######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_009384 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: محمد فريد بك #META# 010.AuthorNAME :: محمد فريد بك #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1919 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: البهجة التوفيقية في تاريخ مؤسس العائلة الخديوية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: تواريخ البلدان والعوائل :: كتب التاريخ #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: البهجة التوفيقية لمحمد فريد بك #META# 030.LibURI :: JK_009384 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: د .أحمد زكريا الشلق #META# 041.EdNUMBER :: الثانية #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دارالكتب والوثائق القومية #META# 044.EdPLACE :: القاهرة / مصر #META# 045.EdYEAR :: 1426هـ /2005 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # # بسم الله الرحمن الرحيم ### | تقديم المؤلف # الحمد لله الذي جعل فن التاريخ عبرة لمن اعتبر وتبصرة لمن تأمل وادكر | ~~والصلاة والسلام من الملك السلام على نبينا محمد سيد ولد عدنان القائل حب | ~~الوطن من الإيمان صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وعترته وحزبه ، من خاضوا | ~~الفيافي والقفار حتى جاء تاريخهم من أحسن الآثار . # ( أما بعد ) فأقول وأنا المتوكل على مولاى المبدئ المعيد عبده محمد فريد ~~| غفر الله له ولوالديه ولأرباب الحقوق عليه : لما كان لفن التاريخ فوائد ~~جمة | وثمرات مهمة تعرب عما مضى من كوارث الأزمان والأوقات وتكشف عن | وجوه ~~الحوادث قناع الشبهات فلكثرة نفعه وعظم وقعه كان له في الكتاب | المبين أصل ~~قوى متين . قال الله تعالى : ' يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما | ~~أنزلت التوارة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون ' استدل على بطلان دعوى | ~~اليهود في إبراهيم أنه يهودى وبطلان دعوى النصارى أنه نصراني بأن التوراة | ~~والإنجيل إنما نزلا من بعده ، ولله الحجة البالغة والحكمة الدامغة إذ لولا ~~التاريخ | لجهلت الدول ومات في الأيام الأخر ذكر الأول ، عن لى مع قلة ~~بضاعتي | وكساد صناعتي أن أؤلف في وطني العزيز مختصر تاريخ وجيز يدل على ~~فضل | جنتمكان محمد علي باشا الكبير على الشأن من هو أكبر مؤسس لديارنا ~~المصرية | وأشهر مهندس لخططها النيلية على أحسن الوجوه كما يشهد له بذلك ~~الوجوه ، | برد الله مضجعه ، وجعل في رياض النعيم مرتعه . # وحيث كنت ممن تربى في المدارس الخديوية ذات الشهرة المرضية رأيت أن | ~~أعتني بتأليف هذا الكتاب قياما للوطن بواجب أداء الخدمة وشكرا لما للحضرة | ~~التوفيقية على جميعنا من النعمة ، حملني على ذلك انتشار المعارف والعلوم ~~التي | PageV01P029 | أصبحنا نتسابق في مضمار حلبتها يوما عن يوم ، وانتزع ~~ما كان اعترى هممنا | من الفتور وخرجنا من الظلمات إلى النور بعناية خديو ~~مصر الأعظم وعزيزها | الأكرم ذي العلم الآصفى والحلم الأحنفى والذكاء ~~الأياسي والرأي الذي هو | لداء الأعداء الألداء ، وإن أعضل أعظم آسى ، ~~الشهم القوي الجنان والسهم | النافذ في أكباد أهل العناد ms001 وإن كان مجبولا ~~على الرأفة والحنان ، من تغنت بلابل | الأفكار من أمداحه بفنون ، وترنمت ~~سواجع الأطيار من الثناء عليه بما أرقص | معاطف الغصون ، المتحلى بآداب ~~السنة والكتاب ، المتخلى عن الميل مع الهوى | وهو في ريعان الشباب ، ذى ~~الفضل الجم والبيان الذي أفحم بلغاء عصره وألجم | من سكنت هيبته ومحبته ~~قلوب الخاص والعام وأغدق على أرباب دولته | بالتشاريف والانعام ، فكان ~~قبولها دليل إقبالها وتلقيها بحول الله وقوته أصل | استقبالها ، فكانت على ~~الدوام هي أولى له وهو أولى بها ألا هو سيد ولاة | الأمصار ، المعطر ذكره ~~الذي ذاع في سائر الأقطار ، الجدير بالمدح على التحقيق ، | أفندينا خديو ~~مصر ( محمد باشا توفيق ) حفظ الله دولته وأنجاله وحرس بعينه | التي لا تنام ~~نظاره الكرام ورجال دولته الفخام والله المرجو لبلوغ كل مرام ومنه | جلت ~~قدرته الإعانة في المبدأ وعليه حسن الختام . | PageV01P030 | ### | ( المقدمة ) 1 - مجيء محمد علي إلى مصر وتوليته # ولد ممدن مصر المغفور له محمد على باشا في مدينة قولة سنة 1182 | هجرية ~~الموافقة سنة 1769 ميلادية وتوفي والده وهو في حداثة سنه وقام بتربيته | ~~بعده عمه طوسون أغا ، كافل أمر ضبط هذه المدينة إلى أن قضى نحبه فقيض الله ~~| له أحد أصدقاء والده للقيام بكفالته وكان ضابطا بجيش الإنكشارية ومقيما | ~~بفرقته في مدينة ( براوستا ) بالقرب من قوله بصفة حاكم وجاب للخراج ، فرباه ~~| مع ولده إلى أن بلغ أشده وصار يمرنه على قضاء بعض مهماته التي تتعلق | ~~بوظيفته ، فوجد منه عضدا ومعينا فيها في بعض القرى التي لا تؤدي ما عليها ~~إلا | بالتهديد الشديد أو استعمال القوى العسكرية ، فلم يزل كذلك حتى بلغ ~~من | العمر ثمان عشرة سنة وذلك يوافق ( 1787 ) فزوجه بإحدى قريباته ليربطه ~~| بعائلته ، وكانت زوجته ذات يسار فاشتعل بتجارة الدخان حيث كان يزرع في | ~~هذه الجهة كثيرا ، وساعده على ذلك ما كان بينه وبين أحد التجار الفرنساويين ~~| من العلائق الودية فبرع فيها حتى ربح منها كثيرا ونال شهرة جليلة بين ~~تجار | هذا الصنف . | PageV01P031 | ### || مجيء محمد على باشا إلى مصر : # لما احتل ms002 الفرنساويون مصر تحت قيادة بونابرت في سنة 1798 أرسل | الباب ~~العالي إلى الأقاليم والبلدان جميعها بتجهيز الجند لإخراجهم منها ، وطلب | ~~أيضا من حاكم ( براوستا ) ثلثمائة جندي فجمعهم ، وجعل ولده علي أغا قائدا | ~~لهم والمرحوم محمد علي باشا قائم مقام له . # فسارت هذه الكتيبة مع الدونانمة العثمانية إلى سواحل مصر حيث نزل | الجيش ~~بأبي قير في يوم 14 يوليو سنة 1799 . وكان الجيش العثماني مؤلفا من | ~~ثمانية عشر ألف مقاتل ومعه مدافع كثيرة من الطراز الجديد يتولاها ضباط من | ~~الإنكليز ، وبعد قليل انتشب الحرب بين بونابرت والجيوش العثمانية واستمر | ~~بينهما عدة أيام سجالا ، لثبات العثمانيين بموازة الدونانمة لهم ولعدم يأس ~~| الفرنساويين من الإنتصار وبعد أن قتل عدد عظيم من الجانبين التجأ ~~العثمانيون | إلى مراكبهم ، وكان ذلك في 2 أغسطس سنة 1799 ، ولبثوا فيها ~~إلى أن تمكن | الباب العالي والإنكليز من إخراج الفرنساويين من مصر بتقدم ~~جيش تركي | مركب من ثلاثين ألف مقاتل من جهة العريش فالصالحية فالقاهرة تحت ~~قيادة | الصدر الأعظم يوسف باشا ونزول الإنكليز إلى الإسكندرية ( أول مارث ~~سنة | 1801 ) ورشيد وصعودهم النيل إلى القاهرة على مراكب صغيرة أتوا بها من ~~| بلادهم لهذا الغرض . # وفي أثناء ذلك عاد على أغا قائد الكتيبة المقدونية ، فخلفه محمد علي باشا ~~في | رياستها ثم بعد أن أخلى الفرنساويون القاهرة بمقتضى الإتفاق الذي أبرم ~~بين | PageV01P032 | الجنرال ( منو ) قائد الفرنساوية ، الذي ينسب مؤرخوهم ~~خروجهم من مصر | لسوء إدارته وعدم كفاءته ، وبين الصدر الأعظم والأميرال ~~كيث الإنكليزي في | 25 يونية سنة 1801 . وسافروا إلى بلادهم في أوائل ~~سبتمبر من هذه السنة | وتبعهم الإنكليز ، وعادت بذلك سلطة الباب العالي إلى ~~ما كانت عليه قبل | دخول الفرنساوية ، وعينت الدولة العلية خسرو باشا واليا ~~من قبلها على | الحكومة المصرية في ثاني عشر جمادى الأولى سنة 1216 وكان ~~بها إذ ذاك | من الجنود أربعة آلاف من الأرنؤد ، منهم فرقة تحت قيادة محمد ~~علي باشا ، فلما | توسم فيه الإستعداد لمهمات الأمور وجه إليه التفاته ~~ورقاه تدريجيا حتى وصل في | وقت قريب إلى ms003 رتبة ( سرششمه ) أي رئيس فرقة ~~مؤلفة من ثلاثة أو أربعة آلاف | جندي ، ومن ذلك العهد أخذ في استعمال الجند ~~واستمالة قلوبهم إليه للإستعانة | بهم عند سنوح الفرصة . # أما المماليك فكانوا لا يزالون يجادلون ويحاولون الإستقلال ، ويرغبون في ~~| عدم رجوع مصر إلى الباب العالي وصيرورتها كغيرها من الولايات ، فلما بلغ ~~| الدولة هذا الخبر أصدرت أوامرها إلى خسرو باشا بأن يقاتلهم حتى يفنوا عن ~~| آخرهم ، وكانت قوتهم قد ضعفت لوقوع الشحناء بين رئيسيهم ، وهما عثمان | ~~بك البرديسي ومحمد بك الألفي ، اللذان كانا يتنازعان السلطة ويود كل منهما ~~| لو انفرد بها بدون مشارك أو منازع ، فوجه خسرو باشا جماعة من الأرنؤد | ~~ومعهم فرقة محمد علي باشا لمحاربة المماليك بالقرب من الجيزة وكانت الدائرة ~~| فيها على الأرنؤد قبل وصول محمد علي مع فرقته . # فلما حصل ذلك حنق قائد هذه الحملة غيظا ، وعزم على نسبة عدم انتصاره | ~~إلى تأخر محمد علي ، وأنه اتفق مع المماليك ، فسعى بذلك عند خسرو باشا فسر ~~| بهذه التهمة الباطلة ومع اعتقاده بطلانها أرسل للمرحوم محمد علي يطلبه ~~ليلا | إلى سرايه بالقلعة محتجا بأنه وردت إليه أوامر مهمة من دار الخلافة ~~وأنه لابد أن | PageV01P033 | يعلمه بها في الحال وأصر على قتله وأمر خدمة ~~بذلك حين دخوله من الباب . | فلما وصل الطلب إلى محمد علي جزم بداهة بأن ~~هذا الإستدعاء لم يكن إلا | للإيقاع به ، فتحير في أمره وعلم أنه إن لم يجب ~~طلب الوالى عد ذلك عصيانا | وإن امتثل وذهب كان في ذهابه ذهاب حياته ، فبعد ~~التروى في ذلك ظهر له | أرجحية عدم التوجه وآثر نسبة العصيان إليه على قتله ~~وبات ليلته يترقب ما | يبدو له وقت الصباح . # فساعده الحظ الأوفر بقيام الجند على خسرو باشا ومأمور ماليته ( خزنة دار ~~) | لعدم صرف مرتباتهم وكان هذا ناشئا عن عدم تحصيل الخراج لإستيلاء ~~المماليك | على الوجه القبلي وجزء عظيم من الوجه البحري بحيث لم يكن في ~~حوزة الوالي | إلا القاهرة وثغر الإسكندرية وما بينهما من القرى والبلدان . # ثم إن خسرو باشا أمر بإطلاق ms004 المدافع على الثائرين حتى خرب جزأ عظيما | من ~~القاهرة ، ولما علم أركان حرب الوالي المدعو طاهر باشا بذلك نزل من | ~~القلعة ليتوسط بين الفريقين ، فاتهمه الوالي بالإتحاد مع العصاة فاغتاظ ~~طاهر باشا | ومال مع الجند وحارب الوالي إلى أن ألزمه بالفرار إلى المنصورة ~~ثم انتقل إلى | دمياط وتحصن بها فاتخذ طاهر باشا هربه فرصة للحصول على ~~الولاية ، وجمع | أعيان البلد وعلماءها وطلب منها أن يختاروه واليا على مصر ~~حتى يعين الباب | العالي خلفا لخسرو باشا ، فأقره المجلس على ذلك ، لكنه لم ~~يلبث الجند أن عصاه | خصوصا الإنكشارية لعدم صرفه مرتباتهم وصرف مرتبات ~~الأرنؤد ليس إلا ، | فحاصروه في سرايه في يوم 25 مايو سنة 1803 وأرسلو إليه ~~اثنين من أغواتهم | ليرفعا إليه شكواهم فلم يستعمل السياسة معهما ، بل ~~نهرهما على عصيانهما | وطلب منهما أن يكونا مطيعين لأوامره فلم يرضيا بذلك ~~واشتد الأمر بينه | وبينهما إلى أن جرد أحدهما سيفه وحز رأسه وألقاها من ~~النافذة وكانت مدة | ولايته ستا وعشرين يوما . | PageV01P034 | وبعد قتله ~~رغب الإنكشارية في تولية أحمد باشا أحد أمراء الدولة وكان | موجودا بمصر ~~أثناء توجهة للمدينة المنورة حيث عين واليا ، فلم يقبل محمد علي | باشا هذا ~~التعيين بل صعد إلى القلعة ومعه آلاف من الأرنؤد وأراد أن | يقاوم ~~الإنكشارية ولكنه لما علم أنه لا يقدر على المقاومة كاتب عثمان بيك | ~~البرديسي المقيم بالصعيد وغيره من أمراء المماليك بأن يساعدوه على طرد | ~~الإنكشارية ويرد مصر إلى حكمهم المطلق كما كانت عليه ، فاغتروا بوعده | ~~وصاروا يأتون القاهرة أفواجا ، حتى استجمع محمد علي ياشا من القوة ما يقاوم ~~| بها الإنكشارية وزيادة فنزل من القلعة وانضم معهم ثم تفرقوا في أنحاء ~~القاهرة | وأحدقوا بمنزل أحمد باشا المذكور وهددوه وخيروه بين أمرين : ~~الخروج من مصر | أو القتل ، فامتثل وخرج ثم نهبت العساكر داره . # ثم حول محمد على فكرته إلى الفتك بالإنكشارية خيفة أن يثوروا عليه كما | ~~فعلوا مع طاهر باشا فأوعز إلى الأرنؤد بذلك فانقضوا عليهم كالسيل المنهمر | ~~وسلبوا أموالهم وقتلوا أعيانهم ، فاجتمع الباقون منهم ms005 بمصر القديمة وعزموا ~~على | التوجه إلى الشام من طريق الصحراء فهجم عليهم الأرنؤد وأعلموا فيهم | ~~السيف حتى لم يبق إلا من اختفى منهم ، ففتشوا عليهم بالبيوت وغيرها ثم ~~أطالوا | أيديهم إلى الأهالي وتعدوا عليهم بالأذى وتفرقوا في النواحي ~~وأكثروا من النهب | خصوصا في الوجه البحري . # وكان إذ ذاك محمد خسرو باشا مقيما بثغر دمياط يقرر على أهلها ومن | ~~جاورهم الأموال الباهظة ويسومهم سوء العذاب ألوانا فتوجه محمد علي باشا | ~~وعثمان بك البرديسي لمقاتلته ، فحارباه وأسراه بعد أن هزما من معه في 14 | ~~ربيع الأول سنة 1218 وأرسلاه إلى مصر في سجن القلعة . # أما الأرنؤد فارتكبوا من أنواع السلب والنهب وغير ذلك ما يعجز عن | وصفه ~~الواصفون ، ويكل عن إحاطته العالمون ، ثم عاد محمد علي باشا إلى مصر | ~~PageV01P035 | وتوجه البرديسي إلى رشيد لمحاربة من فيها من العثمانيين ~~فهزمهم وأسر علي | باشا القبطان ، وحصل برشيد ما حصل بدمياط وكان الأرنؤد ~~كلما مروا بقرية | نهبوا أموالها وقتلوا رجالها وسبوا نساءها وآذوا مردانها ~~ولما وصل خبر هذه | الفوضى إلى دار الخلافة وعلم الباب العالي فوضوية مصر ~~وأن لا والي لها يؤيد | سلطته ، أرسل إليها علي باشا الجزايرلي واليا عليها ~~لإخماد هذه الثورة ومعاقبة | أمراء المماليك وكل من كان سببا في عزل خسرو ~~باشا . # فلما وصل إلى الإسكندرية اشتغل بتدريب من أتى معه من الجند على النظام | ~~الأوربي ، وأظهر له أمراء المماليك الميل والطاعة والإمتثال لأوامر الدولة ~~ودعوه | للحضور إلى القاهرة فاغتر بذلك الوعد وخرج من الإسكندرية قاصدا ~~العاصمة | فخرج عليه الأرنؤد في الطريق وقتلوا من كان معه من الجنود ~~العثمانية وأسروا | الباشا وأتوا به إلى مصر أسيرا لا أميرا ، ومحكوما لا ~~حاكما ، ثم أخرجه الأمراء | بقصد إرساله إلى الشام من طريق الصحراء وأمروا ~~من رافقه من الجند بقلته في | الطريق فقتلوه قبل أن يصلوا إلى الصالحية . # وفي أثناء هذه المدة عاد محمد بك الألفي من انكلترا ، التي كان قد ذهب | ~~إليها ليطلب منها مساعدته على الإستقلال بمصر وإبادة الباقي من الأمراء | ~~العاملين على معاكسته ms006 ويقال أنه وعدها بتسليمها بعض الثغور لو نال مرغوبه | ~~بمساعدتها . ولما علم محمد علي باشا بقدوم الألفي خشى من اتحاده مع ~~البرديسي | فيضيع عمله سدى ، فعمد إلى توغير صدر البرديسي علي محمد بك ~~الألفي | فنجح في مسعاه حتى هم بالفتك به غدرا ولولا هرب الألفي إلى الصعيد ~~لقتل | بدسيسة البرديسي ومحمد علي وبعد هرب الألفي إلى مصر العليا هاج ~~الأرنؤد | علي البرديسي لطلب مرتباتهم ( وربما كان ذلك بإيعاز من محمد علي ~~) فأمر | البرديسي بضرب الضرائب الشديدة على أهالي العاصمة وخصوصا الأغنياء ~~من | بينهم لإرضاء الجند فتذمرت الأهالي من هذا الظلم الدائم وشكوا أمرهم ~~إلى | محمد علي باشا ، لما كانوا يرونه فيه من الميل إليهم والحنو عليهم ~~فتلقاهم بالبشر | PageV01P036 | والإيناس ووعدهم بالمساعدة على دفع المظالم ~~، ثم بعد قليل اتحد الأهالي مع | الأرنؤد وهاج الكل على البرديسي وحاصره ~~بمنزله وأرادوا قتله لكنه تمكن من | الفرار وحارب مماليكه الجند وقاوموهم ~~مقاومة عنيفة ، فصعد محمد علي باشا إلى | القلعة وأحكم مدافعه على الجهة ~~التي بها منزل البرديسي فخرب أكثر منازلها | وانجلت هذه المعركة عن خروج ~~كافة أمراء المماليك من القاهرة فنهبت بيوتهم | وسبيت نساؤهم ويتمت أطفالهم ~~. # فصفا الجو لمحمد علي باشا ، لكن لحسن سياسته لم يرغب إظهار ما يكنه | ~~صدره من الإنفراد بالحكم والإستقلال بولاية مصر بل تربص حتى تساعده | الفرص ~~فينال مرغوبه بلا عناء ولا نصب . | ### || تعيين محمد علي باشا واليا على مصر : # لما خرج عثمان بك البرديسي وكافة الأمراء من القاهرة ، دعا المرحوم محمد ~~| علي باشا أعيان البلد وعلماءها وقال لهم أنه لا يليق بقاء مصر بدون وال | ~~يواليها ولا سائس يسوسها ولا راع يراعيها ، وأن الأولى إخراج خسرو باشا من ~~| سجنه بالقلعة وجعله واليا فأقر المجلس على ذلك وأخرج الباشا من السجن . | ~~لكن بعد يوم ونصف ثار عليه رؤساء الأرنؤد وطلبوا من محمد علي إخراجه من | ~~مصر وطرده منها فأذعن لطلبهم وأرسله تحت الحفظ إلى رشيد ومنها إلى | ~~إسلامبول ، ثم طلب محمد علي من الأرنؤد أن يعين أحمد باشا خورشيد واليا ms007 | ~~على مصر فرضي الكل بذلك بشرط تولية محمد علي قائم مقام له وبذلك | انحسم ~~النزاع وحرر بذلك محضر وأرسل للباب العالي للتصديق عليه فصدق | على ما حصل ~~وأرسل بذلك فرمانا مع مخصوص من طرفه فقام خورشيد باشا | من الإسكندرية ~~وانتقل إلى القاهرة وحصل بعد ذلك وقائع لها وقع بين الجند | والمماليك ~~الذين كانت سلطتهم مبسوطة على الصعيد إلى الجيزة . وبينما محمد | ~~PageV01P037 | على مشتعل بمحاربتهم استحضر خورشيد باشا طائفة من الدلاة ~~ليجعلهم | حرسا لنفسه وذلك لتوجسه خيفة من محمد علي وجنوده الأرنؤد وعدم ~~ثقته | بهم ، لا سيما وكان الأهالي يميلون كل الميل إلى محمد علي لإستعماله ~~اللطف | واللين معهم خصوصا مع العلماء والأعيان . # فلما علم محمد علي بحضور هؤلاء الدلاة عاد بسرعة إلى القاهرة واشتغل ~~بمقابلة علمائها وصار يشنع لهم على الدلاة وما ارتكبوه وكانوا قد انتشروا ~~في | البلد كالجراد ينهبون وفي العالم يقتلون وفي النساء يهتكون ويأخذون ~~أموال | الناس ظلما وبهتانا وصار محمد علي يحرض الناس على رفع شكواهم إلى ~~الوالي | فاتبعوه وتظلموا لخورشيد باشا ، فكان يعدهم بالنظر بالنظر في ~~شكواهم والتأمل في | بلواهم ولا يمكنه الوفاء بوعده مراعاة للجند حتى مل ~~الأهالي من إزدياد الجور | والتعدي وانتشر الهياج في كافة أنحاء البلد وخاف ~~كل فريق من الآخر . # وبينما هم على ذلك إذ ورد فرمان بتولية محمد علي باشا جدة فأظهر | ~~الإمتثال وأخذ يتأهب للسفر فاضطرب العسكر والأهالي لعدم رضا الأهالي | ~~بمفارقته ، وفي أثناء ذلك صادف أن طلب الجند صرف مرتباتهم فأحالهم محمد | ~~علي باشا على الوالي ولما لم يكن بيده ما يسد به عوزهم ، صرح لهم بنهب | ~~القليوبية فتفرقوا فيها شذر مذر ونهبوها وسبوا النساء وباعوا الأولاد ~~فتغيرت | قلوب الأهالي وأبغضوا الوالي ومالوا إلى محمد علي لما كانوا يرونه ~~فيه من الحزم | والمساعدة فألح العلماء والأعيان ، ولجوا على محمد علي باشا ~~بعدم السفر إلى | جدة وانتخبوه واليا عليهم ثم أرسلوا إلى خورشيد باشا بذلك ~~فقال لهم إنى مولى | من طرف السلطان فلا أعزل إلا بأمره ، وتحصن في القلعة ~~، أما ms008 جميع القوى | العسكرية من أرنؤد ودلاة وغيرهم فانحازت إلى محمد علي ~~إلا القليل وكتبوا | PageV01P038 | باشتراكهم مع العلماء إلى الباب العالي ~~يطلبون تولية محمد علي على مصر | فأجاب الباب العالي طلبهم أملا في حسم ~~النزاع وأصدر بذلك فرمانا وصل إلى | القاهرة في 9 يوليه سنة 1805 . # لكن لم يقبله خورشيد باشا بل ظنه إفكا افتراه أعداؤه فحاصره محمد علي في ~~| القلعة ورتب على أبوابها الخفر من الأرنؤد إلا أنهم لم يفعلوا ما أمروا ~~به لعدم | صرف مرتباتهم فتركوه وتفرقوا في البلد ينهبون ويسلبون ، إلا أن ~~ذلك لم يؤثر | في عزيمته بل رتب بدلهم خفراء من الأهالي وقلدهم بالسلاح . # وبعد قليل حضر قبطان باشا من قبل الدولة العلية ومعه أوامر مشددة | ~~بإخراج خورشيد باشا ، فامتثل وخرج مع بعض الدلاة إلى الجهات البحرية يعثو | ~~في الأرض فسادا فأرسل خلفهم محمد علي بعضا من جنده فلحقوهم وأجلوهم | عن ~~مصر ، فذهبوا إلى الشام واستقل محمد علي بولاية مصر ولم يكن له فيها | ~~منازع إلا من بقي من المماليك بعد هذه المناوشات والحروب . # ثم إن الإنكليز طلبت من الباب العالي عزل محمد علي أو نقله إلى ولاية | ~~أخرى لأمر بدا لها في ذلك ، سنأتي على تفصيله قريب ، فسمع الباب العالي | ~~مقالها وأرسل إلى مصر دونانمة تحت إمرة قبطان باشا ومعه فرمان بتولية محمد ~~| علي باشا سلانيك وتعيين من يدعى موسى باشا مكانه ، فأتى الإسكندرية ومعه ~~| فرقة من العساكر المنتظمة وأمر بإعادة أمراء المماليك إلى ولاية الأقاليم ~~. ولما بلغ | هذا الفرمان إلى محمد علي باشا لم يظهر عدم الإمتثال بل استعد ~~للسفر فاجتمع | عليه العلماء والقواد والجنود وأخبروه أنهم لا يرضون بخروجه ~~، وأنهم يحررون | خطابا للباب العالي ويرسلونه مع ولده إبراهيم بك ويكون ~~مضمونه إظهار | رغبتهم في بقائه عليهم واليا لما رأوه منه من مراعاة جانب ~~الأهالي ومنع مظالم | الجنود عنهم واتباعه مشورة العلماء في الأمور المهمة ~~، ولما وصل إبراهيم بك إلى | الإسكندرية رجع معه قبطان باشا بمراكبه ومعه ~~موسى باشا الذي أتى ليكون | واليا فلما وصلوا ms009 إلى إسلانبول وعرض الأمر على ~~الباب العالي ، قبل السلطان | PageV01P039 | ما طلبه المصريون وأرسل إلى ~~مصر فرمانا بتثبيت محمد علي باشا على ولايته | فوصلها الفرمان في أواخر ~~شعبان شنة 1221 ( 7 نوفمبر سنة 1806 ) . # لكن لم ينقطع أذى الجند عن الأهالي بل كان الخلاف عاما في جميع الأنحاء | ~~والشغب ضاربا أطنابه بين صفوف العساكر ، فالأرنؤد تخالف الإنكشارية | ~~وتقاتلها ، والدلاة تعادى كل فرقة وتنازعها ، والكل معاد للأهالي عاص ~~للوالي | يعيثون ويعربدون في أنحاء القاهرة وينهبون الأهالي ويطردونهم من ~~منازلهم | ويسكنونها واستعملوا في النهب والسلب أنواع الحيل فيما لم يجدوا ~~إليه سبيلا | فربما جلس العسكري على حانوت رجل بدعوى الإستراحة أو اشتراء ~~شيء ثم | يقوم ويعود ثانيا قائلا إني نسيت وتركت هنا كيسا ، ويجعل ذلك ~~سبيلا لإهانة | صاحب الحانوت ونهب ما عنده وربما زاد على ذلك ما لا يخطر ~~بالبال ولم يحصل | مثله عند الممم الجائلة في ظلمات التوحش وفيافي الهمجية ~~. فشاركوا الباعة في | عروضهم وساهموهم فيما يربحون من أموالهم ، هذا ~~والأهالي يتحملون كل هذه | الشدائد ولا يهمون بمنعها بل يتجلدون بالصبر ~~والتضرع إلى الله في أن يخلصهم | مما نزل بهم من شرور هذه الفئة الباغية ~~فكانوا متقلبين على جمرات البلايا في | بحار الرزايا تضيق صدورهم ولا تنطلق ~~ألسنتهم . # ولما أتى إلى محمد علي باشا الفرمان المؤذن ببقائه في ولاية مصر أخذ في | ~~استعمال الوسائط لإراحة البلاد من شر هؤلاء الطغاة تارة بالملاينة وأخرى | ~~بالمحاربة ، حتى أذعن له أمراء المماليك فأقطعهم البلدان والأقاليم وأعطى ~~لشاهين | بك إقليم القيوم وثلاثين بلدا من أقاليم البهنسا وعشرة من الجيزة ~~- ومما ساعد | على استتباب الأمن موت محمد بك الألفي الذي كان من أكبر ~~أمرائهم جسارة | وإقداما ، وعقب موته مات عثمان بك البرديسي فكانت وفاة ~~الأول في ديسمبر | سنة 1806 والثاني في يناير سنة 1807 ، ثم حضر إليه نعمان ~~بك من أمرائهم | فأكرمه وزوجه إحدى جواريه وأعطاه بيت المهدي بدرب الدليل . ~~وهكذا صار | يكرم كل من أتى إليه منهم كعمر بك وغيره ثم أتى إليه إبراهيم ~~بك الكبير ms010 | PageV01P040 | فولاه إقليم جرجا وبهذه الحالة لم يعد لمحمد علي ~~باشا شاغل من جهة الأمراء ولا | أتباعهم ، لكنه لم يزل يخشى غدرهم وخيانتهم ~~عند حصول أقل أمر يغضبهم | وتيقن أن لا راحة له إلا بعد استئصال جرثومتهم ~~الخبيثة وتطهير القطر المصري | من دنس وجودهم ، ولقد ساعده الحظ على تتميم ~~ذلك وتمكن من إبادتهم كما | سيجيء . | PageV01P041 | صفحة فارغة | ~~PageV01P042 | ### | 2 - دخول الإنكليز مصر # لما علم الإنكليز بتثبيت محمد علي باشا على ولاية مصر يئسوا من نوال | ~~مرغوبهم بالطرق السلمية وعمدوا إلى استعمال القوة وأرسلوا إلى الأسكندرية | ~~إسطولا بحريا مركبا من سبعة عشر مركبا حربيا يقل جيشا مؤلفا من خمسة | آلاف ~~جندي تحت قيادة الجنرال ( فريزر ) لإحتلالها فوصلت إلى الثغر في أول | ~~المحرم سننة 1222 ( 10 مارث سنة 1807 ) وأرسل قائد الجيش إلى حاكم | ~~المدينة أن يأذن لهم بالنزول إلى البر ، لأنهم يريدون احتلال الثغر محافظة ~~على | مصر من الفرنساويين خوفا من أن يعيدوا الكرة عليها فأجابهم الحاكم ~~بأنه لا يأذن لهم بذلك إلا إذا كان معهم أمر من الدولة العلية ، فلما وجد ~~الإتكليز أنه | لابد من النزول إلى البر عنوة تأهبوا للقتال وأمهلوا ~~المدينة أربعا وعشرين ساعة ، | وقبل انقضاء هذا الميعاد سلم حاكم المدينة ، ~~المدعو أمين أغا من ضباط الإستانة ، | المدينة بدون أن يتعرض لمنع خروج ~~العساكر إلى البر ولا لمنع تقدمهم نحو | المدينة ، بل قبل العار وسلم نفسه ~~ومن معه من العساكر من غير أن يرمي شيئا | من المقذوفات عليهم وبهذه ~~الكيفية تمكن الجنرال الإنكليزي من أخذ هذه | المدينة الشهيرة بدون أن يفقد ~~أحدا من عساكره فاحتلها الإنكليز في صبيحة | يوم الجمعة 10 محرم سنة 1222 . # وذكر الجبرتي أنهم شرطوا مع الأهالي أنهم لا يسكنون البيوت قهرا عن | ~~أصحابها بل بالمؤاجرة والتراضي ، ولا يمتهنون المساجد ولا يعطلون الشعائر | ~~الإسلامية وأعطوا أمين أغا نظير خيانته أمانا على نفسه ومن معه من العساكر ~~| وأذنوا لهم بالذهاب إلى أي محل أرادوه ومن كان له دين على الديوان يأخذ | ~~PageV01P043 | نصفه حالا ونصفه الثاني مؤجلا ومن أراد ms011 السفر في البحر من ~~التجار وغيرهم | يسافر في خفارتهم إلى أي جهة أراد ما عدا إسلامبول ، وأما ~~الغرب والشام | وتونس وطرابلس ونحوها فطلق السراح ذهابا وإيابا وأن محكمة ~~الإسلام تكون | مفتحة الأبواب للمتقاضين تحكم بشريعتها الإسلامية ولم ~~يكلفوا أهل الإسلام | بإقامة دعوة عند الإنكليز بغير رضاهم . اه بتصرف . | ### || واقعة رشيد : # أما الجنرال الإنكليزي ، فمن بعد أن استراح بضعة أيام وجهز ما يلزم ، أمر ~~| بتوجيه بعض عساكره إلى رشيد ليكون له في القطر موقع آخر وكان عدد من | ~~أرسل من الجند إلى ثغر رشيد ألفى جندي منهم مائتان من البحرية ، ولم تكن | ~~حامية رشيد مؤلفة إلا من بضع مئين يرأسهم شخص ذو صداقة وشجاعة يسمى | علي ~~بك ، فلم يقلد أمين أغا حاكم الإسكندرية في تسليمه المدينة بل صمم على | ~~المدافعة والمكافحة عن المدينة بكتيبة قليلة العدد والعدد على قدر ~~الإستطاعة ، ثم | أمر عسكره وشدد عليهم بأن لا يطلقوا بنادقهم مطلقا حتى ~~يشير إليهم ولما | شاهد عساكر الإنكليز ما شاهدوه من هذه الحالة ظنوا أنهم ~~لا يجدون مدافعة بل | يدخلونه ثغر رشيد كما دخلوا الإسكندرية وكانوا في تعب ~~من السير فدخلوا | البلد بدون احتراس وانتشروا في أسواقها حيث وجدوها خالية ~~خاوية ، ثم بحثوا | عن أمكنة يلتجأون إليها ويستريحون فيها وأغلبهم رموا ~~أسلحتهم وناموا في | الطرق ، فلما رأى ذلك على بك وتحقق التمكن منهم ، خرج ~~عليهم بقليل من | العسكر وأطلق النار على كل جهة كانوا موجودين فيها ، ~~فنالهم من ذلك دهشة | عظيمة كأنما بعثوا من القبور وأخذ الفشل فيهم ومما ~~زاد في ارتباكهم إطلاق | العسكر بنادقهم عليهم من الأبواب والشبابيك وأسطحة ~~البيوت فبعد قليل من | الزمن فرت الجنود الإنكليزية هاربة بدون انتظام إلى ~~جهة الإسكندرية بعد أن | هلك اللواء القائد لها وكثير أيضا من الضباط ومائة ~~جندي وأخذ منهم مائة | وعشرون أسيرا ومدفعان ، أما الهاربون فلم يزالوا ~~يتحملون عناء السفر حتى | وصلوا إلى الإسكندرية . | PageV01P044 # وذكر الجبرتي أنه في يوم الأحد السادس والعشرين من محرم سنة 1222 | أشيع ~~بالقاهرة خبر وصول رؤس القتلى ومن ms012 معهم من الأسرى إلى بولاق فهرع | الناس ~~بالذهاب للفرجة ووصل الكثير منهم إلى ساحل بولاق وركب أيضا كبار | العسكر ~~ومعهم طوائفهم لملاقاتهم وطلعوا بهم إلى البر ومعهم جماعة العسكر | ~~المتسفرين ، فأتوا بهم من خارج مصر ودخلوا بهم من باب النصر وشقوا بهم من | ~~وسط المدينة وفيهم ضابطان وهما راكبان على حمارين والباقي مشاة في وسط | ~~العسكر روؤس القتلى معهم على نبابيت وقد تغيرت وأنتنت رائحتها وكانت | عدة ~~الرؤس أربعة عشر والأحياء خمسة وعشرين ولم يزالوا سائرين بهم إلى بركة | ~~الأزبكية ، وضربوا عند وصولهم شنكا وطلعوا بهم إلى القلعة وفي اليوم التالي ~~| وصل أيضا إلى القاهرة عدة من الرؤس وثلاثة عشر أسيرا من الإنكليز وساروا ~~| بهم إلى القلعة بمثل ما حصل بهم في اليوم الذي قبله . # ولما وصل إلى محمد علي باشا خبر وصول الإنكليز إلى الإسكندرية وكان | ~~بالصعيد يحارب المماليك كتب إليهم بالصلح وأرسل إليهم المشايخ ، يحثونهم | ~~على الإتفاق معه لمحاربة الإنكليز فلم يقبلوا الصلح بل قالوا : لو تحققنا ~~الأمن | والصدق من مرسلكم لما حصل منا خلاف ولا حاربناه ولا قاتلناه ولكنه ~~كثيرا | ما يعدنا بمثل هذه المواعيد عند الإحتياج إلينا ثم لا يفي بما وعد ~~، وحيث أنه قد | تهدمت دورنا وتفرق شملنا ولم يبق لنا ما نأسف عليه ونتحمل ~~المذلة من أجله | وقد ماتت إخواننا ومماليكنا فنستمر على ما نحن عليه حتى ~~نفنى عن آخرنا | ويستريح باله من جهتنا ، فلاطفهم المشايخ وأقنعوا بالصلح ~~وقالوا لهم أنه أولى | من تداخل الأجانب بينكم فقبل الكل وساروا إلى ~~القاهرة . # وفي اليوم الثاني من شهر صفر سنة 1222 عاد محمد علي باشا وأخذ في | تحصين ~~القاهرة بمساعدة قنصل فرانسا واستمر الأهالي في قلق واضطراب والجند | ~~PageV01P045 | في تأهب وسفر إلى يوم 14 منه ، فوردت الأخبار بانتصار ~~المصريين على | الإنكليز في ضواحي رشيد وقد عادوا إلى مهاجمتها بعد ~~انهزامهم أول مرة . وفي | يوم 15 منه وصل إلى القاهرة من أسر في هذه ~~الواقعة ورؤس بعض القتلى | فأطلقت المدافع من الأزبكية والقلعة استبشارا ثم ~~أمر الباشا ms013 بإرسال الأطباء إلى | القلعة لمعالجة الجرحى من أسراء الإنكليز ~~والإعتناء بهم وتمييز الضباط عنهم في | المأكل والمشرب ورتبت لهم المرتبات ~~وقضوا مدة أسرهم في مصر بغاية الإكرام . # وإليك تفصيل هجوم الإنكليز على رشيد نقلا عن جريدة أركان حرب | الجيش ~~المصري وذلك أنه لما وصل الإنكليز إلى الإسكندرية وجرى ما أسلفناه | اغتاظ ~~الجنرال ( فريزر ) مما حصل لجنده في رشيد فشكل سرية أخرى وأرسلها | إليها ~~وكانت مركبة من ثلاث آلاف نفر وستة مدافع وأربعة قطع من الهوان | تحت رياسة ~~الجنرال ( استيوارت ) فلما وصلت تلك السرية إلى رشيد في 18 | إبريل سنة ~~1807 وضع الجنرال المذكور بطريتين في القطعة المرتفعة من ناحية | أبي مندور ~~وتمكن من قرية الحماد ووضع فيها خمس بلوكات لأجل محافظة | ووقاية الخلف ، ~~ثم ابتداء المحاصرون ، أي الإنكليز ، في ضرب النار فكلما تذكر | المحصورون ~~الظفر الذي نالوه في الواقعة الأولى صبروا وتجلدوا وكانوا يرهبون | ~~الحاصرين في غالب الأحيان بخروجهم إلى خارج البلدة وهجومهم عليهم | فمكث ~~ضرب النار أسبوعين بلا ثمرة وفي آخر تلك المدة أي في 21 إبريل | تعجب ~~الفريقان من الإمدادية التي أتت على حين غفلة من طرف محمد علي | باشا ~~فاستبشر المحصورون بذلك ، وكان مقدار الإمدادية المذكورة ألفا وخمسمائة | ~~سوارى وأربعة آلاف بيادة ، وفي الحال انقسمت تلك العساكر إلى فرقتين | ~~إحداهما صغيرة واتخذت موقعها أمام الحماد والثانية كبيرة تحت رئاسة الكيخيا ~~| واتخذت موقعها في برنبال وكان عساكر الفرقتين يشاهد بعضهم بعضا . | ~~PageV01P046 | وعند فلق صباح اليوم التالي هجمت الفرقة الصغيرة على مدافع ~~الإنكليز | الذي كان بالحماد بعساكر البيادة والسوارى لكنها تقهقرت فتبعها ~~أحد | بلوكات الإنكليز إلى مسافة بعيدة حتى انفصل البلك المذكور عن بقية ~~الجيش | وحينئذ رجع سوارى المصريين بالهجوم على ذلك البلك ففرقته وقتلت منه ~~| عشرين نفرا وأسرت خمسة عشر ، وفي الليلة التالية اقتحم الكيخيا بعساكره | ~~نيران الإنكليز واجتمع مع قائد الفرقة الأخرى وفي هذه الليلة أخذ الجنرال | ~~( استيوارت ) عساكر قره قول الحماد بخمس بلوكات فصار جميع القول 850 | نفرا ~~تحت قيادة الأميرالاي ( مكليود ) وكان الأميرالاي المذكور يظن ms014 حينئذ أنه لم ~~| يكن أمامه خلاف الفرقة الصغيرة لكنه لما رأى في الصباح أن جميع الجيش | ~~اجتمع أمامه وأخذلإي السير لمهاجمته أمر بالتقهقهر ، إلا أنه غلط في ~~تقهقرهبسبب | تجزئة قوته إلى سريات فجعل أولاها مركبة من ثلاث بلوكات تحت ~~رئاسة | البيكباشي ( مور ) وثانيتها من بلوكين تحت رئاسته والثالثة من خمس ~~بلوكات | ومدفعين تحت رئاسة البيكباشي ( وجلستر ) ثم لم يسير أيضا تلك ~~السريات مع | بعضها بل جعلها منفصلة عن بعضها بمسافات بعيدة ، فعند ذلك ~~انتظرت | السوارى المصرية سرية البيكباشي ( مور ) حتى انفصلت من السريتين ~~الأخريين | وأحاطت بها من كل جانب ومكان حتى لم ينج من القتل إلا من أسر ~~وهو | البيكباشي ( مور ) وقليل من الأنفار ، ولما بعد الأميرالاي ( مكليود ~~) مسافة نصف | ميل أراد الرجوع والإجتماع مع سرية البيكباشي ( وجلستر ) لكن ~~كان ذلك | صعب المنال لأن السواري المصرية لم تمهله بل أحاطت به فالتزم بأن ~~يشكل | سريته بهيئة قلعة وتمكن بذلك من صد السواري المصرية إلى أن عساكر ~~البيادة | أطلقت عليه نارا مدرارا وقتلته وكثيرا من الجند ، فأخذ اليوزباشي ~~( ماكي ) | مكانه من الرئاسة وصمم على اقتحام وسط المصريين كي يلحق بإخوانه ~~لكن لم | تزل نيران بنادق المصريين تنهال عليه كالسيل ، حتى لم يصل إلى ~~البيكباشي | ( وجلستر ) إلا بنفر قليل مقداره سبعة أشخاص ، وأما البيكباشي ~~( وجلستر ) | PageV01P047 | فدافع بعد وصول الميرألاي ( مكليود ) بشجاعة ~~وإقدام ، لكنه التزم في آخر أمره | أن يسلم نفسه ومن معه . # هذا وأما الجنرال ( استيوارت ) فأسرع في تسمير المدافع الكبيرة وحرق | ~~الذخيرة ثم قفل راجعا إلى الإسكندرية مع ألفي نفر بقيت ممن كان معه من ~~الجند | وبعد الهزيمة الثانية التي حصلت للإنكليز أمام رشيد لم ير الجنرال ~~( فريزر ) من | الحكمة أن يهاجم رشيد مرة أخرى حتى يحضر له إمداد من ~~انكلترا ، وخاف من | هجوم عساكر الوالي عليه فأخذ في تحصين المدينة . اه ~~بتصرف . # ولما رجع الإنكليز إلى الإسكندرية بعد هزيمتهم ثاني مرة أمام مدينة رشيد ~~| قطعوا جسر أبي قير الحائل بين مياه البحر المالح وأرض البحيرة لقطع ~~المواصلات | بين الإسكندرية وداخل ms015 القطر فعم الماء أغلب جهات البحيرة وخرب ~~بلادها | وأتلف أرضها ومزروعاتها وأعدم منها نحو مائة وأربعين بلدا بقي ~~أغلبها إلى الآن | وهي ما تراه بين إتكو وبحيرة المعدية إلى المحمودية وما ~~جاور بحيرة مريوط ممتدا | بالقرب من دمنهور . | ### || خروج الإنكليز من مصر # وفي وسط جمادى الثانية سنة 1222 ( 1807 م ) سافر الباشا بنفسه إلى | ~~دمنهور وتكررت بينه وبين الإنكليز المكاتبات في شأن إخلاء الإسكندرية وتم | ~~بينهما الإتفاق على إخلائها وتعهد محمد علي باشا بتسليم ما أخذ من | ~~عساكرهم أسرى في أثناء الحرب . وفي 5 رجب أتت أوامر الباشا إلى العاصمة | ~~بإرسال الأسرى فأرسلوا إلى الإسكندرية ، وبمجرد وصولهم نزل الإنكليز | ~~مراكبهم ورجعوا إلى بلادهم وكان ذلك في 10 رجب سنة 1222 ( 4 سبتمبر | سنة ~~1807 ) ولما وصل إلى القاهرة خبر زوال الخطر من احتلال الإنكليز الثغر | ~~الإسكندري ودخول محمد علي باشا بها ، أطلقت المدافع من القلعة ثلاثة أيام | ~~متوالية في الأوقات الخمس . | PageV01P048 | ### | 3 - حرب الحجاز # وفي شهر ديسمبر من السنة المذكورة أتى فرمان لمحمد علي باشا من | الدولة ~~العلية يؤيده على ولاية مصر ويأمره فيه بإرسال تجريدة من مصر إلى | العرب ~~الوهابيين الذين تملكوا بلاد العرب ومدينتي مكة والمدينة المنورة وصاروا | ~~يؤذون حجاج بيت الله الحرام واتسع حكمهم وتفاقم أمرهم حتى خشيت | الدولة ~~العلية بأسهم وجردت الجيوش لهم فعادوا بالخيبة والوبال . # ولقد أردت قبل تفصيل ما جرى بين المصريين وبينهم من الحروب أن أذكر | ~~نبذة من مذهبهم عثرت عليها بالمجلة الفرنساوية المسماة ( جورنال آزياتيك ) ~~| نشرت في هذه المجلة باللغة العربية وها هي بحروفها : # إن الوهابيين قوم من العرب تمذهبوا بمذهب عبد الوهاب وهو رجل ولد | ~~بالدرعية ، وهي مدينة بأرض العرب من بلاد الحجاز ، وكان من وقت صغره | تظهر ~~عليه النجابة وعلو الهمة والكرم وشب على ذلك واشتهر بالمكارم عند | كل من ~~يلوذ به وبعد أن تعلم مذهب أبي حنيفة في مدارس بلاده سافر إلى | أصفهان ~~ولاذ بعلمائها وأخذ عنهم حتى اتسعت معلوماته في فروع الشريعة | وخصوصا في ~~تفسير القرآن ثم عاد ms016 إلى بلاده في سنة 1171 هجرية ( 1757 م ) | فأخذ يقرر ~~مذهب أبي حنيفة مدة ثم أدته ألمعيته إلى الاجتهاد والإستقلال فأنشأ | مذهبا ~~مستقلا وقرره لتلامذته فاتبعوه وأكبوا عليه ودخل الناس فيه بكثرة | وشاع في ~~نجد والإحساء والقطيف وكثيرا من بلاد العرب مثل عمان وبني عتبة | من أرض ~~اليمن ، ولم يزل أمرهم شائعا ومذهبهم متزايدا إلى أن قيض الله لهم | عزيز ~~مصر محمد علي باشا فأطفأ سراجهم في سنة 1232 ( 1816 م ) وكسر | شوكتهم ~~وأخفى ذكرهم وهالك رسالة من كلامهم تدل على بعض مذهبهم | ومعتقداتهم : | ~~PageV01P049 | اعلموا رحمكم الله أن الحنيفية ملة إبراهيم عليه السلام وهي ~~أن تعبد الله | مخلصا له الدين وبذلك أمر الله جميع الناس وخلقهم له كما ~~قال تعالى ' وما | خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون فإذا عرفت أن الله سبحانه ~~وتعالى خلق العباد | للعبادة فاعلم أن العبادة لا تسمى عبادة إلا مع ~~التوحيد كما أن الصلاة لا | تسمى صلاة إلا مع الطهارة فإذا دخل الشرك في ~~العبادة فسدت كالحدث إذا | دخل في الطهارة كما قال تعالى ' ما كان للمشركين ~~أن يعمروا مساجد الله | شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي ~~النار هم خالدون فمن | دعا غير الله طالبا منه ما لا يقدر عليه إلا الله ~~سبحانه من جلب خير أو دفع ضر | فقد أشرك في العبادة كما قال تعالى ومن أضل ~~ممن يدعو من دون الله من لا | يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم ~~غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم | أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين ' وقال ~~تعالى ^ ( والذين تدعون من دونه ما يملكون | من قطمير إن تدعوهم لا يسمعوا ~~دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم | القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئنك ~~مثل خبير ) ^ فأخبر تبارك وتعالى أن دعاء | غير الله شرك فمن قال يا رسول ~~الله أو يا ابن عباس أو يا عبد القادر زاعما أنه | باب حاجته إلى الله ~~وشفيعه عنده ووسيلته إليه فهو المشرك الذي يهدر دمه | وماله إلا أن يتوب من ~~ذلك ، وكذلك الذين ms017 يحلفون بغير الله أو الذي يتوكل | على غير الله أو ~~يستعين بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو أيضا مشرك ، وما | ذكرنا ~~من أنواع الشرك هو الذي قال الله فيه ^ ( إن الله يغفر أن يشرك به | ويغفر ~~ما دون ذلك لمن يشاء ) ^ وهو الذي قاتل عليه رسول الله [ & ] | المشركين ~~وأمرهم بإخلاص العبادة كلها لله سبحانه وتعالى . # ويصح ذلك أي التشنيع عليهم بمعرفة أربع قواعد ذكرها الله في كتابه أولها ~~| أن تعلم أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله يقرون أن الله هو الخالق ~~الرازق | المحي المميت المدبر لجميع الأمور والدليل على ذلك قوله تعالى ^ ( ~~قل من يرزقكم | من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من ~~الميت | PageV01P050 | ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله ~~فقل أفلا تتقون ) ^ وقوله | تعالى ^ ( قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم ~~تعلمون سيقولون لله قل أفلا تتقون قل | من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا ~~يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون الله | قل فأنى تسحرون ) ^ فإذا اعترفوا ~~بذلك ثم توجهوا إلى غير الله يدعونه من دونه | وهو لا يملك كشف الضر عنهم ~~ولا تحويله فلا بد أن يشركوا . . . القاعدة الثانية | أنهم يقولون ما ~~نرجوهم إلا لطلب الشفاعة عند الله سبحانه وتعالى ونحن نريد | من الله لا ~~منهم ولكن بواسطتهم وشفاعتهم وهذا شرك أيضا والدليل عليه قول | الله تعالى ~~^ ( ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء | شفعاؤنا ~~عند الله قل أتنبؤن الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض سبحانه | ~~وتعالى عما يشركون ' قال تعالى ' الذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم ~~إلا | ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون إن ~~الله لا يهدي | من هو كاذب كفار ) ^ ، فإذا عرفت هذه القاعدة أيضا فاعرف ~~القاعدة الثالثة | وهي أن منهم من طلب الشفاعة من الأصنام ومنهم من تبرا من ~~الأصنام وتعلق | بالصالحين مثل عيسى وأمه والملائكة والدليل على ذلك قوله ~~تعالى ms018 ^ ( أولئك | الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون ~~رحمته ويخافون رحمته | ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محظورا ) ^ ورسول ~~الله [ & ] لم | يفرق بين من عبد الأصنام ومن عبد الصالحين بل حكم على ~~الجميع بالكفر | وقاتلهم حتى يكون الدين كلمة الله ، وإذا عرفت هذه القاعدة ~~فعليك بالقاعدة | الرابعة وهي أنهم يخلصون لله في الشدائد وينسون ما يشركون ~~به والدليل على | ذلك قوله ^ ( فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له ~~الدين فلما نجاهم إلى البر | إذا هم يشركون ) ^ وأهل زماننا يخلصون الدعاء ~~في الشدائد لغير الله سبحانه ، فإذا | عرفت هذه القاعدة فسلم القاعدة ~~الخامسة وهي أن المشركين في زمن النبي | أخف شركا من عقلاء مشركي زماننا ~~لأن أولئك يخلصون لله في الشدائد | وهؤلاء يدعون مشايخهم في الشدة والرخاء ~~ولم يعلموا قوله عليه السلام تعرف | إلى الله في الرخاء يعرفك الله في ~~الشدة والله أعلم بالصواب . | PageV01P051 # هذا ولما أتى ذلك الفرمان إلى محمد علي باشا بذل جهده في تجريد العسكر | ~~وجمع لهم ما يلزم من مؤن وذخائر مع صعوبة هذا الأمر في الوقت الذي كانت | ~~فيه المماليك متحزبة عليه ، فضلا عن أن خزينته خالية إذ ذاك من النقود ولما ~~| كان على يقين من أن السفر بطريق البر صعب يهلك فيه كثير من العساكر | ~~وبهائم النقل أيضا ، أصر على أن يتخذ طريقه البحر الأحمر حيث كان سهلا | ~~لنقل جنوده إلى فرضة جدة ، ولم يغيره عن هذا العزم عدم وجود مراكب له | ~~لنقل الجند بل أصدر أوامره إلى سائر جهات القطر المصري بجمع الأخشاب وما | ~~يلزم لأنشاء خمسة عشر سفينة فوردت ووضعت في الترسانة ببولاق مصر | القاهرة ~~وتجهزت للتركيب ثم نقلت على ظهور الجمال إلى ميناء السويس ، | فركبت هناك ~~وبينما هو آخذ في التجهيز إذ حضر رسول من قبل السلطان إلى | القاهرة ومعه ~~سيف برسم طوسون باشا ولد المرحوم محمد علي باشا المعين | لقيادة الحملة ~~المزمع إرسالها إلى الحجاز لمحاربة الوهابيين ، وجواب من الباب | العالي ~~يحثه على الإسراع في إرسال تلك الحملة ms019 ، فسافر إلى السويس لإنجاز تلك | ~~التحضيرات وبينما هو مقيم بها إذ اكتشف مكيدة من المماليك لإختطافه أثناء | ~~عوده من السويس إلى مصر ، ولما كان دائما يدبر في طريقة للتخلص من شرهم | ~~قبل سفر الجند إلى بلاد العرب خوفا من قيامهم عليك والفتك به ، انتهز هذه | ~~الفرصة لإتمام ما ينويه لهم منذ دخوله مصر ولأجل أن يقع في أيديهم ركب | ~~هجينا جيدا أوصله إلى القاهرة في ليلة واحدة وليس معه إلا خادم واحد حتى | ~~نجا بنفسه من تلك المهلكة وشرع في تنفيذ ما عزم عليه . | PageV01P052 | ### || واقعة القلعة # تفصيل ذلك على ما جاء في الجبرتي إن العزيز محمد علي باشا لما قلد ابنه | ~~طوسون سر عسكر الركب المتوجه إلى الحجاز وخرجت جيوشه إلى قبة العزب | ونوه ~~بتوجيه العساكر إلى جهة الشام لتمليك يوسف باشا محله الذي كان عزل | عنه ، ~~وجعل رئيسهم شاهين بك الألفي واختار يوم الجمعة للسفر ( 5 صفر سنة | 1226 ~~الموافق أول مارث سنة 1811 ) فلما كان يوم الخميس طاف ألاي | جاويش ~~بالأسواق على الهيئة القديمة في المناداة للمواكب العظيمة وهو لابس | ~~الضلمة والطبق على رأسه ، وراكب حمارا عاليا وأمامه مقدم بعكاز وحوله | ~~قبجية ينادون بقولهم ( يارن ألاي ) يريد بذلك إعلامهم بحصول الموكب | ~~ويكررون ذلك في جميع أنحاء المدينة وطافوا بأوراق التنبيهات على كبار ~~العسكر | والأمراء المصريين الألفية وغيرهم يطلبونهم للحضور