######OpenITI# #META# URI: 1335ShibliShumayyil.Haqiqa.Hindawi91717972 #META# Tags: philosophy #META# ID: 91717972 #META# Title: الحقيقة: وهي رسالة تتضمَّن ردودًا لإثبات مذهب دارون في النشوء والارتقاء #META# AuthorID: 90709753 #META# Author: شبلي شميل #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # ديباجة الطبعة الأولى‏ # الباب الأول: في مذهب دارون وعلماء النظر‏ # الديباجة‏ # 1 - في المادة والقوة‏ # 2 - في الوجود المعنوي والوجود المادي‏ # 3 - صد ورد‏ # 4 - في أصل معرفة الإنسان‏ # ملحق بالباب الأول‏ # الباب الثاني: في ثبوت مذهب دارون وفساد نقيضه‏ # الديباجة‏ # 1 - في تغير الأنواع‏ # 2 - في تنازع البقاء والانتخاب الطبيعي‏ # 3 - مسائل على الخصم مشاكل‏ # 4 - في الإنسان وسائر الحيوان‏ # 5 - في الارتقاء‏ # 6 - في الأدلة على الارتقاء والتسلسل‏ # 7 - في دفع اعتراضات على مذهب الارتقاء والتسلسل‏ # خاتمة‏ # الباب الثالث: في آراء علماء الطبيعة في أصل العوالم‏ # 1 - في الجوهر الفرد‏ # 2 - في رأي طمسن في الجوهر الفرد‏ # 3 - في وحدة العناصر والقوى‏ # 4 - في اختلاف الطبع باختلاف الوضع‏ # 5 - في أن القوة والجوهر سيان‏ # 6 - في كشف الخلط وإظهار الغلط‏ # 7 - مناظرة أصحاب الخلق وأصحاب القدم‏ # 8 - فصل الخطاب بين أصحاب الخلق وأصحاب القدم‏ # الباب الرابع: في الحياة وأصلها‏ # 1 - في الحياة‏ # 2 - في التولد الذاتي‏ # 3 - في المادة الحية أو البروتوبلاسما‏ # الخاتمة‏ # ملحق في مباحث في الحياة لتأييد الرأي المادي فيها من سنة 1878‏ # استفهام1‏ # الحيرة علة البحث1‏ # الحس وأنواعه المختلفة1‏ # كل السر في المادة1‏ # الحياة1‏ # الحياة والجاذبية1‏ # بعض ملاحظات في الحياة‏ # الحياة في أعماق المياه1‏ # الحياة وأصل الأجسام الحية1‏ # حياة الجماد1‏ # أصل الحياة1‏ # خاتمة الكتاب أو خلاصة ما تقدم‏ # ديباجة الطبعة الأولى‏ # الباب الأول: في مذهب دارون وعلماء النظر‏ # الديباجة‏ # 1 - في المادة والقوة‏ # 2 - في الوجود المعنوي والوجود المادي‏ # 3 - صد ورد‏ # 4 - في أصل معرفة الإنسان‏ # ملحق بالباب الأول‏ # الباب الثاني: في ثبوت مذهب دارون وفساد نقيضه‏ # الديباجة‏ # 1 - في تغير الأنواع‏ # 2 - في تنازع البقاء والانتخاب الطبيعي‏ # 3 - مسائل على الخصم مشاكل‏ # 4 - في الإنسان وسائر الحيوان‏ # 5 - في الارتقاء‏ # 6 - في الأدلة على الارتقاء والتسلسل‏ # 7 - في دفع اعتراضات على مذهب الارتقاء والتسلسل‏ # خاتمة‏ # الباب الثالث: في آراء علماء الطبيعة في أصل العوالم‏ # 1 - في الجوهر الفرد‏ # 2 - في رأي طمسن في الجوهر ms001 الفرد‏ # 3 - في وحدة العناصر والقوى‏ # 4 - في اختلاف الطبع باختلاف الوضع‏ # 5 - في أن القوة والجوهر سيان‏ # 6 - في كشف الخلط وإظهار الغلط‏ # 7 - مناظرة أصحاب الخلق وأصحاب القدم‏ # 8 - فصل الخطاب بين أصحاب الخلق وأصحاب القدم‏ # الباب الرابع: في الحياة وأصلها‏ # 1 - في الحياة‏ # 2 - في التولد الذاتي‏ # 3 - في المادة الحية أو البروتوبلاسما‏ # الخاتمة‏ # ملحق في مباحث في الحياة لتأييد الرأي المادي فيها من سنة 1878‏ # استفهام1‏ # الحيرة علة البحث1‏ # الحس وأنواعه المختلفة1‏ # كل السر في المادة1‏ # الحياة1‏ # الحياة والجاذبية1‏ # بعض ملاحظات في الحياة‏ # الحياة في أعماق المياه1‏ # الحياة وأصل الأجسام الحية1‏ # حياة الجماد1‏ # أصل الحياة1‏ # خاتمة الكتاب أو خلاصة ما تقدم‏ # | الحقيقة # | الحقيقة # | وهي رسالة تتضمن ردودا لإثبات مذهب دارون في النشوء والارتقاء # تأليف # شبلي شميل # | ديباجة الطبعة الأولى # ما لبث كتاب بخنر في مذهب دارون أن نشر حتى بادر بعضهم للاعتراض عليه في مقالة، نشرت ~~في العدد 1175 من جريدة المحروسة، قال فيها: إن هذا المذهب ناقص في الكليات، وطلب إلينا ~~أن نتجاول معه في ميدان الجدال؛ علنا نصل وإياه إلى نقطة وفاق يكون فيها التوفيق بين ~~أصحاب هذا المذهب وأهل النظر، فاضطرنا ذلك إلى إجابة سؤله بمقالة مختصرة، نشرت في العدد ~~1177 من الجريدة المذكورة، وألحقناها بالباب الأول من هذه الرسالة تحت عنوان «رد على ~~رد». # ولما كانت هذه المقالة بعيدة جدا عن الوفاق الذي ابتغاه، نشر مقالة ثانية في العدد ~~1179 من الجريدة المذكورة، شدد فيها النكير على أصول هذا المذهب وعلى كليات الماديين، ثم ~~نشرت بعض الجرائد مقالات نضرب عن ذكرها؛ لأنها لم تنهج فيها منهاج البحث، ولم تتعمد سوى ~~القذف والطعن، ثم نشر بعضهم رسالة سماها مناهج الحكماء في نفي النشوء والارتقاء، وقد زعم ~~فيها أنه مقو لأركان هذا المذهب، ناقض لدعائم الفلسفة المادية في أصل العوالم. # وقد كنا شرعنا في الرد على كل ما تقدم في الجريدة المذكورة في مقالات نشرت تباعا حتى طرأ ~~على صديقنا الأبر المأسوف عليه، صاحب هذه ms002 الجريدة، من صروف الحدثان ونوائب الأيام التي ~~لا يسلم منها إنسان، ما اضطرها إلى الاحتجاب حينا من الدهر، واضطرنا إلى تأجيل تتمة الرد ~~كذلك: # إنما نحن مثل خامة زرع # فمتى يأن يأت محتصدوه # وما زال هذا الرد تام التأليف غير تام النشر حتى تيسر لنا طبعه أخيرا في هذه الرسالة ~~التي سميناها «الحقيقة»، # 1 # وضمناها من البراهين القاطعة ما عددناه كافلا للبيان، وافيا بالمرام في هذا ~~المقام. # شبلي شميل # مصر 1885 # الباب الأول # | في مذهب دارون وعلماء النظر # وفيه ديباجة وأربعة فصول # | الديباجة # بربك أيها الفلك المدار # أقصد ذا المسير أم اضطرار؟ # مسيرك قل لنا: في أي شيء # ففي أفهامنا منك انبهار؟ # لقد خاض الكتاب على اختلاف طبقاتهم في الكلام على مذهب دارون، وما يترتب عليه من ~~النتائج كما في شرح بخنر، فمن حاطب ليل تخبط فيه تخبط من ضل السبيل وخانه الدليل، ~~فأكثر من القول الهراء، وبالغ في التسخط والإغراء، ومن أديب متقد ذكاء نظر إليه نظر ~~الفيلسوف المسترشد بعقله، المتمسك بنقله، ومن عالم لا يسبر غور علمه، بحث فيه البحث ~~الدقيق، وعمق كل التعميق، فنفاه بعض، وشك فيه بعض. # فمهلا أيها الكاتب الحاطب، فلقد طالما أصغيت إلى بيانك لعلي أستضيء بضوء برهانك، ~~فإذا أنت كرجل متقلد هراوة مقطوعة من غابات الغباوة، تهش بها على الأنام كراعي ~~الأغنام. ولا غرو؛ فقد تعودت أن ترى الناس كالأنعام، ولو أنك جئت بقضية علمية أو ~~فلسفية لأنصفتك بذكرها، وعرفت قدرك بقدرها، لكنك جعلت ردودك جعبة طعن وقذف، وكنانة سب ~~وشتم، فوطنت نفسي على عدم الإجابة، وقلت: الصمت في مقام مثلك إصابة، فما أنا ممن ~~ينازل هذا النزال، ولا قبل لي بمثل هذا الجدال: # لقد أظلف النفس عن مطعم # إذا ما تهافت ذبانه # فتبا لدهر رجاله صبيان كبار # الفصل الأول # | في المادة والقوة # إن العالم الطبيعي والحاسب الرياضي والعامل الميكانيكي أقصر كلاما، وأفصح ~~بيانا، وأبسط أسلوبا، وأثبت حجة، وأصدق كذلك من الأديب اللغوي، والعالم اللاهوتي، ~~والفيلسوف المنطقي، وسائر علماء الجدل الكلاميين؛ لأنه ألف ms003 البرهان الطبيعي الرياضي ~~الذي لا يقبل المغالطة والتمويه. # أما أنت أيها الفيلسوف الداخل ميدان النزال من أبوابه، الطالب الجدال بأسبابه، فأهلا ~~وسهلا بك ومرحبا؛ لقد سقطت على من يجل قدرك، ولا يبخسك فضلك، ولكن ما لي أراك لا تثبت ~~على حال، ولا يقر لك قرار، شأن من يزعم أن المعقول يقوم بدون المحسوس. وافقتنا على ~~مبدأ لم تلبث أن نقضته بما بنيت عليه من النتائج، جعلت المادة قديمة ثم خلقتها، ولما ~~تبين لك فساد ذلك عدلت عنه، وحاولت التستر بقولك: إن موافقتك لنا افتراضية لا حقيقية، ~~وإن مذهبك هو غير ما ذكرت، فصرح لنا على أي مبدأ تعتمد، ألعلك لا تعلم أن التردد ~~في المبادئ يوجب الاضطراب في القياس، والفساد في الأحكام، فإنك لا تقر هنيهة على ~~المحسوس حتى تطير على جناح الأفكار في سماء الخيال، ولا تلبث لحظة على الفلسفة العملية ~~حتى تتيه في مضايق الفلسفة النظرية، فتستنتج على غير مبدأ، وتحكم على غير قياس، إلا ما ~~صورته لك حدة الذهن وقوة الخيال. # ولا يخفى أن البحث على هذه الصورة خبط عشواء في ليل بهيم، ولا يمكني متابعتك في هذا ~~التيه الذي لا يمكن السلوك فيه إلا بطريق الهداية، وهي نعمة وإن خص بها البعض، لكنها ~~لا تعم، وإنما يمكنني متابعتك إذا سلكت معي سبيل العلم، إلا ما رجعت معي من سماء غيبك ~~إلى أرض المحسوس، ومن فضاء فلسفتك النظرية إلى دائرة الفلسفة العملية. ولا يخدعنك عقلك ~~المجرد، وإرادتك الحرة، وأفكارك الغريزية، فدقق النظر طويلا، وتساهل قليلا؛ تر أن ~~ما تظنه كذلك خاضع لأحوال المادة، ومكتسب كسائر الأعضاء والوظائف، فبحثك في الطبيعة ~~بدون الاستناد إلى المحسوس اعتقادا منك أن العقل وحده قادر أن يتوصل إلى حل هذه ~~المسائل حلا يقرب من الصحة وهم وأي وهم. # لقد جئتنا هذه المرة بمذهب غير مذهبك الأول، وقلت لنا: إن الوجود في عرفك نوعان، ~~معنوي سابق ومادي مسبوق، وبعبارة أخرى: معنوي خالق، ومادي مخلوق، وضربت لذلك مثل ~~المعاني والألفاظ الموضوعة لها. وقبل أن ms004 نتعرض لنفي هذا القياس، وتبيين وجه فساده، لا ~~بد لنا - وقد عدلت الآن عن قدم المادة - من بسط شيء عما يعلم عن المادة والقوة ~~نجعله تمهيدا للكلام على الوجود المعنوي والوجود المادي كما تقول: # 1 # لا حاجة بنا إلى أن نعرفك أن العلم قد توصل في الأمور الطبيعية إلى ~~هذه النتيجة الكبرى، وهي أن القوة والمادة لا تنفصلان البتة، ولا أظنك تستطيع أن ~~تعرفنا بمادة مجردة عن كل قوة أو حركة، أو تطمع أن تبين لنا قوة أو حركة مجردة عن كل ~~مادة؛ فالقوة لا تعرف إلا بالمادة، والمادة لا تعرف إلا بالقوة، فلا تدرك الواحدة ~~بدون الأخرى. # لنتصور أدق الدقائق المركب الجسم منها خالية من كل قوة؛ أي من رباط قوتي الجذب والدفع ~~الذي يتكفل بحفظها، ويؤلف صور الأجسام، ولنفترض أن قوى الألفة قد زالت، فماذا ينبغي ~~أن تكون النتيجة، ألا يلزم أن تدخل المادة في عدم لا صورة له ولا يدرك، على أنا لا ~~نعرف في عالم الطبيعة جوهرا فردا بلا قوة، فهو إنما يظهر بفعل القوة فيه تارة على ~~صورة، وطورا على صورة أخرى، وآونة مركبا من أجزاء متشابهة، وأخرى من أجزاء متباينة. ~~ولا يستطيع العقل أن يتصور المادة بلا قوة، فإنا إذا تصورنا مادة أولية مهما كانت، فلا ~~بد أن تكون دقائقها تحت فعل الجذب والدفع، وإلا فإنها تتلاشى من ذهننا. # كذلك القول بقوة بلا مادة فارغ ولا أساس له، وإذا كان من المقرر أن القوة لا تقدر ~~أن تظهر إلا بالمادة، فلا تكون القوة إذن سوى الصفة المتصلة بالمادة، وكل صفات المادة ~~كائنة فيها جوهريا، إلا أنها قد لا تظهر فتكون هاجعة فيها؛ أي في حالة السكون، فالقوة ~~في المادة تنبه تنبيها، لا أنها تحل فيها حلولا جديدا، فالمغناطيسية مثلا لا ~~تنتقل من جسم إلى آخر كما ربما يتوهم، وإنما تهيج فتظهر بتغيير حالة دقائق الجسم ~~المتهيجة فيه، فهي متصلة بأجزاء الحديد، وهي في قضيب ممغنط مثلا متجمعة، خاصة في ~~المكان الذي لا تظهر فيه، ms005 أو تظهر فيه قليلا. # لنتصور إذا أمكن كهربائية أو مغناطيسية بلا الحديد ولا الأجسام التي رأينا ظواهرهما ~~فيها، ولنفرض أيضا الأجزاء التي نسبها المتبادلة وأوضاعها الجوهرية هي بالحقيقة أسباب ~~الظواهر الكهربائية والمغناطيسية، فلا يبقى والحالة هذه سوى تجرد لا صورة له، وعلم لا ~~معنى له بحد نفسه، وإنما نتذكر به جملة ظواهر خصوصية معلومة؛ لأنه لو لم تكن أجزاء ~~قابلة لأن تتكهرب لم يكن كهربائية، ولما استطعنا بواسطة التجرد وحده أن نعلم عنها ~~شيئا أو أن نتصورها، ولم يكن لها وجود لولا هذه الأجزاء، فكل الأجسام المسماة عديمة ~~الوزن كالحرارة والكهربائية والنور والمغناطيسية وغيرها، ليست شيئا آخر سوى تغيرات ~~مادية؛ أي تغيرات في وضع الدقائق المؤلفة المادة منها. # فالحرارة والنور والصوت إنما هي اهتزازات ارتجاجية في الأولين، وتموجية في الأخير، ~~والظواهر الكهربائية والمغناطيسية تتم بتغيرات نسبية في أجزاء المادة وجواهرها الفردة، ~~ولأجل ذلك عرف العلماء القوة بأنها خاصة من خصائص المادة، أو هي الحركة، أو هي حالة ~~من حالات المادة، وأنه يستحيل إدراك القوة بلا مادة، كما أنه يستحيل البصر بلا عين، أو ~~الفكر بلا دماغ، أو القول بقوة مفرزة بلا غدة، أو بقوة انقباضية بلا ليفة عضلية، فلا ~~شيء أمكنه في زمان من الأزمنة أن يدلنا على وجود قوة سوى التغيرات التي ندركها في ~~الأجسام بواسطة حواسنا، وعلى هذه التغيرات المرتبة حسب نسبها، والمسماة بأسماء مختلفة، ~~يطلق اسم الجنس «القوة»، وليس سوى هذه الواسطة لفهم المعنى المراد بهذه اللفظة، فما هي ~~إذن النتيجة الكبرى الفلسفية لهذه المعرفة البسيطة الطبيعية. # لا شك أن الذين يقولون بوجود قوة أبدعت العالم من لا شيء لا يستندون في قولهم هذا ~~إلى شيء من العلوم الطبيعية والفلسفة العملية، التي تتبع العلم في سيره، وتتغير مع تغير ~~الأفكار بتغيره، وإنما يفعلون ذلك انقيادا لفلسفة موهومة نشأت عن نقصان الاختبار في ~~سالف الأزمان، ورسخت في العقل حتى كادت تكون ثابتة فاعتبرت غريزية، وحجتهم الكبرى هي ~~أنه لا بد لكل معلول من علة. # وقد فاتهم أنه في ms006 هذا الدور المتسلسل لا بد لهم من الوقوف عند نقطة يثبتون فيها ~~حصول الوجود بالمعجزة، إلا أنهم عوضا عن أن يقفوا فيه عند حد الأبحاث الطبيعية ~~المؤيدة بالاختبار، ويثبتوه للمحسوس يطفرون به إلى ما وراء الطبيعة، ولو فاتهم الدليل ~~ونقصهم البرهان، فمن أين عرفوا أن القوة قد توجد مجردة عن المادة، والحال أن المادة ~~لا تنفصل عن قواها، أم كيف جاز لهم التصديق بوجود شيء من لا شيء، وهل ضلال أشد من هذا ~~الضلال على العقل؟ فتكون العالم من العدم أمر مستحيل لا يقبله العقل، ولا يثبته ~~الاختبار. # والعدم لفظة لا معنى لها، ومن المقرر أن المادة دائمة الوجود لا تتغير، وهذا يقتضي ~~كونها قديمة، ولو فرضنا وجود قوة مبدعة لما أمكن وجودها باعتبار الزمان لا قبل الخلق ~~ولا بعده. لا قبل الخلق؛ لأن ذلك يقتضي بقاءها مدة من الزمان بلا عمل، وفي حالة السكون ~~أمام المادة اللاصورة لها والساكنة أيضا. وهذا غير سديد. ولا بعده؛ لأن هذا ظاهر ~~البطلان، فإذا كانت القوة المبدعة لا تقدر أن توجد قبل الأشياء ولا بعدها، وإذا كانت ~~المادة لا تدثر، وإذا لم تكن مادة بلا قوة، ولا قوة بلا مادة، فلا شك أن العالم قديم، ~~فما لا ينفصل لم يكن منفصلا، وما لم يدثر لم يبدع. # الفصل الثاني # | في الوجود المعنوي والوجود المادي # وأما مثل المعاني والألفاظ الذي ضربته للوجود المعنوي السابق والوجود المادي المسبوق، ~~فقول غير سديد، وفيه من السفسطة ما كان يغنيك تدبره عن إسهاب الشرح عليه؛ لأن أسبقية ~~المعنى على اللفظ نسبية كما لا يخفى عليك، وأنت تريد بتقديم الوجود المعنوي على الوجود ~~المادي أسبقية مطلقة، وإلا فأي مثل غير هذا المثل يقوم مقامه؟ # وهو لا يفيد شيئا في تأييد ما تذهب إليه كمثل الأسباب والمسببات عموما، فإن ما كان ~~منها علة لشيء، فهو نفسه معلول لشيء آخر، فالسبق هنا نسبي لا مطلق، وأنت لم تنكر علينا ~~ذلك، حيث استدركت على نفسك بما معناه: «وربما اعترض علينا أن المعاني حاصلة ms007 من تأثير ~~المادة في الدماغ.» وإنما نحن ننكر عليك اعتمادك عليه بعد عرفانك ذلك، فأنت هنا تسلم ~~معنا بأن المعاني في العقل ليست غريزية، بل مكتسبة وصادرة عن المادة بواسطة الحواس، ~~وإن كان عندك أدنى شك في ذلك فنحن نقول لك: إن المعنى العقلي ليس إلا تأثيرا ~~ماديا، أو هو صورة المادة المرتسمة في الدماغ - كما ترسم الصورة في المرآة - فالنور ~~لولا العين لم يكن له في عقل الإنسان معنى ، ولم يفتكر الإنسان أن يضع له علامة أو ~~لفظة تدل عليه. # ولو صح هذا القياس على الوجود المطلق لكان الأولى أن تعتبر المادة قبل معناها في ~~العقل؛ لأنها أسبق منه من حيث هذا الوجود النسبي، فأسبقية المعنى على اللفظ كأسبقية ~~المادة على المعنى نسبيا. وأما إذا اعتبرت الحقيقة، فالمادة لا تنفصل عن معناها، ولا ~~يقصد بالمعنى ما ندركه فقط، فالأعمى لا يبصر النور، فهو لا يتصوره ولا يعرف له معنى في ~~عقله، ومع ذلك فمادة النور متصلة بمعناها، وعدم إدراك الأعمى لها لا يسلخ عنها وجود ~~المعنى فيها، وعدم وجود المعنى في أركان لفظه؛ أي الحروف عوضا عن أن يكون حجة علينا، ~~فهو حجة لنا، فالألفاظ تدل على معان لا تدل عليها حروفها دلالة صريحة. # كما أن المواد المركبة تكون ذات خصائص لا تدل عليها عناصرها دلالة واضحة، فقياسك ~~هذا إذن فاسد. واعلم أن الدلالة على المعاني لا تقتصر على الألفاظ فقط، بل تتناول كل ~~حركات الجسد، وربما اقتصرت عليها في الحيوانات الدنيا التي لا يسمع لها صوت، وبهذا ~~الاعتبار تكون الحركات من قبيل اللغات، فاللغات أعم من إبداء المعاني بالألفاظ، التي ~~هي حركات خصوصية صوتية يشترك في تقطيعها أعضاء الحلق واللسان والشفتين، وترافقها حركات ~~موافقة لها في سائر أعضاء الجسد، تظهر لك في البعض، وتخفى عنك في البعض الآخر. # أقول: وإذا توسعت في حقيقة هذه المعاني رأيت فيها من البساطة ما يدلك على تقارب ~~الأشياء في الطبيعة ووحدة أصلها؛ فإن صفات المادة إذا حللت إلى بسيطها دلت على صفتين، ms008 ~~أو خاصتين، أو قوتين، وهما: الجاذبة والدافعة، وهكذا المعاني الذاتية إذا حللت إلى ~~بسيطها دلت على أحد معنيين: جاذب أو دافع، ومحبوب أو مبغض، ومرغوب أو مرهوب، ومقبول أو ~~مكروه، وترتسم صورة ذلك على جميع حركات الجسد. # ألا ترى كيف أن حركات الإنسان أو الحيوان المتكره من شيء تدل كلها على محاولته ~~إبعاد ذلك الشيء عنه، وإذا أحب شيئا دلت حركاته على محاولته ضمه إليه، وكما يكون ذلك ~~في الحركات يكون كذلك أيضا في اللغات، فإن اللغات كالحركات في الدلالة على المعاني، ~~واللغات كالحركات موجودة في الحيوان والإنسان كوجود المعاني فيهما، إلا أن اللغات ~~أوسع في الإنسان لاتساع المعاني واكتمال الآلات فيه أكثر منها في الحيوان. # ومن دقق النظر رأى المعاني مرسومة على الألفاظ ومبانيها كما ترتسم على سائر الحركات، ~~فإن إباءتك للشيء جعلتك تعبر عنها في اللغة العربية مثلا بلفظة «لا»، وقبولك له بلفظة ~~«أي ونعم». ولا يخفى ما في لفظ هاتين اللفظتين من الحركات الدالة على معنى كل منهما، ~~فإنك بلفظك «لا» تحاول بحركات الفم كل علامات التبعيد، وبلفظك «أي ونعم» كل علامات ~~التقريب. وقس على ذلك سائر الألفاظ في سائر اللغات، إلا أن هذه الدلالة لا تكون ~~دائما بسيطة وواضحة كما في هاتين اللفظتين البسيطتين، بل تتنوع وتتركب كثيرا بقدر ~~تنوع المعاني وتركبها، وربما فعلت فيها أسباب مختلطة جدا، بحيث لا تظهر لك هذه النسبة ~~إلا عند التدقيق الكلي، أقول: وربما كان في الموضوع مبحث دقيق جدا ولذيذ للغاية عند ~~من يحب الخوض فيه. # الفصل الثالث # | صد ورد # ولا نعلم كيف جاز لك الاعتراض على قولنا: «إن الصفات الموجودة في الأجسام المركبة ~~موجودة بالقوة في المادة البسيطة، ووجودها فيها بالقوة لا يستلزم وجودها بالفعل.» ~~بقولك: «إن ذلك غير مشبع ومناقض لرأي الطبيعيين أنفسهم.» إلا أن تكون قد فهمت القوة ~~في قولنا «بالقوة» كما تتصورها أنت، وإلا فليس في كلامنا ما يوجب ذلك، ولا سيما بعد أن ~~عرفناك أن القوة والمادة في عرف الماديين شيء واحد، والظواهر أو ms009 الصفات أو القوى ليست ~~سوى تغيرات مادية - كما قد تبين فيما تقدم، وكما يتضح أيضا مما يأتي - فإنه في فحص ~~جميع الظواهر الكهربائية المعروفة لسنا نعرف ظاهرة واحدة لا تدل على تغير في أدق أجزاء ~~المواد المتهيجة كهربائيتها، فإنا إذا أطلقنا محمول قنينة ليدن في سلك من البلاتين؛ نرى ~~هذا السلك يقصر حتى يتجعد لحصول تغير في أدق أجزائه. # وكذلك يحصل في سلك من الرصاص، فتتكون فيه عقد يضغط بعضها بعضا، وسائر الأسلاك ~~المعدنية المستعملة في الأعمال الكهربائية إذا طال استعمالها في ذلك يحصل تغير جوهري في ~~أجزائها، فقد تتصلب، وقد تصير سهلة القصم، وكذلك مجرى المغناطيس يؤثر في مرونة الحديد ~~والفولاذ، فإن قضيبا من الحديد ملتويا من ثقله يتقوم إذا تمغنط، وهكذا تفعل أيضا ~~سائر القوى في الأجسام كما يسهل تبيينه، فإن القوى الميكانيكية - كالتموجات التي يحدثها ~~الصوت في الهواء مثلا - قد تحدث تحليلا كيماويا في المواد المركبة تركيبا ~~ضعيفا. # وأما قولك ردا علينا: «إن وجود الزوائد في بعض الحيوان - والصحيح في عالم الحيوان ~~والنبات - التي لا لزوم لها لا يلزم منه عدم الانتظام «ولعلك تريد القصد والغاية؛ لأننا ~~لا نذكر أنا جئنا بهذه اللفظة، واللانظام عندنا أمر نسبي لا حقيقي، كما تقدم في ~~مقالتنا السابقة» أولا: لعدم إمكان الإنسان أن يحيط علما بكل شيء، وربما أدرك الخلف ~~ما لم ندركه نحن.» فعلى ذلك نجيب أن علماء طبائع الحيوان والنبات لا يدعون أنهم ~~بلغوا علم كل شيء، بل هم لا يزالون يبحثون، وكل سنة بل كل يوم يكتشفون حقائق كانت غير ~~معروفة عندهم، وما لا يثبتونه يطرحونه بين المسائل الخلافية، وهي ليست بالعدد القليل ~~عندهم، إلا أن ما لا يعلم سببه الطبيعي لا يزالون يعالجونه حتى تنجلي لهم الحقيقة فيه ~~بجهد التنقيب والتنفير، فلا يطفرون فيه حالا إلى ما وراء الطبيعة، كما يفعل جزافا ~~سادتنا الفلاسفة النظريون، الذين لا يصعب عليهم وجود سبب لكل شيء، وهم في سماء خيالهم ~~تائهون. # على أن عدم الإحاطة علما ببعض مفردات الأشياء لا ms010 يقتضي منه نفي ما تحقق عن أكثرها، ~~وما يترتب عليه من الكليات، ولو جاز ذلك لكان الأولى أن تسقط كليات النظريين بأسرها، ~~فإنها لا تكاد تتفق مع شيء من قضايا العلم الذي لا تزال تعترضه في سيره، وكم رأيناها ~~مشتبكة معه في نزاع شديد، ولم نر العلم دان لها ولا مرة واحدة، فتلتزم أخيرا أن تذل ~~له متصرفة في المعاني والألفاظ؛ لأن دائرتها كما لا يخفى عليك واسعة فلا يضيق بها مجال، ~~وإذا كنا نعرف من المسائل تسعين مسألة مثلا، ولكل مسألة سببا طبيعيا، وكنا نجهل ~~أسباب عشر مسائل، أفمن العقل أن يحملنا جهلنا على أن ننتحل لهذا المجهول قوى ما فوق ~~الطبيعة، أم من الحكمة أن نقيسه على أخواته ونلحقه بها أملا بأن ينكشف لنا سره ~~الطبيعي يوما ما؟ على أن الأعضاء الأثرية التي نحن بصددها ليست في شيء من ذلك، فقد ~~تقرر وجودها، وعرفت الأسباب الطبيعية لكثير منها، ووضح أمرها، وقل غامضها، وهي تنقض ~~الغاية وتنفي القصد، وتثبت القربى بين الإنسان وسائر الحيوان. وربما بعدت هذه النسبة ~~بين الإنسان والحيوان بالعلم، وقربت بالجهل، فكان أقربهم إليه أجهلهم بمعرفة أصله، ~~وأبعدهم عنه أعلمهم به. # ومن العجب أنك أثبت مذهب دارون وأنت تحاول نقضه بقولك: «وقد تكون هذه الأمور فلتات ~~طبيعية مستفادة من الظروف والحوادث والأهوية والأقاليم ونحوها.» إذ لا يخفى عليك أن ~~الخلق على مذهبك ومذهب أنصارك كائن بالأنواع، وهذا يقتضي أولا ثبوت الأنواع، وثانيا ~~اشتمال كل نوع على الأعضاء اللازمة له لا أكثر ولا أقل؛ لأن كل نوع خلق خصوصي مختصر في ~~جرثومة قابلة للنمو، ومتضمنة كل صفاته الجوهرية، وإلا فلا يكون في الخلق معنى لحدوث ~~نقصان أو زيادة فيه تأباهما الحكمة، وقد تنزه الصانع الحكيم عن كل عمل لا حكمة ~~فيه. # على أن معاني هذه الأعضاء الأثرية ظاهرة بنسبة التكوين المتسلسل كما يظهر لمن يدقق ~~النظر في طبائع الحيوان والنبات، أو ينظر فقط إلى كلياتها نظرا عاما دقيقا، فلا ~~يسعه والحالة هذه أن ينكر ما بين الأنواع ms011 والتباينات من النسبة الشديدة والقرابة ~~والتسلسل، وسائر ما هو مقرر في مذهب دارون، إلا أن يكون سابق اقتناعه حاجبا بينه وبين ~~ما يرى. # وقولك: «وهي بجملتها أمور عرضية» غير سديد؛ لأنه يلزمك أن تعلم أن الأشياء العارضة ~~في الجسم من المعيشة والإقليم، والحاصلة عن أسباب أخرى أكثر اختلاطا تنتقل بالوراثة ~~والانتخاب الطبيعي، وتصير جوهرية كما في الألوان وتشقق الجلد، وازدياد عدد الأصابع، ~~والأمراض والأميال العقلية، وغير ذلك مما لا يسعك إنكاره. # وأغرب ما في ذلك قولك: «لأنه يوجد في الطبيعة قوة مهذبة مربية، وفي بعض الأحوال مولدة ~~بادعة.» فأنت تعترف هنا بأن الطبيعة فيها قوة التوليد والإبداع، إلا أنك تجعل هذه القوة ~~مودعة فيها من بادع الوجود، فيا للعجب كيف جاز لك هذا القول؟! أما رأيت ما فيه من ~~التناقض؛ فإنك زعمت أولا أن المادة البسيطة يجب أن يكون فيها من الإدراك الكلي ما ~~في الإنسان من الإدراك الجزئي، وبعبارة أخرى: إن الحجر يجب أن يكون فيه قوة تدرك ~~كالإنسان، وإن لم يظهر لنا ذلك فيه، ولا يجب الاعتماد على المحسوس؛ فإنه قد ~~يضل. # ولما بينا لك أن البسائط لا يلزم أن تكون متضمنة نفس الخصائص والقوى التي في ~~المركبات، وإن كانت قابلة للظهور فيها عند بلوغها مبلغها، قلت: فإذن القوى الفاعلة في ~~البسائط ليست القوى الفاعلة في المركبات. ولا يخفى ما في هذا القول من الاضطراب، ثم جئت ~~لنا بتعليل آخر - أي الوجود المعنوي والوجود المادي - وقلت لنا: إنه المذهب الذي تذهب ~~إليه هذه المرة، وقد رأيت ما له من القيمة، ثم ما لبثت أن هدمت كل ما بنيته بقولك: ~~«إن في الطبيعة قوة مولدة مهذبة.» فكأنك قد أثبت لها ما يثبته لها الماديون؛ أي ~~أثبت لها التوليد الذاتي، والفرق بينك وبينهم أن هذه القوة عندك ليست أصلية فيها، بل ~~مودعة فيها من بادع الوجود. وهذه العبارة الأخيرة لم أقدر أن أفهمها؛ لأنه كما لا يخفى ~~عليك بعد إثباتك قوة التوليد للطبيعة لم تذكر ما دليلك على أنها مودعة، ms012 ولعل ذلك من ~~المسائل التي تعلو فوق طور العقل، والتي لم يعط حلها إلا للراسخين في العلم بطريق ~~الإلهام والوحي، فأنا معذور إذا كنت لا أفهمها، فإنه لم يعط لي حل الرموز والاقتناع ~~بالألفاظ المجوفة والكلام المقعر. # ومن العجب العجاب أنك لم تشترط حينئذ على طبيعتك ما اشترطته على طبيعة الماديين من ~~ضرورة وجود صفات المركبات في بسائطها كما هي فيها، مع أنه لا فرق بينهما إلا من حيث ~~الحركة الأولى أو بادع الوجود، وأما بعد ذلك فكل واحدة منها تعمل أعمالا من نفسها على ~~نظام معلوم، وسنن واحدة، فيا للغرابة! كيف يقع كل هذا التناقض في كلامك وأنت به مرتض ~~قانع. # على أن الذكاء وحدة الذهن لا يقتضيان أن يكون صاحبهما في مأمن من ضلال الأفكار، بل ~~العقل يتصرف في المعاني بحسب قوته - سواء كانت المبادئ المؤسس عليها صحيحة أو فاسدة - ~~فالمبادئ لا تؤثر في قوة العقل، بل في مجرى أفكاره، ولا في قوة استنباطه الأدلة ~~العقلية، بل في صحة أحكامه وعدمها؛ ففي كل عصر وفي كل مذهب نبغ رجال معدودون من أفراد ~~الزمان لما لهم من الذكاء وحدة الذهن وسعة الصدر، ولا يصح أن يكون جميعهم على هدى ~~لتباينهم في الآراء والمذاهب، فالعقل يسير في الطريق التي يألفها، وينمو على المبادئ ~~التي ينشأ فيها - صحيحة كانت أو فاسدة - وينبغ فيها بحسب ما له من الذكاء؛ فلا غرو إذا ~~كان ضلال الأفكار في العالم نشأ عن أناس متوقدي الذهن، كثيري التفنن في أساليب الكلام، ~~شديدي قوة التصرف في المعاني، وإن كانوا كثيري الخطأ في الأحكام يسحرون العقول التي لا ~~تقوى على مناضلتهم بما يظهر لها من ساحر بيانهم، ويفتنون الألباب التي لا قبل لها ~~بمجادلتهم بما تراه من فاتن برهانهم، ولا يغير مجرى الأفكار إلا تغير المبادئ، وأقرب ~~المبادئ إلى الحقيقة ما وافق الاختيار. # قال أحد الحكماء: لا ينبغي قبول آراء آبائنا كما يفعل الأولاد بحجة أن آباءنا ~~قبلوها، ونقول: إن جهل الإنسان لحوادث الكون كان سببا لانخداع عقله، ms013 واستحكام الخطأ ~~من أفكاره، واستفحال الأوهام فيه، فإن من كان قليل الخبرة في شيء كان شديد التوهم فيه، ~~كالطفل الذي يحاول أن يتناول بيديه ما يراه بعينه، فيمد يده إلى القمر كما يمدها إلى ~~فيه، ولا يعلم أن القمر بعيد المنال، ولا يتيسر له معرفة الأبعاد إلا بتكرار التجربة، ~~فهذه المعرفة في العقل ليست أصلية، بل مكتسبة بالاختبار، وقس عليها سائر معارف الإنسان ~~الصادرة عن سائر الحواس. # وإذا علمت أن جميع معارف الإنسان مكتسبة حكمت معنا بأن أفكاره مكتسبة أيضا، وعقله ~~مكتسب كذلك، وإذا كان العقل مكتسبا كان عرضة للانخداع؛ لعدم تبينه الأشياء كما هي في ~~كل الأحوال، ولأول وهلة؛ فلا قيمة إذن للحجة التي يستند إليها النظريون بقولهم: إن ~~ذلك مطابق للعقل أو غير مطابق له، إلا إذا اتفقت هذه الحجة مع سواها من البراهين ~~الحسية، قلنا: وإذا تكرر هذا الانخداع على العقل شب عليه ونما، حتى يغدو فيه من ~~الغرائز، فيصير عنده كل أمر مخالف لما تربى عليه خطأ وإن كان صحيحا، وكل خطأ استحكم ~~أمره صعب استئصاله؛ لأنه لا يقتصر على نفسه، ولا يقف عند حده، بل يتناول كل شيء دونه، ~~فيتطلب في استئصاله استئصال كل ما نتج عنه، وربما اقتضى نقض بنيان الهيئة الاجتماعية ~~نقضا تاما، ولا يخفى ما دون ذلك من الموانع. # على أن كل عصر لا يعدم أناسا متقدين ذكاء تطاول هممهم الأفلاك وإن بعدت، ويسبرون ~~بثاقب عقلهم الأسرار وإن خفيت. ولو أردنا تعداد مثل هؤلاء الرجال الذين قاموا في كل ~~عصر، وكان لهم في تاريخ الإنسانية يد بيضاء؛ لضاق بنا المقام، فنقتصر على أسماهم عقلا، ~~وأوسعهم فضلا، وأعلاهم همة، الذين قلبوا بتعاليمهم وجه الهيئة الاجتماعية؛ إذ زجروا ~~الإنسان من سماء الخيال، وردوه إلى أرض الحقيقة غير محترمين تقليدا، ولا راهبين ~~وعيدا، لا ملاذ لهم إلا العلم، ولا دين لهم إلا الحق، ولا غاية لهم إلا تخفيف مصائب ~~الإنسان، وتقليل ويلاته بإنهاضهم إياه من حضيض الجهل إلى سماء العلم. # الفصل الرابع # | في أصل معرفة ms014 الإنسان # إن من الأوهام التي تقاضت الإنسان حياته زمانا طويلا، وكانت أعظم أسباب شقائه، ~~ودواعي عنائه اثنين عظيمين؛ وهما: أولا: اعتقاده القديم في الأرض أنها مركز تدور حوله ~~الأفلاك، وثانيا: اعتقاده في نفسه أنه من أصل سماوي، فأهبطه الخالق من فسيح جنانه - ~~ولماذا؟ - وأسكنه ضيق أرضه، وإنما خلق له كل شيء من منظور وغير منظور، وعلى هذين ~~الاعتقادين نشأ الإنسان في الأخلاق والعادات والسياسة؛ فتقوض هذين الركنين يلزم منه ~~انتقاض البنيان العظيم الذي شاده الإنسان عليهما، ولذلك كان انتشار الحقائق المخالفة ~~لمألوف الناس صعبا جدا. # فكوبرنيكوس وكبلر وغليلي سحقوا بتعاليمهم الأفلاك البلورية التي اختلقتها أوهام ~~الأقدمين، وأصلحوا علم الهيئة من هذا الخطأ المبين، وقرروا أن السماوات ليست قبة ~~زرقاء مرفوعة فوق الأرض ومرصعة بمسامير من ذهب، وأن الجلد ليس فاصلا يفصل المياه ~~التي فوق الجلد عن المياه التي تحت الجلد - كما توهم أسلافنا - وإنما هي فضاء فسيح تسبح ~~فيه الأجرام السماوية، ومنها أرضنا هذه المتحركة حول الشمس خلافا لما كان يظن من أن ~~الأرض ثابتة، والشمس تدور حولها خدمة لها، وأن العوالم خاضعة في مجراها لسنن ثابتة لا ~~معلقة تمسكها يد خفية وتديرها كما تشاء، وبحسب ما لها من الأهواء. # ولا يخفى عنك ما اقتضى نشر هذا التعليم من العناء، وما اعترض في سبيله من الموانع، ~~وما أوجب على ذويه من الاضطهاد حتى بلغ ما بلغ إليه من الانتشار، وقبل أن سكن كل ثائر ~~ضده، وقعد كل قائم عليه، ولا يخفى عنك ما أوجب أيضا من الثورة في تاريخ الإنسان، فشمر ~~الإنسان عن ساعد الجد، وأرسل طرفه إلى الأفلاك يستجليها نواميسها، ويستقصيها مادتها، ~~ومد يده إلى جوف الأرض يستلبها كنوزها، ويستكشفها أسرارها، فانجلت له غوامض الطبيعة، ~~وانكشفت له أسرار الكيمياء، وعرف المواد والعناصر وما لها من الشرائع، وما حوته من ~~الخصائص، ودان له النبات، وذل له الحيوان، وانكشفت أسرار البيولوجيا، وبرزت دفائن ~~البلينتولوجيا، فسأل عن أصل الحياة في آثارها. # وما الفضل في معرفة أصل الإنسان بأقل من ذلك، ومرجع هذا ms015 الفضل إلى لامرك ودارون، ~~اللذين ردا الإنسان «الهابط من السماء والذي لا يزال يصبو إليها» إلى مقامه الحقيقي ~~في الطبيعة. ولما انتشر هذا المذهب قامت عليه قيامة أصحاب التقليد، المحافظين على ~~المقرر وإن كان خطأ، الكارهين لكل مستجد وإن كان صوابا. على أن سرعة انتشار ~~هذا المذهب مع ما هو عليه من الحداثة يتبين منها ما له من القيمة الصحيحة، والحركة التي ~~أثارها في الخواطر ليس لها مثيل في تاريخ الإنسانية، وقد ظهرت مفاعيلها وينتظر منها شيء ~~كثير في المستقبل، فإنها لا تقتصر على تقرير هذه الحقيقة، بل لا بد لها من تغيير ~~الإنسان تغييرا جوهريا، بحيث يتجدد كليا كأنه وجد وجودا جديدا، فتتغير أخلاقه ~~وفلسفته وسياسته وشرائعه وحكوماته، وغير ذلك مما يتعلق بهيئته الاجتماعية. # ولا يسبق إلى فهمك على سبيل الجد أو المزاح أن هذا التغيير تكون نتيجته رجوع ~~الإنسان إلى الأخلاق الوحشية، أو كما قالت إحدى السيدات الإنكليزيات لدارون: «إن ~~الساعة التي يتأيد فيها هذا المذهب ينتقض بنيان الفضيلة في البشر.» كلا، بل بالضد من ~~ذلك يقوى بنيان الفضيلة، ويستقيم أمرها عما هي اليوم عليه؛ إذ هي اليوم غائية لا ~~يعملها الإنسان إلا خوفا من عقاب أو طمعا بالثواب. # وأما تلك فتكون اضطرارية قياسية؛ لاستقامة أحكام العقل بميزان العلم الصحيح - ولا ~~يوهمنك ما جاء في إحدى المجلات، وقد قسمت الصدق إلى أربعة أقسام، منها اثنان صدق ~~بالفطرة، وصدق بالخوف من الدين، مفضلة هذا الأخير على الأول، تفضيل الشرير المغلول الذي ~~لا يقدر على عمل الشر؛ لتقيده على الصالح المطلق الحرية الذي إنما يصنع الصلاح؛ لأنه ~~تعوده، ولا أعلم كيف صح في قياسها هذا التفضيل، ولعل السبب ما نحن في صدده. # ولا يخفى عليك أن مصائب الإنسان الكثيرة الألوان منشؤها الجهل، ولولا الجهل لما ~~رأينا الزارع الذي هو أهم أركان الهيئة الاجتماعية يتضور جوعا حال كون الملك يكاد ينشق ~~من تخم، ولولا الجهل لما سن الناس الشرائع التي يهضم بها الكبير حقوق الصغير - ولما ~~رأيت بعضهم يعربد علينا كالبعير ms016 - ولما كثر تحامل الناس بعضهم على بعض، ولما فشا الكذب ~~في نوع الإنسان، وطال لسان الرياء، وقصر لسان الحرية، وزاد الشر في بني البشر. # فالإنسان كالشجرة لا تستقيم إذا نمت عوجاء، ولا تعوج إذا نمت مقومة؛ لأن صفات الإنسان ~~تنمو فيه قويمة إذا استقامت بالعلوم الحقيقية، والمبادئ الصحيحة، ومعوجة إذا تعوجت ~~بالمبادئ الكاذبة، فإذا كانت مبادئ الإنسان صحيحة كان صحيح القياس، صحيح الحكم، وإلا ~~فإن كانت فاسدة كان فاسد القياس ، فاسد الحكم، قضية مسلمة لا يصح فيها خلاف، وكأني بك ~~وقد تأملت صحة هذا القول تنقبض نفسك يأسا؛ إذ تقنط من صلاح الهيئة الاجتماعية لعلمك ~~أن الحقائق سلطانها قليل، وأن السائد إنما هو سلطان الأوهام. # نعم، إن صلاح الهيئة الاجتماعية صلاحا تاما عاما لا يكون إلا إذا كان العلم ~~الصحيح تاما عاما، ولا بد منه يوما ما إلا أن ذلك الزمان بعيد جدا، وربما لزم ~~له مئات من الأجيال؛ لأن إزالة ما رسخ في العقل من المبادئ في ألوف من الأجيال ليست ~~بالأمر السهل، على أن ما لا ينال كله لا يترك كله، والطفرة في كل شيء محال، فانتقال ~~الإنسان من الجهل التام إلى العلم التام يستحيل في نظام هذا الكون دفعة واحدة، إلا على ~~سبيل المعجزات. ولا أظنك تجهل مبلغ المعجزات من الحقيقة، فلا بد إذن من السير البطيء ~~في ارتقاء درج الكمال. فحال الإنسان من ذلك أدبيا كحاله طبيعيا، فهو لم يوجد كما هو ~~الآن دفعة واحدة، بل اقتضى له ملايين من السنين حتى خرج من الحيوانية إلى الإنسانية، ~~وهكذا لا بد له في قطع المسافات البعيدة التي تفصل بين أحواله الأدبية من السير ~~البطيء المتمهل. # | ملحق بالباب الأول # كان حضرة المعترض المشار إليه، وقد ستر اسمه، قد نشر قبل رسالته الثانية التي ظهرت في ~~العدد 1179 من جريدة المحروسة، والمردود عليها هنا رسالة أولى في العدد 1175 منها، ~~يعترض بها على المذهب المذكور، وقد رددنا عليها في العدد 1178 من الجريدة المذكورة ~~بمقالة مختصرة، وهي هذه: ~~(1) رد ms017 على رد # محصل ما في الرد المنشور في العدد 1175 من جريدة المحروسة على ما جاء في كتاب ~~بخنر على مذهب دارون، أن حضرة صاحبه يوافقنا في أمور، ويخالفنا في أمور، يوافقنا ~~في كون المادة أزلية أبدية، وأن الموجودات متكونة منها، ومتحولة عنها بقوة فيها ~~ملازمة غير مفارقة. وهذا ما نذهب إليه ويذهب إليه جمهور الماديين، فلا خلاف بيننا ~~من هذا القبيل؛ ولذلك فلا حاجة لنا إلى إعادة الكلام عليه، ويخالفنا في أن القوة ~~اللابسة المادة والمتحولة فيها تحولها في الأجسام كافة من جماد ونبات وحيوان، هي ~~على زعمه عاقلة مدركة تعمل في المادة إعمالا، مغياة على نظام مقصود. # وهذا ما لا نوافقه عليه، ولا يتحصل من مبدئه؛ فإنه جعل القوة والمادة أولا ~~أزليتين، ثم جعل القوة متسلطة على المادة، وكيف يصح التوفيق بين القولين؛ لأنه في ~~القول الأول جعلهما موجودتين معا، وفي القول الثاني فضل القوة على المادة، وسلطها ~~عليها تتصرف فيها كما تشاء. ولا يخفى ما في هذا القول من معنى الفاعلية التي فيها ~~معنى السبق أيضا، فتكون القوة في قوله سابقة المادة، ولو بالمعنى، وإذا صح ذلك ~~فكيف يصح أن تكون المادة أزلية كالقوة؟! # أما الماديون فليس عندهم فرق بين القوة والمادة؛ إذ ليس بينهما عندهم فاضل ~~ومفضول، وسابق ومسبوق، أو فاعل ومفعول؛ فهما بالحقيقة واحد لا ينفصلان، فهو من هذه ~~الحيثية غير متفق مع أصحاب ما وراء الطبيعة وعلماء الأديان؛ لأنه جعل القوة الفاعلة ~~والعاقلة محصورة في المادة، ولا مع العلماء الماديين؛ لأنه مع حصره القوة في المادة ~~ضمنها معنى السبق عليها، ولا مع علماء الكلام؛ لما في كل ذلك من التناقض. # وأما كون القوة المذكورة ذات إدراك كلي في المادة الأولى البسيطة كإدراك الإنسان ~~الجزئي في المادة المركبة، فهذا يوجب على مبدئه أن تكون المادة البسيطة مدركة ~~أيضا؛ إذ لا يجب أن يكون فرق بين المادة والقوة على ما سلم به من ملازمة الواحدة ~~للأخرى؛ بل يوجب أيضا أن تكون المادة الأولى ذات خصائص أكمل ms018 منها في المواد ~~المركبة، ولا شيء مما نعلمه عن مواد الطبيعة يجوز لنا هذا الوهم. # ونحن في بحثنا لا نحب أن نتخطى الطبيعة، ولا ما ترشدنا إليه ظواهرها، فقبول ~~المادة الأولى البسيطة للتركب على أحوال مختلفة، وللظهور بمظاهر مختلفة لأسباب ربما ~~كانت اختلاف وضع في جواهرها الفردة لا يلزم منه أن تكون فيها صفات سائر الكائنات ~~المتولدة عنها بالفعل، وإن كانت فيها بالقوة، فالقابلية لا يلزم منها الفاعلية، ~~والقوة التي ترجع إليها سائر القوى ، وهي الحركة على ما اتفق عليه عموم علماء ~~الطبيعة من كل المذاهب، وإن يكن في إمكانها أن تتحول إلى جميع القوى الطبيعية ~~كالحرارة والكهربائية والنور وغيرها. # إلا أنه لا يسعنا القول: إنها نيرة بالفعل كالنور، وإن كان لها ذلك بالقوة، كما ~~أنه لا يسعنا أن نقول: إن الحرارة كالكهربائية والكهربائية كالنور لإمكان كل ~~منهما أن يتحول إلى غيره؛ ولذلك فلا يسوغ لنا أن نقول: إن القوة التي ترجع ~~إليها جميع القوى تدرك كالإنسان؛ لأنه في إمكانها التحول إلى ما فيه من الصفات، ~~فجعل المادة والقوة لا القوة وحدها - خلافا لما يستفاد من كلام حضرة المعترض - ~~كلا عاقلا يتصرف في الأشياء كما يريد. لا نجد في الطبيعة ما يسوغ لنا القول به، ~~ولا ينطبق على القياس؛ فإن كان مراده بقوته المدبرة المتصرفة في الكون السنن التي ~~تجري عليها الطبيعة، فلا يكون بيننا خلاف في ذلك، إلا أنها لا تكون عاقلة ومريدة ~~كما يريد هو. # وماذا تفيدها إرادتها وهي حينئذ لا تفعل مختارة؛ أي إنها لا تقدر أن تنشئ وتخرب، ~~وتبني وتهدم وتخرق نظام الكائنات كيف شاءت ومتى شاءت؟ بل تفعل مضطرة على حكم ~~الضرورة، وحينئذ لا يبقى له ما يخالف به الماديين سوى الاسم. وهذا لا ينازعه أحد ~~منهم فيه، فليسمها ما شاء، وهو لم يتكلف هذه المشقة إلا لكي يتذرع بها لإلقاء أساس ~~- كما يقول - يوافق أهل الأديان وعلماء الكلام. ولقد أحسن السير «وليم طمسن» حيث ~~قال: إن الضلال الذي نشأ عن علم الكلام غرق أناسا ms019 أكثر من جهل رباني السفن ~~على أن حضرة المعترض منفرد فيما ذهب إليه، ولا يجد بينهم من يوافقه عليه، وهو مع ~~ذلك لو سلم له لا يكسبه شيئا فيما نرى؛ لأنه يبقى عليه أن يفصل نفس الإنسان عن ~~نفس الحيوان. وكيف يتأتى له ذلك وقد جعلهما من مصدر واحد روحانيا وجسمانيا؟ بل ~~يبقى عليه أن يفصل في الإنسان كل نفس عن نفس في هذا الوجود الكلي، حتى يجوز له أن ~~يخبرنا على مذهب الأديان بمعاد وجزاء في نعيم وعقاب، في جحيم في هذا الوجود ~~المشهود أو في غيره. # وعلى ما أرى أن هذا المذهب الذي ذهب إليه حضرة المعترض لا يدانيه مذهب في ~~الغرابة، على أن الباحث في العلم لغاية غير معرفة الحقيقة لا يؤمن شططه، فنحن ليس ~~غرضنا أن نبحث في العلم لنجد فيه ما نؤيد به أفكارا وأوهاما نشأت في الإنسان؛ إذ ~~كان في مهد الطفولية، وصارت بطمعه من جهة، وجهله من جهة أخرى حقائق أدخلت في رأسه ~~رغبة أو رهبة، تارة بالوعد وتارة بالوعيد، وإنما غرضنا الوحيد البحث عن الحقيقة ~~نقبلها كما تنجلي لنا على صفحات كتاب الطبيعة، لا نصعد إلى فوق ولا نهبط إلى أسفل؛ ~~لنبحث عن أشياء موجودة أمامنا وواقعة تحت حواسنا. # وقال أيضا: إنا ذكرنا الحياة ولم نعرفه ما هي، والحال أن موافقته لنا في ~~ملازمة القوة للمادة والمادة للقوة لا تجوز له هذا السؤال، وهل يا ترى في إمكانه ~~أن يعرفنا ما هي الحياة على مذهبه، أو مذاهب أصحاب ما وراء الطبيعة، ببيان مشبع ~~أقرب إلى العقل من بيان الطبيعيين؛ فإن علماء الطبيعة لما كان غرضهم في البحث عن ~~أشياء هذا الكون تقرير خصائصها، ومعرفة أحوالها، لم يكن يهمهم من ذلك كله إلا ~~الوقوف على أسباب ظاهرة كافية للتعليل عن كل ما يحصل فيها. # وقد عرف بالاختبار أن المواد كلها ذات خصائص أو قوى تتحول فيها، وتكون بسيطة في ~~البسيط، ومركبة في المركب، سموها تارة طبيعية، وتارة كيماوية، وتارة حيوية، بحسب ~~ظواهرها في ms020 المواد المختلفة، لا أنها قوى مختلفة بعضها عن بعض بالطبع، فكلها ~~بالحقيقة طبيعية، فكما أنه في إمكان المادة الأولى التحول إلى مواد كثيرة مختلفة ~~جدا في الصورة، كذلك في إمكان القوة الأولى المتصلة بهذه المادة التحول إلى قوى ~~كثيرة مختلفة في الخصائص. # أما إلماعه إلى الغاية والنظام المقصود، فمنقوض بما في الحيوانات والنباتات من ~~الأعضاء الزائدة التي يسمونها أثرية، والتي لا فائدة لها، وفيما يسمونه حكم ~~الضرورة، فمثال الأعضاء التي لا فائدة لها: الأسنان القواطع في أجنة كثير من ~~الحيوانات المجترة، فهذه تكون في سمك عظم ما بين الفكين ولا تبرز أبدا؛ ولذلك لا ~~فائدة لها، فما الغاية من وجودها؟ والإنسان في غنى عن تحريك أذنيه، فما الفائدة من ~~العضلات المرتبطة بهما؟ وربما اكتسب الإنسان بالمزاولة والتمرين القدرة على ~~تحريكهما، وأما فائدتها فظاهرة في بعض الحيوان. # ومن هذا القبيل أيضا العيون الأثرية التي لا تبصر في بعض الحيوانات، التي تقطن ~~الكهوف أو تقيم تحت الأرض، وفي أكثر ذوات الفقار يوجد زوجان من الأطراف: زوج أمامي ~~وزوج خلفي، ويكون أحد هذين الزوجين ضامرا غالبا. وفي النادر يكون الاثنان ضامرين ~~كما في الحيات، على أن بعض الأفاعي - كالبوابيتون - له زائدتان عظميتان في القسم ~~الخلفي لا فائدة لهما، وإنما هما أثران لطرفين كانا موجودين في أجداده. وأمثلة ذلك ~~كثيرة جدا في الحيوان والنبات كما لا يخفي على علماء هذين الفنين، وفي هذا القدر ~~كفاية لغرضنا. # فلو كانت الغاية موجودة لما وجب أن يكون في هذه الكائنات شيء لا فائدة له، وربما ~~كان مضرا أيضا. وكم حار علماء طبائع الحيوان والنبات بهذه الأعضاء الأثرية قبل ~~دارون، وذهبوا فيها مذاهب شتى حتى ظهر مذهب دارون، فقطعت جهيزة قول كل خطيب؛ لأن كل ~~عضو لازم نما بالاستعمال، وكل عضو لا لزوم له ضمر لعدم الاستعمال، فعرف أن ~~الأعضاء الأثرية كانت أعضاء نامية في أجداد كانت لازمة فيها، وضمرت حيث لم يبق لها ~~لزوم، وفي البعض زالت بالكلية، فلا دخل للغاية هنا، وإنما الدخل للضرورة. # وما نراه ms021 من النظام فهو كذلك ضروري لا مقصود؛ لأن التغير الحاصل في جزء من أجزاء ~~هذا العالم يتبعه تغير في سائر الأجزاء على حكم الضرورة كنتيجة لسبب، فإذا كانت ~~العوالم موجودة على النظام الذي نراها فيه؛ فلأنها هي من الارتباط بعضها مع بعض؛ ~~بحيث لا يمكن أن تكون على خلاف ذلك، فلو تغير نظام أحدها لوجب أن يكون التغير ~~شاملا لعموم النظام؛ ولذلك لم يكن الكون بعضه بالنسبة إلى بعض، ولا هو كائن ولن ~~يكون إلا منتظما وإن اختلف في الأزمنة الثلاثة؛ لارتباطه بعضه ببعض، وجريه على ~~سنن شاملة لجميعه، وكذلك يقال في الارتقاء؛ فإن العالم لا يسير إلا متقدما لضرورة ~~تغلب الأنسب في منازعة هذا الوجود، كما هو مقرر في مذهب دارون. # الباب الثاني # | في ثبوت مذهب دارون وفساد نقيضه # وفيه ديباجة وسبعة فصول # | الديباجة # ألا قل لمن عد مذهب دارون وساوس، واجتهاد أصحابه دسائس، فحمل عليه يريد طعنه بأسنة ~~أيمانه، وذبحه بقواطع برهانه: رويدك؛ إنك قد استسهلت الصعب وما الصعب بهين، ألا راعك ~~بعد الشقة، أم لم تدر ما أوجبت على نفسك من المشقة، أم كيف ساغ لك طعن تعليم دارون، ~~وقد بحث فيه السنين الطوال، ونقض ما شيد عليه وهو أرسى من الجبال، أم بأي قوة نسفته ~~نسفا، وتركته قاعا صفصفا لا ترى فيه عوجا ولا أمتا، بل كيف ساغ لك هدم أبحاث علماء ~~الأرض بالطول والعرض؟ ألعلك ظننتها شذرات أفكار فدفعتها بشذرات أفكار، لم تكلفك البحث ~~إلا سواد الليل وبياض النهار، ثم قلت: إنك مشبعنا، ولم تطعمنا إلا ضاهسا، ومروينا ولم ~~تسقنا إلا قارسا. دع عنك هذه الوساوس؛ فما كانت الحقائق لتطرس بترهات ~~البسابس. # ذكر بعض أدباء اللغة مذهب دارون في النشوء والارتقاء، وقفى عليه بما معناه أنه مذهب ~~باطل بالأدلة العقلية والطبيعية، قال بعد تعريفه له ما نصه: # إن ركن النشوء والارتقاء ~~عند دارون: الانتخاب الطبيعي، وهو فرض بلا إثبات، ورأي من صور الوهم. ا.ه. # ثم حصر اعتراضاته عليه في ثلاثة؛ أولا: أنكر الارتقاء بدليل أن ms022 كثيرا من الأحياء لم يظهر ~~فيه شيء من علامات التدرج، ثانيا: أنكر الصور المتوسطة اللازمة في مذهب التسلسل، ~~ثالثا: طول الزمان اللازم للانتقال من أدنى صور الحياة إلى أرفعها بالنشوء والارتقاء ~~المنقوض بالأبحاث الجيولوجية - كما قال. وهي أهم اعتراضات خصوم هذا المذهب. # وفي كل ذلك من النظر ما يحتمل بحثا طويلا، ربما ضاق عنه الكلام إن لم يضق صدر ~~المقام، فنجتزي بذكر شيء من كليات هذا المذهب دفعا للاعتراضات المذكورة، ومن تبقى عنده ~~أدنى ريب نرده إلى مطولات القوم، ونحن الآن لا نطمع بالفوز في طريق كهذا كثير العقبات، ~~وإنما نقول كما قال الإمام الغزالي: «ولو لم يكن في ذلك إلا ما يشككك في اعتقادك ~~الموروث لكفى به نفعا؛ فإن من لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بقي ~~في العمى والحيرة.» ا.ه. # الفصل الأول # | في تغير الأنواع # نقول: لقد كان الاعتقاد سابقا أن الأنواع خلق خصوصي كل نوع مخلوق وحده، إلا إن ~~الطبيعيين رأوا في الأحياء أشياء كثيرة لا تتفق مع هذا القول. أولا: قابلية كل فرد، بل ~~كل نوع للتغير تبعا لنواميس حيوية حقيقية لا فرضية؛ كتغير الجماد تبعا لنواميس ~~طبيعية، ثانيا: وجود أعضاء كثيرة لا فائدة لها في الحال، ولا تفهم غايتها إلا أنها ~~كانت في الماضي، أو ربما صارت في المستقبل ذات فائدة في أحوال أخرى، ثالثا وحدة ~~الناموس الرابط للأحياء بعضها ببعض، وهذا كله يجب ألا يكون في مذهب الأنواع الذي يقتضي ~~أن تكون ثابتة، وأن كل نوع منها يتضمن فيه وفي جرثومته كل الأعضاء اللازمة له، لا ~~أكثر ولا أقل، فقام في ذهن بعض المحققين أنه ربما كانت الأحياء كلها من مصدر واحد ~~متكونا بعضها من بعض، متحولا بعضها عن بعض كما تتكون أصناف الحجارة في عالم ~~الجماد. # وأول من قال هذا القول وأسنده إلى بعض مستندات علمية «لامرك الفرنسوي»، إلا أن قوله ~~هذا صادف وقتئذ من التقاليد ونقصان الأبحاث العلمية موانع جمة حالت دونه ودون انتشاره، ~~فقوبل بالإعراض ms023 شأن كل أمر لم تستعد له العقول، ولبث مطويا في زوايا الإهمال حتى قام ~~دارون في هذا العصر وأخرجه إلى عالم البحث والنظر، وقد عززه بأن بسطه بسطا كافيا، ~~وشرحه شرحا وافيا مستندا فيه إلى اكتشافات العلماء المتفرقة، وكانت قد كثرت فصادف ~~هذه المرة أرضا معدة وعقولا مستعدة، فنبت ونما وتعالى وطما حتى كادت أبحاث العلماء ~~تقتصر عليه ولا تنظر إلا إليه. # ولا نقول: إنه لم يقم له خصوم؛ فخصومه كثيرون، فبعضهم خاف منه على اعتقاد موروث، وهم ~~أصحاب التقاليد، فشرعوا الأسنة، وأطلقوا الأعنة، ونادوا الجهاد الجهاد في سبيل الحقيقة ~~والسداد؛ لأنه كما لا يخفى عليك كل واحد يدعى الحقيقة له، وهي واحدة، والناس منقسمون، ~~فصاروا يقومون ويقعدون، ويجأرون ويزأرون، ويكفرون ويعطلون، وهم يخطئون مرة، ~~ويصوبون أخرى، حتى وهنت منهم القوى، فتحصن عقلاؤهم وراء حصن الحياة، وأعقلهم وراء ~~حصن الخلق الكلي تحت نظام كلي، وسنن كلية، وتركوا الطبيعة تدبر أمرها بإذن ~~باريها. # وقد أثبتوا بذلك حكمة الخلق أكثر من سواهم من فرقتهم؛ إذ أثبتوا وحدة الخلق في ~~الطبيعة أو كادوا، واتفقوا مع الواقع أو كادوا، وبعضهم - وهم فرقة من العلماء - رأوا ما ~~رأوا، وعلموا ما علموا، ولكنهم حاروا بين المنقول المتأصل والمنقول المتحصل، وبعضهم - ~~وهم فرقة من العلماء أيضا - رأوا ذلك وعلموه جيدا، إلا أنهم تصعبوا فيه، فطلبوا أن ~~يروا بالعيان إنسانا منشقا من حيوان، وربما كان السبب الأكبر لعدم انضمامهم إليه ~~رفعة مقامهم في عالم العلم، والعين قالوا: لا تحب نظيرها، فكان ذلك فيهم مصداقا لما في ~~مذهب دارون، ألا وهو تنازع البقاء. # الفصل الثاني # | في تنازع البقاء والانتخاب الطبيعي # إن مذهب دارون بسيط جدا، ويقدر كل إنسان أن يدركه إذا نظر إلى الأشياء كما تعرض ~~له، وتأملها بعين العقل التي لا يشوبها كدورة سبق الاقتناع، وإنا نعجب من أولئك الذين ~~يشقون حجب الغيب بقوة عقلهم، ويدركون ما وراءها من الأسرار كيف أنهم لا يقدرون على ~~إدراك ما هو أمامهم، وواقع تحت حواسهم كما هو حقيقة. والغريب أنهم يوميا ms024 في زرع ~~النبات وتربية المواشي يجرون على قواعد هذا المذهب عمليا، وإذا سألتهم عنها نظريا ~~أنكروها، وذلك دليل من أقوى الأدلة على ما لسبق الاقتناع من السطوة، وما للعقل من ~~القابليات المختلفة الخاضعة لأحكام الحياة من مثل التغذية والوراثة. # فمن يجهل يا ترى اختلاف أفراد النبات والحيوان؟ وهل يستطيع أحد زارعا بسيطا كان أم ~~عالما أن ينكر أن من هذا الاختلاف ما هو صالح لبعض الأحوال وغير صالح للبعض الآخر؟ ~~أو ينكر ما للغذاء والأحوال الأخرى الطبيعية من اليد القوية في إحداث هذا الاختلاف ~~تبعا لناموس المطابقة؟ وما للوراثة من القوة في نقل صفات هذا الاختلاف في النسل، وكيف ~~أن هذه الصفات تقوى إذا ناسبتها الأحوال، وتضعف إذا لم تناسبها؟ # لا لعمري، فالزارع كالعالم يعرف أن البذار الجيدة؛ أي المتميزة ببعض الصفات ~~لمناسبتها لبعض الأحوال، أحسن من البذار الرديئة التي ليس لها ذلك؛ فيفضلها عليها، ~~ويعرف كذلك أن الأرض الجيدة أنسب من الأرض الرديئة فيفضلها عليها أو يعتني بها، فيقدم ~~لها المواد اللازمة لإصلاحها، ويقتلع منها كل الأعشاب؛ لعلمه بما يحصل بينها وبين ~~مزروعه من التنازع على الغذاء والمكان، وما يلحق بمزروعه من الضعف بسبب هذا التنازع؛ ~~فيمهد له الأرض حتى تنصرف كل قواه إلى التغذية والنمو. # ويعرف كذلك أن المواشي الحسنة المنظر، والصحيحة البدن، والشديدة، أنسب من سواها مما ~~ليس فيه هذه الامتيازات، فيعتني بتربيتها وتوليدها، فهل رأيت امرءا يريد شراء دابة ولا ~~يقلبها ظهرا وبطنا، وما غايته بذلك سوى قنية ما يعتبره أنسب له، ثم إذا اقتناها ألا ~~يعتني بغذائها ومسكنها وما شاكل مفضلا مبدلا؟ ولماذا هذا التفضيل والتبديل لولا ~~معرفته بما لذلك من التأثير في تغيير صفاتها في الشكل والقد والحسن والقوة ... ~~إلخ؟ # وإذا أراد استيلادها، ألا ينتخب لها الأحسن من نوعها، ولم ذلك لولا يقينه بما لعمل ~~التوليد من القوة على نقل الصفات المختلفة، حسنة كانت أم قبيحة؛ فالزارع البسيط لا يجهل ~~مثل هذه الأمور، بل هو من أشد الناس اعتبارا لها، وكل طبيعي عارف بالفسيولوجية ms025 يعلم ~~أن التغذية كالوراثة من قوى الحياة الحقيقية المثبتة لا الفرضية. # وإذ تقرر ذلك، فاسمح لنا أن ننظر إلى نتيجته، فالاختلاف الذي ينشأ عن المطابقة؛ أي ~~عن انفعال القوة الغاذية بالأحوال الخارجية الطبيعية، وإن كان قليلا، يجعل في الأحياء ~~قابليات وجودية مختلفة، فيطلب الضعيف القوت، فينازعه القوي عليه، وإذا كان القوت قليلا ~~يهلك الضعيف، أو إذا اشتد البرد أو قل الماء فلا يثبت إلا ما كان أقوى على تحمل البرد، ~~وأصلح لتناول الرطوبات من الهواء. # ولا يخفى عليك أن عدد البيوض أو الجراثيم التي تولدها الأحياء، والتي يقدر كل ~~منها أن يولد حيا إذا وافقته الظروف هو أكثر كثيرا من عدد الأحياء المتولدة حقيقة، ~~فالعدد الأكبر من هذه الجراثيم يهلك في أوائل حياته، ولا يسلم إلا القليل المتميز ببعض ~~صفات تسهل له قطع هذا الطور من الحياة الكثير الأخطار، كما يتضح لك من مقابلة عدد بيوض ~~كل نوع بعدد الأحياء فيه، أو من مقابلة عدد الأحياء الكثيرة الجراثيم أو البيض بغيرها ~~من القليل الجراثيم، فلا تجد نسبة بينهما، فإن عددا كبيرا من الحيوانات الفقرية ~~القليلة الوجود يبيض بيوضا كثيرة حال كون غيرها من الفقرية أكثر منها وجودا، مع أنه ~~لا يبيض إلا بيوضا قليلة. # وكما في الحيوان كذلك في النبات أيضا؛ فإن كثيرا من الطائفة الثعلبية يلد ألوفا من ~~الجراثيم، وهو مع ذلك قليل جدا حال كون بعض المشععة من الطائفة المركبة كثيرا جدا، ~~مع أن بذوره قليلة، فعدد الأشخاص التي تحيا لا يتوقف ضرورة على عدد الجراثيم، بل على ~~أحوال مختلفة غالبا على نسبة متبادلة بين الحي والأشياء التي من خارج، فما كان من ~~الأحياء أنسب من غيره سلم وبالعكس، وقس على ذلك سائر الأحياء مع سائر الأحوال الطبيعية ~~الحيوية، فهذا ما يسمى في مذهب التحول «تنازع البقاء»، فهل يشك الآن في أن تنازع ~~البقاء حقيقة وجودية كحقيقة الاختلاف؟ # ثم إذا سلمت بهذا التنازع بين الأحياء، وجب عليك ضرورة أن تسلم ببقاء البعض وفناء ~~البعض للأسباب المار ذكرها، وهذا ms026 ما يراد «بالانتخاب»، ويسمى «طبيعيا» إذا كان بين ~~الأشياء التي من خارج وبين الأحياء، أو بينها بعضها مع بعض، و«صناعيا» إذا كان بواسطة ~~الإنسان، كما في الزراعة وتربية المواشي كما مر، فالانتخاب الطبيعي ليس فرضا بدون ~~إثبات، أو رأيا من صور الوهم كما قدمت، وكما يدعي خصوم دارون؛ لأن دارون - كما رأيت - ~~لا يقول في تحول الأحياء بأسباب طبيعية مجهولة حتى يكون الانتخاب فرضا؛ بل يجعله نتيجة ~~لازمة لأعمال حيوية معروفة كالمطابقة التي هي نتيجة التغذية، والاختلاف الذي هو نتيجة ~~المطابقة، والتنازع الذي هو نتيجة الاختلاف. فالانتخاب الطبيعي نتيجة لازمة للتنازع، ~~ولا يصح في قياس عاقل أن يجعل الانتخاب الطبيعي بعد ذلك فرضا، ولا سيما إذا كان عنده ~~أقل إلمام بمبادئ الفسيولوجية. # وربما سلم خصوم دارون بالاختلافات المذكورة، ولكنهم لم يسلموا بصيرورتها جوهرية ~~بحيث تتكون عنها الأنواع، فقالوا: إن الاختلافات لا تتناول إلا الأعراض فقط، فنقول ~~لهم: إنه لا يلزم لإثبات مذهب الانتقال غير التسليم بحصول الاختلاف لاختلاف الأحوال، ~~فالاختلاف الذي يكون بين الأحياء يجعل الأولاد تختلف فيما بينها، وتختلف عن الأصل ~~المتولدة منه، وبتنازع البقاء والانتخاب الطبيعي يهلك بعض الأولاد، ويبقى البعض الآخر، ~~فهذا الباقي مختلف عن أصله - كما رأيت - ومختلف فيما بينه. # ولا يخفى أن في البيولوجية ناموسا معلوما كثير الاعتبار جدا هو ناموس ~~«الوراثة»، فهذا الباقي المختلف والمتميز ببعض صفات مناسبة لأحوال المكان والزمان تنتقل ~~صفاته المتميز بها في بذارته أو نسله، وتتوضح أكثر وتتكيف بكيفيات أخر تختلف ~~عنها في الأصل، وقل مثل ذلك أيضا عن بذارة هذا الباقي، وهكذا عن بذارة بذارته. وانظر ~~إلى ذلك بتلسكوب الزمان في ألوف الأجيال، بل ربواتها، ثم قل لي إذا كان يمكن بعد ذلك ~~أن تبقى الأبناء كالآباء، وإن لم تستطع فاهمس لي في أذني، فإني أقبل عذرك؛ فليس جميع ~~الناس سواء في التصريح عن آرائهم، وأكثرهم على ما وصف الإمام الغزالي في بعض كتبه حيث ~~قال: «إن الآراء ثلاثة أقسام، رأي يشارك فيه جمهور فيما هم عليه، ورأي يكون ms027 بحسب ما ~~يخاطب به كل سائل ومسترشد، ورأي يكون بين الإنسان وبين نفسه لا يطلع عليه إلا من هو ~~شريكه في اعتقاده.» ا.ه. # قال ابن خلدون متكلما في التاريخ: «وأهل الملك والسلطان إذا استولوا على الدولة فلا ~~بد وأن يفزعوا إلى عوائد من قبلهم، ويأخذوا الكثير منها، ولا يغفلوا عوائد جيلهم مع ~~ذلك، فيقع في عوائد الدولة بعض المخالفة لعوائد الجيل الأول، فإذا جاءت دولة أخرى من ~~بعدهم، ومزجت من عوائدهم وعوائدها خالفت أيضا بعض الشيء، وكانت للأولى أشد مخالفة، ثم ~~لا يزال التدريج في المخالفة حتى ينتهي إلى المباينة بالجملة.» ا.ه. # وهذا القول إذا ~~أطلق على أثر الطبيعة وأطوارها في الأحياء لم يلزم أن يضاف إليه شيء لتعليل المباينة ~~في مذهب دارون. # قلنا: وإذا لم يكن بعد قطع هذه المسافات الطويلة أن تبقى الأبناء كالآباء، أفلا يصير ~~الاختلاف بعيدا جدا، وإذا بعد أفلا يصير جوهريا - لا تنس ربوات الأجيال - أولا ~~تكون نتيجته تكون التباينات والأنواع وما شاكل. مثال ذلك: لو نمت نباتات مختلفة في ~~أرض يابسة لاقتضى أن تتنازع أولا مع اليبوسة، وثانيا بعضها مع بعض، ولما كان الوبر ~~الدقيق الذي يكسو الورق يفيد لامتصاص الرطوبة من الهواء، كان من الضروري أن يفوز في ~~هذا التنازع ما كان هذا الوبر في ورقه كثيرا، ويهلك ما سواه. # ثم يقوى هذا الوبر في الجيل الثاني بالوراثة والانتخاب والتنازع، ويتميز جيلا عن جيل ~~حتى يتكون منه نوع جديد، ثم إن نتائج الاختلاف لا تقتصر على عضو واحد، بل تمتد إلى ~~سائر الأعضاء، فيحصل عن زيادة نمو وبر الورق نقصان في نمو أعضاء أخرى، كالزهر مثلا؛ ~~لانصراف جزء من غذائه في نمو الأوراق، فيكون لتنازع البقاء نتيجة أخرى غير الانتخاب ~~الطبيعي، وهي «التحويل» أيضا. # وهذا كل ما يلزم لتحول الأحياء، وتكون الأنواع، فكان الأولى بهؤلاء الخصوم الحريصين ~~على الموروث أن يقصروا تشبثهم على مبدأ الحياة لا على فعلها في تحويل الأنواع؛ لأن ~~الاتفاق على الحياة - أقوة طبيعية هي أم قوة فائقة الطبيعة؟ - ربما ms028 كان أبعد من الاتفاق ~~على تحول الأحياء، ولا يخفى أنه كلما بعد الاتفاق كان ذلك أنسب لهم. # الفصل الثالث # | مسائل على الخصم مشاكل # وإن بقي عندك ريب فقل لي: # أولا: # لماذا هذا الاختلاف في الأحياء باختلاف جنس المعيشة والإقليم وما ~~شاكل إن لم يكن فيها ميل إلى التغير بحسب الأحوال الخارجية؟ ولماذا ~~نفس هذا الميل إلى التغير إن لم يكن هو أصله ناشئا عن مثل هذه ~~الأحوال؟ # ثانيا: # لماذا هذا التنازع بين الأحياء إن لم يكن هذا الاختلاف يكسبها ~~قابليات وجودية مختلفة، بعضها أصلح من بعض في بعض الأحوال، وغير صالح ~~في البعض الآخر؟ # ثالثا: # إن لم يكن الانتخاب الطبيعي نتيجة لازمة للتنازع، فلماذا كان هذا ~~النوع مثلا لا يقوى على الثبات في مكان، ويقوى عليه في مكان آخر؟ أو ~~لماذا كان بعض الأنواع يضعف - وربما تلاشى - أمام البعض الآخر؟ # رابعا: # إن لم يكن للوراثة الطبيعية يد قوية في نقل الصفات، فلماذا كانت ~~الصفات الطبيعية والأدبية العارضة كالعيوب والألوان والأمراض والأميال ~~العقلية، وسائر الصفات المسماة أدبية تنتقل في النسل؟ وإذا توفرت لها ~~الأسباب الطبيعية كجنس المعيشة والإقليم والتوليد، فلماذا كانت تنحصر ~~في النسل، وتصير لازمة ضرورية؛ أي جوهرية؟ # قال أبقراط في كتاب الأهوية والمياه والبلدان: «إني أغض النظر عن ~~الأمم التي تختلف قليلا فيما بينها، وأقتصر على ذكر الاختلافات ~~العظيمة الناشئة: إما من الطبيعة، وإما من العادة، وأذكر أولا جيل ~~الميكروسفال «ذا الرأس المتطاول»؛ فإن هذا الجيل لا يوجد جيل يشبهه في ~~تكوين الرأس ... وفي الأصل كانت العادة سببا لطوله، وأما الآن فقد صار ~~للطبيعة يد في ذلك. # وأصل هذه العادة أنهم يعتبرون طول الرأس من علامات النبالة ... وأول ما ~~يولد الطفل - إذ تكون أعضاؤه مسترخية ورأسه لينا - يضغطون الرأس بين ~~اليدين حتى يتطاول، ويشدونه بربط وآلات مناسبة يفقد بها شكله ~~الكروي، وتزيد في طوله ... وهذا التكوين نشأ في الأصل عن العادة، ثم صار ~~مع الزمان طبيعيا لا حاجة فيه إلى العادة، فإن المني يأتي من كل ~~أجزاء البدن صحيحا ms029 من الأجزاء الصحيحة، وغير صحيح من الأجزاء غير ~~الصحيحة. # فإذا كان الآباء الصلع يلدون أولادا صلعا، وذوو العيون الزرق يلدون ~~أولادا بعيون زرق مثلهم، والحول حولا نظيرهم إلخ، فما المانع أن ~~أناسا طوال الرءوس يلدون أولادا طوال الرءوس نظيرهم ... وأما اليوم ~~فانقرض هذا الجيل؛ لأن العادة قد ضاعت بمخالطة الشعوب الأخر له.» ~~ا.ه. # خامسا: # لماذا كانت الأعضاء والصفات تضعف، وربما تلاشت بالإهمال والترك، ~~وتنمو وتقوى بالاستعمال والتمرين إن لم يكن للعادة تأثير ظاهر، ولو لم ~~يكن للعادة مفعول لما اقتضى أن يكون شيء من ذلك كله. أذكر أني من ثلاث ~~سنوات شاهدت رجلا ألمانيا أقطع الذراعين خلقة من عند قرب مفصل ~~الكتف، وسائر جسده نام جدا، وكان طويلا ضخما، فكان يستعمل رجليه ~~لقضاء جميع حاجاته كاستعمال أمهر الناس ليديه، ويأكل بالسكين والشوكة ~~برجليه، وهو جالس على مائدة ورافعهما عليها، حتى كان يتعذر على من ~~يجهله أن يعرف أنهما رجلاه. # ورأيته يلعب بهما على «المندولينا»، وهي آلة كالقانون عندنا وأصغر ~~منه بما يطرب القلوب ويذهل العقول، وفتح بهما زجاجة بيرا بالآلة ~~المعروفة، ولعب بالورق مع أحد الحضور باللعبة المعروفة ب «الأكرتة»، ~~فكان يخلط الورق برجليه وهو رافعهما على مائدة اللعب خلطا يعجز عنه ~~مهرة اللاعبين، وزد على ذلك أنه كان يجمعه بصناعة غريبة، حتى إنه غلب ~~خصمه مع كونه من الماهرين بهذا الفن، وقد أطلق برجله رفولفرا وأصاب ~~الهدف بالرصاص. # وعند تأملي أصابع رجليه وجدت أن الإبهام اكتسب بالعادة قوة الانضمام ~~إلى سائر الأصابع كإبهام اليد، والأصبع الثاني بعد الإبهام اكتسب طولا ~~يكاد يبلغ طول السبابة. ولا ريب أن هذا الرجل إذا ولد أولادا بلا ~~يدين مثله، وولد أولاده مثلهم بضعة أجيال تتحول الرجل فيهم بالوراثة ~~والمطابقة يدا بكل صفاتها؛ لأن التغير الذي حصل في رجليه - كما ~~رأينا - مهم جدا، والزمان الذي تم فيه ذلك ليس شيئا بالنسبة إلى ~~الأجيال الطويلة لتاريخ الحياة، فإنه لا يكاد يحسب معها طرفة ~~عين. # سادسا: # كم هي الأنواع؟ وهل جمهور الطبيعيين متفق على عددها؟ وإذا ms030 كان غير ~~متفق فلماذا هذا الخلاف؟ وهل من فاصل يفصل النوع عن التباين فصلا ~~تاما؟ وإذا كان هذا الفاصل لا يوجد، فما سبب هذا الارتباط إن لم يكن ~~تكون الأنواع من التباينات، والتباينات من الأفراد؟ # سابعا: # وأخيرا لو كانت الأنواع نتيجة خلق خصوصي لما اقتضى أن يكون فيها شيء ~~من الأعضاء المسماة أثرية، أو لم يكن من الواجب أن كل نوع يتضمن فيه ~~وفي جرثومته كل الأعضاء اللازمة له لا أكثر ولا أقل، وإلا فما «معنى ~~الخلق على هذه الصورة؟ وأين الحكمة؟ وما هي الغاية؟ وهل يمكن تعليل هذه ~~الأعضاء تعليلا يرضي العالم، ويقنع العاقل بغير مذهب دارون؟» أليست ~~رابطا يربط الصور بعضها ببعض، وبما تقدمها من الأجداد البالية التي ~~تقادمت عليه العصور، وتقلبت عليها الدهور؟ # أيحتاج بعد ذلك إلى دليل على كون الحي متصلا بعضه ببعض بسلسلة ~~انتقالات، وإن خفيت في البعض لأسباب طبيعية معلومة، إلا أنها ظاهرة في ~~البعض الآخر بما يصح معه القياس ويتأيد به البرهان، أو يا ترى لا يجوز ~~للطبيعيين القياس على الاختبار، ويجب لسواهم بدون ذلك، أم هل يعد مثل ~~هذه المعلومات افتراضات وأباطيل وأضاليل، وغيرها مما لا يستند إلى شيء ~~من العلوم الطبيعية يحسب حقائق، أم لعل أعظم الحقائق ما بني على ~~الأوهام، كما يقول الفارياق في كتاب «الساق على الساق». # الفصل الرابع # | في الإنسان وسائر الحيوان # إن الإنسان كالحيوان متكون على نفس النواميس التي تكون بموجبها عالم الأحياء، ~~والأونثروبولوجيون بعد تشريح أعضائه ومراقبة قواه العاقلة ومقابلتها بالحيوانات الأخر ~~الأقرب إليه لم يروا بدا من إثبات حيوانيته، أي إثبات الأصل الحيواني له، وقد اجتهد ~~خصوم التسلسل كثيرا لكي يقيموا بينه وبين الحيوان فاصلا تشريحيا يجعله نوعا قائما ~~بنفسه لا صلة بينه وبين القرد فلم ينجحوا، وأقوى حججهم أن الإنسان له عضلة طويلة ~~خصوصية قابضة للإبهام، متميزة عن سائر القوابض، والقرد ليس له ذلك، فقالوا: إن بناء ~~الإبهام العضلي كاف وحده لجعل الإنسان منفصلا عن الحيوان. # إلا أن هذه الدعوى باطلة، فقد جاء في ms031 جريدة العلم الفرنسوية بتاريخ 20 أيلول سنة ~~1884 ما نصه: # لقد بالغوا كثيرا بالقيمة التي يعدونها لهذه الصفة، ويصح لنا أن ~~نرد على ذلك كما رد عليه كارل فوخت ودلي بقولنا: إن هذه الصفة وإن صحت لا تفيد ~~سوى وصف يصح على التباين فقط، لولا أن لنا أدلة تشريحية تكفينا مئونة هذا القول. # ثم بسطت ذلك بكلام نؤثره عنها، قالت: «إن أصابع الإنسان تنقبض بواسطة عضلتين منفصلتين الواحدة عن الأخرى : إحداهما ~~قابضة مشتركة تنشأ من الوجه المقدم للزند ومن النصف الأنسي للرباط بين ~~العضمتين، وتنتهي في سلاميات الأصابع الأربع الأخيرة، والثانية قابضة خصوصية ~~للإبهام تنشأ من النصف الوحشي للرباط بين العظمين، ومن السطح المقدم للكعبرة، ~~وتندغم بسلامي الإبهام الظفرية، فهذا الوضع يجعل حركات الإبهام مستقلة، فلا ~~يشترك بحركة الأصابع كما في بعض القرود، ولا ينقبض اضطرارا لانقباض السبابة، ~~كما في بعض القرود الشبيهة بالإنسان كالكوريلا والشمبانزي. # فخصوم مذهب النشوء يسألونك دائما أن تريهم في القرود أوضاعا تشريحية خاصة ~~بالإنسان، على أن احتجاجهم هذا فاسد كاحتجاج من ينكر أن الفرس آت من ~~الهيبوريون، فيطلب إليك أن تريه هيباريونا ذا ظلف واحد كحافر الفرس، على أن ~~الهيباريون الوحيد الظلف لا يكون حقيقة الهيباريون نفسه، وإنما يكون الفرس أو ~~الأصل المشتق منه، وهكذا القرد ذو القابضة الإبهامية المستقلة لا يكون القرد، ~~بل الأصل المرتقي عنه الإنسان، ولكن لو رأوا فرسا ذا ثلاثة أظلف «وهذه الحالة ~~التقهقرية كثيرة»، لما أمكن فهم ذلك فيه إلا بناموس الأتافيسم - أي الرجعة ~~كما اصطلحنا عليه في كتاب بخنر، ويراد بها ظهور صفات في النسل غير موجودة في ~~آبائه القريبة، ولا توجد إلا في أجداده البعيدة، ولا حاجة إلى القول بأن هذا ~~الناموس يثبت القربى - فلنر إذا كان مثل ذلك يوجد في الإنسان.» # قالت: «وفي القرود الشبيهة بالإنسان ترى الحزمة العضلية للإبهام تنفصل عن جسم العضلة ~~القابضة الغائرة للأصابع أكثر فأكثر كلما ارتفعت في سلم هذه القرود، كما أنك ~~ترى في الإنسان في حالات شاذة العضلة القابضة الخاصة بالإبهام ms032 تختلط بسائر ~~القوابض. وهذا الاختلاط يكون على درجات مختلفة، وقد ذكره كثير من المؤلفين فلا ~~سبيل للريب فيه، وقد ذكر تتو أنه رأه في عشرين حالة، وفي ثلاث منها كان ~~تاما، وقد ذكر ولشم حالة من هذا القبيل، وكذلك رأى كل من جروبر وجستاف ~~وججنبور وشدزنسكي مرة واحدة امتزاج العضلتين القابضتين الغائرتين امتزاجا ~~تاما، مع فقد وتر الإبهام كما في الأوران أوتان.» # أفلا تكفي هذه الشواهد لأن تقنعنا بأن استقلال العضلة القابضة للإبهام في الإنسان ~~نتيجة الارتقاء والاستعمال؟ ولنا دليل آخر على صحة هذا الرأي في الفروع البشرية السفلى ~~كالسود؛ حيث هذه العضلة ليست مستقلة كما في الفروع المرتقية، وعليه فالهاوية التي ~~أرادوا أن يقيموها بين الإنسان وسائر البريمات لا حقيقة لها. # ولا يخفى ما بين أيدي الحيوانات اللبونة من اختلاف الشكل في الظاهر، وأما في الباطن ~~فهي متكونة على قياس واحد، ومتفقة في عدد العظام التي تكونها، وفي وضعها كذلك، كما ~~يظهر لك من النظر إلى الأشكال التسعة والسابقة هي صور الهيكل العظمي لأيدي الحيوانات ~~اللبونة التسعة. وليس العجب أنك ترى هذه المشابهة بين يد الإنسان «شكل 1» والكوريلا ~~«شكل 2» والأوران «شكل 3»، لكن العجب أنك تراها كذلك بين يد الإنسان والكلب «شكل 4»، ~~وزعنفة الفقم «شكل5» والدلفين الصدرية «شكل 6»، حتى جناح الخفاش «شكل 7»، ويد الخلد ~~الشبيهة بالمعول «شكل 8»، والطرف المقدم لأول هذه الحيوانات وهو الأرنيثورنكوس «شكل 9» ~~أيضا، فبم يعلل هذا الاتفاق في عدد العظام ووضعها وارتباطها العضلي مع هذا الاختلاف ~~في شكلها الظاهر، إلا باشتراك أصلها وأثر الوراثة والمطابقة فيها؟ # وأعجب من ذلك كله أن هذا الاتفاق محفوظ أيضا في سائر ذوات الفقر، التي هي أدنى من ~~الحيوانات اللبونة، كما في أجنحة الطيور والأطراف المقدمة للحشرات وللنصف مائية، مما ~~يدل على أن أصل الجميع واحد أيضا. # فهل مثل هذا القول «هلج يضحك الأذكياء، ويبكي العقلاء، بل البلداء»؟ لا لعمري، ولكن ~~هي غايات معدودة في النفس، وأميال موروثة في العقل، إن لان الواحد لم يلن الآخر؛ ~~فليضحك خصوم مذهب دارون أو فليبكوا ms033 ما استطاعوا، وليسخروا به ما شاءوا. إنه ليبلغ به ~~البحث مبلغا ينقلب له وقته سكينة، فيصير المخطوف مألوفا، والوميض شهابا ساطعا، ~~ويعلم أنه هو الحق الذي لا جمجمة فيه، وهل يسخر بالعلم وأفراد رجاله احتراما لأمور ~~لم تؤيدها إلا الأكثرية المؤلفة - غالبا - من عامة الناس؟ # وإن كانوا يضحكون الآن من دارون ومن حذا حذوه، فقد ضحكوا من قبله على كبلر وغليلي ~~ونيوتون وغيرهم من أكابر العلماء، وإن كان لا يزال بعض العلماء الأعلام الذين يصعب ~~عليهم في شيخوختهم تغيير ما نشئوا عليه وشابوا فيه غير موافقين لدارون في مذهبه، فقد ~~خطأ نيوتون وغليلي وكبلر علماء كثيرون من معاصريهم ومناظريهم، وثبوتهم في مبادئهم من ~~أقوى الأدلة على صحة مذهب دارون، بل تغييرهم لمبادئهم ربما انتقض به ركن عظيم من ~~أركانه؛ إذ يضعف مفعول العادة والوراثة وتنازع البقاء، وكلها ذات شأن عظيم فيه. # الفصل الخامس # | في الارتقاء # نقول والارتقاء في مذهب دارون أمر مقرر أخذا بشهادة البالينتولوجيين والطبيعيين ~~المعول عليهم، وهو نتيجة لازمة للانتخاب الطبيعي، والخصم لم ينكره إلا بناء «على أن ~~من الأحياء ما لم يظهر فيه شيء من علامات التدرج في سلم الارتقاء، فبقاياها منذ ألوف ~~وربوات من السنين لا تختلف عنها اليوم.» وهو إنكار أصم لا يصح لاعتبار الجزء في ~~مقام الكل، ونحن نزيده على قوله ذلك أن من الأحياء ما يتقهقر أيضا، لكن نقول له: ~~إن إنكاره الارتقاء عموما لعدم ارتقاء البعض كإنكارنا الأسماء الممتنعة من الصرف ~~لانصراف البعض في بعض الأحيان، فهل يمنع صرف البعض امتناع صرف الكل؟ كذلك وقوف بعض ~~الأحياء أو تقهقرها لا يمنع الارتقاء عموما. # وإن قال لنا: إن صرف ما لا ينصرف جائز للضرورة، قلنا له: إن تقهقر ما يرتقي ~~إنما يكون للضرورة أيضا، وإلا لما كان للفظة الانتخاب الطبيعي معنى في تنازع البقاء، ~~فإن المناسبة في التنازع ليست واحدة في كل الأحوال؛ لأن التكوين الموافق في بعض الأحيان ~~قد لا يوافق في البعض الآخر فيفقد، مثال ذلك: لو تعودت أحياء حياتها مستقلة ms034 أن تعيش على ~~غيرها كالحلميات، لما عاد بها لزوم لحواسها الحادة، وأعصابها الشديدة، وحركاتها القوية ~~فتفقدها، بل قد يكون الكمال نقصانا، فإن مثل هذه الأحياء تكون فيها أعضاؤها ~~المذكورة في حياتها الحلمية سببا لضعفها؛ لاقتضائها غذاء لا حاجة بها إليه ~~بدونها. # وفقد هذه الأعضاء يحسب فيها والحالة هذه امتيازا في تنازع البقاء مع الحلميات ~~المختلفة؛ إذ يتوفر لها هذا الغذاء فتستخدمه لأعضائها الأخرى؛ لأن الاحتياجات في مثل ~~هذه الحال كلما قلت زاد امتياز أصحابها فتقوى وترتقي، وغيرهما مما هو دونها يضعف ~~ويتأخر، وما يقال على الجسم يقال أيضا على كل عضو من أعضائه، ولئلا يبادرنا بما ربما ~~يحصل له عن ذلك من الارتباك، ويزيد في الطنبور نغمة، نقول له: إن الارتقاء نوعان: خاص ~~وعام، ولا يجب الخلط بينهما، فالخاص قد يكون نقصا للزوم مناسبته لأحوال خصوصية، كما في ~~مثال الحلميات المار ذكره. # وأما العام فارتقاء مطرد للزوم مناسبته لسائر الأحوال، ونتيجة ذلك كله الارتقاء ~~عموما، ولا ينكره إلا من يجهل مبادئ التاريخ الطبيعي، ولا يدري حقيقة مذهب دارون، أو ~~يعلم ولا يريد أن يعلم، أو يدري ولا يريد أن يدري، فقول أصحاب مذهب دارون: إن ~~الارتقاء غالب لا مطرد إنما يعني به ارتقاء الأفراد، وإلا فالارتقاء مطرد. وما استشهد ~~به من كلام بخنر توهم منه أو تصرف في المعاني، وإلا فهذا كلام بخنر في ذلك، ~~قال: «فالنمو إلى الكمال يصاحب الفرد غالبا لا دائما.» فآراء القوم ليست كما ادعى ~~مجموع فروض وتصورات وأوهام - ويا ليت شعري بماذا يجيب لو وقف موقف المطالب بالبينة عن ~~حقيقة دعواه. # والطبيعة بذلك لا تفعل لغاية كما توهم، حيث قال في بعض كلامه ما معناه: إن الماديين ~~يثبتون القصد للطبيعة وينفونه عن سواها، فما هذا الخبط؟ وهل يبلغ التواء الفهم هذا ~~المبلغ فيمن نصب نفسه في مقام المعترض؛ فالماديون بل الطبيعيون أجمع لا يثبتون ~~للطبيعة قصدا ولا غاية، وإنما يثبتون لها أعمالا لازمة ضرورية لنواميس معلومة، ~~والارتقاء لا يخرج عن هذا الحكم، فإنه لما كان ms035 التنازع يحصل لوجود الاختلاف في قابليات ~~الأحياء المتنوعة، والأحوال الخارجية، كان لا بد من الانتخاب الطبيعي، أي بقاء البعض ~~وزوال البعض، ونتيجة ذلك في كل الأفهام بقاء الأنسب، ونتيجة النتيجة الارتقاء ~~عموما. # ولو كانت الطبيعة تفعل لقصد، أو لو كان القصد موجودا في أعمالها لما اقتضى أن يحصل ~~فيها شيء من الوقوف أو التقهقر، ولوجب أن يشمل الارتقاء كل متولداتها، فسيرها المعرج ~~من أقوى الأدلة على نفي القصد فيها من كل نوع، وإثبات الضرورة، أيحتاج بعد ذلك إلى دليل ~~على كون الارتقاء أمرا طبيعيا واجبا ضروريا لا قصد فيه ولا غاية؟ # وهنا ملاحظة لا يحسن الإغضاء عنها، وهي متحصلة من إقراره في إنكاره الارتقاء بأن ~~الأحياء قديمة جدا، أي منذ آلاف وربوات من السنين عملا بشهادة الجيولوجيين ~~والبالينتولوجيين الذين استند إليهم، فإنكاره الارتقاء لم يثبت، وإنما ثبت عليه التسليم ~~بأن الأحياء أقدم جدا مما يعتقد هو والمذهب المنتصر هو له، اللهم إلا أن يعود يكر ~~ثانية على هؤلاء العلماء كرته على أصحاب مذهب دارون، ويطعن تعاليمهم وتعاليم سائر ~~علماء الأرض بأشعة إيمانه، ويذبحها بقواطع برهانه، فلا حول ولا قوة إلا بالله. # الفصل السادس # | في الأدلة على الارتقاء والتسلسل # أدلة الارتقاء كثيرة جدا، نذكر منها تقسيم الأعمال في الأحياء، فكلما ارتقى الحي ~~تقسمت الأعمال، وتميزت الأعضاء القائمة بها، وهو واضح، فتقليل عدد الأعضاء المتماثلة ~~يعد ارتقاء. قابل الحيوانات المفصلة الدنيئة ذات الأرجل الكثيرة بأنواع الرتيلاء ~~التي لها ثماني أرجل، وبأنواع الذباب التي لها ست، وقلة عدد الأرجل في الحلقية ارتقاء، ~~وكثرة عدد الفقرات المتماثلة في الأسماك والنصف مائية تأخر؛ ولذلك فهي دون الطيور وذوات ~~الثدي، وعلى هذا الناموس الأزهار الكثيرة العسب أنقص من الأزهار الشبيهة بها والتي ~~عسبها قليلة، وبالجملة كلما نقصت الأعضاء المتماثلة في الحي عد ذلك فيه ~~ارتقاء. # ومن الأدلة أيضا الحالة الخنثوية، فإن هذه الحالة تكثر كلما هبطت في دركات سلم ~~الأحياء، وتقل كلما ارتفعت في درجاته حتى يستقل الذكر والأنثى كل منهما في فرد وحده، ~~قال مكس ms036 وبر في جريدة العلم الفرنسوية بتاريخ 20 أيلول سنة 1884 ما نصه: # ومما ينبغي ~~اعتباره أن الحالة الخنثوية الكثيرة في الأسماك تقل كلما ارتفعت في سلم ذوات الفقر؛ ~~إذ يتضح تمييز الجنس أكثر فأكثر، على أن بعض النصف مائية كالعلجوم الذي هو بالحقيقة ~~خنثى، فإن فيه غدة غير صغيرة أمام الخصية هي - بالحقيقة - مبيض، وبيوضه صحيحة التكوين، ~~لكنها لا تلقح ولا تبلغ درجة النضج. # قلنا: وهذا دليل من ألوف على سبب الأعضاء الأثرية ، ~~وعلى الانتقال والارتقاء. # ولعل من يتوهم أن الارتقاء سلسلة متصلة الحلقات منتقلة من الجماد إلى النبات، ومنه ~~إلى الحيوان على خط مستقيم - كما يريد خصوم مذهب دارون أن يفهموه - يعترض علينا فيقول: ~~إن الحالة الخنثوية لو كانت دليلا على الارتقاء لما اقتضي أن تكون في الحيوان، أو لوجب ~~ألا يكون سواها في النبات، فنقول له: إن ذلك دليل على عدم فهمه لمذهب دارون؛ فمذهب ~~دارون لا يعلم هذا التعليم، وإنما يعلم أن الأحياء كلها من أصل واحد، ومن أصول واحدة ~~كالأغصان للشجرة - كما شبهها دارون نفسه - فكل منها يسير في جهة، ولا تتصل الأغصان ~~بعضها ببعض إلا بالأصل فقط، فلا ينشأ بعضها من بعض رأسا، فنمو البعض غير متوقف على نمو ~~البعض الآخر التزاما باعتبار كونه ناشئا منه رأسا. # ولذلك قد يكون في البعض المرتقي كله حالات تكوينية ناقصة عن البعض الأدنى منه كليا ~~وبالعكس، كما أن بعض الحالات الكمالية في البعض لا توافق الآخر، فتقل ويكثر ما سواها، ~~وأما من حيث النوعية والجنسية والكلية، فالأكمل - دائما - أرفع. وفي النظر إلى مذهب ~~دارون، يجب اعتبار أحوال كثيرة مهمة مختلطة جدا تفوق حد الحصر تكيف كل شيء بحسب ~~الزمان والمكان وما شاكل، فالقضية الواحدة التي توجب شيئا تحت أحوال معلومة ينشأ عنها ~~شيء آخر تحت أحوال أخرى، وهكذا تتنوع الأشياء إلى ما لا حد له، خلافا لما يتوهمه البعض ~~من أن الطبيعة تفعل ببساطة كلية، ولا يخفى نتيجة كل ذلك في البعض. وأما في الكل ~~فالنتيجة واحدة، وفي ms037 بقاء الأنسب، وارتقاء الكل. # والارتقاء تؤيده الأبحاث البالنتولوجية خلافا لما قال من أنها تنقضه، # 1 # ومن العجيب أن تدرج رتب الحيوان في طبقات الأرض قد أثبته «أغاسيز» نفسه، مع ~~أنه من ألد أعداء مذهب التسلسل، وهو من أكابر علماء الطبيعة الذين يقولون بخلق ~~الأنواع، فمن المقرر أن أقدم أحافير ذوات الفقر المعروفة هي من أدنى رتبة الأسماك، ~~وبعدها النصف مائية، وهي أكمل، ثم الطيور وذوات الثدي، وهي أكمل الجميع. وأول أحافير ~~ذوات الثدي من رتبة ذوات الثدي العديمة المشيمة، وما كان من هذه الرتبة أنقص جاء أولا، ~~ثم تبعه ما كان أكمل، وهلم جرا، ولم ينشأ الأصل الذي خرج منه الإنسان إلا في أواخر ~~الطور الثلاثي للأرض. # وهكذا في النبات فقد تكون منه أولا أنواع الفطر، ثم السراخس، ثم ذوات الزهور أو ~~البادية أعضاء التناسل، وأولا المتعرية البذور منها، ثم البادية أعضاء التناسل المغطاة ~~البذور، وأولا العديمة التويجات منها ذات الغلاف الواحد، ثم التويجية ذات الغلافين، ~~وأولا الكثيرة البتلات منها، ثم الملتصقة البتلات. وهذا الترتيب دليل قاطع على ~~الارتقاء. # وهكذا يقال أيضا عن تاريخ الإنسان المتقدم دائما في سبيل تقسيم الأعمال، والتدرج في ~~سلم الارتقاء. ومن ينكر ارتقاء الإنسان في التاريخ يلزمه أن يقيم البينة على أن ~~العصور الماضية كان فيها ما يعادل عصرنا، فإنه لا يستطيع أحد أن يقول: إن التاريخ في ~~طاقته أن يذكر عصرا من العصور الحالية بلغ فيه الإنسان درجة تعادل درجته اليوم من ~~الارتقاء في العلوم والمعارف، ولا يتوهم أنه بلغ الغاية في الكمال والنهاية في ~~الحسن، ولكن كل شيء نسبي، فالقرن التاسع عشر لا يفاخره قرن ما بعد المسيح، ولا قبله من ~~التاريخ المعروف، على أنه لا يقتضي أن يكون الفرق كبيرا؛ إذ لا يخفى عليك أن المدة ~~التي تفصل بين أطوار تاريخه تكاد لا تحسب لحظة بالنسبة لتاريخ العالم العضوي، وتقهقر ~~بعض الأمم، ووقوف البعض لا يتخذ حجة لإنكار الارتقاء، فهما مردود عليهما بما قيل من ~~تقهقر بعض الأحياء ووقوفها؛ إذ لا يكون ms038 ذلك إلا مع ارتقاء المرتقي عنه. وهذا باعتبار ~~الكل يحسب ارتقاء. # الفصل السابع # | في دفع اعتراضات على مذهب الارتقاء والتسلسل # أما اعتراض فقدان الصور المتوسطة التي يقتضيها مذهب التسلسل، فإما أن يراد به ~~الصور الحية أو أحافيرها، فإن كان الأول قلنا له: إن الصور المذكورة موجودة بكثرة، ~~والذين يعترضون هذا الاعتراض - وهم أصحاب الأنواع - كثيرا ما يقفون محتارين بين نوع ~~ونوع، ولا ينكرون الصعوبات التي تعترضهم في ترتيب الأنواع؛ ولذلك هم غير متفقين على ~~عددها؛ فقد عد بعضهم لجنس الهيراسيوم الكثير جدا في أوروبا 300 نوع في ألمانيا وحدها، ~~وأما فريبسس فجعلها 106، ولوك 52 نوعا صحيحا فقط. # والاختلاف بينهم كثير كذلك على عدد أنواع عليق الجبل، فقد عدها بعضهم 100 نوع، وغيره ~~نصف ذلك، وغيره أقل، وجعل بخستين طيور ألمانيا 367 نوعا، وريخنباخ 379، ومايرولف 406، ~~وبرهم رفع عددها إلى 900، فلماذا هذا الاختلاف بين الطبيعيين على عدد الأنواع، إن لم ~~يكن لكثرة الصور المتوسطة التي تجعل الفصل بينها صعبا. # وإذا خفيت الصور المتوسطة بين كثير من الأنواع، فلا تخفى أسباب ذلك على الناقد ~~البصير، فمن المعلوم أن تنازع البقاء يكون أشد كلما زاد تقارب الصور بعضها إلى بعض، ~~ونتيجة شدة هذا التنازع سرعة انقراض الصور المتوسطة، فإن نوعا واحدا إذا ولد تباينات ~~مختلفة فالتنازع بينه وبين تبايناته يكون أشد في الأقرب إليه منها، وأضعف في الأبعد ~~عنه، ونتيجة ذلك بقاء الصور المتباعدة وفقدان الصور المتوسطة. # ولذلك لم يكن صور متوسطة بين الصفوف التي هي في حالة الانقراض، أو الوقوف كالنعام ~~والفيل والزرافة وعديمات القواطع والأرنيثورنكوس؛ فإنها لا تولد تباينات جديدة، ولذلك ~~تؤلف أنواعا مستقلة بخلاف طوائف الحيوان التي في حالة النمو؛ فإنها تنحل إلى عدة ~~أنواع جديدة بالتباينات التي تنشأ منها، ولذلك يوجد صور متوسطة كثيرة يحار فيها ~~المرتبون، ككثير من المجترات والقرود الصحيحة وقرود أميركا ذات الأذناب الماسكة وأكثر ~~القواضم وغيرها، بحيث إن الحد بين الأنواع فيها وهمي لا حقيقي. # وإن كان الثاني - أي إن كان المراد به فقدان الصور المتوسطة ms039 الأحفورية - فهو أيضا ~~غير صحيح؛ لأنه يوجد صور أحفورية متوسطة كثيرة، وكل يوم تكشف صور جديدة كالأركيوبتركس ~~الذي يصل بين الزحافات والطيور، كما بين ذلك هكسلي، والهيباريون الذي يصل بين الفرس ~~والأنخيثريوم المشتق هو نفسه من الباليوثريوم، كما بين ذلك جودري «ألبرت» في كتابه ~~تسلسل عالم الحيوان في الأطوار الجيولوجية، وكذلك بين ولدمار كوالسكي وحدة أصل ~~الخنزير والمجترات. # وقد عرف كوفيه أن الباليوثيريوم يشبه الطابير - حيوان أميركاني شبيه بالخنزير - بأطرافه، ويختلف عنه بأضراسه، ويقترب من الكركدن بأضراسه، ويختلف عنه بقواطعه، ~~والأنوبلوثيريوم لا يشبه شيئا مما يوجد اليوم، وكتين مرتين الذي اكتشفه حديثا الموسيو ~~كريفي في طبقات البليوسن لجافا، والذي ذكرته جريدة العلم الفرنسوية بتاريخ 16 آب من ~~هذه السنة، فإنه يصل بين التين الملوي لطبقة الميوسان، والتين الخشن الموجود اليوم في ~~تلك البلاد وغير ذلك. # نعم إن المكتشف من الصور الأحفورية المتوسطة ليس شيئا بالنسبة إلى كثرة ~~الأحياء، على أن المكتشف وقلته لا تفيدان سوى كثرة الأدلة أو قلتها، وإنما ~~المفيد وجود مثل ذلك - ولو مرة - حتى يعلم أنه موجود، وإذا اعتبرنا الموانع الكثيرة ~~التي تحول دون الأبحاث البالينتولوجية - كبعد الزمان وصعوبة المكان وعوامل الدمار وقلة ~~المعلوم لنا من الأرض - نجد أن هذا القليل المعروف من الأحافير - مع ما نعلمه من ~~الصور المتوسطة في الأحياء اليوم كما تقدم - كاف لأن يقنع كل عاقل بصحة مذهب ~~الانتقال، ومن يرى ذلك كله ولا يقنع؛ فذلك لأنه لا يريد أن يقتنع، لا لسبب آخر، فقل ~~الآن من المكابر: أأنصار هذا المذهب أو خصومه؟ # ومن أدلة اتصال الأحياء وارتقائها تكوين الجنين، فلا يخفى أن كل جنين صادر أولا من ~~بيضة أو بذرة لا يختلف بناؤها الجوهري، ولا يختلف بعضها عن بعض إلا في الحجم والشكل ~~فقط، وهذه البيضة أشبه بالخلية في تكوينها، وتنمو نظيرتها بالانقسام، ثم إن أجنة ~~الحيوانات إذ تنشأ من هذه البيضة تكون متشابهة، وفي الأطوار الأول يصعب تمييز أجنة ~~ذوات الثدي من أجنة الطيور وسائر أجنة الحيوانات الفقرية، قال «فون باير»: ms040 «حفظت جنينين ~~صغيرين في الكحول، ونسيت أن أكتب اسم كل واحد عليه. واليوم يتعذر علي أن أعرف من أي ~~صف هما، أمن صف القواضم أم الطيور أم ذوات الثدي؟ نعم إن أطرافهما لم تكن قد ~~تكونت، وهب أنها كانت، فوجودها في أول تكوينها لا يفيد شيئا؛ لأن أطراف القواضم ~~وذوات الثدي وأجنحة الطيور وأرجلها متشابهة حينئذ.» # ولا تختلف إلا بعد ذلك كما ترى من مقابلة صور الأشكال السابقة، وهي صور جنين الإنسان ~~والكلب والدجاجة والسلحفاة في أطوار مختلفة، ومعلوم أيضا أن الأجنة تمر في زمن ~~تكونها قبل أن تبلغ كمال نوعها على أطوار تحاكي الصفوف التي مرت بها أنواعها في سلم ~~ارتقائها، فجنين الإنسان قبل أن يكمل يمر بأطوار موافقة لصفوف كوفيه الأربعة، وبين ~~انتقال كل جنين والصفوف التي مر بها نوعه نسبة شديدة، بحيث تطول إقامته على مشابهة صف ~~كلما كان نوعه أقرب إلى ذلك الصف. وهذا من أقوى الأدلة على صحة مذهب التسلسل كما لا ~~يخفى. # وأسخف الاعتراضات ما تعلق منها بالزمان، فمن المقرر في مذهب دارون كما في مذهب ليل أن ~~الزمان المقتضي للارتقاء ولتكوين طبقات الأرض طويل جدا، إلا أنه غير متفق على ~~تحديده، وربما كان تحديده ممتنعا بالوسائط التي لنا؛ لأن أقل خطأ يقع في اعتبار أقل ~~شيء تكون نتيجته مع الزمان الطويل كبيرة جدا ربما بلغت الملايين من السنين، فقوله: ~~«إن بلوغ الأنواع الحية إلى طورها حسب مبادئ الارتقاء الدرويني يقتضي أن الأحياء كانت ~~على الأرض قبل أن تصلح الأرض للحياة» غير سديد؛ لأن تحديد السير وليم طمسن لعمر الأرض، ~~وتحديد المستر ميفار لعمر الحياة لا يفيدان سوى قضية واحدة؛ وهي طول الزمان، ولا يفيدان ~~سواها، وهو كل ما يلزم في مذهب النشوء. # وأما كون تحديد ميفار يلزم منه أن تتقدم الحياة على تكوين الأرض حسب تحديد طمسن؛ ففيه ~~نظر، قال دارون: «إن صح مذهبي فلا بد أن الزمان الذي مضى قبل تكون الطبقات ~~الكمبرية السفلى - والذي نجهله - كان طويلا جدا، وربما أطول منه ms041 بينها وبين اليوم، ~~ولا بد أن كانت الأحياء في هذا العهد كثيرة كذلك، إلا أنه يعترضنا هنا اعتراض صعب؛ ~~فإن السير وليم طمسن يزعم أن يبس قشرة الأرض لا يمكن أن يكون قد تم في أقل من عشرين ~~مليون سنة، ولا أكثر من أربعمائة مليون سنة، وأنه يقتضي أن يكون بين ثمانية وتسعين ~~مليون سنة ومائتي مليون سنة. وهذا الزمان كما ترى غير كاف لبلوغ الحياة إلى أطوارها ~~اليوم بالنشوء والارتقاء.» # وهذا ما دعا السير «وليم طمسن» إلى القول بأن الحياة إنما نشأت على الأرض من جراثيم ~~أتتها محمولة على رجم الأجرام السماوية لما فرضه من عمر الأرض - كما تقدم - ولما علم من ~~وجود مثل هذه الجراثيم الحية في هذه الحجارة المنقضة، فقول طمسن بها - كما ترى - ليس ~~تخيلا حتى يرمى بقولك: «إنه طار في مركبة الخيال.» وهو تعليل طبيعي في الفرع والأصل، ~~إلا أن دارون في ملاحظته على تحديد طمسن يقول أيضا: «على أن الفرق العظيم بين هذه ~~الحدود يدلنا كم هي الأدلة ضعيفة» إلى أن يقول أيضا: «وقد يمكن - كما أشار إليه السير ~~«طمسن» قصدا - أن الأرض كانت في أطوارها الأول معرضة في أحوال الطبيعة لتغيرات ~~أسرع وأشد مما هي الآن، فحصلت تغيرات أسرع كذلك في الأحياء التي كانت تقطن سطحها في هذه ~~الأزمان البعيدة.» ا.ه. # والحق يقال: إن مذهب الانتقال وإن كان يعلل به أشياء كثيرة لا تفهم بدونه، لكن لا ~~ينكر أنه ناقص كما بسطه دارون، قال بربر في كتابه «طوائف الحيوان» - المطبوع بباريز سنة ~~1881: «إن الأسباب الأولى التي أحدثت الاختلافات الشخصية، والتي لا بد من أن كانت ~~كثيرة جدا، لا تزال مجهولة، ويلزم تعيينها وتعيين سبب العقر في الناتج من تصالب ~~الأنواع، وكذلك المسافات التي يلزم قطعها من النقاعيات حتى الإنسان شاسعة جدا.» ~~لكنه يقول أيضا: «إن تلك مسائل يلزم اكتشافها، ولا يصح أن تكون اعتراضات على مذهب ~~التسلسل، وأي مذهب كيماوي أو طبيعي لا اعتراض عليه.» # ولا يخفى أن المشهور عن الناتج من تصالب ms042 الأنواع كالبغل أنه عقيم، لكن يظهر أن ~~هذا العقم ليس مطلقا، وإذا اعتبر ذلك تضعف القيمة التي تبنى عليه من حيث فصل ~~الأنواع. ذكر «ماتياس دوفال» - في جريدة العلم الفرنسوية بتاريخ 26 ك2 سنة 1884 - أن ~~«سنسون ذكر حوادث كثيرة ثابتة فيها حملت البغلة من الحصان، وقال أيضا: إنه من بضع ~~سنين كان في بستان الداجنات بباريس بغلة مع أولادها الثلاثة؛ اثنان مولدان منها، ومن ~~حصان جزيري، والثالث من حمار مصري، قال: وكذلك ذكر بوفون أن كلبا وطئ في 28 آذار سنة ~~1773 ذئبة لأحد الأمراء المسمى سيونتين بوفور، فوضعت الذئبة في 6 حزيران من السنة عينها ~~أربعة أجراء: أنثى واحدة، وثلاثة ذكور، وقد حملت الأنثى المذكورة من أحد الذكور في ~~كانون أول سنة 1775، ووضعت في آذار سنة 1776 أربعة أجرية: ذكرين وانثيين، واعتنى بوفون ~~بتربية زوج منها، فحملت الأنثى من الذكر في كانون الأول سنة 1778، ووضعت في آذار سنة ~~1779 سبعة أجرية.» ا.ه. # وأمثلة ذلك كثيرة، وهذا يقوينا على تصديق ما ذكره الدميري في حياة الحيوان الكبرى، ~~قال في وصف البغل: «وهو لا يولد له، لكن في تاريخ ابن البطريق في حوادث سنة أربع ~~وأربعين وأربعمائة، أن بغلة بنابلس ولدت في بطن حجرة سوداء وبغلا أبيض، قال: وهذا ~~أعجب ما سمع.» ا.ه. ولعل الأحياء الأولى كان عقيمها أكثر من منتجها لأسباب لا نعلمها، ~~ثم انفصلت المنتجة بالانتخاب الطبيعي، وغلب فيها ذلك بالوراثة فتكاثرت الأنواع، وهو ~~ظاهر. # | خاتمة # في أن مذهب دارون لا ينقض إيمان المؤمنين # لقد ضيق خصوم هذا المذهب المذاهب على أنفسهم بتحاملهم عليه من أجل الإيمان، وهذا ليس ~~من الحكمة في شيء، ولا سيما أن هذا المذهب آخذ بالامتداد يوما فيوما، وربما لا يمر ~~ربع جيل حتى يخلو له الجو من كل معارض، على أن مجال الإيمان أوسع من أن يضيق بمذهب ~~النشوء - كما أشرت إلى ذلك في رسالة وضعتها في الأخلاق - بحسب مذهب دارون - وأرسلتها ~~إلى المقتطف في 12 مارس سنة 1883 لتنشر فيه ولما تنشر ms043 - وكان ذلك على أثر الخلاف ~~الذي حصل في المدرسة الكلية، وانتهى بفصل بعض أساتذتها بسبب مذهب دارون في الظاهر. # وأما ~~في الباطن فقل: إن السبب كان غير ذلك، أو كان كما قال لي بعضهم: «ليست رمانة، ولكن قلوب ~~ملآنة.» وقد قصدت فيها وقتئذ التوفيق بين هذا المذهب والدين حسما لهذا الخلاف الذي لم ~~تكن نتيجته لتحمد، وقلت من كلام في ختامها ما نصه: # وهذا المذهب قد هاج الخواطر ضده ~~في نفس إنكلترا وطن دارون، وقد أورد دارون كلام امرأة ساءها مذهبه في مقابلة أخلاق ~~الإنسان بأخلاق النحل، قالت: «إن الساعة التي يتأيد فيها هذا المذهب ينتقض بنيان ~~الفضيلة في البشر.» فأجابها دارون بقوله: «من الواجب أن نرجو ألا يكون دوام الفضيلة على ~~هذه الأرض قائما على قواعد واهنة بهذا المقدار.» على أن الخوف في غير محله، ولا يشف ~~كلام دارون عنه، لأنه إن صح أن أصلنا يعود إلى ذوات الأيدي الأربع التي كانت ~~تقطن غابات العالم القديم، فلا خوف علينا أن نرجع نتعرش على الأشجار، ولا ينقص ~~قدرنا عما نحن الآن أناس بين الملائكة والحيوان، أقرب إلى الملائكة تارة، وأقرب إلى ~~الحيوان أخرى، كذلك أيضا إذا صح أن الضمير تولد في الإنسان - كما يقول دارون - ~~فلا خوف علينا أن نرجع إلى الضحايا البشرية، وإلى أكل بعضنا بعضا، وقتل ~~أولادنا. # على أن مذهب دارون قد جعل في ضمائر كثيرين خوفا آخر حقيقيا، وهو نفسه قلق منه ~~قبل غيره، ألا هو الخوف على خلود النفس، وعلى كل الأفكار الروحانية التي هي رجاء ~~الإنسان وعزاؤه، لكنهم في خطأ من شدة خوفهم؛ فإنهم كانوا سابقا يقولون بخلق خصوصي ~~لكل نوع، وللإنسان خاصة، وهو قول لا يمكن تأييده فيما يمس جانب الله، إذا بين العلم ~~الذي لا ينطبق هذا القول عليه أن الأنواع، ومنها الإنسان، قد تكونت بفعل النواميس ~~الطبيعية الواحدة، أليس في التعليل عن العالم بنواميسه الخاصة زيادة عظمة للقوة التي ~~سنت هذه النواميس؟ ماذا يذيع مجد الله أكثر: أفلك الأقدمين الدوار الذي هو ms044 سقف مرصع ~~بمسامير من ذهب، أم العوالم التي لا تحصى الخاضعة لناموس الجاذبية العام؟ # إلا أننا قد تعودنا أن نتصور الله يصنع الإنسان كما يصنع الناحت التمثال، بحيث أن ~~كل شيء يفقد إذا ناقض العلم هذا الفكر الحقير. وإنها لدعوى غريبة أن نعارض العلم بفكر ~~تصورناه في حال جهلنا، فكان يلزم ألا نذهل عن أن الله إذا كان قريبا من قلبنا، فهو ~~بعيد جدا عن عقلنا. # وإذا كان في الإمكان أن ينتقل من الحيوان إلى الإنسان بسلسلة انتقالات غير محسوسة، ~~فهل يلزم من ذلك أن تكون حالتنا حالة الذباب والنمل، وإذا لم يلزم ذلك، ففي أي زمن من ~~هذه السلسلة تظهر النفس، فدارون يقول: لا أعلم، لكن هل سألت نفسك في أي زمن تدخل النفس ~~الإنسان: أفي زمن الحمل، أم بعد ثمانية أيام، أم بعد شهرين؟ وإذا كان هذا السر لا يزعزع ~~إيمانك فيما خص الفرد، فلماذا تخاف منه في النوع؟ ا.ه. # فمثل هذا القول خير ~~وأبقى. # وقد شعر بعض المذاهب بذلك فاستدركه واستعد له، فقد جاء في كتاب «اللاهوت» للدكتور ~~«جمس أنس» الأميركاني، في فصل النشوء بواسطة عناية الله، ما نصه: # ولا يخفى أن جمهورا ~~من أفاضل العلماء المسيحيين مستعدون لقبول مذهب النشوء على هذه الصورة متى أثبت بأدلة ~~أقطع وأوضح مما لنا، إلى أن يقول: وعلماء الطبيعة الذين يأبون الكفر يرومون النظر إلى ~~الطبيعة بموجب مذهب النشوء على هذه الصورة، لما فيه من تسهيل فهم أمور كثيرة لإيضاح ~~أسرار الخليقة. # وهذا يدلك على مبلغ هذا المذهب من عقول أهل العصر حتى أعدائه، والفضل ما شهدت به ~~الأعداء، ولعله يقول: إنه استدرك ذلك في آخر ما كتب اقتداء بمثل هؤلاء الأفاضل، فنقول ~~له: إن استدراكه ذلك لا يوازي ضحكه وبكاءه وهزءه به في أولها - كما في صفحة 6 - حيث ~~قال: «وما ذلك إلا هلج تبكي أوائله العقلاء، وتضحك أواخره الأذكياء والبلداء، بل تكاد ~~القرود تهزأ به، والنقاعيات والكييسات الهلامية تسخر منه.» وهو نقض لبدء، ولعله من ~~معجزات الاستنتاج، أو ms045 هو ارتقاء في المذهب، وتقهقر في اليقين، ولا نعلم أن الضدين ~~اجتمعا في غير ذلك، فعلى الدين ألا يقف معترضا في سبيل العلم، وألا يشتبك معه في خصام ~~مضر للاثنين، ولا يستطيع الدين أن يثبت فيه. # الباب الثالث # | في آراء علماء الطبيعة في أصل العوالم # وفيه ثمانية فصول # الفصل الأول # | في الجوهر الفرد # وبعد أن نفى مذهب دارون بسط الكلام على آراء الفلاسفة «الماديين» في أصل العوالم، ~~قال: «إن مذهب أولئك الفلاسفة أن الجواهر الفردية؛ أي أصغر أجزاء المادة التي تنتهي ~~إليها قسمة الأجسام أصل كل ما في السماء وعلى الأرض، وأنها أزلية أنشأت كل ما يرى ~~بالتفاعل.» ثم ذكر مذهب ديموقريطس في الجوهر الفرد، وقال: إنه لا فرق بينه وبين مذهب ~~هؤلاء «المتفلسفين» اليوم، واستطرد إلى ذكر تعريف سبنسر للارتقاء: إنه تغير ~~المتماثلات وتحولها إلى مختلفات، واستغاث على غرابة هذا القول بجمهور الكيماويين؛ إذ ~~صرخ: «فليتأمل الكيماويون ويعجبوا ما شاءوا.» ثم ذكر مذهب دلتون المعول عليه في ~~الكمياء، وقال: «إن كلا من مذهب ماديي هذا العصر ومذهب الكيماويين في الجواهر الفردة ~~ينفي الآخر.» وذكر أن الجوهر الفرد عندهم متحرك الباطن، وأن شكله متغير، قال: «ويستحيل ~~الحركة الداخلية «كذا» وتغير الشكل بلا تبدل أوضاع الأجزاء، وهو القسمة بالفعل، فلزم ~~من أقوالهم أن ما لا يتجزأ فعلا يتجزأ فعلا، وهو محال؛ لأنه اجتماع النقيضين.» ~~وتذرع بذلك كله إلى نفي الجوهر الفرد لينفي ما يترتب عليه؛ حيث قال: «إن الجواهر ~~الفردة لم يثبت وجودها؛ فلا يثبت لها علية ولا قدم ولا حدوث» إلى أن قال متظاهرا ~~بالظفر: «وهنا نلتمس من سادتنا الماديين أن يأذنوا لنا بأن نقول: إن الفلسفة المادية ~~كلها خبط، وأن مبدأهم الأول، وأس فلسفتهم، وأصل عالمهم وهم ما لهم من حجة لإثباته، ~~وهو منفي من مبادئهم عينها، فكل ما شادوه عليه من فلسفتهم صروح أوهام على أساس ~~موهوم.» # وربما وهم البعض من هذا القول أن مذهب الماديين في أصل العوالم والجوهر الفرد هو ~~غير مذهب سائر علماء الطبيعة والكيمياء ms046 المعول عليهم اليوم، فنحن لا نتعرض في هذا ~~الفصل إلا لذكر لمع من هذا المبحث، منبهين إلى الأغلاط التي ارتكبها، مقتصرين إلى ~~الإشارة فقط إلى أوجه الاتفاق والاختلاف بين الماديين وسواهم، فنقول: # ذهب علماء الطبيعة إلى أن العوالم مؤلفة من أجزاء في غاية الصغر لا تقبل القسمة سموها ~~جواهر فردة، وهم وإن كانوا لم يروها إلا أنهم لم يروا بدا من التسليم بها لموافقتها ~~للعلوم الطبيعية وللكيمياء خاصة، فلا يخفى أن التركيب الكيمي هو دائما على نسب معينة، ~~فالهيدروجين يتحد بالأكسجين على نسبة 2 إلى 1 فيركب ماء ، ولا يتركب الماء على غير هذه ~~النسبة البتة، وإذا اختلف التركيب بين العناصر الواحدة، فنسبه إنما تكون على نسبة ~~عددية، فالنيتروجين يتحد بالأكسجين على نسب مختلفة، فيركب مركبات مختلفة. # وهذه النسب هي دائما كنسبة 1 إلى 1 مثلا، أو 2، أو 3، أو 4، أو 5، وإذا اتحد عنصران ~~يتحد أحدهما بالآخر على نسب معينة بعنصر آخر، فنسب اتحادهما بهذا العنصر هي نفس نسب ~~اتحادهما بعضهما ببعض. وهذا كله لا يجب أن يكون إن لم يكن في المادة أجزاء لا تقبل ~~القسمة، قالوا: وهذا ليس وهما، بل حقيقة، وهو «حجتنا لإثبات الجوهر الفرد.» ثم إن لم ~~تكن الأجسام مؤلفة من أجزاء منفصلة غير متلاصقة لها خاصة التدافع والتجاذب، فلا بد أن ~~تكون مؤلفة من مادة متصلة متلاصقة، ولا يمكن غير ذلك، فإن لم تكن أجزاؤها منفصلة، فلا ~~يبقى وجه لتعليل الحالات الطبيعية كالمسامية والانضغاط والانقسام والتمدد، والمرونة ~~والجمودة، والسيولة والغازية، ولا يعرف ما التركيب الكيماوي، فإن قيل: إنه تداخل شديد ~~بين المواد المختلفة، قلنا: ما حقيقة هذا التداخل، ولم يكون دائما على نسب معينة ~~ثابتة؟ ولماذا كانت النسب العددية والمكافآت أو المعادلات الكيماوية، فتعليل التركيب ~~الكيماوي على هذا الفرض لا ينطبق على الحوادث التي لا بد من الاعتراف بها، وإنما ينطبق ~~عليها على الفرد الأول، فلا بد إذن للطبيعي ولطالب علم الكيمياء من التسليم بالجوهر ~~الفرد، ولو صعب عليه تعيينه، كما أنه لا بد لطالب علم ms047 الهندسة من التسليم بالنقطة ولو ~~صعب عليه تعيينها. # والجوهر الفرد اليوم ليس الجوهر الفرد الذي قال به ديموقريطس لاختلاف أسباب القول به، ~~فقول ديموقريطس به من قبيل الحدس، وأما اليوم فالقول به ليس من قبيل الحدس، بل نتيجة ~~لازمة لحقائق علمية كما مر. وهذا سبب الاختلاف بين مذهب الكيماويين اليوم - لا الماديين ~~وحدهم - ومذهب ديموقريطس وأبيقورس، # 1 # فمذهب ديموقريطس ليس «عين مذهب بخنر ومن وافقه من الماديين»، والماديون أو ~~كما يقول صاحبنا «هؤلاء المتفلسفون» لم يجروا في مضايق فلسفة بعض الأقدمين الوهمية، ~~وإنما جروا على مبادئ علم الكيمياء، ولعله لم يرمهم بالوهم إلا ليجوز له «دفع الأوهام ~~بأوهام أدنى منها» - كما يقول أيضا - وإلا فأين الوهم في التعليل عن العالم بمادته وعن ~~الطبيعة بسننها. # الفصل الثاني # | في رأي طمسن في الجوهر الفرد # ذهب السير «وليم طمسن» الإنكليزي إلى أن الجواهر الفردة إنما هي زوابع حلقية في ~~الأثير أو الهيولي، قال ورتز: «وقد شاع في هذه الأيام مذهب يبين فيه بالبرهان كيف أن ~~الجوهر الفرد لا يقبل القسمة، بل كيف أنه ذو وجود مستقل أزلي أبدي، وهو مذهب السير وليم ~~طمسن في الجواهر الزوبعية، قال: فالعالم على رأي طمسن مؤلف من سائل تام الاتصال، مالئ ~~للخلاء، ومن هذه الحلقات الزوبعية المنتشرة فيه، وهي ليست سوى أجزاء هذا السائل ~~المتحركة فيه حركة زوبعية، وكل حلقة منها محدودة ومتميزة عن نفس السائل وعن الحلقات ~~الأخرى أيضا، لا بجوهر مادتها، بل بجرمها وحركتها. وهذه الخصائص تبقى إلى الأبد، ~~والحلقات المذكورة هي الجواهر الفردة.» # فالجواهر الفردة كما ترى وإن تكن متماثلة في الذات، لكنها مختلفة في الصفات، وهي كذلك ~~لا أنها لا تقبل القسمة، الأمر الذي لا يعقل، كلا وإنما لو انقسمت لزالت خصائصها ~~الجوهرية، فهي كالهيولي تقبل القسمة فرضا لا فعلا؛ لأن الهيولي لا تقسم فعلا مع أنها ~~ذات امتداد، وإلا لزم أن يقسم جسم متصل مالئ للخلاء لا فراغ حوله ولا مسامية فيه، وذلك ~~مستحيل فعلا. والجواهر من حيث إنها ذات خصائص معينة ms048 لا تنقسم مع بقاء هذه الخصائص ~~فيها، كما أن الكريات الحية لا تقبل القسمة طبيعيا لا حيويا مع بقاء خصائصها كما ~~هي، وبهذا الاعتبار تكون الجواهر الفردة للعوالم كالكريات الحية للحي. # فهذه المعلومات ليست من أوهام الماديين، بل نتيجة اجتهاد فحول الفلاسفة الطبيعيين ~~والكيماويين، فمن أي الكيماويين يطلب صاحبنا أن يعجبوا: من قول سبنسر، أم من أيهم يطلب ~~أن يطالبوا بخنر بما أفسد من عباراتهم؟ أيلزم من تماثل الذات تماثل الصفات، أم هل تزول ~~نسب التركيب المعينة، أم لا تبقى أعداد التركيب كاملة، فمذهب الجواهر المتماثلة في ~~الذات لا ينقض المذهب الجوهري لدلتون ولا يفسده، وإنما يعتبر تأييدا له وتوسيعا، قال ~~ورتز: «إن مذهب الجواهر الزوبعية تتضح به بعض خصائص المادة وكل الأقوال في طبيعة ~~الجواهر الفردة، ويظهر أنه أقرب المذاهب إلى الحقيقة.» نقول: وإن كان للعلم قيمة صحيحة؛ ~~فلا يسعنا أن نترك آراء مثل هؤلاء العلماء، التي هي نتيجة اجتهاد العلم، ونتمسك بآراء ~~سواهم التي هي نتيجة الحرص، فاقتداؤنا بهم كاقتداء غيرنا بسواهم، ولا فرق بيننا إلا فرق ~~المنتقل عن الواقف. # الفصل الثالث # | في وحدة العناصر والقوى # ذهبوا إلى أن الجواهر الفردة متماثلة في الذات، مختلفة في الصفات، وأنها متحركة ~~وشكلها متغير، ولا يخفى أن العناصر التي وصفها الكيماويون تبلغ نحوا من ستين عنصرا، ~~وإذا تأيدت اكتشافات السبكترسكوب فربما بلغت 73 عنصرا، وقد اعتبروها بسيطة، ومن ~~اتحاداتها المختلفة تتألف الأجسام المختلفة. واجتهدوا أولا في تعيين صفاتها التي تمتاز ~~بها، ثم ما لبثوا أن تساءلوا عما إذا كانت هذه العناصر بسيطة حقيقة، أو كان لها صفات ~~مشتركة تجمعها وتردها إلى أصل واحد، فربما كان الكيماويون الأقدمون مصيبين في بحثهم ~~عن تحول المعادن. # فقام دوماس - وهو من أكابر علماء الكيمياء في هذا العصر - وقرر أولا أنه يمكن ترتيب ~~هذه العناصر صفوفا تتفاعل كيماويا تفاعلا واحدا، وقد بين تبعا لرأي بروست أن ~~أوزانها الجوهرية أعداد كاملة، كأن جواهر العناصر المزعومة بسيطة هي بالحقيقة مركبة من ~~أعداد مختلفة من هذه الأجزاء المتماثلة، ولا ms049 تختلف فيما بينها إلا بعدد هذه الأجزاء ~~فقط، ثم أشار مندلف ولوثار ماير إلى نسب شديدة بين الأوزان الجوهرية للعناصر وصفاتها ~~الخاصة، وقالا بوجود خلل في جدول هذه العناصر، وقد تنبآ بأن هذا الخلل لا بد من أن ~~يسد، ووصفا العناصر التي تنقص والتي يلزم اكتشافها. # وقد اتصل لكوك الكيماوي إلى نتائج شبيهة بتلك بعد درس الحل الطيفي لهذه الأجسام ~~البسيطة؛ أي درس طبيعة النور المنبعث عنها وهي مشتعلة. وقد جاء اكتشاف الغاليوم له ~~والسكنديوم لغلاف مصداقا على صحة هذا الإنباء العلمي، ثم إن لوكير لاحظ في طيف بعض ~~البسائط كالكلسيوم والفسفور انقساما يدل على بداية انحلال، فترجح لهم أن الأجسام ~~المزعومة بسيطة ليست أنيات مستقلة، بل إنها ربما كانت صورا مختلفة لمادة واحدة هي ~~الهيولي الواحدة وغير المتلاشية كالأثير. # وقد تقوى هذا الترجيح بما كان قد علم من وحدة القوى؛ فلا يخفى أن القوى كانت عندهم ~~في السابق متعددة؛ فالنور والحرارة والكهربائية والمغناطيس كانت تعتبر سوائل مادية ~~مستقلة بعضها عن بعض تنفذ مادة الأجسام وتجتمع فيها على نسب مختلفة، والجاذبية والألفة ~~الكيماوية والالتصاق كانت قوى تحرك دقائق هذه الأجسام، وبقي هذا القول معولا عليه في ~~العلوم الطبيعية حتى قام رمفور وقال: ربما كانت الحرارة متحولة عن الحركة، ثم بين ~~فرسنل أن النور حركة اهتزازية. # وكذلك بين ماير وجول وهرن وتندل أن الحرارة ليست سوى اهتزاز أجزاء المادة، وقد ~~برهنوا أن الحرارة تتحول إلى حركة، والحركة إلى حرارة تبعا لقواعد معينة، ثم بين ~~أمبر وحدة الكهربائية والمغناطيس، وبين سبك كذلك أنه يكفي إحماء نقطة ملتحم معدنين ~~لتوليد مجرى كهربائي، ولا يخفى فعل الحرارة في توليد المغناطيس، والفرك في توليد ~~الكهربائية، وتحولهما إلى نور وحرارة، ومن ثم إلى حركة. صار أمرا معروفا عاديا ~~مستعملا في الصنائع وإنارة الطرق في المدن الشهيرة، فانتفى مذهب السوائل المادية من ~~مدار العلم الطبيعي، وإذا ارتاب صاحبنا بصحة هذا القول فليراجع صفحة 11 و21 و65 و428، ~~وخاصة 298 و299 من كتاب الدروس الأولية في الفلسفة الطبيعية، ms050 للفاضلة السيدة «ألن ~~جكسن». # فلم يبق عند الطبيعيين بعد هذا سوى مادة لطيفة هي الأثير المالئ الخلاء، والنافذ في ~~كل الأجسام، والمحرك لها، وانتفت القوة كذلك، وعوض عنها بالحركة، فليس للحركة سبب سوى ~~الحركة نفسها، ولا واسطة لإيصالها إلى الأجسام سوى الاصطدام، ولا محول للحركة سوى ~~الحركة المكتسبة، والحركة نفسها غير متلاشية كالمادة، ومقدارها في الكون واحد كمقدارها، ~~إلا أنها قابلة التحول إلى ما لا نهاية له، بحيث يصعب معرفتها في استحالتها البعيدة، ~~فأوجب ذلك نظرا جديدا في بناء الأجسام الجوهري، فالجوامد والسوائل والغازات التي كان ~~يظن أنها مؤلفة من أجزاء صغيرة ساكنة، هي بالحقيقة متحركة حركة باطنة شديدة، وحرارتها ~~كما نحس بها بحواسنا ليست سوى التأثير الواقع علينا من اهتزاز أجزائها. # وظهر لهم حسب الاكتشافات الحديثة أن شكل الجواهر الفردة متوقف على الاهتزازات التي ~~تحركها، وأن الحركة هي التي كونت جواهر الأجسام الفردة ودقائقها في وسط الأثير، وأن ~~الأثير ليس سوى الهيولي في أبسط ما يمكن تصوره، وأن الصور التي تلبسها الهيولي إنما هي ~~ناشئة عن الحركة التي تحركها، وأن المادة والحركة غير منفصلتين؛ لأن وجود المادة يقتضي ~~الحركة، كما أن الحركة تطلب المادة، وهكذا ردوا هاتين الأنيتين اللتين ترجع إليهما ~~المواد والقوى إلى شيء واحد. # هذه هي خلاصة ما دلت عليه مباحث مشاهير الفلاسفة وعلماء الطبيعة والكيمياء في هذا ~~العصر. # فيرى مما تقدم أن القول بالجواهر الفردة وتماثلها وحركتها، وتغير شكلها، وتحول ~~القوى، هو من مقتضيات العلم لا من مختلقات الوهم؛ لانطباقه على قضايا طبيعية وكيماوية ~~لا تعقل بدونه، على أن الكيماويين لم يتمكنوا من حل العناصر، وردها إلى الهيولي، كما ~~تمكن الطبيعيون من رد القوى كلها إلى الحركة، وإنما حكموا بذلك من باب الترجيح لما رأوه ~~أولا من الدلائل على أن العناصر ليست بسيطة كما تقدم، وثانيا لأن وحدة القوة تطلب ~~وحدة المادة كذلك، وإذا صح تحول القوى بعضها إلى بعض، وصح أن أصلها الحركة - وهي ~~واحدة - وصح أن الحركة اهتزاز أجزاء المادة، فكيف لا يصح أن ms051 تكون المادة واحدة، وأن ~~تتحول وتظهر بمظاهر مختلفة؟ # الفصل الرابع # | في اختلاف الطبع باختلاف الوضع # وأما كون المتماثلات لا يحصل من تركبها سوى متماثلات، فهذا لا يصح إلا إذا ~~تماثل الكم والكيف والذات والصفات وإلا فتعطي مختلفات، ولعل المعترض لا يعد ~~الاختلاف اختلافا حتى يكون في الطبع، فيقول: إن اختلاف الكم والكيف لا يحصل عنه اختلاف ~~الطبع. وهذا وهم؛ فإن أسماء العقود كالعشرة - بقطع النظر عن الشيء المدلول عليه بها - ~~هي غير الواحد المؤلفة منه، والتي تنحل إليه، والمثلث بهذا الاعتبار نفسه هو غير النقطة ~~المؤلف منها، والتي ينحل إليها. # ثم إن مزيج عنصرين كالنيتروجين والأكسجين مثلا هو غير مركبهما، ولا فرق بينهما ~~إلا في نسب جواهرهما، وفي ترتيبها بعضها بالنسبة إلى بعض، لا بإدخال شيء جديد أو تغيير ~~في طبائعها الخاصة، قال ورتز: «إن التركيب ليس ناشئا عن تداخل جواهر المادة بعضها ~~ببعض، بل من ترتيبها بعضها حول بعض.» ولا يخفى كذلك أن العناصر الجوهرية التي تركب ~~المواد الحية هي الأكسجين والنيتروجين والهيدروجين والكربون، ونسبها في المواد المذكورة ~~لا تختلف إلا في الكم والوضع، ومع ذلك فما أكثرها، وما أعظم اختلافها! # ولا يرد علينا بأن الكيمياء الآلية هي غير الكيمياء غير الآلية؛ فالأحياء ليس لها ~~كيمياء خاصة، ولا بقول المعترض: «إن هذه المركبات ليست من هذا الباب؛ لأنها مركبة من ~~عناصر مختلفة.» لأن هذا القول غاية في الغرابة، وماذا عساه أن يقول في الخشب والصمغ ~~والنشا مثلا، فإن تركيبها لا يختلف إلا في وضع هذه العناصر، أو ما هو قوله في الكحول ~~وحامض الخليك كذلك، فإن تركيبهما لا يختلف إلا في الكم، فلو لم يكن اختلاف الوضع والكم ~~يحدث اختلاف الطبع لما اقتضى أن تتغير طباع هذه المواد تغيرا جوهريا، فهما إذن ~~كافيان وحدهما لإحداث الاختلاف، وهذا كل ما يلزم لتعليل سائر الاختلافات، ولا سيما إذا ~~اعتبرنا في ذلك تغير شكل الجواهر الفردة. # أو ماذا يقول المعترض في المواد البوليمرفية، أي التي تختلف هيئاتها ولا تختلف ~~ماهيتها ولا تركيبها، ms052 وفي المواد الألوتروبية؛ أي التي تختلف صفاتها ولا تختلف ذواتها، ~~فلو لم يكن اختلاف الوضع كافيا لإحداث الاختلاف لما اقتضى أن تختلف خصائص البسائط ~~كالكبريت والفسفور والأكسجين والكربون وتتفاعل تفاعلات مختلفة. ولا شك أن الفرق بين ~~الماس والفحم هو أشد جدا من الفرق بين الحديد والنحاس، ومن ينكر هذا الفرق يلزمه أن ~~ينكر الفرق أيضا بين الحرارة والنور، والكهربائية والمغناطيس، وبينها وبين الحركة، ~~أليس لهذه صفات خاصة فارقة؟ ومع ذلك، أليست كلها مظاهر مختلفة لقوة واحدة؟ # الفصل الخامس # | في أن القوة والجوهر سيان # وأما كون الحركة الباطنة وتغير الشكل تقتضيان القسمة بالفعل - وهو اجتماع النقيضين - ~~فهو صحيح إذا اعتبرت الحركة شيئا مستقلا بذاته غير الجوهر الفرد، وربما عنوا بالحركة ~~الباطنة الذات أيضا، فكانت الحركة والجوهر الفرد شيئا واحدا، ويلزم أن يكون ذلك ~~كذلك؛ لأن المادة في أدق أجزائها إذا فرضت ساكنة لم تعقل، وكذلك الحركة إذا فرضت بدون ~~شيء متحرك لم تعقل، أو تلاشتا معا. وهذا لا يعقل أيضا، قال ورتز: «إن القوة لا تكون ~~وحدها، بل يلزم أن تصدر من شيء، وأن تفعل على شيء، وأن تظهر بحركة، وكيف تكون حركة بدون ~~شيء متحرك؟» # وإذا صح رأي طمسن في الجواهر الفردة، فربما زال هذا الإشكال، قال المقتطف في الكلام ~~على الهيولي: «وأما خصائص الحلقات الزوبعية، فقد أثبتها هلمهلتز الجرماني بالبرهان على ~~فرض كون الحلقات في جسم تام السيولة لا يقبل الانضغاط مطلقا متجانس الأجزاء؛ أي إن ~~كثافته واحدة في كل جانب من جوانبه تام الاتصال، أي إنه غير مؤلف من جواهر منفصلة بعضها ~~عن بعض لا يتغير قسم جرم منه ولا كثافته إذا تحرك «القسم»، وإنما يتغير شكله.» وقال ~~ورتز: «وهذه الزوابع مرنة، وشكلها متغير، ولا يتوازن إلا في الدائرة، فإذا تغيرت عن هذا ~~الشكل فلا تزال تتحرك حتى تعود عليه، وإذا أريد قطعها بمدية فإنها تهرب من أمام المدية ~~أو تلتف عليها، فهي تمثل شيئا ماديا لا ينقسم، وإذا تحركت حلقتان في جهة واحدة بحيث ~~يكون مركز كل ms053 منهما على خط واحد، وسطحه كذلك على موازاة هذا الخط؛ فالحلقة المتأخرة ~~تنقبض على نفسها وسرعتها تزيد، والسابقة تتسع وسرعتها تقل حتى تسبقها المتأخرة، ثم يحصل ~~ما حصل أولا، ولكن ذاتيتهما لا تفقد بتغير شكلهما وسرعتهما.» # الفصل السادس # | في كشف الخلط وإظهار الغلط # وأما قول صاحبنا: «إنه يلزم من فرض الجوهر الفرد على كل مذاهبه عدة غرائب، منها أنه ~~لو وضع جوهر من النيتروجين مثلا على جوهر من الحديد وضغط بأثقال العالمين ما نفذ ~~أحدهما الآخر وما تجزأ.» فليس فيه من الغرائب سوى هذا القول نفسه، ولعله يذهب إلى ~~أنهما يتنافذان. وإنا لنعجب منه كيف أن معدته لم تقو على هضم ما عده من هذا القبيل ~~سفسطة، مع أن عقله قوي على هضم ما لا يهضم، وشرب ما لا يشرب، مما لو اجتمعت أثقال ~~العالمين وضغطته ليدخل إلى الذهن لم يدخل. # وهل يرتاع من خوض السواقي # فتى قد خاض في البحر الكبير # وقوله: «ومنها أن كل دقيقة من دقائق المركبات لا تقسم إلا بالحل للكيمي، وإلا أوجب ~~الضغط على دقيقة الماء قسمة جوهر الأكسجين الفرد إلخ.» فنسأله: وهل تقسم بدون ذلك؟ وإذا ~~قسمت فهل تبقى ماء؟ ثم هو يعلم - فيما نظن - أن الفعل الطبيعي قد يصاحبه فعل كيمي لما ~~في طبع القوى من إمكان التحول بعضها إلى بعض، حتى إن القوى الميكانيكية البحتة تجعل ~~تحليلا في المواد المركبة تركيبا ضعيفا، وكذلك قوله: «ومنها أن الأتروبين وإن كان ~~يذوب في الكحول فالدقيقة منه لا تذوب فيه.» فلا ندري ما مراده به؛ لأن التذويب إنما هو ~~عبارة عن اجتماع دقائق سائل بدقائق جسم آخر، فإما أن يقع بين الدقائق فيكون مثل هذا ~~القول لغوا، وإما أن يقع عليها فيكون التذويب فعلا كيميا، وحينئذ يحصل عنه ~~تحليل وتركيب لا يوجب قسمة في الجواهر، بل تحليلا، فايم الحق إنا لم نكن نتوقع منه مثل ~~هذا الخبط لما يعهد من علمه وذكائه. # ثم ما الغرض يا ترى من نفي الجوهر الفرد، فإن كان الغرض من ms054 ذلك نفي المادة أصلا، ~~فكيف نصنع حينئذ بوجود العوالم؟ وهل ما نراه وهم من الحواس؟ وإن كان القصد نفي وحدتها ~~وإثبات تعددها، فذلك لا ينفي وحدة ولا يثبت تعددا، وإذا كان لا بد من وجود المادة ~~متعددة كانت أم واحدة، فما المراد من نفي الحركة عنها؛ أيثبت لها السكون؟ وما الدليل ~~عليه - والسكون المطلق لا علم لنا بوجوده؟ وإذا كنا لا نعلم بوجود السكون، فكيف استطعنا ~~أن نحكم به أو نتصوره؟ وإن كان الغرض من ذلك نفي النشوء وإثبات الخلق، فهذا لا ينفي ~~نشوءا ولا يثبت خلقا، فنيوتن أثبت مذهب ديموقريطس ولم ينف خلق الجوهر الفرد، فنفي ~~الجوهر الفرد لا ينفى به شيء يراد نفيه، ولا يثبت به شيء يراد إثباته من هذا القبيل، ~~وما هو إلا وهم، أو هو ضرب من التمويه للإيهام. # الفصل السابع # | مناظرة أصحاب الخلق وأصحاب القدم # وخالف الماديون سواهم في أصل المادة فقالوا: إنها أزلية؛ لأنهم رأوا أن المادة كالقوة ~~لا يستطاع خلقها ولا ملاشاتها، فهي واحدة لا تنقص ولا تزيد ولا تتغير إلا في الصورة، ~~قالوا: ونحن لا نعلم غير ذلك، فرد عليهم أن عدم العلم بالشيء لا يجعله غير ممكن، ~~فالحدوث ممكن، قال الماديون: ولكن ذلك ليس من باب العلم، بل من باب الإيمان، وهذا لا ~~ننازعكم لأجله، ولا يحق لكم أن تنازعونا كذلك، فرد عليهم: بل من باب العلم العقلي؛ ~~أي الفلسفة، والفلسفة العقلية لا ترى بدا من الإقرار به. # قال الماديون: إن العقل لا يعلم شيئا غير ما أتى به الاختبار، ولا يحكم بشيء إلا ~~بالقياس على هذا العلم، فإذا كنا لا نعلم خلق المادة ولا ملاشاتها، فكيف يمكن لنا أن ~~نحكم بهما؟ وما الفلسفة إلا القياس العلمي بأوسع ما يقدر العقل أن يتصرف فيه - وقد تقدم ~~أن العلم لا يدرك ذلك - فالفلسفة لا تقدر أن تدرك إلا ما يأذن العلم به، فرد عليهم: ~~وكيف جاز لكم إذن الحكم بالجوهر الفرد وعلمكم لا يدركه؟ قالوا: إنا وإن كنا لا ندركه ~~فإنما ms055 حمكنا به لانطباقه على الحوادث التي لا بد من الاعتراف بها، فحكمنا به من باب ~~القياس العلمي. # فرد عليهم: «على أنا لو سلمنا بأن الأجسام مؤلفة من أجزاء لا تتجزأ، فلا نسلم ~~بأزليتها بلا برهان ولا دليل على ذلك سوى الوهم، كما هو دأبكم في كل أصول مذهبكم ~~المادي.» قالوا: أما دليلنا فعلمي؛ لأن المادة - كما تقدم - لا يستطاع خلقها ولا ~~ملاشاتها، وعقلي؛ لأن العقل لا يسلم بوجود شيء من لا شيء، ولا باستحالة شيء إلى لا ~~شيء. فيا للعجب! كيف ترموننا بعد ذلك بالوهم؟! فما دليلكم يا ترى غير الإيمان؟! وأي ~~أقرب إلى الوهم؟! فرد بأن الشيء لا يقدر أن يوجد نفسه، ولا بد له من موجد سواه؛ ~~ولهذا يحكم بخلق المادة؛ لأنها موجودة ولا تقدر أن توجد نفسها. # قالوا: فمن أين علمتم أن الشيء لا يوجد نفسه؟ أولا ترون أنه يصح لنا أن ندفع ~~قولكم بنفس اعتراضكم؟! ثم نحن لا نجعل للعالم بداية مطلقة، ولا نعلم له نهاية كذلك حتى ~~يقال: إنه أوجد نفسه، فنحن نسلم به كما هو، كما أنكم تسلمون بالمبدع كما هو. # قال أصحاب الخلق: إن ما نراه في الوجود من النظام يدل على القصد، ولا بد من عقل مدرك ~~يقصد هذا القصد، ومادتكم غير عاقلة، فهي لا تدرك حتى تقصد، فرد أصحاب القدم: إن ما ~~تسمونه قصدا نسميه ضرورة، فالعوالم لما كان بعضها مرتبطا ببعض بنواميس معينة كان ~~من الضرورة أنه إذا حصل تغير في شيء يحصل تغير مطابق له في سائر الأشياء، ولذلك لم يكن ~~العالم، ولا هو كائن، ولن يكون بعضه بالنسبة إلى بعض إلا منتظما، واللانظام عندنا أمر ~~نسبي. # ثم لو كانت علامات القصد موجودة لاقتضى أن تكون هذه العلامات تامة، والحال أننا نرى ~~أشياء كثيرة لا ينطبق القصد عليها، ولا تنطبق إلا على الضرورة، قالوا: إنكم تجعلون ~~الهيولي واحدة؛ أي متماثلة، وكيف يمكن للشيء المتماثل أن يترتب مع نفسه ويظهر بصور ~~مختلفة؟ فردوا عليهم: إنكم نخالكم تسلمون بتحول القوة من ms056 حال إلى حال، وهي واحدة، أي ~~متماثلة في أصلها، فكيف لا يكون للمادة ما للقوة المتصلة بها؟ ثم إن تماثل الذات لا ~~يلزم منه تماثل الصفات، وإلا لكان العالم جمادا واحدا، أو نباتا واحدا، أو حيوانا ~~واحدا، والواقع بخلاف ذلك، قالوا: وإن كنا نسلم بأن القوة واحدة، ولكنا لا نسلم ~~بأنها تقدر على هذا التحول إلا بالعناصر وهي مختلفة، بخلاف هيوليكم فإنها ~~متماثلة. # فرد الماديون: إنا لا نفهم معناكم، ولا نفهم كيف تفهمون أنفسكم؛ فإنكم قد ناقضتم ~~وضع مذهبكم، ألا تعلمون أن وحدة القوة يلزم منها وحدة المادة، وإلا كانت القوة متعددة ~~أيضا؟ فالقوة - أو كما تسمونها أيضا الحركة - ليست سوى اهتزاز أجزاء المادة، وكيف ~~تكون متماثلة إن لم تكن هذه الأجزاء المادية المهتزة متماثلة كذلك؟ وكيف توفقون بين ~~القولين؟ # ثم إن المادة كيفما اعتبرت إما قديمة وإما حادثة، وهي ليست قديمة على قولكم، فلا بد ~~لها من محدث، فإما أن تكون حادثة من شيء موجود أو من لا شيء موجود، ولا يصح أن تكون ~~حادثة من شيء موجود؛ لأن هذا الشيء الموجود إما أن يكون نفس المحدث، أو شيئا آخر ~~موجودا أيضا فينتفي الحدوث، ولا بد أن تكون فعلا من أفعال المحدث، وإلا لم يكن هو ~~المحدث، فإما أن تكون نفس الفعل أو نتيجته، والفعل ونتيجته موجودان في الفاعل، والفاعل ~~قديم فينتفي الحدوث كذلك، وإن لم يكن الفعل ونتيجته موجودين في نفس الفاعل، فيقتضي أن ~~يكونا ليس منه وهما منه وهو خلف، وأن يكونا لا شيء وهما شيء، وهو خلف ~~أيضا. # ثم يقتضي أن يكون الفعل واقعا على شيء هو لا شيء، ومنفصلا عن نفس الفعل، والفعل ~~منفصلا عن نفس الفاعل، وإلا كان الشيء والفعل والفاعل واحدا، وكيف يكون الشيء منفصلا ~~مع هذا الارتباط؟ وإن لم يكن منفصلا فكيف يكون الشيء الحادث غير المحدث؟ فالعقل لا ~~يقدر أن يسلم بهذه المتضادات، وإن قلتم: إن وجودا من نفسه لا يعقل، قلنا لكم: إن ~~وجود شيء موجود من لا شيء موجود ms057 لا يعقل كذلك، فضلا عن أن هذا القول - إن صح - ~~يطلق عليكم كما يطلق علينا، فنحن يتعذر علينا معرفة أصل المادة كما يتعذر علينا ~~معرفة ملاشاتها. # قيل: إن ديوجانس رأى غلاما معه سراج، فقال له: أتعلم من أين تجيء هذه النار؟ قال له ~~الغلام: إن أخبرتني إلى أين تذهب أخبرتك من أين تجيء. وإن قلتم: إن قدم المادة يلزم منه ~~قدم معلولاتها، وقدم المركبات من جماد ونبات وحيوان، قلنا لكم: إن قولكم لو صح لوجب أن ~~يطلق على الخلق كما يطلق على النشوء، فالخالقية كالناشئية بالاضطرار، وإلا فتكون القوة ~~الخالقة قد وجدت ساكنة قبل الخلق، والسكون كالعدم لا يعقل، وهو لا يليق بالمادة ~~المنفعلة، فكيف يليق بالقوة الفاعلة؟ # على أن الاضطرار للخالقية أو سواها لا يلزم منه استكمال الوجود دفعة واحدة؛ لارتباط ~~العلل والمعلولات بعضها ببعض، وتحولها بعضها إلى بعض، فالحياة يستحيل أن تظهر قبل أن ~~يكون ماء، والماء قبل تكون هيدروجين وأكسجين، وهما قبل اجتماع أجزاء المادة على كون ~~يتألف منه ذلك، فوجود الحياة متوقف على وجود الماء ولو لحظة قبلها؛ ففي قياس أي عقل يصح ~~وجودهما ووجود سائر المركبات معا، وهل تكون السفسطة إلا كذلك؟ وإن قلتم: ولا يرد علينا ~~بقدم المبدع وأنه علة العلل؛ لأنه عندنا فاعل مختار يفعل ما شاء متى شاء، قلنا لكم: ~~فبقى أن القضية ليست من باب العلم، بل من باب الإيمان، ولو وقفتم عند هذا الحد لاسترحتم ~~أنتم وأرحتمونا من كل هذا النزاع، وكيف يعقل وجود ليس بجسم، ولا مادة جسم، ولا صورة ~~جسم، ولا مادة معقولة في صورة معقولة، ولا له قسمة في الكم ولا في الكيف ولا في ~~المبادئ، فعله منه وليس منه، متصل به ومنفصل عنه، فلا شك أن ذلك يقتضي إيمانا شديدا، ~~وحيث يبتدئ الإيمان ينتهي العلم، والإنسان حر في إيمانه، إلا أن الإيمان ليس له حق بأن ~~يعترض العلم في سيره، والعلم لا يستطيع شيئا ضده. # وعليه فالفرق بين أصحاب الخلق والقدم في المادة أنها مخلوقة من ms058 لا شيء عند ~~الأولين، وقديمة عند الآخرين، ولا فرق بعد ذلك، فالمادة عند الفريقين لا تتلاشى، بل ~~تنتقل من حال إلى حال بالتفاعل والتركيب والتحليل، والقوة عندهما كالمادة لا تتلاشى، ~~وإنما تتحول في الأجسام تحول المادة فيها؛ فالقوة المبلورة للأملاح هي نفس القوة ~~الموجودة في البسائط المركبة منها هذه الأملاح محولة، كما أن مادة الأملاح هي نفس مادة ~~البسائط المركبة لها محولة، ولا فرق إلا في الأحياء؛ إذ يجعل الحيويون القوة الحيوية ~~غير القوة الطبيعية محولة، مع أنهم يسلمون بأن مادة الأحياء هي نفس المادة الطبيعية ~~محولة. وهنا نظر؛ فإنهم يجعلون القوة الطبيعية واحدة في أصلها، وهي الحركة ، وربما جعلوا ~~المادة متعددة العناصر، ثم يجعلون المادة واحدة في بناء العوالم من جماد ونبات وحيوان، ~~والقوة متعددة. # الفصل الثامن # | فصل الخطاب بين أصحاب الخلق وأصحاب القدم # قال الروحانيون: وعليه فمذهب الماديين شر لا يماثله شر؛ لأنه يلزم عنه أن لا خير ولا ~~شر ولا حلال ولا حرام ولا ولا، وبالجملة يمتنع معه العمران، فرد عليهم الماديون: لقد ~~أخطأتم فيما زعمتم كأنكم تجهلون طبيعة العمران، فالعمران ضروري للبشر، وإلا لم تتم لهم ~~الحياة، وهو من حيث إنه اجتماع طبيعي في الحيوان، وإنما بلغ الغاية القصوى في الإنسان؛ ~~لأنه أعد له طبعا، وأقومه تكوينا، وأبعده فكرا، وأقواه رؤية، والعمران لا يكمل ~~إلا بالتعاون على المعاش، والاعتمال في تحصيله من وجوهه واكتساب أسبابه. # وهذا التعاون لا يكمل البتة بما وصفتم، ولا يكمل إلا بالاصطلاح على عادات معلومة تحسن ~~معها المعاملات. وهذا الاصطلاح لا يكمل إلا إذا عرف الإنسان ما له من الحقوق وما ~~عليه من الواجبات. وهذه المعرفة لا تكتمل إلا بالعلم، والعلم هو العلم الصحيح، وذلك كله ~~لا يكمل إلا بالحكم الوازع، والحكم الوازع إنما هو الشرع المفروض من البشر، والمتغير ~~بحسب روح كل عصر، واحتياجات كل جيل، وإلا لما اقتضى أن يتغير الإنسان عما يفرضه له شرع ~~معلوم، وعوائد معلومة؛ لأنها لا تخلو منه في أي الأحوال كان، ولا أن تحصل العمارة ms059 للبشر ~~قبل الأنبياء، ولا لأمم غير تابعة لهم، ولما كان به - كذلك - حاجة لإقامة الوازع منه ~~بعدهم. # قال ابن خلدون: «وتزيد الفلاسفة على هذا البرهان حيث يحاولون إثبات النبوة بالدليل ~~العقلي، وأنها خاصة طبيعية للإنسان، فيقررون هذا البرهان إلى غايته، وأنه لا بد للبشر ~~من الحكم الوازع، ثم يقولون: وذلك الحكم يكون بشرع مفروض من عند الله يأتي به واحد من ~~البشر، وأنه لا بد أن يكون متميزا عنهم بما يودع الله فيه من خواص هدايته؛ ليقع ~~التسليم له والقبول منه، حتى يتم الحكم فيهم وعليهم من غير إنكار ولا تزيف. # وهذه القضية للحكماء غير برهانية كما تراه ؛ إذ الوجود وحياة البشر قد تتم من دون ذلك ~~بما يفرضه الحاكم لنفسه، أو بالعصبية التي يقتدر بها على قهرهم وحملهم على جادته، فأهل ~~الكتاب المتبعون للأنبياء قليلون بالنسبة إلى المجوس الذين ليس لهم كتاب؛ فإنهم أكثر ~~أهل العالم، ومع ذلك فقد كانت لهم الدول والآثار، فضلا عن الحياة، وكذلك هي لهم لهذا ~~العهد في الأقاليم المنحرفة في الشمال والجنوب، بخلاف حياة البشر فوضى دون وازع لهم ~~البتة فإنه يمتنع. وبهذا يتبين لك غلطهم في وجوب النبوات، وأنه ليس بعقلي، وإنما ~~مدركه الشرع كما هو مذهب السلف من الأمة.» ا.ه. # ولا يخفى أن الإنسان في العمران اثنان: عاقل وجاهل، فالعاقل له بما يطلبه من المجد ~~الصحيح، وبما اكتسبه كذلك من العلم الصحيح بأحوال العمران وازع من نفسه، وذلك لما في ~~طبعه، بل وطبع كل حيوان من حب الذات، فهو يترفع عن ارتكاب شر بحق غيره؛ لئلا يعود هذا ~~الشر بالوبال عليه، والجاهل كالعاقل يحب ذاته، وإنما لجهله قد يخطئ الوسائط، فلم يكن له ~~رادع إلا من سيف حاكمه، وكلاهما إن لم يردعهما ذلك كله لا يردعهما سواه، وليجرب نزع ~~الحكم الوازع من بين البشر مهما عظم إيمانهم، فإنهم يقعون في الفوضى، والإفاضة في هذا ~~المبحث لا يحتملها المقام؛ لأنها تتناول البحث في الأخلاق والطبائع، وما للإقليم ~~والتعليم والشرائع وسواها من الأثر فيها، ms060 وما تؤثره هي نفسها في ذلك كله كذلك، وما ~~لاختلاف الناس من حيث اعتبارهم السعادة من الأثر في العمران بين أن تكون سعادة الفرد ~~قائمة بسعادة الكل، أم بالضد، إلى غير ذلك من المسائل التي يطول شرحها. # قالوا: وأما غير ذلك من السعادة فمن مطامع المحال، ولا نرى في تعليم المحال جدوى، ولا ~~نرى فيه إلا خلاف ذلك، قلنا: هذا هو فقط وجه الخلاف بينهم. # وأما ما جاء في رد المعترض من الأدلة على نفي التولد الذاتي، ونفي كون الحياة قوة ~~طبيعية إلى آخر ما ذكر؛ فقد آوى منه إلى ركن ضعيف القواعد، متداعي الدعائم، ويدل على ~~أنه لم يقرأ علم الحياة إلا في غير كتبه، ولم يسر فيه إلا في غير منهاجه، كما سنبين ~~ذلك في فصل الحياة فيما يأتي، وهو أعم من أن يختص به وحده. # الباب الرابع # | في الحياة وأصلها # وفيه أربعة فصول # الفصل الأول # | في الحياة # ليس في طاقة الطبيعي أن يعلم الحقائق والماهيات، وكل علمه قاصر على معرفة الكميات ~~والكيفيات، فهو لا يستطيع الكلام على الذوات مجردة عن صفاتها المقومة لها، فلا يعرف ~~الحياة إلا من أفعالها، كما أنه لا يعرف الجاذبية أو الألفة أو سواها من القوى الطبيعية ~~إلا من أفعالها، فنظره إلى الحياة مجردة ضرب من العبث كنظره إلى سائر القوى الطبيعية ~~مجردة، فالحياة في ذاتها ليست أشد خفاء من الجاذبية أو سواها من القوى في ذاتها، وغاية ~~ما يستطيعه في درس الطبيعة معرفة الأشياء بعضها بالنسبة إلى بعض، أي معرفة ما بينها من ~~الارتباط. والعلم الصحيح يجب أن يوجه سعيه إلى هذه الغاية؛ فهي وحدها تتكفل له ~~بالوقوف على ما في طاقته أن يقف عليه مما يكون به للإنسان فائدة عملية صحيحة. # وهذا ما يمتاز به العلم اليوم عما كان عليه في السابق، وهي الصفة التي تمتاز بها شعوب ~~المغرب عن شعوب المشرق؛ فإن هؤلاء - كما يقول الشهرستاني - أكثر ميلهم إلى تقرير خواص ~~الأشياء، والحكم بأحكام الماهيات والحقائق، وأولئك أكثر ميلهم إلى ms061 تقرير طبائع الأشياء، ~~والحكم بأحكام الكيفيات والكميات. ولما كان النظر إلى الحقائق يقتضي النظر إلى الشيء ~~مجردا عما يقوم به نشأ ما يسمونه التجريد، فاشتغل الناس بالبحث عن هذه الحقائق ~~المجردة، فتاهوا فيها بحكم الضرورة، وضلوا في معرفتها حتى انتهوا فيها أحيانا إلى نوع ~~من الإثبات في نوع من النفي؛ أي إنهم أثبتوا للشيء وجودا بنفي كل وجود عنه. وأي شيء ~~أغرب من ذلك؟ بخلاف النظر إلى الكيفيات والكميات، فإنه يتقرر به أشياء كائنة حقيقة لا ~~يستطاع إنكارها، وربما أطلقوا لفظة الحقائق على مثل هذا العلم، بل قصروها عليه ~~لتعذر علم سواه. # ولا يخفى ما حصل للعلم من النهضة من أوائل هذا القرن في أيدي شعوب المغرب، وما حصل ~~عنه من الفوائد كذلك، وإذا تحرينا حقيقة هذه النهضة نجد أنها كائنة في معرفة ما بين ~~الأشياء من الارتباط، وإذا استقرينا سير الشعوب والأمم في الأفكار والعلوم منذ التاريخ، ~~نجد أن تقرير هذا الارتباط لم يكن بدون مشقة كما يتوهم من ينظر إلى العلم اليوم، بل ~~إنما صرف فيه الجهد الجهيد والزمن المديد، ففي عصور الميتولوجية كان عندهم لكل شيء قوة ~~خاصة به تدبره؛ فإله الحرب - مثلا - كان غير إله البحر، كأن الإله الواحد لا يقدر على ~~تدبير آخر غير ما اختص به، وإله الكرم غير إله القمح، كأن الواحد لا ينمو بما ينمو به ~~الآخر. # وهكذا لم يكن يظن وجود ارتباط بين شيء وشيء من مواد الطبيعة وقواها، فنشأ مذهب تعدد ~~المواد والقوى العام، ثم فصلوا القوى إلى علوية آمرة، وسفلية مأمورة، وفصلوا السفلية عن ~~موادها، فكان مذهب التثنية، ولم يضموا القوى العلوية فلسفيا إلى واحدة إلا بعد ذلك ~~كثيرا، فكان مذهب التوحيد العلوي، والتثنية في الخلق، والتثليث في الوجود، وبقي مذهب ~~التعدد في الخليقة، ولا يمكن تتبع سير مرتب في ذلك، وما يمكن تحققه إنما هو نشوء لا ~~ارتباط معه في الأفكار إلا فيما ندر وبجهد فلسفي. # أما العلم فلما كان مقيدا أكثر من الفلسفة، فلم يتهيأ له ضم ms062 القوى والمواد وربطها ~~بعضها ببعض بالسرعة التي أمكنت لبعض الفلاسفة، فكانوا في أوائل هذا القرن يعتبرون القوى ~~الطبيعية كالكهربائية والنور والحرارة سوائل مادية مستقلة بعضها عن بعض، ومستقلة عن ~~المواد نفسها، وكذلك القوى الكيماوية والحيوية، ويعتبرون المواد أنيات منفصلة بعضها ~~عن بعض انفصالا مطلقا، وعالم النبات منفصلا عن عالم الحيوان، وكل نوع منفصلا عن ~~سواه، والأحياء كلها منفصلة عن عالم الجماد انفصالا تاما واضحا مطلقا، ولم يتيسر ~~رد القوى الطبيعية كلها إلى واحدة، وترجيح كون المواد من أصل واحد ترجيحا علميا إلا ~~من عهد قريب، ولم يجر ربط المواليد الثلاثة بعضها ببعض كذلك إلا في هذا العصر . # قال الطبيب من مقالة في الكلام على عالم الجماد ما نصه: «فإن التمييز بين النبات ~~والحيوان يظهر في بادئ الرأي بدهيا سهلا، إلا أن ذلك إنما يكون في المراتب العليا ~~منهما، على أنه بالنظر إلى الحقائق العلمية من أصعب ما وقف العلماء عليه جهدهم، ولا ~~سيما من حيث اشتراك الحدود وتداخل الصفات المميزة في مراتبها السافلة، وكذلك التمييز ~~بين عالم الجماد وعالمي النبات والحيوان، فإنه قد يكون من أكثر المسائل أشكالا في نظر ~~المدققين.» وقد اتضح هذا الارتباط أكثر بمذهب دارون، وعظمت قيمته الفلسفية، كذلك ~~والحاصل أن من تتبع سير العلم من أوائل هذا القرن يرى أنه مقسور على تقرير هذا ~~الارتباط، والسير في سبيل إثبات الوحدة للكائنات. # على أن بعضهم مع اعترافه بارتباط العوالم الثلاثة، وارتباط القوى الطبيعية بعضها ~~ببعض، ربما لم يسلم - ولا نعلم كيف - بارتباط هذه القوى بالحياة، ولم يسلم كذلك بارتباط ~~قوى الحياة نفسها، فجعل الحياة أكثر من واحدة من حيث الأصل، ولو فصل بينها جميعا فصله ~~بين المواد الحية والجماد لما جاز الاعتراض، ولكان هذا الفصل من الأمور اللازمة في ~~العلم لسهولة البحث في المواضيع الكثيرة التي يتناولها: كفصل النور عن الحرارة، وفصلهما ~~عن سائر القوى الطبيعية، مع اعتبار الرابط بينها، ولكنه لا يقول هذا القول، بل يفصل ~~الحياة فصلا مطلقا، ويعتبرها جوهرا مجردا يتصل بالمادة اتصالا عارضا، ms063 وينفصل عنها ~~انفصالا لازما عن مركباتها، بل عن المادة نفسها. # ومع أنه في فعله ذلك يرتكب خطأين عظيمين ضد العلم وضد الفلسفة، فهو لا يبالي ولو ~~استمسك بالمحال. فأما خطؤه ضد الفلاسفة، فلأن توحيد القوى تارة، وتعديدها أخرى، ~~وتجريدها عن المادة تارة، ووصلها بها أخرى، وتعديد المادة وتوحيدها أمور لا تتفق بعضها ~~مع بعض، ولا تنطبق على العقل ولا على التصور الفلسفي لوحدة العالم. # وأما ضد العلم، فلأنه قد تبين اتصال مواليد الطبيعة بعضها ببعض، وأن القوى الطبيعية ~~ليست سوى استحالات عن الحركة، وأن الحركة ليست سوى اهتزاز أجزاء المادة. وهذا يلزم منه ~~أن تكون المادة وقواها أو الحركة شيئا واحدا، وقد تبين كذلك أن القوى المذكورة تفعل ~~في الأحياء فعلها في الجماد، وأن المواد الداخلة في بناء الأحياء هي نفس المواد ~~الموجودة في الجماد، وأن التفاعلات التي فيها من طبع التفاعلات التي تتم فيه. # والظاهر أن اعتبار الحياة جوهرا مجردا بقية موروثة من الاعتقاد القديم للقوى ~~والمواد - على ما مر - وإلا فليس في العلم ما يسوغ ذلك، بل ذلك ينافي ما قد تقرر به من ~~الارتباط على خط مستقيم، قالوا أولا: إن الحياة قوة مجردة تعرض على المادة فتبطل فعل ~~القوى الطبيعية منها، وليس في أفعالها شيء من الارتباط السببي، ولما بين كلود برنار ~~أن الحياة لا تبطل فعل القوى المذكورة ولا تضادها، وأن كل عمل في الأحياء له سبب معلوم ~~لازم له كما في الجماد، قالوا: ولكن بناء الأحياء ليس فيه شيء من البساطة الهندسية ~~للمعادن. # ولما بين شوان أن الأحياء من نبات وحيوان عبارة عن مجتمع خليات مؤلفة هي نفسها من ~~غشاء مصمت كالبيضة يتضمن حويصلة ذات منظر مختلف في النواة، متضمنة هي نفسها كتلة صغيرة ~~كروية هي النوية، وأن هذه الخليات ذات أشكال وحجوم لا ضابط لها فتتضام وتجتمع على ضروب ~~شتى، كما تجتمع دقائق الجماد بدون أن تفقد استقلالها، وتؤلف وحدها كل الأحياء، قالوا: ~~ولكن التفاعلات الحيوية غير التفاعلات الكيماوية. # ولما بين باستور أن الاختمار ms064 إنما هو تفاعل كيماوي بين المادة المختمرة والخمير، ~~وأن الخمير ليس سوى أحياء صغيرة جدا شبيهة بالخليات المذكورة، فحياة نبات أو حيوان ~~مرتق لا تفرق كيماويا عن ظواهر الاختمار إلا بكثرة اختلاف هذه الظواهر الناشئة عن ~~اختلاف خصائص الكريات المختلفة الداخلة في بنائها، قالوا: ولكن القوى الطبيعية لا ~~تستطيع أن تركب الهيدروجين مع الكربون كما تفعل قوى الحياة. # ولما بين برثلو إمكان تركيب الأستيلين رأسا من الجماد، وتركيب سائر المركبات ~~الكربورية بواسطته؛ كأنواع السكر والكحول والأرواح والزيوت والحوامض الآلية، وبين ~~كذلك إمكان تركيب كل المواد المتكونة في الأحياء من عناصرها رأسا؛ أي من الكربون ~~والأكسجين والهيدروجين والأزوت ، بواسطة الكيمياء الآلية المؤسسة على النموذجات، قالوا: ~~ولكن قد بين باستور - في مقالة نشرتها جريدة العلم الفرنسوية بتاريخ 5 ك2 من سنة ~~1844، ولخصها المقتطف - فرقا مهما بين المواد الآلية الطبيعية والمصطنعة. # فالأولى لها في حالتها الأمورفية العديمة الشكل قوة على تحويل سطح النور المستقطب، ~~والثانية ليس لها ذلك، أو هي تفعل عكس فعلها خلافا للبلورات، فذلك متوقف فيها على ~~شكلها البلوري، وعلى انتظام تغير نظامها المسمى بالهيدريا، أي تغير زواياها المتماثلة، ~~وذلك ما تمتاز به قوى الحياة أو كما يقال أيضا: القوى غير المنتظمة عن القوى الكيماوية ~~المنتظمة. قالوا: وهنا «العقدة». أما كون الحياة تفعل أفعالا تختلف عن أفعال القوى ~~الطبيعية التي يستخدمها الكيماوي، فمما لا ريب فيه، كما أنه لا ريب في أن أفعال ~~الكهربائية مختلفة عن أفعال النور والحرارة مثلا، وإلا لزم أن يكون العالم واحدا؛ ~~جمادا واحدا، أو نباتا واحدا، أو حيوانا واحدا، وما نراه هو بخلاف ذلك. # وأما كون هذا الامتياز يلزم منه فصل الحياة عن قوى الطبيعة في المصدر، فمن أغرب ما ~~يذهب إليه، وإلا وجب أيضا فصل القوى الطبيعية بعضها عن بعض كذلك، ولا سيما أن الفرق ~~العظيم - الذي اتخذه الحيويون حجة قوية لإثبات مذهبهم في الحياة - قد زال معظمه. # وفي النظر إلى هذه المسألة يجب اعتبار النسبة بين ما كان يزعم سابقا وما يعلم ~~اليوم، فأي ms065 فرق بين الأمرين؟ أو لعل هذا الفرق النسبي اليوم والجزئي بالنسبة لما كان ~~يزعم قبلا كاف لتأييد هذا الفصل، بل لجعل الحياة جوهرا مجردا عن المادة، وما الدليل ~~على ذلك سوى عدم تمكن الكيماويين من خلق الحياة رأسا من الجماد، وعدم تمكنهم من ~~مجاراتها مجاراة تامة، وهل ذلك دليل يثبت به الضد؟! فإن كانت قوة تحويل سطح النور ~~المستقطب - كما يظن - ناشئة عن عدم انتظام في تركيب جواهر الأجسام الفردة أو دقائقها، ~~فربما كان ذلك خاصا بالحياة وغير ممكن الحصول عليه بدونها، إلا أن امتناع ذلك على ~~الكيماويين لا يوجب جعل الحياة من مصدر غير مصدر سائر القوى، كما أن ظواهر الحياة في ~~الحيوان العالي، وإن كانت تختلف عنها كثيرا في النبات، لا توجب جعل الحياة فيهما من ~~مصدرين مختلفين، أي إنه لا يعزز مذهب الحيويين، ولا ينقض ركنا من أركان الماديين؛ لأنه ~~إن صح - كما قال باستور - أن سبب ذلك كيفية وقوع النور على النبات، المصدر الأول لكل ~~المركبات الآلية، فيكون أصل هذه القوة طبيعيا. # على أن باستور قد تمكن من مجاراة الطبيعة على نوع ما، وأدخل عدم الانتظام في المركبات ~~الكيماوية؛ إذ جمع بين السنكونين «مادة غير منتظمة» والحامض البراطرطريك، أي العنبيك، ~~فرسب طرطرات السنكونين اليساري، وبقي الطرطرات اليميني ذائبا في السائل؛ أي إنه حل ~~الحامض العنبيك الذي لا يحول النور إلى حامضين يحولانه: أحدهما إلى اليمين، والآخر إلى ~~اليسار، نعم قال مع ذلك أنه لم يتمكن من إزالة الحاجز بين هذه المركبات، لكنه لم يعن ~~به سوى أن الكيمياء لم تستطع حتى الآن أن تستخدم في صناعتها سوى القوى المنتظمة. # وهذا لا يستفاد منه أنه يوجد حاجز مطلق بين هذين النوعين من القوى، وقد صرح هو نفسه ~~بذلك؛ إذ أشار بإزالة هذا الحاجز، قال: «فإذا أردنا أن نماثل الطبيعة وجب أن نتخطى ~~الطرق التي جرينا عليها حتى الآن، ونستخدم الكهربائية اللولبية والمغناطيسية والنور ~~ونحو ذلك من القوى غير المنتظمة.» وقد قال أيضا في غير هذا المكان: «إن ms066 مركبات الحياة ~~إذا كانت غير منتظمة فلأنه تفعل فيها قوى عالمية غير منتظمة. وهذا - فيما أرى - الرابط ~~الذي يربط الحياة على سطح الأرض بالعالم؛ أي مجموع القوى المنتشرة فيه.» فيرى مما تقدم ~~أن لا شيء من كلام باستور يحمل على الظن بأنه يعتقد علميا بأن قوى الحياة من مصدر ~~غير مصدر قوى الطبيعة، ولا بأنها جوهر مجرد، بل هو أول من بين ظواهر الاختمار وقال: ~~إنها لا تفرق بشيء عن التفاعلات الكيماوية. # ذكر «كرل فوجت» في خطاب ألقاه، في مجمع جنيفا العلمي، من نحو خمس عشرة سنة، ما نؤثره ~~عنه قال: «خذ عضلة من ضفدع حي واجعلها في أحوال مناسبة تمنع جفافها وفسادها، وقدم لها ~~من وقت إلى وقت الدم اللازم ليقوم مقام المواد المحترقة منها بأكسجين الهواء، كما تقدم ~~الفحم وقودا للآلة البخارية، فترى العضلة تتحرك كلما هيجتها بالكهربائية كما يتحرك ~~لولب الساعة إذا كانت دائرة، قال: ولنفصل كذلك رأس حيوان عن جسده حتى يموت، ثم لنحقن ~~فيه بعد هذا الموت دما صالحا من حيوان آخر من نوعه؛ نر الرأس يفتح عينيه، وكل حركاته ~~تدل على أن الحياة قد عادت إليه، وعاد دماغه يشتغل كما كان يشتغل قبل القطع.» # وذكر المقتطف - نقلا عن الجريدة العلمية الفرنسوية في العدد الثالث من سنته التاسعة ~~- ما وقع للدكتور «بتيكان» مع ذلك الرأس المقطوع الذي وقع على مقطع العنق واستقر على ~~الرمل؛ حيث وقع فخف نزف دمه، فأخذ يتفرس في الدكتور المذكور، ويجيل عينيه محدقا ~~فيه حتى دار الدكتور حوله ربع دورة وعيناه تتبعانه وترسلان إليه نظرا يدل على شدة ~~الألم، وإدراك الحالة التي هو فيها، وكل ذلك يدل على أن الحياة ليست جوهرا مجردا عن ~~المادة، وأن تفاعلاتها أشبه شيء بالتفاعلات الكيماوية من حيث التعيين والضبط. # ونحن نعلم أن كل عمل حيوي إنما هو نتيجة لازمة لتهيج في الجهاز العصبي، وأن المنصرف ~~في هذا العمل ليس قوة حيوية، بل كمية معينة ومقيسة من الحرارة ناتجة عن احتراق كمية ~~معينة، كذلك من مواد ms067 محترقة يتناولها الحي على صورة طعام أو غذاء، والطبيعيون يردون ~~الحرارة إلى الحركة، فلماذا لا تكون الحياة التي تتحول إلى حرارة، والتي لا تختلف ~~تفاعلاتها عن التفاعلات الكيماوية نوعا كذلك من الحركة المعتبرة أصل القوى الطبيعية، ~~فتكون نسبة الحياة إلى القوى الطبيعية كنسبة الإنسان إلى الحيوان؛ بمعنى أن أصل الحياة ~~كأصل سائر قوى الطبيعة. # وهذا لا يلزم منه أن تكون ناشئة رأسا من القوى المذكورة في حالها المعروف اليوم، وأن ~~يكون ذلك غير ممتنع عقلا، كما أن الإنسان ليس ناشئا من القرد رأسا؛ أي إن الحياة لا ~~يلزم أن تكون اتصال كمال القوة المبلورة، بل من أصلها، كما أن الإنسان ليس اتصال كمال ~~القرد، بل من أصله، ولا يلزم أن تكون حركات الحياة كحركة دقائق الجماد، كما أن اعتبار ~~القوى المعروفة من أصل واحد كالحرارة والكهربائية والنور - مثلا - لا يلزم منه أن تكون ~~حركات كل قوة منها كحركات الأخرى، ولا يمنع أن تكون حركات الحياة من جنس حركات الدقائق، ~~كما أن اختلاف حركات القوى الطبيعية لا يمنع كونها من جنس واحد. # وبهذا الاعتبار لا تختلف قوى العالم بعضها عن بعض، ولا تختلف مواده كذلك إلا اختلاف ~~المركب عن البسيط، أو اختلاف الفصل عن النوع، والنوع عن الجنس. وهذ الاختلاف لا يكون ~~جوهريا إلا إذا أريد بالجوهر الكيفية لا الذات، وعليه فلا يكون في اعتبارنا تأثرات ~~المادة نوعا من الحس شيء غريب باعتبار الحس في أبسط أحواله، وباعتبار الحياة نوعا من ~~الحرارة، والحرارة نوعا من الحركة، والحركة صفة لازمة للمادة وأم كل القوى. # نعم، إذا أريد بالحس كما يتبادر منه إلى الفهم لغة، يكون مثل هذا القول في منتهى ~~الغرابة، ولا يجوز أن يطلق على النبات ولا على غير الحيوان العالي، إلا أن الحس كما ~~يراد به فسيولوجيا يقسم قسمين كما تقسم الحياة قسمين كذلك: حسا حيوانيا للحياة ~~الحيوانية، وهو يقتضي العلم به، ويسمى حسا معلوما، وحسا نباتيا للحياة النباتية؛ ~~كحس المعدة والقلب والأوعية الشعرية وسائر أعضاء الحياة الآلية، ويسمى حسا ms068 غير ~~معلوم. # ومن هذا القبيل أيضا حركات أوراق السنط الحساس وغيره من جوارح النبات التي تقتنص ~~الذباب وتهضمه في أوراقها الملتفة عليه وتغتذي به، فهذا الحس ليس فيه شيء من الإدراك، ~~وهو بعيد عما يتبادر من معناه إلى الذهن، فإذا صح أن يسمى هذا النوع من التأثر حسا؛ ~~جاز لنا مع مراعاة النسبة أن نتوسع ونقول: إن المادة تحس؛ لأن نسبة تأثرات قضيب معدني ~~إلى حس النبات السافل ليست أبعد من نسبة حس هذا النبات إلى حس الإنسان. # ثم إذا أطلقنا الحس على الحيوان والنبات وجب أن نطلقه على كليهما لا على بعضهما، ولا ~~يخفى ما بين أنواعهما من المباينة في إبداء دلائل الحس، ولا يخفى كذلك صعوبة التمييز ~~بين عالم وعالم من العوالم الثلاثة، بحيث تعتبر آفاقها مختلطة، قال الطبيب في المقالة ~~المذكورة آنفا: «والحاصل أن كثيرا من العلماء يرون أن الكائنات متداخلة بعضها في بعض، ~~فلا توجد حدود حقيقية فاصلة بينها؛ لأن أدنى مراتب النبات والحيوان متصلة ببعض مراتب ~~الجماد.» وكيف لا توجد «حدود حقيقية» بين عالم الأحياء وعالم الجماد، وتوجد هذه الحدود ~~بين القوى الفاعلة فيهما؟ بل كيف يمكن الاشتباه إن لم تكن القوة فيهما من طبع واحد؟ ~~لعمري إن ذلك غريب. # نقول: ومن عجيب ما ورد في كلام الفلاسفة المتقدمين على هذا الارتباط والارتقاء أيضا ~~كلام لابن خلدون في مقدمته، قال: «ثم انظر إلى عالم التكوين كيف ابتدأ من المعادن، ثم ~~النبات، ثم الحيوان على هيئة بديعة من التدريج: آخر أفق المعادن متصل بأول أفق النبات، ~~وآخر أفق النبات متصل بأول أفق الحيوان. ومعنى الاتصال في هذه المكونات أن آخر أفق منها ~~مستعد بالاستعداد الغريب لأن يصير أول أفق الذي بعده، واتسع عالم الحيوان وتعددت أنواعه ~~وانتهى في تدريج التكوين إلى الإنسان صاحب الفكر والروية.» ا.ه. والحاصل أن المسافة ~~البعيدة التي كان يزعم أنها تفصل الحياة عن سائر قوى الطبيعة فصلا مطلقا لم يبق منها ~~اليوم سوى فرق جزئي لا يصح أن يعتبر كذلك، إلا أن ms069 ذلك يدعو إلى النظر في مسألة أخرى ~~ربما كانت من أكثر المسائل إشكالا على الطبيعي، وهي التولد الذاتي. # الفصل الثاني # | في التولد الذاتي # اعترض الاستاذ «بتر» على الذين يجعلون الجراثيم سبب الأمراض عموما - والأستاذ ~~المذكور ممن يذهب إلى أن الجراثيم قد تكون نتيجة المرض لا سببه دائما؛ أي ممن يذهب إلى ~~التولد الذاتي للأحياء الدنيا - قال من مقالة، نشرت في العدد 160 للأنيون مديكال، سنة ~~1884، حاول فيها الفصل بين التدرن الرئوي والخنازيري ما نصه: # إن الكيماوي الذي يعلمني ~~أن الألفة الكيماوية تقدر بزيادة مكافئ من الكلور أن تحول مادة غير سامة كأول كلورور ~~الزئبق «زئبق حلو» إلى سم قتال كثاني كلوروره «سليماني»، والذي يعلمني أيضا أن مواد ~~متساوية المكافئات الكيماوية كالحامض البراطريك والحامض الطرطريك تقدر بموجب ناموس ~~الأيزوميريا أن يكون لها خصائص مختلفة، بحيث إن بعضها يحول النوع المستقطب إلى اليسار، ~~وبعضها إلى اليمين، ويعلمني كذلك أن مادة كالفسفور الأبيض المتبلور السام يتحول بموجب ~~ناموس الألوتروبيا تحت حرارة 240 إلى جسم أحمر عديم الشكل غير سام، يريد أن ينكر علي ~~التصديق بوجود ألفة وايزوميريا والوتروبيا حيويات قادرة على أن تفعل في جسدي كما تفعل ~~في الأشياء التي من خارج، وتولد في حالة المرض دقائق مريضة وأنسجة مريضة كما تولد في ~~حالة الصحة دقائق صحيحة وأنسجة صحيحة ... ا.ه. # إلا أن هذا القول - وإن كان معقولا - يرد عليه اليوم اعتراضات كثيرة يصعب دفعها، وهو ~~- وإن صح - لا يفيد شيئا في إثبات النشوء الذاتي من الجماد رأسا؛ لأنه إنما هو كائن ~~في الأحياء وواقع تحت فعل الحياة نفسها، فلا بد لنا إذن من تدقيق النظر في هذا الموضوع ~~من وجه آخر، فنقول: ذكرت النشرة الأسبوعية في العدد 97 من السنة الماضية انقراض جيل من ~~الناس من أعظم الأجيال كان يعرف بالغنش، وموطنه الأصلي جزائر كناري، قالت: وكانت علة ~~انقراضه ما مني من الأوبئة والعبودية وجور السبانيين في القرن السادس عشر. ~~ا.ه. # وذكر الطبيعيون كذلك انقراض كثير من أنواع الحيوان منذ التاريخ، فالدينورنيس انقرض ms070 في ~~زيلاندة الجديدة، والأبيورنيس في مدكسكر، والدرنت وعدة أنواع من السلاحف في جزائر ~~سكارينا، وقد قل الأرخس في أوروبا كثيرا، وبعض أنواع البال انقرض من بحارنا، ~~والأبتريكوس والستريكبس يقلان بسرعة في زيلاندة الجديدة، # 1 # وانقرض كذلك أجيال كثيرة من البشر غير من ذكر، وذكروا أسباب ذلك أيضا، ~~وليس فيما ذكروه منها شيء فائق الطبيعة. ولما كان يعلم أن العصر الحالي لا يختلف عن ~~العصور السالفة، كان انقراض الأجيال الأحفورية القديمة قبل التاريخ ينسب إلى أسباب مثل ~~هذه الأسباب، أي إلى أسباب طبيعية كذلك. # ثم يعلم كذلك أن الأنواع الأحفورية المنقرضة قديما قد عوض عنها بأنواع أخرى، فلا بد ~~إذن من التعويض عن الأنواع المنقرضة اليوم كما عوض عن تلك، اللهم إلا أن يكون عالم ~~الأحياء سائرا اليوم نحو الانقراض الكلي. وهذا لا يعقل ولا يسلم به أحد، ولا بد ~~في هذا التعويض من أحد وجهين: إما بالتدريج، أي بتحول الأنواع الموجودة تحولا بطيئا ~~متدرجا، وإما فجأة، فإن لم يكن بالتدريج فلا بد من أن يكون بالخلق أو بالنشوء، أي ~~التولد الذاتي، وفي كليهما لا بد من تكون الذكر والأنثى في الحيوانات العليا، خاصة ~~من غير أبوين. # ولا يخفى كيف أن تعب بوشه وجولي وموست وبستيان وغيرهم لتوليد الأحياء الدنيا ذاتيا ~~قد ذهب سدى، وكيف أن باستور قد بين استحالة ذلك في الأحياء الميكروسكوبية، فمن يصدق ~~به يا ترى في الأحياء العليا؟ واستعمال لفظة الخلق عوضا عن التولد الذاتي لا يزيل ~~الصعوبة؛ لأن الإرادة الخالقة لا تظهر لنا إلا بأفعالها، والعلم لا يستطيع أن يصعد إلى ~~تحقق ما وراء هذه الأفعال. # فالخلق عنده باعتبار التعريف كالتولد الذاتي، أي نشوء حي من لا حي، ولا بد من حدوث ~~ذلك في يوم معين ومكان معين، فما قولك فيمن يقول: إني في يوم كذا، وساعة كذا، رأيت ~~أسدا أو فيلا نشأ وشب من الأرض، وهل يصدقه أحد؟ فالعقل لا يجسر أن يقول بالتولد ~~الذاتي إلا بعد أن يسميه خلقا، ولا بالخلق إلا بعد أن ms071 يؤخره إلى زمان تحسب معه الأزمنة ~~الميتولوجية كأمس، فكيف يكون إذن هذا التعويض عن الأنواع المنقرضة إن لم يكن بالتولد ~~الذاتي في الأحياء العليا كما ذهب إليه ليل؛ لأنه والحالة هذه أصعب من الخلق، ولا ~~بالخلق المتعاقب؛ لأن انقراض الأنواع - كما يعلم - حادث بالتدرج؟ فالتعويض عنها يقتضي ~~أن يكون بالتدريج كذلك، وليس فيما يعلم ما يؤيد به مثل هذا التعويض، فلم يبق إلا أن ~~يكون بتحول الأحياء وتكون الأنواع بهذا التحول - كما مر في الكلام على مذهب دارون - ~~ولو لم يكن في هذا المذهب سوى إيضاح هذه القضية إيضاحا شافيا لكفى به فائدة ~~للعلم. # قال «بلانشار» - من مقالة في أصل الحياة في جريدة العلم الفرنسوية بتاريخ 7 شباط سنة ~~1885 ما يأتي: # على أن بعض الفلاسفة يذهبون إلى أن الأرض التي كانت في البدء قاحلة وغير مسكونة ~~إنما عرضت فيها الحياة مما أتاها من الجراثيم من بعض الكواكب المصطدمة بها، وهو قول ~~محتمل، إلا أنه غير مقنع، ويظهر لنا أنه لا يحل المسألة، وإنما يزيدها ارتباكا، ~~فإن لم تكن الحياة قد ظهرت على الأرض ذاتيا بفعل أحوال طبيعية وكيماوية، فيلزم أن ~~تكون قد ظهرت ابتداء على أحد كواكب نظامنا الشمسي، وخصوم التولد الذاتي الذين ~~يتعلقون بجبال هذا التعليل كالملجأ الأخير لهم إنما يبعدون حل هذه المسألة، ولا ~~يأتون فيها بتعليل شاف. # ولا يخفى أن الحل الطيفي الذي استطعنا بواسطته أن نعلم تركيب الكواكب الكيماوي ~~أرانا أن هذه الكواكب متكونة من نفس المواد المتكون منها سيارنا، فالصوديوم ~~والمغنيسيوم والهيدروجين والأكسجين والكربون والكلسيوم والحديد والتلوريوم والبزموث ~~والأنتيمون والزئبق ... إلخ موجودة هناك كما هي موجودة هنا. وقد علم كذلك من فحص ~~الحجار الجوية أن هذه الأجسام تتحد هناك كما تتحد في أرضنا، فلا بد إذن من أن تكون ~~الأحياء الأول قد تكونت فيها من مواد جامدة شبيهة بموادنا. # فوالحالة هذه ما الفائدة من الزعم بأن أرضنا إنما أتتها الحياة من كوكب اصطدام ~~بها في مروره في الفضاء؟ إذ لا بد من الإقرار في ms072 كل الأحوال بأن التعضي قد وقع في ~~المادة في أحد نجوم نظامنا الشمسي، فمن العبث إذن الإصرار على إنكار نشوء الحياة في ~~الأرض. ا.ه. # والذي ارتأى أولا أن جراثيم الأجسام الحية وقعت مع الرجم هو السير «وليم طمسن» ~~الإنكليزي، ومنذ مدة خطب بعضهم خطبة طويلة في تكون البرد، وقال: إنه يتكون من بخار ~~موجود في الخلاء الذي بين الأجرام السماوية، فما أتم الخطبة حتى وقف السير «وليم طمسن» ~~وقال: أظن الخطيب يمزح فيما يقول؛ لأنه لو فرضنا تكون البرد في تلك الأعالي لذاب قبل ~~أن بلغ الأرض بملايين من الأميال. ولما جلس قام اللورد «ريلي» وقال: أنا أعرف رجلا ~~ارتأى رأيا أغرب من هذا، وهو أن بذور الأحياء هبطت على الأرض من السماء، فقال السير ~~«وليم طمسن»: أنا لم أحتم بصحة ذلك، بل قلت بإمكانه، وبأنه لا يمكن أن يقام دليل على ~~فساده. # وإذا تقرر ذلك وعلمنا به ما بين الأحياء من الارتباط لا يبقى علينا إلا النظر إلى ~~الأصل الأول الذي تفرع منه عالم الأحياء، أتكون بفعل خلق خاص أم نشأ ذاتيا - ويراد ~~بالنشوء الذاتي نشوء الحياة من المادة بقوة فيها - ونفي الخلق الخاص لا يلزم منه نفي ~~الخلق الكلي، ثم ماذا كان هذا الأصل؟ وفي كلام النشوء والخلق لا بد أن يكون هذا الأصل ~~إما حيا كاملا مؤلفا من أعضاء مختلفة، أو مادة حية يتألف منها الحي، ففي مذهب ~~النشوء لا يصح أن يكون حيا كاملا؛ لأن ذلك يقتضي أن يكون هذا الحي قد تكون من المادة ~~وقواها رأسا بتفاعلات شبيهة بالتفاعلات الكيماوية بدون استعداد سابق فيها، ومثل هذا ~~الحي يعتبر جسما مركبا مختلطا بعيدا جدا عما تستطيع التفاعلات المذكورة أن ~~تعمله. # ولا يصح في مذهب الخلق كذلك؛ أولا لأن التعويض عن الأنواع المنقرضة يستلزم خلقا ~~متعاقبا، وإلا تلاشت الأنواع مع الزمان، وذلك كما تقدم لا يعلم، وثانيا لأنك ترى أن ~~الخالق سلك في الخلق على نظام معلوم، فهو لم يخلق العوالم كما هي الآن، بل قسم الخلق ms073 ~~إلى أطوار؛ فإما أن يكون قادرا ولم يفعل، وإما أن يكون مثل هذا الخلق ممتنعا، فخلق كل ~~طور إعداديا لما بعده لتوقف صور المادة على وجود المادة أولا، ولتوقف الحياة على ~~الصور الصالحة لها كذلك. # وفي كلا الأمرين لا بد من مراعاة نظام معلوم ربما جازت تسميته اقتصاديا في الأول، ~~ويسمى ضروريا في الثاني. وقد تقرر أن النظام مطرد في سائر العلوم الطبيعية، فالسماء ~~وكواكبها والأرض وطبقاتها إنما تكونت بالنشوء بعضها من بعض بقوى موجودة فيها، فلماذا لا ~~يكون كذلك في العلوم البيولوجية؛ أي لماذا لا يكون سلوك الخالق في خلق الحياة كسلوكه في ~~سائر الخلق؟ وأي دليل على أنه خالف هذا النظام؟ وهل تنقص الحكمة بذلك؟ فلا بد إذن في ~~الخلق كما في النشوء من تكون المادة الحية من الجماد أولا قبل الحي. وهنا نقطة ملتقى ~~الماديين بالإلهيين، وإذا أردنا الكلام على نشوء الحياة وجب علينا والحالة هذه أن نبحث ~~عنه لا في الحي نفسه - مهما كان بسيطا - بل في هذه المادة الحية التي يتألف منها الحي؛ ~~لنعلم إذا كان مثل هذه المادة ممكنا لها أن تتكون من الجماد رأسا، وأن تكون ذات حياة ~~أيضا. # الفصل الثالث # | في المادة الحية أو البروتوبلاسما # أول من قال بمادة أولى حية الفيلسوف الألماني «أوكن»، وسماها أورشليم من ~~الألمانية، وقوله بها كان من باب الفرض، وكاد قوله يضعف لمناقضة الميكروغرافي أهرنبرغ ~~له، لولا أن دوجاردن الطبيعي الفرنسوي بين أن في الحيوان مادة مؤلفة من حبيبات ~~متجانسة أطلق عليها اسم السر كود، ثم عرف النباتيون وجود مادة في خليات النبات شبيهة ~~بالسر كود، وسماها فون موهل بروتوبلاسما، وقد بين المشرح الألماني مكس شلتز وحدة السر ~~كود والبروتوبلاسما، ثم تغلب اسم البروتوبلاسما في العلم لما في معناه من المناسبة؛ إذ ~~معناه: المكون الأول. # ثم علم من التشريح أن جوهر الحياة غير قائم بالأنسجة والأجهزة وما أشبه؛ لأنها غير ~~لازمة لها، وإن تكن مما يؤثر فيها، بل في هذه البروتوبلاسما العرية عن كل صورة، وعن كل ms074 ~~بناء معين، فهي لا جامد ولا سائل، بل بينهما متجانسة كزلال البيض، ومركبة مثله من كربون ~~وهيدروجين وأزوت وأكسجين، وقليل من الكبريت، ومواد أخرى معدنية. وهذا الأمر مهم جدا، ~~فإن المادة الحية ليست بسيطة، بل مركبة من عناصر كيماوية بمقادير معينة، وزد على ذلك ~~أنها شبيهة بصنف من المركبات يعرف بالمركبات الزلالية. وهذه لا شيء يحملنا على اعتبارها ~~من طبيعة غير طبيعة سائر المركبات الكيماوية الاعتيادية، ومن ثم يعرض لنا سؤال مهم، ~~وهو: هل يستطاع توليد البروتوبلاسما، ومن ثم خلق الحياة كيماويا؟ # ويجب التمييز بين توليد البروتوبلاسما كيماويا والتولد الذاتي كما يفهم عادة؛ فليس ~~المراد هنا توليد إحياء مركبة وإن كانت صغيرة جدا، ولا تكوين عنصر تشريحي مهما كان ~~بسيطا، وما يطلب من الكيماوي أن يصنعه إنما هو هذه المادة المتجانسة البسيطة التي يظهر ~~أن الحياة كائنة فيها. وفي بادئ الرأي لا يظهر هذا الأمر غريبا؛ لأن امتحانات باستور ~~لا تطلق على البروتوبلاسما الحرة العرية عن كل صورة، والخالصة من كل صفة موروثة فيها، ~~ولكن على الخمير وأنواع النقاعيات، وهي أجسام حية مركبة ذات تكوين معين، وصفات قديمة ~~موروثة؛ أي على الأحياء لا على المادة الحية نفسها. # أما هذه المادة فغاية ما يعلم أن المركبات الكيماوية التي تنحل هي إليها بعد فقدها ~~الحياة لا تستطيع أن تركبها من نفسها. وهذا ليس خاصا بها وحدها، بل يطلق على سائر ~~المركبات الكيماوية؛ فإن الماء إذا انحل إلى عنصريه الأكسجين والهيدروجين، فعنصراه لا ~~يتحدان ولا يركبان ماء إن لم يلهبا بشرارة كهربائية أو غيرها، فليس فيما تقدم ما ينتقض ~~به أصل البروتوبلاسما الكيماوي وتولدها الذاتي. # وعدم إمكان تركيبها كيماويا حتى الآن لا يفيد شيئا كذلك ضد هذا الأصل؛ لأن المواد ~~الزلالية تعتبر كسائر المركبات الكيماوية، مع أن الكيمياء لم يتيسر لها تركيبها للآن، ~~إلا أنه لا يقطع باستحالة ذلك عليها بناء على ما تم لها تركيبه بالكيمياء النموذجية، ~~وربما لا يطول الأمر حتى يتم لها ذلك، إلا أن البروتوبلاسما وإن كانت مركبة كسائر ms075 ~~المواد الألبيومينية فهي تختلف عنها اختلافا كبيرا؛ لأنها عرضة لتغير سريع مع حفظ ~~تركيبها كما هو، بخلاف هذه المركبات؛ فإن تركيبها الكيماوي لا يعود لها ولو لم يتغير ~~إلا قليلا؛ أي إنها تمتاز عنها بالتغذية. # وهي ليست قائمة بنمو بسيط، وإلا لم يكن فرق بينها وبين البلورات، فإن البلورة إذا ~~وضعت في سائل مشبع من محلول مادتها تنمو كذلك، وتشبه في نموها نمو البروتوبلاسما شبها ~~ظاهريا، ولكن عند تدقيق النظر يرى أن هذا النمو فيها يتم على نوعين مختلفين؛ فالبلورة ~~إنما تنمو بجذب دقائق تركيبها الكيماوي كتركيبها، وبوضعها على سطحها. # وأما البروتوبلاسما فتجذب إليها - غالبا - مواد مختلفة عنها، فتحلها ممثلة بعضها ، ~~ونابذة البعض الآخر، ومتغيرة في حدود معلومة تغيرات كلية؛ فإن تركيبها التشريحي ~~والكيماوي يظهر أنه واحد في جميع بيوض الحيوان، وهي مع ذلك تولد هنا إسفنجا، وهناك ~~سمكة، ومرة ضفدعا، وأخرى حيوانا آخر. # وتمتاز عن البلورات كذلك بنموها المحدود؛ فإن البلورة لا حد لنمو حجمها بخلاف ~~البروتوبلاسما، فكل كتلة بلغت منها بعض أعشار الميليمتر تنقسم من ذاتها إلى كتلتين أو ~~أكثر، وتؤلف الجسيمات الصغيرة المعروفة بالخليات، فلو لم يكن في البروتوبلاسما قوة تفعل ~~في ظاهرها كما تفعل في باطنها لم يكن مثل هذا الانقسام والتغير والتحديد فيها ممكنا، ~~ولكان نموها لا يفرق عن نمو البلورات، فالبروتوبلاسما تختلف إذن عن سائر المركبات ~~الكيماوية من حيث اختصاصها بالتغذية والنمو والانقسام والتوالد اختلافا كبيرا. # وبهذه الخصائص تختلف أيضا عن المواد الزلالية، ولذلك ربما لم تستطع الكيمياء خلق ~~الحياة وإن استطاعت اصطناع أشد المواد الزلالية اختلاطا، ولا سيما إذا صح أن ~~البروتوبلاسما متجانسة، على أن من يذهب إلى أن الحياة نتيجة التعضي ربما أنكر على ~~البروتوبلاسما تجانسها، وقال: ربما كان عدم تحققنا تعضيها ناشئا عن ضعف الآلات البصرية ~~المكبرة لا عن عدم الشيء بنفسه، فالجواب على ذلك ربما لم يكن صعبا، وهو: لا يخفى أن ~~العين المجردة تبصر أشياء ليس لها من الغلظ سوى جزء من مائة جزء من الميليمتر قطرا؛ ~~كوبر الجلد، ms076 وخيطان بعض أنواع الرتيلاء، وأقوى ما لنا من المناظير يرينا أشياء أصغر من ~~ذلك بألفي مرة؛ أي مما قطره ليس إلا جزءا من مائتي جزء من الألف، أو خمسة ملايين جزء ~~من الميليمتر، فإذا أمكن معرفة المسافات التي تفصل بين دقائق الأجسام ومعرفة هذه ~~الدقائق هان علينا حل هذه المسألة. # وقد توصلوا إلى ذلك بطرق مختلفة، فلوشميدت عين قطر الدقائق من النسبة بين كثافة غاز ~~وسائله الناتج عن تكثفه، ووندرولس من الفرق بين قابلية الغازات الحقيقية للانضغاط ~~وقابليتها النظرية لذلك، كما في ناموس مريوط، وطمسن من درس طبيعة النور في أبواق ~~الصابون، وكلهم اتصلوا بهذه الطرق إلى نتائج تكاد تكون واحدة ، # 1 # ولا يفرق بعضها عن بعض إلا بكسر من المليون من الميليمتر، وذلك أقل قليلا ~~من حجم أصغر الأجزاء المنظورة بأقوى تكبير ميكروسكوبي، ثم إن المواد الألبيومينية # 2 # تعتبر بإجماع الكيماويين من المركبات التي دقائقها ذات حجم من أكبر الحجوم، ~~فلو كانت هذه الدقائق مركبة فيها تركيبا مختلطا كالأنسجة التشريحية لما خفي ذلك ~~علينا، وبما أن البروتوبلاسما تعتبر في طبعها كالمواد المذكورة كانت تعتبر متجانسة ~~نظيرها طالما لا يعرف عنها ما ينقض ذلك، ثم إن كان المراد بالتعضي ترتيب أجزاء متماثلة ~~أو مختلفة ترتيبا خاصا معينا، فالأولى أن يطلق على المركبات الأخرى الكيماوية لا ~~على البروتوبلاسما؛ فإن دقائق تلك المركبات مرتبطة بعضها ببعض ارتباطا شديدا يجعلها ~~أثبت من البروتوبلاسما المتغيرة على الدوام، والتي تمتاز عن سواها من المركبات بعدم ~~ثبات تركيبها، وإذا اعتبرنا أن أقرب المركبات المذكورة إلى البروتوبلاسما ما كان منها ~~أقل ثباتا من غيره؛ جاز لنا حينئذ أن نعتبر مثل هذه المركبات الفاقدة كل ثبات الحلقة ~~المتوسطة بين الجماد والحي، فإنها تختلف عن الجماد بعدم ثباتها، وعن الحي بعدم اقتدارها ~~على استرداد تركيبها مع هذا التغير، بخلاف البروتوبلاسما - كما تقدم - فإن تركيبها ~~الكيماوي يتغير على الدوام مع بقاء صفاتها الحية، كأنها الزوابع التي تتكون في مجاري ~~المياه وفي البحار؛ فإنها تحفظ ذاتها زمانا طويلا مع تغير دقائقها ms077 دائما. # وقد انتبه الفيزيولوجيون إلى هذه المشابهة منذ زمان طويل، فكوفيه شبه الحي بهذه ~~الحلقات الزوبعية، وهكسلي يشبه بها كذلك إشارة إلى بقاء الحي على صورته مع تجدد أجزائه. ~~وصحة هذا التشبيه أكثر ظهورا في البروتوبلاسما نظرا لبساطتها بالنسبة إلى الحي المركب ~~من أعضاء وأنسجة مختلفة؛ فليس في مادتها سوى تركيب كيماوي فقط، وهي مع ذلك مقر لحركة ~~خاصة تتناول من الخارج دقائق تحفظها في جوهر مادتها مدة معلومة ثم تنبذها وتأخذ غيرها، ~~وهكذا كما تفعل الحلقات الزوبعية المذكورة. وبهذه الحركة تمتاز حقيقة البروتوبلاسما ~~الحية عن المواد الألبيومينية وسائر المركبات الكيماوية، فالحياة البروتوبلاسما نفسها، ~~بل الحركة التي تحركها. # بقي علينا أن نعرف طبيعة هذه الحركة؛ فقد تقدم أن الطبيعيين والكيماويين كانوا في ~~أوائل هذا القرن يحسبون القوى أنيات مستقلة بعضها عن بعض، ثم تحققوا بعد البحث أنها ~~ليست سوى استحالات قوة واحدة هي الحركة، وجواهر المادة - كما يتحصل من مباحث طمسن التي ~~مال إليها مشاهير علماء الكيمياء كورتز وغيره - ليست سوى زوابع في الهيولي وجميع ظواهر ~~الجاذبية والألفة ناشئة عن استحالات الحركة، وكل شكل من الحركة يولد نظيره، فإذا صدم ~~جسم جسما آخر تحرك الجسم المصطدم بحركة الجسم الصادم، فالجسم السخن يسخن الأجسام ~~التي حوله، والمنير ينيرها، والمكهرب يكهربها. # وتحويل هذه القوى بعضها إلى بعض لا يخفى على أهل العلم، ولا يخفى عليهم أن هذه ~~الحركات كلما تركبت عسر تحويلها، ويعلمون كذلك أن هذه الحركات لا تتلاشى. وقد تحقق ~~بالبرهان كما بين هلمهلتز وطمسن أن الحلقات الزوبعية التي يشبهون بها الجواهر الفردة ~~أبدية أزلية لا تقبل القسمة. ومعلوم أن الجواهر الفردة كالحلقات الزوبعية المنتشرة في ~~السائل المتكونة فيه حركات في هذا السائل، لا أنها أجزاؤه نفسها، فذاتيتها قائمة بهذه ~~الحركات، إلا أنه لا يعلم إذا كانت أجزاء الهيولي التي تؤلف الجوهر الفرد لا تتجدد ~~دائما؛ لأن هذه الأجزاء لا تظهر لنا إلا بعد دخولها في الزوبعة، فإذا كان ذلك فالأجسام ~~لا توجد إلا بنوع من التغذية شبيه بما يحصل بالبروتوبلاسما. ms078 # ومهما يكن من ذلك، فإننا نرى بهذا المثل أن الحركة في الهيولي تولد ذوات حقيقية ثابتة ~~يفعل بعضها في بعض، متغيرة إلى ما لا حد له بدون أن تفقد استقلالها، مظهرة بدوام نوع ~~اهتزازاتها أنها تحفظ نوعا من الذكرى لما يؤثر فيها. نعم، إن ذلك ليس الحياة كما يراد ~~بها، إلا أن معرفتنا بأن صور الحركة كلما تركبت واختلطت كونت أجساما تقترب أكثر فأكثر ~~من الأحياء لا تكون بدون فائدة. # لنفرض أن حركات متشابهة أو مختلطة تتناول بعض الزوابع المتكونة في الهيولي وتركبها ~~عوضا عن أن تتناول الهيولي نفسها، فإن هذه الزوابع لا تبقى على حالها؛ لأن اشتراك ~~الحركات حينئذ لا يحدث عنه نفس الحركات؛ أي إنه لا يتولد عن تركب الزوابع أو الجواهر ~~نفس هذه الجواهر، بل ينشأ عنها كائنات أخرى مختلفة عن الدقائق التي تؤلفها ذات حجوم ~~معينة على الدوام بدون أن تفقد جوهرها، حافظة فيها نوعا من الذكرى للتأثيرات السابقة ~~الطارئة عليها، أي إنه ينشأ عنها أنواع البروتوبلاسما. # فإذا كانت أنواع البروتوبلاسما قد تكونت من هذه الحركة في أول الأمر كما تكونت ~~العناصر، فربما لم يكن تكونها كيماويا أو بفعل الطبيعة ممكنا اليوم كعدم إمكان ذلك ~~في العناصر، وربما كانت أنواعها المتولدة في هذا الطور متعددة كما أن العناصر متعددة، ~~إلا أن ذلك لا يجعل الحياة من مصدر آخر غير مصدر القوى الطبيعية؛ فالحياة كسائر القوى ~~نوع من الحركة، وبهذا الاعتبار يجوز أن يقال: قوة حيوية، كما يقال: ألفة كيماوية إلا ~~أنها غير القوة الحيوية للحيويين، فهي هنا خلاف لتلك كسائر أنواع الحركة خاضعة لناموس ~~الميكانيكيات، وهي للبروتوبلاسما كالألفة للمعادن ذات أفعال معينة تضاف إلى القوى ~~الطبيعية، لا أنها تعرض على المادة فتبطل فعل هذه القوى منها، وعليه فإن كان المراد ~~بمذهب النشوء تولد حي من لا حي بفعل القوى الطبيعية المنتشرة في العالم؛ فهذا يصعب ~~نقضه، وهو كائن بالبروتوبلاسما، وإلا فإن كان المراد به حصول التولد الذاتي اليوم، ~~فربما لم يكن ذلك ممتنعا، إلا أنه غير ms079 ضروري لمذهب النشوء. # وأما بعد ذلك فكوفيه صاحب ثبوت الأنواع، وهكسلي صاحب تغيرها إلى ما لا حد له يلتقيان ~~عند هذه النقطة، وهي «كل حي من حي». وتوجد اليوم أيضا في البحار والمياه العذبة حتى ~~الأرض الندية كائنات بسيطة تعد من أقرب الصور الحية إلى الصور الأصلية كالمونير ~~والباثيبيوس والبروتوباسيبيوس وأشباهها، على أن الآراء في التولد الذاتي مهما اختلفت ~~فإنها متفقة على حصول ذلك بقوى الطبيعة؛ أي بالنشوء كما تكونت سائر العوالم بالنشوء ~~أيضا. # والعقل لا يأبى ذلك، ولا سيما بعد أن مهد العلم له سبيل القول بوحدة الكون بما قرره ~~من الارتباط بين العوالم، ولا يرى فيه ما يحط بشأن الخالق عند المؤمن، خلافا لما يظن ~~أن كل ما خالف ما قام في مخيلته هو جهل وبطلان وضلال وبهتان. وهذه دعوى لا يقولها إلا ~~مثل من لا يرى العلم إلا في تخريفه. سئل أحد كبار العلماء والفلاسفة المؤمنين: ما قولك ~~في مذهب دارون؟ وكيف نصنع معه بخلق الأنواع؟ فقال: «إذا كان الذي يصنع ساعة يعد عظيما، ~~فلا شك أن الذي يصنع ساعة تصنع ساعة يكون أعظم أيضا.» ا.