######OpenITI# #META# URI: 1335ShibliShumayyil.Ara.Hindawi85938475 #META# Tags: philosophy #META# ID: 85938475 #META# Title: آراء الدكتور شبلي شميل #META# AuthorID: 90709753 #META# Author: شبلي شميل #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # بيان‏ # تمهيد‏ # مقام الكائنات في الطبيعة‏ # تأثير العلم الطبيعي في الأديان‏ # غرابة آرائي الاجتماعية‏ # تأثير العلم الطبيعي في العمران‏ # فصل في الجنايات والاجتماع‏ # فصل في العلم والتعليم‏ # نظرة في أحوالنا‏ # بيان‏ # تمهيد‏ # مقام الكائنات في الطبيعة‏ # تأثير العلم الطبيعي في الأديان‏ # غرابة آرائي الاجتماعية‏ # تأثير العلم الطبيعي في العمران‏ # فصل في الجنايات والاجتماع‏ # فصل في العلم والتعليم‏ # نظرة في أحوالنا‏ # | آراء الدكتور شبلي شميل # | آراء الدكتور شبلي شميل # تأليف # شبلي شميل # | بيان # نشرت جريدة الأخبار منذ مدة للكاتب أ. ش. انتقادا على كتاب خالد للريحاني، جاء فيه ~~تعريض بآرائي وأنها آراء غريبة، فكتبت ردا على ذلك وبعثت به إلى نفس الجريدة فلم يتيسر ~~لها نشره، ولما كان هذا القول يشبه أن يكون صدى رأي الجمهور أكثر من أن يكون رأي الناقد ~~الخاص، ولئلا يرسخ في الأذهان أن الغرابة هي دائما في مخالفة الشائع المشهور، رأيت أن ~~أنشر هذه الكلمة في رسالة على حدة جلاء للحقيقة؛ عملا بقولي: «الحقيقة أن تقال لا أن ~~تعلم.» فقط. # مصر سنة 1912 # | تمهيد # قال الكاتب أ. ش: «وأما أراؤه - أي صاحب كتاب خالد - الدينية والاجتماعية والفلسفية، ~~فمعظمها غريب عن الرأي الغالب بين طوائف الإنس والجن، بعضها أغرب من آراء الدكتور ~~شميل.» # أنا لم أقرأ كتاب خالد لأقف على حقيقة هذه الغرابة فيه وموضعها من الصحة وعدمها، وإنما ~~أنا أقدر أن أتكلم عن آرائي الدينية والاجتماعية والعلمية ولا أقول الفلسفية؛ لأني لا أحب ~~أن أعنى كثيرا بالفلسفة، إلا ما كان منها من قبيل الاستقراء العلمي فقط؛ لما تجر إليه ~~غالبا من السفسطات البالغة إذا شردت عن العلم، بل أنا أكره جدا الانتساب إليها. # فإذا كان الخروج عن مألوف الناس ولو إلى الصواب يعد غرابة فآرائي غريبة عن الرأي ~~الغالب بين طوائف الإنس، وأما طوائف الجن فليس لي علم بها وبآرائها، ولكن معنى الغرابة ~~هنا يتناول البعد عن الصحة أيضا. # فآرائي الدينية والاجتماعية والعلمية ليست غريبة عن العلم اليوم، وهي ليست من الآراء ~~الفلسفية التي يتسع مجال ms01 التخريج فيها لكل مفكر غير مقيد بقيد علمي، بل هي نتيجة لازمة ~~لأبحاث علمية خارجة من معمل الطبيعي وداخلة في بوتقة الكيماوي وواقعة تحت مشراط المشرح، ~~ولا سبيل للخروج عنها إلا بالوقوع في الغريب. لا يجوز أن ترمى بالغرابة إلا إذا جاز أن ~~تكون الأحكام الاجتهادية أصدق من الدليل الاختياري والنظر المجرد أصدق من الحس. # فالناس لا يستغربون التسليم بالعالم غير المنظور، ولو لم يكن عليه أقل دليل علمي؛ ~~لانطباقه على الرغائب ونحن معهم لو كل ما يتمنى المرء يدركه، ولتمنينا وجودا أفضل خالصا ~~من كل ما يريب، ولكن العلم الذي نعنيه شيء آخر غير المتمنيات، وهم يشهدون تغير نظامات ~~الاجتماع في العصور، ولكن يستغربون المطالبة بهذا التغيير في كل عصر، وهو أمر من الغرابة ~~بمكان. # فإذا قلنا أن العالم ليس فيه فوق ولا تحت ولا وراء ولا أمام. فليس فيه مادة غريبة أو قوة ~~غريبة تدخل إليه أو تخرج منه، وأن لا فرق في المبدأ ولا في المعاد بين جميع الكائنات من ~~أعلى الإنسان إلى أدنى الجماد، فجميعها في تكوينها من عناصر طبيعية واحدة وتتمشى في أفعالها ~~على نواميس طبيعية واحدة مشتركة بينها جميعا، فأين الغرابة في هذا القول؟! وهل في العلم ~~اليوم ما ينقض ذلك؟! أوليس كل علم يعلم غير ذلك أشبه بالتخرص منه اليوم بالعلم؟! # وإذا قلنا إن العمران جسم حي كسائر الأحياء له أعضاؤها ونواميسها وتحولاتها وصحتها ~~وسقمها، وإن ما ينطبق عليها في جميع خصوصياتها ينطبق عليه، فأين الغرابة في ذلك؟! أليس من ~~المقرر اليوم في علم الاجتماع الطبيعي أن العمران حيوان، ولكنه حيوان هائل، أفراد البشر ~~فيه كالكريات الحية في الأحياء؟! لعلنا إذا عرفنا ذلك جيدا يسهل علينا أن نفهم ~~كيف يجب أن نجعل كل عضو من أعضائه نافعا ومنتفعا معا؛ لئلا يكثر في الأعضاء العاطلون ~~ويكونون فيه حينئذ كالكريات المتعفنة أو كالأخلاط الرديئة التي تتهدد سلامى الجسم ~~الحي، عسى أن تقل الجنايات وتتوافر المنفعة وينصرف الاجتماع إلى ما يرقيه. والعلم ~~باجتناء العمل وتوفير المنفعة ms02 يشبه علم الهيجين؛ أي علم حفظ الصحة الذي يقاوم الأمراض ~~بمقاومة أسبابها، فلا يكفي أن تكون لنا شرائع فقط لمعاقبة الجاني، بل يلزم أن يكون لنا ~~نظامات وتعاليم كافية لاجتناب أسباب الجنايات تكون موافقة لطبيعة العمران ومنطبقة على ~~حاجاته المتزايدة كل يوم، كما أنه لا يكفي أن يكون لنا طب شاف لمداواة الأمراض بل يفضل ~~عليه الطب المنعي الذي هو غرض الطب الأكبر خصوصا اليوم؛ لئلا يبقى الاجتماع بأيدي ساسته ~~كما كان الطب بأيدي الدجالين: «فصادة وشربة وودى على التربة.» # وإذا عرفنا أن الاجتماع حي كسائر الأحياء عرفنا أيضا أنه خاضع لنواميس الطبيعة ~~العامة نظيرها، فلا نجعل سبيلا لتراكم القوى وتجمعها فيه، فلا نناهضه كلما نهض إلى ~~حق له ونقاومه بجمودنا مقاومة عمياء؛ لئلا يفعل ذلك فيه فعل الضواغط القاسرة في الطبيعة ~~فيهب إلى ثورات تمزق أحشاءه وتقهقره كما تمزق البراكين أحشاء الأرض، بل نقوده إلى مصلحته ~~الكبرى التي هي مصلحة كل واحد منا ونحسن هدايته بما نكتسبه كل يوم بالعلم والاختبار؛ ليسير ~~في مدارج الارتقاء سيرا حثيثا سليما يكون لنا فيه فضل العلم والعقل؛ لئلا تنفرد نواميس ~~الطبيعة بنا وتدفعنا إلى ذلك قسرا ولكن بعد أن تذيقنا الأمرين. # 1 # وإذا عرفنا ذلك، أفلا يكون أصلح لمصلحة العمران إذا قام واحد وقال قولا مخالفا ~~لمألوفنا، أن نتدبر قوله أولا عسى أن يكون فيه الصحيح الذي ننشده والصالح الذي نبتغيه، ~~عوضا عن أن نرمي آراءه بالغرابة؛ فتزيد الجمهور إعراضا ولو عن التفكير البسيط فيما قد ~~يكون فيها من الصواب؟! حتى يرسخ في الذهن أن المألوف هو دائما الحق وأن مخالفة الآراء ~~الشائعة والاعتقادات الراسخة والنظامات المقررة لا يجوز؛ فتكم الأفواه وتخرس الألسنة ~~عن الانتقاد في الأمور الاجتماعية إذا كان هذا الانتقاد مخالفا للمقرر، ولو أن الخطأ ~~والضلال يرشحان من أذيال هذا المقرر ويملآن الأرض حوله بؤرة آسنة، # 2 # أم الأفضل لمصلحة الاجتماع كلما اكتشف العلم حقيقة مخالفة لرأي الجمهور أن ~~نتكتم بها؛ لئلا نغضب هذا الجمهور إذا صرحنا بها أو نذكرها ms03 كما يريد حكماء الاجتماع ~~وفلاسفته النفعيون الذين يذهبون مذهب القائل: «بعد كديشي ما يعيش حشيش!» أو بعبارة أرقى: ~~«وبعدي الطوفان.» فنلبس الجرن # 3 # ونشير برأسنا إشارة خفيفة، مقرونة بابتسامة معنوية لطيفة كأننا نريد أن نقول ~~إننا نعلم، ولكن ما كل ما يعلم يقال. لئلا يجر علينا التصريح ضررا ويفقدنا منفعة، وهو ~~برهان وجيه كثيرا ما يحس به المتعرض له، ولكن برهان العلم أوجه في نظر البعض على قلة ~~جناه، والعلم الذي أعنيه هو علم خبرة ويقين لا علم حدس وتخمين، فقبل أن تصح عليه غرابة ~~تتكدس الغرابات على سواه بالملايين. # | مقام الكائنات في الطبيعة # قبل أن قام العلم الطبيعي على أسس راهنة في القرن الماضي كان العلم بطبيعة الكائنات ~~ناقصا جدا، وكان الاعتقاد أن مواليد الطبيعة منفصلة بعضها عن بعض انفصالا جوهريا، إن ~~لم يكن في المواد الداخلة في تكوينها ففي القوى التي تفعل في هذه المواد، لا بل كان ~~الاعتقاد أن كل نوع من الأنواع الحية خلق خاص أيضا ثابت لا يتغير، فكانوا يعتقدون أن ~~القوى التي في النبات من غير طبيعة القوى التي في الجماد، والتي في الحيوان غير التي ~~فيهما. # وكان العقل خاصة ميزة الإنسان وحده ومن جوهر مستقل عن جوهر عقل الحيوان، وأن في الإنسان ~~غير ذلك جوهرا خاصا سائدا غريبا عن الطبيعة المحسوسة هبط إليه من العلي هو النفس، ~~وهي التي تفاره إلى من مكانها الأسمى وتحفظ له عينه في العالم الروحاني بعد الموت، كل ذلك ~~من دون أدنى دليل غير ما كان يبدو لنا من الفرق في أفعال الإنسان عن سائر الكائنات، وهو ~~معذور حينئذ؛ لأنه لم يكن يعلم أن هذا الفرق نسبي فقط، خصوصا مع أقربها إليه - أي ~~الحيوان - فلما ترعرع العلم الطبيعي واكتهل، سقطت كل هذه الحواجز بين الكائنات في الطبيعة ~~واتضح حينئذ أنها جميعا من حي وجماد وإنسان وحيوان من أصل واحد مشترك في موادها ~~وقواها، وأنها جميعا متحولات بعضها إلى بعض ومنحلات بعضها إلى بعض، فمادة الدماغ من ~~طبيعة العناصر ms04 التي تنحل إليها، وأفعال العقل الراقي من جنس الألفة الطبيعية التي في هذه ~~العناصر، وإن بدا لنا ذلك غريبا بين طرفي سلم الكائنات من أدناها إلى أعلاها، فليس هو ~~بهذه الغرابة للمتدرج فيها، وما هو بأغرب كذلك من أفعال سائر القوى في مظاهرها المختلفة ... ~~فتحريك الآلات بالكهربائية ونقل الأصوات بالتلفون، وحفظها في الفونوغراف ورسم الصور ~~المتحركة في السينماتوغراف، ونقل الأنباء بالتلغراف السلكي واللاسلكي مما لو سمعنا عنه في ~~أوائل القرن الماضي لنسبناه إلى الجن، هي جميعها من أصل الكهربائية البسيطة المعروفة من عهد ~~طالس اليوناني، والتي تجذب إليها قصاصات الورق وقصالات القش مع الفرق الجسيم بينها في ~~الظاهر، وليس من غرضنا أن نثبت كل ذلك هنا بالتفصيل؛ لأن المقام لا يتسع له أيضا، بل نوقف ~~القارئ على النتيجة الكلية الكبرى التي أقرها العلم اليوم باتفاق علماء الطبيعة أجمع، وهي ~~أن الإنسان بمواده وقواه طبيعي هو وكل ما فيه مكتسب من الطبيعة وموجود فيها. # فإذا كان العلم اليوم يرى أن المواد والقوى الموجودة في الطبيعة والمشتركة بين سائر ~~كائناتها، كافية وحدها لتفسير جميع تحولاتها وأفعالها البسيطة والمركبة الراقية، فأية ~~حاجة بنا بعد ذلك إلى القول بقوى غريبة لا يدل عليها العلم؟! وليس لنا أقل دليل علمي كذلك ~~على وجود غير منظور ما دام كل شيء تقوم به مواليد الطبيعة موجودا في العالم المنظور ينشأ ~~فيه ويعود إليه، حتى ولا دليل فلسفي كذلك يستقي مصادره من العلم، فلم يبق إلا أن الخروج ~~إلى غير العالم المنظور اجتهاد منا مرضاة لرغائب ومتمنيات غريبة هي نفسها، والتثبت من العلم ~~يزيدها كل يوم غرابة. # | تأثير العلم الطبيعي في الأديان # أما غرابة آرائي الدينية فليست إلا لكونها مخالفة للآراء الغالبة بين الناس في أصل ~~الإنسان وحقيقته في هذا الوجود، وقد كان الاعتقاد في القديم أن أصل الإنسان غير ما قرره ~~العلم اليوم، فكانت الآراء الدينية حينئذ متناسبة مع ذلك الاعتقاد، وأما اليوم وقد قرر ~~العلم أن الإنسان كسائر الأحياء في الطبيعة ليس فيه شيء غريب عنها ms05 لا في مواده ولا في قواه، ~~فصارت الأفكار الدينية القديمة غير صالحة لأن تكون نتيجة لازمة لهذا العلم، وصار التوفيق ~~بينها وبينه غير ميسور لها بالعلوم العقلية الفلسفية وغيرها من علوم الكلام كما كان في ~~القديم، ومهما بذل من الجهد اليوم في ذلك فالعلوم الطبيعية تنفيه. # ولكن إذا كان البحث من هذه الجهة في الأديان يبدو عقمه في العلم، فقد اتسع له المجال ~~كثيرا من جهة علاقتها بالإنسان في أطوار نشوئه الأدبي وتقلبها معه في العصور، وقد نشأ ~~الإنسان في معبوداته وتحول فيها كما نشأ وتحول في كل شيء له علاقة شديدة به كعاداته ولغاته ~~ونظاماته جميعها، فلم تكن عباداته في أول أمره كما هي اليوم في أديانه الكبرى، بل كانت ~~بسيطة جدا عبارة عن خوف فقط لم ينظر فيه أولا إلا إلى مصلحته القريبة، فعبد كل من رأى ~~له سلطانا عليه، وكم عبد الناس ملوكهم وألهوهم في القديم! ولجهله في أول نشوئه لم ~~يدع شيئا في الطبيعة ضارا أو نافعا، عظيما أو حقيرا، مرغوبا أو مرهوبا، إلا ~~وتوهم فيه ذلك فعبد الحجر والشجر والحيوان والإنسان نفسه، ولم ينتقل بمعبوده إلى ما ~~وراء المنظور إلا بعد أن ارتقى ورأى فساد معبوداته في أشياء هذا الوجود المشهود. # ففكرة البقاء بعد الموت لم تكن به في أول الأمر، أو كانت غير معينة ولم تنشأ فيه إلا ~~بعد ذلك بزمن طويل، فارتسمت له حينئذ مرارة الموت ودفعته إليها محبة الذات # 1 # حرصا على بقاء العين، وهي حتى اليوم ليست في كل الأديان على حد سوى، ~~والتوراة خالية منها ولا عبرة بالتأويل. ولم تتحول العبادات إلى أديان ذات غرض اجتماعي ~~وانتظمت شرائع أكثرت من التهديد بالعقاب والترغيب بالثواب إلا بعد أن ارتقى الإنسان ~~كثيرا، وانتظمت مجاميعه وأصبحت الشرائع المدنية بأيدي الأقوياء آلة يتصرفون فيها ~~لمصلحتهم، فصار من اللازم لمصلحة الاجتماع وضع نظام يكبح جماح الجبابرة الظالمين ويخفف عن ~~الضعفاء المظلومين؛ فهي من هذه الجهة شرائع اجتماعية أيضا، وإنما جعل سلطانها فوق سلطان ~~أعظم عظيم ms06 في البشر لغرض اجتماعي واضح ، على أنها عادت في أيدي الرؤساء كما كانت الشرائع ~~المدنية بأيدي الملوك أنفسهم، ولكنها مع ذلك هونت على الإنسان تحمل الظلم في دنياه بقدر ~~ما فسحت له من الأمل في أخراه. # فترى أني لم أتعمد في مباحثي نفي الأديان لغرض في النفس ولم أنفها بكلام ألقيته جزافا، ~~وبرأي فلسفي خاص أو مقتبس كما يتوهم أكثر الذين يسمعون بي ولم يقرءوا مني شيئا، ولم أتحذلق ~~فيها كما يفعل كثيرون اليوم ممن لا يسلمون بالنتيجة العلمية كما هي لئلا تسقط رغائبهم، ~~ولا يقفون في اعتقادهم عند حد الأديان المعروفة، بل يذهبون فيها مذاهب خاصة كل منهم على ~~هواه؛ لئلا يقال: إنهم متقهقرون، ومثل هؤلاء مثل من أسلم الظهر ومات العصر؛ فعيسى أنكره ~~ومحمد لم يعرفه، وإنما التزمت فيها جانب العلم، وأريد بالعلم العلم الطبيعي القليل الانتشار ~~اليوم لا علم الجدل النظري الذي يستطيع أن يطرقه كل مفكر، بل أنا أكره جدا كل بحث مبني ~~على النظر المجرد. وفي اعتقادي أن وقوف العمران متباطئا في السير متباطئا في الارتقاء ~~ومتقهقرا أحيانا كثيرة سببه الأكبر أن أكثر علومه حتى اليوم علوم مجردة، ولطالما صرفته ~~في الماضي عن القريب منه إلى البعيد عنه، أليس