######OpenITI# #META# URI: 1335ShibliShumayyil.SharkhBukhnirCalaMadhhabDarwin.Hindawi19395750 #META# Tags: philosophy #META# ID: 19395750 #META# Title: شرح بخنر على مذهب داروِن #META# AuthorID: 90709753 #META# Author: شبلي شميل #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # المقالة الأولى‏ # المقالة الثانية‏ # المقالة الثالثة‏ # المقالة الرابعة‏ # المقالة الخامسة‏ # المقالة السادسة‏ # المقالة الأولى‏ # المقالة الثانية‏ # المقالة الثالثة‏ # المقالة الرابعة‏ # المقالة الخامسة‏ # المقالة السادسة‏ # | شرح بخنر على مذهب دارون # | شرح بخنر على مذهب دارون # تأليف # شبلي شميل # | المقالة الأولى # خفف الوطء ما أظن أديم الأ # رض إلا من هذه الأجساد # إننا في كل خطوة نطأ بها الأرض أمنا جميعا نمر بقبور ملايين ملايين من الأحياء التي ~~عاشت وجاهدت، وتألمت زمانا طويلا قبلنا، ثم ماتت تاركة آثارها في الأرض المنبسطة تحت ~~أقدامنا كأنها تريد بها أن تقول لنا: # تلك آثارنا تدل علينا # فانظروا بعدنا إلى الآثار # ولقد رأى الناس هذه الآثار في كل زمان ومكان، ولكنهم لم يدركوا حقيقتها، فاعتبروها من ~~فلتات الطبيعة التي راق لها في زعمهم أن ترسم صور الأحياء في باطن الحجارة. وكانوا في ~~الأعصر الوسطى يعتبرون العظام الهائلة التي وجدت في أماكن متفرقة - وهي عظام الفيلة الأولى ~~والحيوان المعروف بالمستودنت # 1 ~~- أنها بقايا من طوائف الجبابرة، الذين كانوا في اعتقادهم يأهلون الأرض زمانا ~~طويلا قبل الإنسان. # إلا أن بعض ذوي العقول الراجحة والأفكار الثاقبة السابقين عصرهم قد أدركوا الحقيقة ~~منذ القديم، فإن الفيلسوف اليوناني «أكزينوفانوس» من «كولوفنس» العدو الألد لآلهة ~~اليونان، وأبو الفلسفة الآلياوية # 2 # عرف الأحافير منذ 2400 سنة بما هي حقيقة، فعرف أنها بقايا حيوانات ونباتات ~~كانت حية في الماضي. واستدل من وجود أصداف بحرية على الجبال، ومن انطباع صور السمك والفقم ~~في حجار مقالع أزمير وباروس وسيراقوس أن الماء كان يغطي هذه الأماكن سابقا. # غير أن مثل هذه الأقوال الصائبة المتفرقة هنا وهناك، والصادرة من مثل أولئك النوابغ لم ~~يكن يمكن التعويل عليها، وإن كانت جليلة بحد نفسها؛ لعدم ارتباطها بما تعز به من ~~المعلومات، التي لم تدرك إلا قليلا قليلا وبالتتابع. والحقائق الراسخة المعلومة كانت ~~دون ما يلزم لأن يبنى عليها تعليم مطابق للصحة، ولم يتيسر ذلك إلا في أوائل هذا القرن ~~وأواخر القرن الماضي، حيث قام العالم الطبيعي الشهير «كوفيه» ووضع أساس ms001 علم البالنتولوجية؛ ~~أي علم الأحياء الأولى. ولا يخفى كم لا يزال هذا العلم الحديث ناقصا، ولكنه لا يخفى أيضا ~~كم ينتظر منه، ولنا شاهد على ذلك من كلام «أغاسيز» حيث يقول: # لا يعرف كم ~~اقتضى من العناء والصبر لتأييد هذه المسألة البسيطة؛ وهي أن الأحافير أو الآثار ~~المتحجرة هي في الحقيقة بقايا حيوانات ونباتات، كانت سابقا حية على الأرض إلا ~~الواقفون على تاريخ العلم. إذ لزم أولا أن يبين أن الأحافير ليست من خرب ~~الطوفان؛ لأن هذا المذهب كان المعول عليه زمانا طويلا، فالبالنتولوجية لم تؤسس ~~على قاعدة إلا من حين ما بين كوفيه أن هذه البقايا هي بقايا حيوانات قد ~~انقرضت، ومع ذلك فكم لا يزال يعرض لنا من المسائل التي ننتظر ~~حلها. # فهذه المسائل التي يشير أجاسيز إليها يشتغل العلم الحديث بحلها. ومما يسهل هذه الغاية ~~اليوم الاكتشافات الصادرة عن مد السكك الحديدية، وخرق الجبال، وفتح المقالع، وتخطيط الطرق، ~~وبناء المدن، وحفر الآبار والاستقصاء في البلدان البعيدة ... إلى غير ذلك مما هو الآن أكثر ~~منه في الماضي. ولعدم إدراك هذه الأشياء في الماضي إدراكا صحيحا كان إذا وجد شيء منها لا ~~يعبأ به أو عد من الخوارق. # ولا ينبغي أن يتوهم أن جميع الأحياء الأولى أو أكثرها بقيت محفوظة إلى يومنا هذا، ~~فإنه لم يحفظ منها إلا القليل جدا مما وافقته الأحوال، والقسم الأكبر تلاشى لفعل ~~الأشياء الخارجية، ولا سيما ما كان منه غير ممكن الحفظ من طبعه كطائفة الحيوانات الرخوة، ~~والأجزاء الرخوة لباقي الحيوانات، ومتى وجد آثار لهذه الحيوانات العديمة الهيكل ففي غاية ~~الندرة. وما يشاهد في الأحافير غالبا إنما هو أصداف وقواقع كلسية، وعظام وقطع عظام، وشعر ~~وريش، وأسنان وحوافر، ومبرزات متحجرة وما شاكل. وعلى هذه الآثار يكون البحث لمعرفة الأحياء ~~التابعة لها وجنس معيشتها. ومن النادر أن تلتقي الهياكل العظمية للأزمنة الأولى كاملة ~~ومحفوظة جيدا. وأندر منه أن تلتقي الحيوانات كاملة، ولا بد لذلك من أحوال خصوصية. ومن ~~أعظم أمثلة هذا الأخير مماميث (جمع مموث، ms002 وهو الفيل الأول ) سيبيريا أو الفيلة الأولى التي ~~هي من أهم أمثلة البالنتولوجية. فهذه الحيوانات توجد كاملة بجلدها وشعرها وأحشائها، وقد ~~مر عليها ألوف من السنين، وزعم بعضهم أنه وجد في معدها بقايا طعامها القديم. وسبب حفظها ~~فعل الجليد أو الأرض المجلودة، حيث وقعت واندفنت حين كان الماء سائلا أو الأرض طينة. ولكي ~~يعلم كم يصعب على العقل البشري إدراك هذه المسائل بدون مساعدة العلم، يكفي توجيه النظر إلى ~~معتقد قبائل سيبيريا الرحالة، الذين يعتبرون هذه الحيوانات أنها مناجذ هائلة حية تدب تحت ~~الأرض، وتموت حالما تقابل النور، وصينيو آسيا الجنوبية يعتقدون ذلك أيضا، وينسبون الزلازل ~~إلى حركتها تحت الأرض. # فيظهر مما تقدم أن معرفة الأحياء الأولى صعبة للغاية؛ لقلة المحفوظ منها ووجوده غالبا ~~في حالة ناقصة جدا؛ ولأن المعلوم من هذا القليل المحفوظ هو دون الطفيف. وإذا تذكرنا بأن ~~ثلثي الأرض أو ثلاثة أخماسها تحجبها البحار، وأن قسما كبيرا من الثلث الباقي تغطيه ~~الجبال الشاهقة، نعلم أنه تمنعنا عن الأبحاث العلمية موانع طبيعية. وإنا لا نعلم شيئا عن ~~أحافير قارات آسيا وأفريقيا وأميركا وأوستراليا الواسعة، وما نعلمه من هذا القبيل إنما هو ~~آت كله من قارة أوروبا الصغيرة. ولقد أصاب دارون حيث قال: إن أغنى مجموعاتنا ~~البالنتولوجية ليس شيئا بالنسبة إلى الحقيقة، وهو آت من قسم من سطح الأرض صغير غير مستوفى ~~البحث فيه، على أن كثرة اختلافات هذه المجاميع تدلنا على كثرة الأحياء التي عاشت على ~~الأرض في كل الأدوار بما يفوق حد الحصر. # ومع كل هذه الصعوبات الناشئة عن قلة المواد المعلومة، وعن نقصها في غالب الأحيان، قد ~~تحققوا أن طبقات الأرض المختلفة الكثيرة تحتوي أجساما عضوية مختلفة؛ أي إنه في الأدوار ~~العديدة لتاريخ الأرض التي كل طبقة من طبقاتها تدل على كل دور من أدوارها، عاشت حيوانات ~~ونباتات خصوصية مختلفة بعضها عن بعض يزيد اختلافها كلما زاد البعد بينها. # وعليه فصاروا يعينون مقام بعض الطبقات في النظام الحيواني من مجرد الأحافير الموجودة ~~فيها، خصوصا الأصداف التي ms003 تحفظ جيدا لمادتها الكلسية، والتي تلتقي في الأحافير بكثرة، ~~فإنها اعتبرت زمانا طويلا دليلا على تعيين مقام بعض الطبقات في الأرض، وهي لا تزال إلى ~~اليوم تعتبر أدلة ثمينة، ولو أن كثيرا من الاكتشافات الحديثة يناقض ذلك. # فمما تقدم، ومن الوهم في فهم بعض الحوادث الجيولوجية، نشأ المذهب العظيم القائل بنكبات ~~الأرض وتقلباتها؛ وبالنتيجة مذهب تعاقب الخلق. وهذان المذهبان اللذان أيدهما كوفيه الشهير ~~تغلبا على سواهما حتى هذه الأيام الأخيرة، ويراد بهما انقلاب عام يمحق به كل أثر حياة على ~~سطح الأرض، ثم تقوم على أثره مخلوقات أخرى حية. وهذا التعاقب حصل 36 أو 40 أو 50 مرة في ~~تاريخ الأرض. # على أن علم البالنتولوجية لم يكن يخلو من مسائل كثيرة يصعب أو يستحيل تطبيقها على هذا ~~المذهب، منها امتناع ملاشاة كل الأحياء في وقت معلوم من تاريخ الأرض دفعة واحدة؛ لأنه توجد ~~أصول ثابتة حية لم تتغير في النكبات والانقلابات الجيولوجية، كالحيوانات البحرية الدنيا. ~~وعدا ذلك، فإنا نرى في خلال الأدوار المتعددة تكاثرا تدريجيا في بعض الأنواع، ثم ~~انقراضا بطيئا فيها كذلك؛ مما يدل على أن الصور الواحدة انتقلت من دور إلى دور في ~~تنسيق طبقات الأرض. فهذه الملاحظات لا يصح معها التسليم بانقراض تام يعقبه خلق جديد. وما ~~نعلمه من وحدة النظام الأساسي في العالم العضوي، ومن تقارب البنية في كل الصور الحية لا ~~يقبل ذلك أيضا؛ لأننا نجد في طبقات الأرض المختلفة ليس عددا عظيما من الصور المتشابهة ~~فقط، بل تدرجا بطيئا صاعدا، ونسبة شديدة بين أحياء المكان الواحد المختلفة سواء كان بين ~~الأصول المنقرضة والحية، أو بين كل منها. فإذن، يوجد رابط يربط الصور المتعددة بعضها ~~ببعض، وهذا لا يجب أن يكون في المذهب المار ذكره. # ومع ذلك فعلماء كثيرون أيدوا هذا المذهب، وله نصراء حتى الآن، ومن أشهر نصرائه كوفيه الذي ~~هو بأبحاثه في الأحافير العظمية أول من مهد السبيل لدرس الآثار الأولى درسا علميا. ~~ولقد عرف أيضا في كتابه «تقلبات سطح الأرض» هذه الأمور ms004 المتناقضة، وهو يذكرها أيضا على ~~ترتيب مطابق لأفكار دارون، إلا أنه لم يأخذ على نفسه تطبيقها على مذهبه؛ وربما كان ~~السبب امتناع مثل ذلك في حينه. على أنه يعذر بجانب أغاسيز الذي لم يخش فصل المسألة ~~بقوله: «إن الخالق قادر أن يعيد خلق الصورة التي أعجبه خلقها»؛ فإن مثل هذا الجواب يغلق ~~الباب في وجه العلم، وفي وجه العقل البشري. # ومذهب النكبات أو الانقلابات الجيولوجية هو إقرار بالجهل ليس إلا، والتسليم به بدعوى ~~أن سبب الأشياء الحقيقي والطبيعي لم يدرك طفور إلى ما وراء الطبيعة، وهو شأن الناس ~~عموما في تفسير كل ما أشكل عليهم معرفة سببه الطبيعي. على أن الرضا بذلك - وهو شأن ~~كثير من أساتذتنا الفلاسفة - تشبه بهنود أميركا الذين لما رأوا خريستف كولمب نازلا ~~بينهم قالوا: إنه نزل من السماء! # وهذا المذهب لم يثبت كل هذا الزمان الطويل، ولم يقو بعضه على ما سواه حتى يومنا هذا ~~إلا لعدم وجود ما يفضله، ولا سيما أن مبدأ ثبوت الأنواع كان قد رسخ في ذهن الجميع، فكان ~~كل نوع يعتبر أنه ثابت على مر الزمان، وأنه خلق خصوصي، ولم يتزعزع هذا الزعم حتى قام ~~دارون، وأخذت الأبحاث الحديثة تمهد للعلم سبيل التقدم. # على أن مذهب نكبات الأرض وتقلباتها المار ذكره كان قد انتقض قبل دارون بزمان طويل، ~~والفضل في ذلك راجع إلى الجيولوجي الشهير السر شارل ليل الإنكليزي الذي بين في كتابه ~~«مبادئ الجيولوجيا»، بما لا يقبل الاعتراض، أن النكبات المشار إليها لم تكن عامة بل ~~خاصة؛ أي إن الانقلابات لم تعم قط سطح الأرض دفعة واحدة، وإنما الأرض تتبع دائما في ~~تاريخها نشوءا تدريجيا ثابتا مستمرا، وهي دائما وأبدا تحت فعل نفس القوى، ومعرضة ~~لنفس الأحوال التي لا تزال تغير سطحها حتى اليوم. وقال أيضا: إن هذا النشوء بطيء ~~جدا، وغير محسوس بحيث يخفى علينا. وما اشتهر هذا المذهب حتى انضم إليه جمهور الجيولوجيين، ~~وهو الذي مهد السبيل لانحراف الأفكار عن مذهب ثبوت الأنواع. # وأما ظهور العالم الحي ms005 فلنا عليه أحد ثلاثة افتراضات: إما التسليم بمذهب تعاقب الخلق، ~~أو القول بتحول العالم العضوي تحولا تدريجيا متتابعا بفعل القوى الطبيعية، أو التسليم ~~بالمذهب القائل بتولد جميع الأنواع حتى العليا منها رأسا تولدا ذاتيا في كل الأدوار ~~بفعل القوى الطبيعية، فالأول يكاد لا يثبت، والأخير فاسد لانتقاضه بجميع ظواهر العالم ~~العضوي. وواضع هذا المذهب ليل الجيولوجي الشهير، وهو يقول فيه ما نصه: # إن الاختبار يعلمنا أن كثيرا من الأحياء والأنواع الحية يضمحل على الدوام ~~من دون أن يقفر العالم، فلا بد إذن من أن تكون قد قامت بطريقة غير معروفة من ~~الطرق الطبيعية أنواع جديدة مقام التي اضمحلت، فالقول أن هذه الأنواع مكتشفة ~~حديثا وهي متكونة حديثا غلط. # ولا يخفى على العارفين بالعلوم الطبيعية ما في هذا القول من الاضطراب؛ إذ لا يفهم كيف ~~أن نوعا حيا كالأسد أو الفرس ونحوهما يوجد دفعة واحدة بدون استعداد سابق بفعل القوى ~~الطبيعية المعروفة. # فلفصل المسألة لا يكفي أن يقال أنه تتولد أنواع جديدة، بل ينبغي أن يبين كيف يكون ذلك، ~~بحيث يكون مطابقا لما يعلم عن القوى الطبيعية وكيفية عملها، وهذه المسألة المهمة الصعبة ~~قد حلها كلا أو بعضا رجل من أكبر رجال هذا العصر، أعني به العالم الطبيعي ~~الإنكليزي: ~~(1) شرل دارون # 3 # ولد هذا الإمام المقدام والعالم المدقق ~~والفيلسوف المحقق سنة 1808 في إنكلترا، # 4 # وقد صرف عشرين سنة من حياته في البحث فقط عن المسألة التي نحن بصددها، حتى ~~تحقق له أن الأجسام الحية الماضية والحاضرة قد لا تشتق من أكثر من خمس أو ست صور ~~أصلية نباتية وحيوانية. وربما كان مرجع هذه الصور إلى صور أدنى؛ أي إلى بعض كريات ~~أصلية. فالأجسام الحية على مذهبه لا تنفك أبدا عن التحول في نشوئها الخاضع لناموس ~~طبيعي ثابت. وكتابه يعد من أفضل الأساليب الفلسفية الطبيعية، فهو لا يعتمد فيه في ~~تفسير الظواهر الطبيعية وما تعلق بها إلا على الامتحان والعيان، ولا يخفي الصعوبات ~~التي تعترض مذهبه، بل بالضد من ذلك يبسطها؛ ms006 لكي يبعدها بما في الإمكان. ولقد علمنا ~~بسببه أشياء كثيرة جديدة، أو بالحري تعلمنا أن ننظر إليها نظرا آخر. وكل ما تعرض ~~له شديد التعلق بأهم مسائل العلوم الطبيعية، ولا سيما الفيزيولوجية؛ ولذلك فهو يهم ~~جدا جميع الذين يهمهم المسائل العامة التي تشملها هذه العلوم. # ولم يقم بعد كتاب ليل «مبادئ الجيولوجيا» أعظم من كتاب دارون من جهة تأثيره العظيم ~~في جميع العلوم الطبيعية، فدارون فعل في علم الحيوان ما فعل ليل في علم الجيولوجيا؛ أي ~~أنه جرده من كل مفاجئ ومجرد، وجعله تحت حكم التحول التدريجي بفعل القوى ~~الطبيعية. # وقبل أن ننتقل إلى البحث في مذهب دارون، لا بد من النظر إلى من تقدمه في هذا ~~السبيل من العلماء الأفاضل. وهو نفسه يذكر في مقدمة كتابه أسماء كثيرين منهم؛ للدلالة ~~على أن مثل هذه الأفكار كانت موجودة، ولكنها لبثت هاجعة، ولم تنتشر إما لضعف ~~البرهان، وإما لكثرة الخصوم. وأقدمهم وأفضلهم «لامرك»، وهو ليس كما توهمه بعضهم ~~فيلسوفا لا إلمام له بالعلوم، بل بالضد هو من أعظم الطبيعيين الفرنساويين. ولقد تولى ~~تعليم الحيوان في بستان النبات في باريس زمانا طويلا. وأول ما درس من العلوم ~~الميتورولوجية والطب، ثم تعلق على النبات والحيوان اللذين نبغ فيهما جدا، هذا ما عدا ~~كتاباته الفلسفية. ولطالما هزأ به أضداده لأجل هذا المذهب الذي هو أول واضع، له حتى جاء ~~دارون ووفاه حقه من الاعتبار. # وكان الاعتقاد قبل لامرك أن الأنواع ثابتة لم تتغير عن الصورة التي خلقت بها، ولن ~~تتغير. قال لينيوس أعظم نباتي القرن الماضي ما نصه: # الأنواع بقدر الصور الحية المخلوقة في الأصل. # على أنه وجد في كل زمان من الفلاسفة والعلماء من قال أنه ربما كانت الصور ~~الحاضرة آتية من صور سابقة على سبيل التحول، إلا أن ذلك لا يجوز اعتباره إلا من ~~قبيل الرأي فقط؛ لخلوه من كل مستند طبيعي. والفضل الصحيح للامرك وحده الذي كان فيلسوفا ~~وطبيعيا معا لما بسطه من هذا القبيل في كتابه «فلسفة الحيوان» (سنة 1809)، وكتابه ms007 ~~«تاريخ الحيوان العديم الفقر» (سنة 1815)، فإنه أوضح فيهما ببراهين طبيعية عدم ثبوت ~~الأنواع واشتقاقها بعضها من بعض من أدناها إلى أعلاها، وارتقاءها بالتحول ~~التدريجي. # وهو يذكر لهذا النمو عدة أسباب، كالعادة والضرورة وجنس المعيشة والثفن؛ أي استعمال ~~الأعضاء وعدمه، والتصالب، وفعل الأشياء الخارجية والوراثة التي يجعلها في المقام الأول. ~~ويعتقد ناموس الارتقاء التدريجي، ويقول بالتولد الذاتي في الأجسام الحية الدنيا، ~~وأكثر اعتماده على استعمال الأعضاء وعدمه، وعلى العادة والضرورة كما يظهر من الأمثلة ~~التي يذكرها. ولا بأس من تفصيل بعض ما جاء به من هذا القبيل؛ لتبيان النسبة بينه وبين ~~دارون من جهة ما يتفقان ويختلفان. # فهما وإن اتفقا من حيث مصدر الأنواع إلا أنهما يختلفان في كيفية حصول ذلك، ونظر ~~دارون من هذا القبيل أصح؛ فإن لامرك - لاعتماده على العادة والضرورة وجنس المعيشة - ~~عنده أن الجسم يوفق للأحوال الخارجية ولاحتياجاته بقوة نفسه، وأما دارون فبالضد من ~~ذلك يجعل التوفيق المذكور من فعل الأشياء الخارجية فيه لا عن استعداد فيه لقبوله. ولا ~~تخفى أهمية الفرق بينهما؛ لأن قول لامرك فيه تقييد ومذهب دارون أعم، وقلما يعتبر لامرك ~~فعل الزمان الذي يجعله دارون من أهم العوامل. ولا بأس من إيراد بعض الأمثلة من لامرك ~~لزيادة الإيضاح. # قال: إن الخلد ليس له عينان أو هما أثر فيه؛ لأنه لسكنه دائما تحت الأرض هو ~~في غنى عنهما وعن النور. وقد توسع حتى قال أنه إذا ربطت إحدى عيني الطفل ينتهي إلى ~~أن يصير ذا عين واحدة فقط، وإذا تكرر ذلك عدة أجيال يتكون نسل أعور. # وإن الأفاعي إنما كانت ذات شكل مستطيل وجسد ملس لا أعضاء له؛ لأن ضرورة مرورها في ~~مسالك ضيقة والعادة اقتضتا ذلك. # وشكل الحيوانات الرخوة البحرية الخاص واحتواؤها على مماسك طويلة؛ نتيجة جنس معيشتها ~~ومحاولتها إمساك فريستها. # والطيور المائية كالبط إنما كان لها غشاء بين أصابعها؛ لاحتياجها إلى العوم ~~واعتيادها له. # واللقلق الذي يعيش بقرب الماء إنما كان طويل العنق والمنقار والرجلين قويهما؛ لأنه في ~~التقاطه غذاءه من الماء ms008 يحاول عدم الوقوع فيه. # وعنق الإوز إنما كان منحنيا طويلا؛ لمحاولته التقاط غذائه من أسفل الماء. # والزرافة إنما كان عنقها طويلا جدا؛ لاحتياجها لمد عنقها إلى أوراق الأشجار ~~العالية. # وميل الثور إلى النطاح؛ سبب قرونه. وحمل القنقر أجريته في جرابه بقرب بطنه سبب فيه؛ ~~لشدة رجليه وطول ذنبه وقوته. # فمن هذه الأمثلة وغيرها يرى ما في هذا التعليل من الاجتهاد والنقص، وهو وإن صح على ~~بعض الحوادث وفي بعض الظروف، إلا أنه لا شك في كونه لا يصح على ارتباط العالم ~~العضوي بعضه ببعض. ومما يزيد في فضل لامرك أنه كان يعتبر جدا ناموس الوراثة الذي ~~بسطه دارون جيدا، إلا أنه لعدم إدراكه كيفية عمله كما ينبغي لم يستطع تبيينه في كل ~~حالة، بخلاف دارون فإنه بسطه في أخص الأحوال، وأما لامرك فاكتفى بأن قال على وجه ~~الإجمال: إن الوراثة مع الأحوال السابق ذكرها تجعل الأحياء تنشأ وتتحول وفقا ~~للضرورات وللأحوال الخارجية الفاعلة فيها من أدنى الحيوان حتى الإنسان. وهو يظن أن ~~الإنسان نوع من القرود ارتقى حتى صارت كمالات الارتقاء فيه وراثية. # وأفكار لامرك تتشابه جدا مع أفكار أحد فلاسفة الألمان المتأخرين، وهو «شوبنهور» ~~الذي يجعل مبدأ كل شيء في الإرادة، فإنه نظير لامرك، يقول: إن احتياجات الحيوان ~~وإرادته سبب أعضائه، وكل أعراض جسم حي إنما هي مفعول إرادة ذلك الجسم، فقرنا الثور إنما ~~هما لميله وإرادته النطاح، وسيقان الأيل السريعة لإرادته العدو. # وإنه وإن كنا لا نستطيع أن نقبل قول لامرك هذا على علاته، إلا أننا لا نجد بدا ~~من التسليم معه بأمور أخرى، هو باتفاق تام فيها مع دارون، وهنا يظهر فضله على ~~أقرانه. # وأول هذه الأمور إنكاره الأنواع، وعنده أن لا أنواع في الطبيعة، بل أفراد فقط ~~تتحول تحولا غير محسوس، وإذا كان ذلك يخفى علينا في مكانه فلقصر وقتنا وطول زمانه، ~~وهذه القضية مهمة جدا في مذهب دارون. # وثانيها أن لامرك لا يسلم بقول معاصريه من الجيولوجيين الذين يقولون بنكبات الأرض ~~وانقلاباتها العامة، وعنده أن ms009 هذه النكبات خاصة. وهو قول يعجب به، لا سيما إذا ~~اعتبرت حالة العلم في زمانه. # 5 # ولم يكن له عضد في فرنسا إلا جفروي سنتيلير (1772-1844)، وهو من فحول العلماء ~~والطبيعيين ونظرياته قريبة من تعاليم الطبيعيين الألمانيين. وكانت أفكاره في الأنواع ~~نظير أفكار لامرك منذ نحو سنة 1795، إلا أنه لم يتجاسر أن يجاهر بها حتى سنة 1828، ~~وذلك في رسالته «أصل وحدة التركيب العضوي». # على أنه جعل أسباب هذا التحول غير ما جعله لامرك، وجل اعتماده على الأحوال ~~الخارجة، ولا سيما الهواء واختلافاته من جهة الحرارة والرطوبة، وكمية الحامض الكربونيك ~~فيه إلى غير ذلك، مما يجب أن يؤثر في تكوين الأجسام الحية وبنائها من تأثيره في ~~التنفس. وهو يعتقد بنظام مشترك لبناء كل الأجسام العضوية. # وبينا كان لامرك يبحث في هذا الموضوع، كان في ألمانيا رجلان يبحثان فيه أيضا، وهما ~~الشاعر «غاتي» والطبيعي الشهير والفيلسوف معا «أوكن». # فغاتي يقترب في نظرياته الفلسفية من جفروي سنتيليار، وهو ذو مقام في تشريح ~~المقابلة؛ لاكتشافه عظم ما بين الفكين في الإنسان، ولمذهبه في الجمجمة أنها اجتماع ~~فقرات متحولة. وقد نشر سنة 1790 كتابه «تحول النبات»، وقد بسط فيه ببيان ودقة مبادئ ~~مذهب التسلسل، فقال: إن الورقة أصل في النبات، ومنها يتكون باقي الأعضاء. ثم رجع ~~بعد حين عن هذا الرأي - كما سيأتي - إلى مذهب لامرك وجفروي؛ أي مذهب الارتقاء التدريجي ~~أو التسلسل. # أما لورنس أوكن فكان طبيعيا أعظم من غاتي (1779-1851) ولقد تبع في كتابه «فلسفة ~~الطبيعة» نفس الترتيب الذي تبعه لامرك، وهو لم يبسط فيه مبادئ مذهب التحول فقط، بل ~~مذهب الكريات المهم جدا أيضا. وعنده أن جميع الأجسام الحية ناشئة مما يسميه ~~«العلقة الأولى» (أرشليم)، وهي نفس ما نسميه اليوم «بلاسما أو برتو بلاسما». ومذهبه ~~الشهير في الحيوانات النقيعية التي على موجب رأيه يتركب منها جميع العالم العضوي في ~~الإنسان، فيه إشارة إلى مذهب الكريات الحالي. ومهما يكن في هذين القولين، وهما: ~~التحول والكريات من الصحة، فالعلم لم يستفد منهما سريعا الفائدة ms010 المنتظرة؛ للاعتماد ~~فيهما على النظريات الفلسفية العريقة في الإبهام. وزد على ذلك أن أوكن كان يضع أفكاره ~~في قالب من الكلام، هو من الاقتضاب وعدم الصراحة، بحيث كان يجعل انتشارها صعبا ~~جدا. # وفي الجملة فإن آراء أوكن في «فلسفة الطبيعة» لم يزدد شأنها في الثلاثين سنة التي ~~عقبتها إلا انحطاطا، حتى إنه في الجدال الذي حصل بين جفروي من جهة، وكوفيه وأنصاره ~~من جهة على تحول الأنواع في جمعية العلوم بباريس في 22 شباط سنة 1830، اضطر علماء ~~المدرسة الفلسفية أن يرتدوا على أعقابهم خاسرين أمام خصومهم؛ إذ فاز الأصوليون - الذين ~~ينظرون إلى الأشياء من حيث الواقع المنظور فقط - على أصحاب النظر الفلسفي في الطبيعة. ~~والفوز المذكور إنما كان لنقص الشواهد ولسوء فهم الموجود منها، فلم تقبل آراء جفروي ~~بدعوى أنها آراء لا دليل عليها وصحت الغلبة، ولكن إلى حين، لخصومه الذين اقتصروا على ~~الواقع المنظور، واعتبرت مسألة البحث في أصل الأنواع من المسائل التي تعلو على العلوم ~~الطبيعية علوا كبيرا. # وذاع خبر هذا الجدال في كل أوروبا. وقد كتب غاتي - الذي هو، كما قلنا، قريب جدا ~~بأفكاره من جفروي وفلسفته - رسالة جليلة في هذا المعنى، فرغ منها قبل موته بأيام قليلة ~~(1832)، وقد ضمنها شرحا مستوفيا في صفات كوفيه وجفروي ومذهب كل منهما. ومن سنة 1830 ~~إلى سنة 1860 لم يسمع ذكر علم فلسفة الطبيعة لما كان من انتصار خصومه، فنسي العلماء - ~~لما فيه من النقص والخطاء - ما له من المزايا التي لا تنكر، حتى توهموا - كما قال هكل - ~~أن الفلسفة في الأمور الطبيعية لا تتفق مع العلم. وليل نفسه الذي هو أعظم المصلحين ~~في علم الجيولوجيا اعتقد ذلك أيضا وقام ضد لامرك، وهو يذكر في كتابه «قدم الجنس ~~البشري» (صفحة 321) كيف أنه في كتابه «مبادئ الجيولوجيا» (1832) تظاهر ضده، وكثيرا ~~ما يتقدم إليه في كتابه المذكور سائلا العفو حيث يقول: # إن كل ما قدمه لامرك في تحول الأنواع صحيح. # وفي موضع آخر منه ما نصه: # كلما عرفنا صورا جديدة أكثر بان ms011 عجزنا عن تحديد الأنواع. # وغير ذلك مما يدل على رجوعه إلى أفكار لامرك. # والغريب أن ليل رغما عن مضادته لمذهب تحول الأنواع في كتابه «مبادئ ~~الجيولوجيا»، هو الذي مهد له السبيل بنقضه مذهب النكبات العامة المعول عليه قديما في ~~علم الجيولوجيا؛ لأنه لما بين ليل وحده فساد مذهب النكبات الأرضية العامة ~~المفاجئة، وبين مع فربس شدة تأثير التربة والإقليم في الأجسام الحية، لزم ضرورة ~~أن تشتهر آراء لامرك وجفروي أيضا، ولو كانت على ضد مشرب الطبيعيين وبعض الناس؛ لأن ~~معرفة الأحوال في تكوين الأرض لا بد أن تتناول تكوين العالم العضوي المنتشر فوقها، ~~واستمرار الحال الواحدة يقتضي استمرار الثانية. # فعاد العلماء إلى البحث في هذه الآراء، ولكن واحدا واحدا وعلى سبيل التستر. ودارون ~~يذكر لنا في مقدمته أسماء كثيرين منهم موافقين على رأيه، وفيهم بعض أفاضل لاهوتيي ~~الإنكليز. # وما زال الاعتقاد بوجود علاقة شديدة بين جميع الصور العضوية، وبتسلسلها بعضها عن بعض ~~ينحت أذهان بعض الفلاسفة في السر، حتى حان لهم أن يجاهروا بحقيقته مستندين فيه إلى ~~الحوادث المقررة. # فأذاع ويليم هربرت في سنة 1837 أن أنواع النبات ليست إلا تباينات مرتقية، وكذلك ~~أنواع الحيوان. ثم في سنة 1844 ظهر في إنكلترا كتاب «آثار الخلق» الشهير، وقد طبع ~~مرارا والطبعة العاشرة في سنة 1853، بسط فيه مؤلفه - وقد أخفى اسمه - وجود عاملين ~~يعملان التغيير في الأحياء؛ أحدهما: أحوال الحياة الخارجية، والثاني: القوة المتصلة ~~بالجسم الحي، وهي ذاتية مستقرة فيه تدفعه إلى الترقي، فمن هذين المبدأين يستنتج ~~المؤلف أن الأنواع غير ثابتة. # وفي سنة 1846 قال أحد أفاضل علماء الجيولوجيا في البلجيك «دوماليوس دلوي» في رسالة ~~أثبتت في سجل جمعية بروكسل الملكية، ما معناه أن الأنواع الجديدة متكونة بالتسلسل لا ~~أنها خلق خاص، وذكر أنه أبدى هذا الرأي من سنة 1831. # وفي سنة 1852-1858 استنتج هربرت سبنسر أحد مشاهير علماء الإنكليز مما قرره الاختبار، ~~ومن التدرج العمومي المتبع في الطبيعة بعد أن قابل بين مذهبي الخلق والتحول، أن ~~الأنواع لا بد أن تكون ms012 قد تغيرت للتغيرات الحاصلة في الأشياء التي من خارج. # وفي سنة 1852 قال «نودن» أحد أفاضل نباتيي فرنسا: «إن الطبيعة كونت الأنواع كما ~~نكون نحن التباينات.» # وفي سنة 1853 قال الكونت «كيزرلين» في تفسير ظهور الأنواع الجديدة بفعل جسم ميازمي، ~~قد ينتشر في بعض الأحيان على الأرض فربما لقح الجراثيم التي تولد الأنواع، ومهما ~~يكن من غرابة هذا الزعم فما هو إلا وسيلة لتفسير الشيء تفسيرا طبيعيا. # ثم بعده بسنتين - أي في سنة 1855 كما يقول دارون - بحث الفاضل «بادن بادل» في فلسفة ~~الخلق في كتابه «وحدة العالم»، وبين جليا أن ظهور أنواع جديدة في الخلق ليس من ~~العجيب، بل بالضد هو شيء قياسي. # فدارون اقتفى آثار ليل في علم الجيولوجيا، وكلاهما فتحا لنا السبيل لفهم أعظم أعمال ~~الطبيعة. # وفي سنة 1859 بحث في هذه المسألة اثنان شهيران من علماء الإنكليز، وهما الأستاذان ~~هكسلي وهوكر في وقت واحد تقريبا مع دارون، وذهبا فيها مذهبا لا يختلف كثيرا عن ~~مذهبه. # وهكسلي هو أحد علماء تشريح المقابلة، اشتهر جدا منذ نشر كتابه «منزلة الإنسان في ~~الطبيعة»، قال في خطاب ألقاه في جمعية لوندرة الملكية أن الاعتقاد بالخلق المتعاقب لا يتفق: # أولا: # مع الواقع. # ثانيا: # مع التوراة. # ثالثا: # مع ناموس تناسب الطبيعة العام. # ثم بين كيف أن المذهب القائل بأن الأنواع الحاضرة ناشئة عن أنواع أخر سابقة ~~متحولة، هو المذهب الوحيد الذي فيه بعض مستندات فزيولوجية. # وبعد ظهور كتاب دارون بقليل ظهرت مقدمة الدكتور هوكر في نباتات طسمانيا (مقاطعة في ~~أوستراليا). والدكتور المذكور من أفاضل النباتيين، وقد بين فيها امتناع فهم ظهور ~~الأنواع إلا بالتسلسل عن أنواع سابقة متحولة. وهو كدارون يرى أن الطبيعة ميدان حرب ~~يدافع كل شيء فيه عن نفسه، ويقتل القوي منه الضعيف، ويؤلف نوعا قائما بنفسه. ~~والأنواع لا تستقر على حال من الأحوال إلا مع الزمان الطويل، وبعد ملاشاة الصور ~~التي بين بين، وسنعود إلى بعض هذه الأمور المهمة. أما هوكر فأحدث في علم النبات ما ~~أحدثه دارون في ms013 علم الحيوان من الانقلاب، وعنده أن مذهب استمرار التحول أعظم ~~المذاهب التي جاء بها الطبيعيون. # وما عدا الأمور العامة الجوهرية في مذهب دارون، فإن فيه أيضا أمورا أخرى عرضية ~~مهمة ذكرت في بعض المؤلفات قبل دارون بكثير. فإن أحد الأطباء المدعو ولاس تلا في مجمع ~~لوندرة الملكي في سنة 1813 رسالة في امرأة بيضاء، على جلدها بقع سود ذكر فيها «الانتخاب ~~الطبيعي»، حيث قال: إن الطبيعة تكون أنواع البشر كما يغير الزارعون أنواع المواشي، ~~فالسود من البشر يقوون على السموم الميازمية أكثر من البيض؛ لذلك نموا أكثر منهم في ~~المناطق الحارة حتى لم يبق فيها سواهم. # وفي سنة 1820 كان ديكندل وهو نباتي فرنساوي شهير من المؤيدين لمسألة «تنازع البقاء»، ~~وعنده أن جميع النباتات دائما في تنازع بينها، وهو يستنتج من ذلك كل ما يترتب ~~عليه. # فلم يكن يقتضي والحالة هذه لسبق دارون إلا إطلاق ذلك على كل الأحياء كما فعل ~~هو. # وكتاب دارون مال إليه أعظم علماء إنكلترة كليل وولاس وأون وغيرهم، هذا ما عدا هكسلي ~~وهوكر السابق ذكرهما. ولا يخفى ما أوجب هذا الكتاب من اللغط. وفي سنة 1860 قام مطران ~~أكسفرد في جمعية من الطبيعيين الإنكليز، وقال: إن هذا التعليم مخالف للدين، فأسكته ~~الحاضرون مؤيدين دارون، وقائلين له: دعنا ولا تكن حجر عثرة في سبيل العلم. # 6 # وفي ألمانيا وفرنسا حصل في أول الأمر هياج ضد المذهب المذكور، ثم ما لبث ~~أن هجع. واليوم أكثر علماء ألمانيا وفرنسا ولا سيما علماء المدرسة الحديثة متابعون ~~لدارون في تحول الأنواع، # 7 # واعتراض الأصوليين الوحيد على مذهب دارون هو أنه افتراض لا يستطاع تبيين ~~صحته، ولقد جهل المعترضون أن افتراضهم الخلق واحدا أو متعاقبا يمتنع تبيين صحته ~~أكثر لتناقضه مع جميع الأشياء، وأما مذهب دارون فبالضد من ذلك يفسر جملة ظواهر كانت ~~قبله غير مفهومة. ولقد كان معروفا أن أمر الخلق الواحد مثلا ممتنع؛ لأن الحيوانات ~~والنباتات الحلمية لا تعيش إلا على أجسام أخرى عضوية، وكثيرا من النبات لا يعيش ms014 ~~إلا في ظل نبات آخر. على أن نظر دارون ليس افتراضا، بل اكتشافا، ولا نطيل الكلام ~~في ذلك أكثر الآن؛ لأنا سنعود إليه فيما يأتي. # وقبل أن نفرغ من تاريخ هذه المسألة أقول: إني من جملة الذين تكلموا بمذهب التحول ~~قبل دارون بزمان طويل، وفي الطبعة الأولى 1855 من كتابي «القوة والمادة» في فصل ~~التولد الأول، قلت: # إن تولد أنواع جديدة يحصل طبيعيا بالتسلسل والتحول. # وقد جعلت أسباب ذلك فعل الأحوال المختلفة لسطح الأرض من جهة، وتغييرا تدريجيا في ~~الجراثيم من جهة أخرى، ولم أفصل فعل هذه الأسباب أو العوامل كما ينبغي لعدم إمكان ذلك ~~حينئذ. وما مرت خمس سنوات حتى ظهر كتاب دارون مؤيدا مذهب التحول. # فيرى مما تقدم أن مذهب دارون لم يبد فجأة كما قد يظن، بل بعد أن استعدت ~~العقول له كثيرا في إنكلترا وفرنسا وألمانيا ولا سيما إنكلترا، وبعد أن عرف أصحاب ~~التحقيق فساد المذهب القديم، إلا أنه كان يلزم إقامة آخر مقامه، وهذا حصل لما ~~ظهر: ~~(2) مذهب دارون # وهذا المذهب بسيط جدا بنفسه، والعجيب فيه أن الطبيعة تولد أشياء عظيمة لعوامل ~~تكاد تكون بالنظر إلينا ضعيفة، وغير محسوسة بتجمع قواها فقط شيئا فشيئا على ممر ~~الدهور والأدوار الجيولوجية الطويلة جدا، وهذا المذهب يذكرنا بالمثل السائر: «البساطة ~~علامة الحقيقة.» على أن جميع الاكتشافات العظيمة والاختراعات والحقائق بسيطة جدا، ~~وقريبة الفهم، وأول شيء يعرض للذين يعلمونها أن يتعجبوا كيف أنها لم تعلم قبل. # وعنوان كتاب دارون وحده يتضمن كل مذهبه مبدئيا، وهذا هو: «تولد الأنواع بواسطة ~~الانتخاب الطبيعي، أو بواسطة حفظ الأصول الأكمل في تنازع البقاء». # وعندي أن هذا المذهب يقسم إلى أربع مسائل جوهرية، وإن لم يقسمه دارون كذلك، ودرسه ~~على هذه الصورة يسهل فهمه جدا، وهي: ~~(1) # تنازع البقاء. ~~(2) # تكون التباينات أو تغير الأفراد. ~~(3) # انتقال هذه التغيرات في النسل بالوراثة. ~~(4) # انتخاب الطبيعة للمتغير من هذه الأفراد، الذي يكون فيه بعض أفضلية، وهذا ~~الانتخاب يحصل بواسطة تنازع البقاء. # فهذه العوامل الأربعة إذا اجتمعت وفعلت معا، فنتيجتها ms015 التي هي استمرار تحويل الأحياء ~~في الطبيعة تكون كأنها ذاتية. # وأول هذه العوامل وأهمها هو: # تنازع البقاء # إن الاختبار يعلمنا أن جميع الأفراد من نبات وحيوان ميالة للتكاثر إلى ما يقل ~~دونه الغذاء، وتضيق عنه الأرض؛ فإن السمك وفأر البيش مثلا لو صح نتاجهما جميعه، ~~وكان الغذاء كافيا لضاقت عنه لجج البحر، وتغطت به الأرض، وبلغ ارتفاعها به أذرعا ~~في بضع سنين. # 8 # ولو أخذنا أنواعا تكاثرها قليل كالفيل الذي هو أقلها نتاجا، لكان ~~الحال كذلك أيضا مع الزمان الطويل؛ فإن أنثى الفيل لا تلد حتى تبلغ الثلاثين، ولا ~~تلد من هذا السن إلى التسعين إلا ثلاثة أزواج فقط، ومع ذلك فقد حسبوا أنه إذا ~~أخذ زوج واحد فقط ولم يعترضه ما يمنع تكاثره، ففي مدة 500 سنة يبلغ الناتج 15 ~~مليونا من الفيلة. ولو أخذنا كذلك نبتا لا يعطي سوى جرثومتين في كل سنة، ففي ~~عشرين سنة يبلغ عدد ما يعطي مليونا. وكذلك الإنسان الذي يتكاثر قليلا، ويتضاعف في ~~كل 25 سنة، فلو صح جميع نتاجه لضاق عنه فسيح الأرض في بضعة آلاف من السنين. # ولنا على ذلك أمثلة معتبرة من الأنواع التي تكاثرت كثيرا جدا؛ لعدم وجود موانع ~~كلية تمنع تكاثرها؛ فإن الخيل والبقر الوحشية التي تسرح سربا لا يحصى عددها في ~~سهول أميركا الجنوبية الواسعة، إنما أصلها عدد قليل أتاها من أوروبا يوم غزوة ~~الإسبانيول. وقد قدر همبلط عدد الخيل الوحشية في سهول بلاتا الواسعة بنحو ثلاثة ~~ملايين. والنباتات والحيوانات التي أدخلت من أوروبا إلى أوستراليا المكتشفة حديثا ~~قد تكاثرت حتى كادت تغطي الأرض هناك، وفازت على الأصلية منها. ويوجد في بلاد الهند ~~الشرقية نباتات أدخلت إليها منذ اكتشاف أميركا، وقد امتدت من رأس كامورن إلى جبال ~~حملايا. # فهذه الكثرة في النتاج تعترضها أسباب كثيرة، منها: مزاحمة الأفراد بعضها لبعض من ~~جهة، وعدم موافقة الأحوال الخارجية للحياة من جهة أخرى، أو هو تنازع البقاء. وهذا ~~التنازع على حالين: فاعلي ومفعولي، ويراد بالفاعلي ما كان بين الأحياء بعضها ms016 مع ~~بعض، وبالمفعولي ما كان بينها وبين قوى الطبيعة الصامتة. قال دارون: إن الطبيعة ~~تزرع الجراثيم بيد سخية إلا أن الكثير منها لا يبلغ تمام نموه، ويهلك ملايين ~~منها على الدوام؛ لأن الطبيعة وإن جادت بالكثير فقد علقت هذا الكثير بأسباب ~~التلاشي والهلاك. # ولدارون في وصف هذا التنازع للبقاء ما نصه: # إننا إذ نسمع تغريد الطيور في الليالي # 9 # الزاهيات، ونرى الطبيعة باسمة عن ثغر الصفاء والسكون، لا يخطر ~~لنا ببال أن جميع هذه السعادة إنما هي قائمة على تلاش في الحياة متسع ~~ومستمر، فإن الطيور تغتذي من أنواع الذباب وبذور النبات، وننسى أيضا أنها ~~هي العدد القليل الباقي من بين أخواتها التي سطت عليها الطيور الجوارح، ~~وعبثت بأعشاشها أعداؤها من كل جنس، أو ألمت بها قساوة الفصول والجوع ~~والبرد وغير ذلك. # ولا يخفى أن الفائز من الأفراد أو الأنواع أو غيرها على ما سواه في معمعة هذا ~~التنازع للبقاء، هو ما تميز بينها بصفات جسدية أو عقلية تحقق له هذا الفوز. ~~وهذه الصفات كثيرة جدا، فقد تكون الأقدام، أو القوة، أو كبر القد، أو صغره، أو ~~وسائط الهجوم والدفاع، أو اللون، أو الجمال، أو السرعة، أو الصبر على الجوع، أو حسن ~~الكساء، أو الحيلة، أو حسن التدبير في استحصال القوت، أو الحكمة في اتقاء الشر ... ~~إلخ. ولعموم النوع هي كثرة النتاج (وإن كان فعل الكثرة محدودا جدا)، وللنبات ~~موافقة التربة، أو قوة يقوى بها على المؤثرات الخارجية المضرة؛ فإنا لو قطعنا العشب ~~المؤلف من نباتات مختلفة على مساواة الأرض، وكررنا ذلك فلا يقوى منه - والحالة هذه ~~- على ما سواه إلا ما كان أكثر موافقة للتربة. وقد رأوا في امتحانات من هذا ~~القبيل أن تسعة أنواع من عشرين نوعا هلكت. أو لو زرعنا بزورا مختلفة مخلوطة ~~معا، ثم حصدناها وزرعنا بزور المحصود، وهكذا على زمان معلوم؛ فلا يبقى بعد حين من ~~البزور الأصلية إلا