######OpenITI# #META# URI: 1332ZaynabFawwaz.MalikKurush.Hindawi71361816 #META# Tags: novels #META# ID: 71361816 #META# Title: الملك كورش #META# AuthorID: 15862507 #META# Author: زينب فواز #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # 1 - في منشأ مندان بنت الملك أستياج ملك مادي‏ # 2 - في زواج مندان‏ # 3 - في خروج مندان، ومولد كورش‏ # 4 - فيما جرى في قصر الملك‏ # 5 - فيما كان من أمر مندان‏ # 6 - في غرام هيان فونك‏ # 7 - في منشأ كورش‏ # 8 - في غزو مدينة شيراز ومقتل قمبيز‏ # 9 - في غرام كورش واحتقاره لنفسه‏ # 10 - في قصر شاهزنان‏ # 11 - في شعور كورش أنه ابن الملك قمبيز‏ # 12 - في سفر كورش ودخوله مدينة شيراز‏ # 13 - في دخول كورش مملكة فارس ورجوعه إلى همذان وفتحها وأسر جده‏ # 14 - في زواج كورش بشاهزنان وفتح مدينة بابل‏ # 15 - في فتح جزيرة صقلية واجتماع مندان بولدها كورش‏ # 1 - في منشأ مندان بنت الملك أستياج ملك مادي‏ # 2 - في زواج مندان‏ # 3 - في خروج مندان، ومولد كورش‏ # 4 - فيما جرى في قصر الملك‏ # 5 - فيما كان من أمر مندان‏ # 6 - في غرام هيان فونك‏ # 7 - في منشأ كورش‏ # 8 - في غزو مدينة شيراز ومقتل قمبيز‏ # 9 - في غرام كورش واحتقاره لنفسه‏ # 10 - في قصر شاهزنان‏ # 11 - في شعور كورش أنه ابن الملك قمبيز‏ # 12 - في سفر كورش ودخوله مدينة شيراز‏ # 13 - في دخول كورش مملكة فارس ورجوعه إلى همذان وفتحها وأسر جده‏ # 14 - في زواج كورش بشاهزنان وفتح مدينة بابل‏ # 15 - في فتح جزيرة صقلية واجتماع مندان بولدها كورش‏ # | الملك كورش # | الملك كورش # تأليف # زينب فواز # الفصل الأول # | في منشأ مندان بنت الملك أستياج ملك مادي # كانت دولة «الماديين» ابتداؤها من سنة 751 قبل الميلاد، وكانت من الدول العظيمة، حكمت ~~زمنا مديدا. # وكان مقر ملكها في بلاد «مادي» المقرونة بآذربيجان والعراق العجمي، وكانت عاصمة بلاد ~~«مادي» مدينة «همزان» وهي مدينة بهجة المناظر حصينة الأسوار، بناها الملك «ديجوسيس» وقيل: ~~«ديوكيس» وجعل لها سبعة أسوار، هيئة كل سور منها لا يعلو عن الثاني إلا بمقدار شراريفه. ~~وكانت تختلف هذه الشراريف بالألوان؛ فجعل الأول أبيض، والثاني أسود، والثالث أزرق، والرابع ~~أحمر، والخامس أرجواني، والسادس فضي، والسابع ذهبي ... هكذا رووه المؤرخون. ms01 وفي زمن «هيرودتس» ~~كانت تسمى «أغبطانة». # ومن داخل السور السابع قصر الملك؛ فكان يحتوي على جميع الزينة وبهارج الدنيا التي ~~يعجز عن وصفها الواصفون، وفي داخله محل حصين لحفظ خزائن الملك وكنوزه. وأما الشعب فإنه ~~كان يسكن بين الأسوار. # وكان في بدء روايتنا هذه أحد ملوك «مادي» وهو الملك «أستياج» وكان شديد الحرص على ملكه، ~~قوي البطش، يعبد النار دون الملك الجبار. وكان قد تزوج بابنة ملك «ليديا» فرزق منها ابنة ~~في غاية من الحسن والجمال، فسماها «مندان» ورباها ورتب لها الأساتذة والمعلمين على ~~اختلاف أنواع العلوم، فبرعت في كل فن، وأتقنت كل ما مرت عليه من العلوم حتى صارت تعد ~~من فلاسفة عصرها ونادرة زمانها. # ولما كانت في ذات ليلة جالسة في قصرها فاكرة في أمر الخليقة، وقد اتسع فكرها مما ~~استحصلت عليه من المعارف، وقالت في ذاتها: كيف يتسنى للنار أن تقدر على إبداع هذه ~~المخلوقات، مع ضعفها، إذ إنها لا تتقد إلا بيد بشرية، والقليل من الماء يطفئها؟! فأشغل هذا ~~الفكر الجزء الأعظم من عقلها، وجعلت جل بحثها في هذه الغاية، وكان من جملة أساتذتها رجل ~~جليل القدر، عالي الهمة، خبير بدقائق الأمور، يقال له الكاهن «أرباسيس» وكان كلما حضر ~~بين يديها يرى على وجهها علائم الحيرة والارتباك، فيفكر في ذلك لعله يجد إلى معرفة ~~الحقيقة من سبيل. وبحث في داخليتها، وفتش في أسرارها؛ لئلا تكون انشغلت بسبب طارق ~~غرامي أشغل فؤادها بحب أحد يليق بمقامها، فلم يجد لذلك من أثر. # فاحتار في سبب انشغالها، وصبر يتربص الفرص إلى أن كان ذات يوم طلبت الأميرة «مندان» من ~~والدها أن يأذن لها بالتجول في أنحاء المملكة؛ لأجل أن تزيل بعض ما عندها من الانقباض ~~الذي لم تعلم له سببا، فأذن لها الملك بذلك، وكان يحبها محبة بليغة؛ لفرط جمالها ~~وكمالها ووافر معارفها وآدابها، ولكونها وحيدته ووريثته في الملك، وكان يعتمد على آرائها في ~~الأمور المهمة ... ولما استحصلت على رضا والدها استحضرت الكاهن «أرباسيس» وأخبرته بعزمها، ~~وكانت تعتمد عليه ms02 وتذعن لقوله، وتقدمه على جميع أساتذتها، فلما سمع منها ذلك فرح وأيقن ~~ببلوغ المراد، وقال في نفسه: لعلي أطلع على ما في سريرتها، أو أجد منها فرصة على ~~انفراد، فأستطلع ما في نفسها. # فقال لها نعم ما رأيت أيتها الملكة؛ لأن في السياحة فوائد عظيمة منها: رياضة للنفس، ~~وزيادة في اتساع المعار. والاطلاع على عوائد الأمم وعقائدها وأديانها يكسب الإنسان حياة ~~جديدة. # وعند سماع هذه الجملة ظهر الانشراح على محياها، وبرقت أسرة جبينها الزاهر، وقالت: هل ~~في مملكة أبي من يتدين بدين غير ديننا؟ # قال: لا بد أن يوجد ذلك، ولو سرا؛ لأن الملك لو علم بهذا الأمر لأهلك من يخرج عن عبادة ~~النار؛ لأنه شديد التعصب لدينه. # فتنهدت «مندان» وشكرته على ما بين لها من هذا القبيل، وطلبت إليه أن يصحبها في سفرها ~~هذا، فلبى طلبها وكان يعزها كابنة له، ويحافظ على عدم تغير إحساساتها، ويحب أن ~~ينفذ أوامرها، ولو مهما كان الأمر خطرا. ولكنه تعجب منها حينما رأى على وجهها علائم ~~البشر وقت ما سمعت منه ما يختص بالأديان، وكان هو أيضا ممن يعبدون الباري تعالى ~~ويمجدونه، ولكنه لا يطلع على ما في ضميره أحدا؛ لأنه يخاف من سطوة الملك، فاستبشر بهذا ~~الأمر، وكتم ما عنده لبينما يتبين الحقيقة. # وبعد ثلاثة أيام هبت الأميرة للسفر، وودعت والدها ووالدتها ومن في القصر، وركبت ~~هودجها، وسارت تحفها الحراس من كل مكان، ولم تأخذ من الخدم الداخلي سوى جاريتين من ~~خواصها فقط، وعلى يمين الهودج الكاهن «أرباسيس»، وساروا يقطعون البراري والقفار مدة ~~ثلاثة أيام، وهم يسيرون بين رياض وغياض. وفي اليوم الرابع وصلوا إلى مكان يقال له ~~المرج الأخضر، وكان في ذلك المكان المعبد الأكبر الموجود في بلاد «مادي» وكان على غاية من ~~الإتقان وحسن البناء وغرابة الموقع، وهو مقام في سهل واسع الأرجاء بهج المناظر ذو غدران ~~دافقة وأطيار ناطقة وأشجار ناضرة وأنوار ظاهرة. # وفي داخل المعبد 800 غرفة لنزول الزائرين، وهي في غاية الإتقان والنظام التام، مفروشة على ~~نسق ms03 ذاك الزمان، لا تنقص عن غرف الملوك شيئا، بل تزيد إتقانا؛ لأنها تختص بالآلهة التي ~~تعبدها الملوك، وفي وسط هذه الغرف حجرة الملك. وكان يزور هذا المعبد كل عام في أيام العيد ، ~~ويتقرب إلى النار بذبح العدد الوافر ممن يعبدون غيرها، ولما حضرت الأميرة «مندان» خرجت ~~المرازبة لملاقاتها على مسافة أميال، وكانت البشائر قد أتت إليهم من قبل بأمر «أرباسيس» ~~فدخلت الملكة المعبد يحفها الحراس، وقد زين لها الهيكل بأنواع الزينة، وبعد أن أخذت ~~لنفسها الراحة من وعث السفر، أمر الموبدان الأكبر خدمة النيران أن يوقدوها بالعود ~~والند والصندل، وجميع الأخشاب العطرية، وأمرت الملكة «مندان» أن يخرج الجميع، ولا يدخل معها ~~أحد سوى أستاذها «أرباسيس» لئلا يشغلها كثرة الناس عن العبادة. فأذعنوا لأمرها، وخرج ~~الجميع، ودخلت هي و«أرباسيس». # وفيما هي داخلة من باب الهيكل إذ نظرت إلى مخدع عن يمين الداخل فيه ثلاثة أولاد لا ~~يتجاوز أحدهم الأربع من سنيه، وقد وضع كل منهم في قفص حديد، وأمامه الماء والطعام، ~~فلما نظرت الملكة إلى الأطفال اقشعر جسمها والتفتت إلى «أرباسيس»، وقالت له: ما سبب حبس ~~هؤلاء الأطفال أيها الأستاذ، ومالي أراهم يحافظون على حياتهم من الجوع والعطش؟ # قال: إنهم قربان للنار يا مولاتي! وإن محافظتهم على حياة الأطفال لأجل أن تلهمهم وهم ~~في قيد الحياة؛ ليكون ذلك أبلغ لرضاها عن عبادها! # فتنهدت وقالت: وما حظ النار من أكل لحم البشر وفقد الأرواح. # وكان قد نظر إلى وجه «مندان» فوجد بشائر نور الإيمان تلوح على محياها، فتجرأ على ~~إرشادها إلى طريق الصواب. فقال: مولاتي إن النار مخلوقة من مخلوقات الله تعالى، ~~سخرها لعباده لينتفعوا بها، وليس لها سمع لتعي كلامنا، ولا بصر لتنظر إلى أفعالنا، ~~بل أعجز من العاجز. ولا يجوز لبشر أن يعبد غير الله تعالى الذي خلق السموات والأرض وما ~~بينهما، وأحصى كل شيء عددا، وقدر الأرزاق والأعمار، ونظم الكون بقدرته - سبحانه ~~وتعالى عما يصفون. # فلما سمعت كلامه تلألأ وجهها، وانشرح صدرها، وقالت: وأين هذا الإله العظيم حتى أعبده ms04 ~~أيها الأستاذ؟ أرشدني إليه لأني منذ أيام أفكر في أمر النار وعبادتها. ومن هو الإله ~~الحقيقي الذي يجب أن يعبد؟ فمن هذا السبب كنت تراني دائما منقبضة النفس ضيقة ~~الصدر، ولا أجد لي من ألقي إليه نتيجة أفكاري، ولا من يرشدني إلى طريق الهدى! # قال: يا مولاتي! هو الله الذي في السماء عرشه، وفي الأرض بطشه، يرى ولا يرى. وهو في ~~المنظر الأعلى لا ينبغي لأحد أن يراه، وقد جل عن الوصف، وإني قد حيرني أمرك، ~~وأشفقت على نضارة شبابك من ذلك الانقباض، وبحثت فلم أهتد إلى الحقيقة، والآن ها نحن - ~~والحمد لله - قد ضمنا الدين القويم، وسألقي عليك بعض ما علمته من العلوم ~~الدينية. # فشكرته «مندان» على ما أولاها من الهدى، ثم قالت: ولكني أود أن أسعى في خلاص هؤلاء ~~الأطفال قبل سفري من هذا المكان. # قال: يا مولاتي، إن ذلك من أصعب الأمور. # قالت: إنه علي هين بمساعدة الإله الأعظم. # ثم نهضت ودخلت حجرتها، وأحضرت الموبذان الأكبر، وأنعمت عليه بالخلع والهدايا، وأحسنت ~~إليه فدعا لها، وقال: باركت النار فيك أيتها الملكة، وأكثرت فينا من أمثالك! # ولما علمت منه أنه راض عنها، قالت له: إن النار قد رضيت عني، وعلمت ذلك؛ لأنها ~~منحتني ثلاثة أنفار من أسراها. # قال: يا مولاتي، من هم هؤلاء الأسراء الذين غضبت عليهم النار، ولم تقبلهم لها ~~قربانا؟! # قالت: إنهم الثلاثة أطفال الذين داخل الهيكل. # قال: إنهم أولاد أكابر البلاد، وهم منذورون من أهاليهم ليقدمونهم قربانا للنار، وأخاف ~~إن لم أقدمهم أن يحدث من ذلك فتنة يقوم بسببها حرب ضدنا وضد الملك، وأما أنا فإني أريد أن ~~أنفذ أوامرك، ولا أغضب النار. # قالت: اعلم أيها الموبذان أن الأمر بيد الآلهة، ولا بد أن يكون النذر غير مقبول ~~حتى إنها لم تقبلهم، وربما إن قدمتهم لها تغضب من أجل ذلك. # قال: وكيف الخلاص من هذا الأمر الخطير، والباقي على وقت الاحتفال مدة ثلاثة أيام؟ وقد ~~أخرنا هذا اليوم إلى وقت حضور الملكة، ولولا ذلك لكان قضي ms05 الأمر. # قالت: فلنتدبر بأية حيلة كانت، وننفذ أمر الآلهة. # فوعدها بإتمام مرغوبها وخرج. وأما هي فإنها أرسلت إلى «أرباسيس» وأخبرته بما تم بينها ~~وبين الموبذان، ففرح وأبدى لها واجبات الشكر على حسن تدبرها ودرايتها. # ولما جن الليل دخل الموبذان إلى خلوته، وكان عنده تلميذ نبيه، حاو على أنواع المكر ~~والحيل، فأرسل له وأخبره بما دار بينه وبين الملكة من الكلام، وقال له: يا ولدي، إن ~~الربة قد وهبت هؤلاء الأطفال للملكة، وليس علينا خوف من غضبها، ولكن ما الحيلة في مرضات ~~الأهالي وأهل الأولاد؛ لأنه لو ظهر للناس أن النار لم تقبلهم لبقي فيهم العار إلى آخر ~~الأبد، وصارت فيهم وصمة لا تمحوها الأيام، وربما سبب من ذلك فتنة أثارها عائلات ~~الأولاد تخلصا من العار؟! # فقال له: يا أستاذي! إني أنا المدبر لهذا الأمر، ولكن أريد المهلة قدر أسبوع على ~~الأقل حتى أجد وقتا لاستنباط الحيلة. # قال: وما الذي تريد أن تفعله، أخبرني به حتى أكون على بصيرة من أمري! # قال: أريد أن أصنع ثلاثة تماثيل يشبهون الأولاد، وألبسهم الملابس الفاخرة، وأجعل ~~إلقائهم في النار بأمر الملكة، وأن لا يقرب منهم أحد إلا الموبذان الأكبر، وحينئذ تفعل بهم ~~ما شئت، ويصير الاحتفال كباقي الاحتفالات، وتلقيهم بيدك ليكون الفخر أعظم. # فقال الموبذان: نعم ما رأيت يا ولدي! فأسرع للعمل. # وأمر له بما يكفيه لصنع التماثيل، فأخذه وخرج، ثم جد في عمله. # أما الموبذان، فإنه استأذن على الملكة، فأذنت له، ولما تمثل بين يديها أخبرها بما ~~تم بينه وبين التلميذ من الرأي، فراق ذلك لديها وشكرته، ومدته بمال، وقالت: كيف ~~الرأي في إخفاء الأولاد؟ # قال: يا مولاتي، لما تتم التماثيل نضعهم في محلهم ليلا، ونخرج الأطفال سرا، فلا يعلم ~~بذلك أحد. # وكان «أرباسيس» سامعا لما دار بينهما، فقال: لا يتأتى لنا إخفائهم إلا بأحد أمرين: إما ~~وضعهم في صناديق، وإما تغيير ألوانهم وملابسهم، وهذا الرأي عندي أسهل؛ لأنني أعرف ~~مركبا لو طلي به جسم الإنسان يصير حبشي اللون، لا يفرق عن الحبش ms06 شيئا، ولو غسل ~~بالماء يوميا لا يتغير إلا بعد شهر على الأقل. # فقالت «مندان»: لا عدمتك من أستاذ فاضل! تسعى بكل ما يرضي الربة. # واتفق رأيهم على ذلك، وانفض المجلس، وفي تمام الأجل المضروب أحضرت التماثيل، ووضعوهم ~~داخل المعبد بغاية كل تحفظ، وأخرجوا الأولاد، وطلي جسمهم بذلك العلاج، وألبستهم ثياب ~~الخدم، وسلمتهم للجاريتين، وأوصتهما بهم. وفي ثاني يوم احتفل بتقديم القربان للنار، ~~وزين ذلك المكان، واصطفت العساكر، ولعبت في ساحة الهيكل، وذبحت الجذر على نفقة ~~آباء الأولاد، وهم في فرح زائد كأنهم يقدمون أولادهم إلى حفلة العرس. ولما حان وقت ~~تقديم الضحايا دخلت الملكة إلى داخل المعبد، ووقفت أمام النار، وأمرت ألا يقترب إليها ~~أحد، ثم تقدم الموبذان، وأخرج أول طفل وقدمه أمام الملكة لأجل أن تتبرك به فمدت يدها، ~~ومسحت على رأسه، وتلت بعض كلمات على مقتضى ديانة المجوس، وأمرت بأن يلقى في النار، ثم ~~عجلت بإلقاء الاثنين الآخرين، وهللت الجموع، وأنشدوا الأناشيد التراجديه، وابتهج ذلك ~~النادي كأنهم أدوا فريضة دينية. # وقد التهمتهم النار، وكانوا من الخشب المكسي بالجلد المدبوغ، ومطلي بدهان كلون الإنسان، ~~وبعد أن فرغوا من تقديم الضحايا، ولعبوا الألعاب المختلفة، قدموا الطعام والشراب المروق ~~فأكلوا وشربوا، وعزفت آلات الطرب، وتقدم بعد ذلك كافة الموجودين، وهنأوا آباء الأولاد ~~بهذه النعمة التي نالوا بها رضاء الربة، وصار لهم بذلك الشرف الأعظم، ثم أجلسوهم في صدر ~~المجلس، ووضعوا على رءوسهم أكاليل الزهور. # وبعد ذلك انصرف الجميع، وأنعمت الملكة على ذلك التلميذ الذي صنع التماثيل، وعلى جميع ~~الخدم، وودعت الجميع، وانصرفت من ذلك المكان خوفا من أن ينكشف الأمر، ويصعب إصلاحه. وفي ~~الحال حملت الحمول، وركبت الملكة، وساروا في طريقهم وقد فرحت وحمدت الباري تعالى الذي جعل ~~خلاص هؤلاء الأطفال على يدها، وقدرها على حقن دمائهم الطاهرة البريئة من كل دنس. # الفصل الثاني # | في زواج مندان # وبعد أن تجولت في أنحاء تلك المملكة الفسيحة رجعت إلى عاصمة ملكها، وسلمت الأولاد إلى ~~«أرباسيس» ليعلمهم العلوم، ويزرع في قلوبهم العلوم الدينية الحقة، ms07 وقد جعلت لهم ~~مرتبات تكفي لأن تجعلهم كأولاد الملوك، ووضعت اسم الأول «بركزاس»، والثاني «روبير»، ~~والثالث «فانيس»، وفي تلك الأيام جاء للملك أحد ملوك فارس، وهو الملك «قمبيز»، وطلب إليه ~~«مندان »، وكانت في ذاك الوقت مملكة فارس تحت سلطة ملوك «مادي». # ولما كان يعلم من عدالة ذلك الملك، وحسن سيرته، وإطاعته له، فأنعم له بها، وقد زوجت ~~«مندان» «بقمبيز»، وحملها معه إلى بلاد فارس، وكانت عاصمة مملكته مدينة «شيراز»، وكان اسمها ~~في ذاك الوقت «أسكيراز»، وعمل في زفافها ما يلزم لبنات الملوك، وزينت «شيراز» بأنواع ~~الزينة، وأقيمت الأفراح مدة أربعين يوما اجتمع فيهم أهالي المملكتين «ميديا» وفارس، ~~وبعد إتمام الأفراح رجع كل منهم إلى مكانه. # وبعد ذلك بما ينوف عن مدة أشهر رأى الملك «أستياج» رؤيا هائلة أزعجته وأشغلت أفكاره، ~~فأحضر الكهنة، وقال لهم: إني رأيت كأن ابنتي «مندان» جالسة في قصرها، وقد خرج من حضنها ~~كرمة، فامتدت غصونها حتى إنها ظللت آسيا وأقاليمها أجمع، وقد هالني أمرها، ونهضت من ~~فراشي خائفا مذعورا، وقد أحضرتكم لتخبروني بتأويل رؤياي هذه إن كنتم تعلمون! # فأجابوه: أن الملكة ستلد ولدا يحكم على جميع ممالك آسيا، ويتولى على مملكة ~~«مادي». # ولما سمع الملك ذلك راعه جدا، وتأثر تأثيرا شديدا، وخاف على مملكة «مادي» من تسلط ~~الفرس، ولكنه كتم ما في نفسه إلى أن جن الليل، وكان عنده رجل من كبار قواده يقال له ~~«أرباغوس»، وكان يعتمده في كل أموره، فاستحضره في خلوة، وقال له: لقد حيرني أمر هذه ~~الرؤيا، فأشر علي بما ترى. # فقال له: يا سيدي! ليس عندي من الرأي إلا أن تستحضر الملكة، وتحبسها عندك فلا تلد أبدا، ~~وإن كانت حاملا يصير إعدام الطفل بعد الوضع. فاستصوب الملك هذا الرأي، وأرسل في طلب ابنته ~~«مندان»، وكانت حاملا في أشهر قريبة الوضع، ولما حضرت دخلت في قصر والدها، وكان «أرباسيس» ~~يعلم سر المسألة، فعزم على أن ينذرها ويخبرها بما في نية الملك من إعدام جنينها، ~~فأرسل يستأذن عليها بالدخول، فأذنت له وقد سلم ms08 كل منهما على الآخر بغاية كل فرح ~~وسرور، وقد سألته عن الأولاد الثلاثة الذين سلمت أمرهم إليه، وقالت له: أريد أن أصحبهم ~~معي في هذه المرة. وقد سألته عما يحسنون من العلوم والفنون. # قال: يا مولاتي! إنهم في غاية النجابة والذكاء، ولكن كل منهم يميل بالطبع إلى علم من ~~العلوم؛ لأن «بركزاس» يميل إلى ركوب الخيل، وتعلم فنون الحرب، وأما «فانيس» فإنه يميل ~~إلى الفلسفة وعلم الطبيعة، والبحث في غوامض الأشياء، وأما «روبير» فإنه يميل إلى ~~فن العيارة؛ لأنه لص محتال يقدر على استنباط الحيل الغريبة على صغر سنه. وإني أرى لو ~~أذنت الملكة بإتمام تعليمهم لكان أوفق! # قالت: شأنك أيها الأستاذ وما تريد، ولما يتم تعليمهم ترسلهم لي، ولكن بدون أن يعلم بهم ~~الملك. # قال: سمعا وطاعة! ثم تنفس الصعداء، وقال: يعز علي أن أخبرك بأمر كتمانه عنك ~~يحدث ضررا عظيما. # قالت: وما هو هذا الأمر أيها الأستاذ الشفوق؟ # قال: يا سيدتي، إن الملك في عزمه أن يهلك ما في بطنك، وذلك بسبب حلم رآه. # ثم أخبرها بكل ما تم، وصمم عليه الملك، وكيف أرسل في طلبها لأجل هذه الغاية، وأشار ~~عليها بعد ذلك أن تهرب بولدها؛ لأنه سيكون له شأن عظيم، فارتبكت «مندان» في أمرها المزعج، ~~وقالت: وا ويلتاه! ماذا أصنع؟! وكيف العمل؟! أرشدني إلى طريق الصواب وإلى أين أذهب! # قال: يا سيدتي خفضي عنك ولا ترتاعي، فعندي رأي مفيد أعرضه عليك، وهو: أني سآتيك ~~بالدهان الذي استعملناه في إخفاء الأولاد حينما كنا في معبد النار، وبعد أن تطلي به ~~جمسك، وتلبسي ملبوس الخادمات، وسأرسل أحد خدمي الأمناء ينتظرك خارج القصر، وتخرجي ~~ليلا، والحذر ثم الحذر من أن يعلم أحد بما دار بيننا؛ لئلا يعلم الملك فيهلكنا جميعا؛ ~~لأنه مهتم لهذا الأمر أشد الاهتمام. # ثم ودعها وخرج، ودخلت هي إلى مخدعها، وأخرجت ما يلزم لها في السفر، وطلت جسمها بذاك ~~الدهان الذي أتاها به أستاذها، وكان الخادم في انتظارها خارج القصر، ففتحت النافذة المشرفة ~~على الحديقة الخارجية، ورمت ms09 حصاة، فأجابها من الخارج الخادم، وكان تحت النافذة شجرة ~~مرتفعة جدا تكاد أن تفوق ارتفاع القصر، وكان اتفاقها مع أستاذها أن تنزل من تلك ~~الشجرة. # والخادم ينتظرها بسلم لتسهيل نزولها إلى أسفل خوفا عليها أن يلم بها ضرر وهي حامل، ~~وحفظا للجنين. # الفصل الثالث # | في خروج مندان، ومولد كورش # فلنترك «مندان» هنا ونرجع للوزير «أرباغوس»، فإنه بعد أن أشار على الملك بقتل حفيده ~~طرق عليه الخوف، ورجع إلى فكره، وقال في نفسه: ماذا فعلت في أمر الملكة، وماذا يصيبني ~~إذا عملت بما دبرته لها ولولدها، وكيف بي إذا تولت زمام الملك بعد والدها، وليس له ~~وريث سواها؟! # ولما عظم لديه هذا الفكر ضاق له صدره، ودخل على زوجته، وأخبرها بما كان، وأطلعها على ما ~~لاح في فكره من أمر الانتقام لو علمت الملكة بما دبر لها، فقالت له: تلاف الأمر أيها ~~الوزير، وأخبر «مندان» بما يريد الملك، ومن ثم تكون هي على نفسها بصيرة، فتدبر ~~أمرها بنفسها، وتكون لك من الشاكرين. # قال: نعم الرأي! ولكن أخاف أن يطلع على دسيستي أحد، فيوشي بي إلى الملك، ~~وتكون الأخرى أشر من الأولى، ونكون عجلنا الوقوع في المصيبة، وإن انتظرت إلى حين ~~وضعها، وآخذ الجنين، وأعمل على خلاصه أخاف أن يسلمه لغيري، فلا أقدر أن أنتشله من مخالب ~~الموت. # قالت: اخرج لها في هذه الليلة بدون أن يشعر بك أحد وأنذرها؛ لئلا تكون قريبة الوضع، فلا ~~تقدر على خلاصها. # فأزعن الوزير لكلام زوجته، وخرج إلى جهة القصر بملابس خفية، وصار يتربص الفرص، ~~ولما دنى من جانب الحديقة سمع هناك حركة أوقفته عن التقدم إلى الأمام، فوقف ينتظر ماذا ~~يكون - وكان الظلام حالكا - ولما سمع صوت وشيش الشجر تقدم قليلا، وقد سمع صوتا ~~رخيما يقول: تقدم مني أيها الأمين؛ لأني أشرفت على السقوط. # ولما سمع الوزير ذلك سار إلى الأمام، فوجد الخادم صعد إلى أعلى الشجرة أخف من النسيم، ~~وأسرع من البرق، وأدرك «مندان»، وأخذ بيدها، وأنزلها إلى أسفل الشجرة بغاية التأني، وكان ~~الوزير ms10 قد صعد على درجتي السلم، وقال بصوت منخفض: انزلي يا مولاتي ولا تخافي من ~~شيء. # ولما سمعت «مندان» ذلك ارتعبت ووقفت في مكانها، ولما رأى منها ذلك تقدم إليها، ~~وسكن روعها ، وقال: يا سيدتي فإني ما أتيت إلى هنا إلا بقصد خلاصك من الشر المحاط ~~بك. # قالت: من أنت؟ # قال: أنا «أرباغوس»، وليس هذا وقت الكلام، انج بنفسك أيتها الملكة. ومن ثم أخذ بيدها ~~مع الخادم، وأنزلها بغاية الاحتراس، ولما صاروا خارج السور، وجدوا هناك «أرباسيس» في ~~انتظارهما، وحينما رأى معهما رجلا ثالثا تعجب، واحتار في أمره، وكان قد أحضر مطيتين ~~من الخيل الجياد، والثالث له، وأركب «مندان»، ثم ركب، وأمر الخادم بالركوب، فقال الخادم: لا ~~يمكنني الركوب مع وجود دولة الوزير. # ولما سمع ذلك «أرباسيس» أخذته الدهشة، وكان يعلم أنه هو السبب بإساءة «مندان»، وقد نظر ~~الوزير إلى تعجبه واندهاشه، وكيف توقف عن المسير، فتقدم إليه، وقال: أحسن ظنك بي ~~أيها الأستاذ، ولا تعجل بشيء حتى تتصور سر المراد من هذا العمل، ولا تخشى مني أبدا، ~~وعندما نصل إلى محل الأمن أنا أخبرك بسبب وجودي معكم. # ولما سمع الكاهن منه ذلك اطمأن نوعا، وقدم له المطية فركب وساروا، والخادم يعدو ~~أمامهم إلى أن وصلوا إلى أول باب، وكانت المدينة بسبعة أسوار - كما قدمنا - والحراس تحيط ~~بهم من كل صوب، ولما قربوا إلى الباب اعترضهم الحراس، وأرادوا منعهم، وحينئذ تقدم ~~الوزير وقال: افتحوا لنا الأبواب؛ لأني أريد أن أتفقد الأبواب، وأنظر في حالة الجند ~~وماذا يصنعون. # ولما علم الحراس أنه الوزير فتحوا الباب بدون مراجعة، فعبروا أول باب، وساروا قاصدين ~~الثاني، وكان بين الأسوار منازل الشعب - كما أسلفنا - وهكذا حتى خرجوا من الباب الثالث، ~~وهناك أشرق الفجر. ولما ظهر نور الصباح قال الوزير: يلزم رجوعي، ولكن لا آمن على الملكة ~~من أن يصيبها سوء حتى تخرج إلى خارج المدينة. # ثم جدوا في المسير إلى أن بلغوا الباب الرابع، وهناك وجدوا أحد الجنود خارجا من داخل ~~البرج، فطلب إليه الوزير أن ms11 يفتح الباب على حسب العادة في الأبواب السالفة، فامتنع الخفير ~~وقال: لا يمكن أن أفتح الباب إلا أن تعلموني من أين آتين وإلى أين ذاهبين! # فقال «أرباسيس»: نحن من خدام الملك ، وقد أمرنا أن نذهب إلى المعبد الأكبر بهذه الجارية ~~لتتوسل أمام النار لنأذن لها بالشفاء؛ لأنها مريضة منذ أشهر. # قال: ولكني أرى لها شأنا؛ لأن الوزير سائر في ركابها، وهي جارية حبشية على ما أرى. ~~وكان هذا الحارس له بالوزير معرفة تامة، فاحتار الوزير في أمره عند سماع هذه الجملة، وقال ~~في نفسه: كيف الخلاص من هذا الرجل، فإذا استعملنا معه القوة استنجد بباقي الجند، وافتضح ~~الأمر، وحبط المسعى؟! # ثم تقدم الوزير إلى الأمام، وقال: افتح الباب أيها الرجل وإلا لا عذر لك بعد ~~المعرفة. # فالتفت إليه الرجل، وقال: نعم سأفتح، ولكن سيظهر ما أنتم صانعون. # ثم فتح الباب وخرجوا جميعا، وتخلف الخادم، وقال للرجل: كيف تتجرأ على الوزير ~~بالمنع؟! أليس هو سر الملك، فكيف تمنعه وهو ربما يكون متوجها لأمر يخص الملك، ولا ~~يريد أن يطلع عليه أحد سواه؟! # فهز الخفير أكتافه، ولم ينطق بشيء، وصار الخادم يتبعهم، ولم يزالوا سائرين إلى أن ~~خرجوا من الباب السابع، وهناك ودع الوزير «مندان» بعد أن أخبرها بكل ما حصل من أمرها ~~وأمر الملك، ورجع وقد أوصى «أرباسيس» بسرعة الإياب؛ لئلا يعلم الملك بغيابه، فيلقي عليه ~~الشبهة باختفاء «مندان» فشكره «أرباسيس»، وسار كل منهم في طريقه. # أما «مندان» ومن معها فساروا يقطعون القفار إلى أن ابتعدوا عن المدينة مسافة نصف يوم، ~~وفي غضون ذلك التفتت «مندان» إلى أستاذها، وقالت: أراني عجزت عن أن أخطي خطوة واحدة أيها ~~الأستاذ. # فلما سمع ذلك اندهش وقال: تجلدي يا مولاتي لنصعد على قمة هذا الجبل؛ لئلا تدهمنا ~~الخيل، فيأخذوننا إلى الملك؛ لأنها الآن في طلبنا بدون شك. # قالت: لا سبيل إلى ذلك؛ لأنه قد اشتد علي المخاض، وإني عاجزة عن القيام بما ~~أمرت. # وحينئذ صعد الخادم إلى أعلى الجبل بقصد أن يجد لها محلا يأويها ms12 إليه عن عيون المارة، ~~مثل كهف أو غيره، ولما صار على سطح الجبل وجد على بعد خصا لأحد الرعيان فقصدة، ولما ~~دنى منه وجد امرأة جالسة على الأديم فحياها، وسألها عن أمرها، فقالت: أنا «سباكو» زوجة ~~«ميترادات»، رئيس رعيان الملك، وقد ذهب زوجي لدفن غلام لي مولود منذ ثلاثة أيام، ~~فانتظره على الرحب والسعة. # فقال: لا بقصد الضيافة أتيت، ولكن معي جارية حبشية، وهي زوجتي، وقد خرجنا من المدينة ~~بقصد زيارة المعبد، وحيث أنها حامل، ولم تقدر على قطع الطريق، وقد وافاها المخاض، فأرجوك ~~قبولها عندك حتى تضع حملها. # فقالت: أين هي الآن؟ # قال: إنها في سفح الجبل. # قالت: انزل وآتني بها، فأنا أدبر أمرها بنفسي. # ففرح الخادم وأسرع إلى مولاه، وقال: أبشر يا سيدي! فإنني وجدت من يدبر شأن مولاتي ~~الأميرة. # وأخبره بما تم مع زوجة الراعي، ثم قال: يلزم رجوع سيدي إلى المدينة، ودعني أنا ~~معها إلى أن يفعل الله ما يشاء. # فاستصوب رأيه، وأصعد «مندان» إلى أعلى الجبل، وقد استقبلتها زوجة الراعي بكل حنان، ~~وكان قد اشتد عليها المخاض، وأوهى جلدها، فأسرعت بها إلى داخل الخص، وجهزت لها ما ~~يلزم، وبعد برهة قليلة، وضعت غلاما ذكرا كأنه الهلال، فتلقته «سباكو» بقلب شفوق، ~~وأحنت عليه ضلوع الرأفة، ووضعته على ثديها الممتلئ لبنا - وقد كنا أسلفنا أنها وضعت منذ ~~ثلاثة أيام، وحين حضور الخادم إلى عندها كان زوجها توجه ليدفن ولدها المائت - ولما رأت ~~«مندان» ولدها ابتهجت، وانشرح صدرها لما نظرت إلى محياه، ومدت يدها إليه وتناولته ~~وقبلته، ورفعت طرفها إلى السماء، وقالت: اللهم إني أتوسل إليك بعظمتك الإلهية، وعزتك ~~الجبروتية أن تحفظ ولدي من كل سوء، ومن كل عدو، إنك قادر على كل شيء! ثم قبلته ~~قبلات عديدة، وسلمته إلى «سباكو». # وقالت لها: إني سميته «كورش» (ومعناه الشمس)، فاحفظيه عندك إلى حين رجوعي، وإن لم أرجع ~~فهو ولدك، فإني سأتوجه إلى المعبد من وقتي هذا. وكان قصد «مندان» بترك ولدها خوفا من أن ~~يدركها أحد من جيوش الملك ms13 فيظهر أمرها بوجود الطفل معها. # وبعد أن أخذت لنفسها قليلا من الراحة، توجهت هي والخادم قاصدة بلاد فارس. # الفصل الرابع # | فيما جرى في قصر الملك # وكان الملك «أستياج» في صباح تلك الليلة جالسا في غرفته الخصوصية ينتظر حضور ابنته ~~كعادتها فلم تحضر، فانشغل فكره بأمرها، وظن أنها وضعت لعلمه بقرب أيام الوضع، وبينما هو ~~كذلك يضرب أخماسا لأسداس، ويدبر حيلة يهلك بها الطفل، وإذا بالجارية الموكلة بحفظ ~~«مندان» ومراقبة ولادتها قد دخلت على الملك مرتجفة الأعضاء منحلة العزائم شاحبة اللون. ~~ولما رآها الملك على هذه الصورة قال: ما وراءك أيتها الجارية؟ # قالت: حدث أمر أوجب القلق، وحير الأفكار، وهو أن سيدتي «مندان» قد فقدت في هذه ~~الليلة، وقد بحثنا في كافة أنحاء القصر، فلم نقع لها على خبر، ولا وجدنا لها أثرا! فلما ~~سمع الملك هذا النبأ طار عقله من دماغه، وقال: علي بالوزير «أرباغوس». # ولما حضر قال له الملك: انظر أيها الوزير ماذا جرى «لمندان»، وكيف خرجت من القصر، ولا ~~أعلم كيف خرجت، ولا إلى أين ذهبت؟! فأرسل الآن فرقة من العساكر لأجل أن تمسك عليها ~~الطريق حتى لا يتسنى لها الهرب. # فقال الوزير: لا يمكن أن تكون خرجت من المدينة، فلنبث العيون في أنحائها لعلنا نقع ~~لها على خبر. # وكان قصد الوزير بذلك انشغال العسكر بالتفتيش داخل المدينة؛ لبينما تكون قد سلكت طريق ~~السلامة، ثم استأنف الكلام، وقال: وإذا أراد سيدي أن أمسك الأبواب على المارة؛ لئلا تخرج ~~في هذا اليوم من المدينة؟ # فقال الملك: نعم ما رأيت أيها الوزير! ولكن أسرع قبل فوات الوقت. فسار الوزير وأصدر ~~أوامره على العساكر، فانبثت في أنحاء المدينة، يفتشون المنازل والطرق والحارات، ومنهم ~~من أمسك الأبواب السبعة، ولم يزالوا كذلك إلى ما بعد الغروب، فلم يجدوا لها خبرا، ورجعوا ~~إلى الملك بخفي حنين! # فغضب الملك غضبا شديدا، ودخل إلى حجرته حزين القلب باكي العين، ولم يجسر أحد من ~~الناس أن يكلمه في شيء ما. # وكنا أسلفنا أن أحد الحراس قد تعرض ms14 للوزير حين خروج «مندان»، وكان بينه وبين الوزير ~~حقد قديم. # ولما رأى الناس في ارتباك وتفتيش على الملكة «مندان» لم يشك أن التي رآها في تلك ~~الليلة هي «مندان»، وأن الوزير له يد في إخفائها، فقال في ذاته: إني لا أجد لترقيتي ~~وتشفي غلتي من هذا الوغد خير من هذه الفرصة. # ثم لبس آلة حربه، وامتطى جواده، وسار إلى جهة قصر الملك، وكان الوزير بعد أن انتهى من ~~آداء ما يجب من البحث والخدمة اللازمة توجه إلى منزله مطمئن الخاطر على نفسه وعلى ~~«مندان»، وأخبر زوجته بما تم ففرحت بخلاص «مندان»، وشكرته على ذلك. # أما الحارس فإنه لم يزل سائرا إلى أن بلغ قصر الملك، واستأذن عليه، فأذن له بعد ~~الممانعة من الحراس وغيرهم، وبعد تأدية ما يجب من الخدمة، قال له الملك: ماذا تريد، ومن ~~أنت؟ # قال: أنا أحد حراس الأبواب، وقد رأيت البارحة أمرا لم أشك في خيانة الوزير ~~«أرباغوس». # ثم أخبره الخبر، ولكن لم يقل له إنها حبشية اللون تأكيدا للتهمة، وكان الملك يعتمد ~~على «أرباغوس»، ويلقي إليه مقاليد الأمور، ويرتكن عليه في جميع أموره، ولما سمع من ~~الجندي هذا الكلام احتار في أمره، وافتكر قليلا، ثم رفع رأسه، وقال: اكتم ما قلت لي أيها ~~الجندي. وأذن له بالخروج فخرج، وهو يمني نفسه بكل خير. # أما الملك فإنه تذكر ماذا يصنع مع «أرباغوس»، وكيف أنه كان السبب بقدوم «مندان»، وكيف ~~تسبب بخلاصها، وقد عظم عليه هذا الأمر، وتوسم الخيانة في الوزير، وقد قصد تدبير الحيلة ~~لمضرته بأي سبب، ولكي يكون الجزاء من جنس العمل، وكان لهذا الوزير ولد وحيد يعزه ~~ويحبه محبة فوق العقول لما عنده من النجابة والأدب، فأرسل الملك له فحضر وسلم، فأمر ~~له بالجلوس فجلس، وقد أظهر له الملك كل بشاشة، وسأله ماذا يفعل بأمر ابنته «مندان»، وقال: ~~لا بد أن يكون لها من بلغها خبر الإيقاع بالجنين، فلأجل ذلك تجشمت أخطار الهرب ~~لتنجو بطفلها. # قال: لا يبعد ذلك أيها الملك، وإلا فما الموجب ms15 لهربها تحت جنح الليل، ولكن أملنا وطيد ~~بأننا سنعثر عليها في قريب من الوقت. # فسكت الملك عن الجواب برهة، ثم غير الموضوع، وقال: أريد أن تكون ضيفي في هذه ~~الليلة، وتأتي بولدك معك؛ لأني لم أره منذ مدة. # قال: سمعا لأمر الملك. # ولما رجع إلى منزله قال لزوجته: أحضري ولدك ليتهيأ لمقابلة الملك. # فقالت وقد خفق قلبها: ماذا يصنع الملك بولدي أيها الوزير؟ # قال: لا أدري ماذا يصنع به! ولكني لا أعلم ماذا أقول! وأخاف إن لم أمتثل أمره يمثل بي ~~وبولدي معا ويقتلنا شر قتلة. # فسكتت زوجته على مضض، وأحضرت الغلام وألبسته أحسن الملابس، وأرسلته مع والده إلى قصر ~~الملك، ولما وصل إلى أول باب وجد جملة من أولاد الوزراء والحاشية، فاطمأن قلبه ودخل، ~~ثم انخرط الغلام بين هؤلاء الحدثان، ودخل «أرباغوس» فوجد جملة من حاشية الملك، فسلم ~~وجلس في مكانه على حسب العادة. وكان الملك أمر الخدم أن يذبحوا ابن «أرباغوس»، ويقطعوا ~~الرأس واليدين، ويضعوهم في سلة، وبعد الفراغ من الطعام يقدموهم بين يديه، ويكشفوا الغطاء، ~~ففعل الخدم بما أمرهم الملك. ولما رأى وجه ولده وبقاياه طاش لبه وذاب قلبه، وغاب عن ~~الوجود، ولكنه تجلد على مضض، وأظهر الحزم، وأخفى حزنه، وقال: كل ما فعله الملك، هو ~~مقبول عندي لا أراجعه فيه، ولم يخرج ولدي عن كونه أحد رعاياه، وفرع من دوحة فضله. # فقال الملك: إنما فعلت ما فعلت لتصير مثلي عديم الولد؛ لأني صرت كذلك بسببك، وأنت تكون ~~عديم الولد بسببي؛ لأن «مندان» أنت الذي أشرت علي باستحضارها، وأنت الذي أخبرتها، وأخرجتها ~~من المدينة، وقد عفوت عنك، واكتفيت بهلاك ولدك، وأقرك على عملك. # فشكره الوزير وانصرف إلى منزله حزينا كئيبا، ودفن عظام ولده، وأقيمت الأحزان في دار ~~الوزير، ولبست والدته ومن في القصر الحداد، وهكذا تم الأمر بين الوزير «أرباغوس» والملك ~~«أستياج». # الفصل الخامس # | فيما كان من أمر مندان # قد كنا تركنا «مندان» سائرة مع الخادم على طريق بلاد فارس، ولم يزالا سائرين إلى أن ~~بلغا شاطئ ms16 البحر، فوجدا هناك سفينة سائرة إلى فارس، فالتمسا من الربان أن يصحبهما معه، ~~فلبى طلبهما وركبا، وسارت السفينة تشق عباب الماء إلى منتصف الليل. وكانت «مندان» قد ~~شغلها تعب السير، وتعب النفاس عن كل شيء، فانطرحت في جانب السفينة لا تعي على شيء مما ~~هنالك. وإذا هم بالبحر قد هاجت أمواجه، وأزبد وألقت الرياح كل قواها على تلك السفينة ~~الضعيفة، حتى صارت تلعب بها كلعب الأسد بفريسته أو الهر بصيدته، هذا وقد تقطعت حبالها، ~~وتكسرت سواريها، وقد غاب رشد الربان والركاب والملاحون جميعا من هذه النازلة، ويئسوا من ~~الخلاص، وابتهلوا بالدعاء كل على قدر دينه؛ فمنهم من يستغيث بالله تعالى، ومنهم من يطلب ~~من النار الخلاص، ومنهم من يستنجد بالأصنام، وهكذا، إلى أن أشرق الفجر، وقد ألجأتهم الأمواج ~~إلى شاطئ جزيرة هناك آهلة بالسكان، عامرة بغاية الحضارة والزخرف، ولها ملك يقال له ~~«جرمانوس»، وهو يعبد الأصنام دون الملك العلام. # ومن ضمن تلك المعبودات كبش عظيم الخلقة أبيض اللون، وقد بنى له قبة عظيمة، وزينها ~~بزخارف الزينات البديعة المنظر، وأفرض لخدمته جارية خصوصية تقوم بكل ما يلزم له من ~~أكل وشرب وتنظيف. وكان في ذلك اليوم الذي رست فيه السفينة التي فيها «مندان» على الجزيرة ~~قد توفيت تلك الجارية الموكلة بخدمة الإله، فصار الخدم يبحثون على جارية بأمر الملك غير ~~تلك الجارية، ولما رأوا السفينة تجاروا إليها على قدم السرعة بصفة كونها تجارية، ولما ~~صعدوا على ظهرها، وجدوا «مندان» جالسة، فقال أحدهم للربان: لمن هذه الجارية؟ # قال: لأحد الركاب، وها هو الآن معنا. # قال الجندي: علي به. # فأحضروا «أديوس» الخادم، فقال له: بعني هذه الجارية. # قال: ليست هي للمبيع حتى أبيعها، بل هي زوجتي. # قال: لا بد من ذلك؛ لأن الإله جالس وحده، وليس عنده أحد. # فمانع «أديوس» بكل طاقته فلم يجد دفاعه نفعا، وهجم الخدم على «مندان» وأنزلوها إلى ~~الزورق، وهي تبكي وتنتحب، وساروا بها إلى الجزيرة، وأدخلوها على الملك، وقالوا له: إننا ~~وجدنا هذه الجارية في إحدى السفن الموجودة ms17 الآن في المرفأ، فأتينا بها أيها الملك. # فالتفت الملك إلى «مندان» وقال لها: ما اسمك أيتها الجارية؟ # قالت: اسمي مندان. # قال: وما أتى بك إلى هذه البلاد، ويظهر أنك حبشية الأصل ، وهل أنت حرة أم ~~مملوكة؟ # قالت: أنا حرة، ولست مملوكة. # وكرهت أن تقول مملوكة خوفا من أن يطلب شراءها ممن ملكها، أو تدنس لسانها بأوساخ ~~الكذب، فقال: يا مندان، إني أريد أن أرفع منزلتك إلى أعلى مما أنت فيه الآن. # فلما سمعت منه ذلك اضطرب فؤادها، وقالت: إني أريد السفر إلى بلادي أيها الملك، ولا ~~أريد الإقامة هنا مهما كان الأمر. # قال: لا بد أن تتشرفي بخدمة الإله مهما قدمتي من الموانع؛ لأنه الآن وحيد، وليس عنده ~~أحد؛ لأن خادمته قد توفيت. # وكان الملك يكلمها بلهجة تهديدية حتى شعرت أن الأرض من تحت أقدامها تمور، ثم أمر ~~بإرسالها إلى القبة الآنفة الذكر، فأرسلت رغما عن أنفها، فسلمت الأمر لله تعالى، ~~ودخلت إلى ذلك المكان الذي حسبته جنة على وجه الأرض، وكان في تلك القبة جملة حجر مفروشة ~~على النسق الملوكي. فأدخلوها إلى حجرتها الخصوصية، وقدموا لها كافة ما يلزم من أكل ومشروبات ~~وملبوس، ثم فتحوا لها مخدعا هناك مفروشا بالرخام منقوش الجدران بأحسن ما يكون من النقوش، ~~وهو على يمين الداخل من تلك القبة، وفي صدر ذلك المكان حوض من المرمر فوقه أنابيب من ~~الفضة المحلاة بالذهب، وإلى جانبه باب عليه ستر من الحرير الذهبي، فرفع الخادم الستار، ~~وأدخل «مندان». فنظرت وإذا هي بمكان أبهج وأحسن من الأول، وفي وسط المكان أسطوانة من الذهب ~~الخالص قد أحكمت بأحسن صنعة من أمهر صانع، وجعلوا على دائرة تلك الأسطوانة شبكة من الذهب ~~مرصعة بالأحجار الكريمة مطروحة على قضبان من الزبرجد شبيهة بقفص، ومن داخلها كبش ناصع ~~البياض كبير الجسم معتدل القرنين، وقد سلسل بسلاسل من الذهب، وفي عنقه قلادة من الجوهر ~~لا توجد إلا في خزائن الملوك، وأمامه حوض من الذهب فيه مأكوله، وحوض آخر فيه ماء ~~لشربه. # وحينئذ التفت الخادم ms18 إلى «مندان»، وقال يا جارية: إن الملك يأمرك أن تخدمي هذا الإله، ~~وهو كبير الآلهة، ولا تخرجي من هذا المكان إلا في كل سنة مرة، وهو يوم عيد الإله الأكبر. ~~وفي ذاك الوقت يبالغ الملك والحاشية، وأكابر الدولة والرعية، وكافة أكابر البلاد في ~~إكرامك، فتصيرين سعيدة إذ ذاك، ويتبرك بك العالم أجمع. # ولما سمعت منه ذلك نظرت إليه بعين المحتقر ولم تحر جوابا، غير أنها استغفرت الله في ~~سرها، ورجعت إلى حجرتها الخصوصية التي أعدت لها، وخرج الخادم، وأقفل الأبواب، وناول ~~المفاتيح إلى البواب، وأوصى الحراس بحفظها، وصعد إلى غرفته، وكانت فوق الباب الخارجي، وكان ~~اسمه «بروتوس». # أما «مندان» فمكثت تخدم الكبش مدة ثلاث شهور، وصباغها الحبشي أخذ يتناقص شيئا فشيئا ~~حتى رجع لها لونها الأصلي، فصارت كأنها القمر ليلة البدر، وكان كلما نظر إلى محياها ذلك ~~الخادم، ورأى بشرتها تزهو بياضا ابتهج، وصفق طربا، وعدها كرامة من مكارم (ربه ~~الخارف)، وصار يكلم الناس بهذا الخصوص، ولم يزل الخبر يتناقل حتى بلغ مسامع الملك، ~~وكان لهذا الملك ولد جميل الطلعة معتدل القوام مستحوز على كافة ضروب الأدب كامل المروءة ~~شريف الأخلاق عزيز عند والده والناس أجمعين. # وكان يدعى «هيان فونك» فدعاه والده إليه، وقال: يا ولدي! قد بلغني عبارة عظيمة تؤيد ~~ما للإله الأكبر من الكرامة، وهو أن الجارية الحبشية التي في خدمته قد تغير لونها من ~~السمرة إلى البياض حتى صارت شائقة اللون، وإنها مقبولة عنده، فأريد الآن أن تمضي إلى ~~القبة، وتأتيني بالخبر الأكيد. # فلبى «ألفونك» أمر والده، وذهب إلى تلك القبة، واستأذن على «مندان»، وكانت إذ ذاك ~~مشتغلة بعبادة الله - سبحانه وتعالى - على الطريقة التي علمها لها أستاذها «أرباسيس»، ~~ولما جاء «هيان فونك» خرجت لملاقاته، واستقبلته بكل بشاش، ثم أمرت له بالجلوس فجلس، وصارا ~~يتذاكران بأمر الإله، وهي تخبره بما أجرته له من الخدمات، وصار هو يمعن فيها النظر، ~~ويتأمل في بديع جمالها، ورقيق ألفاظها، وقد شعر في تلك الساعة أنه ثمل مما خامر ~~لبه، وتملك جميع ms19 حواسه من رقيق معانيها، وقد أكبر أمرها، وشك فيما ذاع عنها أنها ~~حبشية. وبعد ما تكلما فيما يلزم، وأكد ما جاء لأجله، ودع «مندان»، وانصرف من عندها ~~طائش العقل مأسور الفؤاد ، ودخل على والده، وأخبره أن ما بلغه هو عين الحقيقة، وليس فيه ~~أدنى ريب، فابتهج الملك، وأمر أن يبالغوا في إكرامها ففعلوا، وكان ذلك مما يسوء «مندان» ~~حيث إنها لا تريد الانشغال بزخارف هذه الحياة الفانية، وكان أكثر فكرها في أمر ولدها لا ~~تعلم ما تم من أمره، وماذا حل به بعد تركها له عند زوجة الراعي فتتحسر وتتضجر، ~~ولكنها تلهو بالعبادة والتضرع إلى الله أن ينجي ولدها من كل سوء ومن شر والدها وغدر ~~الدهر. # الفصل السادس # | في غرام هيان فونك # وجلست «مندان» في حجرتها يوما من الأيام تتذكر أيام عزها، وأوقات أنسها، وقد ضجرت ~~من ذلك المحبس والسجن الأبدي، فبكت بكاء مرا، ولسان حالها يقول: # زاد البلاء من الزمان وقد ألم # بفؤاد من لا يشتكي منه ألم # يا دهر كم ألقى وكم أشقى وكم # أسقى كئوس القهر مترعة وكم # ثم بكت، وارتفع نحيبها حتى غشي عليها، وانطرحت على الأرض لا تعي على شيء، وكان ابن الملك ~~في تلك الساعة أمام الباب ينتظر الإذن ليدخل على «مندان» وكنا أسلفنا أنه قد تولع بحب ~~«مندان» من أول يوم رآها فيه، ولكنه لما جبل عليه من الإنسانية، وشرف النفس كتم ~~عنها ذلك لما يعلم ما هي عليه من الصيانة، وقد قنع منها بنظرة أو سماع كلمة، وصار يتردد ~~عليها في بعض الأحيان، وينجز كل أوامرها، وما يلزم لها من الخصوصيات. # إلى أن كان ذلك اليوم، وقد تغلب عليه سلطان الغرام، وعظم لديه الوجد والهيام، ونفد منه ~~الصبر، واشتد لديه الأمر. # فبكى مندهشا مما حصل في ذلك الهيكل الحيوي من الاضطراب، ولسان حاله يقول: # دع مهجتي تزداد في خفقانها # ليس الشكاية في الهوى من شانها # وانظر فإن حشاشتي كصحيفة # لا شك أن الدمع من عنوانها # ثم تجلد ونهض قائما، وركب جواده ms20 وتوجه قاصدا طريق القبة لعله ينظر مليكة فؤاده؛ ~~إذ ليس له أمل في غير تلك النظرة. # ولما وصل إلى القبة، ودخل إلى جهة غرفة «مندان» مستأذنا - كما قدمنا - سمع ذاك الأنين ~~والنحيب - كما سلف - فخفق فؤاده، وظن أنه قد أصابها ما أصابه من الوجد والهيام فخفق وطيء ~~أقدامه، وصغى إلى ما تتلفظ به من الكلمات، وإذا بها تذكر عظمة الإله الأعظم جل وتعالت ~~أسماؤه، وتقول: إلهي عظمت قدرتك، واشتد بطشك، إلهي خلصني من يد من يعبدون غيرك ويأكلون ~~خيرك، يا أعظم من كل عظيم، قد طال - وعزتك - أمد هذا العناء، وعظم البلاء، واشتد الكرب، ~~وعيل الصبر. اللهم خلصني و... خرت مغشيا عليها - كما تقدم. # وكان «ألفونك» سامعا ما تلفظت به من ذكر الله - سبحانه وتعالى - وقد اقشعر جسمه، ~~وحن قلبه، واشتاق إلى معرفة هذا الإله الذي سمع اسمه من أحلى ثغر وأحب نغمة طرقت ~~مسامعه، فارتعشت أعضاؤه، وقد سمع سقوطها على الأرض فطاش لبه، وفتح الباب، وهجم على غير ~~انتباه، وهو غائب الرشد، وقد حملها بين ذراعيه، وطرحها على سريرها، وهو باكي العين حزين ~~القلب، وقد اجتهد في تنبيهها حتى أفاقت، وفتحت عينيها، فوجدت ابن الملك فوق رأسها، فاندهشت ~~لحضوره في مثل هذا الوقت، ولما رأى منها الحيرة، قال لها: كوني مطمئنة يا مولاتي، ولا ~~تزعجي أفكارك، فإني ما أتيت إلا على سبيل الزيارة، فوجدتك على هذه الحالة. والآن أقدم ~~رجائي بين يديك، وأتوسل بهذا الإله الذي تذكرينه بهذه الصورة، وهذا التوجع الخارج من ~~صميم الفؤاد أن تخبريني ما سبب بكائك، واصدقيني حقيقة خبر حالك؛ لأني أرى لك شأنا وأي ~~شأن، واعلمي أني أعاهدك عهدا مقرونا بالذمة والشرف على أن أكون لك مساعدا ومعينا ما ~~دمت حيا، وأعضدك بكل ما في وسعي، ولو كان في هذا ضياع نفسي. # ولما سمعت «مندان» هذا الكلام الصادر عن قلب خال من الغش والرياء مجبول على الإخلاص، ~~وحسن الطوية قالت: يا سيدي إني أعتقد صدق ما تقول، ولكن لا أقدر على إخبارك بكل ما ms21 ~~عندي. # فقال: يا مندان! ... ثم سكت برهة يفكر، وكان جل فكره أن يدخل في دينها، ويعبد الإله ~~الذي تعبده. # ثم رفع رأسه، وقال: إني سمعتك تذكرين إله السماء، فهل تكونين لي مرشدة إلى طريق عبادته ~~حتى أكون لك عبدا ما دمت في قيد الحياة؟ # ولما سمعت «مندان» منه ذلك تهللت أسرتها وأبرق جبينها بأشعة الفرح، والتفتت إليه ~~قائلة: هل تريد أن تدخل في الدين القويم، وهو دين إبراهيم الخليل؟! واعلم أن كل ما عبدتموه ~~من هذه المعبودات باطل لا أصل له؛ لأنها كلها صنعة الخالق، ولا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ~~ضرا، فمثل هذا الكبش مثلا، فإنه لا يقدر على شيء ولا يدرأ عن نفسه شيئا، ويذبح ويؤكل ~~مثل غيره من الحيوانات كذلك، فكيف يجوز لنا أن نعبدهم؟! ولنا رب هو خالق السماوات - سبحانه ~~- إذ جعل فيهم نجوما زاهرات، وسير الشمس والقمر والأفلاك بقدرته، ونظم الكون، ومد ~~البحار، ودبر المخلوقات، وحكمته ظاهرة في شخص الإنسان أيضا، فكيف يصح لنا، بعد ~~معرفته، أن نعبد غيره، وهو خالقنا ورازقنا وواقينا من كل سوء؟! # فلما سمع منها هذا الكلام قال لها: قد سلبت لي بما أوضحت لي، وقد تولع قلبي بمحبة هذا ~~الإله العظيم؛ فأرجو إرشادي إلى الطريق الذي يوصلني إلى عبادته. # وحينئذ علمته «مندان» شروط الإيمان، فآمن بالله الملك الديان - سبحانه وتعالى - ~~وعلمته ما يجب عليه من العمل، فتلقى ذلك منها بكل انشراح، وفرح بدخوله في ذلك الدين، ~~ثم استأذن وانصرف بعد أن ودعها، وهو يكاد أن يطير من الفرح، وصار يفكر بما يفعل حتى ~~يجعل له حزبا من أهل دينه الجديد. # أما «مندان» التي سقمت من ذلك السجن الذي طال مكثها فيه فقد فرحت، واستبشرت بدخول ابن ~~الملك في دينها، وأحيت هذه المصادفة الغير منتظرة منها ميت الأمل، وأيقنت بخلاصها. ثم ~~مكثت تنتظر الفرص. # أما «ألفونك» فإنه كان دائما يتذكر بديع جمال «مندان»، ويتلذذ برقيق تلك الألفاظ ~~التي مرت على مسامعه؛ فكانت معينة له على تثبيت حلاوة الإيمان في صدره، وكثر اعتزاله ms22 ~~الناس وتردده على المعبد الذي فيه «مندان»، وكان عند الملك وزير عاقل مارس الأخطار، ~~ودرس الأخبار يسمى الوزير «فرنان»، وهو الذي كان عليه المدار الأعظم في تهذيب «ألفونك»، ~~وكان يحبه محبة شديدة، ودائما يراقب أعماله وحركاته إلى أن كان في هذه الأيام ارتاب ~~في أمره، وتعجب من حبه للاعتزال وطول تفكره، فعزم على مفاتحته بهذا الخصوص، وقد دخل ~~عليه يوما، وهو في غرفته الخصوصية، وبعد أن أدى فروض التحية قال له: يا ولدي، إني أرى ~~فيك سيم آثار الحيرة والتفكر؛ فأخبرني ماذا طرأ عليك حتى صرت في هذه الحالة لعلي - ~~يا سيدي - أن أقدر على مساعدتك وانتشالك من وهدة الأكدار إذا قدرت. # فرفع «ألفونك» طرفه إليه، وقال - وقد توسم في وجهه علائم الصدق مع الحنو الزائد - ~~نعم يا والدي، عندي فكر قد أتعبني وأقلقني جدا، ولا أقدر أن أخبرك بشيء إلا بعد أن ~~تقسم لي أنك تساعدني مع المحافظة على سري، وإن لم تقدر على مساعدتي فلا تبح بسري ~~لأحد. # قال: علي ذلك. # ثم أقسم بالأقسام الوثيقة، وأكد له بأن لو سمع عنه كلمة واحدة فدمه له مباح، فلا ~~يطالبه به أحد، وكتب له بذلك صكا وناوله إياه، وعند ذلك اطمأن «ألفونك»، وصار يشرح ~~له كل ما دار بينه وبين «مندان»، وكيف أنها كانت السبب في إدخاله في دين الله القويم، وأراه ~~أن هذا الدين قريب من العقل، والإنسان لو تأمل بما أبدع الباري من عجائب هذه ~~المخلوقات، وما في الكون من الغرائب التي لو تفكر فيها المرء لطاش عقله، وتحير في صنع ~~الله - سبحانه وتعالى - ولعلم أن الحيوانات التي يعبدونها لا تملك لنفسها نفعا ولا ~~ضرا، فكيف تنفع الإنسان الذي هو أقوى منها بطشا وهي المسخرة له من قبل الله - جل ~~وعلا؟ # ولما سمع الوزير منه ذلك أكبر الأمر، وبدأ يراجعه في شأنه، وقال: يا ولدي، إن هذا ~~الدين وجدنا عليه آباءنا الأولين، ولو سمع والدك بما تقول لقتل «مندان»؛ لأجل كفرها بعد أن ~~أظهر الإله فيها كرامته، وجعلها ms23 بيضاء بعد أن كانت حبشية الأصل واللون! # ولما سمع منه «ألفونك» هذا الكلام داخله الأسف، والتفت قائلا: إني أتأسف أيها ~~الحكيم العاقل، كيف إنك لم تميز بفكرك النير بين الغث والثمين ؟! # ثم أخبره أن «مندان» ليست حبشية، وما هي إلا بنت ملك من أكبر ملوك العالم، وزوجة ~~ملك، ثم أخبره بما أخبرته به «مندان»، وكيف أن والدها أراد قتل ولدها لمجرد رؤيا ~~رآها، وكيف فرت به لما علمت أن والدها يروم قتله، وكيف تركته عند زوجة الراعي، وكان ~~قصدها الذهاب إلى زوجها، فوقفت في هذه الجزيرة، أما تغير لونها؛ فإنه دهان صنعته حين ~~خروجها من قصر أبيها، فلما مكثت شهرا هنا كشف الدهان فعادت لحالتها الأولى. # ولما سمع الوزير منه ذلك ابتسم وانشرح صدره؛ لأنه كان مرتابا في هذا الأمر، فظهرت له ~~الحقيقة، ثم أطلع «ألفونك» على رغبته في الدخول في دينه، وأخذ عليه العهود هو أيضا، ووعده ~~بالاجتماع «بمندان» والمذاكرة بحضرتها. # ولما تأكد «ألفونك» منه ذلك كاد أن يطير فرحا وسرورا مما ظهر له من حمية الوزير ~~«فرنان» وشهامته، وفي ثاني يوم توجه الوزير مع «ألفونك» لجهة القبة بعد أن استأذنا من ~~الملك لزيارة الإله؛ لئلا يرتاب في أمرهما؛ لأن ذهابهما في غير أوقات الزيارة. ولما استأذنا ~~على «مندان» أذنت لهما فدخلا، وترحبت بهما، وجلسوا جميعا، وبعد آداء فروض التحية فتحا ~~باب المذاكرة، وأخبرها «ألفونك» بإسلام الوزير ففرحت، وزاد سرورها، ثم تكلما في الأمر من ~~جهة إشهار هذا الدين القويم، فقالت لهما: إشهاره يحتاج إلى قوة، وهذه ليست بالإمكان ما لم ~~يكن الملك معنا. # فقال الوزير: إني سأجمع رجالي ورجال سيدي «ألفونك»، وأنتخب العقلاء منهم، ونجعلها ~~جمعية سرية، ونتذاكر في هذا الأمر بعد أن نأخذ عليهم القسم اللازم بألا أحد يظهر هذا ~~السر. # قال «ألفونك»: نعم الرأي هذا، إنه لسديد! ولكن هل مضمون انضمامهم معنا. # قالت «مندان»: يجب أن تضموا كل واحد إلى الدين على حدة من الآخرين، وبذلك يصير أثبت ~~للجمعية وأقوى، ويعرف كل منهم نفسه أخا ثابتا ms24 لباقي أعضاء الجمعية، ينتشلونه إذا عثر ~~ويؤازرونه، وقد اجتهدت في هذه العبادة منذ سنين؛ ولذلك تراني سننت قانونا لتسير الجمعية ~~على مقتضاه، وقد صار عندي فوق الخمسين رجلا. # فاندهش الوزير وقال : لأي سبب استحضرت هؤلاء الأشخاص؟ # قالت: بسبب «بروتوس» الوكيل الخارجي المنوط به خدمة هذا الهيكل؛ لأنه آمن بربه من أيام ~~دخولي إلى هذا المكان، وقد صارت أعضاء الجمعية إلى الآن خمسين نفرا والرئيس وأنا. # قال «ألفونك»: وما سبب إيمان «بروتوس؟» # قالت: إنه جاءني يوما، وقد أقمت الصلاة، فوقف في ذروة الباب إلى أن أتممت صلاتي، ~~فتقدم إلى جانبي، وسألني عن هذا الإله الذي ذكرته، وقد أقسم لي أنه لا يبوح بكلمة ما، ~~وإنه سمعني جملة مرار، وهو لا يقدر على مفاتحتي بهذا الخصوص، وقد مال قلبه إلى محبة ~~الخالق ميلا أحرمه لذيذ المنام، والحاصل أنه آمن بربه، وكان معي كتاب من أستاذي «أرباسيس»، ~~وكنت لا أفارقه، وأينما توجهت أصطحبه معي، وهو يحتوي على أصول دينية فأخرجته وشرحته، ~~واستنبطت منه قانونا لأحكام الجمعية، فظهر بغاية الاتقان. # ولما سمعا ذلك منها تعجبا وطلبا منها إحضاره فأحضرته، فتصفحا سطوره فوجداه على غاية ~~ما يرام، ففرحا به حيث إنه على قواعد دينية، وأكبرا «مندان» وشكراها، وهنآها على ما منحها ~~الله من العلوم، وطلبا منها أن يدخلا في تلك الجمعية، ووعداها أنهما سيعضدانها بكل ~~قوتهما. # فقالت: إن الاجتماع يكون في الأسبوع مرة، وكان في بادئ الأمر في رأس كل شهر مرة، وقد ~~عينت الوقت الذي تجتمع فيه الجمعية. # ثم ودعاها، وخرجا فرحين بما آتاهما الله، وهكذا ثابرا على معاضدة هذه الجمعية، وإقامة ~~الشعائر الدينية. # الفصل السابع # | في منشأ كورش # أما الملك «أستياج» فإنه ما زال يبحث عن ابنته، ويئن لفقدها حتى مضى على ذلك أربع ~~سنوات، ولم يهتد لها على أثر - وكان في أثناء ذلك أرسل لزوجها يخبره بما تم - واستفسر ~~عنها، فلم يقع لها على خبر. أما زوجها فإنه جد في البحث حتى عيل صبره، وأخيرا يئس من ~~وجودها، ولزم الحزن؛ لأنه كان ms25 يحبها حبا فوق العقل. # أما الخادم الذي كان مع «مندان» - وقد تركناه في المركب - فإنه اجتهد ليجد له طريقة ~~يخلص بها سيدته، فلم يقدر على شيء، وقد وطد العزم على أن يرجع لسيده «أرباسيس»، ~~ويخبره لعله يسعى في خلاصها، وسارت بهم المركب إلى أن قطعت عدة أميال عن الجزيرة، وإذا ~~بمركب قرصان قد هجمت عليهم، وبعد المدافعة الشديدة استولوا عليها، وأخذوا من فيها أسرى، ~~ومن ضمنهم «أديوس» الخادم، وساروا بهم إلى بلاد الهند، وباعوهم جميعا فوقع «أديوس» في يد ~~رجل من العلماء، ففرح لذلك؛ لأنه كسيده، ولكنه تكدر لعدم مقدرته على خلاص سيدته، ولكنه ~~قال: لا بد أن يكون لله فيه إرادة. # أما «كورش» الذي تركته أمه «مندان» عند «سباكو» زوجة الراعي فإنه كبر، وأنبته الله ~~نباتا حسنا، ونشأ في حجر الراعي، وبين أولاده لا يعرف أبا سواه، ولا أما سوى ~~«سباكو»، وصار يجمع أولاد تلك القرية ويلعب، وكان جميل الصورة معتدل القوام تلوح على ~~محياه علائم النجابة والذكاء. ولما صار له عشر سنوات اتفق يوما من الأيام أنه ~~شكل شبيه محكمة في أثناء لعبه مع أولاد القرية، وصار بينهم بالقسط، ويجري عليهم ~~أوامره، ويجعل منهم قوادا، ويقلدهم الوظائف، وينظم بعضهم في زمرة الجند، وجعل له عساكر، ~~وبنى له قصرا وهميا، وأوقف عليه الجنود والحراس حتى صار كل أولاد القرية له أعوانا ~~كالحقيقة، وكان يأمر بضرب المجرمين منهم، وبسجن من يستحق السجن. # وكان من هؤلاء الأولاد غلام من أولاد أشراف «مادي» اعتدى على آخر في ذلك اليوم، فأمر ~~بضربه بعد أن أحضره، وحكم عليه بالقصاص، وفي الحال انقضت عليه الجنود فأراد الخلاص منهم ~~فقالوا لا بد من تنفيذ أمر الملك، وتغالبوا عليه، وطرحوه فوق الثرى، وضربوه ضربا وجيعا ~~مؤلما فذهب الغلام إلى والده باكي العين، وشكا له ما حل به من الأولاد، ومن «كورش» ابن ~~الراعي، وأخبره بكل ما جرى، وكشف له عن محل الضرب، فوجد آثاره على ولده فطار عقله، وأخذ ~~ولده، وذهب به إلى قصر الملك، وأخبره بما ms26 تم، وكيف أن ولدا صغيرا جعل له حزبا من ~~الأطفال، ورتب له دولة موهومة بغاية الانتظام لا ينقص من ترتيبها عن الممالك شيء مع ~~أنه ربي هذا الغلام في البوادي مع الرعيان فمن أين علم هذا الترتيب. # فتعجب الملك من كلام هذا الأمير، وقال علي بالراعي وولده فأحضروهما، ولما مثلا بين ~~يديه قال: من أين لك هذا الغلام أيها الرجل؟ # قال: هو ولدي يا مولاي. # قال الملك: ما أظن أنه ولدك، اصدقني وإلا ضربت عنقك. وقد توسم الملك في وجهه ملامح ~~«مندان» في صباها، فلما سمع الراعي تهديد الملك له خاف على نفسه فأخبره الخبر، وأطلعه على ~~الحقيقة، وكيف أن أمه وضعته، وسافرت بعد الوضع ببضع ساعات، فضبط الملك تاريخ اليوم، ~~فوجده اليوم الذي خرجت فيه «مندان»، فتأكد للملك أن الغلام هو ابن «مندان» لا محالة، ~~وأنه هو الذي سيخرب بلاد «مادي»، ويضمها إلى بلاد فارس فاستشاط غيظا، ورجع له حقده القديم، ~~وضبط الغلام عنده إلى الصباح، وعزم على قتله في الغد، وكان «أرباسيس» الجالس، وتأكد له أن ~~الغلام ولد «مندان»، وأن الملك سيهلكه بدون شك فنهض قائما، وذهب إلى منزله، ثم طلب ~~الأولاد الثلاث فحضروا، وقال لهم: يا أولادي! أنتم تعلمون أن الملكة «مندان» هي السبب ~~الوحيد في إنقاذ حياتكم من مخالب المنون، ولولا أن الله شخصها لكم لكانت قد التهمت ~~أجسامكم النضرة، وقد أفرغت عليكم النعم، وأحيت قلوبكم بالعلوم، وكان لها عليكم فضل الوالد ~~على ولده! # قالوا: نعم! نحن غرس نعمتها بدون استثناء، فمرنا بما يجب أن نؤدي به حق ~~العبودية. # قال: الغلام المسجون الآن في سجن الملك هو ابن الملكة، وإن لم تدركوه هلك لا محالة؛ لأن ~~الملك عازم على قتله في صباح الغد. # قال «روبير»: شرفني بهذه الخدمة يا مولاي، وأنا آتيك به هذه الليلة قبل بزوغ ~~الفجر. # قال: شأنك وما تريد. ثم نهض الغلام، ودخل غرفته الخصوصية، ولبس لباس السواح، وأرخى له ~~لحية بيضاء، وأسبل على أكتافه شعورا بيضاء أيضا تشابه لحيته، وأخذ بيده عكازا، ms27 وقصد ~~لجهة السجن الذي فيه «كورش»، فوجد هناك الحرس قيام على باب السجن، فسلم ودخل بينهم فرحبوا ~~به، وأجلسوه، ثم جاءوا بفضلات الطعام الباقي منهم فأكل، وحمد الله، وصار يأتيهم بكل نكتة ~~ظريفة ويرقص، ويطربهم بالعبارات المضحكة حتى آنسوا به غاية الإيناس، ولما علم منهم ذلك ~~جلس، وأخرج شمعته من جيبه وأشعلها ووضعها، وصار يلهيهم بكل ما يقدر عليه من الملح إلى ~~أن دبت رائحة البنج في رءوسهم، وكانت الشمعة مصنوعة لمثل هذه الغاية. # وبعد برهة صاروا يتساقطون واحدا بعد واحد إلى أن ناموا جميعا، فانسل هو من بينهم، ~~وكان واضعا في صدره سفنجة فيها بعض الأرواح المنعشة لكي لا يؤثر فيه البنج، وأخرج ~~المفاتيح من الحارس، وفتح الباب، ودخل على «كورش»، فوجده منزويا في السجن الداخلي، وهو ~~نائم لا يعي على شيء، فتقدم إليه وأيقظه، وقال له: لا تخف! فإني منقذك من هذا السجن ~~فقم معي، ولا تلفظ أدنى كلمة. فلبى الغلام طلبه ونهض، وانسلا من الباب الخارجي، وقد ~~أخرج من تحت ردائه ثوبا ألبسه له، وسارا على عجل إلى أن دخلا على «أرباسيس»، فوجداه على ~~أحر من الجمر، ولما رأى «كورش» ضمه إلى صدره، وقبله بين عينيه، وأفرد له محلا ~~خصوصيا في الداخل، وأوصى عليه «بركزاس»، وسلمه إلى «فانيس» الفيلسوف، وقال له: ليكن هذا ~~تحت عهدتك يا ولدي بحيث لا يعلم به أحد من خلق الله، وتتكفل بتهذيبه، وتعليمه كل ما ~~تقدر عليه من العلوم. ثم أخرج زجاجة وطلى جسمه، وأنزله بين الخدم إلى أن ينتهي بحث الملك، ~~وبينما هم كذلك، وإذا «بروبير» يطرق الباب ففتحوا له، ودخل على أخويه فسألاه: أين وجهته، ~~وكيف تأخر إلى هذا الوقت وقد ظهر الفجر؟ # قال: إني بعد أن سلمت لكم سيدي «كورش»، تذكرت أن لا بد للملك من تفتيش المدينة، ولا ~~بد أن يصل إلينا التفتيش، فأردت أن أفعل شيئا ينفي عنا ذلك، وقد حصل، وهو أني ~~تزييت بزي الجند، وتوجهت إلى الباب، ودخلت ضمن الحراس، وأشعلت شمعة، ووضعتها ~~في غرفة ms28 الغفير، ثم توجهت إلى الباب الثاني والثالث إلى أن انتهيت إلى السابع، وقد فتحت كل ~~أبواب المدينة حتى إذا انتبه الحراس لا يشكون أن الفاعل قد خرج من المدينة إلى ~~الخارج حيث إن الذي حصل في السجن حصل في الأبواب أيضا. # فتعجب «أرباسيس» من خفته، وحسن صنعه، وشكر له ذلك، وشكره أخواه أيضا. # ولما أصبح الصباح قام الملك، وأمر بأن تنصب له أحبولة على جزع ليشنق الغلام على مرأى من ~~الناس، وبعد أن أحضروا ما لزم، توجهوا إلى السجن لإحضار الغلام فوجدوا الحراس في بكاء ~~ونحيب خوفا على أنفسهم من غضب الملك؛ لأنهم لما أصبحوا وجدوا الأبواب مفتحة، ولم يجدوا ~~الغلام ولا الرجل الهرم. وقد فتشوا ما أمكنهم حتى وصلوا إلى أبواب المدينة، فوجدوا الحراس ~~هناك كذلك في ارتباك عظيم، وقبل أن يذهبوا إلى الملك جاء الجلادون بطلب الغلام، فلم يجدوه ~~كما تقدم. # فذهبوا إلى الملك وأخبروه الخبر، ولما سمع انقلبت عيناه في أم رأسه، وغضب الغضب ~~الشديد، وقال: لا بد أن يكون للنار في ذلك إرادة، ولا بد أن الغلام يملك بين مشرقها ~~ومغربها، وقد عزمت على قتله وهو في بطن أمه، فلم يتيسر لي ذلك، ولقد فقدت ابنتي الوحيدة ~~بسببه، وها أنا الآن بعد أن ظفرت به، وأردت قتله خوفا على بلاد «مادي»، وخروج الملك إلى ~~يد الفرس أبت النار إلا تنفيذ أمرها، ولم أدر هل الأرض ابتلعته أم السماء انتشلته، ثم قال: ~~علي «بميقرات» الراعي وزوجته، فأحضروهما. وكانت القواد والوزراء والأمراء والحاشية قد ~~اجتمعوا، وكان منهم «أرباسيس» و«أرباغوس»، فسأل الملك الراعي وزوجته عن «كورش» فقالا: ~~إننا لم نره بعد أن استلمه الملك، فأمر الملك بسجنهما إلى أن ينظر في جزائهما على ما ~~فعلاه من تربية «كورش»، ثم قال مخاطبا «أرباسيس»: اعلم أيها الفيلسوف أن بلادنا من الآن ~~فصاعدا ستصير في أيدي الفرس؛ لأن هذا الغلام سيصير ملكا عظيما إذا تهاونا في أمره، ~~فأريد الآن أن تبحث عنه؛ لأني لو تركته لتفاقم أمره، ولصعب علينا استدراكه؛ لأني ما ms29 ~~انتدبتك لهذا الأمر إلا لما أعلم من خبرتك بفك المعميات وقراءة الطلاسم. وغاية قصدي أن ~~تبحث لي عن مكان هذا الغلام بكل ما تقدر عليه. # قال «أرباسيس»: نعم سأبحث، ولكن لا نفلح لو وجدناه؛ إذ ربما كان للنار فيه مأرب وغاية ~~في استفحال أمره، فما نكون إلا أغضبناها، وعملنا ضد إرادتها، ولولا ذلك لما كانت النار تفتح ~~له بابا للخلاص، كلما أردنا الايقاع به. # هذا وقد صدق على قوله كل من في المجلس إلا «أرباغوس» فإنه قال: لا بد من البحث ~~والتدقيق؛ لأنه من واجباتنا المحافظة على الوطن والذب عن حقوق مملكتنا، وصون أعراضنا، ~~وأموالنا من أن تنالها أيدي الفرس. # وكان قصد الوزير بهذا الكلام أن يستخلص لنفسه ثقة الملك؛ لأنه كان يحرك عليه القوم لما ~~عنده من الضغينة به عليه. # وكان الوزير من يوم قتل ولده يتحين الفرص، ويدس الدسائس، ويشحن صدور الأمراء وأكابر ~~البلاد على مخالفة «أستياج»، ولما علم فيه بظهور ابن «مندان» حمد الله وأثنى عليه. ولكنه ~~تحير فيمن خلصه، وود لو أنه هو المخلص له، وقال في ذاته: من الذي انتشله يا ترى؛ إذ ~~إن هذا الأمر لا يكون إلا من خبير قدير، ولا قدرة «لأرباسيس» على مثل هذا الفعل. # ولما سمع الملك منه ذلك جنح إليه، وجاء طبق مرامه فقال له: نعم الرأي أيها الوزير! ~~إن ما قلته هو الصواب، فيجب أن تبث العيون في أنحاء المملكة، وتجد لي هذا الخائن الذي ~~تجاسر، بعد علمه برؤياي، على إخراج الغلام من السجن، وعمل على كيدي وكيد المملكة؛ لأن النار ~~لا ترضى بخراب بلاد عبادها. # فلبى الوزير طلبه بالسمع والطاعة، وانفرط عقد المجلس على هذا الرأي، وقام مع «أرباسيس»، ~~وتوجها إلى منزل الكاهن بعد أن أصدر أوامره لجميع القواد ببث المخبرين في أنحاء ~~المملكة، وقال: لا أظن أن الغلام في المدينة؛ لأن أبواب المدينة وجدت مفتحة. ثم ~~سارا وهما يتذاكران في أمر «كورش» إلى أن بلغا منزل «أرباسيس» ودخلاه، وجلس كل منهما ~~مرتابا في الآخر مرتبكا في ms30 ما يفتح له الحديث، ويكشف عما في ضميره، وبعد تفكر برهة ~~قال «أرباغوس»: لا بد أن يكون أخذك العجب، وارتبت في أمري أيها الفيلسوف حينما تكلمت مع ~~الملك ضد فكرك في التفتيش على «كورش» والبحث عنه حيث إنك تعلم محبتي «لمندان»، وكيف عدمت ~~ولدي بسببها، وتعلم أيضا بغضي للملك الذي قتل ولدي ظلما، ومن ذاك الوقت، وأنا أترقب ~~فرصة كهذه لآخذ ثأري، وإني أعلم أنك توافقني على أفكارك؛ فلذلك أريد أن أطلعك على ما في ~~ضميري؛ لأني لا أشك في أنك تريد ذلك أنت أيضا لحبك لولد «مندان». # فقال «أرباسيس» وقد تبين فيه الصدق وتهلل وجهه بعلائم البشر: صرح لي بما في ضميرك ~~أيها الأخ الصادق، ولا أشك في صداقتك «لمندان». # قال «أرباغوس»: آه يا سيدي لو أعلم أنها على قيد الحياة! # قال: نعم! إنها على قيد الحياة، وستجتمع بولدها «كورش» بعد بضعة سنين حينما يكون في أوج ~~عزه، ولكن دعنا الآن منها، ولنتكلم في أمر ولدها. # قال: وكيف الوصول إليه الآن؟! # قال: سنجتهد في الحصول عليه بعد ما ندبر أمر وقايته من أيدي الظلم. # قال: أنا أقيه بنفسي وبمالي، وبكل ما أقدر عليه. # قال: وأين يكون المحل الذي يجب أن يكون فيه، ولا تصل إليه عيون الملك؟ # قال: أنا أرسله إلى إحدى مزارعي، وهي في محل حسن المناظر، طلق الهواء، فيه قصر شاهق ~~حصين، وأرسل معه «بركزاس» و«فانيس» و«روبير»، وأجري عليهم الأرزاق بما يجعلهم يعيشون ~~كأولاد الملوك، ولا أدع أحدا يعلم لهم مكانا. # فأعجبه هذا الرأي، وقال: هو عندي الآن أيها الوزير في منزلي بين خدمي، وأنا في غاية الخوف ~~عليه. # ولما سمع الوزير ذلك ابتهج غاية الابتهاج حتى كاد أن يطير فرحا، وقال: أين هو؟ آتني به ~~حتى أضمه إلى صدري، وأطفئ نار وجدي على ولدي الذي أحسبه هو الآن؛ لأنه مات بسببه، فعوضني ~~الله منه خيرا. # فأمر «أرباسيس» بإحضار «كورش» فحضر، وقام له الوزير وضمه إلى صدره، وبكى حتى بل ~~الأرض، ثم جلس وأجلسه إلى جانبه، وسأله ms31 عن اسمه فقال: اسمي «كورش». # قال: ومن هو والدك؟ # قال: يا سيدي! بكل أسف أخبرك أن والدي أقل من أن يذكر في مجلسك؛ لأنه راع، واسمه ~~«ميترادات»، واسم أمي «سباكو»، ومعناها: «الكلبة»، وما أدري سبب هذا الاسم لها، فإنها آية ~~اللطف والله يا سيدي! # فتعجب الوزير من حسن منطقة ورشاقة أسلوبه في إلقاء العبارة، ثم ضمه إلى صدره، ~~وقبله مرارا عديدة، ولم يبد له شيئا عن والديه؛ لأنه يعلم أن الملك مهتم بجمع ~~الجيوش، وتحصين القلاع، وعازم على ضرب مدينة «طهران» وهي المدينة التي يحكمها والد كورش، ~~ويدفع خراجها إلى الملك «أستياج»، وكان لما علم «قمبيز» والد «كورش» أن زوجته وولده ~~فقدا، فجاهر بالعصيان، وكان الوزير يدس عليه الفتن، ويخبره بأسرار المملكة، وقد جمع ~~الجيوش، وحصن بلاده، وصار مستعدا للدفاع عن بلاده، هذا وقد أمر الوزير بأن يركب «كورش»، ~~ومن معه - بعد أن طلى جسمه بصباغ أسود، فصار كالعبد النوبي - فركبوا جميعا، وساروا إلى ~~المزرعة، وكان الوزير أعطى تعليماته لأحد خدمه الأمناء ليحضر لهم كل ما يحتاجون إليه في ~~ذلك المحل اللائق لسكنى هذا الأمير الجديد، وكانت تلك القرية واقعة في بقعة نضرة زاهرة في ~~سهل متسع على جانب نهر جار كالسلسبيل، ينساب من جانبها الغربي، ومن وراء هذا النهر ~~جبل شامخ مرصع بالأشجار الزبرجدية، والماء يلتف من حوله كالطوق في جيد الحسناء، ومن ~~الجانب الشرقي من النهر أراض واسعة خالية من الأحراش والغابات صالحة للزرع، وفي وسطها ~~حديقة غضة، وفيها من كل فاكهة زوجان قطوفها دانية وأثمارها يانعة. وفي تلك الحديقة ~~قصر مشيد مقام على أحسن ما صنع في ذلك الزمان، وفيه من الزخارف ما يفوق عن قصور ~~الملوك، قد جعله الوزير متنزها له يرحل إليه في فصل الربيع من كل سنة، وفي الجانب ~~الغربي من النهر غابات ومناظر طبيعية قد غرستها يد القدرة الإلهية، واعتاد الناس التنزه ~~في تلك الأحراش. # ولما كان اليوم الذي قدم فيه «كورش»، وكان سبقهم الخادم الذي أرسله الوزير إلى حارس ~~القصر، وأمره أن ms32 يهيئ كل ما يلزم فامتثل الأمر، وأجرى كل أوامر سيده حتى إذا جاء «كورش» ومن ~~معه وجدوا أنفسهم كأنهم في جنة الفردوس، فجلس كل منهم في الحجرة التي أعدت، وأفردوا ~~«لكورش» حجرة خصوصية، وأحضروا له كل ما يلزم له، وقد جعلوه نصب أعينهم، وصاروا يلقنونه ~~الدروس في مواعيدها، من علوم، وفروسية، وغير ذلك. وهو يتعجب من هذا الاعتناء الغريب الذي ~~يرى نفسه غير مستحق له؛ لأنه ابن راع، وفوق ذلك فإنه مغضوب عليه من الملك؛ لأنه ضرب ابن ~~أحد الأمراء. هذا ما كان يعلمه «كورش» ويفتكره في نفسه. # الفصل الثامن # | في غزو مدينة شيراز ومقتل قمبيز # فلنترك «كورش» في دروسه، ونرجع إلى الملك «أستياج» حيث تركناه يتقد غيظا على ما فاته ~~من هلاك «كورش»، وصار لا ينطفئ غيظه إلا بدماء الفرس، فأمر العساكر أن تتأهب لغزو مدينة ~~تهران، وقتل الملك «قمبيز» والد «كورش». # ولما علم الوزير أرسل إلى «قمبيز» يعلمه ليكون على أهبة، وحذره من مباغتة ~~«أستياج» فاستيقظ وجمع العساكر، وتحصن ورتب العساكر على الأبراج وأسوار المدينة، وبعد ~~قليل من الأيام جاء الملك «أستياج»، وعسكر حول المدينة، وضرب عليها الحصار، وقامت بينهم ~~الحرب على قدم وساق حتى فني أكثر عساكر الفرس، وكان الوزير «أرباغوس» قد خلفه الملك ~~في مدينة «همذان» عوضا عنه يحكم بين الناس إلى حين حضوره حتى فرغ الملك من حرب «قمبيز»، ~~وفتح مدينة «تهران»، وأخذ «قمبيز» أسيرا، وقدمه بين يدي الملك، فسأله عن من خلص ~~«كورش». # فقال: لا أدري من هو «كورش»، ولا من استخلصه. # فأمر بقتله، وصلبه على جزع من الشجر، فقتل وصلب ظلما وعدوانا، وقد أمر بتفتيش ~~المدينة لعلهم أن يجدوا «كورش»، فلم يجدهم ذلك نفعا، فأمر بقتل من استحصلوا عليه من ~~أكابر الفرس، وقد أطفأ لهيب فؤاده بسفك تلك الدماء البريئة، وأقلع بعساكره الجرارة ~~مؤيدا ظافرا بعد أن أقام على «تهران» حاكما من قبله، ودخل مدينة «همزان» في يوم ~~مشهود، فهرعت الناس لملاقاته، وفرح قوم واغتم آخرون، أما «أرباغوس» و«أرباسيس» ~~فتكدرا لموت «قمبيز» كدرا ms33 شديدا؛ لأن الغلام صار يتيما، وقد أجمعا أمرهما على الكتمان ~~عنه؛ لئلا يشغله الحزن عن درس العلوم. واجتهدا في تهذيبه وتثقيفه، وكان «كورش» شابا ~~ذكيا نير الفكرة ، ثابت الجنان، فصيح اللسان، بهي الطلعة، جميل الصورة. قد تجمل بمكارم ~~الأخلاق والكرم والمروءة، له خلق طبيعي، ولما صار له من العمر سبع عشرة سنة صار بهجة ~~للناظرين، وكان الوزير يحافظ عليه تمام المحافظة، وقد ضرب على تلك المزرعة كردونا من ~~خدمه، وأوعز لهم إذا رأوا أحدا يشتبه فيه ألا يدعوه يتجاوز تلك الأرض إلى حد أن ~~يصل إلى القصر. # وكأن الله تعالى من فضله وكرمه قد غرس حب «كورش» في قلوب أهالي تلك القرية ~~والمزارعين، فصار كل من رآه يدعو له بطول العمر والبقاء، وهو يحسن لفقرائهم، ويوقر ~~أغنيائهم، وكان إخوانه الثلاث، وبعبارة أخرى أساتذته يحلونه محل الروح من الجسد؛ فكان ~~«روبير» دائما ساهرا على مراقبته، حريصا عليه من عيون الملك وأرصاده؛ لأنه لم يأل جهدا ~~في البحث عنه، وأما «بركزاس» فكان يقيه بنفسه ويهذبه، ويجتهد في تعليمه الفروسية ~~وفنون الحرب، و«فانيس» صار يلقي عليه أنواع العلوم الفلسفية حى نبغ في كل ما تقدم ~~ذكره. # الفصل التاسع # | في غرام كورش واحتقاره لنفسه # ولما كان ذات يوم ركب «كورش» جواده، وقصد التنزه