في باكر النهار ~~إلى القلعة | ليركب الجميع بتجملاتهم وزينتهم أمام الموكب . # فلما أصبح يوم الجمعة ركب الجميع في الساعة الخامسة وطلعوا إلى القلعة | ~~وطلع المصريون بمماليكهم وأتباعهم وأجنادهم فدخل الأمراء عند الباشا وحيوه ~~| وجلسوا معه مدة من الزمن وشربوا القهوة وتضاحك معهم ، ثم سار الموكب | ~~على الوضع الذي رتبوه فسارت طائفة الدلاة وأميرهم المسمى أزون على ومن | ~~خلفهم الوالي ( حاكم القاهرة ) والمحتسب والأغا والوجاقلية والألداشات | ~~المصرية ومن تزيا بزيهم ومن خلفهم طوائف العسكر الخيالة والمشاة | ~~والبكباشيات وأرباب المناصب وإبراهيم أغا ( أغا الباب ) وليمان بيك البواب ~~| يذهب ويجيء ويرتب الموكب . | PageV01P053 # وكان العزيز قد أصر على قتل جميع الأمراء المماليك وأتباعهم ms020 ليتخلص من | ~~شرهم ويريح القطر من أذاهم وسلبهم ونهبهم وأسر ذلك إلى حسن باشا | وصالح ~~قوج والكتخدا فقط ، وفي صبح ذلك اليوم أسر به إبراهيم أغا ( أغا | الباب ) ~~، فلما سار الموكب وانفصل الدلاة ومن خلفهم من الوجاقلية | والألداشات ~~المصرية عن باب العزب ، أمر صالح قوج عند ذلك بغلق الباب | وعرف طائفته ~~بالمراد فالتفتوا ضاربين للمصريين ( يقصد بذلك المماليك ) وقد | انحصروا ~~بأجمعهم في المضيق المنحدر ، وهو الحجر المقطوع في أعلى باب العزب ، | فيما ~~بين الباب الأسفل والباب الأعلى الذي يتوصل منه إلى سوق القلعة ، | وكانوا ~~قد أوقفوا عدة من العسكر على الحجر والحيطان فلما حصل الضرب | من أسفل ، ~~أراد الأمراء القهقري فلم يمكنهم ذلك لإنتظام الخيول في مضيق | النقر ~~وأخذهم ضرب البنادق والقرابين من خلفهم أيضا ولما علم الواقفون | بالأعلى ~~المراد ضربوا أيضا ، فلما رأى المصريون ( المماليك ) ما حل بهم ارتبكوا | ~~في أنفسهم وتحيروا في أمرهم ، ووقع منهم أشخاص بكثرة فنزلوا عن الخيول | ~~واقتحم شاهين بيك وسليمان بيك البواب وآخرون وعدة من مماليكهم راجعين | إلى ~~فوق ، والرصاص ينصب عليهم من كل فج ونزعوا ما كان عليهم من | الفراوي ~~والثياب الثقيلة ولم يزالوا سائرين شاهرين سيوفهم حتى وصلوا إلى | الرحبة ~~الوسطى المواجهة لقاعة الأعمدة وقد سقط أكثرهم وأصيب شاهين بيك | وسقط إلى ~~الأرض فقطعوا رأسه وأسرعوا بها إلى الباشا ليأخذوا البقاشيش ، | وكان ~~الباشا عندما سار الموكب قد ركب من ديوان السراى إلى بيت الحريم | وهو بيت ~~إسماعيل أفندي الضربخانة ، وأما سليمان بيك البواب فهرب من | حلاوة الروح ~~وصعد إلى حائط البرج الكبير فتبعه الجند بالضرب حتى سقط | وقطعوا رأسه أيضا ~~، وهو كثير إلى بيت طوسون باشا فقتلوهم وأسرف | العسكر في قتل المصريين ( ~~المماليك ) وسلب ما عليهم من الثياب وقتلوا معهم | من رافقهم من طوائف ~~الناس وأهالي البلد وكل من تزيا بزيهم وقبضوا على من | PageV01P054 | أدرك ~~حيا وقتلوهم في حوش الديوان واستمر القتل من صخوة النهار إلى مضى | جزء من ~~الليل على المشاعل . # هذا ما حصل بالقلعة وأما أسفل المدينة فإنه عندما أغلق ms021 باب القلعة وسمع ~~من | الرميلة صوت الرصاص وقعت الكبسة في الناس واتصلت بأسواق المدينة وأغلق ~~| الباعة حوانيتهم وانتشرت العساكر إلى بيوت الأمراء المصريين ومن جاورهم | ~~كالجراد ونهبوها نهبا بليغا حتى حلى النساء ، وركب الباشا ضحوة ثاني يوم | ~~ونزل من القلعة بموكب حافل ومنع النهب ودخل بيت الشرقاوي وجلس عنده | ساعة ~~لطيفة ، وكذا ابنه طوسون دخل البلد ومنع العسكر من الإفساد والنهب | وأرسل ~~الباشا إلى القرى والبلدان بضرب عنق من وجدوه بها من الكشاف | التابعين ~~للمصريين ( المماليك ) فضربت أعناقهم ومات في هذه الواقعة نحو الألف | ما ~~بين أمير وكاشف وجندي وكانوا يحملونهم على الأخشاب ويرمونهم عند | المغسل ~~بالرميلة وقد جردوهم من ثيابهم وألقوهم بحفرة من الأرض ، قيل إنها | بقرة ~~ميدان ، ولم ينج من الألفيين إلى أحمد بيك زوج عديلة هانم فإنه كان غائبا | ~~بناحية بوش وأمين بيك تسلق من القلعة وهرب إلى ناحية الشام ، وممن قتل من | ~~مشاهيرهم شاهين بيك كبير الألفية ونعمان بيك وحسين بيك الصغير ومصطفى | بيك ~~الصغير ومراد بيك الكلارجي ومرزوق بيك بن إبراهيم بيك ( انتهى | ملخصا ببعض ~~تغييرات ) وكان موتهم رحمة للعباد وعمارة للبلاد وأمنت بعدهم | السبل برا ~~وبحرا . # أما ما تواتر على الألسن من أن أمين بيك عندما حصلت المذبحة هم بجواده | ~~فوثب به من فوق السور لجهة الميدان فقتل جواده وسلم هو فقط فذلك أمر | ~~مبالغ فيه إن لم يكن محض اختلاق . # ولما خلص من شرهم بقتلهم أخذ في تجهيز التجريدة بكل جد واجتهاد | فجمع ~~ستة آلاف من البيادة وألفين من السواري ومثلهما من الطوبجية وجعل | قيادة ~~هؤلاء لنجله طوسون باشا كما مر وفي شهر شعبان سنة 1266 نزلت | PageV01P055 ~~| البيادة في المراكب وسافرت قاصدة فرضة ينبع ، وأما السواري سافرت عن | ~~طريق البر تحت قيادة طوسون باشا ، فلما وصلت الدونانمة المصرية إلى ينبع | ~~قابلها السكان بغاية الفرح وأما قائدهم الأعظم فقد وصل لهم بعد قليل مع من ~~| كان بصحبته من السواري ولما كان طوسون باشا شابا ذا جسارة وجرأة اعتمد | ~~على بأس عسكره وحسن أسلحتهم بالنسبة ms022 لأتباع الوهابي وأجناده ولم يستعمل | ~~مع قبائل العرب ما يجذب قلوبهم إليه ، بل ابتدا بالسير نحو المدينة المنورة ~~فتجمع | الوهابيون ووقفوا له بالقرب من مدينة بدر الشهيرة بانتصار سيدنا ~~محمد [ & ] | على كفار قريش فهجموا على المصريين بشدة وعادوا بالغلبة إلا | ~~أنهم تقهقروا بغاية النظام واحتموا في متاريس أقاموها هناك لكن لم يثن ذلك ~~| طوسون باشا عن عزمه بل أمر حالا بالهجوم فتقدمت البيادة بقوة على | تلك ~~الخطوط حتى إنهم أخذوا الخط الأول من هذه المتاريس ثم تقدمت نحو | الخط ~~الثاني الذي كان آخذا من المتانة مكانا عظيما ودافعت عنه الوهابيون بغاية | ~~القوة والشجاعة حتى اضطر المصريون إلى القهقرى ، ثم وقع الخوف في صفوف | ~~المصريين وفروا من أمام العدو عائدين إلى فرضة ينبع بصفة غير منتظمة وهلك | ~~منهم خلق عظيم من شدة الجوع والعطش وجهلهم بالطريق ولولا قلة عدد | ~~الوهابيين الذين لم يتمكنوا من اتباع أثر المصريين لما نجا منهم أحد . # ولما علم محمد علي باشا بهذا الإنكسار الذي لم يخطر له على بال أرسل ~~المدد | إلى ولده طوسون باشا ومقدارا عظيما من المؤن والذخائر لتعويض ما ~~فقد منه في | واقعة بدر وأمر بعزل ونفى أغلب رؤساء العسكر الذين هربوا وقد ~~تحصن | طوسون باشا بعد ذلك في مدينة ينبع وبادر بترتيب عساكره وفي هذه ~~المرة لم | يهمل في إجراء الطرق اللازمة لجذب قلوب ومودة القبائل التي كانت ~~غير | راضية بأحكام الوهابيين ، وبعد أن تحقق من مصافاة موالاة القبائل ~~القاطنة بين | ينبع والمدينة ومن انتظام جيشه خرج قاصدا المدينة المنورة ~~فوصلها بدون أن | يصادف أدنى معارضة في الطريق وابتدأ الحصار لكنه لم يرغب ~~في استعمال | المدافع لإجراء فتحة في سور المدينة لدخول الجند خوفا من أن ~~تصيب بعض | PageV01P056 | مقذوفاتها حيطان الحرم النبوي ، فاستعمل اللغم ~~حتى إذا جهزه أرسل لسكان | المدينة بأن كل من لم يكن وهابيا فليتزى بزى ~~مغاير لزى هذه الطائفة وبعد ذلك | أطلق اللغم فهدم جزأ عظيما من السور يمكن ~~الجيش الدخول منه ، فأمر طوسون | باشا إذ ذاك بمهاجمة المدينة ms023 المنورة ~~ودخولها عنوة فهاجمتها الجيوش المصرية ودخلتها لكن | بعد عناء كثير ~~واستخلصت المدينة المنورة من يد هذه الفئة العاتية الخارجة عن | طاعة أمير ~~المؤمنين . # ثم أخذ طوسون باشا بعسكره في تحصين خط الرجعة إلى مدينة ينبع التي هي | ~~قاعدة أعماله وبعد ما تم هذا العمل سافر إلى فرضة جدة حيث كان الشريف | ~~غالب مقيما ففتحت له أبوابها بغاية السهولة والسرور والإنشراح ومن هناك | ~~سار السر عسكر بجيشه نحو مدينة مكة لإستخلاصها من أيدي الوهابيين | فوصلها ~~ودخلها بدون قتال لقيام الأهالي على الفرقة المحافظة وطردها إياها | حينما ~~علموا بقدوم الجيوش المصرية . فحينئذ كتب السر عسكر المصري لوالده | أن ~~طريق حج بيت الله الحرام وزيارة قبر النبي عليه السلام صار آمنا وسهلا | ~~للقاصدين ووصل هذا الخبر أولا إلى مصر ثم إلى إسلامبول في شهر ذي القعدة | ~~سنة 1227 ، ثم أراد طوسون باشا أن يحتل مدينة الطائف لأهميتها بالنظر | ~~لمكة المشرفة ، ولهذا السبب كان قد حصنها سعود زعيم الوهابيين وأودع فيها | ~~السلاح وجعل فيها مخازن ممتلئة من الذخائر ووضع فيها ما ينيف على ألف | شخص ~~من أجود جنوده وأشدهم بأسا وأكثرهم دربة وعلما بفنون الحرب . # لكن لما علم السردار أن ما معه من الجنود لا يكفي لفتح هذه البلدة عنوة ، ~~| أرسل فريقا من جيشه لمحاربتها ومنع وصول المدد إلى حاميتها حتى إذا أتته ~~| النجدة من مصر هاجمها بكل قواه لكن لحسن حظه لم يلبث قائد الحامية | ~~الوهابية أن ترك مركزها هاربا بمجرد وصول الجند المصري المرسل لمحاصرته ، | ~~وتيسر بذلك للمصريين دخول هذه النقطة المهمة بدون قتال ولا جدال ، فاغتاظ | ~~PageV01P057 | لذلك سعود زعيم الوهابية وخشى من تقدم المصريين فجمع كل ما ~~كان عنده | من القوى وقسمهم إلى فرقتين عظيمتين كل منهما تزيد عن المصريين ~~عدا ، | ومؤلفة من أناس أقوياء وذوي بأس شديد وجعل نفسه رئيسا على إحدى ~~هاتين | الفرقتين وجعل الأخرى تحت قيادة ولده المدعو فضل الله وأرسلها إلى ~~تربة | ليجعلها قاعة لإعماله ومستقرا لمؤنته وذخائره ، وكان هو ومن معه من ~~جنود | الفرقة الأولى ms024 متجمعين في شمال تربة ومستعدين لمساعدتها إذا اقتضى ~~الحال | ذلك ، وفي أثناء هذه المدة كانت سواري الوهابيين تناوش الجنود ~~المصرية وتقتل | كل من تأخر منهم في المسير . # ولما علم طوسون باشا بهذه الحركات العدوانية جمع ما تفرق من جنوده | ~~وتأهب لصد الوهابيين على قدر الطاقة ريثما يأتيه المدد ، لكن سبقه سعود | ~~وهاجم فجأة مدينة الحناكية واضطر قائد حاميتها المدعو عنان كاشف إلى | ~~التسليم بعد عدة هجمات عنيفة ، لكن أطلق سعود سبيله سبيل الحامية بشرط | أن ~~يسلموا أسلحتهم ويتوجهوا إلى بغداد ويقسموا بأن لا يحملوا السلاح أبدا | في ~~مواجهة الوهابيين ثم أرسل طوسون باشا فرقة عظيمة تحت قيادة أحد قواده | ~~المشهورين إلى مدينة تربة لإستخلاصها من أيدي الوهابيين ، لكن بمجرد قربه ~~من | تلك المدينة خرج عليه الوهابيين وهجموا عليه من كل حدب وناحية حتى | ~~اضطر إلى التقهقر والعود إلى الطائف واقتفى الوهابيون أثره حتى دخل المدينة ~~| وكان ينعم بها طوسون ياشا فأحدقوا بها وقطعوا المواصلات بين المدن التي | ~~شغلها بعساكره فكتب لوالده بإرسال المدد . | ### || سفر محمد علي باشا إلى الحجاز # فعزم محمد علي باشا عند ذلك على السفر بنفسه إلى بلاد الحجاز لقطع دابر | ~~الوهابيين وسافر من مصر بجيش عظيم على طريق السويس فوصل جدة في يوم | 27 ~~أغسطس سنة 1812 وسافر حالا إلى مكة وقبل أن يشرع في عمل ما | أصر على القبض ~~على الشريف غالب الذي مكن الوهابيين من الاستيلاء على | PageV01P058 | ~~مدينتي مكة والمدينة بهروبه والتجائه إلى جدة وكان مذبذبا بين الوهابيين | ~~والمصريين ليرى أيهما يفوز بالنصر ويتبعه . | ### || القبض على الشريف غالب : # وكيفية القبض عليه على ما جاء في الجبرتي أنه لما ذهب الباشا إلى مكة | ~~استمر هو وابنه طوسون باشا مع الشريف غالب على المصادقة وبساط | المصافاة ، ~~وجدد معه العهود والمواثيق والإيمان في جوف الكعبة بأن لا يخون أحد | صاحبه ~~وكان الباشا يذهب إليه في قلة ، والآخر يأتي إليه وإلى ابنه كذلك | ~~واستمروا على ذلك مدة ، وفي خامس عشر ذي القعدة دعاه طوسون باشا فأتى | ~~إليه في قلة ms025 كالعادة فوجد بالدار عساكر كثيرة عندما استقر المجلس ووصل | ~~عابدين بيك في عدة وافرة وطلع إلى المجلس فدنا منه وأخذ الجنبية من حزامه | ~~وقال : أنت مطلوب للدولة فقال : سمعا وطاعة ولكن صبرا حتى أقضي أشغالي في | ~~مدة ثلاثة أيام وأتوجه إليها ، فقال عابدين بيك لا سبيل إلى ذلك والسفينة | ~~حاضرة في انتظارك ، فحصل في جميعه الشريف وعبيده رجة ، وصعدوا على | أبراج ~~السراية وأرادوا الحرب فأرسل إليهم الباشا يقول لهم إن وقع منكم | حرب ~~أحرقت البلد وقتلت أستاذكم ، وأرسل أيضا لهم الشريف يكفهم عن | ذلك وكان ~~بهذه السراية أولاده الثلاثة فحضر إليهم الشيخ أحمد تركي وهو من | خواص ~~الشريف وحزبه ، وقال لهم لم يكن هناك بأس وإنما والدكم مطلوب في | مشاورة ~~مع الدولة ويعود لكم بالسلامة وحضرة الباشا يريد أن يقلد كبيركم | نيابة عن ~~أبيه إلى رجوعه ولم يزل يكرر حتى انخدع كبيرهم لكلامه ، وقاموا معه | فذهب ~~بهم إلى محل غير الذي به والدهم ووضعوا تحت الحفظ وفي الوقت نفسه | أحضر ~~الباشا الشريف يحيى بن سرور وهو ابن أخي الشريف غالب وخلع عليه | وقلده ~~إمارة مكة ونودي في البلدة باسمه وعزل الشريف غالب حسب الأوامر | السلطانية ~~واستمر الشريف غالب عند طوسون باشا حتى أركبوه وأصحبوا معه | عدة من العسكر ~~وذهبوا به وبأولاده إلى بندر جدة وأنزلوهم السفينة وساروا | بها من ناحية ~~القصير إلى صعيد مصر . | PageV01P059 | ثم ذكر الجبرتي في حوادث شهر محرم ~~سنة 1229 خبر وصول الشريف غالب | إلى القاهرة فقال وفي يوم الأحد سابع عشرة ~~وصل السيد غالب شريف مكة إلى | مصر القديمة وقد أتت به السفينة من القلزم ~~إلى مرفأ ثغر القصير فتلقاه إبراهيم | باشا وحضر معه إلى قنا وقوص ثم ركب ~~النيل بمن معه من أولاده وعبيدة | والعسكر الواصلين معه وحضر إلى مصر ~~القديمة فلما وصل الخبر إلى كتخدا | بيك ضربوا عدة مدافع من القلعة إعلاما ~~بوصوله وإكراما لمقامه ، على حد قوله | تعالى ^ ( ذق إنك أنت العزيز الكريم ~~) ^ هذا وبعد سفر الشريف غالب إلى مصر أمر | محمد علي ms026 باشا ولده طوسون باشا ~~بالمسير إلى مدينة تربة لكنه التزم بالبقاء في | بلدة تدعى ( الكلخة ) بين ~~الطائف وتربة عدة أيام لتأخر الشريف راجح في | إحضار الجمال التي كلفه ~~الباشا بإحضارها للحملة . | ولما علم طوسون باشا أن المؤن كادت أن تنفد أمر ~~بالسفر نحو مدينة تربة وهي | لا تبعد عن الكلخة إلا مسافة أربعة أيام ، ~~ولكنه أبطأ بهم راجح في الطريق حتى | نفدت ، فحينئذ اضطر للرجوع خوفا من ~~موت عساكره جوعا فعند ذلك انضم | الشريف راجح إلى عساكر الوهابيين لأنه كان ~~متفقا معهم على خيانة المصريين | والإيقاع بهم ، فلما تقهقر المصريون عاد ~~مع الوهابيين للهجوم عليهم فقابلهم | طوسون باشا وصدهم وفي أثناء ذلك ورد ~~له المدد والمؤن فعاد بالكرة إلى تربة | ولم يتمكن من فتحها ، بل رجع ثانيا ~~إلى الكلخة ومنها إلى الطائف وكتب إلى | والده بمكة يخبره بأنه تقهقر بسبب ~~خيانة العرب ورئيسهم الشريف راجح وأنه | التزم بإحراق الخيم التي كانت معهم ~~وكثير من لوازم العسكر حتى لا تقع في | أيدي العدو . # ولقد أرسل محمد علي باشا فرقة أخرى على طريق البحر لاحتلال مدينة | ( ~~قنفذه ) فرضة إقليم العسير تحت قيادة المدعو زعيم أوغلى فاحتلها بدون | ~~معارضة ، ثم تركها عند مهاجمة العرب له . وتفصيل ذلك على ما جاء في الجبرتي ~~| أن المصريين طلعوا عليها وملكوها بدون ممانع ولا مدافع وليس بها غير ~~أهلها | PageV01P060 | وهم أناس ضعاف فقتلوهم وقطعوا آذانهم وأرسلوها إلى ~~مصر ليرسلوها إلى | إسلامبول فعندما علم العرب ويقال له عرب العسير بمجيء ~~المصريين تركوها | وتنازلوا عنها ، ولهم رئيس يسمى طامي ، فلما استقر ~~المصريون ومضى عليهم نحو | ثمانية أيام رجعوا عليهم وأحاطوا بهم ومنعوهم ~~الماء فعند ذلك ركبوا عليهم | وحاربوهم فانهزموا وقتل الكثير منهم ولم ينج ~~إلا نحو سبعة أشخاص وزعيم | أوغلى ، فنزلوا في سفينة وهربوا فغضب الباشا ~~لأنه كان أرسل لهم نجدة من | الخيالة فحاربتهم العرب ورجعوا منهزمين من ~~ناحية البر . اه . # لكن لم تؤثر هذه الهزيمة على عزيمة محمد علي باشا بل أمر عابدين بيك | ~~بالسفر مع فرقته لإحتلال ms027 إقليم زهران منعا للتعدي الحاصل من أهاليه على | ~~القوافل ولعدم اجتماع قوات اليمن مع جنود الوهابيين فاحتلها بعد محاربة ~~عنيفة | استمرت ثلاثة أيام متوالية وبعد قليل أتى إلى العدو المدد من ~~الدرعية التي هي | قاعدة الوهابيين ومن بلاد اليمن ، ولمعرفة العرب بالطرق ~~ومفاوز الجبال لم | يتمكن عابدين بيك من محاربتهم محاربة أصولية بل صاروا ~~يكمنون له في المضايق | ويمنعون جنوده من أخذ العلف لخيولهم من المراعي ~~المجاورة لهم ولهذا هلك خلق | كثير من جنود المصريين حتى اضطر آخر الأمر ~~عابدين بيك للتقهقر إلى الكلخة | ولم يلبث بها إلا قليلا لأن الوهابيين ~~ألزموه بالرجوع إلى الطائف حيث كان | طوسون باشا مقيما وحاصره الوهابيون ~~فيها . # فلما أرسل لوالده بجدة ليعلمه بما هو فيه من الضيق قام في الحال مع قليل ~~من | الجند قاصدا ، مدينة الطائف لفك الحصار عنها وطرد الوهابيين ولما وصل ~~إلى | جبل يقرب من الطائف أراد الإستراحة وإمضاء الليل وفي أثنائه قبض ~~محافظوه | على أعرابي آت من الطائف ، فأيقظوه فاستفهم منه عن قوة المحاصرين ~~ولما علم | منه ما كان يريده أعطاه مكافأة جزيلة ولم يعلمه بحقيقة أمره بل ~~قال له أنه قائد | لمقدمة عساكر المصريين ، وأن محمد علي باشا قادم خلفه ~~بجيش عرمرم لمحاربة | الوهابيين ، ثم دفع إليه خطابا وكلفه بتوصيله إلى ~~طوسون باشا فشكره الأعرابي | PageV01P061 | وأوصل الخطاب للمرسل إليه وكان ~~فيه إخبار طوسون باشا بوجود والده | بالقرب من المدينة وأمره بالخروج منها ~~بكل قواه لملاقاته . # ففي أصيل اليوم التالي أطلقت المدافع من المدينة استبشارا بهذا المدد غير ~~| المنتظر وخرج طوسون باشا وعابدين بيك من المدينة فظن الوهابيون أنهم | ~~سيكونون بين جيشين لما بلغهم من الأعرابي من قدوم محمد علي باشا وجيشه | ~~فولوا الأدبار ولجؤا إلى الفرار وبذلك نجح تدبير الباشا وخلص جيشه وابنه | ~~بدون قتال ولا حرب ولا نزال . # وبعد أن تم النصر لمحمد علي باشا بدون إهراق دم عاد إلى جدة ومكث فيها | ~~شهرين جهز في أثنائهما ما يلزم لتتميم فتح بلاد العرب وتخليصها من ~~الوهابيين | وأحضر من ms028 مصر ما يلزم من العساكر والذخائر وأرسل ولده طوسون ~~باشا إلى | ثغر يتبع لجمع الجيش اللازم لاحتلال مضايق ( الصفراء ) وأمره ~~أيضا باستعمال | الرفق واللين مع العرب وبذل الهمة في كل ما يمكن استمالتهم ~~به إليه . # فلما وصل طوسون باشا إلى ينبع ابتدأ بطلب مشايخ القبائل فلبوا دعوته | ~~وحضروا بين يديه فأحسن وفادتهم وأجزل إليهم العطايا حتى خرجوا من عنده | ~~مسرورين ثم أرسل إلى مشايخ قبيلة حرب ، النازلة بين ينبع ومضايق الصفراء ، ~~| وبعث لهم من عنده رهائن كي لا يخشوا المجيء إليه وطلب منهم مقابلته في ~~مدينة | بدر وزحف إلى هذه النقطة بمدفعين وأربعة آلاف عسكري من المشاة فلما ~~| وصلها وجدها خاوية على عروشها لا ترى بها صغيرا ولا كبيرا ، لأن أهلها | ~~حينما علموا بقدوم المصريين هاجروا منها وتركوها كما علمت فكتب إليهم | ~~بالعودة وعمهم بنواله حتى استعملهم في نقل المؤن إليه من ينبع وكان يعطيهم ~~| على ذلك أجرة معينة وبعد قليل أتى إليه مشايخ حرب وتظلموا بين يديه من | ~~تعدى حاكم المدينة عليهم وقتله شيخهم الأكبر بغير حق فاعتذر لهم بما وقع من ~~| هذا القائد وأعلمهم بأن ذلك لم يكن بعلم والده وأنه لابد أن يذيقه ما ذاق ~~كل | ظلوم جزاء على ما كان منه ، ثم أعطاهم من الخلع ما ينيف على ألفين ~~وثلاثين | PageV01P062 | كشميرا وصادف ذلك ورود الخبر بموت هذا الحاكم ، ~~فأبهم عليهم الأمر | طوسون باشا ، وأخبرهم بأنه قتل بإذن والده جزاء على ما ~~أتاه جنده من القتل | والنهب فانشرحت لذلك صدورهم واطمأنت خواطرهم ومما زاد ~~في تعلقهم | بالحكومة المصرية صدور أمر محمد علي باشا بتعيين أحد مشايخهم ~~المدعو غانم | بن مدين حاكما على المدينة المنورة . # وبعد ذلك قام طوسون باشا وجيشه لاحتلال مضايق الصفراء والجديدة | فاحتلها ~~بدون ممانع وأحدث قلاعا في أولها وآخرها وحصنها بالمدافع وأودع | فيها ما ~~يلزم من أنواع الذخائر والمؤن ثم سافر قاصدا المدينة المنورة وكان ذلك | في ~~أوائل شهر ذي الحجة سنة 1229 فأقبل الحجاج من كل فج . # وبعد أن أدى محمد علي باشا ms029 ومن معه فريضة الحج وعاد الحجاج إلى | أوطانهم ~~شاكرين همته على ما أتاه من إقامة شعائر الحج وإعادتها إلى ما كانت | عليه ~~أرسل الباشا عددا عظيما من الجند إلى مدينة الطائف للإستعداد لمحاربة | ~~الوهابيين لما رأى فيهم محمد علي باشا من الضعف المبين بسبب موت زعيمهم | ~~سعود في 29 ربيع الآخر سنة 1229 الموافق ( 17 إبريل سنة 1814 ) . # وكان الوهابيون قد تجمعوا زهاء عشرين ألفا بالقرب من مدينة تربة | ~~فهاجمتهم الجيوش المصرية ولم يكن النصر لأحد من الفريقين وفي صبيحة ذلك | ~~اليوم الموافق ( 10 يناير سنة 1815 ) وصل إلى المعسكر محمد علي باشا بنفسه ~~| ومعه بقية الجيش ووجه كل قواه أولا لمحاربة الجيش الآتي من جهة اليمن ، | ~~من يعوقه في السير تقدم نحو مدينة تربة فاحتلها واحتل أيضا مدينة بيشة ~~ورينة | وكان لإنتصاره هذا وقع عظيم في قلوب الوهابيين فانضم إليه كثير ~~منهم ومن | قوادهم وصار يقطعهم المدن والقرى ليزيد ارتباطهم به وإطاعتهم له ~~. | PageV01P063 | ثم توجه الجيش إلى بلاد العسير الواقعة في جنوبي مكة ~~وحارب جنود الأمير | طامى الذي حارب المصريين في قنفذة على البحر الأحمر ~~واضطر زعيم أوغلى | إلى اختلائها ، ثم صار القبض عليه بمساعدة حسن بن خالد ~~قائد جيوش أمير | تهامة وأرسل إلى مصر ومنها إلى إسلامبول حيث قتل . # وذكر الجبرتي في أخبار سنة 1230 وصول الأمير طامى إلى مصر فقال وفي | يوم ~~الجمعة ثامن عشر شهر جمادى الأولى وصل طامى إلى البركة والمحمل إذ ذاك | ~~بها ، فخرجت جميع العساكر في ليلة الإثنين الحادي والعشرين منه وساروا في | ~~صبيحتها طوائف وخلفهم المحمل وبعد مرورهم دخلوا بطامى المذكور وهو | راكب ~~على هجين وفي رقبته الحديد والجترير مربوط في عنق الهجين وصورته | رجل شهم ~~عظيم اللحية وهو لابس عباءة عبدانية وكان يقرأ وهو راكب وعملوا | أيضا شنكا ~~وضربوا مدافع . اه . # وبعد أن استتب الأمن في جهة العسير وما جاورها عاد الجيش إلى المدينة | ~~واستعد طوسون باشا إجابة لرغبة والده للزحف على بلاد نجد وقام من المدينة | ~~ووصل إلى قرب مدينة ms030 الرس فأتى إليه مشايخها وطلبوا منه ألا يحتل مدينتهم | ~~بشرط أن لا يصرحوا للوهابين بالدخول إليها وأن يقدموا لجيشه كل ما يلزمه | ~~من المؤن بالثمن الملائم فقبل ذلك منهم طوسون باشا رغبة في عدم تعريض | ~~جيشه للحرب وحفظا له من فنائه بدون ضرورة شديدة داعية إلى ذلك ولا | احتياج ~~كلي ، ثم انتظر بالقرب من الرس ريثما تأتيه الجنود اللازمة ليزحف على | ~~الدرعية عاصمة الوهابيين . # وفي أثناء انتظاره الجنود دخل المدينة بقصد أداء فريضة الصلاة فدعاه أحد ~~| مشايخها لتناول القهوة عنده وكان ( طوسون باشا ) قد أمر أنه في ذلك الوقت ~~| تدخل العساكر وتحتل المدينة أثناء اشتغال الأهالي بالصلاة فقاموا بما ~~أمروا به | واحتلوا المدينة بهذه الحيلة بدون حرب فلما احتلوها أمر بهدم ~~أسوارها حتى لا | تعود صالحة لإقامة الوهابيين . وبعد مناوشات خفيقة احتل ~~طوسون باشا في | PageV01P064 | خلالها عددا عظيما من مدن نجد أرسل إليه عبد ~~الله بن سعود ، الذي تولى بعد | والده سعود على طائفة الوهابيين ، رسولا ~~يدعى الشيخ أحمد الحنبلي يطلب | الصلح والطاعة ويكون تحت طاعة أمير ~~المؤمنين ومذعنا لجميع أوامره فجاوبه | طوسون باشا أنه لا يمكنه قبول ذلك ~~منه إلا بعد استشارة والده محمد علي باشا | وأن يمنحه هدنة مدة عشرين يوما ~~حتى يخبر والده بذلك فقبل منه عبد الله بن | سعود وبطلت كافة الحركات ~~العدوانية وبقي كل جيش في مكانه ينتظر انتهاء | الهدنة لإتمام الصلح أو ~~استمرار القتال . # وفي أثناء هذه الهدنة وصل إلى طوسون باشا خطاب من والده يخبره بأنه | ~~سافر إلى مصر لأشياء ضرورية وأنه ترك عددا عظيما من الجند بين رجاله | ~~وركبان تحت قيادة خزنداره ويوصيه فيه بالإسراع في الزحف على الدرعية | ~~لإستئصال شأفة الوهابيين وإراحة العباد من مكايدهم ، وكان السبب في رجوع | ~~محمد علي باشا إلى مصر على عجل هو علمه برجوع نابوليون من منفاه الأول | ~~إلى فرانسا وتحققه من طمع هذا الرجل في احتلال مصر وجعلها مستعمرة | ~~فرنساوية على طريق الهند الإنكليزية لما بين الدولتين من العداوة الوراثية ~~وكان | وصول عزيز مصر إلى ms031 القاهرة على طريق القصير فقنا فمصر في يوم 18 ~~يونيه | سنة 1815 ( اليوم الذي أنهزم فيه نابليون في واقعة وترلو ) وقد ذكر ~~الجبرتي | وصول العزيز إلى القاهرة في أخبار شهر رجب سنة 1230 فقال : وفي ~~يوم | الأربعاء سادسه وصلت هجانة من ناحية قبلى وأخبروا بوصول الباشا إلى | ~~القصير فخلع عليهم كتحدا بيك كساوى ولم يأمر بعمل شنك ولا ضرب | مدافع حتى ~~يتحقق صحة الخبر وفي يوم الجمعة ثامنه قبل العصر ضربت مدافع | كثيرة من ~~القلعة والجيزة وذلك عندما ثبت وتحقق وصول الباشا إلى قنا وقوص | وفي ليلة ~~الجمعة خامس عشره وصل إلى الباشا إلى الجيزة ليلا فأقام بها إلى آخر | ~~الليل ثم حضر إلى داره في الأزبكية . اه . | PageV01P065 # هذا ولما وصل إلى طوسون باشا جواب أبيه أرسل إلى الخزندار يستقدمه | ~~وجيشه إلى مدينة الرس قبل انتهاء الهدنة فأتى إليها بسرعة وبعد مشاورات | ~~طويلة مع رؤساء الجيوش المصرية والقبائل المتحاربة ، قبل طوسون باشا الصلح ~~| بشروط أهمها أن الجيوش المصرية تحتل الدرعية وأن عبد الله ين سعود يؤد كل ~~| ما أخذ من الحجرة النبوية من المجوهرات وغيرها وخصوصا الكوكب الدري | ~~الذي زنته مائة وثلاثة وأربعون قيراطا من الألماس وأن يكون تحت أمره حتى ~~إذا | طلب منه السفر إلى أي جهة كانت يكون مطيعا لذلك وأن يؤدي لطوسون | ~~باشا رهائن من أقاربه إلى صدور تصديق محمد علي باشا على هذه المعاهدة . # فلاح من عبد الله بن سعود امتناع من إنفاذ هذه المعاهدة خصوصا لما طلب | ~~منه أن يسافر إلى إسلامبول كي يبرئ نفسه مما نسب إليه من الخروج عن حد | ~~الديانة المحمدية فكتب إليه العزيز محمد علي باشا بما مضمونه إنه إذا لم ~~يعمل | بمقتضى الشروط التي عقدها على نفسه يبعث إليه عسكرا جرارا يخرب ~~بلاده ، | فلم يرد إليه من الوهابيين إلا محاولات تفيد عدم الإمتثال ، فجهز ~~الباشا عليهم | تجريدة جديدة تحت قيادة ابنه البكري إبراهيم باشا . # ولنذكر ما حدث بالقاهرة من تمرد لطيف باشا على ولي نعمته وموته شر | ميتة ~~وعصيان الجند ms032 على محمد علي باشا قبل أن نأتي على تفصيل ما حصل بين | ~~إبراهيم باشا والوهابيين من الحروب فنقول : | ### || تمرد لطيف باشا : # إنه حصل بالقاهرة أثناء تغيب العزيز بالأقطار الحجازية أمر مهم لو لم | ~~يتداركه الكيخيا بعزم وهمة لكان من ورائه تفويض سلطة محمد علي باشا | وزوال ~~ملكه ، نريد بذلك تمرد لطيف باشا وطلبه ولاية مصر واختلاسها من | عزيزها ~~الذي لم يصل إليها إلا بركوب الأهوال والأخطار وإضاعة الدرهم | والدينار ، ~~وبيان ذلك أنه لما أعاد طوسون باشا الأمن إلى طريق الحجاج | واستخلص ~~المدينة المنورة من أيدي الوهابيين أرسل محمد علي باشا لطيف باشا | ~~PageV01P066 | المذكور إلى القسطنطينية لإبلاغ هذا الخبر إلى الدولة العلية ~~فاستقبل هناك بغاية | الترحيب والإجلال نظرا لمقام مرسله ولأهمية مأموريته ~~. # فلما عاد إلى مصر داخله الكبر وظن أنه لو اغتصب الولاية من محمد علي | ~~باشا ربما يروق ذلك في أعين ولاة الأمر في إسلامبول فأخذ في جمع الجند حول ~~| داره وإجزال العطايا للكشاف ورؤساء الجند من أرنؤد ودلاة ، فلما رأى | ~~الكيخيا ذلك دخله الخوف وخاف سوء المنقلب وأراد أن يخلص بلاده من شره | قبل ~~تفاقم أمره فجمع ديوانا بالقلعة وأرسل إليه يستدعيه فأبى الحضور لعلمه | ~~بالمكيدة ثم أرسل إليه الكيخيا يطلب منه إما الإطاعة أو الخروج من القاهرة ~~| فقبل الخروج ، لكن وجد الجند من الأرنؤد متربصين له في الطرق الموصلة إلى ~~| داره فناوشهم واستمر إطلاق البنادق بين الطرفين إلى نصف الليل بل وبعده ، ~~| ولما رأى لطيف باشا أن العسكر أحدقت بمنزله وهددته بالدخول فيه والقبض | ~~عليه اختفى في مخبأه مع ست من الجواري التركيات ومملوك مخلص له ولم يعلم | ~~بمحله إلا أحد خصيانه وبعد قليل دخل الجند داره وفتشوها ولما لم يقفوا له ~~على | أثر نهبوها وسبوا نساءه وسراريه وبحثوا عنه أيضا في الدور المجاورة ~~لها ثم اكتفوا | بحفظ الطرقات وفي مساء ذلك اليوم خرج لطيف باشا من المخبأة ~~وتسلق | الأسطحة حتى وصل إلى دار خزنداره واختفى هناك ، ففي اليوم التالي ~~أخبر | الخصي بالمخبأة التي بالبيت ففتحوها ولم يجدوا ms033 بها إلى الجواري ~~والمملوك فأخذوا | يقررونهم عنه وأين ذهب ولكن لم يجد ذلك شيئا ثم خطر ببال ~~لطيف باشا أن | يذهب من بيت خزنداره إلى أحد البيوت المجاورة له من السطح ~~ليهرب وينجو | بنفسه إلا أنه لسوء حظه ودنو أجله رآه أحد الجند المعينيين ~~فوق الأسطحة لمنعه | من الهرب ، فلما رآه أسرع بالصياح على إخوانه وعند ذلك ~~أطلق فيه لطيف | باشا رصاصه قتلته فاجتمع الجند واحتاطوا به وقبضوا عليه ~~وسجنوه في بيت | محمود بيك الدويدار ، حتى إذا أصبح اليوم التالي عقدوا ~~ديوانا للحكم عليه | بالقلعة حضره أكابر الحكومة وأعيانها وحكموا عليه ~~بالقتل ثم أرسلوا من | يستحضره فجاء مع محمود بيك الدويدار إلى القلعة ~~وهناك قبض عليه وضرب | PageV01P067 | عنقه وعلقت رأسه على باب زويله طول ~~نهاره وكان ذلك في يوم الثلاثاء 21 | من ذي الحجةسنة 1288 ( 8 نوفمبر سنة ~~1813 ) أما لطيف باشا المذكور | فكان جرجي الأصل ومملوكا لعارف بيك ابن ~~خليل باشا الذي كان قاضيا | بمصر ، أهداه إلى العزيز فاختاره لما تفرس فيه ~~النجابة وقربه إليه ورقاه إلى رتبة | انختر أغاسي أي صاحب المفتاح وصار له ~~حرمة زائدة وكلمة عند الباشا . | ### || عصيان الجند بالقاهرة # وأما ما حصل بمصر غير تلك الحادثة من الأمور المهمة فهو عصيان الجند | ~~وتمردهم على العزيز بعد عودته من الأقطار الحجازية وذلك أنه لما عاد إلى ~~مصر | في يونيو سنة 1815 شرع في ترتيب عسكره على النظام الأوربي لتزداد ~~بذلك | قوتهم لكن لم يوافقه على ذلك قواد جنوده فقضى مدة في إقناعهم بدون ~~ثمرة | ولما رأى منهم عدم موافقته على مشروعه عزم على تنفيذه رغم أنفهم ، ~~وابتدأ | بالفعل في تمرين الفرقة التي هي تحت قيادة ولده إسماعيل بيك في ~~يوم 12 | أغسطس سنة 1815 ، وأعلن بأن كل من لم يقبل هذا النظام الجديد سواء ~~كان | من الأنفار أو من البيكوات يجرد ويطرد من مصر فتحزب الجند واتفقوا مع ~~| قوادهم على الغدر بالباشا . # واتفق في هذا الوقت أن عابدين بيك أولم وليمة في ليلة الجمعة 28 شعبان ms034 | ~~سنة 1230 احتفالا بقدوم العزيز محمد علي باشا من بلاد الحجاز سالما فاجتمع ~~| بداره جماعة من أكابر الجند ، فيهم حجو بيك وعبد الله أغا صارى جله وحسن ~~| أغا الأرزنجلي ، فتكلموا في هذا الشأن واتفقوا على الهجوم عليه في داره | ~~بالأزبكية عند طلوع الفجر ولما استشعر عابدين بيك بما يقصدونه من الخيانة | ~~بالوالي خرج خفية من داره مسرعا إلى الباشا ليخبره بما اتفق عليه أعداؤه ثم ~~| عاد إلى أصحابه بدون أن يعلم أحد بخروجه وهنالك ركب الباشا حالا وتوجه | ~~PageV01P068 | إلى القلعة مستصحبا معه عساكر طاهر باشا وغيرهم ممن يثق بهم ~~وترك عددا | عظيما من الجند يحرسون منزله بالأزبكية ، ولما علم المتآمرون ~~أن الباشا وقف | على حقيقة حالهم وجلية أمرهم ، لم ينثنوا عن مقصدهم ، بل ~~قصدوا منزله | بالأزبكية لنهبه فمنعهم من كان به من الجند وتراموا بالرصاص ~~ولم يتمكنوا من | شيء ثم ساروا إلى القلعة واجتمعوا بالرميلة ولما لم يجدوا ~~للهجوم عليها سبيلا | لتسلط أفواه المدافع عليهم انتشروا في البلد للسلب ~~والنهب لينضم إليهم من | خالفهم في الرأي ، وتقوى شوكتهم بذلك فيعودوا إلى ~~القلعة بقوة عظيمة فنهبوا | الغورية والسكرية والحمزاوي إلا خان الخليلي ~~فإنه لم يردهم عن نهبه إلا قوة | بنادق من به من ترك وأرنؤد وكذلك دافع ~~المغاربة عن الفحامين والشوايين | والكعكيين واستمر النهب ساعات وكان ذلك ~~في يوم جمعة ولم تصل فيه لشدة | ما كان . # وفي وقت المساء استدعى الباشا السيد محمد المحروقي وأمر بتحرير قوائم | ~~مشتملة على ما نهب من التجار ليدفعه لهم فحررت القوائم وظهر أن ما خص | ~~الغورية مائة وثمانون كيسا والسكرية سبعون والحمزاوي ثلاثة آلاف فصرفها | ~~الباشا لأربابها بعد تنزيل شيء يسير وبعد أداء اليمين الشرعية على ما سلب ~~منهم | فبذلك أطمأن الناس واستبشروا بانتشار العدل وانقضاء أيام الظلم ، ثم ~~أخذ | الباشا يستميل قلوب الجند ويوزع النقود والعلائف عليهم ، وترك مشروع ~~| تدريبهم على النظام الأوربي ، حيث أدى إلى ما حصل ، منتظرا فرصة أخرى | ~~وبعد انقضاء عيد الفطر نزل الباشا من القلعة وهدأ خاطر الأهالي وأراح بالهم ms035 ~~| وشرح صدورهم ، وزار يوسف باشا المعزول من ولاية دمشق واجتمع مع | العلماء ~~والأعيان ووعدهم بأن يريح العباد من عود الجند إلى مثل ذلك . | ### || رجوع طوسون باشا إلى مصر : # ولما بلغ طوسون باشا خبر ثورة العسكر بالقاهرة ونهبهم لها سافر من ~~المدينة | إلى ينبع ومنها إلى جبل الطور فالسويس بحرا وكان وصوله إليها في ~~غاية شهر | PageV01P069 | ذي القعدة سنة 1230 . وجاء في الجبرتي أنه في يوم ~~الإثنين رابع شهر ذي | الحجة سنة 1230 ( 7 نوفمبر سنة 1815 ) نودي بزينة ~~الشارع الأعظم | لدخول طوسون باشا سرورا بقدومه ، فلما أصبح يوم الثلاثاء ~~خامسه احتفل | الناس بزينة الحوانيت بالشارع وعملوا له موكبا حافلا ودخل من ~~باب النصر | وعلى رأسه الطيلسان وشعار الوزارة وطلع إلى القلعة وضربوا في ~~ذلك اليوم | مدافع كثيرة وشنكا وحرائق وفي ليلة الجمعة الخامس عشر سافر ~~طوسون باشا | إلى الإسكندرية ليرى أباه ويسلم عليه وليرى أيضا ولدا له ولد ~~في غيبته يدعى | عباس بيك أخذه جده مع حاضنته إلى الإسكندرية وسنه دون ~~سنتين وفي يوم | السبت العشرين منه حضر طوسون باشا إلى مصر راجعا من ~~الإسكندرية . | ### || حبس المعلم غالي : # ولخلو الخزينة من النقود وعدم وجود موسرين بالبلد يؤخذ منهم ما يحتاج | ~~إليه على سبيل القرضة أو غيرها وتأخير المعلم غالي باشا ' محاسبجي ' في ستة ~~| آلاف كيس ، أصدر الباشا أمره إلى كيخيا بيك بطلب هذا المبلغ أو حبسه حتى ~~| يفيه فطلبه الكيخيا فاعتذر بأن هذا المبلغ متأخرا على الأهالي وأنه ساع ~~في | تحصيله وطلب مهلة قليلة فلم يقبل منه الكيخيا وأمر بحبسه وحبس أخيه | ~~تحصيله وطلب مهلة قليلة فلم يقبل منه الكيخيا وأمر بحبسه وحبس أخيه | ~~المسمى فرنسيس و ' خزنداره ' المدعو سمعان ، ثم وشى به عند الكيخيا طائفة ~~من | الأقباط وعرفوه بأنه إذا حوسب يظهر عليه ثلاثون ألف كيس ، فاشترط ~~عليهم | الكيخيا أنه إن لم يظهر على المعلم غالي هذا المبلغ يكونوا ملزمين ~~بالباقي ، فقبلوا | هذا الشرط وهم المعلم جرجس الطويل ومنقريوس البتوني ~~وحنا الطويل ولما | أبطأ المعلم غالي في دفع ما ms036 طلب منه أمر الكيخيا بضرب ~~أخيه أمامه وبضربه هو | أيضا وضرب خزنداره ، ثم أفرج عن أخيه وخزنداره ~~ليسعيا في تحصيل المطلوب . | أما سمعان فمات على أثر الضرب لأنه ضرب ألف ~~كرباج وأما فرنسيس أخو | المعلم غالي فسعى في أداء المطلوب ببيع ما يملكونه ~~من منقول وعقار ، ثم توسط | له لدى الباشا المسيو ( بوزاري ) طبيبه الخاص ~~فقبل منه الباشا ذلك وأمر بإخلاء | سبيل المعلم غالي بشرط أن يدفع أربعة ~~عشر ألف كيس وألزم معارضيه جرجس | PageV01P070 | الطويل ومنقريوس البتوني ~~بدفع أربعة آلاف كيس . ولقد رأى بعد ذلك محمد | علي باشا أن يخرج الجند من ~~القاهرة منعا لما يحصل منهم من الشغب والهياج | فأمر ولده طوسون باشا ~~الخروج إلى جهة فوة مع عساكر الدلاة وعابدين | بيك إلى جهة المنصورة مع ~~عساكر الأرنؤد ولم يبق بالقاهرة إلا حاشية الباشا | وأتباع خواصه وعساكر ~~الشرطة . | ### || عزل الشيخ الدواخلي : # وفي أوائل شهر ربيع الأول سنة 1231 في يوم مولد النبي عليه الصلاة | ~~والسلام طلب الباشا المشايخ فحضروا ولما أستقر بهم المجلس أظهر الباشا ~~رغبته | في عزل الشيخ الدواخلي نقيب الأشراف من منصبه واستشارهم في تولية ~~خلف | له فأقر الجميع على تعيين الشيخ البكري ورضوه ، فألبسه الخلعة ~~وانصرفوا وفي | اليوم الثاني صدر أمر من الباشا بنفي الشيخ الدواخلي إلى ~~دسوق فسافر في | الحال إلى منفاه ، وطلب الباشا من المشايخ أن يحرروا محضرا ~~يبينون فيه أسباب | عزله ليرسله إلى نقيب الأشراف في إسلامبول ، الذي من ~~خصائصه عزل وتولية | نقباء الأشراف بولايات الدولة العلية فحرر المشايخ ذلك ~~المحضر ونسبوا له فيه | أشياء كثيرة ، منها أنه تطاول على السيد منصور ~~اليافي لفتوى أفتاها مستندا | على قول ضعيف ، ومنها أنه يعارض القاضي في ~~أحكامه ، وذكروا أسبابا أخر | غير ذلك لم يكن فيها السبب الحقيقي في عزل ~~الباشا له وهو في الحقيقة انتقاده | على أحكام الباشا على مرأى ومسمع من ~~المقربين إليه . | PageV01P071 | ### || سفر إبراهيم باشا إلى الحجاز : # لنرجع إلى الكلام على الحملة التي كان جاريا تجهيزها لمحاربة الوهابيين ~~تحت | إمرة إبراهيم باشا فنقول ms037 أن محمد علي باشا لما عزم على معاقبة ~~الوهابيين لعدم | قيامهم بما تعهدوا به ، أمر بجميع ما يلزم من المراكب ~~بساحل بولاق لنقل المؤنة | والذخائر إلى مدينة قنا لتنقل منها لتنقل منها ~~على ظهور الجمال إلى ثغر القصير ثم إلى ثغر | ينبع من طريق البحر الأحمر ~~فلما صار تجهيز كل ما لزم لسفر الحملة سافر | إبراهيم باشا من بولاق في يوم ~~12 شوال سنة 1231 ( 3 سبتمبر سنة | 1816 ) فوصل ينبع في 9 ذي القعدة سنة ~~1231 ( 29 سبتمبر سنة 1816 ) | ثم سار قاصدا المدينة المنورة ، على ساكنها ~~أفضل الصلاة والسلام ، فوصلها بعد | عشرة أيام وفي اليوم الرابع من عيد ~~الأضحى قام إبراهيم باشا وعسكره من | المدينة وأقام في مدينة تدعى الصويدرة ~~واقعة على مسافة متساوية بين فرضتي | جدة وينبع وجعلها مركزا لأعماله ~~لقربها من هاتين الفرضتين ، ثم أخذ في جمع ما | يلزم من الجمال للزحف على ~~بلاد نجد لكنه لم يجد مساعدة من العرب المجاورة | لها الذين اتحدوا مع ~~الوهابيين على محاربة المصريين ، وشرعوا في مناوشة القوافل | بين الصويدرة ~~والموانئ البحرية ، فأرسل إبراهيم باشا لمحاربتهم ألفي جندي من | مشاة ~~وفرسان فقابلوهم على بعد يومين وهزموهم شر هزيمة . # فلما لم يروا من الوهابيين أقل مساعدة أتوا إلى معسكر المصريين وأذعنوا | ~~بالطاعة لرئيسهم وتعهدوا بإحضار كل ما يطلب منهم من جمال وغيرها ثم قام | ~~إبراهيم باشا من الصويدرة قاصدا مدينة تدعى الحناكية وسار منها إلى مدينة | ~~الرس فحاصروها ، وفي أثناء ذلك جمع عبد الله ابن سعود جميع ما عنده من ~~القوة | والرجال فكانت زهاء أربعين ألفا من فرسان العرب ومجربيها في الحروب ~~ومن | سوء سياسة عبد الله بن سعود أن استجلب كراهة القبائل لمحاربته إياهم ~~| واضطهادهم خصوصا عرب حرب النازلين بين المدينة المنورة والحناكية فزرع | ~~العداوة معهم وكان قريبا منهم الأمير ' أوزون على الأورفه لي ' الكردي قائد ~~| مقدمة جيوش إبراهيم باشا ومعه نحو مائة وخمسين من فرسان الأكراد ~~المشهورين | PageV01P072 | بالهجوم ، فلما تقدم عبد الله بن سعود نحو مقدمة ~~المصريين هجم عليه ms038 أوزون | بعسكره القليلة العدد الكثيرة القوة وزحف بخيلة ~~في وسط عسكر عبد الله بن | سعود ولحقه عرب حرب مساعدين له لما ذاقوه من ~~الوهابيين من النهب | والسلب ، ونزل رصاص الأكراد على عرب ابن سعود مثل ~~المطر ، ودهموهم | مثل القضاء المبرم لحسن سلاحهم ، فمسافة ما يفك الوهابي ~~بندقيته من جرابها | ويولع الفتيلة يكون قد أصابة خمس رصاصة على الأقل . ~~فما مضت برهة من | الزمن إلا وقد انكسرت مقدمة عساكر عبد الله بن سعود ورجع ~~القهقري ومن | هذه الواقعة عرف إبراهيم باشا أن لا صبر ولا جلد للوهابيين ~~أمام الرصاص | والنار ، بل هم رجال يحاربون بالرماح والسيوف على الطراز ~~القديم ومعهم | بنادق بالفتيل لا تفيدهم شيئا أمام بنادق المصريين ومدافعهم ~~. # وبعد هذه الوقعة تحصن عبد الله بن سعود داخل مدينة عنيزة - أما إبراهيم | ~~باشا فحاصر مدينة الرس ، وكان قد احتلها الوهابيون بعد عودة طوسون باشا | ~~إلى مصر ، وأقام حولها الإستحكامات القوية وعززها بالمدافع وابتدأ في ~~إطلاقها | على سور المدينة بدون أن يسلم العدو ، ولما عيل صبر إبراهيم باشا ~~من الإنتظار | بعد أن استمر إطلاق القنابل على المدينة ستة أيام متوالية ، ~~أمر بالهجوم عليها | ليلا فهجمت المشاة ومنعت الخيالة الأهالي من الخروج ~~لكن لم تنجح العساكر | المصرية في هذه الدفعة والتزمت بالرجوع بعد استمرار ~~القتال أربع ساعات . # وبعد أن استمر الحصار ثلاثة أشهر وسبعة عشر يوما بدون فائدة تصالح مع | ~~أهل المدينة على أن يرفع الحصار عن مدينتهم بشروط أهمها : أن لا يدخل ~~المدينة | أحد من جنوده وأن لا يقدم لهم الأهالي شيئا من المؤنة وأنه إن ~~استولت الجيوش | المصرية على مدينة عنيزة تسلم إليه مدينة الرس بدون قتال ~~وإن لم ينجح أمامها | تستأنف المحاربة ثانية . # ثم قام إبراهيم باشا بجيشه قاصدا مدينة عنيزة فصادف في طريقه بلدة تدعى | ~~( الخبراء ) فدخلها بعد أن دهمها بمدافعة عدة ساعات ، وبعد أن أراح جيشه ~~أحد | PageV01P073 | عشر يوما سافر إلى ( عنيزة ) فوصلها وبعد أن حاصرها ~~ستة أيام سلمها له | حاكمها المدعو محمد بن حسن بشرط أن يجوز ms039 لعساكر ~~الوهابية الذهاب إلى أي | جهة أرادوا ويتركوا في البلد كافة ما لديهم من ~~الأسلحة والذخائر ، فقبل ذلك | إبراهيم باشا ودخل المدينة وأرسل فرقة ~~لإحتلال مدينة الرس كما تقدم لك . # ثم إنه ارتحل من عنيزة ونزل ببلدة تدعى ( بريدة ) ودخلها بعد قتال قليل | ~~وكان صاحبها يقال له ( حجيلان ) بضم الحاء وفتح الجيم فنفاه الباشا إلى ~~المدينة | حيث توفي بعد أيام قلائل ومنها ذهب إبراهيم باشا لمحاصرة بلد ~~تدعى | ( الشقراء ) فوصلها في يوم 13 يناير سنة 1818 الموافق أوائل شهر ~~ربيع أول | سنة 1233 وابتدأ في محاصرتها بدون إمهال وأقام حولها بطاريات ~~المدافع | واستمر في إطلاقها حتى طلب الأهالي التسليم واشترط من بها من ~~جنود | الوهابيين أنهم بعد أن يسلموا سلاحهم إلى إبراهيم باشا يباح لهم ~~الذهاب إلى أي | جهة ساروا ، فقبل منهم ذلك وقيده بأن يتعهد هؤلاء الجند ~~بأن لا يحملوا | السلاح مرة أخرى في وجه المصريين وأنهم لو خالفوا هذا ~~الشرط عوقبوا | بالقتل . # وعقب هذا الإتفاق فتح الأهالي أبواب المدينة ودخلها بطل مصر إبراهيم | ~~باشا في 22 يناير سنة 1818 الموافق 14 ربيع أول سنة 1233 ثم ترك | بالمدينة ~~الحامية الكافية وذهب لفتح ( الدرعية ) عاصمة الوهابيين وكانوا يسمونها | ~~دار الهجرة وكان كلما مر على قرية ودخلها لا يتعرض لأهلها بسوء ويمنع | ~~عساكره من التعرض لهم ويكتفي بطاعتهم له . # لكنه لم يتوجه توا إلى مدينة الدرعية بل عرج على مدينة يقال لها ( درمة ) ~~لما | بلغه من وجود كثير من المؤن بها وعدد عظيم من الخيول فوصلها وأحرق ~~جزءا | كبيرا منها بالمدافع ، حتى تحصن حاكمها وأتباعه في قصره ولما لم ~~يرغب إبراهيم | باشا في هدم قصره بالمدافع خوفا من إتلاف ما به من الأشياء ~~الثمينة والخيول | PageV01P074 | العربية المطهمة ، قبل أن يخرج الحاكم من ~~البلد بشرط أن لا يأخذ شيئا معه مما | في القصر فسر الحاكم بذلك ونجا بنفسه ~~. | ### || فتح الدرعية وتسليم عبد الله بن سعود : # ثم توجه إبراهيم باشا إلى ناحية الدرعية فوصل أمامها في تسع | وعشرين خلت ~~من شهر جمادي ms040 الأولى سنة 1233 الموافق 6 إبريل سنة | 1818 وكان جيشه مؤلفا ~~من خمسة آلاف جندي من المشاة والفرسان واثنى | عشر مدفعا ، ولما لم يكن هذا ~~العدد كافيا لحصار المدينة بأجمعها لإتساعها ، أشار | على الباشا أحد أركان ~~حربه الفرنساويين المدعو مسيو ( فسيير ) بحصار القرى | الأربع المحيطة ~~بالمدينة الواحدة بعد الأخرى ، حتى إذا احتلها حاصر المدينة | الأصلية بكل ~~سهولة ، فاتبع إبراهيم باشا رأيه ومع ذلك استمر الحصار ستة | أشهر ، ولا ~~حاجة لذكر تفاصيله ، ولما رأى عبد الله بن سعود سقوط