصدر عنه السمع والرؤية من ~~غير تعلق بمفعول مخصوص، ثم جعلها كنايتين عن الرؤية والسمع المتعلقين ~~بمفعول مخصوص هو محاسنه وأخباره بواسطة ادعاء الملازمة بين حصول مطلق ~~الرؤية ورؤية آثاره ومحاسنه، وبين حصول مطلق السمع وسمع أخباره للدلالة على ~~أن آثاره وأخباره بلغت من الكثرة والاشتهار إلى حيث يمتنع خفاؤها فيبصرها ~~كل راء ويسمعها كل واع، ودليل تلك الكناية جعلهما خبرا عن الشجو والغيظ، بل ~~لا يبصر الرائي إلا آثاره، ولا يسمع الواعي إلا أخباره، لأنه ولو كان أيضا ~~غير آثاره وأخباره،?لكن سوق الكلام أن يكون فيه من المزايا ما ليس في غيره ~~حتى يختص بالإمامة، فذكر الملزوم وهو مطلق الرؤية والسمع، وأراد اللازم وهو ~~رؤية آثاره وسمع أخباره، تلويحا بأن فضائله قد بلغت من الظهور والكثرة إلى ~~حيث يكفي فيها مطلق حصول ذي بصر وذي سمع، ولو ذكر المفعول أو نوي لم يعد ~~الكلام ذلك.والله أعلم. PageV01P398 # ?وإذا تعلق الغرض بالمفعول ذكر أو حذف، والأصل ذكره، وإذا حذف قدر بحسب ~~ما يدل عليه عاما أو خاصا كقوله تعالى { والله يدعو إلى دار السلام } (¬1) ~~??أي كل أحد فهذا عام، وقول عائشة رضي الله عنها:???ما رأيت منه وما رأى ~~مني). والله أعلم. # باب حذف المفعول به PageV01P399 ... ليحصل الإبهام بحذفه ثم يبين ~~بعد، كما في فعل المشيئة والإرادة والمحبة ms253 ونحوهن، وغالب ذلك إنما هو إذا ~~كن شروطا، ومن غير الغالب أن يكون ذلك في الاسم، والاسم لا يكون شرطا، أو ~~في فعل غير شرط، نحو أن يقال: " بمشيئة الله تفعل " و" بإرادته تفعل " أو " ~~فعلت بمشيئة الله " و" بمشيئة الله فعلت " أي:?بإرادته لفعلك أو بمشيئته ~~لفعلك تفعل أو فعلت، وتقول: " شاء الله ففعلت " أي: شاء الله فعلك ففعلت. ~~ومن غير الغالب أن يكون في حيز الشرط، نحو: " لو كان أقله مريدا لقمت " ~~أي:?مريدا لقيامي، وهذا قريب من كونه شرطا، لأنه من جملة شرط. وقد يكون ~~أيضا من متعلقات جملة الشرط، نحو: " جاء زيد شائيا لأكرمته " أي?شائيا ~~للإكرام، وشرط حذفه بعد فعل المشيئة ونحوها أن لا يكون تعلق الفعل به غريبا ~~كقوله تعالى { ?فلو شاء لهداكم أجمعين } (¬1) ?فإن تعلق المشيئة ~~بالهدايةغير غريب، والجواب في ذلك هو الدليل على المفعول المحذوف، ويقدر من ~~جنس الجواب؛ فإنه لما:?قيل لو شاء علم السامع أن هناك شيئا تعلقت المشيئة ~~به لكنه أبهم، وإذا جيء بالجواب صار مبينا فيكون الوقع في النفس لاستعدادها ~~له،?وإن كان تعلق الفعل به غريبا لم يحسن حذفه بل يحسن ذكره كقوله [ أي قول ~~أبي الهندام الخزاعي يرثي ابنه الهندام ]: [ من الطويل ] # قضى وطرا منك البحبيب المودع ... ومثل الذي لا يستطاع فيدفع # &%$ PageV01P400 ... فإن تعلق فعل المشيئة ببكاء الدم ~~غريب، فذكره ليتقرر في نفس السامع ويأنس به حيث ينكر عليه، والمعنى أن في ~~ما يوجب بكاء الدم عليه، ولكن أعان على تركه الصبر، فعليه متعلق ~~ب<<أبكي>>?و<<ساحة الصبر>>?جهته أوسع من البكاء، وسكن (ياء)?أبكي للضرورة ~~أو على لغة من لا يظهر نصب الفعل المعتل (بالياء)?أو (الواو)، وأما قوله:[ ~~أي قول أبي الحسين علي بن أحمد الجوهري ]:[ من الطويل ] # ??فلم يبق في الشوق غير تفكري ... فلو شئت أن أبكي بكيت تفكرا (¬1) PageV01P401 ... فليس حذف مفعول فعل المشيئة لأنه مذكور، وهو أن ~~<<أبكي>> المتبادر من البكاء الحقيقي؛ لأنه أراد أن يقول: " أفناني النحول ~~فلم يبق مني غير خواطر تجول في حتى إني لو شئت البكاء المعتاد لم ms254 يتيسر، إذ ~~لم يبق في عيني دمع، بل يتيسر الفكر فهو بدل الدمع، فالمشيئة معلقة ببكاء ~~مطلق غير معتبر فيه تعلقه بمفعول، أو ببكاء الدمع فلا يصح بيانه بالبكاء ~~الثاني، إذ لا يقال: لو شئت أن تعطي درهما أعطيت درهمين، إلا أنه قد يقال ~~ذلك لداع، كالمبالغة في الإعطاء إذا قصدت في المثال بأن نفسه لا تطاوع إلى ~~درهم واحد، ولو حذف الأول لتوهم أن المراد " لو شئت أن تعطي درهمين " وقال ~~صدر الأفاضل تلميذ الزمخشري في كتاب له سماه: (ضرام السقط شرح لكتاب يسمى ~~سقط الزند): حاصله أن مفعول <<أبكي>> محذوف على التنازع أو هو تفكر آخر ~~البيت فإنه مفعول ل<<بكيت>> أو <<لأبكي>> وإن مفعول المشيئة لم يحذف لأن ~~تعلق المشيئة ببكاء التفكر غريب يعني أنه لما كان معمول المشيئة مما يكون ~~تعلق معمولها به غريبا، عد كأنه معمول المشيئة، إذ كان سبب الغرابة، فذكر ~~أو جعل كالمذكور، لأن المتنازع فيه إن كان له فظاهر، وإن كان لبكيت فقد ~~اكتفى لفظان لتوجه معناه إليه. وقد قيل: بجواز حذف الفضلة من الثاني المهمل ~~عن المتنازعين، وحاصل ذلك أن تعلق المشيئة بكاء التفكر غريب، كتعلقها ببكاء ~~الدم، ويجوز أن يكون المعنى: قد صرت بحيث أقدر على بكاء التفكر، كما يقول ~~قدرت على ما لم يقدر عليه غيري، لا أن يكون المعنى: لو أردت بكاء التفكر ~~لفعلت، لأن قوله: << لم يبق مني الشوق غير تفكري>> يأبى هذا المعنى عند ~~التأمل الصادق؛ لأن القدرة على بكاء التفكر لا تتوقف على أن لا يبقى فيه ~~غير التفكر. PageV01P402 # وإن قلت: المراد قد صرت أقدر على بكاء التفكر فقط دون بكاء الدمع والدم ~~ونحوهما، وهنا يتوقف على أن لا يبقى التفكر قلت: يدفعه تخصيص الدمع بعدم ~~البقاء في هذا الوجه، أي لم تبق مادة الدمع في ألا يقال المراد ولا غيره. ~~والله أعلم . # باب حذف المفعول به لئلا يتوهم أولا إرادة غير المراد # ... ذلك كقوله [ أي قول البحتري ] :[ من الطويل ] # وكم ذت عني من تحامل حادث ms255 ... وسورة أيام حززن إلى العظم? (¬1) # ... أي قطعته إلى العظم، فحذف المفعول به وهو "اللحم " لأنه لو ذكر لتوهم ~~قبل ذكر قوله إلى العظم أن القطع لم ينته إلى العظم، ولا يقال: لو قال جززن ~~إلى العظم اللحم لم يحصل التوهم، لأنا نقول لا يجب أن تكون مطردة منعكسة ~~فحصولها مع شيء كتقدم إلى العظم لو قدم، وذكر بعده اللحم لا ينافي أن تحصل ~~مع شيء آخر، ولأن تأخر مفعول به بلا واسطة حرف جر، كاللحم هنا مما هو مفعول ~~به بواسطة كالعظم هنا، خلاف الظاهر. والذي ظهر لي هو الجواب الأول. ثم رأيت ~~الصبان ذكر مع الثاني عن ابن قاسم عن غيره. والحمد لله لا رب غيره . PageV01P403 ... ومعنى ذت: دفعت، أدغم (دال) ذاد في ~~(تاء) المخاطب، ويجوز كتبه مع ذلك ب(ذال مهملة بعد معجمة وتاء بعدها)، ~~ويروى بالتكلم يصف نفسه بأنه يدفع عن نفسه بالتثبت والصبر. و<<كم>> خبرية ~~واقعة على الزمان فهي ظرف ل<<ذدت>>، أو على <<الذود>> فهي مفعول مطلق له، ~~وجعلها استفهامية محذوفة التمييز مجهل بعدد الدفع لكثرته تكلف وتحامل ~~الحادث إتيانه إياه بلا عدل منه، و<<من>> زائدة في المفعول به للضرورة، ~~وقيل: بجواز زيادتها في الإثبات، وقيل: بجواز زيادتها في تمييز << كم>> ~~وأولى من ذلك لما فيه من هذه التأويلات ما قيل: إن الحامل تمييز ل<<كم>> جر ~~ب<<من>> لفصله ب<<ذدت>>، قالوا إذا فصل بين <<كم الخبرية>> وتمييزها بفعل ~~متعد وجب الإتيان ب<<من>> لئلا يلتبس بالمفعول، ولا يقال: لا يندفع الإلباس ~~على قول من أجاز زيادة <<من>> ولو في الإيجاب، ومع التعريف لا يتأتى ولا ~~يرجى البحث إلى دفع تسليم ذلك الجواز، وتأويل ما يستدل به و<< سورة أيام>>: ~~شدتها وصولتها، وقال: << حززن>> بالجمع لأن إضافة<< سورة>> للجنس ولكل يوم ~~من الأيام التي ذكرها << سورة>> أو لاكتساب الجمع من إضافته للجمع كقوله: ~~<<وصاحب الديار شغفن قلبي>>، وذلك إذا كان المضاف إليه يغني عنه ويشير ~~إليه.والله أعلم. # باب حذف المفعول أولا # ليقع الفعل على صريح لفظه # بعد لا على ضميره ms256 إظهارا لكمال العناية بوقوعه على صريح لفظه ذلك، كقوله: ~~" ضرب زيد " و" ضربت عمرا " بالبناء للفاعل، أي: ضرب زيد عمرا، مما اتفق ~~فيه الفعلان، وكقوله [ أي قول البحتري في مدح المعتز بالله ]: [ من الخفيف ] # قد طلبنا فلم نجد لك في السؤ ... دد والمجد والمكارم مثلا (¬1) PageV01P404 ... حذف مفعول <<طلبنا>> وهو مثلا ~~ليصرح به مفعول، لقوله لم نجد اهتماما بتسليط <<لم نجد>>على مثلا مبالغة في ~~نفي المثل وعدم وجوده، ولو ذكر لطلبنا لتسلط لم نجد على ضميره فقط، والتسلط ~~على الظاهر أشد وأظهر، ولو قلنا: إن البيت والمثال من التنازع لم يخرجا عن ~~الباب إذا عملنا الثاني، وقيل: لا يعد التنازع من هذا الباب لأنه ليس ذكره ~~بعد على سر إظهار الكمال في العناية، وإن قلت: لو ذكر الظاهر أولا وثانيا ~~لكان من وضع الظاهر موضع المضمر، فيفيد كمال العناية، قلت: لم يذكر أولا ثم ~~ثانيا حذف المفعول أكثر من وضع الظاهر موضع المضمر، فنكتة الحذف أولا أنه ~~مع الإتيان به بعد يلزم التكرار، ولو ذكر أولا ونكته ذكره ثانيا المبالغة ~~في تسليط العامل عليه، فإنه لا يخفى أن قولك: " لم نجد لك مثلا " أقوى من ~~قولك: " لم نجده لك" برد (الهاء) لمثل لو ذكر. ويجوز أن يكون السبب في حذف ~~مفعول طلبنا ترك مواجهة الممدوح بطلب مثل له قصدا إلى المبالغة في التأدب، ~~حتى إنه لا يجوز في دعوى الشاعر وجود المثل له، فضلا عن أن يطلب، لأن ~~العاقل لا يطلب إلا ما يجوز وجوده. والله أعلم. # باب حذف المفعول للتعميم مع الاختصار PageV01P405 كقولك: " قد كان منك ما ~~يؤلم " أي: ما يؤلم كل أحد، بقرينة أن المقام مقام المبالغة، ولو ذكر ~~المفعول العام لحصل العموم وفات الاختصار، والعموم في المثال مبالغة أو ~~حذف، وكقوله تعالى { والله يدعو إلى دار السلام } (¬1) أي: يدعو كل أحد، ~~والعموم هنا تحقيق، والآية ولو احتمل أن تكون من تنزيل المتعدي منزلة ~~اللازم، لكن التأمل والذوق يشهدان أن القصد إلى المفعول به، فإن الحمل على ~~أمثال هذه ms257 المعاني مما يتعلق بقصد المتكلم ومناسبة المقام، ولذا جعل ~~السكاكي في المفتاح نحو فلان يعني محتملا للتنزيل منزلة اللازم والقصد إلى ~~المفعول.والله أعلم. # باب حذف المفعول لمجرد الاختصار لوجود قرينة # وإنما قلت لوجود قرينة لأنه لو لم توجد لكان الحذف للإبهام أو لصيانة ~~الكلام عن ذكره أو الخوف منه أو عليه أو للجهل به أو نحو ذلك، نحو: " أصغيت ~~إليك" أي: أذني دل عليه أصغيت، وقوله تعالى { أرني أنظر إليك } (¬2) أي ~~أرني إياك بدليل <<أنظر إليك>>، وإن قلت: <<أرني>> بمعنى اجعلني رائيا، ~~والرؤية المجعولة نفس النظر، فكيف يترتب أنظر على أرني ؟ قلت : معنى ~~<<أرني>>: مكني من الرؤية وارفع ما يمنع منها ، وكم شيء حضر للأنسان وأمكن ~~أن ينظره ولم ينظره تعالى الله . PageV01P406 ومن هذا الباب أن يذكر العام في الكلام ثم يحذف، فإن حذفه ~~للاختصار لا للعموم، نحو: " كان مني ما يكرم كل أحد وكان منك ما يؤلم " أي ~~كل أحد فليس الحذف للعموم، وإنما يفيد العموم حذف العموم مفعول قابل لأشياء ~~يكون تخصيص أحدها بالتقدير تحكما، فحينئذ ينوى تقديرها كلها بلفظ واحد عام ~~لا بتقديرها متعاطفة، ففيه اختصاران عدم ذكر المفعول وقد ذكره لفظا ~~واحدا.والله أعلم. # باب حذف المفعول لحرف تختم به الفاصلة # ... كقوله تعالى { ما ودعك ربك وما قلى } (¬1) أي: ما قلاك، وفي حذفه ~~اختصار غير مقصود بالذات، بل المقصود بالذات الحذف لتختم الفاصلة بالألف، ~~ولا مانع من اجتماع عدة أمور دواع للحذف، بعضها بالذات، وبعضها ~~بالعرض.والله أعلم. # باب حذف المفعول لاستهجان ذكره # كقول عائشة رضي الله عنها ( ما رأيت منه ولا رأى مني ) أي العورة، وقيل: ~~الأحسن أن الحذف لتأكيد أمر ستر العورة، حتى إنه يستر لفظها من ~~السامع.والله أعلم. ويحذف المفعول أيضا للإخفاء، أو ليتمكن من إنكاره إذا ~~مست حاجة، أو لتعينه حقيقة أو ادعاء، أو غير ذلك مما مرت الإشارة ~~إليه.والله أعلم. # باب تقديم المفعول [ على الفعل ] PageV01P407 يقدم على الفعل لرد الخطإ في التعيين وهو قصر ~~قلب، كقولك: " زيدا عرفت إنسانا “ و"إنه غير زيد"، وقد ms258 أصاب في اعتقاد أنك ~~عرفت إنسانا، وأخطأ في قوله: " إنه غير زيد " وتقول: لتأكيد هذا الرد " ~~زيدا عرفت لا غيره " وهذا ظاهر. وقال عصام الدين هذا لتأكيد المقدم لا ~~لتأكيد رد الخطإ، لأن المؤكد في المتعارف هو المفيد الأول لا مفاده، ألا ~~ترى أنك تجعل في " جاء زيد الثاني " تأكيدا للأول، وقيل: يكون رد الخطإ في ~~الاشتراك كقولك: " زيدا عرفت " لمن اعتقد أنك عرفت زيدا وعمرا؛ وهو قصر ~~إفراد، وتقول في تأكيده " زيدا عرفت وحده " ويكون للتعيين كقولك: " زيدا ~~عرفت " لمن اعتقد أنك عرفت إنسانا ولكن جهل عينه وذلك قصر تعيين، ويؤكد ~~بقولك <<لا غيره>>. وتلك الأقسام كلها تتصور أيضا في الإنشاء، نحو: " زيدا ~~أكرم وعمرا لا تكرم " ويجمع الأقسام كلها قولك: يقدم للاختصاص لكن البيان ~~والتفصيل أولى. PageV01P408 # وإن قلت: كيف تتصور رد الخطإ في إنشاء ؟ مع أنه لا خارج له يحكم به ، بل ~~هو إما طلب إيجاد أو طلب ترك ، وإما خالص إيجاد ك<<بعت>>، فذلك لا يناسب ~~إثبات الخطإ ، قلت : ذلك صحيح إلا أنه يتضمن الإنشاء خبرا ، فلو قال قائل : ~~" قبل الزوال صلوا الظهر " أو قال المؤذن : " حي على الصلاة " لكان إنشاء ~~أفاد إخبار الحصول وقت صلاة الأولى وهو خطأ . وكذا قيل في التعبير ~~بالاختصاص، لأنه ثبوت شيء لشيء وانتفاؤه عنه، فلا يغلبه الإنشاء إلا ~~بالتضمن، وإذا علمت أن التقديم لرد الخطإ في تعيين المفعول مع الإصابة في ~~اعتقاد وقوع الفعل على مفعول ما علمت أنك لا تقول: " ما زيدا ضربت ولا غيره ~~" لأن التقديم يدل على وقوع الضرب على غير زيد تحقيقا لمعنى اختصاص نفي ~~الضرب بزيد، وقولك: " ولا غيره " ينفي ذلك، فيكون مفهوم التقديم مناقضا ~~لمنطق قولك: << لا غيره>>، نعم لو كان التقديم لغرض آخر غير التخصيص جاز، ~~نحو: " ما زيدا ضربت ولا غيره ولكن أكرمته " وكذلك يمنع زيدا ضربت وغيره ~~عند التخصيص، ويجوز عند عدم التخصيص، وإنما أجزت " ما زيدا ضربت ولا غيره ~~ولكن أكرمت " لأن لكن أكرمته قرينة على عدم إرادة التخصيص. ومنعه القزويني ~~لأن ms259 مبنى الكلام يتبادر أنه للتنبيه على الخطإ في اعتقاد أن المضروب غير ~~زيد، لا للتنبيه على أن الخطأ في اعتقاد أن الواقع ضرب لا إكرام. PageV01P409 # واعلم أن النصب على الاشتغال، نحو: " زيدا عرفته " من باب التأكيد إن قدر ~~الناصب قبل المنصوب، " هكذا عرفت زيدا عرفته "، وإن قدر بعده فهو من باب ~~التخصيص " هكذا زيدا عرفت عرفته " لتأخير العامل، والتأكيد للتكرير، ومرجع ~~ذلك للقرائن إذا دلت على التخصيص قدر المعمول مقدما للتخصيص وهو بالذات، ~~وحصل التأكيد بالعرض للتكرير، كذا قيل. والظاهر أنهما معا بالذات والتأكيد، ~~إنما هو للمحكوم به من إثبات أو نفي، وقيل: التأكيد إنما هو للمحكوم به من ~~إثبات أو نفي، وقيل: التأكيد للتخصيص والنفي أو الإثبات، قيل: من التخصيص ~~والتأكيد معا قوله تعالى { وأما ثمود فهديناهم } (¬1) لأنه لابد من تقدير ~~العامل على مؤخر المعمول وهكذا، وأما ثمود هدينا فهدينهم لأن أمالا يليها. # وقال السيوطي: شرط إفادة التقديم التخصيص أن لا يكون التقديم لإصلاح ~~التركيب، مثل <<وأما ثمود فهدينهم>> ، وعلى هذا فلا تخصيص في الآية ؛ لأن ~~تقدير العامل مؤخرا لإصلاح التركيب بأن لا يلي. أما الفعل فالذي في الآية ~~التأكيد فقط، وأيضا أن الهداية في الدلالة على ما يوصل إلى المطلوب لا يختص ~~بثمود فلا تخصيص، ولا يقال الحصر بالنسبة إلى فاستحبوا العمى على الهدى غير ~~مخصوص بهم أيضا، قيل: قد يكون التقديم لجهل السامع بثبوت أصل الفعل، كما ~~إذا جاءك زيد وعمرو ثم سألك سائل: ما فعلت بهما؟ فتقول: " أما زيدا فأكرمته ~~وأما عمرا فضربته " ومع الجهل بذلك لا معنى للحصر. PageV01P410 وقد أخبرتك أن ~~العمولات غير المفعول كالمفعول، نحو: " بزيد مررت " و" يوم الجمعة سرت " و" ~~في المسجد صليت " و" تأديبا ضربته " و" ماشيا حججت " و" نفسا طاب زيدا " ~~إذا ورد أو قيس في المتصرف، والتقديم للتخصيص غالبا هذا # معنى قولهم: والتخصيص لازم للتقديم ومعنى اتصاف اللزوم بالغلبة مع ~~تنافيها في الظاهر وجوده ملتصقا التصاقا معنويا بالتقديم وكل شيء وجد في ~~موقع فقد التصق # بذلك الموضع ولو كان ms260 الشيء نادرا، وقد يخرج إلى مجرد الاهتمام وهجيد ~~المسرة والتبرك والتلذذ وموافقة كلام السامع في التقديم كقولك: " زيدا ~~أكرمت " في جواب: "من أكرمت ؟ " والضرورة والسجع والفاصلة، وقد يجتمع بعض ~~ذلك مع التخصيص ومع غيره. # ... ومن التقديم للفاصلة قوله تعالى { ثم الجحيم صلوه } (¬1) { فأما ~~اليتيم فلا تقهر } (¬2) { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } (¬3) . # ... ومن التقديم للحصر والفاصلة { إياك نستعين } (¬4) و { لإلى الله ~~تحشرون } (¬5) وفيهما مراعاة طريق الاهتمام، وفي <<إياك نعبد>> الاهتمام ~~والحصر، وقد قيل الاهتمام لازم في جميع صور التخصيص، والعرب تقدم ما شأنه أهم. PageV01P411 ... ومثل تقديم المعمول على العامل تقديم ~~المعمول على غير العامل مما حقه التقديم، نحو:قوله تعالى: { وإن عليكم ~~لحافظين } (¬1) قدم عليكم للفاصلة وطريق الاهتمام، فإن أصل الاسم تقديمه ~~على الخبر، ومثل " أعطيت ألفا زيدا " فزيدا مفعول أول أصله التقديم ، وقد ~~قدم عليه الثاني ، وكذا تقديمه على الفاعل ، نحو : " قتل الرومي زيد " ~~اهتماما بقتل الرومي ليتخلص الناس من شره ، وكذا النعت في قوله تعالى { ~~وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه } (¬2) فباعتبار أن يكتم نعت ومن آل ~~نعت يكون الأصل تأخير النعت الظرفي على الجملي ، ولكن قدم لئلا يتبادر ~~تعليقه بيكتم فيتغير المعنى، ويجوز حمل أنفسهم يظلمون على التقديم للفاصلة ~~، والحصر تنزيلا لظلمهم غيرهم بالنسبة إلى ظلمهم أنفسهم منزلة العدم ، وكذا ~~( ثم الجحيم صلوه ) أي لاتصلوه إلا الجحيم و<<يقدر>> متعلق البسملة مؤخرا ~~للحصر وطريق الاهتمام ، فالحصر حصر قلب . وكان المشركون يبدأون باللات ~~والعزى وغيرهما، فرد عليهم وإن كانوا يبدأون باسم الله تعالى، واسم الضم ~~فالحصر قصر إفراد، وأما ( اقرأ باسم ربك ) فقدم فيه ( اقرأ )، لأن الأهم ~~فيه القراءة، لأنه إلى قوله تعالى ( ما لم يعلم ) (¬3) PageV01P412 أول ما نزل من القرآن على الإطلاق ، ~~وقيل: <<اقرأ >> نزل منزلة اللازم بمعنى أوجد القراءة ، و<<اسم ربك>> معمول ~~لإقرأ الثاني للحصر وطريق الاهتمام، و(الباء) للتأكيد في المفعول به ، ~~والدلالة على الدوام والتكرير ، نحو : " الخطام أخذت " وقيل: للاستعانة أو ~~المصاحبة . ويبحث بأن المتبادر أن المطلوب منه - صلى الله عليه وسلم - ~~قراءة مخصوصة لا إيجاد مطلق ms261 القراءة الفاعل، والنائب من معمولات الفعل ~~للعمدية، وتقديم المفعول الأول من باب أعطى على الثاني، لأنه فاعل في ~~الأصل، ويترك ذلك لعارض كرد الضمير في قولك: " أكرم زيدا غلامه ". # ... ولا يخفى أن الحصر يحصل بالتقديم على العامل لا بتقديم معمول على ~~آخر، وإنما يحصل بتقديم معمول على آخر الاهتمام، ولا يكفي في تحصيل ~~الاهتمام بالتقديم على العامل أو المعمول للقصد إلى الاعتناء به، بل القصد ~~إلى استشعار وجه أي سبب تكون به العناية، قال عبد القاهر: لم نجدهم اعتمدوا ~~في التقديم على الشيء يجري مجرى الأصل غير العناية، لكن ينبغي أن يفسر وجه ~~العناية بشيء يعرف له معنى، وقد ظن كثير من الناس أنه يكفي أن يقال: قدم ~~للعناية، ولكونه أهم من غير أن يذكر من أي جهة كانت تلك، وبم كان أهم ؟ ~~والأهمية تطلق على ما يعم كل غرض من أغراض التقديم على حدة أو بمرة فتشمل ~~الحصر. وتطلق على القصد إلى استشعار سبب الاعتناء كالعظمة، وإنما خير من ~~كلامي في هذا الكتاب في مواضع، منه أن التخصيص هو الحصر وهو قول الجمهور. ~~وقال السبكي (¬1) وغيره : التخصيص قصد المتكلم إفادة السامع شيئا من غير ~~تعرض لغيره بإثبات ولا نفي بسبب اعتناء المتكلم بذلك الشيء وتقديمه له في ~~كلامه ؛ فإذا قلت : " زيدا أكرمت " كان المقصود الأهم إفادة خصوص وقوع ~~الإكرام على زيد لا إفادة وقوع الإكرام منك ، ولا تعرض في الكلام لغير زيد ~~بإثبات ولا نفي . PageV01P413 ... وأما الحصر فمعناه نفي ~~غير المذكور وإثبات المذكور، ويعبر عنه ب(ما) و(إلا) وب(إنما) فهو زائد على ~~الاختصاص ولا يستفاد بمجرد التقديم، فإن قوله تعالى { أفغير دين الله يبغون ~~} (¬1) لو جعل في معنى ما يبغون إلا غير دين الله، وهمزة الإنكار أو ~~التوبيخ أو التقرير أو التعجيب داخلة عليه، لزم أن يكون المنكر الحصر لا ~~مجرد طلب غير دين الله، مع أن هذا المجرد أيضا منكر، وكذا "أغير الله ~~تأمروني أعبد"، فإن الأمر بعبادة غير الله منكر ولو بلا حصر، وكذلك { ~~أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون ms262 } (¬2) { أئفكا آلهة دون الله تريدون } (¬3) ~~وإنما جاء الحصر في { إياك نعبد وإياك نستعين } (¬4) للعلم بأنه لا يعبد ~~غير الله ولا يستعان بغيره فهو من خصوص المادة لامن وضع اللفظ. وتبع السبكي ~~في ذلك شيخه أبا حيان وابن الحاجب وابن جماعة (¬5) PageV01P414 مستدلين بنحو هذه الآيات على أن الحصر لا يحصل ~~بالتقديم، وقال الجمهور: غالب التقديم للحصر، وقد لا يكون له كهذه الأبيات ~~، وقد يقال : عندي هذه الآيات للحصر ، تلويحا بأن من فعل ما فيهن فقد حصر ~~المنكر على ظاهرهن ، ولم ينفعه أنه قد عبد الله أيضا ، وأمر بعبادته أي من ~~عبده وغيره ، فليس عابدا إلا غيره ، والله أعلم. # باب القصر # ويقال: الحصر وهما لغة الحبس، واصطلاحا تخصيص شيء بشيء على طريق مخصوص؛ ~~كإلا، وإنما، وتعريف الطرفين، والتقديم إما على الإطلاق أو على سبيل ~~الإضافة إلى معنى. فالقصر حقيقي وإضافي، وكلاهما حقيقة اصطلاحية، والإضافي ~~يقال له: نسبي ويقال له: غير حقيقي. # وذلك أن تخصيص الشيء بالشيء: إما أن يكون بحسب ما في نفس الأمر، بأن لا ~~يتجاوز ذلك الشيء المخصوص بغير ذلك الشيء الآخر الذي خص به الأول الذي هو ~~غير الأول إلى غير ذلك، الشيء الثاني أصلا وهو الحقيقي، وإما أن يكون بحسب ~~الإضافة إلى شيء آخر بأن لا يتجاوزه إلى ذلك الشيء، وإن أمكن أن يتجاوزه ~~إلى شيء آخر في بعض الصور إمكانا وقوعيا لا مجرد إمكان فهو إضافي؛ فلو كان ~~في الواقع لم يوجد لغيره، لكن يمكن أن يوجد له كان حقيقيا، فأنت خبير بأنه ~~ربما لا يمكن. ... فالحقيقي والإضافي بحسب اعتبار المعتبر - إن اعتبر ~~التخصيص بالنسبة إلى جميع الصفات الباقية - فهو حقيقي سواء أوجد الجميع ~~أولم يوجد منه شيء، أو بالنسبة إلى بعضها فهو إضافي، وإن لم يوجد إلا ذلك ~~البعض. وإنما قلت في بعض الصور لأنه ربما لا يتجاوزه إلى شيء آخر. كما ~~اعتبر القصر الذي في ( لا إله إلا الله ) بالنسبة إلى آلهة بعض البلدان فهو ~~إضافي، وإن لم يكن موجودا مع عدم التجاوز لشيء آخر. ms263 PageV01P415 # وانقسام القصر إلى الحقيقي والإضافي بهذا المعنى لا ينافي كون القصر- ~~سواء أكان حقيقيا أو إضافيا- من قبيل الإضافات، وهي النسب التي يتوقف ~~تعقلها على تعقل غيرها لتوقف كل من الحقيقي والإضافي على تعقل المقصور ~~عليه، وكل الحقيقي والإضافي نوعان: [ الأول] قصر موصوف على صفة [ الثاني] ~~وقصر صفة على موصوف # ... ... (1) باب قصر الموصوف على الصفة قصرا حقيقيا # معنى قصر الصفة على الموصوف حكمك بأن لا يتجاوز الوصوف تلك الصفة على ~~غيرها من الصفات، مع جواز أن تكون تلك الصفة لموصوف آخر كما كانت لذلك ~~الموصوف، لكن هذا الجواز ليس من مدلول القصر بل قد يمنع، نحو: " إنما الله ~~إله واحد " والمراد بالموصوف في باب القصر مطلقا ما حكم عليه بشيء؛ ~~كالمبتدأ أو الفاعل مع القصر، وبالصفة الشيء المحكوم به لغيره كالخبر ~~والفعل مع القصر، فهي المعنى القائم بغيره لا خصوص المنعوت ولا النعت، أما ~~المنعوت فقد يكون مقصورا على ذلك المعنى القائم قصر موصوف على صفة، وبالعكس ~~قصر صفة على موصوف، نحو: " ما الرجل العاقل إلا رابح "، وأما النعت فلا ~~يكون أبدا لمقصور عليه، ولا مقصورا إلا بالتوطئة، نحو: " ما زيد إلا رجل ~~عاقل "، وقيل بجواز " ما مررت برجل إلا قائم " بالتفريغ إلى النعت واسم ~~الزمان والمكان والآلة يكن موصوفات وصفات، نحو: " قفل مفتاح الدار إلا هذا ~~" و" ما هذا إلا مفتاحها ". PageV01P416 # والصفة والموصوف في النحو يطلقان على نفس اللفظ، وهنا على المعنى القائم ~~بغير هو صاحبه، وذلك المعنى القائم هو المعنى المصدري، فهما في هذا الفن ~~مغايران لهما في النحو، لا كما قيل : إن بينهما عموما وخصوصا من وجه ، ~~وإنهما متصادفان في نحو : " أعجبني هذا العلم " وفي مثل " العلم حسن " ~~موصوف وصفه من هذا الفن ، و" في مررت بهذا الرجل " موصوف وصفة نحو " يئن " ~~اللهم إلا أن يقال الكلام على المسامحة ، والمراد الصادق بين الصفة ~~المعنوية وبين معنى النعت النحوي، إلا أن لشدة الارتباط بين اللفظ ومعناه ~~نسب ما للمعنى إلى اللفظ ، إلا أن في جعل هذا العلم من النعت ، نظرا ms264 لأن ~~النعت يدل على معنى في المنعوت ، والعلم نفس المشار إليه، اللهم إلا أن ~~يتكلف أن اسم الإشارة مبهم فيه مطلق معنى الشيء المشار إليه هكذا ، ثم يخص ~~بأنه علم ومثلوا بقصر الموصوف على الصفة قصرا حقيقيا بنحو: " ما زيد إلا ~~كاتب " إذا أريد أنه لا يتصف بغير الكتابة ، والظاهر أنه لا يوجد القصر ~~الحقيقي ، فإنما يكون المثال منه ، لو كان زيد لا يأكل ولا يشرب، ولا يقوم ~~ولا يقعد ، ولا يستيقظ ولا ينام ، ولا يتحرك ولا يسكن ، ولا يفعل شيئا ما ~~لا يتصف بصفة إلا لكتابة ، وذلك غير ممكن ، لأن لكل صفة منفية نفيا ، ~~وانتفاء النقيض معا لا يجوز ، ولا يمكن ذلك إلا مبالغة وادعاء أو كذبا ، ~~ولا سيما أنه لا يمكن أن يحيط أحد بصفات أحد كلها . PageV01P417 # ومن قصر الموصوف على الصفة " ما زيد إلا أخوك " و" ما الباب إلا ساج " و ~~" ما هذا إلا زيد " أي هو مقصور على الأخوة والساجية والزيدية، أو على كونه ~~أخا أو ساجا أو زيدا، والمعنى واحد، ونسبة أخ غير محتاج للتأويل؛ كما قال ~~بعض. ثم ظهر لي صحة قصر الموصوف على الصفة قصرا حقيقيا، وهو ما إذا صرح ~~بنفي نوع من الصفات عنه، إلا واحد منها يقصر عليها، نحو: " ما زيد على لون ~~من الألوان إلا على البياض " و" ما زيد أسود، ولا أخضر، ولا غير ذلك إلا ~~أبيض " فإن أراد الأوائل بقصر الموصوف على الصفة قصرا حقيقيا مثل هذا، جاز ~~وصح بلا إشكال. والإضافي ما لم يصرح فيه بدلك، نحو: " ما زيد إلا أبيض " و" ~~ما هو إلا على البياض"، والله أعلم. # ... ... (2) باب قصر الصفة على الموصوف قصرا حقيقيا # ... وهو الحكم بأن لا يتجاوز تلك الصفة ذلك الموصوف إلى موصوف آخر، لكن ~~يكون لذلك الموصوف صفات أخر، نحو: " ما قام إلا زيد " و" ما في الدار إلا ~~زيد " بمعنى أن حصول إنسان في الدار المعينة في الوقت المعين مقصور على زيد ~~وإنما قدرت حصول إنسان، لأن الدار لا تخلو عن ms265 حصول مطلق شيء غير زيد أقله ~~الهواء، ونحو: " لا إله إلا الله " و ما خاتم الأنبياء إلا محمدا - صلى ~~الله عليه وسلم - " بمعنى أن الألوهية وهي الصفة ليست إلا لله، وكذا ختم ~~الأنبياء ليس إلا لمحمد - صلى الله عليه وسلم - ، وتقدم الكلام على نحو " ~~ما هذا الثوب إلا أبيض " آخر الباب قبل هذا . PageV01P418 # ... وقد يقصد بقصر الصفة على الموصوف قصرا حقيقيا المبالغة لعدم الاعتداد ~~بحصولها لغير ذلك الموصوف وكمالها فيه، حتى كأنها انتفت عن غيره، نحو: " ما ~~في البلد إلا زيد " إذا لم تعتد بمن فيها سواه، فهو قصر حقيقي ادعائي. وكما ~~يكون القصر الادعائي حقيقيا يكون إضافيا بأن يدعي ذلك بالنسبة إلى بعض من ~~عداه. قال بعضهم: هل يسمى القصر الادعائي الحقيقي حقيقة أو مجازا ؟ الظاهر ~~أنه مجاز ، وفي الفردوس أنه من المجاز المركب ، وقال عصام الدين في الأطول ~~: ومن البديع الدقيق أنه قد يقصد المبالغة بالقصر الإضافي ، فيقال لمن ~~اعتقد ضرب زيد وعمرو : " ما ضرب إلا زيد " لا لرد اعتقاده، بل لتنزيل ضرب ~~عمرو منزلة العدم . # والفرق بين الحقيقي الادعائي والإضافي الادعائي: أن الأول يجعل فيه ما ~~عدا المذكور بمنزلة العدم، والثاني يجعل فيه ما يكون القصر بالإضافة إليه ~~بمنزلةالعدم، نحو: " ما في الدار إلا زيد" بمعنى أن الحصول في الدار مقصور ~~على زيد لا يتجاوزه إلى عمرو، وإن كان حاصلا لبكر وخالد، فهذا القصر ~~الإضافي ادعائي، إذ جعل عمرو بمنزلة العدم، والحاصل أن الأول ينزل فيه من ~~بسوى المذكور منزلة العدم، والثاني ينزل فيه بعض من بسواه وهو ما يكون ~~القصر بالإضافة إليه منزلة العدم، والله اعلم. # باب قصر الموصوف على الصفة قصرا غير حقيقي # وهو تخصيص شيء بصفة من بين الصفات، وهذا قصر إفراد، وفيه دخل قصر التعيين ~~عند السكاكي وتخصيص أمر بصفة بدل من أخرى وهذا قصر قلب، وفيه دخل قصر ~~التعيين عند القزويني، ولا يجري الانقسام، قيل إلى الإفرادي والقلبي ~~والتعييني في الحقيقي، ومثال الباب " ما زيد إلا فقيه " أي ليس مغنيا ، ~~والله أعلم. ms266 ... # باب قصر الصفة على الموصوف قصرا غير حقيقي PageV01P419 وهو تخصيص صفة شيء ~~من بين الأشياء، أو بشيء بدل من الآخر، نحو: " ما قام إلا زيد " وتريد ما ~~قام اليوم أو في الدار أو غير ذلك من القيود، وقال بعض: إنهم اتفقوا على ~~صحة " ما في الدار زيد " قصرا حقيقيا وهذا إذا أريد نفي الحصول في الدار ~~على الإطلاق، وليس رد على من اعتقد أن جميع الناس في الدار، وقال: لا يعتقد ~~أمر بجميع الصفات، واتصافه بجميع الصفات غير صفة واحدة، ولا يردده أيضا بين ~~ذلك، وكذا اشتراك صفة بين جميع الأمور، وأنت خبير بأن كلا من قصر الموصوف ~~على الصفة، وقصر الصفة على الموصوف، تخصيص شيء من بين أشياء أو شيء مكان ~~شيء، والمخاطب بالتخصيص بشيء من أشياء تخصيص موصوف بصفة، أو صفة بموصوف هو ~~من يعتقد شركة موصوفين فصاعدا في صفة، أو معينين في موصوف، وهذا قصر إفراد، ~~والمخاطب بالتخصيص بشيء مكان شيء، وهو من يعتقد عكس الحكم الذي أثبته ~~المتكلم، وهو قصر القلب، وقصر التعيين غير ذلك؛ وهو تخصيص صفة من صفتين ~~فصاعدا محتملتين في قصر الصفة، أو تخصيص موصوف من غيره مما احتمل التعدد في ~~قصر الموصوف، فالمخاطب به من احتمل عنده، والله أعلم # باب قصر الإفراد # ... وهو قطع الشركة التي اعتقدها المخاطب في الموصوف أو في الصفة؛ ~~فالمخاطب بقولنا: " ما زيد إلا كاتب " من يعتقد اتصافه بالشعر والكتابة في ~~قصر الموصوف، وبقولنا?: " ما كاتب إلا زيد " من يعتقد اشتراك زيد وعمرو ~~مثلا في الكتابة من قصر الصفة، وقد يخاطب في قصر الموصوف، أو الصفة قصر ~~إفراد من يعتقد أن المتكلم يعتقد الشركة، وقد يخاطب من يعتقد اتصاف المسند ~~إليه بالمقصورعليه، ويجيز اتصافه بالغير، فيقصر قطعا لتجويز الشركة. PageV01P420 # قيل شرط قصر الموصوف على الصفة، والصفة على الموصوف قصر إفراد عدم تنافي ~~الوصفين؛ بأن يكون بينهما عموم وخصوص من وجه أو مطلق، نحو: " ما زيد إلا ~~ماش " بمعنى أنه ليس أبيض أو ضاحكا، وبعدم تنافيها يصح اعتقاد المخاطب ms267 ~~اجتماعهما في الموصوف، فتكون الصفة المنفية في قولنا: "ما زيد إلا شاعر" ~~كونه كاتبا أو منجما، لا وجدانه غير شاعر لأن وجدانه غير شاعر ينافي كونه ~~شاعرا، وذلك في قصر الموصوف إفرادا، وكذا تقول في قصر الصفة إفرادا؛ وذلك ~~أنه لو كان الوصف مما لم يصح قيامه لمحلين لم يعتقد المخاطب بأنه بهما فضلا ~~عن أن يقصر المتكلم له قصر إفراد، نحو: " لا أب لزيد إلا عمرو " فإنه لا ~~يتحقق وصف الأبوة لزيد لاثنين إذا لم يرد الجد، ففي مثله لا يصح قصر ~~الإفراد فيه، وأقول ذلك الاشتراط ضائع، لأن المخاطب في قصر الإفراد من ~~يعتقد الشركة، بل هو مضر أو غير صحيح بالكلية، لأن عدم التنافي كما يصدق ~~باعتبار الشركة يصدق عند عدمها، كما في قصر التعيين، والله أعلم. # باب قصر القلب # ... هو عكس ما يعتقده المخاطب، سمي بذلك لأنه بدل حكم المخاطب كله بغيره، ~~بخلاف قصر الإفراد ففيه تبديل البعض وإثبات البعض، فالمخاطب بقولك: " ما ~~زيد إلا قائم " من اعتقد اتصافه بالقعود دون القيام وهذا قصر الموصوف على ~~الصفة، والمخاطبة بقولك: " ما شاعر إلا زيد " من اعتقد أن الشاعر عمرو ~~وزيد، ولا يشترط تحقق تنافي الوصفين في هذا الباب؛ لأن قولنا: " ما زيد إلا ~~شاعر " لمن اعتقد أنه كاتب وليس بشاعر قصر قلب مع عدم تنافي الشعر ~~والكتابة، لصحة اجتماعهما في موصوف واحد، وقال عصام الدين بجمع أن يجوز أن ~~يكون المخاطب به من اعتقد ثبوت الحكم لمن نفاه، وجوز ثبوته للآخر فتثبته ~~للآخر وتنفيه عما أثبته له لقلب الحكم. واشترط القزويني (¬1) PageV01P421 ذلك في قصر الموصوف على الصفة قصر قلب؛ فيكون ~~المنفي في قولنا: " ما زيد إلا قائم " كونه قاعدا أو مضطجعا أو نحو ذلك مما ~~ينافي القيام . # وعلى هذا يخرج عن أقسام القصر قولك: " ما زيد إلا شاعر " لمن اعتقد أنه ~~كاتب وليس بشاعر ، أما خروجه عن قصر الإفراد فلعدم اعتقاد المخاطب ~~اجتماعهما ، وأما خروجه عن قصر القلب فلعدم تحقق تنافيهما ، وأما خروجه عن ~~قصر التعيين فلعدم ms268 التردد ؛ مع أن القصر لا يخرج عن هذه الأقسام الثلاثة ، ~~وإن قلت: شرطه القزويني للحسن، قلت : لا يعلم من عبارته أنه للحسن بل ~~للوجوب، مع أنه أيضا لا دليل من خارج يحمل عليه كلامه أنه للحسن، ومع أنه ~~لا نسلم عدم حسن قولنا : " ما زيد إلا شاعر" لمن اعتقده كاتبا غير شاعر . ~~وإن قلت: أراد بالتنافي التنافي في اعتقاد المخاطب من حيث اعتقاده ثبوت ~~أحدهما أو انتفاء الآخر نفس الأمر، بأن لا يمكن اجتماعهما، قلت: قيل: ~~التنافي بحسب اعتقاد المخاطب، معلوم أن قصر القلب هو الذي يعتقد فيه ~~المخاطب العكس فيكون هذا الشرط ضائعا، وكذا اشتراطه عدم التنافي في قصر ~~الإفراد ضائع، كما مر لأنه معلوم من قوله قصر الإفراد المخاطب به من يعتقد ~~الشركة. PageV01P422 # وذكر القزويني (¬1) في الإيضاح أن السكاكي لم يشترط في قصر القلب تنافي ~~الوصفين ؛ لأنه اشترطه بقوله المخاطب بقصر القلب ، ويعتقد العكس . وعلل ~~القزويني اشتراط تنافي الوصفين في قصر القلب، يكون إثبات الصفة مشعرا ~~بانتفاء غيرها، وأجيب بأنه إن أراد أن إثبات المتكلم الصفة هو المشعر بنفي ~~غيرها، فإفادة القصر مشعرة بذلك من غير حاجة للتنافي، وإن أراد إثبات ~~المخاطب هو المشعر فلا يتوقف أيضا على التنافي بل يفهمه منه المتكلم بقرينة ~~أو بعبارة، مثل أن يقول: " ما زيد إلا كاتب " فيقول المتكلم ردا عليه " ما ~~زيد إلا شاعر "، وقال عصام الدين في (الإيضاح) ليكون إثبات المخاطب الصفة ~~المنفية في كلام المتكلم مشعرا بانتفاء غيرها ولم يشترط القزويني في قصر ~~الصفة على الموصوف قلب تنافي الوصفين لأن وصف الكناية يمكن اجتماع الوصفين ~~فيه، وقيل قصر الصفة على الموصوف قصر قلب" إنما الكاتب زيد لا عمرو" والله أعلم. # ... ... ... # باب قصر التعيين # وهو تعيين المتكلم أحد المحتملين عند المخاطب أو المحتملات من الصفات أو ~~الأشياء الصالحة لأن تكون موصوفات، فهو تعيين ما هو غير معين عند المخاطب ~~مع تخصيصه، وإنما عبرت بالاحتمال ليشمل ما إذا تساوى الأمران أو الأمور عند ~~المخاطب، وما إذا كان التردد بين أمرين فصاعدا ms269 هل الثابت أحدهما ؟ وهل ~~الثابت كلاهما ؟ وما إذا جزم بلزوم صفة على التعيين وأصاب وبثبوت أخرى معها ~~على التعيين؛ فإن القصر حينئذ قصر تعيين بالنسبة إلى ما احتمل ولم يكن على ~~التعيين، وإن أخطأ في الصفة التي اعتقدها على التعيين فالقصر بالنسبة إليها ~~قصر قلب، وبالنسبة إلى ما تردد قصر فيه قصر تعيين وإن تردد هل الثابت ~~أحدهما أو كلاهما أو غيرهما ؟ كل ذلك تردد واحد؛ فالظاهر أنه قصر تعيين، ~~والمخاطب بقولنا: " ما زيد إلا قائم " من يعتقد اتصافه بالقيام PageV01P423 أو القعود من غير علم بالتعيين، أو ~~اتصافه بهما واحد بعدآخر، أو بأحدهما على التعيين أو عدمه،تردد بين أن يكون ~~قام وقعد، وأن يكون له القيام فقط أو القعود فقط، وذلك من قصر الموصوف، ~~والمخاطب يقولنا:" ما شاعر إلا زيد " # من يعتقد أن الشاعر زيد أو عمرو ولم يعلمه على التعيين ، أو تردد بين أن ~~يكون كليهما ، وأن يكون أحدهما فقط على أنه عمرو أو على أنه زيد ، أو ذلك ~~من قصر الصفة على الموصوف . # وقصر التعيين تارة يكون الوصفان فيه متنافيين، وتارة لا يكونان متنافيين؛ ~~فكل ما يصلح لقصر الإفراد أو لقصر القلب يصلح لقصر التعيين، وربما يصلح ~~لقصر التعيين مالا يصلح لقصر الإفراد، وربما يصلح لقصر التعيين مالا يصلح ~~لقصر القلب؛ فهو أعم من قصر القلب. PageV01P424 # وقصر الإفراد بمعنى أنه يصدق على ما يصدق عليه قصر القلب تارة، وعلى ما ~~يصدق عليه قصر الإفراد تارة، ولا يختص بصورة غيرهما؛ إذ لا واسطة بين تنافي ~~الوضعين وعدم تنافيها. وإن قلت: بل بينه وبينهما مباينة، لأن اللازم في قصر ~~التعيين كون المخاطب شاكا في اتصاف زيد بإحدى الصفتين، وليس على التعيين، ~~وفي قصر الإفراد من يعتقد اتصافه بأحدهما على التعيين، قلت: العموم هو من ~~حيث أنه شرط شيء فيهما ولم يشرط شيء فيه، وليس المراد قصر التعيين يصدق على ~~كل ما يصدق عليه أحدهما. وفي قصر التعيين تخصيص شيء بشيء من بين الأشياء، ~~أو شيء بشيء مكان الآخر، فقولك: " ما ms270 زيد إلا قائم " لم يتردد بين القيام ~~والقعود، تخصيص له بالقيام وتجريد عن القعود؛ وهذا التخصيص بشيء مكان الآخر ~~يكون في قصر التعيين، وفي قصر الإفراد، وكل من قصر التعيين وقصر القلب لمن ~~اعتقد الاتصاف بالنظر إلى أحد أمرين لا بالنظر إليهما، وكلاهما لرد اعتقاد ~~المخاطب العكس، فإن المخاطب في قصر التعيين في عرضة الخطإ في التعيين، وعلى ~~تقدير خطإه في التعيين يرده القصر إلى العكس، فقصر التعيين لرد الخطاب ~~بالقوة كما أن قصر قصر القلب لرد الخطاب بالفعل.