من الغريب أن يكون الإنسان قد خبر غير ~~المنظور وبحث السماوات العلى، وقاسها بالشبر وعرف طوائف الجن وعدد الملائكة والأبالسة، قبل ~~أن يتعرف أديم الطبقة الأولى من الأرض التي تطؤها قدمه كل يوم والتي هي منشأ ذائه ومنبت ~~كسائه والتي هي مهده والتي هي لحده؟! # وأنا لم أنظر إلى الأديان نظر المستخف بل بحثت فيها كما بحثت في كل شيء متعلق بالإنسان ~~ككائن طبيعي تقلب على أطوار مختلفة في نشوئه، وهي في اعتقادي نفعت كثيرا وأضرت كذلك، ~~ككل نظام يكون نفعه أكثر من ضرره في أوله، ثم ينقلب في أيدي أتباعه إلى الضد أو أنه لا يعود ~~يصلح، شأن كل موضوع لا بد من تعديله على الدوام ليوافق روح كل زمان ومكان. # ولا أظن أنه يوجد ms07 بين المؤمنين أنفسهم من هو أشد إعظاما مني لواضعي الأديان الذين ~~أعتبرهم من أكبر رجال الإصلاح، وربما التمست لهم عذرا في التعويل عليها لنشر دعوتهم ~~الإصلاحية؛ لما فيها من الترغيب المشهي والإرهاب المخيف، ولا سيما في ذلك الزمان الذي ~~كانت الأفكار فيه متشبعة بمبادئها القوية وأسرارها الخفية، ولكني مهما عظمتهم وعظمت ~~سواهم من المصلحين، فأنا لا أتحول عما أقول أيضا: «إن مصلح اليوم لا يلبث أن يصير رزئا ~~كبيرا وعبئا ثقيلا على مصلح الغد.» لوجوب التعديل على الدوام في كل إصلاح مهما كان، ~~والإنسان من طبعه الجمود في كل من يألفه، فلا يسهل عليه الانتقال فيه إلا إذا بلغ من العلم ~~مبلغا قصيا. # فإذا كنت قد قمت على الأديان من الجهة العلمية؛ فلأنها لا مسوغ لها في العلم، ومن الجهة ~~الاجتماعية؛ فلأنها أضرت كثيرا بجمودها وجمود أتباعها بها، كما قمت أيضا على سائر ~~الشرائع الموضوعة والتباطؤ في الانتقال بها، ومن منا ينكر ما ارتكب وما لا يزال يرتكب ~~من الفظائع كل يوم باسم الأديان، وهي أشد هولا كلما كانت الأمم أشد توغلا في الجهل؟! بل ~~من منا لا يرى هول الموقف إذا شاء التحول بها إلى ما يكون أوفق لمصلحة العمران؟! # | غرابة آرائي الاجتماعية # أما عن غرابة آرائي الاجتماعية؛ فالغريب فيها أن ترمى بالغرابة، كأن المألوف للناس في ~~نظام الاجتماع هو النظام الصالح لهم دائما؛ للرضى به وعدم السعي للتحول عنه إلى ما يكون ~~أوفق لمصلحة العمران، والواقع ينقض ذلك؛ فنظام الاجتماع يتغير على الدوام طبقا للناموس ~~الطبيعي القاضي بأن كل شيء في الطبيعة متغير، فيجب إذن أن لا نصده بما نضعه له من الشرائع ~~والنظامات عن هذا التحول طبقا لحاجات أعضائه المتغيرين هم أنفسهم؛ لئلا يوجب ذلك فيه ~~اختلالا في التوازن يفضي به إلى غير المقصود منها، بل يجب أن نجعل له في هذه الشرائع ~~متسعا لسرعة هذا التحول إلى الأصلح لنقيه بذلك شر عواقب الإبطاء في هذا ~~الارتقاء. # والناظر إلى نظام الاجتماع في التاريخ يجد أنه تغير كثيرا ms08 في العصور، وأنه اليوم أصلح ~~بكثير مما كان في الماضي، ولكنه يجد أيضا أنه تباطأ جدا في هذا التغير وهو حتى الآن لا ~~ينطبق كثيرا على مصلحة العمران؛ لأن الشرائع التي تولت سياسته في كل هذه الأحقاب الطويلة ~~والتي لا تزال تسوسه حتى اليوم، لم تعرف كيف توفر له الانتفاع من جميع القوى التي فيه ~~فأكثرت من التبذير فيها؛ مما جعله كثير التقهقر كثير الوقوف بطيء الارتقاء، وهو لا يزال حتى ~~اليوم شديد التنازع قليل التضامن كثير الاضطراب، فعدم معرفة توفير العمل يجر إلى الفاقة ~~والفاقة تدفع إلى الجناية، وعدم توزيع الفائدة على قدر العمل يؤدي إلى التذمر، والظلم ~~المتناهي يدفع إلى الثورة، كما أن عدم الاعتناء بوسائل صحة الأفراد يولد الأمراض ~~ويعرض المجتمع لفتك الأوبئة؛ لأن ناموس التكافؤ الطبيعي في العمران صارم جدا لا يرحم ~~ولا يقبل تأجيلا، # 1 # فإذا كانت الشرائع حتى اليوم لم تعرف كيف توفر له هذا الانتفاع وتدرأ عنه ~~شر إغفالها؛ فلأن مبدأها مخالف لطبيعته التي قررها له العلم اليوم؛ فالشرائع المدنية ~~جعلت أساس توازنه دفع الشر ولاذت فيه إلى العقاب، وقد يكون القائمون بهذه الشرائع من أكبر ~~أسباب هذا الشر فيتناهون هم ويتفاقم هو. وزادت الشرائع الدينية على العقاب الثواب للترغيب ~~بالجزاء الحسن، وتوسلت التعاليم الأدبية منها بالحض على الإنسانية ليكون هناك محل واسع ~~للرحمة، والرحمة كرم من النفس كثيرا ما يلهو الإنسان عنه، # 2 # والثواب مؤجل عسى أن يرجع الإنسان ويستحقه بتوبة وندامة تمحوان كل إثم، بخلاف ~~الشرائع الطبيعية التي تجعل أساس هذا التوازن التكافؤ القاضي بأن كل عمل يعمله الفرد في ~~الاجتماع، أو يعمله الاجتماع للفرد تعود نتيجته على عامله خيرا كانت أو شرا، كما هي ~~الحال في الجسم الحي وفي سائر أفعال الطبيعة نفسها، وحينئذ يصير العمل لمصلحة العمران من ~~قبيل «الواجب»، وإلا تراجع إليك صداه في الحال فلا يدعك تغفل عنه لحظة إلا وقد غفلت عن ~~أقرب المصالح إليك. # وهذه الحقيقة لم تتقرر للاجتماع على أساس علمي طبيعي مكين إلا ms09 من عهد قريب، مع أنها ~~بسيطة للغاية شأن كل الحقائق التي غيرت وجه العلم والعالم؛ كمذهب الجاذبية العامة ومذهب ~~التحول، فقد فنيت الأجيال في الأجيال قبل أن أهتدى إليهما وظهرا بالبساطة التي يبدوان بها ~~لنا اليوم، كأن الصعوبة في الحقيقة ليست في العثور عليها بل في إرادة البحث عنها، حتى قال ~~بعضهم: «الصعوبة في الحقيقة هي أنك تجدها كلما بحثت عنها.» # فأنا لا أطلب المستحيل في الأمور الاجتماعية بل أطلب التمشي في نظام العمران على ~~النواميس الطبيعية نفسها والاسترشاد بها لاجتناب عثراته وتسهيل ارتقائه، عسى أن يصبح كل ~~أعضائه عاملين نافعين منتفعين معا، فلا يكون هناك تبذير في قوى الاجتماع، ولا حيف على ~~الأفراد يعودان بالضرر على المجتمع، وهو أمر ميسور لولا أثرة المستأثرين وغفلة ~~الجاهلين. # | تأثير العلم الطبيعي في العمران # مهما يكن من أمر هذه الحقيقة العمرانية - أي العمل من قبيل الواجب - وبساطتها فالعمل ~~بموجبها عن روية وعلم لا يزال في أوله؛ لأنها كما قلنا لم تتقرر إلا من عهد قريب؛ أي ~~بعد أن نهضت العلوم الطبيعية نهضتها العجيبة في القرن الماضي، وشرع علماء الاجتماع ~~الطبيعيون يطبقون نواميس الأحياء على العمران نفسه باعتبار كونه جسما حيا نظيرها، ولقد ~~تقدمت العلوم الطبيعية في هذا الزمن القصير تقدما لا يحاكيه تقدم في كل العصور ~~الماضية، ولكن من الأسف أن العمران لم يتقدم في هذه المدة في نظاماته وشرائعه ومعاملاته، ~~وسائر أموره الأدبية على نسبة تقدمه في مخترعاته وصناعاته وسائر مادياته، بل هو في بعضها لم ~~يتقدم مطلقا أو تقهقر أيضا، فهو اليوم مضطرب جدا للتنافر الشديد بين القديم الموروث ~~الراسخ فيه، والجديد الحادث وصعوبة التوفيق بينهما للاستقرار فيهما على ما لا بد منه ~~أخيرا، فالعمران معهما اليوم في طور يعرف بطور الانتقال كثير المعايب شديد الخطر عليه، ~~فنظامه كالثوب البالي المرقع لكثرة القديم فيه حتى الآن، فإذا بدت التعاليم العمرانية ~~الجديدة كثيرة المعايب حتى اليوم، وبدت كذلك غريبة للبعض؛ فالسبب واضح من أنها لا تزال ~~حديثة العهد جدا. # وإذا كان العمران ms10 لم يتقدم