ثلاث قرى | من ضواحي ~~المدينة في أيدي إبراهيم باب باشا وأنه لا بد من التسليم عاجلا أو آجلا مال ~~للتسليم وأرسل إلى إبراهيم باشا في يوم 9 سبتمبر سنة 1818 يطلب منه | إيقاف ~~القتال ريثما يتم بينهما الإتفاق فأوقفه ، وأتى عبد الله بن سعود إلى | ~~معسكر إبراهيم باشا فأكرمه ، وبعد محادثة طويلة ثم الأتفاق على أن تسلم | ~~الدرعية إلى الباشا وتعهد بعدم إضرار الوهابيين وأقاربهم ، وأن يسافر عبد ~~الله بن | سعود إلى القسطنطينية كما هي رغبة السلطان فلبى إجابته وتوجه إلى ~~داره | ليتأهب للسفر إلى مصر ومنها إلى القسطنطينية . # ولما بلغ محمد على باشا خبر انتصار نجله على الوهابيين وتبديده إياهم | ~~ودخوله عاصمتهم أطلقت المدافع من القلعة ، وذكر الجبرتي في أخبار سنة | ~~1233 أنه في سابع شهر ذي الحجة الحرام وردت بشائر من الحجاز برسالة من | ~~عثمان أغا الورداني أمير ينبع بأن إبراهيم باشا استولى على الدرعية ، فسر ~~الباشا | بهذا الخبر سرورا عظيما وانجلى عنه الضجر والقلق وأنعم على المبشر ~~، وعند | ذلك ضربت مدافع كثيرة من القلعة والجيزة وبولاق والأزبكية وانتشر ~~PageV01P075 | المبشرون على بيوت الأعيان لأخذ البقاشيش ، وفي ثاني عشرة ~~وردت مكاتبات | بذلك من إبراهيم باشا نفسه فأكثر من ضرب المدافع من كل جهة ~~واستمر | الضرب من العصر إلى المغرب بحيث ضرب بالقلعة خاصة ألف مدفع وصدرت ~~| الأوامر بتزيين المدينة ثلاثة أيام متوالية وفي كل يوم يطوف المنادي ~~ويكرر المناداة | بالشوارع على الناس بالسهر والوقود والزينة وعدم غلق ~~الأبواب ليلا ونهارا . | ( اه ms041 ملخصا ) . | ### || وصول عبد الله بن سعود إلى القاهرة : # ثم تم بالسرور وكل الحبور بوصول عبد الله بن سعود إلى القاهرة وكان | ~~وصوله إليها في يوم الإثنين سابع عشر محرم سنة 1234 الموافق 17 نوفمبر | ~~سنة 1818 فدخل من باب النصر ومعه عبد الله بكاش قبطان السويس وهو | راكب ~~على هجين وأمامه طائفة من الدلاة فذهبوا به إلى بيت إسماعيل باشا ابن | ~~الباشا فأقام يومه وذهبوا به في صبيحة اليوم الثاني إلى عزيز مصر بسراي ~~شبرا | فلما دخل عليه قام إجلالا له وقابله بالبشاشة وأجلسه بحذائه ، ~~وحادثه في أمر | الحرب فقال له الوهابي إن الحرب سجال قال له : وكيف رأيت ~~إبراهيم باشا | قال : شجاعا مقداما بذل همته ، وقد دافعنا عن ديارنا دفاع ~~الأبطال حتى كان ما | قدره الله ، فوعده الباشا بالسعي لدى الباب العالي ~~ليعفو عنه فانصرف الوهابي | وعاد لمنزل إسماعيل باشا ثم سافر إلى ~~القسطنطينة في يوم الأربعاء التاسع عشر | من شهر محرم سنة 1234 الموافق 19 ~~نوفمبر سنة 1818 وقتل عند وصوله | للقسطنطينية . # أما المجوهرات التي أخذها الوهابيون من الحجرة النبوية حين دخلوا المدينة ~~| المنورة سنة 1220 فردها عبد الله بن سعود إلى إبراهيم باشا منها الحجر | ~~الألماس المسمى بالكوكب الدري فأعاده الباشا إلى محمله وأما ما نقص منها | ~~فادعى الوهابي أنها بيعت وصرف ثمنها في الحروب ، ووزع جانب منها على | ~~رؤساء القبائل فبددوها . | PageV01P076 | ### || موت طوسون باشا : # ومما حصل في أثناء هذه الحروب من الأمور المهمة التي ينبغي ذكرها موت | ~~المرحوم طوسون باشا نجل الباشا فتوفي في برنبال أمام مدينة رشيد في ليلة ~~الأحد | سابع ذي القعدة سنة 1232 الموافق 6 يوليه سنة 1816 عقب مرض أتاه | ~~فجأة ولم يمهله إلا عشر ساعات فغسل وكفن ووضع في صندوق خشب وسير | به من ~~طريق النيل إلى القاهرة ، هذا ولم يتجاسر أحد بإخبار والده ولبس الكل | ~~سربال الحيرة وصاروا في حيرة من تبليغ هذا الخبر المشئوم إلى والده فدخل ~~عليه | كتخدا بيك آخذا في البكاء والإنتخاب فعلم الباشا حقيقة الأمر وحزن ms042 ~~لفقده | حزنا شديدا ، ثم أمر بإعادة الجنازة حسب العادة فجهزت وسير بها إلى ~~الإمام | الشافعي وواره التراب في المقبرة التي أعدها الباشا لنفسه وعائلته ~~وسار والده | خلف نعشه ينظر إليه ويبكي . # وتوفي طوسون باشا رحم الله الجميع ، وهو في مقتبل العمر ولم يبلغ عمره ~~إلا | عشرين سنة وكان أبيض ذا جسم ، بطلا شجاعا جوادا له ميل للمصريين ~~قائما | بأوامر الديانة الإسلامية تخشاه العسكر وتهابه مع المحبة الزائدة ~~لأنه كان يكافئ | ذا العمل الصالح بالبر والإحسان وذا العمل السيء بالذل ~~والهوان ، اقتداء بقوله | عزوجل ^ ( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم ~~فلها ) ^ وقلما يوجد مثل هذا | الشهم المسدد الرأي الذكي الفطرة ، وعلى ~~فراقه يحق للعيون أن تدمع وللقلوب | أن تجزع وللأحشاء أن تتميز وللأكباد أن ~~تحترق . ولما انتهى الحرب وانتشر لواء | الأمن في جميع الجهات الحجازية ~~ونجد عاد الأمير إبراهيم باشا إلى مصر من | طريق القصير فقنا فالنيل إلى ~~القاهرة فوصلها في يوم الخميس 21 صفر سنة | 1235 وهاك ما ذكره الجبرتي في ~~قدومه : # قال : وعند وصول إبراهيم باشا نودي بزينة المدينة سبعة أيام بلياليها ~~فشرع | الناس في تزيين الحوانيت والدور والخانات بما أمكنهم وقدروا عليه من ~~الملونات | والمقصبات وأما جهات النصارى وحاراتهم وخاناتهم فإنهم أبدعو في ~~عمل | PageV01P077 | تصوير مجسمات وتماثيل وأشكال غريبة ، ولما أصبح يوم ~~الجمعة دخل إبراهيم | باشا في موكب حافل من باب النصر وشق المدينة وعلى ~~رأسه الطيلسان | السليمي من شعار الوزارة ، وقد أرخى لحيته بالحجاز وحضر ~~والده إلى جامع | الغورية بقصد التفرج على موكب ابنه وطلع بالموكب إلى ~~القلعة ثم رجع سائرا | بالهيئة الكاملة إلى جهة مصر القديمة ومر على جسر من ~~مراكب أقيم على النيل | بين مصر القديمة وجزيرة الروضة وذهب إلى قصره ~~واستمرت الزينة والوقود | والسهر ليلا وعمل الحراقات وضرب المدافع في كل ~~وقت من القلعة ، ومغان | وملاعب في مجامع الناس سبعة أيام بلياليها في مصر ~~الجديدة والقديمة وبولاق | وجميع الأخطاط . # وبعد ذلك أخذ محمد علي باشا في إصلاح أحوال المصريين زراعية وصناعية | ~~وعلمية وغيرها ، واستدعي ms043 لهذه البغية كثيرا من الإفرنج وكذلك شرع في | ~~ترتيب الجيش على النظام الجديد وبينما هو يفتكر في المسائل المؤدية إلى هذه ~~| البغية إذ قدم إلى مصر رجل فرنساوي يدعى ( سيف ) من ضباط الجيش | ~~الفرنساوي ، فاستخدمه لهذا الغرض ولما كان لهذا الرجل شأن عظيم في كافة | ~~الحروب التي حصلت في بلاد اليونان والشام أردنا أن نأتي بترجمته وكيفية ~~مجيئة | إلى مصر قبل الشروع في تفصيل هذه الحروب وما نشأ عنها من تداخل ~~الدول | الأوربية . | PageV01P078 | ### | 4 - ترجمة سليمان باشا الفرنساوي # ولد والد هذا القائد الشهير في 26 يوليه سنة 1754 وكان أبوه مزارعا | ~~مقيما بضواحي مدينة ( ليون ) من أعمال فرنسا واسمه ( انسلم سيفوس ) وشب | ~~بين أهله حتى بلغ سن المراهقة فلم يرض بصنعة أبيه فتركه وذهب إلى رجل كان | ~~يصنع البرانيط ليتعلم منه ومكث عنده حتى برع في هذه الصناعة ثم سافر إلى | ~~مدينة ( ليون ) واتخذ له فيها حانوتا يعمل به البرانيط واشتهر صيته بذلك | ~~خصوصا في الجهات المجاورة لها ، وصار كل من لا يستعمل برانيطه لا يعد في | ~~ذوي الذوق والكياسة فاتسعت ثروته اتساعا عظيما حتى طمح نظره إلى المعالى | ~~فاشتغل بصناعة الآلات وازدادت ثروته ، وتزوج في سنة 1786 بابنه أحد | ~~الطحانين وكانت فقيرة لا تقدر على دفع مهرها كما في عادة الإفرنج ولم يكن | ~~لها إلا شبابها وعفافها وجمالها ، فساعدته مساعدة عظيمة في أشغاله الكثيرة ~~| وصارت تفرح لفرحه وتحزن لحزنه شأن الزوجة الصالحة التي تشارك زوجها في | ~~السراء والضراء وكانت ولودا فلم تأت عليه سنة 1791 إلا وكان له منها | خمسة ~~أولاد ثانيهم المترجم واسمه ( يوسف ) نسبة لشبينة الذي حضره وقت | العماد ~~وكانت ولادته في 17 مايو سنة 1788 . # وفي أثناء هذه المدة ابتدأت الثورة الفرنساوية الشهيرة في الظهور وكان من ~~| دأب حكام ذلك الوقت قتل الأشراف وهدم قصورهم خصوصا المشيدة البنيان | ~~القوية الأركان التي كانت تشبه القلاع لأنهم كانوا يصطنعونها ليحتموا فيها ~~| PageV01P079 | أحيانا عند شن الغارة عليهم ، كما كانت عادتهم في تلك ~~الأعصر ، وكان بجوار | مدينة ( ليون ) شريف يدعى ms044 الماركيز ( _ دي بارال ) ~~له قصر باذخ به قلعة فتظاهر | بالدخول في حرب الجمهورية خيفة من أن يضطهده ~~الجمهوريون وشرع في بيع | قصره حتى لا يكون ثمة داع لاضطهاد الجمهوريين ~~إياه ، فلما علم والد المترجم | بنوايا الماركيز اشترك مع ثلاثة من ~~الفلاحين واشتروا القصر مع قلعته بثمن بخس | على شرط هدمه فقبل هدمه ، ثم ~~شرع ( انسلم سيفوس ) هو وشركاؤه في بيع ما | كان فيه من الأمتعة الثمينة ~~والأثاثات الفاخرة والأسلحة القديمة فربح من ذلك | مبالغ جسيمة ، ثم ابتدأ ~~في هدم القصر حسب شروطه فساعده الحظ بقتل | الماركيز ، الذي قتله ~~الجمهوريون عند وقوفهم على حقيقة حاله وكنه خبره ، | فتخلص بذلك ( انسلم ~~سيفوس ) من تنفيذ شرطه الذي ربما استغرق جل ما ربحه | من بيع الأثاث . # هذا وكان ( يوسف سيف ) المترجم حاد الطبع شكس الأخلاق لا يقبل | نصائح ~~والده ولا أوامره ولا يطيع إلا هوى نفسه ، وكان في ذلك ضرورة فلما | أراد ~~والده أن يمرنه على أشغاله لم يجد منه إلا أذنا صماء وكان يترك منزل | ~~والديه ويرتع في الفلوات مع الصبيان ، وحين كان يعود إلى والده وقد رأى منه ~~| عدم الهداية والإمتثال يذيقه أنواع الأذى كالضرب المؤلم والشتم الفظيع ~~فحين | يرى ذلك من أبيه يهرع ثانيا إلى ما كان عليه وهلم جرا . . . ولما ~~يئس والده من | إصلاح أخلاقه وتقويم ما اعوج من طباعه أدخله المدرسة ~~البحرية في أواخر سنة | 1799 الموافق ( 2 فاندمير سنة 7 ) من التاريخ ~~الجمهوري وكان عمره إذ | ذاك إحدى عشرة سنة وأربعة أشهر وتسعة أيام . ~~PageV01P080 # فلم تهذب طباعه صعوبة أحكام القانون الباري ولذلك لم يرتق في الرتب بل | ~~بقي في درجة صف ضابط مع أنه كان متصفا بالشجاعة وسكون الجأش عند | الخطر ، ~~فحضروا واقعة ( ترافلجار ) سنة 1805 ولم يبلغ من العمر وقتئذ إلا | سبع ~~عشرة سنة وهو في رتبة صف ضابط في الألاي الثاني من الطوبجية البحرية | ولم ~~ترعه مخاوف هذه الواقعة الهائلة التي انتصر فيها الأميرال ( نلسون ) | ~~الإنكليزي على دوننمات فرنسا وإسبانيا معا وجرح في ذراعه الأيمن ms045 جرحا غير | ~~ذي بال ولما شفى منه توجه مع الدوننمة الفرنساوية إلى جزائر ( أسور ) ~~وجزائر | ( كناريا ) وبقي مدة سنتين في السفن الطرادة عن شواطئ إفريقيا ~~الغربية وأوربا ، | ومع ذلك لم تؤثر هذه الصعوبات الشاقة في طباعه بل استمر ~~على ما كان عليه | من عدم طاعة رؤسائه والإذعان لأوامرهم ، حتى غضب عليه في ~~يوم من الأيام | أحد الضباط ورفع عصاه ليضربه فأخذها منه وطفق يضرب ذلك ~~الضابط بها | حتى كسرها ، فوضعت لذلك فيه الأغلال ، وسجن إلى أن يحكم عليه ~~بالإعدام | رميا بالرصاص كما هو حكم القانون العسكري ولكن لم ينفذ هذا ~~الحكم عليه | لأن أخذ رؤساء الجيوش وكان قد خلصه المترجم من الموت في إحدى ~~الوقائع | سعى في حصول العفو عنه من الإمبراطور نابوليون الأول فلم ينجح ~~سعيه في | العفو عنه ، فتحيل له في خروجه من السجن وأرسله إلى أحد أصدقائه ~~وكان | أميرالاي من الفرنساويين الموجودين إذ ذاك في إيطاليا فقبله في ~~ألايه بصفة نفر | عسكري وذلك في 2 مايو سنة 1807 وغير اسمه من ذلك العهد ( ~~بانسلم | سيف ) على اسم والده لئلا يعرف ولم يزل هذا القائد مساعدا له حتى ~~حصل | PageV01P081 | على رتبة أونباشي بعد أن دخل الجيش بثلاثين يوما في 2 ~~يونيه سنة 1807 ولم | يتعرض أحد لهذه الترقية لأنه كان محبوبا عند هذا ~~الجيش للطفه وحسن أخلاقه | في نظرهم وشجاعته لا سيما في استعمال كافة أنواع ~~الأسلحة ، وقوته كانت | تغرس مهابته في قلوب أقرانه . # ولم يزل في رتبته التي أعطيها لم يتعدها إلا بعد مدة وذلك أنه في إبريل ~~سنة | 1809 كان الألاي الفرنساوي السادس الذي فيه المترجم معسكرا في شمال | ~~مدينة ( مينينح ) وفي 15 إبريل من هذه السنة أرسل قائد هذا الألاي أربعة | ~~من الجند منهم ( انسلم سيف ) للإستكشاف تحت إمرة أحد الضباط فتوغلوا في | ~~البر حتى وقعوا في كمين من الأعداء كان يتربص في هذه الجهة فرصة فأحاط به | ~~الأعداء إحاطة الهالة بالقمر فسقط في أسرهم وقد أصيب بثلاث جراح وطلق | ~~ناري بعد أن قتل حصانه ms046 تحته فحرم لذلك من حضور الوقائع المهمة التي انتصر | ~~فيها نابوليون على النمساوية نصرا مبينا وسيق مع الأسرى إلى بلاد | ( ~~هنكاريا ) حيث ضمدت جراحه ولم يمض عليه زمن طويل حتى نقه ولما بلغ | تمام ~~الشفاء دخل في خدمة أحد أمراء المجر فكان يعامله كصاحب مخلص لا | كعدو ~~أوقعه الحرب في ربقة الأسر ولذلك لم يتمكن من الرجوع إلى فرنسا إلا | بعد ~~أن أقام سنتين أسيرا . # ولما عاد إليها لحق بألايه وكان معسكرا في مدينة ( فيزول ) من أعمال ~~فرنسا | وترقى إلى رتبة جاويش مكافأة له على ما قاساه من عناء الحرب وشدة ~~الأسر | وكان ذلك في 16 يوليو سنة 1811 ثم سافر ألايه إلى بلاد ( هانوفر ) ~~بألمانيا | في نوفمبر سنة 1811 وانتظم في سلك الجيش المعد للهجوم على روسيا ~~وكان | مؤلفا من ستمائة ألف مقاتل ما بين فرنساويين وألمانيين وإيطاليين ~~وغيرهم من | PageV01P082 | كافة ممالك أوربا الخاضعة لفرنسا فعبر نهر ( ~~نيمين ) في 24 يونيه سنة 1812 | ونهر ( دنيبر ) في شهر أغسطس التالي ، ~~وكانت الجيوش الروسية تنسحب متقهقرة | أمام الجيوش الفرنساوية بدون قتال ، ~~كأنهم لا يريدون المدافعة عن وطنهم وما | كانت هذه القهقري إلى حيلة أرادوا ~~بها أن يطمعوا الفرنساويين في الدخول إلى | داخل السهول الروسية ثم يقطعون ~~عنهم خط الرجعة بلا تعب ولا نصب ، ولقد | نجحت هذه الحيلة وتوغل نابوليون ~~في البلاد الروسية حتى وصل مدينة | ( موسكو ) ودخلها عنوة بعد واقعة ( ~~موسكووا ) التي كانت سببا لتخليد اسم | ( الماريشال ني ) في التواريخ في 7 ~~سبتمبر سنة 1812 ، لكن آلي الروس | على أنفسهم أن لا يسلموا المدينة ~~للفرنساويين إلا بعد أن يحرقوها ولم يتيسر | للفرنساويين حينئذ المكث مدة ~~الشتاء داخل هذه المدينة ولما لم يكن في البلاد | المجاورة لها ما يكفي ~~مؤنة هذا الجيش الجرار لا سيما وأن الروس أحرقوا كافة | مزروعاتهم وكانت ~~المسافة بين موسكو والبلاد التابعة لفرنسا شاسعة ولم يتيسر | لهم الإتيان ~~بالمؤن والذخيرة منها عزم نابوليون على الرحيل من الروسيا | والرجوع إلى ~~فرانسا ، فهلك السواد الأعظم من جيشه إما من شدة ms047 البرد أو من | هجمات عساكر ~~القوزاق عليهم ولم يعد إلى فرنسا إلا أقل من النصف . # وكانت هذه الواقعة أول أفول نجم نابوليون وفاتحة انكساره حتى لم يقم له | ~~بعدها قائمة وقد رقي المترجم أيضا إلى رتبة باشجاويش بعد عودته من الروسيا ~~| إلى رتبة ملازم ثاني في 5 يوينه سنة 1813 بعد أن اشتهر في وقعة ( بوزن ) ~~في | 12 فبراير سنة 1813 واستحق الثناء من رؤسائه وطعن في هذه الوقعة برمح ~~| PageV01P083 | طعنة كادت تكون القاضية ولقد اشتهر ( سيف ) بين أقرانه ~~بالشجاعة والنخوة | وثبات الجأش فكان لا يرهبه رئيس ولا أمير ولا ~~الإمبراطور نفسه ، لأنه كان | سالكا في طريق الواجب المطلوب منه لا يخشى ~~لومة لائم ويحكي عنه حادثة | غريبة تدل على قوة بأسه وزيادة طيشه وذلك أنه ~~بعد وقعة ( بوتزن ) في 21 | مايو سنة 1813 كتب اسمه في قائمة من استحقوا ~~نيشان الشرف ( ليجون | دونور ) فناداه الإمبرطور أمام الصفوف ليقلده ~~النيشان بيده تشريفا له على | أقرانه فلما حضر أمامه ناوله النيشان موبخاله ~~على طيشه وعدم إنقياده لأوامر | رؤسائه فاحمر وجهه وقفل راجعا إلى مركزه ~~بدون أن يستلم النيشان فغضب | الإمبراطور لذلك وقال لولا ما اشتهر به ( سيف ~~) من الشجاعة لبطشت به | ولكنى عفوت عنه وكفاه بعدم إعطائه هذا النيشان ~~جزاء . # ثم امتاز أيضا عن أقرانه حين دخل جيش الدول المتحدة إلى أراضي فرانسا | ~~في أوائل سنة 1814 بعدة أمور تدل على شجاعته وقوة جنانه وأنه لا يتأخر | عن ~~اقتحام الخطوب للدفاع عن وطنه شأن كل رجل حركته المحبة لمسقط رأسه | ~~واستفزته النخوة الوطنية وذلك أن قائد ألايه لما بلغه أن بعض عساكر وضباط | ~~القوزاق الروسيين محتلون قرية لا تبعد عن الموقع المعسكر هو فيه إلا ثلاثة ~~| فراسخ ، أراد أن يستطلع حقيقة هذا الخبر وطلب أن أحد الضباط يعرض نفسه | ~~لهذا الاستكشاف فلم يجب طلبه إلا ( سيف ) فاستصحب معه بعض الفرسان | وهجم ~~على نقطة العدو وقتل بعضهم وأسر الباقي فاستحق بذلك رضا رؤسائه | ومحبتهم ~~ومدحهم له على ما شوهد منه وامتاز به ms048 بينهم حتى أن قائد هذه الفرقة | هنأه ~~على شجاعته أمام بقية الجيش ورقى ( سيف ) بذلك إلى رتبة ملازم أول في | 13 ~~مارث سنة 1814 ونقل إلى الألاي الرابع عشر وكلف بحمل بيرقه ولكن | لم يلبث ~~أن تبدل فرحه ترحا وسروره حزنا بانتصار جيوش أوربا على العساكر | ~~PageV01P084 | الفرنساوية ودخولهم مدينة باريس وإجبارهم نابوليون على ~~الإستقالة ونفيهم إياه | لأول مرة في جزيرة ( إلبه ) وسافر نابوليون في 20 ~~إبريل سنة 1814 مودعا | عساكره في حوش قصر ( فونتنبلو ) وأعقب سفره دخول ~~لويز الثامن عشر | مدينة باريس التي لم يتمكن من الدخول إليها إلا بمساعدة ~~الأجانب له . | فانتهى الحرب بذلك وأفاقت الأهالي من هم الحروب وما يتبعها ~~من الكروب | مع إن الفرنساويين كانوا يؤثرون استمرار القتال ، ولو كان فيه ~~فناؤهم عن | آخرهم ، أولى من وطأة الأجنبيأرضهم ولكن للدهر حالات وللوقت ~~ضرورات | توجب الوطني لتحمل وجود الأجنبي في بلاده بصفة حاكم أو مالك معللا ~~| نفسه بالحصول على الإستقلال السياسي قريبا كان ذلك أو بعيدا . # هذا ولم يرض ( سيف ) أن يبقى في خدمة حكومة تعضدها العساكر الأجنبية ، | ~~لغاية في النفس لا لخير تعود ثمرته على بلاده ، كما كان يظن أحزاب لويز | ~~الثامن عشر ، فرجع إلى بلده ( ليون ) حيث كان أبوه وأقاربه مقيمين فكانوا | ~~يجتمعون به ويسلون أنفسهم عن هذه المصيبة بتذكر مجد فرنسا وما نالته من | ~~الفتوحات في زمن هذا الرجل الذي تحدث بذكره الركبان وخشى بأسه | القاصي ~~والدان حتى وافاهم خبر رجوع نابوليون من منفاه ونزوله إلى البر في | خليج ( ~~جوان ) بالقرب من مدينة ( كان ) في أول مارث سنة 1815 أي بعد | تنازله عن ~~أريكة الإمبراطورية بعشرة أشهر . # ولما شاع خبر عودته تجمع ضباط جيوشه المظفرة وطفقوا يهيجون الأهالي | على ~~حكومة لويز الثامن عشر ويذكرونهم بمجد نابوليون وانتصاره على جيوش | أوربا ~~بأسرها غير مرة ويقولون لهم أنه لم ينهزم فعلا بل خانه بعض قواده الذين | ~~قابلوا نعمته بالكفران وخانوا وطنهم العزيز وساعدوا الأجانب على إذلال | ~~مواطنيهم طمعا في الدنيا وحبا في المال الذي سعوا في اكتسابه ms049 بدون مراعاة | ~~شرف ولا ذمة ولا حرمة وطن . | PageV01P085 # وكان ( سيف ) المترجم من أعظم نصراء نابوليون في مدينة ( ليون ) فكان | ~~يدخل القهاوي والتياترات وكافة المجتمعات العمومية لتهييج الأهالي وإثارتهم ~~| على الحكومة المعضدة من أعداء الوطن والأمة ولم يكن ذلك منه طلبا لإقنتاء ~~| الثروة والترقي إلى الرتب العالية بل حبا منه في استخلاص وطنه وتطهيره من ~~| احتلال الأجنبي فيه . # ولم يكن مع نابوليون عند نزوله على شواطئ فرانسا إلا تسعمائة رجل ، ومع | ~~كون جنوب فرانسا من حزب البوربون ، لم يخش نابليون من التوغل في البلاد | ~~مع قلة حرسه لفرط شجاعته وقوة بأسه حتى قرب من مدينة ( جرينوبل ) إحدى | ~~مدن فرانسا الحصينة فأرسل حاكمها عساكر الحامية لقتال نابليون وحاميته | ~~والإتيان به أسيرا إلا أن الجنود لما رأته تذكرت مجدها الأثيل فلم تجسر على ~~| مطاردته بل انضمت إليه وصافحته وصاحبته إلى مدينة ( جرينوبل ) وكان | ~~دخوله فيها في التاسع عشر من مارث . # فلما رأت حكومة البوربون الإسراع في تقدمه نحو مدينة ( ليون ) وظهر لها | ~~أن أغلب الضباط والقواد كارهون لها ومائلون إلى نابليون أرسلت إلى ( ليون ) ~~| الكونت ( درتوا ) أخا الملك ليقود حاميتها المؤلفة من خمسة عشر ألف عسكري ~~| فاستعرضهم في 10 منه ولما رأى على وجوههم علامات الميل لنابليون ويئس | ~~من مساعدتهم سافر من ( ليون ) في صبيحة 11 من الشهر وبعد سفره أعلن | الجند ~~الإنحياز لحزب الإمبراطور فدخلها في مساء اليوم نفسه ثم سافر منها في | ~~اليوم الثالث عشر منه قاصدا باريس الزهراء ، ودخلها جهارا بين صفوف | ~~الأهالي والجند في 20 مارث بدون أن يصادف ما يعوقه في مرور من جنوب | فرنسا ~~إلى شمالها . # ولما عين الجنرال ( جروشي ) قائدا عاما للفرقة العسكرية في مدينة ( ليون ~~) | وضواحيها وسمع بما أتاه ( سيف ) من المساعدة لنابليون ، كأفأه على ذلك ~~بتعيينه | PageV01P086 # ضمن أركان حربه ورقاه إلى رتبة يوزباشي ولكنه لم يحظ بها ، لأن ~~الإمبراطور لم | يلبث إلا قليلا وهزمته جيوش انكلترا وبروسيا المتحدة في ~~وقعة ( وترلو ) في | يوم 18 يونيه سنة 1815 وبعد هذه الواقعة التي خلت اسم ~~( ولنجتون ms050 ) | الإنكليزي دخلت الجيوش باريس ولم يسع نابليون إلا التسليم ~~ليأسه من الظهور | على أعدائه حيث لم يبق في فرانسا جيوش مدربه في مركب في ~~11 يوليو السفينة | المسماة ( بلوروفون ) وقصد بلاد الإنكليز ووضع نفسه تحت ~~حمايتهم ، لكن خانه | الدهر فسيق إلى النفي في جزيرة ( سانت هيلينه ) ~~الواقعة في الأوقيانوس | الأطلانطيقي في المنطقة الحارة ومكث بها ست سنوات ~~إلى أن قضى نحبه في 5 | مايو سنة 1821 . # هذا وبعد دخول البوربون في فرنسا عقب هذه الواقعة أمر ( لويس ) الثامن | ~~عشر بتشكيل مجلس حربي لمحاكمة القواد والضباط الذين انضموا إلى نابوليون | ~~حين أرسلوا لمحاربته والقبض عليه فأقيمت الدعوى الحربية على تسعة عشر | ~~جنرالا ومارشالا وكان من ضمن هؤلاء وفي مقدمتهم المارشال ( ني ) الملقب | ~~ببرنس مسكووا نسبة إلى البلدة التي انتصر فيها نابليون على الجيوش الروسية ~~| وكان هذا النصر بسبب ما أظهره المارشال من الشجاعة والمعرفة في فنون | ~~الحرب . # وسبب محاكمته أنه لما كان نابليون عائدا من منفاه الأول أرسلته حكومة | ~~البوربون لمحاربته وأخذه أسيرا فسافر معترفا لها بذلك لكنه لما تقابل معه ~~تذكر | PageV01P087 | نعمته ومصاحبته له في سائر الحروب ومشاركته إياه في ~~غالب انتصاراته بل | أشهرها ، وأمالته إليه عوامل المحبة التي كانت تجره ~~نحوه من جهة ، وميل العساكر | التي تود الإنضمام إلى نابليون من جهة أخرى ~~فانضم إليه بعسكره . # ولما بلغه الخبر بإصدار الأمر بالقبض عليه لم يصدقه حيث أن معاهدة 3 ~~يوليه | سنة 1815 أقرت بالأمان لكافة الضباط الذين انحازوا إلى نابليون ولم ~~يجزم بأن | حكومة متمدنة تقر على شيء ولم تنفذه ، فلذلك لم يبرح بلده مع أن ~~إخوانه | وخلانه عرضوا عليه البراح وبذلوا له جميع ما يلزمه من المال ~~والرجال للخروج | من أرض فرنسا والإلتجاء إلى حكومة أخرى فلم يجبهم لذلك ~~وبقي حتى قبض | عليه في يوم 5 أغسطس سنة 1815 وفي أثناء سفره مخفورا بأنفار ~~الشرطة إلى | مدينة باريز لإيقاع الحكم عليه عرض عليه أيضا بعض أصحابه أن ~~يأخذوه | عنوة من الخفر ويهربوه من فرانسا فمنعته نفسه الأبية أن ms051 يأتي هذا ~~الأمر الذي | ربما ينسب به إلى الجبن والنذالة فلما وصل إلى باريس وسجن بها ~~ألف بعض | الضباط عصبة قوية وكان المحرض عليها ( سيف ) وتشعبت فروعها في ~~أكناف | باريس قصد تخليص المارشال ( ني ) من القتل فلم يقبل ذلك وآثر الموت ~~على | الحياة مع الهرب فحكم عليه بالإعدام رميا بالرصاص ونفذ عليه الحكم في ~~يوم | 7 ديسمبر سنة 1815 فمات على شهامته وفرط شجاعته مأسوفا عليه من كل | ~~وطني إلا من على بصرهم غشاوة . # ومما يحسن ذكره هنا أنه أثناء المرافعة والمدافعة قام أحد المحامين ~~المكلفين | بالمدافعة عنه وطلب عدم اختصاص المجالس الفرانساوية عموما ~~بمحاكمته لأنه | ليس فرانساويا لكون البلدة التي ولد فيها سلخت عن فرانسا ~~وألحقت بألمانيا | فقام عند ذلك المارشال ( ني وقال إني لم أزل فرانساويا ~~وإني أود الموت كذلك | وأوثره على أن أعيش أجنبيا عن وطني الذي تربيت فيه ~~واستظللت تحت سمائه | ونلت الرتب العالية في الدفاع عنه . | PageV01P088 # وبعد موت المارشال ( ني ) ضاق بسيف الحال ولم يكن عنده ما يسد به رمقه | ~~لأنه أراد الدخول في عداد الجيش الذي ألف بعد حل الجيش الذي ساعد | نابليون ~~، فلم يجد لذلك سبيلا ولم يقبل في مصالح الحكومة أيضا لتشيعه | للإمبراطور ~~، فاشتغل آخر الأمر بالتجارة في الخيول والعربات فنجح فيها قليلا | ولكن لم ~~يكفه ربحه من ذلك لما كان متعودا عليه من كثرة النفقة والميل للملاذ ، | ~~فتركها ودخل في إحدى العزب مديرا وكان ذلك في 10 إبريل سنة 1816 | لكنه لم ~~يرض بهذه الوظيفة لحقارتها بالنسبة لما كان فيه أولا من علو الرتبة | ~~والدرجة فعاد إلى تجارة الخيول ثانيا ولم يزل في هذه المهنة حتى نفد ما كان ~~عنده | من المال وبلغ من حاله أنه لم يقدر على دفع أجرة منزله الذي كان ~~يسكنه . # ولما يئس من بلوغ الثروة التي كان يسعى دائما وراءها في باريس باع ما بقي ~~| عنده من العربات والخيول ورحل إلى مدينة ( ليون ) وأقام عند عمه مدة ~~مختفيا | خشية من مطالبة غرمائه له ومضايقتهم إياه فلما ms052 علموا بمكانه ذهبوا ~~إليه | وصاروا يطالبونه ويعنفونه ويهددونه بالمرافعة أمام المحاكم حتى ~~ضايقوه مضايقة | شديدة حملته على المهاجرة إلى بلاد إيطاليا وكان ذلك في ~~أوائل سنة 1819 | وأقام في مدينة ميلان عميلا لأحد تجار مدينة ليون بشيء ~~تافه هذا وفي أثناء هذه | المدة بلغه أن شاه العجم يريد أن يستخدم بعض ~~الضبط الأورباويين لتنظيم | جيوشه على الطراز الأوربي الجديد فرغب في ذلك ~~ولكن رأى أنه لا يمكنه | السفر إلى مثل هذه البلاد بدون توصية عظيمة فتحير ~~في أمره ثم أرسل خطابا | إلى الكونت ( دي سيجور ) يطلب منه المساعدة في هذه ~~المسألة . # فلم يمض إلا أيام قلائل حتى ورد إليه من الكونت خطاب يخبره فيه أن الأولى ~~له | العدول عن السفر إلى العجم والتوجه إلى مصر لوجود كثير من ~~الفرانساويين بها | تسهل عليهم مساعدته وأرسل يوصي به الفرانساويين ~~المقيمين في القطر المصري | ليقدموه إلى محمد علي باشا الذي كان آخذا وقتئذ ~~في عمل كل ما يعود على | مصر التي اختارها وطنا له من الخير العميم والنفع ~~الجزيل ، وكان يقبل كل من | PageV01P089 | يساعده على إنفاذ مشروعاته من ~~حيز الفكر إلى حيز العمل من أي جنس كان | غير مراع في ذلك شيئا سوى مصلحة ~~البلاد المصرية فإنه كان يستعمل الأجانب | للوصول إلى هذه الغايات ويستعين ~~بهم كالآلات لتقدم بلاده في مدارج الكمال | وتأسيس المدارس والمعامل ~~والإسبتاليات وفتح الورش وحفر الترع لتسهيل | الري وغير ذلك . وكان من حسن ~~إدارته أنه متى نشأ من المصريين رجال أكفاء | يقومون بما تقدم حق القيام ~~استغنى بهم عن الأجنبيين وولى مكانهم من نبغ من | المصريين . | ### || وصول سليمان باشا إلى مصر : # وبمجرد وصول جوابات الكونت دي سيجور إليه ( وكان من ضمنها كتاب | مخصوص ~~لمحمد على باشا ) قام من ساعته قاصدا ثغر الإسكندرية ومنه إلى | القاهرة ~~ولما وصل إليها تقرب إلى محمد علي باشا بواسطة الفرنساويين المقيمين | إذ ~~ذاك بمصر وقدم إليه كتاب الكونت دي سيجور فقابله مقابلة خصوصية | استفسر ~~منه في خلالها عن حقيقة أمره حتى وقف منه على ms053 سبب مجيئه إلى مصر | وبعد ~~محاورة طويلة تفرس منه في خلالها الشجاعة والشهامة والصداقة والولاء | عرض ~~عليه أن يستخدمه فقبل منشرح الصدر مستبشرا ببلوغ المأمول حيث | نال ما لم ~~ينله في فرانسا وإيطاليا بعد السعي المديد والعناء الشديد فكانت عاقبة | ~~أمره خيرا وعند حسن الصبر كثيرا ما ينال الصابرون . # وصادف مجيئه إلى مصر انتصار الجيوش المصرية على الوهابيين - كما تقدم | ~~في موضعه - ولا يخفى أن محمد علي باشا وطد ملكه في القطر المصري بفتحه | ~~بلاد العرب بناء على طلب الباب العالي صاحب السيادة في هذه البلاد وكانت | ~~الصناعة والتجارة سالكتين سبيل التقدم والفلاح لا سيما بعد إنشائه فوريقات ~~| في سائر أكناف البلاد فضلا عن المعامل التي لم تزل آثارها باقية مشاهدة ~~إلى | الآن مهملة في زوايا النسيان وكانت القوة البحرية في غاية الإستعداد ~~ولم ينقص | PageV01P090 | مصر في ذلك الوقت شيئا إلا جيشا مرتبا ومنظما على ~~الطراز الأوربي الجديد ، | وكان قد شرع في ذلك مرارا قبل مجيء سليمان باشا ~~ولكن لم يتم مشروعه | لمعارضة عساكر الترك والأرنؤد له ، كما سبق ذكر ذلك ~~في موضعه ، ولكون | السواد الأعظم من جيشه كان مركبا منهم بعد أن قتل جميع ~~رؤسائهم في القلعة | أول مارث سنة 1811 لم يقو على إذلالهم وتنفيذ أغراضه ~~بالرغم عنهم . # ولما تم له النصر على الوهابيين ولم يكن ثمة احتياج إلى مراعاة خاطرهم ، ~~عزم | على تنفيذ مشروعه وهم لم يمانعوه ولم يعارضوه في التنفيذ حيث قتل ~~الكثير | منهم في بلاد العرب فاستخدم ( سيف ) ليكون هو المنفذ لهذا المشروع ~~لما تفرسه | فيه من الشجاعة والمثابرة على الأعمال التي لا يردها أعظم ~~الموانع ولا أهول | الوقائع مادية كانت أو أدبية ، ولكي لا يشعر أحد ~~بمقصوده أرسل ( سيف ) أولا | إلى جهات الحدود القبلية ليبحث عما يوجد هناك ~~من معادن الفحم الحجري | بناء على اعلام بعض سكان تلك الجهات ، فعجب ( سيف ~~) من هذا التعيين | لكونه لم يكن له أدنى إلمام بمثل هذه المسائل العلمية ، ~~لكن لم يتأخر عن الإمتثال | لأوامر من أوقف نفسه لخدمته ms054 ظانا أن وراء هذا ~~التعيين أمور خفية لا بد أن | تكشفها الحوادث والأيام # فعاد من ساعته إلى القاهرة ليتهيأ للسفر إلى الحدود منشرح الصدر قرير | ~~العين لتحسن المستقبل أمامه ولكي يسهل عليه محمد علي باشا الأمر | ~~والإجراءات الإدارية اللازمة لصرف ما يلزمه من المال والميرة أرسل الأوامر ~~| الشديدة إلى سائر الجهات بإعطائه كل ما يلزمه بدون احتياج إلى الحصول على ~~| إذن خصوصي وبتنجيز كل طلباته بغاية السرعة حتى لا يكون ثمة مانع من | ~~سفره . ولما تم له جميع ما يلزمه في هذه الرحلة سافر من القاهرة في بحر شهر ~~| يوليو سنة 1819 في إحدى مراكب الحكومة الشراعية فوصل إلى مدينة | أسيوط ~~بعد ثمانية أيام لمساعدة ريح الشمال له وعدم حدوث أنواء عاقته عن | السير ~~وكان معه في هذه الرحلة أحد مأموري الحكومة المصرية ليكون معينا له | ~~PageV01P091 | في تنفيذ أوامره ومزيجا عنه ما يعتريه في سبيل العقبات ~~الشاقة ، هذا هو ظاهر | مأموريته ، وفي باطن الأمر أن يكون مراقبا عليه ~~خشية من أن يكون مرسلا من | قبل إحدى الدول الأجنبية بمأمورية سرية لإكتشاف ~~أمر ، وليرى أيضا كفاءته | ومقدرته على العمل وهل يمكن أن تحال عليه مهمة ~~عظيمة كتشكيل الجيش | المصري وتدريبه على النمط الأفرنكي ولم يعارض ( سيف ) ~~في استصحابه ، بل | سر من ذلك عازما على الاستعانة به على معرفة طباع ~~البلاد وإطلاعه على | أخلاق أهلها حتى لا يحصل منه أدنى أمر مغاير لعوائدهم ~~وأحوالهم الوطنية | والدينية . # ولم يزل سائرا حتى وصل إلى أسوان ، حدود الحكومة المصرية وقتئذ بعد أن | ~~شاهد في طريقه العجائب من آثار المصريين القدماء الموجودة على ضفتي النيل | ~~وبقايا مدينة طيبة التي كانت في ذلك الوقت مطمح أنظار السائحين لقرب عهد | ~~أوربا بمعرفتها في أثر أعمال واكتشافات اللجنة الفرنساوية العلمية التي أتت ~~| مصر مع بونابرت قائد الجيوش الفرنساوية التي أغارت على هذه البلاد في | ~~أوائل هذا القرن إذ كانت العلماء تؤم مصر من سائر أنحاء أوربا لحل رموز | ~~الكتابة الهيروجليفية ( لسان قدماء مصر ) التي بقيت معماة حتى فيضن الله ms055 ~~العالم | الفرنساوي ( شامبوليون ) فحل رموزها وفك عقودها وأزاح ظلماتها مع ~~أن | المصريين كانوا أحرى بذلك وأولى بما هنالك . # فلما دخل أسوان واستراح من تعب أسفاره شرع في البحث عن الفحم | الحجري ~~الذي أرسل لأجله ولم يتأخر بسبب اعتقاده الجازم أنه لا يوجد في مثل | هذه ~~الجبال الصوانية ، بل كان جل بغيته أن يؤدي مأموريته بالصداقة والأمانة | ~~PageV01P092 | ولم يأل جهدا في المرور على الحدود المصرية وما يكتنف أسوان ~~من الجبال شرقا | وغربا للبحث عن هذا المعدن الذي لا بد منه في تقدم ~~الصناعة في مصر ، ولو | كان البحث بدون فائدة ولا جدوى ثم سافر من أسوان ~~إلى مينا القصير الواقعة | على البحر الأحمر مفتشا في طريقه عما جاء للبحث ~~عنه وقد أنهكت قواه هذه | الرحلة الأخيرة لعدم تعوده على الإقامة في البلاد ~~الواقعة في المنطقة الحارة حتى | اعتراه المرض بسبب شدة الحرارة وثقل عليه ~~، حتى كادت روحه أن تزهق | وتكون هذه الرحلة خاتمة أسفاره ، ولكن لقوة ~~بنيته الأصلية أمكنه أن يقاوم | المرض فاستراح أياما حتى رجعت إليه قواه ~~وقفل راجعا إلى أسوان . # وفي أثناء هذه المدة أخذ الجيش المصري في العودة إلى مصر وذلك أن بطل | ~~مصر إبراهيم باشا بعد أن استأصل شأفة الوهابيين وأعاد الأمن إلى طريق | ~~الحجاج أراد أن يريح عساكره من الأتعاب والأوصاب التي كابدوها أثناء هذه | ~~الحروب الهائلة التي استمرت عدة سنوات فترك مدافعه في جدة وأرسل أوامره | ~~إلى جزء من جيشه بالعودة إلى مصر برا على طريق ساحل البحر الأحمر ثم سافر | ~~معه من بقى من جيشه من جدة بحرا إلى القصير ومنها على طريق الصحراء إلى | ~~قنا ثم ركب النيل من قنا قاصدا العاصمة وكان أمراء الصعيد ومأمورو الحكومة ~~| يتلقونه أينما حل بالتبجيل والتعظيم ، مفتخرين بعوده منصورا على الفئة ~~التي | أعيت العساكر الشاهانية ، وما الفضل في ذلك إلا له ولعساكره المصرية ~~التي | كانت هذه النصرة مقدمة انتصاراتهم وفتوحاتهم كما سيأتي إن شاء الله ~~. # ثم وصل إلى الجيزة في 9 ديسمبر سنة 1819 وقابل والده في ms056 سراى شبرا | في ~~يوم 11 فتلقاه فرحا به مسرورا ومفتخرا بما آتاه الله من الفوز والنصر على | ~~أعدائه بواسطة ابنه ، وبعد هذه المقابلة العائلية أمر محمد علي باشا ، كما ~~تقدم | آنفا ، أن تزين العاصمة عدة أيام متوالية فلم يتأخر أحد من سكان ~~البلد عن | القيام بأداء الزينة الواجبة عليها احتفالا بهذا الشجاع الذي ~~أعاد لمصر فخرها | PageV01P093 | الأثيل وملأ الأصقاع بصيته وشهرته وشهرة ~~الجيوش المصرية التي برهنت تحت | إمرته على أنهم قادرون على أن يدافعوا عن ~~وطنهم مدافعة الأسود عن غاباتها لا | بل ويفتحون ما جاورهم من البلاد إذا ~~راعى رؤساؤهم الذمة والشرف وحب | الوطن العزيز ولم يؤثروا المنفعة الخاصة ~~على المنفعة العامة . # ثم دخل شجاع مصر وفخرها إلى العاصمة من باب النصر بموكب حافل | اجتمع فيه ~~كل من بالقاهرة من الأعيان والقواد يتقدمهم إبراهيم باشا تخفق فوق | رأسه ~~الأعلام التي اغتنمها من الوهابيين حتى وصل إلى القلعة بين صفوف | الأهالي ~~وأصوات النساء التي كانت تملأ الآفاق برنينها استبشارا بقدوم موكبه | ~~الميمون وتعلو عليها أصوات المدافع التي كانت تطلق من القلعة أثناء مرور | ~~الموكب من شمال البلد إلى جنوبها ، ولم يظهر محمد علي باشا في هذا الموكب | ~~ليكون في الإستقبال لولده فقط ، بل توجه إلى جامع السلطان الغوري يشاهد | ~~موكب ولده العزيز ويتمتع برؤيته محفوفا بأعيان البلدة وتجارها ، فيا لها من ~~حفلة | يعجز عن وصفها الواصفون وتقصر عن تسطيرها الأقلام ثم اشتهر بعد ذلك ~~| إبراهيم باشا وتحدث بذكر أعماله الركبان . وإنما أعدنا ذكر الإحتفال ~~برجوعه | لأن في الإعادة ثمرة وإفادة . # ولنرجع إلى المترجم ( سيف ) فنقول أنه عاد إلى أسوان وأخذ في التفتيش | ~~عن الفحم الحجري فعثر على بئر غاز أرشده إليها العرب القاطنون بين القصير | ~~وأسوان وكتب عنها تقريرا مبينا فيه فوائد استعمال الغاز في الإستصباح بدل | ~~الشمع والزيت وأنه أيسر من غيره ثمنا ولو التزمت الحكومة استخراجه لعاد | ~~إليها منه ربح عظيم ، فلما وصل إلى أسوان لم يجد البيك الذي كان معينا | ~~لمصاحبته فإنه رجع إلى مصر لمقابلة إبراهيم باشا ms057 غير مفكر فيما عين لأجله | ~~وكذلك لم يجد في البلدة أحد من الأعيان فلما رأى أن الكل هرعوا إلى العاصمة ~~| PageV01P094 | رجع هو أيضا ليقابل من اشتهر صيته في الآفاق مؤملا أنه ~~ربما يجد عند وظيفة أو مأمورية يظهر فيها معارفه العسكرية والحربية . | ### || رجوع سيف إلى القاهرة والإبتداء في تنظيم الجيش : # لما عاد المترجم إلى العاصمة قابله محمد علي باشا بالبشاشة والترحاب ولم ~~| يسأله عن مأموريته ولا عن نتيجتها بل قدمه إلى ولده إبراهيم باشا وقال له ~~أنه | ضابط من جيش فرنسا ويمكنه أن يثق به في سائر أعماله ويستعين بمعارفه ~~في | جميع مشروعاته ، فأنزله إبراهيم باشا من الإكرام والإعتبار منزلا ~~رحيبا ، وأسره | بما كان في عزمه وعزم والده من تشكيل جيش جديد مدرب على ~~الحركات | العسكرية والأمور القانونية على وفق الطراز الأوربي ، ليمكنه ~~باستخدامه من | إتمام ما يقصده من الغزوات والفتوحات وأن ذلك هو غاية ~~مرغوبه ولولا | معارضة العساكر الباشبوزق له والأرنؤد لما كان فيهم من ~~القوة لحصل ذلك | المشروع ، ولكن الآن وقد ضعفت شوكتهم وقل عددهم فيمكنه ~~تتميم هذا المشروع الجليل الفائدة الكثير العائدة بعجزهم اليوم عن المعارضة ~~في ذلك ، لا | سيما مع وجود الجيش المنصور في العاصمة بعد ما اشتهر به من ~~الأعمال في | بلاد العرب ، ثم شرعا في تدبير وسن ما يلزم لذلك من القوانين ~~والتنظيمات | وبعد أن أتم كل ما يلزم ابتدأ في تنفيذ هذا المشروع وعين سيف ~~بوظيفة ضابط | ( أغا ) معلم للجيش . # وبمجرد أن شاع خبر تعيينه تذمر ضباط الباشبوزق وتآمروا على معاكسة | هذا ~~الأجنبي الذي أتى لتنظيم وتغيير ما تعودوا عليه من عدم النظام والإخلال | ~~بشئون وظائفهم وسعوا في الفتك به للتخلص من أعماله التي يرون أنها تعود | ~~عليهم بالضرر على زعمهم ، غير ناظرين إلا إلى المصلحة الخصوصية التي | ~~يهدرون في سبيلها كل منفعة عمومية ، ولولا عزم محمد علي باشا ونجله ~~وثباتهما | PageV01P095 | على تنفيذ مشروعهما المفيد فائدة حسنة رغم أنف كل ~~مقاوم ومعاند ، لنجحوا | في مشروعهم السيئ . # ولم يلبث المترجم أن أخذ في تعليم ms058 العساكر حتى أتم تعليم فرقة واستعرضها ~~| في ميدان الرميلة أمام القلعة بحضرة محمد علي باشا وجميع أعيان البلد ~~وكثير من | المعارضين لهذا المشروع المعتقدين عدم نجاحه ، وإنما أتوا ~~بأنفسهم ليتحققوا نجاحه | من عدمه ، فلما رأوا أن المشروع قد أخذ في النجاح ~~صاروا من جهة ينفرون | الأهالي منه ويفهمونهم أنه لو نجح هذا المشروع لكان ~~سببا في أخذ أولادهم | وتغريبهم عن أوطانهم وتصير الخدمة العسكرية جبرية ~~على كل شاب مصري | سواء كان مزارعا أو من أهل العاصمة ، ومن جهة أخرى ~~يحرضون العلماء | ويلقون في أذهانهم كلا ما يفهم منه الحث على عدم تنفيذ ~~هذا المشروع | ويلبسون عليهم الأمر ويرونهم أن هذا المشروع ربما يكون سببا ~~لتداخل | الأجانب في مصر خصوصا في الإدارة العسكرية وأن ذلك مخالف للقرآن | ~~الشريف والشرع الحنيف . # فصار العلماء يلقون هذه الأوهام في أذهان تلامذتهم وهم ينشرونها بين ~~العامة | فازداد بذلك الكلام في هذه المسألة ولكن لم يزعزع هياج العلماء ~~والقواد | وتذمرهم شيئا من أركان ثبات محمد علي باشا ، لكنه توقيا مما عساه ~~يقع مما لا | تحمد عقباه صار يحضر التمرينات بنفسه كل يوم وولده إبراهيم ~~باشا وبقية | أعضاء عائلته وحاشيته . ويحكى أن الأمير إبراهيم باشا كي يكون ~~قدوة للعسكر | ويعودهم على تحمل مشاق النظام العسكري والطاعة لرؤسائهم طاعة ~~عمياء في | كل ما يؤمرون به انتظم في سلك العساكر الذين يتعلمون فأخذ ~~بندقية ووقف | أمام الصف فلما رآه ( سيف ) أمام الصف وبخه على ذلك وقال له ~~إن كنت تريد | التعلم فاتبع أحكامه وقف في آخر الصف مع أترابك فامتثل وهو ~~كاره ليظهر | بذلك التحمل للحاضرين معه من الجند ويعلمهم أن التحمل هو ~~الطاعة وهي | PageV01P096 | أول الواجبات المفروضة على الجندي وبدونها لا ~~يستقيم نظام الجيش واستمر | التعليم عدة أيام على هذا المنوال . # وأما التذمر فكان آخذا في الازدياد يوما عن يوم حتى خيف أن هذه الفتنة | ~~تسري إلى العسكر فإنها لو وصلت إليهم لكانت الحاسمة والقاصمة لهذا | ~~المشروع ، فجمع محمد علي باشا مجلسا خاصا للتروي والمشاورة في اتخاذ الطرق ms059 ~~| المؤدية إلى إتمامه بدون تشويش ولا حصول فتنة تؤدي إلى سفك الدماء فقر | ~~رأيهم على أن يرسل سيف وفرقته إلى أسوان في الصعيد ليتم تعليمهم هناك ، | ~~وبعد ذلك ينظر فيما يكون إجراءه وكانت تلك الفرقة مؤلفة من ثلاثمائة أو | ~~أربعمائة شاب من المماليك الخاصة بمحمد علي باشا ، وكان جلهم من الجراكسة | ~~وما جاورهم ممن لم يعرفوا من النظامات العسكرية شيئا بل هم متعودون على | ~~الحروب بدون انظام في جبالهم الشامخة التي يكسو بعضها الثلوج الدائمة ~~وكانوا | حسان الصور أقوياء أصحاء سريعي الحركات أخفاءها مطيعين لأوامر ~~سيدهم | في كل ما أمرهم به بدون أدنى معارضة وقد اختارهم محمد علي باشا ~~ليكونوا | أول فرقة نظامية لما يعهده فيهم من الإستعداد والنباهة حتى إذا ~~أتموا تعليمهم | صاروا رؤساء ومعلمين لغيرهم ممن يراد انتظامه من أولاد ~~المصريين . # فسافر بهم سيف إلى أسوان ليكون بعيدا عن العاصمة وعن دسائس | المعارضين ~~للنظام الجديد وعن غواية الغاوين وفساد المفسدين ، واشتغل بتعليمهم | هناك ~~الحركات العسكرية على النمط الأوربي وما يلزمها ويتبعها من ركوب | الخيل ~~والضرب بالسيف إلى غير ذلك وكان دائما يلقي في نفوسهم حب هذه | المهنة ~~الشريفة ويذكر لهم ما حدث لنابليون وكيف ارتقى إلى أن صار امبراطورا | على ~~فرنسا واستولى على أغلب عواصم أوربا وكيف أن سائر القواد الذين | ساعدوه ~~على ذلك كانوا من أولاد الفقراء وتقدموا بجدهم واجتهادهم وحصلوا | على هذه ~~الرتب العالية ، لينشطهم ويبث في قلوبهم الحمية العسكرية والنخوة | الحربية ~~ليكونوا مثالا للعساكر الذين سيكونون تحت إمرتهم في المستقبل . | ~~PageV01P097 # ولقد أثر كلامه هذا في بعضهم ولم يؤثر في البعض الآخر الذين كانوا | ~~يفضلون المعيشة ضمن الخدم على الأتعاب والتمرينات العسكرية غير ناظرين لما ~~| ينالون في المستقبل فأبغضوه وتآمروا عليه وهموا بقتله تخلصا منه ظانين ~~أنهم لو | قتلوه ربما يرجع محمد علي باشا عن عزمه ويردهم إلى خدمته الخاصة ~~فيقضون | عمرهم بين أسافل الخدم وأدنياتهم لكن لحسن حظ المترجم أخبره أحدا ~~محبيه | منهم بذلك فأسرها في نفسه إلى صباح الغد حتى إذا كان معهم في ms060 ميدان ~~| التمرين خاطبهم بما نمى إليه وقال لهم إن القتل غدرا وخيانة هو من أكبر ~~الكبائر | وأشنع الرذائل وأفظع القبائح الذي لا يقدم عليه أحد في جيوش ~~أوربا بل إذا | أهان أحد آخر استدعاه للمبارزة ( الدويلو ) جهارا ويعرض ~~حياته في الدفاع عن | شرفه ثم ختم كلامه بأن قال إن كنت أهنت أحدكم أو أسأت ~~إليه عن غير | قصد فليبارزني إما قتلته أو قتلني فبهتوا جميعا ولم يجسر أحد ~~منهم على مبارزته | من هيبته وشدة فراسته وتعجبوا من قوة جنانه وثبات جأشه ~~. # ولكن لم يزدهم كلامه هذا إلا كراهة له وبغضا فحنقوا عليه وعزموا على | ~~قتله متى سنحت الفرصة وبعد مضي عدة أيام بينما هو يمرنهم على إطلاق | ~~البنادق وضبط النيشان أراد أن يتحقق من نظامهم فركض جواده حتى وصل | أمام ~~العسكر وبعد إجراء جميع الحركات اللازمة لتعمير البنادق أمر بإطلاقها | على ~~هدف كان قد أقامه ونصبه لهم وكان هذا الهدف مرتفعا عنه ببعض أقدام | فبدلا ~~عن إطلاق البنادق على الهدف صوبوها نحوه وأطلق الجميع بنادقهم | قاصدين ~~قتله ، لكن لطول أجله لم يصب بواحدة منها فغضب لذلك غضبا | شديدا وهجم ~~عليهم بجواده ولم يهبهم بل طفق بضربهم بكرباج كان بيده على | رؤسهم ووجوههم ~~موبخا لهم على عدم إتقان النيشان وبعد أن فرقهم في كل جهة | دون أن يجسر ~~أحد على معارضته أمرهم بالإنتظام ووقف أمامهم راكبا جواده | وبعد أن انتظم ~~عقد اجتماعهم نادى عليهم بإطلاق النار عليه فبهت الجند وبعد | أن ترددوا ~~رموا بنادقهم على الأرض وأسرعوا نحوه يقبلون رجليه في الركاب | PageV01P098 ~~| طالبين أن يعفو عنهم ويغفر ما كان منهم وأقسموا بأن لا يعودوا لمثل ذلك ~~بل | يطيعونه إطاعة محضة فتبسم وصفح عن ذنوبهم بشرط أن يمتثلوا له في كل ما ~~| يأمرهم به مما لا يخالف الذمة الشرف وقال لهم أن المستقبل هو لكم وأنكم | ~~ستكونون رؤساء الجيش المصري عن قريب فأثرت فيهم هذه الأفعال والأقوال | ~~تأثيرا حسنا ولم يقع بعد منهم ما يخل بالنظام العسكري حتى صاروا في غاية | ~~الطاعة ms061 لرئيسهم . | ### || دخول سيف في الديانة الإسلامية : # وبسبب هذه الحادثة اشتهر المترجم وذاع صيته ، حتى صار لا يجهله أحد في | ~~القطر المصري عموما وفي حاشية محمد علي خصوصا ، وانتقل خبر ذلك إلى | أوربا ~~فنشرته الجرائد هناك وصارت بحيث لا يتكلم إلا بها في الأندية والمجتمعات | ~~العمومية وكانت هي باكورة أعماله ، ومن وقئتذ طلع نجم سعده في أفق البلاد | ~~المصرية في ظل حامي حماها ومعلي كلمتها المغفور له محمد علي باشا لكن بقيت ~~| عقدة مانعة من وجود الإخلاص القلبي والولاء الصحيح بينه وبين عساكره ، | ~~وهي اختلاف الدين ، وهذا أمر لم يفتكر فيه المترجم لعدم تدينه بدين دون آخر ~~| فكان في الحقيقة لا دين له إلا ما يسمونه بالدين الطبيعي وهو الإعتقاد ~~بالخالق | والإيمان به وبقدرته ونعيمه وعذابه ورفض أقوال الأنبياء جميعا ~~واتباع الذمة | والشرف في كل الأمور ، وأهل هذا الرأي قوم يدعون أن الأديان ~~لم توجد أو | أوجدتها العقلاء إلا لتكون رادعة للإنسان عن وقوعه في ~~المحظورات وارتكابه | المنكرات والإضرار بالناس وما دام للإنسان رادع ووازع ~~من نفسه وذمة ، فلا | حاجة له باتباع أوامر هذا الدين أو اجتناب منهيات ذاك ~~. # لكن المترجم منعا لما عسى أن يكون باقيا في قلب عسكره من الضغائن | ~~المسببة عن اختلاف الدين وموافقة لهم على أفكارهم وعوائدهم اعتنق الدين | ~~الإسلامي ودان له بواسطة أحد البيكوات المحبين له وتزيا بزي الترك الذي كان ~~| شائعا وموجودا وقتئذ في البلاد المصرية ، ومن يومئذ سمى بسليمان أغا ، | ~~PageV01P099 | وسنذكره من الآن بهذا الاسم تاركين الأفرنكي ، وكان دخوله في ~~الدين | الإسلامي ظاهريا فقط بدليل حضوره الصلاة التي أقيمت على روح والدته ~~حين | سفره إلى ليون كما سيجيء ، فلما أسلم ازدادت محبة عسكره له وإطاعتهم ~~إياه | وأقبلوا حينئذ على تعليمه بإخلاص النية وصفاء الطوية وأكبوا على ~~تمريناته | العسكرية حتى حاكوا بعد قليل من الزمن أحسن الجيوش الأورباوية ~~نظاما | وشجاعة وإقداما . | PageV01P100 | ### | 5 - فتح السودان # وكان العزيز محمد علي باشا في أثناء هذه المدة يدبر حيلة لشن الغارة على ~~| بلاد النوبة وفتحها لإتصال أسباب التجارة بينها ms062 وبين مصر ، ولجمع جيش من ~~| سكانها المشهورين بالشجاعة والإقدام ، وكان له قصدا آخر في إثارة هذه | ~~الحروب وهو استئصال شأفة من بقي من عساكره الأرنؤد وغيرهم من الأخلاط | ~~والتخلص من شرهم والتملص من كيدهم ، فإنه كان لا يعول إلا على المصريين | ~~الذين ألقيت محبته في قلوبهم لما رفعه عنهم ودفعه من جور المماليك وتعديهم ~~| عليهم وظلمهم المتراكم لهم ونشره لواء الأمن بين ظهرانيهم وسعيه آناء ~~الليل | وأطراف النهار فيما يعود عليهم بالنجاح والفلاح ، ولقد كان لديه ~~فرصة | مناسبة لدخوله السودان بخيله ورجله وهي التجاء بعض المماليك بعد قتل ~~| أغلبهم في القلعة إلى مديرية دنقلة خارجا عن الحدود المصرية حتى اتخذوها ~~| حصنا حصينا لهم ، ولأجل أن يثير خاطرهم أرسل لهم أحد أعوانه ليدعوهم | ~~للرجوع إلى مصر والإقامة فيها بشروط أهمها أن لا يدخلوا الحدود المصرية إلا ~~| بعد الإذن لهم بذلك وإرسال أحد الضباط ليأتي بهم إلى العاصمة وأن لا ~~يأخذوا | شيئا من المصريين أثناء مرورهم في أرض مصر ، كما كانت عليه عادتهم ~~، بل | يكون الضابط الذي يرافقهم هو الذي يقوم بجميع ما يلزم لهم من الميرة ~~وغيرها ، | وأنهم إذا أتوا القاهرة يقيمون في جهة مخصوصة ، ومنها أيضا أن ~~يتنازلوا عما | كان لهم من الإمتيازات والحقوق وأن لا تطلبوا ما أخذ منهم ~~بحق أو بدونه بعد | مذبحة القلعة من عقار أو أثاث وغير ذلك ، فأبى المماليك ~~تلك الشروط الصارمة | كما كان يتوقعه محمد علي باشا ولم يكتفوا بابائهم بل ~~تهددوه بالدخول إلى | الحدود المصرية وإيقاد نار الوغى وإدارة رحاها . # فبمجرد وصول جوابهم إلى الوالي عزم على فتح النوبة لإذلالهم وقطع | ~~دابرهم وأمر بحشد الجيوش في جهات مصر القديمة للزحف على السودان | وجعل هذا ~~الجيش تحت إمرة إسماعيل باشا ثالث أولاده ، وكان إسماعيل باشا | ~~PageV01P101 | المذكور متصفا بالشجاعة بارعا في ضروب القتال لكن أنى له أن ~~يماثل أو يشابه | أخاه إبراهيم باشا الذي قهر العرب الوهابيين ودوخهم ، حتى ~~لم تقم لهم بعد | ذلك قائمة مع كون العرب مشهورين بالبسالة وشدة البأس وهم ~~الذين فتحوا ms063 | معظم البلاد في صدر الإسلام ولولا ما وقع بينهم من انفصام ~~عرى الإتحاد | وتفرق الكلمة لملكوا سائر الأقطار وتغلبوا على جميع ما فيها ~~. أما السودانيون | فهم قوم متوحشون لا علم لهم بفنون القتال عزل لا سلاح ~~لهم إلا الرماح ولا | علم لهم بقوة نيران البنادق والمدافع إذ لم يسعموا ~~بها قبل ذلك الوقت ولا واقي | لهم من مقذوفاتها إلا جلودهم أو الدرقة ~~المصنوعة من جلد حصان البحر ، | فشتان بين هذه الأمم المتبربرة والعرب ~~الذين كأنهم لم يخلقوا إلا للقتال ومع | ذلك فقد تمكن إبراهيم باشا من ~~قهرهم وكبح جماحهم . # وكان هذا الجيش الذي كان تحت قيادة إسماعيل باشا مؤلفا من ثلاثة آلاف | ~~وأربعمائة راجل وألف وخمسمائة فارس واثني عشر مدفعا وخمسمائة من عرب | ~~العبابدة تحت رياسة شيخهم عابدين كاشف الذي وعده المرحوم محمد علي باشا | ~~بأن يوليه على ونفلة بعد فتحها . # فلما اجتمع الجيش في جهة مصر القديمة أرسلت العساكر المشاة وباقي الميرة ~~| والذخيرة إلى أسوان على طريق النيل وأما الخيالة والمدفعيون فسافروا ~~إليها عن | طريق البر وكانت المقدمة تحت قيادة محمد بيك الدفتردار صهر ~~الوالي . # وأما إسماعيل باشا ومعيته فسافروا من القاهرة في 20 يوليو سنة 1820 ، | ~~وبمجرد وصوله إلى أسوان اجتاز هو ومن معه الحدود المصرية ودخلوا أرض | ~~دنقلة وكان قد احتلها الدفتردار وجيوشه المؤلفة من خمسمائة فارس ولم | ~~يعارضهم أحد من المماليك في حال سيرهم بل أخلوا البلاد ورحلوا إلى مدينة | ~~( شندي ) فلم يقبلهم ملكها ، ولما وجدوا أن بلاد السودان قد أغلقت في | ~~وجوههم وأنهم لا يمكنهم الرجوع إليها لإقتفاء الدفتردار أثرهم أيسوا من ~~الحياة | وتفرقوا بين القبائل المتبربرة فمات أغلبهم جوعا وصار السودانيون ~~يسلبون | PageV01P102 | أسلحتهم وملابسهم حتى انقطعوا عن آخرهم غير مأسوف ~~عليهم لما تركوه في | مصر من قبح السيرة وسوء السريرة ولما ارتكبوا فيها من ~~السلب والنهب مما | سبق ذكره . # وقد ظن النوبيون أن المصريين يرجعون إلى بلادهم بعد تشتت شمل المماليك ، ~~| ولذلك لم يستعدوا للقائهم ولا محاربتهم بل استمروا على اختلافاتهم ~~الداخلية | فانتهز المصريون ms064 هذه الفرصة لإحتلال بلاد دنقلة حتى دخلوا هذه ~~المدينة | وحينئذ شكل فيها إسماعيل باشا حكومة منتظمة باسم أمير المؤمنين ، ~~لا بإسم | محمد علي ، لأنه لم يكن واليا إلا على مصر من قبل دار الخلافة ~~العظمى . # ثم خرج بجيشه إلى مدينة ( شندي ) فاعترضه في الطريق النوبيون الذين كانوا ~~| قد جمعوا شتات قواهم واتحدوا للدفاع عن وطنهم ، ومع ذلك لم يجد دفاعهم | ~~شيئا أمام القوة المصرية لأنها منتظمة مسلحة بالأسلحة النارية والمدافع ~~القهرية | بل اضطروا إلى القهقرى بعد ما دفعوا عن وطنهم دفاع الأبطال ومات ~~أغلبهم | شهداء وطنهم العزيز ، فاقتفى إسماعيل باشا أثر الباقيين حتى فرقهم ~~أيدي سبا ولم | يجد بعد هذه المقاومة العظمى معارضا في طريقه فتقدم بخيله ~~ورجاله ، ومدافعه | تتقدمه وألقى في قلوب السودانيين ما ألقاه من الرعب حتى ~~وصل إلى مدينة | بربرة فألقى فيها بعض قنابل ليتحقق من عدم وجود من يدافع ~~عنها فدخلها | وكان دخوله بموكب حافل في 8 خلت من شهر مارث سنة 1821 . وفي ~~8 | مايو من هذه السنة دخل مدينة ( شندي ) وهي واقعة في منتصف الطريق بين | ~~بربر والخرطوم على البر الشرقي للنيل وفيها استسلم إلى إسماعيل باشا من | ~~يدعى ( شاويش ) أحد أمراء بربر ودخل مع قومه في عداد العساكر المصرية | ~~ليأمن بذلك على روحه وماله ولينتقم من باقي الأمراء الذين كانوا معادين له ~~. | PageV01P103 | وبعد ذلك تقدم في داخلية السودان حتى وصل إلى ملتقى ~~النهرين الأزرق | والأبيض وأسس هناك مدينة الخرطوم لما لهذا الموقع من ~~الأهمية التجارية والحربية | لسهولة الوصول منه بواسطة النيل إلى مصر ~~ولإمكان إرسال الجيوش منه لفتح | السودان الشرقي حتى الحبشة حيث يخرج نهر ( ~~عتبرا ) والنهر الأزرق أو لفتح | السودان الجنوبي حتى خط الإستواء بركوب ~~النهر الأبيض ، وبعد أن حصن هذه | المدينة وجمع فيها المؤن والذخائر ~~الكافية ترك فيها بعض عسكره لحمايتها وسافر | ببقية جيشه لفتح بلاد ( سنار ~~) الواقعة بين النهر الأزرق ونهر ( عتبرا ) ففتحها | وخلع أميرها واحتل ~~تخته عنوة ثم أراد أن يستريح ويريح جيشه مما كابده من | الأتعاب والأوصاب ~~وتحمل ms065 المشاق في هذه البلاد الحارة لا سيما وكان قد فشا | في عسكره المرض ~~وأهلك كثيرا منهم . # هذا ولم يجد إسماعيل باشا ما حمل والده على فتح السودان وهو تبر الذهب | ~~وإنما وجد بعض رمال يمكن أن يستخرج منها ذهب لكن الذي يحصل منها لا | يفي ~~بما ينفق لإستخراجه ، ولما لم يجد مرغوبه استعاضه بأسر كل الشبان | ~~السودانيين القادرين على حمل السلاح وإرسالهم مصفدين بالسلاسل والأغلال | ~~إلى أسوان ليندرجوا في سلك العساكر المنتظمة الذين كان يمرنهم سليمان أغا | ~~المتقدم ذكره ، فزاد عدد الوارد منهم بعد من يموت منهم في الطريق إما | ~~بالأمراض الناشئة عن تغير حالتهم وطبيعتهم من المأكل والمشرب أو لعدم | ~~موافقة طقس البلاد لهم ازديادا عظيما حتى اضطر سليمان أغا إلى طلب | ~~مساعدين له على القيام بواجبات وظيفته وكتب بذلك إلى محمد علي باشا | ~~فأجابه وعين معه ضابطين فرنساويين آخرين ومن يومئذ أخذ جيش أسوان | المنتظم ~~في التقدم يوما عن يوم في سبل الفلاح والنجاح . # ولم يقدر إسماعيل باشا مع علو همته وشدة سطوته على منع الأمراض عنهم ، | ~~بل هاجمته بقوة عظيمة حتى أبادت أغلب عساكره ، وكان هذا حاملا له على | ~~العدول عن فتح بلاد كردفان وكان قد عزم على فتحها بعد أن تم فتح ( سنار ) | ~~PageV01P104 | والتزم بالإقامة فيها حتى يأتيه من مصر ما طلبه من المدد ~~والمؤن وكان جنده | حينئذ في غاية الضعف ماديا لقلتهم ، وأدبيا لفتور ~~عزيمتهم بإقامتهم بين قبائل | معادين لهم ولا يمكنهم المدافعة عن أنفسهم لو ~~ثاروا عليهم وهاجموهم قبل مجيء | المدد إليهم . | ### || سفر إبراهيم باشا إلى السودان : # وبقي إسماعيل باشا مشغول البال زائد البلبال لإزدياد الوفيات في جيشه | ~~ولكون أغلب الباقين مرضى بالمستشفيات ولا يثمر فيهم علاج لتسلط اليأس | ~~عليهم . واستمر على هذه الحال حتى أتاه المدد وما طلبه من المؤن فسر بذلك | ~~ومما زاده سرورا قدوم أخيه إبراهيم باشا إلى سنار لمساعدته على إتمام فتح | ~~السودان وتوطيد الأمن به مع أنه كان يود الإنفراد في مثل هذه المهمة بدون | ~~مشاركة أحد له فيما ms066 يكتسبه من أنواع الفخر وعلو القدر . ولما انتشر في ~~الجيش | خبر قدوم إبراهيم باشا وعسكره انبثت فيهم روح جديدة وشفي كل مريض | ~~بلا علاج لما استولى عليهم من الفرح والانشراح وذهب عنهم اليأس والخمول | ~~وسرت في عروقهم الرغبة في القتال وما يتبعه من كسب الغنائم . # اغتنم إبراهيم باشا وأخوه هذه الحركة لتنفيذ مشروعهما وقسما الجيش إلى | ~~فرقتين بعد أن تركا حامية قوية في مدينة ( سنار ) إحداهما تحت قيادة ~~إسماعيل | باشا لفتح البلاد الواقعة على البحر الأزرق إلى حدود الحبشة ~~والأخرى تحت | قيادة إبراهيم باشا لفتح بلاد كردفان ودارفور وبعد أن أتما ~~ما يلزم لهما من | الإستعدادات جمعا الذخيرة والمؤن وتوجه كل منهما لوجهته ~~فقام كل منهما بما | عهد إليه أحسن قيام ونشر علم التمدن في هذه الأصقاع ~~واستبق كل منهما | لخيرات ما سيق إليه وقام بأداء ما يجب عليه ، وانبثت ~~الراحة في هذه البلاد | المتبربرة التي أرخى التوحش عليها سدوله وضرب الجهل ~~بين أهلها أطنابه . فلما | اعتراهما التعب من المشاق الشديدة أرسلا إلى ~~والدهما يطلبان منه العودة إلى | الأهل والوطن وكان ذلك في شهر يوليو سنة ~~1822 فلم يقع طلبهما هذا عند | PageV01P105 | والدهما موقع الإستحسان ~~وأمرهم بالإقامة في السودان حتى ينظما فيه حكومة | ثابتة لا يخشى عليها من ~~طوارق الزمان وبواعث الحدثان ، وآثر المنفعة العمومية | على المحبة ~~الوالدية فبمثل هؤلاء الرجال تسهل المسالك وبضدهم تزول الممالك ، | فلبثا ~~بعد ذلك شهرين في أقاصى هذه البلدان ثم سافر إبراهيم باشا إلى مصر توا | ~~مستصحبا معه بعض الجند . # وأما إسماعيل باشا فمكث بعد أخيه عدة أسابيع لترتيب أمور هذه المملكة | ~~الواسعة المفتتحة حديثا وبعد ما دبر أمورها أرسل بعض الجند ومعهم أسرى | ~~الزنج إلى مصر على طريق البر واستعد للسفر من طريق البحر فبلغه في أثناء | ~~ذلك أن أهالي دنقلة وبربر وما جاورهما أخذوا يتآمرون على معاكسة الحكومة | ~~المصرية لما انتشر بينهم من الأخبار الكاذبة والأراجيف الملفقة التي كان ~~يبثها | بينهم ذووا الأغراض الفاسدة مما يتعلق بانكسار المصريين في ( سنار ~~) وبلاد | البحر الأبيض ms067 فشدوا أزرهم وتكاثروا وتجمعوا حوالي بربر وشندي ~~وهجموا | على قوافل الأسرى التي أرسلها إسماعيل باشا إلى معسكر أسوان قبل | ~~مبارحته السودان وهددوا من كان معهم من العساكر حتى تخلصت الأسرى من | ~~أيديهم ورجعوا إلى شندي فرحين مسرورين بما أوتوا من النصر والظفر على | ~~جيوش المصريين . | ### || موت إسماعيل باشا : # لما وصل هذا الخبر المشئوم إلى إسماعيل باشا قام من ساعته ومعه باقي ~~الجيش | قاصدا مدينة شندي وكان ملكها رئيسا لهذه الثورة فوصلها فجأة ودخلها ~~بدون | أن يقاومه أحد أو يعارضه معارض حتى احتلها مع عسكره ثم أمر بإحضار ~~ملك | شندي أمامه ، فلما مثل بين يديه أخذ يرميه بأنواع الشتم والسب حتى ~~اشتد | غيظه ، وزاد بصفعه على وجهه فلم يقدر أن يفوه ببنت شفة ، بل أسرها ~~له في | نفسه وعزم على الإنتقام منه ، وأما إسماعيل باشا فعفا عنه بشرط أن ~~يدفع غرامة | PageV01P106 | قدرها خمسة آلاف بينتو يدفعها في مدة خمسة أيام ~~وألفان من الرقيق فامتثل | لذلك ملك شندي وقبل هذه الغرامة ظاهرا مصمما على ~~الأخذ بالثأر . # ثم أولم لإسماعيل باشا ومن معه من كبار القوم وليمة في قصره ودعاهم إليها ~~| فأجوبوا دعوته وتوجههوا إلى منزله غير عالمين بما تكن لهم صدور أعدائهم ~~من | المكايد ، فبينما هم على الطعام إذ أمر الملك أعوانه بأن يجمعوا حطبا ~~كثيرا وقشا | وتبنا وغير ذلك من المواد الجافة السريعة الإلتهاب ، وأمرهم ~~أن يضعوه حول | البيت فلما فرغ الأضياف من تناول الطعام وتأهبوا للخروج ~~والذهاب إلى | معسكرهم ، أضرم الأعداء النار فيما جمعوه حول المنزل من ~~المواد الإلتهابية فلم | يمض إلا هنيهة حتى اتقد المنزل وما فيه من الأثاث ~~وصار كشعلة من نار ولم | يتيسر لإسماعيل باشا ورفقائه الخروج لشدة النار ~~ولإحاطة جنود الملك بهم من | كل جهة فسدت في وجوههم المسالك حتى ماتوا حرقى ~~ولم يتيسر لعساكرهم | أن يبسطوا لهم يد المساعدة ويخلصوهم من هذه الميتة ~~الشنعاء لإنقضاض باقي | جنود السودانيين عليهم وذبحهم إياهم ، فلم ينج منهم ~~إلا من تمكن من الهرب | تحت جنح الظلام وأستار الليل . # فلما ms068 بلغ محمد علي باشا نعي ولده تأثر جدا وحزن على فقده زمنا طويلا لا | ~~سيما وكان قد توفي قبله ولده طوسون باشا ومع ذلك لم يلهه حزنه عن النظر | ~~في أمور حكومته والسعي في إتمام مشروعاته خصوصا ما يتعلق بتنظيم الجيش | مع ~~ما صادفه في طريقه من العقبات التي كادت أن تحول بينه وبين نجاح | مشروعه ~~لولا ثباته ومثابرته على العمل وعدم تأخره عند حدوث مانع أو طروء | صعوبة ~~بل كان يلقى الصعوبات بقلب ثابت لا تزعزعه العواصف ولا ترهبه | القلاقل ~~ولما جيء بجثة إسماعيل باشا محرقة إلى مصر احتفل بدفنها احتفالا عظيما | ~~ظهر به ميل المصريين للعائلة الحاكمة ومشاركتها لها في فرحها وحزنها ~~وسرائها | وضرائها . | PageV01P107 # ولم يكن يشوب تلك المحبة الخالصة والألفة الصادقة إلا مسألة إدخال الشبان ~~| المصريين في العسكرية وهو الأمر الذي نسيه المصريون من عهد سقوط دولة | ~~الفراعنة وإغارة الأجانب على مصر وحكمهم إياها حتى جهل المصريون في هذه | ~~الأحقاب العديدة والقرون المديدة أن لهم وطنا يلزمهم الدفاع عنه والسعي في ~~| كل ما يعود عليه بالسعادة والرفاهية لعلمهم أنهم ليسوا آمنين على أرواحهم ~~| وأولادهم وأموالهم وأعراضهم من ظلم من أتى إليهم وطرأ عليهم من الأجانب | ~~بين عجم ويونان ورومان ومسلمين على اختلاف عائلاتهم بين عباسيين | وفاطميين ~~وأيوبيين وترك وجركس ومماليك مختلفي المشارب والمذاهب متحدين | على امتصاص ~~دم المصري واستتراف ثروته واستخدامه واستعباده إلى غير ذلك | مما يضيق عنه ~~هذا الكتاب . # هذا وقد اتخذ العساكر الألبانيون ( الأرنؤد ) اشتغال محمد علي باشا بموت ~~| ولده والإحتفال بشأنه ، فرصة ووسيلة لتحريض الأهالي لا سيما المزارعين ~~الذين | هم أكثر المصريين عددا إن لم يكونوا كلهم على مخالفة محمد علي باشا ~~حتى إن | بعض البلاد امتنعت عن إدخال أولادهم في العسكرية وأهانوا ~~المأمورين المكلفين | بجمعهم ولولا حكمة محمد علي باشا لتفاقم الأمر وعظم ~~الخطب ونال الألبانيون | بغيتهم من تفويض أركان حكومته ودك دعائمها . # هذا ولما كان الجيش الجاري تنظيمه بأسوان بمعرفة سليمان أغا ورفقائه قد | ~~بلغ درجة عظيمة في حسن النظام وصار بحيث ms069 يمكن الإعتماد عليه والإستناد | ~~إليه ، أراد محمد علي باشا أن يجعله ركنا لدولته فأرسل إلى سليمان أغا أن ~~يحضر | مع جيشه إلى الخانقاه ( الخنكا ) فحضر وكان جيشه مؤلفا من خمس ~~وعشرين | ألفا ما بين مصري وسوداني وهو منقسم إلى ستة ألايات ضباطهم وصف | ~~ضباطهم من الأورباويين ومن مماليك محمد علي باشا الذين كانوا أول من تدرب | ~~على التعليمات العسكرية . | PageV01P108 # ولما حضر الوالي مناوراتهم في ميدان الخانقاه وشاهدها ازداد بها سرورا ~~وأنعم | على سليمان أغا برتبة أميرالاي مع لقب بيك وجعله ( أميرالايا ) ~~للألاى السادس | وأقطعه أرضا واسعة وأموالا كثيرة مكافأة له على إتمام هذا ~~المشروع وإخراجه | من حيز الفكر إلى حيز الفعل ، ثم أمر بإلغاء الجيش غير ~~المنتظم ( باشبوزق ) | ورسم بأن من يريد الدخول في الجيش الجديد من ~~الألبانيين يقبل وإلا يطرد من | الحكومة المصرية ويرجع إلى وطنه . # أما سليمان بيك فأخذ من يومئذ في إصلاح أطيانه وأمواله وبنى له قصرا | ~~جليلا على النيل في مصر العتيقة وفرشه بالأثاث العربي وأحاطه بالبساتين | ~~والمروج حتى صار من أحسن أماكن مصر وأبهجها وأعلاها ، وصار يؤمه كل من | ~~دخل مصر من الفرنساويين فيلاقون من رب البيت ما تقر به أعينهم ويسر به | ~~خاطرهم وينشرح به صدرهم من إكرام الوفادة ولطف اللقاء . # هذا ولما وصل خبر غدر ملك شندي بإسماعيل باشا إلى محمد بيك الدفتردار | ~~الذي كان إذ ذاك ببلاد دارفور قفل راجعا إلى بلاد النوبة ليأخذ بثأره فأحرق ~~| القرى بعد قتل سكانها بين رجال ونساء وأطفال ولم يترك النوبة وشندى إلا | ~~بلقعا لا يسكنه إلا بنات آوى والوحوش الضارية والطيور الكاسرة لأكل جثث | ~~القتلى التي أفسدت الهواء بما تصاعد منها من الروائح الكريهة ومع هذا كله ~~لم | يتمكن الدفتردار من قتل الملك ولا القبض عليه ولم يقف له على أثر بعد ~~أن | بذل جهده في التفتيش والبحث عليه في أنحاء السودان . | PageV01P109 | ~~صفحة فارغة | PageV01P110 | ### | 6 - حرب اليونان # ثم إن محمد علي باشا لم يبق له شاغل بعد ترتيب الجيش المنتظم واستتباب | ~~الأمن في ديار السودان ms070 بهمة صهره محمد بيك الدفتردار ونشر لواء العدل | ~~والمساواة في داخلية الحكومة ، إلا نشر التمدن وأسبابه بين الأهالي فأخذ في ~~فتح | المدارس التي هي أساس التمدن والعمران في كل الحكومات والمالك ~~لتعليمها | الشباب ما لهم من الحقوق وما عليهم من الواجبات نحو أنفسهم ~~والعائلة | والوطن وبث روح التعاضد والتساعد بين أفراد الأمة وحب الاتحاد ~~والارتباط | اللازمين لنجاح أي مشروع كان ، ثم وجه التفاته إلى إصلاح مجرى ~~النيل وإقامة | الجسور لمنع الغرق وشق الترع والجداول لمنع الشرق ، وتأسيس ~~الورش والمعامل | لإيجاد الصناعة في القطر والاستغناء بها عن المصنوعات ~~الأجنبية وحصر ثروة | البلاد في أيدي أهلها الذين هم أولى بها من غيرهم من ~~الأجانب الذين جل | بغيتهم جمع الأموال وحوزها ، والإثراء بأي طريق كان غير ~~ناظرين إلا لمنفعتهم | الخاصة ومنفعة بلادهم تاركين منفعة البلاد التي ~~يظلهم سماؤها ويروي غليلهم | ماؤها ، لكن لا لوم عليهم في ذلك ولا تثريب ~~لكونهم أجنبيين عن البلاد . # وبينما هو مشتغل بهذه الإصلاحات آمن على داخلية حكومته لعدم وجود | منغص ~~في جيش الألبانيين ، وخارجيتها لوجود الجيش المنتظم الذي يمكنه به أن | يصد ~~به كل مهاجم مع مساعدته بسفنه الحربية العديدة المسلحة بالمدافع على | ~~الطراز الذي كان مستعملا في ذلك الوقت ، إذا ورد إليه خبر تعيينه واليا على ~~| ولايتي كريد وموره بشرط إرسال قوة كافية لإخماد ثورة اليونان الثائرين | ~~للحصول على الاستقلال السياسي المستدعي لطرح سلطة الدولة العلية . # نستطرد هنا إلى الكلام على الثورة اليونانية بشرح وجيز قبل التكلم على | ~~حرب موره فنقول : | PageV01P111 | من عهد فتح العثمانين بلاد اليونان لم ~~يحصل من اليونانيين ما يخل بالراحة بل | أذعنوا الحكم الأتراك بعد مقاومة ~~يسيرة وأمتتلوا الأحكام بالقوة واستمر هذا | السكون إلى سنة 1820 حتى ~~انتشرت في أوربا مبادئ الثورة الفرنساوية المبنية | على ثالوت الحرية ~~والمساواة والإخاء على أثر حرب نابليون التي اشتد فيها | بأسه ولم يمنعه ~~تغلب الجيوش الأورباوية عليه وإرجاعهم فرنسا إلى حدودها التي | كانت عليها ~~قبل الثورة ، من غرس مبادئ الثورة في كل بلد دخلها أو مر بها ms071 ، | فنبتت ~~ونمت وامتدت فروعها إلى سائر أنحاء أوربا حتى وصلت إلى اليونان | فنبهتهم ~~للمطالبة بحقوقهم وعرفتهم أن لهم حقا في المجتمع السياسي وبثت فيهم | الشوق ~~إلى أن يكونوا إسوة بسويسرا مثلا . # لكن لما علم أغنياء الأمة اليونانية أن السواد الأعظم من أبناء جنسهم قد ~~| طمس على أعينهم الجهل وأن أساس الحرية هو الإستشارة بنبراس العلم ، إذ به ~~| يعلم الإنسان أن له حقوقا يطالب بها كما أن عليه واجبات يطالبه بها الغير ~~، | أخذوا أولا في إرسال أولادهم إلى الممالك الأروباوية ليتحلوا بالعلوم ~~والمعارف | وليكونوا رؤساء الأمة ودعاة حريتها في المستقبل ثم ألفوا عدة ~~جمعيات لنشر | العلم بها بين سائر طبقات الأمة من وجه ، ولبث روح الوطنية ~~بينهم من وجه | آخر ، وألفواجمعيات أخرى سياسية وجعلوا مراكزها في الروسيا ~~أو في النمسا | وأهم هذه الجمعيات الجمعية السرية المسماة جمعية ( هينيري ) ~~فإنها تألفت في | مدينة ويانا سنة 1815 وقد قيل إن الإسكندر الأول قيصر ~~الروسيا كان هو | المحرض عليها تنفيذ الوصية بطرس الأكبر من الإستيلاء على ~~القسطنطينية لكن | حال دون نفاذها محافظة انكلترا خصوصا وأوربا عموما على ~~التوازن السياسي | بين قوى الدول . | PageV01P112 | وكان كل من يدخل هذه ~~الجمعية يقسم على أن يبذل روحه وماله في سبيل | الحصول على الإستقلال ~~السياسي والمحافظة على السر في كل ما يتعلق بهذا | المشروع أو يضمن نجاحه ، ~~فكانت هذه الجمعية أشبه شيء بجمعية الكاربوناري | التي انتشرت أثناء ذلك في ~~كافة الممالك اللاتينية ، فرنسا وإيطاليا وإسبانيا | والبرتغال ، ثم تشعبت ~~فروع هذه الجمعية في أنحاء الدولة العلية التي بها يونانيون | حتى بلغ ~~أعضاؤها في أوائل سنة 1821 نيفا وعشرين ألفا أقوياء على حمل | السلاح ~~ومستعدين للقيام عند أول إشارة تصدر من رؤسائهم . وكان من | أسباب المساعدة ~~على انتشارها اشتغال الدولة بمحاربة علي باشا والي ' يانينا ' | الذي ثار ~~عليها طلبا في الإستقلال والإستيلاء على الجزء الغربي من تركية | أوربا ، ~~ولكنه لم ينجح في مشروعه لمضايقة خورشيد باشا له وحصره إياه في | قصره ~~الكائن بجزيرة في وسط بحيرة بالقرب من يانينا ومع ذلك ms072 لم يستسلم من | أول ~~وهلة بل دافع مع من بقي من رجاله حتى أصيب بعدة جراحات وخر قتيلا | فأمر ~~خورشيد باشا بحز رأسه وإرسالها إلى دار الخلافة وكان ذلك في 5 فبراير | سنة ~~1822 . # ولقد انتهز اليونانيون اشتغال عساكر الدولة بمحاربة علي باشا المذكور | ~~وأيقنوا أن هذه فرصة لهم فرفعوا راية العصيان وانتشر القتال بينهم وبين | ~~عساكر الدولة العلية فلم تشرع الدولة في قمع عصيانهم إلا بعد قتل علي باشا ~~| ثم أرسلت إليهم قوة عظيمة تحت قيادة خورشيد باشا قاهر وإلى يانينا فكانت ~~له | عليهم الغلبة أولا ثم انقلبت عليه الدائرة فانهزم في واقعة ( ترموبيل ~~) في شهر | أغسطس سنة 1822 فلما تبدد جيشه آثر الموت على أن يعود إلى دار ~~الخلافة | مهزوما بعد ما نال من الشهرة فانتحر مسموما . # ومما زاد هذا الإنكسار أهمية حرق الدونانمة التركية في جزيرة صاقس وذلك | ~~أنه بعد انتصار العسكر العثمانيين بحرا على مراكب اليونان الحربية ~~واستيلائهم | على جزائر صاقس وساموس ، صادف ذلك حلول عيد الفطر فبينما ~~العثمانيون | PageV01P113 | في فرح وحبور غير ملتفتين إلى سفنهم انتهز ~~اليونانيون هذه الفرصة وأحرقوا | الدونانمة التركية عن آخرها ومات فيها ~~ثلاثة آلاف بحري وقبودان الدونانمة | وكان ذلك في 18 يونيه سنة 1822 وبقي ~~الحرب بعد ذلك بينهم سجالا إلى | سنة 1824 . # فلما رأى السلطان محمود الثاني ما حصل من الأهوال في هذه الحروب التي | ~~قتل فيها أعظم قواده البرية والبحرية ونفدت في سبيلها الخزينة السلطانية | ~~وخشي من أن اشتغال محمد علي باشا بما كان يجريه من الإصلاحات الداخلية | ~~ربما يكون سببا لحصوله على الإستقلال وتمكنه من مثل ما وقع من علي باشا | ~~والي يانينا ، أصدر فرمانا بتاريخ 6 مارث سنة 1824 مشعرا بتعيين محمد علي | ~~باشا والي مصر واليا على كريد وموره وكلفه بإخضاع اليونان وإدخالهم تحت | ~~الراية العثمانية بعد مجازاتهم على ما ارتكبوه من كفران نعمة الدولة العلية ~~التي | لم تعارضهم منذ استيلائها على بلادهم في شيء من ديانتهم ولا عوائدهم ~~بل | عاملتهم بالإحسان إليهم وأن ما حصل ms073 لهم من الأمور المغايرة لخواطرهم ~~إنما هي | من بعض الموظفين فكان الأجدر بهم أن يرفعوا شكايتهم إلى الباب ~~الهمايوني بدلا | من رفعهم راية العصيان ونبذهم طاعة أولى الأمر وراء ظهرهم ~~، اتباعا لذوي | المفاسد الذين يسعون دائما في إحداث القلاقل والأراجيف ~~المزعجة في داخلية | المملكة العثمانية لغرض يقصدونه أو لسبب ينالونه لا ~~لمنفعة تعود على من | يغرونهم على المخالفة والعصيان . # فلما وصل لمحمد علي باشا خبر تعيينه واليا على هاتين الولايتين حار في ~~أمره | وصار يضرب أخماسا لأسداس ولم يدر ما يصنع ولا أي الأمرين يختار ~~أيقبل ما | عين إليه ويتكفل بعهدة هذه الحروب التي أعيت الدولة العلية مع ~~جلالة قدرها | وعظم شأنها وأدواتها الغريبة وقوتها العجيبة أو يأتي التعيين ~~فيغتنم أخصامه بذلك | فرصة إقناع السلطان بأنه ينوي الإستقلال كوالي ( ~~يانينا ) . | PageV01P114 # فجميع أعضاء عائلته وكبار حكومته وتروى معهم في أحب الأمرين فقر | رأيهم ~~على قبول المأمورية والإستعداد إلى السفر قبل أن يتفاقم الأمر ويعظم | ~~الخطب في بلاد اليونان ويتسع الخرق على الراقع ، لكن حدثت في هذا الوقت | ~~حادثه أوجبت تأخير سفر الإرسالية وهي أن أحد الحجاج المغربيين عند عودته | ~~من مكان نزل بالقصير وأخذ يحرض الناس على عصيان محمد علي باشا ، لما أتاه | ~~من محاربة الوهابيين الذين لم يقوموا على زعمه إلا لنصرة الدين وأقنع سذج | ~~العقول ممن اجتمع عليه بأن محمد علي باشا خرج بذلك عن النصوص الشرعية | ~~وصار من الواجب على كل مسلم محاربته مجازاة له على محاربته الوهابيين وقهره ~~| إياهم ، فتبعوه على ذلك ووافقوه وسار بهم قاصدا مدينة قنا وازداد عدد ~~تابعيه | ممن لقيه من العرب الذين انضموا إليه قصدا للنهب والسلب فوصل ( ~~قنا ) بجيش | عظيم أوقع الرهبة في قلوب سكان تلك المدينة فتبعه أغلبهم وسار ~~بهم إلى مدينة | ( اسنا ) وصادف وصولهم إلى المدينة وجود بعض مع العساكر ~~المصريين مسافرين | إلى السودان ، فأراد حاكم البلدة أن يفرق بهم جموع ~~العصاة فقاتلوهم قليلا ثم | انضموا إليهم تخلصا من السفر إلى السودان حيث ~~كانوا مكرهين عليه . # فلما بلغ محمد علي ms074 باشا هذه الأخبار المشوشة للأفكار وكان إذ ذاك مشتغلا ~~| بتجهيز جيشه للسفر إلى بلاد اليونان اضطر أن يرسل إلى جهة الصعيد الألاي ~~| السادس تحت قيادة سليمان بيك فتوجه إليهم وحاربهم هو ومن معه من | ~~العساكر الأبطال وهجموا عليهم حتى شتتوهم في أنحاء الجهات ثم اقتفوا أثرهم ~~| حتى أوصلوهم إلى الصحراء فلم تقم لهم بعد ذلك قائمة ولقد برهن سليمان | ~~بيك في هذه الواقعة على كفاءته واستعداده وأن العسكري المنتظم يمكنه أن | ~~يقاوم عددا عظيما من غير المنتظمين وهذا هو الأمر الذي زاد محمد علي باشا | ~~تمسكا بالنظام الجديد . # وبعد استتباب الأمن في جهات الصعيد اهتم بالتجهيزات العسكرية وجمع | سبعة ~~عشر ألفا من العساكر المشاة وهم الألاي الثالث والرابع والخامس | ~~PageV01P115 | والسادس وأربع بلوكات من البلطجية وسبعمائة فارس تحت إمرة من ~~يدعى | حسن بيك وعدة من مدافع القلاع والمدافع الخفيفة ، وكان هذا الجيش ~~تحت | قيادة إبراهيم باشا فأقلع من مينا الإسكندرية هو وعسكره في 10 يوليو ~~سنة | 1824 ومعه ستون سفينة حربية غير السفن الحاملة للعساكر وخيلها ~~ومهماتها | قاصدا جزيرة ( رودس ) ليجتمع هناك مع دونانمة الدول العلية ~~فوصلت الدونانمة | المصرية إلى جزيرة ( رودس ) قبل وصول الدونانمة ~~العثمانية والسبب في هذا | التأخير أنه حال سير الدونانمة العثمانية قابلها ~~الأميرال اليوناني ومعه خمسون | سفينة حربية صغيرة وبعض حراقات أحرق بها ~~سفينتان عثمانيتان أحداهما بها | 32 مدافعا والآخرى 54 مدافعا وأخذ عشرون ~~زورقا من زوارق الحمل بما فيها | من المؤن والذخائر ، ولما لم يتيسر ~~للأميرال العثماني مقاومته أقلع بمراكبه من وجه | العدو والتجأ إلى أحدى ~~مدن آسيا الصغرى ثم أرسل أوامره إلى الدونانمة | المصرية بالحضور إلى هذه ~~الجهة لمساعدته على اليونانيين فلم يسع إبراهيم باشا | إلا تلبية طلبه وكان ~~اجتماع الدونانمتين في يوم 26 أغسطس سنة 1824 وبعد | قدوم المدرعات المصرية ~~اطمأن جأش الجيوش العثمانية وهدأ روعهم وقد بهرهم | العجب والاندهاش مما ~~وجدوا عليه الدونانمة المصرية من الإستعداد والنظام | الذي لم يروا مثله ~~عندهم وشهدوا لمنشئها بعلو الهمة وحسن التدبير ومزيد | السياسة وطول الباع ~~وسعة ms075 الإطلاع . # هذا وبإجتماع الدونانمتين المصرية والعثمانية تألفت منها قوة عظيمة بحرية ~~لم | يسبق وجودها في بحر اليونان أثناء هذه الحروب لكن لم توقع هذه القوى | ~~المجتمعة الرعب في قلوب البحرية اليونانيين لتدربهم على الحروب البحرية | ~~ومعرفتهم بمسالك البحار ومفاوزها ، بل جمع أميرال العدو سفنه الصغيرة | ~~السريعة السير وأتى بها في 5 سبتمبر سنة 1824 لمهاجمة الدونانمات المتحدة ، ~~| وكانت تتقدمه الحراقات فلما قربت سخر منها المصريون لصغرها ولم يدر | ~~بخلدهم أنها تحمل النار في جوانبها وتحرق كل ما تلمسه من السفن ، كبيرة ~~كانت | أو صغيرة ، أما العثمانيون فلمكابدتهم غير مرة نيران هذه الحراقات ~~وما تجلبه من | PageV01P116 | الضرر لجأوا إلى الفرار وولوا الأدبار فتبعهم ~~العدو بحراقاته حتى لحقهم وتمكن | من اضرام النار في السفينة الحاملة قبطان ~~باشا وفي خمسة مراكب أخرى فعجز | العثمانيون عن إطفاء النار وقصروا في ~~إطفائها وإخماد سعيرها فتركوا سفنهم | تستعر نارا ونزلوا في الزوارق قاصدين ~~فرض الأناضول ليتخلصوا من كيد هذا | العدو الذي لم يقدر على مقاومته لشجاعة ~~اليونانيين وتعريضهم أنفسهم | للتهلكة لإحراق سفنهم ولو أفضى ذلك لإحراق ~~السفينة ومن فيها ولا يخفي ما | في ذلك من الخطر لأن قابوذان الحراقة ملتزم ~~بأن يكون بحذاء سفينة العدو | ويربط فيها سفينته بخطاطيف من الحديد بعد وضع ~~النار في البارود الموجود بها | والمعلق على جوانبها ثم ينزل هو ومن معه ~~إلى زورق صغير ويلجأ إلى الفرار حين | يكون عسكر العدو مشتغلين بإطفاء ~~النار والهرب فرارا من الموت حرقا . # هذا ما كان من أمر الدونانمة العثمانية وأما إبراهيم باشا فإنه ولو فقد | ~~مساعدة العثمانيين له فلم يخطر بباله الهرب من أمام العدو قط ، بل قابل ~~سفنه | بنيران المدافع المحكمة الطلقات حتى أمكنه أن يتخلص من شرهم ثم أقلع ~~قاصدا | بلاد ( موره ) ، ولكن لسوء حظه لم يتيسر له إنزال عساكره إلى البر ~~لمعاكسة | العدو له لا سيما وقد أحرق العدو بالقرب من جزيرة ( كريد ) أحدى ~~سفنه | وأخذ منه خمس سفن جسيمة فيها ألفا عسكري بري ولما لم يتمكن من إنزال ~~| عساكره رجع ms076 إلى جزيرة ( رودس ) وبعد أن استراح وأراح عساكره أقلع منها | ~~قاصدا جزيرة ( كريد ) وترك سليمان بيك مع فرقته لحماية ( رودس ) . # وفي هذه الأثناء وقع الخلاف بين رؤساء دونانمة العدو وهياج عساكره | ~~البحرية لعدم صرف مرتباتهم وأبوا استمرار القتال ورجعوا إلى اليونان لإجراء ~~| ما فيه الحصول على متأخر ماهياتهم ، فبمجرد وصول الخبر إلى إبراهيم باشا ~~| بذلك أرسل توا إلى سليمان بيك يستقدمه إليه من رودس فوصل إليه ثم أقلع | ~~من ( خانيا ) مينا جزيرة ( كريد ) وجد في السير واجتهد حتى وصل إلى مينا | ~~( مودون ) وأنزل عساكره إلى البر قبل أن يشعر بقدومه أحد وكان ذلك في 26 | ~~PageV01P117 | فبراير سنة 1825 . ولما وصل إبراهيم باشا إلى بلاد ( موره ) ~~رأى العثمانيين في | أسوأ حال من الضنك والضيق لتغلب اليونانيين عليهم في ~~كل المواقع البرية | والبحرية ولم يكن ذلك بقوة اليونان فلم لم يوجد أمام ~~العثمانيين إلا هم | لأهلكوهم عن آخرهم وألزموا من بقي معهم بعد الحرب ~~بالدخول تحت | جناحهم وسلطتهم ، كما كانوا قبل ذلك وما ساعدهم على مقاومة ~~العثمانيين | والإستظهار عليهم في عدة مواقع مهمة إلا إسعاف الأوروباويين ~~لهم بالمال | والرجال وإن كان هذا غير رضا دولهم ظاهرا ، فتألف في جميع ~~إرجاء أوربا | جمعيات كثيرة دعيت بجمعيات محبي اليونان وأرسلت إليهم كثيرا ~~من المؤن | والذخائر بل وتطوع كثير من مشاهير أوربا وقوادها مثل ( وشنطون ) ~~نجل محرر | أمريكا الشهير واللورد بيرون الشاعر الإنكليزي وغيرهما من فحول ~~الرجال | للدفاع عنها ، ووهبوا أنفسهم لخدمة الحرية في أي مكان سعى أهله في ~~الحصول | عليها ومما زاد في استمالة الشبان الأوروباويين إلى الدخول في سلك ~~العسكرية | اليونانية ما أذاعه وأشاعه في ربوعها من المكاتبات والقصائد ~~الحماسية المحببة في | ذلك كل من ( فكتور هوجو ) و ( كازيمير ديلافين ) . # وبعد ظهور اليونانيين على العثمانيين وقع الخلاف والشقاق بين رؤس الثورة ~~| لحب كل منهم الإستقلال برأيه ، ولكن منعهم نزول إبراهيم باشا وجيشه | ~~ببلادهم لأنه لما نزل اتحدوا على مقاومته والدفاع عن وطنهم . # هذا ولما وصل الباشا المذكور إلى بلاد اليونان لم يكن مع ms077 العثمانيين إلا ~~ميناء | ( مودون ) التي نزل بها وميناء ( كورون ) . | PageV01P118 | ### || حصار ناوارين : # لم يلبث إبراهيم باشا بعد نزوله ( مودون ) أن رتب عساكره وأصدر الأوامر | ~~اللازمة وخرج مع نخبة جيشه وألاي سليمان بيك في اليوم الثاني من مارث سنة | ~~1825 وقصد مينا ( كورون ) برا ليخلصها من محاصرة اليونانين لها فتمكن | ~~بإنتظام عسكره من الإنتصار على العدو وإدخال المدد والمؤن والرجال إلى ~~البلد | المحصورة ثم أرسل في 23 مارث الألاي الثالث والرابع لمحاصرة مدينة ~~( ناوارين ) | فحاصرها المصريون وضايقوها بالحصار رغم أنف اليونانيين الذين ~~قاوموهم | مقاومة عظيمة الأهوال ، وعند ذلك قام إبراهيم باشا مع بقية جيشه ~~من | ( مودون ) قاصدا ( ناوارين ) لتعزيز الجيش المحاصر فهاجمه في طريقة ~~فرقة من | اليونان يبلغ عددها ثلاثة آلاف وخمسمائة مقاتل كانت آتية لمساعدة ~~( ناوارين ) ، | فهزمها الباشا وأسر قائدها وشتت جمعها أدراج الرياح ~~وبالجملة فقد قاومت | حامية المدينة وهجمت غير مرة على الجيش المحاصر ولولا ~~انتظام المصريين لنال | اليونانيون مرامهم بالغلبة ، لكن إبراهيم باشا بما ~~عهده فيه من ثباته الذي لا | تزعزعه هجمات الأعداء ولا تروعه شجاعتهم وقوة ~~جأشهم ذلل هذه | الصعوبات وشدد الحصار على المدينة برا وبحرا وكادت حاميتها ~~تستسلم لولا | مساعدة حظها لها بقدوم تسعة آلاف من شبان اليونان قصد ~~تخليصها من | محاصرة المصريين وقهرهم وإرجاعهم من حيث أتوا . # وقبل وصول هذا الجيش بعشرة أميال سمعهم إبراهيم باشا يتغنون بنشيدهم | ~~الوطني فلم يعبأ بهم بل ترك جزأ من جيشه لاستمرار الحصار وتركيب المدافع | ~~القوية حول المدينة وقابلهم بعسكره على مقربة من البلد فهجموا عليه بقوة | ~~وشجاعة لكن بدون انتظام وأما هو فأمر عساكره بالثبات مكانهم بدون إطلاق | ~~النيران حتى إذا قرب العدو منهم أطلقوا بنادقهم دفعة واحدة ليلقوا في ~~قلوبهم | الرعب وهجموا عليه بالسلاح الأبيض على هيئة صفوف منتظمة فلما صار ~~| العدو على بعد مائة متر قابله المصريون بالنيران الصائبة كالشهب المنقضة ~~| وهجموا عليهم هجوم الأبطال فلم يمض إلا قليل زمن حتى قتل أغلب عساكر | ~~PageV01P119 | العدو وفر الباقون منتشرين في أنحاء اليونان ، ومن وقتئذ أفل ~~نجم سعدهم | وغربت ms078 شمس استقلالهم بعد إشراقها وأيقنوا أنه لو لم تمد لهم ~~أوربا يد المساعدة | وتنصرهم بعساكرها لهلكوا عن آخرهم إن لم يقبلوا العودة ~~إلى ما كانوا عليه | قبل ذلك ولقد ربح المصريون من هذه الواقعة غنائم كثيرة ~~وأخذوا عدة من | الأسرى ، وكان فيهم كثير من الضباط والقواد الذين كان ~~عليهم المعول في | الشدائد المهمات بل وسائر الملمات . # ولقد شهد الأعداء للمصريين بالإنتظام والثبات لما شاهدوه أمام نيرانهم ~~ومما | يزيد المصريين فخرا أنهم لم يرتكبوا الفظائع في هذه الحروب وكانوا ~~يحسنون | المعاملة للأسرى ولا يقتلون من سلم نفسه إليهم وألقى سلاحه بين ~~أيديهم ، | وكانت أطباء الجيش المصري تضمد جراح الأسرى وتعولهم كما تعول ~~جرحاهم | إتباعا لأوامر إبراهيم باشا التي أصدرها إلى جيوشه واستمال بصنعه ~~هذا قلوب | اليونانيين إليه ولولا ما حصل بين العثمانيين واليونانيين من ~~جهة وتحريض ذوي | الغايات من جهة أخرى لفاز إبراهيم باشا بمأموله ونشر لواء ~~الأمن في أنحاء | اليونان ، ولكن آلى محبو الفساد على أنفسهم إلا استمرار ~~القتال بين الفريقين | لنيل مآربهم غير ناظرين إلى ما يترتب عليه من سفك ~~دماء البرآء وترميل النساء | وتيتيم الأطفال . # وكانت هذه الوقعة فاتحة انتصار المصريين وبها أمكنهم تتميم الحصار برا ~~على | مدينة ( ناوارين ) لكن لما كانت تلك المدينة واقعة على البحر وكان ~~يأتيها المدد | والمؤن كلما نضبت علم إبراهيم باشا أنه لا يتيسر له إذلالها ~~إلا إذا احتل جزيرة | صغيرة واقعة في مدخل الميناء ليتمكن بواسطة ما يضعه ~~فيها من المدافع من قفل | مدخل المينا ومنع المدد عن الوصول إليها أما هذه ~~الجزيرة فكانت ذات أهمية | عظيمة عند اليونان وكانت تحميها نيران قلاع ~~البلد فلذلك كان دخولها من | أصعب الأمور الشاقة ، إن لم يكن مستحيلا ومع ~~ذلك فقد صمم إبراهيم باشا | على احتلالها بعد أن جمع هو وأركان حربه وفي ~~مقدمتهم سليمان بيك على أن | PageV01P120 | الاستيلاء على مدينة ( ناوارين ~~) مستحيل ما دامت هذه الجزيرة في يد الأعداء | فندب إبراهيم باشا سليمان ~~بيك لهذه الخطة المهمة المحفوفة بالأخطار وكلفه | بأخذ الاستعدادات اللازمة ~~للاستيلاء ms079 على هذه الجزيرة وأطلق له الحرية الكاملة | في العمل وكان ذلك في ~~أوائل شهر مايو سنة 1825 . # فانتخب من العساكر كل من اشتهر بالشجاعة والإقدام وفاز على أقرانه | ~~بمزايا التعليم التام وحسن الانتظام ثم سافر من ( مودون ) بحرا قاصدا ( ~~ناوارين ) | فلما رأى العدو هذه القوة قادمة عليه حصل له من الرعب ما حصل ~~واستعد | للدفاع وحصن الجزيرة وعزز حاميتها بنخبة الشبان وكان من ضمن ~~المدافعين | عن هذه الجزيرة الكونت ( سانتاروزا ) أحد بلغاء الطليانيين ~~الذي وقف نفسه | وحياته لمساعدة اليونان على الإستقلال ابتغاء مرضاة الحرية ~~والأميرال اليوناني | ( تسومادوس ) الذي نزل إلى البر مع مائتين من عسكره ~~لتعزيز حامية الجزيرة | وتقويتها . # وبمجرد وصول السفن المصرية على مقربة من قلاع العدو ، ابتدر بإطلاق | ~~المدافع عليها من سائر القلاع لكن لم تزعزع هذه النار القوية قلوب المصريين ~~| ولم تثنهم عن عزمهم بل جاوبت مدافعهم مدافع العدو ونزلت العساكر البرية | ~~في الزوارق تحت نيرانه . # فلما كان ظهر ذلك اليوم تمكن سليمان بيك ومن معه من النزول إلى البر | ~~وبعد تبادل إطلاق البنادق قليلا من الطرفين ، هجم المصريون وفي مقدمتهم | ~~سليمان بيك على استحكامات العدو هجوم الأسود ودخلوها عنوة واستمر | القتال ~~إذ ذاك بالسلاح الأبيض ودافع اليونانيون دفاع الأبطال لكن لم تفدهم | ~~شجاعتهم شيئا ، بل تغلب المصريون عليهم بحسن انتظامهم وبديع صنعهم وبعد | ~~قليل كانت لهم الغلبة ورفعوا العلم المصري على هذه الإستحكامات التي كان | ~~يظن العارفون أن أخذها بعيد جدا لحصانة الموقع من أصله ولزيادة حفظه | ~~PageV01P121 | بالقلاع المسلحة بالمدافع الضخمة من جهة ، ولقرب نيران قلاع ~~البلد إليه من | جهة أخرى ، فكان المهاجم له تحت نيران قلاع الجزيرة وقلاع ~~البر المتبادلة # وبعد هذه الواقعة اشتهر صيت المصريين في جميع أنحاء اليونان وانتقل بسرعة ~~| عظيمة إلى بلاد أوربا فاضطربت لذلك جمعيات محبي اليونان وأيقنوا أن كل ما ~~| بذلوه من مال ورجال قد ذهب سدى أمام صفوف العساكر المصرية ، وأنهم أن | ~~لم يستميلوا لهم الرأي العام الأوربي وتجتمع الدول الأورباوية على مساعدة | ~~اليونان مساعدة مادية لا أدبية فقط ms080 أفل نجم اليونان ووقعوا تحت سلطة ~~المسلمين | كما كانوا مدعين أنه لا يليق بل لا يجوز أن تكون أمة مسيحية تحت ~~وطأة | المسلمين . ولعمري أن ذلك لمناف لمبادئ التمدن والحرية التي من ~~دعائمها عدم | النظر إلى دين زيد أو اعتقاد عمرو بل النظر إلى أعمال كل ~~منهما بقطع النظر | عن المعتقد فكم شاهدنا في التواريخ القديمة والحديثة أن ~~المسلمين أحسنوا معاملة | رعاياهم من المسيحيين وغيرهم وقد رأينا أن الحروب ~~قد استمرت أجيالا بين | الكاثوليك والبروتستانت ولم تزل قائمة في الروسيا ~~بين الأرثودكس ومن عداهم | من الطوائف المسيحية وغيرها . ومع كل فليس الغرض ~~من هذا الكتاب الخوض | في هذا الموضوع الذي لو أردنا فتح بابه لملأنا ~~مجلدات ضخمة فالتاريخ مشحون | بما ارتكبه مسيحي أسبانيا ( الأندلس ) ضد ~~المسلمين في عصر الملكة ( ازابلا ) . # هذا ولقد قتل في هذه الواقعة كثير من الفريقين وكان من قتلى اليونان | ~~الأميرال ( تسومادس ) الذي آثر الموت على النجاة هربا كي لا يرى وقوع | ~~بلاده في يد المصريين والكونت ( سانتاروزا ) الإيطالي وغيرهما من أبطال ~~اليونان | والتجأ إثنان منهم وهما ( استارفوس ) و ( ساهنيس ) مع كثير من ~~العساكر إلى | كنيسة هناك وجمعا فيها كمية عظيمة من البارود ثم أحرقاه فسقط ~~البناء عليهم | وهلكوا عن آخرهم وجرح من الجيش المصري أمير الاى المشاة ~~السادس وهو | سليمان بيك ولزم الفراش مكرها ولم يمكنه بذلك استمرار القتال ~~. | PageV01P122 # وكانت نتيجة هذه الواقعة الشهيرة حصر مدينة ( ناوارين ) برا وبحرا وأما | ~~سفن العدو التي كانت في المينا فإنها تمكنت من الهرب إلا اثنتين وقعتا في ~~يد | المصريين مع من فيهما من جرحى العدو وأما اليونانيون فلم يزالوا على ~~قوتهم في | القتال برا وبحرا ( موليس ) القائد البحري في يوم 17 مايو سنة ~~1825 | مع حراقاته ( سفن صغيرة ) من الدنو من ميناء ( مودون ) وأشعل النار ~~في السفن | الراسية خارج المدينة وفر هاربا فامتدت النار إلى باقي ~~الدونانمة