والله أعلم. # باب القصر بالعطف بلا وبل ولكن # يحصل القصر ب(لا) و( بل) في العطف مطلقا، وأما (لكن) فليس يحصل بها على ~~الإطلاق، بل قصر القلب، والقصر بهن أقوى طرق القصر للتصريح فيه بالنفي ~~والإثبات، وأما غيرهن من طرق القصر فالنفي فيه ضمني ، ثم لإن النفي ~~والاستثناء أصرح من (إنما)، وأضعفها التقديم؛ لأن دلالته على القصر ذوقية ~~لا وضعية، ويكون التقديم لغير القصر كثيرا، بخلاف غيره من طرق القصر، فلا ~~يتخلف عنها القصر. PageV01P425 # والقصر بالعطف ب(لا) و(لكن) و(لا) مخصوص بغير الحقيقي، على ما قال عصام ~~الدين، لكن إنما يظهر ما قاله إذا كان المعطوف خاصا نحو: " زيد شاعر لا ~~عمرو "، وإن كان عاما نحو " زيد شاعر لا غير زيد " فالقصر حقيقي. # وتقدم أن تعريف المسند إليه والمسند معا يفيد الحصر، وتقدم أن مفيد الحصر ~~في نحو " زيد هو القائم " هو تعريفهما لا ضمير الفصل على التحقيق، نعم لما ~~كان "زيد القائم" يحتمل النعت بحسب الظاهر، وكان ضمير الفصل يمحض الخبرية ~~إذا جيء به، صح على التسامح أن يقال: هو المفيد، والحق أنه مؤكد للحصر، نعم ~~إذا كان الخبر اسم تفضيل والمسند إليه معرفة أفاد الحصر نحو" زيد هو أفضل ~~من عمرو " وليس تعريف الطرفين يفيد الحصر مطلقا، بل إن كان المسند معرفا ~~بأل الجنسية كذا قيل. والظاهر عدم التقييد بالجنسية، فمثلها العهدية، وأما ~~نحو " زيد أخوك " فلا حصر فيه، ويفيد الحصر " أخوك زيد " . PageV01P426 # وقيل الاستثناء من الإثبات يفيد الحصر أيضا، نحو " قام ms271 القوم إلا زيدا " ~~وقال عصام الدين لا يفيده هو الظاهر ولو أعطي بمعناه معنى الحصر. ومثال ~~الحصر ب(لا) و(بل) قولك: " زيد شاعر لا كاتب " حصر موصوف في صفة حصر إفراد ~~و" ما زيد كاتبا بل شاعر" وإنما تفيد بل الحصر بعد النفي أو النهي لا بعد ~~الإثبات؛ لأنها بعدهما تفيد الإثبات للتابع فتفيد القصر، وبعد الإثبات لا ~~ترفع الإثبات عن المتبوع، بل تجعله كالمسكوت عنه فلا تفيد الحصر، وإفادة ( ~~بل) الحصر إنما هو على أن ما بعدها مثبت بعد النفي إن لم يعد النفي أو ~~النهي، وأما على قول المبرد بجواز نقل السلب، فإذا نقل فلا حصر، وإذا أعيد ~~السلب فلا حصر، نحو " ما زيد قائم بل عمرو قائم ". ومثال قصر القلب ب(بل) ~~و(لا) " زيد قائم لا قاعد " و" ما زيد قاعدا بل قائم " وإنما سميت (بل) ~~عاطفة في هذا المثال، و" ما زيد كاتبا بل شاعر" لأنها في صورة العطف وإلا ~~فليست عاطفة، ولو كان عاطفة لنصب متبوعها عطفا على خبر ما، بل هي حرف ~~ابتداء، وما بعدها مبتدأ محذوف الخبر في " ما زيد شاعرا بل كاتب " ومبتدأ ~~محذوف الخبر في " ما زيد شاعرا بل عمرو " وإن نقل النفي على مذهب المبرد ~~نصب وكانت عاطفة لكن لا تفيد الحصر- كما مر حينئذ قبل- بعد النفي تفيد ~~الحصر إذا كانت عاطفة نحو: "ما قام زيد بل عمرو" أو في صورة العطف نحو: "ما ~~زيد شاعرا بل كاتب" ونحوه مما مر. وقال الفنري (¬1) : PageV01P427 # هي عاطفة على محل الخبر وهو الرفع بالمبتدإ ، ولو نصب ب(ما) في نحو: " ما ~~زيد شاعرا بل كاتب " قيل : فيكون من عطف المفردات ، وعلى محل المبتدإ كذلك ~~في نحو " ما زيد شاعر بل عمرو " قال : وزوال الابتداء بالناسخ لا يضر عند ~~البصريين ، ولذا جوزوا العطف على محل اسم إن ، بعد مضي الخبر ، والحق أنه ~~إذا جعل من عطف المفردات لزم تسلط النفي على مدخولها ، وليس بمراد . # ويكون أيضا (لا) و(بل) لقصر التعيين، كما يكونان لقصر الإفراد والقلب، ~~ولا يقال: إذا ms272 تحقق تنافي الوصفين في قصر القلب، سواء أكان تحققا شرطا أم ~~لا على ما مر، فإثبات أحدهما يكون مشعرا بانتفاء الآخر، فما فائدة نفي ~~الآخر وإثبات المذكور بطريق الحصر، لأنا نقول: الفائدة فيه التنبيه في قصر ~~القلب، على رد الخطإ لا من جوهر اللفظ، بل من حيث وجود الزيادة في كلام ~~البلغاء الخالي عن التطويل بلا فائدة، والتنبيه على أن المخاطب اعتقد ~~العكس، وقصر القلب والتنبيه على تردد المخاطب في قصر التعيين، وقولنا: " ~~زيد قائم " ولو دل على نفي القعود حال القيام، لكنه خال عن الدلالة على أن ~~المخاطب اعتقد أنه قاعد لا قائم. # ومثال الحصر ب(لا) و(بل) حصر صفة في موصوف قصر قلب أو قصر إفراد " زيد ~~شاعر لا عمرو " و " ما عمرو شاعرا بل زيد " بحسب اعتقاد المخاطب؛ فإن اعتقد ~~العكس فالقصر للقلب أو اشتراكا فللإفراد، والقز ويني اشترط تنافي الوصفين ~~في قصر القلب إذا كان قصر صفة على موصوف، فلا يشكل جعله زيد شاعر لا عمرو ~~محتملا لقصر القلب، ويجوز " ما شاعر عمرو بل زيد " بتقديم خبر المبتدإ، ومع ~~ذلك هو من قصر صفة على موصوف، والله أعلم. # باب القصر بالسلب والاستثناء PageV01P428 تقول في قصر الموصوف قصر إفراد ~~أو قلب: " ما زيد إلا شاعر " و" ما زيد إلا قائم " كل واحد يصلح مثالا لقصر ~~القلب، ومثالا لقصر الإفراد. وفي قصر الصفة إفرادا أو قلبا " ما قام إلا ~~زيد " و" لا تضرب إلا العاصي " وتلك الأمثلة صالحة لقصر التعيين، والتفاوت ~~إنما هو بحسب حال المخاطب وأدوات الاستثناء في ذلك سواء نحو " ما زيد غير ~~شاعر " و" ما قام أحد حاشى زيدا " و" ما خرج أحد عدا عمرا " وما عدا عمرا " ~~وإنما عبرت بالسلب ليشمل النهي والاستفهام الإنكاري، وإنما قرنت الاستثناء ~~والسلب؛ لأن الاستثناء بلا سلب، نحو " قام القوم إلا زيدا " لا يفيد الحصر؛ ~~لأن القصد فيه إلى الحصر غير مراد، وإنما قصد إلى تصحيح الحكم الإيجابي، ~~فهو بمنزلة تقييد طرف الحكم، فكما إن قولك: " جاءني الرجال العلماء " ليس ms273 ~~قصرا، كذلك " جاءني الرجال إلا الجهلاء " ليس قصرا، بخلاف ما " جاءني إلا ~~زيد "، ونحو ذلك مما فيه السلب، فإن المقصود منه قصر الحكم على زيد لا ~~تحصيل الحكم فقط، وإلا قيل: " جاء زيد ". PageV01P429 # وسواء في إفادة السلب والاستثناء القصر أن يكون الاستثناء متصلا أو ~~منفصلا، نحو " ما قام القوم إلا البعير "، ولا يكون المفرغ إلا متصلا؛ ~~فيقدر المستثنى منه علما من جنس المستثنى، كالناس والقوم وأحد، لنحو زيد أو ~~رجل أو امرأة، وكلباس وكسوة، ومن نوعه في الإعراب كفاعلية ومفعولية وحالية، ~~نحو " ما كسوته إلا جبة " أي " ما كسوته لباسا إلا جبة "،و"ما أدفيته إلا ~~شملة " أي " ما أدفيته بكسوة إلا شملة " ، ونحو " ما اشتريت إلا نصف ~~الجارية " " ما اشتريت شيئا إلا نصفها " ، أو " ما اشتريت جزءا من الجارية ~~إلا نصفها " ، أو " ما اشتريتها إلا نصفها " وكحال وزمان لحال وزمان ، نحو ~~" ما جاء إلا راكبا " أي : " ما جاء كائنا في حال من الأحوال إلا راكبا " ~~و" ما سرت إلا يوم الجمعة " أي " ما سرت في وقت من الأوقات إلا يوم الجمعة ~~" و" ما زيد إلا يقوم " أي : " ما زيد يفعل فعلا إلا يقوم " ، أي : قياما . ~~وذلك بحسب ما يناسب المقام، فقد يقدر الجنس الثاني فصاعدا، نحو" ما رأيت ~~إلا زيدا " فتارة تريد " ما رأيت إنسانا إلا زيدا " وتارة " ما رأيت حيوانا ~~" وتارة شيئا، ونحو ذلك. PageV01P430 # والمقدر في التفريغ إنما ينساق إليه الذهن، ويرجع إليه تفصيل المعنى من ~~غير تقدير في نظم الكلام هنا، بل في النحو أيضا؛ ألا ترى أنك تقول في " ما ~~جاء إلا زيد " إن ( زيد ) فاعل، ولست تقول الفاعل محذوف تقديره " ما جاء ~~أحد " وزيد بدل من المحذوف؛ ووجه الحصر أنه إذا [ ثبت ] شيء من ذلك المقدر ~~بإلا جاء القصر ضرورة بقاء ما عداه على النفي، وهذا المقدر مذكور في التام، ~~فوجهه وجه المفرغ، ووجه الحصر بلا أو بل ظاهر، والحصر ب(إنما) راجع إلى ~~النفي والاستثناء، والتقديم راجع إلى النفي والاستثناء أو إلى العطف، وجاز ~~التفريغ في ms274 البدل، نحو " ما سلب زيد إلا ثوبه "، قال أبو البقاء والزمخشري: ~~وفي الصفة نحو " ما مررت برجل إلا قائم " والمانع يقول بدل، أي: "إلا رجل ~~قائم"، ولا يفرغ إلى المفعول بعض والمصدر المؤكد، ويؤخر المقصور عليه مع ~~أداة الاستثناء؛ ففي قصر وصف الفاعلية على الموصوف تقول: " ما ضرب زيد إلا ~~عمرو "، وفي قصر وصف المفعولية على الموصوف " ما ضرب عمرو إلا زيدا " ، وفي ~~قصر الموصوف على وصف الفاعلية " ما زيد ضارب أحدا إلا عمرا " و" ما زيد إلا ~~ضارب عمرو " ، وفي قصره على وصف المفعولية " ما زيد ضربه أحد إلا عمرو " . PageV01P431 # وكما يقصر المسند أو المسند إليه على الآخر، يقصر أحدهما على الفضلة، أو ~~الفضلة عليه، أو الفضلة على الأخرى نحو: " ما أعطيت زيدا إلا درهما ". ~~ومعنى قصر الفاعل أو المفعول على الآخر، أو قصر أحدهما على الحال، أو غير ~~ذلك من المتعلقات، قصر الحدث باعتبار ذلك وكذا ما يأول بالحدث. وقصر الفاعل ~~على المفعول ونحوه يرجع في التحقق إلى قصر الصفة، نحو: " ما ضرب زيد إلا ~~عمرو "، أو قصر الموصوف، نحو: " ما جاء زيد إلا راكبا "، فلا بد من اعتبار ~~تعلق الفعل بالمفعول مثلا حتى يرجع صفة له، لكن لا يلاحظ خصوصية المفعول ~~حتى يصح قصره عليه؛ ففي قولك: " ما ضرب زيد إلا عمرا " قصر ضرب زيد على ~~عمرو، بمعنى أن مفهوم الكون مضروبا لزيد صفة مقصورة على عمرو، وهذا إذا حمل ~~على أنه قصر حقيقي، أي: << ضرب عمرا ولم يضرب بكرا وخالدا>>، فيجوز فيه ما ~~ذكر، ويجوز أن يقال: إن زيدا مقصور على كونه ضاربا لعمرو لا يتعداه إلى ~~كونه ضاربا لبكر وخالد؛ فيكون من قصر الموصوف على الصفة، كأنه قيل " ما زيد ~~إلا ضرب عمرا " وهذا معنى صحيح، إلا أنه يلزم عليه حينئذ الفصل بين الصفة ~~المقصور عليها وبين قيدها، ويلزم أيضا كون المقصور عليه متقدما على كلمة ( ~~إلا ) وإن كان قيده متأخرا عنها. وإذا قيل: " ما ضرب زيد إلا عمرا " فإن ~~أريد حصر الضرب الصادر من ms275 زيد على عمرو فمن قصر الصلة، وإن أريد حصر زيد في ~~الضرب الواقع على عمرو فمن قصر الموصوف، وكذا " ما ضرب عمرا إلا زيد " إن ~~أريد قصر الضرب الواقع على عمرو وعلى زيد، فمن قصر الصفة، أو قصر عمرو على ~~الضرب الواقع من زيد فمن قصر الموصوف. ونحو " ما جاء إلا راكبا " من قصر ~~الموصوف؛ أي: لم يكن زيد في زمان المجيء إلا على صفة الركوب، و" ما جاءني ~~راكبا إلا زيد " من قصر الصفة؛ أي: صفة المجيء على هيئة الركوب لم يثبت إلا ~~لزيد. وإذا أمكن في مقال واحد تأويلان حمل على المتبادر. PageV01P432 # ومعنى " ما ضرب زيد إلا عمرا " ما ضروب زيد إلا عمرو، أي: دون كله ما عدا ~~عمرا فحقيقي، وإن أريد دون خالد مثلا كان إضافيا، وإن أريد الرد على من زعم ~~أن مضروب زيد عمرو وخالد مثلا كان إفرادا، أو على من زعم أن مضروبه خالد ~~دون عمرو كان قلبا، أو على من شك كان تعيينا. # وقل تقديم المقصور عليه وأداة الاستثناء على المقصور، نحو " ما ضرب إلا ~~عمرا زيد " في قصر الفاعل على المفعول، و" ما ضرب إلا زيد عمرا " في قصر ~~المفعول على الفاعل، وذلك مع أن يلي المقصور عليه الأداة على الأصل، وأما ~~أن يليها المقصور فلا يجوز البتة لانعكاس المراد، وإنما قل ذلك في قصر ~~الصفة لأنه يوهم استلزامه قصرها قبل تمامها، لأن الصفة المقصورة على الفاعل ~~في قصر المفعول على الفاعل هي الفعل الواقع على المفعول لا مطلق الفعل؛ فلا ~~يتم المقصور قبل ذكر المفعول والصفة المقصورة على المفعول هي الفعل المتعلق ~~بالفاعل؛ فلا يتم المقصور قبل ذكر الفاعل وهكذا. # ويوهم في قولك: " ما ضرب إلا عمرا زيد " من قصر الموصوف لتأويله بما زيد ~~إلا ضرب عمرا تأخير الموصوف عن جميع الصفة، وكذا " ما ضرب إلا زيد عمرا " ~~إذا جعل من قصر الموصوف بتأويله بما عمرو إلا مضروب زيد، وإنما قلت يوهم ~~استلزامه لأنه لا استلزام في نفس الأمر، لأن الكلام ms276 يتم بآخره، وإنما جاز ~~التقديم المذكور على قلة، نظرا إلى أن الصفة في حكم التام باعتباره ذكر ~~المتعلق في الآخر، والله أعلم. PageV01P433 # ولا يعطف ب(لا) بعد الحصر ب(إلا) على قلة، ويجوز بعد الحصر بغيرها، لا ~~تقول: " ما قام إلا زيد لا عمرو، و" ما زيد إلا قائم لا قاعد "، ويجوز ~~النفي بغيرها على استقلال جملة، نحو " ما زيد إلا قائم ولم يقعد " و" ما ~~زيد إلا قائم وليس قاعدا " أو " ما زيد إلا قائم ليس قاعدا " و" ما قام إلا ~~زيد دون عمرو " أو " ولم يقم عمرو " أو " ليس عمرو قائما ". ويجوز " ما قام ~~إلا زيد فقط " ونحو ذلك، كما يجوز ذلك كله مع غير الحصر بالاستثناء، فيجوز ~~" إنما قام زيد لا عمرو " و" إنما عمرو قعد لا قام ولا اتكأ " و" قائم زيد ~~لا قاعد " و" زيد أكرمت لا عمرا " . # وإنما لم يجز العطف ب(لا) بعد الاستثناء؛ لأن السلب مصرح به في ~~الاستثناء، ولم يصرح بالمسلوب عنه، و(لا) إنما تعطف ما لم ينف قبلها، ولا ~~ضير بالعطف بها بعد السلب ضمنا، أو بنحو أبى وكف وامتنع؛ لأنها في النفي ~~كقام في الإثبات، وأما ليس [ فكحرف ] النفي، فقولك: " قام زيد لا عمرو " لم ~~ينف فيه عمرو وقبل (لا)، وكذا " جاء رجل لا امرأة " لم تنف المرأة قبل بل ~~ذكر ضدها، بخلاف " ما جاء إلا زيد " ففيه نفي عمرو وغيره مثلا، و" ما زيد ~~إلا قائم " فيه نفي قعوده واضطجاعه ونومه واتكائه، ونحو ذلك كاستلقائه. وقد ~~يقع ذلك في الكلام بعض العلماء وهو لا يجوز، ومنه قول الكشاف: "ما هي إلا ~~شهوات لا غير "، وقال عصام الدين ليس هذا مما يمنع، بل جملة مستقلة ~~للتأكيد، أي: " لا غير الشهوات موجود "، وليس كما قال عندي، وانظر هل يجوز ~~" ما زيد إلا قائم لا عمرو " ؟ لأن العطف فيه ليس على مدخول (إلا) بل على ~~ما قبلها؛ فيكون المعنى " ما زيد إلا قائم "، بخلاف عمرو فإنه ليس ما هو ~~إلا قائم وهذا عندي ظاهر. ms277 PageV01P434 # واستظهر بعض أنه لا يصح، لأنه ولو لم يكن المعطوف بها منفيا قبلها، لكنه ~~يوهم أن النزاع في " قام زيد وعمرو " ولا في قيام زيد وقعوده، الذي هو فرض ~~الكلام. ولا يجوز أيضا العطف ببل بعد الاستثناء والسلب، لا يقال: " ما زيد ~~إلا قائم بل قاعد " لأن (بل) تنقل حكم ما قبلها لما بعدها في الإثبات ، ~~وتقرر حكم ما قبلها في السلب وثبت ضده لما بعده . ولا يعطف ب(بل) بعد الحصر ~~بغير الاستثناء، لا يجوز " إنما قام زيد بل عمرو " و" تميمي أنا بل قيسي "، ~~وإنما جاز العطف ب(لا) بعد غير الاستثناء من أنواع الحصر؛ لأن السلب غير ~~مصرح به في غير الاستثناء، وإذا عطف ب(لا) بعد (إنما) فالحصر يسند إلى ~~(إنما) لأنها أقوى، وبعد التقديم يسند إلى التقديم وإن اجتمع التقديم و( ~~إنما) نحو:" إنما قائم زيد لا عمرو " و" إنما أكرمت زيدا لا عمرا "، فالحصر ~~عند السعد يسند إلى التقديم لأنه أقوى عنده وفي شرح المفتاح وعند السيد إلى ~~(إنما) لأنها أقوى عنده، وقال السعد في المطول (¬1) : (إنما) أقوى ، وقال ~~عصام الدين : الأظهر أن النفي لا يجامع التقديم الذي للحصر ، ولا (إنما) ~~للحصر، بل تحمل (إنما) على التأكيد ، كما هو أصل وضع (إن) ، فليست (إنما) ~~للحصر في " إنما زيدا ضربت لا عمرا " و" في زيدا ضربت لا عمرا " و" إنما ~~ضربت زيدا لا عمرا " ولذا جاز الجمع بين التقديم و(لا) و(إنما) ، بخلاف ~~الاستثناء بعد النفي فإنه للقصر. وتقدم الكلام في نحو " هو يأتيني " هل هو ~~للحصر، وشبهوا العطف ب(لا) مع التقديم أو مع (إنما )؟ بقولك: " امتنع زيد ~~عن المجيء لا عمرو " في الدلالة على الانتفاء ضمنا، فإن امتناع زيد عن ~~المجيء يشير إلى أنه لم يجئ، فيجوز العطف ب(لا) بعد " إنما قام زيد " و" ~~إنما زيد قام"، ولو كان ما قبلها تضمن نفيا، وهي لا يعطف بها بعد نفي. PageV01P435 كما جاز العطف بها في " امتنع زيد عن ~~المجيء لا عمرو " ومع تضمن النفي لجامع (إن) الممنوع العطف بها ms278 بعد صريح ~~النفي. وقال السكاكي (¬1) : شرط العطف ب(لا) بعد (إنما) في قصر الصفة على ~~الموصوف أن لا يختص الوصف بالموصوف تتحصل الفائدة كقوله تعالى { إنما ~~يستجيب الذين يسمعون } (¬2) ؛ فإن الاستجابة تختص بالسامع فلا يقال << إنما ~~يستجيب الذين يسمعون لا الذين لا يسمعون >> . وقاس السيد وعصام الدين على ~~ذلك قصر الموصوف على الصفة، فلا يعطف ب(لا) بعد قصره عليها ب(إنما)، إن كان ~~الموصوف مختصا بالصفة، فلا يقال " إنما المفتي يسلك مناهج السنة لا طريق ~~البدعة " و" إنما الزمني قاعدون لا قائمون ". وقال عبد القاهر (¬3) : لا ~~يحسن العطف ب(لا) بعد (إنما) إذا اختصت الصفة بالموصوف ، كما يحسن في غيره ~~، أي : لا يوجد فيه حسن البتة كما وجد في غيره ، هذا مراده ،والله أعلم . ~~ولم يرد إن فيه حسنا دون حسنه في غيره. # ويقاس قصر الموصوف على الصفة في هذا المذهب، فيشترط للعطف فيه ب(لا) إذا ~~كان ب(إنما) أن لا يختص الموصوف بالصفة، وإن اختص لم يحسن العطف. والظاهر ~~أن التقديم في ذلك كله ك(إنما)؛ فلا يجوز أو لا يحسن أن يقال: " من يسمع ~~تسمع لا غيره" للاختصاص المذكور. وظاهر السكاكي جوازه بلا ضعف، واختار ~~القزويني (¬4) PageV01P436 مذهب عبد القاهر وهو ظاهر، وقال: ( إنه أقرب ) أي : ~~إلى الصواب ؛ وذلك أنه لا دليل على الامتناع عند قصد زيادة التحقيق ~~والتأكيد ، ولا يقال : إنه يمتنع كما يمتنع " ما زيد إلا قائم لا قاعد " ~~ولم يجوزه لقصد التحقيق ، لأنا نقول النفي مصرح به قبل (إلا) ، لا قبل ~~(إنما) ، وهذا أيضا هو الجواب إذا قيل إذا صح القصر ب(إنما) في ذلك، فما ~~المانع من صحة العطف ؟ # ثم اعلم أنه لا يتصور القصر في الوصف أو الموصوف الظاهر الاختصاص إلا ~~لتنزيل المخاطب منزلة المخطئ أو المتردد لداع. وإن أصل القصر بالسلب ~~والاستثناء أن يكون مما يجهله المخاطب وينكره إنكارا تاما، كقولك لصاحبك ~~وقد رأيتما شبحا من بعيد: " ما هو إلا زيد " إذا اعتقد صاحبك أنه غير زيد؛ ~~فالقصر قلب، أو " إنه زيد وعمرو " فالقصر إفراد، والشبح جسم لا يدرى ms279 ما هو، ~~حتى إنه يحتمل أيضا أن يكون شيئين أو أكثر وذلك لبعده، وقد يكون لغير بعد؛ ~~كضعف البصر وتلبيس، و(باؤه تفتح وقد تسكن)، وعلى ذلك فقصر التعيين ~~بالاستثناء خلاف الأصل لأن المخاطب به غير منكر بل متردد، وخرج تقييد ~~الإنكار بالتام غير التام، فإنه يوجد في سائر طرق الحصر، وأما الجهل فيوجد ~~في جميع طرق الحصر، وقد ينزل الحكم منزلة المجهول للاعتبار المناسب للمقام، ~~فيحصر بالاستثناء حصر إفراد، كقوله تعالى { وما محمد إلا رسول } (¬1) PageV01P437 أي مقصور على الرسالة لا يتعداها إلى ~~التبرؤ من الموت؛ فهو قصر موصوف قصرا إضافيا، والصحابة عالمون بأنه - صلى ~~الله عليه وسلم - غير جامع بين الرسالة والتبرؤ من الموت، لكنهم لما كانوا ~~يعدون موته أمرا عظيما نزل المعلوم- وهو عدم التبرؤ من الموت- منزلة ~~المجهول لاستعظامهم موته، ونزل استعظامهم موته منزلة إنكارهم موته، فلزم أن ~~علمهم بموته كالجهل به، فقصر بهم قصر إفراد، أي: له الرسالة وجدها لا مع ~~التبرؤ من الموت، والاعتبار المناسب للمقام هو الإشعار بعظم هذا الأمر في ~~نفوسهم وشدة حرصهم على بقائه عليه الصلاة والسلام أو التنبيه على مفاسد ~~الاستعظام حتى يلحق بالجهل في الفساد في التحذير عنه. وقد ينزل المعلوم ~~منزلة المجهول للاعتبار المناسب فيحصر بالاستثناء حصر قلب، نحو قوله تعالى ~~{ إن أنتم إلا بشر مثلنا } (¬1) PageV01P438 فالرسل المخاطبون عالمون بأنهم بشر غير ~~منكرين، لكن نزلوا منزلة المنكرين لاعتقاد المتكلمين الكفار أن الرسول لا ~~يكون بشرا، مع بقاء المخاطبين على دعوى الرسالة المنافية للبشرية على زعم ~~هؤلاء الكفار، وذلك الاعتقاد هو الاعتبار المناسب؛ فدعوى الرسالة كدعوى عدم ~~البشرية في زعمهم، فكأن المخاطبين في زعمهم قالوا: لسنا بشرا، إذ قالوا إنا ~~رسل، فقصروا لهم قلبا، وهو إنكم بشر، والبشر لا يكون رسولا، ففيكم البشرية ~~التي نعتموها في ضمن دعوى الرسالة، لا الرسالة التي تدعونها. ومبنى القصر ~~هنا حال المتكلم والمخاطب، وفي الآية السابقة حال المخاطب. PageV01P439 # وأما قول المخاطبين "إن نحن إلا بشر مثلكم " فإثبات للبشرية ونفي للملكية ~~لا للرسالة، كما زعم الكفار أن إثبات ms280 البشرية نفي للرسالة، وذلك جري منهم ~~مع الكفار بتسليم البشرية وهي حق كما يجري مع الخصم يعرض بعض باطله أنه حق ~~على سبيل التنزيل ليصغي فيفحم، ولو عورض من أول وهلة لنفر، أي: نحن بشر كما ~~قلتم، لكن البشر قد يمن الله عليه بالرسالة، لكنهم أثبتوا الرسالة على طريق ~~الحصر ليكون على وفق كلام الخصم، ولا يلزم من الكون على وفق كلام الخصم عدم ~~إرادة الحصر، وإن قلت الكفار لا ينكرون بشرية الرسل، فضلا عن أن يرد عليهم ~~بهذا الحصر الذي هو الحصر، الذي هو إن نحن إلا بشر، فالحصر غير مراد واللفظ ~~مستعمل في أصل الإثبات، واستعمال اللفظ في بعض معناه، قلت: قد يكون القلب ~~لنكتة غير الإفراد والقلب والتعيين، ويحتمل أن يكون قوله تعالى { وما محمد ~~إلا رسول } (¬1) من حصر القلب؛ بأن نزل استعظامهم موته منزلة دعوى ألوهيته، ~~لأن البقاء مختص بالله تعالى واعتقاد الألوهية ينافي اعتقاد الرسالة، وهذا ~~على أن معتمد القصر ليس الصفة التي هي خلو الرسل من قوله { قد خلت من قبله ~~الرسل } ، وأما إن جعلناها محط الحصر كما قال الزمخشري والسيد فقصر قلب ~~قطعا، أي: << وما محمد إلا يخلو كما خلت الرسل من قبله>> ، ويحتمل أن يكون ~~قول تعالى { إن أنتم إلا بشر مثلنا } (¬2) من قصر الإفراد من غير تنزيل ~~للمعلوم منزلة المجهول جريا على الظاهر ، أي : ما اجتمعت لكم البشرية ~~والرسالة كما تزعمون. وأن يكون من قصر القلب بلا تنزيل بأن يكون المراد: ~~<<إنما أنتم إلا بشر مثلنا لا بشر أعلى أعلى منا بالرسالة>>. PageV01P440 وقال عصام الدين: يحتمل ما جعلوه ~~تنزيلا أن يكون على مقتضى الظاهر، ويكون الكلام من قبيل الكناية؛ فمعنى ~~<<إن أنتم إلا بشر>>: <<إن أنتم إلا غير رسل، باستلزام البشرية نفي الرسالة ~~>>، فذكر البشرية وأريد انتفاء الرسالة، فيكون قصر قلب بلا تنزيل، والله أعلم. # وغيره لا في قصر الموصوف وقصر الصفة إفرادا، وقلبا، وتعيينا، وعدم مجامعة ~~لا العاطفة، تقول: " قام غير زيد " و" زيد غير قائم " ولا تقول: " قام غير ms281 ~~زيد لا عمرو " و" زيد غير قائم لا قاعد " نعم يجوز على التكرير، فقط، نحو " ~~قام زيد غير لا زيد " و" زيد غير قائم لا قائم". وسوى بلغاتها كغير ، إذا ~~قلنا إنها غير ظرف . # باب القصر بإنما # يقصر بها لتضمنها معنى حرف السلب، وأداة الاستثناء، وأصل أدواته ( إلا )، ~~فهي أولى بالاعتبار، وليست مرادفة لحرف السلب والأداة، لأن المترادفين ~~يتحدان معنى وإفرادا في اللفظ، وإنما مفرد بالتركيب، وحرف السلب والأداة لا ~~إفراد فيهما تحقيقا ولا تركيبا؛ فإنه لا يقال إنسان مرادف للحيوان الناطق، ~~ولفظ ( إنما ) يستعمل فيما من شأنه أن لا ينكره المخاطب، وحرف السلب وأداة ~~الاستثناء بالعكس، ولذلك قلت: تضمنت معنى حرف السلب وأداة الاستثناء، ولم ~~أقل هي بمعناهما، وقال بعض الأصوليين: يقصر بها لأن (ما) نافية، و(إن ~~)للإثبات ، ولا يرجع النفي والإثبات إلى PageV01P441 ما بعدها لظهور ~~التناقض، فأحدهما راجع إلى ما بعدها والآخر إلى ما عداه، وكون (ما) راجعا ~~على ما بعده خلاف الإجماع فتعين الإثبات لما بعدها والنفي لما عداه، وهو ~~تكلف لا يوصل إلى اختباره، والتعليل الأول أولى، وكذا التقديم أفاد الحصر ~~لتضمن معنى (حرف السلب) و(إلا)، ولذا فسروا (شر أهر ذا ناب بما أهره إلا شر ~~) وتقول في قصر القلب أو الإفراد والتعيين: قصر موصوف " إنما زيد كاتب "، ~~وقصر صفة " إنما قام زيد " وقال في دلائل الإعجاز: (إنما) و(لا العاطفة )لا ~~يستعمل في الكلام المعتد به إلا لقصر القلب أو إلى قصر التعيين، قال الله ~~تعالى { إنما حرم عليكم الميتة } (¬1) ، أي : <<ما حرم الله عليكم إلا ~~الميتة>> ، وقرئ (برفع) الميتة ، ف(ما) موصول، و(الميتة) خبر، والحصر ~~بتعريف الطرفين، وتعريفهما يحمل على غير لا قصر إلا لفائدة ظهرت، والرابط ~~محذوف إي إن الذي حرمه الله عليكم الميتة، وقرئ <<برفع>>(الميتة) و<<بناء>> ~~(حرم) للمفعول ؛ فالميتة نائب الفاعل، والحصر ب(إنما)، أي: ما المحرم إلا ~~الميتة. أو <<الميتة >>خبر، و<<ما>> موصول، أي: المحرم الميتة؛ فالحصر ~~بالتعريف، ورجح ببقاء إن على عملها مع وجود الحصر. PageV01P442 والعرب كابن عباس وابن مسعود ومجاهد فسروا الآية ms282 بالحصر، ~~فتفسيرهم حجة في أن (إنما) للحصر، لأنهم فسروا بذلك، ولو في قراءة نصب ~~الميتة المتعينة لكون (إنما) كافا وكفوفا، وأما أن يقال في قراءة النصب: إن ~~( ما ) اسم ل(إن)، وإنها للعالم - وهو الله تعالى هنا-، وأن الخبر محذوف، ~~أي: إن الذي حرم الميتة والدم...الله، فتكلف بجعل (ما) للعالم وحذف الخبر ، ~~وبتخريج الكلام على سوقه لبيان المحرم <<بكسر>> (الراء) ، وإنما سيق لبيان ~~المحرم بفتحها ، وأكثر منه تكلفا أن يقال : إن الذي حرمه الله الميتة ثابت ~~تحريمه بجعل ما اسما لله ، وجعل الميتة بدلا من الرابط المقدر ، وحذف الخبر ~~، ويحتج أيضا لكون (إنما) للحصر بقول النحاة : إنما لإثبات ما يذكر بعدها ~~ما سواه على الإطلاق في القصر الحقيقي ، ومما سواه مما يقابله في الإضافي ؛ ~~ففي " إنما زيد قائم " لإثبات قيام زيد ونفي سواه من القعود والاضطجاع ~~ونحوهما عنه ، ذلك من قصر الموصوف . وفي (إنما) يقوم زيد لإثبات قيامه، ~~ونفي ما سواه من قيام بكر وعمرو وغيرهما، وذلك من قصر الصفة، وكان كلام ~~النحاة حجة لأنه مستنبط من كلام العرب. # وصرح النحاة بالإثبات والنفي في (إنما) لخفائهما، بخلاف العطف ب(لا) ~~و(الاستثناء)، فظاهر إن فيهما، وأما التقديم فلا يفيد الحصر عند النحاة، ~~ويحتج أيضا لكون( إنما) للحصر بوجوب انفصال الضمير معها، إذا كان الوصف ~~مقصورا عليه، نحو " إنما قام أنا " و" إنما قام أنا وزيد " " إنما قام هو" ~~ف<<هو>> و<<أنا>> و>>أنت>> فواعل أي : <<ما قام إلا أنا>> ، و<<ما قام إلا ~~أنت>> ، و<<ما قام إلا هو>> . PageV01P443 # وأما إذا أريد قصر الضمير على الوصف فإنه يجب الوصل، نحو: " إنما قمت " ~~و" إنما قمت " و" إنما قام "، أي: " ما فعلت إلا القيام " و" ما فعل إلا ~~القيام " وذلك قول ابن مالك وهو الحق، ورد أبي حيان عليه لم يصادف محلا، ~~وقال سيبويه: الفصل بعد (إنما) ضرورة بناء على أنها ليست للحصر كما هو ~~المنقول عنه، وهو خلاف ما عليه الجماعة وقول الزجاج بجواز الوصل والفصل ~~بناء على أنه يجوز وجود قرينة ظاهرة غير الفصل على حصر ms283 الصفة في الضمير ~~فيوصل اتكالا عليها وهو ضعيف، وإنما كان الفصل دليلا على أنها للحصر، لأن ~~الفصل يكون إذا تعذر الاتصال، وقد يجوز الوجهان لا وجه للتعذر هنا إلا ~~لكونها متضمنة لمعنى حرف السلب والاستثناء، ولو وصل لفات المعنى المراد، ~~فالمانع من الوصل معنوي لا لفظي،* وما ذكرته هنا دليل على شدة اتصال المضمر ~~المتصل بالفعل، حتى إنه متأخر ولا حصر فيه، مع أن الحصر بعد (إنما) على ~~(أنت) خبر، نحو " إنما قمت " فإن معناه: <<ما كان مني إلا القيام>>، وليس ~~معناه: <<ما قام إلا أنا>>، فالفعل والمتصل ككلمة واحدة.* (¬1) # وإن قلت: صحة الانفصال متوقفة على تضمن حرف السلب والاستثناء، ومعرفة ~~التضمن متوقفة على صحة الانفصال لاستدلالنا بها عليه، وذلك دور. قلت: ~~التوقف الأول توقف حصول، والثاني توقف معرفة فلا دور. ومن الفصل قول ~~الفرزدق:[ من الطويل ] # أنا الذائد الحامي الذمار وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي (¬2) PageV01P444 # ف<<أنا>> فاعل يدافع، أي: ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا أو مثلي، ~~<<الذائد>> بإعجام (الدال) الأولى بمعنى الطارد، و<<الحامي>> المانع ~~الحافظ، و<<الذمار>> العهد يمنع نقصه ويحفظه. وقيل الذين إذا لم يحمهم عنف ~~وليم، كعياله وجاره وصاحبه وسائر حريمه وماله، و(الواو) في و<<إنما يدافع>> ~~للاعتراض الذي يذكر في هذا الفن، وفيها قيل معنى التعليل، أي: لأني شجاع ~~مطاوع، وإنما للقلب أو للإفراد أو للاشتراك بحسب اعتقاد من يخاطبه الفرزدق، ~~و<<الأحساب>>: جمع حسب وهو العرض ونحوه ، والأصل أنه المفخرة، ولو قال: ~~<<إنما أدافع>> (بالهمزة ) لكان المعنى <<أدافع عن أحسابهم لا عن غيرها>>، ~~وكان من قصر الصفة - وهي الدفاع - على الموصوف - وهو والأحساب - وليس ذلك ~~بمراد، فأظهر الضمير منفصلا، فكان المعنى: <<لا يدافع عنها إلا أنا أو ~~مثلي>>، وكان أيضا قصر الصفة على الموصوف، لكن الصفة الدفاع والموصوف <<أنا ~~ومثلي>>، وكونه لو قال: <<أدافع>> ( بهمزة المتكلم) لكان حصر الدفاع في ~~أحسابهم مبنيان على تسليم إفادة (إنما) الحصر التي هو الدعوى، قلت: علمنا ~~من قرينة المدح أنها للحصر، وهذه القرينة من خارج، ولا يصح أن المدح ms284 حصر، ~~وصح أن (إنما ) للحصر، ولا يصح أن يقال: الفصل ضرورة؛ لأنه يمكن أن يقول: ~~<<أدافع>> ( بالهمزة ) فيكون <<أنا>> تأكيدا للمستتر في أدافع، وهذا على ~~مذهب ابن مالك: أن الضرورة ما لا يجد الشاعر عنه مندوحة. PageV01P445 # وأما الجمهور فالضرورة عندهم: ما ورد في الشعر ولم يرد في النثر، أو ورد ~~في الشعر وندر في النثر، وهو الصحيح لأنه لا يتعاصى لفظ عن الشعر إلا وقد ~~يصح أن يحتال له بحذف أو بتبديله بآخر أو تقديم أو تأخير أو غير ذلك من ~~المناديح، ولا أن يقال (ما) موصول اسم (إن) واقعة على العالم، أو نكرة ~~موصوفة كذلك، و<<أنا>> خبر، أي: إن الذي يدافع عن أحسابهم هو أنا، فليست ~~فيه (إنما) بل (إن واسمها)، فيستفاد الحصر من تعريف الطرفين، قلت: لا داعي ~~إلى العدول عن لفظ من إلى لفظ ما، واستعمالها للعالم ولا سيما المقام للفخر ~~فيناسبه من، ولو كانت موصولة أو نكرة موصوفة لفصلت (إن) عنها في الخط، ~~اللهم إلا أن يقال: إنه من استعمال ما في صفة من يعلم وهو سائغ كثير مقيس ~~كقوله تعالى { فانكحوا ما طاب لكم } (¬1) أي: إن قويا يدافع عن أحسابهم أنا ~~أو مثلي، وإن القوي الذي يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي، وإن كتابته بوصل ~~النون بما هو رأي من يقول ذلك هو (إنما) التي هي مكفوف وكاف، ولو كتبت على ~~رأي (إن ما) موصول أو نكرة موصوفة لفصلت، ويضعف أن يقال: <<أنا>> تأكيد ~~لمضمر مستتر في يدافع عائد <<على الذائد الحامي>> أكد ضمير الغائب بضمير ~~المتكلم لوقوعهما هنا على ذات واحدة، لأن الذائد الحامي ويدافع ولو كان ~~بصيغة الغائب، لكن جريا على ضميرالمتكلم وهو أنا السابق فجاء التأكيد على ~~المعنى، مثل أن تقول: " إنا قائمون " بتأكيد المستتر في <<قائمون>> ب(نحن)، ~~والله أعلم. PageV01P446 ... وأحسن مواضع (إنما) الكلام الذي يراد به ~~التعريض، وهو أن يستعمل الكلام في معنى ليفهم منه معنى آخر، نحو قوله تعالى ~~{ إنما يتذكر أولوا الألباب } (¬1) فإنا نجزم بأنه ليس المراد ظاهره فقط؛ ms285 ~~وهو حصر التذكر، أي: تعقل الحق في <<أولي الألباب، أي: أرباب العقول ~~الخالصة، فإنه معلوم بل هو تعريض بأن الكفار من فرط جهلهم كالبهائم، فطمع ~~النظر منهم كطمع النظر من البهائم، فمناط الفائدة هو المتوسل إليه. PageV01P447 والأصل في (إنما) أن تستعمل فيما يجهله المخاطب، ~~لكن من شأنه أن لا يجهله، وأما قولك: " إنما هو أخوك " لمن يعلم ذلك، وتريد ~~أن ترققه عليه، فهو من خلاف مقتضى الظاهر لأنه يعلم أنه أخوه، لكن لما لم ~~يشفق عليه نزل منزلة الجاهل فخوطب بالقصر، وقد ينزل ما جهله المخاطب منزلة ~~ما من شأنه أن لا يجهله ولا ينكره، وإن كان جاهلا له لادعاء ظهوره، فيستهل ~~له الحصر ب(إنما)، نحو { إنما نحن مصلحون } (¬1) ادعوا أن كونهم مصلحين أمر ~~ظاهر من شأنه أن لا يجهله المخاطبون ولا ينكروه، ولذلك جاء { ألا إنهم هم ~~المفسدون } (¬2) للرد عليهم مؤكدا بالجملة الاسمية الدالة على الثبات، ~~وتعريف الخبر الدال على الحصر، وتوسط ضمير الفصل المؤكد، وتصدير الكلام ~~بحرف التنبيه الدال على أن مضمون الكلام مما له حظ وبه عناية، وتوبيخهم ~~وتقريعهم بقوله { ولكن لا يشعرون } (¬3) ، والحصر في أنهم<<هم المفسدون>> ~~حصر مسند في مسند إليه؛ فالمعنى لا مفسد إلا هم ، لأن تعريف الخبر وضمير ~~الفصل لقصر المسند على المسند إليه ، وتأكيد الرد على الكفار حاصل به ولو ~~كان قصر المسند إليه على المسند أبلغ في ذلك . PageV01P448 واعلم أن في (إنما) و(السلب) ~~و(الاستثناء) و(التقديم) و(العطف بلا أو بل أو لكن) تعقل الحكمين السلب ~~والإيجاب، ول(إنما) مزية على التقديم من حيث احتمال كون المقدم معمولا لشيء ~~آخر، وعلى السلب والاستثناء من حيث توقف الاستثناء في الإفادة على المستثنى ~~منه، والفرق بين الاستثناء والعطف أن صورة العطف تحتمل الاستقلال، ~~والاستثناء مرتبط بالمستثنى منه؛ لأن الاستثناء هو الإخراج، فلا بد من ~~ملاحظة المخرج منه فيفيد الحكمين بواسطة ذلك الارتباط، وإفادتهما في (إنما) ~~أقوى منها في السلب والاستثناء لعدم التوقف على شيء في (إنما)، لأنه يفاد ~~فيها الحكمان إجمالا أولا، ول(إنما) وغيرها من أدوات الحصر ms286 مزية على الحصر ~~ب(لا) و(لكن) و(بل)، لأنهن يفدن الحكمين معا دفعة، وأما (لا) فتفيد النفي ~~بعد تقدم الإثبات، و(بل) و(لكن) يفيدان الإثبات بعد تقدم السلب وتعقل ~~الحكمين معا بمرة أرجح؛ إذ لا يذهب فيه الوهم إلى عدم القصر من أول الأمر، ~~كما في يذهب في (لا) و(بل) و(لكن)، ومعنى تعقل الحكمين بمرة إذ الواضع وضع ~~(إنما) والتقديم والاستثناء والسلب لمجموع الحكمين، ولو يلاحظ أحدهما قبل الآخر. # والأصل في (إنما) و(الاستثناء) و(التقديم) النص على المثبت فقط، ويرد هذا ~~الأصل في قولك: " ما زيدا ضربت " و" ما أنا قلت " إذ القصر به قصر الفعل ~~على غير المذكور لا قصر عدم الفعل على المذكور، كما هو الحق، فيكون النص ~~بما نفي لا بما أثبت و" ما جاء القوم إلا زيد " نص فيه على المثبت والمنفي ~~جميعا، فقيل هو خلاف الأصل إلا أن يقال: إنه لم ينص على الإفراد واحدا ~~واحدا، والحق أن الأصل في الحصر بالاستثناء والنفي والتفريغ وفيه المثبت ~~فقط، فليس الأصل في الاستثناء ذكر ذكر المثبت والمنفي كما في التمام ~~PageV01P449 وأما الحصر ب(لا) و(بل) و(لكن) فينص على المثبت والنفي، وإنما ~~يترك النص كراهة الإطناب في مقام الاختصار، أو لتأتي الإنكار عند الحاجة، ~~أو قصد الإبهام ونحو ذلك، يقول القائل: " زيد يعلم النحو والصرف والعروض "، ~~فترد عليه بقولك: " زيد يعلم النحو لا غير " أو " لا ما سواه " أو " لا ما ~~عداه " أو نحو ذلك، أي: << لا غير النحو >> وهذا الاختصار وبسطه " زيد يعلم ~~(¬1) النحو لا الصرف والعروض "، ويقول قائل: " زيد يعلم النحو وبكر وعمرو " ~~فترد عليه بقولك: " يعلم النحو لا غير" أي: لا غير زيد، وهو من قصر ~~الموصوف، وبسطه " زيد يعلم النحو لا عمرو ولا بكر " وهو من قصر الصفة ، ~~ومثله أن تقول : " لا من عداه " أو " لا من سواه " أو نحو ذلك ، وإن قلت : ~~" لا غير" أو نحوه نص على المنفي ، لأن لفظ (غير) ونحوه * عبارة عن المنفي ~~؛ فالمثالان نص على المثبت والمنفي ، قلت : المراد: النص الصريح وليس في ~~ذكر ms287 (غير) ونحوه * (¬2) تصريح بالمنفي ، بل هو مذكور معها إجمالا لعدم ~~دلالتها على المنفيات بخصوصها. وقال عصام الدين: وربما يكون قولك: " زيد ~~يعلم النحو لا غير " نصا على المثبت والمنفي، كما إذا قصد القصر الحقيقي ~~بأن لا يتقدم قول القائل: " زيد يعلم النحو والصرف والعروض " وليس قولك: " ~~لا غير " <<بالضم لحنا>> على الصحيح لوروده في قول الشاعر:[ من الطويل ] # جوابا به تنجو اعتمد فوربنا ... لعن عمل أسلفت لا غير تسأل (¬3) PageV01P450 ... ومثل <<لا غير>> في حكم ~~القصر <<ليس غير>> وليس لحنا، وقال الرضي: ليست (لا )عاطفة في قولك ( لا ~~غير ) بل نافية للجنس، والخبر محذوف، أي: لا غيره عالم في قولك: " زيد يعلم ~~النحو " جوابا لمن قال: " زيد يعلم لا عمرو وبكر"، أو( لا غيره ) معلوم في ~~قولك: " زيد يعلم النحو لا غير" جوابا لمن قال: " زيد يعلم النحو والصرف ~~والعروض "، ف<<لا غير>> وما قدر بعده جملة مستأنفة يستفاد معها الحصر، ~~وليست من صيغ الحصر. # ودلالة (إنما) و(السلب) و(الاستثناء) و(الطعف بلا) و(بل) و(لكن) على ~~القصر بالوضع؛ لأن الواضع وضعها لمعان تفيد القصر، وهو إثبات المذكور ونفي ~~ما سواه، إلا أن أحوال القصر من كونه إفرادا وقلبا أو تعيينا، إنما يستفاد ~~منها بمعونة المقام، وهي المقصود في الفن بالذات. ووضع ذلك القصر ظاهر، لأن ~~(حرف السلب) سالب، و(أداة الاستثناء) موجبة مخرجة عن حكم النفي. ويلزم من ~~اجتماعها قصر، و(إنما) بمنزلتهما، وما قبل (لا) مثبت، وما بعدها منفي، ~~و(بل) بالعكس. PageV01P451 # وأما التقديم فيدل على القصر بالمفهوم يفهم منه صاحب الذوق السليم القصر، ~~إذا تأمل ولو لم يعرف اصطلاح البلغاء فيه، ويؤخر المقصور عليه ب(إنما)؛ ~~فمعنى " إنما ضرب زيد عمرا " ما ضرب زيد إلا عمرا، ومعنى " إنما ضرب عمرا ~~زيد " ما ضرب عمرا إلا زيد، ولو تقدم وتلا (إما) لالتبس بالمقصور، لأنه ~~التالي ل(إنما). واعترض كون المؤخر هو المقصور عليه بعد (إنما)، والتالي ~~لها هو المقصور بأمور منها، " إنما زيدا ضربت " فإن المقصور عليه <<زيدا>> ~~وقد تلاها، والمقصور <<ضربت>> وهو المتأخر، قلت : هذا القصر حصر ms288 تقديم ، ~~وحصر (إنما) من وراء ذلك ، وجعل المحصور عليه بمنزلة شيء محصور عليه ~~ب(إنما) ، والمحصور بها مقدر ، أي : ما وقع إلا اختصاص الضرب بزيد ، وقيل: ~~إنما هنا خارجة عن الحصر، والتزم السيد أن الحصر فيه للضرب في زيد إنما هو ~~بإنما لا بالتقديم ، وعليه فيستثنى صورة التقديم المجتمعة مع (إنما)، فيكون ~~التقديم للاهتمام ونحوه لا للحصر. قال عصام الدين: الحكم بأنها فيه لغير ~~الحصر، وفي<< إنما جاء زيد لا عمرو>> للحصر تحكم، ومنها: " إنما قمت " ~~فالمحصور عليه القيام، وقد تلا (إما)، ولو كان المحصور فيه (التاء)، لقيل: ~~" إنما قام أنا " قلت: نزلت (التاء) منزلة الجزء من الفعل فلم بعد لفظ ~~القيام شيء مقصور وليس في اللفظ إلا المقصور عليه وكأنه قيل " ما وقع إلا ~~قيامي" ، ومحل قولنا تاليها مقصور ، والمؤخر مقصور عليه ما إذا صرح بهما ~~ومنها قوله - صلى الله عليه وسلم - ( إنما يأكل آل محمد من هذا المال ) ~~قلت: قد تأخر المحصور عليه ، أي : إنما يأكلون من هذا المال لا من الزكاة . PageV01P452 # ومنها قوله تعالى { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في ~~الخمر والميسر } (¬1) فإنه ليس المراد ما يريد أن يوقع العداوة والبغضاء ~~إلا في الخمر والميسر، قلت: ليس المراد بالمؤخر المقصور عليه ما تأخر ~~مطلقا، بل تارة يكون ما تأخر مطلقا نحو " إنما ضربت زيدا "، وتارة ما تأخر ~~بالنسبة للمقصور، ولو كان بعده شيء آخر فيكون من لواحقه أو لواحق غيره، ~~والآية منه؛ فالمتأخر المقصور عليه إيقاع العداوة والبغضاء، وكون الإيقاع ~~في الخمر والميسر، أو كون العداوة فيهما من لواحق المقصور عليه، وقد تقدم ~~على ذلك كله المقصور. ومنها قوله تعالى { إنما أشرك آباؤنا من قبل } (¬2) ~~فليس المراد ما أشرك آباؤنا إلا من قبل، قلت: المقصور عليه <<آباؤنا>> وقد ~~تأخر عن المقصور و<<من قبل>> من لواحق المقصور. ومنها قوله تعالى { إنما ~~فتنتم به } (¬3) PageV01P453 فليس المراد (ما فتنتم إلا به ) قلت ~~: بلى، فإن المعنى ( إنما فتنتم الآن بهذه الفتنة الخاصة ) وهو الإشراك ~~الواقع بعبادته به لا بغيره ms289 ، فحينئذ يقال : ليس مساق الآية ذلك ، فإنهم لم ~~يدعوا أنهم فتنوا بغيره ، فيقلب عليهم ولا به وبغيره ، فيفرد لهم فأقول: ~~عبادتهم إياه إنكارهم أن يفتنوا به ، فإن كنا فتنا فبغيره ، فقال : <<ما ~~فتنتم إلا به>>.ومنها قوله تعالى { فإنما يقول له كن فيكون } (¬1) فليس ~~المعنى ما يقول له كن، قلت: المحصور عليه<< يقول له كن >> من لواحقه ولم ~~يذكر مقصورا، وتقديره ما يقع إلا قولنا له كن، أي توجه إرادتنا إليه. ومنها ~~قوله تعالى { إنما يأتيكم به الله إن شاء } (¬2) فليس المراد ما يأتيكم به ~~الله إلا إن شاء، ولو صح معنى (بل )، المراد: يأتيكم به إلا الله، إذ هو ~~جواد لقولهم { فأتنا بما تعدنا...