ه. # | الخاتمة # المال للعمل كالعلم للعقل # هذا ولا شك أن البحث أحسن الذرائع للوقوف على الحقائق، لكن لما كنا غير قادرين على ~~تحري كثير من المسائل العلمية بامتحانات نعيدها، واكتشافات نبديها، كان علينا أن ~~نجد للبحث في أعمال غيرنا ممن توفر لهم ذلك، والاستنتاج بحسب ما ترشدنا إليه ~~أفهامنا. وإذا كنا قاصرين عن تولي أمر كثير من هذه المباحث بأنفسنا، فلأن الطفرة في كل ~~شيء محال، فدخول العلوم إلى بلادنا حديث العهد جدا، ولا يخفى ما يلزم للقيام بمثل هذه ~~الأمور العظيمة من الاستعداد في النفس والتفرغ للعمل، وغير ذلك من المعدات والآلات مما ~~لا ينال إلا بالمال، الذي لا يحصل عليه إلا بانضمام القلوب وانعقاد الهمم، حتى ننتقل ~~من صف الحلميات إلى مراتب البشر، وتصير لنا ذاتية مستقلة نعرف بها. وهذا يحتاج إلى ~~الغيرة الوطنية. # وإني - بكل أسف - أقول: إن تربية ms080 هذه المزية فينا لا يزال يلزم لها زمان طويل حتى ~~تقوى، على أن ثروتنا مجتمعة هي دون ذلك بكثير، فكيف بنا وأغنياؤنا القادرون لاهون، ~~وأفرادنا المشتغلون بالعلم قليلون، وهم بسلاسل العسر مكبلون؟ إلا أننا ببحثنا في أعمال ~~غيرنا على ما في إمكاننا نمهد السبيل لأولادنا، فيأتون من بعدنا وبهم في النفس قوة، وفي ~~العقل استعداد أعظم من قوتنا واستعدادنا؛ فيتولون القيام بهذه الأعمال العظيمة بأنفسهم، ~~وتتحقق بهم أمانينا التي تصير بهم آمالا تنال، وأعمالا تتسابق في مضمارها همم الرجال. ا.ه. # 1 # | ملحق في مباحث في الحياة لتأييد الرأي المادي فيها من سنة 1878 # | استفهام1 # (1) حضرة منشئي المقتطف الفاضلين # قرأت في الجزء الأول من السنة الثالثة من المقتطف المفيد كلاما وجيزا فيما خص ~~الحياة، وهل هي من الظواهر الذاتية الطبيعية الخاضعة لنواميس الطبيعة في مبدئها ~~ومبدأ الأنواع الحية، أم هي خلق خالق رسم صورة كل نوع وأودعها في جرثومة ~~خصوصية، وقد أشرتم فيه إلى الاختلاف الكائن بين جمهور العلماء من هذا القبيل ~~وتعسف بعضهم، ثم قلتم: إن هذه المسألة قاربت النهاية، وأن الحزب القائل بخلق ~~البذور أو الجراثيم على أنواعها دفعة واحدة في بادئ الخلق قد استظهر على سواه، ~~بناء على تجارب أحد فطاحله؛ العلامة تندل الشهير. # وقد راسل بها العلامة هكسلي يصفها له - كما في الجرائد - ويعلمه أن الحيوانات - ~~التي زعم الخصم بتولدها من نفسها - أتت من الهواء المنتشرة فيه بذورها، ولو انقطع ~~الهواء عن التراكيب التي يزعم هذا الخصم أن الحياة تتولد فيها لبقيت كل أيامها ~~خالية من أثر الحياة، ومن عبارتكم يظهر أن كل دليله قائم على انقطاع الهواء عن تلك ~~التراكيب، وهو كلام منقوض لا يبنى عليه حكم، كما لا يخفى على حضرتكم؛ لأنه هل ~~يمكن ظهور حياة أو حفظ حياة ظاهرة إذا امتنع الهواء؟ وإذا كان لا يمكن؛ فلماذا ~~نتوهم السبب في عدم وصول البذور المزعوم بها إلى هذه التراكيب، وليس في انقطاع ~~الهواء نفسه عنها، طالما نعرف جيدا أن لا حياة حيث لا هواء؟ # على ms081 أن العلامة المذكور لم يكن ليعتمد على مثل هذا الدليل، ولعل له أو لغيره ~~أدلة أخرى علمية قاطعة لا تنقض حتى زعم بفوزه وفوز أصحابه، فنرجو من حضرتكم - على ~~ما عودتم قراءكم من الإرشاد والإفادة - أن تفيدونا، إذا أمكن في مقتطفكم، عن ~~حقيقة هذا الأمر الذي يهم العلم جدا؛ لما يتوقف عليه من الأمور الكلية في سيره. ~~جزاكم الله خيرا، ولكم الفضل. # | الحيرة علة البحث1 # ما أحسن قولكم: الحياة حيرة العلماء! والحيرة هي سبب البحث، وهو علة العلم، ولولاهما ~~ربما لا ينسى الإنسان شيئا، ولكنه بكل تأكيد لا يتعلم شيئا. # قد اطلعت على ما أتيتم به من الإفادة، أما قولكم: وظاهر الاعتراض أنه حاصل من توهم ~~الانقطاع بمعنى الانتزاع، وهو خلاف المقصود إلخ؛ فيوهم بأنه إذا ارتفع هذا الوهم سقط ~~الخلاف، والحال كلا، ولو جاز لي أن أتوهم ذلك من كلامكم لما جاز لي أن أتوهمه فيكم، ~~ولا أن أراجعكم في مسألة ترجع حينئذ إلى أبسط مبادئ الكيمياء والفسيولوجيا، بل كنت ~~متيقنا أن الكلام محتاج إلى بيان آخر. وقد أشرت إلى ذلك بقولي: ولعل له أو لغيره ~~أدلة أخرى إلخ، والانقطاع في هذا المقام أعم مما تقولونه حضرتكم، فهو لا يستلزم بقاء ~~المنقطع في المنقطع عنه، ولا سيما إذا كان الكلام علميا عاما تعتبر فيه المواد ~~والعناصر كأنها مستقلة، فيفهم منه الفصل أيضا. # وسواء كان هذا المعنى محتملا أو غير محتمل، فهو ليس المقصود ولا يغير شيئا من مركز ~~العبارة، ولا من قيمة النتيجة؛ لأن قولكم وهو بمقام الدليل: «ولو انقطع الهواء عن ~~التراكيب المشار إليها لبقيت كل أيامها خالية من أثر الحياة.» لا يفهم منه مرادكم؛ إذ ~~مرادكم بالتراكيب المشار إليها التراكيب المنقطع عنها الهواء الخارجي، والتي ماتت ~~جراثيمها، وهو غير مذكور، ولو كان مذكورا لارتفع كل لبس في فهم المقصود، ولا يرتفع هذا ~~الالتباس بالنظر إلى إصلاح معنى لفظة انقطاع كما أسلفتم؛ لأنه إذا كان المراد بانقطاع ~~الهواء عن المركبات عدم وصول الهواء الخارجي إليها مع بقاء هوائها ms082 المتخلل فيها، ~~فالمسألة لا تزيد وضوحا، أليس الهواء المتخلل تلك المركبات والمنفصل عن الهواء الخارجي ~~هواء أيضا مركبا من مزيج قاعدته الحيوية الأكسجين؟ # وإذا كان كذلك، فلماذا لا يصلح هو نفسه لأن يولد حياة كما يصلح لأن يحفظ حياة، حتى ~~تكلف لمساعدته جراثيم وبذور عجزت أقصى الامتحانات عن إظهار حقيقة وجودها، وإن قلتم: ~~كلا، بل النتيجة في ذلك متوقفة على تنقية الهواء وعدمها، قلت: إن ذلك لم يذكر هناك، ~~فضلا عن أنهم لم يتفقوا على أية درجة تحصل هذه التنقية فيه، وإن اتفقوا على مبدئها. ~~وطالما الاعتراض مقبول لا يمكن الحكم لفريق دون آخر، ولقد عدلتم كل العدل بإيرادكم ~~أقوال الطرفين، ومبادئ امتحاناتهما المتفقين عليها ، ونتائجها المختلفين فيها من هذا ~~القبيل، فنكتفي بها هناك عما يحسب ذكره هنا إعادة، ونقتصر على ذكر ما يمكن استخلاصه ~~من كل هذه المحاورات الطويلة والامتحانات الدقيقة. # وغاية ما هناك أن أقوال كل من الطرفين ذات قيمة واحدة، والنتيجة من كل ذلك سلبية ~~لغاية الآن؛ أي لا تؤيد مذهبا ولا تنقض آخر، فلا وجه لحاكم بينهما بالعدل أن يبشر بفوز ~~أحدهما إن لم يكن له أسباب وأدلة أخرى توجب له ترجيح القول، وإن قلتم: إن الاستظهار ~~الذي أشرتم إليه سابقا مسند إلى امتحانات الدكتور «تندل» - كما ذكرتم أخيرا - قلت: ~~إنها لم تسلم من الاعتراض. # وقد ذكرتم حضرتكم بعض أوجه علتها، وكنت أترقب أدلة أخرى من غير هذا الباب؛ لأنه طالما ~~بقي البحث محصورا في دائرة الامتحان على تولد البكتريا، مع ما فيه من الصعوبة الواضحة ~~التي توجد لكل خصم حجته، ولم يساعد بمراقبات أخرى طبيعية، ربما اشتغل الفريقان زمانا ~~أطول مما يظن، ولم يأتيا على نتيجة واحدة؛ لأنه لو سلم بأن السوائل الممتحنة الموضوعة ~~ضمن أوعية زجاجية محكمة السد بالصهر هي منفصلة بهوائها عن الهواء الخارجي، لا يزال ~~في المسألة صعوبتان كليتان؛ إحداهما: صلاحية الهواء الداخلي للحياة الذاتية، والثانية: ~~درجة إماتة الجراثيم بالحرارة. # ومهما قيل في ذلك فما يدعيه الواحد بحجة ينكره عليه الآخر بحجة ms083 أيضا، ~~وكلاهما يدعي الفوز له، ولا نتيجة مرضية من كل ذلك، فلا بد للوصول إلى نتيجة ~~واحدة من النظر في هذه المسألة من وجه آخر، وبما أن حضرتكم استخلصتم بذكر فكركم ~~بالترجيح بين القولين، جاز لي أيضا أن أذكر فكري من هذا القبيل، بعد أن وضح أن لا ~~نتيجة مرضية من كل ما تقدم، فأقول: إن مذهب الجراثيم أم الأنواع يقضي بالجزم بوجودها منذ البدء، وهذا يقضي بأن تكون ~~محصورة العدد لا تزيد ولا تنقص، ويقضي أيضا بأن تفعل هذه الجراثيم عند مناسبة الظروف ~~لها على نسق واحد أبدا؛ أي على نسق النظام الذي صنعت بموجبه، وهذا يقضي بأن تكون ~~مستقلة في صفاتها، ويقضي أيضا بأن يكون لكل عضو - حسب نوعه - وظيفة ما، وهذا يقضي بأن ~~لا تكون موجودة أعضاء تسمى أثرية، والحال أنا كثيرا ما نرى في الأنواع أفرادا تشذ ~~عن القياس الطبيعي النوعي في بعض صفاتها؛ مما يدل على أن بينها وبين الأنواع الأخرى من ~~جنس واحد، ومن جنس آخر أيضا، كما بين الحيوان والنبات نسبة تكوينية، حتى يرى جلد معزى ~~في جلد إنسان مثلا، وأمثال ذلك كثيرة في التاريخ الطبيعي. # ونرى أيضا أكثر من ذلك؛ إذ يشذ أحيانا كثيرة المتولد عن قياس النوع، ونرى أيضا ~~أعضاء يسمونها أثرية لا وظيفة لها، على أن الحكمة تقتضي أن تكون هذه الأنواع المتضمنة ~~منذ البدء في جراثيم خصوصية مستوفية الخلق، محدودة الصفات في نوعها، وذات أعضاء معلومة ~~الوظائف في نفسها، ولا يمكن خلاف ذلك؛ إذ تفقد حينئذ أهمية هذا التقييد التكويني، أي ~~أهمية الجراثيم، فهذا ما أريد أن أوجه إليه فكركم الآن، ولعل في مثل هذا البحث ~~أعظم وسيلة للوصول إلى الغاية. # هذا وإني استغربت جدا قول حضرتكم: «وأما إذا اعتبر الدين، فالإيمان عندنا ~~مقدم على العيان إلخ.» وعلى فرض صحة القائلين بالتولد الذاتي، فأي ضرر من ذلك على ~~الدين؟ على أن بين موضوع بحثنا والدين فراسخ؛ لأنه كيف كانت نتيجته - سواء كانت موافقة ~~للنصوص الدينية المألوفة أو غير موافقة ms084 - فلا تمس أهمية الدين بشيء، كما أن اكتشافات ~~دوران الأرض لم تؤثر بحركة شمس «يشوع بن نون»، وكما أن الاعتقاد العميم بأن الله موجود ~~في كل مكان لم يؤثر بأهمية القول: أبانا الذي في السماوات، وكما أن معرفة الفلكيين ~~حقيقة السماوات، وأنها لم تعد قبة زرقاء مرفوعة فوق الأرض، بل هي مجال فسيح تسبح فيه ~~الأجرام السماوية، ومنها أرضنا هذه، لم يغير شيئا من قول موسى عليه السلام، وخلق الله ~~الجلد فاصلا بين المياه تحت الجلد والمياه فوق الجلد، وغير ذلك من المسائل التي رفض ~~العالم الديني البحث فيها أولا؛ زعما منه أنها تمس الدين، وأخيرا قبلها كحقيقة راهنة ~~قبل غيره. # ولعل الآفة في ذلك وما يجري مجراه سبق الاقتناع، ولو صح ما تقولون لاكتفى الإنسان عن ~~السعي في سبيل العلم بالقول: إن كان ما يأتينا به العلم مأذونا به في الدين فهو منصوص ~~عنه، وما كان غير منصوص عنه فلا حاجة لنا به، ومثلكم لا يسامح على مثل ذلك، وأنتم بجانب ~~كعبة العلم، وكيف كان الأمر فلا بد في كل شيء من قصد، وفي كل قصد من إفادة أو ~~استفادة. # | الحس وأنواعه المختلفة1 # منذ إهلال الطفل إلى آخر نسمة من حياته يتنازعه عاملان متناقضان يولدهما جهازه ~~العصبي؛ وهما: اللذة والألم، والفرح والغم؛ فإن الإنسان لبلوغ حسه الغاية في النمو ~~يشعر شعورا لا يفوقه شعور بفعل كل العوامل المحيطة به طبيعيا ومعنويا، بل هو ~~الوحيد في جنسه الذي يقابل القنوط بالرجاء، واليأس بالأمل، ويتردد دائما في جميع ~~أعماله بين الإحجام والإقدام؛ لشدة مرهوبة أو لذة مرغوبة، وهو عالم بموته ينظر في ~~مستقبله، بخلاف الحيوان الذي لا يدخل في حسبانه أمر موته ولا شيء من مستقبله. # على أن الحيوانات العليا كالكلب والثور مثلا لها حس، ولها إدراك أيضا تميز به ~~هذا الحس، وأما إذا تقهقرنا في سلم الحيوان، فنرى صفة الحس تتناقص كلما صار ~~التركيب أبسط؛ حتى لا يعود الحيوان يحس بألم ولو قطعت أعضاؤه تقطيعا، بل يصير تقطيعه ~~واسطة لنموه؛ ms085 إذ يصير كل جزء مقطوع منه حيوانا شبيها به، وتحت الحيوان عالم النبات ~~الذي أنكر عليه «لينيوس» الشهير الحس بقوله: النباتات تنمو وتعيش، والحيوانات تنمو ~~وتعيش وتحس، وذلك أشبه بما كان يذهب إليه أرسطو من أن جميع الكائنات الآلية «الحيوان ~~والنبات» ذات نفس تختلف قواها باختلاف الكائنات، فكان يعتقد أن لنفس النبات ~~قوتين؛ وهما: النمو والتوليد، ولنفس الحيوان أربعا؛ وهي: النمو والتوليد والحس ~~والحركة، ولنفس الإنسان خمسا؛ وهي الأربع المتقدم ذكرها مع النفس أو العقل. # ومهما يكن من قول لينيوس وأرسطو، فإنكارنا الحس على أدنى النباتات يحسب خطأ كإنكارنا ~~إياه على الحيوانات العليا؛ لأنه موجود في أصغر النباتات، كما أنه موجود في أكمل ~~الحيوانات، ولكن وجوده فيها على أنواع مختلفة، وكلها لا تخرج عن الحد الذي حدد «كلود ~~برنار» الحس به حيث قال: «الحس هو جملة التغيرات الحاصلة في الجسم الحي بواسطة ~~المهيجات، أو تكيف في التأثير لكيفية في المؤثر.» وقد قسم «بيشات» الحس إلى ~~ثلاثة أنواع: الحس المعلوم، وهو المستولي على الحركات الظاهرة، والحس غير المعلوم، وهو ~~المستولي على الحركات الباطنة، والحس غير المحسوس به؛ أي الذي لا تدركه العين، وهو ~~القائم بغير الحركات. وفي كلامنا نلحق النوع الأخير بالثاني، ونقتصر على نوعين فقط؛ ~~وهما: الحس المعلوم، والحس غير المعلوم، مبينين إمكان استحالة الواحد إلى الآخر؛ الأمر ~~الدال على كونهما نوعين لصفة واحدة، فنقول: إننا لا نتعلم القراءة إلا بجهد جهيد، وقل من يقول: إنه تعلم القراءة من دون إعمال ~~النظر، ولكنا بعد ذلك نقرأ صفحة بجملتها من دون أن نفتكر فيها، فلا شك - والحالة هذه - ~~أنه حصل استحالة في نوعي الحس، كذلك في المشي، وفي كثير من الأعمال الاعتيادية، فإنه ~~كثيرا ما يكون الدماغ الذي هو عضو الإدراك لاهيا عنها بغيرها وهي جارية من دون علمه، ~~وهكذا - أيضا إذا وخزنا رجل ضفدع بإبرة - مثلا - فإنها ترفع رجلها لشعورها ~~بالألم، وتحاول التخلص من يد عدوها، فالحس هنا من النوع المعلوم. # ولكن إذا قطعنا رأسها؛ أي مركز الإدراك، فجسمها المقطوع ms086 الرأس لا يزال يرفع رجله ~~الموخوزة، ولكنه لا يحاول الهرب، فالحس هنا من قبيل الفعل المنعكس فقط من دون علم، ~~فبقطع الرأس في هذا الامتحان قد تحول الحس من نوع إلى آخر، وأكثر أعضائنا الباطنة ~~تشتغل عادة على غير علم منا، فقلبنا يضرب سبعين ضربة في الدقيقة من دون أن نشعر به ومن ~~دون إرادتنا، بل غصبا عنا أيضا، ولكن إذا فاجأنا انفعال ما؛ ففي الحال نشعر بشدة ~~إحساسه، ونتنفس أيضا من دون علمنا، ومن دون إرادتنا، ولكن إذا انتبهنا قليلا نعلم أنا ~~نتنفس ونتنفس كما نريد. # ومتى أكلنا فبعد ازدراد الأطعمة لا نعود نعلم بشيء مما يحدث فينا، ومع ذلك فإن ~~حسنا لا ينقطع عن الانفعال بهذه المواد التي تتغير كيماويا وطبيعيا، ثم تدخل في ~~الدم وتصل إلى أدق الدقائق التشريحية وتؤثر في حسها. ففي هذه الدقائق الأولية الآلية ~~العديدة جدا، التي تتألف من مجاميعها الكائنات الحية، توجد كل الصفات الحية الجوهرية، ~~ومن ثم الحس؛ فإن فيها مادة جوهرية تعرف بالبروتوبلاسم، وهي مادة لا شكل لها بنفسها، ~~ذات صفات غريبة، قد يتكون منها جسم حي متحرك دنيء يحيط بالدقائق الصغيرة التي يجدها في ~~الماء فيهضمها ويمثلها له. # والأيثير الذي هو الكاشف العظيم للحس يفقد هذه المادة شفافيتها وحركاتها، وإذا ~~تطاير عنها رجعت لها سيولتها وصفاتها الحيوية، فهي إذن ذات حس، ولكنه من النوع الذي ~~يعرف بالحس غير المعلوم، وكلما صعدنا في سلم الكائنات الآلية رأينا فيها نوعا من ~~الكريات التي تزداد وضوحا شيئا فشيئا، ويختص بها الحس، ويزيد بها قوة ونموا. وتعرف ~~هذه الكريات بالكريات العصبية، وهي منتشرة في الجسم الحي، وتؤلف في الحيوانات العليا ~~مجاميع مركزية تعرف بالمراكز العصبية تنحصر فيها التأثيرات، ثم تنضم أيضا إلى كريات ~~أخرى تعرف بالكريات العقلية، فهذه تعرف بها طبيعة الحس، فيصير الحس من النوع المعلوم، ~~فأنواع الحس المختلفة جميعها من طبيعة واحدة، ويؤيد ذلك فعل المخدرات فيها، والحس هو ~~أعم صفات الحياة، فكل ما يعيش يحس، ويمكن تخديره حيوانا كان أم نباتا، ms087 كما يتضح مما ~~يأتي: كل يعلم أن بعض النباتات إذا لمست تنفعل، وأن السنط الحساس تنقبض أوراقه، وأن ~~كثيرا من النباتات آكلة اللحم تنطبق على الذباب وغيره من أنواع الحيوان الذي يستقر ~~عليها فتصطاده وتغتذي به، وليس من يجهل - أيضا - تأثير النور في بعض الأزهار التي تفتح ~~في النهار وتذبل في الليل، ومع ذلك فلم يكن أحد يسلم بوجود الحس في النبات، حتى ~~بين ذلك «كلود برنار»، أشهر فسيولوجي هذا العصر وفلاسفته، ببراهين لا تدع معها سبيلا ~~للشك، فإنه بين أن المخدرات كالأيثير والكلورفورم تخدر بالسواء أرفع أشكال ~~الحس المعلوم وأدنى أشكال الحس غير المعلوم. # فإذا خدرنا حيوانا بهذين المخدرين يفقد منه أولا الحس المعلوم، فيقع في نوم عميق، ~~ثم إذا طال الأمر يفقد منه الحس غير المعلوم؛ إذ يمتد تأثير المخدر إلى جميع الدقائق ~~العصبية المنتشرة في جسمه فيبطل عملها ويموت، ويحدث هذا الأمر عينه في النبات إذا ~~خدر بالأيثير والكلوروفورم، فإننا إذا وضعنا إحدى أوراق السنط الحساس تحت فعل أحد ~~هذين المخدرين لم تعد تتأثر باللمس، وذلك - لا شك - ناتج عن فقدها قوة الحس، لا ~~قوة الحركة، بناء على ما نعلمه من تأثير الأيثير والكلوروفورم بالحس فقط دون ~~الحركة. # وهكذا إذا أخذنا إحدى الحبوب السريعة التفريخ كحبة الجرجير ووضعناها على إسفنجة ~~مشربة ماء، فلا يمر عليها أكثر من 24 ساعة حتى تنبت وينمو لها ساق وجذير، ولكن إذا ~~راجعنا الامتحان - مع مراعاة جميع الشروط اللازمة من الأكسجين والماء والنور والحرارة ~~ووضعنا الإسفنجة تحت قابلة فيها أيثير؛ فالحبة لا تنمو، ولكنها لا تموت، بل تنام نوما؛ ~~بدليل أنها تعود فتفرخ متى رفعت عنها القابلة وتطاير الأيثير، فهذه الحياة الخفية ~~الساكنة التي تتضمنها الحبة لا تستطيع أن تظهر للوجود إلا بشروط، منها خارجية، ومنها ~~داخلية، فالشروط الخارجية هي الماء والأكسجين والحرارة، وكلها شروط طبيعية ~~وكيماوية. # وأما الشروط الداخلية فمرجعها إلى واحد فقط موجود في نفس الحبة هو جوهر الحياة، وهو ~~الحس، فإذا عرض له ما يوقف عمله امتنع النمو ولو ms088 كانت الشروط الأخرى مستوفاة. وهذا ليس ~~خاصا بالنباتات وبذروها؛ لأن بيضة الدجاجة أيضا لا تستطيع التفريخ في هواء فيه ~~أيثير. # ولا يخفى أن التعفن حاصل عن فطر صغير ميكروسكوبي يحلل المواد المتعفنة، فيغتذي ~~ببعضها، والبعض الباقي يتحول إلى صورة جديدة، فمع كون هذا الفطر دنيئا جدا في سلم ~~الكائنات الآلية، فالأيثير يؤثر فيه ويمنع عمله؛ فيمتنع التعفن، وعلى ذلك فمن أدنى سلم ~~الكائنات الحية إلى أعلى ما يوجد على الأرض من نبات وحيوان توجد فيه نفس هذه الصفة ~~الجوهرية التي تتميز بها الحياة. وهي واحدة في الذات، ولو مهما تعددت أنواعها فبدونها ~~لا حياة، أو بالحري لا حياة ظاهرة، وبها تبدو كل حياة، وينمو النبات والحيوان. والعقل ~~الذي يضع الإنسان في مركز يميزه عن سائر المخلوقات ليس سوى نتيجة مجتمع إحساساته ~~المشتركة بعضها مع بعض. # هذا وإذا نظرنا إلى الحس من حيثية كونه تكيفا في التأثير لكيفية في المؤثر - كما في ~~الفقرة الثانية من تحديد كلودبرنار - فلا نستطيع أن نقفل باب الكلام في هذا الموضوع حتى ~~نأتي ولو بإشارة فقط على كون المادة ذات حس أيضا، بدليل أنها تتأثر حال كونها مؤثرة، ~~وتنفعل حال كونها فاعلة، فيكون حس الأجسام الآلية مرتبطا ارتباط الجزء بكله بتلك القوة ~~العظيمة التي بها تتجاذب الأجسام بالنسبة إلى مادتها، وبالقلب كمربع البعد بينها، أعني ~~بها الجاذبية العامة التي هي عبارة عن حس المادة في أبسط معانيه وأعم أنواعه. ~~ا.ه. # | كل السر في المادة1 # جاء في مقالتي «الحس وأنواعه»، المدرجة في الصفحة 294 من السنة الخامسة للمقتطف، ~~ما يتحصل منه «أن المادة ذات حس»، وأن «الحياة خاصة من خصائص المادة»، وهذه الحقيقة ~~وإن كانت من الحقائق التي لا تقبل الرد في هذه الأيام، إلا أنه لا تزال توجد طائفة من ~~العلماء يحاولون إنكارها، وعلى ذلك جرى صاحب مقالة «الحياة والجاذبية»، المدرجة في صفحة ~~236 من السنة السادسة للمقتطف، في اعتراضه على ما جاء في مقالتي المذكورة من هذا ~~القبيل، فبيانا للحقيقة يترتب علينا جميعا أن نبحث ms089 في هذه المسألة بحثا لا يتجاوز ~~حد العلم، وإنكارا لما يذهب إليه هو، وإثباتا لما ينكره يترتب علي؛ أولا: أن ~~أثبت أن المادة ذات حس، وثانيا: أن الحياة ليست سوى خاصة من خصائص المادة، وإذا تبين ~~ذلك سهل علينا إلحاق هذه الخاصة بالنواميس الطبيعية، سواء كانت الجاذبية أو ~~سواها. ~~(1) المادة ذات حس # الحس بالشيء في أبسط معانيه وأعم أنواعه هو الانفعال به، ولا يسع صاحب ~~الاعتراض إلا أن يوافقنا على ذلك، وإلا يترتب عليه أن ينفي الحس عن النبات ~~والحيوانات الدنيا التي لا شعور لها ولا إدراك. وهذا لا يوافقه عليه أحد من ~~الطبيعيين والفسيولوجيين المعاصرين. # من المعلوم أن المادة إذا لامست جسما حيا تفعل فيه فتهيج فيه الحس ، ولكن من ~~يقول لنا: إن الجسم الحي لا يفعل في المادة ويحدث فيها تغييرا، فبلا شك أن الحياة ~~تفعل في بعض الأوساط، وأكبر دليل على ذلك الاختمار، فإذا ترك محلول سكري كعصير ~~العنب مثلا ملامسا للهواء، فلا يلبث أن تدب فيه ملايين من الأجسام الحية الآتية ~~جراثيمها من الهواء، فهذه الأجسام الخميرية تنمو وتكثر بسرعة عجيبة، وتحدث في ~~المادة السكرية تفاعلا كيماويا يتحول به السكر بعد زمن معلوم إلى حامض كربونيك ~~وكحول، ثم الكحول إلى حامض خليك، فوجود الأجسام الحية في هذا السائل قد غير خصائصه، ~~فلو لم يكن هذا السائل يتأثر بهذه الأجسام الحية لما كان يتحلل عند ملامسته لها، ~~إذن هو يحس بفعلها. # ولا يصعب علينا أن نأتي بأمثال عديدة في هذا المعنى، وأن نبين أن النور والحرارة ~~والكهربائية التي تؤثر في حسنا تؤثر في المادة، كما هو ظاهر من تأثير النور في ~~المركبات الكيماوية المستعملة في الفوتوغرافيا، فلو لم تكن هذه المركبات تحس بالنور ~~لما كانت تتأثر به، وكذلك إذا أجرينا مجرى من الكهربائية على قطعة حديد لين، ~~فالحديد يتأثر بالكهربائية، أي يحس بها، وهو ظاهر من اكتسابه قابلية جديدة لم تكن ~~له قبل ذلك، وهي اجتذابه الحديد؛ أي صيرورته مغناطيسا. # والحرارة - كما نرى كل يوم - تغير المواد ms090 تغيرا كليا فتسيلها وتبخرها، فكل ~~هذه الظواهر تدل على أن المادة تحس بالعوامل الخارجية. وهذا ما يراد به في تحديد ~~«كلود برنار» للحس بقوله: إنه «تكيف في التأثير لكيفية في المؤثر.» وعلى ذلك تكون ~~الجاذبية التي تتجاذب بها الأجسام بالنسبة إلى مادتها وبالقلب كمربع البعد بينها ~~عبارة عن حس المادة في أبسط معانيه وأعم أنواعه. ~~(2) الحياة خاصة من خصائص المادة # الحياة عند الحيويين قائمة بمبدأ حيوي قائم بنفسه، مجرد عن المادة، غير خاضع ~~لنواميسها، مع كونه ذا سلطان عليها يدخل المادة من حيث لا نعلم، ويخرج منها إلى حيث ~~لا ندري. وأما عند الماديين فالحياة حالة من حالات المادة، أو كيفية من كيفياتها ~~خاضعة لنواميسها. ولقد أحسن صاحب مقالة «الحياة والجاذبية» بقوله: «قد أجمع العلماء ~~والفلاسفة على أن المذهب الأقوى دليلا، والأبعد عن معارضة الحقائق هو الأرجح ~~احتمالا.» فبقي علينا أن نعرف أية الحقائق هي التي يصح أن تسمى كذلك، أتلك المقررة ~~في الذهن أم التي قررها العلم، وأن نعرف أي دليل أقوى، أدليل الحيويين القائلين في ~~الحياة بالقوة الحيوية المنفصلة عن المادة، أم دليل الماديين القائلين في الحياة ~~بالقوى الطبيعية والكيماوية المتصلة بالمادة. # وأقوى دليل للحيويين على القوة الحيوية هو أن الحي لا يأتي إلا من الحي، ولا يمكن ~~أن يتولد من المادة غير الحية بواسطة القوى الطبيعية، فعلينا إذن أن نبين أولا: أن ~~القوة الحيوية المزعوم بها لا وجود لها، وأن الفاعل في الحياة هو القوى الطبيعية ~~والكيماوية، وثانيا: أن التولد الذاتي ممكن. فإذا ثبت ذلك سقط على ظني الحاجز ~~الحصين الذي يقيمه الحيويون بين الأجسام الحية والمادة، فتكون الاختلافات العارضة ~~على المادة في الكيفية والكمية، أي في الصورة فقط لا في الماهية؛ إذ إن جميع ~~الأجسام العضوية وغير العضوية مؤلفة من عناصر المادة، وخاضعة لنواميسها التي لا ~~تتزعزع. # القوة الحيوية لا وجود لها: إننا لا نعلم الحياة إلا بالأجسام الحية المؤلفة من ~~عناصر المادة، ولا يوجد في الجسم الحي عنصر غير موجود في العالم المادي، ونعلم أن ms091 ~~ما يسمى قوة لا ينفك عن ملازمة ما يسمى مادة، فكل ما يحصل في الجسم الحي حاصل في ~~عناصر المادة المؤلف منها ذلك الجسم بقوى المادة نفسها التي تعمل على نسق واحد في ~~العالم العضوي والعالم غير العضوي، كما نعلم من علمي الكيميا والطبيعيات اللذين لا ~~يمكن الاستغناء عنهما في درس الفسيولوجيا؛ فجميع الأعمال الحيوية مرجعها إلى القوى ~~الطبيعية والكيماوية، كما هو ظاهر في التنفس والإفراز والتمثيل والهضم والامتصاص ~~والدورة إلخ. # فإذا كانت أهم أعمال الحياة تتم بقوى كيماوية، وعلى مقتضى النواميس الطبيعية، ~~فأية حجة تبقى للحيويين لإثبات القوة الحيوية، أو بالحري أي لزوم لها؟ وهنا أسأل ~~الحيويين ومن تابعهم: من أين أتوا بالقوة الحيوية: أمن عالم المادة أم من غيره؟ فإن ~~كان من الأول فكيف أمكنهم أن يجردوها عن المادة، وإن كان من غيره فكيف أمكنهم أن ~~يدخلوها على المادة التي لا تنفصل عن قواها ولا تقبل سواها، فما هي أدلتهم ~~العلمية على ذلك؟ وغاية علمي أن ليس لهم أدلة موجبة، بل كل أدلتهم سالبة ينقضون بها ~~حجة الماديين، ويطلبون منهم أن يخلقوا لهم جسما حيا من جسم غير حي، فلننظر إذا ~~كان ذلك ممكنا. # التولد الذاتي: أعظم حجة كان يحتج بها الحيويون على الماديين في التولد الذاتي هي ~~عدم استطاعة القوى الطبيعية والكيماوية على تكوين مواد عضوية من مواد غير عضوية، ~~مما كان يجعل حجتهم في القوة الحيوية قوية بحسب الظاهر؛ لأن عجز الوسائط التي ~~للكيماويين عن تركيب مادة لا يؤخذ منه عدم إمكان تركيب هذه المادة طبيعيا، فإن ~~الألماس مع كونه من المركبات التي لا خلاف في كونها طبيعية، فالكيمياء لا تزال ~~عاجزة عن تكوينه، ولو توفرت لها كل الوسائط، ولم ينقصها سوى ذلك العامل العظيم؛ أي ~~الزمان، الذي ألف سنة منه في عين الطبيعة نظير أمس الذي عبر لنقصها كل ~~شيء. # ومع ذلك، فاحتجاجهم هذا لم يعد له قيمة من بعد ما بين دهلر سنة 1828 إمكان اصطناع ~~الأوريا العضوية كيماويا من السيانوجين والنشادر غير العضويين، ms092 ومن ذلك العهد إلى ~~الآن قد تقدمت الكيمياء جدا، وصار في إمكانها استحضار أكثر المواد العضوية من ~~المواد غير العضوية بطريقة صناعية لا دخل للحياة فيها؛ كاستحضار الكحول والحامض ~~الفورميك وسكر العنب والحامض الأكساليك والمواد الدهنية حتى الألبيومن والفيبرين ~~والخوندرين من مواد غير عضوية. # فإذا كان مثل ذلك مستطاعا في المعامل الكيماوية، فما المانع من أن يستطاع أعظم ~~منه في المعمل الذي فيه تعمل أعظم قوى الطبيعة، فيتولد الحي من عناصر المادة تولدا ~~ذاتيا، والأجسام الحية المتولدة ذاتيا، حسب هكل، والتي يمكن مراقبتها هي ~~الأجسام التي أطلق عليها اسم # Moneres ~~؛ أي الحية ~~وحدها؛ فهي غاية في البساطة، والمعروف منها للآن سبعة أنواع بعضها يعيش في المياه ~~العذبة، وبعضها في المياه المالحة ، وهي أم الأنواع، وكل منها مؤلف من بذرة صغيرة من ~~مادة كربونية البيومينية من دون نسيج. # وبما أنه لا أعضاء لها ولا تقسيم عمل، بل جميع ظواهر الحياة فيها تتم بواسطة مادة ~~واحدة من طبيعة واحدة لا شكل لها، فلا يمكن أن تكون أتت من جرثومة حية، فلا بد أن ~~تكون نتيجة التولد الذاتي آتية من المركبات الكربونية الأشد بساطة، وما المانع من ~~أن تكون كذلك، مع علمنا أن الكيمياء في إمكانها أن تكون مركبات كربونية من هذا ~~القبيل؟ أليس ذلك أولى بالتصديق من الزعم بجرثومة طمسن المحمولة على نيزك من ~~النيازك، أو غيرها من الجراثيم المزعوم بها؟ وما هي تلك الجرثومة، أو ما هي هذه ~~الجراثيم الغريبة المصدر؟ ومن أي العناصر هي مؤلفة؟ وكيف تكونت؟ فإذا كانت مؤلفة من ~~عناصر المادة؛ فهي تحت حكم النواميس الخاضعة لها المادة، فما الداعي - والحالة هذه ~~- إلى الخروج عن المادة لتفسير أعمال المادة التي فيها سر كل الكائنات؟ # فهذه خلاصة من براهين كثيرة تتأيد بها حجة الماديين، وتسقط بها دعوى الحيويين، ~~ولكن لما كان المقام لا يسمح لنا باستيفاء كل البيانات التي جاءت من هذا القبيل؛ ~~اجتزينا الآن بهذه العجالة، وفينا شديد أمل بالعود إلى هذا الموضوع كلما مكنتنا ~~الظروف. ا.ه. # طنطا ms093 9 أيلول 1881 # | الحياة1 # لا أعلم كيف جاز لجناب صاحب مقالة «كشف الأستار عن الأسرار» # 2 # أن يتوهم بي العدول عن أن الحياة هي الجاذبية أو نوع منها، مع أني لم أعدل ~~حتى الآن، وليس في كلامه: الحياة والجاذبية، ولا في: كشف الأستار عن الأسرار ما يوجب بي ~~سرعة هذا الانتقال، وليس في كلامي شيء يوهمه، ولو كان فيه ذلك لالتمست له عذرا. وأما ~~قولي من مقالتي السابقة: «وإذا تبين ذلك سهل علينا إلحاق هذه الخاصة «أي الحياة» ~~بالجاذبية أو سواها من القوى الطبيعية.» فلا يجوز لأي كان أن يتوهم منه ذلك؛ فهو يحصر ~~الحياة في القوى الطبيعية، وهذا لا يوجب الخروج عن الجاذبية إلى غيرها للمشاركة الكائنة ~~بين القوى الطبيعية واستحالتها بعضها إلى بعض، ولاعتبار الجاذبية أم الباب. # فضلا عن أن قولي في المقالة المذكورة في إثبات الحس للمادة: «فتكون الجاذبية العامة ~~إلخ، عبارة عن حس المادة إلخ.» فيه من التخصيص ما هو كاف لإزالة كل شبهة بإلحاقي ~~الحياة بالجاذبية، فإذا كان الحس نوعا من الجاذبية؛ كانت الحياة بالضرورة - أيضا - ~~منها، وهو - على ظني - كلام صريح لا يحتمل التأويل، ولا يصح أن يؤخذ منه معنى ~~العدول. # وأما قوله: إن الحس لا يصح أن يكون الانفعال؛ لأن من الانفعال ما ليس حسا، وأنه لا ~~يسلم بحس المادة حتى نبين له أن انكسار الحجر بالمطرقة هو حس؛ لأنه انفعال، فنجيبه عليه ~~بما أجبناه به فيما سبق؛ وهو أنه إما أن يسلم بالحس في النبات وفي أدنى الحيوان أو لا، ~~فإن كان الثاني كان اعتراضه في محله، وإنما يبقى عليه أن يفصل الحس عن الحياة ويناقض ~~الفيزيولوجيين ونفسه أيضا، وإن كان الأول - ولا آراه إلا ميالا إليه - ترتب عليه ~~ضرورة أن يفهم بالحس معنى الانفصال فقط؛ لأن الحس فيه هو من النوع غير المعلوم، وهو ~~أشبه بانفعال المادة البسيط. # فما دامت المادة تنفعل فهي تحس، وعليه تبخر الماء بالحرارة، واحتراق العود بالنار، ~~واسوداد نيترات الفضة بالنور، ونفور الجسم المكهرب من كهربائيته، وانجذابه ms094 بضدها حس - ~~أي تأثر أي تكيف أي انفعال - فلو لم تكن المادة تحس لما كان الماء يتبخر، ولا ~~العود يحترق، ولا الفضة تسود، ولا المكهربات تتدافع متشابهاتها، وتتجاذب متضاداتها، ~~فانكسار الحجر إذن حس؛ لأن انكساره هو عبارة عن تفرق اتصال في مادته لانفعالها بقوة ~~مقاومة غالبة لقوة أخرى هي موجب اتصالها، فاجتماع مادة الحجر هو لقوة كائنة في دقائقها ~~تفعل فيها جاذبية الالتصاق، وانكساره هو لقوة تفعل في مادته ضد ذلك، كائنة في عمل ~~المطرقة، تحس بها الدقائق المتفرقة، ولو لم تكن تحس بها وبسابقها لما اجتمعت، ولما ~~تفرقت، ولا تكون حجر ولا انكسر. # وأما قوله في قولي: إن ما يسمى مادة لا ينفك عن ملازمة ما يسمى قوة: إنه «دعوى لا ~~أستطيع إثباتها ، وإن جميع الأعمال الحيوية مرجعها إلى القوى الطبيعية والكيماوية»، أنه ~~«ترد عليه شبهاته»، فمردود عليه بما يأتي؛ وهو: # أولا: # القول بأن ما يسمى مادة لا ينفك عن ملازمة ما يسمى قوة ليس بدعوى، بل ~~حقيقة من أثبت الحقائق العلمية، وإذا جاز أن يكون هناك دعوى، فتكون ~~بجانب من يدعي الخلاف، وكيف يصح أن تكون دعوى ومبادئ العلوم الطبيعية ~~تعلمنا أن المادة لا تعلم إلا بالقوة، والقوة لا تعلم إلا ~~بالمادة، وتعلمنا أكثر من ذلك؛ إذ تهمس لنا في آذاننا: أن لا تصدقوا ~~بقوة خارج المادة، فهل له بعد ذلك أن يذهب بنا غير هذا المذهب، ويفيدنا ~~عن قوة بلا مادة، أو مادة بلا قوة، فنسلم لما يقول، ويصفق العلم ~~لاكتشافه طربا، فيرينا الحرارة والنور والكهربائية وجميع القوى ~~الطبيعية والكيماوية، أصلها وفرعها، مجردة عن المادة، والمادة مجردة عن ~~الصفات أو الخصائص أو القوى، سمها كما شئت؟ # وحينئذ يسقط الخلاف بين العلماء بغلبة الحيويين، وإن لم يستطع ~~فليسمح لنا بتكرار قولنا: إن المادة الحية إنما تكيفت بالقوة الملازمة ~~للمادة المركبة، هي «أي المادة الحية» منها باستحالة في نفس القوة، كما ~~حصلت الاستحالة في نفس المادة. # ثانيا: # قلنا إن جميع الأعمال الحيوية مرجعها إلى القوى الطبيعية ~~والكيماوية، وذكرنا لتأييد ms095 ذلك أهم الأعمال الحيوية كالتنفس والإفراز ~~والتمثيل والهضم والامتصاص والدورة إلخ، فاعترض بأن ذلك لا يدفع ~~الشبهات التي أوردها، والتي قال: إن جوابي له لم يكن فيه رد على واحدة ~~منها، مع أن الرد عليها متحصل من مجمل الكلام لو تدبر، ويظهر من كلامه ~~أنه لا ينكر بأن الأعمال الحيوية تتم بقوى كيماوية، وعلى مقتضى نواميس ~~طبيعية، وإنما يشترط لها الاشتراك بمدبر آخر غريب مجرد عنها يسميه ~~بالقوة الحيوية هي مصدر شبهاته، وسبب هذا الاختلاف العظيم بين الأجسام ~~الحية والجماد. # وقد فاته أن المقابلة لكي لا تكون موهومة ينبغي ألا تقتصر على أكمل ~~الأجسام الحية، بل أن تشتمل على أبسطها من مثل الكرية الحية التي تتألف ~~من مجاميعها الأجسام الحية كافة، والتي فيها أصل كل الحياة؛ فهذه ~~الأجسام البسيطة إذا قوبل بينها وبين الجماد لم يكن فرق، لا في المادة، ~~ولا في القوة، ولا في المنشأ، ولا في البناء، ولا في النمو، ولا في ~~الشكل. # أما في المادة فلأن العناصر المؤلفة منها الأجسام الحية هي نفس ~~العناصر الموجودة في الأجسام غير الحية، وأما في القوة فلأن جميع ~~الأعمال الحيوية بدون استثناء تتم بالقوى التي تتم بها جميع أعمال ~~المادة، أي بالقوى الطبيعية الكيماوية، وأما في المنشأ فلأن الأجسام ~~الحية تتولد كما تتولد الأجسام غير الحية، أي إن الحي يأتي من غير ~~الحي، وشاهده المنير والأميب والموناس وغيرها من المتولدات البسيطة ~~غير الآتية من جراثيم سابقة، بل من عناصر المادة بقوة في نفس المادة، ~~ولا يعبأ بإنكار بعضهم لهذه الأجسام طالما يوجد من يؤيدها من ذوي ~~المكانة من أهل العلم. # وعلى فرض صحة عدم العلم بتولد ذاتي - كما يزعم - فذلك لا يجعله ~~ممتنعا، وأما في البناء فلأن بناء الأجسام الحية الأولية بسيط ~~جدا، فهو بالبساطة كبناء البلورات، وأما في النمو فلأن البلورات ~~تنمو على مقتضى نواميس محدودة، والأجسام الحية تنمو على مقتضى نواميس ~~محدودة كذلك، والفرق بينها أن النمو في البلورات يتم بإضافة دقائق ~~جديدة متشابهة إلى سطحها الظاهر، وفي الأجسام ms096 الحية بإضافة دقائق جديدة ~~متشابهة إلى باطنها تتداخل فيها، وهو فرق ظاهري فقط ناتج عن اختلاف في ~~كثافة مواد الأجسام الحية والأجسام غير الحية. # وأما في الشكل فلأن الحيوانات المشععة من جنس البروتيست ذات تكوين ~~هندسي كالبلورات محدودة بسطوح وزوايا هندسية، والمونير والأميب ~~والموناس وغيرها من العادمة الشكل التي لا تثبت على شكل واحد، بل تتغير ~~في كل لحظة، هي شبيهة بالأجسام غير الحية التي ليس لها شكل معين ~~كالحجارة غير المتبلورة والرواسب إلخ. # ففيما تقدم نقض لشبهاته، وإذا بقي هناك بعض احتمال فهو منقوض بما ~~يأتي؛ وهو أن وحدة القوة الفاعلة في المادة لا تستلزم مشابهة المادة في ~~سائر أحوالها؛ أي إذا كانت الجاذبية أصل الحياة - وهي موجودة في الجماد ~~- فلا يلزم أن تكون أعمالها فيه كأعمالها في الجسم الحي، فكما أن ~~المادة الموجودة في الجسم الحي هي نفس المادة الموجودة في الجماد، مع ~~أن الفرق بينهما جسيم، فهكذا أيضا القوة الموجودة في الجسم الحي هي ~~نفس القوة الموجودة في الجماد، ولو بعد الفرق بينهما، وإذا صحت ~~استحالة المادة إلى ما يجعل الفرق بينها في الجسم الحي وبينها في ~~الجماد كليا - وهي واحدة في كليهما - فلماذا لا تصح هذه الاستحالة ~~نفسها في نفس القوة مع وحدة أصلها؟ # والاستحالة في القوى أمر معلوم، فالجاذبية تستحيل إلى حركة، والحركة ~~إلى حرارة، والحرارة إلى كهربائية، وهي إلى نور وبالعكس، مع أن الحركة ~~هي غير الجاذبية، والجاذبية هي غير الكهربائية في الظاهر. ولو صح ما ~~افترضه من لزوم مشابهة الجماد والحي - لو كانت الحياة جاذبية؛ لصح لنا ~~أيضا بالقياس عليه أن نسأله: لماذا لا يتشابه الكحول والسكر والنشا ~~والصمغ والألماس والفحم؟ # ولماذا يتبلور الذهب على مثمنات هرمية، والبزموث والأنتيمون على ~~مسدسات، واليود والكبريت على مربعات؟ ولماذا تتحد الأجسام بعضها ببعض ~~على نسب مختلفة؟ ولماذا يكون بينها تفاوت في الألفة؟ فإن القوى ~~الطبيعية والكيماوية واحدة في جميعها، وفي بعضها العناصر واحدة، ~~والمقادير أيضا واحدة، فبم يجيبنا عن هذه الفروقات الكلية الواقعية مع ~~وحدة القوى ms097 الطبيعية؟ نجيبه نحن أيضا عن الاختلافات التي بين الأجسام ~~الحية والجماد، فيفهم حينئذ كيف أن الحياة هي الجاذبية أو نوع منها، ~~اللهم إلا إذا قال لنا بقوى أخرى خاصة بكل مادة منها، وبكل حالة على ~~حكم القوة الحيوية تتصل بها وتنفصل عنها، وتجعل هذا الفرق بينها. وذلك ~~أقرب الوجوه للتخلص، إلا أنه يكون فيه منفردا حتى بين طائفته، ويترتب ~~عليه أن يتجشم إثباته، ودون ذلك عقبات لا تقطع. # وأما ما ذكره عن هكسلي وهكل بأنهما رأيا بطلان زعمهما - أي القول ~~بالتولد الذاتي - وأنهما أنكرا الباتيبيوس والمونير وغيرهما من جنس ~~البروتيست كالأميب والموناس، وصارا يعدانها بين الأوهام، فيحتاج إلى ~~إثبات، فإنهما - على ما أعلم - لم يريا بعد بطلان مذهبهما، ولم يرجعا ~~عنه، وسواء علينا رجعا أو لم يرجعا. والذي أعلمه علم اليقين أنهما ما ~~برحا يؤيدان هذا المذهب، ولم ينفردا فيه وحدهما، بل أنصارهما كثيرون، ~~وعددهم يزداد يوما عن يوم لازدياد الاكتشافات، واتضاح الحقائق ~~العلمية. # فكيف أمكنه - والحالة هذه - أن يرد إلى مذهبه عصبة قوية صعبة جدا ~~بمجرد كلام ليس فيه صعوبة؟ أو كيف جاز له أن يضرب فيهم مثل ذلك الفلكي ~~الذي سقط الحباحب على زجاجة نظارته وهو - لعمر الحق - أولى بطائفة ~~الحيويين الذين أقاموا من الأوهام حقائق. ولا أقول ذلك استخفافا، بل ~~إنما أقول الواقع؛ فإن القوة الحيوية التي يزعمون بوجودها ليست - والحق ~~أولى أن يقال - إلا بقية أوهام تجلببت بجلباب الغيوم، وركبت على أجنحة ~~الرياح، وطارت وطارت في طبقات السماوات، واحتجبت فيها، وإلا فليقل لي ~~جنابه: ما هي القوة الحيوية؟ ومن أين أتت؟ وما نسبتها إلى المادة ~~والأجسام الحية؟ فأرجو أن يجاوبني على هذا السؤال - الذي تقدم مني، ~~والذي سدل عليه الستر في مقالته «كشف الأستار عن الأسرار» - بكلام لا ~~يدع معه مجالا للتأويل. ا.ه. # | الحياة والجاذبية1 # إن تأييد القول في كون الحياة جاذبية، وكون المادة ذات حس باعتبار الحس في أبسط ما ~~يكون عليه؛ لا بد فيه أولا من تجريد الحياة من كل قوة فوق الطبيعة؛ لكي ms098 يمكن حصرها في ~~القوى الطبيعية، أي في قوى المادة نفسها. وهذا هو السبب الذي جرنا في المباحثة إلى ~~الكلام في ملازمة القوة للمادة، وفي التولد الذاتي وما يتضمنه من تكون الأنواع الحية ~~متسلسلة عن بعضها على سبيل الاستحالة، مما تبرأ منه جناب المعترض بقوله: إن تلك مسائل ~~لا يعنيه أمرها في هذا المقام، مع أنه يستحيل حصر الكلام في الحياة والجاذبية إلا بعد ~~الاتفاق على نسبة الحياة إلى المادة لتعرف أعارضة هي أم لازمة، وبغير هذا الاتفاق يكون ~~البحث في الحياة والجاذبية ضربا من العبث، فكل واحدة منها مقدمة ونتيجة معا للباقي، ~~فلا يصح أن يعد النظر في هذه المسألة على هذه الصورة شرودا أو عدولا. # ولقد تقدم بيان ذلك فيما سبق جملة على قدر الإمكان، فقال: إنه لا يزال غير واف ~~بالمقصود، لا في إثبات الحس للجماد، ولا في كون الحياة جاذبية، ولا في غير ذلك؛ لأن ~~الجماد لا يصدق عليه الانفعال الحيوي؛ إذ لا يؤثر الأيثير في انفعاله، ولا تفعل ~~الجاذبية فيه ما تفعل الحياة في الحي، ولا يخفى ما في ذلك من المؤاخذة، مع أن القوة ~~التي تفعل في التبلور على قياس معلوم تختلف في عملها كثيرا عن سواها من القوى الطبيعية ~~كالحرارة مثلا. # فعلى مقتضى قياسه يجب أن يكون بينهما فاصل في الطبع، فإن سلم هذا سلم له ذلك أيضا، ~~فإذا كان الأيثير لا يظهر فعله في الجماد، فذلك لا يتخذ حجة على اختلاف طبع ما يفعل في ~~انفعاله عن طبع ما يفعل في الأجسام الحية؛ لأن القوة تختلف ظواهرها بحسب مظاهرها، والحس ~~نفسه غير متساو في طبقات الأجسام الحية، ولا انفعاله بالأيثير فيها على حد واحد، وقد ~~لا يؤثر فيما كان منها بسيطا جدا، أو لا يظهر لنا تأثيره كما في المركبات ~~الآلية. # ومن المعلوم أن من خصائص المواد الحية سرعة انحلالها، فأين انحلال بعض المواد ~~الحيوانية من انحلال بعض المواد النباتية التي تكاد تكون في ثبوتها كالجماد؟ أيمنع ذلك ~~النسبة الكائنة بينها؟ أو لا ms099 يعتبر هذا الفرق بينها نسبة متدارجة؟ فلماذا لا يعتبر هذا ~~الفرق في الجماد كذلك نسبة لانحطاطه في طبقات الكوائن؟ ألعله لا يقر باستحالة المواد ~~والقوى، فأين الفكر المركب من الحس البسيط؟ وأين الكهربائية من الحركة؟ فالقوة العامة ~~في الكون، والتي اصطلح العلماء على تسميتها بالجاذبية - سواء أفاد هذا الاسم شيئا أو ~~لم يفد - هي القوة التي ترجع مركبات القوى إلى بسيطها، وهي التي ترجع الحياة إليها ~~أيضا، وقوله: إن اعتبار الانفعال في الجماد حسا بسيطا شيء جديد لا يراه موافقا ~~لآراء العلماء، ولا منطبقا على تعاريفهم، قلت: إن بحثنا ليس فيما هم متفقون عليه، بل ~~فيما هم مختلفون فيه، وإلا لما كان داع لذلك كله. # وأما قوله: إن العلوم غير الطبيعية تعلمنا بأن القوة قد تنفك عن المادة، فنجيبه: إن ~~العلوم الطبيعية لا تعلمنا ذلك، وبحثنا فيها لا في تلك، قال: إن وجود قوة لا تلازم ~~المادة ممكن، وضرب لذلك - مثلا - ملازمة الحياة للمادة إلى زمن محدود، قلنا: متى مات ~~الجسم الحي أين تذهب القوة الحيوية: أتبقى كامنة في مواده أم تفارقها أصلا؟ أما نحن ~~فنعلم أن المادة لا تتلاشى، والقوة لا تتلاشى كذلك، فلا شيء من مواد الجسم الحي يتلاشى ~~من العالم المادي متى مات، ولا شيء يتلاشى من القوى التي فيه، فمواد الجسم الحي متى ~~انحلت تتغير كثيرا في الصورة عما كانت عليه فيه، كذلك الحياة تتغير في الخاصة أيضا، ~~فهذا ما نذهب إليه ويذهب إليه أكثر الطبيعيين، ونحن لا ننكر بأن كيفية ذلك تخفى علينا، ~~ولكن تخفى علينا أمور أخرى كثيرة طبيعية أيضا، إلا أننا لا نستطيع إلا الإقرار بأن ما ~~نعلمه من تكون الأنواع بالاستحالة طبقا لنواميس عامة لا تتغير برد كل شيء إلى ~~المادة ونواميسها، التي هي هي ثابتة غير متزعزعة، تفعل مضطرة غير مختارة على قياس معلوم ~~على حد سوى في الجماد والنبات والحيوان. # ولكن لماذا تظهر في الحي على خلاف ما تظهر في الجماد، فعلى حد قولنا: لماذا يعوم ~~الخشب ويغرق الحديد؟ فلا ms100 يقتضي أن ينمو الجماد ويغتذي كما ينمو الحي ويغتذي، وإلا صار ~~حيا، وهل تقتضي القوى إذا كانت من طبع واحد أن تكون أعمالها واحدة، كيف كانت؟ وأين ~~كانت؟ ألا ترى أن ذلك يفضي بنا إلى أن يكون الكون واحدا متساويا في الصورة، حيوانا ~~واحدا، أو نباتا واحدا، أو جمادا واحدا، والواقع هو بخلاف ذلك؟ # أما ما قاله من اختلاف جواهر العناصر في التركيب بين الحي والجماد، وما فيه لنا من ~~المسامحة الظاهرة، فيحق لنا أن نسامحه عليه لا لأن الاختلاف المذكور غير موجود، ولكن ~~لاعتماده عليه فاصلا بين طبيعة وطبيعة، كأن الجواهر المذكورة غير مادية، أو كأنه لا ~~يمكن الحصول على مثلها في الطبيعة، وفي المعامل الكيماوية بواسطة القوى المادية. # وأما قوله: إن كون الحياة لا تفرق في الطبع عن القوى الطبيعية والكيماوية يلزم منه ~~تبيين إمكان تركيب العناصر والقوى تركيبا جديدا يظهر ظواهر الحياة فيها؛ فإن كان ~~المقصد منه إمكان ذلك طبيعيا، فهو حاصل، وبيانه في المواد الطبيعية المركب منها الحي ~~بقوة ملازمة غير مفارقة إلا مفارقة عارضية. وأما إن كان مقصده أن نخلق له بالوسائط التي ~~لنا في بواتقنا رجلا أو فيلا؛ فهذا لا يمكن، وهو شرط غير ضروري، وأما إيضاح الأعمال ~~الحيوية بالقوى الطبيعية المعروفة، فأظن أن البيولوجيا والفيزيولوجيا فيهما من ذلك ما ~~يكفي للاقتناع. # وأما قوله: إن التولد الذاتي لا يمكن بحجة أنه لم يعلم إلى الآن متولد ذاتي متفق ~~عليه، فهذا على فرض صحته لا يوجب كونه لم يمكن، وقوله: إن الباثيبيوس لم يكن إلا راسبا ~~من كبريتات الكلس، وأن السفينة تشالنجر لم تعثر عليه، فمردود عليه، أولا: بما أظهر هكل ~~فيه من تلونه بأحمر إذا أضيف إليه راسب الدودة، وبأصفر إذا أضيف اليود وحامض النتريك، ~~وذلك لا يحصل في راسب بسيط من كبريتات الكلس، وثانيا: أن السفينة بولارس التي سارت بعد ~~تشالنجر قد اكتشفت مادة بروتوبلاسمية تختلف عن الباثيبيوس بعدم وجود شيء من التجمعات ~~الكلسية فيها، وسماها الدكتور إميل بسلس بروتوباثيبيوس، فإن كان هذا ms101 محور الخلاف - ولا ~~أظنه كذلك - فهذه ضالتنا قد وجدت، وما ذكره من أقوال العلماء لا يستفاد منه سوى أنهم ~~يتعجبون ولا يدركون كيف تحصل الحياة، وأي سر من الأسرار الطبيعية يدركونه، أو لا ~~يتعجبون منه ولا يستفاد منه؟ إنهم يوافقون الحيويين فيما يقولون. # وأما قوله: إن الأجسام الأولى الحية على افتراض تولدها من الجماد بواسطة القوة ~~الطبيعية المحضة فلا يتم لها ذلك؛ لأنها لا تقدر أن تغتذي من المواد الجمادية رأسا، ~~فلو تأمل قليلا لوجد أن تغذية الأجسام الحية - على فرض صحة افتراضه - تحصل من المواد ~~الآلية التي تتكون رأسا من الجماد كالألبيومن والفيبرين وغيرهما، وربما كانت هي نفسها ~~التي تظهر فيها الحياة أولا، ويجب أن يكون كذلك، وهي بالحقيقة حلقة تولد الحي من غير ~~الحي، فمن يرى ذلك كله ربما يحسب جسورا مقتحما إذا تنبأ بأن العلم سيصل بعد خمسين ~~سنة، بل خمسمائة سنة إلى أن يخلق حيا يسعى. # ولكن بلا شك يحسب جبانا مرتعدا إذا كان لا يعتقد بأن الأنواع متكونة بالاستحالة لا ~~بالجراثيم، وأن الحي متحول عن غير الحي، ويستحيل غير ذلك، فلو افترض أن الحياة مجردة عن ~~المادة لوجب أن تكون هي العامل في تركيب محلها وتحليله، والحال أن وجودها فيه متوقف على ~~وجوده، وهو لا يكون قبل تركيبه لتوقفه عليه، ولا بعد تحليله لانتقاضه به، فلو كانت هي ~~العامل فيهما لكان عملها - والحالة هذه - قبل وجودها في الأول، وبعد عدمها في الثاني، ~~وهو محال. # وأين الحكم في تجريد القوة الحيوية عن المادة، بعد علمنا أن كل ما هو كائن خاضع ~~لنواميس أزلية في مادة هي كذلك؟ بل الحكمة في إلحاق هذه القوة بغيرها من القوى ~~الطبيعية، والعلم أكبر شاهد على ذلك. وعليه فالقوة ملازمة للمادة، وكل قوة ملازمة ~~للمادة طبيعية، والحياة قوة، فالحياة ملازمة للمادة، إذن الحياة قوة طبيعية، وتسميتها ~~حيوية لا يغير شيئا من طبعها كتسمية بعض ظواهر القوى المعروفة في الطبيعة كيماوية، ~~وعندنا أنها الجاذبية باعتبار الجاذبية أعم القوى، وباعتبار الحياة في أبسط ms102 ما تكون ~~عليه. # هذا وإن الحياة مسألة من ضمنها مسائل لا يفي فيها النظر الإجمالي؛ لأنها تحتمل شرحا ~~طويلا يضيق عنه ما خصص لمثلها في الجريدة، فربما ذكر الواحد شيئا وفاتته أشياء، فلا ~~بد فيها من التفصيل والتبويب على الترتيب الذي يقتضيه الموضوع للوصول إلى إجماع معلوم، ~~غير الإجماع على الإقرار بالقصور المشكور الذي هو أعم من أن يختص بالحياة، بحيث نتكلم ~~أولا في الأنواع: أجرثومية هي أم تحولية؟ وفي الحياة: أقوة هي أم غير قوة؟ وفي القوة: ~~أملازمة للمادة أم غير ملازمة؟ وفي المادة: أأزلية هي أم فانية؟ وفي الحياة كقوة ملازمة ~~للمادة: أيصح أن تكون الجاذبية أم لا؟ # فربما لم يكن بيننا خلاف في الواقع أو كان، ولكن لم يكن جوهريا، ونحن نتوهمه كذلك، ~~إلا أن البحث هكذا ربما يطول، وأخاف أن يملنا القراء فنسأل لهم صبرا جميلا، ولنا ~~عفوا كريما، ولكن ربما كان يطول أكثر بغير ذلك، وأنا متيقن بأن جناب الخصم في ~~المباحثة، والصديق في المودة، يسر بذلك لما يعهد فيه من الذكاء، فموعدنا إذن إلى ~~العدد الآتي. والسلام. # | بعض ملاحظات في الحياة # (1) قابلية التهيج # من أهم مباحث الفيزيولوجيا العامة معرفة أعمال الكرية الحية؛ لأن جميع الأنسجة ~~المؤلفة منها الأجسام الحية مرجعها إليها، وأهم أعمال الكرية الحية قابليتها ~~للتهيج، فمعرفة نواميس قابلية التهيج هي إذن معرفة نواميس الحياة. # كل جسم حي، وكل نسيج كذلك متغير بالقوى التي من الخارج، فكل قوة خارجية تغير حال ~~الكرية الحية تحسب مهيجة لها. # الكرية الحية موجودة على حال كيماوي وطبيعي معا، فهي على حالة معلومة من ~~الكهربائية والحرارة والضغط والتركيب الكيماوي، فكل ما يعرض لها من الخارج ويغيرها ~~عن إحدى هذه الحالات يحسب مهيجا لها، فجميع القوى التي من الخارج مهيجات، ~~والمهيجات كهربائية وكيماوية وحرارية وميكانيكية، وهي إنما تنبه قابلية الكرية ~~الحية للتهيج؛ لأنها تغير تركيبها، فكل المهيجات مغيرات للكرية، وكل المغيرات ~~مهيجات. # وعليه فالجسم الحي غير فاعل من نفسه إلا ما يفعله في الأشياء التي من الخارج من ~~قبيل ms103 ما تفعله هي فيه، فهو لا يقدر أن يتحرك ذاتيا، فلو فرض - وهذا الفرض ممتنع ~~مقوله - أن جسما من طبع واحد وضع في وسط ساكن لبقي ساكنا ولم يتحرك، فحركة ~~الأجسام الحية مفعولية لا فاعلية. # واعلم أنه لا بد من شروط معلومة لحصول التهييج؛ فالمهيجات إذا كانت بطيئة جدا ~~وتدريجية فالجسم الحي يكاد لا يتهيج منها، مثال ذلك: إذا أجريت مجرى كهربائيا ~~على جسم حي وقويته شيئا فشيئا فلا يحصل عنه حركة في ذلك الجسم، وهكذا إذا وضعت ~~سائلا حامضا حامضه قليل جدا على جلد ضفدع، فيمكنك أن تزيد الحامض قليلا ~~فقليلا حتى يبلغ درجة شديدة من الحموضة بدون فعل منعكس عنه، وقس على ذلك جميع ~~المهيجات مهما كانت. # ولا تنفعل الأنسجة إلا لفرق بين مهيجين: لنفرض مهيجا «ب» مثلا، فإذا تبعه مهيج ~~آخر «ب» مثله غير مفصول عنه بفترة، فالمهيج الثاني لا تحصل عنه نتيجة. وهذا ما يحصل ~~- خاصة - في الحس المعلوم، فإننا لا ندرك إلا فرق التهيجات، وليس التهيجات نفسها، ~~فإنا إذا وضعنا اليد على مادة ولم نحركها، فلا تمضي بضع ثوان حتى نفقد فيها الشعور ~~باللمس، ولا نعود قادرين على الحكم بطبيعة المادة الملموسة. # فمما تقدم، لنا النتيجة الآتية: وهي كل مغير للحالة مهيج، لكنه لا يكون مهيجا ~~إلا إذا صدم الأنسجة صدمات مختلفة بين الشدة والخفة. ~~(2) حفظ القوة وكمونها في الأجسام الحية # كل اهتزاز في العصب، وكل عمل في الدماغ، وكل انقباض في العضل ترافقه ظواهر طبيعية ~~وكيماوية في النسيج الذي يكون فيه العمل؛ تجوز لنا إلحاق النواميس الفيزيولوجية ~~للأجسام الحية بالنواميس الطبيعية للجماد. # لا يخفى ما قرره العلم من مذهب الحرارة الميكانيكي، ومذهب حفظ القوة، فعلى هذين ~~المذهبين لا تضيع قوة في الطبيعة، فالحركة ليست سوى نوع من الحرارة، فلا يوجد في ~~الطبيعة إلا تغيرات واستحالات في القوة، فكمية القوة المنتشرة في العالم لا تتغير، ~~ولا تتغير إلا صورها، فتظهر تارة على صفة حرارة، وتارة حركة، ومرة كهربائية، وأخرى ~~تركيب أو تحليل كيماويين. # فقوة الأجسام ms104 الحية أصلها كيماوي، أي إنه يحصل في جوهر أنسجتها تأكسد وتركيب، ~~وجملة ظواهر نتيجتها ليست توليد قوة، بل إظهار قوة كامنة. وهذه القوة تظهر بالحرارة ~~والحركة، وبين مقدار الحرارة المنتشرة والحركة الحاصلة نسبة شديدة، بحيث إنه كلما ~~كثرت الحركة قل ظهور الحرارة، وبالعكس كلما ظهرت الحرارة قلت الحركة. # ونتيجة كل هذه التراكيب والتحاليل الكيماوية هي امتصاص الأكسجين وتوليد حامض ~~الكربونيك. وهذا التبادل الغازي ضروري جدا لحياة الأجسام الحية؛ لأنه يلزم لها ~~حرارة كافية لتقدر على مقاومة الأشياء التي من الخارج، فبامتصاص الأكسجين تحصل لها ~~هذه القوة الضرورية، ويلزم لها أيضا أن تتحرك، ومن ثم أن تكون قادرة على تجميع قوى ~~كيماوية فى أنسجتها كافية لكى يحصل منها ظهور قوة عند اللزوم، وهو كذلك؛ فإن فيها ~~قوة متجمعة كامنة عظيمة جدا، بحيث إن تنبيها خفيفا جدا يجعل فيها حركة عظيمة ~~لا نسبة بينها وبين السبب الخفيف كوقوع الغبار على العين مثلا، فإن هذا السبب ~~الخفيف قد يحدث جملة حركات مختلطة وطويلة: كالدمع والغضب والخوف والهرب والاحتقار ~~والألم وغير ذلك، فلا نسبة بين هذا الانفعال العظيم وذاك التنبيه الخفيف، لولا أنه ~~يوجد في الجسم الحي من القوى كمية وافرة متجمعة كامنة تظهر دفعة واحدة لسبب ~~صغير. # وذلك أشبه بما يحصل في صندوق بارود؛ فإنه إن أصابته شرارة يشتعل وتنبعث منه قوة ~~تدك الحصون، وتزلزل الجبال، فلا نسبة بين هذه القوة الكبيرة وتلك الشرارة الصغيرة، ~~لولا أن البارود يحتوي قوة عظيمة متجمعة في مواده، فالأجسام الحية كغيرها لا تولد ~~قوة، وإنما تظهر قوة كامنة فيها. # | الحياة في أعماق المياه1 # منذ نحو عشرين سنة كان يظن أن أعماق البحار خالية من كل شيء حي، وأن الأحوال ~~الطبيعية هناك غير صالحة للحياة، وبقي هذا الاعتقاد شائعا حتى سنة 1860؛ إذ بين ~~«ملن أدوار» الطبيعي الفرنسوي وجود الحيوان في عمق البحر على مسافة 2000 و3000 ~~متر، وعلى ضغط أكثر من 200 ثقل من ثقل هواء الأرض، والحيوانات التي اكتشفها في هذه ~~الأعماق كان بعضها مجهولا، والبعض الآخر ms105 لم يكن يختلف بشيء عن الأحافير. # ثم تكاثرت الأبحاث، واندفع لذلك علماء الإنكليز والأميركان وغيرهم، وتعددت الاكتشافات ~~حتى أصبح أمر وجود الحياة في أعماق البحار الشاسعة مقررا لا خلاف فيه، وأبعد عمق صار ~~سبره وانتشال كوائن حية منه لغاية يومنا هذا هو العمق الذي سبرته السفينة الفرنسوية ~~المسماة لاترافاليور # 2 # سنة 1881، البالغ 5100 متر، إلا أن جميع الحيوانات المستخرجة من جميع هذه ~~الأعماق الشاسعة لم تكن سوى ديدان وبلابيس وما شاكل من أنواع الحيوانات الدنيا، ولم يكن ~~بينها شيء من السمك، وربما لم يكن السبب في ذلك عدم وجود مثل هذا الحيوان في مثل هذه ~~الأعماق، بل كان من نوع الآلات المستعملة. ومما يقوي هذا الظن ما شاهدته السفينة ~~المذكورة في مينا ستوبال الكائنة إلى الجنوب من ليسبون؛ حيث رأت حملتها العلمية رأي ~~العين طائفة من الصيادين يلقون بأشباكهم إلى عمق نحو 2000 متر، ويصطادون من السمك ~~المعروف بالسكوالوس # 3 # أنواعا خصوصية يقددون لحومها، ويستعملون جلودها في صقل الخشب، ويوقدون ~~دهنها كالزيت، وكانت تصل هذه الحيوانات إلى سطح البحر بحالة يرثى لها من التهتك، فتكون ~~مثانتها التي تعوم بها والممتلئة هواء متمددة جدا، ودافعة المعدة المنبثقة من الفم، ~~والعين نافرة من الحجاج، والقرنية منشقة لتمدد غاز الدم، وجميع الأنسجة متفجرة لخفة ~~الضغط الخارجي وفقد الموازنة بينه وبين الضغط الداخلي. # | الحياة وأصل الأجسام الحية1 # لنا على أصل الأنواع الحيوانية والنباتية قولان؛ أحدهما: أنها ظهرت على الأرض كما هي ~~الآن مع فرق قليل فيها، وليس بينها صلة تربطها بعضها ببعض، ولم يكن بينها ذلك، والآخر ~~هو أن عالم الحيوان وعالم النبات - بما فيهما من الأنواع والفصائل - لم يخلقا كذلك دفعة ~~واحدة، وإنما ظهرت الحياة على الأرض أولا في صورة بسيطة، ومنها تفرعت باقي الصور ~~المركبة بحصول تغيرات فيها مستمرة متتابعة؛ فلنبحث في هذين القولين أيهما الأقرب إلى ~~الصواب. # ولقائل أن يقول: إن تلك مسائل فوق طاقتنا ولم يعط لنا علمها، فالأولى بنا أن نسلم ~~بالعالم كما هو بدون أن نتعب أنفسنا بما ms106 كان أو بما سوف يكون، فنجيبه أن الإنسان لا ~~يعرف نفسه جيدا حتى يضع حدا لمعرفته، فهو يخطئ خطأ لا مزيد عليه إذا جزم بأنه ما من ~~أحد يستطيع في المستقبل - مهما تقدمت المعارف - أن يفهم ما لا ندركه نحن اليوم، فحق ~~الطبيعي في البحث عن أصل الكوائن الحية إذن حق مطلق، وإذا ثبت ذلك قلنا: إن في معرفة ~~أصل هذه الكوائن فائدة كبيرة، ولو لم يكن فيها سوى العلم فقط لكفى. # إن مقام الإنسان بالنظر إلى هذه الأجسام الحية يختلف باختلاف ما يعتقده من أصلها، ~~فعلى القول الأول - أي على فرض كونها ثابتة - هو غير مكلف للبحث فيها إلا بقدر ما تمس ~~الحاجة من دفع ضرر قد يتأتى له عنها، أو جلب منفعة قد تحصل له منها. وهذا لا يتعدى ما ~~جاوره منها بحكم المساكنة العارضة، وإذا نظر فيها نظر الطبيعي كان نظره فيها مقتصرا ~~على وصف صورة صورة، ونوع نوع، وتقرير وظيفة عضو عضو، بقطع النظر عما قد يمكن أن يكون ~~بينها من الارتباط والمناسبة، وما يجمعها من النواميس؛ إذ لا يرجو أن ينكشف له سرها ~~يوما ما؛ لأنه خارج عن العالم المادي، ولا أن يقف على ما يردها إلى وحدة معلومة ~~ويربطها بناموس ما؛ لأن كل نوع هو - كما قال أجاسيز - صورة فكر خالق متميز، وليس بين ~~فكر خالق وفكر آخر مثله من النسبة إلا مجرد الإرادة، فلا يقدر الإنسان أن يدرك النسبة ~~بين فكر وفكر من هذه الأفكار الخالقة المتجسدة إلا إذا أدرك العقل الخالق نفسه، ولا يتم ~~له ذلك؛ فهو يتصور الخالق كصانع «على صورته» مهتم على الدوام ببناء أبنية بين جميل ~~وقبيح، وجليل وحقير، ويبقيها زمنا معلوما ثم يهدمها؛ لأنه يريد ذلك لا لسبب آخر، ~~ويقيم غيرها عوضا عنها يكون أنسب لما جد في أفكاره، فكيف يرجو الإنسان مع ذلك أن يجد ~~رابطا يربط الأنواع ببعضها، فلا حاجة له إذن أن يسألها عن أصلها ولا عن أصله، ولا أن ~~يتعب نفسه في البحث عن ms107 الحياة؛ لأنها سر فوق أسرار الطبيعة يستحيل إدراكه. # وعلى القول الثاني، أي على فرض كون الأجسام الحية آتية عن بعضها، متسلسلة على سبيل ~~الاستحالة المركب من البسيط، والبسيط من الأبسط، فلا يقتصر الإنسان في البحث فيها على ~~النظر في كل نوع، أو كل صورة فقط، بل يتعداه إلى النسبة بين نوع ونوع، وصورة وصورة، ~~وبين جميع الأجسام الحية بالنظر إلى بعضها، وإلى الأشياء التي من خارج أيضا، فيرى ~~أولا: أن الأنواع مرتبطة ببعضها ارتباطا شديدا، وأن النواميس التي تفعل في كل منها ~~هي نفس النواميس التي تتكون وتنمو بموجبها الأجسام الحية كافة، وثانيا: أن الاستحالة ~~الحاصلة في الصور ناتجة عن التفاعل الحاصل بينها وبين الأشياء التي من خارج، ويرى غير ~~ذلك أيضا؛ إذ يعلم أن كل ما يفعل في الأشياء التي من خارج يفعل بالضرورة - أيضا - ~~فيما تفعل هي فيه، وهو يقدر أن يفعل فيها، إذن هو يقدر أن يفعل في العالم الحي المحيط ~~به، ومن ثم في نفسه أيضا؛ لأنه جزء منه، بخلاف ما لو كان غير ذلك. # وسواء خرج الإنسان من عالم الحيوان وألف له عالما وحده أو لم يخرج، فهو يجد في ماضي ~~هذا العالم تاريخ نفسه، وكل جسم حي له الحق أن يدعي أن له معه بعض نسبة أو قرابة؛ ~~لأنه ليس سوى صورة متحولة عن نفس المادة المؤلف هو منها، أو عن مادة شبيهة بها، فمعرفة ~~الحيوانات والنباتات مهما كانت حقيرة هي نفس معرفة الإنسان، ومعرفة عمل جسمه، ومعرفة ~~التغيرات القابل لها؛ لأن نواميس تغيرات المادة هي واحدة أينما كانت، وهي فيها سر ما ~~نسميه بالأمراض، وسر منعها وشفائها. # فالطب والتشريح والفيزيولوجيا والزوولوجيا والإمبريوجنيا والبلينتولوجيا ~~والأنتروبولوجيا، وغيرها من العلوم الفرعية التي تبحث عن الإنسان تؤلف سجلا شديد ~~الارتباط ببعضه، يشمله علم واحد هو علم الحياة، ويسمى البيولوجيا، وعليه فليست الأنواع ~~تجسد أفكار خالقة متميزة، وليست أسبابها إرادة ذات مقاصد خفية، ولكنها تتكون تبعا ~~لنواميس ثابتة غير متزعزعة تعمل دائما على قياس معلوم أشبه بالنواميس الطبيعية ms108 ~~والكيماوية، وتؤدي نظيرها إلى نتائج متعددة، فكل صورة لها أسبابها المتممة، وتعرض لنا ~~لا كأمر يطلب منا تقريره، بل كمسألة يطلب منا حلها. وهذا هو سبب التقدم الذي حصل في ~~علوم الحياة منذ انتشار الكتاب الشهير لدارون في أصل الأنواع، ولولا هذا السبب لما كان ~~حصل أو يحصل فيها شيء من ذلك. # فمذهب التسلسل - أو كما يسمونه أيضا مذهب الاستحالة - يرينا دائما الحركة والنزاع ~~والغلبة، حيث يرينا مذهب ثبوت الأنواع أو الجراثيم السكون. فالحياة ميدان خصام قد تحصل ~~فيه مقاتل وملاحم يشترك فيها نوع الإنسان، وتنجلي عن ظفر أنواع وملاشاة أنواع. وهذا ~~المذهب أقدم جدا من دارون، فقد قال به علماء كثيرون قبله في أواخر القرن الماضي، وفي ~~أوائل هذا القرن، نخص بالذكر منهم: بوفون، ولامارك، وجات، وجفروا سانتيليار، الذي حصل ~~بينه وبين كوفيه، المخالف له في المذهب، في جمعية العلوم في باريز، جدال شاهد ~~بفضلهما، ولم يزل ذكره حتى اليوم، إلا أن دارون منذ نحو 22 سنة قد فصله بجملته ووضعه ~~على أساس متين، وهذا هو السبب في نسبته إليه. # ويراد به أن جميع الأجسام الحية - بما فيها من الاختلافات - حيوانية كانت أو نباتية، ~~منقرضة كانت أو باقية، هي مشتقة من صورة واحدة أصلية، أو من صور قليلة أصلية بسيطة ~~جدا. والأدلة على صحة هذا المذهب كثيرة، منها وأهمها: (1) اشتراك نواميس الحياة في ~~سائر الأجسام الحية، فهي واحدة في جميعها. (2) تحول الأجسام الحية عن بعضها وإلى بعضها ~~كما نعلم من البلينتولوجيا، فإن هذا العلم يعلمنا أنه في مدة الأدوار العديدة لتكون ~~الأرض: كل طائفة من الحيوانات والنباتات قد مرت متحولة بالتتابع بسلسلة فصائل وأنواع ~~متعددة جدا، فإن طائفة ذوات الفقر - مثلا - قد مرت بطائفة السمك والأمفيبيا والحشرات ~~والطيور وذوات الثدي، وكل من هذه الأنواع قد مر أيضا بسلسلة أنواع مختلفة. (3) وجود ~~الأعضاء الأثرية؛ فلو كانت الأجسام الحية جرثومية ومخلوق قوة خالقة تفعل لقصد معلوم؛ ~~لما وجب أن يكون فيها أعضاء أثرية لا نفع لها، والحال أنه لا يكاد يخلو ms109 جسم حي منها، ~~ولكن لما كانت متحولة عن بعضها؛ كان وجود هذه الأعضاء فيها لازما ضروريا؛ إذ إن ~~وجودها وعدمه متوقفان على الأحوال الطبيعية التي هي الفاعل الأول فيهما، وهذا لا يكون ~~دفعة واحدة، بل شيئا فشيئا، إيجادا كان أو إعداما، ولا يخفى ما صادف هذا المذهب من ~~الصعوبات في أول انتشاره، وأما الآن فيكاد لا يختلف فيه اثنان من الطبيعيين. # | حياة الجماد1 # قال ثولت من رسالة في هذا الموضوع: إن القول بأن الجماد حي كالحي ليس بجديد، فقد قال ~~كرذان في القرن السادس عشر: «إن الحجر يحيا ويمرض ويهرم ويموت.» وهو قول صحيح؛ لأن ~~المادة متحولة ومتغيرة على الدوام فهي في تولد دائم، وموت دائم، وبعث دائم، وذلك هو ~~الحياة، وحياة الجماد لا تفرق عن حياة الإنسان أو الحيوان أو النبات؛ إذ الكل خاضع لسنن ~~واحدة، مندفع قسرا في تيار زوبعة لا تسكن حركتها، أولها وآخرها مكتنفان بظلمات ~~بعضها فوق بعض. # والتولد أول أطوار تحولات المادة، وهو - بقطع النظر عن افتراضات الخيال التي قد تضل ~~والبراهين الفلسفية التي كثيرا ما تخدع - واقع تحت نظر كل إنسان، وعام على الجماد ~~والنبات والحيوان؛ ففي كل دقيقة، بل في كل لحظة ترى الأحياء تتكون، والجواهر الفردة ~~تنضم، والدقائق تتركب، ولا فرق بين البسيط والمركب من حيث السنن الفاعلة بهما؛ إذ لكل ~~فرد - مهما كان - تركيب كيماوي معلوم، وصورة معلومة، ونوع تبلور معلوم، حتى نفس تغيره ~~ثابت إلى حد محدود، ويتم تبعا لشرائط معلومة، وإذا تغيرت إحدى هذه الشرائط تغيرت ~~موازنته حالا، فهو متغير على الدوام، إلا أنه لا يزول من الوجود، وكما أن الحي يتأثر ~~بالأحوال التي من خارج كذلك الجماد، وإذا كان بينهما فرق، فإنما هو في الشدة والضعف، ~~بحيث إن أحدهما أشد انفعالا، وأسرع تأثرا، وأقل ثباتا من الآخر، ولكنهما يفعلان ~~وينفعلان على السواء طبقا لناموس المادة الأولى، وهو التكافؤ بين الفعل ~~والانفعال. # ولنأخذ أي جماد كان، ولنحمه بالتدريج، فللحال عند انتشار الحرارة فيه يتغير شكل ~~تبلوره ومرونته وصلابته، وصفاته ms110 الكهربائية، حتى لونه، فإن زيدت حرارته انحل رباط ~~دقائقه فتباعدت في جهة، وتقاربت في أخرى، إلى أن يبلغ حرارة تختلف درجتها باختلاف نوعه، ~~فيذوب ويصير سائلا، فإن زيدت أكثر من ذلك تفرقت دقائقه، وانتقل إلى حالة هوائية ما ~~بعدها من الحالات سوى انفصال الجوهر الفرد، وخروجه من مدار الكيمياء، ودخوله في مدار ~~آخر تحت سنن أخرى لا نعلمها، وعلى الفلسفة الطبيعية والميكانيكيات اكتشافها ~~وتعيينها. # وانحلال الجماد هو موته؛ لأن كل حد ينحل عنده المركب هو موت ذلك المركب، وكل موت ~~يتبعه بعث، فالموت كالتولد نقطة على محيط دائرة لا أول لها يعرف، ولا آخر لها يوصف، ~~والطفل أول ما يهل يبتدئ يموت، وكذلك الجماد أول ما يتكون يبتدئ يموت، فإن الفلدسباث ~~المكون معظم الأرض ينحل إلى عناصره # 2 # بفعل الهواء والماء، ويبس النهار، وندى الليل، وحر الصيف، وبرد الشتاء، ~~وسائر العوامل الميكانيكية والطبيعية والكيماوية مارا باستحالات قد لا يحس بها، ثم كل ~~عنصر من عناصره يدخل في تركيب جديد، فإما يعود حجرا، أو يصير نباتا أو حيوانا، وفي ~~هذا الدور لا يرى أين هو التولد الحقيقي، ولا أين هو الموت، ولا يرى سوى أطوار ~~فقط. # ولقد أقام الأقدمون حدا فاصلا بين النبات والحيوان، وهذا الحد لا وجود له حقيقة، ~~وأقاموا كذلك حدا بين الجماد والحي، ونحن كلما تعمقنا في درس الجمادات نرى أوجه الفرق ~~بينها وبين الأحياء تقل، وأوجه الشبه تزيد، فالإنسان يولد من أبوين، والحيوان السافل من ~~نظيره بالانقسام أو التبرعم؛ إذ تنفصل كرية مولودة في كرية والدة، والنبات من نبات ~~نظيره، قالوا: وهذا يفصل عالم الحي عن عالم الجماد، إلى أن قام «جرنز» وبين أن الجماد ~~كالحي يتولد بعضه من بعض؛ فإنه صنع محلولا وأشبعه بالبورق المثمن، وبالبورق المعين، ~~ولا فرق بينهما إلا في اختلاف نسبة الماء الذي فيهما، وهذا المحلول إذا اعتني به يبقى ~~صافيا، ويمكن أن تضاف إليه أجسام من مواد مختلفة بدون أن يحدث فيه حادث خصوصي، لكنه ~~إذا وضع فيه بلورة صغيرة جدا من ms111 البورق المثمن، فللحال ترتفع حرارته، وفي لحظات قليلة ~~يتبلور كل البورق المثمن الذائب فيه، دون البورق المعين الذي يبقى ذائبا ولا يتبلور ~~حتى يلامس بلورة معينة من جنسه، ولا يختص ذلك بما ذكر فقط، بل يتناول كل أنواع الجماد، ~~ويتبين منه أن كل جماد يتولد من جماد آخر نظيره. # وإذا بلغت البلورة كمالها، بحيث لا يستطيع الكيماوي ولا الطبيعي - بما لهما من الآلات ~~والوسائط - أن يريا في تكوينها نقصانا، قيل: إن الفرد من الجماد قد بلغ أشده، ثم ~~يتكاثر كالحي، وهو كالحي معرض للأمراض، فإذا عرض له من الأسباب الخارجية ما أضعف نموه ~~فقد نظامه، وظهرت على زواياه خدوش القروح، وإذا زالت عنه عادية المرض عاد إلى نموه، ~~وبرئ من قروحه، وإن لم تزل أو اشتدت فربما ترهلت قروحه، فأعضلت علته، وحصل فيه تأكسد ~~وتركب وتحلل حتى تتغير طبيعة آخر جزء منه، ويظن أنه تلاشى وهو لم يتلاش، بل مات، وإنما ~~مات كما يموت كل إنسان، أي كما أن جسد الإنسان البالي لا يتلاشى، وإنما ينحل إلى ~~عناصره، كذلك الجماد لا يتلاشى؛ لأن الجوهر الفرد الذي يؤلف كلا منهما لا يتلاشى، بل ~~ينتقل من تركيب إلى تركيب راجعا عوده على بدئه، كما يرجع الليل على النهار. ا.