######OpenITI# #META# URI: 1335ShibliShumayyil.MabahithCilmiyyaWaIjtimaciyya.Hindawi29046147 #META# Tags: philosophy #META# ID: 29046147 #META# Title: مباحث علمية واجتماعية #META# AuthorID: 90709753 #META# Author: شبلي شميل #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # بيان‏ # المقالة الأولى‏ # المقالة الثانية‏ # المقالة الثالثة‏ # المقالة الرابعة‏ # المقالة الخامسة‏ # المقالة السادسة‏ # المقالة السابعة‏ # المقالة الثامنة‏ # المقالة التاسعة‏ # المقالة العاشرة‏ # المقالة الحادية عشرة‏ # المقالة الثانية عشرة‏ # المقالة الثالثة عشرة‏ # المقالة الرابعة عشرة‏ # المقالة الخامسة عشرة‏ # المقالة السادسة عشرة‏ # المقالة السابعة عشرة‏ # المقالة الثامنة عشرة‏ # المقالة التاسعة عشرة‏ # المقالة العشرون‏ # المقالة الحادية والعشرون‏ # المقالة الثانية والعشرون‏ # المقالة الثالثة والعشرون‏ # المقالة الرابعة والعشرون‏ # المقالة الخامسة والعشرون‏ # المقالة السادسة والعشرون‏ # المقالة السابعة والعشرون‏ # المقالة الثامنة والعشرون‏ # المقالة التاسعة والعشرون‏ # المقالة الثلاثون‏ # المقالة الحادية والثلاثون‏ # المقالة الثانية والثلاثون‏ # المقالة الثالثة والثلاثون‏ # المقالة الرابعة والثلاثون‏ # المقالة الخامسة والثلاثون‏ # المقالة السادسة والثلاثون‏ # المقالة السابعة والثلاثون‏ # المقالة الثامنة والثلاثون‏ # المقالة التاسعة والثلاثون‏ # المقالة الأربعون‏ # المقالة الحادية والأربعون‏ # المقالة الثانية والأربعون‏ # المقالة الثالثة والأربعون‏ # المقالة الرابعة والأربعون‏ # المقالة الخامسة والأربعون‏ # المقالة السادسة والأربعون‏ # المقالة السابعة والأربعون‏ # المقالة الثامنة والأربعون‏ # المقالة التاسعة والأربعون‏ # المقالة الخمسون‏ # المقالة الحادية والخمسون‏ # المقالة الثانية والخمسون‏ # المقالة الثالثة والخمسون‏ # المقالة الرابعة والخمسون‏ # المقالة الخامسة والخمسون‏ # المقالة السادسة والخمسون‏ # المقالة السابعة والخمسون‏ # المقالة الثامنة والخمسون‏ # المقالة التاسعة والخمسون‏ # المقالة الستون‏ # المقالة الحادية والستون‏ # المقالة الثانية والستون‏ # المقالة الثالثة والستون‏ # المقالة الرابعة والستون‏ # المقالة الخامسة والستون‏ # المقالة السادسة والستون‏ # المقالة السابعة والستون‏ # المقالة الثامنة والستون‏ # المقالة التاسعة والستون‏ # كلمة شكر واجبة‏ # بيان‏ # المقالة الأولى‏ # المقالة الثانية‏ # المقالة الثالثة‏ # المقالة الرابعة‏ # المقالة الخامسة‏ # المقالة السادسة‏ # المقالة السابعة‏ # المقالة الثامنة‏ # المقالة التاسعة‏ # المقالة العاشرة‏ # المقالة الحادية عشرة‏ # المقالة الثانية عشرة‏ # المقالة الثالثة عشرة‏ # المقالة الرابعة عشرة‏ # المقالة الخامسة عشرة‏ # المقالة السادسة عشرة‏ # المقالة السابعة عشرة‏ # المقالة الثامنة عشرة‏ # المقالة التاسعة عشرة‏ # المقالة العشرون‏ # المقالة الحادية والعشرون‏ # المقالة الثانية والعشرون‏ # المقالة الثالثة والعشرون‏ # المقالة الرابعة والعشرون‏ # المقالة الخامسة والعشرون‏ # المقالة السادسة والعشرون‏ # المقالة السابعة والعشرون‏ # المقالة الثامنة والعشرون‏ # المقالة التاسعة والعشرون‏ # المقالة الثلاثون‏ # المقالة الحادية والثلاثون‏ # المقالة الثانية والثلاثون‏ # المقالة الثالثة والثلاثون‏ # المقالة الرابعة والثلاثون‏ # المقالة الخامسة والثلاثون‏ # المقالة السادسة والثلاثون‏ # المقالة السابعة والثلاثون‏ # المقالة الثامنة والثلاثون‏ # المقالة ms001 التاسعة والثلاثون‏ # المقالة الأربعون‏ # المقالة الحادية والأربعون‏ # المقالة الثانية والأربعون‏ # المقالة الثالثة والأربعون‏ # المقالة الرابعة والأربعون‏ # المقالة الخامسة والأربعون‏ # المقالة السادسة والأربعون‏ # المقالة السابعة والأربعون‏ # المقالة الثامنة والأربعون‏ # المقالة التاسعة والأربعون‏ # المقالة الخمسون‏ # المقالة الحادية والخمسون‏ # المقالة الثانية والخمسون‏ # المقالة الثالثة والخمسون‏ # المقالة الرابعة والخمسون‏ # المقالة الخامسة والخمسون‏ # المقالة السادسة والخمسون‏ # المقالة السابعة والخمسون‏ # المقالة الثامنة والخمسون‏ # المقالة التاسعة والخمسون‏ # المقالة الستون‏ # المقالة الحادية والستون‏ # المقالة الثانية والستون‏ # المقالة الثالثة والستون‏ # المقالة الرابعة والستون‏ # المقالة الخامسة والستون‏ # المقالة السادسة والستون‏ # المقالة السابعة والستون‏ # المقالة الثامنة والستون‏ # المقالة التاسعة والستون‏ # كلمة شكر واجبة‏ # | مباحث علمية واجتماعية # | مباحث علمية واجتماعية # تأليف # شبلي شميل # | بيان # هذا الكتاب يتضمن ~~مباحث مختلفة في موضوعات شتى علمية واجتماعية، وهو الجزء ~~الثاني من مجموعة كتاباتنا. والمباحث المنشورة فيه كتبت في ~~أزمان مختلفة ونشرت في صحف مختلفة أيضا. وقد جمعتها هنا ~~غير ملتزم في ترتيبها تاريخها بحسب وضعها، فقد يكون المبحث ~~كتب أخيرا ونشر هنا أولا، وبالضد. وحاولت أحيانا أن أضم ~~الموضوعات المتقاربة بعضها إلى بعض، ولكني لم أتعمد ذلك ~~دائما؛ إما لصعوبة الجمع، وإما بقصد أن يجد القارئ في ~~التنقل بين المختلفات راحة قد لا يجدها بين المؤتلفات. وهي ~~مباحث ربما كان على بعضها أثر من الجدة بيننا في الماضي، ~~وأما اليوم فالأفكار قد ألفتها حتى يخال لي أنها صارت قديمة ~~في هذا العهد الجديد الراقي. ولا أقل من أن يدل هذا البعض ~~بعض الدلالة التاريخية للمتعقب على كيفية نشوء الأفكار في ~~الشرق. وهذا حسبي من نشرها، وكفى. # الدكتور شبلي شميل # مصر، في 24 ديسمبر سنة 1908 # | المقالة الأولى # حوادث وأفكار # 1 # لا أعلم من الفلسفة إلا اسمها، ولا أعي من العلوم إلا رسمها، ولا ~~أعرف عن البسيطة الشيء الكثير، ولا أدري عن الإنسان إلا اليسير. فلا ~~ترج أيها القارئ أن ترى مني فلسفة أرسطو، أو فصاحة ديموستين، أو ~~رواية طاسيت، أو تثبت ابن رشد، أو إحاطة ابن سينا، أو علم نيوتن، ~~أو خواطر باسكال، أو إسهاب ms002 فولتير، أو إصابة روسو؛ فما هي إلا حوادث ~~يومي وأفكار ليلي. وإن شئت فقل: حوادث يومك وأفكار ليلك؛ حوادث تتوالى ~~على الإنسان وتتناقلها الحواس، فتؤثر في العقل تأثيرا يجعل فيه ~~تفكيرا يقف به تارة على الأرض، وأخرى يرتفع إلى السماء، وطورا يدخل ~~به إلى نفسه؛ فإن في طاقة العقل أن يحكم في أعمال ذاته كما يحكم في ~~أعمال العالم الخارجي. # والمؤثرات إما مرئيات أو مسموعات أو مشمومات أو مذوقات أو ملموسات، ~~وكل منها إما لذيذ وإما مؤلم، وبحسب درجته في اللذة والألم يكون ~~تأثيره في العقل؛ فإن الحواس ليست إلا ناقلة لتلك الإحساسات لا شاعرة ~~بها، فأما كيفية شعور العقل بها مع كوننا نحسبها مرسومة في الحواس ~~نفسها، فمن أدق مسائل علم المعقول، ومن أقوى الأدلة على وجوب تقسيم ~~الأعمال. # إلا أن تأثر العقل بالمؤثرات وإحكامه بها تختلف كثيرا بالنظر ~~إلى اختلافها واختباره إياها، فكلما كان أشد غرابة وأعظم اختلافا كان ~~العقل أشد انفعالا بها وأعظم تأثرا؛ ولهذا كانت أميال العقل ~~وتصوراته تختلف على حسب اختلاف الأقاليم، وكلما كان العقل أقل ~~اختبارا للمؤثرات كان أكثر توهما فيها؛ فإنه كثيرا ما يتوهم بها ~~أمرا ثم لا يلبث أن ينفيه عنها بعد أن يزداد اختبارا لها، وقد يصعب ~~عليه ذلك إن تمكن الوهم فيه. ~~••• # ولما كان الأوائل أقل اختبارا من الأواخر كانوا بالضرورة أقل ~~علما منهم، بل كان معظم علمهم جهلا وجل أفكارهم وهما، وكأن الخلف ~~يشتغلون كل يوم بإصلاح ما أفسده السلف بحسب ما يتبين لهم بازدياد ~~اختبارهم واتساع معارفهم. إلا أن إزالة ما فسد من المبادئ من عقول ~~الناس لا بد وأن تحول من دونها مصاعب ربما أدت إلى إراقة الدماء؛ ~~فإن الأوهام الراسخة في العقل بواسطة النقل مدة قرون تكون كالحقائق ~~الراهنة لا تحتمل تأويلا ولا تدع للجدال سبيلا، ولا سيما أن أفراد ~~الأمم لا يتساوون، جميعهم، في سيرهم المعنوي، فلا نرى في كل جيل وفي كل ~~عصر غير أفراد قليلين سابقين قومهم بكثير من السنين. فعدد الجاهلين هو ms003 ~~العدد الكثير، فهو القوي من هذه الحيثية، والقوة تغلب الحق في مثل هذه ~~الأحوال، ولكن غلبتها حالية وقتية، وأما في المستقبل فيتأيد هذا ~~الحق وتجني الأواخر ثمرة اجتهاد الأوائل الذين كثيرا ما لا يحصدون ~~ما يزرعون. ~~••• # والغريب أن الناس لا يصبرون على بيان الحقيقة بالأدلة والبراهين إذا ~~كانت مخالفة لآرائهم مغائرة لأهوائهم، بل ينقضونها بالقوة، وهذا مخالف ~~للعقل غير موافق للنقل، فقد علم أن كثيرا من هذه الحقائق التي حاولوا ~~إطفاء نورها تأيدت وعمت أخيرا، فلا ينبغي للإنسان العاقل أن ينبذ ~~حقيقة لقلة نصرائها وكثرة أعدائها؛ فكم من حقيقة ضاعت بكثرة الجلبة، ~~ثم كانت لها الغلبة بقوة الحق. # ولا شك أن الأمة التي تتخذ القوة القاهرة سلاحا في نقض المبادئ ~~المخالفة لمألوفها بعيدة عن أسباب التقدم ووسائل التمدن، حتى تقطع ~~السلاسل وتمزق الحجب الحائلة بينها وبين حرية البحث التي تطلق للعقل ~~عنان الفكر، فيزيد معرفة بالأسباب والحقائق؛ إذ يشتغل بكل ما يعرض له ~~فيتمسك بما تؤيده الشواهد. وهكذا يستخدم أفكاره لفهم الحوادث عوضا ~~عن أن يستخدم الحوادث لتأييد أفكاره حرصا عليها. وأغرب منه أن المصائب ~~التي تحل بأولئك الأفراد الذين ساء بختهم لوجودهم قبل أوانهم والتي ~~مصدرها البشر تعتبر قصاصا عادلا عند من يعتقد أن الجزاء يكون على ~~قدر الاستحقاق صادرا عن قوة سرية تراقب أعمال الإنسان، فيقول: هذا ~~جزاء الضالين، وهو أشد فسادا من أن يبرهن على فساده. فلو ~~تجاسر أحد في زمن جاهلية اليونان على أن يكفر بجوبيتر، أبي الآلهة، ~~أفما كان يتساقط عليه غضب جوبيتر متجسدا بأيدي الكهنة والشعب؟ فهل ~~يجب، والحالة هذه، مع معرفتنا فساد تلك الشريعة أن نعتبر أن ذلك ~~القصاص كان عدلا؟ كلا. ~~••• # ولذلك لا يليق بنا أن نتمسك بما كان في الأعصر الخالية من الأوهام ~~تمسك الأعمى بقائده، ولا أن نطرح ما تبديه لنا الاكتشافات والحوادث ~~من الحقائق لمجرد كونه مخالفا لما انطبق في عقولنا ورسخ في أذهاننا، ~~كما أنه لا يجب أن نعتبر القصاص الذي يقع على بعض الأفراد لمناقضتهم ~~بعض المبادئ ms004 العامة مفعول قوة ساهرة تعدل كل شيء على قدر ~~الاستحقاق، بل يجب علينا أن نحارب الأوهام ونبددها بقوة الحقيقة؛ لكيلا ~~يقوى أمرها فنعدم أسباب التقدم؛ فإن الإنسان إذا تمكن الوهم منه ~~سقطت قواه وفقد أسباب العمل؛ إذ يستولي الخوف على طباعه والرعب على ~~حواسه، تستلفته حوادث الكون فيتهيبها عوضا عن أن يبحث فيها ويستفيد ~~منها، ولا تهمه شمس تسطع أو قمر يلمع أو ريح تهب أو نار ~~تشب. # وإذا نظر إلى السماء كف عنها الطرف خشية واحتراما؛ لأنه لا يرى ~~كواكبها إلا آلهة، ولا يحسب صواعقها إلا عذابا، وإذا نظر إلى الأرض ~~قال: أمي ارحميني ولا تحبسي عني قوتا يغذيني وماء يرويني. ولا ~~يتجاسر أن يقطع منها سنبلة قمح أو يتناول قبضة أرز إلا بعد الاستغفار ~~والتكفير؛ إذ يرى في كل شيء آلهة قاهرة، وأرواحا ساحرة فيستدعي في ~~حركاته وسكناته أرواح الأشجار، وقوات الجبال، ونفوس الكواكب؛ وما ~~يستدعي إلا خيالات وأوهاما، لا تجلب له خيرا ولا تدفع عنه ضيرا، ~~ولا يستفيد منها إلا توسيع نطاق الأوهام في دائرة عقله، حتى تتبلد ~~قواه وتكل مشاعره، ولا يعود يعتبر للعمل في الأرض قيمة، ولا للبحث عن ~~الكائنات فائدة، ولا في التعاون مزية؛ فيكسل، وتصير حياته كحياة ~~الحيوان منفردة ذاتية منفرزة عن الهيئة الاجتماعية، ولا يهمه إلا ~~الحصول على ما يقيه من الموت بردا وجوعا؛ إذ يعتقد أن كل شيء قسمة، ~~فلا يجديه الاجتهاد فيه نفعا، فيسكن الأكواخ، ويلبس المسوح، ويأكل ~~القشور. وهي قسمة ليست من الإنسانية في شيء. # فالأمة التي تتخذ هذه المبادئ شعارها لا تلبث أن ترى نفسها ~~متقهقرة، كلما خطا العالم نحو التقدم خطوة تأخرت عنه خطوات، حتى تصبح ~~أخيرا لا علوم لها ولا شرائع ولا صنائع، مفتقرة إلى غيرها من الأمم ~~المتمدنة افتقار الصلة للموصول، ولا تحسن نسج ثوب ولا غزل خيط ولا صنع ~~إبرة، بل تكون كالعلق على بدن الإنسانية تكدر راحتها وتمتص ~~دمها. ~~••• # إن في الإنسان صفة أولية ضرورية جدا لحفظه، وهي مصدر كثير من ~~الصفات الأخر ms005 الموجودة فيه، وهذه الصفة هي: محبة الذات، التي تدفع كل ~~فرد من أفراد الإنسان لاستحصال كل ما هو موافق أو يظهر له أنه كذلك، ~~واجتناب ما هو مضر. ولا يقتصر وجودها على الإنسان فقط، بل هي موجودة ~~في الحيوان أيضا بدليل أن الحيوان يعمل دائما بقصد المحافظة على كونه ~~والمحاماة عن ذاته حتى في أعماله البديهية التي لا محل فيها للنظر ~~أو الكسب. وهي صفة بديهية، ومما يدلنا على كونها كذلك الأعمال البديهية ~~التي يجريها الإنسان بدون توسط الإرادة فيها؛ إذ تحمله على أن يدافع ~~عن نفسه بما يقيه من الضرر عند المفاجأة، وقبل أن تحصل فرصة للإرادة ~~لأن تتوسط في ذلك؛ كانطباق الأجفان على العينين إذا فاجأتهما ضربة أو ~~آفة أخرى، وتقاعس الإنسان إلى الوراء إذا عثر إلى الأمام، أو مد ~~يديه لاستلقاء الأرض بهما؛ ليدفع هكذا بضرر أصغر ضررا أكبر ربما يحصل ~~لو صادف السقوط على الأعضاء المهمة كالرأس وغيره. # إلا أنها وإن كانت بديهية فللإرادة عليها سلطان كبير، فتتصرف ~~فيها، ولكن بحسب ما يتراءى لها موافقا؛ أي: لا تقدر الإرادة أن تفعل ~~إلا للغاية التي تفترضها لها محبة الذات ولو مهما اختلفت القوى العقلية ~~وفسدت أحكام الإرادة. وإن وافقت محبة الذات الإرادة أحيانا فيما ~~يعدمهما الوجود، كقتل الذات، فلا يكون ذلك إلا لغاية ذاتية أيضا؛ إما ~~بقصد التخلص من مصيبة ثقل حملها على الحياة أو طمعا في تحصيل حياة ~~أخرى جديدة ترجوها. وهذه الصفة واجبة ضرورية؛ إذ إنه يتوقف عليها ~~جميع الفوائد المادية اللازمة لحياة الفرد الحسية، ويتولد عنها جميع ~~الصفات الأدبية الرفيعة أيضا التي تتوقف عليها حياة الفرد المعنوية، ~~وإذا أدت أحيانا إلى ما يخالف ذلك فلتصرف الأميال والإرادة غير ~~المرتبة فيها، وبحسب ذلك تكون الصفات المتولدة منها إما جيدة وإما ~~ردية. ~~••• # واعلم أن الجيد والردي لا يوجدان مجردين في الوجود الكلي، بل هما ~~هكذا نسبيان بالنظر إلى ظروف الزمان والمكان، بحيث إن ما لا يوافق ~~هذا يوافق ذلك وبالعكس، فلا يتأتى لنا، والحالة هذه، أن ms006 ننفي عن شيء ~~صفة الموافقة والملاءمة نفيا مطلقا؛ إذ إنها لم تتجرد عنه إلا ~~بالنظر إلى حالة من الحالات أو موجود من الموجودات مع موافقته حالات ~~أخرى وموجودات أخرى، كما أنه لا يصح أن نلزمه صفة الموافقة؛ إذ إنها لا ~~تصح له في كل الظروف والأحوال. # ولما كانت محبة الذات من ضمن الصفات الغريزية والإحساسات ~~الطبيعية، التي تتأثر بالمؤثرات وتتغير بالمغيرات كانت لا تثبت على ~~حال، ولئن كانت غايتها أبدا ذاتية، إلا أنها لا تسلك دائما الطريقة ~~المؤدية إلى هذه الغاية لانقيادها لأحكام الإرادة وما تظنه موصلا إلى ~~شيء يؤدي بها أحيانا كثيرة إلى آخر لجهلها بالوسائط، وهذا هو السبب ~~في قول بعضهم: إن الإنسان يفعل مندفعا من غير علم منه إلى غاية غير ~~الغاية التي يقصدها بقوة تتصرف فيه مقيمين الواسطة مقام السبب وهو ~~منقوض؛ لأن هذه القوة سواء كانت، على قول بعضهم: منفصلة عنه، أو على ~~قول غيرهم: متصلة به، إما أن تكون غير إرادته أو تكون هي نفس إرادته، ~~فإن كان الأول حصل العبث؛ إذ لا يكون للإرادة البينة أحكامها ~~والظاهرة أعمالها فائدة في الجسم الذي تظهر فيه، أو تكون وظيفتها أن ~~توهمه السير إلى غاية غير الغاية المفروضة له. وبعبارة أخرى: أن ~~تخدعه، وكلاهما غير سديد، وإن كان الثاني كان لا حاجة إلى إقامة قوة ~~أخرى بجنب الإرادة؛ طالما هي الإرادة نفسها. # فإذا صدقت الحواس في نقلها التأثيرات إلى العقل وصدق العقل في ~~أحكامه، واعتدلت الإرادة في شهواتها، تولد عن هذه الصفة الأولية ~~الغريزية كثير من الصفات الفرعية الرفيعة كالكرم والشرف والشهامة ~~والمروءة والصدق والعدل وحب الألفة والتعاون، وغير ذلك من الصفات ~~الحسنة التي تسبب بها راحة الإنسان وسعادته منفردا ومجتمعا. وبخلاف ~~ذلك إذا انخدعت الحواس في نقلها، وكذب العقل في حكمه، وضلت الإرادة في ~~شهواتها، فيتولد عنها الدناءة والكبرياء والجبن والكذب والظلم ورياء ~~المحكوم، واستبداد الحاكم والانفراد، وغير ذلك من الصفات السافلة التي ~~ترجع على الفرد بالويل، وعلى الاجتماع الإنساني بالخراب. ~~••• # انظر إلى الكبرياء والشرف؛ ms007 فهما صفتان متولدتان عن محبة الذات، ~~أولاهما ذميمة متولدة عن اتحاد محبة الذات بالجهل، والثانية حميدة ~~متولدة عن اتحاد محبة الذات بالعلم. فالكبرياء تحمل صاحبها على احترام ~~نفسه باحتقار غيره، والشرف يحمله على احترام نفسه باحترام غيره، ~~فالغاية واحدة في كلا الأمرين، وهي احترام الذات؛ إلا أن طريقة الحصول ~~على ذلك مختلفة. وهذا الاختلاف ناتج عن اختلاف العلم بالأسباب ~~والوسائط، كما تقدم، فلو علم صاحب الكبرياء أن السبيل الذي يسلكه في ~~احترام نفسه وتعظيمها هو السبيل المحقر لها لعدل عنه إلى ما هو ~~أحسن منه؛ لأن محبة الذات لا تستطيع أن تصير عالمة على أن تسلك السبيل ~~الذي يؤدي بها إلى ما لا يسرها، كما أن صاحب الاستبداد لو علم أن ~~استبداده لا يأتي عليه بما تتمناه محبة ذاته لما صبر عليه دقيقة ~~واحدة. كما أن صاحب الرياء أيضا لو علم أنه يوجد له سبيل آخر غير ~~ريائه لاستحصال رضى سيده المستبد، آمنا على نفسه من غدره لعدل عنه ~~إلى الصداقة، وخلوص النية، واستعمال الحرية في تأدية خدمته. # لذلك كان سلطان الرياء قويا جدا حيثما قوي الاستبداد، والقوم ~~الذين يستولي عليهم الرياء هم قوم لا يصدقون ولا يصدقون، فالرياء ~~والموالسة والتدليس وما شاكل هي سلاح من يرغب في أن يكون مقربا من ~~الاستبداد متمتعا بما يمكن تحصيله من خيرات الظلم، ومن لم يتدرع ~~بهذه الصفات، بل لبث مصرا على الصدق وخلوص النية واستعمال الحرية ليس ~~له أن يطمع بالتقرب من المستبدين، بل عليه أن يبتعد عنهم ما أمكن قبل ~~أن يبعدوه من بينهم؛ لأن صفاته هذه لا تحسن في عينيهم ولا ترجع عليه ~~إلا بالوبال. ~~••• # والإنسان الذي لم تهذبه التجارب ولم توسع دائرة عقله العلوم الصحيحة ~~فلا يرى إلا ما كان قريب الغاية، تقتصر محبة الذات فيه عليه ولا ~~تتجاوزه؛ لأنه يحسب أن سعادته قائمة بأسباب لا تتعداه ولا يمكن أن ~~تتأتى له مع سعادة سواه، بل بخلاف ذلك قد يظن أن سعادة غيره تعود ~~عليه بالشقاء، فيسعى في تحصيل ms008 سعادته بمضادة سعادة غيره. وهذا ناتج ~~من جهله الأسباب والوسائط التي تمكنه من الحصول على هذه السعادة ~~المطلوبة منه، فإذا زاد اختباره وكثرت معارفه واتسعت دائرة أحكامه؛ رأى ~~أن في الانضمام والتعاون، واشتراك المصالح مزايا أخرى تفيده ولا توجد ~~له منفردا، فينتقل من محبة الذات الفردية إلى المحبة العائلية فصاعدا ~~من النوع والجنس؛ إذ يرى والحالة هذه في سعادة عائلته، بل وطنه، بل ~~نوعه ما يعود عليه بأعظم سعادة لا تتأتى له من دون ذلك. # فالأمر متوقف إذن على العلم بالأسباب والوسائط؛ لأن الإنسان كيفما ~~فعل إنما يفعل دائما بقصد الوصول إلى غاية واحدة وهي سعادته، فإذا ~~تصور أنه يستطيع الحصول على سعادته منفردا دعته محبة ذاته إلى اتباع ~~السبيل الذي يرسمه له علمه، وإذا علم أن سعادته لا تحصل له منفردا، ~~بل يحتاج فيها إلى التعاون مال إليه كما يظهر من المقابلة بين ~~تصرفات الإنسان في حالتي الخشونة والتمدن. # ما أطوعه، وما أطمعه # 2 # في نظام الاجتماع صدوع هي كالسوس تنخره، ولا بد أن تقوضه ولو ~~طلي بقار الظلم، وصفح بعسجد الوهم، يتنازع الاجتماع منذ ~~القديم قوتان تتنازعان فيه قياد الإنسان، لكن كل منهما من ~~سبيل. # هاتان القوتان كانتا في الأول مجتمعتين، وكان هولهما شديدا، ثم ~~انفصلتا، ولكنهما بقيتا متحالفتين، وسوف يعم اختصامهما حتى تلاشي ~~الواحدة الأخرى، فيسود سلطان الحقيقة ويتقوض سلطان الوهم. # ولكن الاجتماع يخطو في ذلك خطوة خطوة، وكل خطوة تنقضي فيها ~~أجيال، وتقضي على آمال. # فالإنسان وإن زج في الظلمة مقهورا، فلا يخرج إلى النور إلا ~~مقسورا: ألا ترى لسان حال الجماهير يقول في كل جيل: «ليس في ~~الإمكان أبدع مما كان.» حتى يحار العقل في أي حالتيه الإنسان ~~أسعد؟ # لا ريب أن العلم إذا عم وبلغ الدرجة القصوى بلغ الإنسان منتهى ~~السعادة، ولكن - حتى يعم - أي أشقى من الإنسان السابح بين ~~الحالتين يتنازعه سلطان القوتين وهو ليس بالجاهل فيرع ولا بالماكر ~~فيزع؟ # ولكن الإنسان وزع أم ورع، ضلع أم ظلع، ماكرا وغبيا، واحد في ~~مرماه. ms009 # كنت يوما في محفل ، وإذا السلطتان بأبهى مظاهرهما، ثم قفلت ~~راجعا إلى بيتي، فرأيت البواب جاثيا يصلي ويداه إلى وجهه وكفاه ~~مبسوطتان وهو يحدق إليهما، ويتمتم كأنه يقرأ عليهما وردا وأثر ~~الاجتهاد باد عليه، فقلت في نفسي: قسمة ضئزى. ثم نظرت إلى ما به ~~من الاعتقاد الراسخ، فقلت: ولكنها تعزية كبرى. فما أصعب الإنسان، ~~وما أطوعه! وفي الحالين ما أطمعه؛ ذاك يرث الأرض، وهذا يريد أن يرث ~~... ملكوت السماء. # | المقالة الثانية # الحياة وأصلها # 1 # حيرة المرء في الوجود حياة # كل يوم تريك منها شئونا # خاضت الناس في الظنون، ولكن # ما درى الناس سرها المكنونا # الحياة حيرة العلماء، والحيرة علة البحث؛ ولذلك لم يمر عصر على ~~الإنسان إلا وقام فيه يسأل: ما هي الحياة، ومن أين أتت، وكيف تولدت؟ ~~مسائل ثلاث مرتبط بعضها ببعض، كلما أغلقت عليه من وجه قام يعالجها ~~من آخر لعلها تفتح له. وهو في كل العصور لم يزد بها علما عما قاله ~~فيها ملتون الشرق أبو العلاء المعري: # والذي حارت البرية فيه # حيوان مستحدث من جماد # ومن المقرر في العلم اليوم أن كل حي مهما كان حقيرا لا يولد إلا من ~~جرثومة متضمنة فيها كل أجزاء هذا الحي، وهذه الجرثومة نفسها صادرة ~~من حي مثله. والخلاف بين العلماء والفلاسفة في أصل الجرثومة الأولى ~~هل تولدت في الأرض نفسها، ومن مادتها وبقوة من قواها أم كيف؟ فأصحاب ~~رأي التولد الذاتي يذهبون إلى أن الأحياء جميعها نشأت في عالمنا هذا ~~من نفس مادته وبقواه الخاصة، وقد كانت في الأصل مادة حية بسيطة جدا، ~~ثم تكيفت وتحولت على مر السنين والعصور المتطاولة حتى رست على ما ~~هي عليه اليوم. وخالفهم أصحاب مذهب الجراثيم الذين ينكرون التولد ~~الذاتي بناء على ما يرونه اليوم من أن كل حي لا يولد إلى من حي مثله. ~~ولما سئلوا عن أصل هذه الجراثيم ذهبوا فيها مذاهب، ومن أغرب ما ذهبوا ~~إليه أنها أتت إلى عالمنا من عالم الكواكب. وهو قول لو تدبرناه لرأيناه ~~لا ينفي ms010 التولد الذاتي، وإنما يبعد حله ؛ لأنها سواء تولدت في أرضنا أو ~~أتتها من عالم آخر، فلا بد أن تكون قد تولدت أولا في نفس هذا العالم ~~بالنشوء، ولا بد أن تكون مادة ذلك العالم الذي تولدت فيه أولا وقواه ~~شبيهة بمادة عالمنا وقواه أيضا؛ لكي تستطيع أن تعيش فيه. # جاء في كتابنا الحقيقة ما نصه: «على أن بعض الفلاسفة يذهبون إلى أن ~~الأرض التي كانت في البدء قاحلة وغير مسكونة، إنما عرضت فيها الحياة ~~مما أتاها من الجراثيم من بعض الكواكب المصطدمة بها، وهو قول محتمل، ~~إلا أنه غير مقنع، ويظهر لنا أنه لا يحل المسألة وإنما يزيدها ~~ارتباكا؛ فإن لم تكن الحياة قد ظهرت على الأرض ذاتيا بفعل أحوال ~~طبيعية وكيماوية، فيلزم أن تكون قد ظهرت ابتداء على أحد كواكب نظامنا ~~الشمسي. وخصوم التولد الذاتي الذين يتعلقون بأهداب هذا التعليل ~~كالملجأ الأخير لهم إنما يبعدون حل هذه المسألة، ولا يأتون فيها بتعليل ~~شاف. ولا يخفى أن الحل الطيفي الذي استطعنا بواسطته أن نعلم تركيب ~~الكواكب الكيماوي أرانا أن هذه الكواكب متكونة من نفس المواد المتكون ~~منها سيارنا؛ فالصوديوم والمغنيسيوم والهدروجين والأكسيجين والكربون ~~والكلسيوم والحديد والتلوريوم والبزموت والزئبق ... إلخ موجودة هناك كما ~~هي موجودة هنا. وقد علم كذلك من فحص الحجار الجوية أن هذه الأجسام ~~تتحد هناك كما تتحد في أرضنا. فلا بد، إذن، من أن تكون الأحياء ~~الأول قد تكونت فيها من مواد جامدة شبيهة بموادنا. فوالحالة هذه ما ~~الفائدة من الزعم بأن أرضنا إنما أتتها الحياة من كوكب اصطدم بها في ~~مروره في الفضاء؟ إذ لا بد من الإقرار في كل الأحوال بأن التعضي قد وقع ~~في المادة في أحد نجوم نظامنا الشمسي، فمن العبث، إذن، الإصرار على ~~إنكار نشوء الحياة في الأرض.» ~~••• # ولو لم يكن قائل هذا القول من ذوي المكانة في العلم لما عبأ أحد به ~~لغرابته، وإنما الناس في المسائل العلمية، كما في سواها، كثيرا ما ~~يعبرون الكلام التفاتا بالنظر إلى مقام قائله. فصاحب هذا ms011 الرأي الغريب ~~هو اللورد كلفن أي السير وليم طمسن أحد مشاهير العلماء الطبيعيين جاء ~~في الحقيقة ما نصه: «والذي ارتأى أولا أن جراثيم الأجسام الحية وقعت ~~مع الرجم هو السير وليم طمسن الإنكليزي، ومنذ مدة خطب بعضهم خطبة طويلة ~~في تكون البرد قال: إنه يتكون من بخار موجود في الخلاء الذي بين ~~الأجرام السماوية. فما أتم الخطبة حتى وقف السير وليم طمسن، وقال: أظن ~~الخطيب يمزح فيما يقول؛ لأنه لو فرضنا أن البرد تكون في تلك الأعالي ~~لذاب قبل أن بلغ الأرض بملايين من الأميال. ولما جلس قام اللورد ~~ريلي وقال: أنا أعرف رجلا ارتأى رأيا أغرب من هذا، وهو أن بزور ~~الأحياء هبطت على الأرض من السماء.» # وبديه أن الأحياء على موجب هذا الرأي لم تتساقط إلى أرضنا ~~بأشكالها الحاضرة؛ أي: إن السماء لم تمطرنا من كل نوع من أنواع الأحياء ~~زوجين ذكرا وأنثى؛ زوجين من الكلاب، وزوجين من الفيلة، وزوجين من ~~الأرانب، وزوجين من الحيتان ... إلخ، تكاثرت وعمرت الأرض، فلا الإنسان ~~ولا الحيوان لم يأتيا على هذه الصورة، وإنما الذي تساقط إلى أرضنا ~~بزور وبراعم ومكروبات، نمت فيها وتحولت على مقتضى ناموس النشوء ~~والتحول، وارتقت وكونت الأحياء المعروفة اليوم. ~~••• # ولا بد لتحقق هذا الرأي - على فرض أن سلمنا به - من ثلاثة شروط: # أولا: # وجود صور حية في عالم آخر غير عالمنا، وليس لنا ما ~~يثبت ذلك، ولا نريد بهذا القول إثبات العمارة للأرض ~~وحدها ونفيها عن سائر السيارات، وإنما نريد به أن ليس ~~لنا دليل قاطع على أن سائر العوالم مأهولة بأحياء ~~شبيهة بأحياء أرضنا أو مختلفة عنها، وإن كانت عمارتها ~~محتملة بالقياس. # ثانيا: # وجود وسائل للنقل تحمل هذه الجراثيم من العوالم ~~الأخرى وتنقلها إلى الأرض، وهذا الشرط متوفر في ~~منقضات النيازك وسواقط الرجم، التي هي أجزاء من ~~الأجرام السماوية تتساقط على الأرض، كما لو تحطم أحد ~~الأقمار وتساقطت أجزاؤه. ومثل هذه المنقضات على ~~الأرض كثير ومن كل حجم، بعضها يزن القناطير وبعضها يقل ~~عن المثقال. وقد حسب ms012 نيوتن ولوكيار أنه يتساقط منها ~~على الأرض كل يوم نحو عشرين مليونا، وأربعين مليونا ~~إذا عدت الصغار منها. وقد أثارت هذه النيازك في بعض ~~القبائل عواطف العبادة؛ يحكى أنه سقط في سنة 1851 في ~~زوروما في أفريقيا الشرقية نيزك، فدنا السود منه ~~بكل احترام، ومسحوه بالزيت «كمألوم تداوي منه ~~جرحا»، وكسوه بالحلل الثمينة «كي لا تخدش خده ~~الأبصار»، ونقلوه إلى أحد الأكواخ ونصبوه معبودا لهم. ~~وما أمر هؤلاء السود مع هذا الحجر السماوي بأعجب ~~من أمر ذلك الفلاح الإنكليزي الذي رأى من عهد مائة سنة ~~رجلا راكبا منطادا نزل عليه، ولما سأله: أين أنا؟ ~~جثا على ركبتيه، وقال: أنت في كولسدون (اسم بلدة) أيها ~~الإله القادر على كل شيء. # ثالثا: # أن تكون النيازك آتية من عوالم فيها أحياء وحاملة ~~جراثيم حية، وغني عن البيان أن جميع النيازك لا ~~تستطيع أن تقوم بهذا الأمر. مثال ذلك النيازك ~~المؤلفة من معدن كان مصهورا من شدة الحرارة؛ على ~~أنه يوجد نيازك شبيهة بصخورنا، يمكن للجراثيم أن ~~تستقر في شقوقها، بل نعرف نيازك تتضمن مواد عضوية ~~شبيهة بالراتينج. فهذه المواد وإن لم تكن الحياة نفسها ~~إلا أنها فيما يرجح متكونة عن كائنات حية، أو فيها ~~وجه لهذا الفرض، فانتقال الجراثيم بمثل هذه النيازك، ~~إذن، ممكن. # ولكن يقوم على ذلك اعتراض؛ وهو أن النيازك التي ~~تخترق الهواء تمر فيه بسرعة عظيمة جدا، هي على تقدير ~~لوكيار: من 40 إلى 60 كيلومترا في الثانية، فتسخن إلى ~~درجة تصير فيها نيرة من شدة ضغط الهواء. ودرجة ~~الحرارة التي قد يبلغها النيزك، والحالة هذه، تختلف من ~~4000 إلى ستة آلاف درجة، فلا تستطيع الجراثيم أن تبقى ~~حية في كل هذه الحرارة؛ إذ قد تبين من الامتحان أن ~~البزور قد تقوى على احتمال 100 إلى 120 درجة من ~~الحرارة الجافة بعض ساعات، وأما على حرارة 150 إلى ~~200، فإنها تموت، والمكروبات تهلك في جميع أشكالها. ~~غير أن النيازك لا تبلغ جميعها هذه الدرجة من الحرارة، ~~ومن المؤكد أن التسخن هو ms013 غالبا سطحي. وقد سقطت ~~نيازك كانت فاترة وغيرها كان باردا، وفي سنة 1860 ~~تساقطت في درمسالا في الهند قطع كانت بحال وصولها ~~إلى الأرض بالغة من البرد درجة صقعت منها الأكف ~~التي لمستها. # وتعليل ذلك بسيط؛ فالنيازك، التي هي عبارة عن محطمات الكواكب، قبل أن ~~تصل إلى الأرض تمر في فضاء بارد جدا، تختلف درجة برده من 50 إلى ~~150 تحت الصفر، فإذا صادمت الهواء فقد تسخن في كل كتلتها إذا كانت ~~صغيرة، ولا تسخن إلا في سطحها ويبقى باطنها باردا إذا كانت أكبر، فمن ~~الممكن، إذن، أن يصل إلينا بعض النيازك من دون أن يسخن كثيرا، فإذا ~~كان حاملا في بعض أجزائه الباطنة بعض الجراثيم فليس من الضروري أن ~~تحترق. # ولكن يرد علينا حينئذ اعتراض آخر، وهو: إذا كانت الجراثيم لا ~~تحترق، فمن يضمن لنا أنها لا تموت من شدة البرد؛ لأن برد الفضاء ~~شديد؟ ولكن الامتحانات الحديثة قد ذهبت بهذا الاعتراض؛ إذ قد تبين منها ~~أن البزور وأنواع البكتريا تحتمل بردا شديدا من دون ضرر، لا درجة 50 ~~أو 100 فقط، بل 200 تحت الصفر. فمن الجراثيم ما بقي حيا مائة ساعة في ~~هواء درجة برده 190 تحت الصفر و118 يوما على درجة تختلف بين 37 و53 ~~تحت الصفر. وهذه المعلومات كثيرة الفائدة إذا ضممناها إلى غيرها ~~مما علم في هذه السنين الأخيرة. # فقد كان المظنون إلى أيامنا هذه أن البزور، ولئن ظهرت بحالة نوم، ~~فلا تزال الحياة تعمل فيها، وإذا كانت تبدو لنا واقفة فما ذلك إلا في ~~الظاهر فقط، فهي لا تزال تقضي بعض الوظائف الجوهرية كالتنفس والمبادلات ~~الغذائية ولكن ببطء وضعف كليين، والحال أن ذلك خطأ؛ فإن هذه ~~الوظائف الحيوية تقف وقوفا تاما على درجات البرد المذكورة، كما تقف ~~عندها في الأجسام الكيماوية ألفتها وخصائصها المميزة لها، كما تبين من ~~الامتحان. ~~••• # وبالحقيقة كيف يمكن التصديق ببقاء وظيفة التنفس وسائر الأفعال ~~الحيوية عاملة، ونحن نرى بزورا في الفراغ لا تفرز مقدارا من الحامض ~~الكربونيك يشعر به ms014 بالحل الطيفي، ونرى بزور البرسيم (القرط) تبقى ست ~~عشرة سنة في غاز الأزوت والكلور والهيدروجين والكحول الصرف، ثم تنبت ~~إذا أخرجت إلى الهواء والرطوبة والحرارة. وحب الحمص المخنوق ضمن ~~الزئبق يبقى حيا بعد خمس سنين، إلى غير ذلك من الامتحانات التي يكاد ~~يكون التبادل الحيوي ممتنعا فيها؟ ففي مثل هذه الأحوال لا بد من ~~التسليم بوقوف الحياة وقوفا تاما بحالة لا هي الموت؛ لأن الحياة ما ~~زالت ممكنة، ولا هي الحياة؛ لأن الحياة هي التبدل والحركة، بل هي ~~حالة متوسطة بين الموت والحياة، وعليه: فلا خوف على الجراثيم من برد ~~الفضاء إذا صح انتقالها إلينا من الأجرام الأخرى بواسطة ~~النيازك. # وما بسطنا كل ذلك هنا إلا من باب الفكاهة العلمية، لا تأييدا ~~لهذا الرأي الذي هو في اعتقادنا غريب جدا، كما تقدم، والشيء بالشيء ~~يذكر، فمن غرائب أحلام العلماء ما خطر في القرن الماضي لأحد مشاهير ~~الجراحين والعلماء الطبيعيين، المدعو: هنتر، بالنظر إلى وقوف ظواهر ~~الحياة كما تقدم. وهذا يدلك على أن هذا الفكر ليس حديثا. فقد خطر ~~له أن يجرب إيقاف الحياة، وأجرى امتحاناته على بعض أنواع الحيوانات ~~الدنيا، فجرب أن يوقف حياتها بالبرد فنجح في ذلك، ولكنه لما أراد ~~إيقاظها بالحرارة وجدها لا حياة لمن تنادي. # وله من وراء ذلك غرض عظيم، قال في بيان هذا الغرض ما نصه: «قد ظننت ~~أنه يمكن إطالة الحياة إلى ما لا نهاية له بإجلاد إنسان، بوضعه في ~~مكان بارد جدا، واستندت في ذلك أن كل عمل ومن ثم كل خسارة في مادته ~~تقف، والحالة هذه، إلى أن يسخن ثانية، وقلت في نفسي: إذا أراد إنسان ~~أن يقف السنين العشر الأخيرة من حياته لإجراء هذا التعاقب بين العمل ~~والراحة يمكن إطالة حياته آلافا من السنين، يوقظ فيها كل مائة سنة ~~مرة، فيقف على كل ما جرى في العالم مدة رقاده، وكنت معلقا كل آمالي ~~على نجاح هذا المشروع، ولكن «امتحاناتي خانتني»» انتهى. # فترى مما تقدم أن هنتر كان يحلم بالخلود الجسماني للجميع، ms015 ولكنه لم ~~ينجح، والظاهر أن حلمه لن ينجح. على أننا لا نريد أن نثني عزم أحد من ~~الراغبين ... # | المقالة الثالثة # الأدوار الجليدية وتأثيرها في الإنسان # 1 # لم يرد على الإنسان سؤال أصعب من سؤاله: ما هو الإنسان؟ فإن هذا ~~السؤال سئل منذ نشأت الفلسفة، واشتغل به جميع الفلاسفة، ومع ذلك بقي ~~زمانا طويلا ولم يتحول عما تركه عليه مؤسسا المدرستين ~~القديمتين طالس وفيثاغورس. وما ذلك إلا لقيام الإنسان حكما في مسألة ~~لا يسلم فيها من الغرض مع انقياده في أحكامه إلى التصورات الشعرية ~~والأفكار الوهمية والمبادئ الخرافية؛ ولذلك لم يتيسر البحث عن الإنسان ~~بحثا علميا حتى زعزعت العلوم الطبيعية هذه المبادئ الفلسفية في ~~الأعصر المتأخرة، فانحصر البحث في هذه المسألة في علمي ~~الأنثروبولوجية؛ أي: علم الإنسان. والسوسيولوجية. أي: علم الاجتماع ~~الإنساني. # وعلى ذلك فعوضا عن أن يصعد الإنسان بالخيال إلى الطبقات السماوية؛ ~~ليبحث عن أصل الإنسان، فإنه ينظر إليه في المكان الذي ينشأ فيه وينمو ~~ويموت، ولا ينتقل إلى غيره من الأبحاث الطبيعية إلا عند الضرورة ~~لارتباط العلوم الطبيعية بعضها ببعض ارتباطا شديدا، بحيث يتعذر البحث ~~في علم منها بدون الاستناد إلى سابقه في سلم العلوم. فالسوسيولوجية ~~لما كانت أصولها في علم البيولوجية؛ أي: علم الحياة، كان اعتناء ~~علماء عصرنا بدرس فروع البيولوجية لتأسيس علم الإنسان لا يماثله ~~اعتناء. ثم إن معرفة حقيقة هذا العلم متوقفة أيضا على أمر مهم من ~~متعلقات علم الفلك، وهذا الأمر هو مبادرة الاعتدالين، وهو وإن كان ~~مذكورا في جميع كتب الهيئة منذ هيبرخوس إلا أنه لم يكن يظن أحد قبل ~~الآن أن له تعلقا بارتقاء الإنسان، وأما الآن فيعتبر عند جمهور ~~الجيولوجيين أنه سبب حصول الأدوار الجليدية في أوقات معينة. # وقد ظهر من الأبحاث المختلفة أن بين الإنسان وبين الأدوار الجليدية ~~نسبة شديدة، بحيث تؤثر في نموه وتمدنه، وبهذا الاعتبار تنبئنا عن ~~ماضيه ومستقبله بأمور كانت تبقى مجهولة لولا ذلك؛ ولهذا لا بد قبل ~~الشروع في هذا البحث من التكلم قليلا عن الأدوار الجليدية ms016 على ما ~~يذهب إليه جمهور الجيولوجيين تمهيدا للموضوع فنقول: رأى الجيولوجيون ~~في نقبهم بعض الجبال أن سطح الصخر الذي يؤلف جانب الجبل أملس وعليه ~~ثلوم متوازية كأنها مصنوعة بالإزميل (انظر وجه 195 من السنة الثانية)، ~~ورأوا أيضا حجارة هائلة، بعضها مبدد في منحنى الجبل من سفحه إلى ~~قمته وبعضها بعيد عنه في السهول المجاورة، وقد لاحظوا، أيضا، على ~~مسير هذه الحجارة خطوطا متقطعة ممتدة من محل استقرارها إلى قمة الجبل، ~~فحكموا أن الحجارة المذكورة قد انفصلت من الجبل بقوة ما واستقرت على ~~أبعاد مختلفة بحسب القوة التي أبعدتها، وأن الخطوط آثار مرورها ~~على الأرض في انحدارها، وأول ما شاهدوا هذه الحجارة الهائلة والثلوم ~~والخطوط في جبال ألبا. # ثم رأوها في جبال أخرى في شمالي أوروبا، وظهر لهم أنها تزداد وضوحا ~~كلما تقدموا إلى الشمال، وقد توهموا أنها تتجه دائما من الشمال إلى ~~الجنوب فقالوا: إن سببها ارتفاع مياه الأوقيانوس المتجمد الشمالي ~~بغتة، واندفاع الجليد منه قطعا هائلة على الأرض بقوة عنيفة ساقت ~~أمامها ما اعترضها من الحجارة وغيرها، وثلمت سطوح الصخور الملساء، وهذا ~~هو مذهب الطوفان، وعضد هذا المذهب كوفيه، الطبيعي الشهير وبقي ~~معولا عليه إلى سنة 1830، وحينئذ قام ليل الجيولوجي الإنكليزي ~~فناقضه قائلا: إن الظواهر الطبيعية الحادثة على سطح الأرض ليست نتيجة ~~انقلابات فجائية لا تدرك أسبابها، بل هي حادثة عن عوامل طبيعية تتم ~~أمامنا ببطء شيئا فشيئا، وإن هذه العوامل المتناقضة النتائج ~~مرجعها كلها إلى القوات النارية التي ترفع سطح الأرض، وإلى فعل ~~الهواء الذي يفتت الصخور ويعري الجبال وينقل التراب ويملأ به ~~الأودية. ثم تحقق الجيولوجيون، خلافا لما كانوا توهموه، أن اتجاه ~~الخطوط من الشمال إلى الجنوب ليس مطردا، بل يتبع مسير الماء كيف كان ~~مجراه، فيكون، أيضا، من الجنوب إلى الشمال كما في جبال البرينه، وهذا ~~الاتجاه لا يصح أن يكون حادثا عن طغيان الأبحر الشمالية. # فتحول فكر العلماء حينئذ للبحث عن أسباب أخرى طبيعية، فتحقق ~~شمبر، أحد الطبيعيين الجرمانيين، من أنهار الجليد الحاضر أنها تترك ms017 في ~~سيرها حجارة هائلة وصخورا مثلمة شبيهة بما يوجد في الطبقات السفلى، ~~وإنما الفرق بينها أن القديمة أكثر امتدادا؛ فاستنتج من ذلك أنها؛ أي : ~~القديمة، حصلت من أنهار جليد أعظم من الموجودة الآن. ولكن لما كان ~~بين هذا القول وبين التعاليم المعول عليها حينئذ بون عظيم لم يعبأ ~~به. وفي سنة 1840 نشر أكاسيز الشهير كتابا بهذا المعنى بين فيه وجود ~~دور جليدي في الأدهار الغابرة، وأبدى رأيه عن أنهار الجليد القديمة، ~~وعن نتائج امتدادها العظيم؛ فلشهرته انتبه كثير من العلماء إلى ذلك، ~~وسافر جماعة من جيولوجي الإنكليز ومنهم ليل إلى جبال ألبا؛ ليتحققوا ~~بأنفسهم فعل أنهار الجليد، ورجعوا مقتنعين مما رأوا. # ثم تحقق العلماء ذلك أيضا في جميع البلدان ذوات الجبال بوسط أوروبا ~~وشماليها وشمال أمريكا وجنوبها، وفي جبال آسيا الوسطى، حتى إن مذهب ~~الأنهار الجليدية عم الآن وصار حكما من أحكام الجيولوجيا. ولما ~~تحققوا أن القسم الأعظم من نصف الكرة الشمالي اكتسى بالجليد بعدما ~~تكونت أراضي الدور الثلاثي بقي عليهم أن يعرفوا ما هو السبب لحصول ~~ذلك، فذهبوا مذاهب شتى، وارتأوا آراء متعددة أفضت، بعد المباحث ~~الطويلة، إلى أن سطح الأرض لم يكتس بالجليد مرة واحدة فقط، بل مرارا ~~متعددة في أدوار متعددة، وثبت عندهم أن هذه الأدوار الجليدية ترجع في ~~أدوار منسوقة على نظام محدود. ولدى التأمل في هذا النظام أخذوا ~~يبحثون عن السبب الذي تهبط به حرارة أحد نصفي كرة الأرض، فيبرد بردا ~~شديدا يؤذن للجليد بالدوام أزمانا مديدة، ففطنوا إلى أمر مبادرة ~~الاعتدالين وإلى انتقال محور دائرة الأرض العظيم، فسهل عليهم حل هذا ~~المشكل. # فإن هذا المحور العظيم يتحرك تحركا بطيئا في دوران الأرض حول ~~الشمس حتى يدور دورة كاملة بالنظر إلى الاعتدالين في إحدى وعشرين ألف ~~سنة تقريبا كما يعلم من علم الهيئة، وفي هذه المدة يوافق بالضرورة خط ~~الانقلابين مرتين فينطبق عليه لحظة من الزمان. وقد حدثت الموافقة ~~الأخيرة سنة 1250 للميلاد، وحينئذ كانت نقطة الرأس في الانقلاب ~~الشتوي، فتأتى من ذلك أن ms018 بلغت أيام الربيع والصيف في نصف الكرة ~~الشمالي أعظمها، وطالت فصول الشتاء واشتد بردها جدا في النصف الجنوبي ~~بحيث تولاه دور جليدي لم يزل حتى يومنا ؛ لأن ظروف المناخ لم تتغير ~~من ثم كثيرا. ثم إذا تقهقرنا عشرة ~~آلاف وخمسمائة سنة رأينا أن نقطة الرأس كانت في الانقلاب الصيفي، فحصل ~~عكس ما تقدم؛ أي: إن فصول الشتاء طالت واشتد بردها في نصف الكرة ~~الشمالي، فأحدثت عليها دورا جليديا، فكل 10500 سنة يحصل دور بارد ~~جدا، شمالي ثم جنوبي على التعاقب، بحيث تتوالى الأدوار الجليدية على ~~كل من نصفي الكرة كل إحدى وعشرين ألف سنة. ~~••• # فلننظر الآن إلى الأنهار الجليدية من جهة تأثيرها في نوع الإنسان، ~~فأول ما يتضح لنا هو سبب الاختلاف العظيم بين أهل الشرق والغرب وجهة ~~تاريخهم، ولولا ذلك لكان تاريخهم يبقى في غاية الإبهام، فلا يخفى أن ~~تاريخ الإنسان الشرقي أقدم جدا من تاريخ الإنسان الغربي، فإن أقدم ~~آثار الإنسان التي وجدت في أوروبا لا يتجاوز عمرها 7000 إلى 8000 سنة ~~حسب تعديل الجيولوجيين بناء على أقدم الآثار الموجودة حديثا. وأما ~~آثاره الدالة على تمدنه في الشرق فيصعد تاريخها، كما في بلاد مصر، ~~إلى 15000 سنة حسب تقويم أعدل الجيولوجيين، وذلك موافق لرواية مانثون ~~الذي أمره بطليموس فيلادلفوس، فنقل عن الكتب المقدسة لهيكل اليوبوليس ~~العظيم تاريخ مصر منذ أيامها الأولى، وضمنه في ثلاثة مجلدات لم يصل ~~إلينا منها سوى بعض فقرات وفصول ذكرها المؤرخون القدماء الذين جاءوا ~~بعده كهيردوطوس وغيره؛ على أنه لم يكن أحد قبل الآن يثق بصحتها؛ لما ~~بين التواريخ التي ينسبها إلى دول مصر وبين التعاليم الشائعة من الفرق ~~البين حتى جاءت أخيرا الأبحاث الجيولوجية مؤيدة صحتها. # فإذا قيل: ما هو السبب في كون تاريخ تمدن بعض شعوب المشرق يتقهقر ~~إلى 150 قرنا مع أن أهل أوروبا لم يكونوا منذ سبعة أو ثمانية آلاف سنة ~~إلا قبائل متوحشة يقطنون المغاير والكهوف؟ فالسبب واضح لمن يتدبر ~~مذهب الأدوار الجليدية، فإن بلاد مصر، لعدم وجود الجبال ms019 فيها ولاتصالها ~~من طرفها الجنوبي بمدار السرطان، آمنة من نوازل الثلج والجليد، فلا ~~تعيق نمو الإنسان فيها، وكذلك يقال أيضا عن السهول الواسعة الممتدة ~~في جنوبي آسيا من حدود البحر المتوسط إلى حدود الصين، بخلاف أوروبا ~~فإنها لبعدها عن المدارين واتصالها بالأبحر الشمالية، فالبرد يشتد ~~فيها جدا فيتراكم الثلج على القسم الأعظم من سطحها فتحول دون نمو ~~الإنسان فيها. وهذا هو السبب في عدم ظهور آثار الإنسان السابق العهد ~~التاريخي فيها إلى ما بعد تقهقر الأنهار الجليدية الأخيرة. ولا يوجد ~~قبلها إلا بعض عظام بشرية يندر وجودها أكثر فأكثر كلما اقتربنا إلى ~~أسافل الأراضي التي تكونت في الدور الرباعي. ~~••• # ثم يتضح أيضا، على مذهب الأدوار الجليدية، سبب أمر آخر كثير ~~الإبهام كسابقه، وذلك أن من يقابل بين أمم الشرق القديمة وبين الأمم ~~الحاضرة بالنظر إلى نشاط القوى العقلية يستعظم الفرق بينها. أليست بلاد ~~الهند وإيران والكلدان مهد التمدن وأم العلوم والصنائع (فإن خرابات ~~بابل ونينوى لا تزال موضوع اندهاش أهل هذا العصر؛ مما يدل على أن ~~الصنائع فيهما كانت بالغة من الإتقان أعلى درجة، فضلا عن أن علم ~~الهيئة نشأ في بابل والعلوم الرياضية كانت متسعة جدا في بلاد الهند)، ~~فما الذي استولى عليه حتى لم يبق لها بقية تذكر أو ذكر يشهر؟ ~~أليست البلاد التي أولدت طالس وأرخميدس وهيبرخوس عقيمة منذ زمان طويل، ~~فكيف وهنت قوى هؤلاء الشعوب، ولماذا سكنت حركتهم عن التقدم في معراج ~~التمدن؟ إن سبب ذلك يتضح من دور البرد الأخير الذي استولى على نصف ~~الكرة الشمالي؛ فإن شدته وصلت إلى أبعد من حدود الأنهار الجليدية بكثير ~~(فإن دور البرد الشديد المستولي الآن على نصف الكرة الجنوبي لا يزال ~~تأثيره واصلا إلى حدود رأس الرجاء الصالح في أفريقية وبونس أيرس في ~~أمريكا مع أنه دخل في التناقص من تاريخ 1250 سنة للميلاد)، فأهالي جبال ~~آسيا لما داهمها الثلج حينئذ انسحبت من أمام البرد والتجأت إلى ~~السهول المنحدرة نحو شطوط البحر المتوسط وخليج العجم وبحر ~~الهند. # وما ms020 دامت تلك الثلوج تبعث الهواء البارد إلى الجنوب، فتبرد تلك ~~الجهات دام المهاجرون إليها على نشاطهم العقلي الخاص بسكان البلاد ~~الباردة، فنما التمدن وانتشر في الشرق؛ ولكن لما أخذت تلك الثلوج تذوب ~~وتتقهقر أخذت طبائع تلك الأقاليم تتغير فاستولت عليها حرارة الجهات ~~المدارية، واستولى الخمول على سكانها وأخذ نشاطهم ينحط وعزائمهم تضعف، ~~حتى سكنوا في رقدتهم التي نراهم فيها، فنهض الغرب حينئذ إذ خلع عنه ~~جلباب البرد القارس الذي كان كبل قواه وأخمد أنفاسه قرونا عديدة، ~~وأبان للعالم أجمع كم ترك الأوائل للأواخر بما أبداه من النشاط الذي ~~فاق كل نشاط، فإن الذي اتصل إليه ابن المغرب من السعة في المعارف ~~والدقة في العلوم والإتقان في الصنائع لا تبعد عنا شهوده ولا يترك ~~محلا للريب في أنه أناله قصب السبق في ميدان الإنسانية. ولكن لا فضل ~~لأحد بذلك؛ فالفضل لله، ولا عار علينا بخمولنا؛ فإنه بحكم الدور ~~سيأتي زمن لا يتجاوز مائة قرن بتعديل الجيولوجيين، فيه تعود الثلوج ~~وتغطي القسم الأعظم من نصف الكرة الشمالي، فتمسي تلك العواصم المأهولة ~~كبطرسبورج وفيينا وبرلين وباريس ولوندرة ونيويورك. # كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا # أنيس ولم يسمر بمكة سامر # فيولي أهلها الأدبار من أمام وجه البرد طالبين ملجأ في جنوبي ~~أوروبا، وفي أماكن أخرى على شطوط البحر المتوسط، ويتقهقر الغرب، ويبرد ~~هواء الشرق فيدب النشاط في عروق أهله وتوافيه السعادة بعد الشقاء، ~~وينتقل محور التمدن إليه. # إن البلاد لكالعباد؛ فإنها # تشقى كما تشقى العباد وتسعد # ولنذكر الآن ما استفاده العلماء من الأدوار الجليدية، فالجيولوجيون ~~استفادوا منها معرفة أعمار طبقات الأرض المختلفة بمراقبة ظواهر الجليد ~~فيها، والإنتربولوجيون استفادوا معرفة عمر الإنسان من آثاره فيها، أما ~~الجيولوجيون فتحققوا في نصف الكرة الشمالي ثلاثة أدوار جليدية واضحة، ~~أقدمها في الطبقة الوسطى للأراضي الثلاثية، والثاني في بداية الرواسب ~~الرباعية، والأخير أنهار الجليد الأخيرة في جبال ألبا. وأما ~~الأنثروبولوجيون فالظاهر أنهم وجدوا عظاما بشرية حتى في الطبقة الوسطى ~~للأراضي الثلاثية؛ أي: في أقدم دور جليدي عرف إلى ms021 الآن. فإذا أضفنا ~~21000 سنة مدة رجوع الدور الجليدي مضروبة في 2 عدد الدورين الجليديين ~~الشماليين الأول والثاني إلى 9250 سنة التي مرت من الدور الجليدي ~~الشمالي الأخير إلى القرن الأول للميلاد، كان لنا عمر الإنسان المعروف ~~إلى الآن، وربما كانت الأبحاث المستقبلة تبعد تاريخه عن ذلك أيضا؛ على ~~أننا نقول: إن كل ذلك منقول عن أرباب هذا العلم، فلا نجزم بصحته، بل ~~نتبرأ من تبعته، فلا يهلل المعتقدون ولا يتهلل الجاحدون. # 2 # ا.ه. # | المقالة الرابعة # الاجتماع البشري أو العمران # 1 # الغاية من الاجتماع البشري، ويسمى العمران أيضا، التعاون على ~~المعاش والاعتمال في تحصيله من وجوهه واكتساب أسبابه. وذهبت طائفة من ~~الحكماء إلى أن الاجتماع نتيجة الفكر والروية وقصرته على الإنسان، ~~وقال قوم: بل هو طبيعي في الحيوان؛ لما يعهد من اجتماع النمل ~~والنحل والجراد والقرود، كما سنبين ذلك فيما يأتي. وإنما بلغ الغاية في ~~الإنسان؛ لأنه أقومها تكوينا وأبعدها فكرا وأقواها روية. ~~وأجمعوا على أنه ضروري للبشر وإلا لم يكمل وجودهم ولم تتم حياتهم؛ ~~لأن الإنسان مضطر لدفع شرور كثيرة عنه مثل الجوع والعطش والبرد ~~والتعب، وعدوان بعضه على بعض وعدوان الحيوانات الأخر التي تساكنه أرضه ~~وتنازعه الحياة فيها، ولمقاومة قواسر أخرى طبيعية كثيرة. ومحتاج كذلك ~~إلى مواد وآلات يتقي بها هذه الشرور كالقوت والكساء والمساكن ~~والأسلحة، وغير ذلك مما يقتضي أعمالا كثيرة، فإن كان منفردا، فهو لا ~~يستطيع القيام بها جميعا؛ لأن كل عمل منها يستغرق فيه حياة كاملة، ~~وقد لا تفي بجزء منه، فهو لا بد له من الاجتماع وتقاسم الأعمال حتى ~~يتم له التعاون بحيث يكون منه الزارع والصانع والجندي والوازع ~~والمخترع والحكيم، وحتى ينتظم وجوده ويحسن حاله. # ولهذا شبه الحكماء العمران بجسم حي كسائر الأجسام الحية ~~مركب من أعضاء مختلفة تعمل لغاية واحدة، وهي سلامة بعضها وسلامة ~~الكل. ووصفه بعضهم وصفا طبيعيا نظيرها كما سيأتي، ولو اقتصر الإنسان ~~على الحياة منفردا ما استطاع أن يتغذى بغير الأثمار أو يكتسي بغير ~~أوراق الشجر يخصفها عليه أو ms022 يأوي إلى كهوف الأرض، ولما أمكن له ~~إقامة القصور الشاهقة، وبناء المدن الحصينة، واتخاذ الملابس الحسنة ~~الفاخرة، وطبخ الأطعمة الجيدة اللذيذة، واصطناع الأسلحة المنيعة، ولكان ~~أشبه بالحيوانات العجم، ولما نما إلى هذا الحد، ولكانت حياته أشبه ~~بحياة الكريات الحية المؤلف منها الجسم الحي إذا كانت منفردة. فهو ~~لم يستطع النهوض بهذه الأعمال إلا مجتمعا؛ فحياته الاجتماعية إذن ~~ضرورية لحفظه ولراحته ورفاهيته؛ ولهذا نما فيه هذا الميل للاجتماع ~~إلى حد بليغ جدا حتى وصفه الحكماء بقولهم: الإنسان مدني بالطبع؛ ~~أي: لا بد له من الاجتماع الذي هو المدينة في اصطلاحهم كما يقول ابن ~~خلدون. # ولكي يتم له ذلك لا بد له من سنن تكفله ولا بد من العدل في هذه ~~السنن؛ أي: مراعاة مصالح الجمهور المتبادلة، ولا بد من احترامها كذلك ~~وإلا انفصمت عروة الاجتماع وتداعت دعائمه. لكن لما كان الإنسان ~~كثيرا ما لا يسلك من نفسه الطرق المثلى المؤدية إلى ذلك؛ إما عن عتو ~~وغرور أو عن جهل وذهول، كان لا بد له من إقامة قوة يناط بها ~~المحافظة على المقرر من السنن، والاقتصاص ممن يحيد عن جادتها وإلا ~~آل به الحال إلى الفوضى؛ أي: لا بد له من وازع يكون منه؛ إذ لا ~~يمكن أن يكون من سواه، يدفع عدوان بعضه عن بعض ويهتم بإصلاح شئونه. ~~وقد أشار أرسطو إلى ذلك كله في دائرته المسماة في عرف السياسيين ~~بالدائرة السياسية حيث قال: «العالم بستان سياجه الدولة، والدولة ~~سلطان تحيا به السنة، والسنة سياسة يسوسها الملك، والملك نظام يعضده ~~الجند، والجند أعوان يكفلهم المال، والمال رزق تجمعه الرعية، والرعية ~~عبيد يكنفهم العدل، والعدل مألوف وبه قوام العالم.» # واختلفوا في حقيقة هذه السنن، فذهب قوم إلى أنها الشرع المفروض من ~~عند الله؛ وإلا لم يكن لها وقع في القلوب ولا نهي عن المنكر. وقال ~~غيرهم: بل هي الشرع على الإطلاق؛ وإلا لما اقتضى أن تتم العمارة ~~للبشر قبل الأنبياء ولا لأمم غير تابعة لهم. قال ابن خلدون: «وتزيد ~~الفلاسفة على هذا ms023 البرهان، حيث يحاولون إثبات النبوة بالدليل العقلي، ~~وأنها خاصة طبيعية للإنسان، فيقررون هذا البرهان إلى غايته، وأنه لا ~~بد للبشر من الحكم الوازع، ثم يقولون: وذلك الحكم يكون بشرع مفروض ~~من عند الله يأتي به واحد من البشر، وإنه لا بد أن يكون متميزا ~~عنهم بما أودع فيه من خواص هدايته؛ ليقع التسليم له والقبول منه؛ حتى ~~يتم الحكم فيهم وعليهم من غير إنكار ولا تزيف. وهذه القضية للحكماء ~~غير برهانية كما تراه؛ إذ الوجود وحياة البشر قد تتم من دون ذلك بما ~~يفرضه الحاكم لنفسه، أو بالعصبية التي يقتدر بها على قهرهم وحملهم ~~على جادته. فأهل الكتاب المتبعون للأنبياء قليلون بالنسبة إلى ~~المجوس الذين ليس لهم كتاب، فإنهم أكثر أهل الأرض؛ ومع ذلك فقد كانت ~~لهم الدول والآثار فضلا عن الحياة، وكذلك هي لهم لهذا العهد في ~~الأقاليم المنحرفة في الشمال والجنوب، بخلاف حياة البشر فوضى دون وازع ~~لهم البتة فإنه يمتنع؛ وبهذا يتبين لك غلطهم في وجوب النبوات وأنه ~~ليس بعقلي، وإنما مدركه الشرع كما هو مذهب السلف من الأمة.» # وذهب فريق إلى أن السنن التي اصطلح عليها الإنسان في بادئ اجتماعه ~~إنما هي سنن العوائد، وهي أحكام تكليفية مرعية في المعاملات والمعايش ~~إنما الحكومة لا تشدد في المحافظة عليها، وهي تحصل للناس بالتربية ~~والمحاكاة وتنشأ فيهم عن سليقة، وهي أسبق كل السنن. وذهب سبنسر إلى ~~أنها أصلها جميعا؛ لأنها هي المرعية وحدها عند بعض الأجيال من البشر ~~المنغمسين في التوحش كأهل أستراليا وطسمانيا والإسكيمو، وغيرهم ممن ليس ~~لهم نظامات سياسية ولا دينية، أو هي فيهم أثر من عين. قالوا: وقد كان ~~زمام هذه النظامات السياسية والدينية أولا في يد سلطان واحد ولم ~~ينفصلا إلا بعد حين؛ أي: بعد أن بلغ الإنسان درجة عالية في العمران ~~كما تدل أحوال كثير من أجيال البشر اليوم، وكما يعلم من تاريخ ~~الأمم العظيمة والملل الشهيرة. وذهب المحققون إلى أن السنن ينبغي أن ~~تكون تابعة للإنسان لا متبوعة به؛ أي: أن تكون ms024 متغيرة لا ثابتة ومقيدة ~~لا مطلقة حتى تكون نافعة له لا سببا مانعا لارتقائه، وإلا لما قدر ~~الإنسان أن يخطو خطوة عما يفرضه له نظام معلوم، ولبقي في كل عصر وفي ~~كل جيل كما كان في العصر الأول والجيل الأول من اجتماعه؛ لأن كل جيل ~~له سنن لا تصلح لسواه، فإن لم تتغير هي لم يتغير هو. والحق أن أحوال ~~الأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر، كما ~~يقول ابن خلدون: إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة وانتقال من حال ~~إلى حال، إلا أن هذا التبدل في الأحوال والعوائد والنحل بتبدل ~~الإعصار ومرور الأيام يذهل عنه الكثير من الناس؛ إذ لا يقع إلا بعد ~~أحقاب متطاولة، فلا يكاد يتفطن له إلا الآحاد من أهل الخليقة. ~~••• # واختلفوا في طبيعة الحكم الوازع فقال قوم: هو الحكم الملكي المطلق، ~~ورأسه الملك، وقد أشار أنوشروان إلى ذلك حيث قال: «ورأس الكل افتقاد ~~الملك حال رعيته بنفسه، واقتداره على تأديبها حتى يملكها ولا تملكه.» ~~وقال غيرهم: «بل هذا النظام مفسد للعدل الذي هو أس العمران بما يولي ~~الملك من السلطان المطلق على عماله وعلى رعيته؛ إذ لا يكون لأعماله ~~منتقد ولا لأحكامه معدل، فيعدل إلى الاستبداد في أمور الرعية ~~ويستخدمها لأغراضه الخصوصية. وإذ تستحس الرعية منه بذلك تدين له ~~خاضعة خادعة، ويسود عليها مخضوعا له مخدوعا، فيتقرب له أصحاب ~~الأغراض بالكذب في موضع الصدق وبالإطراء في موضع التنديد؛ لأن الناس ~~متطلعون إلى الدنيا من جاه أو ثروة والنفوس مولعة بحب الثناء. ويسلك ~~معه على هذا المنهاج عماله وتباعه وسائر بطانته، فيحجبون عنه صحيح ~~الأخبار متزلفين إليه بما يزيدهم فيه استئثارا، وفي أحوال الرعية ~~استبدادا.» # حكى أبو الفدا في تاريخه قال: «بينا الخليفة المنصور يطوف بالكعبة ~~ليلا إذ سمع قائلا يقول: اللهم إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد ~~في الأرض وما يحول بين الحق وأهله من الطمع. فخرج المنصور إلى ناحية من ~~المسجد ودعا القائل وسأله عن قوله، فقال له: يا أمير المؤمنين، ms025 إن ~~أمنتني أنبأتك بالأمور على جليتها وأصولها. فأمنه، فقال: ~~إن الذي دخله الطمع حتى حال بين الحق وأهله هو أنت يا أمير المؤمنين. ~~فقال المنصور: ويحك، وكيف يدخلني الطمع والصفراء والبيضاء في قبضتي ~~والحلو والحامض عندي ؟ فقال الرجل: لأن الله استرعاك المسلمين وأموالهم ~~فجعلت بينك وبينهم حجابا من الجص والآجر، وأبوابا من الحديد، ~~وحجابا معهم الأسلحة، وأمرتهم ألا يدخل عليك إلا فلان وفلان، ولم ~~تأمر بإيصال المظلوم والملهوف ولا الجائع والعاري ولا الضعيف والفقير. ~~وما أحد إلا وله من هذا الأمر حق، فلما رآك هؤلاء النفر الذين ~~استخلصتهم لنفسك وآثرتهم على رعيتك تجبي الأموال فلا تعطيها، وتجمعها ~~ولا تقسمها قالوا: هذا قد خان الله تعالى، فما لنا لا نخونه وقد سخر ~~لنا نفسه؟ فاتفقوا على أن لا يصل إليك من أخبار الناس إلا ما أرادوا، ~~ولا يخرج لك عامل فيخالف أمرهم إلا أقصوه ونفوه حتى تسقط منزلته ~~ويصغر قدره. فلما انتشر ذلك عنك وعنهم عظمهم الناس وهابوهم، فكان ~~أول من صانعهم عمالك بالهدايا ليتقووا بهم على ظلم رعيتك، ثم فعل ذلك ~~ذوو القدرة والثروة من رعيتك لينالوا به ظلم من دونهم، فامتلأت بلاد ~~الله بالطمع ظلما وفسادا، وصار هؤلاء القوم شركاءك في سلطانك وأنت ~~غافل. فإن جاء متظلم حيل بينه وبين الدخول إليك، فإن أراد رفع قصة ~~إليك وجدك قد منعت من ذلك وجعلت رجلا ينظر في المظالم. فلا يزال ~~المظلوم يختلف إليه وهو يدافعه خوفا من بطانتك، فإذا صرخ بين يديك ~~ضرب ضربا شديدا؛ ليكون نكالا لغيره، وأنت تنظر ولا تنكر، فما بقاء ~~الإسلام على هذا. # فإن قلت: إنما تجمع المال لولدك، فقد أراك الله في الطفل يسقط من ~~بطن أمه وما له في الأرض مال، وما من مال إلا ودونه يد شحيحة، فما ~~يزال الله يلطف بذلك الطفل حتى يعظم رغبة الناس إليه. ولست الذي ~~يعطي، وإنما الله - عز وجل - يعطي من يشاء بغير حساب. وإن قلت: ~~إنما أجمع المال لتسديد الملك وتقويته، فقد أراك الله في بني ms026 أمية؛ ما ~~أغنى عنهم ما جمعوه من الذهب والفضة وما أعدوا من الرجال والسلاح ~~والكراع حين أراد الله ما أراد. وإن قلت: إنما أجمعه لطلب غاية هي ~~أجسم من الغاية التي أنت فيها، فوالله ما فوق الذي أنت فيه منزلة ~~إلا منزلة ما تنال إلا بخلاف ما أنت عليه.» # فلم يكن بد في مثل هذا النظام من تعظيم شريعة الله والإكثار من ~~الهديد بها تذكيرا للملوك وتهويلا كما فعل الأعرابي المذكور مع ~~المنصور، وكما فعل بهرام بن بهرام في حكاية اليوم حيث يقول: «أيها ~~الملك، إن الملك لا يتم عزه إلا بالشريعة والقيام لله بطاعته ~~والتصرف تحت أمره ونهيه.» وإلا قل عدلهم وانتفى صلاحهم وكثر جورهم، ~~وهار بناء ملكهم؛ إذ ليس لهم زاجر سواها؛ لأنهم غير مسئولين فيما عهد ~~إليهم من أمور العبد إلا لله وحده. هذا على فرض أن يكون الملك حليما ~~عادلا فكيف به إذا كان جبارا عاتيا كتيمور الذي كان كلما فتح مملكة ~~أو مدينة يبني من رءوس أهلها هرما. ~~••• # قالوا: ولهذا النظام أيضا أثر لا يحمد في الأخلاق إذ تنحط معه ~~الهمم وتضعف العزائم، وتذل النفوس بما يكثر من الظلم فيسود الرياء ~~ويفشو الكذب؛ لأن الذين يغلب فيهم الظلم يغلب عليهم الرياء حتى يصير ~~فيهم ملكة طبيعية فيقل الصدق؛ لأن القوم الذين يغلب فيهم الرياء هم ~~قوم لا يصدقون ولا يصدقون، فيختل نظام الملك ويسوء حال الرعية ~~وتفقد، على مر الزمان، استقلالها في عالم الوجود. قال أبقراط في كتاب ~~الأهوية والمياه والمساكن: «لذلك كان أهل آسيا أقل نجدة للحروب من أهل ~~أوروبا؛ لأن أعظم قسم منها تحكمه ملوك، وحيثما كان الناس عبيدا لسواهم ~~فهم لا يهتمون بأن يتمرنوا على السلاح، بل أن يتخلصوا من التجند؛ لأن ~~الخطر غير موزع على السواء. فالرعايا يذهبون للحرب متحملين مشقاتها ~~ويموتون عن سادتهم بعيدين عن أولادهم ونسائهم وأصدقائهم، وسادتهم هم ~~الذين يجنون ثمرة أتعابهم لمد شوكتهم، ~~وأما هم فلا ينالهم غير اقتحام ~~الأهوال والموت. ومما يؤيد ذلك أن جميع الذين ms027 في آسيا من اليونان ~~والبرابرة ممن لا سادة لهم، بل هم يتولون الحكم فيهم وعليهم بشرائعهم، ~~ويشتغلون لأنفسهم هم بين سكانها أنجدهم للحروب وأقدمهم على الخطر؛ ~~لأنهم هم الذين يجنون ثمرة بسالتهم ويتحملون عار جبنهم.» # لذلك قالوا: إن الحاكم ينبغي أن يكون مقيدا بسنن تضعها الأمة وأن ~~يكون مسئولا لها بها. وهذا النظام له فوائد جمة؛ أولا أن الحاكم لا ~~يكون معه مطلق التصرف؛ فأحكامه في الأمر والنهي لا تجري إلا إذا كانت ~~مطابقة لوضع السنن المقررة، والتي يحافظ عليها رجال من مشارب ~~مختلفة وآراء متباينة تعهد الأمة إليهم بها، ثم لما كانت احتياجات ~~الأمة تختلف باختلاف أحوالها كان هذا النظام موجبا من هؤلاء الرجال ~~للنظر في هذه السنن لتعديلها من وقت إلى آخر، بحيث تكون موافقة ~~للحال، ويكون ذلك بالاشتراك مع الأمة التي يطلعون على آرائها ~~ومناويها، ويفهمون مقاصدها ومغازيها؛ إذ لا يكون معه حجر على ~~الأفكار. # وهذا الأمر من طبعه أن يثير حربا في الآراء والمذاهب تكون نارها ~~بردا وسلاما على الأمة؛ لأن المضادة التي تنشأ حينئذ تكون نتيجتها ~~إعطاء الأشياء حقها من التمحيص قبل إقرارها، والوقوف فيها عند حد ~~الاعتدال، وإلا إن لم تكن المضادة في الآراء لم يمكن تمحيصها بنار ~~الانتقاد ولا الاعتدال بها؛ إذ تنفرد بها النفوس ويقوى بها التشيع. ~~والنفس إذا خامرها تشيع كان ذلك التشيع غطاء على عين بصيرتها عن ~~الانتقاد، فتجمح إلى ركوب متن الإفراط أو تسقط في مهواة التفريط. ولا ~~يخفى ما لذلك النظام من الأثر في تحسين أحوال الأمة وعلومها وصنائعها؛ ~~لما ينمو فيها من فضائل الحرية القانونية المؤسسة على معرفة الإنسان ~~نفسه، وما يجب له وما يجب عليه في العمران، فتنطبع على الإقدام ~~والقيام بالأعمال الجليلة؛ إذ تنهض منها الهمم وتشتد العزائم، فتمتد ~~شوكتها في الأقطار ويتسع نطاق ملكها. # قال أبقراط أيضا: «ولهذا السبب كان أهل أوروبا أشد نجدة للحروب من ~~أهل آسيا؛ لأنهم لا تحكمهم ملوك نظيرهم، فالخاضعون للحكم الملكي ~~يفقدون الشجاعة ضرورة؛ لأن نفوسهم مستعبدة، فلا يهمهم ms028 التعرض للخطر لمد ~~شوكة غيرهم، وإنما تحكمهم شرائعهم؛ لذلك هم إذا رأوا الخطر محدقا بهم ~~أقدموا عليه بجسارة؛ لأن النصر عائده عليهم.» ~~••• # وذهب فريق إلى أن هذا الحكم إنما هو الحكم الملكي المقيد، وقال ~~غيره: بل هذا النظام يشم منه رائحة الاستبداد، وهو محفوف بالمخاطر؛ ~~لأن الملك وإن كانت الأمة تقاسمه الحكم بمن تستنيبهم منها لديه ~~لمراقبة أعماله والذود عن حقوقها، إلا أنه لم يخل من بطانة وعمال ~~يهمهم التقرب له أكثر من القيام بمصالح الأمة، فربما عاونوه على ~~استمالة نوابها إليه إما لذهول هؤلاء عن المقاصد التي ندبوا لها أو ~~لخوف حرمانهم من المناصب بما للملك وخاصته من السطوة والنفوذ، فانقلبت ~~نيابتهم فيها شرا وهدايتهم لها تضليلا وساءت بهم مصيرا. ثم لما ~~كان هذا النظام يخول الملوك حق الولاية بالسلالة كان لا يمتنع أن يتولى ~~منهم من يكون خامل الذكر فاقد الحزم، فتتلاعب به أغراض عماله ~~وتتجاذبه أهواؤهم وهو فاقد الرشد لا يميز غث الأمور من سمينها، ~~فيتطرق الخلل إلى أمور المملكة من وجوه شتى حتى تصبح: # كريشة في مهب الريح طائرة # لا تستقر على حال من القلق # وبالجملة ذهبوا إلى أن الحكم الوازع يمتنع أن يكون مقيدا حق التقييد ~~في مثل هذا النظام إلا إذا كان فيه الملك صورة لا حقيقة كما يعهد ~~في بعض الأمم (أمة الإنكليز)، وهي مع ذلك أصلح الناس حالا؛ ~~ولذلك قالوا: لا بد من أن يكون حكم التبديل شاملا لعامة الهيئة من ~~الملك إلى العامل البسيط مع مراعاة جانب الحكمة في هذا التبديل ~~اجتنابا لشر العجلة إذا كان سريعا، فتتبدل الدول ولا تكون فرصة ~~للعمل وفرارا من سوء عقبى الإبطاء؛ لئلا يستبد الرأس الحاكم بالحكم ~~إذا طال عهده وهو قابض على ذمامه، كما وقع لنابوليون. وينتخب الرأس من ~~آحاد الأمة، ويوجب له هذا الانتخاب عندها ما له من الحكمة والدراية ~~بالأمور، فيتعاون مع رجال الحكومة على إتمام الحكم في الأمة وعليها، ~~على قوانين الشورى الحقة، قالوا: وهذا النظام كثيرا ما لا يبرأ من ms029 ~~الخلل، إلا أنه أبلغ ما في طاقة البشر إدراكه بالفعل. ~~••• # ومن ينظر في العمران ينبغي ألا يذهل عما للإقليم من الأثر فيه؛ ~~إذ لا يستوي العمران في كل الأصقاع لاختلاف طبائع أقاليمها، ولا في ~~كل الأجيال لاختلافهم في الخلق والخلق. وسبب ذلك لأن الإنسان متأثر ~~لعامة الأسباب الطبيعية من حر وبرد وهواء وخصب وجدب ونجد وغور وجبل ~~وسهل وبادية ومصر واختلاف فصول، وغير ذلك ما بين اعتدال مزاج واختلاف ~~تكوين وشدة واسترخاء وحزم وثبات وطيش وخفة وخشونة ولين ونشاط وتوان ~~وغفلة وذكاء وبلادة. وكل ذلك يؤثر في عاداته وسياساته ونحله، ~~ويؤثر بعضه في بعض أيضا، بحيث تختلف النتائج عن ذلك اختلافا ~~جسيما، وتتنوع إلى ما لا حد له. فإنك إذا قابلت بين سكان صقع وصقع ~~تجد بينهم بونا عظيما في التكوين والأخلاق والسياسات والعادات، وكذلك ~~الأجيال الواحدة تختلف في الأحقاب المختلفة، وسكان البلد الواحد ~~يختلفون فيما بينهم حتى لا تكاد ترى اثنين يشبه أحدهما الآخر بسبب ~~ذلك. # وربما أمكن الحكم على طبائع كل قوم من طبائع إقليمهم بقطع النظر عن ~~تاريخهم؛ لأن متولدات كل إقليم هي شبيهة به؛ لذلك كان اليونان ~~الأقدمون في عصر الميثولوجيا يصلون آلهتهم نار الحرب، وكان أكثر ~~شعرهم حماسيا كما جاء في ديوان شاعرهم أوميروس؛ لأن شعر كل قوم مرآة ~~حال ذلك القوم؛ ولذلك أيضا كان المصريون القدماء يعبدون التمساح وغيره ~~من أصناف الحيوانات العجم؛ ولهذا السبب عينه كان أهل بريطانيا يغلب على ~~طباعهم الجد وعلى تصوراتهم العبوسة، كما يظهر من تصورات شاعرهم ~~«ملتن»؛ ولهذا السبب أيضا كان العرب وأهل إيطاليا وإسبانيا يصبون ~~إلى الألحان الشجية، ويميلون إلى الغزل والتصابي في شعرهم. وما كان ~~بين ذلك كانت طباع أهله بين ذلك أيضا، ولا يمكن الإطلاق في مقام ~~التقييد؛ لأن أسبابا أخر كثيرة عامة وخاصة إذا اشتركت مع ذلك لم ~~تبق هذه النتائج على حالها، بل غيرت من أمرها، وبدلت تبديلا ~~كبيرا. ~~••• # وممن تمعن من الأقدمين بما لطبيعة هذه الأسباب من الأثر في طبيعة ~~الأرض وسكانها أبو ms030 الطب أبقراط. قال في عرض كلام له في هذا المعنى ~~ما نصه: «إن آسيا تختلف اختلافا عظيما عن أوروبا بطبائع محاصيلها ~~وسكانها، فكل ما ينبت في آسيا أقوم خلقا وأعدل خلقا، وسبب ذلك ~~اعتدال فصولها؛ فإنها لوقوعها بين شروقي الشمس (الشتوي والصيفي) هي ~~معرضة للحر بعيدة عن البرد، وهذا هو سبب خصبها وجودة محاصيلها ~~واعتدال إقليمها. وهي ليست متساوية في كل الأماكن، فما كان منها ~~واقعا متوسطا بين الحر والبرد كانت أثماره أخصب، وأشجاره أجمل، ~~وهواؤه أرق، ومياهه مطرا كانت أم ينابيع أصح؛ إذ ليس فيه زيادة حر ~~تحرقه، ولا قلة مياه تيبسه، ولا برد قارس يميته، بل هو دائما ندي ~~بسبب أمطاره الغزيرة وثلوجه الكثيرة؛ فأرضه لذلك كثيرة الخصب زرعا ~~مزروعا كان أم نباتا تنبته الأرض من نفسها، وحيواناته كبيرة كثيرة ~~النتج، وسكانه سمان وأشكالهم جميلة وقاماتهم معتدلة، وقلما يختلف ~~أحدهم عن الآخر. وهذه القارة أيامها أشبه بالربيع لاعتدال فصولها، إنما ~~ليس لأهلها بسالة الرجال، ولا الصبر على الملمات، ولا الثبات في ~~الأعمال، ويغلب عليهم حب اللذات. وأمم أوروبا تختلف بعضها عن بعض ~~بالقد والشكل لشدة اختلافات فصولهم وكثرتها.» إلى أن يقول: «لذلك ~~فيما أرى كان أهل أوروبا يختلفون فيما بينهم أكثر من أهل آسيا، وكان ~~أهل البلد الواحد يختلفون في القد؛ لأن تكوين الجنين يختلف في إقليم ~~تكثر فيه اختلافات الفصول أكثر من إقليم تتشابه فصوله، وكذلك يحصل في ~~الأخلاق؛ لذلك كان أهل أوروبا أشد نجدة للحروب من أهل آسيا.» ~~ا.ه. ~~••• # وكذلك تكلم الشيخ الرئيس ابن سينا في كتاب القانون، وقد نحا نحو ~~أبقراط في ذلك حتى يظن في أماكن كثيرة أنه نقل عنه. قال في أرجوزته ~~متكلما عن سبب اختلاف اللون في البشر: # بالزنج حر غير الأجسادا # حتى كسا جلودها سوادا # والصقلب اكتسبت البياضا # حتى غدت جلودها بضاضا # وممن أفاض في هذا الموضوع ابن خلدون في مقدمته، حيث بسط الكلام على ~~تأثير الحر والبرد والهواء والقوت والمكان، وغيرها بما لا يعهد له ~~مثيل إلا عند علماء طبائع ms031 الحيوان اليوم. قال من كلام طويل له في ذلك ~~ما نصه: «وفي القول بنسبة السواد إلى «حام» غفلة عن طبيعة الحر والبرد ~~وأثرهما في الهواء، وفيما يتكون فيه من الحيوانات؛ وذلك أن هذا اللون ~~شمل أهل الإقليم الأول والثاني من مزاج هوائهم للحرارة المتضاعفة ~~بالجنوب؛ فإن الشمس تسامت رءوسهم مرتين في كل سنة قريبة إحداهما من ~~الأخرى، فتطول المسامتة عامة الفصول، فيكثر الضوء لأجلها، ويلح ~~القيظ الشديد عليهم، وتسود وجوههم لإفراط الحر.» إلى أن يقول: «وليست ~~هذه الأسماء لهم من قبل انتسابهم إلى آدمي أسود، لا حام ولا غيره.» ~~ثم يقول: «ونظير هذين الإقليمين مما يقابلهما من الشمال الإقليم ~~السابع والسادس، شمل سكانهما أيضا البياض عن مزاج هوائهم للبرد ~~المفرط بالشمال؛ إذ الشمس لا تزال بأفقهم في دائرة مرئي العين أو ~~ما قرب منها، ولا ترتفع إلى المسامتة ولا ما قرب منها فيضعف الحر ~~فيها، ويشتد البرد عامة الفصول، فتبيض ألوان أهلها وتنتهي إلى ~~الزعورة، ويتبع ذلك ما يقتضيه مزاج البرد المفرط من زرقة العين وبرش ~~الجلد وصهوبة الشعر.» # وهذا التعليل ربما لا يوافقه فيه كثير من العلماء اليوم؛ لأنه لم ~~يتحقق لهم أثر الحر والبرد في توليد اللون. فقد ذكر «كنوك» نقلا عن ~~«سميث» أن الهولانديين الذين قطنوا أفريقيا الجنوبية لم يتغير لونهم في ~~مدة ثلاثة قرون، وذهب «دي كاترفاج» إلى أن طوائف النور واليهود لم ~~يتغيروا مع أنهم منتشرون في عامة الأقاليم من عهد طويل. والصحيح أنهم ~~لم يتغيروا تغيرا مهما إلا أن هذه الأدلة لا تفيد شيئا عظيما ضد ~~هذا الأثر؛ لقصر الأحقاب المذكورة بالنسبة إلى الأعصار المتطاولة ~~التي توالت على الإنسان، وبالنظر لما للإنسان من الاقتدار على تغيير ~~الأحوال الطبيعية وتحويل أثرها فيه لما يناسبه. وربما كان هناك أسباب ~~أخرى أيضا، كالانتخاب الطبيعي والجنسي كما يذهب داروين، والقوت ~~والأمراض وغير ذلك. والحق أن التعليل عن لون البشر لا يزال غامضا، إلا ~~أنه لا ينكر أن لضوء الشمس والحر كسائر الأسباب الطبيعية أيضا أثرا ~~فيه؛ لما يعلم ms032 من تأثر المادة الملونة للجلد (والموجودة في جلد ~~البشر عموما) تبعا لطبيعة الإقليم، بحيث يزيد إفرازها ويقل بحسب حر ~~الإقليم وبرده، كما يقول المشرح صابي. ~~••• # ثم يصف ابن خلدون تأثير ذلك في الأخلاق، فيقول: «ومن خلق السودان ~~على العموم الخفة والطيش وكثرة الطرب، فتجدهم مولعين بالرقص على كل ~~توقيع، موصوفين بالحمق في كل قطر. والسبب الصحيح تأثير الإقليم ~~والحر.» إلى أن يقول: «ونجد يسيرا من ذلك في أهل البلاد الجزيرية من ~~الإقليم الثالث؛ لتوفر الحرارة فيها وفي هوائها؛ لأنها عريقة في ~~الجنوب عن الأرياف والتلول. واعتبر ذلك أيضا في أهل مصر، فإنها في ~~مثل عرض البلاد الجزيرية أو قريب منها، كيف تغلب الفرح عليهم والخفة ~~والغفلة عن العواقب، حتى إنهم لا يذخرون أقوات سنتهم ولا شهرهم، وعامة ~~أكلهم من أسواقهم.» أقول: وربما كان لعدم إذخارهم القوت سبب آخر غير ~~الغفلة التي أشار إليها ابن خلدون؛ فلا يخفى أن ما ينشأ في بلاد باردة ~~من انقطاع المواصلة بين أهلها بسبب البرد والمطر والثلج يولد في ~~سكانها الحيطة خوفا من ذلك، فيدخرون أقواتهم لسنة، بل ولأكثر من سنة، ~~بخلاف سكان البلاد التي يندر مطرها ويقل بردها، فهم لا يرون لزوما لأن ~~يحتاطوا لأمر لا يخشون وقوعه. # وقد ذكر تأثير الخصب والجدب بما ينطبق على قولنا: «وسكان بلاد ~~لينة التربة كثيرة السهول والبطاح كثيرة الخصب واسعة الرزق، قلما ~~يحتاجون إلى جهد البدن والعقل للحصول على الرزق والإثراء؛ فإن أرضهم ~~تنبت ما يكفيهم، وربما ثبطت منهم الهمم بقدر سعة العيش مثل بلاد مصر؛ ~~فإن نيلها يفيض التبر، وأرضها تنبت الذهب.» # ومن عجيب ما ذهب إليه في هذا الباب - مما لو اطلع عليه علماء طبائع ~~الحيوان اليوم لأثبتوا له السبق على «داروين» و«لامرك» في مذهبهما ~~بأحقاب متطاولة، وإن لم يقصد ذلك نظيرهما - هو قوله: «واعتبر ذلك ~~في حيوان القفر ومواطن الجدب من الغزال والنعام والمها والزرافة ~~والحمر الوحشية والبقر، مع أمثالها من حيوان التلول والأرياف ~~والمراعي الخصبة، كيف تجد بينها بونا بعيدا في صفاء أديمها، ms033 وحسن ~~رونقها وأشكالها، وتناسب أعضائها، وحدة مداركها؛ فالغزال أخو المعز، ~~والزرافة أخت البعير، والحمار والبقر أخو الحمار والبقر، والبون بينها ~~ما رأيت؛ وما ذاك إلا لأجل أن الخصب في التلول فعل في أبدان هذه من ~~الفضلات الرديئة والأخلاط الفاسدة ما ظهر عليها أثره، والجوع لحيوان ~~القفر حسن في خلقها وأشكالها ما شاء.» ~~••• # إلا أنه، أي ابن خلدون، وإن كان قد أشبع الكلام في أثر الأسباب ~~الطبيعية، إنما لم يذكر تأثير الأسباب الأدبية كما فعل أبقراط، ولا ~~يخفى ما لهذه الأسباب من شديد الأثر في ذلك. والحق يقال إنه يصعب ~~استيفاء الكلام في هذا الموضوع جملة ومبوبا ولو في مجلدات ضخمة؛ ~~لكثرة هذه الأسباب وامتزاجها واختلاف نتائجها بحسب ذلك مما لا يقع ~~تحت ضبط كما أشرنا إليه فيما تقدم. # فهذه الأسباب الطبيعية والأدبية، مع ما يعرض لها من الامتزاج ~~والاختلاف، إنما تؤثر تأثيرا شديدا في العمران لشدة تأثيرها في ~~الإنسان، وهذا هو السبب في عدم تساوي البشر في صفاتهم ونظاماتهم ~~وعلومهم وصنائعهم ولغاتهم وسائر ما يتعلق بهم، بعدم استواء الأسباب ~~المؤثرة في طبائعهم وأخلاقهم. إنما لم يكن يمتنع إصلاح أحوالهم ~~بالأسباب الأدبية؛ لما للإنسان من الاقتدار بها على التأثير في ~~الأسباب الطبيعية نفسها، وجعلها أصلح الأحوال له؛ لأن الإنسان وإن ~~كان منفعلا لهذه الأسباب بحسب طبيعتها، إلا أنه قادر كذلك على ~~تغييرها وتبديلها، واتقاء شرها واستدرار خيرها، بما له من حدة ~~المدارك وقوة الاستنباط؛ لذلك كان من الواجب عليه ألا يغفل شأن ~~معدات التربية العقلية كالتعليم والنظامات السياسية وسواها؛ لئلا ~~يفقد بفقد الصالح منها عامة فوائد العمران، ويسقط في مهاوي التهلكة ~~والخسران. # | المقالة الخامسة # | تاريخ الاجتماع الطبيعي # كلما ارتقى الإنسان في العلوم الطبيعية قلت الحاجة به إلى ~~إجهاد القوى العقلية، والالتجاء إلى العلوم الجدلية، والتعطش ~~إلى قراءة الأقاصيص الخيالية الخرافية والتحليلية المزعوم أنها ~~وصف حقيقي للعواطف، وأصبح شأنها حقيرا، وهو اليوم يحسبها من ~~صناعات الآداب الراقية، وما هي بالحقيقة إلا من مختلقات ~~الوضع المناقضة للطبع، والتي ضررها اليوم أشد جدا من ms034 ضرر ~~الفلسفة القديمة، ومن ضرر علم الكلام وعلم اللاهوت في العصور ~~المظلمة؛ لأنها طمت على الاجتماع كالسيل الجارف حتى أغرقته ~~فيها، وما كان فضل فرنسا في ثورتها الاجتماعية السياسية ~~ليعادل ضررها بعد ذلك في منهجها هذا النهج، وهي عماد هذه ~~الأقاصيص اليوم. ~~*** # تقدم القول في مقالة «الاجتماع البشري والعمران» أن من الناس من ~~يذهب إلى أن الاجتماع نتيجة الفكرة وحدها وخصه بالإنسان، ومنهم من ~~يذهب إلى أنه طبيعي فيه وأطلقه على الحيوان. أما الأول فقول أكثر ~~الحكماء المتقدمين، وأما الثاني فقول أكثر الحكماء والطبيعيين ~~المتأخرين. وسترى مما نبسطه لك فيما يأتي أي القولين أحق ~~وأولى. # إن البحث في العمران لم يكن في القديم إلا من هم بعض الحكماء، ولم ~~يبن على قواعد راهنة إلا في هذا العصر وقريبا من هذا العهد، وعما ~~قليل سيصير درس سننه من أول الضروريات للإنسان؛ لأن ارتقاء الإنسان ~~في التمدن له نتيجتان لازمتان، وقد طالما عدهما الناس متناقضتين، ~~وهما نمو الحياة الشخصية ونمو الحياة الاجتماعية معا. فقد كان ~~الاعتقاد سابقا أن ما يبذله الفرد في مصلحة الجمهور إنما يبذله من ~~مصلحة نفسه وبالعكس، ولم يكن يظن أن بين المصلحتين ارتباطا ~~شديدا؛ ولذلك كانت شرائع البشر في القديم أشد انحرافا لجانب ~~الاستبداد، وأقل احتراما لجانب العدل في التعاون والاشتراك في ~~المنفعة، ولم تنجل هذه الحقيقة كما ينبغي إلا في هذا العصر؛ أي بعد أن ~~رسخت معارف البشر في العلوم الطبيعية، وانجلى لهم بها ارتباط سنة هذا ~~الكون، فرأوا اتفاقا حيث كان سواهم يرى انفصالا. فرأوا مصلحة الفرد ~~مرتبطة بمصلحة الجمهور وبالعكس ارتباطا شديدا، حيث لا تتم حياة ~~الواحد إلا بحياة الآخر؛ لأنهم رأوا السنن الفاعلة في الاجتماع نفس ~~السنن الفاعلة في الأفراد. # ولذلك قالوا: إن الاجتماع لا تتم معرفة طبيعته وسننه إلا بمعرفة ~~طبيعة الأفراد وسننها، كما أن الجسم الحي لا تتم معرفة سننه إلا ~~بمعرفة سنن الكريات الحية التي يتركب منها؛ لأن كل صفات الاجتماع في ~~الخلق والأخلاق متصلة إليه من الأفراد التي تؤلفه، وكل ms035 صفات ~~الأفراد كذلك متوارثة فيهم ومنتقلة إليهم من الاجتماع. فإذا ~~استقرينا هذه السنن في تاريخ نشوئها إلى أصلها الطبيعي خالين من الغرض ~~والتشيع، انتقل بنا البحث في الاجتماع من دائرة الشريعة والسياسة إلى ~~دائرة علم الحياة، ودخلنا في قسم من العلم الاجتماعي يمكن تسميته تاريخ ~~الاجتماعات الطبيعي؛ لأن البحث حينئذ لا يقتصر على الحكم الوازع ~~والاجتماعات السياسية، بل يعم الاجتماعات البشرية كافة، حتى ~~الاجتماعات الحيوانية أيضا. # ولا يخفى ما يترتب على معرفة ذلك من الفوائد للعمران؛ لأن الفائدة ~~إنما تحصل للعمران إذا جرى الإنسان فيه على سننه لا على ضدها، والبحث ~~فيه على هذه الصورة واجب؛ ليعلم أي السياستين أولى به؛ آلسياسة ~~الحرة أم السياسة الاستبدادية؟ وذلك أول ما يعول عليه أصحاب ~~العقول الحرة لتأييد آرائهم؛ لأن أصدق الأدلة التي يجب الاعتماد عليها ~~هي من العلوم الطبيعية، ثم إذا استقرينا هذه السنن إلى أصلها أيضا ~~انتقل البحث بنا ضرورة إلى العلوم الطبيعية؛ لأن السنن الفاعلة في ~~الكريات الحية هي نفس السنن الفاعلة في جواهرها الفردة؛ ولذلك كان ~~البحث في علم الاجتماع - تاج العلوم البشرية - من أعظم المباحث لمعرفة ~~سر الحياة الكلية المستولية على عامة سنن الكون. ~~••• # وتشبيه العمران بجسم حي قديم جدا؛ فالفلاسفة المتقدمون كأفلاطون ~~وأرسطو شبهوه بحيوان كثير الرءوس، وفلاسفة القرن الثامن عشر كشكسبير ~~وروسو وصفوا له أعضاء أيضا، ولكن هذه المشابهة مجازية عند أكثر ~~المتقدمين، قياسية عند أكثر فلاسفة القرن الثامن عشر، وتعتبر مشابهة ~~بالمطابقة اليوم؛ فإن «سبنسر» الإنكليزي لا يفرق بين سنن الاجتماع ~~وسنن الحياة، و«شفل» الألماني يصف الجسم الاجتماعي كأنه يصف حيوانا ~~وصفا طبيعيا، فيصف الخلية الاجتماعية، أي العائلة، والأنسجة ~~الاجتماعية وأعضاء الاجتماع وروح الاجتماع، و«جيجري» يجعل الاجتماعات ~~بين الأحياء في كتاب له في الحيوان، ويصفها وصفا طبيعيا. وغيرهم ~~ممن حذا حذوهم في هذا العصر كثير. فلنبحث معهم لنرى أولا: هل يصح ~~تشبيه العمران بجسم حي؟ وهل السنن الفاعلة في الجسم الحي كالحيوان هي ~~نفس السنن الفاعلة في العمران؟ # فالجسم الحي مركب من أعضاء مختلفة، ولكل ms036 عضو من هذه الأعضاء عمل ~~خاص ومشترك معا؛ أعني أن العضو الواحد يعمل غير ما يعمل الآخر، ويعمل ~~له في آن واحد؛ فإن المعدة مثلا تعمل غير ما يعمل القلب، والقلب غير ~~ما يعمل الدماغ، وكل من الدماغ والقلب والمعدة لازم للآخر. وكذلك ~~العمران، فإنه مركب أيضا من أعضاء مختلفة تعمل لغاية واحدة؛ ~~فالزارع يعمل غير ما يعمل الصانع، والصانع غير ما يعمل الوازع، وكل ~~من الوازع والصانع والزارع لازم للآخر؛ فهو من هذا القبيل كالحي ~~تماما. ولا تقتصر هذه المشابهة على الصفات الخاصة فقط، بل تتناول ~~العامة أيضا؛ فقد قال سبنسر، وقوله حق: «إن القوى الكبرى في حيوان ~~تام التركيب ثلاث، وهي: الغاذية، وأفعالها تهيئة الغذاء، وآلاتها ~~المعدة والكبد وما يتلوهما. والمدبرة، وأفعالها تحصيل الغذاء، ~~وآلاتها الدماغ والأعصاب وما يتلوها. والموزعة، وأفعالها توزيع ~~الغذاء، وآلاتها القلب والشرايين وما يتلوها. وإن القوى الكبرى في ~~العمران ثلاث كذلك، وهي: الصناعة، وأفعالها الاعتمال للمعاش. والحكومة، ~~وأفعالها تحصيل أسباب هذا المعاش. والتجارة، وأفعالها توزيع هذا ~~المعاش.» ~~••• # ولقائل يقول: إذا كان هذا التركيب شرطا لازما للحياة، فهل يلزم ~~منه أن تكون كل آلة مركبة حية؟ وهل الساعة حية؛ فإنها مركبة من ~~آلات أو أعضاء مختلفة تعمل لغاية واحدة كذلك؟ فعلى ذلك نجيب أن ~~الفرق بين الآلات الطبيعية الحية والصناعية غير الحية هو أن الأولى ذات ~~أعضاء، حتى في أهم أجزائها تعمل لحفظ الكل نظيرها، بخلاف الثانية؛ فإن ~~أعضاءها نفسها غير مركبة من أعضاء مختلفة نظير تلك، ولا تفعل فيها ~~نظير فعلها؛ أي إنها لا تعمل عملها من نفسها لحفظ الكل، بل بالضد من ~~ذلك، فهي تميل دائما إلى إبطال هذا العمل. وهذا ما يمتاز به الحي عن ~~غير الحي؛ ولذلك لم تكن الساعة حية، وأما العمران فحي؛ لأن كل عضو منه ~~مركب من أعضاء أخرى تعمل نظيره لحفظ الكل كما في الجسم الحي، فكل ~~حيوان مركب من حيوانات أخر أقل منه في التركيب. فإن الكريات ~~الحية التي يتألف من مجموعها جسم كل حي، إنما ms037 هي أشخاص حية ذات ~~حياة خاصة بها، ولها أميالها وشهواتها وأمراضها، كأنها أفراد البشر ~~الذين يتألف من مجموعهم جسم العمران. والحيوانات الدنيا كالمفصلة ~~والديدان يمكن تقسيمها إلى أجزاء تبقى حية بعد التقسيم كأنها مملكة ~~تقسمت، بخلاف الآلات الصناعية. ورب معترض يقول: «إن ذلك لا يمكن ~~في الحيوانات العليا.» فنجيب أن في إمكان بعض أجزاء هذه الحيوانات أن ~~يبقى حيا بعد موت الحيوان كالأظفار والشعر، ويمكن فصلها كذلك من ~~حيوان وإلصاقها بحيوان آخر حيث تبقى حية، # 1 # فهي أشبه شيء بأمة أضيفت إلى أخرى. وإذا كانت ~~الحيوانات العليا لا تستطيع أن تبقى حية بعد تقطيعها إلى حد معلوم، ~~فذلك لأن اختصاص الأعمال فيها أتم منه في الحيوانات السافلة؛ فهي ~~أشبه شيء باجتماعات بعض أنواع الحيوان التامة الانتظام كالنمل؛ فإن ~~المتعود منها على تحصيل قوته بواسطة غيره يموت إذا فصل عن البعض ~~الآخر. ~~••• # وهذا التعاون بين أعضاء الأجسام الحية، بحيث إن الواحد يعمل لنفسه ~~وللكل في آن واحد، جر معه قضيتين فاسدتين في حقيقة الحياة؛ إحداهما ~~تتعلق بالسبب والأخرى بالغاية. أما الأولى فيفرض فيها أن كل جزء من ~~الأجزاء الحية له فوق ميله الخاص قوة خاصة تتولى أمره بالنسبة إلى ~~نفسه وإلى غيره، وهي القوة الحيوية التي عضدها رجال من أهل المكانة في ~~العلم. والحق أنه لا يفهم بماذا تختلف هذه القوة عن سواها من القوى ~~التي توهموا وجودها قديما، ككراهة الطبيعة للفراغ والقوة النابضة ~~للشرايين، وغيرهما من القوى التي عدها القدماء أنيات مجردة ~~مستقلة، حتى أبان العلم فساد ذلك؛ إذ لم ير فيها سوى أسباب طبيعية ~~متصلة ومرتبطة بعضها ببعض. وأما الثانية وهي الغاية، فيفرض فيها ~~على ما يظهر أن كل جزء من الحي موفق للكل بقوة عاقلة كائنة فيه أو ~~خارجة عنه. فإن كان هذا هو المفروض حقيقة فالعلم اليوم في غنى عنه؛ ~~لإمكان تعليل المطلوب بأوفى بيان على وجه لا يقتضي هذا الفرض، فإن هذا ~~التعاون الذي فيه يخدم الواحد الكل والكل الواحد إنما هو نتيجة تفاعل ~~متبادل بين ms038 الأعضاء، فالعضو الواحد لا يهتم بغيره، ولا يشتغل إلا ~~لخير نفسه، وإنما خيره مرتبط بخير غيره. # والأمر بالحقيقة كذلك، فإنه لا ~~شيء أطمع من الكريات الحية التي تؤلف الجسم الحي؛ إذ كل كرية تطلب ~~كل شيء لنفسها وتجذبه إليها، والحياة ليست سوى اكتفاء هذه المطامع. ~~فالناظر إلى النتيجة لا جرم يظن، في أول الأمر، أن كل كرية إنما اشتغلت ~~لسواها، وهي في الواقع لم تشتغل إلا لنفسها بدون غاية سوى حفظ ذاتها، ~~وهذا كائن ضرورة بحفظ سواها، ومرتبط به ارتباطا ميكانيكيا؛ ولذلك ~~قال بعض الباحثين في العمران إنه ينبغي لكل واحد من البشر أن يشتغل ~~لخير نفسه، فيشتغل لخير الكل. ولا يخفى أن تنازع البقاء، كما هو مذهب ~~داروين، يجعل بين هذه الكريات التي هي بالحقيقة حيوانات صغيرة ~~تنازعا شديدا، تكون نتيجته ملاشاة البعض العديم المناسبة، وحفظ ~~البعض الآخر المناسب لحياة الكل بالانتخاب الطبيعي. فتأخذ الكريات ~~بذلك صورا معلومة، وتؤلف حيوانا معلوما. وهكذا على مر العصور ليس ~~فيها شيء ثابت ثبوتا مطلقا، بل كل شيء فيها في حال المصير. ~~فالتعاون بين أعضاء الأحياء ليس قصدا، وإنما هو نتيجة لازمة ~~فقط. ~~••• # وإذا تقرر ذلك فلننتقل من اجتماعات الكريات الحية الصغيرة التي ~~تؤلف الأحياء الكبيرة إلى اجتماعات البشر التي تؤلف الأمم، فإننا ~~نجد في الاجتماع البشري نفس ما في كل حي؛ أعني الميل الباطن لحفظ ~~الذات، والتفاعل الظاهر مع الأشياء التي من خارج بما في ذلك من تنازع ~~البقاء والانتخاب الطبيعي. وإذا كان ذلك حياة فالعمران حي أيضا ~~كالنبات والحيوان، بل حياته أتم من حياتهما؛ لأنه إذا كان هناك قصد ~~فإنما هو في الاجتماع البشري؛ لأن هذا الاجتماع يدرك حاجته ويقصد ~~غايته الخاصة والعامة معا، وهذا الفرق نسبي أيضا كارتقاء سلسلة ~~الأحياء بعضها عن بعض. # وقد اعترض بعضهم على هذه المشابهة بين جسم الحي وجسم العمران، فقال: ~~«إن أعضاء الحي متصلة، وأعضاء العمران منفصلة.» وهو اعتراض ساقط ~~وقول منقوض؛ لأن أجزاء العمران غير منفصلة حقيقة، وإلا لزم القول ~~بالفراغ، كما أن أجزاء ms039 الحي غير متصلة كذلك. وإذا كان بينهما فرق في ~~ذلك فإنما هو في بعد المسافات بين الأجزاء فقط كالفرق بين جسميهما؛ ~~فإن جسم العمران أكبر من جسم الحيوان، وهو فرق نسبي لا يصح أن يكون ~~اعتراضا. واعترض غيره اعتراضا يتعلق بالزمان، فقال: «إن الحي يولد ~~ويحيا ويموت بعد أن يمر بأسنان معلومة، والعمران وإن كان يولد ~~ويحيا كذلك إلا أنه [في زعمه] لا يموت.» وهو غير صحيح أيضا؛ لأن الأمم ~~والشعوب التي تتولد في العمران تهرم وتموت أيضا، والفرق بين العمران ~~والحي في طول العمر فقط، والعمران لم يتجاوز بعد سن الصبا، وربما ~~كان المستقبل يتهدد العمران كله بالهرم والموت ككل حي سواه؛ إما ~~لتغلب نوع آخر من الأنواع الحية عليه، وإما لتغير أحوال أرضه ~~التي هي مهد حياته، فيعرض لها من القواسر الطبيعية ما يفرق اتصالها ~~ويبدد أجزاءها ويلاشي نظامها، فيموت الاجتماع البشري ضرورة. على ~~أن الأرض ككل شيء سواها لا تتلاشى حقيقة، وإنما تتقلب أحوالها وتتبدل ~~أشكالها وتتفرق أجزاؤها في محيط هذا الكون، وتتحول من حال إلى حال، ~~وتبعث من صورة إلى صورة متحركة على الدوام ومنتقلة في الزمان ~~والمكان، وهذا هو بالحقيقة الموت. # وما الموت إلا عودة بعد بدأة # وما البعث إلا بدأة بعد عودة # ولكنه موت لنا عن وجودنا # وبعث لأشتات لنا لا لجملة # سكون لمن قد مات منا وراحة # وإن لم يكن فيه له من سكينة # فترى مما تقدم أن المشابهة في الخلق بين العمران والحي تامة من ~~كل الوجوه، وفيما يأتي سنبحث عن هذه المشابهة بينهما في ~~الأخلاق. ~~••• # وإذا انتقلنا من النظر إلى الكليات الكبرى المتعلقة بالعالم أجمع، ~~والمترتبة على تشبيه الاجتماع بالحي كما مر آنفا، إلى النظر فيما ~~اختص منها بالاجتماعات البشرية؛ كان لنا من ذلك نتائج تختص ~~بالسياسة ذات بال، نقتصر منها في هذا المقام على ما هو أهم. # أولا: # أن ارتباط أعضاء الجسم الاجتماعي بعضها ببعض على ~~الصورة التي ذكرنا يجعل التأثير الواقع على العضو ~~الواحد يمتد ضرورة إلى سائر الأعضاء. ms040 فالشارع ~~كالطبيب يلزمه أن يكون حكيما في مداواة علل الجسم ~~الاجتماعي؛ لئلا يداوي علة في عضو فيحدث علة في ~~عضو آخر. فالالتفات إلى طائفة من الناس وترك ما سواها ~~ينمي الملتفت إليها جدا ويضعف المتروكة، فتفقد ~~النسبة بين أعضاء الاجتماع؛ إذ تصبح فيه على طرفي ~~الضعف والقوة فيختل نظامه، ويئول به الحال إلى ~~السقوط والاضمحلال. # ثانيا: # إذا كانت الاجتماعات أجساما طبيعية لا صناعية، ~~وكان الاجتماع نفسه حاصلا لزوما لا عارضا؛ أفلا ~~يستدل من ذلك على ما يكون من سوء العقبى للإصلاحات ~~العنيفة الجارية على غير المجرى الطبيعي؛ أي الناشئة ~~عن غير تغير الإرادة العامة تغيرا ذاتيا؟ فالحي ~~لا يستطيع أن يحتمل تغييرا مهما ما لم يكن هذا ~~التغيير موافقا لأميال أعضائه غير مختلف عن طبيعته. ~~ولقد تقدم أن الاجتماع حي متراض؛ أعني أن الذي ~~يجمع أعضاءه ويربطها بعضها ببعض ليس الملاصقة ~~البسيطة، وإنما هو الرابط الإرادي. وهو بمثابة الرابط ~~الميكانيكي؛ لأنه يوجد رابط عقلي بين أهل المدنية، ~~وهو بمثابة الرابط الميكانيكي بين الكريات؛ ولذلك وجب ~~أن يكون التغيير الحاصل في الاجتماع موافقا لإرادة ~~الجمهور أو للقسم الأكبر منه. والإصلاح الملقى على ~~عاتق الاجتماع، ولا يقصد منه إلا خير البعض، أو هو ~~ناشئ عن إرادة البعض فقط، إنما هو إصلاح صناعي أو ~~قسري؛ أي غير طبيعي، جيء به قبل وقته، ويخشى من ~~عواقبه. وبالضد من ذلك، كل إصلاح جزئي أو كلي ناشئ عن ~~التراضي والاتفاق بين كثيرين أو بين الكل، فهو إصلاح ~~طبيعي قانوني. والفرق بين الطبيعي والصناعي ظاهر ~~كالصبح؛ الأول موافق للطبيعة والثاني مضاد لها. ~~وبما أن الإنسان طبيعي في الأصل كان كل ما يسير به ~~على غير المجرى الطبيعي غير نافع له، بل مضر به؛ ~~فسياسة الاجتماعات العاقلة ينبغي أن تكون طبيعية لكي ~~تكون نافعة؛ أي يلزم أن تكون موافقة لإرادة الجمهور ~~ولميله، وإلا لم تحمد عائدتها؛ لأن الأمر الجاري ~~مجرى لا يوافق إرادة أعضاء الاجتماع إنما هو جار ~~على غير وفق الإرادة الحيوية التي هي الرابط للجسم ~~السياسي. ms041 # ثم لما كان إجماع الإرادات في العمران على أمر غير ممكن غالبا، ~~وكان القسم الأكبر يبقى معه عدد قليل من الناس غير موافق له؛ كان لنا ~~من ذلك قاعدة ثالثة في السياسة، وهي ضرورة التدرج في الانتقال من ~~حال إلى حال، بحيث لا تكون المباينة بين القديم والحديث والحاضر ~~والمستقبل كلية، وإلا اعترض الانتقال موانع لا تقاوم ولا تحمد ~~معها النتيجة. وتشتد الحاجة إلى هذا التدرج كلما كانت النتائج ~~الجامعة للإرادات السابقة كالعوائد والاعتقادات أشد وأرسخ. والحاصل ~~أنه يصعب جدا في جسم كبير كالحيوان الاجتماعي تغيير الجسم كله ~~دفعة واحدة؛ للزوم استعداده إلى الأحوال الجديدة بتوفيقه لها شيئا ~~فشيئا. قال سبنسر: «إن الضرر الذي يلحق بالاجتماع من نزع شرائعه ~~القديمة قبل إحكام شرائعه الجديدة حتى تصلح لأن تقوم مقامها، ليس أقل ~~من الضرر الذي يلحق بحيوان من جنس ما يعيش بين الماء واليابسة إذا ~~نزعت خياشيمه قبل أن تكمل رئتاه. فالنتيجة الكبرى المتحصلة من ~~فيسيولوجيا الاجتماعات إنما هي تفضيل النشوء على الثورة. وأعظم وسائط ~~الارتقاء بالنشوء إنما هو الاتفاق الذي لا يقرر شيئا إلا تدريجا، ~~وبعد أن يتم التراضي عليه.» ~~••• # ولا ينبغي أن يفهم من ذلك أن الثورات مضرة في جميع الأحوال، كما ~~يزعم بعض المؤرخين؛ لأنه توجد أحوال خاصة لا يمكن تخلص الجسم ~~المتواني والمريض فيها إلا بثورة فيسيولوجية كبحران مثلا، أو نوبة ~~حمى تخلصه من خطر الموت. وهذا يدلنا على أن الاجتماع لا بد له في ~~بعض الأحوال من ثورة تخلصه من خطر الهلاك. ويلزم أن تكون الثورة ~~صادرة عن استعداد باطن، كأنها اتفاق خفي بين أعضائه موافقة لأمياله؛ ~~أي أن تكون عبارة عن صوت الشعب لكي تكون قانونية، وإلا انقلبت شرا ~~عليه. والثورة التي تكون كذلك هي ثورة لا تغلب ولا تقاوم؛ لأنها ~~ليست من أفعال الآحاد، بل هي عبارة عن تخلص الجسم كله مما ثقلت ~~وطأته عليه تخلصا طبيعيا قانونيا؛ # 2 # لأنها ليست بالحقيقة سوى فعل سريع لقوى متجمعة تجمعا ~~بطيئا في زمن طويل، أشبه شيء ms042 بالزوبعة التي تتجمع في سنين كثيرة ولا ~~تثور إلا في يوم واحد، ثم تهجع؛ ولذلك يقال إن النشوء هو القاعدة، ~~وأما الثورة فأمر شاذ رديء غالبا، وإن كان قانونيا نافعا ~~أحيانا. ~~••• # فيرى مما تقدم أن كلا من نصراء الثورة والمحافظين يجد في ~~التاريخ الطبيعي سندا لمذهبه، واتفاقهما إنما هو في الحرية، والحرية ~~نتيجة لازمة متحصلة للسياسة من علم الحياة. فأهل الاستبداد الذين ~~يعتمدون على العنف والقوة لا شك أنهم يجهلون الصفة الحية للاجتماع، ~~ويعدونه كآلة مصطنعة، ويتصورون النظام الاجتماعي كالنظام المادي ~~غير الحي. ففي الآلات المصطنعة غير الحية لا تجتمع الأجزاء بعضها إلى ~~بعض إلا بقوة خارجة عنها غير مستقرة فيها، تحفظها ساكنة أو تحركها، ~~والوحدة الظاهرة فيها آتية من الصانع، وهي في الصورة فقط لا في ~~الحقيقة؛ فإن طبيعة العناصر فيها لم تتغير، فالخشب يبقى خشبا والحديد ~~حديدا، والأجزاء المختلفة لا تتمم العمل المطلوب إلا قهرا بسلسلة ~~أفعال قهرية، وكل جزء ميال من نفسه لإبطال فعل الآخر، وإذا كان بينها ~~تعاون أو ظاهر اتفاق فإنما هو على ضد طبيعتها ولا يدوم. وكل نظام ~~ملقى قهرا غير مرتضى به لا بد من أن يختل، وهو تضام الأشياء ~~المادية لا الحية، والسلام الظاهر والحالة هذه أشبه شيء بسلام مدينة ~~دخلها العدو؛ فإنه لا يدوم إلا ما دامت القوة المثقلة على حركاتها ~~المخمدة لأنفاسها متغلبة عليها. فالرابط الذي يربط الاجتماع لا ~~يتم نظامه بالاستبداد والقوة وإن قام بهما أحيانا؛ لأنهما ليسا من ~~جوهر طبيعته، بل هما دليل على عدم كماله. وفي الجملة فحينما يبتدئ ~~الاستبداد والقوة ينتهي الاجتماع الحقيقي بين البشر، والاجتماع البشري ~~لا يقوم حقيقة إلا بالشوق الغريزي، ولا يكمل إلا بالتراضي والاتفاق. ~~فبذلك يتم النظام الاجتماعي لا بسواه؛ إذ تكون القوة المدبرة ~~مستقرة في كل عضو من أعضائه، بحيث يشتغل لنفسه ولسواه معا من ذاته وفي ~~آن واحد. ~~••• # ولننظر الآن إلى سياسة الطبيعة في الأحياء ونقابلها بسياسة ~~الاجتماعات؛ لعلنا نستنتج فوائد سياسية من ذلك. فاعلم أن في الحي كما ~~في ms043 الجسم الاجتماعي أفعالا متروكة لعهدة كل شخص، وغيرها متروك لعهدة ~~مراكز ثانوية أو جمعيات خصوصية، وغيرها لعهدة المركز الأعظم القائم ~~مقام الجسم كله. فأولا: الحي يترك كل كرية من الكريات المؤلف منها ~~تشتغل لذاتها تحت سلطان القوى المستقرة فيها. والعامل في هذه القوى ~~مرجعه كما تقدم إلى أمرين: المنفعة والشوق. فكل كرية تحس بنفسها ~~وبجارتها بالشوق الكائن فيها إليها، بحيث تصير مصلحة جارتها عندها ~~كمصلحتها. ثم تجتمع الكريات وتتألف باشتراك المنفعة والشوق، وتتبادل ~~الغذاء والحركات. وذلك أشبه شيء بالمبادلة التي تقع بين البشر، ~~والحاصلة فيهم بدون تداخل القوة المركزية، أي الحكومة، بناء على ما ~~فيهم من الأميال، وما لهم من المنافع المشتركة لا لعلة أخرى. # ثانيا: يوجد في الحي مراكز ثانوية وأعضاء مهمة على جانب من ~~الاستقلال، أشبه بممالك صغيرة في مملكة كبيرة، وهي الأحشاء المختص ~~بها إعداد الغذاء وتطهيره وتوزيعه؛ أعني بها المعدة والرئتين والقلب. ~~فهذه الأحشاء غير خاضعة للعضو المدبر؛ أعني الدماغ. فالمعدة تهضم ~~الطعام، والقلب يوزع الدم في البدن، والرئتان تطهرانه بتعريضه ~~للهواء، أراد الدماغ أم لم يرد. وقد يبلغ استقلال أعضاء التغذية ~~مبلغا عظيما جدا؛ فالأمعاء لا تزال تفعل أفعالها الخاصة ولو قطعت ~~الأعصاب التي توصلها بالدماغ، والقلب لا يزال يضرب بعد نزعه من ~~الجسم، ولا سيما في الحيوانات ذوات الدم البارد، وفي بعض الحيوانات ~~اللبونة أيضا كدب القطب، والكبد لا تزال تفرز الصفراء وتولد ~~السكر بعد ذبح الحيوان ونزف دمه. وقد يكون تركيب بعض الحيوانات ~~السافلة المائية مختلطا جدا، بحيث تشتغل أجزاؤها بعضها لبعض وكلها ~~للكل. ومع ذلك فليس لها جهاز عصبي؛ فهي هنا في غنى عن سلطان مركزي ~~أو قوة خارجة عنها تتولى تدبيرها، وإنما تفعل ذلك من نفسها بناء ~~على ما في العناصر التي تؤلفها من الأفعال الذاتية، أي من قابلية ~~الحس والتهيج؛ ومن ثم من الأميال المنفعية والاشتياقية الموجبة لحصول ~~المبادلة بينها كما يحصل التعاون بين البشر. فوظائف التغذية والنمو ~~تتم بدون توسط الدماغ كما ترى. # وأما وظيفة الدماغ فقاصرة على الأعضاء ms044 الظاهرة؛ أي أعضاء النسبة التي ~~بها يعرف الحي الأشياء التي من خارج، فيأمرها بأخذ اللازم منها واتقاء ~~الضار؛ إذ يكون له عليها سلطان يتصرف فيها بحسب مقتضى الحال. فوجود ~~جهاز عصبي، والحالة هذه، له مركز كالدماغ مقتدر على أن يجعل الأعضاء ~~تخضع له خضوعا تاما، لازم لسلامة الحي. على أن الجهاز العصبي نفسه ~~لا يكون دائما خاضعا لسلطان المركز، أعني الدماغ، بل للمراكز العصبية ~~الثانوية. ففي الحشرات كل عقدة تحرك الأطراف المتعلقة بها لمقاومة ~~ما يمانعها، وإذا دهم الإنسان أمر يخشى منه على عينيه، فإن جفنيه ~~ينطبقان للحال بحركة ذاتية؛ أي قبل أن يكون له فرصة للتفكر بالخطر ~~وبكيفية اتقائه، وإذا عثر إلى الأمام فإنه يقعنسس إلى الوراء بحركة ~~ذاتية لمقاومة العثرة، أو إنه يستلقي الأرض بيديه خوفا من السقوط ~~على الأعضاء الرئيسة؛ ليتقي بذلك شرا أكبر بشر أصغر. فنرى مما ~~تقدم أن أعضاء النسبة الظاهرة نفسها تستغني في أحوال خصوصية عن ~~انتظار حكم الدماغ، وتستقل عنه كما تستقل الأعضاء الباطنة. ~~••• # قال الذين يقيمون حدا فاصلا بين الاجتماع والجسم الحي: «إن أفعال ~~أعضاء الاجتماع مغايرة في نوعها لأفعال أعضاء الجسم الحي؛ أعني أن ~~أفعال أعضاء الحي ترتبط بعضها ببعض ارتباطا فزيولوجيا، وأما أفعال ~~الاجتماع فإنها ترتبط بعضها ببعض بالحس والأفكار؛ أي برباط عقلي.» ~~وقال غيرهم: «إن أفعال الفريقين من نوع واحد؛ لأن الكريات الحية التي ~~هي أجزاء الحي، أي أعضاؤه، ليست عديمة الحس، بل بالضد من ذلك هي ذات حس ~~أيضا؛ إذ الحس الذي في الجسم الحي كله إنما هو هذا الحس عينه في حال ~~التزيد والتجمع. فارتباط أعضاء الحي بعضها ببعض ليس بالحصر ~~فزيولوجيا، بل فيه شيء من العقل أيضا وإن يكن في حالة دنيئة جدا؛ ~~ولذا يعتبر ارتباطا عقليا. وهذا ما يجعل علم الاجتماع المعروف ~~بالسوسيولوجيا داخلا في علم الحياة المعروف بالبيولوجيا.» وليس في هذا ~~القول شيء من الغلو والتكلف؛ لأن الحدود المميزة بين العلوم المختلفة ~~كالحدود المميزة بين مواليد الطبيعة، صناعية لا طبيعية. ~~••• # وإذا تأملنا حقيقة الرابط ms045 الذي يربط كل اجتماع معا، سواء كان هذا ~~الاجتماع بين كريات الجسم الحي أو بين أفراد الحيوانات أو البشر، وجدنا ~~أنه واحد في الأصل. فالرابط بين الكريات الحية التي يتألف الجسم الحي ~~منها ليس إلا الميل البسيط المغروس في كل شيء لحفظ ذاته أولا؛ لأن كل ~~شيء في الأصل يدور حول مركز نفسه بالشوق الحاصل فيه إليه، وذلك هو محبة ~~الذات المنفردة، ثم يتحول هذا الميل في الكريات إلى ميل مركب ~~لحفظ ذاتها بحفظ ذات سواها؛ لأن اجتماعها بعضها مع بعض اجتماعا بسيطا ~~في أول الأمر لا بد من أن يؤثر في طبيعتها تأثيرا مهما، بحيث تصبح ~~حياة بعضها متوقفة ضرورة على حياة البعض الآخر. فالكرية حينئذ لا ~~تميل لحفظ ذاتها فقط، بل لحفظ علاقتها مع سواها أيضا؛ لأن كل شيء في ~~الفرع يدور حول مركز غيره بالشوق الحاصل فيه إلى مركز نفسه، وذلك هو ~~محبة الذات المشتركة، ثم تتحول هذه المحبة المشتركة العمياء إلى ~~محبة مشتركة عاقلة في أعضاء الاجتماعات التي لها قوة الإدراك، لا ~~الحس والتهيج فقط. ~~••• # واختلفوا في سبب هذه المحبة العاقلة بين الحيوانات المدركة؛ فذهب ~~قوم وفي مقدمتهم سبينوزا إلى أنها مسببة عن اللذة الحاصلة لهذه ~~الحيوانات من مشاهدة صورها في أمثالها؛ بناء على أن اللذة قائمة ~~بسهولة الفعل. قالوا وأسهل الأفعال على الحيوان استحضار صورة على ~~صورته، كما هو مقرر من أن الاستحضار لا يتم بواسطة الدماغ وحده، بل ~~بواسطة كل الجهاز العصبي؛ ولهذا كان الحيوان المدرك إذا أراد أن ~~يتصور هيئة أو أن يتذكر صوتا يشرع في أن يقلد تلك الهيئة ~~ويحاكي ذلك الصوت. ولا ريب أن الحركات والهيئات والأصوات المتعود ~~عليها هي أسهل عليه من سواها مما لم يتعوده، وكلما كانت عنه أبعد ~~كان استحضارها عليه أصعب، فيولد فيه الكراهة لها؛ ولذلك كان القرد ~~يرتعب جدا من رؤية الحرباء. فإذا تكررت هذه اللذة اشتد الشوق ~~لتجديدها حتى ينقلب الشوق مودة، وتصير المودة فزيولوجية بعد أن ~~كانت عقلية، فتنتقل بالوراثة وتؤثر في الأعضاء، بحيث ms046 يصير الاجتماع ~~معها ميلا غريزيا، فيولد الحيوان المدرك وصورة أمثاله منطبعة ~~على دماغه، كما يولد الطائر وصورة العش منطبعة على دماغه. ويشتد ~~هذا الميل بالانتخاب الطبيعي حتى يحصل الاجتماع أخيرا بالسليقة ~~الغريزية. ~~••• # وذهب غيرهم وفي مقدمتهم داروين إلى أن هذه المحبة سببها المنفعة. ~~ورد عليهم أصحاب القول الأول بأنه مسلم أن الحي لا يحفظ صفة إن ~~لم يكن له منفعة منها، ولكن قد يحدث أولا أن تنشأ هذه الصفات عن ~~أسباب غير المنفعة؛ فإن الطائر المعروف بالأبتر # Manchots # مثلا إذ يكون على الأرض ~~يصطف بحسب سنه الصغار في جانب والكبار في جانب والإناث في جانب، ~~وتطرد كل فئة الفئة الأخرى عنها، والظاهر أن ذلك حاصل فيه عن لذة ~~اجتماع المثل بمثله لا عن سبب آخر. وثانيا: أن تكون الصفة النافعة في ~~الأحوال العامة مضرة في بعض الأحوال الخاصة؛ فتعشيش بعض أنواع ~~الطيور مثلا بالقرب من مساكن البشر غير مفيد له، وكذلك اجتماع ~~الببغاء وصراخها حول ما يقتل منها غير مفيد لها، وقس عليه. فالميل ~~الاجتماعي هنا لم ينم بالنظر إلى منفعته؛ لأنه قد يبقى هو ولا تبقى ~~منفعته، وإنما بالنظر إلى اللذة الحاصلة للمثل من مثله. وإذا دققنا ~~النظر نرى أن اللذة والمنفعة مرجعهما الموافقة بالمطابقة. والموافقة ~~بالمطابقة أعم؛ فقد تكون اللذة، وقد تكون المنفعة، وقد تكون سواهما. ~~وهذه الموافقة لا تكون لجميع الأحوال بل لغالبها، والصفات المكتسبة ~~عنها ترسخ حتى يعرض لها على مر الزمان ما يغلبها ويحولها عن حالها؛ ~~ولذلك كانت الصفات المسماة غريزية أو بديهية تبقى زمانا طويلا ~~ولو زالت المنفعة، كما في المثال المتقدم ذكره. ~~••• # ولنعد إلى ما نحن بصدده، فنقول قد ظهر أن المشابهة بين جسم ~~الاجتماع والجسم الحي من حيث ارتباط أعضاء كل منهما بعضها ببعض هي ~~مشابهة تامة؛ لأن الرابط الذي يربط كلا منهما هو واحد في الأصل، ~~وهو الشوق الأعمى الحاصل في المثل إلى مثله، ثم يعقب ذلك في الاجتماع ~~الحيواني تقسيم الأعمال والتعاون، وذلك شبيه أيضا باختصاص الوظائف في ~~الجسم الحي. ms047 ولا يخفى أن اختصاص الوظائف في الجسم الحي كلما نما زاد ~~معه خضوع الأعضاء بعضها لبعض، حتى يختص السلطان الأعظم بواحد منها ~~(أو بأكثر من واحد، ولكن بمقام الواحد)، إلى أن تصير حياة هذا الواحد ~~بمقام الكل، كالدماغ في الجسم الحي المرتقي. وهذا موجود في الاجتماع ~~الحيواني أيضا؛ فإن الحيوانات المجترة والصفيقة الجلد والقرود يكون ~~لكل جماعة منها رؤساء تسود على الكل، كما يسود الدماغ في الحي على ~~سائر أعضاء البدن، ثم يقوى سلطان هذا الرئيس حتى يصبح موضوع اعتناء ~~الكل. ويتضح ذلك في جسم الاجتماع الحيواني أكثر مما في جسم الحي ~~نفسه؛ لأن أعضاء جسم الاجتماع الحيواني يكون في تعاونها وخضوعها من ~~الإدراك والاختبار ما لا يكون في أعضاء الجسم الحي. # فالرئيس في الاجتماع الحيواني كثيرا ما يستقرب إليه أتباعه ~~بالتمليق، وهو غير ذاهل عما له عندها من رفيع المقام، وما عليه لها ~~من المسئولية أيضا؛ فقد حكى «برهم» أن إناث القرود يجتمعن حول القرد ~~الشيخ، ويبذلن العناية في تفليته من القمل، فيطيب نفسا بذلك، ولكن لا ~~تأخذه غفلة عن مصلحة الجمهور؛ فهو دائما يقظان يجيل عينيه من مكان ~~إلى مكان، ويصعد من وقت إلى آخر إلى رأس شجرة عالية ليستكشف ما في ~~الجهات المجاورة، ثم يخبر سائر القرود بنتيجة استكشافه، سليمة كانت ~~أو غير سليمة، بأصوات خصوصية مفهومة عندها. وهذه الأفعال التي تربط ~~أفراد الاجتماع الحيواني، وهي تقسيم الأعمال واختيار العمال، هي ~~الرابطة لأفراد الاجتماع البشري أيضا. وهذا يدلنا على أن في الحيوان ~~جرثومة ما هو نام جدا في الإنسان، كما أن في الكريات الحية نفسها ~~جرثومة ما هو نام جدا في الحيوان. ~~••• # فالاجتماع الحيواني هو جسم حي تتعاون أجزاؤه كلها، كما يقول ~~أبقراط، وتؤلف كلا حيا يتعاون تارة في أعمال مشتركة كتعاون ~~القندر في بناء بيوته، وبعض أنواع الطير في بناء أعشاشه، وتارة في ~~أعمال خاصة؛ مما يدل على محبة حقيقية بين أعضائه، كمعاونة القرود ~~بعضها بعضا لنزع الشوك من جلدها، واجتماعها على حجر كبير لكي تقلبه، ms048 ~~وانتصار بعضها لبعض لدفع نازلة، ولو كان في ذلك خطر على حياة المنتصر. ~~وقد تبلغ هذه المحبة فيه إلى حد الإخلاص الشديد الذي هو من أخص صفات ~~البشرية وأرفعها شأنا؛ فقد ذكر برهم ما يثبت ذلك في القرود. قال: ~~«بينا أنا واقف سمعت فوق رأسي صراخ قرد، فنظرت وإذا قرد صغير على ~~شجرة قد تركته أمه وهربت مذعورة، فصعد إليه أحد أتباعي، فلما أبصره ~~القرد صرخ صراخا شديدا، فللحال جاوبته أمه وارتدت لتأخذه، فصرخ ~~حينئذ صرخة ثانية خصوصية، جاوبته أمه عليها بصرخة خصوصية كذلك، ~~فرماها أحد الواقفين بالرصاص، فانجرحت وولت هاربة، لكن صراخ ابنها لم ~~يدعها تبتعد كثيرا حتى رجعت إليه، فرميت ثانية بالرصاص فأخطئت، ~~ولكن ذلك لم يمنعها من أن تثب إلى الغصن بعد عناء عظيم، فلما وصلت إلى ~~ولدها أسرعت فوضعته على ظهرها، وأوشكت أن تبتعد به، وإذا برصاصة ثالثة ~~أطلقت عليها، رغما عن ممانعتي، فكانت القاضية. ومع ذلك فلم ترم ~~بولدها إلى الأرض، بل ضمته إلى صدرها، وهي تجود بالروح، حتى قضت ~~نحبها وهي تحاول أن تهرب به.» # وقال أيضا: «إن قردا شيخا هجم على الكلاب هجمة الأسود؛ لكي يخلص ~~قردا صغيرا من بين أنيابها، وما ارتد عنها حتى رجع به، وقد حمله ~~على منكبه.» فلا شك أن المبدأ الباعث على هذه الأفعال يقرب جدا من ~~مبدأ أخلاق الإنسان، لا نقول في إنسان مثل أرسطو ونيوتن مثلا، بل في ~~متوحش أو طفل صغير، ثم يتحول هذا المبدأ من الشوق الأعمى في ~~الكريات الحية إلى بديهيات الحيوان، إلى معقولات الإنسان حتى يكتمل في ~~الاجتماع البشري، فيصير الشوق محبة والمحبة إخاء والإخاء تعاونا ~~والتعاون عدلا، وتعيين الوظائف الرفيعة وانتخاب الرجال لها حكومة، ~~فتكتمل حياة الاجتماع العقلية كما تكتمل أيضا حياته ~~الفزيولوجية. # على أن سبنسر الفيلسوف الإنكليزي لا يرى هذا الكمال في حياة الاجتماع ~~الفزيولوجية؛ لأنه يقول إن في الحيوان جهازا عصبيا هو مركز الأعمال ~~العقلية، وأما في العمران فليس يوجد ما يشبه ذلك. ورد عليه بعضهم ~~بقوله: «بل ذلك ms049 موجود أيضا؛ فإن أدمغة الأمة بمثابة الدماغ، وإن ~~العواطف والحواس والنطق وسائر العلامات والكتابة والتلغراف وكل وسائط ~~الاتصال بمثابة الأعصاب التي تنقل الحس، وتوصل الحركة إلى كل أجزاء ~~البدن، وإن العيال بمثابة العقد العصبية التي هي عبارة عن أدمغة ~~صغيرة يجتمع الحس فيها ويقوى، والمدن بمثابة الفقرات، والعاصمة من ~~المدن بمثابة الرأس الذي هو فقرة عظمت حتى سادت على سواها، والعلماء ~~والحكماء وكل الذين يرشدون الأمة هم بمثابة الكريات المرتقية في ~~الدماغ، الذي هو نفسه لا يزيد عن عقدة عصبية عظمت على سواها كما عظم ~~الرأس على سائر الفقرات. فإن كان اشتراك كل أعضاء العمران بالفكرة يجعل ~~العمران أرفع جدا من سائر الأحياء، فهذا الارتفاع لا يجوز أن يكون ~~فرقا جوهريا، كفرق الإحياء نفسها عما هو دونها. وعليه ففي الجسم ~~الاجتماعي جهاز عصبي لوظائف النسبة، كما فيه جهاز دوري وجهاز غذائي، ~~فهو حي تام لا ينقصه شيء فزيولوجيا.» # لولا الهوى وبديع الشوق يهديه # ما صح في الكون معنى من معانيه # ولا سرى النجم في العلياء وانتظمت # له المواقع تقصيه وتدنيه # ولا استقامت حياة في الوجود ولا # تم الوجود ولا تمت مبانيه # شوق تكامل من أدنى الوجود ولا # أعلى فأعلى إلى أعلى أعاليه # حتى تناهى وقلب المرء تلهبه # نار من الحب يذكيها وتذكيه # نار من الشوق في قلب المشوق ثوت # تذكو فيصلى ويغذيها فتفنيه # ما زال والنار تذكو في جوانبه # حتى تفانى بما قد كان يحييه # قال أحد الحكماء: «إذا كان الإنسان الكامل دليلا على الجنين، ~~فبالأولى أن يكون الاجتماع دليلا على سائل الموجودات التي تؤلف ~~الطبيعة، وعلى السنن الفاعلة فيها حتى طبيعتها أيضا؛ لأن الاجتماع ~~أولى باسم العالم الأصغر من الإنسان نفسه.» # 3 # قد رأينا فيما مر أن كل اجتماع إنما هو تعاون، يبتدئ طبيعيا ~~بمحبة الذات والشوق، وينتهي عقليا باتفاق الإرادات أو التراضي في ~~البشر. لكن ما هي محبة الذات؟ أو ما هو الشوق نفسه سوى أول أفعال ~~الإرادة؟ فهذه بعد أن تريد ذاتها وحدها تريد سواها من الإرادات ms050 الأخر ~~لها، ثم تريده لنفسه أيضا؛ لأن كل شيء كما قلنا يدور في الأصل حول ~~مركز نفسه بالشوق الحاصل فيه إليه، وفي الفرع حول مركز نفسه بالشوق ~~الحاصل فيه إلى مركز سواه، فالإرادة على اختلاف أنواعها ، جاهلة أم ~~عالمة، ذاتية أم مشتركة، هي أس كل اجتماع وجوهر كل حي. وبهذا ~~الاعتبار يقسم العالم إلى ثلاث رتب؛ أولا: الرتبة التي تكون ~~الإرادات فيها عمياء ذاتية، كل واحدة منها تشتغل لنفسها كأن لا يوجد ~~سواها، وهي الجماد. ثانيا: الرتبة التي تبتدئ الإرادات فيها أن يحس ~~بعضها ببعض ويجتمع بعضها ببعض، لكن على سبيل الشوق البسيط فقط، وهي ~~النبات الحيوان. ثالثا: الرتبة التي تصير الإرادات فيها عاقلة، تدرك ~~نفسها ويعرف بعضها بعضا، ويجتمع بعضها ببعض على سبيل الاتفاق ~~والتراضي، وهي الاجتماع البشري. # فالاجتماع البشري هو الجدير بأن يسمى حيوانا مريدا متراضيا. ~~وهنا مكان الوفاق بين مذهب الطبيعيين في الحيوان الاجتماعي ومذهب ~~العقليين في العمران، فالواحد إنما يبين أصل الاجتماع والثاني غايته، ~~والصحيح أن الواحد لا ينبغي أن يفصل عن الآخر؛ فتاريخ الاجتماع كله ~~قائم بالشوق البسيط أولا، والتراضي أخيرا باستمالة الواحد إلى الآخر، ~~ولا ريب أن ذلك تاريخ العالم أجمع. فالأفعال في الطبيعيات عمياء والسنن ~~ثابتة، وهي بالحصر كذلك في العقليات، وإنما اكتسبت في هذه من القابليات ~~ما جعل فعل الإرادات التي صارت عاقلة أظهر فيها؛ فارتباط أعضاء ~~الاجتماع بعضها ببعض اختيارا كارتباط أعضاء الحيوان بعضها ببعض ~~اضطرارا. ~~••• # ومرجع أبسط صفات الحي إلى الحس والحركة، وهاتان الخاصتان هما بالحصر ~~الحياة. والظاهر أن الحس والحركة هما أيضا صورتان لشيء واحد؛ إحداهما ~~باطنة والأخرى ظاهرة، فهما أشبه شيء بالمقعر والمحدب. فالحس هو ~~الكيفية التي تتصل الحركة بها إلى مشاعرنا الباطنة، والحركة الكيفية ~~التي يتصل الحس بها إلى المشاعر الظاهرة. حرك ذراعك وأغمض عينيك، ~~فإنك تدرك الحس لا الحركة، بخلاف الناظر إليك فإنه يدرك الحركة لا ~~الحس. فالحس إذن هو إدراكنا الحركة الحاصلة فينا، والحركة هي إدراكنا ~~الحس الحاصل في سوانا. والأصل الذي يرجع إليه الحس ms051 والحركة هو القوة، ~~أو بالحري الإرادة التي هي أس كل وجود، وكل ما نعلمه يحملنا على ~~الاعتقاد بأن الحس موجود في العالم، حيث توجد الحركة على صور تتفاوت ~~في الوضوح والخفاء. ولا يخفى أن الفاصل بين الحيوان والنبات يعتبر ~~اليوم صناعيا لا حقيقيا، والظاهر أنه كذلك أيضا بين النبات والجماد. # 4 # نعم إنه لم يستطع أحد أن يولد كرية حية من كرية غير ~~حية، لكن هل يستطيع أحد أن يولد دقيقة من الكبريت من غير الكبريت، أو ~~دقيقة من الأكسيجين من غير الأكسيجين، أو من مادة لا أكسيجين فيها؟ أم ~~هل يلزم من ذلك الاعتقاد ببساطة الأجسام الكثيرة المسماة عناصر؛ ومن ~~ثم القول بخلق خاص لكل من الكبريت والأكسيجين والكربون والهيدروجين ~~والحديد والذهب ... إلخ؟ وهل يلزم كذلك القول بقوة خاصة لكل دقيقة ~~معدودة في الكيمياء بسيطة شبيهة بالقوة الحيوية؟ فالعلم يميل إلى ضد ~~ذلك؛ أي إلى التسليم بأن الجواهر الفردة الكيماوية ليست غير قابلة ~~الانقسام قطعا، وإنما لا تقبله مع بقاء خصائصها فيها على حالها، كما ~~أن الجسم الحي لا يقبله مع بقاء خصائصه فيه. كذلك الإنسان؛ فإنك لو ~~شطرته شطرين ما بقي إنسانا، فهو من هذا القبيل جوهر فرد، وأما من ~~قبيل آخر فهو اجتماع. ~~••• # فهذه الاعتبارات تدلنا على أن الحياة موجودة في الطبيعة حيث توجد ~~الإرادة على درجات متفاوتة، تارة هاجعة خفية كما في الجماد، وأخرى ~~متنبهة ظاهرة كما في النبات، وطورا متمالكة متعارفة كما في ~~الحيوان، وأخيرا متكاثرة متقوية باشتراك الإرادات العاقلة كما في ~~الاجتماعات والممالك. فالحياة كالأزوت تتحول من حال إلى حال مرتقية ~~من أدنى إلى أعلى، إلى أن تبلغ أرفع مقاماتها المعروفة. ألا ترى أن ~~الفعل المسمى طبيعيا كالحرارة والكهربائية لا يغير إلا أعم ~~خصائص الأجسام، فإذا زاد عن حد معلوم تحول إلى الفعل المسمى ~~كيماويا الذي يغير تركيبها وهو هو في الحالين، ولم يتغير إلا في ~~الكمية؟ ولو كان في إمكاننا أن نفعل على ما هو أدق تركيبا، ونسلط على ~~الأجسام حالة خصوصية من ms052 الحرارة أو الكهربائية أو الحركة؛ لاستطعنا أن ~~ننبه الحس، ونوقظ الحياة أو الإرادة من نومها العميق. فقد مر ~~على الكون زمن كان فيه النظام الشمسي مشتعلا، ولم تكن العوالم سوى ~~دخان، ومع ذلك فلا يبعد أن شرارة الحياة كانت موجودة في هذا الأتون ~~الملتهب؛ لأنه ما لبث أن برد حتى ظهرت الحياة فيه. فالذي لا يعتقد ~~المعجزات، أي الذي لا يعتقد إلا العلم، لا تفرق الحياة عنده عما ~~يسميه المادة، التي هي نفسها ليست سوى مجموع قوى أو إرادات. فكل ~~شيء في العالم حي، وكل شيء فيه فرد واجتماع معا. فعلم الحياة وعلم ~~الاجتماع وعلم التكوين هي بالحقيقة علم واحد، والعالم نفسه مملكة ~~عظيمة في حال التصور، وربما يظهر فيه يوما ما على صورة الفكر ~~والإرادة العاقلة، كما ظهر فيه في الأصل على صورة حرارة أو حركة أو ~~قوة. ~~••• # على أن الحكماء والطبيعيين غير متفقين على النتيجة السياسية ~~المتحصلة من التاريخ الطبيعي. بسبب ذلك حصل نزاع شديد بين اثنين من ~~كبار الطبيعيين والحكماء في هذا العصر، وهما هكسلي وسبنسر الإنكليزيان. ~~فهكسلي يكره جدا تشبيه الاجتماعات بالأحياء لاستخراج القواعد ~~السياسية من ذلك؛ لأنه يزعم أن التاريخ الطبيعي لا يدل إلا على السياسة ~~الاستبدادية. وأما سبنسر فيذهب غير مذهبه، حيث يقول إن التاريخ الطبيعي ~~يدل على السياسة الحرة. ولا ينكر أن هكسلي مصيب في تنكره من ~~التهافت على الاستقراء السريع؛ لأن علم الحياة وإن كان يعلمنا على ~~نوع ما هو الجسم السياسي، وكيف صار إلى ما هو عليه؛ إنما لا يركن ~~إليه في معرفة ماذا يصير إليه يوما ما. والعقل البشري أرفع من أن ~~يتخذ الأحياء الدنيا مثالا له، وينقاد لها انقيادا أعمى. ومن الخطأ ~~أيضا الاعتماد على مشابهة ظاهرة ناقصة، كما يفعل كثير من ~~السياسيين ممن يبالغ أو يخطئ في استدلالات التاريخ الطبيعي، ~~مبينين فضل الحكم الملكي بمثال النحل، أو فضل الحكم الجمهوري بمثال ~~النمل. إنما لا ينكر أيضا أنه لا يجب أن يغفل أدنى شيء في هذا ~~الوجود، حيث كل ms053 شيء ذو شأن. # فتمثيل الجسم الاجتماعي بالحي يؤدي، في نظر هكسلي، إلى حصر الحكومة ~~في مركز معين حصرا شديدا، حيث يقول: «إن الدماغ يفتكر للجسم كله، ~~ويشتغل له، ويحكم فيه حكما مستبدا، وإلا لكان يحق لكل عضلة في ~~انقباضاتها، ولكل غدة في مفرزاتها، ولكل كرية في أفعالها؛ أن ترفض ~~كل حق للجهاز العصبي في ذلك بشرط ألا تضر بسواها. وكيف تكون حالة ~~الجسم يا ترى لو كان كل عضو من أعضائه يفعل أفعاله من نفسه؟» ورد ~~عليه سبنسر أن الأعضاء قسمان: ظاهرة وباطنة. فإذا كانت القوة المنحصرة ~~لازمة للظاهرة فليس الأمر كذلك في الباطنة؛ فهي تحتاج فقط لما فيها من ~~القوة الغريزية، ولا تطلب من الغذاء إلا المقدار اللازم لتعوض به عن ~~العمل الذي تعمله، وهذا هو العدل في الأحياء. والأمر كذلك في العمران؛ ~~فإن الناس المحاربين في الخارج، والذين هم بمثابة أعضاء النسبة ~~الظاهرة في الحي، يحتاجون ضرورة إلى حكومة مركزية تدبر أمرهم. ~~وأما الذين في الداخل، القائمون بحركة التجارة والصناعة، والذين هم ~~بمثابة أعضاء التغذية والدورة الباطنة؛ فبالضد من ذلك يحتاجون إلى ~~الحرية. فاحتياج الاجتماع إلى حكومة حرة أو مستبدة يختلف باختلاف ~~كونه مؤلفا من أمة متعلقة على الصناعة أو الحروب. فعلم الحياة ~~لا يدل على الفوضى، كما يتوهم بعضهم، كما أنه لا يدل على ~~الاستبداد. # وتداخل الحكومة ضروري في كل الأحوال، إنما هذا التداخل، كما يقول ~~سبنسر، نوعان: موجب وسالب. فالموجب كما لو زرعت الحكومة أرضي، أو ~~أكرهتني على اتباع طريقة معلومة في الزراعة. والسالب كما لو اقتصرت ~~فقط على ردعي عن التعدي على أرض جاري، وإلحاق الضرر به. وهذا النوع ~~الأخير من التداخل هو اللازم في الجسم الاجتماعي، فلتضمن الحكومة تنفيذ ~~المعاهدات؛ أي العدل. وهكذا تكون قد تممت الوظيفة المطلوبة منها. ~~قال الاقتصادي هويتلي: «إن أهم الأفعال التي تقوم بها حياة المملكة تتم ~~بواسطة أناس لا يفتكرون بها، ولا يعلمون أنهم متشاركون، بل يسعى كل ~~منهم وراء مصلحته فقط، وتتم بضبط واعتناء وانتظام لا يصل إليه ms054 جهد ~~أفضل المنتبهين.» فلو فرض أن رجلا عهد عليه أن يقدم كل يوم ~~لمدينة كبرى، كإحدى العواصم المعروفة، كفافها من الزاد وسائر ما ~~تحتاج إليه؛ لما أمكنه القيام بهذه العهدة؛ لكثرة الاحتياجات ~~المذكورة واختلافها. ولو ألقيت هذه العهدة إلى حكومة لما تم لها ~~القيام بها بانتظام، ولأنفقت عليها النفقات الباهظة؛ إذ يحصل حينئذ ~~ما يحصل لو كان الدماغ مكلفا بالانتباه لكل ما يلزم لتمثيل الدم، ~~ولدورته في البدن، ولإخراج كل مفرز من غدته. فغذاء كل مدينة يصل ~~إليها يوميا بدورة ذاتية، حركاتها منتظمة كحركات النبض. وتداخل ~~الحكومة الموجب لا تكون له نتيجة سوى تعاقب الشبع والجوع على المدينة، ~~وتداخلها السالب يضمن لها حياتها؛ إذ تستقيم معه حركة أسواقها، ويصبح ~~أناسها في مأمن، بعضهم من بعض، في أعمالهم وسائر أحوالهم. فتعاون ~~الناس بعضهم مع بعض، بحيث لا يرفع أحدهم نظره إلى ما وراء مصلحته، كاف ~~لأن يفعل في صلاح حال العمران ما لا تستطيعه حكمة أعظم الحكماء، ~~وانتباه أعظم الحكومات. ~~••• # ولقائل: «إن الأفعال التي يفعلها الأفراد تحت عامل المنفعة الذاتية ~~وإن كانت كافية في الاحتياجات المادية إلا أنها ليست كذلك في ~~الاحتياجات التي من غير هذا المعنى.» فعلى ذلك يجيب سبنسر أنه من ~~الخطأ أن يظن أنه لا يوجد خارجا عن المنفعة الذاتية إلا قوة ~~اجتماعية، وهي قوة الحكومة. أليس للبشر ما عدا احتياجاتهم الذاتية ~~احتياجات حبية، وهذه سواء فعلت وحدها أو اشتركت ألا تحدث ~~أفعالا جليلة كالأفعال الحاصلة عن المنافع الذاتية؟ أتريد أن تعرف ~~الأفعال الاجتماعية للمحبة منفردة كانت أو مشتركة؟ انظر إلى أعمال ~~أهل البر والإحسان الصادرة عن الأفراد أو عن جمعيات خصوصية لا يد ~~للحكومة فيها. # فالمنفعة والمحبة في نظر سبنسر كافيتان وحدهما للقيام بكل احتياجات ~~الجسم الاجتماعي، كما أنهما تكفيان لاحتياجات الجسم الحي، والحكومة لا ~~يطلب منها إلا أن تؤدي وظيفة شبيهة بوظيفة الدماغ؛ أي أن تكون ~~النائبة عن الأمة في احتياجاتها المنفعية والحبية سالكة في ذلك سبيل ~~العدل. فدماغ الحيوان مقر لنيابة حقيقية عن الجسم كله ms055 يلزم أن تكون ~~نموذجا للحكومة. والأمر بالحقيقة كذلك؛ فإن الأعضاء ترسل أنباءها ~~إلى الدماغ، وتحصر فيه لذاتها وآلامها، وتشكو له حاجاتها، وتخبره ~~باختلال أحوالها. كأن الجسم كله مختصر فيه. ووظيفة الدماغ الصحيح، كما ~~يقول سبنسر، هي التعديل بين المصالح المختلفة الطبيعية والعقلية ~~والأدبية والاجتماعية، وذلك هو وظيفة الحكومة المطلوب منها التعديل بين ~~مصالح البشر المختلفة، بحيث إن كلا منهم ينال حقه بدون أن يضر ~~بالآخر. ~~••• # على أن بعضهم يرى أن نظر سبنسر في تعيين وظيفة الدماغ والحكومة وإن ~~كان مصيبا إلا أنه قاصر في بابه؛ لأن الدماغ وإن كان نائبا عن الجسم ~~كله في مصالحه المنفعية والحبية، إلا أنه ليس نائبا بسيطا وقاضيا ~~يقضي في المصالح المذكورة لتعديلها فقط بدون أن يزيد شيئا عليها، بل ~~هو أيضا عضو الفكرة والإرادة والروية؛ فكثيرا ما يدفع الجسم من ~~نفسه نحو أمر انقيادا لفكر رفيع، والإنسان كثيرا ما ينكر مصلحة ~~نفسه القريبة لقضاء مصلحة أعظم، كنشر حقيقة أو إبداء تصور جليل. ~~فالحكومة لا يكفي أن تكون بمقام قاض بسيط يقضي في مصالح الأمة ~~لتعديلها مقتصرة على الحاضر القريب، بل يلزمها أن ترتفع فوق نفسها ~~وفوق مصلحة البعض للنظر في المستقبل البعيد؛ لأن الجسم وإن كان يحس ~~باحتياجاته إنما إحساسه بها مبهم، ولا يتضح على صورة الحس ولا الفكرة ~~إلا في الدماغ. كذلك الاجتماع فيه حقوق كثيرة لا يحس بها إلا ~~إحساسا مبهما مع شدة لزومها له، ولا تنجلي إلا للحكومة؛ فالجهلاء ~~مثلا لا يشعرون بالاحتياج إلى العلم مع شدة لزومه؛ ولذلك كان ينبغي ~~على الحكومة أن تسعى من ذاتها لتتميم المشاريع اللازمة، كإقامة التعليم ~~الإلزامي مثلا، وعدم إغفال كل ما من شأنه أن يحفظ مستقبل الأمة؛ ~~لئلا يسبقها غيرها من الأمم في معرض الارتقاء في هذا الوجود، ~~فتسوء حالها، وتسقط في مهواة التهلكة والخسران. ~~••• # فسبنسر وإن كان قد استوفى ما للميل الغريزي من اليد القوية في ارتقاء ~~الأمم، إلا أنه في نظر بعضهم قد أغفل أمر الروية المتجمعة في الدماغ ~~عن إحساسات أجزاء ms056 البدن المبهمة التي يلزم أن تبلغ الغاية في ~~الحكومة. هذا، وإذا نظرنا إلى هاتين القوتين، أي الميل الغريزي ~~والروية، ولم نفصل بينهما؛ نرى أنهما ليستا فقط علة كل اجتماع، بل ~~علة كل شيء حتى العالم نفسه؛ إذ العالم نفسه إنما هو اجتماع كبير، كل ~~جزء من أجزائه يشتغل لسلامته وسلامة الكل، بما فيه من الميل لحفظ ذاته، ~~وحفظ علاقاته مع سواه؛ وبهذا تمام النظام في الكون. # 5 # | المقالة السادسة # القرآن والعمران # 1 # ليس من غرضي هنا أن أتكلم على الأديان كشرائع موحاة، ولا أن ~~أبين مزية دين على آخر، ولا أن أدخل غمار البحث في قضايا كل دين ~~لإقرارها أو تخريجها إلى ما يوافق، بل أن أبين حقيقة علاقة ~~الأديان بالعمران، وتأثيرها الحقيقي فيه من وجهها الاجتماعي. # إن أكثر الباحثين في هذه العلاقة ينسبون كل ما يرونه في العمران من ~~ارتقاء وتقهقر، وسير ووقوف، وحركة وجمود؛ إلى الدين. وأكاد لا أعلم ~~أحدا خالف هذه القاعدة؛ فغلاة المعطلين وكبار المؤمنين والذين ~~بين بين، كلهم في ذلك سواء، فيقضون لهذا الدين أو على ذاك بالنظر ~~إلى ذلك. وهم، فيما أرى، مخطئون باعتبار جوهر الدين، وإلا كانت ~~النتيجة واحدة في كل الأديان وفي الدين الواحد في كل العصور. ولا ~~ينكر أن الدين يؤثر في أخلاق الأمم التي تدين به، ولكن هذا ~~التأثير إذا دققنا النظر يجب أن يكون واحدا في الجوهر؛ لأنها جميعها ~~تصبو إلى غاية واحدة، وهي إصلاح حال الإنسان في العمران، وتتذرع إلى ~~ذلك بمبدأ واحد هو الثواب والعقاب في الحياة الأخرى؛ لتحمل الإنسان ~~على أن ينصاع إليها في الغاية الحميدة التي قصدتها في اجتماعه. فنهت ~~عن المنكر وأمرت بالمعروف، واعتبرت المنكر كل ما خالف مصلحة ~~الاجتماع، والمعروف كل ما وافق هذه المصلحة. فأمرت بإقامة القسط في ~~المعاملات، وتخطته إلى وجوب الرحمة؛ فحثت الإنسان على الاشتراك ~~بالمنفعة، ونهته عن الاستئثار بها، وأمرته بالعطف على البائس المسكين، ~~ونهته عن الحيف عليه. # ودينا التوحيد السائدان اليوم هما دين الإنجيل ودين القرآن. الأول ~~يعلمنا ms057 التساهل إلى حد أن ينسى الإنسان نفسه في مصلحة قريبه؛ أي ~~أخيه. والثاني يجعل الفقير شريك الغني في ماله؛ إذ يفرض له عليه نصيبا ~~منه. وكلاهما فيهما من الحكم الرائعة والآداب العالية ما يجعلهما في ~~مبدئهما الاجتماعي مطابقين لمرامي أعظم الفلاسفة المصلحين ~~الاجتماعيين اليوم. ولو جاز لي أن أبين ماهية الفرق بينهما لقلت إن ~~الدين المسيحي يوسع المجال للنظر، والمحمدي للعمل؛ أي إن الأول دين ~~التجريد، والثاني دين المحسوس، ولكنهما يلتقيان في نقطة واحدة، وهي ~~إصلاح الإنسان في دنياه - ومن غريب المفارقات أن أتباع الأول ساروا ~~شوطا بعيدا في الحياة العملية، وأتباع الثاني وقفوا متقهقرين! - ~~وهذا لا يخالف ما قلناه فيهما، وإنما يؤيد مبدأنا من أن حقيقة الأديان ~~لا دخل لها في العمران. # وكلاهما يدعو الناس إليه بطريقة واحدة سلمية؛ فالإنجيل يقول: ~~«علموهم وبشروهم.» والقرآن يقول: # لا ~~إكراه في الدين ~~. وإذا طرأ عليهما ما خالف ذلك في ~~بعض العصور وفي بعض المواقف، فلدواع اجتماعية ليست من جوهر الدين، ~~وكأن كلاهما في هذا الإرغام سواء. هذا هو مبدأ الدينين ~~الاجتماعي. # ولكن الباحث الذي يتعقب كلام كل من الكتابين يجد فيهما كثيرا من ~~مثل قوله: # واقتلوهم حيث ~~ثقفتموهم # بعد قوله: # وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا ~~تعتدوا ~~، ومثل قوله: «ما جئت لألقي سلاما، بل سيفا.» ~~بعد قوله: «من لطمك على خدك الأيمن فحول له الأيسر.» إلى غير ذلك من ~~المفارقات التي لا يذهب مغزاها على العاقل ولا مكانها من القول، ولكن ~~قد تضر كثيرا بالجاهل، وتكون عنده سببا للتشبث السقيم، وللأخذ في ~~سباسب الجدال العقيم، فتضر بالدين وبمصلحة العمران معا. لذلك رأى ~~العقلاء من المؤمنين في النصرانية والإسلام وجوب رد مثل هذه القضايا ~~المشتبهة التي قد تلتبس على الأفهام، فتبدو مخالفة لمصلحة الاجتماع، ~~إلى مبدأ الدين الجوهري الذي تقدم ذكره، والذي هو غرض الشارع ~~الحقيقي، وتأويلها بحسب ذلك، حتى صار الاجتهاد أمرا لازما في الدين. ~~والحق يقال إن رجال الدين في الإسلام قد برزوا في هذا الأمر كثيرا في ~~العصور الأولى، ms058 وفاقوا النصرانية فيه؛ لأن كبار أئمتهم كانوا من كبار ~~الفلاسفة أيضا لا في الدين، بل بمعنى الكلمة الحقيقي، حتى بلغت علوم ~~الفلسفة التي أخذوها عن اليونان في نهضتهم الأولى أقصى مراقيها، بخلاف ~~النصرانية؛ فإن الفلسفة طمست فيها على عهدها الأول، وعدت من ~~المحظورات، فيما خلا النظريات المتعلقة باللاهوت المسيحي، وبقيت كذلك ~~إلى عهد الانشقاق العظيم الذي حصل في النصرانية في أوائل عصور النهضة ~~في أوروبا. # وأول من أجاز الاجتهاد في الإسلام أبو بكر بعد موت النبي في قتال أهل ~~الردة؛ إذ كان الاعتقاد أن من تشهد لا يجوز قتاله على تركه شيئا من ~~الدين، وهذا كان رأي أكثر الصحابة. أما أبو بكر الخليفة الأول للإسلام ~~فنظر إلى المسألة من وجهها السياسي، وخاف عاقبة التراخي مع العرب ~~الذين امتنعوا عن تأدية الزكاة، فقال: «لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه ~~إلى الرسول لقاتلتهم على منعه.» ومضى بنفسه إلى قتالهم، وجرى الإسلام ~~على خطته من جهة الاجتهاد كل مدة النهضة. # وقد قال الغزالي، وهو من كبار أئمة الإسلام في أول القرن السادس ~~للهجرة، بوجوب التأويل في قضايا الدين والتوسع فيه؛ لما رآه من ~~التخاذل في ظاهر الدين والعلم في أمور كثيرة، فخاف أن يقف ذلك في سبيل ~~العلم، ثم يعبث بالدين، فقال ما ملخصه: «إذا بدا لك تناقض بين ~~الدين والعلم فاعمد إلى التأويل؛ ذلك خير من أن ترمي الدين بتهمة ~~الضعف.» ولذلك كان كل دين لا يتسع فيه مجال الاجتهاد كثيرا مقضيا ~~على أممه بحكم الضرورة. # 2 # ومما تقدم يتضح لك أن لا فرق بين الإسلام والنصرانية في غايتهما ~~الاجتماعية ومبدئهما في هذه الغاية، ولكن الناظر إلى العمران اليوم يجد ~~بونا بعيدا بين الأمم التابعة لكل من الفريقين، فلماذا هذا ~~الفرق؟ # الناس في نظرهم إلى الدين فريقان: فريق يغلبه الهوى، فيندفع بتيار ~~التشيع والتحمس الأعمى، فيقضي على الصبغة الدينية التي تخالف صبغته ~~كيفما كان حال الأقوام المصطبغين بها، حسنة أم رديئة. ومثل هؤلاء لا ~~شأن لنا معهم في بحثنا هذا، وهم في مجموعهم ms059 قذى في عين العمران، وشجى ~~في حلقه، معطلين كانوا أم مؤمنين، مشركين أم موحدين، نصارى أم ~~مسلمين، من هذا المذهب أم من تلك الشيعة، والمؤمنون منهم شر على ~~الدين من سواهم. # وفريق يبحث فيه بحث العالم الاجتماعي، ولكن قد يخونه النظر، فينظر ~~إلى الدين في مرآة الشعوب التي تدين به، ومن أعراض الكلام، ويحكم على ~~الجوهر من العرض، ويؤيده في حكمه. هذا ما يغلب عليه مما يكون قد رسخ ~~فيه من أثر التربية الأولى؛ فإن البدائه التي تقوم به في الذهن ~~تتجرد عن كل روية (وكلامنا في أصحاب العقول الراقية). ويدلك على ~~ذلك الاندهاش العظيم الذي يرتسم على وجهه عندما تصادره فيها لأول ~~مرة، خصوصا إذا كان يعتقد فيك العلم ويتوسم بك نزاهة الغرض، كأنك ~~ارتكبت جناية عقلية ذبحت بها أمامه كل القوى الراشدة، ثم لا يلبث أن ~~يطرق مفكرا كأنه داخله الريب؛ ولذلك كان الشك أول مراتب ~~الرشد. # وقلما يسلم باحث اجتماعي، مهما كانت مداركه راقية، من مفعول هذه ~~التربية الأولى؛ فإن سلم منها من جهة الدين لم يسلم منها من جهة ~~الوطن والسياسة التي تقتضيها مصلحة هذا الوطن، وفي اعتقاده أن الوطن ~~دين ثان، وقليل ما هم أولئك الذين يتملصون من مفاعيل هذه العوامل ~~الثلاثة، فيجعلون دينهم الإنسانية ووطنهم العالم أجمع. # وما دعاني إلى هذا البسط إلا ما رأيته في هذه الأيام من الحركة ~~الشديدة في الأفكار بسبب ما جاء في كتاب اللورد كرومر من علاقة الأديان ~~بالعمران؛ فقد تعرض اللورد في كلامه على المصريين وعلى الأمم ~~الإسلامية قاطبة لجوهر الدين الإسلامي، وجعل القرآن العقبة الكئود في ~~سبيل ارتقائها والمسئول عن تقهقرها. # وقد تصدت الجرائد الإسلامية للرد عليه. والحق يقال إن كلا ~~الفريقين سلك مسلك الحرية في القول والمحقق في البحث، إلا أنهما لم ~~يسلما مع ذلك من سلطان هذه العوامل. وفي اعتقادي أنهما حاما حول ~~الموضوع، وقليل من تلمس طرقه من بابه. اللورد اندفع كثيرا، فلم ~~ينظر إلى دين القرآن إلا من خلال أولئك الذين وقفوا دونه، ms060 ووقفوا به ~~حيث أرادوا. وهم وقفوا محجمين، فلم يروا أن يجسوا بأصابعهم موضع ~~الألم. وهذا الذي حملني على التعرض لهذا البحث مع ما فيه من ~~الوعورة؛ فلعل صوتي الضعيف يكون كالشرارة، وإن أحرقت وآلمت في بعض ~~المواقف فلا تعدم من العقلاء أنصارا، فتكون نارها بهم نار الخليل ~~بردا وسلاما على أمم لا ينقصهم من دينهم شيء لكي يسيروا في العمران ~~مع الأمم المتمدنة جنبا لجنب، ويحفظوا للشارع مجد أثره. # واللورد كرومر من أعاظم رجال العصر وأصحاب العقول الراقية، ولصوته ~~دوي في محافل العالم المتمدن، وهو من نادرة الرجال السياسيين، يقول ~~ما يفتكر ولا يماري، وهو في حكمه لم يوارب، بل قال ما يعتقد أنه الحق ~~الصراح، إلا أن ذلك كله لا يوجب أن يكون قوله حقا؛ فهو إذن أخطأ ~~- والخطأ تسرب إلى حكمه من كل ما تقدم - حيث قال إن شريعة القرآن ~~لا توافق العمران في كل عصر وإن وافقته في بعض العصور، ونفس قوله هذا ~~حجة عليه؛ لأن العمران لا يتسامح في شرائعه. ولو قال إن الأديان لا ~~توافق مصلحة العمران لكان في قوله نظر، لا بالنظر إلى مبادئها، بل ~~لخروج دعاتها بها أحيانا كثيرة عن جادتها، ووقوفهم بها في سبيله. ~~أما وقد قال قوله، فالذي يصح على دين يصح على آخر، والقضايا التي ~~استند إليها واعتبرها من جوهر الدين كان يمكنه أن يعتبرها في الدين ~~الإسلامي كسواها في سائر الأديان مما يمكن تجاوزه، لولا أنه رأى ~~استمساك رجال الدين بها، وقيامهم في وجه المصلحين منهم كأنها من غرض ~~الشارع، ولذكر أن خلافهم فيها وفيما ضاهاها من المسائل الاجتماعية ~~لأشبه شيء بالمناقشات الدينية التي كادت تقضي على أمم النصرانية في ~~عصور الجهل، والتي أحدثت تأثيرها السيئ في الأمم الإسلامية كما هو ~~اليوم. # وما مثل رجال الدين الإسلامي فيها إلا مثل رجال الدين في أوروبا ~~لما قاموا على غليلي يكفرونه لأنه قال إن الأرض تدور، وفي كتبهم ~~أن يشوع أوقف الشمس، ثم ثبتت حركة الأرض ولم يمس جوهر النصرانية ~~بأذى، ms061 وهل يعقل أن القرآن الطامح إلى أبعد المرامي الاجتماعية يكون ~~قد أراد بمثل هذه القضايا أن يجعلها غلا في عنق العمران؟ وكيف لا ~~يجوز حملها على محمل المجاز، وكتب الدين مشحونة بأمثال هذا الكلام من ~~المجاز والاستعارة، ولا سيما القرآن ؟ # 3 # وبالحقيقة إن علاقة الدين بالعمران من حيث تأثيره في ~~ارتقائه وتقهقره ليست إلا عارضة، وإلا ما ارتقى العمران وتقهقر وهو ~~تحت سلطان دين واحد، وإذا كان قد وقف ورجع القهقرى مرارا كثيرة بسبب ~~الأديان فما ذلك بسبب تعاليم الدين نفسه، بل من الذين ادعوا الزعامة ~~عليه، فقصروا في إدراكه أو تاجروا به. # وتاريخ الاجتماع شاهد عدل على ما نقول؛ فاليونان بلغوا من التمدن ~~شأوا بعيدا، وكانوا من المشركين بمعنى الكلمة الحقيقي؛ أي كانوا ~~يعبدون آلهة كثيرة، ومثلهم الرومان، وكانوا يعبدون الأصنام. وقد تقهقر ~~الروم على عهد النصرانية حتى انحلت عرى ملكهم، وقام العرب وشادوا ~~على أنقاض دولهم ودول الأكاسرة ملكا باذخا، وهم حديثو العهد بالدين. ~~ولقد كانت أوروبا في العصور الوسطى في حالة سيئة جدا مع انتشار ~~النصرانية فيها، إلى درجة لم يكن الناس يرون السعادة إلا بالاعتزال في ~~الأديرة والصلاة على قارعة الطريق. ولولا الانشقاق العظيم الذي حصل ~~فيها من قيام بعض رجال الشجاعة كلوثر وما جر ذلك بعده من اضطرام نار ~~الثورة الفرنساوية التي حطت من صولة الأكليروس والحكام؛ لما أغنت ~~النصرانية أممها شيئا، ولما ارتقوا إلى ما هم عليه الآن. # والذي أصاب النصرانية أصاب الإسلام نفسه؛ فراح فريسة مطامع الطامعين ~~من الحكام ورجال الدين من ضعاف الأفهام وأصحاب الأغراض، وسقط الشعب في ~~مهواة الجهل، فأخذ يتقهقر وسواه يتقدم، وجنى على الدين حكم الحاكمين ~~عليه. # فترى مما تقدم أن الدين نفسه ليس العقبة الحقيقية في سبيل ~~العمران، بل رجال الدين أنفسهم، وأي برهان على ذلك أسطع من سهولة ~~ارتقاء اليابان؟ فإنها لما تحاكت مع أوروبا، وقام فيها عاهل يفهم ~~قيمة الارتقاء بنشر العلم، وتأييد الصناعة؛ نشطت وارتقت بسرعة لا مثيل ~~لها في التاريخ؛ وما ذلك إلا لأن ms062 الحائل دون ارتقائها كان السلطة ~~الحاكمة، فلما زال هذا الحائل لم تصادف الأمة عقبات أخرى من رجال ~~الدين؛ لأنهم هناك ليسوا شيئا يذكر؛ لأن الدين عندهم شذرات من شرائع ~~أهمها البوذية، وهي تعاليم أدبية اجتماعية أكثر منها ~~دينية. # ولقد ردت الجرائد على هذا الطعن كل بحسب ما تراءى له أنه معزز ~~للدين، ولكني أقول بكل أسف إنهم لم يريدوا أن ينظروا إلى الحقيقة كما ~~هي، فلم ينظروا إلى تقهقر العالم الإسلامي والأسباب التي دعته إلى هذا ~~التقهقر، وهم في موقف اليوم يغبطون عليه للمجاهرة بالحق. نعم إن ~~الحق يجرح، ولكن الإنسان الذي يبحث في جسمه عن محل الألم ليداويه ~~يفلح أكثر من الذي يحاول أن يخفيه. ولو فعلوا لخدموا الدين وخدموا ~~أنفسهم بالتنبيه إلى مواطن العلة للنهوض من الوهدة التي سقطوا فيها ~~بسبب جهل زعماء الدين، الذين هم وحدهم المسئولون عما جنوا على العمران ~~وعلى أممهم وعلى الدين نفسه بالاشتراك مع الحكام، فساقوهم بعصي ~~المظالم عصورا متطاولة، ولفتحوا أمامهم الباب واسعا لإدخال الإصلاح ~~بينهم ولو بثورة في قلب الأمم الإسلامية تحديا بمن سبقهم من الأمم ~~الأخرى، ذلك خير لهم من فنائهم بالابتلاع شيئا فشيئا كما هو الواقع ~~اليوم. # فالمنصف لا يسعه أن يلقي على القرآن تبعة تقهقر الأمم ~~الإسلامية، بل على الرؤساء من رجال الدين والحكام. فإذا أرادت الأمم ~~الإسلامية أن تجاري الأمم المتمدنة في ارتقائها فالقرآن لا يحول ~~دونها، كما أن الإنجيل لم يكن الباعث على نهضة تلك، وما عليها إلا أن ~~تجاريهم وتضرب الضربة الشديدة على أيدي الرؤساء عموما؛ لتكشف بالعلم ~~سجوف الجهل المسدولة على عقول الشعب. # وإني لأستغرب من جرائدنا مع ما أظهرته اليوم من الحمية لنصر الدين، ~~كيف أنها لم تقم قيامتها اللازمة لنصر رجل جهر بالحق منذ عهد قريب ~~لتطهير الدين من البدع الشائنة، ولمنع وقوع الحيف عليه، ولم يسمع ~~حينئذ إلا صوت أولئك الذين ضربوا على يد الضارب على هذه البدع، ولم ~~يسمع لهم صوت اليوم كأن الدين معايش، وهي لو فعلت لنصرت الدين ms063 نصرا ~~مبينا، ومهدت السبيل ل «لوثر» يصلح من عقائدها، ويدفع عن القرآن ~~تهما ما أنزل الله بها من سلطان. ولعل الصوت القاسي الذي جاءهم اليوم ~~من وراء البحار ينبههم أكثر إلى هذا الفرض الواجب، فيهبون هبتهم ~~إلى هذا الإصلاح، ويقولون ونحن نردد معهم: # وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير ~~لكم ~~. # | المقالة السابعة # | ماذا قرأ وماذا رأى1 # الإنسان لا يرى الحقيقة لأنه أعرق في جهلها، وإذا رآها لا ~~يريد أن يعرفها لأنها تروعه، فيدور حولها ويروغ منها لأنه ~~ألف التمويه في كل شيء، وإنه ليفضل أن يكذب على نفسه إذا ~~عرفها من أن يقولها. ~~*** # هيولي تملأ الفضاء متحركة حركة دائمة، لا أول لها يعرف ولا آخر ~~يوصف، كأنها سلسلة حلقات متصل أولها بآخرها، أو نقطة من محيط ~~دائرة لا يعرف أين تبتدي ولا أين تنتهي. # زوابع تثور، فتتحول جواهر تتضام دقائق فذرات فأجساما ~~فأجراما، تسبح في هذا الفضاء، تنقسم شموسا تضيء وأقمارا تستمد ~~وسيارات تدور، وثوابت ليست ثوابت إلا بالنسبة إلى سياراتها، وإلا ~~فالكل في فلك يدور. # قوى تتجاذب متبايناتها وتتنافر متشابهاتها، تتحد بها أجزاء ~~المادة صنوفا، وتنتظم صنوفها صفوفا، فيها الرفيع والوضيع، والبسيط ~~والمركب، نماؤها من ظاهر بطيئة النماء بطيئة الانحلال. # معدن نام وما هو بحي، منفعل وما هو بحاس، يتعاظم وما هو بباق، ~~وينحل وما هو بفان، متحول وإن لم يبد لك في الحال، متغير ولكن ~~على مر العصور والأجيال. # قوى تنتظم إلى أن تفقد الانتظام، تستولي على المادة فتحولها في ~~الحال إلى أجسام تتغذى وتحس وتتحرك، سريعة النماء سريعة الانحلال، ~~نماؤها من داخل بالقلب والإبدال. # حي ينقسم نباتا يتغذى، وحيوانا يحس ويتحرك، ينبت من بذرة قد ~~لا تراها العين فيتعالى ويتعاظم، ثم يموت ولا يموت، بل يرد إلى ~~المادة ما استعار منها، ثم يرقد في بذرة عائدا من حيث أتى. # معدن ونبات وحيوان، هي موضوع الإعجاب والاستغراب، تراها منفصلة وليس ~~بينها فواصل، أفق الواحد متصل بأفق الآخر كأنه منه ومتحول ~~عنه. # مواد الكل واحدة مرجعها إلى الهيولي، وقواه ms064 واحدة مرجعها إلى ~~الحركة، والهيولي والحركة سيان فلا تنفصلان، والهيولي فرض لبسيط ~~المادة، والحركة حقيقة بينة تتحول إلى كل القوى المعروفة، وترد ~~إليها كل القوى المعروفة: الحرارة والنور والكهربائية والمغناطيسية ~~والحياة نفسها. فالحركة أصل الكل. # الكل باق لا يدثر، وما هي إلا صور تمر وأشكال تتحول وأوضاع ~~تتغير في حلقة هذا الدور. # أدوار تنتظم أياما، وأيام تنتظم شهورا، وشهور تنتظم فصولا، ~~وفصول تنتظم سنين، ثم يعود الدور. # ينبثق نور فيبدد غياهب الظلماء، ثم يعقبه ليل بهيم يسد منافس ~~الغبراء، فيدور اليوم. يطلع القمر هلالا كأنه الطفل وقد أهل، ~~ويكتمل بدرا، ثم يتناقص عائدا على بدئه كأنه يمثل حياة الإنسان ~~بالزيادة والنقصان، فيدور الشهر. # يبدو وجه الطبيعة كالحا كأن الموت قد حل، وتلبس الأرض ثوبا قاحلا ~~كأنه جلد الهرم، وتتلبد غيوم كأنها الهموم، وتلمع بروق كأنها الآمال ~~في وسط المصائب، وتقصف رعود كأنها غضب الآلهة، أو صراخ أهل الجحيم وهم ~~يعذبون فيما يقولون، وتعصف رياح تصفر كصوت البوم، على الرسوم، ~~وينعقد البخار سحابا فتتفتح عيون السماء كأنها تضحك ضحك القنط من ~~فارغ الأمل، أو تبكي بكاء الثكلى من دنو الأجل، فتتفجر عيون ~~الأرض ضاحكة لضحكها أو باكية لبكائها، فتسيل الجداول والأنهار، ~~وتسترد البحار ما أعطت، فتتعاظم كبرا وتنتفخ عجبا، كأنها تقول: # هذه بضاعتنا ردت ~~إلينا ~~، وتذبل عيون المسيل كأنها تتذكر الآية # إنا لله وإنا إليه ~~راجعون ~~. # فإذا انقضى الشتاء انبسط وجه السماء، وافتر له ثغر البسيطة باسما، ~~وبرزت الأرض كالعروس تتهادى بحلة سندسية، وأخضلت الغصون كأنها ~~القدود، وقد لانت وتمايلت طربا كأنها الخصور وقد دقت، أو القلوب وقد ~~رقت، وتفتقت الأنوار من أكمامها كأنها وجوه الحسان وقد برزت من ~~حجابها، وفاح أرج الأزهار على نغم الأطيار، فانتعشت لها الأنفاس ~~كأنها الأعراس والكل فيها فرحون. # فإذا انقضى الربيع أقبلت الطبيعة مثقلة كالرجل وقد فارق زمن ~~الصبا، وأقبل على زمن الجد والكد، ينظر إلى ما زرعه في ماضيه، وما ~~يحصده في حاضره، وما سيدخره لمستقبله. # فإذا انقضى الصيف جاء الخريف بذبوله واصفراره، كالشيخ ms065 وقد فرغ منه ~~الأمل، يتوقع حلول الأجل. وهكذا ينتهي الحول ويرجع الدور. # وفي وسط ذلك كله قائم ذلك الكائن العجيب ملتقى النقيضين، ومجتمع ~~الضدين، أضعف من النبات والحيوان في بنيانه، وأقوى الكائنات ~~بمستنبطات جنانه، عاقل جاهل، يرتفع بأفكاره تارة إلى السها حتى ~~يقال: # إن هذا إلا ملك كريم ~~، ~~وينحط بأعماله طورا إلى الحضيض حتى يقال: «إن هذا إلا شيطان ~~رجيم.» حيوان إلى أقصى درجات الحيوانية وما هو بحيوان، إله إلى حد ~~المعجزات وما هو من سكان الجنان؛ ذلك هو الإنسان. # وقف على البسيطة عاريا جائعا خائفا كأن أصله ليس من هذا المكان، ~~وذهل أنه هو الإنسان «المطرود من الجنان»، البرد يؤذيه، والحر ~~يعييه، والجوع يضنيه. فسكن المغائر، وخصف أوراق الشجر عليه، ورعى ~~النبات كالسائمة، وأكل أشلاء الحيوان كالكواسر. # نظر إلى الحيوان فراعه ما رآه فيه من القوة واكتمال العدة، فارتعدت ~~فرائصه خوفا منه، وليس له براثن تقيه أو مخالب تحميه، فعمد إلى كهوف ~~الأرض يختبئ فيها عنه، وتسلق الأشجار العالية هربا منه. # عمد إلى الحجارة يحكها حكا ليصنع منها سلاحا يذود به عن نفسه، ~~ويسطو به على سواه. فاخترع السلاح واهتدى إلى الصيد، وتطاير الشرار من ~~احتكاك الحجارة فاكتشف النار، واهتدى إلى أكل طعامه مشويا بعد أن كان ~~يأكله نيا، وكان ذلك أول «اختراع» وأول «اكتشاف». # نقب في الأرض فاهتدى إلى المعادن، ورآها تلين في النار، فاصطنع ~~منها العدد، وتفنن وأتقن، وشعر بنفسه أنه نال بها قوة ذللت له ~~الطبيعة، فبنى البيوت واصطنع الكساء من ألياف النبات، وشق الأرض وزرع ~~وحصد، واستثمر النبات وذلل الحيوان، وكاد يتذكر «أنه المطرود من ~~الجنان». # رأى الأرض واسعة ومطامعه شاسعة، فامتطى الحيوان جوادا يقطع به ~~مفاوز الغبراء، وبنى المركبات لنقل الأثقال واستطلاع مناجع ~~الكلاء. # ضاقت به الأرض على سعتها، واعترضته البحار فبنى المراكب، وأخذ يجذف ~~في عرض الماء، ثم اصطنع الشراع، واستقبل به مهاب الهواء. وهكذا ~~أصبح سيد البر وسلطان البحر. # رأى التعاون أدعى إلى القوة، فانتظم جماعات، وبنى المدائن، واختط ~~الممالك، وشاد الحصون ms066 المنيعة والقصور الرفيعة، وغرس الحدائق تجري من ~~تحتها الأنهار، كأنه أراد أن يعيد بها «الفردوس الضائع»، وتأنق في ~~المأكل واللباس والأثاث، وأغرب في الكماليات بعد الحاجيات حتى ~~تخطاها إلى الزخارف. # نظر في العلوم فحفظ المعلوم، وطلب المجهول فانكشفت له أسرار الطبيعة، ~~فاستخرج من كنوزها وأسر قواها، فاستسرى البخار واستنطق البرق، فاستعاض ~~عن الشراع ببواخر تمخر في عرض البحار، وعن الجياد بقواطر ~~تسابق الرياح، وتقرب الشاسع من الأقطار. # طمح ببصره إلى العلياء، فأخذ يحدق في القبة الزرقاء، وقد كان ~~ظنها «جلدا» مصفحا وكواكبها أنوار سكان السماء، فما لبث أن ~~اخترقها بذكائه، فعرف حقيقتها ووقف على تركيبها، وقاس ما بينها من ~~الأبعاد كأنها منه «على قاب قوسين أو أدنى». # رأى الطبيعة قد دانت له قريبها وبعيدها، عاليها وسافلها، ظاهرها ~~وباطنها، جمادها ونباتها وحيوانها، فعتا وتكبر، وطغى وتجبر، وشق ~~عليه أن ليس أمامه جبار «يهدد كل جبار عنيد» ليقول له: «فها ~~أنا ذاك جبار عنيد.» حتى شاد من الأوهام حقائق، وقام يناصب آلهته ~~العدوان، كأنه تذكر أنه «طريدها في سالف الأزمان». # رأى كل ذلك، فرآه حقيرا في عينيه ذليلا لديه، «أي مكان يرتقي؟ ~~أي عظيم يتقي؟» فلم يجد أصعب على نفسه منه هو نفسه، فسعى ليقهر بعضه ~~بعضا، ويسود بعضه على بعض؛ إنسان على إنسان، وقبيلة على قبيلة، وأمة ~~على أمة، وفرد على أمة. فسن الشرائع، ووضع القوانين توافق أميال ~~القوي وتهضم حقوق الضعيف، فظلم وهو ينادي بالعدل، وتجبر وهو يعلم ~~الناس التواضع، وعتا وهو يوصيهم بالحلم. # شرائع أصلها «العادات»، وقوانين لم تتخط المألوف، ثبتت على مر ~~الأزمان، مع أن العادات تتغير، وكذلك الإنسان. شرائع لم يقتصر فيها على ~~المعاملات، بل تناول بها ما وراء المنظور؛ لكي تكون أوقع في النفوس ~~وأبلغ للمنى. # رأى كل ذلك دونه، فصبا بنفسه إلى ما وراء الطبيعة، فبنى من الأوهام ~~أبراجا، وامتطى من الغرور معراجا، وقال في نفسه: «لعلي إله ولا ~~أدري. ألست سيد هذه المخلوقات وسلطان هذه الكائنات؟ فهل يصح أن يكون ~~عنصري كعنصرها وحظي كحظها؟ ms067 يوم يروح ويوم يجيء، وأرحام تدفع وأرض ~~تبلع. لا، فأنا من عنصر أعلى؛ لذلك نفسي تصبو إليه، أصلي منه ومرجعي ~~إليه، فأنا إله في صورة إنسان أو إنسان في نفس إله.» # إله ولكن عبد شهواته وأسير احتياجاته، يرتدي ثوبا كثفت هيولاه، ~~إليها مرجعه ومنها قواه. إله ينحل كالجماد ويتغذى كالنبات ويتألم ~~كالحيوان. فإذا انحل لم يترك غير كثيف المادة، وإذا اغتذى فلا يغتذي ~~إلا منها، وإذا تحرك فلا يتحرك إلا فيها وبها. إله يولد وما هو ~~بباق، ويموت وما هو بفان. يمثل الفصول في أدوارها والمادة في ~~أطوارها. ينشأ بذرة كالنبات والحيوان، ينمو مثلهما، ويتعاظم مستعيرا ~~عناصر المادة إلى أن يهرم، فيرقد في بذرته عائدا من حيث أتى بعد أن ~~يكون قد رد إلى الطبيعة ثيابا عارية وأخلاقا بالية، استعارها منها ~~ولم يكن له غنى عنها. # علم ذلك كله في هبة مرت مر السحاب، حطت من كبريائه وكسرت ~~من خيلائه، ارتسمت له الحقيقة فيها مجردة عن زخرف الكلام وبهرجة ~~الخيال. في هبة انتعاش هو منتهى الحياة وابتداء الموت، كالانتعاش ~~الذي يسبق انطفاء النور. استيقظ فيها كالنائم وقد انتبه، فرأى الحقيقة ~~مرتسمة أمامه بأحرف نافرة تنفذ الأبصار ولا تفوتها العين، قرأها ~~ثم رقد. ماذا قرأ؟ وماذا رأى؟ لم يقل. # | المقالة الثامنة # حول مقالتي # 1 # بحث بسيكولوجي سوسيولوجي أو ~~أخلاقي عمراني # إن الله لا يغير ما بقوم حتى ~~يغيروا ما بأنفسهم ~~. # كنت جالسا ذات يوم بين فريق من نخبة الأدباء، فسمعتهم يتحدثون بما ~~جاء في «كتاب مصر الحديثة» من التعريض بدين القرآن، وما أحدثه ذلك من ~~الثورة في الأفكار، وما ترتب عليها من المناقشات في الأندية ~~والمجالس والردود في الجرائد. ورأيت مدار بحثهم قائما على المسائل ~~الخلافية التي لا ينضب البحث فيها، ولا تأتي بجدوى غير إثارة الضغائن ~~واحتدام الخصام، واشتداد الجدال على أمور لا طائل تحتها يظنها ~~الباحث من جوهر الدين، وهي عند العاقل ليست منه في شيء. ورأيت أن البحث ~~على هذه الصورة لا يزيد نار الخلاف إلا استعارا، ويزيد ms068 الانشقاق بين ~~أصحاب الأديان المختلفة، ولا يفيد أصحاب الدين الواحد فائدة عمرانية ~~البتة. يدخلون لبحث بهوى التشيع، ويخرجون منه بنار التحمس، وكل ~~يخيل له أنه محكم العقل فيما يذهب إليه، وأنه على هدى وسواه في ~~ضلال مبين، وما منهم من يشك فيما يقول ، ولا يذكر أنه إنما شب على ~~هذا الدين أو ذاك المذهب كرها لا طوعا، طبقا للحديث النبوي: «كل ~~مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه، فأبواه يهودانه أو ~~ينصرانه أو يمجسانه.» # ولا يخفى ما في هذا الكلام من الحكمة الرائعة والفلسفة العالية، ~~وكأني أشرت إلى ذلك في كلامي على التربية الأولى، وما لها من الأثر ~~الراسخ في الذهن حتى يصير فيه من البدائه التي تفوق طور الروية، فلا ~~تقبل تمحيصا ولا تطيق جدالا. # وكأن الحقيقة بدت لي في غير ما هم فيه يخوضون، فرأيت أن في المسألة ~~نظرا دقيقا، وكأنما الكل عنه غافلون، فقلت لهم إني لا أرى رأي أحد ~~منكم، لا رأي صاحب كتاب «مصر الحديثة»، ولا رأي كل منكم على اختلاف ~~منازعكم الدينية؛ فالدين في نظري لا علاقة له رأسا بالعمران من حيث ~~تأثيره في ارتقائه ووقوفه وتقهقره، أو هو تأثيره واحد فيه؛ لأن كل ~~الأديان أصولها واحدة في كل الأمم، وتصبو إلى غاية واحدة اجتماعية، ~~وهي إصلاح أمور الإنسان في معايشه، ولا يؤثر فيه إلا نزعات رجاله في ~~أحكامه الفرعية. فإذا عملوا بموجب الدين، وحكموا العقل في تطبيق ~~هذه الأحكام على مصلحة العمران بحسب روح كل زمان؛ لم يصده ذلك عن ~~الارتقاء. # وعزمت على الكتابة في الموضوع؛ لأني قلت في نفسي إن لم يوجه ~~تيار البحث في هذه المسألة الوعرة إلى هذه الجهة، فإنه يستحيل زحزحة ~~الأفكار عن مألوفها بالسرعة اللازمة لتحقيق هذه الأمنية المنشودة، وهي ~~ارتقاء الإنسان في العمران، وإلا فهناك تيار آخر سيله جارف يسير ~~بسرعة البرق، سوف يقضي علينا إذا كنا لا ننهض لمقاومته بسرعة ~~تحاكي سرعته، وبمعدات تحاكي معداته. وأبديت فكري هذا لكثيرين، ~~وأكثرهم استصوبوا رأيي، ولكني رأيت بعضهم ms069 يشك في النتيجة، ومنهم رجل ~~ذو علم وأدب وقف مطرقا ولم يتكلم، وكأني قرأت على وجهه أنه غير واثق ~~من عملي؛ لعلمه بما أنا عليه من المبادئ، وما انطوى الجمهور عليه من ~~الانطباع لفهم الأشياء كل على هواه، فيصعب علي أن أخوض لج هذا ~~البحث وأخرج منه سليما من دون أن أمس شعائر أصحاب دين في دينهم، ~~وهناك الطامة الكبرى. ولما أبديت له أن كلامي سيكون على علاقة الدين ~~بالعمران، وهذا لا يستلزم البحث إلا في جوهر الأديان، وأن النزعة ~~العمرانية في هذا الجوهر تكاد تكون واحدة في سائرها حتى الاجتماعية ~~منها، وأن الأحكام الفرعية في كل دين يلزم أن يرجع فيها إلى هذا ~~الجوهر؛ رأيت كأني أقرأ على وجهه أكثر من ذلك، وهو اعتقاده بأن الإسلام ~~ليس في أحكامه المرونة اللازمة لتطبيقها على مصلحة العمران، ~~فتذكرت عند ذلك أثر تلك النشأة، ~~وقلت إذا كان هذا مفعولها في ذي عقل راجح، فما بالك في سواه؟ وما قلت ~~قولي هذا إلا لاعتقادي بأنه ما من دين يجوز أن يقف حائلا في سبيل ~~الارتقاء إذا حكموا العقل في أحكامه المتعلقة بالمعاملات. ومنهم من ~~نصحني بالعدول لئلا أصادف ما لا أحب؛ علما منه بأن الناس يذهبون ~~في تأويل كل أمر مذاهب، ويخرجونه كما يشاءون وكما تشاء أهواؤهم، ~~فلا يبعد أن يرموني بغير ما أقصد، ويدفعوني إلى ما أكره. # أما أنا فآفتي - إذا كان ذلك يعد آفة - أنه متى بدت لي حقيقة ~~تستهويني حتى لا أعود أضبط نفسي عن إبدائها، وعذري في ذلك أن الحقيقة ~~لا يكفي أن تعلم، بل يجب أن تقال أيضا، وإلا بقي الناس في العمى ~~وساءوا مصيرا. وقلت إذا كان الاجتهاد الذي هو ركن من أركان الدين ~~الإسلامي لا يذلل هذه الصعوبات، فالذنب ليس على القرآن، بل على ~~الرؤساء الذين بيدهم الحل والربط في هذه الأحكام، وباب الاجتهاد لا ~~يجوز أن يقفل مهما قال المتقولون من أنصار التقهقر ما دام الدين ~~دينا والعمران عمرانا. ولا بد لي، كيف كان الأمر، ms070 من نصر القرآن ~~إعجابا به وبصاحبه وإن كنت خارجا عن دينه؛ فالحقيقة أعم من أن تكون ~~ضالة المؤمن وحده كما يفهمون، ونصرها واجب على كل منصف. # وكيف لا يحق لي الإعجاب بصاحب هذا الكتاب والناس قد بلغ إعجابهم ~~برجل مثل نابليون إلى أن عدوه من خوارق الطبيعة، ولو قلت عاطفة ~~التقى لألهوه. والظاهر أن الناس لا يعظمون إلا كل فتاك بهم. ~~والفرق بين الاثنين اجتماعيا كالفرق بين الثريا والثرى، وهل ~~يقاس بالمصلح الحقيقي رجل سفاح كنابوليون ضحى لمطامعه كل غاية ~~اجتماعية، وبنى على أنقاض الثورة الفرنساوية الجليلة المبدأ، التي ~~هدمها بيده بعد أن استخدمها لمقاصده، ملكا متداعي البنيان، لا غاية ~~فيه إلا فخر الفتح، وتأييد المطامع الذاتية وحدها؟ وشاد قانونا عده ~~الناس آية في المرامي الاجتماعية، وما هو، كما قلت فيه ولو كبر على ~~مريديه، إلا مجموع شبهات وظنون فيما هو كائن وما يكون، على ما بين ذلك ~~المصلح ونابوليون من التباين العظيم في روح العصر الذي قام كل ~~منهما فيه. وما من أحد يستطيع أن يقدر الضرر الذي أحدثه نابليون ~~قدره بتحويله مبدأ الثورة الفرنساوية إلى خدمة أغراضه، وبضربه على يد ~~العمران بقانون كان له كالغل في عنقه والقيد في رجله، حتى إذا مشى ~~مشى به متثاقلا. # وهل ينكر التمدن فضل دين القرآن عليه، يوم كانت الشعوب المعول ~~عليها في ذلك العهد منغمسة في الترف لاهية به عن العلم، فكان الإسلام ~~محيي رفاته، وناشر لوائه، وحافظ ~~كنوزه. ولولاه لربما كان قد قضي على علوم اليونان وآدابهم وفلسفتهم، ~~ولا أقول إنه هو الذي نقلها كلها، وإنما صانها من أيدي أولئك الذين لو ~~بقوا وشأنهم لعبثوا بها، ولم يدعوا شيئا منها يصل إلينا. # وإعجابي بصاحب الشريعة المحمدية لا يقل عن إعجابي بصاحب الإنجيل، ~~وما في شريعته من الحض على التساهل وحب الإنسان بعضه لبعض، مما لا ~~يمكن أن يصح بدونه عمران، ولا فرق بين الشريعتين في جوهرهما ~~اجتماعيا حتى ولا دينيا. كيف لا وقد قال كلاهما إنهما أتيا لا ~~لينقضا الناموس، ms071 بل لإكمال أعمال النبيين قبلهما؟ ولقد عرف الناس ~~لهما هذا الفضل من الوجهة الدينية، فأقاموا لهما المعابد من مساجد ~~وكنائس، آثارا ناطقة بمجدهما، ولو أنصفهما العمرانيون لأقاموا لهما ~~آثارا مدنية (عفوا سادتي لا تكفروني، لكم دينكم ولي دين) تنطق ~~بمآثرهما الاجتماعية، فيعرف جميع الناس على السواء فضلهما، وتزول ~~الحوائل من بينهم، فيندفعون في العمران مرتقين، بدلا من أن يقوموا ~~فيه بعضهم على بعض متخاذلين متقهقرين. # وبعد أن وطنت النفس على ذلك قمت وكتبت مقالتي «القرآن والعمران» ~~متكلا فيها على نفسي، حتى إذا كان هناك تبعة أتحملها وحدي، وقد ~~تخلصت بذلك من تهمتين؛ تهمة التعصب وتهمة التوكل، اللتين يرمي ~~البراهمة بهما أتباع الأديان السامية. فقد ذكر الدكتور «هوج» أن ~~البراهمة قالوا له، منددين بتعصب النصارى لدينهم واضطهادهم ~~لمخالفيهم: «إن هذا التعصب فيهم دليل على ضيق العقل؛ لأن العاقل لا ~~يضطهد أحدا لدينه.» ولما أرادوا المفاخرة قالوا له: «أنتم تجعلون كل ~~اتكالكم على الله، وأما نحن فلا نتكل إلى على أنفسنا، ودينكم مصدره ~~من شعب من أصل سامي، وهذا الأصل أدنى من أصلنا، وليس عنده فكر فلسفي ~~غير مستعار.» # والبراهمة كما في الملل والنحل ينتسبون إلى رجل منهم يقال له ~~«برهام»، قد مهد لهم نفي النبوات أصلا، وقرر استحالة ذلك في ~~العقول بوجوه، منها أنه قال: «إن الذي يأتي به الرسول إما أن يكون ~~معقولا، وإما ألا يكون معقولا؛ فإن كان معقولا فقد كفانا العقل ~~التام بإدراكه والوصول إليه، فأي حاجة إلى الرسول؟ وإن لم يكن معقولا، ~~فلا يكون مقبولا؛ إذ قبول ما ليس بمعقول خروج عن حد الإنسانية، ودخول ~~في طور البهيمية.» # والظاهر أني نجحت في مقالتي أكثر من نجاح البراهمة بالاتكال على ~~أنفسهم؛ فما انتشرت في المؤيد حتى صادفت استحسان كثيرين من عقلاء ~~الأمتين المحمدية والمسيحية، بعضهم ~~صرح بذلك على صفحات المؤيد، وبعضهم بكتب خصوصية لي، وآخرون مشافهة ~~في حديث معي. ولما آنست ذلك من الذين يهمهم أمر هذا البحث أكثر من ~~سواهم، طلبت منهم أن يؤيدوني بكتاباتهم في الجرائد ms072 خدمة لأمتهم ~~فأحجموا، فعلمت أن الحرية فيهم لم تتجاوز حد الفكر، ولم تصل بهم إلى ~~القول، وخصوصا النشر، كأنهم يخشون سطوة الجمهور أكثر من ربهم. واعتذرت ~~عنهم أن ذلك منهم لقلة ثقتهم في هذا الجمهور خوفا من شره، ولشدة ~~طمعهم برحمة الله. ولولا علمي بناموس الأفعال المتجمعة وما يترتب عليه ~~بعد حين من الأفعال العظيمة، لقلت إني أخطأت المرمى، وإن مقالتي جاءت ~~قبل أوانها. على أن أثرها مهما كان اليوم قليلا فسينضج بالاختمار، كما ~~يختمر العجين وتنضج الأثمار، ويصير مع الزمان شيئا عظيما. # ولكن مقالتي لم تعدم منتقدا، وهذا ما كنت أتوقعه؛ لعلمي أن ما من ~~عمل حسنا كان أو رديئا إلا ويجد أنصارا مستحسنين وخصوما ~~مهجنين؛ فالحسناء لا تعدم ذاما، كما أن الفولة المسوسة تجد ~~كيالها الأعمى. فأنا لم أستغرب قيام بعضهم للرد علي، ولا أنا ممن ~~يكرهون الانتقاد أو يدعون العصمة، ولا أنا أجهل قول المثل: «من ألف ~~فقد استهدف.» وإنما الذي استغربته صرف كلامي إلى غير وجهته، وتأويله ~~على غير مفهومه، وهو بالحقيقة اجتهاد هنا إلى حد الشرود عن المقصود. ~~والحق يقال إن أعمال العقل غاية في الغرابة، ولولا ذلك لما اختلف ~~الناس في نظرهم إلى الشيء الواحد، وإلى هذه الغرابة أفضل أن أنسب ~~اختلاف نظر الذين نظروا في كلامي على ما فيه من التعيين الواضح، لا إلى ~~قصد سيئ منهم. # ففريق من النصارى زعم أني عرضت بالدين المسيحي، ونشر أحدهم في ~~جريدة الوطن مقالة أنكر علي فيها استشهادي ببعض آيات الإنجيل ناسبا ~~إلي وضعها في غير موضعها، كأني فهمتها كما يدل عليه ظاهرها غير ~~معتبر المقام الذي وردت فيه. ولو أنصفني لعلم أني ما ذكرتها إلا وأنا ~~في مقام بيان أظهر فيه ما في كتب الدين من كلام الاستعارة والمجاز ~~الذي يتسع فيه مجال التخريج والتأويل؛ حثا على وجوب الاجتهاد في ~~قضايا الدين كلما وجد بينها وبين مصلحة العمران ومصلحة العلم أقل ~~اختلاف؛ لئلا نجني على العمران وعلى الدين نفسه معا إذا استمسكنا ~~بتلك القضايا استمساكا ms073 أعمى. وبعضهم ألمع إلى ما يشم منه أني ~~متحيز فيما كتبت لا ناصر حقيقة. وهؤلاء هم الذين يقرءون كل شيء كما هو ~~في باليات قحوفهم. فليعلم الذين لا يدركون ~~معنى ما يكتب أو ما يقال أني حتى ~~اليوم ما تحيزت إلا لما اعتقدته الصواب، فأنا لم أكتب ما كتبت إلا ~~لاعتقادي أنه الحق، ولم أجعل لعاقل سبيلا لأن يرميني بتهمة التحيز ~~لدين من الأديان أو لقوم من الأقوام، وما قصدت بذلك إلا خدمة مصلحة ~~الإنسان في العمران. # ومنهم من قام يناقشني في المفاضلة بين الدينين، وهو خروج عن بحثي، ~~كما أوضحت ذلك في ديباجة مقالتي، فقام في الرد علي يظهر تحامله على ~~الدين المسيحي، وليس في بحثي ما يجعل له أقل مسوغ لأن ينحو معي هذا ~~النحو، فجذبني من سماء التجرد للكليات إلى أرض المشاحنات في الجزئيات، ~~ونصبني في مقام رجل مسيحي أو أقول قوله، وأخذ يغرف لي من تلك الألوان ~~ما شاء وشاء سخاؤه، وأنا من فضله أصيب حتى امتلأت معدتي، وهو أدب ~~رائع. ولا شك أنه انقاد إلى ذلك بهوى التشيع وهو يقرأ مقالتي، فذهل ~~عن مسلكي فيها، ونسي في تحمسه الغاية التي قصدتها منها، وقام يضرب ~~على هذا الوتر المضلل والمنفر، والذي يرجح عندي ذلك قوله: «قرأت ~~مقال فلان (أي مقالتي) الساعة.» أراد بذلك أنه قرأها في الساعة التي ~~بعث فيها برده إلى الجريدة، فكأنه لم يتروها جيدا، فما وصل إلى ~~آخرها حتى كان قد نسي أولها حيث أقول: # ليس من غرضي هنا أن أتكلم على الأديان كشرائع موحاة، ولا ~~أن أبين مزية دين على دين، ولا أن أدخل غمار البحث في ~~قضايا كل دين لإقرارها أو تخريجها إلى ما يوافق، بل أن ~~أبين حقيقة علاقة الأديان بالعمران من وجهها ~~الاجتماعي. # ثم قارنت بين أصول الأديان، واتصلت فيها إلى نتيجة اجتماعية واحدة، ~~وبنيت عليها بحثي. # ولعله أراد بذلك أن يجاري أكثر كتابنا فيما اصطلحوا عليه من مثل ~~قولهم: «ما حملني على أن أكتب في هذا الموضوع إلا ms074 إشارة من لا تسعني ~~مخالفته، فقمت على ما بي من المشاغل وضيق الوقت وقلة البضاعة.» إلى ~~غير ذلك من كلام الكبر في التواضع؛ ليبينوا للناس فضلهم وسرعة ~~خاطرهم. ولو تدبروا الأمر جيدا لعدلوا عن مثل هذا الكلام البارد، ~~ولعلموا أن الإسراع وعدم التأني لا يقيانهم ملاما إذا أخطئوا، ولا ~~يكسبانهم زيادة فخر إذا أصابوا، كما أن التدبر والتردد ليسا دليلا ~~على العي. وأما أنا فالله يشهد والناس يشهدون أني ترددت كثيرا، ~~ولولا أن فوجئت من كل جهة، ولولا خوفي أن ينصرف الجمهور بذلك عن فهم ~~مقالتي على حقيقتها؛ لما عمدت إلى الرد واضطررت إلى هذا البيان. # ولقد أعجبني قول أحد أفاضل المسلمين في انتقاده على منتقدي إذ قال: ~~«لو قال قوله هذا في مقال وجهه إلى سواك لربما كان له فيه وجه، أما ~~وقد قاله في وجهك فما وجهه فيه وأنت تدافع عن دينه؟» قلت لعله كبر ~~عليه أني جعلت أصول دينه كأصول سواه، فاعتبرني شر نصير، فدفع إلي ~~كتابا كان قد جاءني به وقال: «خذ اقرأ.» فقرأت: # اعلم أن دين الله في كل الأمم واحد لا تختلف أصوله باختلاف ~~الأمم وأحوالها وأزمانها وأمكنتها، وإنما الذي يختلف باختلاف ~~ذلك هي الأحكام الفرعية. وذكر الآية: # إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى ~~نوح والنبيين ... # إلخ. # 2 # والذي حملني على هذا الظن ذكره دين البراهمة في هذا المعرض، وهو لا ~~ينظر إلى النصرانية بأحسن من نظره إليه، فهو يأبى أن يسلم بأن أصول ~~دينه كأصول دين سواه. فاعلم يا صاحبي، قبلت أم لم تقبل، أن أصول ~~الأديان المختصة بالعمران واحدة حتى في الأديان الاجتماعية. قلت ~~الأديان الاجتماعية لأنه يوجد دين يجوز أن يسمى كذلك ليس فيه شيء ~~مما هو مصطلح عليه في سائر الأديان، وأساسه الأدب والإنسانية، ~~وبعبارة أخرى الفضيلة، وهو دين بوذا الذي هو أكثر الأديان انتشارا ~~بعد دين المسيح؛ فإن البوذيين يبلغون 450 مليونا، والمسحيين 475 ~~مليونا. # وهذه شذرة من تعاليم هذا الدين تنبئك عن أصوله. جاء في الملل ~~والنحل قال: ms075 «ودون مرتبة البد (أي بوذا) البوديسعية، ومعناه الإنسان ~~الطالب سبيل الحق، وإنما يصل إلى تلك المرتبة بالصبر والعطية، وبالرغبة ~~فيما يجب أن يرغب فيه، وبالامتناع والتخلي عن الدنيا، والإعراض عن ~~شهواتها ولذاتها، والعفة عن محارمها، والرحمة على جميع الخلق، ~~والاجتناب عن الذنوب العشرة: قتل كل ذي روح، واستحلال أموال الناس، ~~والزنا، والكذب، والنميمة، والبذاء، والشتم، وشناعة الألقاب، والسفه، ~~والجحد لجزاء الآخرة.» انتهى. وهي كما ترى أشبه شيء بالوصايا العشر عند ~~النصارى. # ولم تقتصر الأديان على أخذ الفضائل عن بعضها مما يعد من أصول ~~الدين، بل أخذت أيضا بعض العقائد الدخيلة عل الدين. فالبراهمة وهم ~~أصحاب الفكرة، كما يقول الشهرستاني، لتمييزهم عن البوذيين أصحاب ~~المحسوس، يعظمون أمر الفكر، ويقولون هو المتوسط بين المحسوس ~~والمعقول. فالصور من المحسوسات ترد عليهم، والحقائق من المعقولات ترد ~~عليه أيضا. فهو مورد العلمين من العالمين. فيجتهدون كل الجهد حتى ~~يصرفوا الوهم والفكر عن المحسوسات بالرياضة البليغة والاجتهادات ~~المجتهدة، حتى إذا تجرد الفكر عن هذا العالم تجلى له ذلك العالم، ~~فربما يخبر عن مغيبات الأحوال، وربما يقوى على حبس الأمطار، وربما ~~يوقع الوهم على رجل حي فيقتله في الحال؛ ولهذا كانت عادتهم إذا ~~دهمهم أمر أن يجتمع أربعون رجلا من المهذبين المخلصين ~~المتفقين على رأي واحد في الإصابة، فيتجلى لهم المهم الذي يهضمهم ~~حمله، ويندفع عنهم البلاء الملم الذي يكأدهم ثقله. انتهى. ألا ~~ترى أن ذلك يشبه التصوف وحلقة الذكر الدخيلة على الإسلام؟ # ولم ينتشر هذا الرد في المؤيد حتى قال بعضهم لمن كان معه حين اطلاعه ~~عليه: «قل للشميل إنه يستأهل.» وكأن أقل ما أراد بذلك أني وإن كنت قد ~~نظرت إلى الحقيقة فلم أنظر إلى طبائع القوم واستعدادهم. وقال غيره: ~~«جدح جوين من سويق غيره.» يريد أني جنيت هذه الجناية على الدين ~~المسيحي، فكأني جدت من مال غير مالي، فخاف على نصيبه منه، ولا مسوغ ~~له على هذا الخوف مني عليه. # فكأن حضرة الفاضل كامل السويفي لم يكتف بأني جعلت مدار بحثي على ~~أصول الأديان، ms076 متجنبا البحث في الوحي والمفاضلة بين دين ودين، ~~والكلام على قضايا كل دين حتى يمكنني التوفيق بين جوهر الأديان ومصلحة ~~العمران، كما قلت في أول مقالتي، بل أراد أن يجرني للبحث معه في ~~طبائع الأديان وحقائقها، وأن يلبسني إما قلنسوة راهب وإما عمامة شيخ ~~(مليح بعد هالكبره جبة حمرا). ولو جاريته للزمني أن أجول معه جولة في ~~قضايا كل دين، وأن نغرق كلانا والجمهور معنا في هذا البحر اللاقرار ~~له، الذي هو علم اللاهوت وعلم الكلام (ولقد أنصف العرب بتسميته بهذا ~~الاسم)، وهذا ما لم تصب نفسي إليه حتى اليوم. فلا نعلم حينئذ من ~~أي مضيق نركب، ولا في أي لج نخوض، ولا على أي شط نحط ~~ونقع في تيه نفقد معه خيط أريانا. وهذا ليس محله في هذا المقام مقام ~~تمهيد العقبات الحائلة بين تقارب الأمم، وبينهم وبين ارتقائهم في ~~العمران. وإني لأشكر لحضرة العالم المتبحر الفاضل الجيزاوي؛ لأنه ~~كفاني الخوض في هذا البحث، فأظهر جليا بمقالته البديعة التي نشرت في ~~المؤيد ما يصح أن يعتبر في الخلاف بين الدينين فصل الخطاب في هذا ~~الباب عند ذوي الألباب. # وأما استشهاده بمن ذكرهم من كبار الكتاب الأوروباويين ليثبت أن ~~النصرانية أضرت بالاجتماع في أوروبا، فقد قلناه في مقالتنا الأولى، ~~ولكننا لم نعتبر هذا الضرر من جوهر ~~الدين، بل من الرؤساء من رجال الدين والحكام، كما أننا لم نعتبر تقهقر ~~الأمم الإسلامية إلا لهذا السبب عينه، واعتبرنا نهوض النصرانية ~~وارتقاءها هذا الارتقاء الباهر إنما هو لنبذها العقائد التي أدخلوها ~~على الدين وليست من جوهره، حتى صار الدين عند القسم الكبير المتنور ~~منهم عند المؤمن صلة القلب إلى الله، كما في قول شاعرنا الأديب نقولا ~~أفندي رزق الله: # إنما الدين موعد واتفاق # بين هذا الورى ورب البرية # وحتى صار عند غير المؤمن موضوع بحث اجتماعي بالنظر إلى ما في ~~مبادئه الاجتماعية من الموافقة للعمران. وكثيرون يعجبون بهذه ~~الموافقة، فلا يجعلون البحث في حقائق الأديان سببا للمنازعات ~~الاجتماعية العقيمة، تاركين لكل واحد الحرية ms077 في أن يعبد ربه كما يريد، ~~ناظرين فيها إلى تلك المبادئ العمرانية التي تجعل مصلحة الإنسان ~~القريبة في دنياه اشتراكية بين أفراده، وأي دين لا يعلم ذلك؟ وهذا ~~الذي نظرنا إليه في أصول الأديان، فعظمناها تعظيما لم يفقنا فيه ~~باحث ديني مهما كان متحمسا في إيمانه ، فهل يجوز بعد ذلك أن ينحى ~~علينا بأنا غضضنا من دين لنصر آخر؟ # على أن العمراني الذي يريد أن يجعل بحثه في العمران لتطبيق نواميسه ~~على قول فلان وفلان أو دين من الأديان؛ إنما مثله كمثل الذي يحاول أن ~~يطبق المطبوع على الموضوع، فيتسامح بما لا يجب أن يتسامح به من ~~المطبوع، ويستمسك بما لا يجب أن يستمسك به من كل موضوع ومشروع، فيركب ~~متن الضلال، ويهيم في فيافي الخيال، فينطق بما لا يفهمه سواه، ولا ~~يفهمه هو نفسه، ويحسب أنه أتى ببدائع الإعجاز في الاستعارة والمجاز، ~~فيجني على ذلك المشروع من حيث يظن أنه يخدمه، ويجني على العمران ~~نفسه. # أما نحن فننظر إلى العمران ومرشدنا في نواميسه ذلك الكتاب البسيط ~~المفتوح أمام كل إنسان، والذي يستطيع أن يفهمه كل واحد إذا قرأه ~~بإمعان، ألا وهو كتاب الطبيعة، الذي هو أساس كل قياس صحيح؛ أي أساس كل ~~منطق سليم وبيان. # على أني لا أعلم، كيف أن الدين الذي فيه مثل هاتين الآيتين: «حب ~~قريبك كنفسك، وحب الله فوق كل شيء.» و«كما تريدون أن يفعل الناس ~~بكم افعلوا أنتم أيضا بهم.» الجامعتين فيهما كل واجبات الإنسان نحو ~~ربه ونحو قريبه؛ يجوز أن يقال فيه ~~مثل قول أديبنا السويفي من أنه دين شرك بالله ودين خراب في الدنيا، ولا ~~أناقشه في اللاهوت؟ ولعل له في علم الاقتصاد نظرا جديدا يخالف ~~قولهم: «الإنسان مدني بالطبع.» ويعلمنا أن «التكافل في العمران غير ~~التكافؤ في قواه»، فتعمر حينئذ الدنيا عنده بالتفريق والتخاذل ~~والاكتفاء والانفراد والاستئثار، فيتألف المجتمع بانفراط عقده - وما ~~هي إلا لآلئ منثورة - ويتقدم تقدما سرطانيا متباريا في مشي ~~القهقرى، حتى يبلغ ما بلغنا إليه في هيئتنا الحاضرة ms078 من الارتقاء الدركي ~~(وإن شئت إلا الموضة اليوم فالرقي)، الذي صارت سماؤنا فيه كسماء خيل ~~المعري وهي تعب، وصارت عقولنا فيه أضيق من دوائر جماجمنا، ومرامي ~~نظرنا أقرب من أرانب أنوفنا منا. وهل قارئ كتب مثل هؤلاء الأساطين في ~~العلم والأدب والفلسفة الذين ذكر لنا أسماءهم يجوز له - مع كل سعة هذا ~~الاطلاع - أن يقف في فهم كلامهم على مثل هذا الاكتفاء؟ وما هو لعمري ~~لو درى إلا مثل اكتفاء القارئ في قوله: # فويل ~~للمصلين ~~. على أن غرضنا هنا ليس هذا، فما باله ~~يدفعنا للنظر في حقيقة الأديان والمفاضلة بينهما، ولم نقصد في كل ما ~~كتبنا إلا مصلحة العمران بالتوفيق بينها وبين أصول الأديان بما تراءى ~~من الإمكان؟ وهل في مقالتنا الأولى غير ذلك حتى يقوم علينا المسيحيون ~~يتهموننا في أننا تعرضنا للدين المسيحي، والمسلمون يناقشوننا في ~~المفاضلة بين الدينين؟ إنها لمصيبة. # وقبل أن ننتهي من هذا البحث أريد أن أجاري حضرته مجاراة كلية ~~للوصول إلى النتيجة المترتبة على كلامه، والتي وقف عندها. فأنا ~~أسلم له جدلا ب «أن العالم المسيحي [كما يقول] لم يرتق إلا بعد ~~احتكاكه بالعرب، وأن المسيحية عثرة في سبيل الارتقاء، وأن الإسلام هو ~~موجد هذه المدنية الباهرة.» فقط يبقى عليه أن يقول لنا لماذا إذن ~~أتباع النصرانية ساروا في مضمار التمدن شوطا بعيدا، وأتباع الإسلام ~~وقفوا متقهقرين؟ فإن قال إن الأسباب اجتماعية، عدنا إلى حيث افترقنا ~~وكنت مصيبا. ولعله لا يقول غير هذا القول؛ لئلا يجني حينئذ ~~جنايتين على العمران وعلى الدين نفسه. أم هو يريد بهذه المغالطات ~~التمويه حتى يبقى حجاب الجهل مسدولا على عقول الناس؛ ليبقوا كما في ~~قوله: # صم بكم عمي فهم لا ~~يرجعون ~~؟ أما نحن فنميل إلى ما هو أدعى لمصلحة ~~العمران من مثل قوله: # وما جعل عليكم في ~~الدين من حرج ~~، # يريد الله ~~بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ~~. وهذا ~~ينطبق كل الانطباق على ما رمينا إليه في مقالتنا الأولى إنارة للأذهان؛ ~~لكي يعلم الجميع على السواء # إن الله لا ms079 ~~يغير ما بقوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم ~~. # ننشر هنا المقالة التي أشرنا إليها في هذا الرد، والتي نشرت في ~~المؤيد بتاريخ 30 مارس سنة 1908 دعما لمقالنا، ولو أنها ليست لنا؛ ~~لما فيها من الفائدة في هذا الموضوع؛ حسما لهذه المسائل الخلافية ~~التي يتذرع بها المتنطعون في الأديان لإثارة الفتن بينهم. وقد ~~نشرت بتوقيع «محمد صادق الجيزاوي»، وهو - في علمنا - اسم ~~مستعار، ولولا أننا لم نستأذن صاحبها لصرحنا باسمه الحقيقي، وهو ~~من خيرة علماء المسلمين وأفاضلهم، وهذا نص هذه المقالة مع بعض ~~حذف. # كلما خمدت زادوها سعيرا # من أجل كرومر قامت في هذه الأيام ضجة دينية بين المسلمين ~~والنصارى في هذه البلاد؛ فالمسلمون قد فرحوا إذ ظنوا أنهم قد فازوا ~~على كرومر بقولهم كما قال، وصولتهم في التبشير والتنفير كما صال؛ ~~والنصارى لم يجدوا من الذوق أن يجادلوا في بعض ما سمعوه عن دينهم؛ ~~لعلمهم بأن كرومر تخطى الحدود، وأتى بما لا ينتظر من مثله، ~~فأحرج صدور إخوانهم. # ولكن أحرجت هذه الضجة أيضا صدور الذين يعتقدون أن الارتقاء إنما ~~هو بتربية العقول، ومزاولة الشئون الاجتماعية باستقلال أفكار، وأن ~~الديانات كلها سواء من جهة أنها لا تضر بالاجتماع إذا كانت عقول ~~أهلها مرتقية، كما أنها لا تنفع فيه إذا كانت عقول جماعاتها ~~متدينة، وشاهدهم على ذلك أن أهل دين واحد ارتقوا يوما وانحطوا ~~يوما، والاعتقاد لم يفارق قلوبهم، والعبادة لم تبرح معابدهم ~~وبيوتهم. # هؤلاء قوم يحسنون الظن بالديانات، ولا يرونها عوائق عن التقدم ~~والتمدن، وإنما يرون أن تشيع أهل كل دين منها وتحاملهم على دين ~~الآخرين قد أحدث ويحدث فظائع من نتائج البغضاء والنفور، ~~فيودون لو ينتهي هذا التحامل والتجادل في الدين، ويقولون إذا لم ~~يمكن قطع حبال هذا الجدل فلا ينبغي أن تبقى منصوبة إلا بأيدي فريق ~~مخصوص لا يمد بشيء البتة من القوى المادية، فتتنازل الأقوال ~~والأقوال وتنتهي على لا شيء الأحوال؛ لأنه لم يعهد أن الجدال ~~أفاد في تغيير المذاهب، وإنما تغيرها أسباب أخرى لسنا في صدد ~~تفصيلها. ms080 # ومن عرف الدكتور شبلي شميل كان ذلك حسبه أن يعرف مقصده من ~~المقالة التي كتبها في هذا الصدد، ونشرها في المؤيد؛ أي يعرف أنه ~~يرمي إلى تفنيد الجدل والحث على خير العمل، أما من لم يعرفه فربما ~~ظن أنه مسيحي كتب ينتصر لدينه بطريقة حبية. ~~••• # كان من جملة الذين لم يعرفوا هذا الحكيم ولا قصده حضرة الكاتب ~~محمد كامل السويفي، الذي نشر يوم الخميس ردا على الدكتور ~~فتذكرنا إذ قرأناه أن كرومر بتصديه للمفاضلة بين الدينين ~~إنما كان موقد النار، وأن قومنا كلما خمدت هذه النار زادوها ~~سعيرا. فإن بعض الذين يكتبون الردود في هذا الموضوع يقابلون ~~كرومر بمثل ما صنع، وينسون أنه ليس من الضروري إذا أخطأ سليم ~~مثلا بشتم ملة جرجس أن يخطئ جرجس بشتم ملة سليم، وينسون أن ~~للدين المسيحي أهلا هم إخواننا في لساننا ووطننا، تغيظهم لوائح ~~التحامل على دينهم وروائح تفضيل غيره عليه. # ولولا أن كان قبيحا عدم وجود من يدعو بيننا إلى أسباب الوئام، ~~وينكر علي أسباب الخصام بقدر الإمكان؛ لما وجدنا من اللائق ~~أن نأتي ما ننكره من الخوض والمماحكة في هذه المسائل، ولكن تلك ~~الضرورة من الدعوة إلى الوئام هي التي حملتنا على تذكير حضرة ~~الأديب كامل السويفي ببعض كلمات. ~~••• # رأيت في كلام حضرته مواضع كثيرة جديرة بالأخذ والرد معه، ولكن ~~ليس هذا من مقاصدنا، ولا ندخل فيه، وإنما نقتصر هنا على سبعة مواضع ~~قد رأينا التذكير فيها أوجب، والحاجة إلى الإيضاح فيها أمس ~~وأدعى. جاء في عرض كلام الدكتور ما يفيد أن الدين المسيحي دين ~~توحيد كالدين الإسلامي، فأنكر صاحب الرد وقال: «إن دين النصارى دين ~~تعديد لا دين توحيد.» فاعلم أيها الأديب أن النصراني يبتدئ عقيدته ~~بقوله: «أومن بإله واحد ... إلخ» فالإله واحد عندهم كما هو عندنا. ~~وأما ما نسمعه في صفات المسيح ابن مريم، فإنها فلسفة لا نعرفها نحن ~~ولا يعرفونها هم، وقد حملهم عليها بعض النصوص التي هي عندهم ~~مقدسة، وكل دين لا يخلو من أمور تحمل أهله ms081 على فلسفة كان في غنى ~~عنها لولاها. # وقد جهل أكثر كتاب المسلمين عقيدة النصارى في الإله الواحد الذي ~~ليس بمادة، كما جهل أكثر كتاب النصارى عقيدة المسلمين، ولكن لظهور ~~الصعوبة في فلسفة العقيدة النصرانية يقول النصارى: «إن في الدين ~~شيئا هو فوق العقل.» ويعدون ذلك من مفاخرهم في تدينهم، فيظن ~~المسلم أنهم يريدون بقولهم فوق العقل أنه غير معقول. وليس هذا هو ~~المراد، بل المراد أن العقل لا يكاد يدركه. وكان مثل هذا القول ~~شائعا ومعروفا عند المسلمين أيضا، ولكن بعض كتابهم في هذه ~~الأيام الجديدة قاموا ينادون بأن الدين الإسلامي وحده دين العقل، ~~ويفسرون بأن العقل يدرك كل شيء فيه. ولسنا ندري كيف يدرك ~~العقل أمور العالم الغيبي، مثل أنهار اللبن والعسل التي في الجنة، ~~ومثل عالم الأرواح المجردة وعالم الملائكة، ولا نعرف كيف يستطيع ~~أولئك العقلاء تفسير النار التي رآها موسى # فلما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك ~~فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس ~~طوى ~~، أي عقل يدرك حقيقة هذا النداء الذي سمعه موسى ~~فخر صعقا؟ وأي عقل يدرك حقيقة نفخ الله في فرج مريم كما جاء في ~~القرآن المجيد بنص هذه الآية: # ومريم ~~ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا ~~فيه من روحنا ~~. # النصراني يقول الإله واحد كما يقول المسلم، ثم يقول النصراني إن ~~عيسى كلمة الله وروح الله، وهكذا يقول المسلم أيضا، والنصراني ~~يقول إن مريم عذراء حملت بعيسى الذي هو روح الله وكلمة الله من غير ~~أن يمسها بشر، وهكذا يقول المسلم أيضا. فأنا أسأل إخواني ~~المسلمين أن يبينوا لي الفرق أولا بين هذه التعابير، وأن يفهموها ~~جيدا قبل أن يجادلوا النصارى على التعبير بالآب والابن والروح ~~القدس، وقبل أن يسألوا عن الفلسفة التي تبين أن هذه الكلمات ~~الثلاث تدل على حقيقة واحدة ظهرت في ثلاثة مظاهر، وما نار موسى عن ~~القاري ببعيد. # إني لأعلم أن هذا المبحث سيستغربه إخواني المسلمون، وربما جلب ~~في الظنون، ولكني لا أبالي بظنونهم في سبيل حقيقة مهمة أكره أن ~~يجهلها ms082 إخواني، وأن يجهلها النصارى أيضا، وهي أن ديني الفريقين ~~مبني على الإيمان بالغيب، # 3 # وعلى تصديق الرسل # 4 # بما جاءوا به من أخبار الملائكة والشياطين والجن، وأول ~~الخليقة، وخبر آدم، وأخبار رسل الله وكتبه # 5 # التي بعثها إليهم، والغرائب التي حدثت بإذن الله، نحو ~~ولادة عيسى، ثم صفات الله الذي ليس بمادة، مثل أنه متكلم، وقد ~~كلم موسى، وسميع يسمع الذي يدعوه، وبصير يكره كشف عورة الإنسان ~~في خلوته لأنه يراها، ثم صفات الجنة موعد المتقين، وما فيها من ~~العنب والرمان والنساء الحسان والولدان وصفات النار موعد ~~الكافرين، وما فيها من آلات العذاب وصنوف العقاب أبد الآبدين ودهر ~~الداهرين على جرم هو عدم تصديق الإنسان بما لا يدركه ~~عقله. # فيا أخا العقل ومن يريد كل شيء من الدين بالعقل، إياك ثم إياك من ~~الوقوف في العالم الغيبي مع العقل، إذا كنت ترجو تلك الجنان وتخشى ~~تلك النيران، فإن كنت لا ترجو ولا تخشى ما هنالك فإياك ثم إياك أن ~~تدعي الدين؛ فإنك كاذب بشهادة أهل كل الملل أجمعين. ها قد ~~أبلغتك الحقيقة، والله يعلم أني لك من الناصحين. # فإذا علمت ذلك يا صاحب العقل من المسلمين فاعلم أن المسيحي ~~يسلم إلى الله في إيمانه بعالم الغيب تصديقا لمتى ومرقس ويوحنا ~~وبولس، وإذا علمت ذلك يا صاحب العقل من النصارى فاعلم أن المسلم ~~يسلم إلى الله في إيمانه بعالم الغيب تصديقا لمحمد # صلى الله عليه وسلم ~~، ~~وإذا علمتما أنه لم يسلم أحدكما في هذين الإيمانين المتشابهين ~~بمجرد عقله، فاعترفا بأنكما متشابهان في سبب الإيمان وتصافحا؛ ~~فإنكما في هذا الباب إخوان. # وأزيدك أيها المسلم بيانا في أن النصراني يؤمن بإله واحد، ~~فأقول إن القرآن المجيد لم يسم النصارى مشركين، كما لا يخفى، بل ~~سماهم أهل كتاب، وأجاز أكل ذبائحهم والتزوج بنسائهم، ولم يجز ~~هذا ولا هذا في الذين سماهم مشركين. وقد اشتبه الأمر على بعض ~~العلماء من الأقدمين، فسأل عالما آخر: «كيف لا يكون النصراني ~~مشركا وهو يقول إن الله ثالث ثلاثة؟» ms083 فقال له: «إن الله الذي لم ~~يسمه مشركا أعلم مني ومنك.» # هذا ما رأيته واجبا من بعد أن رأيت وسمعت كلمات القاصرين في هذه ~~المباحث العميقة لدى المؤمنين بالغيب، والعقيمة لدى الذين لا ~~يريدون إلا ما يشهد به الحس أو العقل بسهولة، فإن أقنع ونفع ~~فنعما ذاك، وإلا فليتجادل القوم ما شاءوا أن يتجادلوا حتى تطلع ~~الشمس من مغربها، أليس كذلك؟ ~~••• # وجاء في عرض كلام الدكتور أنه جعل الأديان بمثابة واحدة من ~~حيث علاقتها بالعمران وتأثيرها في الاجتماع، فأنكر ذلك عليه صاحب ~~الرد. وقد طال المقال فضاق المقام عن الإسهاب في هذا الموضوع؛ فلذا ~~أكتفي بكلمة واحدة، وهي أن صاحبنا يسلم معنا ومع الدكتور بأن ~~ديننا الإسلامي لا ينافي العمران، فافرض أنك لا ترى دينا آخر له ~~هذه المزية، وأن ديانات الأقوام الآخرين قد خربت ديارهم وقطعت ~~نسلهم؛ فلذلك لم يبق في الصين من نسمة ولا حجر على حجر، ولم يبق ~~في أوروبا وأمريكا من ديار ولا نافخ نار، فما الذي يضرك إذا ~~كان دليلك الحس ودليله الخيال أن تجامل من حولك من الذين ~~يتدينون بالنصرانية، إخوانك في الوطن واللسان، الذين لم يبق لهم ~~من إخوان في الدين إلا أربعمائة وخمسون مليونا فقط! نعم أقول لك ~~ما الذي يضرك إذا لم تفاجئ القوم جيرانك بأن ليس بيدهم إلا دين ~~يخرب الديار ويفني البشر؟ ~~••• # بقي شيء واحد مما أحببت الكلام فيه، وهو أنه جاء في عرض ~~كلام الدكتور أن الزواج والطلاق ليسا في الإسلام والنصرانية من ~~المسائل التي يقيد بها الاجتماع، وقد قال صاحب الرد بأن ذلك صحيح ~~في الإسلام دون المسيحية. ولولا أنني ما وصلت إلى هذا المقام حتى ~~مللت لشدة كراهتي الجدل في الدين، لأسهبت في هذا الموضوع أيضا، ~~ولكني أعدل عن ذلك إلى توجيه نظر الكاتب إلى كتاب الوجود؛ ففيه ~~صحائف الأمم، وهناك يجد أن لاجتماعها سننا قد راعتها الديانات ~~كلها. فالمسيحية جاءت في هذه الأبواب بوعظ ونصائح، ولم تجئ بشرع ~~حاتم يجب تأييده على الملك والحاكم. فهذا ms084 سر اختلاف طوائفهم في هذه ~~الأبواب قديما وحديثا، فمن تمسك بهذه النصائح من ملوكهم ~~وشعوبهم بنوا عليها قوانينهم في هذه المسائل، ومن رأى مندوحة في ~~تفسيرها وتأويلها وجواز مخالفتها اجتماعيا، تراهم توسعوا فيها ~~على قدر ما آنسوا أن العادات تساعدهم. وبهذا البيان تعرف صحة قول ~~الدكتور. # وبعد، فإنني قد عملت ما علي من الإرشاد إلى وجوب التفاهم وآداب ~~المناظرة ومراعاة الأوقات فيها، وأرجو بعد ذلك أمرين: الأول من ~~حضرات الكتاب المسلمين، أرجوهم إذا مدحوا دينهم ألا يذموا دين ~~غيرهم. والثاني من حضرات الأدباء المسيحيين، أرجوهم ألا يظنوا ~~الدين الإسلامي هو الذي يأمر بذم غيره من الديانات، بل هو يأمر ~~بالحكمة والموعظة الحسنة. انتهى ببعض اختصار. # | المقالة التاسعة # | رأى وقال1 # كل شيء في الكون سلسلة: العالم المادي والعالم المعنوي على ~~حد سوى. وكما نشأت الأحياء الراقية من أحياء أدنى، وهي من ~~مواد الطبيعة، هكذا نشأت الأديان من الاعتقادات، وهذه من ~~الخرافات، وهذه من قلة تعرف الإنسان لظواهر الأشياء التي ~~حوله وتوهمه فيها. ~~*** # آيات بينات، وحقائق باهرات. ضلال استمسك به الناس كأنه العروة ~~الوثقى، كل حزب بما لديهم فرحون، وهدى إذا ذكروه فإنما هم ~~يهمسون. # أناس يجوعون ويعطشون ويموتون، نظروا إلى ما حولهم، وإذا الأرض ~~تخرج لهم ما يأكلون مريئا ويشربون هنيئا، فقالوا: «أمنا ارحمينا ~~ولا تحبسي عنا قوتا يغذينا وماء يروينا.» وارتفعوا إلى ما فوق، ~~وإذا البرق يكاد يخطف أبصارهم والرعد يصم آذانهم، فانخلعت قلوبهم من ~~هول ما يبصرون ويسمعون، فأغمضوا جفونهم، وجعلوا أصابعهم في آذانهم من ~~الصواعق حذر الموت، وخروا خاشعين. # أوهام أصلها أحلام، تطوف بالناس وهم نيام، فينتقلون وهم في مكانهم ~~مقيمون، فقالوا الإنسان اثنان؛ جسم مقيم، وروح يهيم، يفارق ثم ~~يعود، ولا ينفك إلا إذا حل الموت الزؤام، فينطلق في منفسخ الوجود، ~~يذكر المعاهد والعهود. وما ذلك إلا ذكرى ما كانوا يعلمون لو كانوا ~~يفقهون. # رأى الأوائل أنهم يرقدون ثم يستيقظون، ويغمى عليهم ثم يفيقون، وقد ~~يدفنون كأموات فيقومون، فداخلهم أن الموت رقدة، ثم يبعثون بعثا ~~تحيا به ms085 أجسادهم وتعود إليها أرواحهم، ذلك خير لهم من موت يكرهون، ~~فدفنوا معهم كل ما كانوا يحتاجون إليه في الحياة الدنيا من طعام وشراب ~~ولباس ومتاع وسلاح به عن حياضهم يذودون، وعبيدا يخدمونهم في الحياة ~~الأخرى، وأعدوا لهم البلايا رءوسها في الولايا، يركبونها يوم ~~يحشرون. # من الناس القوم الأشرار، ومنهم القوم الأخيار ، فانتشرت أرواحهم في ~~الأرض كل يعمل على شاكلته، فخافوا الأرواح الشريرة، ولاذوا بالأرواح ~~الصالحة يتعوذون بكل ملك كريم من كل شيطان رجيم. # آباءنا، كنا بررة وأنتم أحياء، وما نعقكم أمواتا، فما نحرمكم ~~من كل ما كنتم به تتمتعون؛ فقد أعددنا لكم طعاما مما كنتم تأكلون، ~~وشرابا مما كنتم تشربون، وزودناكم كل ما كنتم إليه تحتاجون، ~~وحنطنا أجسادكم تحنيطا وأعددنا لها القبور؛ لتحفظ إلى يوم النشور، ~~وقد زيناها بالزهور؛ لعلكم عنا ترضون، وإيانا تذكرون. # ذكرى لم يكن يقصد بها سوى الإكرام، ثم استرضاء خوفا من زوال منفعة، ~~ثم تجسم الوهم حتى ضاع الرشد في هوى حب النفس، فقاموا يعبدون ما ~~يجدون. # حيوانا يجاور القبور، أو نباتا ينبت على هذا المكان المأنوس ~~والمهجور. قد يتعالى وتنزل أصوله إلى باطن القبر المعمور؛ فلعل روح ~~الحبيب انتقلت إلى هذا الجار القريب. وما كانوا إلا واهمين فيما كانوا ~~يزعمون. # تناسخ تمسخ به أرواح الأشرار، وتترقى به أرواح الأخيار، خالط ~~الناس فيه جميع أصناف الكائنات، حتى اختلط عليهم أبشر ما يرون في صورة ~~حيوان وجماد ونبات، وباتوا في أمورهم حيارى لا يدرون. # وهموا أن الحياة الأخرى كالحياة الدنيا، مساكن الموتى فيها إنما هي ~~مساكن الأحياء أو هي قريبة منها؛ عنها يرحلون، وعليها يترددون، ثم لمع ~~نور ضئيل في ظلمات الأوهام، فأبعدوها إلى الغابات والحراج، فالبراري ~~فالجبال الشاهقة، حيث صارت أقرب إلى الغيوم والارتفاع منها إلى السماء، ~~بعد أن كانوا قد هبطوا بها إلى أعماق الجحيم، قبل أن استقل به ~~الشياطين وفصلوه عن النعيم، فأكرموها في الحيوان والأشجار، فالحجار ~~فالقفار، حتى وقفت بهم الآمال، على أعالي الجبال، لما رأوا فيها من ~~المهابة والجلال. وهم يهيمون فيما ms086 راحوا عنه يبحثون. # عبدوا أبا كريما، أو ملكا عاتيا أو حليما، أو حيوانا نافعا أو ~~شريرا، أو شجرة في العراء، يستظل بها من الرمضاء، أو بئرا يردونها ~~في الصحراء، أو حجرا أسود سقط من العلاء، أو نهرا يروي رياضهم، أو ~~نارا يصطلون بها، أو طبائع تميل إليها شهواتهم، باتوا في سبيلها ~~متهالكين. عبدوا ذلك كله دفعا لمكروه، واستجلابا لمنفعة. معبودات ~~تعدادها تعداد الكائنات، فأنواع المنافع فأصناف القوات. وما كانوا إلا ~~أوهامهم يعبدون. # احتجبت عنهم آلهتهم، فقالوا صعدت إلى السماء. فقصدوا الجبال الشاهقة ~~يناجونها منها، فبرزت لهم الشموس الساطعة، والكواكب اللامعة، فانبهرت ~~أبصارهم من جمالها وهم إليها ينظرون، فقالوا إن هي إلا آلهتنا أو مساكن ~~آلهتنا، نعبدها أو نعبدها فيها. وما كان آباؤنا على هدى فيما كانوا يعبدون. # 2 # غابت عنهم معبوداتهم، فطلبوها من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، ~~فأقاموا لها التماثيل والأنصاب يذكرونها بها في المصائب، ومازجتها ~~الأوهام، فنحتوا منها الأصنام، يقصدونها في المهمات، ويستنجدونها في ~~الملمات. لقد ضلوا فيما كانوا يقصدون ويستنجدون. # وقفوا عند ذلك زمانا طويلا، ألوف السنين تعد فيه كأمس الدابر، ~~والأفكار في اضطراب وحيرة، والاعتقادات متناقضة غير متوافقة، مقطوعة ~~موصولة غير متناسقة، والعالم ميدان ترمح فيه الأرواح والأشباح، ~~والصور المريعة والخيالات الشنيعة، فانفتح الباب واسعا للسحر والسحرة ~~والشعوذة والمشعوذين والرقى والطلاسم، كل يجد في ذلك مصلحة له؛ ~~المضللون والمضللون. أما هؤلاء فأهل مكر، وأما الأولون فأغبياء. ~~هؤلاء ليسوا على هدى من علمهم، وما كان أولئك بمخطئين. # آلهة يرضون ويغضبون، ويحبون ويكرهون، ويعشقون ويتزوجون، ويولدون ~~ويلدون، ويتحالفون ويتحاربون، يسكنون الجبال، ويترددون على الغياض، ~~ولهم مواقف تذكر مع البشر، يهيجون البحار، ويثيرون الرياح، ويحبسون ~~الأمطار، ينزلون إلى أعماق الجحيم، في طلب نفس صديق لهم من الناس، ~~ويصعدون بها إلى النعيم. آلهة صورهم الناس على صورتهم وبكل ما هم ~~إليه يميلون، وجعلوهم نظيرهم طوائف ومراتب بعضهم فوق بعض، ولهم رئيس ~~عظيم له يخضعون، وإليه يرجعون، ذلك والناس في ضلالهم يعمهون، وإذا ~~بصوت زاجر خرج من وسط هذه الظلمات، ونطق ms087 بهذه الكلمات: # 3 # أربا واحدا أم ألف رب # أدين إذا تقسمت الأمور # تركت اللات والعزى جميعا # كذلك يفعل الرجل البصير # ذلك كان نشوء الإنسان في الأوهام، قبل مجيء الثلاثة العظام: موسى ~~اليهودية، وعيسى النصرانية، ومحمد الإسلام. # | المقالة العاشرة # كشكول طبيب # 1 # أودع هذا الكشكول كل ما يدور في الخاطر من منظور وغير منظور ومنقول ~~ومعقول، غير متعمد ترتيبا، أو ضامن صوابا، أو متكلف عناء لانتقاء ~~الألفاظ أو الإبداع في المعاني، أو التأنق في الإنشاء، غير فاتح ~~كتابا، أو مسهد جفنا، أو جاهد فكرا، أو مختلس وقتا، # 2 # أو مصلح خطأ، أو متوخ حقيقة، مدفوعا إلى الورق عن ~~غير قصد، مادا ساعدي إلى الدواة عن غير جهد، وممسكا القلم بيدي عن ~~غير سابق علم بما أخط، محققا ما يؤثر عن العلماء - والعلماء ~~كالشعراء قد يصدقون وقد لا يصدقون - من أن الوظيفة تكون العضو. فقد ~~روي عن كثيرين من الكتاب أنهم لا يستطيعون إبداء فكر أو إنشاء سطر، ~~ولا يعرفون ماذا يكتبون - ولعلي واحد منهم - حتى يمسكوا القلم بيدهم، ~~فيقبضون عليه وهو مثلم كقناة مهدي السودان، فإذا هزوه على ~~القرطاس أصبح كأنه سيف بطل أم درمان الذي أثبت للناس حقيقة كبرى طبل ~~العالم لها وزمر؛ ألا وهي أن الحضارة أرقى من البداوة، والعلم أفضل ~~من الجهل، وأن الرجل المدجج بالسلاح أقوى من الأعزل، فاسترد عن ~~مقدرة ما أضاعوه لا عن عجز، وإنما هي المصلحة تؤتى من ~~أبوابها. # وقد ذكر أناس تغلب عليهم الشراسة إذا حملوا العصا، ويبالغون في ~~الكياسة إذا لبسوا القفاز، ولعل هذا هو السبب الذي لأجله لم أحمل ~~عصا في عمري، وأنا أكره لبس القفاز؛ لا لأني أريد أن أبقى بين السكر ~~والحنظل. # لا تكن سكرا فتأكلك النا # س ولا حنظلا تذاق فترمى # 3 # بل لأني أعتقد فيه عدم الصحة، وأقل أضراره حبس اليد وحبس البخار ~~الجلدي، وأنا أكره كل تقييد. ولعل هذا الذي حمل القيصر أيضا على إصدار ~~منشوره طالبا نزع السلاح، يريد بذلك أن يعجل مجيء الدور الثالث ms088 من ~~أدوار حكم العالم؛ إذ يؤثر عن أهل التثليث أنهم يعتقدون أن العالم ~~حكمه أولا الآب بالجبروت، ثم الابن باللين، وسيأتي عصر يحكم فيه ~~الروح القدس بالرحمة. # أخط كل ذلك غير مقاوم ما بي من الكسل والملل، أو مجاهد في سبيل ~~العمل، كأني صرت من أهل التمني لا أحب أن ألقي دلوي في الدلاء، خوفا ~~من أن يجيء بحمأة وقليل ماء. وأنا أكره التقتير ولو مع اليسر، وأفضل ~~عليه البذل ولو مع العسر. أنام على القرطاس حتى يجف الحبر على القلم ~~إن لم يأت الفكر عفوا، ولا أبذل أقل عناء لحث مطايا الأفكار للجري ~~في هذا المضمار، فإن أقبلت قابلتها بالترحاب، وإن أدبرت أوصدت وراءها ~~الباب. ولا أكلفك أن تقبل كلامي كالنقد في اليد. أتناول تارة ~~البحث في الحقائق قررت أم لم تقرر، وطورا أخوض عباب الأحلام ~~أحلام اليقظة وأحلام المنام، ولو كانت دون حلم القيصر مقاما؛ فقد جاء ~~في كشكول أرباب السياسة أن أحلام الملوك ملوك الأحلام. وأنا بعيد جدا ~~عن هذا المقام. # وكأني بالقيصر يدعو طوائف الحيوان، من كل شرقاء ولود وصماء ~~بيوض، للاجتماع في مؤتمر تتفق فيه على نزع سلاحها، فيقلم الأسد ~~مخالبه كما تقلم السيدة أظفارها، ويكسر الخنزير أنيابه حتى إذا افتر ~~يفتر عن لؤلؤ رطب وعن برد، ويقص الفيل خرطومه لئلا يبقى كأنف ابن ~~حرب، ويتخلى كل واحد عما خصته به الطبيعة من سلاح يذود به عن حوضه، ~~فكأنه يقول للإنسان: ضع حدا لقوى عقلك لتقف عن استنباط الوسائل ~~التي هي عنوان قوتك وضمان استقلالك، ولا تغتر بقول الشاعر: # ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه # يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم # فإن مثل هذا القول حديث خرافة اليوم، وتنازل عن مطامعك، وارض بما ~~أنت فيه، صغيرا فقيرا فصغير فقير، وغنيا كبيرا فغني كبير. ~~فليرض كل واحد بحالته، ولا يطلب الخروج عنها. ولو أصاب واضع منشور نزع ~~السلاح لخفض من استبداده، ودعا إلى ذلك إخوانه في المعمور، وبدأ بإصلاح ~~بلاده، ورد من قفاره الشاسعة آلافا من النفوس، واستخدمها ms089 في المنافع ~~العمومية عوضا عن قطعها من الهيئة الاجتماعية لذنوب سببها جور حكومة ~~لم تعرف للجمهور حقا تطالبها بالعدل، فتقول: «عدلك ظلم لي.» وتطلب ~~منها نشر العلم، فتقول لك: «جهلك أضمن لحقوقي، فكيف تريد مني أن أتنازل ~~عن هذه الحقوق الموروثة التي تجعلك أنت لي، وأنت تريد أن أكون أنا لك؟ ~~أتجهل أني أنا الكل وفي الكل، ألست أنا ظل الله على الأرض؟ فإن مررت بي ~~فلا ترفع نظرك إلي، بل اخفض رأسك، واضرب بجبينك موطئ قدمي، وارفع ~~عجزك؛ فإن بذلك احترام الملوك. وإن خالفت هذه الفروض الواجبة لي عليك ~~وطالبتني بحقوق لا أعترف لك بها، فإن هناك قفارا شاسعة تعلمك ~~الأدب.» هذا هو نظام تلك الحكومة التي تطلب اليوم نزع السلاح. # ولعل القيصر يمزح، أو هو يمتحن عقول الناس، وخصوصا أصحاب الجرائد ~~الذين يتهافتون على كل كلمة تسقط من أفواه الملوك تهافت الجياع على ~~القصاع، ويستمسكون بها كأنها الدر والجوهر، مثبتين أنهم كسائر الناس ~~ينظرون إلى من قال لا إلى المقال. ولا يصح أن يكون القيصر قد قصد غير ~~ذلك، أو ما يماثله مع بقاء احترامنا لمداركه؛ لأن مثل هذا القول ينقض ~~ناموسا طبيعيا لا يستطاع نقضه، ولو شرع فيه قيصر يحكم على ~~الملايين من البشر؛ لأنه ناموس يحكم على ما هو أعظم وأوسع من حكمه، ~~يحكم على الطبيعة من جماد ونبات وحيوان، ألا وهو ناموس تنازع ~~البقاء. # ويخطئ من يظن أن إعداد السلاح والتأهب للنزال والكفاح مضر ~~بالهيئة الاجتماعية موقف لنجاحها، بل هو بالضد من ذلك موجب ~~لارتقائها؛ فناموس تنازع البقاء في الطبيعة هو قاعدة ناموس النشوء ~~والارتقاء، وكلما قل التنازع وقفت حركة الارتقاء، بل دار دولابها إلى ~~التقهقر والتاريخ الطبيعي، بل تاريخ المجتمعات البشرية شاهد عدل على ~~ذلك، ألا ترى أن الأمم التي صرفت قواها عن استنباط وسائل الدفاع كيف ~~وقفت حركتها، وقلت اختراعاتها، وضعفت مصنوعاتها، وطمست علومها، وساد ~~الجهل عليها، حتى حل بها القضاء بحكم تنازع البقاء؟ ومن ينكر أن ~~الاستعداد للحرب منذ حرب السبعين قد ms090 بلغ مبلغا لم يسبق له مثيل في ~~التاريخ؟ ومن ينكر مع ذلك أن تقدم الهيئة الاجتماعية في هذه السنين ~~القليلة في العلوم والصنائع والشرائع يفوق ما حصل الإنسان على ما ~~يضاهيه في قرون كثيرة؟ فطلب نزع السلاح مخالف للنظام الطبيعي من جهة ~~وموقف لحركة الارتقاء من جهة أخرى، ولعل قيصر الروس حسد إمبراطور ~~الألمان على نيل شهرته بالشدة، فأراد أن يباريه في الحصول على هذه ~~الشهرة باللين، فطلب للناس عصرا لا يروى إلا عن تخيلات المتقشفين ~~وأحلام الزاهدين. # | المقالة الحادية عشرة # المرأة والرجل وهل يتساويان؟ # 1 # مسألة كثر تحدث الخاصة بها، وذهبوا فيها رأيين متضادين، وطالب ~~القائل بتساويهما بحقوق المرأة المرتبة على هذا التساوي، والتي ~~اهتضمها الرجل، في زعمه، من قانون البشرية صلفا وعتوا، أو كما تقول ~~المرأة لأنه هو الذي سن هذا القانون، فآثر نفسه فيه استبدادا حتى ~~أنكر عليها النفس التي يفتخر بها على سائر المخلوقات. وأنكر هذا الحق ~~من ذهب ضد مذهبه، ونسب دعواه إلى غيرة أعماها الهوى، ورأي أضله ~~الوهم. وقد شحذ المتباحثون في المسألة قرائح أمضى من القواضب، ~~وجردوا ألسنة أحد من الأسنة وبروا لها أقلاما أقوم من قدود ~~الهيف إذا أخجلت سمر القنا، وطعنوا بها طعنات أوقع من لحاظهن إذا ~~رنت سهامها في القلوب، وتجاروا في مضمارها تجاري خيل الطراد في ~~يوم الوغى؛ فمن آخذ بنصر المرأة ارتفع بها إلى أوج البشرية، وقال ما ~~هي بشر إن هي إلا ملك كريم. ومن متحامل عليها انحط بها إلى حضيض ~~البهيمية، وقال إن هي إلا متاع خلق للرجل، وليست بشرا سويا. ~~وكلاهما تجاذب في القول طرفي الإفراط والتفريط، وادعى نصر الحق، وما ~~اتبع في نصره إلا الهوى. # ولم يفت نبهاء قومنا جولة في حومة هذا المجال؛ فقد سمعتموهم في ~~هذه الجمعية يتباحثون ويتناظرون مستمطرين دراري المعاني من سماء ~~الألفاظ حتى كدن يلقطن باليد، وشهدتم مواقع نزالهم في حلبة المقتطف ~~الأغر وغيره من الجرائد الوطنية، ورأيتم كيف أن هذه الحرب قد اتقدت ~~نارها في قلوبهم، وحمي أوارها ms091 في رءوسهم ونعم المرام، إلا أنه لا ~~يؤاخذني كماة هذه الحرب وفرسانها إذا قلت إنهم جالوا بنا إلى غير ~~محسم نزاع، ووقفوا بنا على غير موقف هدى، حتى تخيل للقارئ والسامع ~~أن المسألة ككثير من المسائل الخلافية سلسلة لا تنتهي حلقاتها، ودور ~~لا يعرف طرفاه، وما ذلك في اعتقادي إلا لأنهم ولجوها من غير بابها؛ ~~ولذلك رأيت أن أقرعها من الباب الذي يدخل منه، وأنخعها من الوجه الذي ~~يختلف إليه. ~~••• # ذهبت طائفة من أهل النظر إلى أن المرأة مساوية للرجل في العقل. وفي ~~اعتقادنا أن المبحث طبيعي محض؛ أعني أنه من مباحث علم الحيوان ~~المعروف بالزوولوجيا، أو بالحري من مباحث علم الإنسان الذي هو فرع ~~منه، والمعروف بالأنثروبولوجيا، ولا يصح أن ينظر إليه من غير هذا ~~الوجه، أو يقطع فيه حكم بدونه. والأنثروبولوجيا لا كما يفهمه ~~المتقدمون علم أقرب إلى النظر، وإلا اتسع بنا مجال القول، وتهنا في ~~فيافيه، ووقعنا في بلبال لا يجمعنا فيه سوى فوضى الاختلاف، وخرجنا ~~منه كما خرجنا إليه، وربما تشعبت المسألة دوننا إلى فروع كثيرة أفضى ~~بنا الولوج فيها إلى الإعراض عنها، والتوغل في أمور جدلية لا طائل ~~تحتها، كما هو دأب الذين لا يستندون في بحثهم إلى أساس متين مرشد ~~لبرهان المستطلع، كابح لجماح المشط؛ ولكن كما يفمهه المتأخرون؛ علم ~~يبحث فيه عن الإنسان من حيث كونه حيوانا وإنسانا معا في تركيبه ~~وقواه وأفعاله. فمساق الكلام على هذا المنهج يسهل علينا فهمه، ~~ويقينا فيه عثرة الشطط، فلا نرتفع به محلقين إلى «لا أوج»، ولا نهبط ~~به سافلين إلى «لا قرار»، بل نضعه في مقامه الطبيعي. ~~••• # وأولا ننظر إليه في الأنواع، أي أنواع الحيوان المختلفة. فمن ~~المعلوم لأهل النقد من علماء طبائع الحيوان أن الأنثى أشد من الذكر ~~في الحيوانات السافلة، وأضعف منه في الحيوانات العالية، ومساوية له ~~فيما كان بينهما، وذلك قاعدة مطردة إلا فيما ندر، والنادر لا يعتد ~~به. فأنثى النحل والزنابير والفراش وكثير من الأسماك والحشرات أشد من الذكر، # 2 # وأنثى الطير ms092 والحيوانات اللبونة وسائر ذوات الفقر العالية ~~أضعف منه غالبا. # ويستفاد من هذا أن امتياز الأنثى على الذكر من صفات الحيوانات ~~المنحطة في سلم النشوء، وأن امتياز الذكر عليها من صفات الحيوانات ~~المرتقية. وسنبين أوجه الامتياز. وهنا الطريق وعر، والمسلك صعب، ~~فأرجوكم أن تتبعوني فيه متزودين جانبا من الصبر. # ففي الطيور والحيوانات اللبونة التغذية أقوى في الذكر منها في ~~الأنثى، والدم أشد، وفيه من الكريات الحمر الصالحة للتغذية أكثر ~~مما فيها، ومن الكريات البيض القليلة الصلاحية لها أقل (كوينكود ~~وكرنيلوف)، وفي المليمتر المكعب من دم الرجل مليون من الكريات الحمر ~~أكثر مما في دم المرأة (ملاسز). ~~••• # والرجل يأكل أكثر من المرأة، ولكنها أنهم منه؛ أي إنها تشره فيه ~~أكثر منه. والتنفس أقوى في الذكر منه في الأنثى. وإذا تساوى الرجل ~~والمرأة في القد، فتسع رئته من الهواء نحو نصف لتر أكثر من رئتها. وهو ~~يتناول من الأكسيجين المطهر للدم أكثر منها، وإن كانت تتنفس أكثر ~~منه، وتزيده نفسا واحدا في الدقيقة من سن 15 إلى سن 50 (كواتلت). وهو ~~يفرز من الحامض الكربونيك المتحصل من احتراق الأنسجة أكثر منها في ~~جميع الأسنان (أندرال وغفرت). وحرارته أكثر من حرارتها، وكذلك حرارة ~~الديك بالنسبة إلى الدجاجة. # وقوة ضغط الدم أعظم في الذكر منها في الأنثى، وإنما نبضه أبطأ من ~~نبضها، والفرق من 10 إلى 15 نبضة في الدقيقة بين الرجل والمرأة، و18 ~~بين الأسد واللبوة، و10 نبضات بين الثور والبقرة، و12 نبضة بين الكبش ~~والشاة. # وعظام المرأة أخف من عظام الرجل، وفي عظامه من المواد الترابية ~~أكثر، ومن المواد الحيوانية أقل، ومن كربونات الكلس أكثر، ومن فصفاته ~~أقل مما في عظامها (ملن أدوار). # والرجل يستعمل يمناه أكثر من المرأة، والمرأة تستعمل يسراها أكثر ~~من الرجل (دلوني). ومنكبها الأيسر أعظم من الأيمن بخلاف الرجل، كما في ~~فروع البشر السفلى (هرتين وليفون). والترقوة بالنسبة إلى العضد أطول ~~فيها منها فيه (بروكا)، كما أنها أطول في السود منها في ~~البيض. # والذكر أعظم من الأنثى، كما هو ms093 معروف، في الحيوانات الأهلية. والرجل ~~يزيد المرأة اثني عشر سنتيمترا طولا (توبينار)، وهي أخف منه وإن ~~ظهرت أسمن؛ لتغلب الشحم فيها الذي يكسب بدنها استدارة وهشاشة، ~~ويستر عضلها بخلاف الرجل، فإنه قليل الشحم نافر العضلات صلب البدن، وهي ~~بارزة الفكين أكثر منه في الشعوب الهندوجرمانية (توبينار). # وقدم المرأة أكثر انبساطا وأقل تحدبا من قدم الرجل (دلوني)، وذلك ~~يدل على الانحطاط. وذوات الغنج والدلال يحاولن إخفاء ذلك بالأحذية ~~المصنعة ذات الكعب المتطاول. # وصوت المرأة أعلى من صوت الرجل، وكذلك أصوات إناث الحيوانات أعلى من ~~أصوات ذكورها. # وعضل الذكر أغلظ وأشد من عضل الأنثى كما في الحيوانات الوحشية ~~والأهلية، وقوة المرأة من سن 25 إلى 30 مقاسة بالدينامومتر ثلثا قوة ~~الرجل في هذا السن، وحركاته أضبط من حركاتها؛ ولهذا يفوقها هو، ولا ~~تدركه هي في فني الموسيقى والتصوير. # وجمجمة الرجل أكبر من جمجمة المرأة (بروكا والجمهور)، وسعتها في ~~الرجل الأبيض 1446 سنتيمترا مكعبا، وفي امرأته 1226 (هشك). والجمجمة ~~أقل ارتفاعا وأطول في المرأة منها في الرجل (بروكا). # ودماغ الذكر أثقل من دماغ الأنثى، فدماغ ذكر الكورلا، وهو نوع من ~~القرود، يزن 540 غراما، ودماغ أنثاه 470. ومعدل وزن دماغ الرجل 1323 ~~غراما، والمرأة 1210، والفرق 113 غراما (بروكا). ولا يحمل هذا الفرق ~~على صغر قد المرأة بالنسبة إلى الرجل؛ فإن قامة المرأة بالنسبة إلى ~~الرجل هي كنسبة 927 إلى 1000، وأما وزن دماغهما فهو كنسبة 909 إلى ~~1000. # وبإجماع الأنثروبولوجيين مقدم الدماغ، الذي هو مقر القوى ~~العاقلة الرفيعة، أصغر في المرأة منه في الرجل، سواء هذبا أو كانا ~~على الفطرة، وهذا الفرق 54 سنتيمترا مكعبا راجحة من جانب الرجل ~~(هشك)، ومؤخر الدماغ الذي فيه مركز العواطف أكبر في المرأة منه في ~~الرجل؛ ولهذا قيل: «إن المرأة تحيا بقلبها، أي بعواطفها، والرجل يحيا ~~بعقله.» # ونصف دماغ المرأة الأيمن أكبر من الأيسر بخلاف الرجل. وهذا يفهم منه ~~لماذا المرأة تياسر، أي تذهب ذات اليسار، والرجل ييامن، أي يذهب ذات ~~اليمين. وهذا ظاهر حتى في عرى ثيابهما وأزرارها، فإن ms094 حركة التزرير في ~~المرأة يسارية وفي الرجل يمينية، كما يمكن تحققه من إرسال النظر ~~إليهما. وهذا يدل على أن الاختلاف بين الرجل والمرأة من أصل ~~الطبع. # و«دلوني» أول من نبه النظر إلى ذلك، وقال إن حركة المرأة اليسارية، ~~أو التقريبية كما يسميها أيضا، دليل على الانحطاط؛ لأنها تشاهد ~~في الحيوانات كالقرود وفي فروع البشر السافلة، وإن حركة الرجل ~~اليمينية، أو التبعيدية كما يقول أيضا، دليل على الارتقاء. ~~••• # فهذا نظر تشريحي وفزيولوجي، يبين منه هذا الفرق بين الرجل ~~والمرأة. وأما من الوجه الأدبي فقد اختلفوا في: هل المرأة أنبل خلقا ~~من الرجل أم لا؟ وتوجد مؤلفات كثيرة في مدح المرأة وذمها. وقد ذهب ~~مؤلفون كثيرون إلى أن المرأة أنهم من الرجل وأكسل وأشبق وأبخل، وأكثر ~~عجبا وكبرا وحسدا، وأشد حنقا وحقدا. وفي العصور الوسطى طرح أحد ~~المجامع هذه المسألة مطرح البحث، وهي: «هل للمرأة نفس؟» ولا نظن أن ~~احتقار المرأة بلغ هذا القدر في عصر من العصور أو عند شعب من ~~الشعوب. # وجميع الحكماء والفلاسفة المتقدمين كأبقراط وأرسطو على أن المرأة ~~أحط من الرجل، ويضيق بنا المقام عن استيفاء جميع ما قالوه في ذلك من ~~مدح وذم وتسنيع وتشنيع؛ فنحن لذلك نغفل أقوالهم، ونعتمد لحل المسألة ~~على مباحث المتأخرين المبني أكثرها على علم مقابلة أفعال الإنسان ~~المعروف عندهم بالدموغرافيا. # من المقرر المتفق عليه أن المرأة أقل ارتكابا للجرائم من ~~الرجل. قال كواتلت: «والذي يمنعها من ذلك إنما هو خجلها وحياؤها، ~~وحالها من الرضوخ، وعوائدها التي تحجبها، وضعف جسدها.» وقال غيره: «إن ~~التسميم الذي هو سلاح الجبناء هو في الغالب سلاحها، وهي أحيل من ~~الرجل وأخدع منه؛ لأنها أضعف منه، والحيلة والخداع سلاح الضعيف. إن ~~استقوتك استعطفتك ببكائها، وإن استضعفتك قتلتك بكبريائها.» والجمهور ~~على أنها محبة ومحسنة أكثر من الرجل، إنما إحسانها لا يغني ولا ~~يطاق، وقلما تفعله إلا لغرض ديني. # وأما من الوجه البسيكولوجي أو العقلي، فمن المقرر أن القوى العاقلة ~~تابعة لحالة الدماغ، أو بالحري لمركز هذه القوى فيه، وهو ms095 في الحيوان ~~العالي، كما تقدم، أعظم في الذكر منه في الأنثى؛ ولذلك كان الذكر ~~أعقل من الأنثى بإجماع الحكماء والطبيعيين. # وقد اتفقت جميع الشرائع على أن تعامل المرأة معاملة القاصر ~~المحتاج إلى وصي، وسببه ما بها من الخفة والطيش. وأما زعماء المساواة ~~فيدعون أن هذه الشرائع قد ضحت المرأة للرجل؛ لأن الذين سنوها ~~إنما هم الرجال. ووصف علماء الأخلاق المرأة بأنها لاهية متقلبة ~~مفرطة أكثر من الرجل، وجميعهم على أنها مطبوعة على الخرافات والعناد ~~والتشبه والتمسك بالعادات القديمة أكثر من الرجل، وعلى أنها مهذار ~~مخواف أكثر منه. وقال بروكا العالم الأنثروبولوجي إن المرأة أقل ~~إدراكا من الرجل. وهو أيضا رأي داروين كبير الطبيعيين في هذا العصر، ~~قال ما معناه إن الرجل والمرأة إن تجاريا فالسابق السابق هو، وهل يبلغ ~~الظالع شأو الضليع؟ # ونقل دلوني عن التجار والصناع أن المرأة تثابر على العمل أكثر من ~~الرجل، إلا أنها أقل إدراكا منه. ويقرب عملها من أن يكون ~~ميكانيكيا أكثر من أن يكون عقليا؛ ففي المطابع تحسن إعادة صف ~~الكتب المطبوعة، ولا تحسن صف الكتب المخطوطة كالرجال؛ لأنها لا ~~تفهمها نظيرهم. وقال أيضا: «إذا قيست المرأة بالرجل في أوروبا وجدت ~~متأخرة عنه نحو قرن؛ فبينما الرجل يشتغل بالتاريخ والفلسفة والعلم ~~تشتغل هي بمطالعة الأقاصيص وكتب الأدب. نعم، إنه حصل اليوم في أوروبا ~~وأمريكا ثورة في خواطر النساء، فنهضن يطالبن الرجال بالأعمال التي ~~انفردوا بها، وينازعنهم المراكز العلمية، وقد صار عدد غير قليل ~~منهن طبيبات، غير أنه لا يعلم أنهن سرن إلا على خطواتهم ~~مقلدات غير مخترعات، وعلى المستقبل أن ينبئنا بما إذا كن ~~يستطعن أكثر من ذلك.» # والخلاصة من كل ما تقدم أن الذكر في الأنواع العالية يمتاز على ~~الأنثى بشدة التغذية، وبالنتيجة بالقوة العضلية والعقلية أيضا؛ لأنه ~~يوجد نسبة بين الحياة النباتية الخارجة عن سلطان الإرادة وحياة النسبة ~~الواقعة تحت هذا السلطان. فالرجل لما كان يتغذى أكثر من المرأة، ~~ويولد قوة أكثر منها؛ كان ضرورة أقوى منها جسديا ~~وعقليا. # ومما ينبغي التنبيه ms096 إليه هنا أن الفرق بين الذكور أشد منه بين ~~الإناث، وذلك يرى في الحيوان والإنسان؛ فإن الرجال من الشعب الواحد بل ~~من العائلة الواحدة يفرقون بعضهم عن بعض في القامات ولون الشعر والقوة ~~العضلية والصوت والمشارب حتى الخط أيضا، أكثر جدا مما يفرق النساء ~~بعضهن عن بعض. وشدة التباين من علامات الارتقاء كما لا يخفى على ~~علماء هذا المذهب. ~~••• # هذا نظر في المسألة من حيث الأنواع، وإذا نظرنا إليها الآن من حيث ~~الفروع البشرية ، أعني بالمقابلة بين الشعوب المختلفة، فنجد نفس ~~النتيجة التي وجدناها في الأنواع؛ أعني أن المرأة تنحط عن الرجل كلما ~~كان الإنسان أعرق في الحضارة والمدنية، وتساويه أو ترتفع عنه كلما ~~كان أقرب إلى البداوة والخشونة جسديا وعقليا. وشهادات السياح التي ~~تؤيد ذلك لا يحصيها عد، فنقتصر منها على ذكر اليسير فرارا من ~~التطويل: حكى بستيان في رحلته أن نساء همج أفريقيا أشد من الرجال، ~~وأنهن يسدن عليهم ويحاربن نظيرهم. وهن كذلك على شهادة مينرس في ~~جزيرة كمشتكا وجزيرة جافا وفي بعض قبائل أمريكا الجنوبية وفي كوبا. ~~وحكى فولي أن المرأة تسود على العائلة في بعض قبائل السود، حتى إنها ~~تضرب الرجل. # وقال بروكا: «إن طول عظم الزند في الأسود بالنسبة إلى عظم العضد ~~باعتبار طول العضد مائة؛ هو 79,43، وفي امرأته 79,35، والفرق ثمانية ~~أجزاء من مائة جزء؛ وفي الأوروباوي 73,82، وفي امرأته 74,02، والفرق ~~بينهما عشرون جزءا من مائة جزء. وعليه فالأوروباوي أعلى من امرأته ~~أكثر من الأسود بالنسبة إلى امرأته السوداء، والفرق بين الجنسين في ~~حجم المنكب هو في الشعوب المتمدنة أعظم منه في الشعوب المتوحشة، وهذا ~~الفرق يقل كلما نزلنا من الأصول العليا إلى السفلى. والفرق بين الرجل ~~والمرأة في القامة أقل في الشعوب السفلى منه في العليا، ومعدله بين ~~الأوروباويين 86 مليمترا حسب تعديل كواتلت، و12 سنتيمترا حسب تعديل ~~توبينار. وأما في الشعوب السافلة فهو أقل من ذلك جدا، وفي البوشمان ~~والبتغون يكاد الجنسان لا يفرقان بالقامة.» # وأما الفرق في سعة الجمجمة ms097 بين المرأة والرجل فهو 37 سنتيمترا ~~مكعبا من جانب الرجل لأهالي أستراليا (دفيس)، و59 لأهل الصين، و129 ~~لأهالي كلدونيا الجديدة (بروكا)، و149 لقبائل الإسكيمو، و150 لعموم ~~سكان فرنسا، و203 لسكان بريطانيا، و221 لسكان باريس، على قول بروكا. ~~ورجحان هذا الفرق من جانب الرجل يكون أعظم كلما كان الشعب أرفع (هشك ~~وبافيس). ~~••• # وحكى بوشت أن النساء في السودان يشبهن الرجال في الصورة، وذكر غيره ~~عن غيرهم ما يضاهي ذلك؛ مما يستفاد منه أن اختلاف الصورة الظاهرة ~~بين الرجل والمرأة يكون أقل كلما كان الشعب أدنى. وما هو كائن اليوم ~~في القبائل السافلة الحاضرة كان أيضا في القبائل السافلة الغابرة. ~~ومما ذكره دلوني، دليلا على ذلك، أن بعض الشعوب في القديم كان ~~النساء يحكمن عليهم كسميراميس وكليوبترا وزنوبيا ... إلخ. ونحن وإن كنا ~~نعتقد صحة القاعدة، وهي أن تغلب الرجل على المرأة من ضروريات ~~الارتقاء والضد بالضد، إنما لا نعتقد صحة الاستشهاد الذي أتي به عن ~~الملكات المذكورات؛ لأنه لا يبعد أن تكون سيادتهن قد استتبت لهن ~~لأسباب أخرى، إما لإرث ملوكي، وإما لنبوغ غير اعتيادي، وقيامهن بعبء ~~الملك ليس دليلا قاطعا على أن كل نساء شعوبهن كن أرقى من رجالهم، ~~وإلا لوجب أن نطلق هذا الحكم على ضيوفنا الذين تحكم عليهم ملكة وهم ~~أرفع جدا من أن يوصفوا في المقام الذي يضعهم فيه هذا القول، بل هم ~~أرفع من كل شعب آخر، وهم هم السابقون في مضمار الارتقاء البشري بلا ~~منازع. وذكر ديودوروس أن رجال الصقالب ونساءهم في القديم كانوا ~~متشابهين، وبخلاف ذلك اليونان والرومان؛ فإن الفرق بين الرجل والمرأة ~~عندهم كان عظيما جدا جسديا وعقليا. # والغريب أن نساء الأجيال التي عاشت قبل التاريخ كانت نسبة سعة ~~جمجمتهن أعظم منها في نساء اليوم. قال بروكما: «وهذا يظهر منه أن ~~المرأة كانت في ذلك العهد تقاسم الرجل الأعمال أكثر منها في هذا ~~العهد.» والخلاصة مما تقدم أن امتياز المرأة على الرجل قد يرى ~~أحيانا في الشعوب السافلة الحاضرة والغابرة، ولكنه لا يرى البتة ms098 في ~~الشعوب العالية، وإنما يرى فيهم عكس ذلك؛ أي امتياز الرجل على المرأة ~~دائما. ~~••• # ولنتقدم الآن إلى النظر في المسألة من حيث الأسنان، وهنا نجد أيضا ~~نفس النتيجة التي وجدناها في الفروع والأنواع؛ أعني أن الإناث يمتزن ~~على الذكور امتيازا إلى أجل في أول سني العمر، ثم يستتب الفوز بعد ~~ذلك لهؤلاء. فقد ذكروا أن البنات يفقن الصبيان في الطول من سن 10 ~~إلى 15 سنة، وبعض الأنثروبولوجيين زعموا أن البنت من سن 10 إلى 12 تكسب ~~رطلا أكثر من الصبي في السنة، وأما بعد السنة السابعة عشرة فالإناث ~~يقفن والذكور يستمرون على النمو. والحال كذلك أيضا في العقل؛ ففي ~~المدارس التي يجتمع فيها الصبيان والبنات معا رأوا أن البنات لغاية ~~سن اثنتي عشرة سنة يسبقن الصبيان ويفقنهم ذكاء، وأما بعد ذلك ~~فالصبيان هم السابقون. # ويستفاد مما تقدم أن المرأة في النمو أسبق من الرجل جسديا ~~وعقليا وأدبيا، وهذا ما حمل بعضهم على أن يظنها أعقل منه، وقد ~~علل بوفون الطبيعي الفرنساوي إبطاء الرجال بقوله: «إن الرجال لما ~~كانوا أكبر وأقوى من النساء، أعني لما كان بدنهم أشد وأعظم، وعظامهم ~~أصلب، وعضلاتهم أقوى، ولحمهم أكنز مما في النساء؛ كان من الضروري أن ~~يكون زمن نموهم أطول من زمن نموهن.» وقال كابنيس: «إن المرأة أسرع ~~نموا وانحطاطا معا من الرجل، لا تلبث أن تشب حتى تهرم، وليس بين ~~انتقالها من سن الصبا إلى سن الهرم فترة تذكر.» # والنمو السريع دليل على الانحطاط. ويرى، حسب مباحث دلوني، في جميع ~~الإناث كما يمكن تحققه من النظر إلى سرعة نمو إناث الحيوانات الأهلية ~~بالنسبة إلى ذكورها، وإنما كانت هذه السرعة في النمو التي ترى في ~~الحيوانات وفروع البشر السفلى علامة انحطاط لأنه يعقبها وقوف النمو ~~دائما. قال بخنر في كتابه الذي عربناه تحت عنوان «شرح بخنر»، صفحة ~~91، ما نصه: «إن في الطبيعة ناموسا عاما، وهو أن صغار الحيوانات ~~والقرود والبشر الذين هم من أدنى جنسهم، يتشابهون أكثر من البالغين في ~~تكوين الجمجمة وقابلية العقل، ms099 فإن صغار القرود خاصة يشبهون أطفال ~~البشر جدا باستدارة جمجمتهم، ولا تتميز فيهم صفات القرد إلا مع السن، ~~وحينئذ تظهر المباينة، فتبدو الانخفاضات والبروزات، والشكل الزاوي، ~~وبروز الوجه عن الجمجمة. وكذلك يحصل في الأخلاق، فتزداد القرود شراسة ~~وقساوة، ولا تذعن للتربية كلما زادت في السن. وهكذا أيضا أولاد ~~السود كما يعلم من روايات يوثق بها؛ فإنهم يظهرون في المدارس ~~ذكاء وقابلية للتهذيب لا مزيد عليهما، فإذا بلغوا أشدهم تخلقوا ~~بأخلاقهم الوحشية، وخسروا كل ما اكتسبوه بالتعليم كأن لم يكن شيء من ~~ذلك.» أعني أن الصفات الجسدية والعقلية تكون مشتركة بين صغار الأنواع ~~والفروع في أول سني الحياة، ثم تتباين فيهم بمقدار تباين الأنواع ~~والفروع نفسها، فيقف نمو بعضها السافل أو يسير في خطته، ويستمر نمو ~~البعض الآخر المرتقي. والوقوف علامة انحطاط، واستمرار النمو علامة ~~ارتقاء. ~~••• # وفي الجملة، فمعظم الفرق بين الرجل والمرأة يكون في الكهولة، أي عند ~~منتهى النمو، وأقله في سن الصبوة والشيخوخة، سواء نظرنا إلى البدن ~~كله أو إلى عضو من أعضائه؛ فإنه لا يوجد فرق ما بين الذكر والأنثى في ~~الحياة الجنينية، ثم يكون الفرق قليلا عند الولادة، ويبلغ معظمه في ~~الكهولة، ثم يتناقض في الشيخوخة. # فالطفل يكون أطول من الطفلة عندما يولدان بسنتيمتر واحد، فإذا ~~بلغا منتهى النمو، أي متى صار هو رجلا وهي امرأة، زادها بستة وثمانين ~~مليمترا حسب تعديل بعضهم (كواتلت)، وباثني عشر سنتيمترا حسب تعديل ~~غيره (توبينار)، ثم يميلان للتساوي بعد ذلك؛ لأن الرجل يقصر أكثر من ~~المرأة. # ولنا نفس النتيجة من مقابلة الوزن؛ فإن معدل وزن الطفل المولود ~~حديثا 3250 غراما، والطفلة 2900 غرام؛ أعني أن الذكر يزيد الأنثى 350 ~~غراما، وقلما يفرقان بعد ذلك إلى ما بعد السنة الثانية عشرة، ثم ~~يزيد هذا الفرق جدا برجحان الذكر، ويبلغ حسب تعديل بعضهم (كواتلت) من ~~أربعة إلى خمسة كيلوغرامات، ثم يتناقص في الشيخوخة. وذكر بعضهم أن هذا ~~الفرق بينهما كيلوغرام من سن 2 إلى 7، و«6» كيلوغرامات من سن 14 سن إلى ~~21، و«7» من ms100 سن 21 إلى 28، و«11» من سن 41 إلى 56، ثم يتناقص إلى «9» ~~من سن 56 إلى 63، وإلى «8» من سن 63 إلى 70. # وأما حجم الجمجمة فحسب تعديل بعضهم (ليثرزيك) أن دائر جمجمة الذكر ~~عند الولادة أكبر من دائرة جمجمة الأنثى بسنتيمتر واحد، ثم يزيد هذا ~~الفرق بعد البلوغ؛ لاستمرار نمو جمجمة الرجل ووقوف نمو جمجمة الأنثى ~~بعد ذلك. # وأما وزن الدماغ فحسب تعديل كولكر يزيد دماغ الذكر عن دماغ الأنثى ~~بأربعين غراما عند الولادة، و50 عند سن سنة واحدة، و70 عند سن 3 سنين، ~~و110 في سن 10، و150 من سن 20 إلى 60. # ثم يتناقص هذا الفرق من بعد السن المذكور، فينقص دماغ الرجل في الهرم ~~84 غراما من معدل وزنه عند منتهى النمو، ودماغ المرأة 59 غراما. ~~وهذا الفرق التشريحي يرافقه فرق في القوى العاقلة والأدبية، ومنه ~~يفهم لماذا يشترك الذكر والأنثى بالألعاب في سن الحداثة، ثم يفترقان ~~كثيرا في العقليات في سن البلوغ، ثم يتقاربان ثانية في الهرم؟ # وعلى هذه النسبة أيضا يجري باقي الفروقات في شكل العظام والتغذية ~~وتركيب الدم ... إلخ. وأما النبض فهو 136 في الجنين الذكر، و138 في ~~الجنين الأنثى. وذكر بعضهم أن هذا الفرق، أي زيادة نبض الأنثى على ~~الذكر، هو نبضة واحدة من سن 2 إلى 7، و«6» نبضات من سن 14 إلى 21، ~~و«7» من سن 21 إلى 28، و«10» من 35 إلى 42، و«11» في سن 50، ثم «9» من ~~56 إلى 63، و«8» من سن 63 إلى 70. ويطول بنا الشرح جدا لو أردنا ~~استيفاء باقي الفروقات مفصلا؛ لذلك نكتفي بما مر. # والخلاصة مما تقدم أن الأنثى تفوق الذكر في بعض الأمور في ~~الاثنتي عشرة سنة الأولى، ثم يفوقها الذكر بعد ذلك في الجمعيات ~~المتمدنة إلى منتهى النمو حينما يبلغ الفرق معظمه، وهذا يكون بين سن ~~40 و50، ثم يتناقص هذا الفرق في الشيخوخة والهرم. # وهذه الملاحظات المتقدمة المأخوذة من علم مقابلة الحيوان وتشريح ~~الأعضاء ومنافعها، تنبئنا لماذا يميل الجنسان، أي الذكر والأنثى، لأن ~~يفترقا كلما صعدا من طبقات البشر السفلى ms101 إلى العليا. ففي الطبقات ~~السفلى تكون الصفات العقلية والأدبية بين الرجل والمرأة متساوية؛ لذلك ~~كانا كلاهما أقرب إلى الاتفاق من الاختلاف، وليس الأمر كذلك في الطبقات ~~العليا الرفيعة المدارك؛ فإنه لما كان فيها الفرق بين الرجل والمرأة ~~عظيما كانا أقرب إلى الاختلاف؛ لاختلافهما بالأفكار والإحساسات ~~والمشارب ... إلخ. وهو أكثر في سكان المدن منه في سكان القرى، وآخذ في ~~التزايد سنة فسنة، كما نبه الحكماء إلى ذلك منذ زمان طويل. ~~••• # على أن زعماء المساواة يدعون أن هذا الفرق بين الرجل والمرأة ~~جسديا وعقليا سببه عدم تساويهما في الرياضة والتعليم، وأنه إذا ~~تساوت أحوالهما المعاشية والتهذيبية تساويا في القوة والعقل. وإذا ~~دققنا النظر لا نجد هذا الاعتراض في محله؛ ففي العصور الغابرة حيث ~~كانت الأمم غارقة في ظلمات الجهل لم يكن أحد الجنسين يعلم أكثر من ~~الآخر، وفي هذه الأيام نجد في البلدان المتمدنة عددا وافرا من ~~الجنسين متروكين على الفطرة، بحيث لا يصح أن يقال إن هذا الفرق ~~نتيجة التعليم والتهذيب، بل اليوم إذا نظرنا إلى الفنون التي تعلمها ~~النساء كما يعلمها الرجال وأكثر منهم أيضا كفن الموسيقى في أوروبا، ~~فلا نجد من النساء من نبغن كما نبغ الرجال. ومع أن عدد المتعلمات هذا ~~الفن أكثر من عدد الرجال، فلا تجد منهن من ألفت فيه أو استنبطت شيئا ~~جديدا، بل جميع المؤلفين من الرجال. # وما قيل عن فن الموسيقى يقال أيضا عن فن التصوير، وكذا صناعة الطبخ ~~نفسها، فحتى الآن لم يستطع النساء أن يبارين الرجال المتعاطين هذه ~~المهنة، مع أن عددهن بالنسبة إلى عددهم وافر جدا. والمانع في هذا ~~وسواه ليس عدم تساوي الرجل والمرأة بالوسائط، بل عدم تساويهما ~~بالقابليات كما ترى في المدارس التي يعلم فيها الصبيان والبنات ~~معا؛ فإن البنات كما تقدم يفقن الصبيان لغاية سن 12 سنة، ثم ~~يتقهقرن عنهم بعد ذلك، مع أن الوسائط واحدة في الحالين؛ وما سبب ذلك ~~إلا لأنهن من طبعهن أضعف منهم قابلية، وإلا لما وجب أن يتأخرن عنهم ~~بعد هذا السن ms102 لو كن من طبعهن قادرات. وسبقهن الصبيان في أول ~~سني الحياة دليل على سرعة نموهن بالنسبة إلى نموهم، وهذه السرعة من ~~علامات الانحطاط، كما قلنا فيما تقدم. # والخلاصة من جميع ما تقدم أن غلبة الأنثى على الذكر لا ترى إلا في ~~بعض أنواع الحيوانات السفلى، أو في بعض فروع البشر السفلى، ولا يرى ~~تساويهما إلا فيما كان فوق ذلك قليلا، كما في بعض الأنواع الحيوانية ~~والفروع البشرية السافلة، وكما في أحداث الأمم المتمدنة ومشايخهم؛ إذ ~~إن الطرفين يستويان في كل أمر. وأما في الأنواع الحيوانية العليا، وفي ~~فروع البشر المرتقية، وفي منتهى النمو؛ فالغلبة دائما للذكر جسديا ~~وعقليا وأدبيا، ولا تكون غير ذلك إلا إذا انقلب الموضوع وانعكس ~~المطبوع. # وعليه فنطلب في المستقبل ألا يقدر لنسائنا أن يتغلبن على رجالنا ~~أو يساوينهم، ولا نظن أن نساءنا يرضين غير ما طلبنا؛ بناء على ما ~~عهدن من سنن الارتقاء. ~~••• # فهذا أيها السادة نظر عام يضع المسألة في مقامها الطبيعي، ~~ويرشدنا إلى الحكم فيها حكما صحيحا عادلا، فلا نحقر المرأة كما ~~فعل شوبنهور الألماني أحد فلاسفة هذا العصر حيث جعلها تحت العجماوات، ~~وقال إنها من شر المخلوقات، وهو قول فيلسوف كانط؛ # 3 # ولا نبالغ في تعظيمها كما فعل ديدرو الفرنساوي أحد فلاسفة ~~العصر الحالي، حيث جعلها فوق الرجل، وقال إن الذي يتكلم عنها ينبغي له ~~أن يغط قلمه في قوس قزح، ويرمل خطه بغبار أجنحة فراش الحقل، وهو ~~تصور شاعر غاو، بل نضعها في مقامها الحقيقي الذي يليق بها، والذي ~~جعلت فيه؛ أعني عضوا لازما للهيئة الاجتماعية، تابعة للرجل في ~~ارتقائه، مساعدة له متممة ما نقص من كماله، مخففة عنه مشاق ~~الحياة الداخلية كما هو يذلل لها مصاعب الحياة الخارجية، حاضنة ~~أولادها تحت جناحي حنوها وتدبيرها عن طبع وتهذيب كما هو يسهر على ~~راحتهم بعين سعيه وإقدامه عن سليقة ومعرفة، لا تنازعه هي ما لا ~~تجديها المنازعة فيه نفعا، ولا يبخسها هو حقا اعترف لها به مقامها ~~في الهيئة الاجتماعية، متقاسمين الأعمال كل ms103 منهما في دائرته غير ~~متطاول إلى دائرة سواه؛ وبذلك يتم نظام العائلة البشرية، التي هي أم ~~الاجتماع الإنساني. # | المقالة الثانية عشرة # «المرأة والرجل وهل يتساويان؟» رد # 1 # هم في ضميرك خيموا أم قوضوا # ومنى جفونك أقبلوا أم أعرضوا # وهم رضاك من الزمان وأهله # سخطوا كما زعمت وشاتك أم رضوا # ما بال ربات الحجال وذوات اللطف والدلال برزن من خدورهن غضابى، ~~وأوسعنني لوما وعتابا، وفتحن علي حربا أعدى من حرب البسوس، وأظلم ~~من يومي سعد وبوس، وما أتيت ضدهن بمنكر، ولا ارتكبت في حقهن ذنبا ~~لا يغفر؟ # أو ماذا رأين في مقالتي «المرأة والرجل وهل يتساويان؟» من قصد ~~التحامل عليهن والإجحاف بحقوقهن، حتى نفخن في البوق، وهجن بنات ~~جنسهن في الأقطار، وتألبن علي جماعات متفقات لأول مرة، ~~وتربصن في مناوأتي تربص الآساد ، وعهدي بهن أنفر من الظباء، وأنا ~~لم آت فيهن إلا بما قرره الواقع وشهد به الحال؛ انتصارا لهن من ~~القوم الظالمين؟ # أقصرت في مدحهن، أم لم أبالغ في وصف محاسنهن، أم لم أعترف ~~بحقوقهن؟ ألست القائل فيهن: «وبروا لها أقلاما أقوم من قدود ~~الهيف إذا أخجلت سمر القنا، وطعنوا بها طعنات أوقع من لحاظهن إذا ~~رنت سهامها في القلوب.» أفلا يعجبن بهذا الإطراء؟ أولست القائل ~~أيضا: «ولا يبخسها هو (أي الرجل) حقا اعترف لها به مقامها في الهيئة ~~الاجتماعية، متقاسمين الأعمال كل منهما في دائرته غير متطاول إلى ~~دائرة سواه؛ وبذلك يتم نظام العائلة البشرية، التي هي أم الاجتماع ~~الإنساني.» أفلا يرضين بهذه المساواة؟ # على أني أجلهن عن أن أنزلهن منزلة من يقول: «إن النساء لا ~~يرضيهن شيء.» ولعل في الأمر دسيسة يد مبرقعة، وما هي بذات برقع ~~(سامحها الله)، # 2 # افترت علينا ذلك، فاقتضبت عباراتي، وحولت إشاراتي، ~~وأبدلت قولي، وغيرت منقولي اعتداء علي وتملقا لهن، وصلت بيننا ~~نار هذه الحرب، وهن منها، يشهد الله، براء، وأنا لست منها في شيء، بل ~~تراني أقدم فيها رجلا وأؤخر أخرى، وإلا فهن أرفع من أن يعددن ~~تقرير الواقع تحاملا والإنصاف إجحافا. ms104 # قد وقع الصلح على غلتي # فاقتسموها كارة كارة # لا يدبر البقال إلا إذا # تصالح السنور والفارة # رحماكن سيداتي، لو كان لي أن أصف المرأة كما أريد وأشتهي لوصفتها ~~كما قال أحد شعراء الإنكليز: «إن الله خلق الرجل أولا على سبيل ~~التجربة، ثم خلق المرأة أخيرا؛ لتكون من طينة أرقى.» ولكن من أين لي ~~ذلك؟ وأنا لم أتجشم البحث في هذا الموضوع، وأجعل نفسي هدفا لسهام ~~الأغراض، إلا منقادا للعلوم الطبيعية لا للتصورات المجونية، كمؤرخ ~~يصف الوقائع ويشهد الأحوال ابتغاء رفع شأن المرأة في العمران بمعرفة ~~مقامها الطبيعي فيه، ولا ذنب لي إلا ذنب الصادقين في الود المخلصين ~~في القول، وإلا فما المانع من أن تساوي المرأة الرجل؟ ولماذا لم تتغلب ~~عليه، بل تركته يسن الشرائع المجحفة بحقوقها، ويقوى عليها من أول ~~الأمر ؟ # وأنى يمكن أن تكون بينهما هذه المساواة وهما مختلفان بالطبع من ~~أصل الفطرة في التركيب والقابليات والواجبات؟ فطلب المرأة مساواة ~~الرجل كطلب الرجل مساواة المرأة أمر مستحيل. وإني لأعجب كيف يحاول ~~بعض الناس إثبات هذه المساواة، وما مثله إلا كمثل من يحاول أن يساوي ~~بين أعضاء الجسد المختلفة. ألعله يجهل أن اختلاف التركيب يوجب ~~اختلاف القوى والأفعال؟ # فبقي علينا إذن وقد تقرر هذا الاختلاف كما تقرر بين أعضاء الجسد، ~~أن نعرف نسبته فيهما. ولا نبحث في ذلك من حيث أهميتهما في الجسم ~~الاجتماعي؛ فإنه لا خلاف في أن كلا منهما عضو مهم شديد اللزوم ~~لكمال الهيئة الاجتماعية، كما أن كل عضو من أعضاء الجسد شديد اللزوم ~~لكماله. وقد تداركت ذلك في مقالتي السابقة حيث قلت: «بل نضعها (المرأة) ~~في مقامها الحقيقي الذي يليق بها تابعة الرجل في ارتقائه، مساعدة له ~~متممة ما نقص من كماله، مخففة عنه مشاق الحياة الداخلية كما ~~هو يذلل لها مصاعب الحياة الخارجية، حاضنة أولادها تحت جناحي ~~حنوها وتدبيرها عن طبع وتهذيب كما هو يسهر على راحتهم بعيني سعيه ~~وإقدامه عن سليقة ومعرفة.» بل نبحث في نسبة هذا الاختلاف من حيث ~~تفاوتهما في القوى ms105 جسديا وعقليا. ~~••• # يعلم قراء المقتطف الأغر أني نشرت في عدديه السادس والسابع بتاريخ ~~هذا العام مقالة تحت عنوان: «المرأة والرجل وهل يتساويان؟» ضمنتها ~~خلاصة مباحث الطبيعيين وعلماء الأخلاق المتأخرين، وصرفت فيها النظر ~~عن أقوال المتقدمين، ولم أورد من أقوالهم إلا شيئا يسيرا على سبيل ~~الاستطراد لا الاستشهاد، وقيدت نفسي كل التقييد بعلوم الاختبار، ~~واقتصرت على ذكر الوقائع المقررة، واجتنبت على قدر الطاقة التعرض ~~للأسباب إلا فيما ندر، كل ذلك لكي أحصر الموضوع في دائرة لا يجد فيها ~~المتقولون محلا لكثرة الظنون؛ حسما للنزاع، وحرصا على الحقيقة أن ~~تحجبها غياهب الأوهام، وتخدشها عواصف الأغراض؛ إذ هي كما قيل: # خطرات النسيم تجرح خدي # ه ولمس الحرير يدمي بنانه # وقد رأينا مما قرره علماء طبائع الحيوان، كما قلنا فيما سلف، أن ~~الأنثى أشد من الذكر في الحيوانات السافلة، وأضعف منه في الحيوانات ~~العالية، ومساوية له فيما كان بينهما، واستنتجنا من ذلك في امتياز ~~الأنثى على الذكر من صفات الحيوان السافل، وأن امتياز الذكر عليها من ~~صفات الحيوان العالي، وأبنا ذلك هناك مفصلا بآيات بينات طبيعية ~~وأدبية وعقلية، وظننت أن هذا البيان كاف لأن يكون القول الفصل؛ لما ~~فيه من الصراحة والوضوح، والاستناد إلى الأدلة التشريحية والفزيولوجية ~~والبسيكولوجية التي يقال عندها: «قطعت جهينة قول كل خطيب.» وما قصدت ~~إلا أن أجعله قاعدة يختلف إليها عند البحث في هذا الموضوع، وما أتيت ~~فيه بحرف يشير إلى وجوب تحقير المرأة وإهمال تعليمها، بل بالضد من ~~ذلك قصدت أن أبين مقامها الحقيقي في الهيئة الاجتماعية، وأن ~~أنبه إلى أهمية هذا المقام؛ لئلا يشغلها عنه شاغل يشمخ بها إلى ~~ما سواه، فتقصر فيه ويصيبها، كما في قوله: # حسد القطا فأراد يمشي مشيها # فأصابه ضرب من العقال # ولئلا يذهل الرجل عنه فلا يوفيها حقوقها، فيسوء مصيرا، وكل ذلك ~~حرصا على انتظام العائلة البشرية، وتحسن حال الإنسان في العمران ~~بمعرفة كل من الرجل والمرأة حده فيقف عنده. وكنت أنتظر من السيدات أن ~~يعددنني بذلك نصيرا لهن وخير نصير. # وصاحبا كالزلال ms106 يمحو # صفاؤه الشك باليقين # وأن أرى منهن تصويبا ينشطني في الدفاع عنهن إذ أدخل الموضوع من ~~أبوابه؛ لأن المدافع عنهن في غير أساليب الصواب يكون لهن شر نصير. ~~ولكن لا أعلم كيف أقابل حضرات السيدات اللائي تصدين للرد علي ~~زاعمات أنهن وجدن في مقالتي مطاعن، ففوقن نحوي سهام اللوم والتعنيف. ~~ولولا الخوف من أن يستحكم هذا الظن في أذهان جمهورهن بمطالعتهن مقالات ~~نصيراتهن، ويتناسين حقيقة مقالتي لتقادم عهدها، فينصرفن إلى الوهم ~~بأني متحامل فيها عليهن؛ لاقتصرت على مقابلتهن بالشكر لقاء إطنابهن ~~في مدحي، واستغنيت عن هذا الإيضاح الذي لا أرى، والحالة هذه، بدا ~~منه، ولاكتفيت مئونة الرد على اعتراضاتهن؛ لقيام بعضها على الوهم، ~~وسقوط البعض الآخر من نفسه بمراجعة نفس مقالتي. ~~(1) # أنكرت علي حضرة السيدة الفاضلة م. أ. ي قولي: «إن ~~الفرق بين المرأة والرجل في القوى إنما هي من أصل الفطرة.» ~~وذهبت خلافا لي إلى أنه من فرق التعليم والرياضة ~~والعادات، وزعمت أنها تؤيد قولها من كلامي المتناقض، حيث ~~قالت برشيق عبارتها: «أجترئ أن أقول إن بعض أقواله ~~متناقضة. أوليس هو القائل مع العلامة بروكا إن زيادة ~~اتساع الجمجمة في النساء قديما عما هو عليه حديثا كانت ~~«لأن» المرأة كانت في ذلك العهد تقاسم الرجل الأعمال أكثر ~~منها في هذا العهد؟» واستطردت من ذلك إلى القول: «فما ~~المانع من أنه لو دامت لها هذه المقاسمة إلى هذا الزمان ~~لبقيت مثله أو أسمى منه؟» أقول نعم النتيجة لو صحت ~~المقدمة، ونعم الحجة علي لو صح النقل عني، فعفوا ~~أيتها السيدة لم أقل ذلك، وهذا قولي: «الغريب أن نساء ~~الأجيال التي عاشت قبل التاريخ كانت نسبة سعة جمجمتهن ~~أعظم منها في نساء اليوم، قال بروكا: «وهذا يظهر منه «أن» ~~المرأة كانت في ذلك العهد تقاسم الرجل الأعمال أكثر منها ~~في هذا العهد».» لا «لأنها» وهو على حد قولي أيضا بعدما ~~تكلمت عن تقارب الرجل والمرأة تشريحيا في أوائل ~~الحياة، وتباينهما في أواسطها، ثم تقاربهما بعد ذلك: ~~«وهذا الفرق التشريحي يرافقه فرق ms107 في القوى العاقلة ~~والأدبية، ومنه يفهم لماذا يشترك الذكر والأنثى بالألعاب ~~في سن الحداثة، ثم يفترقان كثيرا في سن البلوغ، ثم ~~يتقاربان في سن الهرم.» فعلى مقتضى قول حضرتها يجب أن ~~يفهم من هذا القول أيضا أن اقتراب الرجل والمرأة ~~وافتراقهما تشريحيا هو لاشتراكهما وافتراقهما بالألعاب، ~~والمفهوم بالعكس. ولا يخفى ما بين القولين من الفرق في ~~المعنى، وإن لم يكن بينهما إلا زيادة حرف واحد في اللفظ. ~~فمفهوم كلامي نتيجة، ومفهوم كلامها سبب. وهذا الخطأ منها ~~في النقل هو سبب هذا الوهم في نسبة التناقض لكلامي؛ ولضيق ~~المقام أكتفي بالتنبيه إليه لإزالة هذا الوهم، ولا أشك ~~في أنه من حضرتها خطأ سهو. # ولا أنكر بأن التعليم والرياضة والعادات ... إلخ تؤثر ~~جدا في حال المرأة، ويجب أن تستخدم لخيرها، ولكن لا ~~أسلم مطلقا بأنها إذا تساوت فيها مع الرجل ساوته في ~~القوى؛ لأسباب أعدها جوهرية في تكوينها وقابلياتها ~~وواجباتها، هذا إذا كنا نسلم أن القوى والأفعال ~~مرتبطة بتكوين الأعضاء. ألا ترى أن الأشغال التي تعلمها ~~النساء كالرجال وأكثر منهم، كفن الخياطة والطبخ والرسم ~~والموسيقى، لا تستطيع المرأة أن تساوي الرجل فيها، كما ~~قلت في مقالتي السابقة. على أن نفس مساواتها له بالتعليم ~~والرياضة والعادات لو تأملناها جيدا لوجدناها، إلا فيما ~~ندر، ممتنعة عليها من أصل التكوين؛ فطلب المرأة، ~~والحالة هذه، مساواة الرجل فرض مستحيل لا يجوز لها أن ~~تضيع وقتها فيه، وهذا لا يحط من قدرها؛ لأن عليها ~~واجبات أخرى مهمة جدا، إذا أحسنت القيام بها لم تعدم ~~حقوقها في الهيئة الاجتماعية. ~~(2) # اعترضت علي حضرة الفاضلة السيدة ر. ح اعتراضات شتى ~~لا يسعني ضيق المقام إلا أن آتي الجواب عليها اقتضابا ~~لكثرة خصيماتي، ووجوب الرد على كلهن صبة واحدة لئلا ~~يعتبن علي؛ إذ إن السيدات يصفحن عن كل ذنب إلا ما تشم ~~منه رائحة التفضيل بينهن. # قالت إني بحثت في المرأة والرجل بحث الطبيعيين لا بحث ~~أهل النظر، وعابت علي إيرادي بعض أمور عن المرأة أقرب ~~إلى البحث النظري منها إلى ms108 البحث الطبيعي، مثل قولي: «إن ~~الرجل يأكل أكثر من المرأة، ولكنها أنهم منه، وإن الذي ~~يمنعها من ارتكاب الجرائم إنما هو خجلها وحياؤها، وحالها ~~من الرضوخ، وعوائدها التي تحجبها، وضعف جسدها، وإنها ~~أحيل من الرجل وأخدع؛ لأنها أضعف منه، والحيلة والخداع ~~سلاح الضعيف.» ولا أنكر بأن من هذه الأمور ما هو أقرب إلى ~~علوم النظر، إلا أني أقول أيضا إني لم ألتزم البحث في ~~الوجه الطبيعي إلا لكي أجعل للوجه النظري مجالا أوسع ~~وقيمة أعظم بتمهيد السبيل له حتى يقل خطؤه ويكثر صوابه؛ ~~إذ لا يخفى أن العلوم النظرية ليست إلا الاستقراء ~~والاستنتاج المبنيين على أمور مسلمة هي عندهم ~~كالحقائق، فكلما كانت هذه الأمور المسلمة أقرب إلى ~~الصواب كان الاستقراء والاستنتاج المبنيان عليها أصح ~~كذلك. وأي شيء أصح من العلوم الطبيعية التي هي في حكمها ~~كالعلوم الرياضية؟ ولذلك كان كثير من أحكام النظر المبني ~~على هذه العلوم حكمه كحكم اليقين. على أن من الأمور ~~النظرية المتقدم ذكرها ما هو مبني على المراقبة ~~والاختبار؛ فقول حضرتها: «فبأي مقياس قاسوا نهامة الرجل ~~والمرأة حتى عرفوا أنها أنهم منه؟» مردود عليه بالقول ~~إنهم قاسوها بمقياس المراقبة، وإن لم يرضها ذلك فبمقياس ~~«الأكل»، ولا أعلم ما الذي ساءها من هذا القول، وهو ليس ~~قولي، بل قول جمهور العلماء المتبحرين في درس طبائع ~~الحيوان ومراقبة أفعاله، وإن لم يقنعها ذلك فنحن نأتيها ~~بتعليل فلسفي ينطبق على هذا القول لعلها تقنع؛ فلا يخفى ~~أن بين عوائد الرجل وعوائد المرأة بونا بعيدا، فالرجل ~~كثير الحركة كثير السعي، والأشغال التي تطلبها احتياجاته ~~شاقة، وتطلب منه جهدا جهيدا وسعيا عظيما خارج مسكنه، ~~فلا يتأتى له أن يتناول الطعام إلا في أوقات متباعدة؛ ~~ولذلك كان لا يجلس على الطعام إلا وقعات قليلة ويأكل ~~كثيرا، بخلاف المرأة؛ فإن سعيها قاصر على تدبير منزلها، ~~وحركتها بالنظر إلى ذلك قليلة، والأشغال المطلوبة منها وإن ~~كانت مهمة إلا أنها غير شاقة بالنسبة إلى أشغال الرجل ~~وهمومه، وهي دائما في البيت، وهو دائما بعيد عنه؛ ms109 ولذلك ~~كانت تأكل أقل من الرجل، وتجلس على الطعام وقعات أكثر ~~منه؛ ولهذا كانت أنهم منه. # وأما كون الذي يمنعها من ارتكاب الجرائم «إنما هو ~~خجلها وحياؤها، وحالها من الرضوخ، وعوائدها التي تحجبها، ~~وضعف جسدها»؛ فهو قول بعضهم، وكنت أود أن أسلم مع ~~حضرتها بأن الذي يمنعها من ذلك إنما هو «لأنها أميل إلى ~~السلام وحب الاتفاق وكره المآثم والشرور» إلى آخر ما ~~قالت؛ لأني أريد أن تكون لها هذه الصفات لولا أن هذا ~~التعليل نفسه قاصر، ويحتاج إلى تعليل آخر يعرف منه ~~لماذا هي كذلك؛ فلا شك أنها كذلك لأنها أضعف وأذل من ~~الرجل، وهذا يولد فيها الخوف، ولأنها محجبة وإن لم ~~تبق مقنعة، وهذا يولد فيها الخجل والحياء، وما ~~أدلهما من صفتين لا أرضى للسيدات أن يخجلن ~~منهما. # وعلى نفس هذا التعليل يعلل لماذا المرأة أحيل وأخدع ~~من الرجل، لكن لما كانت حضرتها لا ترى وجه إقناع في قولي ~~«لأنها أضعف منه، والحيلة والخداع سلاح الضعيف»؛ كان لا بد ~~لي من بسط الكلام عليه على وجه أعم تأييدا لهذه الحقيقة ~~النظرية التي هي في ثبوتها كالحقائق الطبيعية المقررة. ~~ولا ننظر إليها في أنواع الحيوان، حيث نرى آلافا من ~~الأمثلة التي تدلنا على أن الحيلة هي كل قوة الحيوان ~~الضعيف لردع عدوان الحيوان القوي عنه أو لأخذه في شركه، ~~ولولا ذلك لما أمكن بقاؤه حيا مع خصمه القوي؛ بل ننظر ~~إليها في أحوال الأمم في العمران. فلا يخفى أن الشرائع ~~الحاكمة على الأمم كانت في بدء الأمر استبدادية ظالمة، ~~ولم تزل غير متساوية في كل الأقطار، ومعلوم أن ~~الاستبداد يورث الخوف في قلوب الرعية، فلا تجد ما يحميها ~~من غضب حاكمها المستبد سوى التملق له والرياء به. ~~والرياء يورث الخداع والكذب وما شاكل، ويستحكم فيها ذلك ~~بطول لبثها محكومة بالاستبداد، وينتقل في نسلها بالوراثة ~~خلفا عن سلف، حتى يصير فيها أخيرا طبيعة لا تزول منها ~~بالتعليم والحرية، حتى يمر عليها منهما بقدر ما مر ~~عليها من عصور الجهل والاستبداد؛ ms110 ولذلك كنت ترى القوم ~~الذين عاشوا تحت ظل الاستبداد واستحكم فيهم الرياء، قوما ~~لا يصدقون ولا يصدقون، وقلما تجد بينهم صديقا ~~مخلصا ولو خرجوا إلى نور العلم والحرية، ولست تجد بينهم ~~ذلك حتى يمر عليهم فيه بقدر ما مر عليهم محجوبين عنه. ~~وما قيل هنا يقال أيضا عن الرجل والمرأة، وكلامنا عام ~~لا يجوز النظر فيه إلى شعب من الشعوب أو أمة من الأمم، بل ~~إلى عموم البشر في العمران؛ فإن الرجل لجهله استبد في ~~أول الأمر، وخافته المرأة فاستسلمت له، وأقبلت عليه ~~متملقة كي تنجو من جوره. ولا يكفينا أن ننظر إلى نساء ~~الشعوب المتمدنة، بل فلننظر إلى نساء الشعوب التي لم تزل ~~غارقة في الجهل؛ فلا نكاد نجد امرأة تخاطب زوجها إلا ~~كعبد ذليل أمام سيده المستبد، فكيف يمكن لهذه المرأة أن ~~تكون غير محتالة ومخادعة؟ وكون المرأة أحيل وأخدع من ~~الرجل لا يحط من شأنها بقدر ما يحط من شأن الرجل الذي ~~هو سبب ذلك فيها. على أني لا أنكر بأن هذه الصفات ~~المذمومة في المرأة الجاهلة تنقلب - وهنا أوافق حضرتها - ~~إلى مزايا ممدوحة في المرأة المتهذبة، بحيث تصير فيها ~~فضيلة واتضاعا وطاعة وصبرا وطهرا وعفافا ومحبة وشفقة ~~وحنوا، إلى آخر ما وصفتها به من جليل المزايا وحميد ~~السجايا. ~~(3) # إني أشكر لحضرة السيدة الفاضلة م. م الأولى على إطنابها ~~في مدحي، وأوافقها على أن الرجل إذا كان يمتاز على المرأة ~~بشدة البدن فالمرأة تمتاز عليه بجمالها واعتدال قوامها ~~ولطف تركيبها وغضاضتها وبضاضتها. أقول وبذلك قوتها. ~~وقد أشرت إلى هذه الامتيازات في مقالتي السابقة، خلافا ~~لقولها إني أهملتها. ولا أخالفها في أن انبساط قدم ~~المرأة وكونها تزر ثيابها عن اليسار خلافا للرجل ~~مسألة مختلف في مدلولها، ولكني أنكر على حضرتها نسبتي ~~إلى التحامل عليها والإجحاف بحقوقها، ولا أسلم معها ~~بأمور ثلاثة، وهي؛ أولا: إنكارها كون بطء النمو ~~دليلا على الارتقاء وسرعته دليلا على الانحطاط. ثانيا: ~~قولها إن حواس المرأة أرقى من حواس الرجل. ثالثا: ~~كون ثقل الدماغ ليس ms111 دليلا على كبر العقل. # أما كون بطء النمو وسرعته دليلين على الارتقاء ~~والانحطاط فأمر مقرر، وإني أستغرب كيف أن حضرتها ترتاب ~~فيه. ويكفينا للحكم فيه أن نلقي نظرنا إلى ما حولنا ~~لنتأكد صحته في مواليد الطبيعة؛ النبات والحيوان حتى ~~الجماد أيضا. ألا ترى سرعة نمو النباتات السافلة وبطء ~~تكاثر الحيوانات العالية؟ ولا أوجه نظرها إلى الأحياء ~~المكروسكوبية التي تتكاثر ملايين وتنمو، وتبلغ أشدها ~~وتهرم وتموت في أقل من ساعة؛ فإن مراقبة هذه لا تتيسر ~~إلا للخاصة، بل إلى الفرق بين النباتات المحولة ~~كالأعشاب، والنباتات المعمرة كالأشجار مما تعرفه ~~العامة، فأي فرق بينهما في سرعة نمو الأولى وبطء نمو ~~الثانية؟ وما قيل عن النبات يقال أيضا عن الحيوان، وبه ~~يعلل أيضا سرعة نمو البنات وبطء الصبيان؛ إذ لا ~~يخفى أن البنات يسبقن الصبيان لغاية سن 15 سنة، ثم يقفن ~~ويستمر الصبيان على النمو كما قلت في المقالة ~~السابقة. # وأما كون حواس المرأة الخمس أدق من حواس الرجل فقول ~~مبني على أدلة تشريحية وفزيولوجية مغلوطة، والذي أعلمه ~~علم اليقين، بناء على ما هو مقرر في هذين العلمين، ~~أنها دون حواس الرجل. ولنا على ذلك أيضا برهان آخر ~~عملي، وهو امتياز الرجل على المرأة في جميع الأعمال التي ~~تحتاج إلى ارتقاء هذه الحواس، حتى الأعمال الخاصة بالمرأة ~~نفسها، كفن الخياطة والرسم وما شاكل. وقد أشرنا إلى ذلك ~~فيما تقدم. فلو كانت حواس المرأة أرقى من حواس الرجل ~~حقيقة لاقتضى أن تمتاز عليه في هذه الأعمال، بل في جميع ~~الأعمال اليدوية والعقلية أيضا؛ لاحتياجها جميعها إلى ~~الحواس الظاهرة التي هي أبواب العقل. على أن بناء هذه ~~الحواس هو كبناء جميع المجموع العصبي، ولا يخفى أن هذا ~~المجموع أرقى في الرجل منه في المرأة، ولا يعلم سوى أن ~~المرأة أشد انعطافا من الرجل؛ أعني أن عصبها ينفعل أكثر ~~من عصبه؛ لذلك كانت تتأثر أكثر منه. وشدة هذا التأثر ~~العصبي ليس دليلا على شدة العصب، بل على ضعفه، كما لا ~~يخفى على علماء الأمراض، فكون أعصاب ms112 المرأة ألطف تركيبا ~~وأدق بنية شاهد عليها لا لها. # وأما مسألة العقل وارتباطه بحجم الدماغ فأمر مقرر، ~~خلافا لما زعمت حضرتها، والنظر في هذه المسألة، كما في ~~جميع المسائل، لا يصح الحكم فيه إلا بالنظر إلى الكل لا ~~إلى الجزء، وإلا فهناك أسباب كثيرة يكون فيها كبر ~~الدماغ مرضيا لا فزيولوجيا، فهذا لا يعول عليه، ~~وهذا هو موضوع الخلاف في تلك المناقشة التي أشارت حضرتها ~~إليها، والتي وهمت منها ما ظنته دليلا على الضد؛ فكبر ~~الدماغ الفزيولوجي يرافقه دائما إتقان في نسيجه وارتقاء ~~في بنائه. ومن المقرر المعلوم أن معدل ثقل الدماغ هو ~~أقل في شعب سافل منه في شعب عال، وفي أقل الناس عقلا ~~منه في أعقلهم، وفي النساء منه في الرجال، وغير ذلك نادر، ~~والنادر لا يعتد به. ويوجد أيضا نظر آخر هو سبب هذا ~~الوهم؛ فلا يخفى أن الدماغ لا يبقى حجمه ولا وزنه على ~~معدل واحد في سائر أطوال الحياة. فذلك الجاهل البليد ~~وذلك العالم الفيلسوف المتقد ذهنا في بعض أطوار حياته، ~~أو في إبان صحته، قد يطرأ على دماغهما قبل موتهما أو في ~~مرضهما ما يغير تركيبه، فإذا وزنته بعد موتهما وجدته ~~إما كبيرا جدا خارقا للعادة، أو أصغر مما يلزم، ~~فتحكم على أن القول بنسبة العقل إلى كبر الدماغ خطأ، ~~ويكون الخطأ حقيقة في حكمك نفسه. وهذا هو سبب أكثر الخلاف ~~في هذه المسألة، وإلا فلا خلاف إذا نظر فيها إلى ~~الكل. # وأما ما ذكرته من فضائل المرأة، وأنها المعزية ~~الحزين والمفرجة المكروب، والصابرة على مضض العيش ~~ونغص الحياة، والراضية بمشاركة الرجل في سرائه وضرائه ~~... إلخ؛ فأوصاف نسبية، ولا تدل على شيء مما نحن بصدده، ~~ويشترك الرجل فيها أكثر منها أحيانا، وقد تقدم الجواب ~~عليها في الرد السابق، وهي لا تثبت لها إلا بالتهذيب ~~الصحيح، وإلا فتنقلب فيها إلى ضد ذلك، وتكون المرأة حينئذ ~~بلوى الرجل المكدرة صفوه، والمنغصة عيشه، ~~والزائدة حزنه، والجالبة كربه والقاصفة عمره. فالذي ~~يذكر لها تلك الصفات الحميدة ينبغي ألا ms113 يذهل فيها أيضا ~~عن هذه الصفات الذميمة؛ أقول ذلك لا بقصد التحامل عليها، ~~ولكن بقصد استيفاء الموضوع؛ لأننا في معرض نحاول فيه ~~تقرير الحقائق، فكما أن المرأة المهذبة ملك كريم، هكذا ~~المرأة الجاهلة شيطان ذميم، وما أحرى هذا القول أن ~~ينبهنا جميعا إلى تربية المرأة، والاعتناء بتهذيبها ~~تهذيبا صحيحا يزيد جمالها جمالا، لا تهذيبا مبهرجا ~~يزيدها شرا ووبالا. ~~(4) # إني أقول ردا على خطاب حضرة السيدة الفاضلة م. م ~~الثانية إنه لم يلجئني ملجئ للتحامل على النساء، ولكني ~~قصدت في مقالتي تقرير الواقع، ولا أنكر أن المنتصرين ~~والمنتصرات ضدي كثار كما قالت، ولكني أقول إن الحق لا ~~تهوله الكثرة؛ فكم فئة صغيرة غلبت فئة كبيرة بإذن الله. ~~وإني أسلم معها بأن المرأة، على خفة عظمها ودقة عضلها، ~~لا يوقفها عن الدفاع عن نفسها صلابة عظم الرجل وغلظ ~~عضله؛ لأني لا أجهل أن لها سلاحا آخر غير سلاح القوة؛ هو ~~سلاح الحيلة والدهاء. # سألت حضرتها ثلاث مسائل: (1) هل كانت المرأة في أول عهد ~~الاجتماع مساوية للرجل؟ (2) هل هي في الحالة الحاضرة ~~مساوية له؟ (3) هل تكون مساوية له في المستقبل؟ وأجابت ~~على كل ذلك بالإيجاب، بل ربما توسمت فيها سبقا عليه ~~أيضا. وأنا أوافقها في جوابها على السؤال الأول، وإن كنت ~~أخالفها في التعليل الذي يصرفني عن بسطه هنا ضيق المقام، ~~وأخالفها كل المخالفة في جوابها على السؤالين الأخيرين. ~~أما كون المرأة مساوية للرجل في الحالة الحاضرة، فليس ~~لها عليه دليل سوى قولها: «إن المرأة أقدر على أعمال ~~الرجل مما هو على أعمالها؛ بناء على أن من النساء من ~~نبغن في الطب والفقه وحسن الملك.» ولما كان الجواب على ذلك ~~مستدركا في مقالتي السابقة بقولي: «لا تبعد أن تكون ~~سيادتهن قد استتبت لهن لأسباب أخرى؛ إما لإرث ملوكي، ~~وإما لنبوغ غير اعتيادي.» قالت حضرتها: «فنحن لا نقول ~~الخلاف؛ لأننا نعلم أن الرجل منذ أتيح له وضع القوانين ~~والشرائع، وتفضيل نفسه على المرأة، وهضم حقوقها ~~وامتيازاتها؛ لم يعد يتهيأ لها تولي المناصب ~~العظيمة.» فبم ms114 تجيب حضرتها يا ترى لو سألناها: «لماذا ~~«أتيح له وضع القوانين والشرائع وتفضيل نفسه عليها ... ~~إلخ»، ولم يتح لها ذلك؟» لا شك في أنها تجيب: «لأنه ~~أقوى منها.» وبذلك تجيب أيضا لو قلنا لها عن طبيباتها ~~وفقيهاتها «إنه لا يعلم أنهن سرن إلا على خطوات الرجال ~~مقلدات غير مخترعات»، وعن مليكاتها «إنهن لم يحكمن ~~حكمهن إلا بمساعدة الرجال»، ولا يحسن الملك بهن إلا إذا ~~كن فيه صورة لا حقيقة، كما في ملكة أرقى الشعوب اليوم، ~~وإلا فيسرن بالملك إلى الوبال، كما دلت عليه التواريخ. ~~وأما قولها: «إن المرأة ستكون مساوية للرجل في المستقبل، ~~بل أرقى منه.» فهذا لا دليل لها عليه، ومناقض لما علم ~~من سنن ارتقاء الرجل والمرأة، حيث تقرر أن الأنثى أقوى ~~من الذكر في الحيوانات السافلة، ومساوية له في الحيوانات ~~المتوسطة، وأضعف منه في الحيوانات العالية، اللهم إلا أن ~~تكون تخاف على الهيئة الاجتماعية في المستقبل من الانحطاط، ~~فيتحقق قولها، ولا أظن أن حضرتها تعد لمستقبل الهيئة ~~الاجتماعية مثل هذا الشر. # على أني أعجب غاية العجب من تحامل حضرات السيدات ~~علي، وتوهمهن بي سوءا، وأنا لم أبخسهن شيئا من ~~حقوقهن، بل بالضد من ذلك، بحثت في أمرهن بحثا طبيعيا ~~لتقرير مقامهن في العمران، وهذا يعد انتصارا لهن لا ~~تحاملا عليهن، أو ماذا يقلن (وهن لا يحتملن مني ذلك) ~~في الشرائع التي يدن بها، والتي تجعلهن تحت الرجل ~~بدركات، وتحظر عليهن أمورا كثيرة لا تحظرها على الرجل. ~~أليست هي القائلة فيهن: «المرأة ضلع من الرجل، والرجل رأس ~~المرأة.» حتى لا نأتي إلا بأخف ما قالت فيهن، أو ماذا ~~يرغبن في مزاحمتهن الرجال، وطلبهن المساواة بهم، أيرغبن ~~أن يشتغلن أشغالهم؛ فإن كان كذلك فلقد طالما جد الرجل ~~وكد وسعى في طلب الرزق حتى كل ومل، والمرأة عائشة ~~على نفقته مرتاحة من أتعابه، خالية من تجشم أهواله، ~~فلتتفضل حضرتها إن كانت تجد من نفسها قوة وتجند منها ~~الجند، وتؤلف العمال، وتشيد الأعمال، وتسعى وتجد ~~وتكدح وتكد في طلب العيش؛ فقد ms115 آن لها أن تشتغل، وللرجل ~~أن يستريح. فإن كانت تستطيع ذلك فلتقدم عليه، فيكون لها ~~به أجر المحسنين، وإلا فلا تضيع الوقت الثمين في طلب ~~المستحيل، ولترض بمركزها؛ فإنه ليس أقل أهمية من مركز ~~الرجل. ~~(5) # لقد طاب لي المقام وطال بي الكفاح والصدام في هذه الحرب ~~مع السيدات، حتى صار الخروج منها إلى حرب ذوي لحى وشوارب # 3 # غبنا وأي غبن! ولذلك أقتصر في الرد على ~~جناب الأديب «خ. س» بالإشارة إلى الوهم الذي جعله يعترض ~~اعتراضه علي في مقالته التي وضعها تحت عنوان: «الرجل ~~والمرأة وهل يتساويان؟» حتى إذا انتبه إليه أصلحه، وهو في ~~قوله أولا: «والذي يلوح لي أن الأنثى والذكر متساويان ~~في القوة أصلا، ثم كلما ارتفعت في سلم النشوء انحطت ~~قوتها ... إلخ.» وثانيا في قوله: «ولما كان القائلون ~~بامتياز الأنثى على الذكر قوة في الحيوانات السافلة لا بد ~~لهم من مستند يقررون به قولهم، فنطلب إلى الدكتور ~~شميل أن يفيدنا عن بعض مستنداتهم هذه.» فنجيب حضرته ~~على القول الأول بأن المسألة ليست من قبيل اللوح حتى يلوح ~~له بالحدس والتخمين، ولكن من قبيل اليقين المقرر ~~بالمراقبة والاختبار؛ وعلى القول الثاني بأنه لو انتبه ~~إلى معنى قولنا: «فمن المعلوم لأهل النقد من علماء طبائع ~~الحيوان أن الأنثى أشد من الذكر في الحيوانات السافلة ... ~~إلخ» لعلم أن المراد بهذه الشدة أن الأنثى أكبر من الذكر ~~في جسمها، وأشد في بنيتها وأقوى في قوتها، كأنثى ~~النحل والزنابير والفراش وكثير من الأسماك والحشرات. فهذه ~~هي المستندات التي يطلبها حضرته. وفيما عدا ذلك فإني ~~شاكر لحضرته على انتصاره لي وإطرائه علي، والسلام ~~ختام. # | المقالة الثالثة عشرة # | القضاء على القضاء1 # ما خلص الإنسان من شباك علم اللاهوت وامتيازات الرؤساء حتى ~~وقع في حبائل أشد وأدهى، وهي علم الحقوق أو اللاهوت الاجتماعي ~~كما صار إليه اليوم، والثورة التي يقتضيها تغيير هذا النظام ~~المعقد سيكون هولها شديدا؛ لتأصله في قلب الاجتماع، ~~وامتداده إلى أعماق نظاماته، ولكن اليوم الذي سيتخلص ~~الاجتماع منه، ويرده إلى شكله ms116 البسيط، سيكون نعمة عظيمة ~~أيضا؛ إذ تنصرف القوى الضائعة فيه بذلك إلى تمهيد السبيل ~~القويم لسرعة ارتقائه الارتقاء الحقيقي. ~~*** # لو أنصف القاضي استراح الناس # إليك أكتب أيها القارئ العاقل والعاقل المتأمل، ولا أطلب منك ~~علما واسعا وفلسفة بديعة وحكمة بليغة، بل أطلب منك عقلا ~~حلت قيوده وتفتحت منافذه، وأقام التفكر مقام الاعتقاد ~~والبحث مقام المقرر، يقدر مستنتجات العلم قدرها، ولا يبخس ~~مستنبطات العقل حقها، فأعرني سمعك قليلا، ولا أكلفك حلما ~~طويلا قبل أن ترميني بالإغراب لاستغرابك عنوان مقالتي، وتقول: «من ~~ذا الذي يريد قلب الموضوع وتغيير المطبوع؟» لأني على يقين بأنك إذا ~~أمعنت نظرك، وسرت معي شوطا غير بعيد في هذا البحث الاجتماعي؛ لم ~~تعد ترضى بالوقوف عند الحد الذي أوقفتك عنده تعاليم وضعها الناس ~~على ما بهم من الجهل والغواية، وأدخلوها إلى عقلك بالإرهاب ~~والترغيب حتى رسخت فيه، وصارت في اعتقاده قضايا مسلمة لا تقبل ~~التغيير، وجرت على ألسنة الناس مجرى الأمثال، واعتبروها من الحكم ~~الباهرة، وهي لو تفحصتها وجدتها أوهى من نسيج العنكبوت، ~~يمزقها التمحيص تمزيقا ولا تثبت على جمر الانتقاد، بل لو ~~دققت البحث فيها جيدا لاستغربت جدا، كيف يستطيع العقل أن ~~يضل هذا الضلال، ويحيد عن الجادة المثلى، والأمثلة التي أمامه ~~من الطبيعة كثيرة ترشده إلى خلاف ذلك، وتعلمه طريق الصواب؟ ~~والطبيعة هي الكتاب الوحيد المنزل الذي ينبغي أن يعول عليه ~~وأن نرجع في أحكامنا إليه. ~~••• # جرى على ألسنة الناس مجرى الأمثال قولهم: «لو أنصف الناس استراح ~~القاضي.» وربما لم يخطر على بال أحد أنه سيقوم أناس يعتبرون مثل ~~هذا القول خطأ، ويرون الصواب في عكسه، ويؤيدون قولهم بأدلة تنطبق ~~على العلم ويقبلها العقل، ولا يجرحها إلا كثرة عدد الجمهور ~~المستغرق في سبات الاقتناع، والراقد على أديم التواتر. # والعلماء والحكماء لا يهمهم ذلك، ولو نالهم منه صدمة قوية ~~زعزعت أركان مصالحهم، ولكنها لا تستطيع شيئا على أفكارهم، ~~والمستقبل لهم؛ أي لمبادئهم. فهؤلاء الناس يقولون: «لو أنصف القاضي ~~استراح الناس.» ويريدون بالقاضي هنا القضاء عموما، لا الأحكام ms117 ~~الخصوصية التي يصدرها القضاة أحيانا كثيرة وتكون عرضة ~~للانتقاد، كحكم المحاكم الأهلية في قضية الاختلاس الذي وقع في إحدى ~~مصالح الحكومة، إذ أفلتت القوي عملا بقوله: # تعدو الذئاب على من لا كلاب له # وتتقي مربض المستأسد الضاري # وخففت العقاب على المرتكب الأصيل، وشددته على الشريك. فمثل ~~هذا الحكم لا يوجد له لفظة تقوم بوصفه في قاموس اللغة الفصحى، ولا ~~يوجد له ذلك إلا في اللغة العامية. واللغة العامية، ولا يخفى، ~~تعبر أحيانا كثيرة عن معان لا تصل إليها اللغة الفصحى، ~~فالعامة تطلق على مثل هذا الحكم اسم «حكم كريوني»، وربما لم يعدم ~~العلماء وصفا لمثل هذا الحكم ينطبق على علم الأعصاب الحديث، ~~فأطلقوا عليه اسم (حكم هستيري)، فمثل هؤلاء الناس يعتبرون أن عدم ~~الإنصاف كائن في القضاء نفسه، وهو سبب متاعب الإنسان في ~~العمران. ~~••• # فالقضاء هو إحدى الشريعتين العظيمتين اللتين تتوليان قياد ~~الهيئة الاجتماعية، وهما الشريعة الدينية والشريعة السياسية؛ فبحسب ~~حال هاتين الشريعتين تكون حال الإنسان في العمران. # وقد انقضى الزمان الذي كان الجهل سائدا فيه على العقل، والذي ~~كان الإنسان يقول فيه: # إذا قلت المحال رفعت صوتي # وإن قلت الصحيح أطلت همسي # فليس للإنسان شرائع منزلة إلا ما أنزل جهله عليه من الخرافات ~~والأوهام، فشرائع الإنسان من صنع الإنسان، وهي تابعة لحاله من ~~الانحطاط والارتقاء. حقيقة توجب الفخار لقائلها بمقدار ما تجلب ~~العار على مقاوميه. ~~••• # فالعقاب الذي هو أساس الشرائع عموما والقضاء خصوصا أثر من ~~آثار الهمجية، وبقية من بقايا توحش الإنسان الأول. وما دام هذا ~~المبدأ الفاسد أساس القضاء، فإصلاح الهيئة الاجتماعية به أمر ~~مستحيل، بل إذا دققنا النظر جيدا وجدنا أنه سبب الشر «الكثير في ~~العمران» كالقتل والسرقة، وخصوصا الكذب الذي هو أصل كل الشرور، ~~وإن لم يكن سببها الحقيقي فهو السبب المساعد على إنمائها. قال ~~هولباخ: «إنا لا نرى هذا القدر من الجنايات على الأرض إلا لتضافر ~~كل شيء على جعل البشر أشرارا جانين؛ فإن دياناتهم وحكوماتهم ~~وشرائعهم وتربيتهم والأمثلة التي يرونها نصب أعينهم تدفعهم إلى ms118 ~~الشر، فما عسى ينفع تعليم الفضيلة التي يذهب أصحابها غنيمة باردة ~~في هيئات اجتماعية ترفع شأن الجاني وجنايته، وتجل قدر المسيء ~~وإساءته، ولا تقاص أقبح الذنوب إلا إذا كان مرتكبوها ضعافا. ~~فإن الهيئة الاجتماعية تقاص الصعاليك لذنوب ترفع شأن أصحابها ~~إذا كانوا كبارا، وكثيرا ما تقضي بالموت على أناس لم يرتكبوا ~~القبيح إلا لفساد أحكامهم بالاعتقادات الفاسدة التي تكون الحكومة ~~قائمة بتعزيز شأنها.» # فإن هذه الشرائع التي لم ينظر فيها إلا إلى العقاب للانتقام، ~~وهذه المعاملات التي لم يقصد منها إلا القسوة للإرهاب؛ هي التي ~~ولدت أكثر الصفات الرديئة في البشر. ولا نرجع إلى العصور ~~الخالية، وننبش قبور الذين عذبتهم الغايات السياسية والمصالح ~~الدينية، ليس من الأفراد فقط، بل من الجماهير والأمم، لنثبت صحة ~~هذا القول، بل ننظر إلى عصرنا الحالي؛ فإن الطمع الشديد المستحوذ ~~على أهله، والجنوح فيه إلى استعمال الحيل والخداع والكذب، دليل ~~على انحطاط في تقرير الحقيقة والصدق، وارتقاء مخيف في نمو الكذب، ~~وعلى من الذنب؟ أليس على الهيئة الاجتماعية نفسها؟ أليس الإطناب في ~~تعظيم هذه الرذائل والإرشاد إليها جاريا على الألسنة مجرى الحكم؟ ~~كما في قول الشاعر: # إن لم يكن عندك حظ # فليكن عندك حيلة # وما هي الحيلة يا ترى؟ أليست الخداع؟ وما هو الخداع؟ أليس ~~الكذب؟ وبلسان من عبر الشاعر بقوله: # والصدق إن ألقاك تحت العطب # لا خير فيه فاعتصم بالكذب # أليس بلسان الهيئة الاجتماعية نفسها حتى صار الكذب شيئا لازما ~~في الحياة الخصوصية كما في الحياة الاجتماعية، في صناعة الحب كما ~~في صناعة الحكم على الجماهير؟ ألسنا نحن الذين علمنا الإنسان أن ~~يكذب لأنه رآنا نعاقبه على الصدق، وأن يسرق لأنا حجبنا عنه ما ~~يحتاج إليه؟ فالكذب عادة الذنب في انتشارها على الهيئة ~~الاجتماعية، وهو الذي يجرنا إلى ارتكاب الجناية، وهذه الهيئة ~~التي تعلمنا ذلك وتجرنا إلى ذلك هي التي تطلب معاقبتنا على ما ~~اكسبتنا إياه بالعادة، ومكنته فينا بالوراثة. ~~••• # وأنواع العقاب الكبرى ثلاثة: القتل، والحبس، والتعذيب. فبهذه ~~العوامل البربرية الثلاثة يسطو القضاء على ms119 الهيئة الاجتماعية التي ~~وكلت إليه صيانة مصالحها. ومما يدلك على أن هذه العوامل ~~الثلاثة من آثار التوحش زوال بعضها وتلطيف البعض الآخر؛ فإن ~~التعذيب الذي كان سلاح القضاء في عصور الخشونة كاد يزول من أكثر ~~الممالك المتمدنة، وقل القتل، واصطلحت حالة السجون نوعا. فبعد ~~أن كان الجاني يلقى في أعماق السجون المظلمة محجوبا عن الهواء ~~والنور اللذين من بهما الخالق على الأخيار والأشرار، صار يسمح ~~له بأن يرى النور ويستنشق الهواء. وهذا الإصلاح الطفيف المعيب ~~الذي يفتخر به القضاء اليوم هو عار على القضاء، ووصمة تخجل منها ~~الإنسانية، ولا يستطيع أن يفاخر به أقل الإصلاحات التي حصلت في ~~أقل الفروع المعاشية التي تهم الهيئة الاجتماعية. # وما دام القضاء لا يتخذ مبدأ له دفع الشر عن الهيئة الاجتماعية، ~~وتوفير النفع لها عوضا عن العقاب للانتقام؛ فهو بعيد عن الغاية ~~التي تطلبها منه هذه الهيئة، وهي صيانة مصالحها وتمهيد طرق ~~إصلاحها. # وبم يكون دفع هذا الشر وتوفير هذا النفع؟ أبالإعدام الذي هو نقص ~~في الشرائع، كما أن البتر نقص في الطب، ولا يجوزان إلا إذا تعذر ~~الإصلاح؟ أم بالتعذيب وبالأشغال الشاقة، وهي معاملة خشنة تمكن ~~الإنسان من الأخلاق الوحشية، وتبعده عن الإنسانية؟ أم بالسجون ~~التي هي قبور في الحياة لا يكتسب الإنسان فيها إلا فساد صحته من ~~سوء الغذاء وقلة الهواء والنور والنظافة، وفساد أخلاقه لما بها من ~~سوء المعاملة، وعدم الاعتناء بالتربية الحسنة، يأكل الإنسان فيها ~~ويشرب وينام، وقد يجتر كالحيوان، ويقل عنه في أنه لا يعمل ~~عملا مفيدا، ولا يكتسب عملا مفيدا؟ سقوفها تمطر البق، وأرضها ~~تنبت القمل، وجدرانها تشف عن الرذائل، أفي مثل هذه الأماكن ~~المعدة في الأصل للانتقام نأمل أن نصلح الجاني، وأن توفر ~~نفعه للهيئة الاجتماعية؟ كلا ثم كلا. # فالهيئة الاجتماعية نظلمها، وأي ظلم، إذا كنا نظن أنها تطلب ~~منا أن نقتص لها من جناتها انتقاما منهم، حاشا ثم حاشا أن تطلب ~~ذلك من نفسها ضد نفسها، وهي في صحة عقلها، وبالحقيقة من هم ~~الجناة؟ أليسوا من ms120 الأفراد الذين يؤلفون الهيئة الاجتماعية ~~نفسها؟ فلقد انقضت تلك العصور الخشنة؛ عصور الجهل التي كانوا ~~يغفلون فيها مصالح الأفراد، ولا يدركون قيمة لهم، كأن ليس لهم حق ~~في الحياة الاستقلالية، وليس لهم شأن في الحياة الاجتماعية، ولا ~~يستحقون رحمة بهم ولا عطفا عليهم من الإنسانية، ولكن نور العلم ~~الوهاج الذي يزداد كل يوم نورا، والذي هو نبراسنا الساطع في ~~ظلمات هذا الوجود، ودليلنا الذي لا يضل في مجاهل هذه الحياة؛ ~~آخذ في تمزيق غياهب الضلالات التي أورثناها الجهل، وكل يوم يهتدي ~~به العقل إلى تعظيم شأن الأفراد في الاجتماع الإنساني كما هو شأنها ~~في الاجتماع الطبيعي، لتأييد دعائم الاقتصاد السياسي الذي هو نوع ~~من الاقتصاد الطبيعي؛ لأن الأفراد هم الأساس الذي تبنى عليه ~~الجموع، وتنشأ منه الجماهير، وتتألف منه الهيئة الاجتماعية؛ فالعبث ~~بحقوق الأفراد عبث بحقوق الهيئة الاجتماعية نفسها. ~~••• # ومن ينكر أن السجون على حالتها الحاضرة هي منشأ الجرائم ~~والرذائل وكل الشرور التي تتأصل في الهيئة الاجتماعية، فلا شك أنه ~~من القحة على جانب عظيم، وإنه لعار على القضاء أن يكون الأخير ~~في الاستفادة من مكتشفات العلم والصناعة، وسائر معدات التمدن. ~~ولئلا أرمى بالجسارة والتحامل، أقول لنقابل بين المستشفيات في ~~الماضي ومعاملة المرضى فيها والمستشفيات اليوم ومعاملتهم فيها، ~~وبين السجون في الماضي والسجون اليوم ومعاملة المسجونين فيها. فقد ~~جاء في الكورسبوندانس مديكال بتاريخ 31 مايو من هذه السنة عن ~~المستشفى المعروف بأوتل ديو بياريز، الذي هو أقدم مستشفيات أوروبا ~~(فإنه أنشئ في سنة 651) نقلا عن تقرير تنون في سنة 1786 ما نصه: ~~«وكانوا يطبخون في قاعات المرضى الطعام المعد لهم، وكانوا يضعون ~~عدة أشخاص في سرير واحد، حتى كان الداخل إليها يكاد ~~يختنق.» ~~••• # بل ننظر إلى معاملة المجانين في المارستانات في الماضي كيف كانوا ~~يضربون ويعذبون ويهانون، ثم ننظر إلى ما صارت إليه المستشفيات ~~والمارستانات اليوم من الإتقان البالغ الغاية القصوى من توفير ~~أسباب الراحة والاعتناء بالصحة، حتى صارت تحاكي قصور الملوك. ~~لننظر إلى ذلك ونقابله بحالة السجون والمسجونين في ms121 كل المعمورة، ~~هل توجد نسبة بين الإصلاح المعيب الذي حصل في السجون، والإصلاح ~~البالغ الغاية في المستشفيات؟ والذنب في ذلك على من؟ أليس على ~~القضاء نفسه الذي لم يعرف أن يستفيد من أتعاب الإنسان كما استفاد ~~سواه، بل الذي لا يزال مستمسكا بالقديم المتنقل إليه من عصور ~~غلب جهلها على علمها، معتبرا أنه ما وجد إلا للإرهاب والعقاب ~~والانتقام، وهو بذلك يزيد مصائب الهيئة الاجتماعية، خلافا لما ~~يطلب منه، وهو إصلاحها وتخفيف ويلاتها، كأن أهل السجون لا ~~يستحقون هذه العناية؟ فكيف استحق مرضى الأجسام اعتناء رجال الفضل ~~والحكومات بهم، ولا يستحق مرضى الاجتماع منهم ذلك؟ لأن أهل ~~السجون ليسوا بالحصر إلا مرضى في الهيئة الاجتماعية، سواء كان ~~بالمعنى الحقيقي أو بالمعنى المجازي. ~~••• # بل أهل السجون هم مرضى بالمعنى الحقيقي؛ مرضى في عقولهم، مرضى في ~~شهواتهم، مرضى في إرادتهم، مرضى في قوتهم المتصرفة. فمعلوم لكل ~~ذي عقل، ولا نحتاج إلا إقلاق العلماء والاستشهاد بأقوالهم لإثبات ~~ذلك، أن أصحاب الجرائم قسمان؛ قسم يرتكب الجرم بقصد الكسب أو ~~شهوة أخرى، وقسم يرتكب الجرم مندفعا إليه بأسباب أقوى منه من ~~دون أدنى روية أو تبصر في العواقب. فالأول يسرق ويقتل ويرتكب ~~الفحشاء، ولا يستطيع القضاء غالبا أن يمد إليه يدا؛ لأنه عاقل ~~يتخذ الاحتياطات اللازمة لستر جريمته. فهذا المسئول عن عمله، والذي ~~يجب على القضاء أن يعاقبه، فليبحث عنه لا في السجون وعلى مصاطب ~~المحاكم، بل في القصور على فاخر الريش ووثير المهاد. فالمجرمون ~~ليسوا كلهم في السجون، كما أن المجانين ليسوا كلهم في المارستانات، ~~وليس منهم في السجون إلا المرضى بالمعنى الحقيقي. فعوضا عن أن ~~نعاملهم كما يعامل إخوانهم في المستشفيات، نرانا شاهرين فوق ~~رءوسهم سيف ديموقلس، أي سيف النقمة، للاقتصاص منهم، وهم أولى برحمة ~~الطبيب. ~~••• # أقول أولى برحمة الطبيب ولا أبالغ، ولو عارضني معارض لهب ~~لنصرتي من أرباب العلم والذكاء ألوف، كل واحد بمقام آلاف من أبي ~~الطب أبقراط المتوسد في قبره من عصور طويلة، إلى شركو وبال ~~ولمبروزو من مشاهير علماء ms122 هذا العصر، وأتباعهم الذين يعدون ~~اليوم بالآلاف، وخصوصا هذا الأخير الذي يرأس المدرسة الحديثة التي ~~تبحث عن طبائع المجرمين. فلنسمع ماذا يعلمنا شركو عن متشيطني ~~الأمس ومصروعي اليوم الذين كثيرا ما يصيرون مجرمين؛ فقد كان ~~الناس في العصور الخالية يعتبرون الهستيريات (أي المصابات ~~بالهستيريا، وهو مرض عصبي، واللواتي يصنعون لهن الزار في هذه ~~البلاد) أن بهن شياطين، فكانوا يحاولون إخراج هذه الشياطين بكل ما ~~لهم من الوسائل الدينية والسرية، فإن لم تنجح عمدوا إلى تعذيب ~~الأجساد التي كانوا يزعمون أن الشياطين حالة فيها بكل أنواع ~~العذاب، كالجلد والصلب والتقليب على شوك الحديد والحريق بالنار، ~~بعد أن كانوا يقيدونها بسلاسل الحديد ويلقونها في أعماق السجون ~~المظلمة. هذا ما كان يفعله رجال الدين ورجال السياسة بمثل هؤلاء ~~المساكين قبل شركو ومن تقدمه من أفاضل المصلحين، وما كان عدد ~~المتشيطنين ليقل بهذه المعاملة الوحشية. وأما اليوم فمن فضل ~~شركو الذي أفاد الإنسانية من هذا القبيل في سنين قليلة أكثر من كل ~~الشرائع قبله، صاروا يعتبرونهن من طائفة المرضى الذين يجب الرفق ~~بهم، ومعالجتهم في المستشفيات البالغة الغاية القصوى من الإتقان، ~~وما زاد عدد المتشيطنين بهذه المعاملة الحسنة، بل قل جدا؛ ~~مما يدل على أن الشياطين أنفسهم يذعنون للمحاسنة أكثر منهم ~~للمخاشنة. ~~••• # و«بال» يعلمنا أن المجانين ليسوا كلهم في المارستانات؛ فإن ~~أفعال العقل المختلفة قد تختل من جهة مع بقاء الجهات الأخرى ~~سليمة، مما يمكنهم أن يعيشوا بين الناس بحالة لا تختلف ~~ظواهرها عن حالة العقل السليم. فإذا طرأ عارض هيج الجانب الضعيف ~~ظهر الاختلال في العقل، وربما جر ذلك صاحبه إلى ارتكاب الجناية، ~~وسيق إلى المحاكم. قال «ماريليه»: «يوجد بين الذين تحكم عليهم ~~المحاكم عدد كبير من المختلي الشعور، وإذا دققنا النظر نجد أن ~~أكثر الجرائم صادرة عن أناس غير مسئولين؛ فالمعتوهون وضعفاء ~~العقول، والذين بهم حئول وراثي، وأصحاب الصرع، وأصحاب الهذيان ~~المزمن، قد يصيرون مجرمين إذا عرضت لهم الفرص بسبب ما بهم من ~~الخلل في القوى العقلية، وهذه الفرص كثيرا ما تعرض ms123 لهم ~~فيغتنمونها.» # ولا ريب بأنه سيكون للمبروزو في المستقبل في إصلاح المجرمين نفس ~~الفضل الذي كان لشركو في معاملة أصحاب الأمراض الهستيرية. ولا نبعد ~~كثيرا عن الزمان الذي سيضطر فيه القضاة أن يتمموا دروسهم ~~الشرعية بالإقامة، ولو سنة في مستشفيات الأمراض العصبية، ليروا ~~بأعينهم ويجسوا بأصابعهم أوجاع الإنسان؛ ليعرفوا كيف يجب أن ~~يحكموا فيها. ~~••• # والحاصل مما تقدم أن القضاء ما دام أساسه العقاب، وما دامت ~~السجون لا تتحول إلى مدارس تعلم فيها الصناعات وتهذب فيها ~~الأخلاق، وتتحول فيها قوى المجرمين إلى منافع، وإلى مستشفيات ~~يعالج فيها مرضى الاجتماع كما يعالج فيها مرضى الأجسام، مدارس ~~ومستشفيات بالغة الغاية القصوى من الإتقان؛ فهو عار على ~~الإنسانية، وعقبة كبرى في سبيل إصلاح الهيئة الاجتماعية. # | المقالة الرابعة عشرة # «القضاء على القضاء» # 1 # استئناف # العادة أن الكاتب إذا نشر شيئا في إحدى الصحف، ولو كانت سيارة، ~~يمس شخصا آخر، سواء كان انتقادا أو مدحا أو طعنا، أن يرسل نسخة ~~من العدد المنشور فيه ذلك إلى صاحب الشأن؛ افتراضا منه أنه غير مشترك ~~في تلك الجريدة، أو تنبيها له إذا كان مشتركا. # وكثيرا ما وقع لي مما دلني على أن هذه العادة الحميدة ~~المتبعة في البلاد المتمدنة غير مرعية في هذه البلاد بين كتابنا، ~~وخصوصا عند جرائدنا، ولا يخفى ما يوجب ذلك من المؤاخذة، ومن ضياع ~~الفائدة أحيانا كثيرة. وما حملني على التنبيه إلى ذلك الآن إلا ما وقع ~~لي مع جريدة السلام الغراء التي تطبع في الإسكندرية، فإنها نشرت ~~مقالة لحضرة الكاتب البارع الشيخ نجيب الحداد، رد فيها على مقالتي ~~«القضاء على القضاء» التي نشرت في أحد أعداد البصير الأغر، ولم يبلغني ~~خبرها إلا بعد نشرها بثلاثة أيام، ولم يتيسر لي الحصول على العدد ~~المنشورة فيه إلا في اليوم الرابع؛ إذ قصدت إدارة جريدة الأخبار ~~البهية، وسألتها أن تنيلني هذه الأمنية، وقلت في نفسي: «هذا عقابي ~~على محاولتي نقض العقاب.» ولم أدر أنه أخف العقابين. # فاغتنمت هذه الفرصة لإبداء ملاحظتي من هذا القبيل، ورجائي أن ms124 كتابنا ~~وجرائدنا عموما يقبلون ذلك مني من وجهه الحميد، ويضمون هذا الواجب ~~إلى ما لهم من الفضل في إعلاء شأن الكتابة والصحافة في بلادنا ~~العربية. ~~••• # وقد تصفحت هذه المقابلة بما يجب على كل امرئ من الاعتبار للأفكار ~~والاحترام للأشخاص، تاركا الأعراض والأغراض متمسكا بالجوهر. وشكرت ~~حضرة الكاتب على حسن ظنه بي، وإطرائه علي بما توهمه بي من قوة ~~الحجة وحسن البيان وحب الخير والإحسان، وإن لم يشفق علي في ~~انتقاده، ولم يعترف لي بشيء من صحة البرهان؛ إذ عد مقالتي نسيج ~~أضاليل وأباطيل وزخارف أوهام تجوز على بعض الأفهام، وتناقضا من أغرب ~~ما ورد عليه، وضعف نتيجة مما تكفي أفهام القراء للحكم فيه. ولا عجب؛ ~~فإن الناس ينظرون إلى الأشياء كل واحد من الجهة التي ألفها. وأنا لم ~~أكن أشك لما كتبت ما كتبت، وخالفت فيه من خالفت ووافقت من وافقت، أني ~~سأصادف عقبات تميد لها الجبال الرواسي، وألقى مقاومات تشيب لها ~~النواصي؛ فليس من السهل هدم بنيان راسخ تنزل أسسه إلى أصل الإنسان ~~وتمتد إلى الحيوان، وتقطيع سلاسل تربطه إليها من يوم هام في الأوهام، ~~وحل عقائد صقلت عقدها، لشد ما تقادمت حتى صارت كالعروة الوثقى، ~~ومنشؤها أضغاث أحلام، وأصل كل ذلك فيه بعيد، وأثره فيه حتى اليوم ~~شديد. # نعم لم أكن أشك في ملاقاة كل هذه الصعوبات، ولم أنخدع بحكم ~~الجمهور الصارم في أمري، ولكن الذي لم أكن أتوقعه صدور مثل هذا ~~الحكم القاسي ممن هم في مقام الخاصة كحضرة الشيخ الفاضل، والخاصة هم ~~قادة العامة، وواسطة مرقاتها من حضيض الجهل إلى ذروة العلم؛ إذ لا فكر ~~للعامة إلا بهم، ولا رأي لهم إلا منهم. # وغاية ما كنت أتوقعه مخالفتي في بعض الأوجه مع الموافقة، ولو على ~~البعض الآخر، وأقل ما كنت أنتظره أن تحدث مقالتي في العقل تأثيرا ~~يحدث فيه تفكيرا يزحزحه عن مألوفه المتقادم عليه، ويطلقه من ~~عقاله المربوط فيه، ويجيز له النظر في كل شيء وانتقاد كل شيء، ويسهل ~~له سبيل الارتقاء والخروج عما ألفه ms125 بالعادة وتمكن فيه بالوراثة، ~~وصار في اعتباره من البديهيات التي لا تقبل النقض؛ لأنا إن لم نطلق ~~العقل من عقاله كيف نطمع بأن نزحزحه عن ضلاله؟ # إلا أن حضرة الشيخ لم ينظر إلى مقالتي هذا النظر، ولم ير فيها هذا ~~الرأي، ولم يرق له ما فيها من المبادئ، ولا ما يترتب عليها من ~~النتائج، فلم يرق له قولي: «إن العقاب الذي هو أساس القضاء أثر من ~~آثار الهمجية وبقية من بقايا توحش الإنسان الأول، بل هو سبب الشر ~~الكثير في العمران.» وأغفل قولي: «إن لم يكن سببه الحقيقي، فهو السبب ~~المساعد على إنمائه.» فكنت بذلك في نظره «كالذي يثبت أن المقدمة تزول ~~إذا زالت النتيجة، وهو عكس القياس العقلي تماما؛ لأن الشر في الدنيا ~~إنما كان أولا، ثم كان العقاب من بعده؛ فهو كالداء الذي لم نوجد له ~~الدواء إلا بعد وجوده. والفاضل الشميل يقول: «إذا منعنا العقاب منعنا ~~الشر.» أي إذا كسرنا زجاجة الدواء زال الداء.» ا.ه. ~~••• # ولا نصعد إلى أصل الإنسان في الحيوان لنبين كيف تولد الشر؛ لأن ~~حضرة الشيخ ربما كان لا يوافقنا على ذلك، وإن كان من الحقائق ~~المقررة اليوم، بل نكتفي بالقول إن الإنسان وجد في أول الأمر على ~~الأرض وكل شيء مباح له، ويصعب أن يكون كثير الشر في هذه الحالة طالما ~~يجد كوخا يأويه، وأرضا تخرج نباتا يغذيه، وماء يرويه، ثم حظر على ~~الضعيف ما نالته يد القوي، والحاجة تدفع الضعيف إلى السعي وراء رزقه، ~~والأثرة تحمل القوي على الاستبداد بما ملكت يداه، فنشأ عند ذلك الملك ~~بوضع اليد عن قوة. وكيف يستبد المالك بملكه إن لم يحمه بمعاقبة كل ~~من مد إليه يدا؟ ثم كيف يسع الضعيف أن يقصر يده عن أن يمدها إلى ما ~~به قوام حياته؟ فنشأت السرقة، ثم أخذ يتفنن في الشر كلما زاد علما ~~وزاد صاحب الملك استبدادا فيه. ومن هذا نستفيد فائدتين؛ أولا: ~~الاستبداد والعقاب صنوان، وهما قديمان في الإنسان غريزيان فيه يوم ~~كان أقرب إلى الحيوانية. ms126 وثانيا: هما سبب أكثر الشرور التي لجأ ~~الإنسان إليها في أول الأمر؛ دفعا للظلم ورضوخا لحاجات ضرورية لا ~~يسعه أن يصم أذنيه عنها. # فالعقاب لم يوضع في أول الأمر ردعا للشر؛ لأن الإنسان الذي يسعى ~~وراء رزقه لا يعتبر سعيه شرا، وسعيه في أول الأمر كان وراء رزق ~~مباح ما لبث أن حظر عليه باستبداد يد أقوى من يده فيه، وهو من ~~آثار التوحش كما رأيت. ثم كثرت المحظورات بتكاثر عدد الناس ~~وانتظامهم في جمعية كبرى، وتسلط القوي على الضعيف، ووضعت الحدود ~~على ما شاء الأقوياء، ونظمت الشرائع على هذا المبدأ، ثم ألفها ~~الإنسان بالعادة، وسوى نفسه عليها؛ لأن الإنسان في استطاعته إن لم ~~يستطع أن يغير الأحوال له أن يغير نفسه لها. وهكذا بعد أن كان ~~العقاب سببا للشر صار بحكم هذه الحدود رادعا له . ~~••• # فبهذا الاعتبار يزول ما نسبه إلي حضرة الشيخ من تقديم النتيجة على ~~المقدمة، ويستوي القياس العقلي. ولا إخال حضرته إلا يعلم حقيقة ~~الأسباب والمسببات؛ فالشيء الواحد يكون سببا أو نتيجة بحسب الوجهة ~~التي تنظر إليه منها. ومهما يكن من ذلك، فإن ضربه مثل كسر زجاجة ~~الدواء لشفاء الداء فيه شرود؛ فإن هذا المثل لا يصح إلا إذا صح ~~قياسه، وصح أن العقاب هو الدواء اللازم الذي لا يقوم مقامه دواء ~~لشفاء أمراض الاجتماع؛ لأن نسبة القضاء إلى أمراض الاجتماع إنما هي ~~كنسبة الطب إلى أمراض الجسم، وما نسبة العقاب إليه إلا كنسبة الدواء ~~إلى الطب. والاختبار يدلنا على أن الدواء متغير، وسير الهيئة ~~الاجتماعية في أمر العقاب دليل على أنه يمكن الاستغناء عنه، واستبداله ~~بطرق تدفع عن الهيئة الاجتماعية شر الجاني، وتوفر لها منفعته ~~بإصلاحه لا بالعقاب، بل بمعاملته معاملة الجاهل والمريض معا، كما ~~أبنا في مقالتنا السابقة. # على أن العقاب لا يسعه أن يصلح الجاني، ولا أن يقوم اعوجاج ~~الهيئة الاجتماعية، لا بصورته القديمة ولا بصورته الحاضرة، وهو في كلا ~~الصورتين وحشي، ونسبته إلى الهيئة الاجتماعية واحدة. فلما كان يتناول ~~العذاب والقتل للتشفي ms127 والانتقام، كان الإنسان في حالة من الهمجية ~~تبعده جدا عنه اليوم. فإذا كان العقاب قد تلطف اليوم، فالإنسان قد ~~ترقى كذلك. فإذا كنا اليوم نرمي الأقوام الذين تقدمونا وكانوا ~~يستعملون العقاب على صورته القديمة بالتوحش، فسيقوم أبناؤنا من بعدنا ~~ويرموننا في العقاب الذي نستعمله اليوم بالتوحش كذلك، بل العقاب على ~~صورته الحاضرة ما زال مفسدا للأخلاق مساعدا على إنماء الشر، يدخل ~~به الجاني إلى السجن بشر ويخرج منه بشرور. وخوف العقاب لا يردع جانيا ~~عن جنايته، ولا يرد فاسدا عن فساده، بل يحمله على الكذب خصوصا. وفي ~~الشرائع الاجتماعية ينبغي أن تكون وجهة الشارع إصلاح الفاسد، لا حمله ~~على التفنن في أساليب الفساد خوف العقاب. ولو جاز لي أن أسر إليك ما ~~تخاطب به ربك عند اعترافك له بخطاياك لأبنت لك أن الإنسان يخجل من ~~أن يكون الدافع له نحو ربه خوف العقاب أو الطمع في الثواب (لا خوفا من ~~جهنم ولا طمعا في النعيم، بل حبا بك يا رب)، أو يكون مثل هذا القول ~~كذبا. ~~••• # ولا أدري بأي قياس عقلي جاز لحضرته أن ينكر أن خوف العقاب هو الذي ~~علم الإنسان أن يكذب، وكيف يفهم قوله: «إننا لم نعاقب المجرم لأنه ~~يصدق، بل لأنه يقر بذنبه في ذلك الصدق.» ومتى علم الإنسان أنه إذا ~~صدق في إقراره بذنبه يعاقب، ألا يرى حضرته أنه يحاول حينئذ عدم ~~الإقرار به؟ وما هو الكذب يا ترى غير ذلك؟ وأليس خوف العقاب من قول ~~الصدق في ذلك الإقرار هو الذي حمله عليه، أم لا يجوز لنا أن نقصد ~~النتيجة البعيدة من قولنا: «ألسنا نحن الذين علمنا الإنسان أن يكذب؛ ~~لأنه رآنا نعاقبه على الصدق؟» وهل يجوز أن يفهم منه غير ما تقدم؟ ~~أما كان يغنينا هذا الفهم عن التلاعب بالألفاظ حرصا على المعاني؟ ~~فمهما يكن من ذلك، أليس خوف العقاب هو الذي يدفعنا إلى الإنكار؟ فأقل ~~شرور العقاب الكذب، وهو أم المعاصي، ألا ترى الطفل الصغير قبل أن نعوج ~~طبيعته المستقيمة، أو نزيد ms128 اعوجاجها إذا كانت عوجاء بتربيتنا له ~~التربية السيئة، كيف يميل إلى قول الصدق، ولا يعدل عنه إلى الكذب إلا ~~خوفا منا ومن عقابنا؟ فإذا كسر ابنك صحنا أو زجاجة دواء ولو فارغة، ~~وسألته بأنس أقر لك بالحقيقة، فإن بادرته بالتهديد والوعيد أو كنت ~~قد عاقبته على ذنب سابق، فأنا أضمن لك أنه لا يقر لك مطلقا، ~~ويحاول بكذبه النجاة من غضبك؛ ولهذا السبب، ولسوء معاملة الوالدين ~~لأولادهم، كان أكثر الأطفال ينشئون كذابين، فهل ينكر هنا تأثير ~~العقاب في إفساد طبائع الأطفال؟ ~~••• # أم بأي قياس عقلي يرى التناقض في هذه الحقيقة الواضحة في قولي: ~~«ألسنا نحن الذين علمنا الإنسان أن يسرق لأنا حجبنا عنه ما يحتاج ~~إليه؟» وهل له أن يفهمنا كيف تولدت السرقة في الإنسان أولا؟ ولا ~~نخاله إلا يسلم بأن السرقة نشأت في الأصل عن احتياج الإنسان إلى ~~شيء حجب عنه، وهذا الشيء في أول الأمر كان من الضروريات لحياته؛ لأن ~~احتياجاته الأولى كانت بسيطة جدا لسد جوع أو إرواء ظمأ. وقد أبنا ~~فيما تقدم كيف حجبت عنه هذه الحاجات الضرورية، وكيف اضطر أن يسلك ~~للاستحصال عليها بالالتجاء إلى السرقة وغيرها من الوسائل التي صارت ~~ذنوبا، ووضعت لأجلها الحدود وسنت الشرائع، ولا نريد من ذلك الرجوع ~~بالإنسان إلى الإباحية التي تجعل كل شيء مباحا له، وإنما غرضنا أن ~~نبين أن الشرائع التي وضعت في الأول لصيانة حقوق القوي - التي صارت ~~حقوقا بالطرق التي تقدم بيانها - لم تستدرك مراعاة حقوق الضعيف؛ فلم ~~تفرض على القوي ما يكون بمثابة تعويض للضعيف على ما اهتضم من حقوقه ولا ~~ذنب له إلا ضعفه، بل جعلت كلها لصب جام النقمة على رأسه. وهذا الذي ~~يسعى رجال الإصلاح في كل الأقطار لتحويل الأنظار إليه ~~لاستدراكه. # وأما إلماعه في عرض ذلك إلى ذكر الفوضوية والاشتراكية، وذكرهما على ~~أسلوب يوهم القارئ أنهما وصمة لا يريد أن ينسبهما إلي لئلا ~~أتلطخ بعارهما؛ فلا أريد منه أن يخجل عني منهما إذا فهمهما بمعناهما ~~الحقيقي، وكما أفهمهما أنا، فما هما ms129 إلا أخوات تلك الجمعيات أو بناتها ~~- ومنها الجمعيات المسيحية في أول عهد النصرانية - التي ما فتئ الإنسان ~~يؤلفها منذ صار عقله قادرا على أن يفهم مبدأ الشرائع وما فيها من ~~الحيف، والتي ليس لها غرض سوى مقاومة أصحاب السلطة، وتحويلهم عن ~~اعوجاجهم، وحملهم على السلوك في سبيل أقرب إلى مصلحة العموم. # ولولا فضل هذه الجمعيات في كل العصور، على اختلاف أسمائها واتفاق ~~معانيها، لما تزحزح الإنسان شبرا عن المكان الذي أجلسته فيه شرائعه ~~الأولى. والفوضوية أو الاشتراكية لا تطلب حقيقة إلا ما نراه كل يوم في ~~نظام الطبيعة الصامتة من اشتراك الجمهور في مصلحة الجمهور، واعتبار ~~الأفراد ضروريين للجمهور، وإلزام الجمهور بمراعاة مصلحة الأفراد. فلو ~~وجد في الحكومات (وسوف يوجد في المستقبل) نظام مثلا ينظر إلى مصالح ~~الأفراد، بحيث يجعل الجمهور ينتفع من قوى كل فرد ، ولا يضيع قوى فرد، ~~ويجعل هذا الفرد ينتفع كذلك مما فيه من القوى؛ ألا كنت تظن أن الحالة ~~الاجتماعية تكون أصلح مما هي الآن، فتقل مصائب الأفراد، وتقل ~~الشرور وتكثر منافع الجمهور؟ ولا يخدعنا في غايات هذه الجمعيات ما نراه ~~من الوسائط المشجوبة التي يعمد إليها أكثرها، فنظنها الغاية المقصودة ~~منها؛ فما هي بالحقيقة إلا سلاح الضعيف لمقاومة القوي وتحويل الأفكار ~~إليها، وإيقاظ العقول الخامدة وتنبيهها إلى التبصر والافتكار. ~~••• # ثم دفع قولي إن العقاب من آثار التوحش القديم، قال: «وكان دليله على ~~ذلك تعديل القصاص وتلطيف أنواع العقوبات والعذاب، فكأنه بذلك يستدل على ~~أن كل شيء يجري فيه الإصلاح بعد حدوثه يكون فاسدا في أصل وضعه، وأن ~~القضاء ما دام يمكن إصلاحه فهو فاسد الوضع، وأن العقاب ما دام يصلح ~~ويلطف فهو ظلم من أصله ولا وجوب له في هيئة الاجتماع. فإذا قلنا له إن ~~الطب ممكن الإصلاح دائما (وهو في مقالته قد شابه بين الطب والقضاء)، ~~فهو إذن من آثار التوحش الذي لا وجوب له في هذا العهد ... إلخ.» ففيه من ~~التكلف والاضطراب ما لا يخفى، ويجرنا إلى مبحث يصرفنا الاشتغال فيه ~~عما ms130 نتوخاه في بحثنا من المعاني. فأنا لم أقل إن القضاء لا وجوب ~~له، وهو للاجتماع كالطب للأبدان، وهل يجوز أن يستنتج ذلك من طعني في ~~العقاب، أم هل العقاب هو القضاء نفسه، أم ليست نسبة العقاب إلى القضاء ~~كنسبة الدواء إلى الطب؟ فإذا حكمنا بفساد الطرق العلاجية (والطب قديم، ~~وقد تغيرت هذه الطرق فيه جدا) بدليل تعديلها أو تبديلها، فهل يلزم ~~من ذلك أن نستنتج أن الطب لا وجوب له؟ وهنا يعذرني حضرة الشيخ إذا ~~أظهرت منتهى استغرابي، ورحم الله الشيخ جمال الدين الأفغاني؛ فإنه كان ~~كلما عرضت له مشكلة من هذا الطراز لا يجد جوابا عليها أحسن من قوله: ~~«سبحان الله!» # وأما كلامه في السجون فلا يختلف عن كلامنا؛ فهو يوافق على إصلاحها، ~~إنما يخالفنا في غايتها؛ فهو يريدها أن تبقى محلا للعقاب، ويزعم أن ~~الإصلاح لا يتم بدون ذلك. وهو بذلك متفق مع نفسه؛ لاعتباره العقاب ~~الدواء الأفضل لتقليل الجرائم. ونحن نريدها مدارس ومستشفيات لتهذيب ~~الأخلاق وتقويم المعوج من الطبائع. وغرضه أن يدفع الشر عن الهيئة ~~الاجتماعية، ولو بتضحية هذه الهيئة لقلة اعتداده بالأفراد، وغرضنا دفع ~~الشر عن هذه الهيئة مع توفير المنفعة لها بتوفير أعضائها. وقد تقدم ~~أن العقاب بمعناه وطرقه لا يفي بذلك، بل هو عقبة كبرى في سبيله. ~~هذا وإني في الختام أشكر حضرة الشيخ الفاضل؛ لأن مقالتي لم تذهب عنده ~~من دون صدى، وإن كان على غير ما أحب؛ فلكل منا فكر يلزم اعتباره، ~~فهو يرى أن ليس في الإمكان أبدع مما كان، وأنا أرى أن في الإمكان ~~أبدع جدا مما كان. ~~••• # | المقالة الخامسة عشرة # إحناء وإنحاء # 1 # اشتد القر، وأقرسني البرد، وبيوت القاهرة لا للحر، ولا للصرد. ~~فلجأت إلى وقود الفقير، وهو في الشتاء دفاء، وفي الصيف سعير. فقمت أمشي ~~متثاقلا كأني من أسد الشرى، أو من صيد الشرى، وما لي من بأس ولا ~~شرى. فيتهمني الناس بالعجب، وأنا أرمقهم بالعجب، كأني لا أدرك ما ~~بهم من العبامة، وكأنهم يجهلون ما بي من ms131 الوصب. وما زلت أنحو نحوي، ~~وأراهم كأنهم ينحون علي، حتى شعرت كأن سلطان غلهم قد أفرغ ~~إلي، فتذكرت ما قلت: # مصر هل أنت غير ما هن إن لن # شدادا وإن قسونا ركاكا # ذاك خلق من صنع فرعون لما # شاد أهرامها تناغي السكاكا # ولكم نصرتهم في معمعة، فذكرت قول ابن صعصعة: # فاقطع لبانة من تعرض وصله # ولشر واصل خلة صرامها # ولولا خوفي أن يشكل الإيماء، ~~حتى على واضع رسالة الغفران، ومجيز الشعراء في الجنان؛ لما ذكرت ~~هنا البيت، ولاكتفيت بالتلميح عن التصريح. وما ضرب صاحبها على هذه ~~الغنة، إلا ليقول لنا إن الشعراء قد يكونون من أهل الجنة، وحولهم الحور ~~والولدان، والقيان والدنان، يغترفون من أنهارها بمرافد من عسجد، وهم ~~فيها متكئون على أرائك من زبرجد، وكأني أرى عليها حافظا وأحمد، # 2 # هذا يسيغ وذاك يزرد. # وما كدت أفرغ من هذا الإنحاء، ومن التأمل فيما في الأخلاق من ~~الإحناء، حتى عارضني من صدني عن الطريق القويم، وأرجعني من سماء ما ~~كنت فيه أهيم، فرفعت نظري وإذا أنا بصديق قديم، فقلت: «من أين، وإلى ~~أين؟» فقال: «اليوم أتيت من غربتي، ونزلت إلى الشوارع أفرج كربتي، ~~فهل لك أن تقبلني معك في الطريق؟» فقلت له: «نعم الرفيق!» وإذا بصوت ~~يصدع، تتبعه حوافر تقرع، وشيء كالصندوق قائم على عجل يشق هذا ~~المجتمع، فقال لي: «ما هذا الذي أرى؟ رجل يسابق الجياد، فأين السبق؟» # 3 # قلت: «هذا باق من عصر سبق، وكأنه من بقايا عصر الصوان، ~~لما كان الإنسان، في مقام الحيوان، وهذا الصندوق يصون مفترشا لأكبر ~~عين من الأعيان، ولكن ذلك قد قل؛ لأن عندنا اليوم ما هو أجل.» وإذا ~~بصفير يكاد يمزق أذن الأصم، وشيء مندفع كالسهم، فقال: «ما هذا؟» ~~قلت: «من السيارات، التي أمطرتناها سماء المضاربات، والذي عليها، ولا ~~يغرنك حسن بزته، لص، ولكن انظر إلى الناس كيف يرفعون له القبعات، ~~ويغترفون بها الثرى؛ لأنه أثرى كما ترى.» قال: «وهذا الذي أراه، كأنه ~~في نعمى تفوق نعماه؟» قلت: «هو من سلالة الوزراء، ms132 ولكن عرشه اليوم ~~في الصحراء وعلى الماء.» # ثم علت الضوضاء، فقال: «ما هذا الصخب؟ كأن الناس في شغب.» فنظرت ~~وإذا بالناس يتجمهرون، ثم ينفضون، والمركبات وقوف، والكل عجل ~~ملهوف. فقلت: «هذا موكب الأمير.» فهش وبش، وتهيأ للسلام، فقلت: ~~«مهلا، وقد يمر الربع والنصف قبل أن يركب، وقبل أن يمر الموكب، ~~وما هذا إلا تمهيد الطريق للمسير.» قال: «وكيف؟ أفي هذا التعقيد تمهيد؟ ~~أما ترى ما في هذه المصادرة، من المنافرة؟ ~~وكأني أرى هناك أن بين بعض الناس ~~ورجال الحفظ مهاترة، هؤلاء يصدونهم عن الطريق، وأولئك يتذمرون من ~~هذا التعويق. ألا ترى أن الأمير لو أخذهم فجأة لراءهم على ما هو أحب، ~~والمفاجأة أدعى لإظهار الحب؟» فقلت له: «لعل الأمير لا يعلم؛ لأنه ~~يحب شعبه ويريد أن يحب.» # وما زلنا نسير، ويسألني عن القليل والكثير، حتى أقبلنا على بناء لا ~~بالفخيم ولا بالذميم، وقبل أن يبادرني بالسؤال، قلت له: «هذا ملهى ~~تمثل فيه مختلقات الخيال، من الوضع المناقض للطبع، ولولا مناجاة ~~النفوس بألحان الموسيقى لكان كل ما فيه ملفقا على الطبيعة ~~تلفيقا.» # ثم التفت وقال: «وما هذا الذي أرى الناس فيه يدخلون ويخرجون؟ ألعله ~~مصلى؟» قلت: «كلا.» ثم قلت له: «مه وصه.» ثم همست في أذنه وقلت: ~~«هناك أناس جالسون على منصاتهم كالأرباب، يقضون في مصالح الناس بلا ~~ارتياب، يلبسون أردية كاهل المساخر، حتى أصبحوا في كل أعمالهم يستمسكون ~~بالأعراض ويعرضون عن الجواهر، مفتونون بقانون ليس للعدل فيه أم ولا ~~أب، وبنظام أعقد من ذنب الضب. هذا يصعب الدخول فيه والخروج منه على ~~العالم الفطحل، وذاك يتيه فيه صاحب الحق ويصول فيه صاحب البطل، ~~والطريق الوعر صعب المسالك والطريق السهل أقرب إلى العدل.» فقال: «دعني ~~من التحكك بهم، وإني لغني عنهم بإذن الله.» قلت: «لا يعلم ذلك إلا ~~الله.» # ثم قفلنا راجعين، فإذا به يقول: «فما هذا النقض؟» فإذا الناس كأنهم ~~في شجار ونقار، يرتفعون بعضهم فوق سنام بعض، كأنهم من خلف ذلك ~~السلف. قلت: «هذا معهد في الصورة صغير، وفي ms133 المعنى كبير، فهو نادي ~~إخوان، اكتشفوا سرا ولا سر «مركوني»، وقد يشبه سر «لموان»، # 4 # فيلعبون على الهواء من غير حبل البهلوان. وهذا سبب ما ترى ~~في البلاد من الرخاء.» قال: «وأين الرخاء؟» قلت: «قل إذن من البلاء ~~والخسران.» ~~••• # وإذ نحن في التجوال رأينا جمعا يموج كالبحر الزاخر، تجلله السكينة ~~والوقار والمهابة والجلال، حتى إنك لتحسبنه ساجيا وهو مائر، فقال: ~~«وهذا الجمهور؟» قلت: «هذا يوم تجلي الشعور، ولعله أعظم يوم في تاريخ ~~مصر، من أول الدهر. # 5 # فسلام على الروح التي في الحياة مثلته، وألف سلام على ~~الأمة التي بجليل هذه المظاهرة أحيته، ويا حبذا تلك المنابذة، من ~~جمهور التلامذة، ويا حبذا ذلك النفور!» ~~••• # ولكي تعلم الفرق بين ما ترى وما تقدم، أذكر لك ما كان عليه القوم، ~~قبل اليوم؛ إذ كانوا يصادرون، فلا يفوهون، كأنهم لا يشعرون، وإذا ~~أحس أحدهم فكأنه ملجم، حتى قلت يوما من كلام ظاهره الهزل وباطنه ~~الجد، وبالضد يتبين الضد، وذلك في أوائل الاحتلال على عهد اشتداد ~~الخصام، بين المقطم والأهرام: # في مصر قامت ثورة # بين المقطم والهرم # من عهد عاد ما سمع # نا مثلها بين الأمم # جاشت عليه «جيوشه» # حتى إذا كادت تهم # لاقت عنى من «هوله» # كادت تشيب لها اللمم ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # وتساقط الأشلاء واص # طبغت مياه النيل دم # تلك المياه وأين من # محمرها صافي الديم # كست الطبيعة حلة # خضراء فاضت بالنعم # حرب ولكن نارها # برد لإيقاظ الهمم # وتنبهت من بعد طو # ل رقادها تلك الرمم # قال: «نعم الانقلاب.» ثم قال: «وما مصير الأحزاب، بعد هذا المصاب؟» ~~قلت له: «ما دام «دنلوب» لا يقال ولا يئوب، فلا خوف عليهم أن يفقدوا ~~ناصرها، فهو كل يوم يشد لهم أواصرها، ولأجله فليحمدوا الاحتلال، في ~~كل حال.» # ولما أعيانا التعب، وكنت قد دفئت قمت أداري ما بي من الوصب، فركبنا ~~عربة عند الأصيل، وقصدنا النيل، إله مصر المحيي، وغيثها المروي، حتى ~~وصلنا إلى النهر، فوقفنا بين الجزيرة والجسر، والمركبات تمر أمامنا ~~مرور السهم، فتذكرت قول علي بن الجهم، ms134 # 6 # وإذا بصاحبي يقول: «وما هذا القصر القائم على ضفة النهر؟» ~~فقلت: «هذا قصر العميد الجديد.» قال: «وهل كان قبله عميد؟» قلت: «كان ~~قبله قرم عنيد.» # 7 # قال: «وهذا؟» قلت: «لا رخو ولا شديد، # 8 # كأنه يسير بقوة الاستمرار، أو بالاتكال على الأقدار، وليس ~~فيه شيء من تلك الأثرة، كأننا معه في زمن الفترة، فإما ذلك منه دهاء ~~ووراءه نقمة، وإما صفاء ووراءه نعمة، وأما اليوم فلا حديث للناس على ~~عهده إلا بالأزمة.» # 9 # ا.ه. # | المقالة السادسة عشرة # الإذكار والإيناث # 1 # إن نظر ديوزن اليوم في سبب تولد الذكر والأنثى يقرب جدا من نظر ~~القدماء؛ فقد قال الإمام فخر الدين محمد بن عمر الرازي في عرض كلامه ~~على تولد الأجنة: «إن من الناس من يولد إناثا، فيستحيل أن يولد ~~ذكورا؛ وذلك بسبب استحالة المزاج، لا بسبب أن الزرع تارة خرج من ~~الذكر وفيه أجزاء عضو الذكر، وتارة خرج من الأنثى وفيه أجزاء عضو ~~الإناث.» وهو قول صريح بأن اختلاف جنس المولود ناشئ عن استحالة في ~~الزرع لاستحالة في المزاج لا عن سبب آخر، وهو من أعجب ما وصل إلينا عن ~~القدماء في شأن القول بالتحول. ولا يخفى أن استحالة المزاج إنما تكون ~~بالتغذية، وهو عين مذهب ديوزن، والتغذية حاصلة في الزرع أيضا. ~~والقدماء علموا ذلك؛ فقد قال محمد بن زكرياء: «إن الزرع في غاية ~~القلة، فلا بد من قوة غاذية تزيد في جوهره حتى يصير بحيث يمكن تكون ~~الأعضاء منه.» وهو عين مذهب الفزيولوجيين اليوم. # وقد علل الرازي ذلك بما لا يختلف عن تعليل ديوزن معنى وإن اختلف ~~عنه لفظا، قال: «إن السبب الأصلي للذكورة سخونة الزرع، والأنوثة ~~برده.» ولا يخفى أن سخونة المزاج وبرودته حالتان من أحوال التغذية، ~~والبرودة أو، كما يقال، الرطوبة أيضا تكثر في أصحاب خصب البدن ~~المفرط، وبعكس ذلك السخونة أو اليبوسة، فإنها تغلب في القضيف، وهذا ~~هو نظر ديوزن، حيث قال إن كثرة الغذاء سبب الأنوثة، وقلته سبب ~~الذكورة. ثم ذكر لهذه السخونة أسبابا منها: ms135 «أن يكون زرع الأب غالبا ~~في الكيفية والكمية على زرع الأم.» وهو كقول ديوزن: «كلما غلبت قوة أحد ~~الوالدين التناسلية على الآخر، غلب أن يكون النسل من جنس الغالب.» ~~ومنها أيضا: «حصول هذه السخونة بسبب الأغذية والبلدان والفصول ~~والأعراض النفسانية والحركات البدنية، أو ما يتركب منها.» وهو يعم ما ~~يتناوله مذهب ديوزن على الإطلاق؛ لأنه إذا ثبت أن التغذية سبب الإذكار ~~والإيناث، فلا يعود في الوسع إنكار ما للأحوال الخارجية والنفسانية من ~~التأثير في ذلك، بناء على ما لها من التأثير على القوة الغاذية نفسها، ~~وبناء على ما لهذه الأسباب من الأثر البين، وعلى كثرتها واختلاف ~~نتائجها باشتراكها مع سواها ومع بعضها. وقال أيضا: «وإذا تعددت ~~أسباب الذكورة لم يلزم في من أشبه أباه في الذكورة أن يشبهه (في ~~الصورة)، بل ربما أشبه الأم، أو ربما أشبه جدا بعيدا. # 2 # وليس يبقى له زرع؛ فقد حكي أن واحدة ولدت من حبشي بنتا ~~بيضاء، ثم إن تلك ولدت ابنا أسود.» # 3 # ومما ذكره في المشابهة مما يجل النظر فيه عند ~~المتأخرين قوله: «وأما المشابهة في الصورة والشكل، فقد عرفت أن زرع ~~المرأة ليس فيه إلا القبول، وزرع الرجل ليس فيه إلا التأثير؛ فإن أطاع ~~زرع المرأة لقبول صورة الأب، ومادة الأب لا شك أنها تقتضي تلك الصورة، ~~لا جرم يخرج الولد على صورة الأب؛ وإن كان لا يقبل إلا صورة الأم ~~اضطرت القوة الفاعلة إلى أن تفيدها تلك الصورة، فلا جرم يخرج الولد ~~على صورة الأم؛ وإن كان لا يقبل لا هذه الصورة ولا تلك، حصلت صورة ~~أخرى استعدت المادة لقبولها بحسب أسباب معدة جزئية لا يحصى ~~عددها.» # وقد بسط الكلام على هذه الأسباب، قال: «وقال قوم من العلماء إن من ~~أسباب الشبه ما يتمثل عند العلوق في وهم الرجل أو المرأة من الصور ~~الإنسانية تمثلا متمكنا. أقول [والقائل الرازي] والذي يدل على صحة ~~ذلك وجوه؛ أحدها: أنا نرى الحيوانات البرية قريبة التشابه بعيدة عن ~~الاختلاف، ونرى الصور الإنسانية قوية الاختلاف ms136 بعيدة التشابه، ونرى ~~الحيوانات الأهلية متوسطة في ذلك؛ وما ذلك إلا لأن الإنسان بسبب ~~إحساساته وتخيلاته الكثيرة تختلف صور أولاده، وأما الحيوانات ~~فتخيلاتها قليلة جدا؛ فالحيوانات البرية لما كانت محسوساتها قريبة ~~التشابه لا جرم كانت إحساساتها كذلك، وكانت صورها متشابهة، وأما ~~الحيوانات الأهلية فلما كانت محسوساتها مختلفة وتخيلاتها قليلة، كانت ~~في التشابه والاختلاف في حد التوسط. وثانيها: أنا نرى الإنسان تختلف ~~أحوال بدنه بحسب اختلاف أحواله النفسانية من الغضب والفرح وأمثالهما، ~~فما المانع أن يكون لذلك أثر في اختلاف الزرع؟ وثالثها: أن الرعاة ~~يشهدون لاختلاف حال الأنعام بحسب اختلاف محسوساتها في الألوان ~~والأحوال، وإذا صح ذلك ثبت ما أمر به الصادق المصدق من أن الإنسان ~~ينبغي أن يتخيل حال المباشرة صور الصديقين الصالحين.» # ومثل ذلك قال ابن سينا في كلامه على الإذكار، حيث ذكر أن الإذكار هو ~~في حرارة زرع الذكر وغزارته وثخنه، أي في غلبته على زرع الأنثى، وفي ~~البلد والفصل، ومما قاله في ذلك: «إن الريح الشمالية تعين على ~~الإذكار، والضد على الضد.» وما قال ذلك إلا لاعتقادهم أن الريح ~~الشمالية تجفف الأبدان. ثم ذكر تأثير الأحوال النفسانية واستحضار ~~الصور في الذهن عند المباشرة على نحو ما ذكره الرازي، قال: «ويكون ~~الإنسان في أسر حال وأطيب نفس وأبهج مثوى، ويفتكر في الإذكار، ويحضر ~~ذهنه الذكران الأقوياء ذوي البطش، ويقابل عينيه بصورة رجل منهم على ~~أقوم خلته وأنبل هيئته.» وليس في هذا الأمر شيء من الغرابة إذا اعتبرنا ~~ما تقدم من تأثير الأحوال النفسانية وسواها في التغذية، إنما لا ~~ينبغي أن يطمع فيه بأكثر مما تقتضيه الأحوال؛ لكثرة الأسباب التي ~~تعترض ذلك، وثانيا لأن أثر الأشياء، وإن يكن ينطبع على الأعضاء، إنما ~~لا يثبت فيها إلا على مقدار ملازمة عامله لها، ويضعف كلما كان ~~مفارقا. # ومما ذكر الرازي في ذلك قوله: «والذكر من الأجنة تمام تكون ~~خلقته أسرع من تمام تكون الأنثى؛ وذلك لأن الذكر أقوى حرارة وأقل ~~رطوبة؛ فالزرع الذي هو مادته يكون كذلك.» وهو نتيجة لازمة لما ms137 قدمه ~~هو وديوزن في سبب الإذكار والإيناث. ولعل علم تولد الأجنة يثبت ~~ذلك؛ فإن المولودين في الشهر السابع يغلب كونهم ذكورا. نقول ذلك عن ظن ~~لا عن يقين. # واعلم أن التغذية المفرطة وقلة الحركة ربما أورثا العقر أيضا؛ ~~لما ينشأ عن ذلك من احتباس العضلات وضعف القوة الحيوية. ودليلنا قلة ~~نتائج الحيوانات المسمنة التي لا تعمل في الأرض، بخلاف القضيفة ~~المجهودة في الأعمال الشاقة، فإنها كثيرة النتاج غالبا؛ ولذلك كان ~~يكثر العقر في المنعمين القليلي الرياضة المكثرين من الغذاء؛ ~~ولهذا كان أحسن علاج لهم الإقلال من ~~غذائهم والإكثار من حركتهم، حتى تنشط أبدانهم، وتعتدل قواهم، وتحسن ~~أفعالهم؛ أي تنتظم وظائفهم. # وفي هذا المعنى أيضا # 4 # قال بقراط: «لكل شيء سبب طبيعي، وبدون سبب طبيعي ليس يكون شيء.» ~~وكلما تعمق العلماء في مباحثهم تحقق لهم صدق هذا القول. ولقد ~~طالما عد الناس تولد الذكر والأنثى من الأسرار التي يقصر ~~العلم من إدراكها، والظاهر أن هذه المسألة، كسواها من المسائل ~~الطبيعية، لا تخرج عن هذا القيد؛ فقد ذكر «هكل» من عهد غير قريب ~~في كتابه الأنثروبولوجينا، وكتابه تاريخ الخلق الطبيعي، أن التذكير ~~والتأنيث من أفاعيل التغذية. وقد ذكرت الجرائد في هذه الأثناء ~~كتابا لأحد العلماء المدعو ديوزن، طرق صاحبه فيه باب البحث عن ~~سبب التذكير والتأنيث، وقال فيه إن زيادة الغذاء وشدة التغذية سبب ~~تولد الأنثى، وقلة الغذاء وضعف التغذية سبب تولد الذكر. وقد ~~أورد على ذلك براهين كثيرة وأدلة مختلفة. وقد ذكر المقتطف في ~~عدده الماضي تحت عنوان «سر التذكير والتأنيث» ملخص هذا الكتاب ~~بأوفى بيان وأحسن أسلوب، ومرادنا هنا أن نذكر ثلاثة أدلة ترجيحا ~~لهذا القول، وهي: # أولا: # أن النحل إذا ماتت ملكته عمد إلى نحلة من النحل ~~الجاني، الذي ليس بذكر ولا أنثى، وحولها إلى ~~أنثى تقوم مقام الملكة التي ماتت؛ وذلك بوضعها في ~~بيت خصوصي أكبر من سائر بيوته، وبالاعتناء ~~بغذائها والزيادة فيه. ومعلوم أن بيض النحل الغير ~~الملقوح يولد الذكور، والملقوح يولد الإناث، ~~ومعلوم كذلك أن البيضة ms138 من الكائنات الحية التي ~~تغتذي، وأن اللقاح من الغذاء، وهذا كله دليل ~~بين على أن الجنسية نتيجة التغذية. # ثانيا: # قد تبين من امتحانات «دزن» و«يونغ» على ~~دعاميص الضفادع أن الدعاميص التي يكثر غذاؤها يغلب ~~تحولها إلى إناث، والتي يقل غذاؤها إلى ~~ذكور. # ثالثا: # أن في الحمل التوءمي ثلثي التوائم ذكور، كما ~~يعلم من علم الإمبريوجنيا؛ أي علم تولد ~~الأجنة، وسبب ذلك قلة الغذاء. فإذا استوت تغذية ~~التوءمين، كأن لم يكن لهما سوى كيس واحد ومشيمة ~~واحدة متصلة أوعيتها بعضها ببعض، كانا كلاهما ~~من جنس واحد، إما ذكرين وإما أنثيين. فإن كانت ~~المشيمة مزدوجة، فتختلف تغذية التوءمين غالبا، ~~ويكونان غالبا من جنسين مختلفين. وكل ذلك يوافق ~~ما ذكره ديوزن من أن كثرة الغذاء تولد الإناث ~~وقلته تولد الذكور، وهنا أيضا ترى الأسباب ~~الطبيعية تقوم مقام الأسباب الغائية. # | المقالة السابعة عشرة # فكرة الخير والشر # 1 # قال الشاعر العربي: # والظلم من شيم النفوس فإن تجد # ذا عفة فلعلة لا يظلم # وقال المقتطف: «كنا نراقب في هذه الأثناء ولدين صغيرين، صبيا ~~وبنتا، عمر الصبي نحو سنتين، وعمر البنت نحو أربع سنوات، فرأيناهما ~~يكذبان ويخدعان ويحتالان. ولو رآهما علماء الفلسفة الأدبية الذين ~~يقولون إن أصول الآداب مودعة في نفس الإنسان ولا تنفك عنها البتة؛ ~~لغيروا اعتقادهم.» # وذهب فريق إلى ضد ذلك، فقالوا إن أصول الآداب مودعة في الإنسان، ~~فهي في نفسه وعقله، وإن فكرة الخير عامة مطردة في البشر، وهي لازمة ~~ضرورية، وغير ممكن أن تنفك عن القوى البتة. # قرأت ذلك في المقتطف، وتذكرت المثل: «النفس أمارة بالسوء.» وقلت ~~في نفسي: «لماذا هذا الاختلاف العظيم بين جمهور المفكرين؟ فلا بد أن ~~يكون هناك أسباب جعلت كلا من الفريقين يرى رأيا مضادا للآخر، ~~فما هي هذه الأسباب؟» # كل إنسان، علت مداركه أو انحطت، تراه اثنين في آن واحد، يحدث ~~فيأمر بالمعروف، ويعظ فيحث على الفضيلة، ويكتب فينهى عن المنكر، ثم ~~يفعل فنجد أفعاله في الغالب مناقضة لأقواله. ويشتد هذا التناقض ~~أكثر عند النظر إلى هذا المعروف ms139 الذي يأمر به والمنكر الذي ينهى عنه ~~بحسب الوجهة التي ينظر إليها منها، فلا بد لذلك من سبب جوهري يغفله ~~الباحثون في هذا الموضوع. # أكثر الباحثين في أفعال البشر ينظرون إليها كأنها أفعال مجردة، ~~وقلما ينظرون إلى العلاقة التي بينها، وإذا نظروا إليها فمن أطرافها ~~البعيدة، وهي شديدة الاختلاط كثيرة التضاعيف كالحلقات المتسلسلة، يحار ~~العقل فيها إن لم يردها إلى بسائطها. # أفعال الإنسان قائمة على مبدأ مشترك بين سائر الكائنات؛ فناموس ~~الألفة في الجماد وحب الذات في الإنسان من مبدأ واحد وغايتهما واحدة، ~~أي حفظ كيان كل واحد منهما، وأفعالهما البسيطة، أي المجردة عن كل ~~روية، واحدة أيضا في دفع الأذى وجلب المنفعة، وتسمى طبيعية في ~~الجماد وبديهة في الحيوان والإنسان، وهي كائنة أيضا في النبات، ولا ~~عبرة بالاسم، وإنما العبرة في أن كلا من العوالم الثلاثة، من جماد ~~ونبات وحيوان، خاضع لنفس هذا الناموس في حفظ كيانه . فإذا نظرنا إلى ~~هذه الأفعال والغاية المترتبة عليها، وهي حفظ الذات، لا يسعنا إلا أن ~~نقول إن الغاية الأولى منها ليست الشر، بل الخير، وخير المحبة ما ابتدأ ~~بالذات، كما في المثل المعروف. # ولا ينكر أن هذه الأفعال يترتب عليها حدوث الشر أيضا؛ فإن الجماد ~~الذي يفك ائتلاف سواه لخيره الذاتي إنما يضر بذاك السوى، إذا ~~اعتبرنا مثل هذا الحل إضرارا، وكذلك النبات الذي تنطبق أوراقه على ~~الذباب الواقع عليه حتى يموت، والحيوان الذي يفتك بسواه لمصلحة نفسه؛ ~~فإن مثل هذا الفعل المترتب عليه الخير الذاتي لم يقع بدون إضرار. فإن ~~كان القصد من البحث في هذا الموضوع معرفة الفكرة الأولى المرتبة ~~عليها هذ الأفعال، فلا يسعنا إلا أن نقول إنها الخير؛ لأن الشر حدث ~~معها عرضا ضرورة لتعذر وقوع ذلك الخير بدونه. وأما إذا كان القصد ~~الخير مجردا والشر مجردا، فالبحث حينئذ يستنفد قوانا ولا يأتي ~~بطائل؛ لأن الخير والشر مجردين ليسا في هذا العالم. # وفي أفعال الإنسان تختلط الأمور كثيرا جدا لاشتراك الروية فيها، ~~وتختلف أيضا لاختلاف هذه الروية وما ms140 استفادته من الاختبار، ولكنها ~~لا تختلف في الغاية التي تصبو إليها، وهي حفظ الذات، حتى ولو أنكر ~~الإنسان نفسه، وأتى أفعالا تخالف هذا المبدأ في الظاهر، فلا ينكرها ~~من جهة إلا حبا بها من أخرى؛ خوفا من عقاب أو طمعا بثواب. # ومهما اختلفت الروية فمحورها واحد. هنا اثنان كل منهما ينظر إلى ~~مصلحة نفسه؛ فهذا تدله مداركه على أن مصلحته لا تتأتى له مع مصلحة ~~سواه، فيستأثر بالمنفعة أو ما يظنه كذلك، ويتعمد الإضرار بسواه، ~~ويقدم عليه مطمئن الضمير، معتقدا أنه يفعل خيرا، كما في ~~منازعات الأديان والأوطان مثلا؛ وهذا يرى باختياره أن مصلحته لا تقوم ~~إلا بمصلحة سواه، فلا يخطئها وهو عالم، كما في مسائل العمران ~~عموما. # وأما الاستشهاد بالطفلين وكذبهما واحتيالهما وخداعهما، فليس بالدليل ~~القاطع؛ فالكذب ليس من طبيعة الطفل، ولا من موجب له لديه؛ فالطفل يصدق ~~حتى يعلم أن صدقه قد يجني عليه، فيعمد إلى الكذب دفعا للضرر؛ فالكذب ~~عارض على الطفل من جنس تربيتنا له. خذ طفلا ارتكب ما نعده نحن ~~ذنبا، ولم يعرض له في نفسه ولا شاهد في سواه ما يحمله على التروي ~~قبل الإقرار، واسأله: «من عمل هذا؟» فلا شك أنه يجيبك على الفور ~~بقوله: «أنا.» فإذا عاقبناه عليه كما هو الغالب، أفتستغرب بعد ذلك إذا ~~لم يصدقك إذا أتى أمرا غير جائز في عرفنا نحن لا في عرفه هو؟ لأن ~~الطفل لا يعرف الجائز من غير الجائز في أول الأمر، ولا يعرفه إلا منا، ~~وكيف يعرفه منا إلا بالعقاب، ولا يرى نجاته حينئذ إلا بالكذب، فيكذب ~~ويكذب، حتى في ذنب ارتكبه على مرأى منك. وهذا ما حملني على القول في ~~بعض مباحثي: «نحن الذين علمنا الإنسان أن يكذب؛ لأنا عاقبناه على ~~الصدق.» وأنا لا أظن أن هذه القاعدة تخل إذا أحسنا المراقبة ~~جيدا. وعلى فرض أنها أخلت فلا يكون ذلك حجة على هذا المبدأ، بل ~~تأييد لناموس آخر هو ناموس الوراثة؛ إذ لا يخفى أن الصفات الأدبية، ~~حسنة كانت أو ردية، تنتقل ms141 بسهولة في النسل. ومن الجاني حينئذ على ~~هؤلاء الأطفال الأبرياء؟ ألسنا نحن الذين نعاقبهم على ذنب تطرق ~~إليهم منا؟ # ويا ليت الأمر اقتصر على ذلك، بل نحن في كل أعمالنا أمامهم مثال ~~رديء، وهم أطوع من ظلنا في تقليدنا، وأشد طواعية من الشمع في ~~انطباع أفعالنا فيهم. نكذب أمامهم ونكذب عليهم، ونعلمهم أن يكذبوا ~~عنا، ونروعهم، ونمنيهم بكل ما يتبين لهم كذبه بعد قليل، فماذا ~~تنتظر من طفل ينشأ في مثل هذا الوسط؟ على أن الكذب، على ما يظهر، قد ~~صار شرا لازما في هيئتنا الاجتماعية كما هي؛ فهو عدة التاجر ~~الماهر، والسياسي المحنك، والإمام الهادي، والقاضي العادل، والمحامي ~~الفاضل، والطبيب النطاسي، والصحافي الصادق، والوطني الغيور. وقد ~~حلق الشاعر فوقهم بقوله: # الصدق إن ألقاك تحت العطب # لا خير فيه فاعتصم بالكذب # | المقالة الثامنة عشرة # لطمة على خد العالم # 1 # حكم على دريفوس، فساء فأل قوم وسر آخرون. ولا ندري هل جار ~~القضاة في حكمهم أم عدلوا، والذي ندريه أن الناس كثيرا ما يرون بعيني ~~أهوائهم لا بعيني عقولهم، قضاة كانوا أم حكاما أم من عامة الشعب. ~~وذهب قوم إلى أن الحكم جاء بنتيجته بردا وسلاما على الأمة؛ إذ وقاها ~~من شر ما كان يخشى من القلاقل لو كان على ضد ذلك. واسترسل في القول ~~إلى أن الحكم وإن لم يكن عادلا، فهو حكم سياسي. يريد بذلك أن فيه من ~~الحكمة ما يربى معه النفع على الضرر. وتضحية الأفراد للجماهير ~~تجوزها نواميس العمران، كما هي جائزة في نواميس الطبيعة الصامتة، ~~وزعموا بذلك أن البلاد وقيت شر ما يتأجج في صدور الأمة من نيران ~~الأحقاد والضغائن، وأن الحكومة أمنت على نفسها من القلب، والوزارة من ~~الإبدال. والذين يرون هذا الرأي لم ينظروا إلا إلى الأسباب القريبة، ~~وذهب عنهم أن الأسباب الجوهرية أبعد من ذلك وأعرق في قلب الأمة؛ فالخطر ~~على الحكومة لا يزول بانقضاء قضية دريفوس على أي الوجهين، وقلق الأمة ~~لا يهدأ بذلك؛ فالأمة الفرنساوية لا تزال، كما كانت من عهد ms142 مائة سنة، ~~لسان شعوب أوروبا، تنطق عن حاجاتهم، وتمثل عواطفهم. فأوروبا اليوم على ~~وشك وقوع ثورة تمثلها فرنسا، أشبه بالثورة التي كانت من عهد مائة عام، ~~وأسبابها فساد نظام الأحكام، ونقصها عن احتياجات الهيئة ~~الاجتماعية. # هذا هو سبب القلق الحقيقي المستحوذ على أوروبا كافة، والذي نراه ~~اليوم في الغاية القصوى في فرنسا، ومن يقول فرنسا يقول عصب أوروبا الذي ~~تحس به، وعقلها الذي تفتكر به، ولسانها الذي تنطق به، خلافا لأولئك ~~الذين يرون في حوادث فرنسا المتتابعة منذ سنوات ما يطلق لسانهم ~~المعقول، وعقلهم الخامل، ونظرهم القصير، فيجورون عليها في الحكم؛ إذ ~~يرمون رجالها بالطيش وقلة الروية، وعدم التبصر بالعواقب، ولماذا؟ ~~لأن طبائع رجالها المتحركة تخالف طبائعهم الميتة، وعقولهم المتنورة ~~تخالف عقولهم المظلمة، ونفوسهم المتهيجة تخالف نفوسهم المستميتة ~~في الذل والخاضعة للظلم. والغريب أن هؤلاء الذين كان أمثالهم يجورون في ~~الحكم على فرنسا في الثورة الأولى يعترفون جهارة اليوم بأنه لولا تلك ~~الثورة لما ارتقى الإنسان واصطلح نوع الأحكام إلى ما هما عليه الآن، ~~ليس في فرنسا وحدها، بل في أوروبا كلها، بل في العالم قاطبة. # وهؤلاء الذين يعترفون بذلك اليوم يؤاخذون شعب فرنسا على عدم رضاه من ~~نظام أحكام كانت تصلح له من مائة عام، ولم تعد تصلح له اليوم؛ لأن ~~الهيئة الاجتماعية المتمدنة ارتقت كثيرا عما كانت عليه من مائة ~~سنة، مع بقاء نظام الأحكام على حاله؛ فجمهورية فرنسا كما هي اليوم، ~~والحكومات الملكية في سائر الممالك ليست بالحكومات التي تصلح اليوم ~~لشعوب أوروبا، ولن تصلح لهم في المستقبل. فاضطراب فرنسا وعدم رضاها من ~~نظام جمهوريتها لا يفيدان، كما يتوهمه قصار النظر، أنها تميل للرجوع ~~إلى الملكية، أو أنه إذا قام فيها ملك حازم يستطيع أن يقبض عليها بيد ~~من حديد، ويسير بها كيف شاء. فهذا حلم يجوز على عقول الأطفال، ولكن لا ~~يجوز على الذين يدركون بعض الشيء من أسرار العمران؛ ففرنسا لن تعود ~~إلى الملكية، كما أن أوروبا ستنتقل إلى الجمهورية، ولكن الجمهورية التي ~~تطلبها فرنسا ms143 عن حاجة في النفس مندفعة إليها بالطبع، لا عن إجهاد في ~~قوى العقل. والتي تتوقعها أوروبا هي الجمهورية الحقيقية الديمقراطية ~~التي تصبح فيها الأمة الكل والحكومة لا شيء، بخلاف حكومات أوروبا ~~وجمهورية فرنسا اليوم؛ فإنها كلها متقاربة في نظاماتها، متساوية في ~~نقصها، ولو اختلفت في أسمائها، وكلها مقصرة عما تتطلبه الهيئة ~~الاجتماعية اليوم وفي المستقبل القريب، وأقرب الحكومات الموجودة اليوم ~~إلى الحكومة المطلوبة جمهورية أمريكا، ولو كانت دون المطلوب. # فمسألة دريفوس سواء انقضت أم لم تنقض، فالقلاقل لا تزول من فرنسا؛ ~~لأن أسبابها أعم من أن تقتصر على فرد أو تختص بحزب؛ فالأيام حبالى، ~~ولا بد من أن تلد ثورة لا تذكر معها ثورة القرن الماضي، تشترك في ~~أوروبا، لا كما اشتركت في الماضي بقيام الدول كلها على فرنسا، وانقياد ~~بهائم شعوب تلك الأيام إلى دولهم انقيادا أعمى لنصر الجهل على العلم، ~~والظلم على العدل، والتقييد على الحرية؛ أي لنصر ظالميهم على أنفسهم. ~~فالثورة المستقبلة، والتي تتمخض بها الأيام اليوم، لا تكون لقيام ~~الأمم بعضها على بعض، ونشوب الحرب بين الدول، خلافا لحلم قيصر الروس ~~الطالب نزع السلاح، والانقياد فيها إلى تمويهات مؤتمر لاهاي الطالب ~~تأييد السلام. وإذا أصبحت الحرب بين الدول المتمدنة ممتنعة اليوم، ~~فليس السبب أحلام القياصرة، ولا ضخم ملكهم، ولا مداولات أقطاب السياسة ~~في ذلك المؤتمر السخري، بل السبب الحقيقي في أن الحرب اليوم أصبحت ~~تدميرا وتخريبا على المتحاربين الفائز فيها والمخذول، والمهاجم ~~فيها والمدافع، والمعتدي والمعتدى عليه يمحقان محقا ويسحقان ~~سحقا؛ لكثرة الآلات المهلكة التي استنبطت في الربع الأخير من هذا ~~القرن، وقوتها في التدمير. وأمم أوروبا لم تعد اليوم عمياء البصيرة ~~والبصر حتى تقدم من دون تبصر بإيعاز دولها على هذا القضاء المبرم ~~والفناء المحتم؛ ولذلك يصح أن يقال هنا الحرب أنفى للحرب. # فالثورة المنتظرة، والتي لا بد منها، هي ثورة تنصر الشعوب فيها ~~بعضها بعضا، والأمم بعضها بعضا، ينصرون بعضهم على حكوماتهم ونظاماتهم ~~لقلبها وإبدالها بما يكون أوفق لروح العصر، وأحفظ لمصلحة الجمهور. ولا ms144 ~~سيما أن الأسباب الداعية اليوم إلى النفور من نظامات الهيئة ~~الاجتماعية وأحكامها، هي أثقل جدا على عاتق الأمم مما في عصر ~~الثورة الأولى؛ فالثورة الأولى أسبابها الاستئثار بالأعناق والأرزاق ~~لشرف المولد، وقد كان الناس قليلهم يدرك حق المساواة، وأما اليوم ~~فالثورة هي بين العمال وأصحاب المال، أي بين قوى العقل المستنبط واليد ~~العاملة، وبين فساد نظام الأحكام واستئثار رجال المال، حتى أصبحت ~~مستنبطات العقول وأعمال الأيدي خادمة لأولئك، يستفيدون منها هم ~~وقلما يستفيد منها هؤلاء، والناس قل من لا يدرك منهم اليوم هذا ~~الإجحاف. # وكان في الإمكان تدارك الشر لو أن الحكومات لا تنقاد انقيادا أعمى ~~لأصحاب الأموال، أو كان هؤلاء يخفضون قليلا من كبريائهم، ويعترفون ~~بحقوق من لولاهم لبارت تجارتهم وقل استثمار أموالهم، ولكن الله لما ~~أراد بمعسكر فرعون شرا قسى قلب فرعون، ولا أظن شيئا يثير هذه ~~الأحقاد ويبلغ بها الدرجة القصوى مثل النبأ البليد الذي جاء كاللطمة ~~على خد الإنسانية، والذي وافتنا به شركة روتركي، تنبئ العالم أجمع ~~بأن المساعي بين أصحاب المعامل والأموال متجهة إلى إحباط أعظم معرض ~~في العالم؛ أعظم معرض تتجلى فيه المدنية بأبهى مجاليها، أعظم معرض ~~يفتخر به العلم على الجهل، أعظم معرض يتباهى به الإنسان بما استنبطه ~~عقله وصنعته يده، فكأن أصحاب الأموال يتهددون العالم أجمع بقحة لا ~~تماثلها قحة، بأنهم سيطمسون بما أوتوه من سلطان المال أنوار العقل، ~~ويعيدون عصور الجهل. لقد ساء فألهم، وما هم بذلك إلا خاسرون يبحثون عن ~~حتفهم بظلفهم؛ فإن هذا النبأ الشنيع سيكون له تأثير شديد في الجمهور، ~~كما كان له ذلك في الأفراد، ويعجل تلك الثورة المنتظرة التي تقلق ~~الهيئة الاجتماعية منذ سنين، والتي بلغت أقصاها في هذه الأيام، ولا بد ~~من ذلك لقوم يعقلون. # | المقالة التاسعة عشرة # القتل الاجتماعي # 1 # الناس في كل أطوارهم على مبدأ واحد؛ فهم لا تنبههم الحوادث ~~بنفسها مهما كانت شنيعة، ولا تنبههم إلا بمصاحباتها؛ فالقتل بأشنع ~~صوره جار في كل يوم بين أفراد الناس وفي الحروب، بل وفي الرعايا ms145 ~~الآمنين، وفي كل ذلك قلما تنتفض أعصاب الهيئة الاجتماعية انتفاضها ~~لقتل رئيس أمة كسلطان أو ملك أو رئيس جمهورية. ولعل هذا هو السبب الذي ~~لأجله يتعمد الفوضويون وسائر الناقمين على نظامات الهيئة الاجتماعية ~~قتل أحد هؤلاء الرؤساء، لا انتقاما منه أو تشفيا من هذه النظامات، ~~وقد يكون المقتول من أفضلهم والأشرار منهم آمنون، بل تنبيها به ~~للأفكار وإثارة لحركة الخواطر، فلا يقف البحث حينئذ على الفعل نفسه ~~بين استحسان وتشنيع، بل يمتد إلى أبعد من ذلك كثيرا، فيتناول ~~موضوعات كثيرة اجتماعية تتناسى معها الجناية الأولى الصغرى، وينتبه ~~فيها إلى تلك الجنايات الأخرى الكبرى التي تجلبها تلك النظامات ~~الحائفة، التي تضحى فيها الأفراد والجموع، وتبذر القوى، وتصد عن ~~استعدادها للنفع إن لم تدفع إلى التخريب، والراضي عنها الجمهور ~~المستغرق في سبات الاقتناع بقوة العادة، أو الاكتفاء، أو المطامع ~~الميسورة، حتى لا يظن أن في الإمكان أبدع مما كان. # فزحزحة الأفكار عن هذا الاعتقاد السقيم، الذي هو سبب جميع مصائب ~~الاجتماع، هي غاية كل مصلح في الهيئة الاجتماعية يسعى إليها عقلاء ~~المصلحين باللين، كبث الأفكار السامية، والحث على نشر التعليم ~~والانتقاد، وكل ما من شأنه أن يدعو إلى الإصلاح، بالطرق السلمية ~~البطيئة بنتائجها في كل الأحوال، ويسعى إليها الناقمون منهم الذين فرغ ~~صبرهم بالعنف، ولو أن فيه تضحية أنفسهم على مبدأ دفع الشر بالشر لما ~~يحدث ذلك من الرعدة التي يقصدون بها نخع أعصاب تلك الهيئة البالية من ~~حاكم ومحكوم، وظالم ومظلوم، فيهب أصحاب الحقوق المهضومة كمن نشط من ~~عقال للمطالبة بما هضم من حقوقهم، فوق أرض أصبحوا فيها كأن لا حق ~~لهم أن تقلهم، وتحت سماء كأن لا حق لهم أن تظللهم، وينتبه الظالمون ~~فيخففون من وطأتهم، ولا تعميهم مصالحهم عن مصالح سواهم. # ومن ينظر إلى تاريخ العمران من يوم نشأته إلى اليوم، لا يسعه إلا ~~التسليم بأن مطالب الناقمين في كل عصر حق مهضوم. ولولا ذلك لما سار ~~الاجتماع مرتقيا بإقرار الفريقين على النحو الذي سار عليه، تارة ~~بالسكينة والهدوء، ms146 وتارة بالثورات والقلاقل، جريا على سنن ناموس ~~النشوء والارتقاء الطبيعي حذو القذة بالقذة. والإصلاح المطلوب لا ~~تزال الحاجة إليه ماسة اليوم كما كانت من قبل، والفرق ليس إلا ~~نسبيا فقط؛ فكما أن الحاجة إلى الارتقاء في العالم الطبيعي لم تقف ~~بعد، كذلك الحاجة إلى الارتقاء في العالم الاجتماعي، أي العمران، لم ~~تنته أيضا، فلا يجوز لعاقل أن يقف عند حد قول الخاملين أو المكتفين ~~أو الطامعين المنتفعين بأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان. # فقتل ماكنلي رئيس جمهورية الولايات المتحدة قد شغل الجرائد، ودار على ~~ألسنة الناس، وأقلق الرءوس المتوجة أكثر من قتل شعب آمن يؤدي الجزية ~~لحكومته وهو صاغر، أو قتل الألوف المؤلفة في هذه الحرب الجائرة ~~الجارية في جنوبي أفريقيا، وأكثر من قتل مصالح الجمهور في كل يوم، ~~وفي كل حكومة من حكومات الدنيا، ولو أنها في أعلى ذرى الإصلاح. شغلهم ~~جميعا لا للبحث في أدواء الاجتماع ومداواتها بإزالة ما يسببها من ~~المطامع والمظالم والمغارم، بل للضرب على أيدي الظالمين، يعنون بذلك ~~الفوضويين، حتى اجتمع العاهلان العظيمان اللذان يقبضان اليوم على دفة ~~الدنيا، وأخذا يفكران لا بالخفض من كبريائهما، وإصلاح شأن الجماهير ~~بما يدفع البلوى ويقلل الشكوى، بل بالوسائل التي تضمن لهما صولجان ~~الملك ليسوقا به الأنام كالأنعام، وتضمن لفئة من لصوص الاجتماع أسباب ~~السلب والنهب، يصادرون ويرابون ويجمعون المال بالاحتيال للاستئثار ~~بمنافع الأعمال التي لا ينال القائمون بها إلا ما يتبلغون به من ~~العيش. لصوص يسرحون ويمرحون، وتحميهم الشرائع التي تعززها ~~الحكومات. # على أنه وإن كان الجمهور قد نظر إلى هذه الفعلة الشنيعة بنفسها من ~~حيث شناعتها فقط، إلا أن أناسا، وإن كانوا قليلين، نبهت فيهم ~~الخواطر للبحث في أسبابها بما دعا الاجتماعيين لتعيين مواطن الداء ~~لوصف الدواء وتقريب الشفاء، ولو أن هذا القريب بعيد جدا في تاريخ ~~الاجتماع ولكنه أقرب من الأبعد، وكل خطوة فيه إلى الأمام تعد نقضا ~~لحجر من ذلك البنيان الهائل الذي شادته أيدي الظالمين على مناكب ~~الغافلين. # | المقالة العشرون # كتاب فوضوي # 1 ms147 # حكم «جوري» محكمة السين بباريس على الفوضوي أتيفان بالإعدام ~~لمحاولته قتل اثنين من رجال الحفظ. وأتيفان المذكور هو فيما نعلم أول ~~فوضوي متعلم واسع الاطلاع بعيد النظر الفلسفي، حاول ارتكاب الجناية ~~بنفسه، كما يظهر من الكتاب الآتي الذي كتبه إلى أحد أصدقائه بعد القبض ~~عليه بأيام قليلة. وفي نظرنا أن المحكمة ارتكبت جناية في حكمها عليه ~~بالإعدام، كما يتضح من تدقيق النظر في الكتاب المذكور. ولو كانت أدق ~~نظرا في الأمور وأوسع اطلاعا في علم الأخلاق، لوجدت لها مخرجا يحفظ ~~الرجل، ويصلح ما به من الضعف للانتفاع بما به من القوة، ولكن الجوري ~~كما أن له حسنات في حل قيود القانون له سيئات في أن رءوس أكثر أعضائه ~~غالبا فارغة من الأفكار السامية، وفي أن أحكامه متناهية تتناول أحد ~~الطرفين، وليس فيها شيء من أحكام القانون التي بين بين، والكتاب هو ~~معربا: # باريس، في 30 يناير سنة 98 # صاحبي العزيز، # أخذت كتابك الذي تخبرني به عن اضطرارك إلى تغيير عنوانك، ~~وأشكرك على زيارتك لوالدي؛ فقد أخبرني أن زيارتك وزيارة باقي ~~الأصدقاء كانت أعظم معز لقلبه في وسط أحزانه. # تقول إن الفياري مصيب. وأنا لا أنكر أن في كتابه في ~~«الحكومات الظالمة» أفكارا كثيرة جليلة، إلا أنه ليس بينها ~~فيما أذكر سوى فكر واحد صحيح، وهو قوله: «إن الخطر من القول ~~أو الفعل سواء في عصره وفي الحكومات الظالمة.» على أن هذا ~~الرجل المتعشق للعدل، نظير سائر فلاسفة عصره، ربما كان ~~يستقبح وجود أناس متهالكين في سبيل الحرية، مع أنه كان ~~يدعوهم، ولكن الذي لا أقدر أن أسلم به قوله إن اليونان ~~والرومانيين كانوا بالحقيقة رجالا. وهم لم يكونوا رجالا أكثر ~~من معاصري الفياري، ولا أكثر من رجال هذا العصر. # والثورة الفرنساوية التي بلغت فيها المنازعات لأجل الحرية ~~السياسية مبلغ جميع منازعات العصور القديمة، بل فاقتها ~~بعظمتها، دليل واضح على ما أقول. وهب أنه لم يقل ذلك إلا ~~عن اليونان في غزوتها مقدونيا، وعن الرومانيين في عهد ~~الجمهورية؛ فإنه مخطئ فيما ms148 يقول. # وبالحقيقة فإن الفياري، كسائر فلاسفة عصره، كان يسير نحو ~~المستقبل، وعيناه متجهتان إلى الماضي. والإنسان الذي يمشي ~~على هذه الكيفية قد يتقدم، وإنما تقدمه يكون صدفة لا يعرف ~~إلى أين يسير، هل يسقط في حفرة أم لا؟ فهو لا يدري إذا كان ~~يمشي إلى الأمام أم يدور على نفسه، ولا يدري حتى يعود من حيث ~~أتى. # وهذا عين الذي تم في الثورة؛ فإن الثورة لوقوع ذمامها في ~~أيدي أناس كانت أنظارهم شاخصة إلى بلاد اليونان وروما كان ~~يقتضي أن تفسد؛ فإن جميع الذين تقدموها كانوا مغرمين ~~بالقدماء. ألم يصرخ سان يوسف من أعلى المنبر قائلا: «العالم ~~خال من أيام الرومانيين، ونابليون إنما أتى ليملأه بإرجاعه ~~ملكهم.» والفياري كان مولعا بالحرية القديمة كالآخرين، وإن ~~كنت تريد أن تعرف ماذا كانت تلك الحرية فاسأل أسرى ~~السبرطيين. # فإذا كنا نريد أن نسير إلى الأمام، وإذا كانت الإنسانية ~~تريد أن تسير إلى السعادة وإلى الحرية، فلتنظر إلى ما حولها، ~~ولتتعرفه جيدا، ثم فلتختر غرضها، ولتسر إليه دون أن تعرج ~~إلى هنا وإلى هناك، غير مهتمة بما وراءها، ولا بما يفتكره عن ~~ذلك الأقدمون. # والعلوم تكاد تكون جميعها قد تحررت بفضل الطريقة ~~الاختبارية من قيود التقليد، إلا علما واحدا يهمنا أكثر من ~~الجميع، وعليه تتوقف سعادتنا، وهو علم السوسيولوجيا، أي علم ~~الاجتماع، فإنه بقي واقفا؛ لأننا لم نشأ تقطيع هذه القيود ~~احتراما لما تناقله الخلف عن السلف، وهذا هو السبب الذي نحن ~~لأجله لا نزال تعساء. # ولقد بقي كبلر يبحث 15 سنة حتى وجد نواميس حركة السيارات؛ ~~لأنه لم يستطع أن يحرر عقله من التقيد بقيود ~~النقل. # فقد راق لأرسطو في القديم أن يثبت - ولا يعلم لماذا - أن ~~الكواكب كائنات كاملة، وأن الحركة المستديرة حركة كاملة، ~~فكان يلزم أن تكون حركة الكواكب كذلك. # وبقي علماء الفلك قرونا عديدة يجهدون العقل ويخالفون ~~الواقع لكي يثبتوا صحة ما أثبته أستاذهم من قبلهم، ولم يجسر ~~أحد منهم أن يتساءل: لماذا الكواكب هي أكمل من سائر الكائنات؟ ~~وبماذا ms149 الحركة المستديرة هي أكمل من سائر الحركات؟ # وبسبب هذا الاستمساك المقدس بأقوال المعلمين وهذا ~~الاحترام للأقدمين، بقي كبلر خمس عشرة سنة يحسب ويعيد الحساب، ~~حتى وجد أن السيارات تتحرك في إهليليجيات تشغل الشمس أحد ~~محترقيها. # وإذا علمنا أن نيوتن اكتشف ناموس الجاذبية العام بتبحره ~~في نواميس كبلر لتعليلها، وأنه من هذا الاكتشاف العظيم يبتدئ ~~تاريخ أعظم العلوم العصرية، أعني علم الفلك الرياضي؛ نرتعد ~~جزعا من عظم العاقة التي كان تعليم أرسطو يقيمها في سبيل ~~تقدم الإنسانية، لو مات كبلر بعد أربع عشرة سنة من ~~أبحاثه. # ففي علم السوسيولوجيا، كما في كل شيء آخر، إذا كنا نريد ~~التقدم بسرعة ينبغي علينا أن ننظر إلى كل شيء، وألا نحترم ~~شيئا غير ما يعلمنا إياه الاختبار. # نعم، إن التعاليم القديمة تضغط علينا، فإن جميع شرائعنا ~~وعاداتنا وتعاليمنا الدينية والأدبية والسياسية والاقتصادية ~~منتقلة إلينا من الماضي، وتمنع المستقبل من أن ينفتح ~~لنا. # جميع هذه التعاليم أصولها في الماضي القديم، ليس في القديم ~~العلمي فقط، بل في التوحش الأول من الحيوانية. # وأسبابها جميعها أفكار مسلم بها عموما، وهي بعد أن ~~ولدتها ساعدت على نموها وحفظها. وهذه الأفكار تظهر لنا من ~~المراقبة أن أصولها موجودة بحالة بداهة في الحيوانات التي ~~تكوينها يشبه تكويننا. فالحذر من أن نأخذ أمثلتنا عن ~~الأقدمين، كما فعل الفياري وفلاسفة العصر الماضي، إذا كنا ~~نريد أن نبلغ السعادة في الحرية التي لا حد لها. ~~انتهى. # هذا هو الرجل الذي حكمت عليه محكمة باريس بالإعدام لمحاولته القتل، ~~كأنها أرادت في حكمها أن تثبت على نفسها ما جاء في كتابه من الحقائق ~~التي سيؤيدها المستقبل، ويحكم عليها لأجلها بالقتل أدبيا. فإن ~~الأفكار المنطوي عليها هذا الكتاب كلها حقائق لا يرتج منها إلا ضعاف ~~العقول. وما ذنب كاتبه في محاولته ارتكاب الجناية إلا زيادة التحمس قبل ~~زيادة بلادة الهيئة الاجتماعية، والتحمس كثيرا ما يؤدي إلى التهور، ~~والذنب إنما يكون على هذه الهيئة وحدها. # | المقالة الحادية والعشرون # الاشتراكية # 1 # في كتابك لي على صفحات «المؤيد» طلبت ms150 مني أن أثبت حقيقة وأدفع ~~شبهة. طلبت أن أبين لماذا أدافع عن الاشتراكيين، وأن أتوسع في ~~الموضوع «لأن ما كتبته على صفحات «الأخبار» لم يكن مقنعا»، وأن أدفع ~~عن نفسي «سوء الظن بي»، كأن الاشتراكية وصمة وأنا قد تلوثت بحمأتها، ~~وأنت لا تريد لي ذلك، أو أنك تريد أن أبين الحقيقة الناصعة، وأن ~~أخرج منها طاهر الذيل. فشكرتك على حسن ولائك، ولو أني أعجبت أكثر ~~بدهائك. # كنت أفهم قبل اليوم أن الاشتراكية في نظر خصومها مطلب بعيد المنال، ~~فإذا هي فوق ذلك وصمة تعرض صاحبها لأقبح المظان، ليس في نظر ~~الجمهور فقط، بل في نظر الخاصة أيضا. # فخفف عنك أيها الصديق؛ فما هي بأول وصمة ألصقت بي ثم عاد الناس ~~إلى الهدى. # من ربع قرن نشرت في اللغة العربية مذهب داروين، ولم يكن معروفا فيها ~~من قبل، فقامت القيامة علي من كل صوب كأني جئت أمرا إدا، حتى بلغ ~~التحمس من بعضهم أن قصدني للتعرف بي، لا للسلام والكلام، ولكنه ضل ~~السبيل، فقصدني في غير المكان الذي أنا فيه، واعترضته البحار، فأطفأت ~~منه جذوة تلك النار، ثم مرت السنون، والناس بيننا يرتقون، حتى صار ~~مذهب داروين بيننا (أو كاد) كمذهب كوبرنيخ في الكون، أو غليلي في ~~الأرض، وحتى بلعهما في جوفه. # وما الاشتراكية كما يرميها خصومها بأضغاث أحلام، ولا أصحابها ظلام ~~طغام، فهي لا تركب بمطالبها متن الخيال وتحلق بالإنسان إلى جنات ~~النعيم، ولا تكبله بحبال الخبال وتزجه في قعر الجحيم، بل تريد أن ~~تمهد له سبل السعادة على هذه الأرض، فتسترد له الفردوس الضائع، ~~تسترده من أيدي مردة الاجتماع وأبالسته، فتخفض من كبرياء، وترفع ~~من نفوس، وتقرب بين صولجان الملك وعصا الراعي حتى يتم تكافؤ الفضل ~~بينهما. # أراني ركبت متن الخيال في قولي إنها تريد أن تمهد له سبل ~~السعادة على هذه الأرض. والأولى أن أقول إنها تريد أن تقلل من ~~ويلاته، فتضمن له حاجاته وتصون حقوقه بعد أن تفرض عليه واجباته، ~~وترفعه من تحت مواطئ الأقدام إلى مقامه ms151 كإنسان، وتعلمه أنه عضو من ~~الاجتماع لا يجوز أن يبقى عالة عليه غير نافع، وأنه عامل فيه لا يجوز ~~أن يبقى غير منتفع، وأن تبادل المنفعة ينبغي أن يكون على قدر ~~العمل. # هذا هو مبدأ الاشتراكية، ومن ظن غير ذلك فهو واهم، وهذا هو المبدأ ~~الذي أدافع عنه، فهل فيه مأخذ علي لعاقل، أو مظنة بي ~~لجاهل؟ # والاشتراكية ترجمة لفظة سوسياليزم الإفرنجية، وضعها كتابنا الأولون ~~وجرى عليها الجمهور. وهي خطأ في التعريب جر معه خطأ أعظم في الفهم ~~والصواب. الاجتماعية من الاجتماع، أي العمران، وأصحابها الاجتماعيون، ~~ولكننا جاريناهم هنا عملا بالمثل القائل: «خطأ مشهور خير من صواب ~~مهجور.» # وهي ليست مذهبا من المذاهب، بل هي نتيجة لازمة لنظر الإنسان في ~~الاجتماع. وهي قديمة كالاجتماع نفسه، ومثبوتة في تعاليم الفلاسفة وسائر ~~المصلحين في جميع العصور. وكلما ارتقت مدارك الإنسان وزاد اختباره ~~زادت انتشارا واقتدارا، وهي لا تعلم اقتسام المال (كن مطمئنا على ~~ثريوتك أو ثريتك، ما شئت وما شاءت النحاة تصغير ثروة)، بل العدل ~~في تقسيم المنفعة بين العمل ورأس المال. # ولا بد لي قبل التوسع في الموضوع أن أزيل وهما وقع لك، واحذر أن ~~يجرك ذلك إلى وهم آخر لا أقصده، فلا أعود أعرف كيف أتخلص منك وأنت ~~كشبكة الصياد. # فأنا لم أقم «في الأخبار» للمدافعة عن خطة، بل عن مبدأ أعتبره ~~مشتركا بين سائر المصلحين - والاشتراكيون أعظمهم اليوم - وهو إصلاح ~~مركز الإنسان في العمران، وما دفعني إلى ذلك إلا ما كتب هناك مما ~~يوهم أن الاجتماع على هدى، وأن الاشتراكيين يدفعونه إلى الضلال؛ ~~لئلا يكون لذلك تأثير سيئ في الأفكار المتقلقلة التي تحتاج إلى ~~تنشيط، فيجبنها عن التوغل في فيافي هذه المباحث، ويرميها في ~~الجمود. # ولذلك لم أقف عند الأسماء، ولم أبخس أحدا حقه، فساويت بالفضل بين ~~جميع الذين ناهضوا الاجتماع في سائر أطواره بقصد الإصلاح من الفلاسفة ~~المصلحين إلى دعاة الأديان أنفسهم، ولم أنكر فضل أولئك الذين ~~تطوعوا في هذا الجهاد، فكانوا كالأعضاد فيه، ولو أنهم أتوا أحيانا ms152 ~~أعمالا مشجوبة قضت عليهم، وذهبوا فيها شهداء نظام الاجتماع. # ولا ريب أن الاشتراكية هي الدعوة المنصبة نحوها الأفكار، والمعقود ~~عليها الآمال اليوم. وهي وإن كانت متفقة في الغاية إلا أن فيها ~~اختلافا كثيرا في الآراء، شأن كل فئة في دعوة مثل هذه كثيرة العقبات، ~~وأي مذهب من المذاهب الكبرى، علميا كان أو فلسفيا أو دينيا، لا ~~تكثر فيه المسائل الخلافية من دون أن تمس جوهره بشيء. # ولذلك رأيت أن البحث في هذا الموضوع الشاسع الأطراف البعيد المرمى، ~~لا يأمن صاحبه الزلل والخبط في تيه فيافيه، إن لم ينخعه من أقوم ~~السبل وأصحها، وأي أصح من رد الشيء إلى أصله ووضعه في محله؟ # فالاجتماع طبيعي هو وكل ما فيه مستفاد من الطبيعة، والنواميس التي ~~تسوس نظامه هي نفس نواميسها، وأعظم هذه النواميس اثنان؛ أحدهما يوجب ~~التنازع، وهو تكافؤ القوى في العمران كتكافئها في الطبيعة. والآخر يوجب ~~الارتقاء، وهو تكافل العمران بتوفير قواه كتكافل العالم أجمع بتوفير ~~قواه في ارتقائه. # فالاجتماع شديد التنازع قليل التكافل؛ لشدة ما فيه من التبذير في ~~القوى التي له؛ ولذلك لا يزال منحطا جدا بالرغم عن اندفاعه البديع ~~في القرن الماضي؛ لأنك كيفما جلت بنظرك فيه رأيت أمورا يأنف منها ~~الطبع وينكرها العقل، وقد ينفر الإنسان منها حتى لا يقدر أن يضبط نفسه ~~عن القيام ضدها. تراها في شرائعه ونظاماته وعاداته ومعاملاته، في ~~كلياتها من حيث الغاية منها والباعث عليها، وفي جزئياتها من حيث ~~تطبيقها على كل فرد من أعضائه، حتى إن البحث فيها لا ينضب. # أوليس من العار على الإنسان الذي يمتاز عما سواه من الكائنات بقوة ~~العقل والاكتساب بالاختبار أن ينتظر ارتقاءه من الطبيعة نظيرها، وهو ~~القادر أن يتصرف فيها بما له من المدارك لمصلحته؟ ويا ليته اقتصر على ~~ذلك، ولكنك تراه دائما يستخدم هذه المدارك لإقامة العقبات في سبيل ~~ارتقاء العمران، ولكم صده عنه وقضى عليه بالتقهقر؛ لشدة التباين بين ~~أعضائه في العقل والعلم والقوة، وقامت الأثرة مقام تبادل المنفعة، ~~فارتفع قوم إلى الأوج ms153 وانحط آخرون إلى الحضيض، وكلما قل هذا ~~التباين قلت العقبات لاقتدار الأضداد حينئذ ووجوب الإصاخة ~~لهم. # وهل العمران، كما هو الآن، يستفيد من قوى كل فرد، أو يعرف أن يستفيد ~~منها؟ أوليس هذا هو التبذير بعينه؟ وإن كان لا يعرف، أفلا يكون هو ~~الذي يدفع هذا الفرد إلى الإضرار بنفسه وبالمجموع كله عملا بناموس هذا ~~التكافؤ؟ # كثيرون يطرقون هذا المبحث، ويكثرون فيه من المن على الإنسان، ~~فيطلبون الإصلاح له؛ لضعيفه وسقيمه، ومن لم تمده الطبيعة بالقوة ~~الكافية للحصول على ما تستقيم به أموره، يطلبونه له رأفة به وشفقة ~~عليه. أما نحن فنقول إن الإنسان في الاجتماع في غنى عن رحمة الراحمين ~~وشفقة المشفقين، فلا نطرق هذا البحث بتحريك العواطف، ولا ندع للإنسان ~~على الإنسان منا؛ لأننا ننظر في ذلك إلى المصلحة المشتركة. ففي ~~العمران كما في الطبيعة لا يضيع شيء، ولا يضيع تأثيره. والتأثير الذي ~~يحدثه الفرد في الاجتماع لا يدرك أهميته إلا الذي يقدر ناموس تكافؤ ~~القوى في الطبيعة قدره، فكم من تأثير إذا نظرت إليه مباشرة يتراءى ~~لك عديم القيمة، ثم بالانتقال والتفاعل يتحول مع الزمان، ويصير ذا ~~شأن عظيم في الطبيعة. ولنا في الأفعال المتجمعة مثال محسوس، مثل ~~الشرارة للبارود، وعليه المثل: «سبب النار شرارة، وسبب الشر كلمة.» ~~ومن هذا القبيل الزلازل وسائر نكبات الطبيعة الفجائية. # فعلى هذا الناموس تتمشى أفعال الإنسان في العمران، فإذا أحسنا أو ~~أسأنا إلى الاجتماع فإنما نحسن ونسيء إلى أنفسنا، وما نصنعه في ~~سوانا يرده لنا هذا السوى «بفرطه»، كما يقال في لغة الماليين. ~~فالاجتماع، كما ترى، أكبر مراب، ولكن على عكس المرابين؛ فهو يرد ~~لك كل شيء تنفحه به برباه، ولو تبرعت به تبرعا ووهبته له هبة. خذ ~~مثالا لذلك الأمراض، هنا أناس جمعوا بذكائهم أو دهائهم الأموال على ~~ظهور العمال، فسكنوا الأحياء الفسيحة الأرجاء، تنفذها الشمس، ويلعب ~~فيها الهواء، وتحف بها الحدائق، وبنوا فيها القصور يمرحون فيها على ~~وثير المهاد وفاخر الرياش، وتحوطوا بكل ما تصح به الأجسام وتنفى ~~الأسقام، ms154 وعلى قيد قصبات منهم أكواخ متراكمة بعضها فوق بعض كالتلال، ~~يزدحم السكان فيها كالذباب، لا شمس ولا هواء ولا ماء إلا ما يكفي ~~للاختمار، وجعلها بورة البوار ومعمل الدمار، حيث تجد الأمراض مرتعا ~~خصيبا. فماذا يقيك من شر ما جنيت أيها المطمئن بعزلتك، وأنت شريك ~~جارك في الماء والهواء والغذاء حمالة الأمراض ونقالة الوباء. # وهذا مثال آخر من أمثلة كثيرة يضيق عنها الحصر، وتتجدد أمامك كل ~~يوم، وتدلك على نقص نظامات تلك الشرائع القائمة على مبدأ تأييد القوي ~~وإرهاق الضعيف. غني يتقاضاك مالا لا يزيد في غناه بلغة، والله يعلم ~~من أين أتى، وكل ما في مسكنك من المقتنيات لا يفي بسداده، وإنما يكفي ~~ليصون عيالك. فالقانون الذي لم يعرف كيف يستفيد من عملك لينتفع بك ~~وينفعك يقضي عليك، ولو أدى ذلك بك وبعيالك أن يأويكم العراء، ويصدر ~~القاضي، وقد مات منه الضمير، حكمه مصدرا باسم مليك البلاد ... إلخ، ثم ~~يصب البلاء على العباد. فعلى من اللوم إذا تراكمت أمثال هذه الأفعال ~~بناء على هذا الناموس، وأحدثت تأثيرها المتجمع في الجموع، فقاموا ~~يصادرون الاجتماع، ويحدثون الثورات، كالثورة الفرنساوية، وثورة ~~العمال القائمة اليوم، والتي سيكون هولها أشد من تلك إن لم تدفع ~~بالحكمة؛ لانحصار تلك في بقعة من الأرض وفي شعب من الشعوب، ولانتشار ~~هذه في كل العالم المتمدن؟ بل على من اللوم إذا تمادوا وركبوا على ~~متن الغلو، ولسان حالهم يقول: # ماذا يهمني إذا خربتا # ما دمت خربانا أنا وأنتا # منعما تبيت فوق الريش # وذا أنا أبيت في الحشيش # إن لم يكن على الحصى في البرد # تحت الشتاء وغطاي جلدي # ولولا نهضة رجال الثورة في الماضي، وسريان روحهم الحية في أعقابهم؛ ~~لبقي الإنسان يرسف في قيود الجهل حتى اليوم، ولتقهقر الاجتماع عما ~~كان عليه أيضا بالرغم عن ناموس الارتقاء العام، أما وقد بلغ التنبه ~~في الأفكار مبلغه اليوم فلا خوف عليه أن يتقهقر؛ لانتشار العلم، ~~وانتشار مبدأ الاشتراكية بسبب ذلك، واقتدارها على تنفيذ مطالبها، بل ~~كلما تقدمنا ستزداد هذه الحركة ms155 الارتقائية سرعة، وتقرب الأمم بعضها ~~من بعض، فتقل الحروب، ويتفرغ الإنسان للاشتغال لمصلحة العمران. ~~والغريب أن كل واحد منا في حديثه وكتاباته كل يوم يخدم دعوة ~~الاشتراكيين ولا يدري، وقد يخدمها من حيث يريد مناهضتها أيضا. ولعل ~~هذا التمهيد الوجيز كاف لأن يقنعك، أيها الصديق، بأن مبدأ الاشتراكية ~~ليس مما يخجل منه، ولا هو مما يجب أن يحجم عنه. # | المقالة الثانية والعشرون # المريض # 1 # عركت صروف الزمان، وجسست بإصبعي مصائب الإنسان؛ فلم أجد أشقى من ~~المريض. # رأيت الفقير في أقصى الفقر يسكن كهفا كالقبر، أو يتوسد الغبراء ~~ويلتحف بالسماء؛ فلم أجد أشقى من المريض. # رأيت الفاعل يشتغل في الحر، والعرق يتصبب من بدنه كالقطر؛ ليطعم ~~سواه من جناه، ولا يناله من ذلك إلا نزر يسير، لا يفي بحاجة زوجته ~~العارية، ولا يخمد صوت أولاده الجياع، فيطوون الليل على الطوى ~~ملتفين على أنفسهم، وبعضهم على بعض ضاغطين معدهم بأيديهم ليخففوا ~~ما يعانونه من ألم الجوع، وليس لهم ما يتدفئون به من البرد غير حر ~~أنفاسهم. رأيت ذلك فلم أجد أشقى من المريض. # رأيت الكريم وقد أخنى عليه الدهر، وأسقطه إلى أدنى مهاوي الفقر؛ فلم ~~أجد أشقى من المريض. # رأيت الأم تبكي ولدها، والزوجة بعلها، والأخ أخاه، والابن أباه؛ ~~فلم أجد أشقى من المريض. # رأيت الجاني المحكوم عليه بالقتل، واجف القلب مشتت العقل؛ فلم أجد ~~أشقى من المريض. # ذقت ذل السؤال بعد عز الأفضال، وعرفت خيبة الأمل، وصبرت على تغطرس ~~أصحاب المال؛ فلم أجد أشقى من المريض. # رأيت المفضول فوق الفاضل، والفصيح يداجي الأبكم، والعالم يخضع ~~للجاهل، والعاقل يخاطب من لا يفهم؛ فلم أجد أشقى من المريض. # رأيتك تصنع المعروف فتجازى بالمتلوف، وتصادق من يخدعك، وتسمع من لا ~~يسمعك؛ فلم أجد أشقى من المريض. # رأيت الغني الشبعان يبلع الجمل ولا يتستر، والفقير الجائع يتلصص ~~لسرقة رغيف من الخبز الأسمر، والقانون يكافئ ذاك برفع القبعات، ~~ويعاقب هذا بالسجن سنوات؛ فلم أجد أشقى من المريض. # رأيت معالم الظلم تشاد فوق الناس تحت لواء العدل ms156 ودعوى الهداية، ~~والعالمية تسري عليهم تحت قلانس المكر وعمائم الجهل؛ فلم أجد أشقى من ~~المريض. # رأيت الحر يرى كل ذلك ولا يجد بدا من الصبر عليه، فلم أجد أشقى من ~~المريض. # وأي أشقى ممن أظلمت الدنيا في عينيه، وارتجت الأرض تحت ~~رجليه، وصغرت نفسه حتى أصبحت الحياة المحبوبة عبئا ثقيلا عليه؛ إذا ~~شرب الماء الزلال المعقم، وجده مرا كالعلقم؛ أو ذكر أشهى ~~الطعام لديه، جاشت نفسه عليه؛ أو توسد وثير المهاد، فكأنه يتقلب على ~~شوك القتاد؛ مفكك الأوصال، إذا كلف قطع خيط القطن خانته القوى؛ ~~مقطع الآمال، إذا قدمت له خزائن الأرض أعرض عنها ورآها هي والعدم ~~على حد سوى؛ ليله طويل بما يعانيه من الآلام التي تحرمه لذة المنام، ~~فإذا طلع النهار زال ما كان قد أمله فيه من زوال الأسقام. # الأصحاء يحلمون بالأموال يحشدونها، والمدن للكسب يفتحونها، ~~والمراتب العالية ينالونها، يحلمون بالزوجات، والبنين والبنات، والقصور ~~الشاهقة، والأملاك الواسعة، والحدائق الغناء، ولا يقفون في أحلامهم عند ~~حد. والمريض المسكين لا يطلب إلا أمرا واحدا يفديه بكل حطام الدنيا، ~~يفديه بماله، يفديه بأمياله، يفديه بكل ما له من المطامع من واقع وغير ~~واقع، يفديه حتى بجزء من عمره، بل بعمره كله؛ إذا وجد أن لا خلاص له من ~~الأسقام إلا بتجرع الموت الزؤام، يطلب ما لا يراه الأصحاء، ولا ~~يراه إلا هو، يطلب الصحة التي هي تاج على رءوس الأصحاء لا يراه إلا ~~المرضى، بل أي رجل تجوز عليه الشفقة أكثر ممن تمكن منه الداء، ~~وعز به الشفاء، غنيا كان أو فقيرا، صعلوكا كان أو أميرا، حتى لم ~~يبق عنده في قوس الأمل منزع، ولا في النفس منزع، فإذا كان هذا حال ~~المريض الأمير، فما قولك في حال المريض الفقير؟ # فالفقير المعدم، والجاني المكبل بالحديد، والثكلى التي لا تريد أن ~~تتعزى، والرجل الذي أخنى عليه الدهر بعد العز، والحر الذي يصبر على ~~مضض البلوى؛ يجدون في نفس شكواهم مصرفا لهمومهم، وفي قواهم الصحيحة ~~منعشا لآمالهم؛ فالجائع إذا أعيته الحيل تطاير ms157 الشرر من عينيه، ~~وشد حبلا من مسد على حقويه، ونهض على ساقيه يطارد بهما الغزلان، ~~وشمر عن ساعديه يتسلق بهما الجدران، ولبس من ظلام الليل ثوبا يقيه ~~كالحجاب، من عين كل مرتاب، يتلصص تارة ويسرق أخرى؛ منتقما لنفسه من ~~ظلم الإنسان، ومن فساد ما سنه من الشرائع في العمران. والثكلى تتناثر ~~دموعها الحرى، فتخفف ما بها من ألم الجوى، كأنها تبدد بها ~~سحب الهموم، كما يبدد مطر السماء سحب الغيوم. وأما المريض ~~المسكين، فلا تفيده الشكوى إلا زيادة البلوى، وقد يخفت صوته فلا يقوى ~~عليها، وقد تشل حركاته حتى لا يستطيع أن يعبر عنها، فيرسل إليك ~~نظرا منكسرا ذليلا، يقطع الصلب، وينفذ القلب، يقطع صلبا لا من صلب ~~الحديد، بل من عصب وعظم، وينفذ قلبا لا من قلب الحجر، بل من لحم ~~ودم. # فيا أيها الذين لا يزال بهم بقية تتأثر أكثر قليلا من الحجر، ~~والذين لم تضرب مطامعهم على أبصارهم غشاوة، ولم يختم الله المال على ~~قلوبهم، إن كنتم من أهل الإحسان الذين يريدون التقرب حقيقة إلى الله ~~المعبود، أو من أهل الفخر الذين يفاخرون بأشياء هذا الوجود؛ فدونكم ~~وإغاثة أخيكم المريض، بل إغاثة أنفسكم - فمن منكم يضمن لنفسه السلامة ~~من الداء - بتخفيف مصابه، وتقليل أوصابه، بما في وسع الإنسان بحسب ~~تدرجه في العمران. وليس لذلك أصلح من المستشفيات، والإكثار منها على ~~ما بلغت اليوم من الإتقان فهي قبل المعابد، إن كنتم تفقهون، وكأني بكم ~~جميعا تؤمنون على ذلك، ولكن لا أعلم لماذا لا تفعلون. أينقصكم فيها ~~المجد، وهي عنوان المجد والفخر؛ أم الأجر، وهي منتهى الأجر؟ فلينهض ~~منكم بضعة أناس من علية القوم، يؤلفون جمعيات متفرقة من كل جنس ~~ومذهب وموطن، تجمع المال بالاكتتاب من الفقير قبل الغني، كل حسب ~~مقدرته، كما تفعلون في بناء المعابد التي تخدمون بها مطامع الإنسان ~~أكثر مما تخدمون بها إرادة الله. وأنتم أيها الأغنياء خاصة، فإني ~~أعرف منكم الغني الكبير الذي جمع من المال القناطير، ومات ولم يترك سوى ~~ذكر الاختلاس من ms158 أموال الناس، أو الذي بنى شاهق القصر الذي لا ينفع لا ~~للسكن ولا للقبر، ألم يكن مثل هذا الإحسان أفضل ذكرى وأدعى إلى الفخر؟ ~~وأمام من تريدون أن تفتخروا؟ أليس أمامنا؟ فإذا ذممناكم فالذنب عليكم، ~~ورحم الله من قال: # ومن يك ذا فضل ويبخل بفضله # على قومه يستغن عنه ويذمم # | المقالة الثالثة والعشرون # بمعزل عن الناس (أو «حلم في اليقظة أو يقظة في الحلم») # 1 # صدر المشير هذه المقالة - والعهدة عليه - بالكلام الآتي، قال: # محرر المشير حرامي. # سرقة جائزة. ~~«الدكتور شميل في السماء.» # أعترف لقراء المشير أنني ارتكبت في هذين اليومين جريمة ~~اللصوصية، «ولعل ذنبي لا يكون أعظم من ذنب حواء وآدم؛ فإنهما ~~سرقا تفاحة لأنها كانت لذيذة الطعم، وأنا سرقت مقالة من منزل ~~الدكتور شميل لأنه كان بخيلا بها.» فإذا وصل هذا العدد من ~~المشير إلى صديقي الدكتور الفاضل، وذهب إلى مكتبه، وفتش على ~~ما كان فيه فلم يجده، وتحقق ما أقول؛ فأرجوه ألا يعاقب ~~البواب أو الخادم؛ إنه هو الذي فتح أبواب منزله لطالبي فضله، ~~وإلى القراء البيان. # بلغني من مقالة قرأتها في المقطم بقلم الدكتور شميل أنه ~~مصاب بحدار (روماتيزم)، فهرولت إلى منزله العامر أعوده نحو ~~الساعة السادسة مساء، فقال الخادم إن الطبيب خرج في عربة ~~للنزهة. فدخلت إلى مكتبة الدكتور، وجلست بين الكتب والأوراق ~~التي بخط حضرته في عرينه، وأردت أن أسلي نفسي بالقراءة ~~ريثما يعود، ثم حانت مني التفاتة إلى مكتبه، وإذا هناك أوراق ~~مبعثرة مكتوبة، فدلتني سليقة الصحافي التي عندي أنها أصول ~~مقالة يكتبها الدكتور، وحملتني الوقاحة المذمومة في كل إنسان ~~إلا الصحافي على الاطلاع عليها، ونظرت إلى ما حولي فلم أر من ~~يراقبني، فأخذت تلك الأوراق وقرأتها، وإذا هي مقالة بدأ بها ~~الدكتور شميل، وكتب منها ثلاث أوراق لا غير وبدأ بالرابعة، ثم ~~الظاهر أن الحدار أصابه وهو يكتبها، فتركها على أن ينجزها متى ~~شفي. # والمقالة المذكورة بيان مفاوضة بين الروح الأسمى والدكتور، ~~فلما قرأتها ذكرت ما ورد في التوراة عن يعقوب؛ إذ ms159 صارعه الله ~~وضرب حق فخذه فانخلع، فقلت في نفسي إن يعقوب لما صارع الله ~~ضربه على فخذه فخلعه، وهذا صديقنا الدكتور صارعه اليوم فضربه ~~بحدار حتى لا يتمم مقالته، ولكن جاءت الضربة الأخيرة على ~~الفخذين. أما أنا فأخذت أوراق المقالة ووضعتها في جيبي قائلا ~~للخادم إن الطبيب تأخر، وأنا لا أستطيع الانتظار. وها أنا ~~أتحف القراء بما بدأ بكتابته الدكتور شميل ولم يتممه، ~~فإن عاد يوما ما فرضي عني أرجوه أن يوافينا بما كان يريد أن ~~يجعله تكملة لها. # وهذا نص المقالة المسروقة: # دع رجال الصحة يطاردون الطاعون، والناس من وجهه يهربون، ~~فإما هم غالبون، وإما هم مغلوبون. فالعالم قديم، والناس ~~يمرون فيه مر السحاب بلا حساب، والفوز ليس دائما من العلم ~~أو العمل؛ فقد يكون من الصدفة، وقوم يقولون من القدر، وما هو ~~علم الناس وما هم يعملون، دعهم في ضلالهم يعمهون. # واعتزل الناس ومجالسهم وهواجسهم ووساوسهم، واركب معراج ~~الفكر في سماء الخيال محلقا إلى ما وراء المحسوس، وأغمض ~~عينيك لئلا يستوقفك بهاء الكواكب اللامعة، ويسحرك جمال ~~الشموس الساطعة، واسدد أذنيك لئلا يستهويك حفيف الأفلاك في ~~دورانها، فتلتبس الحقيقة عليك بين آثارها وأعيانها. فإذا قطعت ~~كل هذه العقبات، وقطعت كل صلة بينك وبين الكائنات؛ دخلت في ~~العالم الأعظم عالم القوات، بل أصبحت والقوة الأولى متداخلين ~~تعلم ما تعلم، عليما بكل ما يجهل الناس، والله أعلم. # ذلك صوت سمعته وأنا في سنة الكرى، أتقلب من الحمى على ~~جمر الغضا. فراعني ما سمعته في المنام؛ لئلا يكون نذير ~~الحمام، ولكن شاقني جدا خبر ما سأرى، فتجلدت وقلت في نفسي ~~ما هي إلا رقدة، أسرعت أم أبطأت؛ فلعل في الأمر هدى، فلا ~~تدع الصوت يذهب من دون صدى، ولا تجبن كأبيك آدم يوم ~~عصى. # ثم قلت أيها الصوت المتصل إلي عن غير طريق الحواس الظاهرة؛ ~~لأني أسمعك وحدي ولا يسمعك سواي، كأنك مني أو كأني فيك، من ~~أنت؟ ألعلك الضالة التي ينشدها الناس في كل زمان؟ ألعلك ~~صوت مدبر هذه الأكوان؟ ألعلك ms160 أنت الله الديان؟ ولكن قل ~~لي: ما الذي أوجب بي هذا الاهتمام، وأوجب خرق النظام، حتى ~~جئتني قبل يوم الحمام؛ لأني وإن لم أكن من سكان القصور، فلم ~~أصر بعد من سكان القبور؟ ألعلك استبطأتني فأتيت إلي، ~~كأنك تريد أن تحاسبني قبل يوم الحساب، وقبل أن يزال عن النفس ~~الحجاب، كأني وحدي مخطئ والناس كلهم مصيبون؟ لكني لا أرى ~~إصابتهم ملأت العالم خيرا، ولا خطئي جلب عليهم ضيرا، فأنا ~~غير آسف على الدنيا؛ لأني لم أر فيها يوما واحدا حبب ~~إلي الخلق، وأنت تعلم - إذا كنت كما يصفون - أني أقول الحق، ~~وأني لم أكذب في عمري إلا من حيث كذبتني أمالي، ولم أسئ إلى ~~أحد ولو ساءت به حالي. # 2 # وما ذنبي إلا لأني وضعت ثقتي في غير محلها، ~~وصدقت ما بي من القوة فصرفتها في غير أهلها، بل أنت تعلم أني ~~كنت أحسن الناس نية، وأسلمهم طوية. فقومي يقولون إن عثرتي ~~من عدم التكافؤ. وقومك يقولون إنها منك. وذهلوا عن تبعة ما ~~نسبوا إليك من مثل هذا التواطؤ، كأنك لم تعطني القوة إلا ~~لتعظم علي ألم السقوط من شاهق، ولم تجعل كل هذا الامتياز إلا ~~لترميني من حالق. فأنا لم أقصد ذلك لأحد من الورى، فأنا أحسن ~~منك إذا كنت أنت كما الناس يرى. وأنا غير خائف من الأخرى؛ لأنه ~~إذا صح قول قوم فالعدم خير من هذا الوجود، الذي لا يستطيع ~~العاقل إلا أن يرى فيه صغر الموجد والموجود. وإذا صح قول ~~آخرين فأنا لست بخائف إذا انتصب الميزان؛ لأني أدفع الحجة ~~بالحجة والبرهان بالبرهان. أم لا يجوز في محكمة الله الديان، ~~ما يعد العدول عنه اليوم استبدادا في محكمة الإنسان؟ فأنا ~~لا أخاف من الوقوف أمام محكمة العقل الأول، ألم تقل لنا إنك ~~عدل، بل رحمة في كلامك المنزل، وإن كنت قد ملأته من التهديد ~~والوعيد، ما لا يليق بالخالق مع العبيد؛ لأنك أردت أن تجعلهم ~~مسئولين عما أنت وحدك مسئول عنه، وتنسب إليهم ما هم في ms161 شرع ~~الحق براء منه ... # فقال الصوت: «مهلا أيها المعجب بجنانه، المغالي بقوة ~~برهانه وحسن بيانه، المدعي القوة والضعف ملء جوارحه، ~~والمتظاهر بعدم الخوف والجبن ملء جوانحه. يدل على ذلك ما ~~أتيته من الإسراع في الدفاع، قبل أن تعلم حقيقة الصوت أيها ~~المرتاع. فأنت ما زلت بعيدا عن هول يوم الموقف، فأبق دفاعك ~~إلى ذلك اليوم، إن كنت ترجو فيه من منصف.» # فقلت: «من أنت إذن أيها الصوت الذي أشكل علي أمره، وعظم ~~لدي سره؟» فقال الصوت: «أنا صوت الشعور العام.» وتهيأ ~~لتتمة الكلام، فأصابتني رعدة خلتها القاضية على حياتي، ~~وأرتني مماتي قبل يوم مماتي، ثم أفقت وإذا أنا في عالم تحار ~~في وصفه العقول؛ لأنها لم تألف فيه من المناظر، وتقصر دونه ~~الألفاظ والمعاني؛ لأن معانيه لم تمر من قبل بخاطر. فأخذت ~~أمسح عيني لأجلو بصري، وأنا لا أحس بيدي، ولا أهتدي إلى ~~عيني، وأفرك جبيني كي أستحضر فكري، وأنا لا أهتدي إلى جبيني. ~~فقلت: «ما هذا أيها الدليل؟ أهدى ما أرى أم تضليل؟ فأنا أشعر ~~بنفسي أني موجود، ولكن أين أنا من الوجود؟» فقال الصوت: «أنت ~~قد قطعت الآن عالم الكائنات، ودخلت في العالم الأول من عالم ~~القوات» (المشير). # إلى هنا وصل الدكتور في مقالته، ثم أصابه الحدار، كما أصاب فخذ يعقوب ~~من قبل. # وفي عدد 24 يوليو نشرت في المشير جواب الدكتور شميل على كتاب أرسلته ~~إليه أسأله فيه إذا كان حاقدا علي، وأسأله أن ينجز المقالة، وهذا نصه: # مصر، في 18 يوليو سنة 1899. # حضرة الفاضل صاحب المشير المحترم. # أخذت كتابك. أما أنا فغير حاقد عليك لسرقتك لي، والسرقة ~~جائزة إذا لم تكن مضرة، وإذا نفعت مع ذلك فهي لا تعد ~~جريمة كما يعدها القانون المفتون به أناس كثيرون، ولكنني ~~أنا لست به بمفتون. فإذا كانت سرقتي، كما تقول، قد أفادتك ~~شيئا فأنا لم تضرني بشيء. أما طلبك تتمة المقالة المسروقة، ~~فأنت تعلم أن ما وصلت يدك إليه منها إنما هي مسودة كتبت ~~على نية التنقيح والإتمام، ثم ms162 فاجأني الداء فقطع حبل أفكاري، ~~ولم أستبل منه إلا من بضعة أيام، ولكني أراني به قد رددت ~~إلى عالم الحقيقية، وصرفت عن عالم الأحلام. فأنا الآن منهمك ~~بالماديات، ولا أدري متى يجوز لي الاشتغال بالروحانيات. فإجابة ~~طلبك ليست ميسورة في الحال، ولا أستطيع أن أعدك به في ~~الاستقبال، ولا سيما أن مصارعة الآلهة ليست بالأمر السهل. ~~وها أنا شاهد من بعد، ويعقوب شاهد من قبل؛ على أني وإن طمعت ~~بحلم الآلهة، فلا أطمع بحلم البشر؛ ولذلك جاء في الأمثال: «ليس ~~كل ما يعلم يقال، ولا كل ما يكتب ينشر.» # 3 # فها قد بسطت لك أمري، فاقبل عذري. # الدكتور شبلي شميل # | المقالة الرابعة والعشرون # الانتحار: # 1 # بحث اجتماعي بسيكولوجي # لقد تعددت حوادث الانتحار في هذا القطر في الأيام الأخيرة، خصوصا ~~في الإسكندرية ومصر، حتى خيف من انتشار هذه الآفة الاجتماعية ~~بالاقتداء بين شبابنا الشديدي التأثر القليلي التبصر، كأنها مرض ينتشر ~~بالعدوى. # بل هي مرض حقيقي من أمراض الاجتماع. فالاجتماع كما وصفه بعض علماء ~~السوسيولوجيا، جسم يشبه جسم الحي في تكوينه ووظائفه وأطواره، وله ~~نظيره أمراض تشبه أمراضه بأسبابها ونتائجها وطرق انتشارها، والفرق ~~بينهما نسبي فقط في كبر الجسم وطول العمر. فالاجتماع حيوان هائل، ~~وألوف السنين ليست بالشيء الكثير في حياته. # والبحث في أمراض الاجتماع هو بحث بسيكولوجي سوسيولوجي، يتناول البحث ~~في قوى العقل وأميال النفس، والأسباب الاجتماعية التي تؤثر فيهما، ~~غريزية كانت كالوراثة العامة الراجعة إلى الاجتماع نفسه والخاصة ~~المتعلقة بالأهل، أو مكتسبة كالتربية البيتية والمدرسية ونوع ~~التعليم؛ مما يجعل هذا البحث وعر المسالك. # فالانتحار مرض من أمراض الاجتماع يهم المجتمع الإنساني بأسبابه ~~ونتائجه، فهو ينزع من هذا المجتمع أعضاء هم غالبا في مقتبل العمر، ~~والموجود مهما يكن خير لهذا المجتمع من المفقود، خصوصا إذا عرف ~~المجتمع بشرائعه أن يستفيد من قوى هذا الموجود النافعة؛ لأن الإضرار ~~بهذا المجتمع ليس من أصل الطبع في نظام هذا الكون، بل من الأمور ~~العارضة بالنسبة إلى تطبيق الوضع على الطبع. فالانتحار مرض عارض لعدم ms163 ~~تطبيق الموضوع على المطبوع وأسبابه في نظامات هذا الاجتماع ~~وتعاليمه. # فالإنسان ليس كائنا واحدا في جسمه وطباعه وعقله وأخلاقه، بل هو ابن ~~الفطرة وابن المكان والزمان أيضا. فالإنسان الفطري ليس لنا مثال ~~يمكننا من وصفه وصفا ثابتا، وغاية ما يقال فيه إنه معد ~~إعدادا تاما لقبول تأثير المؤثرات فيه، طبيعية كانت أو أدبية. ~~ولا يمكن لنا ذلك ولو رددناه إلى الحيوان؛ لأنه في هذه الحالة أيضا ~~يبقى متأثرا ولو لعوامل المكان. إنما بالتجريد يمكننا أن نتخيله ~~بصفاته البسيطة الشاملة لعامة هذا الكون، وأول هذه الصفات فيه حب ~~الذات، وأبسطه، أي حب الذات، ما كانت الغاية منه المحافظة على الحياة. ~~فالإنسان الفطري هو إذن محافظ على حياته المادية لا ينوي لها شرا، ~~ولا يبغي بها بدلا. فالانتحار ليس من طبع الإنسان، ولا هو من طبع ~~الحيوان، وما نسب إلى بعض الحيوان من ذلك على ندرته لا يجوز أن يحسب ~~من هذا القبيل، وأكثره عن جنون حقيقي يصيب الحيوان كما يصيب ~~الإنسان، وقتل النفس فيه نتيجة لا غاية مقصودة، كما هو في ~~الانتحار. # بل لو بحثنا في طبقات البشر السفلى التي هي أقرب إلى الفطرة لم نجد ~~ما يحملنا على الخروج عن هذا المبدأ؛ فالإنسان المتوحش إذا أوذي ~~بمصلحته أو عورض في إرادته، يحاول أن ينتقم لنفسه لا بقتل نفسه، بل ~~بقتل من حال دونه وتصدى لإيذائه. وإن خاف على حياته من خصمه، ولم يجد ~~مفرا لنجاته من يده؛ يفضل أن يقع صريعا وهو يدافع عنها أملا ~~بالنجاة وطلبا للانتقام، من أن يقتل نفسه بيده. # فالانتحار ليس في صفات الإنسان الفطرية ما يحمل عليه، ولا هو معروف ~~عند الإنسان المستغرق في الهمجية، بل هو طارئ عليه من نوع التربية ~~والتعليم. ويلزمنا أن نصعد إلى عصور الجاهلية الفاصلة بين عصر التوحش ~~وعصر التمدن، بمعنى أنها آخر الأول وأول الثاني؛ حتى نجد بعض حوادث ~~منه من وقت إلى آخر بعيد، وفي ظروف خصوصية نادرة. فلا يخفى أن الصفة ~~الأولى التي تنبهت في الإنسان في ms164 هذه العصور، أي عصور الجاهلية، هي ~~الأنفة؛ ولذلك كانت حوادث الانتحار في هذه العصور مقتصرة على أمر ~~واحد ليس فيه شيء من صغر النفس أو قلة العقل كما نرى اليوم، كأن يقع ~~الإنسان في أسر عدوه، أو يخشى الوقوع في أسره وقد سدت في وجهه ~~سبل الدفاع، وهو هالك في الحالين، فيفضل أن يقتل نفسه بيده ~~ليحرم عدوه من لذة الإيقاع به، وهو في كل ذلك لم يتخط حب الذات؛ ~~فمدافعته عن نفسه يحمله عليها حب ذاته، وقتلها بيده لئلا تهان ~~بيد عدوه، يحمله عليه حب ذاته أيضا. # ثم جاء عصر التمدن بما خالطه من التعاليم المتباينة والمبادئ ~~المتناقضة، من اجتماعية ودينية وأدبية، فقوى في الإنسان عواطف وأمات ~~عواطف وحول عواطف؛ فقوى في الإنسان الخيال، وأضعف فيه الثقة بالنفس ~~والاعتماد عليها، وصرفه عن الحال بالمآل، فصغرت الحياة الدنيا في ~~عينيه حتى احتقرت الحياة المادية، وعظمت الحياة الأخرى حتى صارت تفضل ~~عليها الحياة الأدبية. # ولم يقتصر الإنسان على بسيط هذه المبادئ، وإلا لم يكن الشر عظيما، ~~خصوصا إذا كانت النتائج متفقة معها، بل وقع تناقض كلي في تربيته ~~وتعاليمه. فبعد أن بذلوا الأبدان إلى حد التقشف، ورفعوا الآمال إلى ~~مقام الأماني؛ عادوا فرفهوا الأبدان إلى حد الترهل، مع التصرف ~~بالمبادئ الأدبية بما لم يضعف من قوتها، بل حول وجهتها وأفسد ~~غايتها، فضعف الجهاز العصبي المستولي على العواطف بالتربية المرهلة ~~للأبدان، وتمادي العقل في الخيال حتى تناهى في الضلال، وكثر التناقض ~~بين الحياة النظرية والحياة العملية، فكثر الانتحار بين الموسرين؛ ~~لأسباب أدبية تهيج بها العواطف، متطرفين فيما تربوا عليه من أن ~~قتل الآمال لأشد من قتل الأجساد. وكثر بين الفقراء لأسباب اجتماعية ~~تضيق عليهم المذاهب، فعمدوا إليه متعزين بقول الشاعر: # والموت أطيب من حياة مرة # تقضى لياليها كقضم الجلمد # ولا يفهم من ذلك أن الانتحار من آفات التمدن بدليل ما نراه اليوم، ~~بل التمدن الصحيح ينبغي أن يزيل أثره بالكلية من المجتمع البشري ~~بإصلاح التربية وتقويم المبادئ، بل هو من آفات تمدننا ms165 الحديث؛ لما ~~فيه من النقص والتذبذب في كل شيء. فنحن حقيقة في دور من أدوار ارتقاء ~~الإنسان، ينبغي أن يعد في تاريخ المجتمع البشري طور الانتقال. فنحن ~~في هذا الطور لم نبق على همجيتنا البسيطة، ولم نبلغ مقام التمدن ~~الصحيح. ولقد مر علينا في هذا الدور قرون ونحن نتقلب متذبذبين بين ~~الوقوف والتقهقر واستئناف السير، وسيمر علينا قرون كثيرة أيضا قبل ~~أن نبلغ هذا المقام. وأدوار الانتقال في حياة الجموع كما في حياة ~~الأفراد شديدة الخطر؛ فكما أن الخطر على حياة الأفراد يشتد في طور ~~انتقال الطفل من الرضاع إلى الفطام وفي التسنين، هكذا الخطر يشتد على ~~حياة الجموع في انتقالها من طور إلى طور، وكثيرا ما يعرض لها في هذا ~~الطور ما يوقف سيرها ويوجب تقهقرها. وتاريخ الاجتماعات البشرية ~~مشحون بالأدلة على أن هذا الوقوف وهذا التقهقر حصلا لها في حياتها ~~مرارا عديدة، فاضطرت أن تستأنف السير. والله يعلم ما يلزم لذلك من ~~الزمان الطويل. # ويطول بنا الشرح لو أردنا أن نبين أوجه النقص في تمدننا ~~الحديث، الذي نتباهى به اليوم كأنا بلغنا به القدح المعلى، وما ~~يعترضه من المخاطر التي يخشى منها على حياة العمران، مما يوجب وقوفه ~~وتقهقره أحقابا طويلة. ولا نطيل الوقوف على هذا التمدن «النيئ» في ~~حياة الأفراد في حركاتهم المصطنعة التي ليس فيها شيء من الرجولة، ~~التي هي منتهى الأدب الحقيقي، كأن يثبت الإنسان رجليه على أطراف ~~قدميه، ويحني رأسه إلى الأمام، ويبرز بعجزه إلى الوراء، ويبسط كفه ~~لا إلى حد العطاء، ويضم أصابعه مبالغة في العياقة، ويمد ذراعيه ~~على زاوية، لا هي بالمنفرجة ولا هي بالقائمة، ويثبت كتفه كأن بها ~~حدورا تؤلمها الحركة؛ يظن بذلك أنه بلغ منتهى الكياسة، وما بلغ به ~~إلا انحطاطه إلى مقام أجداده القرود. أو كأن يقف صنما على كلتا ~~قدميه، ويثبت ساقيه، ويأخذ بعجزه، وجزعه يطول ويقصر، وينحني ~~وينبسط، باسطا كفه بسط المستجدي، مادا يده إلى الأرض، ورافعها ~~إلى رأسه وفمه، مكررا ذلك بسرعة تخطف الأبصار، كأنه يغرف ms166 بها شيئا ~~من أحد طرفيه ليضعه في الطرف الآخر، وما يغرف بها إلا جهله ليدل به ~~على قلة عقله (إشارة إلى السلام الإفرنجي والتركي). # وهذا التصنع الذي يعده بعضهم من التمدن، ويا حبذا التوحش ~~عنده، لا يقتصر على حركاتهم فقط، بل يتناول حديثهم ومعاملاتهم ~~وصداقتهم، إن صحت أن تسمى صداقة، وسائر آدابهم. فجميعها لا يتجاوز ~~حد التكلف، ومبدؤهم فيها التبطن، على حد قول المثل الفرنساوي: «جعل ~~الكلام لتضليل الأفكار.» أو على حد قول الشاعر العربي: # يعطيك من طرف اللسان حلاوة # ويروغ منك كما يروغ الثعلب # ولا يخفى ما في ذلك من الرخاوة العديمة الطلاوة، ومن النقص في الآداب ~~الخصوصية والعمومية معا، ومن إفساد أخلاق المجتمع البشري عموما. ~~وأقل أضرار ذلك التضليل لفقد الحرية الدالة على الشهامة وعلو ~~النفس. # وإذا نظرنا إلى هذا التمدن المشحون بالمبادئ المتناقضة في حياة ~~الجموع، تبدى لنا هذا النقص جليا في نظاماته وأحكامه وتعاليمه؛ ~~مما يجعل الخطر على التمدن الحقيقي من الوقوف والتقهقر شديدا جدا. ~~فلولا هذه النظامات الناقصة والأحكام الفاسدة والتعاليم المضللة، لما ~~رأينا المئات من الألوف يذهبون جوعا وبردا وقتلا بالسيف والأمراض، ~~ولما رأينا هذا التأفف من الهيئة الاجتماعية بسبب ذلك، وهذا التحفز ~~منها لقلب هذه النظامات؛ انتقاما للضعيف الرازح تحت عبء الظلم من ~~القوي السابح في بحور الغرور. ولا يخفى ما في ذلك من الخطر على المجتمع ~~نفسه، ولا نظن أن عصرا من العصور بلغ فيه توتر العلاقات التي تربط ~~أعضاء هذا المجتمع بهذه النظامات مبلغه في هذا العصر لاتساع الفهم. ~~فإما أن تنقح هذه النظامات إلى ما يكون أصلح للحال، وإما أن تقطع ~~رباطاتها لزيادة الشد، فيقع المجتمع في أواخر هذا القرن، أو أوائل ~~القرن القادم، في هرج لا تذكر معه ثورة أواخر القرن الماضي ~~بشيء. # وقد يتوهم القارئ أن إسهاب الكلام على التمدن الحالي ونظاماته ~~وتعاليمه وسائر آدابه، كما تقدم، خروج عن الموضوع وغلو في النظر. ~~والحال أن اعتبار ذلك أمر لازم في مثل بحثنا؛ لأن أسباب انتحار ~~الأفراد تمتد أعراقها ms167 إلى أصل المجتمع البشري، وتتخلل كل طبقاته؛ ~~فآداب الأفراد من آداب الاجتماع، وأخلاقهم من أخلاقه، وقواهم العقلية ~~وعواطفهم من قواه العقلية وعواطفه. فالاجتماع مسئول عن كل ضعف يظهر في ~~الأفراد. ولا شك أن الانتحار ضعف في العقل يجر إلى صغر في النفس، ~~سببه تقوية بعض العواطف بسبب التربية، وإماتة البعض الآخر وتحويلها إلى ~~غير وجهتها الحقيقية بالتعاليم المتناقضة، وعدم انطباقها على ~~العمل. # فبهذه التربية التي يفرط فيها أصحاب اليسار في البيوت والمعلمون ~~في المدارس، والتي يفرط فيها أصحاب العسر كذلك؛ يرهل البدن وتضعف ~~أعصابه، فيصير سريع التأثر؛ ولذلك كان يكثر الانتحار في سن الصبا ما ~~بين خمس عشرة سنة وخمس وعشرين سنة؛ إذ يكون الجسم رطبا رخصا؛ ~~فالتربية البيتية تضعف البدن بالترفه، والتربية المدرسية تقوي ~~العواطف، وتفسح المجال واسعا للخيال إلى حد الضلال، مع عدم مراعاة ~~تطبيق ذلك على المعاملات. فيخرج الشاب من بيته ومن المدارس، وهو على ~~هذه الحال من وهن المبادئ، إلى المجتمع البشري، حيث يصادف كل شيء على ~~عكس ما قد تربى، وضد ما قد تعلم. فتشتد فيه الانفعالات، وتعظم ~~عليه الصعوبات. ولا سيما إذا كان ممن قد تعلق على قراءة كتب ~~المجون، التي يبالغ أصحابها في تجسيم ما بني على المخيلة وتعظيمه ~~مع بعده عن الواقع، حتى يصبح الإنسان اثنين متناقضين؛ إنسانا ~~بالوسط الذي يعيش فيه، وإنسانا بما تربى عليه. فيصير بذلك متأثرا ~~لأقل سبب وأحيانا لغير داع. وكتب المجون هذه شديدة الضرر في تهييج ~~عواطف الإنسان. على أن نهج بعض الكتبة فيها في أواخر هذا القرن النهج ~~الطبيعي لتقرير الحقائق كما هي، خطوة حميدة ستقلل الضرر الناشئ ~~عنها. # والانتحار يكثر في الأحداث لأسباب عشقية تسهل مداواتها ومعاكسات ~~لا تصعب ملافاتها، لو كانوا أقوم تربية وأكثر خبرة؛ ولذلك هو يقل ~~جدا بعد سن الأربعين. وإذا حصل حينئذ فلغير هذه الأسباب؛ لأسباب ~~يزعمون أنها تمس الشرف، كما لو تورط إنسان مستقيم لزلة قدم، ~~فاستعمل مالا ليس له بناء على أن يرده لصاحبه بعد أن يصلح زلته، ~~فيبدد ms168 المال ولا ينهض من عثرته، ويخشى افتضاح أمره، فقد يقتل نفسه؛ ~~أو وقع في مرض عضال تأكد عدم شفائه، ولم يعد يطيق عذابه، فقد ~~ينتحر فرارا من العذاب، وإذا كان للانتحار مسوغ فربما كان هذا ~~الأخير، أي المرض، أصدق مسوغ له. # وفلسفة الانتحار يختلف تعليلها بحسب الأسباب والسن؛ ففي العشق يقصد ~~المنتحر التخلص من عذاب ليس في طاقته احتماله، وربما قصد بانتحاره ~~إرضاء حاسة وهمية، هي قهر الحبيب إذا كان يعتقد أن حبه شاغل مكانا من ~~قلبه، أو كان يعتقد فيه وجود عاطفة الشفقة فقط، وقلما ينتحر لمعشوق ~~يعتقد فيه الخلو من هاتين العاطفتين أصلا. وفي معاكسات الأهل يقصد ~~تكديرهم، كأنه ينتقم لنفسه منهم على عدم مجاراتهم له في أهوائه. وأما ~~الذي يبذل حياته صونا لشرف نفسه، فيقصد بذلك ترضيتين؛ إحداهما تخليص ~~وجدانه من عذاب ما تجلبه عليه الإهانة. والثانية تلطيف هذه الإهانة بما ~~يظن أنه يهيئ لها من الأعذار لدى الجمهور. # والمنتحر ليس بمجنون حقيقة، كما ربما يظن البعض، لأنه في انتحاره ~~يعقل؛ أي إنه يفعل أفعالا مغياة لا تخرج كلها عن حب الذات. فإذا ~~بذل حياته المادية فلاعتقاده أن الحياة الأدبية أفضل، أو لأن عذابه ~~تجاوز حد طاقته، أو لأسباب أخرى ذاتية. والدافع له إلى ذلك ضيق في ~~العقل وصغر في النفس للأسباب الاجتماعية السابق ذكرها. ولو أصلحت ~~تربيته على المبادئ المتينة، لعلم أن الشرف الحقيقي لا يكون بقتل ~~النفس، ولو بعد زلة كما يظن من لا حزم عنده، وتساعده التربية ~~الاجتماعية، بل بمصادمة الطوارئ بعزم ثابت وجأش قوي، لعله يستطيع، ~~ولو في المستقبل البعيد، أن يعوض على من أضاع عليه متاعه، وإلا فيكون ~~قد جاهد جهاد الأبطال، ولم يمت موت الأنذال. وإن الشهامة التي يزعم ~~الأحداث أنهم يأتونها بانتحارهم لمعشوق زاد دلالا، أو قهرا لأبوين ~~لم ينيلاهم منالا؛ ليست شهامة، بل الشهامة في تلقي الصعوبات بصدر ~~رحب وقلب لا يهاب؛ للتغلب عليها. # وأما الانتحار الذي يكون سببه الفقر، فما الباعث عليه إلا ضيق ~~المذاهب على الإنسان، فتقل ms169 حيلته في تحصيل رزقه، وفطرته لا تساعده ~~على ما عدته الهيئة الاجتماعية جنايات. فهو لا يجد من نفسه ميلا ~~للسرقة أو اللصوصية، فتصغر همته بإزاء الصعوبات الكثيرة، فيطلب النجاة ~~من الذل بالموت. # والانتحار هنا يكون غالبا مقرونا بالقتل، فيقتل الرجل معه امرأته ~~وأولاده، كأنه يريد أن ينجيهم مما هو واقع فيه، معتقدا أنهم ~~يشعرون شعوره في مركزه. وربما حملته محبة نفسه عن شعور مبهم على ألا ~~يدع نفسه يترك هذه الحياة من دون شريك له في مصابه، فيعمد إلى قتل من ~~هم أقرب إليه، وقتلهم أسهل عليه. والمسئول في هذه الجناية الفظيعة ~~نظامات الهيئة الاجتماعية بلا ريب. وربما وضعنا مقالة في فرصة أخرى ~~أبنا فيها كيف يمكن ملافاة نقص هذه النظامات بما تقل معه مصائب ~~الإنسان، ولا يخرج عن حد الإمكان في هذا الزمان، حتى لا يظن قصار النظر ~~أننا نهيم في الأوهام، وأن مباحثنا أضغاث أحلام، وحتى يتضح لهم أنهم هم ~~أنفسهم ليسوا في يقظة بل في منام. # | المقالة الخامسة والعشرون # رجال الغد # 1 # إذا شئت أن تعرف مستقبل أمة فابحث عنه في أطفالها؛ فهم نتاج الماضي ~~وعنوان المستقبل. ابحث عنه في صحتهم وفي تربيتهم وفي تعليمهم، من يوم ~~يحبل بهم أجنة إلى يوم يولدون ويربون في حجر أمهم، إلى يوم ~~يخرجون من المدارس وينضمون إلى الهيئة الاجتماعية أعضاء ~~عاملين. # فعلى صحتهم وكثرتهم يتوقف نمو الأمة، وعلى حسن تربيتهم وتعليمهم ~~يتوقف نجاحها؛ فالأم أول عامل يؤثر في الطفل وأهمه، وتأثيرها فيه أشد ~~من تأثير الأب؛ فهي تغذيه من دمها أشهرا، وتسقيه لبنها أشهرا، ~~وتربيه في حجرها سنين. وما يكتسبه الطفل من أمه بالإعداد الطبيعي ~~والتربية الأدبية والتعليم العقلي قد لا تقوى عليه المؤثرات اللاحقة، ~~ومهما قويت فلا تزيل أثره. # تصور أما حمقاء لا تعرف من قوانين الصحة إلا الأكل حتى على ~~الشبع، ومن أدب التمدن إلا البهرجة والتزين بالحلي العاطلة، وهي عاطلة ~~من حلي الآداب الحقيقية، ومن العلوم غير ما تقوى به الأوهام، وتفسد ~~معه الأحكام. عقلها أوسخ من ms170 بدنها، تدفع العين عن طفلها بالقذارة، ~~وتمنعه عن إتيان ما لا يجوز بتخويفه بالغول والبعبع، بعد الأب ~~والطبيب، وتدفع به بعد أن تغذيه بدم الجهل وتسقيه لبن الحمق إلى ~~مرضع لا تفضلها في شيء من هذا القبيل، وتنقص عنها في فقدان الحنو ~~الوالدي الذي هو من العواطف التي تؤثر في اللبن تأثيرا عصبيا، ~~وتكيفه تكييفا حسنا يستمرئ به الرضيع. فماذا تكون حالة هذا الطفل ~~المسكين صحيا وأدبيا وعقليا؟ لا شك أنها تكون رديئة ~~جدا. # ثم قابل هذا الطفل بطفل أم هي على نقيض ما تقدم؛ عاقلة، ~~متهذبة، متعلمة، متحلية بالآداب الصحيحة، عالمة أن نبلها قائم ~~ببساطتها في معيشتها لا ببهرجتها، وأن جمالها قائم بترتيبها ونظافتها، ~~لا بطلي وجهها. ليس للأوهام عليها سلطان يدفعها إلى الاستمساك ~~بالخرافات، وزرعها في رأس طفلها حتى يشب على الاعتقادات الفاسدة ~~والأحكام الباردة، بل تربيه تربية تجعل عقله حرا غير مقيد ~~بقيود الجهل والأوهام، تحافظ على صحته بالمبالغة بنظافة جسده وملابسه، ~~والاعتناء بطعامه وشرابه، ونقاوة هواء غرفته، متحاشية التأنق الذي ~~يجر إلى الرفاهة المرهلة للأبدان والآداب، حافظة له شيئا من ~~الخشونة الجائزة المقوية للأجسام والأخلاق. # فإن مثل هذا الطفل يشب صحيحا أديبا عاقلا، ليس فيه شيء من ميوعة ~~المترهلين أو خشونة الجافين، متحليا بالرجولة التي هي من صفات ~~الحازمين، مقداما ولو زلت قدمه، جليدا ولو خارت هممه، سخيا ولو ~~نضبت كفه، كريم الأخلاق، يملكه المعروف ولا يلتئم للمتلوف، يعذر حيث ~~يجب العذل، فللجهل عذر لا يفوت ذوي الفضل: # كريم يقيم العذر في موضع العذل # فللجهل عذر لا يفوت ذوي الفضل # إذا ما رأى المعروف في بذل نفسه # جفاها ولم يقبل فداه سوى البذل # والحكم بين الطفلين كالحكم بين الأمين لا يقبل التردد، وهذه ~~النسبة تختلف بين أطفال أمة واحدة لاختلاف الأمهات، والغلبة حينئذ ~~للأكثرية، كما أنها تختلف بين أطفال أمة وأمة، والغلبة هنا للأمة ~~المتمدنة. فإذا خرج الطفل من حجر أمه إلى المدارس صادف هناك عقبات ~~كثيرة، كثيرا ما تهدم جسمه وتطفئ نور عقله، من سوء ms171 المعاملة في ~~التربية وفساد التعليم. وهذه المسألة المهمة جدا في مستقبل الطفل ~~ومستقبل كل أمة تحتمل بسطا واسعا إذا أردنا الإلمام بكل أطرافها، ~~والمقام لا يحتمل ذلك، فنقتصر فيها على كلام إجمالي يكون تمهيدا ~~للتوسع في هذا البحث لمن أراد. ولا نطيل الوقوف على المدارس الصغرى؛ ~~فإن عدمها أفضل من وجود كثير منها، ونحصر كلامنا في المدارس الكبرى. ~~فنقول إن التعليم على ما هو شائع، وخصوصا في مدارس المشرق؛ ناقص ~~جدا، فنظام المدارس في التعليم والتربية قديم لا ينطبق في جملته على ~~احتياجات العصر ومقبولات العقل وسنن الارتقاء؛ فالأسباب الصحية مهملة ~~في أكثرها للغاية، من حيث نظافة الهواء والماء والمأكل والملبس. فإن ~~القائمين بهذه التربية أكثرهم لا يعتنون بذلك، وربما عده بعضهم من ~~الأمور المخالفة للمبادئ القائمين بتأييدها، فعدوا القذارة نوعا من ~~التقشف الفضيل، والنظافة إفراطا في الترهل الذميم. وكثيرا ما يكون ~~ذلك سببا لأمراض تؤدي إلى الموت بعد الاعتلال. خذ مثلا لذلك من ~~أمثلة كثيرة، وهو مثال السكين والملعقة والشوكة التي يستعملها ~~التلامذة في طعامهم؛ فإن كثيرا من المدارس حتى اليوم لا يسمح بغسل هذه ~~الأواني إلا مرة في كل أسبوع. # والتربية ناقصة كذلك، وأكثر القائمين بها أناس يجهلونها، فيعدون ~~العقاب ومعاملة التلامذة بالخشونة والقساوة من القواعد الأساسية، ~~ويساوون فيها بين العموم، لا يفرقون بين تلميذ وتلميذ، جاهلين ~~الحكمة من قول الشاعر: # ووضع الندى في موضع السيف بالعلا # مضر كوضع السيف في موضع الندى # أي إن استعمال العصا حيث يمكن الاكتفاء بالتوبيخ اللطيف مضر ~~كاستعمال هذا في موضع ذلك. والأمثلة على ذلك كثيرة، وكل واحد منا في ~~وسعه أن يذكر كثيرا منها. وأروي لك مثالين وقعا لي في مدرستين ~~متباينتين في التربية، وبينهما فترة طويلة؛ أحدهما: أني كنت ذات ليلة ~~قبل ميعاد النوم واقفا مع صفي في مكان مكشوف للهواء، وفي أيام ~~الشتاء، فخانني الصبر من طول الانتظار، وقرصني البرد، فتأففت من ذلك ~~طالبا العجلة، فلم يرق ذلك في عيني الملاحظ علينا، وكأن رجلا أحمق ~~اسمه الأب بيانكي، أحق ms172 به مستشفى المجاذيب من مدرسة يتولى تربية ~~الصغار فيها، فعاقبني للحال عقابا أوسخ من عقله، فاعترضت فشدد ~~العقاب، فرضخت للظلم لصغر سني وضعفي، وحفظت الغل في قلبي حتى اليوم، ~~ولو كان لي حينئذ قوة تمكنني من الدفاع عن نفسي لنتفت ذقنه شعرة ~~شعرة. # ثم وقع لي بعد ذلك بسنين في مدرسة أخرى ما أخجل أنا نفسي من ذكره؛ ~~فإني طلبت يوما وأنا على المائدة طعاما غير موجود، وكان ذلك جائزا ~~لنا، فأباه العشي علي، فغضبت لذلك جدا، وقمت من عن المائدة، ~~واندفعت إلى المطبخ كالآلة العمياء، وتناولت الشيء الذي طلبته، ثم رميت ~~به إلى الأرض ودسته تحت قدمي، ثم رجعت إلى مكاني وأنا أنتظر العقاب على ~~ذلك، وأقله الطرد، وكان للمدرسة رئيس من أفاضل الرجال، عاقل حكيم ~~اسمه الدكتور بلس، أطال الله بقاءه، فأبلغوه الأمر، فكأنه نظر إلى ~~سوابقي الحسنة، وربما راعى اجتهادي في الدرس كذلك، فأمهلني يومين ولم ~~يقابلني، وأنا أنتظر من دقيقة إلى أخرى أن يطلبني. فلما كان اليوم ~~الثالث كنت في ساحة المدرسة وحدي، فرأيته مقبلا علي وبيده كتاب، ~~فجمدت في مكاني، وعلاني اصفرار الوجل، وخفق قلبي، فلما دنا مني تبسم ~~ومال إلى أذني كأنه يريد أن يسر إلي أمرا، وقال لي بصوت منخفض: ~~«إذا غضبت مرة أخرى فلا ترتب على غضبك عملا إلا بعد أربع وعشرين ~~ساعة.» وتركني. فبقيت جامدا في مكاني لا أتحرك، وعلاني احمرار الخجل، ~~واستولى علي الدوار، ولا أعلم كم بقيت في هذه الحالة لا أنتقل من ~~مكاني، وإنما الذي أعلمه أنني اعتبرت بهذا العقاب كثيرا، وحسبته أشد ~~من الضرب والطرد، وأدعى إلى الإصلاح. # وأي قساوة وحشية تفوق ما أرويه لك عن معاملة المعلمين للتلامذة في ~~بعض هذه المدارس الكبرى؟ فإني يوم كنت تلميذا وسني بين 11 و12 سنة، ~~كان ملاحظ غرفة منامتنا كلما رأى تلميذا مكشوفا وهو نائم يوقظه ~~بضربه بعصا رفيعة على رجليه عوضا عن أن يغطيه كما كان يفعل أبوه أو ~~أمه، مع أن عمل الضرب لا يوجب على حضرته ms173 صرف قوة أقل مما يوجب ~~عمل التغطية، فماذا يفعل هذا الطفل المسكين القاصر عن معرفة الجائز ~~وغير الجائز، وعن معرفة متى يكون مسئولا ومتى لا يكون، إذ يرى مثل هذا ~~الوحش المتولي أمر تربيته يفعل ذلك، سوى أن يقوم في اعتقاده أن ~~تكشفه في نومه ذنب لا يغتفر، ولكنه ذنب ليس في طاقته أن يجتنبه؛ ~~فتقل ثقته بنفسه، ويقع في رعب قد يؤدي به إلى الخمول. وأذكر أني كي ~~أتقي هذه المعاملة الوحشية عمدت إلى اللحاف وثبته في السرير، ثم ~~فتقت ملحفته، وصرت أدخل جسمي بين اللحاف والملحفة كأني في كيس، ~~ولكني كنت حينئذ كالمستجير من الرمضاء بالنار؛ فقد اتقيت بهذه الحيلة ~~عصا الرقيب، ولكني وقعت بين أنياب البق؛ لأن مسامير اللحاف، كما ~~يسمونها، كانت ملآنة بقا. # ولذلك ينبغي أن يكون المعلمون من الذين تربوا جيدا، وبرعوا في ~~علم الأخلاق؛ حتى يدرسوا طبائع كل تلميذ، ويعاملوه بحسب طبيعته. ~~وينبغي أن يكونوا كذلك من النبهاء؛ ليلاحظوا ميل كل تلميذ وقابلية ~~عقله؛ ليردعوه عن الفاسد، وينشطوه في الاستعداد الحسن. والأكثرون لا ~~يفهمون مقدار الضرر الناشئ عن عدم مراعاة ذلك؛ فإن عقولا كثيرة من ~~أذكى العقول ينطفي نورها كل سنة في المدارس من سوء المعاملة، ومقاومة ~~أميال العقل. ولا ريب عندنا أن المستقبل سيجعل فن سياسة الأطفال فنا ~~قائما بنفسه، تؤلف فيه المؤلفات، ويتلقنه المعلمون في مدارس ~~خصوصية تجيز لهم التعليم، كما يفعل اليوم للأطباء ~~والمتشرعين. # أما التعليم في المدارس فقسمان: العلوم الأدبية، والعلوم الطبيعية. ~~أما العلوم الطبيعية، ويدخل تحتها العلوم الرياضية، فلا يعترض عليها؛ ~~لأنها واحدة في كل المدارس، وهي من أصدق العلوم، وتأثيرها في العقل جيد ~~جدا؛ إذ تربيه على القياس الصحيح. # أما العلوم الأدبية فواسعة جدا، ويدخل تحتها علوم اللغة، لا من حيث ~~وضعها ونشؤها؛ فإن ذلك من المباحث الطبيعية الحسنة والمهملة في ~~المدارس، بل من حيث تعليلها. والمنطق والفلسفة العقلية، وعلم الآداب ~~والسياسة واللاهوت، إلى غير ذلك من اجتهادات العقل وأوضاعه، ففيها كثير ~~من المبادئ التي يدخلونها في رءوس ms174 التلامذة قسرا كأنها قضايا ~~مسلمة، وكثير منها ما يكون مغلوطا. ويربون العقل عليها حتى يفقد ~~ما له من القوى الذاتية، ويصبح كأنه مصنوع على قالب معلوم، وناهيك ~~بهذا المصنوع المبني على المغلوط. وبعد أن يصنعوه على هذه الصورة ~~يفرغون فيه العلوم، حيث تبقى فيه عقيمة أو تظهر بمظاهر متناقضة؛ ~~ولذلك كان أكثر الذين يقيمون في هذه المدارس زمانا طويلا، ويدرسون ~~دروسها القانونية، يخرجون منها متعلمين كثيرا، ولكن فاقدين كل امتياز ~~ذاتي في عقولهم. وأكثر الناس الذين امتازوا بخاصة ذاتية في عقولهم هم ~~من الذين لم تسمح لهم الأحوال، إما لمرض وإما لسبب آخر، باتباع هذه ~~الدروس القانونية على النسق المعول عليه في أكثر المدارس، ونجوا ~~بذلك من الوقوع تحت سلطان هذه التربية العقلية. # فالمدارس لا يجوز لها أن تضغط على العقول لتصنعها على قالب معلوم، ~~وتضيق عليها المذاهب، بل يلزم لها أن تعدها إعدادا عاما، وتوسع ~~لها المنافذ حتى يسهل عليها التصرف في العلوم التي تعلمها، والبحث في ~~جميع الأشياء التي تعرض لها. # وبين المدارس الموجودة بيننا فرق عظيم في ذلك، وأفضلها ما هجر الخطة ~~الأولى، وكان أقرب إلى الخطة الثانية. والفرق بين تلامذة المدرستين ~~واضح، وأرجحية الجانب الواحد لا تحتاج إلى بيان، ولو كانت حكومات ~~المشرق من الحكومات المرتقية لاهتمت بهذا الأمر جدا على الأسلوب ~~الذي ألمعنا إليه، والذي يحتاج بسطه إلى تفصيل طويل. # ولو كنت ناظرا للمعارف - لا أقول ذلك من باب التمني - لأكثرت التردد ~~على المدارس، لا في الحفلات الرسمية للأكل والشرب والطرب على نغم ~~الموسيقى، واستماع خطب المدح الباردة، ومبادلة العبارات الفارغة، بل ~~للوقوف على أحوال التلامذة في أدق أمورهم؛ في مائهم وهوائهم وغذائهم ~~ونظافتهم ومطبخهم وأسرتهم وملابسهم، فضلا عن طريقة تعليمهم، بل ~~للوقوف على حال المعلمين من ذلك أيضا؛ فإني أذكر أن معلما من ~~معلمي المدارس الكبرى حضر مرة للتداوي عندي، فلما كشفت لباسه الأسود ~~كدت أتقيأ ما في معدتي من شدة سواد قميصه لشدة قذارته، فكيف يرجى ~~ممن هو بهذه القذارة في جسمه أن ms175 يكون أنظف من ذلك في عقله، وأن يكون ~~مرشدا لهؤلاء الأطفال إلى ما يصح به جسمهم ويذكو عقلهم وتسمو ~~آدابهم؟ # ولا ريب أن بعض المدارس أصلح من البعض الآخر في هذه الأمور، وأن ~~كثيرا منها اصطلح جدا عما كان عليه من عشرين سنة، خصوصا في ~~أوروبا، إلا أن البعض الآخر لم يزل كما كان عليه من عهد أربعين أو ~~خمسين سنة، خصوصا في سوريا ومصر من البلاد التي يهمنا التعليم فيها. ~~والإصلاح الذي حصل في المدارس في النصف الثاني من هذا القرن هو في ~~جملته دون الممكن ودون المطلوب، خصوصا إذا قسناه بالإصلاح الذي حصل ~~في المستشفيات والفنادق. ولا ندري كيف تصبر الهيئة الاجتماعية ~~والحكومات المتمدنة على ذلك مع علمها أن هؤلاء الأطفال هم رجال الغد؟ ~~فعلى صحة أبدانهم يتوقف نماء الأمة، وعلى صحة عقولهم يتوقف ~~نجاحها. # وإهمال الرحمة بالأطفال بالغ الغاية القصوى في بلاد المشرق، وإذا ~~ألقينا نظرنا إلى الأطفال في هذه البلاد خصوصا، ضاق علينا قاموس اللغة ~~لوجود ألفاظ تعبر عما يجيش في النفس من الاحتقار لرجال الأحكام ~~ولهيئة البلاد نفسها، ولا سيما بعد أن عدوا أنفسهم في عداد ~~الحكومات والأمم المتمدنة يتقلدون كأنهم لا يعقلون، فيؤلفون الجمعيات ~~للرفق بالحيوان، كأنهم استوفوا ما يلزم لنوع الإنسان، مع أن الحاجة ~~إلى إقامة الجمعيات للرفق بالأطفال خصوصا في هذه البلاد أشد وأولى. ~~فلا نظن أن العاهات التي تشوه الأبدان، والوفيات التي تذهب ~~بالأرواح، بالغة في بلاد مبلغها في هذه البلاد. فالرفق بهؤلاء ~~الأطفال من أول واجبات الأمة وواجبات الحكومة إذا كانتا تريدان أن ~~تعملا عملا معقولا مشكورا، ولا أقل من أن تنشئ لهم المستشفيات ~~الكافية. # ولا تستغرب أيها القارئ إذا قلت لك إن في كل من تركيا ومصر لا يوجد ~~مستشفى واحد للأطفال؛ فالحكومة تعتذر من عدم وجود المال (إلا إذا ~~شاءت)، وغالب أغنياء الأمة ليس فيهم من يفهم قوة هذه الأعمال؛ لجهلهم ~~وقلة عقلهم، مع أن الذي أنفقته حكومة تركيا ومصر على سياحة إمبراطور ~~غني، كان في إمكانه أن ms176 يسوح على نفقته وما تنفقه الأمة من وقت إلى آخر ~~على الاحتفالات الصبيانية البليدة كان وحده يكفي لإنشاء مستشفيات ~~تأوي فيها أطفال البلدتين معا. # والمضحك المبكي أن الحكومة والأمة اللتين لا تهتزان لهذا الأمر ~~الجلل تنتفض أعصابهما رعبا لعمل مشجوب، يأتيه بعض الرعاع من وقت إلى ~~وقت آخر بعيد، كالإيقاع بعظيم يسهل تعويضه لهوس تسهل مداواته، ~~ويأس تسهل ملافاته، فتقوم قيامتهما، وتبثان العيون والأرصاد، ~~وتأخذان البريء بجريرة المذنب، كأن القيامة قد قامت ويوم الحشر قد ~~دنا. وأغرب من ذلك أن هذه الغيرة قد امتدت إلى جرائدنا في هذه ~~الأيام، فقامت تجسم الأوهام، وتؤكد المزعوم، وتحذر وتندد ~~وتنبه رجال الأحكام إلى خوف بعيد عنها قريب منهم. كأنهم أحرص منهم ~~على حياتهم، وأشد استمساكا منهم بنظاماتهم، مع بعدها عن امتيازاتهم، ~~منادية بالويل والثبور، ذارة الرماد على مسترسل سطورها، كأنها ~~خافت على قصور أصحابها أن تنسف، وأموالهم أن تسلب، وأرواحهم أن ~~تنهب، وهم منها أفرغ من فؤاد أم موسى، حتى أرواحهم لم يبقوا على ~~استقلالها مدفوعة بعوامل لا يصح أن تسمى الانعطاف؛ لأن هذه الحاسة ~~النبيلة كثيرا ما تخونها في حوادث أشد من أعمال الفوضويين ضررا، ~~وأكثر منه مساسا بهم، فكم نرى الحاكم الواحد يضحي مئات الألوف من ~~النفوس والملايين من الأموال على مذابح الطمع والجهل، ولا تنبس ببنت ~~شفة، فلو كانت هذه الحاسة الشريفة هي التي تدفعها إلى ذلك، لوجب أن ~~تظهر فيها على نفس النسبة، وحينئذ لملأت العالم ضجيجا وعجيجا، ~~فالحكمة تقضي في مثل ذلك أن يبحث عن السبب لملافاته من أصله. ~~فالفوضوية والاشتراكية وكل الجمعيات المقاومة للنظام الحالي، بقطع ~~النظر عن كونها صالحة أو غير صالحة، دليل على أن الهيئة الاجتماعية ~~تشعر بتعب موجود حقيقة تقصر النظامات الحاضرة عن تداركه، فإصلاح هذه ~~النظامات لإزالة هذه الأسباب أحق وأولى. وما إهمال تربية الأطفال ~~الذين فيهم بحثنا من جانب هذه الهيئة والنظامات إلا سبب واحد من ~~أسباب كثيرة اجتماعية داعية إلى تأفف الهيئة الاجتماعية. # فلعل جرائدنا تجد في هذا الموضوع ما يشغلها ms177 البحث فيه أشهرا وسنين ~~فتفيد وتستفيد، وخصوصا نحن الشرقيين الذين نشعر بثقل وطأة الأجنبي، ~~ونحاول التخلص منه؛ فهذا لا يتم لنا إلا إذا وجهنا كل قوانا إلى ~~الاعتناء بأطفالنا الذين هم رجال الغد حتى نستطيع أن نناظر بهم من هم ~~أرقى منا، وحتى لا نبقى بهم كما قال الشاعر: # صبياننا في القبح مثل شيوخنا # وشيوخنا في العقل كالصبيان # | المقالة السادسة والعشرون # الاشتراكيون # 1 # قرأت مقالة في الاشتراكيين، وغاية ما فهمته من الانتقاد عليهم أن ~~شكواهم من نظام الاجتماع فارغة ومطالبهم أفرغ، وهي على ما بها من الوهن ~~غير واضحة حتى يهتدى بها. # وقائل ذلك لم يقل لنا رأيه في نظام الاجتماع نفسه كما هو اليوم، ~~وكما كان في الأمس. والمتبادر إلى الذهن من سياق الحديث أنه حديث في ~~العهدين. على أن نظام الاجتماع كما هو اليوم ليس الذي كان بالأمس، فهو ~~اليوم أصلح نوعا منه في الماضي ليس في كله، بل في بعض المجتمعات التي ~~عليها مسحة من التمدن، ونسميها نحن متمدنة، وإلا فهناك حتى اليوم ~~مجتمعات كثيرة يود الإنسان لو لم يكن من أعضائها. # فلماذا تغير هذا النظام ويتغير مع الأجيال من أردأ إلى رديء، ومن ~~رديء إلى حسن بالتدريج؟ وما هو الباعث على هذا التغيير؟ وما هو كذلك ~~شأن مثل هؤلاء الناقمين على هذا النظام في هذا التغيير، فوضويين كانوا ~~أو اشتراكيين أو مقلقين أو مصلحين أو فلاسفة إلى دعاة الأديان ~~أنفسهم، على اختلاف منازعهم وحسب كل عصر؟ ولعل المدقق يوافقني ~~على أن شأنهم في ترقية الاجتماع عظيم. وليس شأنهم هذا بالنظر إلى ~~تعاليمهم ومبلغها من الصحة والموافقة، بل بالنظر إلى موقفهم تجاه ~~الاجتماع؛ فإن هذا وحده كاف لإيقاظه ومنعه من التقهقر، وتمهيد سبل ~~الارتقاء له. # ولذلك كان أول خاطر يجب أن يخطر للباحث المدقق عند ذكر الناقمين ~~ليس الطرق التي يتذرعون بها، والخطط التي يسنونها لمقاومة نظام ~~الاجتماع؛ إذ قلما نجد حينئذ اثنين متفقين، ولا ما يخامر بعضهم ~~من المطامع، فالنفس أمارة بالسوء، وكل مصلح إذا استبد ms178 يحتاج إلى ~~مصلح يصلحه؛ لذلك كان وجود الضد في نظام الاجتماع من أعظم ~~مقومات الإصلاح، وكلما اشتد الضد اشتد التنازع واشتد التغير ~~أيضا، سنة العوالم في نشوئها، بل الخاطر الذي يجب أن يخطر له هو: ~~لماذا هذا القلق المستحوذ على الاجتماع، والذي لا يفارقه في كل ~~أطواره، كما يدل عليه تذمر المتذمرين وثورات الثائرين في كل العصور؟ ~~فلا شك أن السبب هو نقص نظاماته عن توفير الراحة له، وارتقاء العمران ~~في الأجيال يدلنا على أنه يمكن إصلاح هذا النقص. # فإلى هذا يجب أن يتجه أولا خاطر الباحث المفكر والمصلح ~~المدبر، عندما يسمع ذكر مثل هؤلاء الناقمين لا إلى شجبهم وتقريعهم ~~وتسفيه تعاليمهم؛ مما يوهم لأول وهلة أن الاجتماع كما هو على ~~هدى، وهم يدفعونه إلى الضلال. وإذا انتقدناهم فللتنبيه إلى ما قد يكون ~~أصلح لفائدة الاجتماع، ولا يجوز لنا أن نرمي مطالبهم بأنها أضغاث أحلام ~~قبل التثبت، فكم من مثل هذه الأحلام المزعومة في الماضي صارت حقائق ~~رائعة اليوم! ولا أن نئول تعاليمهم على غير الحق إضعافا لها، فلقد ~~طالما قال لنا خصوم مذهب داروين إن مذهبه يعلمنا أن الإنسان متسلسل ~~عن القرد؛ أي إن القرد نفسه سيرتقي حتى يصير يوما ما إنسانا نظيرنا. ~~والحال أن مذهب داروين لا يعلم ذلك، بل يعلمنا أن القرد والإنسان من ~~أصل واحد، وأن القرد أقرب الحيوانات إليه. # كذلك خصوم الفوضويين والاشتراكيين وسائر الناقمين على الهيئة ~~الاجتماعية، يقولون لنا بعد أن يوسعوهم من التقريع واللوم إن أكثر ~~مطالبهم أحلام يمكن تحقيقها، ويجعلون في رأس هذه المطالب اقتسام المال ~~- والمال أحب الأشياء إلى الإنسان - يريدون بذلك أن ينفروا الناس ~~تضليلا لهم لئلا يهتدوا فتسوء مصالحهم؛ لأن مطلب توزيع المال ~~بالسواء لو وجد في تعاليمهم كما يريده خصومهم لدل على سخافة ما ~~بعدها سخافة. وكيف تمكن المحافظة على هذه المساواة لو أمكن هذا ~~الاقتسام؟ # فتعاليم رجال الإصلاح تتناول غاية أعظم، وتستند إلى مبادئ أرسخ، ~~وكلها حقائق ممكنة، كما يدل على ذلك درس أحوال العمران في أطواره ms179 ~~المختلفة، فكيف نطبق بين ارتقائه في العصور واعتراضنا على الناقمين، ~~وهو عليهم واحد في كل العصور؟ # فالمصلحون الاجتماعيون الطبيعيون يرمون في نظام الاجتماع إلى غرض ~~طبيعي ممكن، هو توفير قوى هذا الاجتماع حتى لا يذهب منها شيء سدى، ~~وحتى لا يبقى فيه أحد غير نافع ومنتفع معا. فهم يطلبون من الإنسان ~~أن يفعل في نظام اجتماع الإنسان ما يفعلونه اليوم بقوى الطبيعة نفسها ~~بتوفيرها والانتفاع بها، وهذا ما نسميه «ناموس الاقتصاد الاجتماعي ~~الطبيعي». ولولا أن هناك أناسا نظريين ربما جاز أن يطلق على نظامهم ~~«ناموس الاقتصاد الاجتماعي القانوني»، لما قلنا هنا «الطبيعي»؛ لأن ~~الاجتماع في الحقيقة طبيعي، هو وكل نواميسه مستفادة من الطبيعة، فإذا ~~رددناه إليها فإنما نكون قد رددنا الشيء إلى أصله ووضعناه في ~~محله. # فهل في نظام الاجتماع اليوم ما تتوفر معه هذه الغاية؟ أم هل في ~~شرائعه مع ما هي عليه من سخافة المبدأ وقلة الأحكام ما يؤملنا أن ~~يبلغها في عهد قريب؟ ولا نستنصر الكثرة والشهرة؛ فالناس مهما عظمت ~~مكانتهم على ضلال حتى يهتدوا. أفلا نرى أن القيام في وجه هذه النظامات ~~واجب لزحزحتها عن مألوفها، ودفع الاجتماع في السبيل السوي لبلوغ الغاية ~~منه؟ أم لا نرى الفائدة من وجود مثل هؤلاء الناقمين على نظام الاجتماع، ~~وقيامهم على اختلاف منازعهم لمصادرته في نظاماته وشرائعه، تارة ~~باللين وأخرى بالعنف، هذا بالترغيب وذاك بالإرهاب، هذا بالجحيم وذاك ~~بالنعيم، هذا بمقاومة الجهل وذاك بنشر العلم؟ أو لا تروعنا مخاطرتهم ~~بأرواحهم وتعريضهم مصالحهم للعبث بها، حتى لقد بلغ التحمس ببعضهم إلى ~~حد الهوس، ولو أن لكثيرين منهم من وراء ذلك أحيانا كثيرة مطامع ~~قريبة؟ # فهل مثل هؤلاء يجوز لنا أن نسميهم كسالى لأنهم لم يحركوا سوى ~~قلمهم، أو كبار البطون لأنهم يطلبون للاجتماع مرتعا أخصب، أو صغار ~~العقول لأنهم يطلبون له مطالب تتراءى للجمهور في حينها أنها أحلام، ثم ~~يرتقي الاجتماع فتبدو حقائق باهرة؟ بل ما القول في الفلاح الذي يحرث ~~الأرض ويكد حتى يسمن سواه، وليس لخدمته من خدمة ms180 سواه له مكافئ؟ بل ~~ما القول في ذلك الجندي الذي يسرح في النهار كالسائمة، ثم يرد في ~~المساء إلى زريبته نظيرها، ولو عقل أكثر منها لما رضي ذلك لنفسه؟ أولا ~~يظن أن الذود عن الأوطان حتى واكتساح البلدان يمكن بغير التجنيد على ~~ما هو مألوف؟ ولا يخفى أن كلامنا في العمران عموما ككلامنا على نواميس ~~الكون، لا على عالم من العوالم، وإلا اختل التوازن. # أنا لا أنكر أن الطرق التي يتذرع بها الناقمون أحيانا كثيرة ~~مشجوبة، إلا أنه يظهر أن مثل هذا الهز لازم لإحداث التأثير المطلوب، ~~وهو إيقاظ الغافل وتنبيه الفكر للبحث؛ بدليل أن نظام الاجتماع نفسه على ~~ما هو عليه اليوم فيه من الفظائع ما هو مشجوب أكثر، ولكنا ألفناه فلا ~~نتحرك له. # وليعلم أني لم أقف عند الأسماء؛ لأن مرماي الغرض، ولم أسهب البحث ~~في الجزئيات؛ لأن المقام لا يسعها أولا ولأنها العرض، وإذا ضللنا ~~السبيل مرة فلا بأس من طرق سواه، ولأني قبل كل شيء - وهذا المهم - أريد ~~أن أقرر كلية كبرى حاصلة وأخرى ممكنة. أما الأولى فنقص نظام ~~الاجتماع كما هو عن توفير مصلحته كما ينبغي أن تكون. وأما الثانية ~~فتكافل العمران بتوفير قواه. وكل مسعى في هذا السبيل من أين أتى فهو ~~محمود، ويلزمنا أن ننظر فيه نظر الباحث المستفيد، لا أن نقف في وجهه ~~لصده، وإذا وقفنا فلتحويله إلى ما يتراءى لنا أنه الأصلح. # | المقالة السابعة والعشرون # الاشتراكية # 1 # قرأت في المقطم شذرات مختلفة في الاشتراكية، بعضها مناقض للآخر ~~بحسب نظر كتابها فيها. # الناس ينتقدون الاشتراكية كما يفهمونها، لا كما هي أو كما يجب أن ~~تكون، شأنهم في أكثر المسائل الاجتماعية. # الاشتراكية، أو كما سميتها الاجتماعية أيضا، قلما نظر الكتاب ~~فيها، حتى زعماؤها أنفسهم، من الوجه الوحيد الذي يجب أن ينظر إليها؛ ~~ولهذا كثرت الآراء فيها، وكثر الاختلاف بينهم، وكثر انتقادها أيضا؛ ~~لأن الجميع نظروا فيها إلى المسائل الفرعية، ولم ينظروا إلى الأصول ~~التي يجب أن تقام عليها الفروع. # الاشتراكية كما يجب أن ms181 تكون ليست مذهبا فلسفيا اجتماعيا حتى ~~يجوز لكل واحد أن ينظر إليها كما يشاء، أو كما يدله فهمه. # الاشتراكية نتيجة لازمة لمقدمات ثابتة لا بد من الوصول إليها، ولو ~~بعد تذبذب طويل. # الاشتراكية كالاجتماع نفسه ذات نواميس طبيعية تدعو إليها، ولكن ~~الاجتماع نفسه هل يبحث فيه الباحثون اليوم جميعهم بحثا طبيعيا، ما ~~خلا كبار الطبيعيين الذين يعدون على الأصابع؟ هل ينظر العمرانيون ~~إلى الاجتماع نظرا طبيعيا بحتا؟ # الباحثون في الاشتراكية وفي الاجتماع نفسه أكثرهم من أصحاب النظر أو ~~من قصاره في تاريخ الاجتماع الطبيعي. # متى اتصل الناس في مباحثهم الاجتماعية والفلسفية إلى رد كل شيء إلى ~~هذا الأصل الطبيعي، سهل تفاهمهم وقل خلافهم، وأسرعوا الخطى في ~~ارتقائهم. # مضى على الناس عصور تضيع أصولها في أقصى ظلمات التاريخ قبل أن ~~يستقروا في مباحثهم على هذا المبدأ الطبيعي. هذا المبدأ الطبيعي هو ~~بالحقيقة ابن أمس؛ لأنه منذ أمس فقط أصبح من العلوم الثابتة، وكم يلزمه ~~من الزمان حتى يهدم علوم الناس النظرية! ومع ذلك فهو قد زعزعها بما لم ~~يتسن لعصر قبله أن يفعله بالقوة التي زعزعها بها. # العلوم النظرية ليست نظرية بالحقيقة إلا بالنسبة إلى كونها أقيمت ~~واتسعت على مبادئ اختبارية قليلة ومغلوطة غالبا، وإلا فليس هناك ~~فلسفة نظرية محضة، حتى ولا الدينية نفسها. # الفرق بين الفلسفة النظرية والحقيقية أو العملية هي أن هذه بنيت على ~~معرفة أتم بالطبيعة، واختبار أعم في ارتباطها بعضها ببعض، ~~والفلسفة النظرية جهلت ذلك أو تجاهلته، وخصوصا أهملت هذا الرابط. وسوف ~~تلتقيان في نقطة واحدة تردهما إلى الطبيعة؛ فالمصلح الطبيعي ليس ~~حالما أو واهما أو متمنيا، وإذا خانه علمه أحيانا كثيرة فلا ينفي ~~ذلك صدق إدراكه الذي يدله عليه أن في الإمكان أصلح مما كان. # الاشتراكية لا تضر الاجتماع؛ لأنها تطلب للاجتماع ما تطلبه نواميسه ~~نفسها، بل بالضد من ذلك تنفعه؛ إذ تؤيد الفضيلة، وتصد عن الرذيلة، ~~باتباعها سبل الاجتماع القويمة؛ لأن الفضيلة ليست إلا انطباق أعمال ~~الاجتماع على نواميس الاجتماع، والرذيلة مخالفة هذه النواميس. # الناموسان ms182 العظيمان اللذان يسوسان الاجتماع، هما تكافؤ القوى في ~~العمران، وهذا يوجب التنازع؛ والثاني تكافل العمران بتوفير قواه، وهذا ~~يوجب استخدامها كلها لمنفعته. # فالاشتراكية لا تطلب سوى أن تسير في الاجتماع على هذين الناموسين، ~~بحيث لا يضيع فيه شيء من قواه يمكن صرفه إلى منفعته. # لا شك أن الاشتراكية إذا أريد بها الاشتراك بالمنفعة من غير الاشتراك ~~في العمل تكون حلما باردا، وإذا كانت الاشتراك في هذه المنافع على ~~غير نسبة الاشتراك في العمل، فلا شك أنها تكون جورا ومميتة لكل ~~اجتهاد، ولكن إذا كانت الاشتراك في العمل والاشتراك في المنفعة على ~~نسبة هذا العمل، ألا تكون حينئذ عدلا وأكبر حاث على ~~الاجتهاد؟ # ما قولك في رجل ينال أجرا معلوما على عمله، وآخر ينال فوق هذا ~~الأجر كذا في المائة من الأرباح على نسبة العمل وأهميته، فأيهما يجد ~~أكثر من الآخر؟ وهل تقل أرباح رأس المال بذلك؟ # ما قولك في رجل به كفاءة لأن يأتي أعمالا نافعة جمة، ولكنه ينقصه ~~شيء إداري كمعرفة وجود العمل مثلا. وهذا ليس بالشيء النادر في ~~الاجتماع؛ فمثل هذا الرجل المهم قد يموت جوعا إذا ترك وشأنه، وهذا ~~أقل الشرور منه لولا أنه يخشى أن ينقلب عضوا شريرا في الاجتماع كثير ~~الضرر، كما هو الغالب. فلو كان في الاجتماع نظام يعرف كيف يستفيد من ~~مثل هذا الرجل وينفعه معا، ألا يكون ذلك أصلح لحال الاجتماع؟ # ما قولك في نظام اجتماعي يهتم بشئون الأفراد، فينشئ إدارات ~~تهتم بوجود أعمال لكل العمال كل حسب طاقته - وهذا ليس من الأحلام - ~~ويقيم المستشفيات على نسبة السكان، ويوفر وجود الماء للجميع على ~~حد سوى، ويقدم الصابون والكساء الأول البسيط لكل معوز (لأن ~~الموسر لا يقبل ذلك) تيسيرا للنظافة التي هي أول دعائم الصحة؟ فهل ~~أفراد الاجتماع الذين يتكفلون بذلك كل على حسب طاقته، يغبنون من ~~عملهم هذا؟ أفلا تربو أرباحهم عموما على خسارتهم ماديا وصحيا ~~وأدبيا من توفير وسائل العمل للعمال؟ ألا يزيد هناؤهم في صحتهم ~~وصفاؤهم في راحتهم؟ ألا يقل ms183 التذمر في الاجتماع حينئذ؟ أولا يصبح ~~الاجتهاد عنوان الفضل الصحيح، ويكون ذلك أكبر حاث على العمل والجد؟ ~~وهذا ليس حلما إلا في رءوس الذين تستثقل طباعهم الخروج عن المألوف، ~~وهذا النظام ولا ريب نظام الاجتماع المستقبل. # وما قولك أيضا في نظام المحاكم عموما كما هي اليوم؟ فكأن واضعها ظن ~~أن الإنسان ما خلق إلا لكي يقضي عمره كله في دعوى تعرض له في حياته، ~~كأن ليس له شغل آخر، وما هي النتيجة؟ إن الدعوى الواحدة تؤجل من شهر ~~إلى آخر ومن سنة إلى أخرى، حتى ينقضي عمر صاحبها فيها، وربما تركها ~~ميراثا وحيدا لأولاده، وبئس الميراث تصرف فيه قوى الإنسان إلى جهة ~~واحدة، وأية جهة! # ألا ترى أن المحاكم لو كانت موزعة في كل مدينة بل في كل بلد على ~~نسبة سكانه، بحيث إن دعاويهم تنقضي في أقصر الأوقات لهم أو عليهم، أما ~~كان ذلك أربح حتى للخاسرين أنفسهم؟ أوليس هذا تبذيرا قبيحا في هذه ~~القوى، ومنعها عن الانصراف إلى شئون أخرى أنفع للاجتماع، أم ذلك من ~~الأحلام التي يحلم بها حالمو الاجتماع أيضا؟ # الاجتماع كما كان في القديم وكما لا يزال حتى اليوم ليس نظاما ~~طبيعيا، وكل موضوع ومشروع فيه مخالف لهذا النظام، ولكنه بحكم ~~نواميسه الطبيعية التي هي أقوى من كل ناموس وضعي سائر بالضرورة إلى ~~هذا النظام، وإنما هو سائر إليه بعد اضطرابات وثورات وقلاقل قد تكون ~~فيها مئات السنين كأمس الدابر بسبب نظاماته الموضوعة، ولكن هذا السير ~~قد يسرع أيضا بناء على ناموس تجمع القوى. وهنا يظهر فضل عقل ~~الإنسان؛ فكلما ارتقى الإنسان وزاد اختباره استخدم هذا الاختبار لتقصير ~~هذه المدة. # ولا ريب أن القرن الماضي هو الذي امتاز باكتشاف سر الاجتماع وتقرير ~~قضايا العلوم الطبيعية، وهو الذي امتاز أيضا بوضع الفلسفة العملية على ~~قواعد علمية متينة، وسيكون تأثير هذه الفلسفة عظيما في إصلاح ~~الاجتماع، وستقيه من التذبذب الكثير، وتمنعه من التقهقر، وتدفعه في ~~الارتقاء بسرعة تتمشى فيه على نسبة حسابية؛ لأن القضايا القائمة ~~عليها هذه ms184 الفلسفة اليوم ثابتة وفي حكم القضايا الرياضية نفسها، ~~والاضطرابات التي نشاهدها اليوم ليست إلا لنفض الغبار القديم. # | المقالة الثامنة والعشرون # الحزب الاشتراكي: # 1 # على المبادئ الطبيعية # أيها الوطن الأغر (المصري) # تمنيت علي - وما كنت حالما - أن أؤلف حزبا اشتراكيا يزج ~~بنفسه فيما بين الأحزاب في هذه البلاد، فصدعت بالأمر، ودعوت أولي ~~العقل والحجى والنهى والعلم والمعرفة والاختبار، فأنشئوا في الحال ~~الحزب المذكور، وقرروا بروغرامه. وهذا أهم ما جاء فيه من ~~الكليات: # القسم الأول: تقويضي تمهيدي # أولا: # أن تجمع كل الكتب السقيمة التي يضيع أولها في ~~آخرها، والتي يضيع الإنسان عمره فيها، وهو يقرأ ~~ولا يفهم، وتوضع على ظهور حملتها، ويشحن ~~الجميع في بالون يسير بهم إلى القطب الشمالي؛ ~~لعلهم يؤلفون هناك مملكة يكون بردها على نسبة ~~واحدة بين ذلك الإقليم وتعاليمهم. # ثانيا: # أن تلغى مدرسة الحقوق، وتمزق كتب القوانين ~~وكتب الاقتصاد السياسي، وسائر العلوم ~~الكلامية. # ثالثا: # أن يوقف تنفيذ بروغرام الجامعة كما قرروه؛ ~~لئلا تزيد معاهد العلم النظرية واحدا فتزيد ~~البلوى. # رابعا: # أن تلغى المحاكم المختلطة؛ لأن شرها مركب من ~~أساسها ومن نظامها، فلا يطل علينا قضاتها من ~~سماء أولمبهم حتى يعودوا إليه مسرعين، ولا ~~يزالون هكذا بين لقاء ووداع، وتأجيل في الدعاوى، ~~وتأخير إلى أن تنقضي أعمار أصحابها. وهل تهمهم ~~مصالح الجماهير أكثر مما كانت تهم حياة الناس ~~ذلك الحاكم المصري الذي يحكى عنه أنه قال ذات يوم ~~العبارة الآتية: «وهل نحن استلمناهم بعدد؟» ~~استدراكا لخطأ ذهبت فيه نفوس كثيرة ~~ظلما. # خامسا: # أن تلغى المحاكم كافة على صورتها الحاضرة، ما ~~دام مبدؤها ذلك العلم الاقتصادي الذي يعلم أن ~~تبذير قوى الاجتماع من دعائم ارتقائه. # سادسا: # أن تلغى شركة احتكار المياه، وسائر الشركات ~~الاحتكارية التي تمس المنافع العمومية. # سابعا: # أن تلغى الجرائد السياسية التخريفية، وأن ~~يناقش أصحابها الحساب على كل كلمة تغرير وتضليل ~~من مثل قولهم: «مسلم وقبطي ودخيل ونزيل.» حتى ~~يبرزوا الحجة التي بيدهم والموقعة بختم محكمة ~~السماء، والتي تخولهم حق الاستئثار بملك الله ~~دون سواهم من عباده، وأن ms185 يجلد أصحابها جلدة على ~~كل كلمة سخافة وقلة عقل. وقرروا أن الجلد يكون ~~بخيوط ناعمة جدا ومن يد طفل، واعتبروا أن هذا ~~العقاب كاف، وربما لا يقوون عليه لكثرة ~~التكرار. # القسم الثاني: إنشائي بنائي # أولا: # أن ينشأ معهد علمي كبير، يعلم فيه علم ~~نشوء الأرض والأجرام السماوية، وعلم الأحداث ~~الجوية والأقاليم واختلافها وتأثيرها في الإنسان ~~وفي العمران ... إلخ. # ثانيا: # أن يقام على أنقاض مدرسة الحقوق مدرسة ~~للكيمياء والطبيعيات والميكانيكيات والرياضيات ~~وعلم الأفلاك. # ثالثا: # أن تنشأ الجامعة لتعليم التاريخ الطبيعي ~~والاجتماع الطبيعي والاقتصاد الطبيعي، وتطبيق ذلك ~~على الإنسان والطب وسائر العلوم الحيوية ~~والأنثروبولوجية. # رابعا: # أن تنشأ هيئات قضائية على غاية البساطة في كل ~~مدينة وفي كل بلدة على نسبة سكانها، بحيث لا يتأخر ~~الفصل في الدعاوى مهما كانت مهمة (وحينئذ لا تبلغ ~~هذه الأهمية) إلا أياما معلومة؛ حرصا على مصلحة ~~المتداعين، وعلى مصلحة الاجتماع نفسه؛ لئلا ~~ينمو فيهم حب التداعي إلى صرف قواهم كلها في هذه ~~الجهة، فيخسر الاجتماع بهم بقدر ما تزيد فيهم هذه ~~الملكة. # خامسا: # أن يتولى الاجتماع نفسه توزيع المنافع ~~العمومية الضرورية، من مثل الماء مثلا، مجانا ~~على عموم الناس. # سادسا: # أن تنشأ كتاتيب في كل مدينة وفي كل حي وفي كل ~~قرية على نسبة السكان، يعلم فيها الأطفال مبادئ ~~العلوم الطبيعية البسيطة، يفهمون منها طبائع الماء ~~والهواء والجماد والنبات والحيوان، ويوضع لهم ~~شبه تعليم طبيعي يعلمون منه حقيقة الإنسان ومركزه ~~في الأرض. # سابعا: # أن تنشأ جرائد تعلم الناس كيف يجب عليهم أن ~~يكونوا نظافا في أجسامهم، في ملابسهم، في مآكلهم، ~~في مساكنهم، وخصوصا في عقولهم. وتعلمهم أن كل ~~نظام حولهم في الأرض والسماء، في الجماد والنبات ~~والحيوان، خاضع لنواميس طبيعية لا تزعزع، وأن ~~سيرهم على هذه النواميس يقيهم عثرات كثيرة في ~~معايشهم صحيا وماديا وأدبيا، وأن آدابهم يجب ~~أن تكون مستفادة من آداب الطبيعة نفسها. ~~يعلمون كل ذلك لكي يعلموا أن كل عضو في ~~الاجتماع له حقوق وعليه واجبات، وأن الاشتراك في ~~المنفعة يتحتم له على قدر ms186 اشتراكه في العمل، وأن ~~المكافأة إنما هي للاجتهاد لا للصنيعة، وحينئذ ~~يظهر الفضل الصحيح، وينتفي الفضل الكاذب. # هذا أهم ما جاء في هذا البروغرام، وسأوافيكم بما يجد من هذا ~~القبيل. # أرأيت الآن يا صاحبي كيف أن المجون يصير جدا؟ وكيف أن الأحلام ~~تصير حقائق؟ وكيف أن التي يسمونها اليوم يقظة هي الحلم بعينه؟ ~~ولكنه يا للأسف حلم وسخ. # | المقالة التاسعة والعشرون # وكما تكونون يولى عليكم: # 1 # تركيا الفتاة وتركيا العجوز # من دقق النظر في تاريخ الاجتماع البشري رأى أن نصيب الأمم من ~~تقدم ووقوف وارتقاء وانحطاط وانتشار وانقراض، يتوقف على عوامل ~~طبيعية يضمها ناموس عام، يسمى «تنازع البقاء»، يؤدي ضرورة إلى ~~ناموس آخر، يسمى «الانتخاب الطبيعي». فما من أمة قامت أو انقرضت، ~~ارتقت أو انحطت، إلا كانت عوامل هذين الناموسين هي القاضية في ذلك. ~~فإن كانت الأرض على سعتها قد ضاقت بالإنسان الأول، وهو اثنان على قول ~~البعض، حتى قام الواحد على الآخر وقتله، أو كان طوائف متفرقة على ~~سطحها قامت على بعضها حتى ذل البعض وفاز البعض الآخر ، على قول الآخرين؛ ~~فما ذلك إلا لأن الإنسان كسائر الأحياء لا يستطيع أن يفر من حكم ~~هذين الناموسين؛ فالتنازع سنة هذا الكون، والانتخاب نتيجة هذا ~~التنازع. هذا شأن الإنسان في العمران منذ أول عهده، وما زال هذا شأنه ~~حتى اليوم، ولن يزال كذلك حتى المنتهى. # والحكومات مظهر من مظاهر الأمة، وهي تختلف باختلاف الأمم، فكلما ~~ارتقت أمة في العمارة ارتقت حكومتها كذلك، وهو معنى قوله: «وكما تكونون ~~يولى عليكم.» فلا ينتظر أن تكون الحكومة أصلح من الأمة التي نشأت ~~فيها، بل لا تلام الحكومة إذا داست بأخمصها رقاب الرعية، وهل تداس ~~رقاب تأبى أن تداس؟ وإن من ينتظر الإصلاح عفوا من أية حكومة كانت ~~يجهل لا شك تاريخ نشوء الأمم في العمران، وها التاريخ أمامنا يعلمنا ~~أن الحكومات في كل زمان ومكان هي آخر من يذعن للإصلاح إذ لم تقم ~~العقبات في سبيله. وهل بلغت أمم أوروبا مبلغها من التمدن اليوم ms187 بفضل ~~حكوماتها؟ لا لعمري، إنما بلغته ولا تزال مجدة فيه بفضل تألبها ~~واتحاد كلمتها، ورفع الرءوس المطأطأة، وتقويم الظهور المقوسة، ~~والمشي على الأقدام لا الزحف على الركب، وربط حكوماتها كما تربط ~~القرناء، وإتلالها كما تتل السائمة، وجرها وراءها قوة واقتدارا. ~~والأمم التي لم تستطع ذلك لعدم توفر أسباب القوة فيها عفاها الدهر، ~~واستغرقها التنازع، ولم يبق لها إلا آثارا، ولم يبق لها أثرا، ~~وتركها خبرا مسطورا. ~~••• # وأسباب القوة في العمران كثيرة، وترد إلى أربعة تعد دعائم؛ ~~اثنان طبيعيان، وهما العدد والجنس؛ واثنان أدبيان، وهما الدين والعلم. ~~ولا ريب أن كل أمة كثر عديدها ولم يشب جنسها اختلاط، وتوحد دينها، ~~وبلغ العلم فيها أقصى مبلغه في عصره؛ بلغت من القوة مبلغا حقق لها ~~الفوز في ميدان التنازع، والضد بالضد؛ فوحدة الجنس ووحدة الدين لازمتان ~~لاتحاد الكلمة، وإلا كثر الانشقاق، وهو من دواعي الضعف. والعلم ضروري ~~جدا لإتقان الصناعة والزراعة وسائر الفنون التي تكثر معها الثروة، ~~والثروة عصب الاجتماع كما يقول الإفرنج، وزد على ذلك أن العلم ~~بإتقانه الصناعة يتفنن باختراع الآلات التي تكسب المنعة في الدفاع ~~وتحقيق الفوز في المهاجمة، وهو أعظم العوامل لتقليل الانشقاقات ~~الناشئة عن الأديان. فإذا علم ذلك لم يصعب علينا الحكم على مركز كل ~~أمة في الحال، وما هو مقضي لها أو عليها في الاستقبال. ~~••• # فالأمة العثمانية - وكلامنا فيها - إذا نظرنا إليها من هذا القبيل ~~وجدنا جميع الأسباب السلبية متوفرة فيها؛ مما يجعل مركزها في الحاضر ~~حرجا، ومستقبلها مشكوكا فيه. ولا نقول إن صعوبة مركزها من عددها؛ فإن ~~عددها وإن لم يكن كثيرا جدا إلا أنه ليس بالقليل، فلا يصح أن يكون ~~سبب الضعف، ولكنها مؤلفة من أجناس مختلفة، فمنها التركي والعربي ~~والأرمني والكردي والبلغاري واليوناني ... إلخ؛ وأديان مختلفة، فمنها ~~المسلم والمسيحي واليهودي والدرزي والمتوالي، وتحت كل منها قبائل ~~وطوائف؛ مما يجعل اتحاد الكلمة بينها في حكم المستحيل، ولا سيما ~~إذا اعتبرنا حالة العلم فيها، فإنه يكاد يكون شيئا لا يذكر. والقسم ~~الأعظم من الأمة في جهل ms188 عميق، ولو كان العلم منتشرا فيها انتشارا ~~كليا لقلت جدا الانشقاقات الناشئة عن اختلاف الأديان والشعوب، ~~وكبر الأمل باتحاد كلمتها، وتوسمنا خيرا في مستقبلها، وتزيد قيمة ~~ذلك كله اعتبارا في نظر الباحث إذا قسناها بالأمم المجاورة التي هي ~~معها، بحكم ناموس الاجتماع، في تنازع دائم. فأي فرق بين معدات ~~الأمة العثمانية من هذا القبيل ومعدات باقي الأمم، وهي حقائق محزنة ~~لا يسع المؤرخ الصادق إلا الاعتراف بها؟ # وإذا كان هذا حال الأمة العثمانية، فهل تستطيع المقاومة زمانا ~~طويلا والتنازع بينها وبين الأمم الأخرى في حد حدته ومعظم شدته، ~~وهي بعيدة عن التكافؤ والتفاضل؟ إنما هو عليها لا لها، وإذا كانت لا ~~تستطيع المقاومة، فما هو مصيرها يا ترى؟ وهل يرجى نهوضها؟ وبأي ~~الطرق يكون ذلك؟ ~~••• # يعلم الباحثون في طبائع العمران أن كل أمة مهما كان أمرها، مرتقية ~~كانت أم منحطة، لا بد أن تتنازعها قوتان غريزيتان فيها؛ إحداهما ~~تركن إلى المحافظة على الحالة الراهنة، والأخرى تميل إلى الطفرة عنها. ~~واصطلح السياسيون على أن يطلقوا على الأولى اسم حزب المحافظين ، وعلى ~~الثانية اسم حزب الأحرار. ويؤلف الحزب الأول من الهيئة الحاكمة ومن ~~تابعها من الشعب، والثاني ينشأ في الهيئة المحكومة، ويكون في أول الأمر ~~مؤلفا من أفراد قليلين. وهذان الحزبان يختلفان قوة بحسب حال الأمة ~~من العلم، فهما متكافئان غالبا في الأمم المتهذبة، ومتفاضلان في ~~الأمم التي يكون العلم فيها غير موزع على السواء، ويكون الفوز كله ~~للمحافظين، أي للحكومة، في الأمم المستغرقة في الجهل، حتى قد لا ~~يشعر بوجود حزب آخر سواه. ولقد مضت القرون الطوال، ولا يسمع في الأمة ~~العثمانية صوت غير صوت الحكومة، وربما لم يسمع سواه زمانا طويلا ~~أيضا لقلة انتشار العلم في الأمة، لولا أن أسباب التمدن الأوروبي ~~انتشرت انتشارا عظيما في هذا العصر، بحيث لم يعد في الإمكان إقامة ~~الحواجز ضدها ومنع تأثيرها، إن لم يكن في العموم ففي الأفراد. # وما يسمى اليوم حزب تركيا الفتاة دليل على أن هذا الحزب الذي بقي ~~صوته خافتا ms189 لقلة عدده وضعف عدته، قد دبت فيه روح الحياة حتى صار له ~~صوت يسمع وطبل يقرع. وكنت أود أن أتحاشى الكلام في هذا الحزب ~~لولا أن كثر فيه اللغط، وركب فيه كل كاتب مركبا يسير به على هواه، ~~حتى كثر فيه الضالون وقل المهتدون، وظن البعض أنه ألعوبة كأبواق ~~الصابون؛ تملؤها الأنفاس، فإذا انفجرت لم يكن من ورائها نار، حتى ولا ~~هواء يزيد النار اشتعالا إذا أصابت نارا أطفأتها أو حياة أماتتها. ~~ويحق له أن يظن هذا الظن إذا أخذ الأشياء بظواهرها، وقاس الحقيقة على ~~المجاز، وخلط بينه وبين بعض الذين يكثرون من الجلبة والصياح. فإذا برق ~~الذهب ولاح، وهطل غيث الدينار الوضاح؛ تراكضوا إلى المرح، والسابق ~~السابق منهم الجواد. فهؤلاء ليسوا حزب تركيا الفتاة، وإنما هم حزب ~~المارقين المنافقين الذين اتخذوا اسم هذا الحزب وسيلة لشفاء حزازات في ~~الصدور، وقضاء لبانات في النفوس. وهم بعملهم هذا قد جاروا على دعوة ~~هذا الحزب بجرأتهم المتجاوزة الحد في الخصام، وإحجامهم على أيسر ~~سبيل عند نيل المرام، ولكنه إذا تدبر الأمور تدبر العاقل الخبير ~~علم أن هذا الحزب موجود حقيقة؛ فهو مؤلف من كل عاقل هذبه العلم ~~وعلمه الاختبار، ودرس الأمم درس المقابلة، وعلم أسباب القوة في ~~العمران، فرآها متوفرة في الأمم الناجحة فحمدها، وغير متوفرة في أمته ~~فأسف عليها. والعقلاء في الأمة كثيرون. # فالحكومة تخطئ إذا كانت تظن أن هذا الحزب قاصر على بعض الأفراد ~~الذين ركبوا متن الحدة في المقاومة، وجانب منهم غير مخلص في الدعوة، ~~كما تبين لنا. وتخطئ أكثر إذا كانت تظن أنها باسترضاء هذا البعض ~~الساخط تتمكن من ملاشاة هذا الحزب، فالحزب نشوءه في الاجتماع ليس ~~عارضا حتى يسهل استئصاله، بل هو نشوء طبيعي جار على مقتضى ~~نواميس طبيعية، ولن ترى لنواميس الطبيعة تحويلا. وإن كانت تظن أن ~~استرضاء هذا البعض يضعف حجة هذا الحزب عند الآخرين من الأمة الذين لا ~~أفكار لهم إلا ما يفتكره لهم الغير، حتى لو قام غيرهم وحذا حذوهم لم ~~يصدقه الناس؛ ms190 فربما كان ظنها مصيبا بعض الإصابة، وإنما ربحها من هذا ~~الجانب لا يوازي خسارتها من الجانب الآخر؛ إذ ينتقض عليها المتزلفون ~~لها عن غير اقتناع، وهم الأكثر؛ لأنهم يرون أن سخط غيرهم كان أدعى ~~لاستدرار النعمة من تزلفهم، فينقلبون ساخطين. ومهما يكن من ذلك كله، ~~فما هو إلا أمور عارضة لا تؤثر شيئا في حقيقة الدعوة نفسها. ~~••• # ولكن هل يفوز حزب تركيا الفتاة؟ فهذا هو الأمر الجوهري الذي يهم ~~كل عثماني أن يعلمه. وللجواب على ذلك لا بد لنا من إلقاء النظر إلى ~~الأمة عموما، وما تدخره من المعدات، وما يكتنفها من الموانع. فإذا ~~نظرنا إلى الدعوة من حيث كونها صفة من صفات الاجتماع نقول إن الفوز ~~محقق له؛ لأن الذي يدركه البعض لا بد أن ينتشر على تمادي الزمان، ~~ويعم الأمة كلها لانتشار العلم الذي لا بد منه. وإذا انتشر العلم ~~وكثر عدد المتهذبين من الأمة حتى أصبح العدد الأهم، سقطت الحواجز التي ~~تفصل بين عناصر الأمة المختلفة، وخصوصا الترفض الديني، فاجتمعت كلمتها ~~وقويت حجتها. # ولكن الذي يروع عقلاء هذا الحزب طول الزمان اللازم لوصول الأمة إلى ~~هذه الغاية، وهو يخشى قبل ذلك أن يتحقق فيها قول المثل: «قبل أن يصل ~~الدواء من العراق، يكون العليل قد فارق.» وهذا هو السبب الذي يحمل ~~القسم الأعظم من عقلاء الأمة على أن ييئسوا من نهوض الأمة إلى إصلاح ~~حالها مع حفظ استقلالها؛ لشدة التنازع الذي لا تنفك عوامله تعمل فيها ~~من خارج، وهي لا قبل لها على المقاومة. فالأمة العثمانية في نظرهم ~~مقضي عليها بحكم النواميس الاجتماعية، التي هي في صرامتها كالنواميس ~~الطبيعية، بالتشتت والانفصال؛ فقد أدركتها الشيخوخة، والمريض قد أشرف ~~على الموت، فلا يقيها دهاء تركيا العجوز ولا تخبط تركيا الفتاة، دهاء ~~وتخبط لا يفيدان إلا تعجيل الانحلال بزيادة الاختلال. # | المقالة الثلاثون # انحطاط الشرق: # 1 # الأدبي والعقلي # الشرق لفظة تعم بلادا واسعة وأقطارا شاسعة، مختلفة الأطوال ~~والعروض والحر والبرد والخصب والجدب. تضم فيها أمما وشعوبا وقبائل ~~متبايني الأصل والفصل، مختلفين ms191 في الشكل وفي قابليات العقل. تجمعهم ~~اليوم جامعة واحدة هي تراخي النظام، وفساد الأحكام، وانحطاط المدارك ~~العقلية، وفساد المبادئ الأدبية. لا علم يقيهم، ولا علم يحميهم، فهم ~~بحكم تنازع البقاء معرضون للذل والشقاء، يعملون لأسيادهم أهل ~~الغرب، وأسيادهم بهم يعيثون، فينقادون إليهم صاغرين إلى يوم يمحقون؛ ~~لأن ناموس التنازع في الطبيعة صارم لا يرحم، فالضعيف مقضي عليه أمام ~~القوي بالمحاق أو الضياع بالاستغراق. فجدير بكتاب الشرق أن يرثوه، ~~فهو ميت في صورة حي، وإذا أبنوه فلا ينصفوه لئلا يشددوا عليه الملام، ~~والضرب في الميت حرام، بل فليشفقوا عليه، وإن كان الإشفاق لا يرضاه أهل ~~الاستحقاق؛ لأن فيه من اعتقاد المسكنة بالمشفق عليه ما تأباه النفوس ~~الكبيرة. فمقاومة عدو لي يعترف بفضلي أحب إلي من إشفاق يأتيني من ~~أهلي. # فيا وطني ما خانني فيك خائن # من الحب أو أني رضيت به ندا # أريدك في عز ولكنني أرى # على غير ما أرضى أرى العز قد ندا # فإن جرت في حكمي فما أنا جائر # فما أنا إلا باحث لم يجد بدا # جرى علماء الأخلاق اليوم مجرى أكثر الطبيعيين القائلين بالنشوء، ~~فعدوا الإنسان الأدبي والعقلي كالإنسان الطبيعي ابن الفطرة وابن ~~المكان وابن الزمان أيضا، فاعتبروه قابلا للارتقاء والانحطاط في ~~آدابه وفي قواه العقلية، بحسب العوامل المختلفة التي تؤثر فيه من ~~طبيعية وأدبية. والفطرة ليست بالحصر إلا استعدادا مكتسبا في الأصل ~~من طبيعة المكان. # والشرقي، كما نريد به هنا, يدخل تحته الصيني والهندي والأفريقي ~~والعربي والتركي والعجمي أيضا، وإن اختلفت مراكز البلاد التي يقطنها ~~بعض اللاحقين بهذه الأجناس، مما يجعلهم في مركزهم الجغرافي واشتقاقهم ~~الأنثروبولوجي أقرب إلى أهل الغرب منهم إلى أهل الشرق، إلا أنهم تجمعهم ~~اليوم جامعة الوقوف والتقهقر في تاريخ العمران. ويطول بنا الشرح جدا ~~لو أردنا استيفاء وصف كل من هذه الأجناس بحسب طبيعة بلاده وشرائعه ~~وتعاليمه؛ لأنه وإن كان الجامع اليوم بين هذه الأجناس واحدا، وهو ~~التقهقر الأدبي والعقلي، إلا أنهم يختلفون فيما بينهم كثيرا في ذلك، ~~ويختلفون كذلك في الأصل ms192 وقابليات العقل بحسب طبيعة البلاد، ويختلفون ~~أيضا في مركزهم الاجتماعي بحسب شرائعهم وتعاليمهم. # ولا شك أن طبيعة البلاد أثرها في الإنسان شديد، كما ذهب إلى ذلك ~~أبقراط في كتاب الأهوية والمياه والبلدان، حيث قال في الفرق بين أهل ~~آسيا وأوروبا ما خلاصته: # إن أهل آسيا تغلب عليهم السكينة ورقة الطباع، لما هم فيه ~~من رغد العيش، بسبب خصب بلادهم واعتدال فصولهم؛ ولذلك لم يكن ~~لهم شجاعة الرجال، ولا الصبر على المشقة، ولا الثبات في ~~الأعمال، ولا علو الهمة، وطنيا كان أصلهم أم غريبا. ويغلب ~~فيهم حب اللذات على كل شيء، بخلاف أهل أوروبا الذين هم معهم ~~على طرفي نقيض من هذا القبيل؛ لصعوبة إقليمهم وقلة خصب ~~بلادهم. # ولكن الاقتصار على هذا الأثر لا يكفي في مثل بحثنا؛ فإن الإنسان وإن ~~يكن ابن المكان فهو ابن التربية والتعليم أيضا. وقد فطن إلى شيء من ~~ذلك أبقراط نفسه حيث قابل بين حكومات أوروبا وحكومات آسيا، فقال إن أهل ~~أوروبا أشد نجدة للحروب من أهل آسيا؛ بسبب طبيعة بلادهم، وبسبب نوع ~~أحكامهم أيضا ، فإن أهل أوروبا تحكمهم شرائعهم، وأما أهل آسيا فتحكمهم ~~ملوك، وشتان بين النجدة التي يقوم بها من يدافع عن نفسه، والنجدة ~~التي يظهرها من يدافع عن غيره. # ولا ريب أن أثر العوامل الأدبية في الإنسان شديد جدا، وربما كان ~~أشد من أثر العوامل الطبيعية، حتى ذهب الباحثون في طبائع الحيوان إلى ~~أن الإنسان لم يتغير في بدنه كثيرا من يوم اتخذ الكساء واصطنع السلاح ~~وبنى البيوت. يريدون أن يثبتوا بذلك أن الإنسان قادر على مقاومة ~~الطبيعة بالصناعة. وأهم هذه العوامل العلم، قال لتري معقبا على ~~أبقراط ما نصه: «إن أبقراط يقول إن طبيعة الإقليم والشرائع هي التي ~~تجعل أهل أوروبا أشد نجدة للحروب من أهل آسيا. ومعلوم أنا رأينا، ~~على تراخي الأيام، أن الفرس الذين غلبهم اليونان لم يقدر عليهم الرومان ~~بعد ذلك، وأن اليونان ضعفوا جدا في عهد سقوط سلطتهم وذبول شوكتهم، ~~وأن العرب أتاهم يوم كان لهم فيه ms193 نصر في الحروب مبين، وشرف ينطح ~~السماك بروقيه، وعز يقلقل الجبال. فمثل هذه الأمثلة تكفي لأن ~~تبين أن النجدة للحروب لا تختص بإقليم دون آخر. وكذلك يقال عن ~~الأحكام؛ فإن النجدة لا تتوقف عليها، كما أنها لا تتوقف على الإقليم، ~~بل على النظام وعلم الحرب؛ فإن نفرا قليلين منظمين من الأسوجيين ~~ظهروا على الروس الكثيرين الغير المنظمين في موقعة بلتاوا، والإنكليز ~~قد جندوا من الهنود جنودا شديدة البأس في سنين قليلة، وقد كان ~~للمصريين على عهد محمد علي جنود باسلة. فالإقليم والحكومات أثرها في ~~نجدة الحرب قليل، والنظام والعلم هما اللذان يفعلان كل شيء.» وهذا ~~القول مع ما فيه من الانحياز إلى جانب دون آخر، كما أبنا ذلك في ~~محله، صحيح باعتبار أن العلم من أقوى الوسائط المؤثرة في الإنسان ~~والمغيرة له. ولنا مثال حديث في اليابان اليوم، وما أظهرته من ~~النهضة الاجتماعية والحربية في سنين قليلة، حتى ظهرت على الصين التي ~~تزيدها نحو عشرين ضعفا في عدد السكان بفضل العلم. # فطبيعة بلاد الشرق بما توجب من الراحة للبدن تفسح للعقل مجال ~~الخيال؛ ولذلك كان الأنبياء كلهم من المشرق. وطبيعة بلاد المغرب بما ~~توجب من المشقة على البدن تربي فيه النهضة والإقدام؛ ولذلك كان ~~أكثر الفاتحين من المغرب، إلا من قام من الشرق لدعوة دينية تدخل في ~~حكم المؤثرات الأدبية؛ ولذلك أيضا كان أهل الشرق، كما قال ~~الشهرستاني، ميالين للبحث عن ماهيات الأشياء وحقائقها، وأهل الغرب ~~ميالين للبحث عن طبائع الأشياء وكيفياتها؛ أي إن هؤلاء أهل عمل، ~~وأولئك أهل نظر قد يجر إلى الكسل. وربما كان هذا من الأسباب الطبيعية ~~التي لأجلها لا يستطيع الشرق أن يناظر الغرب إذا تساوت عندهما ~~المعدات الأدبية. # فالشرق إذن لا يستطيع أن يناظر الغرب إلا إذا فاقه في المعدات ~~الأدبية. على أن الشرق اليوم - ونحصر كلامنا في الأقوام الذين تجمعنا ~~وإياهم جامعة الوطن والسياسة - متقهقر جدا عن الغرب في هذه ~~المعدات لقلة العلم فيه، وثقل وطأة الوهم عليه. ولا يخفى ما لذلك من ~~الأثر ms194 السيئ على العقل والآداب؛ ولذلك كانت قوى العقل في الشرق اليوم ~~ضعيفة والآداب متراخية. ونعني بالآداب هنا لا كما يفهمها البعض؛ تلك ~~الآداب الذاتية الرخوة التي لا تتجاوز النفس، ولا ينظر فيها إلى ~~الكل، كالصوم والصلاة مع تربية الضغائن والأحقاد ضد من لا يصلي صلاتك ~~ولا يصوم صومك، فينسيك ذلك الجامعة الوطنية والسياسية في جنب الجامعة ~~الملية في بلاد كثر فيها تفرق المذاهب والأديان، أو تلك الآداب ~~السطحية المنتقلة إلينا من سفساف آداب المغرب، كالهشاشة والبشاشة، ~~والمفاخرة باللباس والطعام، وإيلام الولائم، والتأنث في الحركات، ~~وسائر أنواع المجاملة التي لا تتجاوز حد اللفظ مع التبطن والرياء ~~المتصلة إلينا إما بالوراثة وإما بالتقليد، مع التواء المقصد منها ~~علينا؛ لتمسكنا بالظواهر والأعراض، وإغفالنا الجواهر والأغراض؛ بل ~~نريد بها تلك الآداب الرفيعة الاجتماعية التي تدل على ارتفاع المدارك، ~~والتي ينطبق عليها قول المثل: «عدو عاقل خير من صديق جاهل.» كالحزم ~~والعزم والشهامة، وكرم الأخلاق الحقيقي، والصدق والإخلاص، ومحبة النفس ~~من وراء محبة الغير، ومحبة الوطن فوق كل شيء، مما يبعث إلى التعاون ~~والتعاضد للقيام بالأعمال الجليلة العمومية التي يقوى بها الفرد؛ لأنه ~~ينظر فيها إلى قوة الكل، ومعرفة أقدار ذوي الفضل منا للانتفاع بما ~~خصوا به من المواهب؛ لتنشيط هذه المزايا في الجمهور، لا قتلها فيهم ~~لقتلها فيه حسدا ولؤما. والإغضاء عن الهفوات في جنب الحسنات، لا ~~تحقير هذه وتعظيم تلك؛ تشفيا من الاجتهاد، وانتقاما من الذكاء. فإن ~~الفرق بين الغرب والشرق في ذلك كالفرق بين أعمال الرجال وأعمال ~~الأطفال. # ذكروا أن لامرتين الشاعر الفرنساوي الشهير بلغت ديونه نحو ثلاثة ~~ملايين فرنك، فقامت الأمة ووفتها عنه بجمع المال بالاكتتاب، ولم ~~يمنعه ذلك من تجديدها، ولا منع هذه الأمة من تجديد الاكتتاب لوفائها، ~~فكيف لا يقوم بين أمة هذا اعتناؤها برجالها رجال ك «لامرتين» وأعظم ~~من لامرتين بطبقات. و«ولطر سكوت» خسر أموالا طائلة في التجارة، وانكسر ~~عليه نحو خمسين ألف جنيه، فعمد إلى التأليف ووفاها من كتاباته؛ لأنه ~~كتب لقوم يقرءون، ويدفعون ثمن ما يقرءونه. ms195 بل لنعتبر بمثل بطل ~~السودان، وما صادفه من العناية البالغة الغاية القصوى من أمته وحكومته ~~مما لا يزال صداه يرن في الآذان، ولنقابله بمعاملة حكومات الشرق ~~وأممه لأبطاله إذا ظهر فيه أبطال، فأقل عقاب لهم على اجتهادهم ~~وامتيازهم الإقصاء إلى الأقطار الشاسعة، أو الوضع تحت القفل والمفتاح، ~~حيث يطمس ذكرهم ويتناسى فخرهم. فكيف لا يقوم من أولئك رجال يبذلون ~~قواهم ودمهم لخدمة وطنهم وأمتهم؟ وكيف لا تنمو فيهم مواهب الذكاء ~~والإقدام على جليل الأعمال؟ وكيف لا ينزوي هؤلاء في بيوتهم متقاعدين ~~عن خدمة وطنهم؟ بل كيف لا تموت فيهم همم الرجال؟ # والغريب أن انحطاط الآداب في شرقنا بلغ مبلغا لا يعهد له نظير في ~~سوانا، فترى الصعلوك منا يظهر بمظهر الإمارة على أمير قومه، والأمير ~~منا يتناهى في الحقارة والدناءة لدى صعلوك أجنبي. فالواحد منا جبار ~~على ابن جنسه ولو فاضلا، وذليل لدى الغريب ولو أنه أذل من بيضة ~~البلد. فمتى بلغت الأمة هذا المبلغ من الدناءة فأي خير ترجو منها؟ وأي ~~نهضة علمية أو أدبية أو اجتماعية ترجو من مثل هؤلاء الأقوام، الذين لا ~~تجمعهم جامعة ولا تقوم لهم قائمة إلا بسيف كسيف محمد أو بونابرت يعمل ~~في رقابهم، ويسوقهم سوق الأنعام؟ # ولا شك أن حكومات الشرق هي التي ساعدت على فساد الأخلاق إلى هذا ~~الحد؛ فقد تقدم أن الفرق من عهد أبقراط إلى اليوم بين حكومات المغرب ~~وحكومات المشرق أن تلك تحكمها شرائعها، وهذه تحكمها ملوك. وإن تعدلت ~~الأحكام في بعض ممالك الشرق اليوم فما تعديلها إلا صورة لا معنى؛ فإن ~~ملوك الشرق ما زالوا فوق شرائعهم. فأماتت حكوماتهم من الأمة عواطف ~~الشهامة والإقدام بما ثقلت به على كواهلهم من الإذلال، وسائر ما ~~يجر إليه الاستبداد، وقوت فيهم كل الصفات الدنيئة الهادمة لصروح ~~الاجتماع بما أخمدت من قوى العقل بإطفائها نور العلم. وأثر ذلك فيهم ~~لتقادم عهده شديد، وزواله منهم بعيد. فلا عجب بعد ذلك إذا رأينا الغرب ~~باسطا فوق الشرق يديه، طامحا ببصره إليه، مزمعا أن يقبض ms196 عليه. سنة ~~الطبيعة في التنازع، ولن ترى لسنة الطبيعة تبديلا. # | المقالة الحادية والثلاثون # سيادة الأمم ومستقبل الملوك # 1 # رأيت أن أتشبه بالأنبياء وأنا أجهل صناعتهم؛ لكي أقول قولا يكثر ~~مجازه ليتسع تخريجه، فلا تكذبه الوقائع، وترضى به العقول الحريصة على ~~المأثور، ولو أنها تأنح في تأويله كالمعضل. فأنبأت منذ ربع قرن أن ~~أوروبا لا ينقضي عليها القرن التاسع عشر حتى لا يبقى فيها ملك يلبس ~~البرفير والأرجوان، ويحمل الصولجان ويسوق بها حمر الإنسان. وها نحن ~~الآن في العقد الأول من القرن العشرين، والملوك كالآلهة على عروش ~~مجدهم، والناس كالسائمة في حقول جهلهم. فكنت بنبوتي الكاذبة نبيا ~~كاذبا، حلت له أحلامه فاعتبرها حقائق. أثبت بذلك على نفسي جهلي ~~بطبائع الناس، كما أني أثبت عليها خلوها من الذكاء الشرقي، فلم ~~أراع أثر الدهور، في مقوسي الظهور، ولا وطأة المداس، في مطأطئي ~~الراس، كما أني لم أراع في مقالب الدهاء، نعومة ملمس الرقطاء، ~~لاستطلاع مناجع الكلاء. # على أني لا أكون عادلا إذا جرت كل هذا الجور في الحكم على نفسي؛ ~~لأن نبوتي إن لم تصح كلها صورة فقد صح جلها معنى. وما خطئي ~~إلا في ضربي الأجل وتعييني الزمان، ولو قلت بعد زمان لا يطول لأمنت ~~الانتقاد، ولحاكيت بالحصافة أرباب السياسة، ولكن الناس طبائع، فهذا ~~يستمسك بالأعراض، وذاك لا ينظر إلا إلى الجواهر، وأنا ممن لا يقفون ~~عند الصور، بل ينظرون إلى المعاني، لا كما ينظر بعض كتابنا من قادة ~~الأمة، فيستحصلون من التبر ترابا، ثم ينبشون القبور، ويسيغون من ~~السم شرابا يخدرون به أعصاب الأمة لئلا تنشط من العمى، فتبصرهم في ~~صور أجدادهم قبل العصر الحجري قرودا تقهقه وعجائز يلطمن؛ بل أنا أنظر ~~من خلال ذلك إلى الزبد، ولو أنها كما في الخرنوب درهم دبس في قنطار ~~خشب، فكأنني حر كأحرارنا، ولكني غير دستوري، فلا أقيد الحرية بالقانون ~~ولو سن القانون لها؛ لئلا أكون به حرا في استبداد أو مستبدا في ~~حرية. وما أغرب هذا القول في هذا العصر الدستوري، خصوصا بعد ms197 هذا ~~الانقلاب الأخير الذي كنت أول المتمنين له، ولكن آخر الحالمين به، حتى ~~قلت فيه لشدة يأسي منه، في مقال عنوانه «وكما تكونون يولى عليكم»: ~~«لا يأتي الدواء من العراق حتى يكون العليل قد فارق.» وهذه نبوة ~~ثانية لي كاذبة - على الأقل الآن - فكأني العاطوس في معطس الدهر، فكلما ~~قلت قولا كذبتني الحوادث، حتى صرت أتمنى أن تنفتح لي أبواب ~~الجحيم؛ لأكون على يقين من الفوز بجنات النعيم. # وهذا هو السبب الذي لأجله لم أقبل أن أنتظم في جمعية مشروعة ~~انتظاما قانونيا، ولو انضممت إلى مبدئها، وكنت في طليعة الذائدين ~~عنه؛ لأني أريد أن تبقى لي حرية القول والعمل للبلوغ إليه غير مقيد ~~فيه بنظام أو زمان. ولقد غر بي بعضهم من كتاباتي في أول نشأتي، وظن ~~أن الذي يكتب ما أكتب لا يمكن إلا أن يكون عضوا في تلك الجمعية ~~الكبيرة السرية التي عفا جوهرها تقادم العهد، ولم يبق منها اليوم ~~إلا تلك السخافات التقليدية والتهويلات الإرهابية، والتي فاقت في ~~الاحتفاظ بها كل تقليد. فكتب إلي يطلب مني أن أدخله في الفرع منها ~~الذي أنا منه، وما كان أشد حيرتي حينئذ للجواب بما يدحض الظن ولا ~~يؤلم العواطف؛ لأن تحويل الظن نفسه جرح، وإن كانت الكهولة لا تتألم ~~منه إلا أنه في الناشئة أليم. فكتبت له، واقتصرت على هذا القول كأنه ~~جملة إنشائية: «أما أنا فلا أختص بجمعية دون أخرى، وإنما أنا عضو في ~~جمعية كبرى من ضمنها جمعيات.» فلم يبطئ أن كتب إلي أن أدخلني في ~~هذه الجمعية. فكان استغرابي حينئذ أشد من حيرتي، وفضلت هجر الصمت ~~على ألم التقويم بالرد، والرجل لا أعرفه، ولا أعرف اسمه اليوم، ~~فليطمئن من ذكر الحادثة. # وما ذكرتها إلا بيانا لسطوة النظامات الموضوعة على العقول ولو ~~المتنورة، حتى إنه ليزول جوهرها ولا يبقى إلا عرضها، ولا يزول ~~سلطانها. فكم من نظام وضع لمبدأ حسن، ثم كان النظام نفسه مزيلا ~~لحسناته مطفئا لنوره! وبقي نظامه راسخا لا يتقلقل، حتى تهب عليه ~~عواصف الثورات، ms198 فتقتلعه عنوة كما تقتلع الأعاصير بواسق الأشجار من ~~جذورها، ولكن بعد إضاعة الزمن الطويل؛ أي إلى أن تبلغ الأفعال ~~المتجمعة ضده مبلغها الهائل من الانتشار والشدة، ولولا ذلك لسار ~~الاجتماع في ارتقائه على وتيرة واحدة مع الطبيعة في نظامها الطبيعي ~~الذي هو بالحصر: «لا نظام إلا قدر المنفعة.» وسرعان ما أسمع المعترضين ~~من أحرار ومتقهقرين، مقيدين وغير مقيدين، دستوريين وغير دستوريين، ~~إلا الذين استهواهم نظام الطبيعة المطبوع، ولم يفتنوا بنظام الاجتماع ~~الموضوع؛ يصخبون ويقولون متعوذين: «كأنك تدعو الاجتماع إلى أن يكون ~~الناس فيه فوضى لا سراة لهم.» وما هي إلا ألفاظ وضعوها هم وآباؤهم ما ~~أنزل الله بها من سلطان، وإلا فاللانظام الذي ندعو إليه ليس بدعة، ~~أوليس هو رائد أبدع قوى الطبيعة كما هو شأن الحياة؟ أوليست مركباته ~~أبدع مركباتها كما هو شأن الأحياء؟ فكما أن الطبيعة ترقى إليه، ~~فالاجتماع لا بد من أن يتحول كله إليه، وما وقوفنا في سبيله بمحض ~~إرادتنا وبنظاماتنا إلا جناية فوق جناياتنا الأخرى عليه. # وعدم احتفالي بالإعراض هو سبب عدم احتفالي بالنظامات الموضوعة ، غير ~~ناظر من خلالها إلا إلى المبدأ والجوهر، ولا يراد من ذلك أني أبدي ~~احتقاري لها في غير مقام الانتقاد، بل بالضد أنا من أشد الناس احتراما ~~لها في مواقفها، فإني لأدخلن الجامع والكنيس والكنيسة وفي نفسي تأدب ~~فوق خوف المتقين، ومع ذلك فلم أسلم من شرها؛ فقد وقفت مرة أمام قاض ~~- غير موقف المتهم - فما عتم أن نظر إلي مقطبا، فبسطت له وجهي ~~لعله يحل قطبة من قطب جبينه، وكأنه استعظم سلطته، فأراد أن ينتقم بها ~~لأجداده عن خمس عشرة ألف سنة مضت، فانتهرني كأني أجير في باب أمير، ~~وما علمت أني أسأت الأدب بحضرته إلا بعد أن دلني على أن يدي التي ~~كانت هنا يجب أن تكون هنا. فصدعت بالأمر صاغرا صونا لكرامتي من أعظم ~~في هذا المأزق الحرج، ثم مر بخاطري بسرعة البرق التاريخ الطبيعي ~~والاجتماعي وأثر الماضي في الحال، وسرعة هذا الانتقال، وترحمت على ~~الخليل فعذرته، ms199 وعلمت لأول مرة أن التأدب غير الأدب الحقيقي. # واللانظام الذي ندعو إليه ليس كأوس الأقدمين، ولا فوضى المحدثين، ~~وإنما هو نظام أيضا ولكنه متحرك، فلا يستقر على مر الأجيال حتى ~~تضيع به الغاية التي وضع لأجلها، بل يتغير لكل حال صونا لهذه ~~الغاية. ولو راعى الناس في شرائعهم ذلك لما بدا فيها كل هذا الوهن، ~~ولما سببت كل هذه الحروب بين منكر ومقر، وكافر ومؤمن، وناقم ~~وراض، وبين الشيع من كل حزب، ولما بدا مصلح الأمس رزءا على ~~مصلح الغد، ولكن هي الأعراض أربت على الجواهر، وكان ضررها في ~~الاجتماع أشد؛ لأن الاجتماع عاقل، فأضاف إلى تباطؤ سير الطبيعة المطبوع ~~تثاقل نظامه الموضوع. # ولكن نواميس الاجتماع كنواميس الطبيعة، مصيرها فيه إلى الارتقاء، ولو ~~أدت به إلى الوقوف والتقهقر أحيانا، وسرعتها فيه كسرعتها بالقلب ~~كمربع البعد، واستخدام الإنسان قوى عقله الصائب فيه تزيد هذه السرعة ~~سرعة على نفس هذه النسبة. ومن يوم خطت أوروبا خطاها في سبيل العلم ~~الحقيقي، وأخذ ظل الأوهام يتقلص من العقول؛ صار الأمل كبيرا بسرعة ~~هذا الارتقاء . ولا نريد بهذا القول أنها على وشك بلوغ الغاية القصوى ~~فيه، وإنما هي اليوم على فجر النهضة الحقيقية. ولا ريب في أنها ستكون ~~الأولى في الاستفادة، وسيكون شأنها شأن المنارة التي يستضيء العمران ~~بها في العالم أجمع؛ لسهولة ارتباط بعضه ببعض، وسيطرة بعضه على بعض ~~اليوم؛ بفضل مكتشفات العلم ومخترعات الصناعة. وأول خطاها في هذا ~~السبيل ستكون تأييد سيادة الأمم سيادة حقيقية، وسقوط سيادة الملوك. ~~ولا يستتب لها ذلك على قواعد متينة حتى تنتشر وتتأيد فيها ~~الاشتراكية الصحيحة المبنية على تقاسم المنفعة على نسبة الاشتراك في ~~العمل، لا كما يفهمها البعض من خصومها. وإن من يقابل بين حالة أوروبا ~~قبل حرب السبعين وما آلت إليه بعهدها من الارتقاء الحقيقي في كل شيء ~~يرى أن سيادة الملوك في احتضار من ذلك اليوم، بل من يقابل بين حالة ~~الشعوب الجرمانية من عهد غير بعيد وما هي عليه اليوم من الاشتراكية ~~العظمى، يستعظم ms200 مجرى الأفكار فيها لخلع تلك السيادة، ولا يتوقف تقريب ~~أجل ذلك إلا على حركات عاهلها اليوم؛ لأن شدة الضغط تسرع الانفجار، ~~وهي حركات لو كانت في عصر نابليون لألهبت العالم، ولسجد لها كل معجب ~~بسلطان الفرد، ولكنها اليوم حركات يزدري العاقل بها، وقد لا تضر إلا ~~مؤتيها. # | المقالة الثانية والثلاثون # حلم هو الحقيقة # 1 # بت ليلتي وعوامل متناقضة تتنازعني، قليلها يوجب الشكر ويجلب ~~الهناء، وكثيرها يلهب الفكر ويمزق الأحشاء. وإذا بي كأني في قاعة ~~تسطع فيها شموس الأنوار، وتجعل الليل أبهى من النهار، مكتظة بأناس ~~طلوا الظاهر، فما زادهم الطلاء إلا نميمة شفت عما في الباطن، وهم ~~يشهدون تمثيلا من عالي الوضع، ولكن مبتذل الطبع. رأيت الحب يتضرم ~~فيقدم، ويتألم فيحجم، ثم يتهتك فيشين، وينقم فيخرب العالمين، ~~والناس يعجبون ويصفقون، ثم يقولون هذا هو الأدب الرائع. فسألت فقيل ~~لي: «هذا ملهى الرجال.» فقلت: «بئس الأطفال!» وخرجت. # وإذا بي في قاعة مظلمة كأنها الليل الدامس، ثم انبثق نور لامع ~~مزق سجفا من ذلك الليل المدلهم، وإذا الجبال والأودية والأنهار ~~والبحار والمناجم والمصانع والحيوان والنبات والإنسان والبلدان والمدن، ~~تمور مورا، وتنتقل بي وأنا في مكاني بين الأقطار الشاسعة، والأعمال ~~النافعة. فقلت: «ما هذا؟» قيل: «ملهى الأطفال.» فقلت: «نعم رجال ~~المستقبل!» ثم خرجت. # وإذا بي في قاعة كأنها القطب البارد، قام فيها رجال يتكلفون ~~الجلال، ويحدثون بأنواع الكمال، وإذا بهم في قرون الجهل والضلال، ~~يصفون الكلام بانسجام؛ ليلهوا الناس عن الحاضر بالغابر. فالتفت مع ~~الملتفتين، ومددت رجلي مع المادين، وما انتبهت إلا وعنقي من ~~التلفت إلى الوراء يكاد ينحر، ورجلي أمامي تتعثر، فصرخت من ~~الألم: «ما هذا؟» فقيل لي: «الجامعة.» قلت: «ما هي إذن ~~بالنافعة.» # ثم انتقلت، وإذا دوي يصم الآذان، كأن فولكان القدير يتهدد ~~البشر بصواعقه، وشرر يتطاير كأن جهنم استبطأت الناس فتهادت إليهم ~~نارها فأوغلت، وإذا أنا في مكان رهبت منه رهبة إجلال؛ إذ رأيت هراقلة ~~البشر يغالبون الطبيعة فيغلبونها، تعصف بالنار رياح كيرانهم كأنها نفخ ~~الأفاعي، فيذيبون بها الحديد كالشمع، ms201 ويصبونه صبا كالزيت، ثم ~~يصنعون منه أسلاكا أدق من لعاب العناكب، وينهالون عليه بمطارقهم، ~~فيدعونه صفائح أرق من دين الكافر، فقلت: «ما هذا؟» قيل لي: «ورش ~~بولاق.» فقلت: «نعم المسجد!» # ثم انتقلت، وإذا أنا في بناء فخيم، يملأ أربع زوايا المسكونة، ~~مزوق الظاهر، مزخرف الباطن. فنظرت، وإذا في جهاته الأربع أقوام ~~يتشاوسون، يطولون ويقصرون، ويقومون ويقعدون، وغيرهم ينوحون ويتخبطون، ~~أو يستطيبون ما يكرهون. فخرجت ولم أسأل، وقلت: «الجهل بهم خير من ~~العلم.» وإذا بعاصفة حملتني، ثم وقفت بي على شاطئ بحر، رمله كحصباء ~~الدر، فأجلت طرفي من «مفقش الموج إلى مبسم الثلج»، وقلت سلام عليك ~~أيها الوطن الحبيب. وإذا أكمة كأنها كرسي الجوزاء قائمة، تطل على ~~ذلك البحر، وعليها بناء فخيم، أو هو سلسلة بنايات تناطح السحاب ~~سموا، وكأني فيها، فرأيت ميازيب العلم تتدفق منها، كالبحر الزاخر، ~~علوم المعادن والحيوان، علوم النبات والإنسان، علوم الطبيعية ~~والكيمياء، علوم منافع الأعضاء وطب الأبدان، علوم الفلك والأحداث ~~الجوية، وعلوم اللغات بقدر ما يستطيع الإنسان أن يفهم ما يعلم، وأن ~~يعبر عما يفهم. فتذكرت عهدا مضى، وقلت هذه مرضعة العلم الصحيح. ~~وذكرت قولي فيها يوم فصالي عنها: # أيا نسمات الريح مني تحملي # سلاما على ربع أطال تغزلي # ويا ربع بلغ في حماك تحيتي # عروسا بكأس العلم في الشرق تنجلي # عزيزة أمثال ودان وصالها # تقول وقد ماست بثوب التدلل # لقد طالما ألقى الرحيق محرما # ألا فاشربوا من ذا الرحيق المحلل # فسلام عليك أيتها المدرسة الكلية وألف سلام! # ثم صحوت، وإذا الحقيقة كالمنام. # | المقالة الثالثة والثلاثون # الزلازل غضب الآلهة؟ # 1 # لا ريب أن الإنسان، كما كان وكما هو اليوم، لا يستحق رحمة من خالق ~~ولا عطفا من مخلوق. نهم جشع ظمئ لا يرويه شيء يلهمه، فتاك ~~غدار سفاح لا يردعه دين أو أدب، ولكنه مخلوق ... فهل خلق ~~مستودعا للشر وقارورة للفساد؟ ولماذا لم يخلق وديعا كالحمل ~~وطاهرا كالحمامة، وهما دونه في مراتب الخلق، ولم يخصا بما خص هو ~~به من حلو آمال وجميل مآل؟ حتى قام ms202 عليه إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب ~~المنتقم، وأمطره نارا وكبريتا، ونسف به الأرض حمما لذاعا، ودفنه ~~حيا تحت التراب يقاسي هول العذاب، وكأن في إمكانه أن يخفف عنه مشقة ~~هذا الغضب، ويخفف عليه عذاب هذا المصاب، لو جعله أقوم خلقا وأصلح ~~خلقا، وما ذنبه وهو ليس كذلك؟ بل ما ذنب هؤلاء المساكين الذين فتكت ~~بهم الطبيعة العمياء، فانشقت الأرض بهم وابتلعتهم، وجرفهم الماء إلى ~~قعر البحار؟ ولماذا كانوا عبرة لسواهم ولم يكن سواهم عبرة لهم، ولا فضل ~~لسواهم عليهم؟ ولماذا لم يكن المحق شاملا، وهو عين الصواب لو صح ~~القول؟ فاتقوا الله يا دعاة الله، وكفوا عن نسبة مثل هذه المظالم ~~إليه، وأعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله، ولا تجمعوا فيه بين ~~النقيضين، وتعيدوا لنا به عصر تيمورلنك وملوكنا الجبابرة السفاحين، ~~فلا تجعلوا الزلازل من غضب الآلهة، وهي من الطبيعة الغشيمة وشرها أعمى. ~~فليرحم الإنسان الإنسان، ولا يشدد القضاء عليه في مصابه، وهو ليس ~~أصلح في نجاته منه في نكباته. # هل دريتم بما جنيتم فمظلو # مون أنتم وأنتم الظالمونا # | المقالة الرابعة والثلاثون # نظرة هامة في مسألة عامة: # 1 # انتقادية فكاهية # ما لي أراك أيها القلم تتعثر وعهدي بك أجرى من السيل، وتتثلم ~~وعهدي بك أمضى من السيف؟ أفراغ جيبك أفرغ جعبتك؟ وفراغ الجيوب أملأ ~~لوطاب العقول وأفسح لمجال الأفكار. أم تراكمت دونك العقبات، فخشيت قول ~~الشاعر: «الجود يعدم والإقدام قتال.» ونسيت قوله في صدر البيت: ~~«لولا المشقة ساد الناس كلهم.» أم لعلك نسيت قولك: # رب ساع بالعزم وهو ضئيل # دك طودا من راسيات الجبال # أم كبرت عليك المطامع فثبطت منك الهمم؟ أولست أنت القائل: # رب ساع بالحزم وهو ضئيل # صار قيلا من أعظم الأقيال # أم راعك أن قراءك لا يبلغون نصف العشر ولا نصف نصفه، # 2 # فتذكرت قولك: # قد يني المرء لاقتضاء استواء # ووفاق لسائر الأحوال # وذهلت أنك أنت القائل: # غير أن الإنسان يفعل في الأح # وال ما قد يفعلن في الأشكال # أم تزاحمت عليك المواضيع، وانهالت عليك الأفكار، فوقفت ms203 بينها حائرا ~~كما وقف حمار «بوريدان» بين حزمتي الحشيش، # 3 # لا تعرف بأي تبدأ ولا أيا تختار. أتبدأ بقولك: ~~«الإنكليز يصلحون، فلماذا يكرهون؟» كأنك تريد أن تثبت هنا حقيقتين ~~متناقضتين، ولو بحثت عن السبب لزال منك العجب، فالإصلاح واقع لأنه ~~ينطبق على مبادئ هذه الأمة العظيمة، وحكومتها لا يسعها إلا أن تسير على ~~رغائب الأمة؛ لأن قيادها في يدها. فمصر تحت سيطرة الإنكليز انتظم ~~ريها، واتسعت زراعتها، وأثرى فلاحها، وصارت حياته ذات قيمة، ~~وانتظمت ماليتها حتى صارت موضع ثقة العموم، وبلغت الحرية فيها مبلغا ~~تفتحت له أبواب السجون، فالإصلاح حقيقي ولو ابتلعت # 4 # بواخرها في البحر، وأغرقت بسنديلتها في البر، فالبواخر في ~~البحر معرضة للحيتان، والأرض في البر معرضة للطغيان، ويقال أن ~~ستبقى راية مصر تخفق في البواخر فوق راية الإنكليز، كطربوش صاحب المؤيد ~~فوق قبعة القبطان. # 5 # وأما كرههم فحقيقي أيضا، وله سببان: الأول طبيعي؛ فهم ~~دخلاء في البلاد، والدخيل لا يحب ولو جلس في أخريات الناس، فكيف به ~~إذا جلس في صدر البيت؟ على أن هذا السبب ليس بالجوهري؛ فهو غالبا يزول ~~إذا رأى أهل البيت في الدخيل كفاءة وامتيازا، وأنسوا منه حسن معاملة ~~وصلاح حال. والسبب الثاني، وهو سبب هذا الكره الحقيقي، عتو بعض أفراد ~~الإنكليز، وصلفهم واستبدادهم وتغطرسهم، وإساءتهم إلى الذين تربطهم بهم ~~روابط المصلحة في دوائر الحكومة. فالحق يقال إنه يوجد بين هؤلاء ~~الأفراد من لو شد إلى قرن لم يقو عليه ... اثنان. على أنه كما يوجد فيهم ~~عتاة يوجد فيهم أيضا من لو وضعته على جرح لكان كالبلسم كما في كل ~~أمة، وقد تعود الناس إذا رأوا إساءة من فرد أن يطعنوا على هذا الفرد ~~بالطعن على جنسه، حتى يظن الذين يسمعونه أن كل أبناء جنسه من طرزه، ~~فيتوهمون أن أعمال هذا الفرد المغايرة تنطبق على سياسة حكومته ~~ورغائب أمته. وهو خطأ؛ فإن حكومة الإنكليز وأمتهم لا ترضيان عن سلوك ~~مثل هذا الفرد لو علمتا به. والذي يزيد عتو هؤلاء الأفراد الذين هم ~~على ms204 أمتهم شر من الأعداء جبن مرءوسيهم، وانقيادهم لتحكمهم حتى ~~يتمادوا في احتقارهم. وعندنا أدلة كثيرة على أن اللورد كرومر لا يسمح ~~باهتضام الحقوق إلى هذا الحد، ويكون جذلا مسرورا إذا كان الناس ~~يرفعون إليه شكاويهم، ولا شك أنه ينيلهم حقهم إذا كانوا محقين. فلو ~~جرى الناس والجرائد على هذه الخطة عوضا عن الطعن العام الذي يوغر ~~الصدور لخدموا الأمتين؛ أمة الإنكليز لأنها تعلم مكان الضعف فتداويه، ~~والأمة المصرية لحصولها مع الإصلاح العام على احترام الحقوق الشخصية. ~~فتقوى روابط الألفة بين الأمتين. وانقياد فرد لفرد وأمة لأمة قضاء ~~طبيعي؛ فالمجاملة والحالة هذه خير من المخاصمة العقيمة؛ فقد قال إمام ~~الشعراء: # ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى # عدوا له ما من صداقته بد # 6 # أم أتكلم في موضوع «كثرة الوفاق نفاق»، هؤلاء يقولون إن الإنكليز كل ~~أعمالهم سيئات، وأولئك لا يرون لهم إلا حسنات. ومهما حاول كل من ~~الفريقين تأييد رأيه فلا نظن أن ذلك ينطبق على الواقع، والعقل لا ~~يسلم بإمكانه، فتقع الريبة، وتسوء الخدمة التي يتوخاها كل واحد ~~من خطته. ونعني بهذه الخدمة الخدمة العمومية. وقد لا نشك نحن بأن ~~كلا من الفريقين قد يكون مخلصا في دعواه، ولكن زيادة التحمس ~~كثيرا ما تؤدي إلى تجسيم الوهم على حد قوله: # وهمناك أن تعطي فلو لم تجد لنا # لخلناك قد أعطيت من شدة الوهم # إلا أن عموم الناس لا يفهمون ذلك، فتغرهم الأمثال، والأمثال، ولا ~~يخفى، تجري مجرى الحكم، ويشجعهم خصوصا انطباق السجع، فيقولون: «كثرة ~~الوفاق نفاق.» # أم أتكلم عن السجون، فقد مر بك ذكر هذه اللفظة عرضا، وهي موضوع ~~يستحق الالتفات، كيف لا؟ أليست السجون المكان الذي نختاره للراحة من ~~عناء الأشغال، وتبلبل البال، إذ تضيق بنا الحال؟ فالاهتمام بأمرها ~~مما يهم كل إنسان، فهي بين الفنادق والمستشفيات. ومن يضمن لنفسه، ~~كبيرا كان أو صغيرا، أميرا أو صعلوكا، غنيا أو فقيرا، عالما أو ~~جاهلا؛ أنه لا يحل يوما ما ضيفا على الحكومة في هذه البيوت ~~المروضة للأبدان المروقة للأفكار؟ ms205 ونحن في عصر بلغ فيه التأنق ~~والاعتناء بالفنادق والمستشفيات مبلغا عظيما، وما ذلك إلا لأن أحوال ~~البشر اقتضت ذلك؛ لأنه لسوء الحظ أو لحسنه زادت احتياجات الإنسان ~~بالتمدن، حتى صار انتفاء أسباب الراحة التي تعودها يجلب له الضرر. ~~ولسوء البخت كذلك، الناس في الهيئة الاجتماعية طبقات، فلا يقاس العالم ~~بالجاهل، ولا يعامل المتعود على التأنق بالمعيشة كالمتعود على قشف ~~العيش، فإنزال الرفيع إلى مقام الوضيع لا يناسب أحيانا كثيرة، والعكس ~~جائز هنا. # والسجون وجدت لحبس الرجل عن الشر، وترويض أفكاره مدة سجنه، فإذا لم ~~تستجمع كل الوسائل الصحية والأدبية انقلبت فائدتها، وزادت الأخلاق ~~فسادا إذا كانت فاسدة، وربما أفسدتها إذا لم تكن كذلك. وكما أن الذنوب ~~التي يرتكبها البشر درجات، فالعقاب يجب أن يكون درجات كذلك، لا في مدة ~~السجن، بل في نوع السجن أيضا. ومن الذنوب ما هو أرفع مقاما من سواه ~~ولو عاقب عليه القانون، فالذنوب السياسية والكتابية غالبا قلما ~~يعد السجن فيها إهانة حقيقية تلبس صاحبها وصمة عار لا تمحى. ~~ونعني بالذنوب الكتابية الذنوب التي يرتكبها كتاب لهم شأن معدود في ~~عالم الكتابة، لا الكتاب المتطفلون الذين لا شأن لهم مطلقا. فحبس ~~مثل هذا المذنب مدة لا يراعى فيها مقدار ذنبه والضرر الذي نشأ عنه، ~~والضرر الذي يلحق به في حبس واحد مع القاتل والسارق والمرتكب، بل حبس ~~المتعلم والمتهذب مع من لا تربية له ولا خلاق، وفي مكان غير متوفرة ~~فيه أسباب الراحة والصحة، كما هو شأن أكثر السجون. # 7 # لا شك أنه مفسد للصحة، مفسد للأخلاق. ولا نظن أن القصد ~~من السجن إدخال الأمراض على الجسد والعقل لقتلهما وقتل مستقبل الإنسان، ~~خصوصا لذنوب كثيرا ما تكون هوائية. وإني أتصور في نفسي أنه لو وقع لي ~~مثل هذا الأمر، وأخذت إلى السجن لسقطة قلم أو زلقة لسان، # 8 # وعوملت هذه المعاملة؛ لخرجت من السجن وعيناي تقدحان ~~شرارا لا أطلب إلا الانتقام. وأؤكد للجميع بأن طباعي الحقيقية تأبى ~~الإضرار عمدا حتى بالحيوان، بل أميل جدا إلى تحمل ms206 الضيم، وأمثالي ~~في الدنيا كثيرون. فلماذا نفسد أخلاق مثل هذا الإنسان، ولا نحاول ~~إصلاح جانب الضعف فيه، والانتفاع بما فيه من القوة؟ فالعقاب يلزم أن ~~يراعى فيه أشياء كثيرة غير مستدركة لا في السجون ولا في ~~القانون. # والقانون، وما أدراك ما القانون، مجموع شبهات وظنون، فيما هو كائن ~~وما لا يكون، بل هو عقبة في سبيل تقدم الإنسان في العمران، ولو أغضب ~~ذلك سادتنا القضاة والمتشرعين، ورموني بالجهل، وعدوني متأخرا عن ~~عصري خمسة آلاف سنة أو متقدما كما يريدون. وقد عده الناس لبونابرت ~~الحسنة الوحيدة بين سيئاته الكثيرة، وهو شر ما جنت يداه على الإنسانية، ~~فلا قتله الألوف المؤلفة من البشر، ولا تخريبه المعمورة مدة ربع قرن، ~~يقاس بشيء من أضرار هذا القانون الثابت. فالشريعة ليست من العلوم ~~الرياضية حتى تدون في بنود كقضايا مسلمة تجري مجراها، ولا تنقح ~~حتى يتفاقم ضرها ويكثر شرها. فالشرائع لا تعاقب ذنوبا بل مذنبين، ~~كما أن الطب لا يداوي أمراضا بل مرضى؛ فهي أبسط من ذلك جدا في ~~أصولها، وأشد اختلاطا في فروعها، فالأحكام الاجتهادية أفضل جدا من ~~الأحكام القانونية. ولا نظن أن البلاد التي تعول في أحكامها على ~~الاجتهاد لا على القانون، كبلاد الإنكليز، أسوأ حالا من البلاد ~~القانونية، إن لم تكن أصلح منها بكثير. أقول ذلك ولا أقصد به أمرا ~~معلوما أو أناسا معلومين، وأرجو ألا يحمل الناس كلامي على ما بين ~~طائفة الأطباء والقضاة مما بين السنور والثمثم (كلب الصيد)، خصوصا ~~بعد حكمهم الجائر في باريس على المنكود الحظ الطبيب «لابورت»؛ # 9 # مما أثار غضب الأطباء عموما على المحاكم، وسلقوها في ~~جرائدهم بألسنة حداد. # وعلى ذكر الأطباء أقول إن هذه الطائفة - وقاك الله شرها - كثيرة ~~النفع كثيرة الضرر؛ إذ يتوقف عليها صحة الأبدان وحياة النفوس، فإصابة ~~منهم قد تحيي، وغلطة قد تودي. وهم من هذه الجهة يتشابهون كثيرا مع ~~القضاة. والفرق بينهم، كما قال بعضهم، أن الأطباء يدفنون أغلاطهم في ~~الأرض، والقضاة ينشرونها في الهواء (إشارة إلى دفن الميت وتعليق ~~المشنوق)، ms207 وهم لو اقتصروا على ما سنه لهم أبوهم أبو الطب أبقراط، حيث ~~قال: «على الطبيب أن يتوخى منفعة مريضه، فإن لم يستطعها فليتجنب ~~الإضرار به.» لوجدوا لهم من أنفسهم عاذرا، ولما استحقوا كبير ملام؛ ~~لأن الطب كما قال أحد حكمائهم: «يشفي نادرا، ويسكن غالبا، ~~ويعزي دائما.» ولكن الأطباء بشر كسائر الناس، يختلفون نظيرهم في ~~العقول والأخلاق، فهذا يعتمد على البساطة في طبه كما يكون بسيطا في ~~ملبسه ومعيشته، وذلك على ذر الرماد في عيون المرضى، كما يذره في عيون ~~سائر الناس في سائر أحوال معيشته، فلكي يصف لك قدح ماء يستقطر البحر، ~~ويستمطر السحب، ويستسيل الجمد، ومنهم من ينظر إلى مريضه شزرا، ويجلس ~~إلى جانبه ويعيره ظهرا. # 10 # وربما أراد أن يدل بذلك على خفة الداء، لا على قلة ~~الاعتناء. ومنهم، وكنت أود ألا أذكر ذلك، من يقصد تكثير الربح كأنه ~~شريك الصيدلي (أعوذ بالله من شر الصيادلة، فهؤلاء يلزم لهم فصل ~~مخصوص)، فعوضا عن الدواء البسيط يعدل إلى المركب، وعوضا عن أن ~~يصف لك بعض قمحات في مقدار من الماء، يمزجها ويقسمها أوراقا أو حبوبا ~~أو برشانات تزيد على المائة عدا ، ويشغلك يومك وليلك في تجرع هذا ~~الدواء على الساعات والدقائق، والله أعلم بالعواقب. والحق يقال إن ~~الذنب ليس كله عليهم، فالناس لا يرضون عن طبيب إلا إذا قلبهم ظهرا ~~وبطنا فيما يلزم وما لا يلزم، وعادهم صباح مساء، وظهر عشاء، وكتب لهم ~~من الدواء ما يخرج به من عند الصيدلي مستغيثا بالحوذي ومركبته. فعن ~~الأول يقولون إنه «معتن» ولو لم يفهم شيئا، وعن الثاني إنه «شاطر» ~~ولا يصفحون عنك. ولو فهمت حالة المريض من مجرد تحديق نظرك فيه، وشفيته ~~بدواء لم تتعد به دائرة المطبخ؛ فإنهم لا يزالون يرمونك بالإهمال ~~والجهل، ولا يريدون أن ينسبوا ذلك إلى نظرك الدقيق. # على أن الأطباء مهما بالغوا في الدهاء، فالمرضى يفوقونهم في ذلك؛ ~~فكثيرا ما لا يكافئونهم بغير تمزيقهم بلسانهم. وأنا أنصح لك كلما ~~سمعت أحدا يذم طبيبا أن تسأله إذا ms208 كان دفع له حسابه، فغالبا تجد أنه ~~لم يدفع؛ لأن الذين يدفعون قلما يذمون. وزد على ذلك أن الأطباء ~~أشبه شيء بالضرائر، ليس بينهم عصبية تحمي مصالحهم، فليس لهم رأي عام ~~كما يقولون، ولو كان لهم ذلك لما تجاسر القاضي الذي حكم على «لابورت» ~~المذكور أن يصب عليه ذلك الحكم الجائر. فقد قال بعضهم: «لو اعتصب ~~الأطباء بعد الحكم على لابورت ثلاثة أيام امتنعوا فيها عن تأدية ~~وظائفهم، لرأيت القضاة على أبوابهم يستسمحون.» # وعلى ذكر الرأي العام، أقول إن كثيرين يذهبون إلى أن الرأي العام في ~~الشرق اسم بلا مسمى كالغول والعنقاء، ومع ذلك فنحن نسمعه في الجرائد ~~كثيرا، ونفاه بعضهم عن المصريين بحجة قلة انتشار التعليم بينهم، وفي ~~الأمر نظر. # 11 # | المقالة الخامسة والثلاثون # شواغل # 1 # انقطعت عنك أيها البصير زمنا طويلا أو قصيرا حسب أميال كل قارئ، ~~ووقع كتاباتي عنده موقع الاستحسان أو الاستهجان لشواغل تهون لدى البعض ~~وتعظم لدى البعض الآخر. والناس يختلفون فيما به يتأثرون، فهنا رجل ~~يخوض بحار الأفكار، ويصادم تيارها الجارف، ويقف سدا في وجه الحوادث ~~كأنه الطود الراسخ. لا تقلقله ريح زعزع، ولا إعصار ينسف الرمال ~~ويقتلع الأشجار، وينتصب مخروطا يصل السماء بالبحار، كأنه التنين ~~الحران، ولكن رأسه في السماء، ورجله في الماء. يصادم كل ذلك بجنان ~~لا يرتاب، وقلب لا يهاب، ولكن يحار ويتعثر لشيء يذكر ولا يذكر، قد ~~لا يعتد به سواه ممن ينوء تحت عبء أقل القليل مما ذكرناه. # شواغل غير الشواغل التي أشار إليها «أتوس» # 2 # في وصفه لي وصفا عقل لساني وأطلق فيض قلبي، فلم يبق لي ~~غير دمعة شكر أسالتها عيني على دمعة فكر أسالها قلمه البليغ. شواغل لو ~~قام لها الحريري من قبره ونظر إلى ما حوله، لبدل قوله: # أصطاد قوما بوعظ # وآخرين بشعر # وأستفز بخل # عقلا وعقلا بخمر # بهذا القول: # أصطاد قوما بمال # وآخرين بمال # وأستفز بمال # عقلا وعقلا بمال # ولكسر القلم، وأنشأ مقالة سماها: «رثاء القلم، في بلاد الرمم.» ~~افتتحها بقوله: # ما لي أراك ms209 حزينا أيها القلم # هل مات قومك يا مسكين كلهم # ماتوا ويا ليتني ما عشت بعدهم # أما تراني وحولي كلهم رمم # قف أيها القلم قبل أن تتهور من حالق، فما عهدي بك ممن يتجر ~~بالكلام، هل غرك أن المثالب تشرى وتباع، وتهتز لها عروش الملوك ~~في الأصقاع # 3 # ونسيت قولك: «الناس مذاهب، والنفوس مراتب.» أم خشيت الملام، # 4 # وما قلت حتى اليوم غير الحق، وما نطقت بغير الصدق؟ يعترف ~~لك بذلك العدو قبل الصديق، ونفسك من وراء ذلك لا ترتاب؛ لأنك في كل ما ~~تقول تعرض عن الأشخاص، ولا تشدد الطعن إلا على المبادئ. فما أنت ~~ممن يحب في البحث التعرض للآحاد، بل تتصدى للجموع، ولا الوقوف على ~~الجزئيات، بل تتخطاها إلى الكليات. تشهد بذلك مباحثك كلها، والكتابة ~~مرآة الأفكار، والأفكار صور الأميال، فلا تخالف أميالك؛ لأن الشر في ~~الدنيا إنما نشأ عن مخالفة هذه الأميال لاعتقاد الأوائل أن العنصر ~~الغالب في الإنسان هو الشر، فحاولوا في تعاليمهم كلها مقاومة أمياله ~~الغريزية، وعلموه أن يخالفها، فاكتسب صفات غير صفاته الطبيعية، ~~صفات مشوهة، يجهد الإنسان نفسه لتطبيقها على طبيعة مختلفة عنها في ~~المبدأ، تنقلب شرا إذا خلا بنفسه عن نظر الرقيب؛ مما يدلك على ~~أنها صفات مصطنعة لا طبيعية. ولا يصح هذا المبدأ حتى يصح أن ~~جمال الصناعة أفضل من جمال الطبيعة، و«ليس التكحل في العينين ~~كالكحل»، حتى صارت كل أعمال الناس مصانعة تنطبق على قوله: # أرائيك فليغفر لي الله زلتي # بذاك ودين العالمين رياء # فالإنسان لم يكذب إلا لأنهم عاقبوه على الصدق، ولم يسرق إلا لأنهم ~~حجبوا عنه ما يحتاج إليه. ولا ريب أن كثيرين يستغربون هذا القول، ~~واستغرابهم له هو الباعث على ذكره؛ لأن استغراب الشيء يحدث في العقل ~~رجة كثيرا ما تكون في أول الأمر ضد هذا الشيء والمنبه إليه، إلا ~~أنها لا تلبث أن تحمل هذا العقل نفسه على التفكير والبحث. وهذا يزحزحه ~~عن مألوفه المتقادم عليه، ويطلقه من عقاله المخمول فيه. والكتابة ~~إن لم يكن فيها ما ms210 ينبه الأفكار بسطا أو إلماعا، ويفسح للعقل ~~مجال البحث؛ لم يكن فيها شيء مفيد، وكانت كبيت الشعر المستوفي قواعد ~~الوزن والإعراب الخالي من المعنى؛ أي كأكثر أشعار هذا العصر. # 5 # وهذا الميل في الإنسان إلى تشويه الأخلاق، أي الصفات الأدبية، ظاهر ~~فيه أيضا في تشويه الخلق، أي الصفات الطبيعية، مثل: تشريح الخدود عند ~~الزنوج، والوشم عند أكثر قبائل الشرق، وتشويه الرجلين عند الصينيين. ~~وذكر أبقراط جيلا من البشر كان يطلق عليه اسم المكروسفال، أي الرءوس ~~المتطاولة، كان يشوه رءوس أطفاله حتى تتطاول. وذكر شعبا من ~~الصقالب كان يشوه صدور بناته بإزالة ثديهن الأيمن بالكي بالنار ~~وهن طفلات. # 6 # وقد جرى الناس في تشويه الأخلاق مجراهم في تشويه الأجسام، ~~وهم في الحالين يحسبون أنهم يحسنون صنعا، إلا أن تشويه الصفات ~~الطبيعية قلما يكون له أثر يتجاوز الواحد من الناس، وقلما ينتقل ~~بالوراثة، فلا يخشى تأصله. ولعل صعوبة انتقاله بالوراثة هو الذي صرف ~~الناس عنه بسرعة أعظم من سرعة انصرافهم عن تشويه الأخلاق حتى قل ذلك ~~اليوم، وانتفى أكثره من بين الجمعيات المتمدنة، وانطفأ أثره بانطفاء ~~المشوهين أنفسهم. وأما تشويه الأخلاق فأرسخ أثرا وأسهل انتقالا ~~بالوراثة، وأصعب انتباها إليه؛ ولذلك لا يزال أثره شديدا حتى اليوم ~~في أعظم الجمعيات المتمدنة. ولهذا نرى الناس في تعاليمهم الدينية ~~والأدبية حتى الطبيعية حاولوا إدخال هذا المبدأ، فعلموا قهر النفس، ~~وعدوا ذلك من الفضائل والمداجاة، وعدوها من حسن السلوك والدهاء. ~~ومن قهر النفس إلى انفجار غضبها وارتكاب المنكر، ومن المداجاة إلى ~~الرياء والكذب، لا يوجد إلا خطوة. فتولدت في الإنسان أميال لم تكن ~~فيه، واكتسب عيوبا كثيرة كان يمكن ألا يعرفها. وكثير من الأمراض ~~العصبية نشأ وتأصل وانتقل في نسله بسبب ذلك. ولم يقتصر ذلك على ~~العلوم الأدبية، بل العلوم الطبيعية نفسها لم تسلم من هذا المبدأ؛ فلقد ~~طالما عدوا أميال الطبيعية ضلالات، فاجتهدوا في مقاومتها، فكم من ~~مريض بات يتقلى على جمر الحمى، فلا يسمحون له حتى ولا بالهواء، ~~ويشكو الظماء فلا يجودون عليه بجرعة ms211 من الماء، وربما أكثروا له من ~~الدثار، وأوقدوا في غرفته النار. # وإن العقل ليحار كيف تولدت هذه التعاليم؟ وكيف تمكنت من الناس ~~حتى صار التمسك بها يعد فضيلة وصوابا، والخروج عنها رذيلة وخطأ؟ ~~وربما لم يكن الوقوف على أصلها متعذرا، والعلم بنشوئها ممتنعا، إلا ~~أن الإفاضة في ذلك تدفعنا إلى مبحث يطول به الكلام، ولا يسمح به ~~المقام، وربما عدنا إليه في فرصة أخرى. # | المقالة السادسة والثلاثون # القضاء المبرم: # 1 # في اليد والقبلة والدرهم (صحية فكاهية) # لا نقصد بذلك يد الظالم التي يمدها للفتك بك، ولا قبلة المداجي ~~الخائن الذي يبيعك بأبخس الأثمان، ولا درهم جاسوس السوء الذي يتقاضاه ~~ثمن هدر دمك؛ وإنما المراد به أمر عادي جار كل يوم في المعاملات بين ~~الناس، وهم على تمام الولاء والإخلاص، غافلين عما قد يجره عليهم ~~أحيانا من السقم والبلاء. # ذهب الأطباء إلى أن أمراض الإنسان ناشئة عن أجسام حية، تتوالد وتنمو ~~كما ينمو الحيوان والنبات، صغيرة جدا لا ترى إلا بالآلات المعظمة، ~~سموها مكروبات، منتشرة في الهواء الذي نتنفسه، والماء الذي نشربه، ~~والأرض التي نطؤها، وعالقة بكل شيء لنا به اتصال، وإذا نجونا منها ~~أحيانا فلضعف فيها أو لقوة فينا . فالهواء الأصفر الضارب اليوم في ~~البلاد على أسلوب غريب لم يسبق له مثيل في تاريخ الأوبئة، والحمى ~~التيفوئيدية التي تفتك بنا كل سنة فتكا ذريعا، والتدرن الكثير الذي ~~لا يبقي ولا يذر، والدفتيريا التي هي طاعون الأطفال، وغيرها من ~~الأمراض الكثيرة الخفيفة والشديدة؛ أسبابها مكروبات خاصة بها تصل ~~إلينا غالبا عن طريق الفم بالطعام والشراب. وقد عرفوا أيضا طرق ~~إهلاكها، فهي لا تقوى على النار التي تطهر كل شيء، فإذا نقي ~~الطعام والشراب منها مع ما في عصارات المعدة من الحوامض المفسدة أمن ~~الناس شرها. ونقاوة الماء تكون بالترشيح، وأفضل من ذلك غليه، ونقاوة ~~الطعام تحصل بالطبخ الجيد. تلك أمور لا نقصد الإفاضة فيها هنا، وقد ~~صارت معلومة اليوم، ومرادنا فقط أن ننبه إلى انتقال جراثيم الأمراض ~~بواسطة ثلاثة عوامل مهمة، ms212 وهي: «اليد»، و«القبلة»، و«الدرهم.» # فاليد أهم أعضاء الإنسان في المعاملات، يمدها إلى كل شيء، ثم ~~يردها إلى فمه وعينيه، فإن لم تكن نقية كانت سببا لنقل العدوى، وهي ~~العضو المستعمل للسلام مصافحة. والسلام باليد عادة لا نبدي رأيا ~~في قبحها أو حسنها، وإنما نقول إنها شديدة الخطر؛ إذ إن الناس يتفاوتون ~~في الاعتناء بنظافة أيديهم، وقد يحملون بها جراثيم أمراض كثيرة، ~~وربما استغربوا إذا قلنا لهم إن السلام مصافحة قد يكون سببا ~~لإيرادهم حتفهم، ولإتلاف عضو من أعضائهم كالعين. ولاتقاء ذلك على الناس ~~جميعا أن يعتنوا بنظافة أيديهم، وما ضن الله عليهم بالماء، فالفقراء ~~والأغنياء (ونستثني من ذلك سكان مصر والإسكندرية) في التمكن من الحصول ~~على ذلك سواء، فلا يعذرون. ونعم ما فرضته عليهم بعض الشرائع لو أنهم ~~يفعلون! ونعم العادة المصطلح عليها أهل الشرق، وهي غسل أيديهم قبل ~~جلوسهم على الطعام! وأفضل منها غسلها كلما تمكن الإنسان من ~~ذلك. # والقبلة، وما أدراك ما القبلة، صلة القلب بين العاشق والمعشوق، وصلة ~~النفس بين الأم والولد، وربما توسعوا فيها بين الصديق وصديقه، وهي ~~هنا صلة لا نعرف لها اسما؛ إذ إنها غير طبيعية، فأمراض الفم والرئتين ~~كثيرا ما تنتقل بواسطة القبلة، فكم من طفل بريء أصيب بداء رديء ~~بقبلة من مرضعته! وكم من عاشق أخذ الداء بقبلة من عشيقته! وهنا ~~نستميح العفو من سادتنا الشعراء، فليس برد الأنياب دائما ريح الخزامى ~~أو نشر القطر، كما في قوله: # كأن المدام وريح الخزامى # وبرد الغمام ونشر القطر # يعل به برد أنيابها # إذا غرد الطائر المستحر # ولا الريق دائما بالشهد كما في قوله: # فقمت أرشف من شهد اللمى وأنا # أقول «هذا شفاء فيه للناس» # على أن الشعراء يتبعهم الغاوون، وهم في كل واد يهيمون، وكثيرا ما ~~ينطقون بما لا يصدقون، فالحذر من القبلة؛ فكم تورث الجسم علة، والقلب ~~دبلة. # وأما الدرهم المفرق بين الأم والولد، فلا مشاحة في أنه عصب ~~الهيئة الاجتماعية، كما يصفه الإفرنج؛ إذ تتوقف عليه قوة الأفراد ~~والأمم. وكما أنه عصبها ms213 سيكون يوما ما سببا لتمزيقها أيضا بما ~~سيحدثه من الكوارث والقلاقل بين الشعوب؛ لانحصاره في جانب، وانحساره ~~عن الجانب الآخر وهو الأكبر. ولسوء البخت هذا الحصر آخذ في الزيادة ~~يوما عن يوم بما لم يسبق له مثيل في تاريخ العمران. وهو علة ~~الاضطرابات الداخلية الحاصلة في كل مملكة، وتألف العصابات لمقاومة ~~أصحاب المال. وإن لم يتدارك ذلك أرباب السياسة بالحسنى لا بالعنف، ~~يخشى أن يكون سببا لخراب الممالك. هذا بالنظر إلى الاقتصاد السياسي، ~~وأما إذا نظرت إليه طبيا فإنك تراه يصدق عليه قول الحريري: # تبا له من مارق ممازق # أصفر ذي وجهين كالمنافق # فإن الدراهم يتداولها الناس بأيديهم، ويضعونها في جيوبهم، ومنهم من ~~يضعها في فمه! فتحمل جميع المكروبات التي تصادفها في طريقها، وتنقلها ~~من واحد إلى آخر، مكتسبة كل مرة مكروبات جديدة على حد اكتسابها ~~بالربا. ومن العادات السيئة إعطاء الدراهم للأطفال، فإنهم لا يتأخرون ~~عن أن يضعوها في فمهم، فإذا كان عالقا بها جرثومة مرض كالزهري أو ~~الدفتيريا أو السل، فتصور الضرر العظيم الذي يقع على الطفل من ~~ذلك. # فهذه أيها القارئ اللبيب عوامل ثلاثة لنقل الأمراض، مهمة جدا، ~~نبهناك إليها حتى إذا عرفت الداء سهل عليك الدواء، راجين لك بذلك ~~النجاة من شر المكروبات، وهذا أفضل ما نتمناه للقراء الكرام على رأس ~~هذا العام. # | المقالة السابعة والثلاثون # لحس الأصابع: # 1 # نصيحة طبية # رأيت فتى يلعب بالنرد، وهو كلما أراد نقل حجر أرسل إصبعه ~~(السبابة) أولا إلى فمه ولحسها بلسانه، وهكذا كان يفعل قبل نقل كل ~~حجر، وكان يفعل ذلك بسرعة وخفة لا يحاكيه فيهما سوى ذوات الأيدي ~~الأربع، كأن الأمر فيه عادة مألوفة ليس للروية فيها أدنى دخل. وهذا ~~ما استلفت نظري إليه خاصة؛ لأني رأيته وأنا مار في الطريق، فذكرني ~~ذلك عادة كثيرين من الناس، تراهم دائما يشركون ألسنتهم في كل ملموسات ~~أيديهم. فالقارئ في كتاب يلحس إصبعه عند تقليب كل ورقة من أوراقه، ~~والبائع يلحسها عند فرز كل بضاعة، واللاعب عند تناول كل ورقة من ms214 أوراق ~~اللعب، وبعض الكتبة يلحس الحبر عن الورق كلما أراد محو شيء كتبه ~~للفور. # وهي عادة قبيحة جدا وقذرة، وبعضها مناف لآداب المجالسة، وتجعل ~~مجالسك يتقزز منك. وهي على العموم مضرة بالصحة، وقد تكون واسطة ~~لنقل أمراض قد يكون بها القضاء على الحياة؛ إذ لا يخفى أن الأمراض ~~تنتقل بسهولة عن طريق الفم، كالسل والحمى التيفوئيد والهواء الأصفر، ~~وسائر الأمراض البسيطة والوبيلة. # ولا يخفى أن اليد أقذر عضو في الإنسان؛ فهي التي يصافح بها عند ~~التسليم، ويتعرف بها كل ما يقع تحت نظره من الملموسات، ويقبض بها كل ~~أنواع العملة. والعملة أقذر ما يتعامل به البشر؛ لانتقالها في الأيدي ~~الكثيرة، ومن فم إلى فم كما يفعل أكثر السوقة من الناس، وكما يفعل ~~الأطفال أنفسهم كلما وقع إليهم شيء منها. وإذا تحرينا جيدا نجد أن ~~العدوى بالأمراض عن سبيل اليد هي على نسبة أعظم جدا منها بواسطة ~~الطعام والشراب في الذين لا ينتبهون إلى هذه الصلة بين اليد ~~والفم. # ولعل هذه الإشارة الوجيزة تكفي لحمل الذين يصل إليهم علم ذلك على ~~الإقلاع عن هذه العادة المزدوجة القبح بقذارتها وضررها بالصحة، ولعلها ~~تكفي أيضا لتربية الإنسان نفسه على الحذر من يديه، واعتبارهما من حين ~~ما يخرج من بيته إلى أن يعود إليه عدوتين له، لا يأمن على نفسه ~~منهما، فلا يقربهما من فمه حتى يغسلهما جيدا بالماء والصابون، ويكثر ~~من الغسل كلما تيسر له ذلك. # ويا ليت الناس يقلعون عن المصافحة باليد التي هي من شر العادات، ~~ويستغنون عنها إما برفع اليد إلى الرأس أو برفع العمارة عنه إذا كانت ~~قبعة يسهل رفعها. # واليد إذا لم يتق الإنسان شرها هي أعظم جان عليه؛ فهي التي ~~تجره إلى مواقف الردى في المحاكم والأمراض؛ ولذلك إذا وجب على ~~الإنسان أن يحذر لسانه مرة، وجب عليه أن يحذر «يده» ألف مرة. # | المقالة الثامنة والثلاثون # ضحايا الجهل (أو «الإنسانية المظلومة») # 1 # لو تجرد الإنسان مما غرس فيه من بواعث التفريق بعلة الأديان، ~~لما أتى منكرا بحق ms215 أخيه الإنسان. # على أن الأديان تنهى عن المنكر، وهي كسائر الشرائع التي يقصد منها ~~إصلاح العمران تعلم العطف على الإنسان. # ولكن الأديان، كسائر مخترعات البشر، تتحول من النفع العام حتى تصير ~~وسائل للكسب في أيدي الذين اتخذوها تجارة لجذب الدنيا، ولو بالقضاء ~~على الإنسان. # رؤساء الأديان من كل دين وملة علموا الناس حتى اليوم غير ما تأمرهم ~~به الأديان، وكم قاموا يبيعون دينهم بدانق، وفرطوا بمال الأيتام، وكم ~~خدموا به أغراض عتاة حكامهم؛ ليتقسموا معهم الدنيا، ولو داسوا الدين ~~بالأقدام. # قامت النصرانية في العصور الوسطى بفظائع تقشعر لها الأبدان، حاشا ~~للإنجيل أن يكون الآمر بها، وما قام بها إلا أولئك الذين هزءوا بالدين ~~ليسحقوا به الإنسان بالاتفاق مع الحكام الظلام. # ولو كانت النصرانية تأمر بهذه الفظائع لما رأيناها، في الممالك التي ~~ارتقت بالعلم، شديدة العطف على الإنسان، إلا التي لا يزال الجهل ~~مخيما فيها، والتي لا يزال اليهود يذبحون فيها على مذبح الجهل ذبح ~~الأغنام؛ مما يجعل الذنب كل الذنب على أولئك الرؤساء الطغام. # الإسلام دين اجتماعي ينهى عن كل شر، لا يقاتل إلا الذين يقاتلونه، ~~ولا يعتدي على الإنسان، ويأمر بالذود عن المستأمنين الآمنين في ظله، ~~وحاشا أن تأمر بغير ذلك شريعة القرآن؛ فالقرآن بريء من الفظائع التي ~~ارتكبت وترتكب كل يوم بعلة الدين في مملكة بني عثمان. # فيا مقلنسي الجهل ومعممي الضلال، أين رأيتم في أديانكم ما يسمح ~~لكم أن تزرعوا في رءوس أتباعكم الجاهلين التفريق بين الناس إلى حد ~~التباغض والتقاتل، حتى قامت اليوم قيامتهم يقتلون بعضهم تقتيلا في ~~الوطن الواحد، يعتدون على الآمنين لخلاف لا علاقة له بالدين؟ # لو قامت الإنسانية في كل الدنيا، ونسرت لحم رؤساء الأديان، الذين هم ~~وحدهم المسئولون عن كل الفظائع التي ارتكبت، ولا تزال ترتكب باسم ~~الدين، نسرة نسرة لما وفت حق الانتقام منه؛ لما جنوه حتى اليوم على ~~الإنسان. # عفوكم أيها الأنبياء الكرام، على قول، ويا أيها الرجال العظام، على ~~قول آخرين، مما جناه باسمكم على الإنسانية هؤلاء الجهلة الطغام، ms216 ~~الذين قلتم فيهم إن لهم عينين ولكنهم لا يبصرون، وأذنين ولكنهم لا ~~يسمعون، صم بكم عمي فهم لا يرجعون. # | المقالة التاسعة والثلاثون # الأمم والحروب # 1 # الأرض واسعة جدا، وحتى الآن لم يملأها الإنسان؛ فهذه قارة أفريقيا ~~على سعتها تعد أقل القارات سكانا، وأضعفها فيهم نسبة، ومجاهلها ~~الواسعة غنية جدا، ولكنها لا تزال على الفطرة بكرا حتى اليوم، لم ~~تطأها رجل فاتح، ولم تبقر بطنها يد عامل؛ فخيرها محفوظ في تربتها لا ~~محراث يشقها، وكنوزها مدفونة في جوفها لا معول ينبشها. # وهذه بلاد روسيا على ضخامة ملكها وكثرة شعبها لا تزال متسعة جدا ~~للإنسان، وصحراء سيبيريا لا تزال موطنا للدببة تسرح فيها وتمرح، ~~ومنفى لمساكين الأشقياء، وللأحرار الذين عبثت بهم أيدي الظلام، ~~فقطعوهم عن جسم الإنسانية ليهنأ لهم العيش، ورموهم هناك في جب العزلة ~~يلبسون المسوح من جلود الدببة، ويقتاتون بيابس العشب وصديد القديد، ~~ويعاملون ولا معاملة الإنسان للحيوان، بل أشد من معاملة الحيوان لعدوه ~~الحيوان، إلى أن تموت نفوسهم، أو يقضى عليهم جوعا وبردا وعريا بعد ~~آلام في النفوس هي أشد من عذاب الأجسام. # وهذه بلاد الصين، فمع أنها تعتبر منملة البشر، فمساحتها فوق ما تضم ~~من الناس بكثير. # وهذه بلاد الهند، فحراجها لا تزال ملجأ وحوش الغاب، وأوديتها مواطن ~~الأفاعي، ومستنقعاتها موارد الحتوف. # وهذه قارة أمريكا، وحكومتها أرقى الحكومات، وشعبها أرقى الشعوب، ~~فاتحة أبوابها لكل عامل نافع تجود عليه بالأرض ليعمل فيها ويزيد في ~~عمرانها. # وهذه المملكة العثمانية تستطيع أن تأوي فيها فوق ما فيها من السكان ~~أضعافا مضاعفة. # وهذه أوروبا المتمدنة اليوم، المتضايقة أكثر من سواها، لم تبلغ ~~الدرجة القصوى من العمارية. # فأنت ترى أن الأرض لا تزال واسعة جدا على الإنسان رغما عن تشاؤم ~~المتشائمين وإحصاء الإحصائيين، تقوم بأوده مهما زاد في عدده، إلى أن ~~يتاح له ركوب متن الهواء لافتتاح السماء، والمهاجرة إلى الأجرام، ~~والسفر إليها بمراكب الحقيقة بعد مطايا الأحلام. # فالتنازع بين الإنسان ليس سببه المدافعة عن القوت، والحروب ليس ~~الدافع إليها الخوف من الجوع، ms217 وإنما هي المطامع تحمل الإنسان على قتل ~~الإنسان، والمطامع هي جوع النفوس، وهو أشد هولا من جوع ~~الأجسام. # ألا ترى أن الإنسان، كما جاء في أساطير الأولين وفي كتب الدين، ما ~~صار اثنين حتى قام قايين على هابيل وقتله؛ لأنه ظن أن الله فضله عليه ~~إذ خصه بالضرع، وهو لم يخصه إلا بالزرع، والتفضيل مشكوك فيه؟ لا ~~غرو إذا بقي الإنسان حتى اليوم أعرق في المطامع وأميل إلى الشر؛ لأنه ~~بحكم الرواية من نسل قايين اللعين. # وهي حكمة عرفها السلف عن طبيعة الإنسان في حب التنازع؛ لأنه ابن هذا ~~التنازع في ناموس الوجود، فعبر عن هذه الحقيقة الصادعة بذاك المجاز ~~الرائع. # وأعمال الإنسان في جاهليته الأولى لم تخرج عن ذلك، فلم يكن الواحد ~~يهب من رقاده حتى يعلو ظهر جواده متأبطا شره للنهب والسلب ~~والتمثيل بعدو له لم يره قبل طعنه بسنان رمحه، أو ضربه بحد سيفه. ولا ~~يزال يرود في طلب غنيمته بين الظعن والمضارب، ولا يرجع إلى الخيام إلا ~~تحت جنح الظلام، ولا يهنأ له عيش حتى ينام على إثم، حتى صار ارتكاب مثل ~~هذا الوزر عنوان الفخر الذي لا يعلو عليه فخر، فدبج الأصمعي قصة عنترة ~~عبس العرب، ونظم هوميروس ملاحم أخيل اليونان، هذا يفتخر بأنه جندل ~~أعداءه حتى تركهم، كما في قوله: # وقرا الطير والكلاب القيولا # وذاك بوصفه أبدع حقيقة في إيراده عدوه أشنع مورد، حيث يقول: # تحوم عليه عقبان المنايا # وتحجل حوله غربان بين # فوصفها كما رآها في حقيقة حالها تأكل منه حتى تشبع، وتحجل حوله حتى ~~تجوع، ونهمها لا يدعها تفارقه. ولم يزل هذا شأن الإنسان حتى في ~~انضمامه أسرا وقبائل وأمما تربطه بعضه ببعض صلة الرحم فالمنبت ~~فالمصلحة. # وما انقضاض الإسكندر المكدوني بجحافله على الشرق، ونابليون على ~~الغرب، وأنيبال في اقتحامه الأهوال، وقطعه الجبال، وما نهم كسرى في ~~مجده، وتعسف نيرون في ظلمه؛ عن ضيق في الأرض أو شظف في العيش، وإنما ~~هي مطامع أفراد ضاق بنفوسهم فسيح الغبراء، حتى لو افتتحوها لوقفوا ms218 ~~يفكرون في: كيف أنهم يفتتحون السماء؟ # ملوك سودتهم نفوسهم، وهونت عليهم ركوب الأهوال واقتحام المخاطر، ~~فاندفعوا ورءوسهم على أكفهم مقامرين غير هيابين، وساعدهم جهل ~~الجماهير فسادوا عليهم، ورموا بهم من كل حالق، فاندفعوا يدفعون ~~بأرواحهم ثمن مجد سواهم، يحصدهم الموت بمنجله، وملوكهم يتمتعون ~~بثمار فوزهم، ويرفعون على جثثهم قباب مجدهم. هكذا كان شأن الملوك في ~~كل العصور، من كل عصامي جبار، إلى كل عظامي بليد. يوم كان الملوك كل ~~شيء، وكانت الأمم لا شيء؛ لا غرو إذا كانوا كل حين في مطمع، وكل يوم ~~في حرب. وكم أثاروا حروبا هدرت بها دماء الرجال، ورملت النساء، ~~ويتمت الأطفال، لقضاء شهوة بهيمية. وحمر الناس يظنون أنهم يقضون ~~واجبا عليهم. # ما أرفع الإنسان إذا عز، وما أدناه إذا ذل! ذاك يناصب آلهته ~~العدوان، وهذا ينحط إلى أن يحاكي الحيوان. وما زال ذلك إلى أن انقضى ~~زمن الخاصة أو تداعى، وقامت سيادة العامة أو كادت، فتنبهت في الأمم ~~عاطفة المصلحة، تجمعهم فيها تارة جامعة الأديان، وطورا جامعة ~~الأوطان، وأثاروا لأجلهما حروبا تشيب لها الولدان. وقد ضعفت تلك اليوم ~~كثيرا في مجامع الأمم الراقية، ولكن جامعة الأوطان ما زالت عزيزة ~~الجانب، يتذرعون بها إلى إثارة الفتن بين الأمم، وحملها على تقتيل ~~بعضها بعضا. على أنه كلما ارتقى الناس قلت الحروب، وزاد الحذر منها ~~بزيادة معداتها؛ إذ ليس أمنع للحرب من الاستعداد للحرب؛ ولذلك قل ~~الخوف من الحروب بين الأمم المنيعة. وكلما ارتقى الإنسان أدرك أن ~~التساهل والتسامح أدعى لمصلحة العمران، وأن الحياة أغلى ثمنا من أن ~~تضحى على مذبح التوحش والجهل. فإن لم يكن هذا السبب الأخير هو الذي ~~يصد الدول عن الاشتباك في حرب نراها تبرق لها وترعد اليوم، فلا شك ~~أن الذي يصرفها عنها خوفها مما لكل واحدة منها من الحول والطول، ~~فليس من أمة من أمم أوروبا الراقية اليوم ترضى بأن تضرم فيما بينها ~~حربا، ليست الحروب الماضية بالنسبة إليها إلا كالألعاب النارية التي ~~تطلق اليوم في الأعياد، وكل هذا التهديد والوعيد ms219 ليس إلا دعوة ~~لاجتماع تتوازن فيه مصالح الجميع، وسينتهي عما قليل كغيوم الصيف ~~تنحل بالندى. # 2 # | المقالة الأربعون # أ ب ت ث # 1 # نشر البصير في أحد أعداده المتقدمة مقالة عنوانها «أ ب ت ث»، ~~فأعجبني العنوان، وقمت أطالعها وأنا أنتظر أن يكون موضوعها، كما قام ~~في ذهني، الحث على تعليم القراءة البسيطة لعموم الأهالي، خصوصا بعد ~~ما ظهر من الإحصاء الأخير أن البلاد في تأخر عظيم من هذا القبيل. فإن ~~سكان القطر يبلغون زهاء عشرة ملايين، وعدد الذين يقرءون لا يبلغ نصف ~~مليون، نصفه من الغرباء الذين أكثرهم يحسن القراءة، وهذا العدد قليل ~~جدا، ويضعف الأمل بنهوض البلاد من خمولها في زمن قريب. وإذا هي ~~مقالة بليغة تبحث في أصل الحروف الهجائية، تهم المتبحرين في علم ~~اللغات، بعيدة عما قام في ذهني عنها في أول الأمر. # غير أن نفس العنوان أفادني أن نبه أفكاري إلى هذا الموضوع المهم؛ ~~أعني وجوب نشر القراءة بين الأهالي قبل أن نعمم بينهم تلك المباحث ~~التي لا يفقهها إلا العلماء الذين أوتوا من العلم شيئا غير قليل؛ ~~لئلا نكون كالكاتبين على صفحات الماء، أو الخاطبين في ~~الصحراء. # ولا يخفى أن العلم اليوم دخيل في الشرق، أي إنه لم ينتشر فيه على ~~قواعد سنن النشوء والارتقاء، فلم ينشأ في الأمة عن ميل عام فيها إليه ~~دفعها إلى الترقي فيه شيئا فشيئا، بل جاءها من خارج مفاجأة لأسباب ~~طبيعية واجتماعية، هي: تقريب المسافات بين الممالك بالاختراعات ~~العظيمة، وسهولة اختلاط أمم المغرب بأمم المشرق بسبب ذلك. فتألفت من ~~الأولين جمعيات لنشر العلم بين الآخرين، ومقصدها من ذلك نشر لغاتها، ~~وترويج مصنوعاتها، وبسط حماياتها. وبالطبع لم يتيسر لهذه الجمعيات أن ~~توفد وفودها إلى جميع الأماكن على حد سواء، فحيثما تمكنت من هذا ~~الأمر انتشر العلم إلى درجة تعادل انتشاره في أوروبا، مع بقاء البلاد ~~الثانية في ظلمات متلبدة من الجهل. # وهذا القول يصح خصوصا على الممالك العثمانية؛ فإن وفود هذه ~~الجمعيات تمكنت من بعض البلاد تمكنا عظيما، وبلغت ms220 في نشر العلم ~~فيها أقصى مبلغه في أوروبا نفسها، كما في بلاد سوريا، وخصوصا ولاية ~~بيروت وجبل لبنان. وقد استفاد من ذلك المسيحيون أكثر من سائر الطوائف؛ ~~فإنك لا تكاد تجد اليوم مسيحيا هناك لا يقرأ مهما كان فقيرا، ~~للمناظرة الشديدة التي قامت في تلك الجهات بين المرسلين الأمريكانيين ~~والمرسلين اليسوعيين، ولكن إذا كان قسم من البلاد هناك استفاد كثيرا ~~في ملة من ملله، فجهات كثيرة من الممالك العثمانية لا يزال أهاليها ~~على الفطرة لا يعرفون الألف من المئذنة، ولا الياء من القصعة. # ومثل هذه الحال تجعل مركز الفريقين صعبا جدا، ومركز الجامعة ~~الوطنية من أحرج المراكز، وحكومات البلاد لم توفق إلى أحسن من ذلك؛ ~~لأنها قامت من الأهالي، فلا يصح أن تكون في استعدادها أصلح منهم، ~~ولكن حب التظاهر، الذي يكون في الضعيف أبلغ منه في القوي، حملها على أن ~~تجاري نظائرها من الحكومات الأخرى التي تعتقد فيها الارتقاء في الصورة ~~فقط لا في الحقيقة، وفي الظاهر لا في الباطن، فأخذت عنها كل ما رأته ~~عندها على سبيل التقليد، ووضعته في صدر البيت للزينة والتباهي، لا ~~للفائدة والقوة، فشادت في عاصمة بلادها معالم للعلم كالقبور المكلسة ~~تخدع العين ظاهرا، بحيث لو رآها الغريب الذي يكتفي بالظاهر، ولم يسبر ~~أعماق البلاد بالوقوف على سائر أحوال الأمة، لحكم بأن البلاد كسائر ~~الممالك المتمدنة لا ينقصها شيء من معدات التعليم، ولكنه لو طاف ~~البلاد وزار القرى والدساكر، وخبر أحوال الأهالي؛ لضحك من سخافة عقول ~~الحكام على هذا الفخار الفارغ؛ لعدم توفر المدارس البسيطة التي تعلم ~~الناس أن يقرءوا: أ ب ت ث. # ولهذه الأسباب كانت أحوال الأهالي في ممالك الشرق متباينة جدا غير ~~متناسبة، كأرض مختلط غورها بنجدها، فإنك لتجد فيها العالم الكبير ~~بجنب الرجل الذي لا يزال على الفطرة؛ مما يجعل منظر البلاد مشوها ~~كالوجه المشوه، عينان جميلتان وأنف كأنف ابن حرب، ومركزها الاجتماعي ~~مضطربا جدا لعدم تقارب الجمهور في الأفكار والأميال. وإذا امتنع ~~التناسب من أمة في القراءة والعلم خفت ms221 صوت الجرائد، ولم يلتفت إلى ~~مطالبها؛ لأن الحكام كسائر البشر ربما ثقل عليهم الإرشاد، فضلا عن ~~أنهم في مراكزهم التي نالوها ببذل النفس والنفيس أحيانا لا يطلبون بعد ~~تحقيق الأمل إلا الراحة من العمل إن لم يخشوا عصا الأمة، وكيف تخشى ~~عصا أمة لا تقرأ ما يطلب لها، ولا تعرف ما تحتاج إليه؟ ولذلك كانت ~~أصمخة آذان أكثر حكام المشرق مسدودة إلا عما يخدش مسامعها الشريفة ~~البالغة الغاية القصوى في الإحساس من هذا القبيل فقط. # وإذ قد بسطنا الكلام على الداء وجب علينا البحث في الدواء. ولا يكفي ~~أن نقول إن الدواء نشر التعليم؛ فهذه الكلمة قد أكثرت الجرائد من ذكرها ~~حتى ألفتها الآذان، وصارت تمر على مسامع الخاص والعام من دون أدنى ~~تأثير يحدث في العقل أقل تفكير. وإذا كررت السؤال وحددت الكلام، ~~بادهك أصحاب الشأن بين تقليب الشفاه وتقطيب الجباه، بقولهم إنا عارفون ~~بما يطلب منا، وقد عملنا كثيرا، ونحن في غنى عن تطفل أمثالك. ~~قالوا ذلك إذا تنازلوا لمقابلتك وسماع كلامك، وإذا قرءوه في جريدتك ~~قالوه في وجه جريدتك آسفين أنهم لا يستطيعون أن يقولوه في وجهك. وما ~~يقول هذا القول إلا جاهل واجباته، مخدوع بنفسه، آمن سيطرة الرقيب . ~~والدليل على صحة ذلك أنه لا يجسر أن يقول هذا القول، بل ينقلب كله ~~آذانا ناصتة في البلاد للجمهور فيها رأي يعتد به. تلك هي أخلاق ~~البشر عموما، والشاذ لا يعتد به، بل يلزمنا أن نبسط الكلام على ~~أقرب الطرق التي تنيلنا ذلك. # ولا ريب أن حكومة مصر من هذا القبيل أصلح نوعا من أكثر حكومات ~~المشرق. قلنا أكثر حكومات المشرق لأن اليابان أصلح منها؛ فقد عملت ~~أشياء، ولكن لا يزال ينقصها أشياء، ربما كانت الأهم لأنها الأساس، بنت ~~للعلوم العالية معالم لا ينقصها شيء من المعدات اللازمة لإتقان ~~العلوم والفنون، ولكنها أهملت التعليم البسيط إلى الغاية القصوى. ~~والإنكليز مع إتيانهم للإصلاح في جميع الفروع الإدارية لم يأتوا في أمر ~~التعليم إصلاحا عظيما، كما ينطق بذلك إحصاؤهم بعد ms222 خمس عشرة سنة من ~~احتلالهم للبلاد، والسبب هو أن الحكومة الإنكليزية في فتوحاتها قلما ~~تهتم بالتعليم، ولا تجرد الحسام إلا لتفتح طريقا لنشر ثوب الخام؛ ~~توسيعا لنطاق تجارتها لتحويل ثروة الأمم إلى خزائنها. وإن من يقابل ~~بين آثار احتلالها لمصر العلمية كل هذه المدة مع توفر أسباب السلم، ~~وآثار الاحتلال الفرنساوي على عهد بونابرت مدة سنتين فقط مع كثرة ~~الحروب الداخلية والخارجية؛ يتعجب من أعمال أولئك الرجال، كأنهم ~~كانوا من نسل انقرض اليوم، حتى من نفس الذين هو منهم يسمى نسل ~~الجبابرة، فإن أعمال الحملة الفرنساوية العلمية لا تزال حتى اليوم ~~موضوع إعجاب أصحاب الأفكار في كل الأقطار. # على أن نشر معرفة القراءة في مصر غير صعب، وممكن بسرعة أيضا إذا ~~أرادت الحكومة ذلك، يمكن فيها رفع عدد الذين يقرءون إلى 60 و70 في ~~المائة في زمن أقصر جدا مما يظن؛ وذلك بجعل العلم إجباريا، كما ~~أن التطعيم للجدري إجباري أيضا، وإقامة المدارس البسيطة في كل المدن ~~والقرى على نسبة عدد الأهالي؛ مدارس يعلم فيها أ ب ت ث، وشيء أكثر ~~من «بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين»؛ يعلم فيها ~~المعلمون غير الجلبة والصياح وهز الرءوس والظهور في أماكن ينفذها ~~الهواء أنظف من مذاود البقر، يعلمون فيها أن مصر قطعة من أفريقيا، وأن ~~الصحة تتوقف على النظافة، والنظافة تقوم بغسل الوجوه واليدين ~~والرجلين، وبتغيير الملابس وغسلها بالماء والصابون قبل أن تبلى على ~~الأجسام، وأن النظافة لا تتوقف على الغنى؛ فإن فلاح جبل لبنان أفقر ~~من فلاح مصر، وهو مع ذلك في بعض الجهات أنظف منه بكثير، يلبس الثوب ~~المرقع، ولكنه يلبسه نظيفا، وأن البشر كلهم خلقة الله، ليس بينهم ~~كافر أو مؤمن، ولا طاهر أو نجس، إلا الذي روائحه يكاد يغمى عليك منها، ~~وأن العبادات لا دخل لها في المعاملات، # لكم ~~دينكم ولي دين ~~. # وأنا أسمع من هنا معترضا يقول: ومن أين ننفق المال على مثل هذه ~~الأعمال؟ والجواب أن الحكومة لو اهتمت لما وجدت الأمر ممتنعا. على ms223 ~~أنه توجد طريقة، والغاية تبرر الواسطة، سهلة جدا، وهي أن تتكفل كل ~~بلد وكل قرية وكل دسكرة بنفقة مدارسها، تؤخذ من مواردها المختلفة، وما ~~نفقتها بالشيء الكثير إذا توزعت على هذا الوجه. وكنت أود أن أرى ~~حكومة الإنكليز التي بيدها قياد البلاد تتصرف فيها كما تريد لما تريد ~~تغفل أمر التعليم في بلادها مثلما هي متغافلة عنه في مصر، كيف كانت ~~تقوم قيامة الشعب والجرائد عليها؟ وإنما هناك يوجد شعب يقوم، وجرائد ~~يخشى بأسها، وهنا لا يوجد إلا حكومة إن أصابت مرة فقد تخطئ عشرين؛ إذ ~~لا رقيب عليها تحسب له حسابا، لا من الشعب ولا من الجرائد، فلا هم ~~لها إلا أن تأمن شر المعاهدات لقضاء اللبانات، فإذا أمنت ذلك نامت ~~على أذنيها كما يقول المثل الفرنساوي. ولا أفهم كيف ينام الإنسان على ~~أذنيه، والمراد أنها نامت مطمئنة البال من كل بلبال. # على أن اللوم كله ليس على الحكومة وحدها؛ فأعيان البلاد وأصحاب ~~الثروة منهم خصوصا الجالسون في صدر القوم لا يسلمون من الملام؛ ~~لتقاعدهم عن كل الأعمال العمومية التي ينفعون بها أبناء وطنهم، ~~وتكسبهم الذكر الحسن. فإننا لم نسمع بمشروع نافع مدوا إليه يد ~~المساعدة غير بناء زاوية في مسجد، وإقامة وليمة لأمير، وإحسان إلى ~~فقير، والله غني عنهم، والأمير كذلك، والفقير واحد الفقراء. فأين ~~المستشفيات التي تداوى بها الأسقام، وتخفف فيها مصائب العباد التي ~~جلبوها؟ وأي أمير من أمراء مصر، وأي وزير من وزرائها ممن ينفقون عن ~~سعة، وما ينفقون إلا مما جمعوا من عرق الأهالي، وقف شيئا من ماله ~~لإقامة مستشفى وبناء مدرسة، تحديا بالإفرنج الذين يحبون تقليدهم في ~~كل شيء، وفيهم من جمع الملايين، ولا نعرف له أثرا ينفع الجمهور، ينفق ~~عليه من فضل ما جمع؟ فإذا كان هؤلاء الكبار الذين «يفهمون الصورة إيه»، ~~كما يقال في اللغة الدارجة، لم يقدموا على هذه الأعمال؛ فهل ننتظر ذلك ~~من فلان الشيخ وفلان العمدة من أصحاب الثروة الطائلة، الذي إذا افتخر ~~فإنما يفتخر كما افتخر ذلك المتصدي ms224 للولاية بأن جده أكل حمل حمار من ~~الخيار؟ يتباهى الواحد منهم بأنه يأكل خروفا على «وقعته»، ويجرع قربة ~~ماء من «شربته»، فهل من رجل خطير ينهض في مقدمة القوم، والأهالي ~~ينقادون لكبارهم، يسعى في جمع شيء من المال للشروع في هذه الأعمال، ~~ويكون عونا للحكومة، فينال خالص الشكر، ويترك من بعده جميل الذكر؛ ~~ليشكرهم المرضى بأفئدة عظم الجميل عندها عظيم ما قاسته من ~~الأدواء، ويشكرهم الأطفال بألسنة تعلمت أن تقرأ ألف باء تاء ثاء؟ # 2 # | المقالة الحادية والأربعون # التعليم العملي # 1 # نحن قد تسرعنا بطلبنا قلب نظام التعليم - لا من نظري بحت إلى ~~عملي بحت؛ فإن ذلك قد يعده بعضهم بدعة في الشرق وفي الغرب أيضا - ~~بل من نظري غالب إلى عملي أغلب، ولكن الذي نسطره بملء الأسف بعد ~~سبع وعشرين سنة من الاحتلال البريطاني، وبعد أكثر من مائة سنة من محمد ~~على الكبير، هو أن المدارس الأميرية المصرية عوضا عن أن ترتقي من هذه ~~الجهة في هذا الزمان الطويل، تقهقرت جدا عما كانت عليه يوم أسسها ~~ذلك الرجل الفطري العظيم؛ فقد كان التعليم العملي فيها - وكل شيء نسبي ~~- أوسع جدا منه اليوم، كان نظامها على عهد مؤسسها يقصد منه تخريج ~~رجال عمليين، يكفون البلاد حاجتها ، ويشيدون استقلالها على أساس مكين. ~~وما مات حتى أخذ ذلك النظام يتفكك، والغاية الحقيقية المقصودة منه ~~تتحول، إلى أن أوشكت العلوم العملية أن تموت، وحتى بلغت العلوم النظرية ~~أوج زهوتها اليوم. والمصري بحكم الفطرة غير محتاج إلى تقوية ملكة ~~العلوم الجدلية؛ فإن قوة النطق فيه مستوفية النمو في كل مراكزها، ~~وإنما هو محتاج ككل شرقي إلى تقوية مراكز قوى العمل. # ولم تكتف الحكومة المصرية بذلك، بل أدخلت في مدارسها نظاما هو في ~~شرع كل منصف بدعة؛ فقد قررت تعليم العلوم الدينية فيها. وقد طرب ~~لهذا القرار جمهور الأمة وأعضاء الجمعية العمومية، وسيصفق له البرلمان ~~البريطاني بكلتا راحتيه، وأقامت مسجدا فيها للمسلم. والعدل يقضي بأن ~~تبني كنيسة للمسيحي وكنيسا لليهودي، وهيكلا للبوذي، ومذبحا ~~للمجوسي، فما ms225 من أحد من هؤلاء إلا وله في ذلك حق، والحكومة ممثلة ~~الجميع، وتتقاضى مالها من الجميع، اللهم إلا أن يكون معطلا أو لا ~~يملك فيها شروى نقير؛ فهذا يسقط حقه في الاعتراض، ويحق له إذا كان ~~يملك قيد شبر يدفع عليه الشيء النزر، وحينئذ لا يبقى لزوم لتلك ~~الجامعة الدينية الكبرى، ألا وهي مدرسة الأزهر؛ إذ تصير مدارس الحكومة ~~معاهد دينية بحتة، ولعل قلة اهتمام الحكومة اليوم بذلك المعهد الديني ~~الكبير توطئة لهذا التحويل. # على أن الحكومة لا تعدم نصيرا من متخرجي مدارسها إذا استمسكت ~~بالتخصيص ولم تشأ التعميم، ولا شيء أسهل عليها من استحصال فتوى من ~~مدرسة اللاهوت الاجتماعي التي بجانبها، تصدرها ب «ما» و«لأن»، ~~وتنتهي فيها ب «حيث»، وتكون أطول وأعرض من فتاوى علماء الكلام في ~~الاستحالة والوجود الواجب، تثبت هذا الحق، وتدفع عنها هذا الاعتراض، ~~وتسفه رأي القائلين غير قولها، وربما عدتهم من المصدعين. # على أن الشعوب الضعيفة أول ما تفتح عينيها تحب أن تتشبه بالأمم ~~القوية، وحكومتنا لا تأنف أحيانا أن تنسخ نظاماتها عن نظامات أوروبا ~~ولو أن عليها مسحة من ألف جيل. فأوروبا نفسها شاعرة اليوم بهذا النقص ~~في التعليم، وهي وإن لم تصرح بطلب هذا القلب الكلي في نظامه محافظة ~~على كنز موهوم، وانقيادا لبقية باقية حتى في نظر الخاصة من اعتقاد ~~العامة، أو خوفا من تصعيب المطلب بتعميم الطلب، إلا أنها تأتينا كل ~~يوم بدليل على أنها مسيرة في هذا السبيل إلى غايته الكلية، بما تطلبه ~~من التغيير في الفروع الجزئية. # ومن أحدث الأنباء التي وردت إلينا من هذا القبيل تقرير ضاف وضعه ~~الدكتور رو، صاحب اكتشاف مصل الدفتيريا، لإصلاح التعليم في مدارس الطب، ~~تجد خلاصته في الكلام الآتي، قال: # إن التعليم في مدارسنا ليس كما ينبغي أن يكون. فالأساتذة ~~الذين يعلمون والطلبة الذين يتعلمون متفقون على هذا القول، ~~وجميعهم يعترفون بأن الدروس النظرية متسع المجال لها كثيرا في ~~مواد تدرك فقط في قاعات التشريح، وفي معامل الامتحان، وعند ~~سرير المريض. ولا ينكر ms226 أن كلام الأستاذ يحلو سماعه، ولكنه ~~مهما كان بليغا لا يسعه أن يقوم مقام المشاهدة ولا مقام ~~الاختبار. والأطباء الخارجون حديثا من مدارسنا ناقصو ~~الاستعداد، سواء كان لإجراء البحث العلمي أو لممارسة صناعة ~~الطب نفسها. وإذا عرف العيب فلا شيء أسهل من تداركه؛ وذلك ~~بالاستعاضة عن الدروس الكلامية بدروس عملية في معاملنا ~~ومستشفياتنا يتسع المجال فيها للعمل، ويضيق فيها مجال النظر ~~إلا ما يلزم من الكلام لشرحها وتفهمها. انتهى. # وهو كلام حق لا اعتراض عليه، ولكن رو ربي في مدرسة العمل بين ~~أنبيق الكيماوي ومشراط المشرح، وتخرج على أيدي أكبر عالم عملي، ~~وأتى بأعظم اكتشاف طبي علمي عملي معا، فلا غرو إذا رأى هذا الرأي ~~الصائب. ولكن هل يرى رأيه الذين تخرجوا في غير مثل هذا المكان؟ ~~والغريب أن الحقيقة بسيطة ملموسة أمامنا كل دقيقة، ومع ذلك فنحن ندور ~~حولها متلمسين، ولا نريد أن نهتدي إليها ولو وضعوها تحت ~~أنوفنا. # | المقالة الثانية والأربعون # ماذا أكتب # 1 # بينا أنا أفكر في ماذا أكتب به إليك أيها البصير إنجازا لوعدي لك، ~~وأقول مع الشاعر: # إنما المرء مثلما السيف يصدا # عقله ساكنا بلا أعمال # يصدأ السيف بالخباء ولو كا # ن شديد الصقال حد النصال # وإذا بكتابك ورد علي يطالبني بالوعد، ولكنه ورد علي في ليلة ~~ينطبق فيها على قولي: # كم تبيت الدجى وطرفي ساه # يرقب النجم في الليالي الطوال # أنت خال وملء جفنك نوم # وأنا ملؤه حبوب رمال # ولكن شتان بين السهدين؛ فسهد الشاعر عن كلف بالحبيب يعلله الأمل ~~بالوصال، فهو عذاب في انتظار لذة. وأما أنا فعن ألم مبرح أحرمني ~~الرقاد، وتركني ليلي كله أتقلب على سريري كمن يتقلب على شوك القتاد، ~~ليل خلت أنه ليس له آخر، كل دقيقة منه كأنها شهر، وكل ساعة كأنها ~~دهر: # عذاب الفتى في يومه مثل عامه # ولذته في العام يوم وينقضي # ألم يسميه الأطباء داء المفاصل، ويذهبون فيه مذاهب، والأطباء ~~كالشعراء يتبعهم «المغرورون»، وهم في كل واد يهيمون، وأما أنا فأقول مع ~~الشاعر العربي: # وجع ms227 المفاصل وهو أي # سر ما لقيت من الأذى # جعل الذي استحسنته # والناس من حظي كذا # والعمر مثل الكأس ير # سب في أواخره القذى # ألم انقض على كتفي اليمنى كأنه وخز النصال، وأثقلها كأني كلفت ~~بها حمل الجبال، وعطل حركات اليد كلها فكأنني أصبحت أشل اليدين؛ ~~لأن اليد اليسرى بالتربية، على قول البعض، ومن أصل الفطرة، على قول ~~البعض الآخر، عاجزة عن القيام بوظيفة اليمنى. ومهما يكن من هذا القول ~~فإني في مثل هذا المقام حسدت العسر؛ أي الذين يستعملون يسراهم كما ~~يستعمل سائر الناس يمناهم. ولو كان في ذلك شيء من الانحطاط كما يذهب ~~إليه «دلوني»، ومن نحا نحوه من العلماء الذين يزعمون أن المياسرة، أي ~~استعمال اليد اليسرى، دليل على الانحطاط، والميامنة، أي استعمال اليد ~~اليمنى، دليل على الارتقاء. واستدل من ذلك على أن المرأة أحط من الرجل؛ ~~لأن المرأة تياسر، أي تذهب في حركاتها ذات اليسار، والرجل ييامن، أي ~~يذهب ذات اليمين. وهذا ظاهر حتى في عرى ثيابهما وأزراها؛ فإن حركة ~~التزرير في المرأة يسارية، وفي الرجل يمينية. وأما أنا فأخالف دلوني ~~في ذلك، وأعتبر أن المرأة من هذا القبيل أرقى من الرجل؛ لأنها أقدر منه ~~على استعمال الحركتين. # ولا أعتبر هذا الفرق من أصل الفطرة، بل أكثره من نتيجة التربية، فلو ~~ربي الإنسان منذ الصغر على استعمال الحركتين على السواء لاستطاع ~~ذلك. ولعل الآباء والأمهات في البيوت والمعلمين والمعلمات في المدارس ~~ينتبهون إلى هذه المسألة المهمة جدا في أمر المعايش، فيربون ~~الأطفال على استعمال اليدين على حد سوى، لا على استعمال اليد اليمنى ~~وحدها، زاجرين الطفل كلما عمل عملا باليسرى، حتى يرسخ في اعتقاد هذا ~~الطفل المسكين أن استعمال اليد اليسرى ذنب لا يغتفر. # ولا ريب أن أشد مصائب الإنسان الأمراض، فالمريض ولو كان ذا ثروة يسكن ~~القصور، ويتوسد الحرير، مسكين تجوز عليه الشفقة، فكيف به إذا كان ~~معدما لا يجد مأوى يأوي إليه، ولا فراشا يستلقي عليه، ولا ممرضين ~~يمرضونه، ولا أطباء يعودونه؟ وإذا نظرنا إلى ms228 كثرة عدد هؤلاء المساكين ~~في كل مكان، وقلة ما اتخذته الهيئة الاجتماعية من الاحتياطات لتخفيف ~~مصائبهم، فلا نستغرب إذا رأينا الإنسان ينقلب على الهيئة الاجتماعية ~~باللوم والتعنيف، وهو سبب من الأسباب الكثيرة التي تحمل الإنسان على ~~الخروج إلى الفوضى، ومحاولة دفع الشر بالشر، واللوم في ذلك ليس على ~~هؤلاء المساكين الذين أحرجتهم مراكزهم، فأخرجتهم إلى اليأس، بل على ~~الهيئة الحاكمة وعلى رجال الثروة من كل أمة، الذين في مقدرتهم مداواة ~~هذه الأدواء وهم لا يفعلون، فيحملون الحانقين على الهيئة الاجتماعية ~~على الإيقاع بهم، وهم يقولون: # إذا لم يكن غير الأسنة مركبا # فلا يسع المضطر إلا ركوبها # وأفضل الوسائل لتخفيف ويلات المرضى، خصوصا الفقراء منهم، إقامة ~~المستشفيات الكثيرة في كل مدينة. وهذه المسألة إذا نظرنا إليها في بلاد ~~مصر خصوصا وجدنا الحكومة والهيئة الاجتماعية مقصرتين فيها كثيرا؛ ~~فإن المستشفيات الموجودة، صورة لا معنى، هي دون ما تدعو إليه الحاجة ~~بكثير. فإن عدد الأطفال، حتى لا نتكلم إلا عن قسم من أقسام الهيئة ~~الاجتماعية، الذين يموتون، والذين تصيبهم العاهات بسبب الأمراض ~~الكثيرة وقلة الاعتناء، لا نبالغ إذا قلنا إنه يتجاوز الثمانين في ~~المائة، فلو وجدت مستشفيات للأطفال مثلا كافية وافية لهبط هذا العدد ~~كثيرا، وهبوطه ربح للحكومة والهيئة الاجتماعية. فالخطأ في هذه المسألة ~~من وجهين: خطأ من جهة الاقتصاد السياسي، وخطأ من جهة الإنسانية؛ لأنه ~~على صحة هؤلاء الأطفال وكثرة عددهم تتوقف ثروة كل أمة وقوة كل ~~مملكة. # وإنا لنعجب كيف أن شريعة البوذيين تناهت في هذا الأمر حتى أقامت ~~مستشفيات للحيوانات، وشرائع الأمم المتمدنة لا تزال مقصرة به حتى في ~~حق أبناء جنسهم. فقل للذي يتباهى ببناء حائط في كنيسة أو زاوية في مسجد ~~أو بإقامة وليمة لأمير - والله غني عنه، والأمير كذلك - إن كان يقصد ~~بعمله هذا فخرا، فبناء المستشفيات فيه فخر عظيم، وإن كان يقصد به ~~أجرا فأجره من ذلك أعظم؛ فقد اتفقت الشرائع المنزلة على أن علم ~~الأبدان مقدم على علم الأديان، فذكر علها تنفع الذكرى. # | المقالة الثالثة ms229 والأربعون # كتابنا # 1 # يستغرب الباحث في طبائع العمران ما وصل إليه أهل المشرق عموما، ~~والذين تجمعنا بهم جامعة الوطن والسياسة خصوصا، من الخمول حتى أصبحوا ~~على عاتق الاجتماع وقرا، لو أطلقت عليهم شريعة النحل لقضي عليهم ~~بالهلاك قتلا؛ لأن النحل الجاني يقتل كل سنة النحل الذي لا يعود له ~~نفع ويعيش على جني غيره، أتغيرت سنن الطبيعة، وضل العلم في تقريره ~~سنن الوراثة؟ أم لسنا نحن نسل أولئك الذين بلغوا في معالم الحضارة ~~القدح المعلى، فنبغ الفينيقيون حتى قبضوا بأيديهم على تجارة العالم، ~~والمصريون حتى صاروا نبراس الأمم، يقصدهم الناس من الأقطار الشاسعة ~~لأخذ العلم والفلسفة عنهم، واستنارت أفكار الفلسطينيين وسكان بادية ~~العرب حتى قام منهم هداة الأفكار، وسنوا الشرائع التي يخضع لها أكثر ~~سكان المعمورة اليوم في معاملاتهم وعباداتهم؟ أو ما هو السبب: # حتى انقضت تلك السنون وأهلها # فكأننا وكأنهم أحلام # ولا نقلق راحة سكان القبور بالبحث عن أسباب ذلك فيما تقدم من ~~العصور، بل نكتفي بإلقاء نظرنا إلى ما حولنا وقصره على جزء منا؛ فإن في ~~ذلك تبصرة لقوم يعقلون، ونسأل أنفسنا لماذا لا ينبغ منا كتاب شهيرون ~~كما ينبغ في كل أمة؟ لأننا مع احترامنا للنزر اليسير من أصحاب ~~الاستعداد الفطري الذين لو ساعدتهم ظروف الزمان والمكان لربما كانوا ~~تمكنوا من إظهار مواهبهم إلى درجة يتحدث بها الخاص والعام، وتعيد ~~لهم في عيون الغرباء ما كان لآبائهم من الشأن، لا يسعنا إلا الإقرار ~~بأن لا كتاب عندنا إذا ذكر كتاب المغرب ذكروا معهم كأنداد ~~ينيرون الأفكار، ويستنزلون درر المعاني من سماء العقول حتى يلقطن ~~باليد، ويسيرون شوطا بعيدا من دون أن تخور منهم القوى. والسبب بسيط ~~إذا علمنا أن الإنسان ابن الضرورة وصنيعة الحاجة؛ فالحاطب إنما يجمع ~~الحطب لقوم يصطلون، والكاتب إنما يكتب لقوم يقرءون. الأول لا يستطيع ~~أن ينتقل من حاطب فقير يحمل الحطب على ظهره، إلى تاجر تعظم ثروته ~~وتتسع تجارته، إن لم يجد من يشتري حطبه. والثاني لا يستطيع أن يصير ~~كاتبا مجيدا إن ms230 لم يجد من يقرأ كتبه. # فالشرق في تأخر عظيم من حيث انتشار العلم، وعدد الذين يقرءون فيه ~~القراءة البسيطة فقط شيء لا يذكر، فلمن يكتب هؤلاء الكتاب؟ وكيف ~~تحسن حالهم لتجيد قرائحهم ويتفرغون للاستفادة والإفادة؟ وهم لو ~~تفرغوا لذلك لطواهم الفقر قبل أن يطويهم القبر، وهذا ما حملنا على ~~التنبيه في مقالتنا «أ ب ت ث» إلى وجوب نشر التعليم، وشددنا فيها ~~النكير على الحكومة وأعيان الأمة بكلام أقرب إلى التقريع، بعيد عن ~~الالتماس لاعتقادنا أن فيما ننبه إليه قوة لا ينالونها بدونه، ~~وفخرا تتباهى سائر الأمم بمد يد السبق إليه. أليس ما تراه من افتخار ~~كل أمة بكتابها، وإقامة التماثيل لهم بعد موتهم بمئات السنين، من ~~الدليل المقنع على ما لهم من اليد في تشييد معالم فخرها وإحياء ~~ذكرها؟ ولا يثنينا عن ملامنا أعذار يلتمسها بعضهم للحكومة تخفف من ~~مسئوليتها، كعدم وفاء عدد المعلمين اللازمين لنشر التعليم بالسرعة ~~التي طلبناها، وما إخاله يراها متفانية متهالكة في سبيل هذه ~~الدعوة. # ومن الأسباب القاضية على نبوغ الكتاب في المشرق سلوك حكومتهم معهم؛ ~~فقد تعودت الحكومة أن تنظر إلى هذه الطائفة كأنها من الآفات التي ~~ينبغي مقاومتها أكثر من تنشيطها، لا تميز غثها من ثمينها. ولعل ~~السبب عدم مقدرة كثيرين من الحكام على معرفة ما لها من الأهمية، وما ~~لكبارها من النفع في رفع شأن الأمة، وما مثل أكثرهم إلا مثل ذلك ~~الوزير الذي طلب إليه أن ينشط بعض المشروعات العلمية، فأجاب أن ~~مشروعك إن كان منه فائدة فهو ينجح من نفسه. وعذره واضح؛ إذ لا يعرف قدر ~~الشيء إلا ذووه. فمهما أجاد الكتاب في حكومة هذا شأنها، ومهما أظهروا ~~من الاستعداد لأن يكونوا من النوابغ؛ فلا يصادفون إلا إعراضا منها ~~يحملهم على أحد أمور ثلاثة؛ إما كسر القلم، وإما تحديده ضدها، وإما ~~إذلاله لها. الأول يختاره أكابرهم، والأخير يعمد إليه ضعافهم حتى ~~ينحط مقام الكتابة بهم. وأبلغ من ذلك في الإساءة تخريب ذمم الكتاب ~~ومشتراهم بالمال، لا مشترى قلمهم ومواهبهم لنفع ms231 الأمة، بل مشتراهم ~~ليكتبوا غير ما يفتكرون، أو يصمتوا عما يعتقدون. والنتيجة من ذلك في ~~كلا الأمرين قتل الأفكار، وإفساد الأخلاق، وموت الكتاب الذين يفتخر ~~بهم، وما وجدت الحكومات لمثل هذا. # نعم إن غرض الحكومات من ذلك إنما هو كف الأقلام عن توجيه المطاعن ~~ضدها، ولو علمت أن هذا السبيل إنما هو السبيل الوحيد الذي يفتح الباب ~~واسعا لهذه المطاعن، لأنه إذا «مات منهم طاعن قام طاعن»؛ لعدلت عنه ~~إلى السبيل القويم الذي يكسب البلاد إصلاحا والحكومة اعتبارا، ~~وهو تنشيط الكتاب الذين يدل استعدادهم على نزاهتهم وسمو مداركهم، ~~والإصغاء إليهم حتى يقتدي بهم سواهم ممن يجد أن الاقتداء بهم أبلغ ~~لنيل المجد والمنفعة، لا إفسادهم لإفساد غيرهم بهم. فلو سلكت الحكومة ~~هذا المسلك لقل الطاعنون عليها طعنا يقصد منه التهويل أكثر من ~~الإصلاح بسبب سياستها التي ليس فيها شيء من الحكمة، ولنبغ الكتاب ~~المشاهير الذين يرفعون شأن الأمة ويشيدون فخارها. فالفخر في إحياء هذه ~~المواهب، لا بإطفاء نورها وهم يحسبون أنهم يتقون نارها. # | المقالة الرابعة والأربعون # أم الجرائد # 1 # المشهور أن الجرائد من مخترعات أهل أوروبا، وأن أول جريدة مطبوعة ~~ظهرت في مدينة البندقية (فينيسيا) في القرن السادس عشر للميلاد. والذي ~~علم لنا اليوم أن هذه الدعوى باطلة ؛ فالصحافة ليست من منشئات أهل ~~أوروبا، فقد عرفها أهل آسيا قبلهم بزمان طويل، كما عرفوا أمريكا قبل ~~خريستوف كولمبوس، والطباعة قبل غوتنبرغ، وكما عرفوا البارود والبوصلة ~~التي عليها المعول في فن سلك البحار، وكما عرفوا كذلك صناعة الخزف ~~ونسج الأقمشة البديعة التي لا يجاريهم فيها مجار حتى اليوم. والبلاد ~~التي سبقت أوروبا إلى كل ذلك هي مملكة الصين؛ أوسع ممالك الدنيا أرضا ~~وأكثرها سكانا. # فمن ضمن الجرائد المعمرة التي تقرأ حتى اليوم في مملكة ابن ~~السماء، كما يسمون مملكة إمبراطور الصين، يوجد في مدينة بكين ~~(ومعناها عاصمة الشمال) جريدة يومية تدعى «كين بان»، ومعناها ~~المجموعة السنوية، ظهر أول عدد منها منذ ألف ومائة سنة. وجريدة أخرى ~~شهرية تدعى «تسين راو»، ومعناها المجلة، ms232 ظهر أول عدد منها منذ أربعة ~~عشر قرنا، والحروف التي استخدمها الصينيون لطبع هاتين الجريدتين من ~~الخشب. ~~«فتسين راو» ابتدأت شهرية، أي تصدر مرة في كل شهر، وبقيت كذلك حتى ~~اليوم. وأما «كين بان» فابتدأت شهرية كسالفتها، ثم وسعت مواضيعها ~~ولم تقتصر على ما يهم الخاصة، بل تقربت من العامة فأكثرت نسخها، ~~وانقلبت يومية منذ سنة 1830 للميلاد، ثم زاد انتشارها كثيرا، فأخذت ~~تصدر ثلاث مرات في اليوم. وسبقت أمريكا وأوروبا في استعمال الورق ~~الملون للدلالة على طبعاتها المختلفة؛ فطبعة الصباح لون ورقها أصفر، ~~وطبعة الظهر أبيض، وطبعة المساء رمادي. # وفي أول نشأتها كانت مقتصرة على تقييد الحوادث السياسية المهمة من ~~دون أن تبدي فيها رأيا، وذكر جميع الأخبار ذات الشأن التي كانت ~~تأتيها من كل جهات الصين وملحقاتها اليابانية والأنامية والكورية، ~~نسبة إلى بلاد أنام وكوريا. وهكذا كانت توقف قراءها على حوادث أيام ~~السنة واصفة الأعياد والاحتفالات والجمعيات، ولم تحرمهم كذلك من ~~فكاهات القصص والحكايات الخرافية، ولا من ترويض العقل بنشر الأشعار ~~التي كان يوافيها بها مشاهير الشعراء. # ثم صارت تبدي رأيها في الحوادث السياسية، ولكن مع التزام جانب ~~الاعتدال، وتذكر كل ما يقال ويجري في المدينة، كما تفعل أعظم جرائد ~~باريس ولوندرة. ومما يستحق الذكر أن هاتين الجريدتين لم ينصب ~~عليهما غضب الحكام بالتعطيل والإلغاء، ولا ثار عليهما الشعب بالمظاهرات ~~العدوانية. والسبب اعتدالهما في كلامهما، واتفاقهما على مبادئ هي بين ~~الصينيين واحدة لتمسك البلاد كلها بشريعتها، كأنها فيها رجل واحد، ~~ولعدم وجود الأحزاب بسبب ذلك. وربما كان هذا هو السبب أيضا في أن هذه ~~البلاد التي هي بالحصر مهد الإنسان ومنشأ العمران وأم الجرائد التي هي ~~من أقوى عوامل المدنية، لم تتقدم منذ مئات من السنين، بل لبثت واقفة ~~كالبلية رأسها في الولية، حتى حركت عليها مطامع الدول الأوروبية من ~~عظيمة وصغيرة وغنية وفقيرة، فاندفعت نحوها كل يطلب نصيبه، إنكلترا ~~وروسيا وألمانيا وفرنسا، حتى إيطاليا هاجتها المطامع، فكأنها أصبحت ~~كما في قول الشاعر: # لقد هزلت حتى بدا من ms233 هزالها # كلاها وحتى سامها كل مفلس # ولعل نفس السبب الذي أوقعها في الخمول سيكون السبب أيضا لوقايتها من ~~الوقوع في حبائل الدول الأجنبية زمانا طويلا، فيتحول خمولها إلى نهضة ~~بمحاكة الدول الغربية لها، واقتباسها عنها أسباب تمدنها، فتهب ~~حينئذ حزبا واحدا وقوما واحدا من جنس واحد ولغة واحدة ودين ~~واحد، فترد عنها مطامع الاحتلال، وتحفظ لنفسها الاستقلال؛ ولذلك ~~يرجح أن الدول الأوروبية تشتغل هذه المرة لمصلحة سواها ضد مصلحة ~~نفسها خلافا للمشهور حتى اليوم، فالصين مستقبلها لها من قبل ومن بعد، ~~والآتي أضمن لها. # | المقالة الخامسة والأربعون # الجرائد في الشرق # 1 # مركز الجرائد في الشرق صعب جدا؛ لأن الجرائد التي تنتشر انتشارا ~~يترتب عليه أثر لا بد لها من معدات كثيرة لا تتوفر لها إلا إذا كان ~~جمهور الذين يقرءون كثيرا، والشرق ولا يؤخذ علينا في تأخر عظيم من ~~هذا القبيل؛ لأن عدد الذين يقرءون محدود، لا يكفي للقيام بنفقات كل ما ~~يكتب وينشر، وربما كان هذا هو السبب الذي لأجله سيبقى الشرق محروما ~~زمانا طويلا من الكتاب الأعلام والمؤلفين العظام. # والجرائد أثرها أعظم جدا من أثر الكتب؛ لانتشارها بين الجماهير ~~أكثر منها، وسلطانها على الأفكار أعظم جدا مما يظنه الإنسان لأول ~~وهلة لاستمرارها، والفعل الضعيف إذا استمر يكون له أثر متجمع عظيم ~~جدا، ومن أمثال العامة «الحبل على تمادي الأيام يقطع خرزة ~~البير.» # فالجرائد قوة من القوات التي يعتد بها في الهيئة الاجتماعية، بل هي ~~القوة الأولى في المجتمع الإنساني، ولها المقام الأول في الحكومات ~~المتمدنة؛ لأنها تستطيع على هذا المجتمع ما لا يستطيعه سواها. فلا ~~صولة الملوك، ولا سطوة الجيوش، ولا قوة القوانين؛ تعادل قوة الجرائد. ~~فالكاتب الذي يخط بقلم ضئيل على القرطاس الصقيل كلمات هينات ربما لا ~~يدري أن كلماته هذه سيكون لها في الجموع أثر لا يصد، ولا يقف عند ~~حد. # وبالنظر إلى ذلك كانت الجرائد كثيرة النفع كثيرة الضرر أيضا، بحسب ~~الخطة التي تسير عليها واللهجة التي تنطق بها. فتكون كثيرة النفع إذا ~~سلكت طرق ms234 التنبيه إلى مواضع الخلل، والإرشاد إلى سبل الإصلاح، وبث ~~المبادئ الصادقة بين الجماهير بلغة لا تنحط في الالتماس إلى التذلل، ~~ولا ترتفع في الطلب إلى المخاشنة والضد بالضد. وما من أحد من أصحاب ~~الجرائد الشرقية يجهل ذلك، بل كل جريدة تصدر تبدأ ببيان خطتها والغاية ~~التي تنويها في مقدمة تضمنها من المبادئ العامة ما يرتاح إليه كل ~~عاقل، ويرجو الخير منه كل قارئ، ولكنك إذا تعقبت هذه الجريدة في ~~مستقبل الزمان وجدت أن سلوكها في الجزئيات لا ينطبق على مقدماتها في ~~الكليات، وإذا خلوت بأصحابها قالوا لك: ما العمل؟ فنحن إنما نعيش في ~~مجتمع يصدق عليه قول المعري: # إذا قلت المحال رفعت صوتي # وإن قلت الصحيح أطلت همسي # فنحن إنما نفعل ذلك مضطرين؛ لأنا إذا صدقنا أغضبنا، فنضطر إلى ~~المداجاة أحيانا، وإلى المجافاة أحيانا أخرى، وإلا جفت موارد ~~جريدتنا، وثروتنا التي هي غالبا مجموع أرقام سلبية لا تساعدنا على ~~الاستقلال. وما تعود أهل الشرق في مثل هذه المشروعات التعاون على جمع ~~رأس المال، وهو عار يلحق بأصحاب الجرائد، وإن لم يبرأ منه سواهم، ~~فالحق يقال إن السبب هو في عموم الهيئة الاجتماعية نفسها، فنحن معاشر ~~الشرقيين ما زلنا أطفالا في سلم حياة المجتمع الإنساني، والأطفال ~~لا يؤخذون بمآخذ الرجال، ولا يؤخذون إلا بالترغيب أو الإرهاب، وإلا ~~نفروا منك ولم ينقادوا إليك، وكما تكونون يولى عليكم. وهذا هو السبب ~~الذي لأجله اضطرت أكثر الجرائد المهمة بعد أن قصدت أن تسلك مسلك ~~الاعتدال أن تنحاز إلى أحد الطرفين، وتقسم جرائدها إلى جرائد «فرشة» ~~وجرائد «قمشة»، فمن لم تستطع أن تأخذه بعصا موسى شهرت عليه عصا فرعون، ~~ولكن ضعفت بذلك ضرورة خدمتها العامة، وقويت مطامعها الخاصة. ولا يخفى ~~ما لذلك من الأثر السيئ على الجموع؛ لما لها عليهم من السلطة في تحويل ~~الأفكار. # أقول ذلك عن جرائد مصر المعول عليها، ولا أدمج في سلكها تلك ~~الوريقات البذيئة التي لم توجد إلا لنشر المثالب الصبيانية من دون ~~تعقل، والتي تقضي على الحكومة بأن يكون ms235 لها قلم مطبوعات يردع مثل ~~هؤلاء المتطفلين على الصحافة، وليس عندهم أقل رأس مال علمي أو أدبي. ~~وأغفل كذلك ذكر الجرائد العثمانية، أي التي تطبع في الممالك ~~العثمانية؛ فإن هذه الجرائد لا يذكرها عاقل إلا لشجبها والقضاء ~~عليها، لا لأنها ليس لها أدنى منفعة، بل لأنها مضرة وأي ضرر؛ إذ لا ~~شأن لها إلا التمويه والتمليق والتضليل والتغرير. وإني أقسم بكل عظيم ~~لو كنت ناظرا للمطبوعات في الممالك المذكورة، وكان لي بعض السلطة؛ ~~لجمعت هذه الجرائد أكداسا وأحرقتها على مشهد من العموم، وكبلت ~~أصحابها بالحديد، وألقيتهم في السجون إلى يوم يتوسدون تربهم، ~~ويقابلون ربهم، ويجاوبون عن كذبهم. # وكأني بك أيها البصير قد شعرت بصعوبة الخطة وحرج المركز؛ لأن الخطة ~~التي وعدت أنك تسير عليها، وهي خطة الاعتدال، صعبة جدا في مجتمع مثل ~~المجتمع الذي يسير فيه أهل الشرق؛ إذا مدحت لم ترض ممدوحا لأنك لم ~~تبالغ بمدحه، وإذا انتقدت عد انتقادك ذما، فأغضبت في ~~الحالين. # وكأنك علمت أن خطة كهذه لا تنجح إلا في مجتمع بلغ من المدنية ~~والاختبار والتعقل مبلغا يضعف معه سلطان الأفراد، ويقوى سلطان ~~المجموع، فيغلب فيه العقل على الهوى، حتى يقوى على احتمال الانتقاد، ~~ولا يسكر بخمرة المدح، فتقوى أعصابه حتى لا ترجها رجة الغضب، ولا ~~تهزها هزة الطرب. # على أن ما لا ينال كله لا يترك جله، وإني أرى أن المثابرة على ~~خطتك أولى، ونتيجتها للبلاد أنفع، ولو اعترضتها صعوبات شتى لا ~~يجهلها من كان في مركزك؛ لما للجرائد من السطوة على الأفكار وتحويل ~~مجراها، وإنما ينبغي عليك أن توفي خطتك حقها كما وعدتنا في مقدمتك ~~البليغة، وأن تقول الحق ولو عليك، ولا تميل مع الهوى، وأن تجتنب ~~المحاباة والمداجاة، وخصوصا أن تجتنب التذبذب؛ لأني أراك ك «بالع ~~الموسى»، أو كالضفدع في الماء. # قالت الضفدع قولا # فسرته الحكماء # في فمي ماء وهل # ينطق من في فيه ماء # تحوم على الحقيقة، ولا تجسر أن تقولها بكلام صريح خوفا من أن ~~تغضب هذا ولا ترضي ذاك، وأن ms236 تجعل لغتك في الطلب بين الالتماس والأمر، ~~وفي الانتقاد بين لين التمليق وخشونة المجافاة؛ أي أن تجعل كلامك كلام ~~رجال يخاطبون رجالا؛ فإن تنهج هذا المنهج فالمستقبل لك. # | المقالة السادسة والأربعون # أرق ليلة # 1 # أرقت ليلتي لأزمة في الصدر هي لي أوفى الأصدقاء؛ لأنها لم تفارقني ~~منذ حداثتي، وكم من صديق يتركك في الطريق! فانتبهت وكأن على الصدر ~~أثقالا، وأخذت أجاهد كأني أعالج أجبالا. ولما قلت حيلتي، وخفت ~~أن تطول ليلتي؛ قلت لعل الذي لا تنجع فيه عقاقير الأطباء تفعل فيه ~~مطارحات الأدباء؛ لأن العلل العصبية كثيرا ما تثور وتزول بالعوامل ~~النفسانية. # ولكن من أين لي في هذه الساعة المدلهمة بالشدودي وحافظ وسركيس ~~والخازن، ونصيبي منهم في النهار لا يكون إلا في ساعة معلومة. # فقمت أطلب ذلك من بطون الأوراق، فمددت يدي إلى ما حولي غير مخير، ~~فوقعت على شيخ المجلات، ناشر لواء العلم في الأقطار العربية كلها، ~~وأظنك عرفت أني أريد المقتطف. وإن لم يكن لأصحابه سواه من الآثار لكفى ~~وحده لتخليد ذكرهم والإقرار بفضلهم، فقرأت فيه «أسابيا» # 2 # و«الشفاء الغريب»، وقلت لعل بعض العلماء راجعون بنا إلى ما ~~وراء المنظور لحيلة قد انطلت عليهم، أو لغرابة لم ينجل لهم سرها، ~~والأغرب أن شيخ علماء العقليات الماديين «لمبروزو» الشهير مال ميلهم من ~~قبلهم. ولو أنهم اجتهدوا قليلا لربما لم يجدوا صعوبة في تطبيق ذلك على ~~الشائع المعروف من غرائب الطبيعة، ولاستغنوا عن هذه الطفرة، ولكن هذه ~~المرة إلى الوراء، ولكن ماذا نعمل بناموس «الرجعة» والإنسان نسيج ~~متوارثات؟ # ثم قرأت فيه قصيدة عنوانها «فكتور هوجو» لنقولا أفندي رزق الله، ~~فاستوقفني منها هذان البيتان: # وبتنا وباتوا مثلما شاء ظلمهم # فريقين سادات قساة وأعبدا # وخافوا اتحادا بيننا فتوسلوا # بدينين للتمزيق عيسى وأحمدا # فقلت من هو هذا المعري الجديد. ~~••• # ثم وضعت يدي الواحدة ومددت الأخرى، وإذا بالمنار يتلألأ فيها بأنوار ~~الجلال، وهذه المجلة أكبر تعزية في قبره لفقيد الأمة والدين، حجة ~~الإسلام في هذا العصر، الإمام الأكبر الشيخ محمد عبده، القائل: # ولست أبالي ms237 أن يقال محمد # أبل أو اكتظت عليه المآتم # ولكن دينا قد أردت صلاحه # أحاذر أن تقضي عليه العمائم # والغريب أن الإنسان يستعمل عقله في كل أمر، فإذا وصل إلى الدين عقل ~~عقله، مع أن الأديان بنيت غاياتها على المعقول، ووضعها أناس إن لم ~~نسلم جميعنا بأنهم أولياء كرام فلا خلاف بأنهم رجال عظام؛ أي من ~~ذوي العقول الكبيرة. والظاهر أن الشيخ «رشيد» يتوخى في مناره حل هذا ~~العقال لتجريد الدين من كل ما يشين، مما أدخله عليه صغار العقول من ~~كبار العمائم، وذوي الغايات السافلة من أصحاب المقامات العالية؛ لتسلم ~~له حقيقته، وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # ومما قرأته فيه ترجمة حجة الإسلام أبي حامد الغزالي، ولا خلاف في ~~أنه من أكبر أئمة الدين المصلحين والفلاسفة في الإسلام، حتى وصلت ~~فيها إلى قوله عن تربية نفسه بنفسه: «حتى انحلت عني رابطة التقليد، ~~وأنكرت علي العقائد الموروثة.» فذكرني ذلك قوله في أحد كتبه: «لو ~~لم يكن في ذلك إلا ما يشككك في اعتقادك الموروث لكفى به نفعا؛ فإن ~~من لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بقي في العمى ~~والحيرة.» # وقوله أيضا في محل آخر ما معناه: «إذا وجدت تناقضا بين العلم ~~والدين، فخير لك أن تعمد إلى التأويل من أن ترمي الدين بتهمة الضعف.» ~~وقلت في نفسي إن أمة فيها مثل هذا الإمام لا يستغرب نجاحها في معترك ~~الحياة. # ثم قابلت ذلك بما قيل ونشر في الكتب وعلى صفحات الجرائد من عهد غير ~~بعيد في أحد المشايخ من ذوي المقامات: «إن من كرامات جده أنه أكل حمل ~~حمار من الخيار.» وقلت إن أمة فيها مثل من تقدم، كيف تأمن ~~العثار؟ ~~••• # وبعد أن فرغت من ذلك مددت يدي، وماذا أجد؟ ولا أخفي عليك بأني شعرت ~~كأني قد سري عني، فقلت هذه مجلة سركيس. وسركيس هو الكاتب المتفنن ~~الشهير، ومجلته هذه على حداثة عهدها قد طبقت شهرتها الآفاق. # فقرأت أولا هجوه، ولم أعجب لاقتراحه ذلك عن ms238 نفسه، وهو أعلم من كل ~~صحافي بطرق الرواج، والفخر لا يأتي دائما عن طريقه المألوف، وقد ~~استوقفني في قصيدة المجاز قوله: # فهجاء مثلك ليس فيه تكلف # وأرى مديحك كلفة وعناءا # وهي لناظمها إلياس أفندي فياض المحامي. ثم انتقلت إلى باب حسنات ~~الشعراء، فقرأت الأبيات الآتية: # من كل ناطقة الجلال كأنها # أم الكتاب على لسان القاري # دلت على ملك الملوك فلم تدع # لأدلة الفقهاء والأحبار # من شك فيه فنظرة في صنعه # تمحو أثيم الشك والإنكار # قلت والبرهان بسيط. إلى قوله: # أو بابن داود وواسع ملكه # ومعالم للعز فيه كبار # هوج الرياح خواشع في بابه # والطير فيه نواكس المنقار # 3 # قلت ويا ليتها كانت أكثر اطمئنانا، ويا ليت ابن داود كان عمر، ولكن ~~الشعراء بباب عمر # 4 ~~... # والأبيات من قصيدة لأحمد بك شوقي، يصف بها دخوله الآستانة يوم عيد ~~الجلوس الهمايوني. ولما فرغت من تلاوة هذه الأشعار قلت مقسما إن أحمد ~~لهو أبو تمام هذا الزمان، إذا علا لا يشق له غبار. ~~••• # ثم لما فرغت من كل ذلك تناولت شيخ المجلات الأدبية بلا منازع، ولو ~~لم يكن له من العمر إلا خمس عشرة سنة، ناشر آداب القوم، وصاحب المقالات ~~الإنشائية الاجتماعية والاقتصادية واللغوية، والروايات التاريخية التي ~~لم يسبق إليها في اللغة العربية. وأظنك عرفت أني أريد لهذا الوصف ~~«الهلال»، وفضل زيدان صاحبه على آداب العرب، خصوصا بعد الفتح ~~الإسلامي، لا يربو عليه فضل؛ فقد حبب إلى الناس مطالعة تواريخ هذه ~~الأمة في نهضتها وكبوتها، وسهلها عليهم برواياته، واستخرج لآلئ ~~تمدنها من مغاصها في مؤلفاته. وفي الأمرين له فضل المنشئ المجتهد ~~والمؤلف المبتكر. # والعدد الذي وقعت يدي عليه هو الأول من السنة السادسة عشرة، وفيه، ~~عدا عروس فرغانة التاريخية وغيرها من المباحث، من المقالات الموافقة ~~للمقام ما يدل على حسن ذوق صاحبه في انتقاء المواضيع، ك «استقلال ~~أمريكا من سلطة الإنكليز»، و«مصر والشام»، و«حرية الصحافة في إنكلترا ~~ومصر»، وفي مطالعة كل منها عبرة لقوم يعقلون، ولا سيما في هذا ~~الدور الذي بلغت فيه ms239 عندنا فوضى المطالب مبلغا تاه فيه الزعماء قبل ~~الأحزاب. فدرس أسباب ارتقاء الأمم مفيد لنا، فنجتنب ضلالهم في ~~عثارهم، ونهتدي بهديهم في نجاحهم. ذلك خير لنا من إثارة هذه الحرب ~~بيننا على أحزاب لا وجود لها إلا في رءوس زعمائها، حتى سخر بنا ~~النازلون بيننا من الأمم الراقية من مباحثنا العقيمة، فكأننا نلنا كل ~~ما ارتقت به الأمم، ولم يعد ينقصنا إلا الأحزاب. # والأحزاب يا سادتي، إذا جاز لي هذا القول، هي في نظام الاجتماع من ~~الكماليات، ونحن لا نزال في حاجة إلى أقل الضروريات، ونشوءها لا يكون ~~بإتلالها، بل تنشأ من نفسها متى اكتمل الاجتماع. فزعماؤنا يحاولون أن ~~يخلقوا في نظام اجتماعهم جسما مشوها، ولكي أثبت أن زعماءنا رءوس ~~بلا أجسام فلينهضوا ونرى كم ينهض وراءهم. فاتقوا الله في الأمة التي ~~أنتم هداتها، وانظروا إلى مصلحتها وانبذوا الغايات؛ ذلك أجلب للمنفعة ~~وأدعى للفخر. # أراني تهت في الموضوع، فمن الهلال إلى الأحزاب بون شاسع، ولكن ~~تسلسل الأفكار ينقلك من أقصاها إلى أقصاها لأقل سبب، سنة الطبيعة في ~~كل أعمالها. # ثم قرأت فيه قصيدة لحافظ أفندي إبراهيم في فكتور هوجو، وفيها هذان ~~البيتان: # كتب المنفي سطرا للذي # جاده العفو ألا اقرأ واعجب # أبريء يعفو عنه مذنب # كيف تسدي العفو كف المذنب؟ # وحافظ - ولا أطريه - شعره كالبنيان المرصوص، متين لا تجد فيه ~~متهدما، وقد لمته يوما على إقلاله، وقلت له: «ألعل الشهرة ~~أضاعتك؟» فقال لي: «وهل نسيت المكان والزمان أم نسيت ...؟» فأوقفته عني، ~~ووجدته صادقا في القولين، ثم قرأت له فيه هذه الأبيات في «مصر ~~والشام»: # ماذا جنيت وما جناه بنوك # أظلمتهم يا مصر أم ظلموك؟ # فبسمت للغرب الطموح وأهله # ومنحتهم فوق الذي منحوك # وعبست في وجه الشآم وإنما # قطر الشآم وإن عبست أخوك # وكأن بها مسك الختام وختام النوبة، وقد انبلج الصباح وقامت الأطيار ~~تغرد، فقمت إلى الورق، ودونت فيه ما خالجني من الأفكار كما رأيت، ~~فإن أحسنت فقل إن من الشر لخيرا، وإن من العسر ليسرا، وإلا فلي ~~تأسية بقول ms240 شيخ نهضتنا الحديثة إمام المنشئين الشيخ أحمد فارس: # فصلته لكن على عقلي فما # مقياس عقلك كان لي معروفا # قال في وصف النوبة في الربو؛ أي الأزمة الصدرية المشار إليها في ~~المقالة السابقة: # في نوبة من النوب # 5 # أعدها شر النوب # 6 # صحوت من نومي مذ # عورا على صوت النوب # 7 # لكنما أنغامها # ليس بها داعي طرب # فيها صرير وصفير # وصليل وصخب # خرخرة حشرجة # وكل أنواع اللجب ~~••• # وفوق صدري جبل # يهوي به ثم يثب # ومن جبيني عرق # منحدر مثل الصبب # والأنف مفتوح الكوى # مصفرا لا عن غضب # يجد في سحب الهوا # وكم يعاني من نصب ~~••• # وإذا أنا بالجو مر # بد بأكداس السحب # ينذرنا بمطر # منه كأفواه القرب # كأنني ميزانه # فكيفما مال انقلب # وكلما زادت به # رطوبة زدت كرب ~~••• # فذاك داء مزمن # والطب فيه ما حطب # وقال في هذا المعنى أيضا: # وبي علة في الصدر لو أنها خلت # لنازع ما بي من «أنا» نفس من «أنا» # لقد لزمتني والشقا منذ خلقتي # فصرت ألوفا للشقاء وللضنى # أكاد إذا ما فارقاني لحظة # أشك بوجداني وأنكرني «أنا» # كأني وما بي صرت عكس بني الورى # ففي صحتي دائي وفي راحتي العنا # | المقالة السابعة والأربعون # إن من العلم لسحرا # 1 # كلما زاد الإنسان علما زاد تفننا في العمل، فلا غرو إذا كنا نرى ~~في عصرنا هذا، على ما هو عليه من التدقيق في العلوم والإتقان في ~~الصناعات، أمورا يصنعها البعض، ويشكل كشف سرها على كثيرين، ~~فيتقبلها بعضهم كأمور روحانية، ويحل بها الوهم عنده محل الحقيقة مع ~~أنها ضرب من الشعوذة التي لا طائل تحتها، والموجودة عند جميع الشعوب، ~~ولكن على صور مختلفة تناسب روح كل شعب، وكلها إما من باب صناعة ~~استخدام القوى الطبيعية بطريقة محكمة التوقيع، وإما من باب الخفة. ~~ومن هذا القبيل الكتابة الروحية التي يدعي أصحابها أنها من صنع ~~الأرواح، والتي كثيرا ما يتحدث بها القوم في مجالسهم كأنها من ~~البراهين القاطعة على صحة ما يدعون. والغريب في ذلك هو أن هذه ~~المسألة اخترقت ms241 صفوف العامة، ودخلت إلى قاعات العلماء، وجرت المباحثة ~~فيها علميا في الجمعية العلمية الإنكليزية، وشوشت أفكار البعض، حتى ~~تعرض أخيرا لكشف هذا السر العلامة لنكستر، أستاذ طبائع الحيوان ~~في مدرسة لندن، فأدركه، وهاك البيان. # قصد العلامة المومى إليه المدعو هاتر، المدعي الوساطة بين الناس ~~والأرواح، وسأله أن يستدعي له الأرواح للمجاوبة على سؤالاته. ولا يخفى ~~أن الأرواح لا تجاوب جهارا، وإنما تتم عملها تحت مائدة يكون ~~الوسيط ألصق بسطحها السفلي اللوح الحجري المعد لكتابة الأجوبة ~~الروحية، ولإزالة كل شبهة يأمر الوسيط السائل بأن يضع يده تحت المائدة ~~على اللوح، ويضغط عليه بكل قوته حتى لا يتغير وضعه، والقلم يكون ~~موضوعا بين المائدة وبرواز اللوح بحيث لا يستطيع الإنسان أن ~~يستخدمه. # فلنكستر تظاهر بأنه منذهل جدا من أفعال القوات الروحية، وأخذ ~~يراقب حركات الوسيط جيدا، فتأكد بأن هاتر يكتب الجواب بسرعة عند ~~إدخال اللوح تحت المائدة لتسليمه للأرواح، والوقت اللازم لذلك يطيله ~~هاتر تحت علل شتى، ويحدث حينئذ بعض الأصوات ليخفي صوت صرير ~~القلم على اللوح الحجري. وفي هذه الفرصة يكتب الكلمات السحرية إما ~~بالقلم المعد للأرواح، وإما بطرف قلم آخر موجود تحت ظفر سبابته، ~~وقد لاحظ بأن المرفق الذي يبقى وحده ظاهرا من اليد كان يتحرك مدة هذا ~~العمل المهم. # فلما أيقن لنكستر باكتشاف السر حضر في اليوم الثاني ومعه أحد ~~الأطباء، وقدمه كمنكر يريد أن يقنعه، ولكنه هذه المرة لم يستنظر ~~استدعاء الأرواح بعد عرض السؤالات، بل مد يده حالا تحت المائدة، وأخذ ~~اللوح فوجد الجواب مكتوبا عليه. ولا يخفى أن الوسيط لا بد أن يكون ~~ماهرا جدا في توقيع الجواب وسرعة الكتابة. # | المقالة الثامنة والأربعون # ظواهر لا تفسر # 1 # إلى صاحب جريدة «الكوريه دوريان» # قرأت في جرنالكم مقالة تحت اسم «ظواهر لا تفسر»، منقولة عن ~~جريدة «الكنستيتيسيونال» بشأن ما رواه الدكتور «دلفيتش» الإنكليزي من ~~أنه سمع صوت صديقه المتوفى في مدينة حلب يدعوه باسمه، سمع ذلك وهو ~~مار بالقرب من بيت صديقه المذكور في لوندرة، وقد تحقق من ms242 أخبار ~~البريد أن صديقه هذا كان يحتضر في الساعة التي سمعه يناديه فيها. ~~والظاهر أن هذه الحادثة المستغربة أدهشت الجمهور، وتخطت أحاديث ~~العامة إلى نوادي الخاصة؛ حيث كانت موضوعا لمباحثات بعض ذوي المكانة ~~في العلم، وحسبها بعضهم برهانا جليا على صحة علم مناجاة ~~الأرواح. # وقد أفاض الكاتب في الموضوع. على أنه جعل جل اعتماده فيه على ~~التاريخ، فسرد عدة حوادث تاريخية شبيهة بما تقدم، أما البراهين ~~العلمية فقلما تعرض لها؛ لذلك رأيت أن أسهب الكلام فيها في ~~المقالة الآتية؛ لعلها تجلو الأمر بعض الشيء. # لا يخفى أن الدماغ هو العضو الرئيسي للحس، وهو يتسلط على كل قوى حياة ~~النسبة، فيتأثر بما ترسله إليه هذه القوى بواسطة أعضاء الحواس التي لا ~~يمكنها إتمام وظائفها إلا بمقدار ما تسمح به حالة الدماغ الصحية ~~باعتبار كونه مادة، فيفهم إذن أن أعضاء الحواس ليست إلا آلات لنقل ~~التأثرات إلى المركز العام الذي هو وحده قادر أن يحكم فيها، فيتقي ~~ضررها بالقوة التي له على إصدار الأوامر اللازمة بحسب حكمه. وهذه القوة ~~في الحكم والأمر والنهي والعمل تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والبنية ~~الموروثة والمكتسبة، بحيث يختلف الشعور والفعل بحسب ذلك ~~كثيرا. # ومن ذلك يفهم عندما نتأثر من الشعور بالسمع أو البصر أو الشم أو ~~الذوق أو اللمس أن هذا الشعور إنما يكون في الدماغ، وليس في الأعضاء ~~الأخر؛ فإن هذه الأعضاء ليست إلا سطوحا ترتسم عليها التأثيرات ~~الآتية من الخارج، والدماغ هو الذي يحكم فيها، وإنما يحكم فيها في مكان ~~هذه الأعضاء نفسها، وهذا ما يجعلنا ننسب الشعور إلى الحواس نفسها حال ~~كونه واقعا في الدماغ حقيقة. وبعبارة أخرى، إن مركز السمع هو الذي ~~يسمع، ومركز البصر هو الذي يبصر، ومركز الشم هو الذي يدرك المشموم، ~~ومركز الذوق هو الذي يحكم على الطعوم، ومركز اللمس هو الذي يدرك ~~الملموس، وليس الأذنان أو العينان أو الأنف أو اللسان أو الجلد. وهذا ~~الشعور سمي شعورا خارجيا. # 2 # والشعور في الدماغ على طريق الحواس، وهي الناقلة لهذا التأثير ms243 ~~والمدركة له، يظهر في بادئ الرأي قولا غريبا وأمرا مستحيلا، ~~ولكننا إذا أمعنا النظر نرى أنه بذلك يحصل الدماغ على نظام أكثر ~~ووضوح أتم في أعماله الكثيرة المتواصلة؛ لأنه لو كان ينبغي لكل ~~إحساساته أن تتم ويحكم فيها رأسا في مراكزها الدماغية بدون معونة ~~الأعضاء الأخر التي هي مراكز مختلفة أيضا لتأثيرات مختلفة؛ للزم ~~أن يكون في وقت من الأوقات في غاية ما يكون من التشويش من تراكم ~~الإحساسات التي ترد عليه، والأوامر المختلفة التي يرسلها على الدوام. ~~ولنا على ذلك برهان أجلى على لزوم هذا النظام من الشعور الصادر من ~~الداخل بدون تأثير خارجي، والذي مصدره على الغالب الذاكرة. فالذاكرة ~~تذكر الدماغ بالتأثيرات المرسلة إليه سابقا من الخارج، ولكنها ~~تذكره بها في الحواس الخارجية الخاصة، كما هو الحال في الشعور ~~المسمى شعورا داخليا. # والشعور الداخلي هو تأثير داخلي محض، لا علاقة له واصلة بالمؤثرات ~~الخارجية وإن بني عليها. ويحصل في الدماغ عن تهيج فيه لأسباب قد ~~تخفى أحيانا كثيرة، بعضه خاص بقوة الإدراك التي تتصور تصورات ~~بسيطة أو مركبة، والبعض الآخر خاص بالذاكرة التي تحضر للدماغ صور ~~الحوادث التي تأثر بها سابقا، وهي إما بسيطة كما يشاهد في الأحلام ~~التي هي من نفس طبيعة التخيلات أو غير عادية، وتكون نتيجة مرض في حالة ~~الدماغ العصبية؛ لأن الدماغ مثل باقي أعضاء الحياة معرض لأمراض ~~عارضة، وقتية أو ملازمة دائمة، عضوية أو وظيفية؛ أمراض يصح أن ~~تسمى خللا عصبيا يكون على جملة وجوه، ويحدث جملة ظواهر، ~~وأحيانا يكون من الأمراض التي تجلب اليأس للمريض والطبيب معا. وفي ~~درس الدماغ وأمراضه ما يوضح لنا هذا الخلل العصبي، الذي شوهد في ~~الماضي وسيشاهد أيضا في المستقبل، توضيحا وإن يكن قاصرا بالنظر ~~إلى جلاء الأسباب كنقص جلاء بقية النواميس الطبيعية والكيماوية ~~والحيوية، إلا أنه يكفي لرفع كل شك يلبك العقول من هذا ~~القبيل. # وبالحقيقة، ما الفرق من جهة المصدر بين صوت ملفوظ وطنين أذن صادرين ~~كليهما من الداخل؟ لا يوجد فرق بينهما سوى أن ms244 الصوت الملفوظ مركب ~~أكثر من الطنين الذي ليس هو إلا صوتا بسيطا، فلماذا نتعجب من سماعنا ~~الأول، ولا نعلق أدنى أهمية على الثاني؟ وما الفرق كذلك من جهة ~~السبب بين صورة ترى ومصدرها داخلي، و«بين» قشعريرة عارضة أو رجفان ~~عضو، وكلاهما من مصدر واحد؛ أي إنهما داخليان ليس للأسباب الخارجية ~~الواصلة دخل فيهما؟ والجواب على ذلك أن لا فرق بينهما مطلقا، بل ~~نحن نعلم جيدا بأن رجفانا شديدا عارضا في عضو ما عائد إلى تشويش ~~وقتي في المركز المحرك، أو في الأعصاب الناقلة للسيال العصبي. فإن ~~كان الأمر كذلك في الحوادث المذكورة، فلم لا نسلم بصحة ذلك أيضا في ~~المرئيات والأصوات الداخلية بدون أن نفتش على التعليل عنها فيما هو ~~فوق الطبيعة؟ # الدماغ بالنسبة إلى هذا الشعور الداخلي إما صحيح وإما مشوش تشويشا ~~عارضا، وإما مريض تماما كما في الجنون. # ففي الحالة الأولى هذا الشعور الداخلي أو هذه التخيلات، كما يسميها ~~البعض، هي بسيطة؛ يعني أننا نسمع صوتا بسيطا أو مركبا أو نرى صورة ~~أو صورا، ولكن على نوع هو بهذا المقدار سريع؛ حتى لا يكون لنا وقت ~~لتحقيق ما يجري فينا. وهذه الحوادث تعرض تقريبا لكل الناس، وأنا من ~~جملة أولئك الذين سمعوا آخرين يدعونهم باسمهم مرارا كثيرة، وغالبا من ~~أناس أعرفهم، وحدث لي بأني وقفت أحيانا في الطريق لأتحقق الذي ~~يدعوني، مع أنه لم يكن لذلك حقيقة في الخارج، ولم يكن سوى ~~تخيلات. # وفي الحالة الثانية الأمر أهم، فإننا نظن أنا نرى أشخاصا تبقى ~~صورتهم مرتسمة أمامنا مدة طويلة، ونسمعهم أحيانا يتكلمون ويستمرون ~~على حديث طويل فيه بعض الائتلاف. وهذه الحالة أندر مما تقدم، وقد ~~رويت عن كثيرين من أصحاب العقول الثاقبة. وكان جان جاك روسو من هذه ~~الرتبة، فكان كلما انفرد يخال نفسه أنه مع أشخاص يكالمونه. والأحلام ~~هي من هذا القبيل، وتدل على تشويش وقتي في الإدراك. # والحالة الثالثة أشد جدا مما تقدم، الدماغ في حالة التخيل ~~والانخداع الدائم، كما في الجنون. ويختلف التخيل عن الانخداع ms245 بأنه ~~شعور داخلي محض، متعلق بانحراف عصبي مركزي، والانخداع متعلق ~~بانحراف محيطي في الأعصاب الناقلة نفسها، فتنقل التأثيرات الخارجية ~~على غير حقيقتها. # والاعتراض الوحيد الممكن في مثل هذه الأحوال هو ما يأتي: لماذا نرى ~~أحيانا أن الأمور تتم كما تنبئ عنها أو توحي بها أو تشير إليها ~~التخيلات؟ فأجيب على ذلك وعن الأحلام أيضا جوابا بسيطا، وهو أن كل ~~ممكن يجوز أن يتحقق، ولكنه لا يتحقق دائما، وهذا ما يجعل أكثر ~~التخيلات لا تتحقق غالبا. هذا وإن عددا عظيما من الحوادث المذكورة ~~في التاريخ القديم حكايات لا طائل تحتها، كما أن الحوادث المأخوذة عن ~~التاريخ الحديث ربما كانت اختراعات المدعين علم ما فوق ~~الطبيعة. # القسطنطينية، في 21 أكتوبر سنة 1876 # | المقالة التاسعة والأربعون # صدى النفوس: # 1 # ورجع الصدى # هي قصيدة بعثت بها إلى الهلال، وقد ضمنتها رأيي في اقتراح الهلال ~~على الشعراء: «إن الدين جزء من الوجدان، وأكبر تعزية لبني الإنسان.» ~~وصدرتها بمقدمة في الشعر والشعراء، قلت فيها: # كلمات أملاها علي اقتراح الهلال، تكاد تكون غير مقفاة، ليس لها ~~من رنة الروي ما ألفته الأسماع العادية من تناسب الوقع، والروي ~~للشعر العربي كالموسيقى للغناء، فإن لم تبلغ في إجادة المبنى حد ~~الإفادة في المعنى، فهي لغير شاعر. # شعر ليس له من صناعة النظيم غير الوزن، عاطل من كل جمال إلا حلي ~~الحقيقة، ولكن الحقيقة فيما يقال ليس لها جمال الخيال. فإن فعل في ~~البعض فعل الوباء في الجرذ، فالأطباء كالأنبياء أرسلوا رحمة ~~للعالمين. # موضوع ينبو الفهم عنه، وليس يلزم أن يكون سليما. ولقد قال أحد ~~الحكماء: «إذا قرأت شيئا ولم تفهمه فافحص فهمك أولا، واحذر أن يخونك ~~العلم إذا صدقك الفهم.» # صوت من بين ملايين الأصوات، هل يجزع منه؟ وإن لم يضرب على وترها، ~~فهل يفقدها لذة نغمها؟ وهل تكدر نقطة صفاء البحر العظيم إذا وقعت ~~فيه؟ وإن كدرته فما أعظم حمأته! # ما أحلى الأماني لولا أنها خيال شاعر، وما أمر الحقيقة لولا أنها ~~السبيل إلى الرشاد. # خواطر أوحت بها ms246 إلي تلك النفس الطاهرة، صاحبة نفوس الشعراء، # 2 # فقلت أين نفس القائل: # وإن مديح الناس حق وباطل # ومدحك حق ليس فيه كذاب # إذا نلت منك الود فالمال هين # وكل الذي فوق التراب تراب # من نفس القائل: # أقول للحيان وقد صفرت لهم # وطابي ويومي ضيق الجحر معور # هما خطتا إما إسار ومنة # وإما دم والقتل بالحر أجدر # وأخرى أصادي النفس عنها وإنها # لمورد حزم إن فعلت ومصدر # هذا ما قاله شاعر البداوة على قمة جبل، يلقي عليك به درسا عاليا ~~في الأخلاق، ولم يثنه الإباء عن مأتى الحصافة والحزم؛ لئلا تكون ~~الصلابة القاصمة خرقا في سياسة المنفعة. # وذلك قاله شاعر الحضارة قائما يسأل على أعتاب المدنية، مع أنه أمير ~~شعراء المولدين في صناعة النظم وكبر النفس. # أنت تستطيع أن تترجم شعر هوجو وموسه وروستان، وتستفيد من ذلك غرضا ~~اجتماعيا وبحثا أدبيا أخلاقيا وعبرة تاريخية، ولكنك لا تستطيع ~~أن تترجم شعر المتنبي وأبي تمام والبحتري، ولا أن تستخلص منه شيئا من ~~ذلك غير بعض الحكم والأمثال مشتتة في تلك الأدغال لا رابط ينسقها، ~~ولماذا؟ لأن هوجو أطل في شعره على العالم أجمع، فنظر إلى الحقائق، ~~وبما له من قوة الخيال وحسن السبك ربطها وكساها من شعره حلة مهيبة ~~رهيبة في النفس، كما كساها موسه رقة وجمالا، وروستان نظر إلى الوقائع ~~فأكسبها من قوة خياله ومتانة شعره وقعا في النفوس جعلها أبلغ في ~~العظة. # فلو عني المتنبي وأقرانه بالأمور نظيرهم، وقصدوا فيها إلى مرام ~~اجتماعية عالية، أكان خانهم خيالهم؟ أوما كانوا فاقوا شعراء الإفرنج ~~في دقة الوصف وقوة التصور وسعة الخيال؟ فعوضا عن أن يتبسطوا في ذلك ~~الأسلوب الجاهلي، ويضعوا لنا ما إذا روي روى مطامع النفوس وظمأ ~~العقول، بل عوضا عن أن ينحوا النحو الذي نحاه بعدهم شعراء الإفرنج في ~~وصف الطبيعة الصامتة والناطقة، وينزعوا إلى أغراض اجتماعية؛ استغواهم ~~ذلك البذخ الذي عاشوا في وسطه، واستهوت الخلاعة نفوسهم، فأذلوا لها ~~قرائحهم، ونهجوا في شعرهم ذلك المنهج الغريب في المدح والغزل والتصابي ~~والاستجداء، ms247 حتى غلب هذا الأسلوب على صناعة الشعر العربي، وألفته ~~الطباع، واستسهلته السلائق لعدم الارتباط فيه بقيد، وصار جماله لا يقوم ~~إلا بالإغراب في تلك المعاني المبتذلة. # وكيف يترجم ردف يقعد صاحبه كأنه كثبان عالج، وقلب يحرق بناره ~~الرجلين، ويثب من الصدر إلى العين؟ وقد رأيت قلبا خرج من تحت الإبط في ~~صدمة قطار، ولكني لم أر قلبا تخطى سنن الطبيعة في خروجه من ~~الجسم. # والشاعر العربي الذي يمكن أن يترجم أكثر شعره من غير أن تفقده ~~الترجمة جماله هو شاعر الحقائق القائل: # ما الخير صوم يذوب الصائمون له # ولا صلاة ولا صوف على الجسد # وإنما هو ترك الشر مطرحا # ونفضك الصدر من غل ومن حسد # ما دامت الوحش والأنعام خائفة # فرسا فما صح أمر النسك للأسد # والقائل: # وقد زعموا هذي النفوس بواقيا # تشكل في أجسامها وتهذب # ولو كان يبقى الحس في شخص ميت # لآليت أن الموت في الفم أعذب # والذين يقولون هذا القول هم الذين يحبون الحياة أكثر من سواهم، ~~والقائل: # كذب الظن لا إمام سوى «العل # م» مشيرا في صبحه والمساء # إنما هذه المذاهب أسبا # ب لجذب الدنيا إلى الرؤساء # ولا شك أن أبا العلاء المعري هو فيلسوف الشعراء قاطبة، وأكثر شعراء ~~العرب علما، وأرجحهم عقلا، وهو الوحيد بينهم الذي ترفعت نفسه عن ~~تلك الدنايا، ومال عقله عن سفساف القول إلى الحقائق ومحاربة ~~الضلال. # لا أقول ذلك حطا من سليقة شعرائنا المولدين من متقدمين ومتأخرين، ~~فإنهم - وايم الحق - أعلى الشعراء كعبا في الصناعة، وأوسعهم خيالا، ~~ولا أقول أسماهم، وإنما أقول ذلك طعنا في أسلوبهم العقيم المبتذل؛ ~~فإنهم وقفوا تلك القرائح المجيدة على أمور لا تفيد القارئ فائدة أدبية ~~أو اجتماعية أو تاريخية، ولو كتبوها نثرا لخجلوا من دنا نفوسهم، ~~وسخروا من إغراب عقولهم. # ولعله كان للمولدين من شعرائنا يد ليست أقل شؤما من يد علماء ~~الكلام في تقهقر التمدن العربي، كما أن تلك الأشعار الحماسية في عصور ~~الجاهلية وأثرها في النفوس كانت مبعثا لقيام دولة العرب في الإسلام، ~~وبزوغ ms248 تمدنها، وبلوغها فيه الشأو الذي بلغته. # ولعلنا اليوم على فجر نهضة جديدة؛ فإني أرى من بعض شعرائنا نزوعا ~~إلى وضع الشعر في أسلوب يرمي إلى غاية اجتماعية، ولا نعدم قرائح ~~متوقدة من شعرائنا المطبوعين، فلعلهم لا يلبثون طويلا حتى يرونا ~~منهم أمثال هوجو وموسه وروستان، وسواهم؛ فإن النظم طوع بنانهم، فما ~~عليهم إلا أن يعملوا عقولهم، ويجيلوا نظرهم فيما حولهم، فلا تضن ~~الطبيعة عليهم بمكنوناتها، والاجتماع بأسراره، والتاريخ بعبره. ولا ~~أقل من أن يدخلوا بنفوسهم إلى أعماق نفوسهم. # أما القصيدة فهذه: # فؤادك ما بين المنية والمنى # يسائل أم ما في حجاك من الظما # 3 # إذا ما ترامى العقل يجلو حقائقا # شكا القلب أن الغبن في ذلك الجلا # 4 # وما الغبن إلا أن يرى القلب هائما # وتخفى على العقل الحقائق في الدنى # 5 ~~••• # لقد قلت إن الدين ضربة لازب # وجزء من الوجدان في أعمق الحشا # 6 # وإنا إذا لم نعبد الله ربنا # عبدنا ولو إلا # 7 # أقمناه من صوى # 8 # فلولا من النفس السجينة بارق # يمزق سجف الجسم ما كان ذا الصبا # 9 ~~••• # ولو أنت أعملت الروية لا الهوى # 10 # لأدركت أن الدين لا صوت بل صدى # 11 # صدى حبنا البقيا لهول حقيقة # 12 # وزلفى دلفنا للذي يحفظ البقا # 13 # وماذا عزاء المرء من بعد موته # إذا حبه للذات لم يدفع الأذى # 14 # وأنى له دفع القضاء محتما # فلم يبق إلا باسم الوهم مرتجى # 15 ~~••• # هو الحب إكسير الوجود بلا مرا # ولولاه ما كان الوجود كما ترى # فكل الذي تلقاه في الكون سره # وهاديه في أفعاله كيفما نحا # هو الحي مولودا هو الميت فانيا # هو النجم قد أسرى هو الصبح والدجى # هو الكل في كل معيدا ومبديا # وما نحن إلا فيه من صور الفنا # وليس فناء ما نراه وإنما # هو العود للأولى هو البعث للألى # قضوا فحيينا وانقضينا بعودنا # إليهم وغير الكل ليس له البقا ~~••• # وما الحب من أدنى فاعلي إلى الرجا # فما فوق إلا الشوق في كبد السها # ترقى بنا ms249 حتى النهى وهو دونها # كما في نيوب الليث أو في حشا الصفا # 16 # حببنا # 17 # الذي فينا حببنا رجاءنا # حببنا الذي نرجو كحب لمقتنى # 18 # وهمنا به في الأرض طورا وتارة # صبونا إلى ملك وطورا إلى السما # 19 ~~••• # عبدنا به ربا مثيبا معاقبا # ويقضي ولا رد ويقضي كما يشا # رجوناه رحمانا أردناه عادلا # خشيناه جبارا كملك إذا عتا # دعونا إليه الناس بالحلم والتقى # دعوناهم بالنار والسيف في القلى # 20 ~~••• # فإن كان هذا الميل هدي نفوسنا # رويدك إن الكائنات به سوا # فأين مكان النفس فيها من القوى # وأين نبي العالمين إلى الهدى # 21 ~~••• # وإن كان كالوجدان غير مفارق # فلم لا نراه في جميع بني الورى # 22 # ووجداننا هل أنت ألفيت أنه # يقوم بغير الجسم إن حل # 23 # ما استوى # 24 # ألم تر أنا فيه تحت طوارئ # تعدد # 25 # فيها أو نعد له الرقى # 26 ~~••• # إذا ما منينا بالحقائق مرة # فهل في التمني خير ما يبلغ المنى # 27 # نقيم به من حائل الوهم معقلا # وكم ذا نلاقي إن نشأ دكه عنا # 28 # ترى المرء في رشد إلى أفق دينه # هناك يغيب الرشد والصوب والنهى # 29 ~~••• # ولوع الفتى فيه ولوع بعادة # ترسخت الأجيال فيها على المدى # 30 # ولكنها العادات مهما تضاءلت # فناموسها الرجعى وناموسنا الرجا # 31 ~~••• # لئن كان في الأديان ردع لجاهل # فكم قد جنى جان علينا بها بغى # وإن كان فيها من عزاء لبائس # ولكنها لا تقنع العقل والحجى # وإن يك للإنسان قسط مؤجل # فهلا هدى هاد بغير الذي هدى # إذا كان مخلوقا كما شاء ربه # فماذا جنى غير الذي ربه جنى # وإن قلت مخلوق وحر مهدد # فهذا مقال لست أفهمه أنا # 32 # | المقالة الخمسون # هل في الوجود عالم آخر؟ # 1 # 1 # سيدي صاحب الهلال # إني أرتاح دائما إلى قراءة هلالك، وأنتظره بتشوق لطلاوة ~~مباحثه. وقد قرأت في عدده الأخير مقالا لك في: «هل في الوجود ~~عالم آخر؟» استرسلت فيه من مقدمة إلى أخرى إلى وضع هذه ~~الأولية، وهي: «إن نظام هذا ms250 الكون يدل على حكمة فائقة في ~~وضعه، ونرى هذه الحكمة في كل عمل من الأعمال المادية.» # ثم نظرت إلى الأعمال الأدبية، فقلت: «أما الأعمال الأدبية ~~فقلما نرى حكمة فيها.» واستنتجت من ذلك أن الحكيم الذي وضع هذا ~~النظام الكامل في العالم المادي لا يعقل أن يدع هذا النظام ~~غير كامل في العالم الأدبي، فلا بد أن يكون قد جعل لهذا الكون ~~«تتمة تسد هذا النقص». ولما لم تظهر لك هذه التتمة في هذا ~~العالم البادي، قلت: «ولا يمكن أن يكون ذلك إلا في عالم آخر ~~نظامه متمم لهذا. وبما أن ذلك النقص متعلق رأسا بالإنسان، ~~فلا يسد ذلك الخلل إلا إذا وجد الإنسان في ذلك العالم، وهو ~~لا يكون هناك إلا مبعوثا.» ا.ه. # وليس غرضي هنا النظر في النتيجة التي اتصلت إليها كما بدا لك، مع ~~ما هو معلوم من ارتباط الأعمال الأدبية بالأعمال المادية نفسها، ~~وارتباط نظام الكل بالكل؛ مما يجعل مثل هذا القول ضعيفا، بل ~~توجيه النظر إلى أن ما أثبته من الحكمة الفائقة لنظام العالم ~~المادي ليس بأقل وهنا مما نفيته عن العالم الأدبي، ولا سيما ~~أنك نظرت إلى الإنسان في هذا الكل كأنه عالم مستقل. # قرأت ذلك في ليلة اشتد حرها، وكثر بعوضها حتى لم يعد يقي ~~منه واق، فحرمت المنام للسع كأنه وخز الحراب أو لذع النار، ~~والفكر لا يهجع، فأخذت أنتقل من موضوع إلى آخر حتى وقفت على سؤالك: ~~«فهل في الحوادث الطبيعية ما ينافي هذا القول؟» أي الحكمة الفائقة ~~في نظام الأعمال المادية، فنظرت ، وإذا بالمنافي كثير، وعجبت كيف ~~أنه خفي عليك! لا سيما وأنك نظرت إلى الإنسان من خلال ذلك نظرا ~~خاصا، وهو في نظامه المادي ليس أكثر استقلالا من سائر الكائنات، ~~ولا أكمل منه في نظامه الأدبي، فخطرت على بالي الأبيات الآتية، ~~أبث بها شكوى، وأصدع بها إلى بيان حقيقة، وهي: # يا برغشا أرقني # من فرط ما حرقني # هل أنت مخلوق الذي # بحكمة خلقني # وأين هي فليفتني # كل حكيم لقن # هل ms251 هي بخلق مطلق # أردى ولما يقني # من زائد أو ناقص # أو جالب للمحن # فكل مخلوق به # زوائد كالدرن # زوائد خالية # من كل معنى بين # منقصة للخلق لو # لا أنها في الزمن # كان لها معنى دلي # ل نفعها للبدن # فضمرت إذ أهملت # لسنة في الثفن # وسوف لا تبقى به # كأنها لم تكن # هي حكمة في النشء لا # في خلقها أن نفطن # تربطها بما مضى # مثل بقايا الدمن # والنشء مضطر بها # والخلق فوق السنن # نتيجة لا غاية # من دونها الخلق يني # وغاية الحكمة خل # ق كامل لم يهن # 2 # حضرة صاحب الهلال # لما كتبت إليك موجزا ومشيرا لم يكن قصدي أن أفتح معك ~~باب المساجلة في مسألة اعتقادية خلافية، تتعلق بالمبدأ ~~والمعاد؛ خشية أن يجرنا الدخول في ذلك إلى أخذ ورد لا ~~ينتهيان؛ لاختلاف نظر كل واحد فيهما بحسب مواقفه وأهوائه، ~~ويوقعنا والجمهور معنا في مغالطات اجتهادية عقلية، لا ~~يكون معها تهافت الفلاسفة وتهافت التهافت شيئا ~~مذكورا. # وإنما كان قصدي التنبيه إلى مسألة علمية بسيطة، لا يصح ~~أن يجاز علينا فيها ما قد يجاز في المسائل النظرية ~~العقلية البحتة، وهي نسبة العالم المادي، الذي قلت إن ~~نظامه التام يدل على حكمة فائقة، إلى العالم الأدبي الذي ~~لم تجد فيه هذه الحكمة، وما قلت قولك هذا الغريب في العلم ~~إلا لتستخرج منه هذه النتيجة الأغرب في الحكم، «من أن ~~الصانع الحكيم لا يعقل أن يتم شيئا ويدع الآخر ناقصا، ~~فلا بد أن يكون قد أعد الكمال للناقص هنا في عالم آخر هو ~~عالم البعث.» # ولا يخفى ما في هذا القول من الاضطراب مع مخالفته ~~للمقرر في العلم الطبيعي من تلازم العالمين الواحد ~~للآخر، وتوقف أحدهما على الآخر. ولو لم تجعل سندك هذا ~~العلم لتقرير مقدمتك ونتيجتك لما جاز لي الاعتراض ~~عليك. # ولقد أشرت فيما كتبت إليك بكلام صريح إلى أن فقد ~~الحكمة من العالم الأدبي، كما تقول، والذي قلت إنه نقص في ~~الخلق، كائن هو نفسه أيضا في العالم المادي نفسه إذا ~~نظرنا ms252 إليه نظرك، أي بالنسبة إلى غاية الخلق، وهو واضح ~~جيدا في عالم الأحياء الذي منه الإنسان المقصود بالذات من ~~البعث. وكلامي هناك على ما فيه من الاقتضاب كافل لأن ~~ينبه من ذهب عليه ذلك لا لنقص في العلم، بل لباعث آخر ~~غلبه فيه فصرفه عنه، لعله يراجع نفسه فيصحح حكمه فيما ~~بناه على مثل هذه المسألة العلمية المنافية لغرضه؛ لئلا ~~يكون التشبث بذلك أدعى إلى الوقوع في مغالطات علمية ~~أيضا تكون الجناية فيها مزدوجة على العلم والاعتقاد ~~معا. # على أن بيانك الذي أتيت به بعد ذلك دلني على أنك لم ~~تعبأ بأهمية هذه الأعضاء الأثرية، فلم تعتبرها آثارا ~~منافية لغاية الخلق الاستقلالي، ومنقصة لتلك الحكمة ~~الفائقة في الخلق، بل صرفت النظر عنها، وأخذت تدلني على ~~تلك الحكمة الفائقة في نظام العوالم، وتوجه نظري إليها ~~تارة في الأفلاك وطورا في الأرض، من نظام الأجرام ~~السماوية إلى نظام الأجرام الأرضية، من الإنسان فالحيوان ~~فالنبات حتى الجماد. # والحق أقول إني غير صعب المراس، وإن كنت غير متساهل في ~~القياس، فجاريتك إلى أبعد من مبتغاك، ونظرت معك في نظام ~~الأفلاك، وتحول السدم إلى شموس وأقمار، وزدت عليك بأني ~~نظرت وحدي إلى انحلال هذه الشموس والأقمار ورجوعها إلى ~~السدم، ونظرت إلى حركات الرياح وتساقط الأمطار، وأعجبني ~~منك قولك فيها: «وتسلسل أسبابها.» ونظرت إلى تحليل المواد ~~وتركيبها على نسب محدودة، وقلت في نفسي هل كان يمكن يا ~~ترى غير ذلك، ثم نظرت إلى توالد الأحياء من بيضة أو ~~جرثومة، ثم قلت ما الحكمة من وجود هذه الأعضاء الأثرية ~~التي لا معنى لها في محفظة هذه البيضة أو الجرثومة التي ~~اختصر فيها هذا الخلق البديع المستقل. # نظرت في كل ذلك، فلم أجد في بعض ما أدركته مما أوسعت ~~له مجال الإسهاب تلك الحكمة المقصودة، ولا تلك الغاية ~~المرغوبة، وإنما وجدت في سردها من الإطناب ما هو أدعى في ~~بعض المواقف إلى الإعجاب. على أنك لم تقصد بذلك إلا إكثار ~~الأدلة لبيان الحكمة الفائقة في الخلق، لا بديع ms253 ما في قوله # يسألونك عن ~~الأهلة ~~، ولكنه بيان لو تدبرناه جيدا ~~لوجدناه يرمي إلى ضد ما تقصد؛ فإنك قمت تؤيدني من حيث قصدت ~~أن تناقضني. أقول ذلك لا عن تعنت كما ربما تظن، بل عن ~~برهان، وإليك البيان. # الذين يقولون بالمعاد في غير هذا العالم هم أصحاب الخلق، ~~وهم أصحاب الخلق الاستقلالي أولا - قلت أولا لأن بعض ~~هؤلاء يميلون اليوم إلى القول بالخلق الكلي - فهؤلاء ~~يجعلون كل جنس مخلوق من المخلوقات التي يتألف منها العالم ~~أجمع خلقا خاصا، وأخص هذه المخلوقات عندهم الإنسان ~~الذين خلق كل شيء من منظور وغير منظور لأجله، فهو عالم ~~مستقل بنفسه، علاقته بهذا العالم المنظور عارضة، لا يلبث ~~أن ينفك عنها إلى العالم الآتي غير المنظور الذي هو ~~مقره الدايم، والذي علاقته به جوهرية. أليس هذا هو ~~الاعتقاد الشائع الذي تعلم به الكتب الدينية، والذي هو ~~أساس أوليتك؟ # ولنحصر كلامنا في هذا الإنسان الذي هو محور هذا الاجتهاد ~~من كل هذا البحث بالنظر إلى معاده؛ لنرى أولا ما إذا كانت ~~علاقته بهذا العالم عارضة أم جوهرية، وثانيا لنعلم ما إذا ~~كان الذي يطلق على كل الطبيعة يطلق عليه أيضا، أم هو ~~ممتاز علميا يجوز له الانفراد وحده بامتيازات تجعله فوق ~~الطبيعة للتجرد عنها. # لا يجوز لي في هذا المقام بالنسبة إليكم أن أدخل معكم في ~~بيان كون الإنسان في تكوينه حيوانا في أعلى درجة من ~~سلم الحيوان، تربطه به روابط تدل على أنه مرتق عنه، ~~وإن كان في بعض العصور غيره الآن، فإني لا أرتكب مثل هذا ~~الخطأ مع من أعده يعلم ذلك جيدا كما هو مقرر اليوم في ~~العلم، والذي هو نفسه يقول لي: «كم من الحكمة في نمو ~~النبات بتحويل المواد الترابية إلى مواد حية، وفي نمو ~~الحيوان بتحويل المواد النباتية إلى حيوانية، ثم ترجع تلك ~~المواد بعد الموت إلى التراب.» فأنتم تعلمون جيدا أن في ~~الأحياء، وخصوصا في الإنسان، أعضاء أثرية، أي زوائد لا ~~معنى لها في خلقه كما هو الآن، وإن ms254 كنتم تقولون مع ذلك: ~~«على أننا إذا تدبرنا هذه الزوائد رأيناها تنحصر في عالم ~~الحياة، وهو جزء صغير من المخلوقات.» # ولا أقف عند هذا القول لأرد عليه بقولي أما كون عالم ~~الحياة جزءا صغيرا من المخلوقات ففيه نظر، سواء نظرنا ~~إليه بالنسبة إلى أرضنا أو بالنسبة إلى العوالم الأخرى ~~التي لا نعلم عنها شيئا من هذا القبيل، وهو في أرضنا ليس ~~صغيرا بالقدر الذي يستفاد من هذا الكلام، وصغيره يكاد ~~يكون مالئا الأرض كلها، ومتخللا كل أجزاء الجماد، وله ~~في تحليله وتركيبه وتحولاته شأن عظيم؛ فإن هذا البحث ليس ~~من غرضنا هنا، بل أقول إنه مهما يكن من ذلك، فعالم الأحياء ~~جزء مهم جدا في بحثنا؛ لأنه يشتمل على الإنسان الذي هو ~~موضوع البعث في العالم الآخر. # وأنتم تعلمون أن هذه الأعضاء الأثرية التي ليس لها معنى ~~في تكوين الإنسان كما هو الآن، كان لها معنى في الماضي ~~يوم كان تكوينه غيره اليوم، وهي كثيرة جدا، وليس المقام ~~مقام بيان وجودها وإثبات عدم نفعها فيه ونفعها في سواه، ~~كما هو مبسوط في محله، وكما تعلمونه جيدا، بل أنتم تعلمون ~~أن هذه الآثار أقوى دليل على تسلسل الخلق وترابطه، وعلى ~~أن الإنسان مشتق من الحيوان بالارتقاء، ولكن بعد هذا ~~العلم، ماذا يكون مقامها في الخلق الاستقلالي؟ وأين الحكمة ~~فيها حينئذ؟ ولا إخالك تعمد هنا إلى القول بأن الحكمة ~~التي لا تبدو لنا فيها دليل على جهلنا، لا على عدم وجودها. ~~وربما كان يجوز مثل هذا التخلص لولا أنك تعلم أن العلم عرف ~~فائدتها لاكتشافه حقيقتها في الأحياء الأخرى الأدنى، وأثبت ~~بذلك ارتباط الإنسان بالحيوان، بل نشوءه عنه، وأقر ذلك ~~على أساس علمي متين، فهل لنا بعد ذلك مناص من إنكار مذهب ~~الخلق الجزئي الاستقلالي؟ وإلا فكيف يمكن لنا حينئذ أن ~~نوفق بين هذا الوصل في المبدأ وذلك الفصل في المعاد، وأن ~~نسند ذلك إلى العلم نفسه؟ بل كيف يمكن لنا أن نوفق بين ~~الحكمة الفائقة في الخلق ووجود مثل هذا العبث ms255 في ~~المخلوقات؟ لأن وجود مثل هذه الزوائد غير النافعة فيها، ~~والضارة بها أحيانا، ليس إلا عبثا بالنسبة إلى المخلوق ~~نفسه. # بل كيف يمكن لنا أن نوفق بين هذا النشوء المتسلسل الذي ~~يثبت لنا أن العوالم بمطلقها التي تبدو لنا اليوم كما ~~هي، لم تكن كذلك في الماضي القديم، وبين مذهب الخلق الكامل ~~الذي يقول إن العوالم ومنها الإنسان وجدت بصورتها الحاضرة ~~كما هي الآن؟ فلم يبق أمامك إلا القول بالخلق الكلي، وهو ~~أحسن ما يعتصم به المستمسكون بالخلق؛ إذ ينسبون حينئذ كل ~~تحولات الطبيعة إلى نواميس عامة مخلوقة هي نفسها، وهي ~~العامل الثاني في نشوئها المتسلسل، وإنما يبقى عليهم ~~حينئذ أن يوفقوا بين ذلك ومبدأ الأديان القائل بأن ~~المعاد في غير هذا المكان للإنسان وحده، وهو لم يكن ~~إنسانا كما هو اليوم في أطوار نشوئه، ولا هو مستقل عن ~~سواه في مبدئه حتى يجوز له هذا الاستقلال في معاده، أو ~~أنهم يطلقون البعث حينئذ على العالم كله، لا باعتبار ~~انتقال مواده فيه بتغير صورها، بل باعتبار انتقال ~~الطبيعة كلها بأعيانها من مكان منظور إلى مكان آخر غير ~~منظور. هذا ولا يخفى عليك حينئذ ما يرد على الخلق الكلي ~~نفسه من الاعتراض المعقول من أن الخالق والمخلوق لا يجوز ~~أن يكونا منفصلين، وإلا وجب أن يكون فعل الخلق الصادر من ~~الخالق منفصلا عن الخالق نفسه، وهو خلف، وإن كان متصلا ~~به فكيف يكون هو نفسه غيره، وهو خلف أيضا؟ # على أن هذه الأمور المقررة اليوم في العلم، والتي تنفي ~~الحكمة من الخلق، تصبح ذات شأن عظيم في مذهب النشوء؛ إذ ~~تبين حقيقة هذا الترابط الذي تشير إليه في قولك: «ونجد ~~الخلق بجملته تام النظام مترابط الأطراف.» لتوقف كل ~~تغير فيه على تغير في سواه، أو لإحداث كل تغير فيه ~~تغيرا مناسبا في سواه. وعليه فالعالم في مذهب النشوء لم ~~يكن ولا هو كائن ولن يكون إلا منتظما لناموس عظيم فيه ~~هو ناموس التناسب أو المطابقة. # وكما أن العالم المادي مترابط، ومن ms256 هذه الحيثية هو تام ~~النظام في كل العصور، فالعالم الأدبي إذا نظرنا إليه نظرا ~~علميا وجدناه لا يخرج عن هذا الحكم، فهو مترابط تام ~~النظام أيضا. ولا يجوز أن يكون غير ذلك، لا سيما وأن كل ~~الأعمال الأدبية متوقفة على نظام المادة نفسها. فقوى ~~الطبيعة من حركة إلى حرارة إلى نور إلى كهربائية إلى قوى ~~حيوية، إلى غير ذلك من تحولات القوى، مترابطة بعضها ~~ببعض، ومترابطة بالمادة نفسها. ووظائف الأعضاء في الأحياء ~~متوقفة على حال هذه الأعضاء كوظيفة التغذية عموما، ~~ووظيفة عضو عضو منها، فكما أن إفراز اللعاب عمل من ~~أعمال الغدد اللعابية، فالعقل نفسه ليس إلا عملا من ~~أعمال الدماغ، بحيث لو انحلت مادة الدماغ إلى بسائطها ~~انحل العقل إلى القوى المودعة في تلك البسائط، ولم ~~يتطاير منه شيء إلى الخارج، حتى الوجدان نفسه الذي يتوهم ~~البعض أنه مزية يمتاز بها الإنسان على سواه، والذي ذكرتموه ~~على صورة تؤيد هذا الامتياز، إذا تدبرناه كما ينبغي ~~يظهر لنا أنه عام على العوالم كلها، مع حفظ النسبة بينها ~~من الإنسان إلى الحيوان إلى النبات إلى الجماد، فكل من ~~هذه العوالم يدافع عن نفسه حفظا لكيانه حسب مرتبته؛ ~~مما يدل على أنه شاعر بذاتيته، ولو لم يكن له هذا الشعور ~~لم يكن له ذلك. # وما أتيت بهذا البيان لأعارض أيا كان في إيمانه، بل ~~لأدفع عن القضايا العلمية المغالطات التي قد نجيزها فيها ~~على أنفسنا وعلى سوانا، فنقطع بها تارة ما يوصل، ونصل ~~بها أخرى ما يقطع؛ لغاية في النفس لنا سابقة، نشوءها فينا ~~معلوم لو تحريناها إلى أصولها. وفي اللاهوت النظري ما ~~يغنينا عن ذلك كله للغرض الذي تدفعنا إليه أمانينا، ~~ويرتاح له وجداننا، لا سيما وأن المسألة مسألة ~~اعتقادية بحتة. # أما قولكم إن كثيرين من العلماء الأعلام لم يستطيعوا ~~النفي البات في مثل هذا المقام، فما ذلك بالبرهان على ~~ثبوت دعوى خصوم النفي الذين لا يستطيعون أن يجدوا في العلم ~~دليلا واحدا للإثبات. وما مقام اللورد كلفن بأعظم من ~~مقام ms257 أغاسيز نفسه في العلوم الطبيعية؛ فقد كان فيها أعلم ~~من داروين، ومع أن داروين بنى مذهبه وأيده بأبحاث ~~كثيرة مأخوذة عنه، فقد كان أغاسيز نفسه من ألد خصومه. ~~ولا يثبت ذلك إلا أمرا واحدا، وهو شدة وطأة ناموس ~~الوراثة، وخصوصا ناموس الرجعة، كما دلتنا اليوم تصريحات ~~لمبروزو نفسه على ما جاء في المقتطف من انقياده لشعوذة ~~المشعوذين ووهم الواهمين، واعتبار ذلك من مرجحات ~~الاعتقاد بالأرواح وما شاكل، مع أنه كان من أشد أنصار ~~الفلسفة العقلية المادية. # فالعالم مخلوقا يحملنا على اعتقاد وجود العبث في ~~الحكمة، وهي غير مضطرة، وهو خلف؛ وناشئا يدلنا على أن ~~هذا العبث ليس بالحقيقة عبثا، بل رابطة ضرورية للتسلسل ~~في النشوء. والعالم مخلوقا يحملنا على أن نقطع حيث يجب أن ~~نصل، أو نصل إلى نتيجة كلية لا تنطبق على غاياتنا ~~الجزئية، ولا على شيء من العلم. والعالم ناشئا يدلنا ~~على أن كل ما في الطبيعة منها وبها وإليها. # وعليه فالذي تقول إنه خلق لا ينطبق على الواقع المقرر ~~في العلم، إلا إذا قلنا إنه نشوء، والذي تقول عنه إنه ~~غاية مقصودة لا يصح إلا إذا قلنا إنه نتيجة لازمة، والذي ~~تقول إنه حكمة فائقة هو عبث، إلا إذا قلنا تناسب ضروري ~~لنشوء مترابط، والذي تذهب إلى أنه معاد خاص في غير هذا ~~المكان لا يجوز إلا إذا قلنا إنه عود على بدء في هذا ~~المكان. وهذا ما يقوله العلم، وإن تلجلج في بعض القضايا ~~العلمية المادية، فلا يقول سواه، كما في هذا القول: # هو الكل في كل معيدا ~~ومبديا # وما نحن إلا فيه من صور الفنا # وليس فناء ما نراه وإنما # هو العود للأولى هو البعث للألى # قضوا فحيينا وانقضينا بعودنا # إليهم وغير الكل ليس له البقا # أما الإيمان الذي ترتاح إليه نفوس الأكثرين لأسباب ~~تعليلها واضح في مذهب النشوء، لا يضيق به مثل هذا الحصر، ~~وهو قام حتى الآن على غير العلم، وفي إمكانه أن يبقى في ~~غنى عنه زمانا طويلا أيضا، وليس من الحكمة ms258 أن نحاول ~~إلباسه حلة علمية لا تناسبه تنم عن ضعفه، أو تكون به ~~كطيلسان ابن حرب. # وفي الختام إني معجب بك لسعة فضلك، وغزارة علمك، وإن ~~خالفتك في مثل نتيجتك التي اتصلت إليها، والتي كنت أود ألا ~~أحرج لمعارضتها، ولكنك توافقني على أن لا محاباة في ~~العلم، كما أنه لا حياء في الدين. وإن سألت ما الذي ~~أحرجني، قلت مقامك عندي. # | المقالة الحادية والخمسون # مناجاة الأحلام وفرع الأوهام # 1 # لقد كثر الآن تحدث الناس بغرائب أفعال العقل أو النفس كما يقال ~~أيضا، وسائر أفعال الجهاز العصبي الخارجة عن المألوف من مثل التخيلات ~~والشعور بما هو فوق طاقة الحواس الاعتيادية، وانطباق ذلك في بعض ~~الأحيان على الواقع، مما يختلط كثيرا على العامة ويربك الخاصة ~~أيضا. واشتدت المناضلة بين الباحثين، فذهب بعضهم إلى أن هذه ~~الغرائب من خوارق الأعمال التي لا تنطبق على النواميس الطبيعية، ~~وعللها بأنها من أفعال الأرواح المحيطة بنا. ونقل بعض الجرائد ~~العربية تصريحات المستر ستد بما وقع له ولبعض أشياعه، ونسبتهم ذلك إلى ~~مناجاة الأرواح. وقد كتبت مقالة في الجريدة إجابة لاقتراح بعضهم لدفع ~~هذا الزعم نافيا الغرابة غير الطبيعية فيه، ومطبقا الصحيح منها على ~~نواميس العلم الطبيعي وعلم الأمراض العصبية. # ونقل المقتطف مساجلة عالمين طبيعيين يذهب كل منهما مذهبا ~~مخالفا للآخر. فرأيت أن أسهب الكلام هنا للإلمام بالموضوع من كل ~~أطرافه؛ لكي يتيسر للناظر بالمقابلة والاستقراء والاستناد إلى العلم ~~الطبيعي أن يحكم بما هو أقرب إلى الحقيقة. وأنا لا أشك في أن كل ما ~~يجري فينا من هذا القبيل إنما يجري تبعا لقواعد طبيعية نظير سائر ما ~~يقع في الطبيعة، مما هو مقرر اليوم أنه بحث طبيعي بحت، ولا أشك ~~كذلك أن معلوماتنا الطبيعية اليوم كافية وحدها لتعليل ذلك تعليلا ~~يزيل عنه كل غرابة، إلا ما كان من قبيل الغرائب الطبيعية فقط. # إن غرائب أفعال العقل والجهاز العصبي معروفة للإنسان منذ القديم، ~~وأشهرها الأحلام التي تعرض له وهو نائم - وهي تعرض للحيوان أيضا - وقد ~~كانت سببا من ms259 أكبر الأسباب لاعتقاد الإنسان أن فيه قوة غريبة عن جسمه ~~تنفك عنه في حالة النوم، وتطوف المعاهد منتقلة من مكان إلى مكان، ~~ومن إحساس إلى إحساس، ثم ترجع إليه في اليقظة، وكثيرا ما تصدق في ~~الأنباء التي تنقلها؛ مما حمل الأكثرين على الاعتقاد بها، وظن بعضهم ~~أنه يمكن من مراقبة أحوالها أن يستخرجوا أحكاما مطلقة، وألفوا ~~الكتب في تفسيرها حشوها تارة بالخطل وتارة بالدجل. # وقد كانت أوهام الإنسان في اليقظة كثيرة جدا في أول الأمر لقلة ~~تعرفه ما حوله من قوى الطبيعة؛ إذ كل ما هو مألوف معروف لنا اليوم ~~كان يبدو غريبا له، وقد بنى عليها كثيرا من أقاصيصه الميثولوجية ~~وحكاياته الخرافية، واشتغل بها زمانا طويلا قبل أن استهلك كثيرا ~~منها بالعلم شيئا فشيئا، وأقرها في مكانها الحقيقي. # وقد كانت الأمراض العصبية، ولا سيما العقلية والهستيرية، نظرا ~~لغرابة ظواهرها بالنسبة إلى سائر أمراض الجسم محل استغرابه، بل موضوع ~~تكهنه وتفزعه، حتى إن الألفاظ التي استعملت للدلالة عليها في كل ~~اللغات تدل دلالة صريحة على الاعتقاد بأنها حالات مستفاضة على ~~الجسم، غريبة عن مادته وعن جوهر قواه، كأن يقال إن بصاحبها مسا أو ~~دخلا؛ إشارة إلى الروح الغريبة الحالة فيه. وكم عذب النساء ~~الهستيريات، وحلت بهن النقم لاعتبارهن ساحرات، وأحرقن أيضا ~~تخلصا من الشيطان الحال فيهن قبل أن تداركهن العلم برأفته. # ولا يزال هذا الاعتقاد شائعا عند كثيرين حتى اليوم، وإن تلطف ~~بعضهم في تسميته، كأن يقول إن الحال شيخ، ورأفوا في معاملة صاحبه، ~~فأحلوا الرحمة محل النقمة، وعالجوه بالتعاويذ والرقى والقراءات وما ~~شاكل. وكما أنهم نسبوا بعض الحالات العصبية الشديدة الوطأة إلى الأرواح ~~الشريرة، وأفحشوا في معاملة أصحابها، نسبوا كذلك بعض الحالات العصبية ~~التي كانت تبدو لهم ألطف من تلك على الجسم المصاب بها إلى الأرواح ~~الصالحة، ورفعوا أصحابها إلى مقام الأولياء والأنبياء، ثم أخذ هذا ~~الاعتقاد يضعف حتى أثبت العلم اليوم أن مثل هذه الحالات ليست سوى ~~أمراض عصبية كسائر أمراض الجسم، ولها أحكام طبيعية مثلها حتى في ms260 ~~غرابتها. # وكأن جمهور المتعلمين الراقين لم ينف الاعتقاد بالمصدر الغريب في ~~مثل هذه الحالات إلا عما كان يبدو خشنا فظا، وأما الجم الغفير فلا ~~يزال حتى اليوم يعتقد أن في اللطيف منها محلا للنظر ومتسعا للقول، ~~وكثيرون يميلون إلى نسبتها إلى الأرواح للاعتقاد المتأصل فيهم، إن لم ~~يكن رهبة فرغبة، والذي هو بقية راقية من مجموع تلك الاعتقادات ~~القديمة الخشنة. # وقد عنيت بهذه المسائل طوائف كثيرة من أهل الأدب والعلم في أوروبا ~~وأمريكا، وخصوصا في إنكلترا، وألفوا لها الجمعيات الكثيرة ليلبسوا ~~البحث فيها حلة علمية، اشترك فيها المقتنع والواهم والمتردد، وانضم ~~إليها الدجال أيضا، وكل واجد في ذلك مصلحته. # فلكي يمكن البحث في هذه المسائل على أسلوب يكون منه فائدة للعلم لم ~~يكن بد من تحليلها قبل تعليلها؛ لمعرفة الصحيح فيها من المختلق، ~~والممكن من غير الممكن، فلا تخدعنا أعمال المشعوذين الذين يأتون ~~أمامنا أعمالا كثيرة غريبة صناعية كوضع الشيء في مكانه، ثم إخراجه ~~من مكان آخر، وكابتلاع السيوف والسكاكين ولم يبلع منها شيء، والتكالم ~~مع أشخاص متباعدين والمتكلم واحد، وغير ذلك من الأمور المدهشة التي ~~يجيزونها على الناظرين، وليس فيها شيء من الغرابة سوى مهارة الصناعة؛ ~~فإن أمرها اليوم معروف للخاصة والعامة، وإنما نقتصر هنا على المسائل ~~المقررة اليوم، والتي يعترف بها العلم. # إن جميع الغرائب التي تعرض للإنسان تطرأ على شعوره، فيحس أو يعلم ~~بما هو فوق طاقة مشاعره وإدراكه في حالته الاعتيادية، وتنحصر جميعها ~~فيما نسميه هنا على وجه الإطلاق بالتخيلات، وإن اختلفت مسمياتها ~~بحسب مدلولاتها، وذلك بقطع النظر عن صحتها وعدمها؛ لأنها في اعتقادنا ~~صحيحة كلها، سواء طابقت الواقع، كأن يرى الإنسان وهو في مكان صورة ~~صديق له في مكان آخر مثلا؛ أو لم تطابق الواقع، كأن يحلم أنه طائر ~~في الجو كما يحصل كثيرا للأطفال في أحلامهم وهم نيام؛ فكلاهما تخيل ~~حاصل، لا يجوز للعلم أن ينفيه لئلا يتلجلج في تعليله، وكلاهما شعور ~~حقيقي وإن اختلف سببهما، كما سيجيء. # وما أطلقت اسم التخيلات على كل ms261 هذه الغرائب مع قطع النظر عن أسبابها ~~الظاهرة والباطنة والبعيدة والقريبة، إلا لأضمها تحت اسم جنس باعتبار ~~أن أصلها واحد يسهل تعليلها، وهي تشمل أحلام النوم وأحلام اليقظة كرؤية ~~الأشباح، وسماع الأصوات، والإحساس بالملموسات، ومناجاة النفس التي ~~يطلقون عليها اسم مناجاة الأرواح، وقراءة الأفكار، والوقوف على ~~الأنباء البعيدة، وغير ذلك مما هو خارج عن مألوف الحواس والإدراك. ~~وبالحقيقة كلها في الغرابة سواء، والذي يستوقف النظر في أحدها يجب أن ~~يستوقفه في الآخر؛ فليست قراءة الأفكار بأغرب من الأحلام، ولا مناجاة ~~الأرواح بأغرب من تخيل سماع الأصوات، وكلها من مصدر واحد. # وقبل التوسع في الموضوع لا بد لي من التنبيه إلى أن كل ما يقال عن ~~الإنباء بالمستقبل لا حقيقة له مطلقا إلا ما كان منه في حكم الواقع، ~~كأن ينبئ الإنسان بأمر مقبل يتوقف على أمر حاصل. وهذا يدخل حينئذ ~~في موضوع البحث فيما هو كائن في الحال حقيقة، مثال ذلك: كان عندي مريض ~~منذ عشرين سنة، وكان به اختلاط ذهن هستيري طال به أكثر من شهرين، ~~تقلب المريض فيهما على حالات مختلفة، أظهر فيها عدة غرائب، منها ~~أنه عرض له في طور من أطوار مرضه رعاف تكرر مرارا عديدة. ففي أول ~~الأمر لم نكن ندري بالرعاف إلا من مشاهدته، ولكن بعد أن تكرر صار ~~المريض ينبئ به وبمقداره تقريبا قبل حصوله بأربع وعشرين ساعة، وكان ~~إنباؤه يصدق. وتعليل ذلك بسيط؛ لأن الرعاف الذي كان يحصل لم تكن ~~مهيئاته تقع في الحال، بل لا بد أنه كان يسبقه بعض تغيرات احتقانية ~~وغيرها، فصار المريض أول ما يشعر بها يعرف أنه سيعقبها رعاف فينذر به، ~~ومن شدتها وخفتها ينذر بمقدار الدم الذي سيرعفه. فإنباؤه هذا ليس ~~إنباء بالمستقبل، بل تقرير للواقع؛ ولذلك كل ما تسمعه من قبيل ~~الإنباء بالمستقبل إن لم يكن له مثل هذه المسوغات مما يجعله إنباء ~~بالواقع حقيقة، فهو مخرفة ودجل من قائله. # وما نبهت إلى ذلك إلا لخلط الناس والعلماء أنفسهم في هذه الغرائب، ~~واعتقادهم بأن الإنباء ms262 بالمستقبل من الأمور المقررة الداخلة ضمنها. ~~وأعجب من ذلك أني قرأت من مدة قريبة في إحدى المجلات الفرنساوية بحثا ~~لطبيب في هذا الموضوع، وقد عد فيه الإنباء بالمستقبل من الأمور ~~الداخلة فيه. وهذا جهل فادح يستعظم خصوصا من طبيب يجب أن يكون ~~ملما بنواميس هذه الغرائب؛ لأن هذه الغرائب لا تحدث اعتباطا كما ~~يتوهم بعضهم، بل تعرض للناس بناء على نواميس مقررة لا تنحرف عنها، ~~سواء كان في الصحة أو المرض، وتسير فيهما بانتظام على حد سوى. # فنحن الآن بين أقوال ثلاثة من ذوي المقام في الأدب والعلم: تصريحات ~~ستد الذي يزعم أنه يكتب أحيانا متأثرا تحت سلطان الأرواح، وأنه رأى ~~صورة ابنه المتوفى وسمعه يخاطبه؛ ونفي العالم الرياضي نيوكم لهذه ~~الغرائب، ونسبة بعضها إلى هواجس لم يعن بالبحث عن سببها، وإنما نسب ~~صحتها في بعض الأحيان إلى مجرد الاتفاق باعتبار أنها من الأمور ~~الممكنة؛ وتسليم العالم الطبيعي السير أوليفرلدج بحصول هذه الغرائب من ~~تفاعل العقول أو النفوس بناء على مبدأ التلبثيا، وميله إلى ترجيح ~~سببها الروحاني، مما يجعل صدقها نتيجة للشعور بأمر واقع لا اتفاقا، ~~وقد حاول أن ينفي نسبتها إلى الاتفاق بإحصاءات تنفي الصدفة، وتؤيد ~~الارتباط السببي في زعمه. # والحقيقة أن كلا منهم على صواب وخطأ في آن واحد. فستد صادق في ~~قوله إنه رأى صورة ابنه، وإنه يشعر في نفسه بأنه يكتب أحيانا تحت ~~سلطان شخص آخر، وإنما هو مخطئ في ادعائه أن ذلك من فعل أرواح غريبة ~~عنه. ولو درى أنه مستهوى استهواء ذاتيا من جهة، ومتخيل من جهة ~~أخرى ما في ذاكرته من المحفوظات لأسباب معلومة لنا اليوم جيدا من درس ~~نواميس الجهاز العصبي في الصحة والمرض، بما عبرنا عنه هنا ب «مناجاة ~~الأحلام وقرع الأوهام»؛ لما كان في قوله شيء يؤخذ عليه. ونيوكم ~~مصيب في نفيه التفاعل الروحاني عن هذه الغرائب، ولكنه مخطئ في إنكاره ~~سببيتها الطبيعية، وتعويله في صدقها على الاتفاق وحده، وإن كان ~~للاتفاق دخل في بعض الأحيان. وأوليفرلدج مصيب في أن ms263 هذه الغرائب تجري ~~على نواميس معلومة لنا اليوم بالتلبثيا، ولكن خطأه في نسبة ذلك إلى ~~تفاعل العقول أو الأرواح لا يغتفر، ولا سيما أن في المعلومات ~~الطبيعية اليوم مندوحة لنا عن الخروج بها إلى مثل هذا التعليل ~~الغريب. # وقد وقعت أنا نفسي منذ ثلاث وثلاثين سنة في نفس الخطأ الذي وقع فيه ~~اليوم نيوكم بتعليل صدق هذه الغرائب بالاتفاق، وذلك في حادثة طبيب ~~إنكليزي زعم أنه سمع وهو مار في لندن بالقرب من بيت أحد أصدقائه الذي ~~كان يومئذ بمدينة حلب، صوت صديقه هذا يناديه ثلاثا، ثم علم عند ~~وصول البريد أن صاحبه كان في تلك الدقيقة يحتضر. وقد تناولت هذا النبأ ~~في ذلك العهد الجمعيات النفسية في إنكلترا، وهولت به كثيرا، حتى إن ~~الجمعيات العلمية شاركتها في هذا البحث، وكتبت الجرائد فيه مقالات ~~ضافية. وكنت يومئذ في الآستانة، فاطلعت في جريدة «الكوريه دوريان» على ~~فصل طويل عقدته جريدة «الكونستيتيسيونال» الباريسية لهذا الموضوع، ~~ونقلته عنها جريدة الآستانة المذكورة، جاء فيه كاتبه على أمور كثيرة ~~من حوادث التخيلات الغريبة، نسل أكثرها مما وقع لبعض مشاهير الرجال ~~في التاريخ، كنابوليون وقيصر وسواهما، من أنهم كانوا يرون أشباحا، ~~ويسمعون أصواتا تخاطبهم لا حقيقة لها في الظاهر، وذهب إلى أنها من ~~الغرائب التي لا تدرك. فكتبت في ذلك الحين ردا عليه باللغة ~~الفرنساوية، نشر في جريدة «الكوريه دوريان» المذكورة في 25 أكتوبر سنة ~~1876، ونقلته إلى العربية مجلة الطبيب في بيروت. # وقد حاولت في هذا الرد أن أدفع عن مثل هذه الحوادث كل غرابة غير ~~طبيعية، مستندا في ذلك إلى علم أمراض العقل، وما يعرض من التخيلات ~~وانخداع الحواس في الجنون وفي سائر الحالات العصبية التدريجية التي بين ~~الصحة والمرض، وحصرت تعليل ذلك بما سميته هنا قرع الأوهام، ويراد به ~~قرع محفوظات الذاكرة لمراكز الحواس بالارتداد من الباطن إلى الظاهر، ~~وذلك في الأعصاب المتهيجة المنصرفة إلى التفكير في موضوع ما، أو ~~الملفتة إليه لمناسبة ما، كمناسبة المرور بالبيت الباعث على التذكر ~~بصاحبه. وعللت صحة النبأ ms264 إذا صدق قائله بما يأتي: «والاعتراض الذي ~~يوجه إلى ذلك في مثل هذه الأحوال هو هذا: لماذا تتم الأمور أحيانا ~~كما تنبئ عنها أو توحي بها التخيلات؟ والجواب على ذلك وعلى الأحلام ~~أيضا بسيط، وهو أن كل ممكن قد يتحقق أحيانا، ولكنه لا يتحقق ~~دائما؛ ولذلك كانت أكثر التخيلات لا تتم حقيقة.» ا.ه. # أي إنني عللت ما يصح منها بالاتفاق كما علله نيوكم الآن، ولكن ~~الخطأ الذي كان يغتفر حينئذ لا يغتفر الآن بعد أن تقدمت العلوم ~~الطبيعية وباثولوجية الأمراض العصبية هذا التقدم الباهر. # وأزيد على ذلك اليوم بقولي إن غير الممكن لا يتحقق مطلقا، كأن يحلم ~~الإنسان أنه طائر في الجو، أو ساقط من مكان عال وهو لم يسقط، فلا يمكن ~~أن يكون مثل هذا الحلم موعزا به من الخارج، أو معبرا به عن حقيقة ~~واقعة، مع أن صاحبه يحس ويرى أنه كذلك. ويعلل في الأول بقرع الأوهام ~~لذاكرته، وتجسمها لدى حواسه بما يكون قد ذكر له في طفوليته من ~~مثل هذه الأخبار السقيمة، وغيرها من الخرافات السخيفة التي يحشون بها ~~دماغ الطفل. وتعليله في الثاني تعب طرأ على الجسم وهو نائم من وضع أو ~~سوء هضم، وبانتقال الأفكار إلى المتناسبات والحواس في كلل انتقل «به ~~الشعور» من ضيق إلى ضيق إلى هول السقوط. # ولكن هذا التعليل وإن انطبق على الانفعالات الذاتية المنعكسة من ~~الباطن، وصح على كل التخيلات الذاتية التي تعرض للإنسان في الحلم ~~واليقظة، من رؤية الأشباح إلى مناجاة الأرواح، التي هي عبارة عن ~~مناجاة أحلام الإنسان نفسه بناء على ناموس قرع محفوظات الذاكرة ~~للأعصاب المتهيجة وناموس الاستهواء الذاتي، إلا أنه توجد حالات أخرى ~~مصدرها خارجي محض لا ينطبق عليها هذا التعليل، وتعليل صدقها بالاتفاق ~~وحده لا يكفي، مثل قراءة الأفكار والعلم عن بعد مما هو مقرر أمره ~~في العلم، ولا يجوز الشك فيه اليوم. # على أن العلوم الطبيعية والعلوم الباثولوجية العصبية قد تقدمت ~~كثيرا من ذلك العهد، واكتشفت غرائب كثيرة فيها غير خارجة في أعمالها ~~عن ms265 نواميس الطبيعة، حتى صار يجوز لنا فهم أكثر أعمال العقل غموضا، ~~واستنتاج المجهول بناء على المعلوم. # غير أن المتصعبين من العلماء - وما تصعبهم لضعف البينة، بل ~~لاقتصارهم في البحث على الجزئيات، ولقلة تعويلهم على الاستقراء في ~~الكليات - لا يزالون يميلون إلى نسبة هذه الغرائب إلى أمور غير ~~طبيعية، مع علمهم الأكيد أنها في غرابتها تسير على نواميس معلومة ~~كغرائب الأمراض العصبية مثلا، انقيادا لأوهامهم التي ورثوها أبا عن ~~جد. وبعضهم ينصاع اضطرارا إلى التسليم بطبيعتها المادية، ولكن ما رسخ ~~في ذهنه بالوراثة يحمله على الوقوف موقف المتردد غير الجازم، متوقعا ~~أن يكشف له العلم نواميس طبيعية جديدة غير معروفة له اليوم. ولو ~~تدبر هذا المتردد والمتمني في سره فشل العلم في نفي أمانيه، لعلم ~~أنه لا ينتظر أن يكتشف في الطبيعة من يوم عرف ناموس تحول القوى ~~نواميس جديدة أصولها الطبيعية مجهولة، بل كل ما ينتظر إنما هو زيادة ~~التوسع في معرفة تحولات هذه القوى، واستخدامها لغرضنا بناء على أنها ~~هي والمادة من أصل واحد. والمعلوم اليوم من هذه التحولات البديعة من ~~حركة إلى حرارة إلى نور إلى كهربائية إلى أشعة رنتجن إلى أشعة الراديوم ~~إلى الأشعة الكيماوية التي ترقق الأجسام وتشففها، واستخدام ذلك لنقل ~~الأصوات بالتلفون، وحفظها بالفونوغراف، وخزن حركاتنا في السينماتوغراف، ~~ونقل أخبارنا في الفضاء بتلغراف مركوني، ونقل المرئيات إلى بعد؛ كل ~~ذلك كاف لأن يجلو لنا اليوم أشد هذه المسائل غموضا. # وإذا أضفنا إلى ذلك علمنا بأن العالم لا فراغ فيه، وهذا يستلزم ألا ~~يضيع فيه شيء، بل يحفظ فيه ويتحول؛ لعجبنا، ليس من عروض هذه الغرائب ~~لنا أحيانا، بل من عدم عروضها لنا غالبا؛ لأن عروضها هنا هو القياس، ~~وعدمه كان يجب أن يكون الشاذ، فإذا كان عروض هذه الغرائب لا يتيسر ~~دائما، فلحوائل طبيعية أزال العلم الطبيعي اليوم كثيرا منها، ~~وأيده علم بسيكولوجية الدماغ والأمراض العصبية نفسها، كما أبنت ذلك ~~في مجلد السنة الثالثة من مجلتي الشفاء في حادثة اختلاط ذهن هستيري من ~~أغرب ما ms266 وقع لي ولسواي أيضا. # وبالحقيقة إن أثر كل حركة، مادة أو نبضة فكر، يجب أن يصل إلى كل شيء، ~~ويجب أن يحس به كل شيء بناء على ناموس حفظ القوى. وإذا كنا لا نشعر ~~به دائما فلأسباب مادية، إما لضعف في حواسنا، وإما لضعف الأثر نفسه ~~وتبدده قبل وصوله إلينا. فإذا أمكننا أن نقوي مشاعرنا أو نزيل ~~الحوائل الأخر لم يصعب علينا أن نقف على كل ممتنع علينا في حالتنا ~~الاعتيادية. وقد جاءت الاكتشافات المذكورة سابقا مؤيدة لذلك، كما قلت ~~في الشفاء من أن لا بد لكل فعل من فاعل وقابل وناقل، وقد تمكنا ~~بالتلفون من تقوية الناقل، ووقفنا من قراءة الأفكار على قوة القابل، ~~وتمكنا كذلك بتلغراف مركوني من تقوية الفاعل والقابل معا، وعرفنا ~~كذلك أن هذا القابل قد يشتد تأثره جدا في بعض الحالات العصبية ~~المرضية، إلى حد أن الإنسان يقدر أن يعلم عن بعد شاسع حركات سواه، ~~ويسمع كلامه كأنه على كثب منه، ولكن يشترط في ذلك شروط تجعل هذا ~~العمل خاضعا لنواميس معلومة نظير سائر النواميس الطبيعية، كألا ~~يدرك الإنسان إلا حركات أشخاص معلومين له بهم علاقة معلومة ولو مهما ~~أبعدوا عنه، ولا يدرك حركات سواهم ولو كانوا بالقرب منه؛ لأن أعصابه ~~تكون متكيفة لقبول تأثيرات أولئك لشدة الاشتغال بهم خلافا ~~لهؤلاء. # وإذا كان هناك محل للشك فدرس غرائب الأمراض العصبية الهستيرية ~~كاف لأن يزيله؛ إذ أثبت استطاعة الإنسان لأن يتأثر بالمؤثرات ~~الخارجية، فيرى عن بعد شاسع صور الأشخاص، ويسمع كلامهم بما يفسر لنا ~~جيدا شدة تهيج القابل فيهم ، حتى يصير يحس بما لا يحس به الإنسان ~~عادة، ولأن يفسر لنا كذلك حقيقة التخيلات الذاتية الصادرة من الباطن، ~~والتي هي سبب وهم ستد وأشياعه بأن أرواحا تخاطبهم، أو أنهم يفعلون ~~متأثرين بسلطان غيرهم. # فلا يخفى أن أصحاب المرض العصبي الهستيري موصوفون بقوة الذاكرة، ~~حتى إن في وسع بعضهم في هياج مرضهم أن يذكروا أدق دقائق ما جرى لهم ~~في حياتهم، كأن الذاكرة آلة فوتوغرافية سينماتوغرافية حقيقية، ms267 ينطبع ~~على صفحاتها كل ما يمر بها من كلي وجزئي، فإذا عرض ما هيج هذه ~~الصفحات بدا ما كان كامنا فيها كأنه ابن يومه. ومن أغرب ما أتى به ~~المريض الذي أشرت إليه وذكرت حكايته في الشفاء، أنه في أثناء مرضه الذي ~~دام به أكثر من شهرين ذكر تاريخ حياته بالتفصيل، والأعجب أنه ذكر وقائع ~~دعوى كانت له في المجالس دامت ثلاث سنوات، ثم خسرها، وكانت خسارته له ~~سببا لاستيلاء المرض العصبي عليه بعد ذلك على الفور، حتى إنه ذكر ~~المرافعات التي جرت فيها أمام القضاء كأنها منقولة بالحرف، وبفصاحة ~~تفوق طوره جدا في حال الصحة. # فليس بدع أن يكون سبب التخيلات التي من مصدر باطني، والتي تجعل ~~الإنسان في بعض أحوال خصوصية يسمع ويرى ويلمس ما ليس له حقيقة في ~~الظاهر قرع الذاكرة نفسها للحواس المتهيجة، كما في الجنون وما دونه من ~~أحوال اضطراب العقل بالمؤثرات المختلفة في الأعصاب المتهيجة، وهي ~~درجات كثيرة بين الصحة والمرض. ومعلوم كذلك أمر الاستهواء الذاتي حتى ~~تصير أحلام الإنسان لديه حقائق، وحتى يصير بالنظر إليها بوجدانين ~~متباينين بحسب سرعة تغلب أحواله العصبية، يسمع أحدهما يخاطب الآخر، ~~وكثيرا ما يشعر الواحد أنه تحت سلطان الآخر يأتمر بأمره حتى يزول منه ~~الاضطراب العصبي الكلي كما في الجنون، والجزئي كما في الأحوال ~~الهستيرية المتغلبة بحسب نوبها، فيرجع إنسانا اعتياديا لا يتأثر ~~بغير ما يتأثر به الناس عادة. # ومن هؤلاء طائفة من الناس ليس بهم جنون حقيقي أو ظواهر هستيرية ~~ظاهرة للعيان، بل بهم من كل ذلك ظاهرة واحدة مقتصرة على أمر واحد ~~فقط، وهي تهيج مركز واحد من مراكز قواهم العصبية، بحيث يقتصر ~~الاستهواء فيهم على فكر واحد أو شعور واحد، كما هو شأن ستد وأضرابه ~~في اعتقادهم أنهم يكتبون أو يعملون عملا تحت سلطان شخص آخر غريب عنهم. ~~ولا شك أن كثرة اشتغال العقل بموضوع يخافه أو يهواه تعده لاستيلاء مثل ~~هذه الحالة عليه، وإحداث الاضطراب الشديد في جزء من أجزاء دماغه مع ~~سلامة باقيه، ms268 كما هو مشاهد كثيرا في عموم الناس لمن يتدبر ذلك كما ~~ينبغي. # والحاصل أن الحوادث الغريبة من مثل التي ذكرها ستد، ليست بالحقيقة ~~هذيانا خاليا من سبب طبيعي معلوم كما يذهب بعضهم، ولا هي وحي أو شبه ~~وحي كما يذهب كثيرون، وإنما هي تخيلات الذاكرة لمعلوماتها الباطنة، أو ~~تأثر الحواس تأثرا قياسيا بالمؤثرات الخارجية البعيدة الطبيعية ~~لوجود كل من المؤثر أو ناقل التأثير أو قابله أو كلها معا في أحوال ~~خصوصية تزيل من بينها كل حجاب، كأن يحول دون الشعور بما يلزم الشعور ~~به في كل الأحوال لولا تلك الموانع العارضة، والتي أزال العلم الطبيعي ~~وعلم الطب كثيرا منها. وعليه فليس غريب في كل هذه الغرائب التي انجلت ~~لنا أسرار جلها إن لم نقل كلها سوى غرابة قلة عروضها لنا، وخصوصا ~~طفورنا في تعليلها إلى غرابة أغرب منها لا أساس لها إلا نقل لا ينطبق ~~على علم ولا يجيزه عقل، حرصا على مبتغيات أوهام ومتمنيات ~~أحلام. # كلمة مرة ولكنها حرة # 2 # موسى نظر إلى شراهتهم وضررها بالصحة فدلهم على النافع من ~~الطعام، ومحمد إلى قذارتهم فأمرهم بالنظافة، وعيسى إلى اختلال ~~آدابهم وضررها بالاجتماع فحثهم على الفضيلة، فعفوا أيها ~~الأنبياء الكرام، على مذهب المؤمنين، ويا أيها الرجال العظام، على ~~مذهب العقلاء، عفوكم عفوكم ألف مرة على ما يأتيه أتباعكم من ~~الأعمال، ويثيرونه من المباحث الدالة على سخافة العقول، وهم ~~يدعون أنهم أبناء هذا العصر الذي يزعم أصحابه أنه عصر المدنية ~~والعلم. # | المقالة الثانية والخمسون # مخاطبة الأموات: # 1 # تفنيد مذهب ستيد # ستيد كاتب شهير، وقراءه معجبون به لبلاغته، فهو قال قولا لولا ~~شهرته واعتقاد الكثيرين فيه الرجاحة في الرأي والصدق في القول، ولولا ~~موافقته لأماني الأكثرين؛ لما لفت أحدا إليه. ولو قاله سواه ممن ~~ليس له هذه المميزات لعد ذا جنة أو أنه من الممخرقين. # على أن الشهرة لا تقي من العثرة، والإجادة في شيء ليست الإجادة في كل ~~شيء، والإصابة ليست دائما في جانب الإجماع، فالعدد ليس حجة قاطعة أو ~~هو ms269 وحده برهان القوة الوحشية فقط، والحقيقة ما كانت أدنى إلى ~~الواقع. ~~••• # الناس في مجموعهم مذهبان متناقضان؛ نظريون وحسيون. فالأولون، وهم ~~الأسبقون والأكثرون، بنوا آراءهم في الطبيعة على تخرصات وأوهام لقلة ~~تعرفهم لها في أول الأمر، وأوسعوا لعقلهم مجال النظر والاجتهاد، ~~فبنوا على هذه الشبهات تعاليم كان الفطير فيها أكثر من الخمير، ثم ~~ألفوها مع الزمان بالتربية والتوارث، حتى صارت لديهم في عداد الحقائق ~~المقررة. # والآخرون، وهم الأخيرون والأقلون، تعرفوا الطبيعة أكثر من أسلافهم، ~~فوجدوا المعلوم كافيا لأن يفسر المجهول، ورأوا أنهم بذلك خطوا خطى ~~صائبة في زمن قصير، الدقيقة منه أتت بأعمال نافعة ملموسة، قصرت عنها ~~تخبطات مخالفيهم في قرون، فاستمسكوا به، ولم يريدوا أن يحيدوا عنه ~~لغير سبب راجح. ~~••• # نظر الفلاسفة الطبيعيون إلى مواليد الطبيعة، الجماد والنبات ~~والحيوان، فوجدوا أن استقلالها ليس مطلقا كما ترمي إليه مذاهب أهل ~~النظر، بل نسبي فقط بالنظر إلى مقامها في سلم التحول والارتقاء، ~~فكما أنه ليس لها مواد مستقلة ليس لها كذلك قوى أو نفوس مستقلة. ~~وقد كان لها ذلك في اعتقاد سواهم قبلهم، بل كان لكل جسم، بل مادة جسم، ~~نفس خاصة قبل أن استأثر الإنسان وحده بالنفس. # ثم نظروا في علوم الأحياء على الإطلاق، فوجدوا أن بين الأعضاء ~~وأفعالها نسبة شديدة، فإذا علت الأعضاء علت الأفعال، وعل الحي ~~نفسه القائمة حياته بها وهلك. وإذا مات انحل إلى البسائط المؤلف كل ~~عضو منها، ولم يجدوا في كل ذلك أثرا لقوة خارجة عن قوى المادة ~~المشتركة. # ثم نظروا إلى الإنسان والحيوان فلم يجدوا الفارق الجوهري الذي يفرق ~~الواحد عن الآخر، لا في تركيب جسمه ولا في جوهر عقله، والفارق النسبي ~~بينهما ليس بأعظم منه بين الحيوان والنبات وهذا والجماد، بل بين أحط ~~فروع الإنسان وأرقاها. فالإنسان عاقل لأنه يعمل أعمالا مغياة، ~~والحيوان يعمل أعمالا مغياة أيضا، وليس من قوة في عقل الإنسان مهما ~~تعالت إلا موجودة في الحيوان بحالة أثرية، وما الفرق إلا نسبي لفرق في ~~التركيب. # ثم نظروا إلى عقل الإنسان نفسه، ms270 فوجدوه يتمشى على نفس النظام الذي ~~تتمشى عليه سائر الأحياء في النسبة التي بين الأعضاء والأفعال؛ أي إنه ~~فعل من أفعال الدماغ نفسه، وصار بذلك علم العقل فرعا من علم منافع ~~الأعضاء. ~~••• # ولما كان العقل والنفس واحدا في المعنى، كما كانوا يعتقدون في ~~القديم ويخلطون بينهما، كما تدل عليه لفظة البسيكولوجيا نفسها، التي هي ~~في الأصل معناها علم النفس، والتي تطلق اليوم على علم المعقول؛ صار من ~~الضروري أن ينتقل البحث في النفس من دائرة علوم الكلام التي كانت تجول ~~فيه لا ضابط ولا رابط، وتقيم البرهان إثر البرهان والدليل إثر الدليل ~~لتثبت أن النفس قوة غير ذات مادة تفعل في المادة، وأن يدخل في علم ~~منافع الأعضاء نفسها، وأن تعتبر النفس كالعقل فعلا من أفعال الدماغ ~~خاضعة لجميع المؤثرات التي تؤثر في مادته. # ولكن الرضا بهذا الحد يزيل عن النفس روحانيتها، وهي أوسع من أن تقع ~~تحت حصر في نظر أصحابها، وهم إذا رضوا بأن يتنازلوا عن امتياز العقل ~~الروحاني، فلا يرضون بهذا الدموج النفساني، فضحوا العقل في سبيل ~~النفس، ومالوا حينئذ، ولكن على نوع مبهم، إلى فصلها عنه، وحاولوا في ~~أول الأمر أن يثبتوا لها مركزا في الدماغ مستقلا، ولو مهما كان ~~صغيرا تجلس عليه كالملك على عرشه، تأمر وتنهى وتستبد بالجسم إذا شاءت، ~~وكأنهم لم يبق لهم اليوم مثل هذا المتكأ، فصارت النفس عندهم أوغل في ~~الإبهام، لا يعرفون أين تستقر، ولا من أين تدخل، ولا كيف تخرج، ولكنها ~~مع ذلك موجودة، والتعنت برهان أيضا. ~~••• # فالطبيعيون رأوا كل ذلك، فلم يروا أن يحيدوا عنه، رأوا أن لا شيء في ~~الطبيعة يتلاشى، وأن لا شيء فيها يحدث، فوقفوا عند هذا الحد، وقالوا أن ~~لا شيء معلوما يخرج إلى ما وراء الطبيعة؛ إذ يجيء من وراء هذه ~~الطبيعة. ولو شاءوا أن يبحثوا فيما وراء الطبيعة لتعذر عليهم أن ~~يفهموا استقلال هذه النفوس أو العقول أو الأرواح الذاتي، وهل هي محدودة ~~تحل في الأجسام ثم تفارق، ثم تعود إلى سواها؛ ms271 أم هي خصيصة تصنع لكل ~~مولود، ثم تعود لتخزن أو لتطرق وتصب ثانية؛ أم هي كالرديف محجوزة ~~للنجدة عند الحاجة إليها، وما نسبتها من حيث الاتصال والانفصال إلى ~~مكانها، سواء كان ضمن الطبيعة أو وراءها، وهذا «الماوراء» نفسه أو ~~«المافوق» ما هو، وكيف هو، وأين هو، ما دام الطبيعة نفسها مالئة ~~الفراغ كله. # ولما كان الدماغ عضو العقل كالرئتين للتنفس، والمعدة للهضم، والكبد ~~لإفراز الصفراء؛ كانت العلل التي تطرأ على الدماغ تؤثر في العقل ~~أيضا، وهذه العلل كثيرة منها ما هو كلي يلم بكل مراكز العقل، ~~ويحدث ما يسمى بالجنون المطبق، ومنها ما هو جزئي يقتصر على بعض ~~مراكز كالذاكرة مثلا، أو قوة الحكم أو التصور ... إلخ. فإما أن يلم بها ~~كلها أو بشيء منها، فيسمع الإنسان أصواتا غير موجودة، أو يرى أشباحا ~~غير حقيقية، أو يسمع هذا الصوت أو ذاك، أو يرى هذا الشبح ولا يرى ذاك، ~~أو، وأو ... إلى ما لا يقع تحت حصر مما لا يخفى اليوم على علم الطب في ~~جملته، وإن خفي عليه في كثير من ملابساته. # ولهذا قيل: «الجنون فنون.» وزد على ذلك أن درس أحوال الدماغ وسائر ~~الجهاز العصبي - لأن الدماغ ليس مستقلا في الجمجمة كما يتوهم لأول ~~وهلة، بل يمتد في أصوله المشتركة إلى أعماق الجسم، وكل ما يعرض في هذه ~~الأعماق يؤثر فيه - قد أبان لنا أمورا كثيرة هي في عداد الغرائب، من ~~مثل قراءة الأفكار، وسرد الوقائع الحاصلة والتأثر بها، ولو عن بعد ~~شاسع، والاستهواء الخارجي والداخلي أو الذاتي أيضا، إلى غير ذلك مما ~~لا يتسع المقام لاستيفائه هنا. وقد عللنا كل ذلك تعليلا طبيعيا في ~~مقال ضاف في جريدتنا الشفاء من نحو عشرين سنة وأكثر، وقد نقله عنه ~~المقتطف في مجلد سنة 1907، يشمل الكليات، ويرجع إليه في الجزئيات، بحيث ~~تبدو كل هذه الغرائب في حكم المحتمل مع بقائها في دائرة سائر أعمال ~~الإنسان الطبيعية، فيفسر الجلي منها بذلك، ويبحث عن الغامض حتى ~~ينجلي سره الطبيعي على هذا القياس بشرط ms272 أن نتأكد صحته؛ لأن الدجل يدخل ~~في كل شيء، والكذب كثيرا ما يلابس كل شيء. # فالآن وقد تقرر هذا التمهيد الضروري لفهم ما يترتب عليه في أمر ~~تصريحات ستيد وأمثالها، نقول إن ستيد الكاتب الشهير والمبرز في فن ~~التحبير متأثر تأثرا شديدا بتعاليم أصحاب المذاهب النظرية، والتي ~~تربيته الأولى وعلومه الأدبية وأشغاله الخصوصية إن لم تساعده على ~~تمكينها، فلم تعمل شيئا لتخفيف وطأتها عنه مع ما به من الاستعداد ~~الخاص. فقضية النفس والحياة الأخرى كما يظهر من كلامه همته جدا مع ~~الميل الشديد به إلى ترجيح الجانب الذي تحلو فيه للإنسان أمانيه، وما ~~فتئ طول حياته تحت سلطان هذا الهاجس مترددا فيه بين الشك المكروه ~~واليقين المحبوب، حتى أصيب من هذه الجهة بنوع من الهوس امتلكه وغلبه ~~على سائر قواه العقلية، ووقع به تحت سلطان الاستهواء الذاتي مع ~~استعداده لقبول الاستهواء الخارجي من هذه الجهة خصوصا. # فهو من هذا القبيل معد إعدادا خاصا طبيعيا لشدة الانفعال، ~~وذكاؤه دليل عليه، ومكيف له بسلطان فوق سلطان إرادته فزيولوجيا، ~~ومستهوى له من الخارج والداخل طبيا. وهذا لا يشين الرجل، ولا يمنع ~~كونه من النابغين في فنه، فلا يجزع، ولا يقم أنصاره للأخذ بخناقي؛ ~~فقد عرض لأناس مشهورين أكثر منه في التاريخ كقيصر ونابليون وجان دارك ~~- مضطهدة الأمس وقديسة اليوم - وسواهم أنهم كانوا يسمعون أصواتا ولا ~~مخاطب، أو يرون أشياء لا يراها سواهم. ولو أمكن للإنسان أن يتحقق ~~بصدق شهادة الآخرين مبهمات شعوره وواضحاته لبدا الأمر لكثيرين أكثر ~~مما هو معروف، ولكن إذا لم يخنك الصدق في هذه المسائل فكثيرا ما ~~يخونك كيفية النظر فيها، وما آفة الأخبار إلا رواتها. فستيد من هذه ~~الجهة أحوج إلى طبيب منا إلى مثل تصريحاته. # فرواية ستيد تنحصر في أمرين مهمين، أحدهما يتعلق به رأسا، كمسألة ~~الكتابة تحت سلطان إرادة صديقته المتوفاة وبإملائها. وهذا تعليله سهل ~~جدا بالاستهواء الذاتي، فكان يفعل ما يفعل من نفسه وهو يظن أنه ~~منقاد فيه لإرادة سواه. نعم هو مسخر فيه إذا صدقناه، ms273 وإنما هو ~~مسخر لإرادته المستهواة. # والآخر اتصل إليه بواسطة أصدقائه، وبالاعتماد على روايتهم. وأصدقاؤه ~~هؤلاء من جنسه بالاشتغال في هذا الموضوع، وقد يكونون أخص منه فيه؛ إذ ~~قد يكونون أعضاء من الجمعيات الخاصة المشتغلة بهذا النوع من العرافة ~~الشبيهة بالعلمية، وكلامهم يحتمل الصدق والكذب، فضلا عن أن المروي ~~عنهم إن لم يفسر طبيعيا أو بالصناعة، فهو مع ذلك من السخافات التي ~~لا طائل تحتها. فأصحاب هذه المباحث إما ممخرقون وخادعون أو مستهوون ~~ومخدوعون، ولا يصح أن يكونوا إلا واحدا من هذين الاثنين مهما علا ~~مقامهم. وفي العلم لا يجوز تضحية المبدأ إكراما لعالم أو علماء مهما ~~ارتفعت مكانتهم، كما أنه لا يجوز اليوم في عصر الدستور أن تضحى مصالح ~~الأمة لخاطر عظيم ولو رزح تحت أثقال النياشين، خلافا لمن لا تزال ~~تستهويهم هذه الأعراض في الأمرين حتى اليوم. فإن كان أصدقاؤه غير ~~مخلصين، فماذا يمنع أن يكونوا نقلوا له كل ما ذكره غير مخلصين ~~أيضا، إن كان ما ذكره مما هو بعيد الاحتمال كأمر الصورة نفسها؟ فليس ~~أسهل من نقلها من صورها الفوتوغرافية بالتحليل والتركيب حتى يبعدوا ~~سائر الأعراض، ولا تبقى إلا صورة الوجه فقط بزي جديد. # وأما ما بقي مما يحتمل الصدق والكذب، كأمر العلاقة الخاصة ورسائل ~~ابنه المتوفى، وكرؤية أحدهم لصديقته دون الباقين؛ ففي حال الكذب لا ~~حاجة إلى التعليل، وفي حال الصدق والإخلاص فكله محتمل على مبدأ قراءة ~~الأفكار، والعلم عن بعد، وتجسم الوهم بالاستهواء ... إلخ. وقد يكون هو ~~نفسه قد أباح بصورة العلامة الخاصة ولم يدر. # ثم إن هذه المعلومات نفسها التي أخبر بها ما قيمتها بالنظر إلى ~~المعلومات التي لا شك كان ينتظرها من أصحابه المتوفين، والتي كانوا هم ~~أنفسهم يعدونه بها. ولو كنت مكان ستيد لما رضيت من أصحابي المتوفين ~~ما داموا قادرين على مخاطبتي إلا أن يخاطبوني رأسا، وأن ينبئوني ~~بالإسهاب بكل ما تتوق إليه نفسي بالصراحة التامة، فيخبروني بمكانهم ~~وحالتهم وانطباقها على المعلوم في هذه الدنيا أم عدمه، وينصحوني فيما ~~يلزم وينهوني ms274 عما لا يلزم، لا أن ينبئوني بأمور مبهمة كالأحلام، ~~وبطرائق هي أقرب إلى صناعات المشعوذين من العلم. ولماذا لا يفعلون ~~ذلك، ويجعلون هكذا حياة أصدقائهم وأقاربهم، بل سائر إخوانهم في ~~الإنسانية، سعيدة في الدارين؟ ولعل ستيد نفسه المتحمس في هذا ~~السبيل، والمتطوع في هذا الجهاد العلمي من نوع غريب، والذي يشعر بنقص ~~كل هذه المخابرات المرغوبة يخبر الناس بعد عمر طويل بما لم يأتهم به ~~بشر من قبل، ويحل لهم هذه المشكلة العويصة، اللهم إلا إذا حظر الأمر ~~عليه هناك؛ لئلا تفسد على المحتكرين صناعاتهم هنا، وقد أعطيت لهم ~~امتيازاتها في عهد حكومة الاستبداد الأسمى. أما أنا فلا أظن أن ستيد مع ~~شدة رغبته يقدر على ذلك، لا لهذا السبب ولا لسواه من جنسه، بل لأنه ... ~~لا يقدر ... # هذا جوابي على السؤال الموجه إلي في الجريدة، وهو الأول والأخير، ~~وقد صدرته بمقدمة تمهد السبيل لتفهمه جيدا على أسلوب أقرب إلى ~~العلم منه إلى النظر؛ لأبعد عني المناقشات التي هي أقرب إلى الجدل، ~~خصوصا وأن الموضوع على الطريقة التي ينحوها أصحاب هذه المباحث تلذ ~~للمولعين بالغرائب، وبقراءة الأقاصيص التي هي أقرب إلى الخيال أكثر ~~جدا مما تلذ لسواهم ممن هم أرغب في المباحث الجافة، وأنا لا ~~أميل إلى تلك، وكأني أسمعك بعد كل هذا البيان تقول: «عنزة ولو ~~طارت.» # | المقالة الثالثة والخمسون # علموهم ولا تقسروهم # 1 # جاء في مقدمة بخنر: «ولا يتوهمن القارئ أن مرادنا بذلك قلب ~~الموضوع، وعكس المطبوع قهرا وظلما؛ أي استعمال القسوة لنفي الديانات ~~على حد استعمالها لتأييدها، كلا ثم كلا؛ وإنما القصد أن الحكومات لا ~~تكره الناس على الإيمان، ولا تخمد الأنفاس عن إبداء ما في الصدور، ~~بل تدع كلا وشأنه، وتتحاشى الضغط على العقول.» # ثم قرأت اليوم في الصحف عن الجالية الإيطالية في الإسكندرية أنها يوم ~~تذكار محررها غريبلدي، نصبت في أحد معاهدها العلمية أثرا نقشت عليه ~~الكلام الآتي: «إن العلم والأدب لا يدركان إلا بزوال العقائد ~~والأديان.» # وقلت في نفسي التطرف من طبع الإنسان؛ أولئك ms275 أقنعوك بحد السيف، ~~وهؤلاء يريدون أن يحظروا عليك أن تؤم معهدا للعلم وأنت لا تقول ~~قولهم. ومن يضمن لنا أن الذين يقولون هذا القول اليوم لا يعمدون إلى ~~نفس البرهان إذا توفر لهم الحول والصول؟ # على أن الدين والعلم بريئان من هذا التحمس؛ فالدين يدعونا إلى ~~الإيمان، ولكنه يقول لنا: # لا إكراه في ~~الدين ~~، والعلم لا يدعونا إلى الإلحاد، بل يكشف لنا ~~الحقائق. وإذا الدين قال: # قاتلوا في سبيل ~~الله ~~، فإنما يقول: # وقاتلوا في ~~سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن ~~الله لا يحب المعتدين ~~، وهذا من حقوق الدفاع ~~العمومية. فإذا جنى عليه دعاته، فأين فضل دعاة العلم إذا حذوا ~~حذوهم؟ وهل تدرك غاية العلم بذلك؟ # ولذلك لا أظن أن أحدا من كبار الملحدين يصوب هذا العمل؛ لأن هذا ~~الكلام، معلقا في مدرسة من مدارس الحكومة والأمة، مناف لحرية الفكر ~~التي هي غاية العلم، ولا سيما أن مجموع الأمة لا يقول كله هذا القول، ~~والحكومة ليست إلا ممثلة الأمة، حتى ولو كانت الأمة جميعها على هذا ~~المذهب لما جاز أيضا؛ لأن العلم الذي يعلمنا احترام حرية الفكر، ~~كيف يجوز له أن يعلمنا الإكراه في الإلحاد؟ وإذا أجاز العلم لنا أن ~~نفتكر، ونقول مثل هذا القول، وننشره في الكتب، ونعلمه للطلبة حتى في ~~المدارس مبينين لهم وجه الصواب فيه أو الخطأ في سواه، إلا أنه لا ~~يجيز لنا أن نجعله شعارا نعلقه على معهد عمومي للتعليم. ألا يرى ~~أصحابنا أن ذلك ضرب من التعصب مقلوب الموضوع. ولقد طالما شكونا ~~المضار التي لحقت بنا من تعصب دعاة الأديان ، ودعاة الحرية يريدون ~~أن يعلمونا بصنيعهم هذا التعصب للإلحاد، لا لعمري! إن ذلك لا يقبله ~~أشد الملحدين تعصبا، ولا يقول به منهم إلا المنقادون المقلدون لا ~~المفكرون بأنفسهم، ومثلهم مثل المنقادين في تعصبهم للدين. فالإلحاد ~~وإن كان نتيجة العلم أحيانا إلا أنه ليس غرضه، بل غرض العلم حل ~~العقل من قيوده ليصير حرا، يفتكر لا لغرض معلوم نشأ فيه وتربى ~~عليه، بل ليصير قادرا ms276 أن يحكم لنفسه بنفسه. # وإنا لنستغرب منهم ذلك ونحن اليوم في عصر نرى مرجل الأفكار فيه في ~~أشد غليانه، وكلها متجهة إلى غاية واحدة، وهي مقاومة التعصب في كل ~~مقاصده، لا في الأديان فقط، بل في الأوطان أيضا؛ لأن المصلحين ~~الحقيقيين ينظرون إلى العالم نظرا عاما، ويعتبرون الوطن أعم من أن ~~ينحصر في قوم، ويقف عند حد من الأرض؛ ولذلك تراهم في سائر الممالك ~~يسعون لتحقيق هذه الآمال مادين أيديهم إلى ما وراء حدودها، ~~متصافحين على ما بينها من اختلاف المنازع السياسية، كأنهم يريدون أن ~~يحققوا مقاصد كبار الوازعين من أهل الدين بجعلهم الدنيا وطنا واحدا، ~~وأهلها شعبا واحدا، وكيف يتم لهم ذلك إن لم يلتفوا كلهم حول كعبة ~~العلم الصحيح؟ إذ يتخذونه وسيلة لهدم آخر صرح شاده الجهل في العقل، ~~ألا وهو معقل التعصب. فالعلم لا يجوز أن يبني باليد الواحدة ما يهدمه ~~بالأخرى، وإن يفعل فلا يجوز أن يسمى علما. فليتوخ دعاة الإصلاح ~~هذه الغاية في معاهد التعليم؛ فذلك أدعى لاتساع المدارك، وإلا فهم ~~ناشطون بها من عقال للوقوع في آخر. # | المقالة الرابعة والخمسون # نفق أوليفر لودج: # 1 # وهي مقالة خرافية فكاهية # إذا عدت اكتشافات البشر وأعمالهم العظيمة في العصور من أول ~~الخليقة إلى اليوم، فلا ريب أن هذا النفق الذي أنبأنا عنه أوليفر لودج، ~~العالم الطبيعي الإنكليزي والرجل السياسي، أعظمها جميعها. # الإنكليز اشتهروا حتى اليوم بأعظم الاكتشافات العلمية الكبرى، فنيوتن ~~اكتشف الجاذبية العامة، وليل مذهب التعاقب الجيولوجي البطيء، ولستر ~~مذهب الجراثيم في الأمراض، وداروين مذهب النشوء والتحول. فلا غرو أن ~~يكون مكتشف هذا النفق اليوم أوليفر لودج الإنكليزي. # ونفق أوليفر لودج ليس سربا في الأرض يخرج منه إلى مكان في الأرض، بل ~~هو سرب بين الأرض والسماء يخرج منه أهل الأرض إلى السماء وأهل السماء ~~إلى الأرض. # هذا النفق الذي سيقلب العالم قلبا، ويجعل الأرض والسماء مشاعا بين ~~سكانهما - كقنال السويس بعد أقل من ستين سنة - لم ينته الحفر فيه، ولم ~~تتم به المواصلة حتى الآن، ولكنها ms277 صارت به على وشك التمام. # وهو وإن كان العمل فيه مشتركا بين سكان العالمين إلا أن الفضل في ~~حفر القسم الأعظم منه لسكان السماء أنفسهم، ومن البشر لفئة صغيرة من ~~عمال الإنكليز النشيطين كستيد ومن لف لفه. # والظاهر من قول أوليفر لودج أن الحاجز الباقي قائما في هذا النفق، ~~والفاصل بين العالمين، قد رق جدا حتى صار يسمع من خلاله صوت ضرب ~~المعاول من الجانبين، وربما صار أرق من دين الكافر. ودليله على رقة هذا ~~الحاجز هو سهولة التخاطب اليوم بين البشر في هذا العالم والأرواح في ~~العالم الآخر، وهو يقول إن هذا الحاجز سيسقط قريبا، وربما لا ينتهي ~~هذا القرن حتى تتم المواصلة الفعلية بين العالمين. # حينئذ يسهل على أبناء البشر معرفة المخبأ لهم، وعلى الأرواح إنباء ~~البشر بما ينتظرهم. ولا بد أن افتتاح هذا الطريق يتبعه تغير في نظام ~~الأرض والسماء، واختلاط بين سكانهما، فيتحقق في هذا العصر ما أنبئ به ~~منذ القديم من أن سكان الأرض سيصيرون بطبائع سكان السماء ملائكة، ويعم ~~ملكوت الله. فطوبى للذين يعيشون ويشهدون ذلك. # إنما يخشى أن السياسة تتداخل في الأمر، فتدعي دولة الإنكليز حق ~~السيادة على هذا النفق، وتضرب عليه رسم مرور، وتحصر الامتياز فيها؛ لأن ~~العاملين فيه من رجالها، ومهما يكن من الأمر فإنها لا تستطيع احتكار ~~هذا الامتياز إلا سنين معدودة، ثم يصبح المرور مشاعا للعموم، كما هو ~~مصير قنال السويس - قبل ستين سنة - ولو بدفع تعويضات لها يكون القول ~~الفصل فيه للاتفاق الدولي، لا لتحكماتها هي نفسها، اللهم إلا إذا بقيت ~~دولة الإنكليز أقوى الدول كافة، ولو مجتمعة تتحكم فيها كما تريد، وهذا ~~بعيد. # ويظهر من مباحث المنقبين في العاديات السماوية أن هذا النفق كما في ~~الميثولوجية كان موجودا في القديم - كما كان قنال السويس موجودا ~~أيضا على قول - ثم سد، أي النفق، لحصول اضطراب بين سكان العالمين ~~كاد البشر يفسدون فيه الملائكة كما في التوراة، فصونا للمصالح ~~السماوية وللفضائل الراقية سد هذا النفق، وقضي على الناس أن ms278 ~~يعانوا مشقة فتحه مرة ثانية؛ قصاصا لهم على شرورهم. # فعسى أن يتم لهم هذا الفتح اليوم فيعود الناس إلى معاشرة آلهتهم، ~~كما كانوا في عصور الميثولوجية، وعلى عهد التوراة أيضا، ولكن بالمعروف ~~ليستتب لهم الفتح نهائيا من دون أن يخشوا سدا في المستقبل، وكأن ~~البشر اليوم صاروا أصلح حالا، وأسهل تمازجا من ذي قبل، حتى لا يخشى ~~عليهم أن يقعوا فيما وقعوا فيه من الغضب عليهم في الماضي. # حينئذ يسطر التاريخ لهذا القرن أعظم عمل قام به البشر حتى اليوم في ~~هذا النفق، وينقش على بابه بأحرف من نور اسم أعظم مكتشف، ويسمى ~~«نفق أوليفر لودج»، ويصبح صاحبنا للأجيال الآتية رابع الثلاثة. # هكذا هكذا العلماء النفعيون # 2 # وإلا فلا، واعلم أن السخافات ليست كلها في الشرق. # | المقالة الخامسة والخمسون # المريخ أو معمل الحياة: # 1 # انتقادية فكاهية # علماء هذا العصر متصاعبون جدا لا يتساهلون في قضايا العلم، ~~فقلما يقبلون قولا لم يعززه البرهان، وبرهانهم ليس قضايا منطقية قد ~~تتناهى فتنقلب إلى غرابة وسفسطة، من مثل قولهم: لك أذن، بل أذنان، وأذن ~~وأذنان ثلاث، إذن لك ثلاث آذان. بل برهانهم برهان الامتحان، وهو برهان ~~الحس والعيان. ولئن كان الحس الظاهر نفسه يخدع ويقع في التوهم أحيانا ~~كثيرة، إلا أنه أقل انخداعا من المشاعر الباطنة وأسلم منها عواقب، ولا ~~سيما أن المشاعر الباطنة منقادة في أحكامها إلى ما تنقله لها الحواس ~~الظاهرة نفسها، خلافا لمن يرى لها الاستقلال. # ولذلك لما أعياهم سر التولد الطبيعي ولم يستطيعوا أن يؤيدوه ~~بالامتحان تلجلجوا، فوقف بعضهم كما وقف حمار «بوريدان» بين حزمتي ~~الحشيش، وانضم إلى طائفة اللاأدريين. وهي حكمة بالغة سل عنها ~~كثيرين من نواب أمة بني عثمان في المبعوثان، بل سل عنها الحكماء ~~النفعيين؛ أي أصحاب مذهب «الأوبرتونيسم» الذين هم في الاجتماع على رأي ~~القائل: «لا يترك الساق إلا ممسكا ساقا.» حكمة لولا أنها أبلغ من ~~حكمة أصحاب المبادئ لما صاغها شعر المولدين في قالب تتبرأ منه فصاحة ~~شعراء الجاهلية، وإن كان يعده البعض بليغا ولكن ms279 باعتبار أن البلاغة ~~تناسب بين الصيغة والمصوغ فقط، ألم يقل شاعرهم: # زعم المنجم والطبيب كلاهما # أن لا معاد فقلت ذاك إليكما # إن صح قولكما فلست بخاسر # أو صح قولي فالوبال عليكما # والعجيب الغريب أن آفة الفهم لم تأتنا في كل عصر إلا من علماء الفلك ~~وأطباء الأبدان، مع أنهم أقرب الناس إلى اختبار عجائب المخلوقات، وهم ~~كل يوم معها في شأن، كأن المثل «ما احتقرك إلا من خبرك، وما استصغرك ~~إلا من عرفك.» صحيح على سائر أحوال الإنسان؛ ولذلك لم يكن نبي بلا ~~كرامة إلا في وطنه. # وانقاد بعضهم في الأصول إلى علماء الكلام الأبعدين، الذين لولا هديهم ~~لما وقف الإنسان في ضلاله عند حد، ولكنهم خالفوهم في الفروع ليجمعوا ~~بين النقيضين، ويمسكوا الحبل من الطرفين، كما هو شأن الكثيرين في ~~الاجتماع، وكما فعل داروين نفسه في العلم. وبعضهم رأى التخلص بالهروب ~~ليدفع الحجة بنفس الحجة، على مبدأ معالجة المثل بالمثل. وهذا شأن ~~السير وليم طمسون، المعروف باللورد كلفن أيضا، وهو من كبار الفلاسفة ~~الطبيعيين والرياضيين. فزعم أن جراثيم الأحياء لم تتولد في الأرض، ~~وإنما أتتنا من بعض الأجرام محمولة على بعض النيازك. وكأن لسان حاله ~~يقول للذين يشكون ويستغربون نحن في الغرابة سواء، والذي لا يصدق ~~فليذهب يحقق. # وأما الذين وقفوا على أرضهم، كالبلايا رءوسها في الولايا، لا يتحولون ~~عنها ولا يثبتون، وهم مع ذلك يكابرون ويتفلسفون، كهكسلي وهكل وبخنر ~~ومن تعلق بزمكاهم، فلا شك أنهم من طينة القذى الذي رسب في قارورة ~~الخلق بعد توزيع النفوس - وما من قاعدة إلا ولها شواذ - فأنكروا على ~~سواهم ما هم خالون منه بحكم الضرورة، وبنوا على الأقلية الشاذة حكما ~~أطلقوه على الجميع. # والظاهر أن العلم لا تهوله صعوبة، ولا تصرفه غرابة، فالإنسان الذي لم ~~تسعه الأرض على سعتها وصغره ما زال من أول خلقه يتطاول إلى الأفلاك، ~~كأنه شاعر أن أصله من العلا، لعله يصنع له أجنحة يطير بها إليها، أو ~~مراكب يركب بها الهواء، كما يركب الماء، فيسافر عليها، وينتقل ms280 بين ~~الأجرام كما ينتقل في القارات والمدن، ولكن ما كل مستطاب هين، «ولا بد ~~دون الشهد من إبر النحل»، وحلاوة استرداد الصحة تنغصها مرارة تجرع ~~الدواء. فما كاد يتحقق له حلم السفر في الفضاء، ويتعرض للغرق في ~~أوقيانوس الهواء، كما هو يغرق اليوم في محيط الماء، حتى بدت له صعوبات ~~الحدود كأنها سد الإسكندر، إن وصل إليه فلا يستطيع أن يتعداه، فالهواء ~~لا يتجاوز حدا محدودا، وهو لا يعيش بلا هواء، وإن عرف كيف يذخره ~~لحاجته، فأي هواء يركب غير هذا الهواء لقطع المسافات، ومقاومة الثقل ~~الذي يجذبه إلى الوراء، إلى أن يقع في جو يدفعه ناموس جذبه إلى ~~الأمام أو إلى العلاء؟ # ولكن الأمل زاد الإنسان في دنياه، ولولاه لأحجم عن كل عمل فيه مشقة، ~~وقد علمته مكتشفات العلم ومخترعات الصناعة ألا يجزم بممتنع ولا ~~يستسلم لمستحيل، فأخذ يبحث ليعلم أي الأجرام يقصد أولا، فوجد المريخ ~~أقربها منالا، ووجده كذلك أشبهها بطبيعة أرضه، فوجد فيه المياه ~~والثلوج، والليالي والأيام، والسنين والفصول، والمروج الخضراء، ولكنه ~~لم يتأكد فيه وجود الإنسان، حتى ولا الحيوان البري، وكأنه سر من ~~ذلك؛ لأنه يسهل عليه الفتح والاستيطان، فيخلو له الجو، ويستعمر جرما ~~كبيرا لا ينازعه فيه منازع، وأول ما افتكر حينئذ أن يؤلف الشركات ~~لاستثمار تلك المجاهل الشاسعة وللمضاربة بها. # غير أنه عاد إلى البحث، فبدت له أمور كادت توقعه في القنوط؛ رأى ~~الهواء رقيقا جدا لا تكاد تعيش فيه إلا الأحياء التي تعيش بلا هواء، ~~ووجد الثلوج كثيرة جدا تجعل البرد هناك زمهريرا، ووجد الليالي ~~والأيام أطول منها في الأرض، والفصول والسنين ضعفي السنين والفصول ~~فيها طولا، ووجد المياه كثيرة جدا تكاد تعم سطح الجرم، وهي قليلة ~~الغور كأنها مستنقعات نهر الغنج، لا تعيش فيها إلا النباتات المائية ~~كأنها طحالب هائلة، وإذا كان فيها حيوان فهو من أنواع الحيوانات ~~المائية الهائلة أيضا. ورأى كذلك أن الأجسام تبدو هناك خفيفة جدا ~~لضعف ناموس الثقل، فيخشى عليه إذا تمكن من الوصول إلى هذا الجرم ~~واستيطانه، ms281 ولم يغرق في الماء، ولم يفطس من قلة الهواء؛ أن يصبح في جوه ~~كالدمى الراقصة على مراسح التمثيل الصامت. # 2 # ولكن العلم أوسع في أغراضه من أن تتولاه السآمة من غرض لم ينله، ~~فانتبه إلى قول اللورد كلفين في مصدر الحياة، وقال من يدري فلعل اللورد ~~مصيب في دعواه، فيكون المريخ معمل الحياة الأولى، ومهبط الجراثيم التي ~~تولد منها الحياة والإنسان إلى هذه الأرض لكثرة مياهه ومستنقعاته، ~~والماء أصل الحياة كما هو مقرر في العلم، وكما تؤيده الآية أيضا # وجعلنا من الماء كل شيء ~~حي ~~، ولكنه تبقى لدينا صعوبة نقل الجراثيم من هناك إلى ~~أرضنا، بحيث تقاوم في مسيرها حرارة الغليان وبرد الزمهرير، ولعل العلم ~~يكشف لنا في المستقبل إمكان بقاء الحياة في مثل هذه الشرائط المانعة، ~~كما تحفظ حياة ضيوف «بلوتون» في نار جهنمه ذات السعير. # 3 # | المقالة السادسة والخمسون # العالم بعد 60 سنة # 1 ~~(أو «امتياز قناة السويس وحقوق مصر») # إن الناظر إلى مصالح الأمم والباحث في حقوق الأوطان لا يسلم حكمه من ~~الخطل إلا إذا نظر إلى ذلك من خلال البحث في طبائع العمران ليقف على ~~نواميسه في سيره البعيد، وعلى تقلباته في أطواره المختلفة. والباحث ~~في ذلك لا يسعه إلا الإقرار بأن حركة العمران الارتقائية اليوم أسرع ~~جدا منها في الماضي. # فقد كانت هذه الحركة في الماضي بطيئة للغاية، تمر على العمران آلاف ~~السنين وهو واقف لا يتغير، سواء كان في علومه أو صناعاته أو شرائعه، ~~يتقلب فيها على غير هدى، ويعود فيها من حيث أتى. # فكانت علوم اليونان وفلسفتهم وشرائعهم وسائر نظاماتهم حتى أوائل ~~القرن الماضي موضوع بحث الأجيال التابعة، يستقون منها ويتخبطون فيها ~~ويتناقلونها لينسجوا على منوالها، كأنها الغاية في الكمال والنهاية في ~~الحسن، حتى رسخ في الأذهان أن غاية الإنسان من ارتقائه في العمران هو ~~الوقوف عند فهم فلسفة أرسطو، وطب أبقراط، وكيمياء هرمس، وعلوم أرخميدس، ~~وتطبيق شرائعه على شرائع تلك العصور المتحيرة في ظلمات الجهل، ~~والموسومة على تباينها بميسم الأثرة والاستبداد. # وكانت ms282 الصناعات بسيطة جدا، وقائمة على استخدام قوى الحيوان والقوى ~~الطبيعية الأخرى البسيطة، كهبوب الرياح ومجاري المياه والجاذبية ~~العامة، فكان الناس ينتقلون من بلد إلى بلد ومن قطر إلى قطر على ~~الجمال والخيل والعجلات في البر، والمراكب الشراعية في البحر. ولا ~~يخفى كم كان يقتضي لذلك من المشقات والزمن؛ مما كان يجعل المسافات ~~بين الأقطار متباعدة جدا، والمصالح العامة بين الأمم متباينة ~~كذلك. # وكانت الشرائع بناء على هذا الفصل، والتقاطع بين الأفراد والجموع، ~~وبين البلدان والأقطار بسبب هذا التباعد؛ أميل إلى تأييد المصالح ~~الخاصة المنفردة منها إلى تأييد المصالح العامة المشتركة، فكانت ~~حقوقا ممتازة ينظر فيها إلى مصلحة البعض لا إلى مصلحة الجمهور، وإلى ~~مصلحة كل بلد لا إلى مصلحة العالم. وكانت أكثر الآثار القديمة لخدمة ~~أغراض خاصة لا آثارا ذات شأن في المنافع العمومية، فكانت قصور ملوك ~~كالخورنق والسدير، ومقابر ملوك كالأهرام، ومعابد آلهة كبعلبك، بل صار ~~الملك حقا خاصا يجيز لصاحبه أن يصد به النفع العام. وكما قامت ~~حقوق الأفراد على هذا الأساس الواهي قامت حقوق البلدان والأوطان، ~~وضحوا بذلك المنافع العمومية على مذبح المصالح الخصوصية. # وما زال الإنسان في المجتمع العمراني على هذه الحال، شرائعه لا تتغير ~~لجهله، ومواصلاته لا تختلف، ومصالحه لا تأتلف لبعد المسافات بين ~~البلدان حتى أوائل القرن الماضي، فارتقت حينئذ علومه الطبيعية، واكتشف ~~البخار أولا ثم الكهربائية، ووقف على الرابطة التي تربط قوى الطبيعة ~~بعضها ببعض، فركب البخار، وامتطى البرق، وأنطق الجماد؛ فتقاربت ~~المسافات بين الأقطار المتباعدة، وارتقت صناعاته جدا. والذي شهدناه ~~من ذلك في النصف الأخير من القرن الماضي وفي العقد الأول من هذا القرن ~~لم يذكر له مثيل في مئات الأجيال بل ألوفها، حتى إن الإضاءة التي بقيت ~~آلافا من السنين لم تتغير، السراج الذي كان مستعملا على عهد ~~الفراعنة هو نفس السراج الذي كان مستعملا بيننا من عهد أربعين سنة. ~~أصبحت في هذه الآونة الأخيرة وأمرها كل يوم في شأن من التفنن والإبداع. ~~وقس على ذلك سائر الصناعات، وسائر وسائل الانتقال ms283 بين البلدان ~~بالبخار والكهرباء في البر والبحر، وفي الهواء أيضا. # وكما أنه حصل هذا الارتقاء في العلوم والمخترعات والصناعات حصل ~~أيضا في الأفكار، فتغير نظر الإنسان في الشرائع والحقوق والواجبات، ~~فعلم عن يقين أن حقوق الأفراد لا يجوز أن تبتلع في جوفها حقوق ~~الجموع، وأن المنافع العمومية مقدمة على المنافع الخصوصية، وأن ~~الشرائع التي لا يتوفر معها كل ذلك يجب أن تمزق تمزيقا. فضعفت سطوة ~~الملوك، وما عهدنا بقيام الشعب في وجه تبجح بعض العوائل ببعيد. وعلم ~~أن حقوق الأمم هي فوق حقوق كل فرد مهما تعاظم، وحقوق العالم أجمع فوق ~~حقوق كل مملكة، بل علم أيضا أن المصالح المختلطة اليوم يجب أن تجعل ~~وطن الإنسان العالم كله، لا بقعة في الأرض نشأ فيها ودب عليها، وأن ~~لا شريعة يجوز لها أن تحظر عليه هذا الحق الطبيعي المقرر بالعلم ~~والمصلحة اليوم، بل علم الإنسان من كل ذلك أن الشرائع السائدة حتى ~~اليوم موسومة بمسيم الحيف، وأنه يجوز له الانتقاض عليها دفعا لشرها ~~وتعميما لنفعها. # وقد بدت في الاجتماع البشري الراقي حركة هي كل يوم في شدة لنقض ~~القديم وتأييد الحديث. والاشتراكية التي تنتفض لذكرها أعصاب الكثيرين ~~اليوم لأنهم لا يفهمونها على حقيقتها، ليست إلا تمخض الاجتماع بهذه ~~المبادئ الحديثة لإقامتها على أطلال القديم الذي لا بد من نقضه عاجلا ~~أو آجلا، ولكنه أجل بالنسبة إلى نظام الاجتماع قريب. ولا يدري مبلغ ~~سرعة هذه الحركة الانتقاضية الارتقائية إلا من تروى قليلا في مبلغ ~~العلوم والصنائع في ارتقائها السريع في هذا العهد الأخير. وسنن الطبيعة ~~في الاجتماع واحدة، فهي في سرعتها دائما بالقلب كمربع البعد ، بحيث إن ~~الذي كان يلزم له مئات السنين بل ألوفها لأن يتغير في الماضي صار في ~~الإمكان اليوم أن يتغير في بضع سنين. # وما حملني على هذا البيان الموجز إلا ما رأيته من الحركة الانتقاضية ~~الشديدة ضد مشروع تمديد قناة السويس مقابل مبلغ تتقاضاه مصر وتنتفع به ~~قبل انقضاء أجل الامتياز المضروب؛ أي قبل ستين سنة لا ms284 تنتفع مصر فيها ~~بشيء. وعجبت جدا لما رأيت أن أكثر الباحثين في الموضوع وقفوا فيه ~~كأنهم في الماضي لا ينظرون إلى ما نحن فيه من الحركة الارتقائية ~~الشديدة، غير حاسبين أدنى حساب لما سينجم عنها من التغيرات الاجتماعية ~~المهمة في المستقبل القريب. وفي نظرنا أن الستين سنة اليوم هي بمقام ~~ستة آلاف، بل ستين ألف سنة من سني الماضي، ستصبح فيها المواطن بالنسبة ~~إلى العالم كالمدن بالنسبة إلى الوطن الواحد، وتغير حقوق المرور ~~بالنظر إلى ذلك. # فعسى الذين يهمهم أمر مصر ألا يذهب عليهم ذلك لئلا يضيعوا برفضهم ~~حقا راهنا محافظة على حق موهوم؛ لأن قناة السويس صارت اليوم ~~للعالم أجمع من المنافع العمومية التي سوف لا يقرها المستقبل القريب ~~أنها من حقوق مصر أكثر مما هي من حقوق الصين أو أمريكا. فعلى الجمعية ~~العمومية إن أحسنت رأيا النظر اليوم، لا في قبول هذا العرض أو رفضه، ~~بل في تعديله، وخصوصا في كيفية صرفه في منافع مصر، فذكر علها تنفع الذكرى. # 2 # | المقالة السابعة والخمسون # إلى جريدة «الوطن» في بيروت # 1 # أيها الوطن العزيز # افتقدتك هذه المرة، فحسبتك وهمت بي أني أقول باللاوطنية فحنقت ~~علي، فأردت أن تختبرني فاحتجبت عني، فقمت أبحث عنك، وقد قيل لي إنك ~~في شاغل عني بي في التفسير والتأويل في أمر لا يحتاج إلى تفسير، حتى ~~عثرت عليك أمس، فإذا أنت مضطر، وقرأت لك شرحا يزري ب «عرف ~~الطيب»، فزاد إعجابي بك، ووددت لو أني المتنبي لتكون أنت اليازجي، ~~فلا أعدم حينئذ خير شارح لقولي: # لا يصلح الإنسان مجتمعا # ما دام فيه الدين والوطن # كما لم يعدم المتنبي خير شارح لقوله: # فلو سرنا وفي تشرين خمس # رأوني قبل أن يروا السماكا # وعذرتك، ولم أعذل الدافع أو الدافعين لك إلى تسنم هذا المركب، وقد ~~رأيت ذلك «الموكب» على باب «الاتحاد»، # 2 # بل كان لهم فضل الكير ولك فضل النار لإزالة الصدأ عن حديد ~~الأفكار الراكدة في مستنقع الاقتناع. # مسألة الدين والوطن مبحث وعر المسالك، ومجرد ذكر ms285 اسمهما يقلق ~~الأفكار المطمئنة، ولو أنها بحالة اجتماعية لا تحمد ولا توجب ~~الاطمئنان، حتى إنه لتسد لديهما منافذ العقل، ولا تبقى سوى عواصف ~~العواطف، مع أن المسألة بسيطة جدا ككل الحقائق؛ فالدين للآخرة، ~~والوطن للدنيا، والذي يهم الإنسان منهما في هذه الدار هو إصلاح حاله ~~مجتمعا. ولا ينكر أن غرض الشارعين، كل بحسب روح عصره، كان هذا، ولا ~~ينكر كذلك أنهم جاءوا من أول الخليقة إلى اليوم متعاقبين لأجل هذا ~~الغرض، وقد رأوا تعذره على من تقدمهم، أو اختلاف الحاجات بحسب ~~المواطن والعصور. جاءوا متفقين في الكليات مختلفين في المرغبات ~~والجزئيات، ولكنهم جميعهم لم يفلحوا بجعل العالم دينا واحدا ووطنا ~~واحدا، فقامت الاختلافات بين الأديان والمذاهب والمواطن عراقيل في ~~سبيل ارتقاء المجتمع. فرأى العلم أن لا سبيل إلى ذلك إلا بفصل الدين عن ~~الدنيا أولا، فأخذ يبث تعاليمه الصادقة الحرة، والناس يدخلون فيها ~~أفواجا، وكلما زادت بينهم انتشارا زادت حالهم في مجتمعهم صلاحا، ثم ~~رأوا أن العلم كلما انتشر قلل الفواصل بين الأوطان، وذكروا ما كان ~~تخاصمهم بسبب ذلك يجر عليهم من الشقاء. # ورأوا مزايا التعاون الكلي فمالوا إليه، ورأوا أنهم كلما مالوا إليه ~~قل شقاؤهم، وكادوا يكونون سعداء. ورأوا كذلك أن الاتفاق ممكن وليس ~~حلما، فلم يعد يستهوي العقلاء تعليم آخر في مجتمعهم سوى تعليم ~~العلم الذي اعتبروه أنه الدين الحق الذي يستطيع إتيان هذه المعجزة التي ~~عجز عنها سواه، وأرصدوا كل قواهم له، وعلقوا كل آمالهم به، وتركوا ~~للدين الغاية الأخروية يتعلق بها من شاء، على شرط ألا يتذرع بها ~~لمعاكسة سواه في دنياه، كل يبث تعاليمه كما يتراءى له، وإلا ~~اشتد التنازع بينهما على نفقة المجتمع المسكين إلى أن تتم الغلبة ~~لأحدهما، ولكن كلما اشتد التنازع دان حلول أجل وقرب حلول أجل، والغلبة ~~النهائية اليوم للعلم لا محالة. # وبالحقيقة إذا نظرنا إلى الدين والوطن نظرا اجتماعيا، فإن لم ~~نستطع أن نجعلهما وسيلة لترقية المجتمع - وكيف يمكن ذلك مع اختلاف ~~الأديان وتفرق المذاهب، وهو لا يرتقي إلا بالتعاون؟ ms286 - فما الحكمة من ~~الوقوف بهما سدا في سبيل كل إصلاح؟ فإذا لم نفصل الدين عن الدنيا، ~~واتخذناه كما هو اليوم وسيلة للشقاق، ولم تتوسع بالأوطان فصددنا بها ~~عنا غوث المدنية بسدود التعصب، ولم نقتبس من محاسنها ما يجعلنا شركاء ~~في العمران، متضامنين متساوين في المساعي، واستمسكنا بما يجعلنا ~~أعداء متخاذلين، ونحن لا نستطيع أن نكون إلا متفاضلين، فماذا تكون ~~النتيجة على المفضولين سوى خسارة الدين والدنيا معا؟ ولا يفعل ذلك ~~الأتقياء العقلاء من أهل الأديان، والمخلصون في حب الوطن، ولا يفعله ~~- وهم العدد الأكثر - إلا الجهلاء منهم، ولا سيما المنافقون ~~المتاجرون بهما، الذين إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن ~~مستهزئون. # هؤلاء هم الذين في كل أمة وزمان يتذرعون بعامل الدين والوطن، ويسطون ~~بهما على الأغرار، ويلصقون بهما العار فيهدمون المجتمع ويهدمون الوطن، ~~ويهدمون الدين نفسه ليبنوا على أطلالها عروشهم إلى حين. وكم قامت أمة ~~على أمة، ومملكة على مملكة، ومذهب على مذهب، لعلة دينية أو وطنية ~~طفيفة كان يمكن حلها لمصلحة الاجتماع على أسهل سبب، مع بقاء الدين ~~دينا والوطن وطنا. وماذا يمنع اعتبار العالم كله وطن الإنسان الأكبر ~~من اشتغال هذا الإنسان لوطنه الأصغر؟ ألا يشتغل الإنسان اليوم لوطنه ~~وهو يشتغل لنفسه معتصما في بيته؟ نعم، إنه يشتغل لنفسه حينئذ أحسن، ~~ويكون ارتقاؤه أسهل كذلك. # وقد كان الناس في الماضي لا يدركون ذلك، فكانوا لأقل سبب يخدم ~~أفرادا منهم ولا يخدمهم يمثلون بأنفسهم وبوطنهم وبالمجتمع كله، ولكن ~~الإنسان كلما ارتقى في العلم علم مزايا الارتقاء بالسلم أكثر، والأمم ~~الراقية اليوم أميل إلى التنازع العلمي والمباراة بإتقان العمل، ولو ~~أبرقت وأرعدت منها إلى التنازع بالحروب حتى غلب بفضل العلم على المجتمع ~~اليوم الارتقاء بالنشوء التحولي على الانتقال بالثورات الهمجية. # هذا من الجهة الاجتماعية، ولقد أجدت أنت الكلام فيها. وأما من الجهة ~~العلمية البحتة، فلا أعلم السبب الذي يثير الضغائن والأحقاد إذا تراءى ~~للبعض أن الأديان متحولة عن الأوهام في الماضي، وأبدى رأيه في ذلك ~~بصراحة حتى يقوم ms287 عليه الناقمون ويصدعونه بالكثرة، ويحجونه بالقوة. ~~وماذا يضر ذلك باعتقادهم الخاص والمقام حينئذ يكون أفسح لهم؟ يدعون ~~بعضهم بعضا إلى المزاحمة هناك على كنز دائم، وهم هنا لا يطيقون ~~المزاحمة على كنز فان. # فيا للعجب من هذه المفارقات، استئثاريون إلى حد الجشع هنا، ~~واشتراكيون بل إباحيون هناك! فليستبدوا بأموال الأمم، وليشيدوا بها ~~المعاهد على ما يهوون لترسيخ تعاليمهم في الأفكار، وليستدروا بها ~~المزيد، وليلوذوا إليها، وليقصدوها لقضاء مآربهم، وليحرموا المجتمع من ~~كل ما هو باحتياج شديد إليه، بشرط أن يعلموه مع ذلك التساهل؛ حتى ~~يستطيع سواهم أن يرفع صوته أيضا، ويبدي رأيه بدون أن يكون عرضة ~~للمثالب والتضييق؛ حتى يعدم الصدق بين الناس ملاذا، وينتشر الرياء، ~~وتصير الحكمة مداجاة ونفاقا. وما أعجب مما تقدم إلا خوف الراقين ~~منهم على الأخلاق والآداب إذا تراخت المبادئ الدينية، فلقد ربينا ~~حتى اليوم في مهدهم، واغتذينا بلبانهم كل هذه العصور الطويلة، فهل نحن ~~اليوم ونكاد نبصر قليلا أسوأ حالا منا في الماضي؟ كلا، نحن اليوم ~~أصلح حالا، ومن المسئول عن البقية الباقية الفاسدة الكثيرة فينا ~~سواهم؟ # | المقالة الثامنة والخمسون # ساعة في الماضي # 1 # مللت الخروج ولو إلى الحق، وغلبتني عوامل الرجعة ولو أنها ردة إلى ~~الباطل، فرأيت الناس يفخرون بأجدادهم ولو أنهم بهم بئس الأحفاد، ~~فتولتني السآمة من حقارة النسب، ولو زانها كرم الحسب، فقمت أبحث في ~~كتب الحكماء لعلي أهتدي إلى شرف عظامي أضمه إلى فخر عصامي، فوجدت ~~أني من سلالة الآلهة يوم فتنوا بأخلاط الناس فلذت بأجدادي، وزهوت بهم ~~على كل مخلوق وضيع من أبي البشر إلى الذي أبى وتكبر، وكان مقره ~~بهم النار وبئس المستقر، وعلمت أن الطب ليس من موضوعات الناس كسائر ~~صناعاتهم، بل هو صناعة سكان الأولمب، وأن أهله هنا من أهله هناك تربطهم ~~فوق صلة العلم صلة الدم لفهم أحق بتفهم الداء ووصف الدواء، لا ~~كالدعي الذي يندس بينهم، ثم يرميك بدائه وينسل. # فعلمت أن هرمس رب البلاغة والبيان الذي تخرج من فمه سلاسل الحكمة، ~~فتقيد اللسان وتعصمه ms288 عن مواقف الخطل ومواطن الزلل؛ أشفق على البشر، ~~فنقل إليهم من صناعة الآلهة على ما رواه القديس أكليمنضوس الإسكندري ~~كتبا ستة في التشريح، ومنافع الأعضاء، والطب، والجراحة، وأمراض ~~العين، وطبابة النساء، ضمنها كنوز اختباره واختبار إخوانه الأطباء في ~~السماء؛ إذ إن كثيرين من الآلهة كانوا يحترفون هذه الصناعة الشريفة، ~~وأشهرهم فيها بلا منازع الجراح الشهير الإله «بيون»، وقد داوى كثيرين ~~من الآلهة المشاغبين، فشفاهم من جروحهم التي كانت تعرض لهم في خصامهم ~~بعضهم مع بعض، ومع البشر أنفسهم، وقد ضم إلى عيادته الإلاهة «ديونه» ~~الجميلة، فكانت تساعده في تضميد الجروح. # فالآلهة وإن كانوا معصومين من الموت إلا أنهم لم يكونوا في عصمة من ~~المرض، بل كانوا يتألمون في حياتهم الخالدة كسائر الناس، ويقصدون ~~الطبيب متسكعين ملتمسين الشفاء منه نظيرهم، والأمثلة على ذلك كثيرة، ~~فإن «فولكان» بن «جوبيتر» من «يونون» ولد شنيعا جدا، فلما أبصرته ~~أمه راعها ما في صورته الجاحظية من القبح، فرمت به من عالي كرسي مخاضها ~~إلى بحر الظلمات (البحر المتوسط اليوم)، فتهشم، وبقي أعرج أكسح طول ~~حياته. # و«هرقل» قصد أن يزور «أتروبوس» إحدى غزالات خيط الحياة في الجحيم، ~~وكانت من غزالات حبال الهوى أيضا، فاعترضه «بلوتون» في الباب، فطعنه ~~هرقل طعنة نجلاء أدمت كتفه اليسرى حتى أخلى له السبيل، فداواه «بيون» ~~ببلسمه العجيب، وشفاه في الحال، ثم انتقم بعد ذلك من «هرقل»، فطعنه ~~برمحه طعنة لولا صناعة «إسكولاب» لما نجا بها من العرج. # وفي الحرب التي نشبت بين الإغريق والترواديين زج «مارس» إله الحرب ~~نفسه بينهم، فرماه «ذيوميد» بضربة مقلاع محكمة أصابت بطنه، فأخذ يصرخ ~~من الألم كمائة ألف رجل معا، حتى ملأ صراخه الفضاء، ثم هرع وألقى ~~بنفسه بين يدي الجراح الشهير «بيون»، فداواه بمساعدة الفتاة الجميلة ~~«هيبة»، وشفاه. # ولم تكن الإلاهات أنفسهن أقل تحمسا من الآلهة أنفسهم، فكن يخضن ~~معامع الحروب نظيرهم، و«فنوس» ذات الجمال الباهر لم يشفع جمالها بها ~~لدى «ذيوميد» القاسي، فطعنها طعنة شلت يدها، فأدركتها «ديونه» ذات ~~الحنان، والمتطوعة في جمعية الصليب ms289 الأحمر الأولمبي، وضمدت جراحها ~~وشفتها. و«يونون» ذات الكيد الذي يضرب به المثل، وأم النساء بذلك، ~~خانها الهوى، فاستقبلت في ثديها الأيمن سهام قوس «هرقل»، فداواها رئيس ~~الجراحين «بيون»، وشفاها. # ولم يكونوا يداوون العلل الجراحية فقط في المستشفى الأولمبي، بل ~~كانوا يداوون الأمراض الباطنية أيضا، وأخص الأمراض التي كانوا ~~يداوونها الأمراض العصبية، خصوصا أمراض العقل. وقد كان «باكوس» إله ~~الكرمة، وسيد المصابين بهذيان السكارى، من أعاظم مشاهير المجانين، وقد ~~عرض له وهو في «دلفوس» نوبة جنون، فتهيأ له أن يبلع المسافات بلعا، ~~فأخذ يطوف في العالم وهو يعدو عدوا سريعا، فالتقى باثنتين من أخواته ~~فأمسكتاه، وكأنه وقع بهما في شرك النخاسين، ولكن «جوبيتر» أبا الآلهة ~~الشفوق رأف به، وأعاد له العضو المفقود وشفاه. # وهرقل سيد المشاغبين جن لكثرة ما قاسى من المشقات في وقائعه ~~الكثيرة، وفي نوبة من نوب جنونه المطبق ألقى بأولاده من وصيفته ~~«مغار» في النار، ولكن جنونه لم يطل به، بل انقلب إلى نوب صرع، وقد ~~شفاه من إحداهن مرة المدعو «أنتيسير»؛ إذ سقاه مقادير كبيرة من الخربق ~~الأسود، ولكن نوب الصرع عاودته بعد ذلك، ولم يشف منها تماما إلا ~~بعد أن أكل مخ الطير المعروف بالسماني بناء على إشارة صديقه «يولاس»، ~~أول واضع لطريقة علاج الأعضاء بالأعضاء المماثلة المعروفة ب ~~«الأوبوثرابية» اليوم. # و«سرس» إلاهة الحصاد كان بها وسواس سوداوي شديد، فكانت تجلس دائما ~~إلى حجر مقطبة الوجه، وبينا هي على هذه الحالة من اليأس التقت بها ~~عجوز تدعى «بوبو»، فوقفت ترقص أمامها رقصا جمع إلى براعة الإفرنجيات ~~خلاعة المصريات، حتى أضحكتها، وأزالت ما بها من العبوسة. # ولما كان الناس غير معصومين من الموت عصمة الآلهة أنفسهم، كانوا ~~بحاجة إلى التداوي أكثر منهم، وكان منهم أطباء كثيرون، وكانوا يشترون ~~الأدوية من هيكل الحمى كما يشترونها اليوم من الصيدليات. و«أونون» ~~وصيفة «أبولون» تعلمت من عشيقها خواص المفردات، ووضعت أساس علم ~~العقاقير النباتية، ولكن الناس رأوا أن علمهم هذا لا يكفي لأن يدفع ~~المرض والموت عنهم، فلاذوا، كما لا يزالون ms290 يفعلون اليوم، بقوى ما فوق ~~الطبيعة، يستنجدون الآلهة في أمراضهم. وكانوا يضعون كل عضو من أعضائهم، ~~وكل وظيفة من وظائف جسمهم، تحت سلطان إله خاص؛ فقد كان عندهم إلاهة ~~للعظم تدعى «أوسيلاغو»، يلتجئون إليها في الكسور والخلوع والصدوع، ~~وإله لصيانة عفة العذارى اسمه «هيمن»، وإلاهة لعلل النساء تدعى ~~«منة»، وإله كثير الطرب بالموسيقى اسمه «كربيتوس» لمداواة القراقر ~~والرياح الباطنية! # وكان لهم أطباء مشاهير مثل «بابيس» الذي درس الطب حبا بأبيه ليطيل ~~حياته، و«كوسيت» تلميذ السنطور (وهو الخليط بين الفرس والإنسان) ~~«شيرون»، والذي يرجع له الفضل في رد الحياة إلى «أدونيس» الجميل عشيق ~~«فنوس»، وقد جرحه «مارس» غيرة منه، وقد ظهر له بصورة خنزير بري في ~~غابات لبنان، و«بودالير» الذي ابنه هيباكون الجد الثاني للجد الثالث ~~لبقراط. # وكانت أمراض تلك العصور الميثولوجية كثيرة الشبه بأمراضنا اليوم؛ ~~فالنساء في ذلك الزمن كن يشكون النمش كما يشكونه اليوم، مثال ذلك ~~«فاس» أخت «عولس»، فلم يكن شيء يعزيها عن هذا المرض الذي أفقدها صفاء ~~لون وجهها ورائع جمالها، وكان كل مقترب من مغارة اللص «تمريوس» يحس ~~بمطرقة الصداع تعمل في رأسه حتى قتلته «تزت»، فأزالت المسبب بإزالة ~~السبب، وكانت الفصادة المهملة اليوم فوق اللازم كثيرة الاستعمال في ~~تلك العصور، وقد شفي بها «بودالير» «دمثوس» ملك «قاريا» من مرض حار ~~فيه الأطباء، فكافأه بأن زوجه بإحدى بناته، وبعد خمسة أجيال منها ~~ولد أبقراط. ~~«وعولس» نفسه لم يكن طبيبا، ولكنه اقتبس من معاشرته الأطباء أمورا ~~كثيرة نافعة، وقد داوى مرة «تلفوس» من جرح نبلة أصابته، فشفاه بمرهم ~~صدأ الحديد على مبدأ: «وداوني بالتي كانت هي الداء .» وكانوا يداوون ~~بهذا الصدأ أصحاب ضعف الباه، يسقونهم الخمر وقد أطفي فيها الحديد ~~المحمي، كما يداوون اليوم أصحاب ضعف الدم بالأنبذة الحديدية، أما ~~النساء العواقر فكن يستشفين بالسحر وزيارة الأماكن المقدسة كما ~~يفعل كثيرات اليوم. # ومن حوادث الشفاء الشهيرة في القديم شفاء «فيرون» بن «سزوستريس» ملك ~~مصر، فإنه عمي، فوصفوا له أن يكتحل بمستقطر كلى امرأة لم يقربها غير ~~رجلها، ms291 فبحثوا في كل جهة، وتجاوزوا ينابيع النيل حتى عثروا أخيرا على ~~ضالتهم، لا في شخص الملكة، بل في شخص امرأة رجل بستاني فقير. ولما ~~شفي الملك تزوج بها، ثم أحرق كثيرا من النساء اللواتي اعتبرهن علة ~~عماه، وهن في قيد الحياة. # والأرق الذي أضنى العاشق «تريبتولم»، وكاد يقضي عليه من اليأس، شفي ~~منه بقبلة من «سيرس». وبمثل هذا العلاج شفت هيلانة الجميلة «تليماك» ~~الحزين بأن سقته نبيذا مضمخا بمعسول اللمى. و«باتوس» الأخرس حلت ~~عقدة لسانه من رؤيته لأسد غضنفر اعترضه في الطريق. ومعلوم كذلك أن ~~«بنولبس» فقدت ذراعها، فاعتاضت عنها بذراع من عاج. و«أشيل» فقد عظم ~~عقبه، فوضعوا له عقبا جديدة. وإذا استقصينا البحث وجدنا أن كل الطرق ~~الشفائية المعروفة اليوم كانت مستعملة في الطب الميثولوجي، فلا جديد ~~على وجه الأرض. # | المقالة التاسعة والخمسون # آيات العصور الميثولوجية # 1 # ألا قل للذي ادعى أنه ارتقى، فما بر وما اتقى، إنك قد ضللت الهدى؛ ~~فقد كان الإنسان أعز فيما مضى، فضل وغوى، فذل وساء مصيرا. # فلقد كان آباؤنا غطارفة الأرض وأبطال الوغى، إذا مدوا بأيديهم إلى ~~المجد استطالوا إلى العلا، وإن حدثتهم نفوسهم الكبيرة اضطربت أحشاء ~~الجحيم، فانخلع قلب «بلوتون» رب السعير هلعا، وقلق سكان «الأولمب»، ~~ووقع جوبيتر القدير في التفكير. # وكان الآلهة يدانونهم ويختلطون بهم، ولهم معهم كل يوم شأن، ~~يطارحونهم الغرام، في الغياض والرياض، على ضفاف الأنهار، وفي ظلال ~~الأشجار، وحول جداول الماء المترقرق على حصباء كأنها حصى الدر، ~~وينفرون عنهم إلى الغابات، ويظهرون لهم بمظاهر الوحوش الضارية للإيقاع ~~بهم، أو يختبئون لهم فيها جآزر بعيون المها لأخذهم في شراك الهوى. ~~فإذا ملوهم وأرادوا الاحتجاب، تجلوا لهم من وراء الغيوم أصواتا ~~قاصفة كهزيم الرعد، أو من خلال الهشيم لسانا مندلعا من نار، أو ~~شهابا منبثقا من نور، آيات بينات عذابا لقوم وهدى لآخرين، ولا ~~يستنكفون أن يمازحوهم بالكلام، ولو على لسان حمارة بلعام. # وأما اليوم فبئس ما انحط إليه الإنسان، دودة تدب على الأرض ~~وتسعى، منها المبدأ وإليها الرجعى، فنفرت ms292 الآلهة عنه ترفعا إلى سماء ~~أولمبها، واحتجبت وراء جبلها المقدس، وحجبت عنه آياتها إلا من مثل ما ~~أوحي به إلى ستيد الغبين، وما هو من ذلك المعدن الكريم إلا سحالة، ومن ~~تلك الكاس المترعة إلا ثمالة، انحط هذا الانحطاط وما درى، وبات مع ذلك ~~فخورا. # فزعم أنه بلغ من العلم حدا قصيا، وأنه امتلك ناصية المعجزات، ~~وكشف أسرار الكائنات، وغره أنه حدد بصره بالآلات المخترعات، ~~وترامى به بين الأجرام، فما هي إلا عشية أو ضحاها حتى استدناها، وقاس ~~ما بينها من الأبعاد كأنها منه على قاب قوسين أو أدنى، ونزل به إلى قلب ~~الأجسام المصمتة ففتح المغلق، ثم استنطق الطبيعة الصامتة، فما لبثت ~~أن تكلمت، وباحت له بسرها المكنون، ووقف على سر نشوء الأحياء، ~~فدفعه الغرور من خلال ذلك إلى تنسم سر التولد، وقرأ المطبوع على ~~صفحات الهواء بخطرات الكهرباء فأنكر الممتنع، وقرأ ما في الضمائر من ~~اختلاج الأفكار، وعقد النيات في القرب والبعد، فقال إني والعالم واحد. ~~وأطنب بهذا الارتقاء، يفاخر به السلفاء. # وما آيات علمه التي يفتخر بها اليوم إلا مما يزدرى به إذا قيست ~~بآيات العصور الميثولوجية معجزات مبتذلات بالقياس إلى تلك المعجزات؛ ~~فقد كان في تلك العصور طبقة من الناس فوق البشر وأقرب إلى الآلهة، ~~تتصرف بقوى الطبيعة العمياء كيفما تشاء، من دون علم وعناء. فالساحرة ~~«سرسه» على رواية هوميروس كانت تخضع لإرادتها حركات الكواكب، وتغير ~~مجاري الأنهار، وتعرف خواص الحشائش السامة، ولم تكن مع ذلك معصومة من ~~داء الغرام، ترتكب فيه المحرمات إلى الدرجة القصوى، فكأنها به أم بعض ~~ملكاتنا المغرمات الجانيات الشهيرات في التاريخ. فكانت تقطن إحدى ~~الجزر وحولها أربع من الحور الحسان يخدمنها، وهن على شاكلتها، ولم ~~يكن بينهن رجل، فكن يرقبن فيه الأقدار، وويل للذي كانت تدفعه الأمواج ~~إلى شاطئهن. ولولا أن الإله «مرقوروس» رأف ب «عولس» فزوده لسفره ~~بترياق يقيه من شر «سرسه» لما نجا من سحرها، بعد أن هاجت عليه البحار، ~~وأوقعته هو ورجاله في شركها. ولكي تستبقيهم عندها ابتدأت ms293 بأن مسخت ~~رجاله خنانيص، واستبقت «عولس» على نية أن تمسخه هو أيضا، ولكنه دفع ~~سحرها عنه وعن رجاله بترياقه، فردهم إلى حالتهم الأولى إلا واحدا ~~اسمه «غريلوس» أبى، كأنه لم ير فرقا بين الإنسان والخنزير إلا في ~~الصورة فقط. # وجوبيتر أكبر الآلهة علق قلبه بهوى أنتيلوب، ولكنه لم يشأ أن تكون ~~صلته بها إلا بصورة «ساتير»، فمسخ نفسه نصف خنزير، وأولدها اثنين على ~~صورته هذه، وكأنه رأى «أوروبا» ملت صور الرجال، فشاطرها قلبه الذي لم ~~يكن يملؤه شيء - كبرميل «الأدانئيد» السائب من قعره - وهو بصورة ثور، ~~وكان على جانب من المجون، يحب أن يلبس لكل حالة لبوسها، فعلق ذات ~~يوم بالفتاة «كليتوريس»، وهي ذات قوام دميم جدا، فطلب إليها أن يكون ~~برغوتا، فأبت إلا أن يكون نملة، فتم لها ما أرادت. # و«يونون» امرأة «جوبيتر» ذات الكبر المشهور لم تكن حسنة الأخلاق ~~كبعلها، ويوم زواجها أبطأت إحدى الحور المدعوة «كيلوني» عن حضور حفلة ~~العرس، فمسختها في الحال سلحفاة، وانتقمت من معشوقات بعلها، فمسخت ~~«إيو» بقرة، ثم مسخت «كليستو» دبا ثاني يوم ولادتها لابنها ~~«باكوس». # أما «باكوس» هذا فكان عنوان الظرف، فجذب قلب «أريغونه» بأن تحول هو ~~نفسه عنقود عنب. ولما مات صديقه «أمبل» حول جسمه الميت إلى كرمة حتى ~~يتذكره دائما في مجلس شرابه، وتحويل الخمور من غير الكحول لاجتذاب ~~القلوب القاسية، وامتلاك القلوب اللينة كثير في أساطير الأولين. ~~و«أبولون» كان يحب الزهور، كما كان باكوس مولعا بالخمرة. فلما غضب ~~على معشوقته «كليتيا» لفرط غيرتها حولها إلى الزهرة المعروفة ~~بالأليوثروب، أي دوار الشمس، لتبقى متجهة دائما نحو الكوكب الذي ~~كانت تعبده، كما أنه حول «أكابثه» إلى النبات المسمى بهذا ~~الاسم. # و«ديانة» الغزالة الشاردة غضبت على «أكثيون» لما فاز عليها في القنص، ~~فحولته إلى أيل. وفنوس ربة الجمال وإلاهة الحب مسخت «أنكزرتوس» ~~حجرا؛ لأن عينه لم تدمع، وقد مرت جنازة فتى كان يهواها فأولته ~~صدودا. وأما «أدونيس» الذي كانت تحبه، فلما مات مسخته شقائق النعمان. ~~و«نبتون» إله البحر تحول ثورا لكي يمتلك ms294 قلب «أرنه». و«مارس» إله ~~الحرب غضب على الكتريون لإهماله مراقبة رجوع «الأورور»، أي الفجر، ~~فمسخته ديكا حتى لا يفوته ذلك في المستقبل. و«منرفا» إلاهة الحكمة ~~ساءها تفوق «أرخنة» عليها في صناعة النسج، فمسختها عنكبوتا. وإيزيس ~~المصرية حولت الفتاة «إيفيس» يوم زواجها رجلا نكاية بخطيبها. وفي ~~أساطير البوذيين أن «قادومة» امرأة «شريزة» تحولت إلى أنثى قرد لكي ~~تلد الجنس البشري، ومنها ولد داروين وأولاده. # فيلزمنا والحالة هذه، ولا حياء في قول الحق، أن نعترف بأن هذه ~~التحولات تفوق جدا كل ما يستطيعه تصور دماغ أعظم عالم اليوم، نشوان ~~بخمرة العلم، معجب به. وليس بين علمائنا من يجسر أن يقول إنه رأى في ~~معمله تحولا أو شبه تحول من مثل ذلك وقع لأقل كرية من كريات الأجسام ~~الحية. ولقد ادعى بعضهم أنه رأى الحياة تتولد في قارورة اختباره. وما ~~هو بالحقيقة إلا واهم، ومن منهم اتصل أن يغلب الموت؟ وأما في العصور ~~الميثولوجية، فقد كانوا أرقى جدا منا اليوم، وإحياء الموتى كان عندهم ~~شيئا عاديا مبتذلا ميسورا للغاية. # وفي الحرب بين جوبيتر أبي الآلهة والجبابرة الذين أرادوا أن يصعدوا ~~إلى السماء على جبال أركموها بعضها فوق بعض، أخذ أبو ساتورن أسيرا ~~وقطع إربا إربا، وحفظت قطعه بعضها إلى بعض كما كان حيا، فخاطها ~~«مرقوروس» وأعاد له الحياة. كذلك فعل الجبابرة بباكوس، فأحياه جوبيتر، ~~وفوق ذلك أعاد له العضو الضائع، وكان أخواته قد رمين به بعيدا في ~~تيرينيا. # ومثل ذلك حصل لبلوبس بن تنتال، وقد قطعه أبوه طعاما لضيوفه، فعرف ~~المدعوون بالأمر قبل الأكل، فهاجوا وماجوا ، وجمعوا الأعضاء إلى بعضها ~~إلا الكتف، فكأنها وقعت في يد من يعرف «من أين تؤكل»، إلا أن جوبيتر ~~صنع له كتفا من عاج، وقد أحكمت «منرفا» تركيبها به. # ولقائل: إن هذه المعجزات من صنع الآلهة، وأين منهم البشر؟ على أن ~~التاريخ فيه كثير من حوادث إحياء الموتى بقوى أقل من القوى ~~الإلهية. # حكي عن «هرقل» أنه قتل بقرا ل «بلوتون»، وبحث في دمها، واستخلص منه ~~مادة ترد ms295 الحياة للأظلال التي تقطن على ضفاف نهر الستيكس في الجحيم. ~~و«بوليد» الساحر الشهير في بلاط الملك مينوس رأى صلا ميتا، أتاه ~~صل آخر ولمسه بحشيشة معلومة فأحياه، فاقتبس ذلك عنه، وأحيا به ~~غلوقوس بن مينوس سيده، وكان قد وقع في برميل عسل وفطس. ويحكى أيضا عن ~~«أغاميذ» ابنة «أوجه» ملك «أبينس» أنها تعرف بعض حشائش تحيي بها ~~الموتى، وكان عندهم في القديم عين تسمى عين ماء الحياة، وماء الشباب ~~أيضا، فإذا شرب منها القائل: # سئمت تكاليف الحياة ومن يعش # ثمانين حولا لا أبا لك يسأم # وإذا به شاب غرانق، وقد صار عشاه حورا معروفا، وانحناء ظهره قواما ~~موصوفا، ولكنهم ما لبثوا أن اهتدوا إليها حتى ضللتهم الآلهة لئلا ~~يشاركوهم في ملكهم. # مسكين قارئ كتاب «أسرار الكون» اليوم بالقياس إلى قارئ كتاب «عجائب ~~المخلوقات» في الماضي! # | المقالة الستون # حكم كاذب # 1 # كذب القضاة، وكذب الأطباء، وصدق المال. # برأ المحلفون «ثو» قاتل مقلق راحته، ومثير غيرته، ومراود ~~امرأته، والمتباهي بفعلته، والمتناهي في قحته. # كذب القضاة - لا لأنهم برءوه - بل لأنهم فقدوا في حكمهم كل شجاعة، ~~فلم يصغوا إلى صوت الضمير وحكم العقل. # وكذب الأطباء، لا لنسبتهم الجريمة إلى جنون طارئ عليه، بل لاعتبارهم ~~الجنون فيه ملازما. # وكذب «ثو» لأنه بعد أن ارتكب الجريمة وثاب إليه رشده جاراهم، وجبن ~~لأنه لم يقض عليهم بالقضاء عليه. # ولم يصدق إلا «قاضي الحاجات» الذي يحل شاش القاضي، ويعقد لسان ~~الطبيب. # ولماذا هذا؟ # لأن شرائع الإنسان تريد ذلك. # الإنسان لا يخجل من الكذب نفسه أمام نفسه، بل يخجل بالنظر إلى سواه، ~~فإذا وجد لنفسه مخرجا فيه لم يخجل منه. فهو يخجل من الصورة لا من ~~الحقيقة، ومن العرض لا من الجوهر؛ لذلك كان في كل أفعاله تحت هذا ~~السلطان. ~~«ثو» ليس بالمجنون فيعامل كالمجانين، وإلا فالناس جميعهم شركاؤه في ~~مثل ظروفه، وهو هنا ليس بالمسئول حتى يجب عليه القصاص. # الإنسان مهما عقل، فلا ينجو من أن يكون تحت تأثير عوامل اشتداد ~~الحاجة وتهيج العواطف. # إذا عض الجوع ms296 إنسانا بنابه، أو ثار به الغضب إلى الدرجة القصوى ~~فارتكب الجناية سدا لجوعه وإطفاء لغضبه، فهل يعد مجنونا؟ # ولماذا المسوغات التي دفعت «ثو» إلى ارتكاب جنايته لا تنجيه من ~~القصاص إلا إذا قضينا عليه بالجنون المطبق؟ # نظام الشرائع حكم على المحلفين، فلم يكن في وسعهم أن يحكموا إلا ~~بأحد أمرين، وحكم على الأطباء فاختاروا أهون الشرين، وأفقدهم جميعهم ~~الشجاعة، فكذبوا على العلم، وكذبوا على الحق. ~~«ثو» جنى لأنه ليس في الشرائع ما يصونه من هذا العدوان، والذين ~~برءوه كذبوا لأنهم لم يجدوا فيها مخرجا آخر لنجاته، وإن كانوا قد ~~أظهروا كل هذا الاهتمام فالفضل للأصفر ذي الوجهين. # فويل للفقير! # وسيخرج «ثو» من البيمارستان سليم العقل، ويوضع تحت المراقبة، ثم ~~يطلق من قيودها. # إذا كانت الشرائع حقا فالعقل رزيئة، وإذا كان الغنى قوة فالفقر لا ~~شك جناية. ~~••• # وأما وجوده في المارستان، فلا تضييق فيه عليه؛ لأن ثروته تضمن له كل ~~ما يتوق إليه من الراحة. # | المقالة الحادية والستون # إصلاح القضاء # 1 # كنت قد كتبت كلمة أنتقد فيها القضاء، جاء فيها ما ملخصه: # منصة القضاء مقدسة، لا يجوز مسها كمحراب المصلي، ولكن ~~هذا لا يمنعني هنا من ترديد هذين البيتين: # قتل امرئ في غابة # جريمة لا تغتفر # وقتل شعب آمن # مسألة فيها نظر # يسطو اللصوص على جمع فيجرحون وينهبون، ويضبطون متلبسين ~~بالجناية، فقد يعفو القضاء عنهم؛ لأن هفوة في الشكل تمنعه عن ~~النظر في الأصل، فيضحي القضاء الجوهر مراعاة للصورة. ~~وهذا كرفض سماع كلام المحامي القانوني إذا لم يكن مرتديا ~~ذلك الثوب «الكرنفالي» أمام مذبح المرافعة . تقوم القيامة بين ~~عناصر الأمة فيكثرون من البذاء، والقول الهراء، والسب والشتم ~~والتقبيح، بما قد يدفع إلى ثورة داخلية، ومع ذلك لا تتحرك ~~الحكومة لهذا الأمر، ولا تجد النيابة مسوغا للتداخل فيه ~~لإيقافه عند حد؛ لأن المحافظة على الآداب العمومية والسلم ~~العمومي ليست من الأمور التي يستدركها القضاء وينهض لها من ~~نفسه، مع أنه قد ينهض أحيانا لانتقاد يمس الأفراد، وقد ~~يكونون ممن لا يصل الانتقاد ms297 إليهم بأذى. # تقوم دعوى بين اثنين، فيجدان في ثنايا هذا القانون متسعا ~~لأن يتخاصما ويتشاكلا ويتجاولا في هذا المضمار أشهرا وسنين، ~~وربما تركا هذه الدعوى بعد أن أكلت عمريهما إرثا لأعقابهما، ~~وقضاؤنا يعد نفسه مع ذلك رحمة للعالمين. # وبعد هذا إذا طلبنا إصلاح القضاء في شكله، في أصله، حتى في ~~قضاته، فهل نلام؟ وهو حق للجمهور، وواجب على ولاة الأمر، ولكن ~~على أولئك الولاة الذين يهمهم أمر العباد، وأين هم بعد أن ~~يتربصوا في مناصبهم، ولفعلوا لو دروا أن محاكم اليوم سخرية ~~الغد؟ ا.ه. # فأقام البعض القيامة علي في الجرائد، فكتبت المقالة الآتية ~~... # | المقالة الثانية والستون # من أين أبتدئ؟ # 1 # ليس أصعب من مصادرة المقرر المألوف، هذا يقول لك إنه منزل، وذاك ~~يقول إنه مقرر بالإجماع، وقم ناضل بينهما. وكل قضية من ذلك معقل ~~تخور دونه قوى أعظم الجيوش، فكيف بأفراد لا حول لهم سوى جرأة القول، ~~ولا سلاح لديهم سوى رأس اليراع؟ ولكن رب قول كان ألهب من شرارة ~~الكهرباء، ورب قلم كان أمضى من السيف. # قامت علي قيامة الكتاب من كل صوب لقيامي على القضاء ونظامه، ولم ~~يقم لي حتى الآن نصير إلا في مثوى الضمائر، ولكنه لم يجسر أن يجهر ~~بالحق عملا بقول الشاعر: # إذا قلت المحال رفعت صوتي # وإن قلت الصحيح أطلت همسي # وأما الذين نسبوا كلامي إلى الغرض فهؤلاء دعهم في ضلالهم يعمهون، فما ~~ينالون مني غرضا حتى يشفوا من غرضهم، أو أصاب بمرضهم. وأما الذين ~~وجدوا أن نوري ظلمة، وأن ظلمتهم نور، فدعهم في نور ظلمتهم يتخبطون، وما ~~ربك بظلام للعبيد. وأما الذين أتوني من طريق العقل فإني لا أنكر عليهم ~~ما في كلامهم الراجح من القول السديد، والاعتراض الوجيه، فهم لا ينكرون ~~ضمنا نقص القضاء، ولكنهم يقفون حائرين أمام الصعوبات، فهؤلاء أعيد ~~عليهم قول الإمام الغزالي: «لو لم يكن في ذلك إلا ما يشكك في اعتقادك ~~الموروث لكفى به نفعا، فإن من لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم ~~يبصر، ومن لم ms298 يبصر بقي في العمى والحيرة.» # وهذه حجتي لدى حضرة الفاضل المحقق «ي. ش.» على قوله إنه لولا ما لي ~~من المكانة - وهذا من أدبه - ولولا خوفه مما سيكون لكلامي من الأثر؛ ~~لما عني بالرد على ما كتبت. فأنا أشكره على حسن ظنه بي، ولكن هذا ~~الذي خافه هو الذي دفعني إلى ذلك، ولو علمت أن كلامي سيذهب بدون أثر ~~لما خططت منه حرفا، ولو علمت أن مكانتي هي كما يقول لكسرت من حدتي، ~~ولكن جهلي بما أعلمني به عن نفسي، وعلمي بأن الاستكانة للمألوف توقع ~~في الخمول والاستسلام؛ دفعاني إلى تشديد الوخز. ولولا ذلك لما اضطر ~~العقلاء في المعمورة كلها، من الأنبياء إلى الحكماء وسائر المصلحين، ~~أن يلجئوا إلى العنف في الانتقاد، واستعمال السيف أحيانا لحمل ~~الاجتماع على السير في سبيل الارتقاء، ولو متثاقلا في قيوده. أقول ~~ذلك، لا غرورا مني بأني بلغت مبلغهم، بل لشغفي بالتشبه بهم، ولو أني ~~في سبيل ذلك أجهل فوق جهل الجاهلين. # ولكن من أين أبتدئ؟ فإن الموضوع كالتنين ذي الرءوس الكثيرة، ولو ~~جاريت حضرة السائل في الاقتصار على الرد على أسئلته لقطعنا القول في ~~أشياء مهمة، ولكان فاتنا أشياء أكثر وأهم. وما ضربتها في مقالي إلا ~~مثلا من أمثال، لو أردنا كلانا أن نتعقبها كلها للزمنا أن نلازم ~~القاضي في غرفته، والمحامي في محفظته، والمدعي والمدعى عليه في ~~شكواهما، والاجتماع كله في تظلمه. # وليس ذلك فقط، بل لو جاريته لانصرفنا عن النظر في الكليات التي هي ~~موضوع كلامي إلى البحث في الجزئيات التي يتسع لنا فيها مجال ~~المغالطات ، وينتهي الكلام فيها على غير نتيجة مرضية، وهذا ليس غرضي، ~~بل غرضي هو أن أوجه نظر الباحث إلى أن هذا النظام الموضوع كما هو ~~موضوع لا يفي بالغاية التي وضع لأجلها، وليس ذلك فقط، بل إنه في جملته ~~مناف لهذه الغاية. ولا ريب أن كثيرين سيستغربون قولي هذا لأول وهلة، ~~ولكن استغرابهم هذا لا يلبث طويلا حتى يتحول فيهم إلى تفكير، وهذا هو ~~مستصغر الشرر المقصود ms299 لإيقاد نار الثورة في الخواطر إحداثا للإصلاح ~~المطلوب، فلا يمنعهم الوجوم المكتسب بالاعتقاد الراسخ من القيام في ~~وجه كل نظام لا يفي بمصلحة الاجتماع مهما عززته الرهبة. # فالقضاء ليس الغرض منه تشييد تلك المعاهد الفخيمة، وإحاطتها بكل ما ~~يجعلها أمنع من عقاب الجو على اللائذ بها، فلا يدنو منها حتى تصطك ~~ركبتاه، وينعقد لسانه، ويضطرب جنانه، فلا يعرف كيف يدخل إليها، ولا كيف ~~يخرج منها، ولا كيف يطلب منها حقا، ولا كيف يدفع بها حيفا. يرى هناك ~~على منصاتهم أنصاف آلهة وحولهم كهنتهم، فلا يستطيع أن يتقرب إلى هيكل ~~أولئك الآلهة إلا بواسطة أولئك الكهنة، حتى صار القضاء بذلك أشبه شيء ~~بجوقة دينية، مع الفرق بأن كل إنسان يستطيع أن يصلي في المعابد ~~بنفسه، وإن لم يضمن لنفسه الخلاص إلا بواسطة، وأما في المحاكم فالحوائل ~~دونه كثيرة لا يقوى عليها العالم، فكيف بالجاهل؟ وينضب دونها كيس ~~الغني، فكيف بالفقير المعدم؟ # فالقضاء أبسط من ذلك كثيرا، ويجب أن يكون أسهل من ذلك كثيرا، وقد ~~يتعذر فهم هذه البساطة على أولئك الذين تعودوا ألا يروا في أحنائه ~~إلا كل تعقيد. وقد رسخت هذه القضية في الأذهان، حتى إن المحامي لا ~~يسر بكسب دعواه بقدر ما يسر إذا ركب فيها متن الإغراب، فخاض في ~~كل يم، ونبش أحشاء الأرض، وحلق في الفضاء، وأخذ يتنقل بين الشعرى ~~والجوزاء، يناجي أحيانا طوائف الجن وأخرى سكان السماء، وكل ذلك لكي ~~يقول لسامعيه إن أذني التي بجانب رأسي هي هذه. ولو قال غير ذلك فهل ~~يتأثر القضاء، أو يرتضي الزبون؟ حتى صار علم الحقوق بفضل هذا النظام من ~~العلوم الكلامية البحتة التي لم تنضج ولن تنضج، بعد أن كان المأثور ~~عنها أنها من العلوم الوضعية التي نضجت وكادت تحترق. # وهذا النظام إذا أفاد - بعد محتكريه - طائفة من الناس هم الأقوياء ~~والأغنياء، فهو لا يفيد الضعفاء والفقراء، والاجتماع معظمه مؤلف من ~~هؤلاء، فكيف يطمع بعد ذلك بإقامة القسط بين الناس؟ ألا ترى أن المدعى ~~عليه إذا لم يحضر ms300 أجاز هذا القانون الحكم عليه بأقصى العقوبات، وجاز ~~للقاضي أن ينطق بمثل هذا الحكم خالي البال مرتاح الضمير؟ وما معنى ~~ذلك؟ معناه أنه إذا لم يعرف المدعى عليه كيف يدفع عن نفسه، كما يحصل ~~كثيرا بمقتضى هذا النظام، أو إذا كان ضعيفا لا نصير له، وخصوصا إذا ~~كان معدما لا يستطيع أن يكفي محاميا، فلا حق له أن يعيش. وحضرة ~~القاضي لا يضطرب في حكمه، وهو يتحصن وراء هذا القانون. ولقائل يقول: ~~إن القضاء يسمي محاميا يدافع عن الفقير. ولكن نحن نعلم كم يكلف ~~ذلك من المشقات الأخرى، حتى يسمي القضاء هذا المحامي. وأنت تعلم ~~أيضا كيف أن هذا المحامي «يكلفت» دفاعه غير المأجور. # بل إن هذا النظام لا يفي بمصلحة الإجماع، ولا يثقل كلامي على طائفة ~~ذات شأن، أجلها كأفراد، وإن أنحيت عليها كمجموع؛ فالاجتماع يشكو من ~~نظامها مر الشكوى، بل هي قيد في رجل الاجتماع، وغل في عنقه. ~~ولولا ما يتسرب إلى أفرادها من مبادئ العلوم الطبيعية بالعرض لا ~~بالذات، لما خطا الاجتماع بها خطوة في سبيل الارتقاء، بل هي بنظامها ~~عبء ثقيل عليه، تمتص دمه ولا يستفيد منها فائدة حقيقة. فهي كالجيوش ~~التي بنظامها تحرم الاجتماع من استثمار الأرض وإحياء الصناعة بأيديها، ~~وتحمله نفقاتها، وكان في الإمكان أن تكون فيه عاملة نافعة. # ومن غريب المفارقات أن أساس علومها العلوم الاقتصادية، ولكن نظامها ~~لا يعرف للاقتصاد معنى، فالوقت في القضاء لا قيمة له، كأن المثل ~~الإفرنجي القائل # Time is money # لا معنى ~~له عندها، وكأن عمر الإنسان لديها كعمر أبينا متوشالح. وقول حضرة ~~المعترض بأن هذا من حسنات النظام الدستوري لإعطاء كل ذي حق الزمان ~~الكافي لتأييد حقه لا يجوز إلا إذا اعتبر نظامه مقدسا، وأنا أقول ~~لحضرته إن هذا من سيئات النظام الاحتكاري لفائدة الحكومة وطائفة ~~معلومة، كأن هذا الحق لا يتيسر له على صورة أنفع له وللاجتماع وللآداب ~~الحقيقية بنظام آخر، حتى ولو كان القضاء حيفا مع قصر الزمن لكانت ~~الفائدة منه أتم؛ إذ تنصرف قوى ms301 الإنسان وأفكاره إلى أعمال نفعها أقرب ~~بدلا من انحصارها في موضوع واحد، وصرف العمر في المخاصمات، واستنباط ~~الحيل، وخلق المشاكل، مما يكون ضرره على الاجتماع مزدوجا أدبيا ~~وماديا. وسبب كل ذلك هو النظام الأعوج الذي ابتلع القضاء الحقيقي في ~~جوفه، وأضاع جوهره في أعراضه، وهو لكثرة ما يقتضيه من النفقات لم يعد ~~في الإمكان تعميمه، فاقتصروا فيه على مراكز معلومة، فزالت كفاءته، ~~وتبعها كل هذا العطل، وزادت النفقات العمومية زيادة فاحشة. # ولو أردت أن أؤيد كل قضية مما أقول بأمثلة أتخذها من نظام هذا ~~القضاء كل يوم لنفد الحبر والورق، ولما وسعتني الجرائد، ولنفد صبر ~~القراء قبل أن ينضب هذا المعين. فأترك الحكم فيها للذين يعانونها كل ~~يوم - ولا يعرف الشوق إلا من معانيه - وأكتفي بالقضاة والمحامين ~~أنفسهم، فليرجعوا فيها إلى ضمائرهم واختبارهم، فضلا عما يلحق بهذا ~~النظام من الأعراض التي أصبحت لازمة، وإغفالها يعرض الجوهر للضياع، ~~والتي هي في عرف العقلاء من السخافات المضحكة اليوم. # وأما ضربه المثل بين العلوم القانونية والعلوم الطبية، فليسمح لي ~~حضرته بأن أدفع هذه المقارنة؛ فالعلوم الطبية أساسها العلوم الطبيعية، ~~التي هي في أحكامها كالعلوم الرياضية، والتذبذب هو في الاهتداء إلى ~~أسرارها، والخطأ المتوقف على الأفراد لا يعتد به في بحثنا، ولم ~~أحاسب حضرته عليه. وأما العلوم القانونية كما هي اليوم فقد أصبحت ~~كالعلوم الكلامية، وأساسها النظر، وكأن في الإمكان أن يكون أساسها ~~العلوم الطبيعية، ولكنها حتى اليوم لم تفعل، وهل ينكر حضرته أن الطبيب ~~القاضي يكون أوسع نظرا وأرجح حكما من القاضي المتشرع فقط؟ ومن يجهل ~~اليوم حكم الأسرار الطبيعية في أفعال الإنسان الاجتماعية؟ # ولقائل يقول: إن الاعتراض سهل، ولكن العمل صعب، فهل لك دواء لهذا ~~الداء؟ وجوابي على ذلك بسيط فطري. اجعلوا القضاء أبسط جدا مما هو، ~~وعمموه أكثر كثيرا. ما قولك لو كانت المحاكم بسيطة جدا، وموزعة ~~في كل مدينة وفي كل قرية على نسبة أحيائها وسكانها؟ ألا يكون الفصل في ~~الدعاوي أسرع، والنفقات خصوصا أقل، والفائدة الاجتماعية أعظم؟ # ومهما بدا ms302 هذا القول غريبا لبعضهم فإني لا أخشى أن أقول إن المستقبل ~~لي، أي لكلامي، ولكن هذا لا يتم حتى يتقلص ظل العلوم الكلامية وتعم ~~العلوم الطبيعية، وإن كان مثل هذا البحث لا يفيدنا فائدة قريبة إلا ~~أن ما يحدثه من الأثر ولو صغيرا جدا لا بد أن يختمر على توالي ~~الأيام، ويفعل في العقول فعل الشرارة في الأفعال المتجمعة، فيعلم ~~الجميع على السواء أن الشرائع الموضوعة، والراسخ في يقين البعض أنه لا ~~يجوز مسها، يجوز النظر فيها حتى قلبها رأسا على عقب، إذا كانت غير ~~ملائمة لمصلحة الاجتماع. وهذا هو المقصود هنا. # روزفلت والقضاء # 2 # إن الذي يعجبني من قول الرئيس روزفلت ليس تنديده بالقضاء ~~لتمسك قضاته بسخافات فنية اصطلاحية تتأخر بها الأحكام، وتضيع ~~معها الحقوق، بل صدور ذلك من رجل في وظيفة عمومية هي أعظم المراكز ~~شأنا. والعادة أن الذين يشغلون مثل هذه المراكز في الهيئة ~~الاجتماعية تضرب الوظيفة على عيونهم حجابا كثيفا. ولكن الرئيس ~~روزفلت ليس موظفا كسائر الموظفين، ولا ملكا كسائر الملوك، بل هو ~~الرجل الاجتماعي العظيم الذي عرف أدواء الاجتماع، وكم حاول أن يجد ~~الدواء لها، خصوصا قيامه ضد شركات الاحتكار التي تفشت جدا في ~~هذا العصر، ولا سيما في العالم الجديد. ولا يخفى أن هذه الآفة من ~~شر الضربات الاجتماعية التي إذا لم تتدارك قبل تفاقم شرها جرت ~~إلى ثورة، ليست الثورة الفرنساوية (وهي قيام الشعب على النبلاء) ~~بالنسبة إليها شيئا يذكر؛ لانحصار تلك إذ ذاك في بقعة معلومة، ~~وأما هذه فهي قيام العمل ضد المال، فشرها لا ينحصر اليوم في ~~بقعة معلومة وفي قوم معلومين، بل سيمتد لهيبه إلى كل العالم ~~المتمدن، ومن يعش يره. # | المقالة الثالثة والستون # بئس الإخلاص # 1 # الانتحار جبن في كل أحواله، وهو اختلال في القوى العاقلة إلى حد ~~الجنون. فإن جاز لنا أن نأسف على منتحر، ونبحث في أمره بحثا ~~نفسانيا وفزيولوجيا لنقف على ما في قواه العقلية من الضعف وسهولة ~~الانقياد، وما في تكوين أعصابه من الوهن وقبول ms303 التهييج، إلا أنه لا ~~يجوز لنا أن نبحث فيه بحثا يشم منه رائحة التصويب لعمله، واستحسان ~~العواطف الدافعة إليه؛ لئلا يكون ذلك مشجعا لكثيرين من ضعيفي ~~العقول ومتهيجي العواطف لاقتفاء خطته كلما أحرجتهم الحال، والمحرجات ~~في الاجتماع كثيرة من فقر وسقام، وحب وغرام، ولا شيء أسهل من العدوى ~~بالقدوة، حسنة كانت أو ردية. # ولولا التربية السيئة المبنية على الخيال أكثر من الحقيقة، وعلى ~~الاستسلام للأماني والآمال أكثر من الاعتماد على العمل، وعلى اعتبار ~~الموهوم أكثر من المحسوس؛ لما فشا الانتحار في هذا التمدن المضطرب ~~لما فيه من المبادئ المتناقضة؛ لأن الانتحار نفسه مخالف للمبدأ الأول ~~المنبعثة منه الحياة، والمتوقف عليه حفظها، ألا وهو الألفة وحب ~~الذات. # فالإنسان من يوم يولد إلى أن يموت تتنازعه عوامل التربية المختلفة، ~~من بيتية ومدرسية واجتماعية، وفيها كثير من التناقض أدبيا ودينيا ~~واجتماعيا؛ مما يجعل حياته محفوفة بالمصاعب. فينشأ بسبب ذلك غير ~~مستقل في أحكام عقله، متهيجا في أعصابه، قليل الاعتماد على نفسه، ~~سريع الانقياد لمن يتوهم أنهم أرقى منه. فإذا رآنا نتأسف على منتحر، ~~ولا نشجب عمله في آن واحد كما هو الواجب، نكون كأننا قد دفعناه خطوة ~~بل خطوات للاقتداء به. # ولذلك كانت حوادث الانتحار تزداد على ما تقدم، وكما اقتبسناها من ~~التمدن الحديث، وهو تمدن في طور الانتقال، حيث يشتد الخطر خصوصا ~~بقراءة كتب المجون المتداولة بيننا، والتي أكثرها من وضع القصاصين ~~الفرنساويين في النصف الأول من القرن الماضي وما قبله؛ لشدة ما فيها من ~~تجسيم الخيال إلى حد التناهي في ترهيل العواطف، وإنزال الوهم منزلة ~~الحقيقة؛ ولذلك كانت قراءة مثل هذه الكتب من شر العوامل في تربية ~~الأحداث، وفي التأثير على كل من ليست أحكامه الذاتية قوية فيه. ~~والمطلوب من الجرائد أن تبين بأجلى بيان قبح هذه الأعمال؛ لإماتة مثل ~~هذه العواطف المرضية الباعثة عليها، لا أن تكون سببا ~~لإنمائها. # فالرجولة الحقيقية تقضي على كل إنسان أن يقف أمام كل المصاعب كالطود ~~الراسخ، يدفعها بما في الإمكان، ولا يهتز لها حتى ms304 تصرعه قوة ~~واقتدارا، وإلا فهو نذل وجبان؛ فالشجاعة الحقيقية ليست بالانتحار، بل ~~بالصبر على الكوارث. # ومن حسنات النصرانية أنها تحرم المنتحر من التمتع بحق الدفن ~~الديني، ولا شك أن ذلك كان له أثر حسن في النفوس لما كان الدين في ~~سطوته الأولى. # ولولا أنه ورد في مقالة الأخبار اليوم «حب الرجال للرجال» في بعض ~~كلامها ما قد يحبب هذا الأمر لقصار العقول، الذين يؤثر فيهم كلام ~~سواهم؛ لاعتبرتها إلماما بشيء من المباحث البسيكولوجية والسوسولوجية ~~التي تتناول البحث في العواطف وقوى العقل بحسب أحوالنا الاجتماعية، ~~ولما أتيت على هذا البيان الوجيز موضحا أن الانتحار ليس فيه شيء من ~~رجحان العقل ولا نبل العواطف، ولا فيه شيء من الشجاعة التي يفتخر بها ~~بين الأقران في الاجتماع؛ إنذارا للمترشحين الذين قد يستهويهم الكلام ~~الذي هو على ضد ذلك، فيقعون في مثل هذا العمل المشجوب في كل ~~شرع. # | المقالة الرابعة والستون # الدين والحق # 1 # الإنسان لولا الجهل لما وقفت به مطامعه القريبة الخاسرة، وأضاعت عليه ~~غاياته البعيدة الرابحة. # مطامع الإنسان القريبة هي مطامع الحيوان الذي يستخلص قوته بأنيابه من ~~فم سواه، أو يأوي إلى مغارة لا يزاحمه فيها سواه، أو هي مطامع الإنسان ~~الهمجي الذي يسعى لغذائه منفردا، فيقضي نهاره جائعا هالعا، ويبيت ~~ليله خائفا حاذرا، أو هي أسرة تتقي أسرة، أو قبيلة تناهض قبيلة، ~~أو قوم يهاجمون قوما، أو وطن يقوم على وطن. وغايات الإنسان البعيدة ~~تناصر الإنسان في كل مكان، كأنه أسرة واحدة. # فلو عرف الإنسان أن تناصره هذا يوفر له القوت والكساء والمبيت، ~~بحيث يكون آمنا على مقومات حياته؛ لما هجر الراحة إلى العناء، ~~والسعادة الحقيقية إلى الشقاء. # على أن الإنسان من الحيوانات التي لا تستطيع أن تعيش إلا جماعات، ~~فتألف أولا جماعات نبتت في أرض، أو انشقت من صلب. وهو أرقى ~~الحيوانات تحصيلا من الاختبار، فرأى نفسه أنه أثرى بسعة الأرض، ~~وتقوى بالتناصر، فقام يكتسح البلدان، ويضم إليه الأقوام يدمجها فيه ~~ليزيد ثراء وقوة. ولقد مضى عليه ملايين ملايين من ms305 السنين قبل أن وصل ~~إلى حالته اليوم. # ولكن الإنسان في كل أطوار ارتقائه في اجتماعه لم يسر سيرا حثيثا، ~~بل اعترضته حوائل كانت تقف به تارة، وتتقهقر به أخرى، فسار متذبذبا، ~~وسيسير كذلك زمانا طويلا قبل الوصول إلى غايته تلك. # وأهم هذه الحوائل مطامعه القريبة؛ لجهله وقصر نظره، فقام المصلح ~~الاجتماعي ووضع له الشرائع تسد مسد هذا النقص، ولكن الإنسان لا ~~يحول عن تلك المطامع مهما كان شأنه، فاستبد الوازع بهذه الشرائع، ~~وقلبها إلى غرضه، فصار من الضروري إيجاد لجام لكبح جماح ~~الحكام. # فقام المصلح الديني زمانا طويلا قبل الشارعين المعروفين، وقد كان ~~الناس يجدون في كل شيء إلها لا يدركونه، ولكنهم يخافونه، ووضع ~~الشرائع الإلهية، وملأها بالتقريع والإرشاد، والوعد والوعيد، والثواب ~~والعقاب، والإنسان مفتون بنفسه، لا يخلد فيها إلا إلى الخلود، لعل ~~الحكام يرهبون فيرجعون عن ظلمهم. # شرائع اجتماعية أو دينية بائدة أو بادية قديمة أو حاضرة، غرضها ~~واحد نبيل، وهو إصلاح حال الإنسان في العمران، وواضعوها من أنبل ~~المصلحين غاية. # ولكن الإنسان الذي حارب آلهته في القديم لم يكن ليعجز عن أن يستخدم ~~الآلهة أنفسهم لغرضه، فقام رؤساء الأديان يسطون بها على الحكام والناس، ~~لا لمصلحة الناس، بل لمصلحتهم، ودامت الحرب سجالا بين الحكام ورؤساء ~~الأديان، يتراوحون الفوز، يختلفون تارة ويتفقون أخرى على ظهر الإنسان ~~حتى اليوم. # المصلح الاجتماعي والمصلح الإلهي كلاهما قصدا بشرائعهما أن يضعا ~~في يد الإنسان سلاحا لخيره ضد ظالميه، فحوله الحكام ورؤساء الأديان ~~لصد هذا الخير عنه، ووقفوا به سدا، حتى إنهم صرفوه عن أقرب الأشياء ~~إليه، وهو اكتسابه علما من اختباره، ومن ينكر فلينظر إلى الإنسان في ~~التاريخ، بل فلينظر إلى حال الإنسان اليوم في كل المعمورة بالنظر إلى ~~ذلك. فحيثما كانت سطوة الحكام ورؤساء الأديان عظيمة كان الجهل كثيرا ~~والعلم قليلا، وحيثما كان العلم قليلا كان الإنسان فاقد الحرية، ~~قليل التسامح، صعب المساكنة. وبالضد من ذلك تزول منه هذه العيوب، ~~وتتوفر فيه المزايا ضدها، على قدر نصيبه من العلم الصحيح. فدين الإنسان ms306 ~~الحق هو العلم، ومزيته على سائر الأديان أنه نظيرها، يعلم الإنسان ما ~~تعلمه الأديان، ويفوقها في أنه لا يجوز عليه ما يجوز عليها من تحكم ~~الإنسان بها في الإنسان، ولا تقيده نظيرها بزمان أو مكان؛ فالدين الحق ~~هو العلم الصحيح. # | المقالة الخامسة والستون # شكوى المستأجرين # 1 # ومبدأ العرض والطلب # قام في هذه الأيام جمهور من سكان القاهرة والإسكندرية يشكون من ~~تحكم أصحاب الأملاك أنهم يتقاضونهم أجورا فاحشة حق سكنهم، ولم ~~يقصدوا بذلك سوى مظاهرة بسيطة ليس فيها شيء بعد من الاعتصاب ~~الحقيقي، وإنما هي خطوة كبرى نحوه لعل الحكومة تتنبه، وتستعمل حقها ~~الطبيعي المشروع، وتتداخل في هذه المسألة وغيرها من المسائل الأخرى ~~الاجتماعية الحيوية للفصل فيها، بحيث لا يقع حيف على أحد لمصلحة ~~الآخر. # ولقد ذكرت الجرائد ذلك بين مصوب ومخطئ، ومنهم من أراد أن يثبط ~~عزائم المحتجين، فقال إن نجاحهم مشكوك فيه، لا لأن الشرائع عمياء، ~~والآذان صماء، بل لأن المسألة حقوقية، والمرجع فيها إلى مبدأ ~~اقتصادي (اكشفوا رءوسكم) هو مبدأ العرض والطلب. # ولو قال هذا القول قاض أو محام لعذرناه؛ لأن كل مؤمن معجب ~~بمسجده، ولكنه قاله صحافي أقل ما يطلب منه ألا يضلل وهو في مقام ~~مرشد. والجرائد تعتبر مشكاة الجمهور في المسائل الاجتماعية الكبرى؛ ~~ليعرف الجميع على السواء كيف يجب عليهم أن ينظروا فيها؛ منعا للحيف ~~واتقاء للقلاقل التي قد يجر ذلك إليها حرصا على مصلحة العمران ~~نفسه. # ومنع الحيف واتقاء القلاقل لا يكونان بالضرب على عقول الجماهير بسجف ~~التمويه، وعلى أيديهم بعصا الظلم؛ لأن ذلك يشبه أن يكون كذر الرمال ~~على النار، فلا تلبث أن يكون لها ضرام، بل بتعريف كل واحد في الاجتماع ~~ما له من الحقوق فلا يتخطاها، وما عليه من الواجبات فلا يقف دونها. ~~وقول هذا الصحافي يعجبني أكثر من صمت أولئك الذين يعرفون جيدا وجه ~~الحق، ولكنهم يحجمون عن إبداء رأيهم لئلا يخسروا رضا مشترك مالك، ~~والصحافة عندهم ليست إلا حرفة من الحرف، فهي ليست عندهم سوى تجارة ~~رابحة. # من المقرر ms307 البديهي الذي لا خلاف فيه أن الاجتماع لا يقوم بفرد ولا ~~بطائفة من أفراد، بل بأفراد وطوائف من أفراد يؤدون أعمالا مختلفة على ~~قدر اختلاف المنافع التي يحتاج إليها الاجتماع، بحيث إن كل واحد من ~~أفراده يؤدي العمل الذي لا يستطيعه سواه، ويستفيد من الآخر المنفعة ~~التي لا يستطيعها وحده. وقد شبه الطبيعيون العمران بجسم حي كبير ~~هائل، وأفراده بمثابة الأعضاء في هذا الجسم، فكما أن الأعضاء لازمة ~~لسلامة الجسم الحي، كذلك الأفراد لازمة لسلامة العمران. # ومن البديهي أن من كان هذا مركزه في الجسم يكون له فيه مثل ما عليه؛ ~~لذلك كان لكل فرد في الاجتماع حقوق على الاجتماع نفسه، كما أن عليه ~~واجبات له. ومن المعلوم أن من المنافع في الاجتماع ما هو ضروري لازم ~~لا يمكن الاستغناء عنه من غير أن يؤذي الاجتماع في أهم أركانه، ومنها ~~ما هو غير ضروري يمكن الاستغناء عنه بدون ضرر، والحق الذي للفرد من ذلك ~~يسمى حاجيا في الأول، وكماليا في الثاني. # فالكمالي مثل التأنق في المأكل والمشرب والبذخ في لبس الوشي وسكنى ~~القصور، فإذا استطعت ذلك فليس لأحد عليك اعتراض، ولا يمنعك أحد أن ~~تتبرع وتهب إذا شئت، ولكن إذا أردت أن تبقى ضمن دائرة حقوقك وواجباتك، ~~فلا سلطان لأحد عليك في أن يجبرك على أن تتعداها، وبقيت المسألة بينك ~~وبين سائر أفراد الاجتماع مسألة تراض؛ أي مسألة «عرض وطلب». # ولكن الحاجي مثل حق الأكل والشرب والمسكن الضروري الذي لا يمكن ~~الاستغناء عنه، وإلا هد الاجتماع من أركانه، هل يجوز أن يقال فيه ~~مثل ذلك؟ فهل يجوز أن يقال لطالب الرغيف ليقتات، والماء ليروى، والبيت ~~ليأوي إليه، إن المسألة مسألة «عرض وطلب» لا بد فيها من التراضي ~~كالتراضي على ثمن خاتم من ماس أو مطرف من خز؟ # ومعلوم كذلك أن قيمة كل شيء في العمران تزداد بكثرة الزحام حول ~~المنفعة الحاصلة من هذا الشيء؛ أي إنها تتوقف على عدد الأفراد الذين ~~يتألف منهم الاجتماع. فرغيف الخبز تعظم قيمته إذا كثر ms308 طالبوه، وكذلك ~~يقال في المسكن وسائر مرافق الحياة الضرورية، فهل يجوز والحالة هذه أن ~~تنصرف المنفعة من هذا الشيء إلى مصلحة طائفة من طوائف الاجتماع على ~~حساب الغير، مع معرفتنا أن هذا الغير هو المقوم لقيمة هذه المنفعة، ~~حتى يجوز أن يقال إن حقه من هذه المنفعة لا يقل عن حق صاحب الشيء ~~نفسه؟ وإذا صح له هذا الحق جاز له صرف المنفعة إلى مصلحته، كما يجوز ~~لصاحب الشيء صرفها إلى مصلحته أيضا؛ ولذلك كان من وظيفة الوازع ~~القيم على مصلحة العمران أن يراعي في المنفعة مع ذلك ظروف الزمان ~~والمكان أيضا لتعديلها لمصلحة الاثنين، وإلا وقع الاجتماع في ~~الفوضى. # لأن في الاجتماع ناموسا هو ناموس التنازع، يحمل كل واحد فيه بما فيه ~~من حب المحافظة على الذات على أن يجد ويكد بكل ما له من القوى ~~للحصول على أحسن نصيب من هذه المنافع، إلا أن هذا الناموس الذي هو من ~~أركان القوى الاجتماعية اللازمة لارتقاء الاجتماع، لا يبقى نافعا فيه ~~إلا إذا بقي محصورا ضمن دائرة معلومة تتفق فيها المنفعة الخاصة مع ~~المنافع العامة، وإلا انقلب إلى الضد، وأضر بالمصلحتين معا. فلا بد ~~إذن من معدل لهذه المنفعة لتبقى ضمن دائرة هذه الحدود؛ ولذلك كان من ~~أول واجبات الهيئة الحاكمة التي يهمها أمر الهيئة المحكومة النظر في ~~هذه المسألة الحيوية كلما دعت الحال إلى ذلك. # أنا لا أجهل أن هناك ناموسا يده فوق كل يد يعدل كل شيء في العمران، ~~وهو ناموس التكافؤ، ولكني أعلم حق العلم أنه قبل أن يتم ذلك على ~~موجب هذا الناموس يقع الحيف على الكثيرين ، وهذا مضر بالعمران. ومن ~~وظيفة الوازع اتقاؤه، وهذا لا يكون بإطلاق مبدأ «العرض والطلب»، وجعله ~~أساس كل المعاملات على حد سواء، غير فارق بين الضروريات وغير ~~الضروريات؛ أي بين الحاجيات والكماليات. # ولقائل إن الساكن مخير في أن يسكن البيت الذي يناسبه، وهذا ~~يساعد على هذا التعديل. وعلى ذلك أجيب بأن الشكوى ليست من ذلك فقط، بل ~~من اغتنام أصحاب ms309 المساكن غالبا فرص وجود السكان فيها لكي يحرجوهم، ~~إما بقبول الزيادة وإما بالخروج؛ لعلمهم ما عليهم في ذلك من الصعوبات، ~~فيضطرون لقبول أحد الشرين، وإلا عرضوا أنفسهم لشر ثالث، وهو ~~قضاء القانون عليهم بناء على مبدأ «العرض والطلب» المعتبر للمالك ~~حقا مقررا. # على أن في جميع الشرائع متسعا لذلك، إلا التي ضربت بالقانون، ~~وأكثر الحكومات حتى تلك التي نظن بأنفسنا أننا أرقى منها تهتم بالأمر. ~~وأما نحن فنأكل الرغيف ممزوجا بالتراب ونشارة الأخشاب، ويتقاضوننا ~~أسعار المآكل كما يشاءون، ويتحكمون في أجور المنازل، وينصرهم القانون؛ ~~وما ذلك إلا لأن شرائعنا صارت بهذا التحوير والتبديل نتفا من شرائع ~~غير ناضجة، وحكومتنا خليطا من حكومات متنابذة. فنحن اليوم معهما كما ~~في المثل القائل: «أسلم الظهر، ومات العصر.» فعيسى أنكره، ومحمد لم ~~يعرفه. فنحن لم نبلغ فيهما مبلغ الحكومات الراقية، ولا حفظنا من ~~شرائعنا حسناتها. # وهنا لي كلمة أوجهها إلى المحتجين، فأقول لهم أنتم محقون في ~~شكواكم، وأنتم في الاجتماع أعضاء لازمون، لكم عليه مثل ما له عليكم، ~~وأنتم مظلومون أيضا، وظالمكم حكامكم وشرائعكم، فلا تنحل عزائمكم، فقط ~~أنصحكم أن تلوذوا في مطالبكم إلى جانب الحكمة، حتى إذا كثر عددكم واشتد ~~تضامنكم، ولم ينصفكم الذين يجب عليهم أن يهمهم أمركم؛ كان لصوتكم ~~صدى فوق كل صوت، وليدكم مدى فوق كل يد. # | المقالة السادسة والستون # الحاجيات والكماليات # 1 # قرأت تعليق المؤيد على ما كتبته بخصوص شكوى المستأجرين ومسألة ~~«العرض والطلب»، وشكرت لسعادة صاحبه الفاضل الشيخ علي يوسف لاهتمامه ~~بالنظر في المواضيع التي بحثت فيها بحثا إجماليا، وإن كان قد خالف ~~نظره نظري في بعضها؛ لأن كلامي لم يذهب عنده من غير صدى، ولعل ما ~~علقه المؤيد لا يكون الوحيد والأخير، وأنا منتظر أن جمهور ~~المفكرين يشتركون في هذا البحث الاجتماعي الاقتصادي، الذي هو لنا أهم ~~جدا من جميع المباحث الأخرى العقيمة السياسية، وما نحن في مركز ~~سياسي يعول فيه على كلامنا بشيء عظيم، فلا أقل من أن نهتم ~~بشئوننا الداخلية؛ لعلنا بتعمقنا في المسائل الكبرى ms310 الاجتماعية نلقي ~~أساسا متينا نقيم عليه بناء إصلاحنا المنشود، ولا سيما أن كلامي ~~أعم من أن يقتصر على غرض واحد من أغراض الاجتماع، أو طائفة واحدة من ~~طوائفه، وسأنتظر ما يكون لجمهور كتابنا من الجولة في هذه المواضيع ~~لاستئناف البحث معهم فيها على ما يقتضيه المقام حينئذ. # فإني أشرت في كلامي الماضي إلى جملة أمور اعتبرتها من النقائص في ~~نظام هيئتنا الاجتماعية، سواء اقتصرت علينا وحدنا أو شملت أرقى الأمم ~~اليوم. ووجود النقص في هيئة راقية ليس بحجة علينا للوقوف حيث نحن ~~واقفون، وللإغضاء عن عيوبنا، ساوت عيوبهم أو زادت عليها، مكتفين بهذه ~~المقابلة، وناظرين فقط إلى مقامنا النسبي بالقياس إليهم فيما زاد ~~منها، فما هذا بالدليل الذي يجب أن يمنعنا عن أن نفتكر ونصبو إلى ~~الأحسن. كيف لا والقلاقل التي نراها تمزق أحشاء المجتمعات الراقية، ~~كما نسميها اليوم؟ أليست دليلا كافيا على أن تمدنها الذي تفوقنا ~~فيه شامل لعيوب كثيرة هي سبب هذه القلاقل؟ مما يدل على أنه ليس ~~التمدن الحقيقي، بل طور انتقال إليه، أفلا يجوز لنا، وإن كنا أحط ممن ~~هم أرقى منا، أن نسعى لكي نبني على أساس أحسن؟ وهل من الحكمة أو من ~~العدل إذا كانت نظاماتنا المعتلة المختلة تقيم الحوائل دوننا ودون ~~مطالبنا أن نعتبر هذه المطالب أفكارا عقيمة وأحلاما كأحلام الشعراء؟ ~~وكم من هذه الأحلام الاجتماعية التي كانت تعد هكذا في عصور خلت صارت ~~حقائق باهرة اليوم. # والمسائل التي ذكرتها في مقالي السابق تنحصر فيما يأتي: # أولا: # حق الفرد على الاجتماع كحق الاجتماع على ~~الفرد. # ثانيا: # إطلاق مبدأ «العرض والطلب» على جميع معاملات الإنسان ~~الحاجية والكمالية نقص في الشرائع وحيف عظيم. # ثالثا: # المسكن كالقوت والفحم ... إلخ حاجي، وأهم من هذا ~~الأخير، وما يجوز على الواحد يجوز على الآخر. # رابعا: # إذا عسر الفصل في مسألة المساكن فليس لأن المسألة ~~يجب أن تخرج عن هذا الحد، بل لأن النظامات في الاجتماع ~~ناقصة. # خامسا: # شرائعنا نحن خصوصا ناقصة نقصا مركبا، والحيف يقطر ~~منها من كل أطرافها. ms311 # سادسا: # حكومتنا أقل ما يقال فيها إنه لا يصح أن تعتبر ~~حكومة ذات نظام معلوم، فهل من راء غير ذلك؟ ومجال ~~القول ذو سعة. # | المقالة السابعة والستون # حق لا صلف # 1 # وواجب لا رحمة # متى عرف الإنسان في الاجتماع واجباته كما يعرف حقوقه قلت الشرور من ~~بني البشر. # ومتى فهم الإنسان جيدا معنى قوله: «حب قريبك كنفسك.» عرف غرض الشارع ~~الاجتماعي، ونال أجر عمله، إن لم يكن في الدارين ففي هذه الدار ~~أولا. # ومتى عمل بهذه القاعدة الذهبية: «وكما تريدون أن يفعل الناس بكم ~~افعلوا أنتم أيضا بهم.» علم أن الاجتماع لا يرجى صلاحه إلا بالعدل في ~~التعاون. # ومتى فهمنا أن الاجتماع لا يقوم إلا بأفراده، علمنا أن حق الفرد على ~~الكل مثل حق الكل عليه. # ومتى علمنا أن هذه الحقوق طبيعية لا وضعية، علمنا أنه لا يمكن ~~الإخلال بها حتى يختل نظام الاجتماع نفسه، وعلمنا أن كل ما نصنعه في ~~الاجتماع من حسن نثاب له، وأن كل ما نأتيه من قبيح نعاقب عليه، لا ~~بالشرائع الوضعية، بل بالشرائع الاجتماعية الطبيعية نفسها. # فإن أصلحنا حال الفقير دفعنا عنا شرور الجنايات، وشرور الأوبئة من ~~فساد أخلاقه، وفساد معيشته بقذارته. # وإن اعتنينا بالمريض دفعنا شرور الأمراض وانتشارها بيننا وتأصلها ~~فينا، فما نفعله مع كل واحد في الاجتماع يجب أن نفعله حرصا على ~~مصلحتنا، ومصلحة الاجتماع نفسه التي هي مصلحتنا أيضا، وما نطلبه منه ~~يجب أن نطلبه كذلك. # فلا استرحام إذن ولا تمنين. # وما دفعني إلى هذا القول إلا ذهولنا عن هذا المبدأ الذي تؤيده نواميس ~~الاجتماع، وآراء المصلحين، والشرائع الدينية نفسها. # هذا الذهول منا واقع في كل أعمالنا، كما تدل عليه شرائعنا المدنية، ~~ولو أقرها الإجماع فالإجماع لا يكسبها متانة ما دام هو نفسه عمل ~~عقل متعدد في رءوس كثيرة، ليس للكثرة فيه مزية على العقل ~~الواحد. # وكما يدل عليه أيضا سلوكنا نحن أنفسنا في أكثر مطالبنا، وخصوصا ~~سلوكنا اليوم في مطالب المستأجرين وسلوك اللجنة نفسها المدافعة عن ~~حقوقهم. # وكأني بالجميع رأوا ms312 تراكم الصعوبات من حوائل النظامات ومجرى ~~الأفكار، فقاموا يستلينون القاسي من الشرائع بالاستعطاف، وينبهون ~~الغافل من الحكام بالاسترحام، كما فعلت اللجنة في عريضتها إلى الحكومة، ~~وكما فعل مكاتب البصير نفسه؛ فإنه بعد أن نصر المستأجرين رأى كل هذه ~~الحوائل، فقام يطلب إلى الحكومة أن ترأف بهم كما يرأف الله بعباده. ~~وأخشى أن تعول الحكومة على هذا الهز بالحرف فتكون النتيجة سلبا، وليس ~~لهم هنا عزاء كما لهم هناك في الحياة الأخرى. # فأردت أن أنبه هنا إلى أن مطالب الاجتماع لا تدع سبيلا للواحد أن ~~يمن فيها على الآخر، فالاجتماع كما قلت سابقا أكبر مراب، ولكن على ~~عكس المرابين يرد كل شيء برباه، ولو تبرعت به عليه تبرعا، لعل ~~الأفكار تنصرف إلى النظر في هذه المباحث وأمثالها من وجه التضامن في ~~الحقوق والواجبات؛ فإن ذلك أحق وأنجع. # ولأنه يظهر حقيقة أن أكثر الناس يظنون أن مثل هذه المطالب تهجم ~~غير معقول، وأحلام لا تنال، ودليلنا على ذلك جريدة الأخبار نفسها، مع ~~ميلها فيما نظن إلى نصر المحتجين، فقامت تكتب ما يشم منه رائحة ~~التثبيط. ولعله التوى عليها الأمر لانشغالها اليوم بأمور غير هذا ~~العالم. # على أنه يعجبني جدا ما كتبته جريدة الظاهر، مما يتضح منه جليا ~~أن هذه الأحلام إنما هي حقائق، وقد طمحت إليها أنظار العالم الراقي حتى ~~صارت فيه في حكم الشرائع. # وقد بحثت في ذلك جريدة المقطم في مقالة ضافية بحثا اقتصاديا ~~محكما تذليلا للصعوبات، وتقريبا للمنفعة المشتركة. # والحق يقال إن الشر كله من تصرف بعض الملاك مع المستأجرين ~~المقيمين في ملكهم منذ زمان اعتمادا على الصعوبات التي تنالهم في ~~انتقالهم من مكان إلى آخر؛ فلذلك يختارون أخف الشرور بالبقاء على ~~القديم أو بقبول الزيادة مضطرين، وإلا فإن هناك ناموسا اجتماعيا ~~طبيعيا لا بد أن يعدل كل شيء. وإذا طالت الحال على ما هي - ويخشى أن ~~تطول وتشتد ما دامت الحكومة لا تبدي ولا تعيد - فلا بد من نزول ~~الأجور إلى حد يفوق حد التصور، خصوصا بهذا التشبث ms313 من ~~الفريقين. # ونعم ما قام به المحتجون من تنبيه الجمهور إلى ما له من الحقوق ~~للمطالبة بها، ولو لم يكن الآن لمثل هذه المظاهرات سوى تمهيد العقبات ~~الاجتماعية للمستقبل لكفى بها نفعا، إلا إذا اشتد الفريقان، فتكون ~~الفائدة في جانب الأقوى، ولعلهما لا يفعلان حرصا على منافعهما ~~المتبادلة. # | المقالة الثامنة والستون # حرية الطباعة وقانون المطبوعات # لم يكن للحكومة المصرية قانون أو مشروع قانون حقيقي للمطبوعات قبل ~~سنة 1879 و1880؛ لأن الحكومة قبل هذا التاريخ كانت حكومة استبدادية، ~~قانونها في الواقع إرادة الحاكم، ولو قيدت هذه الإرادة بنظام في ~~الظاهر، ولأن الجرائد كانت قبل هذا التاريخ قليلة أيضا، ثم كثرت ~~الجرائد، واشتدت المراقبة الدولية على أعمال الحكومة، فرأت هذه أن ~~تضع قانونا للمطبوعات، فأوعزت إلى أحد عمالها الأجانب المقتدرين ~~«بوريلي بك» أن يضع مواد هذا القانون، وظنت أنها تستطيع أن تطلقه ~~على سائر المطبوعات العربية والإفرنجية. والظاهر أنه لم يجد أصلح لذلك ~~من قانون فرنسا، بما فيه من بقايا الإمبراطورية الثالثة، فساء ذلك ~~جمهور الصحافيين، وأخذوا يتقمقمون. # فكتبت حينئذ مقالة تحت اسم «حرية الطباعة»، ونشرتها في جريدة مصر ~~الفتاة التي كانت تحرر باللغتين الفرنساوية والعربية، وتنشر في ~~الإسكندرية، والتي أنشأها في ذلك العهد # 1 # بعض رجال الحرية من وطنيين وأجانب، تحت إدارة أديب إسحاق ~~صاحب جريدة مصر والمحروسة، وكان من أنصارها العاملين المتحمسين ~~«غوسيو» اليوناني، أحد عمال بنك «الأنجلو إجيبسيان» قبل أن يرقى إلى ~~رئاسة إدارته، وكان ينشر مقالاته فيها بالفرنساوية، فتترجم إلى ~~العربية. # وفي هذه المقالة التي فقدت مني # 2 # ذهبت إلى أن الآلات التي يخترعها الإنسان ليست سوى أعضاء ~~إضافية متممة لأعضائه الطبيعية، فلا يجوز أن تعامل معاملة ~~استثنائية تخالف معاملة الأعضاء الطبيعية نفسها. فكما أنه لا يشترط ~~على الإنسان لاستعمال رجليه خوفا من أن يسعى بهما إلى الشر، أو يديه ~~خوفا من أن يجني بهما؛ لا يجوز أن يشترط عليه كذلك لاستعمال أعضائه ~~الإضافية. فإذا جنى بها فالقانون الذي يتكفل بمعاقبة جنايات الأعضاء ~~الطبيعية، وهو القانون العام، يجب ms314 أن يتكفل بمعاقبة جنايات الأعضاء ~~الإضافية أيضا. # وكأني لم أكتف بذلك، بل اعتبرت واضع بنود هذا القانون مسئولا أكثر، ~~فكأني نظرت أن الحكومة ألفت الاستبداد كسائر الحكومات المتقهقرة، فهي ~~لا تدرك مزايا الحرية الصحيحة المقرونة بالحزم؛ لأن ذلك يتطلب نزاهة ~~وعلما واختبارا لاستخدام الشدة اللازمة التي تقتضيها فكرة الخير من ~~دون أدنى تذبذب، وقلما كانت الحكومات الشرقية نزيهة والمستبد صارم ~~ظالم، ولكنه غير حزوم. وأما واضع هذا القانون - الأجنبي - فلا يجوز له ~~أن يجهل هذه المزايا، وهو يومئذ طريد الحرية على المشهور، فكأني نظرت ~~إليه نظرا أعلى لزيادة تحقير عمله في تجاهله، فأرسلت له المقالة ~~المذكورة ضمن خطاب خاص مختصر، كتبته له بالفرنساوية، وضمنته الكلام الآتي: # عجبت كيف أنكم قبلتم أن تخطوا مثل مواد هذا القانون وأنتم ~~مطرودو الحرية من بلادكم، ولكن الظاهر أن لسماء مصر تأثيرا ~~على العقول. # وأمضيت. ثم مضت السنون وهذا القانون حبر على ورق، ولا سيما أن ~~الدول الممتازة أبت أن تصادق عليه. وقد راق للحكومة مرة - وقد غلبتها ~~نعرة الاستبداد - فصادرت إحدى الجرائد المنتمية لحكومة أجنبية، ~~فكلفها ذلك تعويضا واعتذارا. # وبقي هذا القانون سلاحا مثلما في يد الحكومة كخيال الكروم عند ~~غيبة الناطور، أو حلية - وإن لم يكن كذلك - مدفونة كخطوط الحكومة ~~العثمانية الإصلاحية في العهد الماضي - حساب العهد الجديد لم يدخل في ~~التاريخ بعد - حتى سنة 1888 على عهد الوزارة الفهمية، حيث كان الباعث ~~على إخراجه من قبره سلوك هذا العبد الفقير المخدش للأذهان. وحتى تلك ~~الساعة كنت مخدوعا بنفسي، فلم أكن أعلم بي ذلك، غير أن حكم الإنسان ~~وإن كان قد يجوز على نفسه أحيانا، إلا أنه لها لا يجوز. # ولبيان ذلك لا بد لي من تمهيد صغير آتي فيه على صفحة تاريخية ~~صغيرة. ~~••• # في أول سنة 1886 أنشئت مجلة «الشفاء» في الطب، ولم يكن حتى الساعة ~~صحيفة طبية في مصر، ومجلة الطبيب التي كانت تصدر في بيروت كانت قد ~~توقفت، وكان الطب في مدرسة القصر العيني والمدرسة السورية الكلية لا ~~يزال يعلم ms315 باللغة العربية. وقد اشتركت مصلحة الصحة بمائة وخمسين ~~نسخة منه توزعها على أطبائها. وأول ما سعيت به عند إنشائه تأليف جمعية ~~طبية مصرية عربية، وما مرت أشهر حتى ذاع صيت الشفاء وانتشر، وبلغ ~~المشتركون أو بالحري الملصقة بهم المجلة عددا وافرا، أيقنت منه ~~النجاح في الغايتين العلمية والمالية، ولكن إلى حين. # وكأن خبر هذا النجاح كان مهمازا حرك بعض محبي المعارف لإنشاء ~~صحيفة طبية أخرى. وبالفعل ما دخل الشفاء في سنته الثانية حتى كانت مجلة ~~«الصحة» المعروفة قد صدرت، فاستقبلها الشفاء بالترحاب، كما استقبل آدم ~~حواء، وأصبحنا كلانا نرتع في فردوس مصلحة الصحة. والظاهر أن هذا ~~الفردوس لم يكن ليسعنا كلينا، غير أن مجلة الصحة كانت ذات ضلع مع ~~إدارة الصحة، وذات ضلع ناعمة وأنعم من ضلع الشفاء، فأول ما شطحت نطحت، ~~كما يقول وحيد بك، فنشرت في أعدادها الأولى كلاما مفاده أن بعض الناس ~~يرمي مصالح الصحة المصرية بتعضيد الصحة لمعاكسة الشفاء، إلى آخر ما ~~هنالك. وصار رئيس مصلحة الصحة يقرأ الشفاء بعد أن كان لا يقرؤه، ويجد ~~في ثناياه مغامز كثيرة ضده. وصاحب الشفاء ضيق الحوصلة، تأتيه بالورب ~~فيصادرك وجها لوجه، فما طال الأمر حتى صار القرد كما في المثل العامي ~~يلعب بين مصالح الصحة والشفاء؛ أي اتسع الخلف بينهما، وانتهى بسلب ~~الشفاء تعهد مصلحة الصحة باشتراكاتها، بعد أن أجبرها بطريق المحاكم ~~على دفعها له عن السنة الثالثة أيضا. # على أثر ذلك اشتد الخلف بين آدم الشفاء وحواء الصحة، حتى صارت ~~الحال بينهما كما هي بين أكثر الرجال والنساء، فصار الشفاء إذا قال هذا ~~أبيض، قالت الصحة بل أسود، ولكن الصحة كانت في كل ذلك أكثر لباقة ، وإن ~~كان الشفاء أوضح بيانا وأثبت حجة. ~~••• # ثم حدث أن الجمعية الطبية المصرية العربية المنشودة تألفت، وعقدت ~~جلستها الأولى - ولم تطل بعد ذلك جلساتها ككل مساعي الشرقيين - فقام ~~الشفاء على عادة الجرائد يتبجح في أنبائه عنها بقوله: «هذا الذي طالما ~~نشدناه وطلبناه وتمنيناه و... و... و...» إلى آخر ما هنالك من ms316 تبجحات ~~الصحف التي لا يتم أمر في العالم إلا وقد سبقت وأنبأت به. فلم يرق ~~للصحة أن تكون الجمعية قد تألفت إجابة لنداء الشفاء، فقامت تدفع ~~مفترياته على زعمها بما كان له كالنقطة للحوض الملآن، أو الشرارة ~~للأفعال المتجمعة؛ إذ إن الشفاء خلافا للقياس الطبيعي كان قد حبل من ~~الصحة لكثرة مساعيها المستترة، وصاحب الشفاء ليس بالصحافي المدرب، ~~ولا هو بالمنتجع الذي يعرف كيف يستفيد، وساءه ما يرى في طبائع أهل ~~الشرق من مساعي التنابذ والتخاذل والمعاكسة والمواربة، حتى تموت فيه ~~كل نفس ناهضة، أو تنقلب إلى الضد، فكتب مقالة شديدة اللهجة ينتقد أهل ~~الشرق في ذلك انتقادا مرا، من كبارهم إلى صغارهم، ومن أمرائهم إلى ~~صعاليكهم، وختمها بهذين البيتين: # سبقتهم إلى التنبيه طرا # بعزم ثابت حر قوي # وكم حرضتهم تحريض عيسى # ولكن ليس لي سيف النبي # فجاء هذا الكلام للخصوم «شحمة على فطيرة»، وتذرعوا به لدى قلم ~~المطبوعات - وكانت طبلة أذنه مستعدة - إلى إصدار إنذار مشدد. قيل ~~- والعهدة على الراوي - إنهم مددوا الوقت حتى أصدروه، ثم ذهبوا ~~وأمضوه من الناظر في بيته. وفي هذا الإنذار تهديد للشفاء بالتعطيل إذا ~~عاد إلى تخديش الأذهان عملا بالبند الثالث من قانون المطبوعات. ~~••• # حينذاك خطر ببالي ما كتبته في هذا القانون يوم سنه، وما كتبته إلى ~~واضع بنوده، فنظمت كل ذلك شعرا في عرض الكلام على الإنذار، وأثبته ~~في الشفاء، قلت: # عجبنا كيف أخلفتم # عهودا قد أجلتكم # شرعتم غير شرع الحق # ما هذا الذي جئتم # كأنكم أضلتكم # سماء قد أظلتكم ~~••• # لكم أعضاء قائمة # بها الأفعال ما عشتم ~~••• # وأنتم مثلنا تدرو # ن ما بالفعل أنكرتم # بأن المرء مخترع # لآلات بها سدتم # لآلات متممة # لأعضاء لها حزتم ~~••• # فلم نسمع بمخلوق # لعل سمعتم أنتم # لينطق أو لكي يمشي # يقال له كما قلتم # يقال له ألا استأذن # وسبقتم وضمنتم ~~••• # فإن نخطئ بأيدينا # نعاقب بالذي صنتم # وحكم متممم الأعضا # ء حكم العضو لا زلتم # وكان ذلك خير ما ظنت الحكومة أنها تقدر أن تصلني به على خير ما ms317 ~~ظننت أني أقدر أن أخدم الأمة والحكومة به، اللهم إلا إذا عدت الأمة ~~والحكومة ضدين متنابذين. فقد قال لي بعضهم يوم انتقدت قرار الجمعية ~~العمومية في مسألة القنال ما أرويه بالحرف، قال: «اليوم الوحيد الذي ~~«فازت» الأمة فيه على الحكومة قمت يا حضرة العالم والفيلسوف تنتقد ~~عملنا، فدعنا في جهلنا، ودع علمك لبلادك.» وحتى الساعة لم أكن أدري أن ~~الحكومة اليوم تشتغل بفكرة الشر، وأنها عدوة الأمة، وإن كنت أعتقد أن ~~الخطأ قد يتسرب إلى أشد الأعمال إخلاصا. وقد مر علي وأنا في مصر ~~نحو «أربعين سنة» - ما كفى «باناس» اليوناني وأقل منه لأن تتنازعه ~~الوطنية الفرنساوية - شاهدتها فيها في الحالين، وخبرتها في الطورين، ~~وتعزيتي الكبرى أن وطني أعم من أن ينحصر في بقعة من الأرض، وأن مصر ~~الراشدة أعدل من أن تجور علي بمثل هذا الحكم، وقد خبرتني صديقا ~~مخلصا، كما خبرتها بلادا تنسيك بحسن وفادتها الأوطان، وقوما ~~يعيضونك بجميل عطفهم أهلا بأهل وإخوانا بإخوان، أو أن الصديق الصادق ~~هو الأعمى في كل حال، وإلا فهو العدو اللدود! وبئس مثل هذا ~~الصديق. ~~••• # ودام إصدار الشفاء بعد هجر مصلحة الصحة له سنتين أخريين أيضا، ولكني ~~اضطررت أخيرا أن أوقفه لأن «حساب الحقل ما وافق حساب البيدر»؛ فإن ~~المشتركين الذين كانوا كثيرين في السنة الأولى على الورق، وكانوا سبب ~~هذا النقار والمزاحمة على النضار، كانوا قليلين عند الدفع، فقمت ~~أنقيهم سنة فسنة حتى أصبحوا أخيرا كصبيرة طمسن # 3 # وزد على ذلك حسن إدارة صاحب الشفاء في الأعمال المالية، ~~كما دلت عليه مضارباته بعد ذلك بالبورصة لعله يثري، ويستطيع وحده ~~أن يضع أساس مشروع مستشفى طالما حث السوريين عليه، فأبوا إلا أن ~~يتسكعوا بمرضاهم على أبواب المستشفيات الأجنبية. وكأن البعض اليوم ~~يريدون أن يكذبوا على الناس بعد مماتهم، كما كانوا يكذبون عليهم في ~~حياتهم، وحتى الساعة ليس لهم ذلك، وما درى أنه بذلك انتقل من «الشفاء» ~~إلى بحبوحة «الشقاء»، وصاحب الشفاء قليل الصبر لا يحب الأمور إلا ~~مستعجلة. وقد أشار إلى كل ms318 ذلك في أبيات قصيدة نظمها يصف مسعاه هذا ~~وحبوطه فيه، ووقوعه في حبائل المشاكل، قال: # قلت علي وحدي فهبت بي الأر # زاء تترى رزءا فرزءا دراكا # إلى قوله يعزي نفسه: # رب قوم عابوك والعيب فيهم # لو سما فرعهم لنلت السماكا # يفشل المرء لاقتضاء انطباق # إن تولى أوهى به الإدراكا # ويهون الفتى بأرض هوان # لو تسامت لزاحم الأفلاكا # طال سيفي في غمده مستقرا # وهو لو سل قلما أن يحاكى # يصدأ السيف أن يغل وسيفي # إن تجلى يطاول الأملاكا # كم جلا الحق لو درى الناس معنا # ه لما الظلم ساد فيهم وصاكا # والتبجح رأس مال المفلس، وصاحب الشفاء ليس من غير طينة سائر ~~الناس. ~~••• # وبعد أن أوقفت الشفاء بأيام قليلة توجهت ذات يوم إلى نظارة ~~الداخلية، وكان ذلك على عهد الوزارة الرياضية بعد سقوط الوزارة ~~الفهمية. فلما قابلت الوزير الخطير رجل مصر الكبير سألني: «ما شأنك؟» ~~قلت له على الفور: «جئت لأعطل صحيفة الصحة.» فنظر إلي مندهشا، ~~وقال لي: «كيف ذلك؟» فابتسمت حينئذ وقلت له: «قد أوقفت الشفاء. وفي ~~اعتقادي أن الصحة «باراسيته» فلا تستطيع أن تعيش بعده.» وهكذا كان، ~~وانقضى تاريخان في الصحافة الطبية كان عمرهما قصيرا. # وأما اليوم، فلا شفاء ولا صحة عادا ينفعان بعد أن تحول التدريس في ~~مدارس الطب في مصر وسوريا إلى الفرنساوية والإنكليزية، حتى فقدت اللغة ~~العربية العلمية بذلك أقوى ركن لها، وصار من الراجح ألا يعود لها ذلك ~~لعدم وجود علماء باحثين فيها، ولسرعة سير العلوم الطبيعية حتى صار يصعب ~~عليها اللحاق بها. ~~••• # وكأن هذا الإنذار الذي ضربت به كان الأخير، وأهمل بعد ذلك العمل ~~بقانون المطبوعات، وقامت الحكومة تقاضي الصحافيين أمام المحاكم، ~~وتفتحت لهم أبواب السجون، وأمها منهم الصالحون والطالحون. فقمت ~~حوالي سنة 1898 بحركة في الصحافة، وضممت إلي مدير المؤيد لالتماس ~~العفو عن مجرمي الأقلام، وكان بعضهم مسجونا لذنوب ضد العائلة ~~الخديوية، والبعض الآخر ضد الدولة المحتلة، وكأن المعية كانت أقرب إلى ~~العفو، لولا أن الوكالة البريطانية أبت أن تتداخل في الأمر بحجة ms319 أن ~~ذلك ليس من خصائصها، فلم نفلح. # ثم إنه في سنة 1901 كثر التطفل على الصحافة والتهجم على أعراض الناس، ~~خصوصا بما حل من طيف حكومة الآستانة على مصر، فانتقلت الجاسوسية ~~إليها، وأفسحت للجرائد المتدنية موارد الكسب من طرقها غير المشروعة، ~~وبالاتفاق مع الجواسيس، حتى ضج الناس، وشكا أعضاء الجمعية العمومية ~~من هذه الفوضى، وطلبوا إعادة العمل بقانون المطبوعات، فكتبت المقالة ~~الآتية تحت عنوان «فوضى المطبوعات». # 4 # وهي هذه: # تشكت الجمعية العمومية من تهجم بعض من اتخذ الصحافة ~~وسيلة للوقيعة في الناس، ونهش أعراضهم، وانتهاك حرماتهم، وطلبت ~~من الحكومة وضع حد لما سمته الجرائد «فوضى المطبوعات»، ~~وتبعها أصحاب الجرائد المهمة في هذه الشكوى، وأخذ كل منهم ~~يصف الدواء بحسب ما تراءى له. فمنهم من طلب وضع قانون للسيطرة ~~على المطبوعات، وهو دواء ليس فيه شيء رادع، على ما به من ~~تقييد حرية الصحافة، والرجوع بنا القهقرى إذا تبعته الحكومة. ~~وهذا لا ينطبق على غايات الحكومات الصالحة التي من واجباتها ~~تسهيل سبل الارتقاء. وذهب غيرهم - ومذهبهم أقرب إلى الصواب - ~~إلى أن القانون كاف لتأديب كل معتد. على أن الباحث في أمراض ~~الاجتماع كالباحث في أمراض الجسم، يجب عليه لمعرفة الدواء أن ~~يتعرف أولا أسباب الداء. وليس من ينكر أن المتطفلين اليوم ~~على صناعة الكتابة، المتدنين بها إلى الطعن المحكي عنه، لا ~~يقصدون بذلك سوى التهويل لاستدرار المنفعة لهم، وما الذي يا ~~ترى جرأهم على ذلك؟ لا شك أن الذي فتح لأصحاب الأخلاق ~~الفاسدة هذا الباب الواسع هو الجاسوسية التي فشا داؤها في هذه ~~البلاد في السنين الأخيرة إلى حد لم يعهد له مثيل في مصر، حتى ~~في أعظم أيام استبداد حكامها السالفين، وما يترتب على هذه ~~الجاسوسية من الاسترضاء. # وقد كثرت شكوى الناس والجرائد من هذه الرذيلة التي انتشرت في ~~طول البلاد وعرضها، واستغرب العقلاء منهم كيف أمكن لها أن ~~تمتد هذا الامتداد في عهد الاحتلال (راجع تاريخ أكثر هذه ~~الوريقات الساقطة)، وكثيرا ما يكون للجواسيس اليد الطولى في ~~الحض على ms320 هذه المنشورات البذيئة، فيقدمون بها التقارير، ثم ~~يسعون للاسترضاء، فإذا نالوه اقتسموا المنفعة حتى صارت هذه ~~الرذيلة، أي الجاسوسية وما يترتب عليها، أعظم وسائل الكسب في ~~هذه الأيام، وحتى كادت تأخذ بتيارها الجارف الكتاب ~~المجيدين بما تزين لهم من المطامع. # فإذا كانت الجمعية العمومية والجرائد وعقلاء الأمة وكبراؤها ~~يريدون أن يضعوا حدا لفوضى المطبوعات كما يقولون، فعليهم قبل ~~كل شيء باستئصال الأسباب المحرضة عليها قبل أن تجلب على ~~البلاد شرا ليس في الحسبان. فإذا فعلوا ذلك فأنا أضمن لهم ~~بأن المطبوعات تتهذب من نفسها بقوة الانتخاب الطبيعي الذي ~~يميت كل ما كان بذيئا بإغفاله، ويحيي كل حسن بالإقبال عليه، ~~فلا يقدم حينئذ على الكتابة إلا كل نحرير واسع الاطلاع، نبيل ~~الغاية، يقصد النفع لنفسه من حيث ينفع سواه. وإذا قلبت الآية ~~وصرفت القوة المبذولة الآن لزرع أغراس الجاسوسية، ونشر بذورها ~~لإفساد أخلاق الناس بها، واستخدمت ما لها من الوسائل لتنشيط ~~الكتاب المجيدين؛ فإنها تنقي الكتابة من الأدران التي ~~نشكو منها الآن بأسرع مما يظن، وتخدم البلاد خدمة يشكرها ~~الناس عليها، ويذكرها لها التاريخ بالإعظام. انتهى. # وبالرغم من إلحاح الجمعية لم يرجع إلى العمل بهذا القانون؛ لأن مبادئ ~~اللورد كرومر لم تكن ترضى به، ثم سافر اللورد كرومر وخلفه السير غورست، ~~ودامت الحال كأن لا حكومة حتى سقطت الوزارة الفهمية الأخيرة، وقامت ~~الوزارة البطرسية، فكانت باكورة أعمالها إعادة العمل بهذا القانون ~~المدفون، فأوجب ذلك زيادة الشكوى على غير فائدة؛ لأن القانون لم ~~ينفذ بالحرف، والتهويل به أحرج الطبائع التي قد تناسته. والظاهر من ~~مسلك الوزارة الحالية أنها تنوي تنفيذ هذا القانون بأقصى شدته، غير أن ~~الجمعية العمومية التي كانت تطلبه في الماضي ليست ميالة إليه كثيرا ~~اليوم. # على أن العمل بهذا القانون لا ينيل الحكومة في رأينا الغرض الذي ~~تتوخاه منه، إلا إذا كانت تريد أن ترجع بنا إلى الاستبداد الأعمى. ~~وهذا لا ينطبق على مصلحة البلاد خصوصا اليوم، ولا ينطبق على مبادئ ~~الحكومة المحتلة، وإن انطبق عليها فلا ينطبق على ms321 مبادئ أمتها، فسيكون ~~وجوده علة للاضطراب والتشويش، تارة من هنا وتارة من هناك. # وإذا كان إلغاء العمل بقانون المطبوعات في الماضي أوجب التطرف من ~~البعض والتهجم من البعض الآخر، فإن إعادته في العهد الأخير لم تأت ~~بالمرغوب، وزادت الشكوى أيضا؛ وذلك لأن الحكومة في الأمرين لم تكن ~~متوافقة مع نفسها، فلم تكن حازمة في الحرية ولا مستبدة في المظاهرة ~~بالشدة، بل كانت حكومة تهويل متذبذبة في الحالين، تشد تارة وترخي ~~أخرى، وما من حكومة تسلك هذا المسلك إلا وترمي البلاد هي نفسها في ~~الفوضى، ثم تسأل الآخرين بعد ذلك عما هي وحدها مسئولة عنه. # فقانون المطبوعات اليوم لا فائدة منه، ووجوده مضر في كل حال، بل ~~يجب دفنه إلى الأبد. والحكومة الحازمة يجب ألا تخشى الحرية، ولا يخشاها ~~إلا الذي لا يعرف ماذا يريد أو ماذا يلزم، فيتذبذب متراوحا بهذا ~~الذكاء الشرقي الذي يعده البعض دهاء، نعم هو دهاء ولكنه دهاء حبله ~~اليوم لا يطول؛ إذ لم يعد ينفع في هذا العهد إلا الصراحة المقرونة ~~بالعلم والحزم. فلا تجرب الحكومة اليوم ما قد يجر لها المتاعب غدا، ~~وعلى البلاد الوبال. فلا تخش الحرية، ولا تخش معها الضرب بيد من حديد ~~عند اللزوم لتقويم الأخلاق ما دام رائدها فكرة الخير، ولتعمم قبل كل ~~شيء التعليم الحر الذي لا يشوبه كدورة الأغراض، ولا أقل من أن تأتي ~~ذلك في المدارس الأميرية، تاركة لأصحاب المنازع الدينية المختلفة أن ~~يتعهدوها في معاهدها الخصوصية، ولا تجار الجهلاء الذين لا يفهمون ~~ما يطلبون، ولا الحكماء الذين يتوهمون أن سياسة الصراحة لا تنطبق على ~~العمل - ولا يدرون أنهم بذلك يرسخون سواها - ما دام المسلك ليس فيه ~~مصادرة لأحد في خصوصياته ، حينئذ يقضي ناموس التنازع الطبيعي نفسه ~~القضاء العادل بين الصحف والكتاب، حتى لا يعود يؤمها إلا كل من ~~توفرت فيه المزايا اللازمة التي تضمن المنفعتين العامة والخاصة، بما ~~يؤديه من الخدمات الصحيحة التي يفهمها الناس حينئذ، ويقدرونها حق ~~قدرها. # تقول إنك تأبى القتل عن خلق # حتى على ms322 النمل تخشى وطأة القدم # وفوق رأسك ألقى كلة # 5 # رفعت # مصبوغة بدم الناموس كالعتم # فقلت والله إني صادق فأنا # لا أستحل لنفسي غير سفك دمي # | المقالة التاسعة والستون # الدفن والمدافن وعلامات الموت # الناس في كل العصور مفتونون بما يئول إليه أمرهم بعد موتهم، ~~والأكثرون على أن النفوس بواق، أما الجسوم الفانية فلا يبتون فيها ~~قولا. ولو أن الشرائع جميعها تقول بالحشر وقيامة الأجساد. والمصريون ~~القدماء أشد من كان في عمله متفقا مع معتقده، فكانوا يعتنون ~~بالأجساد بعد الموت اعتناء خاصا يحفظها من الدثور على مدى الدهور، ~~ليسهلوا على النفوس الاجتماع بأجسادها عند الحشر. فكانوا يأتون فيها ~~عملا تمثيليا بالتحنيط يقيها من البلى، ولكنه يجعل ارتداد الحياة ~~إليها - بعد الموت الظاهري - أمرا ممتنعا. # أما الذين لم يكونوا يلجئون إلى التحنيط الديني أو الإحراق الديني، ~~كما يفعل المجوس حتى اليوم؛ فكانوا يعولون لتقرير الموت الحقيقي ~~والدفن على علامات قد لا تصدق. فيبقى الميت المدفون معرضا لأن تعود ~~الحياة إليه، ولكنها تعود إليه ليقضي بعدها بالعذاب الشديد بين جدران ~~القبر وتحت تراب اللحد. ومن يستطيع أن يتصور هول الدقائق أو الساعات أو ~~الأيام التي تمر على المدفون حينئذ قبل أن يعود ثانية ويموت الموت ~~الحقيقي؟ وقد يستطيع ذلك بعض الشيء أصحاب أمراض ضيق التنفس، كالداء ~~المعروف بالربو. # ولا يخفى أن العبد الفقير محتكر لهذا الداء منذ حداثته، وقد كان له ~~أوفى صديق حتى اليوم، ولا أذكر أني جزعت في كل أطوار حياتي من كل أنواع ~~الموت مثل جزعي عند تصور هذا الدفن، وما ذلك مني من تلك «الغفوة» ~~التي لا تحب، بل من تلك «اليقظة» التي ترهب، حتى إني قلت ذات يوم ~~في مرض عرض لي منذ بضع سنين الأبيات الآتية، وهي تعبر عن هذا الشعور ~~بي أصدق تعبير، وإني موردها هنا، ولكن بعد أن أستأذن هذه المرة من ~~كلية الأساتذة ومن أستاذ الاثنين. والأبيات هي: # ادفنوني في القبة الزرقاء # إن قدرتم فذاك أقصى رجائي # لا بقبر في الأرض لا كان قبر # ضيق ms323 النقب ضيق الأرجاء # أودعوني المنطاد ينقل جسمي # في فسيح الخلا وصافي الهواء # ولأنل في الممات ما لم أنله # في حياتي من بعد طول العناء # سعة في البقا ولو بت فيها # أكل وحش الفلا وطير السماء # والعلامات المعروفة التي ترافق الموت، والتي يعول عليها الناس حتى ~~اليوم، هي همود الجسم وبرده، وانقطاع التنفس، وانقطاع النبض، ووقوف ~~دقات القلب، ويزيد الأطباء عليها علامات أخرى يحاولون استكشافها كل ~~يوم، وكلها علامات مشكوك فيها. # وفي المجتمعات المنحطة التي لا تشدد الحكومات فيها مراقبة أحوال ~~الدفن، لا تلبث هذه العلامات أن تظهر على الجثة حتى يبادروا إلى ~~إخراجها إلى المدفن، ومواراتها التراب مسرعين قائلين: «ستر الميت ~~دفنه.» وأما في المجتمعات الراقية فينتظرون ساعات معلومة قبل الدفن، ~~ويعولون خصوصا على شهادة الطبيب. # والحق يقال إن الطب مهما دقق في التحري للتأكد من الموت الحقيقي، ~~فلا يسعه إلا الاعتراف بأن كل العلامات المعول عليها قد تخطئ، ما ~~عدا علامة واحدة هي «التعفن». فيجدر بالناس والحكومات والحالة هذه ~~ألا يعولوا في إجازة الدفن على علامة أخرى. ولأجل ذلك يجب أن يكون في ~~كل مدفن محل معد لهذا الغرض، تنقل الجثث إليه، وتحفظ فيه الوقت ~~الكافي حتى تظهر فيها هذه العلامة الصادقة، ثم تدفن. # والغريب أن الناس مع علمهم ذلك وشدة حرصهم على حياتهم وراحتهم، ~~مقصرون في هذا الأمر حتى في أرقى المجتمعات اليوم، مع أنه أهم وألزم ~~وأوجب وأرحم من بناء القبور الفخيمة، وإقامة المآتم العظيمة التي ~~يتباهى بها الأحياء على ظهور الموتى. وأغرب من ذلك تحكم الأحياء في ~~معاملة جثثهم، وكيفية دفنهم بعد موتهم. والمؤمن معذور إذا طلب أن ~~يدفن دينيا؛ لأن ذلك داخل في فروض دينه، وأما غير المؤمن فما عذره ~~إذ يتحكم ويطلب ألا يدفن إلا مدنيا، وهو ينفي كل معتقد؟ أيريد أن ~~يتبجح بقوله للناس بعد موته إنه لا يعتقد بسلطة روحية؟ وهو عمل في ~~منتهى السخافة، وتعصب بارد - خلافا لما توهمه بي صاحب «الزهور» ~~من أني متعصب حار، ولكن ضد الإيمان - أم هو ms324 يريد أن يقول للناس ~~بعمله هذا أن اقتدوا بي أن الكفر سمة العقول الراجحة؟ كأنه «الغرض» من ~~بحثه لا «نتيجة لازمة» له، خلافا لجميع الذين توهموا بي من كتابي ~~أني أقصد مقاومة الإيمان لأنصر العلم، والتأليف بين البشر بإزالة كل ~~العقبات من طريقهم، والإرشاد إلى الوسائل التي تسرع ارتقاءهم. ولعل ~~بعضهم لا يتذرع بقولي هذا إلى أني هنا أيضا «أنقض نفسي بنفسي» لأني ~~قلت إن الأديان ذات معد واسعة لا يضيق بها شيء، لكيلا تقوم كل مرة وتقف ~~حجر عثرة في سبيل العلم، ولكن العقل كما قلت أيضا «خزانة كثيرة ~~الأدراج»، والمنازع أهواء غالبا تدور حول العلم إذا هي لم تستطع شيئا ~~ضده. ~~••• # وإذا جاز لي أن أطلب شيئا بعد موتي ممن بيدهم حينئذ أمري، فلا أطلب ~~منهم سوى شيء واحد معقول أستعطفهم فيه شفقة علي، وألتمسه منهم رحمة ~~بي، فأنا لا أخاف الموت، ولا أخاف ما بعد الموت، ولا يهمني أحرقت في ~~النار، أم دفنت في التراب، وصلى علي قسيس أو شيخ أو حاخام، أم لم ~~يصل علي أحد، أو صلوا كلهم مجتمعين يستمطرون لي غيوث الرحمة، أو ~~يستنزلون علي سيوف النقمة، يرفعونني إلى السماء، أو يدفعونني إلى ~~جهنم. فأنا ليس لي أدنى مطمع بما هنالك، ولا أخاف شيئا من كل ذلك، ولا ~~أخاف إلا «يقظة» القبر! فأنا لا أطلب إلا أن أدفن ميتا حقيقيا لا ~~يجوز أن ترد إليه الحياة، ولو في أقل الاحتمالات. # ولا ينكر أن هذه اليقظة من تلك الغفوة نادرة جدا، إلا أن ندورها ~~لا يجعلها ممتنعة. فإذا حصلت مرة في الألف، أو العشرة الآلاف، أو ~~المائة الألف، أو المليون؛ فذلك كاف لوجوب أخذ الحيطة منها ما دام ~~للحياة قيمة. وهي لها ذلك باعتراف الأفراد أنفسهم لأنفسهم، وإن لم يكن ~~لها ذلك حتى اليوم باعتبار الجموع، من دون أن يرى صاحب «الهلال» في ~~قولي هذا تذمرا من الرئاسات ل «هدمها»، لا ل «تقييدها» بما يكون أصلح ~~لمصلحة الجمهور. ولعل ذلك ليس حلما أيضا لا ينطبق ms325 على العمل. ولولا ~~«حمزة» الجريدة، وقوله إني «أحاول التأثير بقوة الألفاظ لا بمتانة ~~البرهان»؛ لعولت هنا أيضا على أحكام المقابلة، وقلت كم من أمثال ~~هذه الأحلام في الماضي صار حقائق اليوم. # على أني لا أريد أن «أدفن» الكلام في هذا الموضوع - الذي جرى هنا على ~~القلم من غير تعمد - قبل أن أقدم كلمة شكر مفعمة لجميع الذين لم ~~يثنهم حرج الموقف عن بذل الوقت عن سخاء للكلام عن كتابي، سواء بالإذاعة ~~أو بالإطراء أو بالانتقاد. ومجال القول هنا قد يكون ذا سعة، وربما ~~جردت مني شخصا آخر، وانتقدت نفسي بنفسي، ولكن لا لأستمسك بالعرض ~~لأقتل الجوهر، وأقلب الأشياء عن كيانها في سبيل الغرض، فلا أرى في ~~البراهين الآخذ بعضها برقاب بعض برهانا راجحا، ويا ليت شعري بما ~~يجيبون لو قيل لهم هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. كلمة شكر أزفها ~~إلى جميع هؤلاء الأفاضل ممن ذكروا هنا أو لم يذكروا، حيث نظروا ~~جميعهم إلى كتابي اليوم بغير العين التي نظرت إليه في الماضي، وهو ~~ارتقاء في التساهل، وتحول في المذهب، عسى أن يتصل الإنسان يوما ما ~~بالعلم إلى «دفن» أوهام كم غمت على الحقائق فأذابتها فيها، كأنها هي ~~نفسها الحقيقة المنشودة، يدفنها جثثا هامدة تولاها موت حقيقي لا ~~مبعث بعده، لعل الإنسان «الكلي» يستطيع حينئذ أن يقضي عمره القصير على ~~هذه البسيطة بأكثر أنواع التعاون، وأقل أنواع الشقاء، ولا يكون الخاسر ~~في الحالين. # والذي حارت البرية فيه # حيوان مستحدث من جماد # | كلمة شكر واجبة # في صيف عام 1909 قصدت ربوع الشآم، وطني الأول ومسقط رأسي، بعد أن ~~رحلت عنها منذ نحو أربعين سنة، لم أزرها في خلالها إلا مرتين أياما ~~معدودة، آخرهما منذ سبع وعشرين سنة قضيتها في القطر المصري، وطني ~~الثاني ومبسط أفكاري، فلم يشأ أهل سوريا أن تنفرد مصر وحدها بالفضل ~~علي، فاغتنموا فرصة وجودي بينهم فغمروني بإحسانهم، وطوقوني بجميلهم ~~مما لا أنساه لهم على مدى الأعوام. # وزادوا على ذلك أن بعض أولي الفضل منهم أرادوا أن يتناهوا في ms326 ~~الكرم، فحثوني، مجاملة لي وتشجيعا لسواي، على أن أجمع ما تيسر ~~من كتاباتي المتفرقة في الكتب والمجلات والصحف منذ أكثر من ثلاثين سنة ~~في مجموعة أطبعها في أجزاء على حدة. وكان قد طلب مني مثل ذلك قبلهم ~~بعض أفاضل المصريين، وغيرهم من بعض الأقطار العربية الأخرى، وكنت أنا ~~نفسي غير قليل الميل إلى ما يحب الناس أن يحرصوا عليه من آثارهم مهما ~~كانت، ولا سيما إذا كان لم يبق لهم سواها، فصادف ذلك مني هوى في ~~النفس، وإن لم يخدعني كثيرا في حقيقة نفسي، ولكني مع ذلك وقفت واجما ~~مترددا؛ لأن الأسباب التي كانت متوفرة في الماضي لم تبق لي اليوم، ~~وخفت أن أصادف في هذا السبيل ما قد يسلبني البقية الباقية، ويجدد بي ~~تذكار مثل هذا القول: # لقد كان لي نفس تصان بها العلا # وقصد إلى الإصلاح أنبل من نفسي # فمالت بي الدنيا فقلت سلامة # أيا نفس إني لا أهينك يا نفسي # ولكن دهرا درهم القدر درهم # به كيف ترجو أن يصونك من بخس # ولكن الأفاضل المذكورين لم يشاءوا إلا أن يذللوا كل الصعوبات، ~~فوضعوا أساس المشروعات، ثم قاموا هم أنفسهم يسعون ويجمعون المال ~~بالاكتتاب، وقمت أنا حينئذ متشجعا بهم أعرضه على كل من عهدت به ~~نجدة لإنجاح مثل هذه المشروعات من كرام القطرين، من كل من: # ترى المجد يهدي إلى بيته # يرى أفضل المجد أن يحمدا # وإن ذكر المجد ألفيته # تأزر بالمجد ثم ارتدى # أو ذكر البذل الباذخ اشرأبت إليه الأعناق، وطوقته الأحداق، ~~وفاضت به الذاكرة. فما لقيت منهم إلا كل من لبى متصاغرا كأنه المفضول ~~شأن الجواد الكريم، فحق لهم علي تجاه هذا الفضل «كلمة شكر» أنقشها ~~على «صحيفة فخر» تحفظ لهم ؛ اعترافا بجميلهم، وتخليدا لذكرهم. # ولكني وحقي حرت كيف أذكرهم لأدل على فضلهم؛ فإن عددهم لكثير لدى ~~من يرى «أن الكرام قليل»، وفضلهم في هذا المقام أعظم أيضا، والناس ~~بيننا على ما تعودوا، والفضل الكثير يعقل اللسان الطليق، فكيف بي ~~وأنا حليف العي، وأرى الواجب أكبر ms327 مني، فلم أجد حيال هذا الحصر ~~أنطق للفضل بيانا وأثبت للجميل عرفانا من ذكرهم بفضلهم، متبرعين ~~كانوا أو مشتركين أو ساعين، فالجميع بالفضل علي سواء، ليحفظ ذلك لهم ~~في سجل مجموعتي أثرا خالدا يفي عني من الواجب بقدر ما يذيع لهم من ~~حسن الذكر. ~~••• # على أني لا أكون من المنصفين إن لم أستأذن حضراتهم لأذكر هنا أسماء ~~ثلاثة من بينهم، كانوا لمشروعي من أهم الأركان، ومن أكبر الأعضاد ~~لإبرازه إلى الوجود: # الأول: # الخوري بولص الكفوري، رجل الجد والعمل المكافح في ~~سبيل الإصلاح، صاحب جريدة المهذب في زحلة من لبنان؛ ~~فقد كان الواضع لمشروعي والعقل المدبر له. # والثاني: # الدكتور أيوب ثابت من بيروت، من أشد رجال النهضة ~~الإصلاحية فيها إخلاصا؛ فإنه كان اليد العاملة ~~فيه. # أما الثالث: # فهو الخواجا أمين وهبة كرم من الإسكندرية، من الكرم ~~به سجية، ومن: # إذا الناس مدوا بأيديهم # إلى المجد مد إليه يدا # فنال الذي فوق أيديهم # من المجد ثم مضى مصعدا # فما لبث أن ذكر مشروعي له وخاف عليه من الحبوط حتى ضمن له الحياة، ~~فبذل له عن سخاء، ووفى له خير وفاء. # فشكرا لجميع هؤلاء الأفاضل على ما أولوني من الجميل. فإن كان في ~~عملي هذا بعض الفائدة فليحمدهم الناس؛ فالفضل كل الفضل لهم، وإن لم يكن ~~فيه ذلك فليحمدوهم أيضا؛ إنما الأعمال بالنيات، وليلحقوا التبعة كل ~~التبعة بي. # الدكتور شبلي شميل # مصر، 10 يونيو (حزيران) سنة 1910 # لويس بخنر. ms328