القليل الأشد، والأكثر نتاجا، والأوفق للتربة. فلو تنازع ~~نبتان في قفر لما بقي إلا أقواهما على ms017 احتمال اليبوسة، ولا يفوز في زمان القحط ~~إلا من كان أشد صبرا على الجوع. والدبق ينازع ما جاوره من الأنواع بحلاوة إثماره ~~التي تأكلها الطيور، وتنشر بذره أكثر من سواه. وبعض أنواع الغنم الجبلي إذا وضع بين ~~أنواع أخرى أكثر منه وفاقا لأحوال الحياة فإنه يهلك، وهكذا العلقة الطبية أيضا. ~~وذو الأجنحة الغشائية المائي إنما يغوص في الماء بسهولة؛ لتكوين خاص في رجليه ~~يجعله متميزا على ما سواه من نوعه في القنص والهرب. وبعض الحيوانات يفيده لونه ~~كالحجل الأبيض والدب الأبيض اللذين يقطنان في الجهات القطبية المغطاة بالثلج على ~~الدوام، وكذلك الذباب الأخضر الذي يعيش على أوراق النبات. وبعضها يقيه فروه الذي ~~يتلبد إذا أقبل الشتاء، وبعضها سرعته في الهرب أو شدته في القتال. ولنا أمثلة غريبة ~~من هذا القبيل، كانقراض الفأر الأسود الإنكليزي تحت أنياب الفأر الرمادي الهنوفري، ~~الذي قطع المانش على مراكب غوليوم دورانج. ولم يكن في مدينة سان فرنسيسكو في ~~كليفورنيا سابقا غير الفأر الأبيض، إلا أنه انقرض أمام الفأر الأسود الذي جاء ~~إليها بالمراكب الأوروباوية، وقد تكاثر فيها حتى بلغ ثمن القط خمسين ريالا. وانقرض ~~نوع من الخطاطيف في أميركا لنوع آخر منها. وكانت نتيجة سرعة انتشار دج الدبق في ~~إنكلترة انقراض الدج المغرد منها. وهذا التنازع في الوجود يطلق أيضا على الإنسان، ~~ومن هذا القبيل ما هو معروف في التاريخ من انقراض أهل أميركا وأوستراليا المتوحشين ~~لدخول أهل أوروبا بينهم. # ولا يبلغ التنازع معظمه إلا بين الأنواع الأقرب بعضها إلى بعض؛ لاشتراكها في ~~المتنازع عليه، ويقل كلما ابتعدت بعضها عن بعض حتى يفقد. وكلما كانت الصورة قديمة ~~كانت أضعف عن مقاومة خصومها الأحداث؛ لاتخاذ الأحداث في التنازع صورا أنسب ~~للتغيرات الحاصلة في أحوال الحياة تجعلها أقوى. وكل صورة غلبت لا تعود أبدا؛ إذ ~~لا تعود قادرة على الثبات في التنازع. ويتضح لنا كل ذلك على نوع عجيب في أوستراليا ~~أو هولاندة الجديدة؛ فإن هذا القسم من العالم المنعزل جغرافيا عن كل منازعة لم ~~تزل حيواناته ms018 ونباتاته متأخرة تشبه أحافيرنا المتكونة منذ زمان طويل. وأعلى ~~حيواناته رتبة ذو الجراب الذي عاش في أوروبا في الدور الثاني، وتلاشى لتغلب أنواع ~~أخرى عليه أقوى وأكمل. وإنما بقي مثل هذا الحيوان في أوستراليا إلى يومنا هذا، ولم ~~يتلاش لعدم وجود منازع له شديد البأس، ولكن من يوم دخلها الإنكليز أخذ كل ما فيها ~~بالتلاشي، حتى كاد يزول لعدم صبره على منازعة ما أدخلوه معهم. ولم يسمع قط ضد ذلك؛ ~~أي إنه لم يسمع أن موجودات أوستراليا أمكنها أن تتأصل في أوروبا. # فإذا امتنع تكاثر الجانب العظيم من الحيوانات بسبب الجوارح منها، فالجوارح نفسها ~~يمتنع تكاثرها أيضا؛ لقلة القوت الذي يقيم من نفسه حدا لنمو الحيوان لا يتعدى. ~~وزد على ذلك أيضا تأثير الإقليم والبرد والحر، فقد ذكر دارون أن خمس الطير هلك ~~في بعض أماكن في إنكلترا بسبب البرد القارس الذي حصل سنة 1854-1855، وما بقي منه ~~إنما هو الأقوى والأكثر ريشا، والمتعود أكثر على طبيعة الإقليم. كما أن الذي ~~يفوز باستحصال القوت في زمان القحط على مذهب دارون إنما هو الشديد، وصاحب الحيلة. ~~ومن المعلوم أن التنازع مع القواسر الطبيعية - ولا سيما البرد - يشتد كلما صعدنا ~~نحو الشمال، إلا أنه يكاد يتلاشى حيث تتغلب القواسر المذكورة لفرط شدتها. على ~~أن تأثير الإقليم في نوع ما قد لا يظهر إلا إذا كان مع تنازع أنواع أخرى؛ فإن ~~في حدائقنا نباتات كثيرة متحملة الإقليم جيدا، ولو تركت ونفسها خارج الحدائق بعيدة ~~عن اعتناء الإنسان، لما استطاعت أن تثبت لمنازعة أقرانها والحيوانات لها. ويكاد ~~شجر القطران في أكوسيا من أعمال إنكلترا يتلاشى للضرر الذي يلحقه من أبقارها فإنها ~~ترعاه وهو صغير، ولكي يتنامى فيها لا بد من أن يتداركه الإنسان بما يصونه من مثل ~~هذا الضرر، وقد يتوقف نجاحه في بعض البلدان على عدم وجود ذباب لو وجد لأضر به ~~كثيرا. ولقد علم أن البقر والخيل والكلاب في بلاد باراجي لا تنتقل إلى الحالة ~~الوحشية كما هو الغالب في باقي أميركا ms019 الجنوبية لذباب مجنح يكثر فيها، ويقتل صغارها ~~بإلقاء بيضه في سراتها، فلو انتشر فيها بعض أنواع الطير الآكل الذباب لقل ذبابها، ~~وكثرت بقرها وخيلها الوحشية أيضا، ولحصل تغير عظيم في نباتاتها التي تقتات منها، ~~ولأثر ذلك في أحوال طيورها أيضا، وتداعت سائر أحوالها إلى حصول عدة تغيرات فيها ~~الموازنة بينها. # فهذا الشاهد يرينا ما يفعله التنازع للبقاء في ظواهر الوجود من اختلاط الأعمال ~~لما بينها من الارتباط الشديد. ولقد دقق دارون جدا في البحث عن هذا الارتباط، ~~وبلغ فيه نتيجة عظيمة. من ذلك ما فسر به تلقيح كثير من النباتات بالذباب الذي يتردد ~~عليها (كالنحل والزنابير وغيرها)، حاملا البلن # 10 # من زهرة إلى أخرى، ولولاه لما تلقحت النباتات المذكورة. وعدد الزنابير ~~يتوقف على عدد فأر البيش الذي يخرب أوكارها، وعدد فأر البيش متوقف على عدد القطاط ~~والبوم التي تفترسه ... وهكذا، بحيث إن وجود حيوان جارح في مكان يؤثر في نباتات ذلك ~~المكان. ولنا شاهد أيضا فيما هو معلوم من دودة تظهر في شجرة القطران، ثم تختفي ~~لاختفائه واسمها «ننا»، فحيثما كانت الدودة المذكورة كثر «الأكنمن» جدا؛ وهو ~~حيوان يضع بيضه في جسدها فتموت، فإذا أقفر الغاب ماتت «الننا» لفقد قوتها فاختفى ~~«الأكنمن» كأن لم يكن شيء من ذلك كله. # وهناك أيضا شاهد ثالث مأخوذ من جزيرة القديسة هيلانة، فإن هذه الجزيرة كانت في ~~القرن السادس عشر يغطيها غاب كثيف، فلما أدخل أهل أوروبا المعز والخنازير إليها رعت ~~الفروخ الصغيرة، فتعرت الأرض في ظرف قرنين، فطرأ على حيواناتها تغيرات جسيمة. ~~ويلتقي في تربتها آثار حيوانات رخوة أرضية، وهي نوع كان موجودا في القديم، وقد ~~انقرض اليوم، ولم يكن يوجد إلا في هذه الجزيرة. # فهذه الشواهد تكفي، وهي تبين أن كل جسم حي يرتبط في تكوينه وصفاته الخاصة ~~ارتباطا شديدا - ولو أنه خفي غالبا - بغيره من الأجسام الحية التي تنازعه في ~~قوته ومسكنه وغير ذلك. وهذا الأمر ظاهر جيدا - كما قال دارون - بأنياب النمر ~~وأظفاره، كما هو ظاهر بمخالب الذباب الذي يتعلق ms020 بشعره. # وقد لاحظ هكل في كتابه المذكور سابقا على دارون أنه ذكر أمثالا فاسدة بجانب ~~أمثال صحيحة، وعنده - أي هكل - أن تنازع البقاء بحيث يعدم الواحد الآخر لا يكون ~~إلا بين الأجسام الحية فقط، وأما بينها وبين الضرورة فلا تكون غايته إعدام ~~الحي، بل توفيقه لها كما أشرنا إلى ذلك فيما تقدم بقسمنا التنازع إلى فاعلي ~~ومفعولي. # فهذا ما نبسطه فيما خص تنازع البقاء الذي هو في الحياة الأدبية أيضا كما هو في ~~الحياة الطبيعية. وبقي علينا لتتمة الموضوع أن نبسط الكلام على الأقسام الثلاثة ~~الباقية، وهي تكون التباينات، ثم انتقال هذه التباينات بالوراثة، وأخيرا انتخاب ~~الطبيعة لما هو أكثر صلاحية. فالأول وهو: # تكون التباينات # مبني على القاعدة المتحصلة من الاختبار، والتي وضعها دارون، وهي أن الأجسام ~~الحية ميالة إلى التغير على أوجه مختلفة، وإلى حد محدود؛ أي إنها تنحرف عن الأصل ~~الصادرة عنه ببعض صفات خصوصية، إما في السحنة أو اللون أو الكساء أو القد أو ~~القوة أو تكوين بعض الأعضاء، فلا تشبه الأبناء الآباء شبها تاما مطلقا، ولا ~~يجتمع اثنان مع كثرة الأجسام العضوية على شبه واحد، حتى ولا ورقتان على شجرة ~~واحدة، بل يوجد دائما اختلاف ولو مهما كان قليلا. فالتحول إلى حد محدود هو إذن ~~ناموس عام يطلق على جميع الأحياء. ولا يقال إن الحي يلد حيا نظيره، ولا يصح ~~أن يقال أيضا إنه يلد حيا مختلفا عنه؛ لأن الوراثة ليست راسخة كما أنها غير ~~متخلقة، فلو كانت راسخة لاقتضى أن يبقى العالم العضوي واحدا في جميع الأدوار وفي ~~سائر الأحوال، وذلك بخلاف الواقع لما يعلم من اختلاف الأحياء العظيم في الأدوار ~~الجيولوجية. ولو كانت متخلقة لاقتضى أن يحصل في الصور العضوية شذوذ يشرد بها ولا ~~يرد إلى قياس، وهو ليس كذلك أيضا. والصحيح أن يقال: إن كل حي يلد حيا ~~شبيها به، وعلى هذه القاعدة يشبه الابن أبويه بالصفات الجوهرية، ولا يشبههما أبدا ~~بكل الصفات، ولو أن الاختلاف جزئي غير محسوس. ويشتد هذا الاختلاف كلما ms021 كانت سلسلة ~~التسلسل أطول، فإن النباتات والأشجار الفسيلية أكثر شبها بأصلها من النباتات ~~البزرية، والأشجار المثمرة المطعمة لا تنبت كذلك إلا إذا زرعت بالفسيلة، وترجع ~~إلى أصلها البري إذا زرعت بالبزرة. على أن الاختلاف بين الأبناء والآباء هو ~~غالبا جزئي جدا بحيث يخفى على غير المحقق؛ فإن قطيع الغنم قد يظهر للبعض أن كل ~~واحد منه نظير الآخر، وأما الراعي فيعرف كل فرد منه بعلامة خصوصية. وهكذا كل زوج ~~في سرب من الطير، فإنه يعرف بعضه ويجتمع به بسهولة. # فهذا الميل في الأحياء إلى التغير نتيجته تكوين التباينات، ولا يخفى ما له من ~~الأهمية في صناعة تحسين الحيوانات الأهلية والأثمار والأزهار، سواء كان ذلك بتوليد ~~تباينات جديدة بالتصالب أو بتثبيتها بعد توليدها. # وهذا على رأي دارون أصل الأنواع فإنها حاصلة عن انحصار بعض الصفات في بعض ~~الأفراد، وانتقالها في النسل بالوراثة، وثبوتها فيه مع الزمان الطويل، فالتباينات ~~على رأيه أنواع في حالة النشأة والأنواع تباينات واضحة جيدا وثابتة. # وربما لم يظهر الانتخاب الطبيعي واضحا حتى يتوهم الضد كما في الأماكن التي لا ~~تتغير فيها أحوال الحياة الخارجية، كالإقليم والتربة والقوت والهواء وأقسام اليابسة ~~والمياه، أو تتغير قليلا جدا مثل بلاد مصر، فإنها لموقعها الجغرافي لم يعرض لها ~~منذ ألوف من السنين أدنى تغير يعتد به لا في إقليمها، ولا في سائر أحوالها ~~الخصوصية، فلم تتغير نباتاتها ولا حيواناتها ولا أناسها. وأما في الأماكن ~~المتغيرة أحوالها فبالضد من ذلك يكون الانتخاب الطبيعي ظاهرا واضحا جدا. # ولا يسع خصوم دارون أن ينكروا ميل الأحياء إلى الاختلاف وتكوين التباينات لما ~~هو واضح ومسلم به عموما، إلا أنهم يزعمون أنه لا يتناول إلا الأعراض فقط ~~كاللون والجلد والقد وغير ذلك، ولا يصل تأثيره إلى جوهر التكوين. وقد بين دارون ~~بطلان زعمهم هذا، وأثبت أن الميل المذكور يصل إلى الجوهر أيضا، قال: إن الفرق ~~بين النوع والتباين يمتنع تبيينه علميا، والاختلاف بين العلماء من هذا القبيل ~~كبير، وليس لهم فيه تعريف مقبول، والذي أوقعهم في ms022 هذا الارتباك اعتبارهم النتاج ~~حدا يفصل به النوع. # ولا تمر سنة إلا ويضع العلماء أنواعا جديدة، وكل منهم يميزها على هواه، فقد ~~ذكر دارون أن النباتي الإنكليزي وستن يذكر 182 نباتا إنكليزيا عدها غيره ~~أنواعا مع أنها تباينات . وقد قال هوكر في هذا المعنى ما نصه: # إن النباتيين يعدون الآن من 8000 إلى 15000 نوع من النبات، فالنوع إذن ~~غير محدود. وإذا كنا لا نستطيع أن نتحقق انتقال الأنواع بأنفسنا؛ ~~فلانحصارنا في دائرة من الاختبار ضيقة جدا. # وما قيل عن النبات يقال أيضا عن الحيوان؛ فإن فيه أصولا كثيرة يعدها بعضهم ~~تباينات وبعضهم أنواعا. وقد قال جيبل أستاذ الحيوان، وقد بين لخصومه بطلان ~~اعتقادهم في النوع: «إنهم كثيرا ما يعتمدون في تمييز الأنواع على اختلافات هي فيها ~~أقل منها في فروع الجنس البشري.» وقال هكل: «إنه في صناعة تحسين النبات والحيوان ~~كثيرا ما يحصل على اختلافات أهم من الاختلافات الطبيعية التي يعتبرها بعض ~~الطبيعيين كافية لتقرير النوع والجنس أيضا.» والأستاذ برن مترجم دارون يقول ~~أيضا: «إن القول بالأنواع لا أساس له، وليس ما يسوغه في طبيعة الأشياء.» ~~ولأمر معلوم أنه كلما كان الطبيعي واسع الاطلاع في فنه أشكل عليه تمييز ~~الأنواع؛ لزيادة علمه بالتباينات والصور التي بين بين. وعليه، فكلما اتسع العلم ~~قل التصديق بالنوع؛ وهذا مما يدل على أن القول به لا أساس له إلا في عقل ~~الإنسان. # وأصحاب المذهب القديم قلما يعتبرون قيمة التباينات، بل بالضد يكرهونها؛ لأنها ~~توقعهم في الارتباك من حيث الترتيب، وأما عند دارون ومن تابعه فهي ثمينة جدا؛ ~~لأنها أصل الأنواع الجديدة. وقد تغيرت طرق الترتيب منذ قيام مذهب دارون، وصار ~~يعتنى كثيرا بالتباينات التي كان يهمل أمرها سابقا؛ لعدم انطباقها على القاعدة ~~المعول عليها عندهم. وقد ذكر ليل في هذا المعنى في كتاب «قدم الجنس البشري» أن ~~أحد تجار الأصداف في لوندرة المتعمق جدا في العلوم الطبيعية، قال له ذات يوم إنه ~~لا يخشى شيئا يقلل قيمة مجموعاته مثل ظهور رسالة في وصف ms023 بعض الحيوانات الرخوة ~~الكبيرة وصفا جيدا؛ لأن كل نوع يدخل في صف التباينات لا يعود له مشتر. غير أن ~~ليل يقول أيضا: «ولكن منذ ذلك الزمن زادت قيمة الحقائق العلمية جدا في إنكلترا، ~~حتى كثر الطلب على الصور التي تصل بين الصور المنفصلة بعضها عن بعض انفصالا ~~كبيرا، وأصبحت قيمتها أثمن من الصور الأصلية.» # على أنه لا ينبغي الاستنتاج مما تقدم أن كل تباين يصير نوعا وإن وافقته ~~الأحوال كلا؛ فإن تباينات كثيرة تتلاشى في التصالب أو الانتخاب الطبيعي. ويزعم ~~هكل أن الأنواع كلها غير متساوية في قابليتها للتغيير، فبعضها متغير جدا، ~~وبعضها ثابت، وبعضها متغير إلى حد محدود. وسبب هذا الاختلاف على رأيه أحوال ~~الحياة الخارجية، وكثرة انتشار النوع أو قلته ... وما شاكل ذلك. وعنده أن النوع ~~البشري أكثر الأنواع وفاقا للأحوال. # فهذا ما نبسطه بشأن ما للأحياء من الميل إلى التغير. على أن ذلك لا قيمة له في ~~مذهب دارون إلا بالوراثة التي تنقل الصفات المميزة للأنواع في النسل وأعلم أنها ~~- أي الوراثة - تنقل الأمراض كما تنقل عيوب التكوين، مثل زيادة عدد الأصابع ~~والأظفار، ومثل الجهر وتشقق الجلد، ولادية كانت كما تقدم، أو عارضة كالعيوب ~~الحاصلة عن آفات طارئة. وكما أنها تنقل الصفات الجسدية تنقل الصفات الأدبية كذلك ~~أيضا، كالشهوات، والأميال، والعوائد، والأخلاق، والعقل ... إلى غير ذلك. ومن عجيب ~~أمرها أنها كثيرا ما تقطع الأجيال كامنة وتظهر في الأولاد بعد ذلك، وهذا الأمر ~~يسمى عندهم «الأتافيسم»، ومعناه الرجوع إلى الجد، ونصطلح عليه بالدور الوراثي أو ~~الرجعة، ولا فرق بين أن يكون من جهة الأب أو الأم. والانتقال الوراثي كان معروفا ~~قبل دارون، لكن ليس كما ينبغي لفهم ما يترتب عليه، فكان إذا ذكر منه شيء يذكر ~~على سبيل الغرابة، وأما اليوم فهو من أعظم الأمور التي يعتمد عليها في تاريخ ~~ارتقاء العالم العضوي، وارتقاء الجنس البشري. على أن الأطباء منذ القديم قد ~~انتبهوا إلى الوراثة المرضية، وعرفوا أن غالب الأمراض المزمنة قد يصير وراثيا، ~~ويكمن في الجسد، ولا ms024 يظهر حتى سن معلوم كالسل الذي يفشو مع سن البلوغ. وعرفوا أيضا ~~انتقال الأمراض المكتسبة، ولم يجهلوا أمر الدور الوراثي الذي تقرب الأولاد بموجبه ~~من أجدادهم بالأميال والعوائد والأخلاق، والاستعدادات المرضية وصفات أخرى جسدية. ~~قال فيرخو منذ نحو 10 أو 15 سنة في ذلك ما معناه: إن بدن الأب وبدن الأم يكسبان ~~مادة الجرثومة، ومن ثم الولد الصادر عنها، حركة مادية ذات طبيعة خصوصية لا تسكن حتى ~~الموت. وقد عرف أيضا ما سيكون لهذه المسألة من الأهمية، حيث قال: إنها ستكون أصح ~~ما تبنى عليه فلسفة الطبيعة، ولقد أصاب؛ لأنه بالوراثة يتوصل إلى التعليل ~~طبيعيا عن ظواهر كثيرة سواء كان ذلك في حياة الأفراد الجسدية، أو العقلية، أو ~~حياة الشعوب أيضا، مما كان يعمد في تعليله عنه سابقا إلى قوى ما فوق الطبيعة، أو ~~ينسب إلى استعداد في الأحياء لا يدرك، فالإنسان كما هو الآن، وكل ما يملكه ليس ~~إلا نتيجة عمل شاق وبطيء، لم يفتر أبدا على مر الدهور الطويلة، وقائم على ~~انتقال الصفات في الأجيال العديدة بالوراثة، سواء كانت هذه الصفات حسية أو معنوية ~~ولادية، أو مكتسبة ليس إلا. # فالوراثة مهمة جدا في مذهب انتقال الأنواع، قال دارون في هذا المعنى ما نصه: # إذا كان من المقرر أن الاختلافات حتى أكثرها شذوذا، والتي لا تنطبق على ~~جنس معلوم كنقص بعض الأصابع والأظفار أو زيادتها، وكالجهر وتشقق الجلد ~~وغيرها، تنتقل في النسل بحرص، فكم بالحري ينبغي أن يكون كذلك في ~~الاختلافات العادية التي يصح عليها جليا ناموس الوراثة الشامل لكل الصفات ~~الفردية. # على أنه يقر بأن نواميس الوراثة الخاصة لا تزال مجهولة كليا، وعلى ~~المستقبل أن يرفع الحجاب عن مكنوناتها. # 11 # وقد وصلنا الآن إلى آخر قضية من مذهب دارون وأهمها، وهي: # الانتخاب الطبيعي # ويسميه «برن» التحسين الطبيعي أيضا. ولا يكون إلا إذا كان للاختلافات الحاصلة ~~في الفرد معنى في تنازع البقاء؛ فإن الاختلافات الفردية تكون ضرورة على إحدى ثلاث ~~حالات: إما نافعة للمنازع، أو مضرة له، أو لا ms025 نافعة ولا مضرة، ففي الحالة الأخيرة ~~لا يكون لها معنى فبقاؤها وعدمه على حد سوى. وكذلك أيضا إذا كانت مضرة؛ لأن ~~الاختلاف الذي يحصل والحالة هذه تكون نتيجته أحد أمرين: إما ملاشاة الفرد، وإما ~~ملاشاة الصفة. وتختلف نتيجته إذا كان نافعا، فيمتاز الفرد به على إخوانه وخصومه في ~~تنازع البقاء، وينتقل هذا الامتياز إلى نسله وينمو فيه على مرور الأجيال. وهذا ~~الامتياز في تنازع البقاء لا يحصل إلا بعد جهد جهيد، فلكي يؤلف الفرد به نوعا ~~جديدا لا يكفي امتيازه به مرة واحدة، بل يلزم لذلك أحيانا مائة جيل أو ألف جيل، ~~أو عشرة آلاف جيل. وهذا الأمر يعتبر جدا في مذهب دارون، فإن الزمان في تاريخ ~~الأرض ومتكوناتها له المقام الأول، وإنا ليتولانا الذعر إذا افتكرنا في عدد ~~السنين الذي اقتضاه تعاقب الأدوار الجيولوجية، فوجودنا بالنظر إلى ذلك لا يكاد يحسب ~~لحظة. # فدارون في علم الحياة اقتفى آثار ليل في علم الجيولوجيا، وكلاهما فتحا لنا ~~السبيل لفهم أعظم أعمال الطبيعة القائمة على أسباب أو قوى ظاهرها ضعيف وقليل ~~الأهمية، إلا أنها ذات فعل، وإن كان بطيئا فإنه يتجمع مع الزمان الطويل، ويأتي ~~بكل ما نرى. # فالانتخاب الطبيعي أساس مذهب دارون، ولكي يفهم معناه كما ينبغي، لا بد من ~~معرفة الأسباب التي دعته إلى القول به. فهو إنما توصل إليه بدرس علم تحسين ~~الحيوانات والنباتات الأهلية الصناعي، وهذا العلم كما لا يخفى قد بلغ مبلغا عظيما ~~بنتائجه العجيبة، ولا سيما في إنكلترا وطن دارون حيث يوجد أناس متفرغون لذلك. وقد ~~أجرى دارون نفسه امتحانات كثيرة من هذا القبيل، ولكي يتأكد بالعيان فعل هذه ~~الصناعة انخرط في جمعيتين في لوندرة تشتغلان بتربية الحمام، فتحقق بنفسه أن ~~التباينات الكثيرة للحمام إنما أصلها كلها اليمام؛ أي الحمام البري، لأنها قد تحتوي ~~بعض الصفات الخاصة به والدالة على أصلها. وربما اشتبه بها أنها أنواع لشدة الاختلاف ~~بينها، فإنه لا يقتصر فيها على الصفات الظاهرة فقط، بل يتناول أيضا تكوين الهيكل ~~والبيضة وأمر الطيران وغير ms026 ذلك. قال دارون: «إني ما كنت أظن قبل تربيتي الحمام ~~أن كل هذه التباينات يجوز أن يكون مصدرها صورة واحدة!» # وعلى رأي دارون إن الإنسان قد بلغ الغاية القصوى في التحسين الصناعي؛ لأنه ~~يستطيع أن يجمع في أصل واحد أقل الاختلافات الفردية بواسطة الانتخاب الصناعي. ~~وميل الصور إلى التغير أو الانحراف عن الصورة الأصلية، يتضح جليا في الأحياء ~~الواقعة تحت فعل التربية أكثر من الواقعة تحت فعل الطبيعة؛ لكثرة اختلافات أحوال ~~الحياة في الحالة الأولى وشدة تأثيرها، كحسن المسكن وغزارة القوت. على أن هذه ~~القابلية - أي الميل إلى التغير - لا تفقد أبدا؛ فإن أقدم نباتاتنا الأهلية كالقمح ~~لا يزال يعطي تباينات حتى يومنا. ومبدأ التحسين الصناعي قد كان معروفا منذ القديم، ~~وكان الرومانيون القدماء والصينيون وغيرهم يعتنون به. ويظهر أنه معروف أيضا عند ~~شعوب أفريقيا المتوحشين. على أن كل إنسان يربي حيوانات ونباتات يستخدمه ولا يدري؛ ~~لأنه يختار دائما للتربية أحسن الحيوانات والنباتات، ككلاب الصيد وجياد الخيل ~~وغيرها. والمتوحشون أنفسهم الذين يجهلون ذلك كليا يستعملونه على غير علم منهم ~~بحقيقته كما في زمان القحط، فإنهم لا يبقون إلا أفضل الحيوانات اللازمة، ويقتلون ~~ما سواها، أو يتركونه وشأنه بلا عناية. # وإذا كان علم تربية الحيوان قد تقدم كثيرا في إنكلترا؛ فلاعتناء أصحاب ~~الحيوانات من ذوي الثروة فيها به؛ فإنهم لامتلاكهم عددا وافرا منها كان أحدهم إذا ~~وجد أحد أفراد القطيع مميزا ببعض صفات حسنة يربيه ويعتني به، حتى يحسن به كل ~~القطيع رويدا رويدا. وهكذا توصل أهل إنكلترا إلى تحسين حيواناتهم الأهلية، بحيث ~~صارت بقرهم المختارة للذبح ذات بطن ضخم، وسيقان نحيفة، ورأس صغير لا قرون لها، وصار ~~لهم خنزير «للجامبن» وللشحم - ويسمى عندهم الممتلئ دما - وغنم للصوف وديوك وكلاب ~~«بلدج» للقتال، وحمام لحسن المنظر، وخيل لحسن الصورة، وأخرى للسباق، وهذه الأخيرة ~~المولدة من جياد خيلهم وخيل العرب تفوق جدا الأصل المولدة منه. وقد توصل الإنسان ~~في تربية الأزهار والأثمار والخضر بواسطة التحسين الصناعي إلى نتائج عجيبة جدا، ~~كالجذر الذي هو ms027 في أصله البري يابس وقاس، فإنه اكتسب بالتربية طعمه المعروف. وكل ~~الأثمار اللذيذة نتيجة اعتناء الإنسان بها، وانتخابه لأفضلها على مدة طويلة من ~~السنين. وقد لا يكفي الانتخاب الصناعي وحده، فيقرن بالتصالب بين الفروع للحصول على ~~فرع جامع فيه كل الصفات الحسنة في غيره. على أن الانتخاب وحده إذا اعتني به كما ~~ينبغي فإنه قد يعطي نتائج أغرب جدا من ذلك، ومثاله غنم «أطر» في أميركا، ولم ~~يذكره دارون مع أنه من أعظم الأمثلة على ما يستطيع المربي أن يناله بالتربية، ~~فقد وجد في «مصاشصتس» خروف بدنه طويل جدا، وساقاه الأماميتان قصيرتان فاستحسن ~~فيه هذا التكوين؛ لأنه لا يستطيع معه أن يقفز من فوق سور الحظيرة، فاعتني ~~بتربيته حتى انتشر على قسم كبير من أميركا الشمالية حيث بقي خمسين سنة، ثم جاء غنم ~~إسباني اسمه «مورينوس» أو مور فأزاحه؛ لأن صوفه أكثر من صوفه وأجود منه. وقد ذكر ~~«عذارا» مثالا كذلك في باراجي، حيث قال: إنه ولد سنة 1770 ثور بلا قرون فاستحسنه ~~المربون فربوه، ولم يزل حتى اليوم بقر باراجي البلدية عديمة القرون على شهادة ~~«رل». # فيرى من هذه الأمثلة كم هي متنوعة طرق التحسين الصناعي، ودارون يقول بالاستناد ~~إلى ذلك ما معناه: «كما أن الإنسان في طاقته أن يحسن الفروع صناعيا بانتخابه ~~الأفراد التي يكون فيها بعض الصفات الموافقة لغاية ما، ثم يثبتها إما بالتصالب، ~~وإما باستمرار تحسينها بعد الولادة، هكذا تفعل الطبيعة أيضا؛ فإنها تجمع ~~التغيرات النافعة للفرد، وتنقلها في نسله من جيل إلى جيل، والفرق الوحيد بين عمل ~~الإنسان والطبيعة، هو أن الإنسان يعمل عن علم بالشيء؛ ولذلك كان عمله يتم في زمن ~~بالنسبة إلى الطبيعة قصير، وأما الطبيعة فيلزم لنجاحها زمان أطول من ذلك بكثير.» ~~ويقول - أي دارون - أيضا أنه إذا كان الإنسان يحصل على مثل ذلك في الانتخاب، فكم ~~يجب أن يكون هذا الأمر أعظم في الطبيعة التي لا تنتخب لمصلحتها كما يفعل الإنسان، ~~بل لمصلحة المنتخب نفسه، والتي تشتغل بلباقة أكثر وقوة أعظم ms028 منه؛ لذلك فإنها لا ~~تفتر لحظة واحدة عن جعل أقل التغيرات في الأحياء ممكنة، فإن كانت جيدة حسنتها ~~وإلا لاشتها، ولهذا السبب كانت الألوان التي تقي بعض الحيوانات من مطاردة أعدائها ~~لها، وكان رأس منقار صغار الطير الرخص الذي تشق به قشرة البيضة التي تكون ضمنها، ~~ولون ناقر الخشب الذي يتسلق الأشجار، ويفتش على الذباب تحت القشر، وتكوين مخالبه ~~ومنقاره وذنبه ولسانه لمناسبة ذلك لجنس معيشته، ولهذا السبب عينه كانت قوائم ~~المعزى السريعة العدو، وبصر الجوارح الحاد وسلاحها القوي، وله أيضا ولانتخاب ~~يسمى جنسيا قرن الأيل القوي وعرف الديك. # 12 # وكذلك أيضا طول عنق الزرافة التي ترعى أفانين الأشجار العالية، وهذا ~~المثال ذكر في الكلام على مذهب لامرك، وإذ ذكرناه هنا فلا بد لنا من أن نبين وجه ~~الفرق فيه بين مذهب لامرك ومذهب دارون. # قد تقدم أن لامرك يجعل سبب هذا الطول في عنق الزرافة الضرورة أو العادة ~~التي تضطرها للتطاول إلى الأشجار العالية، وأما دارون فيختلف عنه في التعليل عن ~~سببه، حيث يقول: إن الزرافة الحالية آتية من أصل أصغر منها، وهذا الأصل قد انقرض ~~منذ زمان طويل، فلم يكن عنقها في الأصل طويلا كما هو اليوم، ولا باقي أعضائها ~~ناميا كذلك (بناء على أن الأعضاء متناسبة في الجسم الحي)، وبقيت على هذه الحالة ~~زمانا ربما كان مائة سنة، أو ألف سنة، أو أكثر أو أقل، بدون تغير جوهري فيها؛ لعدم ~~تغير أحوال حياتها حتى حصل يبس شديد ماتت به كل الأشجار إلا أشدها؛ أي أعلاها، ~~فماتت كل الزرافات الصغيرة التي في عنقها قصر يحول بينها وبين الحصول على قوتها، ~~وبقيت الكبيرة الطويلة الأعناق. وانتقل ذلك في نسلها إلى أولادها، وبقيت هكذا حتى ~~أصابها أيضا ما أصابها في المرة الأولى، فماتت قصارها، وبقيت طوالها ... وهكذا. وما ~~زال هذا الأمر يتكرر فيها، حتى بلغ بها في الأدوار الطويلة والأجيال العديدة إلى ما ~~هي عليه اليوم. وليعلم أن مثل هذه التحولات يتم بمساعدة قوة شديدة يسميها ~~دارون النمو المشترك، ويراد ms029 به أن أعضاء جسم حي ذات نسبة بينها ثابتة لا تتغير، ~~بحيث لو تغير عضو لرافقه تغير أيضا مناسب له في سائر الأعضاء، فقد شوهد أن طول ~~القوائم يكون مع طول العنق، وأن الحمام القصير المنقار رجلاه قصيرتان أيضا، ~~وأن القطاط التي عيونها زرق هي عادة صماء، وأن الكلاب العديمة الشعر أسنانها ~~ناقصة ... إلخ. وقس على ذلك باقي أمثلة لامرك. # على أنه لا ينبغي أن يظن من ذلك أن دارون ينكر تأثير الأسباب التي يذكرها ~~لامرك، كلا بل بالضد يعترف بتأثيرها ويضعها في مقام رفيع بجانب الانتخاب الذي ~~يعده في المقام الأول. والأسباب المذكورة هي كما تقدم العادة والاستعمال والضرورة، ~~ومن الأمثلة التي يذكرها دارون يعلم ما لهذه الأسباب عنده من القيمة في أمر ~~التغيرات الحادثة؛ فلأجلها كانت عظام رجلي البط الأهلي أقوى، وعظام جناحيه أضعف من ~~البط البري، وكذلك البقر والمعزى التي تحلب دائما فإن حلماتها تصير كبيرة، وأكثر ~~الحيوانات الأهلية آذانها مرتخية؛ لقلة لزوم استعمالها بخلاف الوحشية فإنها شديدة ~~فيها، وكل الطيور من طائفة النعام أجنحتها ضامرة؛ لأنها لا تطير، والخلد لقيامه ~~دائما تحت الأرض هو في غنى عن العينين؛ ولذلك هما أثر فيه، وغير ذلك ~~كثير. # ويعترف دارون أيضا بتأثير الأحوال الخارجية للحياة التي يعتبرها كثيرا جفروي ~~سنتيلير، كالإقليم والتربة والقوت والنور والهواء وأقسام اليابسة والمياه ... إلخ، ~~إلا أنه يجعلها دون الانتخاب الطبيعي؛ فإن تأثير الأشياء الخارجية وتغيراتها ~~الدائمة على سطح الأرض - المتغير على الدوام - كل ذلك مهم جدا، حتى ظن كثير من ~~العلماء أنه يكفي وحده للتعليل عن التغيرات الدائمة في العالم الحي، وما حصل ~~فيه من الارتقاء. فنحن نعلم مع قلة اختبارنا أن كساء الحيوانات متوقف على ~~الإقليم، ولونها على القوت أو النور أو المساكن التي تقيم فيها عادة، وكبرها على ~~كثرة القوت أو قلته وغير ذلك، غير أن هذه الأحوال الخارجية التي سيأتي بيانها ~~مفصلا لا يسعها على رأي دارون أن تفسر المطابقة الكلية في الأحياء للأشياء ~~الخارجية المحيطة بها، ولأحوال حياتها، ولاحتياجاتها ... إلخ، ms030 فمثل هذه المطابقة ~~الكلية لا يكون إلا نتيجة الانتخاب الطبيعي الذي هو العامل الأكبر، وأما باقي ~~العوامل كأحوال الحياة الخارجية واستعمال الأعضاء وعدمه، والعادة، والنمو المتناسب، ~~والوراثة، والتصالب إلى غير ذلك فيعمل معه بالاشتراك أيضا. # وإنه ليصعب، بل يستحيل علينا أن نعرف كم يخص كلا من هذه الأسباب العديدة من ~~كل من النتائج المختلطة الصادرة عن عملها المشترك. ويظن دارون أنا غالبا لا ~~نعرف شيئا عن النواميس التي تتغير الأحياء بموجبها، وإن ما نستطيعه من ذلك إنما ~~هو التأكيد بوجود هذه النواميس. على أنه مهما كانت فلا يسعنا أن ننكر وجوب حصول ~~تجمع ثابت في التغيرات الطفيفة الموافقة للفرد بواسطة الانتخاب الطبيعي. # 13 # ولا يظن أن تجمع الصفات الموافقة في الفرد ودوام هذا التجمع فيه ~~يسعيان به نحو الكمال في كل الأحوال، فإنه مهما كان سلطان التحسين والتكميل عظيما ~~فلا تحصل عنه هذه الغاية دائما؛ لأنه قد يكفي أن يكون في الفرد امتياز، ولو ~~قليل المعنى، حتى يقوى على أقرانه، ولو كان أضعف منها في باقي الصفات. # وقد يكون الامتياز أحيانا سببا للانحطاط ككبر القد، والعافية في حين فقد القوت. ~~وعليه، فالارتقاء يصاحب تغيرات الفرد غالبا لا دائما ووجوبا، فربما تقهقر ~~الفرد ووقع في الحئول كما في الدب الأسمر الحالي، فإن أصله دب الكهوف الذي كان أكبر ~~منه وأقوى، ولكنه انحط إلى حالته الحاضرة لتغيرات في سطح الأرض، وفي المسكن، ~~والقوت ... وما شاكل. وكذلك الديدان البطنية فإن أصلها من دودة كانت سابقا في الخارج ~~أكمل منها، ولكنها فقدت بعض أعضائها لتغير جنس معيشتها في القناة الهضمية فانحطت. ~~والسريبيد (حلزون مائي) الذي كان له قوقعة كلسية لما كان مستقلا فتعرى من ~~قوقعته إذ صار حلميا يعيش على حيوانات أخرى، وذلك نتيجة الانتخاب الطبيعي؛ لأن ~~القوقعة النافعة له في الحالة الأولى لا تنفعه في الثانية، بل ربما أضرته إذ تزيده ~~ثقلا لا معنى له. وعلى ذلك، فكل جزء لا يعود فيه فائدة يفقد رويدا ~~رويدا. # ولنا في جعلان جزيرة مديرا شاهد على ms031 ما يحصل من الضرر بسبب الامتياز، فقد قال ~~دارون: إن غالب الجعل هناك لا يطير لنقص في جناحيه؛ وسبب ذلك عنده أن ما كان ~~منه قادرا على الطيران يسوقه الريح ويلقيه في البحر فيهلكه، ولا يبقى منه إلا ~~العاجز، فينتقل تكوينه منه إلى نسله وهو لا يخرج من مكانه إلا بعد طلوع الشمس ~~وانكسار شدة الريح، ويكثر قيامه في الأماكن الرطبة بجانب الصخور التي تقيه من ~~الريح، وإذا وجد منه ما يطير في بعض الأماكن في الجزيرة المذكورة كان جناحاه قويين ~~جدا لمقاومة الرياح. فذلك شاهد على الانتخاب الطبيعي مشتركا مع عدم استعمال ~~الأعضاء. # فمن هذه الأمثلة وكثير غيرها يعلم أن الانتخاب الطبيعي لا يؤدي إلى الارتقاء ~~دائما، وإن أدى إليه غالبا. على أن الارتقاء كثيرا أو قليلا في العالم ~~العضوي لا حقيقة له واضحة، ويلزم الانتباه إلى ذلك إذا نظر إلى الشيء على مذهب ~~دارون، فإن الحال المناسب في ظروف معلومة من الزمان والمكان قد لا يناسب في غيرها، ~~فإن التكوين الكامل إذا كانت أحوال الوجود بسيطة يكون نقصا لا امتيازا؛ ولذلك كان ~~الانتخاب الطبيعي يجعل في مثله والحالة هذه تقهقرا لا ارتقاء. ولا ننس ما قلناه ~~سابقا، وهو أن الانتخاب لا يكون في كل قوته إلا حيث يكثر ازدحام الأحياء ~~المتنازعة؛ ولهذا السبب كان وقوف بعض الأنواع وارتقاء البعض الآخر، فإنه قد يعرض ~~لبعض الأنواع أن يكون بمعزل عن كل منازعة؛ لشدة بساطة أحوال حياته فيبقى ثابتا ~~غير متغير، كالحيوانات الرخوة الدنيئة التي لم تزل واقفة على درجة واحدة في سلم ~~الحياة منذ زمان طويل جدا، وهكذا غيرها مما لم يتغير إلا قليلا جدا، وربما ~~كانت صور قريبة منها موجودة، ولكنها ارتقت سريعا، ولم تبق أصولها. ولا ننس أيضا ~~أن الحركة البطيئة التي يصدر عنها العالم العضوي لم تسكن قط، وأنها ما زالت كما ~~كانت صاعدة من البسيط إلى المركب، وأنه لا تزال صور جديدة أولية تتولد أيضا ~~وتنمو على مقتضى نواميس النمو في الطبيعة. # فمما تقدم يعلم ms032 لماذا لا يزال كثير من الصور غير كامل، وفي حالة دنيئة جدا في ~~مدى الأدوار الجيولوجية على رغم الانتخاب الطبيعي. وقد كاد مذهب دارون يضعف لأجل ~~ذلك، لولا أنهم وافوه بالتعليل الشافي من هذا القبيل؛ فإن هذه الصور الثابتة أو ~~المتغيرة قليلا لا وجود لها إلا في عديمات الفقر؛ أي في أدنى طبقات الحيوان. ~~وأما ذوات الفقر - ومنها الإنسان - فتسير دائما نحو الكمال إلا فيما ندر ~~كذوات الجراب منها، فإنها قلما تغيرت عما كانت عليه في الدور اليوراوي # 14 # الذي كان ظهورها فيه. وبحسب القاعدة التي وضعها ليل أن الصور العضوية ~~تكون أثبت كلما كانت أدنى في سلم الحياة، وأشد تغيرا كلما كانت أعلى؛ وسبب ذلك في ~~الصور الدنيا بساطتها من حيث التركيب وقبول التأثير من جهة، وعدم تغير أحوال حياتها ~~الخارجية من جهة أخرى. وأما في الصور العالية فسببه اختلاط تركيبها وشدة ~~انفعالها مع تغير أحوال حياتها الخارجية؛ مما يجعلها متغيرة جدا. # وقد ضرب دارون مثلا لإدراك الرابط الذي يربط الأحياء بعضها ببعض، قال: إنها ~~كشجرة ذات أغصان خضراء متفرعة هي الأنواع الباقية، وأغصان يابسة هي الأنواع ~~المنقرضة. فالأغصان النامية لا تنمو هكذا إلا حتى تضر بغيرها، ولا تنمو أفانينها ~~كذلك حتى تضر بما جاورها أيضا، فلكي تبقى الأنواع نامية لا بد لها من أن ~~تتغير، وكل تباين فهو أشد حيوية من الأصل الصادر عنه، وكل نوع لا يتغير لا يثبت، ~~وإذا زال لا يعود. وكلما كان الجنس قريب العهد في التكوين - أي كلما طال الزمان ~~عليه في الأدوار الجيولوجية حتى تكون - كان أكثر أنواعا؛ أي كان أقدر على ~~الحياة، بخلاف الأجناس التي عهد ظهورها بعيد، فإن أنواعها تقل حتى تتلاشى رويدا ~~رويدا، وأقوى الأحياء ما في دورنا، فإنه لا يثبت أمامه شيء مما تقدمه كما هو ~~معروف في زيلاندة الجديدة. # 15 # وكانت الصور الحية في الدهور الغابرة أقرب بعضها إلى بعض، ثم تشعبت من ~~حول أصلها الأول، وأخذت تتباعد يوما عن يوم حتى كثرت الصور الجديدة. فالصور ~~القديمة ms033 إذن ذات صفات تتوزع وتتخصص، وتكون الأجناس المختلفة ويسميها أغاسيز الصور الأنبائية # 16 # أو الأصول المتقدمة. وهذه الأصول الأولى لا تلتقي إلا في جزائر ~~منفردة حيث التنازع قليل كالأرنيثورنقس العجيب (حيوان ذو منقار)، واللالبيدوزير ~~وغيرها. # وقد رد دارون أيضا على من يرى عدم ارتقاء كثير من الصور الحية تخطئة لمذهبه ~~بما معناه أن كثيرا من الحيوان، بل غالبه فيه أعضاء موروثة لا فائدة لها، وقد ~~تكون مضرة لاختلاف أحوال الوارث عن الموروث عنه، كرجلي الفرقاطة # 17 # مثلا فإنها في غنى عن الغشاء بين الأصابع؛ لأنها لا تعوم كأجدادها ~~التي كان مثل هذا الغشاء لازما لها، وأمثال ذلك كثيرة جدا في الحيوان والنبات، ~~وتسمى أعضاء أثرية؛ أي ضامرة أو ناقصة النمو، ولم يكن يعني بها سابقا إلا ~~للترتيب، وأما غايتها فلم تكن معروفة. ومن هذه الأعضاء العيون الأثرية لحيوانات ~~الكهوف، وأجنحة الطيور وأنواع الذباب التي لا تطير، والأثداء في ذكور ذوات الثدي، # 18 # والحوض والطرفان السفليان في الحيات والأسنان التي توجد في أجنة ~~الحوتة، ولا يبقى إلا أثرها في كبارها، والأسنان القواطع الأثرية في الفك العلوي ~~للعجول، والأسنان الأثرية في الطيور، وهذا الأخير من أعظم أمثلة الوراثة وقرابة ~~الأنواع. والإنسان فيه أيضا بقايا كثيرة من طائفة ذوات الثدي الذي هو منها ولا ~~فائدة لها، كعظم العصعص، وعظم ما بين الفكين الذي اكتشفه غاتي، والزوائد الدودية في ~~القناة الهضمية. # 19 # واعلم أن فعل الوراثة في الحياة الجنينية أظهر منه في سواها؛ فإن في الجنين في ~~الأدوار الأولى من حياته شقوقا على كل جانب من عنقه، شبيهة بالأصداغ التي تتنفس ~~بها ذوات الفقر الدنيا التي لا رئة لها، والشرايين تنعكس على نفسها لتتصل بها، ~~كأن التنفس الصدغي مزمع أن يصير، ثم يتغير هذا التكوين ويتحول إلى سواه. والرئة ~~نفسها في أعلى ذوات الثدي ليست إلا النفاخة التي يعوم بها السمك، ولكنها نامية ~~ومركبة أكثر منها. والتنفس في اللابيدوزير الذي هو بين السمك والحشرات في التكوين ~~قائم بالأصداغ والرئتين معا، ويرى فيه واضحا أن ms034 الرئة ليست سوى نفاخة مفصولة ~~بحواجز كثيرة جدا، ومفتوحة إلى الفم. ومبدأ التكوين الجنيني واحد، فإن جميع ~~الحيوانات المختلفة تتشابه بعضها مع بعض في أول درجات الحياة الجنينية، وتنشأ ~~جميعها من صورة واحدة أولية. قال الشهير باير أستاذ علم الأجنة: إن أجنة ذوات ~~الثدي والطيور والجرذان والأفاعي والسلاحف - أي طوائف الحيوان المتباعدة - تتشابه ~~في أولها، وليس بينها فرق إلا من جهة الكبر، ويقول أيضا: إن هذه المشابهة قد ~~تبقى حتى أول ظهور الحياة. ويرى أكثر من ذلك أيضا، فإن جنين أعلى ذوات الفقر ~~كالإنسان يمر في نموه بدرجات الحيوانات التي دونه، ليس الحية فقط، بل الأحفورية أو ~~السابقة أيضا. وأغاسيز وهو من خصوم دارون يقول أيضا ما نصه: # إنه لأمر يسوغ لي التصريح به الآن على سبيل الإطلاق أن أجنة جميع ~~الحيوانات الحاضرة وصورها مهما كانت رتبتها، هي الصور الحية المصغرة ~~لأصولها الأحفورية. # فهذه الأشياء لا تتفق مع المذهب القديم؛ أي مذهب الخلق إذ لا معنى لها فيه، بل هي ~~منافية له أيضا، وربما عبثت بعلم اللاهوت. وأما على مذهب دارون فمعناها واضح، ~~وهي من أعظم الأدلة على صحته، وبدونه يستحيل علينا أن نفهم لماذا الإوز الذي لا ~~يعوم له غشاء بين أصابع رجليه، ولماذا كان في الأجسام الحية أعضاء زائدة، بل مضرة ~~أحيانا، ولماذا هذا التشابه بين الأحياء كما يعلم من تشريح المقابلة، ولماذا هذه ~~الوحدة في التكوين الجنيني، وما معنى الأعضاء الأثرية. فلو لم تكن الأحياء مرتبطة ~~بعضها ببعض ارتباطا جوهريا من أدناها إلى أعلاها، لما اقتضى أن يكون بينها ~~ذلك. # على أن دارون لم يحصر الأحياء في أصل واحد، وربما كان ذلك لعدم جسارته لا ~~لسبب آخر، فجعل الحيوان من أربعة أو خمسة أصول أولى مخلوقة منذ زمان طويل كل أصل ~~زوج، وكذلك النبات. غير أنه لم يصمت عن ذلك كليا، بل قال في آخر كتابه: # إن المشابهة وأسبابا غيرها كثيرة تدعونا ضرورة إلى الاعتقاد بأن ~~الأحياء أصلها واحد ... وأن لا فاصل جوهري بين العالمين؛ عالم النبات ms035 وعالم ~~الحيوان. # غير أنه يحترس مستدركا على نفسه حيث يقول أيضا: # إني أرى فيما يظهر لي أن الأحياء التي عاشت على هذه الأرض جميعها من ~~صورة واحدة أولية، نفخ الخالق فيها نسمة الحياة، على أن أساس هذه ~~النتيجة المشابهة، فالتسليم بها وعدمه غير جوهريين. # فهذا القول غير قياسي، ويجعل المذهب ناقصا، وربما نقضه أيضا. وقد قام الأستاذ ~~برن مترجم دارون ضده؛ لأنا إذا سلمنا بأفعال خلق خصوصية لثمانية أو عشرة أزواج ~~أصلية، فما المانع من إطلاق هذا الخلق على جميع الأحياء؟ وما الداعي بعد ذلك لتفسير ~~ظهورها على سبيل طبيعي؛ لأنه سيان عند الفيلسوف حصول الفعل الخالق مرة أو مرات، ~~فالتسليم به ولو مرة إقامة المعجزة مقام الناموس الطبيعي. فليس لنا إلا أن نتوسع ~~بمذهب التسلسل الذي وضعه دارون حتى آخره، ونجعل العالم العضوي يشتق من صورة واحدة ~~أصلية بسيطة جدا من الكرية أو البييضة. قال برن: «كيف يسوغ لنا أن نستغرب هذا ~~الأمر الذي نراه كل يوم بأعيننا؟ أليس الجسم العضوي حتى الأكثر كمالا كالإنسان ~~يتكون رويدا رويدا من كرية واحدة أو البييضة؟» ا.ه. # فالنمو بالبيضة لا يقتضي له وقت طويل، ويتم في بضع ساعات أو أيام أو أسابيع أو ~~أشهر، والبييضة حوصلة كروية صغيرة جدا مكروسكوبية غالبا، ومؤلفة من غشاء دقيق ~~شفاف يتضمن مادة لزجة ومن نواة، وهذا الكل يؤلف أيضا نواة لحوصلة أخرى أكبر منها ~~هي البيضة. ولا يسبق الفهم إلى بيضة الدجاجة، فإن بيضة الدجاجة والطير تختلف عن ~~سائر البيضات، ولا سيما بيضة ذوات الثدي؛ لأن بيضة الدجاجة يحيط بها مح مغذ، ثم ~~زلال، ثم قشرة؛ أي كل ما يلزم لتكوين حيوان جديد، وأما بيضة ذوات الثدي فليس فيها ~~شيء من ذلك كله، بل يصلها غذاؤها مما جاورها من بدن الأم. وعليه، فكل جسم عضوي ~~نباتا كان أو حيوانا منشؤه من بيضة، ونموه فيها بسيط بانقسام المادة اللزجة التي ~~يتضمنها المح، فيتحول المح إلى جواهر عضوية تسمى كريات جبنية، وهذه الجواهر تتنامى ~~وتتحول إلى جميع الصور ms036 الممكنة، وتكون الجسم الحي بإضافة كريات جديدة، فالعمل كله ~~راجع إلى تنامي الكريات بالانقسام. # على أن الإحاطة بهذه المسألة من خصائص علم الأمبريولوجيا - أي علم تكوين الأجنة ~~- وأما نحن فعلينا أن نعلم فقط أن جميع الأجسام العضوية منشؤها من أبسط الصور ~~المعروفة؛ أي الكرية، وأن نموها كائن بانقسام هذه الكرية انقساما بسيطا جدا ~~في ظاهره. وهذا النمو الفردي الذي نراه ونراقبه في كل أدواره جار على نفس ما هو ~~جار عليه نمو كل العالم العضوي المتكون من كريات أولية، هي نفسها متكونة منذ ~~ملايين من السنين في قعر البحار الأولى. # فبقي علينا أن نعرف مصدر هذه الكريات الأولى؛ أي أصل الصورة العضوية الأولى التي ~~يقول دارون: إن الخالق نفخ فيها نسمة الحياة، أتولدت ذاتيا طبيعيا أم خلقت ~~وأودعت نواميس النمو؟ على أن الوقوف عند هذا الحد نقص في مذهب دارون؛ لأن خلق ~~الصورة إذا صح مرة فلا مانع يمنع تكراره مرات متوالية على ممر الدهور. # فلم يبق إذن إلا مسألة التولد الذاتي، التي هي اليوم المحور الذي يدور عليه ~~علم الأحياء. فإنه إذا أمكن لنا أن نبين أن ظهور الأحياء إنما هو نتيجة طبيعية ~~لقوى طبيعية؛ ظهرنا بمذهب دارون على كل ما تضمنه العالم العضوي، ولم تخف علينا ~~منه خافية؛ لأنه أمر مقرر اليوم أن الحيوانات والنباتات، حتى أكثرها تركيبا، ~~مؤلفة جميعها من الصورة العضوية الأولى؛ أي الكرية فقط كما يعلم من تكوينها ~~الجنيني. # وإذا تقرر ذلك استغنينا عن التولد الذاتي في الأحياء العليا به في الأحياء ~~الدنيا؛ أي في الكرية الأولى أو فيما هو أبسط منها أيضا، ولا يصح غير ذلك. ولقد ~~كانوا في السابق يطلقون التولد الذاتي على الأحياء الدنيئة حيوانات كانت أو ~~نباتات، كالذباب والديدان وغيرها؛ لتعذر معرفة أصلها، ولكنهم عدلوا عن ذلك لما رأوا ~~بواسطة الميكروسكوب أن الأحياء المذكورة أصلها من بيضات أو جراثيم صغيرة جدا، ~~وقد اطلعوا به على سر الطرق التي تتكون بها هذه الجراثيم غالبا، وعرفوا به أيضا ~~أدنى الأحياء المؤلفة من كرية ms037 واحدة فقط، والمسماة حيوانات نقيعية؛ وسميت هكذا ~~لأنها ترى بالمكروسكوب جموعا تتنامى بسرعة عظيمة في المناقيع العضوية. وريثما ~~اكتشفت هذه الحيوانات النقيعية حصل جدال شديد بين الطبيعيين على ذاتية ظهورها وعدم ~~ذاتيته، ولم يفتر قليلا حتى أثاره بعض علماء الفرنسيس، وتطارحوه في جمعية العلوم ~~بباريس. على أن البت في هذه القضية غير متيسر بالوسائل التي لنا؛ لأن الدليل ~~الامتحاني اللازم حينئذ عرضة للخلل، وما دامت الأحوال المناسبة في الطبيعة لتولد ~~الكريات الأولى تولدا ذاتيا غير معروفة كما ينبغي، فلا يمكن إيجاد هذه الأحوال ~~بعد تجريد الهواء والماء وغيرهما من الجراثيم. على أن الكرية نفسها مع شدة ~~بساطتها ذات بناء هو من التركيب، بحيث يمتنع معه صدورها من الجماد رأسا، بل ~~ظهورها كذلك يعتبر في العلم معجزة أو هو كظهور إحدى الأحياء العليا من الجماد ~~رأسا. وربما كانت الكرية منتهى نمو سابق، فلا يرجى منها الوقوف على أصل الحياة، بل ~~يلزم أن يبحث فيما قبلها من الصور المكتشفة حديثا التي لم تبلغ درجة الكرية بعد، ~~والتي هي نوع من الحويصلات الصغيرة الحية، أو هي مخاط يكاد يكون لا شكل له. # على أنه وإن كانت الامتحانات لا تؤيد حدوث التولد الذاتي اليوم، إلا أن ~~ذلك لا يجعل حل المسألة ممتنعا فلسفيا. وربما كان عدم حدوثه اليوم لتغير فيما ~~يقتضيه من الأحوال التي كانت له في أول تكون الأرض؛ فإن الأرض كما لا يخفى قد مرت ~~بأدوار كثيرة مختلفة جدا، ربما كان بعضها أكثر مناسبة لحدوث التولد الذاتي من ~~وقتنا الحاضر، وليس في هذا الافتراض شيء من الإغراب أو الامتناع، وربما استغنينا ~~عنه أيضا؛ لأن استمرار التقدم في العلم لا بد أن يقوى على هذه العوائق. # وعندي أن التولد الذاتي لا يزال يحصل حتى اليوم، وكثير من الطبيعيين الذين ~~تعلقوا على درس هذه المسألة منذ ظهور مذهب دارون يعتقد ذلك نظيري أيضا. # ومن جملتهم الدكتور جستاف جيجر - مدير بستان الحيوان في فينا - فإنه قد خص رسالته ~~الثالثة من «رسائله في الحيوان» بمسألة ظهور ms038 الأحياء الأولى، وأوضح ذلك جليا ~~مهتديا بمذهب دارون، قال - بعد أن ذكر في مقدمته وجود حزبين متضادين في هذه ~~المسألة، وهما أصحاب ما فوق الطبيعة والطبيعيون - ما نصه: # إنه لما تجاول هذان الحزبان في المرة الأولى، وكانت معرفة الأشياء لا ~~تزال ناقصة بما يقصر معه ذرع أذكى العلماء عقلا وأوسعهم علما ، ضاق على ~~الطبيعيين مجال البرهان حتى أتوا على بينات ناقصة يسخر بها. # وأما اليوم فقد انقلبت الحال، إذ ~~كثرت مستندات الطبيعيين البالنتولوجية، والجيولوجية، والجغرافية، ~~والنباتية، والتشريحية، والفيزيولوجية، والأمبريولوجية، وأول ما ظهر كتاب ~~دارون، وبدت لهم حقائق ما لم يكونوا يدركونه استأنفوا الجدال، فاستظهروا ~~على خصومهم أصحاب ما فوق الطبيعة الذين كان النصر قد استتب لهم تحت قيادة ~~كوفيه، وردوهم على أعقابهم وحصروهم ضمن استحكاماتهم التي تزعزعت أركانها ~~بصدمات القياس والبرهان. # والحرب القائمة بينهم اليوم حرب عوان، سيكون لها شأن عظيم في تاريخ ~~العلم، كشأن حرب الثلاثين سنة في الحياة الدينية! كيف لا وأعظم المسائل ~~التي يسعى العلم لحلها هو بلا شبهة ما تعلق بالحياة العضوية، فلا شك أن ~~يكون شأن هذه الحرب أعظم ما في تاريخ العلم. ا.ه. # وعند جيجر أن أول الأحياء كان في الماء وتركيبه من العناصر المركبة منها ~~الأحياء الحاضرة؛ أي من الكربون والهيدروجين والأكسيجين والأزوت خاصة. ومن ثم ~~أيضا من مركب الكربون والأكسيجين؛ أي الحامض الكربونيك الذي كان كثيرا في الهواء ~~الأول. وكذلك من النشادر الكثير الأزوت بحيث يظهر أن الأحياء ظهرت أولا في سوايل ~~من محلول كربونات النشادر. # وأما صورة هذه الأحياء على رأيه فكانت كرية بسيطة؛ أي ذات خلية واحدة، وغذاؤها ~~كان كما هو اليوم من خميرة المادة غير العضوية، وخاصة من كربونات النشادر، # 20 # وأن هذا التولد لم يحدث في مكان واحد من الأرض، بل في القسم الأعظم ~~من سطحها، ولبساطة الأحوال الفاعلة في سطحها حينئذ كانت الصور المتكونة أولا ~~بسيطة جدا؛ أي من ذات الخلية الواحدة، ولا يبعد أن يكون كذلك؛ لأنه لا يزال ~~مثل هذه الأحياء ذات الخلية الواحدة موجودا ms039 في أرضنا حتى اليوم. # وهو يظن أنها لا حيوان ولا نبات، بل شيء شبيه بكثير مما لا يزال يرى حتى ~~اليوم من الصور المتوسطة بين العالمين، وبالارتقاء انشق وتحول إليهما. وقد جعلها ~~بعضهم عالما ثالثا قائما بنفسه، سماه عالم البروتيست - أي عالم الأحياء الأولى - ~~وهو يعرف الحيوان منها بقابليته للانقباض، والنبات بعدم وجود هذه القابلية فيه، ~~فإذا انقبضت الكرية فهي حيوان، وإلا فهي نبات. على أن من الكريات ذات الخلية ~~الواحدة ما ينقبض في بعض أطوار حياته، ولا ينقبض في البعض الآخر؛ فهي لذلك نقطة ~~اتصال العالمين. ومن الكريات ذات الخلايا الكثيرة أيضا ما له الخاصة المذكورة أو ~~ما يقرب منها؛ ولذلك لم يكن للنبات والحيوان صفة معلومة خصوصية يتميز بها الواحد عن ~~الآخر، ولا يتميزان هكذا إلا في الطبقات العليا منهما، وبصفات جمة ظاهرة. وليس من ~~الغريب على رأيه أن يلتقي في طبقات الأرض القديمة حيوانات ونباتات معا، بعضها ~~بجانب بعض خلافا للمذهب القديم الذي يزعم أن النبات سبق الحيوان وهو ~~خطأ. # ومن هذه الأحياء ذات الخلية الواحدة تكونت على رأيه الأحياء الكثيرة الخلايا (حتى ~~أعظم الأحياء). وعنده أن نمو الأجسام العضوية الأولى ذو شبه شديد بنمو الجرثومة ~~في أطوار الحياة الجينية؛ فإن أقدم أصول السمك الأحفوري ليس له هيكل عظمي، بل ~~غضروفي، وفي نظير السمك الحالي في أوائل حياته. وأقدم ذوات الفقرات ليس لهيكله سوى ~~ثلاثة أقسام كبيرة: «رأس وثقب وذنب»، نظير ذوات الثدي الحاضرة في أوائل أطوار ~~الحياة الجنينية. وإذا كنا على رأيه لا نزال نرى أصولا لسائر درجات الحياة العضوية ~~حتى أدناها؛ فلأن طريقة نمو الأحياء ذات الكرية الواحدة لم تتغير أحوالها اليوم عما ~~كانت عليه في الأطوار الأولى. وعنده أنه لا يرجى العثور على بقاياها في الأرض؛ ~~لشدة صغرها ورخاوتها، وللتغيرات الشديدة العظيمة التي حصلت في الحجار القديمة فيما ~~مر من الدهور. # 21 # وقد تكلم الأستاذ هكل من «يانا» بهذا المعنى نظير جيجر أيضا، وزاد عنه إيضاحا ~~وتأكيدا. ويظهر من أبحاثه أنه يوجد تحت ذات ms040 الخلية الواحدة أحياء أدنى أيضا لا ~~بناء لها، ولا صورة خلية، ولا نواة، ولا أعضاء تغتذي بالامتصاص وتنمو بالانقسام. ~~وهي كتل صغيرة من الألبيومن لها خاصة الانقباض إلى حد ضعيف جدا، وتقترب جدا ~~من جنس الريزوبود (الحيوانات الجذرية الأرجل) الذي يختلف عنها بقوقعته الكلسية. وهي ~~تغير منظرها بإخراجها من جسمها زوائد رخوة لا شكل لها، تسمى أرجلا كاذبة، وقد ~~سماها هكل مونيرا # 22 # لبساطتها، فالمونير إذن أجسام عضوية البومينية، لا شكل لها، طبيعتها ~~واحدة، ولها خاصة التغذية والتوليد. وجميع الوظائف العضوية عوضا عن أن تتم فيها ~~كما في الحيوانات العليا بواسطة أعضاء خاصة، فإنها تصدر رأسا من المادة العضوية ~~التي لا شكل لها. # وهو يقول: إن هذه المونير أو الكريات البلاسموية # 23 # الصادر عنها جميع العالم العضوي بالتسلسل، تنمو في سايل تكونت فيه ~~مركبات ثلاثية ورباعية من الكربون والهيدروجين والأكسجين والأزوت ذاتيا، كما ترسب ~~البلورات في السايل رويدا رويدا بفعل القوى المتجاذبة. # ويظن أن الصعوبات التي كانت تعترض التسليم بالتولد الذاتي، إنما كانت لعدم ~~العلم بهذه الأحياء البسيطة للغاية؛ أي المونير، وأما اليوم فلا سبيل للشك بكون ~~هذه الأحياء أول درجات الحياة، وبكون كل خلية، بل كل جسم عضوي صادرا عنها. وكيفية ~~ذلك أنه يحصل تكثف في نقطتها المركزية فتصير نواة، ثم تحاط النواة بالمادة اللزجة ~~رويدا رويدا، ثم يظهر الغشاء الذي يحيط بالجميع. وهكذا كان يعلل تكون الكرية في ~~السابق على رأي شليدن وشوان. فالكرية على رأي هكل تتخلص من السايل المتضمن المادة ~~البلاسموية رأسا، ولا تتكون من الجماد ذاتيا أبدا، بل تتكون من المونير المتكون ~~ذاتيا؛ فإنه لاختلاف في الأحوال الطبيعية والكيماوية تولدت في البحار الأولى أصول ~~كثيرة من المونير، وربما أنواع مستقلة تلاشى بعضها، وهو الأكثر في تنازع البقاء، ~~وبقي البعض الآخر، وصار جد العالم العضوي بأسره. وعنده (أي عند هكل) أن كل ~~نوع من الأحياء صادر عن نوع من المونير، وهذا لا يمنع كون أنواع المونير الكثيرة ~~صدرت جميعها من صورة واحدة؛ أي من مونير واحد ms041 في الكيف لا في الكم بالتغير ~~التدريجي. وهو يقول في هذا المعنى ما نصه: # قد يمكن أن أجيالا عديدة من هذا الحيوان الأول بقيت تتنامى آلافا من ~~السنين في الأوقيانوس الأول، الذي أحاط بالأرض بعدما بردت بدون أن تتغير، ~~حتى طرأ تغير على أحوال الحياة الخارجية اقتضى أن تتغير له هذه الأحياء ~~ذات الأصل الواحد، فتغيرت كتلتها الألبيومينية ذات الطبيعة الواحدة. # 24 # غير أن هكل لا يؤكد ما إذا كان التولد الذاتي لا يزال يحصل اليوم أم لا، وإنما ~~يؤكد أنه لا بد أن يكون قد حصل ولو مرة واحدة في الأزمان الأولى، ~~والبلنتولوجيا لا يسعها أن تكشف لنا عن شيء من هذه الأحياء الأولية للأسباب التي ~~ذكرها جيجر، وهكل كجيجر لا يسلم بحد فاصل بين النبات والحيوان، ويقول بوجود طائفة ~~متوسطة بينهما؛ أي طائفة البروتيست - أي الأحياء الأولى - والفرق الجوهري بينهما ~~على رأيه أن الكرية تكتسب في نموها قواما في النبات هو أشد منه في الحيوان. وقد ~~حصر مذهبه بما يأتي حيث قال: «إن جميع الأجسام العضوية التي تأهل الأرض اليوم ~~والتي كانت عليها في السابق، قد تكونت بتحول بطيء وارتقاء تدريجي في الأصول ~~الأولى القليلة (وربما كان الأصل واحدا فقط) في الزمان الطويل، وهذه الأصول نفسها ~~قد تكونت من الجماد بالتولد الذاتي الخاص بأبسط الأجسام العضوية البلاسموية؛ أي ~~المونير.» # فجميع الصعوبات التي تعترض التولد الذاتي تزول بمذهب هكل هذا لما فيه من البساطة. ~~ولقد جاءت الاكتشافات البالنتوجية مؤيدة لصحته أيضا، فإنهم اكتشفوا أخيرا في ~~أميركا شيئا من ذلك مهما جدا، ولا بد من بسط الكلام عليه فأقول: # إنهم كانوا يظنون في السابق أن الحجار المسماة سيلورية # 25 # أقدم طبقات قشرة الأرض، وكانوا يستغربون ذلك، وربما ارتابوا بمذهب ~~التسلسل أيضا؛ لأن النباتات والحيوانات التي وجدت معا في هذه الطبقة وإن كانت من ~~أدنى الأنواع إلا أنها بالغة شيئا غير قليل من النمو، بحيث لا يصح أن تكون أول ~~الأجسام العضوية، ولو أنهم حاولوا إقامة أسباب جيولوجية لتعليلها. غير أن ms042 ويليم ~~لوجان قد اكتشف في كندا فوق مجرى نهر لورنزو عدة حجار صلبة جدا، لا شبهة في كونها ~~سابقة أقدم الحجار السيلورية، وقد اقتضى لها إلى أن بلغت درجتها الحاضرة أزمان ~~طويلة جدا، وقد سموها بالطبقة اللورنزية، # 26 # فهذه الحجار اللورنزية التي وجدت أيضا في هونكاريا وبافيارا تطلق على ~~عرق كلسي سمكه ألف قدم وفيه آثار عضوية ، وهذه الآثار آثار أصداف لنوع عظيم هو الريزوبود # 27 # المشتمل على حيوانات من أدنى درجات الحياة، وهي ليست سوى الكتل الصغيرة ~~الرخوة للبلاسما التي وصفها هكل، وتختلف عنها بزيادة غشاء كلسي فقط، وهذا الغشاء ~~محفوظ في الأرض، ويوجد مخلوطا بالحجار الكلسية لأميركا، ويعتبر كأول آثار الحياة، ~~وأما الحيوان نفسه فلا يوجد منه شيء بالضرورة. ولا يزال كثير من هذه الحيوانات ~~موجودا في قعر بحارنا أيضا، وهي مكونة من حويصلة صغيرة مخاطية حية لا بناء لها، ~~ولا صورة خلية، ولها صدف رقيق للغاية. # ولم تتغير هذه الحيوانات عن حالتها منذ ظهرت الحياة إلى يومنا هذا الذي كثرت فيه ~~سكان الماء والهواء والأرض جدا. وقد سموا الحيوان الذي وجدوه في كندا «أيوزون ~~كنادتس» أو حيوان الشفق الكندي؛ إشارة إلى أنه شفق الحياة. # 28 # فهذا الحيوان أو ما هو من رتبته يرينا به أول درجات الحياة، أو ما يكاد يكون ~~كذلك، ويوضح لنا سر الحياة الذي هو أعظم أسرار الطبيعة بطرق طبيعية. ورب معترض ~~يحاول نقض ذلك فيسأل: كيف تولدت المركبات العضوية التي تنمو فيها الأحياء الأولى ~~كالمونير وما أشبه؟ أيستطاع أن يبين أنها تكونت ذاتيا من الجماد مع علمنا ~~أنها لا تتكون إلا بفعل الأجسام العضوية نفسها؟ إلا أن هذا الاعتراض ~~المعول عليه سابقا لا قيمة له اليوم؛ لأن الاكتشافات الكيماوية، ولا سيما في ~~العشرين سنة الأخيرة قد صيرت الممتنع ممكنا، فإن الكيمياء الآن تولد مركبات ~~عضوية كالكحول، وسكر العنب، والحامض الأكزاليك، والحامض الفرميك، والدهون حتى ~~الألبيون والفيبرين والخندرين أيضا من الجماد رأسا، وكان يظن سابقا أن مثل ذلك ~~ممتنع بغير فعل القوى الحيوية. ولا ms043 شك أن ما يستطاع في المعامل الكيماوية يستطاع ~~أعظم منه في الطبيعة، فليس من العقل إذن أن ينكر عليها طبيعيا ما يستطاع لغيرها ~~صناعيا. # ولا يتوهمن أحد أن في طاقتنا أن نركب أحياء بالغة في الارتقاء، فإن مثل ~~ذلك ممتنع صناعيا؛ لامتناع حصولنا على الأحوال اللازمة له، ولا سيما الزمان الذي ~~هو أهم ما يكون. وكل ما يمكن أن نرجوه بمعالجة المركبات العضوية الصناعية بجميع ~~مقتضيات الحياة، هو الحصول على أحياء دنيئة جدا كالتي تقدم الكلام عليها، وأما ~~ما كان أعلى منها فيستحيل علينا؛ لأنه يستحيل أن نجمع الأحوال المناسبة الضرورية ~~له فيما لنا من الوقت القصير، حتى ولو أننا عرفناها كما ينبغي. على أن الإنسان قد ~~توصل إلى أشياء جليلة جدا غير منتظرة، فربما توصل أيضا إلى أكثر مما نرجو. # 29 # ومهما يكن من ذلك فلا ينبغي أن نطمع أبدا بتركيب أحياء بالغة مبلغا ~~عظيما من الارتقاء؛ لأن مثل ذلك نتيجة عمل شاق جدا عملته الطبيعة، ولم تتمه ~~إلا في زمان طويل جدا في ملايين من السنين. # 30 # هكسلي. # | المقالة الثانية # لقد تقدم الكلام في المقالة السابقة على مذهب دارون، وما يترتب عليه على سبيل الاختصار. ~~وما قيل فيها لا بد من أن يرسخ تأثيره في رأس كل عاقل. على أن الاعتراضات على هذا ~~المذهب كثيرة، وقد عرفها دارون نفسه فأفرد لها قسما كبيرا من كتابه، ولم يبسطها كذلك ~~إلا لينفيها بماله من سعة الاطلاع ودقة النظر، ولكي يبين أيضا صحة مذهبه بمزية التحقيق ~~وفضل التدقيق. ولقد أظهر من خلو الغرض ما لا شك في أنه لم يقصد به سوى معرفة ~~الحقيقة. # وإنه ليطول بنا الشرح إذا فحصنا كل الاعتراضات التي اعترض بها عليه أو اعترضها هو على ~~نفسه، فنقتصر على واحد منها فقط هو أهمها جميعا؛ لأنه يظهر في أول الأمر أن نفيه ~~غير ممكن، وهو غير الاعتراض اللاهوتي الذي لم ينفه دارون نفيا صريحا، بل أراد تقليل ~~قيمته بجعله الخلق المحصور في بضعة أصول قابلة كل تغير ms044 لاحق من نفسها أولى بحكمة ~~الخالق وعظمته. ولا حاجة إلى القول أن مثل هذا التعليل ساقط من نفسه، وكان في إمكان ~~دارون الاستغناء عنه، لولا أنه راعى حاسات مواطنيه الدينية؛ لأن قاعدة مذهبه الصدفة ~~العمياء، وكله قائم على أفعال طبيعية لا شيء من القصد فيها، وهو أعرق في المادية من مذهب ~~لامرك؛ لأن لامرك يسلم بناموس للارتقاء عام، وأما دارون فإن ارتقاء الأحياء عنده متوقف ~~على تجمع تدريجي في الأفعال الطبيعية العارضة الضعيفة التي لا تحصى. # فاعتراضنا إذن علمي لا لاهوتي، وهو مهم جدا؛ لأنه إذا صح ولم ينف ألم ليس فقط ~~بمذهب دارون وحده، بل بسائر مذاهب التحول أيضا، ولا سيما ما تعلق منها بالإنسان لتعيين ~~مقامه في الطبيعة وفي عالم الحيوان، وهو: إذا صح أن الأحياء تكونت بالتحول بعضها عن ~~بعض رويدا رويدا، فلا بد من أن كان بينها صلة تدل على انتقالها؛ أي من صور بين بين، ~~وكان ينبغي أن تلتقي هذه الصور في الأرض، فلماذا لم يكن بينها ذلك؟ وإذا كان فلماذا لم ~~يوجد؟ # فنقول: إن لنا على فساد هذا الاعتراض ثلاثة أجوبة: أحدها أنه تعلم صور كثيرة ~~متوسطة، وكل يوم تلتقى صور جديدة أيضا، ولا سيما من الحيوانات الصدفية المحفوظة أحسن من ~~سواها من رتبتها الدنيا لغشائها الحجري أي الكلسي؛ ولذلك كان ترتيبها في سلسلة تحولها ~~أسهل أيضا. ولنا الآن سلسلة طويلة من الأصداف المعروفة يختلف طرفاها جدا بحيث يستحيل ~~الجمع بينهما، لولا ما بينهما من الصور المتوسطة الدالة على بطء التحول. # 1 # وما كان لا يزال ناقصا من هذا القبيل قد كمل بما وجد في الطبقات المكتشفة ~~حديثا في الأرض؛ فإنهم قد وجدوا في هذه السنين الأخيرة بالبحث في طبقات هلستاد وسان كسيان ~~في منحنى جبال ألب النمساوية الجنوبي والشمالي بين الأراضي الثنائية، والأراضي الثلاثية ~~المتوسطة عالما من الحيوانات البحرية مؤلفا من نحو ثمانمائة نوع، ملأ دفعة واحدة فراغا ~~واسعا. ولا ريب أن مثل هذه الاكتشافات لا يزال لازما لنا كثيرا، ولا يخفى أنهم ms045 قبل ~~دارون لم يكونوا يعبئون كثيرا بالتنوعات كأن ليس لها معنى، وأما اليوم فصاروا يعتنون ~~بها ويعرفون قيمتها. # وإذا نظرنا إلى المسألة من وجهها الحقيقي، نجد أن لا فرق أيضا بين الحيوانات العليا ~~كذوات الثدي مثلا، والحيوانات الرخوة البحرية من هذا القبيل؛ فإن المموث - أي الفيل الأول ~~- ليس إلا منتهى سلسلة طويلة لا تتضمن أقل من 26 نوعا من الفيلة الأولى. وهذه الصور ~~الانتقالية تصل بين المستودنت (نوع من الفيل يمكن تتبع أصله إلى الدور الثلاثي) وفيلنا ~~الحالي، وهكذا يمكن تتبع أصل الرينوسروس أي الكركدن ذو القرن الواحد الموجود، حيث يوجد ~~الفيل إلى أجداده الأول، وقد اكتشف المشرح الإنكليزي «أون» عدة صور أحفورية متوسطة بين ~~المجترات والصفاقية الجلد، بحيث إن المسافة البعيدة التي تفصل الجمل عن الخنزير مثلا قد ~~انتفت. # واكتشاف الطير العجيب الأركوبيتريكوس مكروروس حديثا، وصل بين طائفتين من الحيوان منفصلة ~~إحداهما عن الأخرى انفصالا تاما؛ وهما: الطيور والحشرات. # 2 # وكثير من الجيولوجيين والزولوجيين (علماء طبائع الحيوان)، والبالنتولوجيين يبحث ~~عن صور متوسطة بين نوعين موجودين، وذلك على رأي دارون خطأ؛ لأن الصور الحاضرة غير آت ~~بعضها من بعض رأسا، بل كل منها منتهى سلسلة تحولات طويلة؛ ولذلك كان يقتضي إذا أريد الجمع ~~بين صورتين معلومتين أن يبحث لهما لا عن صورة تجمع بينهما رأسا، بل عن أصل مشترك مجهول. ~~مثال ذلك الحمام الطاووسي والحمام الغليظ العنق، فإنهما غير مشتقين بعضهما من بعض، بل من ~~الحمام البري، وكل منهما يتصل فيه بصور متوسطة خاصة به. ولا يوجد صورة متوسطة بين الفرس ~~والتابير، ومع ذلك فهما متحولان عن أصل مشترك مختلف عن كليهما، وقد اضمحل منذ زمان طويل. ~~والصور الأربع الحاضرة الفرس والحمار وحمار الوحش والكواجا، لم يكتشف على صور متوسطة بينها ~~تصلها بعضها ببعض رأسا، مع أنه يجمعها أصل واحد أحدث عهدا من الأصل السابق، وقد اضمحل ~~أيضا. واعلم أن الصور الحاضرة كلما كانت مختلفة بعضها عن بعض جدا، كانت الأصول التي ~~تجمعها بعيدة كذلك. # ومما يعز فهمه أن خصوم ms046 دارون كثيرا ما يفوتهم هذا الشرط المهم جدا، فيقولون لك ~~مثلا: أتريد أن تقنعنا بأن الأسد يأتي من الحمار، والفيل من النمر؟ # فلو كان مذهب دارون يعلمنا شيئا من ذلك، لوجب علينا أن نلحقه بغرائب العلم، ولكنه ~~يترفع عن مثل هذه التهمة بما بسطناه من البيان السابق، وهو أن الصور الحية للعالم ~~الحاضر لا يشتق بعضها من بعض، وإنما هي النتائج الأخيرة لتحول حاصل في أصل ماض بفعل ~~الطبيعة البطيء في ملايين السنين. ويستحيل أن تتابع هذه الأصول؛ لأن كلا منها منتهى تحول ~~طويل خاص به، على أنه لا يمتنع اجتماعها بعضها بجانب بعض على أرض واحدة، وفي وقت واحد، # 3 # كما تجتمع أوراق الأغصان المختلفة في الشجرة الواحدة، فلو أردنا البحث في أصل ~~كل ورقة، لاقتضى أن نبحث عنه في الأغصان، بل في الفروع، بل في الساق، بل في كل جذر من جذور ~~الشجرة على حدته. قال دارون في هذا المعنى ما نصه: # إن القاعدة التي تعلمنا أن الطفرة في الطبيعة محال، لا تصح إذا اقتصرنا على ~~الأحياء التي تقطن الأرض اليوم، وإنما تصح إذا نظرنا إلى الماضي، وبحثنا عن أصل هذه ~~الأحياء فيه؛ فإن بينها فراغا كبيرا، ولكنه ظاهري فقط لا حقيقي؛ لأن الصور ~~المتوسطة التي كانت تصل بينها ماتت منذ زمان طويل. # وفي الجملة، فإن جميع الأصول المتعددة كانت في الماضي - كما قيل في المقالة السابقة - ~~أقرب بعضها إلى بعض مما هي اليوم، وأما اليوم فقد تباعدت جدا متشععة حول الأصل الأول، ~~وصار الفراغ بينها كبيرا أيضا كذلك. # والجواب الثاني هو قلة المعلوم لنا من الأرض، فإنه قد تقدم في المقالة السابقة أن ~~المعلوم المستقصى منها يكاد لا يكون شيئا يذكر؛ ولذلك كان علمنا بالأحياء الأولى ناقصا ~~جدا أيضا، فإن ثلاثة أرباع الأرض تحجبها المياه، والربع الباقي قسم كبير منه تغطيه ~~الجبال، أو تحول دون استقصائه موانع أخرى شتى، وما بقي فلا نعرف عنه إلا القليل؛ فلا غرو ~~إذا كانت سلسلة الأحياء تظهر لنا مقاطعة تفصلها فراغات ms047 عظيمة. وزد على ذلك أيضا أن ~~الأحياء الحية لا تحفظ غالبا، وإذا حفظ منها شيء فبعضه، ولا بد له أيضا من أحوال ~~خصوصية موافقة، فالأجسام الرخوة لا يبقى منها شيء، ولا يبقى من الأصداف والعظام أيضا ~~إلا ما كان مدفونا في الأرض غير معرض للفساد. وقد ذكر ليل في كتابه قدم الجنس البشري ~~مثالا على سرعة فساد البقايا، فقال: إنه في سنة 1853 لما تم تجفيف بحيرة هارلم لم يوجد ~~فيها أثر لعظام بشرية، مع أنه قد حصل فيها حروب وغرق فيها مئات من الإسبانيول والهولانديين، ~~وقطن على ضفاتها نحو 40000 نسمة مدة قرون، ولم يلتق فيها إلا بعض بقايا مراكب ودراهم ~~وأسلحة وما شاكل. # فما قلناه كاف لمعرفة النقص في المعلومات البالنتولوجية، وفقد الصلة بين الأحياء في غالب ~~الأحيان. ولدارون في سبب ذلك نظر آخر أيضا جوهري، حيث يقول: «إنه نظرا لكيفية توالي ~~الحوادث الجيولوجية لا بد من فقد الرابط وحصول الفراغ؛ لأن الطبقات الجيولوجية المختلفة ~~تفصلها أدوار طويلة جدا، فإن كل قسم من سطح الأرض يحصل فيه على الدوام تغيرات كثيرة ~~وبطيئة، تحدث تغيرا في ارتفاعه فترفعه تارة فوق البحر، وتخسفه طورا تحته، ويشمل ذلك مساحة ~~من الأرض عظيمة.» # 4 # فهذا التعاقب نتيجته حصول فترات في الأدلة الجيولوجية على تكون الأحياء؛ لأنه ~~في حين الارتفاع الأصلح لتكون الصور الحية الجديدة لا ترسب تلك الرواسب اللازمة لحفظ ~~البقايا العضوية وترسب في حين الانخفاض. وعلى ذلك، فالأرض التي ترتفع فوق الماء تكون ~~أنواعها حديثة، مع أنها هي نفسها متكونة في أماكن أخرى، لكنها لا تحتوي شيئا مدفونا فيها ~~من البقايا الحية التي تسمح بربطها بالأنواع التي كانت عليها قبل الانغمار في الماء، فلا ~~تعلم النسبة بين أحيائها قبل الانغمار وبعده، ولكي يمكن ذلك ينبغي الحصول على عدد وافر من ~~الأصول من أماكن مختلفة، ولا يكاد يتيسر. ذلك على أنه في كل سنة تحصل اكتشافات تؤيد هذا ~~المذهب؛ إذ يزداد عدد الأصول المعروفة التي بين بين، فيقوى المذهب على دحض أغلاط ms048 الماضي، ~~ولكم بقوا لا يعتقدون وجود ذوات ثدي كبيرة قبل الدور الثلاثي؛ أي إنه لا توجد قرود ~~أحفورية فيما قبله، وأما اليوم فيعرفون كثيرا من القرود الأحفورية. وقد وجدوا ذوات ثدي ~~كبيرة في الأراضي الثنائية حتى فيما هو أقدم منها أيضا. وهكذا أيضا كان يظن في الطيور، ~~فإنه لغاية سنة 1858 لم يكونوا يعرفون آثار طيور قبل الدور الثلاثي، وأما من ذاك الوقت ~~فقد اكتشفوا في أعلى العرق الرملي الأخضر - حجر المسن - للطبقة الطباشيرية (طبقة ثنائية ~~عليا) آثار طير مائي من طائفة زمج الماء المعروف بالنورس أيضا. وقد اكتشفوا الأركوبتريكوس ~~مكروروس في أقدم من ذلك أيضا؛ أي في الطبقة الأوليثية للدور الثنائي. وعلى قول دارون: ~~إنهم عرفوا في العرق الرملي الأحمر أثر أرجل ثلاثين طيرا كبيرا لم يعثروا على بقايا لها، ~~وعلى ذلك فكلما كثرت الاكتشافات الجديدة اتضح لنا عدم ظهور الأنواع فجأة خلافا لما كان ~~يعتقد سابقا. # 5 # والجواب الثالث الذي يدحض دارون به الحجة المقامة على مذهبه من فقد الصور المتوسطة يتعلق ~~بأحوال حياة هذه الصور، فإنه لا توجد الصور الانتقالية إلا نادرا على رأيه؛ لأنها أقل ~~شدة وأقصر مدة من الأصول التي جاءت بعدها. ولسهولة اضمحلالها وسرعته سببان: # أحدهما: أن مدة التغير في أحوال الحياة الخارجية الموافقة خاصة لتولد الصور الجديدة ~~بالانتخاب الطبيعي، هي أقصر جدا من المدة التي تتكيف وتثبت فيها الصور المذكورة، ولبيان ~~صحة هذا القول أعود إلى ذكر المثال الذي ذكره شارل فوجت في رسائله في الإنسان، حيث ذكر أن ~~الدب الأسمر الحاضر لا شبهة في أن أصله دب الكهوف القديم، الذي كان في الدور الطوفاني؛ ~~فإنا نعرف الدرجات الثلاث الانتقالية بينهما غير أن وجود بقاياها نادر بخلافهما، فإن ~~وجودهما كثير، ولا سيما دب الكهوف الذي لا يكاد يخلو منه كهف من الكهوف الكثيرة جدا التي ~~استقصيت للدور الطوفاني. ولا يفهم سبب ذلك إلا لسرعة تغير أحوال الحياة الخارجية، ~~واضمحلال هذه الصور الانتقالية في تنازعها مع هذه الأحوال الجديدة. # واعلم أن تغير الأحوال الخارجية ms049 قد بلغ الغاية في التأثير والثبات، حيث حصل انتقال من ~~الحياة في الماء إلى الحياة على اليابسة وفي الهواء، فكل صورة حية ثبتت في هذا الانتقال كان ~~تكوينها بالغا من الارتقاء شيئا غير قليل. ويظن دارون أن مثل هذه الأصول لا يزال ~~موجودا، كالمنك الذي يطارد السمك في الماء في الصيف والحيوانات الأرضية في الشتاء. # والسبب الثاني الذي تضمحل لأجله الصور المتوسطة - أي الانتقالية - بسهولة وسرعة: هو أن ~~المنازعة والمزاحمة تبلغان الغاية في الشدة بين الصور الأقرب بعضها إلى بعض، فما كان منها ~~ضعيفا تلاشى لمنازعة ما كان منها قويا له، وتقل المنازعة بين الأحياء المتباعدة بطول ~~المنازعة بينها، فيسهل قيامها بعضها بجانب بعض. وعلى ذلك فتكون أسباب تلاشي الصور ~~الانتقالية عظيمة جدا، كما كانت أسباب توليدها كثيرة كذلك. وكلما أسرع الارتقاء وتميز - ~~كما في أعلى ذوات الفقر خاصة - خفي تحوله. # ومن المقرر أن الصور التي بين بين تضمحل أيضا في مبحث آخر غير هذا له به علاقة شديدة، ~~وإن ظهر لنا أنه بعيد عنه جدا؛ أعني به المبحث اللغوي، فإن اللغات المختلفة كالأنواع ~~تنمو وتنشأ بعضها من بعض، وتنازع أيضا، والفرق بينها أن اللغات تتغير بسرعة أكثر من ~~الأنواع جدا؛ ولذلك كانت في تغيرها أظهر لنا منها. فالأنواع قد تدوم مائة ألف سنة، ولا ~~يعلم أن لغة دامت أكثر من عشرة قرون، وهذه المشابهة المهمة جدا ذكرها دارون في صفحة ~~426 من كتابه إلا أنه لم يبسطها البسط الكافي، بخلاف الجيولوجي ليل فإنه استنادا إلى ~~أبحاث الفيلولوجي # 6 # الشهير مكس مولر أفرد فصلا من كتابه «قدم الجنس البشري» لإطلاق مذهب دارون ~~على اللغات، وقد بين فيه بما لا يقبل الاعتراض أن الأنواع في الطبيعة واللغات في ~~التاريخ تتغير تبعا لنواميس متشابهة، وكما أنه يصعب تمييز الأنواع عن التباينات هكذا، ~~يصعب تمييز اللغات عن الألسنة أيضا. والفيلولوجيون غير متفقين على عدد اللغات، كما أن ~~الطبيعيين غير متفقين على عدد الأنواع، فهي عندهم من 4000 إلى 6000 لغة، وليس لهم حد ms050 ~~مقبول يفصل اللغة عن اللسان، كما أنه لا يوجد حد يفصل النوع عن التباين. والعاملان ~~الجوهريان في اللغات هما كما في الأنواع التغير والانتخاب الطبيعي. وكما يحصل في الأنواع ~~كذلك يحصل في اللغات أيضا نتائج عظيمة لتجمع أسباب عديدة صغيرة لا قيمة لها في الظاهر بحد ~~نفسها كإدخال عبارات أجنبية، وكثرة الخطباء والكتبة والاختراعات والاكتشافات، وتعلم علوم ~~جديدة، وتنازع الألفاظ المختلفة ... إلى غير ذلك مما يغير اللغة، وتكون نتيجته ملاشاة الحدود ~~أو الصور التي بين بين. فإن ترجمة لوثر للتوراة قد أيدت شأن اللسان السكسوني في سائر ~~ألمانيا زمانا طويلا، وأما اليوم - أي من بعد ثلاثمائة سنة - فيكاد لا يفهمه أحد. ومن ~~المقرر أن القاطنة المنقطعة علائقهم مع وطنهم الأصلي إذا مر عليهم نحو خمسمائة أو ~~ستمائة سنة وهم على هذه الحال من الانقطاع، فإنهم لا يعودون يفهمون لغة وطنهم لما يكون قد ~~حصل فيها من التغير؛ بسبب المخالطات والتقدم بخلاف لغتهم التي لا تكاد تتغير لقلة ذلك ~~عندهم. فإن الأمير برنار من سكس ويمر التقى في سفره إلى أميركا الشمالية (سنة 1818-1826) ~~بقاطنة ألمانية انقطعت علائقها مع أوروبا في حروب الثورة الفرنساوية (سنة 1792-1815) نحو ~~ربع قرن، فوجدهم يتكلمون لسانا قديما كان شائعا في ألمانيا في القرن الماضي وقد قل ~~استعماله فيها. وقد نزلت قاطنة نروجية في أيزلاندا في القرن التاسع حيث بقيت مستقلة نحو 400 ~~سنة، وتتكلم لغتها الغوثية القديمة، وأما لغة نروج نفسها فقد تغيرت جدا عن الأصلية ~~لعلاقاتها مع أوروبا؛ ولهذا السبب لا يفهم الألمان اليوم اللسان الألماني القديم، ولا ~~الإنكليز الإنكليزي القديم، ولا الفرنسيس الفرنساوي القديم. # وكلما تمدنت الأمم زاد تقدم لغاتها؛ لتوزع الأعمال حينئذ واتضاح الأفكار واتساعها، ولزوم ~~التعبير عن كل منها بدلالة خاصة، فغنى اللغة بالألفاظ دليل على حالتها من التقدم وحالة ~~الإنسان من التمدن. # 7 # وقد ذكر ليل مثالا واضحا على فقد الصور المتوسطة في اللغات، وعلى ما يترتب على ذلك من ~~النتائج، فقال: إن اللغة الهولاندية متوسطة بين الألمانية والإنكليزية، فلو ms051 ماتت اللغة ~~المذكورة كما لو انضمت البلاد إلى بلاد غيرها استغرقتها، أو طرأ عليها طارئ طبيعي أوجب مثل ~~ذلك فيها، لابتعدت المسافة بين الإنكليزية والألمانية جدا، ولما ظن الفيلولوجيون في ~~المستقبل - على فرض جهلهم ذلك - أنه كانت توجد صلة بين اللغتين. فسبب التباعد العظيم بين ~~اللغات كما بين الأنواع أيضا، هو فقد الصور المتوسطة ليس إلا، وكل لغة ماتت لا تحيا، كما ~~أن كل نوع انقرض لا يعود. # ومن أراد التعمق في هذا البحث فعليه - ما عدا كتاب ليل - بكتاب شليخر «مذهب دارون وعلم ~~اللغات» (سنة 1863)، قال مؤلفه: «إن مبادئ دارون تطلق جميعها على كيفية نمو اللغات، فإن ~~جميع لغات أوروبا يكاد يكون لها أصل واحد هو اللغة الهندية الجرمانية، ومنها تفرعت عدة فروع ~~أولا، ثم تفرع من هذه الفروع فروع أخرى ... وهكذا. ولا يظن أن ما قيل افتراض! كلا، بل ~~هو مقرر علميا؛ فإنه يمكن مراقبة لغة من اللغات، وتتبع سيرها في سائر أحوال ارتقائها - ~~وبهذا يتميز الفيلولوجي عن الطبيعي الذي يصعب عليه مراقبة الأنواع جدا - كاللغة اللاتينية ~~مثلا فإنه يتحقق منها أن اللغات تتغير ما دامت يتكلم بها. ولنا في الآثار الكتابية ~~الدليل الذي لا ينقض على صحة هذا القول، ولولا الآثار المذكورة لتعذرت معرفة ذلك على ~~الفيلولوجي، ولكانت عليه أصعب من الأنواع على الطبيعي. ولما كانت تحولات لغة تحصل في زمن ~~قصير جدا بالنسبة إلى الأنواع كان إدراكها أسهل أيضا، وزد على ذلك أن سائر اللغات حتى ~~أعظمها يعلم من بنائها أن ارتقاءها حصل بالتدريج مبتدئا من أبسط الصور، فلم يكن فيها في ~~أولها سوى الألفاظ البسيطة المعبرة عن الإحساسات والصور والأفكار وما شاكل بدون أدنى تغير ~~صرفي أو نحوي. وقد تكونت هذه الأصول في أول الأمر كما تكونت الكريات العضوية، وكانت كثيرة ~~نظيرها، وهذا يدلنا على أنه كان في البدء لغات أم كثيرة، خاضعة كلها لكيفية نمو واحدة ~~كالصور العضوية الأصلية، ولم يسر نموها في سبل مختلفة إلا بعد حين نظيرها.» # وعلى رأي شليخر فاللغات بقيت ms052 قبل دخولها في العهد التاريخي زمانا أطول منه بعده، وذلك ~~مطابق لما يعلم عن الإنسان وقدمه قبل العهد المذكور. ولا يخفى أنا لا نعلم شيئا عن اللغات ~~قبل اختراع الكتابة، وأن هذا الاختراع يدل على درجة متقدمة جدا في تاريخ الارتقاء ~~البشري. # وقد اضمحلت لغات كثيرة في بحر الدور السابق العهد المذكور وفيه أيضا، وقد تكونت عنها ~~لغات جديدة كذلك. ولا شك أن اللغات التي اضمحلت قبل التاريخ والتي لا نعرف عنها شيئا ~~أكثر جدا من اللغات التي عاشت بعده، ولم يبق في تنازعها اليوم سوى اللغات الهندوجرمانية ~~المنتشرة جدا، والمتسعة كذلك، وفيها كثير من الأنواع والتباينات، فإنه لمهاجرات الشعوب ~~ولأسباب أخرى كثيرة قد فقدت من بينها الصور الانتقالية، بحيث صارت اليوم كأنها منفصلة ~~بعضها عن بعض انفصالا جوهريا، كائنة بعضها بجانب بعض نظير الأنواع في العالم ~~العضوي. # فيرى مما تقدم كيف أن دارون قد نفى الصعوبات التي تعترض مذهبه - ولا سيما الاعتراض ~~المبني على فقد الصور المتوسطة - وكيف أن أبعد مسائل العلم في الظاهر تجتمع حول مذهبه ~~متقاربة متشابهة. فإنه - كما قلنا في المقالة السابقة - قد أراد بعضهم أن يضع من شأن هذا ~~المذهب فجعله محض افتراض لا يمكن تبيين صحته، والحال أن مثل هذا الطعن لا يفيد شيئا؛ لأن ~~أعظم الاكتشافات وتقدم العلوم - ولا سيما الطبيعة - سببها مثل هذه الافتراضات، وما ينبغي ~~اعتباره في كل افتراض كون المواد المبني عليها كافية أم لا، والنتيجة المستخرجة قياسية ~~كذلك، ولا يستطاع إنكار ذلك على مذهب دارون. ومما يؤيد صحته هو أنه يعلل به كثير من ~~المسائل التي لا تفهم بدونه ببساطة كلية، وبأسباب طبيعية. وكل تعليل لا يكون طبيعيا لا ~~يفيد شيئا بالحقيقة، بل هو إقرار بالجهل يقيم المعجزة مقام النواميس الطبيعية، والعلم لا ~~يرضى ذلك. والطاعنون على مذهب دارون هم أصحاب الدين مع أن تعليمهم نفسه - المبني على ~~ثبوت الأنواع وتكرار الخلق - أحق بلفظة الافتراض في أسوء معانيها؛ لأنه ما عدا أنه لا ~~برهان لهم على تأييد دعواهم سوى ms053 الإيمان، فمذهبهم لا يتفق مع الحقائق البينة والعلم الصحيح ~~الذي لا يعرف نسبة أخرى سوى نسبة الأسباب والمسببات، وإذا كانت أمور كثيرة لا تزال محجوبة ~~عنا، فلا يلزمنا من ذلك أن نلبسها ثوب المعجزة، ونغلق باب البحث في وجهها، بل ينبغي لنا ~~أن نبالغ في معالجتها عسى أن ينكشف سرها لنا يوما ما. # فلا خوف على مذهب دارون من هذا القبيل، والإيضاحات المذكورة لا تبقي عند من يطلع عليها ~~شبهة في أن الأنواع تكونت ولا تزال تتكون بالطرق التي ذكرت فيه. ولكن ... هل هذه الطرق ~~كافية وحدها للتعليل عن سائر أحوال نمو العالم العضوي؟ كلا؛ فإنا لو أطلقنا مذهب دارون ~~على جميع الحوادث المفردة أو على ظواهر الحياة أجمع لوجدنا كثيرا منها لا ينطبق عليه، ~~وربما كان معه على طرفي نقيض، ويستدل منه على أن الطبيعة سلكت سبلا أخرى أيضا لتحويل ~~الأنواع، ولا شك في أن هذه السبل عديدة جدا؛ لأنه من المسلم أن الطبيعة في ~~تفننها الذي لا نهاية له يندر أن تبلغ غايتها بسبيل واحد. وأنا من رأي شارل فوجت حيث قال ~~في بحثه عن مذهب دارون في غازت دكولوين، وقد أقر على صحته: # إن طرقا كثيرة تؤدي إلى رومه. # 8 # وأحق ما يؤاخذ دارون به كونه لم يعبأ كثيرا بما للأحوال الخارجية # 9 # ولاختلافها من الفعل الشديد في تغيير الأحياء، ولقد مر بنا في المقالة ~~السابقة أن دارون كثيرا ما يذكر هذه الأحوال الخارجية، إلا أنه لا يجعل لها فعلا ~~إلا مع «الانتخاب الطبيعي»، وما ذلك إلا تفصيلا لمذهبه لكي يجعل له المقام الأول، على ~~أن فعلها الخصوصي عظيم جدا في الواقع، ولا بد من التسليم بأن أحوال سطح الأرض ~~المتغيرة على الدوام تؤثر تأثيرا شديدا في تحويل الأحياء، ولا سيما إذا اعتبرنا ما بين ~~القارات من الاختلاف العظيم في الشكل وغيره، وهذا الفعل كان شديدا جدا حيث شاركه مهاجرة ~~الحيوان والنبات. واعلم أن المهاجرة تكاد تتناول الأجسام الحية كافة. وأسبابها إما ~~القحط، أو إزاحة نوع لنوع ms054 آخر، أو اختلاف في الإقليم، أو التربة، أو غير ذلك. وقد تكون ~~المهاجرة اتفاقية غير إرادية كانتقال بزور النبات من مكان إلى آخر، بواسطة المياه، أو ~~الرياح، أو الطيور وما شاكل. # فالأحوال الخارجية قد تتغير تغيرا كليا وبغتة بسبب المهاجرة، وتؤدي غالبا إلى نتائج غريبة، # 10 # فإن الأصل الإنكليزي قد تغير جدا في أميركا وأوستراليا في مدة قصيرة على نوع ~~ما، بحيث إن الفرق اليوم بين الإنكليزي والأميركاني والأوسترالي ظاهر. وإذا أردنا معرفة ~~هذه النتائج في المدد الطوال، فعلينا بالنظر إلى الشعوب الهندية الجرمانية التي هاجرت من ~~آسيا - بين نهر الكنج وجبال حملايا - إلى أوروبا؛ فإنه قد تقرر بالأبحاث الفيلولوجية أن ~~الأسوجيين والهنود الآريين ذوو أصل واحد، فسائر أعضاء هذه العائلة الآرية الكبرى منشؤها ~~الواحد في شرقي بحر قزيين أو الجنوب الشرقي منه، ولكن أي فرق اليوم بين رجل هندي وأسوجي أو ~~نروجي! وكم تغير عبيد (سود) أفريقيا تغيرا حسنا بنقلهم إلى أميركا، فإن جلدهم أشرق لونه، ~~وعقلهم زاد إدراكه وتنبهه. على أن الأسود في مذهب دارون لا يصير أبيض وبالعكس؛ لأنهما ~~ليس بعضهما من بعض، بل كل منهما آت من صور بين بين لا عداد لها تختفي أصولها في أصل ~~عالم الحيوان. # ولنا - بقطع النظر عن المهاجرة المهمة - حوادث ظاهرة تبين ما للأحوال الخارجية من الفعل ~~الخاص في تكوين الأحياء وتحولها؛ فإن في قارة أوستراليا المتميزة عن باقي القارات بأحوال ~~خصوصية من حيث الإقليم والتربة والهواء وغير ذلك حيوانات ونباتات خصوصية ذات أشكال غريبة ~~غالبا. # فأشجارها شائكة لا خضرة فيها، ذات أوراق صفراء رقيقة متجهة عموديا، لا تحجب نور ~~الشمس. وفي أميركا الجنوبية القيمان # 11 # والبوما # 12 # والنعام والجاجوار # 13 # أصغر من أمثالها في العالم القديم. وفي سوريا والعجم جميع ذوات الثدي - حتى ~~الصادرة من بلاد غريبة - ذات شعر طويل أبيض. والكلاب والخيل في بلاد الكورس جلدها مرقط، وقد ~~تضاعف غلظ الخنازير، واستقامت آذانها واسود وبرها في جزيرة كوبا. والقطط المدخلة إلى ~~باراجي قد تغيرت جدا، حتى صارت القطط ms055 التي يؤتى بها حديثا من أوروبا تأبي مباضعتها إلا ~~بكره. وخيل سهول أميركا الجنوبية تختلف جدا عن خيل العرب، مع أن أصلها من خيل أضاعها ~~الإسبانيون هناك سنة 1537 وهي عربية الأصل. فلون شعر الحيوانات وجلدها غالبا يتغير بحسب ~~طبيعة الإقليم، فالتربة وكل ما يحيط بالحيوان يفعل في ظاهره فعلا واضحا؛ فإن المناطق ~~الحارة تولد الألوان الشديدة الزاهية، والمناطق الباردة تولد اللون الأبيض غالبا وكل لون ~~باهت، والحيوانات التي تقطن الرمال تتلون بلونها، والتي تقيم على أصول الشجر تأخذ لون ~~القشور، والتي تعيش على الأوراق تكون خضراء ... إلخ. # فإذا كان مثل هذه الأمثلة على ضيق مجال اختبارنا كافيا لإظهار فعل الأحوال الخارجية ~~وتغيراتها في الأجسام الحية؛ فلا شك إذن أن فعلها البطيء والمستمر في الأدوار الطويلة ~~لتكون الأرض كاف لأن يجعل في الأجسام الحية - نباتا كانت أم حيوانا - تغيرات كلية ~~شديدة جدا، ولا سيما إذا اعتبرنا الاختلافات التي وقعت في الإقليم والهواء والحرارة ~~وتوزيع المياه. فإن سطح الأرض قد تغير جدا، فارتفع في جهات، وانخفض في أخرى، وكم هبطت ~~الجبال وهادا، وكم ارتفعت الوهاد جبالا، وكم طغى الماء على اليابسة فصيرها بحرا، وكم ~~ظهرت اليابسة في وسط المياه. وكثير من العلماء الذين لا يسلمون بمذهب دارون يجعل للأحوال ~~الخارجية فعلا يكتفي به وحده للتعليل عن تسلسل الأنواع وتحولها في الماضي والحاضر. # 14 # على أن هذا القول تطرف، لكن لو عدلنا إلى الحالة الوسطى وقسمنا العمل بين الانتخاب ~~الطبيعي من جهة والأحوال الخارجية من جهة أخرى، لسهل الأمر علينا جدا، وكان لنا حينئذ ~~عاملان قويان صحيحان لتعليل التحول. # ولا بد أيضا من التسليم بعامل ثالث لم يبسط كما ينبغي، ولم يذكره دارون، ولكنه يتم في ~~الأحياء بحالتها الجرثومية مدة أطوار التكوين، ويجعل ما يسمونه «تغير التكوين». وهذا القول ~~غير حديث، وقد ذكر مرارا عديدة، والأستاذ بمجرتنر من فريبورج قال فيه سنة 1855 ما معناه ~~أن الحيوانات العليا ربما كانت قد خرجت من جراثيم أو بيوض حيوانات أدنى بانقسام الجراثيم ~~أو بتحولها، ms056 غير أن الأدلة على ذلك كانت قليلة وغامضة، فلم يمكن الاستناد عليها. أما ~~مذهب دارون فنبه العقول لإعادة البحث في هذه المسألة حتى جعلها بعض العلماء الجديرين بهذا ~~الاسم موضوع بحثه، أعني به المشرح والفزيولوجي الشهير الأستاذ كوليكر، فإنه جمع أبحاثه ~~في تقرير تلاه على مجمع العلوم الطبيعية والطبية في ورزبورج، وهذا التقرير طبع في لبزيج سنة ~~1864. فكوليكر بعد أن بين في تقريره ما في مذهب دارون من النقص، شرع في تبيين ما له من ~~المزايا، فقال: إن دارون قد خط الطريق الوحيد المؤدي إلى حل مسألة أصل الأحياء حلا ~~صحيحا، فظهور الأجسام الحية - حسب كوليكر - بصفة أحياء كاملة غير مقبول، بل تتكون على ~~مقتضى ناموس للارتقاء عام. وعنده أن مبدأ هذا الناموس موجود أقل في عامل «الانتخاب ~~الطبيعي» الداروني منه فيما يسميه مذهب «التكوين الكثير الطبائع»؛ ويراد به أن بيوض ~~الأجسام الحية الدنيا أو جراثيمها ملقحة كانت أم غير ملقحة، تستطيع في بعض الأحيان أن ~~تتحول إلى صور أخرى قد تكون أعلى منها في الأصل، ليس بالطريقة البطيئة التي يعول عليها ~~دارون، بل بالتحول فجأة. وهو يذكر تأييدا لمذهبه الأحوال العجيبة لتغير التكوين، وللبرثنوجنزيا، # 15 # وللتحول، وأيضا السهولة التي بها يتغير الجنين في أطواره الأولى من التكوين ~~لأقل الأسباب تغيرا يبعد به كثيرا عن أشكال نموه الأصلي؛ مما يستنتج منه أن العالم ~~العضوي قائم على رسم أساسي يكون بموجبه ميل لأبسط الصور للبروز في أشكال متغيرة أكثر ~~فأكثر. # وإني وإن كنت مع دارون لا أسلم بوجود رسم أساسي لأسباب أعدها كافية، إلا أنني أعتبر ~~فكر كوليكر قابلا لأن يكون ذا شأن عظيم إذا اتسع وتأيد بالأبحاث الحقيقية، وهو الآن مستند ~~إلى كثير من الحوادث التي تتبين قابلية الجراثيم والبيوض والأجنة للانفعال بالعوامل التي من ~~خارج. وعليه، فإنه يمكن تغيير التفريخ من بيض الفراخ على نوع معلوم بوسائط معلومة، ويمكن ~~أيضا توليد متولدات غريبة بإحداث بعض عاهات في الجنين. ومما يؤثر جدا في تحول الأجنة ~~طعام الوالدين من حيث الكثرة ms057 والقلة. والنحل يحول فروخ العاملات منه فيجعل منها ملكات؛ ~~وذلك بعزلها وحدها والاعتناء بها اعتناء خصوصيا، وتقديمه لها طعاما وافرا. والنمل يجعل ~~الشاغلات منه تبلغ غاية نموها باعتناء خصوصي بها. وبعكس ذلك فعل أدوار فإنه منع فروخ ~~الضفدع من أن تبلغ وتصير ضفادع بحجب النور عنها، ليس لأن نموها توقف، كلا، فإنها بلغت ~~قدرا هائلا، إنما بقيت في حالتها الفرخية وبأذنابها. وأجاسيز قال: إنه إذا اعترضت أحوال ~~خارجية نمو جرثومتين متشابهتين في درجات مختلفة من نموهما، فقد ينشأ عنهما نوعان ~~مختلفان. # ولئن كان مذهب دارون غير كاف لرفع الحجاب عن سر الحياة مرة واحدة، بل اقتضى لذلك ~~عوامل أخرى أيضا، إلا أني لست أرى في ذلك ما يحط من قدره؛ لأن التقدم ولو خطوة واحدة في ~~سبيل كثير العقبات كهذا يحسب نجاحا كبيرا، ففضل دارون لا ينقص إذا وجد العلم أن ~~الطبيعة تستخدم عوامل أخرى أيضا لتحويل الأحياء. # ولدارون فضل في إدخال الفلسفة في العلوم الطبيعية، وفي نقض ما كان من الأوهام سائدا ~~على العقول. فإن هذه العلوم لم يكن يسمح لها من قبل إلا بالمراقبة، وتجميع المواد ~~وترتيبها وما شاكل، ولا سيما أن تقسيم الأعمال قد بلغ في عصرنا مبلغا يستحيل معه كل ~~اجتهاد للتعميم. فكان يلزم رجل واسع الاطلاع، صحيح العلم، جامعا إلى علمه الميل الفلسفي ~~الصحيح، حتى يقدم على مثل هذا الأمر غير خاش غضب أصحاب التقاليد، أو خائف أن يتيه في ~~تعاريج الفلسفة القديمة للطبيعة. لأن المتعلقين على الدروس الخاصة هم بواقع الأمر قاصرون عن ~~ذلك، فالأشجار على رأي المثل تمنعهم أن يبصروا الغابة. # ولإدخال الفلسفة في العلوم الصحيحة نتيجة أخرى، ربما كانت أعظم من مذهب دارون نفسه ~~فلسفيا؛ ألا وهي إزالة الاعتقاد بالأسباب الغائية من دائرة العلوم الطبيعية، أو العلم ~~عموما ببراهين قاطعة. ولا يخفى أن بعض فلاسفة الطبيعيين كانوا قد فندوا هذا الاعتقاد ~~من قبل بالحجج المنطقية، ونجحوا بعض النجاح، ولا سيما في علم الطبيعيات، حيث لم يبق له أثر ~~خلافا لباقي العلوم، ولا ms058 سيما علم اللاهوت الذي يجعل الأسباب الغائية أساس حجته وغاية ~~برهانه؛ إذ يجد بها أن وضع الأنف في وسط الوجه، وعدم وضع العينين في إبهام الرجل غاية في ~~الإحكام، ونهاية في الحكمة. # نعم، إن الذي ينظر إلى هذه الأعضاء نظرا بسيطا باعتبار فائدتها ونسبتها إلى الأحوال ~~المختلفة للطبيعة بقطع النظر عن الماضي، يجد فيها من الموافقة والمطابقة ما يحسبه مقصودا، ~~وأما العلم فلا يبحث فيما هي عليه من النظام اليوم فقط، بل فيما كانت عليه في الماضي ~~أيضا، وبأي الطرق الطبيعية وصلت إلى ما وصلت إليه من الإحكام على نوع غير محسوس. وهنا يبسط ~~لنا مذهب دارون التعليلات الصريحة، والأدلة المأخوذة ليس من الفلسفة وحدها فقط، بل من ~~الحوادث والأمثلة الحية أيضا. وألد أعداء الفلسفة المادية وهو الأستاذ شليدن لما قرأ ~~كتاب دارون، اضطر أن يصرح جهارا ببطلان القول بالأسباب الغائية في الطبيعة. # 16 # ففي ما تقدم من الأمثلة ما يكفي على ظني للتعليل طبيعيا عن سبب ما في الأعضاء من ~~الموافقة، فمن الجهة الواحدة على مبدأ الانتخاب الطبيعي وتنازع البقاء، تقوى الأعضاء ~~الموافقة والصفات المناسبة على سواها في الدهور الطويلة، بحيث تثبت أخيرا، ومن الجهة ~~الثانية على مبدأ الارتقاء والوراثة، تحفظ في الأجسام الحية أعضاء لا فائدة لها، وقد تكون ~~مضرة أيضا. # وقد ذكر دارون مثالا لهذه آذان النباتات المتعرشة، فإنها مفيدة في مثل هذه النباتات، ~~ولكنها توجد أيضا في نباتات أخرى لا تتعرش حيث لا فائدة لها. وتعري جلد رأس دود الجثث ~~يظهر أنه في غاية الإحكام لمعيشته؛ لأنه يغل في الجثث المتعفنة، ولكننا نرى ذلك أيضا ~~في رأس ديك الحبش الذي ليس له هذه الضرورة. وقالوا: إن تداريز الجمجمة في صغار ذوات الثدي ~~هي لقصد تسهيل الولادة، ولا ننكر فائدتها والحالة هذه، ولكن لا يصح القول بأنها وضعت لذلك؛ ~~لأنها موجودة أيضا في جماجم صغار الحشرات وصغار الطير التي تخرج من البيضة. والغشاء بين ~~الأصابع في الفرقاطة، وفي الإوز الأرضي لا فائدة له فيهما، بل هو مضر ms059 في حالتهما الحاضرة، ~~ولكن لا يزال فيهما بسبب الوراثة. والعظام المتفقة الكائنة في ذراع القرود، وفي القائمتين ~~المقدمتين للفرس، وفي جناح الخفاش، وفي زعنفة الفقم، لا تفيد هذه الحيوانات شيئا، وإنما هي ~~بقايا موروثة من أجداد انقرضت منذ زمان طويل. وناب الأفعى السام وقناة البيض في الأكنمون ~~لا ينطبق وجودهما على الأسباب الغائية أو الفائدة؛ لأنهما مضران بغيرهما من الكائنات الحية. ~~وحمة الزنابير والنحل لا فائدة بها؛ لأن صاحبها يموت بعد استعمالها ... وغير ذلك كثير. # والإنسان الذي هو غاية في الإتقان فيه أعضاء كثيرة لا فائدة لها، وقد تكون مضرة وسببا ~~لأمراض قتالة، مثال ذلك الغدة الدرقية # 17 # التي ينشأ فيها المرض المعروف بالجواتر، واللوزتان اللتان قد يسبب ورمهما ~~والتهابهما الاختناق، والزائدة الدودية التي هي في الأولاد منشأ التهابات قتالة، والأعور ~~الذي كثيرا ما تتجمع المواد فيه تجمعا خطرا، والغدد الصعترية والعصعص وأثداء الذكور ... ~~إلخ، وفي الجملة لا يوجد في بدننا عضو لا يرى فيه عند التدقيق، أنه كان يمكن أن يكون ~~أصلح مما هو للغاية التي وضع لها، وإننا نتعجب اليوم من صنع العين الدقيق التي هي أكمل ~~الأعضاء وألطفها، والتي أصلها حسب تعليل دارون نقطة عصبية حساسة، ارتقت حتى بلغت حالتها ~~الحاضرة بعد أن مرت بدرجات من التغير غير محدودة، ومع ذلك فهي ليست في غاية الإتقان ~~والإحكام؛ لأن أحسن العيون لا يمنع تبدد النور. ووضع القناتين الهوائية والغذائية الواحدة ~~بجانب الأخرى، وسد إحداهما بلسان المزمار سدا ناقصا، نقص في التكوين قد يؤدي إلى ~~الإسفكسيا وآفات أخرى بدخول أجسام غريبة في المسالك الهوائية، ولا يعلم سبب ذلك إلا من ~~تشريح المقابلة. # ومذهب دارون يعلل لنا أيضا سبب الأميال والبداهة في الحيوان، التي يعتبرها خصومه شاهدا ~~عظيما على ما أودعته من القصد لغايات معلومة، قالوا: إن الميل للمهاجرة في الطيور غريزي ~~أودع فيها؛ حفظا لها، ومراعاة لأمر راحتها، مع أن سببه طبيعي، وقد تولد من تعاقب الحر ~~والبرد. فإن الشتاء القاسي كان يجعل الطيور السريعة الحركة تنسحب من الشمال ms060 نحو الجنوب، ~~فإذا جاء الصيف حملها حب الوطن على الرجوع إلى الأماكن التي نشأت فيها، وتكرر هذا الأمر ~~مرارا كثيرة. وكل سنة كانت الطيور تدفع إلى أبعد لاشتداد البرد، وامتداده نحو الجنوب حتى ~~صار فيها هذا الميل السنوي إلى المهاجرة عادة، والعادة صارت وراثية، فصار هذا الميل كأنه ~~غريزي. # وإلى مثل هذه الأسباب أيضا يجب أن ينسب نوم الحيوانات الشاتية، فإنها لبطء حركتها ~~لم تكن تهرب من أمام البرد، فتنسحب إلى أماكن مظلمة حيث كانت تنام مدة فصل الشتاء، وما زال ~~هذا الأمر يتكرر فيها حتى صار عادة والعادة وراثة . # 18 # ودارون يذكر غير ذلك أميالا وبدائه كثيرة مثل بديهة الطير لبناء أعشاشه، ~~وبديهة كلب الصيد المكتسبة بالتعويد حتى صارت موروثة فيه، وبديهة الحيوانات الأهلية التي ~~تجعلها شديدة الميل إلى الإنسان، وبديهة الكوكو التي تجعله يضع بيضه في أعشاش غيره، ~~والبديهة العجيبة التي يأسر النمل بها النمل الغريب، والبديهة التي يبني النحل بها خلاياه ~~وغير ذلك من الأميال والبدائه التي جعلوها أدلة على الأسباب الغائية مع أنها نتيجة الانتخاب ~~الطبيعي. على أن هذه الأميال تتغير بتغير جنس المعيشة، وهذا دليل على أنها غير غريزية ~~وغير ثابتة، مثال ذلك ناقر الخشب الأميركاني فإنه فقد هناك عادة التعرش على الأشجار، وصار ~~يصطاد الذباب وهو طائر. وكذلك الكوكو في أميركا، فإنه لا يفعل ككوكو أوروبا؛ أي لا يبيض في ~~أعشاش غيره، وطيور أخرى غيره تفعل ذلك. # ففي ما تقدم من بسط مذهب دارون في انتقال الأنواع ما يكفي على ظني لفهمه، وهذا المذهب ~~يزداد شأنه يوما عن يوم، ليس بالنظر إلى العلم فقط، بل بالنظر إلى فلسفة الكون أيضا. ~~ومهما يكن من أمره في حد نفسه، فشأنه يعظم أكثر باعتبار ما إذا كان يصح على الإنسان، وإذا ~~صح عليه فما هي نتائج ذلك؟ ثم ما نسبته لباقي المذاهب المعول عليها حتى اليوم فيما تعلق ~~بارتقاء العالم العضوي، هل يؤيدها؟ وإذا أيدها فما هي النواميس التي تترتب عليه لارتقاء ~~العالم العضوي عموما، والإنسان خصوصا؟ ms061 فهذه المسائل المهمة ستكون موضوع بحثنا في المقالات ~~الآتية. # | المقالة الثالثة # مذهب دارون على ما بسطناه في المقالتين السابقتين مهم؛ لأنه يكشف لنا عن أهم الظواهر ~~وأوسعها، ألا وهو: أصل العالم العضوي؛ إذ يهيئ لنا المعدات التي يتيسر لنا بموجبها الحكم ~~بأسبابه، وهل هي في الأسباب الطبيعية أم في الأسباب الغائية المعول عليها حتى ~~اليوم. # ويعظم شأنه أكثر إذا أطلق على الإنسان ليعلم ما إذا كان يصح أيضا عليه، وإذا ما كانت ~~النواميس العاملة في باقي الأجسام الحية هي العاملة في أصله كذلك، أم هو خارج عن حكم هذه ~~النواميس؟ # فلا يخفى أن أكثر الفلاسفة والطبيعيين أيضا - ما خلا المدعوين ماديين من فلاسفة ~~اليونان - كانوا يعتقدون أن الإنسان مختلف جوهريا عن عالم الحيوان، ولا اتصال له به لا ~~جسمانيا ولا روحانيا. وبقي هذا الاعتقاد معولا عليه حتى اليوم؛ لفقدان الأدلة التي ~~يبنى عليها ما يخالفه، ولو ناقض الوحدة العامة للطبيعة والتصور الفلسفي للكون. فمسألة «من ~~أين أتى الإنسان، وكيف أتى؟» لم يستطع العلم حلها طبيعيا، واعتبرت أنها تعلو على العلم، ~~فلم يكن حلها ممكنا إلا للدين وحده. لكن لما كانت الأديان متعددة كانت الروايات في أصل ~~الإنسان كثيرة أيضا، وأحيانا غريبة للغاية؛ فإنك تكاد ترى روايات تتعلق بهذه القضية عند ~~جميع الشعوب على اختلاف طبقتهم في المعتقد والتمدن، وهذا دليل على ما للإنسان حتى المتوحش ~~من الميل إلى معرفة أصله، الذي هو «سر الأسرار» كما قال عنه أحد فلاسفة الإنكليز. # وأما اليوم فتعرض لنا هذه المسألة على وجه آخر نظرا إلى تقدمنا في المعارف. ودخولها في ~~الأبحاث العلمية بعد أن كانت تحسب فوق طور العقل من أكبر الأدلة على ما للعقل من الاقتدار. # 1 # فالعقل لا حد له خلافا لما ذهب إليه بعضهم، لا حبا بالحقيقة، بل لغاية في ~~النفس دينية أو فلسفية؛ ولذلك لا يجوز لنا أن نيأس من حل أشكل المسائل وأغمضها، وينبغي أن ~~نسعى إلى الحقيقة جهدنا بجميع الوسائط التي لنا أبحاثا كانت أم افتراضات. # لا شك ms062 أن العوامل العاملة في الإنسان هي نفس العوامل الطبيعية؛ لأن كل ناموس يطلق على ~~سائر الطبيعة الحية ينبغي أن يطلق على الإنسان أيضا، إذ إن النواميس التي تكون هذا ~~العالم على مقتضاها واحدة وثابتة. وعلم التشريح وعلم الفيزيولوجيا - أي علم بناء جسم ~~الحيوان - وعلم منافع أعضائه لا يدعان محلا للريب في كون الإنسان تشريحيا وفيزيولوجيا ~~أكمل طائفة ذوات الفقرات، وهذه الطائفة التي هي أعلى طبقات الحيوان رتبة تنزل كلما ابتعدت ~~عن الإنسان في سلسلة دركات لا تحصى. فإذا كان بين الإنسان وبين ما هو قريب منه من ذوات ~~الثدي فراغ تشريحي أو فيزيولوجي، فهو ليس أعظم من الفراغات الموجودة بين أجناس أخرى منها، ~~ويدل فقط على اختلاف عرضي أو نسبي، لا جوهري أو مطلق. # 2 # وهذه الحقيقة تنجلي لنا خاصة إذا نظرنا إلى طرق الترتيب التي نهجها الزولوجيون ~~(علماء طبائع الحيوان) وإلى ذهاب تعب الذين منهم حاولوا جعل الإنسان عالما مستقلا عن ~~الحيوان والنبات سدى. على أن لينوس الذي هو أعظم من وضع طرق الترتيب في علم الحيوان لم ~~يفته ذلك؛ لأنه ضم في صفه الأول المسمى «بريمات» الإنسان والقرد والنصف قرد. # 3 # غير أن بلومنباخ سنة 1779 قد انحاز عن هذا الترتيب، ووضع صف ذي اليدين (وخصه ~~بالإنسان)؛ تمييزا له عن صف ذي الأربع أيدي (وخصه بالقرود). وقد عرف الإنسان أنه ~~«حيوان منتصب ذو يدين»، فكل الصفات التي يتميز بها الإنسان على رأيه إذن «وقوفه منتصبا»، ~~وحصوله على «يدين». وهذا الترتيب عرفه بوفون وتبعه كوفيه الشهير، وهو الذي أدخله في العلم، ~~وإلى اليوم لم يخرج منه تماما. على أن عددا كثيرا من الزولوجيين قد رجع إلى ترتيب ~~لينوس. وهذا الترتيب أصح ما يمكن وضعه، فالتمييز بين ذي اليدين وذي الأربع أيدي لا وجه له ~~تشريحيا، والفضل في هذا البيان الدقيق للمشرح الإنكليزي هكسلي؛ فإنه قابل بين بناء عظام ~~اليد والرجل، وعضلاتهما تشريحيا في الإنسان والقرد، وبين أن الاعتماد على الظاهر لا ~~يكفي في مثل هذه القضية، بل يجب النظر ms063 إلى الباطن أيضا. # ومن بحثه يتبين أن اليد والرجل في الإنسان والقرد الشبيه بالإنسان ولا سيما الكورلا ~~مكونتان على مبدأ واحد؛ أي إن الكورلا ليس له أربع أيد كما زعم، بل يدان ورجلان. فقائمة ~~الكورلا الخلفية ليست سوى رجل ذات إبهام كبيرة، أشبه بإبهام اليد من جهة مقابلتها لباقي ~~الأصابع؛ أي إن له رجلا ماسكة، # 4 # وهكذا سائر أنواع القرود والنصف قرود أيضا، ففي سائر هذه الحيوانات وضع عظام ~~الرسغ واحد، ولها من العضلات القابضة والباسطة القصيرتان والقصبية الطويلة، مما يجعل ~~القائمة الخلفية تشريحيا رجلا لا يجوز توهمها يدا؛ لذلك يرفض هكسلي تسمية ذوات الأربع ~~أيدي ، ولا يعتبر الإنسان سوى طائفة خصوصية من البريمات، ولا يجوز غير ذلك حتى ولو كان الفرق ~~بين رجل الإنسان ورجل الكورلا أعظم مما ذكر أيضا، والفرق أعظم بين تكوين رجل الأوران ~~أوتان مثلا، والكورلا منه بين الكورلا والإنسان. # ويؤكد هكسلي أنه لا يوجد فرق جوهري كذلك بين باقي الأعضاء، كالعضلات والأحشاء والأسنان ~~والدماغ ... إلخ، فالتسنين الذي هو أوضح الأدلة على تقارب ذوات الثدي واحد في الإنسان ~~والكورلا، من حيث عدد الأسنان وأنواعها وتكوين التاج، والفرق بينهما في أشياء عرضية فقط، ~~وربما كان أعظم بين أنواع القرود المختلفة. وقد بين شفهوزن أن أسنان اللبن في الإنسان ~~لا فرق بينها وبين أسنان القرد بشيء؛ لأن الأضراس الكاذبة التي تنبت فيما بعد، والتي تتميز ~~بتاج صغير وجذور ملتصق بعضها ببعض لا توجد في التسنين الأول، ويوجد مكانها أضراس صحيحة ذات ~~تاج وجذور أشبه بما في القرد؛ أي إن الإنسان يكون في التسنين الأول أدنى في التكوين - أي ~~أقرب - إلى أصله، ولا يبلغ الإنسانية حقيقة إلا في التسنين الثاني. وفي هذا التسنين أيضا ~~تشبه أسنان الإنسان أسنان القرود العليا في جميع صفاتها ما خلا الحجم. وقد استنتج شفهوزن من ~~ذلك «أن الإنسان كان في السابق يعيش على الأثمار.» وبناء القرود العليا يشبه بناء الإنسان ~~في كثير من الأمور التشريحية، وقد بين هكسلي أنه في تشريح جثث البشر كثيرا ms064 ما تلتقي ~~العضلات موضوعة كما في القرود تقريبا، «وعليه فالمشابهة بين الإنسان والصور الأدنى منه - ~~كما يقول شفهوزن - ليست في الحياة الجنينية فقط كما هو معروف من زمان طويل، بل في حالة ~~نموه وبلوغه الكمال أيضا، ولا يزول أثرها إلا شيئا فشيئا.» وعلى قول هذا المؤلف يوجد ~~من المشابهة بين القرود والإنسان في بناء ثلاث من أعظم الحواس «العين والأذن والجلد»، ما ~~ليس لباقي ذوات الثدي، «فالقرد بعد الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي له الجسيمات الحساسة ~~التي تحس بأخف التأثيرات، وهو الوحيد أيضا الذي له البقعة الصفراء في الشبكية، والذي ~~الدهليز فيه (الأذن الباطنة) شبيه بما في الإنسان، خلافا لأنصاف القرود التي يختلف فيها ~~ذلك عنه.» # وآخر دعوى وأقواها أيضا لفصل الإنسان عن الحيوان تشريحيا كانت الدماغ، على أنه وجد ~~بعد الفحص الدقيق أن لا فرق بينه وبين أدمغة باقي الحيوان من حيث البناء التشريحي. ولما كان ~~هذا العضو مهما جدا كان لا بد من بسط الكلام عليه، فأقول: # إن الأستاذ أون أحد مشاهير مشرحي الإنكليز سعى من بين كثيرين آخرين في أن يجد في دماغ ~~الإنسان فاصلا يفصله عن الحيوان، ويضعه في صف خاص بين ذوات الثدي، فذكر لذلك ثلاث صفات، ~~وهي؛ أولا: الفصان الخلفيان للدماغ المغطيان المخيخ والمطفان عليه، ثانيا: القرن ~~الخلفي للتجويفين الجانبيين الكبيرين، ثالثا: الرجل الصغيرة لفرس البحر، ويراد بها عقدة ~~صغيرة بيضاء مستطيلة مستقرة في الجدار الإنسي للقرن الخلفي أو في قعره تنشأ من شرم أو ~~التواء وحشي مقابل. فعلى زعم أون أن هذا التكوين الذي هو أكمل هنا منه في الحيوان، يجب ~~أن يضع الإنسان في صف قائم بنفسه بين ذوات الثدي سمي صف الأرشنسفال؛ أي المتسلط، تمييزا ~~له عن صف الجيرنسفال؛ أي الخاضع. # ولما انتشر مقال أون سنة 1847 كثرت مناقضات العلماء له نظير رولستون وهكسلي وفلوار ~~وغيرهم، وكثر البحث في دماغ القرود كذلك، وكانت النتيجة أن ما قاله أون مغلوط، وأنه ~~استند في بعضه على رسوم مغلوطة وناقصة لدماغ شمبانزي، كان قد ms065 طبعها بعض المشرحين ~~الهولانديين «فروليك وشرادرفان دركولك»؛ لأنهم تحققوا أن أدمغة القرود فيها كذلك القرن ~~الخلفي للتجويفين الجانبيين، والرجل الصغيرة لفرس البحر وأن الفصين الخلفيين للدماغ فيها ~~مطفان على المخيخ أيضا، وأحيانا أكثر مما في الإنسان. # 5 # ولزيادة الإسهاب فليراجع القسم الثاني من كتاب هكسلي في مقام الإنسان في ~~الطبيعة. # وأما حجم الدماغ الذي ينبغي اعتباره أيضا، فقد بين هكسلي أن الفرق بين أصغر جمجمة ~~بشرية، وأكبر جمجمة للكورلا وإن كان عظيما، إلا أنه أقل مما هو بين فروع البشر ~~المختلفة. وقد قاس مورتون جماجم بشرية فبلغت مساحة أعظمها من الباطن 114 قيراطا وأصغرها 63 ~~قيراطا، وقيل: إنهم رأوا جماجم هنود لا تتجاوز مساحتها 46 قيراطا، ومساحة أعظم جمجمة ~~للكورلا لا تتجاوز 34 قيراطا؛ وعليه فإن حجم الدماغ يختلف من أدنى الإنسان إلى أعلاه ~~أكثر مما يختلف بين الإنسان والقرد. وأما تلافيف الدماغ التي أرادوا أن يجعلوها امتيازا ~~خاصا بالإنسان، فإنها موجودة في دماغ القرود، وبالغة كل درجات النمو من الدماغ الملس ~~للنسناس إلى دماغ الأوران أوتان والشمبانزي، الذي قلما تختلف تلافيفه عن تلافيف دماغ ~~الإنسان. # وهكذا أي عضو أو أي جهاز فحصناه كان لنا نفس النتيجة التي ذكرها هكسلي، والتي هي خلاصة ~~أبحاثه؛ وهي أن الفرق من حيث البناء أقل بين الإنسان والقرد منه بين طوائف القرود ~~المختلفة. # والأستاذ هكسلي يقول كذلك: إن الفرق بين أدنى الإنسان وأعلى الحيوان في الكم فقط - أي ~~في العدد والحجم - وهو أقل مما بين الحيوانات العليا والحيوانات الدنيا، والفرق على رأيه ~~أعظم بين رجلين أحدهما من الطبقة العليا والآخر من الطبقة السفلى منه بين أدنى الناس وأعلى ~~الحيوانات. وعنده أن الأنثروبولوجية أو علم الإنسان ليس إلا فرعا من الزولوجية أو علم ~~الحيوان. # وعليه فلا يوجد فرق جوهري بين الإنسان والحيوان ينفصل به الواحد عن الآخر انفصالا ~~تاما، لا في الجسماني ولا في الروحاني أو العقل؛ لأنه لا شبهة اليوم في أن الدماغ ~~عضو الفكر، وأن العقل يختلف بحسب كبر الدماغ وشكله ووضعه ونموه؛ ms066 أي إن الإنسان والحيوان ~~سيان جسمانيا وروحانيا، والفرق بينهما في النمو والارتقاء فقط. # على أنه يوجد كثير من الفلاسفة واللاهوتيين والطبيعيين لا يسلم بأن الإنسان حيوان ~~إلا في الجسماني فقط، وأما في الروحاني فهو غير خاضع لنواميس الحياة الحيوانية. # ونجيب على ذلك بأن المقابلة بين عقل الإنسان وعقل الحيوان القريب منه تؤدي إلى نفس ~~النتيجة التي يؤدي إليها تشريح المقابلة. ويعرض للفلاسفة ولأصحاب ما وراء الطبيعة عندما ~~يحاولون بيان الفاصل بينهما نفس الصعوبات التي تعرض للمشرحين، فلا يوجد فاصل بين الإنسان ~~والحيوان عقليا، كما أنه لا يوجد جسديا؛ فإن أعلى قوى الإنسان العاقلة موجود ~~جرثوميا في أدنى طبقات الحياة، وأرفع حاساته وأقواها ، كالمحبة والمودة واللذة والألم ~~والحقد والحزن ... إلخ موجود في الحيوان أيضا، فكل ما يتميز به الإنسان من الصفات النبيلة ~~موجود في الحيوان في حالة موعود بها، والفضل في ارتقائها فيه إلى ناموس الانتخاب الطبيعي. ~~فالإنسان لا يتميز عن الحيوان إلا بكون الصفات المشتركة بينهما أبلغ فيه وأظهر، وببقاء ~~الأنسب أرقى، # 6 # وهذا الذي جعل القوى العقلية فيه تقوى على الأميال السافلة والشهوات ~~الفاسدة. # ولا ينبغي أن يظن من ذلك أن هذه القوى العاقلة غير موجودة في الحيوان، كلا، ~~فالحيوان يقابل، ويستقري، ويستنتج، ويتعلم بالاختبار، ويتأمل كالإنسان، وانحطاطه عنه في ذلك ~~كمي فقط. ونواميس الفكر في الحيوانات العليا هي كما في الإنسان، ومعرفة الأسباب واستخراج ~~النتائج يتمان في كليهما على شرائط واحدة، وكل النظامات السياسية والاجتماعية للإنسان ~~موجودة في الحيوان، ولكن على سبيل الرسم، وقد تكون أكمل فيه منها في الإنسان. # والخلاصة أن حياة الحيوان العقلية لم تعلم إلا قليلا حتى اليوم، وقد حطت جدا عن ~~مقامها؛ لأن أساتذتنا الفلاسفة الذين جعلوا درس هذه المسائل محصورا بهم قد بنوا أحكامهم ~~على أمور مجردة لا على الاختبار، وأما الذين يدرسون هذه الأشياء عن قرب فإنهم يرون أمورا ~~غريبة كثيرة تدلهم على ما يستطيعه عقل الحيوان. ولفهم ذلك لا ينبغي الاعتماد على العلماء ~~الذين يجلسون وراء مكاتبهم، بل على الناس الذين ms067 يخالطون هذه الحيوانات، كالصيادين والرعاة ~~والفلاحين، وأصحاب معارض الحيوانات والمحافظين عليها، وغيرهم الذين يتيسر لهم مراقبة ~~أعمالها العقلية. فمنهم نعلم أشياء مختلفة عما يقال عادة، فالحيوانات ليس لها عقل وعواطف ~~كالإنسان فقط، بل لها أيضا لغات وجمعيات قد تكون منتظمة أحيانا أكثر من جمعياته، ~~وتبني بيوتا وقصورا تفاخر بها قصورنا، وعندهم جنود وأسرى وسجون ومحاكم، وتعتني كبارها ~~جدا بتهذيب صغارها، وربما كان اعتناؤها بذلك أكثر من اعتناء الإنسان به، وتغير أخلاقها ~~وتكتسب كثيرا بمخالطة الإنسان - والحيوانات الأهلية شاهد على ذلك - خلافا لزعم من ينفي ~~هذه القابلية عنها توسلا لجعل ذلك فاصلا لها. حتى ولو صح هذا الزعم لما ساغ جعله صفة ~~خاصة به دون غيره؛ إذ إن متوحشي البشر قلما يكتسبون كذلك. وجميع فروع البشر غير متساوين ~~في هذه القابلية، فإن أحمر الجلد والإسكيمي والبولينيزياوي والماوري والأوسترالي ... إلخ ~~يتلاشون جميعهم كما لا يخفى بمخالطة القوم المتمدنين. ولا نعلم من قوي على ذلك، وارتفع فوق ~~حالته الأصلية سوى الأسود الذي أدخل إلى أميركا الشمالية، وهذا أيضا في حالة العبودية ~~وبمخالطته الإنسان «نظير الحيوان تماما». وإذا قالوا: إن الإنسان له خاصة النطق للتعبير ~~عن أفكاره مجردة، فإنهم أيضا لا يثبتون شيئا، إذ إن الألفاظ المعبرة عن ذلك لا وجود لها ~~في جميع اللغات الأميركانية، كما يعلم من فيلولوجية المقابلة، وكذلك اللغات الأوسترالية، ~~وبعض اللغات البولينيزياوية، وأكثر الألسنة التي يتكلمها سود أواسط أفريقيا. وإذا أريد ~~المقابلة بين الإنسان والحيوان فيلزم ألا تكون مع أكثر الناس تمدنا، إذ إن الفرق ~~بينهما عظيم، بل مع متوحش أفريقيا أو أوستراليا القريب إلى الحيوان جدا، وإن كان يطلق ~~عليه اسم الإنسان نظيرنا. وإذا كان الأستاذ بيشوف المشرح والفيسيولوجي الشهير يرى فرقا بين ~~الإنسان والحيوان في أن الإنسان له - ما عدا الضمير - شعور بالذات أيضا يعرفه «أنه ~~قوة يقدر الإنسان بها أن يتأمل بذاته، وبسائر أحوال الأشياء ونسبتها إلى باقي الخلق»، ~~فيليق بنا أن نسأله إذا كان يعتقد أن ابن زلاندا الجديدة، أو متوحش الأمازون، أو ابن ~~جزائر ms068 فيليبين، أو الإسكيمي، أو البوتوكودي حتى الصعلوك الأوروباوي له ذلك أيضا؛ أي إنه ~~يستطيع أن يتأمل في هذه الأشياء الجميلة؟! لكنه يقول هو عنهم: إنهم أناس تائهون متوحشون لم ~~تنم فيهم «الصفة البشرية الخاصة»، ولسوء البخت لا يذكر من أين جاءنا بما يسميه «الصفة ~~البشرية الخاصة» إن لم يكن من مراقبة نفس الإنسان. وهو ينقض كلامه بكلامه إذ ينفي عن أناس ~~هم بالحقيقة بشر الصفة المميزة للبشر على زعمه، ولم يبين إمكان ظهور هذه الصفة بطريقة من ~~الطرق. على أننا نعلم علم اليقين من الحوادث الجلية - كما قلنا مرارا - أن الفروع السفلى ~~الأقرب إلى الحيوان منها إلى هذا الإنسان التصوري الذي خلقه بيشوف ، ليس أنها لا تقبل ~~التهذيب فقط، بل تهلك إذا أريد إخضاعها له أيضا. # وبيشوف منفرد وحده بين الفلاسفة الذين حشر نفسه بينهم في تعريفه الإنسان، فالإنسان من أي ~~طبقة كان، والحيوان كذلك لهما هذا الوجدان أو العلم بما يسمونه «أنا»، أو كما يقولون أيضا: ~~الشعور بالذات، ولا ينفيه - كما يقول شوبنهور - عن الحيوان بدون أدنى سبب ظاهر إلا ~~الفلاسفة الذين لا شعور لهم. ويقول أيضا: «إنه يلزم أن يقع أحد هؤلاء الفلاسفة بين مخالب ~~النمر؛ حتى يتعلم على نفقته كيف يفرق الحيوان بين ما هو «أنا» وما ليس «بأنا»!» # والعقل ليس قوة خصوصية، بل مجتمع القوى العاقلة - كالتأمل والاستقراء والتصور - يسمى ~~عقلا، وهو ليس خاصا بالإنسان وحده، بل هو في الحيوان أيضا، قال شفهوزن: «ليس من العدل ~~أن نقيم حاجزا حصينا بين الإنسان والحيوان بقولنا: الإنسان عاقل والحيوان غير عاقل. وكيف ~~يجوز جعل العقل صفة مميزة لسائر البشر على السواء؟ ونحن نعلم أن بين فروع البشر، بل ~~الأفراد تفاوتا من هذا القبيل، # 7 # فكل واحد عقله بقدر ما قسم له من التهذيب، وأين العقل البشري إذ يقتل المتوحش ~~عدوه ويشرب من دمه؟ وإن قيل: إن ما يميز الإنسان عن سواه إن لم يكن العقل نفسه ~~فقابليته لأن يصير عاقلا، فالاختبار يكذب ذلك؛ لأنه إذا كنا قادرين أن ms069 نعقل فالفضل في ~~ذلك لحواسنا ولجميع وسائطنا العقلية، إلا أن نمو هذه القوى العالي الذي يضعنا فوق ~~الحيوان ليس واحدا في سائر الناس.» ولقد أصاب ليل بقوله: «إن عاملا واحدا روحيا، لا ~~فرق في تسميته بديهة أو نفسا أو عقلا، يتحرك في سائر العالم الحي من أسفل إلى أعلى.» وعلى ~~رأي شفهوزن: «إن القول بأن الإنسان يتميز عن سائر الحيوان لاستعانته بالآلات وحده خطأ ~~مبين؛ لأننا نعلم عن ثقة أن القرد يكسر الجوز بالحجر، وأنه يرمي الحجر بين طبقتي صدفة ~~أم الخلول لكي يفترسها.» # وإنا لفي غنى عن إطالة البحث في هذه الاختلافات بين الإنسان والحيوان؛ فإنها لا تخفى على ~~أحد، وهي ذات شأن عظيم في المدارس، وكتب التعليم مشحونة بها، والمعلمون يدخلونها جبرا ~~أولا وثانيا وثالثا في رءوس التلامذة الذين تأخذهم هزة العزة لعلو مقامهم البشري، وأكتفي ~~منها بذكر قضيتين كافيتين وحدهما لتبيين فساد المذهب كله؛ وهما: الانتصاب في المشي، والنظر ~~المتجه نحو السماء. والقضية الأخيرة مغلوطة؛ لأن الإنسان لا ينظر إلى السماء دائما، كما ~~أن الحيوان لا ينظر إلى الأرض دائما، وإنما كلاهما ينظران أمامهما طبيعيا، وأما ~~أولئك الذين يوجهون أنفهم نحو السماء أكثر مما إلى الأشياء التي أمامهم، فمما يسخر بهم، ~~وبكل الأحوال لا يعتبرون من طبقة أصحاب الأفكار. # وأما المشي عموديا فموجود في كثير من القرود، وربما كان فيها أكثر لولا أنها تقيم ~~غالبا على الأشجار، ولولا أنها ماسكة، فالجيبون وهو أصغر القرود الشبيهة بالإنسان، يكون ~~أكثر قيامه منتصبا إذ يكون على الأرض. وكاستلنو يقول عن اللاكوتريش: # 8 # إنه إذا ربطت يداه وراء ظهره مشى ساعات طويلة على رجليه ولم يتعب. والأتل - أو ~~القرد ذو الصنارة - متحرك جدا، ونبيه كذلك يقف غالبا منتصبا. والشمبانزي والكورلا لا ~~يلمسان الأرض في مشيهما إلا بأصابع اليد أو بقفاها، وهي تشبه يد الإنسان كثيرا. وقد قلنا ~~فيما تقدم: إن مشي الكورلا متوسط بين مشي الإنسان ومشي الحيوان. ويوجد أيضا كثير من ~~القوم المتوحشين يقيمون غالبا على الأشجار كالقرود، وفيهم الرجل ms070 كما في القرود إبهامها ~~موضوعة كما في الرجل الماسكة، فرجل أهالي كلادونيا الجديدة على - قول روكاس - تفيدهم ~~للإمساك، كما تفيدهم للتعرش على الأشجار؛ إذ إنهم يتمسكون بها بالغصون كما تفعل اليد. ~~وأهالي جزائر فيليبين # 9 # لا يتجاوزون أربع أقدام ونصف قدم، وهم قوم متوحشون يقومون عراة أو يشدون على ~~وسطهم فقط منطقة من قشر الشجر. ويقيمون تارة على الأشجار، وتارة على الأرض. وأصابع ~~رجليهم، ولا سيما الإبهام منها، موضوعة وضعا يمكنها من التمسك بها بالأغصان والحبال ~~كاليد. وإحدى قبائلهم المتوحشة واسمها الأجطاس ينصبون غفرهم على الأشجار. ويوجد في ~~الملازيين - سكان جافا الذين يستعملون أرجلهم أيضا كأيديهم - بعض صفات خاصة بالقرد لا وجود ~~لها في الفرع القوقاسي ، فلا يصيبهم الدوار، وينامون معلقين في الهواء مستندين إلى غصن أو ما شاكل. # 10 # ولا شبهة أن الرجل البشرية لم تخسر حركتها إلا شيئا فشيئا؛ لاستخدامها لعمل آخر ~~ولاستعمال الحذاء، ولنا شاهد على ذلك في سكان جنوبي فرنسا، فإن عادتهم على التعرش على ~~الأشجار جعلت عندهم سهولة كلية في تحريك أصابع رجليهم، بحيث يقابلون إبهامهم لباقي الأصابع ~~كالقرود، ويتناولون بأرجلهم أصغر الأشياء (شفهوزن). # على أن وقوف الإنسان عموديا منتصبا على قدميه ليس كله طبيعيا؛ لأن وضع العمود ~~الفقري لا يقتضيه لزوما، إذ لا يرتبط الجسد به إلا من جانب واحد فقط؛ ولذلك كان الأطفال ~~والشيوخ كثيري السقوط إلى الأمام، والأطفال لا يتعلمون المشي منتصبين إلا بكل صعوبة. ولما ~~كان ثقل الجسد كله متعلقا بهذا العمود من جانب واحد فقط، كان ذلك فيه سببا للانحناء ~~الكثير الحصول؛ لأنه كثيرا ما لا يقوى على حمل هذا الثقل. # ولكي نفرغ من هذا الموضوع لم يبق علينا سوى أمر واحد كثيرا ما اعتبروه ذا شأن عظيم، ~~وعند الفحص الدقيق تسقط قيمته كغيره؛ أعني به غشاء البكارة والحيض اللذين اعتبرا أنهما ~~خاصان بأنثى الإنسان، فكلاهما يوجدان في القرود، وفي غيرها من ذوات الثدي أيضا. وقد ذكر ~~الدكتور نوبرت من ستوتكاردت أن بعض أجناس القرود ولا سيما قرود العالم القديم ms071 تحيض حيضا ~~صحيحا، بعضها كل أربعة أسابيع، وبعضها مرتين في السنة. # فيظهر مما تقدم أنه لا يوجد فرق مطلق أو كيفي بين الإنسان والحيوان لا جسمانيا ولا ~~روحانيا، بل الفرق بينهما نسبي أو كمي فقط. على أن الفراغ العظيم الكائن بينهما سيتسع ~~يوما عن يوم؛ لازدياد التمدن ولموت الأصول المتوسطة. ولذلك، كلما بعد الإنسان عن أصله ~~الأول زادت الصعوبة في معرفة الحقيقة، فإن الأصول العليا للقرود والفروع السفلى للبشر صارت ~~في حالة التلاشي منذ زمان طويل، وكل منها يقل سنة عن سنة، بخلاف الإنسان المتمدن، فإنه لا ~~يزال يزداد ارتقاء وانتشارا على سطح الأرض، فسوف تصير المسافة التي تفصل الإنسان عن ~~الحيوان أكبر جدا منها اليوم بعد بضع مئات أو بضعة آلاف من السنين، بحيث يتعذر قطعها على ~~علماء ذلك العصر البعيد إن لم يروا في الكتب مستندات يستندون إليها. # على أن اكتشافات السياح والفوائد الناجمة للعلم منها نتيجتها تسهيل الصعب من ذلك؛ فإنه ~~في أواخر القرن الثامن عشر وفي أوائل التاسع عشر لم يكن يعلم إلا القليل النزر عن القرود ~~الشبيهة بالإنسان، وما كان يذكر عنها حمله كوفيه على محمل الخرافة، وقال: إنه من مختلقات ~~زميله بوفون. وأما اليوم فنعرف أربعة قرود شبيهة بالإنسان: الجيبون والشمبانزي والأوران ~~أوتان والكورلا، ومعرفة هذا الأخير حديثة العهد، فالكورلا يشبه الإنسان كثيرا بالقد ~~والهيكل، وكيان اليد والرجل والتسنين وغير ذلك. ومهما روي عن قوة هذا الحيوان وشراسته من ~~المبالغة فقد تحقق أنه صحيح في أكثره. وهو أقوى القرود الشبيهة بالإنسان على القيام ~~والمشي واقفا، إلا أنها تشبه الإنسان في بعض أشياء أكثر منه، فالشمبانزي له رأس ودماغ ~~قريبان من رأس الإنسان ودماغه، والجيبون وإن كان لا يتجاوز قده ثلاثة أقدام إلا أنه ~~يشبه الإنسان كثيرا بقفص صدره وأنواع جلوسه. # فأوجه الشبه مع الإنسان غير محصورة في نوع واحد من القرود، بل متفرقة في أنواع كثيرة، ~~وهذا كاف لإظهار غلط أولئك الذين يريدون أن يحصروها على ما يفهمون من مذهب دارون في صورة ~~واحدة ms072 تصل بينه وبين القرود رأسا، وقد بينت هذا الغلط فيما تقدم، حيث قلت: «إنه لا يجوز ~~البحث عن صور انتقالية بين الصور الحاضرة، ولكن بينها وبين جد قديم انقرض من زمان طويل، ~~وكان يجمع فيه الصفات المختلفة للأنواع الحاضرة، وقلت أيضا، وقد ذكرت مثال الصور الأربع ~~الحاضرة الفرس وحمار الوحش والحمار والكواجا: إنه لا شك في أن أصلها واحد، إلا إنه لا ~~يجوز أن نطمع بوجود صور حية متوسطة بينها، قال الأستاذ هليار: «إن الأجسام الحية ~~المقيمة بعضها بجانب بعض قد تكون مختلفة جدا، ولا حاجة إلى أن يكون بينها صور انتقالية؛ ~~لأنها لم تتكون بعضها من بعض، بل تكونت بعضها بجانب بعض، ولئن كان جدها واحدا إلا أنه ~~يمكن أن تكون مختلفة جدا.» # كذلك إذا أردنا شق الإنسان من عالم الحيوان على مذهب دارون؛ فلا يجوز لنا أن نبحث عن ~~صور متوسطة بينه وبين الكورلا، بل بينه وبين جد أو أجداد مجهولة نشأ منها فرع الإنسان ~~من جهة، وفرع القرد من جهة أخرى.» # ورب قائل يسأل: هل مثل هذه الصور الانتقالية وجد أو وجد ما يدل على وجوده؟ # فأجيب: نعم؛ فإن الاكتشافات العلمية في هذه السنين المتأخرة قد جادت علينا بكثير من ذلك. ~~على أن هذه الاكتشافات على فرض أنها لم تعلم، لا يجب أن تحول بيننا وبين إطلاق مذهب ~~دارون على الإنسان؛ لأنه كما تقدم في المقالة السابقة جوابا على اعتراض فقدان الصور ~~الأحفورية المتوسط لا قيمة لهذا الاعتراض، لقلة المعلوم لنا من الأرض. ويتضح ذلك أكثر مما ~~يأتي؛ فإن القارات التي تعيش فيها القرود الشبيهة بالإنسان الكبيرة، والتي يلزم أن تكون ~~فيها الصور المتوسطة لا تزال محجوبة عن الأبحاث البالنتولوجية، وهي المناطق الحارة لقارة ~~أفريقيا وجزائر جافا وبورنيو وصومترا. ولا نعرف شيئا أيضا عن ذوات الثدي التي كانت تعيش ~~في طبقة البليوسن، والبليوسن الأخير لهذه الأماكن. وأما في أوروبا فقد وجد في طبقات ~~الميوسن؛ أي في متكونات الأرض أيام كانت أوروبا حارة أكثر من اليوم، بقايا قرود ms073 ~~أحفورية، وكان يظن من عهد غير بعيد أنه لا يوجد قرود أحفورية في أوروبا، كما كان يظن ~~أيضا أنه لا توجد أحافير بشرية لا سبيل اليوم إلى الشك بوجودها. وقد استخرج من أوروبا ~~في زمن قصير ستة أنواع من القرود الأحفورية بعضها يجمع فيه بعض الصفات الموجودة في القرود ~~والإنسان اليوم، وروتيمير وجد في الأراضي الثلاثية لسويسرا قردا أحفوريا يجمع فيه صفات ~~ثلاثة أنواع من القرود الحية (وهي: الكترهين والبلاتيرهين والمالكي). والقرد المسمى ~~دريوبيتكوس لارتت نوع من الجيبون طويل الذراعين، وجدت بقاياه في سفح جبال البيرنيز ~~الفرنساوية سنة 1856 في طبقات الميوسان الأعلى، وكان أكبر من الكورلا، وأسنانه أكثر شبها ~~بأسنان الإنسان من الشمبانزي؛ أي كان أقرب إلى الإنسان من سائر القرود الحاضرة الشبيهة ~~بالإنسان. # فإذا كان مثل ذلك وجد في أوروبا، حيث كان الأمل به قليلا جدا، فكم يجب أن يكون ~~كثيرا في الجهات الاستوائية التي هي موطن القرود الكبيرة، ولا سيما في طبقات البليوسن ~~والبليوسن الأخير. وأما زوال الصور المتوسطة وعدم بقائها زمانا طويلا، فلما حصل بينها ~~وبين الإنسان من المنازعة الشديدة في تنازع البقاء. # فمن الجهة الواحدة قد وجد إذن قرود أحفورية أقرب إلى الإنسان من القرود الحاضرة، ويرجى ~~وجود أخرى تكون دليلا أوضح أيضا. ومن الجهة الأخرى قد وجد أيضا في هذه السنين الأخيرة ~~كثير من صور البشر الأحفورية، ومن المصنوعات البشرية وهي قديمة العهد جدا. والأربعة أو ~~الخمسة آلاف سنة المعروفة لتاريخ الإنسان ليست شيئا بالنظر إلى وجوده السابق العهد ~~التاريخي. وتكوين هذه الآثار التشريحي يضيق المسافة التي تفصل الإنسان عن الحيوان أيضا. ~~ويطول بنا الشرح إذا أردنا فحص هذه المسألة المهمة بالتدقيق، فلتراجع في مؤلفات ليل وشارل ~~فوجت وهكسلي وبوشه، وغيرهم من العلماء الذين بحثوا فيها، فقط أقول: إن جميع الجماجم ~~والعظام البشرية القديمة العهد جدا خصوصا الجمجمة الشهيرة لنياند رسال، والفك السفلي ~~الأحفوري الذي وجده ديبون حديثا في مغارة نولات على اللاس في بلجيكا، كلها ذات تكوين دنيء ~~جدا شبيهة بتكوين الحيوان وقريبة ms074 من القرد؛ أي تدل على أصل حيواني. ثم ولئن يكن تكوين ~~الأحافير البشرية السافلة أدنى من تكوين أدنى المتوحشين اليوم، إلا أن الإنسان القرد - ~~كما يقول شفهوزن - الذي لا بد من أن نعثر عليه يوما ما لم يوجد بعد، والسبب العظيم ~~لذلك - بقطع النظر عن قلة المعلوم لنا من الأرض - هو عدم موافقة الأحوال الجيولوجية في ~~الماضي القديم جدا لحفظ العظام البشرية، خلافا للعصر الذي وجد فيه الإنسان المعاصر ~~المموث والحيوانات الكهفية. ولهذا السبب - كما يقول شفهوزن أيضا - لا يرجى العثور على آثار ~~الإنسان القديمة جدا إلا في أحوال غير اعتيادية. ومع ذلك فربما لا يحرم العلم من هذه ~~الاكتشافات. وأنا من رأي جورج بوشه في هذا المعنى ، حيث يقول من رسالة في الأنثروبولوجيا ما نصه: # إن البالنتولوجية البشرية ربما تظهر لنا يوما من الأيام أجساما حية نحتار ~~فيها: أبشر هي أم قرود بشرية! # وهو يقول أيضا من كتاب في كثرة الفروع البشرية (سنة 1864) من فصل منه ما نصه: # من يقول أننا لا نجد غدا جمجمة قد نضطر لوضعها بين القرد الشبيه بالإنسان ~~والإنسان. # وإنه لأمر مقرر في سائر الأحوال أن ما اكتشفه وحصله العلم مهما كان قليلا وناقصا، ~~فجميعه يشير إلى معنى واحد؛ أي إلى رباط شديد يربط الإنسان بالحيوان. وإذا كان غير ذلك، ~~فلماذا لم نجد أمرا واحدا يدل على الضد منه، أو شيئا يدل على الفردوس، أو على صورة بشرية ~~أكمل من الصورة الحاضرة من الصور الكاملة التي خلقها الله، والتي نحن أولاد لها، ولحق بهم ~~النقص بسبب الخطية، فالجواب: لأن ذلك أمر مستحيل؛ إذ لا يمكن أن يكون شيء يضاد وحدة ~~الطبيعة، قال بوشه: «الطبيعة واحدة، وسعي العلوم الحديثة إنما هو للوصول إلى هذه ~~الوحدة.» # وإذ تقرر ذلك لم يبق علينا إلا أن نعرف كيف تخلص عقل الإنسان وصورته من عقل الحيوان ~~وصورته؟ وبأي الطرق؟ # ليس لنا من المواد ما يكفي للجواب على هذه المسألة جوابا صريحا أكيدا، إلا أنه ~~يمكن توضيح بعضها والبحث في هل ms075 حصل ذلك فجأة أو رويدا رويدا؟ فليل الذي بحث فيها في كتابه ~~«قدم الجنس البشري» يزعم أن هذا الارتقاء حصل للإنسان فجأة، مستندا فيه إلى النوابغ ~~الذين نبغوا في التاريخ بدون أن يكون في أجدادهم شيء من الذكاء يدل على مجيئهم، فربما حصل ~~هكذا في بعض الأفراد أو الأصول الحيوانية، فشبت فيه بعض الصفات البشرية، فنشأ عنه فرع ~~أقرب إلى الإنسان. وهذا الزعم فيه شيء من المذهب الذي تكلمنا عنه فيما مر؛ أي مذهب التكوين ~~الكثير الطبائع للأستاذ كوليكر. # فمن أراد تصديق هذا الرأي فهو مخير، وأما أنا فلا أراه ضروريا، بل الارتقاء البطيء ~~كاف للتعليل عن كل أمر. والنوابغ لا يسقطون من السماء كما يظهر من كلام ليل، بل هم نتيجة ~~فعل النواميس الطبيعية المحدودة الأموال المناسبة، كطبيعة الوالدين، وامتزاج صفاتهما ~~المتضادة امتزاجا حسنا. وأضف إلى ذلك التربية والأسرة والمكان والزمان، وغير ذلك من ~~الشروط التي لا تنبغ النوابغ بدونها. وما عدا ذلك ففي الطبيعة ناموس عام، هو أن صغار ~~الحيوانات والقرود والبشر الذين هم من أدنى جنسهم، يتشابهون أكثر من البالغين في تكوين ~~الجمجمة وقابلية العقل؛ فإن صغار القرود خاصة يشبهون جدا الأطفال باستدارة جمجمتهم، ولا ~~تتميز فيهم صفات القرد إلا مع السن، فتبدو الانخفاضات والبروزات والشكل الزاوي، وبروز ~~الوجه عن الجمجمة. وكذلك يحصل في الأخلاق فتزداد القرود شراسة وقساوة، ولا تذعن للتربية ~~كلما طعنت في السن. وهكذا أيضا في أولاد السود كما يعلم من روايات يوثق بها، فإنهم ~~يظهرون في المدارس ذكاء وقابلية للتهذيب لا مزيد عليهما، فإذا بلغوا أشدهم تخلقوا ~~بأخلاقهم الوحشية، وخسروا كل ما اكتسبوه بالتعليم كأن لم يكن شيء من ذلك. فمثل هذه ~~الشواهد يعلمنا أنه يوجد في سن الصبوة استعداد خصوصي لقبول الارتقاء، فإذا وافقت الأحوال ~~الخارجية فربما شب أصل من الأصول لما فيه من القابلية وهو صغير، فبلغ ارتقاء عاليا ~~حسيا ومعنويا. # أرنست هكل. # فما هي الآن نتيجة إطلاق مذهب التحول على الإنسان، هل هي جيدة أم ردية؟ معظمة أم ~~محقرة؟ مكروهة ms076 أم مقبولة؟ وهل أصاب «ولفجان منزل» في تنديده بي حيث صرخ متكرها: «الإنسان ~~ابن قرد، آلة مصنوعة للبهيمية!» أو يجب اتباع رأي هكسلي الذي يقول: إنه عوضا عن أن نرى في ~~انحطاط أصل الإنسان عارا وسببا للقنوط، ينبغي علينا باعتبار أصلنا وما وصلنا إليه ~~بالتربية أن نزداد رغبة ونشاطا لبلوغ غاية أعظم فأعظم، وأعلى فأعلى دائما. # فأنا من هذا الرأي، وأختم مقالتي بكلام استعرته من كتاب «تاريخ الرأي المادي» للفاضل ~~لانج، حيث قال: # لا يليق بالفيلسوف أن يحمر خجلا كما فعل بلينوس من حقارة أصلنا؛ لأن ما يظهر ~~لنا أنه حقير هو بالحقيقة أجل شيء، وقد صرفت الطبيعة فيه أعظم صناعة. حتى لو ~~كان الإنسان من أصل أدنى أيضا، لما اقتضى أن ينحط عن كونه أشرف الكائنات. # 11 # | المقالة الرابعة # نفحص في هذه المقالة مذهب دارون بالنظر إلى مذهب التقدم ونواميسه في الطبيعة ~~والتاريخ. # تقدم فيما مر أن الارتقاء في التحول نتيجة غالبة لا لازمة، وقد ذكرت شاهدا على ذلك ~~الأصول الباقية على حالها للحيوانات البحرية الدنيا، فإنها لم تستفد شيئا بالانتخاب ~~الطبيعي، أو استفادت شيئا لا يذكر؛ لشدة بساطة تركيبها، ولاستواء أحوال الأشياء التي من ~~خارج المحيطة بها. وذكرت أيضا بعض أمثلة تدل على تقهقر بعض الأحياء، وقلت: إن الانتخاب ~~الطبيعي قد تكون نتيجته في بعض الأحوال تقهقرا لا تقدما. وفي وسعي أن أضيف إلى ذلك أيضا ~~بعض طوائف من الحيوانات الدنيا خاصة، كانت في الأصل أعلى تركيبا، وأكثر اختلافا منها ~~اليوم. # فبناء على ذلك وعلى أمور أخرى، قد أنكر بعض العلماء الارتقاء في الأحياء، ومنهم قوم من ~~مذهب دارون، وليل مع كونه من مذهب الارتقاء مرتاب في مسائل كثيرة، وخصومه مع اضطرارهم ~~للإقرار بارتقاء بعض الطوائف والأجناس، يزعمون أن ذلك لا يدل دلالة صريحة على أن ~~الارتقاء مطرد في سائر الأحوال. # فالعلماء، ولا سيما علماء الإنكليز الذين بحثوا كثيرا في هذه المسألة، منقسمون إلى ~~قسمين: أصحاب مذهب التحول، وأصحاب مذهب الارتقاء. فمن القسم الأول من ينكر الارتقاء، ومن ms077 ~~القسم الثاني من ينكر التحول. ومثل هذا الاختلاف حصل بين العلماء في ألمانيا أيضا، وقد ~~اشتد بينهم الخصام، ولا سيما على مذهب جيولوجي وضعه أولا الأستاذ بيشوف من «بون». فأصحاب ~~هذا المذهب ينكرون كل ارتقاء في العالم العضوي، ولا يستغربون وجود آثار بشرية في الصخور ~~السيلورية والدفونية؛ أي في باطن الطبقات المشهورة أنها أقدم المتكونات الأرضية، وذلك موافق ~~لرأيهم في تكوين الأرض؛ إذ يعتقدون أن الأرض لم تتغير في أحوالها منذ الأزل، فلم تتغير في ~~موجوداتها، وكل دور من أدوارها عود على بدء. على أن الجيولوجيا لا تستطيع فصل المسألة ~~وحدها، بل يلزم في ذلك اعتبار البالنتوجيا والتشريح، والفيزيولوجيا والأمبريولوجيا أيضا، ~~فلا يصح الحكم إلا بعد اتفاق سائر هذه العلوم. # ومن زعماء هذا الرأي أطوفولجر ظهر أولا بكتاب سماه «الأرض والأزل» (سنة 1857)، ثم برسالة ~~تلاها على مجمع الطبيعيين في ستيبين (سنة 1863). فهو يرى أن المذهب القديم المعول عليه ~~حتى اليوم؛ أي «العالم الأول للأسماك»، و«العالم الثاني للجرذان»، و«العالم الثالث لذوات ~~الثدي وللطيور»، و«العالم الرابع للإنسان» تنقضه الاكتشافات الحديثة، وأن أصل طوائف ~~الحيوان المختلفة أبعد كثيرا مما يظن، فإنه تعلم الآن ذوات ثدي وطيور من الدور الثاني، ~~وجرذان من الطبقة الكلسية الصدفية حتى في الشيست # 1 # النحاسي، وفي أنتراسيت # 2 # الدور الأول أيضا ... إلخ. ولا يزال يوجد اليوم صور متوسطة غير الأحفورية مثل ~~الخفاش، فإنه بين ذوات الثدي والطيور، ومثل طوائف الحيتان فإنها بين ذوات الثدي والسمك ... ~~إلخ. ويوجد اليوم أيضا أحياء أو طبائع مركبة تعتبر أصولا خاصة بالأدوار الأولى تنحل ~~بالنمو، ولا يندر وجود طوائف في الأدوار الأولى تكونت قبل طوائف أدنى منها. وكما أنه يحصل ~~تقدم في بعض الأحوال يحصل تأخر كذلك في البعض الآخر. ويظهر أن الصور العليا تتعاقب مع ~~الصور الدنيا غالبا بدون ناموس ظاهر، فيحصل تجدد دائم في الصور - كما يقول فولجر - لا ~~يعلم ناموسه. ولا يوجد ناموس عام للارتقاء، ففولجر يسلم بالتحول في أهم معانيه، ولكنه لا ~~يسلم بالارتقاء. # وقد ذكر الدكتور «موهر» في كتابه ms078 «تاريخ الأرض» (سنة 1866) ما يشبه ذلك، قال: # إن التمييز الذي يميزون به تاريخ الأدوار الأرضية المختلفة بحسب نظامها مغلوط، ~~وإن الارتقاء والتقهقر في عالم الأحياء، وإن كانا يحصلان في الجزء قبل ملاشاته، ~~إلا أنهما متعادلان في الكل، فالارتقاء الدائم إلى ما لا نهاية له حلم ~~جميل. # وهكذا يقال عن التاريخ أيضا على رأيه ورأى باقي خصوم الارتقاء، والبراهين التي يستندون ~~إليها واحدة في التاريخ والطبيعة. # والبراهين المأخوذة من الطبيعة هي: # أولا: # إن الأحياء والحيوانات البحرية الأولى الدنيا # 3 # هي اليوم كما كانت في ابتداء العالم، فأين الارتقاء هنا؟ # 4 # ثانيا: # إن طوائف الأحياء الأربع أو الخمس الكبرى؛ أي النباتات والحيوانات ~~الأولى والمشععة والرخوة والمفصلة، حتى ذوات الفقرات توجد منها آثار ~~مجتمعة أو متجاورة في أسفل طبقات الأرض. فلو كان مذهب الارتقاء صحيحا، ~~لاقتضى أن يكون الأعلى منها بعد الأدنى، فتكون النباتات أولا، ثم ~~الحيوانات الأولى، ثم وثم ... إلى الحيوانات الفقرية التي يقتضي أن تكون في ~~الآخر. وقد يكون أقدم الصور بالغا من التكوين درجة عالية؛ فإن أقدم ~~النباتات البحرية المعروفة يعادل اليوم أعلى صور طائفتها الدنيئة جدا في ~~سلم الأحياء كما لا يخفى. # ثالثا: # إننا نجد في الطبقات الحديثة أجناسا أو أنواعا أدنى منها في الماضي، ~~وبعض حيوانات دنيئة فوق حيوانات عالية جدا. وبعض الأكينيودرم والحيوانات ~~المشععة - على قول أجاسيز - ذو تكوين أعلى منه في الرخوة أو المفصلة، وربما ~~في بعض ذوات الفقر أيضا. ويوجد أيضا في طائفة الحيوانات المفصلة ذباب ~~يصعب إظهار ارتفاعه على القشرية، وإن كانت أدنى منه جدا في سلم الأحياء. ~~وبعض الديدان قد يكون أعلى من بعض القشرية، وبعض عديمات الرأس قد يكون أحسن ~~تكوينا من بعض البطنية الأرجل أو الحلزون ... إلخ. # رابعا وأخيرا: # إن كثيرا من الأجناس والطوائف كان في الأيام الأولى أكمل منه اليوم، ~~فلو كان الارتقاء يحصل دائما وأبدا لما كان فيه ذلك. والحيوانات الرخوة كالسفالوبود # 5 # والبراشيوبود # 6 # كانت في الدور الأول بالغة في النمو، ومتنوعة جدا في الصور ~~خلافا لليوم، فإنه ms079 لم يبق من هاتين الطائفتين إلا الشيء القليل ~~المعروف. ويلتقي أيضا في هذه الأدوار القديمة صور نامية جدا وبالغة في ~~التكوين، مثل «ليس» البحر الموجود في المتكونات الأولية والثلاثية للأرض، ~~فإن صدفته مؤلفة من ثلاثين ألف قطعة متميزة، موضوعة أحسن وضع لموافقة سائر ~~احتياجاته. وليس ذلك خاصا بالحيوانات الرخوة، بل يوجد في سائر طوائف ~~الحيوان؛ فإن تكوين بعض حشرات الدور الثاني أكمل منه في أمثالها اليوم ~~كالتمساح مثلا. وكان للحشرات أنواع تفوق حد الحصر، وبعضها كان يبلغ كبرا ~~هائلا، ولم تقل إلا بعد حين؛ لمنازعة ما كان من ذوات الفقرات أكمل ~~منها لها. وكانت الطيور وذوات الثدي في الدور الثلاثي تبلغ نموا كبيرا ~~جدا هي في الحاضر دونه، وقد ذكرت فيما تقدم تقهقر بعض الأنواع كالديدان ~~البطنية والحيوانات الحلمية ... إلخ. # ومن الأمثلة الدالة على تقهقر بعض الصفوف يذكرون الحيات مثالا لصف الحشرات، والطيور ~~الكبيرة والإوز الدهني بسبب ضمار جناحيه مثالا لصف الطيور، ثم الحيتان لصف ذوات الثدي ... ~~إلخ. # ويدفعون الارتقاء في التاريخ بنفس الحجج أيضا قالوا: # أولا: # إن بعض الشعوب لا يزالون حتى الآن كما كانوا في الأصل؛ أي لا يزالون ~~على عادات الإنسان السابق العهد التاريخي المعاصر للمموث، ولدب الكهوف، ~~وللأيل العظيم، ولوحيد القرن الأول. ومنهم حتى يحارب حتى اليوم بأسلحة من ~~الحجر وله آلات مصطنعة من الحجر، ويسكن أكواخا من ورق الشجر أو ما شاكل، ~~ويعيش كالحيوان وهو واقف لا يتقدم لا جسديا ولا عقليا. # ثانيا: # إن بعض الشعوب يقف بعد أن يبلغ درجة معلومة من التمدن ساكنا زمانا ~~طويلا، ربما كان ألف سنة مثال ذلك الصينيون. # ثالثا وأخيرا: # إن بعض الشعوب بعد أن بلغ ذرا المجد والتمدن انحط إلى حضيض الجهل ~~والغباوة: قابل العصور القديمة الزاهية لليونان والرومان بما عقبها من ~~العصور التي انحطت فيها العلوم والصنائع عندهم، وقابل عصر بريكلس بالعصور ~~المظلمة بعده، وافتكر بما كانت عليه بلاد مصر والعجم والهند وآسيا الوسطى ~~وأفريقيا الرومانية واليونان وإيطاليا وإسبانيا ومكسيكا ... إلخ، وبابل ~~ونينوى وأكبتان وبرسبوليس ورومة وغيرها، ms080 ثم افتكر بما لحق بها من السقوط. ~~واعلم أن الاكتشافات الجديدة ترينا التمدن في الماضي أبعد فأبعد يوما عن ~~يوم كما في بلاد مصر. # ولقد تقهقرنا كذلك في أمور عديدة عقليا وأدبيا: قابل سياسة اليونان والرومان الناضجة ~~المستقلة بسياستنا العجزاء المذبذبة، والفلسفة الحرة قبل عهد المسيح بما آلت إليه بعده؛ إذ ~~صارت خادمة لعلم اللاهوت. أو قابل كذلك الفضائل النبيلة للجمهوريات القديمة بحب الملاذ ~~الدنيئة، والأميال الذاتية، وحب المكسب حلالا كان أم حراما، التي هي صفات بالغة في هيئتنا ~~السياسية والاجتماعية. واعتبر أيضا أن ارتقاء ما نسميه الحق لم يفد بعد أكثر من ألف سنة، ~~إلا لتنصيب القوة الوحشية والقساوة البربرية على تخت أعظم الأمم تمدنا. # 7 # فمجرى الأشياء إذن واحد في التاريخ والطبيعة؛ أي إنه يحصل تغير دائم في الزمان والمكان ~~والبشر، فيحصل تعاقب دائم بين التقدم والتأخر، والعمار والخراب، والنمو والوقوف، والولادة ~~والموت. وأما الارتقاء الدائم فيعد من الأماني التي لا تنال، بل كل شيء يتحرك في دائرة ~~مصمتة أشبه بالحية الرمزية التي تعض ذنبها، أو أن الأشياء تجري كما في مرسح تتغير فيه ~~المناظر والأشخاص على الدوام، حيث يظهر أن كل شيء يتحرك بنشاط مع أنه لا يزال في ~~مكانه. # وقد أشار أحد شعراء الألمان روكرت إلى مشهد هذا التغير في التاريخ بقصيدة غناء، جعل ~~موضوعها سياحة أحد أشخاص ميثولوجيا الفرس، واسمه الخضر # 8 # في العالم، وهو نبي لا يزال حيا، ولا يفارقه الشباب، وقد التزمنا تعريبها ~~بحسب ترتيبها، قال: # قال الخضر الشباب الأزلي: مررت ذات يوم بإحدى المدن فرأيت رجلا يقطف أثمارا من ~~بستان، فسألته عن عمر المدينة، فقال وقد رجع إلى عمله: «المدينة موجودة منذ الأزل، ~~وستبقى إلى الأبد.» # ثم بعد خمسمائة سنة مررت ثانية بالمكان عينه، فلم أجد للمدينة أثرا، بل وجدت ~~راعيا منفردا يعزف على مزماره، والقطيع يرعى النبات والشجر، فسألته: من عهد كم ~~اختفت المدينة؟ فقال وقد عاد إلى النفخ في قصبته: «هذا ينبت متى يبس ذاك وهذا ~~المكان مرعى منذ القديم.» ms081 # ثم بعد خمسمائة سنة مررت ثالثة بنفس المكان، فوجدت بحرا متلاطم الأمواج، وعلى ~~شاطئه صياد يلقي شبكته، فسألته وكان قد وقف ليستريح: من عهد كم البحر هنا؟ فقال وقد ~~ضحك من سؤالي: «من عهد وجود الأمواج المزبدة، اصطاد الناس ويصطادون في هذا ~~المرفأ.» # ثم بعد خمسمائة سنة مررت رابعة بالمكان عينه، فوجدت غابة ورجلا يقطع شجرة فيها ~~فسألته عن عمر هذه الغابة، فقال: «الغابة مسكن أزلي ومنذ زمان أقطن فيها، وهذه ~~الأشجار ستنبت هنا إلى الأبد.» # ثم بعد خمسمائة سنة مررت خامسة بهذا المكان، فوجدت مدينة زاهرة تتزاحم فيها ~~الأقدام، فسألت عن عهد بنائها، وأين الغابة والبحر، وقصة الراعي، فقيل لي ولم يعبأ ~~بقولي: «الحال هنا لم تتغير منذ القديم، وستبقى كذلك إلى الأبد .» # وسأجد نفس الشيء بعد خمسمائة سنة أيضا. # فتاريخ الأرض وتاريخ الإنسان على مذهب الذين ينكرون الارتقاء معبر عنهما بتصور هذا ~~الشاعر. وهذا التصور يوافق أيضا أصحاب الارتقاء؛ إذ يريهم أعظم التغيرات يتعاقب في ~~الطبيعة، وفي تاريخ الإنسان، إلا أن الأزمنة التي يقتضيها ذلك لا يدركها الإنسان الذي ~~يرى أن كل شيء حوله ساكن، ولا يدركها إلا من أعطي له علم كل شيء. وإله هذا الشاعر ~~حقيقة هو العلم الذي لا يقتصر نظره على الحاضر القصير، بل يمتد إلى ما وراء ذلك. وما يؤاخذ ~~به على الشاعر روكرت علميا إنما هو قصر الزمان الذي اعتمد عليه في أدوار سياحة سائحه، فلو ~~قال: خمسة آلاف سنة عوضا عن خمسمائة؛ لكان أقرب إلى الحقيقة، ولزاد شعره رونقا ~~أيضا. # فلو صح ذلك وصحت الاعتراضات على الارتقاء، لكنا في أسوأ الحالات التي كشفها لنا العلم ~~وأضعفها للعزيمة؛ إذ يكون وجودنا ووجود الشعوب والأمم والحياة في عموم الطبيعة منذ ملايين ~~من السنين، عبارة عن عود الأشياء على نفسها لا بدأة ولا آخر، ولا غاية ولا تكميل، فتظهر ~~الأفراد والشعوب والأمم والنظامات، وتختفي كأمواج البحر بدون أن تترك لوجودها أثرا إلا ~~مكانا فارغا تملؤه موجة جديدة تنسحب، ثم يأتي غيرها وهكذا إلى ما ms082 لا نهاية له. # 9 # على أن ما نعلمه يجعلنا نجزم بأن القول بسكون أبدي أو بحركة دائمة لا تقدم فيها خطأ، ~~وأي خطأ! فإن الأشياء في الطبيعة والتاريخ تدلنا بالضد من ذلك على تقدم دائم ولو بطيء، ولا ~~يراد من هذا القول أن الاعتراضات المذكورة غير صحيحة أو لا قيمة لها، كلا، وإنما تدل ~~على أن الأشياء ليست بسيطة كما كان يظن، وكما لا يزال يظن أيضا كثيرون. فقد كان الاعتقاد ~~زمانا طويلا أن جميع الأجسام الحية تؤلف من أعلى إلى أدنى سلسلة بسيطة منتظمة، وأنه ~~لم يكن للنمو في الماضي والحاضر إلا سير صاعد، وهذه السلسلة التي آخرها الإنسان لا بد ~~أن كان أولها في ذي الكرية الواحدة، أو الإسفنج، أو بعض الصور النباتية الدنيئة جدا. ~~وعليه، فالنباتات لاعتبارها أدنى الأحياء وجدت أولا، ثم الحيوانات الدنيا التي خرجت منها ~~الحيوانات المشععة والرخوة، ثم المفصلة الناشئة من الرخوة، ثم الأسماك من المفصلة، فالحشرات ~~من الأسماك، ثم ذوات الثدي والطيور من الحشرات، ثم الإنسان. واعتقدوا كذلك أن مثل هذا ~~الترتيب كائن في نفس الصف، وأن كل صورة ناشئة من صورة أدنى منها، فهذا المذهب قد انتقض ~~اليوم؛ إذ لا يتفق مع سائر الأشياء، ولا سيما مع تحول طائفة كبيرة إلى أخرى. # فسير النمو العضوي والارتقاء المتعلق به هو غير ذلك، وأكثر اختلاطا أيضا، فهو ليس سلسلة ~~واحدة فقط، بل سلاسل كثيرة متوازية نشأت في الأصل من أصول واحدة، أو من أصل واحد، ثم انبثت ~~متشعبة إلى ما يفوق حد الحصر عدا واختلافا، وقبل بسط هذه القضية المهمة لا بد من ~~تفنيد الاعتراضات المعترض بها على مذهب الارتقاء واحدا واحدا، فأقول: # إن الحجة التي يستند إليها أوطو فولجر؛ أي وجود صور ذات تكوين عال في الطبقات القديمة ~~جدا للأرض حيث لم يكن يظن - على فرض صحتها - لا تنقض مذهب الارتقاء، وإنما تبعد أصل ~~الحياة ومتفرعاتها إلى أزمنة أبعد وأدوار جيولوجية أقدم. ومن المسلم به أن الحي كلما ~~كان أرقى كان زمان تكوينه ms083 أطول، ولا صعوبة في قبول ذلك، إذ إن الزمان لا ينقص الجيولوجيا، ~~فلا ينبغي أن نتوهم أننا نعرف أقدم طبقات الأرض، كلا، بل يجب أن ننتظر اكتشاف طبقات ~~أقدم فأقدم يوما فيوما. وبقطع النظر عن النظام الكمبري # 10 # السابق الطبقات السيلورية # 11 # السميك جدا، والذي لزم لتكونه ملايين من السنين، والذي ليس للحياة فيه ~~إلا آثار مشتبه فيها، قد اكتشفوا حديثا في أميركا كما مر في مقالتي السابقة في الكلام ~~على «الأيوزون كنادنس» عدة طبقات بلورية سموها الطبقة اللورنسية، وهذه الصخور أسبق من أقدم ~~الطبقات الأوروباوية التي تسرعوا في اعتبارها الأولى، وقد وجدوا فيها بقايا حيوان اسمه ~~«الأيوزون كنادنس». قال السير شارل ليل في خطاب ألقاه في افتتاح مجمع الطبيعيين الإنكليز في ~~باث سنة 1864 ما نصه: # إنه يحق لنا الظن بأن هذه الحجار الموجود فيها هذه الآثار الحيوانية، هي من عمر ~~طبقات أوروبا المسماة عديمة الحيوان إن لم تكن أقدم منها؛ أي إنها تقدمت الطبقات ~~التي كانوا يعتبرونها سابقة كل حياة. # 12 # فالحياة لم تبتدئ حيث توجد الآثار العضوية بكثرة فقط. ولا بد أن يكون قد مضى عليها ~~آلاف من القرون قبل أن أمكنها ترك آثارها في قلب الحجار، فالمتكونات الحيوانية الأولى لا ~~تقع إذن تحت المشاهدة، والحجارة التي اعتبروها حتى اليوم كأنها أول المتكونات الجيولوجية، ~~والتي ليس فيها أثر أو فيها آثار مشبهة للحياة، لا بد أن مضى عليها زمان طويل حتى تكونت؛ ~~نظرا لعظم سماكتها. فإذا لم نجد آثار الأحياء الأولى بكثرة؛ فلعدم حفظها لصغرها، ولقلة ~~متانتها، ولنقص تكوينها من جهة، ولشدة تغير الحجار القديمة جدا في جوف الأرض من جهة أخرى. ~~وكما تقدم يجب أن ننتظر العثور على حجار أقدم فأقدم يوما عن يوم، كما يدل على ذلك اكتشاف ~~الطبقة اللورنسية الحديث. # وهكل يقول: إن الطبقات النبتونية أو السيلورية التي اعتبرت خطأ حتى اليوم أقدم الطبقات، ~~والتي يوجد فيها آثار حيوانات نامية جدا ومتميزة كذلك، هي حديثة العهد بالنسبة إلى غيرها، ~~ويظن أن الزمان الذي اقتضاه ms084 تكون الطبقات السابقة في الجيولوجيا العضوية أطول جدا منه ~~في اللاحقة، كما يستدل من عظم سماكة النظامين الكمبري واللورنسي. وهذه الاعتبارات تضعف ~~أيضا قيمة الاعتراض المأخوذ من وجود آثار الأربعة، أو الخمسة صفوف الحيوانية معا في أعمق ~~طبقات الأرض؛ لأنه لما كنا لا نعرف - أو نعرف ولكن معرفة ناقصة - أقدم الطبقات حقيقة، ولا ~~نعرف الأحياء التي تتضمنها، لم يكن يجوز لنا أن نستنتج من طبيعة ما نجده في الطبقات ~~المتكونة حديثا بالنسبة إلى سواها أن التقدم غير حاصل، بل بالضد من ذلك ينبغي أن نسلم ~~بأن الحياة موجودة منذ ملايين من السنين قبل تكون هذه الطبقات؛ أي منذ الزمان اللازم لبلوغ ~~الحياة مبلغ الحيوان العالي في الارتقاء البطيء. # وفي هذا الاعتراض خطأ آخر أيضا، فإن الصفوف الأربعة أو الخمسة الكبرى لعالم الحيوان لم ~~تنشأ بعضها من بعض، ولم ينشأ أدناها من عالم النبات كما يفهم منه، بل تكونت بعضها بجانب ~~بعض كأغصان الشجرة. فالمشععة ليست أصلا للرخوة، ولا الرخوة أصلا للمفصلة، ولا المفصلة ~~أصلا لذوات الفقر، ولا النبات أصلا للحيوان، بل كل من ذلك تكون بعضه بجانب بعض من عناصر ~~واحدة. وربما ارتسمت صور الفروع الفقرية الأصلية منذ الأول، وبعد أن تكونت أخذ كل واحد ~~منها ينمو على حدته، بدون أن يكون بينها صلة إلا ما كان في أول الأمر، وكلما خطت خطوة ~~ابتعدت بعضها عن بعض كذلك. # 13 # على أن ذوات الفقر لم تكن موجودة في الأدوار القديمة جدا؛ لأن رسومها أو أشكالها ~~الأولى غير موجودة في الطبقات السفلى المعتبرة أقدم المتكونات الأرضية، فالقول أن الفروع ~~الكبرى لعالم الحيوان موجودة في الطبقات السيلورية خطأ. وليل الذي يعتمد عليه في هذه ~~المادة يتفق مع باقي المؤلفين، وهو يقول ما نصه: # كان يظن قبل سنة 1838 أن أصل السمك ~~الأحفوري لا يتجاوز طبقات الفحم الحجري، على أنه قد وجد في الطبقات الدفونية حتى ~~في السيلورية أيضا في طبقاتها العليا، لا في طبقاتها السفلى، حيث لا يوجد له أثر، ~~ولا في المنطقة ms085 «لبرند» الأولية الأقدم منها. ويستنتج من ذلك أن الأصل الفقري لم ~~يكن موجودا، أو كان نادرا جدا في أقدم الطبقات المعروفة التي اعتبرت خطأ أنها ~~أول الطبقات، مع أنها آخر سلسلة طويلة من الطبقات التي كانت مأهولة ~~بالأحياء. # واعلم أن أقدم السمك المعروف هو من أدنى السمك؛ أي من السمك الغضروفي، ولا يظهر السمك ~~العظمي الحقيقي إلا بعده بزمان طويل. ولئن كان السمك ذا مقام عال في الأصل الفقري، ~~إلا أنه ابتداء بأصل ذي تكوين دنيء جدا بحيث كان يشتبه بالديدان، أو بنوع من الحلزون ~~لا صدف له. مثال ذلك: الأمفيوكسوس والمكسين، فالأمفيوكسوس الرمحي أو السمك الرمحي لا يزال ~~موجودا حتى اليوم في البحر الشمالي، ويظهر أن أصله من هذه الصور الأولى الدنيئة، وليس له ~~جمجمة ولا دماغ ولا قلب ولا دم أحمر، وتكوينه التشريحي يضعه تحت أكمل أصول الحيوانات الرخوة ~~والمفصلة، مع أنها من صف أدنى جدا من صفه؛ أي من صف ذوات الفقر. # 14 # وفي وسعي