في نظاماته على نسبة تقدمه في مادياته فلا يستفاد من ذلك ~~أنه لم يتقدم، بل هو تقدم كثيرا عما كان في الماضي القريب حتى في البلاد التي ليس لها ~~حظ وافر من هذا العلم؛ لأنه إذا كان المرض يعدي والشر يعدي فالصحة تعدي والخير يعدي ~~أيضا. # فقد بقي الاجتماع في الماضي آلافا من السنين، وهو على حال من المدنية تكاد تكون واحدة ~~في كل العصور منتقلة فيه انتقالا بسيطا فقط من مكان إلى مكان ومن قوم إلى قوم، وارتقاؤه ~~في الأجيال بسيط جدا يكاد لا يشعر به، وعامله في هذا الانتقال السيف السليط، وكثيرا ما ~~كانت تسطو البربرية على المدنية فتطفئ نورها إلى حين، وقد كانت علومه حينئذ علوم كلام ~~وجدل أكثر منها علوم اختبار وعمل، ومراميه مرامي بعيدة أكثر منها قريبة، وكان نظره إلى ما ~~وراءه أو فوقه أكثر منه إلى ما أمامه، إلى أن وجه نظره إلى الطبيعة المحسوسة، حينئذ أخذ ~~يخطو في ارتقائه خطى الجبابرة إلى أن صارت خطاه في أيامه وسنيه كما كانت في الماضي في ~~قرونه وعشرات قرونه، والناظر إلى العالم اليوم منذ قرن لا يذهب عليه ذلك، وعامله اليوم ~~العلم، والعلم العملي فقط، وإذا كان لا يزال للسيف محل واسع في ذلك فهو اليوم خادم العلم، ~~ولا يستطيع سيف الهمجي التغلب عليه كما كان يحصل كثيرا في الماضي، فالسيف اليوم مع العلم ~~عامل «انتشار» لا عامل «انتقال»، والعلم اليوم منارة عالية تبعث بأشعتها إلى كل ~~الأقطار. # من كان يظن من خمسين سنة أن النظام الدستوري تقدم عليه الهيئة الحاكمة من تلقاء نفسها ~~كما حصل في اليابان؟! أو تنقاد إليه من دون مقاومة أو بمقاومة خفيفة كما حصل من عهد قريب ~~في المملكة العثمانية وكما هو حاصل اليوم في الصين؟! # بل من كان يظن أن مطالب العمال تقابل بالإصغاء التام كما يصغى إليها اليوم؟! نعم؛ كان ~~يصغى إليها في الماضي ولكن برءوس الحراب وأفواه البنادق، وأما اليوم فقد رأينا كيف يصغى ~~إليها بالعقل ms11 كمطالب حقة؛ لأن الإنسان بفضل العلم الحديث لم يعد على الغالب يعتبر في ~~الاجتماع كالآلة، ويساق إلى الحتوف كالبهيم بأيدي جبابرة الدنيا وأساطين المال وتعاليم ~~كبار الفلاسفة النظريين أنفسهم الذين كانوا يجوزون الرق في القديم، بل صار أكثر عامة ~~الناس كخاصتهم يفقهون أن الحق بين الناس شرع، وأن الطبقات الواطية - كما يسمونها - ليست ~~واطية بالقدر الذي يظنون، وأن العمل لا يجوز سلبه لمصلحة أفراد معدودين، وأنه فوق المال ~~ويجب أن يكافأ أكثر منه، وأن ما كان يعمل حتى اليوم على سبيل الرحمة يجب أن يعمل على ~~سبيل الحق الواجب لأجل مصلحة الفرد من جهة، وفي سبيل المصلحة العامة من جهة أخرى. # ولا أنكر أن آرائي الاجتماعية، وإن كانت كلها ممكنة ومدلولا عليها بنظريات العلم الطبيعي ~~اليوم وسير العمران نفسه نحوها، فإن فيها ما لا يزال يحيق بتحقيقه صعوبات كثيرة لقلة انتشار ~~المبادئ العمرانية الحديثة بين الناس حتى في أرقى المعمورة؛ لأن القسم الأكثر من البشر لا ~~يزالون في تعاليمهم تحت تأثير القديم، غير أن ذلك ليس سببا كافيا لعدم التصريح بها أو ~~نعدها غريبة، أوليس توجيه النظر إلى الشيء مدرجة للبلوغ إليه بأهون سبيل؟! بل توجيه النظر ~~إليه للسير فيه بالتؤدة والروية، خدمة للاجتماع كثيرا ما تقيه عواقب الثورات العنيفة فلا ~~يفاجئ الاجتماع، وينقض عليه كالصاعقة ويدمره تدميرا أو يرجع به القهقرى ويؤخره ~~قرونا إلى الوراء. # فإذا كان قد جاز في الماضي الوقوف بالعمران لتغلب الجمود على الأفكار كالاعتقاد بثبوت ~~الأنواع، فاليوم وقد ثبت للعلم تحول كل شيء في الطبيعة من صامت وحي، صار هذا الوقوف به ~~جناية كبرى؛ لئلا يعرضه ذلك لثورات مدمرة، أشد هولا من الثورة الفرنساوية نفسها ~~التي هي بالحقيقة أكبر ثورة اجتماعية تاريخية نشأت عن شعور الإنسان بالضواغط، وليس العجب من ~~شبوبها بل العجب من طول مدة اختمارها. ولكن هذا العجب يقل إذا عرفنا أن نظامات الاجتماع ~~في الماضي كانت تجعل الشعوب تحت سلطان الحكام والرؤساء، يستبدون بهم ما شاءوا وشاءت ~~أهواؤهم، فكانوا يشغلونهم بالحروب الطاحنة ms12 ليبقوهم في ليل من الجهل دامس، فلا يجدون متسعا ~~من الوقت للرجوع إلى أنفسهم والتفكر بحالتهم التعسة؛ للنهوض منها حتى كانوا يظنونها طبيعية ~~فيهم، وأما اليوم فصرف الإنسان عن نفسه بمثل ذلك لم يعد ممكنا، بل هو اليوم بشعور متزايد ~~باحتياجاته الشديدة، فإن لم ينلها بالتدريج دفعته الضرورة إلى الثورة في طلبها، ولا يدفع ~~هذه الثورة إلا تفهيم سائر طبقات الناس بالتدريج وجوب النظر في هذه الاحتياجات، فثورات ~~العمال اليوم إذا لم ينظر فيها كل مرة بالتروي والحكمة يكون وقعها على الاجتماع شديدا ~~للغاية؛ لأنها أعم من أن تنحصر في وطن أو قوم كالثورة الفرنساوية؛ لأن العمال في الدنيا ~~اليوم متضامنون، فإعداد الأفكار لقبولها قمع لها وبلوغ إلى الحق من طرقه القويمة ~~السليمة. # فهذه هي آرائي الاجتماعية بالاختصار وليس فيها شيء غريب عن العلم، ولا عن سير العمران ~~نفسه الذي شهدناه في العصور ونشهده بأعيننا كل يوم، وهي وإن كانت متفرقة في كتاباتي لكنها ~~واضحة جيدا لمن يقرؤها بتمعن؛ أقول ذلك لأني أخشى جدا حكم الناس علي بمجرد السماع فقط، ~~كأن يقال عني أني غير مؤمن وأني اشتراكي مثلا، وهنا فليسمح لي القارئ أن أقول: إن غير ~~المؤمنين كثيرون والاشتراكيين كذلك، ولكن شتان بين رأي خمير مبني على العلم ورأي فطير ~~مبني على التقليد، وبين منصف حيث يجب الإنصاف ومتحامل في كل حال، بل يلزمه أن يقرأها ~~ويتجرد فيها عن الهوى؛ لئلا تكون أحكامه أحكام تشيع تبعد به عن الصواب، عسى أن لا يتسرع ~~الناس في الحكم على سواهم قبل أن يتدبروا ما ينم عليهم من كلامهم؛ لئلا ينصروا ضلالة ~~ويمنعوا هداية وهم لا يريدون. # | فصل في الجنايات والاجتماع # إن للاجتماع أمراضا كما للجسم الحي، وهي كأمراض الجسم الحي إما مستوطنة وتسمى جنايات ~~وجرائم، وإما وافدة وتسمى قلاقل وثورات، وأسبابها كأسبابها إما متمة واصلة وهي في ~~أحوال الأفراد الخاصة، وإما معدة مهيئة وهي في نظامات الاجتماع نفسه كما هو الحال في ~~الجسم الحي، فالجنايات كالأمراض نفسها لا تقع إلا إذا ms13 توافر لها هذان العاملان: أحوال خاصة ~~في الأفراد، واستعداد في جسم الاجتماع. # وسياسة الاجتماع كطبابة الجسم الحي: رادعة توجه إلى الجاني كما يداوي الطب المريض، ~~ومانعة أو واقية تمنع أسباب الجناية لوقاية المجتمع منها قبل وقوعها، كما يمنع الطب المرض ~~بمقاومة أسبابه بعلم حفظ الصحة المعروف بعلم الهيجين. # فساسة الاجتماع يقاومون الجنايات بالشرائع المسنونة، وهي كالطب الشافي للأمراض، ويحاولون ~~منعها بالنظامات الموضوعة وهي كالطب المنعي الواقي من الأمراض، وكما أن طبابة الأجسام ~~الشافية والواقية تتوقف على تعرف طبائع الجسم الحي وطبائع الأمراض التي تفتك به ودرس ~~الوسائل النافعة، كذلك سياسة الاجتماع الرادعة والواقية تتوقف على تعرف طبائع الجناة ودرس ~~الشرائع والنظامات الموافقة أيضا، وكما أن الطب البشري لم يقل كلمته الأخيرة في كل