ولشدة الهواء | استحكمت حتى تعسر اطفاؤها ولم ينج من كان فيها ~~إلا بجهد عظيم وعناء | شديد ومما زاد في الطين بلة أن ms081 الهواء حمل الشرر إلى ~~داخل المدينة حتى أحرق | جزءا منها والتهبت مخازن البارود ( الجبخانة ) ~~فأدى ذلك إلى هدم كل ما | جاورها من المساكن وهلك فيها . # ومع كل فإن هذه الحادثة الهائلة لم تؤثر شيئا في عزيمة إبراهيم باشا شجاع ~~| مصر وفخرها بل كان مشددا للحصار على مدينة ( ناوارين ) وصد هجمات | العدو ~~، وهزم كل من جاء لمساعدتهم سواء كان على طريق البر أو البحر وفي | أحدى ~~المناوشات العديدة أسر مطران ( مودون ) الذي كان يحض الأهالي على | مقاومته ~~ومحاربته وأسر غيره من دعاة الثورة ، لكنه أحسن معاملتهم وأكرم | وفادتهم ، ~~ولما أيقنت حامية البلد أن لا مناص لها من الموت أو التسليم لعسر مجيء | ~~المدد لهم من الخارج بل لعدم إمكانه بالكلية لتشديد الحصار وتيقظ المصريين ~~| دائما ، طلبت من إبراهيم باشا أن تسلم إليه المدينة مع قلاعها وما فيها ~~من المؤن | والذخائر والأسلحة بشرط أن يضمن لهم حياتهم فأذعن لمطالبهم ~~وانقاد لمرغوبهم | ودخل المدينة في السادس عشر من شهر مايو سنة 1825 وقد ~~كان لهذه الوقعة | تأثير مهم في قلوب اليونان ، إذ أيقنوا بالفشل والخيبة ~~لكنهم آلوا على أنفسهم | أن يدافعوا في سبيل الحصول على الحرية والإستقلال ~~السياسي ولو يموتون عن | آخرهم فداء الوطن وشهداء الحرية . | PageV01P123 | ### || فتح مدينة كلاماتا # وبعد سقوط ( ناوارين ) جمع ( بيتروبك ) خمسة آلاف مقاتل من سكان الجبال | ~~المشهورين بالشجاعة والبأس وتحصن في مدينة تدعى ( كلاماتا ) وسورها بأسوار ~~| منيعة وحصنها بالتحصينات المحكمة فذهب إبراهيم باشا لمحاربته واحتل في | ~~مسيرة مدينة ( أركاديا ) المشهورة بخصب أرضها واعتدال هوائها وسائر البلاد ~~| الواقعة على البحر واحتل أيضا كل الطرق المارة بين الجبال لتوصيل الأودية ~~| بعضها ببعض وقبل أن يصل إلى ( كلاماتا ) لحقة سليمان بيك وكان قد تماثلت ~~| جروحه ولم ينتظر تمام شفائه بل خرج من الإسبتالية وقصد الجيش ليشهد وقعة ~~| ( كلاماتا ) فوصل الجيش إلى هذه البلدة ودخلها بعد قتال شديد دافع فيه | ~~اليونانيون دفاع الأبطال ، لكنهم لم يقووا على الثبات أمام هجمات المصريين ~~بل | ولوا الأدبار وركنوا إلى الفرار بعد أن خضبوا الأرض بدمائهم وأفعموا ms082 ~~الأدوية | بجثثهم التي ذهبت فريسة للوحوش والطيور . # وبعد ذلك دخل إبراهيم باشا جميع القلاع الصغيرة والبلدان والقرى المحصنة ~~| وهدم أغلبها وقتل أو أسر حامياتها فلم يقم لليونانيين بعد هذه الوقائع ~~قائمة ولم | يجسروا على مواجهة المصريين في الحروب المنتظمة بل التجؤا إلى ~~جبالهم | وعمدوا إلى حرب التمادي معتمدين على شموخ جبالهم وعدم تمكن الجيوش ~~| المنتظمة من صعودها والوصول إليهم . | ### || فتح تريبولتسا : # ولما لم يجد إبراهيم باشا ما يعوقه عن السير إلى الأمام شرع في اجتياز ~~جبل | ( تايجيت ) الفاصل بينه وبينه وادي ( لكونيا ) الذي به مدينة ( ~~تريبولتسا ) مقر | الحكومة الثوروية لعلمه أنه لو دخلت هذه المدينة في ~~قبضته كان ذلك من أكبر | دواعي تقويض أركان الثورة اليونانية ولم يبق بعد ~~ذلك ملجأ للثائرين إلا | الجبال . | PageV01P124 # ولأجل تتميم هذا المشروع المهم واجتياز مضايق هذه الجبال الوعرة السلوك | ~~الصعبة الصعود قسم إبراهيم باشا الجيش إلى طابورين جعل أحدهما تحت قيادة | ~~نفسه ووجه أولهما على طريق ( أركاديا ) والثاني على طريق ( ليوناردي ) ~~فصادف | طابورا إبراهيم باشا في مسيره عند مضيق ( كورشيكورا ) الثائرين ~~الشهيرين | ( كولوكتروني ) و ( بتراكو ) ومعهما عدد عظيم من سكان هذه ~~الجهات قصد | اعتراضه في طريقة وإرجاعه القهقري فقهرهم وقتل منهم نيفا ~~وخمسمائة مقاتل | ورئيسهم ( بتركوا ) ثم دخل مع جيشه مدينة ( تريبولتسا ) ~~في 23 يونيو سنة | 1825 فوجدها خالية من السكان إذ أخلاها ساكنوها وحاميتها ~~وأضرموا النار | فيها قبل خروجهم وآووا إلى الجبال لعلها تعصمهم من نيران ~~المصريين ، حيث لا | عاصم اليوم لهم منها إلا الطاعة والإذعان والرجوع عن ~~مخالفة الدولة العلية | التي لولا سعاية أولى الأغراض الفساد لما أمكنهم ~~الخروج عن طاعتها . # وبعد أن حصن البلد داخلا وخارجا ووضع فيها حامية كافية لصد هجمات | ~~الأعداء ليكون آمنا عليها من غوائل الزمان وطوارق الحدثان خرج منها ببعض | ~~جيشه في 25 يونيو سنة 1825 قاصدا وادي ( ارجوس ) فهزم طليعة من | الأعداء ~~يبلغ عددها ثلاثمائة مقاتل تحت أمرة ( ابسيلانتي ) وبعد ذلك أمر بحصد | ~~الغلال المزدرعة في هذا الوادي الخصيب ونقل سائر المحصولات إلى ( تريبولتسا ~~) | ثم في ms083 يوم 7 يوليو سنة 1825 وصل إلى وادي ( لاكونيا ) وكان معه سليمان ~~| بيك وألايه ونفر قليل من السواري فاعترضه في طريقه فرقة من الأعداء يبلغ ~~| عددها ثمانية آلاف متحصنين في بعض المعاقل فرتب إبراهيم باشا عسكره على | ~~هيئة قول ( طابور ) وهجم على حصون الأعداء بالسلاح الأبيض فهزمهم | وأخرجهم ~~من استحكاماتهم وكانت نتيجة هذه الواقعة أن صار كل إقليم | ( موره ) في ~~قبضة إبراهيم باشا إلى مدينة ( نوبلي ) وبينما هو يستعد لحصارها إذ | ورد ~~إليه خطاب من رشيد باشا قائد الجيوش العثمانية الذي كان إذ ذاك محاصرا | ~~مدينة ( ميسولونجي ) منذ عدة أسابيع بلا فائدة ولا عائدة لوقوع هذه البلدة ~~على | خليج ( لبيانته ) ودوام ورود المدد لها بحرا وعدم تمكن الدونانمة ~~العثمانية من | PageV01P125 | حصرها لوجود ( ميوليس ) القائد اليوناني ~~البحري وحراقاته التي كثيرا ما سببت | خسائر فادحة لسفن الدولة يطلب منه ~~المساعدة على فتح هذه البلدة التي أعياه | أمرها فأرسل لوالده بمصر يخبره ~~بهذا الأمر ويطلب منه إرسال المدد فأرسل له | الألاي السابع والثامن من ~~الجيش المنتظم وبعض فرق من الأرنؤد من حامية | كريد . | ### || فتح مدينة ميسولونجي : # وفي أثناء هذه المدة ورد إلى إبراهيم باشا أمر بمساعدة رشيد باشا وفرمان ~~| مؤذن بتعيينه وزيرا لولاية ( موره ) فقام من ساعته مع عشرة آلاف من ~~المشاة | وخمسمائة من الفرسان ولم يترك في ( موره ) ومينائها إلا ما يكفي ~~لحمايتها ثم | سافر بحرا قاصدا مدينة ( ميسولونجي ) فلما وصل إليها هاجمها ~~متبعا مشورة رشيد | باشا ، فلم ينجح ورجع منهزما فاتبع بعد ذلك في حصار هذه ~~البلدة الخطة التي | سلكها في حصار ( ناوارين ) بأن شدد الحصار عليها برا ~~واستولى على الجزائر | الواقعة في فم المينا وبنى فيها قلاعا حصينة ، فأغلق ~~بذلك المينا وأتم الحصار برا | وبحرا حتى لم يعد من الممكن وصول المدد ~~إليها بأي صفة كانت ، ثم أرسل إلى | حامية المدينة يطلب منها أن تستسلم ~~بدون حرب ولا قتال لتحققه أن امتناعهم | لا يجديهم نفعا ، فلم يقبلوا ذلك ~~منه وصمموا على عدم التسليم ولو ماتوا عن | آخرهم . # ثم أرسل أهل ms084 المدينة إلى القائد ( كرايسكا كي ) وكان على مقربة من ~~المدينة | يعلمونه بأنهم عزموا على الخروج في ليلة 22 إبريل سنة 1826 بجميع ~~سكان | البلد من رجال ونساء وأطفال وطلبوا منه أن يهاجم المصريين في وقت ~~معلوم | ولكن لسوء حظهم لم يقو ( كرايسكا كي ) على مهاجمتهم لما كان به من ~~المرض | الشديد ، ولم يشعرهم بذلك فظنوا أنه قد أجاب طلبهم وخرجوا في الوقت ~~| المعلوم من اليوم المعهود وهم في غاية السكون مستترين تحت جناح الليل ، ~~فلما | أحس بهم إبراهيم باشا وعسكره قابلهم بنيران البنادق وأوقع بينهم ~~الفشل | PageV01P126 # فرجعوا إلى المدينة بدون انتظام واتبع المصريون أثرهم حتى دخلوا المدينة ~~| وأعلموا في أهلها السيوف والبنادق وأبلوا في قتالهم بلاء حسنا . ولقد جمع ~~أحد | رؤساء اليونان ما ينيف عن ألفين ما بين شيوخ وأطفال ونساء في إحدى | ~~الكنائس حتى إذا وصل المصريون هدم الكنيسة بلغم من البارود كان قد صنعه | ~~وأعده لهذه الغاية فهلك هو ومن معه عن آخرهم . # هذا ولقد تمكن بعض حامية المدينة من اختراق صفوف المصريين والأتراك | بعد ~~قتال عنيف وآووا إلى أحد الجبال المجاورة بعد أن قتل أو جرح ثلاثة | ~~أرباعهم ولما علم هؤلاء الشجعان أنه قد استولى اليأس على قلوب رؤس الثورة | ~~بعد سقوط مدينة ( ميسولنجي ) كتبوا إليهم في 7 مايو سنة 1826 أن لا يخافوا ~~| ولا يحزنوا ولا يقنطوا من مساعدة الله فإن يد الله مع محبي الحرية ~~والذابين عنها | وأنهم لم يزالوا ولن يزالوا مستعدين للدفاع عن استقلالهم ~~إلى آخر رمق من | حياتهم . # ولقد حدث في أثناء هذه المدة أمران مهمان أحدهما موت اسكندر الأول | ~~إمبراطور الروسيا فجأة ، وتولية الأمبراطور نقولا خلفا عنه . وثانيهما قتل ~~| السلطان محمود العثماني لجيش الإنكشارية في 16 يونيو سنة 1826 اقتداء بما ~~| فعله محمد علي باشا بمصر مع المماليك ، ليتخلص من شرهم ويبرأ من كيدهم | ~~ويطهر مملكته من هذه الفئة الباغية التي اشتهرت في سائر أنحاء المملكة ~~العثمانية | بعدم الإنتظام وارتكاب أنواع المنكرات فضلا عن الرذائل بدون أن ~~يجسر أحد | على معارضتهم ms085 أو يقوى على مقاومتهم ، وكثيرا ما عصوا السلاطين ~~العثمانيين | وخلعوهم من مناصبهم بل وقتلوهم وغير ذلك مما لا دخل له في ~~موضوع هذا | الكتاب . # ثم أعقب سقوط مدينة ( ميسولونجي ) سقوط باقي مدن موره ويقال أن ما | ~~قابله إبراهيم باشا من الصعوبات أمام ( ميسولونحي ) أحدث تغييرا مهما في | ~~طباعه ، فبعد أن كان يعامل اليونانيين بالرفق واللين ويمنع الإيذاء عن ~~أسرهم | PageV01P127 | ويكرم مثواهم صار يعاملهم بالقسوة والشدة ويأمر بقتل ~~الأسرى أولا فأولا | ونهب كل ما يمر عليه من البلدان قبل حرقها وغير ذلك ~~مما لا يسلمه العقل ، | ولعل هذه أمور أشاعها بعض أصحاب الغاية لمقاصد ~~وأغراض يريدون التوصل | إليها والحصول عليها بإلقاء الفتن ودس الدسائس في ~~داخلية البلاد للتداخل في | أمورها مما لا يخفى على رجال الدولة العلية ~~الذين حنكتهم التجارب ، ولنرجع | إلى ما نحن بصدده فنقول : | ### || فتح العثمانيين مدينة أثينا : # أنه بعد سقوط مدينة ( ميسولونجي ) انفصل الجيش المصري عن الجيش | ~~العثماني فعاد الأول إلى ولاية ( موره ) وقد نسب إليه البعض من ارتكاب ~~الفظائع | مالا يمكننا ذكره لعدم ثبوته ، وأما الثاني فقصد مدينة اثينا ~~وحاصرها ولم يكن | فيها إذ ذاك ما يصد هجمات العثمانيين فأسرع ( كرايسكاكي ~~) والكولونل | ( فابغيه ) الفرنساوي إلى هذه المدينة المهددة ومعهما سبعة ~~آلاف عسكري يوناني | وتمكنا من الوصول إليها قبل أن يشدد رشيد باشا الحصار ~~عليها وبعد مناوشتين | خفيفتين وقعتا بالقرب من المدينة في 10 وفي 20 أغسطس ~~سنة 1826 إلتزم | رشيد باشا بإخلاء بيرا وما جاورها أما ( فابغيه ) فاخترق ~~صفوف المحاصرين | ودخل المدينة بألف وخمسمائة مقاتل واحتل قلعة ( اكروبول ) ~~التي تعهد بالدفاع | عنها وكان اللورد ( كشران ) قومندانا للسفن الحربية ~~اليونانية والجنرال | ( شرش ) رئيسا للجيوش البرية وهما انكليزيا الجنس ~~وكان السبب في تقليدهما | هذه الوظائف الرئيسية مع وجود شجعان اليونان ~~الذين اشتهروا في هذه | الحروب من أولها ، هو عدم اتفاق رؤس الثورة ووجود ~~الغيرة والحسد بينهم | وهو الأمر الذي أفضى إلى تقليد رئاسة الجمهورية ~~اليونانية إلى الكونت | ( كابودي استريا ) . | PageV01P128 | وفي يوم 4 ~~يونيو سنة 1826 هاجم اليونانيون عساكر العثمانيين ms086 ولولا | موت ( كرايسكاكي ~~) لفاز اليونانيون بالغلبة ثم في 6 منه اتفق رأى رؤس جيش | اليونانيين على ~~معاودة الهجوم على صفوف العثمانيين لكنهم لم يتحدوا في | العمل ولم يساعد ~~بعضهم بعضا ومتى تفرقت الكلمة تفرقت القلوب ولذلك لم | ينجحوا فيما عزموا ~~عليه ولم يتمكن اللورد ( كشران ) والجنرال ( شرش ) من | الإلتجاء إلى سفنهم ~~إلا بكل صعوبة أما الجند فهلكوا إلا قليلا منهم وبعد ذلك | اتفق الجنرال ( ~~شرش ) مع رشيد باشا على تسليم المدينة ، وأمر الكولونيل | ( فابغيه ) ~~بإخلاء قلعة الأكربول وتسليمها إلى العثمانيين لكن اضطره نفاد المؤن | ~~وتذمر العساكر لإخلاء القلعة وتم بذلك استيلاء العثمانيين على مدينة أثينا ~~تخت | حكومة اليونان الآن . # ولم يبق بعد ذلك اليونان في أنحاء بلاد موره إلا ثلاث قلاع أما المال ~~المتحصل | من القرض الذي أبرم في مدينة لوندرة ومن تبرعات محبي الحرية فقد ~~نفد أغلبه | في الشقاقات الداخلية وما ترتب عليها من الحروب وسفك الدماء . ~~| ### || تداخل الدول : # بينما إبراهيم باشا يستعد لفتح ما بقي في يد اليونان من القلاع إذ تداخلت ~~| أوربا لا سيما فرنسا إنكلترا والروسيا بين الفريقين وطلبت من اليونان ~~والباب | العالي توقيف الحركات العدوانية حتى يتم الإتفاق على أمر مرضى ~~مختار لدى | الطرفين ، فأبى الباب العالي ذلك وأمر قواده بإستمرار القتال ~~على ما كانوا عليه | ولقد انتهزت الروسيا هذه الفرصة واستعانت بدولتي فرنسا ~~وانكلترا على إلجاء | الباب العالي إلى اتباع المعاهدات فتهددوه وتوعدوه ~~بالقتال ، إن لم يقبل مطالب | الروسيا فبعد محاولات ومناقشات طويلة أمضى ~~الباب العالي في 26 ديسمبر | سنة 1826 على اتفاق ( إكرمان ) الذي من شروطه ~~أن يؤيد كل ما جاء في | PageV01P129 | معاهدة بوخارست ويبيح لسفن الروسيا ~~المرور من بوغاز البوسفور إلى البحر | المتوسط في أي وقت شاءت ومنها ~~استقلال إمارتي الإفلاق والبغدان ( رومانيا ) | واستقلال الصرب مع حفظ الحق ~~للباب العالي في وضع حامية عسكرية في | مدينة ( بلغراد ) وثلاث قلاع أخر ~~ولم يذكر في هذه المعاهدة شيء في شأن اليونان | واستقلالهم لإيجاد سبيل ~~للتداخل في مسئلتهم وحسمها طبق مرغوبهم . # هذا ولنأت على ذكر ms087 هذه المسألة تفصيلا فنقول أن ( دوك ولنجتون ) وزير | ~~خارجية انكلترا إذ ذاك وهو القاهر لنابليون كما سبق ، وكونت ( نسلرود ) | ~~وزير خارجية الروسيا كانا قد اتفقا عقب اجتماعهما في شأن بطرسبورج على | ~~التداخل بين الدولة العلية واليونان وإنالة الأخيرة استقلالها طوعا أو كرها ~~| فحررا بلاغا للباب العالي في 26 مارث سنة 1826 بالنيابة عن دولتيهما | ~~وبتعضيد فرنسا ، وقدموه بالإشتراك إلى السدة السلطانية طالبين به استقلال | ~~اليونان استقلالا إداريا لا سياسيا ، بحيث يكون تعيين الحكام والمستخدمين ~~فيها | بمعرفة أهلها تحت ملاحظة الباب العالي وأن يدفع اليونانيون خراجا ~~معينا للدولة | العلية ، وأن المسلمين المقيمين في بلاد اليونان يهاجرون ~~منها ويعطون عوضا عما | يكون لهم بها من المال والعقار . فرأى الباب العالي ~~هذه المطالب فادحة ورفضها | رفضا كليا ، فعند ذلك اتفق كل من فرنسا ~~وانكلترا والروسيا بمقتضى معاهدة | أمضيت في مدينة ( لندن ) في أوائل يوليو ~~سنة 1827 على إلجاء الباب العالي إلى | PageV01P130 | قبول تداخلهم في ~~مسألة اليونان ، فأصر الباب العالي على عدم قبول تداخلهم | فأرسلت الدول ~~الثلاث المتحدة سفنها الحربية إلى مياه اليونان . | ### || واقعة ناوارين البحرية : # لما علم محمد علي باشا بتداخل الدول الأجنبية أرسل إلى ولده بموره | ~~الدونانمة المصرية حاملة أربعة آلاف عسكري وكانت السفن المصرية والعثمانية ~~| حاملة ألفين ومائتي مدفع وتسعة عشر ألف شخص واصطفت داخل مينا | ناوارين ~~على هيئة نصف دائرة يرتكز أحد طرفيها على قلعة البلد والآخر على | قلعة ~~جزيرة ( سفا كتيري ) الواقعة عند مدخل الميناء التي كابد إبراهيم باشا | ~~وسليمان بيك العناء الشديد والتعب المديد في الإستيلاء عليها كما ذكر ذلك | ~~في محله . أما الدونانمة المتحدة فكانت أضعف من الدونانمة الإسلامية من حيث ~~| عدد المدافع لكنها كانت أقوى منها بكثير بالنسبة إلى المتانة وانتظام ~~الجند | وسرعة الحركات وكانت السفن الفرنساوية تحت إمرة الأميرال ( ريني ) ~~| والإنكليزية تحت قيادة الأميرال ( كودرنجتون ) وكان قائد سفن الروسيا ~~الأميرال | ( هيدن ) لكن كانت السفن المتحدة تحت إمرة الأميرال الإنكليزي ~~لتوحيد | الرياسة وعدم تفرقة الكلمة ، واختير هو دون غيره لكونه الأقدم في ~~الدرجة . # ثم دخلت الدونانمة ms088 المتحدة إلى الميناء واصطفت للقتال دون أن يجسر أحد | ~~الطرفين على تحمل المسئولية بالإبتداء بالعداوة ومع ذلك لم يمض نصف ساعة | ~~حتى انتشب القتال بينهما بدون إعلان حرب كما هي عادة الأمم المتمدنة ، ولا ~~| سبب يوجب العدوان بين الطرفين إلا إغراء الروسيا للدولتين الأخيرتين على ~~| تدمير الدونانمة التركية المصرية ، وكان يقصد الفرنساويون بذلك الفخر | ~~والشرف بعد ما ألم بهم سنة 1815 ولم يرغب الإنكليز أن تنفرد فرنسا بهذا | ~~العمل خوفا من زيادة نفوذها في هذه الجهات فكان الرابح في هذه الحروب | ~~البرية الروسيا فقط كما سيجيء . | PageV01P131 # والسبب في اشتعال نيران القتال كما نشره ثقات المؤرخين هو أن أحد | ~~الحراقات التركية اقتربت في أثناء المناورات الإبتدائية من إحدى البوارج | ~~الإنكليزية فأرسلت هذه لها ضابطا في زورق يطلب منها البعد عنها فانطلق ~~إليها | وتهدد أحدى عساكرها بغدارة كانت في يده ، فأطلق العسكري التركي على ~~| الضابط الإنكليزي بندقيته فقتله فانتشب حينئذ القتال بالبنادق بين هاتين ~~| السفينتين ثم أطلقت أحدى البوارج التركية مدفعا أصابت طلقته مقدم السفينة ~~| الفرنساوية ( سيرين ) ولم تصب أحدا فعند ذلك أطلقت هذه السفينة مدافعها | ~~على السفن التركية فانتشب القتال بين الطرفين بحال هائلة ، حتى لقد عدت | ~~هذه الواقعة التي كانت نتيجتها تخريب أغلب الدونانمة التركية والمصرية من | ~~أكبر الوقائع البحرية وأهمها وكان ذلك في 20 أكتوبر سنة 1827 ويدعى | ~~الأوروباويون أنه لم يكن قصدهم حصول الحرب والقتال بل كان قصدهم | الوحيد ~~إلزام الدولة العلية بمنح اليونان الإستقلال وإيقاف القتال بأي وجه كان | ~~ولو أدى ذلك إلى الحرب . # أما إبراهيم باشا فكان في داخل بلاد ( موره ) لإتمام نشر الأمن والسكينة ~~بها | فحين بلغه خبر تخريب سفنه في واقعة ( ناوارين ) عاد إلى هذه البلدة ~~وأبرق | وأرعد لكن لم يجده ذلك نفعا ولذا اختار خطة الدفاع عن خطة الهجوم ~~وتحصن | في مينائي ( كورون ) و ( مودون ) وما جاورهما وأمر سليمان بيك ~~بالبقاء في | ( تربيولتسا ) وكان قد عين حاكما لها ريثما تأتيه أوامر جديدة ~~. ولما وصل خبر | هذه الواقعة إلى دار الخلافة أرسل الباب العالي ms089 إلى الدول ~~الثلاث المتحدة بلاغا | يطلب به عدم التداخل بينه وبين رعاياه اليونانيين ~~وأن يدفعوا له عوضا عن | السفن التي فقدت في الوقعة المذكورة ويعتذروا له ~~عما وقع منهم ، فعند ذلك | أعلنت الروسيا بحرب الدولة العلية وبارزتها عدة ~~وقائع كان الحرب فيها سجالا | بين الطرفين ، ثم كانت الغلبة للروسيا وانتهت ~~الحرب بالتوقيع على معاهدة | ( أدرنة ) وسنأتي على ذكرها في محلها وفي هذه ~~الأثناء تمكن اليونانيون بمساعدة | PageV01P132 | الدول الأدبية ، ومساعدة ~~فرنسا المادية ، إذ أرسلت لمساعدتها جيشا عظيما تحت | إمرة الجنرال ( ميزون ~~) ، من استرجاع أهم مواقعهم الحربية . # ثم في 3 أغسطس سنة 1828 اتفق محمد علي باشا والي مصر مع الدول | المتحدة ~~على إخلاء ( موره ) بشروط وهي : أولا أن والي مصر يتعهد بإعادة من | أسر من ~~اليونان وغيرهم في واقعة ( ناوارين ) وبتحرير من بيع منهم للأهالي ، ثانيا ~~| أن الأميرال الإنكليزي يتعهد بإرجاع من أسر من المصريين وكذلك السفن التي ~~| أخذت أثناء الحرب ، ثالثا أن الجيوش المصرية تخلي ( موره ) في أسرع وقت | ~~وينقلهم أمير مصر إلى الإسكندرية على سفنه ، رابعا أن السفن المصرية في ~~حالتي | ذهابها وإيابها تكون مخفورة بسفن فرنساوية وإنكليزية ، خامسا أن ~~اليونانيين | المقيمين بمصر بإختيارهم لا يجبرون على تركها ماداموا غير ~~مكرهين على البقاء | فيها وكذلك من يريد أن يعود مع المصريين بدون إكراه ~~ولا إجبار ، سادسا يجوز | لإبراهيم باشا أن يترك في ( موره ) عددا من ~~العساكر لا يزيد على ألف ومائتين | للمحافظة على ( مودون ) و ( كورون ) و ( ~~ناوارين ) و ( بتراس ) و ( كستل تورنيز ) أما | باقي النقط الأخر فلا بد من ~~الجلاء عنها بدون إمهال . | ### || رجوع إبراهيم باشا إلى مصر وانتهاء حرب اليونان : # فلما عرض هذا الوفاق على إبراهيم باشا أخذ الغيظ منه كل مأخذ لما رأى | ~~من أن تعبه لم يعد عليه بأقل نفع ولم يمكنه الإمتناع لتهديد سفن الدول له ~~بحرا | وجيش فرنسا برا ، فأصدر أوامره لسائر الفرق التي في داخل بلاد ~~اليونان | بالسير إلى الثغور للرجوع إلى مصر ولسليمان بيك وكان مقيما ~~بالأيه في مدينة | ( تريبولتسا ) بترك ms090 المدينة بعد هدم قلاعها وأسوارها ، ~~فأخلى المصريون سائر | البلاد تدريجيا ودخلها الفرنساويون بدون معارضة ولا ~~ممانعة إلا ( بتراس ) فدخلها | الجنرال ( ميزون ) عنوة بعد مقاومة خفيفة . ~~| PageV01P133 # هذا ولنذكر تتميما للفائدة ما فعلته الدول الأورباوية لتحرير اليونان بعد ~~| رجوع إبراهيم باشا إلى مصر فنقول أن الدول الثلاث المتحدة وهي فرنسا | ~~والروسيا وانكلترا عقدت مؤتمرا في مدينة ( لندن ) في 16 نوفمبر سنة 1828 ، ~~| ودعت الدولة العلية لإرسال مندوب ينوب عنها ويقوم مقامها فيه فلم يقبل | ~~الباب العالي إرسال مندوب خوفا من اعتبار ذلك إقرارا على ما أتته هذه الدول ~~| من مساعدة اليونان . أما مندبو الدول الثلاث فاجتمعوا بلوندرة في اليوم ~~المعين | وقرروا استقلال ( موره ) وجزائر ( سيكلاده ) وتشكيلها على هيئة ~~حكومة | مستقلة تحت أمير مسيحي تنتخبه الدول وتكون تحت حماية وضمانة الدول ~~| الثلاث ، وتدفع للباب العالي مبلغ خمسمائة ألف قرش في كل سنة . # لكن لم يعترف الباب العالي صاحب السيادة بهذه المعاهدة واستمر القتال في ~~| بلاد اليونان لإرجاعها إليه ، فأعلنت الروسيا الحرب عليه وبعد قتال شديد ~~فاز | الروس بالنصر والتزم الباب العالي بالتوقيع على معاهدة ( أدرنة ) في ~~14 سبتمبر | سنة 1829 التي كان منها إباحة الملاحة للروسيا من البحر الأسود ~~إلى البحر | الأبيض المتوسط والاعتراف باستقلال اليونان . | PageV01P134 | ### | 7 - حرب الشام # عادت بقايا الجيش والدونانمة المصرية إلى ثغر الإسكندرية متوجه بالنصر | ~~المبين والفوز العظيم لا عار عليها إذ ألزم إبراهيم باشا بإخلاء بلاد ~~اليونان بعد | أن فتحها ونشر لواء الأمن في جميع أنحائها والعودة إلى مصر ~~بعد أن فني معظم | رجاله في هذه الحروب والمناوشات ، وكيف يتسنى لولاية هي ~~بالنسبة إلى الدول | الأورباوية كل شيء أن تقاوم حكومتي فرنسا وانجلترا ~~فضلا عن مساعدة | الحكومة الروسية لهما ؟ أيلحق مصر والدولة العلية عار إن ~~هزمتا في واقعة | ( ناوارين ) البحرية التي سبق لنا شرحها والدونانمة ~~التركية لم تكن لتقاوم دونانمتي | أعظم الدول الأورباوية بحرا وبرا ؟ وكيف ~~يمكن الجيوش المصرية أن تقاوم قوة لم | تقو الدولة العلية مع مالها من ~~القوة العالية والعظمة السامية على صد هجماتها ؟ | لعمري إن ms091 مجرد وقوف قوة ~~مصرية محصنة أمام إحدى هاته الدول العظام | ليكسبها فخرا جليلا ونبلا جزيلا ~~وشرفا أثيلا ، ولوخرجت من هذا الموقف | الحرج مكسورة ، لا سيما وأن ~~المصريين لم يتعودوا منذ استيلاء العائلات الأجنبية | على بلادهم ، أعني ~~منذ نحو أربعة آلاف سنة أن يبذلوا أرواحهم بل ولا أموالهم | للمدافعة عن ~~استقلال وطنهم فما بالك لو دعوا لبذل الأرواح في نيل الشرف | والسمعة كما ~~كان سبب الحرب في بلاد اليونان ، تالله أن تغلب المصريين على | اليونانيين ~~المشهورين بالبسالة والشجاعة في مواقع شتى وفتحهم بلادهم لمن أكبر | ~~البراهين على ما للمصريين من قوة البأس وثبات الجأش في الحروب ، سيما لو | ~~علموا أن ذلك يعود على وطنهم بأقل فائدة وأيسر عائدة . وبالجملة فلا يمكننا ~~| أن نقول أن حرب اليونان لم تفد مصر شيئا فإنها ولو لم تعد عليها بفائدة ~~مادية | فقد أفادتها فائدة أدبية ألا وهي تدرب عسكرها وبحريتها على أبواب ~~القتال | وفنون الحرب لأن اقتحام الأخطار وبذل الأرواح يغرسان في الجندي ~~بريا كان | أو بحريا ، حب الشرف والمخاطرة بالروح في سبيل نيله لا سيما إذا ~~رأى من | رؤسه وضباطه سيرة حسنة في الشجاعة والنظام العسكري فإنه وأن توفي ~~أو | PageV01P135 | استشهد كثير من العساكر المصرية واغتنم أو أحرق أكثر ~~سفنها الحربية في | واقعة ( ناوارين ) فإن من بقي فيه كفاية لتدريب من يضم ~~إليه من الشبان لما | اكتسبه في مواقع القتال من التجربة واتقان هذا الفن ~~الذي عليه المعول ومدار | حماية الوطن وحفظ أهله ، فلذلك لم تفتر همة محمد ~~علي باشا بل ازدادت عزيمته | بعد حرب اليونان فأخذ في تتميم نظام جيشه ~~واستعداد دونانمته ليعيد ما فقد في | هذه الحروب الهائلة . # ولما انشرح صدره مما سمعه من نجله إبراهيم باشا من حسن نظام الجيش | ~~الفرنساوي والدونمات الأورباوية أمر بإنشاء ألايات من السواري الذين | ~~يحملون المزاريق ويلبسون الزرد والدروع على هيئة جيش فرنسا ، واستدعى من | ~~يسمى المسيو ( دي سريزى ) لتنظيم الدونانمة والموسيو ( بوسون ) لتعليم ~~العساكر | البحرية وأعطى كلا منهما رتبة بيك وكان الطبيب ( كلوت بيك ) في ms092 ~~ذاك | الوقت باذلا جهده في إيجاد الإسبتالايات وتحسينها للزومها عند ~~الضرورة . # وأما سليمان بيك فكان في هذه الأثناء بينه وبين إبراهيم باشا بعض حزازة | ~~ربما كان سببها حسد الحاسدين ووشى الواشين ، لأنه كيف يظن أن إبراهيم باشا ~~| ينكر ما لسليمان بيك من الأعمال المشكورة فضلا عن أياديه في تنظيم الجيوش ~~| المصرية على نظام حسن لأنها لم تكن مؤلفة قبل إلا من أوباش الأرنؤد ~~وأخلاط | الترك الذين كانوا لا بغية لهم إلا السلب والنهب ونشر الفساد بين ~~العباد بما | كانوا يقترفونه من المحرمات على رؤس الأشهاد كنهب الأموال ~~وسبي الفتيات | والنساء زيادة عن خطف الولدان لإرضاء شهواتهم البهيجة بدون ~~رادع يردعهم | أو قامع بقمعهم عن ارتكاب الآثام إلى غير ذلك مما يأبى القلم ~~تسطيره . # أما جيوش سليمان بيك فكانت مؤلفة من أبناء البلاد الذين يعود عليهم | ~~نعيمها وشقاؤها ويلزمهم الدفاع بمالهم وأرواحهم عنها لأنها وطنهم ولا يخفى ~~أن | حب الوطن من الإيمان وكل إنسان يحب عليه حب اتساع وطنه لأنه كلما | ~~ازداد ازدادت الخيرات ونمت البركات . وكان سليمان بيك هو ناظم عقدهم | ~~PageV01P136 | وموشى بردهم ولم يكتف بتنظيمهم وتعليمهم بل بث فيهم روح ~~الإنتظام وحب | الشرف لكن أبى الحاسدون إلا إيقاع النفرة بينه وبين نجل ~~سيده الكريم إبراهيم | باشا حتى هجره مدة من الزمان ولم يسلمه قيادة الجيش ~~التي كان هو أحق بها | من غيره واستمر هذا النفور إلى أواسط سنة 1829 ، حتى ~~تداخل بينهما محمد | علي باشا وأزال ما كمن في صدر ولده من البغضاء من جهة ~~سليمان بيك | مؤكدا له أنه هو أول معضد للجيش ولا يمكن الإستغناء عنه ، ~~فلذلك صفح | إبراهيم باشا عنده وقلده وظيفته في الجيش فعادت المياه إلى ~~مجاريها . # هذا ويسوؤنا أن نقول أن مصر مع كونها قد تقدمت في زمن المغفور له محمد | ~~علي باشا عما كانت عليه في زمن المماليك ماليا وعسكريا ، لكن لم يصب | ~~الفلاح من هذا التحسين إلا كثرة الضرائب وأعمال السخرة لإتمام الأعمال | ~~العمومية التي لم تعد بالفائدة على فلاحي ذلك الوقت ms093 بل على من أتى بعده | ~~فكأنه غرس ليجني غيره ، ولكثرة الضرائب هاجر بعض فلاحي الوجه البحري | إلى ~~جهة الشام والأقطار السورية انقيادا لإغراء بعض أمراء هذه الجهات ووهما | ~~منهم أن من يلتجئ إلى هؤلاء الأمراء تكرم وفادته وتحسن مقابلته لكن لسوء | ~~حظهم لم ينالوا ما كانوا يسعون وراءه من طلب المنافع الزائدة والخيرات ~~الوافدة | ومهاجرة هؤلاء كانت هي السبب في إضرام النار واشتعال الحرب بين ~~والي | مصر وعبد الله باشا الجزار وإلى سورية ثم بين مصر والباب العالي . # وبيان ذلك أن محمد علي باشا طلب من عبد الله الجزار أن يرد إلى مصر كل | ~~من هاجر منها خوفا من ازدياد عدد المهاجرين لو وجدوا سورية بلدا آمنا | ~~يمكنهم الإقامة فيه مع عدم دفع الضرائب الثقيلة مثل ما يدفعونه في مصر لجمع ~~| الأموال اللازمة لأعمال الترع وإقامة الجسور وسائر الأعمال العمومية | ~~الأخرى ، فأما عبد الله الجزار فأبى ذلك ولم يرض به ، فاغتاظ لذلك محمد علي ~~| باشا وعزم على إرجاعهم بالقوة ومما زاد في غيظه أن له الأيادي البيضاء ~~والنعم | PageV01P137 | الجزيلة على الجزار فإنه توسط بينه وبين الباب ~~العالي في سنة 1822 لإرضاء | السلطان عنه حين أراد الجزار إدخال مدينة دمشق ~~في دائرة ولايته رغم أنف | الدولة العلية وآل ذلك إلى أن قهرته العساكر ~~الشاهانية حتى ردته على عقبه ، | بعد ما قتلت وأسرت غالب جيشه ولم يرض عنه ~~الباب العالي إلا بتوسط محمد | علي باشا وبشرط أن يدفع ستين ألف كيسة غرامة ~~فدفع عنه والي مصر جلها | إن لم يكن كلها . # وفي سنة 1831 ورد كتاب الجزار إلى محمد علي باشا بعدم إجابته إلى ما | ~~طلبه فأخذ في زيادة عدد الجيش وجمع المؤن والذخائر والخيل اللازمة لنقلها | ~~ونقل العساكر المشاة بين مصر والشام ، وبينما هو مشتغل بجمع رجاله إذ دهمت ~~| مصر داهية دهماء وهو تطرق الوباء إليها نعوذ بالله منه وانتشر بسرعة ~~غريبة بين | الأهالي وأنفار العسكر . # ولما لم يكن إذ اك ما لدينا الآن من الوسائط الصحية المانعة لإنتشاره ~~وكثرة | أذاه ms094 فتك بالعباد فتكا ذريعا حتى قيل أن عدد من توفي من المصريين ~~في شهري | أغسطس وسبتمبر ينيف على مائة وخمسين ألف وكان عدد سكان القطر ~~حينئذ | لا يزيد عن ثلاثة ملايين ، ولما اضمحلت وطأة الكوليرة رجع محمد علي ~~باشا | إلى الإستعداد لأجل محاربة الجزار فلم يكن إلا قليل حتى سافر من مصر ~~إلى | العريش الواقعة على الحدود الشامية ست ألايات مشاة وأربعة خيالة ~~ومعهم | أربعون مدفعا صغيرا وعدة من مدافع الحصار الضخمة مع ما يلزم من ~~المؤن | والذخائر وكان معهم المياه لعدم وجود ما يطفئ لهيب العطش في هذه ~~الرملة | المحرقة الفاصلة بين مصر والشام فقد قاسى الفرنساويون في اجتيازها ~~أنواع آلام | العطش وقت سفرهم لمحاربة البلاد الشامية سنة 1799 . | ~~PageV01P138 | ### || حصار عكا : # وفي هذا الوقت سافر إبراهيم باشا قائد الحملة مع حاشيته بحرا ، تحفزه | ~~الدونانمة المصرية في أكمل نظام وأحسن ترتيب وأبدع شكل وأغرب وضع | حتى وصل ~~مدينة ( حيفا ) وكانت قد احتلتها العساكر المصرية قبل قدومه بعد أن | فتحوا ~~في طريقهم ( غزة ) و ( يافا ) و ( بيت المقدس ) و ( نابلس ) ثم جعل مقره ( ~~حيفا ) | وجمع فيها الميرة والذخيرة وابتدأ في محاصرة مدينة ( عكا ) برا ~~وبحرا فكان | يحصرها من جهة البحر عدة من البوارج الحربية المسلحة بالمدافع ~~الكبيرة ومن | جهة البر ثلاثون ألفا من العساكر المنتظمة وابتدئت أعمال ~~الحصار في ست | وعشرين خلون من شهر نوفمبر سنة 1831 وأما عبد الله الجزار ~~فلم يعبأ بهذه | الإستعدادات لوثوقه بمنعه المدينة لقوة أسوارها وقلاعها ~~المحيطة بها من كل جهة ، | لا سيما وأنه لم يمكن ( بونابرت ) فتحها فدخل في ~~نفسه الغرور بذلك ولإعتقاده | أن الباب العالي لا يتركه بدون مساعدة ، وكان ~~كذلك ، فإن الباب العالي أرسل | لوالي مصر مندوبين يأمرانه أن يكف عن ~~محاصرة عكا وأن يخلي البلاد الشامية ، | ويهددانه بتدخل الباب العالي لو لم ~~يكف عن عداونه ، لكن لم يصغ محمد علي | باشا إلى تهديداتهم لعلمه أن الباب ~~العالي لا يمكنه تحقيق هذا الأمر لإشتغاله إذ | ذاك بمحاربة الروسيا ألد ~~أعدائه ، لكنه أظهر لهما ms095 الإمتثال وكتب سرا إلى ولده | إبراهيم باشا ~~بمضايقة المدينة وتشديد الحصار ليضطر أهلها إلى التسليم قبل | وصول العساكر ~~السلطانية إليهم لو أرسلت الدولة العلية جيوشها إليهم لإلزامه | القهقري . # وأما مدينة عكا فلم تكن من المنعة بالمكان العظيم الذي كان يظنه الجزار | ~~لأن عدم نجاح ( بونابرت ) أمامها إنما كان لمعاكسة الدونانمة الإنكليزية له ~~وقطعها | الموصلات بين الشام ومصر من جهة ، وأخذها مدافع الحصار التي ~~أرسلها قائد | الفرنساويين على طريق البحر من جهة أخرى ، لتعذر إرسالها برا ~~لوجود صحراء | العريش وعدم استيفاء لوازم النقل وكذلك تأخر إبراهيم باشا عن ~~دخولها لم | PageV01P139 | يكن ناشئا عن منعتها بل لعدم وجود مهندسين ~~محنكين بالجيش لإرشاد المدفعيين | إلى الجهة التي يلزم توجيه نيران المدافع ~~إليها لأن الشجاعة في مثل هذه الأحوال | لا تكفي على حدتها بل للعلم فيها ~~مدخل لا ينكر . ومما كان يزيد في ارتباك | الجيوش المصرية وعدم تفرغهم ~~لمحاصرة المدينة معاكسة سكان لبنان لهم | ومهاجمتهم إياهم في مناوشات صغيرة ~~متعددة وقد زادت قحتهم حين وصلهم | خبر قدوم العساكر الشاهانية لمحاربة ~~الجيوش المصرية وإلزامهم بالعودة إلى مصر . | ### || انتصار المصريين بقرب حمص : # كان الباب العالي قد تمكن في هذه الأثناء من جمع عشرين ألف مقاتل | ~~وأرسلها لمحاربة واليب مصر تحت قيادة عثمان باشا وإلى حلب فزحف بالفعل هذا ~~| الجيش الجرار قاصدا ( عكا ) ومستصحبا في طريقه كل ما لاقاه من عساكر | ~~وأعراب ودروز ، سواء كانت منتظمة أو غير منتظمة ولما بلغ هذا الخبر قائد | ~~الجيوش المصرية جمع مجلسا عسكريا من نخبة ضباطه الوطنيين والأجانب للتروي | ~~في أحسن الطرق لرد هجمات العثمانيين فقر رأي هذا الجمع على رفع الحصار | ~~مؤقتا وإرسال الجيوش إلا قليلا لحفظ خط الرجعة إلى ( عكا ) لمهاجمة الجيش | ~~العثماني في طريقه والإنقضاض عليه بغتة وتفريق شمله قبل أن يأتيه المدد ~~فقبل | إبراهيم باشا هذا المشروع وجعل نفسه رئيسا عاما على الجيش ووكل أمر ~~| الترتيبات اللازمة لسليمان بيك فلما عهد إليه هذا الأمر جمع ستة الآف من ~~| نخبة عسكره وعددا كثيرا من المدافع القوية وتقدم على ms096 طريق دمشق لمحاربة | ~~الأتراك وفي هذه الأثناء لما علم عبد الله باشا الجزار بتضعضع قوة المصريين ~~| عقب سفر نخبته ونخبة قواده إلى دمشق خرج من المدينة وهاجم المحاصرين فظهر ~~| عليهم وأخذ الكثير من مدافعهم وقاتلهم بها ، لكن إبراهيم باشا لم يعبأ ~~بهذه | الغلبة بل جد في طريقه لمقاتلة العثمانيين حتى إذا عاد بالنصر شدد ~~الحصار على | ( عكا ) وفتحها عنوة . | PageV01P140 | ثم وصل إلى مدينة ( ~~حمص ) حيث التقى في ضواحيها مع جيش عثمان باشا | وكان هذا الجيش مؤلفا من ~~فرسان العرب والأكراد فأحاطت بالعساكر المصرية | إحاطة الهالة بالقمر حتى ~~كان يخيل للناظر أن الجيش المصري لا يلبث أن يتفرق | أيدي سبا ، ولكن قام ~~حسن نظامه ومهارة ضباطه وشجاعة عساكره مقام كثرة | العدد وأغنت عن وفرة ~~العدد وذلك أن سليمان بيك رتب العسكر على هيئة | صفوف منتظمة ووضع وراءها ~~بطاريات المدافع حتى لا يراها المهاجم فانخدع | القائد التركي بهذه الحيلة ~~وهجم بكل قوته على الصفوف المصرية فلم ترد | هجومهم بل ثبتت مكانها إلى أن ~~صارت العساكر التركية على مسافة قليلة ، | فتقهقر المصريون خلف المدافع ~~وأطلقت هذه قنابلها فكسحت كل من بالسهل | من مشاة وركبان ، وبعد ذلك اقتفى ~~أثرهم المشاة المصريون عدو وأبلوا فيهم | بلاء حسنا وأعملوا فيها السيف ~~والرمح إلى أن أوصلوهم إلى نهر العاصي حيث | غرق كثير من الأتراك أما عثمان ~~باشا وباقي الضباط فاحتموا في مدينة ( حماه ) | وكانت هذه الواقعة فاتحة ~~الفتوحات الشامية وباكورة النصر على الجيوش | التركية كما سيجيء مفصلا إن ~~شاء الله تعالى . | ### || فتح مدينة عكا : # ثم صار إبراهيم باشا حتى احتل بعلبك بجيشه بعد أن أبقى في جميع الطرق من ~~| العسكر ما يلزم لحفظ خط الرجعة ومكث هناك مدة خوفا من رجوع العثمانيين | ~~إلى الكرة ، ولما علم أن عثمان باشا أرسل إلى الباب العالي يطلب المدد وأنه ~~لا | يأتيه إلا بعد شهرين أو أكثر إذا أسرع في إرساله ولم يعقه عائق يوجب ~~البطء | رجع إلى مدينة ( عكا ) وجدد الحصار عليها بكل شدة برا وبحرا ~~بمساعدة العرب | والدروز والمارونية ms097 الذين أتوه بأنفسهم طوعا بعد أن ظهر ~~على الأتراك ، | وكذلك الأمير بشيرا أكبر أمراء لبنان وأعظمهم شأنا ، أتى ~~إلى معسكر إبراهيم | باشا وطلب الدخول تحت حمايته . | PageV01P141 # وأخذ الحصار حينئذ وجهة أخرى واستمر إطلاق المدافع القوية بغاية الدقة | ~~والإتقان والإحكام ولم يزل الإطلاق مستمرا حتى تهشم السور وفتحت فيه | ~~فتحتان متسعتان وفتحة ثالثة صغيرة وحينئذ لم يتردد إبراهيم باشا في مهاجمة ~~| المدينة وأخذ في وضع الاستعدادات اللازمة وعين يوما للهجوم وكان يوم 27 | ~~مايو سنة 1832 وعند الصباح انقضت الجيوش المصرية على الفتحات الثلاث | ~~فاستولت على اثنتين منه وترددت قليلا أمام الثالثة فبادر إبراهيم باشا ~~وتقدم | بجزء من جيشه الإحتياطي لمساعدة هذا القول ، فدبت فيهم الحمية ~~العسكرية | وساروا عدوا حتى وصلوا إلى الفتحة المذكورة وصعدوا إلى السور ~~واستمر | القتال هناك بالسلاح الأبيض بينهم وبين ما بقي من الحامية إلى ~~المساء ، فاستسلم | الباقون وألقوا سلاحهم وأخذ في هذه الوقعة عبد الله ~~الجزار أسيرا وأرسل توا | إلى مصر فأكرم محمد علي باشا مثواه وأحسن لقياه . # ولما انتشر بمصر خبر فتح ( عكا ) لا سيما وقد أعيت ( بونابرت ) الحيل في ~~أخذها ، | زينت المدينة عدة أيام متواليات وكان البشر إذ ذاك يتلألأ على ~~وجوه المصريين | ويعلن بما ملأ قلوبهم من الفرح والسرور ، إذ لم يعهد من ~~ابتداء تولي العائلات | الأجنبية على مصر أنها انتصرت مثل هذا الإنتصار ~~الذي توسم المصريون به | التقدم والنجاح تحت ظل العائلة المحمدية العلوية ~~وطفقوا يدعون الله أن يديم لهم | محي مجد مصر ويطلبون منه سبحانه أن يحفظ ~~الذي أحياها من موتها حتى يتم | مشروعاته وينيلها استقلالها الإداري تحت ~~رعاية الدولة العلية الإسلامية . | ### || انتصار المصريين بقرب حلب : # كان لسقوط مدينة ( عكا ) في أيدي المصريين موقع عظيم في قلوب العثمانيين ~~| فاضطرب الباب العالي وخشى من تعاظم الخطب وازدياد مطامع المصريين فأراد | ~~تلافي الأمر قبل اتساع الخرق على الراقع ، فأمر بحشد الجيوش والكتائب وجمع ~~| بكل عناء وتعب ستين ألف مقاتل وأرسلهم لمحاربة إبراهيم باشا تحت قيادة | ~~حسين باشا مبدد الإنكشارية ولقبه بلقب ( سردار أكرم ms098 ) ووهب له ولاية مصر | ~~PageV01P142 | وولاية ( كريت ) لكن سوء حظه لم يساعده على دخول مصر لحسن ~~حظها كما | سترى . # فتقدم حسين باشا المذكور بجيشه مع البطء والتواني حتى إنه لم يصل إلى | ~~مضايق جبال ( طوروس ) إلا في أوائل شهر يوليو وكان لم يرد البعد عن مدينة | ~~( أنطاكية ) خشية من ملاقاة إبراهيم باشا ومن معه من أسود مصر ، بل أرسل | ~~محمد باشا والي حلب مع مقدمة الجيش وأمره أن يتحصن في مدينة حمص . هذا | ~~ولم يخف على إبراهيم باشا أن انفصال معظم الجيش العثماني عن مقدمته وكونه | ~~على مسافة بحيث يتعذر عليه الإسراع في مد يد المساعدة إليها إذا مست الحاجة ~~| لذلك ، من أكبر الغلطات العسكرية وأعظم الهفوات الحربية بل تنبه لذلك ~~وأراد | انتهاز الفرصة وضرب المقدمة أولا ثم محاربة حسين باشا وجيشه ثانيا ~~، فتوجه | بسرعة نحو دمشق ودخلها بدون عناء وترك فيها حامية قليلة ثم أخذ ~~يجد ويجتهد | في السير نحو مدينة حمص حتى وصل أمام معسكر محمد باشا والي ~~حلب بثلاثين | ألف مقاتل قبل أن يشعر به أحدا واستعد للترال فلم ير قائد ~~الجيوش التركية | مندوحة عن القتال وأخذ في الاستعداد والتأهب له . # وأما إبراهيم باشا فإنه سلم قيادة الجند إلى سليمان بيك لما شاهد منه ~~الحنكة | والدراية فقسم الجيش إلى ثلاثة صفوف متوازية وجعل يمينه مرتكزا ~~على | صحراء وشماله على بحيرة صغيرة ووضع جنوده الخيالة في الجناحين وثلاث ~~| بطاريات طوبجية في الأمام وأربعا خلف الجيش لتتقدم عند الضرورة وبعد ما ~~أتم | هذه الترتيبات ابتدأ بإطلاق النيران من البطاريات الأمامية . # أما محمد باشا والي حلب قائد الجيوش التركية فلم يرتب جيشه إلا على | ~~صفين فقط ولا يخفي ما ينشأ عن ذلك من ضعف نار المشاة ولم يحسن ترتيب | ~~الطوبجية لأنه فرقها ووضع بين كل أورطة من المشاة مدفعا واحدا فكان عدم | ~~الإحتياط في ترتيبها سببا في إضاعة قوتها ثم ارتكب غلطة أخرى أعظم من | ~~الأولتين ، وهي وضع جناحه الأيمن في نقطة بحيث يتعذر عليه الخروج منها | ~~PageV01P143 | بسرعة لمساعدة الجناح الآخر ms099 أو القلب وهذه النقطة كانت محاطة ~~بترعة وبركة | وطريق عام فلما رأى سليمان بيك هذه الترتيبات وعلم أن جناح ~~الترك الأيمن | في حيز العدم وجه كل قوته نحو الجناح الأيسر والقلب فصوب ~~إليهما مدافع | بطارياته الأمامية وفي أثناء إطلاق القنابل ذهب ببطارياته ~~الإحتياطية وبعض من | الخيالة وساروا بميل حتى وصلوا إلى طرف الجيش من جهة ~~اليسار وهناك هجم | بمدافعه وخيله فشتت شمل الجناح الأيسر والقلب وفرقهم ~~أيدي سباحين ، كان | الجناح الأيمن لا يقوى على التحرك من مكانه فانهزم ~~الجيش التركي ورجع محمد | باشا وما بقي من جيشه إلى مدينة حلب ، ووجد ~~بالقرب منها حسين باشا مع | بقية الجيش . # وكانت هذه الواقعة في 9 يوليو سنة 1832 وبلغ عدد القتلى من الترك | ألفين ~~والأسرى ثلاثة آلاف وكانت الغنيمة فيها للمصريين اثنى عشر | مدفعا وكثيرا ~~من الذخائر والخيام فتقهقر محمد باشا إلى حلب حيث التقى بحسين | باشا وجيشه ~~ولما أراد حسين باشا الدخول في مدينة حلب ليتحصن فيها منعه | سكانها خوفا ~~من انتقام إبراهيم باشا منهم فاضطر حسين باشا أن يتقهقر ليبحث | عن مكان ~~حصين يمكنه فيه أن يوقف سير المصريين ويصدهم عن بلاد الأناضول | واستمر في ~~رجوعه حتى وصل جبال ( طوروس ) الفاصلة بين الشام والأناضول | وتحصن في مضيق ~~هناك بقرب من مدينة تدعى ( بيلان ) حيث جمع شتيت قواه | مع الاحتياطي من ~~جيشه . وهذا المضيق هو الطريق الوحيد بين بلاد الشام | والأناضول وهو مشهور ~~في التاريخ لمرور الإسكندر المقدوني منه في الجيل الرابع | قبل المسيح حين ~~زحف بجيشه لفتح بلاد الشام ومصر لمرور الإفرنج حين أتوا | على طريق ~~قسطنطينية في زمن الحروب الصليبية لفتح بيت المقدس . | ### || واقعة بيلان : # في أثناء هذه المدة تقدم الجيش المصري بغاية السرعة حتى وصل مدينة حلب | ~~فدخلها في يوم 17 يوليو سنة 1832 بدون أن يجد أدنى مقاومة من الأهالي | ~~PageV01P144 | وترك بها جزأ من المهمات العسكرية وخفرا قليلا من الجند ولم ~~يزل مجدا في | طلب العدد ومرسلا في أثره طلائع الجيش حتى عثر على حسين باشا ~~مع ms100 جيشه | متحصنين في جبال ( طوروس ) حيث أقيمت القلاع الحصينة على قمم ~~الجبال | حتى صار الممر صعبا فوصل إبراهيم باشا مع جيشه يوم 29 يوليو من ~~هذه | السنة إلى معسكر الجيش التركي فاندهش من مناعة الممر لكن لم يلبث أن ~~جمع | مجلسا حربيا مركبا من كبار ضباط الجيش وتداولوا الرأي في الطريق التي ~~يمكن | بها الإستيلاء على هذا المضيق بدون أن يعرض جيشه إلى مدافع العدو ~~المركبة | على قمم الجبال فبعد أن استكشفوا مواقع العدو والنقط التي نزل ~~بها وتحققوا | أنه يوجد قمم أعلى من هذه القمم استقر رأي هذا المجلس على ~~الإسراع في | احتلال هذه القمم العليا بدون تأخير حتى يتمكن الجيش المصري ~~من إطلاق | بنادقه ومدافعه على الجيش التركي الذي يكون إذ ذاك في موضع حرج ~~| فصدرت الأوامر إلى العساكر المصرية بالصعود واحتلال القمم المذكورة بدون ~~| أن تستريح من التعب وما ذاقوه من النصب ورفعت المدافع الضخمة مع العناء | ~~والمشقة إلى هذه القمم الشامخة . # وبمجرد ما تمت هذه التجهيزات الإبتدائية صوب المصريون نيرانهم على | ~~العدو من أعلى إلى أسفل فوقع الفشل في الجيش التركي ولم يدر كيف يقاوم | ~~عدوا تصله مقذوفاته ولا يمكنه أن يجاوبه بمثلها ، ولم يمض كثير من الزمن ~~حتى | تقهقر الأتراك وتركوا المعاقل والحصون وأرادوا النزول إلى الوادي ~~فقابلتهم | سواري المصريين بالسيوف وأخذوا في ضربهم حتى تفرق شملهم واغتنم ~~| المصريون في هذه الواقعة خمسة وعشرين مدفعا وألفين من الأسرى وكثيرا من | ~~الذخائر والتجأ كثير من الترك إلى ضواحي مدينة اسكندرونة للهرب على | ~~الدونانمة لكن لسوء حظهم كانت الدونانمة قد سافرت فلما علم المصريون | بذلك ~~اقتفوا أثرهم وتبعوهم إلى اسكندرونة حيث لحقوهم في اليوم التالي | وطردوهم ~~من المدينة وغنموا منهم أربعة عشر مدفعا وجما غفيرا من الأسرى . | ~~PageV01P145 # وكانت هذه