######OpenITI# #META# URI: 1286NiqulaRizqAllah.AbuSucud.Hindawi16079748 #META# Tags: novels #META# ID: 16079748 #META# Title: أبو السعود #META# AuthorID: 26903941 #META# Author: نقولا رزق الله #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # الفصل السادس والعشرون‏ # الفصل السابع والعشرون‏ # الفصل الثامن والعشرون‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # الفصل السادس والعشرون‏ # الفصل السابع والعشرون‏ # الفصل الثامن والعشرون‏ # | أبو السعود # | أبو السعود # تأليف # نقولا رزق الله # هذا يعيش وذا يمو # ت ضنى ولم يدرك فطامه # النحس صير عزه # ذلا وكان له علامه # سبحان من قسم الحظو # ظ فلا عتاب ولا ملامه # | الفصل الأول # صاحب الكلب الأسود # كانت الرياح شديدة، والعاصفة تثور هابة من الغرب إلى الشرق، وقد تلبدت الغيوم في ~~السماء واقتم بها الجو فحجب نور القمر. # وهناك رجل يوسع الخطى ويقاوم الزمهرير، وقد التف بوشاح كبير، ولبس قبعة تغطي معظم ~~وجهه، فلا يبدو منه غير لحيته التي وخطها الشيب، وعيناه اللتان كانتا تتقدان كعيون ~~النمورة. # وكان معه كلب كبير بجانبه، وهو طويل الأذنين أسود الجلد، وله عينان تضيئان كعيني صاحبه، ~~يوافق صاحبه، فيسير لسيره ويقف لوقوفه، وكلاهما ساكتان ينظران إلا الأفق المربد، ويهبطان ~~من قمة عالية إلى واد ضيق. # وما زال على سيره حتى خرج من ذلك الوادي، وظهرت له عن بعد أنوار قصر فخيم، وبجانب ذلك ~~القصر نور ضعيف كانت نسبته إلى تلك الأنوار المتألقة كنسبة شمعة الجنازة إلى أنوار ms001 ~~المراقص. # فسار الرجل بكلبه إلى مكان ذلك النور، وفيما هو سائر رآه أحد الرعاة، فهلع قلبه من الخوف ~~واستعاذ بالله، وحاد عن طريقه مسرعا. # أما الرجل فإنه هز كتفيه، وأسرع في سيره إلى جهة ذلك النور غير مكترث لما رآه، حتى ~~انتهى إلى ذلك القصر الفخيم، وسمع أصوات الضحك منه، ولكنه سمع أيضا صوتا يشبه الأنين، ~~استرعى كل سمعه. # وكان هذا الصوت خارجا من منزل حقير في حديقة القصر، وهو المنزل الذي كان يضيء فيه النور ~~الضعيف، فتكتف الرجل، ووقف بجانب ذلك المنزل يصغي إلى ذلك الصوت. # | الفصل الثاني # وقد سمع صوت امرأة تقول وهي تبكي: «أيتها العذراء الطاهرة، يا نصيرة الضعفاء وغوث ~~الأطفال، أترضين أن يموت ولدي وليس لي سواه؟ # إنه أول ثمرة من ثمرات حبنا، وإنه عزاؤنا الوحيد في أعمالنا الشاقة، فزوجي السيئ الحظ ~~يشتغل من الفجر إلى المساء في سبيل رزقنا، وأنا لم أسئ إلى أحد بالفعل أو بالقول، حتى ولا ~~بالضمير، وما خالفت وصية من وصايا الله. # أيتها العذراء، إننا فقيران ولا ثروة لنا إلا هذا الطفل، وهو يفضل عندنا كنوز الأرض، ~~أتأذنين بغروب شمسه وأنت تعرفين قلوب الأمهات؟» # وكانت تستغيث هذه الاستغاثة بصوت يقطعه البكاء، وهي لا تزال في سريرها من تأثير الولادة، ~~تعض يديها من الجزع، وتنظر إلى طفلها في مهده نظرات ملؤها الحنو والشفقة، ثم تنظر إلى زوجها ~~وهو جاث يهز المهد، فتقول: «لقد نذرت، يا حنا نذرا، أرجو أن تتمكن من وفائه، وهو أنه إذا ~~شفي ولدنا ذهبت وإياك حافيين لزيارة مقام السيدة.» # فسالت دمعتان من عيني زوجها، وقال: سنفعل إن شاء الله. ~~••• # كان أثاث الغرفة التي جرت فيها الحادثة يدل على الفقر، ولكنه لا يدل على الشقاء، وكانت ~~مادلين والدة الطفل من أجمل فتيات القرية، وهي في مقتبل العمر، وكذلك كان زوجها، وقد ~~تزوجا منذ عام، وعرف الزوج بالجد، وعرفت المرأة بالصلاح والتقوى. # وكان الزوج ينظر إلى ولده، وقد أقتم وجهه باليأس، فقالت له امرأته: أرى يا حنا أن بكاءه ~~قد ms002 خف. # قال: هو ذاك. # قالت: عسى أن تكون العذراء رثت لي، وأصغت إلى توسلاتي، فكفى تهز سريره، واجتهد أن تسقيه ~~الدواء عساه يشربه الآن. # قال: سأجرب ذلك. # ثم قام إلى زجاجة الدواء، فوضع شيئا منها في إناء، وسقى الطفل، فشرب دون أن يبكي، وصاحت ~~الأم قائلة: يا لله من عجائب العذراء! فقد أصغت إلى توسلاتي! # وقال لها زوجها: نامي الآن يا مادلين، فإنك في أشد حاجة إلى الرقاد، فألقت رأسها على ~~الوسادة مطمئنة، ولم تكد تغمض عينيها حتى استرسلت إلى سبات عميق، وبقي الأب يهز برفق سرير ~~الطفل، وهو يحسبه من النائمين ... # وكانت العاصفة في الخارج لا تزال ثائرة، ومع ذلك فإن أصوات الضحك كانت ترتفع من القصر إلى ~~مسامع حنا فيقول: «هنيئا للبارونة، فإنهم يحتفلون الليلة بتنصير ولدها الذي ولد ليلة مولد ~~ابني، ولكن شتان بين حظ هذا وحظ ذاك ...» # وعند ذلك طرق الباب، فقال في نفسه: ترى من هذا الطارق، لعله الطبيب؟! # وقام إلى الباب ففتحه، فدخل منه ذلك الرجل الأشيب وكلبه الأسود، فقال لحنا: لقد بلغ مني ~~الجوع يا سيدي، وأنا شديد الظمأ والتعب، فهل لك أن تضيفني عندك هذه الليلة؟ # قال: يعز علي ألا أجيبك إلى ما طلبت، ولكنك ترى غرفتي، فلا يوجد فيها غير سرير واحد ~~تنام فيه امرأتي، وهو كل بيتي، ثم إن ولدي مشرف على الموت، وقد شغلني ما هو فيه عن إحضار ~~طعام في هذا اليوم، فاقصد إلى هذا القصر فإن صاحبه يحتفل بتنصير ولده، وهو فاضل كريم، فعساك ~~تنال حظا من الوليمة. فنظر الرجل وكلبه محدقين إلى الطفل في مهده، ثم قال له الرجل: ولكن ~~الظمأ يكاد يقتلني، فهلا تغيثني بشربة ماء؟ # قال: حبا وكرامة، فلا نبخل بما عندنا. وسقاه فشكره الرجل وودعه وانصرف. # جرى كل ذلك ومادلين نائمة، فلما انصرف الرجل، عاد حنا إلى الجثو بجانب سرير ولده، وتمعن ~~به فوجده بلا حراك، فأخذ يده الصغيرة بين يديه فألفاها باردة، فوضع يده على قلبه، فوجد أنه ~~لا ينبض، وقد ازرقت ms003 شفتاه واصفر وجهه، فوقف وقد وهنت ركبتاه، وجحظت عيناه، فإذا الولد قد ~~مات وأمه لا تزال نائمة! # | الفصل الثالث # ولنعد الآن بالقارئ الكريم إلى ذلك القصر الفخم الذي كانوا يأدبون المأدبة فيه، فقد ~~وضعوا الطفل في مهد من الحرير الأبيض، وأرخوا فوقه ستائر وردية، وأقبل المدعوون يداعبونه ~~بأقوالهم المختلفة، وهو يبتسم لهم كأنه يعلم أن هذه الحفلة أعدت من أجله. # وقد اجتمع المدعوون حوله في قاعة عظيمة، واقترح واحد منهم أن يدعو كل من الحاضرين دعوة ~~للمولود الجديد، ويقول ما يتمنى أن يكون، فوافقوا على اقتراحه، ووقفت عرابته، وهي فتاة ~~حسناء، فقالت: إني أتمنى أن يكون جميلا، ونهض فتى من الضباط وقال: وأنا أتمنى أن يكون ~~باسلا، وقالت امرأة من العجائز: وأنا أتمنى أن يكون محبوبا، وقالت امرأة أخرى: وأنا أتمنى ~~إذا كان محبوبا أن يكون محبا، فلا أسمج في عيوننا - نحن النساء - من فتى لا تنفذ إلى ~~قلبه أشعة الغرام، وقالت أخرى: وأنا أتمنى له ألا يحب غير مرة واحدة، فقال عظيم من ~~المدعوين، وكأنه يعرض بقول المرأة: وأنا أتمنى أن يكون له جواد للصيد يغيره كل عشرة ~~أعوام، وأن يكون له كلب واحد أمين لا يغيره مدى الحياة. # وقال أبو الطفل: أتمنى أن يكون قوي الجسم سليم البنية والأعضاء، وتمنى له عمه أن يرث ~~كثيرا من الناس، وقد تمنى له كل من الحاضرين أمنية على نسق ما تقدم، حتى إذ فرغوا تنهدت أم ~~الطفل وقالت: إنكم تمنيتم له كل أنواع الخير ما خلا أمرا واحدا أغفلتموه، قالوا: ما ~~هو؟ # قالت: السعادة! ولكن لم يبق أحد بينكم لم يقل قوله، فيتمنى له هذه الأمنية. # فقال أحدهم: ولكننا لا نزال في أول الليل، ولا بد أن يجيئنا زائر جديد، فنقترح عليه أن ~~يتمنى له «السعادة». # ولم يكد صاحب هذا القول يتم جملته حتى قرع جرس الباب الخارجي، فصاحت الأم قائلة: قد ~~أتى زائر جديد. # وبعد هنيهة دخل رئيس الخدم فقال لصاحب المنزل: إن بالباب يا سيدي الكونت مسافرا يلتمس ~~الضيافة ms004 ، فأدخلته دائرة المطبخ، وأتيت أسأل سيدي إذا كان يأذن له بزجاجة خمر يشربها ~~داعيا لابنك الفيكونت. # فقال له الكونت: لقد تسرعت، فأخطأت بإدخاله المطبخ، فأدخله في هذا المكان، فإننا في يوم ~~عيد، أتمنى أن يشترك به معنا جميع الناس. # قال: ولكنه يا سيدي زري الملابس، ويصحبه كلب. # قال: أعطه ملابس غيرها، وليدخل مع كلبه، فإننا نتفاءل خيرا بالكلاب. # فخرج الخادم ممتثلا، وبعد هنيهة دخل الرجل وكلبه في تلك القاعة التي كانت تتلألأ ~~بالأنوار، ووقف عند بابها، فخيل لجميع الحضور حين رأوه أن تلك الأنوار قد اصفر شعاعها، ~~وداخل قلوبهم شيء من الرعب لم يعرفوا سببه. # | الفصل الرابع # غير أن الأعجب من ذلك أن الخادم حين ذهب بالملابس الجديدة إلى ذلك المسافر وجد أن ~~ثيابه التي كانت المياه تقطر منها قد نشفت، وأن الثقوب التي كانت في ثوبه قد سدت كأنها ~~رفئت، فنظر المسافر إلى الخادم نظرة احتقار، وقال له: أعد هذه الثياب إلى موضعها، فإن ~~ملابسي تفضل ملابس مولاك، ثم تركه وذهب إلى القاعة التي كانوا ينتظرونه فيها. # فلما رآه صاحب المنزل نهض لاستقباله، وقال له: أهلا بك من قادم يا سيدي أيا ~~كنت. # قال: إني رجل فاجأتني العاصفة في الطريق، فلم أجد فندقا أأوي إليه، وقد رأيت أنواركم ~~المتألقة، وسمعت صوت ضحككم، فعلمت أنكم في حفلة أنس، ففكرت في التطفل عليكم كي أأمن شر ~~العاصفة، فقال صاحب المنزل: حسنا فعلت، وقد أتيت على الرحب والسعة، فإن أبواب منزلي مفتوحة ~~للأضياف. # فلبث الرجل واقفا على العتبة، وجعل ينظر إلى المقصف (مائدة الطعام والشراب) والناس من ~~حوله، فقال: أرى أنكم في وليمة، وما أخطأت فراستي بهذه الأنوار. # قال صاحب المنزل: هو ذاك، فإننا نحتفل بتنصير ولدي، وليس له من العمر غير بضعة أيام، ~~فتعال واشرب نخبه معنا. # فخلع الرجل وشاحه ودخل، فتبعه الكلب، وذهب توا إلى حيث كان مهد الطفل، وجلس صاحب الكلب ~~على كرسي مع المدعوين. # وقد أجفلت والدة الطفل لدنو الكلب من مهد طفلها، وانتهرته، فحول نظره عنه إليها ms005 ، وشغل ~~الحضور عن ذلك بالزائر الجديد، فقد كان له تأثير عظيم فيهم، فكانوا يضطربون حين ينظر إليهم، ~~ولا يطمئنون إلا حين ينصرف نظره عنهم إلى مائدة الطعام. # وكانوا كلهم على وتيرة واحدة في اضطرابهم، لا يجسرون على مبادأته بحديث، ما خلا والدة ~~الكونت صاحب المنزل، فإنها نظرت إليه وقالت له: لقد كنا نبحث قبل قدومك يا حضرة الضيف بشأن ~~مولودنا الجديد أبحاثا ذكرتني بالكونت كاليوسترو، فقد عرفته في عهد شبابي، قال الزائر: ~~وأنا كذلك يا حضرة الكونتس، فعجبت الكونتيس لقوله، وقالت له: كيف ذلك، وكم لك من ~~العمر؟ # فلم يجبها الرجل على سؤالها، وقال: لقد علمت بما كنتم تتحدثون به، فقد تمنى كل منكم أمنية ~~للطفل حسبما أوحى إليه قلبه، قالت: هو ذاك، ولكن فاتنا أن نتمنى له أمنية لا بد ~~منها. # قال: نعم، فقد نسيتم أن تتمنوا له السعادة. # فوقف الجميع منذهلين لما سمعوه! وقال واحد منهم: ما هذا الذي يبدو منك يا سيدي؟! لعلك من ~~السحرة؟ # قال الزائر: في بعض الأحيان، وعند اللزوم. # وقالت له الكونتيس: أحق أنك ساحر؟! # قال: نعم يا سيدتي. # قالت: إذا كان الأمر كذلك، فستكشف لنا أسرار المستقبل، فقد ألفت ذلك في صباي في بلاط لويس ~~الخامس عشر، فإن الملكة كانت تأتي بكثير من المتكهنين، وأذكر أن واحدا منهم تنبأ لها عن ~~الثورة فصدقت نبوءته، وقد كنت أحسب أن عهد السحر قد انقضى، فإن فتيات هذا العصر باتوا ~~يعدونه من الخرافات، فلو ذكر الكونت كاليوسترو أمام ولدي الآن لهزأ به وبسحره. # قال الزائر: لست يا سيدتي ساحرا بالمعنى الذي يفهمه الناس عن السحر والسحراء، ولكنني ~~أتنبأ عن الحوادث المستقبلة. # قالت: وإن السحرة اليوم يتنبئون عن المستقبل؟! # أجاب: نعم، غير أن الفرق بيني وبين هؤلاء الذين يكشفون البخت أنهم إذا سألهم سائل عن ~~مستقبله لا ينبئونه إلا بمستقبل سعيد طمعا بالمكافأة. # قالت: وأنت؟ ألعلك تنذر بالشقاء؟ # أجاب: على الأغلب الأعم يا سيدتي، فإني ما نظرت إلى هذا المستقبل إلا رأيت جوه مكفهرا ~~ملبدا بالغيوم السوداء ms006 ؛ ولذلك أمتنع عادة عن إجابة السائلين. # قالت: أما أنا فإني جريئة، ورجائي أن تكشف لنا الحجاب عن هذا المستقبل الخفي كيفما ~~كان. # قال: أية فائدة من هذا يا سيدتي؟ # أجابت: لقد صدقت، فلا فائدة لي من ذلك؛ لأني في أواخر أيامي، ولكني أرجوك أن تتنبأ ~~لنا عن مستقبل هذا الطفل النائم في مهده. # فرعبت أم الطفل وقالت: كلا! # فقالت لها حماتها: لا ترعبي يا ابنتي، فإنه سيقول خير الأقوال عن ولدك، فهز الساحر ~~رأسه. # فقالت له الكونتيس: هل تريد يا سيدي أن نأتيك بورق اللعب كما كان يفعل الكونت ~~كاليوسترو؟ # أجاب: كلا، فإني أكتفي بأن أرى خطوط الكف، فأعرف الطالع ... # قالت: إذن انظر في كفه. # فساد السكوت التام بين الجميع، حتى إنه لو طارت ذبابة لسمع حفيف أجنحتها، وعاد الساحر ~~إلى الحديث فقال: أية فائدة يا سيدتي؟ ألم أقل لك إني لا أرى في جو المستقبل غير ~~العواصف؟ # فقال له والد الطفل: لا بأس يا سيدي، ما زالت أمي تلح عليك، وفي كل حال فإني أرجو ألا ~~تجد في كف ولدي إلا ما يدل على الخير مراعاة لحق الضيافة ولما نحن فيه. # أجاب: هذا الذي أتمناه ... ثم نهض وذهب إلى مهد الطفل النائم، فأحدقت به الأبصار كالنطاق، ~~وهو يفحص كفه فحصا دقيقا، ثم قال: إن خطوط الكف لم تتكامل بعد. # فقالت له الكونتيس: إذن لا تستطيع أن تعلم شيئا؟ # أجاب: هو ذاك، غير أني رأيت أمرا جليا. # قالت: ما هو؟ # أجاب: إنه سيكون لولدكم قوة إرادة لا تغلب. # قالت: إنها كل النجاح في هذا الوجود، ولكن هل تكون له سعادة؟ فأطرق الرجل هنيهة ثم قال: ~~«إن الإرادة تنوب أحيانا مناب السعادة، وتتغلب على الشقاء ...» # وقد قال هذا القول، وقام إلى النافذة، فأطل منها، ثم عاد فقال: لقد سكنت العاصفة، وخمدت ~~البروق، وصفا أديم السماء، فأستأذن بالانصراف، واقبلوا امتناني لهذه الضيافة التي لا ~~أنساها ما حييت. # فقال له الكونت: كلا، إني لا أدعك تنصرف قبل أن تشرب نخب سعادة ابني ... # قال ms007 : يعز علي أني لا أستطيع الشرب، وفوق ذلك فخير لكم ألا أشارككم في شرابكم، فإني ~~شؤم على من أنادمهم. وقد تركهم ومضى دون أن يخطر لأحد أن يستوقفه، فتبعه كلبه. # فقالت الكونتيس بعد انصرافه: لقد خيل لي حين رأيت هذا الرجل؛ أني رأيت الكونت ~~كاليوسترو، فقد عرفته كثيرا، وقالت إحدى السيدات: أما أنا فقد خفته كثيرا. # وقالت أم الطفل: أما أنا فقد أثرت في نظراته ونظرات كلبه تأثيرا عظيما، حتى إنها ~~كادت تنومني. ~~••• # وبعد ذلك ببضع ساعات تفرق الناس، وأطفئت أنوار القصر، ونقلوا مهد الطفل إلى غرفة أمه، ~~وقد نامت الأم نوما عميقا لتأثرها بنظرات الساحر، ولم تكد تستغرق في رقادها حتى فتح باب ~~تلك الغرفة، ودخل منه رجل، فمشى إلى مهد الطفل مشية اللصوص. # | الفصل الخامس # كان هذا الرجل - ولا شك - من الذين ألفوا الدخول في هذا المنزل، وإلا لما تمكن من الوصول ~~إلى هذه الغرفة لكثرة الخدم ولانتشار الكلاب في الحديقة، وكان قد دخل من الحديقة إلى الردهة ~~الكبرى، وصعد السلم، فانتهى منه إلى قاعة المائدة التي كانت تتألق فيها الأنوار في أول ~~الليل، فوقف عند عتبتها مترددا، وقد جمد الدم في عروقه وأصيب بدوار. # غير أن هذا الدوار لم يطل، فمشى إلى قصده وهو يقول في نفسه: إن لهم من ثروتهم ~~عزاء! # وكان قد ستر تحت وشاحه جسما لم يظهر للعيون، وجعل يدخل من قاعة إلى قاعة كأنه من أهل ~~المنزل. # حتى إذا وصل الغرفة التي كان فيها الغلام وأمه عاد إلى ما كان عليه من التردد، ثم مشى ~~خطوة وأردفها بأخرى إلى أن انتهى إلى مهد الطفل، وهناك رأى الأم نائمة في سريرها، وقد برزت ~~يدها من تحت الدثار، وامتدت إلى جهة طفلها كأنها تريد أن تحرسه وهي نائمة. # وعند ذلك أخرج الرجل هذا الجسم الذي كان تحت وشاحه، فإذا به جسم طفل ميت، وقد حمله فوضعه ~~في مهد الطفل الحي، وأخرج الحي من مهده بملء الرفق، فلم يستيقظ من رقاده، وخرج به من تلك ~~الغرفة ms008 ، فسار في الطريق التي جاء منها حتى وصل الحديقة، وكان الليل مشتد الحلك، غير أن ~~الفجر قد بدأ ينبثق كأنه يراقب ذلك اللص ويقول له: اتق الله في سرقة الطفل! # وفيما هو يسير رأى عينين تبرقان، فوجف قلبه من الرعب، وحدق إلى العينين، فعلم أنهما ~~عينا الكلب الأسود؛ كلب ذلك الرجل الغريب الذي حسبوه ساحرا في القصر. # عند ذلك خاف وخطر له أن يرجع الطفل إلى أمه، لكن الكلب ابتعد عنه وتوارى عن نظره، فتشجع ~~واستمر في سيره وهو يضم الطفل إلى صدره ويقول في نفسه: مهما يكن من الأمر، فإني أنقذ امرأتي ~~من الموت؛ لأنها إذا علمت بموت ولدها تموت لا محالة. # ومشى في الحديقة حتى قرب من منزله، وهناك جمد في مكانه من الرعب؛ إذ رأى رجلا جالسا على ~~حجر، وكان هذا الرجل صاحب الكلب الأسود الذي دخل بيته في أول الليل وسقاه ... # وكان ينظر إليه نظرات لا تشبه في شيء نظرات البشر، فهلع قلب حنا من الخوف، واستعاذ ~~بالله وقد أطبق عينيه، فلما فتحهما لم يجد الرجل ولا كلبه، ودخل إلى بيته، فوضع ابن سيده ~~الكونت في مكان ولده الميت ... # وفي صباح اليوم التالي صحا الطفل وهو يبكي، فحمله حنا إلى امرأته، فأرضعته وهي تحسبه ~~ابنها، وشكرت الله والعذراء وغيرهما لشفائه من مرضه، ثم أخذت تداعبه وتلاعبه، وقد حانت منها ~~التفاتة إلى زوجها، فرأته جالسا في زاوية الغرفة يبكي، فاضطربت وقالت له: ما هذا البكاء يا ~~حنا؟ # قال: إننا نفرح وأسيادنا يبكون. # قالت: ماذا تعني؟! # أجاب: إن ابن الكونت مات في هذه الليلة. # ثم وضع رأسه بين يديه، وجعل يبكي ويقول في نفسه: ويح لنفسي مما جنيت! ويا ويلتاه! ~~فسيعاقبني الله أشد عقاب! # | الفصل السادس # ذكرى بهلوان # كان الاجتماع في قاعة فخمة في باريس عند مغنية نالت شهرة عظيمة في عهد قريب، بل إنها ~~نالتها فجأة، فدهش الباريسيون لأمرها، ولم يعلموا من أين جاءتهم، كأنها هبطت إليهم من ~~السماء، فكان بعضهم يقولون إنها إيطالية، ويؤكد آخرون أنها ms009 إسبانية، والحقيقة أنه لم يكن ~~يعلم حقيقة أمرها أحد ... # وكانت هذه الفتاة قد أعدت في منزلها حفلة راقصة، وانتهت الحفلة، وتفرق المدعوون، فلم يبق ~~منهم غير الأخصاء، وكانت هذه الممثلة - واسمها باكيتا - تحادثهم، فكان آخر خطابها قولها: ~~«هذه هي حالتي أيتها السيدات والسادة، فقد كنت بهلوانة، أرقص على الحبل براتب لا يتجاوز ~~فرنكين في اليوم قبل أن صرت مغنية في المراسح، وراتبي مائة ألف فرنك في العام!» # فصاح الرجال قائلين: هذا محال ... وقال النساء: إذن كم يبلغ عمرك؟ # أجابت: خمسة وعشرين عاما، فقد بدأت بالرقص على الحبل، والغناء عند أبواب الحانات في ~~التاسعة من عمري، إلى أن أتيح لي أن أتعلم فن الغناء على قواعده، فبلغت هذا المبلغ. # وكان بين الحضور رجل من الصحافيين فقال لها: لقد أصبح الناس عندنا يترنمون باسمك يا ~~«باكيتا المقدسة»، ولو عملت برأيي، ونشرت مذكراتك تباعا في جريدتي ... # فقاطعته الفتاة بابتسامة تشف عن السويداء وقالت: أية فائدة من نشر مذكراتي، وحوادثي ~~لا تختلف كثيرا عن حوادث سواد الناس المألوفة؟! فقد شقيت، وأحببت، وجعت ~~وبردت، ورجوت ويئست، وفرحت وحزنت، وليس في كل ذلك ما يثير لجدته، ~~ولكن إذا شئتم ذكرت لكم مقدمة عن أيام حداثتي ... فهتف الصحافي لها، وأخرج من جيبه دفتر ~~مذكراته؛ كي يكتب ما يروقه من حوادثها. # وقد التف الناس حولها شبه دائرة، ولم يخرج عن هذه الدائرة غير فتى في مقتبل الشباب ~~يدعى چوفر، كان منزويا في القاعة يسمع الحديث ولا يشترك مع المتحدثين. # أما باكيتا فإنها قالت لهم: إني سأبدأ حديثي، فأروي لكم حكاية فتى يلقب بالسيئ البخت. ~~فقال الصحافي: من هو هذا الفتى يا سيدتي؟ قالت: سوف تعلم، فاسمع! # لقد تقدم لي القول أني كنت أشتغل بهلوانة في أحد الأجواق المتنقلة، وقد سافرت مرة مع هذا ~~الجوق إلى الرين، ولم يكن لي من العمر غير اثنتي عشرة سنة، فكنا إذا أعيانا التعب جلسنا ~~للاستراحة في الحقول التي كنا نمر بها، فتشتغل امرأة صاحب الجوق بإعداد الطعام، ويربط زوجها ~~حبلا بين شجرتين ms010 ، فيمرنني على الرقص عليه، وكان هذا الرجل كريم الأخلاق، وجدني طفلة ~~فرباني، وعلمني صناعته حتى أصبحت عماد جوقه، وكان يدعى كوكليش، فكان يدعوني ابنته وأنا ~~أدعوه أبي، وكذلك امرأته؛ فقد كانت تحسن إلي كثيرا. # وقد غابت الشمس يوما ونحن في الطريق، فلقينا غلاما صغيرا عائدا إلى القرية من الحقول ~~فاستوقفناه، وسألناه إذا كانت القرية لا تزال بعيدة، فقال: إنها تبعد مرحلة أيضا - فركة ~~كعب - وذلك يعني عشر مراحل في اصطلاح القرويين. قلنا: ألا يوجد منزل قريب أو مزرعة قبل ~~القرية؟ قال: نعم، فإن منزل أبي يبعد ربع ساعة، وهو وراء هذه القمة. # فابتسمت له وسألته قائلة: هل لك أن تذهب بنا إلى منزل أبيك؟ فظهرت عليه علائم الخوف ~~الشديد وقال: كلا! # فوضعت يدي على رأسه وعبثت بشعره وقلت: لماذا؟ # قال: لأنه يضربك إذا ذهبت إليه، كما يضربني لأني أخذتك إلى منزله. # فأشفقت عليه، وجعلت أتمعن في وجهه الجميل، فرأيت في جبينه أثر جرح، فقلت له: من أين ~~هذا الجرح؟ أجاب: لقد سقطت من فوق شجرة عالية أمس. # قلت: ولماذا يضربك أبوك، لعله شرير؟ فعاوده الرعب وقال: احذري يا سيدتي أن تذهبي إليه، ~~فقد قلت لك إنه يضربك. # فسأله كوكليش قائلا: ماذا يشتغل أبوك يا بني؟ قال: إنه يعمل في الأرض، قال: وهل المواشي ~~التي يحرث بها الأرض ملكا له؟ أجاب: كلا! بل هي لصاحب المزرعة، وأنا أشتغل عنده مع ~~أبي. # قال: هل يضربك صاحب المزرعة أيضا؟ # أجاب: كلا، ولكن أبي يضربني دائما أبدا وبقسوة. # فاشتدت شفقتي عليه، وقلت له: ألا تدافع عنك أمك؟! # قال: إن أمي ماتت، ثم أخي يبكي، فجعلنا نلاطفه حتى انقطع عن البكاء. # فسأله كوكليش: أين هي المزرعة يا بني؟ أجاب: إنها تبعد قليلا عن بيت أبي. قال: أتريد ~~أن ترشدنا إليها؟ # أجاب: بكل سرور فإني ذاهب إليها. وأخذ يركض أمامنا، وأنا أركض في أثره، فأعجبت به كل ~~الإعجاب. # وفيما هو يقمز قمزات الغزلان عثرت رجله، فوقع على الأرض منبطحا، وسال الدم من جرحه ~~القديم، فصحت صيحة ms011 ذعر، وأخذت أبكي لما أصابه، ولكنه ابتسم لي وقال: لا تبكي يا سيدتي، ~~فليس هذا بشيء بالقياس إلى ما يصيبني كل يوم، ولم يلقبني أهل القرية عبثا بالسيئ البخت ~~أحيانا، وبالمنحوس أحيانا. # | الفصل السابع # وعند ذلك صاح الصحافي قائلا: لقد أحسنت يا باكيتا، فإنك تقصين علينا أحسن القصص. # قالت: إن خير القصص ما كان حقيقة كهذه الرواية، ثم عادت إلى إتمام حديثها، فقالت: وما ~~زلنا نسير حتى تجاوزنا منزل أبيه فسكن رعبه، وعدت إلى محادثته فقلت له: لماذا لقبك أهل ~~القرية بالمنحوس؟ # قال: لأني منكود الطالع منذ خلقت، فقد ماتت أمي وأنا لا أزال طفلا، وأبي يضربني في كل ~~حين، وما تسلقت شجرة إلا وسقطت عنها، وما وثبت من فوق حفرة إلا وقعت فيها؛ مع أني أمهر ~~أترابي في الوثوب، ولكني منكود الطالع - كما قلت لك - وكل ذلك بسبب «صاحب الكلب ~~الأسود.» # قلت: من هو صاحب الكلب الأسود؟ # قال: هو رجل رآني يوم مولدي، فكتب لي الشقاء في هذه الدنيا، وهذا الذي يقوله أبي حين يكون ~~غاضبا، وكذلك أهل القرية، فلا حديث لهم إلا عن صاحب الكلب الأسود. # وقد لبث الغلام يحدثني بهذه الأحاديث البسيطة إلى أن وصلنا إلى منزل خولي المزرعة، ~~فأحسن الرجل استقبالنا، وأعد لنا فرشا من القش وذبح لنا أوزة، وبعد الطعام أخذنا نتحدث ~~عن الغلام. # فتنهد الخولي مظهرا تأسفه عليه، وقال: من أعظم مصائب هذا المنحوس أن أباه لا يحبه، ولو ~~لم يلجأ إلينا لما بقي إلى الآن في قيد الحياة. قلنا: لماذا؟ # قال: إن لهذا الرجل حكاية غريبة لا تحتمل التصديق، ولكنه مختل العقل بدليل أنه أقام في ~~مستشفى الأمراض العقلية مدة عامين، فلما خرج منه كان صوابه قد رجع إليه، ولكن نوبات الجنون ~~كانت تعاوده أيضا، ومع ذلك فقد لبث هادئا ساكتا إلى أن ماتت امرأته، وكان اسمها مادلين، ~~فظهر كرهه لولده، وجعل يقول: إنه ليس بولده بل هو ابن الكونت، فذهلنا لما سمعناه وقلنا: كيف ~~ذلك؟ # قال: إن حنا - والد هذا الغلام - وامرأته ms012 مادلين كانا بستانيين في حديقة الكونت، وقد ولدت ~~الكونتيس ومادلين غلامين في يوم واحد، ففي ليلة العماد مات ابن الكونت، فاشتد وقع ذلك على ~~حنا، وفي الليلة التالية احترق قصر الكونت، فأصيب حنا على أثر هذه الحوادث بالجنون، ونقل ~~إلى المستشفى، وبعد أن خرج منه جعل يروي حكاية غريبة محصلها أن ابن الكونت لا يزال حيا، ~~وأن ولده هو الذي مات، فاستبدله بولد الكونت الحي؛ كي لا يقتل الحزن زوجته مادلين. ولم يثق ~~أحد بهذه الرواية بالطبع؛ لأن الرجل كان مجنونا ... # وكان الكونت قد باع قصره والأرض الملحقة به بعد نكبته، وسافر إلى باريس. فاشتدت نكبة حنا ~~وامرأته؛ إذ لم يعد لهما عمل يرتزقان منه، ومرضت مادلين مرضا مبرحا أفضى إلى موتها، فبدأ ~~كره حنا لولده من ذلك اليوم لاعتقاده أنه سبب كل مصائبه، وجعل يضربه دون رحمة كلما التقى ~~به، إلى أن هرب يوما من عنده ولجأ إلينا فآويناه، ومع ذلك فهو يصاب كل يوم بأشد ما يصاب به ~~الإحداث حتى لقبه الناس بالسيئ البخت، مع أنه يدعى ضد لقبه أي «فليكس» ومعناه ~~«السعيد». # وكنت جالسة بجانب الغلام حين كان خولي المزرعة يروي لنا حكايته، وقد أخذ الغلام قطعة من ~~الخشب، وجعل يتلهى بحفر رسم نقشه عليها، فأخذت الخشبة من يده، وقلت له: من الذي علمك صناعة ~~النقش على الخشب؟ # قال: تعلمتها من تلقاء نفسي؛ إذ لا يوجد هنا معلمون. # وقال الخولي: إن له ميلا شديدا إلى هذه الصناعة، وقد نقش رسوما كثيرة تدل على صفاء ~~ذهنه. # وقد تمعن كوكليش بهذه الرسوم وقال: إنه سيخرج نقاشا ماهرا لا محالة إذا مارس ~~النقش. # أما أنا فقد فرحت به فرحا عظيما حتى إني لم أتمالك نفسي عن معانقته، فقبلني كما قبلته، ~~وقال لي: ألا تريدين أن تكوني أختي؟ # قلت: دون شك، قال: إنك تقولين هذا القول اليوم، ثم تسافرين في الغد، فلا أعود أراك مدى ~~الحياة، ألم ألقب بالسيئ البخت؟! # وقد رأيت عند ذلك دمعتين سالتا من عينيه الزرقاوين، وأطرق إطراق ms013 الحزين، فأخذتني به رأفة ~~عظيمة ونكفت - مسحت عن خدي - دمعتيه بشفتي. وصمتت باكيتا هنيهة، ثم عادت إلى الحديث ~~فقالت: وأقمنا في منزل الشيخ نتحدث في أمور مختلفة إلى أن سألنا عن مهنتنا، ولما علم ما ~~هي اقترح علينا أن نلعب في اليوم التالي، وأجبناه إلى سؤاله، فلما كان اليوم التالي ورآني ~~الغلام أمشي على الحبل، هجم علي بعد نزولي، فعانقني وقال لي: إني أريد أن أفعل كما فعلت، ~~قلت: ذلك صعب لا تستطيعه، قال: بل أتعلمه في أقرب حين إذا نويت، وكان أحد غلمان المزرعة ~~واقفا فقال متهكما: إنك لا تستطيع تسلق الشجرة دون أن تقع، فكيف تستطيع المشي على الحبل؟! ~~فاحمر وجهه من هذا الهزء، وبرقت عيناه ببارق دل على «قوة إرادة لا تغلب»، وقال: إني أريد ~~أن أجرب. # ثم صعد السلم إلى الحبل الذي كان مشدودا بين شجرتين ووقف على الحبل بتوازن عجيب، ~~فتمكن من الوقوف بضع ثوان، ثم تمكن من المشي خطوتين، فانقطع الناس عن الضحك، وأخذت أنا ~~أشجعه، وقد أعجبت به إعجابا عظيما، فمشى أيضا خطوتين، ثم اختل توازنه، فوثب إلى الأرض ~~دون أن يصاب بأذى. وعند ذلك صفق له الجمهور، وقال خولي المزرعة وهو يضحك: هذه أول مرة لم ~~يسقط فيها على أنفه. # أما الغلام فإنه دنا مني، وقال لي بصوت منخفض: لقد رأيت كيف أني سأتعلم في أقرب حين، فإذا ~~أذنوا لي أن أكون معك أصبحت مثلك في زمن قريب. # وفيما هو يكلمني اضطرب وجهه، وتبين الذعر في عينيه، فصاح قائلا: هو ذا أبي وقد أتى ~~ليضربني. # فالتفت فرأيت حنا البستاني وهو يناهز الأربعين من العمر، وله وجه جميل غير أن الجنون ~~ذهب بجماله. # وقد تقدم من ولده وهو يهدده بقبضتيه، ويقول: لقد أصبحت الآن بهلوانا أيها الشقي، فلو رآك ~~أبوك الكونت على هذه الحال لقال ما يقوله جميع الناس أنك ابن بستاني، ولما صدق أنك فيكونت ~~ابن كونت، وهجم عليه يريد ضربه، ولكن كوكليش حال دون قصده، فنظر إليه حنا وقال: أأنت هو ms014 ~~مدير الجوق؟ قال: نعم. # قال: إذا كان الأمر كذلك، فإني أبيعك هذا الغلام، فتعلمه صناعتك، وتربح منه ربحا ~~طائلا. فاشمأز كوكليش من هذا الاقتراح، وقال له: لست من الذين يسرقون، وليس هذا الغلام ~~بسلعة فيباع ويشترى، فاذهب من هنا أيها الشقي، واعلم أنك إذا ضربت ولدك بعد الآن شكوتك إلى ~~الحكام. # أما الغلام فإنه طوق عنقي بذراعيه وقال لي: لماذا لا يريد أبوك أن يشتريني؟ فإني أسير ~~معك بملء الرضى والسرور إلى حيث تذهبين، فقلت له: إن ذلك لا يجيزه الشرع، فابق هنا ~~سيحميك شيخ القرية، وعسى أن يقدر الله لنا اللقاء. # وقد سافرنا في اليوم التالي، ولكننا ما اجتزنا بضع مراحل حتى رأيت غلاما يسير راكضا ~~إلينا، فخفق قلبي، وقلت لرفاقي: هذا هو المنحوس قد أدركنا، ولما وصل إلينا جعل يقبلني ~~ويقول: لقد قدر الله لنا اللقاء كما قلت، وإني لا أفارقك بعد الآن. # وكانت يده اليسرى مربوطة إلى صدره بمنديل، فقلت له: ما أصاب يديك؟ قال: فقد ضربني أبي ~~فكسرها. # وقد كان جوقنا فقيرا لا يستطيع القيام بأود الغلام، فاختلفت الآراء فيه، وقاموا ينوون ~~إرجاعه إلى القرية، غير أني تعهدت بتعليمه وتدريبه على مهنتنا، فرضوا بعد أخذ ورد أن ~~يكون معنا، وسافر وإيانا، فلم يمر به شهر حتى تمرن، وبات عضوا عاملا في الجوق. ~~••• # مضى على ذلك ستة أعوام فترعرع الغلام حتى كاد يبلغ مبالغ الشباب، وكبرت أنا، فباتوا ~~يحسبونني من جميلات النساء، فقد كنت في الثامنة عشرة من عمري، وكان هو في الرابعة ~~عشرة. # وقد ارتقينا في المهنة حتى صرنا من الممثلين، وعرف مدير الجوقة رخامة صوتي، فكنت أغني في ~~فترات الفصول أناشيد، كان يطرب لها الحضور، ويأتون في كل ليلة لسماعها. # فبينما كنت أغني ذات ليلة، دخل دار التمثيل فتى جميل الطلعة حسن الهندام، يدل كل ما فيه ~~على أنه من طبقة أرقى من طبقة الحاضرين، ولست أدري أهو صوتي أم هو جمالي الذي جذبه إلى حضور ~~تمثيلنا دون تمثيل الأجواق الشهيرة، ولكني أعلم أنه كان ms015 ينظر إلي نظرات منكرة، فلما ~~انتهيت من الغناء دخلت في المكان الخاص بالممثلين، وتواريت عن أنظاره بين الكواليس، غير أنه ~~لم يحفل باحتجابي، فاخترق صفوف الناس ودخل إلي. # وهنا استراحت باكيتا هنيهة، ثم عادت إلى الحديث، فقالت: لا بد لي قبل الخوض في تتمة ~~الحديث أن أذكر لكم ما كان بيني وبين فيلكس في خلال هذه الأعوام التي مرت بنا، فقد كان ~~يدعوني أخته العزيزة، ولم نكن نفترق لحظة، فإذا خلونا عطف علي دون كلفة، وقبلني بلهف ~~وحنو، فلم أكن أدري أكان ذلك منه حب إخاء أم حب غرام، غير أن رفاقنا الممثلين رأوه مرات ~~ينظر إلي ساهما نظرات غرام، لا تخفى على أحد من الناقدين، حتى إن مدير الجوق قال له مرة ~~وقد رآه ينظر إلي هذه النظرات: أسرع يا بني بالنمو والكد إذا أردت أن تصير باكيتا ~~امرأتك. # فاحمر وجهه خجلا، وبلغ منه الحياء أنه لم يعد يقبلني حين نختلي، غير أنه كان حين نفرغ من ~~التمثيل يجلس إلي، فيروي لي حكاية الكلب الأسود وصاحبه، وكل ما كان يرويه حنا البستاني في ~~ساعات جنونه، وينتهي من ذلك إلى قوله: إني ما خلقت لأكون سعيدا. # وقد عارضته مرارا في استنتاجه هذا، فكان يقول لي: كلا، فإني لا أنسى يوم ماتت أمي، ولم ~~يكن لي من العمر غير خمسة أعوام، فدخل إليها أبي وهي على فراش النزع، فقال لها: إني عائد ~~الآن من الكنيسة، وقد نذرت إلى الله إذا شفاك أن أرد الغلام إلى أهله ... لا تنظري إلي هذه ~~النظرات، فما أنا بمجنون كما يتوهمون، ولكن وخز الضمير يكاد يفقدني صوابي، فاعلمي الحقيقة ~~يا امرأتي العزيزة، وهي أن هذا الغلام الذي تحبينه وتحسبينه ولدك إنما هو ابن الكونت، عرفته ~~يوم جاءنا صاحب الكلب الأسود، ووضعته مكان ولدنا الميت شفقة وإشفاقا عليك، فلم تجبه أمي ~~بكلمة لاعتقادها أن ذلك هذيان مجنون، وضمتني إلى صدرها، فما أفلتتني حتى فاضت روحها، فلما ~~رأى أنها ماتت غضب غضبا شديدا، واختطفني من يدها وهو يقول ms016 : أنت السبب في كل نكبتنا، ثم ~~طرحني بعنف إلى الأرض فأغمي علي، فلما استفقت وجدت المنزل غاصا بالناس، وقد أناروا شمعة ~~عند سرير أمي الميتة، وأخذ أبي يغني، فقد بلغ به الجنون أبعد مراميه، ومن ذلك العهد بدأ ~~يضربني، ويتهمني تهما غريبة، على أني بت أعتقد اعتقادا راسخا أن حكاية هذا المجنون ~~صادقة، وأني ابن الكونت فعلا، ولكن كيف السبيل إلى إثبات ذلك؟ وا أسفاه! # وكنت أرى في شعره خصلة وخطها الشيب، وقد سألته مرة عنها فقال: كذا خلقت، فقلت: إن ~~هذه الخصلة البيضاء في شعرك ستثبت نسبك، فإنها تكون عادة إرثا في العائلات، فأطرق برأسه ~~ولم يجب، فطوقت عنقه بذراعي وقبلته، فارتعد ثم جعل ينظر إلي ويبكي. # فقال واحد من الحاضرين: أراك نسيت يا باكيتا ذلك الرجل الذي دخل بعد انتهائك من الغناء ~~ليلقاك بين الكواليس. # قالت: كلا، لم أنسه، وإليكم حكايته فاسمعوها. فإنه حين دخل سألته عما يريد فقال لي: لقد ~~أعجبني صوتك، فهل تعلمت فن الغناء على يد أساتذة؟ قلت: كلا! قال: إذن فاعلمي أني غني، ~~ولي اتصال بأحد المراسح الكبرى، فإذا شئت دفعتك إلى موسيقي ماهر تتعلمي عنه الغناء على ~~أصوله، ثم أدخلك ذلك المرسح براتب ألفي دينار في العام، ونحن نكون من الرابحين. # فدهشت لقوله ولفداحة هذا المبلغ الذي لم يكن يخطر لي في بال، حتى حسبته هازئا فقلت له: ~~ولكني لا أريد أن أتخلى عن هذا الجوق الذي ربيت فيه، فقد بات أصحابه بمنزلة أهلي، وأنا قوام ~~هذا الجوق. # قال: حاشاي أن أسيء إليهم! فسأعوضهم عنك بمبلغ مناسب يكون لهم ثروة، وسأترك لك رقعة ~~زيارتي وعنواني، وأنا موقن أنك ستزورينني وسنتفق، وكان يكلمني وقبعته في يده، ففيما أنا ~~أنظر إليه منذهلة من اقتراحه، رأيت في رأسه خصلة بيضاء من الشعر تشبه تلك الخصلة التي في ~~رأس «فيلكس» شبها عجيبا، حتى كأنها هي، فكدت أصيح لانذهالي، ثم ترك لي رقعة زيارته ~~وانصرف، فلم أنتبه له لشدة ذهولي، ثم قرأت الرقعة بعد انصرافه فكان مكتوبا عليها ms017 : # البارون دي نيڤيل، شارع ميرمونستيل، رقم 13. # ولم أخبر فيلكس بشيء من ذلك غير أني لم أنم تلك الليلة، وفي صباح اليوم التالي سألته عن ~~اسم القرية التي ولد فيها، فقال لي: اسمها سانت چرمين. # قلت: ألا تعرف القصر الذي كان فيها واسم صاحبه؟ قال: نعم، فقد كانوا يدعونه القصر ~~المحروق، ويقولون إن صاحبه كونت، وهذا كل ما أعرفه. # ولم يكترث لسؤالي، أما أنا فقد صبرت يومين على رجاء أن يعود إلي ذلك البارون، فلما ~~رأيته لم يعد خرجت في صباح يوم وجميع الرفاق نيام، فذهبت توا إلى قصره في شارع ~~«ميرمونسيل». # | الفصل الثامن # وقد استقبلني البارون بملء الاحتفاء، وكان عنده مدير المرسح، فعرفني به، وقال له: هذه ~~هي الفتاة التي حدثتك عنها، ثم نظر إلي بكل احترام وقال: تفضلي بالجلوس أيتها الآنسة، ~~فإننا على وشك الدخول في غرفة المائدة، وستأكلين معنا، والآن فلنبحث في شأنك، فقد دلني ~~قدومك على الإذعان لنصيحتي، وسيكون لك في فن الموسيقى أعظم شأن، فكم لك من العمر؟ قلت: ~~تسعة عشر عاما، قال: إنك لا تزالين قاصرة، فمن هو ولي أمرك؟ قلت: مدير الجوق الذي ~~أشتغل فيه. # قال: إذن هو الذي سيتولى التوقيع عنك على عقد اتفاقنا، فاعلمي الآن أني من أهل الشغف ~~بالموسيقى، حتى إني ألفت جوقا لا للطمع بالربح، بل لغيرتي على هذا الفن الجميل، وقد ~~أعجبني جمال صوتك الرخيم، ولكنك في حاجة إلى درس قواعد هذا الفن، فسأعين لك أستاذا ~~يدرسك عامين، وأعقد معك اتفاقا لمدة خمسة أعوام، فيكون راتبك عشرين ألف فرنك في العام ~~مدة الأعوام كلها؛ أي في مدة التدريس والعمل، فما اسمك؟ # قلت: باستنكيت، قال: إنه اسم لا يوافق المراسح الكبرى، وسيكون اسمك بعد الآن باكيتا، ~~ولكن ما بالك تنظرين إلي هذه النظرات؟ # وكنت شاخصة كل مدة الحديث إلى الشعر الأبيض في رأسه، فقلت: لا أجسر يا سيدي البارون على ~~أن أذكر السبب. # قال: بل قولي ما تشائين فلا جناح عليك. # قلت: ألا تستاء مما سأقوله؟ # أجاب: كلا! # قلت: كم ms018 لك من العمر سيدي؟ # أجاب: ثمانية وعشرون عاما. # قلت: إنك لا تزال في مقتبل الشباب، فما هذا الشيب في رأسك؟ # فقهقه ضاحكا وقال: ليس هذا بشيب يا ابنتي، بل هو إرث يرثه كل أعضاء أسرتنا. # قلت: كان أبوك مثلك؟ # أجاب: نعم، وكذلك عمي. # قلت: ألك عم؟ # أجاب: إنه مات، وترك ثروته لامرأته، ولكن يحتمل أن أرثها قريبا؛ لأن المسكينة لا تعيش ~~طويلا. # قلت: أهي مريضة؟ وقد سألته هذا السؤال بلهف خجلت بعده، فقلت له: أسألك المعذرة يا سيدي ~~لما تراه من فضولي، وعلى ذلك ستغدو كثير الثروة بعد وفاتها؟ # قال: هو ذاك، فلا وارث لها سواي، فإن هذه المنكودة فجعت بولدها الوحيد، حين كانت تقيم في ~~أرضها في «سانت مرتين»، ومن جملة مصائبها أن قصرها احترق يوم تشييع جنازة ولدها، فاعتزلت ~~الناس أجمعين، وهي الآن تقيم في قصر لها يدعى قصر بليمور قرب فرساي، وقد سجنت نفسها فيه ~~سجن الراهبات في الدير. # وبعد أن فرغنا من هذه الأحاديث، وعرفت كل ما أردت أن أعرفه استأذنت بالانصراف، وقد وعدت ~~البارون أني سأخابر مدير جوقتي في شأن اقتراحه، وأعود إليه بعد غد بحقيقة ما أنويه. # ولما عدت إلى الجوقة، وجدتهم قد شغلوا بغيابي، وتباينت أقوالهم، حتى لقد اتهمني بعضهم ~~بالميل إلى هذا الفتى الجميل الذي زارني - أي البارون - وكانت علائم الحزن الشديد بادية في ~~وجه فيلكس، فضحكت وأخبرتهم بكل ما جرى، فسر الجميع لنجاحي، ولا سيما صاحب الجوقة ~~وامرأته عدا فيلكس، فقد رأيت الدمع يجول في عينيه، فدنوت منه، وهمست في أذنه قائلة: طب ~~نفسا يا عزيزي، فلا تفرق الثروة بيني وبينك، وسأكون لك ما حييت. # وفي اليوم التالي ذهبت إلى فرساي بغية مقابلة الكونتيس المعتزلة في قصرها، ولقيت عناء ~~شديدا حتى أذنت لي بمقابلتها، فأدخلوني قاعة عظيمة، وأقمت فيها أنتظر قدوم ~~الكونتيس. # وكان في تلك القاعة خمس صور كبيرة، لا شك أنها كانت صور أعضاء أسرة الكونتيس، فوقفت أنظر ~~إلى هذه الصور، وأنا معجبة بما أراه، فقد كان في رأس كل ms019 صورة من هذه الصور خصلة بيضاء كخصلة ~~فيلكس، حتى إذا انتهيت إلى آخر صورة صحت صيحة دهش عالية، فقد خيل لي أني أرى رسم فيلكس ~~نفسه ممثلا بهذا الرسم، وعند ذلك فتح الباب، ودخلت امرأة بملابس السواد، وهي ~~الكونتيس. # | الفصل التاسع # وكنت قد ذهبت إلى فرساي، يصحبني شيخ من رفاقنا في الجوق، وكنت علمت خلال بحثي عن قصر ~~الكونتيس، أنها تبحث عن وصيفة تقيم معها في القصر، وبما أني أصبحت واثقة أن فيلكس هو ابن ~~هذه الكونتيس فقد دخلت عليها بحجة أني أريد الاستخدام عندها، وإنما الحقيقة أني كنت أريد أن ~~أخبرها أن ابنها الذي تندبه لا يزال في قيد الحياة. # فلما رأيتها وجدتها امرأة تبلغ الأربعين من العمر، ولا تزال في ريعان الجمال، غير أن الهم ~~نهكها بعد موت ولدها وزوجها، فخارت قواها، وباتت كالخيال الجميل، وقد أشفقت أن أفاجئها بهذا ~~النبأ. # وقالت لي بلهجة تدل على أن الحنو ملكة فيها: لقد أخبروني يا ابنتي أنك تريدين أن ~~تقيمي معي؟ قلت: هو ذاك يا سيدتي. # قالت: ولكنني أعيش هنا كأنني في دير لا أزور أحدا، ولا يزورني أحد، ألا تخشين الضجر وأنت ~~لا تزالين في ريعان الشباب؟ قلت: كلا، فإني أرى من مخائل كرمك ما يشفع بهذه الوحدة في ~~صحبتك. # قالت: أتريدين أن تكوني عندي منذ اليوم؟ # قلت: نعم يا سيدتي. # قالت: هل أتيت وحدك؟ # قلت: كلا، فقد صحبني قريب لي، وسيعود فيأتيني بملابسي. # قالت: اذهبي إذن يا ابنتي، وأخبريه بما اتفقنا عليه. # فقمت من فوري إلى الممثل الشيخ، وأخبرته بما عزمت عليه من الإقامة عند الكونتيس، فكان ~~بيني وبينه جدال عنيف أسفر عن امتثاله لي بعد أن علم قصدي، فأوصيته بكتمان ذلك عن فيلكس وعن ~~كل أفراد الجوقة. # فقال: إذن ماذا أقول للمدير؟ # قلت: قل له إني أشتغل في مهمة تعود عليهم جميعهم بالربح الجزيل، فانصرف، وعدت إلى ~~الكونتيس، فأقمت عندها بقية ذلك اليوم أسليها بالقراءة؛ لأن نظرها كان قد تأثر من كثرة ~~البكاء، فلم تعد قادرة على ms020 القراءة الكثيرة. # وفي المساء دخلت إلى مضجعي في غرفة ملتصقة بغرفة الكونتيس، وحاولت الرقاد فلم أستطع، وبعد ~~ساعة سمعت الكونتيس تصلي بصوت مرتفع، ثم ختمت صلاتها بمناجاة زوجها فقالت: أيها الزوج ~~الحبيب، لقد قدر الله لي الشقاء حتى في آخر أيامي، فهل يريد بذلك إنذاري بأني لاحقة بك ~~قريبا إلى دار الخلود؟ إني أحلم في كل ليلة منذ بضعة أيام حلما واحدا لا يتغير، وهو أني ~~أرى ولدنا ولا أراه، ذلك الطفل الصغير الذي كنت أركع وإياك عند مهده، بل أراه غلاما كبيرا ~~يشبهك أدق الشبه، كأنه أنت، وكنت أسمعه يقول لي وهو يبتسم: لا تجزعي يا أماه فهذا أنا ... أنا ~~ابنك، فإني لم أمت! فكنت أسمع هذا الصوت، ولا أجسر أن أتحرك في مضجعي، وأقول رباه: ما هذا ~~الحلم الرهيب؟! # ثم سمعتها تبكي بكاء يقطع القلوب شفقة، حتى لقد هممت أن أقوم إليها وأقول لها: ليس ذلك ~~حلما أيتها الكونتيس، بل حقيقة، ولكني خشيت أن يقتلها الفرح، فقد سمعت قولا لحكيم من ~~شعراء العرب مفاده «ومن فرح النفس ما يقتل»، فعدلت عن عزمي، وعولت على أن أتدرج في إخبارها ~~وقاية لها من تأثير هذا النبأ. # وفي صباح اليوم التالي صحوت وصحت الكونتيس، وذهبت إليها في غرفة القراءة، وبينما أنا أقرأ ~~لها سيرة من سير الشهداء، دخل خادم يحمل كتابا على صينية من الفضة، فتناولته الكونتيس، ~~ونظرت في ختم البريد فاصفر وجهها؛ إذ كان هذا الكتاب واردا من «سانت مرتين» وهي القرية ~~التي نكبت فيها، ودفعت إلي الكتاب كي أقرأه، لها ففضضته، ولم أكد أقرأ السطر الأول منه ~~حتى اضطرب وجهي، فاختطفته الكونتيس من يدي وقالت: لقد توالت علي الأرزاء حتى لم أعد ~~أخافها. # وقد تمكنت من قراءة الكتاب حتى إذا أتمت تلاوته شهقت شهقة عظيمة، وسقطت مغمى عليها، ~~وناديت الخدم، وأخذوا يعالجونها بنضح الماء على وجهها، بينما كنت أقرأ ذلك الكتاب وهو كما يأتي: # سيدتي # من شأن توالي الأيام أن يلطف أحزان النفوس، ولولا ذلك لما تجاسرت على الكتابة ms021 ~~إليك . # لقد مات في هذه الأيام رجل كان بستانيا عندكم، وقد اعترف لي قبيل احتضاره بذنب ~~عظيم جناه. # كان هذا الرجل قد أنبه ضميره، فباح بجريمته لجميع الناس، ولكن الناس لم ~~يصدقوه؛ لأنهم كانوا يتهموه بالجنون، ولكن هذا الرجل كان يقول الحق، وا أسفاه! وأنا ~~على أتم الثقة من سلامة عقله حين اعترافه لي قبلما فاضت روحه. # والحكاية يا سيدتي أنه منذ ستة عشر عاما، بينما كنت تمليئن القصر عويلا، كان ~~زوجك الكونت يسير في جنازة طفل قيد في سجل الأموات باسم دي نيفيل، ولكنه لم يكن ~~في الحقيقة إلا ابن بستانيكم حنا وامرأته مادلين. # وقد حدثت الجناية في الليل وأنتم نيام، فإن هذا البستاني دخل قصركم يحمل ولده ~~الميت، فوضعه في مهد ولدك، إن ولدك كان حيا يا سيدتي، وإن الأجراس لم تدق دقاتها ~~الحزينة يومئذ لولدك بل لولد البستاني، وكان هذا البستاني قد جن حقيقة في البدء ~~لهول ما جناه. # ثم احترق قصركم، وهجرت قريتنا مع زوجك، وتوالت السنون دون أن يقول لك أحد إن ~~ولدك الذي تندبينه لا يزال في قيد الحياة، فإن البستاني كان مجنونا، وامرأته لم ~~تكن واقفة على هذا السر، وهي تعتقد أن ولدك إنما هو ولدها. # ثم ماتت تلك الأم، وكان زوجها البستاني قد نذر لله أن يرد إليك ولدك إذا شفى ~~الله امرأته، ولكن لله مقاصد تحار في كنهها العقول، فماتت الأم، واضطرب عقل ~~البستاني، فحقد على الطفل لاعتقاده أنه كان السبب في موت امرأته، وبات يقسو عليه ~~قسوة الظالمين. # هنا يا سيدتي يجب أن تتسلحي بالصبر الجميل عدة المؤمنين، فإن ولدك حي، ولكنك قد ~~لا تجتمعين به إلا في دار البقاء؛ وذلك أنه منذ سبعة أعوام رثا أحد المزارعين لولدك ~~لما كان يراه من قسوة البستاني عليه، وجاء به إلى منزله، ثم اختفى ولم يعلم أحد ~~حقيقة أمره، غير أنهم يشيعون أنه لحق بجوقة من الممثلين كانت مرت بقريتنا، وكان ~~مدير هذه الجوقة يدعى كوكليش. # وروى رجل من أهل القرية أنه ms022 رآه في «انفرس» يلعب ألعابا بهلوانية، وأنهم يلقبونه ~~بلقب السيئ البخت. # وفي الختام يا سيدتي، فإني لم أخبرك بذلك إلا عملا بإرادة البستاني الأخيرة، ~~فهو الذي سألني أن أبلغك اعترافه الأخير، على رجاء أن يرأف الله بك فيرد إليك ~~ولدك، ويرأف بالبستاني فيغفر له هذه الجناية. # كاهن سانت مرتين # وقد وقفت أعجب من غرائب الاتفاق، فإن هذا النبأ الذي لم أجسر على إخبار الكونتيس به ~~تولته عني رسالة في البريد! # وكانت الكونتيس قد صحت من إغمائها، وأصيبت بحمى شديدة وبهذيان، فجعلت تذكر اسم زوجها ~~وولدها ولقب «السيئ البخت» واسم الكاهن بشكل متقطع إلى أن جاء الطبيب، وهو من الناشئة ~~الجديدة الذين يعلمون مقدار تأثير النفوس على الأجسام، فعلم من خادم الكونتيس الشيخ كل ~~حكايتها، واطلع أيضا على الكتاب الذي ورد إليها، فقال: إن الحزن كاد يقتلها، ولكن الفرح ~~سوف يحييها. # فهز الخادم رأسه، وقال: هب أن ما رواه الكاهن كان أكيدا، فلا سبيل إلى العثور على ~~الولد. # فقلت له: بل أنت واهم. # فدهش وقال لي: ماذا تعنين بذلك؟ # قلت: ألم أقل لك بالأمس أني آتية لأخبر الكونتيس بنبأ مفرح. # قال: فماذا تعنين؟ # قلت: أعني أني كنت عالمة بأن ولدها لا يزال في قيد الحياة. # قال: أنت تعلمين؟ # قلت: نعم، وأعلم أيضا أين هو. # قال: ولكني كنت في خدمتها حين وفاة ولدها ورأيته ميتا. # قلت: لم يكن ذاك الطفل الميت طفلها. # قال: ما الذي يضمن لنا أن ذلك البستاني قد قال الحق؟ # قلت: يضمنه شكل الغلام وأثر موجود فيه من أبيه، ألم يكن للكونت خصلة بيضاء في شعره ~~الأسود؟ # أجاب: نعم، وقد كانت عند صدغه الأيسر. # قلت: وهذه الخصلة نفسها موجودة في صدغ الذي يلقبونه بالسيئ البخت. # قال: إذن فهو بعينه. # وكانت الكونتيس في خلال الحديث تنظر إلي نظرات ساهية، وقد انقطع هذيانها، فلما قلت ~~جملتي الأخيرة استوت جالسة على سريرها، وقالت لي: إذن تعرفين ولدي؟ # ونظرت إلينا نظرة ملؤها الرعب، فقلت لها: نعم يا سيدتي. # فصاحت تقول: ولدي! ولدي! ثم ms023 انهملت دموعها كالسيل، فقال الطبيب: لقد أنقذتها دموعها وزال ~~الخطر، ثم قال لي: يجب أن تسرعي، فأين هو الغلام، أتعرفين؟ # قلت: نعم، فهو في باريس، وسأذهب فأجيء به في الحال. # وحاولت أن أذهب من فوري، فاستوقفتني الكونتيس وقالت: اصبري يا ابنتي، فسأذهب معك. # وقد تداخل الطبيب عند ذلك فقال للكونتيس: إنك منهوكة القوى يا سيدتي، ولا بد لك من ~~الاستراحة، وستذهب هذه السيدة مع خادمك جاك، ويعودان بعد ساعة بولدك؛ إذ لا بد لك من ~~التأهب لهذا التأثير الجديد للقاء ولدك. # وبعد ساعة وصلت مع الخادم إلى باريس، ودخلت في مرسح التمثيل، وبحثت عن فيلكس فلم أجده، ~~وسألت عنه مدير الجوق، فقال لي والدموع تجول في عينيه: لقد هجرنا وا أسفاه، ولا نعلم إلى ~~أين ذهب. # وقد كدت أجن من قلقي، فطلبت إلى مدير الجوقة أن يخبرني بكل ما جرى، فقال: نعم، لقد حدث ~~أمر غريب لم نفهمه، فإن هذا الرجل الذي اتفقت وإياه على الغناء في مرسحه قد جاءنا بعد ~~ذهابك، وسألنا عنك، فلما علم أنك ذهبت إلى فرساي ظهرت عليه علائم الانذهال ثم ~~انقبض. # قلت: وبعد ذلك؟ # قال: كان انقباضه أشد حين رأى «السيئ البخت» فإن فيلكس كان يغار منه عليك، وينظر إليه ~~نظرات ملؤها الغضب، وقد سألنا الرجل عنه فقلنا إنه يدعى «السيئ البخت». # قال: إنه اسم غريب، أليس له سواه؟ # قلنا: نعم، فإننا ندعوه أحيانا بالكونت. # فاشتد قلق الرجل، وقال: لماذا؟ # قلنا: لأنه ابن كونتيس، وقد سرقه بستانيها منها كما يقولون. # فتراجع إلى الوراء كأنه قد ذعر من هذا النبأ، ثم ضحك طويلا، وقال وهو ينصرف: أخبروا ~~الفتاة حين تعود أن شريكي مدير الجوق يريد أن يسمع غناءها. # ولما انصرف قال لنا فيلكس: إني أكره هذا الرجل كرها شديدا، ولا أدري لماذا، ولكننا نحن ~~علمنا السبب، فلم يدفعه إلى هذا الكره غير الغيرة. # فصحت به قائلة: كفى، وأخبرني ببقية ما جرى! # قال: أقام فيلكس بيننا كل ذلك اليوم لم يأكل ولم ينبس بكلمة، وفي المساء عاد ms024 الذي ذهب معك ~~إلى فرساي، فابتدره فيلكس بسؤاله: أين ذهبت بباكيتا؟ # فأجابه قائلا: لقد أمرتني ألا أخبر أحدا أين هي. # قال: أما أنا فأعلم أين هي، فإنها ذهبت مع هذا الرجل الذي جاء يبحث عنها، فحاول أن يقنعه ~~بأنه واهم، ولكن جهده ذهب عبثا، وجعل فيلكس يبكي بكاء الأطفال. # ولما دنا وقت التمثيل مثل دوره على عادته، حتى إذا فرغنا من التمثيل، وأردنا الذهاب ~~للمبيت لم يذهب معنا، وسار في طريق آخر مدعيا أنه مصاب بصداع، وأنه في حاجة إلى ~~النزهة. # وقد توالت الساعات، وأقبل الصباح وهو لم يعد، فذهبت إلى الرجل الذي بحث عنك لاعتقادي أن ~~الغيرة دفعته إلى الذهاب إليه، وسألته عنه فقال لي: إنه لم يره. # وعند الظهر اشتد قلقي عليه، فذهبت إلى مدير البوليس وأخبرته بأمره، فقال لي: لقد غرق أمس ~~في الساعة الثانية بعد انتصاف الليل فتى لم نعثر على جثته بعد، ويظهر أنه غرق منتحرا، فقد ~~وجدنا بعض ثيابه عند الجسر، أتريد أن تراها؟ # وهنا استرسل كوكليش إلى البكاء وهو يقول: لقد رأيت تلك الملابس فهي ملابسه، وقد صدق من ~~لقبه «بالسيئ البخت.» ~~••• # وهنا توقفت باكيتا عن الحديث، وجعلت تمسح الدموع عن خديها ثم قالت: وما عسى أن أروي لكم ~~بعد ذلك، فإن الكونتيس لم تمت، ولكن الأطباء لبثوا شهرا قانطين من سلامتها، ولم أعلم بعد ~~ذلك إذا كانت بقيت في قيد الحياة، فإني لم أعد أراها. # وأنا كذلك، فقد بقيت شهرا في الفراش، وكاد الأطباء يقنطون من سلامتي أيضا، ثم تغلب ~~شبابي على العلة فشفيت، ولا أزال إلى الآن أبكي فيلكس. # وعند ذلك سمع في المجلس صوت شهيق بالبكاء، فالتفت الناس إلى هذا الباكي، والتفتت باكيتا ~~إليه، فصاحت صيحة لا تصفها الأقلام، وهجمت عليه تعانقه، وركع هذا الباكي أمامها كما يركعون ~~أمام المعبود، فقد كان هو نفس فيلكس الملقب «بالمنحوس»، والذي كانت تندبه باكيتا وتحسبه من ~~الأموات. # | الفصل العاشر # وانصرف المدعوون من عند باكيتا، وكلهم معجبون بحكايتها، وباتفاق وجود الذي تبكيه عندها ~~يسمع ms025 حكايتها وهي لا تعلم، أما فيلكس فإنه بقي معها، وقد سألته عن حكايته وعن احتجابه كل ~~هذه المدة الطويلة، فروى لها أمره مفصلا وهو كما يأتي: # عندما خرج فيلكس من المرسح، ذهب من فوره وهو بملابس التمثيل إلى منزل البارون دي نيفيل، ~~كي يبحث فيه عن باكيتا. # وكانت الساعة الثانية بعد انتصاف الليل والبارون لا يزال ساهرا وحده، ففتح الباب بنفسه ~~ودهش حين رآه، وعرفه، فقال له: ماذا تريد؟ # قال: أريد أن أكلمك. فأدخله البارون، وسار به إلى القاعة التي كان ساهرا فيها، فقال له: ~~قل الآن ماذا تريد؟ # فقال له: إني آت للبحث عن باكيتا. # فحاول البارون أن يقول له الحقيقة، وهي أنه لم يرها، ولكنه سكت، فقال له فيلكس: إن سكوتك ~~يدل على أنها عندك. # قال: إنك واهم يا بني، وإذا شئت طفت بك جميع غرف المنزل لتعلم أنها ليست هنا. # قال: ولكنها فارقتنا، وقالت إنها ذاهبة إلى فرساي. # قال: ذلك ممكن. # قال: ألا تعلم أين هي؟ # أجاب: أرجوك أن تسكن روعك يا بني، فما أنا بسارق ولا بقاتل. # قال: ولكني أريد أن أعلم أين هي؟ # أجاب: إني أستطيع أن أعيد عليك اقتراحي، وأقول لك: ابحث عنها في منزلي، ولكني أوثر ~~الوضوح، وأن أقول لك الحقيقة. # قال: إذن أنت تعلم أين هي؟ أجاب: نعم، قال: أترشدني إلى مكانها؟ أجاب: دون شك! وأبدأ ~~فأقول لك إنها في مأمن من كل خطر، وسأخبرك عن مكانها بشرط واحد، هو أن تجيبني على أسئلتي، ~~فماذا تدعى أنت؟ # أجاب: السيئ البخت. # قال: أليس لك اسم غير هذا؟ # أجاب: كلا! # قال: ولكنهم يدعونك أيضا بالفيكونت. # أجاب: ذلك لأن أبي كان مجنونا، وكان يقول في ساعات جنونه إني ابن كونت، وإنه سرقني ~~منه. # قال: من أي بلد أنت؟ # أجاب: من قرية سانت مرتين. # فاصفر وجه البارون وقال: إنها نفس الحكاية التي روتها لي باكيتا. # قال: لعلها كلمتك عني؟ # أجاب: نعم. # قال: فأين هي؟ # أجاب: سأقول لك إذا وثقت بي، وأوصلك إليها في الحال. # قال: في ms026 فرساي ؟ # أجاب: كلا، بل في باريس. # قال: كيف ذلك، ألم تذهب إلى فرساي؟ # أجاب: كلا يا بني، فإنها لم تبرح باريس، واعلم أني أريد لها الخير كما أريده لك أيضا، ~~وقد علمت أنكما متحابان، وأنكما ستتزوجان، وسأجعلكما من السعداء. # وقد نظر البارون عند ذلك في ساعته وقال: لقد فات الأوان، ولكن لا بأس، فسأذهب بك إلى ~~باكيتا، وهي توافق على كل ما قلته لك، فهلم معي، ولكن سر رويدا، فإني لا أحب أن يعلم أحد ~~أنك هنا. # وقد أخذه بيده، وسار به من قاعة إلى قاعة حتى دخل في قاعة المائدة، فأخذ زجاجة من ~~الكونياك، وصب منها في كأسين وقال له: اشرب هذه الكأس. # قال: إني ما تعودت الشرب يا سيدي البارون. # قال: لا بأس في هذه المرة؛ لأني لا أستطيع أن أشرب وحدي. # فخجل فيلكس وشرب كأسه جرعة واحدة، أما البارون فإنه صبر إلى أن شرب فيلكس الكأس، فأدنى ~~كأسه من فمه، ثم رمى بما فيه إلى الأرض مغضبا وهو يقول: تبا لهذا الخادم، فإنه ينسى ~~الزجاجة مفتوحة، فيفسد الهواء الشراب، ثم أخذ زجاجة أخرى ففتحها وشرب منها، وقال لفيلكس ~~بلهجة تكلف فيها الحنو: إنك ستتزوج باكيتا يا بني، وسأجعلك وإياها من أسعد الأزواج. ~~فانقلب حقد فيلكس إلى حب، وجعل ينظر إلى البارون نظرات امتنان، وبعد أن شرب البارون كأسين ~~قال له: هلم بنا الآن، فسنجد مركبة في الطريق. # وقد سار فيلكس في إثره، وكان الظلام دامسا والبرد قارصا، غير أنه كان يشعر بحر شديد، ~~كأنه في أشد شهور الصيف، وبعد هنيهة توقف عن السير، فقال له البارون: ما بالك وقفت؟ قال: ~~إني أشعر بصدري يلتهب. قال: ذلك لأنك لم تتعود شرب الخمور. ثم تأبط ذراعه، وسار به حتى لقي ~~مركبة، فصعد وإياه، وأمر السائق أن يذهب بهما إلى «رصيف سلستين». # وكانت قوى فيلكس البدنية تنحط رويدا، ولكن قواه العقلية لم تتأثر من هذا الانحطاط، فقال ~~للبارون: إذا كانت لم تذهب إلى فرساي، فلماذا قالت إنها ذاهبة إليها؟ # أجاب: ms027 سأوضح لك الأمر يا بني، فأنا الذي أوعزت إليها بذلك؛ لأني خشيت أن يعترضها مدير ~~جوقها، ويمنعها عن الاتفاق معنا، فذهبت بها إلى منزل أمي، حيث أنت ذاهب الآن. # فقال له بلهجة الحاسد: ألا تزال أمك في قيد الحياة؟ # أجاب: نعم، وأنت؟ # قال: إن أمي قد ماتت وأنا طفل. # قال: إذن أنت لا تثق بما يشيعون من أنك ابن كونت. # أجاب: لقد تمر بي أوقات أكاد أن أصدق هذه الإشاعة. # قال: متى؟ # أجاب: حين أرى تلك الخصلة البيضاء في شعري. # فارتعش البارون، وأدار قبعته إلى جهة صدغه كي يخفي تلك الخصلة البيضاء الموجودة في شعره ~~أيضا، ثم رآه يضطرب فقال له: ماذا أصابك؟ # قال: إن صدري يلتهب. # قال: سنصل قريبا إلى المنزل، فتسقيك أمي شرابا مرطبا. # وبعد هنيهة وقفت المركبة بأمر البارون عند باب منزل، فخرج الاثنان منها، وصرف البارون ~~المركبة، ثم صعد مع فيلكس في السلم وهو يعينه على الصعود؛ إذ لم يكن يستطيعه؛ حتى وصلا إلى ~~الباب فقرعه البارون، ففتح لهما رجل، فلما رأى البارون نزع قبعته، وانحنى أمامه بملء ~~الاحترام، فقال له البارون: إني في حاجة إليك. # قال: تفضل يا مولاي بالدخول. # أما فيلكس فقد عاوده الشك فيما سمعه، ولكنه كان منهوك القوى، ودخل به البارون غرفة متسعة ~~كانت فيها حقائب معدة للسفر، فسأل صاحب المنزل قائلا: متى عزمت على السفر؟ # قال: في قطار الصباح. # فقال فيلكس: ولكن أين باكيتا؟ # فأجابه البارون: إنها ستحضر قريبا. # فوضع فيلكس يده على صدره وقال: أغثني بشربة ماء! # فأشار البارون إشارة خفية إلى الرجل، فجاءه بكأس ماء، ولم يلبث أن شربها حتى صاح صيحة ~~منكرة، وسقط على الأرض لا يعي كأنه من الأموات. # فالتفت البارون إلى الرجل وقال له: لنتحدث الآن. # وعند ذلك قال له البارون: أصغ إلي الآن، فإن هذا الغلام يبقى يومين على ما تراه وهو ~~شبه الأموات. ~~- غير أنه سيحيى. # أجاب: نعم، ولكن بعد يومين. ~~- ما كنت أحسب أن كأسا من الماء تفعل به هذا الفعل، فإن الماء ms028 كان صافيا نقيا لم ~~يشبه شيء. ~~- إنك تقول هذا القول لأنك لست كيماويا. # أجاب: كيف ذلك؟ # قال: ذلك أني سقيته منذ ساعة جرعة من الكونياك، وقد أضفت إلى هذا الكونياك عصير حشيشة ~~هندية، اكتشفها الهنود قبل أن يكتشف أهل الطب الحديث عندنا الكلورفورم، فكانوا إذا أرادوا ~~بتر عضو مريض سقوا صاحب هذا العضو من هذا العصير، وقطعوا العضو دون أن يشعر صاحبه بألم، غير ~~أن لهذا العصير خاصة عجيبة، وهو أنه لا يسري في الدم إلا حين يشرب شاربه شيئا من الماء ~~بعده؛ ولذلك سقط كما رأيته حين شرب الماء. # قال: ولكن ماذا تريد أن تصنع بهذا الغلام يا سيدي البارون، وبأي أمر تحتاج إلي؟ # فنزع البارون القبعة عن رأس «السيئ البخت»، وأدنى المصباح من رأسه، وقال للرجل: تعال ~~وانظر! # فذهل الرجل وقال: الخصلة البيضاء ...! إذن إنه هو! # قال: نعم، إنه هو، فإن ذلك الكاهن الذي كتب إلى امرأة عمي كتب إلي أيضا، ولولا ذلك ~~لعبثوا بي كما يعبثون بالأطفال، وإن هذه الفتاة التي جاءت إلي أرادت أن تمثل دورا هاما ~~في هذه الحادثة، فإنها ذهبت إلى امرأة عمي في فرساي، ولكن الغيرة دفعت هذا الغلام إلى ~~المجيء إلي لمخاصمتي، فسكنت جأشه، وانتهيت بأن سقيته المخدر، وجئت به إلى هنا بحجة أنه ~~سيجد باكيتا، أفهمت الآن ما أريد؟ ~~- كلا، لم أفهم بعد. ~~- إني أحب الصراحة، وسأبسط لك اقتراحي، فأنت مدين لي بعشرين ألف فرنك، وإنك مسافر إلى ~~أمريكا لتشتغل فيها، ونعم إني قاضيتك، وحكمت عليك، وبت قادرا على تنفيذ الحكم حين أشاء ~~ولكن تراني لم أستصدر الحكم بغية تنفيذه، فهل تريد أن أعطيك وصولا بالدين؟ # قال: ذلك متعلق بما تريده مني. # فضحك البارون وقال: أظنك تحسب أني أقترح عليك ارتكاب جريمة، فإذا كان ذلك؛ فإنك مخطئ لأني ~~شريف، وفوق ذلك فلا يجمل بالبارون دي نيفل أن يذكر اسمه في محاكم الجنايات، ولكن هذا ~~الغلام سيحرمني إرثا عظيما، فرأيت أن أقصيه عن طريقي. ~~- وأنت تعتمد علي في ذلك؟ # أجاب: دون شك، ms029 فإنك مسافر غدا. # قال: هو ذاك. ~~- وستذهب إلى الهافر، وتركب الباخرة منها في ساعة وصولك، فلا يستفيق الغلام إلا بعد أن ~~تكون الباخرة قد اجتازت ثلاثين عقدة، فلا تعود إلى البر لإرجاع الغلام. ~~- إذن أنت تريد أن أصحبه معي؟ # أجاب: نعم، فإني أرى عندك هذا الصندوق الطويل وهو يفي المراد، فنضع الغلام فيه، وتشحنه في ~~قطار سكة الحديد كصناديق البضاعة. # قال: وبعد ذلك؟ ~~- وبعد ذلك، لا يهمك أمره، فإنه سيصحو من تخديره، ويجد نفسه في الصندوق، فيصيح مستنجدا، ~~ويبادرون لنجدته فيخرجونه. # قال: ولكنه سيعرفني، فإنه رآني. # قال: كلا! فإنه حين رآك كان التخدير قد بدأ به؛ فهو لا يذكرك. ~~- كل ذلك معقول، ويمكنني فعله، ولكني أعترف لك بأني ... ~~- لا تعترف بشيء، أتريد أن أنفذ الحكم فيك، فيقبضون عليك في هذا الصباح؟ # أجاب: كلا! ~~- إذن امتثل لما أقوله لك. ~~- أتعطيني وصلا بما لك علي من الدين؟ # أجاب: نعم. # قال: ولكنك لا تعلم ما يوجد في هذا الصندوق؟ # أجاب: كلا. ~~- إذن فانتظر. وقد فتح الصندوق، فتراجع البارون مذعورا إذ وجد فيه جثة، فضحك الرجل وقال ~~له: اطمئن يا سيدي البارون، فهذا مثال مجوف من الشمع، أريد عرضه في الولايات المتحدة، فإن ~~الأميركيين يعجبون بهذه الأشياء. ~~- كم كلفك هذا؟ # أجاب: عشرين ليرة. ~~- إليك مائة ليرة أجرة اغتسالك. ~~- أنا أغتسل؟ ولماذا؟ ~~- سر وتعلم، فإنك ستنقل هذا المثال الشمعي إلى مكان آخر، وهو سيفيدك حين يعود هذا الغلام ~~إلى هواه. ~~- لا أفهم شيئا مما تقول. ~~- أقول: إن هذا الفتى يمثل، ويلعب ألعابا بهلوانية كما تدل ملابسه، فإذا سئلت عنه بعد ~~استفاقته تقول: إنه أتاك وسألك أن تأخذه معك إلى أمريكا فأبيت، فذهب وعاد إلى منزلك في ~~غيابك، واختبأ في الصندوق المعد للتمثال الشمعي. ~~- كل ذلك معقول وسليم، ولكني لم أفهم بعد كيف تريد أن أغتسل؟ ~~- ذلك أنك ستلبس قبعة هذا الغلام ووشاحه الخارجي، وتذهب إلى جسر النهر، فتسير عليه حتى ~~تستلفت أنظار أحد رجال البوليس، وعند ذلك تخلع الوشاح والقبعة، فتضعهما على جدار - سور - ~~الجسر، ms030 وتلقي بنفسك في النهر، وأنت من الماهرين في السباحة، فتغوص في المياه، وتخرج منها ~~إلى شاطئ بعيد، بحيث توهم البوليس أنك غرقت. ~~- ولكن أية فائدة من كل هذا؟ # أجاب: أريد أن يأخذوا قبعة الغلام ووشاحه إلى إدارة البوليس كي يعرفوا صاحبهما ويثقوا أنه ~~مات غرقا. # قال: ولكنا في أشهر الشتاء والبرد شديد. # أجاب: لا بأس، فسأعد لك كل وسائل التدفئة، وانتظر هنا، فأخذ القبعة والوشاح وانصرف، وبعد ~~ساعة عاد، فقال للبارون: لقد قضي الأمر على ما أردت. # قال: وأنا أعددت الصناديق في أثناء غيابك، ووضعت الفتى في الصندوق الطويل بحيث لم يبق ما ~~يحول دون سفرك. # وبعد ساعتين ركب الرجل القطار المؤدي إلى الهافر ومعه «أبو النحوس» بداخل الصندوق، وعاد ~~البارون إلى منزله. # | الفصل الحادي عشر # كان من خاصة هذا المخدر الذي شربه «أبو النحوس» أنه يخمد كل الحواس ما خلا حاسة السمع؛ ~~أي إن المخدر به يصبح شبه ميت، ولكنه يسمع ويفهم كل ما يقال حوله. # وقد كان كل ما علمه هذا المنكود أنهم يشحنونه إلى الهافر كما يشحنون البضائع، وأنهم ~~يصعدون به إلى سفينة، وأن السفينة مسافرة إلى البلاد الأميركية؛ أي إنه لن يرى بعد الآن ~~كوكليش ولا باكيتا، فكان يبذل كل مجهوداته للتخلص مما وقع فيه، ولكنه لم يستطع أن يأتي ~~بحركة؛ إذ لم يكن يفرق بشيء عن الأموات إلا بما قدمناه. # وقد سمع رئيس المحطة يسأل «بول سالبري»؛ وهو الرجل الذي عهد إليه البارون بشحن الصندوق ~~عما يتضمن هذا الصندوق، فسر سرورا عظيما، ورجا النجاة من ورطته، غير أن بول أجاب رئيس ~~المحطة قائلا: إن الصندوق يحتوي تمثالا من الشمع أريد أن أعرضه في أمريكا، وأنت ترى كيف ~~أني شددته بالحبال، فهل تريد أن أفتحه كي تراه؟ # قال: لا حاجة إلى ذلك. فهلع قلب فيلكس، ثم نقلوا الصندوق الذي كان فيه إلى قارب ليوصله ~~إلى السفينة. # وفي الطريق جعل البحار يحدث بول، فقال له: يظهر أنه حدثت جناية قتل أمس في باريس، وأن ~~القتيلة فتاة في ms031 ريعان الشباب أصيبت بإحدى عشرة طعنة. # فقال له بول: هل قبضوا على القاتل؟ # قال: كلا، ويقال أنه فتى أيضا، وأنه برح باريس في قطار إلى الهافر، ففتشوا اليوم جميع ~~السفن الراسية هنا تفتيشا دقيقا. # قال: هل فتشوا السفينة التي سنسافر فيها؟ # أجاب: دون شك. # وكان فيلكس يسمع هذا الحديث، فقال في نفسه: رباه ألا يمكن أن يخطر لهم فتح هذا الصندوق ~~الذي أنا فيه؟ # وأتم البحار حديثه فقال: إن البحر ساكن اليوم، ولكن لا يجب الركون إليه، فإنني أرى بوادر ~~الزوبعة، وقد أخطأ ربان سفينتكم بعزمه على السفر اليوم، وربما رجع عن هذا العزم، فعاود ~~فيلكس الرجاء. # وقال في نفسه: إنها إذا أخرت سفرها إلى الغد تنتهي مدة تخديري وأستفيق فأستنجد. # ووصل القارب إلى السفينة، ونقل الصندوق إليها، وأمر الربان بالسفر؛ فرفعت المراسي، ونشرت ~~القلوع، وخرجت السفينة من الميناء، وبعد أن اجتازت نحو عشرين ميلا في عرض البحر، تحققت ~~نبوءة بحار القارب، وبدأت العاصفة، وهاجت الأمواج هياجا عظيما حتى خشي على السفينة من ~~الغرق، فأمر الربان بإلقاء الشحن إلى البحر حسب العادة في مثل هذه الأحوال، مبتدئين ~~بالبراميل ثم بالصناديق. # فأخذ البحارة يصعدون بالبراميل من عنبر السفينة، ويلقونها إلى المياه، وفيلكس يسمع ~~أصواتهم، ويعلم أنه لم يبق له شيء من الرجاء فسيأتي دوره قريبا. # وكان الخطر يزيد في كل لحظة والربان يصيح ببحارته، ويأمرهم بالإسراع في إلقاء البضائع وهم ~~يمتثلون إلى أن جاء دور صندوق فيلكس، وشعر أن رجلين حملاه من العنبر، وأنهما صعدا به في ~~السلم إلى ظهر السفينة، وأنهما يدنوان به من حافتها كي يلقياه، فتبتلعه الأمواج. # ولم يكن «بول سابري» من أهل الشر، وهو لم يوافق البارون على ما أراده إلا مضطرا بعد أن ~~تهدده بالقبض عليه كما تقدم. # فلما رأى البحارة عازمين على إلقاء الصندوق في البحر نسي تعهده وموقفه من الحرج، وهاله ~~إلقاء هذا المنكود في البحر وقتله غرقا، فصاح بالبحارة قائلا: احذروا أن تفعلوا، فإن في ~~هذا الصندوق إنسانا حيا! # فذهل البحارة والربان، وأسرع ms032 بول ، فقطع حبال الصندوق بسكين وفتحه، فصحا فيلكس لدخول ~~الهواء في رئتيه ولانتهاء مدة التخدير، وتنهد تنهدا طويلا، ثم خرج من الصندوق، وهو لا ~~يزال بملابس البهلوان. # أما الربان فقد ذهل لهذه الحادثة، فوضع يده على كتفه وقال له: من أنت؟ قال: أنا فتى ~~منحوس، يريدون إرساله بالرغم عنه إلى أمريكا، ونظر الربان عند ذلك إلى بول، وأشار إلى الفتى ~~وقال: لقد عرفت هذا الرجل فهو شقي سفاك، فهم فيلكس أن يهجم عليه، ولكن البحارة ~~حالوا دون قصده، وقال الربان: سوف ننظر في أمرك أيها الفتى، فنحن الآن في شاغل عنك بإنقاذ ~~السفينة، وأخذ الربان يصدر أوامره إلى البحارة، فألقوا أكثر البضائع المشحونة إلى المياه، ~~وما زال يكافح الأمواج إلى أن هدأ ثائر العاصفة عند الفجر، وسكن اضطراب الأمواج، ولما اطمأن ~~باله جاء ببول وفيلكس كي يتم معهما التحقيق. # وكان بول قد رأى أنه بات في موقف حرج، فإن الفتى كان في صندوقه، وكان يعلم أنه فيه، فأخذ ~~يعمل الفكرة حتى اهتدى إلى حيلة تنقذه من موقفه، فسأل الربان قائلا: ألم يفتش البوليس ~~سفينتك قبل سفرها؟ # قال: نعم. # قال: ألم يكن يبحث فيها عن فتى بهلوان متهم بقتل خليلته؟ # أجاب: هو ذاك. # قال: إذن فاعلم أن القاتل هو هذا الفتى الذي وجدته في الصندوق. فضج البحارة لهذه التهمة، ~~وأشفقوا بجملتهم على فيلكس؛ إذ لم يكن وجهه الجميل يدل على شيء من الشر. # أما فيلكس فإنه اشمأز من هذه التهمة الكاذبة، وقال: لقد كذب فيما ادعاه، فما أنا من ~~القاتلين. # فابتسم بول وقال: بل إني لم أقل غير الحق، فقد أردت إنقاذ هذا المنكود من المشنقة، ~~فانظروا كيف يكافئني، وقد ندمت الآن؛ لأني لم أدعكم تطرحونه في البحر، فهذا أقل ما ~~يستحق. # فاعترضه فيلكس قائلا: بل إنك رجل سفاك أثيم. فمنعه الربان عن الكلام، وقال لبول: أوضح ~~لنا الآن كيف اتفق وجود هذا الفتى في صندوق من صناديق أمتعتك؟ # قال: ذلك سهل إيضاحه، فإن الفتى يشتغل بهلوانا، وهو يقيم في الدور ms033 السادس من المنزل الذي ~~أقيم فيه. # قال فيلكس: لقد كذب والله! # فانتهره الربان قائلا: اسكت! ومضى بول في حديثه فقال: بينما كنت صباح أمس في منزلي إذ ~~دخل علي هذا الفتى وهو مخضب بالدم، والخنجر في يده، فقال لي: بربك أنقذني، وقد باح بسره، ~~وقال لي: إن الغيرة دفعته إلى قتل خليلته، وجعل يبكي ويعض يده من اليأس لخوفه من الشنق، ~~فأشفقت عليه، وأنقذته بالحيلة التي رأيتها. # فقال فيلكس: كل ذلك كذب واختلاق يا سيدي. # فقال الربان: سنعلم الحقيقة قريبا، فقد أرسلوا إلي أمس رسالة برقية لعلمهم أني مسافر، ~~وهذه الرسالة تتضمن أوصاف القاتل. # ثم ذهب إلى غرفته، فجاء بذلك النبأ البرقي، وكانت أوصاف القاتل المذكورة فيه تدل على أنه ~~في الثامنة عشرة من العمر، وأنه معتدل القامة، كستني الشعر، أزرق العينين، مهنته بهلوان، ~~فكان من عجائب الاتفاق أن هذه الأوصاف تنطبق على فيلكس، لا سيما وأنه كان لا يزال بملابس ~~البهلوان، فغطى المنحوس وجهه بيديه وقال: رباه! إنهم لم يلقبوني عبثا «بالسيئ ~~البخت». # أما الربان فإنه اعتبر انطباق الأوصاف برهانا جليا على صدق التهمة، فقال له: يعز ~~علي أن تكون قاتلا، فإن عينيك لا تدلان على الإثم، ولكن التهمة ثابتة عليك على ما ~~يظهر. # ثم نادى نائبه وقال له: كبله إلى أن نبلغ أول ميناء في إنكلترا نصلح فيه سفينتنا، ~~وهناك نسلمه إلى إحدى السفن الفرنساوية العائدة إلى فرنسا، فتعيده إلى الهافر، فجاءوا ~~بالأصفاد، وكبلوه وهو يبلل الأرض بدموعه. # | الفصل الثاني عشر # كان يأس فيلكس عظيما في البدء، ولكنه ما لبث أن فكر في الأمر حتى استحال ذلك اليأس إلى ~~رجاء، فقد كان شبه ميت في صندوق، وهو الآن مكبل بالقيود، فلا تذكر هذه القيود بجانب ذلك ~~القيد الرهيب، وكانوا يريدون أن يذهبوا به إلى البلاد الأمريكية، وهم الآن يريدون إرجاعه ~~إلى باريس، نعم إنهم سيرجعونه إليها بتهمة عقابها الإعدام، ولكن ليس أسهل عليه من نفي هذه ~~التهمة عنه متى صار في باريس. # وفوق ذلك فقد عرف الآن كل ms034 أمره بالتفصيل، واستيقن أنه حقيقة ابن الكونتيس، وأن البارون دي ~~نيفيل يريد إبعاده؛ كي يخلو له الجو، ولا يبقى له مزاحم في إرث الكونتيس، فكأنما تقييده ~~وإرجاعه إلى باريس إنما كانا لخيره. # وبعد ذلك بثلاثة أيام نزل إليه الربان وهو سجين في عنبر السفينة، فحل قيوده وهو منذهل أشد ~~الانذهال، وقال له: اتبعني، وقد صعد به إلى غرفته، وقال له: هل تعرف القراءة يا ~~بني؟ # قال: نعم. # قال: خذ هذه الجريدة واقرأ. فأخذها وقرأ ما يأتي: # إن الفتى البهلوان الذي قتل خليلته بعد أن طعنها بخنجره إحدى عشرة طعنة، قد قبض ~~عليه في هذا الصباح في إحدى خمارات الضواحي، واعترف بجريمته. # فأبرقت أسرة فيلكس، وقال له: أرأيت الآن أني بريء؟ # قال: هو ذاك، ولكن ذلك لا يوضح لي كيف أمكن وجودك في سفينتي ضمن صندوق. # فنظر إليه نظرة تدل على التناهي في الصدق والإخلاص، وقال له: إني لم أكذب في حياتي يا ~~سيدي. # قال: هذا ممكن، فإن نظراتك تدل على صدق ما تقول، فما اسمك؟ أجاب: «أبو النحوس» أو ~~«المنحوس» أو «السيئ الحظ»، أو ما يبدو لك أن تطلقه علي من هذه الأسماء. # قال: إنه لقب في غير موضعه، فلو كنت حقيقة كما يلقبونك لوجب أن تكون الآن طعاما للأسماك. ~~فهز رأسه وقال: ولكني لقيت من مناوأة الأقدار ما يدل على أن هذا اللقب قد حل محله. # قال: ارو لي حكايتك يا بني، عساي أستطيع نفعك في شيء، فشرح له قصته منذ مولده إلى تلك ~~الساعة، حتى إذا أتمها قال الربان: إذن يظهر أنك ابن كونتيس، أجاب: لم يبق عندي الآن ريب ~~في ذلك. # قال: ومتى عدت إلى باريس تجتمع بباكيتا فتجمعك بأمك. # أجاب: هذا الذي أرجوه. # إذن سأهتم بك، فاعلم الآن أنه يوجد في ميناء بريتون سفينة فرنساوية تسافر غدا إلى ~~بولونيا، وربانها من أصحابي، فسأعهد إليه أن يوجهك إلى باريس، ويوصي بك بعض أهل النفوذ، ~~فتستطيع بوساطتهم مقاومة البارون دي نيفيل. # قال: إنك شريف كريم يا سيدي، وإني ms035 لا أنسى جميلك ما حييت. # قال: إننا لا نستطيع أن نبيت هذه الليلة في السفينة، وسوف ندخلها في الحوض لإصلاحها، وأنا ~~سوف أبيت عند أحد أصحابي، أما أنت فتبيت في فندق، وعند الصباح نجتمع على رصيف الميناء، ~~فأذهب بك إلى السفينة المسافرة إلى بولونيا. ثم أعطاه دينارين وخرج الاثنان إلى البر، فذهب ~~الربان في شأنه وذهب فيلكس إلى أول حانة لقيها وهو يكاد يقتله الجوع، وكانت هذه الحانة غاصة ~~بالبحارة، فطلب طعاما وشرابا، وجعل يأكل غير مكترث لأحد، وهو لو انتبه لرأى رجلين ~~جالسين على مائدة بجواره وقد جعلا يتحدثان همسا حين رأياه، ولكنه كان في شاغل من أكله عن ~~كل ما عداه. # وكان فيلكس متعودا على شرب الخمر البيضاء كسائر أبناء اللوار، فلما شرب من شراب الإنكليز ~~حدثت له نشوة دعته إلى الاستزادة من هذا الشراب، وكان الرجلان اللذان بجواره ينظران إليه، ~~ويتحدثان بصوت منخفض، وكلاهما بملابس البحارة، فكان أحدهما يقول لرفيقه: إني أرى هذا الفتى ~~خيرا من ثلاثة من بحارتنا، وهو بحار دون شك، ولولا ذلك لما دخل إلى هذه الخمارة الخاصة ~~بالبحارة. ~~- هو ذاك، ولكن كيف السبيل إليه؟ ~~- بالويسكي، وسوف ترى. # ثم التفت إلى فيلكس وقال له: أتأذن لنا أيها الرفيق أن نشرب معك كأسا من الويسكي؟ # فرحب فيلكس به، وهو يكاد ينعقد لسانه من السكر، وشرب الثلاثة كئوسهم، ثم بدأ يحادثه ~~فقال له: متى أتيتم إلى برايتن؟ ~~- لقد وصلنا في هذا المساء. ~~- ماذا تدعي سفينتكم؟ ~~- مرغريتا الحسناء. ~~- إذن هي تلك السفينة التي كانت تحطمها العاصفة، وصب له كأسا، وقال له: هل تحب ربان ~~هذه السفينة؟ ~~- دون شك، فإنه من أطيب الناس قلبا. ~~- وستبيت الليلة في البر، فإن سفينتكم دخلت الحوض؟ ~~- هو ذاك. ~~- في أي فندق ستنام؟ ~~- لا أعرف بعد. ~~- إذن تنام في فندقنا، فهو من خير الفنادق، وأسرعها جريا، وكان الشراب قد نال من فيلكس ~~وأوشك أن يصرعه، ومع ذلك فقد دهش من قول البحار، وقال له: كيف ذلك؟ أيوجد فنادق تتحرك ~~وتسير؟ # قال: بل إن ms036 فندقنا يسير، ويطوف حول الأرض. # فضحك رفيقه وقال له: إن صاحبنا يداعبك، فإن الفندق الذي يعنيه إنما هو سفينتنا، ثم صب ~~له كأسا أخرى، فشربها فيلكس وقال له: إذن ستنامان في البر؟ ~~- كلا، بل في السفينة. ~~- ولكني لا أستطيع المبيت معكم فيها. ~~- لماذا؟ أجاب: لأني اتفقت مع الربان على أن نلتقي صباحا على الرصيف، قال: ذلك لا يمنعك ~~أن تبيت عندنا، فإننا سنقيم في هذه الميناء شهرا أيضا لنتم شحنتنا، وأنا أفطر كل صباح في ~~قهوة الرصيف فتأتي معي. # فتمتم فيلكس كلمات لا تفهم؛ لأن السكر كان قد عقد لسانه، وخيل له أن الخمارة ومن فيها ~~تدور به وحوله، وعند ذلك دفع الرجلان ثمن الشراب وخرجا بفيلكس من هذه الخمارة، وهما يتأبطان ~~ذراعه، وهو لا يعلم إلى أين يسير. # وفي الصباح صحا من رقاده، وهو يشعر باهتزاز عنيف، ففرك عينيه، ونظر إلى ما حواليه، فوجد ~~أنه كان نائما على حصير في غرفة كان بابها مفتوحا، فخرج من الغرفة فوجد نفسه على ظهر ~~سفينة، وأن هذه السفينة قد توغلت في عرض البحر، وأن المياه تكتنفها من كل جانب، فلا أثر ~~للبر. # | الفصل الثالث عشر # ودق المنكود يدا بيد وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله! أين أنا؟ وإلى أين المصير؟ ثم ~~شعر بيد وضعت على كتفه فالتفت، فرأى صاحبه بالأمس يقول له: إنك لم تتوقع شيئا من ~~ذلك؟ # فقال له بلهجة القانطين: أين نحن الآن؟ # قال: إننا نخرج من المانش، وبعد أسبوعين نصل إلى السنغال. فغطى وجهه بيديه وقال: رباه! ~~إني بشر، وهذا فوق طاقة البشر! وكان في السفينة رجل طيب السريرة حسن الأخلاق يدعى شارنسون؛ ~~فحن عليه وجعل يعزيه عن مصيبته، وقد علم منه أن الربان محتاج إلى بحارة، فاختطفه على ~~الشكل المتقدم، وأن السفينة مسافرة إلى الشواطئ الإفريقية لشراء العبيد، وهي توهم أنها ~~ذاهبة إلى أمريكا لشحن القطن، فلم يجد المنحوس بدا من الإذعان للقضاء، وبات بحارا ~~بالرغم عنه، فكان يذكر باكيتا ويبكي بكاء موجعا، ولم يكن من عزاء ms037 له في هذه النكبة غير ~~صديقه شارنسون. # وقد وصلت السفينة إلى الشواطئ الإفريقية بعد سفر شهرين، فاشترى ربانها مائة وثلاثين عبدا ~~من سيد تلك البلاد بعقود من الخرز وزجاجات الروم والأنسجة المختلفة الألوان وغير ~~ذلك. # وكانت العادة في تلك البلاد أن قبائلها يتحاربون، ويأسر بعضهم بعضا، فمن فاز بأسر عدوه ~~أعده للبيع، فمتى جاء البيض باعه منهم بيع السلع، وإذا تأخر قدومهم ولم يجد وسيلة لبيعه؛ ~~أكله. # وكانت إنكلترا تثير حربا عوانا في ذلك العهد على تجار الرقيق، وقد لبثت سفنها تجوب ~~البحار باحثة عن أولئك التجار، فإذا ظفرت بهم حكمت عليهم بالإعدام شنقا، وأعدمتهم في ~~الحال. # فبينما كان ربان تلك السفينة عائدا بتجارته ظهرت له في عرض البحر سفينة إنكليزية، فهلع ~~قلبه من الخوف، وحول مجرى سفينته فرارا منها إلى أن توارى عنها في ظلام الليل. # وكانت الصداقة قد استحكمت حلقاتها بين فيلكس وشارنسون، وعلم فيلكس منه أن السفينة ~~الإنكليزية لا بد أن تدركهم، وليس بعد ذلك غير الموت، فاتفقا على أن يهربا، وصبرا إلى أن ~~انتصف الليل، فأنزل شارنسون قاربا صغيرا إلى البحر بعد أن وضع فيه شيئا من الزاد، ونزل ~~إليه مع فيلكس دون أن يراهما أحد، فدفعا القارب إلى جهة الشاطئ، بينما كانت السفينة تسير ~~آمنة في عرض البحر. # وبعد ساعة سمعا لعلعة المدافع، ورأيا أنوار السفينة الإنكليزية، ثم رأيا أنها أسرت ~~السفينة التي كانا فيها، فحمدا الله على السلامة. # وقد أقاما في ذلك القارب الصغير يومين، تتقاذفهما الأمواج دون أن يتمكنا من الوصول إلى ~~البر، وفرغ منهما الزاد، فأيقنا من الموت جوعا، إذا لم تنقذهما يد العناية، وفيما هما على ~~ذلك، وقد تمكن منهما اليأس، رأيا سفينة شراعية تسير بعيدة عنهما، فوقفا في القارب، وجعلا ~~يشيران إليها إلى أن رأت تلك الإشارات وأقبلت إليهما، فأصعدهما الربان إلى السفينة، وسألهما ~~عن شأنهما، فأخبراه بكل ما اتفق لهما، والتمسا منه أن يعود بهما إلى أوروبا. # وكانت هذه السفينة نرويجية، قادمة إلى رأس الرجاء الصالح، وستقيم في مينائه ms038 شهرين ، ثم تمر ~~ببعض المواني، فلا تبلغ أوروبا إلا بعد أربعة أشهر، ولما لم يكن لديهما شيء من المال ~~يدفعانه أجرة السفر وثمن الطعام، فقد اتفقا مع الربان على أن يشتغلا في السفينة مع البحارة ~~حتى تصل إلى الوطن. # ولبث فيلكس أربعة أشهر، يشتغل هذه الأشغال الشاقة إلى أن قدر له الوصول سالما إلى ~~مرسيليا، فسار منها لفوره إلى باريس. ~~••• # فلما وصل فيلكس بحكايته إلى هنا سألته باكيتا قائلة: منذ كم أنت في باريس؟ # قال: منذ عامين. # قالت: ماذا كنت تشتغل في خلالهما؟ # أجاب: في مهنة الحفر. # ولماذا لم تعد إلى الاشتغال بمهنتك؟ # أجاب: لأني لم أجد جوقنا القديم، وقد بحثت عن كوكليش، فلم أقف له على أثر. # وأنا كيف وجدتني؟ # أجاب: بالصدفة والاتفاق، فقد دعاني أحد أصدقائي إلى حضور رواية في المرسح الذي تمثلين فيه ~~فرأيتك، وعرفت منزلك وأتيت. فابتسمت باكيتا وقالت: لقد اجتمعنا والحمد لله فلا نفترق بعد ~~الآن. فهز رأسه وقال: هيهات! فقد أصبحت الآن غنية شهيرة، وأنا خامل معدم، فالتباين ~~بيننا عظيم. # بل إن هذا التباين خير مقرب بيننا، فقد بلغت ما لم تبلغه سواي من الممثلات، وبات راتبي ~~أربعة آلاف فرنك في الشهر، وازدحم على بابي الأغنياء والأمراء، ومع ذلك فإني لا أزال جديرة ~~بخطيبي فيلكس. # فركع أمامها، وجعل يلثم يدها، فقالت له: ولكن لم يحن أوان زواجنا بعد، فإني أريد أن تصير ~~قبل ذلك من مشاهير الحفارين، ثم تجد أسرتك، وتنزع عنك لقب «السيئ البخت». # وقد قاما إلى المائدة، وكانت باكيتا تنظر إليه بملء الحب والحنو، وتسمع نبرات صوته كأنها ~~تسمع أرق الألحان. # وفيما هما على ذلك؛ دخل إليهما شارنسون، وقال: إني أبحث عنك منذ الصباح، ولا أجدك؛ حتى ~~إني حقدت عليك، فإني لم أأكل منذ أمس، وقد كاد يقتلني الجوع. فعرفها فيلكس بصديقه فدعته ~~إلى الطعام، وجلسوا يتحدثون بما مر بهم من الحوادث الجسام، ويرجون أن يكون قد انقضى عهد ~~النحس، وأن يعقبه عهد السعد. # | الفصل الرابع عشر # كان في باريس محام مشهور ms039 يدعى المسيو نيفلين، نال شهرة واسعة في علم الحقوق على حداثة ~~سنه، ولم يكن يتجاوز الثلاثين من العمر. # وكان فيلكس أو «السيئ البخت» قد اتصلت به شهرة هذا المحامي، فذهب إليه وأخبره بسر مولده ~~وبكل ما عرفه من تاريخ حياته، فدهش المحامي لما سمعه، وقال له: إن حكايتك عجيبة، ولكن مثل ~~هذه الأمور لا بد فيها من البراهين الدامغة، ومع ذلك فلنبحث في أمرك، فقد ولدت في سانت ~~مرتين، أليس كذلك؟ # قال: نعم. # قال: وقد ذكر في شهادة ولادتك أنك ابن رجل بستاني. # قال: ليس هذه الشهادة شهادة ولادتي أنا، بل إنها شهادة ولادة ابن البستاني الذي مات ليلة ~~تنصيري. # قال: هو ذاك، ولكنك ربيت في بيت ذلك البستاني فبت منتسبا إليه، ثم إن مسجل الوفيات ~~في تلك القرية يثبت أن ابن الكونت دي نيفيل مات ودفن في يوم كذا وعام كذا. # قال: إن ابن البستاني هو الذي دفن وليس ابن الكونت. ~~- إني واثق بما تقول ولكن أين البرهان؟ إن برهانك الوحيد هو هذه الخصلة البيضاء في شعرك، ~~وهو برهان قد يقنع العلماء والأطباء ولكنه لا يقنع المحاكم، وفوق ذلك فإن خصمك هو عمك ~~البارون دي نيفيل، وهو خصم غني عنيد قوي، فكيف تثبت أنه نومك بمخدر، وأنه شحنك في صندوق ~~كما يشحنون البضائع؟ إن كل ما قلته أكيد، وقد تبينت صدقك من لهجتك ومن عينيك، ولكن رجال ~~القضاء لا يثقون بهذه الأقوال. # قال: ولكني واثق أن أمي إذا رأتني ... # لقد أخبرتك بما كان من مصير أمك، فقد ذهب عقلها، وهي الآن في مستشفى المجانين. # قال: قد يمكن شفاؤها. # أجاب: هذا ما يدعيه الأطباء، لكن لنفرض أن هذا الجنون الذي أصابها حين علمت أنك في قيد ~~الحياة، قد يذهب حين تراك، وترى ذلك الشبه العظيم بينك وبين أبيك، أتحسب أنهم يصدقون ~~أقوالها؟ كلا، بل يقولون إنها ازدادت جنونا، فإن كل حكايتك تشبه الحكايات الموضوعة، ولا ~~تحتمل التصديق. # ثم إنها معقدة؛ إذ يجب في البدء أن يكون هذا البستاني في قيد ms040 الحياة ، وأن يعترف بالحقيقة ~~أمام المحاكم، وألا يكون اشتهر عنه أنه أصيب بالجنون، فأنت ترى أن إثبات حقيقة مولدك ضرب ~~من المحال، وأنك سيئ البخت كما لقبوك. # قال: ولكن إذا وجدت بول سالبري الذي شحنت في صندوقه، وهو شريك البارون في ~~إثمه؟! # قال: إنك قد تجده، ولكنه ينكر ما حدث. # قال: ولكن ربان السفينة لا ينكر. # قال: دون شك! غير أنه لا يستطيع أن يثبت أن البارون قد وضعك في الصندوق، حتى ولو استطاع ~~هذا الإثبات فإنه لا يثبت غير أمر واحد. # قال: ما هو؟ ~~- هو أنك كنت تحب باكيتا، وقد أراد بذلك إقصاءك عنها لأنها تحبك، وهكذا ترى أن ذلك لا ~~يقوم دليلا على أنك ابن الكونت دي نيفيل على الإطلاق. # فتأوه السيئ البخت، ثم ودع المحامي، وخرج من غرفته إلى الردهة الخارجية، وفيما هو سائر ~~إلى الباب أدركه أحد أعوان المحامي وقال له: إنك إذا أصغيت إلي أفدتك أكثر مما يفيدك ~~المحامي. # قال: ماذا تريد أن تقول لي؟ قال: إني خارج معك، وسنتحدث في الطريق، فلا يسمعنا ~~أحد. # وقد ذهب الاثنان إلى حانة قليلة الرواد، فجلس كل منهما بإزاء صاحبه، وبدأ الرجل الحديث ~~فقال: إني أدعى كاستبليون، ويلقبني إخواني بالطيب الكتوم، فليس بينهم من يكتمني سرا من ~~أسراره، وإنما أقول لك ذلك لأبرهن لك أن الفائز بين الناس هو الذي لا يعرض نفسه لحسدهم، ~~انظر إلى هذا المخزن العظيم في الجهة المقابلة من الشارع، فهو من أشهر المخازن وأكثرها ~~عملا، ومع ذلك فهو على وشك الإفلاس، يحاول صاحبه الاتفاق مع دائنيه. # وانظر إلى هذا الحانوت الصغير في جانبه، فإن الناس يزدرون به، ولكن صاحبه قد أفلح، حتى ~~إنه اشترى البناء نفسه من عهد قريب، وهذه هي حالة الناس يا بني، فإن من يسير دون أن ينتبه ~~إليه أحد بلغ آخر الطريق الذي يسير فيه، خلافا لمن تتجه إليه الأنظار، فإنه يقف كثيرا في ~~الطريق. # أما أنا فإني أشبه صاحب هذا الحانوت الصغير، وقد وقفت عند الباب حين دخلت ms041 على المحامي، ~~وسمعت حكايتك بجملتها كما سمعها المحامي، حتى بت أعرفها كما تعرفها أنت. # قال: إذا كان ذلك، فكيف رأيت؟ أجاب: رأيت أنك صادق في كل ما رويته. # قال: وكذلك رأى المحامي، ولكنك ستكون على رأيه أيضا في قضيتي. # قال: كلا! فإني قد أخالفه؛ لأني لا أفهم معنى القنوط، وما أنا إلا مثل تلك الضفدع التي ~~تسلقت الجبل، فقد كانت بطيئة السير ولكنها وصلت، وهكذا قضيتك، فإن أمرها قد يطول، ولكنك ~~تفوز بها إذا وثقت بي واعتمدت علي، فهل تريد أن تعهد بها إلي؟ ~~- دون شك، ولكن انظر إلى ملابسي تعلم أني من الفقراء. ~~- إننا لا نحتاج في البدء إلى المال، فقل لي: أين تقيم؟ ~~- في شارع مونمارتر، رقم 31. ~~- حسنا، فعد الآن إلى منزلك واطمئن. ~~- متى أراك؟ ~~- عندما يحدث ما يضطرني إلى مقابلتك. # وعند ذلك افترقا، فعاد الرجل إلى مكتب المحامي، وذهب فيلكس إلى غرفته؛ حيث التقى فيها ~~بصديقه شارنسون، فصافحه وعلائم البشر بادية في وجهه، وقال له: لقد عدت إليك بقلب ملؤه ~~الرجاء. ~~- قال: هل أتيت بشيء من المال على الأقل؟ أجاب: كلا! ~~- ولكن ألا تعلم أنه ليس لدينا دراهم؟ ~~- هذا أكيد. ~~- كيف تريد أن نتغدى؟ # فأطرق فيلكس برأسه ولم يجب. وعند ذلك سمع شارنسون صوت رجل ينادي في الطريق، وهو من أولئك ~~الذين يشترون الملابس القديمة، فنظر الاثنان نظرة حزن إلى ملابسهما المعلقة، وقد جال في ~~فكريهما خاطر واحد. # وقد بحث شارنسون في هذه الملابس، واختار رداء يلبس فوق الثياب (معطف)، فقال لفيلكس: ~~إننا الآن في غنى عن هذا الرداء، فنحن في شهر أبريل، فتنهد فيلكس وقال له: افعل ما تشاء، ~~وأطل شارنسون من النافذة ونادى الرجل، ثم قال لصاحبه: إنه سيصعد مائة وثلاثين درجة قبل ~~وصوله إلينا، فلنتباحث في شأن هذا الرداء، فكم تطلب ثمنا له؟ # أجاب: لا أعلم؟ # قال: أأطلب عشرين فرنكا؟ # أجاب: لا شك أنك مجنون. # قال: إنه إذا نقدنا هذه القيمة عشنا بها أربعة أيام إلى أن يتم اتفاقي مع بائع الخمور، ~~فقد وعدني ms042 أن يستخدمني بماية فرنك في الشهر. # فابتسم فيلكس ابتسامة حزن وقال: لا يضحكني غير قولهم: إني سأغدو غنيا، فمتى تأتي هذه ~~الثروة وأنا أبيع ثيابي كي أحتفظ بروحي في بدني. ~~- إنك تستطيع أن تكون من الأغنياء حين تريد. # أجاب: وأنا أعلم ماذا تعني، ولكني لا أريد أن ترد إلي الثروة من هذا الطريق. # قال: ما هذا الحمق؟! ألا تعلم أن باكيتا تهواك، وأنها تريد أن تكون امرأتك. # أجاب: نعم أعلم، ولا بد لنا من الزواج. ~~- إذا كان الأمر كذلك فلماذا لا تتزوج بها الآن؟ # أجاب: لأنها تكسب أربعين ألف فرنك في الشهر، ولأني لا أكسب شيئا، ولا أريد أن آخذ درهما ~~منها، ألا ترى كيف أني أبذل الجهد العنيف لإخفاء فقري عنها؟ # فهز شارنسون كتفيه، وطرق المتجول الباب عند ذلك ففتح له، وبعد المساومة الطويلة باعه ~~الرداء بثمانية فرنكات، فقبضها شارنسون وذهب بها لإحضار الطعام. # أما المتجول فإنه أخذ الرداء فوضعه في كيسه وانصرف، فلما وصل إلى الشارع رأى مركبة واقفة ~~وفيها امرأة حسناء أطلت من المركبة، وأشارت إليه أن يدنو منها، فعجب لأمرها واقترب منها، ~~فقالت له: ألم تصعد إلى هذه الغرفة العليا في هذا المنزل؟ # قال: نعم يا سيدتي. # قالت: عند من؟ # أجاب: عند اثنين من الفتيان. # قالت: ألم تجد في تلك الغرفة آلات تدل على أن صاحبها يشتغل بالنقش أو الحفر؟ # قال: نعم! # قالت: هل اشتريت منهما ملابس؟ # أجاب: نعم يا سيدتي. ~~- إذن قل لي: أتريد أن تكسب مائة فرنك؟ ~~- ومن يأبى الكسب أيتها الحسناء؟! ~~- أليس لك حانوت؟ ~~- نعم، وهو في شارع لامرتين. # قالت: اصعد بجانبي، وهلم إلى دكانك. # وقد أعطته من فورها ورقة مالية بمائة فرنك؛ كي يثق أنها غير هازلة، وسارت وإياه إلى ذلك ~~الشارع، وسألته في الطريق قائلة: أحق أن هذين الغلامين فقيران؟ # قال: ماذا يكون حال من يبيع ثيابه ليأكل؟ # وكانت هذه الفتاة باكيتا، فمسحت دمعة سالت على خدها وقالت: مسكين يا فيلكس! وعندما وصلت ~~إلى الحانوت أمرت المتكسب أن يفتق بطانة الرداء ms043 الذي اشتراه، وقالت له: خذ هذه الورقات ~~المالية وقدرها أربعمائة فرنك، وقل لهما إنك وجدتها في بطانة الثوب الذي اشتريته منهما، ~~وإني أرى أنك شريف، وأنك ستوصل المال إليهما لا محالة، وفوق ذلك فإني لا أعدم وسيلة أتثبت ~~بها من الحقيقة. # قال: اطمئني يا سيدتي، فإني شريف على فقري، وسيكون ما تريدين. # | الفصل الخامس عشر # أما شارنسون فإنه عاد بالطعام، وجلس يأكل وهو لا يلوي على شيء، حتى إذا فرغ من أكله قال ~~لفيلكس: لم أرك حزينا قانطا إلا في باريس، ومع ذلك فقد اجتمعت بباكيتا. # قال: نعم، وا أسفاه! ولكنها باتت أكثر بعدا عني من قبل. # قال: لماذا؟ # أجاب: ألم أقل لك إن التباين عظيم بيننا؟ # قال: ولكننا في بلادنا لا نبالي بهذه الفروق، ومتى سرى الحب إلى قلبي رجل وامرأة تزوجا ~~دون انتظار، فإذا كان الرجل غنيا، أو كانت المرأة غنية كانت الثروة للاثنين؛ إذ كلاهما ~~يصبحان واحدا بعد الزواج. # قال: أما أنا فلست على هذا المذهب، ولا أحب أن أبحث في هذا الموضوع، وقد قام يشتغل في ~~الحفر. واضطجع شارنسون فتاه في فيافي التفكير، وفيما هو على ذلك طرق الباب ففتحه فيلكس ~~وظهرت على وجهه علائم السرور، فقد كان الطارق كوستيلون تلميذ المحامي الذي وعده بالنظر في ~~قضيته، وقد بادره بقوله: إني ما أسرعت بالقدوم إليك إلا لأني أتيتك بأنباء طيبة. # فارتعش فيلكس، ورآه ينظر إلى شارنسون نظرة ارتياب، فقال له: لك أن تقول ما تشاء أمامه ~~فإننا واحد. # قال: إني بدأت الاشتغال في قضيتك منذ الصباح، فاكتشفت أمورا كثيرة. # قال: أحق ما تقول؟ # أجاب: نعم، فأصغ إلي، ألم يقل لك المحامي إنه لا يوجد غير رجل واحد يستطيع أن يثبت أنك ~~ابن الكونت، وأن هذا الرجل يحتمل أن يكون قد مات؟ # قال: الأمر ما تقول. # قال: إن هذا الرجل مات حقيقة، ولكنه اعترف بجريمته قبل الموت. # قال: لمن؟ ~~- لكاهن قرية سانت مرتين، وقد علمت أن هذا الكاهن لا يزال حيا. # قال: أيجب أن أكتب إليه؟ # أجاب: ms044 كلا ! فاصبر الآن إلى أن نعلم ماذا جرى للبارون دي نيفيل. # أجاب: إنه يقيم في باريس على ما أعلم. # قال: بل إنه مقيم الآن في أرض له في نيفرلي قرب سانت مرتين، ولا يأتي إلى باريس إلا في ~~القليل النادر، وعندي أنه يجب أن نذهب إلى تلك الناحية فنقيم فيها بضعة أيام، فإن ذلك ~~يفيدنا. # قال: نعم، غير أن السفر يحتاج إلى مال. # قال: هذا لا ريب فيه، غير أني أملك مائتي فرنك، ولا أدري إذا كان هذا المبلغ يكفي. # فقال له شارنسون: أتحسب أن هذا السفر لا بد منه؟ وأية فائدة ترجوها؟ # قال: إذا كان صاحبك ابن الكونت دي نيفيل كما تدل القرائن، فلا بد أن يوجد في القرية من ~~ينتبه إلى الشبه بينه وبين أبيه، وقد اتصل إلي أن الشبه تام، وأن البارون دي نيفيل قد نقل ~~جميع رسوم أعضاء العائلة التي كانت في قصر الكونتيس إلى قصره، فسفرنا لا بد منه، وثلاثمائة ~~فرنك تكفي. # فقال له شارنسون: إن هذا المبلغ موجود عندي. # فدهش فيلكس وقال: عندك أنت؟! ~~- نعم، فلا تهتم لذلك. ~~- أريد أن أعلم كيف أتاك هذا المال؟ ~~- سوف تعلم. # وكان شارنسون واثقا من الحصول عليه؛ لأنه كان ينوي أن يقترضه من باكيتا دون أن يخبر ~~صاحبه. وعند ذلك طرق الباب ودخل المتجول الذي اشترى المعطف، فالتفت إلى فيلكس وقال له: ~~لقد وجدت يا سيدي في بطانة الثوب الذي اشتريته منك هذه الأوراق المالية، فخذها فهي مالك. ~~فصاح فيلكس صيحة دهش، ومسح شارنسون عينيه كأنه يحسب نفسه في حلم. # وقد أخرج الرجل الأوراق من جيبه ودفعها إلى فيلكس، فنظر إليه فيلكس نظرة المنذهل، وقال ~~له: إني لا أفهم ما تقول! # وسأله كاستيليون في ذلك، فأجابه المتجول قائلا: إن الأمر بسيط يا سيدي، فقد اشتريت في ~~هذا الصباح رداء قديما منهما، وذهبت به إلى الحانوت وفتقت بطانته كي أنظفه وأصبغه ~~وأصيره جديدا، فوجدت بين البطانة والظهارة أربع ورقات مالية، فقضت علي الذمة برد ~~المال إلى صاحبه. # فقال فيلكس: ms045 ولكني ما خبأت في حياتي مالا على هذا الشكل، فهذا المال ليس لي. # فقال المتجول: ولا لي أنا أيضا، ثم ترك الأوراق على منضدة وانصرف، فحاول فيلكس أن يدركه، ~~ولكن كاستيليون منعه، فقال له: ماذا تريد أن تصنع؟ # قال: أريد أن أرد إليه المال فما هو بمالي. # قال: وليس هو ماله كذلك. # قال: إذن هو للذي اشتريت منه المعطف، ولكن كيف السبيل إليه؛ فقد اشتريته في رأس الرجاء ~~الصالح من حانوت لا أذكر اسم صاحبه، ولا أعرف عنوانه. # ولكن الأوراق المالية الفرنساوية يندر وجودها في رأس الرجاء الصالح. # هذا أكيد، ولكن الذي أعلمه أن هذه الأوراق ليست لي، وخير ما أصنعه هو أن أضعها في غلاف ~~وأرسلها إلى ملجأ خيري. # فقال شارنسون: ما هذه البلاهة التي لا تخطر في بال عاقل؟! أتهبط علينا النعمة من السماء ~~ونحن نكاد نموت جوعا ثم نجود بها على البؤساء؟! أيوجد في الأرض أشد بؤسا منا؟! # قال: نعم! فهي للفقراء، ولا أأخذ مالا لا حق لي فيه. # فتداخل كاستيليون في الأمر، وقال: خير ما تصنعه يا بني أن تعتبر هذا المال عارية، وأنك ~~اقترضته من الفقراء، وسترده إليهم مضاعفا متى حسنت حالك واسترجعت ثروتك. # فأسرع شارنسون واستولى على الأوراق، فقال له فيلكس: ماذا تصنع؟ قال: اقترضها بالنيابة ~~عنك. # وقال كاستيليون: حسنا فعلت! فإنها مهدت لنا أسباب السفر، أنسافر في هذا المساء؟ # فقال شارنسون: إني مسافر معكما، ثم نظر إلى فيلكس، فرآه لا يزال مترددا فقال له: ألا ~~تريد أن تخطو خطوة في سبيل التقرب من باكيتا؟ وقد فعلت هذه الكلمة به فعل السحر، فبطل ~~تردده، واتفقوا على تعيين موعد السفر. # أما شارنسون فإنه ذهب توا إلى باكيتا وقال لها: إني قادم لأشكرك يا سيدتي لهبتك. فحاولت ~~الإنكار، ولكنه أفحمها بقوله: إني رأيتك في المركبة إذ كنت واقفا في النافذة، ورأيت ~~المتجول صاعدا إلى مركبتك، فلم يبق لدي شك حين عودته بأنك أنت صاحبة هذه اليد ~~البيضاء. # قالت: لعله أدرك سر الحيلة؟ # قال: كلا! فلو أدركها ms046 لما قبل المال بوجه من الوجوه. # ثم أخبرها بكل ما اتفقا عليه مع كاستيليون. وبعد ساعة عاد إلى فيلكس فوجد كاستيليون هناك. ~~وسافر الثلاثة في قطار المساء إلى أوكسر. # | الفصل السادس عشر # كان الفصل فصل ربيع، وكان رجل يسير ماشيا، وقد اغبرت ملابسه دلالة على سفره ~~الطويل. # وكانت الأرض قد فرشتها الطبيعة ببساطها الأخضر، واستترت عناقيد العنب بين أوراق الكروم، ~~وخيمت عليها أشجار الغابات، غير أن المسافر لم يكن يحفل بهذه المناظر البهيجة، وكان يسير ~~توا إلى طاحونة لا تزال تبعد عنه نحو مائة متر، حتى إذا وصل إليها استقبله كلب بالنباح، ~~وخرج صاحب الطاحونة ليرد كلبه عن المسافر، فحياه المسافر وسأله قائلا: ألا يزال قصر دي ~~بربتاندير بعيدا أيها الرفيق؟ # قال: أتعني به قصر البارون دي نيفيل؟ قال: هو بعينه. # أجاب: إنه يبعد من هنا نصف مرحلة فقط، فهل تريد مقابلة البارون نفسه؟ # قال: نعم. ~~- أظن أنك لا تجده في هذه الساعة. ~~- لماذا؟ لعله سافر إلى باريس! ~~- كلا، ولكنه خرج للصيد في هذا الصباح. ~~- ولكنه سيعود في المساء؟! ~~- هذا لا ريب فيه، ورجائي إليك أن تقبل ضيافتي، فنحن الآن في وقت الغداء، وإذا تفضلت ~~بمناولة الطعام معي كنت ضيف البارون لا ضيفي، فإن هذه الطاحونة له. فلم يتردد الرجل في ~~القبول، وعادا إلى المباحثة وهما على المائدة، فسأله صاحب الطاحونة قائلا: من أين أنت ~~قادم؟ # أجاب: من أوكسر. ~~- أأتيت ماشيا والمسافة تزيد على تسع مراحل؟! ~~- لم أجد جوادا، ولو خيرت لاخترت. ~~- قل لي: لعلك تعرف البارون؟ ~~- نعم، فقد كنت فيما مضى من أصدقائه. ~~- يظهر أنك لم تره من عهد بعيد؟ ~~- منذ سبعة أعوام. ~~- أأنت قادم من باريس؟ ~~- بل من مكان أبعد جدا، فإني قادم من أمريكا. ~~- ما هذا السفر الشاسع؟! فإن المسافة فيه تعد بالأشهر. ~~- هذا إذا سلمت السفن. ~~- أغرقت السفينة التي كنت فيها؟ ~~- وغرقت معها أموالي بجملتها، وا أسفاه! ~~- إذن أنت آت إلى البارون لتلتمس مساعدته؟ ~~- الأمر ما تقول، فقد خدمته خدمة جليلة فيما مضى، وأرجو أن يذكر ms047 لي هذا ~~الجميل. # فابتسم القروي وقال: إن الصنيع لا يحفظه عادة غير أمثالنا الفقراء، وفوق ذلك فإنه ليس من ~~أهل الكرم. # قال: إنه لم يكن كذلك من قبل. # ولبثا يتباحثان مباحثات مختلفة إلى أن سمعا نباح كلاب الصيد، فقال القروي: لقد عاد ~~البارون، فهلم أدلك على طريق القصر. # وخرج الاثنان فسارا بين الحقول الخضراء، وكان الغريب يتنهد ويقول: ما أسعد من يكون له مثل ~~هذه المزارع! والقروي يشرح له عن الزرع إلى أن ظهر لهما قصر فخيم يشبه الحصون المنيعة، وله ~~أربعة أبراج شاهقة. فقال له القروي: هذا قصر البارون، وهو لا يذكر في جانب أملاكه ~~العظيمة، وهذا هو نهر يون الفاصل بين أملاكه وقرية سانت مرتين التي تبعد ثلاث مراحل من ~~هنا. # قال: ما هذه القرية؟ # أجاب: هي التي كان فيها القصر المحروق، وهي بأراضيها من أملاك أسرة دي نيفيل. ~~- أهي للبارون أيضا؟! ~~- كلا، بل هي لأرملة أخيه، وستؤول إليه بعد موتها. ~~- ألا تزال في قيد الحياة؟ ~~- نعم، ولكنها مجنونة، ولكن أهالي القرية باتوا مجمعين على أن حكايتها أكيدة ... ~~- حكاية الكونتيس؟ # أجاب: نعم. # قال: وما حكايتها؟ ~~- إنها تهذي وتقول: إن البستاني الذي كان عندها سرق طفلها، ووضع بدلا منه طفله الميت، ~~فحسبت أن ولدها ميت وهو في الحقيقة من الأحياء، على أنك إذا كنت محتاجا إلى البارون ~~فنصيحتي إليك أن لا تذكر له كلمة عن هذه الحكاية، والآن أستودعك الله! فهذا هو ~~القصر. # وقد تركه وانصرف. فذهب الغريب إلى القصر، وقال لأحد الخدم إنه يريد مقابلة البارون، ~~فأدخله إحدى القاعات، وبعد هنيهة أقبل البارون، فخف الرجل لاستقباله، ووقف البارون ينظر ~~إليه نظرة الفاحص؛ لأنه لم يعرفه، أو أنه تجاهله، وقال له: من أنت؟ # وقد كبر ذلك على الرجل، فقال له: ألم تعرفني أيها البارون؟ ولعلي تغيرت إلى هذا ~~الحد؟ # قال: أذكر أني أعرف صوتك ... ولكن ... ~~- ولكن ماذا؟ ألا تعرف صديقك بول سالبري؟ # فقطب البارون جبينه وقال: أأنت هو؟ ثم أخذ بيده، ودخل به الغرفة التي خرج منها وقال له ms048 ~~بجفاء : ما جاء بك إلي؟ # قال: إنك ترى من ملابسي أنني لست من السعداء. ~~- ذلك لما فطرت عليه من الكسل، ومما تعودته من السكر. ~~- كلا، بل لأني من أهل الطالع المنكود، فقد غرقت السفينة التي عدت بها وغرقت فيها ~~أموالي، ولولا ذلك لما لجأت إليك. # فأخرج البارون من جيبه دينارين وقال: خذ! فهذا كل ما أستطيع أن أعطيك إياه. فتراجع بول ~~وقال له: لعلك تمزح؟ # قال: إني لا أمزح على الإطلاق. ~~- أأعود من أمريكا بعد أن فقدت أموالي، وآتي إليك ملتجئا، فتتصدق علي بدينارين كأني من ~~المتسولين؟ # قال: إنك اقترضت مني أموالا كثيرة لم تردها، وكنت يومئذ في عهد الشباب، لا أحسب للمال ~~حسابا، أما الآن فما لك عندي غير هذين الدينارين، فخذهما وانصرف. # قال: ولكني في حاجة إلى بضعة آلاف. ~~- ماذا تقول؟ ~~- أقول إنك تعلم ما بيننا. ~~- ما عسى أن يكون بيننا أيها الرجل؟ ~~- أنسيت؟ ~~- ماذا؟ ~~- الغلام الممثل البهلوان الذي شحنته في صندوقي! ~~- ما هذه الخزعبلات، فإني لا أفهم شيئا منها؟ ~~- أتجسر أيضا على الإنكار أيها الشقي؟ ~~- اعلم يا بول أن المرء يستطيع إنكار كل ما يتعذر إثباته بالبراهين، ثم أخرج من جيبه قبضة ~~من الذهب وقال له: خذ أيضا هذه الدنانير، واذهب في الحال، فإن خدمي سيعجبون - دون شك - ~~لاختلائي بمثلك، ولا تزد كلمة فإني لا أزيد دينارا. ~~- لقد كنت أحسبك ممن لا ينكرون الجميل. # فهز البارون كتفيه، وأدار له ظهره دون أن يجيبه، فخرج بول وهو يحرق الأرم من الغيظ؛ ~~إذ لم يكن يخطر في باله أن يقابله شريكه في الجريمة بهذه المقابلة المنكرة. # وقد خرج من القصر يتميز غيظا، واستهدى إلى طريق قرية سانت مرتين، فسار إليها وهو يناجي ~~البارون ويقول: لقد أخطأت أيها البارون بإساءتك إلي، فإن بيننا سرا هائلا سيكون آلة ~~انتقامي منك إن شاء الله. # وكان التعب قد نهكه، ومع ذلك فإن الحقد كان يثير همته، فيسير وهو يتوعد البارون بقبضتيه ~~من حين إلى حين، ويقول: ويح لك أيها الشقي! إنك قد كتبت ms049 الحكم على نفسك بالشقاء بما ~~فعلت الآن، فقد عاملتني معاملة المتسولين، فتصدقت علي بعشرين دينارا، ولو أنك ~~أعطيتني نصف ثروتك لما رضيت عنك. الويل لك مني! وسوف ترى ما يكون من انتقامي! # وقد كان يود الذهاب إلى سانت مرتين؛ لأنها القرية التي احترق فيها القصر والمكان الذي رؤي ~~فيه «السيئ البخت» الذي وضعه في صندوقه منذ سبعة أعوام وهو مخدر؛ كي يشحنه إلى البلاد ~~الأمريكية، فيخلص إرث الكونت دي نيفيل لأخيه البارون. # وقد كان واثقا أتم الثقة من أن المنحوس هو ابن أخي البارون، ولكن أين يجده وهو لا يعلم ~~شيئا من أمره؟! حتى إنه لا يعرف اسمه، فقد تركه منذ سبعة أعوام في مدينة برنتون ~~الإنكليزية، فهل هو باق في إنكلترا أم إنه عاد إلى فرنسا؟! وهل هو ميت أم لا يزال في قيد ~~الحياة؟! # ومع ذلك فإن قوة خفية كانت تدفعه إلى قرية سانت مرتين، وكان قلبه يحدثه بأنه سيجد فيها ما ~~يبحث عنه. # ولبث يسير إلى أن التقى بقروي يسوق مركبة يجرها ثوران، فاستوقفه وسأله قائلا: هل أنت ~~سائر إلى قرية سانت مرتين؟ # قال: كلا، بل إلى مزرعة بجوارها تدعى مزرعة بوانيير، وليس بينها وبين القرية سوى ربع ~~مرحلة. # قال: إذن احملني على مركبتك فقد أعييت تعبا. # ثم صعد إلى المركبة، وسار الاثنان وهما يتحدثان، حتى أشرفا على قصر كبير مخرب فسأله بول ~~قائلا: ما هذا القصر؟ # قال: إنه «القصر المحروق»، وقد أطلقوا عليه هذا اللقب منذ يوم احتراقه. # قال: لعله احترق من عهد بعيد؟ # أجاب: منذ عشرين عاما، وقد كان صاحبه الكونت من كبار الأغنياء. # قال: ماذا جرى له؟ # أجاب: لا أعلم سوى أنه هجر هذه القرية مع امرأته حين مات طفله. # قال: أفقد ولدا؟ # أجاب: لقد اختلفت الروايات في حقيقة هذا الولد، وأكثر الناس وقوفا عليها هم أهل المزرعة ~~التي تسير أنت إليها. # قال: مزرعة روانيير؟ # أجاب: نعم، فإن «المنحوس» نشأ فيها، ثم هرب منها. # قال: لا أفهم شيئا مما تقول! # أجاب: الحكاية أنه كان ms050 للكونت دي نيفيل - صاحب هذا القصر - طفل أصبحوا يوما فإذا هو ميت، ~~وفي اليوم التالي احترق القصر، وبعد ذلك ببضعة أيام أصيب بستاني القصر بالجنون، فكان يقول: ~~إن ابن الكونت الذي دفنوه إنما هو ولده، وإن الطفل الذي يربيه إنما هو ابن الكونت، على أنك ~~إذا أردت أن تقف على تفاصيل هذه الحكاية، فما عليك إلا أن تعرج بهذه المزرعة. # قال: ألا يوجد فندق في سانت مرتين؟ # أجاب: نعم، ولكنه غير مأمون، وخير لك أن تبيت في المزرعة. وبعد ربع ساعة وصل الاثنان إلى ~~المزرعة، وهي تلك التي عرفت فيها باكيتا خطيبها فيلكس «المنحوس»، ولو رأت الآن خولي ~~تلك المزرعة وامرأته لما عرفتهما، فقد بلغا حد الهرم. # وفي ساعة دخول بول في المزرعة اتفق أيضا دخول مركبة من مركبات الأجرة، وكان فيها ثلاثة ~~رجال، وقد سارت توا إلى منزل شيخ القرية، وهناك وثب رجل منها، وأسرع إلى الشيخ، فجعل ~~يعانقه ويقول: ألم تعرفني؟ # وقد ذهل الشيخ وقال له: من أنت يا بني؟ # قال: عجبا! ألم تعرفني؟ # فحدق فيه الشيخ تحديقا طويلا، ثم قال له: يخيل لي أني رأيتك من قبل، ولكني لا أذكر ~~أين ومتى. # وكانت ابنة الشيخ قد جاءت في تلك الساعة، فلما رأت الفتى صاحت قائلة: رباه أهذا ممكن ...؟! ~~كيف لم تعرفه يا أبي؟ أنسيت ذلك الغلام الذي كفلته وكنا نلقبه «بالسيئ البخت»؟ # قال: عجبا! أهذا هو؟ # فأجابه فيلكس قائلا: نعم، أنا هو بعينه، ثم عاد إلى عناقه، ولبثوا نحو ربع ساعة وهم ~~يتساءلون أسئلة مختلفة، وقد اجتمع حولهم بعض أهل القرية، وكلهم معجبون بالسيئ البخت، فقد ~~أصبح يلبس ملابس الأسياد، وكان فرح الشيخ عظيما، حتى إنه أمر أن يكون هذا اليوم يوم عيد، ~~وألا يشتغلوا فيه. # أما كاستيليون وشارنسون فقد كانا منذهلين مما رأياه، ولكن لم يكن ينتبه إليهما أحد، فقد ~~كانت الأنظار موجهة إلى السيئ البخت. # وقد أمر الشيخ أن يعدوا الطعام، فتعشوا وهم يتحدثون إلى أن قال الشيخ لفيلكس: أتعلم يا ~~بني أنه إذا كان ms051 جان البستاني قد قال الحقيقة، كنت أنت ابن الكونت دي نيفيل، ووجب أن ترث ~~أموال أبيك بلا منازع؟ # فقال له كاستيليون: أتسمح لي يا سيدي الشيخ أن أشترك في هذا الحديث، فإني من أهل ~~الشرع؟ # فانحنى الشيخ أمامه وقال: إن البستاني قد مات لسوء الحظ، ولكنه اعترف بالحقيقة لكاهن ~~القرية. ~~- وهذا الكاهن ألا يزال هنا؟ ~~- نعم، ولكنه بلغ من العمر عتيا. ~~- أيثق سواك بأن حنا البستاني قال الحقيقة؟ ~~- إن ذلك هو رأي جميع أهل القرية، وكنا نحسب أن «السيئ البخت» قد مات، أما وقد عاد إلينا ~~فإن عمه البارون دي نيفيل سيبيت على أحر من الجمر حين يعلم بعودته. # وعند ذلك دخل بول سالبري إلى القاعة فأومأ كاستيليون إلى الشيخ أن يسكت، ونظر فيلكس إلى ~~هذا الداخل فعرفه لأول وهلة، وهاجت في صدره براكين الغضب، فهجم عليه وقبض على عنقه وهو ~~يقول: ويح لك أيها الشقي، لقد ظفرت بك! # فنهض الجميع وهم منذهلون مما رأوه، فقال لهم فيلكس: هذا هو الذي استخدمه البارون، فوضعاني ~~في صندوق. # وكان شارنسون عالما بهذه الحكاية، فهجم عليه أيضا كي يعاون صديقه على الانتقام منه، ~~وقال فيلكس: أيها الشقي كيف تدافع عن نفسك الآن؟ ~~- لا أدافع عن نفسي كما ترى، ولكني أريد أن أكفر عما أسأت به إليك. # قال: كيف ذلك؟ # أجاب: باتهام البارون دي نيفيل، فإني حاقد عليه أشد الحقد. فتوسط كاستيليون في الأمر، ~~وقال: أرى أن الأقدار تريد مساعدتنا، فدعه يا فيلكس فسيكون لنا خير حليف. # فاتقدت عينا بول ببارق من الحقد وقال: هو ذاك، ولا يدفعني إلى ذلك غير الانتقام. # | الفصل السابع عشر # ولنعد الآن إلى البارون دي نيفيل، فإنه بعد انصراف بول من عنده دخل غرفته، واسترسل فيها ~~إلى التفكير. # ولقد كان هذا البارون منذ بضعة أعوام يقيم في باريس، وهو ساكن مطمئن، فينفق عن سعة من ~~ثروته، التي كان يبلغ ريعها مائة ألف فرنك وأكثر في العام. # وكان حسن العشرة رضي الأخلاق، كثير الاختلاف إلى محلات اللهو، ثم جاء يوم ms052 اعتزل فيه ~~فجأة عشرة الناس، فاستقال من رئاسة النادي الذي كان يجتمع فيه مع أصدقائه، واحتجب عن ~~الناس، فسافر مدة عامين إلى مصر وتركيا وشطوط البحر الأسود، ثم ذهب إلى روسيا وأسوج ~~فالدنمارك، وعاد إلى فرنسا بطريق هولندا. # ولم يكن يصحبه في هذه الرحلة غير خادم غرفته - وصيفه - وهو رجل يناهز الأربعين من العمر ~~يدعى ميشيل، ولكنه كان عنده فوق منزلة الخدم، بل كان صفيه وكاتم سره، وقد زالت من بينهما ~~الكلفة كما سترى من خلال محادثتهما. # ولما عاد من السفر ذهب توا إلى أراضيه في الريف، وأقام هناك لا يلهو بغير الصيد، ~~وبإدارة ثروته وثروة امرأة أخيه، فقد عين وصيا شرعيا عليها بعد جنونها. # ففيما هو جالس في غرفته يفكر بعد انصراف بول، فتح الباب ودخل منه ميشيل، فقال له ~~البارون: ماذا ترى؟ # فأقفل ميشيل الباب، واستند إلى الكرسي الذي كان البارون جالسا عليه وقال له: يظهر يا ~~سيدي البارون أنك مستاء من هذا الرجل الذي زارك، فقد كان زري الملابس، ولكنه كان يكلمك ~~بلهجة تدل على أنه كان بينك وبينه صلات قديمة. # فوقف البارون، وأخذ يسير إقبالا وإدبارا، ثم قال له: أتعرف هذا الرجل يا ميشيل؟ # قال: كلا، ولكني أظنه «بول سابري» الذي تذكر اسمه كل ليلة في أحلامك، فانتفض البارون ~~وقال له: اسكت ... اسكت! # فلم يمتثل ميشيل، بل قال له: لقد خيل لي أنه ذهب من عندك مستاء، ولا شك أن الاحتيال ~~قبيح، ولكن لا بد من الرضى به في بعض الأحيان، وإني أرى أن هذا الشقي قد لا يقف عند ~~حد. ~~- ماذا يستطيع أن يفعل؟ ~~- يستطيع أن يذكر حكاية الصندوق. ~~- ليس لديه برهان. ~~- غير أنه إذا روى هذه الحكاية فقد يصدقها كثيرون من الناس. ~~- وهب أنهم صدقوها، فماذا يكون؟ ~~- يكون أن أهل هذه البلاد يسيئون الظن بك، لا سيما وأنهم حاقدون عليك لعنفك ~~وغطرستك. # فاحتدم غيظا وقال: سأزيدهم عنفا! ~~- إنك مخطئ يا سيدي البارون، فهل تأذن لي أن أقول ما أعتقده؟ # قال: قل. ~~- أرى أن العاصفة ms053 ترعد فوق رأسينا، فإن أهالي سانت مرتين لا ينفكون يتحدثون بحادثة ~~القصر المحروق واستبدال الطفل، وقد أكثروا من ذكر ذلك منذ عهد قريب. ~~- وماذا علي من أحاديثهم؟ ~~- إذا لم يكن «السيئ البخت» قد مات ... ~~- قال: لا أعلم، ولكن لا يبعد أن يكون في عداد الموتى. ~~- ربما، ولكن هذه الحقيقة لا يعلمها غير بول سالبري. ~~- دون شك، وهذا الذي يريح بالي، فلو كان السيئ البخت حيا لما لقيت من بول هذا الخضوع ~~والاستكانة. ~~- ماذا أعطيته؟ ~~- عشرين دينارا، فخرج دون أن يفوه بكلمة. ~~- ولكنه خرج ليذهب إلى قرية سانت مرتين. # أأنت واثق مما تقول؟ ~~- كل الثقة، وقد ذهب إليها فعلا. ~~- ليذهب حيث شاء، وما علي من ذهابه إلى هذه القرية؟ ~~- لو كان السيئ البخت ميتا لما تكلف بول عناء الذهاب إلى سانت مرتين، وإنما ذهب إليها ~~ليعلم من أهلها حقيقة أمره. ~~- لنفترض أسوأ الفروض وهو أن السيئ البخت لا يزال في قيد الحياة، فأية محكمة من محاكم ~~العالم تسمع أقواله، وليس له أقل برهان على صدق ما يقول؟ ~~- هو ذاك، غير أن أمه الكونتيس قد تعترف به. ~~- إنها مجنونة. ~~- يعز علي يا سيدي أن أضطر إلى إخبارك بأمر يسوءك. ~~- ما هو؟ # هو أن مدير المستشفى الذي تقيم فيها الكونتيس قد أرسل إليك هذا الكتاب الذي فتحته وقرأته، ~~كما أفتح عادة كل رسائلك، وهذا هو، فأخذ البارون الكتاب بيد ترتعش، وقرأ فيه ما يأتي: # سيدي البارون # لقد تعودت أن أرسل إليك في آخر كل شهر تقريرا عن صحة سيدتي الكونتيس، امرأة عمك، ~~وإليك تقريري الموجز عن صحة عقلها في هذا الشهر. # يظهر أن للطبيعة أسرارا لم يصل إليها العلم بعد، فإني بعد أن يئست من شفاء ~~الكونتيس بدأت أرى اليوم أنها آخذة في سبيل الشفاء التام. # وإني لا أجسر أن أجزم بشفائها جزما باتا خوفا من انتكاسها، فقد مرت علي ~~حوادث كثيرة تشبه حادثتها، غير أني أخبرك بما حدث. # فقد كنت منذ ثلاثة أيام مجتمعا مع عائلتي في القاعة بعد العشاء، فدخل علي ms054 ~~الطبيب ، وهو أحد أعواني في المستشفى، وقال لي: أتعتقد يا سيدي أن داء الجنون يشفى؟ ~~قلت: قد يشفى، ولكن ذلك في القليل النادر. # قال: إن الكونتيس دي نيفيل قد عاد إليها صوابها. # قلت: هذا محال، فإن جنونها يستحيل شفاؤه. # قال: إذن تفضل بالذهاب معي إلى غرفتها كي تفحصها بنفسك، فذهبنا إليها، فوجدتها ~~جالسة قرب المستوقد وهي تقرأ بملء السكينة في كتاب، فأشارت إلي بالجلوس بجانبها، ~~وقالت لي: إني أكلمك بملء الجد أيها المدير، فقد كنت مجنونة، أما الآن فقد شفيت، ~~فحاولت أن أعترضها وأقول لها: إنها لم تكن مجنونة على الإطلاق، ولكنها ابتسمت ~~وقاطعتني قائلة: لقد كنت أعلم - كما تعلم أنت - أني نكبت نكبة عظيمة بفقد ولدي ~~الوحيد وزوجي، وأن الحزن بلغ مني أقصى مبلغ حتى إنه ذهب بعقلي، فوجدوني يوما حافية ~~القدمين بين أدغال القصر، فكان هذا أول برهان على جنوني، وقد لبثت خمسة عشر عاما ~~وأنا أغالب الجنون حتى غلبني، فتوهمت أن ولدي الذي دفنته بيدي لا يزال حيا، وأنه ~~يبحث عني، ثم جاءتني فتاة ذات يوم وقالت لي: إن ولدي لم يمت، وكتب إلي بعد ذلك ~~كاهن قرية سانت مرتين يقول: إن البستاني اعترف له بأن ولدي لم يمت، على أن كل ذلك ~~كان وهما باطلا، والحقيقة أن ولدي ميت، وإني وحيدة في هذا الوجود، ولكني لا أريد ~~أن أقضي بقية أيامي في مستشفى المجانين، وأؤثر أن أعيش في دير أتقرب فيه إلى الله ~~بالصلاة إلى أن أموت. # على أن هناك مصاعب قد تعترض خروجي من هنا، فإن البارون دي نيفيل وصي علي، وهو ~~الذي يتولى إدارة ثروتي، فقد يعترض على خروجي بواسطة المحاكم؛ إذ لا يروق له أن ~~يحرم من إدارة ثروتي الطائلة. # ولكني وجدت حلا لهذه المشكلة، وهو أن ينقد أحد الأديرة مائة ألف فرنك مقابل ~~إقامتي فيه، وفي مقابل ذلك أهب للبارون - بملء رضاي - كل ما أملك. # وهي يا سيدي البارون تعيد علي هذا الاقتراح منذ ثلاثة أيام، وأنا أفحصها في هذه ~~المدة، فلا ms055 أجد في عقلها ما يدل على الانحراف أو الاختلاط، بحيث بت واثقا من ~~أنها لا تنتكس، وأنها شفيت الشفاء التام. # فتفضل بإجابتي عما تريد أن أصنعه، واقبل احترامي. # مدير مستشفى الأمراض العقلية في أوكسر # فلما أتم البارون تلاوة هذا الكتاب قال له ميشيل: ماذا رأيت يا سيدي؟ # قال: رأيت أن الأمور جارية في خير مجرى، فإذا كانت امرأة عمي قد شفيت وهي تريد الدخول في ~~الدير، فسأوافق على إخراجها من المستشفى، ولتهب لي ثروتها فأطمئن وأستريح. # قال: إنك ساذج يا سيدي البارون. # قال: كيف ذلك؟ # أجاب: لنبحث قليلا، فأنت تعلم أن حكاية البستاني صادقة، وأن كتاب الكاهن أكيد، كما أنك ~~تعلم حكاية تلك الفتاة التي ذهبت الكونتيس، وأخبرتها بأن ولدها لا يزال على قيد الحياة، ~~ولكن الكونتيس تقول الآن إن جميع هذه الحكايات أوهام مثلها لها الجنون. # قال: على ما يدل كل ذلك؟ # أجاب: على أن الكونتيس تريد أن تخرج من مستشفى المجانين، وأنها باتت تعرف حق العرفان من ~~أنت؟ # قال: وأي خوف علي من كل هذا؟ فإني سأدفع للدير مائة ألف فرنك، وتهب لي هي كل ~~أموالها. # فضحك ميشيل ضحك الهازئ وقال: إذا عمل سيدي البارون بنصيحتي، فخير له أن يذهب ليقيم في ~~مستشفى المجانين بدلا من امرأة عمه. # فاستاء البارون لضحكه وقال له أوضح ما تقول! # قال: إن خروج الكونتيس من المستشفى إلى الدير يثبت أنها شفيت من جنونها، ومتى ثبت أنها ~~عاقلة قاضتك أمام المحاكم، وادعت أنك أكرهتها على هبة مالها مقابل إخراجها من المستشفى، ~~ففسدت الهبة، وحكمت المحكمة عليك برد المال، ويحتمل بأكثر كثيرا من ذلك. ~~- ولكن، ما عساها تصنع بالمال؟ ~~- تتمتع به في البدء. ~~- إنها مريضة، أيامها معدودة، وسيعود مالها إلي. ~~- كلا، بل يعود إلى ولدها «السيئ البخت» إذا وجدته. ~~- إذن فاسمع مقالي، فما الذي أثبت جنون الكونتيس؟ ~~- إصرارها على القول أن ولدها الذي دفن كما تثبته السجلات الرسمية لا يزال على قيد ~~الحياة. ~~- فإذا عادت إلى ادعائها السابق - وهو أن السيئ البخت ولدها - تكون ms056 قد أثبتت أن الجنون ~~عاودها. ~~- ولكنها لا تقول إنه ولدها، بل تعطيه أموالها على سبيل الهبة، وهي حرة بإنفاق مالها كما ~~تشاء. ~~- ولكن ذلك لا يتم إلا بعد قضاء أمرين؛ أحدهما أن أوافق على إخراجها من المستشفى، والثاني ~~أن يكون السيئ البخت على قيد الحياة؟ ~~- ألم تقل أنك تعطي المائة ألف فرنك بملء الرضى؟ ~~- نعم، ولكن بشرط أن لا تقاضيني امرأة عمي. ~~- إنها لن تقاضيك، وتبقى في مستشفى المجانين. ~~- أحق ما تقول؟! ~~- نعم، وإن السيئ البخت لا يظهر في الوجود، وإذا ظهر فلا يستطيع أن يضرك بشيء. ~~- إذن، لمن تريد أن أمنح المائة ألف فرنك؟ ~~- لي أنا، ورجائي أن تعذرني يا سيدي البارون، فقد بلغت الأربعين وآن لي أن أهتم بمستقبلي، ~~فحدق فيه البارون مليا، ثم قال له: أرى أنك فقدت صوابك لسببين؛ قال ما أولهما؟ # أجاب: إن هذه الأخطار التي تتوقعها لي كلها وهمية لا خوف منها. # قال: هذا ما سيظهره لك المستقبل. # أجاب: والثاني أنك شديد الطمع، فإنك تطلب مائة ألف فرنك مقابل نصيحة لا تساوي ألفا، قال: ~~لك أن تتروى في الأمر يا سيدي. # أجاب: لقد تمعنت التمعن الكافي، فإني لم أعط في حياتي خادما مائة ألف فرنك ولا أبدأ بك. ~~والآن فإني أريد أن تذهب غدا إلى سانت مرتين، فتخبر المسيو لوتباتي وكيلي أني في حاجة إلى ~~الأموال المتأخرة، وأني أنتظر زيارته، فانحنى ميشيل ومشى إلى الباب، ثم عاد وقال: إن سيدي ~~لم يفطن إلى أن غدا يوم السوق، وأني قد لا أجد الوكيل في سانت مرتين. # قال: حسنا! فاذهب بعد غد، أجاب: بعد غد يكون يوم أحد، وأرى الأفضل أن أذهب في هذا ~~المساء فأبيت في روانيير مزرعة سيدي البارون. # قال: أتبيت خارج المنزل؟ ... كلا ... كلا، لا أريد ... وقد أخذ يرتجف من الرعب أمام خادمه بعد ~~أن كان يكلمه بلهجة الآمر المتكبر، فعاد ميشيل قحته وقال له: أما آن لك أن تتعود المبيت ~~وحدك في غرفتك؟ أفلا تستطيع الرقاد إلا إذا كنت معك؟ # قال: اسكت ms057 ... اسكت ، هذا الذي أريده. ~~- ومع ذلك فإنك تعلم أن صورة الكونت دي نيفيل التي تمثل صورة ولده السيئ البخت ليست ~~موجودة في غرفتك فقد أحرقتها بيدك. # قال: اسكت ... اسكت! # أجاب: كما تريد يا سيدي، ثم تركه وانصرف، فجلس البارون وراء نافذة تشرف على النهر، ~~واسترسل إلى التفكير العميق، وكان كثير الحزن والهم، فلبث على ذلك إلى المساء، فدخل عليه ~~ميشيل يخبره بإعداد العشاء، ورآه حزين النفس، فقال له: أرى أنك يا سيدي البارون تتمنى لو ~~فعلت فعل «يوشع بن نون»، فأوقفت الشمس في فلكها، فإنك لا ينتابك الخوف إلا بعد غيابها، ~~ولا تزال تتوهم أنك ترى صورة الكونت مع أنك أحرقتها. ~~- لقد قلت لك إني رأيتها. ~~- ذلك خيال مثله لك الوهم. ~~- قلت لك اسكت، فقد رأيتها بعيني أمس. ~~- أرجو ألا تبدو لك هذه الليلة، فتنام مستريحا، والآن تفضل إلى المائدة فقد أعد لك ~~العشاء، فمشى البارون وهو يضطرب، وسار ميشيل في إثره وهو يقول في نفسه: لا بد لي من نيل ~~المائة ألف فرنك. # | الفصل الثامن عشر # والآن فلنقل كلمة عن هذه الصورة التي يخافها البارون هذا الخوف الشديد، فإنه بعد أن ~~نقلت الكونتيس إلى مستشفى المجانين استولى البارون على منزلها، وكانت فيه صورة زوجها ~~الكونت في شبابه وهو يشبه «السيئ البخت» أتم الشبه، فأبقى الصورة في إطارها والإطار في ~~الجدار، وفي تلك الليلة حلم حلما عجيبا؛ إذ مثل له أن الكونت خرج من ذلك الإطار وسرت ~~فيه الحياة، فدنا منه وقال له: أيها البارون إنك لص سارق! # وقد صاح لهذا الحلم صيحة منكرة، فأسرع إليه خادمه ميشيل، ونظر البارون إلى الجدار فوجد ~~الصور لا تزال في موضعها، وقال كلمات متقطعة لاضطرابه سمعها الخادم، فقال في نفسه: لا شك أن ~~مولاي البارون قد ارتكب جريمة، ولا بد لي أن أعرفها. # وفي الليلة التالية رأى البارون نفس الحلم، ولكن الكونت تمثل له بشكل المتوعد، فصحا ~~من رقاده منذعرا، فلبس ملابسه وعاد من فوره إلى باريس. # وقد مضت ثمانية أيام دون أن ms058 يعاوده هذا الحلم، فنسي الصورة واطمأن، ولكنه في الليلة ~~التاسعة رأي الحلم نفسه، فذعر ذعرا شديدا ونادى خادمه، وقال له إنه رأى الصورة. # وكان الرعب متمكنا منه حتى إنه باح بسره لميشيل، فقال له الخادم: إن الأموات لا يحيون يا ~~سيدي، والصور لا تتجسم، وخير ما أشير به عليك أن تعود إلى قصر الكونتيس في فرساي غدا، ~~فتحرق هذه الصورة. # وقد عمل البارون بنصحه، وأحرق الصورة في اليوم التالي، ولكنه كان مضطربا، وكاد يصاب بما ~~أصيبت به الكونتيس من الجنون، فأشار عليه الأطباء بالسفر، وسافر يصحبه ميشيل، فسافر في ~~البدء إلى بروكسل - عاصمة بلجيكا - وصحا في ليلته منذعرا من رقاده؛ إذ تمثلت له الصورة، ~~وقد لبثت هذه الصورة تطاره في كل مدة سفره منذ عامين، فعاد إلى فرنسا وهو يشبه الشيوخ بكثرة ~~همه، وهناك ذهب إلى أراضيه في بريتانيا، واعتكف في الريف فأصبح من البخلاء بعد هذه العزلة، ~~ولم يكن يفرج همه غير الصيد، فبات شاغله الوحيد. # وقد عادت الصورة إلى الظهور له، فكانت تظهر مرة في الشهر، ثم توالى ظهورها، فبات مرة في ~~الأسبوع إلى أن ظهرت له أخيرا فاشتدت مخاوفه، وقال لميشيل: لقد عولت على أن لا أنام في ~~الليل، وهذه خير طريقة أأمن فيها ظهور الصورة. # وبات ليلته في غرفته وميشيل في غرفة أخرى متصلة بها، وقد نزع كل الصور عن الجدران، وأخذ ~~كتابا يطالع فيه على نور شمعة. # ثم مل القراءة فأغلق الكتاب وصعد إلى سريره، ولكنه أبقى الشمعة مضاءة؛ إذ لم يكن في ~~نيته النوم لخوفه حتى يشرق الصباح، وقد تاه في مهامة التفكير والشمعة تذوب وهو لا يفطن لها، ~~إلى أن ذابت بجملتها وانطفأت، فساد الظلام الدامس في الغرفة، وهم بأن ينادي ميشيل كي ~~يأتيه بشمعة، ولكن صوته حبس في حلقه؛ إذ ظهر له فجأة نور أزرق كأنه قد شق بطن الأرض ~~وانبعث منها، فوثب عن سريره مضطربا منذعرا لا يعلم من أين جاء هذا النور، ثم صاح صيحة ~~هائلة مزقت حجاب السكون؛ إذ ms059 تمثلت له صورة الكونت بالشكل الذي تعود أن يراه. # وعند ذلك انطفأ النور، وركض ميشيل إلى البارون، فوجده مضطرب الأنفاس، يكاد يغمى عليه ~~من الرعب، فقال له: ما هذا الصياح، وما أصابك؟ # قال: لقد رأيتها يا ميشيل ... رأيت الصورة. # فهز ميشيل كتفيه وقال: إنك ستقتل نفسك بهذه التصورات، فنم مطمئنا، فإن الصورة لا ~~تعود إليك في هذه الليلة لأني سأسهر بجانبك. # وعند الفجر ركب ميشيل جوادا، وسار في طريق سانت مرتين وهو يقول في نفسه: ما دام بول ~~سالبري قد ذهب إلى هذه القرية فلا بد لي أنا أيضا من الذهاب إليها، وإن قلبي يحدثني بأني ~~خطوت خطوة كبيرة إلى المائة ألف فرنك التي كبر على البارون أن يجود علي بها. ~~••• # لندع الآن البارون عرضة لتصوراته المخيفة، وفيلكس ورفيقيه يتقابلان مع بول سابري، ولنذهب ~~بذهن القارئ إلى ذلك المستشفى الذي كانت فيها الكونتيس، فقد كانت سجينة هناك منذ سبعة ~~أعوام، وقد ابيض شعرها وهي لم تبلغ بعد مبالغ الكهول، فإنها لم تكن مجنونة، ولكن البارون ~~وصمها بالجنون ووافقه مدير المستشفى؛ لأنها كانت لا تفتأ تدعي أن ولدها في قيد الحياة وهو ~~في عرف الحكومة دفين كما تثبته السجلات الرسمية، فكان قولها هذا من الأدلة المعقولة التي ~~كان يستند إليها البارون والطبيب في إثبات جنونها. # ثم جاء يوم انقطعت فيه فجأة عن ذكر ولدها والطعن على البارون دي نيفيل، واعترفت أن ولدها ~~ميت، وأنهم أصابوا بسجنها في المستشفى حتى لا تتعرض لهزء الناس؛ لأنها كانت مجنونة ~~حقا. # أما السبب في هذا الانقلاب الفجائي فهو أنه اتفق يوما أن إدارة المستشفى عينت طبيبا ~~جديدا، واجتمعت به الكونتيس في اليوم التالي لتعيينه، فقالت له: أأنت الطبيب ~~الجديد؟ ~~- نعم يا سيدتي. ~~- إنك ستثبت جنوني كما أثبته بقية الأطباء؟ # فأجابها بلهجة دلت على تأثره قائلا: لم يكن يخطر لي يا سيدتي أن أقبل هذا المنصب في ~~المستشفى إلى أن سمعت بحكايتك. ~~- من الذي رواها لك؟ لعله البارون الخائن؟ ~~- كلا يا سيدتي، بل فتاة عرفتك وزارتك ms060 منذ سبعة أعوام، إذا كنت تذكرين. ~~- نعم أذكرها، فقد جاءت تقول لي إن ولدي لم يمت. ~~- هو ذاك. ~~- ولكنها ذهبت فلم أعد أراها، واختفى ولدي من باريس. ~~- هذه هي الحقيقة بعينها. ~~- أهي هذه الفتاة التي أرسلتك إلي؟ # أجاب: نعم يا سيدتي. # قالت: وولدي؟! # أجاب: لا يزال حيا! فإذا كنت تريدين أن ترينه فلا بد لك من الخروج من هذا ~~المستشفى. # قالت: رباه كيف السبيل إلى ذلك؟ # أجاب: يجب أن يكون لك بي ملء الثقة، والآن فاصغي إلي، فإن أول من يجب إقناعه بشفائك ~~هو مدير هذا المستشفى. # قالت: ماذا يجب أن أصنع؟ # أجاب: لا تصنعي شيئا، وسأخبرك بما يجب أن تفعليه بعد بضعة أيام. # قالت: ولكنك إذا تمكنت من إقناع المدير فلا سبيل إلى إقناع البارون، فإن فائدته في أن ~~أبقى سجينة. # قال: سنتفق معه، فاطمئني! # فاتقدت عيناها ببارق رجاء، وقالت: إذن لقد أتيت إلى هنا من أجلي؟ # أجاب: نعم يا سيدتي. # وقالت: وهذه الفتاة التي أرسلتك؟ # أجاب: إنها من أشرف الفتيات، وباتت الآن من شهيرات الممثلات، وهي قد وجدت ولدك، ولا تزال ~~تحبه أصدق حب. # قالت: إذن سيتزوج بها؟ # أجاب: إنها تكون أسعد فتاة حين تسمع منك هذه الكلمة وهي جاثية على ركبتيها. # ثم قبل يد الكونتيس، وخرج من عندها بعد أن أوصاها بالكتمان. # وحكاية هذا الطبيب؛ أنه كان في عداد المفتونين بباكيتا، وقد أفرغ مجهوده في سبيل التقرب ~~منها، وباح لها بحبه فأخبرته أنها مقيدة القلب، وسألته أن يستبدل الحب بالصداقة، فوافقها ~~على ما أرادت، واشتد احترامها عنده حين روت له حكايتها، فعاهدها على أن يخدمها بإخلاص، وسعى ~~فتعين طبيبا في المستشفى بغية إخراج الكونتيس منها. # وقد عرف القراء الآن السبب في انقلاب الكونتيس، وفي هذا الكتاب الذي أرسله المدير إلى ~~البارون. # أما البارون فإنه لم يجب المدير إلا بعد أسبوع، فكتب إليه ما يأتي: # لقد سرني كثيرا ما كتبته لي عن شفاء الكونتيس، وأنا عائد إلى باريس بعد ثلاثة ~~أيام فأزورك، وإذا كانت قد شفيت - كما تقول ms061 - فإني موافق على كل ~~اقتراحاتها. # البارون دي نيفيل # مضى على البارون ستة أيام كان يتلهى في خلالها بالصيد، حتى كاد ينسى ذلك الخيال الذي كان ~~يعرض له. فبينما هو ذات ليلة يتعشى دخل عليه ميشيل فقال له: ألم تكتب بعد يا سيدي البارون ~~إلى مدير المستشفى؟ # قال: كلا! فإني أرى أن الكونتيس لا يطول عمرها، وعندي أنه خير لي أن تبقى في ~~المستشفى. # قال: إذن أنت لا توافقني على رأيي؟ أجاب: كلا! # قال: ألا تزال تريد أن تقتصد مائة ألف فرنك؟ أجاب: الأمر ما قلت. # قال: ولكني أرجو أن تذكر ... # أجاب: ماذا؟ # قال: المائة ألف فرنك التي طلبتها منك، فإن هذا المبلغ لا ينقص من ثروتك، ولكنه يمهد لك ~~سبل السكينة والسلام. # قال: لقد سألتني هذا السؤال وأجبتك عنه، أما الآن فأقول لك: إنه إذا كانت الخدمة على ~~شروطي لا توافقك فلك أن تتنحي وتعتزل، فلم يجبه بكلمة، وأوصله إلى غرفة رقاده، وهناك تركه ~~وخرج من القصر من باب خفي إلى خمارة، فأقام فيها ساعة مختليا مع صاحبها، ثم عاد ودخل ~~الغرفة المجاورة لغرفة البارون، وهي الغرفة التي تعود أن يبيت فيها كي يكون قريبا من ~~سيده حين يدعوه. # أما البارون فإنه لبث ساهرا إلى انتصاف الليل، وهو يفكر تارة في الكونتيس ولا يعلم على ~~ماذا يقر بشأنها، وتارة في السيئ البخت، ولا يعلم إذا كان ميتا أم لا يزال في قيد الحياة، ~~وطورا في بول سالبري فيندم لإساءته إليه، حتى إذا انتصف الليل، وأطفأ الشمعة عادت إليه ~~هواجس الخيال، وجعل يفكر في تلك الصورة التي لم يكن يعذبه سواها. وفيما هو على ذلك سطعت ~~الأنوار الزرقاء فجأة، فهلع قلبه من الخوف، ونظر نظرات ملؤها الرعب إلى الجدار فرأى صورة ~~الكونت دي نيفيل قد ارتسمت في إطارها على الجدار، فكاد يذهب عقله من الذعر. # ولكن هذه الرؤيا لم تطل أكثر من بضع ثوان؛ إذ انطفأت وعاد الظلام، ولبث البارون في ~~سريره ينتفض من الرعب، وهو يحسب أن الرؤيا قد انتهت ms062 حسب عادتها. # وقد عول على أن لا ينام، وكيف يستطيع الرقاد وهو يعتقد الآن اعتقادا راسخا أن هذه ~~الصورة لم تظهر له بشكل حلم، فقد رآها وهو يقظان، غير أن زمن سكينته لم يطل، فإنه بينما ~~كان يفكر في أمره عادت تلك الأنوار إلى التآلف بشكل يخطف الأبصار، فصاح صيحة هائلة وتراجع ~~إلى الجدار؛ ذلك أنه لم ير الصورة هذه المرة، ولكنه رأى الكونت دي نيفيل قد خرج من إطار ~~الصورة وأصبح جسما حيا، ثم رآه يمشي إليه وعيناه محدقتان فيه تنظران إليه نظرات ~~نارية. # ومن شأن الرعب متى تمكن من قلب صاحبه، وبلغ أقصى حدوده، أن يقيده ويمنعه من كل حركة، وهذا ~~ما أصاب البارون، فإنه حين ظهر له هذا الخيال المجسم حاول أن يصيح صيحة ثانية، فوقف الصوت ~~في حلقه وجمد الدم في عروقه؛ لأنه رأى رجلا حقيقيا هذه المرة لا صورته. # ولكنه بذل جهدا عنيفا فتمكن من الكلام، وقال يخاطب الخيال بصوت متقطع: ... رحماك ...! اصفح ~~عني، فسأصلح ما أفسدت. # فتراجع الخيال بملء الجلال خطوة إلى الوراء وأشار إلى البارون إشارة الآمر أن ~~انهض! # فامتثل وهو لا يعلم ما يريد منه، أما الخيال فإنه أخذ ينير الشمعة، فعاود البارون الرجاء، ~~وحسب أنه سيختفي متى أضاء النور، غير أن الأمر جاء على عكس ما يتوقع، فإن الخيال بعدما أضاء ~~الشمعة أخذ ورقا وقلما ووضعهما على المائدة، ثم أشار إلى البارون أن يكتب، فاصطكت أسنانه ~~من الرعب وسأله قائلا: ماذا تريد أن أكتب؟ فأشار الخيال إشارة مفادها «إنك تعلم ما يجب أن ~~تكتبه.» # قال: أتريد أن أخرج الكونتيس من المستشفى؟ فأشار الخيال برأسه إشارة إيجاب. # فأخذ البارون القلم، وقال له وهو ينظر إليه نظرات لا توصف من ذعره: ماذا تريد أن أكتب ~~أيضا؟ # فأشار إليه الخيال إشارة بمنتهى الفصاحة فهمها البارون وقال له: أتريد أن أرد لها مالها ~~أيضا؟ فأحنى رأسه إشارة إلى الإيجاب، وأخذ البارون القلم فكتب ما يأتي: «أوافق على خروج ~~الكونتيس دي نيفيل من المستشفى؛ لأنها ليست ms063 مجنونة ، وأتعهد بإرجاع كل أموالها ~~إليها.» # ثم وقع على ما كتب، فأخذ الخيال الورقة، وخرج بعد أن أشار إشارة وداع إلى البارون، وعند ~~ذلك أطفئت الشمعة، وعادت الأنوار الزرقاء إلى التألق واختفى الخيال، فضاق تنفس البارون من ~~شدة تأثره، وسقط على الأرض مغشيا عليه. # وعندما أفاق من إغمائه كانت الشمس قد بزغت، ففتح عينيه وتنفس الصعداء، وقام إلى الغرفة ~~التي كان فيها ميشيل فوجده ينظف ملابسه كأنه لا علم له بشيء مما حدث، فقال له البارون: ألم ~~تسمع شيئا يا ميشيل؟ قال: ماذا تريد أن أسمع؟ # قال: الخيال. # أجاب: أعاد أيضا؟! ~~- نعم، نعم، ولكنه خرج من إطار الصورة هذه المرة. ~~- ماذا تقول يا سيدي، لعلك فقدت صوابك؟ ~~- قلت لك إني رأيته بعيني وهو من لحم ودم. ~~- لم ينقصك إلا أن تقول لي بأنه كلمك. ~~- نعم لقد كلمني بالإشارة. ~~- أحق ما تقول؟ # أجاب: بل إنه استكتبني أيضا، ثم قص عليه كل ما جرى. فكان ميشيل يسمعه ويهز رأسه حتى ~~انتهى من قصته، فقال له: من حسن طالع البشر أن الأموات لا علاقة لهم بالأحياء. # قال: ماذا تعني؟ # أجاب: أعني أن هذا الميت المنشور سيعود إلى ضريحه، ومعه تلك الورقة التي كتبتها فتدفن ~~معه، وعند ذلك طرق الباب الخارجي، وأطل ميشيل من النافذة، فقال له البارون: من هذا؟ # قال: لا أعرفه فهو رجل في مقتبل الشباب دخل في الحديقة وهو يصعد السلم الآن، وعليه ~~الملابس السوداء شأن المحامين. # أما هذا الزائر فقد كان كاستيليون. # | الفصل التاسع عشر # وقد صعد كاستيليون وطلب مقابلة البارون، فاستقبله في القاعة العمومية، فحياه كاستيليون ~~وقال له: إني يا سيدي من المحامين أدعى كاستيليون، وقد جئت إليك في شأن خطير؛ فتبين ~~القلق في وجه البارون وقال له: إني مصغ إليك. # قال: إني يا سيدي وكيل الفيكونت فيلكس دي نيفيل قريبك. # فأجابه البارون ببرود قائلا: إني لا أعرف لي قريبا يدعى بهذا الاسم، وقد يكون من أحد ~~فروع أسرتنا، فهي كثيرة الفروع. # قال: كلا يا سيدي البارون، فإني أريد ms064 به ابن أخيك الكونت من زوجته الكونتيس المقيمة الآن ~~في مستشفى الأمراض العقلية. ~~- إن أخي لم يخلف بنين، ولست أفهم ما تقول. ~~- وأنا ما أتيت إلا لأبرهن لك على عكس ما تقول، فإنك تعرف - دون شك - أن الكونت دي نيفيل ~~كان له ولد. ~~- نعم، ولكنه مات. ~~- كلا، إن لم يمت؛ لأن البستاني حنا الذي كان عند أخيك سرق الطفل ووضع في مكانه طفله ~~الميت. ~~- لقد رووا لي هذا الخبر الغريب، ولكن لا بد من إقامة البرهان عليه. # قال: برهانه أن البستاني «حنا» رواه. # قال البارون: ولكنه مجنون. # فقال كاستيليون: غير أن كاهن سانت مرتين يوافق على قوله. # أجاب: إن شهادة هذا الكاهن لا قيمة لها لدى المحاكم. # ربما، ولكن يوجد شهادة أخرى لا يمكن للمحاكم إلا أن تتلقاها بالقبول. # قال: شهادة من؟ # قال: شهادة رجل أعانك على إخفاء غلام ممثل يلقب «بالسيئ البخت» وما هو إلا ابن أخيك، الذي ~~أنا وكيله. # قال: إني لا أفهم شيئا من هذه الحكاية التي ترويها. # قال: إن المسيو بول سالبري يعينك على هذه الذكرى. # قال: إذا لم يكن لديك غير هذه البراهين فقد أزعجتني دون جدوى. # قال: بل لدي برهان غير هذا، أتحسب أن الكونتيس مجنونة حقيقة؟ # أجاب: هذا الذي أجمع عليه الأطباء. # قال: ولكنها قد تشفى. # أجاب: كل ذلك ممكن. # قال: وعند ذلك ترجع إليها ثروتها. # أجاب: وهذا طبيعي أيضا، ولكننا لم نصل إليه بعد. # قال: أظن أنك تعرف خطك؟ ثم أخرج من محفظته ورقة وأراه إياها؛ فذعر البارون؛ لأنها ~~كانت تلك الورقة نفسها التي استكتبه إياها الخيال، وتعهد فيها أن يخرج الكونتيس من ~~المستشفى، ويرد إليها مالها. # وقد كان ذعر البارون شديدا؛ حتى إنه لم يجد ما يقوله. # فقال له كاستيليون: لنفرض يا سيدي البارون أن الكونتيس لا تزال مجنونة وأنك عينت وصيا ~~شرعيا عليها. # قال: هو ذاك، فإني الوصي الرسمي. # قال: ولكنك كثير الشواغل، وإدارة ثروتها تتعبك كثيرا، وخير ما تفعله أن تتخلى عن هذه ~~الوصاية ... لي مثلا. # قال: ماذا تقول؟ ms065 # أجاب : أقول ما يجب أن يكون، وقد أخرج من محفظته ورقة مكتوبة مفادها تنازل البارون عن حق ~~الوصاية، وقال له: وقع على هذا الصك! # فطاش صواب البارون ولم يجب، فقال له: وقع عليه أو تسوء العاقبة، فأخذ القلم بيد ترتجف ~~وهو لا يجد بدا من الامتثال ووقع على الصك، ولكنه لم يكد يكتب اسمه حتى ندم وحاول تمزيق ~~الورقة، غير أن كاستيليون كان أسرع منه إلى إخفائها في المحفظة. فأن البارون أنين الموجع، ~~ووضع يده على عينيه، فلما فتحمها كان كاستيليون قد توارى عن الأنظار. # وعند ذلك دخل عليه ميشيل فقال له وهو يبتسم: هل جاءك هذا الرجل بنبأ سار؟ # قال: أتعلم من هذا؟ # أجاب: كلا! # قال: ما هو برجل، بل هو شيطان رجيم. # قال: أكان ذا قرون؟ # قال: أتمزح أيها الوقح، وأنا على ما أنا من الاضطراب؟ # قال: لا أمزح يا سيدي، ولكني أخاف أن يكون هذا الشيطان أغواك، فكتبت له ما أراد. # أجاب: الأمر ما قلت. # قال: هذا الذي كنت أخشاه، وقد خطر لي أن أدخل عليك حين كان عندك. # قال: لماذا؟ # أجاب: لأمنعك عن أن تكتب، فإن الكتابة تبقى. # قال: وهل يعود بها الشياطين من العالم الأخير؟ # أجاب: ولو لم يذهبوا إليه. # قال: ماذا تعني؟ # أجاب: أعني أنك ارتكبت خطأ لا يرتكبه غير أهل البلاهة، فأعطيت هذا الرجل الذي تحسبه ~~شيطانا - وما هو إلا من المحامين - عهدا نزعت به من الوصاية على الكونتيس من يدك وأعطيتها ~~لسواك فتكون قد وهبت له أو لها بضعة ملايين. # قال: نعم وا أسفاه، وهو خطأ لا يمكن إصلاحه! # قال: كل شيء ممكن في هذا الوجود، فإنك لو أردت لما حدث شيء من هذا. # قال: من الذي كان يمنع حدوثه؟ # أجاب: أنا، ولكن ذلك كان يكلفك مائة ألف فرنك فقط، فضننت بها علي، وتنازلت عن عشرة ~~ملايين لغيري، ومع ذلك فإني لا أيأس من ردها إليك. # قال: لعلك تهزأ بي. ~~- كلا، فإني أقول الجد، وإني قادر على إنفاذ ما قلته لك، ولكن ms066 ... # قال : ولكن ماذا؟ ~~- ولكن ذلك يكلف مائة ألف فرنك لا تنقص درهما. ~~- وإذا أعطيت ما سألت؟ ~~- رددت إليك ما كتبت. ~~- ولكن من يضمن لي ألا يخرج الكونت ثانية من قبره، ويكرهني على إعادة الكتابة؟ ~~- أنا أمنعه، فإن الذي رأيته لم يكن الكونت نفسه بل ولده. # قال: ماذا تقول؟ # أجاب: أقول الحقيقة، فإن التشابه بينهما عظيم، ومن رأى السيئ البخت بجانب صورة الكونت لا ~~يسعه أن يقول إلا إنها صورته. # قال: إذن إن الذي رأيته ... # أجاب: إنما هو السيئ البخت ابن الكونت دي نيفيل وابن الكونتيس. # قال: أهو حي؟ # أجاب: ولا يخطر له الآن أن يموت. ~~- ولكن كيف دخل هذا الموضع؟ ~~- بطريقة بسيطة؛ وهي أني فتحت له الباب فدخل. ~~- ويحك! أأنت أدخلته علي ...؟ فأخرج ميشيل ورقة مكتوبة وقال له: هذه حوالة بمائة ألف ~~فرنك، فإذا وقعت عليها ضمنت لك النجاح التام. ~~- لكن هذه الصورة التي أحرقتها بيدي، ثم كنت أراها معلقة في الجدار؟ ~~- لقد نسخت صورة عنها قبل إحراقها. ~~- أأنت فعلت ذلك أيها الشقي؟ ~~- إني أشير عليك أن توقع على هذه الحوالة، فذلك خير لك من الغضب. فاحتدم البارون غيظا، ~~وهجم عليه يريد خنقه، ولكنه هرب إلى الغرفة المجاورة، وجعل يكلمه ويفاوضه من وراء ~~الباب. ~~••• # ولنذهب الآن إلى تلك الخمارة التي ذهب إليها ميشيل قبل الحادثة، فقد تم الاتفاق في تلك ~~الخمارة على تمثيل الرواية التي تقدم بيانها. # وقد كان السيئ البخت وشارنسون وكاستيليون وبول سالبري وصلوا إليها عند الغروب؛ فاستقبلتهم ~~صاحبة الخمارة بملء الترحيب، وهي أرملة كان ميشيل قد وعدها بأن يتزوجها، فوافقته على تدبير ~~تلك المكيدة في خمارتها. # وكان ميشيل قد جاء في النهار بملابس تشبه الملابس التي كان الكونت مصورا بها؛ كي يلبسها ~~السيئ البخت، فتتم مشابهته بأبيه، ويزيد اعتقاد البارون رسوخا أن الصورة قد تجسمت، فلبس ~~السيئ البخت تلك الملابس، وسار مع ميشيل إلى القصر، فمثل تلك الرواية التي بسطناها، ثم ~~عاد إلى الخمارة، ودفع ذلك الصك الذي أخذه من البارون إلى كاستيليون. # وقد قابل كاستيليون البارون، ms067 وكان ما ذكرناه بينهما، ثم عاد إلى رفاقه، واتفقوا على أن ~~يسافروا في صباح اليوم التالي إلى أوكسر، وفيما هم جالسون إلى مائدة جاءهم ميشيل وجلس معهم، ~~فكان أول ما فعله أنه قال لبول سالبري: إن الشراب قد أخذ منك ويكاد يصرعك، فاذهب إلى سريرك ~~كي تستريح بالرقاد فإننا مسافرون عند الفجر، ثم أعطاه خلسة ورقة مالية بألف فرنك فأخذها ~~وانصرف، فجاءتهم صاحبة الخمارة وقالت لهم: هل أجيئكم بشيء من الخمر؟ فقال لها ميشيل: لا ~~حاجة بنا إلى خمرك فقد جئت بخمر معتقة. # وكان قد أحضر معه أربع زجاجات، ففض أختامها بيده، وصب في كئوسهم وفي كأسه، فجعلوا ~~يشربون من تلك الخمر، وهم لا يرون أنه كان يسكب ما في كأسه إلى الأرض ويوهمهم أنه ~~يشرب. # وبعد ساعة كان الثلاثة صرعى لا حراك بهم، فنادى ميشيل صاحبة الخمارة وقال لها: لقد حاول ~~البارون خنقي، ولكن عاد إليه رشاده بعد ذلك، ووافق على كل ما أروم، والآن لم يبق علينا إلا ~~نقل هؤلاء المصروعين، قالت: ألا تخشى أن يستفيقوا؟ # قال: كلا، فإن المخدر سينومهم عشر ساعات على الأقل، فأسرعي بإحضار مركبة النقل. # فذهبت ممتثلة، ومد ميشيل يده إلى جيب كاستيليون، فأخرج منها ذلك الصك الذي كتبه البارون ~~وخبأه بجيبه، ثم جاءت المرأة بالمركبة فعاونته على نقل الثلاثة إليها، وسار ميشيل بها وهم ~~عليها، فأوقفها على قارعة الطريق على بعد غلوة من الفندق ثم تركهم هناك وعاد إلى ~~القصر. # وعند الصباح أفاق الثلاثة، فوجدوا أنفسهم على مركبة نقل في الخلاء، وجعل كل منهم ينظر إلى ~~صاحبه وهو يحسب نفسه في حلم، فبدءوا يتساءلون عما أصابهم، ويفكرون في ليلتهم الماضية إلى ~~أن اتفق رأيهم على أن جانيا أثيما دس لهم المخدر في الشراب، لا سيما حين بحث كاستيليون ~~على الصك فلم يجده. فقال شارنسون: من الذي تتهمه يا كاستيليون بهذه الفعلة؟ # قال: إني أتهم ميشيل فهو الذي جاءنا بالشراب المخدر دون شك. # قال: ولكنا وعدناه بمائة ألف فرنك إذا صدق في خدمتنا. # أجاب: ms068 قد يكون البارون أعطاه أكثر من ذلك نقدا فآثر خدمته. # قال: إذن أنت تعتقد أنه هو الذي خاننا؟ # أجاب: بل هو الذي عبث بنا، فقد مهد لنا سبيل الحصول على الصك، ثم سرقه منا كي ينال ~~به بغيته من البارون، في حين أنه لا يقبض منا شيئا إلا بعد حصولنا على الإذن. # قال: والآن ماذا نصنع؟ # أجاب: نذهب إلى أقرب قرية، ونتمعن في أمرنا عسانا نهتدي إلى طريقة تضمن لنا الفوز على ~~هؤلاء المنافقين. # فوافقوه على اقتراحه وهموا بالمسير، وعند ذلك وصل جنديان، فسألهم واحد منهما قائلا: ~~ألا يوجد بينكم فتى يلقب «بالسيئ البخت»؟ فقال له فيلكس: لعلك تعرفني؟ # قال: نعم، فقد عرفتك من هذه الخصلة البيضاء في شعرك. # قال: نعم، أنا هو، فماذا تريد مني؟ # أجاب: أريد القبض عليكم، فإنكم متهمون بسرقة الفندق الذي كنتم فيه أمس، وقد ترجل عن جواده ~~من فوره وبيده الأصفاد يريد أن يكبل بها هذا المنكود الذي لم يلقب حقا بالسيئ البخت، ~~وحاول الثلاثة أن يعترضوا، فقال لهم: لا فائدة من اعتراضكم على الإطلاق، فقد صدر إلي أمر ~~قاضي التحقيق بالقبض عليكم والإتيان بكم إلى أوكسر. # قال أحدهم: ولكن بماذا يتهموننا؟ # أجاب: أما قلت لكم إنهم يتهمونكم بسرقة الخمارة التي كنتم فيها؟ # قال فيلكس: ولكن هم الذين سرقونا. # أجاب الشرطي: ستقول هذه الأقوال أمام قاضي التحقيق. # قال فيلكس: دعنا نأكل على الأقل، فإننا لم نأكل شيئا بعد. # قال: ستجدون في السجن ما يكفيكم من الطعام، والآن هلموا بنا فلا فائدة من ~~الاعتراض. # وقد كبل أيادي الثلاثة، وسار بهم في طريق أوكسر، فجعل شارنسون يتأوه ويعاكس فيلكس ~~فيقول: إنك لو تزوجت باكيتا لكنت الآن من الأغنياء ولما أصبت بهذا الشقاء. # قال: إن الأقدار لا تزال تناوئني، ولكن لا بد لي من الفوز؛ لأن لكل شيء نهاية. # قال: بماذا تفوز؟ # أجاب: بقوة الإرادة؛ فهي أمضى سلاح. # قال: أما أنا فلا أتمنى الآن إلا أن يحلوا قيدي. # وقال كاستيليون: وأنا لا أتمنى إلا أن يأذنوا لي بالكتابة. ms069 # قال فيلكس: لماذا؟ # أجاب: لأكتب إلى رئيسي المحامي في باريس، فينقذنا من هذا الموقف. # وقال أحدهم: ولكنا متهمون بسرقة! # أجاب كاستيليون: [سنتمكن] منها، وعسى أن يكون ذلك لخيرنا بإذن الله. # وبعد ساعة وصلوا إلى السجن، فبينما كان الجندي يطرق بابه دنا الجندي الآخر من كاستيليون ~~وقال له: ألا تعرف أحدا هنا يكفلك؟ # أجاب: كلا! # قال: وصاحباك؟ # أجاب: كذلك، فإننا جميعنا من باريس. # قال: إذا رمت أن ترسل برقية إلى رئيسك المحامي تعهدت لك بإرسالها. # قال: أشكرك، ولكني أؤثر إرسال هذا النبأ إلى ممثلة شهيرة تدعى باكيتا، وهي تقيم في شارع ~~سانت لازار نمرة 89. # أجاب: ليكن ما تريد، فماذا تريد أن أكتب لها؟ # قال: اكتب لها هذه الكلمات: «احضري إلى أوكسر، فإن السيئ البخت في السجن.» # قال: سأفعل، فاطمئن! وقد دخلوا جميعهم إلى السجن، وجاءهم السجان بخبز أسود جاف كان ~~طعامهم، ورأى ما كان من نفورهم. # فقال لهم: إني آتيكم بما تشتهون من الطعام بشرط أن تدفعوا ثمنه. # فقال كاستيليون: ليس لنا درهم. # قال: ومع ذلك فإنكم متهمون بالسرقة. # أجاب: هذا خير دليل يثبت براءتنا، فإن كنا سرقنا في هذه الليلة كما يدعون، فأين ذهب ما ~~سرقناه؟ # قال: أليس لكم أحد هنا يمدكم بما تحتاجون إليه؟ # أجاب: كلا، ولكنا ننتظر الإعانة غدا من باريس. # قال: إذا كان ذلك فسآتيكم بطعام شهي؛ على أن تنقدوني ثمنه متى وردكم المال، فإني لا أرى ~~منكم ما يدل على أنكم من أهل الشر، وأنا رجل فقير، قالوا: سنرد لك مالك مضاعفا ~~فاطمئن. # فذهب السجان، وعاد إليهم بعد حين باللحم والخمر والفاكهة والخبز الأبيض، فأكلوا وشربوا، ~~ثم ناموا من فورهم لفرط ما لقوه من العناء. # أما باكيتا فقد وصلها التلغراف بعد ساعة من إرساله، فجزعت جزعا شديدا، وأسرعت إلى ~~كوكليش مدير جوقها القديم، فقالت له والدموع تجول في عينيها: تأهب للسفر إلى أوكسر في قطار ~~نصف الليل، فإن فيلكس مسجون هناك. # | الفصل العشرون # لقد تركنا الثلاثة نائمين، وكان السيئ البخت بينهم نائما وهو يبتسم، فقد كان ms070 يحلم حلما ~~يسره؛ ذلك أنه رأى نفسه في محترف جميل يتشوق إلى مثله كل حفار مبتدئ بهذا الفن الجميل، وقد ~~وضعت فيه الرسوم البديعة والتماثيل المتقنة، وازدحم الناس حول صاحب هذا المحترف ينظرون ~~إليه نظرات الإعجاب والإجلال، وكلهم من أصحاب الوسامات، وكان هذا الحفار الذي يعجبون به ~~واقفا بينهم، فحانت منه التفاتة إلى المرآة، فرأى أن هذا الحفار إنما هو فيلكس نفسه الملقب ~~بالسيئ البخت، ورأى في عروة ثوبه زرا أحمر يدل على أنه قد بات هو أيضا من أصحاب الوسامات ~~كهؤلاء المحدقين به. # ولم يكن هذا كل ما رآه في حلمه، فقد رأى أيضا في إحدى زوايا القاعة صاحب الكلب الأسود - ~~الذي تقدم ذكره في بدء هذه الرواية - وأمامه كلبه، وقد سقط ميتا وهو ينظر إليه نظرات تشف ~~عن اليأس، ثم إنه رأى أيضا على مقعد بجانبه امرأتين تبتسمان وهما لا تنظران إلى التمثال ~~الذي صنعه، واستحق به الوسام وإعجاب الناس، بل إلى طفل صغير كان يلعب أمامهما على البساط، ~~وكانت إحدى هاتين المرأتين بيضاء الشعر، ولكن وجهها يدل على أنها لا تزال في عهد الشباب، ~~فأحبها دون أن يعرفها، وحدثه قلبه أنها أمه، أما المرأة الثانية فقد عرفها لأول وهلة، فإنها ~~كانت باكيتا، وكانت أم هذا الطفل ولكن من أبوه؟ # وهنا استفاق فيلكس من رقاده لصوت كاستيليون قبل أن يعرف والد الطفل وقال: لقد نمت نوما ~~لذيذا. # وقال شارنسون: وأنا صحوت خائفا. # قال فيلكس: وأنا رأيت حلما جعلني من السعداء، ثم قص عليهم حلمه وختمه بقوله، ولكنها ~~أضغاث أحلام وا أسفاه! # فقال شارنسون: أما أنا فإني أعتقد بصحة الأحلام، وإني أنبئك بذهاب نحسك بعد موت الكلب ~~الأسود. # قال: لا شك أن النحس سيفارقني بقوة إرادتي، ولكن متى وفي أي حين، وعند ذلك دخل عليهم ~~السجان، وقال لهم: أبشروا فقد جئتكم بخبر سار فإن سيدة حسناء جاءت من باريس وهي مهتمة في ~~شأنكم، فصاح فيلكس صيحة سرور وقال: إنها باكيتا لا محالة، قال: لا أعرف اسمها فإنها أرادت ~~في ms071 البدء أن تقابل قاضي التحقيق، فامتنع عن مقابلتها، فأرسلت بطاقة زيارتها إلى النائب ~~العام، فاستقبلها بالترحاب والإكرام. # فقال كاستيليون: إن صاحبنا جائع، فهل تريد أن تأتيه بطعام؟ قال: بل أأتيكم جميعكم بكل ما ~~تشتهونه، فقد ثبت لي الآن أنكم من كرام الناس. # ولنعد الآن إلى بول سالبري الذي أهملنا ذكره لاهتمامنا بسواه، فقد كان هذا الرجل كما عرفه ~~القراء لا أدب له ولا ذمة، وكان قد انضم إلى فيلكس ورفيقه ووعدهما بمعاونتهما في مشروعهما ~~لسببين؛ أحدهما الانتقام من البارون، والثاني الطمع بالكسب، فقد وعدوه بمبلغ جزيل إذا اعترف ~~لدى المحكمة بما كان بينه وبين البارون. # ويذكر القراء أنه حين حاول ميشيل تخدير الثلاثة بالخمر التي جاء بها من القصر خلا ببول ~~فأعطاه ألف فرنك وقال له: اذهب ونم، فإننا مسافرون عند الفجر وأنت محتاج إلى ~~الرقاد. # ومثل هذا الشقي يبلغون منه ما يريد حين ينفحونه بمثل هذا المبلغ، فقبض المال وذهب إلى ~~سريره دون أن يفوه بكلمة. # وكان الشراب قد تمكن منه فنام من فوره، وبعد ساعة؛ أي بعد أن زال الخمار صحا من رقاده ~~وقد سمع لغبا، فوثب من سريره وأطل من النافذة فرأى ميشيل يحمل الثلاثة إلى المركبة وهم ~~كالأموات، فأسرع بالنزول ودنا من ميشيل فوضع يده على كتفه، فالتفت ورأى بول فقال له: أهذا ~~أنت؟ # قال: نعم، فماذا تصنع؟ # قال: كما ترى فإني أتأهب للسفر، فهل تأتي معي؟ # قال: إلى أين؟ # أجاب: إلى مسافة ميل من هذه الخمارة حيث نوصل أصحابنا. # قال: لعلهم مسافرون؟ # أجاب: نعم. # قال: إني أحب أن أقف على حقيقة هذا السر. # أجاب: إن السر واضح فإن المياه قد تغيرت مجاريها. # قال: لم أفهم ما تقول. # أجاب: مع أن الأمر جلي لا إبهام فيه، فإن البارون كان يأبى بالأمس أن يعطيني مائة ألف ~~فرنك. # قال: واليوم؟ # أجاب: واليوم أعطاني إياها، وهذا هو كل السر. # قال: أيكون المال لك وحدك؟ # أجاب: من تريد أن يكون شريكي فيه؟ # قال: لا بد لنا من زيادة في الإيضاح؛ ms072 فإني لا أحب الغموض. # أجاب: ماذا تريد أن تعلم بعد؟ # قال: إنك كنت تخدم بالأمس السيئ البخت. # أجاب: واليوم أخدم البارون؛ لأنه أعطاني ما طلبت. # قال: وأنا من تريد أن أخدم الآن؟ # قال: كم وعد «السيئ البخت» أن يعطيك مقابل إقرارك. # أجاب: خمسون ألف فرنك. # قال: ولكنك لا تقبضها إلا بعد استيلائه على الإرث؟ # أجاب: هو ذاك؟ # قال: أتريد أن تقبض نصفها وتتخلى عن خدمته؟ # قال: متى؟ # قال: الآن. # أجاب: لقد رضيت. فأخرج ميشيل محفظته من جيبه، وهي مكتظة بالأوراق المالية، وأعطاه خمسة ~~وعشرين ألف فرنك، ثم قال له: هلم بنا الآن فقد أصبحت من أعواني. # وقد عرف القراء ما كان من السيئ البخت ورفاقه، أما الشقيان فقد انصرف كل منهما في شأنه، ~~فعاد ميشيل إلى قصر البارون، وبحث بول في جيوب الثلاثة، فأخذ كل ما كان لديهم من المال، ~~وسار في طريق أوكسر؛ كي يذهب منها إلى باريس حسب اتفاقه مع ميشيل. # ولكنه كان يعرج على كل خمارة يلقاها في طريقه، فلما وصل إلى أوكسر كان السكر قد أخذ كل ~~مأخذ، فاضطر على أن يبيت في الفندق، وأن يسافر في اليوم التالي. # وفي صباح ذلك اليوم الذي قبض فيه على الثلاثة، وسافر بول سالبري إلى أوكسر، صحا الناس ~~المجاورون للخمارة على صياح صاحبتها. # وذلك أن هذه المنافقة - شريكة ميشيل في آثامه - هبت في ذلك الصباح، وجعلت تبكي وتعول ~~وتستنجد بالناس، فأسرع الناس إلى نجدتها، وسألوها عن سبب عويلها فلم تجبهم بشيء، ولكنها ~~سارت بهم إلى خزانتها، وأرتهم إياها فرأوا قفلها مكسورا. # وكانوا جميعهم يعلمون أنها باعت منذ يومين أرضا لها بتسعمائة فرنك، ثم علموا منها أنها ~~أودعت المال في هذه الخزانة، وأنها أصبحت اليوم فإذا به مسروق، وقد اتهمت بالسرقة الثلاثة ~~الذين كانوا عندها؛ أي فيلكس ورفيقيه، دون أن تشير إلى بول سالبري، فهاج أهل القرية، وساروا ~~بجملتهم إلى قاضي التحقيق ينتصرون للمرأة، ويسألونه القبض على هؤلاء الثلاثة، فأصدر القاضي ~~أمره بالقبض عليهم، وأرسل الجنود للبحث عنهم، فأدركوهم وساقوهم ms073 إلى السجن كما ~~تقدم. # وفي اليوم التالي بينما كان النائب العام في غرفته وصلته بطاقة زيارة، كتب عليها اسم ~~باكيتا الممثلة الأولى في المرسح الإيطالي في باريس، فدهش لهذه الزيارة، وأمر بإدخالها ~~عليه في الحال، وقد دخلت يصحبها كوكليش، فحكت له شيئا من حكاية السيئ البخت، واستطردت منها ~~إلى الثناء على أخلاقه وأدبه، وأنه لا يمكن أن يكون من مرتكبي الجرائم. # فأجابها قائلا: إن قاضي التحقيق لم يسمع أقواله بعد، حتى أقف منها على حقيقة أمره، ولكني ~~واثق ثقتك من أنه بريء من هذه التهمة مع رفيقيه، غير أن الإفراج عنه الآن محال؛ لأن التحقيق ~~لم يبتدئ بعد. # قالت: ولكن ألا يؤذن لي بأن أراهم؟ # قال: هذا محال يا سيدتي أيضا، فإني لم أستنطقهم بعد. # قالت: ومتى تريد سؤالهم؟ # أجاب: الآن، إكراما لخاطرك. # قالت: إذن سترى يا سيدي أنهم بعيدون عن مواقف التهم، فحاول أن يجيبها، غير أنه سمع ضجيجا ~~شديدا قرب غرفته، وسمع قائلا يقول لحاجب غرفته: لا بد لي من مقابلة النائب العام فإني من ~~رجال الأمن ويحق لي الدخول عليه حين أشاء. # فقام النائب وفتح الباب بيده، فوجد جنديا قابضا على رجل، وكان ذلك الجندي هو الذي عهد ~~إليه كاستيليون أن يرسل النبأ البرقي إلى باكيتا. # أما الجندي فإنه حين رأى النائب العام قال له: هذا هو السارق يا سيدي وهو سكران كما ~~تراه. # ثم دفعه إلى وسط الغرفة فسأله النائب قائلا: ماذا تدعى أيها الرجل؟ قال: إني أدعى بول ~~سالبري على ما أظن؛ لأني سكران، وإني لا أكذب مطلقا في حال السكر، ولا أكتم أمرا من ~~أموري. # وقد كان يقول الحقيقة، فإنه حين ذهب إلى أوكسر وصل إليها سكران - كما تقدم ودخل الفندق - ~~وهنا طلب أيضا زجاجة من الخمر فزادته سكرا على سكره. # وقد اتفق أن هذا الجندي كان ساعتئذ في تلك الخمارة، فدعاه بول إلى الجلوس معه، وانطلق ~~لسانه بالكلام كعادة أغلب السكارى فأخبره بكل ما حدث فقبض عليه الجندي وجاء به إلى النائب ~~العام ms074 كما بسطناه. # | الفصل الحادي والعشرون # ولنعد الآن إلى البارون دي نيفيل فإنه رضي عن خادمه ميشيل أتم الرضى، وأخذ يتداول وإياه ~~بعد الحوادث المتقدمة فقال له: لا يستطيع سواي إخراج الكونتيس من المستشفى، فإذا لم أوافق ~~على خروجها بصفتي الوصي عليها، بقيت فيه إلى أن تلقى حتفها. فقال له ميشيل: إني أسديك ~~نصيحة يا سيدي البارون. # قال: ما هي؟ أجاب: هي أن تسافر بعيدا مدة عام على الأقل. # قال: إلى أين؟ # أجاب: إلى أية بلاد تختارها؛ وذلك كي لا تدع سبيلا لمدير المستشفى إلى الاتصال بك فيضغط ~~عليك؛ لأنه يعتقد أن الكونتيس شفيت من جنونها. # قال: اصبر فسأغير معتقده، ثم قام إلى منضدة، وكتب إلى مدير المستشفى الكتاب الآتي: # سيدي # تجد في ضمن كتابي هذا حوالة بقيمة خمسة آلاف فرنك، هي قيمة القسط الأول من نفقات ~~الكونتيس. # إن هذه المنكودة قد اشتد مرضها فوق ما كنت أظن، حتى إن الجنون مثل لها أن تتفق ~~مع عصبة إجرام هم الآن جميعهم في السجن؛ لأنهم ارتكبوا منذ يومين جريمة السرقة في ~~البلد الذي أقيم فيه بعد أن حاولوا خديعتي، وأن واحدا منهم يدعي أنه ابن ~~الكونتيس، مع أن ولدها قد مات وله من العمر ثلاثة أيام. # وإني مرسل إليك مع كتابي صورة من شهادة وفاته منقولة عن السجل الرسمي في سانت ~~مرتين. # أما أنا فإني مضطر إلى السفر إلى ألمانيا، وسأراك بعد عودتي. # البارون دي نيفيل # ثم ختم هذا الكتاب، وعهد إلى ميشيل أن يذهب به إلى إدارة البريد، وبعد ساعة ركب مع خادمه ~~مركبة أوصلتهما إلى نيفرس، فركبا القطار البخاري الموصل إلى مرسيليا، فبلغا إليها بعد ~~يومين، وسافرا منها إلى إيطاليا. # وبينما كان مدير المستشفى، يقرأ كتاب البارون كانت البارونة تقرأ أيضا كتابا وصل إليها ~~بواسطة ذلك الطبيب، الذي كان متفقا مع باكيتا، وهذا ما جاء في الكتاب الذي كانت تقرؤه: # سيدتي الوالدة الكملية الاحترام # لم يبق لك أقل رجاء بمحاكمة هذا الشقي الذي سلبك أموالك؛ إذ ليس لدينا برهان ~~على ms075 جريمته ، وقد جعلك مجنونة في عرف جميع الناس، ولكني عولت مع أصحابي على اختطافك ~~من المستشفى، وسأشتغل وأعيش وإياك من كسب يدي أهنأ عيش، فإني ولدك الذي طالما ~~بكيته والذي لم يجد إلى الآن اسما يسمى به فلقب بالسيئ البخت. # فكان فرح الكونتيس عظيما بهذا الكتاب، وأقامت تنتظر الليل بفارغ الصبر، وفي المساء تغيرت ~~الممرضة التي كانت تخدمها، ودخلت عليها فتاة حسناء لم تكن رأتها من قبل في المستشفى، أما ~~تلك الفتاة فإنها هجمت عليها، وجعلت تعانقها وتقول: ألم تعرفيني؟ ألم تذكريني؟ فذكرتها ~~الكونتيس وقالت لها: أما أنت التي جاءتني عندما ... # قالت: نعم، أنا التي أتيت إليك في فرساي، وقلت لك: إن ابنك لا يزال في قيد ~~الحياة. # وكانت هذه الفتاة باكيتا، فوضعت سبابتها على فمها، وقالت لها: صبرا يا سيدتي، فقد ~~احتلت حتى دخلت المستشفى بصفة ممرضة، والمفاتيح معي، وسنهرب في هذه الليلة إذ يوجد ~~مركبة تنتظرنا على بعد خطوات من الباب الأكبر، فأجابتها بصوت يرتجف قائلة: أيكون ولدي ~~فيها؟ قالت: نعم. # فضمتها إلى صدرها وقالت لها: بارك الله فيك! فستكونين ابنتي ... # مرت الأيام وتوالت الشهور، ففي صباح يوم من أيام مايو الجميلة في باريس، خرجت باكيتا ~~الحسناء من منزلها عند الساعة السابعة وهي بملابس الربيع، وكانت المركبة تنتظرها عند الباب ~~وفيها كوكليش وامرأته، وقد تبنيا باكيتا وكانت تدعوهما بأبويها، فصعدت إلى المركبة بتلك ~~الرشاقة التي تعلمتها من الألعاب الرياضية، ساق الحوذي الجياد، فالتفتت امرأة كوكليش إلى ~~زوجها وقالت له: من كان يظن منذ عشرة أعوام أننا نصل إلى ما نحن فيه؟ فقال لها زوجها: لقد ~~أصبت، فإن هذه النعمة لم تكن تخطر لنا في الحلم. # قالت: إننا عائشان الآن كأرباب الدخل الثابت، والمجد التالد، نركب المركبات كأغنى ~~الأغنياء، ولا تخلو جيوبنا ساعة من المال، وكل ذلك بفضل باكيتا. # فتنهدت باكيتا وقالت: ومع ذلك فإني أعد نفسي تعسة وما عزاني غير سعادتكما. # فقالت المرأة بلهجة غضب: إن فيلكس غير مصيب بعناده. # وقال كوكليش: إن لعزة النفس حدا، ولكنه تجاوز ms076 كل حد. # فقالت المرأة: حين تزوجت كوكليش لم يكن لديه درهم واحد، في حين أني كنت أملك ألفا ~~وخمسمائة فرنك، ومع ذلك فإنه لم يمتنع عن زواجي، ولم يضطرني إلى أن أجذبه من أذنه ليتزوجني، ~~بل تزوج بي واستعان بمالي على إنشاء مرسح نقال. # فتنهدت باكيتا أيضا وقالت: ولكن فيلكس على غير ذلك، فإنه لا يرضى أن يتزوج بي إلا متى ~~اتسع له مجال الرزق. # قالت: ولكنه بات الآن كثير النفقات، فإنه ينفق على أمه أيضا منذ عامين. # فقال كوكليش: وعلى صديقه أيضا شارنسون؟ # أجابت: نعم، هو بعينه. ~~- ولكني لا أدري كيف يحتمل هذا الرجل أن ينفق الناس عليه وهو يبلغ ثلاثين عاما من العمر، ~~أما كان يجدر به أن يبحث عن عمل يرتزق منه، فقد أرهق فيلكس بنفقاته؟ # قالت: كم يكسب فيلكس من صناعة الحفر؟ # أجاب: أربعة أو خمسة آلاف فرنك في العام. # قالت: ولكنه ماهر في صناعته، وسيكون له يوما شأن عظيم. فتنهدت المرأة وقالت: ولكن ذلك لا ~~يكون إلا بعد زمن يا ابنتي ... # وقال كوكليش: إن نجاحه لا يكون كنجاحك، فإنك بلغت إلى القمة في أقرب حين، فقالت باكيتا: ~~ذلك لأن طريق النجاح في المراسح أقرب من سواها، ولكن رجائي وطيد في فوزه في المعرض، الذي ~~سيفتتح في الخامس عشر من هذا الشهر. ~~- تحسبين أنهم سيقبلون التمثال الذي نحته؟ ~~- هذا لا ريب فيه، وإني أرجو أيضا أن ينعموا عليه بوسام. # وكانت المركبة قد بلغت بهم إلى شارع سانت لازار، وخرجت منه حتى بلغت قوس النصر، وهناك ~~التقت بفارس جميل رأى باكيتا فاصفر وجهه، واضطربت أعضاؤه حتى كاد يسقط عن جواده، أما باكيتا ~~فإنها ابتسمت له وحيته، وأشارت إلى السائق أن يقف، فاشتد اصفرار الفارس ورفع قبعته بملء ~~الاحترام، ثم دنا من المركبة، فمدت باكيتا له يدها مصافحة على الطريقة الإنكليزية، وقالت ~~له: أتريد أن تصفح عني أيها البرنس العزيز؟ # فاحمر وجهه بعد اصفراره ولم يجب، فقالت له: ألا تصفح عني لأني أرجعت إليك رسائلك دون أن ~~أفتحها؟ ms077 # فتمتم البرنس كلمات لا تفهم، وقالت له باكيتا: تفضل بزيارتي في هذا المساء واشرب الشاي ~~عندي فإني محتاجة إليك ... ثم ودعته بابتسامة، وأمرت سائق مركبتها بالمسير. # فقالت امرأة كوكليش بلهجة ملؤها الدهش: من هذا الذي رأيته يا ابنتي، أهذا الفتى الجميل من ~~الأمراء؟ # قالت: إنه من أمراء الروس، ويدعى البرنس ماربولوف، وثروته لا تقل عن مائة مليون ~~روبل. # قالت: أهو يريد أن يتزوجك؟ فابتسمت باكيتا وقالت: لا يعوزه غير إرادتي، فإذا أردت عقد ~~زواجي في هذا المساء. # فتنهدت زوجة كوكليش وقالت: من كان يخطر له أن يكون هذا مستقبلك حين كنت ترقصين على ~~الحبل؟ # قالت باكيتا: ولكن ليس هذا هو الذي أحبه حتى أتزوجه. ~~••• # لم تخطئ باكيتا فيما روته عن ثروة هذا الأمير الروسي، فقد كان له على حدود آسيا من ~~الأراضي ما تبلغ مساحته مساحة مملكة ... # وكانت أمه قالت له حين أرسلته إلى باريس: اذهب بحراسة الله إلى عاصمة العواصم، وافعل كل ~~ما يوحيه إليك الشباب، وأنفق ما تشاء من غير حساب، فإنك مهما أسرفت لا تنفق إلا القليل من ~~ريع ثروتك. وقد قالت له هذا القول؛ لأنها كانت من ذلك العنصر الروسي القديم الذي أخذ ~~تقاليده وتعاليمه من عهد الإمبراطورة كاترين العظيمة، فقد كانوا يعتقدون أن الشريف لا يصير ~~من أهل الدربة والسياسة إلا إذا استرسل في صباه إلى ملاذ الشباب، واندفع مع تيار ملاهيه، ~~غير أن هذه الأميرة كانت فراستها مخطئة في ولدها، فقد كان شديد الرزانة على حداثة سنه، كثير ~~الميل إلى الفنون الجميلة، شديد التعلق بأصحابها إذ كان منهم، فقد كان شاعرا ~~موسيقيا. # وهو في باريس منذ عامين لم يقل أحد عنه كلمة سوء، وقد اشتهر بميله إلى الرسوم والتماثيل، ~~حتى إنه إذا عرض شيء منها للبيع كان في مقدمة الشارين. # وقد اتفق مرة أن دوقا عرض أمتعته للبيع، وبينها صورة من خير ما جادت به قرائح المصورين، ~~فذهب لشرائها وزاحمه عليها أحد المولعين بالرسوم، فجعل يزيد في ثمنها حتى امتنع الرجل عن ~~شرائها والدموع ms078 تجول في عينيه لعجزه، وقد سأل البرنس عنه فقيل له: إنه رجل أنفق كل ثروته ~~على شراء الرسوم المتقنة لشدة ولوعه بها، فأرسل إليه الصورة في اليوم التالي وكتب عليها: ~~«تذكار من البرنس ماروبولوف إلى فلان.» فاشتهرت هذه الحادثة في باريس، وجعل الناس يتحدثون ~~بكرم الأمير. # وقد قلنا: إنه كان موسيقيا، فكان يختلف إلى مراسح الغناء، حتى استقر على المرسح الذي ~~تغني فيه باكيتا، واستمر يسمع صوتها الرخيم مدة ستة أشهر، ويفرغ كل ما عنده من الجهد في ~~سبيل التعرف بها فلا يجد إلى ذلك سبيلا؛ لأنها كانت تقصي عنها جميع عشاق صوتها، وكان آخر ~~ما فعلته أنها أرجعت إليه رسائله دون أن تفتحها، فتأمل مقدار دهشته حين استوقفته في الطريق، ~~وسلمت عليه دون كلفة، ودعته إلى زيارتها. # وقد كان اضطرابه عظيما حتى إنه عاد من فوره إلى منزله وهو شبه المجانين، فأقام فيه إلى ~~المساء ورأسه بين يديه يفكر في حل هذا اللغز، فلا يجد له حلا إلا أن هذه الحسناء قد مالت ~~إليه بعد ذلك الجفاء. # وفي المساء تأنق في ملابسه، وذهب إلى النادي كي يقضي الوقت بين أصحابه إلى الساعة ~~العاشرة، فأجفل أصحابه لما رأوه من اصفراره، وسأله واحد منهم عما أصابه فقال له: إني أسائل ~~نفسي منذ هذا الصباح إذا كانت السعادة تقتل صاحبها. # فأجابه المركيز دي شاومري قائلا: إنك أدرى الناس بأسرار السعادة، فإنك أغنى رجل في ~~أوروبا. # وأقام بين أصحابه إلى الساعة العاشرة، ثم ركب مركبته وذهب إلى باكيتا، فوجدها في قاعة ~~جميلة لا ينيرها غير مصباح واحد، وكل ما رآه كان يدل على أنها لم تكن تنتظر سواه، فأجلسته ~~بإزائها وقالت له: كم لك من العمر أيها البرنس؟ ~~- سبعة وعشرون عاما. # قالت: أما أنا فإني أزيدك بعام، ويحق لي أن أسديك نصيحة؛ فاضطرب وقال لها: بماذا ~~تنصحينني؟ # قالت: أنصحك أن تكون صديقي. # فحاول أن يركع أمامها، ولكنها أوقفته وهي تبتسم، وقالت له: هل أردت أن تكون صديقا ~~لي؟ # فوقف البرنس حائرا، ينظر إليها ms079 ولا يفهم ما تعنيه، فقالت له: اعلم أيها البرنس أني فتاة ~~شريفة لا أريد أن أخدع أحدا، ولو كان قلبي طليقا لما أحببت سواك، فقد حويت من الصفات ما ~~يدفع كل امرأة طاهرة إلى حبك، ولكني قلت لك إني لا أملك قلبي؛ ولذلك أردت أن تكون صديقي، ~~ولا أجد خيرا من أن أبسط لك تاريخ حياتي للوصول إلى هذه الغاية. # فأجابها بصوت مختنق قائلا: تكلمي، فاندفعت باكيتا في بسط تاريخها وتاريخ فيلكس منذ ~~الحداثة إلى هذه الساعة، والبرنس يصغي إليها وقد تأثر من حكايتها إلى أن سالت دموعه، وثارت ~~فيه الشهامة الروسية، فتغلبت فيه المروءة على الحب، وقال لها: لماذا لا تتزوجان؟ # قالت: لأنه لا يريد. ~~- لماذا؟! # أجابت: لأني غنية بما أكسبه من مهنتي وهو فقير. # قال: ولكنه مثال ماهر كما تقولين. # قالت: هو ذاك، وسيعرض تمثالا جميلا في هذا العام، فأخذ البرنس يدها بين يديه وقال لها: ~~لقد اشتهرت في باريس بأني من المولعين بالفنون الجميلة، وأني من مريدي أصحابها، فإذا ~~ظللت رجلا منهم بحمايتي أصبح من المشاهير. # قالت: لا ريب عندي في ذلك. # قال: أين يقيم خطيبك؟ ~~- في منزل صغير في أوتيل رقم 17 ملك أحد خدم أبيه. ~~- ألا يزعجه ذهابي إليه؟ ~~- كلا، إلا إذا علم بما كان بيننا. # قال: اطمئني، فإني لا أذكر اسمك، واعلمي أني لست صديقك فقط بل حليفك أيضا، وقد أخذ منذ ~~تلك الساعة يحدثها أحاديث مختلفة دون أن تبدو منه كلمة تشعر منها باكيتا بيأس قلبه، ثم ~~ودعها وعاد إلى النادي. # ولقد كان هذا البرنس من أهل العزيمة والإرادة والصبر على الشدائد، فإنه كان يحب باكيتا ~~أصدق حب، حتى إنها لو أرادت منذ ساعة لتزوج بها وباتت من الأميرات، ولكنه حين وقف على ~~حقيقة أمرها رثى لها ولخطيبها، وتناسى كل ذلك الحب الذي كان يغلي في صدره كما تغلي المياه ~~في القدور، ولم يعد يخطر له إلا أنه يجمع بين هذين الحبيبين بجامعة الزواج، ويمهد سبيل ~~النجاة لذلك الخطيب الأنوف. # وقد اتفق حين ms080 وصوله إلى النادي أنهم كانوا يتحدثون بصناعة النقش، فيزعم بعضهم أن هذا الفن ~~قد انحط عن مقامه القديم، ويقول آخرون: بل إنه سائر في سبيل الارتقاء، وإنه يوجد كثير من ~~البارعين فيه لم تمهد لهم حظوظهم سبيل الظهور، فاغتنم البرنس هذه الفرصة، وانضم إلى أصحاب ~~هذا الرأي، فأبدى رأيه في هذا الموضوع، ثم قال لهم: ودليل ذلك أنني علمت بالأمس عن فتى يقال ~~أنه أبرع مثال ولا يعرفه أحد، فهل سمع واحد منكم باسم فيلكس المثال. # فقال واحد منهم: إني قرأت منذ يومين هذا الاسم تحت تمثال رأيته من آيات الصناعة. قال: عند ~~من وجدته؟ # أجاب: عند بائع رسوم، وقد أخبرني أن هذا الفتى سيعرض مثالا جميلا في المعرض ~~القادم. # قال: إني أعرف عنوان هذا النقاش، ولا بد من زيارته، فمن يريد منكم أن يصحبني إليه؟ # فأجابه مركيز من الحضور قائلا: أنا. # قال: ألا يزال بيتك في شارع هيلدر؟ # قال: نعم. # قال: إذن سأمر بك غدا بين الساعة الثامنة والتاسعة، وقد اتفقنا على ذلك. وعاد الحاضرون ~~إلى المباحثة في غير ذلك من الشئون. # كان يوجد عند الكونتيس خادم قديم يدعى أنطوان، لازم الكونتيس إلى أن أدخلوها مستشفى ~~المجانين، فجمع كل ما اقتصده في مدة خدمته أربعين عاما، واشترى منزلا صغيرا في شارع ~~أوتيل، فلما هربت الكونتيس من المستشفى بمساعدة الطبيب وباكيتا - كما تقدم - جاءت إلى ~~خادمها القديم مع ولدها السيئ البخت واختبأت في منزله، ولم يكن خوفها من الحكومة أن تبحث ~~عنها بعد فرارها فتردها إلى المستشفى؛ لأن الجنون لا يعد من الجرائم، ولا تقبض الحكومة على ~~المجانين إلا إذا كان في إطلاق سراحهم ضرر على الناس، ولكنها كانت تخاف من البارون - وهو ~~وصيها - أن يعثر عليها ويعيدها إلى المستشفى، فإنه قادر على إثبات جنونها وله الحق بالحجر ~~عليها. # وكانت عائشة مع ولدها عيشة الفقر، ولكنها كانت تعد نفسها من أسعد البشر، فكان فيلكس ~~يشتغل شغل الواثق المطمئن من فوزه في النهاية. # وكان صديقه شارنسون مقيما معه، وقد استخدم سبع ms081 مرات كي لا يكون عالة على صاحبه، ولكنه لم ~~يكن يستطيع الثبات، حتى انتهى بأن قال لصاحبه: إني أنا الذي يجب أن ألقب «بالسيئ البخت» ~~لا أنت. فابتسم فيلكس وقال له: وزد على ذلك أنك ما خلقت قوي الإرادة مثلي. # أما كاستيليون فإنه عاد إلى العمل في مكتب المحامي الذي كان يشتغل عنده، وقد يئس من إعادة ~~الإرث إلى فيلكس بعد أن اختلس منه ميشيل ذلك الصك الذي كتبه البارون كما تقدم. # وكان فيلكس يكسب رزقه بشيء من السعة، وإنما كان الفضل في ذلك لباكيتا، فإنها اتفقت سرا ~~مع أحد تجار التماثيل فكان يشتري من فيلكس بمالها كل ما ينحته فيزيده هذا الرواج رغبة في ~~العمل وتفننا فيه، وهو لو علم أن باكيتا كانت تشتري تماثيله لقنط، ولما بلغ شيئا مما بلغه ~~من الفوز بهذه الصناعة. # وكانت باكيتا تزوره، وهو مع أمه من حين إلى حين، فكان يتنهد وهي تبكي إلى أن قال لها ~~يوما: أقسم لك بالله وبشرفي أني لا أميل إلى سواك، ولا أتزوج غيرك مدى الحياة، ولكني لا ~~أقدم على الزواج إلا متى نلت شهرتي، وخلصت من هذا الجهاد في معترك الحياة؛ إذ لا أستطيع أن ~~أقبل منك درهما. # ففي ذلك اليوم الذي قابلت فيه البرنس أرسلت إلى فيلكس تخبره أنها ستتغدى في حديقة منزله ~~مع كوكليش وامرأته، وجاءته عند الظهر وجاءت بأجود الطعام والشراب، وكان هذا كل ما يقبله ~~منها. # وقد وجدت فيلكس واقفا أمام التمثال الذي كان عازما على عرضه في المعرض، وهو ينظر إليه ~~وعلائم الاضطراب بادية في وجهه، فسألته قائلة: ما بالك مضطرب البال؟ # قال: إني خائف. # قالت: مما الخوف وهذا التمثال من آيات فن النحت؟ # فتنهد وقال: لا أنكر ما تقولين، ولكني أخاف مناوأة الأقدار، فقد تعودت البخت السيئ في كل ~~أعمالي. # قالت: ألا تعتقد أني ملكك الحارس يا فيلكس؟ # أجاب: نعم ... ولكن ... # قالت: ولكنك لا تزال تخاف من صاحب الكلب الأسود؟! # أجاب: نعم، ألا تزالين تشككين بنظراته وتأثيرها؟ # فضحكت وقالت: ما ms082 هذه الخرافات يا فيلكس؟ # فقال لها شارنسون: إنك مخطئة يا سيدتي. # قالت: لعلك رأيته أنت؟ # أجاب: نعم. # قالت: متى؟ # أجاب: حين كنا في الغابات، فبت أعتقد فيه نفس اعتقاد فيلكس. # قالت: أما أنا فإني أرى غير رأيكما، وسأنبئكما بأمر لا بد أن يكون. # قال: ما هو؟ # قالت: هو أن المحكمين في المعرض سيحكمون بالجائزة لتمثال فيلكس. # قال: وبعد ذلك؟ # أجابت: وبعد ذلك يشتري تمثاله أحد المولعين بالفن بما يعادل ثقله ذهبا وسوف ~~تريان. # | الفصل الثاني والعشرون # غادرنا فيلكس وحبيبته باكيتا يتحدثان عما يكون من أمر التمثال الذي صنعه فيلكس؛ ليعرض في ~~معرض التماثيل والصور، وكانت باكيتا في ذلك النهار ملازمة فيلكس وأمه، ثم عادت إلى منزلها ~~لتستقبل البرنس الروسي، أما فيلكس فإنه نام تلك الليلة وكان يحلم بالفوز، ولم يكن يطمع ~~بالنجاح إلا لطمعه بازدياد حب باكيتا له، فقد كان كلما رآها تنبت في قلبه بذرة جديدة من ~~بذور الحب. # وقد حلم في تلك الليلة أن تمثاله قد قبل في المعرض، ثم نال الجائزة، ثم أحدق به الناس ~~يهنئونه، ثم جاءه أمير من كبار الأغنياء، فبسط أمامه من الأوراق المالية ما يعادل ثروة، ~~وقال له: هذا ثمن تمثالك إذا شئت بيعه، ثم أنعم عليه بوسام، ثم جاءت أمه، فوضعت يده بيد ~~باكيتا وباركت لهما في الزواج. # وقد صحا عند ذلك من رقاده، فأقام هنيهة يفتكر في هذا الحلم السار، ثم عاد إلى الرقاد، ~~فعاوده الحلم نفسه، ولكنه اختلف في آخره، فقد وجد نفسه في إدارة المعرض، ووجد الناس محدقين ~~به، ولكنه لم يجد الرجل صاحب المال. # ثم رأى أن الزحام قد اشتد، وحال الناس بينه وبين تمثاله، فجعل يخترق صفوفهم حتى تمكن بعد ~~الجهد من الوصول إليه، وهناك صاح صيحة هائلة؛ ذلك أنه رأى رجلا انهال على تمثاله بمطرقة من ~~حديد فحطمه تحطيما، والناس سكوت من حوله، كأن على رءوسهم الطير ... أما هذا الرجل فقد كان ~~صاحب الكلب الأسود الذي كان يعاوده منذ كان في المهد صبيا. # وعند ذلك أرعدت ms083 السماء، فصحا من رقاده لهزيم الرعد، وأومض البرق، فرأى على وميضه تمثاله ~~الذي رآه في الحلم محطما، وأقام بقية ليلته ساهرا لا يستطيع الرقاد، بل لا يريده حذرا من ~~أن يعاوده هذا الحلم الرهيب، فيرى تحطم تمثاله الذي كان يشتغل فيه منذ عام. # وعند الصباح دخل عليه شارنسون فقال له: ماذا أصابك في هذه الليلة؟ فقد كانت أمك تسمع صوتك ~~كل الليل. # قال: لقد رأيت الكلب الأسود في حلمي. # ثم قص عليه حلمه. فقال له شارنسون: لقد أصبحت الآن على رأي باكيتا، ولم أعد أخاف صاحب ~~الكلب الأسود، فإنك تماديت في الخوف منه حتى بت تراه في أحلامك. # وفيما هما يتحدثان؛ سمعا صوت مركبة وقفت عند الباب، فأطل شارنسون من النافذة، ورأى رجلين ~~تدل مركبتهما وملابسهما على أنهما من كبار الأغنياء. # وقد خرجا من المركبة وطرقا الباب، ففتح لهما الخادم أنطون، وسألاه إذا كان المسيو فيلكس ~~في المنزل، فهرع فيلكس إلى استقبالهما، وبادره واحد منهما بقوله: إن اسمي يا سيدي يحن إلى ~~سماعه أصحاب الفنون الجميلة، فإني أدعى البرنس ماروبولوف، وقد أتيت أستأذنك بمشاهدة ~~تماثيلك. # فانحنى فيلكس بملء الاحترام، ومشى أمام الرجلين إلى المعمل. # ودخل فيلكس المعمل، وتبعه البرنس ورفيقه وفي أثرهم شارنسون، فوقف البرنس على عتبة باب ~~المعمل وقفة المندهش المأخوذ؛ إذ رأى ذلك التمثال الذي عزم فيلكس على عرضه في المعرض، ثم ~~التفت إلى صديقه المركيز، وقال له بصوت سمعه فيلكس: إنهم لم يخدعوني، وإن الرجل يستحق أن ~~يكون من أهل الشهرة. # فخفق قلب فيلكس سرورا. ودنا البرنس منه فقال له: لا شك أنك كثير الانشغال، وأخاف أن نكون ~~قد أزعجناك بهذه الزيارة؟ # قال: كلا يا سيدي! فأهلا بك. # قال: إني أبني قصرا في الشانزليزه، وأود أن أزينه بالنقوش، وأن يتولى رسمها الأكفاء ~~مثلك، فإني أراك من أساطين هذه الصناعة. # فانحنى فيلكس وقد احمر وجهه لهذا الثناء. # فقال له البرنس وقد أشار إلى التمثال: أليس هذا التمثال من صنعك؟! # أجاب: نعم يا سيدي، وإني أشتغل به منذ عام. ms084 # قال: أليس في نيتك أن تعرضه؟ # أجاب: نعم، وسأرسله غدا إلى المعرض. ~~- أبشرك بأنهم سينعمون عليك بوسام، والآن فاعلم أني رجل حر الضمير، لا أحب المؤاربة وإني ~~أحدثك بملء الصراحة، فإني من المولعين بالفنون الجميلة، وقد اتصل بي أمر تمثالك، فأتيت ~~خصيصا مع صديقي المركيز كي أشتريه منك قبل عرضه. قال: ولكني يا سيدي ... # قال: وكنت أستطيع أن أصبر، فأشتريه بعد العرض، ولكني أريد أن يعلم الجميع أنه لي حين ~~عرضه، ورجائي أن تعذرني، فإني من عشاق الفن الذين يقال عنهم أنهم أصغر عقولا من ~~الأطفال، وأشد جزعا من النساء، فلا أستطيع أن أصبر فأشتريه عند العرض. # فطاش عقل فيلكس، ولم يدر ما يجيب، ومضى البرنس في حديثه فقال: أما الثمن فعليك أن ~~تعينه، وأرجو أن تعلم أني لا أحب المساومة في مثل هذه الصفقات. # وكان شارنسون واقفا وراء فيلكس فهمس في أذنه قائلا: اطلب غاليا ... ثلاثة آلاف فرنك ... ~~وقد سمع البرنس هذه الكلمات فابتسم، وخشي أن يعمل فيلكس بنصح صاحبه ويطلب هذا الثمن، فقال ~~له: تقول إنك اشتغلت عاما بهذا التمثال، أليس كذلك؟ # أجاب: هو ذاك يا سيدي. قال: إذن أيرضيك أن تبيعني إياه بخمسة وعشرين ألف فرنك؟ # فاصفر وجهه بعد الاحمرار، وحسب أنه حالم فلم يجب، ولم يقو شارنسون على الوقوف، فجلس ~~على كرسي، وقرص يده كي يتحقق أنه في يقظة. # أما البرنس والمركيز فإنهما ابتسما مما رأياه، وأخذ البرنس محفظته فأخرج منها ورقة وقال: ~~إني سأعطيك حوالة لأمر حاملها بقيمة خمسة وعشرين ألف فرنك على مصرف «هوتنجر ~~وشركائه». # وقد حاول أن يكتب الحوالة ولكن فيلكس كان قد ثاب من ذهوله فقال له: لا تفعل يا سيدي فإن ~~هذا محال. # فذهل البرنس وقال له: كيف تقول إنه محال؟ # قال: دون شك، فإني لا أستطيع أن أقبض ثمن التمثال إلا حين تسليمه، ولا سبيل إلى تسليمك ~~إياه الآن. # وكانت باكيتا قد روت للبرنس أمورا كثيرة عن أنفة فيلكس، فتوقع منه هذا الرفض وقال له: ~~أرجو أن تعذرني، فإني لا ms085 أرى رأيك . # قال: ولكن ... يا سيدي ... ~~- إني ما أتيت إلى هنا إلا لأني واثق من امتلاك هذا التمثال الذي ستكثر المزاحمة عليه في ~~قاعة المعرض. # وأنا بعتك إياه، ويجب أن تكتفي بكلامي. ~~- إني لا أشك في كلامك، وقد وثقت كل الثقة، فاسمح لي أن أعطيك عربونا. ثم أخذ أوراقا ~~مالية بقيمة خمسة آلاف فرنك فدفعها إليه، ثم قال له: سأمر بك بعد يومين، أتفق معك على ~~النقوش التي سترسمها في منزلي الجديد، فإني مدعو الآن إلى الطعام مع صديقي المركيز، وقد ~~ودعاه وانصرفا. فوقف فيلكس حائرا منذهلا يقول: إني لا أصدق ما كان، وأظنني حالما، فقال ~~له شارنسون: وأنا مثلك فإن مثل هذه السعادة يندر أن تحدث لأمثالنا في اليقظة ... وعند ذلك فتح ~~باب المحترف ودخل منه رجل فقال: لقد بلغت أوج السعادة يا فيلكس، فقد بات الأمراء ~~يزورونك. # وقد قال هذا القول، وبرقت عيناه ببارق من الحسد، واصفرت شفتاه، مما يدل على أن الحسد قد ~~بلغ منه أقصى حدوده، غير أن فيلكس لم ينتبه إلى شيء من ذلك، فقد شغله هذا الهناء الذي هو ~~فيه عن كل ما عداه في الوجود. # وكان هذا الرجل الذي دخل في مقتبل الشباب لا يتجاوز الخامسة والعشرين من العمر، طويل ~~القامة نحيف الجسم، تدل نظراته على الرياء وابتسامه على الكذب والمخادعة. # وكان يدعى «أنتنور»، وهو مصور، غير أنه لم يكن من أهل الحذق في صناعته، فكان أكثر ~~عملائه من طبقة الفقراء لرخص أثمان صوره؛ إذ كان يرسم الصورة كلها بعشرين فرنك أو بعشرة ~~فرنكات. # وكان من أظهر عيوبه الحسد، فلا يسوءه أمر مثل هناء سواه، حتى إنه كان يؤثر الخسارة على أن ~~يرى سواه من الرابحين، ثم إن داء الحسد كاد يكون مرضا مستحكما فيه، فإن حسده لم يكن ~~قاصرا على الذين يعرفهم، بل كان يتناول جميع الناس على السواء، مثال ذلك أنه إذا كان ~~جالسا في نافذة غرفته، ومر به رجل في مركبة فخمة، أو مر به إنسان عليه ظواهر النعمة غضب ms086 ~~وأرغى وأزبد ، وجعل يشكو حظه العاثر، ويهدد السماء بقبضتيه، فما رأى نعمة على إنسان إلا ~~وتمنى زوالها، وما سره غير شقاء الناس. # ومع ذلك فقد كان رزقه ميسورا لا سبيل إلى الشكوى منه، ولكنه فطر على الحسد الذميم، فكان ~~يشتغل نصف يومه بالارتزاق، وينفق بقية يومه مشتغلا في قطع رزق سواه. # وكان يقيم في منزل مجاور لمنزل فيلكس، وسطح منزله يشرف على مسكن جاره، بحيث إذا صعد إلى ~~السطح يرى كل ما يجري فيه. # ثم إنه علم بأن جاره يلقب «بالسيئ البخت» ومن كان له هذا اللقب لا يكون من أهل السعادة، ~~فاتصل به بسبب الجوار، وبات من أصدقائه، وإنما فعل ذلك كي يلزمه، ويطلع على أخباره السيئة ~~كي يمتع نفسه بشقائه؛ إذ لم يكن يلذ له غير شقاء الناس. # غير أن هناءه بشقاء جاره لم يكن دائما، فقد كان ينغصه زيارة باكيتا الحسناء لفيلكس من ~~وقت لآخر، فتثور فيه عوامل الحسد، فيحقد عليه ويهيج غضبه لا سيما حين يرى أنها تهواه، وأنه ~~سعيد في حبها، فكان يزور فيلكس في أكثر الأحيان فيستقبله خير استقبال، وأنى له أن يعلم ما ~~يجول في قلبه من الحسد، فكان يراه يصور ذلك التمثال البديع، ويرى في كل يوم منه ما يدل ~~على بلوغه أبعد حدود الإتقان في الصناعة، فيحم من حسده، ويود لو خسر عاما من عمره ~~وتمكن من تحطيم ذلك التمثال؛ إذ أيقن أنه سيكون له شأن، وأن جاره سيبيت من النابغين، ويذكر ~~اسمه في عداد المشاهير. # وقد كان اتفق قبل يوم أنه رأى من نافذة غرفته باكيتا وفيلكس يتنزهان في الحديقة، فكاد يجن ~~من حسده، وبات من غيظه بليلة الملسوع، ثم رأى في اليوم التالي أن أميرا روسيا ومركيزا ~~فرنسيا يزوران هذا الجار السعيد، فكان ذلك غاية الغايات، وكاد يسقط مغشيا عليه من ~~القهر؛ لأنه كان يعرف هذين الوجهين بالنظر. # وقد صبر إلى أن خرجا من عنده، فدخل إثر خروجهما على فيلكس وهو لا يزال متأثرا من فوزه، ~~فجعل ينظر إليه ms087 وإلى شارنسون وإلى الأوراق المالية التي كانت لا تزال على المائدة، وهو يكاد ~~يذوب من الحسد. # أما فيلكس فإنه أسرع إليه حين رآه، فصافحه وقال له بلهجة الصديق الودود الذي يريد أن ~~يشارك صديقه بهنائه؛ قل لي أيها الصديق: أأنا في حلم أم في يقظة؟ # فقال له أنيتور: ماذا حدث أيها الصديق؟ # قال: إن البرنس قد اشترى التمثال الذي صنعته. # قال: أحق ما تقول؟ # أجاب: انظر! مشيرا إلى الأوراق المالية. # فنظر إليها وقد اصفر وجهه، فقال: هذه خمسة آلاف فرنك. # قال: لقد أخطأت، فليست هذه القيمة سوى عربون البيع؛ أي دفعة على الحساب. قال: دفعة على ~~الحساب؟! # أجاب: نعم، فإن أصل الثمن خمسة وعشرون ألف فرنك. # فضحك أنيتور ضحكا هيستريا، وقد هاج به الحسد حتى إنه لم يعد يدري ما يصنع، فقال: الحق ~~إنها ذكية الفؤاد تعرف كيف تفيد. فذهل فيلكس وقال له: من تعني؟ # قال: هي. # قال: من هي؟! # أجاب: باكيتا، فتراجع فيلكس منذعرا، وأخذ العرق البارد يتصبب من جبينه. # فقال أنيتور: عجبا ألم تكن داريا بهذا؟! # فانقض فيلكس عليه، فقبض على عنقه، وقال له: تكلم أيها الشقي. # فتخلص أنيتور منه وقال: إن الأمر واضح كل الوضوح، فإن البرنس ماروبولوف يعشق باكيتا وهو ~~دون شك الذي ... # فصاح فيلكس صيحة المصعوق، وانطرح بين ذراعي شارنسون شبه مغمى عليه، فسري عن أنيتور، ~~وطابت نفسه بهذا المشهد الأليم. # غير أن فيلكس لم يلبث أن ثاب إلى رشده، فمشى إلى أنيتور مشية المتوعد، ووضع يده على كتفه ~~فقال له: أوضح ما قلته. ~~- ولكن ماذا تريد أن أقول لك بعد؟ # فقال شارنسون لصديقه: إني أنصحك أيها الصديق أن تقبض على هذا الرجل من كتفيه، وتدفعه إلى ~~خارج الباب. # قال: كلا، بل أريد أن أقف منه على الحقيقة. # فقال أنيتور: أية حقيقة تعني؟ # قال: حقيقة ما قلته أيها الشقي. ~~- ما الذي قلته؟ ~~- قلت إن البرنس ... ~~- نعم، قلت إن البرنس عشق باكيتا. فشعر فيلكس أن رجليه قد وهنتا، وقال له: لقد كذبت ~~أيها الشقي! # قال: وإذا ms088 برهنت لك على أني قلت الحق؟ # أجاب: لا بد لك من أن تبرهن البرهان الساطع الذي لا ريب فيه إذا أردت أن تبقى في عداد ~~الأحياء. وقد اصفر وجهه من الغضب، وتوهجت عيناه، وارتجفت شفتاه، فقال له: نعم إنك كاذب أيها ~~الشقي، وسأسحقك كما أسحق الزجاج، فعلم أنيتور أنه قد تورط؛ لأنه لم يقل ما قاله إلا ~~عرضا، وقد قرأ سورة القضاء عليه في عيني فيلكس، ولكنه تجلد وقال له: إن مثل هذه الأمور ~~لا يكون برهانها حاضرا عند الطلب، فلا بد لك من إمهالي، ولكني سآتيك بالبرهان. # وقد مشى إلى الباب يحاول الانصراف، فاندفع شارنسون في أثره، ولكن فيلكس رده عنه وقال له: ~~دعه يذهب إلى حيث يشاء، فإني أعرف كيف أجده. # فسار أنيتور حتى إذا خرج من الباب اطمأن على نفسه، وعادت إليه قحته فقال: تبا لهما من ~~أبلهين! # أما فيلكس فإنه ألقى نفسه بين ذراعي صديقه، وجعل يشهق بالبكاء، ويروي بدموعه ثيابه وثياب ~~شارنسون. ~~••• # وأما أنيتور فإنه اطمأن كل الاطمئنان، حين صار في الشارع، وأخذ يتمعن في أمره ويقول في ~~نفسه؛ لا أنكر أني سررت سرورا عظيما بشقاء هذا الجار العزيز، ولكني أخاف أن يكلفني هذا ~~السرور ثمنا غاليا، ولا بد لي من التأهب لما قد يحدث، فقد يكون لي شأن جلل مع هذا العاشق ~~الغيور. ثم صعد إلى منزله وهو يقول: إن فيلكس لا يعرفه أحد وهو لا يعرف أحدا، فمن أرشد ~~البرنس الروسي إليه إلا باكيتا؟ وكيف ينقد البرنس خمسة وعشرين ألف فرنك مثل هذا الأبله إلا ~~إذا دفعه العشق إلى مثل هذا الكرم. إني ليس لي بلاهة هذين الرجلين، ولا توجد ممثلة في ~~الوجود تحملها الفضيلة على طرد مثل هذا الأمير الذي يعدونه أعظم غني في هذه البلاد؛ إذن لا ~~بد أن يكون عشيقها بلا أدنى شك، وأظن أني خلفت لأكون من كبار رجال السياسة، ولو أني لا ~~أعرف شيئا مثلهم، ولكن لي ما لهم من قوة الاستنتاج. وقد ذكر وهو يناجي نفسه بهذه ms089 الأقوال ~~أنه رأى مركبة البرنس سارت في طريق غابات بولونيا، فقال في نفسه: لا شك أن هذا البرنس ~~يريد أن يتناول طعام الغداء في سانت كلو أو في فندق مدريد فلأتبعنه لأرى ما يكون. # وقد تردى بوشاح يقيه من البرد، وخرج من المنزل، فسار أيضا في طريق الغابات، وكانت ~~المركبات يندر مرورها في مثل هذه الساعة في طريق الغابات، بحيث سهل عليه أن يصف مركبة ~~البرنس لأصحاب الحوانيت، فعرفوها ودلوه كيف سارت. # وقد علم أن المركبة سارت إلى سانت كلو فسار إليها، فوجد البرنس وصديقه المركيز جالسين في ~~ردهة الفندق المشرفة على الطريق يشربان كأسين من الفرموت قبل دخولهما قاعة الطعام ... فصعد ~~إلى الردهة، وجلس عند منضدة بجانبهما، وطلب أيضا كأسا من الشراب، فجعل يشرب ويصغي إلى ~~الحديث. # وقد سمع المركيز يقول للبرنس: مسكين هذا الفتى، فقد حسب أن أبواب السماء فتحت له. # وكان يعني بهذا القول فيلكس. فابتسم البرنس ابتسامة حزن، وأجابه قائلا: نعم، غير أني حين ~~أخبر باكيتا بما صنعت معه تكون أسعد حالا وأتم سرورا منه، فارتعش أنيتور، ثم سمع المركيز ~~يقول لصديقه: متى عزمت على أن نراها؟ # قال: سأذهب إليها في هذا المساء. ~~- في أية ساعة؟ ~~- بين التاسعة والعاشرة. # فاكتفى أنيتور بما سمعه، ونادى الخادم، فنقده ثمن الشراب، ثم انصرف وقد عرف كل ما أراد أن ~~يعرفه. # | الفصل الثالث والعشرون # سار أنيتور مسرعا، وهو يعد نفسه أسعد خلق الله بهذا البرهان الذي ناله دون أن يبذل في ~~سبيله شيئا من الجهد، وجعل يناجي نفسه فيقول: إن فيلكس شديد الغيرة سريع الغضب، فإذا ~~أخبرته شفاها بهذا البرهان لا أأمن بوادر حدته، وكذلك صديقه فإنه أشد نزقا منه، فخير لي ~~أن أمتنع عن مقابلته، وأن أكتب له كتابا ينوب عن المقابلة. # وقد استقر رأيه على هذا الخاطر، فذهب إلى إحدى المقاهي، فطلب معدات الكتابة، وكتب إلى ~~فيلكس الرسالة الآتية: # سيدي # ما تعودت أن أقول إلا ما أعتبره حقا، فأروي ما أرويه، وأنا على أتم الوثوق، ~~والله يشهد أني ms090 ندمت الندم الشديد على ما زل به لساني اليوم، فقد نغصت عيشك، ~~وجعلتك من أنكد البشر، حتى وددت لو محوت هذه الإساءة بدمي، ولكني خلقت محبا للحق ~~ميالا إلى الصراحة، فساءني أن أراك - وأنت جاري - غائصا في بحار الأوهام، وأردت ~~- على الرغم مني - أن أوقفك على الحقيقة. # إن المدموازيل باكيتا تحبك ولا جرم، فهي تدل بذلك على أنها من أهل الذوق ~~والفطنة. # ولكن أموال الأمير الروسي لها سلطانها على العقول ثم على القلوب، فبها يمكنه أن ~~ينيلها كل مشتهياتها، كأن يشتري لأصحابها أحسن الجياد، وأفخم المركبات، ويشيد لها ~~أعظم القصور، وإن شاءت يشتري لها مجد من تحب. # إنه قول شديد يعز علي أن أقوله لك، ولكنك أحرجتني في هذا الصباح، وحسبتني أتجنى ~~عليك، فأكرهتني على أن آتيك بالبرهان، فلم أجد بدا من أن أبرهن لك على صدق ما ~~أقول، فاعلم الآن أنك أردت أن تقف على حقيقة الصلات الكائنة بين المدموازيل باكيتا ~~والبرنس الروسي، فما عليك إلا أن تتبع إيضاحاتي الآتية: # اذهب قبل الساعة العاشرة من هذا المساء إلى منزل الآنسة باكيتا، أو أكمن بجوار ~~منزلها، وهناك ترى بعينك مركبة البرنس تقف عند بابها، وترى البرنس داخلا منزلها ~~دخول من تعود زيارتها دون كلفة. والسلام عليك من صديقك المخلص. # أنيتور # فلما أتم كتابة هذه الرسالة ضحك وقال: سوف أبلغ بهذه الرسالة كل ما أريد، ثم نادى رجلا ~~من السعاة، فعهد إليه بإيصال هذه الرسالة إلى فيلكس بعد أن دله على منزله، فقبض الرجل ~~أجرته، وانصرف مطمئنا إلى منزل فيلكس وهو لا يعلم أنه يحمل إليه اليأس بشكل رسالة. # أما فيلكس فقد كان من أتعس الناس حالا، وقد بذل شارنسون كل ما في وسعه بغية تعزيته فلم ~~يجد سبيلا إلى العزاء؛ لأن كلمات أنيتور كانت قد علقت بذهنه، ثم أخذت تتجسم وتتعاظم كبقعة ~~الزيت تسقط صغيرة ثم تتسع وتمتد. # وقد كان يقول لصديقه: كيف يقول لي أنيتور هذا القول إذا لم يكن واثقا منه؟ ثم يضرب ~~الجدار برأسه من يأسه، فقد ms091 كانت هذه أول مرة خامره الشك بباكيتا تلك التي نشأ وإياها منذ ~~الحداثة ولم يحب سواها في الوجود، بل تلك التي لولاها تمثل خيالها له لما استطاع التغلب إلى ~~الآن على مصاعب الحياة. # فلما جاءت رسالة أنيتور كان مثلها مثل الصاعقة تنقض على الرءوس، ولم تكن ظواهر حاملها تدل ~~على شيء مما فيها؛ ولذلك فتح له الخادم الباب، وأذن له أن يصعد برسالته إلى فيلكس وكذلك ~~شارنسون، فإنه أخذ الرسالة من الرجل دون أن يخامره شيء من الشك ودفعها إلى صديقه، فلما ~~فتحها فيلكس وقرأها صاح صيحة يأس منكرة، وسقط على مقعد شبه مغمى عليه. # وكانت الرسالة قد سقطت من يده فالتقطها شارنسون، وقرأها فأصيب باضطراب عظيم، غير أنه لم ~~يكن يريد التسليم بصحة ما جاء فيها ويصدق كاتبها، فقال: كلا! إن هذا محال ... إنه بعيد عن ~~التصديق، وأما أنيتور إلا منافق نمام حسود. # فهز فيلكس رأسه وقال: كلا إنه قال الحق. ~~- بل أنت مخطئ أيها الصديق، وفي كل حال فإني سأقف على الحقيقة بجملتها. ~~- كيف ذلك؟ ~~- سأذهب بنفسي في هذا المساء فأكمن بجوار منزلها. ~~- وأنا أيضا. ~~- كلا أيها الصديق! بل أنت تبقى وأنا أذهب وحدي، فأعود إليك بالخبر اليقين، وأقول لك: ~~إن أقوال هذا الزنيم إنما كانت وشايات سافلة فتثق بكلامي، أليس كذلك؟ ~~- لا شك عندي بصدق إخلاصك وطهارة قلبك، ولكن لا تحاول إقناعي فلا سبيل إليه. ~~- أيها الصديق ...! ~~- إني سأصحبك في هذا المساء، فإني أريد أن أرى شقائي بعيني. ~~- لعلك جننت يا فيلكس؟ ~~- كلا! وحبذا الجنون، بل حبذا الموت! ولكن عقلي لا يزال سليما لنكد طالعي، وسأكون ~~قويا على احتمال هذه النكبة، وسوف ترى، وقد سكت بعد ذلك فلم يقل كلمة بشأن باكيتا، ولم ~~يذكر الأمير الروسي بكلمة، وعند الظهر جلسوا إلى المائدة، فرأت أمه من عينيه ما يدل على ~~السويداء، ولم تعلم أن اليأس يجول في قلبه، فقد تمكن من امتلاك نفسه وإخفاء حزنه القاتل عن ~~تلك الأم الحنون التي لو علمت بنكبته لقتلها الحزن لا محالة. ms092 # وفي الساعة التاسعة قال لشارنسون: هلم بنا فقد أزف الوقت، قال: ألا تزال مصرا على ~~الذهاب معي؟ # قال: نعم، فأطرق برأسه، ثم ذهب فجاء بمركبة فصعد الاثنان إليها، وأمر فيلكس السائق أن ~~يذهب بهما إلى شارع سانت لازار، وبعد نصف ساعة وصلت المركبة، فأوقفها في مكان يشرف على منزل ~~باكيتا. # وكانت تقيم في الدور الأول، ويوجد بالقرب من نوافذها مصباح غازي، كان فيلكس يرى على نوره ~~داخل قاعة الاستقبال المشرفة على الطريق، وقد أوقف المركبة، وأقام ينتظر بملء السكينة، ~~فكانت سكينته ترعب شارنسون، وهو لا يجسر أن يقول له كلمة. # حتى إذا أزفت الساعة العاشرة أقبلت مركبة فخمة، ووقفت عند باب باكيتا، ثم خرج منها رجل، ~~وكان هذا الرجل هو البرنس، وقد شعر شارنسون أن يد فيلكس تضطرب في يده، حين رأى البرنس دخل ~~المنزل، وحين رأى أنه لم يبق سبيل للشك فيه. # أما فيلكس فإنه التفت إلى صديقه وقال له: كيف رأيت؟ أوثقت الآن؟ فلم يجبه بكلمة، وأمر ~~المنكود السائق أن يعود إلى المنزل. ~~••• # أما أنيتور صاحب هذه الفعلة المنكرة الشنعاء، فإنه عاد إلى منزله في المساء، وأقام ينتظر ~~ما يكون من نتيجة رسالته. # وقد رأى فيلكس وشارنسون خرجا من المنزل في الساعة التاسعة، فأيقن أنهما ذاهبان إلى منزل ~~باكيتا، وأن الرسالة فعلت فعلها، ولكن بقي عليه أن يعلم ما يكون من تأثيرها بعد عودتهما، ~~فوقف وراء زجاج النافذة يراقب رجوعهما، فرآهما عادا وأعطيا السائق أجرته دون أن يبدو عليهما ~~شيء من علائم الاضطراب، وقد دخلا المنزل، فلم يعد يرى شيئا، ولكن سطح منزله كان يشرف على ~~غرفة فيلكس، فصعد إلى السطح كي يهتم بمراقبته، فقد راعته سكينتهما، وخشي أن يكون الأمر قد ~~انقلب عليه. # وهناك رأى فيلكس وحده في الغرفة وهو عاكف على الكتابة، ثم رآه وضع ما كتبه في غلاف، ووضع ~~في طيه الأوراق المالية التي أعطاه إياها البرنس في الصباح عربونا لثمن التمثال. # فبرقت أسرة أنيتور، وقال في نفسه: إنه يرد المال إلى الأمير، فما عساه ms093 يصنع بعد ~~ذلك؟ # أما فيلكس فإنه بعد أن ختم الكتاب الذي كتبه أخذ مطرقة من حديد، فارتعش أنيتور من الفرح، ~~وانهال فيلكس بالمطرقة على ذلك التمثال فحطمه في بضع ثوان، وكان قد أقفل باب غرفته من ~~الداخل فسمع أنيتور أنهم يطرقون الباب من الخارج. # ولكن فيلكس لم يكن يصغي إلى شيء من ذلك، فلما أتم تحطيم تمثاله ذهب إلى الجدار، فانتزع ~~منه مسدسا، وهم بأن يطلقه على صدغه، ولكن الباب فتح في تلك اللحظة، ودخل منه شارنسون ~~تتبعه امرأة هي أم فيلكس، وقد انقض شارنسون عليه بسرعة التصور واختطف المسدس من يده، فتمتم ~~أنيتور قائلا: تبا لهذا القبيح، فلو تأخر لحظة لقضي الأمر. ~~••• # إن المرء خاضع لناموس السلوان، فهو يتعزى عن كل نكبة في هذا الوجود، مثال ذلك أنيتور، ~~فإنه بعد أن أسف أسفا عظيما لنجاة فيلكس من الانتحار بفضل صديقه شارنسون أقبل يعزي ~~نفسه، فيقول: إني ليكفيني أن يحطم تمثاله، ويرد المال إلى الأمير، ويقنط من التي يحبها، ~~فأية فائدة من موته؟ فإنه لو انتحر لمات مرة واحدة، أما الآن فإنه يموت في حياته مرارا كل ~~يوم. # وقد تعزى بهذا القول، ونزل عن السطح إلى غرفته، فخلع ملابسه ونام آمنا مطمئنا كأنه ~~الإمبراطور تيطس في أيام نعيمه، وكان قد تعب كثيرا في ذلك اليوم، فاستغرق في الرقاد إلى أن ~~تعالت الشمس، ولم يصح إلا حين سمع قرعا شديدا متواليا على باب منزله. # وقد نهض من سريره، وذهب ليفتح الباب، وهو يحسب الطارق عميلا من عملاء التصوير، فلم ~~يتمالك عن إظهار انكماشه حين فتح الباب، ورأى أن هذا الطارق إنما كان شارنسون صديق جاره ~~فيلكس، وكان شارنسون قد زرر سترته إلى العنق وظهرت عليه علائم الخطورة، فما شك أنيتور أنه ~~قادم إليه لشأن جليل. # أما شارنسون فإنه دخل من فوره، فأقفل الباب وقال له: إنك لم تكن تتوقع زيارتي كما أرى؟ ~~قال: كلا! فإنك لم تشرفني بزياراتك قبل الآن. ~~- إني مستعجل، ولا يتسع وقتي لتبادل أقوال لا طائل فيها، فسأخبرك ms094 عن السبب في زيارتي ~~بغاية الإيجاز. فأدرك أنيتور شيئا من قصده ولم يتمكن من إخفاء خوفه. فقال له شارنسون: إن ~~صديقي فيلكس معرض الآن لخطر الموت، فقد أصيب بنوبة شديدة حطم في خلالها تمثاله. # قال: ما هذا الخطأ العظيم؟ ~~- وبعد أن حطم تمثاله أراد أن يقتل نفسه، ولكني حلت دون قصده بمساعدة أمه، وبينما كنا ~~نهتم به ذهب الخادم وعاد بالطبيب، فأخبرناه بكل ما جرى، وأشار علينا أن نخبر المدموازيل ~~باكيتا، وبعد ساعة جاءت باكيتا، ثم جاء بعدها البرنس لعيادة صديقي المنكود، وبعد أن وقفا ~~على حقيقة ما كان؛ انجلى لنا الحق، وعلمنا أنك رجل شقي أثيم، تفضلك الوحوش الضواري. # قال: ماذا تقول؟ # أجاب: أقول إن الوقت لا يتسع لزيادة الإيضاح، فاعلم الآن السبب الذي زرتك من أجله، إن ~~صديقي فيلكس مريض لا يستطيع مبارزتك، أما أنا فقد عولت على قتلك ولم يكن لي وقت لإرسال ~~شهودي إليك، فجئت بنفسي كي نتفق على شروط القتال في الحال، فحاول أنيتور أن يماطل كسبا ~~للوقت، فقال: إني لا أجد سببا وجيها يحملني على مبارزتك، ومع ذلك فإني راض بها، فأرسل ~~إلي شهودك. # قال: لقد قلت لك إني أتيت بنفسي كي أتفق معك الآن فإني إذا أمهلتك إلى أن يحضر الشهود ~~أركنت لا محالة إلى الفرار. # قال: إنك تمزح. # أجاب: بل أقول الجد، فإن مركبتي واقفة تنتظر عند بابك. # قال: لماذا؟ # أجاب: سوف ترى، فإنه يوجد في هذه المركبة سيفان ومسدسان، أحدهما المسدس الذي حاول فيلكس ~~أن ينتحر به. # قال: ولكن ليس لديك شهود. # أجاب: سأجدهم حالا. # قال: وأنا ليس لي شهود. # وقال: سنجد شهودك أيضا، فهلم بنا! # قال: لا شك أنك مجنون، أتحسب أني أقاتلك في رائعة النهار؟ # قال: إذا كانت الشمس هي التي تزعجك فاطمئن بالا، فإننا سنتبارز في ظل الأشجار في غابات ~~سيفير. # قال: ولكن أين الشهود؟ # أجاب: سنمر بإحدى حانات سانت كلو، ونطلب إلى أربعة من الضباط أن يكونوا شهودنا فلا ~~يمتنعون. ~~- ولكن لي أصدقاء لا بد لي من ms095 أخبارهم. ~~- أين هم أصدقاؤك؟ ~~- في باريس. ~~- نذهب إليهم. ~~- وإذا أبيت أن أبارزك اليوم؟ ~~- بل تبارزني. ~~- من يرغمني؟ ~~- أنا! ثم لطمه على وجهه لطمة احتقار، ثم فتح سترته، وأخرج مسدسا من جيبه وقال له: لقد ~~أخطأت حين قلت لك إنه يوجد مسدسان في المركبة والحقيقة أنه يوجد واحد منهما معي وهو هذا، ~~فإذا أبيت أن تتبعني أطلقته عليك وقتلتك دون شفقة، فرأى أنيتور أنه منجز وعيده، وآثر ~~المبارزة على القتل، ولم يبق سبيل للتردد، فقال له: هلم بنا! # وقد خرج الاثنان إلى المركبة، فأمر شارنسون السائق أن يذهب بهما إلى سانت كلو. # وعندما رأى أنيتور أنه جالس وحده مع شارنسون في المركبة، وأن هذا العدو الجديد الذي ~~اكتسبه بحسده ورعونة أخلاقه مسلح بمسدس ينذره به في كل لحظة، أصيب برعب عظيم، شأن جميع ذوي ~~الكيد والأخلاق المنحطة. # وقد كان يقول: إن المبارزات همجية محضة ومن متخلفات القرون الوسطى، وإنما كان يقول هذا ~~القول بين أصحابه لجبنه، حتى إذا دعي يوما إلى المبارزة يتمسك بهذا المبدأ، ويتخذه ~~ذريعة للتنصل دون أن يتهم بالخوف. # أما شارنسون فقد كان مصمما على مبارزته، لا يثنيه شيء عنها، حتى إنه كان ناويا قتله إذا ~~امتنع، فكان يصوب عليه المسدس في الطريق حذرا من فراره. # وسارت المركبة، فاجتازت الغابات، وذهبت مسرعة إلى جهة قرية بولوني، ولم يكن أنيتور يعرف ~~أحدا في هذه القرية، فما عسى ينقذه من موقفه الرهيب؟ # وكان كلما شعر أن المركبة تقترب من سانت كلو يصفر وجهه، ويشتد خوفه حتى يتحول إلى رعب، ~~وقد رأى شارنسون ذلك منه، فقال له على سبيل التهكم: إني أخاف عليك عاقبة الروع في ساحة ~~القتال، فتجلد فلا ينقذك الخوف مما أنت فيه. وكأنما قد أثر فيه هذا القول وهاج كبرياؤه، ~~والكبرياء تشبه الشجاعة في بعض المواقف، فزال ذلك الخوف الذي كان سائدا عليه وقال له: إني ~~لا بد لي أن أقتلك في هذا المعترك. # قال: ليس ذلك ببعيد بعد أن كدت تقتل صديقي، فإن من كان نذلا مثلك ms096 يكون عادة حسن الطالع، ~~وقد نظر إليه نظرة احتقار صاعقة وامتنع عن محادثته، وسارت المركبة حتى وصلت إلى خمارة ~~«الرأس الأسود»، فأوقفها شارنسون وقال له بلهجة الآمر: اخرج من المركبة واحذر أن يخطر ~~الفرار ببالك. # فوقع هذا الكلام عليه وقع السوط وقال له: كيف أهرب وأنا عازم على قتلك؟! # قال: حسنا! فهلم بنا! # وقد دخل الاثنان الخمارة وكان فيها كثير من الضباط، فنظر شارنسون إليهم نظرة الفاحص، ~~واختار من بينهم ضابطا لا يزال في مقتبل الشباب، وعليه مخائل اللطف وكرم الأخلاق، فحياه ~~وقبعته بيده وقال له: لقد اختصمت يا سيدي الضابط مع هذا الرجل خصاما دعا إلى المبارزة، ~~فاتفقت وإياه اتفاقا تاما على أنه لا بد من قتل واحد منا، ثم إننا نقيم في أوتيل، ~~وجميع أصحابنا في باريس؛ ولذلك عولنا على أن نتبارز في غابات سيفير، وأعددنا السلاح في ~~المركبة التي جئنا فيها، ولم يعد يعوزنا غير الشهود، فأتينا إليك نلتمس مساعدتكم في هذه ~~المهمة، فإن الضابط الفرنساوي لا يمتنع عن هذه الخدمات. # فقال له الضابط: إنك تقول الحق، ولكن اسمح لي أن أسألك سؤالا في هذا الشأن. # قال: تفضل يا سيدي وسل ما تشاء. # قال: أريد أن أعلم إذا كان سبب المبارزة يدعو حقيقة إلى القتال حتى الموت، وإذ كان ~~الصلح غير ممكن بينكما. # فاتقدت عينا أنيتور ببارق من الرجاء، وأجاب شارنسون الضابط موجزا فقال: لي صديق كشقيق ~~وقد وشى هذا الرجل إليه بالمرأة التي يحبها، وقال عنها أقوالا كاذبة فأراد صديقي قتله، ~~ولكنه أصيب عقب هذه الحادثة بحمى تركته لا يعي، فهو لا يستطيع القتال. # فأجابه الضابط قائلا: ما زال الأمر كما تقول فإن السبب وجيه، ولا بد فيه من ~~القتال. # وبعد هنيهة خرج شارنسون وأنيتور من الخمارة وسارا في طريق الغابات يتبعهما الضابط ~~وثلاثة من أصدقائه، فوصلوا بعد ساعة إلى المكان الذي تعين للقتال، فقال شارنسون مخاطبا ~~الشهود: لقد عرفتم - أيها الأسياد - أن السبب الذي يدعونا إلى القتال خطير، وإننا اتفقنا ~~على أن نقتتل حتى الموت، ms097 فتفضلوا بوضع الشروط على هذه القاعدة، فعين الشهود الشروط، ~~واقترعوا على السيف والمسدس، فإذا أنيتور كان يود أن يكون القتال بالسيف؛ لأنه أقل خطرا، ~~ولأن الجرح البسيط فيه يدعو إلى توقيف القتال، خلافا للمسدس فإن رصاصه يعطب كيفما أصاب، ~~ولكن القرعة أصابت المسدس، فامتقع وجه أنيتور بصفرة الموت، وأخذت أعضاؤه ترتجف حين أعطوه ~~المسدس حتى رق له الضباط. # وقد أوقفوهما في مواقف القتال، وكان لكل منهما الحق في أن يطلق مسدسه متى شاء، فلما صدر ~~أمر الشهود بإطلاق النار كان أنيتور البادئ، ولكن يده ارتجفت من الخوف فأخطأ المرمى، وعند ~~ذلك مشى إليه شارنسون وهو يبتسم ابتسامة المحتقر، فركض أنيتور يحاول الفرار من رعبه، ولكن ~~رصاصة شارنسون أصابته في ساقه، فصاح صيحة ألم شديدة وسقط على الأرض، فأسرع الشهود إلى ~~نجدته، ورد شارنسون المسدس إلى جيبه وهو يقول: إني كنت أوثر قتل هذا النذل ولكني أكتفي ~~بما حدث، فلا يصعد بعد الآن متجسسا إلى السطوح. # | الفصل الرابع والعشرون # مضى على هذه الحوادث عام، وأصبح البرنس ماربولوف الروسي يقيم الآن في قصره الذي شاده في ~~الشانزليزه، ذلك القصر الفخم الذي لا يزال الباريسيون يضربون به الأمثال إلى الآن، وكان ~~الفصل فصل صيف، ومن عادة الأمير أن يبكر بالنهوض فيركب جواده ويسير متنزها بين ~~الغابات. # على أنه في ذلك اليوم لم يتنزه حسب عادته، وقد بلغت الساعة الثامنة وهو لا يزال بملابس ~~البيت في غرفته، وراء نافذة تشرف على ردهة القصر وعلى الشارع، وكان في الردهة جواد عربي ~~كريم يصهل كأنه يدعو سيده بالصهيل وقد استبطأ قدومه. # وكانت أنظار البرنس تتجه إلى الشارع كلما سمع صوت مركبة، وكان كل ما فيه يدل على نفاذ ~~الصبر، إلى أن مرت إحدى تلك المركبات الكبرى التي تنقل المسافرين عادة من المحلة، ووقفت ~~عند باب القصر، فنسي البرنس مقامه ونادى البواب بنفسه من النافذة، وأمره أن يسرع بفتح باب ~~حديقة القصر، فأسرع البواب إلى الامتثال وفتح مصراعي الباب، فدخلت تلك المركبة وفيها نحو ~~اثنتي عشرة حقيبة ms098 من حقائب السفر، وفتح بابها فخرج منه رجل شيخ، نحيل الأعضاء، طويل القامة، ~~يظهر عليه أنه عصبي المزاج، شديد القوة، براق العينين، غليظ الشفتين، تدل هيئته بجملتها على ~~أنه من ذلك الجنس التتري. # أما ملابسه فقد كانت شبه ملابس الشعوب التي تسكن شمال آسيا؛ أي إنه كان مرتديا بمعطف ~~مبطن بالفرو، وعلى رأسه قبعة كلها من فرو السمور، الثمين النادر الوجود، وفي صدره شارة تدل ~~أنه متقلد وسام القديسة حنة، وقد استقبله البواب - وهو روسي - بملء الاحترام مما يدل على ~~أنه من عظماء الروس. # أما البرنس فإنه أسرع إلى استقباله، فعانقه معانقة الأهل أو الأصدقاء، وقال له: لقد وصل ~~إلي تلغرافك وأنا أنتظرك منذ أمس بذاهب الصبر ... # فقال له الشيخ: وأنا تلقيت كتابك يا مولاي، فهرعت إلى تلبية أمرك من فوري، وسافرت ساعة ~~وصوله، فتأبط البرنس ذراعه ودخل به إحدى قاعات القصر، فجلس، وبقي الشيخ واقفا فقال له ~~البرنس: إني دعوتك لتنقذ فتى عجز جميع أطباء باريس عن شفائه وحكموا عليه بالموت. # فلم يجبه الشيخ. فقال له البرنس: إن هذا الفتى صديقي، فرفع الشيخ يده إلى السماء دون ~~أن يجيب. فقال البرنس: إنك أمهر طبيب في جميع روسيا. # قال: هذا الذي يقولونه عني غير أنه يوجد أمراض لا حيلة فيها للطب، ولا يفيد فيها ~~العلم. # قال: هو ذاك، ولكن رجائي فيك وطيد. # قال: أين المريض؟ # أجاب: هنا في منزلي، ولكن لا بد لي قبل أن تراه أن أروي لك عنه ما يجب أن تقف عليه. ~~قال: إني مصغ إليك يا مولاي. # وقد كان هذا المريض - كما توقع القراء - فيلكس نفسه، فروى البرنس للطبيب كل ما عرفه ~~القراء من حكايته، وبسط له اجتهاده، وبساطة عيشه، وشغفه بباكيتا، وكيف هاج ذلك الشقي ~~أنيتور في قلبه عوامل الغيرة حتى أصيب بحمى أضلت صوابه، فحطم تمثاله، وحاول أن ينتحر. ثم ~~قال للطبيب: وقد لبث بعد ذلك شهرا ونحن قانطون منه، فقد أصيب بالجنون، ولكن صوابه عاد إليه ~~بعد ذلك، فعادت إليه الرغبة في العمل، ms099 وأراد أن يعيد صنع تمثاله الذي كان يرجو أن يفوز ~~فيه كل الفوز في المعرض. # وقد وهمت ووهمت المرأة التي يحبها وحسبنا أنه شفي، ولكنا كنا منخدعين فقد كان وجهه ~~يزيد اصفرارا في كل يوم، وبان له خطان زرقاوان تحت عينيه، وكان يسعل سعالا جافا يتمزق ~~به صدره، إلى أن قال لنا الأطباء يوما إنه مصدور، وإن هذا المرض قد استعصى فيه حتى تعذر ~~شفاؤه، فكان بعضهم يقولون: إنه لا يعيش أكثر من ستة أشهر، ويقول آخرون: إنه سيسقط بسقوط ~~أوراق الخريف. # قال: إني أريد أن أراه. # فأخذ البرنس بيده وقال له: هلم بنا إليه. # وكان هذا الطبيب يدعى كوكلين - وهو آسيوي الأصل - ولد قنا (عبدا) في أرض البرنس ~~ماكوبولوف. # وقد أعتقه من الرق جد البرنس؛ أي إنه من عليه بعدم الاشتغال في الأرض، ومنع عنه تلك ~~الضريبة التي كان لا بد لكل قن من دفعها لسيده ولو اشتغل في غير أرضه، وذلك قبل أن ~~يمتنع الرق من بلاد الروس. # وقد درس منذ حداثته الطب، وبرع فيه حتى بات أشهر طبيب في روسيا. # واتفق مرة أنه كان طبيب إحدى فرق الجيش فأسره الشركس، وأقام في أسرهم اثنتي عشرة سنة، فلم ~~يكن هذا الأسر في بلاد تقرب من الهمجية ليبعده عن الاشتغال في العلم، بل إنه اكتشف كثيرا ~~من الأسرار الطبية كانت مودعة في صدور أولئك الشراكسة، فلما عاد إلى روسيا تعاظمت شهرته ~~حتى ذاعت في كل البلاد. # على أن كوكلين لم يكن مشهورا فقط بطبه وعلمه، بل اشتهر أيضا بمروءته وكرم ~~قلبه. # ولم يكن ينسى أنه خلق عبدا لأسرة ماكوبولوف، وأن جد هذه العائلة أعتقه من الرق، ~~وعلمه بدلا من أن يشغله بحراثة الأرض، فآلى على نفسه أن يخدم هذه الأسرة الكريمة ويخلص ~~لها الولاء مدى الحياة، فقد كان مدينا لها بالحرية والعلم. # وكان السبب في قدومه إلى باريس، أن البرنس كتب إليه كتابا بسيطا يدعوه فيه إلى ~~موافاته، فترك عملاءه وأشغاله ولبى الدعوة من فوره؛ كي لا يدع البرنس ms100 ينتظره ساعة أكثر مما ~~يلزم لحضوره. أما فيلكس فإنه نقل إلى قصر البرنس في أوائل أيام مرضه؛ لأنه بات من ~~أصدقائه المخلصين، ولم يمتنع عن قبول دعوته لاستحكام الصداقة بينهما، وقد أنشأ معملا ~~للتصوير في قصره، فكان فيلكس لا يخرج من هذا المعمل، وهناك كانت تراه أمه حين تزوره في كل ~~يوم، فإنها بقيت في منزلها في أوتيل، وكذلك باكيتا فقد كانت تزوره هناك كل يوم، أما ~~شارنسون فقد بلغ من كرم البرنس أنه أكرهه على الإقامة في قصره وملازمة فيلكس؛ إذ كان يراه ~~شديد الائتناس به. # فلما دخل البرنس بالشيخ الطبيب المعمل، وجد فيلكس عاكفا على العمل، فقال له البرنس: إني ~~أعرفك أيها الصديق بصديق لي جاء في هذا الصباح من روسيا لزيارتي، فصافحه فيلكس دون أن ~~يخطر له أن هذا الرجل من الأطباء، ثم عاد إلى عمله وجعل يحدثهما وهو يشتغل حسب عادته، ~~فقال له الطبيب: اسمح لي يا سيدي أن أسألك سؤالا لا بأس إذا دل على سذاجتي، فإني ~~تتري. # قال: سل يا سيدي ما بدا لك. ~~- كم يقتضي لك من الزمن أيضا لإتمام هذا التمثال؟ ~~- ستة أشهر على الأقل. # وقد أجابه على سؤاله وعاد إلى العمل، بينما كان الطبيب يفحصه بالنظر أدق فحص، ثم خرج ~~البرنس به فسأله قائلا: كيف رأيت؟ # قال: إن مرضه شديد، ولكنه يبقى عائشا ما زال تمثاله لم يتم. فانتفض البرنس وقال: ولكن ~~ألا يمكن أن تنقذه؟ # قال: إني لا أستطيع أن أتقيد بوعد يا مولاي. # قال: لماذا؟ # أجاب: لأن مرضه ليس في صدره؟ # قال: إذن أين هو؟ فوضع الطبيب سبابته على جبينه وقال: إنه هنا. # قال: إذا كان ذلك فإن شفاءه ممكن. # أجاب: لا أستطيع أن أجزم بشيء. # ثم أطرق مفكرا وسأله قائلا: لعلك تعرفه يا مولاي من عهد بعيد؟ # قال: منذ عام. # قال: أتعلم شيئا من طباعه؟ # أجاب: بل أعرفه حق العرفان. # قال: أكان قبل مرضه قوي الإرادة؟ # أجاب: هذه أخص مميزاته فقد اشتهر بها. # قال: إذا كان الأمر كذلك ms101 فإني أتعهد بإنقاذه. # مضى ثلاثة أشهر والطبيب لا يزال في قصر البرنس يجتمع كل يوم بفيلكس، وفيلكس لا يعلم أنه ~~طبيب، بل إنه لم يكن يكترث لشيء في الوجود إلا لتمثاله، وقد اتفق في تلك الليلة أن جميع ~~الأنوار أطفئت في القصر، ولم يبق نور إلا في القسم الذي كان خاصا بإقامة الطبيب في آخر ~~الحديقة. # أما فيلكس فإنه كان قد أطفأ مصباحه، ولكنه لم يكن قد نام بعد، وقد فتح نافذة غرفته أي ~~نافذة محترفه (معمله) فإنه كان يأبى أن ينام إلا في المعمل، وجلس وراءها يتحدث مع صديقه ~~شارنسون، إلى أن قال له شارنسون، أما أنا فلا أريد ذلك، فظهرت علائم الاستياء على فيلكس ~~وقال له: إنك لا تزال عاملا على مخالفتي، فلماذا تريد أن تمنعني عن النزول إلى ~~الحديقة؟ # قال: لأن الهواء قد برد، والبرد يؤذيك. # أجاب: بل إني أشعر بالهواء محرقا كأنه خارج من أتون. ~~- إذا كان لا بد لك من الذهاب إلى الحديقة فأذهب وإياك. ~~- كلا فإني أريد أن أكون وحدي، فناداه باسمه بلهجة المتوسل، فأجابه فيلكس قائلا: إنك ~~تعلم يقينا بأني ماضي العزيمة وأن إرادتي لا تغلب. ~~- وأنا أيضا لي مثل قوة إرادتك ومضاء عزيمتك. فاتقدت عينا فيلكس ببارق من الغضب، وقال ~~له: لو علمت أنك تخاطر بصداقتنا بهذا العناد لما أقدمت عليه. # قال: ما هذا الجنون؟ ~~- أصغ إلي واعلم أنك إذا لم تقسم لي بشرفك على أن تبقى هنا ... ~~- ماذا يكون؟ ~~- تكون هذه الساعة آخر العهد بيني وبينك. ~~- ولكن لماذا تلح الليلة بالخروج إلى الحديقة؟ ~~- هذا سر لي ما أحب أن أبوح به. فاضطرب شارنسون، ولكنه لم يجسر بعد ذلك على إصراره، ~~فتنهد تنهدا طويلا وسكت. # أما فيلكس فإنه ألقى على كتفه وشاحا وخرج حتى بلغ الباب المؤدي إلى الحديقة، فوجده ~~مفتوحا فقال في نفسه: لقد صحت ظنوني فإن البرنس لا شك عند هذا الرجل، وقد مشى في الحديقة ~~رويدا وهو يقف من حين إلى حين مصغيا، ولا يسير إلا في الطريق المفروشة ms102 بالرمل؛ إخفاء ~~لصوت خطواته، فكان يسمع أصواتا مختلفة شبه الهمس، تصل إلى أذنيه عن بعد. # وفيما هو على ذلك سمع بين هذه الأصوات صوت امرأة فخفق قلبه خفوقا شديدا؛ إذ أيقن أن ~~هذا الصوت صوت باكيتا، وقال في نفسه: إنها لا محالة مع البرنس، ولكن أي شأن لها عنده في هذه ~~الساعة؟ وقد مشى إلى مصدر الصوت - أي إلى المكان الذي كان يقيم فيه الطبيب - فكانت الأصوات ~~تقترب من أذنه، ولكنها كانت لا تزال بعيدة عنه فلا يستطيع أن يتبينها ويفهمها، حتى وصل إلى ~~ما تحت النوافذ ووقف يصغي، ولكنه لم يفهم شيئا أيضا. # وكانت النوافذ عالية، وقد زرعت الأشجار الباسقة عندها، فتسلق شجرة كانت أغصانها ملاصقة ~~للنافذة، وهناك انجلت له الأصوات، وبات يرى داخل تلك الغرفة التي كانت تضيء فيها الأنوار، ~~فرأى في وسطها منضدة كبيرة كان عليها كثير من الكتب والأوراق، ومنضدة أخرى عليها القناني ~~المختلفة وآلات كثيرة شبه آلات المشتغلين بالطبيعيات والكيمياء، ثم رأى كوكلين جالسا قرب ~~المستوقد وأمامه البرنس وهو مصفر الوجه مقطب الجبين، وقد أخذ يد باكيتا بين يديه والدموع ~~تسيل من عينيها، فجمد الدم في عروقه، وجعل يصغي إلى الحديث أتم الإصغاء، وكان كوكلين يتكلم ~~والاثنان مصغيان إليه، فكان مما قاله وسمعه فيلكس قوله: # لقد كان مرض صديقك يا سيدتي نفسانيا محضا في بدئه، فإن هذه الرواية التي رويتها لي عنه ~~أثرت فيه أبلغ تأثير، فقد فتكت نفسه بجسمه، وكان مثله مثل السيف الكثير المضاء يتلفه الغمد، ~~فقال البرنس: ألا يمكن أن تكون مخطئا يا كوكلين؟ ~~- إني أتمنى أن أكون مخطئا، ولكني واثق مما أقول لسوء الحظ. ~~- ولكنه ساكن هادئ منذ حين. ~~- ذلك لأنه يشتغل. ~~- ماذا تعني؟ ~~- أعني أن له الآن غرضا يسعى إليه، وهو إتمام التمثال الذي حطمه، فتتغلب إرادته على ~~المرض وهي ستتغلب إلى أن يدرك هذا الغرض. ~~- ومتى أدرك هذا الغرض؟ ~~- يكون ذلك اليوم بدء نزعه. فغطت باكيتا وجهها بيديها، وجعلت تبكي بكاء مرا، ومضى ~~الطبيب في حديثه فقال: نعم، إن ms103 ذلك اليوم يكون بدء أيام نزعه، فإن إرادته تتلاشى بعد إدراك ~~غرضه، فترتخي أعصابه، وتخمد نظراته بالتدريج، ويحل الضعف محل القوة، ويسري مرض الجسم في ~~مسراه إذ لا تبقى قوة من الإرادة توقف سيره، فيدركه الانحلال تباعا حتى يموت دون ~~ألم. # وكان البرنس يسمع أيضا، فلما وصل الطبيب بقوله إلى هذا الحد، وقف البرنس فجأة وقال: أما ~~سمعتما؟ # فقال الطبيب: ماذا؟ # قال: هنا وراء هذه النافذة قد سمعت حسا، ثم ذهب مسرعا إلى النافذة، وأطل منها فلم ~~ير أحدا، فقال الطبيب: ولكني لم أسمع حسا. # قال: أما أنا فإني سمعت، وأنا على اليقين. ~~- ماذا سمعت؟ ~~- وقع خطوات. ~~- إن الجميع نيام في القصر. # وقد دنا الطبيب أيضا من النافذة وأطل منها باحثا، ونظر إلى جهة القصر، فلم يجد فيه ~~أثرا لأحد، فقال لقد خدعك سمعك يا مولاي. # قال: كلا، فلم أكن من المخطئين. ~~- ولكن ماذا تحسب؟ ~~- تعال معي، فإني أتمنى أن أكون مخطئا، ثم أخذ مصباحا، وخرج إلى الحديقة، فتبعه الطبيب ~~وباكيتا، وكانت السماء قد أمطرت في بدء الليل، فرطبت الأرض، فمشى البرنس إلى جهة النافذة ~~وهو يصوب أشعة مصباحه إلى الشجرة الكائنة بجانب النافذة ويقول: لقد خيل لي أني سمعت صوت ~~انكسار غصن، ثم جعل ينظر إلى الأرض المبتلة تحت الشجرة، فصاح فجأة قائلا: انظرا! ~~انظرا! # ذلك أنه رأى عند جذع تلك الشجرة آثار قدمين، ورأى غصنا منكسرا حديثا ساقطا إلى الأرض، ~~وقد جعل ينظر إلى آثار القدمين نظرات تشف عن الرعب، فقالت له: باكيتا ماذا ترى؟ # قال: أرى آثار قدمي فيلكس، فإنه يلبس حذاء طويل الكعب كما تعلمين، ولا شك أنه كان جاثما ~~فوق تلك الشجرة، وقد أصغى إلى حديثنا وسمع الحكم عليه بالموت. # فصاحت باكيتا صيحة خوف شديد، وسقطت بين ذراعي الطبيب، أما البرنس فإنه جعل يسير راكضا ~~إلى جهة القصر. # وقد ظهر له - وهو يركض - نور في معمل فيلكس، فأيد هذا النور ظنونه، فأمعن في الركض، حتى ~~إذا وصل إلى السلم سمع صوتا يشبه صوت وقع المطارق، ms104 فصعد درجات السلم أربعا فأربعا، وكان ~~كوكلين قد تمكن من لحاقه وهو يحمل باكيتا بين ذراعيه، أما الصوت فقد كان يزيد وضوحا كلما ~~اقترب البرنس من المعمل، ثم سمع البرنس صوت شارنسون قد امتزج مع تلك الأصوات، وصحا خدم ~~القصر، فتسارعوا من كل صوب حتى إذا وصلوا إلى باب المعمل سمعوا شارنسون يقول: ما هذا الذي ~~تصنعه، لعلك جننت؟! # وكان باب المعمل مقفلا من الداخل، فدفعه البرنس بكتفه فانفتح وتجلى له عند ذلك منظر ~~غريب، فإنه رأى فيلكس واقفا أمام تمثاله وبيده مطرقة، وقد حطم بها للمرة الثانية ذلك ~~التمثال، وأصابه بما أصاب به التمثال الأول بعد ما بذله من الجهد العنيف في إعادة صنعه ~~بالرغم عن اعتراض شارنسون. # وقد وقف البرنس والطبيب وباكيتا حائرين منذهلين، ينظرون إلى فيلكس، وهم لا يشكون في أنه ~~من المجانين. # أما فيلكس فإنه نظر إلى الطبيب وقال وهو يبتسم: لقد حكمت علي يا سيدي الطبيب منذ هنيهة ~~بالموت، وقلت: إن اليوم الذي ينتهي فيه صنع تمثالي يكون أول أيام نزعي ولذلك حطمت التمثال ~~لأني لا أريد أن يتم؛ إذ إني لا أريد أن أموت. # | الفصل الخامس والعشرون # يوجد في مدينة باي في سويسرا فندق يعرف باسم «فندق الملوك الثلاثة»، واشتهر أنه خير ~~فنادق سويسرا، ولا سيما بردهته المتسعة التي كانت مياه الرين تنساب تحتها انسياب الأفاعي، ~~وتظهر من يمينها الجبال المعممة بالثلوج البيضاء، ومن اليسار بسط الخضرة الزمردية؛ ولذلك ~~كان يكثر اختلاف الناس إليه، وكلهم من الأغنياء وأصحاب المقامات العالية. # ففي أواخر شهر يونيو سنة 1860 كان بين زوار هذا الفندق رجل تدل نضارة وجهه على أنه لم ~~يبلغ بعد حد الكهولة، ولكن بياض شعره، وانحناء قامته، وضعف همته، كل ذلك كان يدل على أنه ~~بلغ مبالغ الشيوخ، وكان جميع المقيمين في هذا الفندق من الفرنسيين والإنكليز والألمانيين ~~يهربون منه مذعورين حين يخرج من غرفته بعد الطعام، ويجلس بينهم في الردهة. # وكانت ملابس هذا الرجل تدل على أنه من النبلاء، وقد جاء في مركبة ms105 من مركبات البريد يصحبه ~~خادمان، كانا يدعوانه بلقب البارون، وفي أصبعه خاتم من الماس يبلغ حجم فصه حجم البندقة ~~الكبيرة، ولا يقل ثمنه عن مائتي ألف فرنك. # وهو في هذا الفندق منذ ثمانية أيام، لا يظهر لأحد في النهار، يقيم كل يومه في غرفته ويأكل ~~فيها، حتى إذا أقبل الليل خرج إلى الردهة، يستنشق النسيم البليل. ومن عجيب أمره أن الناس ~~كانوا يتشاءمون من وجوده، فإذا جاء بينهم أو ظهر لهم في الردهة انقطعوا عن الضحك، وتفرقوا ~~كأنهم رأوا الشيطان الرجيم، وهو ينشغل عنهم بما فيه لا ينتبه إلى شيء مما يحدثه وجوده ~~بينهم. # وقد قال عنه كونت من الإيطاليين حين رآه أول مرة: إن لهذا الرجل عينا شريرة، فاتخذوا ~~تعويذة للوقاية من عينه أو اهربوا؛ فذلك خير لكم، وبعد العشاء ترك الفندق بعد أن قال: إنه ~~ما زال هذا البارون يقيم فيه، فإن البلايا ستنقض على رءوس المقيمين فيه، وكأنما الأقدار ~~أرادت أن تصح نبوءة هذا الإيطالي، فإنه في اليوم التالي مات رجل من زوار الفندق فجأة حال ~~خروجه من قاعة الطعام، وفي اليوم الذي تلاه اختصم سائح فرنسي مع ضابط نمساوي وهما في ~~الردهة، فأدى خصامهما إلى مبارزة أدت إلى قتل النمساوي؛ فأخذ الأكثرون يميلون إلى تصديق ~~نبوءة الإيطالي، وجعلوا يبرحون هذا الفندق إلى سواه. # أما صاحب الفندق فقد رأى أن وجود هذا البارون عنده سيكون السبب في خرابه، ولكنه لا حيلة ~~له به، فليس في قوانين البلاد شريعة تسري على أصحاب العيون الشريرة، فصبر على مصيبته، وسأل ~~البارون مرة كي يطمئن فقال له: هل في نية سيدي البارون أن يقيم طويلا عندنا؟ # فغضب البارون لسؤاله وقال له: سأقيم ما زلت مرتاحا، وأنا مرتاح على ما أفتكر. # وبعد ذلك بيومين جاء إلى هذا الفندق زائر غريب، وسمع حديث الزائرين عن هذا البارون، فضحك ~~وقال: إني أريد أن أوازن بين قوة عيني وقوة عينه. # فأحدقت الأبصار بهذا الزائر الجديد، ولم يكن قد انتبه إليه أحد من قبل، ودخل قاعة ms106 الطعام، ~~فجعلوا ينظرون إليه نظرات تشف عن الرعب، وقد اعترف من نفسه أنه من أصحاب العيون الشريرة؛ ~~أي إنهم كانوا بواحد فأصبحوا باثنين ... # كان هذا الرجل الذي دخل طويل القامة، براق العينين، يلبس الملابس السوداء وعليه دلائل ~~العظمة، وكانت نظراته تشبه السهام النارية، وهو قليل الضحك، ولكنه ضحك الهازئ المتهكم. وكان ~~حين دخل، دخل في إثره كلبه، وهو يستلفت الأنظار بسواده وبريق عينيه، فانزوى حين دخوله في ~~زاوية الغرفة. # وقد دخلت بعد دخوله فتاة إنجليزية، فرعبت من بريق عينيه، ثم ما لبثت أن علمت أنه كلب حتى ~~اطمأنت وهدأ روعها. # أما الحضور فإنهم بعد أن رعبوا من صاحب الكلب الأسود، جعلوا يحدقون في الكلب، وينظرون إلى ~~صاحبه نظرات المستطلع الفاحص، فقال لهم وهو يبتسم: أحق أن هذا البارون بلغ بعينيه الشريرة ~~هذا الحد؟ # فأجابه أحد الفرنساويين قائلا: هذا الذي يروونه عنه، أما أنا فلا أصدق شيئا مما يقولونه ~~عن تأثير العين. # قال: ولكنك مخطئ، ثم حدجه ببصره، فارتعش الفرنساوي، وحبس لسانه عن الكلام. # وكان أحد الإنكليز حاضرا، فخطر له أن يقاوم نظرات صاحب الكلب الأسود، وبعد هنيهة صاح ~~قائلا: لعل عينك شريرة أيضا؟ # فأجابه بملء السكينة قائلا: نعم! وعند ذلك ابتعد عنه الذين كانوا يجاورونه على المائدة ~~مسرعين، فقال لهم وهو يبتسم: لقد أخطأتم بخوفكم مني، فإن نظراتي لا تصيب الناس بالسوء إلا ~~حين أريد أن أسيء إليهم، فاطمئنوا ولا تخافوا، فإني حسن النية، ولا أريد أن أسيء إليكم في ~~شيء. # فاطمأن الحاضرون بعض الاطمئنان، وعاد إلى الحديث فقال: إن لي نظرات ممغنطة ولها قوة خفية ~~عجيبة أبلغ بها ما أشاء، وأنوم من أشاء، فإذا كان هذا البارون يسيء إليكم بوجوده بينكم ~~فإني أنقذكم منه. # قالوا: ولكن كيف؟ # أجاب: بنظرة. # وقد عاد إلى الفرنساوي زهوه وذكاؤه بعد اطمئنانه، فقال له وهو يضحك: إنك تنقذنا منه، وبعد ~~ذلك؟! # فضحك صاحب الكلب الأسود أيضا، وقال: تريد أن تقول ومن ينقذكم مني بعد ذلك؟! أجاب: هو ~~ذاك. ~~- أنا أنقذكم من نفسي، فإني مسافر ms107 بعد غد صباحا . ~~- ومن الآن إلى هذا العهد؟ ~~- أخلصكم من صاحبكم، فأين يمكن أن أراه. ~~- في الردهة عند المساء. ~~- حسنا! فاعتمدوا علي. ولم يفه بعد ذلك بكلمة، وأتم طعامه بملء الشهوة، ثم خرج من ~~القاعة يتبعه كلبه. # وقد أراد الإنكليزي أن يداعب الكلب من قبيل المجاملة والتودد لصاحبه، ولكنه لم يكد يضع ~~يده على فروته حتى جذبها، وقد اهتز وانتفض، كأنه قد أصيب بهزة من تيار كهربائي، أو كأن يده ~~قد لمست النار. # وتوالت الساعات بعد طعام الغداء، وذهب جميع المقيمين في الفندق إلى الردهة، وبلغت الساعة ~~الثامنة من المساء دون أن يحضر صاحب الكلب الأسود، وعند ذلك نهضت الفتاة الإنكليزية التي ~~كانت قد ذعرت من الكلب، ومشت بضع خطوات في الردهة، فتعثرت بذيل ثوبها، وسقطت على الأرض ~~سقوطا لم تكن تتوقعه ولا يتوقعه أحد، فعاود الناس الرعب، وانقطعوا عن الأحاديث، وقد بلغ ~~الخوف منهم أشد مبالغه، ولم يعلموا أكان سقوط الفتاة من عين البارون، أم من عين هذا الزائر ~~الجديد. # ثم ظهر لهم أن صاحب الكلب الأسود كان يختار قاعة الطعام، حين نهوض الفتاة، فأيقنوا حين ~~دخل إلى الردهة أن هذا السقوط إنما كان منه لا من البارون. أما صاحب الكلب الأسود فإنه دخل ~~غير مكترث لما رآه من رعبهم، ومشى إلى منضدة، فنادى الخادم وسأله أن يأتيه بزجاجة من البيرا ~~وبسيكار هافاني، فجعل يشرب ويدخن. # وعند ذلك دخل البارون يصحبه أحد خدمه، فجلس أيضا في تلك الردهة، وهو يبتسم ابتساما يشف ~~عن الكبرياء؛ إذ كان يعتقد أن جميع الحضور سيهربون حين دخوله كعادتهم، ولكنهم لم يفعلوا ~~شيئا من ذلك، بل لبثوا في مجالسهم كأنهم باتوا واثقين من أن صاحب الكلب أسود سوف يحميهم من ~~عينه الشريرة. # وكان صاحب الكلب الأسود ينظر إلى الحضور دون أن يلتفت إلى البارون، فلما استقر به المقام ~~نهض صاحب الكلب من مجلسه، ودنا منه وسيكاره في يده، فقال له: أتأذن لي أيها البارون أن أشعل ~~سيكاري من سيكارك؟ فانتفض البارون كأن قوة كهربية ms108 قد هزته، وصاح صيحة رعب، ثم تراجع ~~منذعرا، فإن نظراته التقت بنظراته، فانتفض هذا الانتفاض، وأصيب بهذا الرعب الذي لا ~~يوصف. # في الساعة السادسة من صباح اليوم التالي كثر اللجب في فندق الملوك الثلاثة، فقد كان خادما ~~البارون يذهبان ويجيئان، وهما تارة يجيئان عن مركبة الأومنيبوس وتارة يطلبان بيان الحساب، ~~وعلى الجملة فقد كان كل ما يفعلانه يدل على تأهبهما للرحيل، وقد جلس كل زائر من المقيمين في ~~الفندق في نافذة غرفته، وأقام ينتظر رحيل البارون بذاهب الصبر، إلى أن أتت مركبة ~~الأومنيبوس، وحملت صناديق البارون إليها، فكان أشد الناس سرورا بهذا الرحيل صاحب ~~الفندق. # ثم ظهر البارون مستندا إلى كتف أحد خادميه، وهو منحني القامة، وقد تدلت شفته السفلى من ~~الضعف وخمد نور عينيه، فكان من رآه يحسب أنه بلغ مائة عام من العمر، وهو لم يتجاوز الأربعين ~~بعد، ولكن الهم والخوف صيراه إلى هذه الحال. # وقد صعد إلى المركبة وقال لسائقها: أسرع بالابتعاد عن هذا الفندق، فإن كل ما فيه مجلبة ~~للشر، وكان الكلب الأسود واقفا هناك كأنه كان ينتظر مرور المركبة، فلما مرت به نبح مرتين ~~بشكل يختلف عن نباح الكلاب المعروف، فأجفلت الجياد وجمحت. # وكان صاحبه واقفا في ردهة الفندق، وبجانبه ذلك الفرنسي الذي أنكر تأثير العين، فقال له: ~~هل صرت تؤمن بتأثير العين؟ # فأجابه بصوت يضطرب قائلا: شهد الله أنني أول من آمن! # قال: أحق ما تقول؟ # أجاب: دون شك، وإن من ينكر قدرتك يكون من المجانين. ~~- لقد صدقت. ~~- ولكني لم أطمئن بعد كل الاطمئنان. ~~- لماذا؟ ~~- لأني لا أزال خائفا منك، وقد تكون حللت محل البارون، فنكون قد استبدلنا شرا بشر، ~~فابتسم وقال له: ولكني قلت لك: إني لا أسيئ إلا حين أريد. # قال: أي إنك لا تسيء إلا إلى الذين تكرههم. # أجاب: هو ذاك. ~~- إذن أرجو ألا أكون من المغضوب عليهم في عرفك؟ ~~- لماذا تريد أن أغضب عليك، وأنت من أهل الظرف والكياسة كما أرى. # قال: وزوار هذا الفندق ألا تكره أحدا منهم؟ # أجاب: ms109 على الإطلاق. # قال : ولكني كنت أود أن يكون أمرنا معك على خلاف ذلك. # قال: لعلك كنت تود أن أسافر؟ ~~- هو ذاك. ~~- طب نفسا، فإني سأسافر بعد الظهر في القطار الذاهب إلى لوسرن. ~~- أأنت ذاهب إلى لوسرن؟ # أجاب: وبعد ذلك إلى ريت. # قال: إني أدعو لك بالسلامة، ولكن بقي لي سؤال، أتأذن لي أن أسألك إياه. # أجاب: سل ما تشاء. # قال: لقد رأيت منك أنك أكرهت البارون على السفر بنظرة واحدة نظرتها إليه، فهل انتهى ضرره ~~عند هذا الحد؟ # أجاب: كلا! # قال: لعله يصاب بعد ذلك بمصاب؟ # أجاب: دون شك، فهو سيموت موتا عجيبا. # وكان بعض الناس قد دنوا منهما، وسمعوا الحديث، وكان بينهم السائح الإنكليزي، فقال لصاحب ~~الكلب الأسود: إني لو عرفت ذلك من قبل لتبعت البارون، فابتسم وقال له: إنك تستطيع اللحاق به ~~أيها اللورد، فإنه سيكون بعد ثمانية أيام عند «معبد الدين»، فإذا أردت أن تدركه فلك ذلك، ~~ولكني أحذرك من أمر لا بد أن تحذر منه؛ هو ألا تدعه ينظر إليك حين موته. # قال: وإذا نظر إلي ماذا يكون؟ # أجاب: يكون أنك تموت أيضا في العام نفسه. # قال: لا أبالي بالموت فقد كنت عازما على الانتحار في هذا العام؛ لأني مللت ~~الحياة. # وعند ذلك وقفت مركبة سفر عند باب الفندق، وخرج منها رجلان وامرأة، وكانت المرأة بارعة ~~الجمال غير أن وجهها كان يدل على الهم والقلق، وهي لا تفتأ تنظر إلى أحد الرجلين نظرات ~~إشفاق، فإنه كان يمشي مشيا بطيئا يدل على ضعفه، وعلى أنه ناقه من مرض. # أما هؤلاء الثلاثة المسافرون فقد كانوا باكيتا والأمير الروسي وفيلكس الذي حطم تمثاله؛ ~~لأنه لا يريد أن يموت. # وقد عرفهم صاحب الكلب الأسود، وأسرع إلى الاختباء كي لا يروه. # | الفصل السادس والعشرون # وقد كان مضى نحو ستة أشهر على حادثة نبوءة الطبيب التتري التي دفعت فيلكس إلى تحطيم ~~تمثاله. # ومن ذلك العهد لم يعد يشتغل، فقد كان كل همه أن يعيش، وأن يتغلب على المرض حتى يعود إلى ~~إجهاد ms110 قواه بالعمل، ويصبح من مشاهير المثالين، وينال ما يطمح إليه من المجد في هذا الفن، ~~ولم يكن يريد من كل ذلك غير إسعاد باكيتا، فإنها لم تعد خطيبته، بل أصبحت امرأته، فقد تزوج ~~بها منذ ستة أشهر ... # وذلك أنها انتهت بالتغلب عليه، فقالت له يوما بعد تلك الحادثة: أتريد أن تموت دون أن تدع ~~لي اسمك؟ وإنما قالت له هذا القول؛ لأنها كانت تعلم العلم اليقين أن حبها أنجع دواء له، ~~وكانت أمه تعرف ذلك أيضا، فاستعانت بها عليه، وتمكنتا من إقناعه، فعقد زواجهما، وأخذ ~~يتعافى منذ ذلك اليوم. # أما الأمير الروسي فقد تغلبت مروءته على غرامه، فاستبدل ذلك الحب القديم بوداد مكين، ~~واقترح عليهما السياحة معه في جبال سويسرا فوافقاه، وكان يصحبهم شارنسون، ولكنهم أضاعوه في ~~مدينة «باد»، وإليك بيان السبب؛ ذلك أنهم كانوا قد ذهبوا توا من باريس إلى ستراسبورج، ثم ~~ذهبوا منها إلى باد أو «بادن». # وقد كان شارنسون في مدة السفر كثير الهواجس والتفكير، فسأله فيلكس مرارا عن سبب هواجسه، ~~فكان يلزم الصمت ولا يجيب، وعندما وصلوا إلى ستراسبورج دخلت باكيتا مرة إلى غرفته، فوجدته ~~يكتب على ورق ألوفا من الأرقام، ثم سافروا من ستراسبورج إلى باد، فبينما هم في القطار صاح ~~شارنسون قائلا: وجدتها! وجدتها! # فقالت له باكيتا: ما هذه التي وجدتها؟! # أجاب: الطريقة ... # فابتسم البرنس إذ علم قصده، وذهل فيلكس وباكيتا، وقال شارنسون: نعم، إنها طريقة لا سبيل ~~فيها إلى الخطأ، وهي طريقة تفليس بنك الروليت (لعبة من القمار). # فجعل كل من الحضور ينظر إلى رفيقه نظرات تدل على الشك، وقال شارنسون: إني خلقت كسولا لا ~~أحب العمل، ومع ذلك فإني شديد الأنفة، ويعز علي أن أعيش طول عمري بنفقاتكم، فعولت على أن ~~أشتغل وأكسب ثلاثمائة ألف فرنك. فضحك الثلاثة، ووصلوا بعد ساعة إلى باد، وهناك جرب شارنسون ~~طريقته، فنجحت بضعة أيام، ولم يتمكن من تفليس البنك ولكنه ربح كثيرا. # ولما أراد رفاقه أن يواصلوا سفرهم امتنع عن الذهاب معهم، وقال لهم: سوف أوافيكم ms111 متى تم لي ~~ما أريده من جمع الثروة ... فسافروا وتركوه في باد، وهذا هو السبب في افتراقهم. فإن هذا ~~الأبله أراد أن يكون غنيا من القمار. # ولنعد الآن إلى ما كنا فيه، فإنه بعد سفر ذلك الرجل الذي كانوا يلقبونه بالبارون، وصل ~~فيلكس وباكيتا والأمير الروسي إلى فندق الملوك الثلاثة، وكان قد اختبأ صاحب الكلب الأسود - ~~كما تقدم - كي لا يروه، ولكن فيلكس التفت، فرأى كلبه ينظر إليه محدقا بعينيه الصفراوين، ~~فقاوم فيلكس نظراته، وعند ذلك خرج صاحبه من مكمنه يريد الدخول في الفندق، فارتعش فيلكس، ~~وتراجع خطوة إلى الوراء، غير أن ذلك لم يدم غير لحظة، فابتسم ابتسامة الواثق من فوزه وقوة ~~سلطانه على نفسه، ثم مشى إلى صاحب الكلب، وقال له: لقد عرفتك. # فضحك وقال: أحقا إنك عرفتني؟ # قال نعم، فأنت علة مصائبي من حين كنت في المهد صبيا إلى الآن، فإني ما رأيتك مرة إلا ~~أصبت بنكبة. ~~- هذا أكيد. ~~- إذن فاعلم أني لم أعد أخشاك. ~~- أحق ما تقول؟ ~~- بل أنت الذي ستخشاني، فإن سلاحي أمضى من سلاحك. ~~- فقال له بلهجة المتهكم: ما هو سلاحك؟ ~~- إن سلاحي هو «قوة الإرادة». # فطأطأ صاحب الكلب رأسه صاغرا، أما كلبه فإنه أركن إلى الفرار، وقد لبثا هنيهة وصاحب ~~الكلب خاضع صاغر لا يجسر أن يلقى نظرات فيلكس، ثم رفع رأسه ونظر إليه وقال له: أرى أنك ~~غلبتني حقيقة أيها الفتى، فإن سلطاني العظيم الذي يسمونه «النحس» لا يقهره غير قوة واحدة؛ ~~هي تلك القوة الهائلة التي يدعونها «الإرادة». # فابتسم فيلكس وقال: إذن أنت تعترف أنك مغلوب؟ ~~- نعم! ~~- ألم يعد لنظراتك تأثير علي؟ ~~- كلا! ~~- وهل امتنعت عن التحديق إلي، فلا تقرب مني بعد الآن؟ ~~- بل إنك تراني مرتين بعد. ~~- لماذا؟ ~~- لأني أريد في المرة الأولى أن أخدمك خدمة جليلة، وفي الثانية أريد أن أقول لك من أنا. ~~ثم حياه وانصرف، يشيعه فيلكس بالنظر حتى توارى عنه وراء الأعمدة القائم عليها الفندق فوقف ~~مطرقا، وقد تاه في مهامه التفكير، فلم ينتبه إلا لصوت ms112 يقول له: ما بالك تفكر يا فيلكس؟ ~~وفي أي أمر تفكر؟ فالتفت فرأى الأمير الروسي، فقال له: لقد تغلبت عليه والحمد لله، وجعلته ~~يهرب مني كما كنت أهرب منه قبلا. # قال: من هذا؟ ~~- هو صاحب الكلب الأسود الذي كنت أكلمه. # فذهلت باكيتا وقالت: عجبا! إننا ما رأيناك تكلم أحدا! # وقال البرنس: ولا أنا. # فقال فيلكس: كيف ذلك ألم تريا ذلك الرجل الطويل القامة المرتدي بملابس سوداء؟ # فنظر كل من البرنس وباكيتا إلى صاحبه نظرات حزن أليمة تدل على اعتقادهما بأنه ~~مجنون. # وأدرك فيلكس سر هذه النظرات، فابتسم وقال لهم: كلا، لست بمجنون كما تتوهمان، فقد رأيته ~~عشر مرات في حياتي، ولا شك أنه من الجن، أو أنه ذلك الذي يدعونه «قرينة»، ولكل إنسان قرينة ~~- كما تعلمون - تظهر لأصحابها بأشكال مختلفة، وبعضها لا تظهر لصاحبها، ولكنها تناجيه في ~~الخفاء، وإني أعجب كيف أنكما لم تريا الرجل وكلبه! # فقالت باكيتا: إني لم أر شيئا من هذا، ولكني أعتقد «بالقرينة»، وأذكر أن الكهنة يصلون ~~صلاة خاصة لطردها، ألم تعد تخاف منها؟ # أجاب: كلا، فقد غلبتها، فطوقت عنقه بذراعيها، فتركهما البرنس، ودخل الفندق ليهتم بإيجاد ~~الغرف الصالحة له ولهما. # وفي المساء جلسوا إلى المائدة العمومية، وجعلوا يصغون إلى الحديث العام، فسمعوا السائحين ~~يتحدثون بحكاية البارون، وكيف أن صاحب الكلب الأسود طرده بنظرة، وقد عرف فيلكس من كلامهم ~~أنهم يعنون به صاحب الكلب، فكان بعضهم يعجبون كيف أنه برح الفندق، وبعضهم يقولون: إنه وفى ~~بعهده وسافر كما وعد. # ولكن فيلكس لم يقف بانذهاله عند هذا الحد، فإنه رأى حين انتهاء العشاء رجلا دخل قاعة ~~الطعام، وكان هذا الرجل صديقه شارنسون، وقد صاح الثلاثة صيحة دهش، فإن هيئة شارنسون كانت ~~تحمل على الشفقة، حتى لم يجسر أحد منهم على الابتسام لقدومه، وبعد أن استقر به المقام سأله ~~البرنس قائلا: كيف أنت والطريقة التي وجدتها؟ ~~- على أسوأ حال. ~~- ألم تتمكن من تفليس البنك؟ ~~- بل هو الذي فاز بتفليسي، فإنكم بعد أن سافرتم خسرت كل ما ربحته، وكل ms113 ما كان ~~معي . ~~- وكيف أتيت؟ ~~- جاد علي أصحاب البنك بنفقات السفر. فابتسم البرنس وقال: لقد كنت أتوقع لك ذلك، فإنه ~~منذ إنشاء نوادي القمار التي كان يجب على الحكومات محاربتها وإغلاقها، ومعاقبة أصحابها ~~وحسبانهم من أخطر المجرمين، والناس يفكرون في إيجاد الطرق للكسب، فكانوا يلقون ما لقيت من ~~الخسر. ~~- أما أنا فلم أكن أتوقع هذا الفشل. # قال: مسكين يا شارنسون. # أجاب: بل إني لم أكن أتوقع أن أرى الشقاء ممثلا في «بادن» كما رأيته. # قال: كيف ذلك؟ # وقد حاول أن يروي ما رأى وما اتفق له، ولكن باكيتا همست في أذنه قائلة: لا يجب أن نخبر ~~بأمرنا قوما قد لا نراهم غير هذه الليلة؛ لأننا مسافرون في الغد إلى موسكو. # | الفصل السابع والعشرون # مما يزيد في جمال سويسرا، ويجعلها من أبدع بلاد المعمور، تلك البحيرة العظيمة التي طالما ~~هاجت قرائح الشعراء، والتي يعدها أهل سويسرا أرض الموعد وجنة عدن. # وكانت باخرة فاخرة تسير في تلك البحيرة، وقد ظهرت على يمينها جبال «أريت» التي كانت تشبه ~~- بالثلوج المتراكمة على قممها - رأس شيخ معمم بالبياض، وإلى يسارها القصور الفخمة والرياض ~~الغناء، وقد صفا لون السماء، كأنها امتزجت بمياه البحيرة الساكنة الزرقاء. # وكان جميع المسافرين والمتنزهين واقفين على ظهر تلك السفينة يمتعون أنظارهم بجمال ~~الطبيعة، ويتحدثون فرحين بما كان يتجلى لهم من هذه المناظر البديعة التي تسحر العقول، ~~وبينهم ثلاثة رجال هم فيلكس وصاحباه، قد أحدقوا بامرأة حسناء هي باكيتا. # وكانت علائم السرور بادية على جميع الوجوه ما خلا شارنسون، فقد كان منقبض الصدر كئيب ~~السحنة؛ لأنه كان علل النفس بالثروة، فإذا بهذا الرجاء حلم استفاق منه، فوجده أضغاث ~~أحلام، وألفى نفسه أكثر إفلاسا مما كان عندما حاول الربح من وراء المائدة الخضراء. # أما فيلكس فقد كان يستنشق نسيم الصباح بملء رئتيه، ويبتسم لامرأته، ويضغط على يد صديقه ~~الأمير الروسي الكريم، كأنه يشير بهذا الضغط إلى أنه بات من أسعد الناس. # وقد سمع البرنس من يقول لباكيتا: أظن أنه شفي. # فابتسم فيلكس وقال: ms114 نعم، لقد شفيت لأني أردت، ومن أراد فقد قدر. # وفيما كانت الباخرة تسير رأت باكيتا على الضفة اليسرى منزلا أنيقا، فقالت: انظروا، ما ~~أجمل هذا المنزل! # فنظر البرنس وفيلكس إلى المكان الذي أشارت إليه، فرأيا منزلا جميلا تحيط به الأشجار ~~الباسقة، وتتكسر أمواج البحيرة الزرقاء على جوانبه، وتنهدت باكيتا وقالت: كم كنت أود أن ~~أعيش هنا ولو شهرين. # فقال البرنس: أتريدين أن تشتري هذا المنزل؟ وكان واقفا وراءه رجل من أهل سويسرا، سمع قول ~~البرنس الأخير فقال له: لقد فات الأوان يا سيدي، فإن هذا المنزل قد اشتراه منذ ثلاثة أيام ~~شيخ يظنون أنه فرنسي ولا يصحبه غير خادمين، ولكنه مريض جدا، والظاهر أنه على وشك ~~الموت. # قال: كيف عرفت ذلك؟ # أجاب: إني تاجر من أهل برن # Berne # وإني أسافر منها كل ~~يومين إلى زيوريخ # Zurich ~~، وقد كنت وإياه في مثل هذه ~~السفينة منذ ثلاثة أيام، فعلمت أن أيامه باتت معدودة، وإذا صبرت أسبوعين عرض هذا المنزل ~~للبيع؛ إذ لا بد من موت صاحبه. # وبينما الباخرة تسير إذ وقفت فجأة، فإن قاربا خرج من الشاطئ، وسار إليها وهو يلوح ~~براية، وكان في هذا القارب اثنان أحدهما راكب والآخر بحار، وقد خطر لباكيتا خاطر حين وقوف ~~السفينة، فسألت السويسري قائلة: هل يوجد بين البيوت الصغيرة التي نراها في هذه القرية ~~بيوتا معدة للتأجير؟ # قال: نعم يا سيدتي. # فقالت لرفاقها: أتريدون أن ننتهز فرصة قدوم هذا القارب إلينا، فنسير فيه إلى هذه القرية؟ ~~فقال البرنس: أتريدين أن ننتظر فيها وفاة صاحب المنزل الذي أعجبت به. # أجابت: كلا، ولكن هذه البراري أعجبتني، وأظن أن فيلكس يرغب في تمضية بعض الوقت هنا، ~~ولست أعلم لماذا؟ فقال لها فيلكس: ألا تعلمين السبب؟ # أجابت: كلا. ~~- إنه واعدني على اللقاء هنا. ~~- من ذا الذي واعدك؟ ~~- صاحب الكلب الأسود. فجمد الدم في عروق باكيتا من الرعب وحسبت أن الجنون قد عاد إليه، ~~غير أن فيلكس قال لها بملء السكينة: لا تجزعي فإنكم لا ترونه، أما أنا فإني أراه ms115 ماثلا ~~أمامي. # قالت: من هو ؟ ~~- صاحب الكلب الأسود. وقد دل بأصبعه على صاحب الكلب الذي كان يراه حقيقة، ولكنه لم يكن ~~يراه هذه المرة كما تعود أن يراه من قبل، إذ تمثل له واقفا على سطح ذلك المنزل الجميل الذي ~~رأته باكيتا، وقد تعاظم فبلغ أربعة أضعاف حجمه العادي، حتى بان كأنه تمثال «غليوم تل» ~~المشرف على مصب الرين، وكذلك كلبه فقد كان نائما عند قدميه، وقد كبر حجمه على نسبة كبر حجم ~~سيده، وبسط يده إلى فيلكس، كأنه يقول له: احضر لأخدمك الخدمة التي وعدتك بها. ~~••• # وانقضى فصل الصيف، وعاد السياح إلى بلادهم، وتراكمت الثلوج على القمم، واربد وجه السماء ~~بعد ذلك الصفاء، فلم تعد تسمع بعد حفيف الأشجار غير هزيم الرعود وبكاء الأمطار، وقد خلت ~~الفنادق من الزائرين وأقفلت أبوابها، وأخذ الجبليون يتأهبون للقاء عدوهم الهائل وهو ~~الشتاء. # ومع ذلك فقد بقي في قرية «فنتري» بعض الغرباء وهم البرنس ورفاقه. # وكانت باكيتا قد نزلت من الباخرة إلى القارب مع رفاقها، فأوصلهم إلى البر، وذهبوا إلى تلك ~~القرية التي شاق منظرها باكيتا، فاستأجروا منزلا فيها، وهم لا يزالون هناك منذ ثلاثة أشهر، ~~فكانوا يقيمون بجوار ذلك المنزل الجميل الذي لم يكن يخرج صاحبه المريض منه، فيعلمون من هو. ~~وقد جاء زمن البرد القارص، ومع ذلك فلم يظهر فيلكس رغبته في العودة إلى باريس، وأشار ~~البرنس وباكيتا مرتين بالعودة، فكان يجيبهما أنه يريد البقاء هنا، فلم يلحا عليه؛ لأنهما ~~كانا يريانه يثوب إلى العافية، ولم يعد يذكر الكلب الأسود ولا صاحبه، فلم يجدا بدا من ~~الامتثال لرغبته. إلى أن اتفق ليلة أن شارنسون عاد إلى ذكر العودة إلى باريس، فقد كان ذلك ~~اليوم مظلما، لم يبصروا فيه نور الشمس، وكانت السماء غائمة منذ الصباح، ولكن فيلكس امتنع ~~عن الموافقة، فقال له شارنسون: ما هذا الجنون؟! فقد أصبحنا أسرى في هذا المنزل. ~~- ذلك سيان عندي. ~~- ولكن لماذا هذا العناد؟ ~~- لأن عدوي أصبح صديقي، وهو لا يريد أن أسافر. فصاحوا جميعهم قائلين: ms116 ماذا تقول؟ وأي عدو ~~تعني ؟ ~~- صاحب الكلب الأسود. فأطرقت امرأته برأسها حزينة، إذ أيقنت أنه لا يزال عنده شيء من ~~الجنون. # فأدرك فيلكس ما جال في خاطرها، وقال لها وهو يبتسم: كلا لست مجنونا، ولكني أعتقد بصاحب ~~الكلب الأسود؛ لأني أراه في كل يوم. وانظروا إلى هذه النافذة فإننا نرى منها المنزل المقيم ~~فيه ذلك الرجل الفرنسي الذي لا يعرف أحد اسمه، ففي كل مرة أنوي السفر كنت أرى من هذه ~~النافذة صاحب الكلب واقفا على سطح المنزل يشير إلي بالبقاء، فأبقى. # قالوا: ولكنك تعلم يقينا أنه رسول الشر. # أجاب: إن شره لا يصيبني أنا الآن، بل يصيب صاحب هذا المنزل. # قالوا: وأية فائدة لك من ذلك؟ # أجاب: هذا أمر لا أستطيع أن أبوح به، ثم انقطع عن الحديث. # وفيما هم على ذلك سمعوا دويا هائلا لا يقاس به دوي الرعود القاصفة، فتكسر زجاج ~~النوافذ، واهتز المنزل اهتزازا عنيفا، وتشوه وجه البحيرة بالزبد، وأخذت أجراس الكنائس ~~تدق، فجزعوا جزعا شديدا، ما خلا فيلكس فإنه ابتسم ابتسام المطمئن، وقال: لقد وفى صاحب ~~الكلب الأسود بما وعد. # أما هذا الدوي فقد كان سببه أن قطعة عظيمة من الثلج انهارت من قمة الجبل، فكسرت ما كان في ~~طريقها من أشجار الغابة، وهبطت على المنازل فدمرتها. # | الفصل الثامن والعشرون # في تلك الليلة قبل انهيار جبل الثلج بقليل، كان رجلان يتحدثان في ذلك المنزل الذي يقيم ~~فيه الرجل المريض، والذي كان يظهر صاحب الكلب الأسود فوق سطحه. # أما هذان الرجلان فقد كانا ميشيل خادم البارون دي نيفيل وبول سالبري، وأما الرجل المريض ~~فقد كان البارون دي نيفيل نفسه، ذلك الرجل صاحب العين الشريرة الذي ألقى الرعب في قلوب ~~المقيمين في فندق الملوك الثلاثة، ولم يكن مرضه إلا من تقريع ضميره؛ لذلك الجرم الذي ارتكبه ~~ولشدة خوفه من الموت. # فكان ملازما الفراش منذ شهرين، وقد خلا طبيبه الذي كان يعوده كل يوم بخادمه ميشيل في ذلك ~~الصباح، وقال له: إذا كان لسيدك أهل في فرنسا، فيجب ms117 أن تكتب إليهم؛ كي يحضروا إليه، فإنه لا ~~يتم هذا الشهر. # وبعد ذهاب الطبيب أصيب البارون بذهول شديد، ذهب بصوابه وأعقبه هذيان، فكانت تتراءى له ~~أشباح مختلفة، ويردد ذكر اليوم الأخير، وعقاب الله الرهيب. # وقد كان ميشيل وبول سالبري يتحدثان في غرفة مجاورة لغرفة المريض، فقال بول: هل أنت واثق ~~مما تقوله لي؟ ~~- كل الثقة. ~~- ألم يكتب البارون وصيته؟ ~~- كلا، ولمن يوصي بثروته وهو لا أهل له؟ ~~- يوصي بها لي ولك. ~~- هذا الذي أرتئيه، ولكنه لم يكتب وصيته بعد. ~~- ولكنك تعلم مع ذلك ما قاله لنا الطبيب. ~~- دون شك. ~~- إذن إن الوقت غير متسع. ~~- بل لدينا نحو شهر. ~~- إن الإسراع محمود في هذا الموقف. ~~- هو ذاك، ولكننا سنظفر بالمال على أي حال، فإني أعرف أين وضع محفظته، وكل ما فيها أوراق ~~مالية تبلغ قيمتها نحو نصف مليون فرنك. ~~- والعقارات لمن تكون؟ ~~- ستكون لك، إنما لا أحب أن ألح عليه بكتابة وصيته. ~~- لماذا؟ ~~- ألم تعلم أنه يوجد في هذه القرية قوم من الباريسيين؟ ~~- نعم. ~~- أتعلم من هم؟ ~~- كلا. ~~- إذن، فاعلم أن واحدا منهم يدعى فيلكس، وهو صاحبنا الملقب «بأبي النحوس»، فذعر بول ~~وقال: ابن البارون؟ أهذا ممكن؟ ~~- هذه هي الحقيقة. ~~- لقد كانت تمر ساعات بالبارون يشتد عنده تقريع الضمير، فيظهر ميله إلى إرجاع الثروة إلى ~~ابن أخيه. ~~- كلا، فإن هذا لن يكون! ~~- وقد اتفق لي أني رأيت فيلكس وأصحابه يمرون بالقرب من هنا. ~~- إنك ترعبني بهذه الأقوال. ~~- ولكن فصل الشتاء قد هجم، وسيعودون إلى باريس. ~~- لا يهدأ لي بال إلا بعد سفرهم. # وهنا سمعا صوت البارون يصيح وينادي: ميشيل! فأسرع ميشيل إليه، فسأله البارون قائلا: ماذا ~~قال لك الطبيب في هذا الصباح؟ ~~- ولكن ... يا سيدي ... ~~- قل ماذا قال ولا تخف عني شيئا، فإني أريد أن أعرف كل شيء بالتمام. فسكت ميشيل، ~~وقال البارون: لقد قال إني على وشك الموت، أليس كذلك؟ # فأطرق ميشيل برأسه ولم يجب، فقال البارون: إني مستسلم إلى الأقدار، ولكني أريد أن أكتب ~~وصيتي ... أريد أن أرجع إلى ms118 ابن أخي وأمه المال الذي سرقته منهما. فارتعش ميشيل، ودخل عند ذلك ~~بول فطمأنه بنظرة مفادها: اطمئن، فلا يزال في الوقت متسعا لإخفاء هذه الوصية. # ولكن ساء فأله، فإن قطعة الثلج الهائلة قد انفصلت في تلك اللحظة عن قمة الجبل، وسقطت على ~~المنزل فدمرته. ~~••• # وعندما أشرق الصباح، وأخذ الناس يرفعون أنقاض المنزل، وفي طليعتهم فيلكس وشارنسون والأمير ~~الروسي، وجدوا بين أنقاض ذلك المنزل الخشبي جثتين ورجلا لا يزال على قيد الحياة، فإن جسرا ~~من الخشب سقط عليه فكسر ذراعه وساقه، فكان من عجائب الاتفاق أن الرجلين السليمين وهما ميشيل ~~وبول قتلا، والرجل المحتضر وهو البارون سلم من الموت، وكان أول من أخرجه من بين الأنقاض ~~فيلكس، فلما رآه البارون عرفه من فوره، وقال له: سأرد إليك مالك، فلا يزال أمامي بضع ساعات ~~أعيشها لعمل ما يجب عمله، والحمد لله! ~~••• # في ليلة من ليالي الشتاء - وقد مضى على الحادثة المتقدمة عامان - وقفت مركبة فخمة عند باب ~~قصر جميل في شارع فتراندري، وخرج منها رجل وامرأة بملابس الحفلات الراقصة، وهما الكونت ~~والكونتيس دي نيفيل؛ ذلك أن الكونت فيلكس دي نيفيل الذي كان يلقب من قبل «بأبي النحوس» كان ~~قد تمكن بواسطة عمه البارون الذي كان موشكا على الموت، وصديقه الأمير الروسي، وأمه، وكاهن ~~قرية سانت مرتين من إثبات حقيقة مولده بحكم أصدرته المحكمة، وكان البارون قد رد إليه أموال ~~أبيه، وأوصى له بكل ماله الخاص، ومات بعد أن غفر له فيلكس كل إساءته الماضية. # وكان فيلكس قد قضى هذين العامين دائبا في التصوير، وصنع تمثاله القديم أبدع صنع، فأنعمت ~~عليه الحكومة بوسام، قلده إياه وزير المعارف بيده في حفلة حافلة. # وكانت أمه لا تزال في قيد الحياة، وقد عاد إليها شبابها بعد أن عاد إليها ولدها، ففي تلك ~~الليلة عاد فيلكس مع امرأته باكيتا من أحد المراقص بعد انتصاف الليل، وكانت باكيتا قد ~~اعتزلت المراسح، ولم يعودوا يدعونها إلا بالكونتيس، فلما عادا إلى المنزل وجدا الكونتيس - ~~والدة فيلكس - لا تزال ساهرة وهي ms119 تداعب ولدهما، فقد كاد يبلغ عاما من العمر، وهو يشبه ~~والده أتم الشبه كما يشبه فيلكس أباه. # وقد لقي فيلكس من هناء العيش ما لقيته أمه وامرأته وجميع أصدقائه، فإنه بعد استيلائه على ~~ثروة أبيه أنعم على كوكليش صاحب المرسح القديم بمبلغ جزيل، فعاش من ريعه إلى آخر العمر. ~~وعين رأسمال كبيرا لشارنسون، فاشتغل بالتجارة، وفاز فوزا باهرا حتى كاد يصبح من كبار ~~الأغنياء، وأعان باستيليون فاشترى مكتب رئيسه المحامي. # أما الأمير الروسي فإنه تزوج أميرة من أميرات موسكو، وكان في كل عام يزور فيلكس، فيقيم ~~معه ردحا من الزمن. # وقد زالت هواجس فيلكس، ولم يكن يلذ له غير التصوير الذي يقضي فيه عدة ساعات كل ~~يوم. # فبينما هو ذات يوم يشتغل في معمله إذ رأى ضبابا كثيفا قد تلبد في المعمل، ثم رأى في وسط ~~ذلك الضباب رجلا جالسا على كرسي وبين رجليه كلب، فرجع خطوة منذعرا إذ علم أنه صاحب الكلب ~~الأسود، ولكنه لم يلبث أن سكن روعه عندما رآه يبتسم، فقال له: أهذا أنت؟ فإني لم أرك من ~~زمن بعيد. # قال: ألم أقل لك إني سأراك لأخبرك من أنا قبلما أفارقك الفراق الأبدي؟ فاعلم الآن أني ~~لست من الإنس ولا من الجن، بل إني روح الفأل والشؤم، لا يراني غير من أحل فيه، ولا ~~أحل إلا في العقول الكبيرة الناضجة، فقل لمن لا يعتقد بالنحوس والسعود أنه ليس من أصحاب ~~العقول، وهذا آخر العهد بيني وبينك، وعليك سلام الله! # وعند ذلك انقشع الضباب، واختفى الشبح، فنظر فيلكس إلى ما حواليه، فرأى لوحة كتب عليها ~~بحروف كبيرة المبدأ الذي تغلب به على النحس ألا وهو «قوة الإرادة». # وعاش فيلكس مع امرأته وولده أهنأ عيش، وظل أصحابه يداعبونه ويذكرونه بلقبه القديم «أبو ~~النحوس» إلى أن فكر في اختيار لقب جديد هو «أبو السعود». ms120