إيراد كثير من هذه الأمثلة التي يتضح منها أن الصفوف المختلفة لا ~~تتصل بعضها ببعض رأسا، بل كل أصل متى انفصل من المنبت الأول ينمو نموه الخاص به، والتي ~~يتضح منها أيضا أن بعض الأصول أصلح من بعض في قابليته للارتقاء. والأصل الفقري هو في ~~الواقع أصلحها من هذا القبيل؛ ولذلك قد سبق باقي الصفوف جدا، ولو أنه ابتداء - كما قلت ~~- بصور أدنى جدا من أكمل صور هذه الصفوف. # فلا نستغرب بعد ذلك إذا بلغ بعض الفروع أو الطوائف نموا أكمل من نمو بعض الطوائف ~~المعاصرة له والأعلى منه؛ لأنه أمر واضح أن مجاميع الأجسام الحية كالأفراد لها دورة ~~حياة معلومة، فإذا قطعتها فإما أن تقف عند النقطة التي وصلت إليها، وإما أن ترجع ~~متقهقرة، بينما يبقى غيرها متقدما حتى يبلغ درجة أعلى منها سواء نشأ معها، أو نشأ بعدها ~~بزمان طويل، كالشجرة التي تيبس فروعها السفلى، أو تبقى على حالة واحدة حال كون أغصانها ~~العليا تمتد وتفرخ وتكبر يوما عن يوم. ms086 قال توطل: «إن الأغصان تبقى ما دامت قادرة أن ~~تنمو، فإذا وقف نموها ضعفت، وتلاشت مع الزمان.» # 15 # فلا شبهة في أن هذا النمو في الأنواع سار سيرا صاعدا، وكل صف ابتدأ بصور بسيطة أخذت ~~تنمو بعد ذلك شيئا فشيئا، كما يعلم من الاختبار في الماضي والحال، وإلا لو كان مذهب ~~الارتقاء غير صحيح لحصل ضد ذلك، إن لم يكن في الكل ففي البعض. # فبهذا التعليل البسيط يفهم لماذا هذه المناقضات الكثيرة، وهذا الخروج عن القياس، وهذا ~~التقهقر أيضا في البالنتولوجيا من غير أن يكون في ذلك داع إلى إنكار مذهب الارتقاء؛ إذ ~~لا شبهة في أن الطوائف العليا من حيث ارتقاؤها الكلي جاءت أخيرا. وكلامنا في الكلي لا في ~~الجزئي؛ وعليه فعالم الحيوان هو فوق عالم النبات الذي سبقه بوجه العموم، والأصل الفقري ~~أعلى من الأصل العديم الفقر المتكون قبله. وما كان من الأصل الفقري أتم وأكمل جاء بعدما ~~كان منه دونه، فجاءت الحشرات بعد الأسماك، وذوات الثدي والطيور بعد الحشرات، والإنسان بعد ~~الطيور، وهكذا في كل صف من صفوف ذوات الفقر. ولا يعلم أنه حصل عكس ذلك في الطبيعة ~~البتة. ولئن كانت نواميس الارتقاء الجيولوجي في الحيوانات العديمة الفقر غير واضحة، وكان ~~فيها عدم انتظام في التقدم والتأخر كثيرا، إلا أن الصور الأبسط تتقدم دائما الصور ~~الأكمل، كما يتضح جليا من «السفالوبد» الذي هو أعلى صف الحيوانات الرخوة، وإذا كانت صور ~~الحيوانات الرخوة أكثر تنوعا في متكونات الأرض الأولى، فينبغي أن نعتبر أيضا أنه كلما ~~كانت تلك الأصول الدنيا تنقص كانت الأصول العليا تزيد كذلك. # وقد ذكروا ضد الارتقاء أيضا أن بعض الأنواع الأولى، كليس البحر المار ذكره ذو تكوين ~~كثير الاختلاط جدا. على أن الاختلاط ليس بنفسه علامة على الارتقاء، بل بالضد من ذلك ~~المختلط يسبق البسيط غالبا؛ لأن الطبيعة تحاول دائما أن توزع الصفات المجتمعة في تكوين ~~واحد أولا، وتفصل بينها على صور متميزة، وأن تسهل بهذه القسمة ارتقاء الصورة المتميزة ~~ارتقاء عظيما. وهذا المبدأ في ms087 قسمة العمل جوهري في الطبيعة، كما في حياة الإنسان ~~الاجتماعية والسياسية والصناعية، فكل فرد يكون أقدر على قضاء أمر كلما كان تكوينه أكثر ~~استعدادا له، وكلما تخصصت وظائف جسم؛ أي كان لها أعضاء خصوصية كان هذا الجسم أرقى؛ فإن ~~الحيوانات الدنيا ليس لها أعضاء خاصة، بل جسمها يقضي كل وظائفها بتبادل بسيط بينه وبين ما ~~يحيط به. وأما الحيوانات العليا فبالضد من ذلك لها عضو خاص لكل وظيفة، فالقلب للدورة، ~~والرئتان للتنفس، والقناة الهضمية للهضم، والكليتان لإفراز البول، والدماغ لوظائف العقل ... ~~إلخ، وهذا ما يجعل هذه الحيوانات راقية. # 16 # ويجب الحذر من الوقوع في خطأ آخر أيضا، وهو أن الأصل الفقري الذي يكون الارتقاء فيه ~~أظهر من الجميع لا يؤلف صفا بسيطا، بل يوجد فيه تحت صفوف كثيرة أيضا يرى فيها بعض ~~المجاميع، إذ يبلغ نموه ما يفوق مجاميع أخرى مع أنها مستعدة لنمو أعلى منه جدا. وهذا ~~صحيح، ولا سيما على مجموع لذوات الفقر العليا يهمنا جدا؛ لأن الإنسان منه، أعني به مجموع ~~ذوات الأربع أيدي أو البريمات - كما يقول لينوس وهكسلي - فهذا المجموع الذي يوجد الإنسان في ~~أعلاه، والذي فيه عدة صور متوسطة (مثال ذلك القرود الشبيهة بالإنسان بجانب الإنسان)، تمتد ~~أصوله بواسطة حيواناته الدنيا، ليس إلى أعلا طبقات أصل ذوات الثدي المشيمية كما ربما يظن، ~~بل إلى أدناها. فمع أن هذا المجموع عال جدا بنفسه فهو يتاخم صفا دنيئا أيضا. ~~وهكسلي الذي يقسم البريمات إلى سبعة تحت صفوف أو طوائف يصف ذلك جيدا إذ يقول: «ليس في صفوف ~~ذوات الثدي ما يتضمن فيه درجات كثيرة أكثر من صف البريمات؛ فإنه يهبط فيه على نوع غير محسوس ~~من أعلى الخلق إلى مخلوقات لا تفصلها عن أدنى ذوات الثدي المشيمية، وأقلها إدراكا إلا ~~خطوة واحدة.» # 17 # إلى أن يقول أيضا: «كأن الطبيعة نفسها شعرت بما سيكون للإنسان من العجب بنفسه، فأرادت ~~أن تجعل عقل الإنسان يتذكر عند انتصاره، كما كان يذكر العبيد في رومه الظافر بأنه ليس ~~إلا ترابا.» ms088 # فلم يبق علينا إلا اعتراض واحد على مذهب الارتقاء أريد تفنيده، وهو وجود أصول ثابتة ~~أو واقفة. وقد تقدم في المقالة الأولى أن مثل هذه الصور الأولية الدنيا ما زال يتولد في ~~جميع الأدوار، حتى وإن لم يكن كذلك فوجودها لا يفيد شيئا ضد الارتقاء عموما، وإن أفاد ~~خصوصا؛ لأنه إذا لم تتغير هذه الصور الحقيرة لشدة بساطة تكوينها ولاستواء أحوالها ~~الخارجية البسيطة، فلا ينكر أن أحياء أخرى أعلى تكوينا، وأكثر اختلافا في أحوال حياتها ~~ترتقي على الدوام. ولا عجب في ذلك، فإن في التاريخ أيضا شعوبا واقفين، لم يتغيروا عن ~~خشونتهم التي كانوا فيها منذ آلاف من السنين، فيوجد في أقاصي القارات الكبيرة كما في جزائر ~~المناطق الحارة شعوب متوحشون، قلما يفرقون عن الحيوان، # 18 # وآخرون لا يزالون كما كان في أوروبا الإنسان السابق العهد التاريخي؛ أي إنهم ~~يصنعون أسلحتهم من الحجر، ويشتغلون الخشب والعظم لاحتياجات شتى، يعيشون ويموتون وهم واقفون ~~عند حد واحد. وهذا يرينا أنه لا يوجد في طبيعة الإنسان، ولا في الطبيعة الكبرى ميل ~~غريزي للارتقاء، بل هو نتيجة فعل بعض الأحوال الخارجية والداخلية. # على أن وقوف بعض الشعوب في الخشونة الأولى، لم يمنع تقدم البعض الآخر في التمدن طبقا ~~لما يحصل في الطبيعة. # وكما أننا نجد صورا بالغة في التكوين في أقدم الطبقات الأرضية المعروفة هكذا نجد تمدنا ~~بالغا أيضا في العصور القديمة للتاريخ، مثال ذلك بلاد مصر التي كانت مهد التمدن والعلم، ~~فلا يخفى ما انتهت إليه أبحاث العلماء ونقبهم في أرض هذه البلاد القديمة، ولا سيما أبحاث ~~ماريت الفرنسوي الحديثة؛ فإنه اكتشف نقوشا وكتابات وأصناما من عهد 4000 إلى 4500 سنة قبل ~~المسيح، وقد وجد على جدران قبور هذه العصور رسوما وكتابات، تدل على أن مصر كانت في درجة ~~عالية من التمدن. # 19 # فإذا أنكرنا الارتقاء لأجل ذلك، فإننا نسقط في نفس الخطأ الذي يتظاهر لنا في ~~الجيولوجيا. وكل ما ينبغي أن نستنتجه من هذا التمدن، هو أنه آخر المراحل التي بلغها ~~الإنسان ms089 في سيره الطويل، والتي لا يخبرنا التاريخ عنها بشيء. وهذا القول لا شيء من الغلو ~~فيه؛ لأن الأبحاث في أصل الإنسان وقدمه قد صيرت الأربعة آلاف أو الخمسة آلاف سنة التي ~~يفرضها له التاريخ، لا شيء بالنسبة إلى وجوده قبل العهد التاريخي؛ فإن وجود الإنسان على ~~الأرض ليس من عهد الطوفان الذي يصعد إلى ما قبل دورنا في تكوين الأرض، بل من عهد أبعد ~~جدا؛ أي من عهد الدور الثلاثي من عهد طبقاته الأخيرة أو الوسطى. وهذا كما يصح هنا يصح ~~أيضا على الأشياء في الطبيعة. # وهكذا تنقض أيضا باقي الاعتراضات على الارتقاء في التاريخ، فالأمم أو الممالك التي بعد ~~أن بلغت درجة عالية من التمدن، إما هلكت أو بقيت واقفة، أو تقهقرت، تشبه هذه المجاميع ~~التي ذكرناها في تاريخ عالم الأحياء، والتي بعد أن بلغت مبلغا معلوما من الكمال وقفت، ~~وقام مقامها فروع أخرى من جنسها أكثر فتوة وأعظم قوة. هكذا أيضا في التاريخ؛ فإن بلاد ~~اليونان قامت على أثر مصر ورومه على أثر اليونان، والشعوب الجرمانية على أثر رومه متدرجات ~~على سلم التقدم العظيم، ولم يصب التقدم إلا وقوف زمني فقط. وأوروبا بكل مجدها وعظمة ~~تمدنها ستسقط يوما ما، ويقوم على أثرها فرع من البشر أكثر فتوة وأعظم قوة، فتسقط المدن ~~العظيمة، وتنطفي الأسماء الشهيرة، وتفتقر البلاد الغنية، ويزول التمدن الرفيع: # كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا # أنيس ولم يسمر بمكة سامر # 20 # ثم تقوم أمم أقل استكمالا لهذه المزايا، إلا أنه يكون فيها جرثومة ارتقاء أعلى، فلا ~~تلبث أن تبلغها وتزيد عنها، فالتقهقر ليس سوى ظرف مكان وزمان بخلاف الارتقاء، فإنه مستمر ~~وعام. وإن كان ارتقاء الأمم الحديثة متوقفا على قيامها على آثارها، مستعينة بمتروكاتها، ~~مغتذية بها، بدون أن تكون استكمال اتصالها. فأوجه الشبه في ذلك واحدة أيضا مع الطبيعة؛ ~~لأن المجاميع العضوية الحديثة تأخذ معظم ارتقائها من الارتقاء العالي الذي بلغته في تقدمها ~~بدون أن تتصل به رأسا، وأما باقي الأجسام الحية الموجودة اليوم في ms090 الطبيعة كما كانت في ~~الماضي (كالجرابية وكثير من أنواع السمك)، والتي بعد أن بلغت مبلغا معلوما من الارتقاء، ~~وقفت ولم تتقدم، فلنا في تاريخ البشر ما يحاكيها أيضا؛ فإن مملكة الصين القديمة العهد في ~~التمدن بعد أن بلغت منه ما بلغت منذ زمان قديم وقفت، ولم تزل واقفة لا تتقدم حتى اليوم، ~~وربما لم يعد في طاقتها أن تتقدم، فهي ستهلك مع الزمان من دون ريب. # 21 # وقد شبهوا الارتقاء البشري الذي ليس هو حقيقة حسب مذهب التحول إلا استمرار ارتقاء ~~العالم العضوي منذ الأزمان الأولى، بلولب صاعد يظهر بدورانه أنه يتقهقر، والحال أنه ~~يرتفع دائما، وعلى نوع منتظم، ويمكن تشبيهه بالشجرة على ما ذكر فيما مر؛ إذ تنبت أغصان ~~جديدة على أغصان قديمة، وكل نابت جديد أكثر قوة، وأعلى مما نبت عليه، # 22 # وربما شبهوه بغير ذلك أيضا. # وهذا الارتقاء لا يتم بسرعة، بل ببطء كلي. وكما أن تاريخ العالم الماضي لا يحسب إلا ~~بالملايين من السنين، هكذا أسباب الارتقاء لا تتيسر إلا مع الزمان الطويل جدا. ولكن ما ~~هو الزمان بالنظر إلى السير الطويل في الطبيعة والتاريخ، فالإنسان يبخل بالدقائق؛ لأنه ~~يرى نفسه يقترب من نهايته ساعة عن ساعة، ويوما عن يوم، وأما العالم فيسير من الأزل وإلى ~~الأبد، والملايين من السنين كيوم واحد فيه. # وللفروغ من هذا الباب لا بد من التنبيه إلى أن مبدأ التربية يكون أشد وأقوى كلما كانت ~~الصور الفاعل فيها أكمل. وسبب ذلك بسيط وواحد في الطبيعة والتاريخ، فكلما كان التكوين ~~وأحوال الحياة الخارجية أكثر اختلافا، كان العقل والاحتياجات والأفكار وكل ما يتعلق بها ~~أعلى مطلبا، وكانت المهيجات ووسائط التكميل أكثر وأقوى كذلك. قال ليل في ذلك ما معناه: ~~إن الارتقاء الصناعي والعلمي في عصرنا هو على نسبة هندسية مع التمدن والمعارف العمومية، ~~وينقص على نفس هذه النسبة كلما تقهقرنا في الماضي، بحيث إن التقدم الحاصل في عشرة قرون في ~~الماضي لا يقتضي له أكثر من قرن فيما يأتي بعده. وقال أيضا: إن ms091 الإنسان في القديم كان ~~يشبه الحيوان أكثر جدا بالميل الغريزي لأن يتقلد كل فرع من فروعه الفرع الذي تقدمه؛ أي ~~يشبهه بميله للوقوف. وإذا قابلنا تقدم المدن بتقدم القرى نرى أن الأشياء تسير فيها على ~~نفس هذا الناموس؛ فإن القرى لقلة المهيجات الداخلية والخارجية فيها ترى أنها شديدة الحرص ~~على الأشياء المقررة، كثيرة الاحترام لنظامها. # فلا غرو أن مر على الإنسان في العهد السابق التاريخ ألوف من السنين، وربما ألوف من ~~القرون قبل أن بلغ درجة راقية من التهذيب أو صار له تاريخ فقط، وأما بعد ذلك؛ أي بعد أن ~~رسخت قدمه في التمدن، فصار ارتقاؤه أسرع فأسرع يوما عن يوم. وما قيل عن الإنسان صحيح ~~أيضا على سائر العالم العضوي؛ فإن الارتقاء في الحيوان لا يكون واضحا ومنتظما وسريعا، ~~إلا فيما كان منه أكمل من غيره، كذوات الفقر وذوات الثدي خاصة . وأعظم ارتقاء في ~~الطبيعة والتاريخ هو ما حصل في الإنسان؛ إذ تفلت من الأصول العليا لذوات الثدي حتى صار ~~بينها وبينه بون شاسع. ولا نستغرب هذا الفرق بينهما؛ لأن من أمكنه أن يقطع العقبة الموصلة ~~إلى الإنسان لا شك أنه قابل لضروب متنوعة من الارتقاء، وبعد أن سار على طريق التمدن صارت ~~كل خطوة من خطواته تبعده أكثر فأكثر عن صورته الأولى. # وللإنسان إخوة كثيرون لا يزالون متأخرين جدا، فلا يظن من كان بالغا شيئا كبيرا من ~~الارتقاء أن ذلك موهبة مجانية معطاة له من فوق، بل فليعلم أنه نتيجة تربية متمهلة ~~وارتقاء صعب، وعلمه هذا أعظم منشط له يحثه للسير في هذا السبيل. ولا يعلم إلى أين يبلغ به ~~هذا الارتقاء، على أنني متيقن بأنه لا يوجد أمر مستحيل على الإنسان إذا أحسن استعمال ما ~~فيه من القوى، وما له من العقل، فتزداد قابليته، ويتسع نطاق سلطانه على الطبيعة إلى ما وراء ~~الحد الذي يظهر أنه مفروض له الآن. # وقبل الفراغ من هذا الموضوع لا بد لي من بسط الكلام قليلا على رأي أحد علماء ~~الإنكليز «ألفرد ms092 ولاس» في مستقبل الإنسان، وهو قريب جدا من دارون في المبدأ والأفكار، ~~قال: «إن الإنسان في أول أمره وقبل أن تنمو قواه العقلية، إذ كان بلا ريب يقطن الأماكن ~~المحرقة في المنطقة الحارة في زمن الأيوسن والميوسن، # 23 # كان خاضعا للانتخاب الطبيعي كالحيوان، ثم لما أخذ عقله ودماغه وقواه ~~الاجتماعية ترتقي أخذ يتخلص أيضا من فعل هذا الناموس. وربما لم يتغير في جسده من بعد أن ~~صار قادرا على التكلم؛ لأن التكاثف الذي يحصل في الجمعية وتهيئة الكساء والأسلحة والمساكن، ~~كل ذلك قوي به الإنسان على مقاومة الأحوال الخارجية إلى حد معلوم، فأضعف فعل تنازع البقاء ~~فيه بحماية الضعيف منه، والاعتناء به عوضا عن قتله، وسهل لقليل النشاط سبل الكسب في ~~الحياة الاجتماعية إذ قسم الأعمال، فالإنسان يداوي المريض، ويعتني بالمسكين عوضا عن أن ~~يتركهما ليهلكا كما يفعل الحيوان، كل ذلك يجعله في حالة موافقة لطبيعة ما يحيط به بدون أن ~~يتغير جسده تغيرا جوهريا. # وأول ما اتخذ جلد الحيوان كساء واصطنع السهم للصيد وبذرت الحبوب وزرع النبات، حصل في ~~الطبيعة ثورة عظيمة لا مثال لها فيما تقدم من تاريخ الأرض؛ إذ ظهر فيها كائن لا يلزمه أن ~~يتغير ضرورة مع العالم، له سلطان على الطبيعة، وإن كان محدودا؛ لأنه يدرك عمله ويزنه ~~ويتفق معها لا بتغيير جسده، بل بتقدم في عقله. # ولا يقتصر الإنسان على الخروج بنفسه من تحت حكم الانتخاب الطبيعي، بل يخرج معه غيره ~~أيضا من تحت حكمه، وسوف يأتي زمن لا يبقى فيه سوى الحيوانات الأهلية والنباتات المزروعة؛ ~~إذ يقوم فيه الانتخاب الصناعي مقام الانتخاب الطبيعي إلا في البحر. # على أن ما تحرر الإنسان منه جسديا لا يزال يفعل فيه عقليا؛ ونتيجة ذلك أن ~~الشعوب التي ترتقي بعقلها فوق غيرها، تبقى وحدها أخيرا إذ تلاشي غيرها، وتحكم على الأرض ~~حتى لا يبقى إلا شعب واحد أضعف أفراده عقلا يعادل أكبر عقولنا، وربما كان أعلى منه ~~أيضا. وكل واحد حينئذ يجد أن سعادته قائمة بسعادة قريبه، وتكون ms093 الحرية كاملة إذ لا ~~يتعدى الواحد على الآخر، ولا يعود لزوم للشرائع الصارمة، وتقوم مقامها الجمعيات الاختيارية ~~للقيام بالمصالح العمومية المفيدة؛ حتى تستحيل الأرض أخيرا من وادي البكا وميدان المطامع ~~غير المرتبة إلى فردوس جميل لم يخطر على قلب ملهم، ولا تصوره فكر شاعر.» # فهذا المذهب الذي لا أسلم به كله حرفا بحرف، والذي لم أبسطه هنا إلا إجماليا، إذا ~~كان صحيحا فلعل فيه ما يعوض على الإنسان في مستقبله ما قد خسره من أصله بإطلاق مذهب ~~التحول عليه. ولئن لم يكن فيه شيء يجعل فينا أملا بأن سنصير يوما ما ملائكة بأجنحة، ~~إلا أن نظرنا به إلى مستقبل الجنس البشري أرضى حينئذ لكبريائنا من النظر إلى ماضيه في ~~كل حال. # | المقالة الخامسة # إني أبسط في هاتين المقالتين الأخيرتين الرابط الذي يربط مذهب دارون بالرأي المادي ~~وبالفلسفة المادية للماضي والحال. وهذا الارتباط واضح كما أنه طبيعي. والإنسان إذا تأمل ~~قليلا بنفسه وبالأشياء التي تحيط به، فأول ما يعرض له بعد السموات والأرض هو نفسه وعالم ~~الأحياء الذي يقرب منه، وأول سؤال يخطر له هو هذا: من أين أتت هذه الأحياء؟ وكيف أتت؟ ومن ~~خلقها؟ والإنسان الذي هو سلطان الأرض وأكمل المخلوقات من أين أتى هو أيضا؟ # ولما كان الجواب على هذه السؤالات جوابا مقنعا يمتنع بدون واسطة العلم، كان أقدم ~~الروايات في الخليقة عند الشعوب المختلفة مشحونا بالخرافات، مملوءا من كل عجيب وغريب من ~~التصورات الخاصة بالشعوب إذ كانوا في مهد الطفولية. # وهذه رواية الخليقة عند الأرمن على ما في كتاب أرمان: # إن الكائن الأول الأزلي غير المنظور، والذي لا يدرك إلا بالعقل أراد أن ~~يتجلى بكل قدرته وبكل مجده، فخلق أولا الماء من فكر واحد ووضع فيه بذرة الخليقة، ~~فصارت البذرة بيضة تلمع كالذهب وتضيء كالشمس. ثم دخل في هذه البيضة على صورة بارام ~~براما؛ أي الإنسان الإله. ثم انفلقت البيضة فلقتين بعد ملايين ملايين من السنين ~~الشمسية، فخلق من الفلقة الواحدة السماء، ومن الفلقة الأخرى الأرض التي فصل ms094 اليابسة ~~منها عن المياه. ثم شطر نفسه شطرين، خلق من الشطر الواحد الذكر، ومن الشطر الآخر ~~الأنثى؛ أي إنه تقلد طبيعتين طبيعة فاعلة، وطبيعة قابلة. # ولذلك كان الأرمن يتهادون البيض في رأس السنة، ثم أجاز النصارى هذه العادة، وقد نقلوها ~~إلى عيد الفصح. # ورواية سكان جزائر البحر الجنوبي في الخليقة على ما نقله لنا المرسل تورنر أبسط من ذلك؛ ~~فإنهم يعتقدون أن الأرض كانت أولا مغطاة كلها بالماء، ثم انسحب الماء شيئا فشيئا، ~~فأرسل أبو الآلهة ابنته على صورة حمامة ومعها قبضة تراب ونبات حي، فوضعت التراب على الحجار، ~~وغرست النبات ولما امتدت أصوله تغطى بالذباب، ومنه تكون الرجال والنساء، وبعض السمك الذي ~~كان في الماء حيث اليابسة اليوم تحول إلى حجار؛ ولهذا السبب كنا نجد حجارا كثيرة كانت من ~~قبل أسماكا أو حيوانات أخرى. # وعند اليهود خلق الله العالم وأتمه في ستة أيام، وبعد أن خلق النور في اليوم الأول خلق ~~الشمس والقمر والكواكب في اليوم الرابع فقط! وأخيرا خلق الإنسان على صورته، وهو - أي الله ~~- فوق كل مادة، وفيه أصل كل شيء، وقد خلق العالم من العدم خلافا لمعتقدات الشعوب غير ~~السامية، الذين عندهم مادة أولى أزلية هي أصل كل شيء، والذين تبتدئ عقائدهم بتأليه النور ~~أو الشمس، # 1 # وفي كل عقائد الهنود - على قول الأستاذ «دياتاريشي» - الخلق كائن من مادة أزلية ~~فيها قوة أزلية متصلة بها؛ أي عبارة عن غراب (كاوس) أزلي تنمو فيه القوة الخالقة. # وعند الفرس الخلق كائن من مادة أولى كذلك ذات قوة أولى متصلة بها؛ أي من الكاوس الذي ينشأ ~~فيه هرمز وأهرمن إلاهاهم العظيمان، فهرمز إله النور خلق العالم في ستة أيام، كما في رواية ~~التوراة مع الفرق في الترتيب، فخلق في اليوم الأول النور والسماء والكواكب، وفي اليوم ~~الثاني المياه والغيوم، وفي اليوم الثالث الأرض والجبال والسهول، ثم في الرابع النبات، ثم ~~في الخامس الحيوانات، وفي السادس الإنسان. # وأهل بابل يعتقدون أن كل شيء كان في الأصل ماء وظلمات مسكونة بالجن، ms095 ثم فصل الإله «بل» ~~من هذا الكاوس السماء والأرض وصنع الكواكب، ثم كلف الآلهة فخلقت البشر والحيوانات. # والمصريون كانوا يعتقدون أن الإله «فتا» كون العالم من بيضة خرج منها. # وهذا الانقسام في العقائد والتصورات إلى قسمين موجود في تاريخ العقل البشري من أوله إلى ~~آخره، أحدهما يجعل أصل كل شيء في المادة، والآخر في إله حي ومستقل، وهذه التثنية لا تزال ~~اليوم كما كانت في القديم، ويعبر عنها تارة بالقوة والمادة، وطورا بالروح والجسم، ~~وبالطبيعة وبما وراء الطبيعة. # وما عدا هذه الروايات الدينية؛ فإنه يوجد أيضا آراء فلسفية بحتة قديمة تقترب أحيانا من ~~آراء العلم اليوم فيما خص ظهور العالم وسكانه. وربما كان سبب هذه الموافقة أن أكثر ~~الفلاسفة في القديم كانوا أطباء أو طبيعيين لا يعتمدون إلا على المراقبة والاختبار. إلا ~~أن الفلسفة ما لبثت أن استقلت بعدهم، وصارت علما قائما بنفسه، فأخذ الفلاسفة يتقلبون ~~في تيه التصورات، وكثرت الآراء كثيرا واختلفت. على أنه وجد في كل زمان قوم منهم ميالون ~~للرأي المادي، وسنأتي على بيان ذلك فيما يأتي. وإذا كان الفلاسفة الماديون لم يفوزوا على ~~خصومهم؛ فلسطوة الدين على الفلسفة من جهة، ولقلة ما كان لهم من المعلومات الصحيحة من جهة ~~أخرى. فإنه لما لم يكن للماديين من البراهين الحسية ما يؤيدون به رأيهم في مادية الوجود، ~~ولا سيما ظهور العالم العضوي طبيعيا، كانت دعوى الروحيين إن لم تكن أقنع فأرضى، حتى إن ~~فلاسفة كأرسطو وفولطر لم يهملوا أن يستعملوا ضد الرأي المادي الحجة القديمة التي لا تزال ~~تكرر لما لها من الوقع العظيم على الجمهور، وهي أن العمل يقتضي له عامل ضرورة، والبيت ~~بان كذلك. # وأما اليوم فقد اختلف الأمر لما بين مذهب دارون والفلسفة المادية من الارتباط الشديد؛ ~~إذ بين هذا المذهب أن التعليل الطبيعي ليس بالممتنع كما كان يظن من قبل. على أن ~~الذين اعتقدوا وحدة الكون قبل دارون قد بينوا فلسفيا أن ظهور الأحياء أمر طبيعي، وكذلك ~~ظهور الإنسان، وإني من الذين قالوا بهذا ms096 الرأي مع التأكيد الممكن إذ ذاك، وذلك قبل دارون ~~بسنين عديدة. # على أن مثل هذه النتائج الفلسفية المستخرجة من مبادئ عامة لا قيمة لها إلا لعدد قليل ~~من ذوي العلم والأفكار الراقية، وأما القسم الأكبر (الذي كما يقول الفيلسوف بركلي: لا ~~يفتكر لنفسه، ويريد له رأيا)، فيقتضي له أدلة حسية واضحة وتعليلات كذلك، وهذه موجودة في ~~مذهب دارون الذي انتقضت به كل الأفكار الفلسفية المبنية على النظر، فخلا الجو للفلسفة ~~الطبيعة أو المادية التي تستند في براهينها إلى الطبيعة والمواد نفسها. # وهو واضح بعد ذلك أن الفلسفة المادية استفادت كثيرا من مذهب دارون، ولا يسعها أن ~~تنحرف عنه لا للنسبة الكائنة بينهما، والتي ذكرناها فقط؛ بل لأن هذا المذهب هو الذي مهد ~~السبيل أولا لتشييد فلسفة في الطبيعة صحيحة. والفرق بين الفلسفة المادية على ما صارت إليه ~~اليوم، وما كانت في الماضي واضح كذلك ؛ فإنها كانت في الماضي تستند إلى بعض المشابهات، وربما ~~أهملت أكبر الاختلافات، ثم تبني نتائجها في أمر الكون على ما لا يخرج عن حد الآراء والحدس، ~~فكانت تعدم قيمتها لذلك. وأما اليوم فصارت بمذهب دارون ليس فلسفة فقط، بل علما أيضا ~~وعلما وطيدا. # وإذ قد تقرر ذلك، وعرفنا ما لمذهبنا من الشأن في فلسفة الطبيعة، بقي علينا أن ننظر إلى ~~أولئك الذين كان لهم هذه الأفكار أو مثلها، وقد جاهروا بها فيما تقدم من العصور. وسنرى أنهم ~~نظرا لمبدئهم الطبيعي والبسيط هم يتوافقون في الأمور الجوهرية؛ ولذلك كانت فلسفتهم واضحة ~~جدا ومتفقة كذلك، بخلاف سواهم الذين تكثر عندهم المناقضات، وتكاد لا تجد اتفاقا بينهم في ~~أمر من الأمور، وإنك لتضيع في مذاهبهم حتى تقول أخيرا كما قال التلميذ في رواية «فوست» ~~للشاعر غاتي: # وإني ليعروني دوار لذكرها # كأن رحى قامت برأسي تدور # ولا يرضى بذلك الفلاسفة الذين يقولون: إن كل ما يقال عنهم من هذا القبيل إنما هو من باب ~~الوقيعة. ولكن قل لي: إلى أين وصلوا مع كل اجتهادهم، فقد وصلوا إلى حيث قال أحد ms097 مشاهيرهم إذ ~~قال: «إن تاريخ الفلسفة هو تاريخ خطأ يتخلله أشعة ضئيلة من النور قليلة جدا.» # 2 # وهو قول لم يقل أصح منه. وأما الفلسفة التي لا ينالها هذا القول فهي الفلسفة ~~التي نحن بصددها، ولنبحث أولا في: # الرأي المادي القديم # جرت العادة أن يبحثوا عن أقدم الفلاسفة الماديين بين اليونان؛ لأنهم هم حقيقة أول ~~من وضع المذاهب الفلسفية وبحث في الكون؛ ولهذا السبب سمي فلاسفة اليونان قبل سقراط كوسمولوجيين، # 3 # إلا أننا نعلم اليوم أنه كان في الشرق قبل اليونان شعوب بالغون في ~~التمدن، وهذا يجعلنا نفتكر أن تمدن اليونان العظيم لم يكن من مستنبطاتهم كما ظن ~~زمانا طويلا، بل إنما جاءهم أكثره من الشرق ولا سيما مصر. # فلنبحث لنرى إذا كان للأفكار الفلسفية المادية وجود في القديم في بلاد مصر والهند. ~~على أننا لا نعلم شيئا كثيرا عن فلسفة الهند، وما نعلمه قليل جدا ، قيل: إن بعض ~~فلاسفة الهند بلغ من المادية حتى زعم أن العالم نتيجة أفعال متضادة لمبدأين أولين ~~أزليين هما: المادة والصورة. ومن الأمور الغريبة أن المادية والجحود هما أقل في ~~فلسفة الهنود منهما في دينهم، أشير بذلك إلى تعاليم بودا # 4 # أو جوطامي، # 5 # التي وضعها بودا أو جوطامي ابن ملك الهند سنة 600-543ق.م. # فهذا المذهب الذي لم ينتبه إلى البحث فيه إلا حديثا مع أنه ممتد جدا في ~~الشرق، هو دين بدون إله ولا ضحايا ولا طقوس ولا صلوات؛ أي ليس فيه شيء مما هو مصطلح ~~عليه في الأديان، وأساسه الأدب والإنسانية، وبعبارة أخرى الفضيلة. وهو مأخوذ من تعليم ~~سنكجاه الذي ليس فيه إله ولا آلهة ولا ما يسمى العالم، بل يعلم بمادة أزلية لا تتلاشى ~~يحركها عاملان هما الطبيعة والنفس، وهي تتغير بالقوى الطبيعية المتصلة بها، فالموت ~~ظاهري فقط، ولا يوجد في الحقيقة إلا تغير دائم ما خلا نفس الإنسان، فإنها موجودة ~~لنفسها، ومنفصلة عن الجسد، فالطبيعة والروح أمران متضادان. # فهذان العاملان موجودان في مذهب بودا الذي لا يسلم بالوجود الحقيقي إلا ms098 لبراكريتي ~~العظيم؛ أي المادة الأولى الكائن بها قوتا السكون والحركة أو الراحة والعمل. والحركة ~~هي التي كونت العالم الذي لم يكن بد منه طبيعيا كنتيجة لسبب، والذي هو كائن بتخريب ما ~~كان موجودا وتحويله على الدوام. # ومذهب بودا على ضد مذهب براهما الذي ينكر وجود المادة، ويعتبرها أنها وهم من الحواس، ~~وهذا الوهم أصل التثنية أي الجسد والروح، وأصل إماتة الجسد وإنكار العالم وكل وجود. # 6 # ويعظم الفرق أكثر بين هذين المذهبين من حيث الفروض، فإن تعليم بودا يهم الشعب أكثر ~~وغايته تحرير الإنسان. والفروض التي يفرضها عليه هي: الفضيلة والمحبة والشفقة والاتضاع ~~والرحمة والحسنة والصبر والعفة ومحبة الغريب ومساعدة المسكين والرأفة، ولا سيما ~~بالحيوانات، وعدم الحقد والعروض عن الانتقام ... إلخ. ويأمر بها حبا بالخير لا طمعا ~~بالمكافأة، ولا خوفا من القصاص. ويعلم أيضا المساواة والإخاء بين جمع البشر، وينفي ~~سائر الامتيازات من جهة المولد والمقام، وبودا يقول: «إن جسد الأمير لا يساوي أكثر من ~~جسد العبد.» # وقد تميز بودا عن سواه بأن كتب تعليمه بلغة العامة لا بالصنسكريت؛ أي لغة الخاصة ~~خلافا لباقي الأديان في ذلك الزمان. وقد أنكر الودا (أي الكتب المقدسة للهنود) وطرد ~~الآلهة والأرواح البراهمية بدون أن يرتكب التعصب أو يتهور بسوء المعاملة. وكان يقتضي ~~أن يسلك هذا المسلك؛ لأنه كان يريد أن يجعل دينه دينا عاما؛ ولذلك انتشرت رسله في ~~سائر أقطار المسكونة كرسل الدين المسيحي اليوم، لأن غايته الإخاء والتسوية بين جميع ~~الناس، وإنهاض جميع الشعوب الذين يعدهم بالخلاص من جميع الآلام والمصائب بدخولهم في ~~«النيروانا»؛ أي العدم. فغاية بودا أن يزيل من العالم كل ضيق خلافا للبراهمة الذين لا ~~يهتمون إلا بأمر أنفسهم؛ ولذلك انتشر مذهب بودا كثيرا وسريعا. # ذكر دونكر في تاريخه القديم أن أسوكا ملك مغاده (250 سنة ق.م) أقام دين بودا في ~~مملكته، ولم يعامل المخالفين بالقسوة، بل بالحسنى كما يأمر به التعليم المذكور، فلم ~~يضطهد البراهمة أو الكهنة، ولم يقتل أسيرا خلافا للعادة في الشرق. قيل: إنه منع ~~القصاص ms099 بالموت، وقد زرع الأشجار على عرض الطرق، وأقام السبل لراحة المسافرين واستقائهم، ~~واعتنى كثيرا بالفقراء، وأنشأ مستشفيات ليس للبشر فقط، بل للحيوانات العاجزة والمريضة ~~أيضا. # ولما خاف البراهمة على مذهبهم أن ينقضه مذهب بودا حركوا الأمراء على اضطهاده، ودام ~~هذا الاضطهاد الشديد من القرن الثالث إلى القرن السابع للمسيح. وبعد هراقة دماء كثيرة ~~انحصر مذهب بودا في الهند القديمة؛ أي في مكان منشئه وفيما جاوره من البلدان كسيلان ~~والصين واليابان وتيبت ومنكوليا حتى إنه اليوم أكثر الأديان انتشارا بعد دين المسيح، ~~فإن البوديين يبلغون 450 مليونا، والمسيحيين 475 مليونا. # ولم يتقلص ظل البودية # 7 # من الهند كليا، بل أدخل البراهمة في دينهم بعض مبادئ منه كأزلية المادة ~~والنيروانا، وهما القاعدتان الجوهريتان في مذهب بودا. # وأما النيروانا فهو غاية مذهب بودا، وقد اختلفوا في معنى هذه اللفظة، والصحيح أنها ~~تعني لا شيء أو العدم، وعليه فيكون مذهب بودا عبارة عن العدمية في أتم معانيها، وعن ~~الوجع العام، فالعالم على رأيه مركب من الوجع، وكل شيء فيه باطل، وسوف يهلك. والأوجاع ~~الكبرى عنده أربعة: الولادة، والشيخوخة، والمرض، والموت. والحياة كلها عذاب، وللخلاص من ~~هذه الأوجاع ومن هذا العذاب ينبغي على الإنسان أن يتحرر شيئا فشيئا بواسطة الدين ~~والفلسفة من كل حاسة ومن كل فكر، حتى يرجع أخيرا إلى راحة العدم. وللنيروانا غاية أخرى ~~أيضا وهي: الخلاص من عذاب البعث، والبعث له مقام عظيم في عقائد الهند. فالنيروانا هو ~~إذن تخلص من كل فكر وشعور وعود إلى السكون العام؛ أي إلى العدم الأول (سونجا) الذي هو ~~عبارة عن السعادة العظمى. # ثم إن البراهمة قد حولوا النيروانا عما هو عند البوديين حتى استخلصوا منه البطالة ~~عن كل عمل، فالإنسان يقول أم أم، # 8 # وبالتأمل الشديد، ونكران الذات يتحول شيئا فشيئا إلى الله أو إلى براهما، ~~على أن هذا التحول غير مستطاع إلا للبراهمة فقط. # وكما أن دين البراهمة استعار كثيرا من دين البودية، هكذا دين البودية استعار ~~كثيرا من دين البراهمة، ثم فقد ما ms100 كان عليه من البساطة وفسد بانتشاره في الشعوب، فأكثر ~~من القديسين والصور والقون والأديرة والإماتة والكهنة والرتب. ومن هذه الحيثية يشبه ~~الدين الكاثوليكي جدا مع شدة ما بينهما من التناقض في المبدأ، ثم صار بودا نفسه إلها ~~يعبدونه. # ومبادئ هذا الدين رغما عن فساده لا تزال حتى اليوم ذات مفعول عظيم ظاهر في حسن ~~معاملة المتدينين به، حتى البراهمة أنفسهم لأصحاب الأديان الأخرى. ذكر الدكتور هوج ~~أستاذ السنسكريت في مدرسة بوما الإنكليزية - قصبة بومباي - أن البراهمة قالوا له ~~منددين بترفض النصارى الديني ما نصه: # 9 # إن هذا الترفض فيهم دليل على ضعف العقل وضيقه؛ لأن العاقل لا يضطهد أحدا ~~لدينه ... إلى أن قالوا: # أنتم تجعلون كل اتكالكم على الله، وأما نحن فلا نتكل إلا على أنفسنا. ~~والدين المسيحي مصدره من شعب من أصل سامي، وهذا الأصل أدنى من أصلنا، وليس عنده ~~فكر فلسفي غير مستعار، فنحن لا نقبل مثل هذه العقائد البتة. # ولم يستطع البراهمة أن يفهموا التكوين بحسب نص التوراة. # فالتعليم بالمحبة ونشر الدين في سائر الأقطار ليس خاصا بالدين المسيحي وحده كما ~~يظن، وربما أخذ ذلك عن الهند. قال شوبنهور - وهو يزعم أن النصرانية أخذت تعاليمها ~~من الهند عن طريق مصر ما نصه: # إن النصرانية لم تعلم إلا ما كان يعلم في آسيا زمانا طويلا ~~قبلها. # ولا يخفى أن التعاليم الأدبية للتوراة كانت موجودة عند البوديين، وقد قال بودنوف: ~~إن حكاية الابن الشاطر موجودة في الكتب البودية مع بعض اختلاف فيها، وما عدا ذلك فإن ~~النصرانية تتشابه جدا مع البودية في مسائل شتى كالإماتة، وانفصال الطبيعة والروح ~~وتضادهما، واحتقار الجسد والحياة الدنيا، والنسك، والزهد، والاعتزال في الأديرة، وما ~~شاكل. # فلا يوجد إذن شيء في النصرانية لم يكن موجودا قبلها، وقد قال المؤرخ الإنكليزي ~~بوكل: «إن القول بأن النصرانية جاءت بحقائق أدبية جديدة لم تكن موجودة اختلاق محض أو ~~جهل بالتاريخ. والقضايا التي يزعمون أنها خاصة بها مستعارة أيضا كمسألة الحبل بلا دنس، ~~فإنه قيل مثل ذلك من نحو ms101 ألف أو ألفي سنة عن ابنة أحد ملوك مصر.» والتثليث على قول ~~«ريث» كان في عقائد الشعب المصري. # والمصريون كانوا يعتقدون وجود أربعة عناصر جوهرية أو أسباب أولى لا تدرك ذاتيتها: ~~المادة، والروح، والخلاء، والزمان، من مجموعها يتكون الإله الأول. فالمادة الأولى - ~~ونقتصر عليها هنا - وتسمى عندهم «نيث» كانوا يشخصونها حية ذات قوة كائنة من نفسها، ~~ومتحركة بدون انقطاع. والكتابة الموجودة على صنم نيث في مدينة سايس القديمة والمكتوب فيها: # أنا ما كان وسيكون. # إشارة واضحة إلى ذات المادة، وهذا يظهر أكثر أيضا في الاسم المعطى لنيث، وهو «الأم ~~العظمى». # وهذه رواية الخليقة على مذهب المصريين قالوا: إن الإله الأول فصل جزءا من مادته، ~~وكون العالم منه. فالعالم على رواية هذا المذهب ليس بشيء جديد، وإنما هو نمو أو ~~استحالة فيما كان موجودا منذ الأزل. وهذا العالم ذو شكل مستدير، ويسمى بيضة الكون ~~أيضا، وفيه تتكون الآلهة صادرة من مادته لا خالقة لها، ثم يتكمل هذا العالم رويدا ~~رويدا في الدهور الطويلة. # وإذا انتقلنا من الرأي المادي الديني في الشرق إلى الرأي المادي الفلسفي في الغرب، ~~نجد أولا في بلاد اليونان جمهورا من الفلاسفة يعد واضع كل فلسفة، وقد ظهر في مدة نحو ~~قرن ونصف من أول القرن السادس إلى زمان سقراط الذي ولد سنة 449 قبل المسيح. وجميع ~~هؤلاء الفلاسفة اشتغلوا بمسألة تكوين العالم؛ ولذلك سموا كوسمولوجيين، وقالوا فيه ~~بأسباب مادية طبيعية، وجعلوا أصل كل شيء من مادة أولى. # 10 # ولا أحد منهم ذكر التثنية التي وضعت بعد ذلك؛ أي الروح والمادة والجسد ~~والنفس. وهم في كثير من المسائل متوافقون مع العلم الحديث؛ وسبب ذلك أن فلسفة اليونان ~~لم تنشأ عن الثيولوجية، وإنما نشأت عن مراقبة أحوال الطبيعة. وأول فلاسفتهم على قول ~~دونكر كان طبيعيا، وهو طالس من ميلت، واليونان يعتبرونه أبا الفلاسفة، وهو واضع أساس ~~المدرسة اليونانية. # ولد طالس سنة 635ق.م، وقرأ أولا على الكهنة المصريين واطلع على حكمتهم، وعلل طغيان ~~النيل بأسباب طبيعية، وقاس ارتفاع الأهرام من ms102 ظلها، وقسم السنة كالمصريين إلى 365 ~~يوما، وأنبأ أهل وطنه بكسوف اعترى الشمس فانذهلوا من هذا الأمر جدا. ولم يتعلم من ~~اليونان إلا أن القمر يستمد نوره من الشمس، وقد قدر أنه أصغر منها بسبعمائة ~~وعشرين مرة. وقسم السماء إلى خمس مناطق، واعتبر النجوم أجساما شبيهة بالأرض، ولكنها ~~ملآنة نارا. ورجع بقومه من سماء تصوراتهم الشعرية وقد ملئوها بالآلهة إلى عالم الحقيقة ~~والوجود، ونفى الأرواح من الأرض، وقال: إن أصل كل شيء من الماء، وإن الأرض كروية ~~وسابحة على الماء، # 11 # وإن الزلازل فيها من فعل هذا الماء تحتها. # وتابعه كثير من أهل وطنه، وبحث عن أصل الكون في المادة، ومنهم: أنكزيمندر (ولد ~~610ق.