الواقعة هي الطامة الكبرى والخيبة العظمى لحسين باشا وجيشه | ~~ويقال أن حسين باشا ترك جيشه ليلا واختفى حتى لم يوقف له على أثر خوفا مما ~~| يلحقه من العار بسبب انخذاله أمام جيوش أحد أتباع الدولة العلية وفرارا ~~مما ms101 | يحكم عليه به من العقاب والقتل بسبب ذلك واختلف الناس في كيفية فراره ~~| على أوجه شتى فقال فريق أنه فر على مركب يونانية بعد أن اتخذ كل ما كان | ~~معه من ماله الخاص ومال حكومته لكن غدر به ربان السفينة واغتال ماله وألقاه ~~| ومن معه على جزيرة صغيرة من جزائر الأرخبيل حتى أهلكهم الجوع فيها وقال | ~~فريق أنه اختفى في إحدى قرى الأناضول وأمضى فيها ما بقي من عمره في | عيشة ~~بسيطة كأحد أفراد الرعية ولم يرد الظهور بعد ذلك ، وكل هذا رجم | بالغيب ~~أما الحقيقة الحقة فلا يعلمها إلا موجد الكائنات وبارئ النسمات | سبحانه جل ~~جلاله وعظم سلطانه . | ### || واقعة قونية : # ثم إن إبراهيم باشا اجتاز بعد ذلك جبال ( طوروس ) وجاوز حدود بلاد | ~~سوريا ودخل ولاية ( أطنه ) ولكن لم يبغ التقدم إلى الأمام بل بذل جهده في | ~~تنظيم ما فتحه من الولايات بعد أن أدخل في دائرة فتوحاته مدائن انطاكية | ~~وطرسوس وأطنه وأقام مع جيشه في هذه المدينة إلى 13 أكتوبر سنة 1832 ثم | ~~انتقل بخيله ورجله إلى الأمام لمقابلة الجيش التركي الجديد الذي أرسله ~~السلطان | لمحاربته لأنه لم يكن من عاداته أن يدع العدو يهاجمه بل كان هو ~~يقابله في سيره | ويهجم عليه من حيث لا يشعر فضلا عن أن يوقع في صفوفه ~~الفشل وكان هذا | الجيش مؤلفا من جميع الشعوب المكونة للدولة العلية ولا ~~رابطة بينها من | الروابط التي يتحرك بها الجيش حركة واحدة كرجل واحد لأن ~~الدولة العلية لم | تتمكن من التأليف بين قلوب رعاياها حتى تكون منهم أمة ~~واحدة عثمانية بل لم | يزل كل شعب محافظا على تقاليده وعوائده ولا تجمعه مع ~~باقي الشعوب إلا | جامعة الخضوع لسلطان واحد ذي بأس وبطش . | PageV01P146 # ومن المعلوم أن تباين الشعوب واختلاف أهوائهم ومشاربهم لا تزيله قوة | ~~السلطة ولا تهدمه من أصل وأن كانت تخمد ناره وتكسر أواره . ألا ترى أن | ~~السلطة التي تجمع هذه الأضداد وتؤلف بينهم بحسن إيالتها وتلم شعث ما بينهم ~~| من تنافر الجنسية واختلاف المشارب إذا ms102 أحسوا منها وهنا أو قصورا في القوة ~~| والثروة طمحت أبصارهم وتشوفت نفوسهم إلى مبارزتها بالعداوة وأسرع كل | ~~شعب إلى بني جلدته وأهل مشربه ، وحسبك دليلا على ذلك معاهدة برلين وما | ~~اشتملت عليه من استقلال بعض الشعوب وانضمامها إلى أحدى الدول | الأوربية . ~~ولتقتصر على ذلك خوفا من الخروج عما نحن بصدده ونرجع إلى ما | كنا فيه ~~فنقول : # كان هذا الجيش تحت قيادة رشيد باشا الذي اشترك قليلا مع إبراهيم باشا | ~~في محاربه ( موره ) وخصوصا أمام مدينة ( ميسولونجي ) وامتاز بعد ذلك في ~~محاربة | من يدعى مصطفى باشا والي ( اشقودره ) ببلاد الأرنؤد ولما اجتمع ~~هذا الجيش | العرمرم بمدينة ( استانبول ) استعرضه السلطان بنفسه وضم إليه ~~ست ألايات من | المشاة المنتظمة مع إضافة عدد وافر من المدافع حتى بلغ عدده ~~ستين ألف مقاتل | ثم تقدم رشيد باشا إلى بلاد الأناضول لصد هجمات إبراهيم ~~باشا عن مدينة | القسطنطينية عاصمة الدولة العلية . وكان إبراهيم باشا قد ~~تقدم حتى وصل | مدينة ( قونية ) وجعلها مقرا لأعماله الحربية ومركزا ~~للذخائر والمؤن وبث طلائع | جيشه إلى سائر ضواحي البلد وتفقد بنفسه كل ~~النقط المهمة واستعرض جيشه | فوجد من حسن نظامه ما انشرح منه صدرا وقر به ~~عينا وأمل الظفر علي رشيد | باشا كما انتصر علي حسين باشا ، وما النصر إلا ~~من عند الله . # وفي 18 ديسمبر من سنة 1832 وصلت مقدمة الجيش التركي تحت قيادة | رؤف باشا ~~إلى شمال مدينة ( قونية ) وكانت هذه المقدمة مؤلفا أغلبها من الجيوش | غير ~~المنتظمة ، فناوشهم إبراهيم باشا ليتحقق قوة انتظامهم ودرجة ثباتهم ولما | ~~آنس منهم الضعف أراد أن يظفر بهم ويفرق شملهم ويشتت جمعهم قبل وصول | ~~PageV01P147 | الجيش فلم يقبل رؤف باشا الحرب لتحققه من عدم الثبات أمام ~~الأسود المصرية | فانقضى يوما 18 و 19 في مناوشات خفيفة كانت نتيجتها أخذ ~~بعض مدافع | وبعض أسرى من الأتراك . ثم في صبيحة يوم 20 من الشهر انتشر خبر ~~وصول | رشيد باشا وجيشه إلى مقربة من ( قونية ) وحينئذ تحقق الكل أن هذه ~~الواقعة | ستكون خاتمة الحرب وأنه لو انهزمت ms103 العساكر التركية ، خيف على ~~الدولة العلية | من تقدم المصريين نحو القسطنطينية وبمجرد وصول رشيد باشا ~~أخذ يتأهب | للقتال فرتب جيشه المركب من ستين ألف مقاتل على أربعة صفوف ~~وجعل | الخيالة لوقاية الخلف والأجنحة ، لكنه ارتكب الخطأ الذي كان سببا في ~~انخذال | حسين باشا أمام حلب ، وهو تفريق المدافع بين كل أورطة وأخرى ~~وتشتيت | قواها وتفريقها حتى لا يعود لنيرانها تأثير ومن البديهي أن نفس ~~الأسباب تنشأ | عنها نفس المسببات . # وأما إبراهيم باشا فلم يكن معه إذ ذاك إلا ثلاثون ألف مقاتل مدربون على | ~~فنون القتال وحضروا كل الوقائع الحربية التي حصلت بين الترك والمصريين من | ~~ابتداء الحرب ، مع أن الجيوش التركية كانت مؤلفة من أحداث مختلطي الأجناس | ~~مختلفي الملل ومع ذلك لم يسبق لأغلبهم اقتحام نيران الحرب ومشاهدة أهوالها ~~، | ومما قوى في قلوب المصريين الأمل في الفوز والإنتصار ثقتهم برؤسهم ~~وتعدد | النصر لهم المرة بعد المرة في سائر الوقائع التي شهدوها ، ' وكم من ~~فئة قليلة | غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ' . # وبعد أن انتظم كل من الجيشين تقدم الجيش التركي إلى الأمام ، أما المصري ~~| فمكث في مكانه لا يبدي حراكا وكان الضباب الكثيف الكثير الموجود في بر | ~~الأناضول خصوصا في مثل هذا الشهر سادلا أستاره على الجيشين ومخفيا كلا | ~~منهما عن أعين الآخر ولذلك لم يبدأ إبراهيم باشا بالضرب كي لا يعرف العدو | ~~مكانه ، أما رشيد باشا فبمجرد وصوله على مسافة خمسمائة متر ابتدأ بإطلاق | ~~البنادق والمدافع فعلم إبراهيم باشا وسليمان بيك ترتيب جيش العثمانيين | ~~PageV01P148 | وتفريق مدافعهم ، ثم شاهد سليمان بك المشاة التركية انفصلت ~~بسبب الضباب | عن الخيالة فأمر في الحال المشاة من المصريين بالدخول بين ~~الفريقين ليستحيل | إجتماعهما ورجوعهما إلى ما كانا عليه من الإلتئام ~~والإنضمام ولقد أوقعت هذه | الحركة العسكرية الرعب والفزع في قلوب الأتراك ~~فوقفوا مبهوتين يقدمون | رجلا ويؤخرون أخرى إلى أن فاجأت الخيالة المصرية ~~الخيالة التركية وأعملت | فيها السيف حتى بددتها ووجهت المدفعية المصرية ~~قنابلها على المشاة التركية | فأهلكتها ودمرتها . # ولما رأى رشيد باشا ms104 أن لا مناص من الانهزام أراد أن يستقتل في الحرب فنزل ~~| بنفسه في وسط المعركة يقاتل كجندي ولكن لم يفز ببغيته بل وقع أسيرا في ~~أيدي | المصريين فجاؤا به إلى إبراهيم باشا فأحسن وفادته ، ولما انتشر خبر ~~أسره وقع | الفشل في صفوف الأتراك فولوا الأدبار وركنوا إلى الفرار وفاز ~~المصريين بفوز | لم يسبق له مثيل في تاريخهم واغتنموا من هذه الوقعة نيفا ~~ومائة مدفع وكثيرا من | الذخائر وأسروا عشرة آلاف عسكري كان من ضمنهم كثير ~~من القواد العظام | والضباط الكرام . # وكان لهذه الوقعة تأثير مهم في قلوب سكان الأناضول وصار المصري أو من | ~~يتبعه مهيبا معظما أينما حل ومما يؤيد ذلك ما روى أن شخصا يدعى محمد أغا | ~~دخل مدينة أزمير ومعه أربعة رجال واستولى عليها باسم إبراهيم باشا وطرد | ~~حكامها واستبد فيها بأمره ولم يقدر أحد من السكان ولا من غيرهم على | ~~إخراجه ، لكنه ما لبث أن اضطرته العساكر الشاهانية إلى الهرب وإخلاء ~~المدينة | أما إبراهيم باشا فلم يرد أن يزيد شواغله باحتلال ( أزمير ) لما ~~يترتب عليه من | سلخ جزء من جيشه وإرساله إليها فأنكر معرفة محمد أغا ~~المذكور وبذلك زالت | هذه المسألة الغريبة التي ليس لها أدنى أهمية حربية ~~ولكن أوردناها اثباتا لما وقع في | قلوب الأتراك من بأس المصريين ومهابتهم ~~. | PageV01P149 | ### || تداخل الدول : # ولقد اضطربت لذلك الدولة العلية فخشيت من تقدم إبراهيم باشا مع | جيشه ~~وأوجست خيفة من سوء العاقبة ولما لم يبق لها من الجيوش المنتظمة ما | ~~تعترضه به في طريقه استعانت بالسياسة الأورباوية فتداخلت الدول العظام في | ~~المسألة لتسويتها بحل مرضى للطرفين خشية من دخول إبراهيم باشا اسلامبول | ~~واستفحال أمره وأما الروسية فانتهزت هذه الفرصة للتداخل بالفعل بين الدولة ~~| العلية ورعاياها المصريين فأرسلت سفنها إلى شواطئ الأناضول الشمالية لمنع ~~| تقدم إبراهيم باشا نحو القسطنطينية وأنزلت إلى البر برضا الباب العالي ~~نيفا | وخمسة عشر ألف نفس من جيشها لمحاربة إبراهيم باشا إذا اقتضى الحال . ~~وكان | ذلك منها لما خشيت من أنه لو استولى محمد علي باشا على ms105 تخت الدولة ~~العلية لم | يتيسر لها حينئذ تنفيذ وصية بطرس الكبير فتداخلت فرنسا ~~وانكلترا وعارضتا | الروسيا في نزول عساكرها في أرض الدولة العلية وبعد ~~مخابرات طويلة التزم | الروسيون بسحب عساكرهم إلى الحدود ، وتوصلتا أيضا ~~إلى إبرام الصلح بين | السلطان محمود ومحمد علي باشا بأن يعطي ولاية مصر ~~مدة حياته ويقلد ولايات | كريد والشام وقسم أطنه . # وسميت هذه المعاهدة بمعاهدة ( كوتاهية ) نسبة إلى البلد التي كان إبراهيم ~~باشا | بها وقت الإتفاق ولم يتجاوزها إتباعا لأوامر الدولة وصدرت إرادة ~~السلطان | الشاهانية بذلك في مايو سنة 1833 وبعد ذلك أخلى إبراهيم باشا ~~بلاد | الأناضول وإجتاز جبا ل ( طوروس ) عائدا إلى الشام حيث أخذ في تنظيم ~~البلاد | ونشر أسباب الراحة والأمن بين العباد . # أما الباب العالي فأجاب إلى هذه المطالب إتباعا لمشورات الدول الأورباوية ~~| عموما ، وفرنسا وانكلترا خصوصا ، فإنهما بذلتا جهدهما في إقناع الباب ~~العالي | بمصالحة تابعه ، بدون تداخل الروسيا دخولا حربيا فإنه أمر لا يؤمن ~~أن يعود | على تركيا بما لا ترضاه فقفل الباب العالي ذلك ظاهرا وأخذ في ~~الاستعداد سرا | PageV01P150 | في تدريب الجيوش وتجهيز العدد والعدد لرد ما ~~سلب من أملاكه كما سيجيء | ذلك مفصلا . # هذا أما الروسيا فتمكنت في مدة نزول عساكرها بأرض الدولة من إبرام | ~~معاهدة مع الباب العالي تدعى معاهدة ( أنكاراسكله سي ) كان من أهم شروطها | ~~أن كلا من المتعاقدين يتعهد بالذب والمدافعة عن الطرف الآخر عند حصول | خطر ~~داخلي أو خارجي له ومنها غير ذلك من الشروط التي لا تخلو من الإذلال | ~~والإحجاف ولكن بمساعدة المقادير لم تنفذ شروط هذه المعاهدة مطلقا لإحتجاج | ~~الدول الأورباوية عليها ولتنبه الباب العالي إلى مضارها . # وأما إبراهيم باشا وسليمان بك فأخذا ينظمان البلاد الشامية تنظيما إداريا ~~| وسياسيا وحربيا وعسكريا حتى ساد الأمن في ربوعها وانتشرت السكينة في | ~~أنحائها وأمن على النفس والمال من أن تعبث بها أيدي الظلم والإعتساف ، | ~~وراجت التجارة واتسع نطاقها وكثرت المعاملات بين الشام والبلاد الأورباوية ~~| وازدادت الصادرات والواردات ضعفي ما كانت عليه قبل ضمها إلى مصر | ونمت ~~المحصولات ms106 . وصار كل إنسان واثقا بأنه يحصد ما يزرع بدون أن يشاركه | العرب ~~أو تقاسمه فيه الحكام ، كما كان حاصلا قبل حلول إبراهيم باشا بها ثم أمر | ~~إبراهيم باشا بزرع كثير من شجر التوت اللازم لإزدياد محصول الحرير ، فغرس | ~~نحو مائة ألف شجرة ، وغرس في ضواحي مدينة أنطاكية أشجار الزيتون وتغطت | ~~جبال سوريا وهضباتها بكروم العنب لتصدير الخمر ، فزهت البلاد الشامية | ~~وأينعت وعادت إلى بعض ما كانت عليه في أعصر الفنيقيين والرومانيين وتحقق | ~~الثقات أنها لو استمرت تابعة لمصر لصارت من أخصب بقاع الدنيا وأكثرها | ~~زراعة وتجارة . وفي هذه الأثناء أنعم العزيز محمد علي باشا علي سليمان بك | ~~الفرنساوي بلقب باشا مكافأة له على خدمته الصادقة أثناء هذه الحروب ، لكن | ~~لم يستمر أمر البلاد الشامية في قبضة محمد علي باشا إذ لم يأل الباب العالي ~~| جهدا في استرجاعها إليه فأخذ يستعد برا وبحرا ويتروى مع الدول في الطريق ~~PageV01P151 | المؤدية إلى إرجاع الشام إليه ، خصوصا قسم أطنة الواقع خلف ~~جبال ( طوروس ) | لأن المصريين باحتلال مضايق هذه الجبال يمكنهم الإغارة ~~على بلاد الأناضول في | أي وقت شاءوا . | ### || عصيان أهل الشام أول مرة : # استمرت الشام على هذا التقدم إلى أوائل سنة 1834 فأصدر محمد علي | باشا ~~أوامره المشددة إلى نجله إبراهيم باشا بإحتكار جميع أصناف الحرير لجانب | ~~الحكومة وبضرب جزية جريدة على كل الأهالي بدون تمييز بين الجنسية أو | ~~الديانة وبتجهيز عدة ألايات من سكان البلاد الشامية ، ومما زاد أهل الشام | ~~انحرافا عن محمد علي باشا أمره بنزع السلاح من جميع الأهالي لأنهم من شعوب ~~| غير مؤتلفة وديانات مختلفة وعادات ليست بمتفقة ولذلك لا ينقطع الشقاق من ~~| بينهم ، الأمر الذي يقضي غالبا على استعمال السلاح لا سيما وأن البلاد | ~~الشامية تحفها من جهة الشرق صحاري رملية يسكنها بعض قبائل العرب | الرحل ~~الذين لا طريق لتكسبهم ولا سبيل لتعيشهم إلا السلب والنهب | والتعدي على ~~القرى الواقعة على حدود الصحراوات ، وربما توغلوا في داخلية | البلاد لهذه ~~الغاية المشؤمة والسجية المذمومة ، فلذلك صارت الأسلحة النارية | وغيرها من ms107 ~~ضروريات السكان ولوازمهم للدفاع عن أنفسهم والذود عن | أولادهم والذب عن ~~أموالهم ، فإلزامهم بعدم حمل السلاح بمثابة جعلهم هدفا لسهام | تعدي الغير ~~عليهم وهم عزل ولم يدر بخلدهم أنه بحسن إدارة إبراهيم | باشا وسهره على ~~راحة الأهالي صار لم يخش من هؤلاء العرب على تكدير | كأس الراحة العمومية ~~وأن إبراهيم باشا لما عرف به من الشجاعة وحسن | السياسة كان كفؤا اللذود ~~والدفاع عنهم وإذا تكرر ذلك فقد صار حمل السلاح | مضرا بالهيئة لعدم ~~الإحتياج إليه للدفاع عن المال والنفس واستعماله حينئذ لا | يكون إلا في ~~المخاصمات الخصوصية بين أفراد الطوائف المختلفة ، ولما كان لواء | الأمن ~~منشورا والعدل منثورا صار أمر نزع السلاح ضروريا لإستتباب الأمن | وتوطيد ~~أركانه بين هذه الأمم مختلفي الديانات والمذاهب والأجناس والعقائد ، | ~~PageV01P152 | لكن اتخذ المفسدون هذا الأمر ذريعة لإلقاء المفاسد بين ~~الأهالي وتوغير صدورهم | من الإدارة المصرية التي لم يروا في باقي الولايات ~~مثلها في الإنتظام والعدل بين | الرعية وأفهموهم أن محمد علي باشا لم يأمر ~~بهذا الأمر إلا ليستعبدهم ويغتصب | أملاكهم وأموالهم بعد تجريدهم من السلاح ~~. # فلما وصلت هذه الأوامر إلى إبراهيم باشا وكان إذ ذاك في مدينة ( يافا ) ~~لم | يتردد في نشرها بين القبائل وفي سائر البلاد مشددا في تنفيذها بدون ~~إمهال ولا | توان ، متوعدا من يبدي أدنى معارضة بصارم العقاب وشديد الجزاء ~~فتأثر لذلك | كل الأهالي ما بين صغير وكبير وشريف وحقير وأخذوا في التعصب ~~ولما لم يجدوا | ثمرة لتعصبهم ورأوا أنه لا بد من نزع السلاح من أيديهم ~~طوعا أو كرها عزموا | على الإمتناع وشق عصا الطاعة وساعدهم على ذلك أرباب ~~الغايات | وأطمعوهم في المساعدة ماديا وأدبيا إذا اقتضاها الحال فصغوا ~~لوسوسة هؤلاء | الشياطين وغواية الغاوين . # وابتدأت الثورة بجوار البحر الميت ( بحيرة لوط ) وعلى شواطئ بحر الأردن | ~~بجوار مدينة أوريشلم ( بيت المقدس ) وأعلن قبائل هذه الجهات أنهم لم يذعنوا ~~| ولم يمتثلوا قط لأوامر الباب العالي فكيف يتبعون أوامر والي مصر الذي هو ~~تابع | له ، وأنهم يريدون المحافظة على استقلالهم ولو كان في ذلك ms108 هلاكهم عن ~~آخرهم | وكان ذلك في شهر إبريل سنة 1834 . # فلما وصل إلى إبراهيم باشا خبر عصيانهم قام لوقته مستصحبا معه فرقة من | ~~جيشه وسار قاصدا وادي الأردن لمعاقبة العاصين وجد في سيره حتى وصل | مدينة ~~أوريشلم قبل أن يبلغهم خبر قيامه من ( يافا ) فاستدعى إليه أعيان القوم | ~~وأكابرهم فمثلوا بين يديه وسألهم عن سبب توقفهم في الإمتثال لأوامر الوالي ~~| وهل هم مصرون على التمادي في العصيان فأجابوه بأنهم غير معارضين في | ~~PageV01P153 | احتكار الحرير لكنهم معارضون كل المعارضة في أخذ شبانهم إلى ~~العسكرية | وأنهم مستعدون لدفع الضريبة ولو ضعفين ولإرسال بعض أولاد ~~المشايخ بصفة | رهينة تأمينا على طاعتهم بشرط إعفاء شبانهم من العسكرية أما ~~نزع السلاح | فلم يذعنوا له مطلقا . # فلم يقبل ذلك منهم إبراهيم باشا ، بل أخبرهم أنه لا بد من تنفيذ أوامر | ~~والده بدون تغيير أو تبديل ، فلما رأوا أن لا مناص استأذنوا في العود إلى ~~المدينة | وعرض ما تم بينه وبينهم من الحديث على الأهالي ، وأوروه أنهم في ~~حد ذاتهم | مذعنون لأوامره وسيبذلون جهدهم في إقناع القوم بالامتثال لكنهم ~~يرجون منه | لو خاب مسعاهم ولم يقبل الأهالي هذه الطلبات أن لا يؤاخذهم ولا ~~ينسب | ذلك إلى سوء نيتهم وفساد طويتهم ، فأذن لهم بالذهاب مظهرا اعتقاده ~~بحسن | نيتهم ، وكان يريد بإظهار البشاشة لهم وعدم الشدة عليهم التخلص من ~~الحرب | فرارا من عدو هو أنكى وأشد بطشا من عصيان الأهالي ، ألا وهو الهواء ~~الأصفر | الجالب للموت الأحمر ، الذي أتى مع الحجاج عند عودتهم من تأديه ~~الفريضة | وفشا بأوريشلم وفتك بأهلها فتكا ذريعا حتى خيف امتداده وتعديه ~~إلى خارجها | فقفل إبراهيم باشا راجعا إلى ( يافا ) ومكث ينتظر جواب أهالي ~~المدينة ، ولم يظهر | الوباء في مدينة ( يافا ) ذلك الوقت . # ولقد كان لمجيء إبراهيم باشا أمام مدينة القدس تأثير حسن ، فألقى الرعب ~~في | قلوب القبائل المجاورة وهدأ الأهل وعادت السكينة كما كانت لكن هذا ~~الهدوء | لم يكن إلا ظاهرا لأن إدخال شبان البلاد في الخدمة العسكرية ~~وزيادة الضرائب | مما أوغر صدور السكان ms109 على الإدارة المصرية فلم يكن سكونهم ~~إلا انتظارا | لفرصة مناسبة يشقون فيها عصا الطاعة . | ولقد ساعدهم الحظ ~~فلم يمض عليهم طويل زمن حتى سنحت لهم تلك | الفرصة المنتظرة وذلك أنه شاع ~~أن الدولة العلية تجمع الجيوش وتؤلف الكتائب | في بلاد آسيا الصغرى وأن ~~رشيد باشا الذي كان قائدا للجيوش التركية في | PageV01P154 | واقعة ( قونية ~~) وأسر فيها ، كما سبق لنا ذكره في محله ، ولي قيادة هذا الجيش | الجديد ~~ليعوض ما فقده من شهرته في تلك الواقعة فلما شاع ذلك الخبر وعلم به | العرب ~~النازلون على ضفاف البحر الميت نزعوا إلى العصيان وامتدت تلك | الثورة ~~بسرعة عجيبة إلى جبال يهوذا حتى تفاقم الخطب وتعسر الخلاص لولا ما | اتصف ~~به إبراهيم باشا وقائده سليمان باشا من العزم في الخطوب والحزم في | الكروب ~~. | ### || عصيان الشيخ قاسم وأبي غوش : # وكان من المحرضين على هذه الثورة الشيخ قاسم حاكم مدينة ( نابلس ) وهو | ~~من عائلة شريفة شهيرة بقدمها وعراقتها في النسب ، ومن مآثر المرحوم إبراهيم ~~| باشا أنه بذل له ولأولاده جزيل نعمه وولي أكبرهم مدينة ( حبرون ) ليستميل ~~إليه | هذه العائلة المسموعة الكلمة في سائر أكناف المدينة وضواحيها ، لكن ~~هذا | الشيخ أنكر الجميل وكان أول مناد بالعصيان وأول محرض على الثورة فلبي ~~| نداءه سكان الجبال المجاورة الذين لا يودون أن يكونوا تابعين لأي حاكم ~~ولو | كان أعدل الحكام وكذلك عائلة من يسمى ( أباغوش ) النازلة في الأودية ~~الواقعة | بين أوريشلم ويافا فإنها رفعت راية العصيان وقطعت الطريق بين ~~المدينتين | بإحتلالها كل مسالك الجبال ومضايقها ، لكن ربما يلتمس لهذه ~~العائلة عذر لأنها | لم تجد ما وجده الشيخ قاسم وأولاده من إبراهيم باشا من ~~حسن المعاملة | وإسدال النعم والعطايا الجمة فضلا عن الحجر على رئيسها ~~بمدينة عكا لما اقترفه | من سوء معاملة الحجاج وعدم السماح لهم بالمرور من ~~أرضه ما لم يعطوه جعلا | معلوما مع تنبيه إبراهيم باشا عليه بإبطال هذه ~~العادة فهاجمت عائلة ( أبي غوش ) | وأعوانها النقط المصرية المعينة لحفظ ~~الطريق من قطاع الطرق . ولما كانت حامية | هذه النقط غير كافية ms110 لمنع تعدي ~~مثل هؤلاء الطغاة قفلت راجعة إلى مدينة يافا | بعد أن دافعت دفاع الأبطال ~~وقامت مقاومة الأسود في الجبال وكذلك حامية | أوريشلم ما لم تستطع إيقاف ~~حركة العصيان ولا إطفاء لهبها المستعر تركت خطة | الهجوم وتحصنت في قلعة ~~المدينة حتى يأتيها المدد . | PageV01P155 | فلما بلغ إبراهيم باشا هذه ~~الأخبار المكدرة للبال المهيجة للبلبال المزعجة | لأبطال الرجال أرسل في ~~الحال ألايا من الفرسان لكج جماح الثائرين لكنه لم | يقدر على مقاومة قبيلة ~~( أبي غوش ) المحتلة للطريق الموصلة بين ( يافا ) | و ( أوريشلم ) فبعد أن ~~قتل في القتال قائد هذه الفرقة والسواد الأعظم من رجالها | عاد الباقون إلى ~~يافا في حالة لو شاهدها العدو لرثى لها | فلما رأى ذلك إبراهيم باشا هم في ~~الحال وتوجه بنفسه ومعه العدد الكافي | من الجند لمنع تجمع الثائرين في ~~مدينة ( نابلس ) حيث استدعاهم الشيخ قاسم | للإجتماع للمفاوضة في تدبير ما ~~يلزم لنجاح مشروعهم وأرسل أيضا إلى مشايخ | القبائل يخبرهم بأن الشيخ قاسم ~~لم يقصد التخلص من الإدارة المصرية العادلة إلا | ليستعبدهم وبسومهم سوء ~~العذاب . # فلما عرف حاله لبعض القبائل المصافية له ، نفروا منه وتضعضت بذلك | شوكته ~~وزالت سطوته وانهدمت قوته وأمكن لإبراهيم باشا وسليمان باشا اتخاذ | خطة ~~الهجوم فقاما من يافا في 4 يوليو سنة 1834 ومعهما ستة آلاف جندي | واقتربا ~~من الجبال فرأياها مغطاة بالعرب ثم وصلا إلى قرية تدعى قرية ( أبي | عنب ) ~~حيث كانت عائلة ( أبي غوش ) متحصنة تحصنا عظيما كاد يتعذر معه | أخذها بل ~~يستحيل ولكن لم يعبا إبراهيم باشا بهذه التحصينات بل هاجمها | بعسكره بكل ~~شدة وثبات واستمر القتال ثلاثة أيام متوالية دافع من خلالها | الثائرون ~~دفاع الأبطال ولولا ما اشتهر به إبراهيم باشا من الحزم والعزم والثبات | في ~~مواقع القتال لفاز الثائرون بالغلبة . وفي اليوم الثالث دخل المصريون ~~القرية | واجتازوا جبال يهوذا واحتلوا كل الطرق ووصلوا إلى مدينة أوريشلم ~~بدون | أن يتعرض لهم أحد في طريقهم لتبدد شمل الثائرين بعد سقوط قرية ( أبي ~~عنب ) | التي كانت قلعتهم الوحيدة ومانعتهم الحصينة . | PageV01P156 | وحين ~~وصل ms111 المصريون إلى أبواب المدينة وقع الرعب في قلوب سكانها | الأتراك لأنهم ~~كانوا يساعدون الثائرين على محاربة المصريين لما انتشر خبر تجمع | العساكر ~~العثمانيين في جهات الأناضول ولعلمهم بأنه لا بد من انتقام إبراهيم | باشا ~~منهم لمحاربته لهم ليكونوا عبرة لغيرهم ولكي لا يعودوا إلى الثورة مطلقا | ~~سرا أو جهرا ، التجأ كثير منهم إلى الفرار هربا مما سينزل بإخوانهم من ~~العذاب | الشديد نعم إبراهيم باشا كان يسعى بجهده في استعمال الطرق السليمة ~~| ويعفو عن كثير ممن كان يقاومه ، لكنه ليس في مثل هذه الحالة فإن استعمال ~~| الحلم في هذه الأحوال مما يجرئ المفسدين على نشر فسادهم ويعين الطغاة على ~~| طغيانهم . # ولقد تحقق ما كان يخشاه أتراك ( أوريشلم ) فقتل إبراهيم باشا كثيرا من | ~~زعمائهم هذا ولم يكن لاستيلاء إبراهيم باشا على مدينة ( أوريشلم ) فائدة ~~تذكر | لموت كثير من عساكره من كثرة المناوشات التي كانت دائمة بينه وبين ~~العرب ، | ولعدم وجود العدد الكافي من الجند في هذه البلاد حتى كان يستمد ~~منهم ما | يلزم لتعزيز حامية المدينة وحفظ خط الرجعة إلى يافا ومضايق ~~الجبال والطرق | الموصلة بين المدينة وغيرها فأخذ في التحصن بالمدينة كي لا ~~يهلك كثير من | جيشه في المناوشات ، وأرسل إلى مصر يطلب منها المدد حتى إذا ~~وصله تمكن من | مهاجمة العدو وتبديدهم في واقعة مهمة لا يقوم لهم بعدها ~~قائمة . # وفي خلال ذلك لم يأل جهدا في إيقاع النفرة بين رؤس الثورة وتحريض | بعضهم ~~على بعض كي يتوصل إلى مرغوبه ويتحصل على مأموله إذا وقع بينهم | الفشل فنجح ~~في مشروعه هذا كل النجاح ، حتى إن الشيخ قاسم حاكم | ( نابلس ) لما رأى أن ~~أغلب مشايخ القبائل أوشكت تنسلخ عنه أراد التقرب من | إبراهيم باشا وأرسل ~~إليه يخبره أن النابلسيين يرغبون في الرجوع إلى طاعة | المصريين لو وعدوهم ~~بمعافاتهم من الخدمة العسكرية فقبل إبراهيم باشا المخابرة | في هذا الموضوع ~~لو حضر الشيخ بنفسه إلى معسكره فحضر الشيخ طائعا | PageV01P157 | مختارا ، ~~لكن لسوء حظه لم ينجح في هذه المخابرات لأن سليمان باشا كان في ms112 | أثنائها ~~قد تمكن من إبرام وفاق مع أولاد الشيخ ( أبي غوش ) بأن يسلموا إليه | معاقل ~~جبال يهوذا في مقابل إطلاق سراح أبيهم والعفو عما حصل منه ومن | قبيلته ~~ومكافأتهم ماديا على المساعدات التي قدموها إلى المصريين فقبلوا ذلك | وصار ~~الطريق آمنا بين يافا وأوريشلم . | ### || سفر محمد علي باشا إلى الشام : # ولما علم إبراهيم باشا بسفر أبيه أغلق باب المخابرات بعدم قبوله إعفاء | ~~سكان نابلس من الخدمة العسكرية وعاد إلى يافا في أواخر يوليو سنة 1834 | ~~لملاقاة والده محمد علي باشا الذي كان توجه إلى الشام مع المدد اللازم ~~لإخماد | الثورة قبل انتشارها . # فلما يئس الشيخ قاسم من الإتفاق مع المصريين عاد إلى نابلس وأخذ في | ~~تحصين المدينة وبناء الأسوار والقلاع حولها وعاهد نفسه أن لا يسالم ~~المصريين ما | دام حيا بل يحاربهم حتى يقضي الله أمرا ، فاستعد محمد علي ~~باشا بنفسه لمحاربته | وأرسل إلى الأمير بشير أمير الدروز أن يحضر إلى ( ~~يافا ) ويرسل جيوشه لمحاربة | الشيخ قاسم فخاف الأمير بشير ولم يتوجه بنفسه ~~إلى ( يافا ) بل أرسل أحد | أولاده ليخبر محمد علي باشا بأن الدروز ~~سيسافرون عن قريب لمهاجمة نابلس | فاكتفى محمد علي باشا بهذا الجواب وأمره ~~بإخضاع مدينة ( صفد ) التي أخذ | سكانها في ارتكاب الفظائع وقطع الطرق ~~اعتمادا على مناعة مدينتهم فامتثل | الأمير بشير وتوجه لساعته قاصدا ( صفد ~~) وحاصرها ، لكن لم يحتج الحال | لأخذها عنوة فإنه قبل أن يهاجمها أرسل إلى ~~سكانها يتهددهم بإحراق مدينتهم | وقتلهم عن آخرهم إن لم يسلموا له سلاحهم ~~ويأتوا إليه خاضعين ، ولتأكدهم | من أن الدروز لا يتأخرون عن إنقاذ ما ~~يتوعدونهم به ، سلموا المدينة للأمير بشير | وأعطوه سلاحهم فدخل المدينة ~~واستلم زمامها وأخذ رؤس الثورة وأرسلهم إلى | سجن ( عكا ) وبعد أن وطد ~~الأمن في ضواحي ( صفد ) زحف برجله إلى مدينة | PageV01P158 | نابلس من جهة ~~الشمال حين كان المصريون يتقدمون من جهة الجنوب فهال | النابلسيين مرأى ~~هذين الجيشين ، ولكن الشيخ قاسم مع تحققه عجزه عن مقاومة | المصريين ، آلي ~~على نفسه أن يقاتلهم إلى آخر رمق من ms113 حياته ومما زاد في غيظه أن | إبراهيم ~~باشا ووالده محمد علي باشا أجزلا النعم على عائلة أبي غوش وأمر الباشا ~~بإخراج رئيسها من سجن عكا وأهدى إليه هدايا فاخرة وأرجع ولده | الأكبر إلى ~~منصبه واعترف له بالرياسة على قبيلته وولي ولاية ( أوريشلم ) أحد | أولاده ~~الأخر بشرط أن يتكفل بمؤنه حامية المدينة وما تحتاج إليه من مأكل | ومشرب ~~وملبس . # ولشدة حنق الشيخ قاسم على المصريين لم يستطع صبرا حتى يأتي إليه | عساكر ~~الدروز بل خرج للقائهم خارجا عن أسواره وحصونه وكان ذلك سببا | في ضعف قوته ~~، إذ لا طاقة للمحاربين غير المنتظمين على مقاومة المنتظمين فمن | المعلوم ~~ومما أيدته التجارب أن العسكري المنتظم يعد بعشرة من غير المنتظمين | فكيف ~~إذا كان القائدون لهم رجالا مثل إبراهيم باشا وسليمان باشا لكن الشيخ | ~~قاسم لم يتدبر هذه الحقيقة فعاد عليه وخيم عواقبها . # وذلك أنه التقى بجيش المصريين في موقع يبعد عن ( نابلس ) بضع ساعات | ~~وبعد قليل لم يستطع الوقوف أمام نيران المدافع وتقهقر بعد ما قتل من رجاله ~~| نيف ومائة رجل إلى أحد التلول المجاورة للمدينة ، فتبعه المصريون ودخلوا ~~المدينة | عنوة أما هو فهرب مع من بقي من رجاله وكان مثخنا بالجراح هو وأحد ~~أولاده | فالتجأوا إلى مدينة ( حبرون ) حيث عزم على أن يقاتل ويدافع عن ~~نفسه حتى | يموت فاقتفى أثره إبراهيم باشا مع جيشه ولم يلبث أن وصل ( حبرون ~~) وأمر | بمهاجمتها بدون أن يترك للعدو أدنى وقت لتحصينها وكان ذلك في 14 | ~~أغسطس سنة 1834 فانقض المصريون عليها كالليوث الضارية بقوة لا يقوى | على ~~مقاومتها إنس ولا جان ، ودخلوها بعد قتال عنيف كانت الدائرة فيه على | ~~الشيخ قاسم ورجاله مع كونهم دافعوا دفا ع الأبطال ، وساعدتهم على ذلك | ~~PageV01P159 | الأشجار المغروسة بالبساتين المحيطة بالمدينة من كل طرف مما ~~عاق المصريين في | هجومهم وكان سببا لموت كثير منهم بين أنفار وضباط إذ كان ~~الضباط في | مقدمة الجند يشجعونهم على القتال . | ### || اقتفاء إبراهيم باشا أثر الشيخ قاسم : # ولما دخل إبراهيم باشا المدينة عفا عن سكانها ms114 وأمنهم على أموالهم ~~وأعراضهم | لكنه أقسم باستئصال عائلة الشيخ قاسم من أولها إلى آخرها ، فلما ~~رأى الشيخ | المذكور ذلك فر هاربا من المدينة عند دخول المصريين ولم يتمكن ~~إبراهيم باشا | من القبض عليه مع ما بذله من العناية في ذلك فخرج الباشا من ~~المدينة لاقتفاء | أثره ، بعد أن ترك بها حامية قوية تحت قيادة سليمان باشا ~~خوفا مما عساه يحصل | من الفتن فيها وبث الجواسيس في سائر أنحاء فلسطين ~~ليقف على المحل الذي | احتمى فيه الشيخ المذكور ورجاله وبعد قليل عاد بعض ~~الجواسيس إليه وأخبروه | بأنه في قرية يقال لها ( الكرك ) واقعة في جنوب ~~بحيرة لوط ( البحر الميت ) وهي | مدينة حصينة وبها قلعة منيعة مبنية على ~~قمة شاهقة يتعذر الوصول إليها لوعورة | الطرق الموصلة إليها وبذلك يمكن ~~لحامية قليلة أن تصد عنها كل مهاجم وترد | كل عدو بعدده وعدده ، فلما علم ~~إبراهيم باشا بذلك آلى على نفسه أن يأخذ | الشيخ المذكور أسيرا ولو حمله ~~ذلك على إهلاك معظم جيوشه ، لأنه إن لم يفعل | ذلك ظن أهل الشام أنه غير ~~قادر على اخضاعه وربما جرهم ذلك إلى العصيان | فكان قصد إبراهيم باشا ~~بمحاربة الشيخ قاسم وقتله هو أن يكون ذلك مثالا | وعبرة لسكان الشام كي ~~يعلموا علم اليقين أن كل من عادى إبراهيم باشا لا | بد أن ينال جزاءه عاجلا ~~لا آجلا . # فلما تيقن إبراهيم باشا وجوده في مدينة الكرك قام لوقته وجد في السير | ~~واصلا لليل بالنهار في قطع الصحراء المحرقة من شدة الحرارة حتى مات جملة من ~~| عسكره في أثناء السير من شدة العطش لقلة المياه في الطرق ، ويقال أنهم ~~لما | وصلوا إلى البحر الميت ألقوا أنفسهم فيه لشدة ما كان بهم من الظمأ ~~المحرق مع | PageV01P160 | شدة ملوحة مائة ، ومن الثابت أن ماء هذا البحر ~~لكثرة ملحه يزيد ثقله النوعي | حتى يحمل الإنسان بدون سباحة ولقد قال بعض ~~السياحين أن المسافر بعد أن | يتحمل مالا يوصف من المشاق والأوصاب وآلام ~~الجوع والعطش وينظر من | بعد لون مائه يخيل له ms115 الظمأ أنه عذب فرات لكن لا ~~يلبث أن يشم رائحته | الكريهة الناشئة عن كثرة ما فيه من الأملاح والكبريت ~~فيزول عنه هذا التخيل . # ولما وصل إبراهيم باشا إلى مدينة ( الكرك ) لم ينتظر قدوم مدافعه بل أمر ~~| بالهجوم على القلعة بعد أن أراح عساكره مدة يومين ولم يتمكن الجند من أخذ ~~| القلعة عنوة لتعذر الوصول إليها فعاد المصريون بلا طائل والتزم إبراهيم ~~باشا أن | ينتظر المدفعيين ، فلما وصلت المدافع ابتدأت بإطلاق القنابل على ~~أسوار القلعة | حتى تهدمت ، ودخلت العساكر القلعة فلما دخلوها لم يجدوا ~~فيها أحدا من | النابلسيين ولا رؤسهم وسبب ذلك أن الشيخ قاسم مع كونه ظهر ~~على | المصريين في الواقعة الأولى لم يخف عليه أن فوزه لم يكن إلا لعدم ~~وجود المدافع | وأنه لا يمكنه مقاومتها فهرب في غلس الليل ومن معه من بقايا ~~تابعيه والتجأوا | إلى الصحراء فتبعهم إبراهيم باشا بعسكره حتى أدركوهم ~~وأحاطوا بهم فلما | رأى النابلسيون ذلك ، وعلموا أن لا مناص لهم من الموت ~~ألقوا سلاحهم | وسلموا أنفسهم إلى إبراهيم باشا . # أما الشيخ قاسم وأولاده وبقية زعماء الثورة فتمكنوا من الهرب ثانية | ~~واختلفوا عند عرب ( عنز ) النازلين بين مصر والشام ولعلم هذه القبيلة بأنها ~~لو | أخفت الشيخ المذكور وعلم بذلك إبراهيم باشا لأوقع بهم أشد العذاب ~~وصارم | العقاب بل ربما كان ذلك سببا في هلاك أغلب أفرادها إن لم نقل الكل ~~فتقربوا | من إبراهيم باشا بأن قبضوا على الشيخ المذكور ورفقائه وسلموهم ~~إليه . # وبعد أن طيف بهم في أنحاء فلسطين ليكونوا عبرة لمن يعتبر أمر بقطع رؤسهم ~~| وكانوا ستة فقتل ثلاثة منهم ومن ضمنهم الشيخ قاسم في مدينة أوريشلم التي ~~| كان مبدأ الثورة منها ، واثنان في ( عكا ) والسادس في دمشق وانتهت بذلك | ~~PageV01P161 | الفتنة الشامية الأولى وثبت قدم المصريين في البلاد الشامية ~~ولم تزل ملتحقة بمصر | تابعة لها حتى تداخلت الدول الأورباوية عقب وقعة ( ~~نصيبين ) التي انتصر فيها | المصريون نصرا مبينا وألزمت محمد علي باشا برد ~~الشام إلى الدولة العثمانية ، | كما كانت وسيجيء مفصلا إن شاء الله ms116 . # ولقد لام بعض المؤرخين الأمير إبراهيم باشا على تعريض نخبة جيشه للموت | ~~من الجوع والعطش والحرارة في اقتفاء أثر الشيخ قاسم ، وفاتهم أنه لو تركه | ~~وشأنه لعثا في الأرض فسادا وحمل ذلك الشاميون على عجز منه وتجرؤا على | ~~اقتراف المنكرات بل ربما كان ذلك سببا لحصول عصيان عمومي يؤدي إلى | سفك ~~دماء المصريين أكثر مما يسفك في قطع دابر مثل هذا الشيخ . # وبعد أن استتب الأمن في ربوع البلاد الشامية أخذ إبراهيم باشا في تنفيذ | ~~أوامر والده التي كانت سببا في هذه الثورة الجزئية فأمر أولا بنزع السلاح ~~من | السكان كلهم بدون استثناء أو تمييز بالنسبة للجنسية أو للدين فأطاع | ~~الشاميون ولو مع التذمر خشية أن يحل بهم ما حل بالشيخ قاسم من البلايا | ~~وينزل بهم ما نزل به من الرزايا وبعد ذلك أمر بتحصيل الضريبة التي ضربت | ~~على الشاميين بدون تمييز بين صغارهم وكبارهم وأمرائهم وصعاليكهم فتذمر | من ~~ذلك الفقراء والرعاة الذين كانت الدول العلية لا تطالبهم بشيء ما ، | خصوصا ~~المسلمين منهم ، فإن الضرائب كانت تضرب على النصارى واليهود لا | غير ، ~~ولما كانت تلك الضريبة لا تفي بحاجات الحكومة كانت تصادر الولاة | والصناجق ~~فتسلب منهم ما جمعوه في مدة ولايتهم من النهب والإغتصاب ، | وبذلك كان ~~المسلمون من السكان راضين بهذه الحالة وكرهوا الضريبة المصرية | لمساواتها ~~بين السكان بدون نظر إلى معتقدهم نعم إنه ربما كان الأولى بالحكومة | ~~المصرية وقتئذ أن تراعي عوائد البلاد وطباع أهلها ثم تصلح كيفية ضرب | ~~الأموال وتوزيعها على الأهالي شيئا فشيئا ، لكنه لا يجوز من جهة أخرى أن | ~~PageV01P162 | الأمة المصرية تقوم بكافة مصاريف الجيش والإدارة مع ما هي ~~عليه من الفاقة | والفقر المدقع الناشئ من تسلط المماليك عليها أحقابا ~~متوالية بل من العدل أن | كلا من الأمتين الشامية والمصرية يشترك في مصاريف ~~ما يلزم للحكومة كما | أنهما يشتركان في التمتع بخيراتها والاستظلال بظلال ~~الأمن الشامل للولايتين . # وعلى كل حال لم تصادف الإدارة المصرية في تحصيل هذه الضريبة من | ~~الصعوبات ما لاقته في إدخال الشاميين في ms117 الخدمة العسكرية فإنه أدخل منهم في ~~| الجيش المصري ثمانية عشر ألفا ما بين دروز وموارنه ومسلمين وغيرهم من كل ~~| الشعوب والأجناس وهو الأمر الذي ازدادت به كراهة الشاميين للإدارة | ~~المصرية ، وذلك لأن الدولة العثمانية ما كانت تدخلهم في العسكرية كرها بل | ~~كانت تكتفي بمن يدخل بإختياره من سكان جبل لبنان وكان يندرج منهم سنويا | ~~في الخدمة العسكرية ألف لا غير ، ومما كان سببا في زيادة كراهة الشاميين ~~للأمة | المصرية عدم الإنتظام في أخذ الشبان كما هو جار الآن في مصر وسائر ~~الدول | المتمدنة بأن يخدم الشاب مدة معينة ثم يعود إلى أوطانه ، ويكون ~~أخذه بطريق | القرعة مع المساواة بين كل الأفراد ، بل كانت الطريقة المتبعة ~~في أخذهم أن | يدخل الضابط المعين لذلك في القرى ويختطف الشبان بالقوة ~~وربما لم يتم له ذلك | إلا بعد مقاومة عنيفة يكون من ورائها أحيانا قتل بعض ~~من الفريقين ولقد ذكر | أحد من كانوا في معية البرنس ( دي جوانفيل ) نجل ' ~~لويس فيليب ' ملك فرنسا | حين كان سائحا في البلاد الشامية أثناء احتلال ~~المصريين لها أن الحرس الذي | كان معينا لحراسته أثناء جولانه في جبال ~~لبنان كان كلما يرى في طريقة شابا | قوي البنية صالحا للخدمة العسكرية ضبطه ~~وأرسله مع بعض الجند إلى أقرب | ألاي ليلحقه به دون أن يعلم أقاربه بذلك ، ~~ولا غرابة في مثل هذا فإن هذه | الطريقة كانت متبعة في مصرنا أيام محمد علي ~~باشا ومن بعده ولم تبطل إلا من | عهد قريب . | PageV01P163 # ولقوة المصريين إذ ذاك وعدم تهاونهم في المجازاة على أقل عصيان بأشد | ~~العقاب ، لم يجسر الشاميون على شق عصا الطاعة بل سلموا أسلحتهم وصار | يرد ~~إلى ( بيروت ) و ( صيدا ) وغيرهما عدد عظيم من الأسلحة النارية والبيضاء | ~~بل ومن المدافع التي كان يحتمي تحت ظلها سكان جبال لبنان وكان من أهم | ~~المساعدين للمصريين في تنفيذ هذا الأمر في لبنان الأمير بشير ، فإنه بذل ما ~~في | وسعه لإرضائهم خوفا من أن يحل به ما حل بالشيخ قاسم المتقدم وأعوانه ~~مع | علمه بأن ms118 ذلك يوغر عليه صدور اللبنانيين على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم ~~من | مسيحيين ودروز لكنه آثر إرضاء المصريين على إرضاء مواطنيه وبقي على | ~~ولائهم حتى تقلص ظل إدارتهم وسلبت منهم البلاد الشامية بواسطة تداخل | ~~الدول الأجنبية عموما والدولة الإنكليزية خصوصا . # ولقد بذل الأمير بشير جهده في تنفيذ أوامر إبراهيم باشا وإخماد الفتن ~~الجزئية | التي تظهر في القرى لكن لم يجد اهتمامه نفعا بل ازداد الهياج ~~شيئا فشئيا ، وانتهز | الأتراك هذه الفرصة لبث رسلهم في سائر الأنحاء ~~وتحريض الجبليين على القتال | وخلع طاعة المصريين ، الذين تمتعوا في مدة ~~حكمهم بالراحة والطمأنينة مما لم يروا | ولن يروا مثله ومما قوى نفورهم من ~~الإدارة المصرية وعد رسل الدولة إياهم | بمعافاتهم من الضرائب والخدمة ~~العسكرية ومنحهم الإستقلال الإداري فاغتروا | بهذا ونزعوا إلى العصيان ، ~~ومن الغريب أنهم لما هموا بالعصيان ظهر أنهم لم | يسلموا من سلاحهم إلا ~~القديم العادم النفع وأخفوا الصالح الجيد ليستعملوه | ضد المصريين الذين لا ~~ذنب لهم سوى أنهم منعوهم عن قطع الطرق ونهب أموال | ساكني الأودية والسهول ~~، الذين لا قدرة لهم على الدفاع واقتفاء أثرهم | لإلتجائهم إلى جبالهم ~~الشامخة الصعب الوصول إليها لعدم وجود الطرق ، ولقد | تنبه إلى هذا الأمر ~~إبراهيم باشا وعلم أنه لا يمكنه إدخال هؤلاء الجبليين في | طاعته إلا إذا ~~فتح الطرق السهلة لمرور الخيالة والمدافع ولذلك أمر المهندسين | بإنشاء ما ~~يلزم من الطرق المنتظمة على حسب الأصول الهندسية مع | PageV01P164 | مراعاة ~~تخفيف الميل كي يسهل جر المدافع الضخمة عليها وتوجيهها إلى حيث | يلتجئ ~~العدو . # ولكي لا تصل الأسلحة والبارود الذي كان يرسل إلى الثائرين مددا لهم ، أمر ~~| إبراهيم باشا أيضا بمنع دخول السفن التركية إلى ميناء الشام وعدم ورود | ~~القوافل من جهات الأناضول فساء ذلك الأتراك وسبب ضررا عظيما للتجارة | لكن ~~إبراهيم باشا رأى المصلحة في ذلك وآثر أخف الضررين وأهون الكربين . # ثم استدعى سليمان باشا من ( حبرون ) وكلفه بتمرين من يرد من مصر من | ~~العساكر وبإرسال الشاميين الذين أدخلوا في العسكرية إلى مصر إذ كان محمد | ~~علي باشا يرسلهم ms119 إلى مصر العليا أو إلى السودان بصفة محافظين خوفا من أن | ~~يحصل منهم ما يضر بإخماد الثورة لو بقوا في بلادهم ولا يخفي ما في ذلك من | ~~الحكمة والتبصر في عواقب الأمور . # هذا ولما رأى محمد علي باشا أن المدارس التي أنفق عليها المال الكثير ~~لحسن | ترتيبها وليتعلم فيها جيل جديد من المصريين يشب على الأفكار الحديثة ~~| ويكونوا عونا له ولخلفائه من بعده في بث التمدن في القطر المصري قد أخذت ~~| في الإنحلال بسبب سفر أغلب الأساتذة الأورباويين ، طاعة لطلب الساعين في ~~| عدم تقدم مصر الذين لا يريدون إلا أن تكون ملقاة في بحار الجهل ظنا منهم ~~أن | لا يقوم أحد من المصريين مقامهم في ذلك ، استدعى سليمان باشا من ~~الديار | الشامية وكلفه بملاحظة شئون المدارس وكل ما يكون سببا في ترقيها ~~إلى أوج | التقدم حتى تأتي بالغاية المقصودة فلبي دعوته وعاد إلى مصر وأخذ ~~في ترتيب | المدارس على أحسن نظام خصوصا المدارس الحربية والبحرية ولم يعقه ~~في طريقه | معارضة الجهلة من حاشية الوالي لمساعدة الوالي نفسه له . # وحين كان يشتغل سليمان باشا في القاهرة بمثل هذه الأشغال السليمة كان | ~~رشيد باشا القائد العثماني الذي أخذ أسيرا في واقعة ( قونية ) كما تقدم ~~مشتغلا | PageV01P165 | بجمع الجيوش والكتائب في بلدة ( سيواس ) بارمينية ~~ليحارب المصريين ويقهرهم | كي ينمحي ما لحقه من العار والخزى والبوار في ~~واقعة ( قونية ) ثم تقدم بتلك | الجيوش إلى مضايق جبال ( طوروس ) منتظرا ~~للفرصة المناسبة للإنقضاض على | البلاد الشامية واختطافها من قبضة الحكومة ~~المصرية ولا يخفي ما للموقع الذي | نزل به من الأهمية العسكرية والحربية ~~لأنها نقطة ملتقى الطريق للآخذ من جبال | ( طوروس ) إلى وادي الدجلة ~~والفرات ، فضلا عن نقاوة وصفاء هواء هذه الجهة | المرتفعة وكثرة وجود الماء ~~العذب بها مما يكون الجيش بسببه آمنا من الأمراض | المعدية التي كثيرا ما ~~تنشا في الجيوش المجتمعة لما يتخلف عنهم من الأقدار | والوخامة ولم يكن ~~القصد من جمع هذا الجيش الجرار إلا تشجيع أهل الشام على | العصيان للتخلص ~~من عدل الحكومة المصرية ms120 والعود إلى الإستبداد . # ولما فطن الشاميون إلى هذه الغاية ازدادوا عتوا وكادوا ينشرون لواء | ~~العصيان جهارا فلما علم إبراهيم باشا بذلك أخذ الإحتياطات اللازمة لصدهم | ~~لو أرادوا الهجوم عليه ولمهاجمتهم إذا اقتضى الحال ذلك ، فأرسل حامية قوية ~~إلى | مدينة الرقة الواقعة على شاطئ الفرات لمنع مرور العثمانيين لو أرادوا ~~عبوره | وكذلك أرسل العدد الكافي من الجند إلى جهات ( أورفه ) و ( حلب ) و ~~( أنطاكية ) | وفرق ما بقي من جيشه بهيئة سيارات صغيرة تطوف في كل أنحاء ~~البلاد لمجازاة | القرى التي تتأخر في تأدية الخراج ، أو تعارض الحكومة في ~~إجراءاتها وبذلك | خمدت الثورات الداخلية الصغيرة وعلم الكل أن ما هم فيه ~~من شق العصا | والإنحراف عن الحكومة المصرية غرور وأن الأوفق موالاتها ما ~~لم تسع الدولة | العلية بالفعل في مساعدتهم ماديا وجعل إبراهيم باشا مركزه ~~وأركان حربه في | مدينة أنطاكية مفضلا لها عن مدينة حلب لرداءة هوائها وقلة ~~مياهها وتعرضها | دائما إلى الأوبئة والأمراض المعدية . | PageV01P166 | ~~ولتمهيد ما سيأتي ذكره من الحوادث السياسية التي أوجبت تداخل | ~~الأوروباويين المسألة المصرية ضد محمد علي باشا منعا لوقوع أهم الولايات | ~~العثمانية في قبضته وبالتالي من عدم تمكنهم منها في المستقبل نقول : # إن حكومة فرنسا كانت في ذلك العهد حكومة ملكية مقيدة تقييدا كليا | وكان ~~يكفلها إذ ذاك ( لويس فيلبس ) الذي ارتقى على أريكة الملك عقب هياج | الأمة ~~على ( شارل ) العاشر وعزلها له وطردها إياه في أواخر شهر يوليو سنة | 1830 ~~لأنه كان شديد الميل كثير الرغبة إلى الاستبداد والحكم بدون مشورة | الأمة ~~أي الرجوع إلى ما كانت عليه فرنسا قبل الثورة العظمى وضياع كل ما | حصل ~~عليه الفرنساويون من الحرية بعد سفك دمائهم في محاربة سائر ملوك | أوربا ، ~~ولما ولى ( لويس فيلبس ) أجاب إلى كل ما طلبته منه الأمة من كونه يكون | ~~ملكا مالكا لا حاكما وأما الأحكام فتكون بيد الوزراء وأعضاء مجالس النواب | ~~ولما لم يكن لمعظم الفرنساويين ما يلزم لمثل هذه المهمة من الحنكة والتجارب ~~ولو | أنه كان منهم في ذلك رجال سياسيون محنكون ms121 مثل ( تيرس ) وجيزو | ~~وغيرهما إلا أنهم كانوا ملزمين بإتباع ما يقرره أعضاء مجالس النواب حتى في ~~| الأمور السياسية التي يلزم كتمانها ، ولذلك كانت فرنسا حينئذ بمعزل عن ~~جميع | الدول الأوروباوية ما عدا انكلترا ، فإنها كانت تظهر لها التودد ~~لمصالحها | التجارية فضلا عن ميل الفرنساويين لمساعدة كل أمة تسعى للحصول ~~على | الحرية والإستقلال وهذه الحاسيات لا تذم على كل حال بل تمدح في حد | ~~ذاتها . | PageV01P167 # ولم يكن لمحمد علي باشا مساعد من