الخ } (¬3) ، قلت : << إن شاء الله >> من ~~لواحق << يأتيكم >> و<< يأتيكم >> مقصور وقد تأخر عنه المقصور عليه وهو ~~الله - عز وجل - ، والله أعلم . # باب الحصر بالتقديم PageV01P454 يحصل الحصر بتقديم ما حقه ~~التأخير، نحو " تميمي أنا " و" تميميا كنت وراكبا " و" زيدا أكرمت " و" في ~~الدار نمت " في قصر الموصوف. و" أنا كفيت مهمك " في قصر الصفة، وذلك بإفراد ~~قلب وتعيين. وإن قلت: ليس (أنا ) في المثال الأخير حقه التأخير لأنه مبتدأ، ~~قلت: هو على رأي السكاكي (¬1) من أن أصله " سعيت أنا " على التأكيد فقدم ~~للحصر وجعل مبتدأ ، وتقدم أن تقديم المسند عند القزويني (¬2) يفيد الحصر ~~ولو لم يكن أصله التأخير . وما وجب تقديمه للصدارة (كاسم الاستفهام) لا ~~يفيد تقديمه الحصر، وإنما صلح " تميمي أنا " لقصر القلب والتعيين والإفراد؛ ~~لأنه إذا كان المخاطب يردده بين (قيس) و(تميم) كان قصر تعيين، وإذا نفاه عن ~~(تميم) وأثبته ل(قيس) كان قصر قلب، وإذا أثبته من جهة ل(قيس) ومن أخرى ~~ل(تميم) كان للإفراد؛ ككون من (تميم) أبا ومن (قيس) أما، أو بالعكس، أو من ~~أحدهما بالنسب مطلقا ومن الآخر بالولاء، والله أعلم. # باب الإنشاء على العموم PageV01P455 لفظ الإنشاء قد ~~يطلق على نفس الكلام الذي ليس لنسبته خارج، تقصد مطابقته أو عدم مطابقته؛ ~~فالإنشاء لنسبته خارج لكن لا تقصد بالمطابقة ولا بعدمها، وقد يطلق ms290 على ما ~~هو فعل المتكلم وهو النطق بذلك الكلام الذي ليس لنسبة خارج تقصد مطابقته أو ~~عدم مطابقته، كما أن الإخبار << بكسر الهمزة>> يطلق على نفس الكلام الذي ~~لنسبه خارج تقصد مطابقته أو عدم مطابقته، ويطلق على النطق بالكلام الذي ~~لنسبته خارج تطابقه أو لا تطابقه. والفرق بين الكلام والنطق به: أن الكلام ~~الحروف المسموعة، والنطق به استعمال مخارج الحروف حتى تكون تلك الحروف وهو ~~التكليم. # والإنشاء قسمان: طلب، وغير طلب. أما الإنشاء غير الطلب فلا يذكر هنا لقلة ~~المباحث البيانية المتعلقة به، ولأن أكثرها في الأصل إخبار نقلت إلى معنى ~~الإنشاء؛ وذلك كأفعال الرجاء، وأفعال المدح والذم، وصيغ العقود، والقسم، ~~ورب، ونحو ذلك، كفعل التعجب، وكم الخبرية ورب. قال السيد: ولا ينافي كون رب ~~وكم للإنشاء، كون ما دخلا عليه كلاما محتملا للصدق والكذب بحسب نسبة الظرف ~~إلى الرجال في " كم رجال عندي " و" رب رجل عندي " مثلا، وأما باعتبار ~~استكثارك إياهم فلا يحتملهما لأنك استكثرتهم ولم تخبر عن كثرتهم ، ومثل ذلك ~~عن ابن الحاجب . وقال صاحب عروس الأفراح (¬1) : إن ذلك ضعيف ، وإن الذي ~~نقطع به أن هذا خبر ، لأن هذا التكثير ليس المعنى ، بل معناه اعتقاد الكثرة ~~الواقع في النفس ، والتعبير عن ذلك ب<<كم>> إخبار عن هذا الاعتقاد " فكم ~~رجال " إخبار عن اعتقاد الكثرة ، كقولك : " اعتقدت هذا كثيرا " وتعليل ابن ~~الحاجب كونه إنشاء من جهة التكثير، بأن المتكلم عبرعما في باطنه من التكثير ~~يستلزم أن يكون ، نحو " أحببت زيدا " و" عزمت على كذا " إنشاء ولا قائل به ~~، وقوله عقب ذلك : والتكثير معنى ثابت في النفس ، لا وجود له في خارج ، ~~صحيح لكن لا ينفعه . PageV01P456 وأما الإنشاء الذي هو طلب فإنه يستدعي صحة ~~طلب شيء غير حاصل وقت الطلب، ولا يخفى أنه يستدعي صحة طلب شيء غير حاصل وقت ~~الطلب، ولا يخفى أنه يستدعي مطلوبا غير معلوم الحصول وقت الطلب، وطلب ~~الحاصل عبث لا يليق، وإذا جاء ما لفظه طلب الحاصل حمل على أنه لم يحصل في ~~زعم الطالب، ms291 نحو أن يقال لك: " إيت بزيد" ولم يدر القائل أنك قد أتيت به، ~~أو حمل على الدوام، أو على قيد، نحو قوله تعالى { ياأيها الذين آمنوا آمنوا ~~} (¬1) أي دوموا على الإيمان، أو أخلصوا الإيمان، أو آمنوا بألسنتهم آمنوا ~~من قلوبكم، ونحو ذلك، والله أعلم. # والإنشاء كالخبر في كثير مما ذكر، في الإسناد والمسند والمسند إليه، ~~ومتعلقات الفعل، والقصر، ألا ترى أنك تقول: " في المسجد أجلس " التقديم ~~للحصر مثلا و" أجلس أجلس "، وتعرف المسند إليه فيه وتنكره لنكت التعريف، ~~والتنكير بحسب الإمكان. وتذكر المسند أو المسند إليه أو تحذفه، نحو قولك ~~بعد ذكر زيد "هل قائم " أي: " هل هو قائم ". وليس كالإخبار في بعض؛ ككون ~~التأكيد لظن خلاف الحكم أو الإنكار، فإن هذا لا يجري في الإنشاء لخلوه من ~~الإيقاع والانتزاع، بل تأكيد الإنشاء لبعد المخاطب عن الامتثال أو قربه ~~منه، قيل: ولا يكون المسند فيه إلا مفردا، وأما في الخبر فيكون مفردا ~~وجملة، ويبحث بأنه يقال: " هل زيد أبوه قائم "، وإن قيل: هو بمنزلة " هل ~~زيد قائم الأب " أو " هل قام أبو زيد " قلنا: فكذا في الخبر. # باب الإنشاء الذي هو التمني PageV01P457 وهو طلب ثبوت شيء أو انتفائه على ~~طريق يفهم منه المحبة. وخرجت أنواع الطلب الباقية؛ لأن فيها محبة لكن لا ~~على طريق تفهم منها، ولا يشترط إمكان المتمنى ولا امتناعه. ومعنى إمكان ~~المتمنى عدم استحالته، فهو إمكان عام - ( والإمكان العام هو سلب الضرورة عن ~~الجانب المخالف للنسبة ) - أو معناه جواز الوجود والعدم، فهو إمكان خاص - ~~(والإمكان الخاص سلب الضرورة عن الجانبين ) - ومعنى الضرورة هنا: كون الشيء ~~لا محيد عنه، ولا يصدق التعريف بالواجب، أعني بما ثبت قطعا؛ لأنه يخرج ~~بقولي: طلب؛ لأن ما ثبت لا يطلب ثبوته، وإنما زدت عليهم قولي: << ولا ~~امتناعه إيضاحا زائدا >>ولم يذكروه لأنه لا يتبادر الوهم إلى اشتراط إمكانه ~~لما تقرر أنه لا يصح طلب المحال، وعدم تمييز الوهم بين طلب على وجه التمني ~~وطلب لا على هذا الوجه. PageV01P458 # ولا يخفى أن الترجي ms292 طلب، وقيل: ليس طلبا، ولكن ترتب الحصول، ولا بد من ~~إمكان ما يترجى، فغير الممكن لا يترجى، وكذا الأمر والنهي والاستفهام ~~والنداء؛ لا تستعمل إلا فيما كان ممكنا، ولو من وجه، فأمر الله جل وعلا بما ~~سبق في علمه أنه لا يكون، ونهيه عما سبق في علمه أنه يكون أمر بممكن ~~الوقوع، ونهى عن ممكن عدم الوقوع، وذلك أن المأمور في ذلك مأمور بما جعل ~~الله جوارحه وقلبه قوية، وكذا المنهي في ذلك منهي عما جعله قويا على ~~الانتهاء عنه. وأما المستحيل الذي لا قوة للمكلف عليه، فالحق أن الأمر به ~~أو النهي عنه غير واقع من الله ولا جائز، إلا إن كان يؤول إلى جائز، كالأمر ~~ببلع جبل لما قرب منه شيء أمر به، عاد لقمة كعسل، ولا تقول: " لعل الشباب ~~يعود "، فإن عوده غير ممكن عادة فهو محال، عادة معنى قوة الشبوبية بالجنس ~~أو النوع، وأما عود الشبوبية التي كانت بعينها ثم ذهبت، أو عود السن ~~المعين، فإن ذلك محال عادة وعقلا. وإذا كان المتمنى ممكنا، يجب أن يكون طمع ~~أو توقع، ولو كان أحدهما لكان الكلام ترجيا؛ فيؤتى بأداته، ك(لعل) و(عسى) ~~و(اخلولق)، والتوقع أبلغ من الطمع. ولعل له وعسى للطمع. وظهر لك من ذلك أن ~~التمني والترجي متباينان، وإن قيل الترجي: ليس طلبا، فالتباين أظهر، ~~والموضوع للتمني " ليت الشباب يعود ". PageV01P459 # وقد يتمنى ب(هل)، نحو " هل من شفيع " حيث يعلم أن لا شفيع، لأنه حينئذ ~~يمتنع حملة على حقيقة الاستفهام لحصول الجزم بانتفائه، فالعلم بذلك قرينة ~~المجاز، والتمني ب(هل) على سبيل الاستعارة التبعية أو المجاز المرسل ~~بمرتبتين، بأن يتجوز بها إلى مطلق الطلب عما وضعت له من الطلب، بقيد كونه ~~استفهاما، ثم على طلب حصول شيء على سبيل المحبة والنكتة في التمني ب(هل )، ~~والعدول عن (ليت) هو إبراز المتمنى لكمال العناية به في صورة ما هو في ~~الإمكان، وفي عدم الجزم بانتفائه؛ لأن المستفهم عنه لا بد أن يكون ممكنا لا ~~جرم بانتفائه، بخلاف المتمنى، فإنه قد يكون ms293 مجزوما بانتفائه في صورة ~~الممكن، وإذا كان المتمنى غير ممكن فجيء فيه بأداة الاستفهام فلا يخفى أنه ~~غير ممكن أبز في صورة الممكن. # وقد يتمنى ب(لو)، نحو " لو تأتينا فتحدثنا “ (بالنصب) في (¬1) جواب ~~التمني، قال السكاكي (¬2) : PageV01P460 كأن [ الحروف المسماة بحروف ] التنديم ~~والتخصيص وهي : (هلا) ، و(ألا) بقلب الهاء همزة ، و(لولا) و(لوما) مأخوذة ~~من (هل) و(لو) اللتين للتمني جوازا واحتمالا، و(لا) و(ما) المزيدتين بأن ~~ركبت (هل) و(لو) مع (لا) و(ما). والغرض المطلوب من هذا التركيب جعل (هل) ~~و(لو) متضمنتين لمعنى التمني وجوبا ونصا، والغرض من تضمنهما معنى التمني أن ~~يتولد منه في الماضي التنديم، نحو: " هلا أكرمت زيدا " و" لوما أكرمته " ~~أي: ليتك أكرمته، تقول ذلك حملا على الندم على ترك الإكرام. وفي المضارع ~~الذي للاستقبال التخصيص، نحو: " هلا تكرم زيدا " و" لو ما تكرمه " أي ليتك ~~تكرم، تقول ذلك قصدا إلى حثه على الإكرام، قال ذلك بالمعنى. # والتنديم حمل المخاطب على الندم، ويعبرعنه بالتوبيخ وهو العتاب والتهديد، ~~ولم يجعلهما للتنديم والتخصيص من أول الأمر بلا توسط تمن، لأن التنديم ~~يتعلق بما مضى والتخصيص بما يستقبل، فاختلفا فارتكب معنى التمني واسطة، ~~لأنه طلب في المعنى ليكون كالجنس لهما، فيكون في الحروف شبه تواطؤ لا شبه ~~اشتراك، لأن التواطؤ أقرب من الاشتراك، وإنما قلنا: <<شبه>> لأن التواطؤ ~~الحقيقي إنما يتصور في غير الحروف. وهذا التعليل يظهر على القول بأن الحروف ~~جزئية وضعا، أعني وضعت لمعان جزئية، لا على قول السعد (¬1) والجمهور : إنها ~~كلية وضعا جزئية استعمالا ، ووجه تولد التنديم والتخصيص من التمني ، أن ~~التمني مرغوب فيه ومطلوب فيندم على فوته ويحث على فعله ، ولا يقال: التمني ~~طلب الشيء على سبيل المحبة ، ومحبة المتكلم للشيء لا توجب ندامة المخاطب ~~على تركه أو حرصه على فعله ، فكيف يتوصل به إلى التخصيص والتنديم، لأنا ~~نقول ذلك للشفقة على المخاطب ، فيوجب التخصيص والتنديم لا لنفسه . ويكون ~~أيضا (ألا) بالتخفيف للعرض، وكل من العرض والتخصيص في أمر مستقبل، والتوبيخ ~~في أمر مضى. PageV01P461 وقد يتمنى ب(لعل)، نحو: لعلي أحج ms294 ~~فأزور رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (بالنصب) في جواب الترجي، وقوله: [ ~~أي فرعون ] ( لعلي أبلغ...(.إلى ) فأطلع ) (¬1) ب(النصب) في جواب الترجي، ~~ويدل له سماع الجزم بعد الترجي، وعند سقوط (الفاء)، وسماع الجزم أقوى دلالة ~~من الآية؛ لاحتمال النصب في جواب << ابن لي صرحا >>، ولاحتمال النصب عطفا ~~للمصدر على الأسباب، ولاحتمال أشرأب لعل معنى ليت، فالنصب للتمني، ويناسب ~~هذا الاحتمال أن الترجي في الممكن والاطلاع إلى إله موسى وبلوغ أسباب ~~السموات غير ممكن، فليست للترجي. وتقول: " لعلي أحج فأزورك " أي " ليتني ~~أحج " تستعمل (لعل) للتمني إذا قرب المتمنى من الحصول، وكأنه قريب من ~~الرجاء، وجعل السيد المقام مقام ترج، لكن جعل المرجو فيه بعيدا عن الحصول، ~~وأنزله منزلة ما يتمنى، فبذلك البعد أشبه المحال، والممكن الذي طمع فيه، ~~فتولد منه معنى التمني، والله أعلم. # باب الاستفهام على العموم PageV01P462 ... هو طلب إدراك صورة ~~ما جهل ب(الهمزة )أو (هل) أو (ما) أو (من) أو (أي) أو (كم) أو (كيف) و(أين) ~~و(أنى) و(متى) و(أيان) و(أم المنقطعة)، فإن كانت تلك الصورة وقوع نسبة في ~~الخارج بين أمرين أو لا وقوعها، فإدراك أنه محقق خارجا، أو ليس محققا هو ~~التصديق، وإلا فهو التصور؛ ومنه تصور الوقوع، وإنما قلت: ( أم المنقطعة) ~~لأنها بمعنى (بل) و(الهمزة) أو بمعنى (الهمزة)، بخلاف المتصلة، فإنها تدل ~~على الاستفهام، بل تذكر (همزة) الاستفهام قبلها، والله أعلم. # باب الهمزة # ... هي لطلب التصديق والتصور، و(أم المنقطعة) و(هل) لطلب التصديق، ~~والباقي لطلب التصور، إلا أن التصور في كل مخالف له في الآخر ولو باختلاف ~~الزمان ك(متى) و(أيان)؛ فإن (متى) لمطلق الزمان، و(أيان) لمستقبله. # والتصديق انقياد الذهن لوقوع نسبة تامة بين الشيئين، والانقياد والإذعان ~~عند أهل المنطق الإدراك بالتصديق إدراك وقوع تلك النسبة أو لا وقوعها، ~~وإدراك ما سوى ذلك من موضوع ومحمول ونسبة هي مورد الإيجاب والسلب تصور، ~~وأما إدراك وقوع النسبة الناقصة فتصور. ومثال طلب التصديق " أقام زيد " و" ~~أزيد قائم " تصورت القيام وزيدا والنسبة بينهما، وسألت عن وقوع تلك النسبة ~~خارجا، فإذا قيل: ms295 " قام " أو " قائم " حصل ذلك التصديق. والاستفهام بالجملة ~~الفعلية أحق منه بالاسمية، وطلب التصديق أحق ولذلك قدمته، وذلك أنه لا طلب ~~في التحقيق إلا للتصديق. # وأما طلب التصور فكلام ظاهري، والتصور إدراك غير وقوع النسبة التامة، ~~فإدراك ذات النسبة تصور، والتصديق موصوف على التصور؛ فانتفاؤه يستلزم ~~انتفاء التصديق، ولكن لما كان التصديق بغير المعين حاصلا، والمقصود حصوله ~~بالمعين، والتفاوت بينهما ليس إلا في تعيين المسند أو المفعول أو نحوهما من ~~سائر قيود الفعل. وطلب التصور أقسام: # طلب تصور النسبة بين الطرفين من غير طلب وقوعها. # وطلب تصور الطرفين PageV01P463 وطلب تصور المسند # وطلب تصور المسند إليه # ومن طلب تصور المسند إليه قولك: " أدبس في الإناء أم عسل "، فهذا يدل على ~~أنك عالم بوقوع النسبة وهي الحصول في الإناء، لكنك جهلت الحاصل الذي هو ~~المسند إليه، وإنما قلت: هو المسند إليه لأنه هو المتصف بكونه حاصلا، ~~فسألت، فإذا قيل مثلا: " عسل" تصورت المسند إليه بخصوص أنه عسل والدبس ~~شراب حلو يتخذ من التمر أو العنب، أو هو عسل التمر وظاهر ما ذكرت تأخر ~~التصور عن التصديق والمعهود العكس، الجواب أن التصور المتأخر تصور خاص كما ~~أشرنا إلا به، وأما مطلق التصور أعني تصور المسند إليه فهو متقدم لأنك ~~تعلم أن ثم شيئا حاصلا دائرا بين العسل والدبس. PageV01P464 # من طلب تصور المسند قولك: " أفي الخابية دبس أم في الزق " عالما بكون ~~الدبس في واحد من الخابية والزق طالبا لتعيين ذلك؛ فهنا تصور سابق توقف ~~عليها لتصديق وهو كون المحصول فيه أحد هذين، وتصور خاص متأخر هو المسؤول ~~عنه وهو كونه نفس الخابية بخصوصها أو الزق بخصوصه، ثم الطرفان متصوران (¬1) ~~لذاتهما أيضا، وإنما سئل عنهما من حيث الحصول فيهما بالخصوص؛ ففي هذا ~~التصور تصديق كما في المسند إليه لأن التصديق المعلوم مطلق الحصول في ~~أحدهما، ثم سئل عن حصول خاص يتبين بذكر المحصول فيه الخاص، ولمجيء الهمزة ~~لطلب التصور لم يقبح في طلب تصور الفاعل " أزيد قام " كما قبح "هل زيد قام ~~"، ولم يقبح ms296 في طلب تصور المفعول " أعمرا عرفت " كما قبح " هل عمرا عرفت ~~"والقبح في " هل عمرا عرفت " لأن التقديم يستدعي حصول التصديق من المتكلم ~~وبنفس الفعل، إذ التقديم يفيد الاختصاص، فمفاد "أعمرا عرفت " السؤال عن ~~خصوص المفعول الذي اختص بالمعرفة دون غيره، بمعنى أنه سئل عن الذي يصدق ~~عليه أنه هو المعرفة فقط دون غيره بعد العلم بوقوع المعرفة على <<عمرو>> أو ~~غيره فاصل التصديق بوقوع الفعل على مفعول ما حاصل. وإنما سئل عن المفعول ~~الذي اختص بوقوع الفعل عليه، فالسؤال لطلب التصور، و(هل) لا تكون لطلب ~~التصور وإن جعلت لطلب التصديق كانت لطلب حصول الحاصل وهو عبث، وإنما يقبح ~~المثال لا بمنعه؛ لأن التخصيص غير متعين لجواز أن يكون التقديم لغير ~~التخصيص فلم يمنع أصل التركيب، فإذا قصد التخصيص منع، والفرق المذكور ظاهر ~~في " أعمرا عرفت " لا في " أزيد قائم " لأن تقديم المنصوب يفيد الاختصاص ما ~~لم تقم قرينة على خلافه فالغالب فيه الاختصاص، وقد يكون لغيره كالاهتمام. PageV01P465 فقد ساوى تقديم المرفوع من حيث أن ~~كلا يكون للاختصاص، وغيره ويجاب بأن النظر للغالب، والمسؤول عنه بالهمزة أو ~~بغيرها هو ما يليها أو يلي غيرها من أخواتها كالفعل والفاعل والمفعول، ~~فالفعل كقولك: " أضربت زيدا " إذا كان الشك في نفس الضرب الصادر من المخاطب ~~الواقع على<< زيد>> وأردت أن تعلم وجوده، لا إذا حصل العلم به بلا تعيين ~~وأردت تعيينه وهي لطلب التصديق. ويحتمل أن تكون لطلب تصور المسند بأن تعلم ~~أنه قد تعلق فعل من المخاطب ب<<زيد>>، لكن لا تعرف أنه ضرب أو إكرام. ~~ويحتمل أن يكون لطلب تصور المسند إليه، قال [ السبكي ] في عروس الأفراح ~~(¬1) : إذا قلت : " أقام زيد " احتمل أن يكون لطلب التصديق ، وأن يكون لطلب ~~تصور المسند ، وأن يكون لطلب تصور المسند إليه ؛ لأن ذلك قد يصدر من متردد ~~في وقوع " قيام زيد " ومن جازم بوقوع قيامه شاك في المسند إليه، ومن جازم ~~بوقوع فعل من <<زيد>> شاك أنه القيام أو غيره ، فالمعنى على الأول " أقام ~~أم لا ms297 " ، وعلى الثاني " أقام زيد أم عمرو "، وعلى الثالث " أقام زيد أم ~~قعد " وكذا " أزيد قائم " * و" أزيد في الدار أو المسجد " ، فالمراد ~~التصديق، و<<الدار>> و<<المسجد>> كالفضلة* (¬2) ، غير أن الظاهر أن ~~الاستفهام عن التصديق لأن النسبة الجديرة بالاستفهام، ولذلك كان إيلاء ~~الفعل همزة الاستفهام، وتأخير الاسم أولى من العكس . قال سيبويه : التقديم ~~في نحو " أزيدا لقيت أم عمرا " أحسن ، وأنك لو أخرت فقلت : " ألقيت زيدا أم ~~عمرا " لكان جائزا حسنا . ونحوه في (مقرب ) ابن عصفور (¬3) ، PageV01P466 # وقد علمت أن الفعل بالاستفهام أولى ، فالمعتبر فيه الفعل فلا يلزم ما قيل ~~من أن الهمزة إنما يليها المستفهم عنه إذا كان المطلوب تصور بعض طرفي ~~الجملة أو فضلاتها ، لا التصديق بوقوع نسبتها ؛ إذ ليس له لفظ واحد يلي ~~الهمزة بل دائر بين المسند والمسند إليه ، وأنه ليس أحدهما أولى من الآخر ~~بالإيلاء . # والفاعل كقولك: " أنت ضربت زيدا " إذا كان الشك في الضارب؛ فالفاعل معنى ~~هو <<أنت>>، ومعنى ولفظا ( تاء) <<ضربت>>. # والمفعول كقولك:"أزيدا ضربت" إذا كان الشك في المضروب وكذا سائر الفضلات، ~~نحو: " أفي الدار صليت"، ونحو " أيوم الجمعة سرت "، ونحو: " أتأديبا ضربته ~~"، ونحو: " أراكبا جئت ". # وقد مر أن الاستفهام الذي ذكروا أنه يراد به التصور هنا لا يخلو عن ~~مراعاة التصديق المخصوص، ولهذا صح إطلاق الشك فيما هو سؤال عن تصور الفاعل ~~والمفعول، مع أن الشك إنما يتعلق بالنسبة لا بالفاعل أو المفعول من حيث ~~ذاتهما. # ومن الاستفهام ب(الهمزة) ألا وهلا في الغرض و(الهاء) عن (الهمزة ) والغرض ~~والتخصيص مطلقا من الاستفهام غير المحقق، و(الهمزة) فيهما همزة الاستفهام ~~دخلت على حرف النهي ودلت قرينة على أن المراد الغرض والتخصيص، وهي قرينة ~~حالية. وإذا قلت: " ألا تنزل " فالمانع من الاستفهام كون عدم النزول في ~~الحال أو الاستقبال معلوما بقرينة من القرائن، أو نزل منزلة المعلوم، أو ~~كون السؤال عندما يتعلق به غرض،والاستفهام إنما يكون عن المجهول مع تعلق ~~الغرض به، # ولما تعذر الاستفهام للعلم أو لعدم تعلق الغرض به حمل على الإنكار بقرينة ~~إظهار محبة ضد مدخولها، ms298 ومعلوم أن إنكار النفي يتولد منه طلب ضده ومحبته، ~~فتضمن الكلام طلب النزول وعرضه على المخاطب، والله أعلم. # باب الاستفهام بهل PageV01P467 هي لطلب التصديق، نحو: " هل قام زيد " و" ~~هل عمرو قاعد " إذا كان المطلوب حصول التصديق بثبوت القيام لزيد والقعود ~~لعمرو، ولاختصاصه بطلب التصديق امتنع أن يؤتى له بمعادل، فلا يقال: " هل ~~زيد قام أو عمرو " وأجازه ابن مالك، لقوله - صلى الله عليه وسلم - ( هل ~~تزوجت بكرا أم ثيبا )، وأجيب بأن <<أم >>منقطعة، أي: بل ثيبا أو بل ~~"أثيبا"، وأم المنقطعة وما بعدها ليسا عديلا لما قبلها. # ... وشرط المتصلة أن يتقدم استفهام بالهمزة أو التسوية، وشرط المنقطعة أن ~~تكون بعدها جملة؛ ففي الحديث يقدر ناصب لثيبا، فأم منقطعة بعدها جملة، ~~والمستدل بالحديث لا يعين الاستفهام قبل المتصلة بالهمزة، بل يقول سواء ~~فيها الهمزة وهل، ويقول الأصل عدم الحذف، فالواقع بعدها مفرد، فوقوع المفرد ~~بعدها دليل اتصالها، لأن المتصلة هي التي يقع بعدها المفرد وتقع بعدها ~~الجملة، والمنقطعة لا تقع بعدها إلا الجملة، والمتصلة لتعيين أحد الأمرين ~~مع العلم بثبوت أصل الحكم، والمشهور في <<هل>> ما ذكرته أولا من طلب ~~التصديق. PageV01P468 # ومعنى قولهم <<هل>> لطلب الحكم أنها لطلب التصديق، وطلب الحكم يقتضي ~~الجهل به، والجهل مناف لما اقتضته <<أم>> المتصلة من العلم. ومن هذا ~~التنافي يظهر بطلان ما قيل: ما المانع من طلب كل من التعيين وأصل الحكم، ~~وقد يسوغ الجمع بينهما. ولكون <<هل>> لطلب التصديق قبح " هل زيدا ضربت " ~~لأن التقديم يستدعي غالبا حصول التصديق بنفس الفعل فتكون <<هل>> لطلب حصول ~~الحاصل، وطلب حصوله قبح، وحصوله محال، ولو قصد بالتقديم الاهتمام دون الحصر ~~أو قيل مفعول لمحذوف أي " هل ضربت زيدا " ضربت لقبح أيضا لأنه يوهم خلاف ~~الظاهر، وهو الحصر الممتنع هنا لإفضائه إلى طلب التصور ب(هل)، وأيضا في حذف ~~العامل، مع أن العامل المذكور غير مشغول قبح، لأن فيه تهيئة المذكور ~~للمتقدم وقطعه عنه، وفيه حذف عامل الأول ومعمول الثاني، وليس ذلك في ~~الاشتغال. PageV01P469 # وإن قيل للحصر كان ms299 ممتنعا لأنه يفيد التصور هنا، فالمثال دائر بين الضعف ~~والامتناع أو بين القبح والامتناع، وما أوهم أنه قبيح أو ممتنع قبيح، ولو ~~لم يقبح في نفسه لكن جاءه القبح من دورانه بالإيهام بين القبيح والممتنع، ~~ولو قامت قرينة على أن المراد الاهتمام أو على أنه مجهول لمحذوف لم يقبح، ~~ولا قبح في "هل زيدا ضربته" لأنه لم يتعين لتقدير الناصب بعد <<زيدا>>، بل ~~احتمل قبله - وهو الأصل- وبعده، والأصل مرجح، وجعل السكاكي (¬1) قبح " هل ~~رجل عرف " لكون التقديم يستدعي حصول التصديق بنفس الفعل، لأن أصل عرف رجل ~~عنده عرف رجل، على أن رجل بدل من ضمير في عرف، على ما مر قدم للتخصيص، ~~والظاهر على مذهبه الامتناع لا القبح فقط، لأن مذهبه " إن رجل عرف " يفيد ~~التخصيص قطعا، إلا أن يقال: أراد بالقبح الامتناع كما يراد بالكراهة ~~التحريم، ولا يقال: التقديم للمرفوع يفيد الاختصاص عنده إذا لم يوجد مسوغ ~~للابتداء بالنكرة سوى التقديم، وهنا وجد المسوغ وهو الاستفهام، لأنا نقول ~~هذا التقديم معتبر قبل دخول (هل) لأنها الداخلة، فالجملة معتبرة تامة ثم ~~جاءتها (هل)، ولا يقال: يلزم السكاكي أن لا يقبح " هل زيد عرف " لأن زيد ~~معرفة تقديمه لا يفيد عنده التخصيص، فضلا عن أن يستدعي حصول التصديق بنفس ~~الفعل، مع أنه قبيح بإجماع النحاة، لأنا نقول: يقبح أيضا عنده، لأن (هل ) ~~بمعنى ( قد ) في الأصل، و( قد ) لا تدخل على الاسم. وقد علل غيره قبح " هل ~~رجل عرف " و" هل زيد عرف " يكون (هل ) بمعنى (قد )، و(قد ) هذه التي هي ~~بمعنى ( هل ) في الأصل التقريب، وقيل: التحقيق، وقيل: التوقع؛ فأصل هذا ~~(هل) بهمزة الاستفهام، و(هل) بمعنى (قد)، فحذفت (الهمزة) تحقيقا للعلم بأنه ~~يكثر النطق بها قبل (هل)، فأقيمت (هل) مقامها، وقد تذكر كقوله [ أي قول ~~الشاعر: [ من البسيط ] ( سائل فوارس... PageV01P470 /البيت ) (¬1) في ~~المعنى، وقد تكون (هل ) بمعنى (قد ) بلا استفهام كقوله تعالى { هل أتى على ~~الإنسان } (¬2) ، و(هل) بمعنى (قد) ، و(الهمزة) فرع (قد) ، والفرع لا يقوى ~~قوة الأصل ، فلم يمتنع دخول( ms300 قد) على الاسم ، كما يمتنع دخول (قد)عليه ، بل ~~قبح قبحا . ولم يقبح " هل زيد قائم " لأنه لم يكن الفعل بعدها فتنوسي. PageV01P471 واعلم أن (هل) تخص المضارع ~~للاستقبال بعد أن صلح للحال، إلا (هل) التي بمعنى مجرد (قد)، فتدخل على ~~الحال وغيره. واستظهر بعض أن الجملة الاسمية بعد (هل) الاستفهامية ~~للاستقبال كالمضارع، وتوقف عيسى الصفوي فلا يجوز " هل تضرب زيدا " على أن ~~تقول ذلك ومخاطبك مشتغل بضرب زيد شارع فيه، ولو قلت: " هل تضرب زيدا وهو ~~أخوك " - وهو لا يجوز- لدل قولك " وهو أخوك " على أنك تخاطب مخاطبك حال ~~اشتغاله بضرب زيد وشروعه فيه بواسطة العرف، لأن المتبادر أن الأخوة حالية ~~وكذا الضرب، لأن الحال قيد في عاملها، والأصل اتحاد زمان القيد والمقيد، ~~فالأصل في الحال أن تكون مقارنة، ويجوز " هل تضرب زيدا " وتريد الاستقبال ~~و" هل تضرب زيدا وهو أخوك " وتريد الاستقبال بقرينة تنصبها حالية أو ~~مقالية، والأخوة حالية مستمرة، أو يراد حصولها في المستقبل، ولو حصلت في ~~الحال أيضا؛ لأن الحصول في كل وقت غير الحصول في الآخر، ويجوز " أتضرب زيدا ~~وهو أخوك " ولو أردت الحال، ويجوز أيضا الاستقبال، أي: " أسوف تضرب زيدا مع ~~تقرر أخوته ". والاستفهام للتوبيخ والإنكار بمعنى أن يخرج عن القبح ضرب من ~~هو أخوه، قيل: لا حقيقي، إذ لا معنى للاستفهام عن الضرب المقارن لكونه أخا، ~~قلت: لا مانع منه، كأنه قيل: <<أيصدر منك ضربه وهو أخوك >>، فيجيبك: بأنه ~~لا يصدر مني أو لا يمكن، وتقول ذلك سواء أعلمته أخاه أم لم تعلم أنه أخوه، ~~وأردت أتضربه على فرض أن يكون أخوك، أو إن كان أخاك لا تضربه. ولا مانعه من ~~تقييد المستقبل بالحال سواء كانت مقارنة معه في الاستقبال، نحو " سيجيء زيد ~~راكبا " فمجيئه وركوبه مستقبلان مقترنان بعد إذا كانا. وقوله [ في ] ~~الحماسة: [ من الطويل ] # سأغسل عني العار بالسيف جالبا ... على قضاء الله ما كان جالبا (¬1) PageV01P472 ... ف<<جالبا>> حال مقارنة لعاملها المستقبل، ~~وقضاء فاعل جالبا - أي حكم الله-وما <<كان جالبا>> مفعول <<جالبا>> ولا يصح ~~أن يكون ms301 مفعولا ل<<قضاء>> على هذا المعنى الذي هو الحكم نصب على أنه مفعول ~~<<جالبا>> الأول، و<<ما كان جالبا>> فاعل <<جالبا>> و<<القضاء>> على هذا ~~بمعنى الموت، ومعنى <<غسل العار بالسيف>> استعماله على الأعداء. # أو محكية تحقيقا بالنسبة إلى الاستقبال، نحو " أتضرب زيدا غدا وقد أكرمك ~~اليوم أو أمس".وحفظت من كتب النحو وغيره أن جملة الحال لا تصدر بعلم ~~الاستقبال، فلا يجوز "جاء زيد سيركب " أو " لن يركب " و" لا يجيء زيد سيركب ~~" أو " لن يركب " لتنافي الحال والاستقبال بحسب الظاهر. والذي عند التحقيق ~~جوازه فتكون مقدرة، فكما تقول: " جاء زيد راكبا غدا " يجوز " جاء سيركب " ~~وقد ذكرت ذلك في (هيمان الزاد )عند قوله تعالى { فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ~~} (¬1) . ولكون (هل) للتصديق فقط، وكونها تخلص المضارع للاستقبال، كان لها ~~مزيد اختصاص بالفعل - أعني بالاختصاص التعلق والاستدعاء - فإن دخولها عليه ~~أكثر من دخولها على الاسم وأكثر من دخول غيرها على الفعل، ودلالته على ~~الزمان أظهر من دلالة غيره، لأنها بالذات وغيره مما يدل على الحدث بالعرض، ~~ولم يسمع دخولها ولا دخول غيرها على اسم الفعل الخبري ك(هيهات).ولو قلنا: ~~إنه يدل على الحدث والزمان بذاته لأن لفظه اسم، وأما إن قيل: إنه يدل على ~~لفظ الفعل أولا وعلى الزمان والحدث بواسطة دلالته على لفظ الفعل فلا يخفى ~~أنه لا تناسبه، والقولان من حيث الدلالة في اسم الفعل ولو إنشائيا أيضا. PageV01P473 وأما اسم الفعل الإنشائي فلا يتوهم دخول ~~(هل) أو غيرها من أدوات الاستفهام عليه، فأما اقتضاء تخليصها المضارع ~~للاستقبال مزيد اختصاص بالفعل، فلأن تأثيرها في المضارع بالتخليص دليل على ~~أن لها مزيد اختصاص بجنس الفعل وإلا لم تؤثر في بعض أنواعه. وأما اقتضاء ~~كونها لطلب التصديق مزيد اختصاص بالفعل فلأن التصديق هو الحكم بوقوع الثبوت ~~أو وقوع الانتفاء، والثبوت والانتفاء هما نفس النسبة، والمراد بالحكم ~~الإدراك. # والثبوت والانتفاء إنما يتوجهان إلى الحدث سواء أكان معه دلالة على ~~الحدوث أم لا؛ كأفضل وحسن، والحدث مدلول للفعل بالأصالة، ودلالة الاسم عليه ~~بالعرض، ونسبة الفعل حكمية ونسبة ms302 الوصف تقييدية، والأولى أقوى. وأيضا إذا ~~دخلت على الجملة الاسمية فصلت المبتدأ بينها وبين الوصف، لكن قد يتقدم ~~الوصف نحو " هل ضارب الزيدان عمرا " و" هل قائم زيد ". والأصح عندهم: أن ~~النفي والإثبات إدراك الانتفاء وإدراك الثبوت، والإدراكان هما نفس الحكم. ~~ولكون (هل) لها مزيد اختصاص بالفعل كان << فهل أنتم شاكرون >> أدل على طلب ~~حصول الشكر من << فهل تشكرون>> ولو تلاها الفعل ومن <<فهل أنتم تشكرون >> ~~ولو كان فيه تكرار الإسناد بجعل <<أنتم>> فاعلا لشكر محذوفا، أو بإسناد ~~<<تشكر>> إلى الواو والجملة إلى المبتدإ، حتى قيل (هل) للأمر أي (اشكروا) ~~لأن إبرازما يتجدد في صورة الثابت يجعل للجملة الاسمية خبرها ليس فهلا أدل ~~على كمال العناية بحصوله من إبقائه على أصله، وهو إبرازه في صورة التجدد؛ ~~وهي الجملة الفعلية أو الاسمية التي خبرها فعل، فإن المعتبر فيها الفعل ~~المخبر به، فكيف إذا جعلنا المتقدم فاعل المحذوف والفعل يدل على التجدد وهي ~~داخلة عليه تحقيقا في<<هل تشكرون>>أو تقديرا أو حكما في<<فهل أنتم تشكرون ~~>> PageV01P474 ولا يقال: << هل أنتم تشكرون >>يفيد الاستمرار التجددي، ~~و<<هل أنتم شاكرون>> يفيد الاستمرار الثبوتي التجددي أمس بمقام الشكر من ~~الثبوتي، لدلالته على طلب استمرار الشكر على سبيل التجدد الأشق على النفس ~~المستدعي لزيادة الثبوت، لأنا نقول: الثبوتي أدل على كمال عناية الله تعالى ~~بعباده، حيث رضي منهم بما هو أهون عليهم. و<< هل أنتم شاكرون >> أدل على ~~طلب الشكر من << أفأنتم شاكرون >> أيضا ب(الهمزة)، ولو كان منهما جملة ~~اسمية الخبر فيها غير فعل، وكلتاهما للثبوت لأن (هل) أدعى للفعل من (الهمزة ~~)، فترك الفعل مع (هل) أدل على كمال العناية بحصول ما يتجدد، لأنه لما كان ~~أدعى للفعل من (الهمزة) كان ترك الفعل معها لغرض أقوى، فيكون أدخل في ~~الأنباء عن استدعاء المقام عدم التجدد، ولكون هل أدعى للفعل من (الهمزة) لا ~~يحسن، "هل زيد منطلق " إلا من البليغ لأنه الذي شأنه أن يقصد به الدلالة ~~على الثبوت وإبراز ما سيوجد في معرض الموجود، فإنه إذا صدر هذا الكلام ms303 من ~~البليغ كان المنظور إليه معنى لطيفا، وهو الاستفهام عن استمرار انطلاق زيد ~~مكان الكلام مخرجا على مقتضى الظاهر، وأنه فن من البلاغة لإحاطة علمه بما ~~يقتضيه (هل) من الفعل. بخلافه إذا صدر عن غير البليغ، لأن استعماله اللفظ ~~في غير موضوعه إنما يكون عن جهل لا عن نظر إلى معنى لطيف، فيكون هذا القول ~~منه قبيحا ولو قصد نكتة لانتفاء بلاغته، فلا يعتد بنكتته كأنها جاءت اتفاقا ~~لا قصدا. PageV01P475 # وقد يظهر لي أنه يحسن من التعبير البليغ إذا قصد النكتة- ورأيته للصبان ~~وعصام الدين - وقال عصام الدين: على أنه لا يحسن كان ينبغي أن يقال: لا ~~يحسن إلا من البليغ مع البليغ؛ إذ كما لا يحسن من غير البليغ لا يحسن من ~~البليغ مع غير البليغ، وكما لا يحسن " هل زيد منطلق " إلا منه لا يحسن " ~~أزيد منطلق " إلا منه؛ لأنه يدعو إلى الفعل، وإن كانت دعوته دون دعوة (هل ) ~~إلا أن نقصان الحسن معها أقل، قال السكاكي: ( الخطب في أزيد منطلق بالهمزة ~~أهون ) (¬1) . وهل قسمان: # (1 ) بسيطة باعتبارالمتعلق: وهي التي يطلب بها وجود شيء أو لا وجوده، ~~كقولنا: " هل الحركة موجودة " و" هل الحركة غير موجودة " وإن قلت: هذا ~~التعريف غير جامع لأنه لا يدخل فيه " هل النسبة واقعة " و" هل العمى ثابت " ~~و" هل الشريك معدوم " مع أنها بسيطة، قلت: يدخل ذلك أيضا لأن المتكلم طلب ~~وجود وقوع النسبة، ووجود ثبوت العمى، ووجود عدم الشريك. # ( 2 ) ومركبة باعتبار المتعلق: وهي التي يطلب بها وجود شيء هو المحمول ~~لشيء هو الموضوع، أو عدم وجوده له، نحو: " هل الحركة دائمة " و" هل الحركة ~~غير دائمة " والمطلوب وجود الدوام للحركة أو عدم وجوده. PageV01P476 والمراد بوجود الشيء في البسيطة التصديق ~~بوقوع وجود الشيء، والتحقق في الخارج. وفي المركبة الثبوت الذي هو النسبة. ~~والمعتبر في المركبة شيئان غير الوجود وهما: الحركة والدوام، وهذا الوجود ~~هو النسبة التي هي ثبوت الدوام. وفي البسيطة شيء واحد، وهو: الحركة مثلا. ~~وقد يقال: اعتبار المحمول في المركبة ms304 شيئا ثانيا، وعدم اعتباره في البسيطة ~~تحكم، فقيل: المعتبر في البسطة شيء واحد غير الوجود بمعنى النسبة، وغير ~~الوجود بمعنى التحقق خارجا، وإنما قلت: باعتبار المتعلق لأن لفظ (هل ) لم ~~يتركب من كلمتين. والمراد بالمركب هنا ما كان أكثر أجزاء من مقابله من حيث ~~الدلالة على المعنى، وبالبسيط ما كان أقل أجزاء من مقابله " فهل الحركة ~~موجودة " أو " هل الحركة غير موجودة " بسيطة بالنسبة إلى " هل الحركة دائمة ~~" أو " هل الحركة غير دائمة ". وقولك " هل الحركة دائمة " أو " هل الحركة ~~غير دائمة " مركب بالنسبة إلى " هل الحركة موجودة " أو " هل الحركة غير ~~دائمة "، فالبساطة قلة المعتبر والتركيب وكثرته. # والقلة والكثرة أمران نسبيان؛ ولو اعتبر الوجود كان في البسيطة ثلاثة: ( ~~الحركة، والوجود بمعنى التحقق خارجا، والوجود بمعنى الثبوت الذي هو النسبة ~~). وفي المركبة: ( أكثر من ثلاثة ) لكن لما اتحد الوجودان لفظا عدا شيئا ~~واحدا، وقيل: إن الوجود عين الموجود، فالوجود بمعنى التحقق في الخارج هو ~~عين الحركة على هذا، ولا يقال: " هل الحركة لا دائمة " أو " هل زيد ما قائم ~~" لأنه تركيب فاسد لم ينطق به العرب، لأنه يسأل ب(هل ) عن النسبة السلبية، ~~ويبعد كون القضية معدولة المحمول وليس من ذلك قولك: " هل الحركة غير موجودة ~~" و" هل زيد غير موجود ". # واعلم أن الهمزة أيضا قسمان باعتبار المتعلق: بسيطة ومركبة؛ إذا كانت ~~لطلب التصديق على حد ما مر في (هل)، والله أعلم. # باب الاستفهام بما PageV01P477 ... يطلب بها شرح الاسم أو الفعل أو الحرف ~~أو ماهية المسمى ويتعين المراد بالقرينة، ومعنى شرح الاسم أو الفعل أو ~~الحرف شرح مفهومه؛ وهو بيان ما استعمل فيه لغة أو اصطلاحا، ومفهوم اللفظ ~~معناه هو مدلوله، وليس مفهوم الأصول وتجاب بمرادف أشهر أو تفصيل من غير ~~بيان الماهية، وإنما يجاب بالتفصيل إذا لم يوجد مرادف أو طلب المتكلم بما ~~تفصيل المعنى؛ يقال: ما الإنسان ؟ فتقول " البشر " إذا لم يعرف السائل معنى ~~الإنسان وعرف معنى البشر، فهذا جواب بالمرادف وهو تعريف لفظي، ويقال: ما ~~العنقاء ؟ فيقال: << طائر ms305 كبير في زمان أصحاب الرس يخطف الأطفال ويأكلهم في ~~الجبل >> وهذا تفصيل لا حد ولا رسم، وإن قلنا: إنه رسم لم يضر لأنه ليس فيه ~~شرح ماهية المسمى فهو إجمال لا تعرف منه الماهية، كما أن الجواب بالمرادف ~~إجمال لا تعرف منه. # والمراد تمييز المعنى الحاصل عند السائل عن غيره بأنه الموضوع له اللفظ، ~~فيقال: كيف أفاد الجواب التصور وهو حاصل، وإنما يفيد التصديق بأن هذا اللفظ ~~موضوع لهذا المعنى، ويمكن أن يجاب بأن المراد بكونه يفيد التصور أنه يفيده ~~على وجه أن المعنى المتصور يفهم لفظ كذا، أي: يلفت النفس ويوجهها على تصوره ~~على هذا الوجه، وهذا غير حاصل قبل، ويقال: "ما جلس" فيجاب ب<<قعد>> و" ~~ماحتى الجارية "، فيجاب ب<<إلى>> إذا أراد السؤال عن مطلق المعنى الإجمالي ~~فلا يضر أن (حتى) تجر الآخر أو المتصل بالآخر حتما دون أن يحتم ذلك في (إلى). PageV01P478 # ومعنى شرح ماهية المسمى بيان حقيقته التي هو بها هو الحقيقة والماهية شيء ~~واحد، وهو ما به الشيء، هو مثل إنسان؛ فإنه إنسان بالحياة والنطق، وقد يفرق ~~بأن ما به الشيء هو باعتبار تحققه وباعتبار تشخصه هوية، ومع قطع النظر عن ~~ذلك ماهية، وتفسير الماهية بهذا الأخير أشهر، وهو ما به الشيء هو بدون ~~اعتبار تحقق أو تشخص، والمسمى ملاحظ إجمالا، والحقيقة ملاحظة تفصيلا، ~~فاختلف السبب والمسبب باعتبار الإجمال والتفصيل. وأما اختلاف المبتدإ ~~والخبر فبإطلاق المبتدإ وتقييد الخبر بالمسبب، أو بملاحظة المبتدإ نوعا ~~مخصوصا مع قطع النظر عن العنونة عنه بكذا، والخبر نوعا مخصوصا معنونا عنه ~~بكذا؛ أعني ذلك في قولنا: ما به الشيء هو ونحوه، ومثال [ قولك: ] شرح ~~الماهية " ما الحركة " أي ما حقيقة الحركة، فيجاب بإيراد ذاتياته الجنس ~~والفصل، وقد تذكر الرسوم مقام الحدود توسعا، فيقال في ذاتيات الحركة: هي ~~الكون الأول في الخيز الثاني، ويقال ما السكون؟ فتقول: الكون الثاني في ~~الخيز الأول وهو عكس الحركة . PageV01P479 # وقيل: الحركة كونان في زمانين ومكانين، والسكون كونان في مكان واحد، ويقع ~~السؤال " هل البسيطة في حال ms306 ترتيب الطلب الطبعي ؟ أعني العقلي بين السؤال ~~بما التي لطلب شرح اللفظ والتي لطلب شرح الماهية، والترتيب الطبعي توقف ~~الثاني على الأول على سبيل العلية، وإنما قلت الطبعي عقلي لأن العقل هو ~~المراعى للمناسبات؛ وذلك أن مقتضى الترتيب الطبعي أن يطلب أولا شرح الاسم ~~وجود المفهوم في نفسه ب(هل البسيطة) ثم ماهيته وحقيقته، والسؤال عن حاله ~~ب(هل المركبة) بعد السؤال عن ماهيته وحقيقته، تقول مثلا: " ما البشر؟ " ~~فتجاب " بإنسان " ثم تقول : " هل هو موجود؟ " فتجاب " بموجود " ثم تقول: " ~~ما ماهيته وحقيقته؟ " فتجاب " بحيوان ناطق " ثم تقول: " هل يمشي على رجلين؟ ~~" أو نحو ذلك من الأحوال العارضة، وذلك أنه لا يحسن لمن يعرف المفهوم ~~الإجمالي من اللفظ أن يطلب وجود ذلك المفهوم، ومن لا يعرف أنه موجود لا ~~يطلب حقيقته وماهيته؛ إذ لا حقيقة ولا ماهية لما لم يوجد بعد، فظهر أنه ~~يحسن السؤال أولا عن المفهوم إجمالا، ثم السؤال ثانيا عن وجوده(بهل ~~البسيطة). PageV01P480 # ولا يستحيل طلب الوجود قبل الوقوف على المفهوم في الجملة، لأن الأصل في ~~اللفظ وضعه لمفهوم ما، فيسأل عن معنى اللفظ للعلم بأن له مفهوما، ولا بد ~~على الأصل أو كيف إذا عرف أن له مفهوما ولو لم يوقف على ما بعينه في ~~الجملة. ويجوز أن يسأل أولا عن تفصيل مفهوم اللفظ مع قطع النظر عن كون هذا ~~المفهوم حقيقة وماهيته أولا، ثم يسأل عن وجوده، فلا يحتاج بعد إلى سؤال آخر ~~ب(هل المركبة) التي يسأل بها عن أحوال الشيء الزائدة على حقيقته، وإذا سأل ~~ثانيا عن وجوده فأجيب بالوجود، عرف أنه حقيقة وماهية؛ فشرح اللفظ لا يتعين ~~أن يكون بالإجمال. والفرق بين المفهوم الإجمالي للعالم باللغة والماهية ~~التي تعرف بالتفصيل أن من خوطب بلفظ فهم الماهية فهما ما، ووقف إجمالا على ~~الشيء الذي يدل عليه اللفظ إذا كان عالما باللغة، فيعلم أن سمع لفظ إنسان ~~أنه موضوع لنوع مخصوص من الحيوان، وأما الماهية بالتفصيل فتعرف بالفعل أو ~~محض فرض العقل على الأصح لا بصناعة المنطق، ولو ms307 كان المرتاض فيها يسهل له ~~استخراج الأجزاء الذاتية للحقيقة من الجنس والفصل. # واعلم أن الموجودات لها حقائق ومفهومات، فلها حدود حقيقيه إن علم وجودها ~~تدل على الحقيقة، وحدود اسمية إن لم يعلم. وهي لفظية تدل على المفهومات ~~والحقائق الماهيات المركبات من الذاتيات مأخوذة باعتبار التحقق. PageV01P481 # والوجود والمفهومات صور في العقل مدركة في اللفظ بواسطة تفسير اللغويين ~~سواء أكانت مع الوجود أم لا، وأما أسماء المعدومات فلها المفهومات لا ~~الحقائق فلا حدود لها إلا بحسب الاسم؛ لأن الحد بحسب الحقيقة لا يكون إلا ~~بعد أن يعرف أن الذات موجودة، فما يوضع في أول الأبواب ونحوها إنما هي ~~تعاريف اسمية، لأنه قد يطلب ب( ما ) الشارحة للاسم تفصيل ما دل عليه اللفظ ~~إجمالا، فيكون جوابها بحسب الاسم، ثم إذا برهن على هذه التعاريف الاسمية ~~وأثبت وجودها الخارجي صارت بعينها حدودا حقيقية بأن يكون ما اعتبره الواضع ~~جميع ذاتيات الإفراد؛ لأن الحد الحقيقي عبارة عن جميع ذاتيات الشيء ~~الموجود، وإن كان ما اعتبره الواضع عارضا للإفراد لا ذاتيا، بقيت بعد ~~البرهنة عليها على أنها تعاريف اسمية، والله أعلم. # باب الاستفهام بمن PageV01P482 ... يطلب بها الأمر العارض المبين لذي ~~العلم علما أو صفة؛ وإنما قلت: <<المبين>> ولم أقل <<المشخص>> كراهة لأن ~~يقال شخصت الله، لأنه لا يقال: <<الله شخص>> فإنه شرك، وكذلك لم أقل: <<لذي ~~العقل>> لأن الله لا يوصف بالعقل، ومن وصفه به أشرك. ولو قلت: << لذي ~~العقل>> لم يشمل السؤال عن الله، كقولك لأحد: " من ربك " فيجيبك بأنه الذي ~~خلق السموات والأرض، وكقول فرعون { قال فمن ربكما } (¬1) ولو كان لعنه الله ~~يزعم أن الله تعالى شخص تعالى الله عما يقول الجاهلون فقد أجابه موسى ~~عليه السلام بأمر عارض أي حادث يبين أن المتصف به هو الله المسئول عنه وهو ~~إعطاء كل شيء خلقه وهداه إياه (¬2) ، وهما صفتا فعل؛ وصفة الفعل عارضة ، ~~ولا يكون شيء عارضا لله بل يعرض منه لغيره. ولا يوهم ذلك من قولي ~~<<العارض>> وإن شئت فقل: <<الأمر الذي ليس ذاتيا>> ms308 يقال: " من في الدار " ~~فتقول: " زيد " فقد بينت من فيها، ولا شك أن لفظ <<زيد >> عارض الذات، وكذا ~~لو قلت: "ابن فلان" أو " الذي فعل كذا " أو " الذي ضحك أمس عند الأمير " أو ~~" الرجل الطويل الذي لقيته بالأمس " ، أو نحو ذلك مما يبينه من الأعراض ~~الخاصة أو العامة . وأما عرض عام لا يبينه كالضاحك إذا أريد به الحقيقة، ~~والكاتب فلا يجاب به. وقال السكاكي (¬3) : يسأل ب( ما ) عن الجنس من ذوي ~~العلم وغيرهم ، أو عن الوصف ب( من) عن الجنس من ذوي العلم، وأراد بالجنس ما ~~يشمل النوع فهو جنس لغوي يعم الجنس المنطقي والنوع. PageV01P483 ومثال ~~السؤال ب( ما ) عن الجنس: " ما عندك ؟ " أي بين لي الجنس الذي عندك، وجوابه ~~كتاب أو فرس أو إنسان أو نحو ذلك؛ سؤال عن الجنس إجمالا. وقد يسأل عنه ~~تفصيلا، مثل أن يقال: " ما الكلمة ؟ " أي جنسها من الألفاظ، فيجاب بلفظ وضع ~~بمعنى مفرد؛ وهذا سؤال عن الجنس مع قطع النظر عن أنه مسمى الاسم، وهذا من ~~السؤال عن الماهية والحقيقة. # ومثال السؤال ب( ما ) عن الوصف: " ما زيد ؟ " وجوابه الكريم ونحوه، # ومثال السؤال ب( من ) عن الجنس: " من جبريل ؟ " أي أبشر هو أم ملك أم ~~جني؟ . وقالت المناطقة: لا يسأل ب( ما ) عن الصفات المميزة، بل ( بأي )، ~~ولعل السكاكي أراد أنه يستفهم بها عن الصفات مجازا، وقال غير السكاكي: لا ~~يسأل ب( من ) عن الجنس، وأنه لا يقال في جواب<< من جبريل؟ >>: <<ملك>>، بل ~~يقال <<ملك يأتي بالوحي>>، ونحو ذلك مما يفيده التشخص، ويدل لقول السكاكي ~~قوله: [ من الوافر ] # اتوا ناري فقلت منون أنتم ... قالوا الجن قلت عموا ظلاما # ... وأجيب بأن السائل وهو الشاعر اعتقد أنهم من جنس البشر، وسأل عما ~~يميزهم ككونهم من أي قبيلة بالجنس، إشارة إلى أن الاعتقاد خطأ وأنه لا ~~ينبغي السؤال ب( من )، قال عصام الدين: ولو كان ( من ) للسؤال عن الجنس لما ~~صح أن يقال: لمن قال " جاءني إنسان " ( من هو ؟ ) مع شيوعه، ولصح لك السؤال ~~عمن ms309 جهلت جنسه وهو بحضرتك ب( من هو )، قلت: لم يرد السكاكي أن ( من ) ~~للسؤال عن الجنس فقط بل تارة له، وتارة للأمر العارض المبين لذي العلم، ~~والله أعلم. # باب الاستفهام بأي PageV01P484 يسأل بها عما يعين أحد الشيئين فصاعدا يعم ~~المشاركين في أمر يعمهما وهو مضمون مال ضيف إليه << أي >> والأمر المشترك ~~فيه يعم المشتركين قط ما، ولكن زدت قولي: <<يعمهما>> للتأكيد بزيادة ~~الإيضاح ولإخراج المشتركين في مال فإنه لا يسأل عما يعينهما ما لم يجعلا ~~تحت ما يعمهما، ولو كان مفهوم المشتركين في هذا المال، ولا بد في معرفة ما ~~يعم في بعض المواضع من فطانة، ففي قولك: " جاءني زيد وعمرو " لإدراك أيهما ~~تقدم الأمر العام تعدد الجائي، أي: لا أدري أي الجائيين تقدم، قال الله ~~تعالى { أي الفريقين خير مقاما } (¬1) أي: أنحن أم محمد وأصحابه، فالنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - والمؤمنون والكافرون قد اشتركوا في الفريقي - أعني كل ~~فريق - وسأل الكافرون عما يميز الفريق الذي ثبتت له الخيرية، والله أعلم.. # باب الاستفهام بكم # يسأل بها عن العدد، ويدخل في العدد هنا الواحد ولو اختلف هل هو عدد كما ~~بسطته في شرح القلصادي (¬2) PageV01P485 وشرط عصام الدين : أن يكون العدد المسئول عنه ~~على قصد التعيين، فلا يجاب إلا بالتعيين، فلو قيل : " كم رجل في البلد " لم ~~يصح أن يجاب بألوف، فلو قيل:" كم ألف فيه " لم يصح أيضا أن يقال: بل يصح أن ~~يجاب بألف أو بألفان. قال الله تعالى { سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية ~~بينة } (¬1) PageV01P486 فليس الاستفهام في ~~الآية حقيقيا بل توبيخيا، وبخهم بعدم اتعاظهم مع كثرة الآيات، فلم يرد ما ~~أورده عصام الدين على التمثيل بها من أن المقام مقام المعاني الحقيقة، ~~وأقول: الاستفهام فيها حقيقي، لأن السائل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أمره الله بالسؤال وهو - صلى الله عليه وسلم - لا يدري كم هي، كأنه قال: كم ~~آية آتاكم الله أعشرين أم ثلاثين؟ ثم بعد مدة رأيت ذلك لابن قاسم، والله ~~أعلم.و<<آية >>تمييز زيدت فيه ms310 <<من>>، و<<كم>> مفعول << آتيناهم >>، وإنما ~~زيدت للفصل بين << كم >> وتمييزها بفعل متعد حتى لا يلتبس تمييزها بمفعوله، ~~قال الرضي: لم أجد زيادة << من >> في تمييز << كم >> الاستفهامية في نظم ~~ولا نثر ولا كتاب من كتب النحو، فلا تجوز، وقال السعد في مقابلته (سل بني ~~إسرائيل كم آتيناهم من آية) لوح إلى الرضي يأمره بالسؤال حتى يعلم جواز ~~زيادتها، ولوح إلى أن ها زيدت في الآية، وقد يقال: زيدت في المفعول، و << ~~كم >> ظرف أو مفعول مطلق، أي: << كم مرة >> أو << كم إيتاء آتيناهم آية ~~بينة >> ، أو << من >> للبيان أو للتبعيض ، أي : بعض جنس آية متعلق بمحذوف ~~وجوبا نعت ل << كم >> ، والتمييز محذوف أي << كم شيء >> . وقيل سياق كلام ~~الرضي يدل أن ه يقول: لم أر زيادتها في تمييزكم بلا فصل متعد، والعدد في ~~كم الاستفهامية مبهم عند المتكلمين معلوم عند المخاطب في ظن المتكلم أو ~~جزمه، لأنك تسأل من علمت أنه عالم ومن ظننت أنه يعلم. وكم الخبرية مبهم عند ~~المخاطب ربما يعرفه المتكلم، وقد يجهله المتكلم ويعرفه المخاطب، وقد ~~يعرفانه، وقد يجهلانه، وذلك أن القصد بها الفخر لا حقيقة الإخبار، والله أعلم. # باب السؤال بكيف وأين ومتى PageV01P487 يسأل ب( كيف ) عن الحال، نحو " ~~كيف أنت " أي: ما حالك أسخط أم رضى؟ أو أجزع أم صبر ؟ أو أفرح أم حزن ؟ أو ~~أشبع أم جوع ؟ أو نحو ذلك ، والله أعلم . وتقول: " كيف جئت " أي: على حال ~~الركوب أم المشي أو نحو ذلك. # ويسأل ب( أين ) عن المكان، قيل: ما أن يسأل بها عن المسند إليه، نحو " ~~أين زيد " أو عن المكان، نحو " أين تسكن " قلت: هي في ذلك وغيره للسؤال عن ~~المكان؛ والمكان إما ظرف للحدث " كأين تسكن " أو للمسند إليه " كأين زيد " ~~هذا مراد القائل، والله أعلم. وقد يقال هي في " أين زيد " سؤال عن المسند ~~من حيث المسند إليه ويسأل ب( متى ) عن الزمان ماضيا أو مستقبلا، ولا يسأل ~~بها عن زمان حاضر، تقول: " متى جئت؟ " في أي وقت ms311 من الأوقات الماضية جئت؟ ~~و" متى تجيء؟ " في أي وقت من الأوقات الآتية تجيء؟، ولا تقول: " متى يقوم؟ ~~" وتريد:هل هو في هذه الحال قائم؟ ، وأما أن تقول : " متى تقوم؟ " وتريد:هل ~~تقوم في الحال المتصلة بالكلام أو قريبا فذلك استقبال في هذا الفن، ولا ~~أدري لم قال الصبان: إنها تكون أيضا للحال، والله أعلم.. # باب الاستفهام بأيان PageV01P488 ... ... يستفهم بها عن الزمان المستقبل، ~~وهي بسيطة، وقيل: بسيطة، وقيل: أصلها أي أوان فحذفت ثانية الياءين من (أي)، ~~و<<الهمزة>> من (أوان)، فصار (أيوان) فقلبت الواو <<ياء>> وأدغمت فيها ~~<<الياء>> قبلها، ورد بأنه غير متصرف فلا يليق به ادعاء التصرف المذكور، ~~وبأن كسر <<الهمزة>> فيه لغة مستعملة وهو يأبى ذلك، لأن <<همزة>> (أي) ~~مفتوحة، اللهم إلا أن يدعي أن <<لكسرة>> عوض عن <<الياء>> المحذوفة، ~~وتستعمل في مواضع التفخيم وغيره، وقيل: لا تستعمل إلا في التفخيم، مثل قوله ~~تعالى ( يسأل أيان يوم القيامة ) (¬1) ولا يضر الإخبار ب<<أيان>> عن يوم ~~القيامة ، لأن المراد السؤال عن زمن وقوعه؛ إذ الكلام على تقدير المضاف، ~~أي: <<أيان وقوع يوم القيامة>> فليس إخبارا بالزمان عن اليوم الذي هو ~~كالجثة هنا، وكذا الإشكال في السؤال عن زمان وقوع اليوم الذي هو زمان أيضا ~~لجواز اعتبار الأخص ظرفا للأعم ، والأعم ظرفا للأخص ، والتفخيم فضلا عن ~~تفخيمه لأن هذا السؤال يقوله بناء على اعتقاد المخاطب استهزاء أو إنكارا، ~~والله اعلم. # باب الاستفهام بأنى PageV01P489 تستهل تارة بمعنى (كيف) فيليها الفعل، ~~وتارة بمعنى (من أي)ن فيليها الفعل أو الاسم، وتارة بمعنى (متى) كذلك، ~~والأظهر أنه يليها الاسم أو الحرف كما يليها الفعل إذا كانت بمعنى كيف، ~~لكنه لم يسمع بدون احتمال وهي حقيقة في المعاني الثلاثة؛ وهي لفظ مشترك، ~~وهي بسيطة المعنى إلا إذا كانت بمعنى (من أين) فمركبة المعنى تدل على معنى ~~من الابتدائية تضمنا، وعلى معنى (أين) تضمنا أيضا، ومجموعهما مطابقة، كما ~~تدل (لن) على الاستقبال وعلى النفي وعلى التأبيد، ويصلح للمعاني الثلاثة ~~معنى (كيف) ومعنى (من أين)، قيل: ومعنى (متى) قوله تعالى { فأتوا ms312 حرثكم أنى ~~شئتم } (¬1) وقوله تعالى { أنى يحيي هذه الله بعد موتها } (¬2) ، PageV01P490 وقال صاحب عروس الأفراح (¬1) : لو كانت أنى في ~~أنى شئتم لاكتفت بها بعدها. قال: والذي أختاره شيخنا أبو حيان في هذه الآية ~~شرطية، وأقيمت فيها الأحوال مقام الظروف المكانية، وجوابها محذوف في كونها ~~استفهامية أو شرطية إشكال، لأن كلا من الاستفهامية والشرطية لها الصدر، فلا ~~يعمل فيها ما قبلها، والمعنى:على أي حال من استلقاء أو غير، ومن أي شق ~~شئتم، أو متى شئتم، وفي الآخر تكلف، نعم لا تكلف إن جعلت بمعنى (متى ~~الشرطية) ويصلح لمعنى (من أين) ومعنى (كيف) على ما ذكرته من أنه لا يمتنع ~~أن يليها الاسم أو الحرف إذا كانت بمعنى (كيف) فيكون قد تلاها الحرف ~~والاسم، وذلك احتمال قوله تعالى { أنى لك هذا } (¬2) أي من أين لك هذا ؟ أو ~~كيف هذا لك؟ وقد يصرح ب(من) قبل (أنى) كقوله: " من أنى عشرون لنا " " (من ~~أنى ) خبر، و( عشرون ) مبتدأ و( لنا ) نعته، فإذا لم تذكر معها (من) فهي ~~بمعنى (من أين) إذا كان فيها معنى (أين)، وإذا ذكرت معها (من) كانت لمعنى ~~(أين)، وقيل: معناها بسيط أبدا وهو معنى (أين)، ولكن تارة تحذف (من) وتقدر، ~~وتارة تذكر، والله أعلم. # واعلم أنه ليس شيء من مباحث الاستفهام متعلقا بهذا الفن، فإن حقائقه ~~وظائف لغوية، ومجازاته من مباحث البيان وفروع قواعد المجاز، ومحل ذكر ذلك ~~كتب النحو، ولكن ذكرتها هذا إيضاحا للتصور والتصديق، وذكر الحقيقة يستتبع ~~ذكر المجاز، والله أعلم. # باب استعمال هذه الكلمات في غير # الاستفهام الحقيقي على سبيل المجاز المرسل PageV01P491 كالاستبطاء نحو " كم دعوتك " ~~وقوله تعالى { متى نصر الله } (¬1) PageV01P492 فالاستفهام مسبب عن الجهل، والجهل مسبب عن كثرة ~~الدعوة، إذ يبعد جهل القليل وكثرة الدعوة مسببة عن الاستبطاء، فأطلق السبب ~~وأريد المسبب ولو بواسطة، وكالتعجب فإن التعجب يستلزم الجهل، والجهل يستلزم ~~الاستفهام، نحو: { لا أرى الهدهد } (¬1) كان الهدهد لا يغيب عن سليمان عليه ~~السلام إلا بإذنه كسائر الطير وغيرها، فلمذا لم يبصره في مكانه تعجب من ms313 حال ~~نفسه كيف لا يراه، هذا في ظاهر الأمر، وفي الحقيقة تعجب من غيبته؛ كيف غاب ~~بلا إذن منه ؟ ويحتمل أن يكون استفهاما حقيقيا إذ لا مانع من أن يتعجب ~~الإنسان من حال نفسه إذا خفيت عنه، أي كيف لم أره؟ ألساتر ستره؟ أو لغفلة ~~بصره؟ أو كلاله؟ أو لإخفاء الله إياه؟ أو لاختلاطه بالطير في غير محله وهو ~~على ذلك كله في مكانه؟ أو لغيبته ثم ظهر له أنه غائب؟ كما أضرب بقوله: (أم ~~كانض من الغائبين) وإنما يمنع تعجب الإنسان من حال نفسه إذا لم تخف، وهنا ~~خفيت على هذا التقرير، مع أنه يصح تقرير آخر، وهو أن المسؤول عنه وجوده ~~مانع للرؤية، ومنه الغيبة وليس ذلك حالا لنفسه، وكالتنبيه على الضلال عن ~~أمر؛ لأن الاستفهام عن الشيء يستلزم تنبيه المخاطب عليه وتوجيه ذهنه إليه، ~~فإذا سلك طريقا واضح الدلالة بزعم المتكلم، كان هذا غفلة من المخاطب عن ~~الالتفات إلى ذلك الطريق، فإذا نبه عليه ووجه ذهنه إليه كان تنبيها له على ~~ضلاله، فالاستفهام عن ذلك الطريق يستلزم توجيه ذهنه إليه المستلزم له أن ~~يعلم أنه على ضلال، كقوله تعالى { فأين تذهبون } (¬2) إذ ليس القصد استعلام ~~مذهبهم بل التنبيه على ضلالهم، وأنه لا مذهب لهم ينجون به، وكثير ما يؤكد ~~هذا الاستعمال بالتصريح بالضلال، فيقال لمن ضل عن طريق القصد: " يا هذا إلى PageV01P493 أين تذهب قد ضللت فارجع " فالتنبيه على ~~الضلال لا يخلو من الإنكار، وفي استعمال الاستفهام في الآية دون التصريح ~~بكونه طريق ضلال مبالغتان إحداهما: أن كونه ضلالا أمر واضح يكفي في العلم ~~به مجرد الالتفات إليه، والثانية: إيهام أن المخاطب أعلم بذلك الطريق من ~~المتكلم حتى يحتاج إلى سؤال عنه. وكالوعيد لأن الاستفهام ينبهه على جزاء ~~إساءة الأدب، وهو يستلزم وعيده لاتصافه بها، كقولك لمن فعل ما يوجب التأديب ~~بالضرب أو نحوه كالسجن: " ألم أؤدب فلانا " إذا علم ذلك الفاعل أنك أدبت ~~فلانا وأنت تعلم أنه يعلم ذلك، فيفهم معنى الوعيد والتخويف، فلا يحمل ~~المخاطب ms314 الاستفهام على حقيقته، وعلمه بذلك قرينة اعتبرها المتكلم في إخراج ~~الاستفهام عن حقيقته، وفي العدول عن الاستفهام عن الإثبات، بأن يقول: ~~"أأدبت فلانا" إلى الاستفهام عن النفي إيهام أن المخاطب اعتقد نفي التأديب، ~~فلذلك أقدم على ذلك الفعل وفيه من المبالغة ما لا يخفى. وكالتقرير لأن ~~الاستفهام يلزمه الحمل على الإقرار بالمستفهم عنه مع سبق الجهل من المتكلم، ~~فاستعمل في مطلق الطلب، ثم في الطلب مع العلم وهو نفس التقرير. والتقرير ~~حمل المخاطب على الإقرار بما يعرفه وإلجاؤه إليه، وليس التقرير هنا بمعنى ~~التحقيق والتثبيت كما هو الاستعمال المشهور في الفن، بل ذلك تقرير نحوي. PageV01P494 # ولو صح أن يكون الاستفهام للتقرير بهذا المعنى لأن الاستفهام المذكور ~~يقرر ويثبت الحكم المعلوم للمتكلم في ذهن المخاطب، لأن الاستفهام يستدعي ~~توجهه إليه وإحضاره والجواب عليه، ويجب أن يلي المقرر به << الهمزة>> ~~غالبا، وقد يفصل النافي أو غيره، تقول: " أضربت زيدا " في تقريره زيدا ~~بالضرب و" أأنت ضربت زيدا " في تقريره بالضارب و" أزيدا ضربت " في تقريره ~~بالمضروب و" أراكبا جئت " في تقريره بالراكب حال المجيء، وهكذا، وقوله ~~تعالى { ألم نشرح لك صدرك } (¬1) أي: أقرر بالشرح، وكأنه قيل: شرحنا لك ~~صدرك ولهذا عطف <<وضعنا >> وإلا كان عطف خبر على إنشاء وكذا { ألم يجدك ~~يتيما فآوى } (¬2) ، ويحتمل أن تكون <<الهمزة>> لأنكار عدم الشرح، وعلى حمل ~~التقرير على التحقيق والتثبيت، يكون معنى قولك مثلا: " أضربت زيدا ؟ إنك ~~أيها المخاطب ضربته البتة " واختار ابن قاسم أنه إن كان مثلا ضرب المخاطب ~~مجهولا لنفسه فالمقصود إخبار به على وجه التثبيت، أو معلوما فالمقصود تثبيت ~~إعلامه بكونه معلوما؛ كأنه يقول: هذا معلوم قطعا فلا تطمع في إنكاره. ~~وكالإنكار قال عصام الدين: العلاقة بين الاستفهام والإنكار بمعنى نفي ~~اللياقة أن مالا ينبغي مما لا يصدق بوقوعه في الماضي أو المستقبل بل يشك ~~فيه والشك يستدعي الاستفهام، فأفاد بالاستفهام أنه مما لا ينبغي. وكذا بين ~~الاستفهام والإنكار بمعنى التكذيب، فإن الخبر الكاذب وإن ادعاه أحد لا ~~ينبغي أن يصدق به غاية ms315 الأمر الشك فيه، فأفاد المستفهم أن غاية الأمر فيه ~~الشك دون الدعوى. PageV01P495 وقال السيد: السند إنكار الشيء بمعنى كراهيته ~~والنفرة عن وقوعه في أحد الأزمنة، وادعاء أنه مما لا ينبغي أن يقع يستلزم ~~عدم توجه الذهن إليه المستدعي للجهل به المفضي إلى الاستفهام عنه، أو نقول: ~~الاستفهام عنه يستلزم الجهل به المستلزم لعدم توجه الذهن إليه المناسب ~~لكراهته والنفرة عنه، وادعاء أنه لا ينبغي أن يكون واقعا، وقس على هذا حال ~~الإنكار بمعنى التكذيب، قال الله تعالى { أغير الله تدعون } (¬1) الدعاء ~~مسلم والمنكر كون المدعو غير لله فقد تلا المنكر <<الهمزة>> لأن الاستفهام ~~عنه. وقال امرؤ القيس: [ من الطويل ] # أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال (¬2) # ... بإيلاء الفعل <<الهمزة>> إذ كان هو المنكر، والمشرفي السيف المنسوب ~~إلى مشارف قرية من قرى العرب تدنو إلى الريف، قيل: لم ينسب إلى مشارف بهذا ~~اللفظ، بل إلى مفرده لأنه لا ينسب إلى جمع بلفظه، قلت: ذلك إذا زال معنى ~~الجمعية كما هنا فإن مشارف: اسم لمفرد وهو القرية، وقيل: في نسب إلى مشرف، ~~وهو أحد يعمل السيوف، والمسنونة: المحدودة من السلاح مطلقا كرمح وسهم وسيف؛ ~~وصفها بالزرقة لدلالتها على صفائها وكونها مجلوة. وقال الله تعالى { أهم ~~يقسمون رحمة ربك } (¬3) PageV01P496 بإيلاء الفاعل في المعنى <<الهمزة>> إذ هو ~~المنكر، وقال الله تعالى { أغير الله أتخذ وليا } (¬1) بإيلاء المفعول ~~<<الهمزة>> لأن المنكر كون المتخذ غير الله، وأما أصل الاتخاذ فلا يتعلق به ~~إنكار ويجيء أيضا غير (الهمزة) للتقرير والإنكار، لكن لا تجري فيه هذه ~~التفاصيل التي هي كون المقرر به أو المنكر فاعلا أو مفعولا أو غير ذلك، ولا ~~يكثر كثرة الهمزة، ولذلك لم يبحث عنه، إذ تستعمل في شيء مخصوص، ك(هل) إنما ~~هي لطلب التصديق، وإذا استعملت للإنكار أو التقرير فإنما هي لإنكار النسبة ~~أو التقرير بها، ولا تكون لإنكار نحو الفاعل أو التقرير لكونها لا تستعمل ~~في التصور، وقال الله تعالى { أليس الله بكاف عبده } (¬2) ... الاستفهام ~~للإنكار وهو النفي وليس نفي، ونفي النفي إثبات، ms316 وذلك في معنى قولك: ~~الاستفهام للتقرير أي: حمل المخاطب على الإقرار بما بعد النفي، أي: أقرر ~~بكفاية الله عبده، وقيل: لا يجب أن يكون التقرير بما يلي (الهمزة)، بل بما ~~يعرفه المخاطب إثباتا ونفيا؛ فالنفي كالآية، والإثبات كقوله تعالى { ... ~~أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله } (¬3) PageV01P497 # فالتقرير فيه بما يعرفه عيسى، وهو أنه لم يقل ذلك، وليس تقرير بالفاعل، ~~مع أن التالي للهمزة فاعل معنى، لأنه ليس المعنى أأنت لا غيرك، قلت: كما هو ~~ظاهر التقديم، فليس تقديم الفاعل معنى للتخصيص لازما بل غالبا، ومن ذلك قد ~~يقال: يصح التقرير بالنفي مع أن المراد الإثبات، مثل أن يقال في قوله تعالى ~~{ ألم نشرح لك صدرك } (¬1) المعنى: أقرر بعدم الشرح إن كان، أو أقرر أكان ~~عدم الشرح أم الشرح، أو بالإثبات مع أن المراد النفي؛ كالآية قبل هذه على ~~أن المعنى أقرر بقول ( اتخذوني وأمي إلهين ) إن كان منك، أو أقرر هل كان. ~~وقد علمت أنه قد يلي (الهمزة ) غير المقرر به أو المنكر، ومنه وصورة ضابطها ~~أن يلي (الهمزة) معمول الفعل المنكر، ثم يعطف عليه ب(أم) أوغيره، فقد تلاها ~~غير المنكر، نحو قولك: " أزيدا ضربت أو عمرا " لمن يردد الضرب بينهما من ~~غير أن تعتقد تعلقه بغيرهما، بل تعتقد عدم تعلقه بغيرهما، أو أنكرت تعلقه ~~بهما، فقد نفيته عن أصله؛ لأنه لا بد له من محل يتعلق به، وقد انحصر في زيد ~~وعمرو، وقد نفيته عنهما فلزم نفي الفعل من أصله، وبهذا الاعتبار صار إنكار ~~التعلق كناية عن إنكار أصل الفعل؛ ف(الهمزة) هنا استعملت استعمال الكنايات، ~~وعلى هذا قوله تعالى { قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أم ما اشتملت عليه ~~أرحام الأنثيين } (¬2) PageV01P498 فالمراد إنكار أصل التحريم لما في بطون الأنعام، ~~فالمنكر ابتداء أهو المفعولان في المثال زيدا وعمرا من حيث كونهما متعلق ~~بالفعل، وإنكارهما من هذه الحيثية يستلزم إنكار الفعل، لأنهما محله، ونفي ~~المحل يستلزم نفي الحال، فإنكارهما من هذه الحيثية للتوسل إلى المقصود ~~بالذات وهو إنكار الفعل، وهكذا ms317 في نحو " أزيد ضربك أو عمرو " و" أفي الليل ~~كان هذا أم في النهار " والمدار على انحصار الفعل في متعدد، وكذا في واحد؛ ~~فإذا نفي عما فرض أنه لا يخرج عنه فقد نفي البتة، والله أعلم. # والإنكار إما للتوبيخ؛ بمعنى أنه ما كان ينبغي أن يكون ذلك الأمر الذي ~~كان، نحو " أعصيت ربك " فالعصيان واقع لكنه منكر، ويجوز أن يكون للتقرير ~~بمعنى التحقيق والتثبيت لما يعرفه المخاطب، أو للتقرير بمعنى الحمل على ~~الإقرار، إذا اقتضى المقام اعتراف المخاطب وإقراره بالعصيان لغرض من ~~الأغراض. وأما للتوبيخ بمعنى لا ينبغي أن يكون ما قصدت أيها المخاطب إيقاعه ~~نحو" أتعصي ربك" أي ينبغي أن لا يتحقق العصيان، وقوله تعالى { أغيرالله ~~تدعون } (¬1) PageV01P499 فالتوبيخ لا يختص بماض بل يكون على ~~ما مضى وعلى الحاضر، ولا خفاء في ذلك وعلى الآتي، ووجه التوبيخ عليه تصمم ~~الموبخ عليه (بفتح الباء)، والمثال الأخير صالح للحال والاستقبال، وإن قلت: ~~كيف فسرتهما بلا ينبغي أن يكون المضارع تخلصه أن للاستقبال؟ قلت: قيل إنها ~~لاتخلص المضارع الناسخ استقبال، والذي عندي أنها تخلصه للاستقبال مطلقا، ~~فإذا دخلت على مضارع للحال فإنه يؤول بتنزيل الحال منزلة المستقبل تأكيدا ~~في التحذير عن الفعل، أو في الإغراء عليه كأنه لما يشرع فيه فأنت تحذره عن ~~الشروع فيه أو ترغبه فيه، أو يعتبر التحذير، أو الإغراء بحسب ما بقي منه؛ ~~فإذا قلت لمن رأيته يصنع شيئا:" ما ينبغي أن تصنعه " " أواجب أن تصنعه " ~~فقد أنزلته منزلة من علمت أنه أراد فعل شيء ولم يشرع فيه فحذرته عن صنعه، ~~أو رغبته فيه، أو أمرته بإتمامه، أو نهيته عن إتمامه . # ثم ظهر لي وجه آخر وهو أنها للاستقبال كغاية، فإنك إذا كرهت استقبال شيء ~~أو أجبته فهم منك أنك تحب الواقع منه أو تكرهه، والناسخ وغيره في ذلك سواء، ~~وتتصور هذه الأوجه فيما مضى وعبر فيه بالمضارع، وإن مثل أن يكون قد قام ~~وتقول له:"ما يعجبني أن تقوم" وتريد ما مضى. وإما للتكذيب في الماضي أي:<< ~~لم يكن>> ms318 كقوله تعالى { أفأصفاكم ربكم بالبنين } (¬1) أي:لم يصفكم ربكم ~~بالبنين، ولم يتخذ من الملائكة إناثا، أو في المستقبل أو الحال أي:<<لا ~~يكون>> نحو قوله تعالى { أنلزمكموها } (¬2) PageV01P500 و(الميم) للجمع ~~تضم ويزاد معها (الواو) قبل الضمير المتصل وهو الراجح، ويجوز إسكانها، ~~وقرئت الآية به وهو الصحيح؛ وهو مذهب سيبويه ويونس، وقيل: لا يجوز السكون، ~~والمعنى:لا يكون إلزامنا معشر الرسل أو المؤمنين إياكم الحجة، والكفرة ~~يدعون أنهم ألزموا ما كرهوا، أو كانوا بمنزلة المدعي للإلزام في القهر، ~~فأشارت الآية إلى أنهم كذبوا أو لم يصرح لهم بالتكذيب تأليفا لهم، وذلك من ~~كلام نوح عليه السلام، والمراد بالتكذيب: مدعي الشيء سواء تحقق الادعاء أو ~~كان على سبيل الفرض والتوبيخ يشارك التكذيب في النفي، ويختلفان في أن النفي ~~في التوبيخ متوجه لغير مدخول (الهمزة) وهو الانتفاء ومدخولها واقع أو ~~كالواقع، وفي التكذيب يتوجه لنفس مدخولها، فمدخولها غير واقع، والله أعلم. # وكالتهكم وهو: الاستهزاء والسخرية، لأن الاستفهام يقتضي الجهل، والجهل ~~بالشيء يتسبب عنه الاستهزاء به ولو كان عظيما؛ إذ لم يعرف قدره، فهو كشيء ~~نسي منسي مجهول يسأل عنه، كقوله تعالى { أصلاتك تأمرك } (¬1) ب(الهمزة) ~~للتهكم مجازا لغويا، وأسند الأمر إلى ضمير الصلاة مجازا عقليا. كان شعيب ~~عليه السلام كثير الصلاة وكان قومه إذا رأوه يصلي تضاحكوا استهزاء، وقالوا: ~~ألا مزية لك توجب اختصاصك بأمرنا ونهينا إلا هذه الصلاة التي تلازمها، ~~وليست هي ولا أنت بشيء. PageV02P001 وكالتحقير لأن ~~الاستفهام يقتضي الجهل، والجهل بالشيء ربما يتسبب عنه تحقيره، والتحقير جعل ~~الشيء حقيرا، والاستهزاء عدم المبالاة به وإن كان عظيما، وربما يتحد محلهما ~~ولو اختلفا مفهوما لما بينهما من الارتباط في الجملة لصحة نشأة أحدهما من ~~الآخر، نحو قولك: من هذا ؟ استحقارا بشأنه مع أنك تعرفه . # وكالتهويل وهو التقطيع والتفخيم لشأن المستفهم عنه، ينشأ عنه غرض من ~~الأغراض، وذلك أن التهويل يقتضي العظمة وشأن العظيم عدم إدراكه، ويلزمه أن ~~يجهل بالفعل ويتسبب عنه الاستفهام، كقراءة ابن عباس رضي الله عنه { ولقد ~~نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين من فرعون } (¬1) بفتح ms319 (ميم)<< من>> على ~~أنها مبتدأ استفهامية ورفع لفظ << فرعون>> على أنه خبر، أو بالعكس لما وصف ~~العذاب بالشدة والفظاعة زيادة في المنة على بني إسرائيل بالانحاء منه زادهم ~~تهويلا، بقوله : << من فرعون>> أي : هل تعرفون من هو غاية في فرط العتو ~~التكبر وناهيكم بعذاب من هو غاية في ذلك، وقد نجيناكم من عذابه فاشكروا، ~~ولذلك التهويل قال: إنه كان عاليا من المسرفين. # وكالاستبعاد وهو عد الشيء بعيدا سواء أتحقق بعده أم لا، والفرق بينه وبين ~~الاستبطاء: أن الاستعباد متعلقه غير متوقع، والاستبطاء متعلقه متوقع إلا ~~أنه بطيء في زمان انتظاره، نحو قوله تعالى { أنى لهم الذكرى } (¬2) PageV02P002 أي: من أين لهم التذكر والرجوع ~~إلى الحق والوفاء بما وعدوه من الإيمان على كشف العذاب، والحال أنه جاءهم ~~رسول يعرفون أمانته، فتولوا وأعرضوا عنه، فإن ما جاء على يدي رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - من القرآن، والمعجزات أعظم من كشف الدخان، أي ما ~~يتخيلونه كالدخان من شدة الجوع، والله أعلم . ... وكالأمر، نحو { فهل أنتم ~~مسلمون } (¬1) أي: أسلموا. والزجر، نحو: " أتفعل كذا " أي انزجر، أي لا ~~تفعل، حذرته من فعل كاد يفعله وهو مضرة له. والعرض، نحو: " ألا تنزل" والله أعلم. # باب الأمر PageV02P003 الأمر هو طلب فعل بغير لا على جهة ~~الاستعلاء؛ والمراد: الأمر اللفظي، وأما النفسي فلا وجه لذكره؛ لأن الكلام ~~النفسي ينزه الله تعالى عنه، وأما نفس المخلوق بلا تعلق هنا به؛ لأن الأمر ~~الذي في نفسه ولم يلفظ به لا نعلم به ولا يتعلق به حكم نحكم عليه به ما لم ~~يلفظ به، والكلام هنا على الألفاظ. وخرج بالطلب الخبر والإنشاء غير الطلب، ~~وخرج بقولي: << بغير لا>> زيادة بيان، وإنما يعتبر في ذلك صيغة النهي وصيغة ~~الأمر، فنحو: " لا تدع الفعل " نهي، ونحو: " كف واترك " أمر. وهو عندي فعل، ~~والتروك عندي أفعال وكسب، ولا سيما أنك تكف نفسك كمن يحبذ شيئا عن شيء،لا ~~كما قيل، نحو " لا تدع الفعل " أمر، ونحو: " كف واترك " نهي، ولو صح هذا ~~لغة، وخرج << بقيد ms320 الاستعلاء>> الدعاء والالتماس، ودخل <<بالاستعلاء>> ما ~~تحقق فيه العلو وما ادعي، وقيل: إن كان ادعاء غير صحيح لم يسم ذلك أمرا، ~~وقيل: هو أمر ولو لم يكن استعلاء، لقول الله << فماذا تأمرون>> (¬1) وفرعون ~~يدعي الألوهية لا يقر بالعلو لمن تحت حكمه عليه ولا يدعيه. # وطلب الكف عن الكف بغير (لا) أمر، كما أن طلب الكف أمر، نحو " كف عن كفك ~~عن الصلاة " أي اترك الكف عن الصلاة، أي: " صل " وهو طلب فعل وطلب الكف عن ~~الكف مطلوب به حصول الفعل، وطلب الكف مطلوب به عدم الحصول؛ وكل ذلك فعل ~~حيثما دار، نحو: " كف عن الكف عن الترك " ف << الكف الأول>> ترك، و << ~~الثاني>> فعل. ولو قلت: " كف عن الكف عن الكف " لكان كذلك، و << الثالث>> ترك. PageV02P004 ~~واختلفوا أحقيقة الأمر الطلب الجازم أم غيره؟ الأصح أنه للوجوب إن لم يصرفه ~~دليل، وعليه الأكثر وهو مذهبنا معشر الإباضية الوهبية، وقيل: للندب، وقيل: ~~لهما وللإباحة، وقيل: للإذن المشترك بين الثلاثة. وصيغته إما فعل أمر ك" قم ~~" أو اسم فعل ك" صه" أو مصدر ك" ضربا زيدا " أو حرف نحو قوله عز وعلا { ~~لينفق ذو سعة من سعته } (¬1) وقيل: صيغة المضارع ب(لام الأمر) الداخلة ~~عليه، وقيل: كلتاهما؛ وجه الأول: أنه لا دلالة للمضارع على الأمر وإنما ~~يحمل عليه ب(اللام)، وإذا على الآمر بدونها فمجاز. ووجه الثاني: أن المأمور ~~به حدث المضارع. ووجه الثالث: أن المأمور به الحدث لكن صار مأمورا به ~~ب(اللام ). قيل: وعلى الثاني فتضاف (اللام) للأمر للملابسة؛ أي (اللام) ~~المقترنة بصيغة الأمر، والصحيح الأول فالأمر يدل عليه. PageV02P005 ~~أما الكلمة ك(لام) الأمر والمصدر واسم الفعل غير ما كان منه على وزن << ~~فعال>>. وأما الهيئة كفعل الأمر واسم الفعل على وزن<<فعال>> كنزال، والصحيح ~~أن الأمر في ذلك كله موضوع لطلب الفعل على سبيل الوجوب، وعليه الجمهور كما ~~مر، وقيل: موضوع لطلب الفعل ولو ندبا، قيل: المتبادر إلى الفهم عند سماع ~~صيغة الأمر الطلب استعلاء، والتبادر إلى الفهم من أقوى إمارات الحقيقة، ولا ~~يشكل تبادره ms321 إلى المجاز لأنه القرينة لا بدونها، وإن تبادر إليه بدونها ~~بحقيقة عرفية، وإن قلت: تبادر الفهم يتوقف على معرفة الوضع، ففي الاستدلال ~~به على الوضع دور، قلت:هو لا يتوقف إلا على معرفة مطلق الوضع لا على خصوص ~~الوضع الذي يتضمن الفرق بين الحقيقة والمجاز. قيل: لا نسلم أن معرفة مطلق ~~الوضع تفيد معرفة الحقيقة لصحة أن تدرك أن هذا الوضع مثلا حقيقة دون ذاك، ~~وقد تستعمل صيغة الأمر لغير طلب الفعل لعلاقة بينه وبين الأمر بحسب ~~القرائن، فإن قامت قرينة على منع إرادة معنى الأمر فمجاز وإلا فكناية. PageV02P006 # ولا يخفى عليك أن مباحث الأمر كالاستفهام ليس من فن المعاني، وليس منه ~~إلا نكتة العدول من الحقيقة إلى التجوز بالأمر، ومن ذلك الإباحة والتخيير، ~~والفرق جواز الجمع بين الأمرين وتركهما في الإباحة دون التخيير، ويجوز ~~تركهما في الإباحة والتخيير، فقيل: مفيد الإباحة أو التخيير وهو الأمر ~~و(أو) قرينة، وقيل: مفيدهما (أو) والتحقيق أن المستفاد من الصيغة مطلق ~~الإذن، والمستفاد من (أو) الإذن في أحد الشيئين أو إباحتهما، وما وراء ذلك ~~من جواز الجمع بينهما وعدمه، فبالقرائن والعلاقة بين الطلب والإباحة ~~والتخيير الموجبين لاستعمال لفظة فيهما مطلق الإذن العام فهو من استعمال ~~الأخص في الأعم مجازا مرسلا، وهذه العلاقة ولو كانت عامة يتقوى اعتبارها في ~~الإباحة والتخيير بالقرائن. واشتهر التمثيل للإباحة بجالس الحسن أو ابن ~~سيرين وسره غير ظاهر، إذ لا يتوهم منع أحدهما حتى يحتاج إلى الإباحة، بل هو ~~أقرب للندب، والله أعلم. # والتهديد هو التخويف والعلاقة بينه وبين الطلب ما بينهما من نسبة التضاد، ~~ولهذا يقال: التهديد لا يصدق إلا مع المحرم والمكروه، وهو أعم من الإنذار ~~بحسب الوجود مع تباين الحقيقتين؛ لأن الإنذار إبلاغ مع التخويف، وبحسب ~~الحقيقتين على أن الإنذار مع دعوة صريحة، والتهديد يتضمن الدعوة بلا تصريح ~~ما يهدد عن المخالفة فيه، وقيل: الإنذار إبلاغ التخويف، وقيل: الإنذار في ~~الغالب إبلاغ وتخويف، وقد يكون بمعنى مجرد الإعلام، ويكون أيضا بمعنى مجرد ~~التحذير، قيل: يفارق التهديد بذكر الوعيد ms322 وجوبا مع الإنذار، وقيل: التهديد ~~التخويف والإنذار إبلاغ المخوف منه، وبعض لم يفرق ببينهما، والمشهور الفرق ~~بينهما. PageV02P007 # ومثلوا للإنذار بقوله تعالى { قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار } (¬1) ~~فقوله تعالى { ذلك أمر } (¬2) بإبلاغ هذا الكلام المخوف الذي عبر عنه ~~بالأمر، وهو تمتع فيكون أمرا بالإنذار. ومثال التهديد قوله تعالى { اعملوا ~~ما شئتم } (¬3) فسترون منا عقابا يعجز المخلوق أن يصفه، فقد تضمن وعيدا ~~مجملا، والقرينة ليس المراد بعمل المعاصي والتعجيز وهو إظهار العجز ~~والعلاقة بينه وبين الطلب نسبة التضاد في متعلقهما، فإن التعجيز في ~~المستحيلات، والطلب في الممكنات كقوله تعالى { فأتوا بسورة من مثله } (¬4) PageV02P008 ... إذ ليس ~~المراد طلب إتيانهم بسورة من مثله لكونه محالا- ولا تكليف بمحال- فليس ~~بمطلوب منهم، فاستحالته قرينة على أن المراد التعجيز، والمراد سورة دون ~~بسملتها، فالمتحدى به أقصر سورة بدون بسملتها، وذلك ثلاث آيات وهي <<سورة ~~الكوثر>> بدون بسملتها، وإلا كان المتحدي به أربع آيات، إلا أن يقال ~~البسملة وما يليها آية واحدة، وذلك أن البسملة آية من أول السورة في القول ~~الحق، ومن متعلق ف<<أتوا >> و<<من>> ابتدائية ، و<<الهاء>> لعبدنا، ووجه ~~المماثلة عدم الكتابة وقراءة المكتوب أو المحذوف نعت لسورة ، و<<من>> ~~تبعيضية و<<الهاء>> ل<<ما أنزلنا>> أو <<لعبدنا>>على أن المماثلة في ~~البشرية من غير شرط عدم الكتابة والقراءة لعجز الكل، وإذا علقنا <<من>> ~~ب<<أتوا>> لم يجز عود <<الهاء>> ل<<ما أنزلنا>> لأنه يقتضي ثبوت مثل القرآن ~~في البلاغة وعلو الطبقة بشهادة الذوق، واستعمال البلغاء واعتباراتهم، إذ ~~المعنى على هذا إيتوا من مثل القرآن بسورة. PageV02P009 # وقيل: إن إعجاز القرآن بالفصاحة والبلاغة قد كان مثله في طرق العرب، ولكن ~~صرفهم الله عنه، والتعجيز على احتمال تعلق من <<فأتوا>> إنما يكون عن ~~الإتيان بالسورة مع وجودها القرآن، فكأن مثل القرآن موجود لكنهم عجزوا عن ~~أن يأتوا منه بسورة، وهذا لا يصح إلا على قول من قال إعجازه صرف الله إياهم ~~عن مماثلته وقد أمكنتهم، وإذا كان من مثله نعتا لسورة فالمعجوز عنه هو ~~السورة الموصوفة باعتبار انتفاء الوصف، وهو كونها من المثل لانتفاء المثل، ms323 ~~ولو ثبت المثل لثبت الوصف لسورة منه، والعجز عن الشيء الموصوف صادق مع ~~انتفاء كل من الشيء والوصف، ومع انتفاء أحدهما. وإن قلت: إذا علق ب<<أتوا>> ~~وكانت <<الهاء>> ل<<ما أنزلناه>> فليكن التعجيز باعتبار انتفاء الآتي منه، ~~فلا يقتضي ثبوت المثل، كما تقول: " إيتني برجل أو جناح من العنقاء" على ~~معنى أن العنقاء لم توجد فلا يوجد رجلها ولا جناحها، بخلاف قولك: "إيتني من ~~العنقاء برجل" فإنه يقتضي بحسب الاستعمال وجود العنقاء، قلت: احتمال عقلي ~~لا يسبق إلى الفهم ولا يوجد له مساغ في اعتباراتهم واستعمالاتهم، فلا ~~يعتدنه بخلاف كون التعجيز باعتبار انتفاء الوصف، فإنه شائع كثير، بل القيود ~~محط القصد، والمعجوز عنه إذا كان من مثله نعتا لسورة هو السورة الموصوفة ~~بصفة؛ هي كونها من مثل المنزل أو من مثل عبدنا، ومعلوم أن الذي يفهم من مثل ~~هل الكلام عند امتناع الإتيان إن الامتناع لعدم القدرة على الموصوف مع ~~وجوده بوصفه، كقولك:" إيتني بثوب ملبوس للأمير " فملبوس الأمير موجود ~~وامتنعت القدرة عليه، أو لعدم القدرة على الموصوف لانتفاء وصفه فيلزم ~~امتناع الإتيان به، كقولك: " إيتني بثوب فيه أربعون ذراعا " والغرض أنه لا ~~ثوب موصوف بهذا الوصف. بخلاف تعليق <<من>> ب<<أتوا>> وعود <<الهاء>> ل<<ما ~~أنزلناه>>، فيتعين أن يكون لعدم القدرة عليه مع وجود كليهما، والله أعلم. PageV02P010 # والتسخير هو نقل الشيء من حالة إلى حالة فيها مهانة ومذلة وقد كان ~~موجودا. والتكوين إبراز الله تعالى الشيء من العدم إلى الوجود، ويحتمل أن ~~يكون التكوين أعم بأن يراد به مطلق التبديل إلى حالة لم تكن. ومثال التسخير ~~قوله تعالى { قل كونوا قردة خاسئين } (¬1) ، والله أعلم . PageV02P011 والإهانة كقوله تعالى { قل كونوا حجارة أو حديدا ~~} (¬1) والعلاقة بين الأمر والتسخير والإهانة إلزام الذل، والصيغة فيهما ~~يحتمل أن تكون إنشاء أو إظهارا لمعناهما أو إخبارا بالحقارة والمذلة، فكأنه ~~قيل: على هذا هو بحيث يقال فيهم: إنهم أذلاء محتقرون، وكونها للإخبار في ~~الإهانة أظهر منه في المسخ، وليس الأمر في الآيتين على حقيقته، إذ ليس ~~المراد أن يطلب ms324 منهم كونهم قردة أو حجارة لعدم قدرتهم على ذلك، ويحصل الفعل ~~في الإهانة وهو صيرورتهم قردة ولا يحصل في الإهانة لأن المراد فيها ~~المبالاة بهم لا حصول الفعل، وفي التسخير إهانة لكن لما كان المقصود فيه ~~حصول الفعل لا الإهانة سمي بالتسخير دون الإهانة، والله أعلم. والتسوية ~~والعلاقة بينهما وبين الأمر نسبة المضادة، وكذا بين الإباحة والأمر؛ لأن ~~الإباحة والتسوية بين الفعل والترك كلتاهما تضاد إيجاب أحدهما، وتزيد ~~الإباحة بعلاقة مطلق الإذن، والأقرب أن الصيغة في التسوية إخبار دون ~~الإباحة، ويحتمل إنشاء التسوية وإخبار الإباحة، والمخاطب في الإباحة كأنه ~~توهم أن الفعل محظور عليه، فإذن له في الفعل مع عدم الحرج في الترك. وفي ~~التسوية كأنه توهم أن أحد الطرفين من الفعل والترك أنفع له وأرجح بالنسبة ~~إليه، فرفع ذلك وسوي بينهما، والله أعلم. # ... والتمني والدعاء والالتماس والعلاقة بينهن وبين الأمر مطلق الطلب؛ ~~مثال التمني قول امرئ القيس: [ من الطويل] # ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل (¬2) PageV02P012 # ... فإنه ليس الغرض طلب الانجلاء من الليل، لأنه ليس الانجلاء في طاقة ~~الليل، بل لا طاقة له في شيء، والحق أنه لا يصح التكليف بالمحال من الله ~~ولا من غيره، فقوله: <<انجلي>> تمن وحب للتخلص عما عرض له في الليل من ~~شدائد ألم الحزن أو العشق، واستطالة منه لتلك الليلة كأنه لا طمع في ~~انجلائها، فلهذا يحمل على التمني دون الترجي ولا يبعد أن يكون قوله: (ألا ~~انجلي ) من ظرافة الشعراء بجعل الليل بمنزلة إنسان متعاص يجتري على البخل ~~بالنفع للشاعر، فلا ينجلي لاعتقاده أن الانجلاء أنفع له، فيقول له: انجل ~~بصبح فإنك أخطأت، وليس الإصباح منك بأمثل أي بأفضل، لأن الهجر دائم ليلا ~~ونهارا فلا تجاوز عادتك لاعتقادك الخطأ إذا اعتقدت أن الإصباح فيه يقع، ~~وأنه أفضل لي منك، وليس لذلك انجلت به - والانجلاء الانكشاف، والإصباح ظهور ~~ضوء الصباح-و(ياء) انجلي لام الكلمة التي تحذف للجزم وشبهه رجعت للضرورة، ~~لأن الضرورة قد ترد الشيء إلى أصله، ولو كانت ب(لا) ms325 بالإشباع لم تكتب، ~~و<<منك>> متعلق ب<<أمثل>> بعده قدم من التفضيلي على اسم التفضيل للضرورة، ~~وهذا أولى من أن تجعل متعلقة بمحذوف حال من المبتدإ أو نعته، أي: وما ~~الإصباح ثابتا منك أو وما الإصباح الثابت منك، فيقدر مثلها تفضيلية، أي: ~~وما الإصباح الثابت أو ثابتا منك أفضل منك. PageV02P013 # ومثال الدعاء وهو الطلب على سبيل الخضوع " رب اغفر " ومثال الالتماس ~~-ويسمى السؤال- وهو طلب لمن يساويك تحقيقا من المتكلم أو ادعاء، منه قولك ~~لمن يساويها في الرتبة: " قم " فمناط الأمر في الطلب هو الاستعلاء ولو من ~~الأدنى، ومناط الدعاء فيه التضرع والخضوع ولو من الأعلى، كالسيد مع عبده. ~~ولا يكاد يتصور على حقيقته فالبعض مناط الالتماس التساوي فيه مع نفي التضرع ~~والاستعلاء. وذكر السعد (¬1) أن الالتماس يكون معه تضرع وتخضع لا يبلغان ~~إلى أحدهما في الدعاء، وعلى قول البعض: إذا صدر الطلب من الأعلى للأدنى ~~كالسيد مع عبده من غير استعلاء ولا تخضع لم يسم أمرا ولا دعاء ولا التماسا ~~وهو بعيد، والله أعلم. PageV02P014 ... قال السكاكي (¬1) وحق الأمر ~~الفور، وهو اصطلاحا وجوب تعجيل المأمور به في أول أوقات الإمكان وضده ~~التراخي، وهو اصطلاحا جواز تأخيره لا وجوبه ، إذ لا قائلا بأنه إن أتي به ~~في أول أوقات الإمكان لم يجز، وكذلك في الدعاء والالتماس والنهي ودعائه ~~والتماسه، وذلك أن المتبادر الفور فيحمل الكلام عليه ما لم يصرفه دليل، وأن ~~الظاهر من الطلب مطلقا الفور عند الانصاف كالاستفهام والنداء، وحق استفهام ~~والنداء الفور باتفاق، فإن المراد جواب الاستفهام عقبه وإقبال من نودي عقب ~~النداء، ويدل أيضا على أن الأمر للفور تبادر الفهم عند الأمر بشيء بعد ~~الأمر بضده وقبل فعل ضده إلى تغيير المتكلم الأمر الأول بالثاني دون الجمع ~~بين الأمرين. وإرادة التراخي من غير أن يتبادر أن المتكلم أراد جواز ~~التراخي في أحد الأمرين حتى يمكن الجمع بينهما، وبهذا يعلم أن الجمع ~~والتراخي متقاربان لأنه متى جاز التراخي أمكن الجمع، فأحد الأمرين أو ~~كلاهما على التراخي، ويلزم تغيير الأول كونه على الفور، ms326 فالمولى إذا قال ~~لعبده: " قم " ثم قال له قبل القيام: " اضطجع إلى المساء " يتبادر الفهم ~~إلى أنه غير الأمر بالقيام إلى الأمر بالاضطجاع، ولم يرد الجمع بين القيام ~~والاضطجاع مع تراخي أحدهما، واعترض على السكاكي بأن ظهور ذلك إنما هو ~~لقرائن أظهرته، كقوله: " حتى المساء " فإن الفور ظهر به، فإذا كان ظهور ~~الفور لقرينة لم يكن الظهور دليلا أن حق الأمر الفور، والله أعلم. وقيل ~~الأمر على التراخي، والله أعلم. # باب النهي PageV02P015 وهو طلب الكف ب(لا) عن الفعل ~~استعلاء محققا أو ادعائيا، وإما تضرعا، وإما بالتساوي؛ فالتماس على حد ما ~~مر في الأمر، وقيل: نهي مع تحقق العلو ولا صيغة له إلا كما علمت. وقد ~~تستعمل مجازا فيه (لا النافية)، والفرق أن المضارع بعدها مرفوع ومعناها ~~النهي، وإنما الجازم (لا) الناهية لا النافية ولو تضمنت نهيا، وقال ابن ~~مالك وابنه: إن ( لا النافية ) تجزم المضارع إذا صلح قبلها (كي)، إذ سمع من ~~العرب " اربط الفرس لا ينفلت " و" أوثق العبد لا يهرب أو لا يفر " بكسر راء ~~يفر أو فتحها، ترفع العرب ذلك وتجزمه، ومثل ذلك " جئتك لا تكن لك علي حجة " ~~وخالف في ذلك الخليل وسيبويه وسائر البصريين، وقال أبو حيان: الجزم في ذلك ~~على تأويل <<إن لم أربط>> أي: أو <<إن لا أربط ينفلت>> ونحو ذلك، وقال ~~غيره: " (لا ) ناهية في ذلك للغائب " ونهي الحجة والفرس مجاز، والأصل في ~~النهي الفور بمعنى: << انته الآن عن كذا>>، والدوام أي: لا غاية لهذا النهي ~~فهو أبدا منهي إلا لقرينة، ونازع السكاكي في الدوام. PageV02P016 # والنهي حقيقة في التحريم عند التجرد عن القرينة، وكذا الأمر في الإياب، ~~وذلك مذهب الجمهور فيهما وهو الصحيح. وقيل: حقيقة في طلب الكف العام ~~للتحريم والكراهة، والأمر حقيقة في طلب الفعل العام للإيجاب والندب، وقيل: ~~النهي طلب الترك ب(لا)، والترك عدم الفعل، وما يشعر به الترك من القصد غير ~~مراد، وهذا بناء على أنه يكلف بعدم العمل بناء على أن القدرة عليه بسبب ~~القدرة على التلبس بضد ms327 النهي، لأن العدم متحقق ولا يستدعي تقدم الشعور، ~~بخلاف الكف فإنه يستدعى تقدم الشعور بالمكفوف عنه، فلا يفعل مقتضى النهي ~~إلا من استشعر المنهي عنه فتركه، فلا يمتثل النهي من لا يفعل المنهي عنه ~~داهلا عنه فيلزمه إثمه. نعم الامتثال شرط للثواب، وأما انتفاء الإثم فيكفي ~~فيه عدم الفعل، وعلى أن المكلف به عدم الفعل يكون من لم يفعل المنهي عنه ~~ذاتيا بمقتضى النهي، ولكن لابد في الثواب من النية المستلزمة للشعور، ثم إن ~~قولهم: كف دواعي النفس يحصل بشغلها بالضد يبطل بمن لا داعية له كالأنبياء ~~والملائكة، وإنما حاصل كف الدواعي عدم العمل بمقتضاها بسبب التلبس بالضد، ~~وذلك هو القول الآخر، فقد عاد الأمر إلى أن القدرة في النهي بسبب التلبس ~~بالضد مطلقا، والإثم ساقط بعدم التلبس بالفعل المنهي عنه، ولو بلا شعور ~~والثواب لابد فيه من النية على كلا القولين، وهما متقاربان، حتى قيل: لا ~~تظهر من الخلاف ثمرة. وفي عروس الأفراح (¬1) : الترك فعل هو الكف عند ~~الأصوليين، ويحصل الامتثال بالترك للغافل على القول الثاني دون الأول، ~~وينبغي على الأول أن لا يكون الغافل مخالفا للنهي بل واسطة ولا إثم، أو هو ~~مخالف ، والإثم لا يحصل على المخالفة مطلقا بل بشرط ، واستعماله في غير طلب ~~الكف أو طلب الترك مجاز كالتهديد ، كقولك لعبدك الذي لا يمتثل أمرك : " لا ~~تمتثل أمري " PageV02P017 وأما الدعاء والالتماس ففيهما ~~الطلب بلا استعلاء، فهي مجاز فيهما، والعلاقة بين النهي والدعاء والالتماس ~~مطلق الطلب، والمجزوم في الجواب إخبار مسبب عن إنشاء وجوب الشرط مقدر من ~~مضمون الإنشاء، نحو: " ليت لي مال أنفقه " أي: إن يكن لي أنفقه، أو لازمه ~~نحو " أين بيتك أزرك " أي: إن تعرفنيه أزرك، وإنما قدرت أن تعرفنيه لأن ~~قولك أين بيتك استعراف من المخاطب، وقيل: يقدر أن أعرف بالبناء للفاعل ~~والتخفيف، لأن السبب المعرفة حصلت بتعريف المخاطب أو غيره، أو بلا تعريف. ~~ويقدر في" أتكرمني أكرمك " إن تكرمني أكرمك، والمسألة من الإيجاز لكن ~~ذكرتها هنا لمناسبتها، وقرائن الحذف الإنشاء المجزوم في ms328 جوابه، وإن لم يكن ~~مسببا رفع على الاستئناف أو الحال أو النعت بحسب ما يليق، كقوله تعالى { ~~تطهرهم } (¬1) PageV02P018 وقوله تعالى { يرثني } ~~(¬1) . ومن قال الجزم بالإنشاء أو بأداته أو بالجملة، فليس ذلك من باب ~~الإيجاز؛ ووجه تقدير الشرط أن الحامل على الإنشاء كون ما أنشئ مقصودا ~~للمتكلم لذاته نادرا أو لغير ذاته غالبا، وإنما كان هذا غالبا لتوقف غير ~~ذاته على حصول المنشإ وهذا لازم معنى الشرط، فإنك إذا ذكرت بعده ما يصلح ~~توقفه على المنشإ غلب على ظن المخاطب كون المنشأ مقصودا لذلك المذكور بعده ~~لا لنفسه، فإذا ذكرت وغلب على ظن المخاطب كان معنى الشرط مع ذكر ذلك الشيء ~~ظاهرا فناسب تقدير الشرط، وقيل: تضمن الكلام الإنشائي الشرط مغن عن تقديره ~~ويرده أن الجزم يقتضي تقدير جازم، ولا جزم في قولك: " أين بيتك " " اضرب ~~زيدا في السوق " ولا تقدير لعدم توقف ضرب زيد في السوق على معرفة البيت إلا ~~على تأويل اضربه في السوق بصوت آخذه منه، أو اضربه أمامه، ويحذف الشرط ~~لدليل في غير الجزم في جواب الإنشاء كما حذف في الجزم في جوابه والإنشاء ~~دليله، نحو قوله تعالى { فالله هو الولي } (¬2) PageV02P019 أي: إن أرادوا وليا بحق فليتخذوا الله ~~وليا، لأن الله هو الذي يجب أن يتولى بحق، ويعتقد أنه المولى والسيد، ~~والدليل (الفاء) مع قوله تعالى { أم اتخذوا من دونه أولياء } ، والحصر ~~إفراد في قوله (هو الولي ) وكانوا يتخذون الله وليا وغيره وليا ، ولفظ << ~~دونه >> يستعمل في الإفراد كما في القلب وليس كما قيل قصر قلب لأنهم لم ~~يتخذوا غير الله وتركوا الله بل الله وغيره. { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى ~~الله زلفى } (¬1) PageV02P020 لما كان قوله تعالى << أم اتخذوا >> ~~إنكار وتوبيخ، أي: لا يليق أن يتخذوا من دون الله وليا فيتفرع عليه، الله ~~هو الولي ب(الفاء) بلا تقدير شرط تفرع العلة على المعلول، ف(الفاء) لعطف ~~الإخبار على الإخبار المعنوي ولو كان بصيغة الطلب فلا دليل على تقديره بصحة ~~الكلام بدونه، وفيه نظر إذ ليس كل لفظ فيه ms329 معنى الشيء حكمه حكم ذلك الشيء ~~فليس يلزم الحكم على جملة الاستفهام التوبيخي، لكونها بمعنى الجملة الخبرية ~~السلبية بحكم الجملة الإخبارية، فيعطف عليها الإخبار، وإنما يحكم بهذا حيث ~~لم يوجد أقوى منه، وهنا وجد فإن العطف عطف اسمية على فعلية مؤولة بالخبرية ~~وهو مرجوح، وحذف الشرط ولو كان خلاف الأصل لكنه متبادر إلى الفهم، وفيه ~~خلاف الأصل من جهة واحدة، قيل: ومما لم يحكم فيه على الشيء بحكم ما هو في ~~معناه قولك " لا تضرب زيدا فهو أخوك " ب( الفاء) فإنه صحيح، ولا يصح " ~~أتضرب زيدا فهو أخوك " ب( الفاء)، بل يصح ب(واو الحال) مع الاستفهام فيه ~~إنكار، و( لا النافية) إنكار، وكذا إن كانت ناهية، ويبحث بأنهما ليسا بمعنى ~~واحد، فإن <<أتضرب>> إنكار لأن ينبغي ضربه، و<<لا تضرب>> نهي عن ضربه، ثم ~~إنه لا يقال: يلزم أن يكون حكم الشيء حكم ما في معناه، بل كونه في معناه ~~يسيغ حكمه له ولا يوجبه، و( الفاء) للتعليل، وإن قلت: فقد قال أبو تمام: [ ~~من الطويل ] # أحاولت رشادي فعقلي مرشدي ... أم استمت تأديبي فدهري مؤدبي (¬1) PageV02P021 فلم قلت: " أتضرب زيدا فهو أخوك " ~~قلت: قد ثبت نفس جواز " أتضرب زيدا فهو أخوك " بتعليل انتفاء أن يكون الضرب ~~مما ينبغي بأن اعتبر في التعليل معنى " أتضرب زيدا " وكأنه قيل: " لا يصح ~~ضربك زيدا لأنه أخوك " وإنما الذي لم يثبت حسنه لتعاصي اللفظ عليه، ولو صح ~~معنى؛ وأما البيت فلعل تعليله لمحذوف، أي: لا حاجة إلى إرشادك إياي، لأن ~~عقلي مرشدي ولا حاجة إلى تأديبك إياي، لأن دهري مؤدبي، والله أعلم. # باب النداء # هو طلب المتكلم إقبال المخاطب ب( يا) أو بإحدى أخواتها نائبة مناب أدعو ~~مذكورة أو محذوفة، واستعمالها في غير طلب الإقبال مجاز، وبيان حقيقة النداء ~~وظيفة النحو واللغة، ومجازاته وظيفة البيان، ونكات اختيار الحقيقة أو مجاز ~~من مجازاته وظيفة المعاني. # ومن مجازه استعماله في الإغراء، كقولك لمن أقبل يتظلم:" يا مظلوم " قصدا ~~إلى حثه على زيادة التظلم أي الشكوى: من ظلم أحد ms330 له لم تقصد إقباله بل ~~زيادة الشكوى على شكواه، والعلاقة بين النداء والإغراء المستعمل النداء فيه ~~أن الإغراء ملزوم للإقبال، إذ لا معنى لإغراء غير المقبل بأن يكون بحيث لا ~~يسمع، أو في الاختصاص أعني أن صورة الاختصاص أصلها للنداء فاستعملت ~~الاختصاص، ولا أعني أن الاختصاص نداء بل هو كنداء، نحو: " أنا أفعل كذا ~~أيها الرجل " فإنه لما كان لفظ <<أنا>> يصلح للرجل وغيره ولو تعين بحسب ~~سماع المتكلم به، ومعرفته خص نفسه بقوله: " أيها الرجل " ولو قلت: " أنت ~~تفعل كذا أيها الرجل " لصلح أن يكون قائله طفلا، فحصرت نفسك بقولك: " أيها ~~الرجل " وقولك: " نحن العرب أسخى من بذل " لفظ <<نحن>> فيه صالح لأن يراد ~~به العجم أو المشارقة أو المغاربة أو نحو ذلك لولا أنه خص العرب. PageV02P022 # والأصل في اسم التخصيص أن يستعمل في مقام تخصيص المنادى بطلب إقباله ~~عليك، ولو كان هو المتكلم عند قصد تجريد منادى من نفسه مبالغة، ثم جعل ~~بنقله لمطلق التخصيص مجردا عن طلب الإقبال، ونقل إلى تخصيص مدلوله من بين ~~أمثاله بما نسب إليه من الفعل، والسخاء في المثالين ونحو ذلك، فالعلاقة بين ~~النداء والاختصاص الإطلاق والتقييد؛ فالتخصيص (¬1) إخبار مستعمل بصورة ~~النداء توسعا كما استعمل الخبر بصورة الأمر، نحو " أحسن بزيد "، والأمر ~~بصورة الخبر نحو: [ قوله تعالى ] { والوالدات يرضعن } (¬2) في أحد الأوجه ~~في الآية . PageV02P023 ولا يخفى أنه ليس المراد ب(أيها) في ~~المثال الأول وتابعها المخاطب، بل مادل عليه ضمير المتكلم، ولما نقل من ~~النداء التزم فيها حكم المنقول عنه من بناء على الضم كالمنادى المنكر ~~المقصود، فالبناء باق، والمحل نصب، لأنه منادى في الأصل أو معرب، و(الضم) ~~لحكاية حاله في النداء، و(النصب) مقدر، وعلى كل حال هو مفعول لأخص محذوف، ~~والجملة حال، أي: متخصصا من بين الرجال أو معترضة؛ كما في نحن العرب أسخى، ~~فجملة أخص العرب معترضة. وقال السيرافي: أي في اختصاص مبتدإ أو خبر. # ومن مجاز النداء استعماله في الاستغاثة، نحو: " يا لله لي " و" يا لله ~~لنا " والعلاقة مشابهة النداء ms331 في مطلق التوجه أو العلاقة للعموم والخصوص ~~إذا استعمل ما للأعم في الأخص، بأن استعمل مطلق طلب الإقبال الذي هو النداء ~~في طلب الإقبال بخصوص الإغاثة، وإن شئت فقل: الإطلاق والتقييد واستعماله في ~~التعجب، نحو " يا للماء " عند مشاهدة كثرته أو حلاوته، والعلاقة مشابهة ~~المتعجب منه المنادى في أنه ينبغي الإقبال عليه بالخطاب كالمنادى للاهتمام، ~~فهو امتلاء القلب بشأنه. واستعماله في التحسر والتحزن كما في نداء الأطلال ~~والمنازل والمطايا ، والعلاقة الشبه الادعائي بعاقل مشتاق إليه فيقبل . أو ~~في التوجع نحو " يا مرضه " و" يا سقمه ".