######OpenITI# #META# URI: 1286NiqulaRizqAllah.FidyatSharaf.Hindawi36816950 #META# Tags: novels #META# ID: 36816950 #META# Title: فدية الشرف #META# AuthorID: 95753607 #META# Author: ألفونس دنري #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 26903941 #META# Translator: نقولا رزق الله #META# Related_books: 1250NotIdentified (TRANSL) #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # | فدية الشرف # | فدية الشرف # تأليف # ألفونس دنري # ترجمة # نقولا رزق الله # يا ابنة الماجد صوني مجده # إن جرح العرض لا يلتئم # وهم الكندي فيما قاله # رب عار ليس يمحوه الدم # | الفصل الأول # كان في مدينة نابولي فتى اسمه بيبو، وفتاة تدعى جرجونة، وهما أخوان أمهما امرأة رقاصة، ~~توفيت حين كان عمر بيبو عشرة أعوام وعمر شقيقته خمسة، فأدخل الغلامان مدرسة الأيتام ~~الفقراء، ثم خرجا منها إلى أزقة المدينة يتجولان فيها، فزاول الفتى كل الحرف ولم ~~يفلح في واحدة منها، وإنما بقيت له مزية واحدة هي حسن الخط، ولا يدري أحد كيف حذق الخط ~~وأتقنه! # أما الفتاة فكانت تبيع الأزهار، ولا بد من أن نقول إنها بهية الطلعة لطيفة الشكل. ثم ~~كبر الغلامان، فلما بلغت جرجونة الخامسة عشرة عمدت إلى حرفة أمها - الرقص ~~- تزاولها في أحد الملاهي، لكنها ما لبثت أن تركت حرفة ~~الرقص خيفة السقوط، لا لعفاف؛ ولكنها أبت أن تزل بها القدم دون نفع كبير يذكر أو غنيمة ~~جسيمة تدخر. فاضطر أخوها بيبو إلى الجد والكد؛ لتحصيل رزقه ورزقها معا. # وقد ذكر أنه كان حسن الحظ؛ فاتفق أن كان في المجلس البلدي منصب خال في قلم التسجيل، ~~وقدر الوظيفة - الماهية - أربعون فرنكا في الشهر، فرفع بيبو عريضة بطلب المنصب الخالي، ~~كتبها بخطه الجميل، فحازت القبول. # ولم يلتفت رؤساؤه إلى كسله، وإنما أعجبوا بمحكم تصويره واستواء سطوره، فارتقى إلى منصب ~~رئيس القلم، وصارت وظيفته ستين فرنكا في الشهر. # وكان بيبو كسلان قاعد الهمة يطمئن إلى الخمول، ولا ينهض من فراشه إلا إذا نبهته أخته، ~~وفضلا عن ذلك فقد كان عمله في المجلس البلدي قليلا فزاده كسلا وقعودا، وفي ذات يوم ~~أيقظته شقيقته من نومه وقالت له بغضب: قم فقد أزف ms01 الظهر وأنت نائم! # فنهض مستمهلا يتثاءب ويتمطى، ويقول: لماذا أيقظتني؟ وماذا جرى؟ فهل احترق البيت؟! ~~قالت: ليته يحترق وأنت فيه إلى يوم القيامة، ألا تخجل من قعودك وتخلفك عن مكتبك حتى ~~الساعة؟ # قال: ما كنت لأبالي بمكتب أكسب من عملي فيه ستين فرنكا، ولئن تخلفت عنه فالمكتب ~~البلدي لا يصاب بالإفلاس. قالت: ليست الستون فرنكا قدرا كبيرا ولكنه كاف لنا، وإلا ~~فماذا يحل بنا إذا طردوك؟ قال: الأمر يسير، تعودين إلى الرقص، فجوقة «سان كارلو» لا تمتنع ~~عن قبولك. قالت: ولكنني أنا أمتنع. # ولبس بيبو ثيابه غير ملتفت إلى شقيقته، إلى أن قال لها: هل عزمت عزما حقيقا على ترك ~~الملاعب؟ أجابت: نعم. قال: إن فتاة حسناء مثلك لا ينبغي أن تتشبث بالفضيلة هذا ~~التشبث. # قالت: ليس امتناعي عن الرقص في الملاعب فضيلة، وما أرى المتاجرة بجمالي عيبا؛ ولكني لا ~~أجد في الملاعب من يصلح لشرائه، فأنا أوثر ما نحن فيه من الفاقة على ذاك الارتزاق القليل، ~~ولما نزل بيبو من البيت التقى بشيخ فقير ضعيف طاعن في السن اسمه الدوق دي لوقا، فحياه ~~وقال له: ادخل لعلك تجد بقية طعام عند جرجونة. # ثم مضى إلى عمله تاركا ذلك الشيخ في موضعه، وكان هذا الرجل دوقا حقيقيا قد تولى ~~أعلى المناصب في بلاط سيسيليا على عهد الملك فردينان الثاني وفرنسوا الثاني ابنه، فلما ~~دخل غالباردي # Joseph Garibaldi # مدينة نابولي في يوم 7 ~~سبتمبر سنة 1860 كان الدوق في خدمة الملك وقد صحبه في فراره، ولما سلمت «جايت» يوم 13 ~~فبراير سنة 1861 بعد حصار أبدى فيه الملك والملكة شجاعة تساويا فيها؛ كان الدوق آخر من ~~خرج من القلعة، وكان سقوط آل بوربون الضربة القاضية على الدوق دي لوقا. أما فرانسوا الثاني ~~الآنف ذكره فكان آخر من استوى على عرش نابولي وسيسيليا؛ لأنهما ضمتا بعده إلى إيطاليا ~~عام 1860 بعدما كانتا مملكة مستقلة منذ نحو عشرة قرون، وكان في وسع الدوق أن يحذو حذو ~~كثيرين من أنسابه، وينضم إلى المملكة الجديدة، ms02 إلا أنه كان عنيدا باسلا، فآثر الإفلاس ~~والضنك، وقال: إن الانقلاب صيرني شحاذا، وسأبقى شحاذا حتى أموت. # ومد يده للسؤال أول مرة وهو لا يزال مرتديا بملابس حسنة، فكان الناس يعجبون منه ~~ويتصدقون عليه. فإذا اجتمع له فرنك واحد اكتفى به وترك التسول، وقصد إلى غرفة له حقيرة ~~مجاورة لغرفة الفتيين بيبو وجرجونة، ولكن ما لبث أن ذاق طعم البؤس لما انقطع الناس عن ~~التصدق عليه، وصار معدودا في عامة المتسولين، ولولا أن العناية سخرت له ذينك ~~الفتيين لهلك جوعا؛ وذلك لأن جرجونة وأخاها تعلقا به فكانا يعطفان عليه، ويشاطرانه ~~قوتهما القليل على ما بهما من فقر، وكان هذا الدوق المفلس قد بلغ الثمانين من ~~عمره. # وكان يسمع شكاة الفتاة الحسناء من سوء الحال ويرق لها. قالت في ذلك اليوم: لقد سئمت ~~عيشتي هذه، ومن كانت مثلي يشق عليها احتمال الفاقة. قال: أصبت والله، فأنت لم تخلقي ~~لهذا الشقاء، ويعز علي أن يعبث بهاتين العينين الساحرتين، او بهذا الشعر الفاحم، وبهذه ~~القامة الهيفاء، ممثل لا يرى السعادة إلا من وراء ستار، إنما أنت ربة تستحقين ~~ما هو أسمى وأشهى. قالت: فما عسى أن أفعل؟ فأطرق الشيخ، ثم قال وكأنه يخاطب نفسه: وايم ~~الحق إذا تم ذلك كان عجبا! # وسمعته فقالت: ما معنى هذا الكلام؟ أجاب: هو خاطر خطر لي. قالت: تكلم. قال: لا ~~يروعني خوفا عليك إلا ضعة نسبك، فهو يحول دون ارتقائك بسهولة. قالت: إني أدعى ~~جرجونة، وحسبي بهذا الاسم نسبا. قال: نعم؛ أي إنك «لا شيء»، فلو كنت ذات اسم يدل على ~~محتد كريم لكان لك شأن آخر. قالت: وما فائدة هذا التمني؟ فنهض الشيخ وانحنى أمامها ~~وقال لها: إن أنا إلا متسول مثلك يا جرجونة، وقد بلغت الثمانين من عمري ... غير أنني ~~مركيز دي كوريولو، وكونت دي كاستلو، ودوق دي لوقا، وهذه ألقاب شريفة ورثتها عن آبائي، فهل ~~يعجبك أن تكوني كونتة، ودوقة، ومركيزة؟ هل تريدين أن تكوني زوجتي؟ # فظنت أولا أنه يمزح، لكنها عرفت من لهجته ms03 أنه يقول الجد، فصاحت تقول: أتدري ما أفعل ~~باسمك لو دعيت به؟ لو دعيت به لاستخدمته ليرفعني لا ليخفضني، وربما اتخذته سلاحا أضرب ~~به، ولكني لا أريد أن تناله مني غضاضة أو يمسه خزي وعار. فأبق اسمك لنفسك يا سمو الدوق، ~~فهو لا يصلح لي، ولئن صرت امرأة ساقطة فاسم جرجونة لا يعاب بل يبقى اسمي وأعتذر به، ومهما ~~أفعل فإنني أرجع إلى حيث كنت وكانت أمي من قبل! ولكنني إذا حملت اسم دوقة دي لوقا عددت ~~امرأة سافلة، وآذيت كل شريف في شرفه! # فأثر هذا الكلام في الشيخ وقابل بينه وبينها، فرأى أنه أحط قدرا من تلك الابنة ~~المتشردة، وفهم أن العظمة قد تكون في النفوس الخاملة، فخجل من نفسه وطرأ انقلاب على ~~فكره، فضم الفتاة إلى صدره سرورا بنزاهة ضميرها وسمو خلقها، ثم تركها ومضى إلى ~~غرفته المجاورة فانطرح على فراشه، وقد خارت قواه عقيب ذلك الانفعال، فأحس بأنه مشرف ~~على الموت، ولم تمض بضع دقائق على هذا الحادث حتى دخل بيبو البيت، فصاحت شقيقته تقول له: ~~ما بالك رجعت؟! إنك تسرق مال الحكومة! فلم يجب بل أوصد الباب وراءه وأقبل عليها، فقالت ~~له: لعلك خائف من اللصوص؟ # أجابها: ربما ... # وجاء فوضع محفظته على خوان وقال: هنا عشرون مليونا؟ فبهتت ثم جعلت تكرر قوله: هنا عشرون ~~مليونا! أرني إياها. # فأمسك ساعدها، وقال: اصمتي واخفضي صوتك لئلا يسمعنا سامع، فالعشرون مليونا ها هنا ~~إنما هي مدفونة، ولا بد من الحفر لاستخراجها، قالت: لم أفهم مرادك! # فبدأ يشرح لها الخبر ومؤداه أنه وردت مراسلة خطيرة إلى رئيس مكتب السجلات البلدية في ~~نابولي، أي إلى بيبو، وأجاب عليها بما عن له أن يجيب، وذلك أن رجلا من باريس كان وكيل ~~أشغال معينا رئيس محكمة السين في باريس ومديرا قضائيا، وكان قد كتب إلى بلدية نابولي ~~يخبرها بأنه عهد إليه بتصفية شركة رجل توفي عن مال كثير، واسم هذا الرجل «جياكومو ~~بلميري»، وقد ترك وصية يذكر فيها أصله ونسبه، ويقول: إنه ينتمي ms04 إلى قوم فقراء من نابولي لم ~~يبق منهم إلا هو وشقيق له أصغر منه سنا اسمه أنطونيو بلميري، وكابد الأخوان نكد الأيام ~~دهرا ثم عزما على المهاجرة لعلهما يصيبان ثروة، وكانا قد تعاهدا على السفر معا غير أن ~~الأحوال قضت بافتراقهما، فسافر جياكومو إلى أوروبا وارتحل أنطونيو إلى آسيا، فأقام الأول في ~~باريس ومكث الثاني في كلكتا، وتراسلا بضعة أعوام تراسلا غير منقطع، ثم بدأ التواني في ~~المراسلة وأدى أخيرا إلى الانقطاع التام. # ويقول جياكومو في وصيته إن آخر نبأ تلقاه من أخيه أنه تزوج امرأة إيطالية اسمها نينا ~~ألسندرى، ورزق منها غلاما دعاه أنيبال، وابنة دعاها كلوديا. ثم كتب جياكومو إلى أخيه ~~مرتين وثلاثا فلما لم يرد عليه جواب، وأخيرا مل المكاتبة وتوقف عنها، ثم شغلته ~~الشواغل فخدم مصرفا فأظهر نشاطا في الخدمة وكفاءة وأمانة في العمل فاكتسب ثقة رؤسائه، ~~ثم صار شريكا لهم إلى أن ابتاع منهم حصصهم واستأثر بالمصرف وحده، وفي أقل من خمسة عشر ~~عاما أصاب ثروة جسيمة، إلا أن دأبه في العمل أثر في جسمه، فاعتل واشتدت عليه ~~العلة، فذكر حبه لأخيه وأنه رزق ولدين، غلاما وابنة، فكتب وصيته وبها يأمر ~~بالتفتيش عن أخيه أنطونيو بلميري الذي سافر إلى الهند الإنكليزية في وقت كذا، ثم أقام في ~~كلكتا، فأوصى بثروته من بعده لأخيه إذا كان حيا أو لأرملته وولديها إذا كان ميتا، أما ~~إذا لم يوجد منهم أحد في قيد الحياة فثروته تنفق على الأعمال الخيرية. # ولما طالع وكيل الأشغال تلك الوصية رأى أن يفتش أولا في مدينة نابولي؛ لأنها ~~الوطن الأصلي لأنطونيو بالميري. # ووصلت هذه المراسلة إلى بيبو فكتب إلى وكيل الأشغال ينبئه بوصولها، ثم عمد إلى الاستعلام ~~رأسا فكتب إلى قنصل إيطاليا في كلكتا طالبا إليه أن يبعث إليه بالإيضاحات والأوراق التي ~~تتعلق بهذه الشركة. ثم لم يعد يفكر في هذه المسألة. فلما وصل بيبو إلى هذا الموضع من ~~خبره صاحت به أخته تقول له: وأين العشرون مليونا؟! فقال لها: صبرا حتى أستوفي ms05 كلامي. ~~قالت: فامض فيه عاجلا. # وقال: في هذا اليوم تلقيت جوابا من قنصل إيطاليا في كلكتا وفيه هذه الأوراق التي ~~ترينها أمامك، وهنا يجب أن تعلمي أن قنصل إيطاليا في كلكتا رجل إنكليزي، وهذا أمر يحدث ~~كثيرا في البلاد النائية، إلا أن الأوراق مكتوبة باللغة الإيطالية وعليها توقيع ذلك ~~القنصل، وفي رسالته أن أنطونيو بلميري وزوجته نينا ألسندرى أقاما في كلكتا معا بعد أن ~~تزوجا على يد القنصل، ثم رزقا ولدين هما أنيبال وكلوديا إلا أنهما توفيا إلى رحمة ~~الله. قالت جرجونة: من الذي توفي؟ أجاب بيبو: كل العيلة، أي: الوالدان والولدان بالوباء ~~الذي تفشى في الهند منذ خمسة عشر عاما. # قالت: هذا فظيع. قال: بل هذا بديع؛ انظري هذا الغلاف الكبير المعنون باسم: «حضرة رئيس ~~قلم السجلات في بلدية نابولي» فهو يحوي أوراقا، وهي: # أولا: # عقد اقتران أنطونيو بلميري بنينا ألسندرى. # ثانيا: # شهادة بمولد أنيبا بلميري وكلوديا بلميري. # ثالثا: # شهادة بوفاة الوالد والوالدة. # رابعا: # شهادة بوفاة كل من الولدين. # فهذه سبع أوراق. # قالت: إذن لم يبق إلا إيداع العشرين مليونا أحد المستشفيات الخيرية؛ لأن الوارثين ~~الشرعيين أموات، أجاب: نعم، إلا إذا اعترضنا ضياع العشرين مليونا على هذا الوجه، قالت: ~~أوضح، أجاب: الأمر يسير، فاسمعي وافترضي أولا: أن ولدي أنطونيو بلميري ونينا ألسندرى لم ~~يموتا، وأن لا وجود لشهادتي وفاتهما بين هذه الأوراق، وافترضي أيضا أنهما أقبلا على ~~المجلس البلدي ليثبتا حقيقة نسبهما ووفاة والديهما، وافترضي كذلك أنهما بالشهادتين اللتين ~~معهما أثبتا حقهما في إرث جياكومو بلميري، فماذا يحدث إذ ذاك؟ # أجابت: يحدث أن الحكومة تعطيهما العشرين مليونا ولا شك في ذلك ولا ريب، ولكن لسوء حظهما ~~أنهما ماتا، وأن الافتراض لا يغني ولا يجدي فتيلا! # قال: بقي عليك أن تفترضي أيضا أنني أنا بيبو أدعى أنيبال بلميري، وأنك جرجونة ~~تدعين كلوديا بلميري أختي، فمن يستطيع أن يقول عكس ذلك؟ أجابت: كل نابولي تعرفنا. قال: ~~نعم، كل نابولي ولكن كل باريس تجهلنا، وإنما يكون تسليم الإرث في باريس لا في ms06 نابولي. قالت: ~~إذا كنت قد فهمت كلامك فخطتك تقضي بأن تحل محل ولدي بلميري الميتين وتقبض إرثهما. أجاب: هو ~~ذاك. قالت: ولكن هذه سرقة. قال: هبي أنها سرقة فهي لا تضر أحدا، ولو لم يوجد الوارثان لآل ~~الإرث إلى الحكومة، وأنت تعلمين أن سرقة الحكومة لا تحسب سرقة؛ لأنها لا تضر أحدا ~~... # فأطرقت جرجونة تفكر. فقال لها أخوها: ما بالك؟ أجابت: افترض أنت كذلك أننا فعلنا كل ~~ما قلته وأخذنا جميع هذه الأوراق بدلا من أن نحبسها في محافظ المجلس البلدي، وسافرنا إلى ~~فرنسا ولقينا وكيل الأشغال، وقلنا له نحن أنيبال وكلوديا، وأبرزنا له هذه الأوراق، فهل ~~يقتنع أنها أوراقنا، أو لا يقول لنا ربما تكونان سارقين إياها؟ وإذ ذاك يبدأ التحري ~~والتحقيق ولا يكون نصيبنا من تلك الملايين إلا الخيبة فالسجن بضع سنين! # فتبسم بيبو وقال: يا لك من فتاة ساذجة، لماذا لا تثقين بأخيك؟ انظري إلى هاتين ~~الورقتين، فما هما؟ أجابت: هما جوازان إذا امتلأ الفراغ الذي فيهما ووقع في ذيلهما، أما ~~في هذه الحالة فلا فائدة منهما. قال: أصبت، ولذلك عزمت على إملاء الفراغ فيهما. # وجلس إلى الخوان لساعته، وأخذ يكتب الجوازين وفيهما وصف بيبو وأخته وصفا تاما، وقد ذكر ~~اسميهما أنيبال وكلوديا، ثم قلد التواقيع التي يجب تذييل الجوازين بهما، فدهشت ~~جرجونة وقالت: لله درك يا أخي! ما أقدرك على الإتقان! والآن فما عسى أن نفعل؟ أجاب: لا شيء ~~سوى حمل هذه الأوراق ما عدا شهادتي وفاة الولدين، فإنهما تحترقان على مذبح ثروتنا ~~الجديدة. # قال هذا القول وتناول الشهادتين فأحرقهما في الحال، ثم قال: بقي علي أن أكتب إلى وكيل ~~الأشغال في باريس بتوقيعي الحقيقي، وصفتي الرسمية، فأخبره بقرب قدوم أنيبال وشقيقته كلوديا ~~بلميري إلى باريس، وهما الوارثان اللذين يبحث عنهما، ويحضران معهما جميع الأوراق الدالة ~~على صحة نسبهما، وبعد ثمانية أيام نسافر أنا وأنت، وإذ ذاك نقبض العشرين مليونا ونتسمى ~~باسمي بلميري. # قالت: لا بأس بالثروة أما الاسم فلا يعجبني، فنظر إليها وهو حائر، فقالت: ms07 ألا تراني أستحق ~~تاج دوقة؟ أجاب: بلا شك، بل تستحقين تاج إمبراطورة، ولكن يهمنا أن نجد دوقا أو ~~إمبراطورا يقدم لك تاجه. قالت: ولكن الدوق دي لوقا نفسه يقدم لي تاجه. قال: لله دره ~~ما أكرمه! فهل عانقته مكافأة له على هذه العطية؟ أجابت: بل رفضتها، أما الآن بعد حدوث ~~ما حدث فلست أرفض، وها أنا ذا ذاهبة لأخبره بقبولي عطيته، وسوف ترى. # وهنا حدثت بيبو بما دار بينها وبين الشيخ الضعيف، فهز رأسه وقال: عسى أن لا يكون ~~المسكين قد عدل عن رأيه، فتبسمت الفتاة وقالت: تعال معي إذن، ودخلا في الغرفة المجاورة، ~~وكان الشيخ دي لوقا مضطجعا مغمض العينين، فألقت جرجونة يدها على كتفه، ففتح عينيه وقال ~~لها: لقد سرني أن أراك أيتها الحبيبة، وأن أرى أخاك أيضا؛ لأن ساعاتي معدودة، وقد ~~اقترحت عليك منذ هنيهة أن تكوني زوجتي فلو رضيت لصرت أرملة بعد وقت قصير جدا. فأجابته: ~~إنني أتيت راضية بالاقتراح، فأنا أريد أن أصير زوجتك. # فنظر إليها مستفهما، فقالت: لقد انكشف لي سر عظيم، وظهرت لي أسرة غنية. قال: لست ~~أريد أن أسألك، ولكن رجلا مثلي ينتسب إلى آل لوقا لا يرجع عن كلامه، إذن ثقي بأنك ~~ستدعين الدوقة دي لوقا، وفي اعتقادي أنك تحرصين على شرف هذا الاسم حرص أصحابه عليه من ~~قبل، ولكن لا بد من التعجيل، والذي أراه أن للحكام الحق في عقد مثل هذا الزواج غير العادي ... ~~فليأت بيبو بواحد منهم ويقل له إنه يوجد رجل مشرف على الموت وهو يدعوه، ثم فليدع لي ~~قسيسا بعد ذلك. # فمضى بيبو والحمى تفترس الشيخ، وجرجونة تعطف عليه، وتبلل شفتيه بالماء البارد، إلى أن عاد ~~بيبو ومعه موظف كبير وأربعة شهود وقسيس، فكتب العقد وتمكن الدوق المحتضر من التوقيع ~~عليه بيد مرتجفة، أما جرجونة فوقعت عليه باسم كلوديا بلميري، ولما سألها الموظف ~~عما يثبت نسبها أرته عقد مولد كلوديا بلميري المصدق عليه من قنصل إيطاليا في كلكتا، ~~فلم يخامر الرجل شك في صدقها، وشهد مع ms08 الشهود الذين جمعوا من قارعة الطريق، ثم خرج الكل ~~وبقي القسيس عند الدوق الشيخ فسمع اعترافه. # وبعد يومين قضى الرجل وعيناه محدقتان إلى وجه تلك الفتاة الحسناء التي ترك لها لقبه، ~~وهو كل ما يمتلك من دنياه. # أما بيبو وجرجونة فلم يقيما في نابولي إلا أياما، فركبا القطار إلى باريس، وجرجونة ~~تقول: أما الآن فإنني دوقة عظيمة؛ لأنني أمتلك الملايين! ~~••• # فلندع الأخوين سائرين في طريق الغنى ولننتقل والقارئ إلى مدينة بوندشيري في الهند؛ وهي ~~عاصمة الأملاك الفرنساوية، فندخل قصر حاكم المستعمرة وهو الكونت دي موري، نجد في إحدى غرفه ~~فتاة في الخامسة عشرة من العمر هي ابنة حاكم المستعمرة، واسمها الآنسة بوليت دي موري، وكانت ~~مضطجعة على مقعد، متشحة بثوب من الموصلينا البيضاء، صفراء اصفرارا رائعا كأنها ~~مائتة، ويؤكد الطبيب روبلين أنها نجت من خطر الموت، ولا يتم لها الشفاء إلا بالحمية ~~الطويلة الأمد والوقاية الشديدة، وكان والدها قرب فراشها وقد داخل نفسيهما شيء من الاطمئنان ~~بعد طول القلق والانزعاج. # وكانت على مقربة منهما شقيقة الكونت دي موري، وقد تعودا أن يدعوها: «العمة باسيليك»، ~~وهي فتاة عانس رغبت عن الزواج، وبقيت في بيت أخيها فصحبته إلى تلك البلاد النائية، وقبل ~~أن يخرج الطبيب من غرفة الفتاة المريضة قالت الكونتة: يجدر بنا الحصول على إجازة بضعة شهور ~~نسافر فيها إلى فرنسا، فهواؤها ينفع ابنتي نفعا جزيلا، فقال لها الطبيب: حاذروا أن ~~تفعلوا؛ فالخطر كل الخطر على المصابين بالحميات الهندية في الارتحال عن هذه البلاد قبل أن ~~يتم لهم الشفاء؛ لأن الداء يعود إلى بدء اشتداده ثم يتعذر شفاؤه. فلا بد من معالجته في ~~موضع ظهوره، وإتمام المعالجة عندما يتفق للمصاب به الشفاء وهو أمر نادر جدا! والرأي ~~السديد أن تمكثوا ها هنا ستة شهور أيضا بل سنة، ثم لا أعترض على سفركم. # ولقد شغل مرض الفتاة والدها الكونت عن الاعتناء بأعماله فأحل محله نائبه وهو المسيو ~~جاستون دي فاليير، وكان فتى شهما كريما كثير التردد إلى بيت الكونت، فلما اطمأن فؤاد ms09 ~~الكونت من نحو ابنته أراد انتهاز الفرصة ومشاهدة حفلة تقام في ضاحية المدينة، ونعني بها ~~الحفلة الزراعية التي تقام مرة في كل عام، ولوجود الحاكم الفرنسي فيها وقع حسن العائدة على ~~النفوذ الفرنسي، فأمر باستعداد حاشيته لمرافقته، ثم مضى يتبعه «ملطار» خادمه المخصوص ~~بخدمته أو حاجبه، وكان هنديا جامعا لفضائل الهنود، خاليا من عيوبهم، مخلصا لسيده ~~ولآل بيته إخلاصا نادرا. فوصل الكونت إلى مكان الاحتفال، وأراد تأدية الاحترام الواجب ~~لديانة الهنود ومراسيمها؛ فظل متعرضا لحرارة الشمس المحرقة حتى قلق رجال حاشيته، لكنهم ~~لم يجترئوا عليه بإبداء ملاحظة، وقال له ملطار: ليس من الحكمة يا سيدي أن تطيل وقوفك ها ~~هنا، فأجابه الكونت إلى ما أراد وأشار إشارة الانصراف، ولما رجع رأى ابنته أحسن حالا، ولما ~~انقضى قسم من الليل أحس الكونت ببرد شديد، ومن العجب أنه شعر أيضا بأن ألسنة من نار تمر ~~في عروقه كل هنيهة، فنام مضطربا، وأصابه بحران، ولما كان الصباح دخل عليه ملطار، فتراجع ~~عنه مذعورا؛ لأنه رأى وجهه متغيرا وسمعه يشكو من آلام مجهولة، وطالما رأى ذلك الخادم ~~أوروبيين يصابون بذلك الداء الخبيث، وتبدو عليهم أعراضه ثم يهلكون به، وهو قد شاهد منذ ~~ثلاثة شهور تلك الأمراض التي ظهرت على ابنة الكونت، فسارع إلى الطبيب فأقبل من فوره، ولما ~~شاهد الكونت علم أنه أصيب بالحمى الهندية الخبيثة، لكنها لم تظهر بعد، فلا بد من ~~مهاجمتها بالعلاج قبل ظهورها الذي يعقبه استفحالها فاستعصاؤها. # فخطر للطبيب أن يستدرك الخطر بالفرار منه، فطلب مقابلة الكونتة، فقالت له: لقد أبكرت في ~~الزيارة أيها الطبيب، فأجابها: ما أتيت هذه المرة لأعود الآنسة بوليت، فاصفر وجهها وقالت: ~~إذن لأجل من أتيت؟ أجاب: لأجل زوجك، فقد أصبح مريضا، ولا مرض حتى الآن باد، ولكن يبدو ~~بعد حين قصير، ويظهر الخطر إذا نحن لم نستدركه في الحال، قالت: فما عسى أن يكون مرضه؟ أجاب: ~~إنه الذي أصاب ابنتك، قالت: وا حرباه وامصيبتاه! # قال: مهلا ولا تيأسي، وما دامت أعراض الحمى غير ظاهرة فالرجاء ms10 باق، ولكن لا بد من ~~ارتحال زوجك في الحال حتى يخلص من تأثيرات جو البلد، ولا بد من سفره بعد ساعة واحدة، وفي ~~هذا اليوم؛ بل بعد ساعة تقلع باخرة مسافرة إلى أوروبا، فلا ينبغي أن يفوته السفر عليها، ~~لئلا يضطر إلى الانتظار أسبوعين حتى يحل موعد سفر باخرة أخرى. # قالت: ولكن زوجي يمتنع عن السفر اليوم، قال لها: لا ينبغي الالتفات إلى إراداته، قالت: ~~وكيف ذلك؟ أجاب: لا بد من تلافي الخطر سريعا. قالت: هيهات، فإنك لا تستطيع التغلب عليه. ~~قال: بل أرى تنويمه، ولا تنكري علي اقتراحي، فهو غريب والعمل به يلقي علينا تبعة ثقيلة، ~~أما أنا فإنني راض بتحملها لأنقذ الكونت، قالت: وأنا أرضى لأنقذ زوجي. قال: إذن أنا أسقيه ~~مخدرا فتأهبي للسفر، واعلمي أن حياة زوجك تصبح غدا في خطر إذا لم يسافر في هذا النهار، ~~وأن حياة ابنتك تصبح كذلك إذا هي سافرت أيضا فتدبري. قالت: ويلاه! لست أستطيع ترك زوجي ~~يسافر بدوني وهو في هذه الحال، ولا مفارقة ابنتي وهي في دور النقاهة. قال: أما ابنتك فلا ~~خوف عليها ما دامت مقيمة ها هنا، والرأي عندي أن تتركي عمتها عندها وتسافري مع زوجك، ~~والوقت لا يتسع للجدال فأسرعي. # وإذ ذاك دخلت العمة باسيليك فأطلعها الطبيب على ما جرى فوافقته على رأيه، وقالت: سافري ~~يا لورانس مطمئنة القلب مع من يهمك شفاؤه، وأما أنا فأبقى قرب ابنتك، وهي الآن نائمة ~~فلا توقظيها ولا تدعيها تعرف بسفرك الآن، بل أنا أمهد السبيل لإخبارها؛ لئلا تزعجها ~~معرفة الحقيقة. # قالت: بل أدخل مخدعها وأقبلها وهي نائمة ثم أمضي، قالت: لا بأس، إنما حاذري أن ~~تستيقظ. # فدخلت الوالدة مخدع ابنتها ولثمت جبينها بطرف شفتيها، ثم اجتذبتها العمة باسيليك، وبعد ~~أقل من ساعة كان الكونت دي فوري وزوجته مسافرين على باخرة قاصدين إلى فرنسا. # وفي ذلك الوقت كان بيبو وشقيقته جرجونة مسافرين على مركبة السكة الحديدية إلى فرنسا ~~أيضا. # | الفصل الثاني # كان حمى الكونت دي موري رجلا تتيه به البحرية ms11 الفرنساوية؛ لأنه مثال الشرف والإقدام، ~~واسمه الأميرال فيرمن دي لامارش، بلغ الثمانية والستين من عمره، وعمل أعمالا كانت بحار ~~الدنيا ميادينها، فما مر به عام منذ حداثته إلا وشن فيه حربا على الرجال أو على ~~العناصر، فكان السابق إلى أهوال القتال، وكان السابق إلى الخطر والمجد، فلا ترد صفحة من ~~تاريخ البحرية الفرنساوية إلا واسمه مدون فيها بأحرف من ذهب، وزد على ذلك أنه كان طيب ~~القلب، سخي الكف، عادلا، وديعا، محبوبا ومن الضباط التابعين له. # أما زوجته فكانت أصغر منه سنا، ولا تزال عليها لمحة من الحسن الباهر، وكأنها متوجة ~~من شعرها بتاج ناصع البياض، ولم يرزق هذان الزوجان إلا ابنتهما لورانس، زوجة الكونت دي ~~موري، ولا تسل عن شدة حزن تلك الوالدة لما علمت بأن صهرها سيرتحل إلى الهند ليتقلد ~~منصبه فيها، لكنها لم يسعها إلا الامتثال بحكم القدر، ولما وردت رسالة برقية على زوجها ~~الأميرال عن قدوم صهرهما الكونت مع ابنتهما قال الأميرال لزوجته: هل تعلمين من أين جاءت هذه ~~البرقية؟ فأجابته: نعم، فسؤالك يدل على أنها واردة من بوندشيري. # قال: نعم، فهي من ابنتك، ولكنها لم ترد من بوندشيري، أما بوليت، وكانت مريضة كما تعلمين، ~~فهي أحسن حالا، بيد أنها باقية في الهند مع عمتها، أما مصدر الرسالة التلغرافية فمدينة ~~عدن، فاختطفت الرسالة البرقية من يدها وقرأتها وهذه صورتها: # إننا سافرنا فجأة من بوندشيري؛ لأن زوجي روجر أصيب بمرض هائل وقد زال عنه الخطر، ~~وبقيت بوليت مع عمتها في بوندشيري، وهي تتماثل إلى العافية، وسيكون وصولنا إلى ~~مرسيليا يوم 20 يونيو، ونراكم بخير. # لورانس # فعزمت مدام دي لامارش على السفر إلى مرسيليا لتستقبل ابنتهما وصهرهما، أما الأميرال فإن ~~عمله في باريس قضى عليه بالبقاء فيها، فسمح لزوجته بالسفر وحدها. # وبعد تبادل القبلات والتحيات رأت لورانس أن تشاور الطبيب في أمر مرض زوجها خيفة أن يضر ~~به سرعة السفر إلى باريس، فأشار عليه بأن لا يسافر إليها ولكن يقصد إلى هيار، أو نيس، أو ~~مانتون، أو كان، ms12 وآثر له المدينة الأخيرة وقال له: أقم في رأس أنتيب؛ فهناك فندق الكاب، ~~وهو يجمع بين الراحة وجودة الخدمة والزخرفة وجمال الموقع والإتقان في كل شيء؛ ولهذا يقصد ~~إليه السياح من كل فج، فأعجبوا بهذا الرأي، ولما انصرف الطبيب كان قد تقرر السفر، وفي ~~اليوم التالي سافروا إلى رأس أنتيب فاكتروا لهم جناحا في هذا الفندق المتسع، وكانت ~~نوافذه تشرف على الخليج وجزر سنت مرغريت ومدينة «كان» وبيوتها البيضاء والوردية اللون، ~~وجبال الألب يتوج الثلج قممها فتتألق تحت نور الشمس كأنها تيجان هائلة الحجم، ~~مرصعة بكتل ضخمة من ألماس، وهو مشهد ساحر لا تمله الأبصار، وكان حول الفندق بستان، فحقول ~~خضراء زبرجدية، ورائحة زهر الليمون والبرتقان تتضوع في أرجاء الفضاء، وحاصل القول: إن ~~ذلك الموضع جنة من جنات عدن، يزيدها رونقا وبهاء كثرة المتنزهين فيها من نساء ~~وأولاد يملئونها بهجة وسرورا. # وكانوا يجتمعون عند المساء فيجلسون إلى موائد الفندق في شرفاته، وينفقون قسما من الليل ~~في أبهاء متألقة بالأنوار، حافلة بالأزهار، غناء بالألحان الموسيقية، والمراقص تتوالى، ~~والحفلات تقام، وبالاختصار كانت أسباب السرور كثيرة، ولا عجب، فالنازلون في رأس أنتيب من ~~كبار السياح وأشراف الناس، وهم سواء في كرم المحتد وسلامة الذوق وسعة الثروة. # وفي أول يوم من وصولهما اتفق أن جلس الكونت دي موري وأسرته قرب امرأة حسناء، لفت ~~جمالها الأبصار ومعها رجل، ظن روجر وزوجته لأول وهلة أنه زوجها، غير أن خدم الفندق كانوا ~~يدعونه عند الخدمة بيا سيدي، ويدعون المرأة بيا سيدتي الدوقة، وبعد العشاء استفهم الكونت دي ~~موري فقيل له: إنهما إيطاليان وإنهما أخوان، واسم الرجل أنيبال بلميري، وأما المرأة فهي ~~أرملة غنية واسمها: الدوقة دي لوقا. # وهنا يجدر بنا أن نخبر القراء كيف وصل بيبو وشقيقته جرجونة إلى هذا الفندق، واختلطا ~~بكبراء الناس، فنقول بالاختصار: إنهما ورثا جياكومو بلميري وقبضا الأموال بعد وصولهما إلى ~~باريس، فاستأجرا قصرا مفروشا، وبدآ يعيشان عيشة أهل الترف والثروة. فلما وافى فصل ~~الشتاء سلكا سبيل الأغنياء والسياح فقدما إلى فندق كاب ms13 أنتيب، وطابت لهما الإقامة فيه ~~بين أولئك الأقوام إلى أن انقضت شهور وأشرف الموسم على الانتهاء، وأخذت الدوقة دي لوقا ~~تتأهب للرحيل، وأنبأت أخاها بعزمها، وكان كارها للسفر يقول: حرام مفارقة هذا المكان، ~~فقالت له شقيقته: لا بد من رحيلنا بعد ثلاثة أيام، وكان هذا الحديث ليلة وصول الكونت دي ~~موري وزوجته ووالدتها التي هي زوجة الأميرال دي لامارش. # وقد اتصل بمسامع الدوقة شيء من شهرة الأميرال، فودت لو تعرفت بصهره، وفيما كانت ~~تتنزه في حديقة الفندق في اليوم التالي، تلاقت بالكونت دي موري، فأعجبها حسن منظره وهيبة ~~طلعته، ولم تكن تعرفه، فوقفت، ووقف هو كذلك عند عطفة من عطفات مماشي الحديقة ينظر إليها ~~ويعجب بمفاتنها؛ لأنه لم يتفق له أن رأى من تحاكيها في محاسنها الفتانة. نعم، كانت ~~زوجته ذات حسن وكمال، وكان يحبها حبا شديدا ويحترمها، إلا أن تلاقيه بهذه المرأة أثر ~~فيه تأثيرا لم يستشعره في نفسه قبلا. ذلك لأن الدوقة ذكرت وقتئذ أنها «جرجونة»، ~~فاتقدت عيناها ورنت إليه فكأنها رشقته بسهم نافذ، فلم يتمالك أن مد يده إلى ~~قبعته للتحية، ورفعها إجلالا لما وقع عليه بصره من جمال رائع. # فانحنت أمامه الدوقة، ومرت به وهو واقف مبهوت، إلى أن جلست على شرفة الفندق، وإذا ~~بامرأة اسمها اللادي هلتون، وهي أرملة ضابط في البحرية الإنكليزية، جاءت فجالست الدوقة ~~وحادثتها، وهذه متململة تود أن تخلو إلى نفسها، وفيما كانت تهم بالنهوض رأتها تضع منظارها ~~أمام عينيها وسمعتها تقول: هذه صديقتي زوجة الأميرال دي لامارش. # فانثنت الدوقة فأبصرت امرأتين مقبلتين، وبعد هنيهة عرفتها السيدة الإنكليزية بزوجة ~~الكونت دي موري وأمها، ثم أقبل زوجها الكونت، فتم لهما التعرف بالدوقة دي لوقا على يد ~~حماته. # وبعد حديث دار بين المتنزهين قالت الكونتة لزوجها: ألا تصعد معي يا روجر؟ فقال: إني ~~أفضل أن أبقى هنا، إن الجو رائق، وسألحق بك قريبا. # فانصرفت الكونتة وأمها ومعهما اللادي هيلتون، وبقي الكونت دي موري مع الدوقة دي لوقا ~~منفردين، فلبثا صامتين والهوى يتكلم، إلى أن ms14 قالت جرجونة: لماذا لبثت ها هنا؟ وكان مطرقا ~~ينكت الأرض بعصاه فلم يرفع بصره إليها، وأجابها: بقيت لأشكرك ... قالت: وأي صنيع صنعت حتى ~~تقابله بالشكر؟ أجاب: إن جمالك زاد حسن هذه الخليقة البديعة. # ورفع بصره إليها في هذه المرة، فأطرقت هي، فقال أيضا: انظري إلى هاتيك الجبال والغابات ~~والبحار، وكل ما تتجلى فيه عظمة الخالق ويعجب به المخلوق، إنني لم أر شيئا من ذلك قبل ~~أن أراك، أما الآن فيلوح لي أن الأمواج الزرقاء، والأشجار الخضراء، والصخور البيضاء، آيات ~~ناطقة بفضلك، وكأنها تقول لك: أنت أجمل وأبدع. أما أنا الرجل الذي وصل بالأمس، بل الضعيف ~~الصغير بالقياس إلى هذه الأشياء العظيمة؛ فإن فؤادي تعصف به عاصفات الأمواج، وتهب فيه أهوية ~~الجبال التي تطأطئ لها رءوس السنديان فأثني على جمالك الباهر؛ لأن بصري يتمتع به ~~ويثمل. # ولو سمعت الدوقة دي لوقا هذه الكلمات من عاشق آخر لما اكترثت لها، إلا أن عاطفة الهوى ~~أثرت فيها أيضا، فوقعت كل كلمة وقعا شائقا في نفسها، فنسيت أنها الدوقة دي لوقا، ولم ~~يخطر لها ما يجب على من تدعى بهذا الاسم، فاسترسلت إلى اضطراب لذيذ لم تعرفه قبلا وهي لم ~~تعرف الحب الحقيقي، ولم تعجب من ذلك الإقرار المفاجئ، فدار بينها وبين الكونت حديث هوى ~~ومغازلة إلى أن نهضت جرجونة، فأبقى يده في يدها كأنه يعاهدها على دوام ذلك الهوى الجديد. ثم ~~افترقا وقد فهم كل منهما أن تلك الساعة التي أنفقاها معا ستعد من ساعات العمر ~~النادرة، وكل منهما مقتنع أن ذلك الشرر لا ينطفئ دون إحداث حريقة هائلة. # وهكذا أقامت الدوقة دي لوقا في الفندق مدة شهرين أيضا، وقد توطدت بينها وبين القوم ~~أركان صداقة ثابتة متينة، وولاء دائم ... فرجع الكل إلى باريس في قطار معا، ثم اكترت الدوقة ~~مسكنا في شارع فارين، هو ملك الكونت دي موري، وفوق منزله، وكان سروره بذلك الجوار لا ~~يوصف. # | الفصل الثالث # أما جرجونة فإنها نزلت في ذلك المسكن القديم وهي لا تسعها الدنيا من فرحها ms15 بذلك الفوز ~~العظيم، ولا بد من القول أن الكونت دي موري أجفل من ميل فؤاده إلى الدوقة دي لوقا، وحرص على ~~ما بينه وبين زوجته من الحب الذي أتى عليه ثمانية عشر عاما وهو ثابت على السراء والضراء، ~~ورأت جرجونة منه العفاف والفضيلة، فثار ثائرها وانجرحت كبرياؤها، إلا أنها وثقت من نفسها ~~بالفوز لا سيما وأن من تستوهيه قد غدا على مقربة منها لا يحول دونهما حائل كما كان الأمر ~~في فندق أنتيب، فأخذت تهاجم العلاقة التي بين الزوجين بما لديها من أسباب الفتنة والاختلاب، ~~والحق يقال: إنها كابدت عناء شديدا في الهجوم والنضال؛ لأن تلك الأسرة كانت تتصف بالصدق ~~والفضيلة فلم تضعف عزيمة الكونت دي موري. # أما أخوها فقد عاش بين القوم عيشة الفلاسفة، وكان يجالس الأميرال حمو الكونت، ويتبسط ~~معه في التحدث عن سلك الأبحر والأساطيل البحرية ومقاومة الزوابع والأعاصير ومقاتلة الأعداء، ~~إلى غير ذلك مما يتوق إليه الأميرال، وكان الكل يصغي إلى مثل هذه المحادثة. # وفي ذات يوم كان الأميرال يتكلم، فخرجت زوجته إلى غرفة لتنفرد فيها، وكانت تلك عادتها في ~~كثير من الأحيان، فقال الأميرال: إن زوجتي تحب الوحدة والاعتزال أحيانا، وقد وقع لها ذلك ~~من زمن طويل حتى أشفقت في بدء الأمر على صحتها، ولكنني تعودت ذلك منها وإن لم يذهب قلقي ~~تماما. # فقالت زوجة الكونت في نفسها: لا شك في أن لوالدتي شأنا آخر يجهله والدي وهي تكتمه عنه ~~وعني إيضا ... فلماذا لا تثق بي وتبوح لي بسرها؟ # ولقد سنحت لها الفرصة فأمكنها الاطلاع على سر والدتها؛ وذلك لأنها لزمتها منذ وصولها إلى ~~باريس، وأرادت أن تخفف عنها وطأة الشجن، فما لبثت أن غدت سكرتيرتها تراسل عنها الجمعيات ~~الخيرية العديدة، وتفتح الرسائل التي ترد باسم والدتها دون أن تشاورها، وتجيب عنها. # وفي ذلك اليوم بعد المحداثة التي أشرنا إليها في عرض الحديث، تلقت نحو عشر رسائل من ~~البريد واردة باسم والدتها، فلما افتضت ختم الرسالة الثالثة وطالعتها، أخذها انفعال ~~واضطراب وامتقع لونها. # ولقد قرأت ms16 لورانس تلك الرسالة مرارا، وها نحن نوردها للقراء بنصها وعنوانها: # إلى السيدة زوجة الأميرال غيرمين دي لامارش # سيدتي # كاتب هذه الرسالة رجل لا تعرفينه، ولكنه يستحق منك الرأفة ويروم ~~مقابلتك. # اسمي يا سيدتي روبر بوريل، وأنت لم تسمعي بهذا الاسم، ومع ذلك فأنا ابن البارون ~~دي كورديو. # ومن ذكر أمامك هذا الاسم كان مذكرا إياك بأمور وأمور! # والذي أراه أنك لا تودين أن أزور منزلك؛ لئلا أنبه فيك تلك ~~الذكرى. # إذن تفضلي إلى بيتي فهو في ناحية دراجون رقم 20 على بعض خطى من شارع فاين. # نعم، أرى الأفضل أن تأتي إلي، فذلك خير من أن أزورك في منزلك؛ إذ يصعب عليك ~~ولا شك أن توضحي لزوجك الأميرال السبب في حضوري. # ومهما يكن من ذلك، يوجد أمر لا بد من إقناعك به؛ هو أن صيتك وهناءك يتعلقان ~~بكيفية تلقيك لهذه الرسالة من المطيع الخاضع. # روبر بوريل # فلما فرغت من قراءة هذه الرسالة قالت في نفسها: «الظاهر أن كاتبها نذل تكفي معاقبته ~~بالسكوت والاحتقار، والأحسن تمزيقها وطرحها في النار. إلا أنها رجعت في الحال عن هذا العزم، ~~وتذكرت ما اشتملت عليه الرسالة من وعيد خفي، وكانت تجهل من هو البارون دي كورديو الذي تعرفه ~~والدتها، فخطر لها خاطر، قالت: إن الله أراد أن أكون المطلعة على هذه الرسالة دون أمي، ~~فلماذا لا أجلو الغامض دون أن أدعها تفهم شيئا؟ فأنا أحل محلها في الزيارة التي تشير ~~الرسالة إليها، والناحية قريبة. # ونهضت لساعتها فخرجت من المنزل قاصدة إلى شارع فارين، ومنه إلى ناحية دراجون، ووصلت إلى ~~البيت الذي عليه رقم 20 وهو بيت حقير جدا، فترددت لما شاهدت من حقارته، لكنها ما لبثت ~~أن طرقت الباب، فسمعت قائلا يقول لها: افتحي. # فدفعت الباب فانفتح، ودخلت بجرأة، فإذا بها ترى أمامها شابا ينظر إليها وهو مدهوش حائر، ~~وبعد ارتباك ظاهر قال لها: من تكونين يا سيدتي؟ # فلم تجبه على سؤاله، ولكنها قالت له: أأنت المسيو روبر بوريل؟ فأجابها: نعم، فاجلسي، ~~وأدنى لها كرسيا ms17 وحيدا في غرفته، فقالت له: إنك تنتظر زوجة الأميرال فيرمن دي ~~لامارش؟ # أجاب: نعم، وإن سرني أن ألقاك، لكنني أعيد سؤالي عليك فإنك لم تجاوبيني عليه حتى ~~الآن، ولا أدري لماذا عهدت إليك زوجة الأميرال بالحلول محلها في المهمة التي استقدمتها ~~لأجلها، ومن مصلحتها أن لا يعلم شخص ثالث بما بيني وبينها، قالت: إنها تجهل زورتي هذه، ~~وستظل جاهلة إياها كما أرجو، وأنا التي فتحت رسالتك، أنا الكونتة دي موري ابنتها. # قال الشاب: عجبا! إذن أنت أختي؟ # فظنت لورانس أنه مجنون، ولم تخف بل سرت سرورا كبيرا لانجلاء الغامض، وأيقنت أن ~~كاتب الرسالة المزعجة كان ضائع الرشد، فلطفت صوتها وجاملت من حسبته مجنونا؛ لتعلم ~~ما صوره له ذهاب عقله، فقالت: لم أكن أدري أنني أختك يا مسيو بوريل، فأوضح لي هذه ~~المسألة؛ لأن أبي وأمي نسيا أن يخبراني أن لي أخا ... # فنظر إليها متعجبا من سكينتها، وتوهم في أول الأمر أنها تسخر به، لكنه آنس شفقة في ~~بصرها فأدرك الحقيقة، فقال لها: أنت تحسبينني مجنونا ... أم سكران! ولكنك واهمة، فإن هذه ~~الغرفة الحقيرة لم تدخلها زجاجة خمر من عهد بعيد ... ومع ذلك فإن الفقر والشقاء لم يذهبا ~~برشدي حتى الآن، فأنا لم أقل إلا الحق، وأنا أخوك حقا. # ثم أبرز لها رسائل مكتوبة بخط والدتها، فقرأتها وهي مرعوبة، فلم يبق في نفسها أثر للشك، ~~وإليك تلخيص الخبر: إن زوجة الأميرال فارقها زوجها فيما مضى من صباها ثلاثة أعوام؛ إذ كان ~~في مداغسكر يقوم بمهام منصبه، فارتحلت في تلك الأثناء إلى مسكن قديم لأسرتها في قرية من قرى ~~لورين، فأقامت فيه وحيدة منفردة، ورآها ذات يوم جار لها اسمه دي كورديو، فافتتن بها، وفي ~~ذات ليلة فاجأها وهي في مضجعها فاغتصبها وفر هاربا خجولا من فعلته. إلا أن ذلك الذنب ~~لم ينقض بسفره؛ لأن زوجة الأميرال حملت من دي كورديو وولدت غلاما وسلمته إلى أحد ~~القرويين يربيه، ثم عادت إلى باريس، وفيها علمت بأن والد الغلام رجع إلى القرية وأخذ على ms18 ~~عاتقه تربيته ثم ألحقه بنسبه، وما غنم الوالد أن قضى حزينا نادما على ذنبه. وقبل أن يموت ~~أطلعه على سر مولده، وقال له: إذا وقعت في ضنك شديد فالق أمك زوجة الأميرال دي لامارش، ~~فيحق لها أن تسعفك عند الضيق، أما أنا فلم يبق من ثروتي إلا القليل الذي لا يغنيك عن ~~جوع. # هذا ما ذكره روبر لزوجة الكونت دي موري إلى أن قال لها: أنت ترين أنني كاشفتك بما في ~~نفسي، وما تنبأ أبي منه قد تحقق؛ لأنني أضعت ما أورثني إياه من مال قليل، وحاولت كسب ~~رزقي بوسائل عديدة فلم أفلح، وكدت ألجأ إلى الانتحار، لكنني ذكرت ما أوصاني به أبي، فكتبت ~~إلى والدتي الرسالة التي وقعت في يدك بعد أن كدت أنسى أن لي أما ... # قالت: كدت تنسى أن لك أما! ومع ذلك فقد لبثت أعواما دون أن تحاول التعرف بها، ولو كنت ~~في مكانك لسعيت إليها سعي المجد حتى أراها كل يوم عند مرورها، ولرفعت يدي إلى السماء ~~شاكرا لها أنها منحتني أما مثلها. # قال: فهمت كلامك فأنت تشيرين إلى الحب البنوي، وتعتقدين أن المرء يكفيه أن تكون له ~~والدة! ألا فاعلمي أن هذا الوتر لا يهتز في سريرتي، ولئن نظرنا إلى الحب البنوي واختلافه ~~عندي وعندك فذلك لأن لكل منا أما تختلف عن الأخرى، أما أنت فوالدتك تستحق منك كل ~~انعطاف؛ لأنها في نظرك وعطفها عليك وعنايتها بك وتضحيتها راحتها لأجل هناءك، ملك كريم، ~~أما أنا فوالدتي لا تستحق مني إلا عدم الاكتراث، إن لم أقل الكره والمقت، فصاحت تقول: وهل ~~يوجد في الدنيا من لا يحب أمه؟ # قال: لك أن تحبي أمك ما شئت، ولكن هل كنت تحبينها لو لم تعرفيها؟ أو لو لقيت منها ~~الإهمال مثلما لقيت؟ نعم، كان يمكن أن أطرح في الأزقة وأنشأ شريدا طريدا، ولا ذنب لي ~~إلا أنها ولدتني، والمحبة البنوية ليست من الحشائش التي تنبت بفعل الصدفة أو الطبيعة، ~~ولكنها غرسة لا تنمو ولا تكبر إلا إذا لفحتها ms19 حرارة المحبة الوالدية. # قالت: ولكنك نسيت أن أمك متزوجة، فما عسى أن تفعل لأجلك؟ # أجاب: إنها أعطتني الحياة، فيجب عليها أن ترفق بي لأنني مولودها، ولم أقترف إثما لتنتقم ~~مني! ولكن لا نفع من هذا الجدال، ولا أقنعك كما أنك لا تقنعينني؛ لأن كلا منا على صواب ~~فيما يدعي. إنما أريد أن أعلمك أنني لا صبر لي على ما أنا فيه من عسر وضنك، ولا أمنية ~~لي إلا الرحيل عن هذه الديار التي تعودت أن أبغض ما فيها ومن فيها، ولكنني لا أسافر ~~وأنا صفر اليد، بل أريد أن أتزود شيئا من المال لأسعى في الأرض لعلني أغدو من ~~المفلحين. # قالت: فماذا تطلب؟ # قال: ما قدر البائنة التي تناولتها من والدتك حينما زوجتك؟ # أجابت: لست أدري تماما، ولكن ربما كانت ثمانمائة ألف فرنك. قال: أما أنا فلا أطلب من ~~أمك إلا عشر ذلك المال، ثم أعفيها من كل طلب في الحال وفي الاستقبال، فارتعدت وقالت: مائة ~~ألف فرنك! من أين لي هذا القدر الجسيم؟ أجاب: لست أطلبه منك ولكن من والدتك. # قالت: وهل تظن أنها أقدر مني على التصرف بمثل هذا القدر فيما لو أعلمتها بطلبك؟ ~~- ليس ذا بطلب، ولكنها صفقة أو مساومة على رحيلي وسكوتي؟ ~~- ولكنك تطلب أمرا مستحيلا، وأنت تدري أن النساء المتزوجات لا يتصرفن بأموالهن إلا ~~بموافقة أزواجهن، بمقتضى شريعتنا. ~~- على زوجة الأميرال دي لامارش أن تجد الوسيلة الصالحة للوصول إلى تسوية عادلة لذلك ~~الدين، فهي منذ ما ولدتني قد أصبحت مديونة لي، أما إذا حاولت التخلص من هذا الدين فإنني ~~أعلن خبره على رءوس الملأ. # فصاحت: كلا! ذلك لا تفعله أبدا، وما كنت لتفشو سر والدة أنت تعرف أنها مثلك ضحية تلك ~~الأنظمة الاجتماعية التي لم يسمح لها بالتطور والتقدم ومواكبة سير العلم والاختراع. # قال وعيناه من هذه الأقوال الفلسفية الآن: وإني أقسم بالله على أنني سأفعل ما ذكرته لك. ~~فبهتت المسكينة رعبا وقالت: لو عرفت وسيلة للحصول على الملايين لدفعتها لك، إذن سأبحث ~~لأجد القدر ms20 الذي تطلبه ... # قال: لا يهمني أن تبحثي أنت أو تبحث هي، وشرطي الحصول على المال في كل حال، ويوجد وسيلة ~~هينة إن شئت كتمان خبري عن أمك، هي أن تكلمي زوجك الكونت دي موري، فلا يبخل عليك بكل ~~ما تطلبينه منه، فصاحت: حاشا لله أن أخبر أحدا ولا سيما زوجي، والموت أحب إلي من أن أفضح ~~والدتي المحبوبة. # قال روبر: افعلي ما يروق لك شرطا أن تفلحي ... وإني أمهلك يومين، قالت: ولكن هذا ~~مستحيل. ~~- تدبري، فأنا أنتظرك بعد غد ها هنا في مثل هذه الساعة. ~~- لست أريد أن أجيء مرة ثانية إلى هذه الغرفة التي تلقيت فيها ذلك النبأ ~~الفظيع. ~~- فاختاري مكانا غير هذا المكان. ~~- لست أدري! وإنما أنا أذهب إلى كنيسة سن جرمين كل يوم. ~~- لا بأس، أنتظرك في الكنيسة في مثل هذا الوقت بعد غد. ~~- نعم، ولكن ... ~~- ولكن ماذا؟ ~~- أي شيء يؤكد لي زوال الخطر من نحوك بعد أن أدفع لك المال؟ ألا يمكن أن تعود إلى طلب ~~المال ثانية؟ ~~- لو أقسمت لك لخفت أن لا تصدقيني، ولا يسعني إلا أن أعطيك رسائل والدتك فهي كافية ~~... فنهضت لورانس وقالت: بعد غد نلتقي في كنيسة سن جرمين في الساعة الرابعة، وانصرفت وهي في ~~أسوأ حال من الاضطراب. # وفي اليوم التالي قصدت إلى حانوت أكبر جوهري في باريس، وهو المسيو سميث المشهور بصدقه، ~~ومن عنده كانت ابتاعت كل جواهرها، فلقيته في الحانوت وأنبأته بأنها تحتاج إلى مائة ألف فرنك ~~دون أن يعلم بها زوجها، وأنها حملت إليه أنفس جواهرها، وطلبت منه أنن يبدلها بجواهر ~~كاذبة حتى لا يرتاب أحد بإبدالها. # فتعجب المسيو سميث من طلبها، وأجابها أن جواهرها تقدر بأزيد من مائة ألف فرنك، ولكنه ~~لا يستطيع دفع ذلك القدر من المال في الحال، وطلب إليها أن تمهله بضعة أيام بعد أن دفع لها ~~ما عنده من النقود. فلم يسعها إلا إجابته إلى طلبه، وقالت له: والباقي بعد أربعة ~~أيام. # وفي اليوم التالي ذهبت إلى الموعد المضروب في الكنيسة، فلقيها ms21 روبر وقال لها: جئت ~~بالمال؟ أجابت: لا. قال: ومع ذلك فقد وعدتني به، ولعمري إنك أخطأت في إخلاف وعدك لي، ~~ولكن ذلك لا ينفعك، وما لم أفعله منذ يومين سأفعله اليوم، وقبل انقضاء ساعة أكون عند أمك ~~... # قالت: بحقك لا ترفع صوتك! إنني لم أخلف وعدي إلا مضطرة، وحدثته بما كان من الجوهري، ~~وتوسلت إليه أن يمهلها أربعة أيام، وبعد تردد قال لها: لا بأس، أنتظر ثلاثة أيام أخر، ~~والاجتماع يكون في هذا المكان بعينه، ولكن إذا مضى هذا الموعد فلست أبالي أن أفضحك ~~ووالدتك معا. فابتعدت عنه مسرعة، أما هو فخرج من الكنيسة بعد هنيهة. # | الفصل الرابع # وفي ذلك المساء تعشى بعض الأصدقاء في بيت الأميرال دي لامارش، وكانت بينهم الدوقة دي ~~لوقا وأخوها، فلما كانت الساعة الحادية عشرة بعد تناول الشاي، ذهب الضيوف، وكانت الدوقة دي ~~لوقا تقيم في الطبقة الأولى من المنزل، فصعدت إليها وقالت لأخيها: اصعد معي، وكانت عادته أن ~~يلحق بإخوانه من محبي الطرب، فقال لها: يوجد من ينتظرني. قالت: قلت لك اصعد؛ فلي كلام ~~معك! # ومعلوم أن الأخت كانت الآمرة وهو المطيع، فصعد معها، فلما انفردا جعلت تتمشى في المخدع ~~وهو جالس، فقال: الظاهر أن الأمور على غير ما تحبين يا أخية؟ فوقفت أمامه وقالت بغيظ ~~وحنق: قضي الأمر، فما عدت أقيم ها هنا. # أجاب: لم أفهم مرادك. # قالت: إذن فاسمع ما دمت راغبا في معرفة الأسباب. فأنت تدري لماذا انتقلنا من المنزل ~~الأول إلى هنا؟ أجاب: بلا شك؛ لأنني كنت صاحب هذه الفكرة، وكنت أنت عاشقة لحاكم بوندشيري، ~~أي الكونت دي موري. # قالت: بل كنت مفتونة به، ومجنونة، ولا أزال! # قال: إذن فالوقح لا يحفل بهواك! فلم يهن عليها سماع هذا الكلام، وقالت: يا لك من بليد، ~~فإن الكونت دي موري يشعر بمثل كلفي به؛ بل ربما كان أشد عشقا مني. # قال: إذن لم أفهم السبب في عزمك اليوم على الانتقال من هنا وأنت محبة محبوبة، ولم ~~يبق إلا أن تتمتعي بالهناء. # قالت: ms22 هيهات! فأنت لا تعرف هؤلاء الأغبياء الذين يدعون شرفاء ونبلاء ! نعم، إن دي موري ~~مفتون بي، وقد أقر لي بهواه منذ أول يوم في ساعة دهش واسترسال، لكنه منذ ذلك اليوم قضى ~~على شفتيه فانطبقتا، وقد يختنق ولا يفتحهما؛ لأنه إذا فتحهما لا بد أن تنطقا بعبارات الهوى ~~والغرام. # قال: لله دره من رجل فاضل إذا صدق ظنك! # قالت: بل كن واثقا بأنه يهواني هوى شغل لبه وقلبه، إلا أن روابط الأنظمة الاجتماعية ~~البالية، وكذلك احترامه لزوجته يبعده عني، وإنني لأبغضها لأنها زوجته، وأرى أنه يحق لها أن ~~تحبه كما أنه يحق له أن يحبها، فكيف العمل؟ فتناول يدها وقال: واحسرتاه عليك يا أخية، ~~فهل تريدين أن أكون لك نصيرا؟ # قالت: وما عسى أن تفعل؟ # أجاب: لا أقل من أن أزوجك الرجل الذي تحبينه، فحملقت إليه البصر وقالت: ولكن ذلك ~~مستحيل. قال: لماذا؟ # أجابت: لأنه متزوج. # قال: ولكن يمكن أن تزول زوجته من طريقك. # قالت: أتقتلها؟ أتقدم على قتلها لأجلي؟ # أجاب: على رسلك، فلا تتعجلي، وهل أنا ممن يقتل الناس؟ لا ليس ذلك ما أردته ... ولكن يوجد ~~وسيلة أخرى هي الطلاق. # قالت: الطلاق؟ # أجاب: نعم، وأنت تعلمين أن للطلاق شأنا في هذه الديار، وأي شأن، ويزعمون أن نصف ما ~~يسمونه العالم المتمدن راغب في الطلاق للاقتران بالنصف الآخر. # فاضطربت وقالت: صدقت، فلا يسعفني شيء مثل الطلاق، ولكن لا بد له من سبب، وتلك المرأة التي ~~أحتقرها لها سياج منيع من العفاف والصيانة فلا يمكن طلاقها. # قال: وما رأيك في برهان على أنها ليست كما تعتقدين؟ # قالت: زدني بيانا. ~~- إن الكونتة دي موري تعشق رجلا غير زوجها. ~~- وكيف ذلك؟ وهل من برهان؟ ~~- لولا وجود برهان دامغ لما كاشفتك بهذا الأمر. فمنذ أربعة أيام كنت خارجا من المنزل ~~فأبصرت امرأة تمشي مستعجلة، وعرفت أنها الكونتة دي موري، فقلت في نفسي إلى أين تمضي؟ ~~فتتبعتها حتى دخلت بيتا حقيرا في زقاق ضيق قذر، فلبثت فيه ساعتين، ثم خرجت وعيناها ~~حمراوان، والظاهر أنها بكت ms23 كثيرا في أثناء هذه الزيارة. # قالت: تقول إن ذلك كان منذ أربعة أيام؟ أجاب: نعم. # قالت: إذا لم أكن مخطئة فإن الكونتة زعمت في ذلك اليوم أنها متألمة، ولم تجلس إلى مائدة ~~العشاء. # أجاب: نعم، وفي صباح اليوم التالي خرجت من المنزل وفي يدها كيس صغير، فركبت مركبة إلى ~~شارع «لابيه» ودخلت في حانوت الجوهري سميث، وفي اليوم التالي بعد الظهر، أعني في هذا اليوم، ~~قصدت كنيسة سن جرمين، فهل تعرفينها؟ إنها من أجمل الكنائس. قالت: وماذا يعنيني من ~~أمرها؟ # أجاب: وأنا لا يعنيني أمرها أبدا، ولكنني رأيت الكونتة قد ذهبت إليها وانزوت في إحدى ~~زواياها مع شاب يحمل رسائل غرامية، يظهر أنها خطيرة جدا، لأن فيها ما يمس أسرة الكونتة، ~~وقد طلب منها ثمنها؛ مائة ألف فرنك. # قالت: وهل دفعت له الكونتة ذلك القدر الكبير من المال؟ ... أجاب: لا، ولكنها كانت قد وعدته ~~ولم تنجز وعدها، فسخط وتوعدها، وظهر لي أنها رعبت من وعيده رعبا شديدا. # قالت: ولكن لا بد أن يكون ذلك الشاب وغدا ذميما. # أجاب: لا شك! ولكن لذلك الوغد الذميم فضل عليك، وقد كانت الكونتة تتوسل أن يمهلها ~~يومين لتعود حاملة إليه ذلك المال ثم انصرفت، فما رأيك في هذه القصة؟ فارتعدت جرجونة ~~وقالت: إذا صح ما تقوله فإني أستبدل تاج الدوقة بتاج الكونتة قبل انقضاء ثلاثة شهور من ~~تاريخ اليوم، وسوف أدعى الكونتة دي موري. # وقد اختصرنا هذه المحادثة التي دامت هزيعا من الليل، ولما فارق الرجل شقيقته عاهدته على ~~أن تجيبه إلى أول طلب يطلبه منها مكافأة له على هذه اليد التي أسداها إليها، وحاولت أن تفهم ~~غرضه، فقال لها: عندي مشروع لم يتم بعد، وسوف أطلعك عليه فتساعدينني كما أساعدك، وبعد ظهر ~~اليوم التالي بعثت تطلب مقابلة الكونت دي موري، فقالت له: إني دعوتك للنظر في حالة لا تلائم ~~منزلتي، فلا بد من افتراقنا. فلم يتمالك برغم وفائه لزوجته من أن يرتجف هوى وصبابة، ~~وخيل له أنه مصاب بالدوار، ولكنه تجلد وقال لها: ms24 إن هذا الفراق الذي تكلمينني عنه ~~يورثني شجنا عظيما، وثقي أن زوجتي الكونتة تشاركني في ذلك الشجن. # ونهض يريد الانصراف، فقالت له: لا تكلمني عن الكونتة دي موري، ولا تدعني أفتكر في هذه ~~المرأة التي تكرهني لأنني أحبك ... والتي أكرهها أنا كذلك، ولا أدري لماذا؟ ولكن يسوءني منك ~~سكوتك عند انكساري وذلي، فلماذا لا تريد أن تقر لي بالهوى؟ أولست حرة الفؤاد؟ # أجاب: بلى، ولكنني أنا لست بحر الفؤاد، وإقراري لك بالهوى يجب أن يسوءك، كما يعد ~~خيانة مني للتي لا تريدين أن أكلمك عنها! # قالت: إذن لماذا تنم حركاتك وسكناتك عن ذلك الإقرار؟ إني لأشعر به في عينيك إذ تتقدان، ~~ويديك إذ ترتعدان ونفسك إذ يحترق، ولا شيء فيك صامت إلا فمك، على أن شفتيك تكذبان بصمتهما ~~وهو أفصح من كل كلام. # فأجابها: لئن كذبت شفتاي فإنهما تأتمران بأمر نفس لا تخون زوجة بريئة من كل عيب، وفية ~~كل الوفاء. # قالت: كفى، فلا تكلمني عن وفائها ... فصاح: هل تدرين أن في جملتك هذه التي نطقت بها وشاية ~~كاذبة فظيعة؟ # أجابت: ليس ما أقوله بوشاية؛ بل هي تهمة صادقة عرفتها من أخي. # قال: لا بد لك الآن من إيضاح ما تعرفينه أو ما تظنين أنك تعرفينه، وقبض على يد جرجونة ~~بعنف وقال لها: تكلمي. # فتخلصت منه وصاحت: كلا، لست أتكلم؛ لأنك ستقتلها إذا أنا تكلمت بما عرفت، فتراجع عنها ~~مرعوبا ساخطا، وصاح: تقولين إنني أقتلها؟ إذن هي تخدعني حقا! كلا، لا أصدق هذه ~~التهمة. # قالت: لا بأس فقد كذبت لأمتحن حبك، ووشيت بامرأة بريئة لأعرف ما تفعله بمجرمة. أردت ~~أن أسبر غور فؤادك لأعلم منزلتي منه إذا قضى الزمان بأن أحتل موضع زوجتك، والآن عرفت ما كنت ~~أروم معرفته، فيمكنك أن تذهب ولن نلتقي بعد اليوم. # فقال الكونت في نفسه: لا تخلو هذه الوشاية من شيء، وللحال عمد إلى وسيلة أخرى، فقال: إنك ~~إن أردت أن تعرفي ماذا يحدث إذا خلا موضع الكونتة من فؤادي، فاسمعي! إني من الرجال الذين ms25 ~~لا يحتملون أن يخونوا أو يخانوا، وأنت أدرى الناس بوفائي لزوجتي، ولكن إذا قضي عليها ذات ~~يوم بأن تزل بها القدم فلا يبقى لها في قلبي شيء من الأسف أو التذكر، ولأقطعن الرابطة ~~التي تجمع بيني وبينها! وكانت هذه المحادثة العنيفة دائرة بينهما وهما يقتربان إلى النافذة ~~اتفاقا دون قصد، وهي مشرفة على إيوان المنزل، وقد ضرب الباب ودخل الجوهري سميث، فلم تتردد ~~جرجونة، بل قالت: إن أردت معرفة الحقيقة فعليك بمقابلة هذا الرجل فإنه قادر على إيضاحها لك. ~~فأطل الكونت من النافذة وقال: إنه الجوهري سميث، ورفع الجوهري رأسه فعرف الكونت وحياه ~~من بعد، فأشار إليه أن اصعد فلي كلام معك. # ثم اطبق النافذة واستدعى خادما فأمره بأن يوصل إليه الجوهري، ثم انثنى إلى الدوقة فقال ~~لها، أرجو منك أن توضحي الآن كيف وصل السر الهائل الذي ترفضين أن تبوحي لي به إلى هذا ~~الجوهري؟ # فأجابته قائلة: إن المسيو سميث يحمل مائة ألف فرنك إلى زوجتك التي رهنت عنده حليها؛ ~~لتبتاع بثمنها رسائل كتبتها فيما مضى. # فانحنى أمامها وقال لها: إذا كان ما ذكرته لي صدقا فإنك حكمت على الكونتة، وإن كان ~~كذبا فإنك حكمت على أخيك، ولئن سلم شرف الكونتة دي موري من التهمة فاعلمي أنني سأقتل ~~أخاك أنيبال بلميري غدا، والآن أطلب منك أن تدعيني أفعل ولا تخالفيني فيما أقوله لهذا ~~الشاهد توصلا إلى معرفة الحقيقة. # ثم اتجه إلى البهو ففتح الباب ودعا إليه الجوهري، فجلس، فقال له: لا بد أنك تلاحظ ~~انفعالي، وما ذلك إلا لاطلاعي على سر خطير لك دخل فيه ... # قال: وكيف ذلك؟ # أجاب: نعم ... لكنني نسيت أن أعرفك بالدوقة دي لوقا. قال: لقد تشرفت بمعرفتها حين زارت ~~حانوتي مرارا، وابتاعت بعض الحلي. # قال: إذن بقي علي أن أقول لك إن الدوقة التي هي صديقة الزوجين وصاحبة سرها في الأعمال ~~الخيرية، أنبأتني الآن أن الكونتة قد أودعتك بعض حليها للحصول على مائة ألف فرنك تعيرها ~~إياها، فظنت الدوقة أنها تحسن صنعا إلى صديقتها إذا ms26 أطلعتني على ما كان؛ لأن زوجتي ~~تكتم مبراتها وحسناتها. # فأجابه الجوهري: ما دمت قد تكرمت أيها الكونت فاتخذتني شريكا لك في هذا العمل فلا بد ~~لي من أن أقر لك بأمر: إن الدوقة قد أنبأتك بالحقيقة؛ لأن زوجتك طلبت مني مائة ألف فرنك كان ~~ينبغي أن أسلمها إياها غدا، إلا أن الذي وعدني بالمال لم ينجز وعده، فجئت الآن لأطلب ~~إليها أن تمهلني بضعة أيام. # وهكذا جاء كلام الجوهري مطابقا لما ذكرته الدوقة عن القرض، فلم يشك الكونت في أن السبب ~~هو ما أشارت إليه الدوقة، فشعر بطعنة خنجر أصابت فؤاده، لكنه تجلد وابتسم وقال: ذلك لا ~~يغير شيئا من هذه المسألة، وقد خطر لي تسهيل المهمة الخيرية حتى لا تحبط مساعي الكونتة، ~~وسوف ترى أن ذلك من أيسر الأمور، لا شك أن حلي الكونتة باقية في حانوتك، فتكرم ~~بإحضارها. # قال: عفوا أيها الكونت فتلك الحلي معي، وقد جئت بها لئلا ترجع الكونتة عن رأيها عند ~~علمها بأنني غير قادر على إحضار المائة ألف فرنك لها في الموعد الذي ضربته؛ إذ ربما تروم أن ~~تفاوض غيري. قال الكونت: إذن قد تيسر الأمر وربحنا الوقت، فأعد إلي الحلي فأعطيك ذلك ~~المال تسلمه إلى زوجتي دون أن تنبئها بمصدره، وهكذا يتم لها ما أرادته من عمل الخير ومواصلة ~~الإحسان والبر، ولا تنتقل حلي الأسرة وجواهرها من مكانها. # فأجابه: الأمر إليك إيها الكونت، وقد سرني هذا الاتفاق؛ لأنني - ولا أكتم عنك - كاره لمثل ~~هذه الأعمال ... فإليك الحلي ... # قال: أما أنا فبعد هنيهة أوافيك بالمال المطلوب، فانزل إلى الطبقة الثانية من هذا المنزل ~~والحق بي إلى غرفتي، وإياك أن تتلفظ بكلمة عما جرى بيننا. فحياه الجوهري ومضى. فانثنى ~~الكونت إلى الدوقة وقال وصوته يتهدج وكلماته تتقطع: إذن كان ذلك حقا ... لقد خانتني ~~الكونتة وأهانتني وكستني عارا، فويل لها من شقية، خدعتني وأنا أحاول التغلب على ~~هوى ملك حواسي وأنكرته على نفسي، وكل ذلك تشبثا بالفضيلة وحرصا على فؤادها ~~الكاذب! # فرثت له جرجونة وقالت له: ms27 خفض عنك ولا تحزن! فأثر فيه صوتها، وفكر في وجوب الانتقام ~~لنفسه وشرفه، فقال لها: نعم، قد هدأ جأشي، ولكن اذكري لي اسم شريك المجرمة، أجابت: لست ~~أعرفه. # قال: حاذري من الكذب، ولا فائدة من الرأفة بعد اطلاعي على ما كنت أجهل، فاذكري لي ذلك ~~الاسم. # قالت: أقسم لك على أنني أجهله. # قال: إذن سوف أعرفه أنا ... فإلى أين تنوي حمل ذلك المال؟ # أجابت: ذلك يمكنني أن أقوله، فغدا عند الساعة الرابعة تلتقي بالرجل في كنيسة سن جرمن، ~~وهو يسلمها الرسائل هناك، كما تسلمه هي المال. # قال: ويل لهما! أفي كنيسة يقدمان على مثل تلك الصفقة الفظيعة! ويل للشقيين! ~~وخبأ وجهه براحتيه، ثم سكن ثائره رويدا رويدا وقال: إلى الغد. ففيه أرقب تلك المرأة ~~الساقطة وأتتبع خطاها حتى أراها تجتاز عتبة الكنيسة، وأشهد تبادل الرسائل والنقود وأنا ~~مختبئ صامت ... لأنني سأكون في معبد مقدس، ولكن حين خروجهما منه سأستخدم حقوقي! # قالت جرجونة: لا تنس أنك حلفت لي على أن تبقي على حياتها. # أجاب: حقا إنني حلفت أن لا أقتلها، ولكني لم أحلف على عشيقها، إذن سأقصي المرأة وأقتل ~~الرجل. # فارتجفت فرحا وقالت: وماذا تفعل بعد ذلك؟ هل تذكر أنني أهواك؟ # وبعد هنيهة نزل الكونت، ولقي الجوهري سميث في غرفة مكتبه، وأعطاه تحويلا على المصرف ~~بمائة ألف فرنك. فقال الجوهري: إني ذاهب لأقبض المال في هذه الساعة وأعود إلى هنا. # قال: أحسنت أيها العزيز، فإن امرأتي يسرها الحصول على المال قبل الموعد، فمضى سميث بعد ~~أن وعد الكونت مرة ثانية بالكتمان. ~~••• # وفي ذلك الوقت بعينه، كان الخادم الهندي «ملطار» يحمل إلى الكونتة بطاقة عليها اسم زائر ~~هو روبر بوريل، فارتعدت فرائصها من هذه الزيارة، وأوجست منها شرا، لكنها قالت: ليدخل يا ~~ملطار، إنما لا تدع أحدا يأتي إلى هنا قبل ذهابه. # | الفصل الخامس # وكانت الغرفة التي أدخل إليها روبير بوريل في الطبقة الثانية من المنزل، وقد اتخذتها ~~الكونتة ووالدتها مكتبا، فكانتا تصرفان فيها كثيرا من الوقت، ولحسن الحظ أن زوجة الأميرال ms28 ~~لم تكن فيها حينئذ. فلما وصل روبر قالت له الكونتة : كيف تجرأت على المجيء إلى هنا؟ ألم ~~يكن موعد اللقاء بيننا غدا في الساعة الرابعة لأسلمك المال؟ ألم تقسم على أن لا تدخل بيت ~~زوجي فقد يجيء إلى هنا ... # قال: وماذا يهمني زوجك؟ فلسنا نخشاه، وما أنا بعاشق لك! ... ~~- ولكن لو سألني عنك، فبماذا أجيب؟ ~~- عليك أن تقولي له إن زيارتي لا تعنيه، وأن تبرهني له على ذلك. ~~- وكيف أبرهن له؟ ألا أضطر إلى إطلاعه على الحقيقة؟ ~~- بلا شك. ~~- وهل يهون علي أن أهين أفضل النساء لدي فألقي على أمي تلك التهمة الثقيلة فأفشي ~~سرها وأمزق فؤاد زوجها؟ ألا فاعلم أنني أوثر على ذلك اتهام نفسي دونها وحسبانك عشيقا ~~لي لا شقيقا! # فتبسم روبر وقال: هذا إخلاص حميد، ولكن عليك أن تختصري مدة زيارتي ما دمت تخشين ~~خطرا. # قالت: تكلم، فماذا تريد؟ # أجاب: إن تأخرت عن إنجاز وعدك أحبطت تدابيري، وإذا لم أدفع المال إلى مصرف أميركي غدا ~~قبل الظهر فإن العقد الذي أعتمد عليه في الإثراء قد يلغى ويغدو معدوما. ~~- ولكنك تدري أن ذلك المال ليس في يدي الآن، ولا يسلم إلي إلا غدا. ~~- نعم، غدا صباحا، ولذلك أتيت لأقول لك أن لا تؤجلي دفعه حتى بعد الظهر، ولكن ~~أوصليه إلي حين قبضه. ~~- لا بأس، غدا صباحا أحمله إليك ... # ولم تتم جملتها؛ لأن الباب انفتح وقتئذ، ودخل ملطار، فقال: شخصا يدعى المستر سميث أتى ~~ليسلم سيدتي شيئا، ولكنه لم يشأ أن يضايقها فعهد إلي بتسليمها ذلك الشيء الذي كان يجب ~~أن يسلمه الجوهري إليها غدا صباحا. # فتناولت الكونتة منه رزمة أوراق مالية، فتهلل وجهها، وأدرك روبر السبب فاهتز ~~انفعالا؛ لأنه رأى الثروة واصلة إليه، وكاد يثب إلى رزمة الأوراق ويختطفها وينطلق بها، إلا ~~أن وجود الخادم الهندي حال دون ما أراد، وقد بقي هذا الخادم واقفا، فقالت له الكونتة: قل ~~للمسيو سميث إنني شاكرة له صنيعه وغدا أقابله، فلم يتحرك الخادم، فقالت الكونتة: ماذا ~~تنتظر؟ # أجاب: إن والدتك تروم ms29 الدخول، وهي الآن في الحجرة المجاورة، وها هي قد أتت ... فألقت ~~لورانس رزمة الأوراق المالية على خوان. # أما روبر فقال في نفسه: الظاهر أنني سأرى والدتي، ولا يسوءني أن أراها لأعرف كيف تكون ~~الأم! ولكنه لم يستشعر إلا فضولا ذهل به عن الأوراق المالية عندما دخلت والدة الكونتة ~~وقالت: لقد أتيت قبل الوقت الذي عينته لنفسي ... # وإذ ذاك لاحظت وجود رجل غريب، فقالت لابنتها: ما أنت وحدك؟ إذن أتركك وبعد هنيهة أرجع ~~إليك. # إلا أن روبر حياها بإجلال، فحيته بإيماءة، وتفرست في وجهه وهي صامتة، فقالت ~~الكونتة تعرفها به: «إنه المسيو روبير بوريل يا أماه.» # فقالت: ألم أر الرجل عندك قبل الآن؟ # فأجابها روبر قائلا: كلا يا سيدتي، لم أكن أرجو المثول بحضرتك والوصول إلى هذه ~~السعادة، وكان صوت روبر يرتجف لشدة تأثره عند رؤية أمه، فقد أورثه ذلك التلاقي اضطرابا ~~جديدا، فلاحظته أمه زوجة الأميرال، فقالت وهي تبتسم لتشجيعه في موقفه: لم هذا ~~الانفعال؟ # فأجابها: إنه ناجم عن عظيم تقديري لأعمالك الخيرية وصيتك البعيد المدى. ~~- ألا تغال يا سيدي، والمرء لا يفعل خيرا بمقدار ما يجب عليه. # فقال بلهجة التهكم: إن ابنتك قد شذت عن هذه القاعدة شذوذا لا مثيل له في النبالة، ~~فهي الكريمة المحسنة التي تأتي الأعمال الصالحة بالنيابة عن غيرها. # قالت: لست أعجب من لورانس إذا صنعت ذلك، فحدثني به؛ لأن ابنتي تكتم عني حسناتها. فهم ~~بالكلام، إلا أن الكونتة اعترضته قائلة: لا فائدة من ذلك، فلا تقل لأمي ... إني أتوسل إليك! ~~... فانحنى روبر وقال: لا تخافي أيتها السيدة، فإنني لا أتكلم عن إحسانك إلا بما ينبغي ~~الإشادة بذكره. ثم التفت إلى زوجة الأميرال وقال: إن المسألة تتعلق بوالدة تركت ولدها ~~... # فاصفر وجه مدام دي لامارش، وقالت: تركت ولدها؟! # قال: نعم، أعني ابنتها ... وأراد أن يحول ظنون مدام دي لامارش بقوله ابنتها حتى لا تظن ~~أنها هي المقصودة بالكلام، ثم قال: إن ابنة المرأة التي تركتها والدتها كبرت محرومة حنوها، ~~وعاشت منفردة خالية إلى أشجانها، وأتاح ms30 لي القدر أن أعرف الكونتة دي موري لتأخذ بناصر تلك ~~الابنة المنحوسة، وتحل عندها في التعزية وجبر القلب محل تلك الوالدة الشاذة عن كل الأمهات ~~... # فلم تدعه زوجة الأميرال يتم كلامه، بل قالت: إن هذه الكلمة التي تلفظت بها عن والدة؛ ~~قاسية جدا، وربما كانت تهمة باطلة، فصدقني يا سيدي، وارث للأمهات اللواتي قضى عليهن ~~واجبهن الاجتماعي العتيق الصارم بأن يفارقن أولادهن، إنهن أحق من كل إنسان بالرأفة؛ إذ لا ~~يوجد ما هو أمر ولا أفظع من لوعة أم تضطرها هذه الواجبات التي أملتها أنانية البشر ~~على عقول الطبقات المحكومة من الناس وأسمتها شرائع وقوانين، إلى ترك حشاشة كبدها وحرمانها ~~تلك العاطفة الوالدية التي تكفكف بها عبرات ولدها وترصد ابتسامته الأولى! ألا فكر في ~~شقائها، فإنها لا تسمع صوته ولا تتلقى قبلة من شفتيه ولا تراه أبدا، وزد على ذلك ما هو ~~أدهى وأنكى؛ فإنها لا ترجو أن تراه ذات يوم، ولا تدري إذا كان يقاسي البؤس والشقاء بعيدا ~~عنها، ذلك لا يطاق يا سيدي، وحرام عليك أن تتهم والدة ثكلى، فخير لها أن تعلم بموت ولدها ~~من أن تحرم لقاءه إلى الأبد. # فصاحت الكونتة: ما هذا الكلام يا أماه؟! وهل تؤثر والدة موت ولدها على حرمانها ~~لقاءه؟! # أجابت: نعم، فإنها تعلم إذ ذاك أنها إنما ترثي لنفسها وتبكي على نفسها، وأن الله قد أنقذ ~~ولدها من نكد الدهر وشقاء الحياة، ذلك خير لها من اليأس والبكاء سرا، وتصور ولدها ~~يناديها في جوف الليل متألما ويطلبها ويستنجد بها، وهي عاجزة عن إسعافه. فمن الظلم ~~الفادح أن نقسو على أم منكوبة، وإنما يحسن أن نسأل الله أن يقصر أيامها ويصرم ~~أجلها! # فلبث روبر جامدا مبهوتا وقد تبدد ما كان يضمره من حقد على والدته، وبردت نار ضغينته، ~~وعلم أنه كان مخطئا في اعتقاده، جائرا في حكمه إذ ظن أن والدته تركته غير مكترثة له، ~~أما الآن فعلم أن جرحها دام لا يندمل، وأن عبراتها لا تجف لوعة وتحسرا، فقال: ولكن ~~كيف ms31 تفعل الأمهات لاحتمال شقائهن بعد فقدهن لأولادهن؟ # فرفعت العجوز رأسها وقالت: لقد عرفت منهن من قتلها الأسى، وأعرف واحدة منهن لو ظهر ~~عارها لقتلت نفسها. # فأشرف نور على ذهن روبر، وأمسك عن الإفصاح، وخاطب والدته بقوله: لئن كان الأمر كما ~~تقولين، فقد جرت في الحكم وكنت من المخطئين، ولو عرفت تلك الامرأة التي حدثتك عنها ~~منذ هنيهة، أو لو قدرت على مخاطبتها كما أخاطبك الآن لقلت لها: إنني نادم على جوري في ~~الحكم فاصفحي عني. # ثم لم يتمالك أن ثنى ركبته أمام والدته، فأشارت إليه بالنهوض، وقالت: تكرم فأعد كل ما ~~سمعته مني على مسامع تلك الابنة التي تركتها أمها، وكنت تدافع عنها منذ هنيهة، فلعلها ~~تعدل عن أن تتهم والدتها بالإعراض عنها كما كنت تتهمها أنت. # وبعد أن تلفظت بهذه الكلمات خرجت من الغرفة، فمدت الكونتة يدها إلى روبر وقالت له: ~~كيف رأيت يا أخي؟ # فاغرورقت عيناه بالدموع وقال: من لي بأن أرتمي على صدرها وأن أناديها «بيا أمي!» ~~فويحي لقد كنت ابنا عقوقا شقيا، وويل لي أنني لبثت ألعنها سنين! # قالت: والآن لا نضيع الوقت يا روبر، فالمال الذي وعدتك به حاضر ... فخذه، وعسى أن يأتيك ~~بالثروة الكبرى التي ترجو الحصول عليها. خذ هذه الأوراق المالية، بارك الله لك فيها، ورأته ~~يتردد، فقالت له: إليك المال! # فاخرج من جيبه غلافا فيه رسائل بخط زوجة الأميرال إلى المرضع التي أرضعت روبر، وفيها ~~تقر بما كان من حملها به؛ أي إن فيها سر مولده، فدفعه إلى شقيقته وقال لها: إليك ~~الرسائل. ثم أبى استلام الأوراق المالية قائلا: لقد كانت الصفقة التي عقدتها معيبة يا ~~لورانس، وما كنت لأبيع رسائل والدتي بعدما رأيتها وشاهدت آلامها ... # فتأثرت الكونتة من إبائه وصاحت: بل خذ المال يا روبر، فما هو بثمن رسائل أمك، ولكنه من ~~أختك التي غدت تحبك الآن. # فصاح قائلا: وأنا غدوت أحبك يا لورانس من صميم فؤادي. # واجتذبها إليه وأخذ يقبلها بلهفة وحنان أخوي حقيقي، وإذ ذاك فتح الباب، ودخل ~~الكونت ms32 دي موري، ولما سمعت الكونتة صوت الباب يفتح تخلصت من يدي أخيها ورأت زوجها، ~~فقالت وهي مضعضعة الحواس: هذا زوجي! # أما الكونت دي موري فتقدم إليها وهو ممتقع اللون، ودفع لها صندوقة حليها وقال لها: ~~هل تعرفين هذه العلبة؟ # أجابت: أظن أن جواهري فيها. # قال: نعم، وهي التي رهنتها لتدفعي إلى هذا الرجل ثمن رسائل، وما دمت قد دفعت المال ~~وفككت الرهن عن الجواهر، فمن العدل أن تئول إلي تلك الرسائل، فسلميني ~~إياها! # فوثب روبر إلى غلاف الرسائل وصاح: كلا! فإنك لا تحصل عليها لأنها لي وحدي، ولا يحق ~~لأحد أن يأخذها مني، فنظر كل من الرجلين إلى الآخر، وارتمت لورانس بينهما، وقالت: أي شك ~~خامر نفسك يا روجر؟ # قال: أتجسرين على هذا السؤال بعدما لقيتك بين ساعدي الرجل يضمك إلى صدره؟ إني ~~أطلب منك رسائل تفتدينها بمال كثير وترفضين، ثم تتجرئين بعد رفضك على أن تسألي عما ~~يريبني منك؟ إنك لمجنونة، فأعطيني الرسائل! # فصاحت الكونتة، احرص عليها يا روبر، فلبث روبر في مكانه جامدا عازما على الدفاع عن سر ~~والدته ولو هلك. فتعاظم حنق الكونت وقال: لئن كانت هذه الرسائل السلاح الوحيد الذي يعجبني ~~أن أشهره على زوجتي، فيوجد سلاح آخر أشهره عليك أنت، فحاذر! وأخرج من جيبه مسدسا، ~~فاكتفى روبر بأن ابتسم، فحاولت لورانس إطفاء ذلك الغضب، وترامت على قدمي زوجها تقول له: ~~وبحق ابنتنا اصغ إلي، فما تطلبه أمر فظيع لو أطعتك فيه لكانت طاعتي نذالة بل ~~جريمة. # فهدر وزمجر، وقال لروبر: هات الرسائل يا رجل وإلا فأنت مقتول! ورفع يده بالمسدس، فصاحت ~~وهي طائرة الفؤاد هلعا ورعبا: لا ترتكب جريمة يا روجر، ولا تقتل بريئا، بل اسمع أنبئك ~~بكل شيء. # قال: علي بالرسائل أولا لأقرأها ثم أسمع. # قالت: نعم ستقرؤها وتعلم أن الذي تحسبه عشيقا لي إنما هو ... ولكن الباب انفتح وقتئذ، ودخل ~~الأميرال وزوجته وقد سمعا اللجب، فقال معا: ماذا حدث؟ # أما الكونتة فإنها لما رأت والدتها توقفت عن الاعتراف بحقيقة الأمر، فقال الكونت: ~~حدث ms33 أن زوجتي خانتني، وإنني فاجأت ابنتها وهي على صدر عشيقها هذا. # قال الأميرال: عشيقها! وقالت زوجته: ذلك مستحيل! ذلك غير صحيح! # فقال الكونت أيضا: لم أشأ الانتقام، الذي يحق لي، إلا بعد أن أطلع على المراسلات ~~التي تثبت الجريمة ... فرفض الاثنان تسليم الرسائل، ولكننا الآن قادرون على أخذها منهما، ~~وسوف تقرؤها أيها الأميرال وتحكم على ابنتك وشريكها في الإثم. فقال روبر: أيقرؤها ~~هو؟ # أما لورانس، فصرخت رعبا وتراجعت خطوة إلى الوراء، فاقتربت من روبر، وقالت: كلا، ذلك لا ~~يكون أبدا! # فقال روبر أيضا: ذلك لا يكون أبدا! وكان محدقا في وجه والدته، وقد استشعر عاطفة ~~عليها وود لو يبذل الروح فداء عنها، وإذا بالكونت قد صاح به يقول: لا بد من الحصول على ~~الرسائل أيها النذل، وهم بالهجوم عليه. # فأتى روبير بحركة سريعة، وطرح الرسائل في الموقدة، وقال: خذها من النار إذا استطعت. فزمجر ~~الكونت دي موري ووثب إلى النار، إلا أن روبر كان إليها أسرع فقذف فيها الرسائل، وفي أقل من ~~لحظة صارت رمادا، فاستشاط الكونت غضبا، وأطلق عليه رصاصة، فخر صريعا وهو يقول: إنك ~~قتلتني ولا سلاح معي لأدافع به عن نفسي، فأنت قاتل أثيم! # ثم سكنت حركته، ولم يتلفظ بكلمة أخرى؛ لأن فمه امتلأ دما وفارقته الروح، فصرخت لورانس: ~~إنه مات! # فقال الكونت دون اكتراث: بقي عليك أن تتلفظي بما هو خير من الرسائل، فبرئي نفسك إن ~~استطعت! # وقالت أمها: نعم، تكلمي بالحقيقة. # وقال الأميرال: أنا أبوك آمرك بالتكلم! # قالت: اسكتي يا أماه فأنت لا تعرفين ما تطلبين مني، ولا تعرفين أي عذاب أكابد! # فقال لها الكونت: ألا تتكلمين؟ # وقالت لها والدتها وهي تنتحب: دافعي عن نفسك يا ابنتي، وأزيلي عنك وصمة الشك يا ~~حبيبتي! فنظرت إلى والدتها مليا تتفرس في وجهها، ثم انثنت إلى زوجها وقالت بعزيمة: لك ~~أن تفعل بي ما تشاء يا روجر، وأن تقتلني إذا شئت؛ لأن هذا حقك الذي تواضع الناس عليه، ~~ولكنني لا أقول كلمة. # فأجابها بصوت يتهدج غضبا: ذاك لأنك ms34 مذنبة، ولأن هذا الرجل كان عشيقك، فاخرجي من ~~بيتي، فإني أطردك منه الآن. # وقال أبوها: أما أنا فإنني أستنزل عليك لعنة الله! # ومد الشيخ يديه ورفع رأسه حين تلفظ بهذه الكلمات، فكان خصما وقاضيا وجلادا في ~~وقت معا. # فصرخت المسكينة يأسا، وجعلت يديها على جبينها، ولبثت كذلك حينا، فلما رفعتهما كانت ~~تتبسم ابتسامة غريبة، وقالت بسكينة تامة: إنه كان حبيبي فعلا، وظهرت عليها أمارات ~~الجنون، فقد اضطرب عقلها لشدة جزعها حينئذ وظنت نفسها مجرمة حقا، إلا أن جنونها كان ~~محصورا في موضع واحد، فكانت صامتة تقول بين فترات الوقت: «إنه كان حبيبي وعشيقي!» # ولما دعي قاضي التحقيق للتحري عن أسباب مقتل روبر وقفت بحضرته كشاهد وكانت خافضة ~~الرأس، فقال لها قاضي التحقيق: هل تعترفين بعلاقات غرامية نشأت بينك وبين الرجل الذي قتله ~~الكونت دي موري؟ # أجابت: نعم، أعترف بذلك. # فأشار إليها بالانصراف، فمضت واضطجعت على فراشها، ولبثت وحيدة؛ لأن والديها خرجا من ~~المنزل دون أن ينظرا إليها، حتى إن والدها أبى أن يسمح لزوجته بتقبيل ابنتها قبل خروجهما، ~~وكانت إحدى الوصائف تعتني بلورانس، إلا أن هذه الوصيفة كانت جديدة في المنزل ولا تسعفها ~~إلا قليلا، ولم يبق لها إلا صديق واحد هو الخادم الهندي ملطار. # وكان هذا الخادم - كما قلنا - مخلصا للكونت وزوجته كل الإخلاص، لا سيما وأنه ربى الفتاة ~~بوليت ابنتهما، وكان صديقا للعائلة في زي خادمها الأمين. ~~••• # ولنعد الآن إلى جرجونة وأخيها؛ فإنهما لزما العزلة حتى يوم المرافعة في القضية التي ~~أقامها الكونت على زوجته، ولم يلتق الكونت بالدوقة دي لوقا إلا مرة واحدة، فكان تلاقيهما ~~خاليا من ظواهر الهوى الذي اضطرمت نيرانه في فؤاديهما حينا ما، لكنها تحققت من وراء ~~ذلك أن المستقبل لها. # وقد أسفرت القضية عن تبرئة القاتل بعد إقرار زوجته بأن القتيل كان عشيقها! # وبعد صدور الحكم بيوم أقام الكونت قضية طلاق على زوجته، وبعد ثلاثة شهور صدر الحكم بفسخ ~~زواجه دون أن تحاول لورانس دفاعا عن نفسها، وبعد أربع وعشرين ساعة من صدور ms35 الحكم تلقت ~~أمرا بخروجها من المنزل، فطأطأت الرأس في هذه المرة أيضا، وفارقت ذلك البيت الذي ذاقت ~~فيه طعم الهناء، وولدت فيه ابنتها الوحيدة! # وهكذا بات الكونت روجر دي موري حرا، وغدت الشهيدة المسكينة مطلقة تجرع كأس ~~لوعتها وعذابها دون ذنب جنته سوى حرصها على سر أمها. # | الفصل السادس # مضى خمسة شهور، فنحن الآن في عام 1885، وقد انفصلت لورانس عن زوجها وأقامت في منزل صغير ~~في شارع فرنسوا الأول، وأدى الطلاق إلى حصول كل من الزوجين على ماله الخاص، فأرجع إليها ~~الكونت مالها وهو يكاد يبلغ مليون فرنك، فعزمت على أن تسعف به الفقراء. # ومما زادها غما وشجنا أن والديها بقيا مصرين على الامتناع عن مقابلتها، فقالت في ~~نفسها: هذا ما لا أطيقه، فلا بد لي من أن أراهما ولو طرداني. # وفي ذات يوم استجمعت شجاعتها وذهبت إلى بيت والديها وطرقت الباب، وقالت للخادم: أبلغ ~~السيدة دي لامارش أن ابنتها تروم مقابلتها، فقال لها الخادم: تعذرني سيدتي، فإنني لا أستطيع ~~إجابتها إلى هذا الطلب. # فقعدت على درج السلم نحو ساعة إلى أن قال لها الخادم وصوته يرتجف انفعالا: لا بد من ~~ذهابك يا سيدتي، فإنني أنبأت الأميرال بحضورك وكانت والدتك جالسة بقربه، فقال لي: لست ~~أعرف المرأة التي تتكلم عنها، وهو ينتظر انصرافك ليخرج من البيت؛ لأنه لا يريد أن ~~يراك. # فبكت لورانس، فقال الخادم: أما والدتك فنظرت إلى زوجها نظرة ترقق قلب الصخر وأشارت ~~إشارة إليه، إلا أنه لم يحفل بها؛ بل أمرني أن أفعل كما قال. # فنهضت لورانس وعادت إلى بيتها، فلما فتحت لها خادمتها الباب، وكانت جديدة عندها، قالت ~~لها: في البهو رجل ينتظر سيدتي منذ ساعة، وعليه ملابس غريبة، ويقول: إن سيدتي تعرفه، ~~فأدخلته ينتظرك هناك. # فلما وقع بصرها على ذلك الرجل عرفت أنه ملطار، الخادم الهندي، فصاحت دهشا، فقال لها: ~~إنني أتيت إلى هنا دون أن يعلم أحد بقدومي، فأجابته: شكرا لك يا ملطار، فقد بقي في الناس ~~من لا يزال يعطف علي. # ثم قالت ms36 له: تكلم وقل لي لماذا أتيت اليوم ولم تأت قبلا ؟ فلا جرم أن وراءك خبرا ~~جديدا هاما. # قال: لسيدتي فضل على ملطار لا ينساه، وهو يعرف أنها محزونة، ويظن أنها لا تستوجب ما هي ~~فيه، وقد جرت حوادث تقضي على سيدتي بأن تتكلم ... # قالت: فما عسى أن أقول، وأنت تدري بإقراري؟ أجاب: نعم أدري، إلا أنني لا أصدق ذلك ~~الإقرار. ~~- إنني اعترفت بالحقيقة. فقل لي، ما تلك الحوادث التي تشير إليها؟ ~~- سيدتي، إن سيدي سيقدم على عمل هو الجنون بعينه، ولعل الحزن حمله عليه، أفلا تذهب ~~سيدتي لتمنعه من ذلك العمل؟ ~~- أوضح يا ملطار! ~~- إن سيدي يحب امرأة أخرى يظن أنها تحبه، فهو عازم على الاقتران بها! # فصاحت: ولكن ذلك مستحيل! ثم خطرت في بالها الدوقة دي جرجونة، فقالت: أيريد أن يتزوج من ~~تلك المرأة؟ أليس الأمر كذلك يا ملطار؟ # فأدرك مرادها وأجاب: نعم، تلك المرأة. # فوقفت وقالت: ولكن هذا عمل سافل! وإنما كان يجب علي أن أتوقعه؛ لأنني محكوم علي، وقد ~~شحذت بيدي السكين التي تمزق فؤادي، ويحي، إنهما متحابان من زمان، وقد لاحظتهما ولكنني ~~كنت أكذب بصري، وألوم نفسي على الشك فيهما، أما الآن فقد فهمت لماذا سارع إلى الاعتقاد ~~باجترامي؛ ذلك أنه شعر بخيانته لي سلفا فلم يكن قادرا على الوثوق بأمانة زوجته التي يشهد ~~لها سبعة عشر عاما مضت على هوى صادق، وعلمت كذلك لماذا بادر إلى قتل من حسبه مغتال ~~شرفه؛ إنما قتله ليخلو المكان لعشيقته وقد كانت تنتظره ... ولم يقتلني أنا لئلا تأنف الزوجة ~~الثانية من الاضطجاع على فراش ملطخ بدماء الأولى. رباه، هذا كثير! # ولما رأى ملطار اضطرابها قال لها: ولكن إذا لم يكن اتهامك نفسك حقا فإن سيدي يندم ولا ~~يتزوج تلك المرأة! فهدأ ثائر حنقها، وبعد تردد قالت: هذا صحيح. # وعادت تقول كما كانت تقول في ساعات جنونها السابق: «إنه كان عشيقي!» وخرت على الأرض ~~مغمى عليها. ~~••• # إن الكونت دي موري لبث مقيما في منزله بعد ذهاب لورانس، إلا أن المنزل ms37 بات كأنه في ~~حداد، ولاحظ ذلك أنيبال فقال لشقيقته: خير لنا أن نعود إلى منزلنا السابق، فإنني أستشعر ~~الموت حائما على هذا البيت منذ ما قتل فيه رجل. # قالت له: أوضح فكرك. قال: إنني والحق يقال قد ندمت على ما كان مني، فلو لم أقل لك شيئا ~~عن ذلك الرجل الذي قتله الكونت لما قتل، وذلك القتيل المسكين لم يسئ إلينا قط، وما من سبب ~~كان يحملنا على الإساءة إليه. # قالت: وهل يوجد عداوة بين الجنود الذين يطلق النار بعضهم على بعض في المعارك؟ إن الحياة ~~نضال دائم يختلف أشكالا، فويل للمغلوبين، وحبذا الغالبون! # قال: ولكنا لسنا بغالبين كما تزعمين. # قالت: اصبر ثمانية أيام فقط وسوف ترى. ~~••• # وفي ذات يوم زار الكونت دي موري الدوقة، وكان كأنه يمشي ويتكلم في نومه، فلما رأته جرجونة ~~ملئ فؤادها سرورا، غير أنها تجلدت فلم يبد عليها شيء من الفرح، فخطبها إلى نفسها، ~~وأجابته إلى طلبه، فأظهر رغبته في تعجيل الأهبة للزفاف، وهو في الحقيقة يحاول الانتقام من ~~لورانس بإحلال امرأة أخرى محلها في بيتها وتسميتها باسمه دونها. ففي ثلاثة أسابيع تم كل ~~تأهب، إلا أن الكنيسة # 1 # لم تعقد الزواج، فاضطرت الدوقة إلى الاكتفاء بالعقد المدني، وكانت مستاءة من ~~أن الحفلة لم تكن دينية، فقالت لأخيها: لو شئت لأخذت عشرة وأكثر من العشاق دون حاجة إلى ~~استئذان رجال الدين، غير أن الزوج وهو واحد يخيفني ولا أدري لماذا! وهكذا صارت جرجونة ~~تلقب بالكونتة دي موري، وقد مر ذلك كله بسرعة البرق. # أما لورانس فارتعدت إذ وصل إليها نبأ الزواج على يد الخادم الهندي ملطار، وأصيبت بمرض ~~لزمها أياما ويئس منها الطبيب، لكنها تماثلت إلى الشفاء بعد أن زفت جرجونة إلى ~~الكونت بأسبوع واحد. ~~••• # تغير منزل الكونت دي موري بعد زواجه الثاني تغيرا كبيرا، فصار قصرا حقيقيا، ~~وتكاثر فيه الخدم، وتوالت فيه الحفلات، وامتلأت الإصطبلات بالخيول والمركبات، وازدانت ~~السلالم بالرياحين وبالأزهار، وظهرت فيه الحياة والحركة، وكل ذلك بعناية الكونتة دي موري؛ ~~أي الزوجة الجديدة ms38 للكونت، وهنا لا بد من القول أنه تردد في الرضى بذلك الانقلاب، إلا أنه ~~ما لبث أن أذعن للإيطالية الحسناء، وكانت راغبة في الظهور للناس بعد أن وثقت بفوزها ورسوخ ~~قدمها في الأرض التي افتتحتها بحسنها ومكرها، ولم يطب عيش الكونت دي موري؛ لأنه كان دائم ~~التفكر في زوجته الأولى، يفر من حفلات السرور والطرب التي تقام في بيته إلى حجرته ~~الخصوصية، ويحدث نفسه عما مر به من الحوادث فتنتابه الأحزان. # وفي ذات مساء دخل عليه الخادم ملطار، وقال له: يعذرني سيدي إذا اجترأت على أن أذكر له ~~أني قد عزمت على ترك هذا البيت. فدهش الكونت وصاح: لماذا؟ أوضح السبب يا ملطار. قال: لقد ~~أدت الحوادث المتوالية إلى طرد الخدم القدماء واستبدالهم بآخرين، فالأفضل أن تسري علي ~~هذه القاعدة أنا أيضا. فأظلم جبين الكونت وقال له: أنت مخطيء يا ملطار؛ لأنك لا تشبه سائر ~~الخدم، وتركك لنا يعد ظلما منك ... فرفع الخادم رأسه وقال: إن سيدي يتكلم عن الظلم، ~~ويعلم الله أنني لا أود تركه إلا لألحق بشخص آخر مظلوم حقيقة. # فصاح الكونت: هذا عجيب منك، أتكون مخلصا لتلك التي ارتكبت الإثم وكست نفسها خزيا ~~وعارا؟! # قال: أما أنا يا سيدي، فلست أعتقد أن سيدتي لورانس أثيمة، ولست أرى ثوب الخزي والعار ~~الذي لبسته بصالح لمثلها. # فارتعد الكونت وقال: أنت مجنون! ومع ذلك فإنك كنت حاضرا حين وقوع الحادث، وشهدت غضبي ~~وانتقامي. # أجاب: نعم يا سيدي، ولكنني لا أصدق ما تصدقه، ولا أثق بما رأت عيناي. # قال: وكنت حاضرا في محكمة الجنايات سامعا الإقرار الذي نطقت به بحضرة الحكام ~~والمحلفين! # أجاب: نعم، وأتذكر كل ما جرى، ولكنني مع كل ذلك لا أصدق كلمة مما سمعت، وعلى سيدي أن ~~يذكر أيضا صوت مدام لورانس إذ كان متغيرا وكأنني لم أسمعه قبل ذلك الحين ... وكان الجنون ~~ظاهرا في عينيها، وقد رأيت بصرها وسمعت صوتها حين نقلت إليها خبر زواجك، فكان الجنون في ~~نطقها والبصر جليا، ومما زادني يقينا؛ أن المسكينة مرضت ms39 مرضا ثقيلا كاد يودي بحياتها، ~~ولكن قضى الله بشفائها، فجعلت تتكلم عن ابنتها لتجد رابطة بينها وبين الوجود ... وفكر يا ~~سيدي في أنها لا تستطيع التحدث عن ابنتها إلا معي وحدي؛ لأن جميع الذين تحبهم قد أعرضوا ~~عنها حتى إن والديها طرداها. # وهنا خفت صوت الخادم الأمين وبكى رحمة وشفقة، فتجلد الكونت لئلا يشترك مع خادمه في ~~البكاء، وعطف عليه يكلمه برقة وقال له: إنني بالنيابة عن بوليت أستحلفك على أن لا تترك ~~هذا البيت. قال: بالنيابة عن بوليت؟ # أجاب: نعم، وهي قادمة إلى فرنسا، وكنت منتظرا نبأ وصول الباخرة إلى مرسيليا في هذا ~~اليوم، فاضطرب الخادم وقال: سيدتي الصغيرة آتية! # أجاب: نعم، وبعد يومين أو ثلاثة تكون ها هنا، وسوف يبدو لها هذا المنزل خاليا بعدما ~~أنفقت فيه أيام حداثتها مع والدتها، فهي لا تجد أحدا غيري من جميع الذين تحبهم. # فجعل الخادم يقول: مسكينة بوليت، مسكينة بوليت! # قال: أصبت، إنها مسكينة ولا شك! إنها تستحق أن يرثى لها أكثر مما يرثى لابنة يتيمة ... ~~لا سيما وأنها لم تعلم بالمصيبة التي نزلت بها إلا في الآونة الأخيرة. # قال: كيف لم تعلم بها؟ # أجاب: لأنها كانت ضعيفة فلم تتجرأ شقيقتي على نقل النبأ السيئ إليها لئلا يؤثر في ~~صحتها، ثم أنبأتها لكيلا تدخل هذا البيت وهي آملة أن تلقى فيه أمها، وربما أنبأتها ~~اليوم. # قال: وارحمتاه لها! وربما علمت اليوم فقط بأن مكان أمها قد احتلته امرأة أخرى، آه يا سيدي ~~ما أشأم تلاقي بوليت مع ... ولم يجسر الهندي على إتمام جملته، فقال الكونت بكآبة: نعم، وكنت ~~أعتمد على مساعدتك في تعزية المسكينة. # ولكن ما دمت عازما على ترك هذا المنزل، وترك ابنتي فريسة للغم والأسى، فامض لست ~~أمنعك. # أجاب: لا سيدي، فإنني أقيم الآن. فمد الكونت يده إلى خادمه فلثمها وبللها ~~بدموعه. ~~••• # هل يذكر القراء كلمة قالها أنيبال بلميري لأخته عندما أبان لها إمكان اقترانها بالكونت دي ~~موري إذا وعدته بالمساعدة عندما يتحقق رجاؤها؟ # كان أنيبال شديد الكسل لكنه ms40 إذا نوى أمرا أعد له عدته على مهل، وقد طلب مقابلة الكونت ~~بعد يوم سباق جرى في ميدان أوتيل، وقال له: لدي أنباء جديدة عن منجم الذهب الذي في ~~«ريونجرو»، وهو المنجم الذي خطر لك وللمركيز دي ستناي والجنزال دي سنروني أن تتولوا إدارة ~~شركته، ولعمري فقد خدعكم رجال الأموال الذين دفعوكم إلى تولي هذه الإدارة؛ إذ أوهموكم أنه ~~منجم غني بالذهب وهو لا يقدر بأكثر من عشرين ألف فرنك، فلم يحفل الكونت وأجاب: إذن أكون ~~قد خسرت ألف فرنك وينقضي الأمر على هذه الخسارة. # قال: ليس الأمر ينقضي كما تتوهم، ولكن يظهر أن مساهمي الشركة قد حصلوا على براهين دامغة ~~بأن سبائك الذهب التي زعمتم أنتم الثلاثة مديري إدارة الشركة أنها صادرة من منجم ريونجرو ~~لم تصدر في الحقيقة إلا من منجم آخر ... فبهت الكونت في هذه المرة وقال: ذلك كذب مشين. # قال: نعم، وشر من ذلك أن المساهمين أقروا على إلحاق التبعة بكم، وعزموا على إبلاغ ~~الحكومة شكواهم منكم زاعمين أنكم خدعتموهم وغششتموهم، فصاح الكونت غاضبا وهو يقول: ومن ذا ~~يتجرأ على هذا الزعم الكاذب واتهامنا بسرقة؟ # قال: ليس يعني المساهمين إلا أن التبعة واقعة عليكم جميعا، وقد أوجبوا عليك دفع مليون من ~~الفرنكات إذا شئت أن تخلص من هذه الورطة المشئومة سالم الشرف. # فانسكب العرق البارد من جبين الكونت وقال: من حسن الحظ أن القدر الذي يطلبونه ليس بجسيم ~~أعجز عن دفعه. # وقال أنيبال: يسرني ما أسمعه منك؛ لأنني غير مطلع على شئونك المالية، وكنت خائفا من أن ~~تكون عاجزا عن تحمل تلك الخسارة. # قال: إنني وفقت إلى استثمار أموالي في الهند، ولما انفسخ زواجي بابنة الأميرال فيرمين ~~دي لامارش بلغ ما لدينا من المال مليونان، ومن أصل هذه القيمة تقدير منزلنا هذا بأربعمائة ~~ألف فرنك، فبقي من المليونين مليون واحد وستمائة ألف فرنك، دفعت منها لابنة الأميرال ~~ثمانمائة ألف فرنك، أما الباقي، أي: ثمانمائة ألف فرنك وهو حصتي، فمودع خزانة المصرف الهندي ~~المرسيلي لحسابي الخاص، وفي ms41 أقل من أسبوعين يرد علي هذا المال، ولست أبالي بخسارته إذا ~~بقيت بائنة ابنتي لم تمس ... قال: يمكنك أن تحرز لابنتك ثروة أكبر من التي تضحيها بشرف. ~~قال: فما معنى هذا الكلام؟ أجاب: معناه أنني أمتلك ملايين عديدة، فهل تأذن لي أن أشاطر ~~ابنتك إياها على أن أخطبها إليك؟ # فتراجع الكونت دي موري وهو لا يصدق أذنيه، ثم تجلد وقال: أنت تريد أن تغدو زوج بوليت! ~~وأنت شقيق ... # وتوقف، فقال أنيبال متمما كلامه: نعم، شقيق زوجتك، ولا أنكر أن الآنسة بوليت قد تنفر ~~من هذا اللقب، لكن يمكنك الاعتماد علي وعلى أختي في استمالتها إلينا. # قال: ولكنك لا تعرف ابنتي! # فتبسم وقال: ليس ذا بالأمر الخطير عندي، فحسبي ما أراه كل يوم من تعلقك بها، وحب ~~الذين عرفوها، وإخلاص بعض الخدم لها ... وما أعني إلا ملطار، أما حسنها ... # وهنا تناول صورة عن مكتب الكونت لبوليت، وقال: هذه الصورة تدل على حسنها، ولطالما تأملتها ~~معجبا بصاحبتها، إذن فاعلم أيها العزيز أنني مغرم بالآنسة ابنتك، وقد جئتك خاطبا إياها ~~إليك. # فأجابه الكونت: إن إصرارك على خطبتها إلي في مثل هذه الأحوال الحرجة يوجب علي الشكر ~~لك، ولكنني لا أستطيع أن أجيبك إلى طلبك إلا بعد قدوم بوليت؛ لأنها قادمة إلى هنا بعد بضعة ~~أيام، ولها أن ترى رأيها في الجواب، وبعد هنيهة دخل أنيبال غرفة أخته فأنبأها بما فعل، ~~فقالت له: ولكن هذا جنون! قال: وهل قلت لك إنك مجنونة حينما كاشفتني بهواك وشغفك ~~بالكونت دي موري، وقلت لي إنك تدفعين الملايين لتتزوجي به؟ # قالت: ولكن ليس بين الحالتين تشابه. قال: أنت أردت الاقتران بالكونت عن هوى وعشق، أما ~~أنا فسوف أتزوج الآنسة بوليت عن تعقل وتبصر؛ لأنني أتمنى أن أفتح بيتا صغيرا بين ~~هؤلاء القوم الذين اختلطنا بهم، ولا يخطر لهم التحري عن ماضينا، وبوليت تلائمني وتصلح لي؛ ~~لأنها فتاة تكاد تكون بلهاء، ولا تعرف شيئا من أحوال الناس وشئونهم، ولا تهوى أحدا، ولا ~~يبعد أن تفتتن بي، وفضلا عن ذلك ms42 فإن والدها زوجك ولا يقسم إلا بك، ومن محاسن التوفيق ~~أنه مشرف على الإفلاس، وهو محتاج إلينا ليقضي ديونه ... ~~- هذا صحيح وكنت قد نسيته، فهل ثبت النبأ السيئ الذي نقلته إلي عن منجم الذهب؟ ~~- بلا شك، والمصرف الهندي المرسيلي الذي أودعه أمواله مشرف على الإفلاس الاحتيالي - أو ~~التدليسي. ~~- إذن قد أصبح روجر مفلسا؟ ~~- نعم، إلا إذا لجأ إلى صهره «العبد الفقير» الماثل أمامك، ولعمري إنه لحسن حظه قد ~~وفق إلى التعرف بنا! وضحك سرورا. # وبعد هذه المحادثة بساعة واحدة فقط، دخلت مخدع الكونت دي موري فتاة ممسكة بيد رجل كهل ~~وهي تقول له: تعال إلى هنا يا مسيو دراك، فهذا مخدع والدتي! # وكانت الفتاة بوليت. # | الفصل السابع # بقي علينا أن نذكر السبب في وصول الفتاة بوليت إلى منزل أبيها في شارع فارين في باريس، ~~وهو لا يدري إذا كانت قد وصلت إلى مرسيليا بعد ... وكيف دخلت المنزل خفية غير مصحوبة بعمتها ~~باسيليك ولكنها بصحبة رجل نجهله حتى الآن، اسمه المسيو دراك، فلنعد قليلا إلى ~~الوراء. # كانت بوليت في الهند ضعيفة ناقهة من المرض، ولما وقعت حادثة افتراق أمها عن أبيها كتمت ~~عمتها عنها الخبر، وقال الطبيب روبلين لعمتها: ثابري على الكتمان عنها لئلا تؤثر هذه ~~المصيبة في صحتها، وربما قتلتها؛ لأن جسمها لا يزال إلى الآن ضعيفا. فلما تم لها الشفاء ~~أمر الطبيب بسفرها برغم إرادة المسيو جاستون دي فاليير نائب الحاكم، وكان هذا مغرما ~~بالفتاة من قبل، لكنه لم يكاشفها بهواه، وكان الطبيب روبلين مطلع على سر ذلك الهوى، وقد ~~أنبأ به العمة باسيليك، فعزمت أن تخبر به والدي الفتاة حين وصولها إلى باريس، فقالت ~~لجاستون: كنت مطمئن البال أيها العزيز، فسوف أسعى لك السعي الذي نوده. ثم سافرت العمة ~~باسيليك وابنة أخيها، وظلت العمة تؤجل إطلاع الفتاة على ما كان بين والديها خشية تأثير ~~الخبر فيها، لكنها أشفقت أن يتكلم أمامها أحد ركاب الباخرة فتعلم الفتاة ما كتم عنها، ~~فاحتاطت بطريقة أخرى هي التي نذكرها الآن. # كان في ms43 جملة القادمين إلى أوروبا على تلك الباخرة رجل إنكليزي أقام ثلاثين عاما في ~~الهند، ثم عاد إلى أوروبا لينفق فيها بقية عمره ويستريح من الأعمال، وكان ذلك أمرا ميسورا ~~عنده؛ لأنه غني، ولا علاقة له بأحد من الناس، ولا أقارب له، ولا يهمه غير نفسه، هكذا كان هو ~~يقول، واسمه إيليا دراك، زاول التجارة في كلكتا وكان معتمدا قنصليا فيها، تعرفت به ~~العمة باسيليك على يد ربان الباخرة، ثم آنست فيه طيبة القلب فأطلعته على ما توجسه من خوف ~~بشأن بوليت، فوعدها بالمساعدة لأنه يعرف جميع ركاب الباخرة، فحذرهم من التكلم عن حاكم ~~بوندشيري، أي والد بوليت، وما جرى له مع زوجته؛ لأن خبر تطليقه إياها كان شائعا ذائعا، ~~ولكن إيليا دراك كان قد امتنع في بادئ الأمر عن قضاء هذه المهمة، لكنه ما لبث أن أذعن وأجاب ~~بالقبول، واستشعر ميلا إلى الفتاة بوليت، مع أنه كان لا يريد أن يكترث لأحد من الناس بسبب ~~تقدمه في العمر. # وفيما كانت الباخرة تدنو من مرسيليا حدث حادث مزعج؛ لأن البحر هاج هياجا شديدا، وأخذ ~~يتلاعب بالباخرة تلاعب العاصفة بريشة طائر، فلم يبق على ظهرها أحد من المسافرين؛ لأنهم ~~أمروا بملازمة غرفهم، أما بوليت فلما علمت بقرب الوصول إلى مرسيليا أصابها انفعال شديد ~~لاعتقادها أن والديها ينتظرانها على الشاطئ وهما متعرضان للعاصفة الهابة ليرقبا دخول ~~السفينة في الميناء، ويشاهدا ابنتهما من بعيد، فطلبت إلى العمة باسيليك أن تأذن لها بالصعود ~~إلى ظهر السفينة، وأدركت هذه العمة ما يجول في ذهن الفتاة، ولم تحاول منعها ذلك؛ لأنها قالت ~~في نفسها: سوف تكون خيبة بوليت لعدم رؤية والديها على رصيف المينا عند رسو السفينة مقدمة ~~لمكاشفتي إياها بتنافرهما الذي أدى إلى الطلاق، وهكذا تكون الخيبة الصغيرة تمهيدا للخيبة ~~الكبرى التي أخشى من تأثيرها على الفتاة. # فصعدت العمة وابنة أخيها إلى ظهر السفينة وهي داخلة في الخليج، فنادت بوليت المسيو دراك ~~وقالت له: ألا تأتي معنا؟ # فأجابها متعجبا: إلى أين؟ # قالت: إلى ظهر السفينة كما ms44 أخبرتك ... ألم أقل لك إني سأصعد إليه عند وصولها إلى ~~مرسيليا ؟ # أجاب: نعم قد تذكرت الآن أنك قلت ذلك القول، ولكنني لا أعده كافيا للمخاطرة بأرواحنا. ~~فمن الجنون التعرض للأمواج التي تغطي ظهر السفينة الآن. # قالت: بل قم ولا تجادل! وتعال فبلل ثيابك معنا ولا تكن رديئا. # قال: ولكن قد تجرك الأمواج إلى البحر ... # فأمسكت ساعده وقالت: بل أنا أثبت قدمي على الأرض وأتشبث بذراعك فلا تخف علي، وهيا ~~بنا. # فاتجه الثلاثة وهم يستندون إلى كل ما تقع عليه إيديهم كي لا يسقطوا، فلما بلغوا السطح ~~رأوا مشهدا بديعا أنساهم ما كان محدقا بهم من خطر؛ فكانت السفينة تحاكي وقتئذ جوادا ~~كريما منطلقا في ميدان ملؤه الغابات والأنهر، يثب وثبات هائلة، فيرتفع ثم يهبط حتى يظن ~~أنه هوى إلى الحضيض، وبينما كان يقترب من الخليج ويوشك أن يدخله فيأمن شر ذلك النوء الشديد؛ ~~وإذا بموجة عالية كالجبل جاءت وتكسرت على السفينة ففرشتها بالماء، ولم تبق على ظهرها ~~شيئا، وإذ ذاك سمع «دراك» والعمة «باسيليك» صوت بوليت وقد جرفتها المياه إلى البحر، فبادر ~~المسيو دراك، بعد أن خلع رداءه وبعض ملابسه، وانطرح على ظهر الباخرة وترك المياه تجره إلى ~~البحر وهو يتذمر ويتململ غضبا، فلما ظهر بعد هنيهة على سطح الماء، أبصر قطعة من ثوب ~~بوليت فسبح إليه، وأمكنه التوفيق من القبض على شعر الفتاة، إلا أنها تشبثت به في الحال ~~شأن كل غريق، فقال: لئن لم أتخلص من قبضتها فلا يبعد أن نغرق معا، ولكن إذا تركتها فإن ~~صورتها تلازمني في الليالي وتحرمني الرقاد؛ فإما أن أنجو وإياها وإما أن نغرق ~~معا! # وأخذ يسبح بقوة والفتاة متشبثة به، ولحسن الحظ تنبه إليه النوتية، وطرحوا زورقا في ~~الماء فانتشلوه والفتاة، وكان قد أغمي عليها، كما أغمي على عمتها لما رأتها وهي في تلك ~~الحال. # ولما أفاقت المرأتان طلبت بوليت النزول إلى البر قائلة: إن والدي ينتظرانني ولا شك، ~~وعسى أن لا يكونا قد شاهدا ما حدث لي: فارتبكت العمة ارتباكا شديدا ms45 ولم تدر ما ~~تقول. # وفيما كانتا نازلتين على سلم الباخرة تلاقتا بالمسيو دراك، فتذكرت بوليت أنه أنقذها من ~~الموت غرقا، فوثبت إلى صدره تشكره، فدفعها عنه بشيء من الخشونة السكسونية ليخفي انفعاله، ~~وإن زعم أنه لا يفهم معنى هذا الانفعال، وقال لها: تنبهي إلى نفسك أيتها الآنسة؛ فهذه ثاني ~~مرة تجعدين فيها ثيابي منذ حظيت بشرف صحبتك. # قالت: إنك لم تفكر في ثيابك التي ابتلت حين ألقيت بنفسك إلى الماء لأجلي، والآن أصبحت ~~تخشى على هذه الثياب من التجعد إذا دنوت منك؟ فأنت منقذي من الغرق يا مسيو دراك، آه ما ~~أشد ما يكون حب والدي لك عندما يعلمان بما صنعته إلي من المعروف العظيم. # قال: ولكنني أعفيهما من ذلك العناء؛ لأنني مسافر إلى باريس في هذه الساعة، ومنها إلى ~~إنكلترة دون إمهال. # فأشارت العمة إليه وقالت له: بحقك تعال معنا إلى الفندق، فلا غنى لنا عن وجودك ~~معنا. # فلم يجد بدا من الانصياع وهو يقول في نفسه: إنني لم أنتفع بعزوبتي ما دمت هدفا لأول ~~امرأة تطلب مني الإسعاف كما وقع اليوم. # ولما وصلوا إلى الفندق كانت العمة متألمة، وأصابتها حمى عقيب تبلل ثيابها، أما بوليت ~~فتعجبت لأنها لم تر والديها، وقالت: إنهما تأخرا، إذن سوف أسبقهما إلى المنزل في باريس، ~~وغدا نسافر على أول قطار. فقالت لها عمتها: إذا كنت راغبة في السفر فلا بأس، ولكن لا بد ~~لي من السفر معك، إلا أنني مريضة كما ترين، وأحتاج إلى الاستراحة ولو يومين. # قالت: أنا لا أستطيع الصبر على لقاء والدي يومين أيضا، وكان دراك يود الرحيل، فقال ~~للفتاة: هل تريدين أن أوصلك إلى باريس على أن تبقى عمتك ها هنا بضعة أيام لتستريح ~~تماما؟ # فأرضى الاقتراح الامرأتين معا، ثم خلت العمة بدراك، وبعد جدال وعدها بأن يخبر الفتاة في ~~أثناء الطريق عن انفصال والديها، وسافرت بوليت برفقة دراك، غير أنه لم يجسر على إنجاز وعده ~~شفقة على بوليت، وهكذا وصلت إلى منزل أبيها وهي تجهل كل ما حدث. ms46 # دخلته وهي تجر المسيو دراك، الذي كان مرتبكا كل الارتباك، ودخل الخادم الهندي ملطار من ~~باب آخر فسمع صوتها ولم يرها، فقال في نفسه: كيف وصلت دون أن يدري أبوها بوصولها؟ ومن الرجل ~~الذي يصحبها؟ # وتعجب لما أدرك من لهجتها أنها مسرورة؛ إذ كانت تقول للرجل الإنكليزي تعال ولا ~~تتردد، ولماذا أردت مخاطبة البواب وأنا لا أعرفه؟ فهل أحتاج إلى من يدلني على الطريق في ~~بيت أبي؟ # قال: ولكنه يسألني عن نفسي وعنك لأنه لا يعرفنا. # قالت: دعه يسأل ما شاء وادخل معي، فنحن قادمان دون أن يعلم أحد بوصولنا ولا سيما أنت، ~~فالكل يجهلون أنك موجود في هذه الدنيا. ثم أقبلت على خادم وقالت له: أين المسيو دي موري ~~وزوجته؟ # فأجابها: لقد خرجا من المنزل. # قالت: فأين الأميرال دي لامارش وزوجته؟ # أجاب: إنهما لا يقيمان في هذا المنزل منذ نحو شهرين. # قالت: هذا أمر غريب، فما معناه؟ وعطفت على المسيو دراك، فأخذت يده وقالت: تعال فلا بد لي ~~أن أظهر لك سروري وفرحي. # فحاول أن يسكتها، فلم تدع له وقتا للتكلم، وقالت: إني أعرف ما تريد أن تقوله، فأنت تريد ~~أن تقول: إن سروري لا يعنيك، وإنك لا تحب الانفعالات، وإنك مسافر إلى إنكلترة على أول قطار، ~~وإنك لا تريد أن تتعرض فتاة مثلي لشئونك، أو يهتم أحد بك، وإنك راغب في الصيد في أعماق ~~البحار حتى تخلو إلى أنانيتك، ولا تفكر في غير نفسك، فتأكل وتشرب وتضحك أو تبكي دون أن ~~يشاطرك أحد سراءك أو ضراءك، وأفراحك أو أتراحك، وهكذا تغدو أسعد رجل في الدنيا. كل ~~ذلك تريد أن تقوله لي، وأنا أعرفه، ولكن البث ها هنا ساعة قبل الشروع في تلك الحياة ~~الطيبة، واشهد ملاقاتي لوالدي، وتأمل كيف يكون الحب بين أفراد أسرة واحدة، وكيف يسعد ~~الناس به، أكثر منك بوحدتك وجفاء طبعك؛ لأن سعادتهم ناجمة عن اتحادهم وتشاركهم في ~~الحب! # وسمع ملطار هذه الكلمات ففهم الحقيقة، وأدرك أن سيدته الصغيرة تجهل ما وقع من الحوادث في ms47 ~~البيت، فارتعد خوفا عليها، وخرج لها من الموضع الذي كان مختبئا فيه، فصاحت لما رأته، ~~وحيته، ومدت إليه يدها فلثمها بحنو وغمغم يقول: سيدتي. # فقالت له وهي ضاحكة: آه لو سمعت البواب، فهو يريد أن يمنعني من الدخول بحجة أن المسيو دي ~~موري وزوجته غائبان الآن! # فقال المسيو دراك: بل أراد أن يعرفنا أولا، وأنت المخطئة؛ لأنك منعتني عن إخبار ~~والديك برسالة برقية عن قدومك. قالت: أردت مفاجأتهما. # فأشار المسيو دراك إشارة إلى الخادم الهندي لكي لا تبدو منه بادرة فيطلع بوليت على ~~الحقيقة، وإذا بالفتاة تصيح به قائلة: تكلم يا ملطار عن أبي وأمي، فكيف هما؟ حدثني عنهما ~~معا! # وأخذت تتخلص من ملابس السفر وهي لا تفتأ تتكلم. # فقالت للخادم الهندي توبخه: ألا تسألني عن العمة باسيليك يا ملطار؟ فقد تركتها مريضة ~~في مرسيليا، ولكن لا بأس عليها ... ولذلك صحبني المسيو دراك، فكان كريما معي، ولكن هنا أمر ~~خطير، عليك يا ملطار أن تكتم نبأ وصولي عن والدي حتى يرياني ها هنا. # أجاب: نعم يا سيدتي، فها أنا ذاهب! وذهب الخادم الأمين من المخدع مستعجلا؛ لأن عبراته ~~كادت تفضحه، وود المسيو دراك أن يقتدي به؛ لأن تلك المهمة التي عهدت بها إليه العمة ~~باسيليك لم تعجبه، وهي أن يخبر الابنة بالطلاق الذي وقع بين والديها، فقد يقتلها الخبر في ~~مثل ذلك الوقت، وقد قطع المسافة بين مرسيليا وباريس ولم يجسر على مكاشفتها به حتى عزم ~~أخيرا على أن يوصلها إلى المنزل وينصرف تاركا تلك المهمة للصدف تفعل ما تشاء. # فأتى بحركة ليأخذ قبعته وينطلق، إلا أن بوليت لاحظته واستوقفته وقالت له: كيف تذهب ~~بعدما اهتممت بي في مدة السفر، وخاطرت بروحك لأجلي، وأوصلتني إلى باريس؟ كيف تذهب دون أن ~~تمكن والدي من شكرك؟ # قال: ليس ما يوجب الشكر، فإنني فعلت ما فعلت دون تحمس أو تعب، أما الآن وقد وصلت إلى ~~بيتك ولم يبق لك حاجة بي فإني أودعك. # فأمسكت ساعده ونظرت إليه تتفرس في وجهه، وقالت له بدلال: ms48 كلا، لا تودعني؛ لأنك باق ~~هنا، ولا بد أن يرى والداي من صحبني في سفري الطويل، وأنبئهما بحسن عنايتك ورعايتك وكرم ~~خلقك حتى يؤديا لك واجب الشكر والثناء، ولا بد أن ترى كل أقاربي. # قال: أتعنين جدك الأميرال وجدتك؟ إنني لا أحب كثرة الأقرباء ولا قلتهم! فضحكت وقالت: كم ~~عدد أقربائك؟ أجاب: أحمد الله على أنني قريب نفسي الوحيد! # قالت: إنني أرثي لك. # قال: أنت على ضلال؛ لأن الحب الذي كان ينبغي أن أوزعه على أقربائي أختص به وحدي دونهم، ~~إذ إن شخصي هو عزيزي ووحيدي! فزاد ضحك بوليت، وقالت: كيف ذلك؟ أتحب شخصك إلى هذا الحد؟ ~~أجاب: هذه خير وسيلة للإحسان إلى من يستحق الإحسان. # قالت: ولكن الحب يولي المرء سعادة. # أجاب: إني أدرى الناس بذلك؛ لأنني أحب نفسي حبا جما. ~~- ألم تحب امرأة في ماضي عمرك؟ ~~- ما كان ينقصني إلا هذا! ~~- أما أنا فلا أكتم عنك أنني أحب رجلا. # وإذ ذاك صبغ الحياء وجهها بلون القرمز، فقالت: إنه خطبني إلى نفسي وأجبته بالقبول. فبدأ ~~المسيو دراك يرتعد؛ لأن هذا الإنكليزي الشهم ود أن يرجع الكونت دي موري سريعا وينقذه من ~~هذه الورطة. # فقالت الفتاة: سوف ترى ما في بيتنا هذا من سعادة وحب، ويا لله! ما أشد كلفي بهذا البيت ~~العزيز الذي لم أره منذ ثمانية أعوام، إلا أنني أتذكر كل شيء فيه ... واحكم بنفسك، فهنا إلى ~~اليمين يوجد بهو صغير لا أزال أراه كأنني دخلته بالأمس؛ لأنه بهو والدتي الذي تفضله على ~~سواه، وجدرانه وردية اللون، فتعال وانظر، تتحقق! ففتح المسيو دراك الباب الذي أشارت ~~إليه، وقال: نعم هذا بهو صغير إلا أن جدرانه زرقاء لا وردية. # قالت: يا ليته بقي وردي اللون، فإنني كنت أحب أن يبقى على حاله. # قال: إن الألوان تتغير ككل شيء في العالم، حتى المبادئ والعواطف والأفكار والآراء ~~والأميال، فلا تحزني ... # قالت: هذا صحيح، ولكن لست أبالي به، ولكنك سترى أنني غير مخطئة، ففي هذا البهو الصغير إلى ~~يسار الباب يوجد جدار ms49 عليه صورة كبيرة. # قال: صورة كبيرة؟ # أجابت: نعم، صورة صبية حسناء لابسة ثوبا من الحرير الأطلسي الأبيض، فهي أمي! فارتبك ~~الشيخ إلا أنه قال: كلا يا ولدي، لا، لست أرى صورة. # قالت: ألا يوجد جدار عليه صورة؟ # أجاب: أما الجدار فنعم، وأما الصورة فلا. # فأسرعت إلى باب البهو وصاحت: ذلك مستحيل! # ثم لما لم تجد صورة أمها وقفت وقالت: ماذا فعلوا بها؟! # وكانت تلك فرصة ينبغي انتهازها لإخبار الفتاة بواقع الأمر، إلا أن الإنكليزي لم يطاوعه ~~قلبه على انتهاز تلك الفرصة، بل قال: لا جرم أن الصورة أصيبت بأضرار مدة غيابك الطويل ~~فحملت إلى مكان آخر لإصلاحها. قالت: لا بد إذن أن يكون ذلك هو الواقع. ثم رأت صورة على ~~موقدة فقالت: انظر إلى صورتي أنا منذ ثمانية أعوام وقد جيء بها من مندشوري. # وكانت قد عكفت على تقبيلها، ثم نظرت إليها وقالت: إني أقبل دموع والدتي. # فتأثر المستر دراك برغمه وأخذ يتنحنح ويسعل، فقالت له: إنك تأثرت لتذكري والدتي، ~~فأنت طيب القلب يا مستر دراك. # فتظاهر بقسوة تمساح، وقال: أنا؟ وأي شيء يؤثر في؟ وهل يعنيني أمر والدتك وأنا لا ~~أعرفها؟ وكانت بوليت قد تعودت على خلق دراك فلم تحفل باحتجاجه، بل قالت: أين الكتب ~~التي كانت على هذا الخوان؟ وما هذا المنديل؟ لا شك أن أمي نسيته ها هنا. # وأمسكت المنديل وقربته إلى فمها لكنها سرعان ما رمت به في الحال، وقالت: ليست له ~~الرائحة التي تعودتها أمي فما هذا بمنديلها، ولكن هنا حرفان عليه ليسا لها؛ لأنهما لا ~~يدلان على اسمها. # ثم صاحت تقول: رباه! ما هذا التغير الحادث ها هنا؟ لا بد لي من معرفة السبب. # واتجهت إلى باب آخر للبهو، فقال لها المستر دراك: إلى أين تذهبين؟ أجابت: إلى غرفة ~~والدتي؛ ففيها ولا شك أشياء تحدثني عنها، فانتظرني قليلا يا مستر دراك، وخرجت مسرعة، ~~فقال: وا رحمتاه لها، إنها سريعة الانفعال، ومن حسن حظي أنني لم أتزوج ولم أرزق ~~أولادا، فحياتي هادئة لا يعتريها أدنى ms50 اضطراب. ثم عادت بوليت وهي تترنح كأنها ~~سكرى. # فقالت له بصوت المذبوح: إنني خائفة. # وتعلقت بساعده، فقال لها: نعم، أنت ترتعدين، فلماذا؟ # أجابت: إنني دخلت غرفة والدتي، فجاءت وصيفة لا أعرفها وقالت لي بخشونة: ماذا تفعلين؟ ومن ~~أنت؟ فذكرت لها اسمي، فنظرت إلي مليا، ثم قالت لي بلهجة المستهزئة: أنت ابنة الكونت؟ ~~فأرجو منك عذرا. فأنكرت عليها قولها إنني ابنة الكونت، وكدت أقول لها إنني ابنة الكونتة ~~أيضا، لكنني استشعرت ألما، فاكتفيت بأن سرحت البصر حولي، فلاح لي أنني في غير غرفة ~~والدتي، فصرخت وهربت إلى هنا. # فبهت المستر دراك ولم يدر ما يقول لها. فصاحت تقول: هل تغيرت أمي أيضا؟ وهل ~~تنكرني اليوم؟ ولكنني أسمع صوتا ... فأمي آتية ... ووثبت إلى النافذة فرأت امرأة أبيها نازلة ~~من المركبة، فقالت: ما هذه والدتي، آه يا مستر دراك! هذا أبي، وسأنتظر والدتي وأنا على صدر ~~والدي. # وطلعت من باب البهو وإذا بالكونت دي موري مقبل عليها، فضمها إلى صدره بلهفة، وجعل ~~يقول: بوليت! بوليت! ابنتي العزيزة! وكانت تقبله، وتكرر قولها: يا أبي. # فتنهد المستر دراك وقال: هذه رفيقتي في السفر بين ساعدي أبيها، فقد انتهت مهمتي، ~~ويسرني انتهاؤها. # وإذا ببوليت قد تخلصت من يدي أبيها وقالت: إنني ناكرة للجميل يا أبت؛ لأنني نسيت أن ~~أعرفك بالمسيو دراك، فهو صديق لنا، ولقينا أنا والعمة باسيليك، ومن كرم أخلاقه ما لا ~~أستطيع وصفه، وقد صحبني وأوصلني وحدي إلى باريس. قال: وحدك؟ وكيف وقع ذلك؟ أجاب دراك: نعم ~~أيها الكونت، أما أنا فأدعى «إيليا دراك» وكنت في الهند الإنكليزية تاجرا وقنصلا نائبا ~~عن إيطاليا في كلكتا، أما اليوم فقد استقلت من منصبي وتركت تجارتي، وكانت شقيقتك مريضة في ~~مرسيليا فعهدت إلي بإيصال الآنسة بوليت حتى باريس ... إلا أنها ستوضح لك ذلك كله، ولم يبق ~~إلا أن أقول كلمة قبل ذهابي، ثم ألحق بأمتعتي إلى فندق اللوفر، واقترب إلى الكونت وهمس في ~~أذنه يقول: حاذر يا مسيو دي موري، وتنبه جيدا كيف تنبئ ابنتك بخبر انفصالك ms51 عن أمها، ~~فنحن، أنا والعمة باسيليك، لم نتجرأ على نقل هذا الخبر السيئ إليها، فهي لا تزال جاهلة كل ~~ما حدث، وصحتها ما زالت ضعيفة. # فكاد يقع الكونت، واصفر وجهه وقال: وا حرباه! وهل أخبرها أنا؟ # فانثنى المسيو دراك إلى الفتاة وقال لها: أودعك أيتها الآنسة، وقد سرني وشرفني ~~تعرفي بك. # وتناول يدها وهزها بقوة، فقالت: أتمضي قبل إياب والدتي، وقبل أن أعرفك ~~بها؟ # أجاب: لا بد من ذهابي يا بنية. قالت: ولكنك تعود إلينا؟ قال: لا أدري؛ إذ لا بد من سفري ~~إلى لندرة سريعا ... قالت: بل أريد أن تعود، وأن تعرفك والدتي، فأقسم لي على أنك تعود. ~~فأقسم لها، واستأذن ومضى وهو يقول: نعم أقسمت لها على أن أعود ولكنني لم أقل متى ... ولا ~~أعود حتى يسكن كل ثائر في هذا البيت، قاتلهم الله إني لست بحاجة إلى مرض القلب! # وبعد ذهاب المستر دراك ارتمى الكونت على مقعد، فمالت عليه بوليت تقبله، وتقول له: ما ~~أسعدني بهذا اللقاء، اجتماعنا نحن الثلاثة بعد طول الفراق. # فخبأ وجهه بيديه وجرى دمعه على وجنتيه، فرعبت الفتاة وقالت: لماذا تبكي؟ لماذا تعرض ~~بوجهك عني؟ إلهي، إلهي، ماذا جرى؟ # وركعت أمامه، فقال لها بلهجة اليائس الحزين: لا بد أن تعتصمي بالصبر والتعقل والشجاعة. ~~قالت: ولكن لا أدري أي خطر أخشاه وأنا معك؟ ولا ألبث حتى أرى والدتي بقربك. قال: إنك لا ~~ترين والدتك. قالت: فهل هي غائبة؟ ألا تعود الليلة؟ ما بالك لا تجيب؟ لقد فهمت الآن، ~~فوالدتي مريضة في خطر الموت، بل ربما ماتت! ... # وصرخت صرخة موجعة، فقال لها أبوها: كلا، لم تمت والدتك، فاطمئني. # فجعلت يدها على فؤادها وقالت: ظننت أنني مشرفة على الموت. # قال: فاسمعي يا بنية، لقد وقع خلاف خطير بيني وبين والدتك منذ وصولنا إلى باريس، ~~فاضطررنا إلى الافتراق. # قالت: أواه، لماذا لم أكن حاضرة يوم وقوع ذلك الخلاف، إذن لما حدث ما حدث، أما الآن وقد ~~وصلت فالخصام يزول، وما مضى قد فات، وأمي تعود إلى هنا ms52 فأضمها إلى صدري، ونجتمع على هناء. ~~قال الكونت: ذلك لا يكون أبدا، فبيني وبينها سور لا تستطيع قوة بشرية أن تجتازه، وإذ ذاك ~~ظهر ملطار، فقال: جاءت مدام دي موري وهي مقبلة إلى هنا! # فتهلل وجه بوليت وقالت: إنك كذبتني لتجربني فوا فرحاه! هذه أمي آتية فأهلا ~~وسهلا بها! ... # وسمعت وقع خطى وصوت امرأة تلقي بعض الأوامر، إلا أن الصوت كان مبهما، فقالت بوليت: ~~هل سمعت؟ هذه أمي! # فحاول أبوها إمساكها وناداها إلا أنها لم تلتفت إليه، فوثبت حتى الباب وإذ ذاك تزحزح عن ~~الباب ستر وظهرت الكونتة دي موري، إلا أن بوليت لم تعرف هذه الكونتة؛ لأنها ليست ابنة ~~الأميرال فيرمن دي لامارش، ولكنها كلوديا بلميري دوقة دي لوقا، أي: جرجونة. # فبهتت بوليت وقالت: عفوا أيتها السيدة فإنني لم أفهم ... وكنت أظن ... وانثنت إلى الخادم ~~ملطار وكان يتستر وراء الستر، فقالت له: أنت المخطئ يا ملطار؛ لأنك قلت إن مدام دي موري ~~آتية. # فلبث جامدا لا يحير جوابا، فتقدمت جرجونة وقالت: أظنك ابنة الكونت دي موري؟ # فخفضت الفتاة رأسها. فقالت جرجونة: لا يحق لك أن توبخي ملطار على ما قال؛ لأنه لم ~~يقل إلا حقا، وأنا الكونتة دي موري الآن. # فلم تفهم بوليت، وظنت أن تلك السيدة نسيبة لها تجهلها، ولاحظتها جرجونة، فقالت: نعم، ~~أنا الكونتة دي موري، زوجة أبيك. قالت: أنت زوجة أبي! # وكان في صوتها معنى الاحتجاج والانذهال، ثم تقهقرت وقالت: حذار يا أبي، فإن هذه المرأة ~~مجنونة! # ولجأت إلى صدر أبيها خائفة، فقالت لها الكونتة بسكينة: لئن لم تكن قد أنبأت ابنتك ~~بالحقيقة، فقد آن أوان إنبائها، ألست ترى أية إساءة أورثني إياها جهلها؟ فقل لها إنني ~~زوجتك حقا. # فثارت بوليت وقالت: ألا تسمع يا أبي؟ إنها تجسر على أن تدعو نفسها الكونتة دي موري ~~وتدعوك زوجها! فأسكت هذه المجنونة. # فطأطأ دي موري رأسه كمجرم يقر بجريمته، وقال بصوت خافت: نعم، إنها زوجتي، وإنها الكونتة ~~دي موري حقا. # فصاحت بوليت: إذن فما تكون أمي يا ترى؟ ms53 # فلم يبق موضع للسكوت أو الكتمان أو المواربة؛ لأن كل كلمة في مثل ذلك الوقت تحاكي خنجرا ~~ذا حدين، فقال: لقد أخبرتك يا ابنتي بالانفصال الذي وقع بيني وبين أمك، لكنني لم أطلعك ~~على الحقيقة بتمامها؛ فقد قطع الطلاق كل صلة كانت بيني وبينها، وإذ ذاك تزوجت السيدة ~~التي ترينها أمامك، إذن فهي الكونتة دي موري حقا، أي زوجتي. # فانتصبت قامة الفتاة وقالت: تقول الطلاق؟ فأي ذنب جنيته عليها حتى تركت بيتك ونبذت ~~اسمك؟ # وهكذا بان إجلال الفتاة لأمها، واعتقادها بأنها تترفع عن كل عيب وسفالة، ولم يكن ذلك ~~اعتقادها في أبيها وكأنها قامت تتهمه دونها، فأجابتها جرجونة قائلة: بل اسألي عن الذنب الذي ~~اقترفته أمك حتى طردها زوجها وطلقها. # فصاحت بوليت: أنت كاذبة يا هذه، أنت كاذبة! # فغضبت جرجونة وهاج هائج كبريائها، فقالت: أتستقبلينني بهذه الإهانة حين كنت عازمة على ~~الاحتفاء بك وإكرامك؟ إذن فاسمعي الحقيقة كاملة ... # فاعترضها الكونت وقال: بحق السماء اسكتي يا كلوديا. # واقترب إلى زوجته وخاطبها همسا، قال: أتوسل إليك أن تسكتي، فإنني لا أريد أن أعذب ~~ابنتي بتحقير أمها. # ولم تسمع بوليت هذه الكلمات إلا أنها فهمتها، فانبرت للإيطالية تقول لها: ما بالك صامتة، ~~تكلمي واذكري التهمة التي ترمين بها أمي. # قال الكونت: أما أنا فأطلب أن لا يقال شيء بهذا المعنى، فعليكما بالسكوت معا. # ثم دنا من بوليت وقال: اصغي إلي يا ولدي، فليس للابنة أن تقضي بين والديها فتبرئ ~~أحدهما أو تحكم عليه، وما عليك إلا أن تحترمي والديك دون أن تسألي عما كان. # قالت: سمعا وطاعة! وهمت بالانصراف، فقال لها: إلى أين؟ أجابت: إني لاحقة بأمي، قال: بل ~~البثي فما تريدينه محال. # فرفعت رأسها وصاحت: إن ما تطلبه مني شديد علي وقاس، تقول لا تسألي عما كان، فلا بأس، ~~فلست أسألك شيئا، ولكني أريد أن أعزي أشقى والدي وأتعسهما حظا، ولا يصعب علي أن ~~أعرف أن أمي تستحق مني التعزية، وإنك متمتع بكل ما يسعد الرجل؛ لأن حولك ظواهر الرغد ~~والرفاهية. # فدهش ms54 الكونت؛ لأنه يعهد ابنته حيية شديدة الحياء، أما الآن فرآها قد اتخذت سبيل ~~الجرأة والانتقاد، وكاد يقول لابنته لا تغرك الظواهر يا بنية، فأشقانا من لا يستخدم ~~سلاحه، لكنه تجلد وقال لابنته: إن السلطة العليا قضت بأن أكون الوصي الشرعي الوحيد ~~عليك. # قالت: وهل تقضي السلطة العليا على ذاكرتي، فأنسى فضل والدتي؟ هل نسيت أنت يا أبي هاتيك ~~الأعوام التي مرت بنا وكلها إخلاص وشفقة وحنو وعطف من والدتي علي؟ واذكر أيام كانت تسهر ~~قرب فراشي إذ كنت مريضة مدنفة وما كابدته من رعب ويأس حينما نزلت بي نوبات الحمى الهندية ~~الخبيثة وكادت تخطف روحي، فأي قدرة للطلاق حتى يصير الملك الحارس غريبا عني؟ وهل تحسب ~~أنها لم تعد أمي لما لم تعد زوجتك أنت؟ # قال: اصغي إلي يا بنية؛ لا بد لك اليوم من إجلال قرار الحكومة، وغدا تلقين جدك ~~الأميرال وجدتك، وهما يريان ما يجب أن تفعليه، ولا أمنعك من الذهاب لتري والدتك إذا ~~استصوبا ذلك، وكان هذا الوعد الكاذب مسكنا هياج الفتاة. # هذا، وجرجونة ما برحت منزوية في البهو تسمع وتعجب بجرأة الفتاة، وقد نسي الوالد وابنته ~~أنها معهما، وإذ ذاك أقبل زائر هو أنيبال بلميري فحيا بوليت، واتجه إلى أخته جرجونة ~~فصافح يدها، فقالت له بصوت منخفض: هذه ابنته. قال: أعلم ذلك وقد أتيت لأراها. قالت: فكيف ~~تجدها؟ أجاب: إنها أجمل بكثير مما كنت أظن. قالت: فحاذر منها إنها عدوة لنا. قال: مهلا ~~ولا تجزعني، فلا بد أن تغدو حليفة لنا بعد اقتراني بها. # قالت: ألا تزال على هذا الجنون؟ أجاب: كيف لا؟ # وفي أثناء هذه المحاورة جعل الكونت يشرح لابنته العلاقة التي بين أنيبال والكونتة إلى أن ~~قال خافضا صوته: حاولي إلا تظهري عداوة من شأنها أن تثنيني عن وعدي الذي وعدت، ومهما يكن ~~من أمر هؤلاء الذين أعرفك بهم فاصبري وتجلدي. # قالت: سأفعل ما دمت لا أرى والدتي إلا بهذه الوسيلة. # ولولا أن كلوديا أتت بما أثار الفتاة لما حدث شيء مما وقع، ذلك ms55 أنها التفتت إلى أخيها ~~وقالت له: إن الكونت قد عرفك بابنته ، ولئن رضيت بوليت فإنني أدعوها ابنتنا. فصاحت ~~بوليت: تقولين أنني ابنتك أنت! كلا أيتها السيدة، وإياك والتلفظ بمثل هذه الكلمة ~~عندما تكلمينني؛ لأنني لا أجيبك. # فاصفر وجه كلوديا. فقالت الفتاة: إن لي أما واحدة أيتها السيدة، فلها وحدها احترامي ~~وحبي. فقالت الكونتة لزوجها: هل ترضى بإهانة زوجتك ولا ذنب لها إلا أنها لقيت ابنتك التي ~~تحبها باسطة لها ذراعيها متهيئة لإحلالها في صميم فؤادها؟ # قال: لا بد من الوقوف عند حد في هذا الجدال الشاق، فاطمئني يا كلوديا، وسوف تكونين محترمة ~~ها هنا كما تستحقين، ولكنني لسوء الحظ لا أستطيع أن أعدك عن ابنتي بأكثر من الاحترام، ~~وأما أنت يا بوليت فادخلي مخدعك والبثي فيه منتظرة أوامري. # فرجعت بوليت دون أن تودع أباها. أما جرجونة فدخلت مخدعها أيضا وهي ترتجف غضبا ~~وأنفة. أما أنيبال فدفع للكونت رسالة وقال: نسيت أن أعطيك إياها وقد تسلمتها من ~~ملطار حين دخولي. # فمزق الكونت الغلاف، وللحال اكفهر وجهه، فقال له أنيبال: ماذا جرى؟ فدفع له الرسالة ~~وقال: خذ واقرأ، إن المصرف الهندي المرسيلي قد توقف عن الدفع، وليس لديه شيء من المال، ~~وأنت تعلم أن فيه أموالي التي كنت أنوي أن أدفعها لمساهمي منجم «ريونجرو»، فإفلاسي ~~محقق! # فقال له أنيبال: عفوا، فهل نسيت اقتراحي؟ وهل فاتك أنني راغب في مصاهرتك؟ # فمد إليه الكونت يده وقال: إني أشكرك ولا أنسى كلماتك الطيبة، ولكن ما حدث أمامك يدلك ~~على أن تحقيق أمنيتك من الأمور المستحيلة. # قال: لماذا؟ # قال: ألم تسمع ما قالته بوليت لأختك؟ وقد تنبأت عن هذا الكره قبلا، فإن بوليت لا تحب ~~المقيمين في هذا المنزل بدلا من أمها ... # أجاب: نعم، ولكن لا شك في أن البغضاء تتحول إلى هوى حينما تعلم ابنتك باليد التي ~~أسديها إليك في هذه الأحوال الحرجة، وحينما تتحقق أن مساعدتي لك تبقي على شرف اسمك، ~~وهذا يكون بشرط الزواج قبل انقضاء شهر، أي قبل موعد انعقاد الجمعية العمومية ms56 لمنجم ريونجرو، ~~ويومئذ أدفع للمساهمين المال الذي يبقي على شرفك. # قال الكونت: لا بأس، رضيت بهذه الصفقة، ولكنني لا أتقيد بوعد لا ترضى ابنتي بإنجازه. ~~أجاب أنيبال: قد اتفقنا. فتصافح الرجلان وافترقا. # وفي ذلك المساء بعينه ذهب ملطار إلى فندق اللوفر، وبقي المسيو دراك، وكان ملطار مرتديا ~~بملابس هندية ما رآها عليه أحد من الباريسيين إلا ظنه أميرا من أمراء الهند، فأجل قدره ~~خدم الفندق، وأدوا له تحية الإكبار والإجلال، ولاحظ خطأهم إلا أنه لم يشأ تنبيههم إليه. ~~فدخل خادم الفندق على الرجل الإنكليزي وقال له: إن «دولة الأمير ملطار» يروم مقابلتك يا ~~سيدي. # فدهش دراك وقال: هل يوجد أمير يروم مقابلتي؟ وتقول إنه يدعى ملطار؟ إني أذكر هذا ~~الاسم، ولكنني لا أتذكر صاحبه ... # قال: إن دولة الأمير مرتد بملابس هندية. # ففطن دراك للأمر وتبسم، وقال: ليدخل الأمير. # وبعد هنيهة كان ملطار أمام دراك، فقال له: أأنت من يدعى ملطار؟ قد عرفتك الآن، فأنت ~~تخدم الكونت دي موري، فهل لديك ما تقوله لي؟ أجاب: نعم يا سيدي. قال: فهل أرسلتك إلي ~~الآنسة بوليت؟ وهل هي مريضة؟ أجاب: كلا، فما هي بمريضة. # فتنهد دراك، ثم قال: لست أدري لماذا سألتك عنها وأنا لا أعرفها، فما هي أختي ولا ~~ابنتي، ولا شأن لي معها؛ لأن معرفتي لها تبتدئ منذ أيام وقد انتهت الآن، وهل انقضى الأمر في ~~المنزل على سلام بعد ذهابي؟ إني أشكر الآنسة بوليت على اهتمامها بإبلاغي ذلك. # قال الهندي: لست رسول الآنسة بوليت، والأمر في المنزل لم ينقض على سلام. # قال: يا للداهية! زدني بيانا. # فحدثه ملطار بما جرى في منزل الكونت دي موري إلى أن قال: إن سيدتي الصغيرة في أسوأ ~~حال، إلا أن أمها أشقى حظا منها وأسوأ حالا؛ فهي لا تدري أن ابنتها قد عادت، وأنها لا ~~يؤذن لها بأن تراها، فصاح المسيو دراك: أتقول إن بوليت لا تذهب لتقبل والدتها؟ ولكن ~~هذا أمر فظيع؟ أجاب: نعم، هذا أمر فظيع، لا سيما وأن المسكينة تنتظر وصول ms57 ابنتها، وتعد ~~الدقائق والثواني، فماذا يقع لها إذا قلت لها إنها لن ترى ابنتها؟ إنها لعمري قد تموت ~~جزعا. قال: ولكن إذا لم ترها اليوم فلا بد أن تراها غدا، ولا تموت جزعا ... قال ملطار: ~~كلا، لا اليوم ولا غدا ولا فيما بعد! قال: وكيف عرفت ذلك؟ أجاب: أن الفتاة استأذنت ~~أباها في الذهاب لتزور جدها الأميرال فيرمين دي لامارش، آملة أن تجد أمها هناك، وكان ~~يأذن لها إلا أن زوجته الكونتة الجديدة اعترضته ومنعته. # قال دراك بغضب: بأي حق؟ ولماذا؟ # قال: إن الكونتة الجديدة قالت: إن الفتاة لا ينبغي أن ترى أمها إلا بعد أن تندم على ~~مخاشنتها لزوجة أبيها، وتعود إلى ما يجب عليها من الاحترام لها. # قال: وهل أعدت هذا الكلام على بوليت؟ وهل أتيت هذه الخشونة والقسوة وأنت تزعم أنك تحب ~~سيدتك الصغيرة؟ أجاب: سيدي أمرني فأطعت كارها. # قال: فهل بكت عندما نقلت إليها ذلك الكلام؟ # أجاب: بل ضحكت ضحكا غريبا، ثم ظهر عليها الغضب وصاحت تقول: إذن قضي علي بأن لا ~~أرى والدتي أبدا، قضي علي بأن أبتاع كل قبلة منها بسفالة ونذالة. فاذهب يا ملطار ولا ~~تتعذب لأجلي، فلا بد من يوم يجيء فيؤذن فيه لأمي بأن تراني؛ ذلك يوم وفاتي إذ تأتي فتلثم ~~جبين ميتة. # فلم يتمالك المسيو دراك أن قال: ويحك! ولماذا جئت تخبرني بكل ذلك؟ ألا تدري أن هذه الشئون ~~لا تعنيني ولا علاقة لي بها؟ # فأجابه ملطار بلطف: إنما جئت لأخبرك بكل ذلك حتى تأتي معي إلى بيت أمها. # فوثب الإنكليزي وثبة مجنون، وقال: كلا، ذلك لا يكون أبدا، فحسبي ما سمعت ورأيت ~~من أسرة موري فما هو بقليل، وإني أفضل الموت على الاهتمام بهذه الأمور وأمثالها ... ولكن ~~ما عسى أن أفعل إذا ذهبت معك؟ # وهذا شأن الرجل الإنكليزي الجافي الظاهر؛ فإنه يسخط أولا ويأبى ويرفض المساعدة، ثم ~~يتغلب عليه كرم الأخلاق فينصاع. فأجابه ملطار: تقول لوالدة الفتاة ما قلته لك، قال: ~~وماذا يمنعك من أن تفعل ذلك أنت؟ # أجاب: ms58 لا شيء سوى أنك يمكنك أن تقص على الوالدة قصة سفرك مع ابنتها، فترتاح إلى سماع ~~حديثك؛ لأن الفتاة كلمتك عن أمها كثيرا. # قال: بلا شك، حتى أدركني الملل والضجر من ثرثرتها هذه التي لم تهمني، ولم تكتف بذلك بل ~~أنبأتني عن كلفها بشاب تنوي الاقتران به. # فذعر الهندي من هذا الاكتشاف وصاح: أحقا أن سيدتي الصغيرة تحب شابا وتنوي الاقتران ~~به؟ أجاب: بلا شك، ولكن ما معنى هذا الاضطراب الذي نزل بك من مجرد سماعك بأنها تحب فتى ~~وتريد أن تتزوج به؟ # أجاب: لأنني سمعت محادثة بين سيدي ورجل آخر علمت منها أن الكونت وعد الرجل بأن يعقد له ~~على ابنته. # قال: هذا ما كان ينقص المسكينة، ومن ذلك الرجل؟ # أجاب: إنه المسيو بلميري شقيق الزوجة الجديدة. # قال الإنكليزي: بلميري؟ إني أتذكر هذا الاسم، ولكن ما لنا وله. هيا بنا لنرى الكونتة دي ~~موري. # فتناول ملطار طرف سترة الإنكليزي، وأخذ يلثمه علامة الشكر والامتنان، ثم ركب الرجلان ~~مركبة، وقد أراد ملطار القعود قرب الحوذي إلا أن دراك قال له: هل نسيت أنك من أمراء ~~الهنود؟ # فلما وصلا إلى بيت لورانس، قال دراك: تصعد أنت أولا وتنبئ بقدومي. # قال: بل اصعد معي وانتظرني في إيوان الدار فأدعوك عند الحاجة، ولما مثل ملطار بحضرة ~~الكونتة قال لها: لدي أنباء جديدة عن سيدتي الصغيرة، فنهضت وجعلت يدها على فؤادها، ثم ~~ارتمت على مقعد وقالت: الحمد لله، فأين هي الآن؟ ومتى تصل؟ قل لئلا تميتني بسكوتك. قال: ~~وصلت السفينة إلى مرسيليا. قالت: هل وصلت اليوم؟ أجاب: لا، ولكن منذ يومين. قالت: إذن ابنتي ~~تصل اليوم إلى باريس، أو هي قد وصلت اليوم فعلا؟ ولعلها تنتظرني وراء هذا الباب، فتعال ~~معي، وأنت يا ابنتي ادخلي لأضمك إلى صدري فإنه ما خفق إلا لك وبك. # وهجمت على الباب ففتحته قبل أن يتمكن ملطار من إيقافها، إلا أنها لم تلق إلا الرجل ~~الإنكليزي دراك، ولم تكن تعرفه فارتدت خائبة، فتلقاها ملطار بقوله: اطمئني يا سيدتي، ~~فالرجل ms59 الذي ترينه صديق أتى ليكلمك عن سيدتي الصغيرة؛ لأنه صديقها أيضا ، بل صديقها الوحيد ~~معي. # قالت الأم بلطف: أأنت صديق ابنتي؟ وأتيت لتكلمني عنها أو لتوصلني إليها؟ ألا بارك الله ~~فيك، وجزاك خيرا. # وهنا لا يمكننا وصف ما جال في سريرة دراك، ولكننا نقول إن الغضب كان أشد ما تسلط عليه، ~~غضب لأنه أحس بالانفعال الشديد، ولأنه استشعر ضعفا يخالف ما يريد أن يتصف به من ~~عدم المبالاة؛ لأنه بلغ الخامسة والخمسين وهو مجتنب كل ما يقال له تأثر وانفعال، وهو فيما ~~مضى من عمره أبى الاقتران بإحدى الأوانس؛ لأنه شعر بتعلقه بها، وأشفق أن يعاني من دلالها ~~عليه ما لا طاقة له به، وهو لم يدخل ناديا إلا ليطالع فيه جريدة التيمس أو ينام على أحد ~~المقاعد، وكان عنده مرة كلب، فاتفق أن داسته مركبة، فحلف على أن لا يقتني كلبا لئلا ~~يفجع به، وآلى على نفسه أن لا يحب إنسانا ولا حيوانا حرصا على عواطفه الذاتية، واليوم ~~قضي عليه أن يهتم بشئون الناس وهمومهم وأسرارهم، وذلك ليس في طبعه ولا خلقه ولا ~~إرادته، فحنق على نفسه حنقا شديدا، إلا أنه لم يستطع رجوع القهقرى؛ لأنه كان طيب القلب ~~رغم أنفه، فإنه أحس بفؤاده يتفطر لما رأى تلك الأم الحزينة باكية، فأجلسها على مقعد، ~~وكفكف عبراتها بمنديله وقال لها: صبرا أيتها السيدة العزيزة، فتجلدي فابنتك حية ~~ترزق وسوف ترينها. # فردت هذه الكلمات الكونتة إلى الصواب، وقالت: نعم، كلمني عن ابنتي يا سيدي، ولك الفضل ~~الذي لا أنساه أبدا. # وبدأت المحادثة الطويلة عن قدوم بوليت، ومرت الساعات سراعا، وكتم دراك عن لورانس أنها ~~لن ترى ابنتها، وأن أباها عازم على أن يلقي بها إلى ساعدي أنيبال بلميري شقيق الكونتة ~~الجديدة، ذلك ما كتمه عنها لئلا يزيد عذابها، وقبل أن يذهب استحلفته على أن يعود إليها، ~~فاضطر إلى القبول، ثم قال: أجيء قبل رحيلي عن باريس. # قال ملطار بقلق: متى ترتحل يا سيدي؟ أجاب بعزيمة: غدا. # وراع لورانس سرعة فقدها لذلك ms60 الصديق الجديد، فنظرت إليه نظرة تشف عن توسل وابتهال، ~~فصاح: غدا أو بعد غد أو بعد أسبوع ... لا أدري، لكنني سأسافر على كل حال بعد أن يطمئن ~~قلبك، وبعد أن تقولي لي أنت مع عزيزتنا بوليت: إنكما لستما في حاجة إلى السير إيليا دراك ~~فليذهب بسلام. # | الفصل الثامن # يذكر القراء أن الأميرال والد لورانس قد انتقل وزوجته من منزل الكونت دي موري إلى منزل ~~آخر في شارع لوشان، ولا يجهل أحد مقدار حب زوجته لابنتها، ولطالما توسلت إلى زوجها ~~الأميرال ليأذن لها بمقابلة لورانس أو الكتابة إليها، فكان يمتنع على الدوام، وظل على تلك ~~الحال من الإعراض عن ابنته ومقاطعتها وهي خاضعة ذليلة، وفي ذات يوم جاء الأميرال فألفى ~~زوجته باكية، فقال لها بلهجة اللائم: ألا تزالين تبكين؟ # أجابت: وا أسفاه! لقد أطعتك فتظاهرت بالثبات، إلا أن فؤادي كان يكذب وجهي. أما ~~الآن فقد خانني جلدي، وقد مضت ثلاثة شهور ولم أر ابنتي! قال بحدة: إنني منعتك من ~~أن تذكريها فاحسبيها ميتة. قالت: إذن دعني أنفق من دموعي وزفراتي، وأي أم لا يحق ~~لها أن تبكي ولدها الميت؟ # لئن منعوا ليلى وطيب حديثها # فلن يمنعوا عني البكا والقوافيا # قال: إذن افترضي أنها لم توجد قط، قالت: مهما تكن مجرمة فهي ابنتك ... ألا تذكر حبك ~~إياها فيما مضى؟ قال: لا تكلميني عنها، قالت: ليس لي قوتك، إن أنا إلا امرأة ووالدة ~~فأتوسل إليك جاثية أن تأذن لي فأرى ابنتي. # قال: كلا، فإنها لا تدخل هذا البيت أبدا. قالت: إذن دعني ألقاها في بيتها ... ولو سرا. ~~قال: إن الذنب الذي لا يغتفر يوجب العقوبة التي لا عفو لها ولا رأفة. قالت: ومن يدري إذا ~~كانت مذنبة حقا أو إذا كان ذنبها لا يغتفر؟ فأجابها: إن الزوجة الخائنة لا تعذر أبدا، ~~فصمتت لا تحير جوابا، وفكرت كثيرا إلى أن ساءلت نفسها قائلة: هل ترى أيحسبونني زوجة ~~خائنة، لا تستحق الرحمة، إذا اكتشفوا يوما ما سري الدفين؟ وكم وكم من الزوجات المثاليات ~~اللواتي دفن ms61 مع ماضيهن أسرارا لو انبعثت من قبورها لسببت من الشقاء والتعاسة ما ~~يحول الحياة البشرية الخاضعة للأنظمة الاجتماعية القاسية إلى جحيم ناره أشد تأججا من ~~نار جهنم. ~~••• # فاتنا أن نقول إن بوليت زارت جديها الأميرال وزوجته بعد المحادثة التي أوردناها بنحو ~~أسبوع، فالتقت الحفيدة بجدتها، وكانت كل نظرة من الواحدة إلى الأخرى تشف عن فكرة وحيدة ~~تتعلق بالزوجة المطلقة، وكان الكونت قد اشترط على ابنته أن لا تذكر أمها، كما اشترط ~~الأميرال على زوجته أن لا تذكر ابنتها، فلم تطل مدة تلك الزيارة، ثم انصرفت بوليت واعدة ~~بالعودة في مثل ذلك اليوم من الأسبوع القادم. # فلما وافى اليوم المعين قبل ساعة واحدة من موعد الزيارة، دخل خادم على الأميرال يحمل ~~بطاقة عليها اسم السير إيليا دراك، فنظر فيها الأميرال وقال: هذا اسم مجهول عندي، فليدخل ~~السير، وأشار على زوجته بأن تكفكف عبراتها؛ لأنها كانت تبكي، فلما أقبل السير دراك ورآه ~~الأميرال تذكر أنه رآه قبلا تذكرا مبهما، فقال: أظن أننا تلاقينا قبل اليوم، إنما ~~لست أذكر أين كان ذلك التلاقي. فأجابه الإنكليزي: أما أنا فأذكر أنني رأيتك أيها الأميرال ~~في كلكتا، وكنت تاجرا صغيرا فيها وفي منصب قنصل إيطاليا فيها. # قال الأميرال: هذا صحيح، وكان ذلك في حفلة أقيمت لضباط أسطولي. قال دراك: وقد عزمت بعد ~~التروي على ترك شئون العامة واعتزال الأعمال والاستراحة بعد أن أقضي المهمة الدقيقة التي ~~وافيتك لأجلها. قال الأميرال: من قبل من يا ترى؟ أجاب: من قبل الآنسة دي موري أيها ~~الأميرال. # فقالت زوجة الأميرال: وهل تعرف حفيدتي؟ أجاب: لقد صحبتها أثناء سفرها، وأوصلتها إلى باريس ~~لما تعذر على عمتها مواصلة السفر معها. قال الأميرال: وهل علمت أن العمة باسيليك قد ~~توفيت في مرسيليا؟ أجاب: نعم، وهذا النبأ السيئ تلقيته من الآنسة بوليت. قالت زوجة ~~الأميرال: هل رأيت ابنتي اليوم؟ وهل أرسلتك هي إلى هنا؟ أجاب: نعم، والآنسة بوليت تزعم ~~أنني أسديت لها يدا جليلة، وتريد أن أشفعها بأخرى، وأنا ضعيف الخلق فطاوعتها ... قالت: لا ms62 ~~شك أنها أنبأتك بعزمها على زيارتنا؟ قال: عفوا، فليس ذا كل الغرض من هذه المقابلة، ولا بد ~~من الاعتراف بأنني خالفت الحقيقة بقولي إنها هي التي أرسلتني؛ لأن الحقيقة هي أنني أتيت ~~متطوعا من تلقاء نفسي، واستعرت اسمها لأنبهكم إلى شخصي هنيهة. # فبدأ الأميرال يتململ وقال: إذن ما غرضك من هذه الزيارة؟ # أجاب: غرضي أن أكلمك عن والدة الآنسة بوليت؛ وأعني الكونتة دي موري، والحق يقال إن السير ~~إليا دراك كان كفئا لأن يخدم بلاده بسياسته؛ لأنه كان رجلا سياسيا حقا، ولا يدلك ~~على ذلك مثل تمكنه من التلفظ باسم ابنة الأميرال في بيته بعد أن مهد ذلك التمهيد. ~~فبهت الأميرال وقال: هل أتيت لتكلمني عن والدة بوليت؟ وقالت زوجته: عن لورانس، عن ~~ابنتنا. # أجاب: نعم، والراجح عندي أنكما تجهلان أن الكونت دي موري منع ابنته من مقابلة أمها وهذا ~~أمر فظيع. قال الأميرال بلهجة جافية: أما أنا فأستصوب ذلك الأمر لأنه عادل. قال السير ~~دراك: لقد قلت في نفسي إنه عادل، لكنه في الحقيقة صارم قاس، فنحن على اتفاق بهذا المعنى، ~~وكذلك يكون الحال إذا أنت منعت السيدة زوجتك من أن تزورها ابنتها ... قال الأميرال: وقد وقع ~~ذلك فعلا، ولست أفهم كيف تسوغ لنفسك الاعتراض ... فقال دراك بسكينة عجيبة: وأنا كذلك ~~أيها الأميرال لا أفهم لماذا أتعرض لما لا يعنيني من شئون الناس؛ ولكنني كمن ينفر من ~~الماء البارد ويقع في النهر، ولا بد له من السباحة حتى ينجو ... ولما كانت الآنسة بوليت غير ~~حاصلة على إذن من أبيها الوصي عليها بمقابلة أمها، خطر لي خاطر ولا تعجب منه أيها الأميرال، ~~فإن من كان مثلي قنصلا تخطر له خواطر كثيرة، قد قلت اليوم للسيدة لورانس إن ابنتك ذاهبة ~~لترى جدها فاذهبي أنت أيضا وهناك تقبلين ابنتك؛ إذ تكونين في أرض على الحياد. # فرفع الأميرال صوته الجهوري وقال: اعلم يا هذا أنني لا أريد أن أرى المخلوقة التي تتكلم ~~عنها ... أجاب: أعلم هذا وبأكثر منه أيها الأميرال، وقد أدركت وفهمت ms63 المراد تماما، ولكن هل ~~تأملت صفاء الجو في هذا النهار؟ ولو كنت على قيادة أسطولك لأمكنك إطلاقه حتى يسير أسرع ~~من بساط الريح في مثل هذا الوقت الجميل، فلماذا لا تذهب للتنزه في غابة بولونيا؟ إنها ~~قريبة إليك، وفي أثناء غيابك ودون علمك تلقى زوجتك ابنتها وحفيدتها معا. # فقال الأميرال: بل أنا أمنع زوجتي من مقابلة تلك المخلوقة. فأجاب الإنكليزي ببروده العادي ~~المشهور: عافاك الله، فزوجتك تذهب معك للنزهة في غابة بولونيا، وفي أثناء ذلك تلتقي مدام ~~لورانس بابنتها ها هنا على انفراد، ولا بد أنك تستصوب هذا العمل الحسن؛ إذ تتلاقى الأم ~~بابنتها بعد فراق عام كامل، فكلتاهما تائقة إلى هذا اللقاء. # فهاج السخط الأميرال وصاح: إن لورانس لا تأتي إلى هنا أبدا، وهي تدري أنها يجب عليها أن ~~لا تأتي. قال: عفوا أيها الأميرال، بل يجب عليها أن تأتي. قال: قلت لك كلا، فهي لا ~~تتجرأ. أجاب: بل تتجرأ؛ لأنني أنا الذي أشرت عليها بهذه الجرأة ووعدتها بالحصول على ~~إذن منك. قال: كلا، إنك لم تفعل ذلك. فأجاب: بل فعلته؛ فالسيدة لورانس آتية إلى بيتك ~~منتظرة ما تعزم عليه، وهنا لا بد من الإقرار لك بأنها قد أتت فعلا. قال: أتت إلى هنا؟! ~~أجاب: بل هي في الشارع تحت النوافذ جالسة في مركبة تنتظر مني إشارة تملأ فؤادها سرورا أو ~~دلالة تلقيها في وهدة اليأس القاتل. قال: وكيف ذلك؟ قال: لما وصلت السيدة لورانس إلى تجاه ~~بيتك أرتني إياه وقالت لي: إن والدي في الحجرة التي ترى نوافذها، وأشارت إلى هذه النوافذ، ~~فأجبتها: سوف أحاول عطفه عليك، فإذا أفلحت في مسعاي - وهو ما أرجوه - فتحت لك هذه ~~النافذة وأشرت إليك بالصعود، أما إذا لم أفلح - لا سمح الله - فإني أسدل المرفوع عليها ~~الستر، ففي الحالة الأولى تصدعين، وفي الحال الثانية تذهبين وترجعين إلى عزلتك ~~المحزنة. # ولم يكد يتم دراك هذه الكلمات حتى نهض الأميرال بحركة عصبية، وهجم على الستر يريد إنزاله، ~~فقالت له زوجته: ماذا تفعل؟ فمنعها دراك ms64 وهمس في أذنها قائلا: ارتكيه يفعل. # وبعد إنزال الستر بهنيهة صاح دراك يقول: يا لله! ماذا فعلت! قال الأميرال: ما معنى هذا ~~الكلام؟ أجاب: معناه أنني أخطأت. قال: وكيف ذلك؟ أجاب: إن الاضطراب والانفعال حملاني على ~~الخطأ؛ إنما كان الاتفاق بيني وبين السيدة لورانس على إنزال الستار في حال قبولك لا في حال ~~امتناعك. # فأدركت زوجة الأميرال حيلة الإنكليزي وقالت: يا رباه! # فتسلط الحنق على الأميرال لأنه انخدع بهذه الحيلة اللطيفة، وتأثر عند التفكر في أن ~~ابنته مقبلة، فقال: والآن؟ # أجاب السير دراك وهو يستمهل في كلامه ليمكن لورانس من الوصول، فقال: والآن قد كان ~~خطئي السبب في دخول السيدة لورانس ... فهي صاعدة في السلم وفؤادها يخفق شكرا وانفعالا ... ~~والخلاصة أنها آتية، وها هي أيها الأميرال. # وما كاد يتلفظ بهذه الجملة الأخيرة حتى فتحت لورانس الباب، ولبثت هنيهة واقفة على ~~العتبة وهي صفراء متغير لونها، إذ إن قلب الوالدة يزداد رقة وشفقة أمام ضنك الولد، ~~ومهما يكن من شدة أمر الأميرال فإن تلك الأم لم تتمالك أن نهضت ووثبت إلى ابنتها تضمها ~~إلى صدرها وتقول: لورانس، لورانس! حبيبتي لورانس! ... # فأشار الأميرال إلى الباب وقال لابنته: والآن اخرجي واذكري ذنبك لعلك تمتنعين عن ~~المثول بحضرتي. فأجابته لورانس بلطف، قالت: إذا كان ذنبي يستحق عقابا فقد تولاه ~~زوجي وكان أليما. # قال: ولو تولاه غير زوجك لكان أشد إيلاما، وما أعني إلا نفسي. فلو كنت زوجك لكان ~~انتقامي أدهى وأنكى ولا أبالي أن تموتي يأسا وعارا. # قالت: نعم، كان في الإمكان أن أموت، ولكنني لم أسئ إليك يا أبي، بل كنت وما برحت الابنة ~~الخاضعة المخلصة، ولو نظرت إلى إخلاصي لأوجبت على نفسك الرأفة بي! # وكان السير دراك يسمع هذا الكلام، ولئن ادعى أنه بعيد عن كل تأثر وانفعال، فادعاؤه ~~بعيد عن الصواب؛ لأنه جعل يعض شفته كي لا يجهش للبكاء. ثم تجلد وقال: نعم أيها ~~الأميرال، لا يسمع هذا الكلام أحد إلا وفؤاده يسيل حنانا. # فلم يلتفت إليه، وأجاب ابنته بقوله: تمني ms65 على الدهر أن يخمد الكبر والألم ذاكرتي، ولكن ~~ما دمت أتذكر فلا ترتجي مني خيرا! ... # قالت: البث يا أبي معرضا عني لا تأخذك بي رحمة، غفر الله لك هذه القسوة، ولن ألتمس ~~عفوك ولا رأفتك، ولكنني أكلمك عن ابنتي، وأسألك أن تفتح لي باب بيتك حرصا على حياتها؛ ~~لأنها عادت إلى باريس ولم أرها منذ عام مضى، ولا بد لها أن تراني! ... فلا تحفل بآلامي أنا ~~المجرمة في نظركم، ولكن لا تحمل حفيدتك مثل تلك الآلام وهي البريئة من كل ذنب ... لا ~~تحرم عليها عطف أمها ... ولئن لم أعطف عليها ها هنا فأين يكون ذلك؟ أما بيت الكونت دي موري ~~فجنة مقفولة في وجهي ... ولست تجهل أن بوليت لا يؤذن لها بأن تزورني، فهل ترى أن ألتقي ~~بابنتي في زوايا الطرق وعطفاتها؟ وأتضرع هناك إليها كالمتسولة لتتصدق علي بنظرة أو ~~تتبرع علي بقبلة؟ آه! لا تطلب ذلك مني يا أبي، فذلك كثير علي. # فاضطرب الأميرال في هذه المرة، ولكنه بقي مترددا كأنه يقاوم نفسه، فقالت له زوجته: ~~ألست ترى عذابها؟ # ومن العجب أن عبرات الوالدة انقطعت وكأنها صارت امرأة أخرى غير ذاتها، أما إيليا دراك ~~فدهش من منظرها فتغلب على انفعاله، وقال في نفسه: بدأت أتلهى وأتسلى. # فصاح الأميرال: وأنت، ألست تدرين عذابي؟ ألا تعلمين أن فؤادي يتقطع كفؤادها؟ كل جارحة ~~في داعية إياي إلى أن أضمها إلى صدري، ومع ذلك لا ينبغي لي أن أفعل ولا طاقة لي على ذلك ~~... وضرب بقدمه الأرض وقال: كلا فلتذهب. # فرفعت لورانس رأسها وقالت: إني ذاهبة، وأسأل الله أن لا يناقشك الحساب يوم القيامة بمثل ~~هذه الشدة التي تبديها لابنتك، وخطت خطوة إلى الباب، غير أن قواها خذلتها فتوكأت على ~~كرسي، فبادرت إليها والدتها وأمسكتها وهي تقول: ابنتي لورانس، ابنتي لورانس! فأجابتها: إنني ~~لم أشك قط في محبتك يا أماه ... ولعمري يلذ لي أن أموت في هذه الساعة شاعرة بندى ~~عبراتك يتساقط على جبيني. قالت: وهل تريدين الموت أيتها المنحوسة؟ فتبسمت وأجابت: حبذا ms66 ~~الموت وأنت وبوليت بين ساعدي. فقبليني يا أماه أيضا! ودعيني أمضي ، ولئن لبثت ها ~~هنا أيضا فإن قواي تخونني، وأسقط في هذا الموضع ميتة، فوداعا يا أماه. # فضمتها إلى صدرها بقوة، وقالت: كلا، فلست أدعك تذهبين، وأنت في هذه الحال. # وانثنت إلى زوجها فقالت له: إن مناضلتك فؤادك إلى هذا الحد خشونة وفظاظة، والندم داعية ~~العفو، كما أن الدموع داعية الشفقة، وحاشا أن تظل جافيا، وتنبذ ابنتنا وهي تترامى على ~~قدميك. # فكاد يجن حنقا وصاح: كلا، كلا. # وكانت لورانس قد ركعت، فأنهضتها أمها وقالت لها بعزيمة: قفي يا لورانس. فقالت: ماذا ~~تفعلين يا أماه؟ أجابت: أفعل ما يجب علي، إني مفارقة بيتا لا تدخله ابنتي ... إني ذاهبة ~~لأمزج دموعي بدموعك. # قال الأميرال: أترومين مفارقتي أنا زوجك؟! أجابت: نعم، لأصحب ابنتي النادمة. قال: افعلي ~~ما بدا لك، وعسى أن يكون رحيلك ماحيا ذكرى أربعين عاما مضت وملؤها الإخلاص والحب. كنت ~~أظن الموت وحده قادرا على تفريقنا، وعسى أن لا يطيل ربي بقائي فاذهبي، وأتى بحركة كأنه ~~يطرد بها كل من أحب في هذه الدنيا؛ أي زوجته وابنته، إلا أن فؤاده كاد يتفتت، فترامى على ~~مقعد وبكى، ولما رأى السير إيليا دراك دموعه أخذ يسعل ويتنحنح، ثم أخرج من جيبه منديلا ~~وأظهر أنه يمسح فاه وهو في الحقيقة يمسح دموعه. أما لورانس فلما سمعت والدتها تتلفظ بتلك ~~الكلمات تهلل وجهها سرورا، إلا أن يأس أبيها قضى على ذلك السرور، فقالت لأمها: انظري يا ~~أماه إلى والدي فهو يبكي. إن الرجل الذي لم تؤثر فيه عاصفات المحيط ولا معارك البر والبحر ~~يبكي الآن، فهل تتركينه؟ البثي معه يا أماه، وعسى أن لا يكابد ما كابدته من الوحشة ~~والهجران. # والظاهر أن هذا الكلام أخضع الأميرال، وأثر فيه كرم الخلق الذي رآه من ابنته أكثر من ~~دموعها وتوسلاتها، فصاح يقول: لورانس، لورانس! إنك غلبتني، فالبثي ولا تذهبي. # فنظرت إلى أبيها بقلق وكأنها لم تفهم. فقال لها: نعم البثي، فلو فارقتني أمك لما عشت ~~بعد فراقها، ms67 ومع ذلك لم أقل كلمة لاستبقائها؛ لأنها فضلتك علي، ولكنك أنت أعدتها ~~إلي ... أنت صاحبة الفضل؛ لأنك أتيت في طلب الرحمة ولم تحصلي عليها، فتعالي أيتها ~~النادمة المسكينة، تعالي يا ابنتي أضمك إلى صدري، وعفا الله عما سلف. # 1 # فصرخت قائلة: آه يا أبت. # وارتمت على صدره وهي تبكي فرحا، ولبثت كذلك وقتا طويلا، فعطفت عليهما أمها تنجدهما ~~بالعبرات الساجمة على خديها. أما السير إيليا دراك فلم يتمالك أن وثب إلى الأميرال ~~ليهنئه، ولكنه لما حاول ذلك منعه الانفعال عن النطق، وأحس بدمعه يسقط على خديه، فقبض ~~على يدي الأميرال وهزهما بقوة ثلاثا وخرج مسرعا. فتمشى على رصيف الشارع لتعود إليه ~~سكينته، وجعل يقول: وايم الحق إن ما فعله الأميرال حسن، بل حسن جدا، ولو كان في مكانه ~~أميرال إنكليزي لما كان يفعل أحسن، ولكن ألم يقل إن إخلاص ابنته غلبه؟ إنه واهم، فهو لم ~~يغلب ولكنه خرج من هذا المأزق ظافرا منتصرا، فانكساره هذا يرفع منزلته؛ بل يشرفه ~~أكثر من جميع انتصاراته، ولئن كان الظفر بالعدو فوزا فالظفر بالنفس فوز أعظم! # ولما وصل إلى الفندق لقي الخادم الهندي ملطار عنده، فقال له: إني أتيت ناقلا إليك نبأ ~~خطيرا، لعلك تتلافى خطرا كبيرا ... # وحدثه الهندي فقال له: إنه سمع محادثة بين سيده والمسيو بلميري مؤداها أن هذا الأخير ~~طالب الكونت بوعده له؛ لأنه يروم الاقتران بابنته، فاستمهله الكونت فأبى. ثم قال ملطار: ~~بحق السماء، هل من وسيلة لمنع ذلك القران؟ فحرام تضحية سيدتي الصغيرة بتزويجها بلميري، قال ~~دراك: فضلا عن أنها تحب رجلا آخر على ما أعلم، ثم جعل يخاطب نفسه بقوله: بلميري؟ بلميري؟ ~~إنني أذكر هذا الاسم. # | الفصل التاسع # فيما كان الأميرال وزوجته وابنته مسترسلين إلى الفرح باللقاء بعد طول الفراق، دخل خادم ~~ينبئ بقدوم الآنسة دي موري قائلا إنها في البهو، فصاحت لورانس وجعلت يدها على فؤادها ~~الواجف، وكاد يغيب رشدها لما رأت ابنتها التي تركتها مريضة متألمة قد عادت إليها ~~ممتعة بالعافية بارزة في أبهى حلة من ms68 الجمال، فتمتمت الكلام قائلة: بوليت، ولم ~~تزد لأن الفتاة وثبت إلى أمها وتعانقتا، ودوى صوت القبلات والزفرات معا، ولما أخذت ~~الابنة تحدث أمها بما جرى بينها وبين أبيها، انقشعت سحابة عن ذهن لورانس وصاحت تقول: ~~ذلك لأنه يحسبني مجرمة. فقال لها والداها: ما معنى هذا الكلام؟ # فكادت تتكلم، إلا أنها تذكرت قسوة أبيها، فنظرت إلى أمها وخفضت رأسها كأنها تقر ~~بذنبها. # وبعد هنيهة، خلت لورانس ببوليت فقالت لها: لقد رميت يا ابنتي بتهم لم أشأ أن أدفعها ~~عني، أما الآن فلا أرضى بأن ترتاب بي ابنتي أيضا، فاصغي إلي واذكري تربيتي إياك على ~~الفضائل السامية، أجابت: إني أذكر ذلك. قالت: فهل تصدقين أن أمك كانت زوجة خائنة؟ # فصاحت: لو اتهمت نفسك لكذبتك، فهل تريدين أن أوضح لك فكري تماما؟ إنك ولا شك ~~كنت فدية لإخلاص شريف حتى أقررت بأنك مذنبة. # فاغرورقت عينا لورانس بالدموع وقالت: لله در فؤادك الطاهر يا بنية، وحسبي مكافأة على ~~ما لقيت هذه الكلمة التي نطقت بها بعدما أملاها عليك قلبك السليم. نعم، يوجد واجب سام ~~عظيم أكرهني على الكتمان، وكنت كاذبة حين اتهمت نفسي. قالت: ولم ذلك الكذب؟ أجابت: ~~كذبت منعا لوقوع مصيبة هي أكبر من مصيبتي! قالت: وكيف تتحملين وحدك تبعة إثم أنت بريئة ~~منه؟! أجابت: لم أتحملها وحدي، ولكن تحمل تلك التبعة أيضا شخص آخر. قالت: فماذا حدث ~~لذلك الشخص الآخر؟ أجابت: إنه جاد بروحه، أما أنا فجدت بشرفي. فاصفر وجه بوليت وقالت: ~~ومن ذاك الذي قتل؟ أجابت: إن اسمه سر لا يطلع عليه أحد، وأبوك نفسه يجهله، وهو ~~الذي قتله! وكان الواجب يقضي علي بأن أطلع الكونت على هذا السر، فلما عزمت على القيام ~~بذلك الواجب ثار سخط زوجي، ولعنني والدي، وفقدت صبري وشجاعتي ورشدي ... نعم، كنت مجنونة، ~~ولم يذهب جنوني إلا حين لقيتك، أما الآن ففي طاقتي أن أبرر نفسي؛ أي أن أحمل الكونت دي ~~موري على التندم؛ لأنه قتل رجلا بريئا، وطردني من بيته ظلما، وأحل غيري محلي، ولكن ~~تلك ms69 زلات لا يمكن إصلاحها وتداركها ... أما أنت يا ابنتي فلا بد لك من تناسي ما كاشفتك ~~به؛ إذ لا بد من أن أبقى الزوجة الخائنة الساقطة. # قالت: ومع ذلك فإنك ... قالت: دعي عنك هذا ولا تدعيني أندم على بث سري لك، ولا تهدمي ~~ما شيدته، بل اكتمي السر، فهل تعدينني بالكتمان؟ أجابت: سأكتم سرك يا أماه دون أن ~~أفهم ما تريدينه مني سوى أنك كنت «فدية الشرف». # ورأت لورانس اصفرار ابنتها، فحاولت تغيير الموضوع وابتسمت وقالت: لنتكلم عنك الآن: ~~حدثيني بكل ما جرى لك منذ ما فارقتك إلى حين لقيتك، فقد علمت بما أصاب العمة باسيليك ~~رحمها الله، وقد كانت تحبك، وبكيتها كأنها لا تزال شقيقتي، ولكن كلميني عن تلك البلاد ~~الجميلة التي كنا سعداء فيها ... كلميني عن الأحباب الذين تركناهم. # فعلا الاحمرار وجه الفتاة، وبدأت تحدث والدتها عن هوى طاهر نشأ بينها وبين شاب كان ~~يعطف عليها في غياب أهلها، وهو جاستون دي فاليير، إلى أن قالت: اعلمي يا أماه أنني أموت ~~ولا أتزوج غير ذلك الحبيب. # فضمتها لورانس إلى صدرها وقالت: ثقي يا بنية أن جاستون دي فاليير سيغدو زوجك، ولست ~~أعرف مثله كفؤا لك، ويسرني أن يكون الوصي على هنائك، وبعد هنيهة تفارقتا، فرجعت بوليت ~~إلى بيت أبيها. # أما الكونت دي موري فلم يتلق خطبة أنيبال لابنته إلا بعد جدال كما يذكر القراء، وقد ~~تمثل لذهنه قبح هذا المشروع، إلا أن الإفلاس قضى عليه بقبوله؛ لأن شرفه وحياته كانا رهن ~~ذلك القبول، ولو درى أن بوليت قد وهبت فؤادها لخطيب آخر لعد عمله جريمة، وكان ارتباكه ~~عظيما حين أتى أنيبال يذكره وعده، فأجابه: بحقك لا تكلمني عن هذا الأمر اليوم، بل ~~أمهلني بضعة أيام أيضا. # فأجابه الإيطالي بجفاء، قال: لما كان الغرض إنقاذك من العار والفضيحة لم أستمهلك أياما ~~ولا ساعات؛ بل جئتك ويداي مفتوحتان، وقلت لك: أبشر بالسلامة وإليك شرطي، فقبلته ~~واتفقنا، إذن عليك أن تكلم الآنسة بوليت اليوم. أجاب الكونت وهو منكسر القلب: إني وعدتك ms70 ~~ولا أخلف وعدي. # واجتاز بهوا إلى مخدع ابنته، وكانت قد عادت من زيارتها الأخيرة، فقال لها: هل رجعت مع ~~وصيفتك الآن؟ أجابت: نعم. قال: ليست هذه الوصيفة بالرفيقة الصالحة لك، ولكن سوف تكون لك ~~وصيفة أصلح منها ... ولكنك لم تخبريني، هل لقيت جديك؟ # أجابت: نعم، فهل تمنعني من أن أزور منزلهما؟ قال: لا، فاطمئني واذهبي إلى منزلهما حينما ~~تشائين. # فطوقت عنقه بساعديها شاكرة، فقال لها بعد أن نظر إليها مليا: وددت لو أراك على ~~الدوام كما أنت الآن، وهذه أول مرة بعد قدومك من الهند أرى في وجهك أمارات الحب لي كما ~~كنت أراها قبلا، قالت: ولكن هذه أول مرة تلاقينا فيها على انفراد. # فتردد في إخبارها عن السبب الذي من أجله خلا بها، ثم قال في نفسه: لست أستطيع أن أكشف ~~لها الستر عن حقيقة حالي، وأبين لها الضرورة القاضية علي بأن أزوجها من لا تحب، ولكن ~~يجدر بي أن أعهد بهذه المهمة إلى الأميرال وزوجته. # وفي اليوم التالي قصد إلى منزل الأميرال، إلا أنه لم يكن في البيت، فأشار عليه الخادم بأن ~~ينتظره في البهو هنيهة ريثما يعود. فقال الكونت: لا بأس، أنتظر. قال الخادم: هل تأمرني بأن ~~أنبئ سيدتي عن قدومك؟ أجاب: بلا شك. # وقد عنى الخادم بقوله «سيدتي» لورانس نفسها؛ لأنها أقامت في بيت والديها بعد أن نقلت ~~إليه أمتعتها، غير أن الكونت لم يفهم مراد الخادم؛ بل ظنه يعني زوجة الأميرال، ولذلك كان ~~اضطرابه عظيما حين رأى لورانس مقبلة عليه، فصاح: أنت في هذا البيت! # فجمدت لورانس؛ لأن لهجته حين تلفظ بهذه الجملة كانت تشف عن سخط ووعيد واحتقار. ~~فقالت له: إنك طردتني من بيتك، فهل أتيت لتعنف والدي ووالدتي على كرامة أخلاقهما من ~~نحوي؟ فأجابها: لا يحق لي النظر في أمرك، ولكن لو عرفت أنك ها هنا لما بعثت ابنتي إلى ~~هذا البيت، ولا أتيت إليه. # قالت: إن ابنتك هي ابنتي أيضا، ولم يدر في خلدي إبعادها عنك ... # ثم انخفض صوتها وهي تقول: إن ms71 الحظ المشئوم قد جمعنا الآن، ولعلك تستخدم هذه المصادفة ~~لتحرمني حق اجتماعي ببوليت مرة ثانية ... وما دمت قد رضيت عن تعذيبي، ولم يبق لديك وسيلة ~~لتزيد بها عذابي، فأنا أتركك وحدك. # قال: بل البثي هنيهة، وما دامت المصادفة جمعتنا فلننتهز هذه الفرصة للاتفاق على أمر ~~يهمنا نحن الاثنين؛ أريد أن أكلمك عن ابنتنا. # قالت: ما عسى أن تقول لي أكثر مما قلته لنفسي؟ فإن سخطك قد تجاوز كل حد؛ لأنك تأبى ~~علي أن أرى ابنتي، فما عسى أن تروم مني بعد؟ # أجاب: أروم أن تفهمي أن ما فعلته لم يكن من سخط جنوني كما تظنين؛ فالحكم الصادر بقطع ~~كل صلة بيننا يخولني حق الوصاية الشرعية على بوليت والرعاية لها دونك، وإنما صدر هذا ~~الحكم حماية لمستقبلها وشرفها. قالت: لم يخطر ذلك ببالي قط. فازداد حنق الكونت برغمه، ~~فقال: ثم إن هذا الحكم يراد به أن لا يضطر الزوج المخدوع إلى أن يلمس بشفتيه جبين ابنته ~~فيجد عليهما أثر قبلات الزوجة الخائنة. # فارتعدت لورانس من هذه الوقاحة، وقالت: أي رجل أنت؟ ... # أجاب: أنت صيرتني إلى ما ترين. # قالت: وكيف ذلك؟ # أجاب: إن الغضب الذي أورثتني إياه خيانتك يعدل حبي السابق واحترامي لك، فلا تستعطفيني؛ ~~لأنك تستعطفين غير راحم. # قالت بحدة: إذن لا تتكلم عن حب سابق؛ فالرجل الذي يتجنى علي بهذه الشدائد لم يحبني ~~قط، ولما سمع الكونت روجر هذه الكلمات نسى كل شيء إلا أمرا واحدا حقيقيا هو أن حبه ~~السابق لا يوازيه حب آخر، فضحك كمدا وقهرا، وقال مخاطبا نفسه: إنها تجسر على اتهامي ~~بأنني لم أحبها! رباه، إنها تجسر على ذلك! # ورفع يديه إلى السماء يستشهد الله على كذب هذه التهمة، ثم قال: إنها تجسر على ذلك، وأنا ~~الذي وهب لها حياته، وناضل سريرته وفؤاده، حرصا على هواها وكانت في أثناء ذلك تخونني دون ~~أن يخطر في بالها أنني قد أموت يأسا وغما! # والظاهر أن هذه الكلمات لم تقنع لورانس؛ لأن الأعمال كانت مكذبة للأقوال، فابتسمت ~~وقالت: أنت ms72 تموت يأسا وغما؟! لعمري إنك تعزيت سريعا، وكانت سلواك موازية خطر الموت ~~الذي تدعي وجوده. فدنا منها وهو يصرف بأسنانه وقال لها: نعم، لقد أسرعت في الاقتران ~~بامرأة أخرى، وهذا ما تقولينه الآن، ولكن من يدري أن تلك السرعة لم تكن ناجمة عن رغبتي في ~~الانتقام منك؟ # فخامر فؤادها فرح لا يوصف، وقالت بصوت خافت: أحقا أنك تعذبت كثيرا؟ فقبض على ~~ساعدها بعنف وقال: هل تظنين أنني تمكنت بسهولة من انتزاع هواك الواشجة عروقه في قلبي ~~منذ ثمانية عشر عاما؟ # وكانت هذه الكلمات في أذن لورانس كرنات المثالث والمثاني، وخيل لها أنها ترى ~~الماضي ينشط إلى الظهور في مظهر جديد من الهوى، ولذ لها أن تشهد عذاب زوجها في هواها، ~~فغمغمت تقول: أحقا أنك بكيت كثيرا؟ فتقهقر عنها، وأبرز لها وجهه حتى تتفرس فيه على نور ~~النافذة، وقال لها بخشونة: انظري إلي، انظري إلى وجهي الشاحب، وعيني الخامدتين، وشعري ~~الأشيب، ولا تسأليني عما إذا كنت قد تعذبت، فما ترينه من أمارات الأسى كان من عمل يوم ~~واحد، بل من عمل ساعات، إنك صيرتني شيخا في ساعات معدودة! لا جرم أن حبي إياك كان ~~عظيما حتى لقيت ذلك العذاب. # قالت: والآن؟ فصاح: والآن قد حلت البغضاء محل ذلك ~~الحب الأعمى، أجل، أنا أبغضك بكل قوى شرفي المفقود وتذكراتي وآمالي الضائعة، فافهمي ما ~~أقول، إنني أبغضك. # فتهلل وجهها وصاحت: أنت تبغضني! أنت تبغضني! أعد على سمعي هذا الكلام، فإنه يرن في ~~فؤادي ويطربني أكثر من بث الهوى، ويلذ لي سماعه في كل ساعة. لقد كنت أحسبك غير مكترث ~~فكدت أهلك شجنا، أما الآن ففي طاقتي أن أحيا؛ لأن سخطك ووعيدك أنعشا قواي، وأعادا إلي ~~بسالتي، فلو لم تكن تهواني لما أبغضتني. # فكاد يقع في مكانه ولم يقو على الاحتجاج، وقال: هل تبلغ به النذالة هذا الحد؟ # فتمشت إليه وقالت: نعم، فإنك لا تزال مقيما على حبي! ... بيني وبينك ذلك الهوى الذي تروم ~~أن تقضي عليه وهو لا يزداد إلا تمكنا ورسوخا، فافعل ms73 الآن ما تشاء، فكل ما يحل بي منك ~~عذب لذيذ، حتى غضبك وجفاؤك وخشونتك. # قال لها: بحق السماء، اسكتي. # فرفعت رأسها وقالت: افعل ما شئت، وأنكر هواي، إلا أنك أسيري، وكل شيء فيك يحتج عليك. ~~افعل ما شئت فلا أبالي، خذ ابنتك وحرمها لقائي، وأبقها لنفسك وحدك، فإنك تنظر إلي حين ~~يقع بصرك عليها ... وإنك تشعر بقبلاتي حين تقبلك، وتلثمني حين تعكف على لثمها. # فحاول الانصراف متوكئا على المقاعد والجدران وهو يقول لها: بربك اسكتي. قالت: نعم ~~أسكت بشرط واحد، تجرأ وقل إنك لا تحبني. # فحاول الكذب وقال: لا أحب ... لكنه لم يتم جملته بل أقر بالانخذال. جثا أمامها وقال ~~لها: بل لا بد من الإقرار برغمي ورغم خيانتك وخجلي وثورة شرفي، أن ما أفعله نذالة، ولكنك ~~أنت التي دفعتني إليها، وما دمت تكرهينني على ذلك الإقرار فاسمعي الكلمات التي ~~انتزعتها من فؤادي بعدما سحقته سحقا: برغمي، نعم، أنا لا أزال أهواك. # فكادت تصيح به قائلة: كن مقيما على هواي؛ لأني لم أخنك قط، إلا أنها توقفت لأن ~~احتجاجها الآن لا يجدي نفعا، وهي لا تريد أن يمس شرف والدتها، فاكتفت بأن قالت: ~~يمكننا أن نعترف ولا يرى أحدنا الآخر إذا وجب، وسوف أكتم في صميم فؤادي سر فؤادك، حريصة ~~عليه حرصي على كنز، ومهما يطل افتراقنا فإن روحينا تتحدان، فوداعا يا روجر. أنت تحبني ~~... وأما أنا فأعبدك عبادة! # وعجل افتراقهما وقع خطى الأميرال وزوجته، وكان قد عاد منذ ربع ساعة، ودهش إذ علم ~~بوجود الكونت دي موري في البهو، وزاد دهشة لما علم أيضا أن ابنته في البهو كذلك، فاتفق ~~مع زوجته على أن لا يدخلا عليهما، ولكن لما طال الوقت قلق وزوجته فعزما على إسعاف ابنتهما ~~في موقفها أمام الرجل الذي طلقها وطردها، وكان عندهما شخص آخر جاء إلى البيت وقتئذ، ~~فتركاه وتمشيا إلى البهو، فدخل الأميرال في الأول، فأبصر لورانس وروجر واقفين والانفعال ~~باد عليهما، فحيا وقال: لقد رغبت في مقابلتنا أيها الكونت؟ # فانثنى الكونت إلى لورانس ms74 وقال: لا أرى بدا من أن تسمعي الحديث الذي أتيت لأجله، فإن ~~الحوادث الأليمة التي فرقت بيننا لم تقلل من احترامي لشخصك أيها الأميرال؛ ولذلك جئت ~~أطلعك وزوجتك الفاضلة على أمر عقدت النية عليه، وهو يتعلق بابنتي. # قال الأميرال: ما هو؟ أجاب: لقد عزمت على تزويجها. # فصرخت لورانس: تزويج بوليت؟ # قال: نعم، نشأ هذا العزم عندي منذ تفرقت أسرتانا، فإن حالتها باتت حرجة بالنظر إلى ذلك ~~التفريق، وكنت قد قررت تزويج بوليت دون أن يقع الاختيار على الزوج، وأما الآن فقد وقعت ~~حادثة مشئومة أكرهتني على اختيار الزوج الذي أكلمكم عنه، وسأطلعكم على اسمه، فهو المسيو ~~أنيبال بلميري. # ولما تلفظ بهذا الاسم خفض صوته كالخجول، فجعل كل يردد ذلك الاسم غضوبا، وكأنما نزلت ~~بهم جميعا نازلة ألزمتهم الجمود. فلبثوا هنيهة وكأن على رءوسهم الطير إلى أن تكلمت لورانس ~~في الأول، فمدت يدها إلى جبينها تمسحه، ثم قالت: يوجد في هذه المسألة أمر خفي لم تتكلم عنه، ~~ولا بد أن يكون ذلك الأمر قد أملى عليك هذه الكلمات التي سمعناها منك، فأوضحه لنا، وإنما ~~اعلم أنك لا تستطيع أن تقول لي إنك عازم على تضحية ابنتي لشقيق المرأة التي اختلست مكاني ~~دون أن تنبئني بما يدفعك إلى هذا العمل، فتكلم، إني مصغية إليك. # وكأنما تغيرت الحال؛ فإن الكونت دي موري طأطأ الرأس بعد أن كان يتكلم بلهجة السيد ~~الآمر، فقال الأميرال أيضا: نعم، لا بد أن نعرف السبب ... # فأجاب بكآبة: «لذلك وحده أتيت، ولعلكم ترأفون في الحكم علي متى اطلعتم على جلية ~~أمري، فاعلموا إذن أنني بعدما أصبت في حبي نزل بي مصاب آخر؛ خسرت في الأول شرف الزوج، ثم ~~كدت أخسر شرف الرجل النبيل، وقعت لي أمور يطول شرحها ولا فائدة منه فأضرت باسمي وشرفي، ~~ولا أزال حتى الآن هدفا للمحاكمة في محكمة الجنح.» # فصاح الثلاثة وهم مرعوبون: أنت! أنت! فأجاب: نعم أنا، ولكنني لا أظنكم ترتابون بسلامة ~~نيتي ولا تتهموني إلا بالغفلة، ومهما يكن من الأمر فلما ظهر لي ms75 الخطر أيقنت بالخسارة، ولم ~~يبق أمامي إلا سجن الأثيم أو رصاصة الرجل النبيل الذي تطارده الحكومة لذنب أتاه دون قصد، ~~وفيما أنا كذلك جاء رجل فأخذ بناصري. # قالوا: فمن الرجل؟ # أجاب: هو من ذكرت لكم اسمه؛ هو أنيبال بلميري، قد اقترح علي إنقاذي من تلك المصيبة، ~~لكنه اشترط علي أن أزوجه ابنتي، وقبلت شرطه. # فانبرت لورانس كاللبوة التي تدافع عن أشبالها، وقالت: كلا، ذلك لا يكون أبدا، إنك ~~وعدته، ولكنك لم تعاهده إلا عن نفسك ... وعندئذ انفتح الباب وظهرت بوليت، فأتمت جملة أمها ~~قائلة: وبوليت تفي بوعد أبيها، فأنا مستعدة للاقتران بالمسيو بلميري يا أبي. ~~••• # قلنا إن الأميرال وزوجته تركا في البيت شخصا آخر، وكان ذلك الشخص الفتاة بوليت، وقد أتت ~~تزور جديها وأمها مصحوبة بوصيفتها، فصادفت الأميرال عند باب البيت، وعلمت بقدوم أبيها، ~~ثم لما تركها الكل خطر لها أنهم سيتكلمون عنها؛ فأنصتت من وراء الباب فسمعت الحديث، ~~فاستيقنت أنها ستفقد هناءها بذلك الزواج، فأملى عليها الإخلاص تلك الجملة التي قالت فيها ~~إني مستعدة للاقتران بالمسيو بلميري يا أبي. # ثم خذلتها قواها، ولو لم تمسكها والدتها لوقعت على الأرض، فصاحت لورانس: ابنتي، ابنتي، ~~عودي إلى هداك وتناسي هذه الكلمات التي تلفظت بها دون تدبر، فإنك تجودين بحياتك ~~وهنائك. فأجابتها: بل أشتري شرف أبي. # ثم انثنت إلى أبيها وقالت له: أصبت في عدم ارتيابك بإخلاصي، وأحسنت فيما فعلت. # وأسندت رأسها إلى كتف لورانس، وقالت لها بصوت خافت: يلوح لي أن في فؤادي شيئا قد انقطع ~~... ولا أدري ما أعاني ... ولا أتألم ... آه يا أماه، أظن أن أجلي قد دنا! # فتفرست لورانس في وجهها فإذا هي صفراء كميتة، ثم سمعتها تئن أنينا ضعيفا وتقول: ~~وداعا يا أماه! # وأفلتت من يدي لورانس فسقطت على الأرض. جرى ذلك في بضع ثوان، فصرخت لورانس صرخة موجعة ~~وقالت: وا مصيبتاه. # وارتمت على ابنتها وحملتها وهي تكاد تجن حزنا، أما الكونت والأميرال فتسلط عليهما ~~الرعب من يأس الأم وإغماء ابنتها، وبعد جهد تمكنا من أخذ بوليت ms76 فمدداها على مقعد، وفركت ~~جدتها صدغيها بالماء، ولورانس ترش على شفتيها الحياة ، فقالت: إنها تحركت، فهي لا تزال ~~حية. # وبكت بالدمع الغزير، فالتفت الأميرال إلى الكونت مشيرا إلى المرأتين وقال له: لئن كنت قد ~~لقيت إساءة؛ فإن الانتقام كان أعظم، فخفض دي موري رأسه وبكى كذلك، فتركوا الأم وابنتها ~~معا، وظنت هذه أن التعب أثر في الفتاة فلا بد أن تنام، فلم تشأ أن تكلمها، إلا أن ~~بوليت، وهي مغمضة العينين، ضغطت على يد أمها، وأخذت تتكلم خافضة صوتها، فقالت: لقد تفكرت ~~مليا منذ بضع دقائق، فقد كان نصيبنا أنا وأنت العذاب دون أن نجني ذنبا، فكأننا اقتسمنا ~~الحب والأشجان معا، ولا أرى أفضل من اقتراحنا لتبقى كل واحدة منا على شجاعتها. # فصاحت لورانس: ألم تجدي غير الفراق وسيلة؟ أجابت: لا، وقد تذكرت زمن حداثتي الأولى؛ إذ ~~كنت أقع فأتألم فأنهض وأعدو عندما لا يقع بصرك علي، إما إذا وقع بصرك علي فكنت أبكي ~~لشعوري بحزنك علي وألمي معا، وهكذا يكون شأني الآن في هذه الورطة، ولعل اعتمادي على ~~نفسي ينقذني من الآلام. # ثم نهضت وقالت: أودعك يا أماه. فأمسكت رأس ابنتها وضمته إلى صدرها بلهفة، ثم إن الابنة ~~خرجت مع أبيها إلى مركبة، وعادت إلى منزله. # | الفصل العاشر # بعد هذه الحوادث بيومين أو ثلاثة دخل خادم الفندق على السير إيليا دراك وقال له: إن ~~الأمير يروم مقابلتك. فقال: ألا ننتهي من هذا الأمير؟ ولكن دعه يدخل. # ولما خلا به قال له: كيف حال هؤلاء القوم؟ أجاب: إنها أسوأ حالا من ذي قبل، أفلا تزال ~~عازما على السفر؟ أجاب: بلا شك، وإني مسافر في هذه الليلة إلى إنكلترة. قال: إذن ستجتمع ~~على أسرتك؟ أجاب: لا أسرة لي. قال: إذن على أصدقائك؟ أجاب: ولا أصدقاء لي. قال: إذن تعود ~~إلى وطنك؟ أجاب: وطني؟ وطني؟ ولعلك تريد به البلد الذي ولدت فيها وغادرتها وأنا صبي. قال ~~ملطار: ما دام الأمر كذلك فلماذا ترتحل عن باريس وفيها من يحتاج إليك؟ أجاب: هذا داع ms77 على ~~وجوب تخلصي بالفرار ... ولكن من الذي يحتاج إلي؟ قال: سيدتي الصغيرة . قال: ولكن أبوها ~~عندها. أجاب: نعم، لسوء حظها. قال: وأمها! ... أجاب: لا، لسوء حظها، قال: ألم ينقض أمر ~~لورانس مع أبيها؟ أولا تجتمع بوليت على أمها كل يوم في بيت الأميرال؟ أجاب: لقد حدث أمر ~~جديد. # وكان الشيخ الإنكليزي منحنيا على حقائب أمتعته يحزمها استعدادا للسفر، فتوقف وقال: ~~ماذا حدث الآن؟ أجاب: إني ذهبت أمس فلقيت الكونتة، قال: أية كونتة تعني إذ يوجد اثنتان؟ ~~أجاب الخادم بغضب: لست أعرف إلا واحدة هي السيدة لورانس، فأعلمتني أن ابنتها لا تريد أن ~~تأتي لتراها بحجة أنها عازمة على الاقتران. قال: بالرجل بلميري الذي كلمتني عنه قبلا؟ ألم ~~يبطل هذا المشروع؟ أجاب: كلا، وا أسفاه! ولا يستطيع أحد إبطاله. قال: بل يوجد وسيلة قد ~~فكرت فيها أنا. قال: ما هذه الوسيلة التي تنقذ بوليت من الموت؟ لأن سيدتي الصغيرة تموت ~~ولا شك. # فجعل الإنكليزي يتمشى في الحجرة، ويقول: تموت ولا شك! ... # ثم وقف قبالة الخادم وقال له: هل تظن أن بوليت تقبل مني زورة إذا شئت إطلاعها على وسيلة ~~تنقذها من ذلك الزواج المكروه؟ فأجابه: نعم، بل يسرها أن تراك. # قال: إذن عد إليها وقل لها إنني أزورها، وبودي أن ألقاها دون أن أرى أباها؛ لأنني لا ~~أحبه ... فهو علة هذه العلل، وفي اعتقادي أنه لا قلب له ولا نفس ولا جوانح ... فقال له ملطار: ~~سأدخلك البيت دون أن يراك أحد، وبعد ساعة كان السير دراك عند بوليت، فارتمت على عنقه وقد ~~شعرت بأنه نصيرها الوحيد، وأخذت تبكي وتقول له: ما أعظم سروري بلقائك فشكرا لك. فأجابها: ~~إنني أتيت اتفاقا لتمضية الوقت، ولكن أصحيح ما قاله لي ملطار من عزمهم على ~~تزويجك؟ # أجابت: لقد أخطأ ملطار؛ فأنا التي عزمت على الزواج. قال: تكاد تكون النتيجة واحدة، ولكن ~~ما عسى أن يقع للمسكين دي فاليير إذا تزوجت؟ # فصاحت: واحسرتاه على جاستون! قال: ومع ذلك يوجد وسيلة لمنع هذا الزواج اللعين، وما عليك ms78 ~~إلا أن تقولي كلمة واحدة، ويوجد أمر لم أخبرك به عن نفسي هو أنني ماهر في الرياضة ~~البدنية. # فنظرت إليه بحب وامتنان وقالت: أعرف أنك تسبح جيدا. أجاب: نعم، أنا أحسن السباحة ... ~~ولكن يوجد شيء آخر أحسنه؛ هو استخدام السيف كمعلم يتعاطى تدريس هذا الفن. ثم إنني أحذق ~~الرماية فأصيب ذبابة على بعد ثلاثين خطوة، ولم أنتفع قط بهذه المزية، وأظن أن هذا اليوم ~~وقت الانتفاع بها؛ لأنني لا أحب خطيبك بلميري وإن لم أره، فهل يسوءك أن أجرب نفسي ~~معه؟ # قالت: كلا لا تفعل، فهو لم يسئ إلي، بل كان كريما مع أبي، ووثق بكلامي، ولا بد لي أن ~~أغدو زوجته! ... لا بد لي، فهل فهمت؟ ... # قال: فمتى يكون العرس، إن شاء الله؟ أجابت: في أقرب وقت، وربما بعد أسبوعين. فهم ~~بالنهوض، فمدت إليه يدها لتودعه، وإذا بالباب قد انفتح، ودخل أنيبال بلميري، فأرجعت ~~يدها، فأدرك السير دراك رغبتها في مكثه عندها، فعرفت كلا من الرجلين بالآخر، ثم خرجت ~~تاركة إياهما معا. فقال أنيبال: هل أنت يا سيدي من أوصل خطيبتي إلى باريس؟ فحدق فيه ~~السير دراك وأجاب: نعم، أنا، وهل أنت ذلك السعيد الذي عزم على الاقتران بمن كانت رفيقتي في ~~السفر؟ أجاب: نعم، أنا ذلك السعيد. قال: ولكن قد تقرر هذا الزواج سريعا؟ أجاب: لأنني ~~افتتنت بمحاسن الآنسة بوليت. فهل تجد ذلك أمرا غير طبيعي؟ # أجاب: بل أجده طبيعيا جدا ولا شك عندي أن هذا الهوى المفاجئ كان متبادلا؛ أي إنه ~~نزل بالخاطب والخطيبة نزول الصاعقة، كما يقولون في فرنسا. # فأحس أنيبال بالتهكم من وراء هذه الكلمات وكاد يغضب، إلا أن الإنكليزي ابتدره بقوله: هل ~~لك أن توضح لي أمرا أشكل علي؟ فإنني ما ذكرت اسمك إلا تذكرت أنني سمعت به قبلا. ~~فاصفر وجه أنيبال، إلا أنه كتم اضطرابه، وقال: لا عجب إذا كان اسمي معروفا، فإن المسيو ~~بلميري عمي قد أثرى في إدارة مصرف وورثنا أنا وشقيقتي ثروته، ولعلك سمعت باسمي لأبي أنا. ~~قال دراك: هل ms79 مضى زمن طويل على الإرث الذي تتكلم عنه؟ أجاب: سنة واحدة. قال : لم يمض زمن ~~طويل، فهل أنت إيطالي؟ أجاب: نعم، إيطالي الأصل، غير أنني ولدت في الهند. قال دراك: ~~بدأت أفهم ... قال بيبو: ماذا؟ أجاب: لا بد أن أكون سمعت باسم أسرتك وأنا في الهند، ولكن ~~بقي شيء أيها العزيز نسيت أن أخبرك به، وهو أنني تلقيت الآن مهمة شاهد في زواجك عهدت ~~إلي بها خطيبتك. فأجابه: لقد سرني وقوع اختيارها عليك. قال: يا ليتني أتعرف بشقيقتك ~~فإنني لم أرها بعد. قال: سوف تكون في منزلها غدا مساء، وموعد استقبالها الزائرين أيام ~~الجمع، فأهلا وسهلا بك. # قال: إني أودعك الآن يا مسيو بلميري ... وبقيت لي كلمة أيضا أرجو أن تقولها لخطيبتك، هي ~~أنني لا أزال مستعدا لإسداء اليد التي رفضتها. أجاب: اعتمد علي في ذلك. # فانصرف دراك بينما كان أنيبال يقول في نفسه: ما أكثر ثرثرته، ولكن ما عسى أن تكون تلك ~~اليد التي تكلم عنها؟ إني أود معرفة ذلك. ~~••• # وصلنا الآن إلى صباح اليوم المعين للزواج، وكان موعد الحفلة الساعة الثانية بعد ظهر ذلك ~~النهار؛ أي إنه لم يبق إلا خمس ساعات بين بوليت والوقت الذي يقضى فيه على آمالها إلى ~~الأبد، وكانت تقول: ما لهذا اليوم من غد بالنظر إلي، وكانت تمد يدها إلى جيبها فتلمس ~~خنجرا صغيرا جاءت به من الهند؛ وهو سلاح قاتل مسموم النصل سما يعرفه سود أفريقيا، فلو ~~وخز الساعد به لفعل السم فعله. أما كيفية وصول ذلك الخنجر إليها فهي أن المسيو دي فاليير ~~أراها إياه ذات مرة وقال لها: إذا قضي عليك يا بوليت فهذا الخنجر ينقذني من الحياة بعدك. ~~فارتاعت بوليت وانتزعته من يده، ولكنها حفظته لديها وقالت في نفسها: إن هذا السلاح يصلح ~~لي إذا قضي علي بأن أتزوج غير جاستون. # ولما سمعت الساعة تدق العاشرة تذكرت أنها واعدت السير دراك على المجيء في ذلك الوقت ~~لتسلمه شيئا، هو رسالة كتبتها في الليل، وقد تأخر إلى الساعة العاشرة والربع، ms80 ثم أتى ~~فاعتذر بقوله إنه كان ينتظر ورود رسائل برقية ذات شأن . قالت: ما هذه الرسائل البرقية؟ أجاب: ~~إنها لا تهمك، وسوف أعود إلى فندق اللوفر بعد أن أتلقى المهمة التي لديك، فلا أخرج منه ~~إلا في ساعة الحفلة ... فماذا تريدين؟ هل أعجبك اقتراحي؟ وذكرت مهارتي في استخدام ~~السلاح؟ # فتبسمت وأجابت: كلا، فلست أريد أن يموت أحد بسببي، ولكنك تدري أن والدتي لا تشهد ~~حفلة العرس، ولست تجهل أنني في حاجة إلى الصبر والبسالة، وأن حضورها يحملني على الضعف وخوار ~~العزيمة، فرأيت أن أكتب إليها رسالة تسلم إليها اليوم بعد خروجنا من الكنيسة، فهل تتكرم ~~علي بإيصالها؟ # أجاب: بلا شك، وها أنا ذا أفعل قبل رجوعي إلى الفندق فهاتي الرسالة. # فقالت بحدة: كلا، لا تسلمها إياها الآن، ولكن في النهار بعد انقضاء الحفلة بساعة، فهل ~~أعتمد عليك في ذلك؟ # أجاب: نعم، وأنت تعلمين أنني أفعل ما تريدين. قالت: هل تعدني وعد الرجل الشريف؟ أجاب: ~~نعم. قالت: أتقسم لي بشرفك على أن لا تسلم هذه الرسالة إلى والدتي إلا بعد انقضاء حفلة ~~زفافي بساعة؟ أجاب: كيف لا أقسم؟ وحلف لها كما أرادت. فقالت له: إني أشكرك يا صديقي وأثق ~~بك. # ومدت يدها إليه فصافحها، ثم قالت: إني ذاهبة لملاحظة ملابسي؛ إذ ينبغي أن أتزين بأجمل ~~ما عندي شأن كل عروس في حفلة زفافها. # وانطلقت مسرعة، فما كادت تحتجب عن بصر السير إيليا دراك حتى انثنى إلى الهندي ملطار وقال ~~له: سر مستعجلا فاحمل هذه الرسالة إلى أم بوليت، وإياك والإمهال. قال: ولكنك وعدت سيدتي ~~الصغيرة بأن لا تسلمها إلا بعد الحفلة ... # فلم يدعه يتم كلامه بل قال: سر وأسرع، ولولا اضطراري إلى الرجوع إلى الفندق لأوصلت ~~الرسالة بنفسي، واعلم أن بوليت في رسالتها هذه تودع والدتها التوديع الأخير. أفلا تريد أن ~~تبلغ السيدة لورانس عزم ابنتها على الانتحار قبل فوات الوقت؟ # فلم يكد يسمع الخادم الأمين هذه الكلمات حتى مر بالرسالة مرور السهم. أما السير دراك ~~فقصد توا إلى الفندق. # فلندعهما ms81 سائرين، كل في سبيله، ولندخل منزل الكونت دي موري؛ فإن الكونتة الجديدة ~~استصحبت أخاها وهي تروم أن تقبل بوليت قبل سائر الناس! فأجابت بوليت أنها في حاجة إلى بضع ~~دقائق لإتمام زينتها وأنها ستلحق بالكونتة إلى البهو بعد ذلك. فكان أنيبال وأخته ينتظران، ~~حين انفتح الباب، وسمعا صوت الكونتة دي موري الأولى مرتفعا وهي تصرخ قائلة: لا بد لي من ~~الدخول. # فانثنت جرجونة وعرفت لورانس، فتلاقت الكونتتان، فقالت الإيطالية: أنت هنا عندي؟ قالت ~~لورانس: لست أدرى أين أنا، وإنما عرفت أمرا واحدا يهمني أكثر من العالم كله؛ هو أن ~~ابنتي عازمة على الانتحار، وأتيت لأمنعها منه. # قال أنيبال وأخته معا: عازمة على الانتحار؟! # أجابت: نعم، وذلك لكي لا تغدو زوجة للراغب في الاقتران بها. # قالت جرجونة: أنت مجنونة، فلا تمسنا إهاناتك، ولكن لا يمكن احتمال المجانين في بيوت ~~الناس فاخرجي من هنا. # أجابت: لا أخرج من هنا حتى أرى ابنتي وأسير وإياها معا ... # فوقفت جرجونة أمام باب مخدع لورانس، فمدت هذه يدها لتبعدها، وهم أنيبال بمساعدة أخته ~~إلا أن جرجونة قالت بأنفة وكبر: لست أقبل مساعدة على هذه المرأة إلا من شخص واحد هو زوجي، ~~فاذهب يا أنيبال وناده وهو يحكم بيننا. # فخرج بلميري مسرعا، ثم عاد ومعه الكونت، فلما رأت جرجونة زوجها مقبلا رفعت صوتها وقالت: ~~تقدم يا سيدي وأنقذني من وعيد هذه المرأة وإهاناتها. # فدنا الكونت من لورانس وهو كاره لتوبيخه إياها، فقال لها: هل تعلمين ما وراء دخولك هذا ~~البيت؟ فأجابته: لم أدخله للجدال؛ وإنما أردت أن أرى ابنتي، لأن كل والدة ترى الدفاع عن ~~حياة ابنتها أول واجباتها. # فقلق وقال: أي خطر على حياتها؟ # فتعرضت كلوديا وقالت: إن هذه المرأة تعتقد أن ابنتها في خطر لمجرد تزوجها أنيبال ~~بلميري، فهي تحرص الآن على شرف اسمك بعدما لوثته بعارها. # فلم تكترث لورانس لهذه الإهانة، وقالت: إن هذا الزواج كحكم على ابنتك بالإعدام وإليك ~~البرهان: انظر إلى هذه الرسالة فهي تودعني بها التوديع الأخير، وكان ينبغي أن تسلم ms82 ~~إلي بعد حفلة الزواج، ولكن لحسن الحظ سلمها إلي ذلك الصديق الذي تعهد بها قبل الموعد؛ ~~لأنه أدرك غرضها من كتابتها، ولو بقيت هذه الرسالة إلى ما بعد الحفلة لثكلت ابنتك ~~الليلة، وقد قرأنا أنا ووالدتي هذه الرسالة الموجعة، فهي مبللة بعبراتنا، فاقرأها حتى ~~تتحقق أن هذا الزواج يقتل ابنتك قتلا فظيعا. فألقى الكونت نظرة على تلك الصفحات، فعلم ~~أن ابنته تهوى جاستون دي فاليير وتكره الرجل الذي يريد التزوج بها بشفاعة أخته، فقال ~~للورانس بصوت مؤثر: كوني مطمئنة؛ فإن بوليت تعيش، وهذا الزواج لا يعقد، وأحمد الله على ~~أن في الوقت متسعا. فانبرت الإيطالية تقول باحتقار: لقد كان يجب علينا أنا وأخي أن ~~نتوقع الحنث من الرجل الشريف الذي يبيع شرفه بأرخص الأثمان. قال دي موري: بل أنت واهمة؛ ~~فلست أنسى ما لكما علي من دين، ولكن بدلا من أن أعهد إلى ابنتي بوفائه سأفيه بنفسي في ~~هذه الليلة ... فكونا واثقين بأن شرف الرجل النبيل لا يستمر رهينا بين أيديكما أو بين أيدي ~~سواكما. إن دمي يفي الدين الذي عجزت عن قضائه بمالي. # فصرخت لورانس صرخة هائلة، وقالت: أحقا أنك تجود بنفسك لتفي دينا مستحقا؟ وأنك عازم ~~على الانتحار لأجل النقود؟ إذن كل شيء ينقضي على سلام، فأنا أنقذك وابنتك معا! ... # فصاحت الإيطالية: أنت! وقال الكونت: كيف تستطيعين إنقاذنا؟ # أجابت: عندما حكمت المحكمة بطلاقنا سلمت إلى المسجل نحو ثمانمائة ألف فرنك، فهذا المال ~~خذه يا روجر، إنه مالك. أجاب: لست بقادر على قبول عطيتك، وأنت الشخص الوحيد الذي ~~أرد مساعدته. قالت: إذن فالوالد والولد يجودان بالروح؛ لأن الأم كانت ... قال: لأن الأم ~~كانت مجرمة، ذلك عقاب المرأة الزانية. # فكبر عليها سماع ذلك الكلام، ورفعت رأسها وقالت: كفى، وحسبي ما لقيت من خجل وشجن ~~ويأس، أما الآن فنفسي تنهض ثائرة ورأسي يرتفع. فصاح الكونت: ما معنى هذا الكلام ...؟ # وإذ ذاك دخلت زوجة الأميرال في البهو، ويذكر القراء ما قالته لورانس منذ هنيهة؛ فإنها ~~قرأت ووالدتها معا رسالة بوليت، فبادرت لورانس ms83 مسرعة، أما أمها فتأخرت عنها إلى ذلك ~~الحين. # فصاحت لورانس: تعالي يا أماه. قالت: فكيف بوليت؟ قالت: إنهم يمنعونني من إنقاذها. قالت: ~~ماذا تقولين؟ أجابت: أقول إن الكبرياء لا بد أن تسوق الكونت دي موري إلى أحد أمرين: انتحاره ~~أو قتل ابنته. # فانثنت إلى الكونت وقالت: أصحيح ذلك؟ فأجابها: إنني أحكمك في هذه القضية. أجابت ~~تحكمني أنا؟ أجاب: نعم. قالت لورانس: وهل ترضى بحكمها؟ أجاب: نعم أرضى. قالت: وهل ~~تقسم على هذا الرضى؟ فرفع يده وأجاب: نعم، أقسم. # قالت: إذن دعني لأخلو بوالدتي إذ لا بد لي أن أكلمها على انفراد. فنهض الكونت وقال لزوجة ~~الأميرال: إني أسلمك ما هو أعز عندي من الحياة؛ إنني أسلمك شرفي. # فأجابته: وإنني لحريصة عليه فلا تخف. # فانحنى الكونت وخرج مصحوبا بزوجته الثانية. فلما خلت الأم بابنتها قالت لها: تكلمي الآن. ~~قالت: أنت تعلمين يا أمي أن الكونت دي موري يريد أن يزوج بوليت ببالميري لينقذ شرفه. ~~أجابت: نعم، أعلم ذلك. قالت: ولا تجهلين أن هذا الزواج يقتل بوليت ... فأردت إنقاذ من أحب، ~~فاقترحت على الكونت أن أهب له البائنة التي وصلت إلي منك يوم زواجي وردها هو إلي ~~يوم طلاقي. # قالت: فماذا كان جوابه؟ أجابت: إنه رفض المال. قالت: ولقد أصاب، فروجر لا يستطيع قبول ~~هبتك. # فصاحت لورانس قائلة: ولكن فكري في النتيجة، فأنت تحكمين على ابنتي بالموت، وبوليت تروم ~~إنقاذ أبيها بأية حال، فهي عازمة على الانتحار؛ إذ لا بد من هلاك أحدهما ليسلم الشرف. ~~قالت أمها: ولكن ذلك قضاء الله، فهو يضرب الأمهات في أولادهن. فقالت لورانس بكل هدوء: إذ لو ~~لم أكن مذنبة لقبل الكونت عطيتي؟ أليس الأمر كذلك يا أماه؟ أجابت أمها: نعم هو كذلك. قالت ~~لورانس: فاعلمي إذن أنني بريئة مظلومة. # فصاحت أمها: ما هذا الكلام؟ آه ... أرأيت كيف أنك تلجئين إلى الكذب الذي أعرضت عنه قبلا ~~لكي تنقذي ابنتك بوليت. قالت لورانس: لست أكذب يا أماه، وأظنك واثقة من صدق ~~قولي. # وكان الصدق ظاهرا في لهجتها حتى ms84 دهشت والدتها، وعطفت عليها وهي متأثرة مرتجفة ~~تقول: ألم تكوني مذنبة؟ أجابت : كلا يا أماه، وأقسم لك بالله وملائكته على أنني لم أهو ~~إلا زوجي روجر، ولم أسلم نفسي إلى سواه قط. قالت: إن القسم وحده لا يغني عن البرهان في ~~مثل هذه الحالات. قالت: لا تطلبي برهانا يا أماه. قالت: ولكن لا بد من البرهان لتنجو ~~ابنتك من الموت. قالت: فهل تسمحين أن أعد هذا الطلب أمرا يجب تنفيذه؟ أجابت: نعم، ~~فتكلمي أيتها الابنة المنكودة الطالع. # قالت: إذن أتكلم! قالت أمها: ما عسى أن تقولي وشريكك في الإثم خر صريعا ~~أمامي؟ # فنظرت إلى السماء وقالت: شريكي في الإثم؟ قالت الأم: ولكنني سمعت إقراره مطابقا ~~لإقرارك، ورأيته يموت ولا يسلم تلك الرسائل المشتملة على برهان يؤكد اجترامك. # قالت: لم يكن في تلك الرسائل إلا سر مولده، وهي مكتوبة بقلم أمه. # فأخذ القلق مدام دي لامارش، ولم تفهم تماما فقالت: بقلم أمه؟ تكلمي. فهل فقدت أمه تلك ~~الرسائل؟ ولكن ما شأنك معه؟ ولماذا تكتمين سره، وتبذلين شرفك في هذا السبيل؟ أجابت: إنه ~~كتم السر، وبذل دمه في هذا السبيل. قالت: إنه معذور لأن المسألة تتعلق بوالدته. # فخبأت لورانس وجهها بيديها، وقالت: وإنني كذلك لمعذورة؛ لأن المسألة تتعلق ~~بوالدتي. # فصرخت مدام دي لامارش صرخة هائلة، ونهضت وهي تترنح ممسكة فؤادها بيديها، ثم عادت إلى ~~لورانس، فرفعت رأسها وتفرست في عينيها تفرسا كأن فيه روح كل منهما، ثم ترامت الأم على ~~مقعد، وابنتها جاثية أمامها، وقالت والزفرات تكاد تخنقها: إنك بذلت نفسك لأجلي! إنك ~~كابدت أشد الآلام، وتحملت الخزي والذل لأجلي! إنك كنت «فدية شرفي»! قالت: أماه، ~~أماه! # وقالت أمها: وكان ذلك القتيل ولدي؟ ... ولكن لماذا لم يتمزق فؤادي حين سقط أمامي؟ وهنا ~~اشتد بكاؤها على ذلك الابن الذي ألجئت إلى تركه منذ طفولته، ولم تستطع معرفة حظه من ~~دنياه، ولم تره إلا يوم قتل أمامها، وإذا بلورانس تقول لها: عفوا يا أماه؛ لأنني لم ~~أقو على كتمان هذا السر زمنا أطول. عفوا ms85 لأنني كنت السبب في يأسك وعبراتك؛ ولكن لم ~~يكن في طاقتي السكوت بعدما أمرتني بأن أتكلم، وما غرضي إلا نجاة ابنتي الوحيدة بوليت، ~~ولقد بذلت نفسي ضحية لأكتم سرك، وإني لأبذل العالم كله ضحية لأنقذ ابنتي. # قالت: نعم، وتكونين قد فعلت ما يجب عليك، كما سأفعل ما يجب علي. قالت: فما معنى هذا ~~الكلام؟ # فاتجهت مدام دي لامارش إلى الباب، وأطلت على الكونت دي موري والإيطالية، فدعته لدخول ~~البهو، فأرادت كلوديا وأخوها اللحاق به، إلا أن زوجة الأميرال قالت لهما: كلا، بل يأتي ~~الكونت وحده ثم أناديكما بعد هنيهة. فلما خلا الكونت مع لورانس وأمها قالت الأم: اعلم يا ~~روجر أن التي زوجتك بها أنا والأميرال هي نموذج الفضيلة والطهر والعفاف. قال: ولذلك ~~أحببتها فيما مضى إلى حين ... قالت: إلى حين ألقت على عاتقها ذنب غيرها، ورضيت بأن تكون ~~فدية الشرف وشهيدة الشهامة. قال روجر: ماذا تقولين؟ وقالت لورانس: أماه، أماه! # فالتفتت إليها وقالت: ألم تقولي أنك تبذلين العالم كله ضحية لإنقاذ ابنتك؟ أما أنا ~~فإنني لا أبذل إلا سري. قالت: أناشدك الله لا تزيدي كلمة. # فلم تجبها بل قالت: اعلم يا روجر أن التي كانت زوجتك رضيت بالشك يسقط على رأسها ظلما، ~~وبالتهمة تشين عرضها إخلاصا وكرامة؛ فالرجل الذي رأيته عندها لم يكن عشيقها. # قال: ما هذا الكلام؟ # قالت: والرسائل التي كانت معه وطرحها في النار لم تكن رسائلها. قال: فرسائل من هي؟ ~~... # أجابت: رسائلي أنا. قال: لم أفهم مرادك. # قالت: إن الرجل الذي قتلته يا روجر لم يكن عشيقها، وإنما كان ولدي أنا. فبهت روجر ~~وقال: ولدك؟ # قالت: أقسم لك بحياة لورانس على أنني لم أقل إلا صدقا. # فصاح روجر صيحة هائلة، وقال: كل هذا صحيح وقد صدقته حتى إني لأقسم كذلك على صحته. ~~فويحي أنا الأحمق؛ لأنني لم أبصر ولم أفهم. أعماني الغضب والغيرة فنسيت ذات الفضيلة ~~السامية التي عاشرتها مدة ثمانية عشر عاما كلها حنان وإخلاص، كنت أعمى ومجنونا لا أرى ~~ولا أفهم، فسفكت يداي دم ms86 بريء، ثم طردتك أيها الملك الكريم من منزلي، وطلقتك، وأنا ~~ذلك المفتون الذي لم يستحق امتلاك هذا الكنز ولم يعرف قيمته. # وهاجه اليأس فقال: إني أقدمت على ذلك كله، ثم فعلت ما هو شر من ذلك فاختطفت الابنة ~~من أمها الشهيدة المعذبة. لقد كنت نذلا وكنت وغدا ذميما. # ثم صاح قائلا: لحسن الحظ لا يزال في الإمكان إصلاح شيء مما أفسدت، وسارع إلى حجرة ابنته ~~وناداها: بوليت، بوليت! تعالي فقبلي أمك. # فأقبلت بوليت في لباس عرسها، ولم تسمع كلمات أبيها، فقالت وهي مسترسلة إلى تأملاتها ~~المحزنة: أنت هنا يا أماه؟ ماذا جرى حتى أمكنني أن أراك أيضا؟ # قال الكونت: إن أمك هذه مثال الشرف والحكمة، فانطرحي على قدميها يا بوليت، واسأليها أن ~~تعفو عني؛ لأنني لا أتجرأ على طلب العفو منها فقد كنت لها ظالما. # وتهالك على مقعده وفاضت شئونه - سالت دموعه - فتقدمت إليه لورانس وفتحت له ساعديها ~~وقالت: عفا الله عما مضى يا روجر، فتناس ذلك الماضي، أما أنا فلا أذكر منه إلا حبك، وما ~~برحت أحبك كما كنت قبلا. # فضمها الكونت إلى صدره وهي ممسكة بيد بوليت. # وفي ذلك الوقت انفتح باب المخدع، ودخلت كلوديا ومعها أخوها، ولم تسمع ما قيل في البهو ~~لكنها سمعت لجبا، فلم تتمالك أن نهضت ودخلت المخدع مفاجئة، فحدث ولا حرج عن فرط تعجبها ~~وسخطها لما رأت زوجها ولورانس وبوليت في تلك الحال، فأشارت إشارة تهديد وقالت: يا لكم من ~~أنذال! # وظن بلميري أن الواجب يقضي عليه بمساعدة أخته، فتقدم وقال: ماذا جرى حتى أقدمت على إهانة ~~أختي أيها الكونت؟ ولماذا دخلت هذه المرأة ... # فصاح روجر وهو يضم لورانس إلى صدره قائلا: إن هذه المرأة تستحق كل إعجاب وإجلال. تستحق ~~إعجابك أيتها السيدة وإعجابك أنت وأمثالك أيها السيد. # فأجابته كلوديا: لتذهب إلى مكان آخر تتلقى فيه مثل هذا الثناء، ولتخرج من هنا، فهنا ~~بيتي وأنا أطردها منه. # واتجهت إلى الجرس لتدعو الخدم، وإذا بها قد التقت برجل وقف أمامها، وحياها تحية ~~تجاوزت حد ms87 التأدب، وأدركت حد السخر والتهكم، وكان هذا الشخص السير إيليا دراك، ~~فقال لها وهو باسم: أظنني سمعتك تقولين إنك عازمة على مناداة خدمك ليطردوا من هنا والدة ~~الآنسة بوليت؟ وأنا أغدو شاكرا لك إذا أخبرتني بأي حق وبأي صفة تقدمين على مخاشنة ~~تلك السيدة المكرمة؟ # قالت: ألا تدري إنني ربة بيتي وزوجة زوجي؟ قال: تقولين زوجك ... عفوا! عمن تتكلمين؟ ... ~~قالت: عن الكونت دي موري، هذا الذي تراه أمامك. # قال: مهلا أيتها السيدة الحسناء؛ فإن الكونت دي موري لا يمكن أن يكون زوجا إلا لزوجة ~~حية، أي: في عداد الأحياء ... أما أنت فإنك ميتة، وقد دفنت من زمن بعيد، فهل ~~نسيت؟ # فجعل كل من الحضور ينظر إلى الآخر ونفسه تحدثه أن السير دراك مجنون، إلا أنيبال ~~فإنه ارتعد ارتعادا واضحا، أما كلوديا فضحكت وصاحت: ماذا تقول؟ ألا ثق يا هذا أنني ~~حية، وسأوافيك وسائر من حضر بالبرهان على أنني لا أزال في قيد الحياة. # فأجابها السير دراك: هذا يسرني كثيرا، ولكنه يحملني على الدهش؛ لأنني أحمل إليك الآن ~~شهادة رسمية بانتقال حضرتك إلى رحمته تعالى منذ زمن. # قالت: ماذا تقول؟ # أجاب: أقول إن معي في هذه المحفظة شهادة بوفاتك، ثم شهادة ثانية بوفاة أخيك. # فقال روجر ولورانس معا: ما معنى هذا الكلام؟ # أما أنيبال ففهم كل شيء، ولجأ إلى الباب يحاول الانصراف خلسة، فأشار إليه السير دراك ~~وقال له: على رسلك يا مسيو بلميري ولا تعجل؛ فمن كان مثلك قدماه ما زالا في القبر لا يمشي ~~إلا وهو مستمهل. # فكاد يجن أنيبال رعبا وحيرة، وقال: قدماه في القبر! وقال الإنكليزي: نعم، فإنك ولدت ~~يوم 9 يونيو/حزيران سنة 1851، ومرضت يوم 22 يوليو/تموز سنة 1856 وفي يوم 23 منه كنت ~~مشرفا على التلف، فلما كان اليوم الرابع والعشرون منه قضيت نحبك وأنت في مقتبل الشباب، ~~وبعد بضع ساعات دفنوك لئلا تنتشر جراثيم الوباء من جثتك، ولكن للأسف أصيبت أختك ~~المنحوسة، وهي السيدة الحاضرة ها هنا بمثل دائك، وشاطرتك منتيك وا أسفاه، ودفنت ~~معك. ms88 # فامتقع لون أنيبال وقال: أنت مجنون. فأجابه: عفوا يا مختلس اسم المرحوم بلميري، وارفق ~~بنفسك. # فقالت كلوديا بوقاحة: وأين برهانك على ما تقول؟ هات البرهان. # أجابها: إليك البرهان! # وأطلع من جيبه رزمة أوراق زرقاء، وقال: هذه رسالة برقية وردت من كلكتا، ودفعت أجرتها ~~أكثر من خمسة آلاف فرنك لطولها، ولكني غير آسف على مالي، فهي نسخة «طبق الأصل» عن تذكرة ~~المسيو أنيبال بلميري وشقيقته الآنسة كلوديا بلميري، وهي تبرهن، أيتها السيدة العزيزة، ~~على أنك لست الكونتة دي موري، ولا الدوقة دي لوقا، ولا كلوديا بلميري، وأن زواجك الأول ~~كالثاني لا اعتبار له ولا اعتداد به، ولكنك في الحقيقة فتاة حسناء تفخر بها أزقة ~~نابولي، واسمك جرجونة، ولا تعجبا من سعة اطلاعي، فالأمر طبيعي؛ لما سمعت باسم بلميري ~~تذكرت أنني اهتممت فيما مضى بمن يدعى بهذا الاسم، ثم تذكرت أيضا أنني سجلت بعض ~~شهادات لأصحاب هذا الاسم أيام كنت قنصل إيطاليا في مدينة كلكتا، فبعثت برسالة برقية إلى ~~خلفي في المنصب، كما بعثت برسالة برقية إلى نابولي، فوافتني الإيضاحات التي تشرفت ~~بإطلاعكم عليها. # قال الكونت دي موري: إذن كنا ضحية احتيال هذين الماكرين. أجاب السير دراك: إن القانون ~~يتكفل بمعاقبتهما، وأنا ذاهب لكي ... # فقالت لورانس: إن هذه المرأة يا روجر دعيت باسم الكونتة دي موري، فدع هذا الاسم ينقذها ~~ولو دعيت به زورا. # قال: ولكن فكري في أنها هي التي حملتني على الارتياب بك. أجابت: لذلك أشفع لها عندك، ~~فلتبتعد عنا، غفر الله لها. # فقال السير دراك: لم أتعرض من قبل الآن لشئون الناس، ولو تعرضت لشئونك أيها الكونت ~~لأشرت عليك بمثل ما أشارت زوجتك الكونتة، وتأبط ساعد بيبو ليمنعه من الفرار، وقال: لكن ~~بيني وبين هذين الحبيبين حساب صغير. # قالت كلوديا: حساب صغير؟ أجاب: نعم، فإن المسيو أنيبال سيعيد ملايين المسيو ~~بلميري. # قال: أنا لا أعيدها أبدا. # فلم يحفل السير دراك بل قال أيضا: إلا إذا آثر دخول السجن المؤبد؛ لأن تلك الملايين ~~آئلة إلى الدولة، ولا بد من ردها ms89 إليها، وأما الآنسة جرجونة؛ فهذا عقد يجب أن توقع عليه ~~بتوقيعها حتى تتمكن من إبطال الزواجين اللذين عقدتهما زورا. # وللحال دفع العقد إلى جرجونة قائلا لها: وقعي عليه في الحال، وأعطاها قلما، ولكن قبل ~~أن توقع على العقد نظرت إلى الكونتة دي موري الحقيقية، فرأت روجر ممسكا بيدها وكأنه لم ~~يتزوج غيرها، فانثنت إلى السير دراك وقالت له: إذا وقعت على هذا العقد هل تدعني ~~أنصرف؟ # أجاب: ولكما عشرة آلاف فرنك لنفقة الطريق. # فكتبت اسمها هكذا: «جرجونة»، فقال لها الإنكليزي: أما من اسم آخر؟ # أجابت: لا، فهذا اسمي وقد عاد إلي، فلا أتأسف على ما خسرته. # وخرجت من المنزل، وفي ذلك المساء بعينه سافرت إلى إيطاليا مع أخيها، إلا أنهما كانا أوفر ~~غني منهما يوم قدما باريس، وهكذا رجعا إلى ما كانا عليه قبلا في إيطاليا. ~~••• # ولما انصرف الشقيان وسار معهما السير إيليا دراك لمحاسبتهما؛ نهض الكونت دي موري ودخل ~~بهوا آخر ... قد اجتمع فيه بعض الأصدقاء ليشهدوا حفلة الزواج، فدعاهم جميعا، فتبعوه، وكان ~~دهشهم عظيما حين رأوا لورانس متهللة الوجه متكئة على ساعده، وكان الأميرال في طليعتهم، ~~فقال: ما معنى هذا؟ فأجابه روجر: معناه أيها الأميرال وأيها السادة أنني سعيد بهذا ~~الاجتماع؛ لأنني أستدرك على نفسي خطأ فظيعا مضى. فهذه التي ترونها إلى جانبي وقد ~~اتهمتها وطردتها ظلما، هي من أشرف النساء وأفضلهن، فأنا أشهد لها بذلك، وأتهم نفسي ~~أمامكم بأنني ظلمتها وخامرني الشك في طهارتها، حملني على الشك وسفك الدم قوم سفلة أراذل ... ~~وبالغت في ذلك حتى دعوت باسمي مخلوقة شقية، وأحللتها محل هذه التي تستحق كل إجلال ~~وإكرام وإكبار، ولحسن الحظ كان ذلك الزواج الذي عقدته مفسوخا ... وسوف يصدر حكم بفسخه ~~بعد أيام ... إذن عدت حرا، والقانون الجديد يبيح للأزواج المطلقين أن يوصلوا زواجا ~~مفسوخا ويجددوا القران، فكونوا شهودا أيها السادة على تندمي لما فعلت قبلا، وعلى ~~احترامي وإجلالي لابنة الأميرال فيرمن دي لامارش، وأنا أتوسل إليها أن تسترد الاسم ~~والحقوق التي أخذتها منها خطأ. # وانثنى إلى ms90 لورانس وقد استهلت دموعها، فجثا أمامها وقال لها: هل تقبلين يا لورانس؟ هل ~~تأذنين لي بأن أكفر مدى العمر بالإخلاص والحب عن إساءتي إليك؟ # ففتحت له ساعديها. فقال الأميرال خافضا صوته: ولكن كيف تبرأت ابنتي؟ وأي برهان لديك ~~على براءتها؟ # فارتعدت لورانس ونظرت إلى أمها، ولكنها تجلدت وقالت: ما من برهان، وا أسفاه! ... فإن ~~شفقة زوجي برأتني، وقد عفا عني. # وهكذا حافظت على سر والدتها في هذه المرة أيضا. ~~••• # وبعد حين عاد الكونت دي موري إلى منصبه في بوندشيري تصحبه أسرته، وهناك عقد لجاستون دي ~~فاليير على الفتاة بوليت، وفي صباح اليوم المعين لحفلة الزواج أقبل رجل في لباس قنصل، فوقف ~~أمام بيت بوليت، فاهتزت فرحا ودهشا وصاحت: السير إيليا دراك! فأجابها: نعم. قالت: فكيف ~~قدمت؟ قال: ألم أعدك بأن أكون أحد شهود عرسك؟ قالت: هذا صحيح، ولكن ألا تمكث معنا أياما؟ ~~أجاب: لا. قالت: لماذا؟ أجاب: لأنني أمكث معكم دائما؛ وها أنا ذا قنصل إنكلترة في هذه ~~الديار. ~~••• # وكانت حفلة العرس جامعة أسباب السرور والحبور، وعاش القوم أهنأ عيش إلى أن أتاهم هادم ~~اللذات ومفرق الجماعات. ms91