م) فصنع أول مقياس للوقت، ورسم البحر والأرض على لوح من نحاس أحمر؛ أي إنه أول ~~من رسم خارتة جغرافية، واعتنى بضبط خطوط الانحناء للكواكب ومسافاتها ومساحتها. وزعم ~~أن الأرض كقرص مستدير معلق في وسط الكون، وأن المخلوقات الحية فيها من أدنى ~~الحيوانات البحرية حتى الإنسان تكونت بالتتابع. ولم يوافق طالس على أن الماء أصل كل ~~شيء، بل أراد أن يجد شيئا أبسط، فجعل المادة نفسها قبل كل شيء، وأصل كل شيء، وقال: ~~إنها غير متلاشية وغير متناهية، وإنها دون رقة الهواء، وأرق من الماء متحركة نامية من ~~نفسها، قال: «إن المادة الأولى تشمل كل شيء، وتدبر كل شيء.» وقال أيضا: «كل شيء ~~سيهلك ضرورة ويعود إلى حيث أتى.» # ثم جاء أنكزيمانيس، وهو الثالث من الفلاسفة الميلتيين، وأنكر على أنكزيمندر مادته ~~الأولى أنها لا تقوى على توليد الحياة؛ لأنها ساكنة وأخذ يبحث عن مادة أخرى تكون أقبل ~~لذلك، فرأى أن حياة الإنسان متوقفة على دوام نفسه، والإنسان يتنفس الهواء، فقال: ~~إن الهواء إذن شرط الحياة في الإنسان والحيوان، وإنه إذا كانت الحياة تتوقف على ~~الهواء في المخلوقات العليا، فبالأولى أن تكون كذلك في المخلوقات الدنيا، وإذا كان ~~الهواء شرطا لها فيصح أن يكون سببا لها أيضا، فالهواء غير منظور ونفس الإنسان كذلك، ~~والهواء يتحرك ونفس الإنسان كذلك، ms103 فربما كان الهواء نفس الإنسان ونفس كل حي في الطبيعة؛ ~~ولذلك اعتبر النفس أو النسمة والحياة والنفس شيئا واحدا. وقال: إن الهواء ليس نفس ~~الإنسان فقط، بل نفس العالم أجمع؛ أي إنه مادته الأولى وقوته الأولى كما هو ظاهر من ~~قوله: «إنه كما أن نفسنا التي هي هواء تشملنا وتتسلط علينا، هكذا الهواء يشمل كل ~~شيء.» فالهواء على رأي هذا الفيلسوف لا ينفك يتحرك، ولا يزال يتغير من مادة إلى مادة، ~~ومن صورة إلى صورة، فإذا رق استحال إلى نار، وإذا تكثف استحال إلى غيم وماء وتراب ~~وحجر، وإذا رق أيضا صير الحرارة، وإذا تكثف صير البرد. والأرض ليست سوى هواء ~~متكثف، والأجرام السماوية اللامعة عبارة عن أجزاء تطايرت من الأرض، ولسرعة حركتها رقت ~~فتولدت فيها الحرارة والنار. # فكم تقترب هذه الآراء الفلسفية التي لا تستند إلى شيء من المعارف الحقيقية في الطبيعة ~~من نتائج العلم اليوم! ولا يخفى ما اقتضى للعلم من البحث والزمان الطويل حتى بلغ هذا ~~المبلغ؛ فإننا نعلم اليوم كما كان يعلم طالس أن الأرض كرة، وأن كل شيء على سطح ~~الأرض وفي السماء طبيعي. ونعلم كما كان يعلم «أنكزيمندر» أنه توجد مادة أولى أزلية لا ~~تتلاشى فيها قوة الحركة والنمو، ونعلم كما كان يعلم «أنكزيمانيس» أن كل الأجسام هواء ~~متكثف أو متلطف، ونظن نظيره أن أرضنا والأجرام السماوية متكونة من الهواء أو من مادة ~~هوائية، ونحن نعتبر أيضا أن النيازك التي لا تزال تحصل في السماء أجسام من أصل هوائي ~~أو غازي، تتكثف عند دخولها في الهواء، وتسخن، وتنقض على الأرض. ونعتبر الماء هواء ~~متكثفا، ونعلل عن الحر والبرد بحركة انقباض وانبساط في المادة. ونعلم أيضا أن ~~الغازات باجتماعها على ضروب من التركيب تفوق الحصر والعد، تؤلف جسدنا وكل الأحياء وسائر ~~مواد الكون. نعم، إننا تقدمنا جدا عن الفيلسوف اليوناني، وصارت لفظة هواء عندنا أعم ~~جدا مما كان يظنه؛ إذ صار عندنا مركبا ما كان عنده بسيطا. # ثم إنه بعد هؤلاء اليونان الذين لم يقتصروا ms104 على الفلسفة فقط، بل اعتمدوا أيضا على ~~المراقبة، والذين أدخلوا في العلم القواعد الكبرى الثلاث: الماء والهواء والمادة، قامت ~~المدرسة البيثاغوروسية التي أسسها بيثاغوروس (المتوفى سنة 540ق.م) وأصحاب هذه المدرسة ~~لا يعدون من هذه الطبقة، فإنهم هم الذين أدخلوا الأشياء الغامضة في الفلسفة. وعوضا عن ~~أن تكون قاعدتهم مراقبة الطبيعة كاليونان، كانت الاستناد إلى المسائل الحسابية، ~~فبيثاغوروس رسم أركان الفلسفة المصرية الأربعة، وهي: المادة الأولى، والروح الأول، ~~والخلاء، والزمان الأولين في واحد مربع. والبيثاغوروسيون اشتغلوا كثيرا بالحساب ~~والهيئة والموسيقى، وقد وضعوا قضايا من مثل «جوهر كل شيء في العدد» أو «كل شيء عدد»، ~~وهكذا أدخلوا أشياء كثيرة لا قياس لها في الفلسفة. وأفكارهم في التكوين غير واضحة على ~~أن أحدهم أوكلوس لوكانوس قال ما معناه: # ومهما عشت في دنياك هذي # فما تخليك من قمر وشمس # وقد علق الكاتب الشهير بيرن على القاعدة الشهيرة لبيثاغوروس: «إن مربع الضلع ~~المقابلة للزاوية القائمة في مثلث قائم الزاوية تعدل حاصل مربع الضلعين الأخيرتين» ~~العبارة الآتية، قال: «إن بيثاغوروس لما اكتشف قاعدته الكبرى ضحى للآلهة مائة ثور، ~~فكلما اكتشفت حقيقة جديدة تملأ الثيران الجو بخوارها.» # أما المدرسة الآلياوية فتهمنا أكثر من مدرسة بيثاغوروس، ومؤسسها الشهير أكزينوفانوس ~~من كولوفون (آسيا الوسطى). وقد أخذت اسمها من مدينة آليا في سيسيليا، ووجودها كان في ~~سنة 540ق.م. # وأكزينوفانوس أول من قام ضد الأوهام الدينية. وينسبون إلى الفيلسوف لويس فورباخ ~~العبارة الآتية: «كل تصور بالله محول عن الإنسان»؛ أي إنه منسوخ عن صورة الإنسان ~~وذاته. والحال أن أكزينوفانوس هو السابق إلى هذا المعنى حيث قال لأهل وطنه - وقد ~~غاصوا في بحر الأوهام - هذه العبارة الشهيرة: «يظهر للبشر أن الآلهة لها صورة البشر ~~وأثوابهم ولسانهم، فالأسود آلهته سود، وأنفها أفطس، وابن طراس يصور آلهته بعيون زرق ~~وشعر أحمر، ولو أن للبقر والأسود يدين لصورت آلهتها على صورتها!» ولقد مر في مقالتي ~~الأولى أن أكزينوفانوس عرف المتحجرات في بطن الأرض كما هي حقيقة؛ أي إنها أحافير ~~حيوانات كانت موجودة سابقا. وظن أنه ms105 توجد عوالم لا نهاية لها إلا أنه لم يحسب ~~الكواكب الظاهرة في السماء من عداد العوالم، وإنما اعتبرها تصعدات نارية من ~~الأرض. # ومن مشاهير هذه المدرسة أيضا بارمنيدس من آسيا، ولد سنة 520ق.م؛ فإنه في أرجوزته في ~~الطبيعة ينكر العدم والفراغ، فوجود شيء من لا شيء أمر مستحيل عنده، وهو يقول: «إن ما ~~يفتكر فينا وتكوين الكل شيء واحد.» # ويقول بور «تاريخ الفلسفة»: # إن الآلياويين صرحوا بالبنتايسم، ومعناه أن الله في الكل، والكل هو الله ~~لمضادة أصحاب الدين في الكون. # وأحد تلامذة أكزينوفانوس هرقليط انفصل عن المدرسة الآلياوية، وأقام تعليما جديدا. ~~فهرقليط، ويسمى بالغامض لغموض كتابه في الطبيعة، عاش سنة 500ق.م، وكان عبوسا يحب ~~العزلة، فالآلياويون كانوا يعتبرون الكينونة خاصة، وأما هو فلم يكن يهمه إلا ~~الصيرورة، وقد قال: «إن الأشياء هي دائما في حالة المصير فإنها تظهر وتزول، ولكنها ~~غير كائنة في وقت ما.» وقد زاد على عناصر اليونانيين الهواء والماء والمادة عنصرا ~~رابعا: النار، ويعتبرها أعظم من الثلاثة الأولى. وقال أيضا: «إن العالم الواحد الكل ~~لم يصنعه أحد لا آلهة ولا بشر، وإنما هو كان وكائن وسيكون إلى الأبد نارا دائمة تشتعل ~~وتخمد إلى حد محدود، فهو لعبة يلعبها جوبتر مع نفسه.» # ونفس الإنسان على قول هرقليط نار ويعلل عنها بأنها تصعد من النار الأزلية الإلهية، # 12 # ويقول: إنا نظن أننا نرى أشياء ثابتة، والحال أنها في حالة التغير والمصير، ~~فمعارفنا إذن ناقصة وفارغة، والحياة نفسها باطلة ولا غاية لها. # وهذا العدم في الأشياء الأرضية يذكرنا بتعليم بودا، ولقد أسهب هرقليط فيه حتى أطلق ~~عليه لأجله اسم «الباكي أو المنتحب». # ثم ظهر أمبيدقلوس (سنة 450ق.م)، وكان طبيبا فاجتهد في التوفيق بين كينونة الآلياويين ~~وصيرورة هرقليط، والذي يزيد اعتباره عندنا كونه الأب الأول لمذهب دارون، وللوصول إلى ~~هذا الغرض اعتبر الصيرورة عبارة عن تجديد ما كان؛ أي إنه ضرب من ضروب الكينونة. وقد ~~زاد على العناصر الثلاثة الموجودة: النار والماء والهواء عنصرا رابعا وهو التراب، ~~وعلى ذلك فهو صاحب ms106 العناصر الأربعة التي دامت زمانا طويلا في العلم، وتسميتها عناصر ~~أرسطو خطأ؛ لأن أرسطو لم يضعها، وإنما أثبتها في فلسفته، وقد أضاف إليها الجوهر الخامس، ~~وهو عنصر أثيري أرق منها، وربما كان على رأيه سبب الظواهر الروحية. # وأمبيدوقل كهرقليط يعتبر العالم أزليا وغير مخلوق. # ثم قال: «إن جميع العناصر المتجمعة كرة واحدة بالشوق الذي فيها كانت في أول الأمر ~~ساكنة، ثم حصل التنافر والانقسام اللذان يضادهما الشوق؛ وهذا هو سبب التجاذب والتدافع ~~اللذين كونا العالم فيما بعد.» # وبعد أن تكون العالم يقول: «إن الأرض والعالم العضوي تكونا شيئا فشيئا ~~الأكمل من الأنقص، وربما كان في هذا النمو صور غير قياسية أو غير منتظمة، لا طاقة لها ~~على الثبات على ما هي عليه، فتخلصت من هذه الموانع ونالت تركيبا أنسب.» # وهو يعتقد تحول المادة؛ لأنه يقول: «إن العناصر المركب منها الإنسان ربما كانت قد ~~مرت بسائر المركبات الممكنة.» # ويعتقد أيضا مفارقة الأنفس، وينسب ذلك إلى غاية معنوية ترجع النفس فيها إلى الحالة ~~الأولى من الراحة والشوق أو الحب. # على أن أهم الفلاسفة لتاريخ الفلسفة المادية قبل سقراط، هم أصحاب القول بالجواهر ~~الفردة وأعظمهم لوسيب ودموقريط، وأصل دموقريط من القاطنة اليونانية في أبدير حيث ولد ~~سنة 450ق.م. # فلوسيب - أو لوسيبوس أيضا - لا يعلم عنه شيء كثير، والظاهر أنه أبو مذهب الجواهر ~~الفردة، وإن يكن الفيلسوف أنكزاجوراس قال قبله بوجود بذور أولى أو دقائق مادية متساوية ~~لا عداد لها، وهذا المذهب الجوهري له شأن عظيم في العلوم الطبيعية، ولا يزال حتى اليوم ~~وقد تعاظم جدا. # فيوجد على رأي لوسيبوس: «فراغ تتحرك فيه منذ الأزل دقائق لا تدرك بالحواس لا عداد ~~لها، والأشياء تظهر وتختفي بحسب ما تجتمع هذه الدقائق أو تنفصل، وهي لا تتجزأ ولا ~~تتلاشى.» # وأما تلميذه دموقريط فأشهر منه وتعليمه أن الدقائق منتشرة بسيطة لا تتجزأ أزلية ~~تفوق الحصر، ولا تدرك لصغرها، وقد شبهها بالغبار الموجود في الهواء، والذي لا يدرك ~~عادة، ولا يظهر إلا في شعاع الشمس، ومن اتحاداتها المختلفة ms107 تتكون سائر المواد من ~~جماد وحي. واختلاف المواد متوقف على اختلاف هذه الدقائق أو الجواهر في العظم والصورة ~~والوضع، وهي منفصلة بعضها عن بعض بمساحات فارغة أكبر منها، ولها - بعضها بالنظر إلى ~~البعض الآخر - حركتان: حركة دائرة وحركة اصطدام مستقيمة. وعدد العوالم لا نهاية له ~~كسعتها، ولا تزال تتولد عوالم وتتلاشى عوالم. والنفس مركبة من جواهر فردة لطيفة جدا ~~كروية، شبيهة بجواهر النار تولد حرارة الجسد، ولكل جسد نفس وحرارة معينة. والنفس لا ~~تنفك تطلب الانفصال عن الجسم إلا أنها ممنوعة عن ذلك بتصعد التنفس، فإذا وقف التنفس ~~وقع الموت. # ولدموقريط مذهب فيما خص إدراك الحواس خاص به، ~~قال: «النفس تتأثر وحركاتها الأفكار، ولكن الأفكار لا تحصل إلا عن انفعال جسدي أو عن ~~إدخال صورة جسمية إلى النفس. وهذه الصور المنبعثة من كل جسم تدخل النفس، وتؤثر فيها عن ~~طريق الحواس، وتأثيرها في النفس غير مطابق لطبيعة الأشياء؛ إذ لا تدرك حقيقة الجواهر، ~~والجواهر وحدها حقيقة، فإننا نرى الألوان ونسمع الأصوات ... إلخ، حيث لم يكن يلزم أن ~~ندرك إلا صورا هندسية. فلا يصح الاكتفاء بإدراك الحواس، بل يلزم الاعتماد على العقل ~~أيضا. والآلهة كذلك ليسوا سوى جواهر فردة متجمعة، والفرق بينها وبين الإنسان أن ~~جواهرها أقوى وأكثر حياة من جواهر الإنسان. والنفس ليست خالدة؛ لأنها مؤلفة من جواهر ~~محترقة، فإذا حصل الموت انحلت هذه الجواهر وصارت جواهر نار.» # وهو كبارمنيدس وضع هذه القاعدة: «لا شيء من لا شيء ولا يتلاشى شيء.» وهذه القاعدة ~~الأخرى أيضا وهي أهم: «كل شيء بالاضطرار لا بالاختيار.» # وأدب دموقريط بسيط جدا، فهو يقول: إنه يلزم عمل الفضيلة؛ لأن الفضيلة تجلب السعادة. ~~وهذا شأن أكثر الأقدمين فإنهم يعتبرون أنه يلزم عمل الخير لا خوفا من شيء؛ بل ~~لأنه واجب. وإنه يلزم أن يخجل الإنسان من نفسه لا من غيره، فالحياة التي لا قلق فيها ~~ولا غم أكبر سعادة في الأرض. # وقد كان لدموقريط شيخوخة طويلة وهنيئة، وعاش جليل القدر عند الناس طول حياته. وقد ~~عرفوا فضله ms108 وغزارة معارفه، ولا سيما في الطب، فيظهر أنه كان طويل الباع فيه. والنصائح ~~التي وضعها فيما ينبغي أن تصرف الحياة فيه لا تدل على سعة اختباره فقط (لأنه صرف كل ~~ماله في صباه على السياحة حبا بالعلم)؛ بل على ما له من الوقار أيضا. وفي فلسفته من ~~الدقة والارتباط والتحديد ما لا يوجد في فلسفة من تقدمه من الفلاسفة، وهي أقرب منها إلى ~~العلم اليوم، وهذا صحيح: # أولا: # في مذهبه الجوهري الذي يشبه مذهبنا في الجواهر بجميع الأمور ~~الجوهرية، والفرق بيننا وبينه أن الجواهر عنده ليس لها إلا أشكال ~~هندسية مختلفة، وأما عندنا فالاختلاف بينها بالصفات الكيماوية. وهو ~~ينسب لها حركة أولى، وأما حركتها عندنا فمن تضاد قوتي الجذب والدفع ~~اللتين نعتبرهما غريزيتين في الجواهر. وجواهرنا أصغر جدا من جواهره ~~التي يشبهها بالغبار المنير في الهواء. # 13 # ولا يخفى أن جواهره تصورية لتسهيل التعليل عن أحوال ~~الكون، وأما جواهرنا وإن كانت تصورية أيضا إلا أنها تستند إلى ~~ملاحظات وامتحانات علمية شتى. # ثانيا: # مذهبه في كثرة العوالم إلى ما لا نهاية له، وزوال بعضها وقيام آخر ~~يشبه مذهبنا في علم الهيئة اليوم. # ثالثا: # قاعدته التي يقول فيها: «لا شيء كائن من لا شيء، ولا شيء يتلاشى»، ~~هي كمذهبنا في عدم تلاشي المادة وفي حفظ القوة. # رابعا: # هو ينكر الأسباب الغائية نظيرنا، وهذا جلب عليه في القديم من الطعن ~~ما لا يزال يتحمله الماديون اليوم، كجعله «الصدفة العمياء» ربة الكون. ~~وفي الحقيقة هي الضرورة لا الصدفة الحاكمة في الكل، فدموقريط لا ينكر ~~أنه يوجد ناموس، لكنه لا يسلم بأن هذا الناموس يفعل لغاية، ويسمى ~~الصدفة: عذر جهل الإنسان. # خامسا: # مذهبه في إدراك الحواس الذي ليس العالم بموجبه إلا جواهر متحركة، ~~وليست الأصوات والروائح والألوان إلا شعورا ذاتيا لوجداننا أو ~~لحواسنا، هو مطابق للمذاهب المعول عليها في الإحساس اليوم. # سادسا وأخيرا: # رأيه في جوهر النفس هو كرأينا، والفرق بيننا أن جواهر النار ~~لدموقريط يعبر عنها عندنا بأفعال الدماغ والأعصاب، المجهولة في ~~زمانه. # فيرى ms109 مما تقدم أن دموقريط أقرب إلى أفكارنا من سائر الفلاسفة الأقدمين. وقد اشتهر ~~رأيه المادي في عصره، واضطهد كثيرا كما لا يزال يضطهد رأي الماديين اليوم. ومن مضطهديه ~~أرسطوطاليس، فقد قسى عليه القول، ثم نسبوا إليه في المستقبل كل شائبة وأوسعوه كل طعن، ~~وهو براء من كل ذلك كما يتضح مما ذكرناه عنه. # ثم بعد دموقريط جاء السفسطائيون وألقوا الشك في قلب الإنسان بحقيقة ما هو معلوم، وما ~~سيعلم. وليس لهم أهمية في نظرنا إلا باستطالتهم في شكهم حتى إلى الآلهة. منهم ~~بروثاغوراس (440ق.م) قال: إنه لا يستطاع أن يقال عن الآلهة أنهم موجودون أو غير ~~موجودين؛ فاتهم بالجحود وطرد من أثينا وأحرق كتابه. فالاضطهاد الذي ملأ العالم مظالم ~~لأجل الدين قديم جدا حتى من عهد ميثولوجيا اليونان. # ثم تجاسر السفسطائيون مع الزمان، وأحدهم كريتياس الملقب برئيس الثلاثين ظالما شرع ~~يعلم جهارا أن الآلهة ليسوا سوى اختراع أناس دهاة ليخدعوا الشعب الجاهل. ومعلوم أن ~~السفسطائين ينكرون الخير المطلق، ويجعلون العدل والظلم من اصطلاح الهيئة الاجتماعية. ثم ~~تطرف أريستيب الذي كان في القرن الرابع قبل المسيح، ووضع علما جديدا في الأخلاق أسسه ~~على اللذة التي اعتبرها غاية الوجود، فاللذة عنده هي السعادة، ولا يستطيع أن يجمع بين ~~التأمل وضبط النفس ويكون سعيدا إلا العاقل. ولذة الجسد أفضل من لذة النفس، وعذاب ~~الجسد أشد من عذاب النفس. # وكان أريستيب يغشى كثيرا مجالس الأكابر في ذلك العصر، حسن المعاشرة، كثير ~~التردد كذلك على الحكام. وقد اتفق له أن اجتمع مرارا كثيرة بخصمه العظيم «بلاتون» - ~~الحكيم عند «لانيس السيراقوسي» - وقد خرج من مدرسة أريستيب ثيودورس الجاحد. # وأريستيب كان آخر الفلاسفة الماديين قبل سقراط. ~~ثم خلا الجو للفلسفة النظرية، واشتهر فيها الفليسوفان الشهيران بلاتون وأرسطوطالس، ~~ونضرب هنا صفحا عن ذكرهما، وعن ذكر معلمهما سقراط؛ لأنه ليس في فلسفتهم شيء يختص ~~بتاريخ الفلسفة المادية. # إلا أن أحد تلامذة أرسطوطاليس وهو ستراتون صاحب الفلسفة الطبيعية الشهير، يظهر من ~~تعاليمه التي لم يبلغنا منها إلا القليل أنه كان ms110 له مذهب مادي؛ فإن القوة أو العقل ~~الذي عند أرسطو يدبر العالم لا يعتبره ستراتون إلا العلم المبني على الإحساس. وهو ~~يعتبر أن كل شيء، بل كل حي مشتق من المادة بقوى طبيعية متصلة بها. ولا يجد لزوما ~~للمبدأ الروحي الذي يضعه أرسطو في باطن كل شيء، بل كل الطبيعة إله، والعقل عنده قوة ~~حسية؛ لأن كل فكر يقتضي شعور الحواس قبله ضرورة. # ثم بعد سقراط بمائة سنة ظهر الفيلسوف العظيم إبيقورس، ولد سنة 342ق.م في قرية من ~~أطيكا، وحدث له إذ كان ابن 14 سنة وهو يقرأ في المدرسة تكوين زيود، # 14 # حيث يجعل الكاوس مبدأ كل شيء، فسأل معلمه حينئذ من أين أتى الكاوس؟ فحار ~~في الجواب. ومن ثم هام في الفلسفة، وأخذ ينظر بنفسه، فقرأ دمقريط وتعليمه في الجواهر ~~الفردة، وفي أثينا قرأ على تلامذة أرسطو. ثم عاد إلى وطنه؛ هربا من الارتباكات ~~السياسية التي وقعت فيها أثينا بعد موت الإسكندر الكبير، ولم يرجع إليها إلا وقد تقدم ~~في السن، فاشترى فيها بستانا وعاش محاطا بتلامذته، كأنه بين ذوي قرباه. وكان يحترم ~~الآلهة على ما هو متواتر في اعتقاد أهل بلاده، ولكنه كان يخرجها دائما من مباحث ~~الفلسفة، وكان يتمثلها كائنات أزلية خالدة لا عمل لها، مقيمة في المساحات الكائنة بين ~~العوالم لا يهمها شيء من الأرض، ولا من مجرى الطبيعة. وعنده أن احترام الآلهة غير ~~واجب إلا بالنظر لكمالها، ولا يعتبرها إلا بشرا أكمل من البشر عائشة في حالة شبيهة ~~بما يتصوره في فلسفته؛ وهو وجود سعيد خال من كل وجع. وهذا هو غاية القصد من مدرسته ~~التي كانت مؤلفة من الأحبة المجتمعين على صدق الولاء المتبادل بينهم. على أن المدرسة ~~ومؤسسها أصبحا عرضة للتهم الكاذبة ونسب إليهما كل شنعة، ولكن بدون إسناد صحيح؛ لأنه ~~مقرر أن حياة إبيقورس كانت طاهرة جدا. وقد توفي في سن 72 سنة، وبقي تلاميذه يجتمعون ~~في البستان الذي تركه لهم في اليوم العشرين من كل شهر زمانا طويلا بعد موته، ms111 وكان ~~إبيقورس قد قرر مبلغا معلوما لهذا النيروز. # وقد كتب إبيقورس نحوا من ثلاثمائة كتاب، ليس لنا منها إلا ملخصاتها. وأحسن الموارد ~~التي يعتمد عليها لمعرفة تعاليمه هو أرجوزة الشاعر اللاتيني «لوكراسيوس كاروس»، أعظم ~~زعماء هذا المذهب بعد إبيقورس (95-52ق.م) في «طبيعة الأشياء»، وهذه الأرجوزة ربما كانت ~~نسخة من بعض كتب إبيقورس وقد تغير اسمها. # واعلم أن الرومان لم يعولوا من فلسفة اليونان إلا على مذهبين فقط، وهما المذهب ~~الستويسي أو مذهب زنون، # 15 # ومذهب إبيقورس. وكثير من رجال رومه العظام كان يفتخر بكونه من مذهب إبيقورس ~~كهوراس، فإنه كان يصف نفسه بقوله: «أنا خنزير من قطيع إبيقورس ... إلخ.» وأما شيشرون ~~فكان من خصوم هذا المذهب، وقد بذل جهده في تحقيره. واثنان من كبار الجمهوريين أعداء ~~قيصر أحدهما بروتوس كان ستويسيا، والثاني كاسيوس كان إبيقورسيا. وقد بلغت فلسفة ~~إبيقورس أوج مجدها على عهد الإمبراطور أوغوسطوس، ولم يكن أحد من شعراء عصره غير تابع ~~لها. # وفضل فلسفة إبيقورس ظاهر فيما تعلق منها بعلم الأخلاق الذي اعتبره أهم المسائل. وقد ~~راعى أيضا في فلسفته الأقسام الثلاثة المعتمد عليها في فلسفة اليونان، وهي: المنطق ~~والطبيعيات وعلم الأدب، إلا أنه لم يجعل المنطق والطبيعيات سوى مساعدين لهذا العلم ~~اللازم ضرورة في الحياة، حتى تكون الحياة سعيدة على قدر الإمكان بتخفيف مصائبها بالحكمة ~~والتخلق بالأخلاق الحسنة. # وقد حذا حذو دموقريط في الطبيعيات، وقال نظيره بالجواهر الفردة والفراغ غير أن ~~الجواهر متحركة حركة دائمة في فراغ هذا الخلاء الذي لا نهاية له، وحركتها فيه بانحراف ~~بعضها على موازاة بعض بحيث تصطدم بعضها ببعض، وتحدث حركة لولبية مخروطية كحركة الزوابع، ~~وهذه الحركة تؤدي إلى تراكيب وصور عديدة متنوعة ومتغيرة. ومن هذا استنتج البعض أن ~~دموقريط كإبيقوروس لم ير في جميع ظواهر الطبيعة إلا فعل الصدفة العمياء. # وإبيقورس لا يعتبر اللذة الجسدية كأريستيب، بل يفضل عليها جدا اللذة العقلية، # 16 # ويقول: «إني برغيف من خبز الشعير وقدح من الماء، أقدر أن أكون سعيدا ~~كجوبتير.» ومن كلامه: كلما قلت ms112 احتياجات الإنسان كان القيام بها سهلا، وكانت السعادة ~~أعظم. والمحبة كنز ثمين، والإنسان ينبغي عليه أن يقدم على الموت لأجل صديقه. وأما ~~الفضيلة فهي اعتيادية نسبية عنده؛ إذ يقول أنه لا شيء جيد أو رديء بنفسه، بل كل شيء ~~يتوقف على الموافقة والمناسبة، وأما الشرائع وحدها فهي ذات فائدة. وعند إبيقورس ~~ومدرسته تقف الفلسفة المادية في القديم. # 17 # | المقالة السادسة # إن الرأي المادي في الفلسفة بقي هاجعا من عهد إبيقورس حتى القرن الخامس عشر للمسيح، ~~وفي بحر هذه المدة الطويلة سادت الفلسفة المجردة، ولا سيما فلسفة أرسطوطاليس، ومما ساعد ~~جدا على تأييدها في العصور الوسطى انتشار النصرانية في المملكة الرومانية. وقد تداعت ~~المملكة المذكورة إلى السقوط، فأرسطوطاليس قلما يعتد بالمادة وينفي عنها كل حركة ذاتية، ~~ويجعل الصورة الضرورية للمادة خارجة عنها ومضادة لها، ويقول بضرورة وجود محرك أول. والفرق ~~بينه وبين فلاسفة النصرانية في ذلك أن الكائن الأول عنده غير خالق للعالم أو صانع له؛ لأن ~~المادة لها ذلك، وإنما هو محرك له. # 1 # وبقيت الأفكار الفلسفية في النصرانية على هذا النهج لا غرض لها إلا خدمة الغاية ~~اللاهوتية حتى اكتشفت أميركا، وقام كوبرنيخ وكوبلر ووضعا تعاليمهما في علم الهيئة، عند ذلك ~~حصل في الأفكار ثورة غيرت وجه الفلسفة؛ إذ اقتضى لها أن تتبع مجرى العلوم الطبيعية. والذين ~~تبعوا مجراها هذا أطلق عليهم اسم عمليين أو طبيعيين أو ماديين. # وفي أول الأمر لم يستطع الفلاسفة الماديون المحدثون أن يتحرروا دفعة واحدة من فلسفة ~~أرسطو؛ لأنه ليس من السهل هجر مبادئ اختمرت بها الأفكار مدة خمسة عشر قرنا فلم ينبذوها ~~كليا، بل اجتهدوا في توضيحها بدعوى تأييد الصحيح منها. وأول من ضرب معولا في أساسها ~~فيلسوف طلياني اسمه بطرس بومبوناتيوس. # نشر هذا الفيلسوف سنة 1516 كتابا في خلود النفس، بين فيه أن خلود النفس أمر يستحيل ~~التسليم به حسب أرسطو؛ لأن الصورة والجسم أو الصورة والمادة صفتان لا تفترقان، قال: «إذا ~~أريد التسليم بخلود الإنسان يقتضي أولا أن يبرهن كيف أن ms113 النفس تحيا بدون جسم يعمل ~~فيها أو تعمل فيه، فإنه بدون أفكار لا يمكن لنا أن نفتكر. والأفكار نفسها تتوقف على الجسد ~~وأعضائه. ولا ينكر أن الفكر بذاته أزلي وغير مادي إلا أنه مرتبط بالحواس، فلا يدرك ~~الكلي إلا بالجزئي، وهو ليس مجردا عن الزمان، ولا في وقت من الأوقات؛ لأن الأفكار تغيب ~~وتحضر؛ فنفسنا إذن مائتة إذ لا يبقى فيها علم ولا ذكر.» # وقال أيضا: «إن عمل الفضيلة لأنها فضيلة لأنبل جدا من عملها طمعا بالمكافأة، على ~~أنه لا يذم أرباب السياسة الذين لأجل مصلحة العموم يعلمون خلود النفس؛ حتى يسير الضعاف ~~والأشرار خوفا أو رجاء في السبيل القويم الذي يتبعه سواهم عن لذة وهوى، لأنه غير صحيح ~~ما يقال: إنه لا يوجد سوى علماء أشرار ينكرون خلود النفس، وأما الحكماء الأفاضل فيقرون ~~به، فإن أوميروس وبلينوس وسيمونيد وسناك لم يكونوا أشرارا؛ لأنهم لم يعتقدوا ذلك، بل كانوا ~~أحرارا وليسوا عبيد أغراضهم.» # ومع ذلك فبومبوناتيوس يؤكد رضوخه لشريعة المسيح، ويقول: «إن الوحي يجلب تعزية ويقينا ~~لا تستطيعهما الفلسفة.» ولا ندري أمراء ذلك منه أم اقتناع، إلا أن جميع فلاسفة هذا ~~العصر حتى نصف القرن السابع عشر كانوا نظيره؛ وربما كان ذلك لخوفهم من الحريق بالنار الذي ~~لم ينج منه من صرح بأفكاره، ولعل السبب أيضا شدة تأصل الإيمان في نفوس أهل ذلك ~~الزمان. # ثم في سنة 1543 ظهر كتاب «دوائر الأجرام السماوية» لنيقولا كوبرنيخ فزعزع أركان الإيمان، ~~وأضعف الثقة بأرسطوطاليس ومن حذا حذوه؛ إذ بين حركة الأرض المزدوجة على نفسها وحول ~~الشمس. # ومن أعظم زعماء هذا التعليم الحديث جيوردانو برونو، وهو فيلسوف طلياني أيضا من مذهب البانتايسم، # 2 # إلا أنه يتفق مع الماديين في مسائل شتى، وقد جمع إلى دقة النظر الفلسفي سعة ~~الاطلاع. وعنده أن الأرض والعالم والمادة شيء واحد، والعالم وجود لا نهاية له حي في كل ~~أجزائه، وهو مظهر من مظاهر الله. ونفس الإنسان جزء من العقل الإلهي؛ ولذلك هي خالدة نظيره. ~~فكوبرنيخ كان يعتمد على ms114 بيثاغوروس، وأما برونو فجل اعتماده كان على لوكرس، وهو مثله يرى ~~أن العوالم لا حد لها، وقد وقف بين هذا الرأي ونظام كوبرنيخ وفسر النجوم الثابتة بأنها ~~شموس تفوق العد والحصر تحيطها سيارات. والمادة على رأيه أم كل شيء حي، وتحتوي فيها كل ~~الأصول وكل الصور قال: «إن ما كان في أول الأمر بذرة صار سنبلة، ثم خبزا فكيلوسا، ~~فدما، فمنيا، فجنينا، فإنسانا، فجثة هامدة. والجثة تتحول إلى تراب أو حجر أو مادة أخرى ~~غشيمة، ثم يرجع هذه الدور وهكذا على الدوام. فيوجد على ذلك شيء يتحول إلى سائر الأشياء وهو ~~واحد لا يتغير. فلا شيء ثابت حقيقة خالد، وجدير باسم المبدأ إلا المادة فقط، فإنها تتضمن ~~فيها وحدها كل الصور وكل المقادير. والصور التي تلبسها المادة وتفوق كل حصر لا تأتيها من ~~خارج، بل تتولد في باطنها، وحيث يقع موت لا يحصل حقيقة إلا توليد وجود جديد أو انحلال ~~مركب وتركيب آخر.» # فهذا الرأي في الحقيقة مادي؛ لأن المادة فيه الجوهر الصحيح لكل شيء، وهي التي تكون الصور ~~خلافا لأرسطو، فإن الصورة عنده هي التي تحدد المادة كما رأينا. # واضطهد برونو كثيرا فرحل إلى إنكلترا وفرنسا وألمانيا، ووقع أخيرا في أيدي قضاة الدين ~~في فنيسيا، فحكم عليه وأحرق بالنار في رومه سنة 1600، وقد كان لتعاليمه تأثير عظيم في مجرى ~~الفلسفة. # على أن الفضل الأعظم في تجديد الفلسفة راجع إلى باكون ودكارتوس، والرأي المادي إلى ~~جساندي وهوبس، وذلك في أوائل القرن السابع عشر. # فباكون (1561-1626) ويلقب بأبي العلوم الطبيعية الحديثة، وبصاحب طريقة الاستقراء، يجعل جل ~~اعتماده في معارفه العلمية والفلسفية على المعاينة والاختبار. وهو قريب جدا من الرأي ~~المادي، والبرهان على ذلك أنه لم يتبع من مذاهب الفلسفة القديمة إلا مذهب دموقريط حيث ~~يقول: إن الطبيعة لا يمكن التعليل عنها إلا بالجواهر الفردة. ولم يكن متعصبا ضد الدين؛ ~~لأنه يقول: إن الحقائق الدينية قد تظهر لنا باطلة نظرا لقلة علمنا، ولم يهمل في فلسفته ~~شأن الملائكة والأرواح، ويقول: إن درس ms115 الإنسان المصنوع على صورة الله لا يراد به توسيع ~~معارفنا فقط، بل غايته أرفع من ذلك. وهذا الميل الروحاني فيه، مع ما له من النظر الطبيعي في ~~الأشياء، كثيرا ما يوقعه في تناقض مع نفسه. وهو يذهب إلى أن اللاهوت علم، ويقسم النفس ~~إلى عاقلة ويجعلها روحا منفصلة عن المادة، وإلى غير عاقلة تتولد عن المادة ويطلقها على ~~الحيوان أيضا. وقد قال كونوفيشر: إن باكون يقر بأن فلسفته تعجز عن إدراك الروح؛ لأنه ~~يفصل الروح عن النفس إذ يجعل الروح شيئا لا يدرك، وأما النفس فمتعلقة بالجسد ومقرها ~~الدماغ، وقد ظن بعضهم أن ذلك منه سياسة لبث أفكاره في المادة. # وأما دكارتوس (1596-1650) فيفصل بين الروح والجسد فصلا تاما، فهو صاحب مذهب التثنية ~~الحقيقي في الفلسفة والمذهب الروحاني، وهو الذي يثنى عنه قوله الذي صار مثلا: «أنا أفتكر ~~إذن أنا موجود.» وهو يعتمد في فلسفته خلافا لباكون لا على الاستقراء، بل على الاستدلال أو ~~التجريد. على أنه في أمور كثيرة هو من الرأي المادي، ويطول بنا الشرح إذا فصلنا ذلك هنا ~~فنقتصر على القول بأن دلامتري أعظم مادي في القرن الثامن عشر، أسس فلسفته في بعضها على ~~مبادئ دكارتوس. # فباكون ودكارتوس إذن هما غير متفقين في فلسفتهما، وكل منهما سار في طريق لا يزال مفتوحا ~~حتى اليوم، أحدهما عملي أو مادي أو حسي، والثاني نظري أو روحاني. وممن سار في طريق دكارتوس ~~بعده: «سبينوزا» و«لبنيتز» و«كنت» و«فيخت» و«شلين» و«هجل» وغيرهم كثير. وفي طريق باكون: ~~«جسندي» و«هوبس» و«لوك»، حتى نصل إلى الرأي المادي للفرنسيس في القرن الثامن عشر، ومنه إلى ~~اليوم. # فجسندي ولد في فرنسا سنة 1592، ويعتبر أنه مجدد الرأي المادي لما كتبه عن إبيقورس ~~منتصرا له لا على سبيل الجهر، ولكن على سبيل الخفية كسائر معاصريه من الطبيعيين، الذين ~~كانوا قبل بسط مبادئهم المادية يفتتحون كلامهم بالتصريح، بأنهم راضخون الرضوخ المطلق للدين ~~نظير دكارتوس مثلا؛ فإنه قبل الشروع في بسط مذهبه في ظهور العالم يقول: «ليس عندي شك في ~~أن ms116 الله تعالى خلق العالم دفعة واحدة، إلا أنه لا بأس من معرفة كيف كان يمكن العالم ~~أن يتكون من نفسه.» # فجسندي ومعاصره دكارتوس كانا على طرفي نقيض، ولم يتفقا إلا على كراهتهما لأرسطو. ~~فدكارتوس يعتمد على العقل، وجسندي يعتمد على الاختبار، وقد اجتهد في تأييد المذهب الجوهري ~~ضد مذهب جسيمات دكارتوس. ولم يسلم بانفصال الجسد عن الروح على رأي دكارتوس، ولا بالفصل بين ~~جوهر فاكر حال وجوهر محلول فيه. ولا حاجة إلى بسط الكلام عنه أكثر من ذلك؛ لأنه يستند ~~في كل مذهبه إلى إبيقورس. # وأما توما هوبس # 3 # المولود سنة 1588 فبحث في فلسفته؛ ليعرف أي شيء هو ذاك الذي يولد الشعور ~~والصور في الكائنات الحية. ومذهبه في الشعور حسي محض؛ أي إنه يرد كل شيء إلى الحواس، ~~فالإحساس عنده حركة في أجزاء الجسد مسببة عن حركة الأشياء من خارج، وهو يفصل صفة الإحساس ~~التي إنما تحصل فينا، كالنور واللون والصوت عن حركة الأشياء نفسها، وهو يقول: إن كل معرفة ~~آتية من الاختبار الخارجي، والعقل والإدراك ليسا إلا مقابلة في نسبة الصور والأفكار ~~المتولدة من انفعال الحواس، وتبليغ هذه الانفعالات إلى باطن الحيوان يكون بواسطة الأعصاب، ~~وتصور الأشياء الخارجية الذي يحصل عن ذلك ليس إلا «رد فعل في الحيوان كله». وأما فيما ~~تعلق بالعالم فيقتصر على ما تدرك أسبابه منه، ويترك ما بقي لعلماء اللاهوت، وينظر إلى الله ~~في تعليله عنه كأنه كائن جسماني. # وهوبس هرب من إنكلترا خوفا من الشعب، والتجأ إلى باريس حيث عاش بالاتصال مع جسندي، وقد ~~أخذ عنه كثيرا. وهو يعرف الفلسفة بقوله: إنها علم موضوعه الوصول بالاستنتاج الصحيح إلى ~~معرفة الأسباب بالمسببات، والمسببات بالأسباب. وقد أراد أن يكون للفلسفة فائدة عملية، ~~فقال: إنها يجب أن تخدم السياسة والصناعة. ولا يعتبر الدين إلا أوهاما ونتيجة الخوف، ~~فإذا صادقت الشريعة على هذا الخوف وحافظت الحكومة عليه صار دينا وإلا فهو خرافة. # وقد أثرت تعاليم هوبس وباكون تأثيرا حميدا جدا في إنكلترا التي استفادت منها في ~~معاملاتها، ms117 كما هي العادة عندها أكثر من سواها؛ فإنه لما انقضى فيها عصر القسوة والضغط على ~~الأفكار، وانتفى موجب الرياء، اشتد الميل في حكامها إلى تنشيط العلوم والمعارف الاختبارية. ~~وكارلوس الثاني الذي كان يود هوبس جدا، حتى أجرى عليه الرواتب وعلق رسمه في غرفته كان ~~طبيعيا ماهرا، وكان عنده في قصره معمل للاختبارات الطبيعية. وقد انتشر حب العلوم ~~الطبيعية والكيماوية بين الجميع، وصارت السيدات النبيلات تتردد على حلقات العلماء، وتحضر ~~امتحاناتهم المغنطيسية والكهربائية. وهكذا تقدمت إنكلترا في العلوم الطبيعية تقدما سريعا، ~~ونهجت بها منهجا ماديا عمليا حميدا، حصلت منه على فوائد عظيمة حتى أصبحت في قرون ~~قليلة أغنى الأمم وأقواها. # ومن الذين تميزوا في الفلسفة المادية في إنكلترا بعد هوبس الشهير جون لوك (المولود 1632)، ~~وهو وإن لم يكن ماديا إلا أنه مهد السبيل للفلسفة المادية بمضادته الأفكار الغريزية ~~والعقل المجرد عن الحواس. ثم بعد أن اشتغل بالفلسفة اشتغل أيضا بالطب، ولم يتداخل في ~~الأمور السياسية خلافا لهوبس، وكان على ضد مبدأ هوبس في الأمور الاجتماعية ديموقراطيا ~~بخلاف هوبس ، فكان من أنصار الأثرة الأرستوقراطية. وعاش زمانا طويلا متغيبا عن وطنه؛ ~~لمضادة الحكومة له بسبب أفكاره حتى حصلت ثورة سنة 1688 فعاد إليه. وكتابه «في الإدراك ~~البشري» أو في أصل معرفة الإنسان وحدودها، الذي ظهر سنة 1690 واضح جدا وجلي للغاية، بحيث ~~انضم إليه سريعا كل متنور في إنكلترا. وهذا مخلص أهم ما فيه: # لا يوجد أفكار ولا مبادئ ولا معلومات غريزية خلافا لبلاتون ودكارتوس، وفي ~~الجملة لا يوجد فينا أفكار أولية ولا حقائق أدبية أو منطقة غريزية؛ لأننا لا نعلم ~~حقيقة أدبية أو قضية منطقية ذات اعتبار واحد في كل مكان وزمان، وفي الشعوب ~~المختلفة. والذين لم تتهذب عقولهم لا يعلمون بوجود قضايانا المجردة، ولا بأكثر ~~حقائقنا الأدبية، فكيف تكون إذن غريزية؟! وفضلا عن ذلك فإننا في معارفنا التي ~~نتحصل عليها بالاختبار لا ندرك الكلي قبل الجزئي، بل بالضد ندرك الجزئي أولا، ثم ~~الكلي. # فعقل الإنسان أشبه بلوح صقيل أو قرطاس أبيض ms118 تنطبع عليه المحسوسات الآتية من خارج، ~~وهذه المحسوسات الخارجية هي مصدر ما يكتسبه عقلنا من المعلومات. قال كوك: «كل معلوم ~~متوقف على الاختبار، ومراقبتنا التي موضوعها إما الأشياء الخارجية المحسوسة، أو ~~أعمال عقلنا الباطنة الحاصلة بالتأمل هي التي تقدم لعقلنا كل مواد الافتكار، وفي ~~سوى هذين المصدرين لا يوجد فكر.» والولد لا يكتسب معرفة بعض الصور التي هي مواد ~~معرفته في المستقبل إلا بواسطة حواسه شيئا فشيئا، فلو أردنا لأمكن لنا أن نربي ~~ولدا بحيث لا يكتسب إلا شيئا دون الطفيف من الأفكار المألوفة. وفي حداثتنا ~~يغرسون في رءوسنا كثيرا مما يسمونه مبادئ أو أوليات لا أصل لها إلا وهم ~~جدتنا أو عجوز أخرى، فإذا بلغنا سن الإدراك نجد فينا أفكارا لا نعلم كيف نشأت ~~فينا، فنقول: إنها من الله أو من الطبيعة؛ أي إنها غريزية. وخلاصة هذه الملاحظات هي ~~في هذه القضية وهي: «لا شيء في العقل لم يكن في الحواس من قبل.» # ولوك يسلم بأن للمعرفة نوعين كما تقدم؛ أحدهما: حسي، والثاني: تأملي؛ أي معرفة الأشياء ~~الخارجة عنا ومعرفة الأشياء الباطنة فينا. إلا أنه يعتبر هذا الأخير من طبيعة حسية ~~أيضا؛ إذ لا يسلم بمعرفة آتية بغير الحواس، فالأفكار التأملية ليست غريزية، ولا روحانية، ~~بل نتيجة الاختبار. # ثم أنطوني كولونس تلميذ كوك ذهب إلى أبعد من معلمه، وفي كتابه «الفكر الحر» المنشور سنة ~~1713 طعن في التوراة، ونفى الدين، وأنحى على علم اللاهوت، ولم يسلم بشريعة غير شريعة ~~العقل. # وممن ذهب هذا المذهب في الوقت نفسه أحد المفكرين الفرنساويين المدعو بطرس بيل، توفي سنة ~~1706 في سن 32 سنة، وهو صاحب قاموس كبير في التمحيص التاريخي، له أفكار من مثل قوله: ~~«الجحود أفضل من الاستمساك بالأوهام»، و«تقوم الأمة بدون الاعتقاد بالله»، و«بخلود ~~النفس». # وإلى تأثير فلسفة كوك ينسب الكتاب الذي ألفه جون تولند الإنكليزي وموضوعه «النصرانية بلا ~~أسرار» والطبعة الثالثة منه كانت سنة 1702. وقد انتشر هذا الكتاب جدا، وكان له تأثير عظيم ~~بين الناس، فتعقب أهل السلطة مؤلفه ms119 حتى اضطر أن يهرب من إنكلترا، ولم يكن في كتابه هذا ~~شيء ضد الدين إلا من حيث الأسرار. ثم تطرف أكثر فأكثر، حتى إنه في رسائله إلى سيرينا ~~(شارلوط ملكة بروسيا، وكانت من الفلاسفة) صرح بالرأي المادي، وجعل أصل كل شيء في القوة ~~والمادة، فالمادة عنده حية ومتحركة من نفسها، وكل شيء تبادل في المواد والصور لا يفتر، ولا ~~يوجد جسم # 4 # ساكن سكونا مطلقا، والفكر ليس سوى حركة جسدية دماغية مرتبطة بالعالم ~~المادي. # وممن سار على خطوات لوك دافيد هوم الإنكليزي وكونديلياك الفرنساوي، وكلاهما من رجال ~~القرن الثامن عشر الذي انتشرت الفلسفة المادية فيه جدا. وقبل الخوض في هذا العصر يليق بنا ~~أن نحول نظرنا إلى ألمانيا في القرن السابع عشر؛ لأننا لم نذكر فيما تقدم إلا أسماء ~~فلاسفة من الطليان والإنكليز والفرنساويين، فنقول: # إن ألمانيا في هذا العصر لم يكن فيها أحد يعادل من ذكره، وليس لنا منها سوى رسالة في ~~جوهر النفس مجهولة اسم المؤلف، ركيكة العبارة بين اللاتينية والفرنساوية. وقد قام فيها ~~مؤلفها ضد الأفكار الفلسفية اللاهوتية المتعلقة بجوهر النفس، وضد الآراء المتضادة فيما خص ~~مقرها في الجسد، ويعرف العقل أنه حركة في ألياف الدماغ الدقيقة، ولا يسلم بوجود نفس ~~منفصلة عن الجسد. # ثم إن الطبيب الألماني بنكراسيوس ولف (سنة 1697) قال: إن الأفكار ليست من أعمال النفس ~~الروحانية، بل هي أعمال مادية للجسد، وبالتخصيص للدماغ. ومثله قال أيضا فريدريك ستوش ~~(1692)؛ فإنه أنكر خلود النفس وروحانيتها، وذهب إلى أن نفس الإنسان ليست إلا اعتدالا ~~بين الدم والأخلاط التي تجري في العروق السليمة، وتولد جميع الأعمال الإرادية وغير ~~الإرادية. # الرأي المادي في القرن الثامن عشر # الرأي المادي في هذا القرن، والرأي المادي في القرن الذي تقدمه يتفقان ويختلفان معا؛ ~~يتفقان من حيث اقتصارهما على الخاصة، ويختلفان من حيث إن الرأي المادي في هذا القرن ~~لا يقف عند حد خلافا لسابقه. وأصحابه هم الذين هيئوا الثورة الفرنساوية التي قلبت ~~وجه العالم بتغييرها مجرى السياسة والأفكار. ومن زعمائه في فرنسا ms120 الكاتب دلامتري، وهو ~~من أعظم الماديين الفرنساويين، وكان طبيبا ماهرا، وفلسفته من الطبقة العالية خلافا ~~لقول بعضهم أنها دنيئة، وربما قال هذا القول من دون أن يطلع عليها. وأطواره أنبل جدا ~~من أطوار خصميه فولطير وروسو. وفريدريك الكبير الذي ضمه إلى بلاطه يقول عنه أنه حسن ~~المعاشرة، بشوش الوجه، ويمدح طهارة نفسه، ونبالة أخلاقه. فلا نعلم كيف وصفه بعض ~~المؤرخين كهنتر بالفحش، وأنه لم يتبع الرأي المادي إلا لكي يجد عذرا لشبقه، ولعله ~~كتب عن هوى وتعصب. # ولد دلامتري سنة 1709 في سان مالو، وقرأ العلوم والآداب، وتميز في المدرسة منذ ~~حداثته؛ إذ نال كل جوائز صفه في السنة الأولى. وكان فصيحا يحب الشعر، وانصب في أول ~~الأمر على آداب اللغة، وترشح أخيرا للقسيسية، ثم تحول عنها. ودرس الطب ومارسه حتى سنة ~~1733، فرحل إلى هولاندة، ودخل في مدرسة ليد حيث قرأ على بوهراف الشهير، وترجم إلى ~~الفرنساوية كثيرا من كتبه؛ وبسبب ذلك حصل بينه وبين أرباب السلطة في باريز خلاف ونفور، ~~وقد هجاهم هجوا مرا. ولما اضطر إلى الهرب من باريز عاد إلى ليد، وهناك طبع تاريخه ~~الطبيعي في النفس، وبعد سنة ألف كتابه الشهير «الإنسان الآلة». قيل: إنه أصيب بحمى ~~محرقة، فاستدل من مراقبتها على نفسه أن الفكر نتيجة تركيب الجسد. # وقد بين في أول كتابه «تاريخ النفس الطبيعي (1745)» أن لا أحد من الفلاسفة قدر أن ~~يقول ما هو جوهر النفس، وسيبقى هذا الأمر مجهولا، وأن القول بنفس بدون جسد ضرب من الهذيان، # 5 # فالنفس والجسد متصلان غير منفصلين. وليس من مرشد إلى المعرفة أصح من ~~الحواس، فهي فلاسفة الإنسان كما يقول هو. ولا يمكن تجريد المادة والقوة إلا بالعقل، ~~وأما في الواقع فهما شيء واحد، وبناء عليه فالمادة قادرة أن تحس. # 6 # وقد فند فلسفة دكارتوس مشيرا إلى ما فيها من القضايا الضعيفة. ويعول في الحس على ~~أمور تشريحية وفسيولوجية، ويعلل عن كيفية وقوع التأثير على الأعصاب والدماغ ببراهين ~~قريبة للعقل، وإذا شط أحيانا فلفقدان الأدلة العلمية. # ويذكر ms121 في آخر فصل من كتابه أمثلة كثيرة من الصم البكم والعميان المولودين هكذا، ومن ~~أناس لم يتعلموا ليبين بها أن «كل الأفكار صادرة عن الحواس»، فإن الإنسان الرابي في ~~حجر الوحدة والهدو محجوبا عن سائر المؤثرات الخارجية لا ينمو عقله، ولو كان العقل ~~جوهرا مستقلا ينمو بقوة فيه خاصة به لما كان كذلك. وكذلك يدحض القول بالأفكار ~~الغريزية خلافا لدكارتوس، ومعارضة له قال العبارة الآتية: «لا حواس إذن لا ~~أفكار.» # ويقول في كتابه «الإنسان الآلة» (1748) ما نصه: # لا ينبغي أن نعتمد إلا على المراقبة والاختبار، وهما خاصان بالأطباء ~~الفلاسفة لا بالفلاسفة الذين ليسوا أطباء، ولا يحق لسوى الأطباء الذين يراقبون ~~النفس في مجدها وفي تعاستها أن يتكلموا في هذا الموضوع. # فبم يستطيع أن ينبئنا سواهم، ولا سيما اللاهوتيون؟ أليس من المضحك المبكي ~~أن نسمعهم يبتون - ولا يخجلون - في أمور يجهلونها، وانصرفوا عن البحث فيها؛ ~~لتعلقهم على مباحث مبهمة أدت بهم إلى الاستمساك بالأديان، ودفعتهم إلى التعصب ~~فوق ما بهم من جهلهم تركيب الجسد. # وهو يبين كذلك كيف يتعلق العقل بأحوال الجسد المختلفة تعلقا شديدا ، باعتبار المرضى ~~والمجانين والمعاتيه، وأفعال الأفيون والخمر والقهوة ... إلخ، فإذا عل دماغ إنسان ~~جن، وإذا كانت العلة المادية في الدماغ لا تظهر لنا في بعض أنواع الجنون، فلوقوعها ~~في أعضاء دقيقة جدا لا نراها، قال: «إن أقل شيء كليفة صغيرة أو غيرها مما لا يستطيع ~~التشريح الدقيق جدا أن يدركه كان في إمكانه أن يجعل أرازموس وفونتنال # 7 # مجنونين.» ويقول أيضا: # إن عمل الدماغ أمر لازم، فيلزمه أن يفتكر؛ أي أن يراقب ويقابل ويستنتج ~~حالما يقع تأثير الأشياء الخارجية عليه، كما يلزم العين أن تبصر إذا وقع عليها ~~النور والأذن أن تسمع إذا بلغتها التموجات الصوتية. ولا فرق جوهري بين نفس ~~الإنسان ونفس الحيوان، فالحيوان يحس ويفتكر ويقابل ويستنتج كالإنسان، والفرق ~~بينهما أن الحيوان دون الإنسان في الكمال فقط، فهما مركبان من عناصر واحدة ~~متألفة على نواميس واحدة، غير أن جسد الإنسان أشد اختلاطا من جسد ms122 الحيوان ~~كآلة الساعة الفلكية، فإنها أكثر اختلاطا من آلة الساعة الدارجة. # وأما كون المادة مخلوقة أو أزلية، فهو يقول: إن ذلك فوق إدراكنا. ولا يتعرض لنفي ~~وجود الله، وربما أقر بوجوده أيضا، إلا أنه يزعم أن لا دخل له في راحتنا وسلوكنا، ~~وعلمنا به لا يزيد في سعادتنا، والأخلاق لا تعلق لها بالإيمان ولا بالدين. وهكذا ~~يقول في خلود النفس، فربما كانت خالدة أيضا. # ويقول أيضا: إن مبدأ الحياة ليس في الكل فقط، بل في كل جزء كذلك، ويذكر لذلك ~~أمثلة فيزيولوجية، كقابلية العضلات للتهيج بعد الموت، وبقاء حركة بعض الأعضاء، كالقلب ~~مثلا بعد قطع الرأس، وعود بعض الأعضاء بعد نزعها في الحيوانات الدنيئة ... وغير ~~ذلك. # وربما أخذ على دلامتري نشره بعض كتابات متعلقة بالملاذ والشهوات الجسدية، لكنه لم ~~يذكرها إلا لكي ينبه إلى وجوب معاملة الهائم بها معاملة المريض، وقد أراد بذلك أن ~~يشير إلى قساوة شريعة ذلك العصر. وأما سيرته الخصوصية فلم يكن فيها شيء من الخلاعة ~~أو عدم الاستقامة، وخصومه الذين شنعوا عليه فيها كثيرا، لم يستطيعوا أن يذكروا له ~~شائبة صحيحة من الشوائب التي لم يخل منها كثير غيره من كبار الرجال: فلم يرم بأولاده ~~بين اللقطاء كروسو، ولا غش خطيبتين كسويفت، ولا باع ضميره كباكون، ولا زور كتابات ~~كفولطير، بل عاش كرجل هذبته العلوم وطبخته الفلسفة # 8 # وتوفي في برلين سنة 1751. # ثم في سنة 1770 ظهر كتاب «نظام الطبيعة» للبارون هولباخ، وهو ألماني الأصل قطن ~~باريز، وكان غنيا جدا، محسنا إلى الفقراء، محبا للعلماء، كثير العلم، غير معجب ~~بنفسه. ولد في هدلشيم سنة 1723، وتوفي في باريز سنة 1789. # وهذا الكتاب مقسوم إلى قسمين: إنساني ولاهوتي، ~~فالقسم الإنساني أهمهما وقاعدته أدبية كمذهب إبيقورس. ويفتتح الكلام بهذه القضية، وهي ~~أن الإنسان إذا كان تعيسا فلجهله طبيعته، فيقتضي له إذن حتى يصير سعيدا أن يتحرر ~~من الأوهام المتكبل بها منذ طفوليته، فإنها سبب النير الثقيل الذي يلقيه الظالمون ~~والرؤساء على عاتق الأمم، وسبب الاضطهاد والترفض والحروب الدائمة وإراقة الدماء ms123 وما ~~شاكل. وفيه أيضا ما نصه: # فلنجتهد بأن نزيل شر الأوهام، وبأن نرد على الإنسان نشاطه ونجعله يحترم عقله، ~~أما الذي لا يستطيع أن يعدل عن أحلامه فلا أقل من أن يدع غيره يفتكر لنفسه، ~~ويقتنع من نفسه، فإن ما يهم أهل الأرض خاصة أن يكونوا عادلين ومحسنين ومحبين ~~للسلم. # والفضيلة عند هولباخ مرادفة للسعادة. # وبحث في الفصول الخمسة اللاحقة عن نظام الطبيعة، وعن المادة والحركة وانتظام الأعمال ~~الطبيعية ... إلخ على المبادئ المعروفة للرأي المادي. وخص الفصل الأخير منها بتفنيد ~~القول بالأسباب الغائية، وجعلها الحد الفاصل بين الماديين والإلهيين الذين منهم فولطير؛ ~~ولأجل ذلك انبرى فولطير لمعارضة «نظام الطبيعة» وأثار ضده حربا عوانا. # قال هولباخ: # إن كل شيء محصور في الطبيعة، وليس وراءها من موجود غير ما جاء به التصور. ~~والإنسان ليس إلا صنع الطبيعة فهو كائن طبيعي خاضع لنواميسها، ولا طاقة له ~~حتى ولا بالفكر على مجاوزة الحدود التي وضعتها له. وقواه المعنوية حالة خصوصية ~~من طبيعته المادية ليس إلا، وبالتفاعل بينه وبين الطبيعة المحيطة به، وبالنمو ~~التدريجي بلغ رويدا رويدا مبلغه اليوم. # إلى أن قال في آخر الفصل العاشر من القسم الأول ما نصه: # فالإنسان لا حق له إذن أن يعتبر نفسه فوق الطبيعة، إذ إنه خاضع لنفس ~~التغيرات التي تقع على سائر الكائنات، فليرتفع بالفكر إلى ما وراء حدود هذا ~~العالم، وليرمق بعين واحدة جنسه والكوائن الأخرى ير أنه يعمل أعمالا على ~~حكم الضرورة، كما تنبت الشجرة أثمارا، ويعلم أن غروره بنفسه ناشيء عن كونه ~~شاهدا وجزءا من العالم معا، وأن التفضيل الذي يجعل شخصه موضوعا له سببه ~~محبة ذاته ومصلحته الخصوصية. # فالعالم عنده ليس إلا مادة وحركة، وسلسلة أسباب ومسببات لا نهاية لها، فكل ما فيه ~~متحرك ومتغير، والسكون فيه ظاهري فقط، وأثبت الأجسام يتغير على الدوام، والمادة والحركة ~~أزليتان، والخلق من لا شيء لفظة لا معنى لها. وأما فيما خص جوهر المادة فهو غير متمسك ~~جدا به، بل يقول: إن هذا الجوهر مجهول. قال ما ms124 نصه: # ذلك هو سر الطبيعة الذي لا يتحول أو هو الدائرة التي يدورها كل موجود، ~~فالحركة تكون أجزاء العالم وتحفظها، ثم تلاشيها شيئا فشيئا وبعضها ببعض مع ~~بقاء الكمية على حالها، فالطبيعة تولد الشموس ونظامها والسيارات التي تدور ~~حولها، والحركة تغيرها جميعا على نوع غير محسوس، وربما بددت أجزاءها يوما من الأيام. # 9 # وخطأ هولباخ في اعتباره تغيرات المادة، هو أنه كهرقليط وإبيقورس ولوكرس وجسندي يجعل ~~النار مبدأ كل حياة، ثم بعد أربع سنوات من ذلك اكتشف بريستلي الأكسيجين، وفي هذا العهد ~~اشتهرت امتحانات لافوازيه العظيمة التي اتضحت بها ظواهر الاشتعال، وكانت قاعدة مذهب ~~التغيرات الكيماوية الواسع. # وعلل هولباخ حركة الأجزاء الصغيرة المادية بالجذب والدفع، كما عللها أمبيدقل بالمحبة ~~والنفور، وقال: «إن كل ما يحدث في الطبيعة شديد الانتظام، وسبب هذا الانتظام قوى ~~الطبيعة الأساسية الأزلية، ولداعي الأسباب والمسببات كانت الضرورة ناموس الأعمال في ~~العالم الحسي كما في العالم المعنوي؛ أي كل حادث حادث بالاضطرار.» # وقد بين في فصل النظام أن المراد بهذه اللفظة تعاقب الظواهر الناشئة عن النواميس ~~الطبيعية الثابتة تعاقبا منتظما. ولا يصح إطلاق لفظة عدم النظام على شيء من حوادث ~~الطبيعة، كما أنه لا يصح إطلاق الصدفة العمياء عليها، ولا صحة لذلك إلا في جهلنا، ~~فكل ما تفوتنا أسبابه نظنه صدفة. وهذا النظام في الطبيعة ليس فيه شيء من المعجزة، ~~«فليس في الطبيعة أمر عجيب إلا للذين لم يدرسوها جيدا.» والجيد والرديء اعتباريان ~~نسبيان في الوجود، مثل النظام والصدفة وما شاكل. # وقد تظاهر ضد ديكارتوس وتعليمه؛ لأنه جعل ما يفتكر منفصلا عن المادة، قال: لو جعلت ~~المادة ذات خاصة لأن ترتفع في الإنسان إلى درجة الافتكار، لكان ذلك أبسط وأصح. وسائر ~~تغيرات النفس على رأيه متوقف على عمل الدماغ، وهذا العمل تنبهه المنبهات، وتدعوه إلى ~~خارج، قال في هذا المعنى ما نصه: # إن الذين يفصلون النفس عن الجسد لا يفصلون عنهم إلا دماغهم، والدماغ هو ~~المركز الذي تجتمع إليه الأعصاب من جميع جهات الجسد، وكل الأعمال التي ms125 ينسبونها ~~للنفس يعملها هذا العضو. وهو ينفعل للمؤثرات الخارجية فيحرك أعضاء الجسد، أو ~~يفعل على نفسه ويولد أنواعا مختلفة من الحركة سميت قوى النفس. # فالنفس ليست سوى خاصة من خصائص المادة أو عملا من أعمالها، وبالحصر من أعمال الدماغ، ~~قال: «إذا حركت النفس ذراعي - على فرض ألا يكون هناك مانع يمنع ذلك - وحمل ثقلا ~~كبيرا فلا تعود تقدر على تحريكه، فيتعطل عملها إذن بسبب مادي. ولو كانت النفس روحا لا ~~نسبة بينها وبين المادة، لما كان يقتضي أن يكون كذلك؛ لأن الروح لا ينبغي لها أن تجد ~~صعوبة في تحريك العالم أعظم منها في تحريك ذرة منه، فمثل هذا الروح إذن وهم.» # وبالنتيجة لا يوجد أفكار غريزية ولا أميال أدبية غريزية، ولا إرادة حرة مطلقة، بل كل ~~شيء ناتج من الحواس والتربية والتشبه والعادة. وتعليم الإرادة الحرة يجعل الإنسان يجهل ~~ضرورة ارتباطه الكلي بالطبيعة، فإرادة الإنسان لا تطلب النافع، وتنفر من الضار لما لها ~~من الحرية، بل لما في ذلك من الضرورة لكيانها، فإننا نظن أنها تختار مما بين الأشياء ~~عن حرية. والحال أن في الأمر سببا قوي على الإرادة فمال بها من حيث غلبت. وإذا كان ~~يصعب علينا معرفة الأسباب الأخيرة التي نعتمد عليها في أفعالنا؛ فلكثرة الأسباب التي ~~تنازعنا قبل اعتمادنا ولشدة اختلاطها. # وقال فيما خص خلود النفس ما معناه، أن من يزعم أن النفس لا تزال تحس وتفتكر بعد ~~الموت، يلزمه أن يقول: إن الساعة المكسورة لا تزال تعين الوقت بعد الكسر كما كانت ~~قبله. ومن الغريب أنك ترى شديدي الاعتقاد بخلود النفس أحرص الناس على الحياة الدنيا، ~~وأجبنهم لدى الموت. على أن هذا الاعتقاد لا فائدة فيه؛ إذ لا يمنع الأشرار عن ارتكاب ~~الشر. وأما الذي لا يعتقد الحياة الأخرى فيسعى بأنه يجعل الحياة الدنيا سعيدة، وهذه ~~السعادة لا يجدها إلا بنيل محبة قريبه. # وفي الفصول السياسية من هذا الكتاب يندد كثيرا بالأحوال المقررة، ويبسط أفكاره ~~وآرائه بكل جسارة فيما هو كائن، وما يلزم أن يكون. ms126 ولا شك أن تعليمه كان من جملة ~~بواعث الثورة الفرنساوية، قال في هذا المعنى ما نصه: # إننا لا نرى هذا القدر من الجنايات على الأرض إلا لتضافر كل شيء على جعل ~~البشر أشرارا جانين، فإن دياناتهم وحكوماتهم وتربيتهم، والأمثلة التي يرونها ~~نصب أعينهم تدفعهم إلى الشر. فما عسى أن ينفع تعليم الفضيلة التي يذهب أصحابها ~~غنيمة باردة في هيئات اجتماعية ترفع شأن الجاني وجنايته، وتجل قدر المسيء ~~وإساءته، ولا تقاص أقبح الذنوب إلا إذا كان مرتكبوها ضعافا؛ فإن الهيئة ~~الاجتماعية تقاص الصعاليك لذنوب ترفع شأن أصحابها إذا كانوا كبارا، وكثيرا ما ~~تقضي بالموت على أناس لم يرتكبوا القبيح إلا لفساد أحكامهم بالاعتقادات ~~الفاسدة التي تكون الحكومة قائمة بتعزيز شأنها. # وأما القسم الثاني للكتاب ففيه معارضة للدين ولوجود الله، والرأي المادي مبسوط فيه ~~بجسارة لم يسبقه إليها أحد ممن تقدمه. ومعارضة هولباخ للدين لأسباب علمية وأدبية، فأراد ~~نقضه؛ لأنه يراه أصل جميع مصائب الإنسان. وأما حجته لتبطيل الأدلة على وجود الله ~~فضعيفة ومملة، وربما كان ذلك لأن هذه الأدلة لا قيمة لها فلسفيا؛ فإن المؤمن بالله ~~يؤمن به لأسباب خارجة عن الفلسفة. على أنه لم يقتصر على نفي وجود الله، بل عارض مذهب ~~البانتايسم، وبين أنه يصح وجود أناس لا يعتقدون وجود الآلهة. وهو من رأي بيل أن ~~الجحود لا يضر بالفضيلة، ولكنه يقول: إن الجمهور لا يقدر على الجحود؛ لأنه لا ~~يستطيع لاختلاف المشرب وضيق الوقت أن يستغرق البحث في هذه المسألة الصعبة، ويقتنع بها ~~بواسطة العلم. إلا أنه يطلب إلى الحكومة ألا تقيد حرية الفكر، ويقول: إن ~~الأفكار المتناقضة يقدر أن يكون بعضها بجانب بعض بدون ضرر، وإذا لم تستعمل القسوة ~~لتأييد البعض، وإبادة البعض الآخر فيتيسر لعموم الناس مع الزمان أن يرسوا على ~~الحقيقة. # ويختم كلامه بالقول أن الاحترام لا يجوز إلا لبنات الطبيعة الثلاث: الفضيلة ~~والحكمة والحقيقة، ولا آلهة سواها. # ويلحق «بنظام الطبيعة» مشاهير الأنسيكلوبيذيين الفرنساويين الذين عدوا هولباخ منهم، ~~ووجودهم كان بين ظهور كتاب «الإنسان الآلة»، ms127 وكتاب «نظام الطبيعة». # فالأنسيكلوبيذية، أو موسوعة العلوم، أو دائرة المعارف للكتبي لابرتون، يراد بها مختصر ~~المعارف الموجودة. وصاحب هذا المشروع شامبرس الإنكليزي، فإنه نشر في سنة 1727 مؤلفا ~~سماه «سيكلوبيذية أو قاموسا عاما للصنائع والعلوم»، فأراد لابرتون في أول الأمر ~~ترجمته، ثم رأى أن يؤلفه فاستدعى إليه الكاتب الشهير ديدرو، وسلمه عهدة تحريره، وانضم ~~إلى ديدرو دلامبرت وجمهور من مشاهير الكتبة، منهم فولطير الذي ساعد فيه كثيرا. # والمجلدان الأولان ظهرا في سنة 1751 وسنة 1752، تحت هذا الاسم «أنسيكلوبيذية، أو ~~قاموس مبرهن للعلوم والصنائع تأليف جماعة من الكتبة، رتبه ونشره ديدرو، والجزء الرياضي ~~منه تأليف دلامبرت ... إلخ»، فهيجا ضدهما خواطر الكهنة ومن على شاكلتهم من العلماء. ولولا ~~مساعدة الحكومة ولا سيما أحد وزرائها المدعو ملارب لما أمكن تكميل نشر الأنسيكلوبيذية. ~~وقد انتشر هذا المؤلف انتشارا عظيما على رغم ارتفاع سعره، وطبع منه في المرة الأولى ~~ثلاثون ألف نسخة، وترجم أربع مرات إلى سنة 1774، وربح به الكتبيون نحوا من ثلاثة أو ~~أربعة ملايين فرنك. # وقد أثرت الأنسيلكوبيذية جدا في أفكار ذلك العصر ومعتقداته، وقد سماها كابانيس: ~~«الاتحاد المقدس ضد الوهم والظلم»، وهي السبب على قول روزانكرانز في تحول أفكار ~~الفرنساويين عن التثنية الديكارتية (نسبة إلى ديكارتوس)، وانتقاض رأي ما وراء الطبيعة، ~~وانتشار فلسفة الإنكليز العملية. # والرجلان اللذان تميزا في الأنسيكلوبيذيا هما ديدرو ودلامبرت. # فديدرو كفولطير يقتبس من نيوتون ولوك، لكنه أعلم من فولطير وأثبت منه في المادية ~~والجحود، وحياته كانت عيشة سكون واعتزال شأن العلماء. ولا خلاف في أنه كان شريف ~~الأخلاق حميد الخصال، ولد سنة 1713، ولم يتخذ صناعة معلومة، بل وقف نفسه للعلم، وكان ~~كثير الاعتماد على باكون ولوك وبيل. ومن سنة 1745 حتى سنة 1749 نشر عدة رسالات مهمة سجن ~~لأجلها مائة يوم في فنسان. ثم في سنة 1749 ظهر مشروع الأنسيكلوبيذية، فاشتغل به عشرين ~~سنة محاطا بأنواع الصعوبات والاضطهادات والمعاكسات. ثم إن إمبراطورة روسيا كاترينا ~~الشهيرة دعته مرارا إلى بلاطها، فذهب إلى بطرسبورج سنة 1773 حيث نزل على الرحب ms128 والسعة، ~~وأجزلت له الإمبراطورة الصلات والهدايا، إلا أنه لم يستطع لمرضه أن يبقى هناك، ~~فعاد إلى وطنه. فأي فرق بين ذلك العصر واليوم حيث لا ترى سوى الخسة والدناءة والموالسة ~~والأفكار الدنيئة مقربة من الرءوس المتوجة. # 10 # وتوفي ديدرو سنة 1784 وآخر ما قاله هذه العبارة: «الكفر أول خطوة نحو الفلسفة.» وقد ~~رتبت إمبراطورة روسيا معاشا لأرملته مدة حياتها. # وقد وصفه بعض واصفيه قال: «لو أراد المصور أن يصور رأس بلاتون أو أرسطو لما وجد ~~أليق لذلك من رأس ديدرو؛ فإن جبينه العريض الصلت يدل على ذكاء فائق، وهو وإن كان في ~~هيئته تراخ إلا أنه لما كان يحتد في الكلام كان يكتسي وجهه هيبة وجلالا. وربما ~~دلت هيئته وهو في حالة السكون على اضطراب أو سذاجة أو تعب أيضا، ولكن ديدرو لم يكن غير ~~ديدرو لما كانت قوة فكره تمتلكه.» # وكان على جانب عظيم من الرأفة والدعة، حليما غير متعصب ضد الذين ليسوا من مشربه، ~~قيل: إن الدوك دورليان اقترح رسالة في هجوه وعين ثمنها خمسة وعشرين ذهبا تدفع ~~لمؤلفها، فكتب ديدرو رسالة هجا بها نفسه، ونسبها إلى أحد المعوزين ليكسبه هذا المال. ~~وقد وصف ديدرو نفسه في بعض كتاباته قال: # إني لا أحتقر لذات الحواس، فلي حلق يحب الأطعمة الشهية والخمرة الجيدة، ولي ~~قلب ولي عينان، وأحب أن يكون لي امرأة جميلة أضمها إلى صدري، وأقبل شفتيها ~~بشفتي، ولا أكره الاجتماع بالأحباب في ليلة طرب، بل في ليلة متهتكة، إلا ~~أني لا أخفي عنك أن مساعدة مسكين، وإتمام عمل شاق، وإعطاء نصيحة جيدة، وقراءة ~~كتاب مفيد، والتنزه مع صاحب صديق، وصرف أوقات مفيدة مع أولادي، وكتابة صفحة ~~جيدا، وذكر أشياء رقيقة لطيفة لحليلتي، تجعلني أستحق منها قبلة؛ لأحب إلي ~~من ذلك كله. # وقد مر ديدرو بدرجات ثلاث: فآمن أولا ~~بالوحي، ثم بالله وحده، ثم صار ماديا معطلا، وجعل أصل كل شيء في المادة وأدق ~~أجزائها المتحركة منذ الأزل. وأهم ما له في هذا الموضوع (1770) رسالة في «المادة ~~والحركة»، ms129 ورسالة موسومة «مباحثة دلامبرت وديدرو وحلم دلامبرت»، وهذه الأخيرة لم تنشر ~~حتى سنة 1831، ومن جملة ما يذكره ديدرو مثال البيضة كيف أنه بالحرارة فقط يخرج من ~~كتلة لا حركة فيها ولا حس كائن حي، قال: «إنك بذلك تنقض كل تعاليم اللاهوتيين، وتهدم كل ~~هياكل الأرض.» فالوجود عنده اختمار دائم، وتبادل في المادة لا يفتر، وحركة في الحياة لا ~~تسكن، فلا شيء ثابت، بل كل شيء متغير، والأفراد ليست سوى أجزاء لكل عظيم هو واحد، ولا ~~موت فالولادة والحياة والموت تغير في الصورة فقط، والنفس ليست سوى نتيجة التكوين ~~والبسيكولوجية، أو علم النفس ليست إلا فسيولوجية الأعصاب. ولا يوجد إرادة حرة ولا نفس ~~خالدة، وخلود الإنسان في عمله؛ لأن علمه لا يزول ويبقى إلى الأبد، والسعادة والفضيلة ~~شيء واحد. ولا يجب مقاومة الأميال؛ لأنها سبب الأعمال العظيمة. وبالجملة، لا توجد مسألة ~~من الرأي المادي إلا وقد بحث ديدرو فيها، وبلغ بها إلى قمتها. والرأي المادي الحديث ~~يسعى بواسطة تقدم العلوم الطبيعية لتأييد هذه القمم التي هي واحدة بنفسها. # أما دلامبرت فمن أشهر كتبة فرنسا؛ بسبب تعليق اسمه على الأنسيكلوبيذية. وشهرته في ~~العلوم الرياضية، وكان من أعضاء الأكاذمية ، ومن أخص أصدقاء فريدريك الكبير والإمبراطورة ~~كاترينا. ولد في باريز سنة 1717، واشتهر منذ حداثته بكتابات في العلوم الرياضية ~~والفلسفة الطبيعية، ثم في علم الهيئة. وكان نبيل الطبع، حسن الأخلاق، محسنا كريما ~~عفيفا، مكتفيا بنفسه على أنه كان ضعيفا قليل الحزم حتى في حجته. وهو على مذهب ~~باكون ولوك في الفلسفة والمنطق؛ أي مادي حسي إلا أنه لا يتعرض لله، ولا لخلود ~~النفس، ولا لروحانيتها، ولا للإرادة الحرة أو بالحري يشك فيها؛ لأنه بالحقيقة شكوكي ~~أو من اللادريين كما يظهر من كلامه حيث كتب إلى فولطير (سنة 1769) قال: «أقسم بي إني لا ~~أجد في ظلمات ما وراء الطبيعة إلا الشك أمرا معقولا، فإني لا أفهم المادة ولا أي ~~شيء آخر، وأتيه كلما افتكرت بذلك، وأراني ميالا للتصديق بأن كل ما نراه وهم من ~~الحواس، وأنه ms130 لا يوجد شيء خارج عنا يشبه ما نظن أننا نراه. وكثيرا ما أردد في نفسي ~~سؤال الملك الهندي: لماذا يوجد شيء؟ فهذا هو بالحقيقة العجب العجاب!» وفي سنة 1770 كتب ~~إلى فريدريك الكبير يقول له: «يظهر لي أن عبارة مونتين «لا أدري» هي المعقولة وحدها ~~في المسائل الفلسفية، ولا سيما في أمر الله، على أن في نظام العالم ما يدل على صانع ~~صنعه، كما تدل الساعة على صانع صنعها، ولكن كيف هو هذا الصانع؟ وهل خلق المادة أم نظمها ~~فقط؟ وهل الخلق ممكن؟ وإن لم يكن ممكنا فهل المادة أزلية؟ وإن كانت أزلية فهل هذا ~~الصانع متصل بها أو منفصل عنها؟ وإن كان متصلا بها، فهل المادة الله والله المادة؟ ~~وإن كان منفصلا عنها، فكيف الصانع الذي ليس مادة يفعل في المادة؟ فلا جواب على ذلك ~~سوى «لا أدري».» وهكذا يقول في أمر النفس وخلودها على أن في شكه هذا من المادية ما هو ~~ظاهر في كلامه. # ويلحق بالأنسيكلوبيذيين ومدرستهم اثنان آخران؛ أحدهما: الأب كونديلياك المولود قبل ~~دلامبرت بسنتين؛ أي سنة 1715 تعلق على البحث في مسألة الإدراك، وانتهى بها إلى نتائج ~~حسية. والثاني: الطبيب كبانيس المولود سنة 1757 حذا حذو كونديلياك، ولا سيما في المسائل ~~الفسيولوجية، وكتابه في «نسبة الجسد والنفس في الإنسان» (سنة 1789-1799) ترجم إلى سائر ~~لغات أوروبا، وما زال يطبع حتى أخيرا. فكبانيس يقول: إن الجسد والنفس لا يرتبطان ~~بعضهما ببعض ارتباطا شديدا فقط، بل هما شيء واحد، فالفسيولوجية والبسيكولوجية - أي ~~علم النفس وعلم الأخلاق - فروع ثلاثة لعلم واحد هو الأنثروبولوجية؛ أي علم الإنسان. ~~والنفس والعقل ليسا إلا حركات الأعصاب والدماغ وإحساساتها. وإليه ينسب المثل الشهير: ~~«الإنسان كله أعصاب.» ويؤكد أن الدماغ عضو الفكر. وهو كشارل فوجت حيث يقول: «الدماغ ~~للفكر كالمعدة للهضم، أو الكبد لإفراز الصفراء من الدم، والمؤثرات الداخلة إليه تحركه ~~كما تحرك الأطعمة المعدة، ووظيفة الدماغ حفظ صورة لكل تأثير وجمع هذه الصور، ثم ~~المقابلة بينها واستخراج أحكام منها، كما أن وظيفة المعدة ms131 حل الأطعمة وتحويلها إلى ~~دم.» # وكما يكون الإنسان كذلك يكون إلهه. وأمر الله ليس سوى النظام اللازم للكون؛ أي ناموس ~~المادة الطبيعي، قال: «إن جميع ظواهر الكون لم تكن ولا هي كائنة، ولن تكون سوى نتيجة ~~لازمة للمادة أو للنواميس التي تسوس جميع العوالم؛ فسبب كل شيء في هذه الصفات أو ~~النواميس، وهي التي يسميها فان هلمونت: أمر الله.» # وبواسطة كونديلياك وكبانيس والأنسيكلوبيذيين تأيد الرأي الحسي في فرنسا، وصار له ~~أتباع في عهد الجمهورية الأولى عند سائر المتنورين، وامتد تأثيره أيضا جدا في القرن ~~التاسع عشر. # ومن مشاهير الفرنساويين أيضا هلفتيوس، واسمه لا ينفصل عن اسم دلامتري؛ لتوسعه ~~بالمادية نظيره. ولد بباريز سنة 1715 من أبوين ألمانيين، وكان يحب المجد جدا فترك كل ~~شيء وتعلق على العلم. وبعد تعب عشر سنين نشر كتابه «في العقل» فاشتهر به جدا. وبين ~~أن الحس مصدر كل معرفة، وهو يعبر عن قوة الحس بالنفس، وعن جملة التأثيرات والمعارف ~~المتحصلة للنفس بالعقل، فالعقل نتيجة النفس، وحالة تكويننا من الدقة والخشونة. وكل ~~الأفكار ناشئة عن الحواس وبدون الحواس لا فكر، والطفل له نفس؛ أي هو قادر أن يحس، وليس ~~له عقل؛ لأن العقل ينمو شيئا فشيئا بما يتحصل للنفس من المعلومات بواسطة الحواس. ~~فالإنسان يولد إذن مع كل نفسه، ولكن ليس مع كل عقله. # فمحبة الذات والمصلحة الخصوصية هما حسب هلفتيوس مصدر كل أعمالنا وأحكامنا، فالإنسان ~~لا يعمل عملا إلا لمصلحته، وأما عمل الخير لأنه خير فقول فاسد، كعمل الشر لأنه ~~شر. وقاعدته الأدبية هي هذه: «فتش عن الراحة، وابعد عن الشقاء.» والفضيلة عنده قائمة ~~بتقديم مصلحة الحكومة والجمعية والإنسانية على المصلحة الذاتية. # وهو يعتبر أن التربية أعظم شيء؛ إذ يتوقف عليها كل شيء، فالأفراد كالأمم هم كما ~~صيرهم مشترعون ومعلموهم. وقد قاوم بشدة طرق التعليم المعول عليها في عصره. # وهذا الطعن العنيف الذي تضمنه كتابه في الهيئة السياسية والدينية جلب عليه اضطهادا ~~شديدا، وأحرق كتابه بالنار جهارا بأمر الحكومة سنة 1795، وقد اضطر أن يهرب من ms132 فرنسا. ~~على أن كتابه طبع خمسين مرة في مدة قصيرة، وترجم إلى سائر لغات أوروبا، وقد اعتبر ~~خطأ أصدق بيان لحالة فرنسا من انتباه الأفكار في القرن الثامن عشر. ويظهر أن بوفون ~~وفولطير وديدرو ودلامبرت اعتصبوا ضد هذا الكتاب. # وكان كسائر ماديي ذلك العصر حليما محسنا كريما ملجأ الفقير، وملاذ ذوي العقول ~~والاستحقاق. وقد عين رواتب كبيرة لكثير من العلماء، وسعى بتنشيط الزراعة والصناعة، ~~وكان له مكانة عالية عند فريدريك الكبير وتوفي سنة 1771. # ولا يسعنا تعداد الفوائد التي حصلت للإنسانية قاطبة بواسطة تعاليم رجال القرن الثامن ~~عشر لفرنسا، فمهما أطنبنا فيها فإننا لا ندرك شأوها؛ فإنها كانت سببا قويا لنهوض ~~الهمم، وانتعاش العقول، وتغير مجرى الآراء والأفكار تغيرا شديدا ليس له نظير في ~~التاريخ. والثورة التي حصلت بسبب ذلك في الثيولوجيا - أي علم اللاهوت - حصلت أيضا في ~~الفلسفة، فاستردت مقامها بعد أن أصبحت نسيا منسيا. ولا يعلم عصر سادت فيه الفلسفة ~~نظير هذا العصر، والرجال الذين اشتهروا فيه كانوا كلهم يبثون المحبة، متقدين بنار ~~الغيرة على الإنسانية وحرية الفكر وحرية المعتقد والتعليم، معتصبين عصبة مقدسة ضد ~~التعصب والظلم وتقييد العقل. قال هنتر ما نصه: # 11 # فلو كان هؤلاء الرجال مفسدين متهتكين قائمين بنصرة الرذلية كما يقول بعضهم، ~~لما كان تأتى لهم أن يتركوا آثارهم في معتقدات الأجيال الذين جاءوا بعدهم ~~وفي أفكارهم وسلوكهم. # وإنا لا نخطئ إذا قلنا: إن خلاصة الرأي المادي في القرن الثامن عشر محصورة في ~~تعاليم رجال فرنسا؛ لأن فرنسا كانت في هذا القرن في مقدمة الأمم في هذا الأمر، وأما ~~إنكلترا وألمانيا فكانتا في المقام الثاني من ذلك. وهاك طرفا مما كانتا عليه. # إنه كما كان كبار رجال إنكلترا كباكون ونيوتون ولوك وغيرهم سببا لإيقاد شعلة الأفكار ~~في رجال فرنسا، هكذا كان رجال فرنسا سببا في رد فعل هذه الشعلة على إنكلترا. # وأشهر رجال الإنكليز في هذا العصر «دافيد هوم»، ولد سنة 1714 وقرأ العلوم في باريز ~~سنة 1734، ثم عاد إلى «أكوسا» ونشر كتابات في مواضيع ms133 مختلفة من سنة 1739 إلى سنة 1757. ~~ثم في سنة 1763 رجع إلى باريز بصفة كاتب أسرار السفارة، وتوفي سنة 1776. # وفلسفة دافيد هوم كفلسفة لوك، ويختلف عنه بأنه لا يعتبر النفس روحا خالدة ولا يصدق ~~الوحي، ولا يؤمن بما وراء الطبيعة، ويقول: إنه ما من دين خال من التناقض ومنزه عن ~~الشك. وما عدا كونه فيلسوفا كان مؤرخا ومن رجال الحكومة أيضا. # وممن أثرت فيه ثورة الخواطر الفرنساوية المؤرخ الإنكليزي جيبون (1734-1794)، اقتفى ~~لوك وبيل وفولطير ومونتسكيو في تاريخه الشهير «سقوط السلطنة الرومانية» بجعل نشأة ~~النصرانية سبب هذا السقوط، وقد أفرغ سهام جعبته طعنا في المعجزات والرهبان ~~والرهبنة. # على أن أعظم زعماء الرأي المادي في إنكلترا هو يوسف بريستلي ولد سنة 1733، وكان ~~أعظم طبيعي في عصره، واكتشف اكتشافات مهمة في الطبيعيات والكيميا، وهو من أتباع دافيد ~~هرتلي الطبيعي والفيلسوف معا. كان بقرب عهد الأنسيكلوبيذية (1705-1757)، وجل اعتماده ~~في الفلسفة على الفسيولوجية، فبريستلي حذا حذوه إلا أنه بالغ عنه في النتيجة، وجعل ~~الفكر والحس من أعمال الدماغ المادية، وأنكر الإرادة الحرة، وكان يعتقد وجود الله؛ ~~ولذلك ندد بكتاب «نظام الطبيعة»، ثم اضطر أن يهرب فرحل إلى أميركا، وتوفي في فيلادلفيا ~~سنة 1808. # وأما ألمانيا فليس لنا عنها في هذا العصر شيء كبير. والفلسفة التي كان عليها ~~المعول فيها، هي فلسفة ليبنتز بما فيها من الأرواح والقصد في نظام الحيوان. ثم سادت ~~فلسفة كريستيان ولف الذي قال فيه لانج: «إنه رجل جليل وحر الأفكار، إلا أنه من صغار ~~الفلاسفة، وليس في فلسفته شيء من المادية.» وقال: «إن النفس جوهر بسيط روحاني.» ثم ~~كثرت الأبحاث في بسيكولوجية الحيوانات على منهاج ليبنتز، وجعلت نفس الحيوان خالدة كنفس ~~الإنسان. وأشهر ما اتصل بنا من ذلك مؤلف لريماروس «مراقبة أميال الحيوان الصناعية» (سنة ~~1760)، وآخر للأستاذ ماير (1709)، الذي حاول وضع مذهب جديد في نفس الحيوان، وماير من ~~المعتصبين ضد الرأي المادي، وقد نشر سنة 1743 رسالة بين فيها أن المادة لا تستطيع ~~أن تفتكر. وكذلك الأستاذ مارتن كنوتزن كتب ms134 نظيره. ولا يزال أصحاب ما وراء الطبيعة ~~اليوم متمسكين بهذه الحجة، وقد فاتهم أنه لا يزال ينقصهم الدليل البين، بل الأدلة ~~ضدهم كثيرة. ولقد أضحكت هذه الحجة دلامتري فقال: «إن قولهم المادة لا تقدر أن تفتكر ~~على حد قولك المادة لا تقدر أن تدق الساعات!» وقال الفيلسوف شوبنهور: «إذا كان في ~~إمكان المادة أن تصير ترابا، ففي إمكانها أن تفتكر أيضا.» فالمادة كما هي مادة لا ~~تفتكر، كما أنها لا تدق الساعات ولا تصير ترابا، ولكنها إذا تركبت على حالات معلومة، ~~كان في إمكانها أن تدق الساعات، وأن تصير ترابا، وأن تفتكر أيضا. # وكتاب دلامتري «الإنسان الآلة» صادف في ألمانيا مقاومة عنيفة، وليس ما يستوقف النظر ~~في المناقضات الكثيرة التي وجهت ضده. # ومع ذلك فلم تكن ألمانيا خلوا من الرأي المادي كليا، بل مال فيها إليه رجال نظير ~~فورستر وليختنبرج وهردر ولواتر، أو بالحري أدخلوا في تعاليمهم بعض مبادئ منه، وكل يوم ~~كان يمتد عن يوم، ولا سيما في العلوم الصحيحة. وهو وإن لم يعم الفلسفة إلا أنه ~~مهد السبيل لنقض التعاليم القديمة لما وراء الطبيعة؛ فإن ليسنج وغاتي وشيلر وإن لم ~~يكونوا بالحقيقة ماديين إلا أنهم تحولوا عن الفلسفة القديمة المقررة، واعتاضوا عنها ~~بالبحث عن الحياة والانصباب على الشعر و[الأخير] أقرب إلى المادية من غاتي، حيث يقول: ~~«لما كانت المادة لا تقدر أن توجد وتعمل إلا بالروح، ولا الروح إلا بالمادة، كانت ~~المادة إذن قادرة أن تتركب كما أن الروح لا تتخلى عن قوتي الجذب والدفع ...» ~~إلخ. # وإن لم يكن في هذا العصر في ألمانيا كتاب مادي بحت، إلا أن أعظم زعماء الرأي ~~المادي فيه كان ملك بروسيا فريدريك الكبير الذي ضم إلى بلاطه كل نوابغ عصره، وقد ~~اشتغل معهم بالفلسفة والآداب، ونظم حكومته على مبادئ حرية المعتقد والضمير، وكتاباته ~~تدل على أنه مادي محض. ومثله كانت ابنة عمه العظيمة كاترين الثانية إمبراطورة روسيا ~~في إكرام وفادة العلماء كما مر. # الرأي المادي في القرن التاسع عشر # لا نطيل لك ms135 الشرح على الفلسفة المادية لهذا ~~القرن؛ لأنك رأيت بنفسك كيف نشأت وانتشرت، ولا أظنك تجهل مبادئها ومفعولها، وما هو ~~محتوم لها في المستقبل. واعلم أن ألمانيا هي القائمة بها هذه المرة في مقدمة الأمم ~~بعد أن وقفت قرنين أو ثلاثة قرون ناظرة لا تبدي عملا. ففي القرن السادس عشر كانت ~~إيطاليا في مقدمة الأمم في ذلك، ثم في السابع عشر إنكلترا، وفي الثامن عشر فرنسا، ~~وأما في القرن التاسع عشر فالسابقة ألمانيا. ولقد أبطأت ألمانيا السير جدا، ولكن عن ~~حكمة فلم تتهافت على الرأي المادي أو الفلسفة المادية، إلا بعد أن وجدت في العلوم ~~الصحيحة مستندات قوية لم تكن لها من قبل. # ولئن كان الاعتماد في الماضي على الاختبار إلا أن مواده لم تكن بالحقيقة كفاء ~~الواجب، وكل ما أتت به التعاليم المادية السابقة ناتج عن النظريات الفلسفية، لا عن ~~التجربة والاختبار، خلافا لليوم فإن الرأي المادي اليوم يستند إلى جملة معلومات صريحة ~~لم تكن في السابق، كعدم ملاشاة المادة أو الجواهر الفردة، وحفظ القوة، وعدم انفصال ~~القوة عن المادة، ومعرفة تبدل المادة معرفة واضحة، وعدم نهاية الأجرام السماوية، وثبوت ~~نواميس الطبيعة، ووحدة المواد والقوى في كل العالم المنظور، ومذهب الخلايا، والتاريخ ~~الطبيعي للأرض والعالم العضوي، وشدة ارتباط الظواهر العضوية وغير العضوية بعضها ببعض، ~~والاكتشافات في عمر الإنسان وأصله، والدلالة الفسيولوجية على أن الدماغ عضو النفس، ~~ونفي المبدأ الحيوي والأسباب الغائية، وبالجملة نفي كل القوى السرية من العلم والطبيعة، ~~وتحديد معنى البداهة، وعدم الفرق جوهريا بين نفس الإنسان ونفس الحيوان إلا من حيث ~~الارتقاء فقط ... إلخ. # فيرى من ذلك أن قول القائلين: إن الرأي المادي اليوم رأي فند ونفي منذ زمان ~~طويل فاسد لسببين؛ أحدهما: أنه لا يعلم أن الرأي المادي نفي أبدا، بل كان يهجع ~~ويثور بحسب أحوال الأمم المتغيرة وهو قديم جدا. وثانيا: لأن الرأي المادي اليوم ليس ~~الرأي المادي لإبيقوروس أو الأنسيكلوبيذيين لما حدث من الاكتشافات العلمية، ويختلف عن ~~التعاليم القديمة بأنه ليس مذهبا نظيرها، وإنما هو ms136 حقيقة فلسفية موضوعها البحث عن ~~المبادئ الواحدة في عالم الطبيعة والروح، وبيان الارتباط الطبيعي المنتظم بين جميع ~~ظواهر الكون. فإطلاق اسم الرأي المادي على هذا الانصباب العام - بمعنى أنه مذهب معلوم ~~- لا يصح، أو هو بالحري قاصر جدا لا يفي بالمقصود. فالرأي المادي اليوم لا يجعل ~~المادة وحدها فوق كل شيء، بل يعتبر القوة والمادة غير منفصلتين كأنهما شيء واحد، ولا ~~فرق عنده في جعل القوة أو المادة قاعدة كل شيء إذا كان اقتضاء لذلك، أو هو كما يسمونه ~~أيضا الرأي «الحقيقي». وهذا الرأي لا ينفي الفلسفة كما يزعم بعضهم، بل بالحري يجعلها ~~روح كل علم، مع الفرق بأن الفلسفة ليست معه - كما كانت قبل - علما مستقلا بمقدماته ~~ونتائجه، بل هي مركز تجتمع إليه نتائج كل العلوم الأخرى، حيث يصير تحويرها، «وهذا الحصر ~~يعليها علوا صحيحا» كما يقول سبيس. وهذه الفلسفة لا تدعي لقضاياها العصمة المطلقة، ~~ولا تستنزل من سوابح الأفكار في ذرا سماء الخيال نواميس للكون، بل بالضد من ذلك تقف عند ~~حد أبحاث العلوم الصحيحة، وهذا الحد غير ثابت، بل يزداد بعدا سنة عن سنة كلما تقدمت ~~هذه العلوم، وقد يقع الخطأ فيها أكثر من مرة، إلا أن هذا الخطأ لا يضر، بل يفيد ~~لاكتشاف الحقيقة على حد ما في المثل الألماني القائل: «لا ينتقل من الخطأ إلى الصواب ~~إلا العاقل ولا يقف إلا المجنون.» # واعلم أن زعماء الرأي المادي اليوم لا يزالون يضطهدون كما كانوا يضطهدون في ~~الماضي، إلا أن أهل المستقبل سيرفعون شأنهم، ويعلون مكانهم، ويقيمون لهم التماثيل ~~والأنصاب كما فعلوا اليوم لشاعرنا شيلر؛ إذ أنفقوا لأجله الملايين، ولشد ما كان مهملا ~~في عصره حتى إنهم لم يهتدوا إلى قبره وجمع رميمه، إلا بعد جهد جهيد وعناء ~~شديد. # هربرت سبنسر. ms137