على حافة النهر كعادته، وأخذ معه ~~«روبير» الذي لا يفارقه طرفة عين، ولم يزالا سائرين إلى أن بلغا الجانب الشرقي من النهر، ~~ووقفا يسرحان أنظارهما في تلك الغابات النضرة على الجانب الغربي، وكان «روبير» يعلم ما في ~~باطن تلك الصخور لكثرة تردده وبحثه على كل دقائق تلك الأرض، فصار «كورش» يسأله بعض ~~أسئلة عما اكتشف من تلك الناحية، وعما رأى فيها من زهور ونبات وغير ذلك، وهو يجاوبه ~~عن كل سؤال بمقداره، حتى قطعا مسافة بعيدة وهما يتلذذان بتلك المذاكرة، وينتعشان بما ~~يستنشقانه من أرج النسيم الممتزج بعبير تلك الأزهار العطرة وتلك الغابات النضرة. وبينما هما ~~سكارى من لذيذ ذاك الموقف، وإذا هما ذعرا بصوت مستغيث أزعجهما، وبهتا من رخامة ذلك ms34 ~~الصوت، ثم التفتا إلى جهة النهر، وإذا هما ينظران عن بعد جوادا تعلوه فتاة، وهو شارد ~~بها، منكب على الماء، وقد نزل حتى صار في النهر يتخبط في الماء المتلاطم، أما ~~الفتاة فقد استعملت كل قواها لرد جماحه فلم تقدر. وكان إلى جانب النهر فتاة أخرى قد ~~نزلت عن جوادها، وهي تصرخ وتستغيث، وتنادي لعلها تجد من ينتشل رفيقتها من مخالب ~~المنون. # ولما رأى ذلك «كورش» ألقى بنفسه، ولم ينتظر حتى يخفف ما عليه من الملابس، بل كان أسرع ~~من البرق، وبأقل من لمح البصر قطع النهر إلى الجانب الغربي حيث كانت تلك الفتاة، وهجم على ~~الفرس - وهو يطارد الأمواج - وقبض على زمامه، وسحبه إلى جهة البر بغاية الرشاقة والقوة ~~الغريبة، وكانت تلك الفتاة قد غابت عن رشدها، فوقعت لا تعي على شيء، فأخذها بين يديه، ~~وألقاها إلى الأديم فوق تلك الأعشاب، واجتهدت الأخرى في تنبيهها، وقدمت «لكورش» مراسم ~~الشكر بعبارة أرق من النسيم، وهي تنظر إلى محياه الباهر، وتعجب ببسالته ~~وأدبه. # أما هو فإنه دهش من جمالها، وبهي طلعتها، ورقيق ألفاظها، ورخيم صوتها، وقد وقف ~~مبهوتا لا يبدي ولا يعيد، أما «روبير» فإنه لما رأى سيده واقفا أمام خريدتين، ~~وهو مبلل الملابس حاسر الرأس ركب جوادا وسار، وقد أطلق له العنان حتى بلغ القصر، وطلب ~~له ملابس، ورجع في أقل من لمح البصر، وفي الحال نزل إلى النهر واضعا تلك الملابس حتى ~~عبر النهر، وقدمها إلى مولاه، وقد انعطف به إلى داخل الغابة، ولبس ثيابه، ورجع إلى المحل ~~الذي كان فيه مع البنتين، وإذا به امتلأ بالعساكر والقواد والخدم، والكل خاضعون بين يدي ~~تلك الفتاة التي استغاثت به لينجي رفيقتها، وقد خلبت لبه، فوقف بين الجنود لا يبدي ~~حراكا، وقد تحير فيمن تكون تلك السيدة الجليلة، وما هي إلا من بنات الملوك بدون ~~شك. # ثم التفت إلى «روبير»، وقال له: أريد أن تسأل عن أحوال هذه الفتاة، وابنة من هي وإلى أين ~~تريد؟ # قال: سمعا وطاعة. ثم دخل بين ms35 الخدم، وسأل: من هم؟ # فقيل له: إنها ابنة الملك «أكيا كسار» ملك مدينة «نينوى». وقد خرجت للتنزه مع ابنة ~~الوزير في موكبها الحافل، وبطريق المصادفة انفردتا عن الموكب راكبتين الخيول حتى بلغتا هذا ~~النهر، فشرد الجواد بابنة الوزير وأشرفت على الغرق، ولولا أن سيدك انتشلها لهلكت. ~~ولا بد للملكة من مكافأته. فلما سمع «روبير» ذلك ذهب إلى «كورش» وأخبره بما سمع، ~~فتأوه من صميم فؤاده وسكت، أما ابنة الملك فإنها احتارت في أوصاف «كورش»، وكيف بها أن ~~علمت عنه شيئا؟! ومن الذي تركن إليه بهذا الخصوص؟ وقد منعها الخجل إظهار ما عندها، ~~ولكنها أخيرا تذكرت أن عليها واجبا له يلزمها أن توفيه إياه لأجل انتشاله ابنة ~~الوزير، ولا بد من مكافأته. وهذا الفكر أراح فؤادها نوعا، وعند ذلك التفتت إلى ابنة ~~الوزير، وقالت لها: أريد يا عزيزتي «خواند» أن أكافئ هذا الشاب بما هو أهله؛ لأني أراه ~~معدن الإنسانية والمروءة - على صغر سنه - وقد جمله الله بكل فضيلة. # وكانت «خواند» تريد مكافأته؛ لأنه منقذ حياتها، ولما سمعت من «شاهزنان» بنت الملك ذلك ~~انشرحت، وقالت: يلزم ذلك يا سيدتي؛ حيث إنه أنقذني، وإنه فوق ما ذكرت أيتها ~~الملكة. # ثم نظرت «شاهزنان» إلى أحد الخدم الواقفين، وقالت: اذهب إلى الشاب الذي أنقذ أختي من ~~النهر، وائتني به حتى أكافئه على ما فعل من المعروف. # فذهب الخادم إلى «كورش»، وقال له: أجب الملكة «شاهزنان» بنت ملك «نينوى». # فرفع «كورش» رأسه، وقد خفق فؤاده واضطرب جسمه، وقال: ماذا تريد ابنة الملك؟ # فقال: لا أدري، أظن أنها تريد مكافأتك على مروءتك. فنهض «كورش» معه، وذهبا إلى أن بلغا ~~سرادق ابنة الملك، وقد سلم عليها بكل تجلة واحترام، وعلى ابنة الوزير أيضا. وكانت ~~«شاهزنان» تنظر «لكورش» نظر العاشق الولهان، وهو ينظر لها كذلك، وكانت «خواند» تراقب ~~أحوالهما، وتنظر لهما بعين المنتقد، ولما لم يجدا لهما بابا للكلام قالت «شاهزنان»: لقد ~~خولتنا جميلا أيها الشاب، وقصرت عقولنا عن أداء الشكر على البعض منه. فأرجو أن ~~تمهد لنا ms36 عذرا عن هذا العجز! # قال: العفو يا مولاتي! هل أنا فعلت إلا بعض ما تطالبني به الإنسانية من المفروضات ~~الواجبة على كل شخص؟! # وحينما نطق بهذا اللفظ خفق فؤاد ابنة الملك، استحسانا، وطربت من فصاحة منطقه، وتفرست ~~فيه، فظهر لها أنه من أولاد الملوك، فقالت: ما اسمك أيها الشاب؟ # قال: اسمي «كورش». ولم تزد على سؤالها خجلا من الحضور فسكتت، ثم عرضت عليه شيئا من ~~المال فلم يقبل، ولكنها أخرجت خاتما ثمينا كان في يدها، وناولته له فابتهج لذلك، وتناوله ~~من يدها تذكارا وعربون حب، ثم ودع وانصرف، وترك في قلبها لهيبا. # وأما هو فذهب وهو لا يدري كيف يصنع، ولا من أي باب من أبواب الغرام يسلك، وقد حل ~~الركب، وهو ينظر إليه بعين تدمع، وقلب من الوجد والغرام يتقطع، وساروا بابنة الملك، ~~وخلفوا «كورش» على أحر من نار السعير، ويصعد الزفرات. وكان «روبير» واقفا ينظر إليه ~~ويتعجب، وأخيرا التفت إليه، وقال: فديتك يا مولاي! ما هذا البكاء، وما السبب الموجب ~~لهذا القلق؟ فالتفت إليه «كورش» وقال ما معناه: # لقد ضاق بي صدري فإن كنت لا تدري # سل الدمع من عيني يخبرك عن سري # لقد أمسيت محروق الفؤاد شجيه # ولي كبد حرى إلى ذلك البدر # ثم بكى، وأن أنين الثكلى، فتحير «روبير»، وقال: يا سيدي، خفض عنك هذا الحزن، فروحي ~~فداك أيها العزيز، ولو أردت أن آتيك بها قبل أن تبرح هذه الديار لفعلت! # فقال «كورش»: «كلا فإني لا أريد أن أفعل كما يفعل اللصوص بالحرائر، وإنما أريد أن ~~تكون لي زوجة شرعية، وهذا لا يمكن أبدا ما دامت السماء والأرض!» # قال: لماذا لا يتم لك أمر وهي على ما أرى تحبك؟ ويشهد على ذلك إعطاؤها لك ~~الخاتم. # قال: يا روبير، لا تزدني هموما؛ إذ كيف أرجو قربها وهي ابنة ملك، وأنا ابن راع لا أصل ~~لي ولا نسب؟! # فقال: لا يا سيدي، لا دخل للأصل في الحب، وإني أراها لم تسألك: ابن من أنت؟ # قال: نعم، ولكن منعها ms37 الخجل من الاستفهام، وليس هذا الأمر بيدها، بل هو بيد والدها، وهو ~~لا يزوجها إلا لمن يليق بها. # ثم بكى بكاء مرا، وأن أنين من فارق أحباءه، وكان «روبير» يسكن روعه، ويعده ~~ببلوغ الآمال، ولرأفته عليه هم بإخباره من هو وابن من هو ليعلم أنه من نسل الملوك لأجل ~~ألا يسلم نفسه لليأس فيهلك، ولكنه تذكر وصية الوزير والكاهن ألا يخبره ابن من هو؛ لأنه ~~لو علم أنه ابن الملك «قمبيز» وأن جده «أستياج» لاشتغل بأخذ الثأر، وهو لم يقو على ذلك ~~بعد فيحزن، أو يتهور في الأمر فيهلك. فسكت «روبير»، وانصرف إلى جهة النهر، فنزلا يقطعان ~~النهر إلى أن بلغا البر الشرقي، فركب «كورش» جواده قاصدا جهة القصر، فاستقبلهما «فانيس» ~~و«بركزاس» بغاية الترحاب، ولكنهما اندهشا لما وجدا «كورش» متغير الوجه باكي العين، ~~فانعطفا عليه انعطاف الوالدة على ولدها، وسألاه إذا كان يشكو ألما، أو أثر فيه برد النهر ~~كل ذلك، وهو مطرق إلى الأرض لا يبدي ولا يعيد، وكان أوصى «روبير» أن لا يخبر أحدا بما ~~حصل فسكت «روبير»، ولم يذكر شيئا مما جرى وكتم السر، وجاوب عن كل ما سألاه عنه: بلا ~~أدري. فسكتا، وهما على مضض؛ إذ لا فائدة من الاستفهام والسؤال، وصار «كورش» ليس له دأب ~~سوى البكاء والنحيب، ونشيد الأشعار آناء الليل، وأطراف النهار. # الفصل العاشر # | في قصر شاهزنان # أما «شاهزنان» فإنها ما برحت تلك الأرض إلا وصورة «كورش» قد ارتسمت في مخيلتها، ~~وألفاظه العذبة ترن في سمعها، وما وصلت إلى مدينة «نينوى» إلا وقد روت الأرض من دمعها، ~~وذبلت نضارة محياها الباهر. ولما استقر بها المقام دخلت حجرتها الخصوصية، وخلت ~~بنفسها وبكت وشكت وجدها، وأنت أنين الثكلى. # وقالت: واويلاه! ما هذا البلاء، وما هذه المصيبة العظمى، كيف العمل؟ ومن أين يتيسر لي ~~أن أراه مرة أخرى - ولو في المنام؟ ما هذه البلوى التي لا تطاق؟ كيف ذهلت عن السؤال منه ~~ابن من هو، وأين مقيم، ومن أي طبقة في النسب حتى كنت أعلم مستقره، ms38 ويتيسر لي تلقي ~~أخباره، فيستريح لذلك قلبي، وأستريح؟ # ثم أطلقت لفكرها العنان قدر ساعة متفكرة، كيف تصنع للوصول إلى أخباره؟ ثم خطر لها ~~أن تخبر «خواند» بما عندها لتكون مساعدة لها على ما تريد أن تجريه من البحث، فانشرحت ~~لهذا الفكر، وقامت متجهة جهة الباب، وإذا بها تجد إحدى الجواري يستأذنون «لخواند» بالحضور ~~إلى حضرة الأميرة «شاهزنان»، فأذنت لها فدخلت، وسلمت بكل اشتياق، وجسلتا تتحادثان من ~~موضوع إلى آخر حتى وصلتا إلى ذكر رحلتهما، وكانت «خواند» تلاحظ بكل دقة وجه ~~«شاهزنان»، وتنظر ما طرأ عليه من التغير عند ذكرها تلك الرحلة ومسألة غرقها في النهر. ثم ~~التفتت إليها، وقالت: روحي فداك يا مولاتي! مالي أرى على وجهك الباهر علامات الكدر ~~والحزن؟ # فانتبهت «شاهزنان» لهذا الكلام، وكانت منتظرة فرصة لتلقي لها سرها، وتبث لها ما ~~عندها من الوجد «لكورش»، فقالت: يا عزيزتي «خواند»! بي وجد لا يطاق، وهم لا تحمله ~~الجبال، ولا تحصيه الأوراق، وكنت أنت السبب بهذا البلاء. # قالت: ما هذا البلاء يا نور العيون وزهرة الألباب؟ أخبريني عنه وأنا أفديك بنفسي، وأقيك ~~بروحي. # قالت: آه يا صديقتي! ألم تتذكري تلك الساعة التي نجوت فيها من الغرق، وخلصت من ~~الموت؟ # فقالت: نعم أذكر ذلك، ولا أنساه أبد الدهر. # قالت: لما نظرت إلى ذاك الشاب الذي خلصك من النهر التهبت ضلوعي بنار الغرام! # قالت: كيف ذلك، وأنت لم تريه إلا مرة واحدة، ولم تعلمي من هو، ولا في أي أرض مقره، ~~ولا ابن من، وهل يليق أن يكون لك زوجا؟ أم هو من رعاع الناس؟ # فقالت لها: نعم أيتها العزيزة! إن كل ما قلتيه صحيح، وقد تفكرت في ذلك، ولم ~~يخفه عني الحب، ولكني لم أقدر على رد جماح الوجد والهيام، وقد أخبرتك به ~~لتمديني برأيك؛ لعلي أن أتخلص مما أنا فيه بأي طريقة كانت. # قالت: يا سيدتي، إني أرى أن ترسلي من تستأمنينه وتعتمدين عليه ليبحث عنه في تلك الجهة، ~~ويأتيك بالخبر الأكيد، وأظنه قريبا من تلك الجهة التي كنا ms39 فيها على ضفة ~~النهر. # قالت: هذا مناسب يا عزيزتي، ولكن كيف نجد ذلك الأمين، وهل يركن الإنسان إلى ~~أحد؟ # قالت: إني أرى خادمك «فيروز» شديد الحرص على تنفيذ أوامرك، وقد كان معنا في تلك الأرض، ~~وهو يعرف الطريق إذا أرسلتيه بعد أن تأخذي عليه العهود بكتمان السر. # قالت: سأفعل. # ثم أمرت الجارية باستحضار «فيروز»، وكانت تلك الجارية قد سمعت كل ما دار بين «شاهزنان» ~~و«خواند» وهي واقفة خلف الستار تسترق السمع، فذهبت الجارية لتستحضر «فيروز»، وهي تهدر ~~وتتقد غيظا؛ لأنها كانت تكره «شاهزنان» لأمور صرفنا النظر عن ذكرها، وكانت تلك ~~الجارية تترقب الفرص لترى لها شيئا يسقطها من قلب والدها به. ولما سمعت هذا الخبر ~~وجدته غنيمة باردة، ولما حضر «فيروز» قالت له شاهزنان: إني أريد أن أستأمنك على سر، ~~وأريد أن تقسم لي أنك لا تبوح به لأحد من الناس. # فقال: يا مولاتي إني أضحي نفسي تحت أقدامك، فكيف أخرج سرا استأمنتيني عليه قبل أن ~~تزهق روحي من جسدي؟! # ثم أقسم لها الأقسام الشديدة، وبعد ذلك حررت خطابا تذكر فيه: أنها لم تتمكن من ~~مكافأته، وأنها تريد أن تعلم من هو؛ لتجري الواجب عليها له من الجميل الذي فعله معها، ولم ~~تذكر شيئا من أمر الحب، ثم سلمتها له، وزودته بشيء من المال، وانصرف في ~~طريقه. # أما الجارية فدخلت على الملك وأخبرته بكل ما سمعت من تلك الحوادث، وبالغت في الأمر، ~~وقالت: حيث إني أنا جارية الملك وغرس نعمته؛ فيلزمني المحافظة على شرفه، وهذه ~~سيدتي صغيرة لا تعرف كيف يدبر المرء نفسه. # ثم ألقت عليه كل أحاديثها الصحيحة والملفقة، فهيجت بلابل الملك لهذا الخبر، وأثارت ~~غضبه، وقام من وقته، وأحضر رجلين من رجاله كان يعتمد عليهما، وأخبرهما بخروج «فيروز» بعد ~~أن استكتمهما الخبر عن كل إنسان، وألا يظهرا شخصيتهما «لفيروز»، فإنه سار برسالة لا ~~آمن أن تضر بمملكتي، وإياكما أن يعلم من أنتما ولا من أين جئتما، ولا تفتحا الرقعة ~~التي تجدانها معه، بل ائتوني بها. # فأجاباه بالسمع والطاعة، ms40 لبسا آلة الحرب، وركبا جواديهما بعد ما ضربا لثامين على وجهيهما، ~~وقصدا الطريق المؤدي إلى بلاد «مادي»، وكمنا هناك في أحد الكهوف الكائنة على الطريق ~~المار منه «فيروز»، وكان اسم أحدهما «بهادر»، والثاني «طيفور»، فجلسا ينتظران مرور «فيروز» ~~من ذلك المكان، وإذا بشبح ينتقل بين الصخور، ويفز من مكان إلى مكان كأنه الغزال ~~الشارد، ولقد توارى بين الصخور، فظنا أنه «فيروز» فتتبعا أثره فلم يقفا له على خبر، ~~ولا وجدا له أثرا، فرجعا إلى محلهما بين الظن واليقين. وبعد مضي بضع ساعات من النهار ~~أقبل «فيروز» فهرعا إليه، وقد عرفاه عن بعد فهجم عليه أحدهما، وسأله: إلى أين أيها الرجل؟ ~~فلم يرد عليه جوابا، ومضى في طريقه، وكان «طيفور» من خلفه، فطعنه بعقب الرمح، وقد استل ~~سيفه، وضرب «بهادر» فجرحه في كتفه جرحا بليغا، فوقع على الأرض من ألم الضربة، وكان ~~«فيروز» قد وقع لما ضربه «طيفور» على حين غفلة منه، فانقض عليه، وأوثقه كتافا، وساقه ~~إلى الكهف. # ورجع إلى ملابسه يبحث فيها عن الرقعة، فلم يجد لها أثرا، وكان في جعبته بعض أدوات ~~ففتحها، وأخرج ما فيها فلم يجد إلا ما يلزم للمسافر من أدوات السفر من زاد وغيره، ووجد ~~من ضمن تلك الأشياء أرنبا صغيرا موضوعا في شبكة، فظن أنه اصطاده في طريقه، ولم يسألاه ~~عن الرقعة خوفا من أن يعرفهما، أو يطلع على أمرها، فيئسا من وجودها. وعمد «طيفور» على ~~قتل «فيروز»، ولكنه تذكر أن الملك لم يأمره بقتله، فقام وشد وثاقه، وربطه إلى صخر في ~~داخل المغارة، وذهب إلى رفيقه، وضمد جرحه، وصعد به إلى محل عال من الجبل ليستريحا ويملآ ~~جوفهما من الطعام الذي وجداه في جعبة «فيروز». وبينما هما يخرجان الأشياء، وإذا هو وجد ذلك ~~الأرنب فأخذه، وجمع شيئا من الحطب، وأشعل النار وشق بطنه بعد أن سلخ جلده، ولا تسأل ~~عما شمله من الفرح حينما وجد الكتاب الذي هو بصدده في جوف الأرنب، وطار فؤاده سرورا حيث ~~إنه كان في غاية الخجل من ms41 رجوعه إلى الملك بدون جدوى. # وبينما هما كذلك، وإذا هما برجل كبير السن محدوب الظهر أبيض الشعر قد دخل عليهما وسلم، ~~وقال: يا أولادي ! هل يوجد عندكم شربة ماء، فأطفي أواري بها؛ لأني قد أعياني الظمأ ~~والنصب؟ فقال له «طيفور»: ادخل يا عماه على الرحب والسعة. فدخل بينهما، ووضعوا الزاد ~~فأكلوا وشربوا، وهو يلقي عليهم العبارات اللطيفة، وحول وجهه إلى جهة النار، وكان في يده ~~شيء من الشمع المصنوع فألقاه بها. وما تصاعد دخانه حتى زبلت أعينهما، وناما نوما عميقا، ~~فعمد إلى حبل كان تحت ثيابه ووأثقهما وثاقا متينا، ومد يده إلى جعبة «فيروز»، وكافة ~~أدواته، وأخذ الرقعة التي هي في صدر «طيفور»، وقصد محل «فيروز» في لحف الجبل، ولما رآه ~~وأخبره بأنه وجد الرقعة فرح «فيروز»، وركب وسار إلى محل «كورش». # الفصل الحادي عشر # | في شعور كورش أنه ابن الملك قمبيز # أما «كورش» فإنه استمر على البكاء والنحيب، وإنشاد الأشعار والتغزل في تلك الفتاة، وقد ~~ترك الدروس، وركوب الخيل، وأحب الاعتزال، وانقطع عن مجالسة الناس، وصار لا يريد أحدا ~~يدخل عليه سوى «روبير»؛ لأنه كاتم أسراره وشريكه في مصابه. ولم يزل على هذا الحال إلى أن ~~جاء الوزير، ودخل إلى القصر فخرج «كورش» لملاقاته، وقبل يديه ودخلا الحجرة المعدة ~~للوزير فجلس، وأمر «كورش» بالجلوس فجلس، وقد تحير الوزير لما رأى من تغير «كورش» ~~ونحفه ونحول جسمه، وذبول تلك الطلعة الباهرة، فقال له: ما الذي نزل بك يا ولدي؟ ومالي أراك ~~متغير اللون والجسم؟ فإني أراك على غير هيئتك الأولى، فما تشكي؟ أخبرني أيها العزيز إن ~~كان ألم بصحتك شيء أوجب هزالك حتى أتلافاه قبل أن يستفحل. # قال: صحتي - ولله الحمد - في غاية الجودة، وليس بي شيء يكدرني ما دمت تحت رعاية ~~مولاي. # فسكت الوزير، وبعد هنيهة قام واختلى «بفانيس»، وسأله عن حالة «كورش»، ولماذا هو بهذا ~~النحول والكآبة؟ هل بلغه أنه ابن «قمبيز» وسمع بقتل أبيه؟ أخبرني يا فانيس؛ لأني تكدرت ~~جدا مما رأيت من حالته؛ لأنه يهمني كما ms42 أهتم لنفسي، وأحرص على حياته أكثر مما أحرص على ~~ذاتي. # قال فانيس: والله يا سيدي قد أعيتني فيه الحيل واحترت في أمره، ولم أعلم له سرا، ولقد ~~هممت أنا و«بركزاس» أن نرسل لسيدي خبرا بما هو حاصل، فمنعنا «روبير» حيث إنه يعلم ~~بأسراره على ما أظن؛ لأنه يحب أن يختلي به دائما دون غيره، حتى صرنا إذا دخل منا أحد ~~عنده نراه يتضجر فنتركه وشأنه مع «روبير»، ولو أن في هذه الجهة من يليق لأن ~~يعشق لظننت أنه عاشق. # قال: يا «فانيس» ارصدوا الغلام وهو في خلوته واسمعوا ماذا يقول، ولا تجعلوه يشعر بأمر ~~ما. # فقال: سمعا وطاعة. # ثم انصرف الوزير بعد أن أوصى «بركزاس» و«فانيس» على مداراته والمحافظة عليه وعلى راحته، ~~وأن يقوه بأنفسهم، ودائما يستطلعوه على أخباره. وكانوا هم الثلاثة يحبونه حبا لا ~~مزيد عليه حتى إنهم يودون لو يفدونه بدمائهم وأرواحهم إلى أن حدث له ذلك الحادث فاضطربت ~~قلوبهم، وكادوا يذوبون أسفا وحزنا عليه، واجتهدوا بتسليته والاستطلاع على سره، فلم ~~يجد ذلك نفعا. وبعد ذلك تركوه آسفين، وجهدوا بكشف هذه الغمة إلى أن جاء الوزير، ~~وحصل ما تقدم ذكره. ولما جاء الليل ونام الناس قام «بركزاس» وصار جهة غرفة «كورش»، ووقف ~~حزاء النافذة فسمع أنينا، وتصاعد زفرات وبكاء ونحيبا، وصوتا رقيقا يترنم بما ~~معناه: # لا تخش يا ربع الحبيب همودا # فلقد أخذت على الوداد عهودا # وليغنين ثراك عن صوب الحيا # صوب المدامع إن طلبت مزيدا # كم غادرت رؤياك يوم وداعنا # سحب المدامع منهلا مورودا # ثم خانه الجلد فشهق، وأن أنين الثكلى، وجعل يهتف باسم «شاهزنان» ويقول: واويلاه! كيف ~~يجوز لي أن أحب ابنة الملك، وأنا دنيء الأصل لا نسب ولا جاه؟! غرست في نعم هذا الوزير، ~~ولولاه لكنت الآن أرعى الغنم، وأساري الوحوش، وأسكن الجبال. آه يا «شاهزنان»! ليتني لم ~~أخلق، وليت أمي لم تلدني، ولا بليت بحبك! ليت شعري ما تعلم عني، وماذا تفعل يا «روبير» ~~في هذه الرحلة، هل يسهل عليك أن تراها أم ماذا؟! ms43 وكيف بهذا إذا علم أنني ابن راع. # وكان «روبير» غائبا عن القصر؛ لأنه لما رأى «كورش» بهذا الحزن المفرط اجتهد بتسليته، ~~وقلب أفكاره عن حب «شاهزنان» فلم ينجح. وأخيرا قال: يا سيدي! ما هذا اليأس وقد من ~~الله علينا بالعقل، وجعل الفكر للإنسان ليدير به الأمور، ويفك به المشكلات؟! فلنسع ~~الآن بتدبير حيلة أو رأي نفك به هذا المشكل. # قال: يا «روبير»، ماذا يكون من الرأي وبيني وبينها من السماء إلى الأرض؛ لأنها بنت ملك ~~وأنا ابن راع ليس إلا. فكيف أن والدها يسمح بها لرجل مثلي عار من المال والجاه ~~والنسب؟! # قال «روبير»: لا تفتكر في شيء من ذلك؛ لأن العناية الإلهية إذا وفقت الإنسان، فلا تقف ~~أمام مقاصده الجبال الراسيات، ولا تصده الوحوش الضاريات. # وإذا العناية صادفتك عيونها # نم فالمخاوف كلهن أمان # والآن، اسمع مني رأيا أبديه إليك، وليكن لك به تسلية، وترفع من عنقك نير اليأس، وهو ~~أنك تأذن لي بالسفر إلى نينوى حتى آتي إليك بأخبار «شاهزنان»، وأعلمها بحبك لها، ~~وأعلم مقدار حبها لك. # قال: كيف ذلك؟ وكيف يقال إذا لم يجدوك هنا؟ # قال: يا سيدي، إني أستأذن أخوي بالتجول على حسب العادة، وأنت تعلم أنني كنت ~~أتغيب عن القصر شهرا أو أكثر لاكتشاف الأماكن التي على حدود المملكة، وبهذه النية ~~أسافر من هنا إلى نينوى. # قال: شأنك يا «روبير»، ولكن لا تطل غيابك عني، ولا تتركني أعاني عذاب ~~الانتظار. # ومن ثم قام ودخل على أخويه، واستأذنهما بالسفر على قصد الاكتشاف، وقد كنا أسلفنا ~~أن مهنته العيارة، وهذه المهنة يلزم لها السياحة ليطلع على أحوال البلاد حتى إذا لزم ~~الأمر حرب أو غيره يكون خبيرا بأحوال الطرق والممالك. وبعد أن استعد للسفر دخل على ~~«كورش» فوجده في انتظاره، فقال له: هل حررت لها خطابا أم كيف يكون الرأي؟ # قال: يا أخي لا أقدر أن أحرر لها شيئا؛ لأني لم أعلم كيف يكون من أمر سفرك، وماذا ~~تكون أحوالها من جهتي، فهل ترحم غرامي بها أم تردك ms44 بالخيبة والفشل؟ ولكنك أنت لسان حالي، ~~وفي فصاحتك كفاية. # ثم ودعه وانصرف قاصدا طريق «نينوى»، وفي نيته أنه إذا اجتمع بها يخبرها بنسب «كورش»، ~~ويوصيها بكتمان الأمر عنه إذا كتبت له، ويخبرها عن أسباب ذلك بالصورة الواقعة. # وهكذا سار «روبير» يقطع الأرض نهبا إلى أن التقى «بطيفور» وأخياه، ورأى ما قد حصل ~~«لفيروز»، وكمن حتى تواروا عنه، ودخل على «فيروز» وفكه، وسأله عن أمره، فأخبره بالواقع ~~ففرح «روبير»، وعلم أن الله قد أرسله؛ ليخلص شرف بنت الملك و«كورش» معا، فحمده وأثنى ~~عليه، وخلص الرقعة - كما تقدم - فلندعه الآن في سيره، ونرجع إلى «بركزاس» حيث تركناه أمام ~~النافذة يسترق السمع من «كورش»، ولما سمع ما تلفظ به من العبارات الغرامية وفهم أنه ~~عاشق يائس - وقد كاد اليأس أن يهلكه - ذهب إلى «فانيس»، وأخبره بالخبر، وأعلمه أن ~~«روبير» ذهب لهذا الخصوص، قال «فانيس»: يلزم لنا أن نخبر الوزير حتى يتخابر مع أستاذنا ~~«أرباسيس» ليبديا فيه رأيهما. # الفصل الثاني عشر # | في سفر كورش ودخوله مدينة شيراز # ولما كان في اليوم التالي ركب «فانيس»، وقصد المدينة، ودخل على الوزير فرحب به، وسأله ~~عن سبب مجيئه فأخبره بما تم، وما سمع من «كورش»، وكيف أنه يتلفظ بذكر بنت ملك ~~«نينوى»، وأن الذي به ليس إلا من أحوال العشق واليأس؛ لأنه يفتكر أنه ابن راع، وأن بنت ~~الملك لا ينبغي له الوصول إليها، وهذا الفكر الذي أهلكه يا مولاي. # قال الوزير: وما الذي أعلمه ببنت الملك؟ وما السبب لهذه المعرفة وهو في مملكة ~~«مادي»، وهي في مملكة «أشور»، وبينهما بون بعيد؟ # قال: نعم، ولكن كانت منذ أشهر قد مرت من هذه الجهة، وهي في موكبها الحافل، وعلى ما ~~بلغني أن بنت الوزير التي كانت في صحبتها - وهما منفردتان عن الموكب - قد شرد بها الفرس، ~~وسقطت في النهر، ونزل «كورش» فخلصها من الغرق، وهنا وقع التعارف - على ما أظن. # قال: يا «فانيس» هذا مشكل شديد الأهمية، فإن تركناه على ما هو عليه كبر معه الوهم، ~~وربما أضر ms45 بصحته. # قال فانيس: وربما ذهب بعقله أيضا. # قال: سأستشير الكاهن «أرباسيس» في هذا الأمر، وهو يمدنا برأيه السديد. # ثم قام من وقته وركب قاصدا منزل الكاهن ومعه «فانيس»، ولما أشرف على «أرباسيس» فرح ~~ورحب بهما. ثم جلسوا، وسأل الكاهن «فانيس» عن «كورش»، فشرح له الوزير ما سمعه من ~~«فانيس»، وقال: مدني برأيك أيها الفيلسوف؛ لأني مرتبك في أمر «كورش». # قال «أرباسيس»: إني أرى أننا نطلعه على أصله، ونترك له الرأي؛ لأنه عاقل نبيه ~~خبير كيف يدبر أمره ويدبر شأنه. # قال: ولكن لم يئن أوان إخباره بعد؛ لأنه ثمل بخمر الشباب، وربما ألقاه التهور في ~~التهلكة. # قال: كلا، فإنه إن علم بالأمر يقصد بلاده، وكل قومه يشكون من ظلم الماديين، واستبداد ~~«أستياج» وظلمه، فالكل إذا وجدوا ابن «قمبيز» يجتمعون تحت رايته، ويهجمون على هذه ~~البلاد، ونخلص من ظلم «أستياج». # قال: هذا ما كنت أتمناه مدة حياتي أيها الحكيم. # قال: وهذا هو الواقع، وستراه عما قريب، فأشير عليك الآن ألا تؤخر هذه الفرصة، ~~واستحضر «لكورش» ما تقدر عليه من رجال؛ ليكونوا له عونا في طريقه، وإن العناية الإلهية ~~تحفه بالنصر مهما كانت أنصاره قليلين. # ولما سمع الوزير ذلك لبى بالإجابة، وقام بعد أن التفت إلى «فانيس»، وقال له: هل أنت ~~سمعت ما دار بيننا من الكلام؟ وأنتم الثلاثة أول رجاله، وأنا سأهتم بتحضير الرجال بعددهم ~~وآلاتهم، ولكن أنتم عليكم بأن تخبروه بلطف؛ لئلا يؤثر عليه الفرح، واستحضروا جميع ما ~~يلزمكم للسفر إلى بلاد فارس. # قال: سمعا وطاعة. # ثم ودعهما، وذهب فرحا مسرورا لخلاصهم من ذاك الاختفاء الذي هو أمر من السجن، وقد ~~قبل أيادي «أرباسيس»، فدعا لهم بالتوفيق، ولما دخل القصر قابله «بركزاس»، وأخبره: أن ~~«روبير» جاء من السفر، وأن «كورش» اليوم في غاية الانشراح إلا أنه شديد التفكر. # قال: علمت بما يتفكر، وسبب انشراحه. # قال «بركزاس»: كيف ذلك؟! # قال: أما سروره؛ فإنه ناشئ عن أن «روبير» أتاه بخبر مفرح من لدن محبوبته، وأما ~~تفكره فلكونه ابن راع، وها أنا الآن أمرت ms46 بأن أخبره الحقيقة. # قال «بركزاس»: وبعد أن تخبره ماذا يكون؟ # فأعاد عليه كل ما حصل بين الوزير والكاهن، ففرح «بركزاس» لذلك ، وسأله «فانيس» عن «كورش» ~~قال: إنه نزل مع «روبير» إلى الحديقة، فلنتبعه. # فذهب إليه «فانيس» وسلم عليه فسأله «كورش» عن الوزير، وعن أستاذه. # قال: إنهما يدعوان لك بدوام العز وبلوغ المراد. ثم قال: إننا سنتهيأ للسفر إلى ~~بلاد فارس. # قال «كورش»: ولم هذا السفر؟! # قال: ستعلم يا مولاي. ولما سمع «روبير» ذلك انشرح صدره؛ لأنه علم أن «فانيس» سيطلعه على ~~الحقيقة، فيرتاح من عبء اليأس، أما «كورش» فإنه تعجب من ذلك غاية العجب، وتاقت نفسه ~~للاطلاع على الغرض المسبب لهذا السفر، فدخل على «فانيس» - وكان بعد ما قال له هذا اللفظ ~~دخل حجرته، وترك «كورش» مع «روبير» - فدخل عليه «كورش»، وسأله قائلا: لماذا لم تخبرني عن ~~سبب سفرنا إلى بلاد فارس أيها الأستاذ؟! # فنظر إليه متبسما وقال: الآن قد حصحص الحق، وظهر الصبح لذي عينين أيها الملك! # فاندهش «كورش» من هذا اللفظ، ونظر إليه بنظر المرتاب، وقال: أتهزأ بي أيها ~~الأستاذ؟! # قال: لا والذي نفسي بيده لم أقل إلا حقا! وإنك حقيقة ملك إيران، وإن لم تكن اليوم، ~~فستكون غدا. # قال: كيف ذلك؟! # فقص عليه الخبر برمته، وكيف أن أمه، وضعته في منزل «سباكو»، واختفت من ذلك الوقت ~~إلى الآن لم يظهر عنها خبر، وكيف أن جده «أستياج» قتل ابن الوزير، وكيف جرد العساكر على ~~قتال والده «قمبيز» إلى غير ذلك مما حصل، وقد أوغر صدره من جهة «أستياج» بكل ما قدر عليه، ~~ولما سمع «كورش» منه ذلك ثارت في رأسه نخوة الشباب، وشجاعة الملوك، وقال: الآن علمت سبب ~~اعتناء هذا الوزير بي، وخوفه علي من «أستياج»، فوالله لآخذن بثأره، ثم بثأر أمي ~~وأبي. # ثم التفت إلى «روبير»، وقال: قم، واستحضر كل ما يلزم للسفر «فاليوم خمر وغدا ~~أمر». # وبعد قليل من الزمن أرسل الوزير مائة فارس بعددهم، وكل ما يلزم لهم، وزوده بمال كاف ~~حتى يصل إلى بلاده، ms47 ويجمع الجيوش. # الفصل الثالث عشر # | في دخول كورش مملكة فارس ورجوعه إلى همذان وفتحها وأسر جده # وركب «كورش» ومن معه، وقد كان أرسل «روبير» في أثناء ذلك لتخليص الراعي وزوجته من سجن ~~«أستياج» ففعل، واستصحبهما معه، وقاموا جميعا يقصدون بلاد فارس، وقد وفقتهم العناية ~~الإلهية بلطفها، فوصلوا إلى مدينة «شيراز» في أقرب وقت. وكان الوزير أرسل الرسل بدهائه ~~إلى من يعتمد عليهم من أكابر إيران، وأخبرهم بمجيء ابن ملكهم «قمبيز»، ولما علموا بذلك ~~فرحوا فرحا شديدا، وكانوا منتظرين حضوره منذ بضع سنين بناء على وعد الوزير لهم. ولما ~~علموا بقرب حضوره تجمعوا سرا، واستحضروا لمقابلته، وقد دخل «كورش» «شيراز» كالأسد ~~الضاري، فقابلته أهل «شيراز»، وهجم على قصر الملك بمن معه، وخلع الحاكم الذي من قبل ~~«أستياج»، وجلس مكانه. وأعلن في المدينة أن الملك «كورش» ابن الملك «قمبيز» قد حضر، وجلس ~~على سرير أبيه، فمن يريد أن يدخل تحت رايته فليحضر. # وقد نشر هذا الإعلان في جميع مملكة إيران، وكانت تلك المملكة قد ضجر أهلها من ظلم ~~«الماديين»، واستعبادهم لهم وحرمانهم من السلطة في بلادهم، فجمعوا أكابرهم وعقدوا الرأي على ~~تعضيد «كورش» ومبايعته عليهم ملكا، ثم جمع العساكر، وحشد الجنود، وهجم على مدينة «همذان»، ~~وكان الملك «أستياج» قد أحس بالأمر فجمع الجيوش، وأمر عليهم وزيره «أرباغوس»، وحصن ~~المدينة من كل جهة، وكان «أرباغوس» يدس الفتن من كل جهة ضد «أستياج»، وقد جاء «كورش» ~~بجيوش الفرس، وعسكر حول المدينة، وكان الملك وقومه في أمان من ضبط الأسوار، وفي ثاني يوم ~~اصطفت العسكر، ودار بينهما الحرب؛ ففي اليوم الأول كان فيه النصر للماديين، ولما أمسى ~~المساء دخلت عساكر «أستياج» إلى المدينة، وأوصدوا الأبواب. # أما «كورش» فإنه جلس في سرادقه، وجمع أكابر قومه، وطلب آراءهم في فتح المدينة، فقالوا: ~~إن هذه الأسوار متينة جدا، وليس لنا في فتحها إلا أن نستعمل الحيلة. # قال «فانيس»: فانتظروا «روبير» إلى حين حضوره، فإنه الآن في المدينة داخل ~~الأسوار. # فتعجب «كورش» والحاضرون من ذلك، وقالوا: كيف أمن على ms48 نفسه، ودخل بين الأعداء، وهو معروف ~~بينهم؟! # قال «بركزاس»: لا خوف عليه، فإنه ينفذ من الزرد. # وكان «روبير» لما دخلت عساكر «مادي» إلى المدينة لبس لباس الجند، ودخل من ضمنهم، ولم يزل ~~سائرا إلى أن دخل على الوزير، ولما رآه استبشر به، وكان في احتياج له ليرسل معه التعليمات ~~إلى الملك «كورش»، وبعد أن سلم وجلس سأله عن أحوال الملك، قال: هو بخير أيها ~~الوزير. # ثم قال: يا «روبير»، إننا لو تركنا الحرب على ما هي عليه لهلكت أبطال فارس، ولكن الحرب ~~خدعة، فاذهب أنت الآن إلى مولاك وأخبره أن يهجم في الليلة الآتية على الأبواب فيجدني قد ~~فتحتها له من الداخل؛ بحجة أني سأهجم عليكم على حين غفلة منكم. # فقال: سمعا وطاعة. # ثم ودعه وخرج، وانخرط بين عساكر «مادي». # وكان الملك «أستياج» فرحا بنصر جيوشه وخامره السرور من شدة فرحه، وأرسل إلى «أرباغوس» ~~وقال له: كيف رأيت عساكرنا في هذا اليوم؟ # قال: يا مولاي، على غاية ما يرام من الانتظام حليفهم النصر، وعما قليل ترد عساكر ~~الفرس على أعقابهم، ونأتيك «بكورش» أسيرا أو قتيلا، وفي هذه الليلة سأهجم عليهم على حين ~~غفلة، وأمحي أثرهم. # قال: باركت النار فيك يا وزيري الأمين! # وفي اليوم الثاني خرج «روبير» ضمن عساكر «مادي»، واختلط بعساكر الفرس، ودخل على الملك، ~~وأخبره بما تم بينه وبين الوزير ففرح لهذا الخبر، وجمع القواد، ورتبهم بحسن درايته، ~~وقال: كونوا على أهبة لحين أن يصدر لكم أمري بالهجوم على الأبواب. # قالوا: سمعا وطاعة. # ثم أمر «روبير» أن يلاحظ الوقت المعين، وفي الميعاد جاء «روبير»، وقال: يا مولاي، أزف ~~الوقت. فصدر الأمر للقواد بالهجوم، وقد هجموا هجوم من يريد التخلص من الظلم، ~~وألقوا بأنفسهم في حزافر الموت، و«كورش» شاهر حسامه في مقدمة تلك الصفوف، و«روبير» ~~أمامه، و«فانيس» عن يمينه، و«بركزاس» عن يساره، ولما رأى الوزير ذلك، وعسكر الفرس ~~كالسيل الجارف أمر القواد بالرجوع إلى الوراء، وأن تخلى الأبواب، فعلموا أنها مكيدة، ~~وألا مناص من الخضوع، فامتثلوا أمره، ودخل «كورش» ms49 بجيوشه المنصورة وملك الأسوار، ~~واستولى على قصر الملك بعد أن قادوه أسيرا، ثم جلس «كورش» على سرير مملكة «مادي»، وجمع ~~أكابر الدولة، وسألهم فيمن يختاروه عليهم حاكما لبينما يفرغ هو من غزواته، فقالوا كلهم ~~بلسان واحد نحن نريد الوزير «أرباغوس»؛ لأنه محب لنا، عادل بالرعية، فولاه وأمر ~~باستحضار «أستياج»، فحضر فقال له: كيف رأيت صنع الله في الظالم؟! ولماذا قتلت أبي وأمي - ~~ولم يعصيا لك أمرا؟ # قال: فلم أقصد قتل أمك؛ وهي ابنتي الوحيده، ولكن كان قصدي قتلك وأنت في بطنها خوفا على ~~ضياع مملكة «مادي»، فلم يتيسر لي ذلك، ولا بد أن يكون للنار فيه إرادة. # قال: يا ظالم، إن النار مخلوقة من مخلوقات الله - سبحانه وتعالى - ليس لها حل ولا ~~ربط، وإنما الإرادة بيد الله سبحانه فمن آمن به فقد نجى، ومن كفر فجزاؤه الخزي وعذاب الجحيم ~~فآمن به واترك عبادة النار وأنا اترك لك ثارات أمي وأبي. # قال: ما كنت لأترك دينا وجدت عليه آبائي وأجدادي. # فألح عليه «أرباسيس»، وأنذره فلم يقبل، فلما وجد «كورش» امتناعه وترفعه عن عبادة ~~الخالق - سبحانه وتعالى - أمر بأن تجمع الأحطاب، وتوضع في ساحة القصر، ثم يوقدوا فيها ~~النار ففعلوا، وأمر بإحضار الملك «أستياج» فحضر - وقد جلس الملك «كورش» على كرسي مملكته، ~~وحوله الوزراء والقواد، وأكابر الدولة - ثم أمر «فانيس» أن يخطب فيهم والعساكر شاهرة السلاح ~~فوق رءوسهم. فقام وقال: أيها القوم! إن الله يأمركم بعبادته، وألا تعبدوا إلا إياه، ~~فمن أطاع منكم، فله أجره من الله، ومن خالف فمأواه النار التي تعبدونها من دون الله. فهاج ~~الجمع وماج، ثم التفت أكابر القوم إلى «أرباسيس»، وكانوا يعلمون فيه الحكمة والدراية، ~~ويحترمون قوله واستشاروه، في ماذا يعملون؟ # فقال لهم: هذا هو الحق. ثم قام وألقى عليهم خطبة كلها حكم، وأرشدهم إلى صراط ~~مستقيم، فآمنوا جميعا إلا «أستياج» فإنه وقف مبهوتا لا يحر جوابا، فقال له «كورش»: ~~كيف رأيت ربتك أيها الملك؟ هل قدرت أن تدافع عن نفسها، وتمنع عبادها من الخروج عن ~~عبادتها؟! ms50 # فسكت «أستياج»، ولم يحر جوابا. # فقال له: انطق بالوحدانية، وإلا كانت هذه النار مأواك. # وأشار إلى النار الموقدة في ساحة القصر، فأطرق «أستياج» إلى الأرض، فاحتد «كورش»، ~~وأمر بأن يخلعوا ما عليه من الملابس، ويدنوه من وهج النار، لعله يتذكر أو يخشى، ~~فقربوه حتى إذا صار قيد رمح لفحه لهيبها، فرجع إلى الوراء مذعورا مرعوبا طائش الفكر، ~~وقال: أرجعوني إلى الملك. # فرجعوا به فقال له «كورش»: ماذا تراءى لك الآن؟ # قال: إني آمنت بربك، فاتركني من هذا العذاب. # فقام «أرباسيس» وحل عقاله، وأجلسه عن يمين الملك، وعلمه شروط الإيمان عن ملة ~~إبراهيم خليل الرحمن - عليه السلام - وبعد ذلك بالغ في إكرامه، وتركه داخل قصره يعبد الله ~~ما بقي من حياته. # الفصل الرابع عشر # | في زواج كورش بشاهزنان وفتح مدينة بابل # أما «كورش» فإنه بعد أن رتب أحوال المملكة أمر بقيام الجيوش إلى مدينة «شيراز»، ~~فساروا بعد أن تركوا «أرباغوس» ملكا على «مادي»، وهكذا تم سائرا إلى أن بلغ ظاهر ~~المدينة، فنظر إلى جيوشه وحاشيته، فتذكر «شاهزنان»، وكان «روبير» لا يفارق ركابه، ~~فقال له: يا «روبير»، كيف رأيك بمالكة فؤادي؟ هل تقبلني الآن أن أكون لها بعلا أم ~~لا؟ # قال «روبير»: كيف لا وقد كاد الغرام أن يذهب بحياتها؟! # قال: ولكنها لم تعلم أني ابن ملك فارس، وجدي «أستياج». # قال: بل هي تعلم ذلك قبل أن تعلمه أنت. # قال: كيف ذلك؟ # قال: يا مولاي، إني لما أرسلتني ووجدت «فيروز» كما أخبرتك، ولم أرد أن أتأخر عنك ~~فأخذت منه الكتاب، وأرسلته إلى سيدته ليخبرها بك من أنت، ووضحت لها كل شيء أنت ~~غافل عنه، وأعلمته بما عندك من الحب والهيام. والآن هي تعلم كل شيء. # قال: أنا أرسل «أرباسيس» ليطلبها لي من أبيها. # قال: هذا رأي سديد، وأرجو أن ترسلني معه لأتجسس الأحوال الداخلية. # قال: وهو كذلك؛ لأني أعلم أن الملك «أكيا كسار» شديد البأس والأنفة، وأن المملكة الآشورية ~~كلها تهابه، وتكبر رأيه، وأخاف أن يردكم خائبين. # قال: يفعل الله ما يشاء. ms51 # ثم ساروا كأنهم السحاب المنتشر، وكان «أستياج» على ظهر جواده يتأمل في صنع الله، ~~وكيف كان يظن أن يقدر على أن يطفئ نورا أراد الله إظهاره وانتشاره في الأرض بعد أن ~~أطلعه الله عليه في عالم الرؤيا، فيندم على ما فرط منه، ويستغفر الله لذنبه، وما زالوا ~~سائرين إلى أن بلغوا مدينة «شيراز» فضربت الطبول، وقامت الأفراح، وزينت المدينة ~~بأحسن زينة، ودخل «كورش» إلى محل عزه ورايات النصر تخفق فوق رأسه، وقد كان ذلك اليوم ~~يوما مشهودا يحدث به التاريخ جيلا بعد جيل، كل ذلك والملك ثمل بخمر الغرام، بيد أن ~~كل أهل إيران ثملون بنشوة النصر، وتخلصهم من ربق العبودية. # وبعد أن استقروا وارتاحوا من وعثاء الحروب والأسفار جلس الملك يوما وحوله خواصه وندمائه ~~«أرباسيس» و«فانيس» و«براكذاس»، وبعد ذلك التفت الملك إليهم، وعرض عليهم الرأي في طلب ~~بنت الملك «أكيا كسار»، وأعلمهم أنه يحبها، ولا يريد أحدا سواها قال: وأريد أيها ~~الأستاذ أن تكون أنت الرسول إلى بلاد آشور؛ لأنك عالم بغوامض الأمور قادر على استنباط ~~الحكم، لعل أن يكون شفائي على يديك. # فقال: نعم يا ولدي، ولكني أريد أن ترسل معي «فانيس». # قال: نعم، و«روبير» أيضا، وقدر ما يحتاج إليه من العساكر والخدم؛ ليكونوا في ~~معيتكم. # ثم استحضروا ما يلزم لهم من الهدايا الثمينة من أحسن ما غنموه من خزائن «مادي» من الجواهر ~~الثمينة وغيرها، وأرسل معه مائة وأربعين صندوقا تحتوي على أعظم ما تقتنيه الملوك من ~~حلي وحلل. وسار الركب يقطع القفار حتى قرب من مدينة «نينوى»، فنزلوا هناك في مرج زاه ~~زاهر والمياه تتدفق من جوانبه، فأمرهم «أرباسيس» بالنزول فنزلوا، ونصبوا الخيام، ~~وباتوا تلك الليلة، وكان «روبير» قد قام من ساعته، وأطلق رجليه للرياح، وقصد مدينة «نينوى»، ~~ولما أقبل عليها وجد حولها جيشا جرارا، وعساكر وخياما منصوبة، ورايات تخفق. # فاخترق بين هذه الجموع، ودخل من مكان إلى آخر حتى اطلع على القوم. ووجد الحصار ملقى على ~~مدينة «نينوى»، وأبوابها مغلقة فتقدم إلى بعض الحراس، وسأله عن ms52 اسم هذا الملك، وعن ~~السبب في هذه الحرب. فقيل له إن هذا الملك «أفراسياب » ملك بابل، وقد طلب «شاهزنان» بنت ~~الملك «أكيا كسار» فلم يسمح له بها فغضب لذلك، وجرد عليه العساكر فهذا سبب الحرب، فلما ~~سمع «روبير» ذلك طاش عقله، وقام يعدو إلى أن وصل إلى محل القوم، وكان الحكيم «أرباسيس» قد ~~أمر الركب أن يظعنوا، وكان النهار قد أسفر اللثام عن وجه الليل القاتم، وقد قاربت الغزالة ~~أن تلقي حبالها على هاتيك الروابي فدخل عليه، وقال له: قد كدنا أن نكون غنيمة ~~للقوم. # قال: وما ذلك؟ فأخبره بكل ما رأى وسمع فتكدر «أرباسيس» من هذا الخبر، وقال: كيف ~~العمل يا «فانيس؟» # قال: يا سيدي، لا يجدي إلا الرجوع من حيث أتينا، ونخبر الملك لعله يدرك «أفراسياب» ~~قبل أن يدخل المدينة، ويسبي «شاهزنان» التي هي المراد في هذه الحرب. وفي الوقت عينه ~~حملت الحمول، ورجع الركب من حيث أتى، وما زالوا سائرين إلى أن دخلوا مدينة «شيراز»، وكان ~~«روبير» سبق الركب، وطار في الهواء إلى أن بلغ القصر، ولما رآه الملك أشعث أغبر على هذه ~~الصورة ارتاب في أمره، وقال: ما بالك يا «روبير» - كفانا الله الشر - وأين باقي ~~الركب؟ # قال: هم في الطريق يا مولاي، ولكن أدرك مدينة «نينوى»، فإنها على وشك الحرب، ولا يبعد أن ~~تقع «شاهزنان» سبية في يدي الأعداء. # قال: أوجز يا «روبير» كيف ذلك؟ # فقص عليه الخبر بما فيه، ولما سمع «كورش» ذلك شعر كأن صاعقة من السماء نزلت فوق ~~رأسه، وصاح صيحة ارتجت منها الأرض، وأمر القواد بالاستعداد والتأهب في أقل من القليل. ~~ثم تجمعت العساكر تحت راية ملك فارس، وكان «أرباسيس» قد حضر بمن معه، ولما تكاملت الحملة ~~خرجوا إلى خارج المدينة، وعسكروا هناك، وبعد ثلاثة أيام سار الجيش الفارسي تحت راية الملك ~~«كورش» تحفه أعلام النصر والأبهة، وما زالوا سائرين والملك في أوائل تلك الجيوش ~~يكاد أن يسبق الرياح، وهو يبكي وينتحب، وينشد الأشعار الغزلية والحماسية، و«روبير» ~~يصبره، ويسليه إلى أن ms53 وصلوا إلى مدينة «نينوى». # ولما بلغوها، وجدوا أعلام العراقيين تخفق على أسوارها، ولم يجدوا من عسكر «بابل» سوى ~~المناط بهم حفظ المدينة، وقد عسكر الملك حول الأسوار. وكان «روبير» قبل أن يقربوا على نينوى ~~بنصف يوم أمره الملك أن يكشف لهم الأخبار، وما زال سائرا إلى أن بلغ تلك الربوع، وإذا بها ~~خاوية على عروشها، فدخل المدينة فلم يمانعه أحد، ووجد أهلها في غاية الحزن والكدر، فقال ~~لأحد حراس الأبواب: أرى آثار حرب، ومعالم طعن وضرب! # فقال: أين كنت يا هذا؟! فإن الحرب عما قريب ألقت أوزارها، وإن الملك «أفراسياب» فتح ~~المدينة عنوة، وأسر الملك «أكيا كسار»، ووضع أحد قواده حاكما عليها يدير أمورها، وسافر ~~بالأسراء والسبي إلى مدينة بابل. # ولما سمع ذلك منه خرج فوجد مولاه على مسافة قريبة من المدينة، فانتظر إلى أن عسكروا - ~~كما تقدم - فدخل على الملك، وأخبره بكيفية الواقع. # ولما سمع «كورش» هذا الكلام أخذه القلق على «شاهزنان»، وقال لمن حوله: ما الرأي أيها ~~الملأ؟ أفتوني في هذا الأمر؛ فإني عدمت الرشد والصبر، أأمضي إلى «بابل» أم أهجم على نينوى ~~وأفتحها عنوة، وأخرج عساكر «أفراسياب» منها؟ # قالوا: حيث أننا قربنا من مدينة نينوى يلزم فتحها قبل السفر إلى بابل. # قال: نعم، ولكني أخشى من أن يصيب «شاهزنان» مكروه. # قال «روبير»: فليس في المدينة من الحامية ما يحمل جولة جائل. # قال «بركزاس»: دعني أنا مع مائة فارس أغار عليها، وسيروا أنتم إلى بابل. # قال «أرباسيس»: هذا رأي سديد؛ لأني أعلم أن «بركزاس» فيه الكفاية بأن يفتحها ~~بمفرده. # قال الملك: فاختر لنفسك من شئت من الجنود. # ففرح «بركزاس»؛ لأنه يريد أن يعمل عملا يظهر به شجاعته أمام الملك، والحاصل انتخب مائة ~~فارس تحت إمرته، وهجم على المدينة فخرج لهم عساكر العراقيين مندهشين من أين جاءت هذه ~~الشرذمة القليلة وقابلوهم باحتقار، وعدم اعتناء، ودار الحرب بينهم، وقد أظهرت أبطال الفرس ~~كل بسالة، وفي مقدمتهم «بركزاس» كالأسد الضرغام حتى ألجئوهم إلى أبواب المدينة، وقبل أن ~~يتمكنوا من غلق الأبواب ms54 هجمت عساكر الفرس على الأبواب، ودخلت المدينة تأسر وتقتل إلى أن ~~دخلوا قصر الملك، ودخل «بركزاس» بعد أسر الحاكم وجلس مكانه، ونكس الأعلام البابلية، ونصب ~~الأعلام الفارسية، ورتب الأحكام وعزل وولى، وبعد أن رتب إدارة المملكة كتب كتابا إلى ~~الملك يخبره بما تم، وأرسله مع أحد العيارين. # أما الملك «كورش» فإنه بعد أن أمر «بركزاس» أن يفتح «نينوى» أمر العساكر بالقيام من ساعته ~~فنفرت في الحال، وسار بركبته قاصدين أراضي بابل، والملك يكاد أن يطير شوقا إلى تلك ~~الربوع، وبعد بضعة أيام أدركوا المدينة وعسكروا حولها ... # فلنترك الآن «كورش» في غرامه وهيامه، ونرجع إلى «شاهزنان» ووالدها، فنقول: إنه لما رجع ~~«فيروز» إليها - كما سلف - ودخل عليها وسلم، وسألته عما حصل، وعن قريب رجوعه فأخبرها بكل ~~ما سمعه من «روبير»، وما حصل من اللصين، وكيف أخذا منه الكتاب، وكيف خلصه «روبير» منهما، ~~وكيف أخبره عن «كورش» أنه ابن ملك فارس، وجده ملك «مادي» أكبر ملوك الأرض، وهو لا يعلم ذلك ~~لدواع أخرى، والحاصل أخبرها بكل شيء يعلمه ففرحت «شاهزنان»، واشتعل قلبها بنار الغرام، ~~فباتت تسعد بالأمل، وتشقى باليأس. # أما والدها، فإنه تعجب لما رأى «فيروز» في القصر بين الخدم كعادته، وهو يعلم أن ~~المسافة بين حدود «مادي» وبين أرض «آشور» تستغرق مدة أيام، والرجلان اللذان بعث بهما لم ~~يحضرا بعد، فاستحضر الجارية التي وشت بابنته، وهددها بالقتل إن لم يظهر نتيجة لقولها، ~~وفيما هو كذلك، وإذا بالحاجب دخل عليه يخبره بحضور وفد ملك بابل، فقام الملك وخرج إلى دار ~~الضيافة، وقابل الوفد وهو مؤلف من الوزير وخمسة من الجند، فصغر في عينه، وثارت في ~~رأسه أنفة الملوك، وندم على خروجه لهم، وبعد أن سلم الوزير وجلسوا برهة من الزمن قام ~~الوزير وأخرج منشورا يتضمن أنه يطلب ابنته «شاهزنان» - بصوت تهديدي - ولما اطلع ~~الملك على ذلك التفت إلى الوزير بغاية الأنفة والعظمة، وقال: أخبر مولاك أنه ليس عندي بنات ~~له، فليفعل ما يشاء. # فقام يتعثر بأذياله، ورجع بالخيبة إلى مولاه، وبعد أن ms55 أخذ قليلا من الراحة ركب وسار ~~إلى أن دخل على الملك «أفراسياب»، وأخبره بما حصل، فلما سمع ذلك قامت قيامته، واشتعلت ~~عيناه في أم رأسه يقدح منها الشرر وهدر وزمجر، وأمر في أسرع وقت بتحضير الجنود، وركب ~~بجيشه الجرار، وهجم على «نينوى» - وكان الوقت الذي جاء فيه «روبير» - فهدم حصونها، ودك ~~أسوارها، وفتحها عنوة، وأسر الملك «أكيا كسار»، وأخرج الحرم من القصر سبايا عرايا باكيات ~~العيون، وبينهن «شاهزنان» كأنها القمر بين النجوم. ولما رآها تبكي وتلطم وجهها، وتستغيث نظر ~~إليها بعين العاشق الولهان، وقرب منها، وقال: خفضي عنك أيتها الغادة، فإنك عما قريب ~~تكونين ملكة بابل. فنزل هذا اللفظ على قلب «شاهزنان» نزول الصاعقة، وقالت: انزع من فكرك هذا ~~أيها الملك الظالم، فوحرمة الشرف الذي هدمته والناموس الذي وطأته، إنك لو أجبرتني على ذلك ~~لأقتلن نفسي قبل أن تضع يدك علي. # فاحتد الملك من هذا الكلام، ولكن الوزير سكن غضبه، وقال: يا ملك، فمن عادة النساء لا ~~يملن إلى الرجال إلا باللين وحسن المعاملة، وهذه هدمت ملكها، وأنزلتها من أوج ~~عزها، وتريد أن تسمع منها الطاعة في حينه؟! فهذا أمر بعيد. # فسكت الملك، وترك لها من يدبر أمرها، وأخذ الملك «أكيا كسار» تحت التحفظ والأغلال، ~~وأخذوا «شاهزنان» في محفة تحيطها العساكر والحراس من كل جانب إلى أن بلغوا مدينة ~~بابل، وقد زينت من كل صوب، وأقامت في عرصاتها الأفراح، وهم في طرب زائد، وإذا بالملك ~~«كورش» عسكر حول المدينة - كما تقدم - بعسكره الجرار، وهو كالأسد الكاسر لما في قلبه من ~~لهيب النار. # فلم يكترث به «أفراسياب» لما يعلم من تحصين مدينته، بل أمر بإغلاق الأبواب وتحصينها ~~وتحفظها وإبقاء الأفراح على ما هي عليه من ضرب آلات الطرب، وشرب بنت الحان بكاسات الذهب ~~آمنين من متانة الحصون، وتحفظ الأسوار، وقد هزأ «أفراسياب» بكورش وجيشه، وأعماه الله عن ~~تدابيره؛ لأن «كورش» لما رأى منه عدم الاكتراث خاف على محبوبته من أن تهلك نفسها، أو تسلم ~~لهذا العاتي، فاختلى «بروبير» كاتم أسراره، وقال ms56 له: يا «روبير» - بعد أن شكا له ما يقاسيه ~~من الوجد - أخاف ان تكون هذه الطبول والأفراح التي داخل المدينة لأجل زواج الملك ~~«بشاهزنان». # فقال: يا سيدي، إن «شاهزنان» تفضل الهلاك على أن تسلم نفسها لمن تكرهه، وفي قلبها ~~شخص آخر. # قال: وهذا الذي أخشاه، وربما أجبرها اليأس على إهلاك نفسها، فأموت أسى وحسرة. دبرني ~~كيف العمل؟! ومن أين المنفذ لهذه المدينة؟ # قال: يا سيدي، دعني أطوف حول الأسوار في هذه الليلة لعلي أجد لها حيلة. # قال: قم وأنا معك على بركة الله، والله ثالثنا يدبرنا كيف يشاء. # قال: فليكن ذلك خفية عن عيون الناس. # ولما جن الليل ركب الملك وفي ركابه «روبير»، وطاف حول المدينة من كل جهة، فلم يجدا ~~لهما حيلة لهذا الأمر العظيم، فقال الملك بعد تفكر قليل: أنا لي رأي واحد إن صح ~~هذا دخلنا المدينة بكل سهولة بإذن الله. # قال: كيف ذلك يا مولاي؟ # قال: أن نحول ماء النهر الذي يشق المدينة، وتدخل منه الجنود بعد أن تشف منه ~~المياه. # قال: هذا رأي حسن! # ثم تقدم «روبير» جهة القناطر التي تدخل منها المياه، وتنصب داخل المدينة، وبحث فيها ~~جيدا من جهة عمقها وعرضها، ورجع إلى مولاه، وقال له: إن اتساع المجرى كاف لأن يدخل ~~منه فارسان معا. # قال: امض إلى العسكر، وائتني بالمهندسين والعمال. وحالا ابتدئوا بالعمل، وحفروا ~~الخنادق، وحولوا ماء النهر، وبعد انقطاع الماء أمر «كورش» جنوده بالعبور إليها، فدخلوا وهو ~~في مقدمتهم يكاد أن يقتلع تلك الأسوار. وقد نجح في ذلك نجاحا تاما، ودخل تلك العاصمة ~~العظيمة، وأهلها مقيمون بين طرب وخمر، وهم يسكرون ويمرحون، وملكها بين أعيانه يترنح بين ~~خمر الدنان وخمر الغرام، ويعد نفسه من يوم لآخر بقرب الوصال، فلم ينتبهوا إلا وعساكر ~~الفرس قد امتلكت المدينة والقلاع والحصون، وأحاطوا بقصر الملك وأوثقوه كتافا، وأخذوه ~~أسيرا، وهو لا يعي من السكر، ودخل «كورش» إلى قصر الحرم، وهو شاهر حسامه و«روبير» ~~أمامه. # فلما دخل وجد القصر جنة فوق أديم الأرض؛ لما فيه ms57 من الزخارف والأواني الذهبية والفضية ~~والنمارق الثمينة ما يعجز عن وصفها اللسان ، وكانت النساء يصلحن من أمر «شاهزنان» لأجل ~~زفافها على الملك، وهي تبكي وتنتحب، وتتضرع إلى الله أن يصرف عنها هذا البلاء. وإذا بها ~~تسمع ضجة عظيمة في أنحاء القصر فخفق فؤادها، وظنت أن الملك داخل عليها، وكان في صدرها ~~مدية قد استحضرتها معها لتطعن نفسها حين دخول الملك عليها فشهرتها في يدها، ونظرت إلى ~~الباب، وكان النساء اشتغلن عنها، وتشتتن في أنحاء القصر خوفا ووجلا من تلك الضجة، ~~وبعد لحظة دخل «كورش» ومعه قواد قومه إلى ساحة القصر الداخلي، وكان «روبير» قد سبق القوم ~~ليبحث عن محل «شاهزنان»، وقد دخل فوجدها شاهرة بيدها تلك المدية، وتريد أن تطعن نفسها، ~~فاختطفها من يدها، وبعد ما استفهم عن اسمها وعرف أنها هي بشرها بخلاصها ودخول حبيبها ~~وامتلاكه المدينة. # ورجع إلى مولاه ليخبره، وإذا به داخل أمام الباب الذي هم فيه فأرشده «روبير» إليها، ولما ~~رأته صرخت بصوت الفرح، وخرت مغشيا عليها، فدخل «كورش»، وانكب عليها وانتشلها بين ~~أحضانه، ووضعها فوق سريرها، واجتهد في استفاقتها، ولما أفاقت نظرت إليه، وبكت حتى بلت ~~الأرض، فقال لها «كورش»: قد زال الخطر يا قرة العيون، ومنتهى الشجون، فلا فراق بعد الآن ~~إلا بالموت فطيبي نفسا، وقري عينا، واعلمي أن هذا القصر، وما فيه تحت تصرفك، وسيقام ~~زفافنا فيه عما قريب - إن شاء الله تعالى. # ففرحت «شاهزنان»، وحمدت الله الذي من عليها، وأخرجها من الضيق إلى الفرج حيث إن ~~كل ما يلزم للزفاف كان حاضرا، وكانت على وشك زفافها لرجل تفضل الموت على النظر إلى ~~وجهه، فبدله الله لها بمن تحب. # ثم قالت له: أين أبي أيها الملك؟ فإني ما رأيته منذ دخولي هذا المكان الذي كنت أحسبه قبل ~~دخولك إليه نار السعير، وكنت أحس أن ثقل تلك الأسوار كلها فوق صدري. # فقال: يا شقيقة الروح! هو موجود الآن في القصر الخارجي، وقد أخرج من السجن، ووضع مكانه ~~الملك «أفراسياب». # قالت: أريد أن أراه الآن ms58 لأجل أن أروي صدى شوقي منه. # قال: سمعا وطاعة. # ثم أمر «روبير » أن يستحضره مع «أرباسيس» و«فانيس»، فذهب «روبير» وأحضر الجميع، ولما ~~دخل عليها والدها انكبت على أقدامه تقبلهما، وتزرف الدمع السخين فانهضها بين يديه، ~~وضمها إلى صدره، وبكى بكاء مرا. وحالما نظر الملك إلى هذا الموقف المحزن، اجتهد في ~~تسكين روعهما وتسليتهما، وقال لهما: إني أرسلت أحد قوادي لتخليص «نينوى» عاصمة مملكتك، ولا ~~بد أن يكون الآن قد فرغ من فتحها. وبينما هم في تلك المذاكرة، وإذا بالحاجب في يده كتاب، ~~فناوله للملك ففتحه وتلاه، وإذا هو من «بركزاس» يخبره فيه أنه فتح «نينوى» عاصمة مملكة ~~«أشور»، فناوله إلى «فانيس» فتلاه جهارا، ولما سمع الملك «أكيا كسار» فرح فرحا ~~شديدا. # وفيما هم في تلك النشوة، وإذا بالحكيم «أرباسيس» قام واقفا على أقدامه وألقى خطبة فحمد ~~الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله قد جمل هذا الملك الصغير السن الكبير القدر بحسن ~~الشيم، ومكارم الأخلاق، وقد خصه بالنصر حتى إنه فتح أعظم ممالك العالم في أقرب وقت، وهي ~~مملكة «مادي» و«أشور» و«بابل». ثم وجه كلامه إلى الملك «أكيا كسار»، وقال: والآن فإنه ~~يريد أيها الملك أن ينتمي إليك، ويكون لك صهرا، وإن تنعم له بابنتك، ويكون صداقها رجوع ~~مملكة «أشور» إليك كما كانت. # فلما سمع الملك «أكيا كسار» ذلك كاد أن يطير فرحا، وقال: فليكن كما يشاء الملك. ثم ~~عقدوا لها عليه في تلك الساعة، وقامت الأفراح في تلك الليالي الضاحكات، وتم السرور، ~~وزينت تلك المعالم الزاهرة، وأرجعوا مياه النهر إلى مجاريها، وبعد أن كان الفرح ~~«لأفراسياب» انقلب، وصار «لكورش» فسبحان من له الدوام، وفي اليوم الثاني جمع أكابر بابل، ~~وعرض عليهم ترك عبادة النار، وأن يعبدوا الله الواحد القهار فآمنوا جميعا، وقد خصص لهم ~~من يعلمهم شروط الدين. ولما انتهى من تصليح بلاده، وتم له الأمر أرسل «أكيا كسار» إلى ~~بلاده، وأمر أن يسير كل من كان معه في الأسر من عساكره، فودع ابنته وصهره الملك «كورش»، ~~وخرج الملك ms59 وحاشيته إلى خارج المدينة، وبعد أن ودعوه سار إلى بلاده في غاية الفرح ~~والسرور. # أما الملك «كورش» فإنه جعل عاصمة بلاده مدينة «بابل»، وصار يجتهد في إصلاح بلاده، وتنظيم ~~أمورها، وانتخاب الأكفاء من أمرائه للولايات في أنحائها. وصار يحارب عباد النار، ~~ويهدم هياكلهم ومعابد النار، ورد طائفة اليهود إلى بيت المقدس بعد السبي (وقد كان نبي ~~الله أشعيا أنبأ عنه قبل ظهوره بمائة سنة). # والحاصل: فبينما هو جالس في ذات يوم، وإذا بالحاجب دخل عليه وأخبره بأن الملك «أفراسياب» ~~تخلص من السجن، وهرب فذعر الملك من هذا الخبر، وغضب غضبا شديدا، وأمر أن يفتشوا عليه ~~في كافة أنحاء المدينة، وقامت الجواسيس من كل صوب، وكان «روبير» من ضمن من خرج، وبعد مدة، ~~وجيزة رجع الكل بدون جدوى، وقالوا لم نجد له خبرا ولا أثرا، فاغتاظ الملك، وقال: أين ~~«روبير»؟ ائتوني به! # فقالوا له: لم يأت بعد. # قال «فانيس»: فلننتظره أيها الملك، ولا بد أن يأتينا بخبر أكيد. # أما «روبير» فإنه صار من مكان إلى آخر يتجسس الأمور إلى أن بلغ شاطئ البحر، فوجد هناك ~~سفينة تجارية، فطلب من ربانها أن يخبره إلى أين وجهته فقال: إلى جزيرة صقلية. # فقال: هل تقبلون معكم ركابا؟ # قال: نعم، نحن مستعدون لقبول كل من يريد السفر. # قال: أريد أن أبحث عن سيدي؛ لأنه خرج فارا من وجه ملك الفرس، ولم أعلم له مكانا، وقد ~~تخلصت أنا من السجن ولحقت بسيدي أبحث عنه إلى أين سار. # قال: لا أعلم «أفراسياب»، ولكني وجدت رجلين صفتهما كذا. وأعطاه أوصافهما، فعرفهما بالصفة ~~أنهما «أفراسياب» وعياره، قال: وإلى أين ذهبا؟ # قال: نزلوا معنا في هذه السفينة، وطلعوا على جزيرة صقلية. # قال: والآن أين تقصدون؟ # قال: إليها أيضا. # قال: ومتى يكون قيامكم؟ # قال: بعد قليل من الأيام. ففرح «روبير» لهذا النبأ، وصار يشغل معهم، ويتحبب إليهم، ~~ويحنو على صغيرهم، ويوقر كبيرهم إلى أن فرغوا من وثق السفينة، وقلعت بهم تقصد تلك ~~الجزيرة، وبعد قليل من الأيام وصلوا إليها بسلام، فطلع ms60 «روبير» يشم رائحة الأخبار، وإذا ~~به يرى عساكر تجتمع وألات حرب تلمع، واضطراب شديد في تلك المدينة، فسأل عن ذلك، فقيل له: أن ~~ملك «بابل» جاء يستجير بملكنا فأجاره؛ لأن ملك فارس دخل عليه بالحيلة، وأسره فتخلص من سجنه، ~~وأتى وقد أمر الملك بتحضير الجنود، وتحصين القلع، وعما قليل سيقلع إلى بابل، فرجع ~~«روبير» إلى المركب لما سمع ذلك، وقال: سأرجع معكم؛ لأن سيدي أرسلني بأمر مهم. # قالوا: على الرحب والسعة. ثم بعد مضي بضعة أيام تمكن فيهم «روبير» من اكتشاف مواقع ~~المدينة وأسوارها، ومقدار القوة التي فيها من عدد وعدد، وبعد ذلك أقلعت بهم السفينة ~~وساروا و«روبير» معهم إلى أن وصلوا إلى البر، فخرج «روبير»، وأطلق لرجليه العنان يسابق ~~الرياح قاصدا مدينة بابل. # الفصل الخامس عشر # | في فتح جزيرة صقلية واجتماع مندان بولدها كورش # كنا تركنا «مندان» في تلك القبة تقاسي عذاب الوحدة والقطيعة، لولا أن الله سهل لها تلك ~~الجمعية التي كانت لها تسلية عظيمة، وهي تتمتع بعبادة الرحمن - سبحانه وتعالى - فتجد لها ~~لذة تغنيها عن مجالسة الناس. # وكان ابن الملك يتردد عليها، ويسليها، فتجد لكلامه تأثيرا عظيما إلى يوم دخول ملك ~~«بابل» على والده، فدخل عليها وأخبرها بالقصة كما هي، وقال: ها نحن نستعد لحرب الملك ~~«كورش». # فلما سمعت «مندان» هذا الكلام برقت أسرتها، وقالت: ومتى جاء هذا الملك؟ ومتى كانت الحرب ~~بينه وبين ملك فارس؟ # قال: منذ بضعة أشهر، أما مجيئه فلم يتجاوز الأربعين يوما؛ لأنه كان أسيرا تحت قبضة ~~الملك «كورش» فتحايل وهرب من ... # فبكت «مندان» فاندهش «ألفونك»، وقال: ما يبكيك يا سيدتي، وأنا لم أقل إلا خيرا؟! # فنظرت إليه وقالت: ألم تعلم من هو كورش؟ # قال: كلا، ولكني أعلم أنه ملك فارس. # فزادت «مندان» في النحيب حتى تحير «ألفونك»، وندم على ما فرط منه، وظن أنه فكرها ~~ببلادها وأيام عزها، فقال: يا مولاتي أطلب عفوك؛ لأني أسأت لك بذكرى هذا الخبر. # قالت: لا والله بل أحسنت إلي، وإني أخبرك ما سبب هذا الإحسان، وهو ms61 أنك تبشرني بظهور ~~ولدي وجلوسه على سرير أبيه . # قال: هل هو بلغ سن الرشد حتى يملك مكان أبيه؟ # قالت: «أنا صار لي في هذا المكان عشرين سنة، وهذا سن ولدي «كورش»، وأن الله أرسل ملك ~~«بابل» إلى هنا ليكون بشيرا لي بقرب اللقاء.» ثم بكت بكاء مستمرا، وقالت: ليت شعري ما ~~فعل الدهر بأبي! # قال: الملك «أستياج؟» # قالت: نعم. # قال: تواترت الأخبار أن الملك «كورش» هجم على بلاده وفتحها عنوة، وأخذ الملك، ولكنه لم ~~يمت بل هو باق عنده في قصره. # قالت: الحمد لله الذي جعل الرأفة في قلب ولدي حتى أبقى على جده. # ثم بكت فأخذ ألفونك في تسليتها، وقال لها: كوني في راحة، واعلمي أني أول من يكون تحت راية ~~«كورش» وقت الحرب. # ثم ودعها وقام قصد الوزير، وأخبره بكل ما سمعه من «مندان»، وقال له: لا بد أن نعضده حتى ~~نجعل كل هذه البلاد تعبد الله، وتعمل على توحيد الدين الحق. # قال الوزير: وهذا الذي كنا نرجوه منذ سنين، وعلى الله الاعتماد. # فلنترك هؤلاء في تحضيرهم، و«مندان» بفرحها، ونرجع إلى «روبير» فإنه لم يزل سائرا إلى أن ~~دخل على الملك «كورش»، وكان في غاية القلق لغيابه، ولما دخل عليه سلم ووقف، فقال له: ~~أين كنت إلى هذا الوقت يا روبير؟ # قال: كنت في جزيرة صقلية. # قال: وماذا فعلت؟ # قال: جئتك بالخبر الأكيد. ثم أخبره بكل ما حصل، وكيف أنه وجد ملكها يستعد لأن يباغتهم ~~على حين غفلة، فلما سمع ذلك نهض قائما وقال: سأباغتهم أنا. ثم أمر القواد والوزراء أن ~~يستعدوا، وقال لهم: إن ملك صقلية على وشك الهجوم على بابل، وإني أريد أن أهجم على جزيرته ~~قبل أن يخطو منها خطوة، وأرمي كيده في نحره. # قالوا جميعا: نحن طوع أمرك أيها الملك. # قال: كونوا على أهبة في أسرع وقت. ثم إنهم رتبوا العساكر وباتوا على نية السفر، وبعد ~~مضي ثلاثة أيام كانوا على شاطئ البحر والسفن في انتظارهم فركبوا جميعا، وساروا إلى أن ~~أشرفوا على أطراف ms62 الجزيرة، وربطت السفن في محل يبعد عن المدينة مسافة نصف يوم، وخرجت ~~العساكر قاصدين المدينة وعسكروا حولها. ولما رأت أهل المدينة ذلك أغلقوا الأبواب، وهرعوا ~~إلى الملك يخبرونه بما رأوا. فقالوا: إنا نرى عساكر لا تحصى وفرسان شاكين السلاح، وقد ~~عسكروا حول المدينة، وقد ارتجت المدينة من كل جهة. # ولما سمع الملك ذلك أمر بجمع الوزراء والقواد فحضروا جميعا، وعقدوا الرأي بأن يرسل ~~الملك من يكشف له الخبر، فالتفت الملك إلى وزيره، وقال له: اذهب أنت أيها الوزير، وائتنا ~~بالخبر. واسأل هذا الملك أن يخبرنا ماذا يريد منا. # قال: سمعا وطاعة. ثم مضى ومعه أحد خدمه وعليه علائم الوزارة، وقد فتحوا له الباب فخرج، ~~ولم يزل سائرا إلى معسكر الملك «كورش»، ولما رأوه أخبروا الملك بأن رسولا آت من جهة ~~المدينة، قال: علي به فأدخلوه على سرادق الملك، فوجده جالسا على سرير ملكه، تحفه ~~العساكر والأمراء والوزراء والقواد والحجاب وأكابر الدولة فسلم، وقد عظم في عينه، وأخذته ~~هيبة هذا الملك فرد عليه السلام، وأمر له بالجلوس فجلس، ثم قال: ما جاء بك أيها الوزير؟ ~~وكان قد رأى عليه علامة الوزراء. # قال: أنا رسول يا مولاي من قبل مليكي؛ لأستخبر عن سبب مجيء الملك بهذا الجيش ~~العرمرم. # قال: أخبر مولاك أني آت لأخذ «أفراسياب»، فإن سلمه لي فأنا أرحل عن بلاده بمن معي وإلا ~~فالسيف بيننا حكم. # قال: يا مولاي «أفراسياب» استجار به ولا يمكن أن يسلمه. # قال: فليستعد للقتال إذن. # قال الوزير: عندي لك سر أريد أن ألقيه على مسامع الملك. # فالتفت لمن حوله وأشار لهم أن يخلوا المكان، فقام الجميع إلا «روبير» فإنه بقي مكانه ~~خوفا على سيده من الغدر، ووقف على رأس الملك شاهرا حسامه، فقال «كورش»: تكلم أيها ~~الوزير، ولا تخش من هذا فإنه كاتم أسراري. قال الوزير: إني أسأل الملك عن شيء فهل هو ~~مجيبني على سؤالي؟ # قال: نعم، سل عما تريد. # قال: ما اسم والدتك يا مولاي؟ # قال: «مندان» وقد توفيت من وقت ولادتي، ولم ms63 أعلم أين توفيت، وأيضا هذا السؤال ليس له ~~دخل في موضوعنا! # قال: لا، بل له دخل عظيم. # فتعجب الملك من ذلك، وقال: أخبرني بالحقيقة أيها الوزير! # قال: يا ملك، أمك عندنا منذ عشرين سنة، وهي «مندان» بنت الملك «أستياج» ملك «مادي»، وإنك ~~أشبه الناس بها. # فارتاب الملك بهذا الأمر، فقص عليه الوزير كل ما سمعه من «مندان» من أول خروجها من ~~قصر أبيها إلى ذلك الوقت الذي هم فيه. وكيف اجتمع لديها تلك الجمعية من المؤمنين، وكيف وضعت ~~لهم قانونا ليدبروا به شئون الجمعية - بما منحها الله من المعارف والعلوم. # ولما سمع «كورش» ذلك كاد الفرح أن يذهب بحياته، فقال له «روبير»: خذني معك أيها الوزير ~~لعلي أرى سيدتي. # قال: كيف نكون قد خرجنا اثنين، وندخل ثلاثا؟ # قال: فلنترك خادمك هنا، وأنا ألبس ثيابه، وأذهب صحبتك. # قال الملك: هذا رأي سديد! ولكن فلنتكلم بخصوص فتح المدينة، فإني في شدة التشوق إلى ~~فتحها الآن أكثر من قبل لشوقي إلى رؤية والدتي. # قال الوزير: هذا أمر سهل فإن ابن الملك قائد الجيوش، وهو من حزب الملكة «مندان»، وقد ~~عاهدها بأن يكون تحت رايتك، وهو الآن في انتظاري، وذلك لأجل إظهار الدين الحق، وإبطال عبادة ~~الأصنام والحيوان. # قال: أوعلمت والدتي بحضوري حتى عاهدت ابن الملك؟ # قال: نعم، فإنها تعلم بذلك قبل حضورك، أخبرها ابن الملك عن سبب تحضير العساكر، ففهمت أنك ~~ولدها. # قال الملك: فليكن الهجوم في هذه الليلة؛ لأني تاقت نفسي لرؤية والدتي! قال: نعم، ستجد ~~الأبواب مفتحة، ولا تجد من يقيم في وجهك سلاحا إلا أمام قصر الملك. فلما سمع ذلك ~~زاد فرحه، وأمر «روبير» أن يستحضر للذهاب مع الوزير، فأمر هذا خادمه أن يخلع ما عليه من ~~الثياب، ويسلمها «لروبير» ففعل، فأخذها بعد أن أخرج له غيرها فلبسها «روبير»، وصارا قاصدين ~~المدينة. وكان «ألفونك» في انتظاره فوق السور، ولما قرب من الباب فتح له فدخل ومعه «روبير»، ~~ولما رآه قال: ما وراؤك أيها الوزير؟ # قال: طعن تذوب منه الجبال إن ms64 لم يسلم له «أفراسياب». # قال: دونك والملك ، فأخبره بما سمعت. فقصد قصر الملك، ولما دخل عليه وجد عنده أكابر ~~الدولة، فسأله الملك عما حصل بينه وبين ملك فارس فأخبره بما سمع، وكان «أفراسياب» جالسا عن ~~يمين الملك. # فقال له: إن الملك «أفراسياب» استجار بي، وأنا لا أسلم جاري أبدا، وهذا السيف بيني وبينه ~~حكم. ثم استحضر ولده «ألفونك» وأعطاه التعليمات اللازمة، وقال له: في الغد تخرجوا لهذا ~~الملك وتجلوه عن بلادنا. # قال: سمعا وطاعة. # ثم خرج واجتمع بالوزير، وقال: أخبرني عما فعلت! # فشرح له كل ما حصل، وأنهم في الليلة سيدخلون المدينة. وقال: أخبرته بما بينك وبين ~~«مندان» من العهود، وأنك ستفتح لهم المدينة. # قال: خيرا فعلت! # ثم التفت إلى «روبير»، وقال: هذا رئيس عيارين الملك، قد أحضرته معي ليجتمع بسيدته، فكيف ~~العمل بوصوله إليها الآن؟ # قال «ألفونك»: سأدخل على الإله أستجير به لينصرنا على الأعداء وأصحبه معي. # قال: رأي حسن! # ثم أخذه معه، وسار حتى دخل على «مندان»، واستأذن «ألفونك» ودخل، وبقي «روبير» خارج الحجرة ~~يسرح الطرف فيما حوله من التحف البديعة، وقد أراد «ألفونك» أن يخبر «مندان» بلطف خوفا ~~عليها من تأثير الفرح. فلما دخل على «مندان» قابلته بكل سرور وانشراح، وبعد أن أدى ~~فروض التحية قال لها: إني آتيك بهدية ما أظن شيئا في هذه الحياة يفرح مولاتي أكثر ~~منها. # قالت: فما هي - ليت شعري - التي تفرحني، وأنا قد ختم على فؤادي بخاتم اليأس، ونسجت عليه ~~عناكب الحزن؟ # قال: وهذه الهدية حل لذاك الطلسم الذي ختم به على فؤادك. # قالت: فما هو؟! أوضح لي لعلي أجد فيه راحة! # قال: ادخل يا «روبير!» # فلما سمعت هذا الاسم - الذي صار لها عدة سنين لم تسمعه - صرخت، وسقطت على كرسي ~~وراءها وبكت. ثم قالت: روبير! روبير! فمن لي أن أراه؟! # فقال لها: ليس هذا وقت البكاء، فإننا في شغل أقوى منه وأعظم. وكان «روبير» في هذه ~~المسافة قد دار في أنحاء تلك القبة، واطلع على ما فيها من العجائب والأشياء ms65 الثمينة، ~~ولما سمع النداء دخل على سيدته ، فوجدها خاوية القوى، تذرف الدمع المدرار، فتقدم إليها ~~وقبل أياديها، وبكى هو أيضا، وقال لها: الحمد لله الذي من علينا باللقاء بعد هذا ~~البعاد. # ثم قالت: يا «روبير»، وأين ولدي الآن؟ ومتى أراه؟ # قال: هو خارج المدينة، وفي هذه الليلة سترينه - إن شاء الله. # ثم أخبرها بما عزموا عليه من فتح الأبواب، ودخول «كورش» بدون حرب ولا طعان، ففرحت لذلك، ~~فجلس «روبير» يقص عليها كل ما حصل في غيابها، وكيف انتشلوه من سجن جده، وكيف رباه ~~الوزير، وكيف عشق بنت ملك أشور، ثم خلصها من يد «أفراسياب»، وفتح مدينة «بابل» لأجلها، وقد ~~تزوج بها الآن، وصار يحكم على جميع مملكة «مادي» وبلاد فارس وعاصمة مملكة «بابل» الشهيرة، ~~قالت: وما فعل بأبي؟ # قال: هو عنده في قصره في غاية الإكرام يعبد الله في خلوته، وقد آمن بالله، وترك عبادة ~~النار، وكل أهل المدينة آمنوا، وهدمت معابد النار، وأقاموا شعائر الله، وبنيت فيها ~~المساجد لله - سبحانه وتعالى. # ولما سمعت «مندان» سجدت لله شكرا، وحمدت الله وأثنت عليه، وكان الوقت قريب الغروب، ثم ~~قام «ألفونك» و«روبير» وودعاها وذهبا بغاية السرعة بعد أن وعداها، وقالا: إن الملك يكون ~~في الغد عندها بإذن الله. # ثم إن «ألفونك» جمع قواده الذين يثق بهم، وأعطاهم التعليمات بغاية الدقة، ثم أخرجوا ~~«روبير» بغاية الاحتراص إلى الخارج بعد أن حددوا له الموعد في وقت الهجوم. # فهرع إلى مولاه وأخبره بكل ما رأى وسمع من سيدته «مندان»، ففرح «كورش» وود لو أنه ~~يهدم أسوار المدينة، ويدخل منها ويرى والدته التي قضى معظم أيامه، وهو بحسرتها وغاية مناه ~~أن يسمع عنها خبرا، أحية هي أم ميتة؟! # وقد قال «روبير»: في منتصف الليل تكون أبواب المدينة مفتحة، وهم في انتظاركم. # فأمر الملك أن يكونوا على أهبة الهجوم، قالوا: نحن في غاية الاستعداد أيها الملك. ثم ~~انتظروا الساعة المعلومة، ولما أزفت قاموا ودخلوا المدينة بغاية الانتظام، فوجدوا أبوابها ~~مفتحة، وفي أقل من القليل استلموا المعالم العسكرية ms66 والأسوار، واحتاطوا بقصر الملك، ~~ولم يطلع الفجر إلا والمدينة أصبحت فارسية تخفق عليها الأعلام الإيرانية، وقبض على الملك ~~«ملتياد»، وعلى الملك «أفراسياب». # وجلس «كورش» على سرير المملكة، واصطفت من حوله القواد الوزراء، وحضرت الملكة «مندان» ~~إلى قصر الملك. # وأمر بهدم تلك القبة، وذبح ذلك الكبش أمام الملأ من الذين يعبدونه، ونادى مناد من ~~المؤمنين بأمر الملك: إن من آمن بالله واليوم الآخر وكتبه ورسله، فقد سلم من سيف الملك ~~«كورش»، وفي الآخرة من عذاب النار، ومن كفر فجزاؤه الذبح كما ذبح إلهه، وقد أحضر الملك ~~«ملتياد» والملك «أفراسياب» أيضا، وقد عرض عليهما وهما تحت الأغلال الإيمان بالله وترك ~~عبادة غيره من الحيوانات والأصنام، أما الملك «ملتياد» فقد آمن بالله، ولما رأت الأهالي ذلك ~~وأن ملكهم الذي كان متمسكا في دينه تركه وآمن بالله؛ آمنوا جمعا كبيرا وصغيرا، ~~رفيعا ووضيعا. # وقد أقره على ملكه بشرط أن يدفع له الخراج في كل عام، أما «أفراسياب» فلم يؤمن، ~~فأمر الملك بقتله وصلبه على باب المدينة؛ ليعتبر به غيره ففعلوا، ودخل الملك على والدته ~~«مندان» - وقد ألقت الحوادث أوزارها - فضمته إلى صدرها بعد أن سجدت لله شكرا على ما منحها ~~من نعمة التلاقي بعد طول الفراق، وعلى تلك المنة العظيمة من نصر ولدها على الأعداء، ~~وتأييد ملكه. # وقد أولمت الولائم، وأقيمت الأفراح، وبنيت المعابد الإلهية، ورتب الملك «كورش» كافة ~~أحوال المملكة. وبعد مضي شهر من الزمن أمر الملك بالرحيل فحملت الحمول، ونصبت محفة ملوكية ~~لأجل الملكة «مندان» تحفها الحراس والجنود من كل صوب، وساروا بكل أبهة وعظمة. أما ~~«ألفونك» فإنه تقدم للملك، وقال له: إني على أهبة السفر معكم أيها الملك. # قال: على الرحب والسعة، ولكن هل برضا أبيك أم بغير إذن منه؟ # قال: قد أذن لي بالسفر، وقد استحضرت كل ما يلزم، وها هي أحمالي أمام الركب. وهكذا ساروا ~~قاصدين مدينة بابل، ولما قربوا منها سارت المبشرون إلى المدينة يبشرون بقدوم الملك ~~مؤيدا منصورا وبصحبته أمه «مندان». فزينوا المدينة، وأقيمت الأفراح، وضربت آلات ms67 ~~الطرب، وهرعت الجموع، وأكابر الدولة إلى ملاقاتهم على مسافة ثلاثة أيام، ودخل الملك على ~~المدينة بتلك العظمة والجلال، وقد دخلت الملكة «مندان» إلى القصر، فقابلتها «شاهزنان»، ~~وقبلت يديها وضمتها «مندان» إلى صدرها، وبكت من شدة فرحها ولسان حالها يقول: # هجم السرور علي حتى إنه # من عظم ما قد سرني أبكاني # ثم دخلت «سباكو» مرضعة الملك، وقبلت يديها، فشكرتها «مندان» على اعتنائها بولدها ~~قبل أن تعلم من هي. وكان الملك قد ولى الراعي على مقاطعة من مقاطعات المملكة، وزاد في ~~إكرامه. # أما «سباكو»، فكان يعتني بها كوالدة حقيقية، وقد دخلت «مندان» على والدها فقبلت يديه، ~~وبكت فضمها إلى صدره، واعتذر لها على ما فرط منه، وهكذا عاشوا في هناء وسرور. ~~(تمت) ms68