ذلك، ~~كذلك الطب الاجتماعي لم يقل كلمته الأخيرة أيضا. # غير أنا إذا قابلنا بين الطبين نجد أن الطب البشري تقدم أكثر جدا مما تقدم الطب ~~الاجتماعي، فشفاء الأمراض صار أسهل مما كان في الماضي وصارت طبائعها معروفة أكثر كذلك، وإذا ~~كانت صناعة الطب لم تتقدم كل التقدم المرغوب في شفاء الأمراض حتى الساعة، لكنها تقدمت ~~كثيرا في علم الوقاية منها، فإن علم حفظ الصحة يكاد يكون قد ألم بكليات نواميس الأمراض ~~وكيفية تولدها ووسائل منعها، وقد تمكن من حصر كثير منها وفي بعض البلدان تمكن من منعها ~~أصالة؛ لأن الطب البشري سار مع العلم سيرا حثيثا وجنبا لجنب، وإذا كان لم يتمكن من منعها ~~بتاتا فليس من نقص في علمه، بل من صعوبات أخرى تعترضه متأتية من نظامات الاجتماع نفسها، ~~فالأمراض الوافدة التي كانت تنقض في الماضي على أوروبا وتفتك بمئات الألوف من سكانها في ~~زمن قصير؛ كوافدات الطاعون والجدري الأسود والهواء الأصفر والحمى التيفوئيدية نفسها ~~حتى خانوق الأطفال المعروف بالدفتيريا، قد قلت اليوم جدا وزالت منها في بعض الأماكن ~~طبيعتها الوافدة، فإذا كانت أكثر المدن الكبرى في هذه الجهات بلغت الغاية في النظافة بعد أن ~~كانت مجمعا للقاذورات، وصار السكان فيها أكثر اعتناء من قبل بنظافة ms14 مآكلهم ومشاربهم ~~ومساكنهم وملابسهم وأجسادهم، فالفضل في ذلك للطب الذي عرف كيف يستفيد حالا من العلم، وسوف ~~تخف الأمراض جدا وتقل ويلاتها كلما اصطلحت نظامات الاجتماع، ومكنت الطب من العمل ~~بقواعد علم الصحة كما هي معروفة له اليوم. # بخلاف الطب الاجتماعي فإنه لم يتقدم على نسبة تقدم العلم اليوم، فهو لم يتعرف طبائع ~~الاجتماع وطبائع الجناة جيدا، وشرائعه الشافية ونظاماته الواقية لا تزال قاصرة جدا عن ~~المرغوب، وما ذلك إلا لأن نظره في طبيعة الاجتماع لم يتغير كثيرا عما كان في الماضي، ولم ~~يتيسر له حتى اليوم تطبيق نظاماته وشرائعه على النواميس الطبيعية التي اكتشفها له العلم، ~~والحق يقال: إن هذا التطبيق محفوف بالمصاعب لأسباب كثيرة ناشئة عن غلبة تعاليمه الدينية ~~والأدبية في شرائعه ونظاماته، وتأثيرها في طبائع أفراد المجتمع أنفسهم، فإذا كان الطب قد ~~استفاد كل الفائدة من العلم الطبيعي؛ فلأن موضوعهما واحد، فلم يكن يمكن فصل أحدهما عن الآخر ~~بخلاف سياسة الاجتماع، فهي حتى الآن لا تزال للأسباب المتقدمة باقية في واد والعلم الطبيعي ~~يسير في واد آخر. # ولا يستفاد من ذلك أن الاجتماع لم يستفد من حركة العلم اليوم في سياساته فإن إنكار ذلك ~~مجازفة، فأمراضه الوافدة قلت جدا، فقلت حروبه وانكسرت حدة ثوراته وخفت وطأة قلاقله، ولا ~~شك أن الجرائم والجنايات قد قلت كذلك عما كانت في الماضي البعيد، كل ذلك لسهولة مراسه اليوم ~~أكثر من قبل لاصطلاحه نوعا بفضل ما انتشر عليه من ظل العلم الحديث. # غير أن القلاقل إذا كانت قد خفت وطأتها فهي لم تقل اليوم بل زادت واستوطنت كذلك كقلاقل ~~العمال، وإذا كانت الجنايات قد قلت عما كانت في القديم فهي لم تقل قلة مطلقة، بل ربما ~~زادت كذلك بالنسبة إلى ما كانت عليه في الماضي القريب لزيادة انتشار العلم وزيادة الشعور ~~بالحاجة معه مع بقاء أسبابها؛ لأن الطب الاجتماعي لم ينظر كثيرا في هذه الأسباب وإذا نظر ~~فلم يهتد كثيرا إلى الوسائل الواقية منها أو أنه لم يحسن تطبيقها عليها، وأسبابها ms15 إنما ~~هي في نظامات الاجتماع نفسها التي لا تزال حتى الآن بعيدة جدا عن توفير التضامن له بتوفير ~~العمل وتوفير المنفعة المتبادلة. # فالشارع لم ينظر في الجنايات إلا إلى العقاب؛ فكأن الصعوبات التي تعترضه في نظامات ~~الاجتماع صرفته عن تعرف طبائع العمران للبحث في الوسائل الواقية، إلى تعرف طبائع الجناة ~~أنفسهم لتحديد العقوبة، وقد هداه العلم اليوم في ذلك كثيرا وخدعه أكثر؛ لأن الاعتماد في ~~العلم على جهة واحدة مضر جدا، فنظر في الأمر نظرة علمية هي في مصلحة الجاني أكثر منها ~~في مصلحة المجني عليه؛ إذ نظر إلى الجاني كنظره إلى المريض المستحق غالبا للشفقة والحنان ~~بقطع النظر عن تأثير جنايته في الاجتماع، وهو نظر يوافق عليه العلم إذا كان الغرض منه ~~توفير عضو من أعضاء المجتمع لنفع منه لهذا المجتمع، وإلا فالشفقة في الطب كما في الشرائع ~~يجب أن تشمل الأهم وهو الجسم الاجتماعي نفسه، ولو كانت هذه الشفقة في الشرائع اليوم ترمي ~~إلى إصلاح الجاني لحمدنا العمل، والحال ليس كذلك غالبا؛ لأن وسائل إصلاح الجاني لا يعتنى ~~بها كثيرا في الشرائع حتى اليوم، وكل ما تفعله هذه الشرائع لمصلحة الاجتماع هي أن تحبس ~~الجاني وتكف شره عن المجتمع إلى حين، وكثيرا ما يضيف الجاني إلى عيوبه وهو في السجن ~~عيوبا أخرى يكتسبها من مخالطته لسائر الجناة المحبوسين معه في سجن واحد، فلا يخرج من السجن ~~حتى يعود إلى جنايته بجسارة وتفنن لم يكونا له من قبل. # فتخفيف العقوبة على الجاني لم تفد الاجتماع بل ذكر بعضهم أن القتل كان يزيد كلما قل ~~القصاص بالقتل، وليس في الأمر غرابة والدواء على ما تقدم، حتى ولا القتل نفسه يستطيع ~~بالإرهاب أن يقلل القتل عسى أن يستطيع الجاني أن يستغفل نظام الاجتماع وينجو من عقاب مؤجل؛ ~~ولذلك رأى بعضهم أن يشغل الجاني في سجنه حتى يدفع ثمن جنايته فيكتسب عملا نافعا ~~ويعوض على المجني عليه، ويرهب لطول الإقامة حينئذ في السجن، وهو أقرب الآراء إلى ~~العدل مهما قام عليه من ms16 الاعتراضات، ويلزم حينئذ أن لا يقبل عن شغله عوضا ولو كان ذا مال، ~~ويشمل التعويض حوادث القتل التي كثيرا ما يذهب فيها التعويض المدني هدرا، فيفقد الإنسان ~~عزيزا له ويفقد معيلا كذلك. # على أن الجاني نفسه مظلوم وظالمه نظام الاجتماع نفسه، سواء عن جهل لقلة انتشار العلم أو ~~عن حاجة لقلة توافر العمل، أو عن مرض لتطرق ذلك إليه بالوراثة المكسوبة هي نفسها من ~~الاجتماع، والشرائع التي تعاقبه كأنها تعاقب به جهلها في تطبيق نظاماتها على حاجة العمران، ~~والتي كثيرا ما يكون الجاني العزوم فيها أنبل جدا من الذي يحرجونه ويسترون جناياتهم ~~بالخبث، فما دامت تعاليم الاجتماع لا تتمشى على قواعد العلم الحديث، فتضع العمران في مقامه ~~الطبيعي وتعتبره جسما حيا كسائر الأحياء وتطلق عليه نواميسها الطبيعية فمن المستحيل أن ~~تهتدي إلى إحكام الروابط بينه، وما دامت نظاماته لا توفر له النفع المتبادل فيصعب جدا ~~ضبطه، ولقد صدق القائل: «إن توافر أسباب الثروة في بلاد لمن أفضل أسباب تقليل الجنايات ~~فيها.» فالناس في كل أمورهم دنيا وآخرة إنما هم يقتتلون على رغيف. # | فصل في العلم والتعليم # إذا كانت هذه الآراء العلمية والاجتماعية لا تزال قليلة الشيوع بين الناس، فالسبب كما قلت ~~في ما تقدم هو قلة انتشار العلم الطبيعي رغما عن ارتفاع شأنه كثيرا اليوم لدى خاصة ~~العلماء وعامتهم، والذنب في ذلك على المدارس فأكثرها حتى اليوم لا يزال يعلمنا العلوم ~~العقلية الأدبية كما كانت في عهد أرسطو وابن سينا والعلوم الحيوية كما كانت في عهد لينيوس ~~وكوڨيه، وقل منها ما يعلم مذهب التحول بعد مائة سنة من اكتشافه وخمسين سنة