أو في الندبة ، والله أعلم . # باب الإنشاء بصيغة الخبر # هو مجاز، وذلك يكون للتفاؤل بلفظ الماضي للدلالة على أنه كأنه واقع، ~~نحو:" وفقني الله للتقوى" والأصل <<وفقني يا الله للتقوى>> بصيغة فعل الأمر ~~وهو للدعاء، فجيء بالماضي تفاؤلا بوقوع التوفيق حتى كأنه وقع، فعبر عنه ~~بماض. أو لإظهار الحرص في وقوع المطلوب، لأن الطالب إذا عظمت رغبته في شيء ~~يكثر تصوره إياه، فربما يتخيل إليه حاصلا من الزمان الماضي مستمرا إلى وقت ~~تكلمه، نحو " رزقني الله لقاءك " تتوسل إلى مخاطبك بأنك تحب لقاءه. PageV02P024 # وفي التفاؤل حرص لا إظهار، وإذا أريد إظهاره في مثال التفاؤل كان من ~~إظهار الحرص. والدعاء بصيغة الماضي من البليغ يحتمل التفاؤل ويحتمل إظهار ~~الحرص، ويجوز استعماله فيهما معا بمرة أيضا، كقولك: " رحمه الله ورضي عنه ~~وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه " . وأما غير البليغ فهو داهل عن هذين ~~الاعتبارين وغيرهما مما يعتبره البليغ، وربما ما يعتبره البليغ فيكون بليغا ~~فيما اعتبره، ووافق في اعتباره البلغاء ولو لم تكن له ملكة يقتدر بها على ~~كل كلام بليغ، إذ قد يبلغ في باب دون باب بناء على تجزي البلاغة كالاجتهاد. # ويكون الإنشاء بصيغة الخبر أيضا للاحتراز عن صورة الأمر لأنها ولو كانت ~~ترد أيضا للدعاء وللالتماس، لكن الأصل والمتبادر منها الاستعلاء، كقول ~~العبد للمولى" ينظر المولى إلي ساعة " بدل أن يقول: " انظر يا مولاي إلي ~~ساعة " بفعل الأمر مراعاة للأدب أو للاحتراز ms332 عن صورة النهي، لأن الأصل ~~والمتبادر منها الاستعلاء فيراعي الطالب الأدب بصيغة الخبر، نحو " يكف شيخي ~~حتى ينظر " هل فهممت بدل لا تنطق، لكن يحتمل أنه عدول عن الأمر، فيكون بدلا ~~عن <<اسكت>>. وكذلك في الدعاء يجوز فيه مراعاة هذه النكتة، فيجوز للطالب ~~قصد الأدب في طلبه، فيأتي بالماضي بدل صيغة الأمر، أو لحمل المخاطب على ~~المطلوب إذا كان المخاطب ممن يكره نسبة الطالب إلى الكذب، مثل أن يقول له: ~~" تأتيني غدا " بدل قولك: " إيتني غدا " لأن لفظ تأتيني إخبار منك بإتيانه، ~~فلو لم يأت كان خبرك غير مطابق للواقع، وهو لا يحب أن يكون خبرك غير مطابق ~~مجمله عدم حبه لذلك على الإتيان ليطابق، والله أعلم. # باب الفصل PageV02P025 هو الإتيان بجملتين مستقلتين بلا عطف واحدة على ~~الأخرى؛ فليس من الفصل الجملة الواحدة، نحو " قام زيد " لاتحاد الجملة، ولا ~~جملة الصلة، وجملة النعت، وجملة الحال، وجملة الشرط، وجملة الجواب، وجملة ~~الخبر لعدم الاستقلال، ولا الجملة المعتبرة إلى مفرد كخبر جملي، أو نعت ~~جملي بعده آخر مفرد، فإنها من حقيقة الاتحاد لأن اعتبارها إلى مفرد قبلها ~~لا إلى الجملة كلها قبلها، ولا الجملة المعطوفة، فإذا أتت جملة بعد أخرى ~~وكان للأولى محل من الإعراب كجملة الخبر والحال والنعت ولم يقصد تشريك ~~الثانية للأولى في المعنى الذي يقتضيه عامل الإعراب فصلت الثانية، أعني ~~يؤتى بها غير معطوفة لئلا يلزم من العطف التشريك في المعنى، كقوله تعالى { ~~قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون * الله يستهزئ بهم } (¬1) PageV02P026 فلو قيل: << والله يستهزئ بهم>> ~~بالعطف على <<إنا معكم >> ، لأن << إنما نحن مستهزئون >> مبين له وتابع ، ~~ولأن العطف على المتبوع هو الأصل، أو على <<إنما نحن مستهزئون>> لقربه من ~~قوله <<الله يستهزئ بهم >> وكونهما معا مشتملتين على لفظ الاستهزاء لتوهم ~~السامع أنه من جملة ما قالوا، ولو قصد العطف على جملة أداة الشرط. والجزاء ~~والشرط وليس من مقولهم، وجملة ( إنما نحن مستهزئون ) مستأنفة للبيان جواب ~~لسؤال، أي: كيف تقولون: <<إنكم معنا مع أنكم تجتمعون بمحمد وأصحابه وتعظمون ms333 ~~دينهم>>، أو بدل اشتمال لأن الاستهزاء بالإسلام تعظيم للكفر، وهو مقتضى ~~<<إنا معكم>> ، أو تأكيدا نظرا إلى أن الاستهزاء بالإسلام نفي له يقتضي ~~الثبات على الكفر ، وهو معنى << إنا معكم >> وإن لم يكن للأولى محل من ~~الإعراب ولم يقصد ربط الثانية بالأولى بعاطف غير (الواو) ، وكان للأولى حكم ~~لم يقصد إعطاءه للثانية، فالفصل أيضا لئلا يلزم بالعطف التشريك في الحكم ~~كالآية، فإنه لم يعطف <<الله يستهزئ بهم >> على << قالوا >> لئلا يشاركه في ~~التقييد ب(إذا )، لأن المعطوف على الجواب جواب ، والشرط قيد في الجواب ، ~~واستهزاء الله بهم غير مقيد بوقت خلوهم لأنه بمعنى عقابهم على استهزائهم، ~~والمعطوف على المقيد مقيد. وهذا التقرير مع سهولته نفيس يغنيك عما حكاه ~~الصبان وقرره السعد من أن (إذا) ظرف قدم، وأفاد بتقديمه الحصر ولو كان ~~شرطا، نظرا إلى كونه في الأصل ظرفا غير شرط، وأنه لو قلنا ليس أصله ظرفا ~~أفاد الحصر أيضا تقديمه، وإنما قلت: في الأصل شرط وحدثت له الظرفية، ذلك ~~لأن واجب التقديم لا يفيد تقديمه الحصر، و(إذا) واجبة التقديم وادعاء، ~~اعتبار أصله ضعيف. PageV02P027 # وأما التقييد فحاصل بأداة الشرط ظرفا أو غير ظرف كان الحصر أو لم يكن، ~~والقيد بالشرط يأتي في المعطوف على ما قيد به، فلو قلت: " إذا جئت أكرمتك ~~وقمت بك " كان المجيء قيدا للقيامه كما كان قيدا لإكرامه. ومثله في الحصر " ~~يوم الجمعة سرت وأكرمت زيدا " فحصر الإكرام في يوم الجمعة كما حصر فيه ~~السير لعطفه عليه ، وإن لم يكن للأولى محل من الإعراب أو كان ولم يقصد ربط ~~الثانية بالأولى ، ولم يكن للأولى حكم زائد على مفهومها أو كان حكم لم يقصد ~~إعطاءه الثانية ، وكان بينهما كمال الانقطاع بدون أن يكون في الفصل إيهام ~~خلاف المقصود ، أو كان بينهما كمال الاتصال أو شبه كمال الانقطاع أو شبه ~~كمال الاتصال بدون إيهام الفصل خلاف المقصود ، فالفصل أيضا. فأما كمال ~~الانقطاع فبأن تكون إحدى الجملتين إخبارا لفظا ومعنى، والأخرى إنشاء لفظا ~~ومعنى، أو إحداهما خبرا ومعنى والأخرى إنشاء معنى، ms334 ولو كانتا خبريتين أو ~~إنشائيتين لفظا، ولأن لا يكون بينهما جامع؛ فالأول نحو " قم تصلي " فهذا ~~مما لا محل له من الإعراب في كمال الانقطاع، ونحو " تصلي قم " ونحو " رحم ~~الله زيدا لتهنأ له السعادة " ونحو " لتهنأ لزيد السعادة رحمه الله " وقوله ~~[ أي قول الأخطل ] : [ من البسيط ] # قال رائدهم أرسوا نزاولها ... فكل حتف امرئ يجري بمقدار (¬1) PageV02P028 ~~... ... وهذا من كمال الانقطاع مع وجود محل الإعراب، ف<<ارسوا>> إنشاء لفظا ~~أو معنى، و<<نزاول>> إخبار لفظا ومعنى، قلت: التحقيق أن الجمل المحكيات ~~مفرد لأن المراد هذا الكلام، وإنما هو جمل في الأصل، فقوله: <<ارسوا >> إلى ~~<<مقدار>> مفرد مراد به اللفظ، ويجوز أن المحكي في الأول يكون في الأصل ~~تعليلا ل<<أرسوا>> أو<< نزاولها>> ، ثم صارت هي وما قبلها لفظا مفردا ، وما ~~حكي في الأول مفعول به على التحقيق وهو المشهور ، وقيل : مفعول مطلق، وعلى ~~ما قيل : إن ذلك جملتان معتبرتان لأن إحداهما <<أرسوا>> والأخرى <<نزاولها ~~>>، فلكل منهما نصب على حدة بناء على أن لجزء المقول محلا إذا كان مفيدا ، ~~وإن اعتبر في التمثيل حال الجملتين من <<الرائد>> قبل أن يحكيهما الشاعر ، ~~فهما جملتان محققتان لا محل لواحدة ، وإن قلت : <<نزاولها>> إما تعليل لما ~~قبله فهو جواب لسؤال مقدر ، فليس الفصل لكمال الانقطاع بل لشبه كمال ~~الاتصال ، وإما حال مقارنة أي اثبتوا حال المزاولة أو مقدرة ، أي : اثبتوا ~~الآن مقدرين زوالها إذا كانت ، فكذلك ليس الفصل لكمال الانقطاع ، بل لأن ~~الحال لا تعطف على الجملة المفيدة به ، قلت : لا تزاحم بين كمال الانقطاع ~~وشبه كمال الاتصال ، ولا بين كمال الانقطاع وكون الحال لا تعطف على الجملة ~~المفيدة به ، فيجوز الفصل للأمرين ولم يجزم <<نزاولها>> في جواب الأمر لأنه ~~لم يقصد التعليق، و<<الرائد>> متقدم القوم لطلب الماء والكلإ للنزول عليها، ~~و<<أرسوا>> بمعنى اثبتوا، بوصل همزة اثبتوا وضم بائه،من أرسى بمعنى رسا ، ~~أي : ثبت أو من أرسى المتعدي ، أي : أثبتوا أنفسكم ودوابكم بقطع همزة ~~أثبتوا وكسر بائه وأما (همزة) <<أرسوا>> في البيت ف(همزة قطع) على كل حال ~~مفتوحة ms335 ، وذلك من رسيت السفينة إذا حبستها بالمرساة ، وهي: الحديدة التي ~~تلقى في الماء متصلة بالسفينة فتقف ، وهي بكسر (الميم) ، وأما بالفتح ~~فالموضع الذي PageV02P029 رست فيه السفينة ، و<<الحتف>> الموت ، وموت كل ~~أحد غير موت الآخر ، وأيضا أسباب الموت متعددة كجوع وبرد وسيف ورمح، فقد ~~أضيفت <<كل>> إلى متعدد فلا حاجة إلى أن ذلك قلب من قولك : كل امرئ حتف ~~يجري بمقدار ، والمعنى: أنه ليس الجبن ينجي ولا الإقدام يهلك. # ومثال عدم الجامع " زيد طويل وعمرو نائم " إذ لا مناسبة بين طول زيد ونوم ~~عمرو، فلا تعطف الثانية ولو قصدت مناسبة ودل عليها دليل، مثل أن يراد أن ~~زيدا طويل لا يصلح لأمر من الأمور وعمرا يصلح له لكنه نائم لكان الوصل، ~~وذلك مع كونها لم يختلفا في معنى الخبرية والإنشائية، بل خبريتان لفظا ~~ومعنى، ذلك قولك: " نم يا عمرو انظر على السماء يا زيد " لعدم المناسبة وقد ~~اتفقنا إنشاء لفظا ومعنى فإنه لا مناسبة بين نوم عمرو ونظر زيد إلى السماء، ~~وإذا قصدت ودل على وجهها دليل فالوصل. وعدم المناسبة في هذه الأمثلة هو بين ~~المسندين إن كان بين زيد وعمرو جامع من صداقة أو غيرها، وإن لم يكن فعدم ~~المناسبة قد كانت بين المسندين، وقد كانت بين المسند إليهما، ولو قلت: " ~~عمرو قصير زيد طويل " فالمناسبة بين المسندين بالتضاد لا بين المسند إليهما ~~إن لم تجمعهما صداقة أو عداوة أو غيرهما، فلو جمعتهما عطفت الثانية، فما لا ~~يصلح فيه العطف لانتفاء الجامع، أما لانتفائه عن المسند إليهما، أو عن ~~المسندين، أو عن المسند إليهما، والمسندين. # ومثال اختلافهما خبرا وإنشاء معنى فقط مع اتفاقهما لفظا في الخبرية أو ~~الإنشائية " مات فلان رحمه الله " و" رحم الله فلانا مات، ونحو " تبوأ ~~مقعدك من النار " " إن كذبت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تب إلى ~~الله "، فتبوأ أمر لفظا، ونحو " قم تبوأ مقعدك منها بشرب الخمر إن كنت ~~تشربها " . ... # قيل لمنع العطف بين الإنشاء والخبر شروط: # أن يكون بالواو # وأن يكون فيما ms336 لا محل له من الإعراب PageV02P030 وأن لا يتوهم خلاف ~~المراد وهو الوصل بالواو والفصل بعدمها، والله أعلم. # ... ... وأما كمال الاتصال فيفصل فيه لأنهما فيه كشيء واحد وجزء الشيء لا ~~يعطف على جزئه الآخر، وكمال الاتصال إما لكون الثانية مقوية للأولى لدفع ~~توهم الغلط أو النسيان أو التجوز، وإما لكونها مبينة لخفائها بالمقوية ~~كقوله تعالى { ذلك الكتاب لا ريب فيه } (¬1) لا يغلط ولا ينسى، لكن نزل ~~كتابه على طريقة العرب في كلامهم، فإنه لما كان ذلك الكتاب في الدرجة ~~القصوى من الكمال بجعل المبتدإ اسم إشارة دالا على كمال العناية بتميزه ~~مقرونا ب(لام) البعد دلالة على التعظيم لعلو الدرجة، وبالحصر بتعريف الخبر ~~ب(أل) بعد تعريف المبتدإ، حتى كأنه ليس غيره من كتب كتابا جاز على عرف ~~الكلام أن يتوهم السامع أنه قيل ذلك بلا تحقيق وإتقان للأمر، كما يصدر كلام ~~بلا تفكر ولا بصيرة من قائله، فأزال ذلك بقوله: ( لا ريب فيه ) كأنه قال لم ~~أغلط ولم أنس، كما يكون ذلك شأن الخلق، ولم أتجوز في ذلك ولم أتساهل كما ~~يتساهل المبالغون في المدح بوصف الشيء بغير وصفه، فهو كنفس من قولك: " جاء ~~زيد نفسه " في دفع مطلق التجوز وغير المراد، ولو كان ذلك بنفسه باعتبار ~~المفرد، وفي الباب باعتبار الجملة، فالمدفوع بها الغلط والنسيان والتجوز، ~~والمدفوع به التجوز بإرادة رسول زيد مثلا، قيل: أو يدفع به الغلط في ذكر ~~زيد بدلا عن رسوله المقصود، أو التجوز في ذكر زيد دون رسوله، وكلاهما مراد ~~أو الغلط بذكره دون عمرو أو كلاهما، وزعم بعض أيضا أن " جاء زيد نفسه " ~~يفيد دفع الغلط بالنسبة لمن توهم أن الجائي الزيدان. PageV02P031 وكقوله { هدى للمتقين } على أنه خبر لمحذوف أي <<هو ~~هدى>>، فإنه يفيد قوله ذلك الكتاب، لأن معناه الكامل في الهداية، وهذا ~~المعنى موجود أيضا في قوله(هدى للمتقين ) إذ جعل نفس الهدى، كقولك: " زيد ~~صوم " إذا بالغت في وصفه بالصوم، وكأنه نفس الصوم وإذ نكر <<هدى>> للتعظيم ~~أي: << هدى عظيم>> ، ف<<هدى للمتقين >>مع قوله <<ذلك ms337 الكتاب >> لتوكيد ~~اللفظي في " جاء زيد " وذلك أن الحصر بظاهره محال ، وكذا كون الكتاب نفس ~~الهدى ، ولكن أريد الكمال في كونه كتابا ، وفي كونه يهدي به ، فاتفقا في ~~الكمال ، و<<لا ريب فيه>> مع <<ذلك الكتاب>> كالتوكيد المعنوي بنفس، وإن ~~قلت: المتقون مهتدون، فكيف يكون القرآن هدى لهم وهدى لك إلا تحصيل ~~حاصل،قلت: المراد: زيادة <<هدى>> بنزول حكم لم يزل قبل، وبزيادة الإيمان ~~بكل ما نزل، لأنه كلما نزل آية أمنوا بها. أو المراد: هدى لهم من الضلال ~~قبل أن يكونوا متقين، أي هدى للضالين الصائرين إلى التقوى. أو المراد: ~~المشرفون على التقوى. أو المتقون في علم الله تعالى.وهذه الثلاثة متحدة ~~الماصدق. # ... ... وأما كون الثانية بدلا من الأولى بحيث كانت الأولى غير وافية ~~بتمام المراد أو وافية وفاء قاصرا أو خفيا، وكانت الثانية وافية كمال ~~الوفاء، والمقام يقتضي اعتناء بشأن المراد، ككون المراد مطلوبا في نفسه، أو ~~للتذرع لغيره أو لكليهما، أو فظيعا، أو عجيبا، أو ظريفا مستحسنا، ولم يقتصر ~~على المبدل فيحصل الوفاء الكامل لتحصل النسبة مرتين. PageV02P032 # ... ... كما علمت أن المقام مقام اعتناء، ولا يخلو بدل المطابق وبدل ~~البعض وبدل الاشتمال من بيان، إلا أن البيان لم يقصد فيهن بالذات كما قصد ~~في عطف البيان. مثال (الفظيع): قولك لامرأة تزني وتتصدق من حلال أو من كسب ~~فرجها: " لا تجمعي بين الأمرين، لا تزني وتتصدقي" ف<<لا تزني وتتصدقي>> بدل ~~مطابق من <<لا تجمعي بين الأمرين>>. ومثال (العجيب>): " قال زيد قولا، قال ~~أهزم الجيش وحدي". ومثال (المطلوب في نفسه): قوله تعالى { أمدكم بما تعلمون ~~* أمدكم بأنعام ... } (¬1) <<أمدكم بأنعام>> بدل مطابق <<لأمدكم بما تعلمون ~~>> ومحل الإعراب للموصول دون الصلة على الصحيح، لا لمجموع الصلة والموصول ~~كما قال السيد: لا ترى أن الإعراب يظهر في (أي الموصولة ) وفي ( اللذان ~~واللتان ) ( واللذين واللتين ) على الأصح وهو أنهما معربان لا آيتان بصورة ~~المعرب. وفي ( الذين واللذون ) في لغة. وأيضا لا وجه لتسليط العامل على ~~الصلة مع الموصول إلا شدة الاتصال والاحتياج، وليس ذلك بأشد من نحو ms338 " عبد ~~الله " إذا كان علما فإنه أشد، وقد أعرب كل على حدة. PageV02P033 وأما ظهور الإعراب في صلة (أل) التي ~~هي وصف فالامتزاجهم، والمراد في الآية التنبيه على نعم الله، والمقام يقتضي ~~اعتناء بشأنه لكونه مطلوبا في نفسه، لأنه تذكير للنعم لتشكر، وكونه ذريعة ~~إلى غيره كالإيمان والعمل بالطاعة.وقوله ( أمدكم بأنعام ... الخ ) أوفى ~~بتأدية التنبيه، لأنه يدل بالتفصيل من غير إحالة على علم المخاطبين ~~المعاندين، لأنهم ربما نسبوا ذلك لقوتهم واحتيالهم، ونسبوا لله الخلق ~~والتصوير والإحياء، ثم إنه إن أريد ( بما تعلمون ) الأنعام والبنون وجنات ~~وعيون ( فأمدكم بأنعام ) بدل مطابق أوفى بالتفصيل، وإن أريد ذلك وغيره ~~كالسمع والبصر والعافية كان بدل بعض أوفى بالتفصيل للبعض، وكان ( أمدكم بما ~~تعلمون ) أوفى بالعموم في هذا الوجه الذي هو بدل بعض.وقول الشاعر [ من ~~الطويل ] # أقول له ارحل لا تقيمن عندنا ... وإلا فكن في السر والجهر مسلما (¬1) PageV02P034 ... فلا <<تقيمن>> بدل اشتمال من <<ارحل>> قبل الحكاية، وليس ~~<<ارحل>> موضوعا لكمال إظهار كمال كراهة إقامة المأمور بالرحيل، وإنما وضع ~~لطلب الرحيل، ولكن استعمله الشاعر لكمال الإظهار المذكور، وقوله: <<لا ~~تقيمن عندنا>> أوفى بتأدية هذا الكمال، لأن <<لا تقيمن عندنا>> يدل ~~بالمطابقة على كمال الكراهة في العرف، وزيادة ذكر المرحول عنه بقوله: ~~<<عندنا>> مع التأكيد ب(النون) فيتولد منه كمال إظهار كمال الكراهة، ولم ~~يقصد مجرد الكف عن الإقامة وإلا كان بدلا مطابقا ل(ارحل)، ولما كان طلب ~~الشيء عرفا يقتضي غالبا محبته، ومحبة الشيء تستلزم كراهة ضده، وهو هنا ~~الإقامة فهم منه كراهة الإقامة، والدليل على أن الأمر أجري على مقتضى هذا ~~الغالب ولم يرد به مجرد الطلب الصادق بعدم كراهة الضد قوله: << وإلا فكن في ~~السر... الخ >> فإنه يدل على كراهة إقامته لشره، وعدم الإقامة مغاير ~~للارتحال باعتبار ما قصد بهما في البيت، وباعتبار أن عدم الإقامة مطلق عدم ~~اللبث مع قطع النظر عن كونه لم يكن في الموضع، أو كان فزال عنه، والارتحال ~~الزوال عنه بعد كونه فيه، فليس <<لا تقيمن عندنا>> توكيدا نحويا ولو حصلت ~~به ms339 تقوية، وليس عدم الإقامة بعضا من الارتحال، فليس بدل بعض، ولا بدلا ~~مطابقا لما علمت متن المغايرة. ويتميز البدل المطابق عن التوكيد اللفظي ~~بمغايرة اللفظين، وكون المقصود الثاني والأول تمهيدا له مع تغايرهما في ~~إفادة " فعندي قمح قمح " توكيد لفظي، وكذا " عندي قمح بر " تأكيد لفظي ~~بمرادف ولو تغاير اللفظ الأول والثاني تقوية، و" جاء زيد أخوك زيد " أو " ~~جاء أخوك زيد " لأن الأخوة لم يدل عليها لفظ <<زيد>>. PageV02P035 # ... ... وبدل الغلط لا يقع في الفصيح، فلا يحمل عليه البيت لأنه خلاف ~~الأصل، بل لا يقع في الشعر.وبدل فصيح لكن ناذر فلا يحمل عليه بل بين ~~<<أرحل>> و<<لا تقيمن >> ملابسة لزومية ف<<لا تقمين>> بدل اشتمال. وأما كون ~~الثانية مبينة للأولى فحيث كانت الأولى خفية واقتضى المقام إزالة خفائها . # ... ... والفرق بين البدل المبين للخفاء والبيان: أن الإيضاح غير مقصود ~~في البدل بالذات وفي البيان بالذات، قال الله تعالى فوسوس إليه الشيطان قال ~~ياآدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى } (¬1) فجملة <<قال ... الخ >> ~~مبينة لوسوس إليه الشيطان. # ... ... ومن أجاز عطف البيان في الجمل سماها عطف بيان، قال عصام الدين: ~~كون الجملة الثانية بيانا للأولى أعم من أن تكون بتمامها بيانا لتمام ~~الأولى، أو تكون بتمامها بيانا لجزء الأولى، أو يكون جزء منها بيانا لجزء ~~الأولى، والله أعلم. # وأما شبه كمال الانقطاع فلكون عطف البيان الثانية على الأولى يوهم العطف ~~على غيرها مما لم يقصد العطف عليه لفساد المعنى عليه فتفصل، ويسمى هذا ~~الفصل قطعا إما من تخصيص الخاص باسم العام اصطلاحا وإلا فكل فصل قطع، وإما ~~لأن فيه قطع توهم خلاف المراد، وإما لأن الجملتين كانتا متصلتين لوجود ~~التناسب والجامع، فقطع لمانع، فالفصل فيه كأنه قطع متصل، كقوله : [ من ~~الكامل ] # وتظن سلمى أنني أبغي بها ... بدلا أراها في الضلال تهيم (¬2) PageV02P036 ... ... فلو ~~قال: وأراها لتوهم العطف على <<أبغي >>، فيكون مما تظنه <<سلمى>> وليس ~~كذلك، فلإزالة التوهم ترك العطف على << تظن سلمى>>مع أن بين<<تظن>> ~~و<<أرى>> مناسبة باتحاد المسندين وهما <<تظن>> و<<أرى>> بالبناء للمفعول ms340 أو ~~للفاعل، وكلاهما معناه أظن بالبناء للفاعل، وأصله إن بني للمفعول << جعل ~~رائيا إياها>> أي ظانا، وجعل بمعنى أظن أنا استعمالا للشيء في لازم معناه، ~~ومع أن المسند إليه في الأولى محبوب وهو سلمى، وفي الثانية محب، فبينهما ~~تضايف وتقارن في الخيال، وقال: <<أراها بالظن>> مع أن المناسب دعوى تيقن ~~ضلالها ليشعر بأن غاية الجرأة دعوى الظن والمناسبة التي لا تناسب كمال ~~الانقطاع ولا شبهه هي المصححة للعطف بخلاف التي معها الإيهام المنافي ~~للعطف، فيصح وجودها فيه، وإن قلت: لا مناسبة بين مسند <<أبغي>> و<<أراها>> ~~وكفى بذلك في نفي التوهم، قلت: كفى للمناسبة كونه متعلق الظن، وإن قلت ~~اختيار الفصل على العطف لو لم يكن في الفصل أيضا إيهام خلاف المقصود، وقد ~~احتمل هنا أن يكون <<أراها>> حالا من ضمير أبغي أو خبر ثان، لأن قلت: لا ~~يضر الاحتمال وإنما يضر الإيهام مع أن الأصل في الجملة الاستقلال، والخبر ~~والحال غير مستقلين، والأصل هو الفصل، فإذا منع المانع عن العارض الذي هو ~~العطف يختار الأصل بمرجح الأصالة، وإن لم يخل عن مانع كان مع العاطف، ولا ~~يصح جعل الفصل لرعاية وزن الشعر، لأن الوزن ليس في مرتبة الداعي المعنوي، ~~فمع وجوده لا يستند صنع البليغ إلى الأمراللفظي. PageV02P037 # وقال عصام الدين: من نكت الفصل رعاية الوزن، وأما شبه كمال الاتصال ولكون ~~الثانية جوابا لسؤال اقتضته الأولى لكونها مجملة في نفسها باعتبار الصحة ~~وعدمها، أو مجملة السبب أو غير ذلك مما يقتضي السؤال، فتنزل الأولى منزلة ~~السؤال لتضمنها له، فتفصل الثانية عنها كما يفصل الجواب عن السؤال لما ~~بينهما من شبه كمال الاتصال، ويحتمل أن يكون من هذا قوله أراها في الضلال ~~تهيم، كأنه قيل: كيف تراها ؟ في ظنها أنك تبغي بها بدلا فقال : أراها مخطئة ~~تتحير في أودية الضلال . # وإنما عطف في قوله تعالى { وما كان استغفار إبراهيم } (¬1) وهو كأنه جواب ~~سؤال تضمنه قوله تبارك وتعالى { ما كان للنبي والذين آمنوا } (¬2) أي: ولم ~~استغفر إبراهيم، لأنه ليس كلما صلح الكلام جوابا ms341 لسؤال فصل، بل إذا صلح ~~وقصد استشعار السؤال. أما إذا قصد الجمع بين ما يصلح جوابا وما تضمن سؤاله ~~قبله بطريق مجرد الإفادة فلا يفصل لذلك بل يوصل إن لم يوجد مانع، لأن ~~الأولى حينئذ ليست على طريق تضمن السؤال، والآية من ذلك فوصلنا، كذا ظهر لي الآن. PageV02P038 ومن أثبت(واو) ~~الاستئناف غير عاطفة أجاب بأن الآية من الفصل، فالفصل عنده يكون بلا (واو)، ~~وب(واو) الاستئناف، وكما أن الجملة الأولى في الأقسام الثلاثة من كمال ~~الاتصال مستتبعة للثانية، ولم توجد الثانية بدون الأولى، كذلك السؤال ~~الصريح مستتبع للجواب، والجواب لا يوجد بدون السؤال، فكذا صوره، والجواب ~~والسؤال والاستئناف من شبه كمال الاتصال. # ومن موجبات كمال الاتصال كون الجملتين سؤالا وجوابا، وذلك أن الجواب ~~ابتداء كلام غير مسبوق بما يعطف عليه، بل تقدمه كلام من متكلم آخر مثلا. ~~وقد علمت أن الفصل فيما كان جوابا لسؤال مقدر لما بين الجملتين من شبه كمال ~~الاتصال، وبعضهم يجعل منع العطف بين الجواب والسؤال لما بينهما من كمال ~~الانقطاع، إذ السؤال إنشاء والجواب إخبار. وقد علمت أيضا أن الجملة الأولى ~~منزلة منزلة السؤال والثانية جوابها، وقيل عن السكاكي يقدر السؤال كأنه ~~واقع والثانية جوابه. وتنزيل الكلام منزلة الجواب والسؤال إنما يكون لنكتة ~~مثل غناء السائل عن أن يسأل تعظيما له أو شفقة عليه، ومثل أن لا يسمع من ~~السامع شيء تحقيرا له وكراهة لكلامه، ومثل أن لا ينقطع كلامك بكلامه، ومثل ~~الاختصار بأن لا يوجد في المقام كلامك وكلام السائل جميعا إذ لو سكتت لسألك ~~فتجيبه ، ومثل القصد إلى تكثير المعنى بتقليل اللفظ إذ لولا ذلك لقلت له : ~~" إن قلت كيت وكيت قلت كيت وكيت " أو غير ذلك ، كالتنبيه على فطانة السامع ~~وأن المقدر عنده كالمذكور ويسمى الفصل ؛ أعني ترك العطف في كون الجملة ~~بمنزلة جواب سؤال استئنافا للازم باسم الملزوم، وكذا نفس الجملة تسمى ~~استئنافا ومستأنفة . PageV02P039 # وهذا النوع المسمى بالفصل أربعة أضرب، لأن السؤال الذي تضمنته الأولى؛ ~~إما عن سبب المحكوم به بأن جهله ms342 أصلا، وإما عن سبب خاص لهذا المحكوم به بأن ~~يخفى عنه شيء مما يتعلق بالجملة الأولى، فالمقام للتردد فيؤكد الجواب، وإما ~~عن غير السبب على الإطلاق فلا يقتضي تأكيدا، وإما عن غيره على خصوصية ~~فيقتضي التأكيد. فالأول كقوله: [ من الخفيف ] # قال لي:كيف أنت؟ قلت :عليل ... سهر دائم وحزن طويل (¬1) # ... ... فكيف سؤال عن حال المخاطب على الإطلاق ، فأجابه بقوله <<أنا ~~عليل>> بحذف <<أنا>> ولا شاهد في ذلك، وقوله <<عليل>> تضمن سؤالا عن سبب ~~مطلق؛ أي ما سبب علتك أو ما حالك عليلا، فأجابه بأنه <<سهر دائم وحزن ~~طويل>>، وهنا الشاهد فإنه جهل سبب العلة على الإطلاق، فإن العرف إذا قيل: " ~~فلان عليل " أن يقال: ما سبب علته؟ ولا يقال: هل سبب علته كذا، ولاسيما ~~السهر والحزن فإنهما أبعد أسباب حدوث المرض، فهما جديران بأن لا يسأل عن ~~تردد. أو إنما أتى بالجملة الاسمية في الجواب مع أنه جواب عن السبب المطلق ~~فلا يقتضي تأكيدا، لأن الجملة الاسمية لا تكفي تأكيد في مقام التردد. # ... ... والثاني: كقوله [ تعالى ] { وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة ~~بالسوء إلا ما رحم ربي } (¬2) PageV02P040 كأنه قيل: هل تفي تبرئة نفسك لأن النفس أمارة؟- ~~بالسؤال- فقال: <<إن النفس لأمارة بالسوء>> وتأكيد الجواب بأنه دليل على أن ~~السؤال في خاص متردد فيه، وذلك إنما نفي تبرئة نفسه فهم السامع أنه تنطبع ~~النفس على طلب مالا ينبغي، فسأل فأجيب بالتأكيد. والسؤال عن السبب المطلق ~~لا يؤكد جوابه في الأصل، ولو كان ربما يؤكد لمطلق الرغبة في تقرير الجواب ~~أو غير ذلك مما ليس مع شك ولا ردا لأنكار، وقد علمت أن التأكيد للمتردد ~~مستحسن لا واجب، وإنما أتى بتأكيدين (أن) و(اللام) لاستبعاد كون نفوس ~~الأنبياء أمارة بالسوء، والمستحسن في باب البلاغة بمنزلة الواجب. # ... ... والثالث كقوله [ تعالى ] { قالوا سلاما قال سلام } (¬1) ... كأنه ~~قيل:فماذا قال إبراهيم في جواب سلامهم، فقيل: <<قال سلام>> أي حياهم بتحية ~~أعظم من تحيتهم لكونها بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت، أي: عليكم سلام ~~أو سلام عليكم؛ ونصب سلاما لمحذوف أي سلمك ms343 الله سلاما أي تسليما. ويمكن ~~تقدير سلمنا عليك سلاما على الإنشاء كبعت أعني إحضار الدعاء بالسلامة، وقد ~~يقدر المنازع المستمر مثل: يسلمك الله، أو يسلم الله عليك، أو نسلم عليك ~~سلاما فيفيد الاستمرار التجددي، فيكون كالاسمية إلا أن الاسمية مع ذلك أدل ~~على الثبوت لأن استمرارها غير تجددي، وكقوله [ من الكامل ] # زعم العواذل أنني في غمرة ... صدقوا ولكن غمرتي لا تنجلي (¬2) PageV02P041 ... ... العواذل جمع عاذلة بمعنى جماعة عاذلة لا ~~جمع امرأة عاذلة، بدليل (الواو) في <<صدقوا>> فإنه للذكور أو لهم مع ~~الأناث، وإنما أجعله جمع عاذل لمذكر لأن فاعلا لمذكر عاقل صفة حقه أن لا ~~يجمع على فواعل إلا قليلا، ويضعف جعله جمع عاذلة لمذكر بتاء المبالغة لا من ~~إلحاقها فاعلا غير مقيس، فلا يحمل عليه البيت؛ وكأنه قيل: هل صدقوا ؟ فقال: ~~صدقوا. والغمرة الشدة والزعم هنا بمعنى الاعتقاد الحق لقوله صدقوا، كقول ~~أبي طالب: [ من الكامل ] # ودعوتني، وزعمت أنك ناصح ... فلقد صدقت، وكنت ثم أمينا (¬1) # ... لقوله <<فلقد صدقت>> إلا أن يقال أراد أولا إنك كذبت يا محمد حاشاه ~~- صلى الله عليه وسلم - وهو أصدق الخلق ثم بعد ذلك ظهر لي صدقك تحقيقا، ~~والله أعلم. # ... ... والزعم مطية الكذب، فيفهم أن ما زعمه العواذل يحتمل الكذب ~~والصدق، وإن قلت: إذا تصور من الكلام الأول الصدق فيما زعموا، وتردد هل وقع ~~ذلك الصدق؟ وكان المقام مقام التردد، والكلام يشتمل على خصوصية، لأن العلم ~~حاصل بواحد من الصدق والكذب، والسؤال عن تعيينه فلم يؤكد الجواب، مثل " ~~إنهم صدقوا" أو " لصادقون " قلت: أتى بالجواب ماضيا ليطابق السؤال، ~~والتأكيد مقدر أي: <<صدقوا والله >> أو<< صدقوا صدقوا>> . أو لما كان ~~الكلام في معنى طلب التصور، إذ حاصله أي واحد من الصدق والكذب وقع في ~~زعمهم، والتصور لا يطلب التأكيد، وقال عصام الدين: الأوجه أن المراد<< زعم ~~العواذل أنني في غمرة تنكشف>> فالزعم في معناه المشهور، ولما كان زعمهم ~~مركبا سأل: هل صدقوا ؟ فأجاب بأنهم صدقوا في قولهم إنه في غمرة أي شدة، ~~وكذبوا في دعواهم الانجلاء إذ ms344 غمرته لا تزول كما تزول سائر الغمرات، والله أعلم. PageV02P042 والفصل المسمى بالاستئناف منه ما ~~يأتي بإعادة اسم ذكر في الكلام المتضمن للسؤال، نحو قولك: " أحسنت إلى زيد ~~زيد حقيق بالإحسان " ( بضم التاء أو فتحها أو كسرها )، ومنه ما يأتي بصفة ~~ما ذكر في الكلام المتضمن للسؤال نحو " أحسنت إلى زيد صديقي القديم أهل ~~للإحسان " ( بضم التاء ) ونحو " أحسنت إلى زيد صديقك القديم أهل الإحسان " ~~( بفتح التاء والكاف أو كسرهما) والصديق في ذلك كله هو<< زيد >>، وكأنه ~~قيل: لماذا وقع الإحسان إلى زيد، وهذا سؤال عن السبب المطلق، فناسب أن لا ~~يؤكد في الجواب، وكأنه قيل: هل هو حقيق بالإحسان؟وهو سؤال عن سبب خاص فناسب ~~ذكر ما يغني عن التأكيد في الجواب، وهو موجب الاستحقاق وهو الصداقة ~~القديمة، وهذا القسم الذي هو ذكر الصفة أبلغ من القسم الأول لاشتماله على ~~بيان السبب الموجب للحكم، كالصداقة القديمة في المثال من حيث أن تعليق ~~الحكم بالمشتق يؤذن بالعلية، وقد يقال في الأول أيضا بيان السبب وهو كونه ~~حقيقيا بالإحسان، كما يدل عليه كونه جوابا عن السؤال المقدر عن السبب، نعم ~~في الثاني زيادة بيان سبب السبب فهو أبلغ من هذه الجهة، وإن قلت السؤال : ~~إن كان عن السبب في هذه الأمثلة المذكورة في القسمين فالجواب مشتمل على ~~بيان السبب بني على اسم أو صفة، فكيف يخص البيان بما بني على الصفة؟ وإن لم ~~يكن السؤال عن السبب فلا وجه لاشتمال الجواب على بيان السبب سواء ذكر الاسم ~~أو الصفة، كما لم يشتمل عليه قوله تعالى { قال سلام } وقول الشاعر <<صدقوا ~~>> قلت: الأول بين سبب الحكم، والثاني بين سبب سبب الحكم - كما مر آنفا- ~~والحكم في ذلك أعني به المحكوم به، وأيضا فرق بين بيان سبب الحكم الذي في ~~الجواب وبيان سبب الحكم المتضمن للسؤال، فإن قولنا: " زيد حقيق بالإحسان " ~~بيان لسبب الإحسان إلى زيد مع أنه لا يشتمل على سبب استحقاقه للإحسان، ~~والله أعلم. PageV02P043 # وقد يحذف صدر ما هو جواب لسؤال مقدار أو عجزه، ms345 فمثال حذف العجز " نعم ~~الرجل زيد " على أن المخصوص مبتدأ محذوف الخبر أي زيد هو، ومثال حذف الصدر ~~قوله تعالى { يسبح له فيها بالغدو والآصال * رجال.. } (¬1) في قراءة بناء ~~<< يسبح >> للمفعول، ف (له) نائب الفاعل متعلق به، وفيها فضلة متعلق به ~~أيضا، وكذا << بالغدو >> وذلك أولى من العكس، لأن نائب الفاعل أحق بالتقديم ~~ولأن إسناد التسبيح على ذلك الوجه أولى من إسناده إلى فيها؛ إذ التسبيح لله ~~لا بد وليس لا بد من إيقاعه في المساجد، و( رجال ) فاعل لمحذوف، كأنه قيل: ~~من يسبح له بكسر (الباء)، فقال: يسبح له رجال، وإنما يدل عليه يسبح المذكور ~~في الآية لا الذي في السؤال، لأن الذي في الآية هو الدال على المقدر في ~~السؤال ولا شعور للذي في السؤال إلا بالذي في الآية، ومنه " نعم الرجل ~~زيدان " جعلنا المخصوص خبر المحذوف، وقد يحذف الجواب كله مع قيام شيء مقامه ~~فيكون الفصل تقديرا، كقول الحماسي (¬2) يهجو بني أسد في انتسابهم لقريش ~~وزعمهم أنهم إخوتهم ونظائرهم: [ من الوافر ] # زعمتم أن إخوتكم قريش ... لهم إلف وليس لكم إلاف PageV02P044 # أولئك أومنوا جوعا وخوفا ... وقد جاعت بنو أسد وخافوا (¬1) # ... كأنه قيل أصدقنا أم كذبنا لأن الزعم يحتمل الصدق، فأجاب بقوله: ~~<<كذبتم>> فحذفه وأقام علته مقامه وهي قوله: <<لهم إلف>> أي كذبتم لأن ~~<<لهم إلفا >> وليس لكم إلاف، و<<إلف>> بكسر (الهمزة) وإسكان( اللام) مصدر ~~<<إلف الشيء>> بكسر (اللام( وبفتحها، وإلاف بكسر <<الهمزة >>بلا ياء بعدها ~~مصدر إلف ب<<همزة>> أصلية و<<ألف>> بعدها زائدة، وفتح <<اللام>> بوزن قاتل ~~بفتح التاء ومعناها مؤالفة كقتال مقاتلة بمعنى واحد، وأما إيلاف بكسر ~~(الهمزة) بعدها ياء فمصدر آلف بهمزة زائدة وإلف بدل همزة أصلية وفتح اللام ~~بوزن افعل، والبيت [ الأول ] إشارة إلى { لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء ~~والصيف } والبيت بعده { إلى أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف } ، وليس كما قال ~~عصام الدين أراد نفي مطلق الألفة عن بني أسد لا إلفا لرحلتين فقط . وقد ~~يحذف الجواب بلا قيام شيء مقامه نحو قوله تعالى { فنعم ms346 الماهدون } (¬2) أي ~~نحن هم أو هم نحن، والله أعلم. # باب الوصل PageV02P045 ... ... وهو عطف بعض الجمل على بعض فدخلت الجملتان ~~فصاعدا لأنه قد تتناسب جملتان بجملة قبلها أو بجملتين، بأن يناسب مثلا ~~مجموع الأخريين مجموع الأوليين، ونظيره في المفردات قوله تعالى { هو الأول ~~والآخر والظاهر والباطن } (¬1) فمجموع الظاهر والباطن يناسب مجموع الأول ~~والآخر في كل منهما عطف تضاد وتناسب المجموعات باعتبار أجزائهما، بل قال [ ~~السبكي ] في عروس الأفراح (¬2) : إن الفصل والوصل يكونان في المفردات كما ~~يكونان في الجمل أيضا، وذكر فيهن ما ذكر في الجمل من أقسام الفصل والوصل، ~~وقدمت الفصل لأنه عدمي إذ فيه عدم العطف، والعطف شيء يحدث بعد عدمها وليكون ~~الختم بالوصل الذي هو أولى من الفصل، وبدأ غيري كالقزويني (¬3) بالوصل في ~~تعريفه وبالفصل في الترجمة، فتوافقا في ذكر الفصل أولا بالترجمة،ثم رأيت ~~والحمد لله علل بما عللت به؛ إذ قال: إنه بدأ يذكر الفصل لأن الأصل والوصل ~~مار عارض حاصل بزيادة حرف، وقال: إنه بدأ بتعريف الوصل؛ لأن الوصل ملكة ~~والفصل عدمها، والإعدام تعرف بعد معرفة ملكاتها ويعني بالملكة الوجود، ~~وفسرت الملكة بأنها ما يقوم بالشيء مما شأنه قيامه به باعتبار الجنس كالبصر ~~للحيوان، أو باعتبار الشخص ولا شك أن الجملتين شأنهما الوصل جنسا، وقد لا ~~يكون شأنهما الوصل شخصا بأن كان بينهما كمال الانقطاع فتفصل، كقوله تعالى { ~~إنا معكم } (¬4) PageV02P046 ~~وإنما قلت الجمل ليشمل الجملة المستقلة وغير المستقلة، كالجملة التي هي شرط ~~أو جواب أو صلة صفة، ولو قلت: الكلام لم يشمل غير المستقلة لأنه مختص ~~بالمستقلة وهي المقصودة بالذات لا لغيرها، ف(إن الشرطية) وما بعدها قصدت ~~لغيرها ، ولو قلت: عطف بعض الكلام على بعض لتوهم دخول عطف بعض الجملة على ~~بعضها الآخر، وقيل: كل يسمى كلاما ولو لم تكن الجملة التي لا تستقل غير ~~مفيدة، وإذا أتت جملة بعد أخرى وكان للأولى محل من الإعراب رفع أو جر أو ~~نصب أو جزم ، وقصد التشريك عطفت عليها كما تعطف المفردات المشتركات في ~~الحكم " كجاء زيد وعمرو " و" ms347 زيد وعمرو قائمان " وقد لا يعطف في المفردات ، ~~نحو " زيد قائم فرح " و" زيد فقيه شاعر " و" جاء زيد الفقيه الشاعر " ونحو ~~ذلك من الأخبار والصفات المتعددة ، ويجوز العطف فنقول : وفرح وشاعر والشاعر ~~في الأمثلة . # والأصل في الصفة عدم العطف كقوله تعالى { الملك القدوس السلام المؤمن ~~المهيمن العزيز الجبار المتكبر } (¬1) PageV02P047 وعند إيهام ~~التضاد يكون العطف أولى كقوله تعالى { هو الأول والآخر والظاهر والباطن } ~~(¬1) ليفهم الجمع وينفى التضاد، وشرط كون الوصل مقبولا في باب البلاغة ~~فيكون بين الجملتين وصف خاص يجمعهما أو يقرب إحداهما من الأخرى، ولا يكفي ~~مطلق ما يجتمعان فيه لأن كل شيئين لا بد أن يجتمعا في شيء حتى الضب واللبون ~~فيجتمعان في الحيوانية وعدم الطائرية، ولا يكفي قبول عطفهما حتى يراعى ما ~~هو الأخص كالضدية. # ... ... ومثال الوصل للوصف الخاص الجامع بينهما " زيد يعطي ويمنع " فإن ~~العطاء والمنع متقابلان و" زيد يكتب ويشعر " شهر عند الأوائل أن يكون الذي ~~يكتب أن لا يعتاد أن يكون شاعرا، والذي يكون شاعرا أن لا يكون كاتبا، ~~فبينهما تقابل، وذلك شرط. والقبول في المفرد أيضا، لا تقول: " جاء زيد ~~والحمار" عند البلاغة إلا لنكتة؛ مثل أن يكونا مخوفا عليهما أو على أحدهما ~~فيكون ذلك بمنزلة قولك: " لم تصبهما آفة " ولا تقول: " جاء زيد وعمرو " في ~~البلاغة إلا لمناسبة كصداقة وعداوة، وذلك الاشتراط في الواو وما استعمل في ~~معناها مجازا من مطلق الجمع وحده، وأما غيرها من حروف العطف فلكل منها معنى ~~آخر قيل: يكتفي به عن الوصف الخاص بعد التشريك؛ كترتيب (الفاء) و(ثم) وغاية ~~(حتى) على القول بأنها يجوز أن تعطف الجملة إلا (أو) و(أم)، وأما (لا) ~~و(لكن) و(بل) فلا جمع معها، وعندي لا يكفي في ذلك القبول معنى ذلك الحرف، ~~بل لابد من وصف خاص فلو قلت: " قام زيد ثم قعد حمار " لم يكن بليغا، إلا ~~بالفاء (¬2) ، فالسببية فيها كافية، نحو " قام زيد فهرب حمار" أو" فقعد ~~حمار " ولكونه لابد من الوصف الخاص الجامع. عيب على أبي تمام قوله: [ من ~~البسيط ms348 ] PageV02P048 لا والذي هو عالم أن النوى ... ~~صبر وأن أبا الحسين كريم (¬1) # ... ... فإنه لا مناسبة بين كرم أبي الحسين ومرارة النوى أي البعد، ولا ~~يحتمل أن المراد: البعد عن أبي الحسين فتحصل المناسبة، لأنا نقول: الكلام ~~السابق يدل على أن المراد البعد عن حبيبته ، فإن قبل : هذا البيت # زعمت هواك عفا الغداة كما عفا ... عنها طلال باللوى ورسوم (¬2) # ... ... ولفظ <<لا>> نفي لما ادعته حبيبته من اندراس هواه كما ذكره في ~~هذا البيت بالزعم، ويحتمل أن تكون زائدة لتأكيد جواب القسم في البيت بعد ~~وصله لا والذي هو عالم البيت، وهو قوله # ما زلت عن سنن الوداد ولا غدت ... نفسي على إلف سواك تحوم (¬3) # ... ... بكسر (الكاف)، وقد يقال: لما كان يقال: لما كان الكرم الموصوف به ~~أبو الحسين حلوا يدفع بسبب ألم احتياج السائل ومرارة النوى يحصل دفعها به ، ~~كان هناك مناسبة التضاد والوصف الخاص الجامع مع الألم ، لكن هذا ضعيف لبعد ~~هذه المناسبة ، وإنما يقبل المناسبة التي لا تكلف فيها، وقال عصام الدين: ~~الوصف الخاص الجامع مع كمال المبالغة في التعظيم بحيث أنه لا يعلم إلا الله ~~كنه مرارة النوى وكرم أبي الحسين ، وقيل: الوصف الخاص الجامع أن في خيال ~~أبي تمام هذين الأمرين ، وزعم تعدى في البيت إلى المفعولين بدون أن ، وهو ~~قليل كقوله [ مجزوء البسيط ] # زعمتني شيخا ولست شي ... خا والغداة غداة الهجر PageV02P049 ... ... وإن لم يكن للأولى ~~محل من الإعراب وقصد ربطها بها على معنى عاطف غير الواو، وذلك المعنى هو ~~الرابط الجامع بينهما كان معه جامع آخر، أو لم يكن، أو قصد ربطها بها على ~~معنى الواو بجامع غير معناه وصلت الثانية بالعطف، نحو " دخل زيد فخرج عمرو ~~بربط " السببية والتعقيب أو " ثم خرج عمرو " بربط الترتيب والتراخي، أو " ~~وخرج عمرو خوفا منه " بربط التعليل وإذا كان للأولى محل من الإعراب فالوصل ~~ب(الواو) كغيرها أظهر لأن الاشتراك في حكم العامل جامع وهذا في غير ما وجد ~~فيه موجب الفصل، وليس كون الأولى لها محل من الإعراب يكفي جامعا ms349 في غير ~~(الواو) ولا في (الواو)، بل علمت أن معاني غير (الواو) تكفي جامعا نعم ~~الوصل مع وجود المحل لأظهر منه مع عدمه، وإذا لم يكن أو كان للأول محل ولم ~~يكن لها حكم زائد على مفهومها أو كان وقصد إعطاءه الثانية ولم