######OpenITI# #META# URI: 1336MalakHifniNasif.Nisaiyyat.Hindawi15197275 #META# Tags: literature #META# ID: 15197275 #META# Title: النسائيات #META# AuthorID: 84172726 #META# Author: ملك حفني ناصف #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # آراء‏ # خطبة في نادي حزب الأمة‏ # خطبة في المقارنة بين المرأة المصرية والمرأة الغربية‏ # قصيدة نسائية لباحثة البادية‏ # باب التقاريظ‏ # باحثة البادية والآنسة مي‏ # آراء‏ # خطبة في نادي حزب الأمة‏ # خطبة في المقارنة بين المرأة المصرية والمرأة الغربية‏ # قصيدة نسائية لباحثة البادية‏ # باب التقاريظ‏ # باحثة البادية والآنسة مي‏ # | النسائيات # | النسائيات # تأليف # ملك حفني ناصف # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، (وبعد) فإني فكرت في جمع مقالاتي ~~(النسائيات) وطبعها كتابا أقدمه للأمة المصرية الكريمة راجية أن تغفر لي زلة القلم ~~فيه، فإني مبتدئة ولا يعدم المبتدئ أغلاطا، وعسى أن تقرأه الفتيات والسيدات المصريات ~~فهو مذكر للائي غنين منهن بأصالة رأيهن وحسن تربيتهن عن استجداء النصيحة ومرشد للائي ~~يسترشدنه. # لا أدعي فيه ابتداعا ولا إبداعا، فما هو إلا سلسلة مشاهدات وتجارب أثرت في؛ ~~فدونتها ليتعظ بها غيري ممن لم تعركه الحوادث ولم تتيسر له التجارب، وما قصدت إلا النفع ~~العام والدفاع عن المرأة المصرية المهيضة الجناح، ولعل الله يحقق هذا القصد ويشد أزرنا ~~لما فيه إعلاء شأننا وتقوية الفضائل في أخلاق هذه الأمة بحسن القيام على تربية أبنائها، ~~والله الهادي إلى الطريق القويم. # ملك حفني ناصف # | مقدمة # كان في الشتاء الأسبق أن نظارة المعارف أحالت ناظرة مدرسة السنية على مجلس التأديب ~~لشذوذها عن حدود قانون النظارة، فكتبت وقتئذ كلمة في الجريدة استعطفت بها مجلس التأديب على ~~تلك السيدة، وكان بعض ما استشفعت به لها أنها من الجنس اللطيف. شق هذا القول على سيدة ~~فرنساوية سائحة في مصر وقتئذ، فأقبلت علي تعاتبني على قلة الحيطة التي اتخذتها في كلامي، ~~وانبرت تقرر أن المرأة والرجل سيان في الحقوق والواجبات فيجب أن يكونا كذلك في المسئولية ~~أيضا، وأن الذي يستشفع للمرأة بجنسها ليسيء إليها من حيث يريد الإحسان. # لم أكن قبل هذا الإلفات مترددا فيما للمرأة من الحقوق، ولا جاهلا بما يستتبع للحقوق من ~~الواجبات، ولم أك ظنينا في دفاعي عن هذا الجنس مهضوم الحقوق في كل زمان وفي كل ms001 مكان حيث ~~القوة غالبة على الحق، ولكني مع ذلك في تلك الحادثة، كانت كلمتي تشف عن رأيي في أن المساواة ~~بين الرجل وبين المرأة لا يصح أن تقرر على إطلاقها، بل يجب أن تكون تلك المساواة محدودة في ~~مصر بالحدود الطبيعية والشرعية معا. وشتان ما بين هذه الحدود الواسعة المدى، وبين الحدود ~~الحاضرة التي وقفت عندها المرأة من زمن طويل بحكم قوة الرجل، لا بحكم قوة ضعفها الطبيعي، ~~ولا بحكم الشريعة السمحاء. # لم تجرب إلى الآن المساواة المطلقة في جميع الحقوق والواجبات بين الرجل والمرأة، ولكن ~~المساواة قد جربت في التربية المنزلية، وفي التربية المدرسية، وفي كثير من الحقوق ~~الاجتماعية؛ فأتت بأعظم الفوائد والبركات على العائلة والجمعية الإنسانية معا. وأما ~~التفريط في حق المرأة وعدم استخدام مكانتها على أنماط معلومة لمنفعة النوع الإنساني فقد أتى ~~بالنتائج المحزنة المحسوسة. # إن المساواة المطلقة التي كانت ترمي إليها عاذلتي، ويوافق عليها كثير من النسائيين، إن ~~جاز أن تكون غرض الأغراض ومنتهى الآمال في ترقية المرأة، فإنه لا يجوز الابتداء بها ~~وتقريرها عندنا من اليوم مع أنها لم توجد ولم تجرب في أعلى الأمم حضارة، فإذا كنت قد ~~استعظمت مجلس التأديب على ناظرة المدرسة، وجعلت جنسها اللطيف شفيعا لها في تخفيف ~~المسئولية، فلم أخرج بذلك عن أن أكون مستقيم الإنتاج، ولم أنحرف عن أصول قوانيننا، ولا عن ~~طبائع العمران. # إن قوانيننا الإنسانية لا تزال نصوصها تنم على فروق بين الجنسين، وإن المرأة طول عمرها ~~الجنسي كانت ولا تزال مثال الجمال الإنساني، وموضوع تغني الشعراء ومباراة الرسامين ~~والمصورين، كانت ولا تزال مناط سعادة الرجال، إليها ينتهي الأمل عند بعضهم، وفيها تودع ~~الثقة وترجى المواساة عند الآخرين؛ فهي بجمالها محل للعطف، وهي بضعفها الخلقي أولى بالعطف، ~~وهي بتواضع مركزها الاجتماعي وقلة مكافأتها على القيام بواجباتها أهل للعطف، فمن أي ناحية ~~نظرت إليها وجدتها تستحق الحنان والعطف، فإذا كنت استشفعت لها مجلس التأديب فإنما جريت في ~~ذلك على سنن بني آدم الماضية والحالية، وأخذت ما قلت من ms002 المشاهدة لا من الخيال، وإذا كانت ~~السيدات النسائيات (اللاتي يرين تقرير المساواة بين الرجل والمرأة) لا يرضين بالتفريق بينهن ~~وبين الرجال في درجات المسئولية أمام المحاكم والمجالس؛ فإني متفق معهن على الأقل في عدم ~~محاباتهن في انتقاد ما يكتبن من الرسائل وما يهدين إليه من الآراء. # ومهما يكن من وجوه الخلاف في المساواة بين الرجل وبين المرأة في درجات المسئولية، وفي ~~الحقوق والواجبات العامة، فإن من المحقق أن المرأة لم تسترد إلى اليوم شيئا كبيرا من ~~المساواة المنشودة على أقل أقدارها في نظر القائلين بها، بل هي عندنا - على الخصوص - لا ~~تزال مظلومة في حقوقها في العائلة وفي حقوقها في الجمعية المصرية، مظلومة في تقدير واجباتها ~~الخاصة والعامة، لا من حيث ثقل تلك الواجبات في ذاتها، ولكن من حيث كونها أغلبها واجبات ~~تحكمية صرفة، يضعها ولي أمرها لا بالتطبيق للشرع، ولا لقاعدة عامة معروفة، ولكن بالتطبيق ~~لدواعي أهواء وعوامل غيرته. # فإذا كانت حقوق المرأة الطبيعية وحقوقها الشرعية يغمطها الرجال؛ فلا يراعون فيها تقاليد ~~الأسلاف، ولا يراقبون فيها أوامر الدين، فإن النتيجة اللازمة عن ذلك هي تعطيل نصف الإنسانية ~~عن كثير من الخدم المطلوبة منه، وهذا مع الأسف هو الذي كان. # لم تكن هذه النتيجة المحزنة كلها من ظلم الرجل، ولكن قعود المرأة الشرقية عن الأخذ بأسباب ~~رقيها الثاني، ورضاها بالحظ الذي قسمته لها القوة في هذه القرون الأخيرة، وعدم محاولتها ~~تلطيف أحكام القوة القاهرة، كل ذلك يجعل لها شركة بوجه ما في الضرر الذي حاق بها وبالمجموع ~~من إهمال تربيتها. # غير أن مهضوم الحق - مهما سها عن السعي في استرداده - لا يعدم من نصراء الإنسانية مدافعا ~~خالي الغرض ينصره من حيث لا يحتسب؛ فإن النساء عندنا لم يكن ليدور في خلدهن أن المرحوم قاسم ~~بك أمين يقوم بالدفاع عنهن دفاعا أغضب منه كثيرا من الناس، بل أغضب منه بعض النساء ~~اللواتي لا يردن الخروج من الحظيرة الصناعية التي احتظرها لهن رجال البأس لا رجال ~~العلم. # قام المرحوم قاسم بك بالدعوة ms003 إلى تربية المرأة على أصول التربية النافعة بشجاعة عديمة ~~المثال، واقتفى أثره في ذلك بعض الكتاب، حتى انتبه هذا الجنس اللطيف وتولى بعض أعضائه ~~الدفاع عن ذاته، وأول من سارت منهن في هذا الطريق هي باحثة البادية. نعم أولهن؛ لأنها أخذت ~~تبحث في نسائياتها بحث الجاد الذي يعلق على بحثه نتائج كبرى لصلاح المرأة، بل لصلاح ~~الجمعية الإنسانية. أخذت تكتب في الدفاع عن حقوق المرأة وتخطب فيما يجب لإصلاح المرأة، فكان ~~مجموع رسائلها وخطبها هذه المجموعة التي نضع لها هذه المقدمة. # ولو صح نظري لكانت قاعدة بحثها في تحرير المرأة قاعدة الاعتدال، ورائدها في ذلك هو الشرع ~~الإسلامي. # لقد أجادت باحثة البادية في جعل بحثها مرتبا على هذا النمط المعين؛ فإن الاعتدال في ~~تعليم المرأة وتربيتها، وتقرير الحد اللازم أن تقف عنده في المساواة بينها وبين الرجل، ~~الاعتدال في ذلك كله أمان من الزلل والوقوع في نتائج سيئة قد لا تكون أقل في سوء الأثر من ~~نتائج خمول المرأة وقعودها عن السعي إلى كمالها الخاص. وإنا نكرر دائما أن المساواة ~~المطلقة لم تجرب بعد؛ فأبصر بالباحثة إذ رأت تقرير المساواة المعتدلة والبعد عن ~~الإطلاق الذي هو يخالف الدين من ناحية ويخالف الحيطة من ناحية أخرى! # أما الدين فإنه ملاك أخلاق المرأة ومناط آدابها وطريق كمالها وموجب الثقة بها، إن تقوى ~~المرأة أكبر الأدلة على صونها ومعرفتها بالواجب وحسن قيامها به، إن شهود المرأة صلاة ~~الجماعة في المسجد الجامع مرة واحدة أصلح لقلبها من سماع واعظ أخلاقي في الدار أو في ~~المدرسة سنة كاملة. # وإن تقليد المرأة الشرقية لأختها الغربية نافع، ولكن هذا التقليد إلى اليوم ليس بحسنة ~~جديدة ما دام أنه خلا من النوع الخاص بالدين؛ فإن الغربية تذهب إلى معبدها مرة في الأسبوع ~~على الأقل، والمسلمة الشرقية لا تذهب إليه في مصر أبدا، كأن دخول بيت الله أثقل كلفة عليها ~~وأبعد عن رضى وليها من دخولها في بيوتات التجارة وشهودها مراسح اللهو، إلا أن حضور النساء ~~صلاة الجماعة على ms004 صورة لائقة ومن غير إسراف هو أول عمل حسي تأتيه المرأة لتقرب به مسافة ~~الفرق بينها وبين الرجل ولتقرر به المساواة المنشودة. # إن رابطة الزوجية عندنا رابطة دينية محضة، ولا نعلم امرأة تحترم نفسها تستطيع أن ترتبط ~~برجل إلا بهذه الرابطة الشريفة المقدسة، ومما نعجب له أن المرأة تعمل أعمالا كثيرة شاقة في ~~سبيل توثيق هذه الرابطة، ولكنها لا تعمل الشيء الوحيد الذي يوثقها حقيقة، وهو القيام بفرائض ~~الدين الذي عليه عقد الزواج، والذي هو المنظم الوحيد لعلاقات الزوجية، فمراعاته أساس ~~لدوامها ومخالفته سبب لفصم عراها ونقض عقدة الزواج، ولو فطنت المرأة لأدركت أن تقوى الله ~~والقيام بطاعته تكفي وحدها لثقة الزوج بها، وتمنع كل الشقاق الزوجي الذي يتولد عن الظنة ~~والغيرة. # وقصارى القول: إن باحثة البادية قد أجادت كل الإجادة في أن جعلت أساس بحثها تقرير ~~المساواة، لا على جهة الإطلاق، بل في حدود الاعتدال والدين. # فأما انتقاد رسائلها من جهة صناعة الكتابة فحسبي أن أقرر من غير محاباة أنها أكتب سيدة ~~قرأنا كتاباتها في عصرنا الحاضر، بل هي تعطينا في كتاباتها صورة الكاتبات الغربيات اللاتي ~~تفوقن على كثير من الكتاب، وليس نبوغ السيدة ملك حفني عملا من أعمال الصدفة، بل هو قضية ~~علمية مقررة؛ لأن هذه الكاتبة من بيت علم وأدب، انتقل إليها من أبيها حفني بك ناصف بحكم ~~الوراثة الطبيعية ذوق الكتابة وملكة الانتقاد الصحيح، فنما استعدادها بالتربية المدرسية ~~والاجتهاد بعد المدرسة حتى وصل هذا الحد المتقدم. # ورجاؤنا أن تكون مجموعة الباحثة أول أبحاث السيدات في هذا العصر وليس آخرها، وأن تكون ~~السيدة «ملك حفني ناصف» القدوة الحسنة للسيدات المصريات آمين. # أحمد لطفي السيد # الإسكندرية في 18 يوليه سنة 1910 # | آراء # (1) رأي في الزواج وشكوى النساء منه # رد على ما كتبه حضرة مدير الجريدة في العدد 383 بعنوان: «بناتنا وأبناؤنا». ~~••• # كتبتم حضرتكم في العدد (383) من الجريدة مقالة بعنوان «بناتنا وأبناؤنا» تستغربون ~~فيها كثرة تشكي النساء من الزواج في هذا العصر مع قلة تزوج الرجل باثنتين، وقلتم فيها ms005 ~~أقوالا صائبة حقيقية ، ولكنكم عجبتم من أن المرأة كان يرضيها من زوجها أن يعدل بينها ~~وبين ضرائرها في الكسوة والمعاملة، وأنها إذا تزوج عليها كان يمنعها الوقار غالبا من ~~أن تفتح قلبها بالشكوى إليه أو إلى ذوي قرابة منها بما تجده من الألم؛ نعم ذلك صحيح لا ~~ريب فيه، ولكن له أسبابا أنتجت تلك النتائج، أولها أن الفتاة كانت إذا شبت وجدت ~~والدتها تعيش مع ضرة أو أكثر، ورأت خالتها وعمتها على تلك الحال، وكذلك صويحباتها ~~ومعارفها، فلم يكن ذلك بالشيء الغريب، فإذا جاء دورها وتزوجت من رجل له زوجة أخرى وجدت ~~أنه لم يخرج عن المألوف، وأنه تابع لعادة أهل عصره ومصره؛ فلم يكن يحسن بها إذن أن تبدي ~~شكواها من أمر عادي يأتيه كثير غير زوجها، ولو أنه يؤلمها في قلبها ويجرح عواطفها، ~~وكذلك كانت التربية غير ما نراها اليوم؛ فبنات العصر الحالي، حتى الجاهلات منهن، يفهمن ~~الحياة أكثر من أمثالهن الغابرات؛ فأصبحن لا ترضيهن الكسوة والطعام فقط كأحد خدم ~~المنزل، ولكنهن يقدرن اليوم السعادة الزوجية أكثر من ذي قبل، ويعلمن أنه إذا لم يكن ~~الحب أساس المعاشرة بين الزوجين فلا معنى للجمع بينهما يتنافران ويتشاحنان ~~كأمثال الديكة الخرقاء. ومن اختلاف التربيتين ~~القديمة والحديثة صفاء النية والمجاهرة بالقول والحرية فيه الآن، والخوف وشدة التكتم ~~حتى على مضض العيش وذله قبل، حتى إن المرأة في زمن جداتنا كانت إذا أصابها ألم أو مرض ~~تبالغ في كتمانه وتعد المرض - أيا كان نوعه - عيبا تجب مداراته، ولكن المرأة الجديدة ~~على عكس ذلك تماما؛ إذ ترى أن كل شيء من هذا القبيل عادي، وأن ما يصيبها قد يصيب ~~غيرها، فلا معنى لإخفاء أمر يصح أن يقع فيه الجميع. ولا يزال أثر هذا التباين في الحذر ~~مشاهدا للآن ويكاد يكون محسوسا بين طبقة (بنات البلد)؛ إذ تعد الواحدة منهن من النقص ~~أن تخبر زوجها بصداع قد يصيبها، أو تتوهم أنه يأنف منها ويعافها إذا وجدها راقدة في ~~سرير الألم والانحراف! لا يزال التباين ms006 بين هؤلاء وبين الطبقة الجديدة (الألفرنكة) ~~محسوسا، وهؤلاء لا يكتمن إلا ما يجب كتمانه على الوجه الصحيح، هذا كله راجع إلى تربية ~~الوجدان واختلاف تلك التربية باختلاف الوسط والزمان. هذا من جهة المرأة وحدها، وهناك ~~سبب لكثرة الخلاف والتذمر الآن يرجع إلى الرجل وحده وإليك البيان: رجال الأمس على جمعهم ~~بين زوجات متعددات كانوا أتقى منهم اليوم، فرجل العصر (الشاب والكهل) تراه يتبجح بأن له ~~خليلات، وأنه بجماله ورشاقة قده واهتزاز أعطافه يسبي ربات الحجال بما فيهن المحصنات، ~~وقد يتقول حكايات لا أصل لها في هذا الموضوع مما تندى له الجباه. ولعمري إن الجمع بين ~~زوجتين - على ما فيه - لأحسن من التهتك وانتهاك حرمة الدين وإيلام نفس المرأة وتنغيص ~~حياتها، يا لله أليس لها قلب يتأثر وشعور يحس وعواطف تثور؟! وقد أصبح رجالنا بفضل هذا ~~التفرنج يعدون من لا يشرب الخمر جهارا، ومن لا خليلة له يترامى على قدميها أو تترامى ~~على قدميه (أنتيكه) في عرفهم؛ فلله درهم! # والأغرب من ذلك، أنك إذا ذكرت للشاب أو أبيه شيئا مما يأتيه أجابك هذه هي الحرية ~~الشخصية (على كيفي)، أو قال: أنا رجل وليس علي عار في هذا. فلله أنت ولله أبوك! ائتني ~~بآية من القرآن، أو إن كان القرآن عندك أيضا (أنتيكه)، فائتني بمادة من القانون ~~الفرنسي الذي تقاليد واضعيه وأهله تحرم التهتك على النساء دون الرجال، وتجيز للآخرين ~~الرذيلة وتمنعه الأول، إذا صح عندك إباحة السفاح لأنفسكم فأسهل منه، وحقكم أن نجيز لكم ~~السرقة بأنواعها والقتل والسلب والتزوير إلى آخر ما يحرمه الشرع والقانون، وإلا فلماذا ~~تختارون أكبر الرذائل وتعدونها سهلة لا إثم فيها وتأنفون إذا قلنا لكم: سرقتم؟! # لا أخالكم تتشدقون بقولكم عند النصح: (إنا رجال) إلا لأنه لا تظهر عليكم عوارض ~~الخيانة بخلاف المرأة والفتاة فلهما من أحوالهما الطبيعية المختصة بهما ما لا يأمنان ~~معه شر الفضيحة والعار، فإن زعمتم أن التقوى هي خوف النتيجة المحسوسة وأن الذمة والضمير ~~لا يردعان ولا يمنعان المرء من إتيان المعاصي؛ فبعدا ms007 لما تزعمون وساء ما ~~تتوهمون. # وليت هذا السلوك الفاصم لروابط الألفة بين الزوجين يقف عند هذا الحد، بل له عواقب ~~أوخم من التذمر، وأسوأ من البغض، وهي شطط المرأة بباعث الانفعال والحزن أو الانتقام ~~والخبث وخروجها متبرجة في الطرقات أو وقوعها في مهواة الرذيلة وسقوطها السقوط الأبدي، ~~والعياذ بالله! وفي تلك الحال يلام الرجل لأنه شجعها على ما أتته بما يأتيه هو، وهي ~~تعتقد أنها بشر مثله ويحق لها من الحرية الشخصية بقدر ما يحق له فضلا عن اعتقادها بأنه ~~قدوتها، يبعث ظلم الرجال وسوء سيرتهم النساء إلى السقوط في الرذيلة فيسقطن إلا من عصم ~~ربك، وهؤلاء تمنعهن تربيتهن الصحيحة وشرف مبادئهن عن الإخلال بالدين والآداب، ولكن ~~يصبن في الغالب بحمى الدماغ أو الهستريا والجنون أحيانا، وتكثر همومهن ويعدمن لذة ~~العيش، فيا للظلم! لماذا يشقى عضو من المجتمع الإنساني خلقه الله ليكون سعيدا؟! يشقى ~~لاستبداد الرجل ويضحي بحياته ليتنعم الرجل، فإذا أردتم أيها الرجال أن ترفرف السعادة ~~على بيوتكم فاختاروا الزوجة الملائمة، كل بحسب ما يرى؛ إذ (لكل امرئ فيما يحاول مذهب)، ~~ولا تقيدوا أنفسكم بأفكار العجائز والمشيرين، ثم اسلكوا سبيل الجد في الحياة، فقد كفاكم ~~هزلا أن استعبدنا للغير ونحن لاهون، واجعلوا من أنفسكم صراطا تتبعه زوجاتكم، فإن كنت ~~أيها الرجل عاقلا فلتكن زوجتك مثلك، وإن كنت خليعا فامرأتك خليعة، وإن أسرفت ~~أسرفت وإن فترت فترت، وهذا بحكم تأثير المعاشرة في الخلق، والعادة بالطبع ولإرضاء ~~الزوج من جهة أخرى؛ لأن كلنا يعلم أن الملائمة هي أس الاتفاق، فإذا اجتمع عاقل بمجنون ~~شقي والعكس بالعكس، فترى العقلاء معا فرحين والمجانين معا على أتم ما يكون من الجذل، ~~وكذلك الحال في العلماء والجهال، وكل شيء له نقيض فإن الثعالب لا تتفق مع الدجاج، ~~والجرذ لا يتوقع أن يكون أليفه الهر. # وفي المرأة صفة غريزية هي تقليدها الرجل؛ لأنها تعتقده مرشدها ومعينها أبا وزوجا. ~~وقد ذكرني ذلك بمحادثة دارت بيني وبين سيدة إنكليزية، من صواحب اللادي كرومر أيام ~~إقامتها بمصر، فسئلت تلك ms008 السيدة: «إني ألاحظ أن اللادي تترك التأنق في ملبسها شيئا ~~فشيئا؛ فهل تعرفين سببا لذلك؟» فأجابت: «إنها تتعمده لتكون هيئتها أقرب إلى التقدم في ~~السن منها إلى هيئة الشباب؛ لأن زوجها شيخ وتحب أن لا تسوءه بفكرة أنه مسن وأنها أصغر ~~منه سنا بكثير.» ألا فلينتبه الرجال لذلك، وليتقوا الله في نسائهم وأعراضهم، وليعلموا ~~أن التقوى مطلوبة في السر والعلن وأن الله يرى. يا قوم تداركوا الأمر قبل فواته، فإن ~~كنتم ترضون لنظام بيوتكم بالاختلال، وللثقة بينكم وبين أزواجكم بالضياع ولأمنكم ~~بالتأخر، فاستمروا على فسادكم. وإن كانت فيكم بقية غيرة وحمية وتحبون وطنكم كما تدعون؛ ~~فأصلحوا أحوالكم تصلح حال نسائكم، ونقوا ورد بيوتكم من شوك الهم، وسنوا سنة ~~صالحة لأبنائكم وبناتكم من بعدكم يكن لكم أجرها إلى يوم الدين، ولله عاقبة ~~الأمور. ~~(2) الحجاب أم السفور # رد على خطبة ألقاها حضرة عبد الحميد أفندي حمدي بشأن الحجاب. ~~••• # تتبعت خطبة الأديب عبد الحميد أفندي حمدي عددا عددا في الجريدة، فشكرت له اهتمامه ~~بترقية المرأة، وأثنيت على اجتهاده وشجاعته الأدبية، وقد وجدت خطبته صحيحة المقدمات ~~متينة المبنى، إلا أن لي رأيا أبديه فيها، وقد يمر بخلد أحد القارئين أننا ننتقد ~~الخطيب حبا في النقد أو تمسكا بحب القديم وجمودا منا عليه، لكن الحقيقة لا هذا ولا ~~ذاك، وكل امرئ حر في فكره، حر في قبول فكرة غيره أو رفضها حسبما يشاء، بشرط أن لا يضر ~~ذلك الرفض أو القبول بالغير. # أما ما يرجوه الكاتب من تعليم المرأة تعليما صحيحا، فإني أوافقه فيه تمام الموافقة ~~ويجب أن نحث غيرنا عليه بما نستطيع، وقد أصبح هذا القبول بديهيا لا يحتاج لأن أطيل ~~فيه الكلام لا سيما وقد وفاه الخطيب حقه في خطبته؛ فجزاه الله عنا خير الجزاء. بقيت ~~مسألة الحجاب، وهي تلك المسألة العويصة التي قامت من أجلها منذ سنين حرب قلمية عنيفة ~~وضعت أوزارها على غير جدوى فلم يفز فيها (المحافظون) على القديم ولا (الأحرار). # ولست أنتقد اقتراح السفور من الوجهة الدينية؛ لأني أعلم ms009 أن الدين لم يحرجنا في هذه ~~المسألة، كما بين ذلك حضرة الخطيب، ولا من الوجهة الاقتصادية فإن باقتراحه أن نلبس ~~لباسا يضارع ما ترتديه الراهبات المسيحيات لتوفير كبير لما كنا عسانا نصرفه في تأنيق ~~اللباس الخارجي كما يفعل نساء الفرنجة مثلا. كذلك لست أنتقده من الوجهة الأدبية فإن ~~ذلك اللباس وبساطته لأليق بتأزرنا به من تلك الحبر المهلهلة، كما سماها الخطيب، ولأدل ~~على حشمة صاحبته - وإن كانت سافرة - مما تلبسه الآن مبرقعة، وشتان بين هذا البرقع ~~الوهمي والبرقع الصحيح. # إذن، لم يبق للموضوع إلا وجهة واحدة وهي الوجهة الاجتماعية، وإذا انتقدته من تلك ~~الجهة فإني لا أقلد فيه ولا أتبع عادة رأي غيري، بل أصرح بما أشاهده عيانا، وبما أعرفه ~~من أحوال شتى جربت فيها النساء المختلفات، والتجارب يجب أن تقدم أوامرها على أوامر ~~البحث والتخيل؛ إذ هي لم تعدم بعد أن تترك أثرا في النفس لا يزول، أما التخيل فقد لا ~~يطابق الحقيقة، وإن طابقها فقد لا يعلق كثيرا بالذهن؛ لأنه لا أثر إلا في المخيلة بعكس ~~التجارب فأثرها يبقى على الحواس والذاكرة. فإذا نصحت طفلا أن لا يلمس النار لئلا تحرقه ~~فإن ولعه بالحركة والاستكشاف لا يزال يغريه بلمسها حتى يفعل ولا تنفع نصيحتك له، أما ~~إذا لمسها مرة وأحرقت أصابعه فإنه يبتعد عنها كلما رآها ولو أمر بلمسها. وعليه فلسنا ~~متبعات رأي من يأمرنا بالحجاب ولا رأي من يقول بخلعه لمجرد أن هذا تعب وكتب، وذاك نقب ~~وخطب، إلا إذا تبينا الرشد من الغي، وعلمنا من التجارب أولى الخطتين بالاتباع. وأمامنا ~~الطبقات المختلفة والأجناس العديدة يجب أن نبحث كلا منها على حدته، ونجمع منها كلها ~~حكما واحدا نحكم به على أنفسنا إما بالحجاب أو بالسفور، أو غير ذلك مما سنوضحه بعد. ~~وطبقات النساء (كالرجال) في كل أمة ثلاث: العامة والخاصة والوسط، وأصحها آدابا فيها ~~كلها على الإطلاق الوسط، ولا بد لذلك من سبب. نعم؛ السبب راجع إلى التربية؛ فالخاصة أو ~~طبقة الغنيات يرخين لأنفسهن العنان في الملاهي ms010 والملاذ، والجدة مفسدة في الغالب خصوصا ~~إذا اقترنت بالفراغ، وهؤلاء عندهن من الخدم من يقوم بشؤون بيوتهن وأمور أولادهن، وقد ~~يعودن عيش الكسل والراحة. # والطبقة الدنيا تجد من حاجتها باعثا لها على طرق الطرق المختلفة لتجلب ما تسد به ~~الرمق، ويختلط نساؤها برجالها في المصانع والمزارع وغيرها، وهذه الطبقة شر على الآداب ~~في كل أمة حتى في الإفرنج، وهم ليسوا مقيدين بحجاب ولا عادة يقال معها إنهم لما خالفوها ~~وقعوا في شر منها كما يجوز تطبيق ذلك علينا. # وطبقة الوسط، وهذه دائما أحسن الطبقات آدابا وأكثرهن حشمة ووقارا، ولرب معترض ~~يقول: ما لنا وللطبقات وآدابها وما نسبة ذلك للحجاب وقد أدخلت في حكمك هذا الأمم حتى ~~التي لا حجاب عندها؟ فأقول: متى عرفنا ذلك التقسيم وقارنا بين درجة اختلاط النساء في ~~كل طبقة برجالها علمنا تماما أن الأكثر اختلاطا هن الأشد فسادا. # وإنك إذا استقصيت حوادث النساء في مصر وجدت أكثرها في الطبقة الدنيا منها بما فيها ~~الفلاحات اللاتي وصفهن الخطيب الفاضل بالنزاهة والحشمة، وقد رأيت القرويات كثيرا ~~وحادثتهن واستخلصت من أحوالهن أن ظاهرهن الجد دائما؛ وذلك لعدم رؤيتهن من يقتدين به في ~~أسباب الخلاعة، وقد سمعت أن كثيرات منهن يهمن برجال ممن يختلطن بهم، فلو كانت القرى ~~كالمدن فيها متنزهات بعيدات عن أعين الرقباء، أو كانت الفتاة يستغني أهلها عن شغلها ~~وتعبها قليلا لأفنت ولساوت طبقة المدنيات السفلى (وأعني بهن بائعات البرتقال ~~ومثيلاتهن) في الفساد والوقاحة؛ فهؤلاء فسادهن من سوء التربية لا محالة، ولكن الاختلاط ~~بالرجال زادهن فجورا. # وإذا رجعت لغنيات مصر وهن (الذوات)، ويقلدهن بعض نساء الوسط، فهؤلاء يتفنن في الملابس ~~ويكثرن من الخروج تحككا لأن يسمح لهن برفع الحجاب، ولكن على طريقة بعيدة من الأدب، ~~فإنهن لو كن يطلبن ذلك رغبة في الحرية الشريفة مثلا أو إنهن يشعرن أن الحجاب يمنعهن من ~~الاستفادة من العلماء، أو غير ذلك من الأسباب الجائزة لوجب إعطاؤهن ما يطلبن بغير تكلف ~~البحث والعناء. أما ونساء مصر على هذا الجهل المطبق ورجالها، ms011 إلا القليل، على هذا ~~الفساد المستحكم فلا يجوز مطلقا إباحة الاختلاط، على أن الإفرنج - وهم المتعلمون نساء ~~ورجالا - يشكون من فساد مجتمعهم وقلة وفاء أزواجهم. وإذن، نعلم أن الطبيعة البهيمية في ~~الإنسان تجتاز عقبات التربية وتخترق سياجها إلا الشاذة، والشاذة لا حكم لها. # بقيت مسألة واحدة أجملها إجمالا، وهي المثل القائل: (في الطفرة محال)؛ فنساء مصر ~~متعودات الحجاب فلو أمرتهن مرة واحدة بخلعه وترك البرقع لرأيت ما يجلبنه على أنفسهن من ~~الخزي وما يقعن فيه بحكم الطبيعة والتغير الفجائي من أسباب البلاء، وتكون النتيجة شرا ~~على الوطن والدين، وإذا أردت هدم بناء أفلا تهدمه قليلا قليلا إلى أن يتم الهدم فتبنى ~~على أنقاضه أحسن منه. فإذا فرضنا محاولة هدم البناء دفعة واحدة (مستعملين الطرق والآلات ~~التي نستعملها الآن) تصورنا كيف يستحيل ذلك مع بقاء المارة والبنائين سالمين، فضلا عن ~~الأنقاض كزجاج الشبابيك والخشب وما أشبه ذلك، فهذه الباقيات الصالحات في المرأة هي ~~العفة والحياء والمنزل البالي حجابها الآن، والسابلة الوطن والدين والفضائل. # فناشدتك الله أيها الأديب، كيف تأمرنا الآن بالسفور ونحن إذا مشت إحدانا في طريق لا ~~تزال تنصب عليها عبارات الوقاحة، ويرشقها هذا بنظرة فاجرة، وذاك ينضح عليها من ماء ~~سفالته حتى يتصبب عرقها حياء؟! فمجموع رجال مثل مجموعنا الحالي لا يصح بحال ما أن يوكل ~~إليه أمر امرأة وتترك عرضة لسبابه وقلة حيائه، ومجموع نساء كنسائنا الآن لا يفهمن إلا ~~ما يفهمه الرضيع؛ يصبح سفورهن واختلاطهن بالرجل بدعة لا انتهاء لشرها. ثم أفدني أيها ~~القارئ بالله، ماذا تقول امرأة جاهلة أو متعلمة تعلما ناقصا لشاب تجتمع به؟ أتباحثه ~~في العلوم وهي لا تدرك أهميتها أو تعلم منها قشورا لا يعتد بها، أم تناضله في السياسة ~~وهي لا تعلم أين إنكلترا من جزائر الأرخبيل، ولا يمكنها أن تفسر لفظة دستور أو استعمار ~~مثلا؟ أم ماذا تفعل اللهم إلا أنها لا تجد شيئا تقوله إلا ما قد تستحسنه من هيئته ~~وحسن بزته وهناك الضلال الكبير؟! # والمتعلمات في مصر الآن يزددن ms012 عددا وفيهن من يصح أن تلقى إليهن قيادة أخواتهن، ~~وسيجيء زمن ينشأ فيه جيل من النساء غير جيل (السحر والزار والرقى)، وهؤلاء يثمر فيهن ~~البذر، فإذا أتعب الباحث نفسه في نصح النساء الآن قد يجد من تسمع، ولكنه لا يجد من تسمع ~~وتعقل، ولا يبعد أن يكون من بين سامعات خطبة عبد الحميد أفندي من قد تقلدت وتزيت بزي ~~الإفرنج وسارت في الشوارع تفاخر بأنها من ذوات الفكر الحر ومن صاحبات التمدين ~~الحديث. # والخلاصة، أن خروجنا بغير حجاب لا يضر في نفسه إذا كانت أخلاقنا وأخلاق رجالنا على ~~غاية الكمال. وأظن هذا مستحيلا أو بعيد الحصول، فإذا حصل التمازج وكان على هذا الشرط ~~فلا اعتراض لي عليه. # وهناك قوم يشددون في تقدير الحجاب، فيحبسون المرأة مؤبدا ويمنعونها من زيارة ~~جاراتها، ويضيقون عليها بحيث لا تستنشق إلا هواء بيتها الضيق الدائرة فتفسد صحتها وتكسل ~~عن الحركة، ومنهم من يفتخر بأن امرأته لم تبرح بيتها طول عمرها. وهؤلاء أيضا متطرفون؛ ~~لأن المرأة لها رجلان يجب أن تتحركا وعينان يجب أن تبصرا، فإذا صاحبها أبوها أو أخوها ~~أو زوجها مثلا في نزهة وأراها محاسن الطبيعة ودقائق الموجودات وجدد قواها بالحركة ~~واستنشاق الهواء الجيد، وهي بمئزرها محتشمة، فلا يخرج ذلك عن معنى الحجاب «وهنا استسمح ~~الخطيب الأديب في استعمال لفظة حجاب على غير ما مر؛ لأننا لو رددنا كل المجازات إلى ~~الحقيقة لصارت اللغة أضيق من سم الخياط». # على أن هذه المسألة واختلاف الآراء فيها قاضيها العادل الزمن والمستقبل، فكم من مسألة ~~أبى قوم إلا اتباعها وآخرون نبذوها نبذ النواة؛ فاختلفوا وجاء الزمن مؤيدا فيها لفريق ~~دون فريق، فصارت له القوة ورجع له الحول فاتحدوا فيها. ورأيي أن الوقت لم يأن لرفع ~~الحجاب؛ فعلموا المرأة تعليما حقا وربوها تربية صحيحة وهذبوا النشء وأصلحوا أخلاقكم ~~بحيث يصير مجموع الأمة مهذبا، ثم اتركوا لها شأنها تختار ما يوافق مصلحتها ومصلحة ~~الأمة. وإن هذا الموضوع وأمثاله لمما يدعونا إلى التفكر والتبصر فإننا بدأنا أن نجاري ~~الإفرنج في ms013 كل شيء، والمجاراة ليست ضارة في حد ذاتها ماديا، ولكن ضررها اجتماعي محض، ~~فضلا عن كل ما بينت في مقالي هذا فإننا لو سلمنا بما يقترحه الكاتب من ضرورة تقليد ~~الغربيين في أمور معاشنا ولباسنا وزي بلادنا مما قد لا يوافق روح الشرق، فإننا نندمج ~~فيهم ونفقد قوميتنا بمرور الزمن، وهذا هو ناموس الكون إذ يفنى الضعيف في القوى، وإنه ~~لمن العار أن نهمل هذا الأمر يجري مجراه، فأدعو الكتاب والباحثين للتفكير فيه، وفي ~~إيجاد مدنية خاصة بالشرق تلائم غرائزه وطبائع بلاده ولا تعوقنا عن اجتناء ثمار التمدين ~~الحديث. ~~(3) ما ذنبنا؟ # رد على ما كتبه حضرة (الخانقاه) في الجريدة بشأن تبادل إرسال النشء والمصاهرة بين ~~الترك والمصريين. ~~••• # كتب حضرة الأديب (الخانقاه) يقترح على الأمة المصرية أن تتبادل مع تركيا إرسال النشء ~~من بنين وبنات، وقد رد عليه كثيرون مصوبين فكرته ومخطئين لها على أنهم لم يحيطوا ~~بالموضوع من جميع أطرافه، وعذرهم في ذلك أنهم رجال وقد لا يعود عليهم بالذات ضرر ما من ~~تنفيذ ذلك المشروع، ولا يهتم بدرس اقتراح كهذا خطير إلا من قد تقع عليه أضراره فيما لو ~~نفذ، ونحن - معشر النساء المصريات - أكثر الناس تعرضا لمثل ذلك الخطر. # أنا لا أعترض على الموضوع في ذاته، ولكني أعترض ~~على بعض لوازمه المربوطة به، على أني أوافق حضرات الكتاب الذين أبانوا أن بيوتنا لا ~~تصلح لأن يقتبس منها التركي أو التركية شيئا يزيده معرفة أو علما، ولكن بصرف النظر عن ~~هذه الحقيقة المؤلمة فإن الاختلاط الشديد بين الأمتين بهذه النسبة التي يتمناها ~~(الخانقاه)، لا بد وأن ينتج عنها المصاهرة بين أفرادهما، وإن كانت النساء التركيات ~~أغلبهن متعلمات بعكس أخواتهن المصريات، فيكون للأول الرواج في سوق الزواج الآن، أما ~~الآخر فعليهن العفاء ولهن الكساد. # وإن من يتصفح تاريخ المرأة المصرية الحديثة يرى أنها كانت دائما مظلومة مهضومة ~~الحقوق؛ ففي عصر إسماعيل هجم علينا جيش الشركسيات انهزمنا أمامه، وخرج ظافرا منا بأحسن ~~رجالنا فلم يكن شريف أو نابه بمصر إلا وأم ms014 ولده جارية شركسية من شراء إسماعيل. # ثم ابتدأ رجالنا فيما بعد ذلك الزمن يتزوجون بالأوروبيات، وليتهن من ذوات الشرف، ولكن ~~كان أكثرهن - إن لم نقل كلهن - من فريق الراقصات والخادمات وأضرابهن. كل ذلك يجري ونحن ~~ساكنات ننظر ولا نتكلم خيفة الريب، ولكن نساء ذلك العهد كن جاهلات لا يفقهن شيئا، ~~وربما كان ذلك خير قصاص منهن على الجهل (على أن هذا لم يكن من جنايتهن على أنفسهن ولكن ~~جناه الوالدون عليهن)، أما وقد صار بمصر الآن من المتعلمات من يصلحن للزواج بأبناء ~~جلدتهن، أفليس من العار أن تقدر على أن تجعل ابنك شريفا من أم ذات حسب؛ فتختار أن يكون ~~ابن جارية شركسية أو راقصة أوروبية؟ ثم أليس من العار أن تشرئب دائما لما في يد غيرك ~~وعندك أحسن منه؟ # ألا رب معترض يقول: إن الرق قد بطل الآن، وإن من يصاهر الترك يصاهر أكفاء. هذا صحيح، ~~ولكن الأم تغذي الطفل بأميالها وطباعها كما تغذيه بلبنها، فإذا ما حنت التركية لوطنها ~~(وكل يحن بالطبع لوطنه) نشأ متشبعا بأميالها يحب تركيا ويميل عن مصر وهو معدود من ~~رجالها. # وسبب فشل المصريين وعدم ميلهم الفطري للاتحاد هو - على ما أرى - ناشئ عن تشعب أجناس ~~أمهاتهم؛ فابن الفرنسية يحب فرنسا، وابن الزنجية يذكر خصب السودان، وابن العربية يفتخر ~~بمحتده، وولد المغربية لا يفتأ يذكر بلده، وهكذا أضعنا وطنيتنا المصرية عن طريق ~~المصاهرة بالأجانب. # ثم أجدني محقة إذا قلت إن الدم يحن لنوعه؛ فإذا تكافأ الرجل والمرأة في العلم ~~والتربية وكانا مصريين مثلا؛ فإن الحب بينهما يكون أصدق وأمتن منه لو كانا مختلفي ~~الجنس والمذهب. فإذا أراد الأديب (الخانقاه) أن يختار لنفسه حليلة غير مصرية فليكن ولكل ~~امرئ ما يرى، ولكن ليتذكر أخته وابنته وبنات عمه وقريباته فسيكون نصيبهن من غيره نصيب ~~غيرهن منه، والسلام. ~~(4) مدارسنا وفتياتنا # رد على من ذكرت أسماؤهم في هذه المقالة. ~~••• # لم يكن يدور بخلدي ساعة كتبت موضوع (ما ذنبنا) أن يخطئ فهمه أحد؛ لأنه من السهولة ~~ووضوح الغاية بحيث ms015 لا يتعذر تفسيره ، ولكن ظهر لي من كتابة الكاتب في جريدة (لابورص ~~إجبسيان)، ومن كتابة التركية (على الهامش)، أنهما ذهبا في واد وأنا في واد. # أما جواب السيدة التركية فإنه يكفي لأن يقرظ نفسه، ولا أقول فيه أكثر من ذلك؛ لأنه دل ~~على مبلغ أخلاقها ودرجة ألمها، على أني أشكر لها حميتها ودفاعها عن نساء جنسها وألتمس ~~لها بعض العذر على حدتها؛ لأن المسيو (أودولف) أهاج كامن عواطفها، ولكني لا أرى له هو ~~رأيا أن يجرح عواطف إخواننا (أولاد الذوات)، ولا أجيز له أن يؤول مقالتي تأويلا لم ~~أرده؛ فقد ذكر أني قلت: «إن الغربيات لا يصلحن لإدارة البيوت.» وهو يعلم أن هذه العبارة ~~لم ترد البتة فيما كتبت، وإن ظني بأن الكاتب لا يعرف العربية أو أن الذي ترجم له كلامي ~~لم يحسن له الترجمة يجعلني أحمل تهكمه وخروجه عن الموضوع على محمل حسن. # أما الفاضل (المتحرج من الزواج) فقد صدق في كثير مما قاله عمن يدعون أنفسهن ~~بالمتعلمات ولسن من العلم ولا من التهذيب في شيء، وأضر ما يكون هؤلاء إذا تزوجن؛ لأن ~~المتزوجة عليها واجبات شتى، وعلى قدر الواجب تكون المسئولية وهؤلاء لا يدرين حقوقهن ~~إزاء الزوج ولا فن تربية الأولاد ولا كيفية معاملة الخدم وو ... إلخ، مما يجب معرفته، ~~ويراهن - على جهلهن هذا - شامخات بأنفهن نحو السماء ويحسبن الاشتغال بلوازم البيت حطة ~~لمقامهن؛ فيقضين وقتهن بين حديث خرافة وخروج في الشوارع! وهن على العموم أكثر النساء ~~إسرافا وتبذيرا، فضلا عن البهرجة وقلة الحياء؛ فلا علما أتقن حتى تتهذب ~~نفوسهن، ولا على تربية منزلية محضة درجن حتى يعلمن على الأقل طبخ عشاء بسيط إذا ~~تركتهن الطاهية يوما ما. # وهذه الفئة الجاهلة الدعية في العلم هي ولا شك فئة خريجات مدارس الراهبات وكثير من ~~المدارس الأهلية الأخرى. وقد خبرت مدارس البنات بأنواعها (ولا ينبئك مثل خبير)، وحسبك ~~وقوفا على مبلغ علم هؤلاء أن تسألهن سؤالا بسيطا عن بعض ما يلقينه على مسامعك مثل ~~الببغاء فلا يحرن جوابا، أما ms016 التدريس في تلك المدارس فهو على النظام الذي أخنى عليه ~~الدهر أو محفوظ عن ظهر قلب، وليس فيه للتعقل أو المحاورة نصيب يذكر، ثم إن إحداهن ~~لتسمعك تاريخ فرنسا ولا تكاد تأخذ نفسها من سرعة الإلقاء، وإذا سألتها عن عمر بن الخطاب ~~أو صلاح الدين الأيوبي أو محمد الفاتح وأضرابهم من حماة الإسلام، قالت لك: لا ~~أدري. # ومدارس البنات في مصر كلها خلا مدارس الحكومة الثلاث، لا أثر فيها إلا تظاهر بالعلم ~~ورياء، وهي في اعتقادي لا تصلح مطلقا لتربية البنات المصريات؛ لأنها فضلا عن قلة ~~بضاعة العلم فيها تجعل تلميذاتها على خلق غير ملائم لنا. # ومما يؤسف له أن القوم عندنا لا يفرقون بين الصالح وغير الصالح؛ فإذا أدخلوا ابنة لهم ~~في مدرسة للحكومة، وأمرتها ناظرة المدرسة أن تلبس جلبابا مغطى الصدر والكمين مثلا أو ~~تخلع حليها وقت الدرس؛ عدوا ذلك إساءة لابنتهم المدللة، وقطعوها عن المدرسة كما شاهدت ~~مرارا. # نحن المصريين نحب الظهور والفخفخة بغير نظر إلى النفس وفضائلها، وهذا نقص في التربية ~~يجب محاربته وإزالته، وأكثر الآباء وجميع الأمهات عندنا لا يقدرون من تعلم البنات إلا ~~العزف على «البيانو» والرطانة؛ لأنهما ظاهران. # وبالجملة أقول: إن أحسن مدارس البنات في مصر هي مدارس الحكومة أخلاقا وعلما، على ~~أنها لا تزال تقبل الإصلاح والرقي. # ولي كلمة أخرى في هذا الموضوع تتعلق بالبيت والمدرسة أرجئها لفرصة أخرى. ~~(5) تربية البنات في البيت والمدرسة # كلنا يعلم ما تعودنا على سماعه من أمهاتنا في سن الطفولة الأولى، كان يغرينا النشاط ~~وحب العمل بمداومة الحركة واستكناه كل شيء مما تقع عليه حواسنا، ولو أدى ذلك إلى كسر ~~الشيء أو تلفه، حينذاك كنا نسمع والدتنا تقول: «خذوها للمدرسة» فترسم المدرسة في ~~مخيلتنا عفريتا يهول منظره؛ لأننا كنا نعد غضب الوالدة أكبر قصاص لنا، وهي لم تفه ~~بلفظة «المدرسة» إلا في ساعة الغضب، هذه أول فكرة تلقى علينا من جهة المدرسة، فإذا ~~شببنا قليلا وأتى بنا إليها ملأنا أرضها صراخا وعويلا، وطال أمد الوحشة بيننا ~~وبينها. ms017 # تبذل معلمات المدارس جهد الطاقة في تثقيف عقول التلميذات وتعويدهن الفضائل، ولكن تلك ~~الدروس إذا لم تدعمها الممارسة والمشاهدة لا تلبث أن تزول. # ترى إحدى المعلمات تنصح لفتياتها بأن لا يرتدين في المدرسة الأثواب المزركشة أو ~~الرقيقة فتأتمر الفتاة بأمرها، وما هو إلا يوم حتى ترى والدتها أحضرت لها من تلك الثياب ~~أقلها حشمة وأكثرها بهرجة، وإذا عارضت الفتاة وقالت: قد نهينا عن لبس مثل تلك الثياب ~~أمس؛ أجابتها والدتها: لا تكترثي بكلام المدرسة فهو موجه للفقيرات لا لبنات الأغنياء ~~مثيلاتك! إذا ضاع النصح هباء، وتشجعت الفتاة على العصيان وعدم الاكتراث. كذلك المدرسة ~~تدرب التلميذات على النظام وبيوتنا بفضل الجهل لا نظام بها، وقصارى القول: إن ما تبرمه ~~المدرسة لنفع التلميذات ينقض في البيت ولا سيما مسألة الأخلاق. # وأسطع برهان على أن البيت يفسد ما تصلح به المدرسة، الفرق الظاهر بين التلميذات ~~الداخلية والخارجية، فإن الأوائل كلهن أكثر نظاما وترتيبا من الأخر، وأغلبهن أشد ~~تمسكا بالفضيلة لأنهن ينشأن على البساطة والحشمة، وقد رسخ ذلك في أذهانهن. # فلو كانت تلك الأم متعلمة أو جاهلة تقدر العلم قدره لذاكرت لابنتها وأفهمتها ما تعسر ~~عليها فهمه في الحالة الأولى، أو أعدت لها مكانا بعيدا عن لغط الزائرات في ~~الثانية. # أعرف أختين كانتا معي في المدرسة وقد قصتا علينا يوما الحديث الآتي: وقد كانت ~~إحداهما في السنة الأولى الابتدائية والثانية في السنة الثانية، ومعلوم أن تلاميذ ~~وتلميذات هاتين الفرقتين في المدارس المصرية لا يمكنهم التكلم بلغة أجنبية. قالتا: ~~«سألتنا يوما والدتنا إذا كان يمكننا التكلم بالإنكليزية فأجبنا إيجابا ولما لم تكن ~~تعرف هي منها شيئا لم نجد ما نوهمها به سوى بعض أبيات إنكليزية كنا حفظناها في السنة ~~الأولى؛ وهي حكاية عن طفلتين ضاعا في غابة ... إلخ؛ فأخذنا نتناوب شطور الأشعار أقول أنا ~~الأولى، وأختي تقول الثانية، إلى أن فرغنا منها؛ ففرحت والدتنا بذلك وشهدت لنا بأننا ~~«بارعتان في لغة الإنكليز»!» # ذلك مثال من كثير يبين أن جهل هؤلاء الأمهات لا يقتصر على تأثير ms018 بناتهن في العلم ، ~~ولكنه يشجعهن على الكذب والفساد أيضا وإن كن لا يدرين. # وأدهى من ذلك وأمر أن الفتاة إذا شبت وكعبت، فإن الأم لا تفتأ تذكر لزوجها - ~~وابنتهما تسمع - أن ابنتها كبرت وأنها يجب أن تترك المدرسة لتتزوج، وأن فلانا وفلانا ~~أرسل والدته أو أخته تخطبها، فلا تلبث الفتاة أن تلتفت إلى أمر الزواج وتهمل المدرسة؛ ~~لأن والدتها تغريها بذلك وتهتم به كثيرا، فإذا أمطرت السماء يوما ولو رذاذا قالت ~~لها: لا تذهبي إلى المدرسة، وإذا اشتد البرد منعتها عنها، وإذا زادت الحرارة قليلا ~~صدتها، وإذا ذهبت لعرس إحدى جاراتها أخرتها يومين أو ثلاثة، وهلم جرا. والفتاة مظلومة ~~إذا لم تستفد من المدرسة بعد هذا، ولكن المدرسة مظلومة أكثر منها إذا نسب تأخر الفتاة ~~كله إليها. # ولا تكمل تربية الفتيات بحيث تصير المدرسة مسئولة عنهن بالمعنى الصحيح إلا إذا كن لا ~~يبرحنها كالداخلية مثلا، أو إذا كانت أمهاتهن متعلمات يساعدن المدرسة على القيام ~~بأعبائها، وهذا يظهر في الجيل القادم من بناتنا إن شاء الله؛ لأنهن يمارسنه بالفعل ولا ~~يجدن أمامهن ما يفسد ذلك الدرس المفيد. # فيا ليت شعري! هل يخفف المنتقدون قليلا من حدتهم عند انتقاد مدارس البنات؛ لأن ~~بيوتهم ونظامها أدعى إلى الانتقاد منها، والأمهات الجاهلات أكبر عثرة في سبيل نجاح ~~المدارس، ولا سيما إذا كانت بناتهن من القسم الخارجي. وليس من الإنصاف أن تكلف المدرسة ~~بملاحظة الفتيات في مغيبهن عنها؛ إذ إن أعضاءها لم يكن يوما من الشرطة (البوليس) ويكفي ~~ملاحظة التربية والتعليم في المدارس، وليس ذلك بالأمر السهل على القائمات به. # المدرسة تأمر التلميذات بالنظافة وترتيب الهندام، والبيت لا يعنى بذلك كثيرا؛ فإذا ~~غسلت الفتاة شعرها يوما تنتظر بعده أسبوعا بغير تمشيط حتى تجيئها الماشطة وتمشطه لها ~~في الأسبوع التالي، ويظل رأسها بين الأسبوعين معقدا قذرا، فترجعها المدرسة إلى البيت ~~مرة أخرى وتكون النتيجة تأخر الفتاة عن تلقي الدرس، وربما استشاطت والدتها غضبا من ~~تكرر رجوعها من المدرسة، وهي لو مشطت بنتها كل يوم لما استغرق ms019 ذلك أكثر من ثلاث دقائق، ~~ولكن هو الجهل والكسل. # حادثتني مرة ناظرة مدرسة للبنات في شأن التلميذات الخارجيات اللاتي يعدن إلى البيت كل ~~يوم لقذارتهن؛ قالت: «إني أعجب لأمهاتهن كيف يرضين لأنفسهن أن تشتمهن المدرسة كل يوم ~~ولا يخجلن؟!» قلت لها: وكيف تشتمهن المدرسة؟ قالت: «أليس إرجاع البنت إلى أمها بسبب ~~الوساخة يعادل قولك لها: إنك أيتها السيدة قذرة ولا تصلحين لإدارة بيتك؟! وأكبر دليل ~~على ذلك إهمالك ابنتك وهي فلذة كبدك وأعز عليك بالطبع من المنزل وأثاثه ورياشه، ولو ~~رجعت تلك التلميذة في إنكلترا (وهي بلدها) إلى أمها بسبب القذارة لفكرت تلك الأم أن ~~الانتحار أولى لها من أن تسب علنا بأنها قذرة.» هذا حقيقي؛ لأن الأم الإنكليزية ~~متعلمة وتعرف حقوق التربية، وشتان بينها وبين الأخت المصرية. # هذا في الأخلاق وقل مثله في التعلم، فإن الفتاة ربما احتاجت إلى مذاكرة دروسها ~~فتشغلها زيارة النساء لأمها ما بين (دلالة وماشطة و«كدية» زار)، ويملأن قلبها الصغير ~~النقي أوهاما وخزعبلات، فيهدمن ركنا من فضيلتها ويبنين مكانه نقصا ورذيلة، فضلا عن ~~أنهن يعقنها عن مذاكرة الدرس والاستفادة منه. ~~(6) الزواج # يا للنساء من الرجال ويا للرجال منهن # بينا أنا أفكر في موضوع أكتبه للجريدة إذ قرأت ما جاء بها بقلم (أحد الناس) وحديثه مع ~~فتاة، فتأثرت به أيما تأثر، وقلت في نفسي: إذا كان الرجال يخوضون في مثل هذه الموضوعات ~~فنحن أحق بها منهم؛ لأنها بنا أمس، وأجدر منهم بالشكوى لوقوع حيفها علينا. وسأتكلم هذه ~~المرة على طريقة الزواج عندنا؛ لأنها مقدمة لموضوع تعدد الزوجات، الذي سأكتب عنه في ~~المرة القادمة إن شاء الله. # طريقة الزواج في مصر طريقة معوجة عقيمة نتيجتها في الغالب عدم الوفاق بين الزوجين؛ ~~يقيم الرجل معالم العرس أياما وليالي، ويتكبد مصاريف جمة لعروس لم يرها عمره ولم يتأكد ~~من حسن أخلاقها أو جمال نفسها، إنما سمع عن بياضها وسمنها أو مالها من الخاطبة التي تصف ~~حسب نصيبها من نوال العروس وأهلها، فإذا أجزلوا لها العطاء صورت ابنتهم للشبان الخاطبين ms020 ~~في صورة «بلقيس بمالها أو شيرين بجمالها»، وما هي إلا أحبولة يقع الفتى فيها فلا يلبث ~~أن يصير بعلا للفتاة إما على الحب منه أو الكره. # فإذا سعد طالعهما اتفقا قلبا وقالبا ورضي كل بالآخر رفيقا له وصفت لهما الأيام، ~~هذه حال قل أن يصل إليها زوجان، ومن تمت لهما كان ذلك أحدوثة في بني قرابتهما وعند ~~الجيران! # أما البائس الذي قدر له أن يعاشر حمقاء أو جاهلة أو مسرفة أو ما شابه مما يعرفه أغلب ~~رجالنا بالتجربة، فيا ويحه! # كذلك الفتاة إن فوجئت ببعل مدمن أو خليع أو فاسد السيرة؛ فيا طول ما تقاسي من عناء! ~~فمسألة الزواج عندنا هي ككل أمورنا نحن الشرقيين نكلها للقضاء والقدر والحظوظ وما شئت ~~من المترادفات ... # ومما جعل مسألة الزواج عندنا - أي المسلمين - هينة لينة إباحة الدين الحنيف الطلاق ~~وتعدد الزوجات، ولكن حاشا أن يكون قصد الشارع ما نراه الآن من الفوضى في أدق الروابط ~~الاجتماعية، ومن نقص عهود الأسر وقلب نظاماتها، فإن الأديان لم تخلق لجلب البؤس وإنما ~~خلقت لإسعاد البشر ولتقريبهم من الإنسانية، أو لإبلاغهم حدها الأقصى إذا تيسر ~~ذلك. # وطريقة العرب على عهد النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وما بعده في أمور الخطبة والزواج طريقة شريفة ~~معقولة إذ لم يكن الحجاب حينذاك كما هو الآن، وإني أجاهر بأن حجابنا مقلوب ونظام ~~اجتماعنا فاسد أشد الفساد، لا يصلح ولن يصلح لأن تتبعه أمة متمدينة. # أليس عجبا أن نرى نساءنا وفتياتنا يتهتكن كل يوم في عرض الشوارع، ويملأن حوانيت ~~الباعة، ويذهبن في الخلاعة كل مذهب؛ فيكلمن سائق (الترام)، ويقفن مائلات عاريات الصدور ~~متبرجات أمام المصور (فوتوغراف)، وإذا طلب خاطب مستنير من أبي الفتاة أن يسمح له ~~برؤيتها والتكلم معها وأبوها يراقبهما عد ذلك أمرا إدا. هذا رجل وذاك مثله! والأول ~~تكلمه بلا مراقبة وإنما بعلم من أهلها وترخيص، والآخر يريد أن يكلمها أيضا ولكن مع ~~مراقبة أبيها وغرضه شريف، وهو معرفة كنه التي سيتزوج بها ويجعلها شريكة حياته ومربية ~~ولده، فما السبب ms021 في منح الأول ومنع الثاني؟ اللهم إن هو إلا الجهل والعادة وحب القديم ~~حتى ولو كان مضرا. # إذا اعترض أحدهم وقال: إن الفتيان أغلبهم فاسدو الأخلاق، قلت: إن المصور والبائع أفسد ~~خلقا من الفتى المتعلم، على أن المراقبة مانعة للفساد على كل حال، ثم إن خوف الفتنة ~~أكثر في الحالة الأولى منه في الثانية؛ لأن المقام الأول مقام هزل؛ فتضحك فيه الفتاة ~~بلا مبالاة، وتكشف عن ذراعيها أو صدرها عند التصوير مثلا وتكون في الغالب متبرجة. أما ~~المقام الثاني فهو مقام جد لا تتعدى فيه الواحدة حد الحشمة، فمن أين تأتي الفتنة ~~إذن؟ # وعندي أنه لو اتبع هذا السبيل في الخطبة لكان خيرا ولقلت حوادث الشحناء بين الزوجين ~~فيما بعد، وهي بلا شك نتيجة الزواج (العمياني) الذي نتبعه في أعز شيء لدينا وهو أبناؤنا ~~وبناتنا. ولا يقتصر الخاطب على رؤية العروس فقط فإن ذلك لا يكفي، بل يجب أن يستفهم عنها ~~جيدا ممن يعرفون أخلاقها ويبحث عن سيرتها وأهلها، فيتزوج منها على هدى بعد البحث ~~والاستقصاء، وهذه الشروط بعينها يجب أن يتبعها والد العروس قبل أن يسمح للرجال برؤية ~~ابنته، فما كل راء خاطب وما كل خاطب جاد، ورب فتى هازل يريد اللهو أو فاسد يحب الاطلاع ~~على الفتيات بغير قصد الزواج! فهؤلاء يخرجون من موضوعنا؛ لأننا لا نعنيهم وإنما نعني ~~الشريفي النفس الحسني السيرة، والأب مكلف بالبحث عن حقيقة سائليه كما بينا قبل. # وهنا يعترضني فكر يجب أن أبسطه وإن آلم بعضهم، فإن شباننا لم يتعودوا احترام النساء، ~~وذلك نقص في التربية الاجتماعية يجب أن يتداركوه. لا أريد أن يسجدوا لنا، بل أن يفسحوا ~~لنا الطريق إن ازدحمت، ولينظروا إلينا كما ننظر إليهم أناسا مثلهم وليتركوا إشارات ~~التعريض وألفاظه التي أصمت آذاننا، ولولا خوف مفاجأة العجلات والدواب لسددنا مسامعنا ~~عند كل سير في الطريق تخلصا من تلك البذاءة المحرجة، فهؤلاء وأمثالهم لا أصاهرهم لو ~~كنت أبا، ولكن بين شباننا كثيرين - بحمد الله - يتبعون الصراط السوي. # وقد سمعت كثيرا عن ms022 قوم طلب منهم أن يروا خاطبا ابنتهم فأروه أخرى جميلة وزوجوه من ~~التي لا يرغب فيها غشا منهم وترويجا لبائرة عندهم، ولعل أحدهم يجعل ذلك من جملة ~~اعتراضاته على الموضوع، ولكني سبقت فقلت: إن هؤلاء قوم لا شرف عندهم، والشريف وغيره ~~يظهر من معاملاته وطباعه وسيرته، والبحث يفرق بين الضدين فلا يعقل أن يستمر الرجل ~~شريفا في كل أمر يأتيه مع إخوانه ومعامليه ثم تتغير ذمته فجأة عند زواج ابنته! إن هذا ~~يكاد يكون مستحيلا، ثم إن هناك قوما يعجبون بالخاطب وبأخلاقه ولكنهم يردونه خائبا؛ ~~لأن المهر الذي عرضه عليهم قليل، فيا ليت شعري! أيشتري العاقل الراحة بالمال أم يشتري ~~المال بالراحة؟ وماذا عليهم لو كانت ابنتهم سعيدة غير غنية؟ إن أكثرهم يطلبونها غنية ~~قبل كل شيء، ويحسبون السعادة تابعة للغنى ألا ساء ما يحسبون. # ومن أكبر الأسباب المنتجة لشقاء الزوجين عندنا عدم ائتلافهما؛ أن يكون أحدهما راغبا ~~في زواج آخر يعرفه أو يحبه فيجبره أهله على التزوج ممن لا يريد، والمثل الفرنسي يقول: # Vouloir C’est pouvoir # أي: الإرادة هي المقدرة، ~~فإذا تزوج فتى من غير من يحب فإنه بالطبع يريد أن لا يهنأ معها، وأن يعذبها من غير ذنب ~~فيقدر ولا شك على ذلك، والمثل بالمثل مع الفتاة، وذلك ظلم بين من الأهل لا ~~يغتفر. # وهذه العادة كثيرة الشيوع بين أفراد الأسرة الواحدة أو بين الأصحاب، يكون لأحدهم ابن ~~فبمجرد ما تولد ابنة أخيه أو ابنة صاحبه يتفقون على أن المولودة الجديدة هذه من نصيب ~~الصبي فلان عندما يكبر ويأخذون العهود والمواثيق على ذلك، وربما ربي الصبي تربية غير ~~التي نشأت عليها الفتاة أو رأى أخرى أعجبته وهنالك الطامة الكبرى؛ أنت لا تأكل مكرها ~~ولا تنام مكرها فلم تزوج ابنك أو ابنتك بالقصر والإجبار؟ ربما كان من يختاره الأهل ~~أجمل وأغنى ولكنه في حال البغض يكون كأنه أقبح خلق الله وأفقرهم، على أن الجمال والغنى ~~ليسا من شروط الوفاق بخلاف الرغبة فهي داعية له. # فنتيجة شقاء الزوجين وعدم الوفاق ms023 بينهما مقدماتها الأسباب التي شرحت قبل، ~~وهي: ~~(1) # جهل أحد الزوجين بالآخر. ~~(2) # زواج مختلفي الطباع كعالم وجاهلة وبالعكس، أو غني وفقيرة، ومختلفي الدين ~~والبلد. ~~(3) # الطمع في الغنى بغير نظر إلى الأخلاق. ~~(4) # الزواج القسري. ~~(5) # تأويل الدين الحنيف على غير ما أريد منه في أحكام الزواج والطلاق. # وهذه الأسباب كلها شعب لأصل واحد هو عدم الحكمة، فإذا روعيت شروط الحكمة والتحري قبل ~~الزواج فقل أن نرى هذا الشقاء المخيم على البيوت المصرية الهادم لمعنى الزوجية، وخير ~~للفتاة والفتى أن يعيشا أعزبين من أن يتزوجا بثالث أيضا هو البؤس والعذاب. ~~(7) تعدد الزوجات أو الضرائر # إنه لاسم فظيع تكاد أناملي تقف بالقلم عند كتابته، فهو عدو النساء الألد وشيطانهن ~~الفرد؛ كم قد كسر قلبا، وشوش لبا، وهدم أسرا، وجلب شرا، وكم من بريء ذهب ضحيته ~~وسجين كان أصل بليته، وإخوة لولاه ما تنافروا ولا تناثروا ففرقهم أيدي سبأ وأصبحوا تأكل ~~الحزازات صدورهم، ويضمرون السوء بعضهم لبعض، يثأرون ولا ثأر بني وائل وكانوا لولاه ~~متفقين. # إنه لاسم فظيع ممتلئ وحشية وأنانية، كم أحرج رجلا وعلمه الكذب فأفسد عليه خلقه، وكم ~~بذر مالا كان يعده لبعض رزقه، وكم أحفظ قلب والد على ولد، وكم علم الوشاية والحسد، ~~فإذا ما لهوت أيها الرجل بعرسك الجديد فتذكر وراءك بائسة تصعد الزفرات، يتساقط من ~~مآقيها أمثال لؤلؤ عروسك، ولكنه صهرته نار الحزن فظهر سائلا، واخش الله في صغار يبكون ~~لبكائها، علمتهم الحزن فاستعاروا يواقيت عرسك أعينا، أنت تقرع سمعك الطبول والمزامير، ~~وهم لا يسمعون إلا دق الحزن في طبول آذانهم وكانوا من قبل ذلك جذلين. # وهذه البادية التي أقطن الآن لا أبالغ إن قلت إن جميع نسائها جربن الضرائر لشيوع عادة ~~الجمع بين زوجتين في رجالهن، ولي من مخالطتهن ما يجعلني على ثقة من هذا الموضوع. # طالما سألت امرأة من الحي هذا السؤال: «ترى هل تحبين زوجك الآن كما كنت تحبينه قبل ~~زواجه من غيرك؟» فكان جواب كل من سألت سلبا. # وقد حقق لي ذلك بعضهن، وسمعت عن أخريات أنهن ms024 في الحقيقة كن يفضلن أن يرين نعش أزواجهن ~~محمولا على الأعناق على أن يرينهم متزوجين بأخريات، فيا لله! أإلى هذا الحد يبلغ بغض ~~المرأة للضرة؟! فليتأمل الرجال، أرى «القديمة» حزينة و«الجديدة» كذلك، فإذا قلت للأولى: ~~ماذا يحزنك؟ أجابت: يحزنني ذلي وانكسار قلبي وأنا على ما ترين لست أنقص عن الجديدة ~~جمالا ولا أدبا وكنت أبذل جهدي في مرضاة زوجي أما الآن فلا. على أنه لا يزال يسترضيني ~~فيقول لي: أنت أحب إلي من الأخرى، وأنت أول من ملك قلبي، وأنت جميلة، وأنت وأنت ... ~~إلخ، وأنا لم أتزوج عليك لنقص فيك وإنما كان ذلك مقدورا، وإذا ما سألت الجديدة عن سبب ~~انقباضها قالت: يحزنني أن أرى لي شريكة ومنافسة على أن زوجي يحقق لي أنه لا يعبأ بها، ~~وأنه لو كان مقتنعا بها لما تزوج عليها، وأنه يريد طلاقها ولكنه يبقيها رحمة منه لتربي ~~أولاده فقط، فما أقدر زوج الضرتين على التفنن! ولو أنصفوا لعينوا زوج كل اثنتين ~~سياسيا أو ناظرا للمستعمرات! (ولكن الذي يؤسف له أنه ليس لنا مستعمرات). # المرأة إذا ابتليت بالضرة انطفأ سراج بهجتها، والتهبت مكانه نار حقدها وذوى غصن قدها ~~وزرعت محله بذور شرورها، فإن لم تك تقية وإلا وسوس لها الشيطان وعلمها أساليب الانتقام ~~والكيد، وكثيرا ما دست امرأة السم لزوجها أو لضرتها أو لابن ضرتها فكان القضاء عليهم ~~جميعا، وكثيرا ما عمدت للوشاية بها عند زوجها أو ثلم صيتها عند الناس، وأغلبهن يبذلن ~~مالهن ويبعن مصوغاتهن للسحرة ليكيدوا للزوج ولامرأته على زعمهن. # فزوج الثنتين غير سعيد كما قد يخيل له؛ إذا تغيب لبعض شغله اتهمته إحدى المرأتين ~~بأنه كان عند الأخرى، ويا ليت التهمة تقتصر على هذا فإن هناك التغير والتدلل والكراهية ~~والبذاءة أحيانا، وإذا نسي واشترى لواحدة منديلا ولم يشتر للأخرى صب عليه سوط ~~العذاب وألزم بأضعاف أضعافه، فما كان أحوجه للراحة وما أشد اشتغال باله! الإكثار من ~~الزواج داء إذا تأصل صعب استئصاله. # ولا أعذر الرجل يتزوج مرتين إلا إذا تعذر عيشه هنيئا ms025 مع زوجته الأولى، لسبب ما - ~~شرعيا كان أو غير شرعي - فيضطر للزواج اضطرارا، ولكن الحازم لا تنسيه أفراحه أولاده ~~ولا امرأته الأولى إن كانت لا ذنب لها، أما إذا كان يعد بقاءها معه منغصا لحياته، أو ~~كان كارها لها فليطلقها بتاتا، فربما يجد مع غيرها راحة وتجد هي كذلك مع غيره «وفي ~~الأرض عن دار القلى متحول». # والطلاق - على مذهبي - أسهل وقعا وأخف ألما من الضر، فالأول شقاء وحرية والثاني ~~شقاء وتقييد، فإذا كان الشقاء واقعا على كل حال فلماذا تلتزم المرأة الصبر على الشدة ~~وترى بعينيها ما يلهب قلبها ويدمي محجريها؟ ألا إن حزينا حرا خير من حزين أسير، ~~وبعضهم يخادع المرأة الأولى بأن يجعلها حاكمة على البيت معها مفاتيح خزائنه، ولكن ماذا ~~تفيد مفاتيح الخزائن والحكم على السمن والعسل؟! وأين هذه من مفاتيح القلوب وحب ~~الزوج؟! # تعدد الزوجات مفسدة للرجل، مفسدة للصحة، مفسدة للمال، مفسدة للأخلاق، مفسدة للأولاد، ~~مفسدة لقلوب النساء. والعاقل من تمكن من اكتساب قلوب الغير، فكيف بقلوب الأهل ~~والعشراء؟ # مفسدة للمال؛ لأن الرجل - فضلا عن تحمله أعباء أسرتين وقيامه بلوازمهما - يرى كل ~~زوجة من الثنتين تجتهد في التبذير لتعجزه عن الإنفاق على الأخرى، أو لتمنعه من الزواج ~~بأخرى، ولا تلام إحدى الزوجتين على تبذيرها، فذلك طبيعي؛ إذ تقول: ما الفائدة من ~~اقتصادي؟ أنا أحرم نفسي مما ربما أشتهيه وزوجي ينفق ذلك المتوفر على امرأته الثانية؟ ~~فخير لي أن أمتع نفسي بمطالبها كما تفعل ضرتي، أما الأولاد فإنهم بدلا من أن يكونوا من ~~امرأة واحدة يولدون من امرأتين فيتضاعف عددهم، فإذا أخرجنا الأغنياء من حكمنا كانت ~~معيشة الأب المتوسط أو الفقير ضنكا وعوزا؛ لأن زماننا هذا غير الزمان الأول؛ فغلاء ~~المعيشة ونفقة أسرتين وتعليم أولادهما ليس بالأمر السهل. # مفسدة للأخلاق؛ لأن زوج الضرائر دائما يحتال ليطمع كل واحدة في حبه، وهذا تكفي فيه ~~المداهنة والتطبع على أن زواج الضرائر في ذاته طمع وشره. # مفسدة للأولاد؛ لأني رأيت بنفسي أن كل ضرة تطبع كراهتها لضرتها في نفوس ms026 أولادها، فيشب ~~الطفل وقد أشرب كره إخوته لأبيه وأمهم بلا مسوغ سوى ما زرعته أمه في عقله من مبادئها؛ ~~فمهما فعلت امرأة الأب لترضي ابن زوجها ومهما أحسنت معاملته فإنه لا يفتأ يتهمها ~~بكراهيتها له، وبأن ما تعمله معه من خير ومعروف فإنما هو لخوفها من أبيه أو مداراة لما ~~في قلبها منه! وإنك لترى أبناء الرجل الواحد يغارون ويحسدون بعضهم البعض كما علمتهم ~~أمهاتهم، وفي كلام العامة وأمثالهم الجارية ما يؤيد صحة هذا المبدأ. # مفسدة لقلوب النساء؛ لأن الأولى تكرهه بلا شك لإغضابه إياها وجرحه لعواطفها والثانية ~~لا تصافيه مطلقا ما دام متعلقا بغيرها؛ فهو: «المنبت، لا أرضا قطع ولا ظهرا ~~أبقى.» # ويسرني أن عادة الجمع بين زوجتين كادت تتقلص الآن من بين الطبقات المتنورة والعالية؛ ~~لأن التمدين والاستنارة يحرمانها وإن ادعوا أن الشرع يحللها، ولأن العيش أصبح سعيا ~~وتناحرا، فإذا كان أجدادنا يكفي أحدهم أن يمتلك عشرة أفدنة لينام مستريحا في بيته ~~ويتزوج اثنتين أو ثلاثا، فإن رجل اليوم لا يكفيه مائتا فدان مع تعبه واجتهاده للإنفاق ~~على بيت واحد صرف التمدين الحديث محب الظهور. ~~(8) سن الزواج # بينت في مقالي الأسبق ما يجب مراعاته في الخطبة والزوج من حيث اتحاد مشارب الزوجين في ~~الدين والأخلاق والمعارف على قدر الإمكان ومعادلة البيئات، واليوم أفرد موضوعي هذا لشرط ~~آخر لا يقل عن هذا أهمية وهو السن الملائمة للزواج. ~~«الشرق» كما قال لورد كرومر في أحد تقاريره عن مصر: «يتم فيه بلوغ كل شيء متقدما.» ~~وهذه حقيقة جغرافية لا ريب فيها؛ إذ بنسبة حرارة البلاد يكون نضج النبات والثمار ونمو ~~الإنسان والحيوان. هذا ناموس الطبيعة الثابت، بغير نظر إلى تفاوت درجة العلم والعناية، ~~وما يتخذ من التدابير لإنماء ذلك الشيء أو لتحسين الآخر، مما يكون له أثر في البطء ~~والإسراع، فبلوغ الفتيات في مصر يكون عادة في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة لجيدات ~~الصحة بعكس فتيات أوروبا والبلاد الباردة الأخرى؛ فإنهن ربما جزن السادسة عشرة أو ~~الثامنة عشرة ولم يبلغن. وعليه، ms027 فلا نقيس سن الزواج عندنا به عندهن؛ لأننا كما نسبقهن ~~في البلوغ يجب أن نسبقهن أيضا في الزواج، فضلا عن أن فتياتنا أقرب إلى السكينة، وأبعد ~~عن الطيش من أخواتهن الغربيات، وإني لا أوافق بعض الأطباء الذي كتب في الجرائد مرة ينص ~~على أن سن البلوغ يجب أن يكون هو بعينه سن الزواج؛ إذ بالله ماذا تفهم فتاة في الثانية ~~عشرة من معنى الزواج، وماذا تعلم من أمور البيت، وماذا تعمل لو رزقت بأولاد؟ إني أكاد ~~أتصورها تموت هي وإياهم إن لم يكن في النفاس ففي التربية، وقد ثبت بالتجربة أن أكثر ~~اللاتي يتزوجن صغيرات جدا يصبن بأمراض الأعصاب (الهستيريا) وهذا هو السر في وجود ~~(الزار) كثيرا عندنا. # إن الزواج ليس بالشيء الهين ولا هو بالهزل؛ تظن الفتيات الصغيرات والراشدات أيضا أن ~~الزواج معناه ضرب الموسيقى ونصب السرادق ليلة العرس ولبس الحرير والماس والمباهاة ~~بالأثاث والأواني الفضية، وغير ذلك من ضروب الفخر الكاذب والطنطنة الفارغة، ليس هذا هو ~~الزواج يا سيدتي الصغيرة، بل هو إرضاء الزوج وحسن القيام على ماله وتدبير بيته ومؤاساة ~~أهله وتربية أولاده ورئاسة خدمه، فهل تستطيعين كل ذلك؟ لا أخالك تستطيعين. # تقص علينا جداتنا وأمهاتنا في بعض سمرهن أنهن تزوجن ولم تزل عليهن التمائم؛ فكن ~~يهربن في (الحارة) ويبكين عند الجيران ويأتين من المضحكات ما يبكي؛ فهل نريد أن نرجع ~~القهقرى إلى زمن أجدادنا؟! حرام عليكم - أيها الآباء - ظلم بناتكم وتكليفهن ما لا يطقن ~~(ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها)، حرام عليكم - أيها الآباء - الإصغاء إلى أماني النساء ~~الجاهلات وزج بناتكم الصغيرات في سجون الزوجية الضيقة، حرام والله أن تتزوج البنية ~~اليوم وترجع لبيت أبيها غدا، حرام على الأم أن تقول: «أريد أن أفرح ببنتي»، فتزوجها ~~طفلة ولا تنتقي لها كفؤا، بل تعطيها لأول طالب لها، ولعمري إن الزواج ليتطلب الروية ~~والتأني، والأم ملومة أكثر من الأب؛ لأنها جربت الزوجية بنفسها وسبرت غور مصاعبها ~~وأتعابها، إلا أن حب الظهور متأصل فينا لدرجة أننا نرمي ببناتنا في ms028 المأزق الحرج كي ~~يقال عنا: عرس فلانة كان فخما، وما أبهى العروس! وغير ذلك من الترهات. # والزوج قد يسر أولا من عروسه الطفلة لكنه لا يلبث أن يستاء، وهي مظلومة لا جريرة ~~عليها؛ لأنها بالطبع لا تفهم ولا تستطيع القيام بحاجات منزلها من نظافة وحسن ذوق في وضع ~~الأشياء في مواضعها، وهي لا تفهم معنى المسئولية لكنها مع الأسف مسئولة عن جميع لوازم ~~البيت من طعام ولباس وغيرهما، وهي تنام مستغرقة من الغروب إلى الضحى، فإذا بكى وليدها ~~لم تسمعه فيقتله البكاء إن لم تقتله هي بالتقلب عليه في النوم، والطفل يحتاج لسهر الليل ~~وللرضاعة، أفتقدر الصغيرة على حمله طول الليل وإرضاعه، ومعرفة أمراضه وأوجاعه وحسن ~~العناية به؟! يا قوم هذه إحصائيات الصحة ترينا كل يوم بأجلى ما يرى كثرة موت الأطفال في ~~مصر، أو أصابتهم بما يعسر شفاؤه نتيجة جهل الأمهات بلا شك، والجهل في الصغر أكثر منه في ~~الكبر، فإذا قرن بما يستلزم الصغر من الضعف وعدم القدرة على تحمل مصاعب التربية كان ~~أدهى. # ومن نكد الدنيا على الفتاة - قاصرة كانت أو رشيدة - أن تتزوج من فتى صغير تابع لأبيه ~~وتكتفي من الزوج بأنه ابن فلان الغني، فطالما سمعنا بأن اختلاف الكنات أو سوء سير الفتى ~~أدى إلى طرده هو وزوجه من بيت أبيه، فماذا يفعل إن لم يكن تعلم علما أو صنعة تساعده ~~على المعيشة؟ لا جرم أن يذوقا وبالا، أو ينتجعا بيت أهلها وتبقى هي وهو وأولادهما عالة ~~عليهم إلى أن يشاء الله. # ومما يشقي الزوجين أيضا مختصا بالسن أن يتزوج هرم شابت مفارقه بشابة في مقتبل ~~العمر، أو بالعكس فتى بعجوز، فإن مشرب الشباب يختلف عن مشرب الهرم، فضلا عن أن النسل ~~الناتج من أبوين بعيدي فرجة السن الواحد عن الآخر يأتي في الغالب ضعيفا أو لا يأتي ~~بتاتا، وإنك إذا نظرت هرما وشابة، أو شابا وعجوزا ممسكا أحدهما بذراع الآخر، كما ~~قد ترى الفرنجة في طريقك أحيانا، فإنك لأول وهلة تستنكر هذا المنظر، وتحكم ms029 - إن حقا ~~وإن كذبا - بأنها ابنته في الأول أو أمه في الثاني، وما يمجه النظر فهو ليس طبيعيا، ~~وإذا كان الله - سبحانه - أحكم أمر الملاءمة في الطبيعة؛ فلم يخلق الجبل الوعر في ~~السماء الرقيقة الصافية، ولم يبرأ النجوم الجميلة المتألقة في الأرض الخشنة القاتمة، ~~فلم نجمع نحن بين الأضداد ونخالف ذوق الطبيعة الصادق؟! # الشابة تفكر في زينتها وحسن هندامها والتأنس بجمال الاجتماع بصديقاتها، والهرم يفكر ~~في علبة السعوط والثريد ودواء السعال فيا: # أيها المنكح الثريا سهيلا # عمرك الله كيف يلتقيان؟! # كذلك الشاب لا يلذ سمعه الشينات الكثيرة والياآات في موضوع السين والراء، ولا زيادة ~~مصروفاته في تركيب الأسنان المستعارة، وصبغ الشعر، وطلاء الوجه، وغيره من لوازم سيدتنا ~~أو (أمنا العجوز) كما كنا نقول في قصص الطفولة. أحب فتى مرة امرأة أعجبه شكلها فخطبها ~~إلى نفسها، فقالت له: أنت فتى وأنا عجوز لا أصلح لك، فلم يقبل قولها وظنها مازحة وألح ~~عليها في قبوله بعلا، فلم تر بدا من إجابته إلى طلبه، فلما دخل عليها ليلة العرس جلس ~~يكلمها وإذا بها خلعت أسنانها ووضعتها على منضدة أمامها فهلع قلبه إلا أنه بقي صامتا ~~ينظر إليها ريثما تتم عملها، ثم خلعت إحدى عينيها وكانت صناعية من الزجاج، ثم جردت ~~رأسها من شعرها المستعار فظهر أصلع مخيفا، وبينما هي تنزع القطن من صدرها هرول الشاب ~~نحو الباب مسرعا؛ فنادته: لماذا تهرب وقد كنت تدعي أني فتنتك بجمالي؟ فأجابها: يا ~~سيدتي «نعم أهرب ويحق لي؛ لأني رأيت أغلب أعضائك من الدكان وأخاف أن تكون حواسك كذلك ~~أيضا.» فهل يغبط الرجل على زوجة مثل هذه؟! وإذا لم يغبط فلماذا تكره الشابة على تزوج ~~الهرم؟ اللهم أنت خالق الخلق ومحدد الأعمار، تزعم الجاهلات أن زواج الهرم دلال في حياته ~~وغنى بعد موته؛ فهل ضمنت المرأة الطماعة أن المنية ستعدو عليه أول؟ وهل تطيب الحياة ~~الزوجية إذا كان الواحد يترقب الموت لرفيقه؟ وهل تصح معاشرة هذه التي تعد موت القرين ~~ربحا؟ إن هذا إلا ضلال كبير. # فعلى ms030 ملاءمة سن الزوجين يتوقف شيء كثير من الوفاق والمحبة، والواجب أن لا تتزوج ~~الفتاة إلا متى صارت أهلا للزواج كفؤا لتحمل مصاعبه، ولا يكون ذلك قبل السادسة عشرة. ~~وتزويج الصغار لعب فيه شقاء للأمة من عدة وجوه؛ عناء في الزوجية نتيجته دائما الشقاق ~~أو الانفصال، كثرة وفيات الأطفال، ضعف النسل، إصابة النساء بالأمراض العصبية والأمراض ~~النسائية الأخرى. # وزواج مختلفي السن إضعاف للنسل وشقاء للزوجين وقلب لنظام الطبيعة الدقيق. # فمتى يلتفت لهذا الآباء والأمهات؟ ومتى تنقشع سحابة هذا الشقاء عن سماء بيوتنا؟ ومتى ~~ننظر للزواج بعين الجد والاهتمام؟ اللهم أرني ذلك اليوم فهو أمنية النفس وسبيل سعادة ~~الأمة وترقيها. ~~(9) طلاء الوجوه # أول ما يلفت نظر باحثة مثلي عند زيارتها القاهرة كثرة وجود الخود البيض في شوارعها ~~وطرقاتها ومنازلها، فيا ليت لي علم الغيب كلنا من جنس واحد؛ إما من سلالة العرب ~~الفاتحين أو من الفراعنة، والأولون والآخرون لم تؤثر عنهم الشقرة، ولم يأت في أوصافهم ~~الصحيحة وتواريخهم ذكر لاشتداد حمرة الخدود وزيادة بياض الوجوه إلا ما كان مبالغة ~~خيالا في حبيبة أو حقيقة نادرة، فلماذا نجد نساء القاهرة كلهن شقرا ونساء المدن ~~الأخرى أقل بياضا؟ أو لماذا نجد الدم ضاربا في وجوه الحضريات قليلا عند الفلاحات ~~والبدويات مع أنهن دائما معرضات للشمس، تنقي الدم وتجدد الصحة. إن في الأمر لسرا، ~~نعم إن المسحوقات والمراهم وضروب الأصبغة تفعل بالوجوه فعالها «وهل يصلح العطار ما أفسد ~~الدهر؟» # تزعم عاشقة الطلاء أن البياض حلية، ولكن هل تعتقد أن هذا الأبيض، الذي خيل لها أنه ~~أبيض، يبقى إذا فرض أن خيالها صحيح؟ كلا؛ إن هذا الأبيض الذي تتعمده وتجتهد في تنميقه ~~لا يلبث أن يزرق فيصير وجهها بنفسجيا. فهل سمعت في أشعار المتغزلين والمشببين أن ~~الوجه البنفسجي من أمهات الجمال؟ وهل إذا لفح الحر الوجه المدهون، فسال عليه العرق يخطط ~~جداول وغدرانا، وينقل من كحل المحاجر إلى صفحات الخدود، فيختلط الأسود والأحمر، هل يرى ~~ذلك الوجه مشرقا جذابا؟ ولماذا تعد الشقرة خيرا من السمرة ألا ms031 تتساوى في ذاتها ~~الألوان ؟! إن مسألة اللون اعتيادية صرفة لا أثر لها من الصحة، فأنا أحب اللون الأخضر ~~وجارتي تحب الأحمر، فهل تفضل إحدانا الأخرى من هذه الوجهة؟ # إن هؤلاء السيدات يقلدن، ولكن تنقصهن ملكة الذوق في كثير مما يعملن، فإن الوجوه ~~الشديدة البياض والحمرة يكون فيها دائما عينان زرقاوان وحاجبان أخطبان ويكسو رأسها شعر ~~أشقر فتلائم بعضها بعضا، أما نساؤنا فإنهن بينما يصبغن حواجبهن بالسواد الفاحم إلى نصف ~~الأنف وأعينهن يكاد كحلها يخلق لها حاجبين آخرين تراهن بعد ذلك يصبغن وجوههن بالشقرة، ~~فأين الذوق الحسن من هذا الترقيع الشائن؟! # الوجه المدهون يضيع كثيرا من معاني الجمال؛ فإن تأثرات النفس وطبائعها تنعكس على ~~مرآة الوجه فتكسبه أثرهما فيما لا يمكن وصفه في العينين وفي الفم وفي الابتسام وفي ~~أسارير الوجه الصغيرة وفي الجلد نفسه أيضا، ولكن الطلاء يظهر الوجه كأنه ليس فيه حياة، ~~ويغطي جلده المملوء معنى وينزع بصاحبته إلى تصنع الحركات والسكنات، والتصنع يذهب بهجة ~~الجمال، ولست مبالغة إن قلت: إني أعد كل طالية وجهها تمثالا من الرخام، فإذا كان ~~«حافظ» يعجب لصمت تماثيل الطليان، فأنا أعجب لتكلم تماثيل المصريات. # لتقف سيدة من هؤلاء اللاتي يستعملن الطلاء بجانب تمثال من عرائس (ستين وكموان) ولتنظر ~~في المرآة فتتحقق من حكمي عليها. # ضمني مجلس بصديقتين من المتعلمات المهذبات، وكنا ننتظر سيدة فرنسية أتت مصر لأول مرة ~~لتسيح في الشرق وتخبر عادات أهله، فحضرت السيدة السائحة وأخذت تسألنا عن عاداتنا ~~وأخلاقنا، وأظنها سرت بحديثنا، وإذ دخلت علينا زائرتان مصريتان (من قسم التماثيل)؛ ~~فبهتت السائحة وخجلنا نحن الثلاث لهذا المنظر غير الجميل، وبينما كانتا تتحدثان مع ~~صاحبة المنزل بالعربية، والسائحة لا تفهمهما، كنت أسارقها النظر فأراها تكاد تجهر بضحكة ~~عالية احتقارا واستهزاء من هاتين المرأتين، فيا ويحنا! أما يكفينا أن يحكم علينا ~~الغربيون بالجهل والتأخر حتى يروا ما يسجل علينا العار؟! وبعد أن خرجتا قامت السائحة ~~وطفقت تقلد لنا حركاتهما وتشمئز لذكر وجهيهما، ولم يسعنا إلا موافقتها. # هذا الطلاء مضيع للجمال الحقيقي المعنوي ms032 والحسي أيضا، فإنه يسمم الجلد ويسد مسامه ~~ويجهد عضلات الوجه، فإذا استعملته سيدة وانقطعت عنه يوما ظهر وجهها شاحبا أصفر ~~متغضنا وتغور عيناها وتسود ولا حور، وعملية الطلاء هذه ربما تعذرت حينا، فقد تمرض ~~المرأة أو تتأخر فتفاجئها الزائرات، فماذا تعمل؟ أتقابلهن طبيعية أم تجبرهن ساعة على ~~الانتظار ريثما تتم عملها الشاق؟ # السيدة التي تغش زوجها يجب أن تحتقر؛ لأنها تزدري بصنع الخالق - سبحانه - وتعمد إلى ~~تغييره، ومن يزدري بصنع الله كافر؛ لأنها تخدع الرائين والرائيات والخادع يجب أن يمتهن؛ ~~لأنها تجني على صحتها وتعجل الهرم لنفسها، فهي إذن لا تدري النافع من الضار، ومن لا ~~يعرف نفع نفسه من أذاها أبله لا يحترم؛ لأنها تجني على الآداب فتجعل من نفسها قدوة ~~فاسدة لبناتها. # وإذا كان الوجه الذي هو أظهر أعضاء البدن يعمد لغش الناس فيه، فكيف بالضمير الخفي؟ إن ~~الطالية وجهها ساقطة في رأيي، فلتغضب من هذا القول من كانت غاضبة؛ فإني لا يهمني رضا ~~التماثيل. # ولولا تشجيع الرجال النساء في غرورهن لما تمادين فيه، فإن بعض الرجال يشترون بأنفسهم ~~علب المسحوقات وأنواع المحسنات لنسائهم وبعضهم يتكدر عندما يرى امرأته في وجهها الأصلي ~~وهيئتها البسيطة. # ألا يا نساءنا اتركن هذه العادة الذميمة، وإن كان لا يسليكن غير صناعة النقش بالألوان ~~فأمامكن الورق ليس أكثر منه، انقشن فيه صورا ورسوما تحلي جدران المنازل، واشكرن الله ~~على نعمه الجزيلة، واعلمن أننا مصريات، فإن لم يكن في أجدادنا أصل العجمة فمن أين لنا ~~هذا البياض الناصع والاحمرار الشديد؟! وما أحلى السمرة الجاذبة لو تفهمين معناها! إنها ~~جميلة لأنها جميلة ولأنها مصرية ولو لم يكن فيها غير المصرية والطبيعة لكفى، وكل طبيعي ~~جميل. ~~(10) مبادئ النساء # المبدأ الأول: عدم الثقة بالزوج أو الغيرة العمياء # أول مبدأ تحفظه المرأة الجاهلة عند زواجها هو عدم الثقة بزوجها، مهما أكد لها ~~براءته من تهمة الخيانة، ومهما كان الباعث له على تغيبه عن منزله، فتراها إذا ذهب ~~زوجها لديوانه ودعاه صاحب له إلى الغداء معه فلم يؤب لمنزله ms033 إلا بعد، تراها تتكدر ~~وتثور زوابع غضبها وتتهمه إما بزواج جديد أو بمصاحبة غير شرعية. تراها إذا دعي ~~للسهر مع إخوانه فتأخر قليلا بالليل تسأله: أين كنت؟ ولا تصدقه إذا قال الحقيقة، ~~تراها إذا كان ممن ينتدب في تحقيق قضية أو البحث عن جناية وتغيب يومين أو ثلاثة ~~تتهمه حقيقة، فيلتفت الزوج إلى ما تقول امرأته ولا يلبث أن يتزوج أو يخال؛ لأنها ~~علمته أن هذا الأمر مستطاع له، وسهلته على أذنيه وروحه بكثرة ذكره له، وشدة الضغط ~~تحدث الانفجار. # إذا ركز هذا الأساس في رأس الزوجة نغصت عيشها وعيش قرينها؛ لأن السعادة والشقاء ~~وهميان، فإذا تخيلت أني سعيدة انبسط أمامي الكون، ووجدت مخرجا من المضايق التي ~~تعترضني، ووجدت من ثقتي بنفسي واعتدادي بسعادتي سعادة حقيقية، وصرفت الأمور على ~~قاعدة أن أكون دائما جذلة، وإذا انقلب الأمر رأيت كل حادث هين جالبا للشقاء، وهذا ~~مشاهد في النساء لا سيما الجاهلات؛ لأن اعتقادهن في أي شيء لا يتزعزع حتى ولو سطع ~~أمامهن برهان يكذب ما يعتقدن؛ ولأن أعصابهن أسرع تأثرا وأنفسهن أكثر انفعالا منها ~~عند الرجال. # وقد يتفق أن يرى الإنسان سيدة دائمة الحزن مقطبة الجبين بلا مسوغ، وأخرى دائما ~~جذلة وكل ما حولها مثبط للهمة مزعج، فأي الأسباب عكس كل قضية إلى ضدها؟ إنه هو ~~الاعتقاد والنفس. # وإذا فقدت المرأة الثقة في قرينها فقد يفقدها هو أيضا منها، فيا لهول تلك العيشة ~~المنكرة! مرتبطان اسما منفصلان معنى، والنساء الملتفات حول الزوجة يزدنها كرها له ~~بأن يزعمن أنهن رأين خليلته أو زوجته الأخرى، وينهبن الزوجة الساذجة ويطمعنها في أن ~~ما يأخذنه منها هو لنكاية عدوتها، وسلاحهن الوحيد هو السحر؛ فيا ضعف السلاح ~~والمقاتل! لماذا تعتقد المرأة دائما أن الرجل ليس مخلصا لها الود كما هي مخلصة ~~له؟ إنها ولا شك مخطئة في ذلك التقدير إلا إذا رأت بعينها ما يثبته، ومما يجسم لها ~~خيالها لسانها الذي لا يفتأ يقلب للزوج مواضيع لم تكن لتخطر له، فهي تعيدها صباح ~~مساء، وتقوم معها ms034 وتنام، تحلم بها وتأكل ، وهي من جوارشها (أي: مشهياتها للطعام)؛ ~~فيتضايق الزوج لأن الموضوع في ذاته ثقيل، ثم هو مكرر ومعاد مرارا، والشيء حتى ~~الجميل إذا كرر مرارا ضاعت طلاوته وذهب رونقه، فما بالك بهذه التهمة الشنيعة ~~وفقدان الثقة؟! إذا تضايق الزوج من هذا الحديث وبلغت روحه التراقي، ولم يفلح في ~~إثبات براءته وإخلاصه لزوجته، لم يجد أمامه إلا أحد طريقين؛ إما أن يكثر من ~~مجالستها ويستغني عن رأسه وأذنيه، وإما أن يهيم حيث لا مضايق وحيث يبجل مع ~~إخوانه ويتبادل معهم أطايب الحديث، ولكن يستعد لسماع قوارص الكلام كلها ليلا عند ~~أوبته لمنزله، فبحق الألفة والسعادة هل يعد ذلك عيشا؟! # هل علمت سبب تلك الوساوس؟ نعم هي الغيرة العمياء. # الغيرة القليلة ممدوحة؛ لأنها تدل على حب الشخص للآخر وعلى اهتمامه به، فإذا رأت ~~سيدة بعلها غير مستقيم السيرة وتأكدت ذلك من طريق الصدق لا من شياطينها وأعوانها ~~ولم تغر عليه، فإنها لا إحساس لها والحجر أقرب للتأثر عنها، وأما إذا استعملت ~~الغيرة في غير موضعها فإنها تشقي نفسها وتشقي زوجها وتشقي أهله وأهلها. # هل يجسر بعل يوما أن يكلم عجوزا أو يضاحك طفلة أمام زوجته الجاهلة؟ وهل إذا ~~قصدته أرملة في إنجاز عمل لها، لم تجد أكفأ منه في القيام به، هل تغفر له زوجته هذا ~~الخطأ العظيم في مكالمة الأجنبية عنه؟ # يجب أن لا يجعل محل للريب إذا رؤيت الريبة رأي العين؛ قد تحمل الرجل سلامة نيته ~~على أن يبوح لامرأته ببعض ما رآه في صباه، أو أن يصف لها ملاهي باريس وغيرها من ~~البلاد، التي ربما كان ساح بها قبل زواجه، فيلاحظ وهو يقص الحديث أنها تتغير أو ~~تسأله عدم تكملته، ولكن هل تغارين أيضا من الماضي أيتها السيدة وقد ابتدأ وانتهى ~~قبل تعرفك بهذا الزوج الشقي؟ # والسيدات يملن دائما لفتح مثل هذا الحديث، وليس عندهن أرقى منه طبعا، فتجتهد كل ~~واحدة في إظهار المساوئ التي تسمع بها أو تخترعها عن زوج صديقتها، وتظن ذلك خدمة ~~لها؛ ms035 لأنها توقفها على مبلغ إخلاص زوجها لها، فإذا فرض وكانت هذه المساوئ حقيقية، ~~فإن تلك الصديقة الجاهلة تضر صديقتها من حيث تريد لها النفع، وتسبب شقاء أسرة ~~بأكملها، وإذا كانت اختراعا وافتراء على رجل بريء فما كان أجدر هذه الصديقة بضبط ~~لسانها، وهو لا يكلفها أكثر من إطباق فكيها. # وقد شوهد كثيرا أن اختلافات وخصومات جناها أرباب الأسر المتفقة المتحابة من ~~أمثال هؤلاء الواشيات، فإذا علم الزوج أن امرأة صاحبه أو أمه أو قريبته، هي التي ~~غيرت عليه زوجته، واكفهر من غيم حديثها جو سعادته ووفاقها، لا يسعه - وهو مصيب - ~~إلا أن يأمر ذلك الصاحب بحجز تلك المنتمية إليه عن الإيقاع به، وعن الدخول إلى ~~منزله فتؤلم هذه الإهانة صاحبه وتوجعه، وربما بتت بينهما حبل الوداد. # الثقة ما أحلاها بين الزوجين! حتى وإن كانت على غير أساس؛ لأن الزوجة إذا تحققت ~~انحراف زوجها عن الصراط السوي فلتنبهه أولا باللطف والمحاسنة، فإذا لم تفلح ~~ملاينتها فماذا تعمل؟ إما أن تبقى معه إن كانت ترجو عيشه وتؤمل تحسنه، وإما أن ~~تنفصل عنه وهذه إحدى الكبر، فإذا فضلت معاشرته بسبب حبها له أو لارتباطهما بأولاد، ~~أو لانقطاعها من الأهل والإخوة، فأولى لها وقد تحتم عيشها معه أن تفرض أنه مخلص ~~لها، وأنه لا يتغيب إلا لأشغال نافعة لمستقبلها ومستقبل أولادها، وأنا على يقين أن ~~هذا الفرض متيسر وسهل جدا لمن تبغيه وجالب لطمأنينة وهدوء بال لا يفرقان كثيرا ~~عن مثلهما الصحيحين. # المبدأ الثاني: بغض أقارب الزوج أو الأثرة # مما يطرب له النساء أن يكون أزواجهن لا أهل لهم، فترى الخاطبة أول ما تذكر حسنة ~~للشاب الراغب في الزواج، سيان صدقت أو كذبت أنه لا أهل له، وتبالغ بقولها: «إنه ~~مقطوع من شجرة.» معاذ الله! أيجب أن تفنى أسرة بأكملها ليتزوج منها فرد؟! والإنسان ~~مدني بالطبع فالاجتماع بالغير لا مندوحة عنه والاحتياج للمخالطة ضربة لازب، والمرأة ~~تميل للاستئناس كما يميل الرجل، وتعتز بالأهل كما يعتز هو، وتدرك معنى القرابة ~~والصلة. إذن، فماذا يجعل المرأة ms036 تحترم هذا المبدأ فتاة وتتجاهله زوجة؟! أو لماذا هي ~~تحب أقارب نفسها وتبغض أقارب الزوج وتحمله أيضا على مجاراتها؟! إن هي إلا الأثرة ~~أو التنازع على السلطة، الزوجة تريد أن تكون حاكمة بأمرها، مطلقة التصرف في شيئين ~~عزيزين عليها: قلب الرجل، والبيت. فإذا كانت وحدها لا يعيش معها من أهل زوجها أحد ~~ظنت أنها نالتهما، أما إذا عاشرتها حماة أو أخت لزوجها أو ابنة له من غيرها فهناك ~~تنازع البقاء والبغض الذي لا نهاية له، كل تريد أن تستأثر بالسلطة على المملكتين، ~~وتجتهد في الفوز بقلب الرجل أولا، فإذا ما وفقت له نالت الأخرى بغير كبير عناء، ~~ولا تخلو إحدى المتنازعتين من خطأ وصواب؛ إذ لا يمكن أن تكون الواحدة على خطأ محض ~~والأخرى على صواب صراح، ولو علمتا لرضيت كل منهما بقسمها من حب الرجل؛ فالحب البنوي ~~غير الحب الزوجي، وإذا ابتغت امرأة أن تغير على الاثنين كانت مخطئة وتعدت ما وراء ~~حدها. # إذا أرادت الزوجة أن لا يحب زوجها أمه ولا يحترمها ولا يتكفل بلوازمها، وهي ~~محتاجة إليه فقد أثمت، وكذلك أمه إذا حدث زوجة ابنها على ابتسامة ألقاها عليها ~~زوجها أو تغشمرت، وأرادت أن تجعلها كالصنم لا رأي لها بينهما، فهي أيضا قد تناهت ~~في الظلم والقسوة. # نساء اليوم غير نساء الأمس وأذواقهن تختلف باختلاف الزمن، ولكن إذا تحتم أن تعيش ~~فتاة الجيل الجديد مع حماتها ذات الفكر القديم، فما العمل؟ المخاصمة والمعاندة لا ~~تجديان نفعا، فضلا عن أنهما من صفات الطبقة الدنيا، أما النساء المهذبات فلا يبعد ~~أن يختلفن في الرأي، ولكنهن يصرفن الخلاف حالا، ولم تسمع واحدة من الأخرى ما ~~يغيرها عليها. # التساهل أول ما تجب مراعاته في الأسرة، واللطف أجمل صفات المرأة. ترى الزوجة وضع ~~هذا الشيء على اليمين وترى حماتها وضعه على الشمال، فلتتساهل الزوجة فإنها أصغر ~~سنا، ولتبين آراءها فيما تختار بلطف وتواضع، واللين كفيل بتسوية الخلاف. أما إذا ~~تشبثت وأظهرت كبرياء المتمدنات وأصغرت حنكة حماتها وتجاربها بجانب تمدينها الحديث، ~~فربما وصل ms037 الأمر إلى أوخم العواقب ، وأصعب قضية يحكم فيها الرجل هي التي بين أمه ~~وزوجه؛ لأنه إذا أرضى أحد الخصمين أغضب الآخر وأمامه أم واحدة، أما النساء فغير ~~زوجته كثيرات، فتدور الدائرة في الغالب على الزوجة، ولو كان رأيها صوابا. # الزوجة التي أول ما تدخل البيت تفرق بين أعضائه المتحابين المربوطين بصلة الأمومة ~~والأخوة شيطان رجيم، يجب عليها أن تتذكر أنها لم تأت إلا من قريب أما هؤلاء الذين ~~معه فمنهم من ربته وتعبت فيه إلى أن صيرته رجلا، ومنهم من يفضله على نفسه ويفديه ~~بما يعز وأحدث واحد فيهم أقدم منها حبا له وارتباطا به، والغريب أن كل امرأة من ~~هؤلاء العجائز كانت تكره حماتها وتريد أن تحبها امرأة ابنها، ولكن الجزاء الحق من ~~جنس العمل. # وإذا سألت الأولاد وجدت أغلبهم يحبون أبناء أخوالهم أشد مما يحبون أولاد عمهم، ~~وهذا ناشئ - ولا شك - عن حب أمهم لأقاربها وبغضها لأقارب زوجها، على أنهم بعيدون ~~عنها ولا ينازعونها السلطة التي تخاف عليها، ولكن كره واحدة سرى في جميع من ينتمون ~~إليها؛ فالزوجة تكرههم بحق أو بغير حق، فضلا عن أهل الزوج يحبون الرقابة على امرأة ~~قريبهم، وقد ذكرنا أنها عدوة الرقابة والتقييد ومبادئها استقلالية مطلقة، على أني ~~لا أفهم كيف تزعم المرأة أنها تحب زوجها ثم هي تبغض أقاربه؟! إن هذا تناقض غريب، ~~فإذا كان ادعاؤها هذا حقيقة وجب أن تحبهم وتحتمل من أجله كل صعب مهما كلفها ذلك ~~الاحتمال. # تنازع الرئاسة على البيت أحد سببي البغض، والسبب الآخر تنازع الرئاسة أيضا ولكن ~~على قلب الرجل، ألا فلتطب نفسا كل امرأة غيور فإن حب الزوجة المكتسب الظاهر غير حب ~~الأهل الغريزي الدفين، كل له صفة خاصة به تجعله لا يقل أهمية عن الآخر، وهما ~~مختلفان لا تدل كثرة أحدهما على قلة الآخر، فهما منفصلان تمام الانفصال. # فالزوجات المتمدينات يجب أن يخفضن قليلا من غلوائهن ولا يبخلن على الحاكمة ~~القديمة في البيت بشيء من السلطة؛ لأن من تعود الحكم صعب عليه أن ينزع ms038 منه، وأمهات ~~الأزواج أولى لهن أن لا يتشبثن كثيرا بآرائهن العتيقة؛ فكل زمن يقتضي إصلاحا ~~مغايرا لما قبله، والصلاة والصيام خير لهن من إلقاء مسؤولية البيت وتربية الأولاد ~~على عواتقهن؛ لأنهما مريحان في الدنيا مكسبان أجرا في الآخرة، والسلام. # المبدأ الثالث: المباراة والإسراف # يمتاز الجيل السابق على أخيه الحالي بقلة اللزوميات ورخص أسباب المعيشة، كذلك له ~~ميزة أخرى لا أعرف ألاحظها الجمهور أم لم يلاحظها، وهي لزوم كل طبقة من الناس حدها ~~من جهة الغنى والفقر، فلم يكن الفقير ليستنكف من خصاصته، ولم يكن المتوسط يقلد ~~الأوسع رزقا والأعظم جاها، كما نفعل نحن الآن، ولعل السبب الأصلي في ذلك هو نقص ~~الحرية من أخلاقهم وتأثير شدة الضغط عليهم. # نفقات الأسرة اليوم كثيرة في ذاتها لتعدد الحاجات وغلائها، كثيرة جدا؛ لأننا ~~نتأنق في الكماليات الزائدة، ونحاكي الغير فيها ممن هم أوسع ثروة وأفخم مظهرا، ولا ~~مبرر لنا في ذلك إلا الحرية الشخصية وحب التقليد، أما الحرية فنعمة من الله ورحمة ~~وأما التقليد إلى هذه الدرجة: درجة التلف، فليس من العقل في شيء اللهم إلا إذا ~~ابتغينا به تأييد مذهب دارون في النشوء والارتقاء، ولا أخالنا نبغي التسجيل على ~~أنفسنا بأننا وحدنا من سلالة القرود. # إذا استثنينا الطبقة السفلى من النساء، فإننا نكاد نرى الباقي من الوسط والثريات ~~شبيهات في الملبس والزينة، تضارع الواحدة الأخرى في عدد الخدم وكمية الأثاث ونوعه، ~~فهل يمكن أن نكون كلنا في درجة متساوية من الغنى؟ هذا يستحيل، وإذا لم نكن متساويات ~~في ماليتنا؛ فمن أين نسد هذا العجز في النفقة عن الإيراد؟ جواب صغير مفهوم: من ~~الرجل أبا وزوجا. # إذا تزوجت الواحدة منا كلفت أباها ما لا طاقة له به كي لا ينقص جهازها عن فلانة ~~جارتها أو قريبتها، فإذا قدر فنعم القادر لا انتقاد عليه، ولكن إذا عجز فمن خرق ~~الرأي أن يستدين ليكسب فخرا كاذبا أطول مدته يومان، وإذا تزوجت لم تشأ أن ترى ~~صاحبتها تشتري عشرة أثواب وهي لا تشتري إلا أربعة مثلا، ms039 وكيف تجد عند جارتها خمس ~~خادمات فيهن الأوروبيات وليس في بيتها إلا واحدة مصرية وهي تكفيه، فهي دائما تزن ~~نفسها بميزان الغير لا تفتأ تقلده مهما فعل، فإذا لم يكن لها ميراث رفيع خاص بها ~~يصرف في مآربها فإن هذا يحمله الزوج المسكين ولا راحم له يصرف دخله كله، وفي ~~الغالب لا يكون له إلا جعالته الشهرية دخلا، ويحمد الله إذا لم يستدن على حساب ~~الشهر التالي، فإذا فصل من الوظيفة أو لحقه ما يستلزم النفقة كالهرم أو المرض لم ~~يجد شيئا يعتمد عليه إلا رحمة رب العالمين. # علة المباراة الحقيقية هي الحسد، يأكل القلب ويكثر الهم، فلا تطيق صاحبته أن ترى ~~أجمل منها هيئة أو أغنى مظهرا، وتهتم في أن تكون هي المشار إليها بالبنان في ~~المجالس، ويسكرها الطرب إذا ذكر غناها واقتدارها على اقتناء العربات الجميلة والخدم ~~الكثير، وبعضهن تبيع حليها أو شيئا من أملاكها لتشتري سيارة (أوتوموبيلا) أو ~~لتسافر إلى أوروبا، لا لأنها تحب السياحة أو تستفيد من الأسفار، ولكن لأن غيرها ~~فعلت ذلك. ولو تأملنا لرأينا أن الإنسان مهما حاول أن يجعل نفسه الأول في صفة ما ~~فإنه لا يلبث أن يرى أعلى منه وأمكن في تلك الصفة بعينها. تبذل سيدة كثيرا من ~~مالها ووقتها للتفتيش عن أجمل عقد في القاهرة فتجده، ولكن لا تدوم أوليتها به أكثر ~~من أن ترى أخرى عليها عقد أنفس أتت به من الآستانة أو باريس مثلا، وإذا تطلع المرء ~~لغيره لم يقتنع قط بما عنده. # أرى أنه لا يجمل بالسيدة العاقلة أن يستحكم منها داء التقليد؛ لأنه يدل على صغر ~~النفس والإحساس بصغرها (وإذا ذممت المحاكاة هنا فإني لا أقصد المعتدلة منها فقد ~~تكون لازمة أحيانا، وإنما أذم المتطرفة ولذلك وصفتها بلفظة داء). # وإذا كنت بارعة رشيدة فلماذا لا أبتكر في ملبسي ومنزلي ما يجعل غيري من النساء ~~يقلدنني فيه بدل أن أجري دائما وراء ما يفعلن؟ # يقول الحديث الشريف: «الناس بخير ما ~~تباينوا.» وهي حكمة بالغة، أو هي كل ms040 نواميس العمران ولباب نظامات الاجتماع، وإذا كد ~~الاقتصاديون أذهانهم وألهب الاجتماعيون أدمغتهم يستنبطون القوانين ويسنون النظامات ~~لصالح بني البشر فلن يأتوا بأجمع للحكمة، ولا أدعى لسير هذا العالم سيرا آليا ~~منتظما (ميكانيكيا) أحسن من هذا الحديث على إيجازه. وعليه، فلا يمكن أن يتساوى ~~البشر، ولا يمكن - مع الأسف - أن نكون كلنا غنيات، نحن نريد أن نظهر كلنا بمظهر ~~الموسرات «وهل بالفقر من عاب؟» # الفقر وحده لا ينزل الإنسان من رفعته؛ فالاعتبار بالنفس والفضائل لا باليسر ~~وعدمه، ماذا يضر المجتمع الإنساني إذا كنت أفقر من صاحبتي أو كانت هي أفقر مني؟ بل ~~ماذا تفيد محاكاتي لها إذا كنت لا أستطيعها بمعناها الصحيح؟ هي تقدر أن تتجمل ~~بالثياب الحريرية والماس الكثير من مالها وفضل الغنى عليها، ولكني قصيرة اليد عن ~~الإتيان بمثل ما عندها، أفليست القناعة إذن خير ذخيرة للقاصرات؟! # وقد تكون امرأة ثرية جميلة الملبس يعجبك منزلها ويبهرك أثاثها، وتكون مع ذلك ~~شحيحة لا ينال العاجزين نفعها أو تكون فظة سيئة العشرة، وتكون أخرى غير جمة المال، ~~ولكنها جمة الفضائل محسنة على المعوزين، فأي الثنتين أنفع للإنسانية وأولى ~~بالدعاء؟! أعجب لنا لماذا نتبارى فيما لا يفيد ونترك النافع من الأمور؟! # المباراة تستدعي الإسراف، والإسراف يعجز مالية الزوج ويثقل كاهله بالديون، ~~والمرأة التي تضطر زوجها ليصرف عليها أكثر مما يستطيع لا تخلو من أحد باعثين؛ إما ~~أن تكون تفعل ما تفعل غير عالمة بعواقب التبذير، فهي إذن كثيرة الشطط جاهلة لا تصح ~~أن تكون مديرة للبيت وللأسرة، وإما أن تكون عالمة بمصير مالية الزوج وتفعل ذلك ~~مختارة، كما يفعل كثيرات كي لا يوفرن للرجل ما يمكن أن يتخذه في يوم من الأيام ~~مهرا لحليلة جديدة أو خليلة عنيدة، فهي مزعزعة اليقين كثيرة الشك تقدر البلاء قبل ~~نزوله، ولا بلاء إلا التزوج بمثلها. # وأكثر ما تنزع المرأة للإسراف في مال الزوج إذا كان لها ضرة تقتسم معها فؤاد ~~الزوج وماله، فإنها تصرف بحساب وبغير حساب كي لا يجد ما يقوم بمصروفات ضرتها، أو ms041 كي ~~تنتقم منه لنفسها ليعجز عن الجمع بين اثنتين ويندم، وتحسب أن عجزه وندمه يجعلانه ~~يكتفي بها وحدها، ولكن ما أدراها أنه إذا أراد حذف إحدى الثنتين من جدول نسائه ~~لعلها هي تكون المحذوفة الخاسرة. # وعلى ذكر التصرف بمال الزوج أصرح باستهجان عادة التوفير السري الذي يأتيه كثير من ~~النساء ويحسبن ذلك محمدة؛ فيشترين بما يوفرن حليا ولباسا ويزعمن أن أهلهن أتوا ~~به لهن، أو يصرفنه في السحر والخرافة، وفي ذلك منقصتان: نقيصة الكذب ونقيصة السرقة؛ ~~وأسميها سرقة لأنها لا تفرق عن سرقة اللصوص البتة، وربما كانت الأخيرة أخف من ~~الأولى؛ لأن اللصوص فضلا عن كونهم غرباء عن المسروق منه فإنه قد يعثر بهم ~~فيعاقبهم، أو على الأقل لا يهتدي إليهم ولكن يدري أنه فقد شيئا، أما السرقة الأخرى ~~فإنها من أقرب الناس إليه وألصقهم به ثم هو جاهل بالمرة قد لا يهجس بها، فإذا وفرت ~~المرأة شيئا فإن ذلك يعد مهارة لها واقتدارا، ولكن لتريه لزوجها فيعطيها إياه عن ~~طيب خاطر وسماح، فذلك أهنأ لها وأشرف. # والخلاصة، أن الغنى ليس متيسرا لكل فرد فأولى أن يلزم كل حده؛ لئلا يكون مثلنا ~~كمثل الضفدع التي أحبت أن تبلغ كبر الثور؛ فاستعانت بالماء فانفجر جوفها فماتت، ~~ولتعلم المرأة أنها وكيلة الزوج في ماله وبيته، والوكيل يجب أن يكون أمينا تقيا، ~~وأن التكالب على المباراة صفة مصغرة للنفس، وإني لأزعم أن رجالنا وأبناءنا يقل فيهم ~~الباحث ويندر المخترع أو لا يكاد يوجد؛ لأننا متشبعات بحب التقليد لا تتجدد همتنا ~~بالبحث والاستنباط؛ فيكون لهم من زوجيتنا وأمومتنا محك لأفكارهم أو أسوة ومثال ~~حسن. # المبدأ الرابع: سرعة الغضب والتهديد بالفراق # اتحاد الزوجين وارتباطهما بالحب الصادق هما السعادة الكبرى التي نفتقدها، والتي ~~لا غنى لأحد المتزوجين عنها، ولو رأى سعادة أخرى في غير ذلك؛ فالممول الذي يحسب ~~نفسه سعيدا إذا أحرز الملايين، والعالم الذي يغبط نفسه إذا اشتهرت تعاليمه، ~~والسيدة التي ترى هناءها في اقتناء النفائس، كل هؤلاء مع فرحهم بما وفقوا إليه لا ~~يستغنون ms042 عن تلك المحبة الزوجية ، ولا يستكملون سعادتهم وهي ناقصة؛ لأن الإنسان مهما ~~قويت إرادته لا يستطيع أن يتفرغ لأعماله ويفكر وعنده شاغل يزعجه، ولشد ما يقاسي أحد ~~الزوجين من تنغيص الآخر له. # ومن أكبر دواعي الكدر والتنغيص أن تفعل الزوجة لأقل كلمة وترجع إلى قومها غضبى ~~آسفة. # عادة التهديد بالفراق شائعة عندنا شيوعا هائلا مستهان بها كثيرا، فكما ترى ~~الرجل يحلف بالطلاق لغير داع كذلك ترى المرأة تنهزم من بيت زوجها لأوهى الأسباب، ~~يهدد بعضهما البعض بالانفصال في عرض كلامهما، يريد أحدهما بذلك بث خوف الفراق في ~~نفس الآخر ليخشاه، وما من زوجين مرتبطين برابطة ما إلا ويخشيانه، ولكن فاتهما أن ~~ذكره ساعة الغضب مما يثير العواطف ويعلو بالنفس إلى سماء عزتها، وكيف يرضى إباء ~~المهدد وغيظه محتدم أن لا يطلب ما يهدد به ويستخف بالعقاب وإن عظم، فينسى ~~الحقيقة والصالح ويدوس العقبى؛ تفاديا من ضيم نفسه المثارة الهائجة، ولا يشجع ~~النفس الجائشة أكثر من تذكيرها بالخوف، كالجند إذا صح عزمها على القتال، وكانت على ~~حق منه، تراها أكثر ما ترمي بنفسها في حلق الموت حينما ترى نار الحرب مستعرة ~~متأججة، فشدة الموقف تذهب الخوف وتبعث على الإقدام، والغضب كذلك إذا أرخي له ~~العنان ملك صاحبه، ورمى به إلى حيث لم يقدر وهو حليم، والمرأة التي تتغنى دائما ~~بذكر الفراق لأقل خلاف يحدث بينها وبين حليلها أو بينها وبين أهله، قد لا تأمن أن ~~يصدر عليها حكم الفراق المؤبد من زوجها ساعة الغضب، وهي لم تكن لتعضده بالجد وإنما ~~كان هزلا وعادة مستقبحة، سمعت أن إحدى السيدات كانت تطلب الفراق من قرينها كلما ~~شجر بينهما خلاف بسيط أو كلما كدرتها حماتها، وقد تشبثت بذلك الطلب مرة وألحت فيه ~~وألحفت، فسألها الزوج هل تبغي الطلاق حقيقة؟ فأجابت نعم، فلم يسعه إلا أن أخذها إلى ~~القاضي ليترافعا إليه ويتخاصما، وبعد أسئلة وأجوبة رأى القاضي أنها مصرة على تنفيذ ~~رغبتها فأصدر حكمه بالطلاق، ولم يكد يتم كلمته حتى صرخت وأعولت وندمت على ما ms043 جنت، ~~ثم طلبت أن ترد إلى زوجها ثانية، فما هذا التناقض واللعب؟! إن هذه المرأة مثلها ~~كثيرات يجنين على أنفسهن وأولادهن، ويبعثرن أسرا كانت ملتئمة لولا الحمق واللين. ~~إذا تعسر عيش المرأة مع زوجها صافيا تعذر إذا طلبت الفراق، وأما إذا كان ذلك ~~تجنيا ومزاحا، فالزوجة أحكم من أن تفصم عراها في التجني والمزاح. # الوالدان أو الأهل لا يزوجون بنتهم إلا وهم راسمون لها خطة سعادتها المستقبلة، ~~ومقتنعون بها ومقررون هدوء بالهم من جهتها، فما أحراها أن تحقق ما يرجون! وهي ~~الواجب بطبيعة الحال أن تخفف مسئوليتها كثيرا عن عاتقهم، أما وهي تشكو لهم مما لا ~~يوجب الشكوى فإنها تبدل صفاءهم كدرا وتأتي بعكس ما كانوا ينتظرون. # يجب أن نقرن رقة شعورنا وسرعة تأثرنا بفضيلتي الصبر والحلم؛ لأننا في منازلنا بين ~~استقبال الزائرات وزيارتهن وترتيب الأواني وجلائها، ولعب الأطفال والذهاب من اليمين ~~إلى الشمال، والاضطجاع على الفراش الوثير من مزركش وحرير، لا ندري ما يكابده الرجل ~~من الآلام من تعنت الرؤساء، وما يقاسيه من العذاب في غلاء المأكل والشراب، ربما كد ~~فكره وأنهك قواه ولم يصادفه التوفيق وأخطأه الرزق وهو لو لم يكن له إلا نفسه فقط ~~لرضي باليسير، ولكن ماذا يفعل ووراءه أم وأولاد، أو قلب وأكباد، أيتركهم يتضورون ~~جوعا وهم لم يألفوا إلا الرخاء؟! أفمن كانت هذه حاله يشتغل ليحفظنا ويتعب ليريحنا ~~يصح أن نقابله بالعبوس والغضب إذا ما بدا متأففا يوما من طول إعمال الفكرة أو من ~~شدة النصب؟! # كل شريكين قد يختلفان اختلافات بسيطة ولكنهما لا يذيعانها، ومن أحق بكتمان السر ~~من شريكي الحياة؛ أعني الزوجين؟! والحازم من لا يجعل للاختلاف الصغير محلا من ~~اهتمامه، بل يزيله بمجرد الفراغ من التكلم فيه، فإذا ما اختلف زوجان أديبان في ~~تقدير حسنات الشاعر الفلاني، أو تفضيل هذا المذهب على ذاك، واحتدم بينهما الجدال ~~وبدرت من أحدهما كلمة شديدة للآخر، أفيغضبان ويسببان الفراق لأجل ذاك الشاعر، أو ~~ذلك الحكيم صاحب المذهب، وهما لا يدريان كما قال أبو الطيب المتنبي: ms044 # أنام ملء جفوني عن شواردها # ويسهر الخلق جراها ويختصم # بقيت لي كلمة عن هؤلاء اللاتي يغضبن ليقبضن ما يبقى لهن من الصداق عند أزواجهن، ~~وهي عبارة شائعة كثيرا عند بعض الطبقات، أما قبحها فجلي؛ لأن المرأة بذلك تبرهن ~~على أنها تقدر النقود أكثر من الحياة والسعادة، وهذا جشع لا يليق إلا بالمرابين ~~ومهووسي المال، والمرأة يجب أن تكون ملك اللطف ومثال الرقة والنزاهة، وبعضهن يتذرعن ~~بالغضب والاحتماء بالأهل ليصالحن الرجل، والعادة أن يصالح الرجل زوجه بقطعة حلي ~~وثياب كثيرة، فما أسخف هذه العقول! تفدي المرأة راحتها وهناءها وسعادة أولادها بذلك ~~المتاع الفاني. # وقد تغضب المرأة أيضا لتجرب محبة زوجها لها، وترى من آيات الود شيئا جديدا، ~~ولكنها في غنى عن هذه المخاطرة والتجربة الصعبة؛ لأنها تعلم مبلغ حبه لها من أحواله ~~معها. # المنزل لا بهاء له إلا بالمرأة كما أن قوامه الرجل، فترك المرأة بيتها يمسخ ذلك ~~الهناء المرفرف عليه ويسبب حزن الأولاد وانقباضهم، كما أنه يتلف وتعبث به أيدي ~~الخدم فيخسر الرجل خسارة مضاعفة. # طريق الكذب والتمويه هذه وعرة المسالك غير مأمونة دائما، فإما أن تقرر المرأة ~~أنها تعيش مع زوجها وتشاركه السراء والضراء فتحتمله ولا تحنق عليه لصغير الهفوات، ~~فلا يلبث أن يندم إذا كان أساءها ويعتذر لها، ويغفر أحدهما غلط الآخر، ويزيلان أثر ~~كل خلاف بينهما فيعيشان سعيدين، ويتحتم على الزوجة إذن أن لا تسرع الخطو نحو منزل ~~أهلها، بل تظل في منزلها تديره. وإما أن تغضب وترجع لأهلها حين ترى أن لا خير في ~~البقاء مع رجل فظ سيئ الأخلاق فتفارقه إلى الأبد، ولا تعود ترى وجهه البتة، أما ~~الذهاب والإياب فأعده طيشا لا يليق بعاقله مهذبة تعلم عواقب الأمور. ~~(11) مساوئ الرجال # الطمع # أريد مما كتبت وما أكتب في الجريدة بعنوان «النسائيات» تخفيف ويلات الزواج على ~~قدر الإمكان، وقد بينت في مقالاتي السابقة ما يرجع منها إلى المرأة، واليوم أراني ~~مضطرة لأن أكتب عن الرجل؛ لأنه أحد طرفي الزواج؛ لأنه كثيرا ما يظلم ويطغى، ولست ~~أقصد ms045 كل رجل على الإطلاق ، كما أني لم أكن أقصد كل امرأة، وإنما الكلام على من فسدت ~~أخلاقهم (وهم مع الأسف كثيرون)؛ فسببوا شقاء النساء وهدموا بناء الزوجية. # انقلبت الحال وصارت الفتاة بائرة في سوق الزواج إلا إذا شفع لها غناها، عكست ~~آية الإسلام واستبدلت بها عادة لم تأت في شرائع النصارى ولا اليهود وإنما اتبعوها ~~بدعة وضلالا. # ازداد طمع الرجل فملك عليه حواسه، فصار ينام يحلم بالمال ويقوم يشتغل له، ولا عيب ~~عليه في ذلك، وإنما الذي يعيبه أنه زادت خميرة جشعه فحمض ذوقه واستحكم منه الطمع في ~~كل شيء حتى في عروسه! ~~«ماذا عندها»؟ كلمتان ألفناهما وهما أول ما يفتح به للخاطب، وقد لا يسأل غير هذا ~~السؤال؛ فأبو العروس الذهب وأمها الفضة وأخلاقها النحاس وسمعتها الطين ومعارفها ~~العقار، متى وجد المال صحت المصاهرة ولزم الزواج، وإلا فتبقى الفتاة إلى أن تسن ~~وتدفن معها طيبة قلبها وحسن عشرتها وقدرتها على تربية أولاد بررة ربما كانوا، لو ~~ظهروا في العالم نافعين. # يلبث إعجاب الرجل بزوجه وغناها قليلا، ثم يتحول إلى استبداد واغتصاب، فيجبرها ~~على أن توكله على مالها توكيلا شرعيا ليتصرف فيه على هواه، فيبدده على ملاهيه ~~وخليلاته، أو يتذرع به للظهور في مظهر الموسرين، ورب معترض يقول: لماذا تستحل ~~المرأة مال الرجل وتحرم مالها عليه؟ فهل فاته أن الرجل مكلف شرعا بالإنفاق على ~~زوجته وعياله أما المرأة فلا؟ اللهم إن كان محتاجا وعند المرأة فضل، فليس من ~~المروءة ولا الحنان أن تتركه يقترض من غيره ولا تعطيه هي مما عندها وتعتبره شريكا ~~لها في كل شيء على أن ذلك تكرم منها لا تجبر عليه، فإذا سمحت أعطت وإن شاءت منعت، ~~كذلك إذا تزوجت المرأة من رجل كان يكفي بيته ثم عضه الدهر فأعسر فلا يصح أدبيا ~~ولا اجتماعيا أن تتخلى عنه وقت عسره أو تبخل عليه بمالها؛ إذ هما شريكان في ~~السراء والضراء، فضلا عن أنها لو لم تكن ذات مال لوجب عليها أن تساعده بما تستطيع ~~فيما لا ms046 يتعدى الشرف، فمساعدة المرأة للرجل بالمال واجبة إذا أعسر بعد يسر اشتركت ~~فيه معه، بشرط أن تكون تلك المساعدة في غير ضرر عليها أو إفساد له، أما إذا كان ممن ~~يلعبون الميسر، أو ممن يقضون حياتهم بين القناني والقيان، فأحر بزوجته أن لا تقرضه ~~فلسا واحدا. # وهناك آخرون تحل لهم أخلاقهم أن يجازوا الإحسان بالإساءة، فبعد أن يبددوا ثروة ~~نسائهم ويلحق أصفرها أبيضها يكافئونها بضرة جديدة، وبئس الجزاء! # مال المرأة يجب أن يبقى لها ولكمالياتها وترفها، وهو على أي حال يوفر على الرجل ~~بعض النفقة، وإذا اتحدا ولم يتفارقا فالمال باق لأولادهما فأي ضرر عليه في ذلك؟! ~~وهل الأنفع له أن يبدده ويحتاج لغيره أو أن يوفره فيجده كنزا لم يتعب في الحصول ~~عليه؟ وهي إذا وفى لها وأيقنت بحسن نيته لا تضن عليه بروحها فضلا عن بعض مال سيفنى ~~وتأتي عليه الغير. # لا أعد الرجل ذا مروءة ونخوة وهو يبيع حلي امرأته ويجردها حتى في حال عسره؛ لأنه ~~لا معنى لرجوليته ووصفه نفسه بالقوة والنشاط مع اعتكافه على الكسل، ولماذا لا ينقب ~~له عن عمل يرتزق منه، وهو لا يمنعه عن الارتزاق مانع إلا أنه وكل؟ لا يعذر الرجل ~~على مد يده لمال زوجه إلا إذا كان له من ضعفه وعدم اقتداره على العمل مبرر. # على أن هذه المسألة من التعقيد بحيث يسهل عندها ذنب الضب؛ فإن بعض النساء يهددن ~~بالفراق إذا لم يعطين أزواجهن ما يطلبون ويذكر لهن الزواج إرهابا، فأي الأمرين ~~تختار المرأة البائسة؟! لا شك أن إعطاءها المال أهون الشرين، ولكن أتأمن غدره بعد ~~أن أظهر لها أنه قادر على إتيانه في أي لحظة وهي لا تعلم؟! اللهم إن رجلا هذه ~~أخلاقه مع زوجه وهذا مبلغ جشعه لخليق بأن يفارق، ولكن المداراة مما أوصى به النبي # صلى الله عليه وسلم # فلتداره ما أمكن؛ فذلك خير لهما من الخلاف وأولى للمرأة التي تشك في أمانة ~~زوجها الطماع أن توكله توكيلا مدنيا فقط، لا شرعيا كما يريد، فتكون ms047 وسطا بين ~~الطرفين تحفظ العين من الضياع وتتساهل قليلا في الريع. المرأة مظلومة دائما؛ إذا ~~كانت فقيرة لا يرغب فيها، وإن كانت وارثة يطمع في مالها. والوارثة مظلومة ~~أيضا؛ فإما أن لا تتزوج لتأمن الطمع والطماعين، وإما أن تتزوج على غير بصيرة ~~كعادتنا. ولو كان للخطبة والزواج عندنا نظام آخر لأمكن التحقق من أخلاق الخاطب، ~~وتمييز الرجل ذي المروءة من الشره الزنيم. # الظلم # من الأنباء ما يترك في أعماق النفس أثرا لا يزول، ومن تلك الأنباء ما أثر في ~~تأثيرا خاصا، وسأقصه فيما يلي: كنت يوما عند صاحبة لي، فسألتها عن سيدة كان لي ~~بها معرفة قديمة، ولم أرها منذ زمن بعيد، فتنهدت وأجابت بلهجة المحزون أن تلك ~~السيدة في أشد ما يكون من الأسى، وأنها لفرط حزنها وكثرة بكائها قد حل بها السقم؛ ~~وذلك لأن زوجها عقد على امرأة أخرى وستزف إليه قريبا، فأخذ مني العجب مأخذه، ورأت ~~صاحبتي دهشتي فقالت: لم تعجبين من ذلك الخبر؟ أليس كثير الحدوث عندنا مألوفا؟ قلت: ~~نعم؛ ولست أعجب من حدوثه في ذاته وإنما العجب في أنه حدث لتلك السيدة، وهي على ما ~~تعلمين على أحسن ما يكون عليه النساء من الخلق، وعلى جانب غير قليل من الجمال ~~والعلم، وقد كنت أسمع منها أنها في راحة مع قرينها، وقد رأيتها بعيني تشتغل في ~~بيتها، ولم يكن ينقصه شيء من النظافة والترتيب، ولها منه أطفال صغار؛ فماذا يريد ~~الرجل فوق ذلك (تربية وعقل وملاحة وإنجاب)؟ فقالت محدثتي: إن ولدي تلك السيدة ~~توفيا في شهر واحد وهذا ما حدا بالزوج إلى البحث عن أخرى، وقد خطب في نفس الشهر ~~الذي فقد فيه ولديه، وامرأته الأولى أم جنين لم تكمل مدته بعد، فيا لقساوة الرجل! ~~أكل ذنبها أن ولديها توفيا؟ وهل لم يكفها حزنها على فقدهما فيسدد إلى فؤادها ~~المكلوم سهما آخر مسموما؟ وهل ضبط منها رسالة لعزريل تستزيره بها وتحثه على خطف ~~فلذتي كبدها؟ وهل كان هذان المفقودان ولديها ولم يكونا كذلك له؟ نعم؛ إن ms048 الرجل أقوى ~~عزيمة من المرأة وأشد احتمالا للمصائب، ولكن هب أنه جلد أفينسيه الجلد الشفقة، ~~ويخطئ به الصبر مواضع الرحمة؟ اللهم إن هذا منكر لا يرضيك. # إذا احتاجت المرأة للمواساة والعطف في زمن ما فأشد ما يكون ذلك في أيامها السود، ~~وهل أحلك من يوم تفقد فيه ولدين معا؟! فإذا ما اشتد حزنها وشاركها فيه القريب ~~والغريب أيصح أن يتنصل عنها زوجها ويتركها هدفا لسهام الأرزاء والأشجان والحزينة ~~زوجه والذاهبان ولداه؟ إنها إذا حزنت على أخ لها أو قريب كان من الواجب عليه أن ~~يشاطرها الحزن حتى ولو ظاهرا، أما وهي محتسبة ابنها وابنه فمن أحق بتخفيف آلامها ~~إذا خلا هو من مثلها؟! إنه إذا لم يحزن ولم يواسها فلم يكن أقل من أن يتركها ~~ونفسها، كما قال الشاعر: # تخذتكم حصنا منيعا لتمنعوا # سهام العدا عني فكنتم نصالها # إذا كنتم لا تدفعون ملمة # عن النفس كونوا لا عليها ولا لها # ولكنه هو يتزوج عليها؛ يكلم قلبها الكسير فضلا عن أنه أقدم على أمر لا يضمنه، ~~أفلا يجوز أن تكون امرأته الجديدة عاقرا فلا تلد، أو ولودا ويموت أبناؤها ~~كالأولى؟! إن القدر لا يعاكس ولا يستطاع تحويله عند أمر كهذا؛ فالولادة والحياة ~~والموت بيد الله لا ندري متى هو مانحها ومتى يقبضها، إن جوف تلك السيدة لا يسع ~~شيئين في آن واحد: الجنين والشجن، ألا يكون زوجها جانيا عليها وعلى ولده الجديد ~~إذا ما زاحمه البث فلفظه ميتا، ألا إن ذلك الزوج القاسي لجان في عرف القانون، ~~جان في عرف المروءة، جان في عرف الإنسانية والحنان. # تذكرني تلك الحادثة المؤلمة بحادثة أخرى تشبهها، ذلك أن رجلا من ذوي الرتب عاف ~~زوجته لأن أولادها منه كلهم بنات؛ فطلقها واقترن بأخرى على أمل إنجاب الذكور، فأتت ~~له بأنثى ثم بأخرى، وهكذا أبى الله إلا أن يتم ما أراد، فكأنه استبدل بنات بغيرهن، ~~ولكنه خسر ود امرأة صالحة كانت تحبه، وغير عليه قلوب بناته الشابات، وظن أنه كسب ود ~~أخرى وما هو إلا واهم ms049 فيما زعم. # ليت شعري إذا فرضنا أن ولادة البنات عيب كما يرى بعضنا؛ فهل للمرأة يد في ذلك؟! ~~ولماذا لا يعيب الرجل كما يعيبها؟ لماذا لا تعافه المرأة وتطلب إليه أن ينفصل عنها ~~وتتزوج غيره لتلد ذكورا؟ إذا صح أن يتشبث أحد الزوجين بهذه الخرافة صح للثاني ~~أيضا؛ إذ هما في حقها وبطلانها سيان. # إن لنا من شؤوننا البيتية الأخرى ما يكفي لشغلنا، ولنا من عاداتنا القديمة ~~المستهجنة ما يبح في طلب إصلاحه صوتنا، فجدير بالرجال أن لا يشغلوا وقتنا وفكرنا ~~بالشكوى من أعمالهم، وأظنهم يقع عليهم ظلم الحكومة مرة وضيق العيش أخرى، فلا يجدون ~~من ينتقمون منه لأنفسهم سوانا، وما أخال محروبا أضعف منا سلاحا وأقل طلبا للثأر، ~~فيا رب ألهم رجال حكومتنا السداد؛ فإن ظلمهم الأمة له أثر مضاعف فينا، ولعلنا ~~لم نزد عن الرجل في شيء البتة إلا فيما يؤلم. إذن؛ لقد عكسوا آية القرآن القائلة: # فللذكر مثل حظ الأنثيين ~~. # الازدراء بالمرأة # لعل عدوى التشاؤم من النساء سرت إلينا وانتقلت إلى بعضنا بالوراثة من عرب ~~الجاهلية الأولى، أولئك الذين كانوا يئدون بناتهم خشية الإملاق أو العار، كما كانوا ~~يزعمون، وقد نسخ النبي # صلى الله عليه وسلم # تلك العادة المنكرة، إلا أن أثرها لم يزل باقيا ~~فينا إلى اليوم؛ إذ نحفل لولادة الصبي ونستاء لظهور البنية في هذا الوجود، وقد يعذر ~~المتقدمون على اعتقادهم هذا لحاجتهم إلى الرجال لكثرة حروبهم وغاراتهم، أما نحن فلا ~~عذر لنا إلا قليلا، وفي ما عدا حفظ لقب الأسرة ومالها من الضياع يتساوى الصبي ~~والصبية في نظري؛ لأن عدد جنودنا محدود ونحن قوم مسالمون نجتنب الحرب ما أمكن ~~وترانا نقلد العرب ولا نحكيهم فهم يهبون الصبي من يوم ظهوره للحرب، ويفتخرون بدخوله ~~في غمارها، أما نحن فإذا دخل أحد أبنائنا الجندية يكاد يقتلنا الحزن، وأعرف أمهات ~~فقدن أبصارهن من شدة البكاء على أبنائهن المجندين. # ذلك كان زمان الكثرة والشجاعة أما اليوم فزمن السياسة والصناعة، ها هي دولة ~~الإنكليز يربو عدد نسائها على رجالها، ms050 وقد سادت أمما كثيرة رجالها ضعف الإناث ~~فيها، وها نحن بحمد الله يزيد رجالنا عنا عددا، فأي خير جلبنا وأي شر دفعنا عن ~~بلدنا المفدى؟! وحنكة وزير واحد أطيب أثرا من مائة ألف مقاتل، ويقظة من قليل خير ~~من نوم الكثيرين. # هذا بيان لا بد منه لتنفيذ رأي القائلين بعدم الاعتداد كثيرا بالبنات. # المرأة المصرية مسلوبة الحق مظلومة في كل أدوار حياتها؛ نراها يتشاءم منها حتى ~~وهي جنين، فإذا ظهرت مولودة تستقبلها الجباه مقطبة والصدور منقبضة والثغور صامتة، ~~ترى القابلة وهي تحملها منكمشة لا تبدي ولا تعيد، كأنما كان لها بعض الذنب في ~~ولادتها أنثى، نرى أقارب النفساء وصديقاتها يكثرون لها الهدايا إذا كان مولودها ~~ذكرا ويقللون منها عددا وقيمة إذا أتت بأنثى، نرى كل من نقل الخبر يطفح اليأس من ~~عينيه ولسان حاله يقول: ناقل الكفر ليس بكافر، فإذا انقضت ستة أيام كان سابع أيام ~~الصبي عيدا نوقد فيه الشموع نهارا وتجلب أنواع الحلوى وتعزف الطبول وآلات الطرب، ~~أما الصبية فيكتفى لها ببعض النقل ويحسب تفضلا. # كذلك حالهما في التربية والتعليم، فإن نصيب البنت قليل عندنا حتى إن من كعبت وهي ~~في المدرسة تعد شاذة، ولست أعجب من جهل الأمهات أكثر مما أعجب لقوم متنورين تربوا ~~تربية عالية ينادون بقصر البنت على تعليم القراءة والكتابة والطبخ والغسل، كأنما ~~العلم خلق لهم وحدهم في حين أن الله - سبحانه وتعالى - لم يكلف به طائفة دون أخرى، ~~فكأنهم يجرحون عواطفنا علنا بقولهم لنا: نريدكم خادمات منازل فقط لا سيدات مهذبات، ~~وكيف يأبون علينا حقنا الطبيعي في مشاركتهم الحياة ويطلبون الدستور؟! # وليس حالنا في سن الشباب بأدعى للطمأنينة منه في الطفولة، فإننا لا نزيد عن ~~المساجين شيئا إلا بالاسم فقط؛ فبينا تجد الفتى حرا في كل شيء ترانا يحجر علينا ~~حتى في استنشاق الهواء النقي، حتى في اختيار لون الثوب الذي نلبسه، وإذا سمح لنا ~~ببعض المشي أو التنزه رمانا المارة بكل معيبة وأخجلونا ببذاءتهم، وهم أحق بالخجل من ~~وقاحتهم وفحشهم. # وإذا تزوجنا ms051 لم نزدد إلا ضغطا فيقوى الرجل ويستبد، تكتم حرية الزوجة إلى درجة ~~تميت نفسها وتعدمها الإحساس والحياة، أرأيت أطغى من ذلك الرجل الذي يمنع زوجه من ~~رؤية أمها وأهلها لغير جناية حدثت منهم؟ أرأيت أطغى من ذلك الذي يمنع الزائرات من ~~دخول بيته، ويحجب امرأته عنهن خوفا من أن يفسدنها عليه أو يعلمنها شيئا جديدا ~~يأباه جموده واعتسافه؟ يتحكم فيها وفي صحتها وفي مالها وفي وقتها وفي حريتها وفي كل ~~شيء ويأبى عليها أن تسأله سؤالا بسيطا عن شغله، بحجة أنها لا تفهمه! أو عن نفقاته ~~معتذرا بأنه لا مدخل لها في شؤونه! وهل يحتقر الرجل المرأة أكثر من أن يجلس لطعامه ~~وحده ولا يدعوها لمشاركته فيه، فإذا فرغ منه تأخذ لقمة من هنا وأخرى من هناك كما ~~يفعل الخدم؟ تظل واقفة، وإذا غاب ليلا يتحتم عليها السهر إلى أن يحضر، ثم إذا مرضت ~~يأنف أن يناولها جرعة من الدواء، ويستنكف البقاء معها قليلا فيترك لها المنزل بما ~~فيه، وليس أصعب على المريض من أن يرى نفسه مهملا متروكا. # يظهر احتقار الرجل للمرأة جليا في أفعاله وتصرفاته، إذا حزن يوما لا يكاشفها ~~بما يؤلمه، وإذا نوى الشروع في عمل يعدها غريبة عنه فلا يخبرها، يخرج من البيت ولا ~~يعود إليه إلا لأمر ضروري، فمؤانسته وأسراره نهب للخلان، أما زوجه فلا يعدها إلا ~~طاهية أو خادمة، وأظن أن الرجل لولا بقية حياة فيه لما هوى منزله، ولولا أن أكله في ~~الفنادق يكلفه كثيرا لما ذاق طعام بيته. # أي ازدراء للمرأة وعبث بحقوقها أشد من أن تخرج كلمة من فم الزوج ساعة غضبه فتفرق ~~بينهما وتشتت ملتئمهما؟! وأي أمل لها في مستقبل مظلم لا تدري متى ينهار بنيانه؟! إن ~~الدين لم يسمح بتعدد الزوجات وبالطلاق هكذا من غير شرط كما يفعل الآن رجالنا، وإنما ~~جعل لهما شروطا وقيودا لو اتبعت لما أن منها النساء البائسات. # زار أغلب رجالنا أوروبا والبلاد المتمدينة، ورأوا بأعينهم كيف يحترم الرجل ~~الأوروبي امرأته، حتى إنها مقدمة عليه ms052 في كل مجتمع، فعادوا ينادون بوجوب تعليم ~~المرأة، ويصرحون في كلامهم بأنهم من أنصارها وأنها واجبة الاحترام، ولكن لا يلبث ~~كلامهم أن يذهب مع الهواء، إلا أنهم إذا اجتمعوا بسائحة إفرنكية أو امرأة غربية ~~تلطفوا لها كثيرا، فساعدوها في النزول من عربتها، وأمسكوا لها حقيبتها، ورفعوا ~~الطرابيش إجلالا لها، في حين أن أحدهم يستنكف أن يركب مع امرأته في عربة واحدة، ~~وإذا سافرت أو انتقلت إلى محل آخر تركها ونفسها، كأنه لم يكن هو صاحب الأفكار ~~الحديثة القائل بمساعدة المرأة، وإذا ازدحمت الطرقات في مولد أو موكب مثلا رأيت ~~الرجال يدوسون النساء ويضربونهن بالمناكب كأنه زحام الحشر، فهل هذا مبلغ احترام ~~النساء عندنا؟! # أي سبة للمرأة العفيفة أنكى أو أشد إيلاما من أن يحوطها زوجها بالرقباء والحشم ~~كلما انتقلت خطوة، كأنها غير أمينة على نفسها، أو كأن العفة ملاكها الرهبة لا ~~الرغبة؟! # وهل يزدري الرجل عواطف المرأة بأكثر من أن يجالس خليلته أمامها، كأن شعورها ميت، ~~ويريدها أن لا تغضب، فهل قد فؤادها من حجر صلد؟! # لا أنكر أن لنا عيوبا يجب إصلاحها، وأن بعضنا لا يستحق كثير احترام، ولكن أيؤخذ ~~البريء بذنب المجرم؟ وهل يصح تطبيق القانون إلا على من ثبت إدانته؟ وفي اعتقادي أن ~~الرجل لو خفف قليلا من كبريائه، وعلم أن امرأته مساوية له في جميع الحقوق ~~المشتركة، وعاملها معاملة الند للند، أو على الأقل معاملة الوصي لليتيم لا معاملة ~~السيد للعبد، لما رأى منها هذا العناد الذي يشكوه، ولأطاعته حبا فيه لا خوفا ~~منه، ولا يجهل أن الاستبداد يأتي بعكس المراد. # ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، فكيف ورجالنا على هذا الاستبداد يأملون صلاح ~~الأمة وتربية أبنائها على حب الاستقلال والدستور؟! أما والله لو أرانا رجالنا عناية ~~واحتراما لكنا لهم كما يحبون، فما نحن إلا مرآة تنعكس علينا صورهم، ولنا قلوب تشعر ~~كما يشعرون، فإن أرادوا إصلاحنا فليصلحوا من أنفسهم وإلا فلينظروا ماذا هم ~~فاعلون. ~~(12) احترام الآراء وآداب الانتقاد # اللسان والقلم رسولا القلب إلى ms053 الناس، أو هما جدولان صافيان تنعكس عليهما صورة النفس ~~وما حواليها من الصفات، وإن شئت فقل: هما سلك الكهرباء بين ذهن المرء ومن يخاطبهم أو ~~يكتب لهم، تنقل عنه رسالة أخلاقه حرفا حرفا بغير زيادة ولا نقصان، والفضائل والرذائل ~~كامنة في الأشخاص، لا يوري زنادها إلا الأقوال والأفعال بالمتكلم والكاتب تظهر أخلاقهما ~~جليا فيما يقولانه أو يخطانه وإن حاولا إخفاءها؛ لأن الطبع غالب، والتطبع سمل بال ~~قليل الستر، إن دارى شيئا تظهر منه أشياء، والفكرة - وإن جانبتها - لا تزال تحوم حولك ~~وترفرف إلى أن تجد لها مقرا تستقر فيه من الجولان والاضطراب. # فإذا قرأت كتابة شخص لم تلحظه عيناك أمكنك بالتفرس فيها أن تحكم على أخلاقه بالإجمال، ~~فالمتكلف تعرف من كتابته بأنه لا يزال ينتقي الألفاظ الوحشية، ويتقعر في أسلوب إنشائه؛ ~~ليدل على علمه وبراعته. والرجل البسيط يتجنب الألفاظ ومعقد التراكيب، من غير تبذل ولا ~~ركاكة في عبارته، كذلك من كرمت نفسه ترى أثر ذلك الكرم فائضا على كلماته وفي ثنايا ~~سطوره، واللئيم بالمثل تكاد تلمس لؤمه وضعة نفسه وأنت تقرأ أماليه على القرطاس، وأظهر ~~صفات الكاتب على الورق الحكمة والحلم والحسد والجهل؛ لأن الغرائز كلها حسنة أو قبيحة ~~هادئة لا يستفزها الشيء القليل، ولا يهيج لاعجها إلا إذا هيجت كالرائحة لا يبعثها إلا ~~الهواء، أو كتراب الأرض لا يثور إلا مع الرياح، أما الحسد والجهل فهما أبدا جائشان، ~~يغلي صدر حاملهما ويكاد ينبثق من تلقاء نفسه من شدة الفوران كالبركان المضطرم يقذف ~~الحمم لحر ما احتواه جوفه من النيران. # والكاتب أو المفكر يخطئ إذا لام معارضيه على وقاحتهم في الرد عليه، أو النظر إلى ~~فكرته بغير العين التي تستحقها؛ لأنهم معذورون فيما أرى، معذورون لأنهم لا يمكنهم ~~التجرد عن غرائزهم، ولا يستطيعون نزع نفوسهم أو تنزع أرواحهم من جسومهم، وما قلمهم إلا ~~أنبوب تصب فيه تلك النفوس سائلها فيجري على القرطاس، فأقلامهم لا ذنب عليها وأيديهم لم ~~تأثم، وأذهانهم خفيف جرمها، إنما العيب كل العيب في نفوسهم فإنها مصدر ms054 الوحي للذهن ~~واليد والقلم . # على عدد اختلاف أشكال البشر وألوانهم ومناهجهم تجد اختلافا في آرائهم ومعتقداتهم، ~~يخطئ الأبيض إذا لام الأسود على حلكة لونه، كذلك يخطئ ذو الفكرة إذا عاب غيره لعدم ~~رضائه عنها، ورحم الله البارودي إذ قال: # أسير على نهج يرى الناس غيره # لكل امرئ فيما يحاول مذهب # من العدل أن تترك الحركة لكل إنسان يعتقد في خلده ما يعتقد؛ لأن المصادرة لا تجوز في ~~الأفكار والاضطهاد، إذا ضيق دائرة العمل والكلام، فلن يبلغ التضييق على الهاجس ~~والوجدان. # فالفكرة ما دامت في الخلد خفي أمرها، ومن التحامل أن يتكهن قوم بمعرفة أسرارها ~~والوقوف على حقيقتها، وإن العمل الذي يقصد به النفع هو بذاته ما يصح أن تقصد به الشهرة ~~وحب الذكر، ألا ترى إلى المحسن كيف يتهمه أعداؤه وحساده بأنه لم يحسن ابتغاء وجه الله ~~ولكن سعيا وراء المحمدة، ويقول أنصاره وعاضدوه: إنما أتاه لحب الخير المحض، كذلك ~~السياسي وصاحب الصحيفة فقد يناضل عن مبدأ يعتقده صوابا، أو يرد على رأي مخالف، فيقول ~~قوم: ما أصدق وطنيته! ويقول آخرون: إنه مأجور، ولم يخل عمل من الأعمال من العاضدين ~~والمعترضين، ومذهبي أن العمل ما دام نافعا فسيان أن يعتبره قوم للمنفعة وحدها أو ~~للشهرة، فإن فائدة حاصلة على أي حال، وقد تكون الشهرة وحسن الصيت جزاء وفاقا لصالح ~~الأعمال، تأتي عفوا بغير قصد صاحبها فما حيلته؟ أيردها وقد لا تدفع، أم يترك عمله كي ~~يبرهن لأعدائه أنه صادق، وأنه لم يقصد إلا الفائدة خالصة لوجه الله؟ أما الأفكار ~~والكتابات أو الأعمال التي تظهر للملأ فيجب على من لا توافقه أن ينتقدها، وليس أحب ~~للمنصف من أن ينتقده الناس بالحق فيصلح من خطئه ويقوم من معوجه، وإذ قد بينت أن الآراء ~~تختلف بحسب الأشخاص والعقول، فما على المنتقد إلا تخطئة ما يرى فساده، على أن يقرع ~~الدليل بالدليل والحجة بالحجة، حتى يقتنع صاحبه ويفحم، فلا يجد مناصا من الرجوع إلى ~~الصواب، ويرى الناس صدق الأدلة أو كذبها، فيكونون حجة له ms055 أو عليه، أما من ينتقد بغير ~~الدليل أو يشوب كلامه بالتهكم والسب القبيح فيخرج من عداوته بكلامه أن يضرب به عرض ~~الأفق فهو هراء، وإذا كان الله - وهو يعلم صدق دينه وفي قدرته أن يجبر البشر على أن ~~يدينوا بما ينزله لهم - لم يرض أن يذكر مسألة القرآن إلا وهو مبين أدلة نفعها وأوجه ~~ضررها، وضارب لها الأمثال كي يقتنع من له عقل بصلاحها أو فسادها، إذا كان الله وهو ~~القادر المتعالي يفعل ذلك؛ فهلا نفعله نحن عبيده الضعفاء؟! # ومن أدب الكتابة أن لا يخلط الكاتب الشخصيات بالعموميات؛ إذ ما علاقة انتقاد مبدأ ~~مثلا بأم المنتقد أو زوجه أو فقره وغناه؟! وأين الشجاعة والشهامة في كيد الخصم من هذا ~~الهذيان؟! لعلهم جعلوا مكان الأسنة الطوال ألسنة طوالا وبدل خضاب الدماء صبغة من قلة ~~الحياء. # كل ذي رأي يجب قدر رأيه واحترامه وتمحيصه، حتى إذا ظهر فساده يحاج بالدليل إلى أن ~~يقتنع، ومن البلاهة أن يتشبث كل بفكرته وحدها، ويزعم أنه علمها ومفردها، فيأبى قبول ~~البرهان ويغمض عينيه على القذى. # الصياح والتحامل لا يجديان بل قد يزيدان المتشبث عنادا، واختلاف المبادئ والآراء لا ~~يحمل على العداوة إلا من لا يفقهون، ثم إن العداوة لا تستلزم الهجر وفحش القول إلا من ~~القوم السافلين، ومن لي بصلاح الدين الأيوبي يلقي على كل عدو درسا مما أتاه مع خصمه ~~ريتشارد قلب الأسد ملك الإنكليز؟! ومن لي بمن يعلم الجهلة ما ورد في القرآن والإنجيل ~~والتواريخ من مقابلة الأنبياء أعداءهم بالصبر والصدر الرحب؟! # ومما يجمل ذكره من آداب الانتقاد أن لا ينتقد الكاتب أمرا كان قد أتاه هو أو أتى ~~شرا منه؛ لأنهم يقولون: من كان بيته زجاجا فلا يقذف الناس بالحصى. # هذا رأيي في احترام الآداب وآداب الانتقاد، أوجهه للفتيات والسيدات فقد ابتدأنا نعترض ~~ويعترض علينا، وإذا كنا ننقد الرجال في كثير من الأمور؛ لأنهم سبقونا في التعلم ~~والبحث، هؤلاء قد بلغ بعض كتابهم من الهوس وسقط المتاع إلى الخبط والخلط، وحشو عام ~~المواضيع ms056 بالشخصيات، ومزج الانتقاد بالعداوات والمشاحنات، فأنبه أخواتي من النساء أن ~~يجتنبن الهوة التي وقع فيها بعض إخوانهن، فالباطل أولى أن يجتنب والحق أحق أن ~~يتبع، والسلام. ~~(13) لماذا يضيع الرجل تأثيره الحسن في أسرته # يأخذ مني العجب مأخذه كلما دخلت بيت أحد العلماء ورأيت نساءه على جهل مطبق، وتنال مني ~~الدهشة كلما سمعت أن ابنة فلان الغيور غاية في الخلاعة، وأن أخت ذاك المستنير تدعو ~~أترابها لحفلة زار، وأن أطفال ذلك الأستاذ مثقلون بالتمائم، وأكاد أحزن إذا سألت امرأة ~~الصحافي المشهور - وهي تعرف القراءة وتدعي العلم - عن مبدأ زوجها السياسي؛ فتخبرني ~~ببرود أنها لا تقرأ الجرائد، ولا تشتغل بمعرفة المبادئ! يحزنني جهل هؤلاء أكثر مما آسف ~~لجهل عامة النساء. # يعذر الفلاح على عدم تعليم ابنته العلوم؛ لأنه هو ذاته لا يفقهها، وربما لم يسمع إلا ~~بقليل من أسمائها، فضلا عن احتياجه لفتاته في مساعدته في الحقل ومساعدة أمها في البيت، ~~ويعذر العامل الصغير إذا لم يدخل ابنته المدرسة؛ لأن ما يشتغل به قد لا يكفيه لسد ~~الرمق، فضلا عن تحمله أجرة تعليم أبنائه، يعذر هذا وأمثالهما جد العذر، ويعذر أيضا ~~صغار الناس ممن لم يتعلموا إلا القليل، ليمكنهم من نيل وظيفة تكفيهم العيش؛ لأن نفوسهم ~~لم تتشرب روح العلم، ولم يأخذوا به إلا وهم لا يجدون غيره وسيلة للارتزاق، ولكن ما عذر ~~رجالنا المستنيرين المتفقهين في ترك بناتهم تنشئهن الطبيعة، كيف اتفق وتربيهن الأمهات ~~وسط الترهات، وهم إذا كلمك أحدهم أظهر لك واسع خبرته في العلم الذي يتقنه، وفهمت من ~~مجمل حديثه أنه فيلسوف، وأنه ذو أفكار ومبادئ قويمة وأنه يلتهب غيرة على أمته؛ مثل ~~هؤلاء يصدق فيهم المثل العامي (باب النجار مخلع) أو هم كالرجل الذي إذا دهمه أمر ظل ~~كالحديد يتجاذبه مغناطيس الحيرة من كل الجهات، فلا يكاد يرى له مخرجا من الضيق. # إذا رأيت ابنة شيخ الإسلام لا تقيم الصلاة، وإذا حادثت امرأة الطبيب فوجدتها لا تفرق ~~بين فعل الأدوية الأكيد وبين تأثير الرقى والتعاويذ في شفاء الأمراض، ms057 فهمت من حالهما ~~أحد أمرين: إما أن يكون رب الأسرة لم تمتزج روحه بالعلم الذي يشتغل به تمام الامتزاج، ~~فهو لا يشعر به حقيقة وإنما يظهر به ليتذرع إلى كسب معاش أو احترام، وإما أنه صادق في ~~ادعائه، ولكنه لا يختلط كثيرا بأفراد أسرته، ولا يوضح لهم آراءه ومذهبه، وهذا هو ~~الغالب في رجالنا. # يقضي الواحد منهم نهاره في الديوان أو محل شغله، ويتسلل من العصر إلى (القهوات ~~والبارات) فيقتل الوقت فيما لا ينفع، ولا يعود لمنزله إلا وجفنه مثقل بالكرى، وقد يمضي ~~الأسبوع ولا يرى أولاده إلا يوم بطالة المدرسة، فيشبون لا يدرون شيئا من أخلاق والدهم، ~~ويقصر هو في مخالطتهم والتحدث معهم، كأنه يأنف أن يضيع وقاره في محادثة الصغار، وبعضهم ~~يظل أمام زوجه صامتا حتى إذا مل وملت أخذ صحيفة من صحف الأخبار يطالعها، ولكنه لا ~~يفهمها ما بها إن كانت جاهلة، ولا يقرأ ليسمعها إن كانت تفهم القراءة، فكيف تعلم مبادئه ~~وميوله وهو لا يتكلم؟! إنها ليست نبية فينزل عليها الوحي، ولا قدرة لها على كشف حجب ~~الغيب، وكيف يبلغ أولاده التربية الكاملة التي بلغها هو ومن يرشدهم في الحوادث اليومية ~~إلى مكارم الأخلاق ويخلص لهم النصيحة؟ إن المدرسة وحدها لا تفي لأن تكيف ملكة الشخص، ~~والأم لا تجد من وقتها فراغا لتجالس أولادها وتثبت فيهم أخلاقها، هذا إذا كانت مهذبة ~~عاقلة لها أخلاق فاضلة أما غيرها فعليها العفاء. # وإن الصبي لاعتناء والده به، ولكثرة اختلاطه بأخدانه خارج المنزل تفيده التجارب ويعرك ~~الحوادث فيعرفها، أما الفتاة فحظها قليل من التربية النفسية، وهي ملاك الأخلاق، ولا ~~عبرة بما يعلمه الإنسان من العلوم إذا لم يكن ذا إرادة قوية؛ معتمدا على نفسه في كل ~~أموره، ثابتا حازما لا يابسا ولا طريا، وفي اعتقادي أن الأب الرحيم العالم ~~باجتماعه مع أولاده وبناته يعوض عليهم كثيرا مما لم يدركوه بالتجربة. # لا أحب الأب يتكبر على أهله وأولاده؛ فيظهر لهم بمظهر الجبار العنيف ويظن أن ذلك ~~استجلاب للهيبة، وهو لا يعلم ms058 بما يشعرون. إن الهيبة واجبة في حد الاعتدال، ولكنها إذا ~~زادت تعدت على الخوف فيفقد الوالد الرحمة على أولاده، ويفقدون هم كثيرا من المحبة ~~والثقة بوالدهم، وتجد أغلب الأطفال يحبون والدتهم أكثر من آبائهم لهذا السبب عينه، وهذا ~~التجبر من جانب الأب يضعف الأخلاق في الطفل ويفسدها إذ يربي فيه الجبن والذل، ثم ~~الاستبداد متى كبر وأولاد البخلاء أكثر الناس تبذيرا متى كبروا. زرت مرة سيدة ممن ~~ابتلين بمثل هذا الزوج القاسي، وكنا نتكلم وأولادها الصغار يلعبون قريبا منا وبناتها ~~الشابات يضحكن، وإذا بهن سكتن فجأة، وارتبكت أمهن وغارت أعينهن، وعلاهن الاصفرار وقامت ~~إحداهن تهرول إلى الصغار لتسكتهم، والثانية تتسمع على السلم، والأخرى ترى ماذا يمكنها ~~ترتيبه في حجرة والدها، فعجبت من هذه الحركة الفجائية، وسألت عن الباعث لها، فأخبرتني ~~السيدة والحزن باد عليها وتكاد لا تنطق إلا همسا «إن البك ربما يكون قد حضر»، فقلت في ~~نفسي: إذا كان كل هذا الاضطراب وفي حضوره شك، فماذا ~~يفعل هؤلاء النسوة إذا قيل لهن: «إنه قد والله حضر»؟! وأخذ البنات يشرحن لي أنهن لا ~~يتكلمن أمام والدهن، وأنهن يجتهدن دائما في البعد عن طريقه؛ لأنه غضوب وأنه لا يسمح ~~لهن بزيارة قريبة ولا صديقة، وأنه إذا أخطأت إحداهن في خدمته أو تأخرت قليلا (وشدة ~~الوجل تبعث على الخطأ والتأخير) كدرها وأهانها، وإذا تناول الطعام تظل أمهن وثلاثتهن ~~واقفات كالإماء إلى أن يفرغ منه، فعجبت لذلك وأسفت على تأصل روح الاستبداد في بعض ~~رجالنا إلى هذا الحد المعيب حتى وهم في منازلهم بين أهلهم وفلذات أكبادهم. # هذا مثل الأب القاسي الذي إذا اختلط بأسرته ليعلمها لم يستفد أفرادها من تعليمه؛ لأن ~~شدة الخوف تذهب بالفكر، سألت عن هذا الرجل ومعاملته في الخارج فأكد لي أخي أنه غاية في ~~اللطف والتواضع، وأنه يحب المزاح أحيانا، فاستغفرت الله له. أيتفضل على الغرباء ~~بالمؤانسة والمزاح أيضا ويضن بابتسامة على أولاده وأهله؟! ولكن لله في خلقه ~~شؤون. # ألا فليعلم الآباء والأزواج أن السلطة التي يطلبونها في ms059 منازلهم يكفي منها أن يقلدهم ~~أبناؤهم، وتتشبه بهم فيها زوجاتهم وبناتهم، ويخشينهم على البعد والقرب. وإن الأسرة ~~الواحدة يجب أن تكون تامة الامتزاج، مرتبطة بالحب الصحيح، فلماذا يضيعون ذلك الحب ~~الطبيعي بقسوتهم وجفائهم؟! ولماذا لا يبثون روحهم فيمن حواليهم من بنات وأخوات؟! ولماذا ~~لا يجعلون لهم تأثيرا حسنا في أسرهم؟! وكما يتوارث الأولاد اللون والخلقة عن والديهم ~~يجب أن يتوارثوا عنهم أيضا أخلاقهم الحسنة ومميزاتهم، وبودي لو يجتهد كل شاعر في أن ~~يجعل أبناءه ذكورا وإناثا شعراء، وكل رياضي أن يعلم أسرته الرياضة، وكل سياسي أن يجعل ~~زوجته وذويه يتباهون بمبدئه حتى يتم الامتزاج المطلوب، وتظهر فينا روح الحياة الطبيعية، ~~والسلام. ~~(14) الكلفة بين الزوجين # بين الزوجين الحضريين من أهل مصر تكلف لا يتفق مع ما يريده الله لهما من سكون الواحد ~~إلى صاحبه، ويشذ عن شواهد الطبيعة وآثارها المرسلة إرسالا من غير تعقيد ولا إبهام، ~~فالسماء معقودة على الأفق في مصر، وهي كذلك معقودة على الأفق في اليابان وفي جرينلاند، ~~لم يضع الله لها عمد المرمر في إيطاليا، ولا قوائم العاج في السودان، ولم يقرها على ~~حوائط البلور في النمسا، تنيرها الشمس نهارا (إلا في القطبين) والقمر ليلا، وقد نثرت ~~فيها النجوم نثرا، إلا قليلها فهو منظوم، ولم يشأ الله - وهو قادر - أن يجعلها في شكل ~~عقود وتيجان، أو يرسمها دوائر ومثلثات مرصوصة رص البلاط الملون، وهي مع ذلك يأخذ جمالها ~~بلب المتأمل المتفكر، والأرض بسيطة أيضا لا تحول لنظامها؛ فالصخر يفتته توالي الريح ~~والمطر فيصير رملا، والرمل تسقيه الريح ويعجنه المطر فيكون صخرا، والبذر ينبت إذا لقي ~~ريا وأرضا صالحة، وما أبسط سوق النبات تظل قائمة ولكنها تميل مع الريح، ويثقل عليها ~~ثمرها فيتدلى، أو يسقط إلى الأرض. # زعموا أن ملكا من ملوك الصين أمر أن يعرض أصحاب الحرف والملكات مخترعاتهم ومجهوداتهم ~~على باب قصره ليكافئ المجيد منهم، وبينا هو ذات يوم يفحص تلك المعروضات استوقف نظره ~~جمال لوحة مصورة، فأمر أن يمثل صاحبها بين يديه ليكافئه على مهارته ms060 في النقش، فلما أن ~~حضر الرجل عرض الملك اللوحة على جمع من أهل النظر ليحكموا فيها، فاستحسنوها كلهم ~~وأشاروا بإجازة المصور، إلا رجلا حاذقا قال: إن بالصورة عيبا وتكلفا لا ينطق على ~~الطبيعة، فسئل عنه فقال: صور الرجل عصفورا على إحدى سنابل القمح المرسومة في اللوحة، ~~ولكنه رسم السنبلة قائمة مع أنها ضئيلة، ولو اعتلاها عصفور لمالت كل الميل، فرأى الملك ~~صدق رأيه وأخرج المصور بخفي حنين، هذا مثل ضربته لقبح التكلف وحلاوة البساطة، ولكننا - ~~مع الأسف - نسمع الزوجة عندنا تقول لزوجها: يا سيدي، أو يا أفندي، وهو يناديها بقوله: ~~«يا هانم»، كأنهما غريبان بعضهما عن بعض، وما اثنان أحق بزوال الكلفة بينهما من ~~الزوجين، المطلع أحدهما على سر الآخر، المشرف على نفس صاحبه، ولو اقتصر الأمر على ~~النداء لقلنا: بعض الشر أهون من بعض، ولكنك ترى الرجل يرائي في حديثه مع امرأته ويطريها ~~بمحاسن ليست بها، فما أكذبه وما أكذبها! إذ تغش نفسها وإذ تتكلف له في كل شيء حتى لون ~~وجهها فتصبغه وتغيره، وعذرها أنها لو وثقت من رضاه عنها، وهي في صورتها الفطرية لما ~~ظهرت له متكلفة. # أعرف نساء وأسمع عن أخريات، تظل إحداهن واجمة أمام بعلها تخطئها الكلمة إذا نطقت، ~~وتتعثر إذا مشت، وتكسو وجهها الصفرة إذا سمعت صوته، «وتعروها لذكره رعدة» فيا سبحان ~~الله! أي سعادة في تلك العيشة النكدة، عيشة الخوف والوجل؟! إن الزوجة مهما كان الرجل ~~مهيبا شجاعا ليست موضعا لإظهار بسالته وقدرته على سحق البشر! ويقول العامة في ~~أمثالهم: «السبع لا يأكل أنثاه.» وهو مثل من الحكمة بمكان، وحبذا لو اقتدى به ساداتنا ~~المتجبرون، وحسبهم شرفا أن يقال إنهم كالليوث، وإلا ~~يصدق فيهم قول الشاعر: «أسد علي وفي الحروب نعامة.» فعندهم مواطن عدة لإظهار شجاعتهم، ~~فليتشجعوا لها وليتركونا. # تعجبني طريقة العرب والفلاحين والفرنجة في معاملة أزواجهم، ينادي الرجل زوجته باسمها ~~وتناديه باسمه، تشاركه في الراحة والتعب وتقاسمه الطعام والشراب، إذا غضب عليها أظهرت ~~له في مظهر الشمم والإباء، فإن حاسنها حاسنته، وإن ms061 التوى لم تقصر هي في كيل الصاع ~~بالصاع. # أما طبقتنا نحن نساء الحضر في مصر فلا يمثلها في العالم طبقة جمعت بين الأضداد، ~~فبينما نحتكم في الرجل من شأن حلينا وحللنا، حتى نجعل نهاره ليلا أو يذعن لمطالبنا، ~~ترانا نكسر شرة النفس ونحملها من الكلفة وضيمها فوق ما تحتمل، فكم من امرأة تقبل إهانة ~~زوجها لها صاغرة، وكم من أخرى تلدغها أصابعه لدغ الأفعى فتجعل من دمعها المدرار ترياقا ~~لها، ثم لا تلبث أن تستغفره كأنها هي المذنبة، على حد قول الشاعر: # إذا مرضنا أتيناكم نعودكم # وتذنبون فنأتيكم ونعتذر # إنها لو ظهرت له أنها مساوية لما استرضته مخطئا، ولكن هل ظواهر الإنسان دائما ~~بواطنه؟! إنك تحترم الأمير، ولكن لا تعتقد أنه أشرف منك مجدا، ولا أعرق منك في ~~الإنسانية، وتظهر هذه النزعة في كلامك عنه، خصوصا إذا استفزتك إهانة منه فأثارت نفسك ~~عليه. # فالزوجة بتحملها أذى زوجها لا تعتقد أنها أذل منه، ولكنها تخضع صاغرة لاحتياجها إلى ~~إنفاقه عليها، أو تفاديا من أن يقال: طلقت وبانت، أو حبا لأولادها، وخوفا عليهم من ~~أن يذلهم بعدها، وهذا الخضوع - وإن كان يعلمها مزية الصبر الجميل - تكلف منها وتصنع، ~~فالحاجة والحياء يغطيان جراحها ظاهرا فتظهر كأنها اندملت، ولكنها تنغر نغرا صديدا ~~وصدودا. # الكلفة رياء، والرياء سرطان يسطو على النفوس فيصدعها ويصرعها، والزوج القاسي أو ~~المتكبر يفسد أخلاق زوجته بتكبره ويعلمها الصغار والكذب، ومن كانت هذه حالها كيف ينتظر ~~أن تربي أولادها على الفضائل؟! كيف تقول لابنها: لا تكذب، وهي تكذب؟! # أظن أصل تأليه البعول سرى إلينا من ذلك الزمن الذي كانت فيه الجواري حظيات! ولكن إذا ~~جاز أن تقول الجارية لسيدها المالك لها، الباني بها: يا سيدي، فكيف يجوز لحرة أن تدخل ~~نفسها في الرق مختارة والرق أسر فضلا عن أنه غير مباح الآن؟! # وهناك أخرى تقول لزوجها: حضرتك وسعادتك، فما هذا التكلف البارد؟! # إننا بتسميتنا فلانا بصاحب العزة، وتلقيبنا أحد الملوك بصاحب الجلالة لنكفر ونلحد، ~~فما صاحب العزة وذو الجلالة إلا الله ms062 الواحد القهار، ولو أنصف كتابنا لحذفوا تلك ~~الألفاظ الدالة على الشرك من كتاباتهم وأقوالهم. # يكلم الفرنسيون الغريب بلفظة الجمع # Vous ~~، ولكنهم ~~يضحكون إذا قال الطفل لأمه أو الرجل لزوجته: # Vous # لفظة ~~التعظيم، لم يقل: # Tu # أي: أنت، وكذلك الحال بين الأهل ~~والأصدقاء والأصحاب. # الزوجان بعقدهما عقد الزواج تعاهدا أمام الله أن يرتبطا بعضهما ببعض، فكيف يقف ~~الإنسان حياته على من لا يوافق مشربه أو يتعالى عليه؟ # سمعت أن المرأة اليابانية تسجد لزوجها وعجبت من ذلك، وهي قد أخذت من التمدن الغربي ~~حظا وافرا، ولكنها مشركة بالله فلا غرو إذن أن صدق ما سمعته عنها في هذا الشأن، فعلى ~~رجالنا المستكبرين، الذين ستغضبهم مقالتي هذه أن يخطبوا منهن، فإننا مسلمات مؤمنات لا ~~نشرك مع الله أحدا، أو أولى لهم إذا قبلوا أن يتحملوا مسئولية المحاكمة أن يختطفوا ~~الجواري من جبال القوقاز، أو من مجاهل أفريقيا، ويدربوهن على عبادتهم من الصغر ولكن بأي ~~لغة! # لعل مصلحة منع الرق لا تعتبرني محرضة على العبث بقوانينها فتحاكمني قبلهم معتبرة ~~الدال على الخير كفاعله. ~~(15) زواج الأختين # وصلني في بريد الخيال كتاب ذو بال أثار من النفس أشجانها، واعترض سرورها بأحزانها، ~~وجعلها بين اليأس من الإصلاح والرجاء فيه، فتارة أنا متسنمة ذروة الأمل، وطورا أراني ~~في حضيض القنوط، ومعاذ الله أن أستسلم لليأس، وهو سم القلوب ومعول الحياة! ومعاذ الله ~~أن تسترجعني الصعوبات عن عهد أخذته على نفسي بيني وبين الله أن أصلح ما أستطيعه من ~~فساد! وما كان لمثلي أن تنكث المواثيق أو تغدر بالوعد مهما كانت وعورة الطريق، وهذا هو ~~الكتاب. # مصر في 3 شوال سنة 1327 هجرية # عزيزتي ملك: # شوق وسلام وبعد، فإني أهنئك بالعيد السعيد كما يقولون، وإن كنت لم أشعر به ~~ولا حفلت له. # عيد بأية حال عدت يا عيد # بما مضى أم لأمر فيك تجديد # أما ماضي فقد كان غير سعيد، اكتنفته الأحزان وأخذت عليه طريقه تقلبات ~~الزمان ومستقبلي لا أراه، أشد حلكة وأبعث على اليأس منه على الرجاء، فقد ms063 تولتني ~~مصيبة دهماء ليس لها سلوان، واحدة لكنها متعددة إذا تعزيت بأولادي ألح على ~~فراقهم لي على الرغم مني ومنهم، وإذا أنساني عزاء الصديقات بعض الأسى على ~~بعدهم، ذكرني غدر شقيقتي خيانة بعلي، ولولا الإيمان والثقة برحمة الله لفضلت ~~الانتحار على حياة سئمت تكاليفها، ولكني لم أعش ثمانين حولا كزهير عندما سئم، ~~بل عمري لم يتجاوز الخامسة والعشرين. # عزيزتي، لقد أفرغ الدهر جعبة سهامه علي فأصاب مني مقاتل شتى، طالما سمعتك ~~ونحن نلعب تقولين لشقيقتي: إنها غليظة القلب جافية الشعور، ولا أكتمك أن قولك ~~هذا كان يؤلمني، وقد عاتبتك عليه مرارا إلى حد التعنيف، ولكن ستأخذ منك الدهشة ~~الآن إذا جاريتك على رأيك فيها، بل زدت عليه أن فؤادها قد من ~~الجلمود. # أتدرين ماذا فعلت؟ إنها كانت تكثر من زيارتي فأنشرح لها؛ إذ كان يلذني شعوري ~~بحبها الأخوي؛ لأننا كما تعلمين فقدنا الأبوين منذ نعومة الأظفار، فكنت أستعيض ~~بها عنهما، وكانت تجالس بعلي وتخاطبه وليس عندي شك في إخلاصها لي وأمانتها ~~نحوه، ثم تحولت المحادثة البسيطة إلى مضاحكة ومغازلة، فحملتها على أنهما كأخوين ~~مرفوع بينهما التكلف، ثم زاد الشغف فكان يأخذها للفسحة معه خارج البيت ويتركني ~~به، وهكذا تدرجا في الحب كما قيل: # نظرة فابتسامة فسلام # فكلام فموعد فلقاء # ولم يداخلني ريب البتة في حسن نيتهما نحوي، وأخيرا لم أدر إلا وقد فاتحني ~~يوما بأنه يريد التزوج من أختي؛ لأنه كلف بها وهي كلفت به، وإذ كان الدين ~~الإسلامي لا يسوغ الجمع بين الأختين فقد تحتم طلاقي منه وحم القضاء، وقد تركت ~~له منزله فأقام فيه عرسا بهجا، واقترن بشقيقتي بنت أمي وأبي، وأخذ مني أفلاذ ~~كبدي، وتركني أندب حظي وأندب اجتماعي بأولادي، بل أندب الوفاء وأندب الإنسانية، ~~أما والله لو كان تزوج غير أختي لهان الخطب، ولما أسفت على عيشة نكدة ... قضيتها ~~معه؛ تحملت سوء معاملته بالصبر الجميل، وعذرته في سكره وعربدته، فكنت أصفح ~~ويسيء، كما قال معن بن أوس: # وإن سؤتني يوما صفحت إلى غد # ليعقب يوما منك ms064 آخر مقبل # كأنك تشفي منك داء مساءتي # وسخطي وما في ريثتي ما تعجل # إني لأشك في أني وأختي رضعنا ثديا واحدا أو حملتنا أم واحدة. # لم يكف أختي - سامحها الله - ما فعلت، بل إني ذهبت بعد شهرين من زواجها لأرى ~~أطفالي، الذين حرمني الدهر منهم على غير جريرة ارتكبت، فامتنعت عن أن تسلم ~~علي، وتركت الطبقة (الدور) التي كنت بها إلى الطبقة العليا، وأرسلت لي ~~خادمتها تأمرني بالانصراف حالا عن منزلها خيفة أن أكون استصحبت لها سحرا يقلل ~~من محبة زوجها لها خرافة والله، وما كان ليهمني زوجها وحبهما بعد أن حصل منهما ~~ما قد حصل، على أني لا أعتقد في السحر إلا كاعتقادي في وجود العنقاء. # وأنا الآن في بيت خالي وقد طالما نصح لأختي هو وجدتي، نصحا لها أن ترجع عن ~~غيها وتنسى زوجي والرجال كثير، وهدداها بأن يبرءا من نسبتها إليهما فلم تحفل ~~بما بذلاه لديها من النصح والتهديد، وصمت إلا عن هواها وأنانيتها. # إن هذه الحادثة عزيزتي جعلتني أمقت ذكر الزواج والرجال، وأعتقد أنه لا يزال ~~بهم جزء وافر من البهيمية، وإن كانوا يدعون أنهم أرقى منا عقلا وأصفى جوهرا، ~~نعم إن أختي عليها بعض الجرم، ولكن من أغواها وأضلها؟ أليس هو الرجل؟ # هذه حكايتي قصصتها عليك، ولي في إخلاصك ما يخفف بعض لوعتي، والسلام. # صديقتك الوالهة سعاد # كلمتي # تقع أمثال هذه الحادثة كثيرا فيتفطر لها قلب الإنسانية، ولا أدري هل عند ~~حضرات العلماء والمجتهدين فتوى تحرم الزواج في مثل هذه الحادثة. # نعم؛ إن الشرع نص على أنه لا يجوز الجمع بين أختين في آن واحد، ولكن ألم يضع الدين كل ~~ما يكفل راحة البشر وسعادتهم؟ وإن في طلاق أخت لأجل زواج أختها من نفس بعل الأولى لشقاء ~~لا يعادله شقاء، وقطيعة بين ذوي القربى، أو عصيانا لأمر الله تعالى، فإنه نص على البر ~~بهم نصا صريحا لا يحتاج لتأويل. # من الملوم في مثل هذه الواقعة؟ لا ريب أن اللوم لا يتخطى كلا الزوجين الجديدين، ولكني ms065 ~~أعتقد أن المرأة أضبط للنفس من الرجل متى أرادت ، وليس ذلك بالفطرة ولكن بفضل المبادئ ~~والتقاليد، فلو كانت أخت سعاد أرجعت بعل أختها عنها لارتجع، أو لو ابتعدت عن طريقه ~~لامتنع عن التمادي في الغواية، ولكنها كانت ميالة للغدر بأختها، فلا رعاها الله ولا رعى ~~كل امرأة لا تقوى على ضبط نفسها وامتلاكها. ~~(16) المدن والقرى # قل: ما أنقى الهواء وأعذب الماء وأصفى السماء في القرى! وما أكذب الحياة وأقرب الوفاة ~~في المدن! القرى جميلة لأنها على الفطرة، أما المدن فلا تعدم أثرا للتكلف ~~والرياء. # أين دوي الكهرباء من خرير الماء، والدخان المتعاقد فوق المداخن من جو لا ترى فيه إلا ~~تحليق الصقور وإلا رؤوس النخل الباسقات؟! وأين وحل الشوارع وعثيرها من أرض كسيت ببساط ~~النبات؟! وأين الرائحة المنبعثة من مقاذير المنازل، وروث الدواب من شذى أزهار الحقول؟! ~~بل ما أوصل البصر يريد الجولان فيرده من هنا جدار ومن هناك سور من نظر تسرحه حيث شئت ~~فلا تجد إلا اللا نهاية للفضاء؟! وأين كثرة التلفت والحذر من رسل عزريل (السيارات ~~والمركبات) من اطمئنانك وسيرك على صراط سوي لا يقتفي أثرك إلا ظلك، وهو على ما تعلم من ~~التبعية والولاء؟! وبالاختصار قل: إن جملة المدن فيها إجهاد للحواس وتشويش للفكر، وإن ~~القرى فيها هدوء الكون والجسم والبال. # في القرى تجود الصحة لنقاوة الهواء وحسن الغذاء واتباع سنن الطبيعة في النوم والراحة ~~والاستيقاظ، أما في المدينة فغذاء مغشوش وماء آسن لا يكاد يصل إلى المنازل إلا بعد ~~مروره ببطن الأرض فيتلوث بما فيها من المستنقعات والرواكد والأقذار، وجو مكتظ بأنفاس ~~السكان من أقوياء وأعلاء، ومساكن اشتركت في عمرها الرطوبة فضلا عما بها من الضيق، ~~وساكنها من حين لآخر ينتظر زائرا أو يزور صاحبا، أو يخرج ليرى منظرا أو يلتقط خبرا، ~~فيضيع وقته سدى في أحاديث منمقة كاذبة، تراه يقول لزائره: «أوحشتنا وآنستنا» وقد يؤثر ~~زيارة الحمى على زيارته. # المدن باعثة على الفساد، من كان عنده ميل إليه، أو كان ضعيف الإرادة يجره أولو ms066 السوء ~~إلى مساوئهم كما يجر الجزار الشاة، ويجذبه زخرف المدينة الباطل فلا يقوى على رد هجمته، ~~لا تصلح المدن لتربية الأطفال على قواعد الصحة والاستقلال، وكذلك لا توافق المرأة ~~كثيرا. والمتصفح لكتاب (التربية الاستقلالية، أو إميل القرن التاسع عشر) لا يسعه إلا ~~التأمين على ما قاله مؤلفه من وجوب تربية الأطفال في القرى، وقد ضرب لذلك مثلا أن ~~الطفل في المدينة تجتهد أمه في تزويقه وتحسين بزته ليفتن كل من رآه، فإذا مشى يريد ~~الفسحة حمله هذا وقبله وأطراه ذاك، وإذا أراد اللعب أو تتبع حشرة أو جرى تنشيطا ~~لرجليه، منعته مربيته لئلا يلوث ثيابه الجميلة، فينشأ الطفل ضعيف الجسم؛ لأنه لم تترك ~~له الحرية ليستعمل حواسه وأعضاءه كيف شاء، ولا غرو فإن استعمال الشيء يقويه ويصلحه ويشب ~~ضعيف الإدارة مغلوبا على أمره؛ لأنه يجبر على الخضوع لمربيته خضوعا مزريا، حتى إنه ~~ليستشيرها فيما يقول أو يفعل، ويشب كذلك مغرورا بنفسه لتعوده سماع الثناء عليه ~~والإطراء، ثم يظل جاهلا لكثير من الأمور؛ لأنه في القرية يستغني عن كثير من «دروس ~~الأشياء» والجغرافية الأولية يتعلمها بنفسه، والعلم المكتسب من النفس والتجارب ثابت ~~بخلاف ما يحشى به الرأس قسرا فإنه سريع الزوال غير مؤثر. فبدلا من تلقينه أن الشمس ~~تبزغ من الشرق وتغيب في الغرب، وترديده تلك الألفاظ كالببغاء وقد لا يرى شروقها وغروبها ~~لعلو المساكن الملتصق بعضها ببعض وحجبها الأفق، بدلا من ذلك يمكنه في القرية أن يلاحظ ~~الشروق والغروب بنفسه لسعة الفضاء حوله. # يضحكني في دروس الأشياء وكتبها أن يقال: الجمل من ذوات الأربع وله سنام، والقط وله ~~عينان وشاربان، والسمكة لها ذيل وحرافيش، فإن ذلك يجب أن يراه الطفل بنفسه، أما ذكره له ~~فأراه حطا من كرامته وتضييعا لوقته، وتعويدا له أن يتكل على غيره، وعندي أن تركه ~~يلعب ويمرح خير له من تلك الدروس العقيمة، ولكن قد لا ينتبه أطفال المدن لتلك الحيوانات ~~لقلتها عندهم، ولعدم تعودهم البحث وإجالة النظر من تلقاء أنفسهم، وهم لو تربوا في القرى ms067 ~~لعلموا كل ما يتعلق بها أو جله، ولأمكنهم معرفة خصائص النباتات، ومتى وبأي وسيلة تنمو، ~~وماذا يصنع بها في أدوار نموها وبعد نضجها، وغير ذلك مما يفيدهم ويسليهم في آن ~~واحد. # ترى الطفل في القرية يستيقظ مع الشمس وينام معها ويأكل متى جاع، فلا ينتظر وليمة يأخذ ~~منها فطيرة قد تفسد معدته، ولا يجبر نفسه على السهر ليحضر الملاعب، وهو في كل أوقاته ~~بعيد عن السكارى والمهوسين وصرعى العجلات (الترام) فتمتلئ نفسه ثقة وإيمانا ~~واطمئنانا، ويكون أبعد انفعالا وحمقا من مثله في المدينة، ويؤيد قولي هذا أن أعظم ~~النوابغ في مصر وأشرف الرجال مبادئ أصلهم كلهم تقريبا من أولاد أولئك القرويين الأصحاء ~~البنية والعقول، أثرت فيهم تربيتهم الاستقلالية فنشأوا ذوي عزيمة صادقة وحب غريزي ~~للعمل، أما أولاد (الذوات)، وهم العريقون في سكنى المدن، فلا حاجة لوصفهم، ويكفي القول ~~بأنهم لا يصلحون لشيء ما، ولا ينبغ منهم إلا النزر القليل. # والمرأة ليست أقل سعادة من الطفل في سكنى القرى، بأنها فضلا عما تجد من جودة الصحة ~~والراحة، تراها تتفرغ لبيتها أكثر وتزاول بعض الأعمال مما يشغل عضلاتها، أو على الأقل ~~يستدعي انتباهها وملاحظتها، فبدلا من أن تنام وتنتظر بائع الخبز يحضره لها، تراها في ~~القرية تشتغل بتحضيره، أو تلاحظ خدمها عند اشتغالهم بالقمح وتجهيزه، كذلك تجد نفسها في ~~المدينة كسولا؛ لأنها ببذل بعض الدراهم يمكنها استجلاب جميع لوازمها، فلا تخيط ~~والخياطات كثيرات، ولا تلاحظ نظافة البيت وترتيبه، كما تفعل لو كانت في القرية؛ لأن ~~خادمات المدن أرقى بالطبع من الفلاحات في مثل هذه الشؤون؛ فتتكل ربة البيت عليهن ولكنهن ~~لا يقمن بما عهد إليهن تمام القيام، أما سوق التنافس فرائجة جدا في المدن لكثرة ~~الاختلاط، وقد يجر تنافس النساء إلى تحميل الرجال فوق طاقتهم ومضايقتهم إذا لم يكونوا ~~في سعة من الغنى. # ماذا تعمل نساء المدن عندنا؟ لا شيء اللهم إلا كنس الشوارع بذيول حبراتهن، وإثارة ~~ترابها وجراثيم الأمراض المنتشرة، ووقتهن ضائع بين استقبال الزائرات وزيارتهن، وبعضهن ~~يحضرن التمثيل ولكنهن مع ms068 الأسف لا يخرجن منه بفائدة ما، ولا يتعلمن من مزاياه والتاريخ ~~المنطوي تحته والمعاني السامية التي يحتويها إلا ألفاظ العشق والتهتك ووسائل الهرب ~~والفجور، مثل هؤلاء تفسدهن المدن وتدعوهن للتبذير والابتذال. # قارن بين المرأتين المدنية والقروية تجد فرقا هائلا في الصحة والأخلاق؛ فبينا تنشأ ~~الأولى خمولا عليلة تجد الثانية مفتولة الذراعين طاهرة السيرة والسريرة، تمشي الأولى ~~في الطريق محتجبة، ولكنها غير محتجبة عن أعين السفلة وألسنتهم فيغازلونها على قارعة ~~الطريق، وهي تمشي الهوينى متبخترة، أما القروية فإنها تلوح عليها دائما ملامح الجد ~~والنشاط، فإذا مشت خارج بيتها تجدها تسرع الخطى لا تلوي على شيء، وهي لا تغطي وجهها، ~~ولكن هل يجسر أحد على «معاكستها»؟ # رأيت سيدات كثيرات لا يستطعن العيش في القرى أسبوعا واحدا فعجبت من ذلك، هؤلاء من ~~يسميهن الإنكليز # Society Women # أي: نساء المجتمعات، ~~وهن اللاتي لا يهمهن إلا أن يظهرن في كل حفلة ويذكرن بالحسن والتأنق في الملبس ونفاسة ~~المصوغات، ويطربهن أن يكن موضع الإعجاب وأن يشار إليهن بالبنان، ولو فيما لا يستحق ~~الذكر، مثاله أن إحداهن رهنت أملاكها واشترت سيارة وأوصت أن تدهن تلك السيارة بلون ليس ~~له مثل في البلد، وأن يجعل لصفارتها صوت خصوصي تعرف به، فإذا مرت وسمعت قولهم: هذه ~~سيارة فلانة؛ هزها الفرح ونسيت أن أملاكها مرهونة، وأنها خير من السيارة وأبقى، فهذه ~~السيدة ومثيلاتها ممن يرصعن أحذيتهن بحجارة الماس الكريم ويتركن الفقراء يتضورون جوعا، ~~لو نشأن في القرى أو لو سكنها لوجدن أنفسهن بعيدات عن مثل هذا الترف الباذخ ولواسين ~~الملتفات حولهن من الفلاحات البائسات. # السيدة الفاضلة هي التي ينال غيرها نفعها، لا التي ترفل في الدمقس وفي الحرير، وفي ~~القرى يمكن بث التعاليم المناسبة لأهلها فتستفيد منها كثير من النساء الجاهلات، ~~كتشويقهن للنظافة، وإلقاء بعض النصائح الصحية عليهن، وحثهن على إرسال بعض أولادهن ~~للكتاب، وتعويدهن الاطمئنان لتحوطات الأطباء أيام الأوبئة، وتشجيعهن عند أخذ أولادهن ~~للجندية وغيره كثير، وقد جربت ذلك بنفسي ويسرني أنه ناجح والحمد لله، إلا أن هذه القلوب ms069 ~~الطيبة والنفوس المطمئنة لتجعل الملتفات حولها تشعر كأنها ملكة في مملكة صغيرة ويلذها ~~أن تنفعها وترقيها، فليتدبر ذلك نساؤنا اللاتي يكرهن زيارة القرى لا لذنب إلا لأنها بلد ~~الفلاحين. ~~(17) جمال السيدات # البشاشة مفتاح ما أغلق من السعادة، ومعوان على قضاء الأشغال، يصل نورها إلى قلب ~~صاحبها فيفعمه غبطة، كذلك يلقي شعاعه الكهربائي على من حوله فتنتعش به أرواحهم وهي ~~جميلة في الكهل، كما تجمل في الطفل، إلا أنها أبهى وأشد تأثيرا في المرأة تلك التي ~~تسيطر على القلوب ولا تدري. # خلقت المرأة لطيفة بالفطرة، والبشاشة من لوازم اللطف، كما هي من المؤثرات في الجمال، ~~وإن لين صوتها ونعومة أديمها وتناسب أعضائها لتستدعي مراعاة النظير في رشاقة حركاتها ~~وانفراط أسرة وجهها، كذلك صوت المرأة يدل على تربيتها، فالمرأة المهذبة لا ترفع الصوت ~~ولا تكاد تسمعها عن بعد إلا كالهمس، هذا إذا لم يبعثها باعث شاذ على إعلائه كأن تقف ~~خطيبة على جمع حافل أو تلقي درسا في حجرة واسعة، ولكنك إذا اجتزت أحد شوارع البلد ~~الهادئة يذعرك كثرة ما تسمع من صياح النساء في غير طائل إلا شتم الخدم والدعاء على ~~الأطفال أو محض قص القصص أحيانا، فإذا دخلت المنزل تجد صاحبته مقطبة الجبين، يكاد ~~يطردك عبوسها عن أن تقابلها، ولا توشك أن تجلس حتى تبدي لك سبب صراخها، فتشكو من هذا ~~وتتألم من تلك إلى أن تجعل الدنيا في عينيك كسم الخياط. # يلاحظ نساء الفرنجة ذلك، وكذلك السيدات التركيات، ويستدللن من صوت المرأة على مكانتها ~~في الاجتماع، فالمهذبة تخفضه أما عاليته فيصمنها بفساد التربية أو ضعة المنبت، ~~ولكننا نحن المصريات قلما نراعي ذلك فقد تجد أعرقنا أصلا أقوانا نبرة، وأكثرنا حشمة ~~أشدنا صراخا. # ثم إذا أرادت إحدانا التنقل من حجرة لأخرى تراها تتعثر بأذيالها، أو يصدمها حائط أو ~~تكسر زهرية قريبة منها، وهذا كله نتيجة تربيتها الأولى. # يجب أن تتعلم الفتاة كيف تمشي وكيف تتكلم، لا أريد بذلك أن تتدرب على التبختر أو غنة ~~الصوت، كلا وإنما المراد تربيتها على ms070 ملاحظة ما حولها والانتباه له؛ فكثيرات عندنا ~~وكثيرون أيضا من يمشون غير حذرين فيقعون فيما لا تحمد عقباه، وإن كثرة صرعى (الترام) ~~في مصر وتعدد السقوط من النوافذ لبرهان جلي على فساد التربية سواء كانت في الأطفال أو ~~الكبار، وإن من العمى لمن هم أشد حذرا في التلمس وأكثر تؤدة في المشي من هؤلاء ~~المبصرين الذين (لا يستعملون أعينهم) كما يقول الإنكليز في اصطلاح لغتهم. # إذا كان الإنسان عاجزا عن أن يحسن خلقته أو يغيرها تغيرا ثابتا، فإنه يستطيع على ~~الأقل أن يحفظها كما هي زمنا طويلا وأن يحسن أخلاقه، وهذه الثلاث الخصال؛ أي: البشاشة ~~والخفة وانخفاض الصوت من مجملات المرأة خلقا وخلقا، ومن محسنات الصحة أيضا؛ فقد ثبت ~~أن تقطيب الوجه يدني إلى الشيخوخة بما يخلفه من الآثار والغضون، فيثني الجلد ثنايات لا ~~انفراط لها فيما بعد، وأظن هذا هو السبب الوحيد فيما يظهر على نسائنا من الكبر قبل ~~الأوان. # أما خفة الحركة فكفى بها ما تستدعيه من نشاط الجسم وتوفير الوقت، تسافر المرأة ~~الإفرنجية الآن أو البدوية وحدها، فتركب القطار أو الجمل وتنزل وسرعان ما تحمل متاعها ~~أو تحضر من يحمله لها بلا ضوضاء، أما المصرية فلا تسافر إلى محطة قريبة إلا ومعها من ~~الخدم والأقارب من تعطلت أعمالهم من أجلها، ثم تجدها لا تكاد تحرك رجلا لتنزل حتى ~~يتحرك القطار وإذا ساعدها الله (والأولياء) ونزلت! فما أكثر ما تفتقده ولا تجده! ضاعت ~~حقيبة المصوغات وانكسرت القلة فبللت حبرتها، واشتبك برقعها بمفتاح العربة فانقطع خيطه، ~~وإذا لم يسرع حشمها في التقاط أطفالها فقد يقع أحدهم تحت العجلات صريعا. # أما انخفاض الصوت، ففضلا عن رقته ولطفه في ذاته، فإنه يريح الرئتين والزور من ~~الإجهاد وكذلك يقع لينا على آذان السامعين. # المرأة صاحبة البيت في الحقيقة لا الرجل، فإنها بما لها من القيام على ترتيبه وحفظ من ~~فيه وما فيه تسري سلطتها على من يسكنونه معها من زوج وأولاد وخدم، والرئيس له تأثير ~~غريب على مرؤوسيه، يأتي طبيعيا إن لم ms071 يكن بالتقليد لنيل الزلفى، فإذا دخل معلم على ~~تلاميذه بحالة من الحالات النفسية تجد أن تلك الصورة بعينها قد انطبعت في التلاميذ إن ~~فرحا وإن غضبا. والمرأة لها نفس التأثير الغريب في بيتها، فحرام أن تحزن معها رجلا ~~يتعب ويكد يومه ولا يغشى بيته إلا ليستريح، وأولادا صغارا لا يعرفون للهم معنى، ~~وخدما تبعث فيهم كلمة طيبة منها روح النشاط وحب العمل، حرام أن تكدر صفو هؤلاء على غير ~~جريرة؛ لأنها تشعر بملل من طول الكسل، أو بضيق صدر بسبب كان ذلك أو بلا سبب. # على أن بعضهن قد يفرطن في التبسم وانخفاض الصوت إلى درجة تخرجهن عن اللائق، فالمرأة ~~الضاحكة بلا سبب والخفيفة إلى حد الطيش والواطئة الصوت إلى حد الهمس كلهن مفرطات فيما ~~يجب، إنما أعني أن تصحب البشاشة الوقار، والخفة الحزم، وهدوء الصوت البيان. هذا هو ~~الجمال الممكن نيله، الممدوح أثره، لا الطلاء والتطرية الكاذبان. # جمال السيدات يضيعه التبغ والخمر # الله أكبر! ما جمال المرأة المعنوي إلا في عفتها ووداعتها، والتبغ مذهب لتلك ~~الوداعة مخل بصفائها؛ صور قدماء الرومان واليونان آلهتهم برموز وتماثيل تدل عليها، ~~وكذلك يصور المعاصرون من الفرنجة كثيرا من المعاني في أشكال مجسمة تعينها، مثلوا ~~الحنو الوالدي والشفقة والصبر والحب وغيرها في حجارة نحتوها وصور نقشوها، ولعلهم لم ~~يفتهم تصوير الكسل ولو أنصفوا لصوروه امرأة تقضي وقتها بين السيجارة والقهوة، ~~وأظننا لا نجهل مثلا حية كثيرة له. # وكما يذهب تعاطي التبغ بالجمال المعنوي، كذلك يسلب الجمال الحسي، يرمي الأسنان ~~بالصفرة ويغير اللثة والشفتين، وأظنه يغير طعم الفم أيضا، ولو عاش الشعراء ~~الأقدمون إلى هذا الوقت لما رأينا في أشعارهم ذكر اللؤلؤ والبرد ووميض البرق، ~~وغيرها مما كانوا يشبهون به أسنان النساء لشدة بريقها، فإذا كانت المعاصرات - ~~وخصوصا المتدينات منهن - يزعمن أنهن أرقى من مثيلاتهن الغابرات في كل شيء فقد ~~أخطأن، وإذا كان دارون وأنصاره يدعون اطراد التحسن والارتقاء في التسلسل الذي قالوا ~~به، فقد كان يتحتم عليهم أن يستثنوا جمال النساء؛ لأنه راجع القهقرى، ms072 ولو اقتصرن ~~على تعاطي التبغ لهان الأمر، إنهن - والأسف ملء فؤادي - يتعاطين الخمر سرا ~~وجهرا، أعوذ بالله من شر المدنية الحديثة، ومن شر التقليد الأعمى. # الرجل أبشع ما يكون حين يسكر، والمرأة أبشع ما تكون حين تشرب الخمر، وقد سرى هذا ~~الداء العياء بين الطبقات العالية من النساء، بدعوى أنه من كماليات التفرنج، ~~ويقلدهن فيه الباقيات تشبها، ويتبجح بعض النساء الآن في الأعراس بطلب الكؤوس ~~والأقداح وزجاجات الخمر؛ إذ يشربن بلا احتشام، ولا يلبثن أن يتمايلن ويهذين كسكان ~~(السراي الصفراء). # حدثتني سيدة ثقة من المتألمات لهذه الحال أنها دعيت إلى عرس أحد (الذوات)، ولما ~~جن الليل قام من بين المخمورات اثنتان فهذتا ما شاء الجنون، وبعدها تشاجرتا وأمسكت ~~كل واحدة منهما بتلابيب الأخرى فمزقتا أثوابهما المزركشة، وكانت النتيجة سخرية ~~وفضيحة، وقد أكدت لي محدثتي أن ثوب إحداهما كلفها أربعين جنيها؛ فيا للعار! إنها ~~لبدعة وضلال كبير ... ذهب الوقار وانتشر الفجور فبئس التدين وبئس التقليد، ألمثل ~~هاتين المرأتين توكل تربية الأولاد، ومن مثلهما يطلب تدبير الدور؟ إن السكرى لا تعي ~~ما تقول ولا ما تفعل، وقد يجرها الخمر إلى شر أنكى من الهذيان، وإن المتتبع لسير ~~نسائنا ليدهش من كثرة الفساد بين الطبقة العليا منهن وهي تعدي كالجرب غيرها من ~~الطبقات، أين وازع الدين؟ أين زاجر العقل والآداب؟ يا قوم لا تغرنكم زخارف المدنية ~~وربوا بناتكم تربية إسلامية، ولا بأس من اقتباس الحميد من المدنية الأخرى، وإن ~~تدهوركم هذا لآخذ شيء بكم وبالوطن إلى مهاوي الاضمحلال، وأي فساد أكبر من اندماج ~~أمة في أخرى، وتلاشي عاداتها وآدابها في اتباع سنن لا تتفق مع دينها ولا مع ~~مدنيتها؟ # إن فساد كثير من النساء راجع إلى بعولتهن، فكثيرات من تعلمن منهم المسكر، وكثيرات ~~من يسكرن معهم في البيت حرصا عليهم أن يسكروا في الخارج فيرنوا إلى غيرهن، أو ~~تسلب نقودهم، ويجعلن لأنفسهن عذرا أن بعض الشر أهون من بعض، إلا أن المرأة ~~الحكيمة هي التي إن رأت في بعلها خصلة ذميمة أخذته بالحيلة ms073 وحسن السياسة والتأثير ~~إلى أن يتركها، لا التي تحاكيه فيها فيتضاعف الفساد، وأجدني مضطرة إلى توجيه بعض ~~اللوم إلى أطبائنا في هذه الحال، فأغلبهم يصفون أدوية فيها مزيج من النبيذ وغيره ~~للسيدات بدعوى أنها تقوي الدم أو تجلب الدفء أو تمنع المغص وغير ذلك. نعم؛ إنهم ~~يصفونها بقصد حسن لأنهم يعرفون من خصائصها ما قد يشفي ما وصفت لأجله، ولكن في ~~إمكانهم أن يستبدلوا بها عقاقير أخرى لها نفس تلك الصفات، ولا يبعد عليهم معرفتها ~~أو التنقيب عنها في كتب الطب القديمة؛ لأن بعض النساء يتوكأن على أن الخمر داء، ~~فيتعاطينه لذاته ويزعمن أنه للشفاء، وقد تترك فيهن الكأس الأولى وهي دواء ما يجعلهن ~~يعدن الكرة في غير ألم. # أما الضرر الصحي من التبغ والخمر فلا يقل عن مثله الاجتماعي، فقد أوضح الأطباء ~~مفعوله وبينوا مقدار (النيكوتين) السام في كل لفافة (سيجارة)، وكيف أنه يضر الصدر ~~والعيون ويفسد الشهية للطعام، أما الخمر فكفى أنها تقطع الكبد وتفسد العقل، وفي ~~تقرير كتبه مدير مستشفى المجاذيب أن أكثر من نصف ضيوفه اللطاف أذهبت عقولهن ~~المغيبات! # إن أثقل وقت تقضيه السيدة التي لا تدخن هو الذي تجتمع فيه بأخريات يدخن، فيرسلن ~~سحب دخانهن فتستعير ويسد عليها الدخان منافسها، ولعل الله بفضله وكرمه يسمعنا عن ~~حريق آخر في مخازن الخمور كما أحرق مخازن التبغ، فتجد المتوسطات والفقيرات من غلاء ~~أسعارهما ما يمنعهن من تعاطيهما، ويكون عزاؤنا الوحيد لأصحاب الخسائر بيت ~~المتنبي: # بذا قضت الأيام ما بين أهلها # مصائب قوم عند قوم فوائد # جمال السيدات والرياضة البدنية # كثيرا ما يكون ضعف البنية من مشوهات الجمال، وإن لجودة الصحة لدخلا لا يستهان ~~به في تحسين تقاسيم الوجه وتناسب الأعضاء، ولا تقوم تلك الجودة على حسن الغذاء فقط ~~كما يتوهم أغلب النساء، بل لها أساسات أخرى، أهمها الرياضة وخلو الفكر من الهم، ~~والناظر لحالة نسائنا يدرك لأول وهلة احتياجهن الشديد إلى الرياضة البدنية، فإن فقر ~~الدم المستحوذ على كثيرات منهن، والسمن المفرط المسببين عن طول مدة الجلوس، ms074 ليشهدان ~~أن تلك الوجوه المصفرة لم ترها الشمس، وأن تلك الأجسام الضخمة لم تهذبها الحركة، ~~ولو اقتصر الأمر على تشويه الجمال، وما ذلك بالهين على النساء، لما كان الخطب كما ~~هو الآن جللا، إن طول المكث في محل واحد وعدم تنوع المعيشة عندنا يذهبان بطلاوة ~~الجديد ويجلبان الأمراض المختلفة والسأم، كالماء الراكد إن لم يتغير أسن. # للرياضة أنواع شتى تستعملها النساء الغربيات، ولست أشير على نسائنا باقتباسها ~~بأنواعها فقد لا تلائم مجتمعنا، فمنها الألعاب المختلفة والركض والسباحة وركوب ~~الخيل وأقلها كلفة وأكثرها ملاءمة للشرقيات المشي؛ فهل ترانا نقوم به وهو لا يكلفنا ~~درهما، وليس هو مما قد نعده من علائم الطيش الإفرنجي، أو مما يذهب برزانة الشرقيين ~~ووقارهم الطبيعيين؟! # إن عيشتنا كلها جلوس في جلوس، نظل أسرى البيوت الضيقة، ويمنعنا زهونا عن أن نشتغل ~~بشيء فيها، فتجمد عضلاتنا عن الحركة، وإذا طلبنا فكاكا من هذا الأسر الممل فلا نجد ~~سوى بيوت الجارات نزورها ماشيات خطوات معدودة إن كانت قريبة، وإن بعدت فما أرخص ~~العجلات وأكبرها مما تجره الخيل أو الكهرباء! # يشكو أغلب نسائنا الصداع وضيق الصدر وعسر الهضم وغيرها مما تكفي الرياضة واجتلاء ~~جميل المناظر لإزالته، وما الآلام العصبية و(الزار) إلا نتيجة ذلك الملل وبلادة ~~الأعضاء، فإن المرأة المصرية لا تدري بماذا تروح عن نفسها وتذهب سأمها ولا كيف ~~تنوع معيشتها فتنزع إلى تلك الترهات لجهلها، ولكنها معذورة فيما أرى لأنها مضطرة ~~وقد يركب المضطر حد السيف. # إن آباءنا وأجدادنا كانوا أكثر منا مراعاة لترويض النساء من حيث لا يدرون، فإن ~~المنازل القديمة كانت كلها مبنية على الطراز التركي، تحجبها أسوار عالية وداخلها ~~الرحبات المتسعة والحدائق الغناء مما تمرح فيه نساء البيت ولا رقيب عليهن، وينعمن ~~أنفسهن ببهيج منظر الحدائق وفوارات الماء، فمن لاذ للسمع وجميل للنظر وحلو للذوق ~~ولطيف للمس وزكي للشم؛ طيور صادحة وغزلان سارحة وفاكهة جنية وزهور شهية وروائح ~~عطرية. خضرة الزمرد وشفافية البلور في النبات والماء، وبهاء الياقوت وأريج المسك في ~~الزهر والهواء، وسواق ناعرة تجلب ms075 النوم وتجعله هنيا، وبالجملة كان عيش تلك ~~البيوت مريئا ونساؤها كما قال شوقي بك: # يمرحن في مأمن # مثل حمام الحرم # أما اليوم فقد قضى الاقتصاد، أو بالأحرى البخل والتناهي في تقليد الغربيين على ~~أصحاب البيوت أن يضيقوها، وما ضاقت إلا على النساء المظلومات فليس بها إلا الحجر، ~~وتجد السلم مبتدئة من عتبة الدار ووجهة البيت مكشوفة، فلا تستطيع صاحبات البيت ~~التحرك ولا فتح النوافذ أحيانا، وهذا لعمري آخذ بالخناق، ولعله سبب انتشار كثيرات ~~منا في الطرقات، ماذا يفعل الطير المحبوس في قفص من حديد؟ إنه لا يتأخر لحظة عن ~~الفرار إذا وجد وسيلة له. # إلا أن الشوارع والطرقات بها ما يوقر الآذان من بذاءة المماحكين وانتشارهم ~~كالجراد، وقد يراهم رجال شرطتنا ويسمعونهم يتعدون على الآداب ويضحكون، ولو جاز أن ~~تجعل طرق للنساء خاصة وأخرى للرجال خاصة، لما تأخرنا عن المشي في طريقنا، أما ~~والطريق عامة فليس أمامنا إلا أن نتوسل إلى أولئك الطغام أن يكفوا عن مماحكتهم ~~وتعرضهم لنا، فيكفينا ضيق المساكن عن أن يضيقوا علينا السبيل. # إن المشي والنزهة ليكسبان علما وتجربة، فضلا عما يؤثران به في الصحة وتنقية ~~الدم وما يخلفانه من النشاط في الأعضاء لمساعدتهما الجسم على إخراج فضلاته ~~المحترقة، فكم في الطريق من مثار للرحمة ومن نافع لتعليم الأطفال. وليست الفضيلة ~~دروسا تلقى على الآذان وتحفظ باللسان، وإنما هي فواعل تؤثر في النفس فتكسبها صدق ~~العزيمة على رد هجمات السوء، وتحبب إليها الحسن من الخصال، وكم في المتنزهات من ~~دروس صامتة لجمال الكون، وتسبيح الخالق والإيمان بما أنزله، وكم فيها من شياطين ~~للشعر والموسيقى النفسية توحي للنفس ما توحي من جمال وحكمة. # إننا في مصر ولكنا لا نعرفها، أرأيت أغرب من مبصر أعمى؟! إن الأهرام على قيد فلتة ~~العيار من القاهرة، ولكن كثيرات منا لم يزرنها، والآثار تخبرنا عنها السائحات ~~الأجنبيات فنبدي جهلا مزريا، ونعجب مما يقصص علينا، وتاريخنا مبعثر في الأرض من ~~قديم وحديث ولا من تلم به حيا من غير الكتب الجامدة الخالية من ms076 الروح، ألم يأن ~~لنا أن نطلب الحرية قليلا فقد طلبتها أرجلنا التي كاد يصيبها الكسح من طول الجلوس، ~~وأعيننا لم تر من بدائع الكون شيئا؟! خصصوا لنا متنزهات - إن شئتم - لا يدخلها غير ~~النساء وخليق بالمحافظين والمديرين أن يجيبوا هذا الطلب كل في مديريته، ووفروا ~~قليلا مما تصرفونه على الزخارف الكاذبة لبناء أو استئجار بيوت فسيحة الأفنية ~~ليتروض فيها نساؤكم وأطفالكم بالمشي ليس إلا، أما نصيحتي للسيدات فهي أن يتركن ~~الزيارات جانبا وينزهن أنفسهن في الخلوات القريبة مع آبائهن أو بعولتهن؛ ليستفدن ~~صحة وعلما وجمالا. # | خطبة في نادي حزب الأمة # وبحضور مئات من السيدات # أيتها السيدات # أحييكن تحية أخت شاعرة بما تشعرن، يؤلمها ما يؤلم مجموعكن، وتجذل بما به تجذلن، وأحيي ~~فيكن كرم النفس لتفضلكن بتلبية الدعوة لسماع خطبتي، إن أطلب بها إلا الإصلاح ما استطعت، فإن ~~أصبت كان ما أرجو، وإن أخطأت فما أنا إلا واحدة منكن والإنسان يخطئ ويصيب، فمن رأت في خطبتي ~~رأيا مخالفا لما تعتقد أو أحبت المناقشة في نقطة فلتتفضل بإبداء ما يعن لها بعد انتهاء ~~كلامي. # أيتها السيدات، ليس اجتماعنا اليوم لمجرد التعارف، أو لعرض مختلف الأزياء ومستحسن ~~الزينات، وإنما هو اجتماع جدي أقصد به تقرير رأي لنتبعه، ولأبحث فيه عن عيوبنا فنصلحها، فقد ~~عمت الشكوى منا وكثرت كذلك شكوانا من الرجال، فأي الفريقين محق في دعواه؟! وهل نكتفي من ~~الإصلاح بمجرد التذمر والشكوى؟! لا أظن مريضا طاوع أنينه فشفاه، ويقول المثل العربي: لا ~~دخان بلا نار، ويقول الفيلسوف الإنكليزي هربرت سبنسر: إن الآراء التي يظهر لنا أنها خطأ لا ~~يمكن أن تكون خطأ محضا، بل لا بد أن يكون فيها نصيب من الصحة والصواب، إذن نحن والرجال ~~متساوون في صحة الدعاوى وبطلانها، كلنا متظلمون وكلنا على حق مما نقول، بيننا وبين الرجال ~~الآن شبه خصومة، وما سببها إلا قلة الوفاق بيننا وبينهم، فهم يعزون هذه الحالة إلى نقص في ~~تربيتنا وعوج في طريقة تعليمنا، ونحن نعزوها لغطرستهم وكبريائهم، وهذا الاختلاف في إلقاء ~~المسئولية ms077 زادنا اختلافا في العيش، وأوسع هوة الجفاء بين الرجال والنساء في مصر، وهو أمر ~~لا ننظر فيه بعين الارتياح، وإنما نأسف له ونتوجس منه، لم يخلق الله الرجل والمرأة ليباغضا ~~ويتنافرا، وإنما خلقهما الله ليسكن أحدهما إلى الآخر فيعمر الكون إذ في ائتلافهما بقاؤه، ~~ولو انفرد الرجل في بقعة من الأرض وانعزلت النساء إلى أخرى لانقرض الحزبان وحقت عليهما كلمة ~~الفناء. # تدركن معنى قولي هذا من صعوبة الرد على هذا السؤال: أي الجنسين أصلح للبقاء في الدنيا: ~~النساء أم الرجال؟ فإذا أجابت إحداكن: الرجال؛ لأنهم يقومون بشاق الأعمال من بناء واختراع ~~وزرع وغيره، عارضتها بقولي: ولأجل من نتجشم تلك الصعاب ولا نساء يتسلسل منهن النسل لعمار ~~هذا الكون؟! وإذا قلنا: النساء؛ لأنهن مدبرات البيوت وأمهات النشء، لقلت: ومن أين يأتي ~~النشء ولا أب له؟ هذا قياس على نظام الطبيعة الحالي، ولن نتوسع في الافتراضات والمتوهمات، ~~فقد كان الله قادرا على خلق نظام آخر للتوالد، وهو قادر على خلق مثله، ولكنا للآن لم نسمع ~~إلا بمثال واحد لهذا الشذوذ هو مثال سيدنا عيسى عليه السلام، فالمرأة والرجل للكون كالخبز ~~والماء للجسم أو الشمس والماء للزرع، ولو استعاضت إحدانا باللبن عن الماء فإن اللبن ~~بالتحليل يحتوي الماء، فالكتب السماوية كلها مجمعة على أن أصل البشر من آدم وحواء، ~~والقائلون برأي دارون لم ينكروا ضرورة لزوم الذكر والأنثى للتوالد من الحيوانات الأولى التي ~~زعموا أنها ارتقت بالتدرج إلى مصاف الإنسان، كذلك الحال في كل جسم حي نام، فإن النباتات ~~كلها فيها الذكورة والأنوثة، والزهرة - على لطافتها وصغر حجمها - تحتوي شكلين مختلفين من ~~العروق أحدهما لقاح للآخر، كذلك جعلهما الله لينتج منهما الحب الذي فيه بقاء النوع وسلط ~~عليه الريح تسفيه إلى الأرض، فإذا ما جاده الغيث أو لقي ريا نبت ونما وصار شجرا، فنظام ~~التوالد مطرد في كل الأجسام الحية من حيوانات ونباتات لا شك فيه البتة، وإذا راجعنا ~~إحصائيات العالم كله وجدنا أن عدد الذكور والإناث فيه يكاد يكون واحدا أو يفرق ms078 قليلا ~~جدا، وهذا دليل على أن الله خلق رجلا لكل امرأة، هذا بقطع النظر عن الحروب وغيرها، مما ~~قد يخل بهذا التوازن الطبيعي الدقيق. إذن، فمحاولة الاعتزال بين الرجال والنساء مستحيلة، ~~وعليه فلا فائدة من هذه الغارات القلمية الشعواء بيننا وبينهم، والأوفق أن نسعى للوفاق ~~جهدنا، ونزيل سوء التفاهم والتحزب، لنحل بدلهما الثقة والإنصاف، ولنبحث أولا في نقط ~~الخلاف. # يقولون: إننا بتعلمنا نزاحمهم في أشغالهم، ونترك أعمالنا التي خلقنا الله لها، فليت شعري! ~~ألم يكونوا هم البادئين بمزاحمتنا؟! كانت المرأة في العهد السابق تغزل الخيط وتنسج ثيابا ~~لها ولأولادها، فاخترعوا آلة الغزل فأبطلوا عملها من هذا القبيل، وكانت المرأة المتقدمة ~~تغربل القمح وتهرسه وتطحنه على الرحا بيديها، ثم تنخله وتعجنه فتهيئ منه خبزا، فاستنبطوا ~~ما سمونه (الطابونة)، واستخدموا فيها الرجال فأراحونا من ذلك العمل الكثير ولكنهم عطلوا لنا ~~عملا، وكانت كل امرأة من السالفات تخيط لنفسها ولأفراد بيتها، فابتكروا لنا آلة للخياطة، ~~يشتغل في استخراج حديدها وصناعتها الرجال، ثم جعلوا منهم خياطين يخيطون لرجالنا وأولادنا، ~~وكنا نكنس حجرنا أو تكنسها الخادمات بمكانس من القش، فاستنبطوا آلة الكنس التي يكفي أن ~~يلاحظها خادم صغير فتنظف الرياش والأثاث، وكانت الفقيرات والخادمات يجلبن الماء لبيوتهن، أو ~~لبيوت سادتهن فاخترع الرجال القصب (المواسير) والحنفيات تجلب الماء بلا تعب، فهل ترى عاقلة ~~الماء يجري عند جارتها في أعلى طبقات منزلها وأسفله، وتذهب لتملأ من النهر وقد يكون ~~بعيدا؟! أو هل يعقل أن متمدينة ترى خبز (الطابونة) نظيفا طريا لا تتكلف له سوى ثمنه، ~~تتركه لتغربل وتعجن، وقد تكون ضعيفة البنية لا تتحمل تعب تجهيز القمح وعجنه أو فقيرة لا ~~تستطيع تأجير خدم له أو وحيدة لا مساعدة لها عليه، أظن الرجال لو كانوا محلنا لما فعلوا سوى ~~ما فعلناه، وما من امرأة تقوم بهذه الأعمال كلها إلا القرويات اللاتي لم يدخل قراهن ~~التمدين، بل إنهن يستعضن عن الرحا بوابور الطحين، وبعضهن عن الملء من البحر (بطلومبات) ~~يضعنها داخل دورهن. # ولست أريد من قولي هذا أن ms079 أذم الاختراعات المفيدة التي اخترعها الرجال كثيرا من أعمالنا، ~~أو أقول: إنها زائدة عن حاجتنا، وإنما كان هذا الشرح ضروريا لبيان أن الرجال هم البادئون ~~بالمزاحمة، فإذا ما زاحمناهم اليوم في بعض أشغالهم فإن الجزاء الحق من جنس العمل. # على أن مسألة المزاحمة هذه ترجع للحرية الشخصية، فزيد راقه أن يكون طبيبا، وعمرو رأى أن ~~يكون تاجرا، فهل يصح أن نذهب للطبيب ونقول له: لا تحترف هذه الصناعة بل كن تاجرا؟! وهل ~~يمكننا أن نجبر التاجر على أن يصير طبيبا؟! كلا؛ فكل له حريته يفعل ما يشاء ولا ضرر ولا ~~ضرار، وهل يجوز أن يمنع مهندس قديم من يحترفون هذه المهنة؛ لأنه كان يكتسب ربح بلد بأكمله، ~~فجاءه هؤلاء المهندسون الجدد يقتسمون أرباحه؟! على أن ذلك لو جاز قوة لما صح أن يجوز شرعا ~~وحرية، ولما قامت من أجله الشحناء بين الرئيس روزفلت وشركات الاحتكار، فإذا كان المخترعون ~~والصناع أبطلوا جزءا كبيرا من أعمالنا، فهل نقتل الوقت في الكسل أم نبحث عن عمل يشغلنا؟! ~~لا غرو وأننا نفعل الثاني. # ولما كانت أشغال منزلنا قليلة، لا تشغل أكثر من نصف النهار، فقد تحتم أن نشغل النصف الآخر ~~بما تميل له نفوسنا من طلب العلم، وهو ما يريد أن يمنعنا عنه الرجال بحجة أننا نشاركهم في ~~أعمالهم، لا أريد بقولي هذا أن أحث السيدات على ترك الاشتغال بتدبير المنازل وتربية الأولاد ~~إلى الانصراف لتعلم المحاماة والقضاء وإدارة القاطرات! كلا؛ ولكن إذا وجدت منا من تريد ~~الاشتغال بإحدى هذه المهن فإن الحرية الشخصية تقضي بأن لا يعارضها المعارضون، قد يقولون: إن ~~الحمل والولادة مما يجبرنا على ترك الشغل، وقد يجعلون ذلك حجة علينا، ولكن من النساء من لم ~~تتزوج قط، ومنهن العقيمات اللاتي لا ينتابهن حمل ولا ولادة، ومنهن من مات زوجها أو طلقها ~~ولم تجد عائلا يقوم بأولادها، ومنهن من يحتاج زوجها لمعونتها، وقد لا يليق بهؤلاء أن ~~يحترفن الحرف الدنيئة، بل ربما يملن إلى أن يكن معلمات أو طبيبات حائزات لما ms080 يحوزه الرجال ~~من الشهادات، فهل من العدل أن يمنع مثل هؤلاء من القيام بما يرينه صالحا لأنفسهن قائما ~~بمعاشهن؟! على أن الحمل والولادة إذا كانا معطلين لنا عن العمل الخارجي فهما معطلان لنا عن ~~الأعمال البيتية أيضا، وأي رجل قوي لم يمرض ولم ينقطع عن عمله وقتا ما؟ # يقول الرجال ويجزمون: إنكن خلقتن للبيت، ونحن خلقنا لجلب المعاش، فليت شعري! أي فرمان صدر ~~بذلك من عند الله؟! ومن أين لهم معرفة ذلك والجزم به ولم يصدر به كتاب؟! نعم؛ إن الاقتصاد ~~السياسي ليأمر بتوزيع الأعمال، ولكن اشتغال بعضنا بالعلوم لا يخل بذلك التوزيع، وما أظن أصل ~~تقسيم العمل بين الرجال والنساء إلا اختياريا، بمعنى أن آدم لو كان اختار الطبخ والغسل، ~~وحواء السعي وراء القوت لكان ذلك نظاما متبعا الآن، ولما أمكن أن يحاجنا الرجال بأنا ~~خلقنا لأعمال البيت فقط، وها نحن أولاء لا نزال نرى بعض الأقوام، كالبرابرة مثلا، يخيط ~~رجالهم الثياب لأنفسهم ولأفراد بيتهم ويتجشم نساؤهم مشقة الزرع والقلع حتى إنهن ليتسلقن ~~النخل لجني ثمارها، وها نحن نرى نساء الفلاحين والصعايدة يساعدن الرجال في حرث الأرض وزرعها ~~وبعضهن يقمن بأكثر أشغال الفلاحة كالتسميد والدراس وحمل المحاصيل ودق السنابل والبراعم ~~(الكيزان) وسوق المواشي ورفع المياه بما يسمونه بالقطوة، وغير ذلك من الأعمال التي ربما ~~شاهدها منكن من ذهبت إلى الضياع (العزب)، ورأت أنهن يقدرن عليه تمام القدرة كأشد الرجال، ~~ونرى مع ذلك أولادهن أشداء أصحاء. # فمسألة اختصاص كل فريق بشغل مسألة اصطلاحية لا إجبار فيها، وما ضعفنا الآن عن مزاولة ~~الأعمال الشاقة إلا نتيجة قلة الممارسة لتلك الأعمال، وإلا فإن المرأة الأولى كانت تضارع ~~الرجل شدة وبأسا، أليست المرأة القروية كأختها المدنية؟ فلماذا تفوق الأولى الثانية في ~~الصحة والقوة؟! هل ترتبن في أن المرأة من المنوفية تصرع أعظم رجل من رجال الغورية لو ~~صارعته؟ فإذا قال لنا الرجال أننا خلقنا ضعيفات، قلنا: لا، وإنما أنتم أضعفتمونا بالمنهج ~~الذي اخترتم أن نسير فيه. # حدثتني سيدة عالمة أنها في سياحتها بأمريكا ms081 رأت بعينها هنودها ~~الحمر تتحرك آذانهم من تلقاء نفسها تجاه الصوت الذي يترقبونه كآذان الخيل والحمير؛ ذلك ~~نتيجة استعمالهم لها وقد توارثوه أيضا وهم في حاجة إليه لتسمع زئير السباع وعواء الوحوش ~~التي ربما تهاجمهم في فلواتهم، كذلك نجد حواس الوحشيين أقوى من حواسنا بكثير، فهم يشمون ~~رائحة الوحوش من بعيد أما نحن فلا، ولم يكذب من قال إن الوظيفة تكون العضو، هؤلاء العميان ~~يعتمدون كثيرا على حاسة السمع، فتقوى فيهم بالتدريج تلك الحاسة إلى أن تبلغ غاية قد تعد من ~~الخوارق عندنا، فهل بعد أن استعبدنا الرجال قرونا طوالا حتى خيم على عقولنا الصدأ وعلى ~~أجسامنا الضعف يصح أن يتهمونا بأنا خلقنا أضعف منهم أجساما وعقولا؟ إنهم لو أنصفوا ولم ~~يتحزبوا لما عيرونا بأننا قليلات النبوغ وأنه لم يسمع بإحدانا غيرت قاعدة في الحساب ~~والهندسة مثلا، وليتفضل أحدهم بإخبارنا عما استنبطه من تلك القواعد، أوليست قواعد الحساب ~~هي بعينها من زمن اليونان الأول إلى الآن؟! ونظريات الهندسة لم تزل تلك التي كان يعرفها ~~قدماء المصريين والرومان؟ # نحن نعترف لرجال الاختراع والاكتشاف بعظيم أعمالهم، ولكني لو كنت ~~ركبت المركب مع خريستوف كولمب لما تعذر علي أنا أيضا أن أكتشف أمريكا، وحقيقة أن النساء لم ~~يخترعن اختراعات عظيمة، ولكن كان منهن النابغات في العلوم والسياسة والفنون الجميلة، أي: ~~فيما سمح لهن بممارسته، وبعضهن فقن الرجال في الفروسية والشجاعة، كخولة بنت الأزور الكندي، ~~فقد عجب منها عمر بن الخطاب وأعجب باستقتالها في فتوح الشام حينما أرادت تخليص أخيها من أسر ~~الروم، وجان دارك التي قادت جيش الفرنسيس، بعد هزيمته أمام الإنكليز، فشجعتهم على استمرار ~~القتال وأصلت محاربي وطنها حربا عوانا، ولن أضرب مثلا بالنساء اللاتي تولين الملك فأحسن ~~سياسته، ككاترينا ملكة روسيا، وإيزابيلا ملكة إسبانيا، وإليزابيث ملكة إنكلترا، وكليوباتره، ~~وشجرة الدر امرأة الملك الصالح، وأم طوران شاه التي حكمت مصر، فقد يقول معارضونا إنه دبره ~~لهن الوزراء وهم رجال! على أنه لو صح هذا القول في عهد الدستوريين، كالملكة فيكتوريا مثلا ~~أو ms082 وولهمينا ملكة هولانده الحالية، فلا يصح تطبيقه على أيام الحكم المطلق. # إننا الآن في ابتداء القيام بتعليم البنات، فقول بعضهم بالاقتصار على هذا وذاك مثبط للهمة ~~ورجوع للوراء في حين أنه لا خوف من مزاحمتنا لهم الآن؛ لأننا لا نزال في الدور الأول من ~~التعليم، ولا تزال عاداتنا الشرقية تثنينا عن الاستمرار على الدرس الكثير فليهنأوا ~~بوظائفهم، وما داموا يرون مقاعد مدرسة الحقوق والمهندسخانة والطب والجامعة خالية منا ~~فليقروا عيونا ولينعموا بالأمان، فما يتخوفون منه بعيد، وإذا فرض أن اشتاقت إحدانا لتكملة ~~معلوماتها في إحدى تلك المدارس، فأنا واثقة أنها لن تقلد وظيفة أو تشتغل خارجا، وإنما ~~تفعله لإطفاء شوق النفس للعلم أو الشهرة ولما تفعله، فإذا كنا لم نشتغل بالمحاماة ولا بتقلد ~~الوظائف الحكومية أفلا تشغلنا عن تربية النشء إلا قراءة كتاب أو خط جواب؟! أظن ذلك ~~مستحيلا، على أن الأم مهما تعلمت وبأي حرفة اشتغلت فلن ينسيها ذلك أطفالها، أو يفقدها ~~عاطفة الشفقة والأمومة، بل بالعكس إنها كلما تنورت أدركت مسؤوليتها، ألم ترين الفلاحات ~~والجاهلات يظل يبكي طفل الواحدة منهن ساعات وهي تسمعه ولا تتحرك؟! فهل يا ترى كان شغل هؤلاء ~~أيضا تحضير القضايا أو الاشتغال بالتحرير والقراءة؟! # ولا يغيظني أكثر من أن يزعم الرجال أنهم يشفقون علينا، إننا لسنا محلا لإشفاقهم، وإنما ~~نحن أهل لاحترامهم، فليستبدلوا هذا بذاك، والإشفاق لا يتأتى إلا من سليم لعليل أو من جليل ~~لحقير، فأي الصنفين يعتبروننا؟! تالله إنا لنأنف أن نكون أحد هذين. # قال قائلهم: لا تعلموا البنات من الحساب إلا القواعد الأربع؛ لأنهن لن يحتجن إلى أكثر ~~منها، فمن أين له أننا نودع نقودنا في مصرف، أو نبيع وثيقة (كمبيالة)، أو يغالطنا وكيل في ~~قياس قطعة أرض؟! إنه إذا ادعى بذلك تفضيل الرجال على النساء في علم التكهن والرجم بالغيب ~~أيضا قلنا: لم تصح هذه الفراسة فقد أظهر الواقع غير ذلك، أما ما يذهب إليه من تفضيل لغة ~~على لغة في التعلم، فذلك ما لا أفهمه لأني أعتبر اللغات كلها ms083 نافعة، ولو وجدت من يعلمني ~~البربرية أو الصينية لتعلمتها، إذا كان لآداب اللغة فإن الفارسية والألمانية والإنكليزية ~~وغيرها ملأى بذلك، أما تعليم تدبير المنزل وتربية الأطفال فيجب أن نشكر للدكتور عبد العزيز ~~نظمي بك اهتمامه بهما وحثه عليهما. # أيتها السيدات، العلم منور للعقل على أي حال سواء عمل به أو لم يعمل، فماذا يضرنا أننا لا ~~نشتغل بمسح الكرة الأرضية ولا بالسباحة ولكن نعلم مواقع البلاد وأبعادها؟! إن الطبيب يتعلم ~~الجبر في تلمذته ولكنه لا يشتغل به في صناعته، كلنا نسمع بأخبار السياسة والرجال يشتغلون ~~بها، ولكنهم لا يحدثون أنفسهم بأن يولوا مكان ذلك الملك المقتول أو السلطان المعزول، فهل ~~نقول لهم: إذا كنتم لن تتملكوا في تلك الأمم فلا يجوز لكم أن تعرفوا سياستها وأخبارها؟! ~~نسمع في هذه الأيام أن جيش الدستور في تركيا زحف من سلانيك إلى الآستانة، وأن حصن اسكودار ~~تأخر في التسليم، ألا يحسن بنا أن نعرف من (الجغرافيا) ما يهيئنا لفهم تلك الأخبار بعدما ~~لاكتها أفواه الكبار والصغار، لو لم يكن للعلم لذة في ذاته لما اشتغل بتحصيله الملوك، وهم ~~واثقون أنهم لن يكونوا مهندسين ولا بحارة ولا سائقي قاطرات، وهل تفضل السيدة التي تعرف أن ~~تطبخ البطاطس وتنسق الزهور فقط، أم التي تعرفهما أيضا ولكنها تعلم متى يؤكل البطاطس، وهل ~~يوافق زوجها المريض بالسكر، أو جسمها السمين الذي تريد تضميره؟ وهل وجود أصص (قصارى) الزرع ~~في حجرتها ليلا صالح لرئتيها الضعيفتين أم مضر بهما؟ فهذه تعرف تدبير المنزل وتلك تعرفه، ~~ولكن تعلم واحدة علم النبات تحفظ لها صحتها وصحة عيالها من التلف، فضلا عما تشعر به من ~~السرور الناشئ عن العلم، نحن نعلم أن نقص تربيتنا الأولى وتربية إخواننا الشبان لا شك نتيجة ~~جهل أمهاتنا، فهل نعرف الداء ولا نداويه، وقد قال الحديث الشريف: «لا يلدغ المؤمن من جحر ~~مرتين؟!» إن المدارس مهما اجتهدت في تثقيف عقول النشء وتهذيبها، فإن المنزل له تأثير خاص في ~~الأطفال، وإذا شعر تلميذ أن أمه عالمة أو لها ms084 نصيب من علم، فإنه يسعى جهده ليريها أنه أهل ~~لحبها وتقديرها إياه، فيجتهد ليحفظ سلسلة العلم لتكون الصلة شديدة بينه وبينها؛ فتعلمنا ~~الحالي ناقص يجب أن يزاد عليه لا أن ينقص منه. # أما ما أشكل على الرجال من علة فسادنا فهو ما ينسبونه خطأ للتعلم وحقهم أن ينسبوه ~~للتربية، يرى كثيرون أن العلم يهذب ولكني لا أعتقد ذلك، بل أصرح أن العلم والتربية منفصلان ~~تمام الانفصال إلا في علوم الدين فقط، ودليلي على ذلك أن كثيرين من المبرزين والمبرزات في ~~العلوم لا خلاق لهم، وأن الكتاب الواحد قد يدرسه معلمان مختلفان في فرقتين كل على حدة ~~فتتعلم الفرقتان الكتاب، ولكن نجد أثر الهمة وعلو النفس في واحدة ولا نراه في الثانية، فهذا ~~ناشئ من تأثير روح المعلم في تلاميذه لا من العلم، وإلا فلو كان من العلم لتساوت الفرقتان؛ ~~لأن الكتاب واحد والعلم لا يختلف، يظن بعض الناس أن حسن التربية معناه تقبيل أيدي الزائرات ~~وتكتيف اليدين خضوعا، ولكن ما أبعد هذا عن الحقيقة! التربية الحسنة هي التي تؤهل الشخص لأن ~~يدرك نفسه من سواه، وما أحزم من قال: ما هلك امرؤ عرف قدر نفسه! التربية الحسنة هي التي ~~تعود الإنسان من صغره احترام الغير إذا استحق الاحترام، حتى ولو كان عدوا، فالتعليم لم ~~يفسد أخلاق الفتيات، إنما هي التربية الناقصة، تلك التربية في الحقيقة يجب أن تكون من أعمال ~~البيت لا المدرسة، ولما كانت بيوتنا لم تبلغ الدرجة التي تؤهلها لإحسان تربية الأطفال فقد ~~وجب علينا أن نضاعف مجهوداتنا لإصلاح شأن أنفسنا ثم إصلاح النشء، ولا يتم ذلك في لحظة كما ~~قد يتوهم، ومن الظلم أن نلقي مسئولية الفساد كلها على المدارس، فإن المدارس لها تأثير في ~~التربية، ولكن ليس عليها كل الذنب، بل العيب في الأسر. # من عيوبنا نحن النساء أننا لا نكترث كثيرا بالنصح، فإذا قامت سيدة تريد تقرير مبدأ أو ~~إظهار حقيقة قال أكثرنا: ما لها ولهذا؟! أو إن كانت تغار فلتعمل مثلنا، ومن غير ذلك ms085 من ~~الألفاظ! # ومن عيوبنا السخرية والتهكم، فكثير منا تنتقد من تصادفه وتعيب عليه، لا عيبا حقيقيا ~~يستدعي الانتقاد، ولكن لولوع بالانتقاد في ذاته، فربما انتقدت في ساعة واحدة اثنين على ~~خصلتين متضادتين، ولا يمكن أن يكون الشيء ونقيضه منتقدا، فإذا رأت امرأة سمينة قالت: إنها ~~(كالبرميل) وكيف تستطيع الحركة؟ وإن أبصرت بأخرى رفيعة قالت: إنها كعود الحديد تكسر يدها ~~على ساقيها! وإذا وجدت سيدة قليلة الكلام قالت: إنها متكبرة، وإن سمعت أخرى تتكلم كثيرا ~~عابت عليها وقالت: إنها تتصنع الخفة! # ومن عيوبنا الصلف والاغترار، كنت وأنا طفلة أحفظ قصيدة سمعتها، ولكني كنت أخلط فيها وألحن ~~كثيرا غير عالمة بالطبع ما كنت واقعة فيه من الخطأ، وكانت زميلاتي الصغيرات لا يعرفن ~~القصائد ولم يسمعن بها، فكنت إذا قلتها أمامهن عددنها غريبة عليهن ووسمنني بالذكاء! فما ~~لبثت أن اغتررت بقصيدتي وصرت أفخر بها، حتى إذا ألقيتها ذات يوم أمام والدي أراني خطئي، ~~وبين لي أنها كانت مجموعة نتف من هنا ومن هناك، لا ارتباط لأجزائها ولا قافية لها وأعطاني ~~كتابا فيه شعر؛ فأدهشني أكثر لأنني كنت أحسب أن لا شعر في الدنيا إلا تلك النتف التي كنت ~~استظهرتها، فلو كان تركني ولم يبين لي خطئي فربما كنت استرسلت في الغرور، والإنسان مهما بلغ ~~من العلم لا يزال يقبل الزيادة فيه، ومهما كبر فيما يعرف فإنه لا يزال طفلا إزاء ما يجهل ~~كالبحر تستعظم منه ما رأيت وما لم تره أعظم، وكيف أصلح خطئي إذا كنت لا أشعر به ولا أقبل ~~نصيحة من يراه؟ # يشكو الرجال من تبرجنا في الطرقات؛ وحق لهم لأننا خرجنا فيه عن المألوف والجائز، نحن نزعم ~~أننا نحتجب ولكنا ما بلغنا حجابا ولا بلغنا سفورا، لا أريد أن نرجع لحجاب جداتنا، ذلك ~~الذي يصح أن يسمى وأدا لا حجابا، فقد كانت السيدة تقضي عمرها بين حوائط منزلها لا تسير في ~~الطريق إلا وهي محمولة على الأعناق، ولا أريد سفور الأوروبيات واختلاطهن بالرجال فإنه مضر ~~بنا، إن نصف إزارنا السفلي ms086 اليوم مرط (جونيلة) لا يتفق مع كلمة حجاب ولا مع معناها ولا مع ~~الحكمة منه، أما نصفه العلوي فهو كالعمر كلما تقدم قصر، كان الحجاب الأول قطعة واحدة تلتف ~~بها المرأة فلا يظهر من هيئتها شيء، ثم طرأ عليه تكمش بسيط ولكنه كان واسعا يكفي لستر ~~الجسم، ثم تفننا فيه فصرنا نضيق وسطه ونقصر رأسه، وأخيرا فصل له كمان وصار يلتصق بالظهور ~~ولا يلبس إلا مع المشد، ويربط من أطرافه إلى الوراء، حتى تظهر منه الآذان ونصف الرأس أو ~~أكثره فتبين الورود والرياحين والأشرطة المزين بها الرأس، أما البرقع فأشف من قلب الطفل، ما ~~الغرض من الإزار؟ الغرض منه ستر الجسم والملابس، والزينة اجتناب الزينة التي نهى الله عنها، ~~فهل يتفق هذا المئزر الحالي وقد أصبح (فستانا) يظهر النهدين والخصر والأعجاز، فضلا عن أن ~~بعض السيدات ابتدأن يلبسنه أزرق وبنيا وأحمر؟ الأولى أن لا نسميه مئزرا بل (فستانا ~~بطرطور) فإنه في الحقيقة كذلك، وعندي أن الخروج بدونه أدل على الحشمة؛ لأنه على الأقل لا ~~يسترعي النظر، على أن مسألة الحجاب قد اختلف فيها الأئمة فإذا كان تفنن بعضنا هذا يراد به ~~الاحتيال على الخروج بلا إزار فليس عليهن فيه من حرج إذا كشفن وجوههن بشرط ستر الشعر ~~والجسم، وأرى أن أوفق لباس للخارج هو تغطية الرأس بخمار وسدل رداء أشبه (بالبالطو)، المسمى # cache poussiere # عند الفرنجة على الجسم إلى الكعب، ~~ويكون طويل الكمين إلى المعصمين، وهذا اللباس مستعمل في الآستانة، كما وردت لي إحدى السيدات ~~للخروج إلى المحلات القريبة، ولكن من يضمن لنا أننا لا نقصره ونضيقه حتى نمسخه (فستانا) ~~آخر؟ وحينئذ تضيق بنا حيل الإصلاح. # لو أننا متربيات من صغرنا على السفور، ولو أن رجالنا مستعدون له، لأقررت بالسفور لمن ~~تهواه، ولكن مجموع الأمة غير مستعد له للآن، وإن كان بعض نسائنا العاقلات لا يخشى من ~~اختلاطهن بالرجال، إلا أننا يجب أن نتحفظ على غير العاقلات أيضا؛ لأننا سرعان ما نقلد وقل ~~أن نبحث عن حقيقتنا فيه، ألا ترين ms087 أن تيجان الماس أصلها للملكات والأميرات فأصبحت الآن ~~يلبسها المغنيات والراقصات؟! ولعل الشعراء يعدلون عن كنايتهم الملكات بياربة التاج فقد ~~أصبحت تلك الكناية شاملة لسواهن! # على أن تفنننا في هذا المئزر الحالي هو في ذاته تقليد للأوروبيات، ولكنا فقناهن في ~~التبرج؛ فإن المرأة منهن تلبس أبسط ما عندها عندما تكون في الطريق، وتلبس ما شاءت في البيت ~~أو في السهرات، ولكنهن بخلاف ذلك يظللن أمام أزواجهن بجلباب بسيط جدا، ثم إذا خرجت إحداهن ~~عمدت إلى أحسن ثيابها فلبسته، وأثقلت نفسها بالمصوغات وأفرغت عليها زجاجات العطر والطيب، ~~ويا ليتها تقتصر على ذلك بل تجعل من وجهها حائطا تنقشه بالدهان وتصبغه بمختلف الألوان ~~وتتكسر في مشيتها كأنها الخيزران فتفتن المارة، أو على الأقل يتظاهرون لها بأنها تفتنهم، ~~إني واثقة أن أغلب هؤلاء المتبرجات يفعلن ما يفعلن وهن خاليات الذهن من سوء القصد، ولكن من ~~أين للرائي أن يتبين حسن نيتهن ومظهرهن لا يدل عليه؟! # حجابنا يجب أن لا يحرمنا من استنشاق الهواء النقي، ولا من شراء ما يلزمنا إذا لم يقدر آخر ~~على شرائه لنا ... ويجب أن لا يمنعنا عن تلقي العلم، ولا أن يكون مساعدا على فساد صحتنا أو ~~سببا في تلفها، فإذا لم أجد في بيتي حديقة واسعة أو رحبة طلقة الهواء وكنت فرغت من العمل ~~وأحسست من نفسي بملل أو كسل فلم لا آخذ نصيبي من هواء الضواحي المنعش الذي خلقه الله للكل ~~ولم يحبسه في صناديق مكتوب عليها «خصوصي للرجال»؟! وإنما يجب أن نختار الاعتدال وأن لا نخرج ~~للنزهة وحدنا اجتنابا للقيل والقال وألا نمشي الهوينى، وألا نلتفت يمنة ويسرة، وإذا لم يكن ~~أبي أو زوجي يحسن اختيار ما أشتهيه من الملابس، غير الموجود لها عينة ولا يمكنه جلبها ~~للمنزل، فلم لا يأخذني معه لاختيار ما يلزمني أو يدعني أشتري ما أريد؟! وإذا لم أجد من يحسن ~~تعليمي إلا رجلا فهل أختار الجهل أم السفور أمام ذلك الرجل مع أخواتي من المتعلمات؟! على ~~أنه ليس هناك ما يجبرني ms088 على السفور، بل إنه يمكنني التقنع والاستفادة منه وهل نحن في ~~إسلامنا أعرق أصلا من السيدة نفيسة والسيدة سكينة - رضي الله عنهما - وقد كانتا تجتمعان ~~بالعلماء والشعراء؟! وإذا اضطرني المرض لاستشارة طبيب، لا يمكن لإحدى النساء القيام بعمله، ~~فهل أترك نفسي والمرض وقد يكون خفيفا فيعضل بالإهمال، أم أستشفيه فيشفيني؟ # إن حبس المصرية السالفة تفريط وحرية الغربيين الآن إفراط، ولا أجد أصلح ما نقتبس منه إلا ~~حالة المرأة التركية الحاضرة، فإنها وسط بين الطرفين، ولم تخرج عما يجيزه الإسلام، وهي مع ~~ذلك مثال الجد والاحتشام. # بلغني أن بعض كبرائنا (أريد كبراء الوظائف) يعلمون بناتهم الرقص الإفرنجي والتمثيل، وهما ~~أمران أحلاهما مر، وأعدهما تطرفا ممقوتا واستماتة في تقليد الغربيين؛ لأن العادة يجب أن ~~لا تغير إلا إذا كانت مضرة، والأنماط الغربية لا يقيمها قوم بينهم إلا إذا رأوا ضرورتها ~~وصلاحيتها، فأي صلاح لنا من مخاصرة الرجال والنساء ورقصهم معا؟! أو ظهور بناتنا أمام ~~الرائين (المتفرجين) بصدور عارية يمثلن أدوار الحب والخلاعة على (المرسح)، إن ذلك مناف ~~للدين الإسلامي هادم للفضيلة، مدخل لضار العادات بيننا، فعلينا أن نحاربه ما استطعنا ونظهر ~~احتقارنا لمن تفعله من المسلمات القليلات اللاتي إذا شجعناهن بسكوتنا فإنهن لا يلبثن أن ~~يعدين الغير منه. # وعلى ذكر العادات والحجاب أذكركن بمسألة تئن منها السعادة وتكاد تندثر في بيوتنا، تلك هي ~~مسألة الخطبة والزواج، يرى أكثر عقلاء الأمة أن لا بد للخطيبين من الاجتماع والتكلم قبل ~~الزواج، وهو رأي سديد لم يكن النبي # صلى الله عليه وسلم # والصحابة يفعلون غيره، وهو متبع عند جميع الأمم ~~بأسرها والأمة المصرية أيضا إلا في طبقة واحدة هي طبقة أهل المدن، إذا ائتلف العروسان ~~عندنا فهو من محاسن الاتفاق (الصدف)، وكيف يمكن الجمع بين شخصين لم ير أحدهما الآخر ولم ~~يختبره على أن يقضيا العمر معا؟ إن إحدانا إذا اتفق أن رأت عرضا في إحدى زياراتها سيدة ~~استثقلت ريحها فإنها لا تصبر على مجالستها فضلا عن النظر إليها، وتسرع بالتملص منها، فكيف ~~تصبر على ms089 مضض الحياة إذا استثقلت أيضا بعلها، وهي لم يمكنها التصبر على ثقل الغريبة لحظة ~~واحدة في غير بيتها؟! يشير قوم باتباع خطة الغربيين من وجوب معاشرة الخطيبين زمنا ليتمكن ~~كلاهما من استطلاع طبع صاحبه، ولكني أصرح باستهجان هذه العادة وأعتقد أنها مبنية على وهم لا ~~على أساس متين؛ إذ من نتائج معاشرة المتشابهين الألفة ومن الألفة الحب، وإذا أحب الإنسان ~~شخصا لم ير عيوبه، ولم يمكنه فحص أخلاقه، فيتزوج العروسان حينذاك على حب باطل وعلى غير ~~هدى، فلا يلبثان أن يتنازعا وتذهب ريحهما، إنما الطريقة التي أود عرضها على مسامعكن هي أن ~~يتراءى العروسان ويتكلما بعد خطبة النساء المتبعة وقبل العقد، ويجب أن لا تظهر العروس إلا ~~مع أحد محارمها وتكون في أبسط لباسها، قد يعترض على هذا الاقتراح بأن اجتماعا واحدا أو ~~اثنين أو أكثر لا يكفي لأن يقف الواحد على أخلاق الآخر، ولكنها على أي حال كافية لأن يشعر ~~الواحد باجتذاب دم الآخر له أو لا، على أن من صدقت فراسته يمكنه تبين الأخلاق من العينين، ~~ومن الحركات والسكنات، فيبين إن كان صاحبه متصنعا أو طائشا وغير ذلك، أما معرفة ماضي ~~العروسين وبقية أحوالهما فيجب أن يسأل عنها المعارف والجيران والخدم وغيرهم، وخوفا من أن ~~يتخذ الشبان فاسدو الأخلاق تلك الطريقة ذريعة لرؤية بنات الناس من غير قصد الزواج يجب على ~~الولي أن يتحرى سلوك الخاطب، ويتبين الجد من كلامه قبل السماح له برؤية ابنته أو موكلته، ~~ربما تستصعبن قبول هذه الفكرة والعمل بها، ولكن كل شيء يخيل لنا صعبا عند الابتداء فيه ~~وإذا مارسناه سهل وهان، على أننا إذا كنا نعتقد فساد طريقتنا القديمة، ونتألم منها ونحجم عن ~~الإقدام على ما نراه مفيدا لنا مقللا لحوادث الشقاء في زواجنا، فما أشبه يومنا بالأمس وما ~~أشد إثمنا وما أبعدنا عن قول الشاعر: # تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد # حياة لنفسي مثل أن أتقدما # وما الفائدة من تعلمنا إذا كنا لا نستطيع تغيير عادة مضرة لا هي من الدين، ولا ms090 من ~~الحكمة؟! وقد رأينا رأي العين سعادتنا العائلية مزعزعة تكاد تقتلعها صرصر تلك العادة ~~العائلية، وما مثلنا في ذلك إلا كمثل رجل غرق أو أشرف على التلف فلما بصر بقطعة خشب يمكنه ~~النجاة بالتعلق بها أبى لئلا يكون بها مسمار فيجرح إصبعه فابتلعته اللجة، وقد كان يمكنه ~~النجاة لو لم يقدر الخوف من المسمار، وما أدراه أن ظنه وتخوفه في محلهما؟! ولماذا نأبى أن ~~يرانا خاطب بحجة أننا ربما لا نعجبه؟! أوليست مضرة رغبتنا عنه أو رغبته عنا أخف بكثير من ~~تعاقدنا على الزواج قبل الرؤية، والإنسان لا يفعله في شراء دابة فكيف يفعله في اختيار ~~قرين؟! # إن امتناعنا عن أن يرانا الخاطبون صرف كثير منهم إلى الأوروبيات، فيتحمل أحدهم أن يتزوج ~~من خادمة أو عاملة يعتقد أنه سيهنأ معها على أن يقترن ببنت الباشا أو البك المخبأة في (علبة ~~البخت)، ولتعذرني صديقاتي الغربيات على هذا القول، فإني لا أريد به إهانة لهن، فإنهن يعرفن ~~قبلنا أن امرأة ذات حسب مرغوبة في شبان قومها لا تتركهم إلى فتى من غير دينها وجنسها، فضلا ~~عن أن كل بلاد لها مدنيتها الخاصة بها وتقرير أحوال مدنيتنا لا يقتضي أننا نعيب مدنية ~~الآخرين، قسما بالله لو جاء البارون رتشيلد أو المستر كارينجي إلى ابنة كاتب عندنا مرتبه ~~أربعة جنيهات شهريا لما رد بغير الخيبة، فإذا لم نعمل على تدارك هذا الخلل في مجتمعنا لا ~~نلبث أن يحتلنا نساء الغرب أيضا، فنقع في احتلالين؛ احتلال الرجال واحتلال النساء، ~~وثانيهما شر من أولهما؛ لأن الأول إذا كان حصل على غير رضانا فإن الثاني جلبناه بأيدينا ~~والنساء شديدات التعلق بالأقارب، فلا يبعد أن تلم كل زوجة منهن أخاها وأباها وابن خالتها ~~وصاحبها حولها فيسدون ما بقي لرجالنا من موارد الرزق، فنخرج وإياهم من بلدنا بخفي حنين، وإن ~~يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد. # بعض رجالنا يفضلون عنا الأوروبيات لتدبيرهن، حقيقة إن الفقيرة منهن ترتدي بلباس نظيف ~~مرتب، ويرى بيتها على قلة أثاثه نظيفا مرتبا، وطعامها لذيذا متنوعا، ms091 وأولادها مؤدبين ~~أصحاء، ومع ذلك نفقاتها قليلة. نرى كل يوم نساء ضباط الإنكليز ماشيات في الطريق بلباسهن ~~التيل الأبيض البسيط وأولادهن لابسين القبعات الجميلة والأحذية البيضاء ومنظرهم يأخذ باللب، ~~لا يقاربهم في شكلهم عندنا إلا أولاد (الذوات) الذين تخدمهم المربيات (الدادات) أما سائر ~~أطفالنا فهم في حالة يرثى لها من الإهمال، ولكن هل تدبر من تتزوج منهن مصريا أمر زوجها ~~كما كانت تفعل لو كان زوجها أوروبيا؟ كلا، والحس يؤيد ما أقول؛ فإن أغلب رجالنا الذين ~~تزوجوا منهن يئنون ويصرخون من تبذيرهن واتباعهن أهواءهن، فالمرأة الغربية تعتقد أنها من جنس ~~أرقى من المصري، فإذا تزوجته ظلت رئيسة له يعمل بإشارتها وحسبت أنه ملزم بالإنفاق على ما ~~تشتهي وجلبه لها حتى ولو كان في الصين، فهي مدبرة مع الغربي مسرفة مع المصري. وإذن، ضاعت ~~أفضليتها من هذا القبيل، وبعضهم يدعي أنه يفضلها لأنه يمكنها الخروج معه في نزهة وروحاته ~~وغدواته، ولا أظن الرجل يحب أن ترافقه زوجته وتلزمه لزوم الظل فإنه داعية للملل، على أنه لو ~~كان هذا الرأي صحيحا لما تأخر أكثرنا عن تنفيذه وأنا أول من تفعله، ولا أجد للمرأة الغربية ~~التي تقبل الزواج من مصري ما يفوقها علينا إلا أمرا واحدا، لا أرانا نحسنه لأننا لم ~~نمارسه ولا أريد أن نمارسه، ذلك أنها ماهرة في اجتذاب القلوب وفي نصب الشباك للرجال، فإذا ~~صادت بحركاتها وغنة صوتها مصريا فليعلم أنها دربت على ذلك في عشرين غريبا قبله؛ فهل يقبل ~~وفيه غيرة الشرقيين وأنفتهم أن تطعمه طبيخا، حقيقة، لذيذا ولكنها أنضجته على نار غيره، ثم ~~انتبذه من قبله خلق كثير؟! # وبفرض أن الزوجة الشرقية الراقية نقصت قليلا عن أختها الغربية، فلماذا لا يرشدها بعلها ~~إلى مواضع خطئها بالرفق ويريها ما يحب وما لا يحب؟! لا سيما وأن أحب شيء إلى الزوجين ~~المتحدين أن يبذل أحدهما وسعه ليرضي الآخر، فانصراف شباننا لتلقي العلوم الحديثة في أوروبا ~~يجب أن يكون لخير البلاد لا لشرها، فكما يتعلمون لنفع أنفسهم يجب أن يقرنوا ذلك ms092 النفع بنفع ~~مواطنيهم أيضا، وإلا فلو اتبع كل واحد يرى عيبا في صاحبه طريقة هؤلاء الشبان لما كان لأحد ~~من أهل بلده خليل «ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها؟!» فواجبهم الوطني يقضي عليهم بأن يدخلوا ~~كل ما يرونه صالحا في بلادهم مع الاستغناء عن الأجنبي على قدر الإمكان، فصانع الحرير ~~الوطني إذا رأى معامل أوروبا وسرعتها وجب أن يشتري لبلاده الآلات اللازمة لسرعة إنجاز ~~العمل، لا أن يدخل تلك الصناعة بعينها ويقضي على صناعته الجميلة، فيكون قد اقتبس شكلا ~~وأبطل آخر، فنحن إذا اتبعنا كل شيء غربي قضينا على مدنيتنا، والأمة التي لا مدنية لها ضعيفة ~~هالكة لا محالة، فشباننا يدعون أنهم يأتون بنساء أوروبا؛ لأنهم رأوهن أرقى من نساء مصر. ~~إذن، يجب أن يحضروا لنا تلاميذ أوروبا؛ لأنهم أرقى من تلاميذ مصر وعمال أوربا لأنهم أرقى من ~~عمال مصر؛ لأن النظرية واحدة فماذا تكون الحال لو تم ذلك؟ وهل إذا سافرت زوجة مصرية لأوروبا ~~ورأت الأطفال هناك أجمل بشرة وأحلى منظرا من مثلهم في مصر أيصح أن تترك أولادها، وتأتي ~~بغيرهم من الغربيين، أم أن تجتهد في تجميلهم وتقريبهم من الشكل الذي أعجبت به؟! وإذا كانت ~~أحط فتاة غربية تتزوج مصريا يتبرأ منها أهلها، أفنرضى نحن عنها وقد شغلت محل أشرف فتاة ~~منا، وصار زوجها مثالا لغيره من الشبان؟ أنا أول من يعجب بنشاط المرأة الغربية وإقدامها، ~~وأول من يحترم من تستحق الاحترام منهن، ولكن يجب أن لا ينسينا احترام الغير منفعة الوطن. ~~والمصلحة العامة فوق الإعجاب، وإننا في كثير من أمورنا نسير وفق ما يراه الرجال، فليرونا ما ~~يحبون وكلنا مستعدات للسير بمقتضاه بشرط أن لا يكون ظلما لنا ولا إجحافا بحقوقنا. # يؤلمني أن درجة احترام الرجال لنا ليست بالدرجة التي نحب، وإذا بحثنا وجدنا أننا نحن ~~اللاتي وضعنا أنفسنا في هذا الموضع غير المرضي؛ ذلك أن الإنسان ينزله الناس في المنزلة التي ~~يختارها هو لنفسه ويسير عليها، كما قال زهير: «ومن لم يكرم نفسه لا يكرم» لا ms093 يكرم المرء ~~نفسه بأن يقول: سعادتي وحضرتي أو البك والباشا في نفسه ، كبعض الجهلاء الذين ينالون رتبا ~~جديدة، ولكن لا يستهين بذاته فيهينها ويشعر من نفسه بالضعة فيهينه الغير أيضا، فهل نضع نحن ~~أنفسنا عادة في الموضع اللائق بها؟ كلا، يحكى أن أحد الخلفاء بينما كان يروض نفسه في الطريق ~~إذ سمع صوتا في خربة؛ فاتجه نحوه فوجد فيها زبالا يقول: # وأكرم نفسي إنني إن أهنتها # وحقك لم تكرم على أحد بعدي # فقال له: وأي إكرام لنفسك وأنت تحمل التراب والأقذار؟! قال: نعم؛ أفعل ذلك لأكفي نفسي ~~مهانة السؤال من مثلك. إن معتقداتنا وأفعالنا كانت سببا عظيما في قلة احترام الرجل إيانا، ~~أيعتبر رجل عاقل امرأة تعتقد في السحر والشعوذة وكرامة الأموات وتجعل من الدلالات ~~والبلانات، بل ومن الشياطين عليها سلطانا؟! أيحترم المرأة ولا حديث لها إلا (فساتين) ~~جارتها ومصوغات صاحبتها وجهاز فلانة وأخبار علانة؟! هذا فضلا عما انطبع في ذهنه من أن ~~المرأة أضعف منه وأقل ذكاء، إن تهاوننا في هذه النقطة اعتراف بأن حالتنا مرضية فهل هي كذلك؟ ~~وإذا لم تكن فماذا يرقينا في أعين الرجال؟ يرقينا حسن التربية والتعليم الصحيح، فإذا حسنت ~~تربيتنا وتعلمنا علما حقا لا قشور بعض اللغات الأجنبية و(دوري مي فاسول) والعلم يشمل ~~أيضا تدبير المنزل والصحة والأطفال، وإذا تركنا الخلاعة في الطريق جانبا، وإذا أثبتنا ~~لأزواجنا بحسن سلوكنا وقيامنا بواجباتنا حق القيام، أننا آدميات نشعر وأن لنا نفوسا لا تقل ~~عن نفوسهم فلا نسمح لهم بحال من الأحوال بإيلام شعورنا أو بالاستهانة بنا، إذا فعلنا كل ذلك ~~فمن أين يجد الرجل العادل طريقا لاحتقارنا؟! أما غير العادل فكان حريا بنا أن لا نقبل ~~الزواج منه. # يرقينا أن نطرح الكسل أرضا، فإن عمل أكثرنا في المنزل هو القعود على (الشلتة) كل النهار، ~~أو الخروج للزيارات كأن رد فعل القعود أدار لولب أرجلنا ونفخ في شراع حبرنا فلم نقو على ~~ضبط جماحنا، والتي تعرف القراءة منا ففيم تقضي أوقات فراغها؟! في قراءة الروايات فقط، فهلا ms094 ~~قرأت قانون الصحة أو بعض الكتب المفيدة فتنتفع وتنفع؟! إن انغماسنا في الكسل أو الترف أدى ~~إلى ضعف أجسامنا وشحوبنا، فيجب أن نبحث لنا عن عمل نزاوله في منازلنا، والمتأمل يرى لأول ~~نظرة أن الطبقات العاملة هي الأسلم صحة والأكثر نشاطا والأنجب نسلا، ألا تنظرن إلى أولاد ~~الطبقة الوسطى والسفلى فإنهم كلهم تقريبا أصحاء الجسم أقوياء البنية؟ أما أولاد (الذوات) ~~فأكثرهم مرضى أو نحفاء، يتأثرون بأقل العوارض، مع ما يبذله آباؤهم من الاعتناء بهم بعكس ~~أولاد الطبقة الدنيا مثلا فإنهم في إهمال شديد من والديهم، العمل يخرج الفضلات الزائدة في ~~الدم ويقوي العضل ويبعث على النشاط، والطبقة أو الأمة العاملة يزداد نسلها فتعتز بأبنائها ~~وإن الأمة الألمانية لشاهد حسي على ما أقول، فإن التعداد يظهر أن النسل هناك يزداد بسرعة ~~هائلة حتى ضاق رحب ألمانيا بأهلها؛ فأخذوا يبحثون عن أراض يستعمرونها ليصرفوا فيها الزائد ~~من السكان، والذين زاروا أوروبا أخبروا أن أهل ذلك البلد مجدون نشيطون رجالا ونساء، بعكس ~~المرأة الفرنسية فإن ترفها الزائد كان سببا في قلة نسلها فضلا عن انصراف كثير من تلك ~~الأمة عن الزواج، وقد بح صوت الاقتصاديين والاجتماعيين في نصح مواطنيهم بالاعتدال واتباع ~~الطريق القويم فلم يفلحوا، لاحظت وأنا في البادية أن بين نساء البدو ورجالهم كثيرا من ~~العجائز ممن بلغوا الثمانين والمائة، وقد رأى معظمهم أربعة أعقاب من ذريته، مع أني لم أر في ~~القاهرة ولا في المدن الأخرى ما يشبه ذلك، ولا شك أن هذا نتيجة عيشتهم الطبيعية واعتدالهم، ~~فإنهم كلهم مبكرون في كل شيء؛ مبكرون في الاستيقاظ وفي النوم وفي تناول الأغذية وفي الأخذ ~~بأول كل شيء وكلهم عاملون، ولم أر بينهم امرأة واحدة حتى من نساء أغنيائهم، تقضي النهار في ~~الكسل كما نقضيه نحن، فإذا كان الفلاسفة والأطباء يبحثون عن أكسير الحياة فها أنذا قد ~~اكتشفته، ذلك هو العمل والاعتدال في المعيشة أو العيش الطبيعي، ولعل في هذا القدر عن المرأة ~~كفاية اليوم. # بقي علينا أن نبين الطريق العملي الذي يجب ms095 أن نسير عليه ولو كان لي حق التشريع لأصدرت ~~اللائحة الآتية : # المادة الأولى: # تعليم البنات الدين الصحيح، أي: تعاليم القرآن والسنة الصحيحة. # المادة الثانية: # تعليم البنات التعليم الابتدائي والثانوي، وجعل التعليم الأولي إجباريا ~~في كل الطبقات. # المادة الثالثة: # تعليمهن التدبير المنزلي علما وعملا، وقانون الصحة، وتربية الأطفال، ~~والإسعافات الوقتية في الطب. # المادة الرابعة: # تخصيص عدد من البنات لتعلم الطب بأكمله وفن التعليم؛ حتى يقمن بكفاية ~~النساء في مصر. # المادة الخامسة: # إطلاق الحرية في تعلم غير ذلك من العلوم الراقية لمن تريد. # المادة السادسة: # تعويد البنات من صغرهن الصدق والجد في العمل والصبر وغير ذلك من ~~الفضائل. # المادة السابعة: # اتباع الطريقة الشرعية في الخطبة فلا يتزوج اثنان قبل أن يجتمعا بحضور ~~محرم. # المادة الثامنة: # اتباع عادة نساء الأتراك في الآستانة في الحجاب والخروج. # المادة التاسعة: # المحافظة على مصلحة الوطن والاستغناء عن الغريب من الأشياء والناس بقدر ~~الإمكان. # المادة العاشرة: # على إخواننا الرجال تنفيذ مشروعنا هذا. # | خطبة في المقارنة بين المرأة المصرية والمرأة الغربية # وعاداتهما واستخلاص زبدة المقارنة لنعمل بها # بسم الله الرحمن الرحيم # أيتها السيدات # إذا كان لفئة ما أن تجتمع وتبحث في شؤونها فلا أحق بذلك منا نساء مصر وفتياتها، فإننا ~~على درجة من التأخر تؤلم نفس المتفكر فيها وترجع بالوطن خطوات واسعات عن سبيل التقدم، ~~إن من دلائل تأخرنا أن أكثرنا أخذ يقلد المرأة الغربية بغير نظر إلى موافقة عاداتها ~~للشرع الإسلامي والآداب الشرقية، وبعضنا الآخر ظل على تقاليده القديمة سواء كانت صحيحة ~~أو فاسدة، فما هذا الجمود بمستحسن ولا ذاك الاندفاع بممدوح، وإني شارحة الآن عادات ~~المرأتين في كل أدوار حياتهما، مقارنة إحداهما بالأخرى، مستخلصة من زبدة ذلك ما عسى أن ~~ينفعنا في مستقبل حياتنا. # الدور الأول: المولودة # إن رجالنا الآن عند تبشير إحدانا بالأنثى شديد المشابهة جدا لحال الجاهلية الأولى، ~~ولم أرنا خالفناهم في شيء مما كانوا يفعلون في ذلك إلا الوأد، قال الله تعالى: # وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا ~~وهو كظيم * يتوارى من القوم ms096 من سوء ما بشر ~~به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما ~~يحكمون ~~. # إن الانقباض الذي نظهره عند مستهل الأنثى يحدث في الطفلة إذعانا إلى الذلة ورؤما ~~إلى الضعة، فتشب الفتاة آلفة الفرق العظيم بينها وبين أخيها، فتعتقد في نفسها أنها أحط ~~شأنا وأدنى مرتبة، فلا تطلب من المعالي ما يطلبه أخوها، ولا تنبسط نفسها إلى ما يرفع ~~من شأنها وشأن جنسها، وتضع نفسها حيث يضعها الظالمون من أهلها، وليت شعري! لم نكره ~~ولادة الأنثى وهي نصف الإنسان وأمه وزوجته وابنته؟! ألا يصح أن تكون الفتاة نافعة ~~كالفتى؟! ألا يرجع الفضل في تدبير عيش الرجل لها؟! ألم تكن في كثير من الأحيان سبب ~~سعادته وموضع أمله؟! وكيف نهمل تعاليم ديننا الحنيف في هذه المسألة ويتبعها أكثر ~~الغربيين؟! فإن أممهم - خصوصا الشمالية منها - يتساوى عندها الذكر والأنثى، وقد يملكون ~~عليهم فتاة فيهم من يفضلها علما وتجربة وحذقا، يبرر الظالمون للأنثى جورهم هذا بأن ~~الذكر يحفظ اسم (العائلة) ويرث مالها ولقبها، ولكن كم من والد مات ذكره بموته، وكيف لا ~~والعمل وحده عليه حياة الذكر أو فناؤه؟! هل رفع الله الأنبياء - عليهم السلام - درجات ~~على الناس بأعمالهم أم بأبنائهم، ومنهم من لم يتزوج قط ومنهم من عقه أبناؤه؟! أم كان ~~أبو العلاء المعري أبا ذرية أحيت اسمه وهو الذي يعد الزواج والذرية جناية؟! وهل يغني ~~الولد عن الأبوين شيئا إذا كان لا يخفف حشرجة الموت؟! فالبنت والصبي سيان، قرة عين ~~الوالد في حياته، ولا يدري ماذا يفعلان بعد مماته، وهل إذا ورث الفتى ثروة وبددها يعد ~~حافظا غنى أسرته، أم إذا ولد لأحدهم ذكور ضمن لهم الحياة الخالدة؟! # الدور الثاني: دور الطفولة # في هذا الدور نفضل الصبي عن البنت في أمور شتى، مع أن الغربيين لا يفرقون البتة ~~بينهما، فضلا عن أنهم يوفونهما حقهما من التربية والعناية، ونحن إذا فضلنا الذكر ~~قليلا فلا نزال مقصرين في العناية به، فما بالكن بالأنثى؟! ترضع المرأة الغربية طفلها ~~وتنظفه بنفسها، اللهم إلا ms097 فئة العاملات اللاتي يضطرهن الفقر إلى الاشتغال في المصانع ~~والحوانيت وترك أطفالهن في أيدي الأجراء من مربيات الأطفال ومراضعهم، أما نحن فنعد ~~إرضاع أطفالنا عيبا لا يغتفره لنا ادعاء الغنى أو الغنى نفسه! ونفوض أمر نظافتهم ~~للخدم، ونكل ترويضهم وتربيتهم إليهم، وهن من تعلمن من فساد الذوق والجهل القبيح، فيشب ~~أطفالنا أشد حبا لهم أشبه أخلاقا بهم، بينا نجد بيننا وبينهم جفاء وتقاطعا، وكيف ~~تعرف الأم طباع طفلها إذا هي لا تتعرفها بنفسها؟! ولو مرت الأمهات يوما بالمراضع ~~جالسات على حافة الطرق ليراقبن حالتهن الأخلاقية لما تأخرن لحظة عن حماية أطفالهن من ~~جيش المراضع الهازم لمكارم الأخلاق. # أما عنايتنا بصحة أطفالنا فلم تكن بأكثر من عنايتنا بأخلاقهم، فبينا المرأة الغربية ~~تغذو طفلها غذاء خفيفا سريع الهضم، وتحتفظ به من هجمات البرد والحر، تريننا نطعمه أثقل ~~الغذاء ونبادر بإعطائه اللحم وما يتعسر هضمه، فتختل معدة الطفل ويصاب بالإسهال والنزلات ~~المعوية، وقد يفضي به سوء الحالة إلى الموت أخيرا. وكذلك لا نكترث بنظافته لئلا يحسد، ~~ونتركه يلعب به النقيضان: القر والحر، فلا يلبث أن يمرض ولا علاج له عندنا إلا الرقى ~~والتمائم نثقل بها حمائله، وإذا بكى متوجعا نظن بكاءه جوعا فنلقمه الغذاء فوق الغذاء ~~إلى أن يلقى حتفه، هنالك تتهم أمه صاحبتها أو قريبتها بأنها حسدته، وأنفذت فيه سهما من ~~عينيها فتبغضها وتتشاءم من رؤيتها، وإذا ابتدأ الطفل يتكلم ويمشي فأول ما ينطق به عندنا ~~لعنة الآباء والأجداد، ومن الغريب أننا نجعل ذلك منه موضوع ضحك واستحسان؛ فيظن أنه مصيب ~~في قوله فيتمادى في الإكثار منه، وإذا مشى فإننا نحجر عليه أن يمشي إلا وسط الحجر ~~المزدحمة بالأثاث والأواني، فإذا لم يكسر منها شيئا فإنه يتهشم بصدمة أو بوقوع، وإذا ~~تأخر في الخطو قليلا نساعده عليه بالممشاة (المشاية) وهي علة تشويه كبيرة لا نشعر بها؛ ~~ذلك أن عظام الطفل اللينة بإجهادها في المشي قبل قوتها، تلتوي فيشب الطفل أعوج الساقين ~~منحني السلسلة الفقرية أو الصدر، كذلك لا نلتفت لموضع سرير الطفل ms098 وتأثير النور في ~~عينيه، فيكثر فينا الحول والعمى، وما أعظم الفرق بين طفلنا الشاحب اللون البذيء اللسان ~~وبين الطفل الغربي الصحيح البدن! فالاعتناء المهذب بالتربية ما أجمله حين يذهب في ~~الصباح والمساء ليقبل والديه وحين يستغفر غيره أيا كان لأقل هفوة أو يشكر له جميلا ~~أسداه إياه، ذلك الطفل الذي إذا حرم تلك القبلة الوالدية لهفوة أتاها فلا تسلن عن حزنه ~~وبكائه إلى أن يتوب، بمثل هذا تعلم المرأة الغربية طفلها أن رضاء الوالدين أعظم نعمة ~~للأولاد وتربي فيه الضمير الحي، والاعتراف بالشكر لمن وجب له، فلا تصغر نفسه بالضرب كما ~~نعود نحن أطفالنا، ما المراد من ضرب الطفل؟ إذا المراد هو نهيه عن إتيان شيء لا نستحسنه ~~لإيذاء جسمه بأنواع التعذيب البدني، فهلا نجد من طرق التأديب النفسية ما يوصل إلى تلك ~~الغاية بغير الشتم والضرب اللذين يصغران همة الطفل ويخفضان من عزته صغيرا ويزيدان ~~تحكمه واستبداده كبيرا؟! # وبقدر ما نعطي الطفل حرية في البذاءة والإتلاف نمنعها إياه في الرياضة المفيدة لنموه، ~~فنمنعه الجري والفسحة ومشاهدة المناظر الطبيعية الجميلة، مع أن الطفل الغربي يعد عضوا ~~مهما في البيت كسائر أعضائه من أب وأم؛ فيذهب به إلى بلاد بعيدة لاستنشاق الهواء ~~واجتلاء المناظر ويفرد له أدوات خاصة لنومه ولعبه وسائر لوازمه ويعامل بالإكرام، ~~ويعود الاستقلال من نعومة أظفاره إلى أن يترعرع، وإذا لحن في كلامه بادرت أمه بتصحيح ~~خطئه والنطق أمامه نطقا صحيحا حتى يحاكيها فيه، أما أطفالنا البائسون فإننا نلثغ لهم ~~لنرضيهم ونكلمهم بلغتهم المشوشة بدل تعليمهم لغتنا العامية لا الفصحى! # نحن نبادر بإرسال أولادنا للمدارس وهم صغار لا يدركون ماهية العلم ولا يألفون حجر ~~حريتهم، فيضايقهم المعلمون بتدريسهم الممل غير الجذاب، ويلزمون أعضاءهم المخلوقة للحركة ~~بالسكون التام، فيتربى في الطفل نفور من المدرسة والدرس، فتجبره أمه على الذهاب إلى ~~المدرسة فيزيده الإجبار نفورا، وقد يكون خطؤنا في إرسال أولادنا صغارا جدا للمدرسة ~~ومضايقة المعلمين لهم بأساليبهم العقيمة ما ينقص من استعداد الطفل لتلقي العلم ويفسد ~~ملكاته، أما الطفل ms099 الغربي فهو أسعد حظا؛ إذ تعلمه أمه في البيت طرق الملاحظة ~~والمشاهدة وتلقنه فوائد الأشياء والأسرار القريبة الإدراك لما يحيط به من نبات وحيوان ~~ومطر وغيره، وتعلمه الإحسان والشفقة بما تفعله أمامه من ضروبهما، وكذلك تعلمه القراءة ~~والكتابة الأولية بأسلوب شائق ولا ترسله للمدرسة إلا وفيه ميل إليها واستعداد لما سيلقى ~~عليه بها، وقد جربت ضرر إرسال الأولاد للمدرسة صغارا في نفسي وفي إخوتي وفيمن شاهدته ~~من التلميذات، فإني ظللت حوالي ثلاث سنين لا أفقه معنى للمدرسة، ولا أكاد أفهم الغرض من ~~إرسالي إليها، وكذلك شاهدت أن النابغات من التلميذات هن اللاتي أرسلن للمدرسة في سن ~~الثامنة أو العاشرة، أما المرسلات صغيرات فأكثرهن لم يستفدن شيئا غير ضعف البنية ~~وخسارة ما أنفق عليهن، إذا لم يكن بد من إرسال الأطفال للمدرسة صغارا فيجب أن تجعل لهم ~~فرقة مخصوصة كفرقة بستان الأطفال (الكندر جارتن) التي تجعل فيها الدروس مزيجا من ~~التعلم والرياضة، ويراعى فيها مدارك الطفل، وتمرن حواسه وأعضاؤه بغير إجبار يخافه أو ~~تكرار يمله، ولو كانت الأمهات معتنيات بأطفالهن تمام العناية فإن تلك الفرقة كان يجب أن ~~تكون في كل بيت أنعم الله عليه بنعمة الأولاد. # للتربية عندنا إحدى طريقتين: إما القسوة أو التدليل وكلاهما مضر؛ فالقسوة ترهق الطفل ~~وتعلمه الذل، والتدليل يطرح به في مهواة الغرور، فمن دلائل القسوة تخويفنا الأطفال ~~وتصوير صور مخيفة لهم من الظلمة وملء أذهانهم بترهات لا أصل لها (كالبعبع والمزيرة ... ~~إلخ) وضربهم عند مخالفتهم لنا، ومن تدليلنا إياهم أن نعلمهم الأنانية ونعطيهم ما يشتهون ~~عند بكائهم بعد منعهم إياه قبل البكاء، فيتعلمون من ذلك أن الصياح ميسر العسير ومقرب ~~البعيد فلا يتأخرون عن البكاء عند أي شيء نمنعه عنهم، وقد رأيت كثيرا أن طفلا ينصح ~~لأخيه أو أخته الأصغر منه سنا بأن يبكي حتى يأخذ كيت وكيت مما كان منع عنه، أما ~~الإفرنج فطريقتهم في تربية الأطفال خير من طريقتنا أضعافا؛ فيعاقبون الطفل الذي يبكي ~~لطلب شيء بالحرمان منه فيعلم أن البكاء لا يجدي ms100 ويطلبه بالطرق المشروعة، وإن منع منه ~~فلا يعود يتشبث به، ويستحضرون في المنزل ما تمس إليه حاجة الأولاد من الحلوى واللعب ~~خوفا عليهم من قذارة ما في الأسواق واقتصادا للمال والزمن. # الدور الثالث: دور المراهقة # هذا هو الدور الذي تتجلى فيه صفات الفتاة حسنة كانت أو سيئة، وإن كانت الأخيرة فمن ~~الصعب تغييرها، في هذا الدور يهتم الأهلون بإرسال أولادهم الذكور للمدرسة وإن كانوا ~~يدخلونهم قبل ذلك الكتاتيب، ولا يهتمون كثيرا بتثقيف عقل الفتاة، على أنهم قد أخذوا ~~يقلدون الغربيين أخيرا في تعليم الفتاة، ولكن لم يكن التقليد نافعا لنا ولا محكما في ~~ذاته، فالفتاة الغربية تتعلم العلوم إلى أن تحصل منها على درجة عالية أو درجة محمودة، ~~أما فتاتنا المصرية فلا تكاد تقرأ وتتعلم قشورا بسيطة من العلم حتى تستغني بها عن ~~الاستمرار في الاستفادة، فهي لا تقلد الغربية في التعلم النافع وإنما تقلدها باستماتة ~~في تعلم البيانو والرقص، ولا أدري لماذا أخذت البيوت الشرقية تبطل العود والقانون ~~وتتعلم (البيانو) مع أن الأولين - فضلا عن كونهما شرقيين - ألطف صوتا وأشجى نغمة وأقل ~~جلبة وأرخص ثمنا وأخف حملا، إن (البيانو) لازم جدا في الغرب لتحية الجموع في ~~المراقص والكنائس؛ لأنه بنغماته العالية يسمع إلى مكان بعيد، أما في بيوت المسلمين حيث ~~لا مراقص ولا كنائس، فلا أجده من الضرورة بالدرجة التي يتهافت عليها فتياتنا. نعم؛ إن ~~تعلم الموسيقى من الكماليات الممدوحة، ويقولون إنها مهذبة للطبع مرققة للشعور، ولكن ألم ~~يكن الأولى تعلمها على الآلات الشرقية التي لا ضوضاء لها؛ إذ هي بذلك أدعى للحشمة فلا ~~يتعدى صوتها البيت الذي هي به؟! # لو سلمنا بضرورة تقليد الغربية في تعليم (البيانو) لوجب محاكاتها أيضا في تعلمه من ~~حيث هو فن وإتقانه، لا أن تقتصر الفتاة على نقر لا تناسب بين نغماته حتى إن سليم الذوق ~~مع عدم تلقيه دروسا في (البيانو) يمكنه نقد ذلك الضرب الذي لا قانون له على صماخ الأذن ~~لا على (البيانو) فإن أذنه تنبو عنه لسماجته! # ماذا تقرأ ms101 الفتيات في سن المراهقة؟! لا يقرأن ~~إلا الروايات الغرامية وهن في ذلك الوقت موضع لسورة الانفعالات النفسية؛ فيتأثرن بحوادث ~~العشق والهرب وتنطبع في ذاكرتهن أشعار وجمل غرامية مما يقرأن، وتمر أمامهن صور تلك ~~الحوادث كالصور المتحركة، فلا تعدم أن تلقى أثرا في عقولهن اللينة، إلا أن الآباء ~~ملومون في هذه الحالة لعدم اختيارهم كتبا نافعة تقرأها فتياتهم، لماذا لا يختارون لهن ~~مثل كتاب التربية الاستقلالية وفيه أمور نافعة جدا في تربية الأطفال ومعاملة ~~الأزواج؟! أو مثل كتاب كليلة ودمنة؟! أو كتب تراجم المشهورين من رجال ونساء؟! فإن في ~~قراءة سير المشاهير ما يبعث القارئ على أن يقتدي بهم، أو مثل كتب آداب اللغة وغيرها مما ~~يلذ ويفيد في آن واحد، هذا إذا وجدت الفتاة من كتب الفلسفة والعلم ما يستعصي عليها فهمه ~~أو تتضجر من الاستمرار على قراءته لجده الخالص وجفافه، ماذا تفعل الفتاة في سن الرابعة ~~عشرة أو السادسة عشرة وهي ممتلئة الذهن بحوادث «روميو وجوليت» وألفاظ «فاتنتي وحبيبتي» ~~إلخ؟! إنها تتمنى أن تسمع مثلها وتكون مرموقة بنفس تلك العين؛ لأن سنها - كما بينت - ~~أخصب مراعي إبليس، هذا من جهة القراءة. أما الحرية، فإن الفتاة المصرية الأولى كانت ~~محجورا عليها لدرجة الحبس، والفتاة الغربية لها مطلق الحرية أن تغدو وتروح وحدها ~~وتسافر من بلد لآخر قاص بغير رقابة أهلها، وهذا من الخرق في الرأي، وأخاف أن تغرنا ~~زخارفه فنعمل به؛ لأن كثيرات من فتياتنا المتعلمات يحسبن أن الدرجة التي وصلن إليها ~~تكفي لإعطائهن مطلق الحرية يغدون ويرحن وحيدات، وإن حوادث الفتيات المحزنة كثيرة جدا ~~في أوروبا؛ لأن الفتيات الطائشات يصدقن لصفاء نيتهن كل مدع لهن بالغرام، وتساعدهن ~~حريتهن المطلقة على مسايرة الفتيان، ثم لا يلبث الرجال أن ينفضوا من حولهن، ويتركوهن ~~بين اليأس والعار وهما أمران أحلاهما مر. # من رأيي أن تمنع الفتاة في سن المراهقة هذه من الاختلاط بالشبان، وحاشا أن أمس ~~بكلامي هذا شرف الفتيات، وإنما أحب أن أنبه إلى شيء طبيعي والعاقل من اتعظ بغيره، ويكفي ms102 ~~تجنبا لمثل هذا الاختلاط المعيب أن أهله أنفسهم هم أول العائبين له، والفتاة في هذه ~~السن ككل إنسان تطلب الحرية ويجب أن تتروض وتخرج، وهذان لا أمنعهما عنها، وإنما أنصح ~~للأمهات أن يرافقنهن وللآباء أن يراقبوهن مراقبة لا تتمكن بها من الوجود مع غير ذي رحم ~~محرم. # ثم إذا ثبتت للوالدين مقدرتها على حسن السير وطهارة الذيل وقوة الإرادة فلا بأس من ~~إباحة الحرية لها في زيارة صاحباتها، وأرى أن الحرية المطلقة والحجر المطلق كلاهما مضر؛ ~~فكما أن الأولى تسهل سبل الفساد لمن تريدها، كذلك الثاني يخلق في الفتاة ميلا لأن ترى ~~كل شيء ويعلمها طرق الغش والكذب؛ فيكون قد جنى أهلها جنايتين. # إن صلاح الفتاة مترتب دائما على تربيتها الأولى، فإن فسدت فقد يكون قليل من الحرية ~~أفضل من الحجر المطلق؛ لأنه لا ينفع ولا تعدم الفتاة منفذا لأغراضها فتتعلم بذلك ~~السرقة والخداع وقد تكون بعيدة عنهما من قبل. # أفضل طريقة لتربية البنات هي أن يرين قبل البلوغ كل شيء تصح مشاهدته، بمعنى أن البنت ~~في نحو العاشرة يجب أن يريها والدها الصور المتحركة والتمثيل والألعاب المختلفة ~~والحوانيت الكبيرة والمتنزهات والآثار، ويركبها السيارة ويريها الحفلات وغير ذلك، حتى ~~تلم على قدر الإمكان بكل شيء حسن أو عجيب، فتستنير من جهة ولا تظل بلهاء ككثير من ~~فتياتنا من جهة أخرى، وحتى تكون امتلأت نفسها من الصغر فلا تجد فيها فراغا فيما بعد ~~لطلب المزيد من المشاهدات، فإذا عرضت لها الفسحة في حياتها المستقبلة فلا بأس بها وإن ~~لم تعرض فلا تأسف كثيرا عليها. # المدارس: # تعجبني جدا طريقة مدارس (الفرير) في نقل الفتيات صباحا ومساء في ~~عرباتها الخصوصية حتى لا يختلط بهن السابلة، وحتى يأمن عليهن أهلهن من ~~مراقبة الخدام، الذين هم في أكثر الأحوال وسائل الفساد ووسطاء الغواية ~~والضلال، وكذلك يوفرن وقت من سيعطل نفسه فيصحبهن إلى المدرسة ذهابا ~~وإيابا، فحبذا لو اشترت نظارة المعارف أو استأجرت مثل تلك العربات ~~لنقل التلميذات إلى مدارسها في الغدو والرواح، ويكون لكل قسم ms103 من أقسام ~~البلد واحدة أو اثنتان طبقا لحاجة التلميذات كثرة وقلة ، فإن التعليم ~~في مدارسها أرقى بكثير من التعليم في المدارس الأخرى، خصوصا في اللغة ~~العربية التي هي لغتنا ويجب أن نتعلمها جيدا، وكذلك تراعى فيها آداب ~~البلد وعوائده ودينه أفضل مما تراعى في تلك المدارس الأجنبية التي لم ~~تفتح إلا لنشر مذهب من المذاهب الدينية أو لكسب أصحابها فقط. # بعض المستهجنين تعليم الفتيات يرون أن تظل الفتاة جاهلة خير لها من ~~أن تتعلم؛ لأن التعليم يوسع عليها حيل الاختلاط الذي لا تبرره العادة ~~ولا يسمح به أولياؤها، وهي نظرية فاسدة؛ لأن التربية الحقيقية تحول دون ~~ذلك، فالفتاة الكاملة تجد من عفتها وقدوة أهلها وآداب نفسها ما يخيفها ~~من سوء الأحدوثة، وتعلم أن سمعة الفتاة كالزجاج الصافي يتلوث من أقل ~~الأشياء وإذا انكسر فلا يجبر، أما الفاسدة فتميل للمروق متى وجدت ~~مسربا سواء كانت عالمة أو جاهلة، وغاية الأمر أن الجاهلة أسرع شططا ~~وأدنى إلى أن تشهر بنفسها، وقلما تعرف نتيجة تصرفها السيئ إلا بعد ~~وقوعها في سوء مغبته. # الملابس والأزياء: # الملابس الشرقية أخف مؤنة وأيسر كلفة وأشد ملاءمة لجونا الحار وصيفنا ~~المحرق من الملابس الإفرنجية، فهي جلباب يلبس مرة واحدة فوق الملابس ~~الدنيا وعند الخروج تلبس فوقه الملاءة، أما الملابس الإفرنجية فإنها ~~متعددة القطع مضاعفة التركيب عسرة اللبس والنزع؛ فمن مشد يخنق الخاصرة ~~ويعتصر الكبد والطحال ويضغط على الأحشاء ويمنع الجلد من التنفس الطبيعي ~~اللازم له، ومن بنيقة (ياقة) منشاء كالورق المقوى، لا تستطيع المرأة ~~فيها لفت رقبتها ولا الانثناء لقضاء أي عمل، فتظل مشرئبة العنق مشدودة ~~لا عن وثاق، ومن صدار # chemisette # لاصق بالإبطين ضاغط على الكتفين أو مقور الفتحة # décolts # معرض القفا والنحر، بل ~~الصدر والظهر إلى الحر والقر واختلاف درجات الجو وجلب النزلات الصدرية ~~ومن مرطة # juops # ضيق الأعلى غير محكم ~~الإزرار واسع الأسفل طويل الذيل، كأن لابسته من ذوات الأذناب، تثير في ~~مشيتها الجراثيم وتضايق الرئتين والخياشيم، ومن قبعة مترامية الأطراف ~~مدججة بالدبابيس مثقلة بالطيور ms104 وريشها والغصون وأزهارها وثمارها مدبجة ~~بالأربطة الحريرية، ومن أناشيط (ينابيع) في أجزاء (الفستان) يضيع في ~~ربطها وحلها الزمن سدى، فضلا عن تعدد الملابس لتعدد الأغراض؛ فحلة ~~للصباح وأخرى للمساء وثالثة للخروج وأخرى للرقص وغيرها للاستقبال وهلم ~~جرا، إن الزمن الذي يضيع كل يوم في اللبس والخلع لو صرف في عمل نافع ~~لأتى بالفائدة وأراح من العناء، على أن لنساء الإفرنج حسنة واحدة في ~~ملابسهن مفقودة عندنا، وهي البساطة عند الخروج للنزهة أو لقضاء شغل، ~~فتلبس المرأة ثوبا قصيرا كي لا يعوقها عن المشي، أما نحن فنرتدي أحسن ~~طرفنا في الخارج ونطيل في الذيول نجرها، على أن الأوروبيات أحق منا ~~بالافتتان في الأزياء وشدة التأنق فيها لأنهن بارزات، أما نحن فأكثر ما ~~يرانا جدران المنازل وإن خرجنا فتحت الإزار أو في العربات. وإذن، فلا ~~لزوم لاتباع (المودة) بشغف زائد؛ لأنها تفقر وتضايق، وإن كان للغنيات ~~حق التمتع بصرف مالهن، ولو فيما لا يجدي الإنسانية كالأزياء، فليس ~~للمتوسطات حق إفقار بعولتهن أو آبائهن جريا وراء المودة ~~المتقلبة. # تخرج بعض نسائنا عن حدود الأدب والشرع متفانيات في اتباع (المودة)، ~~ولكن هناك فرقا كبيرا بين (المودة) والخلاعة، فإن لبست المرأة آخر ~~الأزياء في بيتها فما عليها في ذلك من حرج، ولكن إذا أظهرت زينتها ~~للمارة وظلت تتلكأ وتتسكع وتداعب وتضحك فتلك هي الخلاعة الشائنة، ولم ~~تجئ في مجلات الأزياء (كالبرنتان واللوفر) وغيرهما، ففي أي كتاب ~~قرأتها؟! # لاحظت شيئا غريبا في الفتيات؛ وهو أن الفتاة التي تتبرج وتتأنق ~~مغالية في إظهار محاسنها وغناها تريد بذلك أن يعجب بها الخاطبون ~~والخاطبات، هي التي تتأخر دائما في الزواج، وإن تزوجت فبرجل أقل مما ~~كان ينتظر لمثلها، وهو عقاب طبيعي للمتبرجات؛ لأن الرجل مهما أعجبه شكل ~~الخليعة وكلامها فهو لا يود أن يقتنيها لنفسه اعتقادا أن ما أعجبه ~~منها ظاهر لغيره أيضا، ولو فطنت الفتيات إلى أن أول شرط يشترطه الرجل ~~في امرأته خاصة هو الحشمة والترفع عن التبرج لما تأخرن لحظة عن الإقلاع ~~عما زعمنه يقربهن في ms105 أعين الراغبين في الزواج، وهو في الحقيقة يبعدهن ~~وينفر الرجال منهن، لست بذلك أدعو النساء إلى التقشف أو البعد عن ~~الزينة، فليس لي أن أحرم ما حلل الله؛ ولأن في الزينة للمرأة بعض ~~السعادة ولزوجها كذلك، ولكن غرضي الاعتدال في الزينة إلى عدم الخروج عن ~~المعروف. # الدور الرابع: الخطبة والزواج # تتعجل الفتيات كثيرا في انتظار هذا الدور ولو علمن مصاعبه ومتاعبه لما تعجلنه، وأظن ~~ما يشوقهن إليه هو الزخارف والحلي الجديدة وما يقام للعروس من معالم الزينة وما يتقاطر ~~عليها من التهانئ والهدايا، ولكنهن لا يدرين التبعة العظيمة التي تتحملها المرأة ~~بزواجها، وما قد يصيبها من الآلام النفسية في عيشتها الجديدة، وشتان بين الفتاة تنام ~~ملء عينيها ولا تسأل إلا عن نفسها ويسعى أبوها وأهلها في إرضائها وجلب ما تشتهيه من ~~ملابس وغيرها، وبين الزوجة تنتظر بعلها إلى ما بعد نصف الليل وتبكر قبل بزوغ الشمس ~~لتجهيز طعامه وتنظيم ملابسه، وتظل يومها تشتغل في بيتها أو تلاحظ الخدم وعليها أن ترضيه ~~وترضيهم وتخطب ود أهله وتقوم بتربية أولاده، وهي بين كثرة العمل وتنوع التبعة تحاسب ~~حسابا عسيرا على أقل هفوة، وربما وجدت منه سكيرا فظا أحمق، وأدهى من ذلك أن يتحفها ~~بضرة شرعية أو غير شرعية تأتي على ما بقي من رونق جمالها وسعادتها. # لا وسيلة للزواج عندنا إلا الخطبة، ولكن بأعين الأهل والجيران والخاطبات اللاتي قد ~~تحسن في أعينهن من لا تحسن في عين الخاطب لاختلاف الأذواق والمشارب، فيتزوج الرجل على ~~مجرد أوصاف رويت له، فيصور منها شكلا في مخيلته قد لا يطابق العروس الحقيقية أصلا ~~لسوء تعبير الخاطبات وتحريفهن المقصود لغايات، وكذلك الفتاة لا تكاد تعلم عن خطيبها إلا ~~اسمه وماله المبالغ في تقديره لترغيبها هي وأهلها، فإذا حان وقت المقابلة يكاد العروسان ~~يصابان بالبكم والغشيان لفرط دهشة أحدهما من الآخر، وبعد المعاشرة قليلا قد يتفقان وقد ~~لا يتفقان، وهل هذه المخاطرة في الحقيقة إلا نتيجة اعتقادنا المقلوب في القضاء والقدر؟! ~~نعم؛ إن القضاء والقدر لا تجدي مغالبتهما، ms106 ولكن لا يصح اتخاذهما وسيلة للإهمال في جلب ~~المنفعة أو درء الضرر، فإن هذه المسألة مسألة اختيار محض، للعقل أن يحكم فيها وحده، ~~فإذا أحسن الاختيار حسنت عاقبته وإن قصر أو أهمل ساءت العقبى، على أن إسفار النساء عن ~~وجوههن لم تجمع الأئمة على تحريمه فضلا عن أنهم كلهم يجوزونه عند الخطبة تحاشيا من ~~وقوع الاختلاف ودعوى الغش فيما بعد. # أما الإفرنج فخشية أن يصابوا بما أصيب به أغلب أهل الشرق من الخطبة العمياء وما يترتب ~~عليها من الشقاء المستمر أجمعوا على وجوب أن يتراءى العروسان قبل الخطبة مرارا ~~ويتقابلا تكرارا، ولكنهم أفرطوا في الأمر كما فرطنا نحن فيه و«كلا طرفي كل الأمور ~~ذميم.» لم يكتفوا بأن يرى الخطيب خطيبته عدة مرات، بل شرطوا أن يكون الزواج بعد الرضى ~~أو الميل المتبادل بينهما؛ ولأجل أن يملكوا قلب الخاطب قبل أن يعرف من هو! يحرضون ~~بناتهم على غشيان المتنزهات والمراقص ومجتمعات الفتيان لعل الواحدة منهن تخلب فتى من ~~الذين هناك بالاتفاق، وقد تذهب المقابلة بعد المقابلة سدى فتتعرض لغيره ويتعرض لغيرها ~~إلى أن تجد بعد طول مدة التخير فتى يكاشفها بعزم الاقتران، فتظن أنها وجدت ضالتها ~~المنشودة، فتعلن أهلها ويتردد الخطيب عليها في البيت وغير البيت وربما تمضي على ذلك ~~الشهور والسنون، ثم يغض الفتى عن الفتاة بدعوى أن الاختبار لم يؤد إلى المرام وأن ~~القلوب لم تأتلف، وإذا كان أصل الفكرة وجوب الاختبار الطويل فيما يتعلق بالأخلاق ~~والتأكد من الحالة الصحية كان العدول بعد الاختبار أمرا غير مستقبح، وإنما يكون ~~الاستقباح بعد الإعلان القطعي وهو لبس الخاتم عندهم، ولا شك أن التساهل إلى هذا الحد ~~فيه ما فيه من العيوب القبيحة مما لا يخفى على الناقد البصير. # والحق أن هذه المسألة من المعضلات الاجتماعية، فلا الاسترسال في الاختبار بمأمون ~~العواقب ولا الاحتجاب المطلق عن الخاطب بمفيد، بل ربما كان مؤخرا للفتاة عن الزواج في ~~الأوان المناسب، وربما كان في الحي الواحد فتيان وفتيات كل منهم يبغي الزواج ولا يعلم ~~الفتيان ms107 بوجود الفتيات لاحتجابهن الاحتجاب الشديد ولعدم التعارف بين البيوت، ولا خلاص ~~من هذه العقيدة إلا باتباع سنة السلف من العرب في صدر الإسلام من مباشرة الفتاة خدمة ~~الضيوف، ومقابلة زائري أهلها لاستطلاع قصدهم، والخروج في القرى إن كانت بها للمساعدة في ~~بعض الأعمال، ويجب على الفتيان في مثل هذه الحال أن لا يظهروا غرضهم أمام الفتيات، أو ~~يتعرضوا لهن بالخطبة، فإن ذلك مغاير للذوق والأدب ومؤد لخجل الفتيات وانزوائهن وراء ~~الحجب، وينبغي أن تعود الفتيات هذا الأمر من صغرهن حتى لا يستغربنه عند الكبر ويحسسن ~~بشذوذه، وهذه الطريقة متبعة في القرى والبوادي المصرية، فحبذا لو اقتدى بهم غيرهم متى ~~أمنت الفتنة وسلمت الأعراض وصلحت مقاصد الرجال في رؤية النساء، أما في العصور والأماكن ~~التي خبثت فيها مقاصد الرجال وانحطت أغراضهم وشاهت آدابهم، فإن الحجاب للمرأة ليس إلا ~~حصنا يصونها من عدوان الخبثاء المفسدين. # وفي الحالة التي لا بأس من الخروج فيها يشترط أن يكون خروج الفتاة مع أبيها أو أخيها ~~أو أحد محارمها، وعلى كل حال فالشيء الذي لا بد من منعه هو انفراد الفتى بالفتاة ~~المحادثة في غير ضرورة؛ لما في ذلك من مخالفة للشرع وإثارة التهم. # هذا ما يقال في الخطبة، أما الزواج فطريقتنا فيه مختلة أيضا، فالمرأة الغربية في بعض ~~البلاد تدفع الصداق (الدوت)، وقد يكون من جراء ذلك بعض الظروف أن تصير الزوجة سيدة ~~الرجل الآمرة الناهية، والمرأة الشرقية كانت لا تدفع شيئا ولكن يدفع الرجل الصداق ~~فيأخذه أهلها لأنفسهم ولا يشترون لها منه شيئا، وبذلك يعتبر الرجل سيدها لا حق لها في ~~معارضته، وهاتان الطريقتان بغير نظر إلى صلاحيتهما أو تفضيل إحداهما على الأخرى واضحتان ~~في أن دافع الصداق هو المنفرد بالسيادة في البيت، أما طريقتنا الآن فهي معتلة؛ ولذلك ~~فالسيادة متنازع عليها بين الزوجين المصريين، يدفع الرجل الصداق فتأتي المرأة بما يساوي ~~ضعفه أو ضعفيه أو أكثر، تعنت بذلك أباها أو أخاها، وإذا كانت موسرة وتزوجها الرجل ~~لمالها كان التنازع بينهما على الرياسة أمرا ms108 مقضيا لا محيص عنه، فهي بما لها من ~~الثراء ترى نفسها سيدة المنزل ، وهو - بما منحه الله من الدرجة في الفضل وبما أنفقه من ~~ماله عليها - يرى نفسه سيد المنزل، وهنالك يقع التنازع. # ما لنا ولهذا التكليف الثقيل والبيت باسم الرجل لا باسم زوجه؟! فإن أعجبه أن يفرش في ~~بيت حصيرا فليكن، وإن راقه أن يموه سقوفه وجدرانه بماء الذهب فليفعل، وإن أحب أن يجعله ~~جنات عدن تجري من تحتها الأنهار فحبذا رأيه، وليس للزوج وأهله أن ينتظروا شيئا من ~~العروس فهي وشأنها في مالها، إن حوادث الطلاق فيها عظات كثيرة لو انتبهنا لها، فكثير ما ~~يتنازع الزوجان على الأثاث كل يدعي أنه له، وإذا كان في الرجل مروءة وتركه لمطلقته ~~فإنها تزحم به بيت أهلها ويظل مكدسا يرتع فيه العث والجرذان فتجد مرعى خصيبا، فإذا ~~تزوجت المرأة ثانية وجدت أكثره تالفا أو طال عليه القدم مع ما يستلزمه نقل الأثاث ~~وترتيبه كل مرة من النفقات والتعب. # وإذا لمت الغنية مرة على هذا التبذير فإني ألوم الفقيرة المدعية مرارا، فكم من بيوت ~~خربت وأرض بيعت أو رهنت لا لسبب سوى تجهيز عروس لا يلبث فرشها البهي أن يحول لونه أو ~~يتمزق بعد سنين قلائل، فتكلف زوجها بتجديده أو يبقى خرقا، سمعت عن أب له ثلاث بنات ~~جهزهن واحدة بعد أخرى جهازا كان موضوع الحديث عند معارفهم، وكان له مائة فدان من أجود ~~الأطيان يعيش بريعها عيش الرخاء فباع ثلاثين لتجهيز الفتاة الأولى، ورهن ثلاثين ~~للثانية، والباقي للأخيرة، ولما حان ميعاد السداد لم يف وإذا بالدائنين أتوا على ما ~~ورثه - وهو كل ما يمتلك - وحجزوا على بيته أيضا، فبالله ألا يعد هذا الرجل قصير النظر ~~أخرق؟! وهل أغناه أثاث بناته وقد أصبح معدما ذليلا؟! إنه لمن الجنون، بل ومن القساوة ~~أن تجتهد الفتاة في تخريب بيت والديها لتزين بيت زوجها، ولماذا تقلد كل سيدة من هي أغنى ~~منها؟! وهل يعد التوسط في الغنى أو الفقر عيبا؟ # إن المرأة الأوروبية لا ترمي ms109 مالها كما نفعل في أوان لا تستعملها وفي خرق تبلى بعد ~~زمن قصير ، بل تستثمر ذلك المال فتنميه وتحفظه للعوز أو تدخره لأولادها من بعدها، أو ~~تنفق منه على الجمعيات الخيرية والمدارس؛ فيجيء البائسين وتحيا بحسناتها، فهي أبرع منا ~~بمراحل في طرق الاقتصاد. # الاقتصاد المالي والمنزلي: # لا تكتفي المرأة الغربية بتنمية مالها، بل تضع (موازنة ميزانية) ~~مضبوطة لإيراد بيتها ومصروفه فلا تخرج عن حد الاعتدال في النفقات ولا ~~تنفق درهما في غير موضعه، وتفحص مشتراها بنفسها كي تتأكد من جودتها ~~واستحقاقها لما تباع به، وتعنى برفو الثياب وتصليحها وتعمل من كل ~~قديم جديدا، وقد تغير شكل الثوب الواحد وزينته مرارا فيبين ~~جديدا. نعم؛ إن فينا تلقاء ذلك كرما ولكن أن لا يكون الكرم إهمالا، ~~فقد تقع بقعة صغيرة على جلباب من الحرير الغالي، فإذا أهملناه لم يصلح ~~للبس، وإذا أعطيناه خادمة أو امرأة فقيرة فقد ينفعها ثوب من النسيج ~~(القماش) البسيط (الشيت) أكثر من ذلك الثوب الجميل، وفي هذه الحالة ~~يكون كرمنا غير مجد، فلو اجتهدنا في إزالة تلك البقعة أو مداراتها بشيء ~~من الزينة (الكلفة) وجدنا على تلك الفقيرة بثوب بسيط لكان أنفع لنا ~~ولها. # إن تربية الغربية مؤسسة على العناية والملاحظة، أما نحن فقلما نتنبه ~~إليهما، تقتصد المرأة الغربية من مالها بما تظهره من براعتها وعملها؛ ~~فهي تخيط لنفسها ولزوجها ولأولادها وتكوي ثيابهم، أما نحن فالبيوت ~~المتوسطة كلها تكوي في السوق وتخيط كل شيء حتى التافه عند الخياطات، ~~بعشرين قرشا يمكن للمرأة الغربية أن تحضر طعاما لبيتها وتجعله لذيذا ~~شهيا بكثرة الجوارش (السلطة) والحلوى، أما العشرون قرشا عندنا فتهيئ ~~بها المرأة طعاما ولكن غير كاف ولا شهي. # إن الإفرنج رجالا ونساء يعرفون كيف يجتذبون الأنظار، ويجعلون الشيء ~~المتوسط في الحسن جميلا، قد رأيتن من بضاعتهم ما هو أقل متانة من ~~بضاعتنا الشرقية، ولكنهم يضعونها في حوانيت واسعة منارة بالكهرباء ~~ويرصونها داخل ألواح من الزجاج فتجتذب المارة، ثم هم يختارون لتجارتهم ~~محلا من المدينة يكثر عليه الغادون والرائحون، أما ms110 تجارنا فهم بمعزل ~~عن ذلك التفنن؛ إذ قد تكون حوانيتهم في نقطة غير مطروقة كثيرا أو ~~يهملون في عرض بضاعتهم وإعلانهم عنها فتبور، ومثل تجارنا في حوانيتهم ~~كمثلنا في بيوتنا ففينا من الذكاء والمقدرة ما يمكننا من جعل بيوتنا ~~جنة، ولكن قلة العناية هي التي تخل نظامها وتعطل ترتيبها. # العمل: # أما العمل البيتي أو الخارجي فإننا يجب أن نعترف للمرأة الغربية ~~بسبقها إيانا فيهما، وإن كانت غنياتنا وأغلب غنياتهم لا يكترثن إلا ~~بالملاهي والأزياء، ولكن المتوسطات هناك لا يأنفن مزاولة الطبخ والكي ~~وترتيب أثاث البيت كما تأنفه متوسطاتنا، وفقيراتهن يعملن ما يقوم ~~بحاجاتهن وحاجات من يعلنهم (عائلاتهن)، أما فقيراتنا فإما أن يسألن ~~وإما أن يشتغلن بعمل قليل الكسب، والشواهد كثيرة على ذلك وأقربها - وهو ~~ما نعرفه كلنا - أن الخياطات المصريات لا نكاد نجد بينهن واحدة يمكنها ~~تفصيل الثياب وخياطتها جيدا، وهن لعدم إتقانهن العمل يكتفين بأجرة ~~قليلة مع ما يتكبدنه من التعب وإنفاق العافية، فتأخذ الواحدة خمسة قروش ~~أو عشرة أجرة الثوب في حين أن الإفرنجية تطلب جنيهين على الأقل مقابل ~~تعبها فقط، وكذلك الطبيبات منا يكتفين بدروس قليلة في التمريض ولا ~~ينظرن لمثيلاتهن الأجنبيات اللاتي برعن في الطب ونلن نفس شهادات ~~الرجال، كذلك المربيات والخدم المصريون لا يفقهون معنى التربية، وأغلب ~~الخادمات لا يصلحن لمزاولة مهنتهن فنضطر أن نجلب هؤلاء من ~~الإفرنج. # يقولون: الحاجة أم العمل، فما بالنا نكسل ونقصر ونحن في شديد الحاجة ~~لأمثال هؤلاء الخياطات والطبيبات والمتعلمات وغيرهن؟! إن من فروض ~~الكفاية أن يكون كل هؤلاء مصريات في مصر حتى يمتنع بعض مالها من التسرب ~~إلى جيوب الأجانب وهن ساكنات ينظرن، لقد أصبحت كلمة «مصرية» في أفواه ~~الأجانب عنوانا على الكسل وعدم المقدرة، فهلا يبعث فينا ذلك التعبير ~~روح النشاط وحب العمل؟! هلا حاكيناهن فيما تفوقن فيه علينا من العلم ~~والعمل؟! أم هل تكفي محاكاتنا لهن في الزي والتصنع لأن نصبح مثلهن؟! ~~إنهن أسسن الجمعيات وأدرن المستشفيات والملاجئ وقمن يشتغلن بكل فن، حتى ~~إنهن يطلبن مشاركة الرجال ms111 في الانتخاب لحكم بلادهن، وما ذلك إلا نتيجة ~~العلم والتربية على حب العمل . # من حب العمل عندهن الرياضة في ساعة الفراغ، فترين أنهن يشتغلن حتى ~~وهن يطلبن الراحة، أما نحن فنكسل ونطلب الراحة في ساعات العمل، ألم ~~تسمعن بجمعية (الصليب الأحمر) وكيف تخاطر النساء فيها بحياتهن لمداواة ~~الجرحى والتقاطهم ونار الحرب تستعر وأمطار القنابل تتساقط؟! وهل ينفي ~~الهم ويضمد الجراح كالمرأة الآسية؟! إن النساء المنخرطات في سلك تلك ~~الجمعية يعرضن أنفسهن للهلاك وتكبد مشاق السفر وتحمل البرد القارس بين ~~سهول؛ مثل: منشوريا وحزونها، والحر اللافح في الأقاليم الاستوائية التي ~~يذيب حرها رأس الضب، وقد كانت نساء العرب يفعلن نفس هذا الفعل الشريف ~~في الحرب ويزدن عليه تشجيع المجاهدين وتغذية الجياد، قال عمرو بن كلثوم ~~من معلقته: # يقتن جيادنا ويقلن: لستم # بعولتنا إذا لم تمنعونا # وقد كانت مخاطرتهن هذه تثير الشجاعة في الرجال وتحملهم على الإقدام ~~بدليل قوله: # إذا لم نحمهن فلا بقينا # بخير بعدهن ولا حيينا # وقوله في موضع آخر من القصيدة: # وما منع الظعائن مثل ضرب # ترى منه السواعد كالقلينا # الأخلاق: # لا أدري أنفضل المرأة الغربية في معرض الأخلاق أم تفضلنا؟ فهي أشجع ~~منا في اقتحام الخطوب وإن كانت لا تقل عنا جزعا عند المصائب، ونحن لا ~~ينقصنا ذكاء كذكائها وإنما ينقصنا عزم وثبات كعزمها وثباتها، هي تعمل ~~لتعيش ونحن نتكل إما على آبائنا أو أزواجنا فلا نعمل شيئا، وهذا ~~الاتكال معيب في نفسه، فضلا عما تخلقه تقلبات الأيام، فلو تعلمت كل ~~فتاة شريفة مستقلة لما رأينا البائسات تموج بهن الطرقات والمهيضات بعد ~~سابغ عز وسابق نعمة ينتظرن إحسان الأخ أو أحد الأقارب، وقد تكون المرأة ~~سيئة الخلق فنمل عشرتها، أو يكون لها من الأولاد ما تنوء تربيتهم بذلك ~~الأخ أو القريب، والمرأة الغربية تعتني بكل شيء حتى التافه، ونحن بما ~~ركب في طبعنا من المسالمة نميل إلى الإهمال والكسل، وأرانا أسلم منا ~~قلبا وأقل خداعا لعدم الاختلاط بالرجال أيضا، فإنها لتجوالها في ~~الخارج تتعلم كيف ترضي هذا وذاك ms112 لتظهر فاتنة جذابة وتعيش خداعة محتالة؛ ~~إذ الحاجة تعلمها الاحتيال على العيش، فهي تطلبه بكل الوسائل الممكنة، ~~وهي ولا شك أنشط منا وأثبت على العمل إلا أننا أكثر قناعة وأشد رضا ~~بالقليل. # بقية العادات: # للخرافات سلطان كبير على المرأة الغربية، وإن كان بعضنا يظن أنها ~~معصومة من الخطأ، فنحن وهي سيان في التفاؤل والتشاؤم وتصديق العرافات ~~والمنجمين والمشعوذين والاعتقاد بطلوع العفاريت في الظلمة، وعندنا ~~الزار وهو أبو الخرافات ومفسد البيوت، وهي لا تعتقد به وإن كانت تصاب ~~بأعراضه العصبية، فلماذا اختارتنا العفاريت (يا ترى) مسكنا لها دون ~~أختنا الغربية؟! وإذا فرضنا المستحيل وصدقنا القائلين بتقمص الأرواح؛ ~~فلماذا لا تلجأ إلينا روح أرسطو وابن رشد وأبي العلاء وغيرهم من ~~الفلاسفة والمصلحين؟! أم قضي علينا حتى في الكذب والترهات أن نكون ~~دائما متأخرات فلا يلبسنا إلا (الشيخة رمانة وسفينة ويوسف مدلع ونحوهم ~~ممن لا يطلبون إلا الخلاخيل والمصوغات والسيوف المذهبة)؟! ألا إننا لم ~~نبرع في حيلة إلا هذه، تخاف المرأة أن تطلب ملابس وحليا فيرفض زوجها ~~الطلب فتعمد إلى ادعاء العفاريت والجن لتهديده، أعرف كثيرات ادعين ~~(الزار) فرفض طلبهن وبعضهن ضربن بسببه فلم يعدن إليه، وليت شعري! إذا ~~كانت العفاريت جبناء إلى هذا الحد؛ فلماذا لا يستعمل الرجال العصي وهي ~~كثيرات وإن كنت لا أوافق على ضرب الرجل للمرأة بحال من الأحوال؟! إنها ~~لتصر على دعوى أن العفريت هو الذي يتكلم بلسانها ويشعر بأعضائها وأنها ~~أعارته ظاهرها، ولا أعلم إلى أين ذهبت هي! إذن، فليضرب العفريت فهو ~~الذي في ظاهر زعمها يتألم دون أن يصيبها شيء من آثار الضرب! ولعل ~~المتحضرات الحديثات يدعين قريبا أن الملائكة تقمصت أجسامهن؛ لأنهن ~~أحكم تصرفا وأحسن اختيارا كأنما عفاريت الأرض نفدت لكثرة الطلب ~~فانصرفت هممهن إلى السماء، كما فعل مخترعو الطيارات، لما ضاقت بهم فجاج ~~الأرض، وحينذاك يأنفن ركوب الضأن والإبل المستعملين حتى الآن في الزار ~~فيمتطين المخترعات الحديثة وإن كانت لا تزال خطرة الاستعمال، فلا تتيهن ~~علينا البارونة دي لارو فربما نبغ عندنا كثيرات مثلها، ms113 وإن كان باعثهن ~~(مودة الزار) لا العلم، لا أعلم عند الإفرنجية عادة تساوي الزار في ~~القبح إلا مخاصرة الرجال في الرقص، وما يتبع تلك العادة من التهتك ~~والتصنع والميل عن جادة الصواب، وما ينشأ عن إباحتها المطلقة بلا قيد ~~ولا وازع من الضرر البليغ والإخلال بالشرف، وأدهى من ذلك أن ينتشر ~~بينهن مذهب حرية الاعتقاد، وهو مذهب من لا يصدق بالله ولا باليوم ~~الآخر، فيزعمن أنهن يجتنبن الرذائل بمحض إرادتهن وتربيتهن، ولكن هل إذا ~~منعت الفضيلة امرأة عن إتيان ما لا يرضى؛ فهل يصح أن تطبق هذه النظرية ~~على كل امرأة؟! ألم يكن الإيمان بالله وترقب ثوابه وعقابه هما المانعان ~~لكثير من الناس عن الانتحار والكفر وإتيان المناكير والفحشاء والخيانة؟ ~~ألا ساء ما يحكمون. # إن النفس لأمارة بالسوء، ولقد تقدم على كثير من الموبقات لولا الضمير ~~الحي وهو ثمرة الوازع الديني؛ أفلا يعقلون؟! أرانا لا نتمسك شديدا ~~بديننا الحنيف وهذا بدعة وعدوى أتتنا من الغرب، فهلا تفكرنا قليلا ~~فيما ينفعنا وما يضرنا قبل الإقدام على التقليد؟! أو كلما رأينا ~~إنسانا يفعل شيئا حاكيناه وإن كان في ذلك هلاكنا وخسارة ديننا ~~ودنيانا معا؟! # المأتم: # بينا الإفرنجية ورجالنا أيضا يجتهدون في التلهي والتعزي عن المصيبة، ~~تجدنا بالعكس نعقد الاجتماعات لنبكي، ونستأجر النائحات (المعددات) ~~ليزيدن نار الأسى تأججا في قلوبنا! وماذا يجدي الحزن وهو لا يرد ميتا ~~ولا يعيد مفقودا؟! قال أبو العلاء: # غير مجد في ملتي واعتقادي # نوح باك ولا ترنم شاد # وإن من تعاليم الإسلام أن يصبر المرء عند الملمات ويترك ما فات لما ~~هو آت، والعاقل من يصرف همه إذ لا معنى للعيش مع البؤس، وإن العمر إلا ~~أيام تنقضي فلماذا لا تجعلها سعيدة بقدر ما تستطيع؟! # المسرات: # إننا في جلب المسرات لمقصرات حيال أنفسنا ومن هم في ذمتنا من الأهل ~~والأولاد، حبذا لو اتبعنا طريقة المرأة الغربية في ذلك؛ فإنها تعقد ~~الاجتماعات وتوالي السمر، وتدعو أعضاء الأسرة الواحدة وأصدقاءها لتناول ~~الشاي أو الطعام أو الفسحة معا، فيتجاذبون أطراف الحديث، ms114 وهنالك يبدي ~~كل منهم رأيا أو حكاية لا تخلو من فائدة أو فكاهة ، وقد يصرفون الوقت ~~في ألعاب مختلفة لتنشيط أذهانهم وأبدانهم ويتبادل المجتمعون الدعوة كل ~~في نوبته، فيتراءى أعضاء الأسرة الواحدة وأصدقاؤها كل يوم تقريبا ~~فينفون بذلك همهم ويأنسون بعضهم ببعض، وبذلك يعيشون في وئام ~~ووفاق. # الخدم: # المرأة المصرية لا تقدر نفسها قدرها، وطالما رأيت سيدة تضاحك ~~الخادمات وتكاشفهن بأسرارها فلا يتأخرن عن إذاعتها في البيوت الأخرى، ~~وهذا من الخطل في الرأي، يجب أن يعامل الخدم بالرأفة ولكن لا تتعدى تلك ~~الرأفة حدودها، ألم تستغربن مرة من أن خدمنا لا يشتغلون عندنا نصف ما ~~يشتغلون في البيوت الإفرنجية، ومع ذلك نراهم هناك أنشط وأهدأ خلقا مما ~~إذا كانوا في بيوتنا؟ إن السبب لسهل الإدراك وهو أن المرأة الإفرنجية ~~تحفظ هيبتها فيخشاها الخدم، وهي لا تخالطهم إلا عند الأمر والنهي ولا ~~تحط من شأنها بمسايرتهم ومضاحكتهم، وتفرض عليهم شغلهم وتريهم إياه لأول ~~مرة ثم تتركهم وشأنهم فيشعرون بمسئوليتهم. # الدور الخامس: دور الأمومة # هذا الدور مرتبط بدور الطفولة ارتباطا تاما حتى يكاد يندمج أحدهما في الآخر، وعليه ~~فكل ما قلته هناك أقوله هنا. # النتيجة # والنتيجة أن المرأة الغربية سبقتنا بمراحل في العلم العمل، مع أننا لا نقل عنها ذكاء، ~~وكل ما لا يستحيل طبعا فهو ممكن بالمعالجة واتخاذ الجد مطية إليه مهما صعب الطريق ~~واستعصى، فإذا تدرعنا بثبات العزم وقوة الإرادة فإننا نصل إلى ما وصلت إليه من نور ~~العلم ورفعة المقام، ولا يثبطنا قول القائلين: «إن الشرق شرق والغرب غرب.» فإن التاريخ ~~أعدل حكم، وهو حافل بذكر الشرقيات اللاتي نلن من بعد الصيت ووفرة العلم منالا كبيرا ~~أيام كانت الغربيات لا ذكر لهن؛ فاقرأن تواريخ نساء العرب في الشرق والغرب تجدن نادر ~~الذكاء وجزل الشعر ومتين الأسلوب وما يشهد لهن بعلو الكعب في العلم والعمل. # إن الضعيف إذا لم يرزق قوة التمييز خيل له أن كل ما يأتيه القوي حسن، ذلك مثلنا أمام ~~المرأة الغربية، فهل تردن أن نثبت للملأ ms115 خمولنا وخلونا من التمييز أم تردن أن نعمل على ~~حفظ قوميتنا وتقوية روح الاستقلال فينا وفي الأجيال القادمة من أولادنا؟! إذا أردنا أن ~~نكون أمة بالمعنى الصحيح تحتم علينا أن لا نقتبس من المدنية الأوروبية إلا الضروري ~~النافع بعد تمصيره حتى يكون ملائما لعاداتنا وطبيعة بلادنا، نقتبس منها العلم والنشاط ~~والثبات وحب العمل، نقتبس منها أساليب التعليم والتربية وما يرقينا حتى نبذل من ضعفنا ~~قوة، وإنما لا يجوز في عرف الشرف والاستقلال أن نندمج في الغرب فنقضي على ما بقي لنا من ~~القوة الضعيفة أمام قوته المكتسحة الهائلة. # وفي الختام، لا يسعني - أيها السيدات - إلا أن أشكر لكن حسن إصغائكن ومؤازرتكن إياي ~~بالحضور، وآمل أن نسمع ونعي، ولا أخالكن إلا عازمات على محاربة جمودنا القديم وعلى ~~العمل معا لرفع شأننا وشأن هذا الوطن المفدى، والله أسأل أن يوفقنا ويهدينا سواء ~~السبيل. # | قصيدة نسائية لباحثة البادية # وسبب إنشائها أن شاعر النيل أحمد شوقي بك أدرج في الجريدة قصيدة مطلعها: # صداح يا ملك الكنا # ر ويا أمير البلبل # ومنها: # بالرغم مني ما تعا # لج في النحاس المقفل # والقيد لو كان الجما # ن منظما لم يجمل # صبرا لما تشقى به # أو ما بدا لك فافعل # أبدا مروع بالإسا # ر مهدر بالمقتل # إن طرت عن كتفي وقع # ت على النسور الجهل # وقد أهدى قصيدته هذه للباحثة، فظن بعضهم أنه ينعى حالة المرأة ويتأسف لإقامتها في البيت، ~~ويعتذر عن الرجال بالخوف عليها من تطاول السفهاء، فلم يقبل هذا العذر وكتب في الجريدة إلى ~~شوقي بك على لسان الباحثة قصيدة منها: # سميتني ملك الكنا # ر وأنت رب المنزل # وجعلتني رهنا لأق # فاص الحديد المقفل # غللتني وسجنتني # خوف اصطياد الأجدل # إن لم تكن لي حارسا # من كل عاد مقبل # فالحصن والبيداء يس # تويان عند الأعزل # لو كان حبك صادقا # لفككتني من معقلي # وذهب بعض آخر لتأويل غير هذا؛ فرأت الباحثة أن هذه التأويلات كلها بعيدة عن الصواب، وأن ~~قصيدة شوقي بك يجب أن تفسر بتفسير آخر، وهو ms116 ما ذكرته في قصيدتها وهي: # يا هذه لا تعذلي # وإذا أبيت فقللي # أفرطت في لومي ولو # أنصفتني لم تفعلي # لا خير في نجوى بغي # ر روية وتعقل # ماذا فهمت من الكنا # ر ومن حديث البلبل # حتى سخطت على المعي # شة في ظلال المنزل # ووددت أن تجدي مقا # ما بالعراء فتنزلي # أو دمنة عند اللوى # بين الدخول فحومل # رب الكنار أظنه # عما زعمت بمعزل # خال الكنانة طائرا # والشعر حسن تخيل # فحنا على مثواه في # قفص النحاس المقفل # ونعى زمان مراحه # بين الربى والجدول # والقيد ذل لو يكو # ن خلاخلا في الأرجل # وغدا يعزيه ويأ # مره بحسن تجمل # ويقول: إن الحبس حر # ز من تقضي الأجدل # أهدي القصيدة في الجري # دة لي هدية مفضل # كمؤلف يهدي الكتا # ب إلى سري أمثل # يرمي إلى تشريفه # ويخصه بتطول # هي عادة مألوفة # في الناس منذ الأول # فشكرت مهديها وقد # قابلتها بتقبل # هذي الحقيقة يا فتا # ة تلوح للمتأمل # لكن جهلت الأمر وال # معهود أن لا تجهلي # مجد الفتاة مقامها # في البيت لا في المعمل # والمرء يعمل في الحقو # ل وعرسه في المنزل # كم خدمة يقضي نظا # م البيت إن لم تعمل # من للوليد يعينه # في لبسه والمأكل # ويميط عنه أذى الهوى # بتلطف وتحيل # من للرضاعة والحضا # نة والفطام وما يلي # من للمريض يحوطه # أبدا بدون تململ # يجري على وصف الطبي # ب على الطريق الأفضل # من للأثاث يصونه # من للذخائر والحلي # من يطعم الغرثان من # متزود ومحوصل # إن الدواجن والطيو # ر تموت إن لم تأكل # من يقسم المذخور بين # الحال والمستقبل # من ذا يعلم خادما # ت البيت فعل الأكمل # لكن إذا دعت الضرو # رة للخروج فحيهل # سيري كسير السحب لا # تأتي ولا تتعجلي # وتنكبي نهج الزحا # م وفضلي النهج الخلي # لا تخضعي بالقول أو # تتبرجي أو ترفلي # لا تكنسي أرض الشوا # رع بالإزار المسبل # أما السفور فحكمه # في الشرع ليس بمعضل # ذهب الأئمة فيه بي # ن محرم ومحلل # ويجوز بالإجماع من # هم عند قصد تأهل # ليس ms117 النقاب هو الحجا # ب فقصري أو طولي # فإذا جهلت الفرق بي # نهما فدونك فاسألي # من بعد أقوال الأئم # ة لا مجال لمقولي # فعلام أكثرت الملا # مة وانضممت لعذلي # وسقيتني من مر قو # لك مثل نقع الحنظل # ونسبتني حينا لمذ # هب قاسم وأبي علي # تعنين ويلك أنني # أمارة بتبدل # أدعو النساء للعب با # ريس ولهو بروكسل # ونسبتني حينا إلى # تحميل ما لم يحمل # جعل الحرائر كالإما # ء خوادما للمنزل # ليس الكلام بمبهم # فتفسري وتؤولي # لا ينفع التشكيك والت # أويل في الأمر الجلي # قلت: النقاب سكت عن # ه نعم بدأت فكملي # ولأي شيء يا تري # ن بغيره لم تحفلي # كم مبحث ما جلت في # ه وجل من لم يغفل # من ذا الذي جاءت مقا # لته بكل مؤمل # لا أبتغي غير الفضي # لة للنساء فأجملي # إن لم تري رأيي فيا ~~«ويل الشجي من الخل» # | باب التقاريظ # مرتبة بترتيب ورودها # جاء من صاحب الفضيلة الشيخ عبد الكريم سلمان رئيس تفتيش المحاكم الشرعية: # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله حق الحمد والصلاة والسلام على سيدنا محمد فوق العدو على آله وصحبه ~~رجالا ونساء يتجددان كل يوم صباحا ومساء. # أما بعد، فإن كان لمذهب دارون وجه من الصحة فليكن في ترقي العقول واستنباط ~~المجهول من المعقول وفي تولد المعلومات بعضها عن البعض، أما في نوع العالم - وهو ~~بنو آدم - فلا نراه مصيبا؛ إذ الآدمي آدمي أينما كان وشكله شكله في كل زمان ~~ومكان. # أصدق الأدلة على ترقي المعلومات وتوالدها وتنوعها الذهاب إلى ما يقرب من الطوفان ~~والمشي معه إلى هذا الزمان، فقد نرى في زمان نوح شكل الإنسان على ما هو عليه الآن، ~~ولكننا نراه في معلوماته قد تغير تغييرا تاما بحيث يمكننا أن نحكم بانقطاع ~~النسبة، أو تبدل النوع بين معلومات هذا الزمان وزمان الطوفان. # نحن في غناء عن سرد حالة هذا الهيكل الإنساني في معلوماته القديمة والحديثة؛ فما ~~من نفس إلا وقد تتصور الفرق بين العهدين وأن هذا الجديد كخلق جديد. # يمكنني أن أذكر ms118 شيئا سمعته من أسن رجل لقيته في حياتي، وكانت سنه إذ ذاك تتجاوز ~~مائة عام، وسني سبع عشرة على التقريب، قال ما معناه: «إنني وأنا شاب ذهبت إلى إحدى ~~الأسواق الريفية، ثم رجعت منها حائرا في أمري، فحدثت أبي بما عاينت وقلت: يا أبتاه ~~رأيت اليوم في السوق عجبا، فاعتدل وسأل: ما هو؟ فقلت: رأيت امرأة في السوق، وما ~~عهدتها قبل هذا النهار إلا قعيدة البيت، فقال له أبوه: يا ولدي لا تعجب؛ فإننا ~~قربنا من آخر الزمان الذي تقول فيه الملاحم وتعلو: «الحجول على الخيول.» فاللهم ~~نجنا، ولا تبلغ بنا في حياتنا إلى ذلك الزمان». ا.ه. هذا الحديث. # فأين المرأة التي حدث عنها محدثي هذا وزمانها لا يتجاوز المائة والعشرين سنة، وقد ~~كان مقرها كسر بيتها تخرج منه إلى قبرها؟! وأين المرأة في هذا الزمان فقد تراها على ~~وشك الإسفار حاملة قمطرها ذاهبة إلى مجتمع فيه كثير من النساء يعددن بالمئات، وفيهن ~~كثير من المتعلمات، فتصعد بينهن على منبر الخطابة، ثم تقول وتعيد ذاكرة حال النساء ~~ولزوم تربيتهن ووجوب تعليمهن مبينة فوائد تعليمها، منددة بالمواضي في جهلهن، حاضة ~~على تسوية النساء بالرجال في الاستفادة من العلوم، فيقابل المجتمعات قولها بالرضى ~~والقبول والإذعان للحجج والبينات التي أقامتها على وجوب تربية البنات. # يظهر أنني أسرعت في الانتقال إلى المقصود من كلماتي هذه، كما أسرع الزمان في ~~تبديل حال النساء في بلادنا من تلك الجهالة العمياء إلى هذه المعرفة العلياء، وإن ~~كانت هذه المعرفة تعد بالنسبة للآتي شيئا قليلا أو لا يكاد يذكر في جانب ما هو ~~منتظر الحصول. # بالطبع قد عرف أنني أقصد التنويه بالسيدة الفاضلة الباحثة في البادية (ملك حفني ~~ناصف)، فقد رأيت مجموعتها التي أدرجت في الجريدة منذ زمان، وطالعت معظمها بإمعان، ~~ولم أطالع البقية لقرب عهدي بها منشورة في الجريدة، فإذا فيها من المباحث العلمية ~~والفوائد الاجتماعية ما يعظم نفعه ويكون أساسا في المستقبل لبناء جديد نضيد يخرج ~~المرأة المصرية إلى عالم المشاركة الحقيقية للرجل في التربية والمعيشة، ms119 وبهذا يكون ~~لهذه السيدة فضل المؤسسين. # إني رأيت في كتابة هذه السيدة حدة في بعض الموضوعات، وكأنها معذورة في حدتها ~~لامتلاك الموضوع نفسها وحواسها، فكتبت فيه وهي ممتلئة حنقا ولو ملكت نفسها لخفضت ~~من حدتها وأتت بالخاص مكان العام، أو بالبعض مكان الكل، وبهذا كانت تسلم من ~~الاعتراض، وتغني نفسها عن تدارك ما وقع في مقال ثان، وليس هذا بالشيء إلا من جهة ~~صناعة الكتابة، والعذر فيه هو ما ذكرناه. # رأيتها في موضوع الحجاب تضرب البحر بعصا موسى ولكنه لم يطعها، بل بقي عريقا ~~عميقا، في صفاء مائه ما يغني عن انفلاقه، وستظهر الأيام أن رأيها في الحجاب رأي لم ~~تقدر على تخميره، ولم تملك حرية القول فيه، وإنني لست معها في أمره، وأرى غير ما ~~تراه فيه. # أيتها السيدة الفاضلة لا تبالي بما يتعرضك في طريقك من قول اللائي لم يشمن نور ~~العلم (ما للسيدات وللخطابة، وما لهن للكتابة؟! وإن رضي أبوها، فكيف رضي زوجها؟! ~~وإن رضي زوجها، فكيف رضيت عشيرتهما؟!)، فإن العلم دائما محسود أهله، ولن يغلبه ~~الجهل مهما كثر مشايعوه. # أي بنية أخي إني أراك قد نبغت بين قريناتك، واتخذت لك طريقا لم يسلكه قبلك منهن ~~ولا واحدة؛ فكنت لهن قدوة صالحة؛ فكثر بوجودك بينهن عدد الكاتبات القارئات ~~المتعلمات إلى الدرجة الابتدائية، ثم تدرج منهن بعضهن إلى التعليم الثانوي والعالي، ~~فثابري بلا مبالاة على خطتك هذه، وأصمي أذنيك عن لوم اللائمات، فما هي إلا مائة ~~وعشرون سنة يكون الفرق بين نسائها وبين نساء اليوم ما كان بين نساء اليوم ونساء تلك ~~المائة والعشرين عاما. # أيتها الفاضلة ناشدتك الله أن تكوني لبنات زمانك هذا قدوة في عملك بما تقررينه في ~~أقوالك وخطاباتك حتى يكون نصحك مقرونا بالإجابة مصحوبا بالقبول، وإني لأعلم منك ~~ذلك، ولكن لا بد من أن أنصحك به؛ لأنه إذا ظهر على الناصح عمله أولا بنصائحه قبله ~~المنصوح ورسخ في نفسه العمل به، وبهذا تكونين قدوة صالحة لأخواتك في الأعمال ~~والأقوال. # أيتها السيدة، إذا كتبت بعد ms120 هذا الذي رأيته فأمامك ضرب المثل بالبعض وإياك والحكم ~~على الجميع، فإن في هذا إغراء بالمخالفة، وليس هذا مما يقصده المؤسسون، وبعد هذا ~~فلله أنت! ولله أبوك! ولله بعلك! وفي سبيل الله ما تقاسين من عناء وما تكابدين من ~~محاولة هداية وإرشاد، حقق الله آمالك وأقر عينك بنيل ما تطلبين لأخواتك من الخير ~~العاجل، والسلام. # عبد الكريم سلمان # جاءنا من صاحب السعادة إسماعيل صبري باشا، وكيل نظارة الحقانية سابقا: # بنت أخي العزيز حفني بك ناصف # نشرت كتابك دواء لعلة من علل الوطن، ذلك المريض العزيز في وقت اجتمعت حول وساده ~~الأطباء والرقاة، هذا يصيح وهذا يولول وذاك يكتب وذلك يخطب وذياك ينادي بالصمت ~~ويشير بترك العليل للطبيعة، تعمل فيه عملها، إن خيرا وإن شرا. # وكل يدعي حبا لليلى # وليلى لا تقر لهم بذاكا # فنظرت أنت ببصيرتك الوقادة وفكرك الصائب في جسم المريض، وفتشت في مظان العلل، ~~فعثرت على أشدها فعلا فيه، ودونت مقالاتك في كتاب جمع من الآراء النافعة والأفكار ~~الناجعة ما لو عولج به ذلك المريض لذهب بأصل أمراضه وقرب للأطباء والرقاة يوم ~~شفائه. # أجل يا بنت حفني، إن تربية بنات مصر لهو العلاج الأكبر الذي غاب عن أكثر الباحثين ~~في أسباب انحطاطنا وثقل خطانا في طريق التقدم. # أجل، إن الفتاة إذا أصبحت أما وكانت متعلمة متهذبة آخذة من أسباب التربية بما ~~تشيرين به كانت لولدها في مهده ملكا حافظا، فإذا حملته رجلاه سددت خطاه، فإذا ~~انطلق لسانه هذبت كلماته، فإذا سلم لمعلم كانت رقابتها نافعة في حث الصغير على ~~الاستفادة وحمل المعلم على الإفادة. # إذا أم دامت - والعياذ بالله - على ما نراه من الجهل كانت الحال على عكس ما ~~قدمت، ولو لم يكن في تعليم البنات وتهذيبهن إلا ما ننشده من الوفاق والوئام بين ~~الزوجين وتقليل الطلاق والاكتفاء بزوجة واحدة، تقربا من العدل الذي أمرنا به ~~كتابنا الحكيم، لكفى كل ذلك مقرظا لكتابك النفيس وآرائك الصائبة. والخلاصة؛ أن ما ~~جاء في كتابك متعلقا بتعليم البنات وتأديبهن وتهذيبهن يعد ms121 من أجل الخدمات للوطن في ~~زمن تشكلت فيه الوطنية أشكالا شتى، لا يلائم أحدها حالتنا الحاضرة والظروف التي ~~غيرت وجوه الحكمة بيننا. # إن لرقي مصر أبوابا عديدة أراك قد فتحت أوسع باب منها، فكانت بك ربات الجمال ~~سابقة أرباب السيف والطيلسان إلى أجل خدمة تؤدى لمصر، ولا أخال شباننا وكهولنا إلا ~~فاتحين الأبواب الأخرى؛ أبواب العلم والعمل والصناعة والتجارة والزراعة، وغيرها من ~~أبواب الخير والسعادة المؤدية إلى استقلال الوطن، والتي يعد كل منها مؤديا إلى ~~استقلال نوعي تسعد به البلاد إلى أن يأتي يوم الاستقلال الأكبر. # أما من جهة الحجاب، وما أدراك ما الحجاب، شيء يظنه أسرا واسترقاقا، ويعتقد ~~البعض أنه سعادة وسيادة، فالذي أراه فيه هو أننا رأينا المرأة متأخرة في حجابها ~~فاستنكرنا تأخرها والحجاب معه، ولو كنا عاقلين لانتظرنا اليوم الذي نراها فيه ~~متعلمة مرباة، فربما حكمنا غدا بأن الحجاب أنفس حلي المرأة الراقية، بارك الله فيك ~~وفي كتابك، وجعله مرجعا نافعا لطلاب رقي نصيف أهل مصر - أعني نساءها - بل كل أهل ~~مصر بفضل تهذيب نسائها ورجالها، آمين. # جاء من فضيلة الأستاذ الجليل الشيخ عبد العزيز جاويش: # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله وحده، وبعد ذلك، أنا قلت كلمة في النسائيات التي وضعتها السيدة الجليلة ~~«ملك حفني»، فما أنا بمقتف أثر المقرظين ولا متساهل تساهلهم (على عادتي قبلا)، ~~فإنني تصفحت هذه العجالات الثمينة واستوعبتها درسا وبحثا، فوجدت بين دفتيها من ~~النصائح الأدبية والمسائل الاجتماعية ما لو بنيت عليه تربية البنت في بلادنا لسلمت ~~منازلنا من كثير من ضروب الشقاء، الذي ابتلي به الشرقيون منذ تركوا تعاليم دينهم، ~~وانحرفوا عن الصراط السوي في معاملاتهم، لقد وصفت السيدة الفاضلة أكثر عللنا ~~الاجتماعية ومبلغ آثارها في حياتنا المنزلية وشؤوننا المدنية، فكانت فيما وصفت خير ~~من يعتمد عليه في تعرف شؤوننا، ثم جعلت تصف لكل علة من طرق العلاج ما لو أخذت به ~~النابتة منذ النشوء لصلح حال الأمة في جميع أطوارها ولنبلت مبادئها وغايتها، ولقد ~~رأيتني إزاء كل باب من أبواب ms122 هذه المجموعة أقلب بصري في حقائق، بيد أنها كما يقال ~~في المثل : «حقائق مرة» لا يجمل بالمصري الصبر عليها ولا يمكنه التبجح بإنكارها، على ~~أنها قد هونتها العادة على النفوس حتى مرت الأيام تتابع والأجيال تتعاقب دون أن ~~ينتبه لرذائلها وسوءاتها الرجال فضلا عن النساء إلى أن وفق الله لهذه الأمة سيدة ~~كاتبات هذا العصر، وأستاذة المربيات في مصر، فوضعت هذه العجالات التي ستكون فاتحة ~~تاريخ جديد للتربية الصحيحة القويمة التي أساسها إصلاح المرأة والرجل اللذين عماد ~~كل شيء في الحياة الدنيا. # ولقد كاد قلم قاسم أمين يجلب البلاء على المسلمين والمسلمات بما وضعه من الكتب في ~~موضوع المرأة، لولا أن تنبهت لما يريده النابتة الإسلامية فجعلت تطارد تعاليمه ~~وتحارب إرشاداته، وإذا شئنا أن نضرب مثلا للمجاهدات والمصالحات، اللاتي تقصين ~~بآياتهن البينة ما أودعه كتبه من النصائح البعيدة عن روح الإسلام، فإننا لا نجد ~~أحسن من تلك السيدة الفاضلة التي بنت نصائحها على الإسلام، وحرصت على تقاليد ~~المسلمين. # على أنني، وإن عجبت بكثير مما جاء في مجموعتها هذه من الآراء السديدة، فإنني لا ~~أحب أن أزايل موقفي هذا دون أن ألاحظ على السيدة الفاضلة هفوة عرضت لها في باب ~~مساوئ الرجال (الازدراء بالمرأة) طالبا منها بما ورد لها في باب النقد أن تتقبل ~~كلمة لم يملها علي إلا الإخلاص لها والميل إلى المصلحة الأمة، فلقد صورت في ذلك ~~الباب المرأة في نظر الرجل اليوم على نحو ما كانت عليه في الجاهلية الأولى، وهذا ~~أمر قلما طابق الواقع، وهل كان من حرج على السيدة أن توسع المسألة بحثا، وأن ترقب ~~اليوم الذي تترجم فيه مقالاتها إلى اللغات الأجنبية، فتنشر أحكامها على هذه الأمة ~~في العالم الأوروبي الذي يجهل معنى الغلو البديعي، وإنه من المحسنات في اللغة ~~العربية؛ حيث يعتقد الأوروبيون - لا سيما نساؤهم - أننا اليوم على ما كانت عليه ~~جاهليتنا منذ أربعة عشر قرنا، وناهيك بما يحدث هذا القول في العالم المتحضر من ~~الآراء، وما يجلبه علينا بعد ذلك من البلاء. ms123 # تقول السيدة الفاضلة في ذلك الفصل: إن الجاهلية ما حبب إليها الذكور وبغض ~~إلى نفوسها البنات، إلا حاجتها إلى الحرب والطعان في سبيل حماية ذمارها، فكان لها ~~من هذا عذر مقبول، وأما هذا الزمن فزمن السياسة والصناعة إلى آخر ما قالت في هذا ~~الباب، وإنني أستمحيها عفوا أن أصرح هنا بأنني لا أكاد أطابقها على شيء مما جاء ~~لها في هذا الباب من الأحكام، وما التمسته من العلل واستخلصته من النتائج ~~والآراء. # وإنني لعلى يقين أن السيدة الفاضلة لو زادت هذا الباب عناية وبحثا لما وجد منتقد ~~سبيلا إلى كلمة يقولها في أكثر موضوعات هذه المجموعة الثمينة، فحسب الأمة المصرية ~~الإسلامية ما دون ذلك من الأبواب الاجتماعية الأدبية التي طرقتها، فإن فيها من ~~الحكم الغالية والنصائح العالية ما هو كفيل لسعادتها، إن شاء الله تعالى. # عبد العزيز جاويش # هذا ما كتبه سعادة العالم أحمد بك زكي، سكرتير ثاني مجلس النظار: # لست بميال لإطراء بنات الأفكار، إذا تضمنتها بطون الدفاتر والأسفار؛ ذلك لأن ~~الثمرة التي تتولد عن القرائح والأذهان إذا جاء معها لقاح المدارك والأفهام، هي ~~التي تنادي بنفسها على نفسها، وتدعو الرأي العام إلى الحكم عليها أو لها، بل هي ~~التي تقتضي الرواج والإقبال بطبيعة الحال، سواء تبرع بمدحها قطب من أقطاب الآداب، ~~أو تطوع لتقريظها علم من أعلام الكتاب. # كنت - ولا أزال أعتقد - أن التقريظ جناية على العلم الصحيح، وعلى ارتقاء الأمة في ~~معارج العرفان، وها هي كتب المتقدمين خلو بالمرة من هذه البدعة حتى إذا تصوحت زهرة ~~الآداب ظهر التقريظ، فاعتمد حملة الأقلام على مجاملة الأصدقاء والخلان؛ حينئذ تهافت ~~الناس عليه تهافتا اختلط فيه الحابل بالنابل والغث بالسمين، والتافه بالثمين، هذا ~~التهافت هو الذي أفسد الأذواق، فتبدل النفاق بالنفاق، وكسدت أسواق الأوراق. # إنما يكون التقدم بهجر التقريظ ومقاطعته، وبالتعويل على النقد الحقيقي الذي قرره ~~العلماء في أيام تقدم الإسلاميين، وهو الذي عول عليه جهابذة أوروبا في هذا العصر، ~~وذلك أن يتوخى الكاتب إظهار ما في الكتاب المعروض عليه ms124 من الحسنات وآيات البراعة، ~~مع الإشارة إلى ما فيه من العيوب بغير تحامل، ومن الواجب في هذا السبيل التماس ~~المعذرة في بعض الأحايين، والدلالة على طرق التوسع وشفاء الغليل. # لو عاد قومنا إلى منهاج السلف الصالح والصدر الأول، لكان سعيهم محمود المغبة، ~~مشكور العاقبة؛ لا جرم إذن أن تعود المعارف في ربوعنا إلى بهجتها الأولى، ونبني على ~~ما كانت أوائلنا. # تلك الخواطر، لو اشترك فيها النساء مع الرجال، لكانت مقدماتها صحيحة القياس، وهذه ~~المباني لو تعاون الصنفان على إقامتها لكانت وطيدة الأساس. # ولقد شمت اليوم بارقة الأمل، فأمسكت اليراع وأجريته على القرطاس لأشكر الثلاث: ~~صاحبين من خيار الرجال، تعززهما ثالثة يعتز بها كل منهما؛ ولا فخر لأنها فخر ~~الإناث. # أمعنت النظر في السلسلة الأولى من «النسائيات» التي صاغت حلقاتها يد لصاحبتها كما ~~لأبيها، ومن كمال بعلها أياد على الآداب والفضيلة، فلم أعجب من صلاح ذلك الغرس ~~الطيب، وإيناع هذا الثمر الشهي، وقد تعهد تلك البذرة الصالحة المباركة الباسل ~~«حفني» في إبان الصبا، والمنصف «الباسل» في ريعان الفتوة. # فيا رعى الله ذاك القناع، وذياك اليراع! فقد برزت بهما تلك الفتاة في مضمار ~~الحياة، فأثبتت أن في السويداء إناثا يضارعن الرجال، إذا هن أخذن بالعلم الصحيح ~~والعمل النافع، وتهيأت لهن الأسباب مع التمسك بأذيال الحشمة والكمال. # مرحى مرحى! ب «ملكة» ظهرت في عالم الإنس بين النساء فأكبرها الرجال؛ لأنها أعادت ~~لنا ذلك العصر الذهبي الذي كانت فيه ذوات العصائب يناضلن أرباب العمائم في ميداني ~~الكتابة والخطابة! # لو لم يكن للسيدة «ملكة الباسل» سوى أنها أول من برزت في هذه الأيام بحجابها ~~وآدابها، لإلقاء الخطب على أترابها، لكفاها فخرا في الأواخر أن اسمها سيخلد في ~~«كتب الأوائل»؛ إذ يقال: إنها من المجتهدات المجددات؛ لأنها أول من أعادت الخطابة ~~إلى فريق من النساء، بعد أن انطمست معالم هذه السنة منذ ست مئين من السنين، سنة ~~أخذها الغرب عن العرب فارتقى، وأهملها الشرق فانزوى وقعد بهن وبنا. # إحياء هذه السنة على يد هذه الفضلى هو ms125 الذي حداني إلى كتابة هذين السطرين: لإطراء ~~النساء لا لإطراء «النسائيات»، فهو كتاب ينطق بنفسه لصاحبته، بل هو غني عن التقريظ ~~لرقة عبارته ولطف أسلوبه، ولبسالة صاحبته بنوع أخص. # نسأله تعالى أن يكثر بين ظهرانينا من أمثال أولئك الثلاث؛ فكل منهم فرد في بابه ~~إن شاء الله! # رمل الإسكندرية في 31 أغسطس سنة 1910 # أحمد زكي # السكرتير الثاني لمجلس النظار # جاءنا من حضرة الفاضل الشيخ حسين والي، الأستاذ في الأزهر ومدرسة القضاء الشرعي: # أباحثة البادية شكرانك في البدو والحضر، فقد أراني كتابك علم عائشة بنت الصديق، ~~وأدب سكينة بنت الحسين، وأذكرني عهد الحضارة الإسلامية وقد بدا كوكبها فى أفق ~~المشرق، ذلك العهد المتقادم الذي تسابقت نساؤه ورجاله في المعرفة؛ فكان الفضل ~~للسابق كفضل هاتين السيدتين على غيرهما من نساء ورجال، لعمرك ما كان نبوغهما ~~مقتضبا اقتضابا؛ إذ كان من دونهما مراتب للرجال وللنساء، مراتب متفاوتة بحكم ~~الترقي والاستعداد ومستباحة بحق الإسلام؛ فالزمان يومئذ زمان العدل والنصفة، والعلم ~~يومئذ علم اليقين والتهذيب. ~~(روى البخاري) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: سمعت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: نساء قريش خير نساء ركبن الإبل؛ أحناه على طفل وأرعاه على زوج في ذات ~~يده. # لقد بين النبي # صلى الله عليه وسلم # تاريخ المرأة العربية التي كانت تركب البعير في البادية؛ ~~فقال إنها كانت تحنو على طفلها وتحفظ مال زوجها، والحنو الصحيح هو التربية الصحيحة، ~~وحفظ مال الزوج هو الاقتصاد فيه، ولا يكون ذلك إلا بعد العلم بوجوه صرفه ووضع الشيء ~~في موضعه، والحكمة كل الحكمة في تربية الطفل وحفظ المال، فإن في هذين الأمرين عمران ~~الكون وبهجته: المال والبنون؛ زينة الحياة الدنيا. # وقال: إن المرأة القرشية أحنى على طفلها وأحفظ على مال زوجها من العربية الأخرى، ~~فالقرشية أفضل من غيرها لهذه المزية لا لشيء آخر، فالفضل إنما هو بالعلم ~~والعمل. # أثنى النبي # صلى الله عليه وسلم # على نساء العرب بما أحرزن من فضيلة توافق زمانهن، ورفع ~~القرشيات عليهن درجة، كما ms126 هو شأن البيوت العالية في كل جيل، فإن أهلها يفوقون غيرهم ~~في كثير من الأمور. # فالنبي # صلى الله عليه وسلم # يأمر أمته أن تجري على هذا السنن: سنن العمران والسعادة. # ففي الحديث إشارة إلى بيان أساس البيت، الذي تتألف منه القرية والبلد والمصر ~~والقطر والمملكة. # وفي الحديث إشارة إلى بيان نصيب المرأة في الحياة الدنيا، وأن قسمتها ليست قسمة ~~صغيرة. # وعلى ذلك درج الناس في القرون الأولى من الإسلام، ثم خلف من بعدهم خلف أنزلوا ~~المرأة من مكانتها وبخسوها حقها، والله يقول: # ولا تبخسوا ~~الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض ~~مفسدين ~~. # ولما قهروها وضموا حقها إلى حقهم ضعفوا أن يؤدوا الحقين فوقعوا في الحرج، فلما ~~استحكمت حلقات الأزمة أخذوا يفكرون في الخروج من هذا المأزق، فكان كل امرئ منهم يرى ~~رأيا حتى كثرت الآراء واختلطت الأمور وأظلمت الآفاق وطمست الطرق. # رويدكم أيها الناس فهذا (كتاب النسائيات) يبين لكم الجادة من مكان قريب، ويقول: # إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات ~~إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا ~~بالعدل إن الله نعما يعظكم ~~. # أباحثة البادية، قرأت كتابك فأنبأني أن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله ~~السماوات والأرض، فأخذ الناس يهتدون بهدى الفطرة، وأنساني أسفي على عبث الرجال بنصف ~~الأمة، وأخبرني أن التاريخ يعيد نفسه فتستوي المرأة والرجل رغم أنف ~~الجاهلين. # أباحثة البادية، قرأت كتابك فأنشدت قول ابن هانئ: # ولو جاز حكمي في الغابرين # وعدلت أقسام هذا الورى # لسميت بعض النساء الرجال # وسميت بعض الرجال النسا # أباحثة البادية، قرأت كتابك فألقى في روعي أن أكون مستقل الرأي كما أعرف نفسي، ~~وأذن لي أن أدخل باب الكلام متأدبا كما تعودت، وألا أتعرض إلا إلى العظيم من ~~الأمور، فإن ائتلف الرأيان فالخير في الائتلاف وكفى الله المؤمنين القتال، وإن ~~اختلفا فهذه عادة الناس فيما هو من عند غير الله، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ~~ربك، وربما كان الاختلاف مبدأ الائتلاف، وعند ذلك لا يشين السبب المسبب (كما لا ~~يشين الكلف البدر). # رأيت ms127 في المقالة (1) أن المرأة الحاضرة تفهم معنى الحياة أكثر من الغابرة؛ لأن ~~ذلك مقتضى سنة الله في رقي الزمان. # ولكن المرء إذا زاد علمه عرف وجوها كثيرة من النفع، ووجوها كثيرة من الضرر، ~~فإذا كان العلم غير صحيح لم تتهذب النفوس، فلا تكون المعاملة بالحسنى وقد يكون ~~الضرر أكثر من النفع؛ فالجهل البسيط خير من الجهل المركب. # ورأيت في المقالة (2) أنه لا يجوز أن تلبس نساؤنا كلباس الراهبات المسيحيات؛ لأنه ~~- وإن أباحه الدين بضرب من التأويل - يضيع تاريخ نسائنا ويذهب مميزاتهن، وذلك يمنعه ~~الدين بضرب من التأويل، وإذا دار الأمر بين الإباحة والمنع فدرء المفسدة مقدم على ~~جلب المصلحة والاحتياط في الأمور أولى، فينبغي أن تبقى النساء على لباسهن لباس الجو ~~والعشيرة، ويقتصدن فيه اقتصادا لائقا، وإذا زادت نفقته فالزيادة يسيرة ومثلها ~~يمكن تحمله بلا ضرر. # ورأيت أن خروج نسائنا سافرات مضر عند عدم التهذيب، ومبدأ ضرر عند كمال ~~التهذيب. # ورأيت أن خلاف أئمة الدين في مسألة السفور لا يكون إلا عند أمن الفتنة حالا ~~ومآلا، فإن خيفت الفتنة فلا خلاف في أن الواجب عدم السفور. # يزعم الناس أن علم أوروبا كامل ولست أزعم ذلك؛ لأنه لم يمنع الفساد المترتب على ~~السفور والمخالطة فهو في الحقيقة علم ناقص. # ورأيت في المقالة (3) أن المتعلمين من أهل مصر أكفاء للمتعلمات من أهلها؛ لأن ~~الدرجات متقاربة ولا يضر التفاوت اليسير، والكلام في كفاءة التربية. # ورأيت أن اقتباس الأدب من دار الخلافة ضروري، فيلزم أن يجاء بطائفة من المعلمات ~~للتربية، كما جيء بمعلمين ومعلمات من جهات أوروبا الأخرى، لنأخذ من كل جهة ما نحن ~~في حاجة إليه، وإذا أمكن إرسال طائفة من النشء إلى هناك فلا بأس، ولكن على شريطة أن ~~يكون معها من يقوم بأمرها ويراقب أخلاقها التي تريدها، وذلك لا يذهب بنا إلى عقدة ~~النسب فإني لا أجيز النسب من عنصرين مختلفين يؤخذ على أحدهما شيء إلا عند الحاجة ~~الشديدة؛ فإن العرق دساس. # ورأيت في المقالة (4) أنه يجوز لبعض المتعلمين أن ينأى ms128 عن ناقصة العلم والتربية ~~إلا إذا استطاع أن يقوم من أودها بحكمته، وإن كامل التهذيب يستطيع ذلك، فإذا قصر ~~فهو نصف رجل، ومن أراد سعادة قومه وكان ذا عزيمة أمكنه أن يختار جاهلة لا يصعب ~~تعليمها فيتزوجها ثم ينشئها بالتعليم خلقا جديدا، فالمدرسة تعلم من ناحية، ~~والرجال في بيوتهم يعلمون من نواح أخرى ما تمس إليه الحاجة، فتكثر المتعلمات في ~~وقت قريب وإن كان بعضهن أكمل تربية من بعض. # ورأيت في المقالة (6) أنه ينبغي أن يتراءى الرجل والمرأة قبل الزواج في حضرة بعض ~~المحارم، فترى المرأة من الرجل هيكله العادي، ويرى الرجل منها مثل ذلك ووجهها ~~وكفيها ويحادثها وتحادثه حتى ينجلي الأمر فإن ذلك نموذجهما، وكثيرا ما يكون ~~النموذج صادق المخبر، وإذا جاز للرجل أن يرى وجهها وكفيها بلا داع عند بعض أئمة ~~المسلمين فالأولى أن يرى ذلك عند خطبة الزواج مع الاحترام؛ هذه سنة إسلامية معقولة، ~~وفي العمل بها إنقاذ الأمة من وهدة الشقاء؛ فإن الطلاق قد ينشأ عن قبح الذات كما ~~ينشأ عن قبح الخلق. # وهناك صنف من الناس تدور عصم نسائهم على ألسنتهم، فيحلفون بالطلاق كثيرا، ~~ويعلقون الطلاق على أمور منها اليسير والخطير، وربما لم يكن لها ارتباط بالمرأة ~~البتة، وكم من نساء ذهبن في سبيل هذه البدعة وأصبحن مطلقات بلا ذنب وبلا علم، ~~وأمسين مسهدات يندبن حظهن، وهن يزعمن فيما يزعمن أن الشريعة تبيح ذلك الطلاق، ~~فيكتمن ما في أنفسهن ويتكلفن الصبر فيما بعد، حاشا لله أن يأذن في ذلك؛ فما كان ~~الله ليبعث بخلقه ويتركهم يجهلون ولا يقفون عند حد محدود. # ذلك الطلاق ضلالة يتبرأ منها الدين، ولم يحصل نظيره في عهد النبوة والخلافة فهو ~~طريقة باطلة وشريعة عاطلة، فيجب على المسلمين ألا يأخذوا به، ويجب على ولي الأمر أن ~~يضع للناس حدا في الطلاق كما وضع حدا في بيع السلعة الحقيرة عملا بحديث: «إنما ~~البيع عن تراض.» # ورأيت أنه يجوز أن يكون أحد الزوجين غنيا والآخر فقيرا مع العفة ~~والمعروف. # ورأيت أن الأولى في ms129 هذا الزمان أن يتعاون الناس على مقاومة الجهل من جميع ~~النواحي؛ ومن ذلك أن يتزوج العالم جاهلة، وتتزوج العالمة جاهلا؛ لأن شأن العلم ~~النفوذ، فهو يسري من المرأة إلى الرجل كما يسري من الرجل إلى المرأة. # وربما كانت هذه الطريقة عند المصلحين أولى من كون الزوجين عالمين ابتداء، فإن ~~المتعلمات الآن أقل عددا من المتعلمين، ولا سبيل إلى تعليم الجاهلات عند الكبر إلا ~~زواجهن من المتعلمين، والعلم فريضة على الأمة كلها فهي متضامنة في ذلك. # ورأيت في المقالة (7) أنه يجوز أن يجمع الرجل بين زوجين فأكثر عند الحاجة الشديدة ~~وظهور المصلحة في ذلك، والقدرة على إرضائهما أو إرضائهن جهد استطاعته، على شرط أن ~~يكون الجمع أخف من مفسدة تركه، وإن بعض الكبراء في مصر يغش زوجه ويخدعها بعدم زواجه ~~عليها ويريها أنه لها، ثم هو يأتي المنكر من حيث لا تدري وربما رضيت أن يأتي المنكر ~~ما دام ممتعا من زواج غيرها، الغش ظلم والرضا بالمنكر ظلم، وما هذان إلا من الجهل ~~وعدم المروءة، وذلك ظلم ظلمات بعضها فوق بعض، إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم ~~يجعل الله له نورا فما له من نور. # إن الله أباح للرجل زوجا فأكثر، ولكنه حظر الظلم، فقال: # فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ~~. ومشى الناس في صدر ~~الإسلام على ذلك، ثم أصبحوا فوضى في أمر الزواج، فترى الرجل يتزوج المرأة قادرا ~~على حاجاتها وغير قادر، ويتزوج أكثر من واحدة قادرا على العدل وغير قادر، فوقع ~~كثير من الأمة في البلاء والعذاب الأليم؛ كل هذا لأن الأمة لم تعمل بوصية الله ~~ورسوله في النساء، ولو كان أمر النساء سهلا ما قصد إليه النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، في أمهات ~~المسائل التي ذكرها في حجة الوداع ثم مات على ذلك. # إن محمدا النبي العربي والرسول الأمي كان يحترم المرأة كثيرا، كان يحترمها أكثر ~~من احترام الإفرنج الآن. # فيا قضاة الإسلام، اعملوا بتلك الوصية واضربوا على أيدي الرجال حتى لا يتزوج ~~الرجل واحدة إلا بإذن ms130 القاضي، بعد علمه بالقدرة والمصلحة، ولا يتزوج أكثر من واحدة ~~إلا بإذن القاضي، بعد علمه بالقدرة والمصلحة والعدل. # ما بال الناس ينظرون إلى المسألة من جهة الجواز ولا ينظرون إليها من جهات المنع؟! ~~هذه مغالطة في الدين أو جهل، وكلاهما لا يجوز. # ورأيت في المقالة (8) أنه يجوز زواج البنت عند بلوغها إذا كان في ذلك مصلحة ظاهرة ~~يدوم أمرها، وعلى مثل ذلك يحمل حديث تعجيل الزواج. # وإن الأوفق مراعاة اتحاد الزوجين في السن أو تقاربهما؛ خشية الضرر عند التباين ~~الشديد. # ورأيت في المقالة (9) أن أهل مصر الآن خليط من العرب والفراعنة وغيرهم، وليسوا ~~خليطا من العرب والفراعنة فقط؛ فالقشرة الطبيعية موجودة كالقشرة الصناعية الحاصلة ~~بسبب الجهل والغش. # ورأيت أن كثرة التعرض للشمس تضيع حسن اللون وربما جعلته ضاربا إلى ~~السواد. # ورأيت في المقالة (13) أن تهديد الرجل امرأته بالطلاق أو تهديد المرأة الرجل ~~بالخروج من بيته لا يجوز ما دام هناك رجاء في البقاء، سواء أكانت الأسباب قوية أم ~~ضعيفة؛ فإن مثل ذلك التهديد يلفت الذهن إلى أمر الانفصال فيقربه، وتلك بدعة في ~~الدين لم تكن من أخلاق الأولين. # ورأيت في المقالة (14) أنه لا يليق بالرجل أن يتزوج المرأة لمالها؛ لأنه لو ~~تزوجها لمالها فقد تزوج مالها ولم يتزوجها؛ فالمال عنده هو المقصود والمرأة غير ~~مقصودة، وليس ذلك سر عقد الزواج الذي يطلبه الدين. # إذا تزوج الرجل المرأة لمالها فقد تنازعا فيه فيهزم الرجل؛ لأنه غير محق، فإن كان ~~غنيا بالطمع رجع فقيرا بالهزيمة، أما إذا صادفته الغنية ولم يقصدها لمالها فهو ~~عند حده ولا يعدم معروفا يناله من حيث لا يحتسب. ~~(روى البخاري) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي # صلى الله عليه وسلم # أنه قال: «تنكح ~~المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، وجمالها، ولدينها؛ فاظفر بذات الدين تربت ~~يداك.» # ورأيت في المقالة (15) أن عمران الكون لا يحصل إلا بالنسل، وهو أمر طبيعي يقهر ~~الإنسان وسائر الحيوان؛ فالرجل معذور أن يتزوج على امرأته التي فقدت ولديها، وربما ~~قوى عذره أنها عجوز ms131 في الغابرين مثلا، ولكنه غير معذور أن يفاجئها بالزواج في حين ~~المصيبة، فلكل منهما حق، والمخلص أن يتزوج بحيث لا تعلم امرأته الثكلى ~~بالزواج. # ورأيت أن للرجل أن يتزوج على زوجه لأجل إنجاب الذكور؛ فإنهم أقوى عملا وأكثر ~~نفعا من الإناث، فلا جناح على الرجل أن يقصد إلى ذلك، وتمام مأربه بيد الله ~~وحده. # ورأيت في المقالة (20) أن من أحط الأخلاق وأكبر الآثام أن تسعى المرأة في طلاق ~~المرأة لتحل محلها، أو يسعى لرجل في طلاق امرأة غيره ليتزوجها مثلا؛ فإن ذلك من ~~هدم المصالح الثابتة، ووقوع ذلك من بعض الأقربين منتهى الفظاعة، ويكاد المرء يعتقد ~~أن الله لا يغفره، ولا شك أن الساعي في الطلاق هو الذي اجترح السيئة أولا وإليه ~~ينسب الإثم، وإن شاركه غيره في ذلك. ~~(روى البخاري)، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، أنه قال: «لا يحل ~~لامرأة أن تسأل طلاق أختها لتستفرغ صفحتها؛ فإنما لها ما قدر لها.» # ورأيت في خطبة نادي حزب الأمة أن مزاج الرجل أكمل من مزاج المرأة، وكذلك المذكر ~~والمؤنث من بقية الحيوان، ومما يشهد على ذلك التشريح والأعمال الظاهرة في كل جيل، ~~وقد تغلب الرجل على المرأة من سالف الزمان إلى الآن، وبذلك أخذت الطبيعة حقها ~~واستوفت عملها، وقد حكم الله في كتابه أن الرجل مسيطر على المرأة؛ فقال: # الرجال قوامون على النساء ~~. ~~(وروى البخاري) عن أنس - رضي الله عنه - أنه قال: كانت أم سليم في الثقل وأنجشة ~~غلام النبي # صلى الله عليه وسلم # يسوق بهن، فقال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «يا أنجش، رويدك سوقك ~~بالقوارير.» # لأي شيء شبه النبي # صلى الله عليه وسلم # النساء بالقوارير؟! ما ذلك إلا لضعفهن ولطافتهن؛ فهن ~~الجنس اللطيف وهن محل عناية الرجال؛ فالرجال أقوى منهن ومسيطرون عليهن. # إن الرجل يتعلم مع المرأة في مدرسة واحدة في أوروبا وينقطعان إلى دروسهما، ثم بعد ~~إتمام سني المدرسة يخرجان، وقد يوفقان للفراغ والتفكير فترى الرجل يخترع الأشياء ~~وترى المرأة لا ms132 تخترع. # وقد تصل المرأة إلى ما وصل إليه الرجل في العلم والعمل، ولكن بعد اللتيا والتي ~~وبعد أن تخرج عن طورها وسنتها الطبيعية، فهي في ذلك الوقت رجل لا امرأة، والطبيعة ~~حاكمة بالقسمة؛ فقسم رجال وقسم نساء (فلا يغيرن خلق الله). # وإن مساواة المرأة الرجل في بعض الأحيان أمر عارض لا أمر جبلي (والفرق مثل الصبح ~~ظاهر). # وعملا بمقتضى الطبيعة وحفظا للصحة، يلزم أن تتعلم المرأة في المدرسة والمنزل ما ~~يلائم درجتها لا غير. # نحن لا نجد في تاريخ المرأة ما يجعلها في صف الرجل؛ فلا يجوز أن تسمو إلى رتبته ~~إلا إذا شذت عن فطرتها. # وإن آدم - عليه السلام - سيق بطبيعته إلى جلب المعاش، وحواء سيقت بطبيعتها إلى ~~سكنى البيت وتدبيره، (وفرمان) الطبيعة فرمان من الله مقبول ومعقول. # والمرأة القروية أقوى من الحضرية ولكنها دون درجة الرجل، ولو نشأت مع سباع ~~البادية. # والمادة الثانية من المواد العشر التي في آخر الخطبة تظلم السيدات، فإنا شاهدنا ~~آثار الضعف في كثيرات ممن يتعلمن التعلم الثانوي، فلا بد من معارضة هذه المادة حتى ~~لا تكسر (القوارير). # ولا بأس أن تلزم طائفة من النساء هذا التعلم الثانوي ليقمن بفرض الكفاية في تعليم ~~البنات، ويكون ذلك من قبيل (قتل الثلث لإصلاح الثلثين) أقول ذلك مازحا ولا أقول ~~إلا حقا. # ورأيت في خطبة المقارنة بين المرأة المصرية والمرأة الغربية أن بعض الأمراض ~~العصبية لا يزول إلا بضرب من الموسيقا، فيجب على الطبيب أن يعرف ذلك، كما قال ابن ~~سينا: «وبعض نغمات الزار تصلح لذلك، ولكن أصبح إثم الزار أكثر من نفعه، فالواجب ~~محاربة الزار، وقيام الطبيب بما يلزم.» # ورأيت أن الرجل أخذ المرأة بأمانة الله، وأن الخيانة في الأمانة حرام ومفسدة ~~خطيرة. ~~(روى البخاري) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، أنه قال: من ~~كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره (واستوصوا بالنساء خيرا) فإنهن خلقن من ~~ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، ms133 وإن تركته لم يزل أعوج ~~(فاستوصوا بالنساء خيرا). # ورأيت في الكتاب بعض مؤاخذات عربية تجري على ألسنة كبار الكتاب عند التسرع لا عند ~~التأني واليقظة. # مثل عبارة: (يسبي ربات الحجال بما فيهن المحصنات) في (فصل آراء: رأي في الزواج ~~وشكوى النساء منه) والعربي يقول: (وفيهن المحصنات). # ومثل عبارة: (لا تتفق مع الدجاج) في (فصل آراء: رأي في الزواج وشكوى النساء منه) ~~والعربي يقول: (لا تتفق هي والدجاج). # ومثل عبارة: (فقد لا يطابق الحقيقة) في (فصل آراء: الحجاب أم السفور) والعربي لا ~~يدخل (قد) على فعل منفي. # ومثل عبارة: (لا بد وأن ينتج) في (فصل آراء: ما ذنبنا؟) والعربي يقول: (لا بد أن ~~ينتج). # ومثل عبارة: (بسبب الوساخة) في (فصل آراء: تربية البنات في البيت والمدرسة) ~~والعربي يقول: (بسبب الاتساخ) فليس في اللغة العربية (وساخة). # ومثل عبارة: (وحب القديم حتى ولو كان مضرا) في (فصل آراء: الزواج) والعربي ~~يقول: (وحب القديم ولو كان مضرا). # ومثل عبارة: (ويحسدون بعضهم البعض) في (فصل آراء: تعدد الزوجات أو الضرائر) ~~والعربي يقول: (ويحسد بعضهم بعضا). # ومثل عبارة: (ضمني مجلس بصديقتين) في (آراء: طلاء الوجوه) والعربي يقول: (ضمني ~~مجلس وصديقتين). # ومثل عبارة: (أو التنازع على السلطة) في (فصل آراء: مبادئ النساء) والعربي يقول: ~~(أو التنازع في السلطة). # ومثل عبارة: (ويسنون النظام لصالح بني البشر) في (فصل آراء: مبادئ النساء) ~~والعربي يقول: (لمصلحة بني البشر). # ومثل عبارة: (تنغيص الآخر له) في (فصل آراء: مبادئ النساء) والعربي يقول: (تنغيص ~~الآخر عليه). # ومثل عبارة: (إذا كان أساءها) في (فصل آراء: مبادئ النساء) والعربي يقول: (أساء ~~إليها). # ومثل عبارة: (فسيان أن يعتبره قوم للمنفعة وحدها أو للشهرة) في (فصل آراء: ~~احترام الآراء وآداب الانتقاد) والعربي يقول: (وأن يعتبروه للشهرة). # ومثل عبارة: (سواء كانت في الأطفال أو الكبار) في (فصل آراء: جمال السيدات) ~~والعربي يقول: (سواء أكانت في الأطفال أم الكبار). # ومثل عبارة: (العمار) في (فصل باب التقاريظ) والعربي يقول: (العمران). # ومثل عبارة: (لقلت) في (فصل آراء: الزواج) والعربي يقول: (قلت) ms134 لأن اللام لا ~~تدخل على جواب (إذا). # ومثل عبارة: (الصدف) في (فصل خطبة في نادي حزب الأمة) والعربي يقول: ~~(المصادفات). # ومثل عبارة: (وأخبار علانة) في (فصل خطبة في نادي حزب الأمة) والعربي يقول: ~~(وأخبار فلانة). # ورأيت في الكتاب بعض مؤاخذات إملائية لا تخفى على الكاتب، وربما كانت من ~~المطبعة. # أباحثة البادية، أحسنت فكرا وكتابة كما يحسن الأكثرون، بيد أنك سابقة السيدات في ~~ميدان الإصلاح، وتلك مزية لو نالها رجل لكان له شأن في هذا الزمان، فليكن شأنك أعظم ~~وثناؤك ألزم، ولا يصرفنك بعض ما جرى به قلمي، فما أخذت عليك إلا كما يأخذ أستاذ ~~الإنشاء والشؤون الاجتماعية لا كما يأخذ الناقد المثبط، وإني أرتقب يوما أرى فيه ~~أثرك وقد دل على الكمال الذي تحاولين ونحاول. # وإذا رأيت من الهلال نموه # أيقنت أن سيصير بدرا كاملا # القاهرة في (14 شعبان سنة 1328 / 19 أغسطس سنة 1910) # حسين والي # جاءنا من حضرة النظامي الفاضل الدكتور شبلي شميل: # سيدي الأستاذ الفاضل؛ حفني بك ناصف المحترم # أشكرك على النسخة التي تفضلت علي بها من مقالات النسائيات لحضرة الفاضلة باحثة ~~البادية، وقد طالعتها معجبا بعلم صاحبتها ودقة نظرها، ولا سيما إقدامها في مجتمع ~~لا يزال يعد الخروج فيه عن المألوف مهما كان شأنه بدعة مذمومة؛ مما دل على أن علمها ~~الواسع لم يبق في رأسها عقيما، كما