من ثبوته، ~~والغريب أنها اليوم تجري على قواعد هذا المذهب في تعليم العلوم الكيماوية والفلسفية ~~الطبيعية، وقد تختلس شيئا منه تطلقه على علومها العقلية الأدبية من دون أن تدري أنها ~~مدينة له بذلك، فإذا درت كما في العلوم الحيوية دفعها جمودها الذي هو من مميزاتها الأولى ~~إلى النفرة منه والانزواء بين دفتي كتبها البالية، وهو وإن كان يعلم اليوم ms17 في بعض ~~المعاهد العلمية الراقية في أوروبا، ففكرة تعليمه في مدارسنا الشرقية على اختلاف نزعاتها لا ~~تزال أبعد من عنقاء مغرب. # فإذا كان الخوف على الدين هو الذي يمنع المدارس وخاصة المدارس العالية من تعليم مذهب ~~التحول، فليعلموا أولا أن هذا المذهب اليوم ليس نظرا فلسفيا يحتمل الشك بل هو مذهب ~~علمي ثابت أدلته محسوسة لا تقبل النقض، فمهما حاولوا طمسه فإنهم لا يفلحون، ولا بد من أن ~~يحتل المدارس احتلالا دائما في زمن قريب، فليعلموه إذن، وليقفوا فيه عند حد العلم ~~البسيط، كما فعلوا بأكثر المذاهب العلمية الكبرى التي حاربوها أولا بحجة الدين ثم عادوا ~~إليها، ولم يجدوا حينئذ أدنى مشقة في تطبيقها على الدين أو تطبيق الدين عليها؛ نقول ذلك ~~لأنا لا نريد أن يكون هذا الخوف اليوم سببا لحرمان التعليم من فوائد هذا المذهب الجمة ~~لجميع فروعه العلمية والأدبية والتاريخية؛ إذ ما من مذهب حتى الآن ظهر بهذا الاتساع شاملا ~~لجميع معارف الإنسان، ونخص بهذا القول مدارسنا عامة، فلعلها تجعله قاعدة تعليمها الثانوي ~~ولا توصد أبوابها دون أرقى العلوم اليوم. # ويا ليت الجامعة المصرية تكون السابقة إلى ذلك فتجعله أساس تعليمها وهي لا تكون قد أتت ~~بدعة، بل تكون قد حذت بذلك حذو جامعة باريس وجامعة ڨينا اليوم وأنشأت كذلك تعليما جديدا ~~غير موجود في المدارس الشرقية، ذلك أفضل جدا من اقتصارها على المباحث التي تبحثها والتي ~~يمكن لسواها أن يقوم مقامها فيها، بخلاف مباحث هذا المذهب فإن الإحاطة بها على أسلوب علمي ~~لا تتيسر أينما كان، وهي لو فعلت لوجدت من علماء أوروبا اليوم من لو خطب في الموضوع لخلب ~~العقول وملأها بمعلومات تقترن اللذة فيها بالفائدة، ولرأت من الجمهور كذلك إقبالا عظيما ~~جدا على حضور دروسها؛ لأن العقول اليوم متعطشة جدا للعلم الصحيح، ولربت منا أيضا ~~رجالا أكفاء يخلفونهم في تعليمهم باللغة العربية في وقت قريب، ولأدت فوق ذلك كله خدمة ~~كبرى للبلاد تذكر لها فتشكر. # وحتى لا يكون هناك موانع وهمية من العواطف ينبغي ms18 أن نقف في تعليمها حينئذ عند حد العلم ~~البسيط ؛ لأن المذهب ككل المذاهب العلمية الكبرى يمكن تجريده بالكلية عن الدين كما تقدم، ~~أقول ذلك نصيحة خالصة لا غاية لي فيها سوى خدمة العلم وخدمة البلاد معها خدمة حقيقية تدفعها ~~في العمران الراقي شوطا بعيدا، بل ألتمس ذلك من الجامعة التماسا لمصلحة الأمة الناهضة ~~اليوم والطالبة مهيعا تسير فيه يكون أهدى لها وأطلق لحركاتها؛ لأنه لم يقم حتى اليوم أصح ~~وأوسع من هذا المذهب؛ ولأني على يقين تام من أنه سيصبح المحور الذي تدور عليه جميع أعمال ~~الإنسان ومعارفه، لا في المستقبل البعيد بل في القريب الأقرب ومن يعش يره. # | نظرة في أحوالنا # إن المطلع على أحوالنا منذ أربعين سنة فقط يستعظم الخطى الواسعة التي خطوناها في سبيل ~~الحياة، فقد كان الشرق الأقصى والأدنى في ذلك العهد في حالة سبات لا تفرق كثيرا عن ~~الموت، ولقد نهض الشرق الأقصى نهضة أدهشت العالم بعد أن كان يظن أنه في غفوة لا يعقبها ~~يقظة، فبلغت اليابان في هذه المدة القصيرة مبلغ أرقى الأمم اليوم في علومها، في صناعاتها، ~~في تجارتها، في نظاماتها، في أحكامها، في تأهبها لدفع الطوارئ؛ فملكت ناصية القوتين ~~الهائلتين الأدبية العلمية والوحشية الحربية. # وها هي الصين التي تموج بسكانها كالنمل ناهضة بثورتها الحاضرة بعد سباتها الطويل العميق، ~~نهضة يرجى منها كل خير. # فاليابان لم يصدها حائل لا من أصولها السماوية ولا من عاداتها القومية عن اقتباس أسباب ~~الحضارة ممن سبقها في ذلك من الأمم، فهجرت القديم ولاذت بالجديد جريا على سنن الارتقاء ~~كأنها أدركت أن التمسك بالقديم جمود والجمود تقهقر، فتزيت بأزيائهم وتلقبت بألقابهم ~~واستنسخت نظاماتهم واقتبست صناعاتهم وعلومهم، ونبغت فيها حتى صارت في مقامهم عظمة ~~واقتدارا. # ومقدمات الثورة الصينية تبشر بمستقبل عسى أن لا يكون حظ الصين فيها دون حظ جارتها، وإن ~~كانت الصعوبات التي تعترضها فيها أشد؛ لأن ثورة اليابان قامت بها القوة الحاكمة، وقادت ~~الأمة فيها بالقوى السلمية فهي نشوء سريع لا ثورة بالمعنى المشهور، ولا يكاد ms19 يكون لها نظير ~~في تاريخ الانقلابات الاجتماعية، وأما ثورة الصين فالهيئة الحاكمة كانت ضدها، فهي كسائر ~~الثورات التي مصدرها الأمة، إلا أن ذلك يجعل دعائم الارتقاء فيها إذا قامت أعلى ~~وأرسخ. # ولم يفت الشرق الأدنى نصيب من هذه الحركة إلى النهوض، فكلنا يذكر ثورتنا العثمانية وما ~~جلبت لنا من السرور، وإن كانت مقدماتها لا تبشرنا حتى اليوم بمستقبل زاه لعيوب فيها تجعل ~~نورها فينا سريع الانطفاء، كالنار في الهشيم لعدم اشتراك الأمة فيها اشتراكا محسوسا بسوى ~~الإكثار من التغني في أول الأمر، وهي اليوم تكثر من العويل ولا تتعداه إلى عمل حازم ~~وتخرسها أقل كمامة، فثورتنا حتى الآن عسكرية اقتصر التغيير فيها على صورة الهيئة الحاكمة، ~~فلم تغير شيئا من أخلاقنا ولم تتصل إلى علومنا وصناعاتنا وتجارتنا ولم تتغلب فيها ~~مداركنا على أهوائنا؛ فلا تزال أغراضنا القريبة والبعيدة سدا يمنعنا عن اقتباس كل إصلاح ~~مطلوب، فضلا عن اختلاف أجناسنا وتباين مشاربنا ووجودنا كالقوم العزل في وسط هذا التنازع ~~الشديد المحيق بنا من كل جانب، وقربنا من معالم الحضارة وقيامنا في قلبها كالخرائب ~~والأطلال في وسط الحدائق والقصور، ومع ذلك فالفرق بين ما كنا عليه منذ أربعين سنة وما صرنا ~~إليه اليوم عظيم جدا. ~~••• # ولا ريب أن هذا الفرق العظيم المحسوس يشاهد اليوم بأجلى صورته في مصر وأبنائها، فإن ~~النهضة التي نهضتها مصر في هذه المدة القصيرة، والتي لا يقدرها حق قدرها إلا الذي عرف بنفسه ~~العهدين لمما يحمد جدا؛ حتى إن أبناء اليوم لا يصدقون ما كان عليه في ذلك العهد ~~القريب آباؤهم الأقربون لا أجدادهم الأبعدون، وسهولة ارتقائهم هذه تدل على أن عامل الترقي ~~الموجود فيهم من عهد بعيد والذي طمسته يد المظالم كل تلك القرون الطويلة، عريق فيهم من يوم ~~كان تمدنهم نبراس الأمم. # ولكن إذا كانوا يحمدون من جهة سرعة التحصيل كأكثر الأمم ذات التاريخ المجيد في الحضارة في ~~الماضي، فهل يحق لهم هذا الحمد من جهة أنهم عرفوا كيف يستفيدون من الأحوال السياسية التي ~~طرأت عليهم ms20 في الحاضر؟ فالمنصف لا يسعه إلا أن يرميهم في باطن الأمر بالتقصير في مصلحة ~~أنفسهم وهم في الظاهر مجدون في طلبها، فقد قضوا الزمن الطويل من حكم الاحتلال الذي رفع ~~عنهم الضواغط وهم يسمونه نيرا ويسعون للتخلص من ربقته، ولكنهم يسعون إلى ذلك بالطرق التي ~~تزيده فيهم تحكما وتزيدهم في معالم الحضارة الحقيقية تقهقرا، فصرفوا كل هذا الوقت ~~الثمين وهم يدعون إلى الاستقلال، ولكن من غير السبيل الموصل إليه فطلبوه بالتمني، وخدعتهم ~~ثروتهم الطبيعية التي زادت قيمتها زيادة فاحشة؛ نظرا لاصطلاح نظامهم في حكومتهم الجديدة، ~~كأن المال إذا لم يمد لا يفرغ وكأن الاستقلال الاكتفاء بالمصنوع المجلوب حتى صار قسم عظيم ~~من الأرض رهنا الدين، فنهضتهم اليوم إذا كان أثرها باديا جيدا في العلوم الأدبية ~~والأمور النظرية، لكنها في العلوم الحقيقية والأمور العملية لا تزال جرثومة لا ترى إلا ~~بالنظارات المعظمة، فليس لهم يد حتى اليوم لا في العلم الراقي ولا في الصناعات الدقيقة ~~ولا في التجارة الواسعة. والزراعة التي تكاد تكون موردهم الوحيد لا يزالون فيها كما كان ~~آباؤهم في الماضي، ويكادون يكونون غرباء في وسط هذا التمدن الظاهر الذي يحيط بهم كأن البلاد ~~أشبه شيء بمعرض كل معروضاته غريبة، ولعل الحرية التي باغتتهم بها الدولة المحتلة قبل أن ~~تتولى تدريبهم على العمل كانت السبب في كل ذلك؛ فبلغت فيهم ثورة الأفكار أقصاها وبالضد من ~~ذلك ضعفت فيهم ملكة العمل. ~~••• # فنهضة المملكة العثمانية ونهضة مصر اليوم إنما هي نهضة فكرية بحتة لم تقرن حتى الساعة ~~بشيء من عوامل الارتقاء الحقيقية، وأعني بالبلادين شعبيهما وإلا ففي الأمور الإدارية فرق ~~عظيم هو لمصلحة مصر، وما ذلك إلا لانصراف أكثر الأفكار الراقية إلى الاشتغال بمسائل ماضية ~~أو حاضرة بائدة أو بادية، قلما تهم العمران لانحصار دائرة هذه الحركة فيها بمباحث أدبية ~~يجوز أن تكون كمالية ولكن ليست حاجية، وبأمور نظرية يصح أن تكون نتيجة ولكن لا يجوز أن تكون ~~سببا. # انظر إلى القطرين العربيين الراقيين اليوم مصر وسورية، انظر إلى أبنائهما في ms21 وطنهم وفي ~~مهجرهم تجد الحركة الفكرية في أشد غليانها ، ولكنها على حال واحد فيهم من الانصباب إلى جهة ~~واحدة، فكلنا اليوم كاتب وكلنا أديب وكلنا شاعر، ولو يقاس الارتقاء في العمران بهذا ~~المقياس لكنا اليوم أرقى الأمم بلا شك، ولا سيما في هذه الأيام التي ثارت فيها العواطف ~~وفاضت القرائح، فلم يبق منا كاتب أو شاعر إلا وطبق السماء بالتغني بمجد الآباء، وما ~~كان لنا من الهمم الشماء في اقتحام الهيجاء من دون أن يدلنا أحد على عيوبنا، ويلفتنا إلى ~~أيدينا الوعثاء وأرجلنا الفدعاء في العمران اليوم. وأما العالم والمهندس والصانع والتاجر ~~منا فأندر من الكبريت الأحمر حتى صار كل مصنوع نحتاج إليه من نعلنا إلى أوتوموبيلنا إلى ~~سلاحنا غريبا ومجلوبا بيد غريبة أيضا، وإذا وجد لنا تجارة فهي أثرية وثروتنا الطبيعية ~~التي نتناولها بسهولة من سطح الأرض لا من باطنها الموصد على هممنا الفاترة مهما عظمت، لا ~~بد أن تفرغ حيال هذا المنصرف حتى تفرغ الأرض نفسها إلى أيد هي أحق من أيدينا ~~باستثمارها. ~~••• # وفتور هممنا ناشئ من تربيتنا البيتية والاجتماعية ونظام أحكامنا، خاصة الذي ينزع من ~~نفوسنا كل رغبة في العمل، والتربية المدرسية التي هي ذات الشأن الأكبر في التأثير على ~~الأخلاق والأجسام والعقول قلما تهتم بإصلاح ذلك فينا؛ فهي لا تزال ناقصة حتى في أرقى ~~المعمورة، ونقصها في مدارسنا أظهر بكثير على تفاوت بينها. وعيباها الأكبران أنها أولا: ~~تعليمنا المجرد قبل المحسوس والموضوع قبل المطبوع، وثانيا: ليس فيها اقتصاد في الزمن ~~فتحمل العقول ما لا طاقة لها به من علوم الاستظهار، التي لا يبقى لها مع كرور الأيام ~~أثر أو يبقى لها أثر لا فائدة به. وتقلل لها من علوم الاستحضار ما لو مرت الحواس عليه ~~مرة، لبقي أثره في الذهن طول العمر، ولجعل الطفل رجلا زمانا طويلا قبل أن يترجل رجال ~~اليوم، فلكي تكون المدارس أجمع للغرض الذي أنشئت لأجله وتنمي في الطالب ملكة العمل خاصة، ~~يجب أن تتحول إلى حقول وحدائق ومعارض ومعامل؛ ليكون العلم ms22 موصوفا محسوسا لا موصوفا ~~فقط، وأن تستعين بمخترعات العلم والصناعة كاليسنماتوغراف مثلا لسد ما يتعذر علينا من هذا ~~القبيل، وتقتصر من علوم الأدب على اللازم الضروري لسهولة الفهم وحسن التعبير، وتقلل من ~~العلوم الموضوعة ما أمكن، وكثير منه يمكن الاستغناء عنه بالمرة من دون بخس للعلم بل بفائدة ~~له أكثر؛ إذ تجعل العقل أقل تقيدا وأكثر حرية أيضا. ~~••• # ولولا أن الاعتقاد شائع كثيرا بين الناس حتى اليوم، أن علوم الأدب أرقى العلوم حتى إن ~~الخارج من المدرسة ومعه شيء من هذه البضاعة ليأنف من تعاطي صناعة من الصناعات لما أسهبت ~~هنا في البيان، وما مثل هذا المترفع اليوم إلا مثل أشراف الماضي الذين كانوا يترفعون عن ~~تعلم القراءة والكتابة، ويعهدون بهما إلى الموالي لحقارتهما في اعتبارهم، فإذا كان قد جاز ~~ذلك في الماضي لاعتبار الناس يومئذ صناعة السلب والنهب والقتل والضرب من الصناعات الشريفة، ~~فهل ذلك يجوز اليوم؟ # ولقد جاء زمان لا يزال ذيله السابغ مسبلا علينا حتى اليوم كان فيه لعلوم الأدب شأن ~~عظيم، فاستهوت بها أسمى العقول وشغلتها بمباحثها المجردة عن سواها، فتناولت البحث في حقيقة ~~الوجود، وتخرصات الآباء والجدود، وأغلت في العلوم الموضوعة المجهودة، حتى صرفت العقول بها ~~عن المحسوس الموجود والمطبوع المشهود، فوقف الناس عندها زمانا طويلا مكتفين بالماضي عن ~~الحاضر، مقتنعين أن الأوائل ما تركوا شيئا للأواخر، وأنت تعلم معي اليوم أن الأوائل تركوا ~~كثيرا للأواخر وأنهم في غالب الأحيان اشتغلوا بشيء هو لا شيء، تركوا اللباب واشتغلوا ~~بالقشور، تركوا القريب واشتغلوا بالبعيد، تركوا الممكن واشتغلوا بالمستحيل، فبقي العالم ~~يتخبط معهم قرونا وهو يدور في دائرة واحدة معيبة، وجرى مع الأواخر في سنين أشواطا لم ~~يسرها مع الأوائل في ألوفها. وتعلم معي كذلك أن علوم الأواخر التي ارتقى بها العمران هذا ~~الارتقاء السريع هي نقيض علوم أجدادهم على خط مستقيم، فإذا جاز حتى اليوم اعتبار علوم الأدب ~~العالية من الكماليات في العمران الراقي، فما أحوجنا نحن اليوم فيه إلى علوم الحاجيات ~~الضروريات؛ لئلا نبقى كذلك ms23 الكسيح الذي يزعق ويقول للذي يعدو أمامه: لو كانت رجلاي سليمتين ~~لما سبقتني! ~~••• # قلت: علوم الأدب وخصصتها بالعالية؛ لأن هذه الكلمة مرنة جدا، فتشتمل على الغث ~~والسمين، وغثها أكثر من سمينها، كما هو الحال في علومنا الكلامية واللغوية وفروعها الكثيرة ~~الفضولية، فيصرف الطالب أثمن سني عمره في المدرسة للوقوف على اختلاف البصريين والكوفيين، ~~والتبحر في سائر العلوم الموضوعة كالمعاني والبيان والبديع والمنطق، وشوارد العروض مما يشغل ~~الذهن ولا يبقى منه فيه على مر الزمان شيء، ألا يمكن التعبير عن الأفكار بلغة سليمة يصرف ~~في تحصيلها أقل ما يمكن من الزمن وتكون صالحة لخدمة العلم؟! وما الفائدة من مقالة يدبجها ~~الكاتب ويملؤها بعويص الكلام ومهمله، يستخرجه بعد العناء الشديد من بطون القواميس ليخرج ~~القارئ في فهمه إلى الرجوع إليها، ما دام في الإمكان التعبير بالألفاظ المألوفة، وما دامت ~~اللغة نفسها على رغم كل محافظ تابعة للإنسان في نشوئه، ومتحولة