######OpenITI# #META# URI: 1286NiqulaRizqAllah.ShuhadaTacassub.Hindawi91704704 #META# Tags: history :: novels #META# ID: 91704704 #META# Title: شهداء التعصب: رواية تاريخية وقعت أكثر حوادثها في فرنسا على عهد فرنسوا الثاني ملك فرنسا المتوفى سنة ١٥٦٠م #META# AuthorID: 26903941 #META# Author: نقولا رزق الله #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # أشخاص الرواية‏ # 1 - فندق حملة السلاح‏ # 2 - المؤامرات‏ # 3 - مكتبة لوم‏ # 4 - أحد أبطال هذه السيرة‏ # 5 - غرام وسياسة‏ # 6 - بلاط فرنسوا الثاني‏ # 7 - في أمبواز‏ # 8 - القتال‏ # 9 - جيز وكوندة‏ # 10 - موعد غرام يتحول إلى بعثة سياسية‏ # 11 - مجلس الملك‏ # 12 - كيف فاز أمير كوندة مرة ثانية على الدوق دي جيز‏ # 13 - ما وراء طبع الكتب المهيجة من الخطر‏ # 14 - ليلة جميلة‏ # 15 - صديق لجاليو‏ # 16 - في التصويرة التي نبهت فضول دي مزغونة‏ # 17 - العاشق الجديد‏ # 18 - مجلس الأعيان‏ # 19 - فرنسوا الثاني‏ # 20 - الملك في باريس‏ # 21 - كلام الملك‏ # 22 - الدوق والكردينال‏ # 23 - فراش ملك فرنسا عند احتضاره‏ # 24 - جثة فرنسوا الثاني‏ # 25 - سياسة الملكة الوالدة‏ # 26 - جاليو‏ # 27 - الدوق دي جيز والملكة كاترين‏ # 28 - أحد الشعانين‏ # 29 - الاستيلاء على روان‏ # 30 - إخلاص ترولوس‏ # 31 - خادم الدوق أو حاكم بايو‏ # 32 - طلق ناري أخير‏ # خلاصة‏ # أشخاص الرواية‏ # 1 - فندق حملة السلاح‏ # 2 - المؤامرات‏ # 3 - مكتبة لوم‏ # 4 - أحد أبطال هذه السيرة‏ # 5 - غرام وسياسة‏ # 6 - بلاط فرنسوا الثاني‏ # 7 - في أمبواز‏ # 8 - القتال‏ # 9 - جيز وكوندة‏ # 10 - موعد غرام يتحول إلى بعثة سياسية‏ # 11 - مجلس الملك‏ # 12 - كيف فاز أمير كوندة مرة ثانية على الدوق دي جيز‏ # 13 - ما وراء طبع الكتب المهيجة من الخطر‏ # 14 - ليلة جميلة‏ # 15 - صديق لجاليو‏ # 16 - في التصويرة التي نبهت فضول دي مزغونة‏ # 17 - العاشق الجديد‏ # 18 - مجلس الأعيان‏ # 19 - فرنسوا الثاني‏ # 20 - الملك في باريس‏ # 21 - كلام الملك‏ # 22 - الدوق والكردينال‏ # 23 - فراش ملك فرنسا عند احتضاره‏ # 24 - جثة فرنسوا الثاني‏ # 25 - سياسة الملكة الوالدة‏ # 26 - جاليو‏ # 27 - الدوق دي جيز والملكة كاترين‏ # 28 - أحد الشعانين‏ # 29 - الاستيلاء على روان‏ # 30 - إخلاص ترولوس‏ # 31 - خادم الدوق أو حاكم بايو‏ # 32 - طلق ناري أخير‏ # خلاصة‏ # | شهداء التعصب # | شهداء التعصب # | رواية تاريخية وقعت أكثر حوادثها في فرنسا على عهد فرنسوا الثاني ملك فرنسا المتوفى ~~سنة 1560م # تأليف # ميشيل زيفاكو # جمع وترجمة # نقولا رزق الله ms001 # إذا التعصب نادى القوم واجتمعوا # يوما وأيقظ فيهم نائم الفتن # أفنوا خيارهم قتلا وتهلكة # وصيروا الجهل فوق الدين والوطن # | أشخاص الرواية # فرنسوا الثاني: # ملك فرنسا، ولد في 1544 ومات 1560 (وهو بكر هنري الثاني وكاترين دي ~~مدسيس). # فرنسوا، دوق دي جيز: # أخو الكردينال دي لورين. # كردينال دي لورين: # وهو شارل دي جيز. # لويس دي بوربون: # أمير كوندة، وزعيم البروتستانت. # أنطوان دي بوربون: # أخو أمير كوندة. # حنة دالبرت # Jeanne d’Albret ~~: # ملكة النافار زوجة أنطوان دي بوربون وأم هنري الرابع المولود في ~~بو Pau ~~. # بارون دي باردليان: # من رجال الدوق دي جيز # Guises ~~. ~~(جود فروا) لارنودي # La Renaudie ~~: # زعيم مؤامرة بروتستانتية، قتل في سنة 1560. # لافيرة: # كاتب سر لارنودي. # ماري ستيوارت: # زوجة فرنسوا الثاني. # كاترين دي مدسيس: # والدة فرنسوا الثاني. # دوق دي مونموراتسي: # أكبر قواد فرنسا. # نيكول بوصه: # صاحب فندق حملة السلاح. # ديانا دي بواتيه # Diane de Poitier ~~: # دوقة فالنتينوا، حبيبة هنري الثاني. # أسقف بلدة شارتر # Chartres ~~. # فيكونت شارتر. # يعقوب لوم: # صاحب مكتبة في مدينة أورليان. # مادلين: # ابنة يعقوب لوم، بروتستانتية. # برنار أفنيل: # محام باريسي، بروتستانتي. # مرسلين: # زوجة برنار أفنيل، كاثوليكية. # جاليو دي نرساك: # كان طالبا في السربون. # برنابا مرفزان: # معلم ومن أساتذة السربون. # جان بلترو، دي ميرة: # بروتستانتي. # ترولوس دي مزغونة: # منقذ جاليو من باردليان. # الآنسة دي ليمول. # للمان دوزي: # سكرتير لكردينال دي لورين. # مسيو دي برسان: # حاكم سجن الباستيل. # دي جليس: # جاسوس الدوق دي جيز وأخيه الكردينال على أمير كوندة # Condé ~~. # بول دي رشيان. # اللورد تروكمارتو: # سفير إنكلترة. # الأميرال دي شاتيليون: # كاثوليكي. # دوق دي نافار: # حاكم بلدة أمبواز المحصنة، التي حصلت فيها مذبحة البروتستانت في 1560، ~~ثم معاهدة أمان في 1563، وهذه المذبحة سابقة المجزرة سان برتلماو في ~~1572. # مدام بورتو: # زوجة الرئيس الأول لنيابة نانت. # الفصل الأول # | فندق حملة السلاح # كان فندق حملة السلاح الواقع بجوار مدينة نانت، يملكه رجل يدعى «نيكول بوصه» يختلف ~~بأخلاقه عن سائر الرجال كما كان يختلف فندقه عن بقية الفنادق التي في مدينة نانت. # ونانت مدينة تبعد عن ms002 باريس ثلاثمائة كيلومتر إلى الجنوب الغربي منها، وقد يزيد سكانها ~~عن مائة وخمسة وعشرين ألفا. # وكانت في عهد هذه السيرة؛ أي في سنة 1560، مشهورة بزخارفها، وتوفر أسباب التأنق ~~فيها. # أما فندق «حملة السلاح» فهو بناء قديم ينتهي تاريخه إلى القرن الرابع عشر، وهو سميك ~~الجدران ضخم الأبواب المغطاة بالمسامير الغليظة، وكانت نوافذه مشبكة بقضبان الحديد ~~كنوافذ سجن أو قلعة منيعة أو حصن حصين. # وكان «نيكول بوصه» صاحب الفندق، مفاخرا به معتزا ولا اعتزاز ملك الفرنساويين بقصر ~~اللوفر. # وكان يقيم في الفندق قبله رجل دأبه المراباة؛ أي إعطاء ماله بالرباء الفاحش، يتعيش ~~بفضل ديونه. ثم باع الفندق إلى ماروك «بوصه» عم نيكول، وكان يلقب نفسه كذبا بالقائد ~~مع أنه لم يلبس لباس الجند قط حتى مات عام 1551. # فما عتم أن أبصر سكان تلك الناحية رجلا بادن الجسم طويل القامة أحمر الوجه والشعر، ~~زري اللباس، تلوح عليه أمارات الخبث والشر والفقر المدقع، لكن معه أوراق صحيحة تشهد ~~بنسبه إلى عمه، وتثبت حقه في وراثته، وكان هذا الرجل «نيكول» الذي لم تذرف عيناه دمعة ~~واحدة على ضريح ذلك الفقيد الذي ترك له كل ما ملكت يداه من دنياه. # واراه الثرى ولم ينبس بكلمة تقوم مقام تأبين للميت أو وداع للراحل، لكنه مضى إلى بيته؛ ~~أي إلى ذلك البيت الذي ورثه عن عمه الفقيد، فعمد إلى مخزن المئونة والقوت يتعهده بعناية ~~لا مزيد عليها، ويحقق النظر في محتوياته. # ووقعت يده على زجاجات عديدة ملأى بفاخر النبيذ وعتيق الخمر، كاسية بالغبار لتقادم ~~عهدها، شاهدة بأن الفقيد - المنتقل إلى رحمة ربه - كان من أشد المخلصين في خدمة «باخوس» ~~إله الخمر ورب المسكرات والسكر. # فافتض «نيكول» أختام بعض هاتيك الزجاجات، وذاقها مرارا وتكرارا ليعدل في الحكم لها ~~أو عليها، ويبدي رأيا صالحا في جودتها أو رداءتها، فتمشت الخمر في مفاصله، ودبت في ~~عظامه وأوصاله، ومما لا ريب فيه أن العم «ماروك» كان يفعل فعله، لو أتيح له أن يحل ~~محله، أو لا يموت قبله. # فقضى نيكول أياما ms003 ثمانية وهو شعبان ريان، نئوم، ممتلئ البدن لحما وشحما، طيب ~~العيش، متناس هموم دنياه ومتاعب حياته. إلا أنه بعد طول البحث وفرط التنقيب في كل مكان ~~من ذلك الفندق لم يجد سوى ريالات عشرة تسرب إليها الفناء بالإنفاق وصارعها البلى، ~~فالاضمحلال رويدا رويدا، وهكذا راحت سكرته وجاءت فكرته. # فكان أول ما فكر به هو أن يبيع البيت الموروث، لكنه ما لبث أن ذكر مبيته فيما مضى تحت ~~القبة الزرقاء، فأنفت نفسه عودا غير أحمد إلى ما كان فيه من الضنك والتشرد وسوء الحال، ~~فعقد نيته على حفظ الميراث والحرص على الفندق أو البيت. # وبعد ذلك بأسبوعين رفع فوق الباب عنوانا عليه هذه الكلمات: «فندق حملة السلاح». # فلم يتهافت عليه أحد من العملاء، ولم يقبل إليه أحد من القصاد؛ إذ يستحيل أن يزهد ~~المسافرون من التجار أو المسافرات من الغيد الحسان في فنادق مدينة نانت، وهي الفخيمة ~~الأنيقة الزاهية الزاهرة، ويبادروا إلى فندق «حملة السلاح» وموضعه من البلد أقصى ضواحيها ~~على ضفاف نهر اللوار. # إلا أنه لم يطل الزمن حتى نشأت لذلك الفندق البعيد مكانة عند العاشقين ورجال الجندية. ~~يؤمه الأولون هربا من أعين الرقباء والحساد، ويقصده الآخرون لأنه أفضل مكان للمبارزات ~~الخفية والمشاجرات. # ولم يكن عدد أولئك القصاد كثيرا، إلا أنهم على قلتهم كانوا يدفعون الأجرة الكبيرة ~~ولا يساومون. # فلما كان مساء اليوم الثامن من شهر فبراير (شباط) سنة 1560 ونيكول يتأهب لإغلاق أبواب ~~فندقه، متذمرا من سوء حالته وقلة توفيقه، شاكيا حرمانه منذ أسبوعين، طرق سمعه وقع ~~حوافر جواد، وما لبث أن رأى فارسا طويل القامة قد وقف ببابه وصاح: ألا يوجد أحد في هذا ~~المكان؟ # فلم يجب نيكول، بل بقي واقفا وراء الباب يحقق النظر إلى القادم، وتلك كانت عادته؛ أي ~~إنه لا يفتح الباب لأحد إلا بعد أن يرقب حركاته وسكناته. # ولعله سر بذلك الفحص والتأمل؛ لأنه فتح الباب ورفع قبعته مسلما وقال للفارس: أرجو ~~عفوا من مولاي، وعذرا عن تأخري، فقد كنت مشغولا عنه في بستاني. ms004 # قال: ويك، خذ فرسي وأعد لي عشاء. # قال: هل يأكل مولاي؟ # أجاب: نعم. ما توافيني به. # قال: هل يقيم مولاي زمنا طويلا في مدينة نانت؟ # أجاب: ذلك لا يعنيك. # قال: عندنا في هذه النواحي آثار جميلة جليلة. # قال: صه يا مهذار واعتن بجوادي! وتعال فالحق بي إلى القاعة الكبرى، فلي كلام ~~معك. # وكان الرجل الغريب يتكلم بلهجة لا تدع مجالا للجدال. فاقتاد نيكول الجواد إلى الإصطبل ~~ولاحظه فإذا هو جواد كريم الأصل، سرجه موشى بالذهب، فقال في نفسه: لا جرم أن الرجل ~~سيد عظيم، سيد عظيم أتى إلى فندقي! إذن فله شأن سياسي أو غرامي، ولكن ما لي وهذا ~~أو ذاك؛ إذ لا يهمني من أمره إلا أن يكون كيس نقوده ضخما! # ولما عاد إلى فندقه قال للمسافر: أي حاجة لمولاي؟ # قال: أعندك خادم في بيتك؟ # أجاب: بل عندي اثنان أيها المولى. # قال: هما شيخان أو فتيان؟ # أجاب: أحدهما شيخ، والآخر فتى. # قال: إليك ريالا لكل منهما. فدع الشيخ يمضي ويشرب، والفتى يعدو للقاء عشيقته، فلست ~~بحاجة إلى أحد سواك ها هنا. # فصدع نيكول بأمر الضيف، ثم عاد إليه، فوجده جالسا إلى النار، وقد أشرق منها الضوء على ~~وجهه فبان كأنه في الأربعين من عمره، حديد البصر، طويل الشاربين، أقنى الأنف، قوي ~~البنية، إلا أن أمارات الكآبة بادية عليه. فلما رفع بصره إلى نيكول وقف هذا متهيبا، ~~وقال: إن خادمي قد ذهبا، وأقفلت الباب، ولم يبق هنا أحد إلا أنا وأنت يا ~~سيدي. # وبعد هنيهة قال الرجل المجهول: أأنت من يدعى نيكول بوصه؟ # أجاب: نعم، أنا نيكول بوصه دون غيري من الناس، أنا هو بعينه، صاحب فندق حملة السلاح، ~~وخادمك المطيع. # قال: أنت ابن أخي ماروك؟ # أجاب: نعم كان ماروك عمي، فوا حسرتى عليه. # قال: أما وقد تحققت أن اسمك نيكول، فهلا علمت أنك تستوجب الشنق؟ # فارتجفت ساقا نيكول وقال: يا رباه! أنا أستوجب الشنق؟ ولماذا؟ # قال: ألم يقتل هنا «المسيو دلاشسناي» في مبارزة منذ شهرين؟ # أجاب: لقد كانت والله ms005 مشاجرة لا مبارزة. مشاجرة صغيرة يا مولاي! # قال: ألا تأتي إلى هنا «مدام بورتو» زوجة الرئيس الأول لنيابة نانت؟ # أجاب: نعم، وتأتي أيضا سيدات كثيرات إلى هنا. # قال: أليس هذا المكان الذي يستقبل فيه «اللورد تروكمارتو» سفير إنكلترة جواسيسه ~~وأرصاده؟ # فلم يحر نيكول جوابا إلا أنه تصاغر واستكان. # فقال الرجل الغريب: لقد علمت يا مسيو نيكول أنني مطلع على شئونك. فلو أنبأت بها نائب ~~الملك لتيسر لي أن أطوق عنقك وأصفد يديك، إلا أنني لست من أهل الشر، فنم مطمئن ~~القلب، وإنما تذكر في هذه الليلة عندما يمتد ستر الظلام أن فندقك هذا يكون لي أنا دون ~~سواي. # قال: وإذا أتاه مسافرون فماذا أصنع؟ # أجاب: سوف يأتيه مسافرون فتأذن بدخول كل من علقت بقبضة حسامه شريطة سوداء من ~~الحرير. # قال: وماذا أفعل إذا جاء غير هؤلاء؟ # أجاب: تمتنع عن قبولهم، وتقول لهم أن ليس في فندقك مكان خال لهم. # قال: لن أفارق بابي أيها المولى. # قال: والآن أرشدني إلى غرفتي، وهات لي عشائي. # فأنزل نيكول الرجل الغريب في أحسن غرفه، وطلب إليه أن يلاحظ متانة الأقفال والنوافذ ~~وسمك الجدران، ثم هيأ له عشاء فاخرا، واستأذن منه بعد أن أكد له إخلاصه. وهنا لا ~~يتوهم القارئ أن نيكول أوى إلى مضجعه؛ لأنه مضى إلى مطبخه وقعد يعاقر الراح ويأكل طعامه ~~وهو يقول: قاتل الله جوزيف اللعين - وجوزيف اسم الطباخ الذي يشتغل في مطبخه - فإنه أهمل ~~قدر الطعام حتى نضج أكثر مما ينبغي له، وهذا الضيف الذي نزل بي الليلة راغب في الانفراد ~~منتظر بعض أصدقاء له، يود الانفراد بهم والتحدث معهم، فهو لا يمكن أن يكون من أصدقاء ~~الملك، ثم إن هذا الشيطان يعرف عني أشياء؛ يتهمني بوقوع حوادث قتل في فندقي، ولكن هل ~~يكون الذنب في ذلك ذنبي أنا؟ أليس عنوان المحل فندق حملة السلاح؟! ورجال الحرب لا يكونون ~~عادة من الملائكة المحبين للسلام، ولا أنكر أن قصة سفير إنكلترة وجواسيسه قد تسوء ~~«المسيو دي جيز» إذا اطلع عليها، وأخشى ms006 أن يحمله حب الانتقام على شنقي. # ونظر نيكول إلى سقف مطبخه، وقد علق فيه لحما مقددا بحبال ثخينة تهتز في الفضاء، ~~فقال: إني أفضل رؤية هذا اللحم المقدد يتأرجح فوق رأسي على أن أهتز أنا في أعلى مشنقة، ~~ولسوف أطلب إلى اللورد تروكمارتو سفير إنكلترة عندما يأتي إلى هنا أن يبتعد، إلا إذا كان ~~كيسه منتفخا جدا. # وما زال نيكول يسأل نفسه ويشاورها حتى انتهى به التأمل إلى هذه النتيجة، قال: إن الضيف ~~الذي نزل عندي يعرف أخباري كما أني أجهل أخباره، فهو أقوى مني. فيجب علي أن أستطلع ~~شئونه لأساويه في قوته. # وصعد الدرج مستمهلا حتى وقف أمام باب غرفة الرجل، عازما على معرفة ما يكون منه، ~~وكانت ثقوب أبواب الغرف كلها واسعة، فأبصره نيكول جالسا على كرسي من خشب السنديان ~~يطالع كتابا مجلدا بقطيفة سوداء، وتمكن نيكول من أن يقرأ على القطيفة هاتين الكلمتين: ~~التوراة المقدسة. # فلما انتهى الرجل من القراءة أخذ يتمشى في الغرفة، ثم حل الحبل عن هميانه، وتناول منه ~~شيئا عرف نيكول أنه إطار (برواز) لتصويرة رجل، فتفرس فيها فرآها مشابهة لضيفه، إلا أن ~~المصور فيها أشقر الشعر وضيفه أسوده، فجعل الرجل التصويرة على خوان، وسمعه نيكول يقول: ~~وا حسرتاه عليك يا جسبار! ولكن قر عينا وأنت في ضريحك، فسوف أنتقم لك! # ونظر الرجل الغريب إلى تلك التصويرة مليا، ثم أخذ يتمشى في الغرفة وهو يظن نفسه ~~منفردا، فكان يتكلم بصوت مرتفع، ويقول: لقد تجرأتما يا مسيو دي جيز، ويا أمير لورين ~~على مهاجمة أشراف الفرنساويين، كان لي عديل أحبه كما يحب الوالد ابنه، وكنا تزوجنا ~~شقيقتين، ولا قرابة بيننا غير تلك، إلا أننا متشابهان خلقا كأننا أخوان، فلم تكتفيا ~~بقتله، بل عذبه الملازم «ميشال فيلار» بأمركما، فأزهق روحه وهو يعاني عذاب الاستنطاق، ~~وقد آن وقتي يا فرنسوا دي جيز، كنت أتردد في قبول ما يقدمه إلي الأمير، أما الآن فإن ~~البغضاء تحول دون ترددي، ولا ينقضي شهر واحد حتى أكون قد انتقمت لحبيبي جسبار، ms007 وأنقذت ~~الملك وفرنسا من هذه السلالة اللعينة، سلالة جيز. # ولم يفهم صاحب الفندق معنى ذلك الكلام تماما، إلا أنه ارتعدت فرائصه؛ لأن ما سمعه دله ~~على أن ضيفه عدو للدوق دي جيز، وما من أحد في ذلك العهد إلا وهو يرهب فرنسوا دوق دي جيز، ~~وزير الملك الشاب، بل المتسلط على فرنسا أكثر من الملك فرنسوا الثاني، ومن امرأته ماري ~~ستوارت، أو من والدته الملكة كاترين دي مدسيس، ولم يكن من أحد إلا وهو يخشى سطوة ذلك ~~الدوق إلا إذا كان متصفا ببسالة نادرة. # أما فرنسوا الثاني، وهو الذي جرت على عهده حوادث هذه السيرة، فهو بكر أنجال الملك هنري ~~الثاني وكاترين دي مدسيس، ولد سنة 1544 وتوفي سنة 1560، وتزوج بماري ستوارت سنة 1558، ~~وتبوأ عرش فرنسا سنة 1559، وجده «فرنسوا الأول» الوارد خبره في الرواية الموسومة ~~«بدار العجائب»، وفي الرواية التالية المسماة باسمه. # الفصل الثاني # | المؤامرات # لم يقع في اليوم التالي حادث من شأنه أن يؤثر في نيكول بوصه صاحب فندق حملة السلاح. فإن ~~الرجل الغريب بقي في غرفته، وتناول الخادمان ريالين جديدين منه، واسترسل نيكول في ~~تأملاته. # لكنه لما أمسى المساء أخذ يتمشى أمام فندقه، فأبصر رجلين غريبين على غمدي سيفيهما شريطة ~~سوداء من حرير فاستقبلهما، وقال: نزل أمس عندي ضيف لا شك في أنه من أصدقائكما. # فقالا معا: هل أتى؟ # أجاب: نعم، وهو رجل غريب الخلق، إذ قدمت إليه أجود خمرة عندي فلم ينطق بكلمة شكر. # وإذا بقائل يقول: اذهب يا نيكول إلى نهر اللوار، وانظر إذا كان قد تحول عن مجراه، ثم عد ~~فأخبرني. # فانثنى نيكول فأبصر الرجل الغريب، وقال: إن نهر اللوار لا يتحول عن مجراه، وإذا تركت ~~الفندق فمن يستقبل صديقيك؟ # فأجابه: أنا أستقبلهما. # فأدرك نيكول ألا فائدة من الجدال، وقصد إلى البرية وهو يلعن سوء خلق الرجل الغريب، ~~فقد طرده وقتما كان يأمل أن يسمع أشياء مهمة، وهو يحب سماع مثل تلك الأشياء حبا جما، ~~ولا يعد استطلاعه فضولا، بل رغبة في الوقوف على أحوال ms008 بلاده، وهو أوضع منزلة من أن ~~يعد نفسه من أهل السياسة والمؤامرات والتحزب على الحكومة والأحكام، إلا أنه يحب ~~المتحزبين والمتآمرين كما يميل آخرون إلى الموسيقى. وطالما دارت المفاوضات السرية في ~~فندقه وشهدها أو سمعها بفضل شقوق الأبواب وحدة أذنيه. # كانت المنافسة والمقاتلة دائرة رحاها في ذلك الزمن بين طائفتين هما الكاثوليك ~~والبروتستانت، ونيكول لم يكن ينتمي إلى طائفة منهما إلا حسبما تقضي أحوال الجمعيات، وبين ~~كبار الناس، ومن كان مثله فهو لا يلام على تذبذبه، وفيما كان يبتعد عن الفندق سمع أحد ~~الرجلين يقول للرجل الذي جاء أولا: أنحن هنا في موضع آمن؟ # فأجابه: نعم؛ لأن صاحب الفندق مغفل يخشي المشنقة إذا أخبر بوجودنا هنا، فلا خوف من ~~هذا القبيل. أما العسس فلا يتجرءون على الخروج من مدينة نانت. وإذا أفلح أصدقاؤنا في ~~الخروج منها دون أن يبصرهم أحد أمكننا التفاوض ونحن مطمئنون. # وقال أحدهم: إني أرجو ذلك يا مولاي، ولكن ... # قال: تكلم! أي شيء تخافه يا «لافين»؟ # قال: أخشى أن يكون بين الحضور أحد الخائنين. # قال: ما هذا الكلام؟! # أجاب: لسوء الحظ أننا لسنا جميعا بروتستانتيين؛ لأن بعض المعاهدين كاثوليكيون، وهم لم ~~يدخلوا المؤامرات إلا لشدة كرههم للدوق دي جيز. # قال: إن كرههم للدوق دي جيز خير ضامن لأمانتهم ووفائهم لنا. # وكان المتكلم بهذا الكلام رجلا قصير القامة، أسمر اللون، مظلم الوجه، لامع ~~البصر. # وتكلم الرجل الذي دعاه «لافين» بمولاي، قال: إني واثق من كرهك للدوق دي جيز؛ ولذلك ضربت ~~صفحا عما فرط منك في الماضي مما لا يليق برجل شريف أن يفعله يا «بلترو». # فقال المدعو بلترو بلهجة كآبة: أنت ناكر الجميل يا مولاي لارنودي، بل أنت شبيه بسائر ~~الناس في ذلك. فهل أذكرك بما جرى لك في حصار متس يوم كدت تقتل لولاي؟ وهل تلومني ~~لأنني قمت بالواجب المفروض علي إذ تجسست أخبار الأعداء لمصلحة الملك؟ # فأجابه لارنودي بعظمة، قال: لم أنس شيئا، ولكن إذا شئت مني نسيان جاسوسيتك الماضية ~~فسر منذ اليوم سيرة جندي لا ms009 جاسوس. والآن فلنتأهب لملاقاة أصدقائنا. # وبعد هنيهة أقبل آخرون إلى الفندق فأدخلهم لافين، وكانوا يتجهون إلى لارنودي، ويتلفظون ~~بهاتين الكلمتين وهما «مع الملك» فيجيبهم لارنودي بقوله: «على أمراء لورين»، حتى بلغ عدد ~~القادمين ستة عشر، كل منهم ينوب عن ولاية من ولايات فرنسا. فلما تم عددهم جميعا أمر ~~لارنودي أن يتكلم أصغر الحضور سنا. فنهض أحدهم وقال: أظنني أصغركم سنا، فأنا أطلب ~~إقامة العدل بالنيابة عن طائفة الكلفينيين، واسمي بول دي رشيان من أشراف موفان. # فظهر الاستحسان على الحضور، وقال لارنودي مع معرفته للرجل: ما هي شكواك؟ # أجاب: كان لي أخ فرنساوي من كرام الفرنساويين وشرفائهم، قتله الكردينال دي لورين إذ سلط ~~عليه ثلاثة آلاف غلام، وقد مزق بدن أخي، وسحبت أحشاؤه على أرض الشوارع، وطرح فؤاده ~~للكلاب، وضرب الجمهور تلك الحيوانات التي أبت أكله. فأنا أطلب موت الكردينال دي ~~لورين! # قال: كم جنديا لديك؟ # أجاب: عندي ألفا رجل كلهم متأهب لسحق الكاثوليكيين المقيمين في بروفانس يوم إعلان ~~الثورة والانقلاب. # ونهض بعد بول دي رشيان هذا شريف آخر اسمه مونبرون، فآخر اسمه ماليني، فشرحا حالة ~~الشاكين في البلاد وفي مدينة ليون، ووعد كل منهما بأن يقدم خمسمائة مقاتل أو ألفا. ثم ~~أخذ كل موفد من كل ولاية يتكلم عن حالة الشعب مفصلا أسباب البغضاء التي يضمرها للدوق دي ~~جيز البروتستانتيون والكاثوليكيون من أهل ولايته. # ثم نهض لارنودي، وقال: مهما يكن من تباين أسباب كرهكم فأنتم جميعا أعداء للدوق دي ~~جيز؟ # فأجابوه جميعا بقولهم: نعم! # قال: إن آل جيز قد استخدموا نفوذهم الأول على الملك المتوفى هنري الثاني ليزوج ابنة ~~أخيهم ماري ملكة إيكوسيا بالملك فرنسوا الثاني، وهم بفضل رابطة هذا النسب قد أحاطوا ~~بالملك، وصاروا حاكمين باسمه. # فقال الحضور: هذا صحيح! # قال لارنودي أيضا: ثم إن الكردينال دي لورين قبض على مالية البلاد، ثم أخذت رئاسة ~~الجيش من «الدوق دي مونمورانسي» وسلمت إلى الدوق دي جيز، واضطر ملك النافار إلى ~~الابتعاد عن البلاط، وأصبح الخطر محيقا بأمير دي كوندة، واستفحل ms010 اضطهاد البروتستانتيين، ~~حتى باتوا لا يأمنون على أرواحهم إذا سمعوا العظات الدينية، وحدث في العام الماضي أن ~~عضوا من النواب، هو مستشار «بورج» قد صدر عليه حكم بالموت، لا لسبب غير أمياله ~~المذهبية، فقامت أوروبا واحتجت على الحكم، إلا أن ذلك المستشار أعدم. وها قد صودرت ~~أملاك المصلحين وبيعت بنصف ثمنها إلى الوشاة والجواسيس، ولا ينقضي زمن قصير حتى تنتشر ~~أحكام النفي في جميع فرنسا، فإذا لم نصد تيار البغي الذي يهددنا الآن. # فنهض «بلترو» وقطع كلام الخطيب قائلا: ذلك ليس بغيا، وإنما هو ملكية جديدة تتهيأ ~~أسبابها! فأنتم لا تعرفون «فرنسوا دي جيز» حق المعرفة. إن الفرنساويين كيفما كانت ~~أميالهم المذهبية يجلون الملك ويحترمونه غير مكترثين لضعفه وصغر سنه. أما آل «جيز» ~~فليسوا بفرنساويين، وليست فرنسا في نظرهم إلا بلدا قد افتتحوها، وما الملك بين أيديهم ~~إلا ألعوبة يلعبون بها. أما إذا انقلبت هذه الألعوبة إلى آلة تحول دون مطامعهم فهم ~~يلاشونها ويصيرونها عدما. # وفيما كان بلترو يتكلم، زال ما كان قد خامر نفوس السامعين من ريب، وكانت عينا بلترو ~~تلمعان، وكأنه ينطق عن وحي وإلهام، وتولى الحضور ارتياع حقيقي عندما شهر بلترو خنجره، ~~وقال: لنقسم جميعا على قتل الدوق دي جيز إذا التقى أينا به! # فأجابه الحضور: إننا نقسم. # فقال لارنودي إذ ذاك - وقد ارتاح إلى ما سمع من بلترو الجاسوس القديم: اعلموا أيها ~~السادة أن الخطر جسيم، ولا بد لنا من تلافيه قبل استفحاله. وقال بول دي رشيان: من ~~نصيرنا في البلاط؟ # فأجابه لارنودي: نصيرنا رجل عظيم يساوي الدوق دي جيز رفعة شأن. أمير لا أستطيع ذكر ~~اسمه، ولكنكم تعرفونه جميعا. # قال: لعله ملك النافار؟ # فأجاب لارنودي: ليس لملك النافار إرادة. # قال: إن زوجته ذات إرادة كافية. # أجاب: نعم، إن زوجته «حنة دالبر» امرأة نبيلة، وإنما تحتاج أعمالنا إلى زعيم قدير ~~غير بعيد عن عرش فرنسا. # قال: إذن فمن الزعيم؟ # أجاب: قلت لكم إنني لا أستطيع أن أسميه، غير أن اسمه على كل الشفاه، فتلفظ الحضور باسم ms011 ~~«أمير كوندة» بصوت منخفض. # فقال لارنودي: لقد بعث إلي ذلك الزعيم الذي أشرت إليه بالإيضاحات اللازمة مع «المسيو ~~دي ميرة» فهو يروم أن تكون ظواهر أعمالنا موسومة بالصدق. والبلاط الآن في نواحي بلوا. ~~أما جنودنا فلا بد من اجتماعهم في طوران في أوائل شهر مارس، وإذ ذاك نهاجم البلاط، ونقدم ~~إلى الملك عرضا، نسأله فيه طرد الدوق دي جيز وأخيه الكردينال دي لورين، فيأبى آل جيز ~~السفر، ويومئذ نقبض عليهم، وننقذ الملك وزوجته ووالدته من أسر هذه الأسرة. # ولو تمكن لارنودي عندئذ من أن يخترق ببصره ظلام الليل لأبصر رأس «نيكول بوصه» مطلا ~~من كوة للفندق. فإنه ذهب إلى ضفاف اللوار كما أمر؛ ليتحقق أن ذلك النهر لم يتحول عن ~~مجراه، ثم رجع إلى فندقه فدخله من باب سري محجوب بالأدغال في بستانه حتى وصل إلى ~~سنديانة وراء مطبخه، فتسلقها وقعد على أحد أغصانها الضخمة فسمع كل ما قيل في ذلك ~~المجتمع، وشهد تلك المؤامرة التي كانت أساسا للحرب المدنية التي قامت في القرن السادس ~~عشر، وامتزجت فيها السياسة بالدين. # وشعر نيكول بفؤاده يخفق شديدا من حنقه على الدوق دي جيز بعدما سمع ما سمعه لتدبير تلك ~~المؤامرة التي لو كانت لأشياع الدوق دي جيز لتشيع للارنودي والبروتستانتيين، لكنه استرسل ~~وقتئذ في أمياله الطبيعية، وجعل يسأل نفسه: كيف يستطيع صبرا مدة شهر حتى يرى ~~النتيجة؟ # وكان لارنودي قد شهر سيفه، وصاح بالحضور: بغيتنا الانتقام! فليمت آل جيز! فليمت ~~الغرباء! # وجعل الحضور يصرخون: «ليمت فرنسوا دي جيز! فليمت الكردينال دي لورين!» # وقال لارنودي: احضروا جميعكم بعد شهر إلى طوران. # فأجابوه على الفور: سنكون فيها. # ثم قال: بعد شهر تأتي ساعة الانتقام! # وإذ ذاك رأى نيكول المتآمرين يرحلون عن الفندق ~~بحذر، فركب بعضهم الأفراس، وسار بعضهم مشيا على الأقدام إلى شمال مدينة نانت. ثم لم ~~يبق في الفندق إلا لارنودي وبلترو ولافين. ففكر نيكول وقتئذ في الظهور لهم بعد احتجابه. ~~فنزل عن السنديانة، ولقي أضيافه فقال لهم بلهجة السذاجة: لقد تحققت أيها ms012 السادة أن نهر ~~اللوار لا يزال. # فقال له لارنودي: اذهب وأعد جوادي للرحيل؛ لأني مسافر بعد ساعة. # وأحضر نيكول الجواد، ثم صعد فأنبأ ضيفه بأنه صدع بأمره، وخرج الثلاثة من الفندق بعد أن ~~ربط لارنودي هميانه بعنق الجواد، وقال لبلترو: أتسافر إلى باريس؟ # أجاب: كلا، وإنما إلى أورليان. # قال: هل أخبرك الأمير عن المكان الذي ينتظرني فيه؟ # أجاب: إن الأمير يكون في باريس بعد خمسة عشر يوما عند باب «القديس أنطوان» ساعة ~~الغسق. # فأطرق لارنودي هنيهة، ثم قال: لقد أسأت استقبالك في هذا المساء يا مسيو بلترو، ولم أكن ~~أعرفك بعد، فأطلب منك صفحا، وهات يدك! قال: إليك يدي! قال: لا بد من أسباب خطيرة ~~تحملك على كره الدوق دي جيز. # أجابه: إنه عدو بلادي ومذهبي الديني، فأنا لذلك أكرهه. # قال: أما من سبب شخصي يحملك على كرهه؟ # أجاب: لا. # قال: وما رأيك فيما لو كان الدوق دي جيز سببا في مقتل واحد من أقربائك أو امرأة حبيبة ~~إليك؟ # أجاب: إذن لكنت أقسم على أنه لا ينجو من يدي. # قال: أصغ إلي يا مسيو بلترو. إني أجهل ما خبأته لي الأقدار، ولكن إذا فاجأني الموت ~~فهل تنتقم لي كما لو كنت قريبك، وهل تقسم لي على ذلك؟ # فنظر بلترو إلى لارنودي مليا، ثم أجابه: أقسم لك؛ لأنك أول شريف من البلاط رضي بأن ~~يرى أني غير جاسوس. # ثم افترق الثلاثة فسلك بلترو طريق إنجر وسار لارنودي مع لافين، وكان هذا كاتم سره، في ~~طريق مانس بعد أن ألقى إلى نيكول بكيس مملوء ذهبا، وقال له: إذا حدثت أحدا بما رأيت ~~الليلة فاذكر كلامي أنني أكون وسيلة إلى شنقك. # فأجابه نيكول بأنه من أهل الكتمان، وأخذ يعد الدنانير ويدسها في جيبه، وقبل أن ينام ~~في تلك الليلة طفق يحدث نفسه، ويقول: لا جرم أن النار ستضطرم في باريس، وما إخال الدوق ~~دي جيز المسكين إلا مشرفا على العطب؛ لأن هؤلاء المتآمرين أشراف قادرون، ورجال لا ~~يشربون خمرا، ومع ذلك فقد دفعوا ms013 إلي ذهبا كثيرا أجرة ليلة صرفوها في فندقي، وجميعهم ~~ميممون باريس مقيمون فيها. # وهنا توقف نيكول لحظة، وكأنما خطر له خاطر مفاجئ، فقال: لو أن عمي ماروك ترك لي بيتا ~~في باريس بدلا من هذا الفندق الحقير الذي غادره في نانت، إذن لكنت ... # إلا أنه لم يتم جملته، بل قال: ماذا الذي يمنعني من الرحيل إلى باريس؟ أبيع فندقي هذا ~~وأسافر إليها. # الفصل الثالث # | مكتبة لوم # كان «مخزن يعقوب لوم» عبارة عن مكتبة كبيرة عامرة بالمؤلفات الشعرية والفلسفية ~~والأدبية، يتردد إليها رجال البلاط، فيطلبون منها مؤلفات كليمان ماروت ورونزار في ~~الموسيقى، ومؤلفات رابليه وإتيان دولي في الفلسفة، وغيرها من الكتب التي كانت متداولة ~~في ذلك العهد، والمكتبة ليست بعيدة عن الكنيسة الكبرى، لها باب فخم، وقد نضدت في إحدى ~~شرفاتها الكتب النفيسة تنضيدا محكما يرى منه المارة أسماءها على جلودها. # ومن حسن حظ يعقوب هذا أن كاترين دي مدسيس، الملكة الوالدة، كانت تحب الشعر والشعراء، ~~وأن بلاط الملك كان حافلا بالأدباء؛ ولذلك أثرى يعقوب وجمع مالا كثيرا، وكان رجال ~~البلاط يعاملونه غير معاملة التجار؛ لأنه من أهل العلم، ويكرمونه إكرامهم لكل شاعر وكاتب ~~في ذلك الزمن، وصدق فيهم قول من قال: «إن الناس على دين ملوكهم.» # إلا أن ألسنة الأشرار تناولت الكتبي المسكين، فزعموا أن لجمال ابنته مادلين يدا في ~~ثروته، وقال أحد الوعاظ إن يعقوب لوم إنما اغتنى؛ لأنه الكتبي الوحيد الذي رضي بأن يبيع ~~نسخا من التوراة لأهل المذهب البروتستانتي. ومما لا ريب فيه أن حانوت يعقوب كان حاويا ~~كتبا كثيرة، وأن ابنته كانت كذلك ذات حسن باهر. # وبعد انقضاء ثلاثة أيام على الحوادث التي جرت في فندق حملة السلاح كان يعقوب لوم جالسا ~~إلى مكتبه ينظر في مسودات طبعة جديدة لديوان الشاعر بونسار (المتوفى سنة 1585) فسمع ~~وقع حوافر جواد، فرفع رأسه وأبصر مسافرا يترجل عن فرسه أمام باب الحانوت، ويقول له: ~~حياك الله يا لوم! # فصاح يعقوب لوم طربا: أهلا وسهلا بك يا بلترو! # وبلترو هذا من ms014 الذين كانوا في فندق حملة السلاح، كما مر بك. # وتصافح الرجلان، ولبثا صامتين، وكل منهما لذ له التأمل في وجه صديقه، وكان بلترو يحب ~~يعقوب لوم، وقد اقتنى قبلا من مكتبته تلك الكتب التي تبحث في أحوال مذهبه الجديد، وكان ~~يعرف في يعقوب إخلاصا للمذهب البروتستانتي، وأنه لا يذهب لحضور الصلاة عند الكاثوليك ~~إلا ليستميل إليه أبناء المذهب الكاثوليكي، وقد رآه ينصت إلى وعظ البروتستانتيين، ويبدي ~~غيرة حقيقية شهد له بها أهل مذهبهم، وفضلا عن ذلك فإن جان بلترو هذا كان يحمر وجهه ~~كلما نظرت إليه مادلين لوم بعينيها الزرقاوين. فهو لا يمر بأورليان إلا وينزل ضيفا على ~~الكتبي، وطالما جاءه بكتب من تخوم البلاد الفرنساوية عملا بأمر أمير كوندة أو دي ~~كوليني، وهي كتب كلها طعن على الدوق دي جيز، وبعد أن طال الصمت قال يعقوب لوم: هل حدث كل ~~ما كنا نأمل؟ # فأجابه: نعم. ~~- أي موعد موعدكم؟ ~~- أوائل شهر مارس (آذار). ~~- من تسلم القيادة؟ ~~- لارنودي. ~~- هل كان الأمير في جملة الحضور؟ ~~- كأنه كان، ولكنه لم يظهر للناس. ~~- ماذا يكون إذا تم النجاح؟ ~~- سيتم النجاح بلا شك. ~~- وماذا يفعلون بآل جيز؟ ~~- وهل من وسيلة غير قتلهم؟ ~~- إن قتل إنسان أمر فظيع. ~~- نعم إلا إذا كان عدوا مضرا. ~~- سوف يثور الشعب في باريس. ~~- لذلك يجب إخبار الشعب وإثارته على آل جيز. ~~- ذلك أمر عسير. ~~- لا ينبغي أن توجد صعوبات عندما يراد تعضيد الديانة الحقيقية. على أن الأمير يثق بك ~~ويعتمد عليك. ~~- فماذا أفعل؟ ~~- عليك أن تطبع من هذا الكتاب بضعة آلاف نسخة. وأخرج من صدرته كتابا مخطوطا، وسلمه ~~إلى يعقوب، فقرأ في أوله هذه الكلمة «النمر». # فقال: يوجد نمران لا نمر واحد، وكل منهما سفاح فتاك؛ لأنني أظن المراد بكلمة النمر ~~أسرة لورين. # أجاب: نعم. # ونظر نظرة في الكتاب، وقال: أأنت واضعه؟ # أجاب: نعم، أنا وضعته بأمر الأمير. # قال: إذن سوف أنشره. # فأجابه بلترو: أشكرك بالنيابة عن ديانتنا المقدسة. # وإذ ذاك فتح باب في داخل الحانوت، وظهرت فتاة أقبلت على ms015 أبيها يعقوب فقبلته، ثم انثنت ~~إلى بلترو فحيته دون أن ترفع بصرها إليه. فحياها بقوله: سلام على مادلين البديعة ~~الجمال! # فقالت: أنت يا دي ميرة لا تفتأ تتملق وتطري. # أجاب: كلا أيتها الآنسة، وأنت تعلمين أن يوما أراك فيه لهو عندي من أيام ~~السعادة. # وكأن مادلين لم تسمع كلماته، ولا ندري هل ساءتها تلك المباسطة أم كانت تود أن تسمع ~~مثلها من غير ذلك الرجل؟ وكانت مادلين معتدلة القامة، نجلاء العينين، لابسة ثوبا أبيض ~~يظهر اندماج أعضائها، وحسن تركيب بدنها الغض، وكانت جميلة المنظر لطيفة الحركة، ما رآها ~~بلترو مرة إلا ظل كالأبكم أمامها غير متجرئ على مطارحتها الحب خوفا من أن يلقى ~~صدا ونفورا، فيفقد آماله وأوهامه السارة. # وصرف بلترو نهاره وقد طابت له فيه محادثة يعقوب لوم عند خلو الحانوت من العملاء، كما ~~لذ له النظر إلى مادلين عندما تكون أمامه. فلما كان المساء قال الرجل لضيفه - وقد جلسا ~~إلى المائدة: لقد طالعت كتابك. قال: ما رأيك فيه؟ أجاب: إنه مهيج مثير. فقال: ذلك خير ~~وأبقى؛ لأن النتيجة تكون كبيرة. # وسمعت مادلين هذا الكلام، فقالت: رحماك يا أبت، إنك في غنى عن نشر هجاء يسوقك إلى ~~مواقف الخطر. # فأجاب: إن الدفاع عن مذهبنا يقضي علينا بركوب المخاطر. # قالت: لا أنكر ذلك، ولكنك تقدم أكثر من سواك. فما هذا الكتاب؟ ومن المقصود به؟ # أجاب: إنه الدوق دي جيز. # قالت: بحقك يا أبي لا تطبعه؛ لأن الدوق دي جيز ذو بطش وسلطة، ولا يمكن أن ينجم عما ~~تفعله إلا الضرر الذي سيقع علينا. # فارتعد بلترو وقال: ما كنت أحسب أن ابنة يعقوب لوم تتشيع للدوق دي جيز. # أجابت: مهلا يا مسيو بلترو، ولا تتسرع في الحكم، فإنني لا أتشيع للدوق دي جيز، ولم أره ~~قط، ولا أحبه، ولا أحتقره، وإنما غرضي أن أدفع عن والدي خطرا محيقا به، ونفسي تحدثني ~~أن في هذا الكتاب المهيج ضررا كبيرا يلحق به. # فقال يعقوب: اطمئني يا بنية فلن يدري أحد بأن هذا الكتاب ms016 صدر من عندي، ومتى تم طبعه ~~أسلمه إلى المسيو بلترو، فيأخذه ولا يبقى عندي منه إلا نسختان أخفيهما عن كل ~~إنسان. # فصمتت الفتاة، وتناولوا العشاء وهم سكوت. فلما كان الليل استأذن بلترو من يعقوب وابنته، ~~وركب جواده بعدما رنا إلى مادلين رنو عاشق، ثم اتجه إلى باب المدينة ليسافر إلى باريس. ~~فقال له يعقوب: متى تعود إلينا؟ # أجاب: ليلة مباشرة المشروع. # وسمعت مادلين هذا الجواب. فلما رجعت إلى الحانوت قالت لأبيها: عن أي مشروع تكلم المسيو ~~بلترو؟ # أجاب: عن أمر ليس بذي بال. عن كتيبة يجمعها ويعدها للنضال. # قالت: حذار يا أبت فإننا قوم صغار، وأراك تتعرض لأمور هي من شأن رجال بلاط الملك كأنك ~~سيد عظيم. فأنت تطبع كتب القوم وتبيعها، مع أن كل ما تمتلكه من مال إنما جاء من كتابات ~~الكاثوليكيين، لا من تلك الكتب البروتستانتية. # أجاب: أصبت يا بنية، ولا أنكر أن ثروتي جاءت من نشر الكتب الكاثوليكية، غير أنها مصدر ~~متاجرة، ولكن لا يحق لي أن أعرض عن اعتقادي الحديث، ولئن وجب علي أن أقضي في سبيل ~~الانتصار له، أو أفقد ثروتي ومكتبتي فإني مستعد. فلم تحر مادلين جوابا؛ لأنها هي نفسها ~~كانت متعصبة للمذهب البروتستانتي. # ثم إن يعقوب لوم اشتغل قليلا في مكتبته، ثم صعد مع ابنته إلى الطبقة العليا من البيت ~~وفيها غرفهما، وبعد هنيهة أطفئ نور المصابيح، وساد السكون التام على المنزل. ~~••• # أما جان بلترو فمضى يسير راكبا غير مسرع، وفيما هو خارج من مدينة أورليان ليسلك طريق ~~باريس أبصر فارسين قد وصلا إلى باب المدينة وطلبا الدخول، فقال لهما الحارس: إن الدخول ~~ممنوع إلا بجواز. # فاستاء أحد الفارسين، وقال: لقد تأخرنا. # فأجابه رفيقه: مهلا يا مولاي، فالأمر يسير، وما علينا إلا أن أستأذن من ضابط الحراس ~~بالمرور. ~~- لست أود أن يدري أحد بوصولي إلى مدينة أورليان. ~~- ولكن ما من وسيلة لنا يا مولاي غير هذه الوسيلة، وما إخالك تود أن تقضي ليلتك تحت ~~السماء. ~~- افعل يا جيلو ما تراه مناسبا، وإنما ms017 استوثق من الضابط بالكتمان. # ولم يسمع بلترو محادثة الرجلين، لكنه أدرك مرادهما، ودهش لما رأى الضابط يخرج من مكتبه ~~مبادرا إلى خدمة الرجل، آمرا الحارس بفتح الباب. # فقال في نفسه: يا للعجب من فارسين يأتيان إلى أورليان ليلا، وتفتح لهما أبوابها بغير ~~جواز، وبمجرد أن يعرفهما الضابط المتولي الحراسة. # وأطرق بلترو يفكر. فلما مر الفارسان به عاد فلحق بهما. وسار الفارسان في الطريق الذي ~~سار فيه قبلا عندما فارق بيت الكتبي، فقال في نفسه: أراهما ذاهبين إلى الشارع الذي كنت ~~فيه، ولا ريب عندي في أن هذين الفارسين من رجال البلاط، ويشبه أحدهما، ولكن لا! فذلك ~~غير ممكن. فإنه لا يرحل عن بلوا، ولا بد للملك من وجوده هناك. # وإذا به قد اضطرب؛ لأن الفارسين وقفا بباب مخزن الكتبي يعقوب لوم، فترجل أكبرهما عن ~~جواده وساق رفيقه الجوادين إلى زقاق قريب، وكذلك ترجل بلترو وربط جواده عند عطفة شارع، ~~وتمشى ملاصقا جدران البيوت حتى دنا من حانوت الكتبي، فاختبأ عند باب هناك ~~وانتظر. # وأحس بحركة خفيفة كأنها إشارة، ثم أضاء نور على شرفة نافذة مادلين لوم، وسقط سلم ~~من حبال إلى الشارع، فقبض الرجل على السلم، ووثب إلى غرفة الفتاة مسرعا، إلا أن ضياء ~~المصباح أنار وجهه فعرفه بلترو، فجعل يده على الجدار كي لا يسقط مغمى عليه، ثم قال ~~بصوت خافت: يا للداهية هذا فرنسوا دي جيز! # وثار الدم في وجه بلترو فجرد سيفه، وركض إلى البيت، فتعلق بالسلم حتى وصل إلى الشرفة، ~~وهم بدخول الغرفة أيضا، وإذا بالدوق قد خرج منها وقتئذ، وضربه ضربة شديدة على رأسه، ~~ثم طرحه إلى الشارع. # الفصل الرابع # | أحد أبطال هذه السيرة # كان «برنار أفنيل» محاميا بارعا مقيما في باريس في بيت أنيق، وقد ترك له والده ~~أطيانا ومالا، فزاد برنار المال والأطيان بجده واجتهاده، وكان من أهل الجد والإقدام، ~~متزوجا من امرأة فتانة المحاسن اسمها مرسلين إلا أنها كانت طائشة تحب الملذات ~~والمسرات. # وكان برنار قد ناهز الخمسين من عمره، أما زوجته ms018 فكانت دون العشرين سنا، ولا ندري كيف ~~رضي بالاقتران بها، أو رضيت هي بالاقتران به، غير مراعيين ما بينهما من تفاوت في السن ~~والخلق، إلا أنه كان يهواها، وإن لم تكن تهواه فلم يمنعها ذلك من تدبير شئون منزله كما ~~يجب. # وعلاوة على كل اختلاف بينهما كانت هي كاثوليكية، وهو بروتستانتيا، وهذا الخلاف كان ~~خطير الشأن في ذلك الزمن (وللأسف ما زال كذلك للآن). # ولبثت مرسلين عدة شهور تتضجر من الذهاب وحدها إلى الكنيسة إلى أن كان أحد الأيام؛ إذ ~~أبصرت في الكنيسة شابا من الأشراف حسن المنظر يرنو إليها باسما، ويقدم إليها الماء ~~المقدس، فقالت في نفسها: خير لي ألا يكون زوجي معي، وكانت قد تلقت تربية حسنة، فما ~~لبثت أن تناست ذلك الشاب ولم تفكر فيه، حاسبة أن الأشراف لم يخلقوا لمن كانت مثلها؛ ~~لأنهم يميلون إلى السلوان والنسيان، ولا يعرضون عن سيدات البلاط إلا حبا في التنقل أو ~~ضجرا منهن، ثم لا يلبثون إلا وقتا قصيرا حتى يرجعوا إليهن. فقالت في نفسها: لئن ~~قدر علي أن أتزوج ممن لا أحبه، فإني أستطيع أن اختار لي حبيبا لا يجب أن يكون من ~~طبقة الأشراف. # وفي ذات يوم ذهبت لتحضر صلاة العصر في يوم عيد، ولما انتهت الصلاة همت بالانصراف لكي ~~لا تدع زوجها ينتظرها طويلا، وعندما أوشكت أن تطبق كتابها الصغير رأت ورقة زرقاء قد ~~سقطت عليه، وعليها شريط ذهبي، وكلمات قليلة علمت أنها من محب عاشق يطلب ودها. # فقالت في نفسها: من يكون هذا الوقح الذي تجرأ على أن يكتب إلي؟ ولم تشأ أن تقرأ تلك ~~الرسالة الغرامية، لكنها ما لبثت أن قالت: لا بد من معرفة ذلك المجرم لأعاقبه على ~~اجترائه. ثم قرأت ما فيها، وإليك نصها: # أيتها السيدة النبيلة # على مقربة منك، في موضع خاف عليك، إنسان يرقب نظرة من نظراتك. # فقالت: لا شك أنه غبي من أهل بلاط الملك، ونهضت لتخرج من الكنيسة. فلما وقفت قرب جرن ~~الماء المقدس اصفر وجهها، ولم تجسر على ms019 التقدم؛ لأنها أبصرت فتى واقفا أمامها باسطا ~~إليها يده بذلك الماء، فقالت في نفسها: إنه لصاحب الرسالة التي قرأتها. # على أن ذلك الشاب لم يكن من أشراف حاشية الملك، وإنما هو طالب يتلقى العلم في كلية ~~سوربون، واسمه «جاليو دي نرساك»، وكان طويل القامة، هزيل الجسم، صغير الرأس، أزرق ~~العينين، أشقر الشعر، وكأنه فتاة بحسن وجهه، وكان رفاقه في المدرسة يدعونه «الوجه ~~الصبيح». وقد درس اللغتين اليونانية واللاتينية، وكانت أسرته تنوي إلباسه طيلسان الراهب، ~~أو ثوب الحاكم؛ لأن أباه مات في حصار «متس» وكان له أخوان قتلا في المبارزة، وكان ~~أخوه الأكبر مقيما مع والدته في الريف يخاصم جيرانه، فرأت الوالدة المسكينة أن تجنب ~~ولدها الباقي لها حمل السلاح؛ لأنه أصغر بنيها وأحبهم إليها، فأشفقت عليه أن يصيبه ما ~~أصاب أخويه من قبل. فعهدت بتربيته إلى الأستاذ «برنابا مرفزان» من أساتذة كلية السوربون، ~~وكان رجلا عالما إلا أنه سكير يحب اللهو والطرب. فلزمه «جاليو دي نرساك» وكان في بدء ~~أمره تلميذا مجتهدا، غير أن مدة اجتهاده لم تطل أكثر من ثلاثة شهور، وأحب جاليو دروس ~~التاريخ وكره سائر العلوم، وكان في أكثر الأوقات يناوئ العسس ويعاكسهم، ويبادر إلى سماع ~~الوعظ عندما يعلم أن هنالك فتيات حسانا من البروتستانتيات، ويزاول لعب الحكم بالسيف ~~(المثاقفة)، وكان أستاذه برنابا يغض الطرف عنه، وفي بعض الأحيان يشاركه في مسراته، إلا ~~إذا تهور فيها تهورا كبيرا. # ولما رأى جاليو «مرسلين» شغف بها، فهجر دروسه ولذاته، وعكف على تتبعها ومراقبتها دون أن ~~تشعر به. فمنذ ذلك اليوم صارت تراه في طريقها، وكان لطيفا رقيقا، شديد الاحترام ~~والحياء حتى عطفت عليه وجرأته على الاقتراب منها، فأقسم لها يمين الوفاء حتى جعلها تحنث ~~باليمين التي أقسمتها لزوجها. # وكان يحدث في ذلك العهد أمور دينية ذات شأن شغلت برنار أفنيل عن سلوك زوجته؛ لأن ~~البروتستانت بدءوا يشرحون التوراة، ويجدون فيها كل يوم ما يوجب القضاء على بلاط فرنسا، ~~والكردينال دي لورين، وأخيه فرنسوا دي جيز. وكان رجال طائفة البروتستانت ms020 يجاهرون بما ~~تكلم به المجتمعون قبلا في فندق حملة السلاح ملمحين لا يجسرون على إيضاح وإفصاح. # على أن برنار أفنيل لم يكن على رأي القائلين باستخدام الشدة، وإنما يذهب إلى أن الدين ~~لا يقاوم إلا بالشرع، ولكنه لم يتجرأ على مخالفة ذوي الأفكار الثائرة، وكان أبناء ~~الطائفة جميعا يضربون على وتر واحد. # وفي ذات يوم سمع خطب الوعاظ، وخرج قاصدا بيته فأحس بيد وقعت على كتفه، وسمع قائلا ~~يقول: السلام عليك يا برنار! # فأجاب: أأنت هنا يا لارنودي، وقد كنت أظنك مقيما في طوران؟ # وكان برنار يميل كل الميل إلى الرجال المنتمين إلى أمير كوندة المفضلين عنده، ولارنودي ~~يحب برنار اعترافا بجميله، لأنه هو الذي ترافع في قضية عديله جسبار مرافعة استحق من ~~أجلها امتنان لارنودي وإن لم تجد جسبار نفعا. # فقال لارنودي: لقد عدت منذ صباح اليوم إلى هنا، ولما كان منزلي مهملا في غيابي فكرت ~~في الإقامة عندك بضعة أيام. # فأجابه: أنت صاحب البيت يا سيدي لارنودي، فأهلا وسهلا ومرحبا بك! ~~- شكرا لك، ولكنني لا أسألك ضيافة بسيطة. ~~- تكلم، أي حاجة لك؟ ~~- إني لفي حاجة إلى استقبال رجل عندك، والاجتماع به ومخاطبته سرا. ~~- قلت لك إن البيت بيتك يا لارنودي، فافعل ما تشاء. # وسار الرجلان في طريق بيت برنار وهما يتكلمان في مواضيع مختلفة ليس لها شأن خاص، ~~محاذرين التكلم في المواضيع الدينية خيفة أن يسمعهما أحد الكاثوليكيين، فلم يتداولا في ~~أمر هام إلا مساء عندما ذهبت مرسلين تعد غرفة للضيف. # فقال لارنودي إذ ذاك: أيها العزيز برنار، إن ديانتنا تعدك من أنصارها، بل من أشدهم ~~إخلاصا، وقد أزف وقت العمل. # فاعترت برنار هزة، وقال: إني متأهب للمرافعة أمام مجلس النواب. ~~- إن مجلس النواب يبغضنا، فصوتك فيه لا يسمع! ~~- إذن أية وسيلة تروم أن أتخذ؟ ~~- أي وسيلة؟ وهل لنا غير القوة؟ ~~- أتدعوني إلى مؤامرة؟ ~~- نعم، وقد تهيأ كل شيء. ~~- ومتى تعلن هذه المؤامرة؟ ~~- في أوائل شهر مارس المقبل. إن بلاط الملك بين أيدي آل جيز، وهم شر أعداء ms021 مذهبنا. ~~فلسوف نذهب إلى البلاط، وننقذ الملك منهم. ~~- وماذا تفعلون بآل جيز وأعوانهم؟ ~~- لقد تهيأت أسباب التوفيق، ومن يدري؟ فقد يسقطون قتلي. # فحدق برنار في وجه لارنودي مدهوشا، وقال: أتتجرءون على مهاجمة الدوق دي جيز ~~والكردينال دي لورين؟ ~~- ولماذا لا نفعل؟ ~~- إنهما عمان للملكة ماري. ~~- إن ماري ستوارت امرأة أجنبية، أما زوجها فرنسوا فهو مجرد من الإرادة، وقد انتزعت ~~السلطة من أيدي أمرائنا الشرعيين، فمن واجبات أشراف الفرنساويين أن يقاتلوا في سبيل ~~إعادة السلطة إلى أمرائنا. # فلم يجب برنار. ومما لا ريب فيه أنه كان يحب مذهبه ويفضله على سائر المذاهب، إلا أنه ~~أكبر تلك المؤامرة وخاف منها؛ لأنه كان رجلا مسالما ذا ثروة كبيرة، فبات يسأل نفسه عما ~~يصيبه ويصيب زوجته مرسلين، ووظيفته في مجلس النواب، وأملاكه إذا خسر الثائرون أو ~~المتعصبون، أو إذا علم الدوق دي جيز بأن لارنودي بات ليلة في منزله، وزاره فيه خفية شخص ~~مجهول. ولم يفكر برنار في الاستعلام عن اسم ذلك الشخص المجهول؛ لأنه يعلم أنه لا بد أن ~~يكون عدوا للدوق دي جيز، أو هو شريف من رجال البلاط لا يروم أن يراه أحد في باريس، في ~~حين أنه يظن موجودا في طوران. فلما نهض لارنودي قال لبرنار: إني ذاهب لأبحث عن الشخص ~~الذي يجب علي الاجتماع به عندك، فلا تدع أحدا يقف أمامه أو يبصره عند مروره. فهل ~~فهمت؟ # فأحس برنار بالرعدة تسري في عروقه، وفكر يقول: ويحي لقد صرت من المتآمرين على السلطة ~~الحاكمة دون أن أروم ذلك، وهذا بيتي صار ملجأ لزعماء المؤامرة، ويلاه، لو درى مسيو دي ~~جيز بذلك! # الفصل الخامس # | غرام وسياسة # وفيما كان برنار أفنيل يرتعد من مجره تفكره في إغضاب آل جيز ومعاداته إياهم، أبصرت ~~زوجته مرسلين الفتى جاليو دي نرساك يتمشى تحت نافذة غرفتها وهو لابس أفخر ملابسه، متقلد ~~خنجرا، يختال عجبا كأنه قائد الحراس، فاحمر وجه مرسلين، وأشارت إليه تحييه. ثم نزلت ~~إلى غرفة المائدة فألفت زوجها حائرا لا يدري كيف يفعل، واستشار ms022 امرأته كعادته فصاحت، ~~أيزور بيتك أحد المتآمرين، وتدع القوم يتفاوضون عندك في أمر يضر بالدولة؟ ألا إن في ~~ذلك إضرارا بك من كل وجه، وقد يودي بحياتنا معا، فحذار! # فقال بصوت الخاضع الذليل: إذن ما رأيك؟ # قالت: أين الكردينال دي لورين اليوم، أفي باريس؟ # أجاب: نعم، وأظنه لم يرجع إلى البلاط. # قالت: اذهب واجتمع به؛ لأنه يريد لك الخير برغم مذهبك السيئ، وأطلعه على المؤامرة، ~~فتنقذ أملاكنا من الخراب، وتنقذ نفسك من القتل والإفلاس إذا لم يفلح لارنودي. ~~- ولكن كيف أصنع إذا درى لارنودي؟ ~~- ومن ذا الذي يخبره؟ ~~- أصبت أيتها الحبيبة، فسوف أذهب غدا فألقى الكردينال دي لورين. ~~- قد يفوت الوقت غدا. ~~- إذن أنت ترين أن أذهب الليلة إلى قصر دي جيز؟ ~~- لا رأي لي، وإنما أبديت فكري لك. ~~- أصبت يا مرسلين، فأنت حكيمة في كل حال، والآن علي بعصاي وردائي، وفضلا عن ذلك، ~~أليس من واجبات رعايا الملك أن يطلعوه على كل مؤامرة مضرة بالدولة؟ ألا عفوا يا مرسلين، ~~فإنني أتركك الآن مرغما؛ لأنني ذاهب إلى قصر دي جيز. # واستصحب خادمه، وخرج من البيت، فاصطدم عند العتبة بجاليو، وكان ينظر إلى النوافذ غير ~~مكترث لمن في الشارع. فقال المحامي: لا شك أن هذا الطالب سكران. فأجابه جاليو بقوله له: ~~أنت أحمق، وجعل يحرك خنجره في غمده. # ولم يتجاوز برنار طرف الشارع حتى كانت مرسلين عند الباب يطفح وجهها بشرا. فتناولت يد ~~الطالب، وقالت له: يا لك من غبي مغفل! قال: لماذا؟ ~~- لأنك أتيت إلى بيتي! ~~- أمن الغباوة والغفلة أن أجيء لأراك؟ ~~- لقد خاطرت بملاقاة زوجي! ~~- إن خنجري معي أيتها السيدة، وهو طويل ماض، وفيه من المضاء ما يكفي لشك رجلين ~~معا. ~~- لا تكلمني عن الخناجر والسيوف يا حبيبي جاليو، فأنت باسل كسائر رجال البلاط. هذا أمر ~~أعرفه، ولكن ليس من شأنك القتال واستخدام السلاح. ~~- ومن يدري؟ فإنني كلما رأيت رجال السلاح مارين أشعر بالدمع يجري على خدي، فما الكتب ~~وعلم الحقوق من شأن أمثالي، بل هي من شأن الجبناء ms023 الرعاديد، وهل من حرفة يا مرسلين أفضل ~~من الحب والنضال، أو من النضال والحب؟ ~~- أنت تخيفني بهذا الكلام يا عزيزي جاليو، فلا تعده على سمعي؛ لأنني أخشى عليك الردى. ~~فماذا فعلت اليوم؟ ~~- لقد تغديت عند أستاذي، وتركته ثملا بالخمرة التي أرسلت بها إليه والدتي. # قالت: ثم ماذا؟ # قال: ثم شهدت مبارزة اثنين من أصدقائي. ~~- أرجو ألا يكون قد مات أحدهما! ~~- بل أحدهما (بارانس) مشرف على التلف. ~~- وا رحمتاه للمسكين! ~~- الذنب ذنبه. فقد أصر على قوله أن ليس في الوجود امرأة شعرها أشد شقرة من شعر ~~الحسناء مارجو، وأن شعر الفتانة «ليزة» ليس بشديد السواد، وكل الناس يعلمون أن شعر ~~ليزة أشد سوادا من ظلام الليل. ~~- ومن تكون مارجو وليزة أيها الخبير بالجمال؟ ~~- لا تسألي عنهما فإنهما من بنات الهوى. إلا أنهما ملكتان بين بنات طبقتهن، كما أن ~~كاترين وماري ملكتان بين نسوة البلاط. # قالت: أتعرف بنات الهوى يا جاليو؟ # أجاب: أليس على المرء أن يعرف كل شيء في الدنيا؟ وذلك قسم من أقسام دروسنا، بل لعله ~~أهم فصل منها برعت فيه. ~~- ثم ماذا؟ ~~- ثم عدت إلى الفندق فألفيت صاحبه غير من عهدت؛ لأن المالك القديم أثرى وارتحل. أما ~~المالك الجديد فقد أتانا من مدينة نانت. ~~- أتراه يكتم السر كسلفه؟ ~~- إنه أصم كحجارة القبور. ~~- الخوف لا يفارقني يا عزيزي جاليو، وأخشى على الدوام أن يشتهر حبي لك، ويبلغ الأمر ~~زوجي فيقتلني، ويقضي على هنائنا وسرورنا. ~~- ومن ذا الذي يجيء باحثا عنك في منزل طالب علم؟ لأنك لا تخرجين من البيت إلا للصلاة ~~والاعتراف. فاحسبيني كاهنا، فإن السيدات ينتظرن عند الكاهن وقتا طويلا ريثما يجيء ~~دور اعتراف كل واحدة منهن. ~~- لا تجدف؛ لأنني أتطير من هذا الكلام. # وسار الاثنان إلى حجرة الطالب، وكانت على بعد خطوتين من كلية السوربون، وكان صاحب النزل ~~ينتظرهما على الباب وقبعته بيده، فقالت: مرسلين لعشيقها ممازحة: ما باله قد كشف اليوم ~~رأسه؟ ترى هل شعره جميل كشعر الحسناء مارجو؟ ~~- يا لك من خبيثة فهل أنت غيرى علي ms024 منها؟ # ثم مال إلى صاحب النزل، فقال: ما اسمك يا صاح؟ # أجاب: خادمك نيكول بوصه. # قال: هات لحما باردا وفاكهة وخمرا جيدة إلى غرفتي. ~~- سوف يرى سيدي رأيه في الخمرة التي وردت علي من غاسقونيا منذ ثلاثة أيام. # وكان نيكول كاذبا؛ لأنه لم يكد يصل إلى باريس، ولم يرد عليه شيء من غاسقونيا كما ~~زعم. # فقال جاليو: أنت تدري يا نيكول أنني رجل محب للوحدة، وأن ما من امرأة دخلت قبلا ~~غرفتي. # أجاب: إني أقسم على ذلك يا عزيزي جاليو . ~~- لست بحاجة إلى القسم، وإنما تذكر فقط! # وجعل جاليو يده على خنجره، ثم لحق بمرسلين، وقد سبقته إلى السلم. ~~••• # ولنعد إلى لارنودي. فقد ترك بيت المحامي بعد أن ثبت لديه أنه ما من رقيب في جوار البيت، ~~ولا من عين ترى رفيقه القادم، فاتجه إلى شارع «سن أنطوان» فوصل إلى باب عند منتهاه، ~~وكانت هناك شرذمة من الفرسان ينتظرونه. فلما وقعت أبصارهم عليه تقدم إليه أحدهم فحياه. ~~فقال له لارنودي: رعاك الله يا روبر دلاهاي، أين الأمير؟ # أجاب: إنه هنا، ولكننا لا نود أن ندعه يذهب وحده معك. إن الكردينال دي لورين لا يزال ~~في باريس، ونخشى أن تصادف أحد الأشراف من أعوانه. # قال: إن الكردينال قد سافر في صباح اليوم يا مسيو روبر، فما من خطر يخشى على الأمير ~~إذا أتى معي، وعندي منزل أمن في البلد، أما هذه المواضع الخالية فليست موضع أمن. ~~- إذن أنا ذاهب لأنبئ الأمير بوصولك، وبعد بضع دقائق سار الأمير مع لارنودي، فسارا إلى ~~بيت برنار أفنيل. فلما وصلا إلى عتبة الدار قال الأمير: ألا يرانا أحد؟ # فأجابه لارنودي: لا! # قال: ألا يرانا أهل بيت أفنيل؟ # أجاب: لقد طلبت منه إخلاء البيت، ولست أسمع صوتا، فلا شك أنه صرف من عنده. # ودخل الرجلان وصعدا إلى المنزل المعد للارنودي، وخلع الأمير رداءه وارتمى على مقعده وهو ~~يقول: ألا تعسا لأمير مثلي، دمه من دم الملوك، ولكنه يضطر إلى الاختباء كأنه مجرم. ~~قاتلك الله يا مسيو ms025 دي جيز فإنك تضطرني كل يوم إلى ما لا يجمل بي. # فقال لارنودي: لا يمضي زمن قصير حتى يغدو المسيو دي جيز أسيرا عند مولاي أمير كوندة. ~~ثم خفض صوته وقال: إلا إذا مات دي جيز قبل ذلك: وكان لويس دي بوربون أمير كوندة يومئذ ~~في الثلاثين من عمره، ومن يراه لأول مرة ويتأمل قصر قامته، ودمامة خلقته لا يحسب أنه بطل ~~الحروب التي شهرها هنري الثاني، والزعيم الحقيقي لأتباع مذهب كلفين، والنبيل الظريف ~~المحبوب من سيدات البلاط، والرجل الذي يهاب لحدة فهمه كما يهاب لمضاء سيفه، بل الرجل ~~الذي كان أعداء الدوق دي جيز يعدونه خلفا لذلك الدوق. إلا أن أمارات العظمة والكبر ~~كانت بادية على وجه الأمير، وهو برغم انحناء كتفيه أول فارس في الأقطار الفرنساوية إذا ~~ركب فرسا. # وقال للارنودي: أما الآن وقد صرنا إلى هذه الخلوة، أفلا تحدثني بما جرى لك في ~~سفرك؟ # أجاب: لقد وصلت يا مولاي إلى مدينة نانت منذ أيام، وفي وسعي أن أقول لك: إن كل شيء قد ~~تهيأ وتدبر. ~~- هل وصل نواب الولايات؟ ~~- نعم كلهم. ~~- ما عدد جنودنا؟ ~~- ثمانية آلاف أو عشرة آلاف، وحدث ولا حرج عن حماسة زعمائهم وكرههم للدوق دي ~~جيز. ~~- مما لا ريب فيه أن ذلك الدوق المختال لا يعرف للوقاحة حدا، ويكاد يوهم الناس أن ~~منزلة قومه أشرف من منزلة الملوك نسبا. ألا مهلا يا ابن عمي، فقد يمكن أن تمتد إلى ~~السلطة أيدي النساء والأولاد، ولكن لا يزال يوجد في أسرة سن لويس رجال، وأنت يا لارنودي ~~فاعلم أنني لا أحب الشدة والعنف. ~~- نحن آتون لنقدم ملتمسا إلى الملك. ~~- في أي يوم؟ ~~- في يوم 10 مارس (آذار) أو ما يقاربه، ولكن هل يبقى البلاط في مدينة بلوا؟ ~~- الأمر يسير على ما أرى. فإنكم تصلون ليلا، ولا يشرق الصباح بنوره حتى تقبضوا على ابن ~~عمي دي جيز، فتحسنون معاملته كما يليق، وإذ ذاك أتولى قيادتكم، ثم نرى في إرشاد الملك ~~إلى الصواب. أما كاترين والدة الملك فسوف ms026 تكون معي. نعم، إن الملك لا يحبني، إلا أنه يحب ~~زوجته، فلا يعصاني طويلا، ثم إن أخي أنطوان لا عزيمة له، فسوف أبقي على أمين الختم ~~وأبعد سن «أندري»، ولكن ما رأيك يا لارنودي، هل تظن أن أشراف البلاط يخفضون رءوسهم أمام ~~رجل أحدب (يعني نفسه)؟ # فأجاب لارنودي: يعلم أشراف البلاط يا مولاي أنك سيد نبيل كريم باسل مخلص للملك. # قال: أنت تحب الإطراء يا لارنودي، فإنه لا يكفي لإخضاع بلاط فرنسا أن يكون المرء كريما ~~باسلا، وقس عليه بلاط الوالدة فلورنتين. وثق أن لحسن صورة ابن عمي تأثيرا في القوم، ~~يفوق تأثير بسالته وكرمه، وكاترين لم تحبه؛ لأنه جندي باسل، بل أحبته؛ لأنه ظريف الهيئة ~~حسن الرواء. والنساء يا لارنودي في بلاط كاترين أعظم سلطة من الملك نفسه. # وأجاب لارنودي: نعم، ولكن سلطتهن مقصورة على من يستسلمون إليهن، فلم يجب أمير ~~كوندة. # فقال لارنودي بعد سكوت قصير المدة: أي شأن في الجيش يكون لبلترو؟ # قال: أتعني دي ميرة؟ # أجاب: نعم، فهو الذي أرسلته إلي إلى نانت ليخبرني بأنك ستكون في باريس في هذه ~~الأيام. # قال: دعه يفعل ما يحلو له. # قال: ألم يكن فيما مضى جاسوسا؟ # أجاب: أعرف ذلك، وأهل البلاط يحتقرون الرجل. على أنه أسدى أيادي بيضاء في حصار متس. ~~فهو من كرام الناس وشجعانهم. # قال لارنودي: وهو يبغض الدوق دي جيز بغضا لا يساويه فيه أحد من المتآمرين. # أجاب: ذلك غريزي فيه، وأظنه يقتله إذا تمكن من قتله. فراقبه عند القبض على الدوق، ~~فإنني لا أروم سفك دمه. أما الآن وقد اتفقنا على كل أمر فإني مفارقك يا لارنودي. ~~- دعني أسير معك، وأتولى حراستك يا سيدي. ~~- بل البث عند صديقك أفنيل، فلست بمسافر إلى بلوا غدا صباحا، ولي في باريس شغل ~~خاص. ~~- ألا تنتهي من عشرة النساء يا مولاي. ~~- اسكت، واسأل الله لي توفيقا. # فشيع لارنودي الأمير إلى باب البيت، ونظر إليه وهو يبتعد، فلما غاب عن نظره قال: إن ~~هذا الأمير ما برح شجاعا يصفح عن ms027 أعدائه ويهزأ بالأخطار! ألا كن مطمئن القلب يا لويس ~~دي بوربون فإن أصدقاءك ساهرون عليك، ولسوف يفتكون بالدوق دي جيز قبل أن يتمكن من ~~قتلك. # الفصل السادس # | بلاط فرنسوا الثاني # لما رجع المحامي برنار أفنيل إلى بيته لم يجد فيه زوجته فتعجب وصاح قائلا: كيف تركت ~~البيت الساعة وأنا في أشد الاحتياج إلى رأيها؟ وبعد قليل عادت زوجته مرسلين، وقالت: لقد ~~كنت في الكنيسة يا صديقي، أسأل الله لك النجاح في سعيك. فما الذي قاله لك الكردينال؟ # أجاب: إنه رحل اليوم . # قالت: رحل إلى أين؟ ~~- لقد لحق ببلاط الملك، فكيف العمل؟ # ولاح لمرسلين الهناء والحرية من خلال ستور هذا الحادث، فلم تتردد، بل قالت: لا بد من ~~سفرك إلى بلوا فتلقى الكردينال هناك. # وفي اليوم التالي سافر أفنيل فوصل إلى بلوا في يوم أحد، وكان الكردينال وسائر رجال ~~البلاط في الكنيسة. فشاور أفنيل قائد الحراس في أمره فأشار عليه بالانتظار عند باب ~~الكنيسة لعله يرى الكردينال وقت خروجه منها. # وما عتم أن انفتح بابها فانبعث من داخلها عطر البخور والطيوب، وطرقت أذنيه نغمات الأرغن ~~في آخر القداس، وقد علمنا أنه كان بروتستانتيا فغمغم يقول: قبحا لهذا المذهب الذي ~~يشبه مذهب الوثنيين عباد الأصنام. # إلا أنه لم يتمكن من الاسترسال في تأملاته بشأن المذهب الكاثوليكي؛ لأن القداس كان قد ~~انتهى وخرج أهل البلاط من الكنيسة، فأبصر أفنيل شابا لابسا صدرة بيضاء عليها صليب، ~~يتقدم وهو معجب بنفسه. وكان ذلك الشاب فرنسوا الثاني الابن البكر لكاترين دي مدسيس، ولم ~~يبلغ العشرين بعد، ومما يسهل تحققه أنه كان ألعوبة بين أيدي رجلين حازمين هما فرنسوا دي ~~جيز وأخوه الكردينال دي لورين. وكان الملك متهلل الوجه في ذلك اليوم؛ لأنه قد مضى أسبوع ~~كامل لم ير فيه ابن عمه أمير كوندة، ولم يكن فرنسوا الثاني يحب ذلك الأمير، ولسروره سبب ~~آخر، هو أنه أمر باتخاذ الأهبة للصيد، وكان الصيد من ملذات الملك؛ لأنه يستريح في أثنائه ~~من سماع الطعن على البروتستانتيين والكاثوليكيين والثائرين والناقمين، ms028 ثم إنه يتمتع وهو ~~في الصيد بصحبة زوجته الملكة ماري. # وكانت زوجته ماري ستوارت ملكة اسكتلندا وفرنسا تمشي وراءه، وقد بهر حسنها الأبصار، ~~وأزرى بحسن كل فتانة من غادات البلاط، وكان شارل نسيبها يمشي إلى جانبها ناظرا إليها ~~نظرات ملؤها الإعجاب. # وكاترين دي مدسيس تمشي وراء كنتها مرتدية السواد، وكأن سواد ثيابها وصمة في ذلك السناء ~~والبهاء اللذين حولها، وما من أحد يستطيع أن يحزر عمر كاترين. فقد كانت ذات حسن بقي ~~فتانا؛ لأنها رشيقة القوام، لها جيد ناصع البياض، ويدان طالما حسدتها كنتها ماري ستوارت ~~على بياضهما وصغرهما. ثم إنها كانت متأنقة في لبسها الأسود، تنخفض أبصار عظماء المملكة ~~أمام بصرها، ولم تكن تدعى أم الملك، بل الملكة الوالدة. فتقدمت تمشي بين أجمل حاشية من ~~حواشي الملكات في العالم، وبين نسائها «ديانا دي بواتيه» و«أميرة كوندة» و«دوقة دي جيز» ~~و«مدام ديانا» ابنة هنري الثاني غير الشرعية، وغيرهن من السيدات. أما الرجال فكانوا ~~يمشون وراء كاترين ونسائها، وفي مقدمتهم أمراء لورين، والغطرسة والكبرياء ظاهرة على ~~وجوههم، وحركاتهم شاهدة بعظم سلطتهم. فلما رأى «أفنيل» موكب السيدات والحاشية ضاع رشده ~~فلم يتجرأ على مخاطبة الكردينال دي لورين، ولم يفق من ذهوله وخجله حتى أبصر بين الجمهور ~~صديقا له اسمه للمان دوزي، وكان سكرتير الكردينال، فكلمه، وبعد هنيهة أدخله ذلك الصديق ~~مكتب الكردينال، وكان عنده أخوه فرنسوا. فقال أفنيل: أرجو عفوا من مولاي الكردينال، فما ~~أقدمت على مقابلته إلا لأمر خطير يتعلق بحياته. ~~- بحياتي أنا؟ ~~- نعم، وحياة مولاي الدوق. # فقال الدوق: وهل يوجد من يتجرأ على مؤامرة ضدي، بل ضدنا؟ فأجابه أفنيل: نعم يا ~~مولاي. # قال: إذن سأصدر أمرا إلى ملازمي بإعداد بعض المشانق للمتآمرين. ~~- وا أسفاه، إن بعض المشانق غير كافية. ~~- ما معنى هذا الكلام يا أفنيل؟ ~~- ليست المؤامرة المدبرة مكيدة يسيرة يراد بها اغتيال، وإنما هي مؤامرة كبيرة. ~~- أظن أن القائمين بها من طائفة البروتستانت، تلك الطائفة اللعينة التي تحاول رفع ~~رأسها. ألا فلتحذر! إن رءوس الرعايا إذا ارتفعت كثيرا أمر ms029 الملوك خدمهم المخلصين ~~بقطعها. # وقال الكردينال: لا تنس يا أخي أن المحامي أفنيل بروتستانتي. # أجاب: أعرف ذلك حق المعرفة، فهو الذي رافع في قضية جسبار ديهو عديل لارنودي المخلص ~~لأمير كوندة. # وهنا تفرس في وجه أفنيل وقال: لعل أمير كوندة في جملة أولئك المتآمرين؟ # أجاب: أجهل ذلك يا مولاي. # قال: عجبا لك يا أفنيل وأنت البروتستانتي التقي الذي هاجمني بلسانه مرارا كيف جئت ~~اليوم تكشف لي سر تلك المؤامرة الموجهة ضدي أكثر مما هي ضد الملك؟ # أجاب: لا أنكر يا مولاي أنني بروتستانتي. إلا أنني - قبل كل اعتبار آخر - من رعايا ~~جلالة الملك الأمناء، ومن طباعي أنني أكره العنف، ولذلك أنبأتك آسفا بما علمته، فلا ~~تسألني عن أكثر من هذا البيان، فقد فعلت ما يجب علي والسلام. # وهم بالانصراف فقال له الدوق: بل البث ها هنا. إن في وجودك في باريس خطرا يقع عليك، ~~ثم إنك لم تطلعنا على كل شيء. فمتى يكون موعد هجوم المتآمرين؟ ~~- في أوائل شهر مارس القادم، يا مولاي. ~~- إذن بعد أيام قلائل؟ ~~- نعم يا مولاي، وسوف يأتي المتآمرون إلى بلوا ليقدموا ملتمسا إلى الملك. # قال: ويومئذ يفتكون بي أو يطلبون إلى فرنسوا الثاني إبعادي. لعمر الحق! إن الخطة حسنة، ~~والآن سيذهبون بك يا أفنيل إلى منزل تقيم فيه، وتتلقى أوامرنا. # ففكر أفنيل في أن مرسلين لا بد أن تنتظره، لكنه قال في نفسه: إن أسوار بلوا خير لها ~~من الأسواق الكبيرة، ولئن طال زمن إقامته في بلوا فلا يصعب عليه أن يبعث برسالة إلى ~~زوجته فيستحضرها، فانقاد إلى المسكن الذي أمر له به الدوق دي جيز، ولما فارق الأخوين ~~لبثا هنيهة وهما صامتان. # وكان فرنسوا دي جيز وأخوه الكردينال دي لورين يومئذ في أول شبابهما، تلقيا العلم، ~~وأولعا بالمذهب الكاثوليكي، وكانا باسلين حازمين محبوبين من سكان باريس، مكروهين في بلاط ~~الملك. أما الملكة الوالدة فلم تكن تجرأ على مناوأتهما، وأما الملك فكان أمامهما خلوا ~~من كل إرادة وعزيمة، وهما متحدان اتحادا عجيبا، ساعيان على مهل ms030 إلى غرض واحد، ولا ~~يكادان يجسران على أن يبوح أحدهما به للآخر، وقد صارت إليهما شئون المملكة يأمران فيها ~~وينهيان، ويتناولان من خزائنها المال، ويحكمان باسم ابن أخيهما الملك، ومما يزيد نفوذهما ~~وعظمتهما اتحادهما، فإن أباهما كلود دي لورين أوصاهما بالاتحاد، وقال لهما: إن الأسرة ~~التي يتحد أعضاؤها وهم عديدون، قد تدرك أبعد شأو، ولذلك كان غرض كل واحد أو واحدة من ~~أسرة لورين واحدا، هو تعظيم بيت لورين. # فقال الكردينال: علام عولت يا أخي؟ ~~- على اجتذاب أعدائنا هؤلاء إلى معركة طاحنة. ~~- لست أعني بكلامي لارنودي، وإن كان على ما أرى زعيم العصابات وكبير المتآمرين، ولكن ~~وراءه ابن عمنا أمير كوندة. # قال: لنضرب المتآمرين أولا، ثم نرى كيف نتخلص من الأمير، ولعلنا نجد من الأسرى من ~~يخونه. ~~- وإذا لم نجد فيهم خائنا أو لم نجد بينهم متهما للأمير؟ ~~- ألا تحسب حسابا للاستنطاق يا أخي، على أننا سوف نحصل من الملك على ما نبتغي، والفضل ~~يعود إلى ماري، فهل رأيت الملك لما كان يحملق إليها بصره اليوم في الكنيسة؟ ~~- نعم، ولا خوف علينا من هذا الهوى، فإن الطبيب (فرتل) أكد لي أن فرنسوا لا يعقب ~~وارثين. # وفيما كان أميرا لورين يتكلمان بهذا الكلام عن بكر هنري الثاني وهو المحسن إليهما، ~~انفتح باب الحجرة التي كانا فيها، وقال أحد الحراس: الملك! # ودخل الملك فخاطب الدوق قائلا: عجبا منك يا ابن العم، ما أراك مستعدا للذهاب إلى ~~الصيد والقنص؟ ~~- إننا لا نذهب إلى الصيد والقنص في هذا النهار أيها الملك. ~~- ولكنني أشعر بضجر وسأم إذا لم تكن معي، ولئن لم تصحبني فإن ماري تكتئب وتقطب ~~وجهها. ~~- لا شك أنني لم أحسن الإيضاح أيها الملك، إذ قلت لك إننا لا نذهب إلى الصيد والقنص في ~~هذا النهار، وإنما أردت أن أقول: إن البلاط بأسره لا يذهب. ~~- ما معنى هذا الكلام؟ ألم أصدر أمرا في هذا الصباح باتخاذ الأهبة؟ ألم يتلق ناظر ~~الصيد ذلك الأمر أيضا؟ # أجاب الدوق: لا قدرة لنا على الصيد اليوم. ~~- ولماذا ms031 يا ابن العم المحترم؟ ~~- لأن البرية لا أمن فيها. ~~- أليس عندي حراسي؟ وفضلا عن ذلك فمن يجترئ على مهاجمة ملك فرنسا؟ ~~- إن أعداءنا لا يرهبون أحدا أيها الملك. ~~- أوضح أيها الدوق معنى كلامك، فإنني لا أفهمه. # وقد هاج الحنق الملك لحرمانه لذة الصيد في ذلك النهار، وأخذه ارتعاد، وأظلم وجهه إلى أن ~~قال الكردينال مستمهلا متأنيا في تلفظه: لقد اكتشفنا اليوم مؤامرة. ~~- قال الملك: ومن يدبرها ويديرها؟ # أجاب: لم ندر حتى الآن. فإن للمتآمرين زعيما نجهله، وهم خاضعون الآن لواحد من أشراف ~~بلاط الملك. ~~- من هو؟ ~~- هو لارنودي على الغالب. ~~- إن لارنودي روح ابن عمي كوندة ويده اليمنى! ~~- لسنا نتهم أمير كوندة أيها الملك. ~~- وإنك لمخطئ يا عماه؛ لأن ابن عمي كوندة مدبر تلك المؤامرة، ولا يخفي علي ذلك، ولكن ~~على أي أمر عزمتما، وماذا تصنع؟ إني أراكما مطمئنين كأنه لا خطر علي! ألا جرد سيفك ~~يا عماه وهجوما على العدو! # ولقد احتدم الملك فأثر فيه احتدامه، فترامى على كرسي وهو يلهث تعبا، ثم أصيب بحمى ~~مفاجئة، فظهرت على وجهه بقع صفراء، وانسكب العرق من جبينه، ولمعت عيناه وتاه بصره، وجعل ~~يده على سيفه وهو لا يقوى على تجريده. فنظر الدوق وأخوه إلى ذلك الفتى العليل البدن، ثم ~~همس الدوق في أذن أخيه يقول: إذا أشبه بنو «فالوي» هذا الشاب الضعيف فإن سلالتهم تنقرض ~~في القريب العاجل. # وقال الملك فرنسوا الثاني: ماذا نفعل أيها الدوق؟ ~~- نرتحل عن بلوا. ~~- أنتقهقر أمام أعدائنا؟ ~~- كلا أيها الملك، ولكن نخادعهم، والحرب خدعة، ولا بد أن يصلوا بعد أيام إلى أسوار ~~بلوا، فلا يجدون فيها أحدا منا فيفسد قسم من تدبيرهم، وإذ ذاك يلحقون بنا إلى أمبواز؛ ~~لأننا سائرون إليها، ومعلوم أن أمبواز محصنة، وفيها يسهل علينا الهجوم فنسحق المتآمرين ~~سحقا قبل أن يتمكنوا من الوصول إلينا. ~~- أنقبض على الأمير؟ ~~- إنا لا نزال نجهل أيها الملك توليته رئاسة القوم. # وإذ ذاك سمعوا وقع حوافر خيول في إيوان القصر تحت نوافذ الكردينال، فأطل الملك من ~~النافذة، ms032 ورفع صوته مناديا ابن عمه أمير كوندة؛ لأنه رآه تحت النافذة وقد وصل ساعتئذ ~~من باريس، وقد نهكه التعب. فدخل وانحنى أمام الملك، فقال له بلهجة تشف عن تهكم: لماذا ~~تركتنا؟ ألا تجد الآنسة دي ليمول كافية لمكثك في بلاطنا؟ # أجاب: لقد كنت في الصيد أيها الملك مع بعض رجالي، وفكرت في أن وجودي عندك لا يفيد. # قال: أنت واهم يا ابن العم، ومنذ الآن لا تفارقنا. # فخفض كوندة رأسه، ونظر إلى وجه الدوق فرأى فيه شيئا من السخر، وقال في نفسه: لعل الملك ~~وعميه عارفون بقدومي الساعة من باريس. # وانثنى الملك إلى فرنسوا دي جيز، وقال له: مر بالتأهب للسفر، فصاح كوندة: أنرتحل عن ~~بلوا! # أجاب: نعم يا ابن العم، فهل في ذلك ما يحبط مقاصدك؟ إنا مسافرون في هذا ~~المساء. ~~- إلى أين؟ ~~- لست أدري حتى الآن يا ابن عمي أي جهة نقصد، ولكن سوف تصحبنا فترى، ومضى الملك وهو ~~محتدم حانق. # الفصل السابع # | في أمبواز # وفي اليوم التالي كان بلاط الملك في أمبواز، وقد جهل رجال الحاشية ووصائف الشرف ~~والملكتان السبب الذي من أجله ارتحلوا عن بلوا، وأراد آل جيز والملك أن يفتضح المتآمرون، ~~أما أمير كوندة فلم يكن الكلام في هذا الشأن من مصلحته، وأما المحامي أفنيل، فلم يكن ~~يجسر على الخروج من المخدع الذي اختص به. # فلما كان يوم 10 مارس (آذار) شعر القوم بحركة أو حادثة خطيرة، إلا أنه لم يتبين لأحد ~~ما هي. # أما المتآمرون، فكانوا يأتون عصابات تؤلف كل منها من خمسمائة رجل إلى ستمائة. يتوافدون ~~من البرية مختبئين في الغابات والقصور والفنادق، وهي عصابات غريبة؛ لأنها مؤلفة من جنود، ~~وعامة ومقاتلين وبروتستانتيين وقرويين، جاء أكثرهم في الموعد المضروب مغمضي الأعين، ~~حاسبين أنهم إنما أتوا ليقدموا ملتمسا إلى الملك، والرؤساء وحدهم كانوا يعلمون أن القصد ~~من ذلك المسعى قهر الدوق دي جيز، وهؤلاء لم يروا إلا التظاهر بغرض صالح. أما لارنودي ~~فكان حاضرا في كل مكان يرى في الطرق والفنادق، وفي مقدمة كل ms033 عصابة ناقلا إلى الرؤساء ~~أوامره الأخيرة. إلا أنه كان قلقا؛ لأنه لم يتلق نبأ من أمير كوندة، ومع ذلك فقد حسب ~~أن الحذر قضى على الأمير بالسكوت، وألا بد أن يلقاه وقت دخول المدينة مستعدا لتولي ~~رئاسة المتآمرين، ولقد أخل بخطته انتقال الملك ورجاله من بلوا إلى أمبواز، إلا أنه ~~تحاشى الخلل بسرعة. # ففي مساء يوم 9 مارس (آذار) لم يكد يدخل الفندق الذي اتخذه مقاما متوسطا حتى التف ~~بردائه، واضطجع قرب الموقدة، ويده على قبضة سيفه والأخرى على غدارته . فنام ساعات ولم ~~يستيقظ إلا عندما أطفأ صاحب الفندق أنواره استعدادا لإغلاقه. وإذ ذاك أبصر لارنودي في ~~زاوية من مخدعه عينين محدقتين فيه، فقال في نفسه: لقد وقع بصري قبلا على هاتين ~~العينين. # وكان كثير الارتياب، شأن من يهم بأمر خطير، فاتجه إلى تلك الزاوية من الحجرة حاملا ~~مصباحا، ثم وقف وقال: هذا بلترو! # أجاب: نعم، أنا ذاك يا مسيو دي لارنودي. ألم تكن تتوقع أن تراني؟ # قال: بلى، ولكن في غير هذا المكان، وإنني كنت أحسبك الآن في أمبواز. # أجاب: أصبت، وكان ينبغي أن الحق بالبلاط، إلا أن المسيو دي جيز أمر بإقفال الأبواب قبل ~~الوقت المعتاد، فاضطررت إلى المبيت هنا. # فتفرس لارنودي في وجه الرجل، وصاح: ما دهاك؟ وما هذا الذي في رأسك؟ # أجاب: إنه تذكار من الدوق دي جيز. # قال: هل دس عليك من يقتلك؟ ~~- كلا لم يدس علي أحدا، بل تولى الأمر بيده، ولئن لم يفلح فليس الخطأ خطأه. ~~- حدثني بذلك يا بلترو. ~~- قصتي قصيرة. كنت أهوى فتاة حسناء، فتنت مدينة أورليان. ~~- قال: لعلها ابنة الكتبي لوم؟ ~~- نعم، وأبوها صديقي كما تعلم. فلما عدت من مدينة نانت، أردت الاجتماع بهما، وفي ذلك ~~المساء بعينه قضت الصدفة بأن أقتفي خطوات الدوق دي جيز، وكان ذلك ساعة هممت بمغادرة ~~أورليان. فتبعته حتى رأيته وقف بحانوت الكتبي يعقوب لوم، وأبصرت سلما من الحبال تدلى ~~إليه من شرفة مادلين، فتسلق الدوق على الحبل، وصعد إلى حجرة تلك الفتاة التي كنت ms034 أهواها. # قال لارنودي: قبحه الله من فاسق! # قال بلترو: ألا تذكر يوم سألتني في نانت عما إذا كان يوجد سبب شخصي يحملني على معاداة ~~الدوق دي جيز وأجبتك أنني إنما أبغضه؛ لأنه عدو مليكي ومذهبي. فالآن أنا أبغضه؛ لأنه ~~عشيق مادلين، وأسأل الله أن يبقي على حياته إلى أن ألتقي به وأقتله بيدي. ~~- ولكن كيف جرحت؟ ~~- تبعته وما كدت أصل إلى الشرفة حتى انفتح باب غرفة الفتاة مادلين، ثم شعرت بألم شديد ~~في رأسي، فسقطت من الشرفة إلى أرض الشارع ، ولبثت ممددا هناك حتى الصباح. فلما فتح يعقوب ~~لوم مكتبته أبصرني فأدخلني بيته، وعالجتني مادلين من غير أن تتكلم، ولم أخاطبها بكلمة؛ ~~لأنني لم أقو على توبيخها، ولا شك عندي أن الدوق أغراها وخدعها، وقال لها إنه من رجال ~~البلاط دون أن يعرفها بنفسه. # قال لارنودي: إن مصابك يا بلترو يشدد حبل ولائنا واتحادنا، وإنما نحن، أنا وأنت، لا غرض ~~لنا من حياتنا إلا الانتقام لأنفسنا! ~~- هذا صحيح. ~~- لقد أقسمت لي إذ كنا في مدينة نانت على أن تنتقم لي إذا مت قبلك انتقامك لأحد ~~أقربائك. ~~- إني لا أزال على عهدي وقسمي. ~~- شكرا لك، ولست أدري هل نفلح في مشروعنا أم لا؟ غير أن نفسي تحدثني بالخيبة. فإذا ~~هلكت. ~~- أكون أنا حاضرا يا مسيو لارنودي، أما أنا فأشعر أنني لا أموت إلا بعد أن ينتقم ~~لي. # وخرج الرجلان من الفندق للاهتمام بمعدات الهجوم. ~~••• # وبعد رحيلهما ببضع دقائق وقف بغل وحصان بباب الفندق، وكان على البغل امرأة، أما الحصان ~~فكان يمتطيه شاب. فترجل الشاب وأقبل على المرأة فمد إليها يده ليساعدها على النزول. ثم ~~طرق باب الفندق، وطلب غرفة وسريرا وعشاء. فتذمر صاحب الفندق ودمدم ساخطا على الذين ~~يسافرون ليلا إلا أنه لما رأى دينارا وهاجا يلمع بيد الشاب ذهبت عنه كشرته، وبادر إلى ~~الطبقة السفلى من الفندق ليأتي بالنبيذ المطلوب. فلما خلا الشاب إلى المرأة قال لها: ~~قاتل الله زوجك أيتها السيدة! كيف رأى استقدامك من باريس، وقد كنا فيها ms035 على أتم نعيم ~~وسرور، وايم الحق لقد كان في وسعنا أن ندعه وشأنه بضعة أسابيع أيضا. # قالت: لقد أخبرتك يا جاليو أن لهذا الأمر علاقة بحياتنا وثروتنا، فإن زوجي سافر من ~~باريس مسرعا مبادرا إلى البلاط فمنعوه من العودة، فطلب إلي اللحاق به، فهل في ذلك ما ~~يدعو إلى العجب؟ # أجاب: لقد كان يجب على زوجك - أيتها السيدة - أن يفكر في أن السفر لا يخلو من خطر إذا ~~كانت الطرق مزدحمة باللصوص، ولم نصادف منذ هذا الصباح إلا سكارى وجنودا مسلحين ~~وأشرارا كأن ملك إسبانيا محاصر مدينة متس. # 1 # قالت: يظن زوجي أن معي خدما أمناء، ولكن هل خفت أيها الطالب من الرجال المسلحين الذين ~~رأيناهم في طريقنا؟ # أجاب: أنا خفت؟ أنا جاليو دي ترساك أخاف! وحدق في وجه مرسلين، ثم قال: إني أجهل الخوف، ~~ولا أفهم معناه، لكنني أعجب لاجتماع الرجال الذين صادفناهم في الطريق، وأكثرهم مدجج ~~بالسلاح، وبعضهم يقرأ التوراة. # قالت: لعلهم من البروتستانتيين. # أجاب: ما أحسب هؤلاء الوعاظ يتقلدون السلاح، ويسيرون إلى أمبواز، وقد انتقل إليها بلاط ~~الملك، فهم لا يجرءون. # قالت: لا تنظر إلي يا جاليو هذه النظرات. فأنا أعرف أنك باسل، ولكنني أتوسل إليك أن ~~تدع خنجرك جانبا إذا نشب القتال غدا. ~~- وهل ينشب القتال غدا؟ ~~- أنى لي معرفة ذلك؟! ~~- إذن فلماذا تكلمينني عن ذلك؟ # وجاء صاحب الفندق باللحم المقدد والخمر فذاقها جاليو، وقال: إنها خمرة جيدة، وسوف أهدي ~~إليها أستاذي برنابا، ولم يكد يتم هذه الكلمات حتى ضرب باب الفندق، ففتحه صاحبه، ودخل ~~رجل بادن أحمر الوجه صغير العينين. فما كاد يراه جاليو حتى صاح: هذا أستاذي! فأجابه: نعم ~~أستاذك أيها الجاهل! قال: هذه كلمة لا أطيق سماعها يا برنابا، فارجع فيها وإلا تكدرت ~~منك. # أجاب: إني رجعت فيها عن طيبة خاطر. # قال: والآن اجلس أيها العالم الشهير قريبا منا، وحدثنا فإنني لك سامع، واسمح لي بأن ~~أعرفك بأجمل امرأة جلست إلى وجهك القرمزي لأول مرة. # قال: إني لأعجب من مبارحة تلميذي لباريس، وكيف ms036 ألجأني إلى اللحاق به! # قال: كيف لحقت بي؟ # أجاب: إني اكتريت بغلا إلا أنه لطيف فيلسوف. ~~- لقد أثر في هذا البرهان الذي يدلني على ولائك. فاشرب يا أستاذي، والذي أراه أن ~~النعاس قد تغلب عليك، بل أرى البهيم قد نام. # وكان برنابا قد أطبق عينيه وفمه ملآن بما دسه فيه من طعام، وكانت الصبية قد لزمت ~~الصمت أمام الأستاذ. قالت: إني لأخشى أن يكون قد عرفني. فأجابها: لا تخافي، وهبي أنه ~~عرفك فهو كتوم، وقلما يهمه النظر إلى وجوه النساء؛ لأنه لا يحب إلا الكتب والخمر ~~والطعام. ~~- وهل يحبك أنت؟ ~~- على سبيل العادة، فهو قد تبعني؛ لأنه اعتادني، وعلاوة على ذلك فإنه من ألطف الندمان ~~وإن تجاوز الخمسين، وعنده حكايات مطربة على الدوام، وكيس ملآن قد ينفعني عندما ~~أفارقك. ~~- أتروم أن تفارقني يا جاليو؟ ~~- وا أسفاه إنك تصبحين بعيدة عني حالما تدخلين أمبواز. أما الآن وقد وصلت إليها فلا ~~حاجة بك إلى رفيق. فما رأيك إذا رجعت إلى باريس؟ ~~- هل اشتقت إلى ليزة ومارجو؟ ~~- لا، ولكن لأفكر فيك هنالك. أما إذا لبثت وحيدا في أمبواز فإني سأتحرش بالحراس ~~وأقاتلهم تلهبا. ~~- لا حاجة بك يا جاليو إلى مثل هذا التلهي، فإن المرأة لا يصعب عليها أن تلقى من تهواه ~~عندما تشاء، وأنا أهواك كما تعلم. # وهكذا بقيا يتحدثان حتى سمعا غطيط برنابا، فتنبها إلى أن وقت الرقاد قد حان. فاضطجعا ~~وأفاقا على دوي الطلقات النارية، وكذلك أفاق برنابا من نومه، إلا أنه بقي متمسكا به ~~برغم رأي صاحب الفندق ونصحه له بالنهوض. ~~••• # أما لارنودي وبلترو فقد راقبا التأهبات، وكانا قد ركبا جوادين ودارا دورة حول أمبواز، ~~واجتمع المتآمرون في الطرق منتظرين بذاهب الصبر طلوع النهار ليدخلوا المدينة، وبعد أن ~~تحققا أن كل شيء قد أعد كما ينبغي أرادا أن يتعرفا أحوال المدينة، فأبصرا بعض ~~الحراس عند جدرانها يتمشون كعادتهم والأبواب مفتوحة كالعادة أيضا، والسكينة سائدة على ~~المدينة، وأبصر بلترو نورا من خلال نافذة من نوافذ القصر الذي يقيم فيه الملك وبلاطه، ms037 ~~فقال: لا شك أن أمير كوندة ينتظرنا. # فأجابه لارنودي: وعسى ألا يكون هذا النور في غرفة الدوق دي جيز، وألا يكون ساهرا ~~يترقب. # ثم رجعا فألفا ثلاث كتائب، وجعلا عند كل باب كتيبة، ووقف لارنودي في أشد المواقف خطرا ~~عند أحد الأبواب، وعهد إلى كل من بلترو وبول دي رشيان بالوقوف أمام البابين الآخرين، ~~ثم تقدموا. # وكان حاكم أمبواز، وهو الدوق دي نيفار، داخل السور يراقب، فدخل وقتئذ على الملك وصاح: ~~لقد تقدموا أيها الملك! # قال الملك: لا شك أنهم أبناء مذهب كلفين، وزعيمهم لارنودي. # أجاب: إنا نجهل ذلك أيها الملك، ولا ندري سوى أن العدو يدنو منا. # قال: إذن فجردوا السيوف واهجموا على الهاجمين، فهم ألد أعداء مملكتنا! # واستيقظ القصر من رقدته إذ ذاك، ودخلت إحدى الوصائف على الملكة الوالدة تقول لها: إن ~~العصابات المسلحة هاجمة على المدينة، وإنهم من البروتستانتيين. # ثم خرج الملك وعيناه حمراوان يكاد الدم يفيض منهما، وسيفه مجرد بيده وهو يقول: إني لا ~~أرى ابن عمي كوندة، فأين هو؟ # فأجابه أمير كوندة وكان يرى ويسمع قال: إني أعددت أمضي السيوف لمقاتلة أعداء ~~الملك. # وهو لم يكن يجهل أن كل شيء يظهر في بلاط الملك، فقضى ليلته عند عشيقة له في القصر ليبعد ~~عنه الظنون. فقال الملك: إن أشياع مذهب كلفين هاجمون علينا، وهم بضعة آلاف تجرءوا على ~~مليككم، فلا بد من إنفاذ العدل، والمأمول من عمنا الحبيب الدوق فرنسوا دي جيز أن يسير ~~بكم إليهم. # وجرد الأشراف سيوفهم، فقال الملك مخاطبا أمير كوندة: على أبناء أمراء البيت المالك ~~أن يكونوا حضورا ساعة الخطر، وسوف يوليك عمنا الدفاع عن أحد الأبواب. # فأجابه أمير كوندة: إنني أتمنى أيها الملك أن أموت في سبيل خدمتك! # الفصل الثامن # | القتال # في ذلك الوقت نشب القتال، وعلا دوي الرصاص الذي نبه جاليو دي نرساك، ومرسلين، ~~وبرنابا، وللحال غصت شرف الأسوار بالمقاتلين، وتساقط الرصاص مطرا على لارنودي ورجاله، ~~وخر القتلى ركاما. إلا أن ذلك الموت الزؤام لم يثن المتآمرين، بل زحفوا إلى ms038 الأمام ~~حتى وصلت كتائبهم الثلاث إلى خنادق المدينة، وإذا بالأبواب قد انفتحت فجأة، وخرج منها ~~الفرسان جماعات كثيرة فهجموا على المحاصرين، وكان هؤلاء قد نهكتهم مشقات السفر، ورقودهم ~~ليلة ملتحفين السماء، وقلما توقعوا لقاء عدو حازم فتفرقوا في الحال، وكان الدوق دي جيز ~~في مقدمة أولئك الفرسان الذين هاجموا لارنودي ورجاله. فعزم لارنودي على أن يقاتل ~~متقهقرا مع رجاله، فلم يلق السلاح، ولم تتمكن الكتيبتان الأخريان اللتان يقودهما بلترو ~~ودي رشيان من الثبات أمام جنود مستريحين، فتقهقروا كذلك، ووقف جنود الدوق متعجبين من ~~سرعة انتصارهم، غير عالمين أن معظم المتآمرين إنما توافدوا لرفع ملتمس إلى الملك، وكان ~~وقوف جنود الدوق دي جيز سببا في اتحاد المتآمرين والتفافهم حول لارنودي فقال لهم: لا ~~شك أنه كان بيننا خائن سوف نحاكمه فيما بعد، أما اليوم فليس أمامنا إلا القتال ~~متراجعين، فليصرف كل منكم جنوده مجتنبا لقاء جنود الملك، وسوف نلتقي الليلة في ضواحي ~~بلوا، وسيظن الدوق دي جيز أننا انهزمنا، وإذ ذاك نتدبر. # وكان لارنودي يتكلم بلهجة تبعث الطمأنينة في النفوس، إلا أنه أحس بأن الهزيمة تامة ~~فلم يتجرأ على التلفظ باسم أمير كوندة، وهو لا يدري إذا كان قد تخلى عنه أو قبض عليه فهو ~~سجين، وأقبل فرسان الملك، ووصل بعضهم شاهرين سيوفهم، وكانوا عشرين فارسا. # فتواثب بعض السكارى إلى لارنودي، واصطفوا حوله لعلمهم ألا بد من وقوعهم أسرى، ~~ففضلوا السقوط في القتال على عذاب الاستنطاق. فودع لارنودي أصدقاءه، وألجأ بلترو ودي ~~رشيان إلى الرجوع، مبينا لهم أن وجودهما مع الجند مما لا بد منه خوفا من الهزيمة، وكان ~~الفرسان العشرون لا يزالون على بعد خمسين خطوة من لارنودي. # وإذا به قد أبصر الدوق، فصاح الرجال: أطلقوا النار على الدوق! # أما الدوق دي جيز فنادى فرسانه قائلا: إلى الأمام! اقتلوا البروتستانتيين! # ولم يصب الرصاص الدوق، فقال لارنودي: قتله الله ألا يصيب اللعين الرصاص! ألا أطلقوا ~~النار يا قوم مرة ثانية. # ثم تقهقروا شيئا فشيئا حتى وصلوا إلى الفندق. # فصدعوا بالأمر، ولما ms039 انقشع الدخان ظن الفرسان أن جنود لارنودي قد أخلوا لهم الطريق، ~~فقال أحدهم - وهو البارون دي برداليان من رجال الدوق: تبا للجبناء فقد هربوا. # فأجابه الدوق: كلا، لم يهربوا فقد أبصرت لارنودي في طليعتهم، ولارنودي لا يهرب دون أن ~~يقاتل بسيفه. # وقبل أن يصل الفرسان إلى مقربة من الفندق اعترضتهم مركبة يجرها جنود لارنودي. # وكان المقيمون في الفندق يراقبون المعركة بقلق، وقد وقفت مرسلين إلى كوة تنظر منها إلى ~~القتال، والفتى جاليو دي نرساك بقربها يتلظى شوقا إلى مساعدة لارنودي. أما صاحب الفندق ~~فقد أوى إلى زاوية يبكي ويلعن رجال الحرب، وكذلك الأستاذ برنابا فقد توسل إلى تلميذه ~~طالبا إليه أن يرافقه إلى الطبقة السفلى من الفندق ظنا منه أن رصاص المتقاتلين لا يصل ~~إلى تلك الطبقة، وقعد هناك يطالع أشعارا من نظم سنيكا موضوعها احتقار الخطر. # وأمر الدوق دي جيز برداليان بأن يدور حول الفندق ويهاجم مؤخرة لارنودي، ولحق بالفرسان ~~بعض حملة البنادق من جنود الملك فمروا بين الخيل، وبات هكذا لارنودي بهذه الحركة التي ~~أتاها برداليان محاطا بالسيوف والبنادق. # وشاهد جاليو دي نرساك كل ذلك، فقال: لا شك أن هذا الشريف شجاع، وحرام أن يقتله الجنود ~~دون أن يساعده أحد. فتشبثت مرسلين به تقول له: بحقك يا حبيبي جاليو لا تذهب. # قال: لا تحاولي أن تمنعيني، بل البثي ها هنا، ولا خطر عليك. إني عزمت على ~~القتال. # وفيما كان جاليو نازلا سمع طلق البنادق، وقد خر رفاق لارنودي قتلى إلا أنه هو بقي ~~واقفا مستلا سيفه منتظرا من يهجم عليه. فناداه جاليو، صبرا أيها الرجل الشجاع فإني ~~آت لنصرتك! # ووثب وثبة صار بها إلى جانبه، واختطف سيفا من يد رجل بروتستانتي كان مع لارنودي، وصرخ ~~في وجوه فرسان الدوق قائلا: ويحكم يا لئام ألا تخجلون وأنتم عشرون من مهاجمة شريف ~~واحد؟ # فاستضحك الفرسان إلا أنهم لم يأتوا بحركة، وكانت الطريق ضيقة، ومن يتقدم يخاطر بجواده ~~ونفسه، وصاح الدوق: بادروا إلى قتل هؤلاء البروتستانتيين! # فأجابه جاليو: أما أنا فلست ms040 منهم أيها المولى. # قال: إذن ما شأنك معهم؟ # أجاب: إني أقاتل مع الأضعف، وهو من تروم اغتياله. # ثم خفض صوته، وقال للارنودي: إن جوادي في فناء الفندق فخذه واهرب من الباب الخلفي؛ إذ ~~ليس عنده أحد فتنجو، أما أنا فإنني فتى ولا يفتكون بي. # إلا أن لارنودي لم يتمكن من الجواب على هذه الكلمات؛ لأن البارون برداليان حمل بندقيته ~~وأقبل، فأطلق النار على صدره فسقط صريعا على جثة لافين صاحب سره، وكان قد جرح قبل ذلك ~~وأغمي عليه. أما جاليو فما برح مجردا سيفه شاتما الفرسان، فقال الدوق دي جيز: هاتوا ~~هذا الغلام إلى أمبواز. # ولكن لم يكن إنجاز ذلك الأمر من الهنات الهينات. ففيما كان الدوق دي جيز يطارد الهاربين ~~هجم البارون برداليان على جاليو، فما لبث البارون أن أصيب بجرح في كتفه من سيف جاليو. ~~فأمر رجاله بإطلاق النار على خصمه، إلا أن جاليو كان مغرما بضرب السيف كارها للطلقات ~~النارية، فدخل الفندق، وأقفل بابه، فوجد مرسلين أمامه تتوسل إليه وهي تكاد تموت رعبا. ~~فسار بها إلى بستان الفندق، وكان جواده هناك فركبه وأركب مرسلين أمامه. وفيما كان ~~برداليان يقتلع باب الفندق مع رجاله فر جاليو من باب البستان. ~~••• # وهكذا كان هلاك المتآمرين على يد الدوق دي جيز، فامتزجت دماؤهم بمياه نهر اللوار، ودام ~~الذبح والتقتيل حتى امتد ستر الظلام، وكان الجنود يسوقون الأسرى إلى المدينة أفواجا. # أما أمير كوندة فلم يفارق الموضع الذي أقامه فيه الدوق دي جيز بأمر الملك، ولم يتجرأ ~~على مخاطبة أولئك الأسرى؛ لأنه كان يتوق إلى معرفة ما جرى للارنودي، ولا يدري هل قتل ~~وضاع كل أمل؟ وفيما هو يفكر أبصر جاليو دي نرساك مقبلا وأمامه مرسلين على الجواد منقبة ~~الوجه. فلما اقترب جاليو سدد إليه أحد الحراس بندقيته، وقال له: أأنت من أنصار القداس أم ~~من أنصار الوعظ؟ # والمراد بأنصار القداس الكاثوليكيون، وبأنصار الوعظ البروتستانتيون. # فارتبك جاليو من هذا السؤال، لكنه وقف وصاح: ليحي الملك! # وإذ ذاك رأى فارسا أعرج يأمر الفرسان ms041 وينهاهم وهو لابس أفخر اللباس، فعلم أنه أمير ~~كوندة، فصاح أيضا: ليحي الأمير! # فرفع رأسه، وقال: دعوه يدخل. # فقال الحارس: لعله يا مولاي أحد المتآمرين. # وهكذا دخل جاليو المدينة مع مرسلين زوجة المحامي أفنيل، ولم يكد يسير قليلا حتى سمع ~~وقع خطى وراءه، فانثنى فرأى الأمير يشير إلى زقاق فدخله فتبعه إليه، وقال له: أتدري ~~ماذا جرى في الطريق؟ # أجاب: لقد قدمت البلد، ونزلت في أول فندق إلى يسار المدينة، وأيقظني في الصباح دوي ~~رصاص البنادق، فأبصرت جنودا وقرويين مسلحين، وهم قاصدون إلى المدينة، وما لبثوا أن ~~دحرهم فرسان طلعوا عليهم فجأة. ~~- هل رأيت قائد أولئك القرويين والجنود؟ ~~- رأيت شريفا باسلا قد سقط وقت تقهقرهم، ولا أدري إذا كان رئيسهم. ~~- صفه لي. ~~- إنه طويل القامة، على وجهه أمارات العزم، أسود الشعر يخالطه بياض. # فخفض كوندة صوته، وقال: لعله هو، فهل مات؟ ~~- نعم عند قدمي. ~~- هل كنت في جملة المقاتلين؟ ~~- لا، ولكنني رأيت ذلك الشريف الباسل وحيدا يقاتل عصبة، فنزلت من الفندق لمساعدته ~~عليهم. ~~- وكيف نجوت منهم؟ # فضحك جاليو، وقال: لقد كانت نجاتي بأعجوبة. ~~- مع صاحبتك هذه؟ ~~- نعم. ~~- ما اسمك؟ ~~- جاليو دي نرساك طالب في كلية السربون. ~~- إذن تعال غدا يا مسيو دي نرساك إلى القصر، واطلب مقابلتي فيه، فقد أكون محتاجا ~~إليك. ~~- ليت لي نصيبا في خدمتك يا مولاي؛ لأن نفسي لا تميل إلى تلقي العلوم ودرس اللاهوت كما ~~يروم أهلي. ~~- أتفضل تقلد السيف؟ ~~- نعم يا مولاي. ~~- إذن إلى الغد. ~~- إلى الغد يا مولاي. # وأوصل مرسلين إلى زوجها في القصر، أما هو فاتجه إلى فندق ودخله، فأكل وشرب وقعد يفكر، ~~فخطر في باله أستاذه برنابا، فقال: ماذا جرى له يا ترى؟ وكان جاليو يحب برنابا فلم ~~يتمالك أن فارق الفندق ومضى يبحث عنه. # قلنا إن ذلك الأستاذ اختبأ وقت المعركة في الطبقة السفلى. فلما سمع الجنود يقولون: «أين ~~ذهب الطالب اللعين؟ فلا بد من قتله!» قال برنابا في نفسه: لقد أمنت عليه الآن، وصبر ~~حتى خلا الفندق من الجند فصعد ms042 إليه، ولما رآه صاحبه قال له: أأنت هنا؟ # فأجابه: إني أجتنب كل فرصة تسنح لسفك دماء الناس، فأين الطالب الفتى؟ # قال: لقد مضى دون أن يدفع إلي مالا فلا بد من أن تدفع أنت، بل تدفع عن سائر الناس. ~~فإن مركبتي تحطمت، وبابي اقتلع، وجملة ما أطلبه منك عشرة ريالات، فلا تخرج من هنا إلا ~~بعد أداء هذا المبلغ. # وكان القدر كبيرا، والأجرة كثيرة بالقياس إلى مبيت ليلة على كرسي في بدروم الفندق، ~~إلا أن برنابا دفع المبلغ لشدة مسالمته، وقال : هل تدري إلى أين اتجه صديقي الفتى؟ # أجاب: أظنه مضى إلى أمبواز. # قال: شكرا لك. # وسار برنابا فالتقى بجاليو عند أبواب المدينة فهنأه بالسلامة، ثم قال له: ما هذا الجنون ~~الذي دهاك؟ أتلقي بنفسك إلى التهلكة؟ # أجاب: سوف تلومني فيما بعد يا أستاذي، أما الآن فأنت جائع عطشان، إلا إذا كنت قد تناولت ~~شيئا من المخزون في الطبقة السفلى التي كنت فيها. # قال: لم أذق طعاما منذ صباح اليوم، فهل تعرف فندقا صالحا؟ # وبعد نصف ساعة كان برنابا يلتهم دجاجة، وينظر مليا إلى زجاجة أمامه من خمر بورجونيا. ~~فقال لتلميذه: هل عقدت النية على ترك المدرسة؟ فأجابه: نعم، يا أستاذي. قال: لم ذاك! ~~أجاب: لأنني أريد أن أكون من رجال الأمير كوندة. قال: أتعني ذلك الأحدب?! وأي نفع لك من ~~خدمته؟ أجاب: نعم، إنه أحدب، ولكنه أشجع من الدوق دي جيز عم الملك، ومحبوب من نساء ~~البلاط جميعا. # وقال برنابا: إن المرأة مخلوق بديع يوجد في أبخرة الخمر المعتقة كما يوجد في أروقة قصر ~~اللوفر. ألم تفدك مني القدوة الصالحة؟ ألم تنفعك آرائي السديدة حتى أردت الرجوع عن العيش ~~الرغيد، عيش العلماء؟ أتقر عيناك بالاضطجاع على الثرى البارد حينما أكون متمددا على ~~سرير جيد وفراش لين؟ أيطيب لك القتال وتلقي ضربات السيوف حينما أكون مستلقيا على ~~كرسي واسع مريح من خشب السنديان أطالع قصائد ونزار؟ أنت تعلم أن التعرض للحرب والنضال ~~يقضي عليك أحيانا بالامتناع عن الأكل أو باتخاذ ms043 خبز القروي قوتا، في حين أن مائدتي ~~مغطاة على الدوام بغطاء أبيض كالثلج، عليه قناني الخمر المعتقة والثمار الناضجة ~~واللحوم الطيبة وغيرها من المآكل الشهية، فهل تستطيع يا جاليو أن تهجر ذلك كله، وتقاسي ~~شظف العيش؟ # قال جاليو: أصغ إلي يا أستاذي؛ لأني أريد أن أسترشد برأيك. قال: تكلم. قال: إني أهوى ~~امرأة حسناء منذ بضعة شهور. قال الأستاذ: قد عرفتها فهي زوجة المحامي! قال: لقد سمعت ~~كلامك يا أستاذي دون أن أسبقك بالكلام، فاسمع كلامي إلى آخره. إني أهوى امرأة حسناء كتب ~~إليها زوجها وهو في أمبواز يستقدمها إليه فصحبتها إلى هنا، ونزلنا في فندق، واستيقظنا ~~عند الصباح على وقع الرصاص، فبادرت أنت إلى القبو مختبئا فيه، ولبثت أنا عند النافذة، ~~فشهدت قتالا بين جماعة من الفرسان، ورجل واحد، فأسرعت إليه لأسعفه. # فقال برنابا: وأخطأت يا جاليو؛ إذ إن الأقوى يستحق الاحترام. # قال جاليو: إن الرجل قتل أمامي، وأراد قاتله الفتك بي فضربته بسيفي واحتجبت عنه. قال ~~الأستاذ: وأحسنت باحتجابك فقط، قال جاليو: ولما وصلت إلى أمبواز أمر أمير كوندة بدخولي ~~البلد، وطلب مني أن أذهب إلى القصر فألقاه فيه. فوعدته بما شاء، وتوسلت إليه أن يستخدم ~~سيفي. قال: ومتى تمضي إلى القصر? أجاب: غدا، وإن طالبا صغيرا مثلي لا يقوى على مقاومة ~~مثل ذلك الشريف الذي جرحته اليوم. أما إذا كنت من رجال أمير كوندة فلا يصعب علي الدفاع ~~عن نفسي. قال برنابا: هذا كلام يقارنه الصواب يا بني، ولكن بقي أمر لم تفكر فيه، هو أن ~~والدتك لا توافق أبدا على احترافك حمل السلاح. # قال: ولكنك ستكتب إليها يا أستاذي. # قال: أأكتب إليها أنك تروم استبدال طيلسان الراهب بتقلد السلاح؟! # أجاب: نعم يا أستاذي الحبيب. نعم، تكتب إليها ذلك حبا بي، وتؤكد لها أنني أحسنت ~~عملا. # قال: كيف ذلك، وأنا لست على رأيك؟ # أجاب: دعني أيها العزيز أملي عليك الرسالة التي ستكتبها إلى والدتي، وأما أنت فما عليك ~~إلا أن تذيلها بتوقيعك. # قال: وأنا فماذا أصنع عندما ms044 تصير واحدا من رجال البلاط؟ # أجاب: أزورك مرة في كل أسبوع، وكلما زرتك تعد طعاما فاخرا، وشرابا طيبا في أقداح من ~~أفخر البلور. # الفصل التاسع # | جيز وكوندة # وفي اليوم التالي كان البارون دي برداليان - من رجال الدوق دي جيز - وهو الذي ضربه ~~جاليو بسيفه، طريحا على مقعد أمام نافذته في القصر يلعن سوء حظه، فأبصر شابا قد دخل ~~القصر وهو متهلل الوجه، وفيما كان يسأل نفسه: أين لقي ذلك الشاب؟ رآه قد مال إليه، ~~وحياه تحية حسنة، وقال له: عفوا يا سيدي، هل لك في أن تدلني على مسكن أمير كوندة؟ ~~فأجابه: اصعد في السلم الكبير الذي تراه هناك، فإن منازل الأمير في الطبقة ~~الأولى. # قال: إني خادمك يا سيدي، وأشكرك كثيرا. ~~- ليس في الأمر ما يوجب الشكر، ولكن هل لك في أن تشرفني بمعرفة اسمك الكريم؟ أجاب: ~~اسمي جاليو دي نرساك يا سيدي. # قال: وأنا اسمي البارون دي برداليان. # قال: أرجو أن تعدني في جملة أصدقائك أيها البارون. # وبعد هنيهة صاح البارون، يالله هذا هو الطالب الذي ضربني بالأمس، وألجأني اليوم إلى ~~ملازمة هذا الكرسي. إلا أنه كان بالأمس لابسا ثوب طالب من مدرسة السوربون، أما اليوم ~~فهو يلبس لباس ظرفاء البلاط، ويذهب ليلقى أمير كوندة. فالمسألة غامضة. # وكان جاليو قد وصل إلى منازل الأمير وهو لا يدري ماذا يفعل، وكان الأمير يروح ويجيء في ~~غرفته، وقد علم أن لارنودي مات، وأن المتآمرين تفرقوا، فكان ينتظر بذاهب الصبر أن يرى ~~الملك، ليتحقق أنهم لا يتهمونه بالاشتراك مع المتآمرين. فلما وقع بصره على جاليو قال له: ~~ادخل أيها الطالب، أجاب: إني أتيت عملا بأمر مولاي. قال: هل تعرف اسم الرجل الشريف الذي ~~سقط قتيلا أمامك أمس؟ أجاب: لقد بلغني اليوم أنه يدعى المسيو دي لارنودي. قال: ولماذا ~~دافعت عنه؟ أجاب: لأنه كان واحدا يقاتل عشرين. # فنظر الأمير إلى جاليو مدهوشا فقال له: إذن أنت فتى شجاع كريم. # أجاب: إني من الأشراف يا مولاي، وكل الذين دعوا باسمي شرفوه بأعمالهم. قال: ms045 إن البارون ~~دي برداليان حانق عليك. أجاب: لست أعرفه. قال: هو الذي جرحته أمس. # فضحك جاليو. فقال الأمير: أراك راغبا في دخول البلاط، وقد استبدلت ثوب الطالب بثوب ~~آخر. أجاب: لولاك يا مولاي لربما تم قتلي على يد جنود الدوق دي جيز، فدعني أصير من ~~رجالك! # أجاب: لقد سرني ذلك منك يا دي نرساك، ولكنك تدري أنني لست ذا سلطة كبيرة، وإنك ربما ~~اضطررت إلى القتال لأجلي. ~~- إنما أردت الانضمام إليك يا مولاي لرغبتي في القتال. # فقال الأمير: إني ذاهب للتسليم على الملك، فإذا صحبتني ربما التقيت بالبارون دي برداليان، فلا أرى لك أن تفارق مسكني، وسأرجع لألقي إليك بعض الإيضاحات. # ومضى الأمير إلى الرواق الأكبر، وقد اجتمع فيه البلاط. فلاحظ لساعته إعراض رجال الحاشية ~~عنه كأنهم خافوا الافتضاح إذا أقبلوا عليه، وإذ ذاك نادى الحاجب بقدوم الملك. # فتقدم فرنسوا الثاني تتبعه الملكة الوالدة وعماه الدوق دي جيز والكردينال دي لورين، ~~وهما على بعد قليل عنه، فقال الملك: لقد رأيتم العصاة أيها السادة يرفعون علم الثورة، ~~ويمشون إلى أمبواز، وإنما تفرقوا وانهزموا بحسن فراسة عمنا العزيز الدوق دي جيز، ~~وبالتدابير التي اتخذها، وقد أسرنا منهم عددا كبيرا، ولسوف يستنطقون حتى نعرف منهم اسم ~~زعيم الثورة؛ لأنهم إذا ثبت أن قائدهم كان يدعى المسيو دي لارنودي، وهو الرجل الذي كان ~~ابن عمنا كوندة نصيره في كل زمان ومكان، فمما لا ريب فيه أيضا أن ذلك الرجل لم يتجرأ ~~على مباشرة مشروعه لو لم يجد عضدا أعظم منه. # وهنا رشق الملك أمير كوندة بنظرة بغضاء، وكان الأمير يسمع وكأن الحديث لا يعنيه، ~~وتحولت إليه الأنظار، واتسع نطاق الفراغ بينه وبين بطانة الملك، فقال الملك: إن خادمنا ~~الأمين البارون دي برداليان قد تمكن من قتل الثائر لارنودي، وإلحاقه بأخيه جسبار، ولما ~~رأينا جرأة بعض رعايانا قد تعاظمت، لم نجد بدا من توسيع سلطة عمنا دي جيز، وهو الذي ~~دافع عنا ببسالته المشهورة. وقد كتبنا له براءة في هذا اليوم، وخولناه بها النيابة ~~العامة ms046 على مملكتنا فرنسا، وأمرنا رعايانا الأمناء المخلصين بأن يساعدوه على أعدائنا ~~وأعداء ديننا. # وأقبل الملك يتحدث مع عمه دي جيز عاطفا عليه، ثم دخل حجرته بعدما أعلن أنه ذاهب للتنزه ~~في البرية بعد ظهر ذلك اليوم. # فلما ارتفعت الشمس في قبة الفلك خرج الملك، وتبعه بلاطه فاجتاز الموكب ساحة البلد، ~~وارتفعت أصوات المرتاعين؛ لأنهم أبصروا في تلك الساحة آلات الإعدام، والحراس يقودون ~~إليها الأسرى، ويقتلونهم دون محاكمة. فقال الملك: إن الجلاد قد عاني اليوم تعبا فمر ~~بإعطائه خمسين دينارا مكافأة له . # وقيل للجلاد إن قتل الناس من غير محاكمة خارج عن القانون. فأجاب: إنهم لصوص، ونحن ~~نقتلهم بقطع رءوسهم كما نفعل بالأشراف فلا يحق لهم أن يشكوا. # وقال الدوق دي جيز للملك فرنسوا الثاني: كذلك يهلك أعداء مذهبنا وأعداء الملك! # وتجرأ أمير كوندة وحده على الكلام، فصاح: إن هذه المذبحة فظيعة جدا! # وكان بلاط الشوارع مصبوغا بالدم، والجثث مطروحة في كل مكان، وقد انتهزوا من ظلام الليل ~~فرصة فذبحوا عددا وفيرا من الأسرى. ولما خرج الموكب من المدينة، وأمكن أن يروا قسما ~~من أسوارها دنت كاترين من ابنها، وقالت له: انظر أيها الملك! # وأرته الأسوار، وقد اتخذ الجلادون شرفاتها لحبال الشنق، فأبصر جثثا قد جردت من ~~الملابس تتأرجح في الفضاء. # وحجبت الملكة الوالدة وجهها براحتيها، وهي تكرر قولها: انظر أيها الملك! # فقال لها: ألا ينبغي أن نعاقب الثائرين يا أماه؟ # فأجابته: ولكنهم على كل حال رعاياك، ولسوف تحتاج إلى سواعدهم في يوم نضال. # قال: إن أشرار الرعايا لا يصلحون للجندية. # ولقد توسلت الملكتان إلى الملك كثيرا طالبتين إليه أن يأمر بالكف عن ذبح الناس، فلم ~~تفلحا إلا في اليوم التالي. فلم ينج من القتل إلا عدد قليل من هؤلاء التعساء. # الفصل العاشر # | موعد غرام يتحول إلى بعثة سياسية # ولما رجع الملك من نزهته قصد الدوق دي جيز البارون دي برداليان ليشكره على قتله أردنودي ~~فألفاه كثير الامتنان من انعطاف الملك فرنسوا الثاني ومدحه إياه. ثم قال له الدوق: ~~أخبرني ماذا ms047 فعلت بالطالب الذي ضربك بسيفه؟ قال: إن اللعين قد فر مني، ولكنني سأدركه ~~في القريب العاجل؛ لأنه موجود هنا في القصر. # قال: وكيف ذلك؟ # أجاب: إنه عند الأمير! # فبهت الدوق دي جيز، وصاح: إذن فقد كان ذلك الفتى من رسل الأمير كوندة! ألا قل لي يا ~~برداليان، أقادر أنت على المشي؟ # أجاب: نعم، إذا كان القصد منه خدمتك وخدمة الملك! # قال: إذن تعال معي وعجل. # فسار به الدوق إلى حجرة فرنسوا الثاني، وكرر على سمعه شكوكه، فتململ الملك، وأجاب: سوف ~~نتكلم عن ذلك غدا يا عماه، أما في هذه الليلة فإنني أروم محادثة الملكة، ولك أن تقيم ~~حراسا على أبواب أمير كوندة ريثما نرى. # وفيما كان الدوق وبرداليان خارجين من حجرة الملك أبصرا شابا مر بهما، وهو يحاول أن ~~ينزل قبعته على وجهه، فقال برداليان بصوت منخفض: هذا هو يا مولاي. # وكان الشاب جاليو، وهو مبادر إلى موعد من مرسلين، فاختبأ الدوق والبارون في موضع مظلم، ~~ثم تبعاه، فنزل جاليو إلى سلم الحراس، وألقى كلمة المرور وخرج من القصر. # فقال الدوق لبارداليان: ألا تخاف من جرحك؟ # فأجابه: أظنه يندمل تماما إذا تمكنت من إمساك هذا الفتى الأبله. # قال: لا ينبغي لنا قتله، ولكن يجب أن نعرف المكان الذي يقصده. # وسار جاليو إلى الفندق والرجلان يتبعانه، فلقي أستاذه برنابا، فقال له: إني بحاجة إلى ~~غرفتك يا أستاذي. ~~- ألا تزال مشغولا بالحسان يا أيها التلميذ الصالح؟ ما أظنك إلا مقتولا ذات يوم ~~بكيدهن. ~~- بل ذات ليلة. ~~- بل ذات ليلة، ولكن ماذا أفعل أنا إذا تركت لك غرفتي؟ ~~- تشرب زجاجة، وتنام. ~~- أأنام على المائدة؟ ~~- بل حيث تشاء، ولكن عجل هذه حبيبتي أقبلت! # وعاد يستقبل مرسلين، فأصعدها السلم قبل أن يتمكن الدوق والبارون من التفرس في وجهها. ~~بل لبث الرجلان يرصدانه في زاوية القاعة حتى نزل هو ومرسلين. وكان برنابا قد تنبه ~~إليها وهو متظاهر بالنوم، فأنذر جاليو وقال له: إن هذين الرجلين جاسوسان فحذار ~~منهما. # فارتعد جاليو خيفة أن يكون أحد الرجلين أفنيل ms048 زوج مرسلين. فلما لم يخاطباه اطمأن قلبه، ~~وقال في نفسه: إنهما يرصدان غيري. إلا أنه عقد النية على أن يضلهما في الطريق من الفندق ~~إلى القصر، وأدركت مرسلين مراده فلم تتلفظ بكلمة، وسارا معا، وكان الرجلان يتبعانهما، ~~وتبين لجاليو أنهما لا يتحولان عن اللحاق به، فلم يجد بدا من أن يلجأ إلى أيسر ~~الوسائل، وهي أن يقصد إلى القصر، ويفترق عن مرسلين قبل الوصول إلى بابه، فتدخل وحدها، ثم ~~يدخل وحده كأنما لا أحد يتبعه. # وقال الدوق: أظنه قد وقع بين أيدينا في هذه المرة. # وأوسع الخطى ليدخل القصر وقت دخول جاليو، إلا أن هذا سمع وقع خطى الرجلين وراءه، فما ~~كاد يبلغ فناء القصر حتى اختبأ وراء عمود، وكانت مرسلين قد وصلت إلى مخدعها من غير عائق، ~~وأخذ الدوق وبرداليان يبحثان عن جاليو ويسألان الحراس، فلم يعرفا عنه شيئا، وطافا في ~~فناء القصر مرارا، ثم اتجها إلى السلم، وإذ ذاك ترك جاليو مخبأه، واقتطع قطعة من ردائه، ~~فلف بها حذاءيه لكي لا يسمع لخطاه صوت، وتبع الدوق والبارون برداليان حتى رآهما وقفا ~~بباب أمير كوندة، وأبصر أحدهما يلصق عينه بثقب الباب، وسمعه يغمغم ويقول: لا صوت ولا ~~ضياء، فقد احتال الخبيث علينا ونجا منا. # واستمرا سائرين في الرواق حتى وصلا إلى باب عنده حارسان، فقال الدوق: هل رقد الكردينال؟ ~~فأجابه أحد الحارسين بقوله: كلا يا مولاي. فدخلا غرفة الكردينال، وصبر جاليو وقد سمع قول ~~الحارس «يا مولاي» مخاطبا الدوق، وأبصر الرجل الآخر يرفع يده إلى كتفه متنهدا متوجعا، ~~فعلم أنهما الدوق وبرداليان. وبعد هنيهة رأى الحارسين قد غلبهما النعاس، فلم يتردد، بل ~~مشي ولا صوت يسمع لقدميه لالتفاف حذاءيه بالنسيج حتى وصل إلى الباب فرآه غير موصد ~~بمفتاح، وحمله الفضول على فتحه فسمع صوتا واسم أمير كوندة يتردد في أثناء الحديث، إلا ~~أنه لم يفهم ما يقال. فدخل وأقفل الباب وجعل خنجره بيده، واتجه إلى ستر من القطيفة يفصل ~~بين الإيوان الذي وصل إليه، والحجرة التي صدر منها الصوت، ms049 وهنا وقف مرهفا للسمع أذنيه، ~~وكان الدوق وبرداليان يحدثان الكردينال بما رأيا، فقال الكردينال: الراجح أن ذلك الشاب ~~جاسوس للأمير، وأن المرأة التي اجتمع بها في الفندق إحدى وصائف كاترين، وأنها استخدمتها ~~للمراسلة بينها وبين أمير كوندة، والآن شكرا لك يا برداليان فاذهب؛ لأن لي حديثا ~~طويلا مع الدوق. وعند ذلك صاح الدوق بحدة يقول: ما بالك يا أخي، وهل من حاجة بنا إلى ~~برهان آخر يشهد باجترام الأمير؟ الرأي عندي أن نضرب أعداءنا قبل أن يشتد ساعدهم، ويصيروا ~~قادرين علينا فيضربونا. ~~- إن ناظر أختام الدولة والقائد الأكبر لضابط الملكة لا بد أن يكونا من أعدائنا ~~أيضا. ~~- لنضرب أولا ابن عمنا كوندة، أما الآخران فسوف نهتم بهما فيما بعد، ولئن كنت على ~~رأيي دعني أشكوه غدا في مجلس الملك فيدعوه إليه، وإذ ذاك يسهل علينا القبض عليه، ومعلوم ~~أن جميع رجاله مبتعدون الآن عن البلاط. ~~- هذا هو الرأي الصواب. فأنا أنتظر كاترين، وأسبر غور نيتها، ولئن رأيت فيها أقل رغبة ~~في تعضيد الأمير هاجمناه كما تقول. ~~- إلى الغد يا أخي، ومضى الدوق. # وقد تأثر جاليو من سماعه هذا الكلام، وكان من أسرار الدولة وقتئذ، وفيما هو يهم ~~بالانصراف انفتح باب خفي في الجدار فبادر إلى الاختباء مرة ثانية وراء ستر القطيفة. ثم ~~أبصر امرأة، وإذ ذاك قام في سريرته نضال انتهى بقوله لنفسه: إذا انطوى حديث الكردينال مع ~~هذه المرأة على غرام ومطارحة، غادرتهما وشأنهما، وإذا كان فحواه سياسة لبثت أسمع خدمة ~~لمصلحة الأمير، وتلقى الكردينال تلك المرأة بقوله: لقد كنت أخشى ألا تأتي ~~الليلة. # فأجابته: إن في محادثتي لرجل فاضل مثلك سروري الأوفر، ولا سيما إذا شاورتك فيما يعرض ~~لي، ويؤثر في من الأفكار. # فرفع الكردينال صوته، وقال: كنت خائفا ألا تأتي أيتها السيدة؛ لأن أسقف شارتر # 1 # في المدينة على ما قيل لي. ~~- وأي شأن لي مع أسقف شارتر؟ ~~- لقد أحببته أيتها السيدة. ~~- هل تظن ذلك أيها الكردينال شارل؟ ولعلك على صواب. إنما تذكر أمرا هو أنه لا ms050 ينبغي ~~للعاقل أن يناقش الحساب امرأة على ماضي حياتها. ~~- لو علمت بأنك مقيمة على حبه حتى اليوم لسعيت إلى قتله. ~~- بغير محاكمة؟ ~~- بغير محاكمة. ~~- أنعم بها من وسيلة حسنة للتخلص من الناس، ولكن لم ذلك؟ ~~- لأنني أهواك أيتها السيدة، وأنا غيور! ~~- هذه أشياء هائلة تبوح لي بها، فهلا لاحظت ولدي وعبوسه اليوم؟ ~~- إن حبه للدين يهيجه كثيرا. ~~- إن أخاك استخدم ذلك الحب الديني للفتك بجميع أصدقاء ابن عمي أمير كوندة، وهو عمل ~~غير حميد! ~~- بل هي حرب صالحة، فهل تحبين أمير كوندة ؟ ~~- كلا، وهل أهتم بالسياسة؟ إني لا أفهم شيئا من أنظمة الحكم، ولكنني رأيت الدم ~~المهراق غزيرا. ~~- إنه دم أعداء الكاثوليكيين. ~~- بل دم الفرنسيين يا كردينال، ولو كنت في مكانك لأشرت على الملك بالرأفة. ~~- أترانا نتكلم الآن في السياسة. ~~- لا، ولكنني امرأة فأنا أتكلم بما يشعر به فؤاد المرأة. ~~- أترومين أن أعضد الأمير؟ ~~- ولماذا تسألني هذا السؤال بشأنه دون سواه؟ فهل يخشى عليه من أحد؟ ولقد تلفظت كاترين ~~دي مدسيس بهذه الكلمات دون أدنى اكتراث، فقال الكردينال في نفسه: إنها لا تعرف شيئا، ~~ولا ترتاب في شيء. # وقالت كاترين أيضا: دعنا من هذه الشئون السياسية، ولنتكلم كلام الفلاسفة الحقيقيين عن ~~خبث الرجال وغدر النساء. # وهنا لم يشأ جاليو أن يسمع أكثر مما سمع، فخرج على مهل فمر بين الحارسين الراقدين، ~~وقصد إلى منزل أمير كوندة فأطلعه على ما جرى أمامه، فقال له: هل أنت على يقين؟ فأجابه: ~~على أتم يقين يا مولاي. قال: إذن غدا أكون سجينا؟ # أجاب: نعم، إلا إذا سافرت يا مولاي. # قال: وماذا قالت الملكة الوالدة عندما كلمها الكردينال عن مهاجمتي؟ # أجاب: لا شيء يا مولاي، بل رأيتها تبتسم كأنها سمعت حديثا عن حلية نفيسة. # فقال الأمير في نفسه: أتتركني هي أيضا؟ وهل نسيت أن مرافقنا واحدة؟ ألا تبا لهذا ~~البلاط اللعين، بلاط المكر والماكرين! # وإذ ذاك سمع جاليو صوتا خفيفا، فمال إلى الموضع الذي صدر منه الصوت، فأبصر ورقة صغيرة ~~فالتقطها، وقدمها إلى الأمير قائلا: ms051 هذه الورقة لمولاي ولا ريب. فتناول أمير كوندة ~~الورقة، وطالع فيها هذه الكلمات! # حذار لنفسك واهرب إذا قدرت! # كاترين # فتهلل وجه الأمير، وقال: لقد أخطأت في ارتيابي بكاترين، فهي مخلصة للأسرة ~~المالكة. إذن إلى الغد يا ابن عمي دي جيز، وأنت يا جاليو اذهب فنم هنيئا، فلست تدري إذا ~~كنت تنام غدا. # قال: إنني أرحب بالقتال منذ الآن. # واضطجع جاليو في غرفة مجاورة لغرفة الأمير. # الفصل الحادي عشر # | مجلس الملك # ولما استيقظ جاليو كانت الشمس قد دخل نورها مخدعه، ففتح عينيه وسمع قائلا يقول له: ~~يلوح لي يا عزيزي جاليو أنك تحب الفرش الوثيرة التي في بلاط الملك؟ # فأدار وجهه فأبصر البارون دي برداليان عند مدخل الغرفة ينظر إليه نظرة الساخر المتهكم، ~~فلم يقطب وجهه، بل أجابه: إني على الدوام أحب الفرش الوثيرة. ~~- رأيي ألا تزدري فرش الفنادق. ~~- نعم إذا كنت على سفر، ولكن يلوح لي أنني تشرفت قبل الآن بلقائك. ~~- صدقت، فإنك رأيتني ثلاث مرات. ~~- ألم أستعلم منك عن طريقي حين وصولي إلى القصر؟ ~~- نعم، وهي مرة واحدة فقط. ~~- لست أذكر غيرها. ~~- عجبا لمن كان في سنك، ويفقد ذاكرته! ~~- لعل ذلك من التربية والعادة، ولكن تفضل بالدخول إلى هنا. ~~- كلا، فإني لا أستطيع التقدم. ~~- وأي مانع يمنعك؟ ~~- إني مقيم هنا على حراستك، ولا يحق لي الدخول على منزل الأمير. ~~- مقيم على حراستي أنا؟ فهل صرت من القواد العظام حتى صرت أنت حارسا عندي؟ ~~- ربما كان ذلك. ~~- تكرم بالإيضاح. ~~- إن الملك أمرني بالوقوف هنا لأمنعك من الخروج، وهكذا لم يبق لك من رجاء في مواعدة ~~وصائف الملكة، ولا في التنزه في المدينة. ~~- أنت يا سيدي تنم على وصائف الملكة. ~~- وكيف ذلك، فهل نسيت أيضا موعدك ليلة أمس؟ ~~- موعدي ليلة أمس؟ ~~- لا تمزح فقد خرجت أمس من القصر. ~~- أنا؟ ~~- إني رأيتك بعيني. ~~- أهذه إحدى المرات الثلاث التي رأيتني فيها؟ ~~- نعم أيها الطالب. ~~- أنت واهم يا سيدي فلست طالبا، وإنما أنا موظف عند الأمير، ولكن هل لك في أن تخبرني ~~عن الموضع ms052 الآخر الذي اجتمعنا فيه أيضا؟ أجاب: حبا وكرامة، كان التقاؤنا على الطريق ~~الذي بين باريس وأمبواز قرب فندق في ساعة قتال، ورصاص البنادق يتطاير في الفضاء. ~~- أتلك هي المرة الثالثة؟ ~~- نعم، وفيها تلقيت منك ضربة سيف على كتفي، وأشار برداليان إلى كتفه. ~~- يسوءني كثيرا ما أصابك، ولكنني لا أتذكر أنني لقيتك في ذلك الموضع أو غيره. # ونظر إلى برداليان نظرة ساذج، حتى جعل هذا يسأل نفسه عما إذا كان واهما. أما جاليو ~~فأدرك أنه لا يفيده في ذلك الحال إلا الاحتيال، وقد أقيم الحراس على حجرة الأمير بأمر ~~الملك، وليس لدى الأمير أحد ينصره أو يدافع عنه. # فقال: إذا اعتبرنا ما نحن فيه الآن فإننا سجينان، أنا ومولاي الأمير، وأنت السجان. ~~أفتأذن لي بإنباء سيدي الأمير؟ ~~- لقد أنبئ الأمير. ~~- من أنبأه؟ ~~- أنا يا سيدي، وقد مضى زمن وأنا أقرع بابك هذا حتى اضطر جناب الأمير إلى أن يفتحه ~~بنفسه وأنت نائم ملء جفونك. ~~- ذلك من فضل الشباب. ~~- ذلك من نتائج التعب، وليس بمنكر على من يجول في الأسواق ليلا أن يتعب. ~~- صدقت، إلا أنني نسيت ذهابي بالأمس إلى مقابلة غرامية، ولكن بحقك يا مسيو برداليان، ~~إلا ما أنبأتني عن تلك الحبيبة، أتراها حسناء؟ ~~- أظنك تسخر بي يا رجل، فحذار! # فكاد يرميه جاليو بكلمة لاذعة إلا أنه أمسك عنها، ونهض غير مكترث، وأخذ يتمشى في المخدع ~~حتى وصل إلى النافذة ففتحها ليستنشق الهواء. لكنه تعجب لما رأى فرقة من حملة البنادق تحت ~~النافذة، وفي ذلك الوقت رفع أمير كوندة الستر عن بابه، ونادى جاليو واجتذبه إلى وسط ~~غرفته، وقال: تكلم واخفض صوتك، فقد سمعت ما قلته لهذا البارون اللعين، وإني لراض عنك. ~~- لقد فعلت ما قدرت عليه. ~~- هل تظن أنك أفلحت في تحويله عن اعتقاده؟ ~~- لست على يقين، وإنما أظنه قد تزعزع اعتقاده شيئا. ~~- تذكر ما أوصيك به الآن، فإذا سئلت فقل إنك إنما دخلت البلاط بناء على طلب رفع ~~إلي من والدتك، وإنني عرفت والدك فيما مضى، واتخذتك وصيفا لي ms053 حافظا ولاءه، وأما ~~مشاجرتك في الفندق، وقد أفلحت فيها، فأنكرها بتاتا. ~~- سمعا وطاعة يا مولاي. ~~- واعلم ألا قيمة ها هنا لغير البسالة والدهاء، فيجب على المرء أن يحسن ضرب السيف ~~وتدبير الحيلة، ولا تعرض عن وصائف الملكة فهن ثرثارات لا يكتمن سرا عمن يحسن ~~ملاطفتهن ومداعبتهن، وقد بدأت أمس بما يعجب ويدهش، فاستمر على ذلك. ~~- شكرا لك يا مولاي. ~~- واختر من أسلحتي السيف الذي تجده أفضل السيوف، ومن خيلي الجواد الذي يسمع صوتك، واحش ~~غداراتك على الدوام، فلسنا ها هنا في موضع دعة وأمن، ولكننا سنقصد النافار # 1 # في القريب العاجل. فهل تعجبك الأسفار وملاقاة الأخطار؟ ~~- إني لها يا مولاي. ~~- إني ذاهب إلى مجلس الملك، فاتبعني وجرد سيفك نصف تجريد من غمده، والبث مستعدا ~~للدفاع عني عند أول دعوة مني. واتجه كوندة إلى باب مخدعه دون أن يظهر عليه شيء من ~~الاهتمام بحاله كسجين. فقال له البارون دي برداليان: عفوا يا مولاي، فإنني على الرغم ~~مني لا أستطيع أن أدعك تخرج من هنا؛ لأن الأوامر التي لدي بهذا الشأن شديدة. # فأجابه الأمير: لئن حاولت منعي من الخروج فأنت تلجئني إلى قتلك. # فأثر هذا الكلام في البارون، إلا أنه قال: ومع ذلك فإنني لا آمن غضب الملك إذا تركتك ~~تخرج. ~~- قل غضب الدوق دي جيز لا الملك. ألا فاعلم يا هذا إن أمراء البيت المالك لا يطيعون غير ~~الملك، وقد تركتك تمثل في هذا الصباح روايتك المضحكة، أما الآن فأرجو منك أن تترك بابي ~~هذا. على أنني ذاهب لألقى فرنسوا الثاني، وقد أذنت لك بأن تكون من حراس الشرف فتلحق ~~بي. # واجتاز الأمير أروقة القصر بعظمة حتى وصل إلى قاعة المشورة، فقال: افتحوا أيها ~~الحراس! # فأجابوه: إن جلالة الملك مجتمع على عميه آل جيز. # قال: افتحوا أيها الحراس! # فأجابوه: لقد تلقينا أمرا بألا نفتح لأحد. # فلم يجب كوندة، لكنه التفت إلى جاليو، وقال له: تقدم أيها الشريف، ما دام هؤلاء ~~القرويون الغلاظ لا يفعلون ما يجب عليهم فافعل أنت. # فتقدم جاليو ms054 ففتح الباب، ودخل كوندة الإيوان الذي أسموه قاعة المشورة، وقال للحاجب: ~~أنبئ الملك بقدوم الأمير دي كوندة. # فتردد الحاجب إلا أن نظرة الأمير كانت فصيحة فلم يتمالك أن زحزح الستر، ونادى بصوت ~~يضطرب فقال: مولاي أمير دي كوندة! # فامتنع المتحدثون عن الكلام، ونظر الملك والدوق دي جيز وأخوه الكردينال والملكة الوالدة ~~إلى القادم متعجبين؛ لأنهم حسبوه سجينا يحرسه البارون دي برداليان. # فصاح الأمير بكبر: يلوح لي أن حضوري يضايقكم! # فأجابه الملك بلهجة الغضب قال: لقد كنا نظن يا ابن العم أنك في مسكنك ! # وكان عما الملك يحدثانه منذ الصباح بما عرفاه في ذلك الليل، ويحاولان أن يستصدرا منه ~~أمرا نهائيا بالقبض على أمير كوندة، وكادا يحصلان عليه عند دخول الملكة الوالدة، إلا ~~أنها جعلت تلقي الأسئلة عليهما، وتوري وتلمح حتى منعت ابنها من التوقيع على ذلك الأمر، ~~ولما حضر الأمير تحير أعداؤه، فقال متمهلا: مما لا شك فيه أن ابن عمي دي جيز كان يفضل ~~ألا أجئ إلى هنا، إلا أنني علمت بأن جلالتك عقدت مجلسا، ولما كنت من أمراء البيت ~~المالك، وكل مجلس لا يمكن انعقاده بدوني، أتيت لأبسط رأيي الحقير في هذا المجلس الكبير، ~~ولأؤكد إخلاصي لجلالة الملك. # فتبسمت كاترين، وأدرك كوندة أنها نصيرته فيما يروم، فقال: على أن لدي شئونا خطيرة ~~أردت أن أحدثكم عنها، وأرجو من جلالة الملك أن يدعو إلى هذا المجلس المسيو دي مونمورانسي # 2 # في هذا الصباح، وسيدعى إلى هنا. # فتبسم الأخوان تبسم اكتئاب، وهمس أحدهما في أذن الآخر يقول: لقد فسد تدبيرنا. # فأجابه: إن هذه المرأة أقوى منا يا شارل فلا بد من إهلاكها، وفي أثناء ذلك تناولت ~~كاترين يدي ابنها ملاطفة، وهو لا يحفل بتلك الملاطفة؛ لأنه لم يحب أمه قط، وزال ما كان ~~له من العطف عليها منذ ما تزوج ماري ستوارت. فكان يرى في والدته حماة زوجته وعدوة عمي ~~حبيبته. # وإذ ذاك فتح الباب، ودخل القاعة مونمورانسي، فانحنى أمام الملك وكاترين، وسلم على ~~الدوق دي جيز وأخيه باحتقار، ودنا ms055 من أمير دي كوندة، ثم قال: هل دعوتني أيها ~~الملك؟ ~~- لقد دعوتك لأقف على رأيك بشأن المؤامرة الفظيعة التي كدنا نذهب ضحاياها. ~~- لقد اجتزت البلاد أيها الملك، وأجهل ما هي المؤامرة التي تتكلم عنها جلالتك، وإنما ~~عرفت أن التأديب كان هائلا، وأن وقت الرفق والرأفة قد أزف. # فعض الدوق دي جيز شاربه، وأخذ ينظر إلى ضفاف اللوار، فقال مونمورانسي: هل عرفتم زعماء ~~المؤامرة؟ # أجاب الملك: نعم. # قال: وهل من الممكن معرفة أسمائهم؟ # فلم يجب الملك، غير أن أمير دي كوندة استل سيفه من غمده ، وجعله على منضدة، وألقى ~~قفازه إلى جانب السيف. # فصاح الملك: ما معنى هذا؟ # قال أمير كوندة: لقد مضت ثلاثة أيام، وحولي جواسيس مجهولون يرقبون حركاتي وسكناتي، ~~والشكوك الدنيئة حائمة حولي، وأعدائي الخائنون لا يهابون مهاجمة أمير من بيت الملك، ولا ~~يرهبون لويس دي بوربون (يعني نفسه) وهم جبناء، يمنعهم جبنهم من الهجوم نهارا وعلانية، ~~فيعمدون إلى السعي والنميمة سرا لإهلاكي. وقد رأيت في صباح هذا اليوم حراسا وقوفا ~~عند بابي وتحت نوافذي، كأنني من المجرمين. ولقد سألت يا مسيو دي مونمورانسي عن زعماء ~~المؤامرة وأسمائهم، فأنا أجيبك أنه لا يوجد شاهد واحد يدل على أولئك الزعماء، ولقد ~~اجتهدوا كل الاجتهاد في حمل الأسرى المساكين على الاعتراف كذبا بما لا يعرفون، وقد تلفظ ~~بعضهم بأسماء ضخمة، وإنما كان ذلك تخلصا من عذاب الاستنطاق الهائل، وعلى هذه التهم توكأ ~~أعداؤنا ليدخلوا على الملك الشك في إخلاصنا. أما هؤلاء الزعماء الذين لم يشأ جلالة الملك ~~ذكر أسمائهم فإني أذكرها لك يا مسيو دي مونمورانسي، أو أنا أذكر لك من يتهمونهم خفية، ~~فأولهم أنت! # قال مونمورانسي: أنا! ومن ذا يتجرأ؟ # أجاب أمير كوندة: ما من أحد هنا إلا ويتجرءون عليه. أجل، إنهم يتهمونك أنت، ثم يتهمون ~~زعيم المستشفى، ويتهمون معكما الأمير لويس دي بوربون. # قال مونمورانسي: أنت أيها الأمير؟ # أجاب: نعم أنا، ولم يتجرأ أحد حتى الآن على التكلم أمامي عن هذه الوشاية الدنيئة، ~~ولكنني مطلع على ما يجري في ms056 البلاط، ومن يدري ما يكون لو لم أقدم إلى هنا للدفاع عن ~~نفسي؟ كان يمكن أن يسفك الليلة دم أمير ينتمي إلى سن لويس! على أنني أيها السادة أجهل، ~~وأود أن أجهل، مصدر هذه التهم، ولكن إذا تجرأ أحد على إعادتها فأنا أسأل جلالة الملك ~~أن يتكرم علي فيأذن لي بقتله في مبارزة. هذا سيفي وهذا قفازي أطرحهما أمام النمامين! # وكان لهذه الكلمات وقع خطير على السامعين، فتناولت الملكة الوالدة مسبحتها، وبادرت إلى ~~عد خرزاتها، واصفر وجه الملك اصفرارا شديدا، وظهرت عليه بقع صفراء هي آثار مرض اتصل ~~إليه من مولده، وأما مونمورانسي فلم يكد يتمكن من إخفاء سروره؛ لأنه كان ألد عدو لآل ~~دي جيز، وأما الدوق وأخوه الكردينال فلم يعرفا ما يفعلان. فقد استرد أمير كوندة في ~~ساعة ما كانا يظنان أنه أضاعه، ورأى الدوق دي جيز أنه يستحيل الاعتراض، فعول على ~~اتخاذ خطة المسالمة ريثما يتمكن من سوق الأمور إلى الجهة التي يرومها، فنهض وقال: إن هذه ~~التهم ولا شك دنيئة فظيعة، وأحسبها تحط من قدري كما تحط من قدر ابن عمي الأمير، ولئن ~~وجب قتال لأجلها، فلا يكون من شهداء لويس دي بوربون أحد قبلي؛ لأنني أعد هذا الدفاع ~~شرفا لسيفي. # ودنا الدوق دي جيز من أمير كوندة، فلم يسع هذا إلا الاعتراف بدهاء ابن عمه، فقال له: ~~أقر لك بأن كلامك لا يدهشني، وهو ما ينتظر سماعه من بطل مثلك، فأنا أشكر لك هذه ~~المؤازرة. # قال: ألم يكن ذلك من واجباتي؟ # فاستطار الفرح كاترين، وقالت: بل ذلك من واجبات كل خادم للملك. # وهكذا حصل أمير كوندة على ما أراد، فخرج من قاعة المجلس رافع الرأس تيها، فوجد عند ~~الباب خادمه الأمين جاليو يحدث برداليان ويقول له: نعم، إني لم أتقلد سيفا من زمن إلا ~~قريب، ولم يعلمني أستاذي إلا المصارعة، فإن بقيت مصرا على منازلتي، فإننا سنضطر إلى ~~ترك سلاحنا جانبا، والمصارعة حتى يفوز أقوانا جسما. # أجاب: إذن إنا ننتظر حتى تتعلم استعمال السلاح؛ لأن ms057 المصارعة ليست من شأني. ~~- هذا هو الرأي الصواب أيها البارون. أفتأذن لي بمفارقتك؟ ~~- بل أنا أصحبك؛ لأن حياتك عزيزة لدي. # وهنا قال أمير كوندة: لا حاجة لي بهذه الخدمة منك يا مسيو دي برداليان، وأشكرك على ~~مصاحبتك إياي. # فأشار الدوق دق جيز إلى برداليان يأمره باللحاق به، وابتعد الأمير مع جاليو، فقال ~~برداليان للدوق: لا يهنأ لي عيش حتى أقطع أذني ذلك الفتى المغفل. ~~- ألم تفتح معه باب الخصام؟ ~~- ذلك مستحيل، فهو لا يسمع إلا ما يعجبه سماعه، وإذا سمع كلمة مؤلمة أخذ يدندن . ~~- لعله جبان؟ ~~- كلا، ولكن لا بد له من سبب يحمله على اجتناب المشاجرة في هذا الوقت، ولعل لديه ~~أمرا من مولاه الأمير! ~~- عليك بمراقبة المولى والشاب فقد أخطأنا مرماهما اليوم، ولكننا سنصيبهما في وقت غير ~~بعيد. # الفصل الثاني عشر # | كيف فاز أمير كوندة مرة ثانية على الدوق دي جيز # ولما رجع أمير كوندة إلى منزله بادر الدوق دي جيز إلى ملاقاة الملك مرة ثانية، فرآه ~~يرتعد من تذكر الحادث الذي وقع أمامه. وكان مونمورانسي قد مضى، والكردينال ممتعض ينظر ~~إلى السهى صامتا يسأل عما حمل أخاه على الرجوع عن عدوه. أما كاترين فكانت تتظاهر ~~بأنها تصلي. # فلما جلس الدوق قرب أخيه قال له: هل لك في إيضاح معنى خروجك من هنا الساعة؟ # فأجابه: لقد سرنا في طريق غير قويمة؛ ولذلك لم يكن بد من الرجوع. # قال: كيف ذلك ونحن واثقون بأنه كان زعيم المؤامرة؟ # وقالت كاترين: إنه من أمراء البيت المالك في فرنسا! # قال الكردينال: ليس في نظر العدالة أمير أو كبير! # فقال الدوق: أصبت يا أخي، ولكن ليس ذا وقت التعرض له. فهل أبصرت النار التي اتقدت في ~~عينيه، والطمأنينة التي لاحت عليه وهو يتكلم؟ وقد يكون موته سببا في فتنة عامة، وفي ~~تصديق المنشورات والكتب المهيجة التي تطبع، وتنشر في كل يوم، ولا تتضمن إلا الطعن على آل ~~جيز. فهم يتهموننا بأننا نروم ملاشاة الدم الملكي. # قال: أنت تبالغ يا أخي! # أجاب: أنا أبالغ؟ ms058 خذ وانظر! # وألقى الدوق على المنضدة كتابا صغيرا على الصفحة الأولى منه هذه الكلمة: «النمر». ~~مطبوعة بالأحمر وتحت هذه الكلمة صورة «أرمة» بيت جيز فقال: إليك ما يكتبونه ضدنا. # فنظر الكردينال في الكتاب وصاح غاضبا: من أين هذا؟ # فأجابه الدوق: من أورليان. ~~- أتعرف اسم الكتبي الذي تجاسر على طبعه؟ ~~- كلا، غير أن فيلار تلقى أوامري بهذا الشأن، وسيقبض على الكتبي ويشنق غدا، ومن سوء ~~الحظ أن الوشايات والسعايات تنتشر بسرعة، فقد وزعت ألوف من هذا الكتاب، فلا بد لنا من ~~أن نبرهن لأعدائنا أن هذه المطاعن افتراء وكذب. أما أمير كوندة فسوف نلقاه عندما تقوى ~~جيوشنا، وكن مطمئن القلب يا أخي فذلك أمر لا تطول مدته. # وكانت كاترين تسمع هذه المحادثة وهي صامتة، والملك يصغي دون مشاركة في الحديث مع أن ~~الأسئلة تتعلق بتاجه، وذانك الرجلان قابضان بأيديهما على نصيب المملكة، ولم ينبهه من ~~ذهوله إلا الأمل بالقبض على أمير كوندة، فقال: نعم، لا بد من مراقبته، ومتى قدرنا على ~~القبض عليه ومحاكمته و... # وهنا هاجه الغضب فنهض وتمشى إلى النافذة، وقال: الهواء الهواء وإلا اختنقت! # فوثبت كاترين إلى ولدها، وقد أدركت مراده، إلا أنه لم يستنشق الهواء حتى تراجع إلى ~~الوراء، وسقط مغشيا عليه، وفيما كانت والدته تنهضه دنا الدوق والكردينال من النافذة ~~فتقهقرا في الحال؛ لأن الهواء كان يحمل رائحة خبيثة فاسدة صادرة من الجثث التي أسرع ~~إليها النتن، وكانت ملء شوارع المدينة، ورائحتها ملء الفضاء فيها وفي ضواحيها، وقد شنق ~~يومئذ من البروتستانتيين عدد كبير في كل مكان حتى في جوار القصر، وقرب النهر. # وبعد هنيهة استفاق الملك، فكانت أول كلمة نطق بها قوله: هيا بنا نسافر! # فقال الدوق: إلى أين؟ ~~- إلى شنونسو، أو إلى بلوا، أو إلى حيث تريدون، فإن الرائحة هنا لا تطاق، وقال الدوق: ~~ولكن متى يكون السفر؟ # أجاب الملك: في هذا اليوم بعينه، فلست أريد المبيت ها هنا. فتدبروا يا عماه، إن هذه ~~الرائحة تؤذيني. # وخرج ووالدته كاترين تسنده. # وبعد بضع ساعات كان ms059 البلاط يسير إلى شنونسو، وحملوا الملك على محفة، وقد أصابته حمى ~~شديدة، وقال الطبيب فرنل: إن الخطر ينذر حياته إذا بقي في أمبواز. # وتبع آل جيز الملك وهم حانقون؛ لأن سفره حبط تدابيرهم. وأخبر أمير كوندة بما جرى، وكان ~~قد خرج راكبا جواده، فقال إنه لا يرجع إلا في المساء؛ وذلك لأن سفره أعاد إليه حريته، ~~وعرف الأخوان أن الأمير لم يتردد طويلا فيما عزم عليه، وأنه إما أن يكون قد سافر إلى ~~باريس، أو إلى النافار، وكان في هذه المملكة أخوه أنطوان دي بوربون ذو الشأن والسلطة ~~والأميرة دي كوندة، وإنه متى ابتعد عن البلاط أمكنه أن يهيئ فتنة جديدة، ويجمع جنودا. ~~فلما وصل الدوق دي جيز والكردينال إلى شنونسو أرسلا إلى أمير كوندة رجلا اسمه دي جنليس ~~لكي يكون جاسوسا عليه، فلم يرض كوندة أن يقابله إلا في اليوم التالي، فقال له جنليس: لم ~~أشأ يا مولاي رجوعا إلى البلاط قبل أن أعلم إذا كان لديك ما تقوله لجلالة الملك. # فأجابه: لا شيء عندي سوى أنني ألحق بالملك عند تمكني من ذلك، وإذا رام الاطلاع على ~~خبري، فقل له: إنني خادمه المطيع الخاضع ونسيبه الودود، وإنني برغم التهم التي رميت بها ~~عنده سوف يرى مني إخلاصا دائما، إلا إذا أكرهني على اعتناق غير مذهبي، فأنا لا أسمع ~~قداسا، وأحتج على الإكراه في الدين. ~~- هذه أنباء سيئة ليتك تعهد بها إلى غيري. ~~- حبا وكرامة يا مسيو جنليس، ولئن لم تبلغ رسالتي فأنا سأبلغها بنفسي، وآمل أن ~~ألقى أخي ملك النافار، ولست ألقاه إلا بعد الاستئذان من ملك فرنسا. # وبعد رحيل جنليس، نادى أمير كوندة جاليو فقال له: إن الوقت لا يتسع للحديث، وقد فهمت ~~كنه ما ينويه ابن عمي دي جيز. فهو يروم أن يقتادني إلى باريس، وهو فيها السيد المطلق ~~والآمر المطاع، أو إلى مجلس النواب، وله فيه الكلمة العليا، وقد خسر ابن عمي المعركة ~~الأولى منذ يومين، فخير لي أن أتمهل لأتمتع بفشله وانتصاري. فهل تود يا ms060 جاليو أن ~~تقابل برداليان مرة ثانية؟ # أجاب: لا يلذ لي شيء مثل أن أتحفه بضربة ثانية من سيفي لعله يتأدب معي. ~~- إياك والمبارزة في هذا الوقت، وإنما يجب أن تعلن على رءوس الأشهاد أنك راحل إلى باريس ~~لتلتحق بالبلاط، ثم تسبقني يوما واحدا. ~~- وبعد اليوم الواحد؟ ~~- متى انقضى النهار ولم تجدني أتيت تظهر الدهش والتعجب، فيسألونك عني، فتمازح برداليان ~~حتى يلوح لك أن دائرة المزاح قد ضاقت، فتسافر لاحقا بي إلى غسقونيا. # ولقد أنجز جاليو الأمر فوصل إلى شنونسو، وكان الملك قد عزم على الوقوف فيها أياما قبل ~~الاستمرار إلى باريس. فظل جاليو ثلاثة أيام يجاوب رجال البلاط عن مولاه أمير كوندة، ولما ~~رأى أن المستفهمين قد قل وثوقهم بكلامه عزم على السفر. إلا أن مرسلين وعدته بليلة في ~~حديقة شنونسو، فسار إلى الموعد ولقي حبيبته في خميلة ملتفة، وهي ترتعد فرحا وخوفا، إلا ~~أن سرورهما باللقاء لم تطل مدته؛ لأن حملة البنادق أحاطوا بالخميلة من كل جهة، وكان فيهم ~~الدوق دي جيز وغيره من رجال الدوق. فقال الدوق: هل تحققت يا برداليان من دخوله هذه ~~الخميلة الكثيفة؟ فأجابه: نعم. # قال الدوق: سدوا المنافذ! وهل عرفت السيدة التي سبقته إلى هنا؟ ~~- كلا، فإنها كانت مبرقعة. ~~- لا جرم أنها صاحبته التي اجتمع بها في الفندق. إذن فنحن نكرههما على أن يسلمانا رسالة ~~كاترين المكتوبة إلى أمير كوندة، فإني على يقين من أن الملكة الوالدة تراسل الأمير، وأن ~~جاليو هو الرسول. # ثم رفع الدوق صوته، وقال: اقبضوا على الاثنين! # وسمع جاليو هذه الكلمات، فقال في نفسه: هيهات، يا مرسلين تنبهي جيدا إلى ما يجري. متى ~~سمعتني أصرخ «إلي أيها البواسل» اهربي إلى ناحية القصر؛ لأن الطريق تكون وقتئذ خالية ~~لك. # وضاقت دائرة المهاجمين شيئا فشيئا، وقال الدوق: اخرجا وإلا فالنار! # إلا أن جاليو كان يحاول أن يعرف عدد خصومه، فتحقق أن ممشيين من المماشي الثلاثة المؤدية ~~إلى الخميلة قد وقف فيهما بعض الأشراف متقلدي السيوف وحملة البنادق، وأن الثالث ليس فيه ~~إلا ms061 اثنان من حملة البنادق. فقال في نفسه: إذن ويل لهما، وفي أسرع من رد الطرف وثب ~~عليهما، فطرحهما على الأرض بضربتين من قبضتيه قبل أن يتمكنا من العلم بوجوده، وصاح ~~لساعته: «إلي أيها البواسل!» # فتواثب الدوق ورجاله مزدحمين في الممشيين، وفي أثناء ذلك كانت مرسلين قد انسلت إلى طريق ~~القصر، ومن سوء الحظ أن المهاجمين سمعوا وقع خطى مرسلين فحاولوا اللحاق بها، غير أن ~~المسافة التي بين ذلك الموضع والقصر كانت بعيدة، فقالوا: سوف نقبض عليها قبل أن تصل، وهو ~~أمر عول جاليو على أن يمنع وقوعه، ولما وصل الدوق ورجاله إلى الممشى ألفوا جاليو ~~شاهرا سيفه، فقال برداليان: هذا هو! # فقال الدوق: افعل به ما شئت يا برداليان، ولكن لا تقتله. # فأجابه جاليو: شكرا لك أيها الدوق، فإن انعطافك ملأ فؤادي سرورا. # ثم جالد برداليان بسيفه حتى أدناه من وجهه، واضطر الدوق إلى مد يده ليمنع صاحبه، ~~وإذا بالرجال الثلاثة قد أخذوا يتجالدون بالسيوف وجاليو يتقهقر شيئا فشيئا، وكان قد ~~استند إلى شجرة، وأمن أن يضرب من خلف، فاكتفى بأن جعل يمد سيفه إلى صدر الدوق تارة، ~~وإلى صدر برداليان تارة أخرى بسرعة مدهشة، حتى لم يجسر أحد منهما على الدنو، وما زال ~~يدافع عن نفسه ويمانع حتى خذلته قواه وأيقن أن مرسلين نجت، ثم خذلته ساقاه فانحنى ~~فأصابته ضربة من سيف الدوق جرحته، وأقبل الرجال فأمسكوه، وقال له الدوق: إن هذا الفتى ~~شيطان في صورة إنسان. # قال برداليان: إنه قتل اثنين. # قال الدوق: ولو أنه التقى بكل منا على حدة لجرحنا نحن الاثنين. # فضحك برداليان وقال: انظر إلى صدرتك يا مولاي فإنها مخضبة بدمك. # قال الدوق: كصدرتك أنت! فانظر إليها. # فقال برداليان: نعم، ولكن هذه الجروح خدوش. # وذلك أن جاليو أصابهما بجراح خفيفة تدل على حذق وبراعة كبيرة في لعب السيف. فقال ~~برداليان: هذا هو الذي ضربني بسيفه تلك المرة قد تحققت من معرفته اليوم. # ولما وصلوا إلى القصر بحثوا في جيوب جاليو فلم يجدوا معه رسالة، وتكلم ms062 الدوق عن ~~استنطاقه، فظن جاليو أن وقت الاستنطاق قريب، فتظاهر بالإغماء، فطرحوه في سجن عند قنطرة ~~جسر، وفي اليوم التالي عصبت جراحه، وجيء به إلى الدوق دي جيز فرآه جاليو غاضبا؛ لأن دي ~~جنليس جاسوسه وافاه بأنباء سيئة، وذلك أن أمير كوندة وصل إلى بلوا فأنبأ حكام المدينة ~~أنه لاحق ببلاط الملك، لكنه لم يبتعد عن أسوار المدينة إلا قليلا حتى انحرف إلى طريق ~~آخر، وصحبه رجل اسمه روبر دلاهاي فأعمل في شاكلة جواده المهماز سائرا في طريق بواتيه، ~~وقال جنليس أيضا: إن الأمير لقي في بواتيه شريفا لا يزال يجهل اسمه فصحبه إلى ~~غاسقونيا. # فكان الدوق تلقاء هذا الخبر السيئ، خبر نجاة عدوه، يروح ويجيء في الحجرة، وأحس جاليو ~~بالهلاك فقال في نفسه: أتظاهر بالبله، وإذا بالدوق قد تمشى إليه، وقال له: أهكذا تخدعنا ~~يا رجل؟ أجاب: أنا يا مولاي؟ قال: نعم أنت. هيا فأعد على سمعي الإيضاحات الحقيقية التي ~~تلقيتها من مولاك. أجاب: لقد أمرني الأمير بأن أسبقه وأنتظره في البلاط. ورفع جاليو بصره ~~إلى السماء. # فقال الدوق: ألم تكن تدري بأنه ينوي نية أخرى؟ # قال: وهل كان ينوي غير ذلك؟ # أجاب: بلا شك؛ لأنه سافر إلى غسقونيا. # قال: سافر الأمير؟ سافر بدوني؟ أواه، لقد كنت أتمنى أن أصحبه في سفره! تلفظ بهذه ~~الكلمات بلهجة صدق وأسف حتى نظر إليه الدوق منذهلا، وقال: قسما بشرفي لست أدري إذا كان ~~هذا اللعين صادقا أو كاذبا فلم يبق إلا الجلاد، علي بفيلار (اسم الجلاد). # وللحال أقبل فيلار، وكان مشهورا بالقسوة، فارتعدت فرائص جاليو لما رآه، فقال له الدوق: ~~أتعرف هذا الرجل؟ # أجاب: لا يا مولاي. # قال: إنه سجين لا يريد الكلام، فعليك أن تحل عقدة لسانه! # وفيما كان فيلار يدنو من جاليو دخلت الملكة الوالدة حجرة الدوق، فقالت له: إن ولدي يروم ~~الرجوع إلى باريس، ويطلب إليك أن تأمر بالتأهب للرحيل. # أجاب: سمعا وطاعة يا سيدتي فغدا نسافر. # فقالت: من هذا الشاب؟ # أجاب: سجين قبضنا عليه أمس أنا والمسيو دي ms063 برداليان، وهو شاب ذو علاقات بوصائفك. # قالت: ما اسمه؟ # أجاب: اسمه جاليو دي نرساك. # ولم يكن جاليو قد تكلم بعد، إلا أنه أمل خيرا من قدوم الملكة، فرفع بصره إليها ~~مستعطفا، وقال: اسمي جاليو دي نرساك، من رجال الأمير، وهم عازمون على تعذيبي. # قالت: عازمون على تعذيبك؟! ألم تكن مع الأمير عندما سافر؟ # أجاب: نعم يا سيدتي. # قالت: وهل يتأخر مولاك عن الحضور؟ # فقال الدوق: نعم يتأخر ولا شك؛ لأنه فر إلى غسقونيا لعلمه بأنه مجرم، وأرسل إلينا ~~وصيفه هذا ليخادعنا به، ولا يريد هذا الغبي أن يتكلم، فعهدنا إلى فيلار بحل عقدة ~~لسانه. # وكان فيلار قد لصق بجاليو وأمسك يده، فتقدمت إليه الملكة ونظرت إليه، وقالت: ~~مسكين! # ثم خفضت صوتها وهمست تقول للجلاد: لك خمسون دينارا إذا ادعيت أن آلات التعذيب ليست ~~عندك. # وقال الدوق: خذ الفتى فإننا لاحقون بك. # أجاب: نعم، ولكن ليس في طاقتي أن أفعل شيئا هنا. # قال: لماذا؟ ~~- لأننا رحلنا على عجل من مدينة أمبواز، فغادرت فيها آلاتي. ~~- أليس لديك شيء منها؟ ~~- كلا يا مولاي، ولا يسعنا استنطاق هذا الشاب إلا حين وصولنا إلى أورليان أثناء ذهابنا ~~إلى باريس. فعض الدوق شفتيه، ولم يدر في خلده أن الجلاد كاذب؛ لأنه قضى زمنا طويلا في ~~خدمة الدوق، وكان فيه أمينا فاكتفى بأن لعن قلة توفيقه. فقال الدوق لجاليو: صبرا إن ~~العذاب لا يفوتك. # أجاب: ليس لدي ما أقوله يا مولاي في أورليان، ولا ها هنا زيادة على ما قلت. # الفصل الثالث عشر # | ما وراء طبع الكتب المهيجة من الخطر # كان الأستاذ يعقوب لوم يتمشى في حانوته في أورليان مسرورا، ولاحظته ابنته فلم تر على ~~وجهه أمارات الانزعاج كالعادة، فقالت له: ها قد طابت نفسك يا أبت فلست أراك ~~مكتئبا. ~~- نعم يا ابنتي، فإنني اليوم أشد سرورا مني بالأمس. ~~- أكنت مغموما يا أبت ولم تخبرني؟ ~~- لم أكن مغموما، ولكن القلق أزال سروري. ألا تذكرين ذلك الكتاب الذي سلمني إياه ~~بلترو؟ ~~- نعم، هو كتاب عنوانه «النمر» كتب ضد ms064 الدوق دي جيز. ~~- نعم، وقد توسلت إلي كي لا أطبعه، إلا أنني طبعته خفية عنك، وكان شديد اللهجة ~~والطعن حتى جعلني أفقد راحتي، وكان يخطر لي على الدوام أن أحد رسل الدوق قد يعثر عليه في ~~مكتبتي. ~~- لقد أتيت أمرا إدا يا أبت. ~~- لا خوف يا بنية، فلم يبق عندي إلا رزمة واحدة من هذا الكتاب، وسوف يأتي صباح اليوم ~~رسول من عند أمير كوندة ليأخذ تلك الرزمة. فإذا جاء غدا أحد من رجال الدوق إلى هنا لم ~~يجد عندي شيئا. # واستمر الكتبي يصف الكتب والأوراق، وانهمكت مادلين في شغل البيت. إلا أنهما سمعا ~~وقتئذ ضجة في الشارع، وأحسا بقوم مقبلين إلى الحانوت. # وكان في المدينة رجل اسمه ماتيو، ينوب عن الجلاد فيلار في مهمة التعذيب، وقد تلقى أمرا ~~بالبحث في مكتبة يعقوب لوم عن الكتب. فاتجه بجماعة من رجاله إلى حانوته فدخله فرأى ~~اصفرار الأموات على وجه يعقوب، فقال له: إن اصفرارك يدل على اجترامك، وعلى أن ضميرك غير ~~مستريح. # فأجابه لوم: إن ضمير الرجل الصالح المستقيم مستريح على الدوام. # فرفع ماتيو كتفيه وأخرج كتابا من محفظة معه، وأطلع الكتبي عليه قائلا له: أتعرف ~~هذا؟ # فأدرك لوم أنه هالك. # فقال ماتيو: أتعرف هذا الكتاب؟ إنك لا تريد مجاوبتي على سؤالي، فابحثوا يا رجال. # ولم تطل مدة البحث؛ لأن أحد الرجال وجد الرزمة في إحدى زوايا الحانوت فحملها إلى ماتيو، ~~فأخرج منها مائتي نسخة شبيهة بالنسخة التي كانت معه. # فرفع يده على كتف لوم، وقال: إني أنوب عن الملك والدوق دي جيز وأستاذي فيلار في القبض ~~عليك! # فأجابه الكتبي: لا يصيبنا إلا ما كتب الله لنا! # وفي الحال أخذ الرجال بتلابيبه، وأوثقوا يديه وعزموا على اقتياده إلى القصر، وإنفاذ ~~العدل في القصر أسرع وأعجل من إنفاذه في سجن المدينة، وكانت مادلين تتأمل ما يجري ~~مرتاعة، والدمع يهطل على وجنتيها. فلما أمر ماتيو باقتياد أبيها ترامت على قدمي ذلك ~~الجلاد الشقي، وقالت: كلا يا سيدي، حاشا لله وللمروءة أن تفعل. أناشدك ms065 الله لا تحرم ابنة ~~من أبيها، وأتوسل إليك أن تتركه لي فليس لي أحد سواه، وهو قومي وأسرتي. # فقال: ردوا هذه الحسناء! # قالت: إذن أتأذن لي بأن أرافقه وأشاطره الأسر، فإذا مات أموت معه؟ # قال: بل البثي في بيتك، فليس لدي أمر بالقبض على غير أبيك، فلا أسوق أحدا ~~سواه. # ودفع الفتاة عنه بعنف، فسقطت على قدمي أبيها مغمى عليها. فانحنى لوم وقبل ابنته، ثم ~~اتجه إلى الباب، وقال بصوت هادئ: إني مستعد فلنذهب. # وانتشر خبر القبض على يعقوب لوم، فكان وقعه على جماعات البروتستانت وقع الصاعقة. أما ~~الكاثوليكيون ففرحوا وطربوا، وأخذوا يتكلمون عن ثروة الرجل، ويقولون: إن مصدرها نشر ~~الكتب المهيجة، ورأوا إعدام الرجل عدلا وإنصافا، واستطالت الألسنة على مادلين فذكروا ~~قصة الرجل الذي وجد صريعا تحت نافذتها، وفيما كانت الفتاة المسكينة تصلي عند المساء ~~في حجرتها أسمعوها الكلام القارص والإهانات الجارحة، فلم تنم ليلتها، ولما كان الصباح ~~قصدت القصر، وهي ترجو أن يؤذن لها بمقابلة أبيها وتوديعه، فمنعها الحراس. فقالت لهم: إنه ~~أبي يا قوم! إن السجين أبي، وأريد أن أراه فأي خطر يخشى مني، وأنا امرأة ولا سلاح معي؟ ~~فلماذا تطردونني؟ # فأجابوها: اذهبي فالقي الملازم ماتيو فهو الذي يتولى شنق أبيك غدا. # وفي اليوم التالي اجتمع جمهور غفير في ساحة أورليان، وظلت مادلين ليلتها تسمع وقع ~~المطارق على الخشب. فلما كان الصباح رجعت إلى القصر عازمة على انتظار والدها، وللحال ~~انفتح الباب الكبير، ومر أمامها موكب من الحراس والجند والجلاد ماتيو يمشي وراءهم، ~~ويجيل بصره الوحشي في الجمهور، وقد ألبسوا يعقوب لوم ثوبا أسود، وأحدق به أعوان ~~الجلاد. # فتخطت مادلين الصفوف، وارتمت على صدر أبيها، فأراد ماتيو التفريق بينهما غير أن بقية ~~رحمة منعته من ذلك، فرافقت الفتاة أباها حتى المشنقة، وهي تنظر إلى وجهه، وكانت تمشي ~~على مهل شاعرة بأن كل خطوة تدنيها من الساعة الهائلة، ساعة تغدو ابنة يتيمة. أما يعقوب ~~فلم يتكلم، بل تهيأ لأن يموت موت الشجعان دفاعا عن مذهبه. ففكر في الشهداء ms066 الماضيين، ~~وفي سيره على خطتهم واقتدائه بهم. # ولما آن وقت افتراق مادلين عن أبيها تولاها الضعف والجزع، فقال لها: لا تجزعي يا بنية ~~فموعدنا السماء. # فقبلته لآخر مرة، وركعت على الأرض مخفية وجهها بين راحتيها. فتلفظ الجلاد بكلمات مؤداها ~~مجازاة الخائنين بما يستحقون من عقاب عادل. فهتف الجمهور وصاح يقول: ليمت عدو الدين! ~~وليمت عدو الدوق دي جيز! # وهنا قال الجلاد ماتيو: تعذرني يا كتبي جهنم إذا لم أنجز فيك أمر الدوق دي جيز؛ لأنه ~~أمرني بشنقك على خشبة عالية، ولكن الوقت لا يتسع للبحث عن شجرة فأنا أشنقك ~~بالحديد. # وطوق عنقه بطوق من حديد، وضغطه به فأزهق روحه كما فعل بجسبار عديل لارنودي فيما ~~مضى. # فلبثت مادلين وقتا طويلا في ذلك المكان، ولما خطر لها الانصراف وجدت بلترو بقربها، ~~وكان قد سافر ليلته بطولها ليرى صديقه في أواخر حياته، فأمسك بيد الفتاة، ومشى وإياها ~~إلى البيت، فقالت له: إليك كل ما نمتلكه من مال فادفعه إلى أولئك الأنذال حتى يأذنوا لك ~~بنقل جثة أبي. # فأجابها: سأفعل يا مادلين. # قالت: شكرا لك يا بلترو، فإني لم أر سواك في وقت الشدة. # ودفع بلترو ثلاثين دينارا حتى تمكن من أخذ الجثة ودفنها، وعاد إلى مادلين فسار بها إلى ~~المدفن، وجاء بقسيس ليلا فصلى على الميت. ثم إن مادلين أكرهت صديقها الوحيد بلترو على ~~المبيت عندها تلك الليلة، فقال لها: لست قادرا على قبول هذه الدعوة خيفة أن ينثلم ~~صيتك. # فأجابته بكآبة: إن المدينة كلها تحسبني فتاة ساقطة، فلا صيت لي، وغدا نتكلم عن الماضي، ~~وعن المستقبل. # وفي اليوم التالي نزلت مادلين إلى الحانوت فأبصرت فيه كل ما يذكرها بأبيها فبكت بكاء ~~شديدا، ولحق بها بلترو فمدت إليه يدها، وقالت له: أنت أخي فأنا أحبك حب الإخاء، ويحق لك ~~أن تطالبني بإيضاح عما مضى. # قال: يالله ولم الكلام عن أشياء مضت؟ # قالت: يجب أن تعرف كل شيء، ولا بد لي من عفوك. فقد كنت تهواني، وحملني جنوني على أن ~~أحتقر هواك، إلا ms067 أن ذلك لا يمكن تلافيه، كنت أهوى الملازم فرنسوا، وهو الذي كاد أن ~~يقتلك في إحدى الليالي، وألقاك تحت نافذتي، وكنت أجهل أنك الرجل الذي وثب إليها من ~~الشارع. # فسبقها الكلام قائلا: هل تعرفين يا مادلين اسم الرجل؟ # أجابت: اسمه فرنسوا، وهو ملازم، وقد وعدني. # قال: يا لك من فتاة مسكينة! لقد وعدك بأن يقترن بك، أليس الأمر كذلك؟ # وفي تلك الدقيقة سمعا قرع الطبول في الساحة، وارتفعت أصوات الناس، فارتعد بلترو وصعد ~~إلى شرفة البيت فتبعته مادلين، فأبصروا جمهورا من الأشراف لابسين أفخر الملابس، وهم ~~يتقدمون المركبات إلى ساحة أورليان. # فقالت مادلين: ما هذا؟ أليس بلاط الملك؟ # أجاب: نعم يا مادلين، هذا موكب الملك فرنسوا الثاني، فإنه راجع إلى باريس مارا ~~بأورليان. # وإذا بمادلين قد مدت يدها إلى أحد الفرسان، وقالت لبلترو بصوت خشن: من ذاك ~~الفارس؟ # فلم يحر جوابا. # قالت: تكلم بحق السماء! # أجاب: هو فرنسوا دي جيز. # قالت: يا للداهية. # وسقطت على الشرفة من غير حراك؛ لأنها عرفت به الملازم فرنسوا. فوثب إليها بلترو، وحاول ~~تنبيهها، وإعادة رشدها إليها، وكان يغمغم الكلام قائلا: ويل لك يا دوق فرنسوا، وويل ~~لقومك؛ لأن كل ما جرى يستحق القصاص. # الفصل الرابع عشر # | ليلة جميلة # كان الدوق دي جيز قد عزم على الوقوف في أورليان ليأمر باستنطاق جاليو دي نرساك، وكان ~~معنى الاستنطاق في ذلك الزمن تعذيب المتهم بآلات التعذيب، ولكن لما ذكر للدوق اسم الكتبي ~~الذي شنق بالأمس أوسع الخطى خائفا أن تجمعه الصدفة بمادلين. فاكتفى بأن أمر برداليان ~~بشدة مراقبة سجينه، ولقد كان سفر السجين على مركبة مقفلة محوطة برجال مسلحين تلقوا ~~أمرا بقتل السجين إن هو حاول فرارا، وفيما كانوا خارجين من أورليان، قال جاليو ~~لبرداليان: إني أرى لك وجها باسما بشوشا وطلعة بهية. ~~- هب الأمر كذلك. ~~- إن توفيقك ينسيني حبيبتي الحسناء، وكان جاليو يحاول بمثل هذا الكلام أن يحمل سجانه ~~على الثرثرة والهذر؛ لأنه رآه يطالع تذكرة، وقال في نفسه لعلها تذكرة غرامية ضرب له فيها ~~موعد، ms068 فإذا ذهب إليه تمتع جاليو بحريته ساعة من الزمن. # وفيما كان جاليو يأكل طعامه عند المساء أحس بورقة في اللقمة فارتعد، ولما أشعل الحراس ~~مصابيحهم انتهز تلك الفرصة فقرأ في الورقة هذه الكلمات: # كن مستعدا في هذه الليلة، إنا نسعى لك. # فقال في نفسه: هذه رسالة من الملكة الوالدة؛ لأن ورقها معطر وكتابتها دقيقة، وأطل ~~من المركبة فأبصر البارون ما زال يقرأ تذكرته، وكانوا قد وصلوا إلى موضع يقال له أرتناي، ~~ودخل بعض الأشراف بيوتا فيه ترجى منها حسن الضيافة، وأما القسم الأكبر منهم فتهيأ ~~للرقاد في المركبات، ولم يشأ جاليو رقادا من غير أن يخاطب برداليان، ويتمنى له الهناء ~~التام في ليلته، فقال له: أسأل الله لك يا عزيزي برداليان أحلاما تبرز فيها لك حور ~~الجنان متبرجات متزينات، فقد عزمت على الرقاد. # وبعد هنيهة تمدد جاليو على وسائد المركبة، وأخذ يغط غطيط المستغرق في نومه، ولبث ~~برداليان بقربه ساعة، وأخذ يشدد التنبيه على رجاله بالمراقبة والحراسة. ثم بادر إلى موعد ~~ضربته له إحدى وصائف الشرف في التذكرة الآتي نصها: # عزيزي البارون # متى وصلنا إلى أرتناي، وانطفأت الأنوار، ونام سجينك، تعال إلي وقف تحت ~~نافذتي، فإني أود سماع كلماتك الغرامية. # أناييس # فلما مضى برداليان فتح جاليو عينيه، وجعل ينظر إلى الطريق، وكان عنده أربعة من الحراس، ~~رابعهم زعيمهم، وكان يتمشى الثلاثة وهم يتحدثون، أما الزعيم فكان واقفا وحده يترنم ~~بأنشودة غرامية، ويقول في نفسه: قاتل الله الوحدة! # وكأنما أجاب الله دعاءه فمرت به وقتئذ ماشطة الملكة، وهي فتاة إيطالية اسمها «جذابة»، ~~فقال لها: إلى أين؟ أجابت: إني أتنزه أيها الزعيم واقتطف الأزهار. قال: ألا تخافين من ~~التنزه ليلا؟ أجابت: أنا أخاف؟ أنت تدري إنني لا أخاف الرجال. قال: لا يليق بك يا جذابة ~~أن تسيري وحدك ليلا، فبحقك إلا ما أذنت لي بصحبتك؟ # وبهت جاليو لما رأى تلك الإيطالية قد تناولت يد الزعيم، فقال في نفسه: إن جذابة هذه ~~سريعة الانقياد! # ولم يكد ينطلق الزعيم والإيطالية حتى أقبل خادم يحمل ms069 زجاجات ملأى. فقال له أحد الحراس: ~~إلى أين؟ فأجابه: إني أبحث عن جنود البارون برداليان. قال: لقد وصلت، فنحن جنوده. قال: ~~لقد سرني ذلك؛ لأن ساعدي يكاد ينكسر من ثقل هذه الزجاجات. أحقا إنكم جنود البارون؟ ~~أجاب: نعم، فما الذي تحتاجه منهم؟ أجاب: إن البارون أرسل إليكم هذه الزجاجات. ~~- أيروم حفظها لدينا؟ أجاب الخادم: بل أرسلها لتشربوها. ~~- غدا؟ أجاب: بل الليلة. فإن البارون طروب، وقد ود أن يطرب جنوده مثله. ثم إنه ~~أعطاني هذا النرد. # قال أحد الجنود: هذا يصلح للعب، وليس لدينا نقود . فقال الخادم: ولقد أرسل إليكم نقودا ~~كذلك، لكل منكم ستة دنانير. # فأجابه الجندي: ليس ذلك الكرم من عادات سيدنا البارون، فهل لك في مشاطرتنا اللعب ~~والخمر؟ ~~- حبا وكرامة يا أصدقائي. # وكان جاليو يرى ويسمع فظن أن حورية من حور الجنان أتت هذه المعجزات لنجاته، وللحال ~~شرب الجنود الخمرة، وتفرقت الدنانير بين أيدي الرجال من رابح وخاسر، كما تفرقت الخمرة في ~~الرءوس فأسكرتهم. فقال جاليو في نفسه: لم يبق إلا أن أنتظر الدفعة الأخيرة، وما وراءها ~~إلا جواد وسيف ونقود، يا لله! أفي يقظة أنا أم في منام؟ ذلك لأنه أبصر امرأة تتمشى ~~على مهل، فمرت على مقربة من الجنود، وقد أخذهم النعاس، ففتحت باب المركبة وأمسكت يد ~~جاليو، وقالت: تعال! # فارتعد جاليو وقد عرف الملكة الوالدة، فتبعها من غير أن يتلفظ بكلمة، فخرجا من أرتناي، ~~وتجاوزا الحراس بعد أن ألقت الملكة كلمة المرور. فقال لها جاليو: إلى أين أيتها ~~السيدة؟ # أجابت: اخفض صوتك يا غلام فإن الجواسيس حولنا، وقد يسمعنا سامع. # ولم يتجرأ جاليو على الكلام، فسارا حتى ابتعدا عن أرتناي، وجاليو يعجب بتلك المرأة التي ~~تتحمل مشقة السير أكثر من كل وصيفة من وصيفاتها، وإذا بوقع حوافر جواد قد طرق آذانهما، ~~فقالت الملكة: قد وصلنا! # وكان للطريق عطفة وقف عندها رجل بيده زمام جواد مسرج، وعلى سرجه سيف طويل وغدارتان ~~وخنجر، فصاح جاليو: إنك أنقذتني يا سيدتي، فشكرا لك من صميم فؤادي. # قالت: وكيف جرحك؟ ms070 # أجاب: إنه شفي تماما الآن. # قالت: قد يسيل دمه من حركة الجواد، فخذ هذا المرهم إنه يتمم الشفاء. # أجاب: أزيدك شكرا يا مولاتي وأسألك: أي حاجة لك؟ # قالت: إن أمير كوندة ينتظر وصولك، فلا تنكر علي أمرا قد حزرته. فخذ هذه الرسالة ~~إليه، ولا تسلمها لأحد سواه. فإذا تبعك أحد فاعمل في شاكلة جوادك المهماز، وتحت السرج ~~نقود كافية لشراء جواد آخر، وإياك أن تدع الرسالة تسقط منك، أو تصير إلى يد سواك. # أجاب: سوف أهلك يا سيدتي قبل أن أسلمها إلى أحد. # قالت : وتسلم الأمير هذه الرسالة التي كتبتها الآنسة دي ليمول. # وكان ضوء القمر مشرقا على وجه الملكة، ودهش جاليو من حسنها، فقال: إنى لك يا مولاتي ~~روحا وجسدا. بل أنا مستعد لأن أموت في الدفاع عنك، ولكن أود ألا أموت دون أن ~~أتزود بنظرة من وجهك. # فتبسمت الملكة وحلت من عنقها تصويرة مصغرة لطيفة، دائرها مرصع بالحجارة الكريمة، ~~ودفعتها إلى جاليو. فتناولها منها ولثم يدها، ثم وثب إلى جواده. فتأملته الملكة هنيهة، ~~وأشارت إليه إشارة وداع، وقالت: أدعو لك بالتوفيق، فتشجع! # وللحال اختفى جاليو، وعادت الملكة إلى أرتناي وهي تقول: عسى أن تكون أناييس قد تمكنت من ~~حجز البارون عندها. # وكانت أناييس قد اجتذبت البارون برداليان إلى الجهة الأخرى من القرية، وتمكنت من ~~استبقائه لديها حتى انتصف الليل. فشيعها إلى بيتها، وهو يقول لها: ما أحلى هذه الليلة يا ~~حبيبتي! # فقالت له: كفى يا بارون تغزلا، فلي حاجة إليك. ~~- تكلمي. ~~- لقد عهد إليك الدوق بالقيام على حراسة شاب جميل المنظر. ~~- نعم، هو جاليو دي نرساك رسول أمير كوندة! ~~- يقال إنه صبيح الوجه. ~~- قد يخطئ القائلون. ~~- ويقال إنه حلو المعاشرة، بارع الظرف. ~~- ذلك ضلال. ~~- وإنه شجاع! ~~- بل يحسن الدفاع عن نفسه إذا هجم عليه مهاجم ليقتله. فما مرادك من هذه الأسئلة ~~المتوالية؟ ~~- أود أن أرى سجينك غدا. ~~- ما هذا الخاطر الذي خطر لك؟ ~~- عدني بذلك يا بارون. ~~- وهل أستطيع أن أرفض؟ # ومضت إلى موضعها بين وصائف الملكة، وعزم ms071 برداليان على الذهاب إلى فراشه للرقاد، لكنه ~~رأى أن يرقب سجينه قبل ذلك، ولما تبين له من بعيد أن أنوار الحرس مطفأة تولاه شيء من ~~القلق. ثم تحول قلقه إلى انزعاج لما لم يجد زعيمهم قرب المركبة، ولما اقترب وأبصر جنوده ~~نائمين ملء جفونهم في وسط الطريق، وبجوارهم زجاجات الخمر الفارغة والنرد، هاج هائجه ~~حنقا، ودخل المركبة فلم يجد جاليو فيها، فضرب برجله أحد الجنود وبعد عناء أيقظه، وقال ~~له: ماذا تفعل يا حيوان؟ # فنهض يمسح عينيه، ويقول: إني، أنام. # قال: تنام وتغفل عن الحراسة، والسجين؟ # فكرر قوله: الحراسة والسجين؟ ثم تساقط على الأرض من شدة السكر. # فاضطر برداليان إلى إيقاظ كل جندي واحدا بعد واحد، وتنبيههم جيدا حتى وقف الثلاثة ~~أمامه وهم يترنحون سكرا. فقال لهم وصوته يرتجف غضبا: ما معنى هذه الزجاجات ~~الفارغة؟ # فأجابوه: إنها زجاجاتك أيها المولي! # قال: وكيف ذلك؟ # قالوا: إنها تلك التي أرسلت بها إلينا مع الخادم. # قال: أنتم مخطئون، ولا يزال السكر آخذا منكم. فما هذا الكلام؟ # فأجابه أحدهم: هو الحقيقة. # قال: أين زعيمكم؟ # أجابوا: زعيمنا؟! # وقال أحدهم: لست أدري إذا كان ينبغي أن أتكلم. # قال برداليان: ويك تكلم وإلا قتلتك! # أجاب: إن زعيمنا ذهب مع امرأة! # قال: من تلك المرأة؟ # أجاب: اسمها «جذابة». # قال: لعنة الله على الإيطالية اللعينة. إني وقعت في الشرك! # وللحال عقد برداليان نيته على أمر، فبادر وأخبر أحد رجال الدوق دي جيز أن سجينه قد تمكن ~~من الفرار، ولم يزده بيانا سوى أنه سيلحق به، ثم غادر جنوده، ولم يكونوا في حالة صالحة ~~للمساعدة، فاختار ستة آخرين وأركبهم أفراسا، ووثب وإياهم في طريق أورليان وهو يعتقد أن ~~جاليو قد سافر إلى غسقونيا. # الفصل الخامس عشر # | صديق لجاليو # كان الفندق الذي أقام فيه برنابا، أستاذ جاليو من أحسن الفنادق. فلم يأسف على فراق ~~تلميذه في بادئ الأمر؛ لأنه أعجب بطعام الفندق وشرابه. غير أنه ما لبث أن أدركه الملل، ~~وتولاه الضجر والسأم، فعول على الرجوع إلى باريس، وخامره شيء من ms072 القلق؛ لأن تلميذه كان ~~قد وعد بأن يعرج على أمبواز قبل أن يلحق بأمير كوندة. فجلس عند المساء قلقا، ولم يشعر ~~بشهية للطعام، وإنه لكذلك وإذا بتلميذه جاليو قد ظهر عند باب الفندق محجبا بالعرق ~~والغبار. فهجم عليه برنابا بلهفة واشتياق. فبدره بقوله: الطعام قبل كل شيء! # وجلس الأستاذ والتلميذ إلى مائدة في غرفة برنابا؛ لأن جاليو لم يشأ أن يتعشى في القاعة ~~العامة. فلما شبع جاليو وارتوى قال لأستاذه: سل الآن ما بدا لك. قال: حدثني بخبرك ~~واكفني مئونة الاستفهام. ماذا وقع لك بعدما تركتني للوحدة والوحشة؟ أجاب: كيف تذكر ~~الوحدة والوحشة وأنت في فندق أنيق قد اشتهر في بلاط طوران بمطبخه وحلواه وخموره؟ قال: ~~لقد تركتني يا ناكر الجميل، ولو لم تعد لانتقلت من الحياة إلى الموت. # أجاب: لو وقع ذلك لكان الخطب جللا. فقد سافرت مع الأمير حتى أوصلته إلى البلاط ~~وانتظرت، ولما رحل الأمير ولم يرجع قبض علي دي جيز وحبسني، ولولا الملكة كاترين ~~لأسلمني إلى الجلاد، وهو فيلار شر الجلادين. قال: ألم أشر عليك بأن تبقى في مدرسة ~~السوربون بدلا من السقوط في مفاسد البلاط ومهالكه؟ # أجاب: ليس ذلك بالأمر الذي يستحق الذكر بعدما أنقذتني كاترين مرتين: الأولى: في شنونسو، ~~والثانية: في أرتناي. # قال: إن كاترين هذه ملكة عظيمة. # أجاب: منذ ليلتين نصبت شركا على يد خادمة إيطالية لسجاني، وسكر السجانون الآخرون، ثم ~~أقبلت الملكة بنفسها علي. # قال: الملكة بنفسها؟ # أجاب: نعم، فتناولت يدي وأعطتني جوادا وذهبا وسيفا، وغدارتين وخنجرا نفيسا، ورسالة ~~إلى أمير كوندة، فأنا سفير يا أستاذي، وقد بحت لك بسري فأقسم لي على أن تموت قبل أن تبوح ~~به. # فانشرح صدر برنابا لسرور تلميذه، ورفع زجاجة خمر بيده، وقال: إني أقسم لك. ثم قال: إن ~~هذه الملكة بديعة، ولا أدري لماذا يفضل عليها الملك فرنسوا الثاني دوقة من فالنتين، وآل ~~مدسيس أقدم نسبا؟ قال جاليو: بل يقال إن أسرتها قد تعاطت التجارة قديما. أجاب: كلا يا ~~بني. # وهنا أخذ الأستاذ يسرد على ms073 تلميذه نسب أسرة مدسيس بإسهاب، حتى قال جاليو: تالله لئن ~~لقيت الملكة كاترين لأطلعنها على تاريخ قومها. # فطفق برنابا يفيض في شرحه حتى غلب النعاس جاليو، فحمله كأنه يحمل طفلا صغيرا، ووضعه ~~على فراشه، وقعد إلى جانبه لكي يرقب يقظته، إلا أنه ما لبث حتى نام مثله، وفيما كان ~~جاليو يرى في حلمه مرسلين والملكة كاترين، ضرب باب الغرفة ضربات متوالية عنيفة، فصاح ~~الأستاذ: مهلا بحق السماء! فعندي غلام نائم. فقيل له: افتح! قال: من أنتم؟ قيل: افتح ~~باسم الملك! # فنهض جاليو وبادر إلى النافذة ليثب منها إلى الأرض ويفر، فأبصر تحتها ثلاثة رجال يحملون ~~الحراب، فقال: ويلاه لقد فسد كل تدبير، ولكن لماذا تركتني أنام يا أستاذي؟ فأجابه: لقد ~~كنت نائما نوما عميقا. # وتكرر النداء من الخارج فعرف جاليو صوت البارون دي برداليان. فتناول رسالة الملكة ودسها ~~في ردنه حتى يبتلعها بسهولة عند الحاجة. ثم حشا غدارتيه وعلقهما في نطاقه، وشهر سيفه ~~الطويل، وأعد خنجره، ثم طلب إلى برنابا أن يختبئ في إحدى الخزائن. # وكان برداليان ورجاله بالباب يصرخون، افتح الباب! واستمر ذلك بضع دقائق، ثم انكسر ~~الباب تحت صدمات المهاجمين، فأبصر جاليو جماعة من الرجال قد ملئوا الدهليز، وكان أحدهم ~~يحمل مصباحا فأطلق عليه جاليو النار فخر صريعا، وانطفأ مصباحه معه، وكان جاليو قد ~~لاحظ جهة الباب فطرح عنده كل ما أمكنه طرحه من صحون وزجاجات وكراسي حتى قال برداليان: ما ~~أحسب الذين في داخل هذه الغرفة أقل من عشرين رجلا. # إلا أن جاليو لم يقتنع بفوزه الأول. ففيما كان برداليان نازلا ليعد هجمة ثانية جذب ~~السرير إلى أمام الباب، وكان يأمل بذلك أن يتمكن من طلقة نارية ثانية، إلا أنه لم يكن قد ~~حسب حسابا لمن في الخارج. ففيما كان يسدد غدراته إلى أحد رجال برداليان سمع النافذة ~~وراءه تفتح، فانثنى وأطلق النار على رأس أحد الجنود، وكان قد صعد إلى الشرفة، وسدد إليه ~~الطلق، وهكذا قتل جاليو رجلين، إلا أنه لم يبق له إلا سيفه وخنجره، ms074 وفيما كان جاليو يطرح ~~قتيله من الشرفة كان برداليان قد قلب السرير والأمتعة وتقدم إلى عدوه ومعه أربعة رجال، ~~ومعلوم أن البارون تلقى أمرا بألا يقتل جاليو، بل يقبض عليه حيا، وقد ظن جاليو أن ~~ساعته الأخيرة قد دنت، وركع برنابا يصلي في مخبئه. فاستند جاليو إلى الجدار بعدما اجتذب ~~إليه خوانا وكرسيين، وجعل يمد سيفه الطويل إلى الرجال، فلم يجسروا على الدنو منه برغم ~~حرابهم. فاضطر برداليان إلى الهجوم عليه بنفسه قائلا لرفاقه: اهجموا عليه أنتم من ~~جانبيه. # وللحال ناله جاليو بضربة سيف على كتفه اليسرى، وقال له: لقد ظننت أن هذه الكتف تحسد ~~تلك. # فصرخ برداليان من شدة الحنق والكمد، وهجم على عدوه، وقلده رجاله حتى ضايقوا جاليو ~~مضايقة ظن معها أن هلاكه محقق، ومع ذلك فلم يصب إلا بخدوش هشمت ساعديه وكتفيه فتجلد. ثم ~~دنا أحد الجنود رافعا حربته، وإذا بجاليو قد طعنه في عينه بخنجره فارتمى المسكين من غير ~~حراك على الخوان فانقلب معه، وزال حصن كان جاليو يحتمي به. فلما رأى سائر الرجال خلو ~~الساحة تقدموا، فصاح بهم برداليان: لا تقتلوه، وإنما اضربوا ساقيه. # فارتعد جاليو لعلمه بما وراء نجاته من عذاب يلقاه من يد الجلاد، وأشفق برنابا على ~~تلميذه فاضطرب وهو في مخبئه أشد اضطراب، وللحال خطر له خاطر عجيب، فقبض على زجاجة خمر، ~~وخاطبها بقوله: انطلقي أيتها الزجاجة المحبوبة رسولا إلى هؤلاء الرجال المسلحين، ~~فأبلغيهم أن في الخمر منافع للناس، وأطفئي أنوارهم وأنقذي تلميذي العزيز. # ثم صوبها إلى البنادق الثلاث فرماها بالزجاجة، فانصب ما فيها على ذبال البنادق فتقهقر ~~الرجال الثلاثة مذعورين، ولجئوا إلى الباب، فاعترضهم رجل طويل القامة، وقال لهم: إلى ~~الوراء أيها القتلة، يا من لا يستنكفون من مهاجمة شريف واحد وهم عشرة. # ثم قال لجاليو: مهلا أيها البطل إني نصيرك. # وكان جاليو في أشد الاحتياج إلى هذه المساعدة؛ لأنه كاد يفقد حواسه، وتأخر برداليان ~~لينظم القتال تنظيما آخر، فانتهز جاليو هذه الفرصة فتخلص من الرجل الأخير حامل الحربة، ~~وكان نصيره ms075 الجديد قد طرح اثنين من حملة البنادق، فبقي برداليان بين سيفين، فلاح له أن ~~أجله قد دنا، وخطر لجاليو أن يرديه قتيلا، إلا أنه أبى أن يقتله ومعه رجل آخر، فقال له: ~~سلم نفسك! أجاب: أبدا! قال: إذن نأخذك أسيرا. # ولم يكن برداليان قادرا على مقاتلة ذينك الرجلين؛ لأن صديق جاليو الجديد كان ماهرا ~~مثله في ضرب السيف، فما لبث أن أصيب بجرح وسقط مغمى عليه، فانثنى الطالب إلى منقذه، وصاح ~~يقول: لست أعرفك يا سيدي، وإنما أعرف أنني لولاك لكنت قتيلا. فحياتي لك واسمي جاليو دي ~~نرساك من رجال أمير دي كوندة. # فأجابه: إن الأمير جندي شجاع، وقد قاتلت تحت إمرته، ويعجبني أنني أسديت يدا إلى ~~واحد من رجاله البواسل، واسمي ترولوس دي مزغونة. # فتأمل الرجلان وقتئذ ساحة القتال فأبصرا الجثث مبعثرة، والكراسي مقلوبة، وصاحب الفندق ~~بالباب حاملا مئزره بإحدى يديه، ماسحا بالأخرى عينيه، ورأس برنابا بارزا من باب ~~الخزانة، وقد تنهد، وقال: يا له من منظر فظيع! # فقال صاحب الفندق: ومن يدفع لي ثمن ذلك كله؟ # فعطف جاليو على البارون وفحص جراحه فلم يجد فيها جرحا مميتا. فوضعوا الجرحى على ~~الفرش، ونقلوا القتلى، وأعد صاحب الفندق لائحة بمبلغ كبير تمكن جاليو من دفعه من مال ~~الملكة الوالدة. فخلا الصديقان وبرنابا، فقال جاليو: أي جهة تقصد يا سيدي، أشمالا أم ~~جنوبا؟ فأجابه: كنت ميمما بلاط فرنسوا الثاني في طلب التوفيق، فهل لك في ~~مساعدتي؟ # فأجابه: نعم، ولكن الأمير ورجاله ليسوا على وفاق مع بلاط الملك في هذه الآونة، وإني ~~ذاهب إلى غاسقونيا لألحق بالأمير. # قال: لست أرى الطرق طرق أمان، فهل لك في استصحابي؟ # أجاب: حبا وكرامة، ولكن ذلك السير يرجعك إلى الوراء. # قال: لا يهمني ذلك. فأنت تعرف الأمير بي فيذكر أنني كنت من المقاتلين تحت لوائه، ثم ~~نرجع معا إلى البلاط. فما رأيك؟ # وتصافح الرجلان. فقال برنابا: وأنا فماذا أفعل؟ # فأجابه جاليو: أنشئ خطبة بليغة عن القتال الذي شهدته، وفصل فيها كل ما رأيته من بداءة ~~المعمعة ms076 حتى وصول دي مزغونة، وقد كان سيفه آية النصر لنا. # فقال مزغونة: ولماذا لا تسافر معنا أيضا؟ # قال: إلى غاسقونيا؟ # أجاب جاليو: نعم، فإن الفراخ هناك طيبة، ولحمها طري، والخمرة جيدة، وشربها لذيذ، ~~والفتيات حسان فاتنات. ~~- إذن فقد وجدت ضالتي. # قال جاليو: وما رأيك إذا لحق بنا أعداؤنا؟ # قال: ما أظن هذا البارون يستطيع لحاقا بنا، فهو لا ينهض عن فراشه إلا بعد أيام طويلة، ~~وأنا أعرف الطرق فلا أدع أحدا يهتدي إلى آثارنا. # قال جاليو: إذن هيا بنا نسافر. وهكذا سافر الثلاثة. # الفصل السادس عشر # | في التصويرة التي نبهت فضول دي مزغونة # وصل جاليو وترولوس إلى قصر يقال له «بو» فاستقبلهما الأمير أحسن استقبال، وبعد أن أخبره ~~جاليو بما وقع له، قال الأمير: استريحوا الآن أنت وصديقاك، واصبروا. # فأعجب برنابا بهذا الجواب، وكان برنابا أنعمهم بالا، وأحسنهم حالا؛ لأنه عكف على ~~طعامه وشرابه، وود إنفاق العمر بين الطاس والكاس في ذلك الموضع الذي رآه أشبه بجنة ~~عدن. # أما ترولوس وجاليو فقد تمكنت بينهما أواصر المودة، وتوثقت عرى المصافاة والمصادقة، ~~وكان ترولوس على مذهب البروتستانتيين، فانضم إلى رجال أمير كوندة، وقد سر ذلك ~~الأمير؛ لأنه عرفه من أنصاره في حصار متس، وكان هذا الشاب في نحو الخامسة والثلاثين، ~~طويل القامة، حسن المنظر، كثير التفكير والتأمل. فهو في ذلك على عكس ما اتصف به جاليو ~~الفكه الخلق، الحلو المعاشرة. إلا أن بين الصديقين جامعة أخرى هي البسالة الحقيقية، وحب ~~التعرض للمخاطر، وكان يلذ للأمير التنزه معهما على ضفاف نهر الغاق، أو في الوديان التي ~~تحدق بها هناك الجبال الشامخة. فلما كان ذات يوم، قال الأمير لجاليو: ما أراك تحب بلادنا ~~وجبالنا؛ لأنك لا تكلمني عنها، فأجابه: إني لمعجب بها كل الإعجاب؛ لأنها جنة الله في ~~أرضه، ومتى وصلنا إلى بلاط الملك سمعت مني وصفها البديع، وقال الأمير لبرنابا: وأنت فما ~~رأيك أيها الأستاذ؟ فأجابه: من لي بصرف العمر في هذا البلد السعيد؟ # وبعد صمت قصير المدة، قال الأمير لجاليو: ما رأيك ms077 في مهمة تذهب بها إلى البلاط؟ فصاح ~~جاليو: إني للمهمات يا مولاي، فإن شئت سافرت الليلة! قال: وأنت يا دي مزغونة؟ أجاب: أرجو ~~أن تأذن لي فأصحب صديقي. قال: لقد تبين لي أن جمال هذه البلاد لم يؤثر فيكما، إذن ~~تسافران غدا. # فأظلم وجه برنابا، إلا أنه لم يجسر على اعتراض. فقال الأمير: إلا أنكما أجزلتما الولاء ~~لبرداليان وعاملتماه بكرم الخلق، ولا بد من أن تجتمعا به هنالك، فأجاب جاليو: ليتنا ~~نستأنف القتال معه. فضحك الأمير، وقال: لست أرتاب في ميلكما إلى مبارزته، ولكنني أود ~~أن أعرضكما لغيره، فاسمع يا جاليو. إن الملكة الوالدة قد أخذت تشعر بضعف العزيمة، والعجز ~~عن مقاومة آل جيز وحدها، وفي الرسالة التي وصلت إلي منها على يدك تعدني بالمساعدة لدى ~~الملك إذا رضيت بالرجوع إلى البلاط. # وفيما كنت أفكر في السفر بعثوا إلي بالماريشال سنت أندريه جاسوسا يرصد حركاتي ~~وسكناتي فرابني أمرهم، ومعلوم أن مجلس الأعيان يجتمع قريبا في فونتنبلو، ولكنني قبل أن ~~أذهب إلى هذا الاجتماع أردت الاطلاع على ما ينويه البروتستانتيون أهل البلاد الشمالية، ~~فأرسلت إليهم رسولي لاساج فذهب فأوصل الرسالة، ولما عاد بالأجوبة تمكن فيلار الملازم عند ~~آل جيز من القبض عليه، وأطلع الدوق دي جيز وأخوه على الرسائل التي كتبها إلي أشراف ~~البلاد الشمالية، وكان بينها كتاب من قائد الجيوش هناك يعرض به علي مساعدته، وكذلك كان ~~بينها كتاب من الفيكونت شارتر ليس عليه توقيع غير حروف متفرقة، ولم يكن في الإمكان معرفة ~~التوقيع لولا أن المسكين عندما كانت تهواه كاترين قبلا كان قد كتب إليها أبياتا لطيفة ~~ما برحت تضعها بين صفحات كتاب صغير للصلاة تحمله كل يوم. فلما قابل آل جيز بين الخطين ~~تحققوا أن صاحب الكتاب هو الفيكونت شارتر، وفي ذلك الكتاب يقول الفيكونت شارتر: «إني ~~مخلص لك أخدمك جهدي وأنصرك على كل مخلوق ما عدا الملك والملكة الوالدة وأبناء البيت ~~المالك في فرنسا» فقبض آل جيز على الفيكونت شارتر، وطرحوه في قلعة الباستيل، وقد أمرت ~~كاترين ms078 على أثر ذلك بأن يمكن السجين من استنشاق الهواء النقي في فناء القلعة. فعليكما ~~أن تسافرا غدا إلى باريس، وتحاولا إنقاذ ذلك الرجل الكريم الذي عقد أعداؤنا نياتهم على ~~إهلاكه. # قال جاليو: ثم ماذا يا سيدي؟ # أجاب الأمير: ثم تنتظرانني في ضواحي البلاط، وتنبئان كاترين بقرب وصولي. # ولقد فرح الصديقان بهذه السفرة، أما برنابا فكان لا يفتأ يذكر النعيم الذي فارقه، ~~ويقول: لقد كنا بخير وسلام في غاسقونيا. # فلما وصلوا إلى باريس نزلوا عند نيكول بوصه، ولما رأى برنابا وجه نيكول العريض والمائدة ~~الفاخرة التي أعدها نسي أحزانه، فأكل برنابا حتى امتلأ جوفه، فقال له نيكول: إلى أي جهة ~~أميل يا ترى؟ إلى جهة الأمير أم إلى جهة آل جيز؟ # فأجابه برنابا: إلى جهة النقود يا صديقي. ~~••• # ولما أمسى المساء خرج جاليو مع ترولوس قاصدين إلى ناحية الباستيل فاقتربا من القلعة. ~~فقال ترولوس لصديقه: قد يكون هلاكنا في هذه المهمة التي نباشرها الآن، وقبل العمل أود ~~منك أن تطلعني على سر. # أجاب: تكلم يا صديقي فليس لي سر أكتمه عنك. # قال: ما هذه التصويرة التي معك؟ لعلها من حبيبتك مرسلين؟ # أجاب: لا. ~~- إنما عنيت التصويرة التي رأيتها مرارا على صدرك وقت الرقاد، فهل جاءت من امرأة ~~تهواها؟ ~~- كلا، فلست مجنونا لأهوى ملكة. ~~- أملكة هي؟ ~~- نعم؛ لأن عليها صورة كاترين دي مدسيس، تناولتها من يدها ليلة هربي من أرتناي، ولكن ~~ما بالك؟ وما هذا الاصفرار الذي بدا على وجهك؟ ~~- يا للداهية، إن ما أنا فيه فظيع! آه، إنني مجنون يا صديقي فما حم واقع، ولا مرد ~~له ولا دافع! لقد مضى زمن وأنا أرى هذه الصورة، فأنا أهوى الملكة، وكنت غيورا منك. ~~كنت أضطرب من هاتين العينين، ويزعجني التفكر فيهما كلما أويت إلى فراشي! وخيل لي أنني ~~أخون صداقتنا بحبي للمرأة التي تهواها أنت. أما الآن فقد علمت أنك لا تهواها، بل علمت أن ~~التي أهواها هي والدة الملك! ألا تعسا لي! بمثل هذا الغرام يهلك رجل مثلي. # ولم يكد جاليو ms079 يتعجب من شيء فقال: ولماذا يهلك به رجل مثلك؟ وهل تيأس من تلك المرأة ~~التي تقدم على كل شيء؟ # فوصلا إلى الباستيل، وأخذ يبحثان عن موضع فناء القلعة، وهو الموضع الذي أشار إليه ~~الأمير في حديثه، وقال: إن الفيكونت شارتر يخرج إليه للتنزه في كل يوم فردهما الحراس، ~~فابتعدا على أن يرجعا ليلا، وكان الظلام شديد الحلك حين رجعا. فزحفا على ضفاف خندق حتى ~~بلغا المكان الذي تجري منه إلى السجن المياه، فقال جاليو: إنما ندخل من هنا. فالبث في ~~موضعك لأرقب الموضع فإنني أود أن أفحص الممر الذي أشار إليه الأمير في إيضاحاته ~~الخاصة. # ونزل إلى الماء فسبح فيه فوصل إلى قبة ترتفع قدمين فوق الخندق، وقد غطس بدنه في ماء ~~ووحل. فعثر بباب من حديد كالشباك، فقال: واعجبا من باب متين كهذا يكون في مجرى المياه، ~~ولكن من حسن الحظ أننا قادرون على اقتلاع بعض قضبانه الحديدية. قال هذا الكلام واقتلع ~~قضيبا إلى جانب القفل بخنجر معه حتى تمكن من مد يده وإدارة القفل، فدار الباب على رزاته ~~وانفتح، فمر جاليو سابحا حتى انتهى به العوم إلى فناء مزروع أشجارا، وكان ذلك ~~المكان متنزه الفيكونت شارتر، فقال جاليو: إذا أعددنا ثلاثة أفراس عند باب سن أنطوان، ~~واتخذنا الخناجر، تم لنا النجاح. ثم رجع إلى الموضع الذي غادر فيه صديقه فألفاه ينظر إلى ~~السهى مسترسلا في تأملاته، فقال له: حسبك يا هذا فما عشق الصور بمحمود. قال: لا تمزح، ~~ولا تهزأ بي فإني عاشق حقا. قال: إذن كان الأجدر بك ألا تمد يدا إلى إنقاذ ~~الفيكونت شارتر. فقد قيل إنها كانت تحبه. قال: لا تكلمني عن ماضي تلك المرأة يا جاليو ~~فإنني قد تناسيته، وأنا أهواها، ولا غرض لي من حياتي إلا أن أخدمها وأموت في سبيل هواها. # فقال جاليو: لعمر الحق هذه أول مرة أفلحت فيها كاترين بأن كانت السبب في هوى مجرد عن ~~الأغراض. # قال ترولوس: وعن الأمل أيضا! # وقال جاليو: ولم ذلك، أولست شريفا مثل الفيكونت ms080 شارتر الذي عزمنا على إنقاذه؟ ألا ~~فاذكر ذلك يا ترولوس، كل شيء ممكن حدوثه في بلاط فالوا! ~~••• # وبعد يومين قبيل الفجر كان حراس الباستيل يوزعون على أسواره، وحاكمه يلقي بعض ~~الأوامر. فهم جاليو بمباشرة العمل فأوقفه صديقه، وقال: بل أود أن ألقى الرجل وأراه ~~قبلك. فنزل ترولوس إلى ضفاف الخندق، ووصل إلى الفناء الذي كان الفيكونت يتنزه فيه، ~~والمجرى الذي وقف ترولوس عنده كان محجوبا بالأشجار الغضة، فانتظر عنده ولم يره أحد، ومن ~~ذا الذي يخطر في باله أن في العقلاء من يتجرأ على إنقاذ سجين من الباستيل عند طلوع ~~النهار. فلبث ترولوس منتظرا حتى أزفت الساعة التاسعة فانفتح باب الفناء، وخرج الرجال ~~يتقدمون سجينا تلوح على محياه أمارات النبل والذكاء. فقال ترولوس في سره: هذا هو ~~صاحبنا الفيكونت شارتر. # ثم انزوى الحراس إلى زاوية، وتركوا السجين يتنزه كما يشاء فمر المسكين مرارا أمام ~~الأشجار الغضة، ثم ارتمى على مقعد هناك، وإذ ذاك سمع وراءه قائلا يقول: أتسمعني يا ~~سيدي؟ # فاهتز الفيكونت، وبعد هنيهة جعل يده على فمه، وقال: هل جئت لتنقذني؟ فأجابه: نعم، ~~قال: قل ما اسمك؟ أجاب: لست تعرفه. قال: من مرسلك؟ أجاب: أمير دي كوندة. # فنهض الفيكونت ودنا من حراسه فرآهم منهمكين في لعب النرد. فعاد إلى مكانه قرب الشجر، ~~وقال لترولوس: كيف يتسنى لك إنقاذي؟ فأجابه: وراء هذه الأشجار ساقية ماء يفضى منها إلى ~~خندق، فاتبعني، ولسوف نتخلص بسهولة من كل من يحاول اللحاق بنا، وقد جئناك بسيف. فإذا ~~اجتزنا الفندق قصدنا باب سن أنطوان، وهناك خيلنا تنتظرنا لنهرب. # فلمعت عينا السجين من الأمل بالنجاة. ثم غمغم يقول: ماذا أفعل بهذه القيود؟ قال: إليك ~~منشارا أتيت به فإذا تمكنت من كسر إحدى حلقات قيودك قبل الوقت المعد لنزهتك عدنا إليك ~~غدا. # وناوله ترولوس منشارا جعله الفيكونت في ردنه. غير أن الباب انفتح وقتئذ، وطلعت منه ~~امرأة لابسة السواد، فنهض السجين لاستقبالها، ثم لما عرفها سقط على مقعده يقول بصوت ~~خافت: رباه هذه كاترين! كاترين هنا! # وغمغم ms081 ترولوس يقول: هذه هي! وا حر قلباه، ما أجملها! # فتقدمت الملكة يصحبها حاكم الباستيل، وكانت تقول له: لقد فهمت مرادي. إذا تقدم أحد رجال ~~البلاط وأنا ها هنا فلا تدعه يدخل. قال: سأصدر الأوامر بهذا الشأن. # ومضى حاكم الباستيل والجنود معه، فخلا المكان للملكة كاترين وعشيقها القديم، ولم يتلفظ ~~الفيكونت بكلمة؛ لأنه لم يدر معنى تلك الزيارة. فسكت منتظرا سماع كلام الملكة، فقالت ~~له: أكنت تعد مؤامرة على الملك أيها الفيكونت؟ # أجاب: أنا يا سيدتي؟ إني لا أزال أجهل السبب الذي من أجله أمر الدوق دي جيز بالقبض ~~علي. # قالت: لقد أمر بالقبض عليك؛ لأنك أعددت مؤامرة مع الأمير. # أجاب: ذلك مستحيل، فأين البرهان؟ # قالت: البرهان كتاب منك. # قال: مني أنا؟ # أجابت: نعم، وجدوه مع رسول اسمه لاساج. # قال: لست أعرف ذلك الرسول، ولا يمكن أن يوجد معه كتاب مني. # قالت: ألا تزال ماهرا في المخادعة؟ ألا تذكر مخادعتك إياي مع إحدى وصائفي؟ # قال: من منا نحن الاثنين خادع الآخر؟ # قالت: كفى ولا تهن والدة الملك! # أجاب: إذن أخبريني لماذا أتيت تكدرين صفو وحدة السجين؟ # قالت: إنما أتيت لأراك، وهل تسأل النساء عن الأسباب التي تدعو إلى تفكيرهن؟ لقد خطر ~~لي المجيء إلى هنا فأتيت. # أجاب: ما دام الأمر كذلك فقد خطر لي الآن أنك أنت الآمرة بانتشالي من قصري، وطرحي في ~~هذا السجن الهائل. # قالت: أقسم لك على أن ذلك لم يكن بأمر مني يا شارتر. ~~- ولكن كيف تمكن دي جيز من مطالعة رسالة لم أكتب منها شيئا؟ ~~- يا لك من غلام ساذج. ألا تدري أن قراءتها ممكنة إذا غطست في الماء الغالي؛ لأنك ~~كتبتها بحبر خاص؟ # قال: وهل تكلم لاساج؟ # أجابت: نعم، بعد التعذيب. # قال: كيف أمكن آل جيز أن يعرفوا أن الرسالة مني؟ # أجابت: ألا تذكر أبياتا كنت أرسلتها إلي أيام كنت تهواني؟ فهذه الأبيات كنت أحملها ~~على الدوام في كتاب للصلوات. قد أطلع عليها الكردينال، وعرف ناظمها. إذن تكون أنت الخائن ~~نفسك. # فانطفأ غضب الفيكونت؛ لأنه ms082 لا يستطيع أن يحقد على امرأة حرصت على أبيات كتبها إليها ~~فنسي ما هو فيه، وجعل ينظر إلى كاترين، فقالت له: ما بالك لا تجيب؟ أجاب: بماذا أجيب ~~أيتها السيدة، فقد صرت إلى السجن، ولم يبق أمامي إلا أن أهلك، وأنا شريف. قالت: أتهلك ~~أنت وأنا نصيرتك؟ قال: أنت نصيرتي أيتها السيدة؟ قالت: أنبئني بما تحويه تلك الرسالة. ~~أجاب: ليس فيها إلا مطاعن على آل جيز، وإظهار ولاء للأسرة المالكة. # قالت: وماذا كتبت فيها عني؟ أجاب: لا شيء، وهل أتجرأ على الكتابة عنك في رسالة إلى رجل ~~آخر؟ قالت: إذن فليس فيها كلمة من شأنها أن تفضحني؟ أجاب: أبدا. قالت: وأين الرسائل ~~التي كتبتها إليك قبلا؟ قال: بحقك لا تحرميني منها، فهي كل تعزيتي الأخيرة. # فمدت الملكة يدها إلى صدرة الفيكونت شارتر، وأخرجت منها رزمة عليها شريط من حرير، ~~فجعلتها في صدرها، وكان يبكي وهو صامت، ثم قال: لماذا أخذتها مني؟ قالت: إن الدوق دي جيز ~~عازم على استنطاقك، وقد يتجرأ على أخذ هذه الرسائل منك. أجاب: إن رسائلك خالية من ~~التوقيع. قالت: إن الدوق وأخاه يعرفان خطي. فماذا يجري للملكة الوالدة إذا حصلا على ~~برهان يؤكد لهما هفوتها. على أنني سأنصرك في البلاط عند الملك، وقد تطول مدة أسرك؛ لأن ~~ابني كاره لأمير كوندة، وأنت من أعوانه. إنما ثق بأنه ما من أحد يستطيع الفتك ~~بك. # وقد تهلل وجه كاترين منذ ما حصلت على رسائلها، فنهضت وقالت: أنا التي مكنتك من التنزه ~~في هذا الفناء. فأجابها: شكرا لك، وإنما آمل منك أن تمكنيني من التنزه خارج هذا السجن ~~تحت سماء طوران. # فعطفت عليه الملكة، ولثمت جبينه، وقالت: أودعك أيها الحبيب. وكان الفيكونت شارتر قليل ~~الوثوق بالملكة فلم يشأ مخاطبتها عن فراره، فتركها تمشي، إلا أنها رجعت بعد دقيقة ممتقعة ~~اللون حنقا، وحاكم الباستيل يتبعها وهي تقول: ألم أقل لك لا يدخل أحد إلى هنا؟ فأجابها: ~~لم يكن في إمكاني أن أدع الدوق دي جيز واقفا عند الباب. # فقال ترولوس ms083 والفيكونت شارتر معا: الدوق دي جيز؟ فغمغمت الملكة تقول: رباه ماذا أفعل ~~الآن؟ # فنهض الفيكونت، واقترب من الملكة، وقال لها: إنما يهمك أيتها السيدة ألا يراك الدوق ~~ها هنا. أجابت: بلا شك يا حبيبي، والويل لي إذا رآني. # وبقي حاكم السجن وراء الملكة بعيدا عنها قليلا، وهو يحرك قبعته بيده حائرا، فقال ~~الفيكونت: يوجد وسيلة يسيرة، وهي أن يرجعني حاكم السجن إلى سجني سريعا فيتبعني الدوق ~~إليه، وإذ ذاك يمكنك الفرار. # قالت: هذا هو الرأي الصواب. فأسرع يا مسيو دي برسان (اسم حاكم السجن ) وخذ السجين إلى ~~سجنه، ودبر كيف شئت كي لا يمر الدوق بالفناء، وإلا فويل لك مني! # فانحنى الحاكم، وأمسك يد الفيكونت، فلما صار إلى عتبة الباب أشار إلى الملكة كي تختبئ ~~وراء الأشجار. # فوثبت كاترين إلى الموضع الذي كان مختبئا فيه ترولوس، ولما رأته أمامها بهتت وارتاعت، ~~وقالت له: من أنت؟ وماذا تفعل ها هنا؟ فأجابها: أنا رجل يهواك أيتها السيدة ويموت ~~فداك. # ولقد وصل الدوق إلى القلعة، وفي نيته استنطاق الفيكونت شارتر، فأبصر مركبة وخدما عند ~~الباب، إلا أنهم بملابس ليست ملابسهم، أما المركبة فقد انتزع عنها الشعار الملكي، ولكن ~~الدوق عرف الخدم، وأحس بإحدى الدسائس الخفية. فدخل القلعة، وأخذ يحقق النظر، ويتفقد كل ~~مكان وكاترين واجفة الفؤاد، واقفة قرب ترولوس. أما هذا فكان مسترسلا في لذة القرب من ~~تلك الملكة غير مفكر في خطر موقفه، وكان كل منهما ممسك أنفاسه، وقد حاول الحاكم إمساك ~~الدوق غير أن هذا وثب إلى الفناء، وسرح بصره في كل ناحية، ثم عاد إلى القلعة فانطبق ~~الباب وراءه، فقالت كاترين: لقد نجونا! فقال ترولوس: لقد وجب الرحيل من هنا أيتها ~~السيدة. # قالت: ويلاه، وكيف ذلك وحرس الدوق عند الأسوار؟ وهل يمكن الخروج من هنا دون أن يروني؟ ~~قال: أيصعب عليك أن تجتازي خندقا؟ أجابت: كلا. قال: إذن فاتبعيني. قالت: إلى ~~أين؟ # فلم يجب ترولوس، وخاف ألا تكون الملكة قادرة على المرور مثله في ذلك الخندق، إلا أنه ~~رآها تبتسم، ms084 وتشير إلى حجر في زاوية، ثم قالت له: ارفع هذا الحجر. # وذلك لأن الملكة الوالدة كانت تعرف مخارج القلعة السرية التي لا يعرفها إلا أعضاء ~~الأسرة الملكية، وذلك واحد منها. فرفع ترولوس الحجر فأبصر بابا أمامه، فقالت: لندخل، ~~ودخلا، ثم أقفلا الباب بعد أن أرجع ترولوس الحجر إلى موضعه، وسارا في ممر محفور في ~~الجدار حتى وصلا إلى باب مشرف على الخندق ففتحه ترولوس بسهولة، ونزل حتى وصل إلى فم ~~الخندق، ونادى جاليو فأقبل يقول: أين الفيكونت شارتر؟ فأجابه: يستحيل إنقاذه. # قال: وكيف أتيت من هناك؟ # أجاب: سوف تعرف ذلك. أما الآن فلا بد من إنقاذ الملكة كاترين. # قال: الملكة؟ # أجاب: نعم. فانزل إلى الخندق إن الماء فيه قليل، وفي وسعنا حمل الملكة إلى الضفة ~~الأخرى. قال: لم أفهم شيئا. # فأجابه: سوف تفهم كل شيء. # فأطاع جاليو وهو يظن أن رفيقه قد جن. أما مزغونة فحمل الملكة على ساعديه، وساعده ~~جاليو فنقلاها إلى ضفة الخندق دون أن تبتل ملابسها بالماء. أما جنود القلعة فقد هاج ~~فضولهم قدوم الدوق إلى الباستيل فلم يلتفتوا إلى الأسوار، وهكذا اجتازت الملكة مع ~~الرجلين، ولم يجدوا في طريقهم إلا حارسين من حرس الدوق أرادا أن يمنعاهم من السير. إلا ~~أن جاليو ومزغونة كانا إليهما أسرع من الصاعقة فطرحاهم قتيلين بضربتين من خنجريهما قبل ~~أن يتمكنا من استخدام سلاحهما. # وقال ترولوس: وا رحمتاه للجنديين المسكينين. قالت: ذلك ما كتب لهما، ولا يجب أن يبوحا ~~بما علما. # ثم خرج الثلاثة من باب سن أنطوان فوصلوا إلى الفندق أي إلى موضع الخيول. فقال جاليو: ~~إلى أية جهة نقصد؟ فأجابته الملكة: إلى فونتنبولو. # فلما صاروا على مسافة من باريس، قالت الملكة لهما: أخبراني الآن أي معجزة حملتكما إلى ~~خندق الباستيل؟ # ولم يكن ترولوس قادرا على الجواب؛ لأنه كان في أشد حالة من الانفعال، فأجابها جاليو: ~~ذلك سر يا مولاتي. قالت: أتكتم عني سرا؟! إلا أنني واثقة من أنكما كنتما تحاولان إنقاذ ~~سجين. أجاب: لست أريد أن أكذب يا سيدتي. ms085 قالت: وذلك السجين هو الفيكونت دي شارتر. ~~فأجابها: ربما كان ذلك يا مولاتي. # فأطرقت كاترين تفكر، وقد أدركت أنها بوجودها في السجن حالت دون نجاة ذلك الفيكونت السيئ ~~الحظ، وأنه بذل حريته فداء عن حريتها، فأثر فيها ذلك البرهان بمقدار ما يؤثر في تلك ~~المرأة برهان مثله، وهي لم تكن تهوي شيئا مثل القدرة والسلطان. # ثم قالت: كيف قدمت إلى هنا يا مسيو جاليو دي نرساك بعدما غادرتك متوجها إلى ~~غاسقونيا؟ # أجاب: لقد رجعت يا سيدتي مع صديقي ترولوس كونت دي مزغونة، وهو أشجع رجل في الدنيا، وكاد ~~يقتلني ليحصل مني على التصويرة التي أذنت لي بأخذها منك. # فاصفر وجه ترولوس، وقال: هذا صحيح. فقالت كاترين: وماذا جرى لرسالتي؟ فأجابها: لقد ~~أوصلتها إلى الأمير. قالت: ورسالة الآنسة دي ليمول؟ أجاب: أوصلتها إليه كذلك. قالت: ~~ولماذا بقي الأمير في غاسقونيا؟ أجاب: لأنه في حاجة إلى معرفة ما ينويه أشراف هذه البلاد ~~قبل أن يدخل البلاط. قالت: ألأجل ذلك أرسل لاساج؟ أجاب: نعم. قالت: وهو الذي أرسلكما ~~لإنقاذ الفيكونت دي شارتر من الباستيل؟ أجاب: نعم. قالت: إن ابن عمي أمير كوندة صديق ~~وفي يا جاليو، فتقدم وانظر لئلا يكون أمامنا عدو ينوي قطع طريقنا. # فتقدم جاليو بجواده إلى مسافة مائتي خطوة، ثم تركه يتمشى على مهل وهو يفكر في الحوادث ~~التي قضت عليه بإنقاذ الملكة كاترين بدلا من إنقاذ الفيكونت شارتر. أما كاترين فأقبلت ~~على الكونت دي مزغونة تتفرس في وجهه، وقالت له: اذكر أنك طارحتني الحب منذ هنيهة. ~~فأجابها: إني خاطبتك يا مولاتي بما يطفح به فؤادي. قالت: ألا تحسب حسابا للخطر الذي ~~يحيق بمن يهوي ملكة إذا لم يكن أميرا من سلالة لملوك؟ فأجابها: لست أبالي بالخطر ~~والهلاك إذا مت، وأنا قادر على القول إنني عشقت. نعم، أنا أهواك، ونحن الآن وحدنا فلا ~~مانع يمنعني من مخاطبتك كما أشتهي، ولا حائل يحول دون أن أبثك سر فؤادي، ولسوف ~~تهزئين بي متى علمت كيف دخل هواك فؤادي. لقد كانت مع جاليو ms086 تصويرة رأيتها، قالت كاترين: ~~إنه اختلسها مني اختلاسا، قال: لقد أعجبتني تلك الصورة ورأيتها جميلة، بل أجمل من كل ~~ما رأيت. فتعشقتك من مجرد النظر إلى الصورة ودون أن أعرف من أنت، ولم أدر أنها صورة ~~الملكة كاترين إلا منذ أيام فقط. فبكيت يومئذ وكدت أموت يأسا وغما، وحسبت نفسي ~~مجنونا؛ لأنني تعشقت ملكة يعجب بها ويحبها كل الناس، وإذ بي قد أبصرتك، وخدمتك، ~~وكلمتك. آه يا سيدتي، مريني بأن أموت إذا شئت، ولكن قولي لي إنه ليس في مخاطبتي إياك ~~بهذا الكلام إساءة كبرى، وإنك تصفحين عن اجترائي. # قالت: إني أحب كل فتى جريء أيها الكونت. # وحثت كاترين جوادها فلحقت بجاليو، وبقي ترولوس كالمجنون يقول: إني أسيرك أيتها ~~الملكة، وأسيرك دائما أبدا! # الفصل السابع عشر # | العاشق الجديد # قضى فرنسوا دي جيز ساعتين في الباستيل باحثا فيه عن الملكة الوالدة، وعظم استياؤه ~~وحنقه لما لم يجد لها أثرا، وجعل حاكم السجن يقسم أنه لم ير امرأة دخلت الباستيل. أما ~~الفيكونت دي شارتر فقد أهانه، وقال له: أنت شريف غادر. فسخط فرنسوا وأمر بالتضييق على ~~ذلك السجين، وفيما كان راجعا من القلعة قاصدا إلى ناحية باب سن أنطوان وقف أمام جثتي ~~الحارسين، فأمر بدفنهما، واتجه إلى ذلك الباب، فقيل له: إنه قد خرج منه منذ ثلاث ساعات ~~رجلان يصحبان امرأة لابسة ثيابا سوداء. فقال في نفسه: هي الملكة ولا ريب، فمن الذي ~~أخرجها من الباستيل يا ترى؟ # ولكنه لم يهتد إلى جواب على هذا السؤال فطأطأ رأسه، وسار إلى فونتنبلو وهو يعزي نفسه ~~بقوله: قد اقترب وقت اجتماع مجلس الأعيان، وسأكون في المجتمع السيد الآمر، ولا يجسر أمير ~~كوندة على الحضور. # وسار في الطريق الذي سارت فيه الملكة الوالدة وجاليو وترولوس قبله بضع ساعات، حتى وصل ~~إلى فونتنبلو ليلا فألفى القصر غاصا بأعيان البلاد، ووجد أخاه الكردينال في غرفته ~~يتمشى مضطربا، فقال له: ما بالك يا أخي؟ إني أرى على وجهك علامات الاضطراب. فأجابه: إني ~~شاهدت موكب ابن عمنا مونمورانسي فرأيته ms087 كبيرا، وعدد رجاله يفوق الحصر، وكأنما أراد به ~~نكايتنا وإذلالنا. قال: ألم تأمر جيوشنا بالأوبة إلى فونتنبلو؟ # أجاب: نعم، ولكن كان قد مضى الوقت؛ لأن موكب مونمورانسي وصل أولا، واتخذ له مواقف ~~ومحطات على أبواب المدينة، وأصبح متسلطا على طريق باريس. # قال: وهل من شاغل آخر يشغل فكرك؟ # أجاب: نعم، فإن مونمورانسي قابل الملكة الوالدة مقابلة دامت وقتا طويلا. # قال: يا له من شيخ محتال. # قال: هل من نبأ عن أمير كوندة؟ # أجاب: لست أظنه يأتي ولا يأتي أخوه؛ لأن رسائل الدعوة لم ترسل إليهما إلا ~~متأخرة. # قال: لعلك مخطئ في ذلك. # قال: ما معنى هذا الكلام؟ # أجاب: ألا تتذكر وصيف أمير كوندة ذلك الفتى المحتال المدعو جاليو دي نرساك؟ ~~- نعم، وهو الذي كنت قبضت عليه. ~~- وفر في أرتناي. ~~- لقد صادفته الليلة يمشي في زقاق ضيق، ويرجح عندي أنه أرسله إلى هنا جاسوسا، ولعله ~~لاحق به. # قال الدوق: دعنا منه. أما من مشاغل آخر يشغل ذهنك يا أخي؟ فتنهد الكردينال، وقال: لعلك ~~تروم التكلم عن الملكة الوالدة. # واصفر وجهه، ثم قال: هنالك الخطر الحقيقي يا فرنسوا، فإن هذه المرأة تروم أن تعبث بنا ~~وتطردنا من البلاط، وقد مضى يومان لم يرها فيهما أحد ها هنا، وقال نساؤها إنها مشغولة ~~بالصلاة. فحاولت اليوم الدخول عليها من الممر السري فوجدته لأول مرة مقفلا. فلما كان ~~المساء تكرمت بقبولي زائرا بعد مونمورانسي، فأبصرت في مخدعها ثوبا وحذاءين، ~~والغبار يعلوهما وكأني بها قد وصلت من ... # قال الدوق: من باريس ولا شك. # قال الكردينال: وماذا فعلت فيها؟ أجاب: ألا تدري؟ إنها ذهبت لعقد مؤامرة مع الفيكونت دي ~~شارتر، وهي التي أشارت بطرحه في الباستيل. # قال: هل زارت الباستيل؟ # أجاب: بل زارت الفيكونت فيه، وتمكنت على الرغم من كل تدبير دبرته من التخلص مني دون أن ~~ألقاها. # قال الكردينال: وماذا قال لك شارتر؟ ~~- لقد ارتاب بي، فأمرت بالتضييق عليه، وطرحه في سجن أشد رطوبة من سجنه الأول. # قال الكردينال: أحسنت بذلك يا أخي، فإنني أشد الناس ms088 بغضا لمن أحبتهم، وهل تظن الآن ~~أنها لا تذكر ودادي؟ اسمع ما قالته لي يا أخي. قالت: «إن الكنيسة تحظر عليك أيها ~~الكردينال أن تغازل امرأة»، أواه، لقد تمنيت أن تنقاد إلي بالسياسة أو بالطمع، أكثر ~~من ذي قبل، ولئن امتنعت عني فلا أريد أن تميل إلى غيري. # قال الدوق: من ذا يتجرأ على حبها؟ # أجاب: لا أدري، ولكن هل تذكر يا أخي كيف كانت تلمع عيناها فرحا يوم كانت تهوى شارتر ~~اللعين، وأي اضطراب كان في صوتها؟ فقد لاحظتها اليوم يا فرنسوا، فهي عاشقة، وعاشقة ~~غيري. # فأجابه الدوق: إذن سوف نقتل عشيقها الجديد؛ إذ لا بد من أن تكون لك وحدك دون ~~سواك. # ثم إن الدوق ذهب فتفقد مواقف الجند والحراس الذين أقامهم على حراسة الملك بعد حادثة ~~أمبواز، وفيما هو عائد إلى مخدعه لفت بصره رجلان رآهما كأنهما يتخاصمان عند القصر فدنا ~~واختبأ وراء شجرة وأنصت إليهما. فقال أحدهما: ألا تأتي معي؟ فأجابه الآخر: دعني، دعني ~~أنظر إلى النافذة. قال: ألا تأتي، ألا تنتهي من هذا الجنون؟ أم تروم مني أن أتخذ السماء ~~غطاء والثرى وطاء. # وتظاهر المتكلم بأنه يتمدد على الثرى، فأجابه رفيقه: صبرا، فإنها اقتربت إلى نافذتها ~~وفتحتها، وتميزت وجهها، وقد أشرق عليه ضياء الكواكب. # وكان الدوق يرقب الحركات ويسمع الحديث. فلما رأى الشاب يمد يده إلى النافذة، رفع بصره ~~فعرف نافذة الملكة. فقال في نفسه: إن أخي على صواب، وهذا الشاب حسن المنظر. إلا أنه - من ~~سوء حظه - لم يستطع أن يرى وجهه؛ لأنه كان محجوبا بردائه. فلما سار مع صديقه حاول ~~اللحاق به، إلا أن الشابين اختفيا في زقاق ضيق، فرأى من الحكمة أن يرجع عنهما. # الفصل الثامن عشر # | مجلس الأعيان # في اليوم العشرين من شهر أغسطس (آب) سنة 1560 اجتمع أعضاء مجلس الأعيان من أطراف البلاد ~~الفرنساوية، وسائر أنحائها في قصر فونتنبلو، وكان معظمهم وقوفا، وأقبل مونمورانسي في ~~مقدمة جمهور غفير من رجاله، وكان الملك ينتظره مع الملكتين في حجرته. فمثل بحضرته، وقال: ms089 ~~لقد جئت أيها الملك صادعا بأمرك. فأجابه: لقد سرني أن أراك بيننا؛ لأنك تفارقنا كثيرا؛ ~~ولأننا في حاجة إلى آرائك، ولكن لا أدري لماذا يقل وجودك معنا؟ فهل تحسب نفسك آتيا إلى ~~بلاط عدو؟ إن حرسك الكثير يعدل حرسي أنا. # فأجابه: إن رجالي أيها الملك رجالك، وكلهم مخلص صادق يتمنى الدفاع عنك والموت ~~لأجلك. # قال: لعلنا نحتاج إليهم، فإن أعداءنا وقحاء يزداد اجتراؤهم علينا كل يوم، والآن هيا بنا ~~إلى المجلس! # وبعد هنيهة دخل الملك مجلس الأعيان، وتبعته الملكتان ماري وكاترين، ووراءهما شقيقا ~~الملك، وآل بوربون ولورين، والدوق دي جيز وأخوه وغيرهم ممن يضيق المقام عن إيراد ~~أسمائهم. فتكلم الملك قائلا: لقد جمعناكم أيها السادة للمفاوضة في شئون مملكتنا، ونروم ~~أن يتكلم كل منكم بنزاهة ضمير، وقد تلقينا ملتمسا من المسيو دي شاتيليون سوف تسمعون ~~نصه. # ثم التفت الملك إلى الأميرال دي شاتيليون، وقال: تكلم. # فنظر الدوق دي جيز وأخوه الكردينال كل منهما إلى الآخر؛ لأنهما كانا ينتظران أن يكونا ~~البادئين بالتكلم في ذلك المحفل، ونظر الكردينال إلى وجه كاترين ليطالع فيه ما يخامر ~~نفسها، فرآها تبتسم كأنها غير مكترثة لما أمامها، وأما الملكة ماري فظنت أن ذلك المجلس ~~السياسي تطول مدة انعقاده، وأن ما يقال فيه ممل فكان السأم ظاهرا على ملامحها. # ووقف الأميرال دي شاتيليون، وهو من أنصار المذهب الكاثوليكي، فقال: إن أصل الاضطرابات ~~ناجم عن التعصب والاضطهاد الديني، وأن المضطهدين (بفتح الهاء) سلموه ملتمسا لجلالة ~~الملك ليس عليه توقيع، ولكن خمسين ألف نورماندي قد يوقعون عليه عند الحاجة، ومؤداه ~~وجوب اجتناب الوشايات التي يرمى بها أبناء المذهب البروتستانتي. فهو يطلب إلى الملك ~~والمجلس أن يختصوهم بمواضع وهياكل يمكن فيها إلقاء الوعظ علنا، ومباشرة الشئون المتعلقة ~~بمذهبهم وعبادتهم. # ثم نهض آخر فشبه الدولة بعليل لا يمكن شفاؤه إلا بتشخيص علته، فنهض الدوق، فقال: إنه ~~مستعد لتقديم حساب عن إدارة الحربية والجيش، وقال الكردينال: إنه يؤدي حسابا عن ~~المالية؛ لأنه ناظرها، وأعلن أن النفقات تزيد مليونين وخمسمائة ألف ليرة ms090 عن إيرادات ~~البلاد. ثم تكلم كثيرون، وتفرقوا وفي يد كل منهم مذكرة للمواد التي يشاور فيها الملك، ~~وكان موعد انعقاد المجلس الثاني في اليوم الثالث والعشرين من ذلك الشهر، وخرج الملك مع ~~الملكتين، واستصحب المسيو مونمورانسي، وكان معنى ذلك، عند الدوق وأخيه، انحراف الملك ~~عنهما وقرب زوال حظوتهما عنده. فقال الكردينال: إذا عرفنا كيف نتصرف كانت النتيجة حميدة ~~لنا. فأجابه الدوق: لا جرم أن الضربة آتية من ناحية الملكة. قال الكردينال: بلا ~~شك! # وفي ذلك المساء أقيمت حفلة راقصة، وكان الدوق يراقب فيها كاترين فرآها تجتنبه. فتمتم ~~الكلام قائلا: حذار أيتها الملكة العظيمة، فإن عينيك تلمعان لمعانا كثيرا، فويل لك ~~إذا جاء عشيقك الليلة فوقف تحت نافذتك! # ولما انتصف الليل أطفئت أنوار القصر، وسكنت حركة المدينة، إلا أن الأنوار لم تنطفئ في ~~المدينة كلها، ولا سكنت الحركة في كل مكان، فقد رقد فرنسوا الثاني وزوجته رقاد عاشقين في ~~أول عهد هواهما، ولكن الملكة الوالدة لم تنم، وكذلك الدوق وأخوه الكردينال، ونام زوج ~~مرسلين، أما هي فلم تنم، بل كانت ساهرة إلى جانب نافذتها، والسماء صافية، والكواكب ~~طالعة، والشذا يتضوع في الهواء، وقد هبت نسماته من ناحية الغابات، فحملت ما في أزهارها ~~من طيب، والبلابل تغرد، ومرسلين معجبة بما في تلك الليلة من دواعي السرور، غير أنها آسفة ~~على فراق حبيبها. # وفيما هي كذلك كان ترولوس وجاليو يسترقان الخطى في طريقهما إلى القصر. الأول: يأمل أن ~~تطل حبيبته الملكة من نافذتها، والثاني: يرجو أن يرى مرسلين، ويقول في نفسه: سوف أتغنى ~~تحت نوافذ القصر فتعرف صوتي. فلما صارا إلى المكان المقصود جعلا يتمشيان تحت النوافذ ~~التي ظلت مقفلة حتى تولاهما الضجر. فقال ترولوس: لقد ذهب سعينا ضياعا! # قال جاليو: ما رأيك فيما إذا دعوناها؟ فقال ترولوس: ويك! هل جننت؟ فأجابه: كلا يا ~~عزيزي، غير أن النساء ما برحن يعشقن الغناء، وصوتي رنان رخيم، وقد تلقيت الفن عن ~~أستاذي الخبير، فدعني أقلد البلابل أو أسكتها، ولئن سمعتني مرسلين فسوف ترى عجبا. سوف ms091 ~~تفتح النافذة، ثم تظهر الملكة وتطرح إليك سلما من حبال فتتسلق عليه، وأما أنا فأمضي ~~طروبا راضيا بفوزك. # وأحس ترولوس بخطى قريبة، فقال: يوجد هنا من يرصدنا. فأجابه جاليو: لا! # قال: بل هناك رجال مختبئون كامنون لنا. # قال: ويل لمن يتعرض لنا. # قال ترولوس: بل تعال نرجع. # أجاب جاليو: هيهات، فلا أرجع دون أن أرى. # وكان جاليو يحمل مصباحا سريا فوجه نوره إلى الجهة التي أشار إليها صديقه، فلما لم ير ~~أحدا، قال له: دعني أغني. قال ترولوس: بل سر بنا وغدا نعود. # قال جاليو : أأسير، ولا أتعرض لمثل هذه الحادثة؟ # ورفع جاليو عقيرته # 1 # فأخذ يتغنى بشعر مدة خمس دقائق، حتى انفتحت نافذة الملكة، فسكت المغني، وقال ~~لترولوس: تقدم لأختبئ أنا، ولك أن تقول إنك أنت المغني! # ثم ظهرت امرأة في النافذة واحتجبت في الحال. فارتعد الرجلان، وكانت مدام مرسلين ساكنة ~~في طبقة تحت الطبقة التي تسكن فيها الملكة فلما سمعت صوت جاليو أطلت كذلك، وتراجعت بعد ~~أن صاحت صيحة ذعر وارتياع. فقال الرجلان: يا للغدر، واقتربا إلى خندق هناك، وكانت الجهة ~~الثانية المعارضة من الطريق غاصة ببضعة رجال، شاهرين سيوفهم، واقفين يمنة ويسرة في عرض ~~الطريق يمنعون المرور. # فتفقد جاليو غدارتيه، ثم جرد سيفه، وقال لترولوس: افعل فعلي ودعني أدير القتال، وارتعد ~~ترولوس خوفا من أن يكون قد فضح الملكة بجرأته، فلم يشته إلا أن يجرح جرحا عريضا، ~~وينطرح في الخندق. أما جاليو فإنه حيا أخصامه ممازحا، داعيا لهم بالطرب والحبور، ثم ~~قال: ماذا تريدون أيها السادة؟ فقال له واحد منهم بصوت خشن: سلما سيفيكما! # فأجابه جاليو: اعلم يا مولاي أن سيفي رفيق لي قديم، فلا أستطيع مفارقته. قال الرجل: يا ~~لك من ثرثار، إذن فسوف نأخذه منك رغما عنك. # وتقدم الرجل فألقى جاليو نظرة سريعة إلى ما وراءه فأبصر شجرة عند ضفة الخندق أغصانها، ~~منحنية على جدار القصر، فقال لرفيقه: الزم ساق الشجرة فلا نجاة لنا إلا من هناك. # ودنا رجل من الرجلين، وقال قائل: استسلما وإلا ms092 فأنتما هالكان. فقال جاليو: إني أعرف ~~هذا الصوت، وقد سمعته في وسط معمعة، وما هو بصوت برداليان، ولكنه صوت الدوق دي جيز! ~~ومن هذا الرجل اللابس ثياب الرهبان؟ لا شك أنه أخوه الكردينال. إذن فلا يغض شرفي أن ~~أقاتلهما بسيفي؛ لأنهما من أندادي. # وقد فكر في التخلص من شر أعدائه، وأشدهم أذية؛ أي حملة البنادق، وكانوا ينتظرون أمرا ~~لإطلاق النار، ورأى الدوق دي جيز أن يقبض على الرجلين دون أن يقتلا. فهمس جاليو في أذن ~~رفيقه يقول: أطلق النار على حملة البنادق! فدوى صوت أربع طلقات فسقط أربعة رجال من حملة ~~البنادق وبقي واحد، فصاح به الدوق: ويك أطلق النار! إلا أن جاليو كان قد تمشى إليه وطعنه ~~بسيفه وعاد في أسرع من لحظة إلى مكانه قرب ترولوس، ولم يبق أمامه إلا خطوة توصله إلى ~~الشجرة. فتناول الحراس بنادق الرجال الذين سقطوا صرعى وقدحوا الزناد لإشعال فتيلها، ~~ومعلوم أن موقف الجنود بإزاء الأشراف محفوف بالخطر إذ كانوا يسلحونهم، ولا يأذنون لهم ~~باستخدام سلاحهم دون أمر، ولذلك كانوا يقتلون قبل أن يتلقوا الأمر، وقبل أن يتمكنوا من ~~الدفاع عن أنفسهم. # وهاج حنق الدوق دي جيز لفشله الوقتي فوثب على جاليو وهو يصيح: هذا دي نرساك من رجال ابن ~~عمي كوندة، ونحن قابضون عليه هذه المرة لا محالة، فقال له جاليو: أتظن ذلك يا مولاي؟ ~~فأجابه: بلا شك! فسلم سلاحك وإلا أمرنا بقتلك. قال: إني أفضل القتال بالسيف. # وسمعت مرسلين وهي في حجرتها اسم دي نرساك فأكبرت الأمر وأشفقت أن يقتل حبيبها تحت ~~نافذتها ففكرت في إنقاذه وإدخاله القصر، وبعد أن تحققت أن زوجها مستغرق في النوم خرجت من ~~حجرتها وهي حائرة، فنزلت في السلم ووقفت مضعضعة الحواس، وإذا بامرأة واقفة أمامها تقول ~~لها: إلى أين؟ أجابت: لست أدري. قالت المرأة: إن رحى القتال دائرة أمام القصر، فهل لك ~~صديق بين المقاتلين؟ قولي ولا تكذبيني فالوقت أضيق من أن يتسع لجدال. أجابت: نعم. قالت: ~~من صديقك؟ أجابت: هو جاليو دي نرساك. # فتنهدت ms093 المرأة وقالت: إن بعض المصالح السياسية تقضي علي بالدفاع عن الرجلين فأروم ~~إنقاذه. إلا أنني ملكة فلا يسعني أن أفضح نفسي، فإليك سلما من حبال، اطرحيه من النافذة ~~التي فوق سلم القصر، فيبصره الرجلان، ويجتازا الخندق إليه، ثم يتسلقان عليه وننقذهما. ~~فهيا وأسرعي! # فناولت مرسلين رزمة الحبال، وبادرت إلى النافذة التي أشارت إليها الملكة كاترين، وعقدت ~~طرفي السلم في قضبان النافذة، وقبل أن تطرحه نظرت نظرة إلى من تحتها، فإذا بها ترى رجال ~~الدوق يتراكضون إليه، وقد جردوا سيوفهم، ووقف جاليو أمامهم يدفعهم عنه بسيفه، وأراد ~~ترولوس مساعدته إلا أن جاليو قال له: اصعد إلى الشجرة واستخدم الغدارتين. # وكان بين رجال الدوق جاسوسه جنليس، وهو من الماهرين بضرب السيف، فلاحق جاليو وضايقه، ~~فأطلق ترولوس النار عليه فرماه جريحا. فقال جاليو: عافاك الله يا أخي! # ولقد فرق الطلق الناري المهاجمين، واعتصم ترولوس بالشجرة بعيدا عن سيوف الرجال، وطلب ~~من جاليو غدارته ليحشوها وهو في موقفه العالي، وسمعه الدوق فقال: لله در هذين ~~البطلين! # وكان جاليو قد انتهز فرصة من اضطراب المهاجمين فاستند إلى الشجرة، وأدرك ترولوس مراده ~~فأمسكه من كتفيه فرفعه إليه فكانا كلاهما بين الأوراق. # فزعق الدوق وأخوه زعقات المجانين من شدة الحنق؛ لأنهما وهما أميران عظيمان مصحوبان بعدد ~~من الجند، قد هاجما رجلين على حين غرة ولم يفلحا، ولم يفلح الذين حملوا البنادق؛ لأن ~~الرجلين كانا محتجبين بورق الشجرة والرصاص يتطاير منها فيطرحهم قتلى. أما سائر الرجال ~~فكانوا يقاتلون بسيوفهم ولم يكونوا يحملون غيرها، وسيف جاليو أطول وأقتل؛ لأنه يصيب به ~~المقاتل من مكان مرتفع. فقال الدوق: لم يبق سبيل لنجاتهما إلا بالخندق والجدار فهما ~~أسيران، فليذهب أحد منكم وليرجع بالرجال، فقال ترولوس لجاليو: والآن كيف نصنع؟ قال: هات ~~الغدارتين، ووثب إلى الضفة الأخرى. # فوثب ترولوس إلى لسان ضيق من الأرض عند أسفل الجدار، وكان ذلك عندما عقدت مرسلين السلم ~~بالنافذة، ولم يلتفت المهاجمون إلى ما جرى أمامهم، وقد بهتوا من جرأة ترولوس، فلم يدر في ~~خلدهم أن الوثوب ms094 من الشجرة إلى الأرض أمر ممكن، وإذا بجاليو قد نزل، وصار إلى جانب صديقه ~~شاهرا غدارتيه، وقال: إذا تقدم إلي أحد أيها الدوق فهو هالك لا محالة، ولئن حاولتم ~~هجوما علينا تلقيناكم بالسيف، ثم خفض صوته، وقال: ما هذا؟ # وقد أحس بشيء على رأسه، فقال: هذا سلم، فاصعد يا ترولوس. قال: من أين لنا هذا السلم؟ ~~قال: اصعد ولا تسأل، وكان ترولوس قد صعد حتى بلغ الطبقة الأولى بأسرع من رد الطرف، وسدد ~~إليه أحد الرماة رصاصة فلم يمهله جاليو، بل أطلق على الرجل غدراته فرماه صريعا. فقال ~~الدوق: يا لك من غلام زنيم فلا بد من قتلك عند صعودك؛ إذ تعجز عن استخدام سلاحك وأنت ~~صاعد، والظاهر أن ترولوس أدرك ما يجول في ذهن الدوق فنزل سريعا وطلب الغدارتين من ~~جاليو، وقال له: سوف أدافع عنك عند صعودك. فصاح الدوق: أين الرجال؟ إن هذين الشقيين ~~يوشكان أن يتخلصا منا. ولكن في أي مكان عقد هذا السلم؟ ما أراه من غرفة الملكة، فمن ~~يتجرأ على حماية الشقيين؟ # وكان ترولوس في أثناء ذلك قد وصل إلى النافذة، ونزل منها إلى الرواق في داخل القصر فلم ~~يكلم الملكة ولا مرسلين، وكانتا أمامه، بل أطل من النافذة، ورفع صوته وقال: تعال يا ~~صديقي ولا تخف، فعندي غدارتان كافيتان لقتل من يسدد المرمى إليك. # وصعد جاليو عاجلا، ثم سحب السلم، وفيما كان الصديقان يشكران الملكة وهي تفكر في إتمام ~~نجاتهما انفتحت حجرة المحامي أفنيل زوج مرسلين، ولم ير في بدء الأمر إلا زوجته، فقال: ~~ماذا أتى بك إلى هنا؟ قالت: لقد راعني دوي البنادق. قال: من هذان الرجلان، ومن هذه ~~المرأة؟ # ثم وقف مرتاعا من جرأته، وكانت الغيرة قد حملته عليها، فقال ما قال، لكنه لما عرف ~~الملكة اعترته هزة، فدنت منه، وقالت له: اعلم أيها المحامي أنك لم تر، ولم تسمع شيئا ~~في هذه الليلة، وأنك تجهل وجود رجلين ها هنا معي، وإذا سئلت فقل إنك لم تفارق مخدعك. تلك ~~إرادتي فاذهب. قال: ms095 أقسم لك يا ذات الجلالة على أنني سأنسى كل هذا! أجابت: لست في حاجة ~~إلى قسمك، فعد مع زوجتك، وهي صديقتنا وسوف نذكرها دائما، وإذ ذاك ارتفعت الأصوات ~~وانفتحت الأبواب، فعلمت الملكة أن الدوق آت مع رجاله يبحث عن الشابين، فقالت لهما: ~~اتبعاني إلى غرفتي. قالا: شكرا لك. # ومرت بسلم سري فوصلت إلى غرفتها، وخبأت ترولوس وجاليو في مخدع لا منفذ له إلا من قرب ~~سريرها، وقالت لهما: البثا ها هنا، ومهما تسمعا لا تأتيا بأدنى حركة. # وظل الدوق في بحثه، وأقام أعوانه في الدهاليز والمماشي . ثم صعد إلى النافذة التي كان ~~فيها سلم الحبال معلقا، وكانت لا تزال مفتوحة، وبعد هنيهة امتلأ الرواق بالأشراف ~~والسيدات، وفتح المحامي أفنيل وزوجته باب حجرتهما، وتقدما يمسحان أعينهما. فقال الدوق ~~للمحامي: إن نافذة حجرتك قريبة إلى هذه النافذة، ألم تسمع شيئا؟ قال: متى؟ أجاب: منذ ~~هنيهة. قال: كأني سمعت ضجة عند أسفل القصر، فظننت أن بعض الجنود سكروا. قال: لست أتكلم ~~عما جرى في أسفل القصر، ولكن عما جرى هنا، قال: هنا؟ أين؟ فقال الدوق: في هذا ~~الرواق؟ أجاب: أتمزح يا مولاي؟ قال: لقد دخل القصر رجلان من هذه النافذة. قال: لم أر، ~~ولم أسمع. فهدر الدوق ودمدم، وقال: تالله لأفتشن القصر حتى أجد الشقيين. # ونزل الدوق وأقبل الأشراف رجال الملك والملكة يسألونه عن معنى تلك الضوضاء، واستيقظ ~~الملك بغتة فأخذه القلق، واستعلم فقال الدوق: أجيبوه بأنه لم يحدث أمر ذو شأن، سوى ~~مشاجرة بين الحراس. ثم قصد إلى حجرة الملكة الوالدة يصحبه الكردينال فتلقتهما كاترين وهي ~~بملابس النوم، وقالت: بحقكما أزيلا ما خامرني من الانزعاج، ماذا جرى، فقد قيل لي إن ~~المسيو جنليس جريح؟ أجاب الدوق: نعم جرحه صديق لابن عمك اللعين دي كوندة. قالت: من ذاك؟ ~~أجاب: هو المدعو دي نرساك، وهو الذي أنقذته قبلا من عذاب الاستنطاق. قالت: تبا له، ~~ألم يزدجر؟ أجاب: إنه لا يزدجر، ولا يؤخذ، وقد أفلت الليلة منا كما أفلت صديقه مستعينين ~~بسلم من حبال طرحته ms096 إليهما امرأة من القصر. قالت: يا لله! لا جرم أن إحدى وصائفي تهوي ~~ذلك الوصيف دي نرساك. إذن لا يحق لك أيها الدوق أن تشكو إذا كانت صاحبة الحيلة امرأة. ~~قال: لا بد من القبض على الشقيين. أجابت: أرجو ذلك، ولكن كيف كنتما خارج القصر في مثل ~~هذه الساعة؟ # فارتبك الدوق لهذا السؤال، وأجاب: لقد كنا في خدمة الملك. قالت: كأنكما من الحراس؟ ~~فأنعم بكما من خادمين مخلصين. # فخجل الأخوان، وقالت الملكة: الشيء بالشيء يذكر، لقد تلقيت نبأ جديدا عن أمير كوندة ~~وهو من تكرهانه. قال الإخوان: أحقا أنك تلقيت نبأ عنه، وماذا يقول؟ أجابت: إن رسالته ~~مكتوبة من زمن، ولم تصلني إلا في هذه الليلة، سلمني إياها شريف وصل من غاسقونيا، وسوف ~~أعرفكما به غدا، وهو شاب لطيف المنظر، والآن أودعكما وأرجو لكما ليلة سعيدة. # فانطلقا، واستمر ذلك البحث وقتا طويلا دون فائدة. ثم سادت السكينة على ~~القصر. # الفصل التاسع عشر # | فرنسوا الثاني # لقد علم القراء في الفصل السابق بما كان من فشل الدوق دي جيز وأخيه الكردينال ليلة نجا ~~منهما جاليو دي نرساك وصديقه ترولوس بعناية الملكة كاترين دي مدسيس. # واشتغل قصر فونتنبلو بالحديث عنهما في صباح اليوم التالي، فكان الكل معجبين بجرأة ذينك ~~الرجلين اللذين قاوما الدوق دي جيز تلك المقاومة، وتخلصا منه بمعونة امرأة من نساء ~~القصر، وشكا الملك إلى والدته من سوء سيرة وصائفها فدافعت عنهن، وقالت إنهن أجدر ~~بالشفقة. ثم غيرت موضوع الحديث. # فلما انتصف النهار أظهرت رغبتها في التنزه، وكان الكردينال يرصدها ويرقبها، وقد جاء إلى ~~البلاط بحجة التسليم عليها. فرأى بين الأشراف الذين يتبعونها شابا جديدا، لابسا ~~ثيابا قاتمة اللون، رافعا رأسه، تيها على الأقران، فقال في نفسه: هذا وجه لم أعرفه ~~قبلا، ولعله الرسول الغسقوني الذي أشارت إليه كاترين في حديثها أمس. ثم قال للملكة: هل ~~استرحت أيتها السيدة من متاعب الليلة البارحة؟ # فأجابته: نعم أيها الكردينال. # قال: لعل هذا الشريف رسول ابن عمي أمير كوندة؟ وأشار إلى ترولوس. فأجابته: نعم ms097 يا عزيزي ~~الكردينال، وهو كما تراه فتى من خيرة الفتيان أدبا وبسالة وكمالا. # قال: إنه يكفي أن يكون من ذويك، أيتها الملكة. # قالت: اسمه ترولوس كونت دي مزغونة، ولئن رأى أخوك إحدى الفرق في حاجة إلى قائد، فهذا ~~الكونت يعجبه. فكن نعم الوسيلة لديه. # قال: سأفعل يا سيدتي. ثم حياها وابتعد وهو ممتعض يقول في نفسه: أيكون ترولوس هذا بطل ~~الليلة السالفة؟ وهل أتى من غاسقونيا حقا؟ وهل تهواه الملكة الوالدة؟ # وكان الكردينال على علم بأخلاق كاترين دي مدسيس وتماديها في الهوى، فقال: ربما أحبت هذا ~~الكونت، واتخذته نديما لها، وحظيا عندها، ولكن أتراه ذا مطامع؟ تلك أسئلة مرت في ذهنه ~~كأنها أسرار معقدة. # ولو سأل كاترين نفسها عنها لما قدرت على جواب، وربما استمالها إلى الشاب ما رأت من ~~بسالته وإقدامه، وقد عرفت له الجميل؛ لأنه حاول التقرب إليها بوسيلة غير الوسائل التي ~~تتخذ في البلاط، وأحست بشيء من الاضطراب لما تأملت نظراته العميقة، ورأته يختلف عن سائر ~~الشبان الظرفاء الذين يلاطفونها كملكة لا كامرأة حبيبة. # ولما خرج الدوق دي جيز بالأمس من غرفتها فتحت باب المخدع الذي حبست فيه الصديقين، وكان ~~جاليو يصارع النعاس، أما ترولوس فكاد يجن سرورا فوثب وجثا أمام الملكة ولثم يديها، ~~فقالت له: يا لك من فتى جاهل، أتخاطر بحياتك هذه المخاطرة؟ # فأجابها: إنما خاطرت بها لأجلك يا سيدتي. # قالت: ولقد كدت تقتل. # أجاب: لو قتلت لعددت نفسي سعيدا؛ إذ أكون قد قضيت، وأنت ناظرة إلي. # قالت: إذن أنت تهواني قليلا. # قال: أتسألينني عما إذا كنت أهواك، آه لست أدري يا سيدتي كيف أبوح لك بما في قلبي، ~~وإنما أقول: إنني عبدك، وإن حياتي لك تفعلين بها ما تشائين. مري بموتي أمت طاعة ~~لك. ~~••• # وانعقد مجلس الأعيان مرة ثانية بعد يومين لم يحدث فيهما أقل تغيير، وظل الملك يظهر ~~كل الميل إلى مونمورانسي. فكان آل جيز يضربون أخماسا بأسداس، ويعدون المعدات. فلما ~~انعقدت الجلسة في اليوم الثالث والعشرين من شهر أبريل (نيسان) أمر الملك ms098 أسقف فالانس ~~بالكلام، فقام وأوسع أبناء المذهب الجديد (البروتستانت) طعنا، وامتدح آل جيز، وتشاءم ~~من الحالة الحاضرة، وأشار على الملك بأن يقتدى بداود النبي والملك الذي نصر دينه، وأذل ~~الأديان الأخرى، ثم طلب إلى الملكتين أن يرددا مزامير داود في صلاتهما، وأطال في هذا ~~الموضوع. ثم نهض أسقف بروتستانتي آخر فدافع عن أبناء شيعته، وطلب لهم الرفق، وتلاه ~~مونمورانسي فخاطب بقوله: من الخطر أن يتخذ الملك هذا الجم الغفير من الحراس، ولا فائدة ~~منهم إلا أنهم يحدثون ارتباكا، ويتطلب وجودهم نفقات كبيرة، فإن الملك محبوب من رعاياه، ~~وهو ليس بحاجة إلى جيش من الحراس، وحاشية لا يحصى عددها. # وكان هذا الكلام أشبه بشكوى من الدوق دي جيز، فنهض الدوق، وصاح بحدة: لقد تبين يا ~~مسيو دي مونمورانسي أنك لم تشهد مؤامرة أمبواز، فإن الرعايا الأمناء أتوا يومئذ مدججين ~~بالسلاح بحجة أنهم يرومون أن يرفعوا ملتمسا إلى الملك، ومنذ ذلك اليوم اضطررنا إلى ~~إقامة هذا العدد الكبير من الرجال لحراسة الملك، وهو ما تلومنا عليه الآن، ومما لا جدال ~~فيه أن الملك يحتاج إلى خدم صالحين وجنود بواسل، وهو قادر على استخدام الجيوش، ولئن قدرت ~~على أن تضم إلى صوتك أصوات خمسين ألفا فلا يصعب على الملك أن يجد مليونا من رعاياه ~~الأمناء يوافقونه ويخالفونك فيما تروم، وكل ما يريده جلالة الملك مقبول لدينا. أما رأيي ~~في مذهبك الجديد فلا يتحول ولا يتبدل. إني أعتبره كارثة مشئومة على فرنسا! # وكان صوت الدوق عاليا خشنا، وكلامه قاسيا، فاهتز الحضور خوفا من شر العاقبة، ولم ~~يتمالك مونمورانسي والبروتستانتيون أن رفعوا الأيدي، وقال مونمورانسي: ما العمل بهذا ~~التعصب الذميم! # وإذ ذاك اقترح الكردينال شقيق الدوق دي جيز جمع حكام الولايات، وترك كل عمل موقوفا إلى ~~حين اجتماعهم، وقال: إن الملك يحق له وحده أن ينظر فيما يختص بالأمن العام. # فصاح مونمورانسي: هذا اقتراح خال من العدالة؛ لأنه يسلمنا إلى أيدي الحكام وأكثرهم ~~أعداؤنا. # فقال الملك: هل نسيت أن للملك وحده الحق في حفظ الأرواح ms099 والأموال؟ # أجاب: لماذا تسن القوانين أيها الملك ضد البروتستانت؟ وهم قوم مسالمون مخلدون إلى ~~الهدوء والسكينة، ولا أمنية لهم إلا ممارسة شئونهم الدينية، وليس فيها إضرار ~~بأحد. # وفيما كان مونمورانسي يتكلم بهذا الكلام دخل قاعة المجلس شريف يكاد يحجبه العرق ~~والغبار، وطلب مخاطبة الدوق دي جيز أو مقابلة أخيه الكردينال. فخرج الأخوان، وبعد هنيهة ~~رجعا، وكل منهما مكفهر الوجه، فقال الملك للدوق: ما وراءك يا عماه؟ # فأجابه: إن أعداءك أيها الملك لا يفتئون يسعون سعيهم ضدك. # قال: ما معنى هذا الكلام؟ ~~- لقد حاولوا اليوم ما هو شر من حادثة أمبواز، ولكنني لا أستطيع التكلم ها هنا. ~~- بل تكلم! ~~- لست أعلم أيها الملك إن أعداءنا سيحسبون كلامي افتراء؟ إن لمذهب البروتستانت المخيف ~~أعوانا ونصراء قادرين، وكم من مغرور يود أن يقتادك أيها الملك إلى طريق الرفق والرحمة ~~في حين أن الضرورة تقضي باستخدام العنف والقوة. ~~- زدنا إيضاحا أيها الدوق! # وكان أكثر الحضور قد نهضوا يتململون ضجرا، وجعل مونمورانسي يده على قبضة سيفه، ولبث ~~القوم منتظرين ما يكون، وشرع الدوق يفض رسائل عديدة بين يدي الملك، وفيها أن ~~البروتستانت في جهات متعددة قد ثاروا وحاولوا مهاجمة مدينة ليون، واستفزاز المدن ~~المجاورة، وإن أملاك البابا في بعض هذه النواحي قد هدمت. # فصاح الملك: ما بال هؤلاء البروتستانت لا يرعوون؟ فهم يرومون الاستيلاء على مدينة ليون، ~~بينما نحن نبحث في الملتمس الذي رفعوه إلينا على يد مونمورانسي. # ثم أمر حاكم ليون - وكان حاضرا تلك الجلسة - أن يعود إلى تلك المدينة عاجلا. فأجابه: ~~أنه يسافر في ذلك المساء. # فقال له: اذهب واعضد السلطة الملكية، وقد أذنت لك بفتح المدن والقصور بالمدافع، ~~واستخدام القوة لإهلاك كل مقاوم، ومعاقبة كل من يقصر عن القيام بما يجب عليه، وصادر ~~أموال السكان عند احتياجك إلى القوت لرجالك ولخيلك. # فصاح مونمورانسي: إذن هذه حرب مدنية. # فأجابه الملك: إن البروتستانت بدءوها فالذنب ذنبهم، ولا بد لنا من الدفاع عن ~~تاجنا. # قال: أناشدك الله أيها الملك أن تمنع وقوع هذه الحرب. # أجاب ms100 الملك: سنفعل ما نراه واجبا حسنا. # ثم مر الملك بوالدته ومونمورانسي وسائر الأعيان والكبراء دون أن يخاطب أحدا، ودنا من ~~الدوق دي جيز وأخيه، فقال لهما: إني شاكر لكما يا عمي المحبوبين هذه المساعدة التي ~~جاءت في وقتها، ولي حاجة إليكما هي أن تتما تقاريركما، فإن هؤلاء الثائرين لا يأتون ~~عملا من تلقاء أنفسهم. # قال الدوق: يوجد دلائل على أنهم تلقوا أوامر بهذا الشأن. # أجاب: نعم، كالأوامر التي تلقاها لارنودي فيما مضى. فمن يكون صاحب هاتيك الأوامر؟ فلم ~~يجب الدوق ولا أخوه. # فقال الملك: إنكما لا تجسران على اتهام أحد؛ لأن المجرم ينتمي إلى الأسرة المالكة. إذن ~~فأنا أرفع صوتي وأسميه. إن تلك الأوامر ولا ريب عندي آتية من غاسقونيا أو أمير ~~كوندة. # قالت كاترين: إنك تتهم يا بني من غير برهان. # فأجابها: لست أجهل أيتها السيدة أن أمير كوندة من أصدقائك، وهو قد أرسل إلينا ذلك ~~الرسول الذي ألحقته بك منذ أيام، بدلا من أن يكون في جملة الحضور. أليس في ذلك إقرار ~~بمشاركته في قضية أمبواز؟ # فسكت الجميع؛ لأن إصرار الملك على الشكوى من أمير كوندة ألجم الأفواه، وأوجب على أعز ~~أصدقائه السكوت. # فقال الملك: هيا بنا يا عمي الحبيبين لنكتب الرسائل إلى عمالنا وقضاتنا وحكامنا، ~~وندعو الحكام إلى جمعية عامة. # وانصرف الملك، فتبعته زوجته والملكة، والدوق دي جيز، والكردينال. # أما كاترين فإنها قالت: اليوم خمر، وغدا أمر. # الفصل العشرون # | الملك في باريس # كانت باريس قائمة قاعدة من شدة القلق والفزع منذ ما اتصلت بها حادثة أمبواز، ولم يكن ~~فيها أحد قادرا على أن يتبين وجه الخطر الذي يخشى وقوعه. إلا أن الكاثوليك كانوا ~~يذهبون إلى أن البروتستانت علة ذلك الخوف والخطر، والبروتستانت يعتقدون كذلك أن ~~الكاثوليك هم منشأ الاضطرابات، ومصدر القلاقل والهواجس، وفيما هم كذلك شاع أن الملك تعطف ~~فعقد النية على المرور بعاصمته أثناء ذهابه إلى أورليان حيثما تعقد مجالس الحكام، ومعلوم ~~أن الباريسيين يحبون مشاهدة موكب ملك شاب، وملكة حسناء، وبلاط زاهر، فكان ذلك النبأ ms101 ~~سببا في رجوع السرور إلى المدينة الكبرى، واجتمع جمهور غفير عند باب سن أنطوان ينتظر ~~ذلك الموكب مبتهجا، وكان بين ذلك الجمهور نيكول بوصه صاحب فندق حملة السلاح، وقد جاء ~~ليظهر تعلقه بالملك والأستاذ برنابا وجاليو وهما نازلان في فندق نيكول. # وكان جاليو قد عاد إلى باريس يوم ذهب الدوق دي جيز للصيد والقنص، فغافل رجال الدوق وخرج ~~من القصر. فلما وصل إلى باريس أخذ يتمرن على استعمال السيف مع رجل إيطالي، ويدرس التاريخ ~~على أستاذه برنابا، ويستعد للدسائس الجديدة والمناضلات. # وكان الجند يكره الجمهور على الوقوف في جانبي الشارع، وامتلأت النوافذ بالفضوليين، ~~ولاحظ جاليو - ولم يكن يفوته شيء - نافذة أمامه ليس فيها أحد، وكانت في ذلك الشارع ~~النافذة الوحيدة التي لا يطل منها أحد، وقال نيكول: هنا قوم لا يحبون الملك. إلا أن ~~الأصوات سكنت عندما أقبلت فرقة من الفرسان، فتذكر الشعب مواكب هنري الثاني وفرنسوا ~~الأول، وأقبل الملك أيضا في لباس الحرب، وتلا الحراس حملة الطبول فكانت أصواتها تدوي ~~وتحول دون سماع الهاتفين، وكانت تدق دقات الحرب وهو ما لم يتوقعه الجمهور. فكان كلما ~~هم بالهتاف للملك والجند والحراس ورأى ذلك السلاح والاستعداد الحربي تخفت ~~أصواته. # وكان جاليو في جملة المشاهدين، فاكتأب من ذلك المشهد. أما نيكول فأسف؛ لأنه ترك فندقه، ~~وأما برنابا فقال له: لقد أنبأتك أن الموكب لا يكون في هذه المرة سارا، فأجابه جاليو: ~~ذلك من تدبير الدوق دي جيز. قال: أتظن ذلك؟ أجاب: كيف لا؟ إن الدوق لا ينكر عليه أمر ~~كهذا، فهو يدري أن شعب باريس ينتظر الملك ليهتف له، فأدخله المدينة كما يدخل بلدة قد ~~افتتحها بسيفه. # ومر الموكب أمام الجمهور، فقال نيكول: ما أكثر الفرسان الحاصلين على الوسامات، فأجابه ~~جاليو: وا أسفاه! إنهم لم يحصلوا على وساماتهم إلا بالمداجاة والمصانعة لا بالبسالة وقوة ~~السيف. # ولما ظهر الملك للأقوام كادوا يهتفون له كعادتهم إلا أنهم رأوه ممتقع اللون متعبا كأنه ~~شبح ميت، فسكتوا، وكانت كاترين قد اقترحت دخول الملك المدينة في موكب ms102 بهيج؛ لعلمها بأن ~~الناس مفتونون بتلك الظواهر، الزواهر، ولا تجهل أن ملوك فرنسا كانوا في كل زمن يتقربون ~~إلى شعبهم بمثل تلك المواكب. غير أن الدوق دي جيز أشار على الملك بغير هذه، إذ قال له: ~~إن باريس ممتلئة بالأعداء ففيها البروتستانت في كل زقاق وسوق وشارع، فلا بد من أن ~~نبرهن لهم على أن لملك فرنسا قوة مسلحة، وأنه مستعد للقتال عند الحاجة. # ولذلك لم يلبس الملك إلا اللباس الخالي من كل زخرف، وهو ابن عشرين سنة يحب الزهو ~~والإعجاب، ويقضي أيامه في مداعبة زوجته الصبية. لكنه انقاد إلى مشورة الدوق مرغما، وكان ~~العرق ينسكب من جبينه. أما الدوق فكان على عكس ذلك مستويا فوق سرج جواده مدرعا، يحجب ~~درعه ثوب من القطيفة الحمراء موشاة وشيا نفيسا، وفيما كان الأشراف شاهرين سيوفهم ترك ~~سيفه مغمدا، وأطلق العنان لجواده، وكان أعلى من جواد الملك؛ فارتفع في الجمهور الهتاف ~~له، بدلا من الهتاف للملك. # وظل جاليو ينظر إلى النافذة المفتوحة التي لم يطل منها أحد، وفيما كان أشراف الملك ~~وفرسانه يمرون أطلت من تلك النافذة امرأة لابسة ثيابا سوداء، وهي فتانة المحاسن، وقد ~~ظهرت للفرسان فبهتوا، ولما رآها الدوق دي جيز اصفر وجهه، وأوقف جواده من غير انتباه، ~~ثم حثه على السير، وللحال دوى طلق بندقية من قرب المرأة، وأصابت ثوب الدوق رصاصة لم ~~تتجاوز الدرع، فقال الملك: ما هذا؟ # فأجابه الدوق: لا شيء أيها الملك سوى أنها رصاصة أخطأت مرماها. # قال: سوف يعذب الشقي الذي أطلقها، ثم يشنق! # أجاب: اعلم يا مولاي أن القتلة لا يستحقون هذا الاهتمام. # فلما تحقق الجمهور أن الدوق لم يصب بسوء استرسل في حماسته، وارتفع الصياح من كل ناحية، ~~ليحي الدوق دي جيز! # وتواثب كثيرون إلى البيت الذي صدر منه الطلق فكسروا بابه وأبواب غرفه، ولما وصلوا إلى ~~النافذة لم يجدوا أحدا. ولما أمسى المساء شاع نبأ الحادثة، وقال القائلون: إن ~~البروتستانت هم الذين أقدموا على ذلك، ولم يتمكنوا من الاحتجاب إلا لأنهم باعوا نفوسهم ms103 ~~من الشيطان. # ولما وصل الملك إلى اللوفر استقبل أعضاء مجلس النواب، وقال لهم: قد يخامر التعجب سكان ~~مدينتنا من دخول الملك كمحارب، على أنكم تعلمون أننا وفقنا إلى معرفة المجرمين الحقيقيين ~~الذين ارتكبوا الجناية الفظيعة في أمبواز، فهم أمراء أسرة بوربون، وأخصهم لويس دي بوربون ~~أمير كوندة، فإن لابن عمنا دي كوندة أصدقاء عديدين في باريس، ولسنا نجهلهم، وحسبنا ~~برهانا تدبيره الشائن الذي سعى به ضد عمنا الدوق دي جيز، ولذلك جمعنا جنودنا لنكون في ~~أمن على شخصنا. فاذهبوا أيها السادة، وأعيدوا ما سمعتموه على كل سكان باريس مدينتنا ~~المحبوبة. # وعند المساء اجتمع جاليو وبرنابا في فندق نيكول، وضرب الباب، فقال جاليو: لعل القادم ~~ترولوس؟ # فأجابه ترولوس: نعم، جئت لأحييك أيها الصديق، وأنت أيها الأستاذ الفاضل. # قال: ولك منا التحية أيها الكونت بعدما تركتنا. # أجاب: كلا، ولكنني لم أكن قادرا على الرجوع إلى باريس دون أن ترجع الملكة؛ لأنني كما ~~يعلم جاليو قد صرت من رجالها. # قال جاليو: نعم بهذا المنصب السعيد! # أجاب: وا أحر قلباه، إني به لسعيد سيئ الحظ معا، وآه لو تدري ما انطوى عليه بلاط ~~فرنسوا الثاني من مفاسد ومكائد. # قال: ما إخالك تشكو ما دمت ترتع مع الراتعين. # وبعد أن أكلوا، أوصل جاليو برنابا إلى مخدعه، ثم اتجه الشابان إلى اللوفر، فقال جاليو: ~~ألا تنبئني عن مرسلين؟ # أجاب: إنها صارت من نديمات الملكة؛ لأن بين المرأتين سرا يمنع كلا منهما أن تخون ~~الأخرى. أما المحامي أفنيل فإنه لا يتجرأ على مفارقة البلاط، ولا أظن إلا أنه أتى أمرا ~~يعنف عليه نفسه؛ لأن عمله كاد يقضي عليه بالقدوم إلى باريس. # قال جاليو: ذلك من الممكنات، ولكن هل عرف الدوق اسم رفيقي الذي صعد في سلم الحبال ~~معي؟ # أجاب: لقد حلف الدوق بأن يشنقك يوم يجدك. # قال: لله دره من رجل كريم الخلق. # قال ترولوس: أما أنا فإنه لن يعرفني قط، وأنت تدري أن الملكة عرفتني بالبلاط في اليوم ~~الذي تلا يوم الحادثة، وقالت: إنني رسول أمير ms104 كوندة، ولم أفارق الملكة منذ ذلك اليوم، ~~فإن كاترين اختارتني لأصحبها في نزهاتها، وكنت أضطرم هوى بقربها، وأنتظر منها إشارة ~~لأدنو منها عند ركوبها جوادا أو مركبة. # وهنا تبسم، وقال: لكنني أخشى مضايقتك بخبري. قال: ألست أخي في السلاح؟ فتكلم. ~~- إن الملكة أذنت لي بالاقتراب منها ونحن في الغابات، والوصائف الإيطاليات اللواتي ~~يصحبنها مخلصات لها فلا تخشى خيانة منهن، ويومئذ حدثتني بسيرتها الماضية، وما أصابها من ~~يأس وذل في عهد زوجها وعشيقته ديانا دي بواتيه، وقد أراد هنري الثاني تطليقها، وهي ~~الحسناء الفتانة. ولطالما جلست إليها تحت أشجار الأدغال أقرأ وإياها أناشيد بترارك ~~وقصائد دانت، وكانت كلما قرأنا محادثة غرامية تأمرني بأن أتلو كلمات العاشق، وهي تنشد ~~أبيات العاشقة، وكذلك كنت أطارحها الهوى. ~~- إنك خجول يا صديقي. ~~- أنت غلام، فهل فاتك أن هذه المرأة ملكة، وأنها ملكة حسناء كثيرة العشاق، وقد أذنت ~~لي بمخاطبتها عن غرامي، وتفضلت علي بأن ألقي إليها بتلك العبارات المحرقة التي ينظمها ~~الشعراء في سلك قصائدهم الرنانة؟ فهل أستطيع أن أطلب إليها شيئا آخر؟ وهي قد كانت تقول ~~لي: «أنت يا ترولوس قبس من نور ظهر في سماء حياتي المحجبة بالغيوم.» وإنما دعتني باسمي، ~~دون لقبي؛ لأنها طلبت مني أن أدعوها كاترين. فلما أبيت، قالت لي: هل تغير أبيات دانت ~~لتحشر بينها قولك أيتها الملكة؟ # ودخل الصديقان إلى اللوفر فتناول ترولوس يد جاليو، وأوصله إلى نافذة ينبعث النور منها، ~~وقال له: هناك تنام عشيقتي. فأين عشيقتك؟ أجاب: نعم، كنت ذات يوم أنشد أشعار بترارك، ~~فطلبت إلي كاترين إعادتها مرتين، ثم قالت لي: إن صوتك يعذب عندما تقول: «أهواك»، ~~فضاع صوابي وفقدت رشدي وعدلت عن التكلم بالأشعار، وكنا في صميم غابة بديعة من غابات ~~فونتنبلو، مبتعدين كثيرا عن الحاشية، والهواء يحمل طيبا، فنسيت الملكة أنني شريف مسكين ~~لا أنتمي إلى الأسرة المالكة، والآن أودعك! # فتركه جاليو حتى دخل القصر، وعاد يقول في نفسه: وا رحمتاه لفؤادك أيها الصديق، ولا قدر ~~الله أن يغدو ألعوبة بين يدي تلك ms105 المرأة فتكسرها في ساعة لهو ولعب. ~~••• # ولم يقف الملك وجيشه في باريس إلا يوما واحدا، ولكن جاليو اكتشف في ذلك اليوم أمورا ~~خطيرة؛ لأنه تجول في البلد، فطاف في شوارعها وأسواقها، ودخل فنادقها وحاناتها، وتجرأ ~~حتى على دخول قصر اللوفر غير خائف أن يصادف الدوق دي جيز مع علمه أنه أقسم على إهلاكه، ~~وتمكن من التقاط عبارات رابته وأوجس منها خوفا على مولاه أمير كوندة؛ لأنه سمع القوم ~~يتكلمون عن إنفاذ العدل في مجلس أورليان، وأمير كوندة مدعو إلى ذلك المجلس، ولا بد من ~~ذهابه إليه . فرأى جاليو أن الواجب يقضي عليه بالسير إلى أورليان لينذر سيده بما ينويه ~~الملك، وينقل إليه الجملة التي خاطب بها أعضاء النواب. # فسبق جاليو موكب الملك، ولما علم أستاذه بعزمه على السفر بكي شفقة عليه، وقال له: ألا ~~تزال تخاطر بنفسك؟ ألا تدري أن المخاطر ليس بمحمود وإن سلم، «وما كل مرة تسلم الجرة» ~~كما يقول المثل. # أجاب: بل أرجو السلامة يا أستاذي، وأعتقد أن طالعي سعيد، وأن الله لم يقدر لي ~~الهلاك. # قال: لو أنك مسافر لتلحق بامرأة تهواها لفارقتك غير آسف، ولكنك مسافر لتلقي بنفسك إلى ~~التهلكة. ~~- إني ذاهب لألقى أمير كوندة، وبيني وبينه عهد، مراعاته فرض واجب علي، ولست أدري أي ~~ويل يحيق به. إلا أن نفسي تحدثني بقرب وقوع خطب جسيم، فلا بد لي من الانضمام إلى ~~الأمير في وقت الخطر، وهب أني أقمت معك، فما أرانا نسر بالإقامة وهذه حالتنا. ألم تر ~~أن الكآبة دخلت باريس مع حاشية الملك وبطانته؟ ولعل وراء الحجاب خيانة مدبرة، فإذا ~~نبهت الأمير كفيته شرها. على أن بشاشتي وطلاقة محياي لم تمت، بل هي راقدة، فلو أردت ~~الضحك اليوم لما قدرت، ولا أشتهي إلا مبارزة أكون فيها فائزا أو خاسرا، فليس ذا وقت ~~العشق والغرام. # قال: مع السلامة يا عزيزي جاليو، وإني أتبعك عن بعد ومتى عدت متبرما متضجرا من هذه ~~الحياة التي تكتنفها الدسائس والمهالك تجد عندي زجاجات ملأى بالراح وكتبا تزينها ~~قصائد ms106 شعرائنا المجيدين. # الفصل الحادي والعشرون # | كلام الملك # وصل جاليو إلى أورليان بعد ثلاثة أيام، فألفى الكآبة والغم سائدين فيها سيادتهما في ~~باريس، ووجد فيها أحد أصدقاء الدوق دي جيز اسمه فيليب دي مرسيلي، قدم المدينة منذ أوائل ~~شهر أكتوبر (تشرين الأول) مأمورا بنزع السلاح من سكان المدينة، ولقد أنزل هذا الرجل ~~جنوده في بيوت السكان الذين يعلم أنهم من أبناء المذهب الجديد (البروتستانت) وطرح في ~~السجن من أبى قبول هؤلاء الجنود. # ونزل جاليو في فندق صغير في زقاق مظلم قرب نهر اللوار، ثم أخذ يطوف في المدينة، وأول ~~نبأ وصل إليه هو أن الله أراد الانتقام لسكان تلك المدينة من حاكمها، فسلط عليه منذ ~~يومين داء النقرس فبات يصرخ من شدة الألم، وخطر لجاليو أن ينظم أبياتا بهذا المعنى، وفي ~~اليوم التالي قرأ سكان المدينة أبياتا مكتوبة على ورقة ملصقة على باب بيت الحاكم، ولا ~~بأس من ترجمتها للقراء، قال فيها: # يا من يمر! أتدري لمن هذا القبر، وما حوى من المخازي؟ فهو قبر رجل لا ~~أمنية له من دنياه إلا أن يكون جلادا لعباد الله. أنفق العمر ولم يأت حسنة، ~~ولذلك رأى الله أن يعاقبه؛ لأنه تعالى لم يطق فظاظته، فرماه بداء النقرس ~~ليكون عبرة لكل من يمر بهذا المكان. # واستمر جاليو يتفقد شئون الناس حتى وصل إلى بيت يحوط به الجند من كل ناحية، وهو مسور ~~بالحديد، فقال لأحد الجنود: ما هذا البيت المشئوم؟ وهل يقيم فيه أحد؟ فأجابه الجندي: ~~كلا. قال: لعله لأحد أبناء المذهب الجديد اللعين؟ أجاب: بلا شك. # فأخذ جاليو يضحك، ثم ضرب بيده كتف الجندي، وقال: ما أظن الأمير يواصل السير إلى هنا لو ~~درى بهذا المنزل المعد لسكناه. # قال الجندي: صه! إني لأخشى أن يسمعنا أحد من أصدقاء الأمير. # قال جاليو: أصبت، فما كل الناس كاثوليكيين مثلنا! # ومضى وهو منكمش الصدر، وقد فهم المراد من قولهم في باريس أن سينفذ العدل في أورليان، ~~وفيما كان مارا قرب الأسوار أبصر قلعة تحدق بها فرقة ms107 من حملة البنادق، وقسيسا ينظر ~~إليها نظرة المتشفي، فقال له جاليو: ألا ما أنبأتني يا أبت عن البروتستانتي الذي ~~يكابد عذاب هذا السجن؟ # قال: ألا تعرف اسم هذه القلعة؟ فهو يغني عن الإيضاح. # قال جاليو: وما اسمها؟ # أجاب القسيس: اسمها قلعة الأميرال، يا بني. # قال: لقد فهمت، فإنها معدة لذلك الشيخ اللعين جسبار، زعيم تلك الطائفة الممقوتة ~~ونصيرها. # ورجع جاليو إلى الفندق يفكر في ذلك الذي يسمونه عدلا. ثم تقلد سلاحه وعول على مفارقة ~~البلدة ليلقى أمير كوندة ويحذره، وفيما كان راحلا عن أورليان دخلها الملك في موكبه ~~الحربي الذي أحزن أهل باريس، وكان فيليب دي مرسيلي، صديق الدوق دي جيز، قد أقام حراسا ~~في كل شارع وساحة من ساحات المدينة، وشمل الرعب أهل المدينة كما شمل نواب الأقاليم الذين ~~وفدوا ليحضروا مجتمع الحكام. # فلم يهتف للملك أحد، واستقبل جلالته مختار البلد، واسمه جيروم جروسو، وهو رجل كان ~~متهما بالاشتراك في مؤامرة أمبواز، فقال له: «إذا لم تصلح سيرتك عاقبناك معاقبة يعتبر ~~بها الآخرون.» وكان جيروم هذا قد هيأ خطابا ليلقيه بحضرة الملك مضمونه احتجاج السكان ~~على هذه المعاملة، وإظهار إخلاصهم للملك. فعلم فيليب دي مرسيلي، رسول الدوق بالخطاب، ~~فلما وقف جيروم ليلقيه صاح: هذا هو قائد البروتستانت! # فذعر جيروم المسكين، وعظم ارتياعه لما رأى ما في نظرات الملك من الشراسة، فاضطرب ~~وتلعثم، وللحال اتهمه فيليب دي مرسيلي أمام الملك بأنه اعترضه في نزع سلاح السكان، فقال ~~الملك: لقد بلغني سوء تصرف هذا المختار من زمن طويل، فاطرحه يا مسيو دي مرسيلي في ~~السجن، ولينظر القضاة في قضيته غدا. # وهكذا كانت فاتحة عمل الملك الأمر بالقبض ظلما على ذلك الرجل الشهم، وتهيأ الحراس ~~للهجوم والدفاع كأنهم في مدينة عاصية يحاولون إخضاعها. # هذا وأمير كوندة قضى شهورا وهو يشاور نفسه في الأوبة إلى بلاط الملك وإجابة الدعوة، ~~ولا يدري هل يذهب وحده أو يستصحب أصدقاءه ورجاله، وكان الملك قد كتب من فونتنبلو إلى ملك ~~النافار شقيق أمير كوندة يطلب إليه أن ms108 يستصحب أخاه ليبرر نفسه من التهم الملقاة على ~~عاتقه. ثم إنه أرسل إلى غاسقونيا رسولا، هو الكردينال دي بوربون، وألحقه بآخر هو ~~البارون دي كرسول، وأكد الاثنان لأمير كوندة أن حقوقه كأمير من الأسرة المالكة أو الدم ~~الملكي ستحفظ وتراعى، وكانت لزوجة أمير كوندة وحماته مراسلات مع نساء البلاط، فأشارتا ~~على الأمير بألا يلبي تلك الدعوة، وحذرتاه من الانقياد إلى ملك فرنسا. إلا أن أخاه ملك ~~النافار أقنعه بالذهاب معه. فسافرا معا، وهما لم يقرا كيفية دخولهما على بلاط الملك، ~~ولحق بهما بضعة آلاف من الأشراف إلى ليموج، ووعدهما زعماء المذهب البروتستانتي بجيش مؤلف ~~من ستة آلاف رجل، إلا أن وصولهما على تلك الصورة يدل على معنى الحرب والتأهب للنضال. ~~وجاءهما رجل اسمه أرميناك يزعم أنه قريبهما، وهو في الحقيقة مأجور من الدوق دي جيز، فأكد ~~لهما حسن نية الملك فرنسوا الثاني. فأكره ملك النافار الأمير أخاه على عدم استصحاب رجاله ~~وأصدقائه بحجة ألا حاجة إليهم. # وأرسل الدوق دي جيز الماريشال دي ترم لاستقبالهما فتلقاهما بالاحتفاء المشكور، فأولاهما ~~ذلك ثقة وحسن ظن، ولما لقي أمير كوندة جاليو في ضواحي أورليان، كان ممتلئا بالآمال ~~الحسنة. فوقف جاليو أمامه ففرح بلقياه، وقال له: حياك الله يا جاليو! # فأجابه: لقد سرني لقاؤك يا سيدي. # قال الأمير: لقد ظننتك سجينا أو ميتا؛ لأنني لم أتلق خبرا عنك، وبت أسأل نفسي عما ~~إذا كنت قد هجرتني. ~~- معاذ الله أن أتركك يا مولاي. ~~- وماذا جرى للفيكونت دي شارتر المسكين، ألم تفلح في إنقاذه من محبسه؟ # فتعجب جاليو من شهامة الأمير؛ لأنه لم ينس صديقه السجين، وهو أجدر منه بالإنقاذ من كيد ~~الماكرين، فأجابه: ليس غرضنا الآن يا مولاي إنقاذ الفيكونت دي شارتر، وإنما إنقاذك أنت! ~~ولا يزال في الوقت متسع لرجوعك، فعد إلى غاسقونيا، واجمع أصدقاءك، ولا تأت إلى ~~أورليان إلا وحولك جيش قادر على حمايتك. # قال: شكرا لك يا جاليو على ما فعلت لأجلي، ومن كان أميرا يسره أن يجد من يخدمه ~~خدمتك إياي دون ms109 نفع ولا جدوى؛ لأنك تخدم أميرا لا مال عنده ولا قوة له، وربما بات في ~~الغد سجينا أو أسيرا، ومد يده إلى يد جاليو يصافحه، ثم قال: إذن أنت تظن أن وراء ~~الأكمة ما وراءها؟ # أجاب: لا مجال للظن يا مولاي فإني متيقن، وحبسك حاضر كحبس الأميرال دي شاتيليون. ~~- وهل تدري كيف يقبضون علي؟ أعند دخولي أورليان، أم عند الملك، أم في مجلس ~~الحكام؟ ~~- إني أجهل ذلك يا مولاي، ولكنني على علم بأن القوم قد هيئوا محاكمتك والحكم ~~عليك. ~~- ومع ذلك فما إخالهم يتعرضون لي بأذية ؛ لأنني أمير، دمي من دم الملوك، وقد أبلغت الملك ~~خبر قدومي إلى أورليان قبل نهاية شهر أكتوبر، فغدا أكون فيها. # قال جاليو: إنك تلقي بنفسك في أتون التهلكة! # أجاب: ليس الموت يروعني، وفضلا عن ذلك فقد وعدت، ولا أخلف وعدي، والأفضل عندي أن ~~أحاكم، ولا أرجع في كلامي رجوع كاذب، بل حسبي ما يحدق بي من الدسائس التي أريد إزالتها. ~~وهل أكون أنا المذنب إذا شاء الدوق دي جيز تحويل ملتمس أمبواز إلى مؤامرة؟ هل أكون ~~المذنب إذا كان الكاثوليكيون يلجئون أتباع مذهب كلفين إلى الدفاع عن أنفسهم؟ وهل أكون ~~المذنب إذا ثار ماليني وحاول الاستيلاء على مدينة ليون برغمي؟ وهل أكون المذنب إذا كان ~~أحد القواد البروتستانت يروم الانتقام لأخيه؟ إنهم يحسبونني علة لكل ويل ينزل بفرنسا، ~~ولكل خطب يقع فيها. والأجدر أن يهتدي ملك فرنسا إلى الصواب فيعلم أن آل جيز علة هاتيك ~~العلل، لا أمير كوندة! فليحبسوني، وليحاكموني، وليحكموا علي! # وفي اليوم التالي وصل ملك نافار وأمير كوندة إلى أبواب مدينة أورليان، وكان الدوق قد ~~علم بوصولهم من أعوانه، فجمع المقاتلين من جند وحراس وسلحهم تسليحا كاملا وصفهم ~~صفا محكما، أوله عند باب البلد، وآخره عند قصر الملك. # فقال الضباط: هل من عدو مفاجئ؟ # فأجابهم الدوق: نعم، وإنه ألد عدو للملك أيها السادة. # وأراد بعض الأشراف مقابلة الأمير إلا أن الدوق لم يأذن بمقابلته ومقابلة أخيه لأحد غير ~~أقربائهما كالكردينال دي ms110 بوربون، والأمير دي روشسوريون. وغاظ ملك النافار وأخاه ذلك ~~الاستقبال السيئ، وزاد طنبور سخطهما نغمة أن بعض الضباط الذين سمعوا كلمات الدوق دي جيز ~~تظاهروا بأنهم يهينون الأميرين. غير أن أكثر من كان معهما جرد السيوف، وفي الجملة جاليو، ~~فوصل الأميران من غير حادثة تذكر إلى قصر الملك. (وهذا القصر منزل عمدة المدينة) فدهشا ~~لما أبصرا الأبواب الكبرى مقفلة، وطلبا من الحراس فتحها فأجابوهم بشراسة أن الأبواب ~~الكبرى لا تفتح إلا للملك. # فقال أمير كوندة في نفسه: لقد كان جاليو مصيبا. وترجل وأخوه عن فرسيهما ومعهما ~~الكردينال دي بوربون والأمير دي روشسوريون فدخلوا «بلاط الشرف» ولما علم الملك بقدومهما ~~جلس في أعلى أريكته مع عميه وسائر رجال البلاط، فلم يتقدم لاستقبالهما أحد من الأشراف، ~~واستمر الملك يتحدث مع عميه كأن الأميرين غير حاضرين. # هذا وقد صعد الأخوان درج الأريكة الملكية، وألقيا تحيتهما على الملك، فقال لهما ببرود: ~~ها قد جئتما يا ابني العم بعدما طال الأمد على دعوتنا إياكما. # واضطرب ملك النافار من هذا الاستقبال البارد فلم يجب بكلمة، إلا أن أمير كوندة لم ~~يرتبك، بل قال: إننا لا نكون قادرين على خدمتك أيها الملك ما دمنا في البلاط؛ لأن ~~مناصبنا قد انتزعت منا، والأمر بالعكس إذا كنا في الولايات فإنا نستطيع أن نقوم بالواجب ~~علينا. # قال الملك: عندنا ضباط يتولون خدمتنا في جميع الولايات. # وكان أمير كوندة يتوقع تعرض الدوق دي جيز وأخيه، إلا أنهما لم يكادا يسلمان عليه وعلى ~~أخيه، ثم نهضا كأنهما لا يودان التداخل في شئون عائلية لا تعنيهما. # فانثنى الملك إلى أمير كوندة، وكأنه نسي ملك النافار، وقال: إنك كثير التشكي من إدارة ~~المملكة، إني أعرف ذلك يا ابن العم. # وإذ ذاك وصلت الملكة الوالدة، وقد أظهرت كل مودة للأميرين بعدما ابتعد عنهما أكثر رجال ~~الحاشية، وشعر كوندة بالفراغ حوله، فطلبت الملكة الوالدة إلى ولدها أن يأتي معها وتبعها ~~الأميران كذلك. فاجتمعوا اجتماعا عائليا في غرفة الملكة. # وكان أمير كوندة ينتظر أن يكلمه الملك، إلا ms111 أن فرنسوا الثاني كان منفعلا أشد انفعال، ~~فقال للأمير: لقد اتصل بي من مصادر عديدة أنك روح المؤامرات، وأنني ومملكتي هدف لسهامها، ~~وما دعوتك إلا لأطلع منك على الحقيقة. ~~- لست أدري أيها الملك من الذي يتهمني، ولكنني أؤكد لجلالتك أن الساعين بي ~~كاذبون. ~~- وهل كانت الرسائل التي كتبها إليك أصدقاؤك كاذبة؟! وهل كذب أسرى أمبواز، وهم مشرفون ~~على الهلاك؟ وهل كذب دي رشيان، وماليني، ومونبرون، وغيرهم من الثائرين الذين يتخذون من ~~اسمك درعا لمباشرة أعمالهم الشائنة؟ وهل كذب البروتستانت عندما ادعوا أنك ~~زعيمهم؟ ~~- كل هذه التهم أيها الملك افتراء محض، وليس مصدرها من ذكرتهم، بل مصدرها آل جيز دون ~~سواهم! ~~- لا تهن أفضل أصدقائي، وأصدق الناصحين! ~~- لقد أتيت أيها الملك غير مستصحب جنودي ولا متقلدا سلاحي، وكان في وسعي أن أجعل ~~بصحبتي جيشا عرمرما، لا بعض أصدقاء، فهل كنت أسلك هذا المسلك معك لو كنت أنوي غدرا بك ~~وقياما عليك؟ ولا شأن لي فيما فعله ماليني من هجومه على ليون، ولا علاقة لي بثورة دي ~~رشيان، فالرجل إنما ثار؛ لأنه طالب عدل، وثار وقد قتل أخوه ظلما. ~~- أيطلب العدل واحد من أبناء ذلك المذهب الساقط؟ # أجاب الأمير: إن أبناء ذلك المذهب الساقط، كما تدعوهم أيها الملك، هم رعاياك قبل كل ~~اعتبار آخر، بل هم مخلصون لك كأبناء المذهب الكاثوليكي، وهم على الأقل أبناء الأرض ~~الفرنساوية، لا غرباء كالناصحين اللذين تحبهما وتكرمهما وهما غير فرنساويين. # قالت كاترين: لا ينبغي يا ولدي أن تعامل أمراء من البيت المالك في فرنسا هذه المعاملة، ~~وإن أمير كوندة لا يروم إلا أن يخدمك بصدق وشهامة، فثق به كما أنا واثقة. # فأجابها الملك: إنك ما برحت تنصرين أعدائي أيتها السيدة. أما أنا فإني أحسن الدفاع عن ~~سلطاني. # ثم نادى قائد حراسه المسيو شافيني، وقال: سلمه سيفك يا ابن العم. # وأنت أيها القائد سر به إلى المسكن الذي أمرت بإعداده للأمير. # قال أمير كوندة: أسلمه سيفي؟ # أجاب الملك: نعم. # قال: أتتجرأ على إصدار أمرك بالقبض علي؟ # أجاب: ms112 ألست الملك؟ # قال: ومن ذا الذي تجرأ فوقع على الأمر الصادر بالقبض علي؟ لا جرم أن آل جيز هم ~~الفاعلون! # قال الملك: أطلع ابن عمي - أيها القائد - على الأمر الذي بيدك. # فألقى الأمير نظرة على ذلك الأمر المكتوب، وقال: لا بأس! فهذا اسم الملك فرنسوا حفيد من ~~كان يدعو نفسه أول شريف في فرنسا موقع على أمر ينقض به كلامه. إلا أنك يا ذا الجلالة ~~قليل الاحترام لكلامك. وأبناء فالوي، سلالة سن لويس، كأبناء البوربون، لكنهم تناسوا ~~كرامة أجدادهم ونبذوا شرفهم. قال: أنت تتجرأ على إهانة مليكك؟ # أجاب: يحق لي أن أرفع رأسي تيها يا فرنسوا؛ لأنني لم أرجع في كلامي قط، ولم أحنث ~~بوعودي وأقسامي، وها أنت قد رجعت في كلامك، كما حنثت بوعودك وأقسامك. # فنهض الملك وهو يرتعد غضبا، ومد يده إلى الباب، فانحنى الأمير نحو الملكة الوالدة، ~~وقال لها: كان الدم الطاهر الشريف ساريا في عروق أسرتك من قبل، ولست أدري أيتها السيدة ~~إذا كان دمك الذي أفسده. بل أجهل إذا كنت كاذبة أو إذا كنت تنطقين بالصدق عندما تتكلمين. # فأجابته كاترين بكآبة: اعلم أيها الأمير أنني لست الآن بملكة فرنسا، ولقد أصبت، فإن ~~والد زوجي فرنسوا الأول لم يكن ليأتي مثل هذا العمل، وأقسم لك بذلك الملك الذي كان يحبني ~~كأنني ابنته، على أن دعائي لك يصحبك في سجنك. # فدنا الملك من والدته، وصاح يقول: أهذه هي واجبات الوالدة؟ أنت تهينينني أمام ألد ~~أعدائي! إن هذا لا يليق بك أيتها السيدة. # فحيا أمير كوندة كاترين بإجلال وإكرام، والتفت إلى قائد الحراس، وقال: إني مستعد للحاق ~~بك، وإليك سيفي، فهيا بنا! # ولبث أنطوان دي بوربون ملك النافار صامتا، وخرج مع أخيه، لكنهم منعوه من مصاحبته، وكان ~~الكردينال دي بوربون، وهو شقيق أمير كوندة أيضا، ينتظر نتيجة المقابلة عند الباب، فقال ~~له الأمير: لقد كان كلامك الحامل على الطمأنينة سببا في إهلاك أخيك. # وأحس جاليو بالدموع تسيل على خديه عندما مر به، فرآه الأمير ومد إليه يده، وقال: ms113 ~~أودعك يا عزيزي جاليو، فإنك لم تقل إلا الحقيقة. # فأجابه: وا أسفاه يا مولاي! ~~- خذ فرسي فلست بحاجة إليه بعد اليوم، وأودعك! ورآه جاليو من بعيد يدخل مع قائد الحراس ~~ذلك السجن المشئوم الذي وقف به منذ أيام. # ودخل الدوق دي جيز وأخوه حجرة الملكة الوالدة، فأبصر الملك في أسوأ حال؛ لأنه أصيب ~~بنوبة عصبية شديدة بعدما عمل بمشورتهما، وألقى القبض على ابن عمه، وأغمي عليه. فمددته ~~كاترين على سريرها وكشفت الملابس عن صدره، وجعلت تدلك صدغيه بالماء البارد، فأفاق فرنسوا ~~شيئا فشيئا إلا أن وجهه ظل ملطخا ببقع صفراء. فلما عاوده رشده، قال لكاترين: أين ~~الملكة؟ # أجابت: إني أمامك يا بني. ~~- إني أروم أن أرى زوجتي الملكة دون سواها. فأنت لا تحبينني، بل أنت من أعدائي. فابعث ~~يا عماه من يدعو الملكة! # ولما وافت ماري ستوارت دهشت من ذلك الانقلاب الذي تولى زوجها، ومن اكفهرار وجهه، ~~فتأملها الملك بانعطاف، وقال لها: هل تحبينني؟ # أجابت: ما هذا السؤال أيها الملك؟ # قال: وأنت يا عمي شارل (يعني الكردينال) هل تحبني؟ # فتناول الكردينال إحدى يديه. # فقال: وأنت يا دوق، يا سيفي القاطع، أمسك يدي الثانية. # فتناول الدوق يده الأخرى، ونظر الملك إلى الثلاثة الذين كانوا أمامه، وهم كل من كان ~~يحب. أما كاترين فقد تراجعت عنه، ولم يخاطبها أحد منهم، فكانت تلك الضربة موجعة؛ لأن ~~ابنها أنكرها، فخرجت من مخدعه تمشي الهوينا، وكان ترولوس عند الباب فأمسكت يده واجتذبته ~~إلى دهليز مظلم، وقالت له: لم يبق لي أحد سواك، فهل تحبني أنت؟ # فأجابها: كيف تسألينني هذا السؤال يا سيدتي؟ أولا تعرفين مني ما يكون جوابي ~~عليه؟ # قالت: أيحملك الحب على أن تطيعني في كل شيء حتى في القتل؟ # قال: من الذي ترومين قتله؟ # فتوقفت عن الجواب وكانت تنوي أن تقول له: «ابني». # وأدرك ترولوس منها ذلك فنظر إليها مرتاعا، فقالت: ويلاه! قال: أنت ترومين الانتقام يا ~~مولاتي! قالت: لقد أصبت بعارض جنون يا ترولوس. آه ما أسوأ حظي! لا يوجد أحد في ms114 هذا ~~البلاط أحبه غيرك، أنت وابني الآخر، هنري! # الفصل الثاني والعشرون # | الدوق والكردينال # وفي الليلة التالية حضر الكردينال إلى حجرة الملكة الوالدة ليزور الملك، فمنعه ترولوس ~~من الدخول، فقال له: إني أريد مقابلة الملكة الوالدة وهي تنتظرني. # فأجابه: إني جندي يا مولاي، ولا أعتبر إلا الأوامر التي أتلقاها من رئيسي، وقد صدر ~~إلي الأمر بأن أمنع أيا كان من الدخول إلى هنا. ~~- حذار يا هذا، فإنك وقفت في طريقي مرارا حتى الآن. ~~- من يخدم الملكة يا مولاي لا يخشى بأس أحد. # وإذ ذاك خرج فرنل طبيب الملك من الحجرة فوثب الكردينال إليه، وقال له: أنبئني عن ~~الملك. ~~- إنه ضعيف جدا. ~~- وهل يخشى عليه؟ ~~- علم ذلك عند ربي أيها الكردينال. وابتعد مسرعا. # وإذ ذاك تمكن الكردينال من الدخول، فأبصر الملك كأنه مغمى عليه لا يعي شيئا، وكانت ~~ماري ستوارت زوجته قد انصرفت عنه، وبقيت كاترين ساهرة عنده تنقل حبات سبحتها بين ~~أصابعها، فخاطبها الكردينال برقة، قال: يا سيدتي. فلم تجب! # فقال لها: إني أروم مخاطبتك أيتها السيدة في أمر خطير. # فرفعت إليه رأسها بكبر وعظمة، وقالت: لم أكن أظن أنه يوجد في بلاط فرنسا رجل واحد يحق ~~له ألا يدعوني بذات الجلالة! # فأجاب الكردينال بجرأة: لقد كان لي ذلك الحق فيما مضى. # قالت: لقد مضى ذلك الزمن يا كردينال، فما هذه الجسارة التي تبدو منك؟ وكيف تذكرني بذلك ~~أمام ابني وأنت تراه مريضا؟ # فارتعد الكردينال من كبرها، وأوجس خوفا من أن تكون قد أحست بشيء من السلطة والقوة. ~~فإن أمير كوندة قد بات سجينا، وملك النافار قد بثت عليه العيون فلا ينجو، والأميرال ~~كبير طائفة البروتستانت يوشك أن يصل، وسجنه مهيأ له، وأعوان أمير كوندة قد طرحوا في ~~السجون، ولم يبق أحد تعتمد عليه الملكة، وليس في البلاط إلا أنصار آل جيز، ومجلس الحكام، ~~وقد تألف منهم ومن أصدقائهم، وجميع النواب كاثوليكيون. فما معنى ذلك الكبر الذي تظهره ~~الملكة؟ فهل طالعت صفحات الغيب وعرفت ما يكون؟ # جالت هذه الخواطر في ذهن ms115 الكردينال، وبعد صمت قال: إن الملك في حالة سيئة، غير أن عناية ~~طبيبه تشفيه عاجلا إن شاء الله. # فلم تجب كاترين، لكنها ذكرت وقتئذ جملة تلفظ بها الطبيب «فرنل» منذ زمن طويل؛ إذ قال ~~لها: سترزقين أولادا أيتها السيدة إذا عملت بمشورتي، «غير أن أولهم يموت شابا شهيد ~~عنايتي به» فقالت في نفسها: هل أزف الوقت يا ترى؟ # وقال لها الكردينال أيضا: إن أمير كوندة بين أيدينا فموته، وهو ألد عدو لنا، قريب ~~جدا، ولئن أبدى الملك شيئا من التردد أفلا تساعديننا؟ # فلبثت الملكة صامتة واستمرت تعد خرزات سبحتها، فانصرف الكردينال مذعورا. ~~••• # واستيقظ أمير كوندة في اليوم التالي على جلبة الجند وضوضاء الخدم الذين كانوا يروحون ~~ويجيئون أمامه، فصاح: ما معنى هذا؟ ولماذا؟ # فأجيب: ذلك بأمر الملك. # قال: نعم به من ابن عم حبيب، وما هذا الخوان الذي تضعونه في داخل حجرتي؟ # قالوا: هذا أمر الملك! ~~- وما هذا الغطاء الذي عليه؟ أهذا بأمر الملك أيضا؟ ~~- نعم، أيها المولى. ~~- ولماذا؟ ~~- للاحتفال. ~~- أي احتفال؟ ~~- هذا أمر الملك والسلام. # فهمهم الأمير ودمدم وولى وجهه شطر الجدار، وبعد هنيهة صار الخوان هيكلا، ودخل قسيس ~~يصحبه اثنان من رجال الدوق للاحتفال بقداس، وتقدم أحدهما إلى الأمير، وقال له: تعال فاقض ~~واجب الصلاة؛ لأن الملك يرى أن للصلاة تأثيرا حسنا على نفسك. # فصاح الأمير بحدة: دعوني منكم ومن صلاتكم، إني أحب القتال والنضال في رائعة النهار، ~~ولكنني لا أحب أن يستهزئ بي أحد، ولم أحضر إلى هنا للجدال في الدين، ولكن لأتبرأ من تهم ~~باطلة رميت بها ظلما، فاذهبوا وأنبئوا الملك أنني أنتظر القضاة لمحاكمتي، ولا أنتظر ~~كهنة البابا. # وأرسل الملك فرنسوا الثاني إلى الأمير رسولين، هما أخواه ملك النافار والكردينال دي ~~بوربون؛ ليطفئا جمر غضبه، ويكلماه عن مصالحة تعقد بينه وبين آل جيز. فلم يسمعا منه غير ~~هذه الكلمات، قال: لا وسيلة إلى صلح بيني وبين ذينك الرجلين إلا بالسيف الطويل ~~القاطع. # وبذلك أصدر الملك أمرا إلى رئيس النواب، وإلى مستشاري ذلك المجلس، والنائب العمومي ms116 ~~وكاتبه، بالحضور إلى حجرة الملك لتلقي الإيضاحات، والشروع في محاكمة السجين، وانقضت ~~أيام، وقد ارتبكت اللجنة التي عهد إليها بتحقيق قضية الأمير؛ لأن ذلك السجين استوجب رأفة ~~جميع الأعضاء. # وفي يوم 30 نوفمبر (تشرين الثاني) أطلع الرئيس الملك على تفاصيل الاستنطاق، وكان ذلك ~~بحضور الدوق دي جيز وأخيه، فإن كوندة أبى المجاوبة على كل سؤال يوجه إليه، وقال: «إن ~~تلك المحكمة التي تألفت لمحاكمته لا سلطة لها عليه. فهو يرفع شكواه إلى المترائس على ~~مجلس النواب في بلاط المجلس في باريس، وإلى سائر المجالس المجتمعة فيها، ولا ينبغي أن ~~يحاكم أمير - دمه من دم الملوك - بغير هذه الطريقة.» # فقال الملك: إن جرأة هذا الرجل لا نظير لها، فما لنا ولتحقيق دعواه؟ وإذ ذاك دخلت ~~الملكة كاترين، وقالت لولدها: إن زوجة الأمير ترجو مخاطبة جلالتك. # قال: قد علمت أنها جاءت لتسألني عن زوجها، فلست أريد مقابلتها. إلا أن تلك المرأة كانت ~~لاحقة بكاترين فدخلت برغم الحراس حتى دنت من فرنسوا الثاني، وارتمت على قدميه باكية، ~~وقالت: دعني بحقك أيها الملك أدخل على الأمير في السجن، فلا أكلمه إلا بعذب الكلام ~~ورقيقه. إني أريد أن ألقاه قبل موته. # قال: لقد كنت منعت دخولك علي، وأنت تعلمين كما أعلم أن الأمير أكبر وألد عدو لي، وقد ~~حاول الاعتداء على حياتي وعلى الملكة، فأقسمت على الانتقام منه، وسوف أنتقم. # قالت: عفوا أيها الملك، عفوا، وارحم ابن عمك فهو من لحمك ودمك، وقد سعى به الوشاة، ~~وهو يحبك ويحترمك، ويحترم تاج فرنسا أكثر من كل واحد من رعاياك. # قال: إنك تحسنين الكذب أيتها السيدة، ولست تجهلين مقاصد زوجك ونياته الفاسدة. على أن ~~الأوراق التي وجدت عند أمك تبرهن على مشاركتك في ذنبه. # فرفعت كاترين صوتها، وقالت: ليست هذه المعاملة لزوجة أمير من أبناء البيت المالك في ~~شيء من الشفقة! # فأشفق الكردينال أن ينعطف الملك أو يرق فؤاده، فقال لزوجة الأمير: إنك تضايقين الملك! ~~فطردت تلك المرأة بخشونة، إلا أن هذا الأمر أنهك الملك، فكانت علامات ms117 الموت ظاهرة على ~~وجهه، وقلق الكردينال؛ لأنه خاف أن تفوت الفرصة فلا ينفذ حكم على أمير كوندة، فعول على ~~أن يحاول أمرا مع الملكة الوالدة لعلها تنضم إليه وإلى أخيه، فطلب مقابلتها، ولما ~~انفرد بها قال لها: ألا تخشين أيتها السيدة حلول نازلة ببيتنا؟ # فأجابته: أظنك تريد أن تقول: بيت ملك فرنسا؟ # وكأنه لم يستأمن جوابها، فقال: لئن وقع مصاب على البيت المالك، فإن السلطة تنتقل إلى ~~أيد غير صالحة. # فرفعت الملكة رأسها، ونظرت إليه مليا، فقال الكردينال: نعم، فإن خليفة الملك لا يزال ~~قاصرا، فنيابة الملك تئول - إذ قضى الملك - إلى ملك النافار؛ أي إلى أول أمير من الدم ~~الملكي. فتبسمت الملكة لهذا الخاطر؛ لأن ملك النافار لا يحفل بسلطة لاشتغاله بهوى ~~النساء، إلا أنها لم تجب. # فقال الكردينال: لئن صارت نيابة المملكة إلى ملك النافار بعد وفاة الملك، فإن الخطر ~~يحدق بك وبنا على السواء. # فحملقت إليه كاترين بصرها، فقال: نعم، فإن ملك النافار يغدو ألعوبة بين يدي أخيه أمير ~~كوندة، وهذا الأخير لا ينسى سجنه، ولا القضية التي أقمناها عليه، ولا ينسى أننا لم نعبأ ~~بطلبه استئنافها، وأننا اتهمناه بالاضطراب الحادث في البلاد، وهنا توقف الكردينال، ~~فأشارت إليه الملكة إشارة ملؤها الاحتقار، وقالت: كل ذلك من عملك أنت لا من عملي أنا. ~~فأمير كوندة كاره لك ولأخيك، ولكنه محب للملك ولوالدة الملك. ~~- لئن تولى الوصاية ملك النافار فأنت هالكة. ~~- كلا، فربما كنت أنت يومئذ من الهالكين. أما أنا فلا، وأمير كوندة لا ينسى دفاعي عنه ~~أمام الملك. كما أن زوجته الأميرة لا تنسى أنني عضدتها في هذا اليوم. ~~- أراك لأول مرة ساذجة أيتها الملكة. فإن كوندة لن يحفل بك ولا يهمه إلا طمعه الأشعبي، ~~ولنتكلم بحرية. إن السلطة بين يديك وأيدينا؛ أي بين يدي والدة الملك وأيدي عميه، وما من ~~أحد منا يروم فقدها. ~~- بل أرجو منك أن تصلح كلامك ليغدو مطابقا للواقع. إن السلطة بين يديكما - أنت وأخيك - ~~لا بين يدي أنا. إن أنا إلا امرأة ms118 منفردة، وهل من قوة لي؟ ~~- ما هذا الكلام أيتها السيدة؟ أفلا ترين أنك الحزب الأقوى، وحسبك برهانا على ذلك أنني ~~أطوع لك من بنانك، ولكن لا يفوتك أن مرافقنا واحدة، ولا بد لنا - قبل كل شيء - من ~~إهلاك أمير كوندة وأخيه ملك النافار. ~~- لم يصدر عليهما حكم. ~~- سيصدر غدا. فيجب التوقيع على حكم إعدامهما قبل موت ولدك، هذا أمر لا غنى عنه، وسوف ~~تكونين مساعدة لنا على إنجازه. فأبعدي أمير الأختام ومن بقي من أعوان الأمير، وإذ ذاك ~~تصبحين ملكة فرنسا حتى يبلغ الملك شارل سن الرشد ، وأصبح أنا وزيرك الأول. # فخفضت كاترين رأسها، وجعلت تحرك حبات سبحتها، فقال لها الكردينال بقلق ظاهر: ما ~~رأيك يا سيدتي؟ # فظلت صامتة وقتا طويلا، ثم قالت: إني أصلي إلى الله لأجل شفاء ولدي. # فوثب الكردينال خارجا من عندها، وقد رأى منها القسوة لثاني مرة. فلم يكد يغيب عن نظرها ~~حتى نادت ترولوس، وقالت له: تذهب الساعة وتدعو إلى هنا أمين الأختام، وليأت خلسة، ثم ~~تسلم هذه الرسالة إلى جاليو، مع أمر مني بتسليمها إلى أمير كوندة، وجاليو حاذق فطن، ~~فلا أشك في أنه يفلح. # ودفعت إلى ترولوس رسالة دسها في جيب صدرته، وبعد هنيهة كان أمين الأختام عندها، واسمه ~~لسبتال، فقالت له: عهدي بك ذا رأي وتدبير، والوقت حرج فأسعفني بنصحك. إن الملك مشرف على ~~التلف، وقد أنذرني بموته الطبيب فرنل. قال: يا لله! # قالت: إذا مات ولدي فماذا نصنع؟ # أجاب: نهتف هتافا عاليا «ليحي الملك» وننادي بشارل التاسع ملكا. ~~- إن شارل التاسع قاصر. فإلى من تئول الوصاية؟ ~~- إلى ملك النافار بالاسم، وإليك بالفعل. ~~- فاعلم أن الدوق دي جيز وأخاه يرومان إهلاك ملك النافار وأمير كوندة، وقد تجرأ ~~الكردينال فطلب مساعدتي على هذا العمل. ~~- يا له من شقي شرير. إن أمراء البيت المالك دعامة البلاط وركنه، وموت أحدهما يحدث ~~فراغا عظيما في الأسرة المالكة، واعلمي أيتها الملكة أن الأمة ترجو فيك رجاء حسنا، ~~وتأمل من بنيك الثلاثة الباقين أملا عظيما. فتولي شئون مملكتك، ms119 ولا تكوني خادمة ~~مستشاريك. ~~- وماذا نفعل بأمير كوندة؟ ~~- نوقف دعواه. ~~- شكرا لك على حرية فكرك، واعلم أن الطبيب يتوقع وفاة الملك، فإذا وصل إليك النبأ ~~المشئوم، فاحضر إلي سريعا؛ لأنني سأحتاج إليك. ~~••• # وفي ذلك المساء اقترب شاب يلبس رداء واسعا إلى باب السجن الذي سجن فيه أمير كوندة. ~~فصاح به الحارس، مهلا يا هذا، إلى أين؟ فأجابه: إني أريد مقابلة عمي. ~~- ومن عمك؟ ~~- هو طباخ الغرفة. ~~- لم أكن أدري أن له ابن أخ. ~~- بل له واحد حسن الهيئة والشكل، وأنا ذاك الواحد. ~~- لكن الدخول ممنوع من غير إذن. ~~- إن الإذن معي وهو في جيبي. فمد إليه يدك. ~~- ألا يسعك أن تريني إياه؟ ~~- ألست تراني أحمل الهدية التي جئت بها إلى عمي؟ مد يدك إلى جيبي ولا تخف! # ففعل الجندي، ولكنه لم يجد في الجيب إلا عشرة دنانير. # فخفض الرجل صوته، وقال: خذ هذه الدنانير، فهي خير من كل إذن مكتوب، ولك مثلها عند ~~عودتي إذا لم تتكلم. # فأجاب الحارس بوقار: ادخل! وفي ذلك المساء وجد أمير كوندة تحت وسادته هذه الرسالة: # كن مستعدا، وأطل مدة الاستنطاق ما استطعت؛ لأن الملك يحتضر. # كاترين # الفصل الثالث والعشرون # | فراش ملك فرنسا عند احتضاره # كان جاليو يتململ ضجرا في الزقاق الضيق الذي اتخذ له فيه مخبأ ومسكنا، ولكنه لم ير ~~من الحكمة أن يتعرض للأنظار في بلد حاكمها المطلق الدوق دي جيز. # إلا أنه سمع يوم 25 نوفمبر (تشرين الثاني) ضجيجا عاليا، فالتف بردائه وخرج من ~~مسكنه، فأبصر الجماهير تسير إلى الساحة الكبرى. فلما وصل إلى الموضع المقصود أبصر عنده ~~فرسانا وحملة بنادق وجنودا، وسمع قرع الطبول، ثم تلاوة خطبة لكاتب المحكمة المخصوصة ~~التي ألفت لمحاكمة أمير كوندة وهذا نصها: # إن الملك، أيها السادة، يعلمكم بما يأتي # غدا سيعدم في هذه الساحة من مدينتنا المحبوبة أورليان، الأمير الخطير، لويس ~~دي بوربون أمير كوندة، ثاني أمراء البيت المالك، قصاصا له على ذنوبه وخيانته ~~للملك، وكذلك يهلك في هذه البلاد كل عدو لله وللملك، وليكلأكم الله ms120 جميعا ~~بعنايته. # وتفرق الحكام والفرسان عقيب ذلك مغادرين جمهور الناس في أسوأ حال من الانذهال، وكان ~~جاليو في جملتهم. فلما سمع ما سمع هاله الأمر. فقال في نفسه: ألم يكن في وسع كاترين ~~إنقاذه؟ وهل تمكن الملك من إصدار هذا الحكم وهو على فراش الموت؟ وذلك لأن خبر ضعف ~~الملك قد ذاع في البلد، وانتشر وعلم الخاصة والعامة أنه لا يحب والدته، بل يحب عميه ~~وزوجته دون سواهم. آه ليتني ألقى ذلك الدوق اللعين وأخاه وأبارزهما. ثم أخذ يلعن الدرع ~~التي أنقذت الدوق من رصاصة القاتل المجهول يوم دخول الملك بموكبه الحربي مدينة ~~باريس. # وبعد أن طاف جاليو في البلد عاد إلى مسكنه فألفى ترولوس في انتظاره، فترامى على صدره، ~~وقال: قضي الأمر أيها الصديق! # فأجابه: كلا، وقد أرسلت إليك الملكة هذه الرسالة؛ لتوصلها إلى الأمير، وهي تقول لك: إن ~~تأخير الإعدام يوما واحدا قد ينجي الأمير. # قال: وكيف السبيل إلى ذلك التأخير؟ فسلمه كيسا مملوءا بالدنانير، وقال له: إن الملكة ~~تعتمد على ذكائك ودهائك. # قال: حبا وكرامة، وأخذ يستعد في ذلك النهار، وعندما انتصف الليل قصد إلى ساحة ~~الإعدام حاملا رزما عديدة. فلما وصل إلى مقربة من الحراس الذين يحرسون دكة الإعدام، ~~سأل بسذاجة ظاهرة عن المحكوم عليه، فهزأ به الحراس، وقالوا له: ويك يا رجل، ألست من ~~سكان أورليان، ألم تسمع بالحكم الصادر على أمير كوندة؟ # قال: أتعنون ذلك البروتستانتي اللعين؟ ثم صاح: لا بد من بقائي هنا حتى أكون أول من ~~يشاهد مصرعه. # وفتح إحدى الرزم فأخرج منها ست زجاجات من الخمر، ونفح الحراس بعشرة دنانير، فأذنوا له ~~بالدخول تحت خيمة الإعدام، فقال في نفسه: الآن تيسر لي عملي. # وعكف الحراس على زجاجاتهم يشربونها ليلا، وينظرون إلى الدنانير. فلما انتصف الليل ~~تساقطوا سكارى إلا قليلين كانوا يتمشون متوكئين على بنادقهم، وإذا بأحدهم يقول: ألا تسمع ~~صريرا من ناحية دكة الإعدام؟ # فأجابه رفيقه: كلا. # قال: أصغ قليلا، وسمعا صوتا خفيفا من تلك الناحية، فقال الحارس الآخر: يا لك ms121 من ~~غبي، هذا غطيط الرجل المتعصب الراقد هناك. # قال: صدقت، واستمر الرجلان يتمشيان. # وكان الصرير من ناحية جاليو، لكنه غير صادر من صدره، بل من منشار قصير في يده نشر به ~~ثلاثة أعمدة من خشب المشنقة، وإذا به يسمع وقع خطى خفيفة، فرفع ذيل ستر الخيمة، ورأى ~~رجلا وامرأة أمامه، وقد وقفا قرب المشنقة. فسمع جاليو زفرات متقطعة، فقال في نفسه: إنها ~~إحدى عشيقات الأمير أتت مع خادم لها، فخير لهما ولي أن يذهبا ويتركاني أتم ~~عملي. # وجثت المرأة كأنها تصلي وتلثم الأرض، ولبثت كذلك هنيهة ورفيقها ينظر إلى الوراء، ويرصد ~~الناس. فهاج فضول جاليو وأنصت لصلاتها، فسمعها تقول: هنا قتلوك يا أبت شنقا كأنك من ~~أشرار الناس، غير أن ساعة الانتقام قريبة. ثم نهضت وابتعدت مع رفيقها فرآهما جاليو ~~يدخلان بيتا أمام ساحة الإعدام، فقال: سوف نجلو غامض هذه المسألة فيما بعد. # وعمد إلى العمود الرابع فتمكن من نشره، وأصبحت المشنقة لا تحتاج إلى أكثر من صدمة خفيفة ~~فتسقط، ولما تحقق أن الحراس غير متنبهين إليه تناول وعاء من الرزم التي جاء بها، وغط ~~فيه ريشة، ثم أخذ يرش الألواح بسائل من الوعاء ويبتسم سرورا. فلما شمل القطران الخشب ~~عمد إلى ما هو أصعب وأشق؛ لأنه كان ينوي إضرام النار من غير أن ينبه الحراس، ومن حسن حظه ~~أن الجو كان حارا، فقدح جاليو زنادا بين قطعتين من خشب، فلما تطاير شرر قليل ألقى في ~~النار ما جاء به من يابس النبات، وجعل ذلك قرب الألواح، ثم زحزح ستر الخيمة، وسرح ~~البصر فلم يجد أحدا من الحراس أمامه، فأطلق ساقيه للريح. # ولم يبتعد أكثر من خمسين خطوة حتى لفت بصره ثلاثة رجال أقبلوا إلى ذلك البيت الذي دخلته ~~المرأة والرجل منذ هنيهة، فقال: هل من مؤامرة جديدة يا ترى؟ # ووقف الرجال الثلاثة على بعد خطوات من ذلك البيت، وكان في الطبقة الأولى مصباح ضئيل ~~النور، فانطفأ نوره في الحال. # ولو تمكن أحد من دخول الغرفة التي كان النور فيها ms122 لسمع فيها المحادثة الآتية بين فتاة ~~وشاب؛ إذ كانت الفتاة تقول للشاب: هل تحققت ما أنبأتني به؟ فأجابها: رأيت الرجل أمس، ~~وأول أمس، وفي الأيام السابقة من هذا الأسبوع. ~~- وهل يأتي إلى هنا؟ ~~- نعم، يخرج من القصر مصحوبا ببعض الأشراف من باب سري، ويتقدم مستمهلا فيفحص البيت ~~وبصره إلى النافذة، ولقد كان في وسعي محاولة قتله مرتين، ولكنني لو لم أسدد المرمى ~~جيدا لقبض علي أصدقاؤه، ولذهب انتقامي ضياعا. على أنني قادر من هنا أن أصيبه. فإذا ~~أخطأته لا يتعذر علينا الفرار والاختفاء إلى حين سنوح فرصة أخرى . إني لا أزال ألوم نفسي؛ ~~لأنني أخطأته في باريس. ~~- وددت أن أكون حاضرة ساعة قتله، ولا بد من ذلك، فهل فهمت يا بلترو؟ قال: لقد وعدتك ~~وعدا صادقا وكفى. قالت: شكرا لك. قال: ألا ترين الآن هؤلاء الرجال الثلاثة الذين ~~يجتازون الساحة؟ فهم، هم. قالت: أطفئ المصباح. # ففعل، وساد الظلام، وإذ ذاك وقف الرجال الثلاثة، وقال أحدهم: كأنني أبصرت نورا. فأجابه ~~رفيقه: ذلك من أشعة القمر المنعكسة على زجاج النافذة يا مولاي. ~~- كلا، بل أبصرت نورا. فقال الرفيق: هل كانت ابنة الكتبي بارعة الشكل؟ أجاب: إنها أجمل ~~من كل سيدة في البلاط، أيها العزيز. ثم إنني لا أدري أي قوة خفية تجتذبني إلى هذا ~~البيت. ~~- هل تصفح الفتاة عنك وتغض الطرف عن أمرك الذي صدر بقتل أبيها؟ ~~- لقد أنبأتك عشرين مرة أنها تحسبني ملازما من الضباط العاديين. ولكن، ماذا ~~أرى؟ # ولقد سمعوا وقتئذ صوت زفير نار تضطرم، فانثنى الدوق ورجاله إلى ناحية المشنقة فأبصروا ~~ألسنة اللهب ممتدة على الأرض، فصاح الثلاثة يا للداهية! # وكان هؤلاء الثلاثة الدوق دي جيز ورجلين من أعوانه، فقال الدوق: لا جرم أن كاترين صاحبة ~~هذه الفعلة الشنعاء. # ودمدم بلترو من داخل البيت وشتم، وقال: لقد نجا هذه المرة أيضا. فأجابته مادلين: صبرا ~~يا بلترو، فإن الله ساقه إلينا قبلا، وسوف يسوقه أيضا. # وكان الحارسان اللذان عند المشنقة ينظران إلى النار مبهوتين متعجبين. فأقبل الدوق ~~عليهما، وصاح بهما: ms123 يا لكما من غبيين. من الذي أضرم هذه النار. قالا: من الذي أضرم ~~النار؟ قال: نعم، من أضرمها؟ من أتى إلى هنا؟ # فتردد الحارسان قبل أن يجيبا، ثم قال أحدهما بصوت خافت: هو الشيطان ولا شك! # قال الدوق: ويك، هل تعرف من أنا؟ أجب سريعا! ~~- وهل أدري يا مولاي؟ وهل في وسعي أن أقول غير ما قلت؟ # قال الدوق: إذن فالشيطان أضرم النار؟ # وتعاظمت النار فسقطت أخشاب المشنقة، وانبعثت رائحة القطران من أنقاضها، وتوافد الناس ~~إلى الموضع، وشاع الخبر حتى بلغ القصر، وللحال أقبل موكب من الرجال يحملون ~~المشاعل. # وأقبلت الملكة كاترين، فقالت بصوتها الرخيم: ماذا جرى أيها الدوق؟ ومن أين هذه ~~النيران؟ # فاحتدم الدوق سخطا، وأقبل الملك أيضا، فقال الدوق لكاترين: لعلك أدرى مني بمصدر هذه ~~النيران أيتها السيدة. # وكانت رائحة القطران قد امتزجت برائحة نسيج محروق، ولم يبق من المشنقة إلا حطام يتصاعد ~~الدخان منه، وكان جاليو ينظر إليه من بعيد، وهو يكاد يرقص فرحا. على أنه لم يكن راضيا ~~تمام الرضى باحتراق نصف المشنقة، فجعل يقول في نفسه: هل كان الصيدلي كاذبا؟ إلا أنه ~~لم يتم جملته هذه حتى ارتفع ضياء أخضر، وانتشرت رائحة تزهق الأنفاس وتضيق الصدور، ثم ~~طلع ضياء أحمر بعد الأخضر، ثم تعددت ألوان اللهب فجعل الحارس يصلي، ويقول: لقد كنت على ~~يقين من أن الشيطان هو صاحب هذه الفعلة الشنعاء! وقد مر بي، وأبصرت قدمه وكأنها ~~المسحاة! # أما الملك فجعل ينظر إلى ذلك المشهد، وقد أظلم وجهه، فدنا منه الدوق وقال: هذا من تدبير ~~أولئك البروتستانتيين الملاعين؛ ولأنه تدبير شيطاني! # قال: لقد أصبت يا عماه، فلتقم هذه المشنقة غدا، وليعدم الدوق في اليوم التالي على مرأى ~~من جميع الشعب. # فقالت كاترين: ألست ترى يا بني أن لله يدا في ملاشاة هذه المشنقة؟ # فأجابها: لو أن صاعقة من السماء هبطت عليها لقلت إن الله أرسلها، ولكن هي نار الجحيم ~~التي أحرقتها. فالشيطان قد أتى ليساعد أصدقاءه وأعوانه. # ولقد تلفظ الملك بهذه الكلمات بلهجة هائلة، ms124 ثم قال: من حسن الحظ أن رجالي الأشراف ~~يحوطون بي. فلسوف يجزى المجرمون في حادثة أمبواز بما كسبت أيديهم! نعم، ويل ~~للبروتستانتيين! وليمت كل خائن! # ثم جرد سيفه وتقدم إلى أنقاض المشنقة متوعدا مهددا، ولم يتجرأ أحد على الوقوف ~~لإمساكه، ونظر آل جيز بعضهم إلى بعض، فقال الدوق: إنه يهذي هذيان المحتضر! # وضرب الملك بسيفه الهواء، ثم وقف بغتة؛ لأن الدخان المنبعث عن الحريق كاد يخنقه. ~~فأفلتت يده سيفه، ثم سقط على الأرض وهو يقول: ليمت كل خائن، وأغمي عليه. # فأراد الدوق دي جيز حمله على ساعديه، إلا أن كاترين كانت قد سبقته إليه، وأكبت عليه، ~~وهي تقول: ولدي ولدي! # فقال لها الدوق: دعينا نحمل الملك إلى غرفة زوجته. # فأجابته: بحقك دعني يا دوق، ودع ولدي، فهو ابني لا ابنك، على ما أعرف! # وحملت ولدها أمام أشراف البلاط فجعلته على محفة، وأمرت بالرجوع إلى القصر، ولما سمع ~~الدوق دي جيز وأخوه صوت الملكة تأمر الخدم بحمل الملك إلى حجرتها خامرهم الرعب؛ لأن ~~غرفة الملكة الوالدة بعيدة عن غرفة ماري ستوارت، فهي قد أبعدته عن نفوذ زوجته، ومنعتهم ~~من التسلط على إرادته. فاجتمعوا لساعتهم في غرفة ابنة أخيهم للمفاوضة والاعتماد على رأي ~~يعملون به. # وكانت ماري ستوارت زوجة فرنسوا الثاني في أسوأ حال من القلق منتظرة إياب زوجها، فلما ~~رأت عميها، قالت لهما: أين فرنسوا؟ فأجابها الكردينال: إنه مريض. # قالت: هل من خطر عليه؟ ~~- نعم، فلا ينبغي إضاعة الوقت. ~~- إني مبادرة إليه. # قالا: بل البثي ها هنا. # قالت: كيف ذلك؟ فقد يموت دون أن أراه. # قال الكردينال: سترينه، إنما البثي ها هنا، فإني بحاجة إليك. # فأجابته: ماذا تريد يا عماه؟ # قال: ألديك مفتاح خزانة زوجك؟ # أجابت: نعم، ولكنني لا أستطيع أن ... # قال: أين هو؟ # أجابت: ها هو. # قال: أفي الخزانة حكم الإعدام؟ # أجابت: لا أدري يا عماه. # ففتح الكردينال الخزانة الحديدية، وكان فرنسوا الثاني يخفي فيها أوراقه وأمواله، فتناول ~~ورقة كبيرة وطالع ما فيها. فقال له الدوق: كيف رأيت؟ ~~- إن الحكم ms125 غير كامل، ولكنه قانوني، موقع عليه من جميع أعضاء المحكمة المخصوصة أو من ~~أكثرهم. # قال الدوق: وأي توقيع ينقصه؟ # أجاب: توقيع أمين الأختام، وتوقيع دوموريته. على أن الملك دعاهما اليوم. ألم تريهما يا ~~ماري؟ ~~- نعم، ولكنهما رفضا التوقيع على الحكم. ~~- يا لهما من شقيين! # قالت: لقد وعدا بالتوقيع غدا يا عماه. # قال: نعم وعدا، ومتى علما بحالة الملك رفضا أيضا، أواه لقد خسر هذا الشاب ~~قواه. # قال الدوق: إننا لفي غنى عن توقيعهما. # وقال الكردينال: ولكن ينقص الحكم توقيع آخر هو توقيع الملك. فهل تعرفين خط زوجك يا ~~ماري؟ وتقدرين على تقليد خطه؟ # أجابت: نعم يا عماه. # قال: إذن فاجلسي هناك، وأشار إلى مكتب، وقال: خذي هذا القلم. # قالت: فماذا أفعل؟ قال: وقعي. # قالت: أوقع ماذا؟ # أجاب: وقعي على الحكم باسم زوجك! # قالت: ولكنه حكم بالإعدام! ~~- ألم تكوني عالمة به؟ ~~- لماذا لا تدع فرنسوا يوقع عليه؟ ~~- لأنه لم تبق له قوة، فوقعي أنت! # فوقفت ماري ستوارت، وقالت: لا أفعل ذلك أبدا! # قال الكردينال: ألست كاثوليكية صادقة الإيمان؟ # أجابت: بلى، ولكنني امرأة، ولا أوقع على حكم بالإعدام. ~~- وقعي وإلا أهلكتك! ~~- أهلكني يا عماه، فلن أوقع على هذا الحكم أبدا. ~~- يا لك من ناكرة للجميل! # فدنت منه، وقالت: هل نسيت أنني الملكة؟! # ومدت يدها إلى الباب بعظمة، وقالت: أخرجا من هنا! فذهبا إلى حجرة الملكة الوالدة ~~فوجدا ترولوس ببابها يمنعهما من الدخول. فقال الدوق: إنا بحاجة إلى مقابلة ~~الملك! # أجاب: لدي أمر صريح، فلا تدخلا! # كان ذلك إلى يوم 4 ديسمبر (كانون الأول) وكانت ماري ستوارت تسهر كل ليلة قرب سرير ~~زوجها، وقد بقيت فيه بقية حياة. أما طبيبه فقد فحصه لآخر مرة، ورأى أنه يوشك أن يموت. ~~هذا وأمير كوندة ممتلئ صحة وشبابا منطرح على فراشه يعجب من تأجيل إعدامه. # فلما كان اليوم الرابع من شهر ديسمبر، قالت الملكة الوالدة لكنتها: اذهبي ~~واستريحي. # فأجابتها: لا قدرة لي على مفارقة زوجي. # قالت: بل اذهبي، فمتى شعرت بالتعب أدعوك وأستريح. # وكانت ماري ستوارت ms126 منهوكة القوى، فذهبت وهي قلقلة الخاطر، فلم تبصر عند باب كاترين ~~عميها، الدوق وأخاه الكردينال، وقد حاولا لعاشر مرة أن يدخلا على الملك ليحملاه على ~~توقيع الحكم بإعدام أمير كوندة إلا أن الملكة الوالدة لم تأذن لهما بالدخول إلا وقت ~~إغماء الملك. # وقال لها الدوق: بحقك دعينا أيتها السيدة ندخل لنرى الملك لآخر مرة! # فقالت: إن ولدي لا يستطيع أن يرى أحدا، ورجعت إلى حجرتها وقعدت في مكانها قرب سريرها، ~~وكان الطبيب يفحص العليل ويتوقع وفاته، وبعد ساعتين فتح الملك عينيه، وانتصب قاعدا على ~~سريره، وقال: أين ماري؟ أين الملكة؟ # فأجابته والدته: إنها ذهبت لتستريح يا بني. ~~- أود أن أراها وأودعها يا أماه، فاطلبي حضورها. ~~- نعم يا ولدي، ولا تتعب نفسك من غير فائدة. # قال الملك للطبيب: اذهب يا عزيزي فرنل وجئني بماري وعمي الدوق دي جيز وأخيه، فإنني أود ~~أن أراهم قبل موتي. فاذهب أنت؛ لأن والدتي لا تفعل ما أطلبه إليها. فنهض فرنل واتجه إلى ~~الباب فاستوقفته كاترين، وقالت: ما معنى هذا؟ # فأجابها: لم يبق فيه يا سيدتي إلا ذماء (بقية الروح) وبعد بضع دقائق يستوفي مدته، وهذا ~~أمر قد أنذرتك به منذ عشرين عاما، وخرج. فأخذت كاترين تروح وتجيء في الحجرة مضطربة، وقد ~~نسيت ابنها؛ لأن آل جيز مقبلون، وقد يتمكنون في تلك الساعة الأخيرة من انتزاع السلطان من ~~يدها والوصاية على ولدها، وحمل الملك على توقيع حكم بإعدام أمير كوندة. ورأت نفسها ~~وحيدة دون عضد ولا نصير، ولا قوة على أسرة جيز. # وكان ترولوس بالباب واقفا شاهرا سيفه، فذهبت إليه، وقالت: إنهم آتون، فهل ترضى بأن ~~تموت لأجلي عند الحاجة؟ # قال: تكلمي يا مولاتي. # قالت: لا تدع أحدا يدخل الغرفة حتى ولا الملكة! ولا تفتح الباب لأحد إلا بأمري. # أجاب: إني أقسم لك على الطاعة. فأوصدت كاترين الباب، وترامت جاثية، وكان ابنها ينظر ~~إليها مبهوتا، وهي عاكفة على الصلاة أو على تحريك شفتيها، وتقليب حبات سبحتها بين ~~أصابعها. # فقال الملك: لقد أتوا يا أماه! فافتحي الباب! ms127 هذه ماري آتية! وسمعت وقع خطى ~~تقترب. # فقال لها: افتحي الباب، أريد منك أن تفتحي الباب! # فلم تأت كاترين بحركة، وطرق سمعها صوت جدال في الخارج، وقائل يقول: لا يدخل أحد إلا ~~بأمر من الملكة الوالدة. # فغمغمت كاترين تقول: ألا شكرا لك يا حبيبي ترولوس. # فنهض فرنسوا الثاني لآخر مرة، ونظر إلى أمه نظرة حانق غضوب، ثم زفر زفرة حرى وارتمى ~~على فراشه، وقد قضى نحبه، ولقي ربه. فأقبلت كاترين عليه تتأمله، وتقول: لقد مات ~~حقا. # وذهبت إلى الباب وفتحته، ودخل الدوق دي جيز والكردينال وماري ستوارت وكأنهم مجانين ، ~~وكان الدوق يحمل الحكم وعليه التواقيع العديدة، وهو حكم إعدام أمير كوندة فاختطفته ~~كاترين من يده، وطرحته في النار، وصرخت تقول: لقد تأخرت يا ابن العم، فإن ملك فرنسا قد ~~مات. # قال: يا للداهية، مات ولم يوقع على الحكم! ووثبت ماري ستوارت إلى جثة زوجها، وهي تقول: ~~كلا، لم يمت فإن بدنه لا يزال حارا. عد بربك إلي يا حبيبي فرنسوا، واسمع صوتي أنا ~~ماري، أنا زوجتك التي تحبها. # ولما تحقق آل جيز موت الملك لم يحفلوا بجثته، فعادوا إلى كاترين وهم ينوون نيات فاسدة، ~~وكانت قد تظاهرت بالرقة واللطف، وحزرت ما يجول في ذهن كل من الأميرين. لكنها لم ترهبهما ~~فإن ترولوس كان قريبا منها، وللحال أقبل جمهور الأشراف وبينهم أمين الأختام ووراءه ~~أمراء البيت المالك أولهم شارل البكر. فدنا أمين الأختام من فراش الميت، وصاح بصوت ~~جهوري: مات الملك فرنسوا الثاني! فليحي شارل التاسع! # وكان شارل التاسع يومئذ غلاما، فوقف ونظر إلى مربيته، وردد الحضور الهتاف فكانوا ~~ينادون: ليحي الملك شارل التاسع! ~~••• # وكان أمير كوندة وقتئذ في سجنه، والحراس يحدقون به وهو نائم ملء جفونه. # الفصل الرابع والعشرون # | جثة فرنسوا الثاني # وفيما كانت ماري ستوارت - أرملة الملك فرنسوا الثاني - تبكي أحر بكاء قرب جثة زوجها، ~~قصد آل جيز حجرة الملك المتوفى، وفتحا خزانته بالمفتاح الذي تسلماه من ماري ستوارت، ~~وأخذا منها ثلاثين ألف دينار. ثم رجعا إلى منزلهما، ولحق ms128 بهما بعض القواد والأشراف من ~~أنصارهما وكل منهم يقول: ماذا نصنع؟ وأي مصير يكون مصيرنا؟ فأجابهم الدوق: صبرا ولا ~~تقلقوا فإن مدة الصبر لا تطول، وقد آلت السلطة إلى الملكة الوالدة، ولسوف نعرف نياتها في ~~وقت قريب. # وقد انتشر خبر وفاة الملك فرنسوا الثاني في المدينة، فاطمأنت قلوب البروتستانتيين، ~~وقل تعدي الكاثوليكيين عليهم. # ولم يكن جاليو مكترثا لمشاجرات أبناء الطائفتين، وإنما انصرف ذهنه إلى التفكر في أمير ~~كوندة، وكان موت الملك سببا في تأجيل إنفاذ الحكم عليه، فجعل جاليو يقول في نفسه: هل ~~يطلق سراحه؟ وتجرأ جاليو على دخول القصر بعد أن ارتدى أفخر ملابسه، وقال: لا حاجة بي إلى ~~التنكر بعد اليوم! # وتقلد غدارتين وسيفه الطويل الذي جرح به جنليس وبرداليان، ودخل القصر فألفى الأشراف في ~~اضطراب عام. فقال لجنليس - وهو من رجال الدوق، كما يذكر القراء: هل لك في أن تخبرني عن ~~أمر؟ قال: ما هو؟ قال: إلى من تئول الوصاية على الملك؟ فنظر إليه جنليس مدهوشا، ولم يكن ~~يعرفه، وقال: لست أدري! ~~- وماذا عسى يفعل الدوق دي جيز؟ ~~- لست أدري. ~~- ومتى يحتفل بدفن الملك المتوفى؟ # فأجاب جنليس: وهل لهذا الأمر من شأن؟! # ثم لقي جاليو رجلا آخر من رجال آل جيز، هو حاكم أورليان - وهو من نظم فيه تلك الأبيات ~~التي ترجمناها في فصل سابق - فقال له: عفوا أيها الحاكم، إني قادم من أقصى الولايات، ~~وأود أن أعرف متى يدفن الملك فرنسوا. # فرشقه الحاكم بنظرة حائرة، وقال: سيدفن عندما يراد دفنه، وليس هذا الأمر بالشاغل الذي ~~يشغلني الآن. ~~- إذن فأي شاغل لديك؟ ~~- من أنت يا هذا؟ ~~- من رجال الدوق دي جيز. ~~- إذن فكن مستعدا. ~~- لأي شيء؟ ~~- للدفاع عن الدوق. ~~- وهل من يتجرأ عليه الآن؟ ~~- بلا شك. ~~- ومن يقدم؟ ~~- الملكة الوالدة أو ملك النافار، لست أدري. ~~- أشكر لك هذا البيان، وها أنا ذاهب كي ألازم الدوق. # ودخل جاليو رواق القصر فصادف اثنين يتكلمان. قال أحدهما: إن الخطب جلل، وقال الآخر: ~~وإنه لرزء جسيم. # فقال جاليو في نفسه: هذان ms129 رجلان يفكران في الملك حقا! # إلا أنه رجع عن رأيه عندما سمع تتمة المحادثة؛ إذ قال أحدهما: يظهر أن الحكم لم يوقع ~~عليه من الملك قبل وفاته. فأجابه الآخر: يا لله ما أفظع هذا الإهمال. قال أحدهما: إذن ~~فلا يمكن إنفاذ الإعدام. ~~- لو تم إعدام أمير كوندة لكان المشهد نادرة حسنة. ~~- ولكنا حصلنا على نفع جزيل. ~~- نعم، ولكننا لسنا من أهل التوفيق. # فقال الآخر: لقد ساءت حرفتنا. # فتأمل جاليو المتكلم فإذا هو الجلاد، فقال له: هل لك يا سيدي في حاجة لي؟ قال: ماذا ~~تروم؟ فأجاب: أين جثة الملك ؟ أجاب: لا أدري. قال: متى يدفن؟ أجاب: هذا أمر لا يعنيني ~~أنا! # وهكذا كان جاليو يتخطى الجماعات حتى لقي المحامي أفنيل - زوج مرسلين - وقد عرفه ~~المحامي؛ لأنه صرف بأسنانه لما رآه، فقال له جاليو: لقد سرني لقاؤك يا سيدي. فأجابه: ~~وإني لكذلك. ~~- إني حديث العهد بهذا البلاط، وأود أن أعرف أمرا. ~~- ما هو؟ ~~- متى يدفن الملك؟ ~~- هذا سؤال لا شأن لي به، وأي غرض للناس في جثة لا روح فيها. ~~- إذن ما غرض الناس من المجيء إلى هنا؟ ~~- البث ها هنا وسوف تدري. فإن الملكة الوالدة دعت جميع خدم ابنها القدماء. ~~- شكرا لك، وكيف حال السيدة مرسلين؟ ~~- إنها سيدة محترمة بريئة من كل عيب. فانحنى جاليو أمامه، واستمر في طريقه وهو يقول ~~في نفسه: لا بد لي من أن أرى الذين حول جثة الملك الآن قبل أن ألقى أمير كوندة. # وكانوا قد نقلوا فرنسوا الثاني إلى حجرته، ووضعوه على سريره، وكان عند طرف السرير أربع ~~شمعات وامرأة تبكي، والتشويش سائد على الحجرة، وبعض الخزائن مفتوحة فارغة والأوراق ~~مبعثرة، والملابس مطروحة على الأرض، وليس هناك حارس ولا خفير، وليس في الحجرة إلا زوجة ~~الملك - ماري ستوارت ملكة فرنسا وإيكوسيا - تبكي وحدها على جثة زوجها. # ومعلوم أن جاليو لم يكن يحب فرنسوا الثاني، لكنه لم يتمالك أن وقف خاشعا أمام الباب، ~~وفيما هو كذلك دخل رجلان يتبعهما شيخ أعمى، هو الأسقف دي سنليك، ms130 أما الرجلان فكانا من ~~الحكام، فجثوا قرب الجثة، ونظرت إليهم ماري ستوارت نظرة شكر وامتنان. # فنزل جاليو إلى الرواق الذي اجتمع فيه رجال البلاط، وهناك علم أن الملكة الوالدة عزمت ~~على استدعاء أمير كوندة لتطلق سراحه، وإذا بالملكة الوالدة قد أقبلت يصحبها ملك النافار ~~والمسيو مونمورانسي وأمين الأختام، وطلبت أن يقف في حضرتها جميع أصدقاء الملك القدماء، ~~ثم وقع بصرها على جاليو، وكان واقفا وقفة كبرياء قرب إحدى النوافذ، فقالت لترولوس: أليس ~~هذا الشاب صديقك؟ فقل له أن يأتي إلى هنا. # فدنا جاليو من الملكة وجثا أمامها، فقالت له : اذهب يا مسيو دي نرساك، وخذ فرقة من حملة ~~البنادق، وكن نائبا عنا في مخاطبة سيدك الأمير، وقل له: إننا أعدنا إليه حريته ~~الشخصية. # وظن جاليو أنه يرى حلما، إلا أنه ظل رابط الجأش، فنهض واتجه إلى محبس الأمير، وفيما ~~كان يقوم بتلك المهمة أقبل آل جيز وأصدقاؤهم، وكانوا جمهورا غفيرا فمثلوا بحضرة ~~كاترين. فلما تحقق الدوق أن جميع رجاله حضروا الاجتماع التفت إلى الملكة، وقال لها: لقد ~~طلبت حضورنا أيتها السيدة؛ لأننا من أصدقاء الملك المتوفى، وها قد أتينا نحن وأصدقاؤنا، ~~وننتظر صدور الأوامر! # فأجابته كاترين بعظمة تقول: إن اجتماع أعضاء أسرتنا لم يتم بعد، قال: وكيف ~~ذلك؟ # قالت: لقد بعثت رسولا إلى الأمير، فلا يلبث حتى يأتي. # وإذ ذاك رجع جاليو، فاصفر وجه كاترين لما رأته منفردا، ولم تتمالك أن صاحت تقول: ~~عجبا لك يا مسيو دي نرساك! كيف عدت وحدك؟ فأجابها: وا أسفاه! # قالت: ألم تقل للأمير؟ # أجاب: بل قلت له إنك تعيدين إليه حريته الشخصية. فعهد إلي بنقل كلماته إليك، قال: «إن ~~امتنانه عظيم جدا، ولكنه يستحيل عليه أن يخرج من سجنه مغادرا فيه شرفه؛ لأن حريته ~~الشخصية تكون في هذه الحالة مسبة له وعارا، وإنما ينبغي أن ينالها باشتهار براءته ~~ومعاقبة الذين اتهموه كذبا.» # وهنا تبسم جاليو، وكان استياء الكل عظيما، ولقد ظنت كاترين أن قبضها على السلطان ~~يخولها السيادة، ولم يخطر في بالها أن سجينا ms131 واحدا قد يأمرها وهو في غيابة السجن. أما ~~آل جيز فظنوا أن الأمير يغبط نفسه إذا خرج من محبسه سالما، وتكفيه سلامته بعد أن كاد ~~ينفذ فيه حكم الإعدام. أما سائر رجال الأمير والأشراف فكانوا يأملون أن يقع صلح عام، وهم ~~قد أشاروا على كاترين بعقد ذلك الصلح. # وبقي جاليو دون سواه منشرح الصدر بحمله إلى البلاط تلك الكلمات التي تدل على عظمة ~~وخيلاء، ورأته مرسلين فأعجبت بمحاسنه في ذلك اليوم، ولم توافق زوجها أفنيل حين قال عن ~~جاليو: «ما هذه الوقاحة؟ فإن هذا الوصيف يصلح لذلك المولى الشيطاني .» # ولما زال انذهال القوم وقف المسيو مونمورانسي وقال لجاليو: إن الأمير على خطأ، فامض وقل ~~له: إن الإفراج عنه دليل كاف على براءة ساحته التي سيتضح ظهورها بخروجه من سجنه. فقالت ~~كاترين: على أن الأمير ليس الآن بسجين، والجند الذين يحدقون بمحبسه الأول، هم الآن حراس ~~له يأمرهم وينهاهم كما يشاء. # فأجابها جاليو: مولاتي، إن عزيمة الأمير ثابتة، وهو يدري أنه ليس بسجين، ويدري كذلك أنه ~~لا يوجد اليوم في البلاط من يتجرأ عليه، وأنه قادر على المجيء إليه لينزل منه في منزلته ~~التي لم يغادرها إلا بدسائس الماكرين. لكنه يعتبر نفسه سجينا إلى يوم يعلن مجلس النواب ~~براءة ساحته. فقد اتهم علانية، وحكم عليه علانية، ونصبت المشنقة لإعدامه (وهنا تبسم ~~جاليو)؛ ولذلك لا يرى بدا من إعلان براءة ساحته للجمهور. # وانحنى أمام الملكة، ثم تراجع، واتفق أنه وصل إلى قرب المحامي أفنيل وزوجته مرسلين ~~أثناء رجوعه، ولم يعر المحامي التفاته إليه؛ لأنه كان منصرف الذهن إلى الشئون الهامة ~~التي تجري أمامه. فلم يحفل بوصيف الأمير كوندة. فأخفت كاترين استياءها من إباء الأمير، ~~واستمرت على إنجاز الخطة التي رسمتها في ذهنها من زمن طويل، فقالت: بالنظر إلى قصور ~~ولدنا المحبوب شارل وعجزه عن التصرف الشرعي، نرى من موجبات الشرف ألا نلقي مقاليد ~~السلطة إلى أحد سوانا، ولكننا نروم الاستناد إلى مساعدة أقربائنا، وخصوصا الخدم الأمناء ~~للأسرة المالكة. فانحنى الأشراف أمامها. # وقالت ms132 أيضا: ولقد رأينا أن نحدث شيئا من التبديل في المناصب برغم حسن اختيار فقيدنا ~~العزيز فرنسوا. فنحن نرجو من أصحاب المناصب أن يقدموا إلينا مناصبهم لنرى فيها رأينا ~~ونقرها في مواضعها. فقد حاول أعداء أسرتنا الملكية أن يحدثوا شقاقا بيننا، بتحريض ابن ~~عمنا ملك النافار على طلب الوصاية، فأبى ملك النافار بحركة تدل على أنه لا يريد ~~ذلك. # ثم قالت: إلا أن ابن عمنا نسيب كريم، ومن الرعايا الذين يذهبون إلى مساعدتنا بكل قواهم. ~~على أننا ندعو الآن كل من يروم معرفة أوامر الحكومة إلى طلب هذه الأوامر منا ، وبعد ذلك ~~نهضت كاترين وغادرت القاعة، ودخلت مخدعها مصحوبة بملك النافار، وقالت له: لقد أساء أخوك ~~كثيرا في تمثيل هذه الرواية الشائنة. # قال: إني آسف يا سيدتي. # قالت: لسنا نجهل ذلك، ولكن كيف يأبى المجيء للانضمام إلينا؟ # قال: سوف نجيء به إليك أيتها السيدة، فلا تنسي. # قالت: أنسى ماذا؟ أجاب: وعدك لي. # قالت: بل سوف تحصل على النيابة العامة للمملكة، ولا أخلف وعدي، والمهم لدينا الآن أن ~~لا نصغي إلى آراء آل جيز، وانقضت أيام على مفاوضات ودسائس، وكانت الملكة الوالدة تدعو ~~إليها الدوق دي جيز في كل يوم، بل في كل ساعة، وفي كل مرة تلفح بانتزاع منصب منه، أو ~~لقب، أو وظيفة، ولقد هم ذلك الجندي الجريء بأن يتولى قيادة رجاله ويقاوم الملكة ~~الوالدة إلا أنه أحس بأن قواه تنفد سريعا، فلم يجد بدا من الانقياد إلى كاترين، ~~وكان ملك النافار فرحا بالوعود التي أجزلتها له تلك المرأة الإيطالية، وما برحت ترددها ~~له كلما سنحت الفرصة دون أن تنجز واحدا منها. هذا وأمير كوندة يلقى الإكرام من أولئك ~~الجنود الذين حوله، لكنه ما زال يظهر أنه سجين. # وعالجت الملكة الوالدة صلحا بين ملك النافار والدوق دي جيز، فاستعانت عليه بعشيقة ~~للدوق حتى تعاهدا على الولاء أمامها، وأقسم كل منهما على حفظ عهد ذلك الولاء دائما ~~أبدا. # وكان أول عمل عملته أنها أفرجت عن صديقها الفيكونت دي شارتر، وكان هذا ms133 الشاب مشتهرا ~~بحسن صورته إلا أن سجنه في الباستيل أودى بصحته فلم يكد يقوى على مبارحة سجنه والسفر إلى ~~قصره فمات بعد زمن قصير. # ثم شعرت كاترين باتساع نطاق سلطتها، فلم تتردد في إرسال الكاردينال شارل دي لورين شقيق ~~الدوق دي جيز إلى ديره. # وأجابها الكردينال يومئذ قائلا: هل تجدينني مضايقا لك في غرامك الجديد؟ إذن فليحذر ~~ذلك الخليل الذي جئت به من الأزقة. # فقالت: حاذر أيها الكردينال أن أطيل مدة نفيك وإبعادك. # وهكذا غادرته يرجو ويأمل قربها، وكأنها وعدته بقرب إيابه إلى البلاط، فسافر ومعه من ~~يلوذ به ، وفي اليوم التالي أقبل جاليو على أمير كوندة وهو مكتئب مغموم، فقال له الأمير: ~~ماذا دهاك يا عزيزي جاليو، فإن لك هيئة المشنوق؟ ~~- وا أسفاه، إن فؤادي قد ذهب. # قال الأمير: كيف مرسلين؟ ~~- إنها سافرت مع زوجها المحامي في جملة من سافروا مع الكردينال. ~~- وهل سافر الكردينال؟ ~~- نعم، فقد ارتحل عن أورليان ليلا بأمر الملكة كاترين. # فأطرق الأمير يفكر، ثم قال لأحد رجاله: ما رأيك في هذا السفر؟ ~~- أرى أن الفساد يسرع إلينا ونحن قعود، فقد آن لك أن تهتم بقضيتك، وترفعها بنفسك إلى ~~مجلس النواب. ~~- وهذا رأيي أيضا فلنتأهب للسفر، وما دام جاليو قد قطع من كل علاقة غرامية في أورليان ~~فهو يصحبنا أيضا. # أجاب جاليو: بلا شك يا مولاي، وسافروا في اليوم التالي، وفيما هم مارون بالكنيسة ~~الكبرى أبصروا بعض القسيسين وخمسة أو ستة من المصلين، فقال جاليو متشائما: ما كنت أود ~~أن أرى مشهد جنازة يوم رحيلنا. # فأجابه الأمير: إنها جنازة ميت من عامة الناس، ولكن ما لي أرى أسقف «سنليس»؟ # فقال جاليو: هو الرجل الوحيد الذي رأيته قرب سرير الملك فرنسوا، واختلط بعض الجند ~~بالقسيسين، وكان أربعة منهم يحملون نعش الميت، ومروا بأمير كوندة وحاشيته، وسمع الأمير ~~قسيسا يقول: صلوا لأجل الملك التقي فرنسوا دي فالوي الملك الثاني المدعو بهذا ~~الاسم! # فكشف كوندة وأصدقاؤه رءوسهم وجثوا في ذلك الموقف، وقد أثر فيهم ما رأوا من الإهمال في ms134 ~~ذلك المشهد، ولم يسر في جنازة فرنسوا الثاني أحد من حاشيته، ولا شيعه إلى المدفن أحد ~~من أنسبائه، بل حمل جثته القسيسون وبضعة من الجند، وسار في مشهده أسقف أعمى واثنان من ~~معاونيه. # فقال جاليو: إلى أين تسيرون بالملك؟ # فأجابه قسيس: إلى مقبرة سن دنيس، وفيها مدافن الملوك، إلا أن قلبه بقي ها هنا في ضريح ~~من رخام في وسط الكنيسة. # فدخل الكنيسة أمير كوندة وجاليو، وسجدوا قرب تلك البقية الباقية من عدوهما القديم، ولم ~~يكن هناك لا حارس ولا قسيس. # الفصل الخامس والعشرون # | سياسة الملكة الوالدة # كان قصر «فونتنبلو» في أوائل شهر أغسطس (آب) سنة 1561 حافلا بالأشراف والسيدات، وقد ~~اختلط فيه الكاثوليكيون والبروتستانتيون. والملكة كاترين ما برحت تحب المجتمعات ~~السارة، وقد لبس الرجال أفخر ملابسهم، وتزينت النساء بأبهى الزينات، وكان ذلك الزمن ~~زمن المجادلات الدينية والأدبية، والوعاظ منتشرون في كل مكان، وأبناء المذهب الكاثوليكي ~~يتهمون كاترين بإخلاصها للمذهب الجديد (البروتستانتي). # ولم يكن في ذلك القصر من ذاكر للملك فرنسوا الثاني إلا زوجته ماري ستوارت، وكان ~~الكردينال قد أتى بها إلى فونتنبلو غير مشفق على نفسه من سخط الملكة الوالدة. # ولعل ماري ستوارت لم تحب من زوجها إلا المجد والسلطة، فلما ساروا به إلى الضريح ~~منعوها من تشييع جثته، فأحست منذ خروج النعش بذهاب أمانيها وسقوط دولتها، وكانت كاترين ~~دي مدسيس تكرهها، ولا ترى فيها إلا أنها المرأة التي سلبت منها ولدها، وانتزعت كذلك ~~نفوذها عليه، ولقد رأت قبلا من كبريائها ما لا يسعها الصفح عنه، وذكرت أن ماري ستوارت ~~هذه عنفتها ذات يوم بأنها ليست بذات نسب كريم، فعقدت النية على إبعادها إلى إنكلترة. ~~أما آل دي جيز فذكروا لتلك الأرملة المسكينة معارضتها إياهم يوم طلبوا منها التوقيع على ~~حكم الإعدام باسم زوجها، وامتنعت ذلك الامتناع الذي يدل على شهامتها، فكان الدوق يقول ~~لها أحيانا كثيرة: إن الملكة الوالدة هي اليوم صاحبة الحول والطول، ولا تحبك فماذا يحدث ~~لك إذا أصرت على البقاء في فرنسا. إن أنت إلا ms135 أرملة صبية لا نفوذ لها ولا شأن، على أن ~~لك عرشا في إيكوسيا # 1 # في وسعك أن تتبوئيه! # فلم تجب ماري، وهي تعرف جبال مملكة إيكوسيا (اسكتلندا)، ولا ترى وجها للشبه بينها ~~وبين سهول فرنسا الجميلة وجبالها البهيجة، وكان الاسكتلنديون شعبا خشنا يكاد يكون ~~همجيا، ولا يمكن أن يقاس بالشعب الفرنساوي، فكانت تقول: ويلاه! من يبدل دينارا ~~بدرهم؟ فلا أسافر الآن. # ولما نقل جوابها إلى الملكة الوالدة قطبت وجهها، وقالت: كفاني من عندي من الفتيات ~~الجميلات في حاشيتي، فلا حاجة بي إلى أرملة ابني، إن ثيابها السوداء كالوصمة في ~~بلاطي. # وبعد اللتيا والتي ضربت موعدا لسفرها هو يوم 16 أغسطس (آب)، وفي 15 منه أمرت كاترين ~~بإقامة حفلة باهرة إكراما لماري، وكانت ماري في ذلك المساء مكتئبة مغمومة لا تكاد تجيب ~~على كلمات التودد التي يخاطبها بها ظرفاء البلاط. ثم ما لبثت أن دخلت الرواق حينما كانت ~~كاترين وحولها المعجبون بها، وكان الدوق دي جيز إلى جانب الملكة الوالدة ينظر بقلق إلى ~~حركة الإعجاب التي تدور حول الملكة الصبية. # وإذا بغلام لا يتجاوز العشرة من سنيه قد تخطى الصفوف، وأقبل على ماري فأمسك بيديها ~~الاثنتين، ونظر إليها نظرة مبهمة، وكان ذلك الغلام «شارل دي فالوي» ملك فرنسا باسم شارل ~~التاسع، وبعد أن تأمل كنته وقتا طويلا، قال لها: لقد أكدوا لي أنك عازمة على الرحيل عن ~~فرنسا، وهذا الخبر غير صحيح، أليس كذلك؟ إنني لا أريد سفرك. # فارتعدت ماري أملا، وقالت: وا أسفاه! لا بد من سفري أيها الملك، ولو عملت برغبة ~~فؤادي لبقيت ها هنا، ولكن ظروفي وأسرتي يوجبان علي الرحيل، وهنا ترددت وكادت تبكي، ~~فنظر الملك الفتى إليها متعجبا، وقال: من ذا يكرهك على السفر، ألست الملكة؟ # فتبادرت الدموع إلى وجنتيها، وأجابت: كلا، كيف أكون الملكة وأنت الملك؟ # قال: أريد أن تلبثي ها هنا فلا تسافري. # فقالت كاترين للمربية: خذي هذا الصبي، لماذا تركته يجيء إلى هنا؟ # فأجابها الغلام: أنا أردت المجيء إلى هنا لأقبل الملكة، فإن حسنها ms136 عجيب! # فعطفت ماري ستوارت على الغلام، فقبلها بلهفة، وقال لها: عديني بألا تسافري حتى أراك ~~غدا! # قالت: نعم غدا. # ولم تتمكن من التلفظ بكلمة أيضا؛ لأن انعطاف شارل عليها قد أثر فيها تأثيرا عميقا، ~~فرفعت كاترين ابنها ودفعته إلى مربيته، ثم عادت إلى قرب الدوق دي جيز، وقالت له بلهجة ~~خشنة: لقد آن لماري أن تسافر! # فأجابها: نعم أيتها السيدة. # ثم دعت كاترين ترولوس، وقالت له: أنت تعرف حاشية ملكة النافار، فاستعلم عما إذا كان قد ~~طرأ طارئ جديد بينها وبين زوجها، وذلك لأن كاترين سمعت إشاعة عن ملك النافار مؤداها أنه ~~ارتد عن مذهب كلفين إلى المذهب الكاثوليكي. فما لبث أن رجع إليها ترولوس بالخبر ~~اليقين، قال لها: إن أحد القسس البروتستانتيين زار ملك النافار اليوم كعادته، فامتنع عن ~~مقابلته، ودخل على زوجته من غير إنباء سابق بدخوله، وعنفها على تشبثها بمذهب ~~البروتستانت، وأشار عليها بترك مذهبها، ولما جاوبته بخشونة احتدم وصاح في وجهها قائلا: ~~ما أنت أهلا لأن تكوني زوجة أمير من آل بوربون، ولقد أتيت حماقة فظيعة يوم خطر لي ~~الاقتران بك! ثم تركها وهو يقول: من حسن الحظ أن اقتراننا ذاك لا يدوم أبدا! # وكانت كاترين قد لاحظت ملك النافار فرأته يقترب إلى ماري ستوارت ويحدثها همسا، ففهمت ~~مغزى ذلك الهمس، وكذلك تنبه الدوق دي جيز إليه إلا أنه لم يفهم المراد من تلك المجاملة، ~~فقالت له كاترين: لا جرم أن ماري تروم الاستيلاء على القلوب التي تميل إلينا. قال: ما ~~معنى هذا الكلام؟ قالت: إنها تتودد إلى ملك النافار كما كانت تتودد إلى زوجها، وعلمت ~~بالأمس أن دامفيل قضى سحابة نهاره عندها. # قال الدوق: أتعنين دامفيل ابن مونمورانسي؟ ~~- نعم، ولقد حدثتني بهذه الزيارة الآنسة دي موفال فقد سمعت ماري تقول: لئن ماتت زوجة ~~دامفيل فإنني أتخذه بعلا. ~~- هذه وشاية كاذبة. # أجابت كاترين: لعلها اليوم وشاية، لكنها غدا تغدو فضيحة، فلا ينبغي أن نفسح لها ~~مجالا، ولما انتصف الليل أقبل الدوق دي جيز على ماري ستوارت، ms137 وقال: هيا بنا ~~نسافر. # فأجابته: لا أسافر الليلة، ولكن بعد بضعة أيام! # قال: لقد أعددنا الأهبة للسفر، وهؤلاء سفراء مملكتك ينتظرونك في «ليث»، فمتى خرجت من ~~المرقص فالبسي معطف السفر فنرتحل عن فونتنبلو قبل طلوع النهار، وانتشر خبر سفر ماري، ~~ولما صعدت إلى مركبة السفر تألف حولها جمهور زاهر من أهل البلاط ليشيعها، فظلت تتوهم ~~أنها ملكة حتى الدقيقة الأخيرة، وكان الدوق دي جيز إلى جانبها، وكثيرون من الأشراف قد ~~أحدقوا بها، ورام بعضهم ألا يفارقها إلا بعد وصولها إلى اسكتلندا. فذرفت عيناها دمع ~~الأسى والأسف، وأراد ملك النافار لحاقا بالأصدقاء الذين شيعوا تلك الملكة الراحلة، إلا ~~أن الملكة الوالدة نادته بحجة أن له شغلا عندها بشئون المملكة. فلما انتهى لجب القوم ~~المسافرين، وابتعدوا تنهدت كاترين كمن استراح من تعب، وقالت: الآن صرت ملكة فرنسا! أما ~~الدوق دي جيز فرجع وهو يقول: لا بد من استئناف النضال، وها أنا وأنت يا كاترين، وسنرى ~~من يفوز! ~~••• # ولما انعقد مجلس الحكام لم يظهر الدوق في البلاط إلا نادرا، واقتدى به مونمورانسي ~~والماريشال سن أندرة، وحضر المجلس الكردينال دي لورين وملك النافار فأبصروا بأعينهما ~~كيف تقلص ظل نفوذهما. ثم انفض المجلس دون أن تظهر نتيجة لأعماله. # وفي اليوم التالي كانت كاترين في مكتبها تطالع كتابا مجلدا تجليدا نفيسا، فامتنعت ~~عن المطالعة هنيهة لتلخص سياستها، وقالت: إن أمير كوندة عدو للدوق دي جيز، فهو ينصب له ~~الأشراك، وملك النافار عدو للكردينال أخي الدوق، ومونمورانسي خصم لسن أندرة، وهذا عداء ~~يفرق بين الجميع ويسلطني عليهم، والفضل في ذلك يعود إلى مواطني واضع هذا الكتاب. # ونظرت في كتابها، وقالت: ما أجمل هذا الفصل، وكان عنوان ذلك الفصل «أقسم لتملك» واسم ~~مؤلف الكتاب «ماشيافل». # 2 # على أن كاترين فاتها أمر واحد وهو أن هؤلاء الكبار المتعادين قد أدركوا مرامها؛ لأن ~~الماريشال سن أندري والدوق دي مونمورانسي تلقوا في ذلك المساء رسالة من الدوقة دي ~~فالانتينو (وكانت هذه المرأة ذات نفوذ على الأميرين)، وإليك نص الرسالة: # اذهب عند ms138 منتصف هذه الليلة إلى قصر اللوفر دون أن تدع أحدا يعرف من أنت. ~~فهناك صديق مخلص ينتظر وصولك. فاصعد إلى الطبقة الثانية، واضرب الباب الوحيد ~~الذي ترى تحته نورا، أما كلمة المرور فهي: فرنسا ولورين. # ديانا دي فالانتينو # فذهبا في الوقت المعين دون تردد، فكانا في منتصف الليل عند باب واحد، فعرف كل منهما ~~الآخر. فقال الماريشال: ما جاء بك إلى هنا يا مسيو دي مونمورانسي؟ فأجابه: وأنت أي أمر ~~ساقك إلى اللوفر؟ ثم نظر كل منهما إلى الباب، وقالا معا: هذا باب حجرة الدوق دي ~~جيز. # وقال الاثنان معا: إنه عدوي الألد، وعندئذ انفتح الباب، وظهر الدوق يحمل مصباحا، ~~فقال لهما: ادخلا أيها السيدان، فإن مدام ديانا كتبت إليكما عن هذا الموعد بعد أن طلبت ~~منها الكتابة إليكما. فبهت الرجلان، إلا أنهما دخلا حجرة الدوق، فقدم إليهما كرسيين ~~وجلسوا إلى مكتب عليه ورقة كبيرة بقربها دواة وأقلام وأختام. # فقال مونمورانسي: ألا توضح لنا معنى هذه الدعوة؟ # قال الدوق: ألا يدهشك قدومك إلي؟ ~~- إني متعجب من أمرين: أحدهما اجتماعي بك؛ لأنك كنت على الدوام عدوي، والآخر أنني ألقاك ~~في هذا القصر بدلا من أن تكون في قصر آل جيز. ~~- لو كنا في قصر آل جيز لراقبتنا العيون، أما في هذا القصر فما من أحد يظن أن ثلاثة ~~رجال مثلنا يدخلونه من غير حاشية، ولو كنا في غير هذا الوقت لما صلح قصر اللوفر ~~لاجتماعنا، أما اليوم فهو خير ملجأ لنا لغياب كاترين. # قال مونمورانسي: وهل أتينا إلى هنا للقيام بمؤامرة؟ # أجاب الدوق: كلا يا سيدي، ولكن للدفاع عن أنفسنا، وما فرق بيننا إلا مصالح زهيدة جدا، ~~ولذلك أردت أن أصافحكما معترفا بخطئي، وإني أقدم ولاية (دمارتين) ضمانة على صدق كلامي ~~وعربونا لصداقتي. ومد يده إلى مونمورانسي فصافحه من غير اهتمام، منتظرا إتمام ~~المحادثة. فقال الدوق: لا بد من تناسي أحقادنا، ثم الاهتمام باتحادنا لمقاومة الخطر ~~المحدق بنا ومصدره امرأة. # فقال الرجلان معا: كاترين؟ ~~- نعم، كاترين التي تناولت مقاليد السلطة من ms139 غير حق، وعبثت بحقوقنا وبالقوانين ~~الفرنساوية، وشريعة الإفرنج تمنع النساء من التملك، بل تمنعهن من الوصاية، ولئن لم تتخذ ~~كاترين لقب «الوصية» لاعتراض مجلس الحكام، فقد قبضت على السلطة، وإرادتها أصبحت مطلقة، ~~وأشركت فيها ملك النافار، وهو غبي مغفل، وأمين الأختام، وهو شيخ تولاه الخرف، ~~والأميرال كوليني، وهو بروتستانتي المذهب، فذلك لا يمكن دوامه. # قال الأميرال سن أندرة: نعم ذلك لا يمكن دوامه. # وقال الدوق: ولم تكتف كاترين بذلك كله، بل أعلنت أنها عازمة على مقاومة خدم الملك ~~المتوفى وهنري الثاني، وأسماء هؤلاء الخدم مونمورانسي، وسن أندرة، ولورين. # قال الماريشال: إن هذه الإيطالية تستوجب أن يعلق حجر في عنقها وتطرح في السين. # فقال الدوق دي جيز: لا ينبغي أن ننسى أن عدوتنا امرأة، وحسبنا أن نجعلها في دير بعيد. ~~أما قتلها فلا يليق بنا، ولا سبيل إلى الظفر بهذه المرأة إلا إذا اتحدنا اتحادا ~~ثابتا، وتعاهدنا على التعاون بجميع الوسائل. # قال الماريشال: إني أسير معك في هذا الطريق أيها الدوق، وتردد مونمورانسي شيئا؛ لأن ~~وفاءه القديم للبيت المالك كان حائلا دون موافقته على ذلك الاقتراح، لكنه ذكر أن هذه ~~المرأة تروم أن تعامل كبار الدولة كما تعامل وصائفها. # فقال الدوق: ألا تقبل يا مسيو مونمورانسي بما قبلنا به؟ # فأجاب: بل قبلت ورضيت. # فانثنى الدوق إلى الأميرال، وقال له: أتروم أن نكتب اتفاقنا على ورق ونوقع عليه؟ # فأجابه الأميرال مرتبكا، قال: بل الكلام يكفي. # وقال الدوق: الكتابة أفضل. ~~- إنني لا أحسن الكتابة إلا قليلا فاكتب الاتفاق أنت. ~~- إن خطي لا يقرأ. # فقال مونمورانسي: أما أنا فلا أجيد كتابة شيء. # وقال الدوق: هنا ثلاثة أختام لمونمورانسي، وسن أندري، ودي جيز، قد اصطنعها أخي ~~الكردينال، ولكن ما لنا ولها فنحن أشراف والقسم يكفي بيننا. ثم جرد سيفه ووضعه على ~~المكتب، وقال: إنا نقسم بأسيافنا على أننا نتحد ضد الملكة كاترين، ونتعاون عليها ~~تعاون صدق وأمانة في كل عمل نباشره. فجرد سن أندره ومونمورانسي سيفيهما، وقالا: إنا ~~نقسم على ذلك. # الفصل السادس والعشرون # | جاليو ms140 # في أوائل سنة 1662 كانت كاترين ظافرة بخصومها. فذهب مونمورانسي إلى شانتيلي، وبقي ~~الماريشال سن أندره في باريس، أما آل جيز فارتحلوا عن البلاط، وقالوا إنهم يفضلون ~~الابتعاد عنه ما دامت كلمة النافار أعلى من كلمتهم، وما دامت الملكة قد انتزعت السلطة من ~~أيديهم، وسلمتها إلى ملك النافار والأميرال دي كوليني وغيرهما، ولما رأت كاترين أنها لا ~~يستتب لها الملك إلا بالانضمام إلى حزب أو طائفة، عمدت إلى كبار أبناء طائفة البروتستانت ~~فاتخذت قوتهم سندا لها ليدافعوا عنها وقت حلول الاضطرابات، وكاترين هي التي ذبحتهم بعد ~~ذلك ذبح الأغنام كما سترى، ولقد أحسنت معاملتهم وقتئذ وبوأتهم صدور المجالس. # ومن سوء حظ الملكة الوالدة أن سياستها لم تخل من موضع وهن ونقطة ضعف، فإنها قبضت على ~~السلطة، وأشركت فيها ملك النافار وهي غيرى منه، ولما آنس هذا الملك شيئا من القوة ندم ~~على تخليه قبلا عن الوصاية وهي حق شرعي له، وكان يزعجه تحكم الملكة وأعوانها، ومعظمهم ~~بروتستانتيون. فهمس الهامسون في أذنه يقولون له: إن السلطة بين يدي غلام. فإن الأخ ~~البكر قد مات لضعف دمه، وربما كان أخواه مثله لاحقين به، ويومئذ من يكون الوارث غيرك؟ ~~أنت أول أمير من الدم الملكي، غير أن فرنسا لا تطيق أن يجلس على عرشها رجل بروتستانتي، ~~وهكذا تضمحل خلافة آل فالوي، وتبدل بغيرها، والله أعلم بمن. # ثم كانوا يهمسون في أذنه كلمات عن ماري ستوارت، وهم يعلمون أن لجمالها وقعا عنده، ~~فحسنوا له الاقتران بها قبل أن تقترن بغيره، هذا إذا اعتنق المذهب الكاثوليكي علانية، ~~وماري ستوارت ملكة اسكتلندا، ولا يبعد أن تغدو ملكة إنكلترة. # إلا أن ملك النافار ظل مترددا إلى أن قرأ يوما إعلانا كأنه صادر من البروتستانتيين ~~(وقد ظهر تزويره نكاية بهم) وهم يهزءون به، ويتغزلون فيه بجمال ماري ستوارت. فهمهم ~~ودمدم، وقال: سوف يرى البروتستانتيون الملاعين كيف أغيظهم وأسحقهم. # ولما عاد عند المساء إلى فونتنبلو أعلن للجميع أنه اعتنق المذهب الكاثوليكي وطلب من ~~زوجته الاقتداء به. فرفضت وامتنعت، فأمرها ms141 بالسفر إلى غاسقونيا. وأما كاترين فأثر فيها ~~النبأ، وفكرت في التدابير التي تتخذها لمعارضة أماني ابن عمها. # ولما انعقد مجلس الحكام طرحت أمامه مسألة محاسنة البروتستانتيين وإمتاعهم بالحقوق ~~العادلة التي يطلبونها، وهذه مسألة كانت منبوذة في عهد فرنسوا الثاني، فطلبت إصدار براءة ~~بها. # وفيما كان المجلس منعقدا والبحث دائر فيه بين الوزراء البروتستانتيين وأمين الأختام، ~~وبعضهم يهنئ بعضا، أقبل ملك النافار مدججا بسلاحه والغضب باد على وجهه، فوجه ~~خطابه إلى كاترين، وقال بصوت جهوري: لسنا نريد أن تتم هذه المسألة دون مصادقتنا ~~وموافقتنا. إن فرنسا بلاد كاثوليكية، وأنا رجل كاثوليكي فلا أرضى بأن ينعقد مجلس الملك ~~الخاص على هذه الصورة المعيبة. # قالت الملكة: لقد نسيت نفسك يا ابن العم. # قال: كلا، لم أنس نفسي. فأنت تدرين أيتها السيدة - كما أدري أنا - أن هؤلاء المتمذهبين ~~بالمذهب الجديد محتالون منافقون، فلا بد من إخراج هذا الوباء من البلاط، وقد آن ~~للمخلصين في خدمة الملك أن يظهروا إخلاصهم! # وأسهب في الكلام، فانحنى بالتعنيف على أمين الأختام وسائر الحضور. إلى أن قال: نعم ~~أيتها الملكة، اطردي هؤلاء القوم أو فانضمي إليهم. أما أنا فإني أنبذهم وأقاومهم، ويحق ~~لي أن أكون الوصي على المملكة، وسأكونه إذا شئت، ولا تنقضي أيام قلائل حتى تري أبناء ~~عمك آل جيز ها هنا، والكردينال أخاه، والماريشال سن أندري، والمسيو دي مونمورانسي، وسائر ~~القوم الكرام الذين رأيت إبعادهم عنك، فأولئك أقرب الناس مودة إلى الملك. # ولم تستطع الملكة ثباتا أمام ملك النافار، فلطالما خادعته من قبل. فأتم خطبته ~~قائلا: إذا لم يرتحل عن البلاط، كوليني ودندلوت البروتستانتيان، فهو يأمر الجيوش ~~بانتشال الملك، ويحق له أن يفعل؛ لأنه نائب الملك وصاحب السلطة على الجند. # فاضطر كوليني ودندلوت إلى الاستقالة، وسافرا إلى باريس لاحقين بأمير دي كوندة. # أما أمير دي كوندة نفسه فكان متململا متضجرا من الإقامة في باريس لبعده عن بلاط ~~الملك، وكذلك كان جاليو فإنه مل الإقامة بعيدا عن مرسلين؛ لأنها ما برحت مع زوجها، ~~وقد انضم إلى الكردينال ولاذ ms142 بحمايته. # وكانت المجادلات الدينية في ذلك الوقت تمزق وحدة الأمة المنقسمة إلى طائفتين، وتعتقد ~~كل طائفة أنها أفحمت غريمتها بالبراهين الدامغة والحجج القاطعة، وفي أثناء ذلك تلقى أمير ~~كوندة أن آل جيز قد استعادوا سطوتهم ورفعوا رءوسهم وتهيئوا للرجوع إلى البلاط، فعهد إلى ~~جاليو بالمراقبة والاستطلاع، فقال: وافرحتاه بهذه المهمة التي عهدت بها إلي يا مولاي. ~~فقال له: ألا تزال مقيما على هوى زوجة أفنيل؟ أجاب: نعم يا سيدي، فقد تعرضت لهذه ~~الحادثة الغرامية ضاحكا ماجنا، أما الآن فلا أضن بحياتي في سبيلها. # قال: إذن سافر يا جاليو وامزج بين الهوى والسياسة كما تشاء، وإنما كن حكيما. # فسافر جاليو في أواخر شهر يناير (كانون الثاني) بعد أن ودع أستاذه برنابا، فوصل إلى ~~مدينة جوانفيل حيث يقيم آل جيز والكردينال. فدار في البلد دورة حتى اهتدى إلى منزل ~~المحامي أفنيل. غير أن بيوت البلدة كلها كانت مقفلة، وعلى أبوابها الحراس كأن الحرب ~~قائمة حولها. فأضاع جاليو أسبوعا كاملا من غير أن يلتقي بمرسلين، أو يتمكن من إرسال ~~كتاب إليها، وكاد ييأس منها عندما علم أن الدوق عازم على الإياب إلى البلاط، فبعث ~~تقريرا إلى أمير دي كوندة، ثم لبث محتجبا في المدينة يقول في نفسه: لا يطيب للعشاق شيء ~~مثل السفر المفاجئ. ولاح له أن الدوق لا يصل إلى باريس إلا بعد أن يحدث حدثا في طريقه. ~~إلا أنه لما رأى موكب الدوق أحس بكآبة عظيمة؛ لأنه رأى جيشا حقيقيا قد تألف واجتمع ~~في ضواحي جوانفيل، وفيه جنود ألمانيون. فلما كان آخر شهر فبراير (شباط) تحرك ذلك الجيش. ~~فغادر المحامي أفنيل البلد لاحقا بسيديه الكردينال والدوق، سائرا بجانب المركبة ~~التي فيها زوجته وبعض النسوة، فلم يتمكن جاليو من إلقاء كلمة إليها. ووصل الدوق إلى ~~مدينة فاسي في أول مارس (آذار)، فنزل فيها عند والدته العجوز الأميرة دي بوربون، وقال ~~لها: ألا يزال أعداء ديننا كثيرين ها هنا؟ قالت: نعم وا أسفاه، وإني لفي يأس شديد من ~~إصلاح هذه الحالة السيئة؛ لأنني ms143 أسمع ترنيمهم وصلواتهم كل يوم من قصري هذا، وسوف ترى بعد ~~هنيهة أننا لا نستطيع الجلوس إلى مائدة العشاء. قال: سوف نكرههم على السكوت! # ولقد رافق جاليو موكب الدوق، ولم يتمكن في أثناء ذلك الوقوف من مراقبة مرسلين؛ لأنها ~~دخلت قصر والدة الدوق. فتجول في المدينة، وكان عارفا أن أكثر سكانها من البروتستانتيين، ~~وأخذ يفكر في تقرير يكتبه إلى أمير كوندة عما رأى وسمع، وفيما هو كذلك أبصر جمهورا ~~غفيرا ذاهبا لسماع الوعظ، وكان البروتستانتيون يجتمعون في مكدس من مكادس القمح، ~~ويسمعون الوعظ هناك؛ إذ لم تكن لهم معابد يعظون فيها. فقال جاليو في نفسه : لا شك أنهم ~~يمتدحون أمير كوندة، وهذا أمر يعزيني شيئا عن لقاء مرسلين. # وبدأ البروتستانتيون وكان عددهم ينيف على ألف ومائتي رجل في الترنم بأناشيدهم، وإذا ~~بباب المكدس يقرع، وقائل يقول: افتحوا فإننا نروم سماع الوعظ. # ففتح الباب من كانوا على مقربة منه. ثم تقهقروا مذعورين إذ رأوا جماعات من الأشراف لم ~~يشكوا في أنهم من حاشية الدوق دي جيز. فقال البروتستانتيون لهم: ما حاجتكم؟ قالوا: لا ~~حاجة لنا إلا سماع الوعظ كما أنبأناكم. # وحاول بعضهم الدخول ومزاحمة الحضور، فأدرك البروتستانتيون أن أولئك الأشراف إنما جاءوا ~~ليهزءوا بهم، فأطبقوا الباب وصاح أحدهم متألما يقول: ويل لكم فقد سحقتم قدمي، وكان ~~المتكلم ملازما من ضباط الدوق دي جيز، وقد حشر مصراع الباب قدمه، ففتحه البروتستانتيون ~~مرة ثانية؛ ليتمكن من تخليص قدمه، فبادرهم الكاثوليكيون بالسباب والشتم. # وإذ ذاك وصل ضابط من ضباط الدوق يقول: حسبكم يا قوم! إن الدوق يطلب منكم أن تسكتوا؛ لأن ~~أناشيدكم تمنعه من تناول عشائه، فأجلوا صلاتكم إلى وقت آخر إن شئتم! # فهاجت هذه الكلمات حنق البروتستانتيين، وصاحوا قائلين: ألا لعنة الله على الدوق وأسرته ~~إنهم لملحدون! # وقلق جاليو وأحس بأنه ارتكب خطأ في دخوله بين القوم، فتزمل (تلفف) بردائه، وأخذ ~~يتخطى الرقاب إلى ناحية الباب وهو يقول في نفسه: سوف أعلن للقوم أنني كاثوليكي المذهب ~~فأتمكن من الانصراف، وويل لمن يمنعني من ms144 المرور! # ومد يده إلى قبضة سيفه وقد وصل إلى الباب، فما لبث أن رأى رجلا طويل القامة قد وقف ~~أمامه، فتفرس في وجهه، فعرف أنه الدوق دي جيز جاء بنفسه، وقبل أن يحتجب عنه جاليو كان ~~الدوق قد رآه فصاح: هذا وصيف أمير كوندة إذن هي ثورة مدبرة! # على أنه لم يصدر أمرا، وفي أثناء وقوفه أصابه حجر من داخل المكدس في خده فجرح جرحا ~~خفيفا، فسال دمه غزيرا، فقال: هذا لا يطاق. ألا هجوما على أولئك الملحدين، اقتلوهم يا ~~أصدقائي، ولا ترحموهم! # وكان البروتستانتيون وقتئذ دون سلاح، ولا يكادون يقدرون على جمع الحجارة للدفاع عن ~~أنفسهم، وتواثب رجال الدوق إلى المكدس فقتلوا كل من عجز عن الفرار، وسكر جاليو برائحة ~~البارود ومنظر السيوف، ومع أنه لم يكن بروتستانتيا، لكنه كان عدو الدوق دي جيز؛ لأنه ~~وصيف أمير كوندة، وكان الدوق يتقدم ليلحق به وهو في مقدمة بعض الرجال، وقال له: أظننا ~~قابضين عليك في هذه المرة، فلا تنجو منا. # فأجابه: مهلا يا مولاي. # وجعل يتقهقر باحثا عن منفذ، وهم أحد الجنود بأن يطعنه بحربة فاجتنب جاليو الطعنة، ~~وضرب الجندي بخنجره فطرحه صريعا، وفرق الزحام بين جاليو والدوق، فانتهز تلك الفرصة، ~~واختطف غدارتين من أحد الجنود. # وكان البروتستانتيون قد اهتدوا إلى عدة منافذ فنجا بعضهم من باب كبير، وصعد آخرون في ~~سلم كان في داخل المكدس إلى السقف. ففكر جاليو في الفرار من أحد هذين المنفذين، إلا أن ~~الزحام كان شديدا جدا، فخاف أن يلحق به الدوق ويقبض عليه فيأسره أو يقتله، وهو لا ~~يستطيع مقاتلة عشرين أو ثلاثين من المهاجمين المدججين بالسلاح، وكان منهم عشرة رجال ~~هاجمون عليه. فمشى وظهره إلى الجدار، وهو يسأل الله مخرجا من ذلك الضنك، وإذا بباب ~~وراءه كان مغلقا ففتحه وخرج منه بأسرع من لحظة. فهدر الدوق وزمجر. أما جاليو فنظر إلى ~~الموضع الذي وصل إليه، فعلم أنه موضع ضيق عند أسفل سلم، فأغلق الباب وصعد في درج السلم، ~~فوصل إلى مكدس صغير كان ms145 مشيدا فوق المكدس الكبير، وله نافذة ضيقة، فقال في نفسه: أهرب ~~من هذه النافذة إذا ترك لي الدوق الوقت الكافي. # وكانت رائحة التبن والهشيم الجاف ملء المكان، فألقى جاليو نظرة إلى ما حوله، فأبصر ~~زكائب الهشيم مجموعة في زاوية، وسمع وقع خطى على السلم، فلم ير بدا من العمل، فانحنى ~~على السلم، وأطلق رصاصة من إحدى غدارتيه. # فقال قائل: سلم نفسك فإن رصاصتك لم تصب أحدا، وإنا لقابضون عليك لا محالة! # فضحك، وقال: مهلا يا مولاي! # وللحال خطر له خاطر عجيب، إذ دنا من إحدى الزكائب فأطلق عليها النار من الغدارة ~~الثانية. # فصاح الدوق وهو على السلم: لقد أخطأ رصاصك المرمى مرة ثانية. # فقال جاليو: كلا يا مولاي، وسوف ترى بعينك. # واشتعل يبيس النبات والهشيم، وكان جاليو يطرح النار على سائر الزكائب، ولما اقتربت ~~الخطى رمى بإحدى الزكائب المشتعلة إلى السلم، فتدحرج الصاعدون عليه، وقال الدوق: قاتل ~~الله اللعين، أتراه ينجو دائما؟ # ولم يكن من سبيل إلى الوصول إلى جاليو؛ لأن الزكائب اشتعلت وانتشر الدخان حتى امتلأ به ~~السلم. فتسلق جاليو إلى السطح وشاهد من هناك ما جرى. فأبصر رجال الدوق يطاردون ~~البروتستانتيين وهم يفرون منهم في كل مكان، وقد تبعثرت جثثهم الدامية على الكلأ الأخضر، ~~وطلع السيدات والأشراف الذين كانوا يتعشون في قصر الأميرة دي بوربون والدوق دي جيز إلى ~~الشرفات، فكانوا يشاهدون تلك المجزرة، ويرشدون الجنود إلى مكامن البروتستانتيين ليفتكوا ~~بهم! # وكان السطح الذي صعد إليه جاليو في ناحية أخرى فتدلى منه إلى بستان خال، في طرفه ~~غيضة، فاجتازها حتى وصل إلى فناء متسع. فارتفعت إذ ذاك صيحات مفزعة فوقه، فرفع رأسه ~~وأدرك أنه رمى نفسه في فم الأسد؛ لأن ذلك الفناء كان فناء قصر والدة الدوق دي جيز. فدمدم ~~وشتم، وصاح الرجال من شرفاتهم ينادون الجند ويرشدونهم إليه ويقولون: تعالوا إلى هنا، ~~يوجد هنا واحد من البروتستانتيين! # وكان هناك سلم يفضي منه إلى الشرفة التي صدرت منها الصرخات، وصعد جاليو في السلم غير ~~متردد فوصل إلى الشرفة، ms146 وهناك سمع قائلا يقول: إنه على السلم، فأطلقوا النار ~~عليه! # فتسلق الجنود السلم لاحقين بجاليو، ولما وصل إلى الشرفة أحس باضطراب شديد؛ لأنه رأى ~~جماعات من الأشراف والسيدات والقسيسين هناك، وقد هاجهم التعصب وأسكرهم منظر الدم، ووقع ~~بصره على امرأة بينهم كانت مطرقة والدمع يترقرق في عينيها، ولم يدر في خلد أحد أن الرجل ~~الذي يدلون الجند عليه ليقتلوه قد صار بينهم؛ لأنهم لم يروه حينما دخل الشرفة، فقد كانوا ~~كلهم مطلين على الفناء. فمشى إلى المرأة الباكية وناداها، مرسلين! قالت: أسأل الله أن ~~يقدر لك النجاة مما أنت فيه. # فانثنى الحضور، وكان المحامي أفنيل في جملتهم وهو الذي فضح جاليو؛ لأنه رآه نازلا عن ~~السطح إلى الفناء، فأرشد إليه الجنود الكاثوليكيين. فنظر إليه جاليو في بدء الأمر نظرة ~~صعقته وسمرته في موقفه، إلا أنه تماسك لساعته، وقد شعر بمساعدة حملة البنادق فشتم ~~جاليو، ثم اجتذب مرسلين بعنف، إلا أن هذه تراجعت مرتاعة، فلطمها زوجها وهو يحتدم غيظا ~~منها. وانتصرت السيدات إذ ذاك لمرسلين، فشهر جاليو سيفه وتقدم إلى المحامي، وقال له: ~~لماذا أهنت هذه السيدة؟ # فقال له: ويك! كيف تتجرأ على هذا السؤال يا ابن اللئام؟ هل ظننت أنني نسيت ليلة ~~فونتنبلو؟ أيها الجنود أطلقوا النار على هذا الخائن الذي اجترأ على زوجتي! # فصرخت مرسلين: بل أنا أهواه يا ناس، وأتمنى أن أموت معه، بل أنا أحمر خجلا من أن ~~أكون زوجة نذل جبان مثل هذا الوحش، ويل لك! أما كان الأجدر بك أن تبارز الرجل بدلا من ~~أن تأمر الجند باغتياله مع أنه كاثوليكي وأنت بروتستانتي. # واعتراها ارتجاف وارتعاش فأغمي عليها، فتقهقر أفنيل ممتقع اللون مذعورا، وإذا بأحد ~~الجنود قد دنا من جاليو، فقال له: أكاثوليكي أنت أم بروتستانتي؟ # فأجابه: لست أدري يا أخي. غير أن معي أربع غدارات محشوة، فلكل منكم أنتم الأربعة واحدة ~~منها، وفضلا عنها فهذا سيفي وذاك خنجري، فأنا الأقوى. دعوني أمر وإلا فويل لك ~~ولرفاقك! # ولعل الجنود رأوا في كلامه نصحا صادقا فابتعدوا ms147 عنه، والتفت إلى المحامي وقال: أنت ~~جبان، وكان يحق لي قتلك، ولكنك لا تقوى على حمل سلاح، ولست أريد اغتيالك. فأنا ذاهب، ~~وويل لمن يتجرأ على اللحاق بي. # ثم حمل مرسلين على ساعديه وسار بها قبل أن يتمكن المحامي وأصدقاؤه من إمساكه، فقد ~~تولاهم الدهش والحيرة، وارتدوا عنه لعلمهم أنه كاثوليكي. # الفصل السابع والعشرون # | الدوق دي جيز والملكة كاترين # ولما علم الدوق دي جيز بما فعل جاليو قال: وا أسفاه، ليت لي مثل هذا الشهم البطل. وسافر ~~في ذلك المساء بعينه إلى باريس بعد أن أمر بالتحري عن أسباب المذبحة، واستدعى إليه حاكم ~~المدينة، فقال له: لماذا تأذن بمثل هذه الاجتماعات؟ # فأجابه: أليس ذلك مطابقا لما جاء في الأمر الجديد؟ # قال: عن أي أمر تتكلم؟ # أجاب: أتكلم عن البراءة الصادرة في شهر يناير (كانون الثاني) بشأن إطلاق الحرية لمباشرة ~~البروتستانت شئون دينهم، والإذن لهم بالاجتماعات في المدن غير المقفلة، وفاسي مدينة غير ~~مقفلة. # فأجابه: إن أمر يناير لا يدوم، وقد آن وقت إيابنا إلى باريس للدفاع عن ديانتنا المقدسة. ~~وبعد أيام وصل الدوق إلى نانتيل فوقف فيها ليعلن لجيشه وقت السفر، وانتشر الخبر في باريس ~~وضواحيها عن قرب وصول الدوق دي جيز إليها، وبلغ أمير كوندة قبل سواه؛ لأن جاليو أنبأه ~~به. فكتب إلى كاترين يسألها إصدار أوامرها بذلك الشأن، وإرسال الجنود. إلا أن الملكة ~~الوالدة كانت عزلى، بل آثرت الالتجاء إلى المكر والخديعة، فبعثت برسالة إلى الدوق دي جيز ~~تظهر له فيها الحب، وتبثه الشوق، وتقول له إنها تود أن تراه لتشاوره في شئون البلاد، ~~وتختم رسالتها بقولها: # لا تدخل باريس، فإن لك فيها أعداء كثيرين، بل أقدم إلي، واجلس في موضعك في ~~مجلس الملك، وهيهات أن تجد أقرب إليك مودة من هذه الكاتبة إليك. # كاترين # تلقى الدوق هذه الرسالة وهو في نانتيل، فصاح: واها لك يا ابنة عمي الحسناء، فقد ~~طردتني عندما حبست نفسك أقوى مني، أما الآن، وقد أرهبك جيشي، فإنك ترومين التفريق بيني ~~وبينه! كلا، ذلك ms148 لا يكون، وإنما أدخل باريس حينما أشاء، وسوف تعلمين أي استقبال يكون لي ~~فيها. # ولم يجب الملكة على تلك الرسالة. فارتاعت ورأت نفسها في معزل، فأمرت ترولوس بالتأهب ~~للرحيل في يوم 25 مارس (آذار) (ارتحلت عن سن جرمين حيثما كانت يومئذ، واتجهت إلى ~~مونصوانبري) وقد أحست بالخذلان؛ لأن جيوش كوندة لم تكن متأهبة، وقد تركها الأميرال عقيب ~~ما بدا له من وقاحة ملك النافار، فكادت تجن يأسا، فأشارت على أمين الأختام بالذهاب ~~إلى باريس، فقال لها: أزالت حظوتي عندك يا سيدتي؟ # فأجابته: كلا، ولكن زالت السلطة من يدي، وكان موكبها محزنا ليس فيه إلا قليل من حملة ~~البنادق وقليل من الأشراف للدفاع عنها، وكان أولادها يبكون، فتركت موكبها يسير من غير أن ~~تتكلم، وفيما هي خارجة من سن دنيس أشرف ترولوس على مركبة الملكة، وقال لها: أرى جيشا ~~مقبلا من طريق آخر لا يقف. # قالت: أيوجد من يتجرأ على الوقوف في طريقي؟ ومن يكون؟! ألا جرد سيفك أيها القائد وأهجم ~~على هؤلاء الوقحاء. وكان ترولوس ينتظر هذا الأمر لتألمه من تصاغر الملكة، فشهر سيفه ~~وتقدم إلى الجيش وهو يصيح، قفوا أيها السادة، فهذا الذي ترونه أمامكم موكب الملك! # فأجابه قائل: لقد كنت أعرف ذلك. # قال: تعرف ذلك وتتقدم؟! # وتوقف ترولوس مبهوتا؛ لأنه عرف أن المتكلم هو مونمورانسي، لكنه لم يتمالك أن قال: أنت ~~يا سيدي أول قائد في فرنسا، ومن العجب أنك تأبى التسليم على الملك، وتأبى إلا أن تعترض ~~طريقه. # قال: ابتعد يا هذا، وإلا أمرت رجالي بإطلاق النار عليك. # فأجابه: أطلق النار علي إن شئت، ولكنني لا أدعك تهين الملك والملكة الوالدة. هذا ~~وموكب الملكة الوالدة يقترب. فضعضعها الغيظ، وأذهلها الدهش؛ لأن مونمورانسي رآها، ولكنه ~~تظاهر بأنه لم يرها، وجمع ترولوس جنوده حوله، وكاد ينشب القتال لولا أن الملكة أمرت ~~حاشيتها بالاقتراب بها إلى المسيو مونمورانسي، فلم يرفع لها قبعته، ولم يترجل عن جواده، ~~بل قال لها: ماذا ترومين أيتها السيدة؟ # فصاح ترولوس: يا لك من شقي! إلا ms149 أن الملكة تلافت ما يحتمل وقوعه من قتال بين رجالها ~~وجيش كثيف لا قدرة لهم عليه، ورأت من واجباتها إنقاذ حياة ورثة عرش فرنسا، فالتفتت إلى ~~ترولوس، وقالت له: دع سيفك في غمده يا كونت، وما دام المسيو دي مونمورانسي يأبى التسليم ~~علينا فنحن لا ننساه. # فقال لها هذا بلهجة جافية: تعذرينني أيتها السيدة؛ لأنني مستعجل جدا، ولا يسعني إلا ~~المبادرة لألقى المسيو دي جيز في نانتيل. # قالت: إذن أنت ذاهب إلى نانتيل؟ # أجاب: نعم، فإنني أروم مقابلة الدوق قبل دخولنا البلاط لتدبير ما لا بد منه. # فأدركت كاترين المراد من ذلك التدبير، فأمرت رجالها بمواصلة السير، ولم تحفل برجال ~~مونمورانسي. فاختلط الموكبان، ولولا كاترين لساءت المغبة، وكان ترولوس محتدما هائجا؛ ~~لأنه اضطر إلى إبقاء سيفه في غمده في فرصة من أحسن الفرص لتجريد ذلك السيف، ولما أطل ~~على مركبة كاترين رآها تبكي وتمزق منديلها بأسنانها، فقال ترولوس: لماذا لم تدعيني أقتل ~~هذا الخائن الذي اجترأ عليك بالإهانة؟ # قالت: صبرا يا ترولوس، فلو تركتك تفعل لقتلوك وأسروني، وانتشلوا مني الوصاية التي حرصت ~~عليها برغمهم جميعا. آه، ويل للأشقياء، فلسوف أعاقبهم، فصبرا! # وبكت مدة السفر، وكانت تسأل نفسها عما إذا كان قول القائل «أقسم لتملك» كافيا لبسط ~~سلطتها وتملكها. فلما وصلت إلى مونصوابري دعت إليها ترولوس، وقالت له: أنا هنا في أمن ~~ودعة، إلا أنني بعيدة جدا عن باريس، وبعد أيام أذهب إلى فونتنبلو. فانطلق أنت إلى ~~باريس، واجتمع بأمير كوندة، وقل له إنني لا جنود لدي، ولا حاشية للدفاع، فليجمع حزبه ~~وأعوانه، وليقدم سريعا. سر يا حبيبي ترولوس، ولا تعد إلا ومعك جيش عرمرم. # فسافر ترولوس إلى باريس، وفي اليوم التالي لقي الأمير في قصره، وكان الجميع في قلق ~~وانزعاج. فقال له الأمير: هل أتيت لتسعفني بسيفك؟ # فأجابه: وا أسفاه يا مولاي! أنت تدري أن سيفي للملكة، ولكن إذا كان هناك خطر يحيق بك ~~فإني. # فسبقه الأمير إلى الكلام قائلا: إني أجهل ما يكون، ولكن لا بد من وقوع حوادث ms150 هائلة. ~~فأين الملكة؟ # أجاب: في مونصوانبري، ولا تلبث حتى تأتي إلى فونتنبلو، وهناك تنتظرك أنت ورجالك. # فقال الأمير: لو أن سيفي يكفي للدفاع عن كاترين دي مدسيس لقدمته لها راضيا مسرورا، ~~ولكن ماذا يفعل سيفي في لقاء جيش الدوق دي جيز؟ # قال ترولوس: ليس للملكة الآن من يدافع عنها! # أجاب الأمير: إني مثلها يا ترولوس، أجمع جنودي، ولكنني لا أدري متى أجمعهم وأقاوم بهم ~~أعداء الملك. # قال ترولوس: لقد أمرتني الملكة يا سيدي ألا أفارقك، وأن أرجع بك إليها إلى فونتنبلو ~~من غير إمهال. # فأطرق الأمير هنيهة، ثم رفع رأسه، وقال: إني عازم على الدفاع عن الملكة، وذلك من ~~واجباتي. ثم خفض صوته، وقال: بل من مصلحتي. # قال ترولوس: إن الملكة لا ترجو المساعدة من أحد سواك. ~~- ولكنني لا أستطيع الارتحال عن باريس من غير سبب معقول، بينما الدوق ينوي القدوم ~~إليها. ~~- هل يتجرأ الدوق على ذلك؟ # أجاب الأمير: إن ولاية الملك قد انتزعت من يد الملكة يا ترولوس، وصارت إلى يد حزب الدوق ~~دي جيز، وسوف ترى دخوله غدا إلى باريس، فلست أريد أن يقال إني فررت منه. والآن قل لي هل ~~تكذب في سبيل هناء الملكة؟ # قال: بل أقدم على كل شيء في ذلك السبيل. # قال: إن أخي الكردينال حاكم باريس، وهو رجل جبان ينقاد إلى آل جيز انقياد خائف، فاذهب ~~والقه، وقل له إن الملكة أرسلتك إليه ليأمرني ويأمر الدوق دي جيز من قبلها بالرجوع ~~سريعا إلى البلاط، وسوف يرفض الدوق. أما أنا فأطيع، وفي ذلك مصلحتنا. # قال ترولوس: ألا يمكن الفوز بجيش من الأشراف؟ # قال: أصغ إلي يا ترولوس. فهل تحسب أمير كوندة جبانا؟ # أجاب: معاذ الله يا سيدي. # قال: ثق أن أعداء الدوق دي جيز سيلجئون إلى الفرار غدا من باريس لئلا تضرب أعناقهم. ~~فاذهب واقض مهمتك عند أخي وارجع فاقض ليلتك في قصري. # فقصد ترولوس الكردينال دي بوربون - شقيق أمير كوندة - ولاحظ وهو سائر أن الطرق مزينة ~~بالحبال الزينية، وأن الباريسيين فرحون بقدوم الدوق، ms151 لا يكتمون فرحهم، وسمع كثيرين في ~~الطريق يبشرون نفوسهم بقرب وصوله. # ومما تنبه إليه أيضا أن الكنائس كانت مفتوحة، وكانت قد فاتت مواعيد الصلاة، وأن المارة ~~يدخلونها كأنهم في يوم عيد. # فقضى مهمته عند الكردينال دي بوربون، ولم يخامر هذا أدنى انذهال من مثل هذا الأمر، لكنه ~~قال لترولوس: لئن تيسر إنفاذ هذا الأمر على أمير كوندة فلا يسهل إنفاذه على الدوق دي ~~جيز. ثم قال: على أنني سأنجز ما يتعلق بي، وأقسم لك على ذلك، ومر ترولوس بفندق «نيكول ~~بوصه» فلقي صاحب الفندق، وقد أعد زينة بديعة، فقال له: ما هذا يا نيكول؟ فتذكر نيكول ~~أن ترولوس بروتستانتي، وأنه عدو للدوق دي جيز كسائر أبناء مذهبه، فأجابه: ما هذا إلا ~~للاحتفال بأحد الشعانين، وهو عيد يقع بعد غد. # قال: لم أكن أحسبك متمسكا بالدين الكاثوليكي إلى هذا الحد، وابتعد وهو يفكر، فدخل قصر ~~كوندة فنام بعد أرق، واستيقظ عند الصباح على هتاف المتحمسين، فبادر إلى لقاء الأمير، ~~وقال: ما هذا الهتاف يا مولاي؟ لقد كان الأجدر أن يوجه إلى ملك فرنسا دون سواه. # قال الأمير: إن الدوق دي جيز اليوم أسمى من ملك فرنسا منزلة، وأرفع شأنا. فتجول في ~~المدينة تتحقق ذلك وتنبئ به الملكة الوالدة، أما أنا فإني ألبث ها هنا لأتلقى الأمر من ~~أخي الكردينال قبل سفري. فنزل ترولوس إلى الشارع واتجه إلى ناحية باب سن أنطوان، وقبيل ~~وصوله سمع وراءه نيكول يقول له: إلى أين؟ فأجابه: إلى باب سن أنطوان. # قال: ولكن الدوق آت من باب سن دنيس. # أجاب: ذلك مستحيل. قال: ألم يكن يأتي الملك من ذلك الباب عندما يروم أن يحتفل بقدومه؟ ~~وأنت تعلم يا سيدي أن دخول الدوق العاصمة لا يشبه دخول الملك منذ ثمانية عشر ~~شهرا. # فقال ترولوس في نفسه: صدق الرجل، فقد كدت أشهر سيفي يومئذ؛ لأنني سمعت الإهانات توجه ~~إلى الملكة! # وكان الناس قد تقلدوا السلاح على ملابس العيد التي لبسوها، وأخذوا يبدون مظاهرات حربية ~~تبسم لها ترولوس، ودقت الأجراس ms152 لإعلان الابتهاج والسرور، وضربت الموسيقى، وازدانت ~~الأبواب والنوافذ بالأغصان الخضراء، ورفعت أعلام عليها هذه الكلمات «حيا الله فرنسوا ~~دوق دي جيز، حامي حمى الديانة الكاثوليكية»! فأحس ترولوس رسول الملكة بالعبرات تسري ~~على خديه حنقا، وزاد غيظه عندما وصل إلى باب سن دنيس؛ لأنه رأى هناك جمهورا غفيرا ~~ينتظر قدوم الرجل الذي دعاه منقذا لدينه، فقال ترولوس في نفسه: ما ضر الدوق لو تأخر ~~يوما واحدا وجاء في يوم «عيد الشعانين» (أو أحد السعف الذي يسبق عيد القيامة بأسبوع ~~واحد)، إذن لكان يدخل المدينة دخول المسيح أورشليم. وإذا بالصياح قد علا حتى طبق ~~الفضاء، وسمع وقع حوافر الخيل من بعيد مبشرا بوصول الدوق دي جيز إلى باريس، مدينته ~~المحبوبة، فعظم الهتاف وقتئذ، وكان القوم يصيحون، ليحي سيافة الدوق دي جيز! أو ليحي ~~حملة بنادق الدوق دي جيز، أو لتحي بطانة الدوق دي جيز! صياحا يصم الآذان، وهتف بعضهم ~~يقولون: ليحي القضاة العدول الذين قضوا على البروتستانت في فاسي! # ثم ظهر الدوق دي جيز راكبا جوادا أبيض، سرجه من جوخ مذهب، وعليه دراعة من حرير أبيض ~~محجبة بوشي الذهب، وهو يفوق بطول قامته من حوله من الفرسان. فتوافد حكام المدينة للسلام ~~عليه، وقدموا له مفاتيح البلد، وقام رئيس التجار خطيبا، فقال في خطبته: إن أهل المدينة ~~انتظروا مسيحهم حتى أتى، وهذا المسيح هو الدوق دي جيز. فأجاب الدوق بكلمات قليلة كان لها ~~صدى في العاصمة، قال: لقد أردنا أيها السادة مفارقة البلاط كي لا يتسلط علينا أعداء ~~مذهبنا القويم، إلا أن جرأة هؤلاء الأعداء تجاوزت الحدود حتى عز على كل كاثوليكي حر ~~أن يعيش محترما ما دام ذلك الأمر الملعون المشهور بأمر يناير (كانون الثاني) نافذا، ~~وإنما عدنا إلى باريس للدفاع عن إلاهنا (ما أضعف هذا الإله إذا كان في حاجة لمثل هذا ~~الدفاع)، وفي اعتقادنا أنه لا يوجد في المملكة كلها مدينة أوثق إيمانا من مدينتنا باريس ~~العامرة! # واستمر الموكب سائرا على مهل، مضطرا أحيانا كثيرة إلى الوقوف ليدع للناس فرصة؛ ms153 ~~ليقتربوا من الدوق، ويتبركوا بلمس ثيابه، وهكذا وصل فرنسوا دي جيز إلى قصره، وكان ~~الكردينال دي بوربون شقيق أمير كوندة ينتظره فيه فأدى البلاغ، وطلب إلى الدوق أن ~~يقابل الملكة في فونتنبلو حيثما تنتظره مع أمير كوندة الذي عزم على السفر إليها. فأجابه ~~الدوق بلطف، قال: إنني أرغب في الذهاب إلى هناك، على أن الشعب لما علم بما طلبته الملكة ~~وبأن الدوق ينوي الذهب دون جيشه إلى البلاط، ثار ثورة حقيقية، وجاءه رسول من الشعب يقول ~~له بالنيابة عن الباريسيين: لسنا ندعك تذهب أيها المولى؛ لأنك إنما أتيت إلى باريس ~~للدفاع عنا. فليفارق أمير كوندة باريس مصحوبا برجاله البروتستانتيين قبلما يطردهم الشعب ~~نفسه. أما أنت فلا ترحل عن باريس من غير أن ترى ملك النافار وتتفق معه على الدفاع عن ~~ديننا. # فانثنى الدوق إلى الكردينال، وقال له: أرأيت الآن يا ابن العم كيف أنني عاجز عن ~~الانقياد إلى الملكة والعمل بأوامرها؟ # فقطب الكردينال وجهه، ومضى ليلقى أخاه أمير كوندة، وكان هذا ينتظره وقد تأهب للسفر، ~~فقال الأمير: أما أنا فإنني مطيع للملكة، ولقي ترولوس الأمير فقال له: أترى الآن أننا ~~قادرون على المقاومة في باريس والهجوم على الدوق؟ فأجابه: كلا أيها الأمير، ولكني أرى ~~المبادرة إلى مساعدة الملكة، وعسى أن نصل إليها قبل فوات الوقت. # فلم يجب أمير كوندة، بل خرج من باريس ليلا ومعه بعض الأشراف. فلما رأى ترولوس ذلك ~~البعض وهو مؤلف من بروتستانتيين قد شيبتهم الحروب وشبان ممتلئين حماسة، قال: ليتك تأتي ~~إلى فونتنبلو فنكون عصبة كبيرة نمنع الملكة، وما أعداؤها إلا أعداؤك. فتردد الأمير ~~هنيهة، ثم قال: كلا يا كونت، فإني لا أجيء إلى كاترين إلا ومعي جيش، ولست أدري متى ~~أستطيع اللحاق بدي شاتيلون، فلنذهب أولا إلى «مو» ولعلنا نجد فيها عددا كبيرا من ~~أصدقائنا فنمضي بهم إلى مساعدة الملكة. فهل تذهب معنا؟ # أجاب: لا أفارقك يا مولاي إلا إذا أعطيتني بعض فرق من حملة البنادق لأدافع بهم عن ~~الملكة. # قال: تعال وعسى أن أتمكن ms154 غدا من إجابة طلبك. واستمر الأمير ورجاله سائرين في طريق «مو» ~~وترولوس في طليعتهم يقول: ألا يفوت الوقت غدا؟ # الفصل الثامن والعشرون # | أحد الشعانين # وازدادت حركة الباريسيين في اليوم التالي؛ لأنهم علموا بوصول ملك النافار واجتماعه ~~بالدوق اجتماعا كان الغرض منه الدفاع عن المذهب الكاثوليكي، ولم يكتف ملك النافار بذلك، ~~بل جاء بدليل آخر على صدق إيمانه، فحضر الصلاة في كنيسة نوتردام على مرأى من الجميع، ~~وهتف له الجمهور كما هتفوا للدوق ولمونمورانسي هتافا متواصلا، ودعوهم: «نصراء الدين، ~~وأصدقاء الملك الحقيقيين.» # وفيما كانت باريس مسترسلة في هذه الاحتفالات كانت كاترين دي مدسيس منفردة في حجرتها، ~~تبكي بالقرب من نافذتها، وعيناها محملقتان إلى طريق العاصمة، مصغية إلى وقع الحوافر، ~~تسأل نفسها عما عسى أن يكون كل قادم، وتقول: أكوندة أم جيز؟ وكانت خائفة من آل جيز؛ ~~لأنهم أسرة منها كثيرون من رجال الدولة، وفيها القواد البواسل وذوو المطامع والآمال ~~البعيدة، ولذلك كانت تنتظر قدوم أمير كوندة بذاهب الصبر؛ لأن ذلك الأمير كان شجاعا ~~كريما محبوبا من البروتستانتيين حبا يفوق الوصف، وهو ذو مطامع ككل آل جيز، لكنه ~~شديد الوفاء والولاء للبيت المالك، ولا يكيد لأسرة فالوي. وفيما هي ممتعضة حزينة النفس ~~سمعت وقع حوافر خيل عديدة، فأخذت تلثم ولدها شارل التاسع، وتقول: أسأل الله أن يكون ~~القادم أمير كوندة. تالله لأشيدن معبدا للعذراء يكون أجمل المعابد! ودنا الصوت، ~~فأطبقت عينيها وهي تقول: من لي بك يا ترولوس؟ # وما كادت تنتهي من هذه الكلمات حتى دخل الحاجب يقول: بالباب ملك النافار، والمسيو دي ~~مونمورانسي، والدوق دي جيز. ففتحت عينيها فأبصرت الثلاثة قد صاروا أمامها، وسمعت ضجة ~~الجند الذين جاءوا معهم، وكان هؤلاء الثلاثة قد دخلوا فجأة كأنهم ينوون إهانة والدة ~~الملك، إلا أنهم وقفوا متهيبين خاشعين؛ لأنهم رأوا أنفسهم تجاه امرأة حسناء ضعيفة، وخجل ~~دي مونمورانسي كما خجل الكردينال دي بوربون لتهجمهم على والدة وأولادها، فكان سكوت طويل ~~المدة، ثم قالت كاترين: ماذا تريدون؟ # فأجابها الدوق بخشونة: إننا أتينا أيتها السيدة طالبين ms155 إليك الإياب معنا إلى باريس. ~~فارتعدت كاترين؛ لأن دخولها مدينة كاثوليكية مما يشق عليها بعدما قضت عاما كاملا وهي ~~تدافع عن البروتستانتيين جهرا، وهي التي بذلت مجهودها لإنقاذ أمير كوندة من حكم ~~الإعدام، والباريسيون كانوا قد تهددوه بالقتل إذا لم يرتحل عن مدينتهم، وكاترين لم تكن ~~تحفل بالمذاهب الدينية، وإنما تحب السلطة حبا كالجنون. ومعنى إيابها إلى باريس ~~استسلامها إلى أعدائها، وأولهم ملك النافار، وكانت قد هزأت به، ثم مونمورانسي وكانت قد ~~ناقشته الحساب عن شئون منصبه، ففرنسوا دي جيز، وكانت قد طردته من البلاط قبلا. فنظرت ~~بكبر إلى الرجال الثلاثة، وأجابتهم قائلة: لا أدخل باريس أبدا! # فاضطربوا من هذا الجواب؛ لأنهم كانوا يتوقعون منها مراوغة ومماطلة لا عزيمة ثابتة، فقال ~~لها الدوق: إذن أين يكون مقرك أيتها السيدة، ولا حاشية لك، ولا جيش، ولا حراس؟ # فأجابته: سأذهب إلى حيث أجد أصدقاء مخلصين للملك. # قال: لعلك ترومين أن تجدي أمير كوندة؟ # قالت: لا ينبغي أن أخبرك بشيء من ذلك، ولكن، يا للعجب منكم، أهكذا تدخلون على مليككم؟ ~~انظر يا ولدي شارل إلى هؤلاء الرجال الثلاثة المدججين بالسلاح، فقد تجرءوا على مخاطبة ~~والدتك وقبعاتهم على رءوسهم، وقد أتوا إلى هنا مستصحبين جيشا حقيقيا، متهددين، ~~متوعدين، آمرين ناهين، ولعلك تحسبهم غرباء أو أعداء، كلا! فأحدهم اسمه أنطوان دي بوربون ~~وهو عمك، والآخر اسمه دي مونمورانسي وهو قائد جيوش المملكة الفرنساوية، أعني الرجل الذي ~~يجب عليه أن يكون أشد الناس إخلاصا لك؛ لأنه أقسم بشرفه على ذلك، وأما هذا الآخر فهو ~~فرنسوا دي جيز خادم أبيك، وهو الذي استخلص مدينة كاليه من أيدي الإنكليز، ومدينة ثيونفيل ~~من أيدي الإسبانيين، فتذكر يا شارل أن هذا الرجل جاء إلى هنا وأهانك؛ لأن الرجلين ~~الآخرين لا يحسبان شيئا مذكورا بالقياس إليه، بل هما كألعوبة بين يديه. ألا فاذكر ما ~~أقوله لك يا شارل، إن هذا الرجل ألد عدو لك ولأسرتك! والآن أيها السادة اذهبوا من هنا ~~وولدي هذا قوي الذاكرة فلن ينسى أحدا منكم! # فلم يدر ms156 مونمورانسي وأنطوان دي بوربون بماذا يجاوبان، غير أن الدوق دي جيز كان أقساهم ~~قلبا وأربطهم جأشا، ففكر في وسيلة يتخذها لإقناع الملكة، وجعلت كاترين تنظر من النافذة ~~إلى البرية راجية مساعدة من كوندة وهي تغمغم، وتقول: ترولوس، ترولوس، لماذا لا ~~تجيء؟! # ولم يكن حول القصر إلا جيش الدوق دي جيز مستعدا للحرب والنضال، وإذا بها قد أحست ~~بأنهم ينتزعون يد ولدها شارل من يدها، فصرخت صرخة عالية، وانثنت فأبصرته يمتنع عن الدوق ~~دي جيز، وقد أبعده عنها، فنهضت. # فقال الدوق: سواء لبثت في مكانك أو أتيت معنا فإنا لا نتخلى عن الملك، ولا بد لنا ~~منه . قالت: أتتجرأ! # قال: لست بالسيدة الآمرة إلا إذا شئت المسير معنا، أو الاعتزال في أحد القصور، ولا بد لنا من أخذ الملك وإخوته. فامتقع لونها كمدا، وهمت بشتمهم إلا أنها رأت السكوت، ~~وقد شعرت بالغلبة، وكان ابنها يبكي فاسترسلت أيضا في البكاء. فجعل الرجال الثلاثة ~~ينظرون إليها صامتين إلى أن قال لها الدوق: كيف ترين؟ # فأجابته برقة: إني متأهبة للذهاب معكم. فأمر الدوق بالرحيل، وللحال سار القوم عائدين ~~إلى باريس ومعهم الملكة الوالدة والملك أسيرين، وكانا يبكيان. فقال الدوق دي جيز: إن ~~المصلحة العامة تظل مصلحة عامة سواء أدركت بالرفق أو بالعنف. # ووصلوا عند المساء إلى ملون، فباتت الملكة وابنها في قصر هناك، لم يسكنه منذ أكثر من ~~مائة عام إلا السجناء. # إلا أن ترولوس، بالرغم عن مراقبة الحراس وطوافهم حول موضع الملكة، تمكن من الوصول إليها ~~عند منتصف الليل. فضرب باب مخدعها فنهضت وفتحته، فلما رأى آثار الدموع على وجهها لم ~~يتمالك أن زفر زفرة كادت تخنقه، وقال: يا لله من هذه الحال التي صرت إليها يا ~~سيدتي! # قالت: ماذا جرى لكوندة؟ # أجاب: وا أسفاه إن الفرسان البروتستانتيين بدءوا يتوافدون إلى «مو» وبعد يومين يمشي ~~الأمير في طليعتهم، ويحضر للدفاع عنك، وقد رأيت من جاليو همة كبيرة. # قالت: وا حسرتاه لقد ضاعت سلطتي بتأخير يومين! # قال: لا شيء يعزيني عما حل بك يا ms157 سيدتي، أما الآن فلا أريد مفارقتك؛ لأني أخشى أن ~~يحاول هؤلاء الأنذال إهانتك! # قالت: كلا يا ترولوس، فلا بد من ذهابك! فعد إلى الأمير، وقل له إنني سجينة مع الملك، ~~وقل له أن يبذل جهده لإنقاذي، ثم تسعى لملاقاتي في الموضع الذي أساق إليه، ولقد خانني ~~الكل، وإني محتاجة إليك، فاذهب أيها الحبيب! # فأجابها: إني طوع أمرك أيتها الملكة! وبعد هنيهة سار في طريق «مو» آملا أن يلحق بأمير ~~كوندة، وكان الأمير قد ترك ذلك الموضع ليقترب إلى أورليان، ويشرع في الاتفاق على العمل ~~مع الأميرال دي كوليني، وهناك علم أن الكاثوليك قبضوا على الملكة والملك . فكان ذلك فاتحة ~~حرب، ولم يبق بد من الدفاع. فوثب ترولوس إلى طريق أورليان، وكانت يومئذ المدينة ~~الثانية في المملكة، فوصل إليها يوم استولى عليها دنديلو، نجل الأميرال، ولقد استولى ~~عليها من غير أن يسفك قطرة دم؛ إذ أقنع الأورليانيين بأنه إنما لجأ إلى أورليان ليخدم ~~الملك فيها، وبعد أيام أقبل أمير كوندة على المدينة فحاصرها، وأعلن بعدما تلقى رسالة ~~ترولوس أنه لا يجرد السلاح إلا لمصلحة البلاد وإنقاذ الملكة الوالدة والملك. وفي يوم 11 ~~أبريل (نيسان) اجتمع أهل أورليان واعترفوا بأمير كوندة زعيما لهم؛ لأن أكثر سكان ~~المدينة كانوا على مذهب البروتستانتيين. فوقعوا على عقد تعهدوا فيه بالانقياد إلى أمير ~~كوندة لإنقاذ الملكة الوالدة وابنها الملك، وإعادة الطمأنينة إلى المملكة تحت حكم الملكة ~~الوالدة، وكان جاليو في جملة الموقعين على ذلك العقد، شافعا توقيعه بأنه يظل كاثوليكي ~~المذهب؛ لأنه لا يريد أن يرتد عن مذهب والديه، ولكنه يقاتل دفاعا عن الأمير، والملك، ~~والوطن، وعن الضعيف، ولقد رأى نفسه في أشد حاجة إلى سيد عظيم يقيه شر المحامي أفنيل ~~بعد حادثة فاسي؛ لأن جاليو أبقى مرسلين عنده مخبوءة في أورليان، وكان ينفق عندها وقته ~~عندما يخلو من خدمة الأمير. # فلما كان يوم 11 أبريل أقر مجلس باريس الأمر المشهور «بأمر يناير (كانون الثاني)» وهو ~~الذي يخول البروتستانتيين حرية العبادة والقيام بشئونها. ثم إن الدوق ms158 دي جيز أكره الملكة ~~على أن تسعى لإخضاع أمير كوندة، فانضمت إلى الكاثوليكيين؛ لأنهم صاروا الحزب الأقوى، دون ~~أن تقطع مفاوضتها مع زعماء البروتستانتيين، ولقد كتبت رسائل عديدة، جمعها الكونت هكتور ~~دي لافريير في كتاب عنوانه: «مراسلات كاترين دي مدسيس» وكلها مرسلة إلى زعماء ~~البروتستانتيين. # ولم تعلن الحرب بين الطائفتين، إلا أن المشاجرات كانت متوالية، وفي ذات يوم خرج ~~مونمورانسي من باريس بجيوشه وتبعه جمهور من الناس فقصد موضعين لاجتماعات البروتستانت؛ ~~أحدهما: خارج باب سن جاك، والآخر: في موضع يقال له بانبكور؛ فأضرم النار فيهما، وأهلك كل ~~المجتمعين للعبادة هناك من غير دعوى ولا مرافعة، ثم عاد إلى المدينة بين هتاف المتعصبين ~~وصياح المتحمسين كأنه قادم من نصر مبين. وكذلك وقعت مذبحة كبيرة في «سانس» سقط فيها من ~~البروتستانت قتلى لم يحصر عددهم، واستمرت المذبحة (أو بالأحرى المجزرة الوحشية) أسبوعا ~~كاملا. # وبعد أيام قلائل كان شارل التاسع يتنزه قرب قصر اللوفر عند ضفاف السين مع والدته وآل ~~جيز، فأبصروا جثة طافية على الماء، وكان وجه الجثة متجها إلى شارل التاسع، فقال ~~مرتعدا: ما هذا؟ # فأجابه ترولوس، وكان مع الملكة: هذه جثة رجل مقتول في «سانس» ينظر إليك أيها الملك ~~ويسألك عدلا. # فنظر الكردينال دي لورين شقيق الدوق دي جيز إلى ترولوس نظرة غضب، أما الدوق فقال: إن هي ~~إلا جثة بهيم نجس. # 1 # ولكم من جثة كتلك الجثة الطاهرة كانت طافية على المياه أو مطروحة في الطرق ~~والسهول! # الفصل التاسع والعشرون # | الاستيلاء على روان # لم يكن الذل الذي أصاب الملكة الوالدة إلا وقتيا، فإنها بعد بضعة أسابيع استعادت ~~شيئا من السلطة، وأخذت تفاوض سرا وجهرا معلنة أنها كاثوليكية المذهب، إلا أنها ~~متجنبة معاداة زعماء البروتستانت، ومؤكدة لأمير دي كوندة ولاءها، وكانت تزعم أنها بهذه ~~السياسة توفق بين جميع أبناء المذاهب، والحقيقة أن الشقاق كان يشتد بين أبناء الوطن ~~الواحد، بتحريض رؤساء الدين الكاثوليكي، حتى طلب كوندة وكوليني مساعدة الألمانيين، ~~واستنجد البروتستانت في نورمانديا بالإنكليز على أن يسلموهم مدينة الهافر. # أما ms159 الدوق دي جيز وملك النافار فإنهما طردا من «مدينة بورج» البروتستانتي مونغوميري، ~~فلجأ إلى روان فحاصراها بجيش كبير، وافتتحا قلعة فيها فاستبشرا بالنجح والفوز، إلا أن ~~مونغوميري أعد في البلدة كل خطة للدفاع، فحصن سائر مواقعها، ولكن حدثت حادثة غير ~~منتظرة ساعدت الدوق دي جيز على فتح تلك المدينة بالسيف. # وكان بين الأعداء الذين يرصدون حركات الدوق وسكناته، بلترو دي ميرة، ومادلين بنت «يعقوب ~~لوم» الكتبي. # فإن هذين المنحوسين ما برحا يتبعانه والحنق يوليهما هياجا شديدا، ولا سيما مادلين، ~~فقد كانت تتلظى من ظمئها إلى الانتقام، ولقد خطر مرارا لبلترو أن يطارحها الحب، فقالت ~~له بصوت خشن: لا غرض لي الآن من دنياي إلا الانتقام العادل. # فجعل بلترو يده على غدارته، وقال: إنني أبذل حياتي في سبيل قتل فرنسوا دي جيز. # إلا أن الدوق كان يحدق به جماعة من الأشراف الذين لا يدعون بلترو وأمثاله يصلون ~~إليه، فلم يخطر له إلا أن يرقب الفرص، ويداهم الدوق مداهمة. فلما تمشى جيش الدوق إلى ~~روان جاء ومادلين يستعلمان، وكان يقول لمادلين: إن الدوق يخاطر بنفسه كثيرا، وقد رأيته ~~يتقدم إلى أسوار المدينة، ويمكن تسديد المرمى إليه من وراء السور، فإن لم نتمكن من قتله ~~على هذه الطريقة راقبناه حتى يستولي على المدينة، وذلك أمر لا تطول مدته، ولا بد أن يترك ~~الحذر وقت الظفر. ألا ويل لك يا فرنسوا دي جيز، إني سأبقى ألصق لك من ظلك إلى أن أراك ~~ممددا عند قدمي مخضبا بدمك، ولئن قتلوني بعد ذلك فما أبالي؛ لأنني أكون قد انتقمت ~~لنفسي، ولأبي مادلين، وأنفذت إرادة الله، وأنجزت وعدي للارنودي. ثم خفض صوته، وقال: ~~وأكون قاتل الرجل الذي اختطف مني حبيبتي. # وفي ذات صباح كان بلترو ومادلين يرصدان الدوق قرب الأسوار، ويشهدان مصارع الرجال، فشهدا ~~حركة وسمعا قول قائل يقول: لقد جرح جرحا بالغا. فقال آخر: من الجريح؟ قال: هو ملك ~~النافار! # وانتشر الخبر في المدينة المحصورة، فأقبل جمهور نحو الأسوار، وحمل الجنود الكاثوليكيون ~~«أنطوان دي بوربون» على ms160 محفة معدة للجرحى، وبادر الدوق دي جيز ليساعد الرجال على نقل ~~الجريح، فأبصره البروتستانتيون من أعلى الأسوار، وللحال انهال عليه رصاصهم. # فقالت مادلين لبلترو: ما بالك لا تطلق أنت النار عليه؟ # أجاب: لا فائدة من ذلك، فإنه بعيد عن مرمى رصاصنا. # وكان فرنسوا دي جيز قد ابتعد فالتفت ونظر إلى ناحية الأسوار، فحانت منه التفاتة جعلته ~~يرتعد؛ لأنه أبصر وجه مادلين وقد زادها لبس السواد حسنا. فأوصل ملك النافار إلى خيمته، ~~ثم عقد مجلسا وأقر وجوب الاستيلاء على البلد بالهجوم المباشر دون اكتفاء ~~بالحصار. # فقالت الملكة الوالدة: مهلا يا مسيو دي جيز، فإن الاستيلاء على المدينة بالهجوم عليها ~~قد يكون السبب في تسليمها إلى الجند يحرقونها، ويذبحون سكانها. # فأجابها: ثقي أيتها السيدة أنه لا جندي من جنودي يحرق ويسلب، وإني أقسم لك على ~~ذلك. # وأخذ يبسط الكلام في أفضلية رأيه، إلا أنه قبل إصدار الأوامر بالهجوم دعا إليه خادمه ~~روسو، وهو الرجل الذي كان رسوله في كل مراسلة غرامية، وقد كافأه بأن قلده زمام الحكومة ~~في مدينة «بايو» فقال له: ألم تطلب إلي بالأمس أن أسمح لك بزيادة الضرائب في مدينة ~~بايو؟ # فأجابه: لست أنتظر غير صدور أمرك الكريم لأعود إلى حكومتي! ~~- لقد قيل لي إنك تذبح البروتستانتيين ذبحا كثيرا. ~~- ذلك خير من تركهم ينغمسون في عبادتهم الخاطئة (؟). # فضحك الدوق وقال: إني أخولك الزيادة التي تطلبها، ولكن بشرط واحد. ~~- تكلم يا مولاي. ~~- ألم تر أحدا على الأسوار في هذا المساء؟ ~~- نعم رأيت مادلين لوم! ~~- إنا هاجمون غدا على مدينة روان، وليس من العدل أن يتمتع الجنود بمن يشتهون ويحرم ~~قائدهم الأكبر. ~~- فهمت يا مولاي. # قال الدوق: وهل أعتمد عليك؟ # أجاب: يعلم مولاي أنني لا أضن بحياتي في خدمته. وفي اليوم التالي، بعد هجوم هائل، ~~استولى الكاثوليكيون على مدينة «روان» ولم يبق لها قلعة أو وسيلة للدفاع إلا حصونها ~~المتداعية، فتخطاها المهاجمون بعد أن أتموا تهديمها، ويومئذ حدثت المذابح التي تقشعر ~~منها الأبدان، وسفكت الدماء حتى سالت في كل مكان؛ لأن ms161 البروتستانتيين كانوا قد عقدوا ~~النية على الدفاع في داخل المدينة، وعلى ألا يدعوا للمهاجمين زقاقا أو شارعا أو ~~بيتا إلا بعد أن ينازعوهم عليه كل المنازعة، ويقاتلوهم كل المقاتلة. فكانت النوافذ ~~مملوءة بفوهات البنادق تطلق نيرانها على الجند، والسطوح عبارة عن مناجم حجارة يرشقون بها ~~المهاجمين، وكانوا يسمعون في بعض الأحيان دويا هائلا يدل على أن بعض البروتستانتيين ~~قد نسفوا بيتا ليدفنوا تحت أنقاضه المهاجمين من الكاثوليكيين، وانقضت ثلاثة أيام في قتل ~~ونهب. أما مونغوميري فقد لجأ إلى الفرار على قارب، وكانت الملكة تبكي غيظا وقهرا ~~وحزنا على مدينة غنية كانت من أكبر المدن التجارية، وقد أصبحت خرابا. فبادرت إلى الدوق ~~دي جيز، وقالت له: أين اليمين التي حلفتها؟ فأجابها: لست أذكر يمينا أيتها السيدة، وهل ~~تظنين أنه يمكن ضبط جيش منتصر؟ إن هؤلاء الجنود الذين تلومينهم؛ لأنهم يسلبون وينهبون ~~معذورون؛ لأنهم لم يتناولوا مرتباتهم منذ استيلائهم على مدينة بورج! # فأدركت كاترين أن كل وسيلة صالحة لا تجدي، فانطلقت وزارت ملك النافار، وقد أراد دخول ~~المدينة محمولا على محفته، ولكنه مات وهو ينظر إلى الآنسة «دي رويا» وهي فتاة كان ~~يهواها هوى شديدا. # وفي ذلك المساء طاف الدوق دي جيز في المدينة التي استولى عليها، ولم ير خادمه، فقلق ~~خوفا أن تكون مادلين قد فرت منه، ورأى رجاله يسلبون ويفتكون ويغتصبون، وقد أسكرهم ~~النصر فكانوا يتغنون بأنشودة مؤداها: «إن دماء البروتستانت وأعراضهم حلال للكاثوليك»، ~~وألفاهم يحتفلون في كل مكان بذلك الظفر، إلا هو فإنه لم يحتفل، إلى أن صادف خادمه، فقال ~~له: ماذا فعلت منذ ثلاثة أيام؟ قال: إني كنت أبحث عن مادلين. قال: ألم تجدها؟ أجاب: بلى، ~~ولكنها كانت تهرب مني على الدوام. # قال: هل رأيتها وحدها؟ أجاب: لا، ولكن معها رجل كأنه يتبعك، ولا يترك مكانك إلا عند ~~خروجك، ثم لا يمر إلا في الشوارع التي تمر بها. # قال: ولماذا لم تقبض عليهما؟ أجاب: أظن أن ليس الغرض قتلهما، فلو كان ذلك غرضنا ~~لقتلناهما من عهد بعيد، ولكنك ms162 تروم القبض على الفتاة حية لا ميتة؛ ولذلك لم أتجرأ على ~~إطلاق الرصاص على الرجل الذي معها خوفا من أن أصيبها هي. # قال الدوق وهو منزعج: تقول إنها تتبعني، فهل هي تعرف من أنا؟ سوف أتحقق الأمر. # قال: لنختبئ يا مولاي، فإنهما مقبلان. # أجاب: لا فإنني سألقاهما! # وكان بلترو ومادلين منزويين في شارع ضيق، وهما تائقان إلى الانتقام، وقد هاجهما منظر ~~الدماء المهراقة منذ ثلاثة أيام، واتفق مرة أن الدوق كان على مرمى رصاصة منهما، فهم ~~بلترو بقتله، لكنه أحس بارتجاف يده فخاف أن يخطئ المرمى؛ لشدة ارتجاف يديه بسبب احتدام ~~نار بغضائه. أما في ذلك المساء فقد تماسك وتجلد وظن أن انتقامه قريب؛ لأنه لم ير مع ~~الدوق إلا رجلا واحدا. أما الدوق فتقدم إليهما وسيفه مجرد في يده، شأن من تعود ملاقاة ~~الأهوال والأخطار. فسدد إليه بلترو بندقيته عازما على أن يطلقها عندما يصير الدوق ~~قريبا، وفيما هو يهم بذلك سمع صرخة وراءه، فانثنى مرتاعا ورأى مادلين يحملها الرجال، ~~فحول الطلق إلى أولئك الرجال فقتل واحدا منهم، واختفى الباقون في زقاق مظلم ومعهم ~~مادلين محمولة على الأيدي، فبادر إليهم، إلا أن الدوق أدركه وضربه بسيفه ضربة صرعته ~~فارتمى على الأرض. # وبعد هنيهة كانت مادلين سجينة في بيت خال والدوق أمامها. فقال لها: أبلغ منك الجفاء ~~هذا الحد فلم يعد الوصول إليك ممكنا إلا بعد إطلاق النار واستخدام الجنود، ولولا أن ~~الدوق دي جيز استولى على روان لما استطعت أن أراك. # وهو قد حاول مخادعتها بزعمه أنه من ضباط الدوق دي جيز. ولم يتعشق قط امرأة تعشقه ~~لمادلين على كثرة مفاخرته باتخاذه عشيقات في كل مدينة فرنساوية، وقد أنسته الدسائس ~~والحروب أن والد تلك المنحوسة مات مقتولا بأمره، وكأنما نسيت مادلين ذلك أيضا؛ لأنها ~~أصغت إلى الدوق كل الإصغاء، وكان يطارحها عبارات الهوى والوجد، وطفق يذكر لها علاقته ~~السابقة، وكيف كان يزورها صاعدا إلى شرفة منزلها في ساحة أورليان، ومضى في كلامه إلى ~~أن مر سكير يغني بصوت عال، ms163 فنبهها ذلك إلى ما هي فيه، فدفعت الدوق وأبعدته عنها ~~وهددته بخنجر، فقال لها: ويك هل جننت؟ # فأجابته: كلا ما جننت يا دوق، ولكنني تذكرت تلك الأقسام والقبلات الكاذبة، وكل ما فعله ~~الضابط فرنسوا، ثم تذكرت مصرع أبي! فاصفر وجه الدوق، فقالت أيضا: ألا تدري «يا دوق ~~فرنسوا» أن قد كان لي والد، وكان من أهل الفضل والصلاح، وأنني كنت أحبه؟ # قال: لماذا تدعينني «الدوق»؟ إن أنا إلا ضابط شريف. # قالت: تبا لك من كاذب مخادع، أما تفتأ تخدعني؟ إن جلادك يا دوق قد فتك بأبي ظلما، ~~ثم دخلت أورليان في اليوم التالي، ورجالك يحدقون بك، وكنت تجتاز الساحة التي مات فيها ~~والدي ظلما، فلم ترفع رأسك لتراني، إلا أنني رأيتك وقتئذ، وعلمت أن الضابط فرنسوا الذي ~~هويته ما كان إلا الدوق دي جيز، قاتل أبي، فأقسمت في ذلك اليوم على الانتقام منك. ~~فعيناي اليوم لا تذرفان دمعا، ولكنك ترى أثر الدمع على وجنتي، وما عشت حتى الساعة إلا ~~لأنتقم منك. إذن فأنت هالك! وقد ابتعد عنك رجالك فلا يوجد ها هنا أحد سوانا، وإني قاتلتك ~~بعدما نزعت سيفك، وجعلته بعيدا عنك، فاركع يا دوق، واسأل الله لذنوبك غفرانا! # وفيما كانت مادلين تتكلم كان بصرها يطفح بغضا، والجفاء ظاهر في صوتها، فلما فرغت من ~~كلامها همت بالهجوم على الدوق، إلا أنها أصيبت وقتئذ برعشة عصبية فاضطرب بصرها، ونظرت ~~إلى فرنسوا نظرة تائهة، وأفلت خنجرها من يدها. أما الدوق فلم يشعر بأقل خوف؛ لأن خادمه ~~بقي في ذلك البيت، وكانت أمامه مائدة عليها الصحون والشموع فلو هاجمته مادلين لاستطاع ~~دفاعا عن نفسه. إلا أنه استشعر أسفا حقيقيا، ورأى نفسه صغيرا أمام تلك الفتاة، ~~ولكن ذلك لم يدم إلا وقتا قصيرا فرشق مادلين بنظرة شرسة روعتها وقهقرتها، ثم سقطت ~~على الأرض مغمى عليها، فحملها فرنسوا ووضعها على كرسي، ونادى خادمه وصب على صدغيها ~~ماء باردا، ثم قال للخادم: لقد تركت لك هذه المرأة التعسة، فمتى أفاقت أعطها هذا الكيس ~~وأطلق سراحها. وانطلق ms164 سريعا وهو يقول: ما عادت تطيب لي عشرة هذه الحسناء! # أما خادم الدوق، وكان يدعى جويليو، فإنه تأمل مادلين وأعجبه حسنها، ثم تأمل كيس النقود، ~~وآثر أن يجعله في جيبه بدلا من أن يضعه في جيب مادلين، وهكذا فعل. ثم حمل مادلين على ~~كتفه، وخرج من البيت، فلقي بعض جنوده، فقالوا له: إلى أين نمضي؟ فأجابهم: إنا مرتحلون عن ~~روان، وإذ ذاك عاود بلترو رشده، لكنه لبث وقتا طويلا غير قادر على النهوض، ونادى ~~مادلين غير ذاكر لأول وهلة ما جرى. ثم صاح: آه، ويل لك يا فرنسوا دي جيز، فقد كان في ~~وسعك قتلي إلا أنك لم تفعل ، إذن فقد كتب لك الهلاك على يدي أنا! # الفصل الثلاثون # | إخلاص ترولوس # لما بلغ أمير كوندة والأميرال خبر استيلاء ملك النافار والدوق دي جيز على مدينة روان ~~حسبا أن مدة نهب هذه المدينة تدوم أياما، وهو حساب لا خطأ فيه، فعزما على انتهاز تلك ~~الفرصة ومحاولة الاستيلاء على باريس، وقد أنجدهما أنديلو بسبعة آلاف جندي من ألمانيا. ~~إلا أن جيش الملك تلقى الخبر فعاد إلى باريس، أما كاترين فانتقلت إلى فنسان مع الحاشية، ~~وبقي دي جيز على زعامة جيش الملك مع مونمورانسي. فلما رأى زعماء جيش البروتستانت أن ~~الدوق تقدمهم، وعلموا أن المخاطرة ربما تسوق إلى ملاشاة مذهبهم، حاولوا القتال متقهقرين ~~حتى يصلوا إلى نورماندي. فلما وصل أمير كوندة إلى قرية يقال لها «أرموي» لحق به الدوق دي ~~جيز، وأظهر أنه عازم على مقاتلته. # ومع ذلك فقد كان الارتباك سائدا بين جيز ومونمورانسي وسن أندري؛ لأنهم عز عليهم أن ~~يهاجموا أميرا من بيت الملك، وكان زعماء الجيشين من بيت الملك، وكلا الزعيمين عم ~~لشارل التاسع ملك فرنسا، ولو لم يمت ملك النافار لكان الارتباك أشد؛ لأن ملك النافار ~~وأمير كوندة أخوان، وكل منهما يقود جيشا عدوا للآخر. # فلم يجد الدوق دي جيز ومونمورانسي وسن أندري بدا من إرسال رسول إلى الملكة الوالدة، ~~اسمه ميشال دي كاستيلان، يطلبون منها أن تصدر أمرا ms165 مطلقا صريحا يقره مجلس الملك، ~~ويكون مؤداه مباشرة القتال. # وكانت كاترين منذ وصلت إلى فنسان قلقة الخاطر، وقد عظم مجد الدوق دي جيز لاستيلائه على ~~مدينة روان، فلو فاز فوزا جديدا لأصبح سيد فرنسا ومالكها، وهو منذ ذلك الحين قد أعاد ~~أخاه الكردينال إلى مكانه في المحكمة المخصوصة، ورأت كاترين - وهي مرتعبة - إياب هذا ~~الرجل، وأشفقت أن يفوقها دهاء وقوة، فلم يسترح فؤادها، ولا ارتاحت إلى شيء سوى حبها ~~لترولوس، وقد استسلمت إليه شأن امرأة يئست من كل حب جديد. أما ترولوس فنسي الدنيا وما ~~فيها بهوى كاترين، وكان يحبها حبا صادقا طالما تمنت مثله في شبابها، وهو حب مجرد ~~عن الأغراض؛ لأن ترولوس لم يكن يحفل بلقب أو ثروة أو مجد، وكان يقول لها: لا مطمع لي في ~~غير ما أنا فيه، ولا أشتهي إلا أن أبقى قائد حراسك؛ أي أن أعيش بقربك، وأموت لأجلك عند ~~الحاجة. # ولقد أرسلته كاترين مرتين إلى أمير كوندة في طلب بعض الإيضاحات، فتعرض له رجال راموا ~~قتله ونجا منهم. فكتم ذلك عن كاترين، وكان يجهل أن الكردينال أدرك وجود علاقات سرية بين ~~كاترين وكوندة، ورام الحصول على برهان يؤكد وجود تلك العلاقات الخفية، فأرسل إليه مرارا ~~من يفتك به، ويأخذ منه ما عسى أن يوجد معه من الرسائل، وكان يكفي أمير كوندة أن يحصل على ~~إنذار يسير من كاترين؛ ليحبط مساعي الدوق دي جيز، وذلك ما أراد الكردينال منع وقوعه بأية ~~وسيلة. # ووصل ميشال دي كاستيلان رسول الدوق إلى كاترين فسلمها رسائل زعماء الجيش الكاثوليكيين ~~طالبا صدور أمرها بمباشرة القتال. ولم يكن من عادات كاترين أن تصدر أمرا جليا، أو ~~تكتب رسالة واضحة المعنى خالية من كل إبهام وتورية. فبدأت تقول: إنه من العار أن ينشب ~~قتال بين فرنسا وبين أبناء أمة واحدة، وإن مثل القائد مونمورانسي والدوق دي جيز ~~والماريشال سن أندرة في غنى عن رأي امرأة لم تجربها حوادث الزمان، ورأي صبي قاصر، ~~وإنها تأسف كثيرا؛ لأنها ترى شئون المملكة قد ms166 صارت إلى ذلك الحال. # وكان الرسول قد دخل حجرة الملك شارل التاسع مع كاترين، وكانت مربية الملك تلاطفه ~~وتداعبه. فقالت لها الملكة: ما رأيك أيتها المربية - فهذا هو الزمن الذي تسأل فيه ~~النساء، عن آرائهن - في مباشرة القتال؟ # فقبلت المربية الملك، وقالت: إذا لم يقنع البروتستانت، ولم يذعنوا لإحكام العقل، فلا بأس من مقاتلتهم. # وتفاوضوا وقتا طويلا، وكان ميشال دي كاستيلان رسولا حاذقا فطنا، فاستخدم دهاءه في ~~الحصول على أمر تكتبه الملكة لمباشرة القتال فلم يفلح. فاضطر إلى العودة ناقلا إلى ~~الدوق دي جيز ومن معه كلمات كاترين، إذ قالت له: «قل لأبناء عمي آل جيز وآل مونمورانسي ~~أنهم أسد رأيا، وأكثر خبرة مني!» فصاح الثلاثة: لعنة الله على الخائنة! فلا بد من ~~مباشرة القتال على رغم أنفها! # وكان الكردينال شقيق الدوق دي جيز، يعرف كذب كاترين ودهاءها فلم يتعجب من أنها أبت ~~إصدار أمر جلي صريح، ولم يشأ أن تلقى التبعة على عاتقه، فتجنب لقاء الملكة عندما كان ~~الرسول ميشال دي كاستيلان عندها. إلا أنه عمد إلى مراقبتها حالما خرج ذلك الرسول من ~~عندها، فأبصر ترولوس قد دخل مرارا، وأحس الكردينال بألا بد للملكة في ذلك اليوم ~~من مفاوضة أمير كوندة، فعول على المكث في مخبئه حتى الغد مراقبا، وكان مخبؤه حجرة ~~مطلة على رواق يفضي منه إلى مساكن الملكة، ومعلوم أن الموقف حرج، وأن أقل خيانة من ~~كاترين تحبط آمال الكاثوليكيين أجمعين. فلما أظلم الليل أقبلت وصيفة ففتحت باب حجرة ~~الملكة، ونظرت إلى الرواق، ثم انثنت تقول: لا يوجد أحد يا مولاتي. فقالت كاترين: اذهبي ~~وقولي له أن يتأهب للسفر على جواده. # وسمع الكردينال وقع خطى الوصيفة، وهي ذاهبة إلى الطبقة الثانية من القصر، فقال في نفسه: ~~هناك يقيم ترولوس، وقد أمرته كاترين بتحضير جواده للسفر. فعندها رسالة، ولست أغفل عنها ~~في هذه المرة! وعندئذ مر ترولوس في الرواق قاصدا إلى حجرة كاترين، فلما خرج من عندها ~~ترك الكردينال مخبأه، ورأى ترولوس ينزل إلى فناء القصر، ويركب جواده ms167 وينطلق. وقد تحققت ~~كاترين أن جيش الملك عازم على القتال، فأرادت إنذار أمير كوندة فكتبت إليه تقول له: # اعلم يا ابن العم أن الدوق دي جيز يهاجمك غدا دون إمهال، والماريشال سن أندري في ~~طليعة الجيش، فليكن إطلاق البنادق من هذه الناحية متواصلا شديدا. وسيكون معه سبع ~~عشرة فرقة من المشاة، وأربع عشرة فرقة من الإسبانيين، وأربعة عشر مدفعا، والمسيو دي ~~مونمورانسي يتولى القيادة بثماني عشرة فرقة من السويسريين وست فرق من مشاة ~~الفرنساويين وثمانية مدافع، أما الدوق فلا يريد أن يقود إلا فرقته. # فقاتل بجرأة حتى نتمكن من عقد الصلح كما نحب. # كاترين # فسار ترولوس بهذه الرسالة في طريق وعرة، وثلج ديسمبر يكاد يسد الطرق، وكان الجو ~~صافيا والقمر طالعا، وللأشجار على الطريق ظلال كثيفة، وجواد ترولوس ينهب الأرض، وفيما ~~كان سائرا أطلقت عليه ثلاث طلقات نارية، فأدرك أن وراءه من يتبعه ليقبض على رسالته، ولم ~~يصبه الرصاص، وإنما أصاب جواده فعطف عليه ولاطفه، وكأن البهيم أدرك الغرض من تلك ~~الملاطفة فأن من شدة الألم، واحتدم ووثب وثبات متواليات، وسمع ترولوس وراءه وقع حوافر ~~الخيل فعلم أن أخصامه عديدون، وقربت المسافة بينه وبين اللاحقين به، فتناول ترولوس رسالة ~~الملكة، وجعلها في صدرته، وقال: إذا أدركوني ابتلعتها. # ومر به وقتئذ فارس متجه نحو المدينة، فتأمله فإذا هو جاليو، فقال له: بحقك أنقذني ~~وأنقذ الملكة؟ ~~- من أي خطر؟ ~~- إليك هذه الرسالة فأوصلها إلى الأمير. ~~- معي رسالة مثلها إلى الملكة من الأمير. ~~- لا فائدة من رسالتك، بل خذ رسالتي هذه وعجل. ~~- ألا تسير معي؟ ~~- إن جوادي جريح، فانطلق. ~~- اركب جوادي. ~~- كلا، بل سافر أنت. إن الوقت ثمين جدا، وورائي فرسان يطاردونني. ألا تسمع وقع ~~الحوافر؟ ~~- بل خذ جوادي وأنا ألبث ها هنا. # قال ترولوس: أناشدك الصداقة وهوى مرسلين وإخلاصك للملكة يا جاليو أن تفعل ما أقوله لك. ~~سافر، فالوقت لا يزال يتسع لرحيلك، وسلم هذه الرسالة إلى الأمير قبل طلوع النهار. # أجاب: إني أودعك، فبلغ تحياتي إلى من تحبها! # ورجع جاليو وهو ms168 مغموم، وكانت للطريق عطفة تتفرع في آخرها إلى طريقين: أحدهما يؤدي إلى ~~النهر، والآخر يوصل إلى باريس. فتردد جاليو في اختيار الطريق الأقرب، وهي التي يجب أن ~~يجتاز إليها النهر، إلا أنه فكر في أنه قد لا يجد قاربا، فقال في نفسه: أسير برا، ~~وقد يطول الوقت، ولكنني أصل. واتجه إلى طريق باريس. # وأيقن ترولوس أنه لا ينجو من اللاحقين به، وأنهم ولا شك قد رأوه يكلم فارسا آخر، فلم ~~ير بدا من منعهم عن اللحاق بجاليو. وأدركه خصومه فهجموا عليه بحنق فوثب عن جواده وشهر ~~غدارتيه، وجعل سيفه بين أسنانه، وقال: ماذا تريدون؟ قالوا: سلم نفسك! # قال: هيهات ! # فأحاطوا به، ونشب بينه وبينهم قتال هائل؛ لأنهم كانوا عشرين فارسا، إلا أنهم لم ~~يتمكنوا من القبض عليه إلا بعد أن قتل ثمانية منهم، ولما دنا منه زعيمهم تفرس في وجهه ~~فعرف أنه الكردينال، شقيق الدوق دي جيز. وقال في نفسه: ما أرى أن جاليو قد سبقهم السبق ~~الكافي، واستعد للمخادعة فقال بعظمة: لماذا هجمتم علي؟ # قال الكردينال: معك رسالة، فهاتها. ~~- أي رسالة تعني؟ ~~- هي التي تحملها إلى البروتستانتيين، وأنت بروتستانتي فيما أعلم. أجاب: ليس معي رسالة. ~~قال: إذن تكون قد سلمتها إلى ذلك الفارس الذي التقيت به منذ هنيهة؟ أجاب: ربما. # فالتفت الكردينال إلى بعض رجاله، وقال: الحقوا بذلك الفارس. فابتعد الرجال إلا أن أحدهم ~~رجع يقول: يوجد يا مولاي طريقان فأيهما نسلك؟ # فقال الكردينال: في أي طريق سار صديقك؟ # وكان ترولوس ينتظر هذا السؤال، فتظاهر بالحياء والسذاجة، وقال: أتطلق سراحي إذا ~~أنبأتك؟ # أجاب: إني أعدك بذلك. # قال: إنه سار في الطريق الأيسر بعدما ركب قاربا إلى الشاطئ الآخر. # فقال الكردينال: هيا فانزلوا في السين، أما إذا كنت كاذبا أيها الرجل فإنك ~~هالك. # فقال ترولوس في نفسه: لا عجب إذا قتلني، ولكنني أكون قد أنقذت الملكة! # فوصل الرجال وضربوا باب كوخ نوتي هناك فانفتحت نافذة، وأشار رجل منها إلى بندقية معه، ~~وقال: ماذا تريدون؟ # قالوا: أعد لنا زورقا. # أجاب: لا ms169 زورق عندي في الليل، وإنما أعده في النهار فقط. # قالوا: ولكنك منذ هنيهة أنزلت في زورقك فارسا وفرسه. # أجاب: كلا لم أنزل أحدا. # فحملق الكردينال بصره إلى ترولوس، وقال له: تبا لك من خائن! # قال: بل أنت خائن. # قال: لقد تجرأت فكذبتني القول. # أجاب: ربما. # قال: لا شك أنه سلك الطريق الأيسر. # قال: إذن أكون واهما، وربما سلك الطريق الأيمن. على أنني أظن اللحاق به لا يفيدكم الآن ~~فقد سبقكم سبقا كافيا. # تلفظ ترولوس بهذه الكلمات بلهجة المستهزئ. فهاج هائج الكردينال، وأمر رجاله بالإياب إلى ~~القصر، وأن يساق الأسير إلى حجرة واطئة معدة لتعذيب المسجونين، وكان الجلاد فيلار ~~حاضرا ، فقال له: خذ هذا الرجل وأوثقه وعذبه حتى يتكلم. # فألقوا ترولوس على لوح طويل، وأوثقت يداه ورجلاه إلى عجلات تدور على نفسها، ثم انتظر ~~الجلادان الأمر، فطلب الكردينال كاتبا؛ لأنه أبى أن يشهد العقوبة وحده، فقيل له: إن ~~الكاتب قد سافر إلى باريس، ولا يرجع إلا غدا. # قال: إنما أحتاج إلى موظف في المحاكم؛ ليكتب إقرار السجين. فهاتوا لي المحامي ~~أفنيل. # وكان أفنيل يود ألا يشهد مثل هذه العقوبة، لكنه لم يكن قادرا على عصيان الكردينال، ~~فنزل إلى الحجرة الواطئة، ولم يلاحظ امرأة كانت تتبعه سرا. فلما رأى السجين صرخ ~~مدهوشا، فقال له الكردينال: ماذا دهاك؟ أجاب: لا شيء. قال: أتعرف هذا الرجل؟ أتعرف ~~أسراره؟ فتردد أفنيل هنيهة، ثم قال: هل قضي عليه بأن يموت؟ أجاب الكردينال: بلا شك. قال: ~~إذن أكاشفك بأمر يتعلق به، لكنني أخاف انتقامه. وخفض صوته، وقال: وأخاف انتقام ~~الملكة. # قال: هات ما عندك يا أفنيل. # أجاب: لا أتكلم أمام هؤلاء الحضور. # واجتذبه ناحية، ثم قال: أتذكر يا مولاي ليلة مرت بنا في فونتنبلو؟ # أجاب: أتعني الليلة التي دخل القصر فيها رجلان من إحدى النوافذ؟ ~~- نعم يا مولاي، وقد عرفت الرجلين. ~~- ولماذا لم تنبئني عنهما؟ # أجاب: لخوفي من الملكة كاترين، فإنها كانت تنتظر الرجلين قرب النافذة، وهي التي أمرت ~~بأن يلقى إليهما سلم الحبال. # قال الكردينال: لقد ms170 حزرت ذلك، وماذا جرى بعده؟ # أجاب: إن الملكة أمرتني بتناسي ما رأيت. # قال: ومن الرجلان؟ # أجاب: أحدهما سيموت بيدي عندما ألقاه. # وقال الكردينال: والآخر؟ # أجاب: هو سجينك الليلة. فإن الملكة اقتادتهما في تلك الليلة معا إلى دهليز خفي، وتذكر ~~أن المسيو دي مزغونة كان من حراس الملكة في اليوم التالي. # وكان الكردينال قد خامره ارتياب في كل ذلك، لكنه لم يجد أقل برهان عليه، فقال للمحامي: ~~أصغ إلي إن كان يهمك الانتقام من الرجل الآخر، فنحن وأخي نساعدك، وأنا أعرف من تعني، ~~فهو شجاع باسل، وأنت وحدك لا تقوى عليه، ولا يمكن أن تظفر به، ولكن إذا ساعدناك فإنما ~~نفعل بشرط واحد. ~~- ما هو؟ ~~- إن الملكة ألد أعداء مذهبنا فلا بد لنا من إضعافها. فعليك أن تدون ما قلته لي. ~~- إنك تعرضني لانتقام الملكة. ~~- لا بد من ذلك، وهي لا تجسر على الانتقام منك ما دمت من أتباعنا وذوينا. ~~- إني أعدك بما تروم. ~~- والآن عليك أن تكتب إقرار هذا الخائن. ولما رجع الرجلان إلى الحجرة الواطئة كانت ~~المرأة التي تبعت المحامي تزفر زفرات حرى وهي مختبئة في ساحة السلم، وقد سمعت ~~المحادثة، وكانت هذه المرأة - وهي الملكة كاترين - تبكي غرامها الضائع، وحبيبها الوحيد، ~~ومطامعها الذاهبة. ثم تجلدت تجلدا غريبا، ودخلت الحجرة وقصدت إلى الكردينال، فقالت له: ~~ما معنى هذا؟ # أجاب: معناه أيتها السيدة أن بيننا جاسوسا يحمل الرسائل إلى الأمير. # قالت: وممن تلك الرسائل؟ # قال: لعلك أدرى بها منا؟ # قالت: وأي برهان لديك على أن هذا الرجل جاسوس؟ # أجاب: إن الشريف المخلص أيتها السيدة لا يفر، ولا يرتحل عن القصر ليلا قبيل معركة. ~~فالمسيو دي مزغونة إذن خائن. # وقد بدأ الجلاد بتعذيب ترولوس، وكان ينظر إلى الملكة في أثناء ذلك التعذيب نظرة وكأنه ~~يقول لها: «أنا هالك أيتها الملكة، ولا طاقة لك على إنقاذي من الردى، ولكن لا تخافي فقد ~~بذلت نفسي فداءك» فتقدمت إليه كاترين، وقد خطر لها وجوب تنجيته، ولكنها لم تهتد إلى ~~طريقة؛ لأن تصرفه لم يكن ms171 مما يعذر عليه. فقد ترك خدمة القصر ليلا دون أن يتلقى ~~أمرا، ولم يكن في وسع كاترين أن تقول إنها هي التي أمرته بالذهاب لئلا تفضح نفسها. ~~فلم يكن بد من تركه يموت، وهو الضابط الكريم الذي أحبته حبا كالجنون، وأصبحت عاجزة ~~عن إنقاذه، وفيما هي تنظر إليه انفتحت شفتاه وهمس بهذه الكلمات، قال: إن الرسالة مع ~~جاليو، ولم أقر بشيء، وأنا أهواك، فوداعا! # فدنا الكردينال، وقال: ماذا يقول الشقي؟ # فأجابته: لست أدري. # ومضت رافعة الرأس كبرا، فلما خلت إلى نفسها في مخدعها ترامت على مقعد وبكت أحر بكاء، ~~وهي تغمغم اسم ترولوس، وتقول: لقد كنت تهواني أيها الحبيب هوى ذهب بحياتك؛ لأني عجزت ~~عن إنقاذك، ويلاه! لقد تسلط علي هذا الكردينال الذي يخيفني، وأصبح يعرف سري. يعرف أنني ~~أنقذتك في فونتنبلو، وغدا يكتب أفنيل المحامي اللئيم قصته! فويل للشقي! # ونهضت لساعتها فاجتازت الرواق حتى وصلت إلى حجرة المحامي فدخلتها خفية، وأخرجت زجاجة ~~صغيرة فسكبت منها سائلا أسود على الفراش، وصبت قطرات منه في قدح، وعلى المقاعد، ورجعت ~~إلى غرفتها. فسمعت أنات الألم من الحجرة الواطئة، وكان الجلاد فيها يسحق عظام ترولوس ~~المسكين. إلا أنه ظل صامتا لا يتكلم. # والكردينال يقول له: كانت معك رسالة، فيجيبه ربما. فيقول له: ماذا فعلت بها؟ فيجيبه ذلك ~~لا يعنيك. فيقول: هل أعطيتها للفارس الذي التقى بك؟ فيجيبه: نعم، ولا. فيقول: من سلمك ~~الرسالة؟ فيجيب: لم يسلمني إياها أحد. فيقول: إلى أين كنت ذاهبا؟ فيجيب: إلى حيث لا ~~تدري، فدعني أموت، إني خائن كما تدعي والسلام، فيأمر الجلاد بتشديد عذابه. فلما فقد ~~ترولوس رشده انثنى الكردينال إلى المحامي أفنيل، فقال له: اذهب واكتب القصة التي تعرفها، ~~ووقع عليها باسمك وغدا أطلبها منك. # ثم قصد الكردينال حجرة الملكة فألفاها جاثية تصلي، فقال لها بحنق: أتصلين لأجل ~~الخائن؟ فأجابته: إن المؤمن يصلي لأجل كل شيء. # وكفكفت كاترين عبراتها وعاودتها السكينة؛ لأن ترولوس قد مات، فلا ينبغي أن يدري أحد بما ~~أصابها من ألم يمزق حشاشتها؛ خصوصا ms172 لأنها كانت ترتاع من الكردينال. إلا أن الكردينال ~~كان شقيق الدوق دي جيز، وهو القائد الذي يمكن أن ينتصر غدا فيصبح صاحب الكلمة العليا ~~والنفوذ الأسمى كما وقع له مرة، فرأت الأجدر بها ألا تبدي شيئا مما يخامر نفسها. فقال ~~الكردينال: إن الرجل الذي كنت تظللينه بحمايتك كان خائنا، ولقي عذاب الخائنين، وقد ~~أنبأت الناس بأنه إنما هلك بخيانته للملك وإخلاله بما يوجبه عليه منصبه. أما أنت فإني ~~أنبئك بأنه لم يلق العذاب والردى إلا لأنه كان يهواك، وقد سلمته رسالة إلى أمير ~~كوندة. # فأتت كاترين بحركة تدل على نفي وإنكار. فقال: لا تخادعيني أيتها السيدة، فلولا اطلاعي ~~على الحقيقة لما تجرأت على مخاطبتك بهذا الكلام، والآن يجب عليك أن تنضمي إلى حزب ~~الكاثوليكيين بإخلاص قلب ونزاهة فكر، وإلا أكرهتك على ما لا تحبين. # قالت: أإهانة يا كردينال؟ # أجاب: يحق لي أن أتهمك وأنشر على رءوس الملأ تصرفك، وأعلن أنك اتخذت عشاقا. # فقالت بحدة: مهلا يا كردينال، واعلم أن والدة الملك لم يكن لها، ولا يكون لها إلا عاشق ~~واحد. # قال: ما اسمه؟ # أجابت: اسمه عرش فرنسا، فاخرج من هنا! # وكأنما سحر بعظمتها فخرج وقصد إلى حجرة المحامي أفنيل. ~~••• # وانقضى نهار، وقد ساد على قصر فنسان سكوت وحزن شديد، وعلم الكل أن الجيشين يتقاتلان، ~~ولكن لم يصل نبأ جديد إلى القصر. أما الكردينال فلم يكن قد رأى الملكة مرة ثانية فأخذ ~~يتنزه في مسكنه رائحا جائيا، ناظرا إلى نافذته، مصغيا إلى كل صوت، وقد أعلن أنه يهب ~~مائة دينار لأول ساع يبشره بهزيمة البروتستانتيين. وأما كاترين فإنها لم تفارق مصلاها ~~وهي تضرع إلى الله أن يمكنها من آل جيز، ويسلطها عليهم حتى ترغم أنوفهم، واتجه فكرها ~~كذلك إلى ذلك الحبيب الذي يعالج سكرة الموت في تلك الحجرة المظلمة، وهو لم يشته إلا ~~شيئا واحدا قبيل انصرام أجله، هو رؤية الملكة. لكنه لم يجهل أن أعين الرقباء مبثوثة ~~حولها، وأنها تشفق على عرضها أن يلم به كل طويل اللسان، وقدم بعض ms173 أشراف من باريس، ~~وقالوا: إن الناس يجتمعون في الكنائس مبتهلين إلى الله، داعين للدوق دي جيز ~~بالنصر. # وعند منتصف الليل قدم فارس، ووقف بأبواب القصر ونادى: إني جئت بالأنباء فافتحوا لي ~~الباب، وكان ذلك الفارس جميل المنظر، على ثيابه آثار الدماء وغدارتاه مسودتان من ~~البارود، وكل ظواهره تدل على أنه كان من أبطال المعركة. فتواثب الخدم في البلاط إليه، ~~وهم يقولون: لمن النصر؟ أللبروتستانتيين أم للكاثوليكيين؟ فأجابهم: لقد انتصر ~~الأمير! # وسمع الكردينال هذه الكلمات فوثب غضوبا، وإذ ذاك دخل الفارس على الملكة، وطفق يحدثها ~~بتفاصيل المعركة ووصائفها يسمعن، وأنها كانت معركة هائلة فاز فيها الأمير فوزا مبينا ~~فسحق جيش أعدائه، واستأسر مونمورانسي، وكان «سن أندرة» من قتلى المعركة. # ثم قال الرسول: إن رحى القتال لا تزال دائرة، إلا أن الأمير رغب إلي في نقل البشرى ~~إليك، فأجبته إلى طلبه، وتخطيت صفوف الأعداء إليك. # فصاح الجميع: كيف تخطيت صفوف الأعداء؟ ومن هم الأعداء؟ # قال: هم جنود الكاثوليك! # قالوا: أبروتستانتي أنت؟ # أجاب: كلا، ولكنني من رجال الأمير، واسمي جاليو دي نرساك. # ولقد تمنى الكاثوليكيون أن يهجموا عليه، ويمزقوه إربا إربا، ولكنهم لم يروا من الحكمة ~~الاعتداء على ظافر، فتركوه يتم كلامه، فقال: «لما رأى الأمير أنه الفائز في هذه الحرب، ~~قال لي: تقدم ودس بحوافر فرسك جماجم القتلى، واذهب إلى فنسان فقل لابنة عمي الكريمة: ~~إن الله وهب لي النصر لخير المملكة.» # فصاح الرجال: ويلاه كيف يكون مصيرنا؟ # فأجابتهم الملكة بلطف قائلة: أي ضرر يصيبنا إذا سمعنا الوعظ بدلا من أن نسمع القداس، ~~وأي بأس نخشاه إذا صلينا إلى الله بلغتنا المفهومة، بدلا من أن نصلي إليه باللغة ~~اللاتينية القديمة المجهولة؟ # فانصرف الرجال، واهتم بعضهم بالتأهب للسفر خيفة أن يفاجئهم الأمير. فبقي جاليو مع ~~الملكة، ثم قال لها وهو يتردد: ماذا جرى لترولوس؟ قالت: وا أسفاه عليه! # وتبادرت الدموع على وجنتيها، فقال جاليو: هل مات؟ # أجابت: بل يوشك أن يموت، إن لم يكن قد مات فعلا. فتعال معي. # وتناولت مصباحا وسبقت جاليو ms174 إلى الحجرة الواطئة التي كان فيها ترولوس يعالج سكرات ~~الموت، فنظر إليهما نظرة مملوءة حبا وولاء، فقال جاليو: وا حسرتاه عليك أيها الصديق! ~~وقالت كاترين: وا حسرتاه عليك أيها الحبيب! # وفيما كان نفس ترولوس يتردد في حلقه، صاح جاليو: أما من سبيل إلى الانتقام؟ قالت: إن ~~القتلة أقوياء. # قال: لعلهم آل جيز. # أجابت: نعم. # قال: قاتلهم الله! ~~••• # ولكن ما طلع النهار حتى أقبل فرسان كاثوليكيون على فنسان ينقلون إليها بشرى هزيمة ~~البروتستانتيين. فقيل لهم: لقد جاء رسول قبلكم فأنبأنا بموت سن أندري وأسر مونمورانسي، ~~ونقل إلينا خبر انهزامكم. # وكان كل ذلك صحيحا؛ لأن الأمير دي كوندة فاز في الأول ، ثم هجم الدوق دي جيز عليه بجيشه ~~فتغير وجه المعركة، وتقهقر البروتستانتيون وفر الأميرال، ووقع أمير دي كوندة أسيرا، ~~وقال الفرسان: إن الدوق أسره وأضجعه عنده في غرفته حتى يكون في مأمن من فراره. فعلا هتاف ~~الهاتفين للدوق دي جيز. # فسار الكردينال إلى مخدع كاترين ليتلقى منها الأوامر، فلما وافاها بذلك النبأ بهتت، ~~إلا أنها تماسكت، وقالت له: دع المصلين يصلون في كنيسة نوتردام، ويشكرون الله على النصر، ~~ولسوف أشهد الصلاة. # وسافر البلاط إلى باريس مسترسلا في فرح عظيم، وقد تناسى القوم جاليو، وكان منصرفا إلى ~~الاهتمام بدفن صديقه «ترولوس كونت دي مزغونة»، ولما وصل إلى المقبرة لقي حفار القبور ~~يحفر قبرا لميت لم يسر في جنازته أحد، فقال له: من الذي تدفنه ها هنا؟ فأجابه: لست ~~أدري. # فقال لحفار آخر: وأنت ألا تدري كذلك؟ # أجاب: كلا، ولكنني أحسبه محاميا. فارتعد جاليو. فقال الرجل: ويقال إنه مات موتا ~~فجائيا في الليلة البارحة. # قال: ألا تذكر اسمه؟ # أجاب: كلا، ولكن اقرأ أنت اسمه على هذه الألواح، فإنني لا أحسن القراءة. فأقبل جاليو ~~على ألواح النعش فقرأ ما صورته: # المحامي برنار أفنيل، محام لدى مجلس نواب باريس. # فقال جاليو: وهل عرف سبب وفاته؟ أجاب الحفار: إن الطبيب لم يتمكن من ذكر السبب، وإنما ~~كانت الجثة سوداء، فرجع جاليو إلى القصر وهو يقول: وا ms175 رحمتاه لك يا ترولوس فقد قضيت ~~فداء عن الملكة، وإنما أنت أيها المحامي المرذول فقد قضت عليك الملكة! # لقد برح الخفاء الآن، وما أحسب أستاذي برنابا إلا على صواب؛ لأن ظاهر هذه الدسائس ~~سار، وخافيها محزن مظلم. وبكى بكاء شديدا. # الفصل الحادي والثلاثون # | خادم الدوق أو حاكم بايو # كانت نتائج معركة «درو» # Dreux # مشئومة على كاترين، ولم ~~ينتصر الدوق دي جيز فقط، بل غدا السيد الوحيد بلا منازع بعدما هلك سن أندري، ووقع ~~مونمورانسي أسيرا عند البروتستانتيين، وبات الدوق دي جيز ملك فرنسا، فقصد إلى رامبوليه ~~ليقص خبر المعركة على شارل التاسع، ولم تطل مدة إقامته فيها، بل أسرع عائدا إلى جيشه ~~ليطارد الأميرال، رفيق أمير كوندة في تلك الحرب. أما مونمورانسي فقد ذهبوا به إلى ~~أورليان وأسكنوه عند ابنة أخيه زوجة أمير كوندة، وأما أمير كوندة فقد حبس في قصر ~~أوبزين. # أما الأميرال - وقد قلنا إنه فر من أمام الدوق دي جيز - فقد سار فاستولى على مواقع ~~حربية في سنتونج وبيري. فطارده الدوق دي جيز، وعاد عنه بعدما فنيت بقية جيشه. ثم اتجه ~~إلى نورماندي وكان الفائز فيها، واستولى على مدينة قايين التي دخلها جنوده من ثغرة ~~صغيرة، وتوالت انتصاراته في نورماندي، فعزم على محاصرة سائر مدنها والتربص فيها إلى حلول ~~فصل الربيع، وكان بين أحسن ضباط الأميرال، بلترو دي ميرا، عاشق مادلين. فقد اتخذ مهنة ~~الجاسوسية، فكان يتجسس للجيش، وقد كان من أشجع الفرسان، وأثبتهم في مواقف النضال، ~~ولطالما قال له الأميرال: أنت يا بلترو قليل الفطنة، كثير المخاطرة بنفسك، فكان يجيبه ~~بقوله: سأموت قريبا، ولكن بغير مقاتلة العدو. # ويعلم القراء أن الدوق دي جيز صرع بلترو بتلك الضربة، وغادره في مدينة روان أقرب إلى ~~الموت من الحياة. فآواه البروتستانتيون وشفي على مهل، ولم يبح لأحد باسم الرجل الذي ~~ضربه، وإنما كان يديم التفكر في الانتقام من الدوق، وفي مادلين. ولم يدع موضعا في روان ~~إلا دخله باحثا عنها دون أن يكتشف مقرها، وبعد طول الاستعلام قيل له: ms176 إن رجالا - ~~وصفوهم له، فعلم أنهم يشبهون الرجال الذين أبصرهم يحملون مادلين على أيديهم - خرجوا صباح ~~يوم من مدينة روان يحملون امرأة على جواد أحدهم. # وفي اليوم الذي تلا سقوط قايين أمر الأميرال بمداهمة مدينة بايو، فتقدم بلترو ليصحب ~~بريكفيل، وهو القائد المأمور بالهجوم على المدينة. فقال له الأميرال: خذ بلترو، وكن ~~واثقا به كل الوثوق، فقد رأينا من خدمته ما يقل بجنبه كل ثقة. # ولم يكن الضباط يحسبون بلترو نظيرا لهم؛ وذلك لأن الفرنساويين كانوا وما زالوا حتى ~~اليوم ينفرون من الجواسيس، فرضي بريكفيل بصحبة بلترو على أن يسبقه إلى أسوار المدينة، ~~ومدينة بايو المدينة الوحيدة التي لم يزرها بلترو. # فوصل إليها في اليوم التالي عند إقفال الأبواب، ودخلها متنكرا بثوب قروي، وللحال تبين ~~له أن السكان في غم وقلق؛ لأنهم - ومعظمهم بروتستانتيون - قد ألجئوا إلى سماع القداس، ~~واعتناق المذهب الكاثوليكي في الظاهر. # ونزل بلترو في فندق، فلما كان المساء تمدد على كرسيه، وأطبق عينيه كأنه نائم، فسمع ~~رجالا في الفندق يتحدثون. # قالت زوجة صاحب الفندق خافضة صوتها: أظن الرجل الغريب نائما. فأجابها الحضور: نعم، إنه ~~نائم، ولا مانع من الكلام، فما وراءك؟ أجابت: أنباء كثيرة. # وقال قائل: ما هي؟ # قالت: لقد طفت المدينة سحابة نهاري، ولا حديث للناس في مجالسهم إلا عن الضربة الجديدة ~~التي يروم الحاكم ضربنا بها غدا. فقال أحدهم: لعنة الله على الشقي! # قالت: ولكن كيف السبيل إلى معاندته ومناوأته وهو الخصم والحكم؟ ولقد حاول موظفو الحكومة ~~الاعتراض، فأطلعهم على أمر موقع عليه من الدوق دي جيز! # قال: وما عسى أن يكون فحوى ذلك الأمر؟ # أجابت: فحواه تخويل كل سلطة على مدينة «بايو» للإيطالي جويليو روسو حاكمها. # وسمع بلترو هذه الكلمات فخامرته الشكوك، فأنصت وقتا طويلا إلى ما يقولون، إلا أنه لم ~~يجد علاقة بمادلين في كل ما سمع، وكان عملاء الفندق وصاحبه ينتقدون فظاظة حاكم المدينة، ~~ويدعون عليه، ويذكرونه بكل سوء. فخطر لبلترو أن يستعلم منهم، فتثاءب وتمطى كمن يستيقظ من ~~نوم عميق، وأخذ ms177 يلتفت إلى ما حوله، ثم قال: لقد خيل لي أنني سمعت اسم رجل إيطالي. ~~فارتعد الحضور وخافوا أن يكون سامع كلامهم ذا صلة بالحاكم، وتفقد أحدهم خنجره، ثم قال: ~~لعلك من أصدقاء الحاكم؟ # فأجاب: يستحيل أن أكون من أصدقائه؛ لأنه كاثوليكي؛ ولأنني بروتستانتي. فتلقى القوم هذه ~~الكلمات بالقبول. فقال بلترو أيضا: نعم أنا بروتستانتي، وأظنكم كنتم تقولون إن حاكم ~~مدينتكم رجل إيطالي. قالوا: نعم، واسمه جويليو روسو. # قال: هل أرسله الدوق دي جيز؟ # أجابوا: نعم، وكان خادمه ووسيطه السافل من قبل، وخدمه ثلاث سنين، فكافأه على خدماته ~~السافلة بأن قلده منصب حاكم على مدينة بايو. # قال: هل كان يصحب الدوق دي جيز وقت الحرب؟ # أجابوا: نعم أيها الصديق، ولكنه فارقه بعد حصار روان. # قال بلترو: وهل وصل إلى مدينة بايو منفردا؟ # أجاب صاحب الفندق: كلا، وإنما كان يقود فتاة مسكينة لابسة ثيابا سوداء، والظاهر أن ~~الحزن كان متمكنا منها. # فكاد يفتضح بلترو أمام القوم إلا أنه تجلد، وقد تحقق الآن أن مادلين كانت في مدينة بايو ~~بين يدي ذلك الرجل الإيطالي فلا بد له من اختطافها منه، ولا سبيل إلى نيل الأرب إلا ~~بالاستيلاء سريعا على المدينة. فلما رقد النازلون في الفندق، خرج منه واتجه إلى بيت ~~الحاكم غير محاذر أن يصادفه العسس. فلما توسط المدينة لقي الاحتفالات فيها قائمة، وسمع ~~القوم ينشدون أنشودة كاثوليكية ينذرون فيها البروتستانتيين بالويل والثبور. # فهاجه الغضب لسماعها؛ لأنه سمعها قبلا في مدينة روان. ففكر في الهجوم على البيت وقتل ~~الحاكم، إلا أنه أشفق أن يقتل ويذهب دمه هدرا، ولا يبقى من ينتقم من الدوق دي جيز. ~~فابتعد سائرا في الطرق والأسواق مختبئا بظلال البيوت حتى وصل إلى الأسوار، وإذا به قد ~~أبصر رجلين من الحراس، وحسب بلترو أن جيش الأميرال لا بد أن يكون قد وصل إلى «بايو»، ~~فلبث محتجبا في زاوية حتى مر حارس، وناداه الحارسان الآخران: من هذا؟ فأجاب بقوله: ~~«خريستوس ومادلين» وهما كلمتان متفق على أن تكونا إشارة للمرور. # فقال أحد ms178 الحراس: سر! ولكن متى ترجع إلينا؟ # أجاب: بعد ثلاث ساعات فقط. # قال الآخر: بئس الحال، فإن البرد شديد في هذه الليلة. # فمضى الحارس، وسمع بلترو هذه المحاورة فخرج من مخبئه، وتقدم إلى أحد الحراس، فقال له: ~~من القادم؟ فأجابه بقوله: خريستوس ومادلين. فقال: سر بالسلامة. # فتقدم بلترو حتى دنا منه، ودفعه بشدة فانقلب في خندق السور. فبادر حارس آخر، وقد سمع ~~صوت الوقعة، فقال: ما هذا؟ فأجابه: لست أدري أيها الصديق، فقد كان رفيقك هذا يترنح، ~~ولعله سقط في الخندق. فبهت، لكنه ما لبث أن سأل بلترو قائلا: وما شأنك والوصول إلى ~~السور؟ قال: أنا؟ # أجاب: نعم أنت، فإن سكان بايو ينامون كلهم في مثل هذه الساعة المتأخرة من الليل. # أجاب: إني صديق للحاكم، ولست من سكان هذه المدينة. # قال: أتعرف كلمة المرور؟ # أجاب: طبعا وهي خريستوس ومادلين. # فسكت الحارس، ثم إن بلترو قال له: ما رأيك إذا نزلنا إلى الخندق وأسعفنا المسكين؟ أجاب: ~~إني أود ذلك. قال: كيف السبيل إليه؟ # قال: اتبعني، فهناك في السور بعض حجارة تشبه السلم، ويمكن النزول عليها، وويل لنا إذا ~~درى البروتستانتيون بها! # فنزل الرجلان إلى الخندق على الحجارة، ولقد صدق الجندي بقوله إنها تشبه السلم. فلما ~~اقتربا إلى الموضع الذي وقع فيه الحارس الأول رفع بلترو يده فضرب الحارس الثاني فخر ~~صريعا بجانب رفيقه. ثم سار إلى خارج المدينة. # وقد أصاب فيما خطر له؛ لأن البروتستانتيين وصلوا في تلك الليلة، واختبئوا منتظرين طلوع ~~النهار حتى يوافيهم بلترو بالإيضاحات التي لا بد لهم منها لمفاجأة المدينة بالهجوم. ~~فقال له بريكفيل قائد الحملة: ماذا جرى؟ # فأجابه بلترو: هيا بنا فإنا قادرون على دخول المدينة في هذه الليلة، ولكنني قبل كل ~~شيء أتمنى عليك حاجة. قال: ما هي؟ # أجاب: هي أن تدعني أتولى قيادة الفرقة. # وتحرك البروتستانتيون، وكان بلترو في مقدمتهم. فما لبثوا حتى وصلوا إلى أسفل الأسوار، ~~وأنزلهم بلترو إلى الخندق فأراهم الحارسين القتيلين، ثم قال: يمكننا الصعود من هنا، ~~والحراس لا يأتون إلى هنا ms179 إلا بعد ساعة، وأمامنا سلم حقيقي من هذه الحجارة المهشمة. ~~فتسلق الجنود واحدا بعد واحد، عاملين بإيضاحات بلترو، وكانوا يختبئون في الناحية الأخرى ~~من السور، وهي الناحية التي يسهل عليهم النزول منها، وفرح قائد البروتستانتيين بهذا ~~النجاح غير المأمول فكان يردد قوله: حقا إن بلترو هذا عجيب! فهو يدخل كل مكان، ويعرف ~~كل شيء، ولقد صدق الأميرال. # وبعد هنيهة جاء مفتش الحراس فلم يجد هناك جنديا حارسا. فوقف وصاح من أنت؟ فأجابه ~~بلترو: صديق! قال: ما هي كلمة المرور؟ فأجابه: خريستوس ومادلين. # فاطمأن قلبه شيئا، وتقدم إلى ناحية البروتستانتيين، وللحال أحدقوا به وقتلوه، إلا ~~أنه تمكن من إطلاق غدارة فهب الحراس جميعا، وارتفعت الصيحات، وبدأت المعركة. ~~••• # ودام القتال ثلاثة أيام، وقاتل الحاكم ببسالة عجيبة، وثار سكان المدينة عليه إلا أن ~~جنوده كانوا يعلمون مقدار بغض السكان لهم، فكانوا يقاتلون قتال اليائسين، وأخذ السكان ~~يطاردونهم، وهم يلجئون إلى البيوت. هذا وبلترو في الطليعة غير هياب يقول: لا أقف إلا ~~أمام بيت الحاكم! فقال له أحد الضباط: هل من سبب يحملك على عداوته؟ # أجاب: ربما، وبعد ثلاثة أيام انفتحت أمام جيش البروتستانت ساحة «بايو» وفيها اجتمع ~~الجند الكاثوليكي للقتال الأخير. # فكان النضال مما لا يوصف بلسان، بل كان مذبحة أو عراك حيوانات ضارية، ولم يمض إلا وقت ~~قصير حتى خلت الساحة من الكاثوليكيين، ولما رأى سكان المدينة أن البروتستانتيين قد ~~انتصروا، أوصدوا أبواب بيوتهم في وجوه الكاثوليكيين، وكانوا يصرعونهم أفواجا حيث ساروا، ~~وأدرك بلترو غايته، فوصل إلى بيت الحاكم ودخله وتبعه الجند يجتاز الغرف عنوة، وكأن ~~البيت كان مهجورا، وكانت عبرات الحنق والكمد تسيل على وجنات بلترو؛ لأنه أشفق أن يكون ~~جويليو قد لجأ إلى الفرار. فلما لم يجد بلترو أحدا في بيت الحاكم هم بالانصراف وهو ~~متردد، فجاءه البروتستانتيون بخدم المنزل، وكانوا مختبئين في الطبقة السفلى من البيت، ~~وهم يرتعدون جزعا ويسترحمون، فقال لهم بلترو: لكم الأمان جميعا إذا أخبرتموني بمقر ~~مولاكم. فأجابه أحدهم: سمعا وطاعة، ولا أضن عليكم بالأنباء عن ms180 الحاكم؛ لأنه رجل لئيم ~~لا يستحق الإخلاص. فقال بلترو: تكلم. قال: في جوار هذا البيت بيت لكاهن من أصدقاء ~~الحاكم، لجأ إليه وفيه تجدونه. فقال بلترو: هل تقول حقا؟ # أجاب: وأزيدك علما بأنك لا تجد الحاكم هناك وحده! فاكتفى بلترو بهذه الكلمات، وهجم على ~~البيت المجاور فالتقى بالكاهن، فجثا أمامه وتوسل إليه أن يرحمه ولا يقتله، فقال له ~~بلترو: بغيتنا الحاكم، فأين هو؟ أجاب القسيس: لا أدري. # قال: إنه عندك. أجاب: كلا، وإن شئت فابحث عنه، وكان بلترو مستعجلا، فصوب غدارته إلى ~~رأس القسيس، وقال له: ارشدني إلى مخبأ صديقك، وإلا فأنت هالك! # فامتقع لون القسيس ومد يده إلى الجدار ، وقال بصوت منخفض: إنه هناك! # فتقدم بلترو إلى الجدار، وضربه بقبضة سيفه فسمع صرخة عالية وأنينا. فصاح برفاقه: علي ~~بالفئوس والمعاول، واهدموا هذا الجدار. وبعد ساعة هدموا بعض الحجارة، فأبصروا وراء ~~الجدار مشهدا هائلا. ~~••• # ولقد حاول حاكم البلد حين رجوعه إلى بايو مصحوبا بمادلين أن يتخذها خليلة فلم يلق ~~منها إلا الجفاء والسخط، وقد يئست من عودة بلترو، وظنته قد قتل في مدينة روان، غير أنها ~~اعتصمت ببسالتها عندما اقترب إليها جويليو، فنشب بينها وبينه نضال عنيف، وكانت تصده ~~وتهدده بقتل نفسها أمامه إذا استمر على ملاطفتها ومضايقتها. فلما تحقق هلاكه، وأن كل ~~فرار مستحيل، غادر جنوده يدافعون عن نفوسهم، واتجه إلى منزل صديقه الكاهن، فأمر بأن ~~تبنى له غرفة ضيقة وراء الجدار، ومدت أنابيب من رصاص لإدخال النور والهواء إليها، ~~وحمل إليها خوانا وفراشا وكرسيين، وزادا يكفيه أسبوعين، وشرابا. ثم استحضر مادلين ~~إلى تلك الغرفة فحملوها إليها، وهي أقرب إلى الموت منها إلى الحياة. ثم إن صديقه سد ~~الجدار عليه وعلى مادلين، # 1 # وخيل لمادلين أنها في حلم هائل لا في يقظة، فكانت تحدق البصر في وجه جويليو ~~الدميم القاسي، أما هو فكان مطمئن القلب فرحا بحيلته، مستيقنا أنه في ذلك الموضع آمن ~~كل مخوفة وشر، فجعل يترنم بأنشودة الكاثوليكيين في ذلك العهد، ومعناها: «أن مال ~~البروتستانتيين وأعراضهم حلال ms181 للمؤمنين الكاثوليكيين» ثم قال: مهلا أيتها الحسناء، فلا ~~بد من أن تضحكي وتشربي معي، وقد صرت لي ملكا، ولا قدرة لك على مقاومتي. # قالت: أف لك من شقي، فإنك تخيفني بشراستك وهمجيتك. # وقد تمكنت في ساعة نضال وعراك من الحصول على خنجر كان معه، فقالت له: أقسم لك على ~~أنني أقتل نفسي إذا اقتربت إلي. فاستضحك وعاد فجلس قرب الخوان وشرب الخمر، وهو يسمع ~~دوي الرصاص. ثم علم أن رحى القتال دائرة في ساحة المدينة تحت البيت. فتولى مادلين ~~القلق، وقالت: لعل المقاتلين من البروتستانت؟ وإذا بها تسمع صيحات متواليات، وحركة ~~السلاح قرب الجدار، ثم الضربات تنهال على الجدار نفسه. # فنهض جويليو وقال: ما على المضطر من حرج، ولم يبق إلا أن تحكم القوة بيني وبينك أيتها ~~الحسناء، وإذ ذاك سمع بلترو تلك الصرخة والأنة؛ لأن جويليو حاكم البلد كان قد شرب ~~كأسا أخيرة من الخمر، وتقدم إلى مادلين متوعدا شاهرا سيفه بيده. فأصاب بنصل سيفه يدها ~~القابضة على الخنجر، فأطبقت المسكينة عينيها، ورفعت الخنجر فطعنت به صدرها، وإذ ذاك وثب ~~بلترو إلى الغرفة الضيقة فرأى جثة مادلين. فهدر وزمجر، ووثب على جويليو روسو فانتزع منه ~~سيفه، وأخذ يطعنه بخنجره حتى كاد يمزق أشلاءه، ولما أراد بريكفيل قائد الحملة لقاء ~~بلترو ليشكره ويهنئه بحذقه وبسالته لم يجد له أثرا. # الفصل الثاني والثلاثون # | طلق ناري أخير # وبعد انقضاء أيام على هذه الحوادث، وبينما كان الأميرال كوليني يتمشى في فسطاطه وقف ~~بلترو أمامه، وقال له: أبشرك أيها الأميرال بالاستيلاء على مدينة بايو. فأجابه: قد ~~عرفت ذلك، وعرفت أيضا أنك كنت من أبطال الوغى، ولكن ماذا دهاك؟ فإن صوتك خشن، وكأنك ~~محموم، فأجابه: ليس بي إلا عناء السير. # قال: إذن وجبت لك الراحة بعد العناء، وقد قضيت الواجب المفروض حق قضائه وأكثر. حرسك ~~الله! # قال: شكرا لك يا سيدي الأميرال على هذه الكلمات الطيبة، ولكنني لست بحاجة إلى ~~الراحة. # قال: أطلعني على ما تروم. فما حاجتك؟ # أجاب: حاجتي حملة جديدة، وحاجتي روح رجل ms182 أختطفها. # قال: أما الحملة الجديدة فليس هذا وقتها؛ لأن نورماندي قد سلمت إلينا قيادها، وأنا ~~أنتظر حلول فصل الربيع لمباشرة القتال. # فلبث بلترو هنيهة وهو صامت، ثم نظر إلى الأميرال نظرة مرعبة، وقال له: أين مقر الدوق دي ~~جيز الآن؟ # فأجابه: لماذا تروم معرفة مقره؟ # قال: لأرقبه، أولست جاسوسا؟ # فأطرق الأميرال قبل أن يتكلم، وأدرك أن بلترو يحاول أمرا يقدم عليه بجرأته العادية، ~~فقال: إن الدوق يحاصر الآن مدينة أورليان. # قال: وهل تقوى تلك المدينة زمنا طويلا على احتمال الحصار؟ # أجاب: كلا وا أسفاه، ويسوءني قرب سقوطها بين أيدي الكاثوليك. ~~- ألست في حاجة إلى بعض إيضاحات عن الدوق؟ ~~- كيف لا؟ ~~- لا جواد عندي لأسافر إلى أورليان، فهل لك في أن تهب لي جوادا؟ # فحدق الأميرال في وجه بلترو، ومضى ففتح خزانة فأخرج منها بعض دنانير وأعطاه إياها، ~~فقال: شكرا لك يا سيدي، والشيء بالشيء يذكر، فليس عندي غدارات أدفع بها عن نفسي؛ لأن ~~غدارتي قد انفجرت عند الهجوم على بايو. فتناول الأميرال غدارته وسلمها إلى بلترو. فقال: ~~أشكر لك هذه العطية أيضا يا مولاي، وسوف تتلقى أخبارا عن الدوق دي جيز بعد ثمانية أيام ~~إذا بقيت حيا. تلفظ بهذه الجملة الأخيرة بلهجة جافية، فارتاع الأميرال، وأمسك يده ~~وتفرس في وجهه، وقال: ما أراك ذاهبا إلى أورليان لمجرد التجسس والمراقبة؟ # قال: لم هذا الكلام؟ # قال: لأن ما حاجتك بغداراتي إذن؟ ولماذا تروم شراء جواد، إلا إذا كنت تبتغي قتل ~~عدو؟ # أجاب: ولكن ذلك لا يمنعني من التجسس. # قال: اعلم يا بلترو أنني لا أحب القتل والاغتيال، فأقسم لي على أنك لا تنوي بذهابك إلى ~~أورليان قتل الدوق دي جيز. فمد بلترو يده، وقال: أقسم لك على أنني ذاهب إلى أورليان ~~لمصلحة ديانتنا المقدسة وخيرها، ومضى، وقد غادر الأميرال كثير التفكير. ~~••• # أجل، فقد كان الدوق دي جيز يحاصر مدينة أورليان، وقد استولى على سوق من أسواقها، ولبث ~~فيه يهدد البروتستانتيين. # وأرسلت إليه الملكة الوالدة كتبا متوالية توسلت فيها إليه ألا يفتح المدينة ms183 بالهجوم. ~~إلا أن الدوق كان يتوق إلى نهو أمر تلك المدينة التي كانت تعد عاصمة للبروتستانت، فأجاب ~~الملكة بقوله: إن مجلس الملك، عندما نشبت معركة درو بيني وبين أمير كوندة، قد فوض إلى ~~قواد الجيش العمل بما يرونه ملائما لمصلحة البلاد، فأنا أعمل بتفويض مجلس الملك. # وقصد الدوق دي جيز «بمجلس الملك» جواب الملكة يوم استشارها في مقاتلة أمير كوندة، كما ~~يذكر القراء. # ولم تستطع مدينة أورليان ثباتا طويلا؛ لعدم وجود مهمات الدفاع الكافية. فأنبأ الدوق ~~ضباطه بأنه سيهجم عليها يوم 8ا فبراير (شباط) ثم قال لهم: «إن الملكة الوالدة تروم منا ~~اللحاق بالمسيو دي شاتيليون إلى نورماندي، ولسوف نذهب بعد أن نستولي على ~~أورليان.» # وفيما كان الدوق يستعد للهجوم وافاه أحد رجاله بالسيد بلترو دي ميرة، وقال له: إنه عرفه ~~في عهد هنري الثاني، وهو الآن يرجو أن يسمح له باعتناق المذهب الكاثوليكي. # فرضي الدوق دي جيز أن يجعل بلترو بين حراسه اعتمادا على توسط أحد رجاله وكثرة إطرائه ~~إياه، وكان تغيير المذاهب في ذلك العهد أمرا مألوفا. فلزم بلترو الدوق، وكان يرقبه ~~ويرصد حركاته وسكناته، فلم ينقض زمن قصير حتى عرف عاداته. ولقد أراد قتله قبل أن تسقط ~~أورليان في أيدي الكاثوليك. # وكان كل شيء مهيئا للهجوم. ففي مساء يوم 17 فبراير (شباط) تفقد الدوق طلائعه، وأوصى ~~ضباطه بالتأهب للغد. # فعزم بلترو على قتل الدوق في تلك الليلة. فمر إلى الناحية الأخرى من النهر حيثما كان ~~يسكن الدوق وزوجته، وبينما كان يبحث عن مكان صالح للاختباء صادف شريفا من حاشية الدوق، ~~هو المسيو دي سرني، وقد أتى ليخبر الدوقة أن زوجها لاحق بها، ولكنه يتأخر عن موعده ~~المعتاد. فقال له بلترو: إلا ما أنبأتني يا سيدي عما إذا كان الدوق يمر الليلة ~~بالنهر؟ # فأجابه دي سرني بسذاجة قال: بعد ساعة أو ساعتين. فلما غاب دي سرني ساق بلترو جواده إلى ~~صف من شجر الجوز كان يمر الدوق بها عندما يقصد مسكنه. أما جواد بلترو فقد اشتراه ~~بالدنانير التي ms184 أعطاه أيها الأميرال. ثم إنه صبر مستظلا بالأشجار، قابضا على غدارتيه ~~وهما اللتان أخذهما من الأميرال، حتى أمسى المساء، وامتد ستر الظلام، وساد السكون على ~~البرية، وكان المحاصرون والمحصورون ساهرين لا يأتون بحركة لئلا تنم على مقاصدهم. # هذا وبلترو يضطرم لجاجة ويرصد أقل حركة، وإذا به يسمع وقع حوافر جواد، وأقبل الدوق ~~منحنيا على رقبة جواده مفكرا في الخطة التي يتخذها غدا للهجوم على أعدائه. # وإذا بطلقتين قد دوى صداهما، وأصيب الدوق في كتفه فارتمى على ظهر جواده وهو يغمغم ~~قائلا: كان ينبغي أن أتوقع ذلك من أعدائي، ولكنني ما ظننتهم يجسرون! وحاول تجريد سيفه ~~إلا أنه فقد قواه، فسار به جواده حتى مسكنه، وفيه تلقته زوجته الدوقة باكية. # ولقد بذل الأطباء جهدهم فلم يجد الطب والدواء، فمات الدوق بعد ستة أيام مستغفرا من ~~زوجته بعدما أقر لها بأنه لم يكن على الدوام زوجا صادقا. ثم قال: إنه لم يكن يتمنى إلا ~~أن يعيش بسلام مع جميع أعدائه، ولم يباشر قتالا إلا لمجرد خدمة ربه. واحتفلوا بجنازته ~~احتفالا يندر مثله، ولبست عليه باريس ثياب الحداد أياما عديدة. # أما بلترو فإنه ركب جواده بعد أن فعل فعلته فسار به يوما كاملا في السهول والجبال. ثم ~~رقد حتى الصباح عند طاحون، فهجم عليه هناك بعض الجنود وأوثقوه دون أن يبدي أقل معارضة، ~~وساقوه إلى باريس حيث صدر الحكم عليه بالإعدام. # أما الكاثوليك، فقالوا: إنه من خدم الشيطان، وأما البروتستانت فشهدوا بأنه من أولياء ~~الله، وذكروه في صلواتهم. # على أنه أعدم في ساحة «جريف»، وجرته الخيل على مرأى جمهور غفير من سكان باريس، كانوا ~~يصفقون بأكفهم مبتهجين بعذابه وهلاكه الوحشي، ورفع الحصار عن أورليان ثاني يوم وفاة ~~الدوق دي جيز. # | خلاصة # واستتب الأمر للملكة الوالدة، فاطلقت أمير كوندة من الأسر، واستفكت مونمورانسي من ~~البروتستانتيين، ولم يكن ذلك بالأمر العسير بعد موت الدوق دي جيز. # ثم إن كاترين عقدت صلحا في «أمبواز» في اليوم التاسع عشر من شهر مارس (آذار) سنة 1563، ~~وأهم شرط من ms185 شروط ذلك الاتفاق: أن للبروتستانت أن يقيموا شعائر دينهم ومذهبهم في كل ~~مدينة، إلا باريس. # وفي أثناء التوقيع على عقد الصلح أقام جاليو لصديقه الوفي ترولوس قبرا، ثم عكف على هوى ~~حبيبته مرسلين أرملة المحامي أفنيل. # أما أستاذه برنابا فقد كد ذهنه في تصنيف سفر عن خمور فرنسا، ولا سيما الصادرة من ~~أقطارها الجنوبية. # واستراح أمير كوندة من عناء الحروب، واهتم الأميرال صديقه بأن يوقع الأمير دي كوندة ~~وكاترين على عقد الصلح في القريب العاجل، وكان بعض أعيان الكاثوليك قد اتهمه بأنه أشار ~~على بلترو بقتل الدوق، فاحتج علانية على تلك التهمة الباطلة. أما الكردينال دي لورين، ~~شقيق الدوق دي جيز، فتولى إدارة شئون أسرته القديرة الكبيرة. # ثم إن جاليو طلب إلى مرسلين الاقتران به فامتنعت بحجة أن والدته قد تأبى، غير أن جاليو ~~أخبر والدته أن مرسلين أنقذته من الموت، فقبلت، وأقيمت لزواجهما حفلة جمعت الكاثوليك ~~والبروتستانت، فلما سار جاليو بعروسه، قال لها: وا حسرتاه على صديقي ترولوس، فلو كان ~~حاضرا لتم سروري. فقالت مرسلين: تناس أيها الحبيب تلك الأوقات، وعسى ألا يسفك ~~الفرنساويون دماء الفرنساويين بعد اليوم، إن الملكة كاترين تحب السلام، ولا شك أن ~~السلام سيدوم زمنا طويلا. فقال جاليو: عسى أن يقدر الله ذلك، ويدوم السلام. # كان ما ذكرناه في سنة 1563، ولكن بعد تسعة أعوام، وكان شارل التاسع قد جلس على عرش ~~آبائه، وقعت «مذبحة سن برتلماوس» وقد أمر بها الملك بعدما حرضته عليها والدته كاترين دي ~~مدسيس وآل جيز في ليلة 24 أغسطس (آب) سنة 1572. # وتعد تلك المذبحة أشد النوازل التي نزلت بفرنسا، وقد دامت أياما، ذبح فيها جمهور ~~غفير من الرجال والنساء والأولاد والأطفال، حتى تضرجت كل فرنسا بالدماء. ولم يكن من سبب ~~في سفكها إلا التعصب الديني الذميم دون سواه، وذبح في باريس زعماء البروتستانت، ولم ينج ~~أمير كوندة من تلك المذبحة إلا بإنكار مذهبه، وقتل فيها كوليني وغيره من الزعماء ~~المشهورين. # وقامت يومئذ مجزرة في قصر اللوفر منذ الساعة الخامسة صباحا والبروتستانتيون ms186 نيام. ~~فوجئوا مفاجأة وهم في مخادعهم، بعد ليلة قضوها مع الملك يشاطرونه فيها مسرة اللهو ~~واللعب. فانتزعت منهم أسلحتهم، وحزت أعناقهم حزا كأنهم أغنام، وقيل: إن شارل التاسع ~~كان ينظر إلى تقتيلهم من نافذة القصر، ومما لا شك فيه أن أولئك المساكين الذين قتلوا ~~بسبب التعصب الوحشي كانوا أشجع رجال فرنسا وأحذق قوادها وزهرتها، ونخبة المصلحين فيها! ~~ومات شارل التاسع ملك فرنسا سنة 1574 وهو يعض أصابعه حسرة وتندما على ما حصل. # فقاتل الله التعصب، إنه كان، وما برح، آفة كل إصلاح، وعدو كل صلاح وفلاح. ms187