يكن بينهما ~~كمال انقطاع بلا إيهام ولا كمال اتصال ولا شبه أحدهما فالوصل أيضا. PageV02P050 # مثال الوصل لدفع إيهام المراد عند كمال الانقطاع أن يقال لك:" ادخل للأكل ~~" فتقول: " لا وأيدك الله “ أو " لا ورحمك الله " أو" لا وبارك الله فيك " ~~بالعطف، إذ لا نفي لمحذوف دل عليهما قبل أي لا ادخل وما بعد (الواو) دعاء ~~بالخير، فلو أسقط العاطف توهم أن <<لا >>حرف دعاء لجواز دخولها على الماضي ~~ولو لم تتكرر مع ماض آخر، ولا يتوهم أنها نافية لأنها لا تدخل على ماض بدون ~~التكرر فتوهم الدعاء بشر، ولذلك كان العطف مع كمال الانقطاع، إذ <<لا>> حرف ~~النفي وما قدر إخبار وما بعد (الواو) إنشاء، وقيل (الواو) زائدة لدفع ~~الإيهام لا عاطفة، كما قيل بزيادتها مع عدم الإيهام في قولك: " ربنا ولك ~~الحمد " وذلك مذهب ابن مالك والكوفيين، وإنما يكون الإيهام إن لم يوقف على ~~(لا) ثم يستأنف بما بعدها، وأما إن وقف عليها واستؤنف بما بعدها فلا إيهام، ~~ولكن هذا فيما يلفظ لفظا، وأما إن كتب فلا بد من (الواو) إذ لا يدري في ~~الكتابة هل وقف على ولو علم بالنقط مثلا بعد (لا) لم يطرد عند كل كاتب، فقد ~~يسقط العلامة كاتب آخر مع أن ذلك ليس خط المصحف ويحتفظ عليه جدا، وقال في ~~عروس الأفراح:الإيهام كما يدفع الفصل بين الجملتين اللتين بينهما كمال ~~الانقطاع يدفعه بين اللتين بينهما كمال الاتصال، وكذا غيره من الأقسام ~~فليعتبرها لناظر، والإيهام مشروط بأن لا يعارضه إيهام آخر. # والوصل للتوسط بين كمال الاتصال وكمال الانفصال لدفع التوهم، إنما هو إذا ~~اتفقت الجملتان خبرا لفظا ومعنى أو أنشأ لفا ومعنى فذلك قسمان، أو اتفقتا ~~خبرا معنى ولفظهما إنشاء ، أولفظ الأولى ms350 خبر ولفظ الثانية إنشاء، أو ~~بالعكس، أو اتفقتا إنشاء معنى ولفظهما خبر، أو لفظ الأولى خبر ولفظ الثانية ~~إنشاء أو بالعكس؛ فذلك ثمانية أقسام مع تحقق جامع بين الجملتين، إذ لو لم ~~يكن كان بينهما كمال الانقطاع. PageV02P051 # مثال المتفقين إخبارا في اللفظ والمعنى قوله تعالى { إن الأبرار لفي نعيم ~~} (¬1) واتفقتا اسمية والجامع التضاد في الطرفين، وقوله تعالى { يخادعون ~~الله وهو خادعهم } (¬2) ، وتخالفتا اسمية وفعلية، و<<يخادعون>> خبر إن ~~والمناسبة أن المسندين من المخادعة وكل من المسند إليهما مخادع ومخادع ~~ولهما محل. ومثال الاتفاق إنشاء في اللفظ والمعنى قوله تعالى { وكلوا ~~واشربوا ولا تسرفوا } (¬3) ثلاث جمل فعليات إنشائيات والجامع اتحاد المسند ~~إليه مع ما بين الأكل والشرب والإسراف من المناسبة. # ومثال اتفاقهما في الإنشاء معنى مع اختلافهما لفظا بأن كان لفظ الأولى ~~إخبارا والثانية إنشاء قوله تعالى { وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون ~~إلا الله وبالوالدين إحسانا } إلى { وقولوا للناس حسنا } (¬4) PageV02P052 فلا تعبدون إخبار لفظا إنشاء معنى، وأحسنوا ~~بصيغة الأمر النائب عنه إحسانا إنشاء أيضا لكن لفظا ومعنى، ويجوز أن يقدذ ~~(وتحسنون بالوالدين إحسانا ) فيكون معناهما معا إنشاء ولفظهما معا إخبارا ، ~~وتعطف <<قولوا>> على <<لا تعبدون>> فتتفقان في الإنشاء معنى وتختلفان لفظا ~~؛ فلفظ <<تعبدون>> إخبار ولفظ <<قولوا>> إنشاء ، كمعناه <<قولوا>> على ~~<<أحسنوا>> فتتفقان لفظا ومعنى في إنشاء أو تقدر <<تحسنون>> إخبار ، ولفظ ~~<<قولوا>> إنشاء والجامع اتحاد المسند إليه في الثلاثة وهو <<الواو>> لبني ~~إسرائيل واتحاد المسندات فيهن في كونهن مأمورا لهن مأخوذ الميثاق عليهن، ~~وإنما صح عطف <<قولوا>> على <<لا تعبدون>> أو <<على تحسنون>> أو <<أحسنوا ~~>> لاختلافهم في العاطف الذي لا يفيد الترتيب إذا تكرر العطف ، فقيل العطف ~~على المعطوف عليه الأول ، وقيل كل على ما يليه، وإنما المفيد له فكل معه ~~على ما يليه. وقال في عروس الأفراح: اتفقوا أن<<قولوا >> معطوف على <<لا ~~تعبدون إلا الله >> لا على << وبالوالدين إحسانا >>على ما هو الظاهر؛ لأن ~~الأصل في الطلب أن يكون بصيغته الصريحة لا يقال وبقرينة و<<قولوا>> لأنا ~~نقول تعارضها قرينة ms351 <<لا تعبدون>>. # ومثال اتفاق الجملتين في الإنشاء معنى " قم " كون الأولى إنشائية لفظا ~~كالمعنى، والثانية خبرية لفظا " أقم الليل وتصوم النهار" برفع تصوم أي وصم ~~النهار، ولا ينصب على المعية في جواب الأمر لأنه أمر في المعنى. # ومثالهما مع كونهما خبرتين معنى والأولى إنشائية لفظا دون الثانية قوله ~~تعالى { ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ~~ودرسوا ما فيه } (¬1) PageV02P053 فدرسوا معطوف على (ألم يؤخذ ) وهو خبر لفظا ومعنى ~~(وألم يؤخذ ) إنشاء لفظا خبر معنى؛ لأن الاستفهام فيه للأنكار فينقلب النفي ~~ب<<لم>> إثباتا، أي: أخذ ودرسوا والجامع بين المسندين اتحادهما، إذ معنى ~~أخذ ميثاق الكتاب إعلامهم بما فيه مع التزامهم إياه، وذلك مرجع الدرس أو ~~التلازم بين الأخذ والدرس كتلازم المتضايفين، وأما اتحاد المسند إليهما ~~فظاهر، فإن الميثاق مأخوذ ومتحصل من الدارسين. وقوله تعالى { ألم نشرح لك ~~صدرك * ووضعنا عنك وزرك } (¬1) . # ومثالهما مع كونهما إنشائيتين لفظا وخبريتين معنى " ألم آمرك بالتقوى ~~وألم آمرك بترك الظلم " . # ومثالهما مع كونهما خبريتين معنى ولفظا، والأولى خبرية لفظا فقط " أمرتك ~~بالتقوى" و"ألم آمرك بترك الظلم " ويدل لذلك في أمثلة الاستفهام عطف ~~<<وضعنا>>- كما مر قبل هذا- وقد يقال: إن الاستفهام في ذلك إنشاء لفظا ~~ومعنى ولو لم يكن حقيقيا، وإن وضعنا مثلا مردود إلى الإنشاء المذكور قبله ~~للعطف عليه أي ووضعنا، والله أعلم. # ومن محسنات الوصل بعد وجود الجامع كونهما معا اسميتين أو فعليتين، فعلهما ~~معا ماض أو مضارع هو فيهما معا للحال أو للاستقبال. والاتفاق في التقييد أو ~~الإطلاق، والاتفاق في طلق التقييد بأن يكون فيهما (إن) الشرطية أو (إذ ~~)الشرطية وشرطها، أو يكون جملة أو مفردا، وكون الثانية شرطية إن كانت ~~الأولى شرطية، وقيل بمنع تعاطف الفعلية والاسمية وهو ضعيف، وقيل بالجواز مع ~~(الواو) فقط، والله أعلم. # وذلك المحسن من المحسنات بالحسن الذاتي الداخل في البلاغة، ومن المجوزات ~~التي لابد للبليغ منها، ويتبين لك إمكان التناسب وعدمه بأن تعلم أن النسبة ~~بين المسندين ثلاثة أوجه: # - أحدها أن يكون المقصود تجديدها ms352 عن الخصوصية. # - ثانيها أن يكون المقصود خصوص الدوام والثبوت أو خصوص التجدد. # - ثالثها أن يكون المقصود نفس النسبة في ضمن أي خصوصية. PageV02P054 ... ... تعين الاسمية في الأول " كزيد ~~قائم وصديقه جالس " لأن الاسمية لا تدل إلا على مطلق الحصول بناء على أنها ~~لا تفيد الدوام إلا بالقرائن، أو تتعين الفعلين بناء على أن الفعلية لا تدل ~~على أكثر من مطلق الثبوت، فقال " قام زيد وقصد صديقه " فهذا الوجه لا محل ~~للاستحسان فيه. # ... ... وفي الثاني: إن قصد التجدد فيهما مما تعينت الفعلية فيهما أو ~~الدوام فيهما تعينت الاسمية، أو التجدد في الأولى والدوام في الثانية تعينت ~~الفعلية في الأولى والاسمية في الثانية، أو العكس تعين العكس، وهذا أيضا لا ~~محل للاستحسان فيه؛ فهذان القسمان فيهما مانع من مراعاة التناسب المستحسن، ~~لأنه تارة يجب التوافق وتارة يجب التخالف فلا استحسان. PageV02P055 # ... يتصور الاستحسان في الثالث.وإذا أردت مجرد الإخبار من غير تعرض ~~للتجدد مثلا في إحداهما والثبوت في الأخرى، ومن غير تعرض للتجدد فيهما ~~وإثبات فيهما، قلت: " قام زيد وقعد عمرو " و" زيد قائم وعمرو قاعد " فلا ~~تعرض في ذلك لخصوص كل ولو قصد أحدهما لا بعينه، أما إن قصد التجرد عن كل ~~منهما فالتناسب واجب، والمراد التعرض في القصد لا مجرد دلالة اللفظ وإلا ~~ففي" قام زيد وقعد عمرو " تعرض للتجدد و" في زيد قائم وعمرو قاعد " تعرض ~~للثبوت، بل قال ابن الحاجب: اسم الفاعل موضع للحدوث، وإذا قصد في إحداهما ~~التجدد وفي الأخرى الثبوت، أو في إحداهما المضي وفي الأخرى المضارعة، أو في ~~إحداهما الإطلاق وفي الأخرى التقييد ، أو نحو ذلك ، جيء بالكلام على طبق ~~القصد؛ فيقال : " قام زيد وعمرو قاعد " و" زيد قام وعمرو يقعد" قال الله ~~تعالى { لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر } (¬1) الأولى في ~~الآية غير شرطية والمراد بالذات الجواب، وأما الشرط والأداة فقيد له ~~والجامع ذكر مطلق ما يكون نزول الملك سببا له وهو إيمانهم في زعمهم وقضاء ~~الأمر في التحقيق، وقال الله تعالى { فإذا جاء ms353 أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون } (¬2) PageV02P056 فالأولى شرطية، والثانية غير مقيدة بالشرط؛ فهي ~~معطوفة على مجموع الأولى على جوابها فقط، فضلا من أن يكون الشرط قيدا فيها، ~~إذ لا معنى لقولك ( إذا جاء أجلهم لا ستقدمون ) لاستحالة أن يتقدم الأجل ~~بعد حضوره، وإنما يتوهم تقدمه قبل حضوره، فلذلك ترى الوقف على (لا يستأخرون ~~) ، وقيل : الثانية مستأنفة ، وقيل : معطوفة على الجواب مقيدة بالشرط على ~~أن المراد عدم الاستخارة عند الأجل حتى سوى بينه وبين المعلوم وهو عدم ~~التقدم، أي :يستحيل التأخر بعد المجيء كما يستحيل التقدم بعد المجيء ، ~~والله أعلم . # باب بيان الجامع بين الجملتين PageV02P057 يجب وجود الجامع بين مسند ~~الأولى ومسند الثانية، ووجوده بين المسند إليه في الأولى وبين المسند إليه ~~في الثانية، وبين فضلات الأولى وفضلات الثانية إن قصد التقييد بهن بالذات؛ ~~لأن الكلام يمدح بهن أيضا ويذم، وكثيرا ما يفسد بفضلة لم تذكر أو ذكرت أو ~~قدمت أو أخرت أو نحو ذلك، وكان الأولى خلاف ما فعل بها، وكذا لا بد من ~~الجامع بين المفرد والجملة، فلا يسمحون بقولك: " زيد كاتب أبوه والشاعر ~~عمرو في داره " إذا لم يكن بين الأب وعمرو مناسبة و" زيد شاعر أخوه وعمرو ~~جالس في داره كذلك " وإن وجد الجامع بين مسند إحدى الجملتين والمسند إليه ~~في الأخرى كفى ، نحو " الإيمان حسن والقبيح الكفر " تقول : " يشعر زيد ~~ويكتب " فالمسند إليه فيهما متحد، والشعر والكتابة متضادان لأن الكتابة ~~بمعنى النثر، ويعطي ويمنع لاتحاد المسند إليه، وتضاد المسندين إذا قلنا : ~~المنع كف النفس عن الإعطاء، فالمنع أمر ثبوتي ، فظهر التضاد، وإلا فإن ~~فسرنا المنع بعدم الإعطاء فهو عدمي لا يضاد الإعطاء ، فيكون بينهما تقابل ~~العدم والملكة ، ويكفي ذلك مناسبة جامعة ، وتقول : " زيد شاعر وعمرو كاتب " ~~و" زيد طويل وعمرو قصير " فالتضاد في ذلك جامع بين المسندين وبين عمرو وزيد ~~مناسبة بالصداقة أو العداوة أو الإمارة أو التجارة أو غير ذلك من المناسبات ~~المعتبرة في التكلم، ولا يكفي وجودها بلا قصد بل لا بد من القصد، ms354 وكون ~~المناسبة نوع اختصاص، فلا يكفي الاشتراك في النوعية الإنسانية مثلا ، فإن ~~لم تكن مناسبة بين <<زيد >> و<<عمرو >> في المثالين أو لم تقصد لم يجز ~~الوصل في المثالين . PageV02P058 # ولا يجوز " خاتمي ضيق وخفي ضيق " ولو اتحد المسند لاختلاف المسند إليه ~~فيهما وعدم مناسبة بين المسند إليهما فيهما، بل يجب الفصل إذ لا مناسبة بين ~~خاصة بين الخف والخاتم ولا عبرة بمناسبة كونهما معا ملبوسين لبعدها ما لم ~~يوجد بينهما تقارن في الخيال لذلك أو غيره، أو يقصد ذكر الأشياء المتفقة في ~~الضيق من حيث هي أشياء ضيقة، فيجوز العطف لأن المعنى حينئذ هذا ضيق وذلك ~~ضيق، فعاد الأمر إلى الاتحاد في الركنين. وبهذا الاعتبار صح الجمع بالاتحاد ~~في المسند وذلك المتعلق لعوده لما ذكر، كقولك:" ضرب زيد عمرا " أو " كلم ~~خالد وقعد معه بكر " لأن المعنى: هولاء الأشخاص استووا في تعلق فعلهم ~~بعمرو، فعاد ذلك إلى الاتحاد في الأركان، وبهذا يفهم قول من قال: يكفي ~~الجامع الذي هو المسند أو المتعلق وبقيد، نحو قولك: " الشجر طويل والنملة ~~قصيرة والسماء متعالية وماء البحر راكد" مما قصد فيه ذكر الأشياء ~~المتفاوتة، فمجرد التشبه يكفي جامعا للمسندين، ولا يجوز " زيد شاعر وعمرو ~~طويل " ولو كانت مناسبة بين زيد وعمرو لعدم تناسب الشعر وطول القامة، وذكر ~~السكاكي (¬1) : أنه يجب أن يكون بين الجملتين ما يجمعهما عند القوة ~~المفكرة؛ أي الآخذة من غيرها ما تتصرف فيه بالحل والتركيب إما جمعا بواسطة ~~حكم الفعل ؛ بأن يقتضي بسببه جمعهما في المفكرة ؛ وذلك هو الجامع العقلي. ~~وإما جمعا بواسطة الوهم؛ بأن يقتضي الوهم بسببه اجتماعهما في المفكرة؛ وهو ~~الجامع الوهمي. وإما جمعا بواسطة الخيال بأن يقتضي بسببه اجتماعهما في ~~المفكرة؛ وهو الجامع الخيالي. PageV02P059 قال عصام الدين: الجامع ~~العقلي: ما هو سبب لاقتضاء العقل اجتماع الجملتين عند المفكرة، والجامع ~~الوهمي: ما لا يكون سببا إلا باحتيال الوهم وإبرازه في نظر العقل في صورة ~~ما هو سبب لاقتضاء العقل، والجامع الخيالي: ما يكون سببا بسبب تقارن أمور ~~في الخيال حتى ms355 خلي العقل ونفسه غافلا عن هذا التقارن لم يستحسن جمع ~~الجملتين. # قيل: وإما جمعا بسبب التقارن في الحافظة التي هي خزانة الوهم والتقارن في ~~خزانة العقل، وهي في المبدأ الفياض على ما زعموه لإلف وعادة؛ فإن الإلف ~~والعادة كما يكون سببا للجمع في الخياليات يكون سببا للجمع بين الصورة ~~العقلية والوهمية. ... والمفهوم إما كلي وإما جزئي، والجزئي إما صور وهي ~~المحسوسة بإحدى الحواس الخمس الظاهرة - ( وليس عندنا معشر الإباضية الوهبية ~~وسائر أهل القبلة) إلا هذه الخمس - وأما الخمس الباطنة المدعاة إن ثبتت فقد ~~دخلت في الخمس الظاهرة أو إدراكها بأمر الله، وإما معان وهي الأمور الجزئية ~~المنتزعة من الصور المحسوسة ومدرك الكلي وما في حكمه من الجزئيات المجردة ~~عن العوارض المادية هو العقل وحافظه على ما زعموا هو المبدأ الفياض.ومدرك ~~الصور هو الحس المشترك وحافظها الخيال.ومدرك المعاني هو الوهم وحافظها ~~الذاكرة، ولا بد من قوة أخرى متصرفة وتسمى متفكرة ومتخيلة. # والعقل عند هؤلاء المثبتين لذلك ومع الحكماء القوة العاقلة المدركة ~~بالذات للكليات. والوهم القوة المدركة بالذات للمعاني الجزئية الموجودة في ~~المحسوسات بإحدى الحواس الخمس الظاهرة من غير أن تصل إليها من طرق الحواس ~~الظاهرة، مثال هذه المعاني الجزئية المذكورة إدراك الشاة معنى في الذئب. PageV02P060 # والخيال وليس مدركا بل للحس المشترك وهو أعني الخيال القوة التي تجتمع ~~فيها صور المحسوسات وتبقي فيها بعد غيبتها عن الحس المشترك المدرك لها، وهو ~~القوة التي تصل إليها صور المحسوسات من طرق الحواس الظاهرة. والمفكرة القوة ~~التي من شأنها التفكيك والتركيب بين الصورة المأخوذة عن الحس المشترك بعضها ~~مع بعض، والمعاني المدركة بالوهم بعضها مع بعض والمعاني مع الصور؛ والفك ~~كحكمها بأن عمرا منقسم قسمين أو بلا رأس، والتركيب كحكمها بأن زيدا برأسين ~~أو أن رأس الفيل بلا عنق، وذلك تمثيل للفك والتركيب في الصور. ومثال الصور ~~مع المعاني أن تتصور أن لزيد علما في التركيب وأن عمرا بلا علم في الفك. ~~ومثال المعاني مع المعاني أن تتصور أن للعلم قوى في التركيب وأن لا ms356 علم له ~~في الفك. # والخيال كحوض يصب فيه من أنابيب خمسة هو الحواس الظاهرة، والصور ما يمكن ~~إدراكه بإحدى الحواس الظاهرة، والمعاني ما لا يمكن، قيل: فيدخل في المعاني ~~الكليات المدركة بالعقل، وفيه أن المعاني المدركة بالوهم لا تكون إلا جزئية. # زعم الحكماء أن القوى الباطنة المدركة أربعة: القوة العاقلة زعموا أنها ~~قائمة بالنفس أو القلب، تدرك الكليات والجزئيات المجردة عن عوارض المادة ~~المعروضة للصور والأبعاد؛ كالطول والعرض والعمق لأنها مجردة لا يقوم بها ~~إلا المجرد، وزعموا أن لها خزانة هي العقل الفياض. والوهمية وتقدم تعريفها، ~~ومثلوا لها بإدراك الصداقة والعداوة، وإدراك الشاة معنى هو الإيذاء في ~~الذئب مثلا، ولهذا يقال: إن للبهائم وهما تدرك به، كما أن لها حسا، وتحكم ~~بتلك القوة بأحكام قد تكذب. # والوهمية قائمة بأول التجويف الآخر من الدماغ، وذلك أن للدماغ تجاويف أي ~~بطونا واحدها في مقدم الدماغ وآخر في مؤخره وآخر في وسطه، فزعموا أن الوهم ~~قائم بأول التجويف الآخر وله خزانة تسمى الذاكرة، والحافظة قائمة بمؤخر ~~تجويف الوهم. PageV02P061 # وأما الحس المشترك وهو الذي تصل إليه الصور المحسوسة الجزئية من الحواس ~~الظاهرة، فهو قوة قائمة بآخر تجويفه. وأما المفكرة فهي قوة تتصور في الصور ~~الخيالية وفي المعاني الجزئية الوهمية، وهي دائما لا تسكن يقظة ولا مناما. ~~وإذا حكمت بين تلك الصور وتلك المعاني فإن كان حكمها بواسطة العقل كان ~~صوابا، أو الوهم أو الخيال كان غالبا كاذبا؛ كالحكم بأن رأس الحمار على جسد ~~الإنسان والعكس، وإنما تسمى مفكرة في الحقيقة إن تصرفت بواسطة العقل وحده ~~أو مع الوهم، وإن تصرفت بواسطة الوهم وحده، أو بالخيال وحده، أو بهما خصت ~~المتخيلة أو المتوهمة ولا خزانة لها، لكن خزائنها خزائن القوى الآخر. ففي ~~الباطن سبعة أمور: # (1/2 ) القوة العاقلة وخزانتها # (3/4 ) والوهمية وخزانتها # (5/6 ) والحس المشترك وخزانته # ( 7 ) والمفكرة # وذكر بعض أن النفس هي المدركة بواسطة هذه القوى، وأن نسبة الإدراك إليها ~~كنسبة القطع إلى السكين في يد صاحبها، وذلك كله عند الحكماء، ولا مانع من ms357 ~~ذلك التفصيل والتعدد على وجه العادة، والجعل من الله تعالى عند المسلمين ~~إلا العقل الفياض الذي جعلوه خزانة القوة العاقلة (¬1) ، لأنه عندهم عبارة ~~عن العقل العاشر المفيض على الكائنة ما تقبله، فهذا كفر، والعقل الفياض عند ~~هؤلاء الكفرة فلك القمر، والأفلاك عندهم حية مدركة لها عقول ونفوس. # ويجوز عند المسلمين أن يكون المدرك هي القوة الواحدة، وتسمى بهذه الأسماء ~~باعتبار تعلقها بتلك المدركات وحكمها بتلك الأحكام، فهي من حيث حكمها ~~بالأحكام الكاذبة. وإدراك المعاني الجزئية وهم، ومن حيث إدراك الصور ~~الظاهرية من الحواس حس مشترك وخيال، ومن حيث التصرف الصادق متعلقة، ومن حيث ~~التصرف الكاذب متخيلة ومتوهمة. PageV02P062 والقوى الباطنة عند مثبتها ~~كالمرايا المتقابلة ينعكس إلى كل منها ما ارتسم في الأخرى، والوهمية سلطان ~~تلك القوى، فلها تصرف في مدركاتها، بل لها تسلطات على مدركات العاقلة ~~فتنازعها فيها وتحكم بخلاف أحكامها. والجامع العقلي بين كل شيئين من ~~الجملتين يكون إما باتحاد عند التصور العقل لهما، وإما بتماثل في الماهية ~~مع اختلاف في العوارض كزيد وعمرو في تماثل المسند إليهما، وكالأبوة لعمرو ~~والأبوة لخالد في تماثل المسندين في قولك: " زيد أب لعمرو وبكر أب لخالد "، ~~وإما بتضايف..والعقل شأنه إدراك الكليات، وإنما يتحقق كون المعنى كليا ~~بتجريد يده عن المشخصات الخارجية، وذلك أن العقل على زعم الحكماء مجرد عن ~~العناصر الأربعة ولواحقها، فلا يرسم فيه إلا الكلي المجرد عن الأمور ~~الخارجية، أو الجزئي المجرد. وإنما يدرك الجزئي الجسماني أو الوهم. وإنما ~~قلنا: يدرك بواسطة الآلة لأنه لا يحكم بالكلي على الجزئي، والحكم فرع ~~التصور. # وعند المسلمين العقل يدرك كل شيء بواسطة وبغيرها، وتقدم أن المدرك حقيقة ~~هو النفس والقوى آلات، فهي تدرك الجزئي بواسطة الحس ثم تجرده فتدركه كليا ~~بواسطة العقل، والعقل يرفع التعدد بين الشيئين بسبب تجريدهما عن مشخصاتهما ~~خارجا فحينئذ يصيران شيئا واحدا عند المفكرة كالمتحدين، وإنما يصيران ~~متحدين إن كان المجرد مشتركان، وإن انتزع من هذا كلي ومن هذا آخر لم يرتفع ~~التعدد، مثل أن تعلم من زيد أنه رجل ms358 أحمر فاضل ومن عمرو أنه رجل أسود جاهل. PageV02P063 # والعقل يجرد الجزئي الحقيقي عن عوارضه المشخصة الخارجية، وينتزع منه ~~المعنى الكلي فيدركه ولا يجرده من المشخصات العقلية؛ لأنه كل ما هو موجود ~~في العقل فلا بد فيه من تشخص يمتاز عن سائر المعقولات والتضايف، كون ~~الشيئين بحيث لا يمكن تعقل كل منهما إلا بالقياس إلى تعقل الآخر " كزيد ~~يكتب وابنه يشعر " و " زيد أبو عمرو وعمرو ابنه"، ومن ذلك تضايف العلة ~~والمعلول وهو بين مفهومهما لا بين ذاتهما، إلا أن تعتبر الذات بالنسبة إلى ~~كونها علة والأخرى معلولا فتعطف جملة العلة على جملة المعلول. # ... هكذا مثلا العلة أصل والمعلول فرع، أو هذه العلة موجودة وذلك المعلول ~~موجود عنها، ومعنى مفهوم الشيء هنا كونه علة وكونه علة غير ذاته، وكل أمر ~~يصدر عنه أمر آخر بالاستقلال أو بواسطة انضمام غيره إليه، فهو علة والآخر ~~معلول، فما بالاستقلال علة تامة كحركة الإصبع لحركة الخاتم، وما بالواسطة ~~علة ناقصة كالنجار للسرير. PageV02P064 # ... ومن التضايف الأقل والأكثر في العدد، فتقول: "هذا العدد الأكثر لزيد ~~والأقل لعمرو أخيه" والجامع هو أمر بسبب يختال الوهم في اجتماع الشيئين عند ~~القوة المفكرة كما مر بخلاف الفعل فإنه إذا خلي ونفسه لم يحكم بذلك، وذلك ~~بأن يكون بينهما شبه تماثل، وهذا التماثل هو الاتحاد في النوع، أو يكون ~~بينهما تضاد، أو شبه تضاد؛ فشبه التماثل كلوني بياض وصفرة؛ فإن الوهم ~~يبرزهما في معرض المثلين من جهة أنه يسبق إلى الوهم أنهما نوع واحد زيد في ~~أحدهما عارض بخلاف العقل، فإنه يعرف أنهما نوعان متباينان داخلان تحت جنس ~~هو اللون فيقال: " هذا الأصفر حسن وذلك الأبيض أحسن منه " لوجود الجامع ~~الوهمي. وأما عند الملاحظة العقلية فيجوز الفصل عند الغفلة العقل، و يمتنع ~~عند عدمها كدخول <<أل >> على العلم المنقول إذا استحضر الأصل ومنعها عند ~~عدم استحضاره وعارض الصفرة في المثال الكدرة عن خالص البياض وعارض البياض ~~الصفاء والإشراق الزائدان على الصفرة، ولما كان العقل يميز بين الأشياء ~~الملتبسة وتنسب إليه الأمور ms359 الصحيحة المطابقة للواقع، وكان كل واحد من ~~الاتحاد والتماثل والتضايف سببا في نفسه للاجتماع نسب الجمع إلى العقل، ~~ولما كان الوهم مما يشتبه عليه الأمر بما يناسبه، وكان شبه التماثل والتضاد ~~وشبه مناسبة لتلك الأسباب المقتضية في نفسها للاجتماع نسب الجمع بها إلى ~~الوهم، ولما كان الخيال محلا لتقارن صور المحسوسات التي منها تنزع صور ~~الموهومات والمعقولات نسب الجمع بسبب تقارن الصور كلية كانت أو جزئية ~~محسوسة أو موهومة إلى الخيال، والضابط في الجامع أن الجمع إما بسبب التقارن ~~في خزانة الصور أو لا؛ فالأول هو الخيالي والثاني إما أن يكون بواسطة أمر ~~يناسب الجمع ويقتضيه بحسب نفس الأمر فهو العقلي، وإلا فالوهمية، وللجامع ~~الوهمي حسن الجمع بين شمس الضحا وأبي إسحاق والقمر في قوله:[ من البسيط ] ~~PageV02P065 ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحا وأبو إسحاق والقمر # ... لكن ليس من عطف الجمل بل المفردات، لأن الجامع يشترط فيها كما في ~~الجمل وهو هنا وهمي كما مر ، ويجوز أن يكون بين الشمس والقمر خياليا، ~~والعقل يعرف تباين الثلاثة ولكن الوهم يريك أنها من نوع واحد لاشتراكها في ~~الاهتداء بها وعموم النفع بها في زعم الشاعر، أو لاشتراكها في إشراق الدنيا ~~لها إشراقا حسيا بالأول والثالث وعقليا بالثاني؛ وهو أبو إسحاق المعتصم ~~بالله لإفاضته أنواع العدل والإحسان، والتضاد التقابل بين أمرين وجوديين ~~يتعاقبان على محل واحد مع عدم توقف تعقل أحدهما على تعقل الآخر فخرج ~~بوجوديين تقابل السلب والإيجاب وتغالب العدم والملكة . # والمراد بالوجودي ما ليس العدم داخلا في مفهومه فيشمل الأمر الاعتباري ~~فيدخل المتضايفان، فخرجا بقولنا مع عدم... الخ، ودخل بقولنا على محل واحد ~~التضاد بين الجواهر؛ وهي هنا الصور النوعية للعناصر، ومن لم يثبت التضاد ~~بينهما اعتبر الموضوع بدل المحل أعم من الموضوع. ( الموضوع مختص بالأعراض ~~والمحل لا يختص). والمراد بالتعلق على المحل التعاقب باعتبار الحلول لا ~~باعتبار الصدق. # وقولنا بينهما غاية الخلاف التعريف بالتضاد الحقيقي؛ فالتقابل بين السواد ~~والحمرة قسم خامس من مطلق التقابل مسمى بالتعاند، وقد لا يعتبر هذا ms360 القيد ~~فيشمل التضاد تقابل السواد والحمرة ويسمى تضادا مشهورا. PageV02P066 # ومثال الوصل في التضاد " السواد قبيح والبياض محبوب " قيل: " الإيمان ~~محبوب والكفر قبيح " فالبياض والسواد ضدان محسوسان والإيمان والكفر ضدان ~~معقولان، وأقول: أما الإيمان فوجودي قطعا لأنه اعتقاد وإقرار على المشهور، ~~أو اعتقاد فقط على غير المشهور، والإقرار إظهار له. وأما الكفر بمعنى ~~الجحود بالقلب أو باللسان معه، أو النطق بما يدخل في الكفر أو اعتقاده ~~فوجودي. وأما الكفر بمعنى عدم العلم ببعث سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم ~~- حيث لا يعذر أو بوجود الله فعدمي والتصديق في الإيمان الإذعان وقبول ~~النفس لما جاء به - صلى الله عليه وسلم - وهذا التصديق الذي هو بمعنى ~~الإذعان هو المذكور في المنطق وينضم إليه على المشهور الإقرار. # ويعد من التضادين ما يتصف بالضدين كالأبيض والأسود والمؤمن والكافر ~~باعتبار الاشتمال على الوصفين، ومثال شبه التضاد: السماء والأرض في ~~المحسوسات، فإن السماء مرتفعة ارتفاعا عظيما والأرض منخفضة انخفاضا عظيما ~~بالنسبة إلى السماء، فبينهما بعد كثير كما بين المتضايفين وليسا متضادين ~~لعدم تواردهما على المحل لكونهما من الأجسام لا من الأعراض. وتقدم أن المحل ~~أعم من الموضوع، وليسا من قبيل الأسود والأبيض، لأن الوصفين المتضادين ~~اللذين هما الارتفاع والانخفاض ليسا بداخلين في مفهوم السماء والأرض كما ~~دخل السواد والبياض في مفهوم الأسود والأبيض، فإن السماء جرم مخصوص فلم ~~يشعر أحدهما بوصف أشعر الآخر بضده، وإن اعتبرتا في لفظ السماء من السمو وهو ~~(الارتفاع) لم يكن لها في لفظ الأرض مقابل وهو (الانخفاض). PageV02P067 # ... ومن شبه التضاد الأول والثاني في المحسوسات والمعقولات، فالأول هو ~~الذي يكون سابقا، والثاني ما سبق بواحد، فأشبها المتضادين باعتبار ~~اشتمالهما على وصفين لا يمكن اجتماعهما، ولم يجعلا متضادين كالأسود ~~والأبيض؛ لأن عدم المسبوقية جزء مفهوم الأول وعدم المسبوقية بغير الواحد ~~جزء مفهوم الثاني بل شرط بعض قليل في الضدين أن يكون بينهما غاية الخلاف، ~~والرابع مع الثالث، أو الثالث مع الثاني، أو الخامس مع الرابع، ونحو ذلك، ~~فهي أيضا شبه تضاد. وأما عدد مع ms361 آخر مفصول عنه كثالث أو رابع مع الأول ~~فليسا ضدين ولا شبههما لكثرة المخالفة، مع أن العدم معتبر في مفهوم الأول ~~فلا يكون وجوديا، وذلك ولو قلنا بالمشهور من عدم اشتراط وجود غاية الخلاف ~~بين الضدين، وإنما جعل التضاد وما يتصف به وشبهه جامعا وهميا، لأن الوهم ~~ينزلهن منزلة التضايف عند العقل في أنه لا يحضره أحد المتضادين، أو الشبهين ~~بهما، أو المتصفين بالتضاد إلا ويحضره الآخر، كما أن العقل لا يخطر عنده ~~أحد المتضايفين إلا وحضر الآخر، وذلك غالب، فبسبب إن حضور أحدهما عنده ~~يستلزم غالبا حضور الآخر حكم بإجماعهما عند المفكرة تنزيلا لغلبة الحضور مع ~~الآخر عدم الانفكاك كالمتضايفين. وبهذا يندفع ما قاله عصام الدين من أنه ~~إذا كان يحضر أحدهما بحضور الآخر كان التضاد وشبهه جامعا من غير حاجة إلى ~~تنزيل الوهم إياه منزلة المتضايفين، ولتنزيل الوهم إياهن منزلة التضايف نجد ~~الضد أقرب حضورا في البال مع الضد من المتغايرات غير المضاد بعضها بعضا، ~~وكون التضاد وشبهه وما يتصف به جامعا مبني على حكم الوهم وتصوره لاتساعه ~~ومجازفته فيلحق الضدين بالمتضايفين. PageV02P068 # واعلم أن أسباب التقارن في الخيال مختلفة باختلاف الأشخاص والأزمان ~~والأمكنة، لأنها وإن كانت راجعة إلى مخالطة تلك الصور الحسية المقترنة في ~~الخيال أسباب تلك المخالطة بينهما فيلزم وجودها لشخص دون الآخر، مثلا إذا ~~تعلقت همة إنسان بصناعة الصياغة أوجبت له مخالطة أمورها من سباكة الذهب ~~والفضة وآلاتها، ولاختلاف أسباب التقارن اختلفت الصور التي من شأنها إن ~~تثبت في الخيال ترتبا ووضوحا، والترتب الاجتماع على وجه التلازم وبالوضوح ~~عدم الغيوبة لأنهما ولو كانا متلازمين وأحدهما يغني عن الآخر، لكن معنى ~~الترتب والتلازم: أنه يلزم من حصول إحدى الصورتين في الخيال حصول الأخرى، ~~ولا يلزم من هذا عدم غيوبتهما معا عن الخيال، وكم صور لانفكاك عنها في ~~الخيال لكثرة إلف الخيال لها؛ كالدواة والقلم عند الكاتب هي في خيال آخر ~~أصلا لعدم إلفه لها، وكم من صور لا تغيب عن خيال وهي في خيال آخر مما لا ms362 ~~يقع أصلا، والجمع بسبب الجامع الخيالي إنما يدرك على وقوع الشيء المألوف ~~والمعتاد وقوع متكررا في الخيال والنفس بحسب انعقاد أسباب الاقتران في ~~إثبات الصور في الخيال؛ وذلك كصنعة الكتابة فإنها سبب في اقتران القلم ~~والدواة، وانظر أيعتبر خيال المتكلم أو السامع أو هما والأقرب أن المعتبر ~~خيال السامع لأنه هو # الذي يعتبر حاله ويراعي حاله في غالب الخطاب. PageV02P069 # والأسباب المتباينة التي هي أسباب الخيال كثيرة تفوت الحصر؛ فالجامع ~~الخيالي أكثر الجوامع، وليس المراد بالجامع العقلي خصوص ما يدرك بالعقل، ~~وبالوهمي خصوص ما يدرك بالوهم، وبالخيالي خصوص ما يدرك بالخيال، بل المراد ~~بالعقلي أمر بسببه يقتضي العقل الاجتماع في المفكرة سواء كان من مدركاته ~~بنفسه أو لا وكذا الخيالي. والتضاد وشبهه ليسا من المعاني التي يدركها ~~الوهم، وكذا التقارن في الخيال ليس من الصور التي تجتمع في الخيال، وإنما ~~هو وصف للصور بل جميع ذلك معان يدركها العقل، وإنما كان التماثل جامعا ~~عقليا والتضاد وهميا مع كونهما معقولين؛ لأن التماثل صالح لجمع بلا احتيال، ~~فإذا التفت العقل وجد الجمع بينهما بخلاف التضاد فإنه في نفسه غير صالح، ~~لذلك يحتاج إلى احتيال فنسب إلى الوهم الذي من شأنه الحيلة. وأما الجامع ~~العقلي فيصح فيه إدراك العقل الاتحاد والتماثل والتضايف، والجامع العقلي قد ~~يكون مدركا للوهم؛ والمراد بالجوامع في هذه القوى ما تتوصل به كل قوة إلى ~~الجمع عند المفكرة ما لم يدرك بتلك القوة خصوصا، وذلك أن هذه القوى لا يختص ~~إدراكها بما اختصت به بما تدرك به غيره، لكن بعد أن تأخذه عن السابق إليه ~~وهو قوته المختصة بإدراكه أولا، ولذلك يحكم العقل على الجزئيات ويحكم الوهم ~~على الكليات أو الحسيات، ويحكم الخيال على المعاني بعد تصويره الوهم إياها ~~بصور المحسوسات، والحكم على الشيء فرع تصوره؛ فالجامع العقلي على هذا ما ~~يقتضي بسبب العقل الجمع ولو سبق إليه الوهم لكونه مدركا له بالخصوص أو لا ~~فأخذه منه العقل، والجامع مع الوهمي ما يحتال سببه الوهم سواء إن سبق إليه ~~الخيال ms363 لكونه مخصوصا بإدراكه أولا أم سبق إليه العقل لكونه كذلك بالنسبة ~~إليه، ثم أخذه الوهم من أحدهما، والجامع الخيالي ما يتعلق بالصور الخيالية ~~ولو كان عقليا أو وهميا في أصله، والله أعلم. # باب الحال الشبيهة بالوصل PageV02P070 ... الجملة الحالية المقرونة ~~ب(الواو) شبيهة بجملة الوصل، وأصل الحال العطف، والمجردة من (الواو) شبيهة ~~بجملة الفصل، والكثير الراجح في الحال غير المؤكدة منتقلة أو لازمة أن تكون ~~بغير (واو)، وأما المؤكدة لمضمون الجملة فإنه يجب البتة أن تكون بغير (واو) ~~لشدة ارتباطها بما قبلها، لأنها نفس الجملة قبلها في المعنى أو كنفسها، ~~و(واو) الحال للربط، وجزء الشيء لا يربط بباقيه، نحو: " زيد أبوك عطوفا لا ~~يغدر " و" أنا أحقه عطوفا " أو " وقد أحق عطوفا " وب(الواو) بل بغير (واو) ~~أو يغدر أحقه بدونها أيضا، ونحو" طلع الفجر قد ظهر ضياء الشمس " يراد ~~بالضياء: بياض الفجر إذا جعلنا <<قد ظهرضياء الشمس>> حالا، وإن جعلناه بدلا ~~لم يكن من الوصل أو الفصل. ونحو " خلق الله الزرافة يداها أطول من رجليها " ~~وهذه حال لازمة، وإنما كان في غير المؤكدة الخلو من (الواو) لأنها في ~~المعنى حكم على صاحبها كالخبر بالنسبة إلى المبتدإ، فإن في قولك:" جاء زيد ~~راكبا " إثبات الركوب لزيد على طريقة إفادته لا على طريق التعيين به، أو ~~إزالة الإبهام كما في " جاء رجل راكبا " و" جاء زيد الراكب " ف<<راكبا>> في ~~مثال الحال ك<<راكب>> في زيد راكب، إلا أنه في الحال على طريق التبعية، ~~وإنما المقصود المجيء، ولكن جيء بالحال ليزاد في الإخبار عن المجيء هذا ~~المعنى. PageV02P071 # ... ويبحث بأن الكلام إذا اشتمل على قيد زائد كان ذلك القيد هو الغرض ~~المقصود بالذات عند البلغاء، إلا أن يقال المراد بالتبعية: كونه زائدا على ~~ركني الإسناد وللحال أيضا شبه بالنعت، والنعت لا يقرن ب (الواو)، فلا تقرن ~~ب (الواو) غالبا. كما أن لها شبها بالخبر في الإفادة، وذلك أن الحال وصف ~~لصاحبها. كما أن النعت وصف لمنعوته، ويصح الكلام إذا سقطت غالبا يصح إذا ~~سقط النعت غالبا، وهي ms364 قيد لعاملها وبيان لكيفية وقوعه، بخلاف النعت فإنه لا ~~يقصد بيان كيفية وقوع العامل، وإن لزم ما قصد به غالبا إذا كان وصفا من حيث ~~أن الوصف الأصل فيه الاستمرار بالثبوت أو الحال - على ما مر- وقد يخالف ~~ذلك، وأيضا يكون غير وصف وهو حينئذ مصاحب لوقت عامله أو غير مصاحب، نحو " ~~جاء الآن زيد الراكب أمس أو غدا " و" جاء أمس زيد الراكب الآن أو غدا "، ~~قيل : وربما جاء الخبر والنعت ب (الواو) تشبيها بالحال لورودها بعد ما ~~يستقل، وتسمى (الواو) في جملة النعت (واو) تأكيد لصوق الصفة بالموصوف، ~~والتعليل بالورود بعدما يستقل لا يتم في قول الحماسي: << فأمسى وهو عريان ~~>> (¬1) PageV02P072 لأن الخبر الذي لم يتقدمه خبر ~~آخر لم يرد بعدما يستقل مع أنه يجوز أن يكون <<أمسى>> تاما <<وهو عريان>> ~~حال، وإنما ذلك لو زيدت في الخبر الثاني وما بعده، مع أنه لا داعي على ~~زيادتها بل تقول عاطفة . ومثلوا لزيادتها في النعت بقوله تعالى { أو كالذي ~~مر على قرية وهي خاوية } (¬1) ولا يلزم ذلك، بل نقول: الجملة حال من ضمير ~~<<مر>> والرابط (واو) الحال وحدها ، أو من <<قرية>> بلا مسوغ على القلة، أو ~~بمسوغ التعظيم ؛ أي: قرية عظيمة الشأن أو عظيمة بكثرة دورها لجواز إطلاق ~~القرية على الكثيرة، والرابط (واو) الحال والضمير . وبقوله تعالى { وثامنهم ~~كلبهم } (¬2) PageV02P073 الجملة نعت <<سبعة >> ~~كما نعت<< ثلاثة>> بجملة <<رابعهم كلبهم>> و<<خمسة>> ب<<سادسهم كلبهم>> ~~قيل: حال من <<سبعة>>بلا مسوغ، وفيه لخروج عن النظم السابق؛ وهو أن مثليه ~~منعوتان. وقد علمت أن الكثير الراجح أن لا تقرن الجملة الحالية ب (الواو)، ~~وقد يخالف هذا لأنها ولو كانت تستقل بالإفادة من حيث هي جملة، ولكنها غير ~~مستقلة من حيث أنها حال لتتميم ما قبلها، فمن هذه الحيثية احتاجت للربط ~~بصاحبها. PageV02P074 # ويصلح للربط (الواو) الحالية والضمير، (والواو) أقوى في الربط لأنها ~~موضوعة لذلك؛ إذ هي في أصلها للجمع كما مر أن أصلها العطف، وقيل: إن الضمير ~~أقوى لدلالته على المربوط به، وأنه الأصل بدليل أنه أو نائبه ms365 ك(أل) على قول ~~والعموم وإعادة الظاهر والإشارة هو الرابط للخبر الجملي، وأنه الرابط للنعت ~~والصلة، وأنه الرابط أيضا في الحال المفردة والنعت المفرد وصلة (أل) ~~المفردة، وقيل: لا افتقار في المفرد من الأحوال والنعوت والصلة للرابط لأنه ~~دل على صاحبه بالوضع، فالضمير فيه أدى إليه الاشتقاق الموجب لتحمل الضمير، ~~فالضمير فيه مثله في الخبر وجد في <<زيد قائم>> اتفاقا لا قصدا للربط بدليل ~~عدم الربط في الخبر الجامد، وبعد تسليم أن (الواو) أقوى في الربط قيل: ~~الأصل الضمير وأنه أكثر، نحو: " جاء زيد الشمس طالعة عند مجيئه " بلا ~~(واو)، فإذا أريد تأكيد الربط جيء ب (الواو)، نحو " جاء زيد والشمس طالعة ~~"، وإن أريد زيادة التأكيد جمع بينهما وبين الضمير، نحو " جاء زيد يده على ~~رأسه " و" جاء زيد ويده على رأسه " و" جاء زيد والشمس طالعة عند مجيئه " ~~وذلك حيث يصلحان ولا يشكل علينا ما يتعين فيه أحدهما. وقيل: يجوز الربط ب ~~(الواو) ولو لم يقصد تأكيد الربط لكنه يحول الكلام غير بليغ، وقد تربط ~~بضمير محذوف، وإذا لم يوجد الربط قدر الحال أو الضمير، واختار الدماميني ~~(¬1) الضمير لأنه الأصل في الربط ، وقيل : الأصل (الواو) في ربط الحال ~~فيقدر <<هو>> ، مثال ذلك [ قول المسيب بن علس ] :[ من الكامل ] PageV02P075 # نصف النهار الماء غامره ... ورفيقه بالغيب لا يدري (¬1) # ... ف<<الماء غامره>> حال من الفاعل وهو <<النهار>>، انتصف النهار والماء ~~غامره فيه، يصف غائصا اللؤلؤ وصاحبه لا يدري ما حاله، لله أعلم. # ويجب ربط جملة الحال ب (الواو) وإذا لم يكن فيها ضمير صاحب الحال، وإن ~~كان فيها جاز الاقتصار عليه، وزيادة (الواو) إلا إن كانت الصلة فعلية، ~~فعلها مضارع مثبت مجرد من (قد ) فلا تجوز (الواو) بل يقتصر على الضمير، ~~قوله تعالى { ولا تمنن تستكثر } (¬2) أي: لا تمنن مستكثرا ما مننت به في ~~قراءة الرفع، وأما الجزم فإبدال اشتمال من <<تمنن>> لا في جواب النهي، لأن ~~شرطه أن يصح إن الشرطية ولا النافية قبله على الصحيح. وقيل: إن كان المضارع ~~بمعنى الماضي جاز ms366 قرنه ب (الواو) وحدها أو بالضمير أو بهما، كما جاز ذلك ~~كله إذا قرن ب (قد) أو نفي، وإنما لم يجز قرنه ب (الواو) إذا كان مثبتا ~~مجردا لأنه على وزن الوصف ومعناه، والوصف الواقع حالا لا يقرن بالواو. وقد ~~يقال هذه العلة موجودة أيضا في المنفي مع أن (الواو) جائزة فيه، فيجاب بأن ~~هذا تعليل بعد الوقوع فهو في معنى الحكمة وهي لا يلزم اطرادها أعني أنه ورد ~~بلا (واو)، وقلنا حكمة وروده موافقة الوصف وزنا ومعنى، وقيل لم تجزم ب ~~(الواو) لأن الأصل الحال المفردة، إذ المفرد مختصر يظهر فيه الإعراب المبين ~~للمعنى، والحال المنتقلة كالمضارع المتجدد لا يدلان على الثبوت، وكلاهما ~~حاصل مقارن، والأصل لا الحال أن تكون مقارنة، وفيه ضعف لأن مقارنة المضارع ~~بمعنى كونه الحال أنه مشروع في حصول معناه ولم ينقض. PageV02P076 - كما قيل الحال أجزاء من أواخر الماضي ~~وأوائل المستقبل - ومقارنة الحال اتخاذ زمانها وزمان عاملها ماضيا أو حاضرا ~~أو استقبالا، ولو زاد زمانها بسطا بحصوله أيضا قبل حصول معنى عامله ~~واستمراره لما بعده أو انقطع مع تمامه " وجاء قمت وأصك عينه " وقوله [ أي ~~قول عبد الله بن همام السلولي ]: [ من المتقارب ] # فلما خشيت أظافيرهم ... نجوت وأرهنهم مالكا (¬1) PageV02P077 ... بالواو ومع المضارع ~~المثبت المجرد، فقيل ذلك شاذ، وقيل على حذف المبتدإ أي: وأنا أصك وأنا ~~أرهنهم، وقال عبد القاهر (¬1) عاطفة والمضارع للمضي أي وصككت ورهنت، وذلك ~~حكاية للحال الماضية بأن تفرض ما كان في الزمان الماضي واقعا في هذا الزمان ~~، أو إنك في زمان قبل الزمان الماضي الذي وقع فيه الفعل، أو إنك في زمان ~~الوقوع، أو إن زمان وموجود الآن، وذلك استحضار للأمر ، أو تنزيل له منزلة ~~المترقب فيعبر بمضارع الحال أو الاستقبال وإن نفي المضارع ب(لا) أو (ما) ، ~~أو إن جاز الربط ب(الواو) أو بالضمير أو بهما على السواء. ورجح بعضهم ترك ~~(الواو). ومنع ابن هشام (الواو) مع (لا) أو (ما )ولم يذكر أن قرأ ابن دكوان ~~(¬2) { فاستقيما ولا تتبعان } (¬3) بكسر النون مخففة ms367 ف(الواو) للحال و (لا) ~~نافية و (النون) للرفع ولو جعلت عاطفة على الإنشاء. وقد يقال: إنه إخبار في ~~معنى الأمر، فلا يمنع العطف. وقد يقال: (لا) ناهية، و (نون) الرفع محذوفة، ~~والثابتة باقية من (نون) التوكيد الشديدة حذفت الساكنة تخفيفا، ولو حذفت ~~المتحركة لكان حذف حركة وحرف وحذف الساكن أقل تغيير، أو يجوز أن تكون (لا) ~~ناهية و (الواو) عاطفة و (النون) نون التوكيد الخفيفة كسرت للساكن قبلها. ~~وأما قراءة الباقين بالتشديد فلا ناهية والواو عاطفة قال تعالى { وما لنا ~~لا نؤمن بالله } (¬4) PageV02P078 بترك (الواو) ف<<لا نؤمن>> حال من <<نا>> وعامله ~~ثابت أو ثبت الذي تعلق به لنا، والمعنى: أي شيء ثبت لنا مانعا من الإيمان. ~~وإنما جاز (الواو) وتركها لدلالة المضارع الواقع حالا على المقارنة، فكان ~~فيه شبه بالحال المفردة، فجاز الترك، ولا يدل على الحصول لأنه منفي، فكان ~~فيه منافاة للحال المفردة لأنها لا يدخل عليها النافي فجازت (الواو)، ويجوز ~~(الواو) وتركها مع الماضي المثبت المتصرف المجرد من (قد) والمقرون بها ~~والمنفي، ومع المضارع و(لم) ( ولما) والماضي الذي بمعنى المضارع قبله كقوله ~~تعالى { أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر } (¬1) ، وقوله تعالى { ولم ~~يمسسني بشر } (¬2) ، وقوله تعالى { أو جاءوكم حصرت صدورهم } (¬3) ، وقوله ~~تعالى { فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء } (¬4) ، PageV02P079 وقوله تعالى { أم حسبتم أن تدخلوا ~~الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم } (¬1) ، وقول الشاعر [ من ~~الطويل ] # وقالت له العينان سمعا وطاعة ... وحذرتا كالدار لما يثقب # ... ... وإنما عد (لم يمسني بشر) حال منتقلة مع أن عدم مس البشر لها لا ~~يزول، ولم يزل لأنه دلالة فيه على اللزوم، وهذا القدر كاف في كون الحال ~~منتقلة كذا قال الفنري، وأقول: بل وجه انتقاله عدم اعتباره في زمان ماض لا ~~تحمل فيه لعدم المس وعدم اعتباره بعد الوضع، أما الماضي المثبت فقيل دلالته ~~على الحصول فأشبه المفردة بترك (الواو) لا على المقارنة لمضيه فلم يشبهها ~~فقرنت ب(الواو) جوازا، ولعدم دلالته على المقارنة شرط من شرط أن يكون مع( ms368 ~~قد) الظاهرة أو المقدرة كما في (حصرت ) (¬2) ؛ PageV02P080 لأن (قد) تقرب ~~الماضي من الحال، والمقاربة بالموحدة قريبة من المقاربة ب(النون) ولو كان ~~المعتبر في الحال حقيقة ب(النون) لا ما يقرب منها ، ويشرط في الماضي ~~الموالي ل(قد) الواقع في مرفوعه حالا أن لا يكون بعد (إلا) ولا قبل ، أو ~~فلا يقال: " ما جاء إلا قد ضحك " و" لا لأضربنه قد ذهب أو مكث " وكذا لا ~~يجوز ذلك مع (الواو) فلا يقال : " إلا وقد ضحك ولا وقد ذهب أو مكث " بل ~~يجرد فيقال: " إلا ضحك " أو " لأضربنه ذهب أو مكث " وعند جواز <<إلا وضحك>> ~~ب(الواو) وإلا بعد ضحك،وإلا وقد ضحك بهما، وإلا ضحك بدونهما . PageV02P081 # ويجبان إذا فقد الضمير، نحو " جاء زيد وقد طلعت الشمس " وقيل بجواز ~~(الواو) وحدها ولو لم تقدر قدر. ثم رأيت أن الرضي قال: يجتمع (الواو) و(قد) ~~بعد (إلا) يعني جوازا. ومنع سيبويه الماضي حالا بدون (قد)، وأول<< حصرت ~~صدورهم>> بأنه نعت لحال محذوفة أي: جاءوكم قوما حصرت صدورهم، وقيل: حصرت ~~مستأنف على طريق الدعاء واعترض ذلك التعليل المذكور بقولنا فقيل لدلالته... ~~الخ بما مر من أن الحال التي تذكر في النصب معناها المقارنة أصالة والحال ~~المقابلة للماضي، والآتي بمعنى زمان الشروع في الفعل، وما بعد الشروع ما لم ~~ينقض وهي التي تقابل الماضي، وتقرب (قد) الماضي منها فتجوز المقارنة إذا ~~كان الحال والعامل ماضيين، ولفظ (قد) إنما يقرب الماضي من الحال التي هي ~~زمان الشروع؛ وأعني بزمان الشروع زمان التكلم، وربما بتعده عن الحال التي ~~نحن بصددها، نحو " جاء زيد في السنة الماضية وقد ركب " وأجيب: بأن المجيء ~~ب(قد )إصلاح للفظ حيث اجتمع فيه فعل الماضي والحال، وفيه أن يصير التعليل ~~على هذا وهميا محضا. وأجيب أيضا بأن المضي باعتبار العامل في الحال ~~والتقريب ب(قد) باعتباره وفيه خفاء، فإذا قيل: "جاء زيد ركب " فهم منه أن ~~الركوب ماض بالنسبة للمجيء فيؤتى ب(قد) لتقربه منه، وجاز دخول (واو) الحال ~~على الماضي الجامد وتركها، فيربط بها فقط، أو بما مع الضمير، ms369 أو بالضمير. PageV02P082 # وأما جواز الواو وتركها في الماضي النفي والمضارع المنفي ب(لم) أو( لما) ~~فلدلالته على المقارنة دون الحصول، أما عدم دلالته على الحصول فلكونه ~~منفيا، وأما دلالته على المقارنة فلأن (لما) متصلة النفي وغيرها لانتفاء ~~حدث متقدم على زمان التكلم مع أن الأصل استمرار الانتفاء إلى تمام التكلم ~~حتى تظهر قرينة الانقطاع فتحصل بكون الأصل في الانتفاء الاستمرار، كما في ~~الدلالة على المقارنة إذا لم يوجد دليل الانقطاع، وإذا وجد دليله فلا يقال: ~~الأصل بقاء الانتفاء تقول: " لم يضرب زيد أمس لكن ضرب اليوم " ولا يكون ~~تناقضا بل يكون تخصيصه لذلك الأصل، ولا يصح لما يضرب أمس لكن ضرب الآن، ~~بخلاف المثبت فلا يفيد الاستمرار المقتضي للمقارنة لا وضعا ولا استصحابا ~~(كذا قيل)، مع أنه يقال: الأصل في كل ثابت دوامه، حتى إن وجه إفادة الجملة ~~الاسمية الدوام بذلك، وأقول: كون الاسمية تفيد الدوام قول لا اتفاق، والذي ~~حققته أن معنى كون الاسمية للثبوت والدوام أنه لا تعرض فيها للحدوث، وأن ~~فيها وصف خبر؛ ففي دلالتها على الحدوث قولان، ومر جميع ذلك. واستمرار النفي ~~في الماضي صحيح لكن غير قطعي، وإنما هو قطعي مع<< لما >>. واختلفوا في ~~استمرار الانتفاء ب<<لم >> فقيل وضعي، وقيل استصحابي وهو الصحيح. وأما ~~ب<<لما>> فوضعي. PageV02P083 # وتحقيق أصالة استمرار الانتفاء أن استمرار العدم لا يفتقر إلى وجود سبب، ~~إذ سببه عدم السبب، بخلاف استمرار الوجود فإنه يحتاج إلى سبب موجود لأنه ~~وجود عقب وجود، ولا بد للوجود الحادث من السبب، وهو امتداد الذات بالأعراض ~~المقتضية استمرار وجودها، وذلك على أن الوجود غير الموجود، وأنه من الأحوال ~~التي هي من الأعراض التي هي من متعلقات القدرة، وعلى أن العرض لا يبقى ~~زمانين على القول بأن الوجود عين الموجود، والقول بأن العرض يبقى فليس هناك ~~وجود عقب وجود، ولا للوجود الحادث احتياج إلى سبب حتى يحتاج بقاء الحادث ~~إلى سبب، وبقاء الذات على هذا ببقاء العرض الأول، وإنما تتعلق القدرة ~~بإيجاد الذات حال الإيجاد فقط، وهي بعد ذلك ms370 في قبضة القدرة؛ إن شاء المولى ~~أبقاها وإن شاء أعدمها.