معه في تحوله تعبر عن ~~أفكاره الجديدة ومعلوماته الجديدة في هذا النشوء وهذا التحول؟! وما الفائدة الكبرى التي ~~يجنيها العمران من قصر اهتمامنا على البحث في ماض بال؛ للتبسط في تاريخ متناقض وأكثره ~~مكذوب والاعتصام به للاختصام على حركات رجل وكلامه، لمعرفة ما كان عليه من الدعارة أو ~~التأدب وفي شعره من التشبيب الخليع أو التبذل الدنيء، فما أشبه تخاصمهما هنا بتخاصم أصحاب ~~«أبو زيد الهلالي» وأصحاب «دياب بن غانم» على حركات كل منهما! فإذا كان لا بد لكل أمة من ~~تاريخ يدل على نشوئها، فالأفضل أن يتوخى من ذلك ما يدل دلالة كلية على حالة الإنسان في ~~هذا النشوء بحسب العصور، فإذا كان لا بد من التبسط شيئا ففي تاريخ العلم فقط عسى أن ~~يعثر في هذا التبسيط على فائدة جديدة للعلم نفسه. ~~••• # ولا أنظر في انتقادي هذا إلى مجتمعنا وحده حيث هذه العلة اليوم في طور «البداءة»، وإن كان ~~لنا من آثارنا الماضية المتراكمة ما يخشى علينا فيها كثيرا من طول «التزيد»؛ فإن هذه ~~العلة لا تزال آفة كبرى من ms24 آفات المجتمعات الراقية، ويطلق عليها عندهم اسم «علم آداب ~~القوم» مع الفرق بأن لهذه المجتمعات مع ذلك حسنات أخرى كثيرة ليست لنا، فإذا كان جانب عظيم ~~من هذه الأمم الراقية يشتغل اليوم بالعلم والعمل، فإن الجانب الأعظم منهم لا يزال حتى الآن ~~يصبو إلى الأحلام ويشتغل بغير الهام، ويرصع بالجواهر تصابي عمر الخيام ويضع الشروح ~~الضافية لتفسير قول شكسپير «كان أم ما كان»، بل إن تجار الأدب منهم في رواياتهم التمثيلية ~~وقصصهم الفكاهية، لا يسلمون من هذا الانتقاد الحاد والأنكى ادعاؤهم أنهم يقصدون منها ~~التهذيب والتدريب وهي في أكثرها منافية لذلك؛ فالراقية منها تصور الإنسان على غير ~~حقيقته، وتخلق له صفات فوق طبيعته، فتجعل حياته في الاجتماع شاقة جدا ومحفوفة بالمصاعب، ~~فإما أن تدفعه إلى الانتحار وإما أن تخرج به إلى تعمد الإضرار، وغير الراقية كثيرا ما ~~تستهويه بالغرابة التي فيها وتدفعه في تيارها إلى أبعد ما يمكن، ولا سيما تلك القصص التي ~~تفشت اليوم بين العامة في أوروبا كالوباء وبلغ سيلها الجارف إلينا، والتي تشبه في الغرابة ~~قصص «علي الزئبق» مع الفرق فيها بين لباقة هذه وشناعة تلك، فاستهوت بها قرائح الكتاب في ~~القارات الأربع لما بها من الكسب، فبروا لها أقلامهم وتباروا فيها ونشطهم إقبال الجمهور ~~عليها، فملئوها بكل تفنن فوق التصور في اقتراف الجرائم ومثلوها على مشاهد الصور المتحركة ~~ليرغب فيها أطفالنا؛ حتى صارت مدرسة للجميع تحبب للبعض النسج على منوالها ولو من باب ~~ركوب متن الإعجاز. والغريب أن الحكومات اليوم تتكاتف على صد أوبئة الأمراض ولا تصادر هذه ~~الأوبئة الاجتماعية، التي هي أشد فتكا من تلك، والتي إذا استوطنت لا يعود استئصالها من جسم ~~الاجتماع بالأمر السهل، ولعل عذرهم في ذلك أنها بضاعة أدبية، فيا ويل الاجتماع من هذه ~~اللفظة؛ فكم يجرعونه بها كل يوم من السموم! ~~••• # على أن موضوع الروايات واسع جدا ويمكن لكتابها المبرزين أن يكتبوا روايات يقرنون ~~فيها الجميل الباسط بالمفيد النافع، وليس من الضروري لرواجها أن يخرجوا فيها عن الممكن أو ~~يتنزلوا ms25 إلى التهتك لإفساد التصور وترسيخ القبيح، وما أحق كتابنا نحن خاصة في نهضتنا هذه ~~الحديثة بعد أن صدأت أفكارنا وشاخت لغتنا أن يعلمونا كيف نفكر وكيف نتفاهم، وكيف نعبر عما ~~لا غنى لنا عنه وهو واقع تحت نظرنا كل يوم! كأن يدخلوا بنا إلى حانوت التاجر ودكان الصانع، ~~ويجولوا بنا جولة في حقل الزارع، ويسبكوا لنا قصة ظريفة لطيفة ينمقونها كما يشاءون، يأتون ~~في عرضها على ذكر الآلات والأدوات وسائر الإصلاحات التي ترد في عمل كل واحد منهم، والتي ~~لا ذكر لها في قواميسنا على ضخامتها والتي إذا عرضت على كتابنا المبرزين الواقفين على أسرار ~~اللغة من عهد قحطان إلى اليوم أصابهم أمامها العي، يشذبون القواميس من المترادفات التي ~~أصبح كثيرها في حكم الفضول، ويطرحون منها الألفاظ التي شاخت وماتت ولم يعد لها فائدة بشيء ~~ويضعون الألفاظ الجديدة مكانها، يذكرونها كما هي في اصطلاح أصحاب الحرف من دون نحت أو تقعر، ~~كما كان يفعل سلفاؤهم في نقل الألفاظ الجديدة والأسماء الغريبة، والطباعة اليوم تتكفل لهم ~~بضبطها أكثر مما كان يستطيعه النسخ لسلفائهم في الماضي. ~~••• # ولا يؤخذ من هذا القول أني أريد القضاء التام على علوم الأدب، ولا سيما في أحوالنا ~~الخاصة التي تجعل هذه العلوم كل رأسمالنا في نهضتنا الحديثة، وإنما أريد أن أنبه إلى أن ~~قصر قوانا عليها اليوم مضيعة لنا كما كان مضيعة لنا ولسوانا في الماضي، فما علا كعب علوم ~~الكلام في أمة إلا وكان القاضي عليها فلا نجعلها الغاية من حركتنا الفكرية الجديدة، بل ~~نجعلها الواسطة لبلوغ ما هو أرقى وأهم مما ينفعنا في حياتنا العملية الاجتماعية، فلا ننخدع ~~كثيرا بنهضتنا الأدبية فنستنيم عليها أو ننصرف بها إلى إضاعة الوقت، بمباحث لا طائل تحتها ~~نتصل منها إلى جدال لا فائدة منه سوى أن نموه به على أنفسنا أنه هو العلم، بل نحول ~~قوانا المتجمعة والكامنة فينا إلى ما يرفع عماد العمران ويرقيه كما هو اليوم؛ ليكون لنا في ~~ذلك قسط راجح، ولنكون له أعوانا أيضا لا ms26 عقبات، وهذا لا يتم لنا بالسياحة في فضاء الخيال ~~والتلفت دائما إلى الماضي، للبحث في مطويات الأدراج والتغني بمجد الآباء والبكاء على ~~الأطلال، بل بالنظر في حاضرنا في الاجتماع ومستقبلنا، وإذا نظرنا إلى ماضينا نظرا كليا ~~فللمقابلة فقط لإظهار الفرق وأسبابه للعيان ليسهل علينا الانتقال إلى الأحسن، لا لإضاعة ~~الوقت والتلهي بمباحث عقيمة لا تهم حاضر الاجتماع ولا مستقبله بشيء، وأقل إضرارها بنا ~~الجمود، والعمران لا يرتقي إن لم تكن وجهته في كل أعماله التزيد ولا يتزيد إلا إذا أكثر ~~اشتغاله بما أمامه وقل تلفته إلى ما وراءه. ~~••• # وكأن هذا المبدأ بي لم يفارقني إلا مرة في حياتي تمنيت فيها شيئا لم أنل سواه من كل ~~متمنياتي، أذكره هنا على سبيل الفكاهة «تماديا» عن هذا الجد الذي يرى أني أكثرت «القزوع» ~~فيه «فيقزمني»، # 1 # فإني زرت بعلبك سنة 1870 فوقفت مبهوتا من عظمتها ودقة صناعتها، فكتبت على أحد ~~حجارتها البيتين الآتيين: # المرء يسعى أن يسير إلى الأما # م وليس يحمد أن يسير القهقرى # أما أنا لما رأيت بعلبكا # فوددت لو أني أسير إلى الورا # ومنذ ذلك التاريخ إلى اليوم أنا أنظر إلى الأمام البعيد وأرجع في سيري إلى الوراء، وأرى ~~أكثر الناس حولي على الضد يسيرون متلفتين كثيرا إلى الوراء ويتقدمون سريعا إلى الأمام، ~~وهو من غريب المفارقات الكثير وقوعها، فلعل الذين تستهويهم الألغاز يأتون بحل هذا المجاز، ~~أو على الأقل يعلمون ما علمته أنا فيتقونه هم: يعلمون أن الطلبة التي تستجاب هي طلبة ~~الشباب. فلا يتمنون في شبابهم ما لا يودونه في شيخوختهم؛ لئلا يعود يخطر على بالهم مثل هذا ~~القول: # فلو أن الحياة تعاد يوما # وكانت نسخة مما يجدد # للذت بجانب المبني فيها # فلا أبني ولو صرحا مشيد ms27