######OpenITI# #META# URI: 1335ShibliShumayyil.MasalaKubra.Hindawi42047964 #META# Tags: plays #META# ID: 42047964 #META# Title: المأساة الكبرى: رواية تشخيصية في الحرب الحاضرة #META# AuthorID: 90709753 #META# Author: شبلي شميل #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # خاتمة‏ # مقدمة‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # خاتمة‏ # | المأساة الكبرى # | المأساة الكبرى # | رواية تشخيصية في الحرب الحاضرة # تأليف # شبلي شميل # | مقدمة # | المأساة الكبرى # وضعت هذه الرواية في الحرب الحاضرة، وجعلتها على أسلوب الروايات التشخيصية؛ لكي أجعل ~~لأشخاصها في كلامهم وأفعالهم صورا خاصة تدل عليهم، وتنطق عنهم بلسانهم؛ لتكون العبرة من ~~ذلك في معرض الفكاهة أوقع في النفس. # وقسمت الكلام فيها قسمين: قسم حقيقي واقع؛ وصفت فيه مقدمات الحرب والأعمال التي جرت ~~فيها، وقسم تخيلي منتظر؛ جعلته توطئة «للمحاكمة» المقصودة من كل هذه الرواية، والتي تظل ~~صحيحة مهما تكن النتيجة، لمثيريها أو عليهم، عسى أن تنجلي هذه الأمور الاجتماعية البسيطة ~~للجمهور، فيصون نفسه ومصالحه من عبث العابثين، وينزه مداركه عن أن يكون كالآلة العمياء في ~~أيدي السفاحين المخربين؛ لقضاء أغراض لهم سافلة في غالب الأحيان، كما هي الحال في هذه ~~الحرب الشنيعة التي تضحي الناس فيها بالملايين لأحلام ومطامع لا يجوز أن تصدر في هذا ~~العصر خاصة إلا من مصدعين مجانين، ولا يقبلها إلا المغفلون. # ولا غرو؛ فجنون العظمة والغرور كلاهما جنون، كما هو شأن إمبراطور الألمان اليوم متعاظما ~~بعراقة محتده، وبسطة ملكه، وقوة أمته، وهذا أقل عيوب الأسر المالكة، وكما هو شأن أمته ~~مغترة بما وصلت إليه من النجاح الباهر في العلم والصناعة والتجارة في هذا الوقت القصير، ~~فأصابها من ذلك خمار كخمار محدثي شاربي الخمرة، وللمحدثين في كل شيء - حتى في العلم - خمار ~~أيضا؛ فانقادت بحكم التربية المصنوعة إلى مطامع إمبراطورها الجنونية، وصبت الويلات على ~~العالم غير حاسبة للأضرار التي تلحق بها من ذلك حسابا، كأنها فعلت كل ذلك عن غير روية، أو ~~عن روية غير ناضجة، أو هي مختمرة اختمارا فاسدا، فأتت أعمالا تحاسب عليها حتى الأمم ~~الجاهلة، ولا تليق بأمة مثلها سمت سموها في العلم والحضارة، ولما فعلت ذلك لو أنها شاءت ~~أن تدرك مبادئ علم الاجتماع الطبيعي كما ينبغي أن ms01 يكون. # فأنا توخيت من هذه الرواية أغراضا أربعة: ~~(1) # أن أصف وصفا بسيكولوجيا (أخلاقيا) الأشخاص الذين ذكروا فيها ينطبق على ~~أخلاقهم ومطامعهم وأحلامهم ومراميهم على ما فيها من الغرابة والحمق اليوم؛ ~~للتنفير منها. ~~(2) # أن أصف الوقائع - بالإشارة إليها - وصفا تقريريا في الجانب الحاصل منها، ~~ويكاد يكون نتيجة لازمة في الباقي غير الحاصل، بناء على أنه في حالة ~~الاجتماع الحاضرة لا يجوز أن تصح نتيجة أخرى، مهما تقلبت أحوال الحرب، ومهما ~~طال أجلها. ~~(3) # أن أشير إلى بعض انتقادات في أمور اجتماعية كائنة؛ لأنها كانت لا تهضمها ~~معدة الاجتماع الراقي. ~~(4) # أن أبحث بحثا سوسيولوجيا (اجتماعيا) فيما يجب أن تكون نسبة الأمم ~~بعضها إلى بعض، ولا سيما الراقية بناء على ما هي صائرة إليه، طبقا لمرامي ~~العلم الطبيعي الصحيح المفهوم كما هو، لا كما يؤوله أصحاب الغرض، وأصحاب ~~النظر القصير. # فإذا كنت لم أبلغ غاية الإجادة في الوضع كرواية تمثل على المراسح؛ فأنا لم أنظر فيها ~~إلى ذلك بقدر ما نظرت إلى الغاية التي قصدتها منها، وهي القضاء على ما في العقول من ~~السخائم، وتأييد مصلحة الاجتماع بمقاومة ما فيه من النظامات الفاسدة التي لا تتفق مطلقا مع ~~هذه المصلحة، ولا سيما في هذا العصر الذي ينبغي فيه على الأمم الراقية أن تكون متضامنة؛ ~~للبلوغ بالاجتماع إلى الغاية القصوى من العمران، فلقد نظرت إلى جسم الاجتماع كما ينظر ~~الطبيب إلى الجسم الحي؛ ليتعهد - كما يتعهد هذا الجسم في صحته، وفي مرضه - بتوفير الأعضاء ~~الصحيحة، ومداواة الأعضاء المريضة بما يصلحها - إن أمكن - وإلا فبالقطع أو البتر إذا كانت ~~لا ترجى؛ لئلا يمتد فسادها إلى المجموع، لا أن تعكس الآية ويقوض الصحيح النافع من الأمم، ~~ويوالى الفاسد الضار من الدول التي لا ترجى. وكل عمل اجتماعي يخالف ذلك هو خرق وهمجية مهما ~~يكن مقام صاحبه، هكذا يجب أن يكون طب الاجتماع لقوم يحرصون على صحة هذا الجسم ~~ونمائه. # على أن هذه الحرب مهما تكن اليوم شنيعة، فظيعة، مدمرة، مثكلة، مثيرة للعداوات، باعثة على ~~التخاذل والتقاطع، مفككة ms02 لأوصال الأمم؛ فإن الاجتماع سيجني منها فوائد أدبية كبرى تفوق ~~جدا الخسائر المادية اللاحقة به منها، والتي ضررها يقتصر على المعاصرين المساكين؛ إذ تكون ~~له كالصرخة في أذن الغاط المستبحر في نومه، أو كالعصا على كفل الحمار البليد؛ فتستفز ~~الأمم للانتباه إلى حقوقها، ومعرفة مقامها في الاجتماع، فتهب لإصلاح نظاماتها وشرائعها، ~~وتضع حدا لمنازع أصحاب الامتيازات الموروثة، أو الطامعين فيها من سواهم، والذين هم قيد ~~في رجل الاجتماع، وغل في عنقه، وسيف مسلول فوق رأسه، وتنزلهم عن عروشهم المغتصبة إلى مستوى ~~ترفع إليه الجمهور، وتشتغل بما يحقق لها الفوز على الطبيعة، ويذلل لها مصاعب الحياة ~~القصيرة، وتخلص الاجتماع ممن هم فيه بمنزلة «البقر»، وما عددهم في كل أمة حتى اليوم بقليل، ~~وتسرع في الانتقال بهم إلى مقام البشر الحقيقيين؛ سعيا وراء سيادة الكل لأجل مصلحة الكل، ~~وهي نتيجة لازمة، ومن حسنات الطبيعة في تطورها مهما توالى عليها من التقلبات والنكبات ~~والوقوف والتقهقر الوقتيين؛ فإن النتيجة، وإن أبطأت بذلك، فإنما هي إلى الارتقاء أخيرا، وما ~~الثورات - حتى الطائشة مثل التي نشهدها اليوم - إلا مهماز في جنب الاجتماع الخامل للإسراع في ~~السير لبلوغ هذه الغاية. # | الفصل الأول # المنظر الأول ~~(غليوم - الحكيم - الكرونبرنس (أي ولي العهد)) ~~(غيليوم في مكتبه في قصره يناجي أحلامه غاضبا، والحكيم جالس معه): ~~لقد طال ما صبرت! والدول لا تريد أن تعرف لي هذا الفضل، كأنها ترى صبري عجزا، أتريد أن ~~تحرجني لتخرجني؟ فلأرين الجميع أني رجل هذا العصر الوحيد، بل رجل كل العصور؛ حتى لا ~~يبقى عظيم يتحدث الناس به سواي لا من الغابرين، ولا من المعاصرين. ومن هم أقراني ~~اليوم؟ فلأسحقنهم سحقا حتى يذلوا لي. ومن هم أبطال الماضي كنابوليون، وقيصر، ~~وأنيبال ممن يذكرهم الناس بالإعجاب؟ فلأفعلن ما يمحو ذكرهم؛ حتى يبيتوا بالقياس ~~إلي كالأعشاب الصغيرة الحقيرة في ظل الشجرة الباسقة العظيمة. ولو أني اضطررت أن آتي ~~مكبرا ما أتاه سواي من السفاحين قبلي مصغرا كتيمورلنك وجنكيزخان وآتيلا، ~~فليس أرهب للناس من التمثيل بالناس، والعاجز من لا ms03 يستبد، حتى أخضع الجميع لي، ~~وأصبح وحدي سيد هذا العالم. ~~(يبهت قليلا كأنه يرى وعورة هذا الأمر، ثم يقول كأن خاطرا خطر له): وبعد ذلك، أليس ~~هذا هو النظام الإلهي: الكل للواحد والواحد فوق الجميع؟ ~~(يبتسم ويرسل ببصره إلى السماء ويقول): أليس كذلك يا إلهي الشيخ؟ فلنقتسم العالم ~~بالإنصاف: لك ملك السماء، ولي ملك الأرض. فيا رب آل هوهنزلرن الأشراف المقدسين، ويا ~~رب الأمة الجرمانية المجيدة؛ بارك هذا السيف لأحكمه في رقاب العباد، وشدد هذه ~~الذراع (ويمد ذراعه المشلولة)؛ ليشعر الناس جميعهم بثقل يدي الحديدية فوق رءوسهم. ~~(يمشي متهيجا إلى جهة الحكيم، ويقول له): دعني هذه المرة من تقريعك أيها الحكيم، ~~فلقد أصخت لك طويلا، وحافظت على هذا السلم المصطنع حتى فرغ صبري، ومصلحة ألمانيا ~~تقتضي أن تكون وحدها السائدة، والحكمة ليست دائما في الحلم، بل كثيرا ما تكون في ~~الغضب، والغضب كثيرا ما يكون مقدسا. ~~(يتركه، ويجتاز الباب إلى داخل القصر.) ~~(الحكيم وحده يطلب من ربه أن يقوي ذراعه ليسحق بها العالم، فكيف بها لو كانت ~~صحيحة! ولو كانت ذراعه صحيحة، فلربما كانت مطامعه أصح، وكان في أخلاقه أكثر ~~اعتدالا، هو في جنونه يريد أن يكون اليوم نيرون هذا العصر، وأنا أرى أنه سيكون ~~شمشونه.) ~~(يهز رأسه.) ~~(عن طمع فادح، لا عقل راجح، وهو مع ذلك يطلب من ربه أن يكون شريكه في جناياته، فيا ~~للضلالة! ويا للكفر! هو يريد أن يحتكر الله لنفسه، كأن المخلوقات الأخرى ليست من ~~صنع هذا الإله، ولا تستحق اهتمامه، فهل هو مقتنع بما يريد؟ أم ذلك من أنواع ~~العدة أيضا في الحروب للسطو على المغفلين؛ ليساقوا إلى الحتوف متحمسين راضين؟ وغدا ~~يقوم خصومه، ويستنجدون الله لأنفسهم، فكأن كل فريق يشق من الإله الواحد إلها ~~ضده، ولقد كان يفعل مثل ذلك آباؤهم من قبلهم، ولكن آباءهم كانوا أعقل منهم في تصورهم، ~~وأحكم في عملهم على هذا التصور، فقد كانوا يعتقدون بتعدد الآلهة، ويختار كل قوم منهم ~~إلها خاصا؛ ليصرع به الآلهة الأخرى، ولكن الموحدين ms04 اليوم كيف يطبقون ذلك على ~~تصوراتهم؟ فيا إله الجميع، كيف تطيق مثل هذه المفتريات من مثل هؤلاء المخلوقات، ولا ~~تطبق السماء على رءوسهم؛ لتخلق سواهم أنظف منهم في عقولهم؟) ~~(يتأمل قليلا ثم يقول): فما أوسع مجال الريبة! ~~(يدخل الكرونبرنس فجأة من دون استئذان، فيجد الحكيم، ويقول في نفسه): أف، إن أبي لا ~~يفارق هذه البومة المشئومة. ~~(ثم يلتفت إليه، ويقول له): أنت هنا أيها الحكيم! أما فرغت من تسميم عقل والدي ~~بإرشاداتك ونصائحك كأنك مأجور على إذلال ألمانيا وطمس معالم مجدها؟! # الحكيم ~~(للكرونبرنس) ~~: # اطمئن يا مولاي، واعلم أن الطبع يغلب التطبيع، فقد شفي والدك من سمومي كما ~~تقول، ولقد كان هنا منذ هنيهة، وقد صرح بأميال كأميالك، ولا تظن أن ~~صبره حتى اليوم نتيجة نصائحي، بل كان لتوقع الفرصة المناسبة، واستكمال ~~الاستعداد، وستعلمان غدا من منا يسعى لخراب ألمانيا، وطمس معالم ~~مجدها. # الكرونبرنس ~~(للحكيم مشفقا ومستخفا) ~~: # إني أجلك - أيها الحكيم - لسلامة نيتك، لا لإرشاداتك. فحكمتك عصرها قد انقضى، ~~ولو عمل الناس بها لقعدوا عن العمل، ولرضوا بالكفاف من كل شيء، والطمع مهماز ~~وهمة في رءوس الرجال، ولكن دعنا من كل ذلك، أين والدي الآن؟ فإني أريد أن ~~أقابله في الحال. ~~(يدخل الإمبراطور عائدا من القصر، ويرى ابنه ويخاطبه ~~بقوله): كيف أنت هنا يا ويلهلم؟ فماذا تريد؟ # الكرونبرنس ~~(لأبيه محتدا) ~~: # يا صاحب الجلال إلى متى هذا الانتظار؟ كأنك عاقد محالفة مع القضاء، فإذا ~~كنت صبورا إلى هذا الحد، تتمجد بأحلامك كأنها حقائق، وأنت جالس على عرش ~~ألمانيا، فأنا لم يبق لي صبر، فلا بد لي من زيارة باريس قبل الشتاء، والأمر ~~- كما لا يخفى على جلالتكم - لا يكلفنا مشقة كبيرة، ولا سيما أن الجند متحمس لإحراز ~~النصر، ومتضجر من القعود، ولا حاجة لأن أقول لجلالتكم إن الجند لا يخفي عني ~~شيئا. ~~(ويناجي نفسه على سمع من أبيه قائلا): آه، ما أحلى هذا اليوم ~~الذي أدخل فيه هذه المدينة الزاهرة في مقدمة جنودي المظفرة، راكبا جوادي ~~المطهم، متخطرا في شوارعها الواسعة، طائفا ms05 في ضواحيها الجميلة! نعم، لا ~~بد لي أن أجعلها كرسي مملكتنا الجديدة، وأجلس فيها على هذا العرش الجديد؛ ~~لأتمتع من لذة الحكم بما يتمتع به سواي اليوم. # الحكيم ~~(يسمع ذلك، ويقول في نفسه) ~~: # صدق من قال: إن الولد سر أبيه، وأجل الملوك مهما قصر، فهو طويل على ~~أولياء العهد. # الكرونبرنس ~~(واقف ووجهه جهة الحكيم فرآه يتمتم، ولا يسمع ما يقول، وخشي ~~أن يكون يريد أن يتكلم ليؤثر على والده بنصائحه فيتقدم منه سائلا) ~~: # ماذا تقول أيها الحكيم؟ كأني أسمعك تتكلم. # الحكيم ~~: # إني أصلي عسى أن يلهمكما الله إلى الخير، ويمنعكما عن الشر. # غيليوم ~~(في نفسه، وابنه ملته مع الحكيم) ~~: # ما أشد قحة هذا الولد العقوق! نعم، نعم، يجب أن أسارع، لا لئلا يدهمني ~~القضاء، بل لئلا يخطر ببال هذا المجنون ~~(ويشير إلى ~~ابنه) ~~. # أن يفسد علي الأمر، ويسلبني هذا الفخر الذي أحلم به من قبل ولاية والدي ~~القصيرة، والذي لأجله أقصيت عني بسمارك؛ حتى لا يكون لي فيه شريك أو شبه ~~شريك، هذا الفخر الذي صرفت أكثر من ربع قرن وأنا أتأهب، وأعد له ~~العدة، وكأن هذا الولد الطائش يتودد إلى الجند ليكسب ثقته، وكأنه واثق ~~منه اليوم حتى خاطبني بهذه اللهجة، نعم، يجب أن أسرع، ولا أدع الفرصة له، على ~~أن الحكمة تقضي أن أخادعه ولا أغاضبه. ~~(ثم يلتفت ويخاطب ابنه) ~~: لا أخفي عليك - يا ولدي العزيز، ~~وولي عهد ألمانيا المعظم - أني كنت أفكر في الأمر حين دخولك علي، وكنت ~~عازما على استدعائك واستدعاء قواد جيوشي ووزراء مملكتي؛ لأشاوركم أولا، ~~وأسألكم عن مبلغ استعداد الجند، ولا سيما عن استعداد الأمة، وكيف يكون وقع ~~شهر الحرب عندها؛ لأني - وإن كنت كما تدري صاحب القول الفصل، الذي لا مرد ~~له، وكنت على يقين من أن حلفائي في السماء ينصرونني كما نصروا آبائي من قبلي - ~~لكني مع ذلك أود أن أجعل للأمة شأنا معي ولو صورة؛ حتى لا يكون لها ~~سبيل للشكوى، ولا سيما في هذا العصر الذي علت فيه «ضوضاء» الاشتراكيين ms06 ، ~~ولا أقول «كلمتهم»، وإن يكن اعتقادي بزعمائهم كاعتقادي بسائر رجال مملكتي، ~~فجميعهم رهن ابتسامة أو تقطيبة في وجههم مني. ~~(ولكي يكسر من حدة ابنه يتقدم منه باسما، ويربت له على ~~ظهره براحة يده.) # على أني أطمئنك أنك قبل الشتاء ستكون كما تشتهي مقيما في قصر التويلري، ~~وهذه كانت إرادتي من قبل أن تفاتحني بعد انتصارنا على الفرنساويين ودخولنا ~~باريس. # الكرونبرنس ~~(طروبا) ~~: # ما أحلى هذا اليوم المنتظر! # ولأبيه يقول جلالة أبي ومولاي الإمبراطور المعظم إنه يريد أن يعرف مبلغ استعداد ~~جيوشه المظفرة، وحقيقة أميال أمته المخلصة، فالذي أعرفه عن الجميع يسر ~~جلالته كثيرا، فالجنود على أتم الأهبة، ولي يقين بأني أفتح العالم بهم، ~~وثقتي هذه بهم من تأكد محبتهم لي؛ لأنهم يرونني أميل إلى تحقيق أمانيهم، ~~ولأني مع ذلك حائز لثقة جلالة الإمبراطور الذي ينظرون إليه كنظرهم إلى ~~معبود، والأمة لا تختلف عنهم في فضل التربية الجرمانية العالية التي غرسها فيها ~~الأساتذة في المدارس، والفلاسفة في الكتب، والأمهات في البيوت حسب أوامر ~~جلالتكم السامية، حتى أصبحت الأمة الألمانية كلها تتحرك حركة واحدة بإرادة ~~واحدة كالآلة الميكانيكية العمياء، وما هي عمياء؛ لأنها تعلم لكم أنتم عينها ~~الباصرة، وإن شاء جلالة مولاي زيادة إفصاح؛ فليدع إليه الذين ذكرهم من رجال ~~مملكته. # الإمبراطور ~~(لابنه) ~~: # وإنه لكذلك، فادع كبير حرسي يدعوهم لي. ~~(يذهب والإمبراطور يقول في نفسه) ~~: ما هذه المتناقضات؟ أدب ~~بقحة، وتزلف بكبر، وخضوع بتهديد، إني غير مطمئن إلى هذا الولد إلا إذا ~~شهرت الحرب ودفعته إلى خوض معامعها. # المنظر الثاني ~~(غيليوم ووزراؤه وقواده والكرونبرنس والحكيم في قصر الإمبراطور.) # الإمبراطور ~~(يخطب فيهم) ~~: # دعوتكم - أيها الوزراء الكرام والقواد العظام - لأمر هام جدا، يتوقف عليه ~~مستقبل الأمة الألمانية المجيدة، ومستقبل آل هوهنزلرن الأكارم، الأمة الألمانية ~~التي خلقها الله لكي تسود الأرض، والتي أعدتها تربيتها الخاصة لأن تكون ~~فوق كل الأمم مهددة اليوم في حياتها، وآل بيتي المجيد الذين أرسلهم الله؛ ~~لكي يقودوا هذه الأمة العظيمة إلى المجد لا يستطيعون أن يروا ذلك بقلب ~~بارد، وعين غافلة ms07 ، فأنا الذي أمثل في أقنومي المقدس الهوهنزلريين أصحاب ~~المجد الباذخ أراني مسئولا أمام الله، وأمام نفسي، وأمام آلي الأماجد إذا لم ~~أدرأ عن أمتي الأخطار التي تتهددها من كل جانب. # الأمم جميعها تحسدنا لأننا متفوقون عليهم في كل أمر: في العلم والفلسفة، ~~في الصناعة والتجارة، في الذكا والنشاط، والذين منهم يهمهم أمرنا أكثر من ~~الآخرين عاملون على بث العراقيل في سبيلنا؛ فإن رمينا إلى الاستعمار، وقفوا في ~~وجهنا، وإن قوينا بحريتنا شكوا منا وقاموا يناظروننا، وإن أصلحنا جنديتنا ~~أساءوا الظن بنا وزادوا جيوشهم ليتفوقوا علينا. وهذه روسيا بفضل أموال ~~الفرنساويين ستصبح في سنين قليلة ذات جيش جرار مستوفي العدة ممهد الطرق، حتى ~~يكون لها من ذلك كله قوة لا تقف في وجهها دولة من دول الأرض مهما تكن قوية، ~~فالخطر علينا في البر من الروس خطر السيل الجارف، والخطر علينا في البحر من ~~الإنكليز خطر الحيتان الكبيرة على السمك الصغير، نحن أمة مسالمة لا نطلب إلا ~~أن نعيش. وهم يضيقون علينا المذاهب، ولقد طال صبرنا؛ لأننا لا نريد أن نكدر ~~السلم الأوروبي، فهل تريدون أن يتحول صبرنا إلى موت لا يبقي منا سوى جثة ~~هامدة تجتمع حولها النسور؟ فإن رضيتم أنتم ورضيت أمتي بهذا العار؛ فمعاذ ~~الله أن أرضى أنا به، ودم آبائي في عروقي يصرخ بي: الثأر، الثأر، والنار ولا ~~العار، والأمة الألمانية خلقت لأن تكون فوق الكل، فيجب أن تكون فوق ~~الكل. # قلت الثأر لأنه لا يجوز للأمة الألمانية أن تغضي عن أقل مزاحمة لها، ~~أو مغاضبة من دون أن يمس ذلك بشرفها وشرف مصلحتها، فكل مناظرة يقصد بها ~~التقدم علينا هي جناية علينا يجب أن نثأر لها. # انظروا إلى فرنسا جارتنا في البر، فبدلا من أن تكون حليفتنا لنفتح بها ~~العالم؛ هي التي تمد أعداءنا بالمال، وتنظم المحالفات ضدنا، وتسابقنا إلى ~~الاستعمار، وتهددنا بأخذ الثأر، مع أنا رحمناها رحمة لو رحمنا بها أية أمة ~~سواها؛ لما نسيت لنا هذا الجميل، فقد أبقينا عليها، واكتفينا منها بالزهيد من ms08 ~~المال يوم كنا قادرين ألا نبقي فيها حجرا على حجر، وهذه أكبر أغلاطنا في ~~الحرب الماضية، والتي لأجلها لم أسامح بسمارك، وهي حتى اليوم عقبتنا الكبرى ~~الحائلة بيننا وبين تحقيق حلمنا، ومد سطوتنا على المسكونة كلها، ولولاها لكنا ~~الآن سائدين على العالم آمنين على أنفسنا من كل معتد أثيم، بل هي التي لا تفتر ~~تحرك ضدنا، وتقلق راحتنا، وتعد العدة بالاتفاق مع سواها لسلبنا كل ما ~~جنيناه بجدنا وكدنا، كل ذلك ونحن عليها صابرون، فإلى متى الصبر؟! وهل يليق ~~بالأمة الألمانية التي هي فوق كل الأمم أن ترى ذلك، ولا تقسم هذه المرة بأن ~~تثأر لنفسها، حتى لا تبقي ولا تذر على هذه الأمة الفرنساوية الناكرة ~~الجميل. # الحكيم ~~: # ما أبدع هذا الخطاب في المغالطات! وأبدع من ذلك أنه توجد عقول ~~تشربه. # الجميع ~~(للإمبراطور) ~~: # صدق جلالة الإمبراطور، هذه أمور لا تطاق، ورأي جلالتكم فوق كل رأي. # الإمبراطور ~~(لهم) ~~: # فأنا دعوتكم لأستشيركم في أمرين مهمين، عليهما يتوقف النصر في الحروب؛ وهما: ~~أولا، حالة الجيش وما له من العدة. وثانيا، المال اللازم. فما رأي وزير ~~الحرب أولا؟ # وزير الحرب ~~(للإمبراطور) ~~: # أما العدة؛ ففي وسعي أن أؤكد لجلالة الإمبراطور أننا نستطيع أن نحارب الدول ~~أجمع ثلاث سنين بلا انقطاع، من دون أن نحتاج إلى قنبلة جديدة، أما الجيش؛ ففي ~~طاقته أن يقهر جيوش العالم كلها تدريبا وعددا وحماسة، هذا بقطع النظر عما ~~يردنا من الأخبار عن يد مراسلينا العسكريين، وكلها مجمعة على أن جيوش سائر ~~الدول في حالة سيئة جدا؛ من فضل كتابها دجالي الأقلام، ومن فضل خطبائها أمراء ~~شقشقة اللسان، ومن فضل انقسام أحزابها رواد المنتجعات من مال ومناصب، وهم مع ~~ذلك يخلقون لنا الأسباب بتهجمهم علينا في كتاباتهم، وتهورهم ضدنا في خطبهم ~~كأنهم يعتبرون الطعن والضراب جولة في صحيفة أو صولة في خطاب، ويا ليت شعري ~~لو اشتدت الأمور على ما يعولون! # الإمبراطور ~~: # هم حتى الساعة عولوا على حلمي. ~~(يبهت ثم يبتسم.) # ويعولون أيضا على جائزة نوبل التي منحوني إياها جزاء حفظي ms09 للسلم. ~~(ثم يضحك ساخرا.) # كأنهم يظنون أنهم يفتونني بهذه الجوائز الصبيانية المدرسية؛ لأبقى غافلا ~~عن مساعيهم ضدي، وأعمى عن مصلحتي، وما هم إلا بأنفسهم هازئون، ولعلهم يرون ~~نتيجة غفلتهم عن قريب. # الإمبراطور ~~(لوزير المال) ~~: # وما رأي وزير المال في المال الذي عندنا فيما لو نشبت الحرب بيننا وبين ~~أعدائنا؟ # وزير المال ~~(للإمبراطور) ~~: # مولاي المعظم! إن روح النظام الذي بثه جلالتكم في الأمة عموما، ولا سيما في ~~دواوين الحكومة جعلنا جميعا قوما لا نتكل على الأقدار. # الإمبراطور ~~: # لا تنسوا اتكالي على حليفي الأكبر في السماء. # الوزير ~~: # وفوق ذلك نحن قوم نتخذ لكل شيء أهبته، ونعد له عدته، فالمال المدخر في خزينة ~~الحكومة يزيد كثيرا على ما يلزم لمثل المدة التي فرضها احتمالا زميلي المكرم ~~وزير الحرب، مع ما فيها من المبالغة. قلت المبالغة - وأستسمح حضرة زميلي على ما ~~ليس من خصائصي - لأني على يقين تام أن الحرب إذا نشبت بيننا وبين أعدائنا لا ~~يمضي علينا شهر حتى نكون في عاصمة فرنسا، فنجد هناك من المال ما يغنينا عن ~~استهلاك المدخر منه لدينا، أو اقتراض أي مبلغ آخر سواه، وهذا رأي كبير ~~القواد أيضا كما علمت منه. # الإمبراطور ~~(لكبير القواد) ~~: # وأنت، ماذا تقول أيها القائد العظيم؟ وهل الخطط الحربية الموضوعة تضمن لنا ~~هذا الفوز السريع، وقد توفر لديك المال والعدة جميعهما كما سمعت؟ # كبير القواد ~~(للإمبراطور) ~~: # جلالتكم تعلمون أن ألمانيا بنظامها البديع - الذي كل الفضل فيه لجلالتكم - هي ~~أشبه شيء بثكنة عسكرية ممتلئة جنودا، وبفضل هذا النظام نفسه هي ميدان تنتقل ~~فيه الجيوش من القلب إلى الحدود بسرعة سيندهش منها العدو، وبفضل جاسوسيتنا ~~المتقنة التي يفتخر كل ألماني بأن يتطوع فيها، وينتسب إليها؛ # 1 # لنا في البلدان الغريبة مراكز مجهولة إلا منا؛ لترتكز عليها مدافعنا ~~الجهنمية الهائلة، التي ليس لها مثيل عند سوانا لدك المعاقل والحصون مهما تكن ~~منيعة، فإذا أضفنا إلى كل ذلك معلومات حضرة وزير الحرب عن حال الجند في ~~الممالك الأخرى كما تقدم، لم يصعب علي أن أؤكد لجلالتكم ms10 أن وصولنا إلى باريس ~~سيكون نزهة حربية، ويتم في أقل من شهر. # ولي العهد ~~(طروبا) ~~: # باريس! باريس! عاصمة ملكي الجديد! # الإمبراطور ~~(يسمع ذلك ويقول في نفسه) ~~: # ما أقبح هذا الولد الأهوج! ومن نكد الدنيا أن ليس لي بد من تسليمه بعض ~~القيادة، وأنا لا أخشى الفشل إلا منه. ~~(ثم يلتفت إلى المستشار الإمبراطوري.) # الإمبراطور ~~(للمستشار) ~~: # بقي علي أن أعرف رأيك - أيها المستشار الحكيم - فيما لو شهرت الحرب علينا، ~~أو على فرض أنا اضطررنا نحن إلى شهرها، كيف تستقبل ذلك الأمة؟ # المستشار ~~(للإمبراطور) ~~: # مولاي، إن تربية الأمة الألمانية في عهد ولايتكم الزاهرة لم تبق لها إرادة ~~غير إرادة قيصرها العظيم، وحتى لو كان لها ذلك، فالقوة العسكرية لا تسمح لها ~~بأن تتنفس إلا على هوى السلطة الحاكمة، والجند لا يطلب إلا خوض المعامع لنيل ~~الشرف الأثيل على حد الظبى، وهو واقف يتطلع إلى حركات جلالتكم كالمستسقي يستطلع ~~الغيث من مهاب الريح، فإذا نشبت الحرب، وكان لا بد من خوضها، رأت جلالتكم الأمة ~~كلها واقفة لها على قدم وساق مقبلة عليها إقبال الظمآن على الغدير. # الإمبراطور ~~(للجميع) ~~: # هذا كاف الآن، فانصرفوا، وإياكم أن تبوحوا بشيء من ذلك لأحد، ولا سيما ~~للصحف، وليبق هنا مستشاري الخاص وحده. ~~(ويلتفت إلى ولي عهده.) # وأنت كن كتوما هذه المرة، وسيكون لك ما تحب. ~~(يخرج الجميع، ويقف المستشار صامتا ينتظر أوامر ~~الإمبراطور.) ~~(والإمبراطور يمشي في القاعة متمهلا مطرقا، ويداه وراء ~~ظهره، ثم يرتد إلى مستشاره ويقف أمامه، ويده «المشلولة» على قبضة سيفه، ويقول ~~له وهو يحدق فيه): # الإمبراطور ~~(للمستشار) ~~: # الحرب واقعة لا محالة، متى تم الاستعداد لأعدائنا. وقد انتبهوا اليوم، ~~وأخذوا يستعدون، ومن الحكمة كما في المثل «أن نتغداهم قبل أن يتعشونا» ما ~~دمنا نحن مستعدين وهم غير مستعدين، ولا بد من إشراك حليفتنا النمسا معنا فيها ~~ضرورة، فيجب أن نضطرها إليها اضطرارا، فاذهب الآن، وأرني حكمتك، وتذكر ~~خاصة بسمارك. ~~(يذهب الجميع، ويبقى الحكيم وحده ويجلس حزينا ويندب): الحرب واقعة لا محالة، يا ~~للمصيبة! ويا لحرب ستشيب ms11 من هولها الولدان! ويا للخراب! إنها ستكون حربا لم يشهد ~~العالم نظيرها في التفظيع والتدمير، الناس اليوم بالعلم أنوفون شديدو الشكيمة، ~~وإخضاعهم ليس بالأمر السهل، والمقاومة الشديدة ستثير الوحش الرابض من مكمنه في ~~النفوس، والعدة اليوم طاحنة تقوض الجماد، وتحرق النبات، وتزهق الأرواح، هو في ~~أطماعه مستهوى، فهو لا يدري الأضرار التي ستحيق بالعالم بسبب هذه الحرب، أو هو يدري ~~ولكنه لا يدري أنها ستحيق به وبأمته مهما تكن نتيجتها له، فكيف بها إذا كانت عليه؟ ~~مصالح الناس اليوم مشتبكة، فلم تبق فواصل بين الممالك فيها، يدعي أن الدول تتحفز ~~للوثوب عليه، مع أنها حتى اليوم غافلة عنه، وهي اليوم إذا انتبهت وأظهرت شيئا من ~~الاهتمام بأمر الحرب؛ فلاتقاء شر استعداداته الهائلة، ويا ليتها كانت مستعدة لها ~~نظيره؛ لكان الخوف منها يمنعه عنها. التوازن ضروري في كل شيء، وإلا وقع الاضطراب، هو لو ~~عمل بمبادئ المدنية الصحيحة التي يرمي إليها العلم اليوم؛ لاتخذ الدول الراقية ~~صديقات لا عدوات، ولسهل عليه حينئذ الاتفاق معها على ما يكسر من شوكة الحروب، ~~ويؤيد سلطان السلم، ويمد بساط المدنية، وكان له بذلك من الفخر المؤثل الأكيد ~~ما هو فوق ما يحلم به من ذلك الفخر الموهوم والمطعون فيه اليوم، ولجد ليحصر التنازع ~~بين الأمم الراقية فيما يعمر، لا فيما يدمر. أوروبا الراقية يجب أن تكون اليوم ~~ممالك متحدة، إن لم تكن صورة فمعنى؛ لتتناصر في العمارة والعلم، وهو يريد أن يثير ~~بينها الحروب ليثير بينها الضغائن والأحقاد، كل ذلك منه طمعا في أن يخضعها لسلطانه، ~~بقية نعرة من عصور الهمجية في رءوس بعض البيوت القديمة المالكة، كأنها في مطامعها ~~الهمجية عائشة واقفة لا تسير مع العصر، ومن نكد الدنيا أنها تجد في كل مجتمع راق أو ~~منحط نصراء لها على أنفسهم، هؤلاء هم «بقر» الاجتماع، لم يبق أمل إلا أن تكون ~~أمته أرقى منه في أفكارها، وأعقل في مطامعها، وهي التي نالت بعملها واجتهادها ~~مركزا ممتازا في العمران، فتنتقض عليه إذا صح ما ينوي ms12 وشهر الحرب، وتكون قدوة ~~الأمم في معرفة المصالح العمرانية المشتركة واحترامها، ولكن الأمل قليل وهؤلاء رجاله ~~المختارون من الأمة قد أعمتهم العبودية، وإذا كان ذلك طبعا في الأمة؛ فالطبع ~~أغلب، وكأنه هو يريد أن يخدع الأمة، ويصور لها بأنها المعتدى عليها؛ ليحقق بها ~~حلمه الجنوني، فيا للجناية! # | الفصل الثاني # المنظر الأول ~~(المستشار الإمبراطوري - وزير الخارجية - كبير الجواسيس) # المستشار ~~(وحده في مكتبه) ~~: # هو يريد سببا يتوسل به لشهر الحرب! أمام من يريد أن يبرر عمله؟ أمام ~~أمته وهي بروح الطاعة التي تربت عليها في عهده تبلع الجبال ولا تغص، ~~وتشرب البحار ولا تشرق؟ أم أمام العالم؟ يوصيني أن أتذكر بسمارك في ~~كذبته، أيجهل أن لكل مقام مقالا، وأن لكل زمان دولة ورجالا؟ فرنسا قبل ~~حرب السبعين كانت في المقام الأول بين الدول، وحكومتها الإمبراطورية بالغة في ~~الكبر حد الطيش، وبروسيا كانت في أول نشاطها، ومغاضبة الصغير للكبير لا تطاق ~~مهما تكن طفيفة، والضعيف محتاج دائما إلى تبرير عمله حتى في حقه الواضح. وأما ~~اليوم، فماذا تجدي كذبة بسمارك، وحكومة الجمهورية أعقل من أن تتهور بتلغراف ~~مكذوب؟ أو ماذا تخشى ألمانيا وهي بهذه القوة الهائلة، وهذا المقام الممتاز ~~بين الدول؟ والقوي لا يحتاج إلى تبرير عمله وذنبه مغفور، والناس يحكمون ~~دائما لا بحسب الأسباب، بل بحسب النتائج، ولكن الإمبراطور يريد سببا يبرر به ~~عمله، ومن الأسف أنه مع ما له من المدارك السامية والمطامع الكبيرة هو مقلد لا ~~مبتكر، والفرق أن المقلد ينسج على منوال واحد في كل زمان ومكان، والمبتكر يلبس ~~لكل حالة لبوسها؛ أي: أنه يفتق بحسب الحوادث والأحوال، ولكني «أنا» لا يصعب ~~علي أن أرضيه، وأخرج عن أن أكون مقلدا، فأنا أجاريه في رغبته، وأرتفع فوق بسمارك كثيرا، فإذا كان بسمارك قد أدهش الناس بحيلته؛ فأنا ~~سأذهلهم بإقدامي، غير أنه يريد أيضا أن أشرك النمسا في الحرب ضرورة؛ أي: أن ~~أضطرها إليها اضطرارا، حتى لا يكون لها مناص منها، فكأنه لا يثق كثيرا بهذه ~~المحالفات إذا لم تتوفر فيها ms13 المصالح على السواء، وهي معه غير متوفرة، وما ~~حلفاؤه عنده إلا آلات لتخدمه لا ليخدمها، والذي يعلم من نفسه أنه لا يوثق به ~~فهو لا يثق بسواه. والعجيب أنه لم يفاتحني في أمر إيطاليا، فكأنه لا يريد أن ~~يشركها لا في الحرب، ولا في الرأي، فهل هو غير واثق منها بالمرة؟ أو هو غير ~~معتد بها؟ أو هو ناقم عليها؟ ولعل في الأمر شيئا من كل ذلك، والحقيقة أن ~~محالفتنا لإيطاليا كانت غلطة من أغلاط بسمارك، فقد خدمناها كثيرا، فكبرت ~~وقويت في ظلنا، ولم تنفعنا بشيء، بل أضرتنا، فإذا كانت فرنسا سلبتنا تونس ~~ومراكش، فهي أخذت طرابلس الغرب من تحت ذقننا، ولقد خدعنا بها هذه المرة ~~أيضا؛ فسكتنا عنها لاعتقادنا أنها ستفشل في حملتها هذه، ويفضي بها ذلك إلى ~~الرجوع للضعف، فأخطأ فيها حسابنا مع كل مساعينا ضدها مع خصومها في السر، ~~ويلوح لي أن صمت الإمبراطور عنها هذا الصمت دليل على أنه يكظم لها الغيظ، وينوي ~~لها شرا، وليس يوجد انتقام أشد من انتقام الغضب البارد، فإذا اكتسح فرنسا ~~- واكتساحها في اليد - وجه عنايته إليها، وأذلها حتى تصبح أوروبا كلها في يده ~~كالخاتم في الخنصر، وحتى لا يبقى سوى تلك الجزيرة المنعزلة، وحسابها قريب. على ~~أن ذلك إذا لم يكن في حساب الإمبراطور فهو في حسابي، وسأتكفل بتحقيقه له، حتى ~~تنسى ألمانيا ذكر بسمارك وينساه العالم معها. # الخادم ~~(للمستشار) ~~: # وزير الخارجية بالباب يطلب مقابلة مولاي. # وزير الخارجية ~~(للمستشار) ~~: # وردتني أخبار من سفيرنا في النمسا أن ولي عهدها عازم على سياحة في داخل ~~المملكة، وسيتجول على نوع خاص في أملاك النمسا السلافية. # المستشار ~~(للوزير) ~~: # وماذا يقصد يا ترى من هذه السياحة؟ هل قال لك السفير شيئا؟ # الوزير ~~(للمستشار) ~~: # لم يقل سوى أنها سياحة تعرف، وأنا أرى أن الأرشيدوق ولي العهد يتوقع من ~~دقيقة إلى أخرى أفول نجم ذلك الشيخ الفاني الإمبراطور فرنسيس يوسف، فهو يريد ~~أن يتبين أحوال الأمم في مملكته؛ ليعرف كيف يحكمهم بيد من حديد، وحضرتكم ~~تعلمون أن ms14 ولي العهد شديد، وهو تلميذ إمبراطورنا وصديقه الحميم. # المستشار ~~: # يظهر أن هذا الفصل هو فصل السياحات الملوكانية، إمبراطورنا غائب في ستوكهلم، ~~وبوانكاره في روسيا، وولي عهد النمسا يجول في مدن بلاده، وملك الإنكليز هذا ~~مشغول اليوم بحرب الأحزاب في إيرلندة. # يا للعجب من تماسك هذه السلطنة الضخمة حتى الآن! وهي في يقيني لا تمسكها إلا ~~خيوط من عنكبوت، وأرى أنها أشبه بصنم هائل من خزف، فأقل شيء يسحقه إلى ~~الأرض، أليس كذلك يا حضرة الوزير؟ # الوزير ~~(للمستشار) ~~: # أنا أعلم أن مستعمرات الإنكليز غير مخلصة لهم، والمسلمون من أهلها لا ~~يحبونهم مع كل توددهم الزائد لهم، والإغضاء عن هفوات تركيا ضدهم، ورغبتهم ~~الزائدة في أن تبقى الأستانة عاصمة بيدهم مهما يكلفهم ذلك، خذ المصريين منهم، ~~فإنهم لم يروا من عهد الفتح عصرا صلحت فيه أمورهم مثل عصر الاحتلال ~~الإنكليزي، ومع ذلك فهم لا يفتئون يحركون ضدهم، ولمصلحة من يا ترى؟ لمصلحة ~~الأتراك الذين أفنوهم، ولمصلحة الحكومات الأخرى التي أزهقتهم. ويعجبني من ~~ناشئتهم إذ يقولون إن الإنكليز سلبوهم استقلالهم وسعادتهم. فهل الحالة التي ~~كانوا فيها استقلال وسعادة؟ كان عددهم على عهد إسماعيل ثلاثة أو أربعة ~~ملايين، فصار اليوم يربو على الاثني عشر مليونا، كان فدان الأرض يساوي عشرات ~~الجنيهات، ولا من يشتري، فصار يساوي مئاتها، ولا من يبيع، وهل إذا طمحوا إلى ~~استقلال حقيقي، ورحل الإنكليز عنهم يستطيعون أن يذودوا عن أنفسهم من احتلال ~~آخر، وهم لا يملكون شيئا من أسباب الاستقلال أمام سائر الدول التي تدعوها ~~مصالحها للتداخل في شئون مصر والمصريين؟ على أن ذلك يخدمنا في مصالحنا نحن، ~~فعلينا ألا ندع الفرصة تضيع منا. # المستشار ~~: # ولكن الأرض تخرج من أيدي المصريين. # الوزير ~~: # وعلى من الذنب؟ # المستشار ~~(متأملا) ~~: # معلومات مهمة ينبغي علينا ألا نغفل عنها، وأن نتحين الفرص للاستفادة ~~منها؛ لئلا تفوت، والفرص إذا فاتت قلما تعود. ~~(ثم يلتفت إلى الوزير.) # فعلى رأيك لو وقعت حرب بيننا وبين فرنسا وروسيا، وانضمت إليهما إنكلترا ~~... ~~(لا يدعه الوزير يكمل.) # الوزير ~~(للمستشار) ~~: # النصر مؤكد ms15 لنا ، وإنكلترا لو دخلت في الحرب ضدنا اغتنمت مستعمراتها الفرصة، ~~وثارت عليها، وأغنتنا عن محاربتها، وكان ذلك قرع جرس نعيها، هذا يقيني. # المستشار ~~(للوزير) ~~: # شكرا لك. ~~(يودع الوزير وينصرف.) # المستشار ~~(وحده) ~~: # الفرصة سانحة، ولو أردت أن أخلقها لما وجدت أنسب منها؛ فهي جامعة لجميع ~~الشرائط المطلوبة. ~~(يقرع الجرس.) # المستشار ~~(للخادم) ~~: # ادع إلي كبير الجواسيس في الحال. # المستشار ~~(لكبير الجواسيس) ~~: # ما دعوتك لأمر أهم من الأمر الذي أريد أن أعهد بإتمامه إليك، هو يحتاج ~~إلى مهارة وتكتم ما بعدهما مزيد، ولكنك أنت ابن بجدتها. # كبير الجواسيس ~~(للمستشار) ~~: # ليأمر حضرة المستشار. # المستشار ~~(لكبير الجواسيس) ~~: # هو سر ينبغي أن يدفن معك ومعي، وربما أبحنا به قبل إذا تحقق الغرض ~~المترتب عليه، والغاية تبرر الواسطة، والغاية هنا ما بعدها غاية، وهي تحقيق حلم ~~ألمانيا الجميل. # كبير الجواسيس ~~(للمستشار) ~~: ~~...؟ # المستشار ~~(لكبير الجواسيس) ~~: # لا بد لنا من الحرب اليوم قبل أن تتم الدول استعداداتها؛ ليتأكد النصر لنا، ~~ولا بد من إشراك النمسا فيها ضرورة، فلا بد إذا من سبب وجيه، هذه إرادة ~~الإمبراطور. ~~(وبعد صمت قليل يقول المستشار) ~~: هل أنت عالم بسياحة ~~الأرشيدوق ولي عهد النمسا؟ # كبير الجواسيس ~~: # نعم، وهو سيكون في مدينة سراجافو من أعمال النمسا بعد ثلاثة أيام. # المستشار ~~(لكبير الجواسيس) ~~: # بالحقيقة إن إدارتك بغاية الانتظام. ~~(ثم يقول له) ~~: وهل لا تخشى عليه هناك من ~~يد أثيمة من السلاف الناقمين بدسائس الصرب، التي لا تزال تحركهم طمعا ~~بضمهم إليها؟ # كبير الجواسيس ~~(وكأنه فهم المراد) ~~: # أخشى عليه كثيرا، وإدارتي بغاية المقدرة. # المستشار ~~(لكبير الجواسيس) ~~: # هذا ما كنت أنتظر، فاسمع إذن، السياسة تقتضي ذلك، والمصلحة فوق كل شيء، لا ~~بد من هذه الجناية لاتهام الصرب بها، ولا بد من الكتمان. # كبير الجواسيس ~~: # حتى على الإمبراطور؟ # المستشار ~~(له) ~~: # ولا سيما على الإمبراطور، فالأرشيدوق صديقه الحميم، وهذا هو السبب الذي لأجله ~~اخترت أن تكون الجناية عليه، حتى إذا لانت النمسا ما لان الإمبراطور، ووقعت ~~الحرب لا محالة. # كبير الجواسيس ~~(للمستشار) ~~: # كن مطمئنا، فمنذ الآن تستطيع السياسة أن تعتبر ms16 الصرب جانية. # المستشار ~~: # بالحقيقة إن قوة ألمانيا الهائلة هي في جاسوسيتها المنظمة. # المنظر الثاني ~~(الخادم - كبير الجواسيس - المستشار - ناظر الخارجية - غيليوم) # المستشار ~~(في مكتبه قلقا) ~~: # اليوم موعد وصول الأرشيدوق إلى سراجافو، مسكين الأرشيدوق هذا اليوم عليه يوم ~~بؤس، ولكن هل توجد حيلة أخرى لتحقيق رغبة الإمبراطور وإشراك النمسا في الحرب؟ ألا يكون الإمبراطور يرمي إلى ذلك، حتى اختار هذه الفرصة وأوصاني أن ~~أتذكر بسمارك؟ مع أن الأرشيدوق صديقه، ولكن أية صداقة تقف في سبيل مطامعه ~~التي لا حد لها؟! ولقد أحسنت في أن أوصيت كبير الجواسيس بالكتمان، حتى على ~~الإمبراطور نفسه، فالحكمة تقتضي ذلك، ولو أن العمل ينطبق على مرامي الإمبراطور. ~~والحكمة وإن كانت تقرأ ما بين السطور، وتعلم ما في طي الصدور، إلا أنها في ~~السياسة تطلب دهاء كثيرا. ~~(يدخل الخادم ويستأذن لكبير الجواسيس.) # كبير الجواسيس ~~(للمستشار) ~~: # الأقدار تخدم سعادتكم، لقد قضي الأمر من دون أن يكون لنا فيه أدنى يد ~~تثقل ضمائرنا، فقد كانت المكيدة مدبرة من قبل تدبيرا شيطانيا، إذ صف القتلة ~~اثنين اثنين على طول الطريق، حتى إذا نجا من أول كمين لم ينج من الثاني، وهكذا، ~~وقد قتل الأرشيدوق وزوجته في الكمين الثاني. # المستشار ~~(لكبير الجواسيس) ~~: # رحمة الله عليهما، وماذا يقول الناس هناك؟ # كبير الجواسيس ~~(للمستشار) ~~: # يقولون إنها مكيدة من الصرب، وهل في ذلك شك؟! # المستشار ~~(للكبير) ~~: # وأنت ماذا تقول؟ # كبير الجواسيس ~~: # ماذا أقول؟ أقول كما يقولون. ~~(وفي نفسه.) # هو في حيرة، ويلذ لي أن أراه في هذه الحيرة. ~~(يودع ويخرج.) # المستشار ~~(وحده) ~~: # مهما يكن من ذلك، فالمطلوب حصل، ولكن حتى الساعة لم يرد نبأ بذلك على ~~الحكومة. ~~(يدخل الخادم ويستأذن لوزير الخارجية.) # وزير الخارجية ~~(للمستشار) ~~: # وردني نبأ مكدر جدا، وربما كان سببا لمشاكل كبرى بين الدول، ولا سيما أنه ~~يحزن جدا جلالة الإمبراطور، فقد أنبأني سفيرنا في فينا أن قنصلنا في ~~سراجافو أبرق له بأن الأرشيدوق ولي عهد النمسا قتل في هذه المدينة هو وقرينته، ~~وأن قاتليه من السلاف، ويرجح أن الأمر بدسيسة من ms17 الصرب . # المستشار ~~(للوزير) ~~: # يا للفظاعة! يا للفظاعة! إذا كان الأمر كما ذكرت فليس أمامنا مشاكل دولية ~~فقط، بل أمامنا الحرب على الأرجح، فإن النمسا لا يسعها السكوت عن هذه الجناية، ~~وإمبراطورنا سيبلغ به الغضب من قتل صديقه مبلغا لا يقف به إلا عند سحق الصرب، ~~هذه الدولة الحقيرة التي لم تعد تعرف في غرورها أن تقف عند حد. # نعم هي الحرب؛ لأن روسيا لا ترضى بأن النمسا تسحق الصرب، وفرنسا لا بد لها من ~~نصر حليفتها، ونحن ناصروها إذا تحركت روسيا، فالحرب واقعة لا محالة، وعما قليل ~~سينقض الإمبراطور علينا كالصاعقة عائدا من سياحته متى علم بالفاجعة، ~~فلنستعد لشهود غضبه، وما سيتبع ذلك من المشاكل. ~~(يودع الوزير ويخرج.) # المستشار ~~(وحده) ~~: # هذا الداهية كبير الجواسيس يجعلني بتصريحه في حيرة، أصحيح يا ترى ما يقول؟ ~~إنه حينئذ لاتفاق عجيب، أم ذلك منه منتهى الحذر؟ ألعله لا يأتمن ~~جانبي ويخشى غضب الإمبراطور؟ من يدري؟ وما دمت لا أنوي التصريح الآن، فلا ~~بأس، وستكشف الأيام الحقيقة كما كشفت عن دهاء بسمارك، على أن المجال لدي واسع ~~ما دام اعتمادي على إقدامي، وبهذا امتيازي العظيم على بسمارك. # المنظر الثالث ~~(الإمبراطور - المستشار - وزير الخارجية - وزير الحرب - كبير ~~القواد) # الإمبراطور ~~(وحده في قصره غاضبا) ~~: # أبلغ من قحة هذه البعوضة أن تتهجم علينا إلى هذا الحد؟ أنا لا أكره أن ~~يخلقوا لي الأسباب لأؤدبهم جميعا، لم يقتلوا ولي عهد النمسا وامرأته، بل ~~قتلوا صديقي الحميمين، فوا أسفاه عليكما! لا بد لي من سحق هذه الدولة ~~الحقيرة المغرورة، ولو أدى بي ذلك إلى أن ألهب النار في أوروبا كلها. ~~(يقرع الجرس.) # الإمبراطور ~~(لكبير الحرس) ~~: # ادع إلي في الحال مستشاري ووزير الخارجية ووزير الحرب وكبير قوادي. # الإمبراطور ~~(لهم) ~~: # جميعكم تعلمون النبأ الصادع الذي ألم بحليفتنا، وهذا اليوم هو يوم ~~انتقامي الشديد، فيا حضرة المستشار نص أنت البلاغ الذي يجب أن ترسله حكومة ~~جلالة حليفي إمبراطور النمسا إلى هذه الأمة الشريرة دول الصرب، وليكن في ~~الغاية القصوى من الشدة، حتى لا ms18 تقبله أية دولة مهما تكن حقيرة، ولا تمهلها ~~أكثر من 48 ساعة للقيام بالترضية المطلوبة، ولتكن النمسا على قدر الاستعداد ~~لاجتياز الحدود عند أول إشارة. # وأنت يا وزير الخارجية، أكد على حضرة زميلك هناك أن إرادتي هذه لا تقبل ~~تعديلا، فلتكن حكومته شديدة إلى الغاية، ولتخلق الصعوبات إثر الصعوبات كلما ~~بدا من الآخرين تساهل، إذ لا بد من الحرب، فالإهانة التي ألحقوها بنا لا تطاق، ~~ومصلحتنا لا يسعها أن تصبر أكثر مما صبرنا حتى الآن. # وأنت يا وزير الحرب، أعط الأوامر لتعبئة الجيوش، وتجهيزها بكل ما يلزم ~~لها من العدة، حتى لا ينقصها شيء. # وأنت يا كبير قوادي، لتكن جيوشي جاهزة واقفة عند الحدود؛ كي تجتازها عند أول ~~إشارة، وها قد حانت تلك الفرصة لإظهار كفاءتك الموثوق بها، عسى أن تكتب لك في ~~تاريخ ألمانيا صفحة مجيدة، كما كتب كبير أسرتك الشهير، وقد قاد جيوش جدي ~~المظفرة إلى النصر، فحقق ثقتي فيك باختياري لك، وإني لمتفائل خيرا باسمك ~~المجيد. ~~(وإلى الجميع) ~~: فانصرفوا الآن، وليقم كل واحد منكم بما ~~أمرته به خير قيام. # المنظر الرابع ~~(المستشار الإمبراطوري في مكتب الإمبراطور.) # المستشار ~~(للإمبراطور) ~~: # زارني سفير إنكلترا، وقال لي إن حكومته ترغب في حل الإشكال إما بمؤتمر دولي، ~~أو على الأقل بمداولة على يد السفراء، ولكن الوقت المفروض للترضية ضيق جدا، ~~فهي ترغب تمديده، وتطلب منا أن نستمهل النمسا، ويظهر أن النمسا تميل إلى ~~اللين. # الإمبراطور ~~(بدهشة) ~~: # ماذا تقول؟ تميل إلى اللين! # المستشار ~~(في حديثه) ~~: # ولكني قلت له: إن روسيا تعبئ جيوشها، وهذا ما لا قبل لجلالتكم بغض النظر ~~عنه. # الإمبراطور ~~: # وهل هي تعبئ حقيقة؟ # المستشار ~~: # جلالتكم تعلمون أن روسيا لا تسمح عن طيبة خاطر باكتساح الصرب، ولكنها كسائر ~~الدول غير مستعدة للحرب، بل جميعهن لا يصدقن بإمكان وقوعها، فلعلي أحرجها ~~إليها لإحراج فرنسا معها، ومع ذلك ماذا يهمنا إذا لم تطلبانا للحرب، فنحن ~~نتذرع بألف وسيلة، ونشهرها عليهما، ألم تأمروني جلالتكم بأن أتذكر بسمارك؟ ~~وماذا تجدي حيلة بسمارك اليوم؟ فقد كانت صغيرة ms19 مثلنا في ذلك العهد، ولكنها كانت ~~كبيرة جدا على فرنسا لكبريائها حينذاك، وأما اليوم فيجب أن يكون عملنا على ~~قدر قوتنا، وقدر استخفافنا بسوانا، والحق إنما هو للقوة دائما. # الإمبراطور ~~(يرى في يد المستشار أوراقا فيسأل) ~~: # وما هذه الأوراق التي بيدك؟ # المستشار ~~: # هي البلاغات التي ظننت أن جلالتكم تحتاجون إليها. # الإمبراطور ~~(للمستشار) ~~: # أنت تعلم أن خطتنا الحربية هي أن نكتسح فرنسا من جهة البلجيك؛ لأنها من هذه ~~الجهة غير حصينة، فلا تؤخرنا مقاومتها كثيرا، والسرعة في سحق فرنسا هي التي ~~تضمن فوزنا في ميادين الحرب جميعها، فما الرأي في ضماننا لحيادها وحياد ~~اللكسمبرج؟ وماذا نصنع بتعهدنا أمام الدول؟ # المستشار ~~: # الرأي إما أن نتفق معهما، ونضمن لهما سلامتهما إلى الحين، وإما أن نكتسحهما ~~إذا أبتا غير مبالين بتعهدنا، فننال منهما عاجلا ما ننويه لهما آجلا، وما هو ~~التعهد؟! هل هو إلا كلمة فارغة لا معنى لها، والغاية تبرر الواسطة. # الإمبراطور ~~: # وما رأيك في إنكلترا خاصة؟ # المستشار ~~: # إنكلترا؟ نحاول أن نخدرها ما أمكن، على أنها لا تستطيع شيئا، وهي على ما ~~هي من الاضطراب، هي لا شك تحتج على خرق حياد البلجيك في الظاهر، ولكنها لا تفرغ من ~~احتجاجها، حتى نكون قد قضينا لبانتنا، وأصبحت أوروبا كلها في قبضة ~~يدنا. # الإمبراطور ~~: # فلنعجل إذن بتوقيع البلاغات لئلا تفوت الفرصة، وتقلقنا الدول بمراوغاتها ~~السياسية التي لا يقصد بها إلا تهدئتي عنها. ~~(يأخذ البلاغات ويوقعها، ثم يلتفت إلى المستشار.) # الإمبراطور ~~: # أرى هنا ثلاثة بلاغات غير معينة. # المستشار ~~: # قد نحتاج إليها لأميركا أو للصين. # الإمبراطور ~~: # وهذا الثالث لمن؟ # المستشار ~~: # صحيح هذا زائد، ولكن من يدري؟ فهل نحن على ثقة تامة حتى من حلفائنا؟ # | الفصل الثالث # المنظر الأول # المستشار ~~(للإمبراطور) ~~: # لقد رضيت اللكسمبرج بأن تجتازها جيوشنا مقابل تعهدنا لها بألا نمس ~~استقلالها بشيء، وأن نعوض عليها ما قد يلحق بها من الضرر بسببنا، ولقد عرضنا ~~مثل ذلك على البلجيك، ولكنها أبته علينا، واعتبرته منا إهانة لها، ولما رأتنا ~~نصر، وأن لا بد لنا من اجتيازها إن لم ms20 يكن برضاها فقوة واقتدارا، قام الملك ~~ألبرت يخطب في جيوشه، ويحمسهم معرضا بجلالتكم بكلام مهين تأبى شفتاي أن ~~تتلفظا به. # الإمبراطور ~~(للمستشار) ~~: # ماذا قال هذا المفتون؟ لا تخف عني شيئا. # المستشار ~~(للإمبراطور) ~~: # عفوكم مولاي. قال: إن جارنا الوقح يساومني على شرفنا مساومة دنيئة، فهو يعرض ~~علي أن أبيعه خرق حياد بلجيكا بالمال. وفي ظني أنه مدفوع إلى المقاومة من ~~فرنسا وإنكلترا، فهما تشدان أزره، وإلا فالغرور وحده لا يحمله على هذه الجسارة ~~ضدنا، وهو لا يجهل بأن مقاومته لنا لا تجديه نفعا، وهو بهذا الضعف، ونحن بهذه ~~القوة، وإنه لمن العار علينا الإبقاء على هذه الدول الصغيرة اليوم. # الإمبراطور ~~(وقد استشاط غيظا) ~~: # يقول جلالته إني أساومه مساومة دنيئة؟ ~~(ثم يبتسم ساخرا.) # وشرفه الأثيل يأبى عليه ذلك؟ فسيعلم الذين تسول لهم نفوسهم مقاومتي أن ~~انتقامي شديد، فليكن جنودي قساة حتى البربرية، «فالويل الويل ~~للمغلوب». # المستشار ~~(للإمبراطور) ~~: # إني أرى رأي جلالتكم في ذلك وأكثر ~~(ثم ~~يبتسم) ~~. # الإمبراطور ~~(للمستشار) ~~: # أراك تبتسم؟ # المستشار ~~(للإمبراطور) ~~: # أبتسم؟ لأن من البلية ما يضحك؟ فقد أرسلنا بلاغاتنا إلى فرنسا وروسيا، ~~ووردتنا بلاغات من إنكلترا واليابان، ولكن من البلية أن نظام المجتمع لا يزال ~~فيه أمم صغيرة ودويلات حقيرة يطلب منا أن نعاملها، أو نصبر على معاملتها لنا ~~معاملة النظير لنظيره، فقد وردنا بلاغ لو تدرون جلالتكم ممن؟! من إمارة الجبل ~~الأسود تشهر علينا به الحرب. # الإمبراطور ~~(مشمئزا) ~~: # الحمد لله أنه ليس من جمهورية «سان مارينو»، ولكني سأصفي حساب هذه الدويلات ~~جميعها متى فرغت من الدول الكبرى، وأنهض بالمجتمع إلى مستوى لا يخجل منه، ولقد ~~بدأنا اليوم بالبلجيك. ~~(يقلق ويلتفت يمينا وشمالا.) # وإني لمنتظر أخبار جنودنا فيها؛ لأنه على سرعة اجتيازنا لها يتوقف مستقبل ~~غزوتنا. ~~(يدخل كبير الحرس ويستأذن لكبير القواد.) # كبير القواد ~~(للإمبراطور) ~~: # لقد فرغنا من بلجيكا، ودمرنا حصونها تدميرا، وخربنا مدائنها، ولم نبق فيها ~~على أثر، وشردنا أهلها في الأقطار، وهم الذين نجوا من السيف والمدفع ~~والنار. # الإمبراطور ~~(لكبير القواد) ~~: # هذا أقل جزاء للمغرورين ولكني أرى أنا ms21 أضعنا في بلجيكا وقتا أكثر مما ~~كنت أنتظر، وربما نكون قد أضعنا فرصا أيضا. # كبير القواد ~~(للإمبراطور) ~~: # الحق يقال، إن هذه الأمة الصغيرة قد استبسلت في الدفاع عن نفسها، وكأنها ~~كانت متوقعة هذه الغزوة منا، فقد وجدناها بغاية الاستعداد؛ من حصون منيعة، ~~وكبار ملغومة، وسدود لتغريق الأرض، مع علمها أن حيادها مضمون، ولكن كل ذلك لم ~~يحل دون بلوغ جنودنا النصر ومنتهى الفخر. # الإمبراطور ~~(لكبير القواد) ~~: # وأين أنتم من شراذم جنود الإنكليز الحقيرة، هذه الأمة التي أردنا أن ~~نوقرها فاحتقرتنا. # كبير القواد ~~(للإمبراطور) ~~: # هؤلاء قصدنا أن نفنيهم على بكرة أبيهم، ولكن المؤجل لا يفوت، ولقد كسرناهم ~~شر كسرة، وكسرنا الفرنساويين معهم في معركة شرلروا، ولولا قليل لأحدقنا بهم ~~جميعا، وأخذناهم أسرى، ولو تم لنا ذلك لكانت الواقعة هناك فاصلة كواقعة ~~سيدان، ولكنهم تمكنوا من الانسحاب بعد خسائر هائلة، وكأنهم في انسحابهم لا ~~يلوون على شيء، وجيوشنا المظفرة تتعقبهم، ولا تصادف مقاومة تذكر، وعن قريب ~~سنصل إلى حصون باريس. # الإمبراطور ~~(لكبير القواد) ~~: # كل ذلك عوائق توجب القلق، أنا لا أريد الآن أن أظهر بمظهر المتعنت، وإنما ~~أرجو لقيادتك حظا أحسن عند حصون باريس. # المنظر الثاني # الإمبراطور ~~(وحده) ~~: # لا ينكر أن أحوالنا حتى الساعة حسنة، وتقدمنا مستمر، ولكن كل يوم نتأخره هو ~~فرصة لأعدائنا يستعدون فيها، لقد كان لنا عليهم في أول هذه الحرب امتيازان: ~~القوة والمباغتة، وهذه الأخيرة أهم، وقد ضاع أملي بالمباغتة اليوم، وقد ~~أعطي الفرنساويون والإنكليز وقتا كافيا للاستعداد، فمن أين أتى ذلك؟ وما ~~هو الخطأ الذي ارتكبناه؟ لم يبق لنا الآن سوى الاعتماد على القوة، وهذه ~~راجحة في كل حال، ولو أضاعت وقتا أطول، ولا سيما أن الإنكليز لا يعتد بهم ~~كثيرا في البر، وأما في البحر - ولو أني لا أستطيع أن أحاربهم بعمارتي ~~وجها لوجه - فلأفنين عمارتهم بغواصاتي، وأصطادها بها كما يصطاد ابن عرس صغار ~~الفراخ، كما أني لأدمرن مدنهم بطياراتي، ولكن أخبار حليفتنا النمسا ~~تقلقني. ~~(يقرع الجرس ويأمر كبير الحرس أن يدعو إليه وزير ~~الحرب.) # الإمبراطور ms22 ~~(للوزير) ~~: # ما الخبر اليقين عن النمسا؟ # الوزير ~~(للإمبراطور) ~~: # أخبار حليفتنا النمسا غير سارة، فهي من جهة الروس في انكسار، ومن جهة ~~الصرب ليست في انتصار، والروس مع ذلك متقدمون في أملاكنا الشرقية. # الإمبراطور ~~: # لا عجب وقد تركنا لهم هناك الحبل على الغارب، فلم نترك أمامهم قوة تصدهم ~~لانصرافنا عنهم إلى ما هو أهم، أما الآن فلم يبق من حاجة إلى كل ذلك وقد ~~تقدمنا في الزحف على باريس، فيلزم أن نرسل في الحال جيشا ضد الروس يخرجهم من ~~بروسيا الشرقية، أو يهلكهم في مستنقعاتها، وأن نرسل نجدة إلى النمسا تمكنها ~~من قهر العدو، ولا سيما أنها تشكو من أن نجدتها لنا أثرت عليها كثيرا، وليكن ~~ذلك بمنتهى السرعة. # الوزير ~~(للإمبراطور) ~~: # سيكون لجلالتكم ما ترغبون، ولا سيما أن السرعة متوفرة لنا بفضل سككنا ~~الحديدية الحربية البالغة منتهى الإتقان. # الإمبراطور ~~(في نفسه) ~~: # الحق يقال إن قوتنا الهائلة هي في سككنا الحديدية التي لا نظير لها عند ~~سوانا. ~~(يخرج الوزير، ويدخل كبير الحرس، ويستأذن ~~للكرونبرنس.) # الإمبراطور ~~(للكرونبرنس هاشا) ~~: # ما وراءك يا ويلهلم؟ # الكرونبرنس ~~(للإمبراطور) ~~: # كل خير في ظل جلالة مولاي الإمبراطور، جيشنا في الألزاس يطرد العدو، وهذا ~~ينسحب أمامه راضيا من الغنيمة بالمآب، وما كان تغريرنا له في الزحف علينا إلا ~~خدعة حربية عرف منها أن لحمنا مر، والحق أن تصرف جنودنا وضباطنا في هذه الحرب ~~كان بديعا، فقد كانوا كأسود بعد أن جوعت وعطشت، وجنودنا كانوا عطاشا إلى ~~الدم، وجياعا إلى النهب والسلب، وكأنهم لا يزال يرن في آذانهم كلام جلالتكم ~~«الويل للمغلوب» فقاموا يفتكون، ويحرقون، وينهبون، ويفسدون، فلم يحترموا كاهنا ~~يصلي، ولا شيخا كبيرا، ولا طفلا صغيرا، ولا حاملا تجهض، ولا بنتا عذراء، ~~ولا طبيبا مداويا، ولا ممرضا مؤاسيا، ولا أثرا قديما أو جميلا يفتخر ~~به علينا إلا وقد دمروه، ولقد أقمت أياما في قصر فخم لأحد أمرائهم فيه من ~~الآثار الثمينة والرياش الفاخر ما لا يثمن بمال، فبعد أن شربنا وطربنا ~~وأتينا على ما فيه من الخمور المعتقة قمت أجمع ms23 كل ما خف حمله وغلا ثمنه، ~~وبعثت به إلى برلين، وأعدمنا كل ما لا يحمل، ثم رحلنا عنه بعد أن تركنا لهم ~~فيه آثارنا، وقد حضرت الآن لكي أستأذن جلالتكم في الانضمام إلى جيشنا الزاحف ~~إلى باريس؛ لأكون في مقدمته عند دخوله هذه المدينة ظافرا. # الإمبراطور ~~(للكرونبرنس) ~~: # هل لك شأن آخر؟ # الكرونبرنس ~~(للإمبراطور) ~~: # لا يا مولاي، جلالتكم تعلمون أن باريس هي أقصى منيتي. # الإمبراطور ~~(للكرونبرنس) ~~: # ليكن لك ما طلبت. ~~(يخرج الكرونبرنس.) # الإمبراطور ~~(وحده) ~~: # متى يتأتى لهذا الولد أن يكون رزينا؟ # المنظر الثالث # الإمبراطور ~~(في قصره الأوتومبيلي، والغضب بالغ منه حد الجنون) ~~: # ماذا يبلغني؟ أكاد لا أصدق أذني، هل هذا ممكن؟ جيش ظافر يطارد عسكرا مكسورا، ~~لا يبلغ ثلثه عدا يكسره هذا العسكر القليل الخائر، وأية كسرة؟! لولا أن عصر العجائب ~~قد انقضى لقال الناس غدا: إن قديسا أو قديسة هي التي أنقذت الفرنساويين في واقعة ~~«المارن» كما أنقذتهم جان دارك في الماضي، ولطوب هذا الشعب - لولا أنه شعب ملحد - قائده ~~العظيم جوفر كما طوبت الكنيسة جان دارك اليوم، فما هذا يا إلهي؟ لقد زعزعت ثقتي فيك، ~~كيف تسمح لهذا الشعب الذي أنكرك أن يفوز على شعبك الألماني الخاص، وعلى ممثله المتصل ~~نسبه بك، فيا لضياع اعتمادي عليك! لم يبق لي تلك الثقة فيك ما دام للقديسين اليوم هذه ~~المقدرة دونك، إني لأدمرن كنائسهم ولأحرقن صور قديسيهم، حتى لا يبقى لهم منقذ ~~ينقذهم من غضبي، إني أنا الواحد القدير على هذه الأرض، وأنا الغني عن كل حليف آخر ~~أرضي أو سماوي، وقوتي يجب أن يدين لها الثقلان. # لقد أحسنت ظني بقوادي؛ فساء فألي، ولقد أخطأت بأن سمحت لابني أن يلحق بجيشي ~~الزاحف على باريس، وهو عنوان الفشل والخذلان حيثما كان. ولقد كان أول الفارين هذا ~~المتبجح بفوز سواه للتصدر في مقدمة الظافرين، لقد أظلمت الدنيا في عيني من هذا ~~الانكسار الهائل فكأن أحلامي كلها ضلت، لقد ذهبت تلك الآمال الكبيرة، وكاد ~~يتولاني اليأس لولا ما بي من العزيمة التي تفل الحديد. ms24 # وسواء كان النصر ميسورا لي أو كتب لي ألا يكون النصر حليفي؛ فلأقلقن الأرض ~~والسماء؛ حتى يعلم الجميع على السواء أني أكبر من أن يزعجني ما يقول الناس عني، وأني ~~في غنى عن رضى الآخرين، وأن غضبي لا يستهان به، فلأدمرن الأرض حيثما حللت كأني ~~الزلزال المميد؛ فأهدم المساكن والقصور، وأدك المعاهد والمعابد، وأحرق الزرع، وأبيد ~~الضرع؛ حتى لا يجد الناس مفرا لهم مني غير خنادق الأرض يحفرونها، ويقيمون فيها ~~كالمناجذ، وهيهات أن تقيهم ناري الحارقة، وغازاتي الخانقة، حتى تمسي الخنادق لهم مدافن ~~لا مساكن، وحتى أثير حربا شعواء فوق الأرض، وتحت الماء، وفي الهواء لم يسمع نظيرها ~~سكان الغبراء، تقلق أهل الجحيم، ويصل شرارها إلى سكان السماء ما دام الجميع خانوني، ~~واستهانوا بي، واستسهلوا غضبي، وما دام نصيري علمائي الأعلام يخدمون أغراضي باختراعاتهم ~~الفائقة، ومنشوراتهم المبرورة، وهذا منهم اعتناء زائد، فهل أنا بحاجة إلى مثل هذا ~~التبرير؟! # على أن علمائي بين علماء اليوم أعلام، فهم مثلي يفهمون ضعف الناس، ويسطون عليهم، ~~ويقودونهم إلى حيث يشاءون كما يقاد الأعمى، وهذا سر التحكم في الناس: إقدام وجسارة، ~~وأن تعتبر الناس كما هم، لا كما تريد أن يكونوا، ولكن قوادي، آه منهم لقد أضاعوا ~~علي بسالة جنودي، وحسن تدريبهم، وبديع نظامهم، فلأقلبن الأرض على رءوسهم ~~قلبا. ~~(يقرع الجرس، ويأمر كبير حرسه بأن يدعو إليه قواده وكبيرهم.) # الإمبراطور ~~(لقواده غاضبا) ~~: # لقد وضعت ثقتي بكم في غير محلها، ولقد نلت جزائي على ذلك، ولكن هل في الإمكان ~~أن أكون أنا في كل مكان؟ لقد كان نابوليون الكبير كبيرا بأعوانه، كما كان ~~نابوليون الصغير صغيرا بأعوانه، إني لأكونن أكبر من نابوليون الكبير، وإن ~~كنتم أنتم صغارا، ومن ذا يكون نابوليون الكبير وأعوانه في هذه الحرب اليوم؟! ~~فلأكونن أنا وحدي الكل في الكل. ~~(ثم يلتفت إلى كبير قواده.) # وأنت أيها القائد العظيم، إني أخطأت كثيرا بتيمني باسمك، فالزم بيتك، ~~وهذا أقل جزاء المقصرين. ~~(يبهت قليلا، ثم يقول): وأين الكرونبرنس؟ هذا الذي لم أكن أتوقع منه خيرا، ms25 ولعله في فراره قد ~~سبق إلى برلين بدلا من باريس؟ فليلزم هو بيته أيضا. ~~(وبعد فترة يقول في نفسه): من هو هذا الداهية الذي نظم جيوش الفرنساويين هذا النظام البديع، وأتى بهذه ~~المعجزات؟ فلنعم القائد هو! ونعم الأمة التي أنجبته، ولو أنها عدوتي، ولكن ~~لا بد لي من سحقه، والفخر يعظم كلما كان الخصم عظيما. ~~(يخطر قليلا وهو مضطرب ويقول): آه من هؤلاء الإنكليز فقد أحبطوا علي كل أعمالي، وسدوا علي المنافس، ~~فلأصلينهم حربا في الهواء، وتحت الماء لم يسبق لها مثيل، هم يريدون أن ~~يحصرونا ليميتونا جوعا، لولا أن لكل رائد نجعة، ولولا منافذ المحايدين، فلأفسدن عليهم كل شيء. ~~(يقرع الجرس ويطلب مستشاره.) # الإمبراطور ~~(للمستشار) ~~: # ما حال حليفتنا تركيا؟ # المستشار ~~(للإمبراطور) ~~: # جلالتكم تريدون أن تعرفوا حال أنور وعصابته، وإلا - كما تعلمون جلالتكم ~~- فتركيا لو استطاعت لما حشرت نفسها في هذا المأزق لأجلنا، أما أنور وعصابته فقد ~~باعوا لنا على رغم أنف العثمانيين، ونحن اشترينا منهم ويدنا اليوم فوق كل يد في ~~إدارة شئون المملكة التي استبدوا بها. # الإمبراطور ~~(للمستشار) ~~: # وأين هم من حرب الجهاد التي وعدونا بها؟ # المستشار ~~(للإمبراطور) ~~: # كأنهم خدعونا بهذا الشبح الموهوم، فالمسلمون لم يحركوا ساكنا ضد الإنكليز، ~~كما خدعنا نحن لما ظننا أن مستعمراتهم ستقوم عليهم، فكان لهم من هذه ~~المستعمرات أعظم نجدة. # الإمبراطور ~~(للمستشار) ~~: # وحملة القنال؟ # المستشار ~~(للإمبراطور) ~~: # لقد فشلت، وكان للإنكليز من مدفعية المصريين أعظم عضد. # الإمبراطور ~~(للمستشار) ~~: # والدردنيل؟ # المستشار ~~(للإمبراطور) ~~: # قد تكون الحرب بيننا وبينهم هناك حتى الآن سجالا رغما من غرق مدرعاتهم ~~بألغامنا وغواصاتنا، وكأنهم يتوقعون من حكومة الأستانة تصافيا إذا خارت ~~يدنا، وخارت يد عصابتنا؛ لذلك هم يسعون إلى استمالتها ضدنا، ويصفحون عنها، ~~ويعتبرونها مرغمة على حربهم إذا صافتهم. # الإمبراطور ~~(للمستشار) ~~: # يا للمكر! أنا أفهم كل ذلك، ولكن هل هم كلهم فاهمون؟ ودول ~~البلقان؟ # المستشار ~~(للإمبراطور) ~~: # دول البلقان؟ عنوان التذبذب، هي تنظر بعضها إلى بعض أكثر منها إلى الاتفاق ~~معنا أو علينا، على أننا نجحنا بأن أملنا إلينا واحدة كانت على ms26 وشك أن تنضم ~~إلى أعدائنا، أو بالحري منعناها عن أن تكون ضدنا، ونحن اليوم ساعون في ~~استمالة أخرى إلينا هي نافعة لنا أكثر، وإلا انقطعت مواصلاتنا مع الأستانة، ~~وقضي علينا هناك من فقدان المئونة والذخيرة، على أن هذه الدول لا تستطيع شيئا ~~ضدنا إلا إذا اتفقت فيما بينها، واتفاقها أبعد من منال القمر، وأعداؤنا حتى ~~الآن لم يعرفوا كيف يستميلونها إليهم؛ لشدة طمعهم، ولا بد لنا من القضاء عليها ~~القضاء التام بعد انتصارنا في أوروبا، وحلولنا محل الأتراك، واستيلائنا على ~~مملكتهم الضخمة الجميلة. ~~(يدخل كبير الحرس وبيده تلغراف للمستشار.) # الإمبراطور ~~(للمستشار) ~~: # ما هذا؟ # المستشار ~~(للإمبراطور) ~~: # هو تلغراف لا سلكي، وفيه البشارة لجلالتكم، إن غواصتنا نمرة كذا أغرقت ~~الباخرة لوزيتانيا، وغرق معها نحو 1500 راكب من رجال ونساء وأطفال، وبينهم ~~أميركانيون كثيرون. # الإمبراطور ~~: # هؤلاء الذنب عليهم فقد أنذرناهم، أنا لا أنكر أن فعل الغواصات ومناطيد ~~زبلين لغاية الآن ضعيف، وهي بالحقيقة لا تؤثر شيئا في نتيجة الحرب، إلا إذا ~~كان التهويل بها يحمل الأمة الإنكليزية على قبول صلح شريف لنا؛ لأني صرت أرى ~~أن تحقيق حلم ألمانيا أصبح اليوم بعيدا جدا عما كنت أظنه في أول ~~الحرب. ~~(يدخل كبير الحرس وبيده تلغراف آخر للمستشار.) # وممن هذا؟ # المستشار ~~: # هو من سفيرنا في واشنطون، وفيه أن جرائد أميركا قائمة قاعدة ضدنا بسبب غرق ~~الباخرة «لوزيتانيا»، وتطلب من الحكومة التشديد بطلب الضمان على حياة ~~تبعتها. # الإمبراطور ~~(للمستشار) ~~: # لا شك في أن الدكتور ويلسون سيحتج غدا إذعانا لصوت الأمة، ولكني واثق ~~أن حكومته لا تستطيع شيئا ضدنا نظرا لنفوذ الأميركيين الألمان هناك، فإذا ~~احتج فليكن أخذك وعطاؤك معه مطلا ومواربة، وادع أن الباخرة كانت تحمل ~~ذخيرة للعدو. # الإمبراطور ~~(للمستشار) ~~: # وممن هذا أيضا؟ # المستشار ~~(للإمبراطور) ~~: # هو من سفيرنا في رومه، ويقول: إن مساعي معتمدنا العالي للتوفيق بين إيطاليا ~~والنمسا ذهبت سدى، وإن إيطاليا شهرت الحرب على النمسا. # الإمبراطور ~~: # المشاكل تتراكم علينا من كل الجهات، وأنا لا أستغرب مسلك هذه الحليفة ~~الخائنة، فهي منذ أوائل الحرب تكتم ms27 لنا العداء كأنها عالمة بمصيرها منا، وإذا ~~كانت قد تأخرت إلى اليوم؛ فلكي تتم استعدادها، فصار يلزمنا أن نراقب حركات دول ~~البلقان؛ لنمنعها من أن تتحرك معها ضدنا، وهذا لا يكون إلا بأن نجبنها بضرب ~~روسيا ضربة قاضية، ولو أضعفنا مركزنا في الميدان الغربي؛ لأن انكسار روسيا قد ~~يمنع هذه الدول أن تخرج من حيادها، وإذا خرجت لمصلحة الأعداء كان ذلك الطامة ~~الكبرى على حليفتنا تركيا، إذ نفشل حينئذ فشلا تاما يجلب علينا شرا ~~كبيرا في الخارج، وفي الداخل؛ لأني صرت أخشى فراغ صبر الأمة الألمانية بعد أن ~~منيناها بنصر قريب، وبكل ما يتبع ذلك من الأحلام الجميلة، فلنعجل بإعطاء ~~الأوامر لإرسال هذه النجدة إلى الميدان الشرقي، وبلغ الجرائد في الحال خبر ~~إغراق الباخرة «لوزيتانيا»، ولتفهم الأمة أنا أوتينا بهذا العمل نصرا ~~مبينا، وأوعز لها أن تزين وتقيم الأفراح، وامنح تلامذة المدارس بأمري عطلة ~~يوم؛ ليفرحوا بهذا العيد الوطني العظيم ~~(يخرج ~~المستشار). # الإمبراطور ~~(وحده) ~~: # لقد طاش سهمي، وكأني فقدت كل آمالي، ولولا أن تكون الأمة الألمانية بنظامها ~~الذي أدخلته عليها كالآلة العمياء لما أمنت على نفسي ثورتها اليوم، وقد ~~بلوتها بكل البلايا، فإذا لم يبق في إمكاني أن أكون كنيرون فلأكونن ~~كشمشون، ولأشربن الكأس حتى آخرها، وماذا يجديني انتصاري على الروس اليوم؟ ~~وهم لو غلبوا غلبوا، وقاهرهم في بلادهم مقهور، فإذا طاردتهم لم أنل منهم بقدر ~~ما ينالون مني، وأضعفت مركز جيوشي في الميدان الغربي كثيرا، وإذا ارتددت عنهم ~~ارتدوا إلي، وارتدت دول البلقان إلى ممالأة خصومي، وخدمت بذلك غرض هؤلاء ~~الإنكليز الذين هم ألد أعدائي، وهم أمنعهم علي اليوم، وكأن هذه الدولة ~~الماكرة تسير مع سائر الدول الكبرى والصغرى ضدي كما سارت معهم ضد نابوليون ~~الكبير حتى أوردته حتفه ولو بعد حروب طالت ربع قرن، وأنفقت فيها من المال ~~ما جيشت به أوروبا كلها عليه، وهي الدولة التي لا تحسب للمال ولا للزمان ~~حسابا ما دام المال يعود، وما دام الزمان يخدمها في إضعاف سواها أكثر منها، ~~فكأني أحييت ms28 هذه الأمة من حيث أردت أن أسحقها، إنها لحرقة اليوم في قلبي ~~تكاد تقتلني. # ولكن ماذا يجدي الاستسلام لليأس وخور النفس غير شماتة العدو، وغير إثارة ~~أمتي علي؟ هذه الأمة التي غررت بها، وأفقدتها اليوم كل شيء بعد أن كانت ~~قد نالت بنشاطها مقاما في العمران رفعها فوق الجميع، سر نجاح أمة الإنكليز ~~أن رجالها يخدمون مصلحة الأمة على طول الزمان، فكأنهم ينسون أنفسهم وهم بذلك ~~يعظمون، وأما أنا فقصدت مع ذلك أن أختصر هذا الزمان؛ لأخدم مصلحة نفسي بخدمة ~~عنفواني في مطامعي أيضا فهوينا كلانا، فلو حذوت حذو أعدائي هؤلاء، ونسيت ~~نفسي قليلا؛ لما بقي لأمتي مزاحم على سطح الغبراء، ولرفعني التاريخ بعد موتي ~~فوق جميع عظماء الأرض. كلا أنا لم أهو بعد، ولئن هويت فلأكونن عظيما حتى ~~في سقوطي، فلا أرجعن عن الحرب ما دمت قد خضتها، وما دام في ألمانيا نفس حية، ~~ولأحالفن زبانية الجحيم ما دام حلفائي في السماء راق لهم أن يتخلوا ~~عني. # | الفصل الرابع # المنظر الأول ~~(الإمبراطور في الميدان الغربي.) # الإمبراطور ~~(لقواده) ~~: # أنتم تعلمون أنا طردنا الروس، وأوغلنا في أملاكهم، ولا يرجى أن تقوم لهم ~~قائمة، ولو كثر عديدهم ما دام لا عدة ولا ذخيرة عندهم، ولا يرجى أن يكون لهم ~~ذلك ما دام الدردنيل مسدودا في وجههم، وبسبب انكسار الروس زال الخوف من قيام ~~بعض دول البلقان لنصر الأعداء علينا مهما يزينوا لها، ويغروها بالوعود ~~الجميلة، حتى ولو غرتها هذه الوعود؛ فخوفها بعضها من بعض يمنعها من الخروج عن ~~حيادها، واتفاقها بعضها مع بعض هو اليوم في حكم المستحيل؛ للضغائن التي زرعناها ~~بينها بعد حرب البلقان، ومركزنا في الدردنيل أمنع من عقاب الجو بالألغام ~~الفتاكة التي بثثناها والحصون المنيعة التي أقمناها، حيث تلقى جيوشهم الفناء، ~~ومراكبهم التحطيم كلما احتكت بنا، ولو مهما يكلف ذلك حليفتنا الصادقة تركيا من ~~الرجال الذين لا يهمنا من أمرهم إلا ألا ينضبوا، وهم لن ينضبوا ما دامت ~~تركيا دولة قوية البأس شديدة المراس، وما دام رعاياها خاضعين طائعين ms29 تسوقهم إلى ~~الحتوف كالأنعام، وهم لا يبدون، ولا يعيدون، حتى إنهم ليستقبلون الموت من يديها ~~حامدين شاكرين من صغر نفوسهم، فمن هذه الجهات بالنا اليوم مستريح. # ومركزنا في فرنسا لا يخشى علينا منه، والنتيجة منه ليست سريعة لا علينا ولا ~~لنا، حتى ولو عدنا أوغلنا في أراضيها، ودنونا من عاصمتها، فإن ذلك لا يجدينا ~~نفعا كبيرا اليوم ما دامت عدوتنا الكبرى، بل عدوتنا الوحيدة، تسرح وتمرح ~~آمنة كيدنا تنتظر نفاد قواتنا من تكرار كراتنا المفنية لنا ولأعدائنا دونها، ~~فلا بد اليوم من تحويل كل جهدنا ضدها، وفوزنا عليها فوز على أوروبا كلها، وعلى ~~العالم أجمع، فيجب علينا أن نأخذ أهبتنا ونعد عدتنا للزحف إلى كاليه، ~~والوصول إليها مهما يكلفنا ذلك من الخسائر، ولو أضعفنا مركزنا في الجهات ~~الأخرى. # كاليه! كاليه هي مفتاح إنكلترا لنا اليوم، هناك ننصب مدافعنا الهائلة التي ~~ستدهش العالم بمداها، والتي لا تزال مخبوءة لا يعرف عنها أحد سوانا شيئا، ~~ونستقبل بها شواطئ إنكلترا، ويعلونا حينئذ أكبر أسطول هوائي شهده الناس في ~~الجو، ثم نطلق السبيل لأسطولنا البحري، فيخرج من ملجئه كله دفعة واحدة، ~~ويكون لنا حينئذ معركة برية جوية بحرية لم يسبق لها مثيل في التاريخ مهما ~~نتجشم فيها من الأهوال والخسائر، فإن ذلك كله ليس شيئا بالنظر إلى النتيجة، ~~وهي بلوغ جيوشنا العظيمة إلى البر المقابل، حينئذ نقول متهللين: «عليك يا ~~دولة الإنكليز السلام»؛ إذ لا يعود يقف في سبيلنا حائل. نعم، لا بد لنا من ذلك ~~ولو فني أسطولنا وفنيت جيوشنا على بكرة أبيها؛ لأنه لم يعد لنا خلاص إلا ~~بمحاولة هذه الغزوة، حتى إذا نجحنا فيها نجحنا في كل شيء، ونلنا مرامنا من ~~أقرب سبيل، وإلا فمصيرنا إلى الهلاك المؤكد، والانتظار اليوم لا يخدم إلا ~~أعداءنا، فاذهبوا واجمعوا جيوشكم في الحال، وخذوا أهبتكم؛ كي تلتقوا في نقطة ~~واحدة في الوقت المعين واخدعوا العدو؛ حتى لا ينتبه إلى خطتكم؛ فيسهل عليكم خرق ~~صفوفه، فإذا بلغتم كاليه انتشر أسطولنا الهوائي في الجو، وأمطرنا أساطيل ~~العدو ms30 نارا حارقة، وقضي عليه بمساعدة أسطولنا البحري وغواصاتنا المائية، ~~وانفتح لكم الطريق لنقل جيوشكم إلى الجزيرة، وهي إذا بلغناها فمن يستطيع حينئذ ~~أن يزحزحنا عنها؟! ~~(يبتسم.) # حتى ولا خطب كل رجال البرلمان، وليرونا حينئذ رباطة جأشهم التي أكسبتهم ~~إياها عزلتهم في جزيرتهم، واعتمادهم على أساطيلهم، وهل في إمكان هذه الأساطيل ~~أن تصعد لمحاربتنا في البر؟ لا بد من سحق هذه الدولة التي بغير سحقها لم يبق ~~لنا حياة. ~~(يقطب.) # أنا لا أجهل ما دون ذلك من الأهوال والمخاطر، ولا أجهل كذلك نتيجة فشلنا، ~~ولكن هل لنا مفر اليوم؟ وهل لنا حيلة أخرى؟ أنا أرغب جدا في الصلح، وقد ~~سعيت إليه سعي المنتصر أملا بأن يكون أعدائي قد ملوا، ولذلك عززنا ~~مراكزنا في جميع ميادين الحرب؛ لعلهم يجبنون ويلينون، ولكنهم هم لا يرغبون في ~~الصلح اليوم، أو بالحري هي تلك متحينة الفرص، وقد لاحت الفرصة لها ثمينة سمينة، ~~لا ترغب فيه، ولا تدع أحدا يريده، فسيروا إلى هذه الغزوة بعزم ثابت لا ~~يتزعزع، فإما أن تفوزوا، وإما أن تبيدوا عن آخركم، وليكن إقدامكم إقدام ~~متهوري مضاربي الأميركان في «برص» القطن والقمح. ~~(باسما مستهزئا.) # هذه الأمة التي متى فرغنا من «جدتها» العجوز، وأردنا غزوها لم تجد لديها ~~لمحاربتنا سوى قنابل مئات البنوط، تصعد وتنزل بها في «بورصة» واحدة متلاعبة؛ ~~لتسلب فلس الأرمة وسحتوت المسكين، فيا إلهي ألا ترى حقارة تربية هذه الأمم ~~المنحطة المترهلة؟ فكيف تسمح لها بأن تسود دوننا نحن الأمة الجرمانية ذات ~~التربية العالية الحديدية التي يجب أن يدين لها العالم أجمع. # المنظر الثاني ~~(الإمبراطور في قصره الأوتومبيلي يستطلع أنباء الحملة على كاليه.) # الإمبراطور ~~(وحده) ~~: # ما كنت أتوقع أن تلاقي جيوشنا كل هذه المقاومة من جيوش العدو، من كان يظن ~~أن هؤلاء الفرنساويين الذين حسبناهم أنهم أوشكوا أن يدخلوا في خبر كان يظهرون بهذا المظهر الفخم من القوة والمناعة، فكأنهم في سنة جيشوا من الجيوش، ~~وأعدوا من القوة ما صرفنا فيه نحن أكثر من ربع قرن، على أن قوادي يقولون ms31 ~~إنهم متقدمون في حملتنا، وإنهم لا بد أن يصلوا عن قريب إلى كاليه، وإن جيوشنا ~~المظفرة يقاتلون مستقتلين كالأسود الغضافر. ~~(يدخل كبير الحرس ويستأذن للمستشار.) # المستشار ~~(للإمبراطور ملهوفا) ~~: # مولاي الم... # الإمبراطور ~~(للمستشار) ~~: # أتيت لتستطلع أخبارنا عن حملة كاليه؟ # المستشار ~~(للإمبراطور) ~~: # مولاي! # الإمبراطور ~~(للمستشار) ~~: # فهذه رغما من الصعوبات التي تعترضها من جيوش العدو الذي أخذناه مع ذلك على ~~غرة ... # المستشار ~~(للإمبراطور) ~~: # مولاي! يا ليتني لم أعش إلى هذا اليوم، ويا ليتني كنت ترابا. # الإمبراطور ~~(للمستشار) ~~: # أنت لم تستوعب كلامي، فلماذا هذا الخوف؟ قلت: إنه رغما من كل الصعوبات يقول ~~قوادنا إن فوزنا صار قريبا جدا، ووصولنا إلى كاليه هو اليوم في ... # المستشار ~~(للإمبراطور) ~~: # مولاي! عفوك، لا كاليه ولا سواها عاد ينفعنا فقد خسرنا كل شيء. # الإمبراطور ~~(منتفضا) ~~: # ماذا تقول؟ # المستشار ~~(للإمبراطور) ~~: # أقول: إن الدردنيل سقط، والروس يتقدمون بسرعة حتى أوشكوا أن يحدقوا بفينا، ~~وكأن بلاد النمسا في ثورة داخلية، والعائلة المالكة مهددة في حياتها. # الإمبراطور ~~(للمستشار) ~~: # الدردنيل سقط؟! وكيف كان ذلك؟ # المستشار ~~: # لم يسقط حقيقة، ولكن الجند العثماني ثار على قوادنا، وأركان حربنا هناك، ~~وقتلهم وفظع فيهم، ثم فتحوا الطريق لمدرعات العدو وجيوشه، والحكومة هناك ~~باتت فوضى، وزعماؤها حلفاؤنا أنور وعصابته لا يعلم ماذا حل بهم، فإن كانوا ~~سالمين؛ فقد يكونون فروا إلى حيث لا يعلم لهم مكان. # الإمبراطور ~~(وقد امتقع لونه، ورجف صوته) ~~: # ما هذا الذي تقصه علي: أضغاث أحلام؟ # المستشار ~~: # وكل هذا يهون في جنب الطامة الكبرى. # الإمبراطور ~~: # وهل بعد هذه الطامة طامة؟ # المستشار ~~: # الثورة شبت في برلين، ولم أستطع الخلاص والوصول إليكم إلا بأعجوبة، والنساء ~~يصرخن: ردوا إلينا أزواجنا وأبناءنا وأعطونا خبزا. # الإمبراطور ~~: # وأين حامية المدينة، بل أين قوادي؟ إذ لا بد من قمع هذه الثورة أولا، ~~وإلا فشلنا في كل مكان. # المستشار ~~: # الحامية ثارت مع الأمة، أما قواد جلالتكم فالبارع البارع منهم هو الذي ~~ينكركم، ويلقي تبعة الحرب كلها عليكم. # الإمبراطور ~~: # وبرنهاردي والعلماء الذين نصروني؟ # المستشار ~~: # برنهاردي هذا - لكي يتقي غضب الأمة - هو ينشر فصولا في الجرائد، ms32 يقول فيها إنهم ~~لم يفهموه، فهو لم يحبذ الحرب اليوم، بل تكلم عنها في الماضي، يوم كان الإنسان ~~أقرب إلى الهمجية، وأما اليوم فهو يعتبر أن الحرب بما وصل إليه الإنسان من ~~العلم والصناعة خسرانا على المتحاربين سواء فيها الغالب والمغلوب، وهو لا يجوزها ~~اليوم إلا ضد الأقوام المنحطين فقط لمصلحة العمران الكبرى، وأما الحرب ~~الجائزة اليوم بين الأمم الراقية فهي المباراة في كل ما يعمر لا فيما يدمر، ~~وأما العلماء؛ فأنكروا أنهم هم الذين وقعوا المنشور الشهير، وقالوا إنه مزور ~~عليهم. # الإمبراطور ~~: # خسئوا جميعهم، ما أدناهم! وإنه ليخطئ الملوك أن يركنوا إلى المتزلفين، وأن ~~يتخذوا حاشيتهم من صنائعهم، فإن هؤلاء الصنائع يمكرون بك يوم سعدك، ويخونونك ~~يوم بؤسك، فهم خائنون في الحالين. وأنت لو لم يتخذوك شريكي في الجرم لما بقيت ~~مخلصا لي. ~~(كبير الحرس يدخل وبيده تلغراف يقرؤه المستشار.) # الإمبراطور ~~: # وما هذا؟ # المستشار ~~: # لقد بلغ السيل الزبى، والمقدر قد نفذ، فقد دحرت جيوشنا الزاحفة إلى كاليه، ~~وتشتتت في كل الجهات، وكأنه بلغها أنا غلبنا على أمرنا في كل مكان. # الإمبراطور ~~: # يا للداهية الدهماء! قد أكون حسبت لكل شيء حسابا، وتوقعت كل سوء إلا ثورة ~~شعبي، فهذه لم أكن أتوقعها، فما الذي أستطيعه بعد ذلك؟ # المستشار ~~: # مولاي لم يبق لنا سوى التسليم بشرف. # الإمبراطور ~~: # وهل بعد هذا التسليم شرف؟ فلولا أن يكون الانتحار خورا في النفس لانتحرت، ~~ولكن أين المفر؟ لقد أظلمت الدنيا في عيني. # المستشار ~~: # نعم، التسليم خير لنا من أن يقبضوا علينا كجناة. # الإمبراطور ~~(مرتعدا) ~~: # كجناة؟! ~~(ثم تعاوده أحلام العظمة.) # ولكني سأظل ملك بروسيا، وإمبراطور ألمانيا، وأعظم جدا من جميع الذين ~~تقدموني، وسيكتب لي أعظم صفحة في التاريخ. ~~(يخلو المرسح.) # الحكيم ~~: # ولكن سيكتبها بالدم الأحمر على صفحة سوداء. # المنظر الثالث ~~(الإمبراطورة في قصرها ببرلين.) # الإمبراطورة ~~(لوصيفتها) ~~: # لم تردني أخبار عن الإمبراطور، وإني لمضطربة جدا. ~~(ثم تسمع أصوات ضجيج، فتطل من النافذة، وتسأل) ~~: ما هذا الشغب؟ وما هذه الجموع؟ # الوصيفة ~~(للإمبراطورة، وقد أطلت معها من النافذة.) ~~: # يا إلهي! ms33 كأن الشعب في مظاهرة، وقد أحدق بالقصر يطلب الإمبراطور. # الإمبراطورة ~~(للوصيفة بين الأمل والخوف) ~~: # أيطلبه راضيا؟ وهل بلغته أخبار انتصارات جديدة؟ # الوصيفة ~~(تصغي وتضطرب) ~~: # أردت أن أقول: في ثورة، والظاهر أنه ناقم كأن الضائقة اشتدت ~~عليه. # الإمبراطورة ~~(للوصيفة) ~~: # أتشعرين أنت بهذه الضائقة؟ فأنا لا أشعر بها، وأرى كل شيء متوفرا ~~لدينا، فمم يشكو الشعب إذا؟ # الوصيفة ~~(للإمبراطورة) ~~: # يشكو من أن الأعمال وقفت، وموارد الرزق ضاقت، والمال ذهب، ويشكو من فقد ~~أبنائه، فإنهم ماتوا ولن يعودوا، وهل شيء أعز من الأولاد والمال؟ # الإمبراطورة ~~(مرتاعة، وقد خافت أن يمس أولادها ضر) ~~: # يا للمصيبة! وأين أولادي؟ وأين الكرونبرنس؟ # الوصيفة ~~(تهدئ روعها) ~~: # أولاد جلالتك في قصورهم آمنون، والشعب لا ينوي لهم شرا، أما الكرونبرنس ~~فهو في القصر هنا في مكتب الإمبراطور مع الجنرال برنهاردي. # الإمبراطورة ~~(للوصيفة) ~~: # ادعيهما لي. # الإمبراطورة ~~(للكرونبرنس بلهفة) ~~: # أين الإمبراطور يا ويلهلم؟ # الكرونبرنس ~~(للإمبراطورة بانكسار) ~~: # لقد كان في الميدان الغربي يا أماه. # الإمبراطورة ~~(للكرونبرنس بقلق) ~~: # أنا لا أسألك أين كان، بل أين هو؟ وما الأخبار عنه؟ # الكرونبرنس ~~(للإمبراطورة بتردد) ~~: # لا علم لي بغير ذلك. # الإمبراطورة ~~(للجنرال بين الأمر والتوسل) ~~: # وأنت يا جنرال ماذا تعلم عنه؟ # الجنرال ~~(للإمبراطورة) ~~: # عفوك مولاتي، إن الذي أعلمه كنت أود ألا تسأليني جلالتك عنه، جلالة ~~الإمبراطور أراد أن يسلم لأعدائه تسليم الملوك المغلوبين، أي بشيء من الشرف ~~المتعارف، فأبى أعداؤه عليه ذلك، وقالوا له: إننا نقبض عليك كجان. # الإمبراطورة ~~: # ويلاه! أوصلنا إلى هذا الحد، وما مصيرنا نحن هنا والشعب في هذا الهياج؟ ~~فليوصدوا أبواب القصر، وليدعموها بكل ما يقويها. ~~(ثم تصغي قليلا.) # ولكن ماذا أسمع؟ ما هذا النشيد الذي لم أسمع به من قبل؟ # برنهاردي ~~(يصغي أيضا) ~~: # وأنا لم أسمع به كذلك ويشبه أن يكون نشيد الحلفاء # 1 # أعدائنا، وكأنهم دخلوا برلين. # الكرونبرنس ~~(للإمبراطورة فرحا كأن كابوسا زال عنه) ~~: # لقد نجونا من الخطر يا أماه فإنهم سيقمعون الثورة، ويعاملوننا معاملة ملوك، ~~فتجلدي، ولا تخشي بأسا على والدي، ولا شك في أنهم سيقيمونني إمبراطورا مكانه، ~~ويعقدون الصلح معي، ms34 وسيكون مقامك محفوظا كالأول ، أليس كذلك يا حضرة ~~الجنرال؟ # الجنرال ~~(للكرونبرنس) ~~: # لا ريب عندي في أنهم سيفعلون ذلك، والأمة تستقبل تبوأكم عرش أجدادكم بالبشر ~~والترحاب. # الكرونبرنس ~~(للجنرال) ~~: # أنت - يا حضرة الجنرال - منذ الآن وزيري ومستشاري الخاص. # الوصيفة ~~(وقد خلا المرسح بتهكم) ~~: # وافق شن طبقة. # | الفصل الخامس # المحاكمة # وهي منظر واحد ~~(يؤلف مجلس من خمسة عشر محكما، سبعة عن اليمين وهم مندوبو إنكلترا وفرنسا وروسيا ~~وبلجيكا والصرب والجبل الأسود وإيطاليا.) ~~(وسبعة عن اليسار وهم مندوبو أميركا واليابان وإسبانيا وسويسرا والصين ومندوب عن دول ~~البلقان، وآخر عن دول الشمال.) ~~(ويرأس هذا المجلس رئيس جمهورية «سان مارينو».) ~~(والمدعي هو الرأي العام.) ~~(والمحامي هو شبح الدهور في سالف العصور.) # المدعي ~~(لهيئة المجلس) ~~: # أيها القضاة المحترمون. # لم يسبق للقضاء فيما مضى أن ينظر في قضية مثل القضية المعروضة عليكم اليوم، ~~ولا أن يستهدف لتبعة مثل التبعة الملقاة على عاتقكم منها. # الرئيس ~~(للمدعي ممتعضا) ~~: # شكرا لك، إنك قد علمتنا ما لم نكن نعلم. # المدعي ~~(مسترسلا) ~~: # ولا عجب، فإنكم لو قلبتم التاريخ منذ البدء لما وجدتم مثيلا للجاني الماثل ~~أمامكم، ولا للجناية المنسوبة إليه، هذا الجاني المطلوب منكم أن تنصفوا الهيئة ~~الاجتماعية منه عقابا له وعبرة لسواه. # الرئيس ~~(للمدعي قلقا) ~~: # ألسنا نحن هنا لذلك؟ فمتى تفرغ من هذا العجن؟ # المدعي ~~(مسترسلا) ~~: # ولا أظن أنه يوجد في القانون نص للعقاب الذي يقتضيه مثل هذه الجناية، وينبغي ~~أن يعامل به مثل هذا الجاني، فأرعوني سمعكم؛ لعلكم تجدون في هذا القانون الموضوع ~~لصغار المجرمين، أو في حكم العقل، ما يجيز لكم التوسع في التطبيق، عسى أن يكون ~~حكمكم الصائب سابقة يهتدى بها لكبح جماح الظلام المعتدين. # الرئيس ~~(ساخرا) ~~: # نحن في جمهوريتنا لا يقيدنا قانون لا يكون العقل فوقه، ولا يلزمنا كل هذا ~~الشرح لتوقيع العقاب. # المدعي ~~(للرئيس مستاء) ~~: # أرى حضرة الرئيس يقاطعني كثيرا. # القضاة ~~(للرئيس هامسين) ~~: # الرجاء ألا تقاطعه كثيرا إلا إذا خرج عن الموضوع، دعه يكمل، هذا حق له، ~~وهو من ملح الخطابة والكتابة للتأثير. # الرئيس ~~(للقضاة مباسطا) ~~: # يظهر ms35 أنكم تستملحون هذا التزويق ، ولا ترونه خروجا، وأما نحن فلا نتأثر ~~له، أو نعتبره لباس الباطل، ولا نتأثر إلا للحقائق البسيطة، وسأحاول أن ~~أتعوده مثلكم وأتدرع بالصبر. ~~(ينظر إلى لباسه البسيط، ولباس بعضهم المزوق ~~باسما.) # وأنتم مزوقون أيضا. ~~(ويلتفت إلى المدعي جادا.) # سر في حديثك على ما ترغب وكما تعودت، ولا عدت تخشى مني مقاطعة. # المدعي ~~(يكمل) ~~: # وليس ذلك لأن جناية مجرمنا لا مثيل لها بفظائعها، فقد يكون في تاريخ المجرمين ~~والسفاحين في الماضي ما لا يختلف عنها إلا في الكمية لا الماهية، وفي السعة لا ~~النوع، بل لاقترانها بمصاحبات لم تكن للناس في الماضي كان يجب أن تمنعها، وهي ~~تجعلها شنيعة فظيعة جدا اليوم. # فجانينا لا يعذر كما لو ادعى الجهل، وقد نال من العلم نصيبا غير قليل، ~~وهو لقدره العلم والفنون قدرها لم يكتف بمفاخر الملك، بل أراد أن يضيف إليها ~~مفاخر العلم لغروره الزائد، فحاول أن يمتاز بهذه أيضا، حتى إنه عانى فن ~~الرسم، وحاول التأليف في الموسيقى على ما فيهما من العناء، وما يحتاجان إليه من ~~المواهب التي ليست له، وعول في جناياته الفظيعة على الكيمياء، ولم يحتقرها ~~كما فعل نابوليون عن كيد، وقد خبط فيها فوصفها أنها (أي: الكيمياء) مطبخ ~~الطب، وأن الطب صناعة السفاحين تحقيرا لهما. # 1 # فهو غير جاهل حتى يلتمس له عذر يخفف من جرمه، كما قد يلتمس لسفاحي العصور ~~الماضية الذين كانوا يحتقرون العلم، ويأبون تعلم صناعة الكتابة؛ لشدة احتقارهم ~~لها، ويعتبرون صناعة «السيف» - أي: الطعن والضرب - أشرف الصناعات التي يجب أن ~~يمتاز بها الرجال العظام، فهم إذا كانوا قد شنعوا، وفظعوا، ودمروا، ~~وقتلوا ... إلخ، فإنما هم كانوا في أعمالهم على اتفاق تام مع أنفسهم. # وكانوا متفقين مع عصورهم أيضا، فالناس في تلك الأزمنة البعيدة كانوا جاهلين ~~مثل أوليائهم، فكانوا عبيدا لأسيادهم مختارين يملكونهم، حتى على رقابهم، ~~كأنهم خراف في يدي الجزار، ولا يرون في ذلك أقل اعتداء على حقوقهم، ولا ~~يشعرون منه بأقل غضاضة في نفوسهم. # وليس الأمر كذلك اليوم، ms36 فإن الأمم لكثرة انتشار العلم بينها، وشدة إقبالها ~~عليه قد ارتفعت بمستواها العقلي، فصارت حياة الأفراد والمجموع ثمينة جدا في ~~نظر الحاكم والمحكوم معا، وصار الحاكم مقيدا بنظامات وقوانين لمصلحة الجمهور، ~~لا يجوز له تخطيها، وصرفها لغرضه الخاص من دون أن يرتكب جناية يستحق أن يعاقب ~~عليها. # وهنا تعرض لنا مسألة، وإن بدت أنها خارجة عن الموضوع، فإنها من المسائل ~~الاجتماعية التي لا يجوز للإنسان أن يمر بها غير مكترث، وتحملنا على تشديد ~~اللوم على الهيئة الاجتماعية نفسها؛ كيف أنها تصبر على أن يقوم فيها من يستبد ~~بها، ويتحكم فيها، بدعوى امتيازات اغتصبها من يوم لم يكن للأمم أقل كلمة في ~~تدبير شئونها، ثم صارت هذه الامتيازات له حقا مشروعا؟ وهذا منتهى العار على ~~هذه الأمم اليوم، كأن العبودية طبع في الإنسان، وكأنه لم يخلق حرا. ~~(قلق وتململ من جانب أكثر القضاة.) # الرئيس ~~(للمدعي وكأنه لم يلحظ) ~~: # أحسنت، بالغ ما شئت في هذا المعنى، نحن في جمهوريتنا لا نعرف هذه ~~الامتيازات، ولا نجيز مثل هذه الحقوق، وأنا إذا كنت لا أستبد بقومي، فليس ذلك ~~عفة مني، بل لأن قومي لا يدعونني أستبد بهم، وهم بذلك يحترمون أنفسهم، ~~ويحملون سواهم على أن يحترمهم. # المدعي ~~(مسترسلا) ~~: # فإن هذا النظام يسلب الإنسان كل مزاياه، ويرده إلى الحيوان، وينمي فيه ~~الأخلاق الوحشية في القوة، وكل أنواع التسفل في الضعف، ويفقده الشجاعة ~~الأدبية، وإن اتفق وكان له حسنات، فإن له نزعات لو ساءت مرة أفسدت كل ~~الحسنات، وشاهدنا على ذلك مجرمنا اليوم، فإنه بعد أن أورد أمته موارد النجاح ~~- أو على الأقل لم يعترضها في ارتقائها - عاد فأودى بها في نزعة مطامع ~~جنونية، وأوشك أن يخرب العالم معها، فإذا كان هذا شأن هذا النظام أو البقية ~~منه مع الأمم الحية؛ فكيف به في الأمم الميتة كالأمة العثمانية، وحكامها البغاة ~~حلفاء طاغيتنا اليوم، وأصدقاء أعدائه في الماضي؟ # قلت: أصدقاء أعدائه؛ لأن هؤلاء إذا عدوا عليه ذلك ذنبا، فهل هم كانوا ~~أبرياء؟ ~~(أكثر القضاة يتطلعون إلى الرئيس ms37 كاحتجاج صامت.) # الرئيس ~~(للمدعي) ~~: # عرج عن هذا الآن، وإن كان كلامك في محله. # المدعي ~~(يمتثل) ~~: # وإنه لغريب جدا أن أمة كالأمة الألمانية، حاصلة على قسط وافر من العلم؛ ~~تخضع خضوعا أعمى لنظام إمبراطورية كنظام إمبراطوريتها عريق في الأثرة ~~والاستبداد، وأغرب من ذلك دعواها بأنها - وهي في رق هذا الحكم - ذات «كولتور» ~~يجعل تربيتها أرقى من تربية سائر الأمم العريقة في الحضارة. ونحن مع اعترافنا ~~بأنها بلغت شأوا بعيدا في العلم والصناعة، ونالت امتيازات جمة على سواها، ~~إلا أنه لا يجوز لنا أن نجهل أن هذا الكولتور الذي تفاخر به يجعلها عبدة ~~لنظام حكومة يديرها فرد، أو أفراد غير مسئولين حقيقة، وقط ما كان العبد ~~أرقى من الحر، وإذا كان في علمها وعملها شيء كثير من الإتقان، فإنك قلما تجد ~~فيهما شيئا من الابتكار؛ لأن العبد إذا كان أصبر على العمل، فالابتكار من ~~امتيازات الحر وحده، وإذا كنا نراها تتعمد الشر كثيرا لسواها، وتستخدم علمها ~~لهذه الغاية خلافا للآخرين؛ فلأن ذلك من أخلاق العبيد أيضا. # ولولا أن تكون هذه الأخلاق غريزية في هذه الأمة لما مالأت إمبراطورها على ~~جنايته الكبرى، مع ما هي عليه من العلم، ولأدركت حينئذ أن الأمم التي قامت ~~لتذلها وسعت لتبيدها؛ لكي تحل محلها إنما هي أعضاء نافعة في جسم العمران، بل ~~لعرفت أن نجاحها هي نفسها لا يتم لها بدون التعاون معها، ولجعلت تنازعها معها ~~تنازع مباراة لمصلحة هذا الجسم، ولما استأنست بحلفاء السوء الذين هم لصوص ~~الاجتماع، وكان ينبغي التحالف عليهم. ودعواها الطويلة العريضة أن مستواها أرقى ~~من مستوى هذه الأمم، ويخولها حق السيادة عليها؛ دعوى تحتاج إلى دليل، ومنشؤها ~~غرور المحدثين، وهو ابن عم الجهل المركب أو عينه، وهي لو غلب عقلها هواها ~~لعلمت ما يعلمه كل واحد؛ وهو أن المفاضلة بينها وبين الأمم المذكورة في العلم ~~والصناعة هي حتى الآن في مصلحة هذه الأمم لا في مصلحتها. # فالألمان حقيقة هم تجار علم أكثر منهم علماء، وهم مستثمرو اكتشافات سواهم ~~أكثر منهم مبتكرين مخترعين، ms38 ونعني بسواهم اليوم الطليان والإنكليز والفرنساويين ~~خاصة، حتى في أيام كبوتهم. وهؤلاء - أي: الفرنساويين - أنجبوا في قرنين من ~~أبطال رجال العلم المبتكرين اثنين، لو اجتمع الألمان أكداسا بعضهم فوق بعض لما ~~بلغوا مأبض ركبتهما، وهما: لامرك؛ مكتشف نظام الأحياء الكبرى الطبيعي، وأبو دروين ~~الشهير، وباستور؛ مكتشف الأحياء الدنيا، وصاحب مذهب التعقيم والاختمار، والذي ~~يعلم ما كان لهذا الاكتشاف من النفع العميم في الطب والزراعة والصناعة، يستطيع ~~وحده أن يقدر فضل الرجل، فالأمة التي تنجب مثل هذين البطلين اللذين لا يقاس ~~بهما أبطال، هل يجوز أن يقال إنها أمة يستغنى عنها ويجب سحقها؟ وهل يمكن سحق ~~أمة هذا جوهرها مهما يبد عليها من التواني؟ ولقد أدرك الألمان اليوم على ~~حسابهم أن السيد لا يصير عبدا للعبد، وقد رأوا ما فعلت هذه الأمة المجيدة في ~~هذا الوقت القصير، حينما انصرفت إلى ما هم منصرفون له منذ نصف قرن، ولكنها أمة ~~أنبل من أن تخدم العلم لتصرفه للشر نظيرهم، فدعوى الألمان لأنفسهم على سواهم ~~دعوى فاسدة تستغرب منهم، لولا أن الغرور يعمي ويصم، ويذهب بالعقل كل ~~مذهب. # وتستغرب منهم لولا وجود أناس فيهم كبرناردي، يعلمون أن تآخي البشر وتعاونهم ~~لا يجوزان إلا في الأمة الواحدة، وإلا انقلبا إلى عداء، والحرب حينئذ بفظائعها ~~فضيلة من فضائل الاجتماع. ولا أعلم مبلغ الدراهم التي قبضها على هذا القول ~~الضليل خدمة لمقاصد إمبراطوره الشنيعة. والعلم عندهم لا ينفع إلا إذا تجمد ~~مالا، وعلى هذه القاعدة الفاسدة جرت أمته في هذه الحرب الفظيعة عن علم وقصد ~~لا يصفح عنهما، لا عن ضلال وجهل يستنكران، ولكن قد يعذران، فدمرت وقتلت وسوغت ~~لنفسها كل شنيع وقبيح. # وإنه ليعجبني من قائل هذا القول قصر نظره مع طول دعواه؛ لأنه يزعم أنه يسير ~~على مبدأ العلم الطبيعي، ولم يعتبر للعقل مزايا على الحيوان في التنازع، ولم ~~يدرك الغاية من هذا التنازع، حتى في الطبيعة الغشيمة، وهي التوازن في نظام هذا ~~الكون، وضم المتماثلات من الجزئي إلى الكلي، لا العبث بهذا النظام. # ولو ms39 أنه كان أقصر نظرا، ووقف في التنازع عن حد الفرد - وهو كل بنفسه - لا ~~في أطراف الأمة؛ فلربما كان له من سوء فهمه في علمه عذر، ولكنه - وقد امتد بنظره ~~إلى أطراف الأمة الواحدة، وقرر وجوب التعارف بين أفرادها، حتى تضحية النفس في ~~سبيل مصلحة الكل - لم يبق له عذر في عدم إطلاقه هذا المبدأ على كل المجتمع ~~البشري، ناظرا إليه نظر الفزيولوجي، ومتصرفا فيه تصرف الطبيب في الجسم ~~الحي، فإذا كان أفراد البشر أعضاء في جسم الأمة، فالأمم مجاميع أعضاء في ~~جسم العمران، فإذا كانت الأعضاء ومجاميعها سليمة، كان التنازع بينها تنازع ~~مباراة وتواصل لمصلحة الكل، ولا يكون تنازع تقاطع مفككا لأوصالها، إلا إذا كانت ~~فاسدة كلها أو بعضها. # فعلم منافع الأعضاء في الجسم الاجتماعي ينبغي أن يكون بنفس المقام الذي له ~~في الجسم الحي، وطب الجسم الاجتماعي ينبغي أن يكون كطب الجسم الحي للذين ~~يدعون أنهم في تعاليمهم يهتدون بهدي العلوم الطبيعية، وكم هم كثار الذين ~~يفترون على هذه العلوم بسوء فهمهم، ولو أنهم - برناردي وقومه - من ذوي الأقدار. ولو ~~اقتصر الأمر على هؤلاء وحدهم لهان، ولكن علو مقامهم يدفع كثيرين وراءهم من ~~المتظاهرين بالفهم؛ فيتعلقون بزمكاهم، ويقولون قولهم؛ ليقال إنهم يفهمون، ولو ~~أنهم على أنفسهم. # فالجسم الحي لا يصح ويقوى إلا إذا سلمت أعضاؤه كلها وإلا تشوه، ~~ويفضي ذلك به إلى الموت إذا كانت الأعضاء المأوفة جوهرية، كذلك الجسم ~~الاجتماعي لا يصح ويقوى إلا إذا سلمت له أعضاؤه وتعاونت على إنهاضه. وأعضاؤه ~~هم الأمم، فإن لم تتعاون وقامت بعضها على بعض؛ ضعفت هي وأضعفته معها، وقط ما ~~كانت الأمة الاجتماع كله، وهذا التنازع الهمجي بين الأمم هو السبب في تباطؤ ~~ارتقاء العمران؛ لتقهقره أجيالا ووقوفه أجيالا بسبب ذلك. وطب الاجتماع كطب ~~الأحياء يداوي ما يداوى، ويبتر الأعضاء الفاسدة إذا تعذر شفاؤها، ولا يجوز ~~كما يذهب برناردي ومشايعوه بتر الأعضاء السليمة النافعة، ومحاولة تهشيمها، وهم ~~يدعون خدمة العمران بذلك كما هي الحال في هذه الحرب. وأنكى من ذلك ms40 مشايعة ~~الدول التي لا ترجى ، والتي بقاؤها في جسم العمران كبقاء الأعضاء الفاسدة في ~~الجسم الحي، والتي ينبغي بترها صيانة له، بل كان يجب بترها منذ زمان طويل لولا ~~أن الدول ذات الكلمة الراجحة كانت يومئذ جميعها ذلك الرجل. ~~(بعض القضاة يمتعضون.) # ويا ليت الأمة الألمانية اقتصرت من العلم على الغاية الكبرى منه، وهي خير ~~المجتمع - كما قصد جنر الإنكليزي، وباستور الفرنساوي، وماركوني الطلياني - ~~واستئمرته مالا ما شاءت، كما فعل كوخها وأهرليخها، وزاحمت العالم بذلك ما ~~استطاعت حتى بذته، لكان لها من كل ذلك عمل مشكور وفضل مأثور، ولكوفئت عليه ~~بسبقها إلى ما تصبو إليه في هذا السباق المشروع بين الأمم الحية، ولكنها لم ~~ترض بهذا، بل صرفت العلم عن هذه الغاية الشريفة إلى أقبح أوجه استعماله ~~واستعملته للتقتيل والتدمير والقرصنة والرجوع بالعالم إلى عصور التوحش، بقيام ~~الأمم السليمة بعضها على بعض، وتعمد الشر بعضها لبعض، حتى قلبت الغاية منها ~~إلى ضدها، وحتى صار الناس يحمدون عليه الجهل، وما كان الجهل قبل ذلك قط ~~محمودا. ~~••• # وليس الملام على الأمة الألمانية المتضامنة مع حكومتها في السراء والضراء، ~~مهما أساءت فهم مصلحتها؛ بقدر الملام على مجموع الهيئة الاجتماعية التي يجب ~~عليها أن تكون هي نفسها متضامنة لدفع الشر عنها، وتوفير المصلحة لها عموما، ~~وهذا انحطاط في هذه الأمم وحكوماتها يخجل منه اليوم، فعوضا من أن تهب ~~جميعها هبة واحدة لنصر المجتمع والقبض على الجاني، تركته يسرح ويمرح ويعيث في ~~الأرض فسادا، وادعت الحياد كأن لا ناقة لها في ذلك ولا جمل، وزعمت أنها ~~تستفيد من ممالأته فشرعت تنصره في السر، وهي تدعي العزلة في الجهر، وهو لو ~~أتيح له النصر لما كان حظها منه إلا الإذلال. # وكيف يكون غير ذلك، وحظ حلفائه منه ليس أفضل، انظروا إلى حليفتيه العظيمتين ~~النمسا وتركيا، كيف أنه قبض عليهما بيد من حديد، واستخدمهما لمصلحته دون مراعاة ~~أقل مصلحة لهما، حتى لو أرادتا الانفصال اليوم عنه لما استطاعتا، كأنهما جزء من ~~مملكته، أو مستعمرة من مستعمراته، بل ms41 انظروا إلى معاملة جنوده لجنودهما ، فكأن ~~هؤلاء درع لأولئك يضعونهم في مقدمتهم، ويستقبلون بهم الممالك، وما كان جزاؤهما ~~لو تم له الانتصار إلا الاستلحاق - لا للضم والشم - بل للاستثمار والاستعباد، ~~وخاصة تركيا، وهذا أقل ما كان ينويه لهما من الغنم، وكان ينوي أن يكون عليهما ~~كل الغرم في الانكسار لو بقي له بعض الحول، وغريب جدا أن ترضى أمة بمثل هذا ~~المقام لولا الجهل، وسهولة ابتياع ذمم الحكام الطغام. # نعم، إن الذنب الأكبر في وجود مثل هذا الجاني إنما هو على المجتمع الذي حتى ~~الساعة لا يفهم مصلحته الكبرى من انضمام الأمم فيه كأنها أعضاء من جسمه ~~للتعاون على العمار لا القيام بعضها على بعض للفساد والدمار، ولو كان يفهم ~~لأطفأ منذ زمان جذوة النار التي أوقدت هذه الحرب، ولم يذر عليها الرماد ~~كلما أوشكت أن تفنى، # 2 # ولكانت له اليوم أمة عظيمة نافعة، أو أمم يفتخر بها عوضا من ~~استمرار هذه المجازر الدائمة التي أقلقت الزبانية في جهنم، والملائكة في ~~السماء، وعوضا من هذا التذبذب الشنيع من هذه الدويلات الطامحة إلى الاستقلال ~~والراسفة في الأغلال تتخبط في الحال والمصير، ولكان له أراض واسعة تدر الخير ~~عليه وعلى أهلها، عوضا من هذه الصحارى القاحلة التي تأوي إليها وحوش الحيوان، ~~وتعيث فيها فسادا لصوص الإنسان، فمن من الدول الراقية لا يحس اليوم بثقل ما ~~كان يرتاح إليه في الماضي؟ بل من منها يستطيع أن يقف أمام محكمة العقل ~~العليا، ويقول إنه كان فاهما جيدا حقيقة التعاون، وسعى لمصلحته من وراء مصلحة ~~المجتمع؟ «وما هذا الوحل الذي يتخبط العالم فيه اليوم إلا من ذلك ~~المطر». # وإذا كنت أشدد اللوم على الهيئة الاجتماعية عامة، والأمة الألمانية خاصة؛ ~~فليس ذلك لأني أريد تخفيف العقاب عن المجرم الأصيل، فالهيئة الاجتماعية قد ~~يلتمس لها عذر الغفلة، وقد عوقبت عليها شر عقاب، والغفلة من جهة لا تشفع ~~بجريمة التعمد من الجهة الأخرى، بل تجعلها أشد قبحا إذ لا شيء أقبح من ~~اغتيال الآمن المطمئن والغدر به، حتى ms42 إن البشر في عصور توحشهم كانوا يأنفون أن ~~يأخذوا عدوهم على غرة، ويفتخرون بأن ينذروه لينازلوه نزال الرجال للرجال، ~~والأبطال للأبطال، لا كما فعل هذا المجرم العاتي مع البلجيك خاصة، وقد شن ~~عليها غارة أقل ما يقال فيها: إنها حرب الجبناء، أو حرب الأفاعي الخبيثة التي ~~يرتفع عنها إباء الأسود الضراغم، والقوة تحتقر وتهان إذا لم تقرن بالنبل ~~والشهامة وحماية الضعيف، ولا سيما إذا كان الضعيف نظيفا صحيحا، نظيفا في ~~عقله، نظيفا في أعماله، وكان خصمه القوي على ضد ذلك نتنا في أفكاره، قذرا ~~في مطامعه، معتلا في بنيانه كمجرم اليوم. # والأمة الألمانية جزء منه، فهي شريكته في جريمته، ولا تخفف شيئا من عقوبته، ~~فإذا كانت هي يده الأثيمة؛ فهو رأسها الشرير، فإذا قطعنا يد السارق، فهل أتينا ~~على ما في «معمل» رأسه من الأفكار الشيطانية والمطامع الجهنمية؟ وإذا كانوا قد ~~قالوا: إن الوظيفة تولد العضو، فالوظيفة هنا في الرأس لا في اليد، أو هما ~~كالأسباب المعدة والمتمة كما في الطب، والحقيقة أنهما شريكان متضامنان كما في ~~العلوم الاجتماعية، فكما أنهما ينويان الاشتراك في الغنم، يجب أن يكونا شريكين ~~في الغرم. # على أن الأمة الألمانية نالت حتى الآن شيئا غير قليل من هذا العقاب، إذ قتل ~~أبناؤها، ورملت نساؤها، ويتم أطفالها، وبارت تجارتها، وسلخت منها ~~مستعمراتها، وأضاعت في هذا الزمن القصير ما أحرزته من النجاح الباهر بعد تعب ~~أكثر من نصف قرن، نالت جزاءها هذا بالشرائع الطبيعية التي لا تغفل ذنبا بلا ~~عقاب، لا بالشرائع الوضعية الاجتماعية التي كثيرا ما تغفل عن ذلك، ولعل هذه ~~الشرائع تعرف اليوم كيف يجب أن تعاقب الأمم المسئولة إذا أهملت واجباتها، ~~وطمحت إلى سلب حقوق سواها قوة واقتدارا، ولا تكتفي بالعقاب الطبيعي وحده الذي ~~يذهب غالبا بدون أن ينتبه إليه، وبدون أن يكون له الأثر النافع في الاجتماع، ~~بخلاف العقاب الاجتماعي؛ فإن به وحده العبرة غالبا، والعبرة هنا لازمة لتنبيه ~~الغافلين، وكبح جماح أصحاب المطامع الغير الموزونة. ~~••• # ولكن المجرم الأكبر الذي هو سبب كل ms43 هذه المصائب ماذا يؤثر فيه كل ذلك؟ فإنه ~~لا يؤثر فيه شيئا، ولا سيما إذا عرفنا أطواره وأمياله وهيامه، فهو مفتون ~~بحب الشهرة أكثر من تمسكه بالسلطة، وإن كان في هذه يفوق كل نظير، فهو لو وضع ~~على خازوق؛ لما شكا بقدر ما يسر من أن ذلك يلفت النظر إليه، وهو بهذا المركز ~~الذي هو فيه أمامكم اليوم مفعم قلبه حبورا بأنه شغل العالم به، وبأن التاريخ ~~سيتكلم عنه طويلا، حتى لا يدع لأحد من كبار السفاحين ذكرا بجنب ذكره، وقد ~~فاته أن يكون واحدا من عظام الرجال المصلحين، فالشهرة هي غايته الوحيدة مهما ~~يكن السبيل إليها، والشهرة الفائقة في الشر أسهل جدا منها في الخير، ~~والأنكى أنها تستهوي «بقر» الاجتماع كثيرا؛ فيعظمون صاحبها، ويحترمون فاعل ~~الخير أقل جدا مما يعجبون ببأس الشرير؛ لأن أكثر الناس حتى اليوم عبيد ~~يدينون للخوف أكثر مما ينقادون للمعروف، ولم يخف ذلك على مجرمنا، ولأجله أمعن ~~في التفظيع، والتدمير للإرهاب. # ولكن فاته أن جانبا عظيما من البشر مع ذلك مفتونون بالحرية، ولا سيما الذين ~~قصد إذلالهم، وهم أرقى منه جدا في جوهرهم، فوقفوا في وجهه سدا لا يقطع، ~~وأفسدوا عليه كل حسابه، وأوصلوه إلى الحالة التي هو فيها اليوم؛ مقهورا في ~~مطامعه، مرذولا من المجتمعات الراقية، محكوما عليه بما هو شر من الإعدام لقوم ~~يعقلون ويشعرون. ففظائعه الشنيعة التي توسل بها للوصول إلى غرضه القبيح كانت ~~شر أعدائه. # وفظائعه تعدد ولا تعد، وأي شيء أفظع من تحويل العالم كله إلى ميدان حرب، ~~فكيف سرت اليوم لا تجد سوى جنود تحشد، وعدد تعد، ومهمات تنقل، وخيول كسرب القطا ~~تقرع بحوافرها الأرض، وتثير شر الحماسة في النفوس بعامل البغض، وسوى سيوف تلمع، ~~ومدافع تصدع، ولا تسمع بسوى معارك تتطاحن فيها ملايين الرجال، كأنهم وحوش ~~الأدغال، وفيها تتساقط القتلى بالألوف ومئاتها، حتى غصت بهم المقابر، وأتخمت ~~النسور، وحتى استأنست الوحوش في فلواتها من كثرة شبعها، وبينها أنين الجرحى ~~المهشمي الأعضاء المقطعي الآمال؛ يفتت الأكباد لمن لهم أكباد، ms44 ويحرق الفؤاد ~~لمن له فؤاد، وعليها تتناثر دموع الثكالى والأيامى من آماق مقرحة فوق أشباح ~~تجلببت بالسواد، كأن العالم كله في مأتم، وكأن الناس جميعهم في حداد، هذا عدا ~~عن الفظائع التي ارتكبت في الناس الآمنين من نساء وعجائز وأطفال اعتداء ~~وصلفا، كأن الحرب والأذى غاية الإنسان من هذا الوجود المنكود، ومن سبب كل ذلك ~~غير هذا العاتي الشرير وشهواته القبيحة؟ # بل أي شيء أفظع من تحويل العلم عن غاياته الجميلة النبيلة التي يقصد منها ~~تخفيف المشاق عن البشر في حياتهم التعبة القصيرة إلى أقبح أوجه استعماله؟ فصار ~~آلة للدمار بعد أن كان يرجى للعمار، ومن الذي حول العلم إلى هذا الغرض الشنيع ~~غير هذا الظالم الغاشم؟ # والغريب أنه وجد بين علمائه الأعلام أناسا خربي الذمم، شنيعي المقاصد، دنسوا ~~اسم العلم وسلحوه بالغازات الخانقة، والنيران الحارقة يقذفونها على الناس ~~والمدائن؛ ليمعن في التقتيل والتدمير، وهو بحمقه يطلب النصر من ورائها، وإخضاع ~~الأمم له، وما هي من عوامل النصر في شيء، بل هي من عوامل الانتقام الكامن في ~~نفوس اللئام، بل أي نصر يرتجى من ضرب المدن الغير المحاربة، والفتك بناسها ~~الآمنين بطياراته، وتغريق السفن التجارية بغواصاته؟ وفيها من الناس العزل من ~~السلاح، الساعين في مناكبها من رجال ونساء وأطفال، من لا يرضى لهم أذى أي ~~جبار ذي نفس أبية، ولكن ماذا يعمل العلم «إذا كان الطباع طباع سوء»، بل ما ذنب ~~الآثار التي وجه إليها مدافعه الضخمة ودمرها تدميرا، وهي فخر الاجتماع على ~~مدى العصور؟ وما دمرها إلا لأنها آثار سواه، وهو لا يفتخر إلا بآثار همجيته، ~~والمضحك المبكي منه اعتذاره لتبرئة نفسه - كأن به بقية حياء - «إن هذه الآثار ~~كانت ثكنات للجنود وقلاعا للمدافع.» فهل جنت الأمم حتى تعرض آثارها ~~للتدمير؟ وهي لعمري منه اعتذارات وحجج تأنفها صبيان الاجتماع، فكيفما قلبتم ~~أعمال هذا الرجل، فإنكم لا تجدون عقابا له يفي بفظائعها، وعندي أن أعظم عقاب ~~له على جنايته هذه الكبرى، لا القتل، ولا النشر، ولا التعذيب بكل أنواع عذابات ms45 ~~ديوان التفتيش، بل بمقاومته بما كان يصبو إليه، وهو السيادة والشهرة، ولا سيما ~~هذه الأخيرة؛ لأنه يصبو إلى أن يقرع فيها كل من تقدمه، فيحذف اسمه واسم بيته من ~~التاريخ، ولو بشناعاتهم - لاحظوا عليه امتعاضه عند سماعه ذلك - ثم يترك طريدا ~~شريدا، فيجهله كل إنسان، أما أمته فعقابها أن يذكر التاريخ لها كل هذه ~~الفظائع بدون أدنى إشارة إلى من ملكها من هذا البيت، وأن تجزأ ممالك صغيرة ~~ليأمن العالم شرها، وتنقطع هي نفسها لاستثمار مواهبها النافعة عساها إذا ~~تفرغت لها أن تنفع المجتمع نفعا كبيرا. # هذا ما يشكو الاجتماع منه، وما يرتئيه في هذا المجرم الكبير وأمته، عرضناه ~~على حضراتكم، أيها السادة الكرام، ورأيكم الموفق فوق كل رأي. # الرئيس ~~: # هل للمتهم دفع؟ # المحامي عن الجاني ~~: # أيها القضاة المحترمون. # لا أريد أن أجول مع حضرة المدعي في المخارج والمداخل التي عرج عليها، ~~وعرج فيها؛ لئلا أطيل الكلام على حضراتكم على غير طائل، وكل ما جاء به الخصم ~~ليس إلا خلابة لسان؛ لتأييد أمور ما أنزل الله بها من سلطان، ولا تركب على ~~عقل إنسان، وأنا على تمام اليقين بأنكم تنظرون إليها نظيري، فقد عشت الدهور، ~~وشهدت آتيلا، وتيمورلنك، وجنكيزخان، حتى عبد الحميد، ولم أسمع أن أحدا شكا ~~منهم مثل هذه الشكوى، ولا طلب من التاريخ أن يعاملهم هذه المعاملة الشنيعة ~~الفظيعة، ولو فعل لما جاز له أن يخص سواهم من الفاتحين بالذكرى المقرونة ~~بالإعجاب، وكلهم متشابهون سفاحون طماعون طلاب سيادة وحبابو شهرة إلا عبد ~~الحميد، فإن الدافع له لم يكن حب الشهرة، بل هوسا للذود عن نفسه، خوفا ~~عليها، لما كان بها من الهواجس، فأنا - وقد قسم لموكلي ألا يكون ظافرا إلى ~~النهاية والمغلوب مغلوب في كل شيء - أطلب إليكم أن تعاملوه كما عومل سواه ~~قبله بالعزل والإبعاد، حتى التكبيل والتنكيل إذا كنتم معتقدين أنه الجاني ~~المسئول وحده، ولم يكن في السوابق أو المصاحبات ما يشفع له بتخفيف الجرم، كما ~~أنا متيقن، وإذا كنت لا أبسطها لديكم؛ فلأن زميلي قد ms46 أشار إليها ضمنا، فما ~~رأيتكم مستعدين لسماعها أو قبولها، عاملوه معاملة المغلوب في كل شيء فقط، لا ~~تلحقوا به هذه الإهانة التي لم يعامل بها أحد من زملائه السالفين، مع أنه يعلو ~~عليهم علوا كبيرا، وقد اعتبرهم التاريخ من الرجال العظام، وخلد ذكرهم إلى ~~الأبد، على أن هذا الحكم الغريب المطلوب من حضراتكم أن تنطقوا به ليس له نص في ~~القانون، ولا سابقة في العرف، فهل تريدون أن تأتوا فيهما بدعة اليوم، وتقولوا ~~إنكم حكمتم بالعدل وضمائركم مطمئنة، فأنا لا أطلب إلا العدل، والعدل أساس ~~الملك، وأنا لا أخشى عليه، وأنتم هنا اليوم نصراؤه. # الرئيس ~~: # لقد اكتفت المحكمة. ~~(يختلي القضاة للمداولة، ثم يرجعون، وينطق الرئيس بالحكم ~~الآتي): # حيث إن هذه الحرب التي أثارها المدعى عليه عن سوء نية هي حرب تهور، ~~ليس فيها شيء من التعقل؛ لأن ضررها لاحق به كما هو لاحق بسواه ~~وأشد. # وحيث إنه كان ينوي بها إغرام الآخرين له؛ ليفتخر بأنه أذلهم، ولو أنهم ~~من أهم أركان المجتمع؛ وليخلو الجو له وحده، ولو أدى به الأمر إلى تقويض ~~العمران، فهي إذن حرب اعتداء على المجتمع نفسه، لا حرب دفاع عن النفس ~~لمصلحة العمران. # وحيث إنه كان ينويها منذ زمان طويل، كما تدل استعداداته الهائلة لها من ~~دون أدنى موجب غير مطامعه الجائرة التي لا تتفق مع مصلحة عامة أو خاصة، ~~ومن دون مراعاة لزمان أو مكان. # وحيث إن الأعمال الفظيعة وسائر الموبقات التي ارتكبها أو أوعز بارتكابها ~~في هذه الحرب - والتي لا يجوز أن يقدم عليها في هذا العصر، حتى ولا أجهل ~~الناس، وأعرقهم في التوحش - تدل دلالة واضحة على أن به شذوذا يحمله على حب ~~الإضرار بالغير. # وحيث إنه ثابت من تقارير الأطباء عنه أن به عدم توازن - إلى الشر - في ~~القوى المحركة له والمستولية عليه، هو سبب هذا الشذوذ فيه، وذلك يجعله في ~~القانون غير مسئول. # وحيث إن المسئولية الحقيقية في مثل هذه الحال يجب أن تقع على المجتمع ~~نفسه الذي تسمح نظاماته بأن ms47 تتأصل فيه مثل هذه البذور الفاسدة ، وعلى أمته ~~خاصة التي جارته على أهوائه ونصرته فيها، غير ناظرة إلى حقيقتها، ونسبتها ~~هي نفسها إلى المجتمع، ونسبة المجتمع إليها. # فلأجل ذلك كله حكمت المحكمة العليا حكما حضوريا نهائيا، لا يقبل ~~استئنافا ولا نقضا، بأن يعامل المجرم معاملة أمثاله، ويوضع في «عزلة» ~~تحت مراقبة أطباء دوليين، وتحرم عيلته من جميع امتيازاتها التي تخولها حق ~~الحكم، وتنزع منه ومن أسرته ما لهم من أملاك وأموال، وحصص تجارية ~~وصناعية، وتنفق أثمانها على منكوبي البلجيك، وتنقل الأثريات في قصوره إلى ~~مدينة لوفين بدل ما أتلفه فيها، وتلزم أمته وحدها بالتعويض على ~~الآخرين. # وأما المجتمع؛ فيكفيه ما ألم به من المصائب التي لا تعوض عقابا له ~~على غفلته. # وعلى الدول تنفيذ هذا الحكم. # الإمضاء # في مدينة ... يوم ... شهر ... سنة ... ~~(انتهت الرواية.) # | خاتمة # قد يستغرب القارئ وقد أنهيتها بهذه الصورة، مع أن الألمان حتى الآن في انتصار، ولكن من ~~يتدبر الأمور بعين الناقد البصير؛ يعلم أن الألمان من بعد فشلهم في حملتهم على باريس لم يعد ~~يرجى لهم تحقيق حلم، وما انتصاراتهم الجزئية اليوم إلا تطويل لأجل الحرب، ولذلك هم اليوم ~~يتخبطون ويبذلون آخر ما عندهم من الجهد؛ عسى أن يحرزوا من النصر ما يحمل الآخرين جميعا أو ~~فرادى لعقد صلح لا يغبنون فيه، ولا يثلم مقام إمبراطورهم لدى أمته التي جر عليها كل هذه ~~المصائب على غير جدوى أو بخسائر لا تعوض؛ لأنه يستحيل اليوم أن يرجع العالم، ويثق بهم، ~~ويخلص لهم، ويفتح أبوابه لمتاجرهم، ويحسن الظن بعلمهم وعلمائهم كما كان في الماضي، فهم في ~~هذه الحرب خاسرون كل شيء؛ المقام الأدبي، والمركز الاقتصادي التجاري، وكلاهما كانا في الأوج ~~لا عن غير استحقاق، ولكنهم كانوا مع ذلك - وهم بهذا المقام والمركز - قد تمكنوا من استهواء ~~العالم؛ حتى صار ينظر إلى كل ما يصدر عنهم بعيون مكبرة، ويسلم بكل ما يقولون من غير تمحيص ~~كثير، ولو في كذبهم على العلم كما فعل كبيرهم «هكل» في تقرير ما كان ms48 في غنى عن تقريره؛ لأنه ~~سواء كان حقيقة أو فرضا مزعوما؛ لأنه ارتأى أنه ينبغي أن يكون، فالعلم الطبيعي في غنى عن ~~ذلك إذ صحته وعدمها لم يكونا ليتوقفا عليه. # وانتصار الألمان على الروس اليوم، وحفظ مراكزهم في الأماكن التي احتلوها في الغرب لا ~~يستغربان لمن يعلم أنهم منذ أكثر من نصف قرن، ولا سيما في عهد إمبراطورهم الحالي، هم يستعدون ~~لهذه الحرب، ويعدون لها العدة، بخلاف خصومهم فقد ثبت أنهم من قلة حذرهم منها، وفراغهم من ~~العدة لم يكونوا ينوونها، ولا كانوا يتوقعونها، وهذا ما يدحض دعوى الألمان، وإمبراطورهم ~~بأنهم هم المفترى عليهم، وأنهم قسروا على الحرب قسرا، لا أنهم توسلوا إليها بخلق الأسباب. ~~فإذا كان الألمان حتى الآن أقوياء أشداء؛ فذلك طبيعي، وهم ما خاضوا غمار هذه الحرب إلا ~~وكانوا على أتم الأهبة لها، لكن إذا كان الألمان وهم في منتهى قوتهم لم يتمكنوا من تحقيق ~~حلمهم، وخصومهم في غفلة، وغير مستعدين؛ فهل يرجى ذلك لهم بعد سنة، وهم في تناقص، وخصومهم في ~~تزايد؟ هذا أمر لا يقبله العقل، ولا سيما إذا رأينا ما تئول إليه حالهم بحصر البحار عنهم، ~~فإذا كان المدخر عندهم حتى الساعة لم ينفد، فهو لا يعوض أو يعوض بعضه عن طريق الدول ~~المحايدة بالاسم والمتاجرة بالفعل، فكلما طالت الحرب وزاد التضييق عليهم؛ اشتد الضيق بهم، ~~حتى تفرغ جعبتهم، وتفنى سهامهم؛ فيهوون إلى الأرض، فالحرب هنا حرب تفان، والأقدر على ~~المصابرة أقدر على المجالدة، والفوز أخيرا له. # والفضل في هذه المقاومة هو لجيوش الحلفاء في البر، ولو لم ينالوا منهم حتى الساعة منالا ~~سوى وقوفهم في وجههم، حتى تفنى ذخائرهم، وتهلل صفوفهم من كثرة النقص فيها، وانتصاراتهم على ~~الروس اليوم التي طبلوا فيها، وزمروا، وزينوا، وعيدوا؛ ليست إلا مجزرة تساعد الحلفاء في ما ~~يرمون إليه، ولا سيما أن الروس في انسحابهم لا يعدون منكسرين حقيقة ما دامت قواهم سالمة ~~لهم، وتوغل الألمان في أرضهم قد يعيد عليهم التاريخ، وينزل بهم ما نزل بجيوش نابوليون ms49 في ~~حملته تلك الجنونية التي كانت سبب فشله بعد كل ذلك العز، ووقوفهم حيث هم الآن لا يرجى منه ~~أن يلين شكيمة خصمهم، ولا بد لهم من أن يدعموا مراكزهم هناك بكل القوى التي وطدوه بها، وإلا ~~ارتد الروس، وكانت الحرب بينهما رقصا إفرنجيا تقدما وانسحابا، وأخذا وردا كالرقصة ~~المعروفة، وتكون النتيجة إفناء الذخيرة، وإفناء الرجال، والروس في هؤلاء أغزر موردا، أما ~~مركزهم في الميدان الغربي؛ فهو اليوم مجالدة مكابرة للتدمير والتخريب، وصد الفرنساويين عنهم ~~لا للزخف عليهم؛ لأنه قد تبين أن الفرنساويين هم اليوم أكفاء لهم، وفوق الأكفاء. # على أن الفضل الأكبر، بل منتهى الفضل في إحباط حلم الألمان، والقضاء عليهم إنما هو ~~للإنكليز الذين غلوا أيديهم عن كل حركة في البحار، وقيدوا أسطولهم في مكمنه، كأنه لم يكن، ~~وقضوا على مراكبهم التجارية، وفصلوهم عن مستعمراتهم، وسلبوهم إياها، ولولا الإنكليز لكان ~~الألمان اليوم في فوز باهر؛ لأن حركات أسطولهم كانت قد ساعدتهم كثيرا، ولا سيما في ~~الاعتداء على الموانئ الفرنساوية، وتعرضها في نقلها لجيوشهم من مستعمراتهم؛ ولذلك ترى ~~الحلفاء اليوم مطمئنين إلى نتيجة الحرب، ولا سيما إنكلترا؛ لأنه مهما يكن من مجالدة الألمان؛ ~~فإن مصيرهم إنما هو إلى الفشل المؤكد بمصابرة الحلفاء في البر، ومقاومة الإنكليز لهم في ~~البحر، ولو اضطر هؤلاء لأن يسلكوا معهم مسلكهم مع نابوليون، وهم سالكون معهم هذا المسلك ~~بعينه؛ حتى ينهكوا قواهم، ويقضوا على كل مطامع غليوم، ولو طال المطال، ما دام المال ~~متوفرا، وقد زادت موارده عليهم، وما دام الوقت حليفهم؛ لاعتمادهم على عزلتهم في جزيرتهم، ~~وقوتهم في البحر. # ولهذا كله نرجع ونكرر القول: إن انتصارات الألمان اليوم ليست إلا تطويلا لأمد الحرب، ~~وأن مصيرهم في الآخر إلى الفشل التام، ولكننا نقول أيضا بملء الأسف: إن الحرب لا تزال ~~طويلة؛ لأن ألمانيا لا يبلغ بها الوهن حده في زمن قصير، ولكن في وسع الحلفاء الصبر إلى ~~المنتهى، ولا أمل بالصلح قبل ذلك إلا ثارت الأمة الألمانية على حكومتها، ومن الأسف أن هذا ~~بعيد ms50 أخلاق القوم. # كتب في مصر في 15 أغسطوس سنة 1915 # الدكتور شبلي شميل # وكان الفراغ من تبييض الرواية في أواخر شهر يونيو سنة 1915، وكان الابتداء بنشرها في جريدة ~~البصير التي تطبع في الإسكندرية في أواخر شهر يوليو سنة 1915، والفراغ منه في 3 أغسطوس سنة ~~1915 في 22 عددا من أعداد الجريدة. ms51