ومذهبنا معشر الإباضية الوهبية وسائر المحققين هو ~~القول الأول من أن العرض لا يبقى أكثر من حال، وأن القدرة تتعلق بالحادث في ~~كل أدنى من اللحظة على التجدد للإبقاء، فالحادث هو متعلق الإبقاء في كل ~~أدنى لحظة، ولو اقتصر على الإيجاد المجرد ولم يجدد له في كل أدنى من لحظة ~~إبقاء الحصول بتجديدي الأعراض لزال وكان عدما، والله أعلم. # واعلم أنهم اختلفوا في الجملة الاسمية، فقيل: يجوز أن تربط بالضمير وحده ~~أو مع (الواو) وهو المشهور، وقيل: لا يجوز ربطها بالضمير وحده بل مع ~~(الواو) أو ب(الواو) وحده، نحو " كلمته فوه إلى في " و" كلمته وفوه إلى في" ~~والصحيح الأول؛ فدلالته الاسمية على المقارنة لاستمرارها يناسب ترك ~~(الواو)، وعدم دلالتها على حصول صفة غير ثابتة لدلالتها على الثبات والدوام ~~على ما مر يناسب(الواو). والمشهور أن قول (الواو) مع وجود الضمير أولى من ~~الاقتصار على الضمير والكلام في الاسمية الدالة على الثبوت لا على التي ~~الخبر فيها فعل، قال بعضهم أو وصف. PageV02P084 # وتمتنع (الواو) في الحال المعطوفة على الأخرى لئلا تحصل صورة اجتماع ~~عاطفين، كقوله تعالى { إذ جاءهم بأسنا } (¬1) بيانا أو هم قائلون، وإنما ~~كان (الواو) مع الضمير أولى من إحداهما لتقوية الربط، ولأن ترك (الواو) ~~يوهم الاستئناف، ولدلالة الاسمية على الثبوت والدوام، إذ الحال المفردة لا ~~تدل عليهما - على ما مر في ذلك -فبعدت عن المفردة بالدوام والثبات وبإيهام ~~الاستئناف، فناسبت (الواو) إذ خالفت المفردة. قال الله تعالى { فلا تجعلوا ~~لله أندادا وأنتم تعلمون } (¬2) PageV02P085 والفعلية مشتقة أبدا من حيث فعلها من المفردة، فلا يظهر فيها ~~إيهام الاستئناف ، وقال عبد القاهر : إن كان المبتدأ ضمير صاحب الحال وجبت ~~(الواو) ولو كان الخبر فعليا، وذلك أن لا تترك (الواو) في جملة حتى تقدر ~~بمفرد يكون من متعلقات العامل وإعادة المسند إليه بضميره مانع من التقدير ~~بمفرد، لأنه كالظاهر يتبادر منه الاستئناف فوجبت (واو الحال) نحو " جاء زيد ~~وهو مسرع " بخلاف " جاء زيد يسرع ms371 " فقدر بالمفرد فالمثبت هو المجيء حال ~~الركوب، لا ركوب مقيد بإثبات مستأنف، فهو في تقدير " جاء زيد راكبا " فلو ~~لم تقصد استئناف الإثبات لقلت:" جاء زيد مسرعا " أو " ويسرع " لأن المضارع ~~كالوصف في أول وهلة ؛ فالقياس أن لا تجيء الاسمية إلا مع (الواو) ولو لم ~~يكن المبتدأ ضمير صاحب الحال، وما جاء بدونه فسبيله سبيل الشيء الخارج عن ~~القياس لضرب من التأويل، كما في " أو هم قائلون " لو قرن ب(الواو) لاجتمعت ~~وهي كالعاطف مع أو ونوع من التشبيه بالمفرد ك"كلمته فوه إلى في مشافها " ، ~~و { اهبطوا بعضكم لبعض عدو } (¬1) أي: متعادين، ولا يحسن هذا في نحو "جاء ~~زيد وهو مسرع" ولذلك قيل: إن إسقاط (الواو) فيه خبيث، لأن التأويل فيه ~~بالمفرد ليس باستخراج معنى الجملة يعبر عنها بالمفرد، ومن تركها قولك: " ~~جاء زيد على كتفه سيف " وقول بشار: [ من الطويل ] PageV02P086 إذا أنكرتني بلدة أو أنكرتها ... خرجت مع البازي علي سواد (¬1) # ... أي خرجت مبتكرا على بقية من سواد الليل إذا لم يعرف أهل بلدة قدري أو ~~لم أعرف قدرهم- والبازي أبكر الطير- ويجوز أن يكون الظرف في ذلك متعلا ~~بمحذوف رافعا للظاهر على الفاعلية، والمقدر ماض أو مضارع أو وصف تمتنع ~~(الواو) مع المضارع وتجوز مع الماضي على - ما مر- مع الجملة الاسمية، ~~وبتقدير الوصف يخرج الحال عن الجملة وتمتنع (الواو) أي: ثابتا على كتفه سيف ~~وثابتا على سوادي؛ والكلام في الراجح والمرجوح عند جواز (الواو) هنا -على ~~حد ما مر- والجملة الشرطية أعني الأداة جملة الشرط، وجملة الجواب لا تكون ~~حالا، نحو " جاء زيد إن يسأل يعط " وأجازوه إن تقدم المبتدأ هكذا وهو <<إن ~~يسأل يعط>> إذ يكون الحال حينئذ المبتدأ والخبر، وأجازه أبو حيان ولو لم ~~يتقدمه مبتدأ وأوجب (الواو)، وأجازه ابن جني ولم يوجب (الواو)، ولا يجوز ~~ذلك إذا كان الجواب إنشاء، لأن الأنشاء لا يكون حالا، نعم إن قدر القول ~~حالا و(الواو) قبل (إن) و(لو) الوصليتين عاطفة على محذوف عند بعض، والمحذوف ~~ضد الشرط أو حالية، وعليه الجمهور والزمخشري، وقيل: اعتراضية ms372 من الاعتراض ~~الآتي آخر الكلام، نحو: " أنا سيد ولد آدم ولا فخر " والنحاة لا يسمون هذا ~~اعتراضا ولا جواب لهما في قول الحال، والله أعلم. PageV02P087 ويحسن ترك (الواو) إذا دخل حرف ~~على المبتدإ في بعض المواضع، مثل: (كأن) و(إن) و(لا النافية)، كقوله تعالى ~~{ لا معقب لحكمه } (¬1) [ وقوله تعالى] { إنهم ليأكلون الطعام } (¬2) ~~فالجملتان حالان، وقول الفرزدق [ يخاطب امرأةعذلته على اعتنائه بشأن بنيه ] ~~: [ من الطويل ] # فإني عسى أن تبصريني كأنما ... بني حوالي الأسود اللوابد (¬3) # ... أي القواضب، وحوالي جوانبي، والحال من اسم كان لجواره من المبتدإ إذا ~~كان معه، قيل: مثل (ليت) و(إن) و(كأن) و(كان). وقيل إن دخل عليها عامل لفظي ~~وبسطته في النحو، ويحسن الترك أيضا لتقدم حال مفرد، كقول ابن الرومي [ من ~~السريع ] # والله يبقيك لنا سالما ... برداك تبجيل وتعظيم (¬4) # ... أي ثوباك، ويجوز كون برداك تبجيل حال من ضمير سالما لأنه يصدق ~~بالمخاطب ولو كان لفظه غائبا، ويجوز كون برداك فاعل سالما وتبجيل بدل مطابق ~~لبرداك بحسب عطف تعظيم، والله أعلم. # باب المساواة والإيجاز والإطناب PageV02P088 هن أمور نسبية لا يتعقل أحدهن إلا ~~بالنسبة إلى غيره؛ فالموجز إنما يكون موجزا بالنسبة إلى كلام أزيد منه، ~~والمطنب إنما يكون مطنبا بالنسبة إلى ما هو أنقص منه، والمساواة إنما يتعقل ~~إلى انتفاء الإيجاز والإطناب؛ أعني أنه يتعقل بانتفاء الزيادة والنقص؛ ~~فبالزيادة على اللفظ يحصل الإطناب، وبالبعض منه يحصل الإيجاز، فرب موجز أو ~~مساو مطنب بالنسبة لغيره، ورب مطنب موجز بالنسبة لغيره أو مساو، ورب مساو ~~مطنب أو موجز بالنسبة لغيره، فلا يقدح في كون الكلام موجزا كونه زائدا على ~~كلام آخر ولا في كونه مطنبا كونه ناقصا عن آخر، وكذا في المساوي وذلك ~~باعتبار حاصل الاصطلاح. PageV02P089 # وإما باعتبار أن المساواة دلالة اللفظ على مجموع ما وضع له فليست نسبية، ~~ولكونهن نسبيات لم يصح أن يضبطن بأن هذا المقدار من الكلام إيجاز وذاك ~~مساواة وذلك إطناب، إنما يبنى على متعارف الأوساط في تأدية المعاني، وهم ~~الذين ليسوا في مرتبة البلاغة ولا في غاية العي، ومتعارف ms373 الأوساط لا يذم، ~~لأن فيه تأدية أصل المعنى بدلالات وضعية وألفاظ كيف كانت، ولا يحمد في باب ~~البلاغة لعدم مراعاة مقتضيات الأحوال، فما نقص عن هذا المتعارف إيجاز إذا ~~تكلم به البليغ، وما زاد عليه من البليغ إطناب، وما ماثله من البليغ ~~مساواة، وهذا الذي يصدر من البليغ من المماثل محمود لأنه لا يأتي به إلا ~~لنكتة راعاها غيره، وإن لم يراعها غيره، وإن لم يراعها البليغ لم يحمد ~~كلامه، ولكن يحمل كلامه على المراعاة، لأنها الأصل في كلامه إلا لدليل أو ~~مناسبة، مثل أن يخاطب به غير البليغ، قال عصام الدين: لا يحمد من البليغ مع ~~من ليس بليغا، لأنه لا يقصد مع من ليس بليغا بكلامه مزية، ولا يذم إن تكلم ~~به مع البليغ ولم يقصد المزية ذم، وإن قصدها مع غير البليغ لم يحمد ولم ~~يذم، وإن قصدها مع البليغ حمد، وقال غيره:إن قصدها مع البليغ أو غيره حمد، ~~وربما يشتمل كلام الأوساط علىحذف ولا يسمى إيجازا مثل: " يا زيد وإياك ~~والأسد " وإن تكلم به البليغ سمي إيجازا إن قصدها، وقيل إن قصدها مع البليغ ~~وفي حمده وذمه ما ذكر، ولا يقال: وهو أنه قد يختلف متعارف الأوساط بأن ~~يتعارفوا عبارتين على معنى واحد إحداهما أزيد من الأخرى من غير زيادة في ~~المعنى فما المعتبر منهما، وإن اعتبرتا لم يتميز الإطناب والإيجاز ~~والمساواة بعضها من بعض، فذلك رد إلى الجهالة، لأنا نقول: " الألفاظ قوالب ~~المعاني " فمن عرف الوضع عرف أي معنى يفرغ في هذا القالب من اللفظ، للعلم ~~بأن المعنى الذي يكون على قدر اللفظ هو ما وضع له مطابقة، وذلك سهل لمدرك ~~الوضع وإن كان عاميا ، وقيل: " PageV02P090 # المعاني قوالب الألفاظ " لأن المعنى يستحضر أولا ، ثم يؤتى باللفظ على ~~طبقه.ويجمع بأن الأوذل باعتبار السامع، والثاني باعتبار المتكلم. والأوساط ~~الذين لا يقدرون في تأدية المعاني على اختلاف العبارات والتصرف في لطائف ~~الاعتبارات لهم حد معلوم من الكلام يجري بينهم في المحاورات والمعاملات، ~~وهذا معلوم للبلغاء وغيرهم جميعا. وكون ms374 اللفظ أقل من متعارف الأوساط أو ~~أكثر يشعر بوجود خاصة، ولا يقال: متعارف أوساط العرب لا تتيسر للعجم؛ فمتى ~~عرف الإيجاز والإطناب والمساواة لم ينتفع من التعريف إلا المتتبع لغة ~~العرب، والتصنيف عام لكل طالب فهو رد إلى الجهالة لكثير من المخاطبين. # والبليغ لا يحتاج إلى علم المعاني؛ فتعريفات الفن لطالبي البلاغة لا ~~البلغاء، فالتعريف بما يخص معرفته البلغاء رد على الجهالة، لأنا نقول: ينفع ~~التعريف، لأن ما سبق في الأبواب السابقة تكفل من معرفة المقامات ما يكفي في ~~معرفة البسط اللائق بالمقام، قال السكاكي في المفتاح (¬1) : الإيجاز أداء ~~المقصود بأقل من المعبر به المتعارف، والإطناب أداؤه بأكثر منه. والمساواة ~~أداؤه على المتعارف. وقيل الإطناب يعم المساواة عنده، وكما يوصف الكلام ~~بالإيجاز لكونه أقل من المتعارف كذلك يوصف به لكونه أقل مما يقتضيه المقام ~~بحسب الظاهر لا تحقيقا وإلا لم يكن من البلاغة، فقوله تعالى { إني وهن ~~العظم مني } (¬2) PageV02P091 إطناب بالنسبة إلى المتعارف، وهو قولك: " يا رب ~~شخت "، وإيجاز بالنسبة إلى مقتضى المقام بحسب الظاهر لأنه مقام بيان انقراض ~~الشباب وإلمام المشيب، فينبغي بحسب الظاهر أن يبسط فيه الكلام غاية البسط، ~~مثل أن يقال : "وهن عظم اليد والرجل وضعفت قوى العين والأذن" إلى غير ذلك. # فللإيجاز معنيان: كونه أقل من عبارة المتعارف، وكونه أقل مما يقتضيه ظاهر ~~المقام، والاختصار مرادف للإيجاز؛ فتارة يعبر في المفتاح (¬1) بالإيجاز، ~~وتارة بالاختصار فيما هو بالنسبة إلى مقتضى المقام، فلعل الإيجاز أخص منه . PageV02P092 وكذلك للإطناب معنيان: كونه أكثر من ~~عبارة المتعارف، وكونه أكثر مما يقتضيه ظاهر المقام. وبين معنيي الإيجاز ~~وكذا بين معنيي الإطناب عموم من وجه وخصوص من وجه، يجتمعان فيما لو قيل: " ~~رب شخت " فإنه أقل من مقتضى الحال لاقتضائه أبسط منه لكونه مقام التشكي من ~~إلمام الشيب وانقراض الشباب، وأقل من عبارة المتعارف وهو " يا ربي شخت " ~~(بإثبات حرف النداء وياء المتكلم )، وينفرد الثاني وهو كونه أقل مما يقتضيه ~~المقام في الآية، إذ يقتضي المقام أكثر منه- كما مر- والمتعارف أقل منه. ~~وينفرد الأول ms375 وهو كونه أقل من المتعارف بنحو قول الصياد: " غزال " عند خوف ~~فوت الفرصة، فإنه أقل من المتعارف وهو " هذا غزال " وليس أقل مما يقتضي ~~المقام، وقيل المقبول من طرق التعبير تأدية المراد بلفظ مساو له بأن يؤدى ~~بما وضع لأجزائه مطابقة لفائدة وهو المساواة أو بلفظ ناقص عنه (واو) بأن ~~يؤدي بأقل مما وضع لأجزائه لفائدة وهو الإيجاز. ومنه " حمدا لك " أو بلفظ ~~زائد عليه لفائدة بأن يكون أكثر مما وضع لأجزائه مطابقة وهو الإطناب. ومنه ~~" جاء حيوان ناطق " فإنه إطناب؛ ومساواته " جاءني إنسان " وإيجازه " جاء ~~إنسان " . وإن كان اللفظ ناقصا مع أنه لم يف بالمراد لم يكن إيجازا مقبولا ~~، كقول الحارث بن حلزة اليشكري (¬1) من الكامل المجزوء [ المضمر ] المرفل : # والعيش خير في ظلا ... ل النوك من عاش كدا (¬2) PageV02P093 ... لأن المراد: والحياة الناعمة في ~~ظلال الحماقة خير من العيش الشاق في ظلال العقل ، واللفظ غير واف بذلك فليس ~~بمقبول، إذ لا يعلم المراد منه إلا بتكلف وتعسف ، فلو ظهرت القرينة وسهلت ~~لكان مقبولا . ووجه كون الحياة في الحماقة والجهل خيرا أن الجاهل الأحمق ~~يتنعم بما وجد ولا يضيق على نفسه، والعاقل يتأمل في العواقب والآفات فلا ~~يجد للحياة لذة. و<<في ظلال>> متعلق<< بالعيش>> أو حال من ضمير خير ~~و<<النوك>> (بضم النون وفتحها): الحماقة والجهالة.ويقدر مضاف أولا، أي: وذو ~~العيش أو آخر أي من عيش من عاش. و<<كدا>> مفعول مطلق أي: عيش كدا، أو حال ~~أي: ذا كد أو مكدودا. وإنما قلت: في ظلال العقل ولم أقل في شدة إحراق ~~إشراقات العقل، كما قال عصام الدين؛ لأن مراد الشاعر- والله أعلم- تفضيل ~~الحياة في الجهل مع قبحه على الحياة في العقل مع حسنه، وكونه كالظل في عود ~~النفع، لأن الجاهل لا يتألم بالنظر في العواقب، ولا يتحرز عما يشتهيه، ولا ~~يقال: إنه قد اشتهر في العرف: إن العيش المعتد به الناعم إنما هو عيش ~~الجهلة الحمقى دون العقلاء المتأملين في عواقب الأمور، لأنا نقول إنما ~~اشتهر بعد هذا البيت وجعل السيوطي (¬1) هذا البيت ms376 من الاحتباك ، وقال: إنه ~~لا إخلال فيه، وإن زاد اللفظ لغير فائدة لم يكن إطنابا مقبولا بل تطويلا إن ~~لم يكن الزائد متعينا بل احتمل أن يكون الزائد غيره وحشوا إن تعين مفسدا ~~للمعنى وغير متعين . فالتطويل كقوله [ أي قول عدي بن زيد العبادي ]: [ من ~~الوافر ] # وقددت الأديم لراهشية ... وألفي قولها كذبا ومينا (¬2) PageV02P094 ... قددت: قطعت بالتشديد للمبالغة ~~وفيه ضمير الزباء، و<<الأديم>>الجلد، والمراد: جلد الذراعين، ول<<راهشية>> ~~تعليل متعلق ب<<قددت الأديم>> لتصل <<راهشية>>. أو غاية متعلقة بمحذوف، أي: ~~منتهية إلى راهشية- والراهشان عرقان في باطن الذراعين - و(الهاء) لجديمة ~~الأبرش، والمين: الكذب وهو تطويل بلا فائدة، ولكن الأظهر مبينا بدل ومينا ~~فلا تطويل، وذلك أن باقي القوافي ياؤه ساكنة سكونا ميتا بعد كسرة، وإن قلت: ~~الفائدة موجودة وهي التأكيد إنما يكون فائدة إذا قصد لاقتضاء المقام إياه ~~وليس مقام هذا الكلام مقتضيا لذلك، لأن المراد منه الإخبار بمضمون القصة، ~~وإن قلت: يتعين المين للزيادة فلا يكون من التطويل لأن قوله كذبا جاء في ~~محله ومينا معطوف، قلت: المراد بعدم التعين إنه يكتفي بأحد اللفظين عن ~~الآخر فيصح ولا عبرة بالتقديم والتأخير، وإلا لم يوجد تطويل أصلا، فإنه لو ~~اقتصر على <<مين>> وأزال كذبا لصح، مثل أن يقول: وألفى قولها مينا، ويدبر ~~أمر القافيةن ولا عبرة بما يحتاج إليه للقافية والوزنن وإنما المعتبر أصل ~~المعنى في التركيبن وهو يصح بكل منهما. # ... ومثال الحشو المفسد قول أبي الطيب في رثاء يماك التركي غلام سيف ~~الدولة: [ من الطويل ] # ولا فضل فيها للشجاعة والندى ... وصبر الفتى لولا لقاء شعوب (¬1) PageV02P095 ... فلفظ <<الندى>> حشو مفسد لأنه لا ~~يصح قولك: لا فضل للعطاء لولا لقاء الموت، لأن قولك هذا يفيد أنه إنما يكون ~~الفضل للمعطي من أجل أنه يموت، ولو كان لا يموت لم يكن له فضل، والأمر إنما ~~هو بالعكس لأنه من علم أنه يموت يسهل عليه العطاء لأنه يموت ويخلف المال، ~~ولأنه ليس يحتاج إليه أبدا، لأن الموت يقطع احتياجه إليه، وإنما يصعب على ~~نفسه العطاء جدا لو كان ms377 يموت إذ يحتاج إليه دائما، فإذا أعطى مع أنه لا ~~يموت مدح بخلاف الصبر على المكاره والشجاعة في الحرب، فإن استشعار الحرب ~~سبب لعظمها، إذ يعلم أن شجاعته أو صبره يوصلان إلى الموت ومع ذلك يصبر ~~عليهما، ولو كان لا يوصلان إليه لسهلا واجترأ الناس لعلمهم بأن العاقبة ~~للخلاص، والضمير في <<فيها>> للدنيا و<<الندى>> العطاء و<<شعوب>> علم جنس ~~للموت صرف للضرورة على أن بكسر ولو بلا تنوين صرف، وقيل ليس صرفا وإنما ~~الصرف التنوين مطلقا، وقال أبو الفتح: ليس الندا حشوا لأن المعنى أن الخلود ~~في تنقل الحال من عسر إلى يسر ومن شدة رخاء يسهل البؤس ويسكن النفوس فلا ~~يظهر لبذل المال كثير فضل، بخلاف الأمر إذ كان الموت لا بد منه ومع ذلك ~~يبذل المال، فربما أبذله فيحتاج وينكد عيشه إلى أن يتصل بالموت فيكون في ~~شدة تليها أخرى، وقد يقال: إنه على تقدير الخلود وخوف الابتلاء بالشدة ~~والاحتياج أكثر، وعلاقة القلب بمحبة المال أشد، وأما رجاء البذل المالي ~~بتنقل الأحوال ففي غاية الضعف بخلاف تقدير الموت، ولذا كان ترك الشاب للمال ~~أفضل من ترك الشيخ الفاني فهو حشو، وإنما صح لنا أن نقول: إن <<الندا>> حشو ~~مع أنه ليس في الكلام ما يغني عنه ويفيد معناه، لأنه لا يشرط في الحشو وجود ~~ما يفيد مدلوله غيره، وكذا الإطناب لا يجب أن يكون مستفاد مما قبله، بل إذا ~~أتي بالشيء لمعناه وفيه دقيقة في المقام مناسبة لا يأتي به لأجلها الأوساط، ~~بل يتفطن له البلغاء ويقدمون الإتيان بها كان PageV02P096 إطنابا. # ومثل الحشو الذي هو غير مفسد قول زهير [ بن أبي سلمى ] : [ من الطويل ] # وأعلم ما في اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عم (¬1) # ... فلفظ <<قبله>> حشو غير مفسد لأن معناه معلوم من الأمس، وقد تعين ~~للزيادة لأنه لا يصح عطفه على اليوم، لأن قبل لا يكون مضافا إليه، ولو صح ~~لعادت (الهاء) لليوم فليس (الهاء) مانعة، وإن جعلنا (أل) في <<الأمس>> ~~للجنس وكان <<الأمس >>بالقبلية ms378 من قبيل وصف الجنس بما يعم كل فرد تبيينا ~~لعمومه وتنعيت عليه، كما في قوله تعالى { وما من دابة في الأرض ولا طائر ~~يطير بجناحيه } (¬2) فليس حشوا، وليس من الحشو قولك في مقام يفتقر إلى ~~التأكيد: " أبصرته بعيني وسمعته بأذني وكتبته بيدي " فإنه لدفع المجاز، ~~لأنه يحتمل الإبصار بالقلب لو لم تقل بعيني والسمع بالقلب لو لم تقل بأذني، ~~والأمر بالكتابة لو لم تقل بيدي، وليس ذلك تأكيدا للحاجة إليه في البيان ~~أعني أنه ليس تأكيدا يغنى عنه وإلا فلا يخلو عن تأكيد، كما أنه يقال: " ~~جاء زيد نفسه" و"جاء الزيدون كلهم " لرفع التجوز، ويعد تأكيدا وذلك أنه ~~يتبادر المراد بلا ذكر للعين والأذن واليد والنفس، والله أعلم. وإن قلت " ~~أبصرته بعيني... الخ " في مقام لا يفتقر إلى التأكيد كان حشوا . # باب المساواة PageV02P097 قدمتها هنا ~~لأنها أصل يقاس عليه الإيجاز والإطناب لأن تصورها بإدراك هذا اللفظ دال على ~~مجموع ما وضع له، فمن هذا المعنى بلا تعرض لأكثر لا تتوقف على شيء، فساغ ~~قياس الإيجاز والإطناب. وأما كونها نسبية فإنما هو باعتبار الحاصل في ~~الاصطلاح من أنها لفظ لم يزد عن المراد ولم ينقص، فمن هذا لا يقاس عليها ~~وإلا لزم الدور وأيضا هي أولى بالتقديم لقلة مباحثها، وقد علمت أن المساواة ~~والإيجاز والإطناب مرجعهن إلى اللفظ وهو الصحيح، واختار القزويني (¬1) ~~اعتبارهن بالمعنى، ومثالها قوله تعالى { ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله } ~~(¬2) والمكر السيء من الله أن يفعل بالعبد ما يهلكه ، ففي الآية إطناب يذكر ~~السيء بعد المكر، فإن المكر لا يكون إلا سيئا ، وقيل : وصف المكر بالسيء ~~إيماء إلى أن بعض المكر ليس سيئا،كما في قوله تعالى { ومكروا ومكر الله } ~~(¬3) جزاء السيء ، وجزاء السيء ليس بسيء، قلت : يجوز وصف مكر الله بالسيء ~~بمعنى أنه ضار، وقول النابغة يخاطب أبا قابوس بن النعمان بن المنذر: [ من ~~الطويل ] PageV02P098 فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى ~~عنك واسع (¬1) # ... في حال سخطه وهوله شبهه بالليل في عمومه الأماكن وبلوغه كل موطن ms379 لسعة ~~ملكه وبسطة يده فلا يفلت منه أحد، والمنتأى بضم (الميم) وإسكان (النون ~~والهمزة) بصورة (ألف) وبعدها (ألف) بصورة (ياء )مفتعل من نأى بمعنى بعد وهو ~~اسم مكان أي موضع النأي أي البعد، و<<عنك>> متعلق ب<<واسع<< لا ~~ب<<المنتأى>> لأن اسم المكان واسم الزمان لا يعملان في الظرف على المشهور ~~وكذا لا يعمل في غيره، ويجوز تعليقه به على أنه مصدر، أي: إن البعد عنك ~~واسع أي ممكن، وليس كون استثناء مفرغا في الآية موجبا لأن تكون إيجازا إذ ~~حذف المستثنى، لأن ذلك الحذف معنوي لا لفظي؛ أعني تم الكلام بلا تقدير ~~له.ومعنى قول السعد (¬2) إنه لفظي أنه يراد أن يقال الأحد لا يحيق المكر ~~السيء بأحد إلا بأهله اكتبفى عنه بقوله: ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله، ~~ألا ترى أنك تقول : <<بأهله >>متعلق ب<<يحيق>> ولا تقول : بدل من محذوف، ~~وكذا تقول : في " ما قام إلا زيد " زيد فاعل، وتقول : الفاعل محذوف و<<زيد ~~>>بدله وهكذا ، والفاعل لا يحذف إلا لساكن أو ضرورة ، وكذا لا يقال: إن ~~البيت من الإيجاز لحذف الجواب لأي ، أقول : الشرط إذا قرب منه دليل جوابه ~~واتصل به قبله فلا جواب له محذوف سواء كانت (إن) وصلية أو غير وصلية، بل ~~يغني عنه ذلك الذي يسمونه دليلا، فإذا قلت : " زيد قائم إن قمت لم يقدر " ~~لأن جواب بل استغنت بما قبلها عنه، ألا ترى أنه ليس القصد أن تقول: " زيد ~~قائم إن قمت " ف<<زيد قائم>> بل لو قلت : " زيد قائم إن قمت " ف<<زيد ~~قائم>> لحمل على أن زيد قائم سيق غير موطئ للجواب ولا مقيد بالشرط بل كلام ~~مستقل عام، ثم استأنفت شرطا وأتيت بمثله مقيدا به بيانا للعموم السابق. PageV02P099 ثم تذكرت أن بعضا بل كثيرا من النحاة ~~لا يقدرون الجواب لأن الوصلية والحمد لله. وليس البيت إيجاز بحذف ثابت أو ~~ثبت قبل قوله: ك<<الليل>> لأن هذا الحذف واجب، بل لو ذكر لكان حشوا مفسدا ~~لوجوب حذفه، فالحشو يكون بفساد لفظي كما يكون بفساد معنوي وقال السعد (¬1) ~~لو ms380 ذكر لكان تطويلا، ولعله أراد التطويل اللغوي وما جرى عرف الاستعمال ~~بالاستغناء عنه بلا قرينة خارجة عن ذلك الكلام كالمستثنى منه والجواب، ~~واستقرار في الآية، والبيت لا يكون عدم ذكره إيجازا، وما لا يستغنى عنه إلا ~~لقرينة خارجية فحذفه إيجاز، والله أعلم. # باب إيجاز القصر # ... وهو إكثار المعنى وتقليل اللفظ بلا حذف، والفرق بين إيجاز القصر ~~والمساواة وبين مقاميهما أن المساواة ما جرى به عرف الأوساط الذين لا ~~ينتبهون لإدماج المعاني الكثيرة في لفظ يسير والإيجاز بالعكس ومقام ~~المساواة كثير مثل أن يكون المخاطب من لا يفهم بالإيجاز ولا يتعلق غرضه ~~بإدماج المعاني الكثيرة، ومقام الإيجاز كتعلق الغرض بالمعاني الكثيرة ويكون ~~الخطاب مع من ينتبه لفهمها ولا يحتاج معه إلى بسط. PageV02P100 ومثال إيجاز القصر قوله تعالى { ولكم ~~في القصاص حياة } (¬1) سواء أكان المعنى ولكم في أن يقتص أحدكم من الآخر أو ~~كان ولكم في القصاص المعهود شرعا كذا ظهر لي إذ لا حذف في ذلك، وقيل: إن ~~كان المراد بالقصاص الحكم مجازا فإيجاز قصر، وإن أريد ولكم في مشروعية ~~القصاص وهو المتبادر فإيجاز حذف، وكذا إن قيل: المعنى <<ولكم في علم ~~القصاص>> أي العلم به، وأقول: ليس كذلك، لأن إرادة ذلك تؤخذ من اللفظ بلا ~~حذف، والمعنى: أن الإنسان إذا علم أنه متى قتل إنسانا قتله ولي الإنسان كف ~~عن القتل فيحيى مريد القتل ومراد قتله، ولما كان متعلق <<لكم في القصاص>> ~~واجب الحذف فعلا كان أو اسما، <<ولكم>> و<<في القصاص>> نائبان عنه لم يكن ~~إيجاز حذف، بل لو ذكر لكان حشوا فاسدا في اللفظ لوجوب حذفه، وإنما قلت: كان ~~حشوا، ولم أقل كان تطويلا لتعينه للزيادة، وإنما قلت: << لكم>> و<<في ~~القصاص>> نائبان عنه لأن ما تعلق به الظرف الخبري خبر ثان. نعم تعلقه ~~بالظرف لنيابته عما يتعلق به، وفضل في القصاص حياة مع أنه إيجاز قصر على ما ~~كان عندهم أوجز كلام في هذا المعنى مع أنه إيجاز قصر وحذف، وهو قولهم: ( ~~القتل أنفى للقتل ) بأشياء الأول قله حروفه، ms381 فإن حروفه مع التنوين أحد عشر ~~حرفا وقد لا يعتبر التنوين لحذفه في الوقف، وحروف <<القتل أنفى للقتل>> ~~أربعة عشر أعني الحروف الملفوظ بها، وتعد فيه (همزة الوصل)، لأنه ابتدئ بها ~~فثبتت، والإيجاز يتعلق باللفظ لا بالكناية، ولو كان بالكناية لعد (ياء) في ~~القصاص، وهمزته مع أنهما محذوفان وصلا، فتكون حروفه ثلاثة عشر. PageV02P101 الثاني: النص على المطلوب وهو الحياة، ~~ولا نص عليه في قولهم <<القتل أنفى للقتل >> بل يدل عليه التزاما، لأن نفي ~~القتل يستلزم ثبوت الحياة المنفية بوجوده لا الحياة مطلقا، لأنه يموت الحي ~~أيضا بلا قتل، وانتفاء القتل ليس مطلوبا لذاته بل لطلب الحياة، والنص على ~~المطلوب أعون على القبول، وإن قلت: الدلالة عليه باللزوم سلوك طريق ~~البرهان، وهو فن من بلاغة الكلام. قلت: إنما ذلك إذا لم يقتض المقام ~~التصريح والتخصيص ليرغب العام والخاص في تلك الحياة ويحافظ الجميع عليها، ~~ومقام الآية يقتضي ذلك. # الثالث: ما يفيده تنكير <<حياة>> من تعظيمها؛ وذلك أن القصاص مانع لهم ~~عما كانوا عليه من قتل بواحد وعظيم لم يلزمه دم المقتول بحقير وقتل غير ~~القاتل، فحصلت لهم حياة عظيمة مع سلامة الأعضاء، فإن القصاص يعم العضو ~~والنفس وهي حياة حاصلة بالارتداع للعلم بالقصاص. # الرابع: ما يفيده تنكير <<الحياة>> من النوعية فإنه لا مانع من كون ~~التنكير للتعظيم والتنويع معا، أي: نوع من الحياة عظيم، كما جمع التعظيم ~~والتكثير والتنكير في قوله تعالى { فقد كذبت رسل من قبلك } (¬1) وذلك النوع ~~هو الحياة الحاصلة للذي يقصد قتله وللذي يريد القتل بالارتداع عن القتل ~~للعلم بالقصاص؛ وهو نوع عظيم من الحياة . # الخامس: اطراد بالحياة القصاص، لأن القصاص مطلقا سبب للحياة، فإن ذلك ليس ~~في قولهم: (القتل أنفى للقتل ) بحسب ظاهره لشموله القتل ظلها ولو كان مرادا ~~فيه، لأن المراد بالقتل فيه القتل قصاصا. PageV02P102 السادس: خلو الآية عن التكرار الحاصل ~~في قولهم: <<القتل أنفى للقتل >> فإن التكرير مرجوح ولو لم يخل بالفصاحة، ~~وإن قلت: في هذا التكرير رد العجز على الصدر وهو من المحسنات، قلت: ms382 إنما ~~يكون من المحسنات المقبولة إذا لم يكن بالتكرير، فقولهم: ولو اشتمل على نوع ~~محسن، لكن اشتمل على مرجوح وهو كونه بالتكرير، والآية خلت عن مرجوح، والخلو ~~منه لا يقاومه وجود راجح معه. # السابع: استغناؤها عن تقدير محذوف، وقولهم: يحتاج لتقدير- أي <<أنفى ~~للقتل>> - من تركه، وليس تقديرا مستغنى عن استحضاره، وتفضيل القتل على تركه ~~لا على غيره، كالضرب والجرح فلا يفهم بلا تقدير واستحضار. وكونه لم يسد شيء ~~مسده لا يزيل عنه الضعف وترك القتل يشمل كل زاجر، فكأنه قيل : " أنفى من كل زاجر " # الثامن: المطابقة في الآية بالجمع بين القصاص والحياة باعتبار أن في ~~القصاص قتلا، وفي القتل موتا، والموت يقابل الحياة، فالقصاص مشتمل على ~~الموت بالوساطة ، والقتل في قولهم ولو ضاد حياة تفاد من أنفى، لكن ليس ~~تضادهما كالآية ، فإن الحياة بنفسها ظاهرة التضاد بخلاف أنفى. # التاسع: ما فيها من الغرابة؛ وهو أن القصاص قتل وتفويت الحياة، وقد جعل ~~مكانا وظرفا للحياة. # العاشر: سلامتها عن توالي وزن الأسباب الخفيفة التي تنقص سلاسة الكلام، ~~بخلاف قولهم، فإنه كله أسباب خفيفة إلا (لام) القتل الأول و(همزة) أنفى ~~و(نونه) فإنهن كالوتد المجموع، وأما (لام) القتل الأخير فإلى السبب الخفيف ~~أقرب إما بالوقف على الإشباع فظاهر، وإما بحسبانها وحدها متحركة وصلا ~~فكالسبب المحذوف الآخر، وبالوقف بالسكون يكون كالسبب المحذوف الأخير المسكن ~~لما قبله. PageV02P103 # الحادي عشر: ما في الآية من تقديم الخبر على المبتدإ للاختصاص مبالغة، ~~ولا يقال: إن تقديم الخبر على المبتدإ المنكر مثل " في الدار رجل " لا يفيد ~~الاختصاص لأنا نقول: التنوين للتنويع أو للتعظيم أو لكليهما كما فذلك مسوغ ~~للابتداء فيبقى التقديم الاختصاص، والله أعلم. # باب إيجاز الحذف # هو إما بحذف جزء الجملة سواء أكان الجزء عمدة أو فضلة، وسواء أكانت ~~الجملة كلاما مستقلا أو غير كلام، لأنها لم تستقل كالصلة، وسواء أكان ~~المحذوف مضافا، نحو [ قوله تعالى ] { واسأل القرية } (¬1) أي أهل القرية، ~~وإن قلنا سمي أهل القرية بالقرية مجازا لعلاقة الحلول، أو زعم أحد كداود ~~الظاهري (¬2) PageV02P104 أن القرية اسم ms383 موضوع للمكان المبني المعتاد وموضوع ~~لأهله، أو قلنا كما قال السبكي (¬1) : المراد حقيقة القرية، والسؤال على ~~وجه الإعجاز فلا إيجاز حذف . ولا يقال الأصل عدم هذا الاحتمال لأنا نقول ~~ظاهر اللفظ غير مراد فلا بد من تأويل، فكما أن الأصل عدم هذا الاحتمال ~~نقول: الأصل عدم المجاز؛ وإنما عددت المضاف المفعول وهو فضلة جزء الجملة ~~بناء على أن الفضلة جزء من الجملة كالعمدة، ف(الياء) من قولك: " الله ربي " ~~جزء الكلام، وكذا المفعول به والحال وغيره؛ وذلك مذهب بعض، ومذهب ابن ~~الحاجب: أن الفضلة ليست جزءا من الكلام. أو كان منعوتا، نحو قوله: [ أي قول ~~سحيم بن وثيل الرياحي (¬2) ] : [ من الوافر ] # أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني (¬3) PageV02P105 # ... أي: أنا ابن رجل جلا الأمور أي كشفها من جلا المتعدي؛ فذلك إيجاز ~~بحذف المنعوت وبحذف المفعول، أو انكشف أمره من جلا اللازم فذلك إيجاز بحذف ~~المنعوت وحذف المضاف، وقيل: جلا علم منقول من فعل وفاعل مستتر فلم ينون كما ~~لا ينون سائر الأعلام المركبة من فعل وفاعل مستتر، وفيه السلامة من حذف ~~المنعوت بالجملة ولو لم يكن بعض اسم مجرور ب(في) أو ب(من)، ولو كان علما ~~منقولا من الفعل وحده لنون، لأنه وزن لا يختص بالفعل، لأنه كجبل وعسل وفرح ~~بفتح (الراء) من الأسماء. وطلاع الثنايا ركاب لصعاب الأمور مجاز عن صعاد ~~العقبات، ومعنى <<متى أضع العمامة>> تعرفون متى أضع عمامة الحرب وهي البيضة ~~أو المغفر على رأسي تعرفوا شجاعتي، أو متى أحط العمامة عن وجهي الساترة له ~~عرفتموني ولم تجهلوا وجهي لشهرتي.أو كان نعتا، كقوله تعالى { وكان وراءهم ~~ملك يأخذ كل سفينة غصبا } (¬1) أي كل سفينة غصبا أي كل سفينة صحيحة، أو كل ~~سفينة سليمة، أو كل سفينة غير معيبة، أو نحو ذلك بدليل فأردت أن أعيبها، ~~فإنه يدل على أم الملك لا يأخذ المعيبة . أو كان شرطا، نحو قوله تعالى { هو ~~الولي } (¬2) PageV02P106 أي إن أرادوا وليا فالله هو الولي أو كان ~~جوابا فيكون من حذف الجملة وإبقاء قيدها، ms384 وذلك إذا احتاج الكلام إلى ~~تقديره. وأما قولك: " زيد قائم إن أقامه الله " فلا حاجة فيه إلى التقدير، ~~كما مر. وقال الكوفيون: يجوز جعل ما تقدم جوابا مقدما وحذف الجواب لمجرد ~~الاختصار أو للدلالة على أنه شيء لا يحيط به الوصف، أو لتذهب نفس السامع كل ~~مذهب ممكن، وأكثر حذفه يكون لهذه الثلاثة ولاختبار مقدار تنبه السامع وغير ~~ذلك. مثل حذفه للاختصار قوله تعالى { وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما ~~خلفكم لعلكم ترحمون } (¬1) أي أعرضوا بدليل إلا كانوا عنها معرضين، ومثال ~~حذفه للدلالة على أنه لا يحيط به الوصف، أو لتذهب نفس السامع كل مذهب ممكن، ~~قوله تعالى { ولو ترى إذ وقفوا على النار } (¬2) PageV02P107 أي لكان كذا وكذا، أو لرأيت ما ~~يكل عنه وصفك، أو لرأيت أمرا عظيما؛ فحذف ليدل حذفه على أنه لا يحيط به ~~الوصف، أو حذف لتذهب نفس السامع إلى كل ممكن فتقدره جوابا على سبيل البدلية ~~أو بمرة ، وقال في عروس الأفراح (¬1) يحتملها ويحتمل الاختصار قوله تعالى { ~~وإذا قيل لهم اتقوا } (¬2) أي 30 إذا قيل لهم ذلك فعلوا ، أو قالوا ما لا ~~يحيط به الوصف وحذف لذلك ، أو القصد أن تذهب نفس السامع كل مذهب ممكن ، أو ~~للاختصار ، ولا مانع من اجتماع ذلك كله ، فإن النكت التي لا تضاد لا يمنع ~~اجتماعها إلا أنه يظهر أن الحذف للدلالة على عدم إحاطة الوصف إنما هو في ~~أمر موهوب أو مرغوب فيه في مقام الوعيد أو الوعد وليس قوله تعالى { وإذا ~~قيل لهم اتقوا ما بين } إلى آخر الآية هو ما يلي { أيديكم وما خلفكم لعلكم ~~ترحمون } (¬3) تأمل واعلم أن الحذف لذهاب نفس السامع كل مذهب ممكن ، والحذف ~~لعدم إحاطة الوصف مفهومهما مختلف، وما صدقهما متحد يقصدهما البليغ معا ~~تارة، ويقصد أحدهما وحده تارة ، ويقصد الذهاب كل مذهب ممكن يكمل الترغيب أو ~~الترهيب ، أو بالدلالة على عدم إحاطة الوصف أو بهما والكمال بقصد الذهاب أو ~~بهما أظهر وإن قلت إذا قدرت في آية الأنعام لرأيت ما ms385 يكل عنه وصفك أو لرأيت ~~أمرا عظيما، فالذهاب وعدم الإحاطة يفيدهما هذا المقدر، قلت : إذا ذكر دل ~~على ذلك بنفسه وإذا حذف دل على ذلك حذفه ، ألا ترى أنه إذا قلت لعبدك: " ~~والله لئن قمت يا فاجر " ذهبت نفسه كل مذهب بالحذف ولو كان الجواب الذي يقدره PageV02P108 السيد عدابا مخصوصا إذا حذفه ~~لذلك. وقال عصام الدين:إن قلت: هل يقدر في النظم جزاء بلا قرينة فيكون عبثا ~~لعدم فهم السامع، فهو بمنزلة التكلم بما لا يفهم أو لا يقدر، فكيف يلغى ما ~~لا يصح السكوت عنه ؟ قلت: هذا إشكال قوي وأظن أنه إذا لم تنصب قرينة على ~~الخصوص يقدر مبهم، فالتقدير أفعل شيئا هو الغاية في ذلك، فحذف مثل هذا ~~الجزاء لتذهب النفس كل مذهب ممكن بخصوصه، أو للإشارة إلى أنه لا يحيط الوصف ~~به، أو كان المحذوف مفعولا به أو تمييزا أوحالا أوظرفا أو غيرهن من الفضلات ~~أو مبتدأ أو خبرا أو فعلا، وأما استتار الفاعل أو النائب مع تقدم المرجع ~~وخفائه ومع عدم تقدمه ودل عليه دليل كالتنازع. # فمن إيجاز القصر نحو: " قاموا وفرح الزيدون "، أو كان المحذوف عاطفا أو ~~معطوفا أو كليهما، نحو: قوله تعالى { لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح ~~وقاتل } (¬1) PageV02P109 أي: ومن أنفق من بعده ~~وقاتل بدليل قوله { أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا } (¬1) ~~ويحتمل أن لا حذف بأن يكون المعنى لا يستوي بعض من أنفق قبل الفتح، وقاتل ~~مع البعض الآخر منهم لتفاوتهم في الإنفاق والإخلاص ، ويكون قوله تعالى { ~~أولئك أعظم درجة } (¬2) بمعنى أنهم مع تفاوت درجاتهم أعظم من الذين أنفقوا ~~من بعد وقاتلوا ، أو كان المحذوف جملة لا تستقل كلاما كحذف الصلة بجملتها ~~حيث ورد أو بعضها ، نحو: " جاء الذي أفضل أهل عصره " أي الذي هو أفضل ، ~~ونحو " إن قمت وإلا قتلتك " أي وإلا تقم ؛ فحذف الشرط إلا بعضه وهو (لا ~~النافية) ، أو كان كلاما مستقلا مسببا عن سبب مذكور، كقوله تعالى { ليحق ~~الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون ms386 } (¬3) أي فعل ما فعل في تقوية ~~المؤمنين ونصرتهم وتضعيف الكافرين وخذلانهم لهذه الغاية التي هي إحقاق الحق ~~أي إثباته وهو دين الإسلام، وإبطال الباطل وإزالته وهو دين الكفار . ويجوز ~~أن يطلق على << يحق الحق ويبطل الباطل >> إنه مسبب لجملة محذوفة هي سبب وهي ~~ما قدرته آنفا ، لأن فعل ذلك سبب لحقية الحق وبطلان الباطل ؛ إذ كل علة ~~غائية يصح أن يطلق عليها اسم السبب واسم المسبب ، لأنها علة في الأذهان ~~معلولة في الأعيان . ويجوز تعليقه بيقطع فلا حذف، وكقول أبي الطيب (¬4) [ ~~يذكر مسيره من مصر ويرثي فاتكا من البسيط ]: # أتى الزمان بنوه في شبيبته ... فسرهم وأتيناه على الهرم # أي فأساءنا، وهذا آخر القصيدة، ومنها قوله: # غاض الوفاء فما تلقاه في عدة ... وأعوز الصدق في الأخبار والقسم # سبحان خالق نفسي كيف لذتها ... فيما النفوس تراه غاية الألم PageV02P110 الدهر يعجب من حملي ~~نوائبه ... وصبر نفسي على أحداثه الحطم # وقت يضيع وعمر ليت مدته ... في غير أمته من سالف الأمم # ومنها قوله: # هون على بصر ما شق منظره ... فإنما يقظات العين كالحلم # ولا تشك إلى خلق فتشمته ... شكوى الجريح إلى الغربان والرخم # وكن على حذر للناس تضمره (¬1) ... ولا يغرك منهم ثغر مبتسم # ومنها: ... ... # من اقتضى بسوى الهندي حاجته ... أجاب كل سؤال عن هل بلم # يعني يقول لكل قائل: هل ظفرت لم أظفر .ومنها: # ولم تزل قلة الإنصاف قاطعة ... بين الرجال ولو كانوا ذوى رحم # ... ... # ... ... أو كان المحذوف جملة مستقلة سببا لمذكور قوله تعالى { فانفجرت } (¬2) PageV02P111 أي: فضربه بها فانفجرت؛ فحذف العاطف ~~والمعطوف، أو فانفجرت؛ فحذف الجار والمجرور ، أو إن ضربت فقد انفجرت ؛ ~~فالمحذوف للشرط وأداته فيكون انفجرت بمعنى تنفجر ، أو بولغ في ترتب ~~الانفجار على الضرب حتى كأنه إذا وجد الضرب فقد وجد الانفجار قبله ، أو ~~يؤول على تقدير الحكم كما قال ابن الحاجب: ترتب الجواب على الشرط إما ~~باعتبار معناه ؛ مثل " إن قام زيد يقم عمرو " وإما باعتبار الحكم ؛ مثل " ~~إن تعتد علي بإكرامك الآن فقد أكرمتك أمس " أي: فاحكم الآن بإكرامك أمس ms387 ~~فأثبت الآن إكرامي معتدا، والحكم التنجيزي متأخر عن الضرب، قال الله تعالى ~~{ إن يسرق فقد سرق أخ له } (¬1) أي حكم بمساواة جميع السرقة الكائنة من قبل ~~، أو حذف الجواب وناب عنه علته أي فلا بدع ، لأنه قد سرق أخ له من قبل . PageV02P112 ~~ومثل ( الفاء ) في قوله تعالى { فانفجرت } تسمى فصيحة في وجه العطف على ~~محذوف، وقيل: في وجه تقدير الشرط، وقيل: على التقديرين، ورجحه السيد وسميت ~~بفصيحة لإفصاحها عن معناها في الأكثر للفصيح لا لغيره، أو لأنها لا ترد من ~~الفصيح لعدم معرفة غيره بموردها، أو كان المحذوف غير سبب وغير مسبب، كقوله ~~تعالى { فنعم الماهدون } (¬1) إذ قدرنا المخصوص بالمدح وجعلناه مبتدأ محذوف ~~الخبر أو خبرا محذوف المبتدإ، وقال ابن هشام لا يحذف الخبر وجوبا إلا إذا ~~سد شيء مسده، أو كان المحذوف جملتان أو ثلاثا أو أربعا فصاعدا كقوله تعالى ~~{ فأرسلوني يوسف } (¬2) أي فأرسلوني إلى يوسف لأستعبره الرؤيا فأخبركم ~~بتعبيره ، فأرسلوه، فأتاه وقال له : يا يوسف، فالمحذوف خمس جمل مع ~~متعلقاتها ومتعلق << أرسلون >> بل حرف النداء بمنزلة جملة أدعو، والمحذوف ~~كما علمت إما مع قيام شيء مقامه كما مر في { فقد سرق أخ له من قبل } (¬3) PageV02P113 في ~~أحد أوجه.