هو الحال في رءوس أكثر رجالنا حتى اليوم، ولم ~~أقل نساءنا لئلا أبخسها حقها من الفضل المتقدم بين أترابها، وهن غالبا كما هن شطر ~~عاطل في جسم اجتماعنا. # فباحثة البادية بين النساء المصريات، بل المسلمات، بل الشرقيات عموما لا يقل ~~فضلها في الضرب على مساوئ الأسرة عندنا، والحض على وجوب تعليم المرأة لتحرير عقلها ~~وتقويم أخلاقها بالعلم الصحيح عن فضل قاسم أمين في وجوب تحريرها، وإن كانت لم تطلب ~~لها هذا التحرير إلى الغاية القصوى مثله؛ لأنها لم تطلب إلغاء الحجاب بالكلية، وهو ~~رأي في نظر البعض وجيه، أولئك الذين يقولون: إن الطفرة محال ويخشون الانتفاضات ~~العنيفة، فيطلبون الإصلاح ms135 بالتؤدة واللين خوفا من أن تصعيب المطلب يحول دون بلوغه، ~~وإن كان نظام الاجتماع لا يستغني أحيانا عن الثورات العنيفة إذا اشتدت المقاومة في ~~الأحوال الراسية لطول العهد، كنظام الطبيعة نفسه حذو القذة بالقذة ومهما يكن من ~~ذلك، فإن رأيها هذا في نظري، لا ينافي رأي الطالبين اليوم السفور المطلق، وما هو ~~إلا حذر لفظي؛ لأن رفع الحجاب المعنوي عن العقل لا بد أن يؤدي إلى رفع الحجاب الحسي ~~عن الجسم، كما أن طلب رفع الحجاب الحسي دفعة واحدة لا يرضى به حتى المحجوب نفسه، ~~إذا لم يرفع حجاب الجهل عن عقله أيضا، كأنها في ذلك سلكت مسلك دارون نفسه في ~~العلوم الطبيعية؛ إذ حصر الخلق في أصول قليلة تفرعت منها الأنواع الكثيرة بعد ذلك ~~بالنشوء والتحول، حذرا من تصعيب المطلب على أصحاب الخلق أنفسهم، ولكن ذلك الحذر لم ~~يمنع معتنقي مذهبه المعتقدين صحته من إطلاق ناموس النشوء والتحول على الطبيعة كلها؛ ~~لأنه إذا صح النشوء للبعض لا يفهم لماذا لا يصح للكل، فتحرير العقل إلى الغاية ~~القصوى لا يتم بدون تحرير الجسم إلى الغاية القصوى أيضا، فطالب تحرير المرأة لا ~~يسعه أن يطلبه من جهة واحدة، وإلا فكأنه لم يطلبه؛ ولذلك أعتبر نسائيات باحثة ~~البادية ككتاب تحرير المرأة لقاسم أمين في النتيجة المترتبة عليهما، ومقامها بالفضل ~~المتقدم بين النساء كمقامه بين الرجال في الإسلام اليوم، وفي يقيني أن الإسلام لم ~~تحرك فيه حتى اليوم مسألة اجتماعية أهم من المسألة التي نحن بصددها، والفضل في ذلك ~~لمصر وحدها ولأبناء مصر. ~~••• # ليس الغريب أن مسألة المرأة في الاجتماع شغلت الناس في كل العصور، ولا تزال شغلهم ~~الشاغل حتى اليوم في كل المعمورة، فهي من مقومات الأسرة التي هي أساس الاجتماع، بل ~~الغريب أنها مع بساطتها لم يسهل الاتفاق فيها وذهب الناس فيها مذاهب، وكتبوا فيها ~~ما لو جمع لضاق عنه الحصر كأنها من المسائل اللاهوتية العويصة؛ لأن أكثر الباحثين ~~جعلوها كذلك، مع أنها من المسائل الطبيعية البسيطة التي لا يجوز أن ms136 يختلف فيها ~~اثنان لولا ذلك، ولا نظن أن منشأ هذا الاختلاف خاص بقوم دون آخرين وبصقع دون آخر، ~~بل هو عام جميع المعمورة، وكائن من أول التاريخ إلى اليوم في أشد المجتمعات البشرية ~~انحطاطا، وفي أكثرها ارتقاء على ضروب متنوعة، فلا بد أن يكون لذلك سبب عام هو أصل ~~كل الاختلافات التي رويت في شأن المرأة، والتي لا تزال موجودة حتى الآن. # فالمرأة منذ القدم مظلومة مهضومة الجانب من الرجل؛ لأنه أقوى منها، وهي مظلومة في ~~كل الشرائع دون استثناء؛ لأن واضعيها رجال حتى إن بعض هذه الشرائع أنكر عليها ~~النفس، أو بالأحرى حتى جاز لأتباعها في عصر من العصور أن يتباحثوا في ما إذا كان ~~للمرأة نفس، وهكذا استبد الرجل القوي الخشن بالمرأة الضعيفة الجاهلة، فحرص عليها ~~الفقير حرص المالك على ملكه النافع له، واستخدمها أحيانا كما يستخدم الحيوان، ~~ولكنه لم يكن يضن بها كما كان يضن به؛ لأن الحيوان بثمن وهي بلا ثمن غالبا، ولم ~~يستمسك كثيرا بالحجاب؛ لأن الفقر كان يطفئ فيه آياته الشهوانية، وحرص الغني عليها ~~حرص غيره، فدفنها حية في قبور من القصور، وكفنها بأكفان من الحجاب، حتى إذا برزت من ~~خدرها مشت متثاقلة كالبرميل الموشح، وهي تهتز على محورها وتتعثر بظلها، ولم يعدم ~~الشعراء من خيالهم تصورا للتغني بهذا الشبح، وغار عليها من النسيم لئلا ينقل إلى ~~سواه شذاها، وحتى من النور لئلا تمتد الأبصار به إلى مرآها، فإذا مات وئدت معه حية، ~~كأنها متاع له لا يجوز أن يفصل عنها أو كأنها جزء منه، ولكنه يجوز له أن يفصل عنها ~~واعتبرها بذلك أحط من الحيوان، الذي كانوا إذا غالوا في القسوة عليه ربطوه إلى جانب ~~القبر حتى يموت، وهي قبلت بذلك مرغمة بالقوة مستسلمة للجهل، حتى حسبت كل ذلك واجبا ~~عليها وحقا له: # والمرء إن ما اعتاد متربة # فإن تصنه فهو يمتهن # حتى قتل الترهل قواها الجسدية، والجهل مواهبها العقلية، والرجل يحسب أنه بذلك ~~صانها وصان نفسه بها وما صان فيها إلا جهله؛ ms137 إذ المرأة مرآة الرجل جاهلة فجاهل ~~وعالمة فعالم، وما صان الجهل أدبا ولا أوصد أبوابا ولا أعز أمة، وأمنع حجاب توسيع ~~العقل بالعلم الصحيح وتقويم الأخلاق بالتربية القويمة، وأكفل كافل الاختبار بالنفس ~~لصيانة المصلحة، فالذي قياده بيده أمنع جدا إذا امتنع ممن قياده بسواه. # فالحجاب بقية باقية من ضروب الظلم التي حاقت بالمرأة من أول عهد التاريخ إلى ~~اليوم، والحجاب على المرأة المسلمة إلى الحد المألوف اليوم، من غير تخريج أو تأويل، ~~لا تقبله العقول الناضجة أيا كانت، وهو سبب عيوب الأسرة الشرقية عموما، والمصرية ~~خصوصا التي قامت باحثة البادية تنبه إليها في نسائياتها طلبا لإصلاحها، وأي دليل ~~أوضح على أن فساد الأسرة هذا إنما هو من مقام المرأة فيها المنافي للطبع؛ إذ الحرية ~~المتبادلة في نظام الطبيعة حق طبيعي لا يجوز أن تسلبه حتى ذرات الجماد، وإلا كانت ~~أعمال الطبيعة أدعى إلى الخراب منها إلى العمار، وهي في الاجتماع البشري حق واجب بل ~~ضروري أيضا؛ لأن المرأة فيه شطر من شطري جسمه، فإذا سلبت المرأة الحرية عرج ~~الاجتماع ومشى على رجل واحدة، وفيها قيد أيضا إذ تصبح المرأة حينئذ عالة عليه ~~عوضا عن أن تكون عونا له، ولا حاجة بنا إلى إطالة البحث لوضع المقدمات المركبة ~~لاستخراج النتائج البسيطة؛ فإن علم المقابلة البسيط يغنينا اليوم عن كل ذلك، ولا ~~أقل من أن نقارن بيننا وبين الأمم الراقية لنقف على الفرق الجسيم بين مجتمع المرأة ~~فيه مدرجة حية في الأكفان، مدفونة بين الجدران، عقلها محجوب عن أنوار علوم ~~الاختيار، كما حجبت حواسها عن نور الطبيعة، وبين مجتمع ترى المرأة فيه على ضد ذلك، ~~ونقابل فقط بين أطفال الامرأتين في مجتمعنا ومجتمعهم، فأين قذارة أطفالنا من نظافة ~~أطفالهم وسقم أطفالنا من صحة أطفالهم، ورعونة أطفالنا من رصانة أطفالهم؟! حتى إن ~~صبيانا ليفوقوا رجالنا في العزائم، فيشبون على الجد والعمل، ونشب نحن على السخافة ~~والكسل، فيستطيلون بأيديهم إلى كل عمل نافع، ونستطيل نحن بألسنتنا إلى كل دعوى ~~فارغة، وإذا دمغتنا الحجة أخذنا ms138 نفتش على عيوبهم الجزئية لنستر بها عيوبنا الكلية، ~~غير ناظرين من خلال ذلك إلى ارتقائهم وانحطاطنا وتقدمهم وتقهقرنا الكليين، وما كان ~~هذا الارتقاء لهم يوم كانت المرأة عندهم مسلوبة الحرية، محجوبة عن نور العلم، فقد ~~كانت مظلومة كذلك عندهم، وإن لم تكن محجبة كما هي عندنا، فإن دروب الظلم ~~كثيرة. # وأغرب من كل ذلك أن مثل هذه الدعاوى الفارغة التي نطمئن إليها تجوز على كثيرين ~~ممن هم في مقام القادة أو أن البعض يجيزونها نفاقا يجعلونه طعاما على رؤوس صنانير ~~أغراضهم لاصطياد أغرارنا به، والأدهى محاولة البعض من هؤلاء وأولئك إخراج البحث في ~~الموضوع من وجهته الاجتماعية إلى وجهة دينية، بحسب أهوائهم وعلى قدر أفهامهم، وما ~~يقصدون بذلك إلا إزالة التكافؤ من بين المتباحثين لينقلوا الكلام من أن يكون بين ~~الناس بعضهم مع بعض إلى ما بينهم وبين الله، لعل المعارض يجبن ويكون صمته عونا على ~~تأييد ما يدعون، كما يفعل منتقدو الزهاوي، وقد يظن بعض السياسيين أنهم يأتون ذلك عن ~~حكمة ليدفعوا عنهم شر الجهلاء، كما فعلت الحكومة العثمانية الدستورية اليوم؛ إذ ظنت ~~أنها تملك قيادة الجهلاء، وهم لا يملكون إلا إقامة العدل الصحيح ومن ورائه السيف ~~حتى يقره العلم، فتزلفت إليهم بأنها منعت نشر أفضل كتاب في الإسلام لأعظم مصلح من ~~المسلمين وهو كتاب تحرير المرأة لقاسم أمين، وما أشبه سلوكهم في هذه المسألة بسلوك ~~عرابي؛ إذ قام يتبرك بالحجب، ويلبس المسابح ليتقرب إلى العامة وهو يحسب أن النصر له ~~من ورائهم! وما كان له من ورائهم إلا الفشل وهم بعملهم هذا اليوم، أبعدوا غاية ~~الدستور عنا أجيالا، غافلين عن أن التنازع حولنا اليوم شديد. ~~••• # قد يقول بعض الذين ينظرون إلى الأشياء مجردة أن الإسلام ارتقى في الماضي وما كان ~~حجاب المرأة عقبة في سبيله، وهؤلاء لو نظروا إلى الاجتماع كما ينبغي أن ينظر إليه؛ ~~أي: بنظر المقابلة، لعلموا أن المرأة كانت في تلك العصور متناسبة في الظلم في كل ~~المعمورة، ولم يكن بينها هذا التباين الشديد الذي ms139 نراه الآن، فالمرأة الغربية لم ~~تكن أفضل من المرأة المسلمة في تربيتها وفي علمها، وأما اليوم فمن المستحيل أن يتم ~~للمسلمين ما تم لهم في الماضي مع سائر الأمم بسبب هذا التباين، وإذا طال جمودهم على ~~حالهم هذه ولم يجاروا جيرانهم في كل شيء، كان مصيرهم إلى حيث تقضي سنة التنازع بين ~~المتنازعين غير الأكفاء. # على أن النهضة التي قام بها قاسم أمين منذ سنين قليلة وتلته فيها باحثة البادية، ~~والتي نراها تتجسم أكثر فأكثر كل يوم، كما يدل تكاثر الباحثين في الموضوع وميل ~~الأكثرين منهم إلى شد أزرها ولا سيما في هذه الآونة الأخيرة، تبشرنا بأن مساعي ~~المصلحين وإن لم تظهر نتائجها العملية في المسلمين اليوم، فسوف لا يمضي زمن قصير ~~حتى تجني منها الأجيال القريبة كل الفوائد المطلوبة؛ إذ تكون الرؤوس البالية بما ~~فيها من الأفكار المتعفنة قد انقضت - والعادات دين ثان - فتشب الرؤوس الجديدة على ~~المبادئ الجديدة الموافقة لمصلحة الإنسان المشتركة في العمران، والمتغيرة بحسب روح ~~كل عصر طبقا لاحتياجات كل زمان عملا بسنة الارتقاء وغلبة الأصلح، والعلم الصحيح؛ ~~أي: العلم الاختباري دين أيضا. # واقبل أيها الأستاذ الفاضل فائق احترامي. # الدكتور شبلي شميل # | باحثة البادية والآنسة مي # بين كاتبتين # 1 # إلى باحثة البادية # ترنمت باسمك قبل أن أعرفك، واتخذت ذكرك عنوانا لنهضة المرأة المصرية قبل أن ~~أطالع مقالاتك؛ لأن أصوات الجمهور قد اتفقت في الثناء على فضلك، غير أني عثرت ~~بالأمس على مجموعة كتاباتك القديمة النفيسة، فانحنيت عليها ساعات طويلات، فيها خيل ~~لي أني أقلب صفحات نفسك المفكرة المتوجعة. # ثلاث سنوات مضين، وتلك المجموعة محفوظة بين دفات المكاتب، أو مبعثرة بين الأوراق ~~والأسفار المتراكمة يوما بعد يوم، لكن سرها ما زال مترقبا يدا تلمسه. # سنوات ثلاث، فيها مشت البشرية خطواتها المعدودات متعثرة بالعظام والجماجم، منشدة ~~أهازيج النصر الكاذب وتهاليل الفخر الباطل، وقواها الغالية تسيل على شفار السيوف، ~~ودماء حياتها تجري أنهارا في سهول قد أخفت نجمها الجميل، وثمراتها الممتعة خوفا ~~من وحشية الإنسان. # سنوات ثلاث، فيها شعرنا ms140 بارتداد صدمات السياسة والاقتصاد والأطماع المتزايدة، ~~فيها ارتفعت دويلات جادة مجتهدة وتهشمت أعضاء تركيا العظيمة بتاريخها، الضعيفة ~~بإهمالها وتهاونها، وقد جاش لذلك كل ما في صدر الإسلام من النخوة القديمة، وبكت له ~~قلوب الغيورين على مصالح بني عثمان. # كل ذلك ومصر مصر، بكآبتها وانعطافها واندفاعها، كل ذلك ونحن هائمون على وجوهنا في ~~صحراء الفوضى، صخور التقاليد القديمة تدمي أقدامنا الجديدة، وأشواك الاصطلاحات تجرح ~~أيدينا الممتدة للمس أشياء نظنها موصلة إلى حياة نريدها عظيمة. والسراب الجميل ~~اللامع في حدود المستقبل غير المحدود يستدعينا آمرا، كأنه نظرة عين فتانة، فنجري ~~في الصحراء ولا ندري إلى أين المصير! # سنوات ثلاث؛ مررن على يوم فيه ارتفع صوتك مرشدا عائلتنا، لا تزال على ما كانت ~~عليه وأفكارنا لم تتغير إلا قليلا، وعواطفنا ما برحت بين تيارات متعاكسة، دائمة ~~الاضطراب بين ما ندعي أننا نعلم وما نجهل أننا لا نعلم! غير أن الأصداء الخفية ما ~~زالت ترجع همس ذلك الصوت الرخيم. # بالأمس لمست نفسك وقرأت أفكارك فتعثرت على جراح بليغة وودت تقبيلها بشفتي روحي، ~~وما أطبقت الكتاب إلا وأنا ألثم بناني على غير هدى، ولم يكن ذلك إلا إجلالا لصفحات ~~قلبتها وحبا لنفس استجوبتها فعرفتها. # فيا من «ارتفع قلبها إلى فكرها وانحنى فكرها على قلبها» أيتها الباحثة الحكيمة، ~~لماذا تصمتين؟ # تتوالى الأيام ونحن في ضلال مبين، الرجل يجاهد في حرب الاقتصاد الدائمة، الرجل ~~تائه في مهامه أشغاله، فإذا كتب بحث في العموميات، وإذا أجال قلمه في الخصوصيات فهو ~~لا يستطيع البلوغ إلى نور الوجدان النسائي؛ لأنه يكتب بفكره، بأنانيته، بقساوته، ~~والمرأة تحيا بقلبها، بعواطفها، بحبها. # علاتنا مستعصية لا يشفيها إلا طبيب يعرفها، والمرأة بعلة جنسها أدرى فهي تستطيع ~~معالجته، ولا تطالب هذه الخدمة الشريفة من فتيات لا يعرفن من الحياة إلا ما يصوره ~~لهن الخيال المخيم بطلانه على منابت العواطف المخصبة، هذا اعتراف ساذج صادق: ~~الفتيات لا يداعبن القلم إلا لينثرن الدموع أو ليصورن الابتسامات، وما تجاوز ذلك ~~علامات استفهام متتالية، وإن لم ير فيها من ms141 الاستفهام شيئا. # لكن الزوجة والأم التي أعطيت ذكاء وفطنة وعلما وشعورا قويا، تدرك بواسطته ~~كل ما في الحياة من حلاوة ومرارة، تلك تستطيع وضع المرأة في مركزها السامي، وتلك ~~تقدر أن تعمل في مزاج نصفي الشخصية المتألمة، شخصية المرأة وشخصية الرجل فيا سيدتي ~~... # لدينا قلوب تحترق ولا ندري أي نار تحرقها، وتلتهب شغفا بما لا نعرف ماهيته، ~~فعلمينا أنت التي كنت فتاة قبل أن تكوني أما، كيف نرشدها وإلى أين نوجهها! # لدينا نفوس عزيزة تنمو فيها ميول مبهمة ورغبات حارة، فأرشدينا أي الأعشاب فاسد ~~فنقتلعه وأيها الصالح فنسقيه ماء الرعاية والحنان! # قولي يا سيدتي تكلمي! # ضمي يدك الباردة إلى الأيدي التي تحاول رفع هذا الجيل من هوة الحيرة والتردد، ~~ساعدي في تحرير المرأة بتعليمها واجباتها، إن صوتا خارجا من أعماق القلب، بل من ~~أعماق الجراح كصوتك قد يفعل في النفوس ما لا تفعله أصوات الأفكار. # لا يهمنا أن تخفي تلك اليد النحيفة وراء جدران خدرك، وأن تحجبي هيئتك الشرقية ~~وراء نقابك الشعري، ما دمنا نسمع صوتك في صرير قلمك، ونعرف منك روحك ~~العالية. # فهنيئا لوطن يضم بين بناته مثيلاتك، وهنيئا لصغار يستقون وعود الهناء من ~~ابتسامتك ويسكبون حياتهم في قالب حياتك! # مي # إلى الآنسة مي # تفضلت فكتبت إلى كلمتك العذبة في الجريدة وكنت إذ ذاك بين مخالب الموت، فلم يكن ~~في وسعي أن أمسك القلم لأرد عليك، وإن كانت مخيلتي لم تبخل بالرد، كانت رسالتك ~~عزاء جميلا لي في مرضي الطويل المؤلم، وبلسما ملطفا لجراحي البالغة التي قلت: ~~إنك عثرت عليها، آلامي أيتها السيدة شديدة، ولكني أنقلها بتؤدة كأني أجر أحمال ~~الحديد، فهل تدرين يا سيدتي ما هو لي؟ ليس لي بحمد الله ميت قريب أبكيه، ولا عزيز ~~غائب أرتجيه، ولا أنا ممن تأسرهم زخارف هذه الحياة الدنيا، ويستولي عليهم غرورها، ~~فأطمع في أكثر مما أنا فيه، وليس لي حال سيئ أشتكيه، ولكن لي قلبا يكاد يذوب عطفا ~~وإشفاقا على من يستحق الرحمة ومن لا يستحقها، وهذا علة شقائي ومبعث ms142 آلامي، إن قلبي ~~يتصدع من أحوال هذا المجتمع الفاسد. # وما لي أحمل نفسي أعباء غيرها، ولست بمسيطرة على هذا العالم، ولكني كنت عاهدت ~~نفسي على الأخذ بيد المرأة المصرية، ويعز علي أن أتخلى عن هذا العهد وإن كان تنفيذه ~~شاقا، ومحفوفا بالصعوبات ويكاد اليأس يسد طريقي إليه. # كنت اعتزلت الكتابة لا لنضوب مادتها عندي، ولا اكتفاء بالقليل الذي كتبت من قبل، ~~ولكني كنت مللت المناداة بإصلاح المرأة المصرية، وثبط عزمي ما أراه من انصراف فئة ~~المتعلمين والمتعلمات الجدد عن العمل لتكوين القومية المصرية المطلوبة، وما حركتهم ~~التي ملأوا بها القطر صراخا إلا عنوان نهضة كاذبة. # تسألينني يا سيدتي أن أدلك وسط هذه الأحوال المضاربة والآراء المتشعبة عن الطريق ~~الذي يحسن بالفتاة نهجه، وإنها لحال توجب الحيرة، ولا ندري أي الطرق نسلك لنصل ~~سريعا إلى الغاية التي نقصد إليها، كلنا يرمي إلى تقدم الفتاة وتنورها وإعدادها ~~لأن تكون زوجة صالحة وأما نافعة أبناءها ووطنها، ولكن لكل مناد بالإصلاح وجهة هو ~~موليها، فبعضهم لا يرى لهذا التأخر والجهل من سبب إلا كان راجعا للحجاب، وهؤلاء ~~قرروا وجوب سفور المرأة المصرية حالا، ونسوا حكمة التأني والتحفظ عند إرادة ~~الانتقال من طور مظلم مألوف إلى طور لم يعهد من قبل؛ تكتنفه المدهشات واللوامع ~~البراقة الجذابة التي تكاد تغشى الأبصار. # وفريق لا يرى السفور فائدة، ويقول: إن الحجاب لا ينفي العلم وإن إطلاق الحرية ~~للمرأة أخيرا كان سببا لفسادها، وإن اطراد تعليم المرأة وتثقيفها سيكون مجلبة ~~للشغب ولخروجها عن حدود وظيفتها في المستقبل، كما خرجت أختها الغربية الآن، فأي ~~الطريقين نسلك ومن نتبع؟ إننا معشر النساء لا يزال ظلم الرجل يرهقنا، واستبداده ~~يأمر وينهى فينا، حتى أصبحنا ولا رأي لنا في أنفسنا، فإذا قال لنا: اختبئن حتى تدفن ~~بالحياة صونا لكن وتدليلا كما يقول المتنبي في رثاء أخت سيف الدولة: # على المدفون قبل الترب صونا # وكقوله في أخت ممدوحه الثانية من رثاء أيضا: # وما رأيت عيون الإنس تدركها # فهل حسدت عليها أعين الشهب # وهل سمعت ms143 سلاما لي ألم بها # فقد أطلت وما سلمت عن كثب # إذا أمرنا الرجل أن نحتجب احتجبنا، وإذا صاح الآن يطلب سفورنا أسفرنا، وإذا أراد ~~تعليمنا فهل هو حسن النية في كل ما يطلب منا ولأجلنا أم هو يريد بنا شرا؟ لا شك ~~أنه أخطأ وأصاب في تقرير حقنا من قبل، ولا شك أنه يخطئ ويصيب في تقرير حقوقنا ~~الآن. # نحن لا نأبى أن نتبع رأي العقلاء والمصلحين من الأمة، ولكننا لا يمكننا كذلك أن ~~نعتقد أن كل من يتصدى للكتابة في موضوع المرأة من العقلاء المصلحين؛ ليدعنا الرجل ~~نمحص آراءه ونختار أشدها، ولا يستبد في (تحريرنا) كما استبد في (استعبادنا)، إننا ~~سئمنا استبداده، إننا لا نخاف من الهواء ولا من الشمس وإنما نخاف عينيه ولسانه، فإن ~~وعدنا أن يغض بصره كما يأمره دينه، وإن يكن لسانه كما يوصيه الأدب، نظرنا في أمرنا ~~وأمره، وإلا فكل منا حر يفعل ما يشاء، والسلام عليك أيتها الفاضلة من المعجبة بك ~~المثنية على أدبك الجم وعلمك الغزير. # باحثة البادية # إلى باحثة البادية # ليس أعز لدينا من لطفك إلا حزمك وصراحتك، وليس أجمل من صدى صوتك إلا فعل معناك، ~~وإني لأقبض بيدي لأعترف بأني أحب - أستغفر الله وأستغفرك يا سيدتي - آلامك النفسية ~~الشديدة من جراء شقاء الإنسانية وضلالها، وأتمنى من أعماق فؤادي أن تجد دواما تلك ~~الآلام منفذا رحبا إلى قلبك، وأن يبقى ذلك القلب كريما لينا ينجرح لجرح الغريب ~~ويبكي لبكاء المظلوم، ويشفق على المتوجع أيا كان، بالاختصار: عفوك! عفوك! أتمنى ~~لك العذاب المعنوي؛ لأنه النار المقدسة. أجل، هو النار التي تطهر النار التي تلين ~~النار التي ترفع النفس على أجنحة اللهيب إلى سماء المعاني السامية والميول الرفيعة ~~والرغبات الكريمة، والتحمس لإجراء الإصلاحات اللازمة وتنفيذ المبادئ الطيبة، ~~والنهوض بالاجتماع نهضة تهتز لها القلوب حمية وطربا. # أتمنى لك ذلك، ولولاه لما وجدنا في كتاباتك تلك الأنة العميقة التي تنبه الفكر ~~وتلمس العاطفة في آن واحد. # لا أنكر أن أنانيتي تتكلم الآن، غير أني قلت ما ms144 قلت مسرعة هامسة فابتسمي له إن ~~شئت، وإلا فلا تصغي يا سيدتي ولا تسمعي، بل اسأليني عما أهمس به لأجيب أني أحمد ~~الله على إبلالك وأني أسأله أن يديمك سالمة وما أغلى سلامتك لدنيا! # جئت أسر إليك أمرا وقفت عليه عندما شهدت صدى مقالتك لدى جمهور القراء، اسمعي يا ~~سيدتي الباحثة، وصوني سري! # رأيت جميعهم يتقبل أقوالك بنظرة الفخر وابتسامة الإعجاب، ولكني رأيت أسيادنا ~~الرجال - ... أقول: «أسيادنا» تخمد نار غضبهم - قلت: إني رأيتهم يطربون لتصريحنا ~~بأنهم ظلمة مستبدون، نعم آنست ذلك في ملامح كل من قرأ مقالك أمامي من أسيادنا ~~الرجال. # فذكرت إذ ذاك ألا سرور في العالم يضاهي سرور التفاهم، فإذا شعر المرء بأن من ~~يفهمه كان سعيدا، سواء لديه إن تعرف منه على صفاته أو علاته؛ لأن معرفة العلات ~~تتبعها حتما معرفة الصفات، وإن كان الخير أقل انتشارا من الشر، وما النقائص إلا ~~فضائل مضخمة مكبرة تتسع وتستفيض دون أن تجد لها من الضمير مهذبا فتتجاوز الحدود ~~المعنوية التي عينتها اصطلاحات الاجتماع - إذا كانت اجتماعية - أو رسمتها علوم ~~النفس والأخلاق، إذا كانت أخلاقية. # فعملا برغبة التفاهم، وطبقا لنظام المباهاة، وتوصلا للاستمتاع بنتيجة هذه ~~المباهاة وذلك التفاهم كان وسيكون السارق دائم المفاخرة بوقوف الناس على براعته في ~~اختيار الطرق الجديدة واستنباط الحيل الغريبة، وكان وسيكون القاتل مسرورا بإعلان ~~آثامه للورى آملا أن يجدوا فيها أعمال بطل من نوعه! وكان وسيكون السياسي جادا في ~~إقناع الآخرين أن دهاءه اقتدار وسوء ظنه وروغانه فطنة وحكمة، كذلك الرجل يسر ويرجو ~~ويريد أن تشعر المرأة باستبداده ظنا منه أن الاستبداد هو السيادة، وأن هذه مقياس ~~ذاتيته التي يريدها كبيرة، رضيت المرأة عن تلك السيادة أم تمردت عليها في نظره ~~سيان، بل أظنه - سامحني الله إن كنت مخطئة - مؤثرا تمردها على إذعانها؛ لأنها كلما ~~زاد تمردها زاد شعوره بالسيطرة، وأشد الملوك فرحا بهز الصولجان وأرفعهم للرأس ~~كبرا وتيها تحت ثقل التيجان، هم ذوو العروش المتداعية للهبوط، والرجل ملك متداع ~~عرشه؛ لأن ريح الفوضى تهب ms145 عليه من كل جانب، وخطوات الارتقاء النسائي تتوالى متمكنة ~~مع مرور الأيام. # لكنه ملك عزيز! # هو الأب والأخ والصديق والخطيب والزوج فإذا سقط سقطنا معه، وإذا ارتفع كنا ~~بارتفاعه عظيمات؛ لذلك نريد له خيرا ونجتهد في تأييد دولته، بشرط أن ينصب عرشنا ~~بقرب عرشه، وأن نقف إلى جنبه وقفة المثيل بجوار المثيل، نريد أن نكون متساويين في ~~الواجبات والمسؤلية، بل إن واجباتنا ومسؤليتنا يفوقان ما عليه من مسئولية ~~وواجب! # فيا ترى متى يرضى الرجل بتقرير هذه الحقيقة؟ # ما أطيب قولك، يا سيدتي الباحثة، إنك تشفقين على من يستحق الشفقة ومن لا يستحقها! ~~الرجل من الذين يستحقون الشفقة؛ لأنه لا يعرف أنه يستحقها إنه باستعبادنا لمنتحر، ~~ولو صرفنا النظر عن مستقبل الذرية وبحثنا في حياته الفردية لوجدنا أن ما من أحد ~~يساعده على التخلص من الشوائب الشائنة، ويحثه على إنماء شخصيته الغنية المخصبة إلا ~~نحن، كما أنه لا يهدينا إلى واجباتنا ويضع في ضعفنا قوة إلاه. # الحجاب؟ وما الحجاب؟ # مرحبا به ما دمنا في وسط لا يعرف كيفية معاملة المرأة ولا يستطيع احترامها، ولكن ~~كيف نلوم الرجل على كلامه ونظراته ما دام رجل اليوم صنع امرأة الأمس؟! هكذا علمته ~~أمه وإن لم تعلمه ذلك فإنها لم ترشده إلى ما يفضله، ولا ذنب لها لأن قصورها في ~~جهلها لم يكن إلا نتيجة اتفاق أبيها وزوجها على جعلها عبدة، لا لوم على أبناء تلك ~~الأمهات، إلا أن مستقبلنا صالح؛ لأن حاضرنا مملوء بالآمال الطيبات، النشء تتنازعه ~~طبائع الوراثة ومؤثرات العصر وعواصف الفوضى المهاجمة قديم التقاليد من كل ناحية، ~~ولكنه ينشد الصراط السوي ويصغي إلى صوت الإصلاح فارفعي صوتك، يا سيدتي، ولا تيأسي! ~~قولي بصراحتك واكتبي بشجاعتك! جاهري ولا تصمتي! # إن البذرة التي تزرعها اليوم يد زارع تنبت سنبلة في كيانها حياة الغد، وما يتبعه ~~من الأيام، وعندما تخضر المروج بنصرة الرجاء، فتتماوج فوق غلتها نسمات الحياة، إذ ~~ذاك سيسمع المستقبل صدى جيل يردد أبيات الأمير شوقي: # صداح يا ملك الكنا # ر ويا أمير ms146 البلبل # صبرا لما تشقى به # أو ما بدا لك فافعل # فتجيب الأصداء الجديدة: لقد فعلت! لقد فعلت! # مي # الساعة المفقودة # جعلها أرباب التجارة حلية نسائية، وأتقن الجوهري وضعها في سوار ذهبي فكانت نصيبي ~~في الشرى. # صورة مصغرة للكون كذلك كانت ساعتي، مساحتها رمز للفضاء، دورتها مسرح اللانهاية، ~~حدودها حدود الإمكان، علاماتها مقاطع الوقت الذي رتبه الإنسان، ساعاتها مقياس ~~الأعمال، دقائقها خوف من هجوم الرزايا وترقب لوفود الآمال، ثوانيها دقات القلب ... من ~~الثواني يتألف الزمان ومن نبضات القلب تنسج الحياة نسجا. # فيا لهول ثواني الزمان، ويا لهول نبضات قلب الإنسان! # بين ثانية وثانية يلتقي العدوان في أحشاء الثرى: الماء والنار، فتميد الأرض بمن ~~عليها، وتنفطر أساساتها فتقذف البراكين مقذوفاتها الجهنمية وسوائلها النارية، وتزفر ~~الطبيعة زفرتها القتالة فتلتهم صروح العمران، وتفتح صدرها مرحبة ببنيها، تفتح صدرها ~~مرحبة فيتدحرجون إلى الهاوية التي ليس فيها من يعود على وجه البسيطة مخبرا. # بين ثانية وثانية يتلاقى الجيشان في ساحات الوغى، فتدوي وعود المدافع في الفضاء، ~~وتختطف بروق السيوف غالي الأرواح؛ ولأجل كلمة غالب أو مغلوب تندك عروش وتنتصب عروش، ~~تدمر ممالك ويعمر سواها، تخرب مدائن ويشاد غيرها، تتجندل الأفراد وتفنى مجامع؛ ~~فترتدي الأقوام سواد الألوان، وفي نفوسهم لوعة الفقدان وسواد الأحزان. # بين ثانية وثانية يموت أمل ويحيا يأس، تبتسم شفة وتدمع عين، يخون صديق ويخلص عدو ~~بين ثانية وثانية! # وبين نبضة ونبضة هناك سر الأسرار، دماء داخلة إلى القلب ودماء منبعثة منه، تتهافت ~~عليه جراثيم الموت فتخرج مطهرة حيوية، بين النبضة والنبضة تأثيرات تهتز لها أعماق ~~العمر وانفعالات تشخص لمرورها ذوات الكيان، اشتعال الفكر وخمود العاطفة، ظفر ~~البلاهة وتقهقر النبوغ، لذعات الغرام والحسرات العظام، قنوط ورجاء، سعادة وشقاء، ~~هتاف الروح المسلمة ولهاث الروح المودعة! # يا ابنة أبيك! يغدرنا الزمان ساعة الرجاء، ويخوننا يوم الصفاء، ويهجرنا حين ~~اللقاء، فأنت خائنة هاجرة كالزمان، يا ابنة الزمان! # كم من ساع طيبات وقت مرورهن على دوران عقربيك وفكري يناجيك بأحاديث هداه وضلاله! ~~ابسم لك عند السرور فأتخيلك صامتة تبتسمين، ms147 وأتنهد حيالك يوم الأسى فأتوسمك تتنهدين ~~وتحزنين، وكأن عقربيك ذراعان يمتدان نحو العلاء مستغيثين متوسلين. # لما أفنت قلبي وحدة القلب ضغطت بك على ساعدي قائلة: «أنت الصديقة التي لا تخون.» ~~ولما مزقت سمعي أكاذيب الناس وأحاديثهم المؤذية خاطبتك قائلة: «أنت لا تؤذين لأنك ~~لا تتكلمين.» ولما أذابني الجهل بدعواه والغرور بسخافته نظرت إليك قائلة: «أنت ~~عالمة لذلك تصمتين.» # وكنت تعزيني! # وكنت زماني، يا ابنة الزمان! # وعلى هذا ما كان أطول إعراضك عني وأقل اهتمامك بي! في النهار كنت تطوقين ساعدي ~~فيوجعه أثر سلسلتك وأجيب أنا على هذا العنف بلمسة المداعبة، وفي المساء كنت ~~تستريحين بجوار وسادتي، فأوقع على موسيقاك الساهية ألحان أحلامي وآمالي، وفي الصباح ~~كنت أول عين أشاهدها وأول روح أستجوبها. # كل ذلك وأنت لا تنتبهين ولا تعلمين. # وها قد هجرتني، فقدتك فسيري بحراسة الله وانسيني! # ولكن انتخبي اليد التي ستطوقينها! # فإذا وقعت في يد شرير وقصد استعمالك ليؤذي أخا له فانقلبي أفعى لساعة ولا تبرحي ~~مفرغة فيه سمك حتى تصرعيه قتيلا! ~~... لكن لا، لا! ليس الأشرار إلا ضحايا البشر وضحايا نفوسهم لو كنت تعلمين، وهم ~~خليقون بالرحمة أكثر من الأخيار الصالحين؛ فلا تتحولي حية ولا تؤذي شريرا، بل ~~غادري تلك اليد المسكينة واسقطي في طريق أب فقير لتكوني من نصيب فتاة لم تلبس في ~~حياتها حلية، زيني يدا شوهت خشونة الخدمة جمالها، ونامي على زند الفتاة الغربية ~~بدلال القبلة والتحبب! نامي هناك وأسعدي ولو ساعة قلبا بائسا يحسب السعادة في ~~الغنى! # نامي هناك وانسيني، ولكن! # إن كان لديك ذاكرة تذكر يا ساعتي الصغيرة المحبوبة؛ اذكري لحظة ما شهدته معي من ~~المسرات واللهفات، اذكري واحفظي ما تعرفين! # ولكن ... ألست ابنة الزمان الذي ننسب إليه في ضعفنا كل شيء، وهو في قوته لا يبالي ~~بشيء؟! ترين بأي حافظة تذكرين، وبأي ذهن تتأملين؟! إنما علاماتك مداد قد تحجر، ~~وعقربك إصبع يشير إلى علامة يجهل منها المعنى، وأنت آلة ليس إلا وإن كنت آلة الآلات ~~المثلى. # أنت ابنة الزمان الناسي، وأنت مثله ms148 لا تذكرين! # مي # إلى الآنسة مي # عزيزتي مي # لا تستغربي يا سيدتي أني دعوتك «بيا عزيزتي» وسأدعوك باسمك على غير معرفة شخصية ~~سابقة، أقول: شخصية وأحدها؛ لأني عرفتك من كتاباتك الشعرية الجميلة من قبل، وتعرفت ~~منها بروحك العالية الهائمة في الفضاء، وكأنها تبحث عن مستقر لها، فلا يكاد يعجبها ~~مكان تستقر فيه. # وتعرفت بك بالأمس، بل وارتبطت بك من دعائك علي بالعذاب المعنوي، كأني أنا ~~المعنية بقول جميل: # وأول ما قاد المودة بيننا # بوادي بغيض يا بثين سباب # وقلنا لها قولا فجاءت بمثله # لكل مقال يا بثين جواب # وإنما حاشا أن يكون دعاؤك علي سبابا، وحاشا أن يكون له جواب عندي من مثله؛ فإني ~~لم أقابله إلا بالضحك والحلم الذي ركب في غريزتي. # لماذا تدعين علي بالعذاب المعنوي؟! ألا إن العذاب البدني أخف منه وطأة وأعفى ~~أثرا، على أني جربت كليهما وذقت الأمرين منهما معا، تقولين: «لأنه النار ~~المقدسة.» نعم؛ لقد أعطاني من القداسة مقدارا أكثر مما يجب لمثلي، حتى جعل البون ~~بعيدا جدا بيني وبين هذا العالم غير القديس. # تقولين: «إنه النار التي تطهر.» حقيقة أنه تلقى وجداني بالتطهير منذ أن كان لي ~~وجدان حتى صيره شفافا يظهر كل شيء ويتأثر لأقل شيء، وهذا فيه من الضنى والخطر ما ~~فيه. # تقررين «أنه النار التي تحيي.» نعم؛ يا مي إنه أحيا روحي حتى أحرقها؛ لأنه كان كل ~~صباح كمصباح سيال كهربائه شديد، ولكن فتيلته ضعيفة لا تحتمل. # هو «النار التي تلين.» هذا ما أبديت، ولكن ألا تعتقدين أن اللين قد يؤذي ولا ~~يفيد، خصوصا في هذه الدنيا التي كلها صدام وعراك، وأنه لا يفل الحديد إلا الحديد، ~~إنه ألانني حتى صيرني ماء، وما أشد عبث الطبيعة والناس بالماء مع أنه أصل ~~الحياة! # يصبونه فينصب ويريقونه فيختفي في الأرض، ويضعونه في كل آنية معوجة وملونة، فيأخذ ~~كل شكل ويصطبغ بما يراد به من الألوان، تبخره الطبيعة زارية هازئة فتارة ترفعه إلى ~~السحاب وطورا تقذف به إلى الأرض وآونة تعاكسه بصقيعها بردا ms149 وآونة تحمى عليه ~~براكينها فيخرج ملتهبا، وحينا تخبث رائحته بكبريتها وزرنيخها فيلعنه الناس إذا ~~أحسوا منه غير ما يريدون وهو بريء، ثم أليس هو رمز الطاعة والامتثال؛ يضعون فيه ~~سكرا فيحلو ويذيبون به الحنظل فيمر، وهم مع ذلك لا يقيمون له وزنا ولا يعترفون له ~~بالجميل، وهو بلا ثمن في أكثر بقاع الأرض وأرخص الأشياء في أقلها، إنه مثلي يا مي ~~يذهب ضياعا. # وختمت حسن تعليلك لعذابي بقولك: «إنه النار التي ترفع النفس على أجنحة اللهيب إلى ~~سماء المعنى ...» إلخ. # نعم يا مي إنني الآن على أجنحة اللهيب، ولكني لم أصل بعد إلى السماء، وإذا وصلتها ~~فلن يعود العالم يراني؛ فهل يا ترى ستعجبني السماء؟! إني أشك في ذلك، إني أول ما ~~حفظت من الشعر حفظت المراثي وأولها رثاء الأندلس، وكنت في حداثتي أقرأ كثيرا ديوان ~~المتنبي وأعجب بروحه العالية وبنفسه الكبيرة، وأظنه هو الذي عداني في ذلك وسمم ~~آرائي - رحمه الله - إني ألذ كثيرا بهذه العدوى ... # وقد قال لي أخي مرة بعد حديث كنت أشتكي له فيه الدنيا وأهلها، وأقول: «لعل الله ~~يجزيني على هذا في آخرتي بالجنة.» # قال متهكما: «أنا واثق يا شقيقتي أن الجنة أيضا لن تعجبك؛ لأنه لا يكاد يسرك ~~شيء.» أستغفر الله! # إنك يا مي خالفت المألوف في التمنيات والمجاملات الفارغة، وهي كثيرة وشائعة جدا ~~الآن (بمناسبة عيدي الميلاد ورأس السنة المسيحيين، قلت: «ابتسمي له» أي: لدعائك «إن ~~شئت وإلا فلا تصغي ولا تسمعي واسأليني عما أهمس به لأجيبك أني أحمد الله على إبلالك ~~وأني أسأله أن يديمك سالمة ... إلخ».) # لا يا عزيزتي، إني أكره الكذب والمجاملات الفارغة ولذلك أصغيت وسمعت وابتسمت (حسب ~~أمرك)، وتسرني جدا صراحتك في الدعاء علي. # أتدرين يا مي أن ذلك اليوم الذي تمنيت لي فيه العذاب كان فيه عيد ميلادي أيضا، ~~وأني تفاءلت خيرا بدعائك وافتتحت عامي الجديد بالضحك من تمنيك، وبصداقتي لك تبعا ~~لذلك التمني المعكوس، أشكر لك يا عزيزتي أمانيك لي ورغباتك الصادقة، وأقر لك أني ~~واقعة فيما ms150 رجوت لي والحمد لله، ولكن يا مي لا أتمنى المزيد؛ إنه عذاب طاهر لا ~~يتعدى الميل إلى السكون والشعور بشيء من الحزن الشعري الجميل، ولكنه ولله المنة ~~والشكر، لا تخامره شائبة من الندم ولا من الأسف الأثيم وأخشى أن يزيد ضرام النار ~~التي طلبتها لي؛ فأحترق يا مي أو أصل إلى ذلك الذي لا أريده لنفسي ولا أظنك تريدينه ~~لي. # الساعة المفقودة # عجيب يا سيدتي أنك تريدين عذابي وأنا أريد هناءك! أتدرين ماذا سألقيه عليك ~~فيفرحك؟! # إني وجدت ساعتك المفقودة والتقطتها، رأيتك ترثينها بحرقة فجئت لأمسح دموعك؛ لأني ~~أحب دائما أن أمسح دمعة المحزون، تعالي إلي لتأخذيها وتستغفريها من وصفك إياها ~~بالغدر وبعدم الإحساس، فإنها أحسب بشوقي لرؤيتك فأتت تقدمة لمجيئك ~~ولتعارفنا. # إنها بثت إلي ما كنت تشكينه إليها من العواطف والآلام، عثرت علي وعثرت عليها ~~لنكفي قلبك شر الفناء من الوحدة، ولنؤكد لك أنك وجدت الصديقة التي لا تخون. # حكاية الرجل # والآن فلنعد إلى حكاية الرجل: # عجيب يا سيدتي أمر هذا المخلوق الغريب الأطوار الذي يسمى «بالرجل»، إني أعتقد أنه ~~كريم شجاع وله قلب حساس ولكني أظنه (وبعض الظن إثم) أنانيا قبل كل شيء، ورأيي أن ~~أنانيته وحدها هي أصل رذائله؛ فهو يهضم حق المرأة ويستعبدها، لا لأنه يبغضها أو ~~يتمنى لها السوء ولكن ليلهو بها، وهو يحبها ويموت لأجلها لا لأنه يحبها ولكن ليلهو ~~بها، وهو في كل ذلك واسع الحيلة قوي الحجة فيقنعها فتصدقه وهو كذوب. # أما المرأة فهي دائما تحترمه وتحبه لأنها تحبه صادقة، وإذا كرهته علانية، ولم ~~يكن لذلك البغض من دواء. عرف ذلك أبو الطيب، فقال: # وإن حقدت لم يبق في قلبها رضا # وإن رضيت لم يبق في قلبها حقد # هي صادقة مخلصة دائما حتى وهي خاطئة، هي تحب لتفنى في الحب، ولكن الرجل يحب ~~ليعيش متمتعا بالحب، هي تحزن وقت المصاب لتتفرغ للحزن ولكن الرجل لا يحزن إلا ~~ليبحث عن تعزية وسلوان. # المرأة كدودة القز تفرغ حريرها لتموت، إنها تعلم أن حريرها الذي ms151 تقدمه للملأ زينة ~~وحلية سيقتلها، ولكنها لم تحاول قط الخلاص منه. # أما الرجل فهو كالنحلة يتنقل من زهرة إلى زهرة متروضا، وقد يطيل المكث على زهرة ~~ناضرة وإنما ليمتص منها نضارتها وماء حياتها، إنها تحب الأزهار حينا ولكنها تلهو ~~بها أحيانا فتتركها هشيما، وهي تقدم للناس عسلا فيه شفاء لهم وشمعا نافعا ~~ولكنها تعملها لغذائها وسكنها قبل كل شيء. # ظلمنا الرجل حقوقنا، لا لأنه كان ينوي ظلمنا وإنما هو أخطأ كثيرا في حسبانه، وإن ~~ما يزيد في قوتنا يضعف من قوته هو، لعله ظن أن مملكتنا واحدة؛ ولذلك نظر إلينا نظر ~~الدعيات الثائرات، وإنما نحن نريد له السعادة والمزيد من القوة في مملكته، ونرجو ~~منه أن يفك عنا الخناق في مملكتنا المستقبلة التي تشد أزره ولا تفكر في إضعافه قط ~~مهما بلغت من العزة والقوة، إننا نتقدم إليه كأننا ساعده الذي يريد أن يخدمه لا ~~كأننا يد غريبة تريد أن تضربه، إننا منه وهو منا فليطب نفسا وليقر عينا وليعطنا ~~ما نشاء. # وإنما نحن يا مي ضايقناه في بعض شؤون مملكته حتى ظننا نريد منازعته فيها؛ لنترك ~~له السياسة التي يحبها وحمايتنا، وأقول لك همسا: «إننا لا ننفع بدونه، ولكنه هو ~~أيضا لا ينفع من غيرنا!» # إن المطالبات بحق الانتخابات وإن كن يطلبن حقا إلا أنهن ظالمات الرجل وأنفسهن ~~معا، لماذا يرمن مشاركته في الجلوس على كراسي «البرلمان» ولا تقدم واحدة منهن ~~صدرها للقاء كرات المدافع ونصال الفناء في الحرب، الحق أحق أن يتبع. # ليهنأ الرجل بمملكته، إننا لا نهز عرشه ليتداعى إلى السقوط كما تقولين، ولكنا ~~نهزه لنطلب منه «الدستور». # باحثة البادية # ولها في وصف البحر في حالتي صفوه وكدره: # تعالى الله ما هذا الجلال! أيها البحر إنك كأطماع الإنسان لا تنتهي إلا إذا عبر ~~جسر الحياة، كذلك أنت لا يعرف لك حد إلا عند الخروج منك، أو أنك كقلب الرجل مرة ~~تصفو ومرة تغضب، لا أمان لك في الأولى ولا أمان في الثانية، إذا رضيت كنت جمالا ~~وإن ms152 غضبت انقلبت نكالا. # أيها البحر، إنك رهوا نعم المركب الذلول، كأن صفحتك من الغمام، يصطخب الموج بين ~~أحشائك ويتلاشى كألفاظ الحاد تمر بسمع الحليم، وتشق البواخر جوف عبابك فتصبر عليها ~~صبر الكليم، تحمل من الأثقال والأكدار ما لو حملته الجبال لخرت هدا، كأن صوتك ~~الهادئ تموجات لحن شجي، وكان أمواجك المزبدة متتابعة متقابلة سرايا جيش منظم يحمل ~~رايات السلام، إذا صحت السماء استعارت صفاء زرقتك وإن تجللت بالغيم حكت لون كدرتك، ~~تضيق عليك الأرض مسالكها فتنكمش وتوسع لك فتنفرج، تجري متواضعا تحت قدميها وأنت ~~أعظم منها قوة وأعز شأنا، تنفجر جبال النار (البراكين) بين ضلوعك فلا تلتاع ولا ~~ترتاع كأنك أجمد من قلب الخلي، أو كأنها بثور بأديمك أو أثر لذع البعوض في وجه ~~الحسناء، كم سقطت فيك جزر وبلدان تحتمي بك من مآثمها ومعاصيها فمسحتها بدموعك ونفيت ~~روعتها بمائك الطهور، ظلموك أيها البحر إذ لم يهتموا بك اهتمامهم بأختك الغبراء، ~~زينوها وتركوك عاطلا ففنيت بجلالك عن جمالها المصطنع، وبحدائق مرجانك وأودية درك ~~عن حدائقها الخضراء وأوديتها الجرداء، وصلتهم فقطعوك، وشايعتهم فناوؤوك، بذلت لهم ~~ما تملكه زينة وطعاما وتسامحت لهم بمائك فحللوه شرابا وأنخت لهم متنك فاتخذوه ~~ركابا، وصقلت لهم جبينك فجعلت منه عند بزوغ القمرين مرآة ومشكاة تفيض عليهم بهجة ~~ونورا، كأن العسجد أذيب فيك نهارا، وتكسرت في ثنائك جداول اللجين ليلا، وأنت ~~أيها البحر الخضم أصل حياتهم، منك الغيث ومن الغيث الحياة، أظللت سماءهم وأنبت ~~غذاءهم وألطفت هواءهم، وفوق ذلك فأنت مستودع أسرارهم وقارورة أقذارهم، فهل تراهم ~~على ذلك يشكرون؟! تالله ما رأيت مثلك اتضاعا في عظمة واحتسابا في قدرة. # وإذا عبثت أيها البحر وكشرت عن نابك، ويا سرعان ما تعبث! فإن الموت في تقطيب ~~حاجبيك يصرح الشر باسمه عند زمجرة منك، كأن جوفك كان مملوءا أسودا فلفظتها فاغرة ~~أفواهها، تبلع من تصادف في طريقها، يدوي صوتك كالرعد القاصف فيمطر وابل المنايا ~~بغير ولي، ما أظلمك أيها البحر! مستبد غاشم؛ تأخذ البريء بدم المجرم أو تأخذه بلا ~~جريرة، ms153 إن الله لم يظلمك إذ جعلك ملحا أجاجا، وإن البشر لم يبخسوك حقك إذ امتطوا ~~ظهرك كالدابة ومزقوا أديمك سفرا، وإن أقل خفقة في قلب الأرض تذكر تضطرب على ~~اتساعك، وأدنى هزة من الريح تهز أعصابك، لا أمان عندك فتحب ولا ميعاد لغضبك فتتقى، ~~كأنك في تقلبك رأي الضعيف أو يمين الحانث وفي تلونك كالحرباء، كم مجرم استعان بك ~~على كتمان جريمته، وكم ملك أفنى رعيته ودفن العدل في جوفك كأن آذيك متلاطما قمم ~~الجبال تتساقط كسفا أو رؤوس الجند البريء تتناثر إرضاء لأهواء الملوك الظالمين، ~~كأن جوفك المظلم ضمير الحسود يغلي كالرجل ويخفي ما يخفي تحت ثوب الرياء، تنطح الصخر ~~الأصم كمستجدي البخيل، ثم ترجع أدراجك كالسائل المحروم أو كالجيش المقهور تشمخ ~~بأنفك فترغمها اختراعات الإنسان، وتتطاول على السماء فتسقط إعياء ويرجع البصر ~~خاسئا وهو حسير، لا أثر للرحمة عندك كأنك قلب الكافر الجحود، لا يسوغ لك شراب تمج ~~مرارة كمرارة المظلوم أرهقه العذاب، كأن بريق مائك التماع أسنة الخرصان أو امتداد ~~ألسنة النيران، شاهر سيفك بادئ العدوان، لكنك لا تتمثل في هجومك بما يفعله الشجعان؛ ~~لأنك تطلع على الغافلين بالردى بغير نذير. # لا حبذا أنت أيها البحر من طريق ولا رفيق، لولا اضطرارنا إليك ما سلكناك، ومن ~~يسلم منك فما ينجو من الحمام إلى الحمام كما قال المتنبي: # وإن أسلم فما أبقى ولكن # نجوت من الحمام إلى الحمام # ما أكفر الإنسان وما أضعف إيمانه! أين قوته واختراعه من قدرة الله سبحانه؟! إن في ~~البحر وحده حالتي صفوه وهياجه لعبرة لقوم يعقلون، فسلام عليك أيها البحر ضاحكا ~~وعبوسا، وسلام عليك إنك أبو الكون ومحيطه، وسلام عليك لو لم يكن لك فضل إلا وصل ~~مصر بأجزاء العالم لكفاك بذلك فضلا، ولو لم يكف ماؤك أن يصل لمصر لأكلته ~~بشراييني. # باحثة البادية ms154