ه. ~~ملخصا. # | أصل الحياة1 # قال «بلانشار» من مقالة في أصل الحياة في جريدة العلم الفرنسوية، بتاريخ 7 شباط سنة ~~1885، ما يأتي: # على أن بعض الفلاسفة يذهبون إلى أن الأرض التي كانت في البدء قاحلة وغير مسكونة ~~إنما عرضت فيها الحياة، مما أتاها من الجراثيم من بعض الكواكب المصطدمة بها، وهو ~~قول محتمل إلا أنه غير مقنع، ويظهر لنا أنه لا يحل المسألة، وإنما يزيدها ارتباكا، ~~فإن لم تكن الحياة قد ظهرت على الأرض ذاتيا بفعل أحوال طبيعية وكيماوية، فيلزم أن ~~تكون قد ظهرت ابتداء على أحد كواكب نظامنا الشمسي، وخصوم التولد الذاتي الذين ~~يتعلقون بحبال هذا التعليل كالملجأ الأخير لهم إنما يبعدون حل هذه المسألة ولا ~~يأتون فيها بتعليل شاف. # ولا يخفى أن الحل ms112 الطيفي الذي استطعنا بواسطته أن نعلم تركيب الكواكب الكيماوي ~~أرانا أن هذه الكواكب متكونة من نفس المواد المتكون منها سيارنا؛ فالصوديوم ~~والمغنيسيوم والهيدروجين والأكسجين والكربون والكلسيوم والحديد والتلوريوم والبزموث ~~والأنتيمون والزئبق إلخ، موجودة هناك كما هي موجودة هنا. وقد علم كذلك من فحص ~~الحجار الجوية أن هذه الأجسام تتحد هناك كما تتحد في أرضنا، فلا بد إذن من أن تكون ~~الأحياء الأول قد تكونت فيها من مواد جامدة شبيهة بموادنا، فوالحالة هذه ما ~~الفائدة من الزعم بأن أرضنا إنما أتتها الحياة من كوكب اصطدم بها في مروره في ~~الفضاء؛ إذ لا بد من الإقرار في كل الأحوال بأن التعضي قد وقع في المادة في أحد ~~نجوم نظامنا الشمسي، فمن العبث إذن الإصرار على إنكار نشوء الحياة في الأرض. ~~ا.ه. # والذي ارتأى أولا أن جراثيم الأجسام الحية وقعت مع الرجم هو السير وليم طمسن ~~الإنكليزي، ومنذ مدة خطب بعضهم خطبة طويلة في تكون البرد، وقال: إنه يتكون من بخار ~~موجود في الخلاء الذي بين الأجرام السماوية، فما أتم الخطبة حتى وقف السير وليم طمسن ~~وقال: أظن الخطيب يمزح فيما يقول؛ لأنه لو فرضنا تكون البرد في تلك الأعالي لذاب قبل ~~أن بلغ الأرض بملايين من الأميال. ولما جلس قام اللورد ريلي وقال: أنا أعرف رجلا ارتأى ~~رأيا أغرب من هذا، وهو أن بذور الأحياء هبطت على الأرض من السماء، فقال السير وليم ~~طمسن: أنا لم أحتم بصحة ذلك، بل قلت بإمكانه، وبأنه لا يمكن أن يقام دليل على فساده، ~~ونقل ذلك العلامة «بركتر»، منشئ جريدة المعرفة، وعقب عليه قائلا: إذا صح قول السير ~~وليم طمسن؛ فالقمر مصنوع من جبن طري؛ لأنه لا يقام دليل على فساد ذلك. # والخلاصة أن أقوال العلماء وآراءهم كثيرة، وهم أحرص الناس على انتقادها وتمحيصها، فلا ~~يرتئي أحد منهم رأيا جديدا حتى يتصدوا لمقاومته من كل صوب، ولا يقرون رأيه بين ~~الآراء العلمية إلا إذا لم يروا فيه للريبة مكانا. # | خاتمة الكتاب أو خلاصة ما تقدم # تربي ms113 المعاشر أبناءهم # ويشقى الأنام بما ربتوا # وما الناس إلا نبات الزما # ن فليحصد القوم ما نبتوا # أبو العلاء المعري # إذا كنت قد عملت بالوصية، كما في صدر هذا الكتاب، وطالعته بكل تمعن، وكنت مع ذلك قد ~~تمكنت من التغلب على مؤثرات تربيتك السابقة لضبط نفسك عن الاندفاع مع عوامل الهوى، # 1 # غير مداج أو متوار، رغبة أو رهبة، أو مصاد بدعوى الحكمة، # 2 # مستقلا في أحكامك، # 3 # غير مستهوى بكثرة تغالبك، # 4 # أو منقاد لقول ليس من صميم العلم، # 5 # ولو أن قائله عالم عظيم، # 6 # فالعلم مباح لك كما هو مباح لسواك، # 7 # منقادا في تساؤلك # 8 # لأحكام العقل لا لرغائب القلب، # 9 # وفي علمك لاختبارات الطبع لا لأحكام الوضع، # 10 # ناظرا إلى الحقيقة عارية عن كل ملابسة، # 11 # فلا يسعك إلا الاعتراف معي مضطرا بما يأتي: # أولا: # أن علوم الأقدمين علوم نظر # 12 # أكثر منها علوم عمل، أو فلسفتهم عقلية # 13 # أكثر مما هي محسوسة، مجردة أكثر مما هي مادية، متحكمة مفارقة ~~أكثر منها لازمة ملازمة، موضوعة أكثر منها مطبوعة، روحانية أكثر منها ~~جسمانية، كلامية # 14 # أكثر منها اختبارية، متمنيات مرغوبة أكثر مما هي حقائق ~~مقررة. # ثانيا: # أن علوم الأقدمين وفلسفتهم انتقلت إلينا وبقيت زمانا طويلا كل علومنا ~~وفلسفتنا، ولا تزال حتى اليوم روح فلسفتنا وعلومنا العقلية والأدبية ~~والدينية. # ثالثا: # أن حالة الإنسان الاجتماعية ونظاماته وشرائعه وقوانينه، حتى استعداد ~~عقله، وأميال نفسه، وغرضه في أبحاثه مستفادة كلها في كل أطواره في التاريخ ~~من علومه ونظره الفلسفي في الكون. # رابعا: # لا ينكر أن العلوم الاختبارية المادية الطبيعية قد ارتقت اليوم جدا ~~عما كانت في الماضي، ولا ينكر أن علوم الكلام قد انحطت اليوم، وقل الميل ~~جدا إلى مباحثها، وتغير كذلك ما ترتب عليها من النظريات الاجتماعية ~~والأدبية والدينية، ولا ينكر أيضا أن حالة الإنسان الاجتماعية في ~~الماضي كانت أتعس جدا منها اليوم. # خامسا: # إذا قابلنا بين الشعوب والأمم والحكومات اليوم في أقطار المسكونة كافة ~~نجد بينها تفاوتا عظيما جدا ms114 بالنظر إلى كل ذلك، ونجد أيضا أنه حيثما ~~كانت علوم الكلام والنظريات المترتبة عليها منتشرة أكثر كانت العلوم ~~الطبيعية منحطة، وكان الإنسان منحطا متقهقرا، وحالته الاجتماعية سيئة ~~كذلك، والضد بالضد. # وللحكم في هذه القضايا لا نصعد إلى العصور الأولى للإنسان الأول، لننظر إليه من خلال آثاره # 15 # المبعثرة في طبقات الأرض كشهب متناثرة ذات لمعان ضئيل يحيط بها ضباب كثيف، ولا ~~ننزل إلى أعماق التاريخ غير المدون الضائع في ليل من الغموض دامس، # 16 # حتى ولا التاريخ المدون الذي حاكته قرائح القوم الشعرية في العصور الميثولوجية # 17 # أم نسجته أميالهم الوحشية في العصور الحماسية، # 18 # بل ننظر إلى ذلك من عهد التمدن اليوناني القديم # 19 # الذي بنينا عليه تمدننا الحديث، بل من عهد الأديان المعتقد أنها موحاة في نظر ~~الأمم التي تأتمر بها في أكثر المسكونة، # 20 # فالأقدمون كانت أكثر علومهم من موضوعات العقل الاجتهادية أكثر مما هي من ~~معلومات الطبع التقريرية، وإنما كثرت عندهم هذه العلوم لأن قلة اختبارهم في أول الأمر لم ~~تمكنهم في تعرف الأشياء التي حولهم والتي فيهم، من الوقوف على النسبة الحقيقية فيها، التي ~~تربط الأسباب بالمسببات؛ لاختفائها أحيانا كثيرة في سلسلة من المتلازمات طويلة، فتبدو لهم ~~كأنها متفاكة منفصلة حيث هي مترابطة متصلة، # 21 # فغلب فيهم حيال هذا الجهل القول بالأسباب الغريبة المفارقة المتحكمة، التي لا ~~تفع في أفعالها تحت ضابط، # 22 # ونظروا إلى الطبيعة كلها من خلال ذلك، وجدوا في تعرف هذه الأسباب الغريبة ~~وانتقلوا فيها من تجريد إلى تجريد حتى المبدأ، # 23 # وهكذا وضعوا علومهم الفلسفية ونظرياتهم في الكون والاجتماع على مراقبة ناقصة، ~~وما بني على الناقص فهو ناقص ضرورة. # وقل من شذ منهم عن ذلك، ولو أن به ميلا إلى المحسوس أو حدسا بأن الإضافة ليست إلا ~~في الأحكام المستفادة منه؛ لقلة المستندات الاختبارية التي كانت له لدفع الوهم، فيضطر هو ~~نفسه أيضا إلى التعويل على علوم الكلام نفسها، فيدفع المثل بالمثل، مما كان يجعل كلامه ~~مضطربا لا يفرق كثيرا عن ms115 كلام مخالفيه في الغرابة والإبهام؛ # 24 # لأن جميع الفلاسفة في القديم نظروا في مباحثهم في الكون إلى السبب والغاية ~~المجردتين لا إلى تعرف الكائن المحسوس، فلم يدركوهما، وانصرفوا بهما عن الواقع. ~~••• # فلهذه الأسباب استتبت الغلبة في علوم الأقدمين للنظر المجرد على النظر المقيد، وللفلسفة ~~الروحانية على الفلسفة المادية، ولعلوم الكلام على علوم الاختبار، واعتبرت - نظرا إلى موضوعها # 25 # ووعورتها - من العلوم العالية # 26 # التي استغرقت فيها العقول الراقية، واستنفدت فيها قواها، وصرفتها عن سواها، ~~وباتت إلى عهد قريب روح العلوم الاختبارية نفسها أيضا. # 27 # وهذه الفلسفة وعلومها هي التي انتقلت إلينا بكتب أرسطوطاليس، # 28 # حتى غلب عليها اسم الفلسفة الأرسطوطاليسية، فبنينا عليها علومنا العقلية ~~والأدبية والدينية، وسائر نظاماتنا الاجتماعية، ونظرياتها رسخت فينا حتى مازجت عندنا كل ~~شيء، ولا يزال مفعولها يعمل في عقلنا حتى اليوم. # وإذا تحرينا العلوم الموضوعة وغاياتها المقصودة من عهد أرسطو إلى اليوم، ونظرنا إلى مباحث ~~الذين اشتهروا بعده من العلماء والفلاسفة ظهرت لنا هذه الحقيقة بأجلي بيان، بل ذكر أسماء ~~هذه العلوم يغني عن بيان حقيقتها، ويدلنا دلالة كافية على أنها من موضوعات العقل المنصرف ~~إلى المباحث التجريدية، لا من معلومات الطبع المستفادة من البحث في المحسوس؛ كالعلم الإلهي، ~~وعلم النفس، والعلم الطبيعي نفسه الذي هو مرادف العلم الإلهي عندهم في المعنى، والعلوم ~~العقلية، والعلوم الآلية، وهي كالعلوم العقلية في التجرد، وتحت كل علم من هذه العلوم ~~الأصلية علوم فرعية كثيرة جدا؛ كعلم المنطق، وعلم الكلام، وعلم اللاهوت، والفقه الأكبر ~~حتى الأصغر، والعلم اللدني، وسائر علوم الأدب: كالبيان والبديع والمعاني إلخ. ~~••• # وقد زاد شأن هذه العلوم استقلالا بعد اليونان؛ حيث كانت الإحاطة بها مقرونة بالإحاطة ~~بسائر فروع العلوم الاختبارية أيضا، وزادت تجردا كذلك، وزادت فروعها، وتسفلت أيضا ~~إلى المباحث السخافية المبتذلة، وشيدت لها المعاهد الخاصة، # 29 # حيث صارت كل هذه العلوم النظرية الكلامية الاعتقادية - الشاغلة للعقل على كثرة ~~مشاغله، والمضيعة للوقت على قصره، والصارفة للفكر عن الاهتمام بالمحسوس المفيد، ~~والتي لا تشيد كوخا، ولا تقلي بيضة ms116 # 30 # وحدها بضاعة العالم والفيلسوف والإمام، فيلبس الجبة، ويطيل الأودان، ويقرن ~~القلنسوة، ويكور العمامة، ويتهادى في مشيته اختيالا كأنه اكتشفت سر الخلود، وما اكتشف ~~حقيقة سوى سر الخبط والخلط، حتى إذا حاك قصة أراك الحبة قبة، أو أراد التعليل عن قضية نظرية ~~كلامية أمكنه أن يروغ ما شاء؛ إذ هو غير مقيد في برهانه المتقلقل تقيد الرياضي ~~والميكانيكي في برهانهما المحكم. # وإذا ألقيت نظرة إجمالية على المؤلفات الكثيرة التي تعد بمئات مئات الألوف في هذه ~~الموضوعات المختلفة الفلسفية العقلية الأدبية، وما صرف فيها من القوى الراقية ضياعا، وما ~~رسخ بسببها في العقل والطبائع من الميل إلى المباحث الفارغة، والانصراف بها عن العلوم ~~النافعة، وما أحدثته في الأمور الاجتماعية من التضليل والتغرير، فلا أعلم إذا كان يجوز لك ~~أن تكون ممتنا كثيرا لأرسطو الذي أورثنا هذه الفلسفة، ولابن سينا الذي نقلها إلينا بعده. # 31 # بل اقرأ فصلا من تهافت الفلاسفة للغزالي، وتهافت التهافت لابن رشد، وقل لي: ماذا تفهم؟ ~~بل ألفت نظرك إلى المباحث العقيمة الجدلية المقامة على القضايا المنطقية، وقل لي: إن كان ~~يجوز أن يصدر كل ذلك عن عقول سليمة. # بل حاول إن استطعت قراءة المجلدات الضخمة في مسائل سخافية استحالية وتحليلية وتحريمية، ~~وقل لي: إذا كان ذلك يفرق كثيرا عن الهذيان! # بل انظر إلى هذا السبيل الجارف الذي طما اليوم حتى كاد يبتلع فيه كل قوى الإنسان، ولا ~~سيما أن الاعتقاد فيه لا يزال راسخا في العقول أنه من منتجات العقل الراقية، ولم يتطرق ~~إليه الريب بعد كما تطرق إلى العلوم الفلسفية والعقلية والدينية نفسها، أريد به سيل كتب ~~الأدب الرائجة سوقها اليوم جدا، وهي عبارة عن أقاصيص موضوعة خيالية ارتقت مع الإنسان من ~~حكايات ألف ليلة وليلة الطافحة بكل غريب # 32 # إلى الأقاصيص المتناهية اليوم بالتأنق في السبك، والدقة في الوصف، والرقة في ~~الخيال مع بعدها في كلا الحالين عن الحقيقة، ثم انظر إلى سلطانها على العقول حتى الراقية، ~~وقل لي: ما هي منفعتها العلمية بل الأدبية ms117 نفسها؟ أليست في جملتها تبذيرا لقوى الاجتماع ~~وتضليلا للعقل في آن واحد؟ # وينقلب ترددك في القضاء على هذه الفلسفة، وكل ما بني عليها من التعاليم الموضوعة إلى ~~السخط إذا علمت أنها كانت السبب لوقوف الإنسان عن التقدم في علومه الصحيحة # 33 # قرونا عديدة، ولا يزال أثرها فينا شديدا حتى اليوم، وطيفها لا يزال حالا ~~حتى على علومنا الطبيعية نفسها، سواء كان في تأييدها # 34 # أو في أسلوب بسطها، ولا نزال حتى اليوم نصعب فهمها بإدخالنا عليها كل تعقيد لفظي # 35 # ووصفي، مما لنا من ذلك التراث القديم، كأن الحقيقة إذا وصفت بسيطة تضحى ~~مبتذلة. # وناهيك بما في هذا الالتزام في البحث، دون الالتجاء إلى العمل والاختبار من تعويد العقل ~~وتربيته على حب الإغراب، ولا شيء أسهل عليه حينئذ من ركوب متن السفسطات المنطقية، حتى في ~~العلوم المادية نفسها، ألا ترى العلماء أنفسهم وأصحاب العقول الراقية في المسكونة قاطبة كيف ~~أنهم يميلون حتى اليوم إلى مباحث فارغة، ويصرفون أثمن أوقاتهم في التنقيب عن هذه الآثار ~~الأدبية القديمة، # 36 # ويعيرونها من الالتفات ما لو صرفوا بعضه في العلوم الصحيحة، # 37 # والاشتغال بما أمامهم؛ لأفادوا الاجتماع فوائد لا تحصى، ووقوهما من زيادة ~~التضليل. # ولم يقتصر ضرر هذه الفلسفة المجردة على العلوم الصحيحة والطبيعية، بل تناول كل شيء حتى ~~الأديان نفسها. # خذ مثالا شريعة القرآن، فإنها بين الشرائع الدينية الشريعة الوحيدة الاجتماعية العملية المستوفاة # 38 # التي ترمي إلى أغراض دنيوية حقيقية، بمعنى أنها لم تقتصر على الأصول الكلية ~~الشائعة بين جميع الشرائع، بل اهتمت اهتماما خاصا بالأحكام الجزئية، فوضعت أحكام ~~المعاملات، حتى فروض العبادات أيضا، وهي من هذه الجهة شريعة عملية مادية، حتى إن الجنة ~~نفسها لم تخرج فيها من هذا الحكم من أشجار وأثمار وأنهار إلى آخر ما هنالك. # وطالما جرى اتباعها عليها صلحت أمور دنياهم على سواهم بالقياس إلى حالة البشر في تلك ~~العصور؛ لأن كل شيء نسبي في هذا الوجود، حتى دخلت عليهم علوم اليونان الفلسفية ومباحثها ~~المجردة، فمالوا بها إلى ms118 العلوم الكلامية، وأطلقوها على الدين، ووضعوا الفقه الأكبر؛ فكثرت ~~البدع بينهم، وشرها في تمكين هذا النوع من النظر الصوفي، فانصرفوا بذلك عن غاية الدين ~~العملية المادية إلى المرامي المجردة، والمنازع النظرية، وسائر علوم الجدل الأدبية المقامة ~~عليها، حتى إلى ما لا علاقة له بالدين مطلقا. # 39 # وحل ذلك حتى على شعرهم نفسه؛ فانقلب من خطته الوصفية التقريرية، كما كان الغالب فيه في ~~الجاهلية إلى هذه الصورة الخيالية الواهية، وتبذلوا فيه بأن صار أكثره لسان حال تهتكهم في ~~غزلهم، ومرمى ذل نفوسهم في تزلفهم، وإغراقهم في اختلاقهم مدحا أو ذما فتقهقروا، وما زالوا ~~متقهقرين حتى اليوم. ولو بقيت وجهتهم في مجتمعهم شريعة القرآن وحدها كما هي فيه، لما قام في ~~وجههم حائل يصدهم عن الارتقاء، إلا ما يقوم من كل شريعة اجتماعية جمدت على الأيام، # 40 # غير أن الشارع الحكيم نفسه وضع لهم مخرجا من ذلك الجمود بآيات النسخ نفسها ~~التي آتاها في قرآنه في حياته لعلهم يتدبرون. # 41 # وقد كان لروح هذه الفلسفة أسوأ وقع في أحوال الإنسان الاجتماعية أيضا، ولا أكلفك الوقوف ~~في الماضي البعيد، بل انظر إلى الماضي القريب، فقد كانت أوروبا - حتى إلى عهد قريب «150 ~~سنة» - ملك الأمراء يحكمونها بحق السيادة المطلقة، ويستولون عليها كما يستولي المالك ~~على ملكه، ويضمونها أو يقتسمونها بالميراث أو بالزواج، وكانت السلطة تسري من فوق إلى تحت، ~~من الأمير الذي كان كل شيء إلى الشعب، الذي لم يكن شيئا مذكورا، فلم يكن له أدنى صوت، ولم ~~يكن شأنه في التاريخ إلا شأن المتاع يباع ويشرى، ولم يكن له حق في اشتراع الشرائع التي ~~تحكمه، أو سن النظامات والقوانين التي تسوسه، وبالجملة لم يكن له وجود أدبي مطلقا، ومع ذلك ~~فقد كانت تلك المبادئ الفلسفية والعلوم الكلامية، ولا سيما الدين القائم عليها، في زهوتها ~~وإبان مجدها. # بل انظر إلى الحاضر اليوم لترى كيف أن أثر كل ذلك في شرائعنا ونظاماتنا وحكوماتنا، وسائر ~~معاملاتنا، وغايتنا في حياتنا لا يزال يتنازعنا في مجتمعنا، ويصرفنا ms119 عن تعاوننا، ويدفعنا ~~إلى تمزيق بعضنا بعضا، وكيف أن الحكومات لا تزال تؤيد التعاليم المبنية عليها بالقوة ~~والمظاهرات، فتقيم لها المعاهد الخاصة # 42 # لتطمس بها على الشعب؛ لحفظ السيادة العمياء عليه، # 43 # بل انظر إلى هذا الشعب الجاهل نفسه كيف أنه ينتصر بها لسواه على نفسه، فإن ~~حاولت أن تخرجه من جهله قام عليك كأنك امتهنته كما في هذا القول: # والمرء إن ما اعتاد متربة # فإن تصنه فهو يمتهن # انظر إلى كل ذلك لا في الشرق السخيف بأممه وحكوماته وملوكه؛ حيث غاية كل هذه العلوم تفوق ~~كل غاية في مجتمعه، # 44 # بل انظر إليه في أرقى الممالك اليوم على ما هي عليه من الفرق الجسيم عما كانت ~~عليه في الماضي عزة ومنعة، فمع معرفتها أن ارتقاءها إنما كان بهجرها كثيرا من ترهات الماضي ~~فهي لا تتنازل عن الباقي برضاها، # 45 # بل انظر إلى الجنايات الكثيرة التي ترتكب كل يوم بحق الجموع والأفراد تحت ~~طي هذه المبادئ القائمة عليها مرامي الأديان # 46 # والأوطان، # 47 # كما هو شائع بين الناس حتى الآن، ولا تستغرب بعد ذلك إذا كان المجتمع لا يصلح ~~صلاحا تاما بها. # 48 ~~••• # وإذا نظرنا إلى الاجتماع نظرا عمليا من حيث ذلك كله لزمنا القول: إن الشرقي فيه اليوم ~~على نوع خاص فضلة لا عمدة، وهو في علومه حتى اليوم حالم، أي إن علمه نظر أكثر منه عمل، ~~والمدارس التي تعلمه العلوم الحديثة لا تخرج في تعليمها عن هذا الحد، فهو في الاجتماع شريك ~~سلبي لاقتسام المنفعة، لا إيجابي للعمل لها، بل هو يقتسمها مرغما في ورودها إليه من ~~الخارج، ويقوم في سبيلها معارضا من الداخل، وإذا استثنينا اليابان نوعا نقول: إن هذا ~~الحكم يشمل اليوم أهل الشرق الأقصى والأدنى وسواهم ممن شاركهم في جمودهم من الأمم التي لا ~~شأن لها اليوم في العلم العملي الراقي، ولو أطلقنا عليهم شريعة «شو»، # 49 # وهي كشريعة النحل في الإبقاء على النافع وقتل غير النافع، # 50 # لوجب أن يهلكوا عن آخرهم، بل لوجب ms120 أن يباد أكثر البشر في المعمورة كلها ~~باعتبار هذا النافع منطبقا على مرامي أرقى فكر اليوم؛ لأن القسم العامل لصلاح المجتمع حتى ~~في البلاد الراقية ليس إلا دون الطفيف، لولا أن هذه النظرية من حظ الاجتماع غير ممكنة؛ لأن ~~الاجتماع مدفوع إلى الصلاح بطرق عملية أصح ليس فيها شيء من هذا التبذير. ولو أمكن العمل ~~بهذه الشريعة لما درينا أين يكون مقام «شو» وأمثاله في هذا التنازع العنيد؛ لأن الأقوى ليس ~~الأصلح دائما، ولا هو واحد في كل حال. # 51 # و«شو» يزعم، وزعمه فاسد، أنه يستند إلى مذهب دارون في بقاء الأنسب، لا بالانتخاب الطبيعي ~~فقط، بل بالانتخاب الصناعي أيضا، ومن رأيه أن هذا الانتخاب الأخير المعقول يجب أن يكون غرض ~~الاجتماع البشري العاقل إلى أن يبلغ الغاية من ارتقائه بخلق الإنسان الأسمى أو «السبرمان»، ~~كما يسميه بلغة الإنكليز، # 52 # وشو متفق في ذلك مع الفيلسوفين الألمانيين «شوبنهور» و«نتشه»، في أن شريعة ~~الاجتماع كشريعة الطبيعة نفسها، لا يجب أن تعرف شفقة ولا رحمة، فتقتل العاطل أو تمنع ~~تناسله، ولا تبقي إلا على الأنسب. # 53 # ولكن هؤلاء الفلاسفة الثلاثة الحالمين - القانطين كما أسميهم - لم يقولوا لنا: متى يجب ~~العمل بشريعتهم اليوم أو غدا؟ وهل كان يجب العمل بها منذ البدء؟ لأن الإنسان ليس واحدا في ~~طبيعة هذا التفوق، ولا في علمه هو نفسه لتقديره، ولو صح العمل بها في كل العصور عن إرادة ~~ومقدرة لغلب على الاجتماع منذ البدء التقهقر حتى يعود ويندمج ثانية في الحيوان الأعجم، ~~ولبقي في صورة همجية هائلة لا عقل له ولا علم، كأنه الوحش الأكبر؛ # 54 # لأن الإنسان إنما ابتدأ متوحشا جاهلا، وتفوقه حينئذ إنما كان بقوته البدنية ~~وكثرته، بل ماذا كانت حالة الاجتماع لو عمل بها بعد ذلك أيضا، كما في عصور الحماسة في ~~أوروبا يوم كانت صناعة الحرب أرقى الصناعات في نظر الناس، وصناعة الكتابة أحقرها، يوم كان ~~الأمير لا يفخر إلا بالسيف، ويهزأ بالقلم، ويحتقر العلم؟ لو عمل بها حينئذ لعمل بناء على ms121 ~~أن ذلك هو الأنسب، والأقوى كذلك، ولما كان قدر أن يعلم شيئا، أو يعمل شيئا مما نعتبره ~~الأصلح اليوم. # على أن النظرية وإن كان يستند بها إلى مذهب دارون كليا، إلا أنها ناقصة في جزئياتها ~~لاختلاف العوامل الداخلة فيه، مما يحصل الارتقاء فيه نتيجة عمياء، سواء كان ذلك في الطبيعة ~~الصامتة، أو في الاجتماع العاقل، ولولا ذلك لما ارتقى الاجتماع، وعمل الارتقاء وإن كان ~~الدافع فيه «الأنانية»، إلا أنها هي نفسها خاضعة لناموس التكافؤ والتكافل، # 55 # الذي بموجبه يتم الارتقاء قسرا، ولو بعد التذبذب الطويل، باعتبار أنه الأنسب ~~والأصلح لمصلحة المجموع، لا لفئة من هذا المجموع، والاجتماع نفسه العاقل لا يستطيع التصرف ~~بهذا النظام إلا في حدود معلومة مهما تعاظم شأنه، وقويت إرادته، إلى أن يصبح فيه ذلك بالعلم ~~الكثير في حكم المطرد اضطرارا أيضا لا عن إرادة غالبة. # وهذا يجعل نظرية أمثال هؤلاء الفلاسفة حلما قاسيا لا حقيقة عملية، ويا ليته مع ذلك ~~حلم لمصلحة الاجتماع، ولكنه حلم لو صح لسار به القهقري، حتى وهو في أرقى حالاته؛ لأن ~~ارتقاء الإنسان ليس له حد، كما أن علمه ليس له حد أيضا حتى يقف عنده، ويقصر ارتقاءه وعلمه ~~عليه دون الأخذ بسواه. # ولا يبقى عندك أدنى ريب في كل ما تقدم إذا علمت أن أوروبا نفسها لم تبتدئ تصطلح إلا منذ ~~القرن الثامن عشر، حين بزغت شمس العلوم الطبيعية ضئيلة في أول الأمر، وأخذ ضياؤها ينتشر بين ~~الناس، ويبدد غيوم تلك العلوم المظلمة، فتنبهت الأمم حينئذ، وأخذت تتغير في نوع أحكامها، ~~تارة بالثورات، وتارة بالنشوء التحولي، تارة بالحروب وتارة بالسلم، ولكن الاجتماع لم ~~يخط الخطوة الصائبة في سبيل ارتقائه الحقيقي حتى صار ارتقاؤه أسلم، إلا من بعد ما ~~تأيد مذهب التحول الطبيعي، # 56 # وركز على قواعد ثابتة، وتحولت به قوى العقل من التخبط في دياجير الخيال إلى ~~الدرس الاختباري، فارتقت حينئذ العلوم الطبيعية ارتقاء عظيما كاد يربط أطراف العالم ~~بعضها ببعض، وسوف تجعله وطنا واحدا، # 57 # فغلبت حينئذ قوى التحول ms122 الارتقائي # 58 # في الاجتماع غلبة ظاهرة على قوى الاحتفاظ التقهقري، وصار كل عمل اليوم في ~~قطر يرن صداه في الأقطار الأخرى بالانصياع لا بالمقاومة. # 59 ~~••• # وقد قل الميل إلى تلك المباحث العقيمة عن ذي قبل، وقل الاعتناء بالعلوم العقلية والفلسفية ~~في المدارس الراقية، # 60 # مجردة كانت أم مادية، وإذا كان العلماء الطبيعيون في القرن الماضي لجئوا إلى ~~الفلسفة أحيانا لرد غارات مقاوميهم، فإنما فعلوا ذلك اضطرارا لدفع المثل بالمثل مع ~~انصياعهم في برهانهم إلى الدليل الحسي الراهن، وإذا كان لعلوم النظر شأن كبير في العلوم ~~الطبيعية نفسها حتى اليوم؛ فلأن العلوم الطبيعية نفسها لا تزال في أولها، ولم تنتشر ~~الانتشار الكافي بعد؛ ولأن مجرى الأفكار أيضا لا يزال متأثرا جدا بتلك المبادئ النظرية ~~العريقة فيها منذ القدم، # 61 # ولكنه سيأتي يوم - وما هو في تاريخ الاجتماع ببعيد - تسقط فيه قيمة هذه المباحث ~~الكلامية الفلسفية، بل ينظر إلى أصحابها كأنهم صبية يلعبون، أو مصدعون يهذون؛ إذ يصبح ~~العلم كله علم اختبار، ويتمرن العقل عليه بالمزاولة، ولا يعود يستعذب سواه، فيقل النظر ~~ويكثر العمل، ويقوم البرهان الرياضي والميكانيكي مقام البرهان العقلي والقياس المنطقي، ولا ~~يعود يصدق إلا بمعجزات العلم وحده، وينتفي من العالم كل ما ليس من العلم على حد ما في هذا ~~القول: # لو كان ربكم كمركوني # 62 # لما # ضقتم وضاقت بالغريق نجاة # 63 # رصد السفينة ثم نجى قومها # في حين لم تفد النجاة صلاة # علم عجائب هديه مشهودة # لا علم غيب تدعيه هداة # هذا الصحيح وليس ما أوحى به # سيناء أو طابور أو عرفات # وهكذا إلى أن تزول سائر العقبات التي أقامتها تلك العلوم الكلامية الفلسفية في سبيل ~~ارتقاء الإنسان في اجتماعه، والتي أشدها هولا الحاسة الدينية # 64 # والحاسة الوطنية، # 65 # على أن هاتين الحاستين آخذتان - اليوم - في الضعف، ولو مهما تقول فيهما ~~المتقولون، وترقق فيهما المترققون، والفضل في ذلك للعلوم الطبيعية من جهة الاختراعات ~~الصناعية التي تربط العالم بعضه ببعض، ولعلم درس الأحياء من جهة معرفة نسبة الكائنات بعضها ms123 ~~إلى بعض، ونسبة أفعالها إلى الطبيعة، وستزولان تماما كلما ارتقت هذه العلوم وانتشرت بين ~~الناس، أو أنهما لا تبقيان بسطوتهما - كما هو اليوم - فتسقط حواجز الأديان، # 66 # وتمحى حدود الأوطان، وهكذا يصير الإنسان إنسانا حقيقيا، ويكون الإنسان ~~اليوم الحلقة الواصلة بين الإنسان الحقيقي والحيوان. ~~••• # والعقبة التي يقدر لها عمر أطول من سواها هي عقبة التفاهم؛ أي اللغة، ولكن العلوم ~~الطبيعية نفسها بجعلها العالم كأنه مدينة واحدة، بتقريبه المسافات بينه، ستجعل التنازع ~~شديدا جدا بين اللغات # 67 # حتى يقضى على الكثير منها، الذي لم تكن له في هذه العلوم شأن يذكر، # 68 # وكأن البقاء اليوم غير مقدور إلا للغات ثلاث، سيقتصر التنازع عليه في المستقبل ~~بينها، وهي: الإنكليزية والألمانية والفرنسوية، وكان الراجح حتى الربع الأول من القرن ~~الماضي أن يكون الفوز للفرنساوية؛ لأنها أسبق اللغات، وأمتها أسبق الأمم إلى المبادئ ~~الاجتماعية الراقية، لولا أنه سطا عليها بعد ثورتها الشهيرة عاملان قويان، كانا كالغل في ~~عنقها، والقيد في رجلها، وهما: تيار كتب الأدب المجونية الخيالية التي بلغت صناعتها بينهم ~~مبلغا برزوا فيه على سائر الأمم، واستغرقت فيها أعظم العقول الراقية، وهوست بها الآخرين، # 69 # وتيار علم آخر هو: علم الحقوق، # 70 # الذي أورثه نبوليون لأمته وللعالم أيضا، بعد أن كبح ثورتها، وردها عن غايتها ~~النبيلة، وحولها إلى مطامعه الخاصة، وصرفها إلى ما صارت إليه في زمانه وبعده. فهذان ~~العاملان الصارفان للأفكار الراقية عن الاشتغال بالعلوم الصحيحة، سيكون ضررهما على العالم ~~أجمع، وعلى فرنسا خاصة، أشد من ضرر النظريات الدينية، التي ما كادت تتخلص من شراكها في ~~ثورتها الأولى، حتى وقعت من ذلك في شراك أخرى أشد وأدهى، # 71 # على أن كل ذلك اليوم عقبات صغيرة في سبيل ارتقاء الإنسان الكلي # 72 # في العمران؛ لسرعة ارتقاء العلوم الطبيعية وسهولة انتشارها. ~~••• # وأنا أسمع من هنا غمغمة، وأرى أناسا يقومون ويقعدون، وخاصة وعامة يهزءون أو يسخطون، ~~وربما قام منهم متحمسون تحدثهم نفوسهم لو أنهم لا يصبرون، وكلهم يقولون: كيف تريد أن ~~تعيضنا بعلمك المقيد، وفلسفتك ms124 المحدودة عن ذلك العلم المطلق، وتلك الفلسفة التي لا تقف في ~~سبيلها عند حد، بل تخرق حجب المادة، وتتطلع إلى ما وراء المنظور؟ بل كيف تريد أن تصرفنا ~~بماديتك الأرضية وتصوراتك الترابية - ولو أنها حقائق - عن تلك المصاب العالية، والأفكار ~~السامية، التي يناجي الإنسان بها أمانيه، بل آماله، بل نفسه وربه؛ إذ يصعد بالخيال إلى سماء ~~المآل، ويراها بذلك الجمال في فراديس الآمال - ولو أن ذلك تنقل في بروج الأوهام، وتطلع ~~إلى صروح المحال - وهل يجد العقل فيها تلك اللذة التي يجدها في هذه؟ أم هل يجد وجدانه # 73 # فيها تلك الراحة التي يرتاح إليها؟ وأين عظمة كتب العلماء من عظمة كتب ~~الأنبياء؟ بل أين جمال مصنوعات تلك المشهودة من جمال موضوعات هذه الموعودة؟ بل أين مقدرة ~~علوم أولئك المقيدة من مقدرة مواهب هؤلاء المطلقة: من غرائب عجائب العصور الميثولوجية، وما ~~تخلف لنا عنها من مأثورات التجلي الموعود بين البروق والرعود، فنزول اللوح المسطور على ذلك ~~الطور بين النار والنور، فذلك الوجود والصعود المخالفين لطبيعة الوجود، إلى ما سال من ~~العجائب على لعاب العناكب؟! أم هل تقاس كتب القصاصين الطبيعيين اليوم، أم أي مؤلف آخر يؤلفه ~~أي عالم في الهواء والماء والتراب لتقرير ما فيها من الحقائق، أو في المحراث والمعول ~~والعمل؛ لبيان ما فيها من المنافع بكتب أساطين الأدب، ولا سيما القصاصين الفرنسويين، الذين ~~أحرزوا قصب السبق اليوم في ميدان «الرومان»، حتى بلغ منهم التأنق في السبك، والدقة في ~~الوصف، والرقة في التصور، أنهم وصفوا الخيال بارق من الخيال؟! # بل أين أشعار المعري التقريرية التي تكاد تنقصم صلابة من أشعار الفارض الخيالية التي ~~تكاد تذوب رقة؟ بل أين وقعها في النفس من أشعار شكسبير الموضوعة، وما يتخللها من الخيال ~~الرائع، الذي يستفز الطبع، ويستهوي العقل؟ بل أين جمود قولك هذا: # لازم الموت في الوجود حياة # لازمت في وجودها الموت قسرا # حاول الناس منعه وبمنع الموت # منع الحياة في الكون طرا # من لين قولك هذا: # وحكيم من يزدري بحياة # كل ms125 يوم تزداد بالطول قصرا؟ # بل أين فتور كل ذلك من حرارة هذا القول الحماسي: # إذا استل منا سيد غرب سيفه # تفزعت الأفلاك والتفت الدهر؟ # بل أين جفاف مثل قولك هذا العلمي: # وما الحب من أدنى فأعلى إلى الرجا # فما فوق إلا الشوق في كبد السهى # ترقى بنا حتى النهى وهو دونها # كما في نيوب الليث أو في حشى الثرى # من طلاوة مثل هذا القول الخيالي: # وهززته بقصيدة لو أنها # تليت على الصخر الأصم لأغدقا؟ # بل اسأل أي فتى متعلم، أو أية فتاة متعلمة أن تقرأ فصلا في مخترعات الكهرباء قبل أن ~~تقرأ رواية من سقط الوضع، بل اسأل عالما اليوم أن يقرأ مقالا في تحولات المادة قبل أن ~~يقرأ كتابا في مناجاة الأرواح؛ فأنك لا تفلح، ولماذا؟ # لأن لتكيفات الطبع والعقل الشأن الأول في إعداد ما فيها من القابليات، وأثر الخيال في هذه ~~القابليات أعرق في القدم من أثر الحقائق، فالإنسان لم يعرف الحقائق في أول الأمر، وما عرف ~~إلا الأوهام، فانطبع فيها، وتكيف لها، وشاد بنيانه العقلي والأدبي عليها، ونسج كلامه على ~~منوالها، فصارت نفسه لا ترتاح إلى مباحث الحقائق، ولا تلتذ بها كما تلتذ بموضوعات ~~الخيال؛ لأن اللذة والراحة إنما هما المطابقة بين فعل الفاعل وقابلية القابل، حتى إن لغته ~~نفسها تضيق بهذه المباحث، فليس لها فيها تلك السلاسة، ولا تلك السعة التي أحرزتها في ~~المباحث الأدبية، وحتى إن عقله يتعب منها. # فالقول أن تصورات الأحلام يلزم الاستمساك بها لأنها تبدو لنا أجمل من تصورات الحقائق، ~~وأنها أصح كذلك؛ لأن الوجدان يرتاح إليها، وأن ترويض العقل بمباحثها الكلامية التافهة أنفع ~~لنا من تدريبه على البحث في المحسوس المفيد؛ لأنها أعذب له، وأسهل عليه، يقتضي منه أن يكون ~~الخيال أصدق من الحس، وأن يكون كذلك الكذب على النفس أنفع من الصدق لها، وأن تكون الأوهام ~~نفسها أنفع لنا من الحقائق، وأن يكون الاشتغال بالكلام الفارغ والمناقشات العقيمة أفضل من العمل، # 74 # وأن تكون إضاعة الوقت بتنميق المقالات الخلافية في ms126 مسائل جدلية؛ لترسيخ الميل ~~في العقل إلى المباحث النظرية المجردة أفضل من الاشتغال باختراع آلة لجر الأثقال، وأن يكون ~~الطيران بمناطيد الخيال في قبب الأحلام أنفع من الطيران بمناطيد الصناعة في فسيح هذا ~~الفضاء، فكيف لا تسوء حال الإنسان الذي لا ترتاح نفسه إلا إلى ذلك في العمران؟ فلا الحياة ~~مما يزدرى به، ولا الأفلاك تتفزع، ولا الدهر يلتفت، ولا الصخر يغدق، حتى ولا المروج ~~نفسها تورق بمثل هذا الكلام، وما هو إلا زيادة تضليل للعقل، وتبذير في قوى الاجتماع على غير ~~طائل، ولكن ذلك نشأ في الإنسان اضطرارا على هذه الكيفية، وسيتحول عنه اضطرارا أيضا، وما ~~التنبيه إليه إلا حث للإسراع في هذا السبيل. # فكما أن ذلك نشأ في العقل والطبع بغلبة الغريب، والبحث في الماهيات والحقائق المجردة ~~أولا، فهو سينقلب ضرورة متى تمكن الضد فيهما بغلبة المحسوس، والبحث في الطبائع ~~والكيفيات، وهو آخذ اليوم بالتحول كلما أخذ نظر الإنسان المادي يتقرر فيه أكثر، وسوف يبدو ~~له ذلك الجمال سخيفا قبيحا، وتصير الحقائق البسيطة التي لا صبر لنا اليوم على التبحر ~~فيها، أو أننا نريدها مبهرجة، # 75 # مما يستحب إلينا جدا، وتجلب مطالعاتها لنا الراحة المطلوبة، واللذة المرغوبة، ~~وتتحول لغاتنا # 76 # إليها، ويتغير منهجنا في بسطها من المركب المعقد إلى البسيط الصريح، # 77 # حينئذ يجد الإنسان في مطالعة كتب الحقائق لذة لا تدانيها اللذة التي يجدها ~~اليوم في كتب الخيال الموضوعة، وموضوعات الأدب المصنوعة، # 78 # ويجد كذلك في الأرض التي صبا عنها، فأهملها فردوسا موسويا # 79 # حقيقيا مشهودا، فيهتم به ليجعله لنفسه كذلك، ويستعني به عن ذلك الفردوس ~~الخيالي الضائع؛ إذ لا يعود يرى الحقيقة إلا في مثل هذا القول: # لا يصلح الإنسان مجتمعا # ما دام فيه الدين والوطن # ولم يزل من علمه خطل # يضيع فيه العقل والزمن # محلقا في الغيب مختبلا # كأنما الغيب له عطن # ويهمل الأرض وما كنزت # وإنما الأرض له سكن # وعلمه إن لم يكن عملا # يرتاض فيه العقل والبدن # يستخرج الأسرار ما خفيت # وتصدق العين ms127 بها الأذن # وشرعه إن لم يكن شرعا # وسنة الكون له سنن # يقتسم الأعمال مشتركا # لا واسن فيه ولا وسن # 80 # وليس فيه مرهق نهم # وليس فيه مرهق يهن # موطنه العالم أجمعه # ودينه السلام لا الفتن ~~••• # لكنما القوم الألى ظعنوا # لغيبهم هم الألى ضغنوا # 81 # حبائل الدين لهم شرك # لصيد قوم دونهم غبنوا # إن لم يكونوا مركبا لهم # أخنى على أيديهم الثفن # 82 # ظلم عليهم منهم وبهم # من جهلهم في رأسهم رسن # والمرء إن ما اعتاد متربة # فإن تصنه فهو يمتهن # وما هو حلم ما أقول، ولكنه الحقيقة لو أنك تنظر إلى الاجتماع في الدهور الطويلة، فتقابل ~~ما كان بما هو كائن؛ لتعلم ما سيكون، والبعض القليل الذي حصل يدل دلالة كافية على الكل ~~المنتظر. وما الأجيال والدهور في عمر الاجتماع بالشيء الكثير. ms128