وقوله تعالى { وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك } (¬1) أي فاصبر، ~~أو فلست بأول مكذب، أو لم يقدح التكذيب في رسالتك، لأنه قد كذبت رسل من ~~قبلك، فإن تكذيب الرسل متقدم على تكذيبه - صلى الله عليه وسلم - فليس جزاء ~~الشرط، بل هو سبب لمضمون الجزاء المحذوف، وجاز حذف الجواب مع إن الشرط ~~مضارع مجرد من( لم)، لأنه قد ناب عنه ما ناب، فكأنه لم يحذف؛ فلا يقال: ~~حذفه حينئذ يختص بالضرورة، بل أجازه الكوفيون غير الفراء في غير الضرر بلا ~~شرط، وقوله تعالى { واسأل القرية } (¬2) أي أهل القرية، ناب << القرية >> ~~عن أهل، والله أعلم. # باب أدلة الحذف # هن كثيرة بالنظر إلى تعيين المحذوف، وأما بالنظر إلى مجرد الحذف فالدليل ~~واحد وهو العقل، ولا بد من دليل على المحذوف ولو قام شيء ms388 مقام المحذوف، لكن ~~الدليل غير متعدد بكثرة بل قليل فيما قيل، فالعقل في تلك الأدلة كلها بل قد ~~يتجرد العقل، فمن الأدلة المقام فإنه يدل على تعيين المحذوف مع العقل الدال ~~على مطلق الحذف، كقوله تعالى { حرمت عليكم الميتة } (¬3) PageV02P114 فالعقل دل على أن هنا حذفا، لأن الأحكام ~~الشرعية تتعلق بالأفعال دون الأعيان، والمقام يدل على أن المحذوف تناول تلك ~~الأشياء الشاملة للأكل وشرب الألبان، إذ لا معنى لتعلق التكليف بالذوات ~~لعدم القدرة عليها؛ هذا مذهبنا ومذهب المعتزلة والأشعرية العراقيين، وقال ~~جمهور الأشعرية:إن تعلق الأحكام حقيقة يراد بها تحريم العين كالخمر ~~والخنزير، وقال السبكي: الحل والحرمة وسائر الأحكام عند الأشعرية ليست من ~~صفات الأعيان، وذهب من ينتمي إلى أبي حنيفة من علماءالكلام إلى أنها صفات ~~للمحال، وينبني على المسألة أن حرمت عليكم أمهاتكم ونحوه، هل هو مجمل ؟ فمن ~~قال بالثاني نفى الإجمال ويلزمه الوقوع فيه، لأن الذات إذا كانت محرمة ~~ينبغي أن يضاف التحريم إلى كل ما لاقاها من الأفعال حتى يحرم النظر إلى ~~الأم وغير ذلك مما لم يقل به أحد، ومن قال بالأول أثبت الإجمال غير أنه ~~يدعي في اللفظ عرفا ما يقتضي بأن المراد الفعل المقصود من الذات لا نفسها، ~~قال: وعندنا أن المعقود عليه في النكاح منفعة البضع، ولا نقول: إنها في حكم ~~الأجزاء، وقال أبو حنيفة: عين المرأة يوصف بالحل، فالخلوة لا تقرر المهر ~~عندنا يعني الشافعية ومن معهم لعدم استيفاء المنفعة، والخلوة لا تقتضيها، ~~والحر لا يدخل تحت اليد، وهم لما قالوا المعقود عليه عينها جعلوا نفسها من ~~التمكن بالخلوة كافيا. ومن الأدلة العقل إذا دل على الحذف وعين المحذوف، ~~كقوله تعالى { وجاء ربك } (¬1) فالعقل يدل على امتناع المجيء عن الله عز ~~وجل، ويدل على تعيين المراد، أي جاء أمر ربك، أي: ما أمر به ربك، والأمر ~~أعم من العذاب، وإن قدر وجاء عذاب ربك، فقيل ما يعذب به. PageV02P115 قال عصام الدين: فلا يقال الأمر والعذاب أمران معنويان لا مجيء ~~لهما، قلت: لا مانع من ms389 إبقائهما على المصدرية لأن المعنوي يوصف بالمجيء ~~مجازا، ولا يقال إن إدراك العقل لكون المقدر أحد هذين الأمرين لا تستقل فيه ~~دلالته بل يحتاج إلى قرينة؛ كون هذا يوم القيامة الذي لا يناسبه إلا ما ~~ذكر، لأنا نقول العقل استقل بإدراك أن الله جل وعلا لا يوصف بالمجيء، وأنه ~~لا ينبغي بعد امتناع مجيئه إلا مجيء أمره سواء كان ذلك دنيا أو أخرى. وأما ~~مجيء ملائكته فقد ذكر بقوله: والملك، ولكن الواقع في الآية أن ذلك يوم ~~القيامة لقوله { إذا دكت الأرض دكا دكا } (¬1) وقوله { وجيء يومئذ بجهنم } ~~(¬2) بل هذا يناسب أن العذاب على معنى المصدر لا معنى المعذب به وإلا كان ~~ذكر جهنم ذكر خاص بعد عام وهو جائز ، ثم إنه لا مانع من تقدير المحذوف خاصا ~~نحو " وجاء جند ربك القائم بتعذيب العاصي" أو " عبيد ربك القائمون بذلك ~~كالملائكة " على أن يراد بالملك بعد ملائكة غير العذاب ، وتقدير الأمر أولى ~~لشموله .وقدر بعضهم في { حرمت عليكم الميتة } (¬3) PageV02P116 حرم عليكم أمر الميتة. # ومن الأدلة العقل على الحذف المطلق والعادة على التعيين، كقوله تعالى { ~~فذلكن الذي لمتنني فيه } (¬1) فالعقل دل على مجرد الحذف، إذ لا معنى للوم ~~على ذات الشيء وإنما يلام على أفعاله ، وأما عين المحذوف فإما حب، أي في ~~حبه لقوله، قد شغفها حبا ، وإما مراودة، أي: في مراودته، لقوله تعالى { ~~تراود فتاها } (¬2) ، وأما شأن فيعمهما والعادة المتقررة عند المحبين دلت ~~على تقدير مراودة لأن الحب المفرط لا يلام صاحبه عليه في تلك العادة لقهر ~~الحب المفرط صاحبه فلا يقدر في حبه، فيكن قد لمنها على الحب المفرط ولا ~~يقدر في شأنه، لأنه يشمل الحب المفرط ، وإن قدر في شأنه وأريد به المراودة ~~فقط جاز ، وإنما يلام على الحب المفرط عند غير المحبين غفلة عن كونه ليس ~~بنقص فإن لام عليه المحبون فللوازمه . PageV02P117 ومن أدلة تعيين ~~المحذوف مشارفة الشروع في الفعل نحو ( بسم الله الرحمن الرحيم ) فالجار ~~والمجرور دالان على مجرد الحذف، إذ لا بد لهما من متعلق ms390 يدرك ذلك من أدرك ~~معنى الجار ولو لم يكن نحويا، لأنه يدرك أنه لا بد من معنى يرجع إليه الجر ~~فذلك هو التعلق، وذلك بالعقل فعند القراءة ( بسم الله الرحمن الرحيم ) أقرأ ~~وهكذا؛ وذلك مذهب البيانيين، قيل: والنحاة يقدرون ابتدئ وليس كذلك، بل ~~النحويون بعض يقدر ابتدئ وبعض يقدره اشرع فيه كافر. أو من أدلة تعيين ~~المحذوف بعد دلالة العقل على أصل الحذف الاقتران بعد وجود بعض الفعل أو جله ~~أو وجوده كله متصلا بالكلام أو قريبا من الاتصال، كقولهم للمعرس وهو ~~المتزوج أي المتخذ للعرس وهي الزوجة: " بالرفاه والبنين " وهو دعاء ~~الجاهلية حيث يحترزون عن البنات بالبنين، وقد ورد النهي عنه، والرفاه ~~الصلاح والالتئام بين الزوجين أي أعرست بالرفاه والبنين ، والله أعلم . # باب الإطناب بالإيضاح بعد الإبهام # يكون بالإيضاح بعد الإبهام ليرى المعنى في صورتين مختلفتين: أحدهما مبهمة ~~والأخرى موضحة، وعلمان خير من علم واحد لا باعتبار التمكن في النفس ولا ~~باعتبار اللذة، بل لزيادة العلمين في نفسهما من حيث أنهما علمان اثنان لا ~~واحد، وذلك عند كون المقام مقام إدراك الشيء على حقيقته والإحاطة بجوانبه؛ ~~كمقام افتخار بالعلم ومقام التعلم أو التعليم بحيث لا يقع فيه جهل بوجه ما ~~ولا خطأ من المتعلم أو السامع، فيناسبه تعلق علمين به إن قلنا: إن هنا ~~علمين من جهتين أو إيهام علمين إن قلنا بخلاف ذلك. PageV02P118 # ويكون الإطناب بالإيضاح بعد الإبهام ليتمكن في نفس السامع فضل تمكن عند ~~اقتضاء المقام، لكون المعنى ينبغي أن يملأ به القلب لرغبته أو لرهبته، أو ~~أن يحفظ لتعظيم وعدم استهزاء، أو عمل به، أو نحو ذلك لما جبلت النفس عليه ~~من أن الشيء إذا ذكر مبهما ثم بين كان أوقع عندها، لأن الإشعار به إجمالا ~~يقتضي التشوق إليه ولاشيء إذا جاء بعد التشوق يقع في النفس فضل وقوع ويتمكن ~~أي تمكن. PageV02P119 # ويكون الإطناب بالإيضاح بعد الإبهام لتكمل لذة العلم للسامع لأن نيل ~~الشيء بعد الشوق والطلب ألذ، وذلك أنه إذا أجمل أشعر بالشيء. والفرق بين ms391 ~~التمكن واللذة في العلم بحسب مفهوميهما واضح ولو كان الشوق بالإجمال سبب كل ~~منهما، ومقام الأول كالافتخار والتعليم والتعلم كما مر، ومقام الثاني ~~كإمالة نفس السامع إلى ما يلقيه المتكلم حيث يأتي به بهذا الطريق، فيكون ~~حديث المتكلم مما يراد فيه لا مما يكره وينفر عنه، قال الله تعالى { قال رب ~~اشرح لي صدري } (¬1) فإن <<اشرح>> يفيد بقوله<< لي>> طلب شرح شيء ما للطالب ~~سواء جعلنا (اللام) للتعدية أو للتعليل، و<<صدري >>يفيد تفسير ذلك الشيء، ~~ف<<لي>> يشير على مبهم، وذلك أن <<لي>> يشير إلى شيء يثبت للمتكلم زيادة ~~على طلب اشرح له، ولا يكفي في ذلك وإلا كان كل فعل مع مفعوله المتأخر ~~إبهاما وتفسيرا، فأنت خبير بأنه سواء في الإبهام أن يكون مفهوما أو مذكورا، ~~وأيضا فإن (الياء) في <<صدري>> تغني عن (الياء) في <<لي>> والشرح من حيث ~~أنه مشعر بالحسن والرغبة فيه يغني عن (لام) <<لي>>، ف<<لي>> إطناب مع الشيء ~~المفهوم منه، لأن الشرح بما يضره ولو كان ممكنا لكن بعيد، والإنسان العاقل ~~ولا سيما نبي لا يطلب لنفسه ضرا؛ فلا يقال إن <<لي>> ليس إطنابا بل تقييد ~~ب(لام) النفع واحترازعن الضرب، فأنت خبير بأنه لا حاجة إلى جعل <<لي>> نعتا ~~لشيء محذوف، و<<صدري>> بدلا منه لتكلفه مع الغنى عنه بوجود الإطناب بدونه، ~~والآية إيضاح بعد إبهام ليرى المعنى في صورتين مختلفتين، أو ليتمكن في ~~النفس أو لتكمل لذة العلم، وإن قلت: هذا الكلام قاله موسى - عليه السلام - ~~لله تبارك وتعالى وعز وجل، ولا يناسب أن يقال: تكلم إلى الله بعلمين على ~~أنهما بالنسبة إليه خير من علم واحد، ولا أن يقال: تكلم له بما يتمكن عنده ~~ولا تكلم له بما يلتذ به الله تعالى بعلمين على أنهما بالنسبة PageV02P120 إليه خير من علم واحد، ولا أن يقال تكلم له بما ~~يتمكن عنده، ولا تكلم له بما يلتذ به الله، تعالى الله عن اللذة والجهل وعن ~~كل نقص قلت:أجيب بأن المراد أنه لو خوطب بذلك إنسان لأمكن فيه ما ms392 ذكر. ~~واعترض بأن أصل الكلام أن يؤتى به لما أراده المتكلم وإلا لم يوثق بمفاد ~~الكلام لإمكان تحويله إلى مقصود آخر، وأجيب أيضا بأن المراد هنا لازم ~~المتقدم لعدم إمكان ظاهره، فإن من إمكان لازم سوق الكلام لعلمين الاهتمام ~~به، فإن طلبا لزم التأكيد في السؤال، وكما الرغبة في الإجابة وكذا سوقه ~~للتمكين واللذة من لازمه الاهتمام المسلتزم لكمال الرغبة في الإجابة، وكمال ~~الرغبة والتأكيد في السؤال مناسبان في المقام. # ومن الإطناب بالإيضاح بعد الإبهام ( باب نعم وبئس ) إذا ذكر المخصوص ~~مؤخرا أو جعل خبرا لمحذوف أو مبتدأ لمحذوف لا مبتدأ للجملة قبله، لأنه ~~حينئذ في نية التقديم ليس بعد إبهام في النية، ويحتمل أن يكتفي باللفظ فإنه ~~متأخر فيه ولو نوي في التقديم، فإذا قلت: " نعم الرجل زيد " فقد أوضحت بعد ~~إبهام، ولو قلت: " زيد نعم الرجل " لم يكن كذلك، ولو (¬1) تركت الإطناب ~~لقلت: " زيد نعما "، أو احتلت لترفع إلى زيد ضميرا فتقول: " هو نعما " ولا ~~يجوز على الصحيح " نعم زيد " لأن فاعل نعم إما معرف ب(أل) أو مضمر مميز ~~بنكرة منصوبة أو ب(ما)، ولأن نعم وبئس للمدح أو للذم العام للجنس؛ فمعنى " ~~نعم الرجل زيد " أن زيدا جيد في جميع ما يتعلق بالرجولية إلا أن يقدر " نعم ~~زيد " في الرجولية، والله أعلم. ووجه حسن الإطناب في باب نعم وبئس زيادة ~~على ما مر من تكميل اللذة والتمكن في النفس ورؤية المعنى في صورتين: إبراز ~~الكلام في معرض الاعتدال إذ كان إطنابا بما ذكر، وإيجازا بحذف المبتدإ أو ~~الخبر.وإيهام الجمع بين المتنافيين الإيجاز والإطناب. PageV02P121 وما ذكرت من الاعتدال والإبهام ~~مختلفان مفهوما متلازمان صدقا، وقيل إيهام الجمع بين المتنافيين الإجمال ~~والتفصيل. وإيهام الجمع بين الإجمال والتفصيل غير نفس الإجمال والتفصيل، ~~ولا يخفى أن إيهام الجمع بين المتنافيين من الأمور المستغربة التي تستلذها ~~النفس فيكون ذلك من البديع بقصد مجرد الظرافة والحسن، ومن المعاني باقتضاء ~~المقام مزيد التأكيد في إمالة قلب السامع وإنما قلت: إنه يوهم الجمع بين ~~المتنافيين لأن الجمع ms393 بينهما لم يتحقق لأن حقيقة الجمع بينهما أن يصدق على ~~ذات واحدة وصفان يمتنع اجتماعهما على شيء واحد في زمان واحد من جهة واحدة ~~وهو محال، والجهة في ذلك لم تتحد ويكون الإطناب بالإيضاح بعد الإبهام على ~~التوشيع ويسمى توشيعا، وهو أن يؤتى في عجز الكلام وهو الغالب أو في أوله أو ~~وسطه بمثنى أو جمع مفسر بما تعاطف، قال عصام الدين أو بلا تعاطف، ومثاله ~~بدون تعاطف " يشيب ابن آدم وتشب فيه خصلتان: إحداهما الحرص والأخرى طول ~~الأمل " أو " وهما (¬1) الحرص وطول الأمل " ، وغير عصام الدين لا يسمي ذلك ~~بلا عطف توشيعا ، ومثاله بالعطف " يشيب ابن آدم وتشب فيه خصلتان الحرص وطول ~~الأمل " ومعنى تشب ( بكسر الشين وتشديد الباء ) تقوى وتنمو كما يكون الشيء ~~في زمان الشباب ، ولفظ الحديث ( يهرم ابن آدم ويشيب معه اثنان الحصر على ~~المال والحرص على العمر ) ومعنى يشيب أنه يصحبانه في شيبه لا يزولان ، وفي ~~<<جامع>> السيوطي يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنان : حب المال وطول العمر ، أي ~~وحب طول العمر وكقوله : [ من الطويل ] # سقتني في ليل شبيه بشعرها ... شبيهة خذيها بغير رقيب # فما زلت في ليلين شعر وظلمة ... وشمسين من خمر ووجه حبيب PageV02P122 ... وشبيهة خديها فاعل سقتني وهي ~~الخمر والتوشيع اسم للإتيان بذلك الكلام واسم أيضا لذلك الكلام وهو <<لغة ~~لف القطن المندوف>>، ووجه المناسبة ( لف وندف ) أعني إجمالا وتفصيلا ولو ~~كان فيه اللف سابقا على الندف عكس اللغوي. # ويكون الإطناب بالإجمال بعد التفصيل لما مر من التمكين واللذة ورؤية ~~المعنى في صورتين كقوله تعالى { فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم ~~تلك عشرة كاملة } (¬1) # باب الإطناب بالعطف # بذكر الخاص بعد العام وبالعكس PageV02P123 تنبيها على مزية الخاص ~~حتى كأنه ليس من جنس العام، فينزل تغاير الصفة منزلة تغاير الذات حتى إن ~~ذلك يكون بالعطف وأصل العطف التغاير، كقوله تعالى { حافظوا على الصلوات ~~والصلاة الوسطى } (¬1) وسواء كان العطف على العام كالآية، أو على غيره ~~كقوله تعالى { من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل ms394 وميكائيل } (¬2) ؛ ~~فجبريل معطوف على لفظ الجلالة وهو الأصح أو على رسله لا على ملائكته وهو ~~العام ، ويجوز أن يكون المراد بالرسل: ما يشمل رسل الملائكة فيكون العطف ~~للخاص على العام وسواء في المزية الزيادة في الخير كالآية أو في الشر، وليس ~~من ذلك "جاءني رجل وزيد وعمرو " ولا " جاء رجلان زيد وعمرو " ، ومن العكس " ~~جاء زيد ورجال " . # باب الإطناب بالتكرير PageV02P124 لنكتة فهو إطناب لا تطويل، والنكتة كتأكيد ~~الإنذار والردع في قوله تعالى { كلا سوف تعلمون* ثم كلا سوف تعلمون * } ~~(¬1) ذكر الإنذار وأكد الثاني ب<<ثم >>الدالة على البعد الرتبي هنا، فهو ~~قولك: وكلا والله لسوف تعلمون، وإنما عد هذا تكريرا أن الثاني أبلغ لأن أصل ~~الجملتين واحد، وإنما زاد الثانية المبالغة بما زيد عليها، وقال عصام ~~الدين: كون الثانية أبلغ باعتباره زيادة اهتمام المنذر به، لأنه زاد في ~~المفهوم شيء . وكنفي التهمة مثل قوله تعالى { وقال الذي آمن ياقوم اتبعوني ~~أهدكم سبيل الرشاد* ياقوم إنما هذه الحياة الدنيا } (¬2) كرر النداء مع أنه ~~يكفي الأول للجملتين وما وما اتصل بهما للتنبيه على نفي التهمة ، ووجه ~~نفيها أن المتكلم من قومه إذ أضافهم لنفسه فلا يريد لهم إلا ما أراد لنفسه ~~، وككون معنى متعلق الفعل المذكور مختلفا واللفظ الدال على ذلك المتعلق ، ~~فإن في تكريره إفادة التنبيه على كل معنى بخصوصه والمقام يقتضيه، كقوله ~~تعالى { فبأي آلاء ربكما تكذبان } (¬3) فإنه كرر أثر ذكر النعم في السورة ~~المذكورة مختلفة، والمقام يقتضي التنبيه على كل نعمة يقام بشكرها بخصوصها ، ~~وأما ذكره بعد ذكر جهنم وإرسال الشواط من النار فبالنظر إلى أنهما زجر على ~~المعصية فعادا نعمة من حيث الانزجار بهما ، والله أعلم . # باب الإطناب بالإيغال PageV02P125 وهو ختم الكلام ~~في الشعر بما يفيد نكتة يتم أصل المعنى بدونها، فالإيغال بالمعنى المصدري ~~وهو الختم المذكور، ويطلق أيضا على الكلام المختوم به؛ كذا عرفه القزويني ~~(¬1) ، قال عصام الدين : هو تعريف شامل لذكر الخاص بعد العام والتكرير ~~وسائر أقسام الإطناب إذا كان ذلك آخر البيت ، فيكون ألا يقال وهو ms395 من أوغل ~~في البلاد إذا أبعد فيها، وذلك يكون بزيادة المبالغة في التنبيه في قول ~~الخنساء ترثي أخاها صخرا: [ من البسيط ] # وإن صخرا لتأتم السراة به ... كأنه علم في رأسه نار (¬2) # شبهته بالجبل المرتفع الذي هو أظهر المحسوسات في الاهتداء به ، وزادت في ~~التشبيه مبالغة وهو إثبات أن في رأس الجبل المشبه به نارا تزيد ظهورا ، ~~والمراد أنه في الظهور المعنوي في الإشهار بالخصال الكريمة كالجبل في ~~الظهور الحسي ، وزاد بالمعنى ظهورا زيادة كظهور نار علة جبل ليلا ؛ فشبه ~~ظهوره بظهور الجبل نهارا وبظهور نار رأس الجبل ليلا فافهم ، وإلا فلا ظهور ~~للجبل ظهورا واضحا ليلا ، اللهم إلا بظهور ناره من بعيد فيعلم برؤيتها ~~عالية أنها على رأس الجبل وتأتم بألف أو همزة ساكنة وجهان وفتح التاءين ~~وتشديد الميم تغتدي ، ويروى الهداة مكان السراة (¬3) السراة السائرون ~~بالليل ، والهداة الذين يهدون الناس إلى المراشد والمعاني فكيف ~~بالمهتدين.ويكون بتحقيق التشبيه كقول امرئ القيس:[ من الطويل ] # كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب (¬4) PageV02P126 ذوالخباء إرادية الجنس أي حول خيامنا ~~بدليل " وأرحلنا "، لكن لا مانع من خباء واحدة لجماعة، وزعم بعض أن قوله: ~~<<وأرحلنا >> عطف تفسير << والجزع >>لفتح (الجيم) الخرز اليمني الذي فيه ~~سواد وبياض والخرز العقيق شبيه بعيون الوحش ولكن لما كان الجزع المثقب ~~يخالف العيون مخالفة في الشكل زاد قوله الذي لم يثقب ليتحقق التشبيه في ~~الشكل بتمامه ، لأنه إذا كان غير مثقوب كأن العين أشبه به ، قال الأصمعي ~~الظبي والبقرة إذا كان حيين فعيونهما كلها سود بحسب الظاهر ، وإذا ما ماتا ~~بدا بياضهما، وإنما شبهها بالجزع وفيه سواد وبياض بعد موتهما ، فليس كما ~~قيل: إن المعزاة الوحشية ألفت رحالهم لطول مسايرتهم في المفاوز، إذ عيون ~~الظباء البقر في الحياة سود، فليست كالجزع المثقب، وقيل: ألا يقال ختم ~~الكلام بما يفيد نكته يتم المعنى بدونها في الشعر أوفي غيره، كقوله تعالى { ~~اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون } (¬1) فإن المعنى تم بدون قوله تعالى ~~{ وهم مهتدون } ، إذ الرسول مهتد ms396 إلا أن فيه زيادة حث على الاتباع وترغيب ~~في الرسل ، وأصل الحث يفيده " يا قوم اتبعوا المرسلين " الدال على اهتدائهم ~~قاله بعض ، وقد يقال : أن لا يقال وهو قوله اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم ~~مهتدون ؛ إذ الرسول مهتد وغير طالب الأجر لا محالة ، ففيه زيادة حث على ما ~~في قوله تعالى { يا قوم اتبعوا المرسلين } من الحث . والله أعلم. # باب الإطناب بالتذييل PageV02P127 ... وهو تعقيب الجملة بجملة لا محل لها من ~~الإعراب تشتمل على معناها للتوكيد عند اقتضاء المقام التأكيد، ومثله تعقيب ~~الظرف والجار والمجرور بجملة أو مثله، ولا يرد التكرير لأن معنى تعقب ~~الجملة بجملة... الخ أنهما متغاير بأن، ولذا قلنا تشتمل فإنه يتبادر من ~~الاشتمال إذ الثانية تضمنت معنا الأولى وغيره، والتزم عصام الدين أن ~~التعريف صادق بالجملة المؤكدة، نحو " إن زيدا قائم إن زيدا قائم " وإن بين ~~التذييل والتكرير عموما من جهة فافهم، والتذييل أعم من الإيغال من جهة أنه ~~يكون في ختم الكلام وغيره وأخص منه من جهة أن ألا يقال قدر يكون بغير ~~الجملة ولغير التأكيد فهما يجتمعان فيما هو الجملة للتأكيد في ختم الكلام، ~~وينفرد ألا يقال فيما هو بالمجرد وفيما هو لغير التأكيد سواء كان بجملة أو ~~بمفرد، وينفرد التذييل فيما هو في غير ختم الكلام اللفظ المسمى. PageV02P128 # والتذييل قسمان، الأول: خرج مخرج المثل بأن يقصد بالجملة الثانية حكم كلي ~~منفصل عما قبله جار مجرى الأمثال في الاستقلال وفشو الاستعمال، كقوله تعالى ~~{ وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا } (¬1) ، والثاني : لم ~~يخرج مخرج المثل ، وهو لم يقصد بالجملة الثانية فيه ما قصد في الأول ، وذلك ~~أن لا تستعمل الجملة الثانية أو أن يكون الحكم جزئيا ، أو أن يكون كليا لم ~~يفش استعماله فليس خارجا مخرج المثل؛ لأن المثل: كلام مستقل تام نقل عن أصل ~~استعماله إلى ما صلح لمشابهة حال الاستعمال الأول كما في الاستعارة ~~التمثيلية كقولهم : ( الصيف ضيعت اللبن ) يضرب لمن ترك الشيء في أوانه ~~وطلبه في غير أوانه ، وإنما ms397 أخرت هذا القسم لأنه انتفائي ، وبعضهم يقدمه ~~لأنه أشد ارتباطا بالمقصود ، ومثاله قوله تعالى { ذلك جزيناهم بما كفروا ~~وهل نجازي إلا الكفور } (¬2) أن أريد وهل يجازى الجزاء المخصوص وهو إرسال ~~سيل العرم وتبديل الجنتين المذكورتين بقوله { فأرسلنا عليهم سيل العرم } (¬3) PageV02P129 فهو متعلق بما قبله فليس ~~جاريا مجرى المثل في الاستقلال ، وإنما أريد وهل يعاقب بالنار أو مطلق ~~العقاب إلا الكفور ؛ فهو من القسم الأول ويبحث فيه بأن مطلق العقاب أو ~~العقاب بالنار يستحقه الكافر ولو لم يكن كفورا ، بخلاف إرسال سيل العرم ~~وتبديل الجنتين فإنهما واقعة حال يصح أن يقال هل يجازيهما إلا الكفور ؛ ~~والآية من القسم الأول ، ويجاب بأنه قال الكفور تلويحا بأن كل كافر كفور ~~لعظمة حق الله وكثرة نعمه ، هذا ما ظهر لي ويدل لي قوله تعالى { إما شاكرا ~~وإما كفورا } (¬1) فكل من فعل فعلا يسمى كفرا فقد بالغ في الكفر ، وهذا إن ~~شاء الله أولى من قول عصام الدين إن الحصر ادعائي يعني على طريقة العرب في ~~الحصر الادعائي ، وكل من القسمين إما لتأكيد منطوق به كقوله تعالى { وزهق ~~الباطل إن الباطل كان زهوقا } (¬2) فإن الزهوق منطوق به ، فيقوله وزهق ~~الباطل والمادة واحدة مع اتحاد المعنى ولو اختلفتا بالفعلية والاسمية ، ~~وأما لتأكيد مفهوم ، كقول النابغة : [ من الطويل ] # ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب؟ (¬3) PageV02P130 ... ... دل قوله: << ولست بمستبق لا تلمه ~~على شعث >> بمفهومه على أنه لا مهذب من الرجال أي لا كامل منقح الخصال مرضي ~~الفعال، لأنه لو وجد لم يصدق أنه لم يبق لنفسه أخا، وأكد هذا بقوله: <<أي ~~الرجال المهذب>> بالاستفهام الإنكاري وهو نفي، و<<الشعث>>: عدم تعاهد ~~الخصال الحميدة مأخوذة من <<شعث>> وهو انتشار الشعر بعدم إصلاحه، ودهنه ~~استعير للأوساخ المعنوية وهي الأوصاف الذميمة بعد نقله إلى اللازم الذي هو ~~الأوساخ الحسية على طريق المجاز المرسل فيكون فيه مجاز بمرتبتين، ولا ~~<<تلمه>> خال من (تاء الخطاب) لست أو من المستكن في مستبق والفعل، ولو كان ~~أقوى من الاسم في العمل لكنه ms398 هنا جامد؛ ففيه بعض ضعف ومختلف فيه؛ إذ قيل ~~ليس خرفا ومزاحا، ولو كان نكرة لتسويغ العموم إذ كان نكرة في سياق السلب، ~~وقيل: إن دلالة الكلام بمفهومه على نفي المهذب إنما يتضح على أن لا<< ~~تلمه>> حال من (تاء) لست أو المستكن في مستبق لا على غير ذلك إلا ببعد وعدم ~~وضوح، إذ لو جعلناه حالا من أخ أو نعتا له كان المعنى مثلا كل أخ موصوف ~~بأنه على شعث لا تبغيه لنفسك إن لم <<تلمه>> على شعثه، وهذا المعنى لا ~~يقتضي أن لا مهذب وإنما يقتضي أن غير المهذب لا بد معه من الصبر، وأما غيره ~~فلا يحتاج معه إلى الصبر فيصح أن يبق المهذب ولو لم يبق غير المهذب، وجاز ~~ذلك ببعد وعدم وضوح؛ لأنه قد يدعي أنه مفهوم باعتبار ما جرت به العادة في ~~حال الرجال فتكون العادة قرينة على إفادة اللفظ هذا المفهوم، والله أعلم. # باب الإطناب بالتكميل PageV02P131 ... ويسمى الاحتراس لأن فيه الاحتراز ~~عن توهم خلاف المقصود، وإنما سمي تكميلا لتكميله المعنى لدفع خلاف المقصود ~~عن الجملة الأولى؛ وهو أن يؤتى مع كلام يوهم خلاف المقصود بما يدفع الإيهام ~~سواء أكان الدافع وسط الكلام أم آخره، أجملة أم غير جملة، قلت: أو أول ~~الكلام. والتذييل أيضا يدفع الوهم، لأنه للتأكيد إلا أنه يختص بالجملة، ~~والأخير يدفع الوهم بالنسبة، والتكميل لا يختص بشيء من ذلك وبين التكميل ~~والإيغال عموم من وجه، ومثال التكميل قوله [ أي قول طرفة ]:[ من الكامل ] # فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمي (¬1) # ... ... <<غير>> حال من فاعل <<سقى>> وهو<<صوب>>، و<<صوب الربيع>>: نزول ~~المطر في الربيع، و<<الديمة>>: المطر الذي دام ثلث يوم فصاعدا أو أكثره ~~ثمانية أيام، و<<تهمي>>: تسيل، لما كان المطر قد يؤول إلى خراب الديار ~~وفسادها أتى بقوله <<غير مفسدها>> دفعا لما قد يتوهم من أن المراد الدعاء ~~بالخراب. ومعظم الإيهام من قوله <<ديمة تهمي>>، وذكر الديار دون الزرع ~~مثلا، ولا يقال: غير مفسدها متقدم على ديمة تهمي؛ فلا إيهام في ms399 <<ديمة ~~تهمي>> لأنا نقول هو في نية التأخير، بل التحقيق أن المراد بالتكميل: ~~المجيء بدافع الإيهام في أي موضع بأن يكون لولاه لأوهم الكلام، وهنا في ~~وسطه. ومثال آخر قوله تعالى { أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين } (¬2) PageV02P132 أو هم قوله ~~<<أذلة على المؤمنين>> أن ذلهم لضعفهم ، ودفعه بقوله <<أعزة على الكافرين>> ~~تنبيها على أن ذلك تواضع منهم للمؤمنين ، ولهذا عدى الذل ب<<على>> لتضمنه ~~معنى العطف كأنه قيل عطفا على المؤمنين أو عداه على تلويحا على شرفهم وعلو ~~رتبهم، ومع ذلك خفضوا أجنحتهم فلا تضمين ، أو عداه ب<<على>> لمشاكلة ما ~~بعده ، وقيل : المقصود لو أنكم ترجعون عن الإيمان سيأتي الله بقوم أذلة على ~~المؤمنين أعزة على الكافرين، فينقل حالكم من كون هؤلاء القوم متواضعين لكم ~~إلى كونكم أدلة لهم ، ولا بد في إفادة هذا المعنى من ذكر قوله: << أعزة على ~~الكافرين>> فهو داخل في أصل المقصود وليس الإطناب في شيء ، والله أعلم. ... # باب الإطناب بالتتميم # وهو أن يؤتى في كلام لا يوهم خلاف المقصود بفضله آخر أو وسطا، وهو يتناول ~~بعض صور الإيغال. والفرق بين التكميل والتتميم أن النكتة في التتميم غير ~~دفع خلاف المقصود لا أنه يكون في كلام يوهم خلاف المقصود إذ لا مانع من ~~اجتماع التتميم والتكميل. # وتسمية ذلك بالتكميل وهذا بالتتميم مجرد اصطلاح، إذ هما شيء واحد لغة، ~~وقال في عروس الأفراح (¬1) : PageV02P133 يمكن أن يفرق بينهما لغة بأن ~~التكميل استيعاب الأجزاء التي لا توجد الماهية المركبة إلا بها والتتميم ، ~~قد يكون بما وراء الأجزاء من زيادات يتأكد بها ذلك الشيء الكامل ، والفضلة ~~كالمفعول به والحال مما ليس بجملة مستقلة ولا ركن الكلام بأن كان مفرد أو ~~جملة غير مستقلة كجملة الحال والصفة ، ومثال التتميم قوله تعالى { ويطعمون ~~الطعام على حبه } (¬1) والنكتة فيه المبالغة ، وذلك إذا أردنا الضمير في ~~حبه للطعام لأن المقصود حينئذ مدحهم على السخاء بإطعام الطعام وهو متحقق مع ~~حبهم واحتياجهم للطعام وبدونهما لكنه معها أبلغ، وإن جعلنا الضمير لله ~~تعالى فهو لتأدية أصل المراد، ms400 لأن المعنى يطعمون لأجل الله، وهذا نفس ~~المراد إذ لا يحمد الإطعام ويستحق الثناء عليه إذا لم يكن الله ، والله أعلم . # باب الإطناب بالاعتراض # وهو أن يؤتى في أثناء الكلام أو بين كلامين متصلين معنى بجملة أو أكثر لا ~~محل لها من الإعراب لنكتة سوى دفع الإبهام، ومرادي باتصال الكلامين معنى أن ~~يكونا متناسقين أو يكون الثاني بدلا أو تأكيدا، أو معطوفا عطف نسق البيان ~~بالجمل، أو يكون الثاني جملة، أو نحو ذلك، كقوله تعالى { رب إني وضعتها ~~أنثى } إلى قوله (وإني سميتها مريم ) (¬2) PageV02P134 فإنه معطوف على رب إني وضعتها أنثى وجملة النعت ~~المقطوع مما يتصل معنى بالجملة السابقة ، وكذا جواب السؤال الناشئ من ~~الجملة السابقة . ... وذكر بعض أن الاعتراض يشمل بعض صور التذييل والتذييل ~~اعتبر فيه أن يكون للتأكيد، وصرح ابن قاسم أن التأكيد غير دفع الإبهام، ~~وذكر ابن هاشم أن من فوائد الاعتراض التقوية، قال عصام الدين ينتقض التعريف ~~بمعطوف لا محل له من الإعراب بين المعطوف والمعطوف عليه، نحو قوله تعالى { ~~الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين ~~آمنوا } (¬1) فقوله <<يؤمنون>> جملة لا محل لها من الإعراب وقعت بين جملتين ~~متصلتين مع أنهما اعتراضية، كما لا ريبة فيه ، قلت : لا نسلم ذلك بل جملة ~~يؤمنون متصلة أيضا معنى بقوله يسبحون بحمد الله . PageV02P135 ومن نكت الاعتراض التنزيه كقوله { ويجعلون لله ~~البنات سبحانه ولهم ما يشتهون } (¬1) فسبحانه وناصبه وفاعل ناصبه معترضة ~~بين المنطوق عليه وهو لفظ الجلالة ولفظ البنات، والمعطوف وهو لهم وما ~~يشتهون عطف معمولين على معمولي عامل واحد؛ كأنه قيل: ويجعلون لهم ما ~~يشتهون، ولا يقال: كيف صح العامل وهو يجعل المحذوف في ضميرين لواحد وهما ~~(الواو) و(هاء) << لهم>>، لأنا نقول: ليس <<هاء>> لهم معمولة ليجعل بل ~~معمولة لفعل الاستقرار أووصفه والجعل متعد لاثنين بمعنى التصيير ف(هاء) لهم ~~معمولة لمعمول ذلك العامل، لأن فعل الاستقرار أو وصفه معمول للجعل، وإن ~~جعلنا الجعل بمعنى الاعتقاد ففيه هذا الجواب أيضا وزيادة هي أن فعل ms401 القلب ~~يجوز عمله في ضميرين لواحد، وإن جعلنا الجعل متعديا لواحد فالجواب أنه يجوز ~~عمل العامل في ضميرين لواحد إذا عمل في أحدهما بواسطة الجار، نحو { واضمم ~~إليك } (¬2) و { وهزي إليك } (¬3) . # ومن نكت الاعتراض الدعاء كقول عوف الشيباني يشكو ضعفه:[ من السريع ] # إن الثمانين وبلغتها ... قد احوجت سمعي إلى ترجمان (¬4) PageV02P136 ... ~~فجملة وبلغتها معترضة و(الواو) واو الاعتراض، ونكته الاعتراض الدعاء ~~لمخاطبه بطول العمر حتى يبلغ الثمانين ويجاوزها، وذلك دعاء بالخير، فالدعاء ~~بالثمانين ظاهر والدعاء بمجاوزنها دل عليه المقام، وكونه قد جاوزها وهو ~~أراد مماثلة المخاطب له في طول العمر، وكونه لا يحسن أن يريد الدعاء ~~بالبلوغ لها والموت على تمامها، ولا يقال: ذلك يوهم الدعاء عليه بالصمم ~~والحاجة على ترجمان لأني أقول: إنما دعا له بمجرد بلوغ الثمانين، وليس كل ~~من بلغها يلحقه الصمم والحاجة للترجمان، ولعله أراد أن يبلغها صحيحا سالما، ~~ولأنا نقول الغبطة في طول العمر يفتقر معها ذلك الضعف لعدم إمكانه إلا به، ~~ولم أجعل الجملة حال و(الواو) حالية أن الحال لا يجيء من المبتدإ إلا عند ~~سيبويه إذا لم يدخل عليه مقيد ولم يكن اسم إشارة، ولأن الجملة دعائية فهي ~~إنشاء، ولم يصح تقدير القول لأنه إذا قدر فالمانع الأول موجود، ولا يقال: ~~حال مقدمة لأن جملة لا تقدم على صاحبها وعاملها، وقد تلتبس واو الاعتراض ~~بواو الحال فلا يعين أحدهما إلا القصد، فإن قصد كون الجملة قيدا للعامل ~~فحالية وإلا فاعتراضية فيحتملها قوله تعالى { ثم اتخذتم العجل من بعده ~~وأنتم ظالمون * ثم عفونا عنكم * } (¬1) فإن قدر أن المعنى حال كونكم ظالمين ~~بوضع العبارة في غير محلها فحال، وإن قدر وأنتم قوم عادتكم الإعراض والظلم ~~على أنها تقرير لظلمهم مستأنف ولم يقصد التقييد والتوقيت فمعترضة. # ومن نكت الاعتراض التنبيه كقوله: [ من السريع] PageV02P137 ~~واعلم فعلم المرء ينفعه ... أن سوف يأتي كل ما قدر (¬1) # ... وقوله ف<<علم المرء>> معترض للتنبيه و(الفاء) اعتراضية، والذي أرجحه ~~أن تكون (الفاء) للتعليل وليست الجملة اعتراضية، أي واعلم، لأن علم المرء ~~ينفعه وعلى كل حال ms402 أن سوف...الخ مفعول لأعلم أي أنه والضمير للشأن، وذلك ~~مذهب الجمهور، وأجاز سيبويه تقدير ضمير غير ضمير الشأن في قوله تعالى { يا ~~إبراهيم } (¬2) أي إنك يا إبراهيم، وعلى الاعتراض فوجه التنبيه أن المقدور ~~يأتي البتة، وإن وقع فيه تأخير فهذا تسهيل للأمر وتسلية، والقدر يسهل الصبر ~~والتفويض وترك منازعة الأقدار . # والاعتراض يباين التتميم بأن التتميم إنما يكون بفضلة، والفضلة لا بد لها ~~من الإعراب، والاعتراض لا محل له من الإعراب؛ فهذا تباين في اللوازم، ويؤذن ~~بالتباين في الملزومات. PageV02P138 ويباين الاعتراض التكميل لأن التكميل إنما يكون لدفع إيهام ~~المقصود، والاعتراض لا يكون لدفعه. ويباين الإيغال؛ بأن الإيغال لا يكون ~~إلا في آخر الكلام لكنه يشمل بعض صور التذييل، وهذا البعض هو ما تكون ~~الجملة فيه بلا محل وقعت بين جملتين للتأكيد معنى، لأنه كما لم يشترط في ~~التذييل أن يكون بين كلامين لم يشترط فيه أن لا يكون بين كلامين متصلين، ~~فبين الاعتراض والتذييل عموم وخصوص من وجه، وكذا بين الاعتراض وبين الإيضاح ~~والتكرير. والكلام الذي يختصه الإيغال لا بد أن يرتبط بما بعده ارتباط ~~كلامي الاعتراض، وإن قلت: رفع الإيهام توكيد وقد اشترط في الاعتراض أن يكون ~~لدفع الإيهام وفي التذييل أن يكون للتأكيد، قلت: وقد علمت أن التأكيد غير ~~دفع الإيهام، لأن التأكيد يقتضي كون الجملة الثانية متضمنة لمعنى الأولى، ~~وما كذلك دفع الإيهام على أن التأكيد أعم من دفع الإيهام لحصوله مع غيره، ~~وكفى هذا في صحة كونه أعم إذ لا يلزم من نفي دفع الإيهام نفي التأكيد ~~مطلقا، والتتميم أعم من الإيغال من جهة أنه لا يجب أن يكون في آخر الكلام، ~~وأخص منه من جهة أنه لا يجب أن يكون فضلة، وإنما يكون لنكتة سوى الدفع ، ~~ويباين التكميل والتذييل إن اشترط أن لا يكون لهما محل ، قال القزويني (¬1) ~~: ومن الاعتراض بجملتين بين كلامين قوله تعالى { فأتوهن من حيث أمركم الله ~~إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين } (¬2) PageV02P139 معنى له أن الله يحب التوابين ويحب ~~المتطهرين جملتان معترضتان ms403 بين كلامين متصلين معنى؛ إحداهما << فأتوهن من ~~حيث أمركم الله >> والأخرى << نساؤكم حرث لكم >>، ولعله أراد أن قوله: << ~~إن الله يحب التوابين >> جملة ، وقوله << ويحب المتطهرين >> جملة أخرى على ~~أن تعطف هذا على جملة إن واسمها وخبرها عطف فعلية على اسمية . ووجه آخر أن ~~يقدر المبتدأ أو اسم إن؛ أي: والله يحب المتطهرين، فتعطف الاسمية على ~~الاسمية؛ برفع لفظ الجلالة المقدر أو نصبه، وإما أن يعطف <<يحب المتطهرين ~~>>على خبر <<إن>> فلا يظهر مثالا، إذ لأن هناك جملة واحدة الخبر فيها ~~جملتان بالعطف لا جملتان لا محل لهما فالاعتراض بجملة واحدة، لكن لا مانع ~~من أن يريد القزويني مطلق الجملتين فصاعدا سواء لم يكن لهما محل، أو لم يكن ~~للأولى وكان للثانية فيصح التمثيل ولو عطفت الثانية على خبر إن، وعلى كل ~~حال فالحكمة في الاعتراض الترغيب فيما أمروا به والتنفير فيما نهوا عنه. # ومن نكت الاعتراض الاستعطاف والمطابقة كقول أبي الطيب: [ من الكامل ] # وخفوق قلب لو رأيت لهيبه ... يا جنتي لرأيت فيه جهنما (¬1) # ... << فيا جنتي>>اعتراض بين الشرط والجواب للمطابقة بين الجنة وجهنم ~~ولاستعطاف محبوبه بالإضافة إليه، وسماه جنة ليرق له فينجيه من جهنم التي في ~~فؤاده بالوصال، وأجاز قوم أن تكون نكتة الاعتراض دفع إيهام خلاف المقصود، ~~وافترق القوم المجيزون لهذا فرقتين: PageV02P140 # ... الفرقة الأولى: أجازوا وقوع الاعتراض آخر أو قبل جملة لا يتصل معناها ~~بالجملة السابقة، وهذا ذكره الزمخشري في كشافه؛ فالاعتراض عندهم أن يؤتى في ~~أثناء الكلام أو في آخره، أو بين كلامين متصلين أو غير متصلين بجملة فصاعدا ~~لا محل لها من الإعراب لنكتة سواء كانت دفع الإيهام أو غيره ، فيشمل ~~الاعتراض على هذا التفسير التذييل بجميع صوره لأنه يكون بجملة لا محل لها ~~من الإعراب ، وبعض صور الإيغال وهو ما يكون بجملة لا محل لها من الإعراب ، ~~وبعض صور التكميل وهذا البعض هو ما يكون بجملة لا محل لها ؛ فإن التكميل ~~يكون بجملة وبغير جملة،والجملة التكميلية قد تكون ذات إعراب وقد لا تكون ، ~~فبين الاعتراض على ms404 هذا والتكميل عموم من وجه يجتمعان فيما يكون بجملة لا ~~محل لها ، وينفرد الاعتراض بما يكون لغير دفع الإيهام من الجمل والتكميل ~~بغير الجمل وبما لها محل . وأما النسبة بينة على هذا والتتميم فالتباين، ~~لأن التتميم بفضلة، والفضلة لا بد لها من الإعراب، وقيل لأنه لا يشترط في ~~التتميم أن يكون جملة، وهو غلط؛ لأن عدم الاشتراط لا يستلزم اشتراط العدم، ~~وغاية أمره أنه موجب التغاير في المفهوم وهو لا يمنع التضاد، وفي الإفراد ~~الذي هو المراد، كما أن قولك: " الإنسان يباين الحيوان " لأنه لم يشترط في ~~الحيوان النطق غلط، وأما بين الاعتراض على هذا، أو بين الإيغال فالعموم من ~~وجه، وكذا بينه وبين الإيضاح والتكرير. # ... الفرقة الثانية أجازوا الاعتراض بغير جملة، يشمل بعض صور التتميم ~~وبعض صور التكميل وبعض صور التذييل، وهو ما يكون منهن في أثناء الكلام أو ~~بين الكلامين المتصلين؛ فبينه وبينهن عموم من وجه لاجتماعه معهن فيما ذكر ~~وانفرادهما يكون آخر، وهو جملة لدفع الإيهام بالنسبة للتكميل، أو فضلة ~~بالنسبة للتتميم. وأما بينه وبين الإيغال فالتباين، وأما بينه وبين الإيضاح ~~والتكرير فعموم من وجه، والله أعلم. PageV02P141 # ويكون الاعتراض بغير الإيضاح بعد الإبهام ونحوه مما مر كقوله تعالى { ~~الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به } (¬1) فقوله ~~يؤمنون إطناب لإظهار شرف الإيمان ترغيبا فيه ، ولو تركه لكان الكلام مساواة ~~وإنما كان ذكره إطنابا ، لأن إيمان الملائكة لا يجهله يثبتهم ، لأن تسبيحهم ~~وحمدهم يدلان على إيمانهم به تعالى ، وإن قلت: ذكر تسبيحهم وحمدهم أيضا ~~إطنابا مظهرا لشرف التسبيح والحمد ، لأن إيمانهم وحمدهم لا يجهله من ~~يثبتهم، قلت: لا إذ يجوز أن تكون عبادتهم غير التسبيح والحمد ، والله أعلم ~~. وليس قوله يؤمنون به إيضاحا بعد إبهام، ولا تكريرا كما هو واضح، ولا ~~إيغالا إذ ليس ختما للشعر ولا للكلام لأن يستغفرون معطوف على ما قبله، ولا ~~تذييلا لعدم اشتماله على معنى ما قبله بل لازم له؛ وذكر اللازم بعد الملزوم ~~إطناب إذا ظهرت النكتة، ولا تكميلا لأنه ms405 ليس لدفع الإيهام، ولا تتميما لأنه ~~ليس فضلة. وأما أنه ليس من الاعتراض فمشكل إذا بنينا على ما تقرر من أن ~~جملة الاتصال بين الكلامين أن يكون الثاني معطوفا على الأول، ولا شك أن ~~جملة<< يستغفرون>> معطوفة على يسبحون، إلا إن قلنا (واو) قوله: <<ويؤمنون>> ~~اعتراضية لا عاطفة، وذلك ممكن ولو كان الأصل العطف تأمل، والله أعلم. PageV02P142 واعلم أنه قد يوصف الكلام بالإيجاز والإطناب ~~باعتبار كثرة حروفه وقلتها بالنسبة إلى كلام آخر مساو لذلك الكلام في أصل ~~المعنى، وهذا الإيجاز قد يكون إيجازا بالتفسير السابق، وقد يكون إطنابا، ~~وقد يكون مساواة. وكذا هذا الإطناب ولا يوصف بالمساواة بهذا الاعتبار؛ إذ ~~ليست المساواة بهذا الاعتبار مما يدعو إليه المقام، بخلاف الإيجاز ~~والإطناب، قال أبو تمام [ من الطويل ] # يصد عن الدنيا إذا عن سودد ... ولو برزت في زي عذراء ناهد (¬1) # ... ... في النصف الأول إيجاز وفي الثاني إطناب، يصد: يعرض، وعن ظهر ~~والسؤدد بضم (السين ) السيادة وهي أيضا من الدنيا، ويجوز أن يريد من الآخرة ~~والأول أظهر، وقال أبو الحسن الكاتب: # ولست بنظار إلى جانب الغنى ... إذا كانت العلياء في جانب الفقر (¬2) # ... بضم (تاء) لست بدليل قوله قبله: # وإني لصبار على ما ينوبني ... وحسبك أن الله أثنى على الصبر PageV02P143 ... ... يصف نفسه بالميل إلى المعالي؛ يعني أن السيادة ~~مع التعب أحب (¬1) إلي من الراحة مع الخمول، فأراد بالغنى مسببه وهو الراحة ~~وبالفقر مسببه وهو التعب، ويجوز البقاء على الظاهر بل هو أولى،وقوله << ~~ولست بنظار >> ( البيت ) إطناب. بالنسبة إلى قول أبي تمام يصد عن الدنيا ~~إذا سؤدد وهذا الشطر إيجاز بالنسبة إلى قوله:<< ولست بنظار>>، وقد ساوى ذلك ~~الشطر هذا البيت في أصل المعنى، وهو الصد عن الدنيا ولو تمكن منها، والمراد ~~بالدنيا: المال، أي: لا يمسك المال إذا كان السؤدد وهو العلياء في عدم ~~إمساكه بل ينفقه في السؤدد، وإن لم يقبضه وكان السؤدد في عدم قبضه ممن ~~يعطيه أقام على عدم قبضه، هذا ما ظهر لي، فلا يقال: إن الشطر يفهم الصد عن ms406 ~~الدنيا إذا ظهر سؤدد، ولو في جانب الغنى يكون منظوره السؤدد دون ما صاحبه ~~من الغنى إذ لا يقيد فيه ظهور السؤدد بجانب الفقر، بخلاف البيت، ومعنى نظار ~~صاحب نظرا والبالغة راجعة إلى النفي. # ويقرب من الإيجاز والإطناب بالاعتبار المذكور قوله تعالى { لا يسأل عما ~~يفعل وهم يسألون } (¬2) مع قول الحماسي: [ أي قول السموأل ] [ من الطويل ] # وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول (¬3) # فالآية إيجاز بالنسبة إلى البيت، وأراد بقولهم كل ما قالوه، وبالقول ~~الجنس الصادق، وبالواحد كما يقتضيه المقام أي لو شيئا لغير عامل الناس كل ~~قول قالوه، ولا يقدرون أن يغيروا علينا ولو قولا واحدا، ولا يتعين ذلك ~~لجواز أن يكون ما يفعل في الآية واقعا على القول والفعل جميعا، والبيت مختص ~~بالقول؛ فالكلامان لا يتساويان في أصل المعنى، بل كلام الله - عز وجل - أجل وأعلى. # والصلاة والسلام على خاتم النبيين وجميعهم وآله وصحبه # وختم الله بالسعادة لي ولوالدي وأئمتنا وجميع المسلمين PageV02P144 سبحان ربك ~~رب العزة عما # يصفون وسلام # على المرسلين والحمد # لله رب # العالمين. # ***** ms407