الدول الأورباوية إلا فرنسا التي تبذل | ~~جهدها دائما مع كل أمة تحارب وتناضل للحصول على الإستقلال فلولا | مساعدتها ~~لما كانت مملكة اليونان كما سبق لنا بيان ذلك ، ولم تكن مملكة | البلجيك ~~ولا إيطاليا المعدودة الآن من الدول العظمى وهي التي ساعدت | الولايات ~~المتحدة الأمريكية على التخلص من ربقة الحكومة الإنكليزية إلى غير | ذلك ~~مما لا يحصى من مساعدة الشعوب المضطهدة التي حاربت لأجل استقلالها | ولم ~~تنجح # ولما رأى محمد علي باشا أنه لا يمكنها مساعدته ما دامت الدول الأخرى | ~~معارضة لها لا سيما وأن القابضين والمستولين على أزمة الأحكام في هذه الدول ~~| هم أشهر رجال هذا العصر فكان اللورد ( بالمرستون ) وزير خارجية انكلترا | ~~والكونت ( دي نسلرود ) وزيرا للروسية والمسيو دي مترنيخ الشهير وزيرا | ~~للنمسا على حين كانت وزارات فرنسا تتابع وتسقط دون أن يكون لها خطة | ~~سياسية تجرى عليها فاتح وكلاء الدول بمصر في شأن مشروعه لكنه أظهره | ~~بطريقة أخرى مآلها إبرام تحالف على منع من يريد من الدول التعدي والطمع | ~~فيما بيد غيره وأن يقدم جيوشه وبحريته إذا اقتضى الحال لنجاح هذا التحالف | ~~ويطلب في مقابلة ذلك أن يستقل بمصر والشام وبلاد العرب وأن تكون هذه | ~~الأقطار له ولورثته مؤبدة . | PageV01P168 | فأدهش هذا المشروع وكلاء الدول ~~ولم يردوا جوابا بل استمهلوه حتى | يخاطبوا الدول التي هم تابعون لها وبعد ~~قليل أجابوه بنهيه عن التعلق بأهداب | هذا المشروع . # هذا ولما علم الباب العالي بما جرى بين والي مصر والدول وكيف قابلت | ~~الدول مشروعه وتحقق أنها لا تعارضه في إرجاع مصر ms122 تحت سلطته كما كانت | بل ~~ربما ساعدته على ذلك ، أخذ في توجيه أفكاره نحو جبل لبنان ليتسنى له | ~~الدخول في مسألتهم وأرسل عددا عظيما من الجند إلى معسكر ( سيواس ) لكن | لم ~~ترد فرنسا ذلك طلبت من الباب العالي أن يرسل إلى مصر أحد من يعتمد | عليهم ~~للمخابرة مع وإليها في طريقه رضا الطرفين ، وذلك أولى من | استعمال القوة ~~لأول وهلة فإنه أمر لا يكون وراءه إلا اثارة نار الحرب وسفك | دماء العباد ~~بدون فائدة ولا عائدة ، فرضى الباب العالي بذلك وأرسل أحد | مستخدمي ~~خارجيته المدعو ( ساريم بيك ) إلى والي مصر لهذه الغاية فقابله بكل | بشاشة ~~وإيناس وأظهر له خضوعه إلى الدولة العثمانية وأخبره بأنه لم يكن في | عزمه ~~الإتيان بأي أمر يكون بسببه تغيير الحالة الحاضرة ، فسر من ذلك مندوب | ~~الدولة العلية ورغب منه أن يتوجه معه إلى دار الخلافة ليتفق بنفسه مع جلالة ~~| السلطان محمود خان على ما يكون عليه السير في المستقبل فلم يقبل منه | ~~ذلك البتة لعلمه أن في سفره إلى اسلامبول ما يكره ، فعرض عليه حينئذ ( ~~ساريم | بيك ) أن يعطي ولايتي مصر والعرب وتكونا له ولذريته إلى ما شاء ~~الله وبلاد | الشام أيضا إلى جبال طوروس مدة حياته وأن يدفع للدولة خراجا ~~سنويا | PageV01P169 | يكون للسلطان حق تقديره ، فقبل ذلك منه وكان ذلك في ~~أوائل سنة 1837 | وتم الاتفاق بينهما على ذلك وعاد المندوب إلى الدولة بهذا ~~الوفاق . # ولكن لم يقبل الباب العالي هذه الشروط كلها بل تراءى له أن لا يعطيه في | ~~الشام إلا ولايتي ( صيدا وطرابلس ) إلى مفاوز جبال ( طوروس ) وتكون تلك | ~~الجبال تابعة للدولة حتى يمكنها بذلك ، متى سنحت لها الفرصة ، أن ترسل | ~~جيوشها إلى مصر بدون أن يكون لها في الطريق معارض ولا منازع فلما وصل | هذا ~~الخبر إلى محمد علي باشا علم أن لا سبيل إلى الاتفاق بالطرق السليمة ، وأنه ~~| لا بد من الحرب عاجلا أو آجلا فأعلن لقناصل الدول أنه لا يقبل هذه الشروط ~~| وأنه عازم على المحافظة على كل ما ms123 فتحه بكل ما في وسعه وأن لا يسلم شبرا ~~| من الأرض التي احتلها إلى الدولة العلية طائعا وأنه لا يترك مملكته عرضة ~~| لإغارات العساكر العثمانية بتسليمهم مضايق جبال ( طوروس ) ، التي لم ~~يستول | عليها إلا بشق الأنفس وبذل الأرواح وإضاعة الأموال وأنه لو تنازل ~~عن ذلك | لعد نذلا جبانا لا يصلح أن يكون حاكما . # ثم أخذ في الإستعداد للقتال وأرسل كمية عظيمة من الأسلحة والمدافع إلى | ~~جهات الشام ليظهر للباب العالي عزمه على المدافعة عن جميع ما فتحه من ~~البلاد | وأنه لا يروعه تهديد ولا وعيد وأعلن لقناصل الدول أنه سينادي ~~باستقلاله هو | وورثته بالبلاد التي احتلها الآن ، وأنه على أي حال لن يدفع ~~للدولة العلية شيئا | قط من الخراج فارتجت لهذا الخبر وزارات أوربا على ~~الخصوص الوزارة | الإنكليزية وأيقنوا أنه لا بد من فتح باب المسألة الشرقية ~~إن لم يتدارك هذا الأمر | قبل تفاقمه وأن الأولى تلافي تلك المسألة التي ~~ربما تكون نتيجتها إثارة نار الوغى | بين دول أوربا أجمع لإختلافهم في هذه ~~حل المسألة وتباين مشاربهم فيها ، | فأرسلت الحكومة الإنكليزية إلى محمد ~~علي باشا بلاغا تخبره به أنه لو صمم | وأصر تنفيذ مشروعه ونشأت عن ذلك حرب ~~بينه وبين الباب العالي | PageV01P170 | فتكون حكومة الملكة مضطرة لاستعمال ~~القوة ضده ، وتصده عن الباب | العالي لو اقتضى الحال وأنه لا يغتر بعدم ~~اتفاق الدول في المسألة الشرقية فإن | ذلك لا يكون مانعا لإدخاله في طاعة ~~دولته ، لو رغب الخروج عنها وأيد هذا | الكلام ما ورد إليه من باقي الدول ~~من التهديدات . | ### || سفر محمد علي باشا إلى بلاد السودان : # لكن محمد علي باشا لم يعبأ بكل ما ورد إليه من هذا القبيل وبينما وزراء | ~~الدول ينتظرون ما يأتي به جوابه إذ ورد عليهم نبأ سفره إلى جهات السودان | ~~للبحث عن معدن الذهب وترك حكومته كأنها لم يكن بها شيء من التهديدات ، | ~~ويحكي عنه أنه قال لو وجدت الذهب فزت بالأرب ونلت المراد بدون تداخل | ~~الدول لكن هذه العبارة تحتاج إلى إثبات . | ### || عصيان أهل ms124 الشام ثاني مرة : # لا يخفي ما في هذه الرحلة من الأخطار على حكومته المصرية من انتهاز | ~~الشاميين فرصة غيابه للإذعان إلى الثورة وشق عصا الطاعة لا سيما وأن | ~~أعداءه من الخارج كانوا يترقبون الفرص لبث الفتنة والفساد في بلاد الشام | ~~وكان الأمر كذلك ، فإن محمد علي باشا لم يجتز بلاد ( دنقلة ) حتى ورد إلى | ~~( باغوص بك ) الذي كان قد فوض إليه إدارة البلاد في أثناء تغيب ولي نعمته | ~~خبر عصيان سكان جبل لبنان وما به وبجواره من الأمم المختلفة بين دروز | ~~ونصيريه ومارونية وتقدم العساكر الشاهانية إلى التخوم بعلة أنهم يريدون ~~معاقبة | بعض أعضاء العائلات الشريفة في الجبل كانت محافظة على الولاء ~~للحكومة المصرية | ولم يقبل منهم أن يكون رئيسا لهذه الثورة التي لم تكن ~~ناشئة عن تذمر | PageV01P171 | الأهالي من جور أو ظلم بل سببها الوحيد ~~إلقاء الدسائس بينهم من الخارج قصد | إرجاع محمد علي باشا إلى حدود مصر أو ~~اغتياله ، وأنى لهم ذلك وهو شهم | متيقظ لما يراد منه قابض على زمام ~~الأحكام بمهمته المشهورة وعزيمته المشكورة | وبطشه الشديد ورأيه السديد . ~~ولما بلغ إبراهيم باشا ، وكان لم يزل مقيما بالبلاد | الشامية بصفة حاكم ~~أعلى ، خبر هذه الثورة أصدر أوامره المشددة باقتفاء أثر | الثائرين ~~وبمجازاة من يؤخذ منهم أسيرا بأشد العذاب وأصرم العقاب ، لكنه لم | يلبث أن ~~طلب المدد من مصر لشدة بأس الثائرين في هذه المرة وتسلحهم | بالسلاح المتقن ~~فطلب من باغوص بيك أن يرسل إليه سليمان باشا مع ما يرسله | إليه من العدد ~~والعدد ، فبذل باغوص بيك جهده في كل ما أمكنه جمعه من | العساكر المدربة ~~وأرسلهم إليه ليتمكن من إخماد الثورة قبل تفاقم الخطب . # فبمجرد وصول سليمان باشا ومعه المدد إلى الشام أمكن إبراهيم باشا تحصين | ~~البلاد الواقعة على التخوم كأنطاكية وحلب وأورفه ، وبعد أن وثق بمناعة تلك ~~| البلاد وعدم تمكن الأتراك من مهاجمتها بغتة عاد إلى جهة الجنوب حيث اجتمع ~~| مع سليمان باشا لإخماد الثورة التي كانت قد أخذت في الإزدياد لما سمع ~~الثائرون | أن الدولة ms125 العلية عازمة على إرسال عساكرها لمهاجمة المصريين . # فكانت جبال لبنان كشعلة نار ولم يبق فيها أحد محافظ على ولاء الحكومة | ~~المصرية فوجه إبراهيم باشا وسليمان باشا اهتمامهما إلى هذه الجبال الشامخة ~~| الوعرة المسلك الكثيرة القمم والأودية حتى قيل فيها أن كل نقطة منها تصلح ~~| أن تكون قلعة ، وذلك مما جعل وصول العساكر إليها صعبا لا سيما الخيالة | ~~والمدفعيين ، نعم إن إبراهيم باشا فتح عدة طرق تصلح لسير المدافع لكنها لم ~~تكن | بكافية للغاية المقصودة ومع ذلك دخل بجيشه في بطن الجبل واقتفى أثر ~~الثائرين | إلى أعالي القمم وكانوا يفرون أمامه ليجروه على التوغل في ~~جبالهم ، حتى إذا | تركوا الطرق السهلة وتوغلوا في المسالك الصعبة الوعرة ~~انقضوا على المصريين | من أعالي الجبل ورموهم بالرصاص من أعلى إلى أسفل ~~فكانت تصيب المصريين | PageV01P172 | مقذوفاتهم ولا تصيبهم مقذوفات ~~المصريين ولقد نجحت هذه الحيلة مع سكان | جبل لبنان كما نجحت مع غيرهم من ~~الجبلين فانقضوا على المصريين من كل فج | ورموهم بالرصاص والحجارة حتى ~~ألجؤهم إلى القهقرى وكانت هذه أول مرة | تقهقر فيها المصريون أمام أعدائهم ~~وهم تحت قيادة إبراهيم باشا وسليمان باشا . # ولما تيقن الرئيسان من عدم الجدوى في الوقوف أمام عدو لا يمكنهم صده | بل ~~ولا رؤيته ، وقتل وجرح أغلب من كان معهما من الجند واستشهد نخبة | الضباط ~~وهلكت خيول المدافع ، أصدر إبراهيم باشا أمره بالرجوع لإنقاذ من | بقي ، ~~أولى من تعريضهم للموت على غير طائل وقال لو مكثنا على هذه الحالة | ~~المجهولة الطريق لكنا قد ألقينا بأنفسنا إلى التهلكة وهذا أمر منهي عنه ~~فسار | إبراهيم باشا في مقدمة الجيش وكلف رفيقه وصديقه سليمان باشا بالسير ~~في | المؤخرة لصد هجمات الجبليين عنهم ومعاكستهم في حال رجوعهم فقام بهذه | ~~المهمة خير قيام وأمكن العساكر المصرية بعد العناء الشديد الخروج من هذه | ~~الجبال الشامخة حتى وصلوا إلى السهل وأخذوا في حصر الموتى ومداواة الجرحى | ~~وترتيب الباقي وتنظيمهم وتحصنوا حتى يصل إليهم المدد . # وبعد أن تمت هذه الإجراءات عقد إبراهيم باشا مجلسا حربيا دعى له | سليمان ms126 ~~باشا وكافة رؤس الجيش للمداولة في أي الطرق 7 يتخذ لتفريق شمل | الجبليين ~~وإدخالهم تحت الراية المصرية ، فبعد مداولات طويلة قر قرارهم على | استعمال ~~الطريقة التي نجحت في أول ثورة ضد الشيخ قاسم المتقدم وأبنائه وهي | إلقاء ~~الشقاق بين الثائرين ، وحيث أن هذه الثورة لم يكن سببها إلا أخذ الشبان | ~~إلى العسكرية وتجريد الأهالي من السلاح وأن بعض الجبليين ، وهم المارونية ، ~~| ميالون إلى فرنسا ، وهي مساعدة للحكومة المصرية فيعرض عليهم سليمان باشا ~~| الفرنساوي الأصل أن ترد إليهم أسلحتهم وأولادهم ويفهمهم أن فرنسا راضية | ~~PageV01P173 | عن أعمال المصريين في الشام ولا بد بعد ذلك من انفصالهم عن ~~باقي الجبليين | من دروز ونصيرية لما بينهم من الضغائن القديمة التي لم ~~يتناسوها إلا لمحاربة | المصريين مع بقائها في صدورهم كامنة . # وعند سماع المارونية بتساهل المصريين معهم في هذين الأمرين الأصليين | ~~عادوا إلى السكينة وفرق عليهم إبراهيم باشا كثيرا من الأسلحة والرصاص | ~~فاتخذوا معه وأتى فريق منهم إلى معسكره ليرشدوه إلى الطرق الجبلية المؤدية ~~إلى | مكامن الدروز والتي لا يعقلها إلا العالمون بها من سكان الجبال ، ~~وسلموه أهم | النقط التي كانت بأيديهم وتمكن المصريون بهذه الكيفية من ~~الوصول إلى تلك | المكامن فهاجموا الدروز في معاقلهم وحصونهم وكان ~~المارونية يحاربونهم مع | المصريين بعد أن كانوا ضدهم قبل ذلك بقليل ، وذلك ~~مشاهد الحصول في كل | جهة لم تربط أهلها وحدة الجنسية إن لم تربطهم الوحدة ~~الدينية فيتمكن الأجنبي | من دخول بلادهم بدون كثير عناء فما لا ينال ~~بالسلاح ينال بالخداع ' والحرب | خدعة ' وقد تمكن المصريون بعد عدة مناوشات ~~، كان الفوز فيها دائما لهم ، من | إخضاع الدروز وإلزامهم بالطاعة وإدخالهم ~~تحت رايتهم لكن لم يحصل المصريون | على هذا الفوز العظيم إلا بعد أن قتل من ~~جنودهم عدد عظيم وتحملوا ما لا | يوصف من المصاعب ولا يطاق من المتاعب ، ~~فضلا عن مكابدة أنواع المشاق في | التسلق على هذه الجبال الوعرة التي لولا ~~مساعدة المارونية لهم لما أمكنهم | الوصول إلى معرفة مفاوزها . | ### || واقعة نصيبين : # وفي أثناء هذه المدة توفي بمعسكر ms127 ( سيواس ) القائد التركي رشيد باشا الذي ~~| هزمه المصريون في واقعة ( قونية ) قبل أن يأخذ بثأره ويمحو ما لحقه بسبب ~~ذلك | من العار ، وعهدت قيادة هذا الجيش إلى حافظ باشا أحد قواد الدولة ~~العلية | الذين امتازوا في الحروب بالثبات والرزانة والأمانة والتبصر في ~~عواقب الأمور . | PageV01P174 | ولما انتشر في أروبا خبر فشل الدروز ~~وانتصار المصريين عليهم اضطربت | الدول وأرسلت إلى الباب العالي تسنتهض ~~همته لمحاربة المصريين والمبادرة إلى | استخلاص البلاد الشامية من أيديهم ~~خوفا من تقدمهم إلى بلاد الأناضول إذا | استتب الأمن في بلاد الشام وهدأت ~~الدروز وأبانت له الدول أيضا مضار | استفحال أمر محمد علي باشا وأنه يخشى ~~من أن ينادي باستقلاله لو لم يسرع | الباب العالي في جعل مصر مثل الولايات ~~الشاهانية ، فأصغى الباب العالي إلى | هذه الآراء التي ربما كانت مبنية على ~~غايات شخصية ، ومال مع الدول وأوعز | إلى حافظ باشا أن يتقدم إلى تخوم ~~الشام من الجهة التي يسهل عليه الدخول منها | فأسرع حافظ باشا بالتقدم إلى ~~الأمام معللا نفسه بالنصر على المصريين ورد ما | فقدته الدولة العلية في ~~واقعة قونية وما قبلها . # ولما كانت مضايق ( طوروس ) قد حصنها المصريون بالقلاع والمدافع الضخمة | ~~على أحسن أسلوب وأتم نظام بهمة من استخدمهم عزيزهم من المهندسين | الأجانب ~~، وصار يتعذر بل يستحيل على أي جيش المرور منها ، اقترب حافظ | باشا من جهة ~~ديار بكر وأورفه ، حيث يمكن للمهاجم الدخول إلى البلاد التابعة | للحكومة ~~المصرية بسهولة لإتساع السهول في تلك الجهة وعدم وجود جبال | يمكن تحصين ~~مسالكها كجبال ( طوروس ) ولما علم إبراهيم باشا بذلك جمع معظم | جنوده ~~ومدافعه حول مدينة حلب كي يتيسر له صد المهاجم من اي جهة أتى | وأما حافظ ~~باشا فارتكب خطأ عظيما ظن أن فيه النصر ، مع أنه كان سبب | انكساره كما ~~سيأتي مفصلا إن شاء الله ، وهو تجزئة جيشه إلى عدة فرق ليغير | على بلاد ~~الشام ويتعدى حدودها من جملة نقط في آن واحد ولما ذاع خبر تقدم | الجيشين ~~أمام بعضهما واستعدادهما للقتال طمحت أبصار دول أوربا ms128 إلى ما | يكون وراء ~~هذه المعركة من النتائج المهمة التي ربما انقلب بسببها التوازن | الشرقي ، ~~وصارت السلطة في يد محمد علي باشا وانتقل مركز الخلافة من | القسطنطينية ~~إلى القاهرة . | PageV01P175 # هذا ولقد عاد محمد علي باشا عند ذلك من بلاد السودان بدون أن ينال | ~~الغاية المقصودة من اكتشاف معدن الذهب الذي كان يعود عليه بأرباح وافرة | ~~نعم أنه عثر على عدة معادن لكنه رأى أنها تحتاج إلى مصاريف باهظة ربما زادت ~~| عما يستخرجه منها من الذهب ولذلك عدل عن استعمالها وصرف وجهه إلى | تنظيم ~~إدارة السودان واثقا بأنه لو اعتنى بإدارتها وتنمية ثروة أهلها ربما عادت | ~~على الحكومة المصرية بأضعاف ما تربحه من معادن الذهب . # وبمجرد عودته أحدقت به قناصل الدول لمعرفة أفكاره من حيث تقدم | الأتراك ~~وما هو عازم على فعله لو هاجمته الجيوش العثمانية ، فكان يجاوبهم | بأجوبة ~~مرضية لهم ومطمنة لخاطرهم وما زال يؤكد لهم أن جل بغيته حفظ | السلم ليتمكن ~~من نشر أسباب التمدن في بلاده ، ولكن كان في أثناء إعطائه لهم | هذه ~~التأكيدات يرسل الجند والذخائر إلى ولده إبرهيم باشا وأوامره المشددة | بأن ~~يكون دائما مستيقظا ومستعدا لصد هجمات من يتعدى عليه وبأنه لا يرد | القوة ~~بالقوة إلا إذا تعدت العساكر الشاهانية إلى تخوم الحكومتين ، وبأنه لا يبدأ ~~| أصلا بالهجوم بل يتربص في معسكره ينتظر ما يطرا عليه من الحوادث حتى لا | ~~يكون هناك وجه لأوربا تنسبه به إلى التعدي والطمع وحب الاتساع ولا يكون | ~~لها وجه أيضا في مساعدة الباب العالي عليه وكان ذلك في أوائل سنة 1839 . # لكن لم يغتر الباب العالي بهذه التأكيدات السليمة بل أوعز إلى حافظ باشا ~~أن | يعبر الفرات ويستعد لمحاربة المصريين عند أول إشارة ترسل إليه ، فأمر ~~حافظ | باشا من يدعي إسماعيل باشا أحد القواد التابعين له وكان معسكرا في ~~بلدة واقعة | على الشاطئ الأيسر للفرات يسميها الأتراك ( بلا جيك ) باجتياز ~~الفرات | والانتقال إلى الشاطئ الأيمن فلما وصل هذا الخبر إلى إبراهيم باشا ~~يوم 23 | إبريل سنة 1839 ، أرسل الرسل ms129 إلى والده بمصر يستفهم منه عما يفعله ~~لو | هاجمته الأتراك كما هو المظنون ، وفي هذه الأثناء كان يرسل أوامره ~~متتابعه إلى | PageV01P176 | الجنود يدعوهم للاجتماع حول مدينة ( حلب ) ~~خوفا من مهاجمة الترك لهم على | حين غفلة ، وجمع إليه أعيان المدينة ~~ومشاهيرها وأعلمهم بتقدم العساكر العثمانية | نحو مدينتهم وطلب منهم أن ~~يساعدوه ، أو بالأقل أن لا يخونوه بتسهيل السبل | للأتراك فأجابوه بلا تردد ~~أنهم يحافظون على ولائه ويدافعون معه عن مدينتهم | إلى آخر رمق من حياتهم ~~فاطمأن خاطره واستراح باله وعلم أنهم معه لا عليه ، | ولأجل أن يتحقق من ~~موقع العدو أرسل فرقة مؤلفة من خمسمائة من العرب | الذين يعتمد على صداقتهم ~~وإخلاصهم له ، وكلفهم بأن يخبروه بحركات الجيوش | التركية حتى يكون على ~~يقين من أمرهم وما هم عليه . # هذا ولما وصل خبر تقدم الأتراك إلى محمد علي باشا أمر بجمع العساكر | ~~والذخيرة وأرسل إلى وزير حربيته المدعو أحمد المنكلي باشا لما كان يعهده ~~فيه | من الشجاعة والبسالة بأن يلحق إبراهيم باشا بالديار الشامية ليكون له ~~عونا | وظهيرا في الحوادث المنتظرة ، فلما علم قناصل الدول بكل هذه ~~الإستعدادات | خافوا من سوء العاقبة واشتعال نار الحرب بين مصر والدولة ~~العلية لوثوقهم | بانتصار المصريين على الأتراك فتوجه قنصل فرنسا إلى محمد ~~علي باشا وطلب | منه بإلحاح زائد أن يوقف سفر أحمد باشا النكلي خوفا من أن ~~تعتبر الدول سفره | هذا بمثابة رغبة في القتال وربما أدى ذلك إلى معاكستها ~~له ومساعدة الباب | العالي عليه ، وفي آخر المحادثة قال له القنصل أن ~~مسئولية الحرب تقع على عاتقه | لو أرسل أحمد باشا المذكور لأن الباب العالي ~~لا يود إلا السلم الذي هو رغبة | فرنسا ، فأجابه محمد مع جيشه بأنه مستعد ~~لا لعدم إرسال أحمد باشا فقط بل | إستدعاء إبراهيم باشا مع جيشه أيضا إذا ~~ضمنت له فرنسا أن الترك لا | يتقدمون نحو تخوم الشام ، ففرح بذلك قنصل ~~فرنسا وأبرز له رسالة صادرة من | الأميرال ( روسان ) سفير فرنسا لدى الباب ~~العالي يخبره فيها أن الباب العالي | وعند ms130 فرنسا وعدا صريحا بعدم الإبتداء ~~بالحرب فنظر حينئذ محمد علي باشا إلى | قنصل النمسا وكان حاضرا هذه ~~المحادثة وقال له أيمكنك أن تضمن لي السلم | باسم دولتك كما فعل قرينك ؟ ~~فأجابه قنصل النمسا بالنفي ، فحينئذ قال محمد | PageV01P177 | علي باشا أن ~~الواجب علي الآن أن أستعد للحرب لأني متحقق من نوايا الباب | العالي . # وفي اليوم التالي سافر أحمد باشا إلى حلب وكان وصوله بعد تسعة أيام وعلم ~~| القاصي والداني بذلك وأنه لا بد من الحرب قريبا وصار الكل في انتظار ما | ~~يترتب على هذه الحروب من النتائج ، وما تفعل أوربا لو انتصر المصريون على | ~~الأتراك وأما الأتراك فإنهم جمعوا جيوشهم حول قرية صغيرة تدعى ( نصيبين ) ، ~~| وهي نقطة مشهورة في التاريخ بحسن موقعها الحربي ، حتى أنها كانت دائما ~~ملتقى | الجيوش التي تنازعت ملك بلاد الشام من الأعصر الخالية إلى وقتنا ~~هذا وهذه | النقطة مهمة جدا لوقوعها على تلال مرتفعة يحفها من أسفلها نهر ~~صغير يجري | من الشمال إلى الجنوب ، صعب العبور لشدة جريان مائه وزيادة ~~عمقه وهو نهر | ( قرسيم ) وكذلك يحيط بها من جهة أخرى نهر آخر يجري من ~~الغرب إلى الشرق | ويصب في نهر قرسيم فيجتمعان ويجريان إلى نهر الفرات . # ولو هاجم إبراهيم باشا الجيش التركي في أثناء عبوره لنهر الفرات حين كان ~~| منقسما على الشاطئين لأمكنه أن ينتصر عليه بكل سهولة لولا أن حالت بينه | ~~وبين بغيته هذه أوامر والده المشددة عليه بعدم الابتداء بالهجوم . وكانت في ~~أثناء | هذه المدة قناصل الدول تكثر من التردد على سراي محمد علي باشا ~~بشيرا | لتبليغه كل ما يرد عليهم من دولهم فكانت الدول تارة تهدده بتداخلها ~~لو ابتدأ | بالحرب ، وتارة تعده بأن تتوسط له عند الباب العالي ليعطي له ~~ولايتي مصر | والشام وتكونا له ولأولاده من بعده ولكثرة إلحاح القناصل عليه ~~سافر إلى | الوجه البحري بقصد التفسح ولتسكين خاطر القناصل ، وكتب إلى ~~باغوص | بيك ناظر خارجيته بالقاهرة جوابا من شبين بتاريخ 16 صفر سنة 1255 | ~~الموافق ( 2 إبريل سنة 1839 ) يخبره به أنه ms131 قد ورد إليه كتاب من ولده ~~إبراهيم | باشا من جهة الشام يقول فيه أن العساكر الشاهانية اجتازت الفرات ~~عند قرية | ( بلاجيك ) ويظهر أن وجهتها مدينة حلب ، وأنه كتب إلى ولده أن ~~لا يهاجم | PageV01P178 | الجيش التركي بل يتربص في مكانه حتى يهاجموه ~~فيدافع عن نفسه بقدر | الطاقة . # لكن لم يهدأ بال القناصل بل توجه الموسيو ( دي ميدم ) قنصل جنرال | ~~الروسية إلى دمياط ومعه رسالة وردت إليه بخط الموسيو ( نسلرود ) وزير | ~~الروسية الأول يهدد فيها محمد علي باشا بالتداخل الحربي إن لم يصدر أمره ~~حالا | برجوع العساكر المصرية من الشام ويعترف بتبعيته للباب العالي ويقبل ~~كل ما | تقرره الدولة بشأنه ، فاغتاظ لذلك محمد علي باشا لكنه كظم غيظه ~~ووعد برد | الجواب ثم في يوم 16 مايو سنة 1839 أرسل إلى قناصل الدول عموما ~~| منشورا يخبرهم فيه بأنه لو رجعت العساكر السلطانية إلى الشاطئ الأيسر من ~~| الفرات ، فهو أيضا يأمر برجوع عساكره ورجوع إبراهيم باشا أيضا إلى | ( ~~دمشق ) ولو عادت عساكر الدولة إلى ما وراء ( ملطية ) فهو يستدعي إبراهيم | ~~باشا إلى مصر فضلا عن كونه مستعدا لإرجاع جزء عظيم من جيشه إلى مصر | لو ~~تعهدت الدول الأربع العظمى وقبل الباب بأن تكون مصر والشام له | ولورثته ~~إلى ما شاء الله . ولكن لم تقبل الدولة العلية ذلك بل عزمت على أن لا | ~~تسلم إلا للقوة وأرسلت إلى حافظ باشا أن يستعد لمقاتلة المصريين ومكافحتهم ~~| فأمر حافظ باشا بقطع العلاقات التجارية بين ولايات الدولة والشام وأوقف | ~~أيضا سير القوافل فأمر بمثل ذلك إبراهيم باشا وأرسل سليمان باشا ، وكان | ~~مكلفا بالمخاطبات السياسية ، منشورا إلى قناصل الدول بحلب يخبرهم فيه أن | ~~إبراهيم باشا أمر بعدم سير القوافل إلى ولايات الدولة العلية لإبتداء حافظ ~~باشا | بمثل ذلك ، وأن هذا التحريج لا يرتفع إلا إذا عادت المواصلات بأمر ~~القائد | التركي . # فاغتاظ لذلك حافظ باشا وابتدأ في أخذ كل ما تصل إليه يده من خيول | وبغال ~~وحمير وأغنام 0 مما يكون للجيش المصري ثم احتل قرى عديدة حول مدينة | ~~PageV01P179 | ( عين ms132 تاب ) بدون إشهار للحرب كما هي عادة الأمم المتمدنة ، ~~ثم هجم على | هذه المدينة نفسها ودخلها عنوة بعد أن طرد الحامية المصرية ~~فكتب إبراهيم باشا | لوالده يعلمه بأن الأتراك تعدوا الحدود ودخلوا البلاد ~~التابعة للحكومة المصرية | بمقتضى معاهدة ( كوتاهيه ) ولما لم يرد له رد ~~الخطاب بسرعة واستبطأه قام من | حلب مع جزء من جيشه وأمر سليمان باشا بأن ~~يكون على أهبة السير | لمساعدته لو دعت الضرورة للقتال . وبينما هو سائر إذ ~~ورد عليه خبر استيلاء | الترك على مدينة واقعة على الشاطئ الأيمن للفرات ~~تدعى ( تل باشر ) بعد أن | قتلوا وأسروا فريقا من حاميتها التي كانت مؤلفة ~~من خمسمائة من عرب | الهنادي . # فلما طرق هذا الخبر أذنه جد في السير وأرسل إلى سليمان باشا يستدعيه | ~~للقيام بدون تأخير مع بقية الجيش ليلجئ الأتراك إلى الرجوع إلى ما وراء | ~~الحدود ويسترد منهم ما سلبوه خيانة وغدرا ولكن بمجرد وصول العساكر | ~~المصرية إلى تل باشر أخلاها العثمانيون بدون قتال لما علموا وتيقنوا من ~~ضعفهم | عن مقاومة المصريين فلم يقتف إبراهيم باشا أثرهم بل اكتفى بعودهم ~~إلى | الحدود منتظرا ما يأمره به والده وكان ذلك 3 يونيو سنة 1839 وفي 15 ~~منه | ورد إليه جواب والده مؤرخا 28 ربيع الأول سنة 1255 الموافق ( 6 يونيو ~~| سنة 1839 ) يقول له فيه حيث أن الأتراك اعتدوا عليه ولم يراعوا العهود ~~ولا | المواثيق ، فلا يكتفي بإرجاعهم إلى الحدود بل يلزمه محاربتهم وإهلاك ~~جيشهم | كي لا يعودوا إلى اعتدائهم . # فلما وصل إليه هذا الجواب ورأى فيه الأمر الذي كان يرغبه ، أصدر أوامره | ~~إلى سليمان باشا وسائر القواد بالسير إلى الأمام لمهاجمة الأتراك في ~~معسكرهم | بنصيبين . | PageV01P180 # وفي يوم 20 يونيو سنة 1839 تحرك الجيش بأجمعه واحتل بدون عناء كثير | ~~النقط الأمامية وأخذ قليلا من الأسرى . # وفي اليوم التالي أراد إبراهيم باشا أن يهاجم الأتراك على حين غفله ، ~~لكنه | عدل عن هذا الرأي اتباعا لمشورة سليمان باشا وقر رأيهما على استكشاف ~~| مواقع العدو قبل الهجوم عليه وكان الأتراك قد حصنوا ms133 نقطة نصيبين حتى | ~~جعلوها أمنع المواقع الحربية في الدول العلية وذلك بإرشاد من استخدموهم من ~~| ضباط الأمان وكان من ضمنهم البارون ( دي مولتك ) الذي ينسب إليه انتصار | ~~الألمانيين على الفرنساويين في سنة 1870 فكان إذ ذاك في خدمة الباب العالي ~~| منوطا بأن يكون مرافقا لحافظ باشا بصفة أركان حرب أعني مرشدا ، فلما | ~~استحسن إبراهيم باشا مشورة سليمان باشا الذي رافقه في هذا الاستكشاف | ~~أتبعها وأخذ ألف وخمسمائة من العربان وأربعة ألايات من السواري وبطريتين | ~~من المدافع وسار بهذه القوة القليلة حتى قرب من مدافع الأتراك فأرسلوا ~~إليهم | لردهم عددا عظيما من العساكر غير المنتظمين ( باشبوزق ) وقليلا من ~~السواري | النظامية فناوشهم المصريون مناوشة خفيفة حتى ألجؤهم إلى الرجوع ~~والعود إلى | استحكاماتهم وتمكن سليمان باشا وإبراهيم باشا في خلال ذلك من ~~استكشاف | التحصينات المهمة التي أقيمت أمام نصيبين وتبين لهما أنه يتعذران ~~لم يكن | مستحيلا مهاجمتها من هذه الجهة مهما كانت شجاعة المصريين ، ولذلك ~~عاد | الجميع إلى معسكرهم بقرب نهر مزار لينظروا أي طريق أنجح للإستيلاء ~~على | هذه النقطة المهمة التي لو وقعت في قبضة المصريين وتشتت الجيش ~~العثماني | المتحصن فيها ، لم يقم بعد للترك قائمة إلا إذا تداركتهم ~~العناية بمساعدة الدول | الأروباوية لهم . | ولما انتشر خبر رجوع المصريين ~~شمل السرور الجيش التركي وظنوا أن | المصريين لا يجسرون على مهاجمتهم ، بل ~~لا بد أن يتركوا معسكرهم ويعودوا إلى | حيث أتوا ، ثم زاد سرورهم لما أخلى ~~المصريون معسكرهم في اليوم التالي وأخذوا | PageV01P181 | في الإنسحاب ~~والرجوع ، فلما رأى الأتراك ذلك ظنوا أنهم ولوا الأدبار لكن لم | تلبث ~~أفراحهم أن تبدلت أتراحا لما علموا أن المصريين لم يعودوا بل أخذوا في | ~~الدوران حول نصيبين ليهاجموها من الجهة الأخرى التي لم يحصنها الأتراك لعدم ~~| توهمهم أن المصريين يأتونهم منها . # فجمع حافظ باشا مجلسا عسكريا لتقرير ما يجب اتخاذه ضد هذه المناورة | ~~العسكرية التي لم تخطر ببالهم فأراد البارون ( دي مولتك ) ومن معه من ضباط ~~| الألمان أن يهاجموا المصريين في أثناء سيرهم وعدم استعدادهم للنزال ~~وتأهبهم | للقتال ms134 ، لكن اعترض عليه في هذا الرأي الصائب القائد التركي ~~وسائر الضباط | الأتراك قائلين كيف نترك نقطة صرفنا نفيس الوقت ومعظمه في ~~تحصينها | وتعرض أنفسنا وأرواحنا إلى القتل في واد سهل لا يوجد به أدنى ~~استحكام | طبيعي أو صناعي للإحتماء به ، فرد عليهم الألمانيون بأن الجيش ~~التركي يبلغ | عدده ستين ألف مقاتل والجيش المصري لا يزيد عن أربعين ألفا ~~فيمكن للترك | بكل سهولة أن يتغلبوا على المصريين مع أنهم لو تربصوا في ~~معاقلهم وهاجمهم | المصريون في الجهة القليلة التحصن لربما كان الفوز ~~والنصر لهم . # فلم يقبل حافظ باشا نصيحتهم بل اعتمد على رأيه من البقاء في الحصون | حتى ~~يقضى الله أمرا كان مفعولا فاغتاظ لذلك الألمانيون وأرادوا أن يقدموا | ~~استعفاءهم لولا خوفهم مما يلحقهم من العار والملامة لو تأخروا أمام عدو | ~~مهاجم . # وفي أثناء هذه المداولة تقدم إبراهيم باشا وفريق من الخيالة المنتظمة ~~والعرب | نحو القنطرة المبنية على نهر قرسيم بعد اتحاده بنهر مزار ، قصد ~~إصلاحها لمرور | الجيش لتوهمه أن الأتراك لا بد أن يكونوا قد خربوها لمنع ~~وصول المصريين | إليهم ، لكنه وجدها على حالها فأسرع للاستيلاء عليها قبل ~~وصول الخيالة الذين | أرسلهم حافظ باشا لصد المصريين عنها لكن لما وصلت ~~السواري العثمانيون | كان قد سبق السيف العذل واجتازها إبراهيم باشا وعسكره ~~، ولم يمكن بهذه | PageV01P182 | الكيفية للعثمانيين استرجاعها بل بقيت في ~~قبضة المصريين وقد وصل إليها باقي | الجيش في مساء 22 من شهر يونيو تحت ~~قيادة سليمان باشا وعسكر الجيش | كله على ضفة نهر ( قرسيم ) المواجهة للجيش ~~التركي واتخذ المصريون | الاستعدادات اللازمة لصد الأتراك لو هاجموهم ليلا ~~، هذا ولم يضيع حافظ باشا | وقته سدى بل غير وجهة جيشه وأخذ في إقامة بعض ~~استحكامات لمقاومة | المصريين من هذه الجهة وحصنها بالمدافع التي كانت في ~~الحصون الأول فأوجب | هذا التغيير ارتباك الجند لأن الجناح الأيمن صار أيسر ~~والأيسر صار أيمن ، نعم أن | مثل هذا التغيير لا يترتب عليه أدنى إرتباك لو ~~كان الجيش مدربا على مثل هذه | المناورات لكن الجيش التركي الذي كان ms135 محصنا ~~في نصيبين لم يكن من الإنتظام | على جانب عظيم لأنه حشد بعد تشتت الجيش ~~القديم في واقعة ( قونية ) ولذلك | وقع فيه خلل كبير بسبب هذه المناورة ~~التي لم يراها قبل هذه المرة فضلا عن | أن الإستحكامات التي أقيمت على عجل ~~لم تكن كافية لمقاومة المصريين ومعلوم | أن المهاجم يكون دائما أشد من ~~المدافع خصوصا لو كان المهاجم أكثر انتظاما | من مقاومه . # كل هذه أمور أوقعت الضباط الألمانيين في حيرة عظيمة لتخويفهم ، إن لم نقل ~~| لتحققهم من فوز المصريين ، وفي يوم 23 يونيو في سنة 1839 توفيت الخاتون | ~~الإنكليزية ( ليدي ستانهوب ) التي كانت من ألد أعداء الحكومة المصرية في | ~~PageV01P183 | بلاد الشام وكثيرا ما ألقت الدسائس وفرقت المال والسلاح على ~~سكان الجبل | لمحاربة المصريين ، اختطفتها أيدي المنون قبل أن تشاهد انتصار ~~المصريين في واقعة | نصيبين وعلى أي حال لو تمت في تلك الليلة لماتت في ~~اليوم التالي مما كان | يصيبها من الحزن والكدر لعدم نوالها بغيتها القلبية ~~وهي انخذال المصريين في | ساحة الوغى الأمر الذي صرفت لأجله ما لها وحياتها ~~، فأتت غير مأسوف عليها | من المصريين ونصرائهم هذا ومما زاد في تخوف ~~الضباط الألمان ما كان للجيش | المصري على العثماني من المميزات منها أن ~~الجيش المصري لم يكن مؤلفا إلا من | جنس واحد وهو الجنس المصري وجميعهم ~~مدربون على الأعمال الحربية وعلى | النظام الأوربي ما عدا بعضا من العرب ~~الهنادي وكان جميع ضباطه حائزين رتبهم | بالاستحقاق والأهلية والكل واثقون ~~برئيسهم إبراهيم باشا لما نالوه من النصر | أكثر من مرة تحت قيادته . # تلك صفات كانت معدومة من الجيش التركي لأنه كان مؤلفا من ترك | وأكراد ~~وغيرهم من الأمم المكونة للدولة العثمانية وليس بينهم وحدة جنسية | تربط ~~بعضهم ببعض وأغلبهم غير منتظم والمنتظم منهم لم يكن مستعدا للقتال | ~~استعدادا كافيا لمقاومة جيش منتظم كالجيش المصري وأما ضباطه فأكثرهم إن لم ~~PageV01P184 | يكن كلهم لم ينالوا وظائفهم بالاستحقاق والأهلية فضلا عما ~~لحقهم من الإنهزام | أمام الجيوش المصرية في واقعة ( قونية ) كما سبق ذلك ~~في بابه ms136 . وفي ليلة 24 | يوينه سنة 1839 أراد حافظ باشا أن يهاجم المصريين ~~تحت جناح الظلام طمعا | في أن يوقع الفشل بينهم لكنه لم يتم له مقصوده لأنه ~~بعد أن ألقى بين خيام | المصريين قليلا من القلل ، انتبهوا من رقادهم فلم ~~يكن إلا قليل حتى صدوا | مهاجمة الترك وألزموهم بالرجوع إلى معسكرهم فعادوا ~~منهزمين بعد أن خضبوا | الأرض بدمائهم وملأوا الأودية بأجسامهم ولم يقتل من ~~المصريين إلا النزر اليسير | وكان المجروح منهم قليلا ، وحدث في هذه الوقعة ~~أن بعض الشاميين هربوا من | الجيش المصري وألتجؤا إلى العسكر العثماني ~~وحاربوا معهم في صفوفهم | وكذلك أورطتان من ألاي الحرس الثالث أرادتا ~~الإنضمام للترك فلحقهما | إبراهيم باشا في سيرهما وأعادهما إلى مركزهما ولم ~~يرغب مجازاتهما مجازاة شديدة | خوفا من تذمر باقي الشاميين في هذا الوقت ~~الذي يلزم فيه أن يكون الجيش كله | قلبا واحدا فقبل اعتذارهم بأنهم ضلوا عن ~~السبيل في أثناء الحرب ، واكتفى | بتغيير ضباطهم بآخرين ممن يثق بهم واستمر ~~الجيش بقية ليلة يتأهب للقتال | لتصميم إبراهيم باشا على مهاجمة الأتراك في ~~يوم 24 يونيه . # وفي صبيحة هذا اليوم المشهود طلع إبراهيم باشا وقليل من الهنادي | ~~لإستكشاف مواقع الترك ليهاجمهم في موقع الضعف فتحقق له أنه لا يمكنه | ~~مهاجمتهم من الجناح الأيمن لإرتكازه على أخوار عميقة لا يمكنه إجتيازها تحت ~~| نيرانهم ولا من الوسط أيضا لما أقامه الترك من المعاقل عند تغيير وجهتهم ~~وموقع | الضعف هو الجناح الأيسر لعدم وجود موانع طبيعية أو صناعية تمنع ~~تقدمهم إلا | بعض أشجار من الزيتون متباعدة عن بعضها بحيث يتيسر المرور من ~~بينها ولما | كان إبراهيم باشا معسكرا بين الجيش التركي والفرات أي أمام ~~جناحه الأيمن ، | فلمهاجمة الجناح الأيسر لزمه أن يمر بكل جيشه أمام جيش ~~الترك إلى أن يصل | إلى الجناح الأيسر ولا يخفى ما في مثل هذه الحركة من ~~الخطر لأنه لو هاجمه | الأتراك في أثناء مروره لوقع الفشل في صفوف المصريين ~~وكان الفوز للعثمانيين | PageV01P185 | لكن أهمل حافظ باشا أن يأخذ بالرأي ~~السديد وهو مهاجمته ms137 للمصريين أثناء | سيرهم أمامه فلم يبد حراكا بل اتبع ~~رأى من كان معه من الضباط الأتراك | المخالفين لرأى أركان الحرب الألمانيين ~~. # ولما اقترب الجيش المصري من الجناح الأيسر لمح إبراهيم باشا هضبة مرتفعة ~~| مشرفة على مواقع الترك ولم يحتلوها فأمر في الحال سليمان باشا باحتلالها ~~| فركض سليمان باشا بجواره وتبعه السواري والطوبجية الراكبة وسار الكل | ~~مسرعين نحو هذه الهضبة التي كان احتلالها من أكبر دواعي انتصار المصريين ، ~~| وعند ذلك انتبه الأتراك من غفلتهم واستيقظوا من نومتهم لما رأوا اتجاه | ~~المصريين نحوها وأدركوا أهميتها فأرسلوا عدة ألايات من سواريهم قصد ~~احتلالها | وإبعاد المصريين عنها ولكن لحسن حظ المصريين كان سليمان باشا قد ~~احتلها | مع عسكره قبل وصول الأتراك ، فلما وصلوا إليه أرسل عليهم نيرانه ~~وألزمهم | العودة منهزمين . # ولما وصل الجيش المصري بتمامه إلى الجناح الأيسر لم ينتظر إبراهيم باشا | ~~تجمع العسكر المعينين للهجوم ، بل هجم مع قليل من الجند على الجيش التركي | ~~ليكون أول من دخل معاقلهم واحتل حصونهم ولكن لما كان المصريون المهاجمون | ~~قليلين والجيش التركي كثيرا وناره قوية وقع الرعب في قلوب المهاجمين ~~وامتنعوا | عن التقدم ومازال إبراهيم باشا يهددهم ويحثهم على الإقدام فلم ~~يقبلوا بل | قفلوا عائدين . وكانت هذه أول مرة تقهقر فيها المصريون أمام ~~الأتراك ولا لوم | عليهم في ذلك بل على قائدهم حيث لم يتأن وخاطر بحياته ~~وجنده حبا في نوال | الشرف ، ولما رأى سليمان باشا تقهقر الجند صوب عليهم ~~نيران مدافعه حتى | ألزمهم التقدم إلى الأمام مفضلين الموت مع الشرف على ~~الحياة مع الخزى | والتلف خصوصا إذا كان الموت محققا في كلتا الحالتين ، ~~وبذلك تمكن إبراهيم | باشا من أن يحارب ويناضل إلى أن وصل الجيش بأجمعه ~~واشترك مع المقدمة في | الهجوم ولما اشتدت نار الوغى تزعزع الجناح الأيسر ~~العثماني وأخذ في القهقري | PageV01P186 | وابتدأ الأكراد بالهرب ، ولم ~~يلبث باقي الجيش أن حذا حذوهم وولى الكل | الأدبار والتجؤا إلى الفرار وقتل ~~في هذه المعركة خالد باشا أحد قواد الدولة | العلية المشهورين وأركان حربه ~~المدعو إبراهيم بك الذي ms138 تخرج في مدارس فرنسا | الحربية لأنهما لم يتركا ~~مكانهما حتى قتلا . # وأما الضباط الألمانيون وحافظ باشا ومن معهم من بقية الجيش فتقهقروا على ~~| غير نظام مسرعين بالفرار إلى مدينة مرعش ، فعند ذلك اقتفى المصريون أثرهم ~~| وأبلوا فيهم بلاء حسنا ثم عادوا إلى المعسكر التركي فوجدوه على حالته حتى ~~| أن بعض الضباط الألمانيين ومنهمم البارون ( دي مولتك ) تركوا ملابسهم | ~~وأوراقهم وغنم المصريون كل ما في المعسكر من خيم ومؤن وذخائر ومن | المدافع ~~166 ومن البنادق 20 ألف وقتل في هذه الواقعة 4000 عثماني ومن | المصريين ~~كذلك تقريبا ، لكن قتل المصريون من الأتراك في حال تتبعهم لهم ما | يبلغ ~~خمسة أسداسهم فقد قال البارون ( دي مولتك ) في كتابه على الشرق أن | فرقة ~~بكير باشا التي كان يبلغ عددها 5500 لم يبق منها إلا 350 نفسا وأن | فرقة ~~محمود باشا لم يبق منها إلا 75 نفسا وأما السواري فلم يقتل منهم إلا | ~~القليل لأنهم بادروا بالهرب ابتداء ، فأرسل إبرهيم باشا لوالده يبشره بهذا ~~الفوز | العظيم الذي خلص مصر وأنقذها من التهديدات التي كانت تتوارد عليها ~~ومما | زادها شرفا أنها قاومت رجال الدولة العلية . # ولا يخفى ما ترتب على هذا النصر من الفوائد الجمة كتوطيد ملك محمد | على ~~باشا في بلاد الشام وبلاد الجزيرة وإيقاع الرعب في قلوب سكان تلك | الجهات ~~الذين كفوا عن أثارة الخواطر وبث الدسائس لتحققهم عدم قيام الدولة | العلية ~~بمساعدتهم ، وكان عقب هذه الواقعة موت السلطان محمود خان الثاني | فتوفي في ~~يوم 19 ربيع الآخر سنة 1255 الموافق أول يوليو سنة 1839 . | ولما مات وحضر ~~الأطباء لتشخيص مرضه الذي كان سببا لموته اختلفت | آراؤهم فيه فمنهم من قال ~~أنه توفي بداء السل الرئوي ومنهم من قال أن موته | PageV01P187 | مسبب عن ~~اضطراب عصبي ومنهم من قال غير ذلك ، وكان له من العمر أربع | وخمسون سنة ~~ومكثت خلافته إحدى وثلاثين سنة ، وخلفه على الملك بعده ولده | السلطان عبد ~~المجيد خان الأول وكان عمره إذ ذاك 17 سنة . هذا وبعد أن | أتاح الله ms139 النصر ~~لإبراهيم باشا توجه بنفسه للاستيلاء على المعسكر المحصن الذي | كان قد ~~أقامه الأتراك في ( بلا جيك ) على ضفة الفرات اليمنى ووجه قواده | لاحتلال ~~ملطيه وقونية ثم سافر في 27 الشهر ليحتل مدينة ( عين تاب ) التي | فتحت ~~أبوابها للأتراك ، فوصلها وبعد أن احتلها بدون مقاومة وعفا عن مشايخها | ~~سافر إلى مدينة قيصرية ليريح عساكره ويتقدم لفتح بلاد الأناضول . # وفي 29 منه وصل إليه الموسيو ( كابي ) وكان قد أرسله المارشال ( سولت ) | ~~وزير فرنسا الأول إلى محمد علي باشا ونجله إبراهيم باشا ليخبرهما بأن أوربا ~~| جميعها حتى فرنسا عازمة على منع القتال بينه وبين الباب العالي وحسم ~~الخلاف | الواقع بينهما بالطرق الحبية السلمية وكان سفره من باريس في 28 ~~مايو سنة | 1839 ووصوله إلى الإسكندرية في 13 يونيو فقابل محمد علي باشا ~~وأخبره | بالمأمورية التي كلف بها وطلب منه أمرا لولده إبراهيم باشا بعدم ~~الإبتداء | بالحرب وبعدم اجتياز جبل ( طوروس ) لو حصل الحرب قهرا عنه ~~وانتصر هو | فيه ، فأجاب إلى ذلك محمد علي باشا ظانا أن فرنسا كما أنها ~~تلزمه بعدم الحرب | لابد أن تساعده لو تعدى الباب العالي عليه وأعطى ~~الموسيو ( كابي ) الجواب | المطلوب فسافر إلى اسكندرونة ومنها إلى حلب ~~مستبشرا بنجاح مأموريته ولكن | لسوء حظه لما وصل حلب بلغه خبر انتصار ~~إبراهيم باشا في ( نصيبين ) فسافر | لوقته إلى هذه الجهة ليمنعه عن اجتياز ~~جبل ( طوروس ) فلم يجده فيها فاستفهم | عنه فقيل له أنه قام لتتميم انتصاره ~~باحتلال مضايق الجبل وأنه وجه قواده | للإستيلاء على مدينتي ( قونية ) و ( ~~ملطية ) الواقعتين فيما وراء الجبل . # فحار الموسيو ( كابي ) في أمره وأيقن بتداخل الدول وخصوصا الروسيا | ~~وانكلترا والنمسا لصد إبراهيم باشا عن أملاك الدولة العلية لو قصد التقدم ~~إلى | PageV01P188 | مركز الخلافة العظمى ، فطار بجناح السرعة إلى ( قيصرية ~~) فقابل إبراهيم باشا | أمامها وفاتحه بما أرسل لأجله من إيقاف سير العساكر ~~المصرية نحو الأناضول | فاستشاط الباشا غيظا وقال إن هذا الأمر مستحيل وكيف ~~يجوز لقائد حائز على | النصر والغلبة أن يقف بطريقة ولا يتمم انتصاره لكن ms140 ~~تيسر للموسيو ( كابي ) أن | يصد إبراهيم باشا عن مشروعه ويقنعه بعدم ~~استمرار القتال ويمنعه من التقدم | إلى بلاد الأناضول فوعده بعدم احتلال ~~مدينة ( قونية ) ولم ينثن عن احتلال | ( ملطية ) وما جاورها من البلاد ~~قائلا أن احتلال هذه المدينة ضروري لحفظ بلاد | الشام من هجمات الأعداء . # فلم يقبل الموسيو ( كابي ) ذلك بل أظهر لإبراهيم باشا ضرورة عدم الخروج | ~~عن حدود الشام خوفا من أن تعتبر الدول الأروباوية ذلك تعديا على أملاك | ~~الباب العالي وتتداخل بينهما وربما أجبرته بالقوة على الرجوع وأن الجواب | ~~المرسل إليه من والده يمنعه عن اجتياز جبال ( طوروس ) فلم يذعن إبراهيم ~~باشا | لذلك بل عزم في نفسه على احتلال ملطية وأمر جيشه بالتأهب للسفر ، ~~ولكن | لم يلبث الموسيو ( كابي ) أن عاود الكرة وألح عليه بالتنازل عن هذا ~~المشروع لما | يترتب عليه من الضرر وبعد اللتيا والتي قبل إبراهيم باشا ذلك ~~وأصدر | أوامره إلى قواده بذلك واكتفى باحتلال مدينتي مرعش وأورفه . | ### || تسليم قبطان باشا الدونانمة التركية إلى محمد علي باشا : # وقد حدثت في خلال ذلك مسألة هيجت الخواطر في أوربا وهي أن أحمد باشا | ~~قبودان الدونانمة التركية سافر إلى الإسكندرية وسلم الدونانمة المذكورة ~~برجالها | ومدافعها إلى محمد علي باشا وذلك أنه في أثناء شهر يوليو سنة ~~1839 صدرت | الأوامر من قبل إلى هذه الدونانمة قبيل واقعة ( نصيبين ) ~~بالخروج من بوغاز | الدردانيل قصد محاربة الدونانمة المصرية ، لكن كانت كل ~~من فرنسا وانكلترا | PageV01P189 | أرسلت دونانمة من طرفها لمنع انتشاب ~~الحرب بين الدونانمتين التركية والمصرية | ولذلك لم يحصل بينهما قتال . # ولما تولى السلطان عبد المجيد أراد أن يحسم الخلاف بينه وبين محمد علي ~~باشا | بالطرق السليمة لما تراءى له من أن ذلك أولى من استمرار القتال وسفك ~~دم | العباد فعين من يدعي عاكف أفندي للسفر إلى مصر للإتفاق على هدنة معينة ~~| يمكن في خلالها إجراء المخابرات والإتفاق على طريقة مرضية للطرفين ، وكلف ~~| عاكف أفندي المذكور ، أن يأمر أحمد باشا قبودان بالرجوع إلى القسطنطينية ~~| فلما انتهى هذا الخبر إلى أحمد باشا وكان قد ms141 علم بموت السلطان محمود ~~وتعيين | خسرو باشا صدرا أعظم ظن أن استدعاءه إلى إسلامبول لم يكن إلا ~~لعزله أو | لقتله لما بينه وبين خسرو باشا من الضغائن ولعدم وجود من يدافع ~~عنه ، لموت | السلطان محمود حيث كان محبه وصديقه الوحيد ، فصغا إلى ما وسوس ~~له به | وكيله المدعو عثمان باشا الإلتجاء إلى محمد علي باشا وتسليمه ~~الدونانمة . # وفي يوم 14 يوليو سنة 1839 أقلع بمراكبه وخرج من الدردانيل قاصدا | ثغر ~~الإسكندرية فشاهده الأميرال ( لالاند ) إذ كان بمراكبه موجودا بالقرب من | ~~البوغاز المذكور ولكن لما كانت أوامره لا تبيح له التعرض لها في سيرها بل ~~منع | القتال فقط ، اكتفى الأميرال الفرنساوي باتباعها ومراقبتها حتى إذا ~~أرادت | القتال منعها طوعا أو كرها وفي أثناء السير اقتربت منه بارجة ~~عثمانية تقل عثمان | باشا وأشارت إليه بالإشارات البحرية أنه يريد الإجتماع ~~بالأميرال فنزل | الأميرال بنفسه إلى البارحة ووجد عثمان باشا في انتظاره ~~وبعد أن تحادثا مليا عن | موت السلطان محمود قال له عثمان باشا إن موته لم ~~يكن عاديا بل هو ناشئ عن | دسائس خسرو باشا وخليل باشا صهر السلطان ، ولذلك ~~قدم عزم هو وأحمد | باشا قبودان على السفر إلى جزيرة ( كريد ) للمخابرة مع ~~حافظ باشا قائد | الجيوش البرية في الأناضول ومع محمد علي باشا والي مصر ~~لإبرام تحالف بينهم | على طرد الصدر الأعظم خسرو باشا وشيعته وتولية مهام ~~الدولة إلى من يوثق PageV01P190 | به من الرجال ، فحصل للأميرال ( لالاند ) ~~من هذا الكلام دهشة وتوجس خيفة | من سوء عاقبة هذا المشروع ونتائجه الوخيمة ~~فبذل جهده في إرجاعه عنه . # ولما لم يجد منه أذنا صاغية وكانت الأوامر المرسلة إليه من حكومته لا ~~تبيح له | منعه نصحه بأن يسافر إلى جزيرة ( رودس ) التابعة للدولة العلية ~~لأن جزيرة | ( كريد ) كانت إذ ذاك تابعة لمصر ولا يجوز له أن يذهب لها ~~فوعده عثمان باشا | بذلك وأقلع إلى جهة الجنوب فظن الأميرال ( لالاند ) أنه ~~مسافر إلى ( رودس ) | ولذلك كف عن مراقبته وأرسل سفينة واحدة لمرافقته . ~~وفي الحال أيضا أرسل | أحد ms142 ضباطه إلى إسلامبول لتبليغ سفير فرنسا ما حصل ~~فوصل هذا الضابط في | 7 يونيو وأخبر السفير بسفر الدونانمة إلى جزيرة ( ~~رودس ) كما كان يظن | الأميرال ( لالاند ) فأخبر السفير في الحال الباب ~~العالي لأخذ الاحتياطات اللازمة | وكذلك أخبر باقي السفراء ثم بعد هذا ~~بقليل وصلهم خبر وصول الدونانمة | المذكورة إلى الإسكندرية فكان له تأثير ~~مكدر بين رؤساء الدولة وسفراء الدول | ذات الشأن لأن الدولة العلية بهذه ~~الكيفية لا تثق بأحد من قوادها فكأنها لا | جيش ولا دونانمة لها . # فأرسلت الدول إلى قناصلها بالإسكندرية لتطلب من محمد علي باشا إرجاع | ~~المراكب للدولة منعا لما عساه يحصل من إكراه الدول له على ذلك وألح عليه | ~~قنصل فرنسا كثيرا فلم يصغ لنصائحهم بل عزم على أن لايردها للدولة ما لم | ~~تمنحه ولاية مصر وولايات الشام وآسيا الصغرى ، التي احتلها بعساكره وتكون | ~~له ولذريته من بعده ، وتضمن له الدولة ذلك وتعزل خسرو باشا من منصب | ~~الصدارة ، وفي يوم 24 يوليو عاد إلى القسطنطينية عاكف أفندي الذي كان قد | ~~أرسل لمصر لإيقاف تقدم الجيوش المصرية ومعه رسالة من محمد علي باشا | يقول ~~فيها أنه كتب لولده إبراهيم باشا بأن يقف بالنقط التي هو بها إلى أن تصدر ~~له | أوامر جديدة وأنه لم يزل مصرا على عدم قبول الصلح والطاعة للباب ~~العالي إلى | إذا منحه وذريته من بعده الولايات التي احتلها ، وكيف يقبل ~~خلاف ذلك | PageV01P191 | وساريم أفندي المندوب للباب العالي كان عرض عليه ~~ملك مصر | وولايتي صيدا وطرابلس ؟ | ### || تداخل الدول : # في يوم 27 من يوليو اجتمع وزراء الدول ليتداولوا فيما يلزم إتباعه في | ~~المسألة المصرية منعا لإبراهيم باشا من الزحف على القسطنطينية ، ولتداخل | ~~الروسيا ، لا سيما وأنه جيش للدولة لا برا ولا بحرا فقر رأيهم على إعطاء | ~~محمد علي باشا مصر والشام ما عدا قسم ( أطنه ) وبلاد العرب بشرط أن يكون | ~~للباب العالي حق الاحتلال وإدارة كل من دمشق و ( أوريشلم ) ومكة والمدينة | ~~وأن يدفع والي مصر خراجا سنويا قدره ثلاثون مليونا قرشا تركيا ( تساوي | ~~ثلثمائة ألف ms143 جنيه مصري تقريبا ) وقرروا أيضا أن يرسل إليه مندوبون لتبليغه ~~| هذا القرار لكن قبل سفر هؤلاء المندوبين أرسل سفراء الدول إلى الباب ~~العالي | لائحة مشتركة بتاريخ 28 يوليه ممضاة من سفراء فرنسا وانكلترا ~~والنمسا | والروسيا وبروسيا يطلبون منه أن لا يقرر شيئا في أمر المسألة ~~المصرية إلا | بإطلاعهم واتحادهم وأنهم مستعدون للتوسط بينه وبين محمد علي ~~باشا لحل هذه | المسألة المهمة فأضطر الباب العالي أن يقبل هذا التداخل ~~وأرسل إلى السفراء | يخبرهم أنه أوقف سفر المندوبين . # وكان الراغب أولا في هذه اللائحة المسيو ( دي مترنيخ ) وزير النمسا الأول ~~| أكبر ساسة عصره ليضع الدولة العلية تحت حماية الدول العظام أجمع ، فعرض ~~ما | بداله على وزارات باقي الدول فوقع لديهم موقع الإستحسان والقبول حتى | ~~الروسيا نفسها ، خوفا من اتفاق باقي الدول ضدها وحماية الدولة العلية ~~بالقوة | كما حصل في حرب القرم سنة 1853 . # فاجتمع سفراء الدول أول اجتماع عند الصدر الأعظم في 30 يوليو سنة | 1839 ~~وتداولوا فيما يجب إعطاؤه لمحمد علي باشا فأبدى سفيرا انكلترا | ~~PageV01P192 | والنمسا ضرورة إرجاع الشام للدولة العلية وعارضهم في هذا ~~الرأي سفيرا | فرنسا والروسيا وطلبا أن يمنح محمد علي باشا ملك مصر و ~~ولايات الشام | الأربع لكن انحاز سفير البروسيا إلى الرأي الأول فتقرر ~~بالأغلبية ، ثم طلب | الموسيو ( دي مترنيخ ) أن يعقد مؤتمر دولي في مدينة ( ~~فيينا ) أو ( لوندرة ) لإتمام | المداولات بشأن المسألة المصرية فلم يقبل ~~منه ذلك عند الكل سيما فرنسا | وانكلترا فلم يقبلا ذلك ولم يميلا لهذا ~~الطلب لعدم ثقتهم بالمسيو ( دي مترنيخ ) ، | وكذلك الروسيا لم تقبل تخويل ~~مؤتمر دولي تحديد علاقاتها مع الباب العالي بل | أعلنت أنها مصرة على ~~التمسك بنصوص معاهدة ( انكارا سكله سي ) وهي حماية | الدولة بعساكرها ~~ومراكبها ، وبالتالي احتلال معظم أملاكها بدون حرب لو | تعدى إبراهيم باشا ~~حدود الشام . # فعند ذلك طلبت كل من فرنسا وانكلترا من الباب العالي التصريح لمراكبها | ~~بالمرور من بوغاز الدردنيل لحمايته عند الضرورة من الروسيا ومن العساكر | ~~المصرية وجاء الأميرال ( ستوبفورد ) بنفسه إلى القسطنطينية للحصول على ms144 هذا ~~| التصريح ولما علم باقي السفراء بهذا الطلب اضطربوا وخشوا حصول شقاق | بين ~~الدول المتوسطة وأعلن سفير الروسية بأنه إذا دخلت المراكب الفرنساوية | ~~والإنكليزية البوغاز يقطع علاقاته السياسية مع الباب العالي ويسافر في ~~الحال | وكانت حكومته أرسلت له مركبا حربيا ليسافر عليها إذا اقتضى الحال ~~ذلك ، | وكتبت النمسا إلى وزارتي ( لوندرة ) و ( باريس ) بأن طلبها هذا مخل ~~بسلم أوربا | وأنهما لو أصرا عليه تخرج من التحالف وتحفظ لنفسها حرية العمل ~~. فلما علم | الباب العالي بذلك خاف من تفاقم الخطب ورفض طلب حكومتي فرنسا ~~| وانكلترا وطلب منهما إبعاد مراكبهما عن مدخل البوغاز . # فلهذه الأسباب وعدم الإتفاق بين وزراء الدول توقفت المخابرات إلى أوائل | ~~شهر سبتمبر سنة 1839 حتى عرض اللورد ( بونسونبي ) سفير انكلترا لدى | الباب ~~العالي أن دولته مستعدة لإكراه محمد علي باشا على رد الدونانمة التركية | ~~PageV01P193 | بشرط أن يكون لها حق إدخال مراكبها إلى خليج إسلامبول لصد ~~الروسيا عندد | الضرورة ، فلما علمت بذلك حكومة فرنسا أرسلت إلى الإميرال ( ~~لالاند ) قائد | أسطولها في مياه تركيا أمرا بتاريخ 18 سبتمبر سنة 1839 أنه ~~لا يشترك مع | مراكب انكلترا في حركة عدوانية ضد حكومة محمد علي باشا فعلم ~~الكل | أنه لابد من حصول خلاف بين فرنسا وانكلترا بخصوص المسألة المصرية | ~~وأخذت الدول حذرها مما عساه يحصل من الأمور التي تنشأ بسبب هذا | الخلاف ، ~~فأعلنت النمسا بأنها لا ترغب التداخل لعدم نجاح طلبها المختص | بانعقاد ~~مؤتمر دولي في فيينا أو برلين وأعلنت بروسيا بأنهما يقبلان كل | ما تقرره ~~الدول في هذا الشأن بشرط أن يكون موافقا لرغبة الباب العالي وأن | يكون ~~قبوله لهذا القرار صادرا عن كمال الحرية التامة فكأن الدول قبلت ما | تتفق ~~عليه فرنسا وانكلترا بالإتحاد مع الباب العاي ، ولكن لم يتم الإتفاق بين | ~~هاتين الدولتين لسعي انكلترا في إرجاع المصريين إلى حدودهم الأصلية وعدم | ~~قبول فرنسا ذلك رغبة في مساعدة محمد علي باشا . # وذلك أن فرنسا كانت تود أن تكون ولايتا مصر والشام له ولذريته وإقليما | ~~أطنة وطرسوس له مدة حياته ms145 ، وأما انكلترا فكانت لا تريد أن يعطي إلا ولاية ~~| مصر لكن رغبة في إرضاء فرنسا قبلت أن يعطي مدة حياته نصف بلاد الشام | ~~الجنوبي بشرط أن لا تكون مدينة عكا من هذا النصف ، فرفضت فرنسا هذا | ~~الإقتراح وقالت كيف نجرده من كل فتوحاته خصوصا بعد أن قهر الجيوش | ~~العثمانية في واقعة ( نصيبين ) وأننا لو جردناه منها لتركنا له بابا للحرب ~~مرة | أخرى وهو أمر لا تكون عاقبته حسنة لأن هذا شيء يوجب تداخل حكومة | ~~الروسيا في أمر الدولة العلية بمقتضى العهودات ، ولا تكون نتيجة ذلك إلا ~~حربا | عامة فالأولى منعا لسفك دماء العباد أن تعطي لمحمد علي باشا البلاد ~~التي | فتحها ، لأنه أقوم بإدارتها وأحق بها لما تكبده من المشاق الصعبة ~~والمصاريف | الزائدة و بذل الأرواح ، ولما علمت الدول بوقوع الخلاف بين ~~فرنسا وانكلترا | PageV01P194 | أعلنت النمسا وبروسيا رسميا أنهما ينحازان ~~إلى إحدى الدولتين التي لا تحرم | الدولة من أملاكها ، وبعبارة أخرى إلى ~~انكلترا . # وأما الروسيا فأرادت أن تنتهز فرصة عدم اتحاد الدولتين لتقرير نفوذها في ~~| الشرق وحق حمايتها للدولة العلية دون غيرها وأرسلت إلى لوندره البارون ( ~~دي | برونو ) بصفة سفير فوق العادة فوصلها في أواخر سبتمبر سنة 39 وعرض على ~~| حكومته بالنيابة عن قيصره أن الروسيا مستعدة لأن تترك لانكلترا حرية ~~العمل | في مصر وتساعدها على إذلال محمد علي باشا بشرط أن تسمح لها بإنزال ~~| جيش بالقرب من إسلامبول في مدينة ( سينوب ) الواقعة على شاطئ البحر | ~~الأسود ببر الأناضول لكي يتيسر لها إسعاف الباب العالي لو أراد إبراهيم ~~باشا | الزحف على القسطنطينية ، فصغا اللورد ( بالمرستون ) إلى كلام سفير ~~الروسيا | ومال إلى هذا الرأي ميلا شديدا ولولا استقباح الرأي العام له ~~لقبله كل القبول | وسلمه كل التسليم ، لكنه لما رأى عدم موافقة الرأي العام ~~لهذا المشروع اقترح | على الروسيا أن تعلن أولا بتنازلها عما تخوله لها ~~معاهدة ( أنكارا سكله سي ) من | حق حماية الدولة العلية فرفضت الروسيا ذلك ~~وأجلت المخابرات بشأن تسوية | المسألة المصرية إلى شهر يوليو سنة 1840 لعدم ~~اتفاق ms146 الدول على حالة مرضية | للكل وافية بغرض الجميع ولتباينهم في الغايات ~~والمقاصد # وفي خلال هذه المدة أرسلت الروسيا المسيو ( برونو ) ثانية إلى ( لوندرة ) ~~| ليطلب تعديل المشروع الأول ، بأن يخول لكل من انكلترا وفرنسا الحق في | ~~إرسال ثلاث سفن حربية في بحر ( مرمره ) للإشتراك مع الجيش الروسي في حماية ~~| إسلامبول لو هاجمها إبراهيم باشا فلم تفز الروسيا بمرامها في هذه المرة ~~أيضا ، | هذا ولما علم محمد علي باشا بهذه المخابرات وتحقق أن الدول ~~الأوروباوية | عموما وانكلترا خصوصا ساعون في إرجاع جيوشه إلى مصر وجبره ~~على رد | كل ما فتحه من البلاد ، وأن فرنسا لا يمكنها مساعدته ، فضلا عن ~~تعصب باقي | أوربا ومضادتها بأجمعها له أخذ في الاستعداد لصد القوة بالقوة ~~بحيث لا يسلم | PageV01P195 | شبرا من الأرض التي صرف ماله ورجاله في فتحها ~~إلا مضطرا وكلف سليمان | باشا بتفقد سواحل الشام وتحصينها بقدر الإمكان ~~سيما مدينتي ( عكا ) | و ( بيروت ) وأمر بتعليم كافة الأهالي جميع الحركات ~~العسكرية وحمل السلاح ، | لكي يسهل له حفظ الأمن الداخلي بواسطتهم وصد ~~المهاجمين بواسطة الجيش | المتدرب على الحرب ، ولزيادة جيشه استدعى من ~~الأقطار الحجازية والنجدية | الجيوش المصرية المحتلة لها وأخذ أيضا في ~~توفير الأموال من بعض وجوه | مصاريفها وأطلق سراح محمد ابن عون شريف مكة ~~الذي كان قد ألزمه الإقامة | بمصر من مدة . وبالجملة تخلى عن بلاد العرب ~~وتركها هملا كما كانت لإحتياجه | إلى المال والرجال لأنها كانت تكلفه سنويا ~~مبلغا وقدره 700000 جنيه | مصري تقريبا بلا فائدة ، ثم أرسل جزءا عظيما من ~~العساكر الواردة من بلاد | العرب إلى الشام للإستعداد لكل طارئ يطرأ وأرسل ~~إلى ولده إبراهيم باشا | الأوامر المشددة بأن يجتهد في إطفاء كل ثورة جزئية ~~يبديها سكان الجبل من | أي طائفة خوفا من اشتداد الخطب في الداخل حين ~~الإحتياج للإنتباه لما يأتي من | الخارج . # ثم في أوائل سنة 1840 عاودت النمسا الكرة وطلبت من الدول اجتماع | مؤتمر ~~في مدينة فيينا لتسوية هذه المسألة التي أقلقت بال الجميع فقبلت الدول | ~~عقده في مدينة لوندره ، لا فيينا ms147 ، وطلبت فرنسا أن يكون للباب العالي مندوب ~~| خصوصي في هذا المؤتمر مراعاة له لكونه له السيادة العظمى على البلاد ~~المتنازع | بخصوصها . # فلما اجتمع هذا المؤتمر طلبت فرنسا إبقاء الشام كلها تحت يد محمد علي | ~~باشا ، فعارضتها الحكومة الإنكليزية في ذلك وأصرت على ما طلبته أولا وهو | ~~أنه لا يعطي له إلا النصف الجنوبي منها لكنها قبلت أخيرا بناء على إلحاح ~~فرنسا | إدخال عكا ضمن هذا القسم بشرط أن تكون مدة حياته فقط ولا تنتقل إلى ~~| ورثته بعد موته بل تعود إلى الدولة العلية ، وقبلت الروسيا والنمسا ~~والبروسيا | PageV01P196 | ذلك ، لكن لم تقبله فرنسا بحجة أن حرمان ورثة ~~محمد علي باشا من بلاد صرف | السنين الطوال عليها في فتحها ليتركها لهم بعد ~~موته مما يزيد في حنقه على دول | أوربا وربما لم يقبل هذا القرار المجحف ~~بحقوقه فتلتزم الدول بإكراهه وسفك دماء | العباد ظلما ، الأمر الذي لم تجر ~~هذه المخابرات إلا لمنعه فشددت انكلترا | وخصوصا اللورد بالمرستون وزيرها ~~الأول ، وأبت إلا رجوع ما يعطي لمحمد علي | باشا من البلاد الشامية إلى ~~الدولة العلية بعد موته ، فمن عدم الإتفاق وتشتت | الآراء وبعد الوفاق لم ~~ينجح هذا المؤتمر وبقيت الحالة على ما هي عليه ثم لما تولى | الموسيو ( ~~تيرس ) رياسة الوزارة الفرنساوية في أول مارث سنة 1840 لم يتبع | خطة ~~سلفائه في إنهاء المسألة المصرية بالإتحاد مع انكلترا بل أراد أن يضع لها ~~حدا | باتفاقه رأسا مع الباب العالي ومحمد علي باشا بأن يلزم الباب العالي ~~أن يترك | لمحمد علي باشا ، ولايات مصر والشام له ولذريته ، ويهدده بمساعدة ~~فرنسا لوالي | مصر إن لم يذعن الباب العالي لهذه المطالب . # فأرسل لمحمد علي باشا يخبره بأن لا يقبل مطالب انكلترا ، بل يقوى مركزه | ~~في الشام ويتأهب للكفاح وأن فرنسا مستعدة لنجدته لو عارضته انكلترا . | ~~PageV01P197 | صفحة فارغة | PageV01P198 | ### | 8 - معاهدة 15 يوليو سنة 1840 # فلما علم اللورد بالمرستون بهذه المخابرات حنق على الحكومة الفرنساوية | ~~وبذل جهده في الإتفاق مع الروسيا وبروسيا والنمسا لإرجاع محمد علي باشا | ~~إلى حدود ms148 مصر وإلزامه بالقوة إن لم يطع ، ولقد نجح بالمرستون في مسعاه | ~~وأمضى بتاريخ 15 يوليو سنة 1840 مع من ذكر من الدول معاهدة صدق | عليها ~~مندوب الدولة العلية مقتضاها ( أولا ) أن يلزم محمد علي بإرجاع ما | فتحه ~~للدولة العلية ويحفظ لنفسه الجزء الجنوبي من الشام مع عدم دخول مدينة | ( ~~عكا ) في هذا القسم ( ثانيا ) أن يكون لإنكلترا الحق بالإتفاق مع النمسا في ~~| محاصرة فرض الشام ومساعدة كل من أراد من سكان بلاد الشام خلع طاعة | ~~المصريين والرجوع إلى الدولة العلية وبعبارة أخرى تحريضهم على العصيان | ~~لإشتغال الجيوش المصرية في الداخل كي لا تقوى على مقاومة المركب | ~~النمساوية والإنكليزية ( ثالثا ) أن يكون لمراكب الروسيا والنمسا وانكلترا ~~معا | حق الدخول في البوسفور لوقاية القسطنطينية لو تقدمت الجيوش المصرية ~~نحوها . | ( رابعا ) أن لا يكون لأحد الحق في الدخول في مياه البوسفور ما ~~دامت | القسطنطينية غير مهددة . ( خامسا ) يجب على الدول الموقع مندوبوهم ~~على هذا | الإتفاق أن تصدق عليه في مدة لا تزيد عن شهرين بحيث يكون التصديق ~~في | مدينة لوندرة . # وشفعت هذه المعاهدة بملحق مصدق عليه من مندوب الدولة العلية مبين فيه | ~~الحقوق والإمتيازات التي يمكن منحها لمحمد علي باشا ، وقبل إمضاء هذه | ~~المعاهدة ابتدأت انكلترا في تحريض سكان لبنان من دروز ومارونية ونصيرية | ~~على شق عصا الطاعة وأرسل اللورد ( بونسونبي ) سفيرها لدى الباب العالي | ~~ترجمانه المستر وود إلى الشام لهذه الغاية وأعلم بذلك اللورد ( بالمرستون ) ~~برسالة | تاريخها 29 يونيو سنة 1840 محفوظة في سجلات المملكة . وبمجرد وصول ~~| المستر وود إلى محل مأموريته أخذ في نشر ذلك بين الأهالي ولقد نجح في | ~~PageV01P199 | مأموريته وأشهر الجبليون العصيان وتجمعوا متسلحين وامتنعوا ~~عن تأدية الخراج | والمؤن العسكرية ، لكن لم تتسع هذه الثورة الإبتدائية ~~لتداركها في أولها فأرسل | المدد من مصر ، واهتم كل من إبراهيم باشا ~~وسليمان باشا وعباس باشا في | إخمادها فأطفئت قبل أن يتعاظم أمرها وعادت ~~السكينة في كافة الأنحاء . # ومن ثم أخذ سليمان باشا في تحصين مدينة بيروت لعلمه أنها أول مينا معرضة ~~| لمراكب ms149 الانكليز وكذلك بنى القلاع لحماية كل الثغور ووضع بها المدافع | ~~الضخمة ولكن لسوء الحظ لم تجد هذه الإستحكامات نفعا أمام مراكب | الإنكليز ~~والنمسا كما سيجيء . # ولما علمت الحكومة الإنكليزية أن المرحوم محمد علي باشا مهتم في إرسال | ~~العساكر والذخائر على طريق البحر إلى الشام أرادت أن تعارضه وتعاكسه ، أما ~~| بأخذ دونانمته أو تشتيتها وتفريقها ليتعذر إرسال المدد برا لوجود الصحراء ~~| الرملية الفاصلة بين مصر والشام من طريق العريش فأرسلت أوامرها في أوائل ~~| شهر يوليو سنة 1840 إلى الكومودور ( نابير ) بأن يتوجه بمراكبه إلى مياه ~~الشام | ومصر لإستخلاص الدونانمة التركية لو خرجت من ميناء الإسكندرية ~~وأسرأو | إحراق الدونانمة المصرية لو قابلها فلما علمت فرنسا بهذا الخبر ~~أرسلت إحدى | بوارجها البخارية إلى بيروت لتبليغ قائد الجيوش المصرية هذا ~~الخبر المشؤم | فرجعت في الحال المركب المصرية إلى الإسكندرية حتى إذا وصل ~~الكومودور | نابير لم يجدها فاغتاظ لذلك ويقال أنه قبل أن يبارح مياه بيروت ~~أرسل إلى | سليمان باشا كتابا بتاريخ 14 يوليو يظهر له فيه تكدره من ~~إجراءات القواد | المصريين في الشام ومعاملتهم الثائرين بالقوة وأنهم أن لم ~~يكفوا عن أعمالهم | البربرية اضطر للتداخل وإنزال عساكره إلى بيروت فأجابه ~~سليمان باشا بأنه لا | PageV01P200 | يقبل ملحوظاته ويعلمه بأنه لا يخاطبه ~~من الآن فصاعدا ، وإذا كان عنده | ملحوظات مثل هذه فليبدها لمحمد علي باشا ~~. # ولم يبتدئ شهر أغسطس سنة 1840 إلا وقد ورد خبر معاهدة 15 يوليو | إلى مصر ~~والشام ووردت الأوامر إلى الدونانمة الإنكليزية بمحاصرة سواحل | الشام وأسر ~~المراكب المصرية ، حربية كانت أو تجارية ، فعاد نابير إلى بيروت بعد | أن ~~أخذ في طريقة كل ما قابله من المراكب فوصلها في 14 أغسطس ، وأعلن | العساكر ~~المصرية بإخلاء بيروت وعكا في أقرب وقت ونشر في أنحاء الشام | منشورات ~~لإعلام الأهالي بما قررته الدول من إرجاع الشام لمصر ما عدا عكا | وتحريضهم ~~على العصيان على الحكومة المصرية وإظهار ولائهم للدولة العلية | العثمانية ~~. # وفي يوم 14 أغسطس بلغ خبر هذه المعاهدة رسميا إلى محمد علي باشا وأتت | ~~إليه ms150 بعد ذلك قناصل الدول الأربع المتحدة وعرضوا عليه باسم دولهم أن تكون | ~~ولاية مصر له ولورثته وولاية ( عكا ) له مدة حياته وأمهلوه 10 أيام لإعطاء ~~| جوابه ، فطلب منهم كتابة بذلك فلبوا طلبه ، ثم في اليوم التالي أفهموه أن ~~فرنسا | لإعطاء لا يمكنها مساعدته قط لتصميم الدول على تنفيذ ما اتفقت عليه ~~ولو أدى ذلك | إلى حرب أوربي لكنه أصر على عدم القبول والدفاع عن حقه إلى ~~آخر رمق من | حياته . وفي يوم 26 أغسطس الذي هو غاية الميعاد المعطى له حضر ~~إليه القناصل | ومعهم مندوب الدولة وأخبروه أنه لا حق له الآن في ولاية ( ~~عكا ) ، وأن الدول | لا تسمح له إلا بولاية مصر فقط له ولذريته فاحتد عليهم ~~غضبا وطردهم من | عنده قائلا لهم كيف يجوز أن أسمح لكم بالمقام في بلادي ~~وأنتم وكلاء أعدائي في | هذه الديار ، فانصرفوا وأعطوه عشرة أيام أخر ~~لإبداء جوابه بحيث أن لم يجاوب | تكون الدول غير مسئولة عما يحصل له من ~~الضرر وبعد انقضاء هذه المدة بدون | أن يصل إليهم جوابه كتب القناصل بذلك ~~إلى سفراء الدول بإسلامبول | PageV01P201 | فاجتمعوا عند الصدر الأعظم ~~وقرروا بإتحادهم أخذ مصر والشام من محمد علي | باشا . # وفي أثناء هذه المدة كانت فرنسا ، إتباعا لرأي المسيو تيرس ، تستعد ~~للقتال | مساعدة لمحمد علي باشا ولكن لسوء حظ الأمة المصرية كانت هذه | ~~الإستعدادات غير كافية ولا تتم إلا بعد ستة أشهر لعدم وجود السلاح | ~~والذخائر الكافية للحرب ، لا سيما وأن فرنسا تكون في هذه الحالة مقاومة | ~~لأكبر دول أوربا ولما تحقق أهالي فرنسا أن حكومتهم لا تقوى على مساعدة | ~~محمد علي باشا فعلا بعد أن جرأته على المقاومة ووعدته بالمساعدة هاج الرأي ~~| العام على الموسيو تيرس المعضد لهذه السياسة ، التي عادت على مصر بالضرر ~~| العظيم ، حتى التزم بالإستعفاء في يوم 29 أكتوبر سنة 1840 لكن لم يجد | ~~استعفاؤه لمصر نفعا لوقوعها بمفردها أمام أربع دول من أعظم الدول شأنا | ~~وأعلاهم مكانة وأكثرهم قوة إذ أرسلت فرنسا أوامرها لدونانمتها أولا | ~~بالإنسحاب إلى مياه ms151 اليونان ثم بالعودة إلى فرنسا وترك مصر والشام لمراكب | ~~انكلترا تحرق موانيها بمقذوفاتها الجهنمية وكان رجوع الدونانمة الفرنساوية ~~| في 9 أكتوبر سنة 1840 أي قبل استعفاء المسيو تيرس بعشرين يوما . | ### || إطلاق المدافع على موانئ الشام : # هذا ولم تشترك الدول الأربع في محاربة محمد علي باشا بل قامت انكلترا | ~~وحدها بهذا العمل وساعدتها النمسا والدولة العلية ببعض من مراكبها | ~~وعساكرها البرية للنزول إلى البر إذا أقتضى الحال ذلك ، وأما دولة البروسيا ~~فلم | يكن لها مراكب إذ ذاك والروسيا لم ترد الابتعاد عن القسطنطينية ولما ~~وصل إلى | سليمان باشا بلاغ الكومودور نابير وعلم بمنشوراته للأهالي أعلن ~~في الحال بجعل | البلاد تحت الأحكام العسكرية وذلك خوفا من قيام الجبليين ~~إتباعا للإنكليز ، | وأدخل في مدينة بيروت العدد الكافي من الجند وأرسل ~~لإبراهيم باشا أن يحضر | PageV01P202 | إليه بجيشه الذي كان معسكرا بقرب ~~مدينة ( بعلبك ) ليشتركا في المدافعة عن | موانئ الشام فوصل إبراهيم باشا ~~إلى بيروت وعسكر في ضواحيها وفي أوائل | شهر سبتمبر سنة 1840 وصل الأميرال ~~( ستوبفورد ) الذي كان يجول بمراكبه | أمام الإسكندرية إلى مياه بيروت ~~ليشترك مع ( الكومودور نابير ) في إطلاق | المدافع على موانئ الشام وفي 10 ~~منه وصلهما العساكر البرية وكانت مؤلفة | من ألف وخمسمائة من البيادة ~~الإنكليزية وثمانية آلاف بين أتراك وأرنؤد . # وفي يوم 11 منه أنزلت هذه العساكر إلى البر في نقطة تبعد نحو ستة أميال ~~في | شمال بيروت ولم يتمكن إبراهيم باشا من منعهم لوجود هذه النقطة تحت ~~حماية | المدافع الإنكليزية وفي ظهر ذلك اليوم وبعد نزول هذه العساكر إلى ~~البر أرسل | إلى سليمان باشا بلاغ من الأميرالين الإنكليزي والنمساوي بأن ~~يخلى مدينة | بيروت حالا فطلب منهم مسافة أربع وعشرين ساعة كي يتداول مع ~~إبراهيم | باشا في هذا الأمر الجلل ، فلم يقبل طلبه وابتدئ في إطلاق ~~المدافع على المدينة | واستمر الإطلاق حتى المساء وابتدئ أيضا في اليوم ~~التالي قبل الفجر ولم ينقطع | إلا بعد هدم أو حرق أغلب المدينة وأحرقت كذلك ~~كل الموانئ الشامية قصد | استخلاصها من محمد علي باشا ms152 وإرجاعها إلى الدولة ~~العلية كما كانت ، مع أن | محمد علي باشا لم يأت بأمر يدل على رغبته في ~~الخروج من تحت ظل الراية | العثمانية بل لم يزل مؤكدا إخلاصه وولاءه للدولة ~~ولم يطلب إلا بقاء هذه | الولايات له ولذريته مع تبعيتهم للباب العالي ~~ودفعهم الخراج له اعترافا ببقاء | تلك التبعية ولولا تقلب الأحوال بينه ~~وبين السلطان لتم بينهما الإتفاق على | أحسن وفاق وحقنت دماء العباد ويدل ~~على رغبة الطرفين في ذلك إرسال | الباب العالي ساريم بك أولا وعاكف أفندي ~~ثانيا إلى محمد علي باشا لحل هذه | المسألة . # ولا يخفى أن محمد علي باشا هو الذي خلص مصر من فئة المماليك الباغية | ~~ونشر بجميع جوانبها لواء الأمن وتسبب في ازدياد الزراعة ونمو التجارة حتى | ~~PageV01P203 | توفرت لمصر أسباب التمدن وتيسر بهذه الكيفية لقوافل التجارة ~~الأورباوية | المرور بين الإسكندرية والسويس بدون خوف من تعدي أحد عليها ، ~~وله الفضل | أيضا في استئصال شأفة الوهابيين من بلاد العرب وإعادة الأمن ~~إلى طريق | الحجاج واستخلص منهم مدينتي مكة والمدينة بعد أن استحال إذلالهم ~~على | أيدي العساكر الشاهانية ، فضلا عن أنه هو الذي فتح بلاد الروم ، ~~ولولا ما | حصل لأعادها إلى الدولة العلية بعد ما يئست من رجوعها إليها وهو ~~الذي أعاد | الأمن إلى ربوع الشام بعد احتلاله لها ومنع تعدي البدو على ~~الحضر كما أنه | أبطل القتال المستمر الذي كان لا ينقطع دائما بين الدروز ~~والمارونية الأمر الذي | لم يحصل قبل احتلاله ولا بعده وقد انحرف الأمير ~~الكبير بشير عن موافقة | إبراهيم باشا بعد أن حافظ على ولائه مدة ، رغبة في ~~أن يعطى له من لدن الباب | العالي اسم أمير الجبل وينادي له بذلك على رؤس ~~الأشهاد ، فانعكس عليه أمره | وعاد عليه شؤم خيانته فعزل عن إمارة الجبل ~~وألزم بمفارقة الشام فانتبه من | غفلته وندم على ما كان منه من الزلل حيث ~~لا ينفعه الندم ثم أوصلته إحدى | السفن الإنكليزية إلى بيروت فقابله هناك ~~الأميرال ستوبفورد وبعد أن عنفه على | تذبذبه الذي حصل منه ونفاقه الذي ms153 ~~أداه إلى أن يتبع الأقوى شوكة ، وعدم | حفظه للعهود ، أمر بإرساله وتابعيه ~~مع قليل من عائلته إلى جزيرة مالطة ولم يجبه | إلى ما طلبه من إرساله إلى ~~إيطاليا أو فرنسا فوصل هذه الجزيرة في أول نوفمبر | سنة 1840 وكان عمره إذا ~~ذاك خمسا وثمانين سنة وأمضى ما بقي من عمره | مفكرا في سرعة زوال النعمة ~~وسوء عاقبة التذبذب وأن الأحوط للإنسان | والأجدر به أن يحافظ على عهوده ~~لأنه لو مات مع المحافظة عليها لمات بشرف | والمجد ولو عاش مع الخيانة ~~والتلون لعاش مع الفضيحة والعار وتوفي في سنة | 1850 في قسطنطينية . | ~~PageV01P204 | ### || إخلاء المصريين بلاد الشام : # هذا ولنقل بالإختصار ، إن المراكب الإنكليزية والعساكر المختلطة التي | ~~أنزلت إلى البر في عدة مواضع تمكنت من أخذ جميع المدن الواقعة على البحر | ~~وإخراج المصريين منها حتى لم يكن لمحمد علي باشا بد من الإذعان إلى مطالب | ~~أوربا ، وأنه من العبث المحض مقاومة الدول المتحدة فأصدر أوامره إلى ولده | ~~إبراهيم باشا بعدم تعريض عساكره للقتال والموت بلا فائدة وباستدعاء الجنود ~~| المعسكرة في حدود الشام والإنجلاء عنها مع إتخاذ أنواع الإحتراس الكلي من ~~| العرب وسكان الجبل ، فبلغ إبراهيم باشا هذه الأوامر إلى القواد جميعهم ~~وأخذ | الجنود في الرجوع من كل فج وصاروا يتجمعون حول قائدهم الأعظم الذي | ~~قادهم غير مرة إلى النصر والظفر وبعد ذلك قسم الجيش عدة فرق كل منها | تحت ~~إمرة أحد ممن اشتهر من القواد بالبسالة والتبصر في عواقب الأمور وصار | ~~الكل راجعين إلى مصر تاركين البلاد التي سفكوا فيها دمائهم وسيتركون فيها | ~~قبور إخوانهم . # وكان إبتداء الجيش في الرجوع إلى مصر في أواسط شهر ديسمبر سنة | 1840 ~~ووصل الكل إلى القاهرة بعد أن ذاقوا مرارة النصب وتحملوا أنواع | الذل ~~والتعب وقاسوا شديد الوصب ، مما تكل عن وصفه الأقلام ولا تحيط بنعته | ~~الأوهام ويكدر الأذهان فضلا عن موت كثير منهم في الطريق بسبب مناوشات | ~~العرب الذين زادت همتهم وجراءتهم لما تحققوا من عدم تمكن المصريين من | ~~العودة ورائهم واقتفاء آثارهم ومع ذلك فتمكن ms154 سليمان باشا من إرجاع مائة | ~~وخمسين مدفعا بخيولها إلى مصر ، وكثير من خيول السوارى التي هلك قسم | عظيم ~~منها بسبب العطش وشدة التعب . # وأما إبراهيم باشا وفرقته فلم يمكنهم العودة إلى القاهرة من طريق صحراء | ~~العريش لشدة ما لاقوه أثناء مرورهم في فلسطين من معارضة العرب لهم الذين | ~~سدوا عليهم الطريق واحتلوا جميع القناطر المبنية على الأنهر حتى اضطر ~~لمحاربتهم | PageV01P205 | في كل يوم بل وفي كل ساعة ، وأخيرا وصل مدينة ~~غزة بعد أن استشهد في | الطريق ثلاثة أرباع من معه وكثير من المستخدمين ~~الملكيين الذين أرادوا الرجوع | إلى وطنهم مع عائلاتهم ، فلما وصل غزة كتب ~~لوالده إشعارا بقدومه وطلب منه | إرسال ما يلزم من المراكب لنقل فرقته إلى ~~الإسكندرية وما يلزم لمؤنتهم | وملبسهم . # وفي أثناء هذه المدة عرض الكومودور نابير على محمد علي باشا أن الحكومة | ~~الإنكليزية تسعى لدى الباب العالي في إعطاء مصر له ولورثته ، لو تنازل عن | ~~الشام ورد الدونانمة التركية إلى الدولة العلية فامتثل لهذا الأمر وقبل هذه ~~| الشروط لحفظ مصر لذريته وتم بينهما الإتفاق في 27 نوفمبر سنة 1840 . ولم ~~| يقبل الباب العالي هذا الإتفاق إلا بعد تردد وإحجام وتداول عدة مخاطبات ~~بينه | وبين وكلاء الدول الأربع المتحدة المجتمعين بمدينة لوندرة بصفة ~~مؤتمر وصدر | بذلك فرمان همايوني في تاريخ 21 ذي الحجة سنة 1256 ( 13 ~~فبراير سنة | 1841 ) هذا مؤداه . | أولا : أن الولاية تكون لمن يختاره ~~الباب العالي من أولاد محمد علي باشا الذكور | ثم لأولاد أولاده الذكور ~~وهلم جرا بحيث لا يكون لأولاد البنات الحق في الحكم | مطلقا . | ثانيا : ~~يجب على من يعينه السلطان واليا على مصر أن يسافر بنفسه إلى | القسطنطينية ~~لإستلام فرمان التولية بيده . | ثالثا : أن الذي ينتخب واليا لمصر يعتبر ~~كأحد وزراء الدولة في مخاطباته مع | الباب العالي المراسلات السلطانية بحيث ~~لا يكون له أدنى امتياز عنهم من هذه | الحيثية مطلقا . | PageV01P206 | ~~رابعا : أن والي مصر يكون ملزما بإتباع أحكام فرمان التنظيمات الذي | أصدره ~~السلطان عبد المجيد عند توليته ، وكل ما صدر أو ms155 يصدره الباب العالي | من ~~القوانين واللوائح ويكون الوالي ملزما أيضا بالسير في ولايته طبق المعاهدات ~~| المبرمة أو التي تبرم بين الباب العالي والدول الأجنبية أيا كانت بدون ~~تغيير ولا | تبديل ، بما أن الحكومة المصرية لم تخرج من كونها ولاية ~~عثمانية كباقي الولايات | خامسا : أن سائر الضرائب على اختلاف أنواعها يكون ~~تحصيلها باسم الجناب | السلطاني ويكون تحصيلها وتوزيعها بحسب القواعد ~~المتبعة في باقي ولايات | الدولة العلية . | سادسا : أن ربع المتحصل من ~~الضرائب يدفع إلى الخزينة الشاهانية والثلاثة | أرباع الباقية يصرف منها ما ~~يلزم لمصاريف الإدارة وجباية الأموال وما يلزم | أيضا للوالي وعائلته وثمن ~~البر الذي يرسل سنويا إلى مدينتي مكة والمدينة | المنورة . | سابعا : أن ~~هذه الضريبة يصير دفعها مدة خمس سنين تبدأ من سنة 1257 | هجرية وبعد انقضاء ~~هذه المدة يمكن تعديلها إما بزيادة أو نقصان حسب ما | تستدعيه ثروة الحكومة ~~والأهالي . | ثامنا : أنه لضبط المتحصل من الضرائب ومعرفة ما يخص الدولة ~~بالتحقيق يلزم | أن تعين لجنة من الدولة تقيم في مصر لهذه الغاية وينظر في ~~تعيينها بعد ، كما | تقتضيه الإدارة الشاهانية . | تاسعا : يكون لمصر الحق ~~في ضرب العملة من فضية وذهبية ونحاسية بشرط أن | يكون ذلك باسم السلطان ~~المعظم وأن لا تختلف العملة المصرية عن العملة | العثمانية لا في الشكل ولا ~~في الهيئة ولا في العيار . | PageV01P207 | عاشرا : عدد الجيش المصري يجب ~~أن لا يتجاوز ثمانية عشر ألفا مدة السلم أما | في حالة الحرب فيزداد هذا ~~المقدار إلى الحد الذي تقرره الدولة بما أن العساكر | المصرية ملزمة إذ ذاك ~~بالإشتراك والمساعدة في القتال مع باقي الجنود الشاهانية . | حادي عشر : أن ~~مدة الخدمة العسكرية يجب أن لا تتجاوز خمس سنين ويكون | جمع العسكر بطريق ~~القرعة كما هو المتبع في الدولة ، وحيث أن الجيش المصري | كان يبلغ في ذاك ~~الوقت زهاء ثمانين ألفا فيؤخذ منهم عشرون ألفا ويصير | إرجاع الباقي إلى ~~بلادهم ويرسل أيضا من هذا القدر ألفان إلى دار السعادة كي | لا يبقى في مصر ~~إلى الثمانية عشر ألفا المقررة . | ثاني عشر ms156 : حيث أن مدة الخدمة العسكرية ~~خمس سنين فيؤخذ سنويا من أنفار | القرعة أربعة آلاف شاب يرسل منهم إلى دار ~~الخلافة أربعمائة ويبقى الباقون في | مصر . | ثالث عشر : أن من أدى مدة ~~الخدمة المطلوبة من الجند يعود إلى بلده ولا يجوز | إدخاله في الجيش مرة ~~أخرى . | رابع عشر : أن ملابس العساكر المصرية وعلامات رتبهم تكون متشابهة ~~لجنس | ولون ملابس العساكر الشاهانية . | خامس عشر : كذلك ملابس البحار ~~وضباط البحرية وبيارق المراكب تكون | مماثلة لما هو متبع في بحرية الدولة ~~العلية . | سادس عشر : لا يكون لوالي مصر الحق في منح الرتب العسكرية ~~للضباط | البحرية والبرية إلا لغاية رتبة صاغ قول أغاسي بدخول الغاية في ~~المغيا . | سابع عشر : لا يكون لوالي مصر الحق في إنشاء سفن حربية إلا بعد ~~الحصول | على إذن صريح من الدولة العلية . | ثامن عشر : حيث أن حق الوراثة ~~على ولاية مصر لم يمنح لمحمد علي باشا | وعائلته إلا بهذه الشروط فلو أخلوا ~~بإحدها ، سقط حقهم وصار لجلالة السلطان | الحق في تولية من يشاء . | ~~PageV01P208 # ولقد منحه الباب العالي أيضا ولايات النوبة ودارفور وكردفان وسنار مدة | ~~حياته بدون أن تنتقل إلى ورثته كمصر ، بمقتضى فرمان شاهاني أصدر في اليوم | ~~الذي أصدر فيه الفرمان الأول أعني في 13 فبراير سنة 1841 وكلف أن يقدم | ~~حسابا عن هذه الولايات سنويا إلى دار الخلافة العظمى ، وأن يمنع ما كان ~~متبعا | في السودان من إغارة الجند على قرى الأهالي وخطف بناتهم وصبيانهم ~~ليبيعوها | ويستولوا على ثمنها خصما من ماهياتهم ومرتباتهم ، وأن تمنع كلية ~~عادة خصى | بعض هؤلاء التعيسي الحظ لإستخدامهم في السرايات بصفة حرس على ~~الحريم | ( أغاوات ) ، وأن يحفظ للضباط الموجودين رتبهم ويرسل إلى الباب ~~العالي قائمة | بأسمائهم من الرتبة التالية لصاغ قول أغاسي فما فوق ليصدر ~~أمره بتثبيتهم في | وظائفهم . # فقبل محمد علي باشا كل هذه الشروط ولو عن غير رضا ثم طلب من الدول | أن ~~تساعده في تخفيف بعضها وتغيير البعض الآخر فقبلت ذلك وأرسلت إلى | الباب ~~العالي لائحة بتاريخ 13 مارث سنة 1841 ms157 طلبت منه بها أن يعامله على | حسب ما ~~هو مدون بملحق معاهدة 15 يوليو سنة 1840 وبلائحة 30 يناير | سنة 1841 ~~فتنازلت الحضرة السلطانية بمقتضى فرمان تاريخه 19 إبريل سنة | 1841 بتحوير ~~فرمانها الصادر في 13 فبراير سنة 1841 وهاك أهم ما فيه من | الشروط : | ~~أولا : أن حق الوراثة يكون للأكبر سنا بين أولاده وأولاد أولاده الذكور مع ~~| بقاء الشرط الملزم لمن يستحق الولاية بهذه الكيفية بالسفر إلى مقر دار ~~الخلافة | العظمى لإستلامه الفرمان بيده . | ثانيا : أن ما تدفعه الحكومة ~~المصرية للدولة العلية صاحبة السيادة بصفة خراج | لا يكون ربع إيراد ~~الحكومة قبل خصم مصاريف الجباية والإدارة بل يصير | تقديره فيما بعد مع ~~مراعاة حالة الحكومة المصرية . | PageV01P209 | ثالثا : أن يكون للوالي حق ~~في منح الرتب لغاية رتبة أمير ألاي بدخول الغاية في | المغيا ، أما ما فوق ~~ذلك فلا يكون إلى بإذن من الباب العالي . # ولما أقرت الدول على هذا التحوير بمقتضى لائحة تاريخها 10 مايو سنة | ~~1841 أصدرت الحضرة الشاهانية فرمانا آخر في 11 ربيع آخر سنة 1257 | الموافق ~~أول يونيو سنة 1841 مؤيد لما في الفرمان السابق وفي غرة جمادى | الأولى سنة ~~1257 ( 20 يوليو سنة 1841 ) صدر فرمان آخر يجعل مقدار ما | تدفعه الحكومة ~~المصرية إلى الدولة العلية سنويا ثمانية آلاف كيسة . # وبذا انتهت المسألة المصرية ونال الباب العالي مرغوبه من إرجاع الحكومة | ~~المصرية إلى حدودها ، ورجوع الشام إلى الحكومة العثمانية فعاد هذا القطر ~~إلى ما | كان عليه من الفوضى وعدم الإتفاق بين الشعوب العديدة النازلة به ~~المختلفة | المذاهب والعقائد والعوائد حتى لا تمر سنة إلا ويحصل به ما يخل ~~بالراحة | العمومية بين الدروز والنصارى الأمر الذي كان امتنع كلية في ~~المدة التي كانت | البلاد فيها تابعة للحكومة المصرية أي من سنة 1831 إلى ~~أواخر سنة 1840 | وما كان ذلك إلا لحسن إدارة الحكومة المصرية وشدة بطش ~~إبراهيم باشا | ومن تحت أمره ومعاملتهم الأهالي بالعدل والقسطاس بدون نظر ~~إلى دياناتهم | وجنسيتهم ولو استمرت تبعيتها لمصر مدة نصف قرن ms158 فقط لزال ما ~~بين الأهالي | من العداوة والبغضاء وساروا باتحاد تام في طريق التقدم . # هذا ولما وصل محمد علي باشا كتاب ولده إبراهيم باشا بطلب ما تقدم | أرسل ~~إليه كل ما يلزم لإرجاع الجند ومن معهم من المستخدمين الملكيين | ~~PageV01P210 | وعائلاتهم لما أخذ العساكر في النزول إلى المراكب أرسل إليه ~~الكومودور نابير | بأن يترك في مدينة غزة كل من بجيشه من السوريين ليرجعوا ~~إلى بلادهم وجبالهم | لما أن الشام قد انسلخت عن مصر وأعيدت إلى الحكومة ~~العثمانية فالتزم | بتركهم وكان لذلك تأثير محزن في قلوب المصريين لما ~~علموا أن كل أتعابهم وما | سفكوه من دمائهم وما فقدوه من إخوانهم في ميادين ~~القتال لم يعد على وطنهم | بشيء بل ذهب أدراج الرياح ولكنهم تسلوا عن ذلك ~~بما نالوه من الشرف | وأكسب وطنهم فخرا مخلدا ومجدا مؤبدا . # ومن غريب المصادفة وأعجبها أن رجوع إبراهيم باشا مع جيشه إلى | ~~الإسكندرية وافق يوم خروج الدونانمة التركية من مينا الإسكندرية في 23 ~~يناير | سنة 1841 بعد أن مكثت بها ستة أشهر تقريبا والتزم محمد علي باشا ~~بردها | إلى الدولة العلية بمقتضى الوفاق الذي أبرم بينه وبين الكومودور ~~نابير في 27 | نوفمبر سنة 1840 ، فكان لهذا التصادف وقع محزن في قلب محمد ~~علي باشا | لضياع أتعابه هدرا وهباء منثورا ، لكنه علم أنه يلزمه ومن ~~الواجب عليه أن | يفرغ جهده ، ويبذل همته في ترقية مصر وإصلاح شؤنها فإنها ~~لو اعتنى بأمرها | لدرت أضعافا مما ينتج منها وهي على هذه الحالة . # ولم يظهر محمد علي باشا ألما مما أصابه من ضياع ولايتي الشام وكريد ~~اللتين | صرف فيهما الأرواح العزيزة والأموال النفيسة بل أظهر أن قصده ~~الوحيد هو | ترقية مصر وإدخالها في سلك الأمم المتمدنة ، وأن الأحوال ~~اضطرته إلى فتح | البلاد الشامية لا عن سبق إصرار ولتبليغ ذلك إلى الدول ~~أمر باغوص بيك ناظر | خارجيته أن يرسل لها منشورا يقول فيه أن الله قد من ~~على مصر بانتهاء الحرب | طبق إرادته سبحانه وتعالى إذ لا يحصل في العالم ~~شيء إلا ms159 كما قررته إرادته في | الأزل وأبرزته قدرته إلى الوجود وأن جلالة ~~السلطان المعظم قد منحته ولاية | مصر له ولذريته إلى ما شاء الله وأنه يشكر ~~الدول العظام على مساعدتهم إياه | على نوال هذه الغاية ، التي لولاها لما ~~حصل عليها ، وأنه سيفرغ ما في وسعه | PageV01P211 | لتخفيف أثقال الأهالي ~~وتحسين المالية التي نضبت إيراداتها لما استلزمه الحرب من | المصاريف ~~الباهظة التي جاءت بغير جدوى وإصلاح الإدارة وتتميم ما ابتدئ به | من ~~الأشغال النافعة للري الذي هو قوام الزراعة وفتح الخلجان لتسهيل الملاحة | ~~والتجارة ونشر العلم بين أفراد الأمة ليكون منها رجال أكفاء يقومون بخدمة | ~~وطنهم حق القيام . # وفي أوائل شهر أغسطس سنة 1841 صرف الجيش المصري ، ولم يبق منه | إلا ~~القدر المعين في الفرمان الذي سبقت الإشارة إليه وبذا اقتنعت الدول | ~~بخضوعه لأوامر الدولة العلية وأمرت قناصلها بالرجوع إلى الإسكندرية فرفع | ~~قنصل النمسا العلم وفي 15 أغسطس وفي 23 منه رفعت بقية الدول أعلامها | ~~ورجعت المياه إلى مجاريها وأهدي محمد علي باشا إلى قنصل انكلترا الموسيو | ~~( برنت ) حصانا مطهما وسيفا مرصعا . # وفي أوائل شهر أكتوبر من هذه السنة أرسل السلطان إلى مصر أحد ياورانه | ~~ليظهر لواليها سروره من رجوعه عن المحاربة ودخوله تحت حماية الدولة ~~العثمانية | ويقدم له سيفا هدية من الحضرة السلطانية مع أفخر نياشين الدولة ~~وكتابا من | جلالة السلطان ، ولما علم محمد علي باشا بذلك أرسل ولده سعيد ~~باشا لملاقاه | الياور السلطاني عند نزوله إلى الإسكندرية فتوجه إليه ~~وقابله هناك ثم وصلا إلى | سراي شبرا من طريق البحر في 10 أكتوبر وفي يوم ~~11 منه صعد الياوران | السلطاني إلى قلعة مصر في موكب حافل يتقدمه آلاي من ~~المشاة وألايان من | السوارى مع موسيقاتهم وكان الإزدحام شديد المشاهدة هذا ~~المندوب السامي | الذي لم يحضر إلى مصر مثله منذ مدة . وقابله محمد علي ~~باشا في ديوانه بغاية | الأبهة والجلال تحفه يمينا وشمالا أكابر حكومته مع ~~كافة الضباط والقواد الذين | PageV01P212 | امتازوا في واقعة ( نصيبين ) ~~وما قبلها وكان سليمان باشا من الحاضرين وواقفا في ms160 | أقرب موضع من سمو ~~الوالي فاندهش الياوران السامي من هذا الجمع العظيم | والجيش الذي اشتهر ~~بالمهارة والشجاعة ، وقدم وقتئذ الهدية لمحمد علي باشا | وانصرف بعد أن ~~قبلها منه بكل أبهة وجلال ثم بعد ذلك أخذ في تتميم | الإصلاحات التي عزم ~~عليها الإيجاد التوازن في المالية المصرية ، فأصدر أمره بنزع | المدافع من ~~المراكب الحربية واستعمالها في التجارة كي يظهر لأوربا أنه اكتفى | واقتنع ~~بولاية مصر الخصبة التربة المعتدلة الهواء الغزيرة المياه وقد تم ذلك في | ~~أوائل سنة 1842 ولم يبق من هذه المراكب العظيمة إلا العدد الكافي للحكومة | ~~والأمة . # وفي أثناء هذه السنة زار الخديوي اقليم الفيوم وأبطل احتكار الجلد | ~~والصوف ولما عاد إلى المحروسة أبطل احتكار سائر الأصناف التجارية ما عدا | ~~القطن خوفا من نضوب الخزينة ، إذ ربح بيع القطن من أهم مواردها وكان | ~~عازما أيضا على التنازل عن احتكاره وجعل تجارته حرة لو سمحت خزينة | ~~الحكومة بذلك . # وفي 9 يناير سنة 1844 توفى باغوص بيك وزير خارجيته وكان لموته تأثير | ~~محزن عند محمد علي باشا لما كان له عنده من المكانة العظمى لأنه كان يعتمد ~~| عليه في الأعمال المهمة والمخابرات المدلهمة وخلفه في منصبه أرتين أفندي ~~. # ثم في أوائل شهر أغسطس من هذه السنة خطر بباله أن يرسل لأوربا بإثنين | ~~من أعضاء عائلته الكريمة ليكونا قدوة لمن أرسل قبلهم ولمن يرافقهم من شبان ~~| المصريين وسببا لمراعاة الحكومة الفرنساوية للإرسالية المصرية ، وبعد أن ~~بحث | سموه في هذا المشروع وتأمل فيه وتفكر في نتائجه الحسنة وبعد المباحثة ~~في ذلك | مع سليمان باشا قبل أن يرسل إلى مدينة باريس حسين بيك ثالث أولاده ~~| PageV01P213 | والأمير أحمد بيك نجل ولده إبراهيم باشا ، وبأن يرسل معهما ~~أربعا وثلاثين شابا | مصريا وكلف سليمان باشا بإنتخاب البعض من المدارس ~~الحربية والمدارس | الهندسية ( مهندسخانة ) فانتخب أحد عشر تلميذا من مدرسة ~~الطوبجية وستة | عشر من مدرسة السوارى وسبعة من المهندسخانة وأرسل الجميع ~~إلى مدارس | باريس الحربية . # وفي 25 من شهر أغسطس سنة 1844 وصل فريق منهم إلى مدينة ليون ms161 | وفي 28 منه ~~وصلها الأميران حسين بيك وأحمد بيك فقوبلا بكل تبجيل وتكريم | وتفخيم ~~وتعظيم ونزلا بلوكاندة ( أوربا ) وزارهما فيها حاكم المدينة وأعضاء | ~~مجالسها وقضاتها وسائر مأمورى الحكومة وقضيا بهذه المدينة يومين زارا في | ~~خلالهما آثارها ومحلاتها العمومية وضواحيها اللطيفة وتنزها في نهري السون | ~~والرون اللذين يجتمعان في وسطها وكان يرافقهما في جولاتهما إثنان من ياوران ~~| الملك لويس فيليب ، كان عينهما الملك لملاقاتهما عند نزولهما في مدينة | ~~مرسيليا ومرافقتهما إلى مدينة باريس الزاهرة وكانت مقابلة الأهالي لهما في ~~| جميع البلاد التي مرا بها تظهر محبة الفرنساويين لهما ولعائلتهما ، ولما ~~وصلا إلى | مدينة باريس قوبلا بأحسن مما قوبلا به في مدينة ( ليون ) ~~وقابلهما الملك وأحسن | وفادتهما حق الإحسان وتمتعا منه بالإمتنان . | ### || زيارة الدوك دي مونبانسيه لمصر : # ولإظهار ما حصل له من السرور لإختيار محمد علي باشا مدينة باريس | لتهذيب ~~أخلاق أولاده وثمرة فؤاده وتوسيع عقولهم وزيادة علومهم ، أرسل | ولده الدوك ~~( دي مونبانسيه ) إلى مصر ليتمم دراسة فن التاريخ بزيارة آثار مصر | ~~PageV01P214 | القديمة منبع العلوم والمعارف ومهد الفنون واللطائف فواصل ~~الأمير الفرنساوي | إلى ثغر الإسكندرية في صباح 30 يونيه سنة 1845 وكان في ~~انتظاره بالثغر | الأمير سعيد باشا ابن سمو الوالي فلما علم بقدوم السفينة ~~المقلة للدوك توجه | إليها ليهنئه بسلامة الوصول وكان ممن صحبه أيضا في هذه ~~الزيارة جاليس باشا | المهندس الفرنساوي الذي أرسلته الحكومة الفرنساوية ~~لمصر سنة 1840 | لتحصين الثغر الأسكندري من طوارئ الزمان ونوائب الحدثان . # وبعد ظهر ذلك اليوم بثلاث ساعات جاء سعيد باشا وأخبره أن والده محمد | ~~علي باشا قد جعل سراى القباري تحت أمره ويدعوه إلى النزول بها كي يحظى | ~~بزيارة جنابه العالي ، فقبل الدوك منه ذلك وشكره على عظيم التفاته وحسن | ~~اعتنائه ثم نزلا من السفينة الفرنساوية التي حيتهما بإطلاقها واحدا وعشرين ~~| مدفعا وجاوبتها السفن المصرية بمثل ذلك . # فوصل إلى سراية القبارى ومكث فيها برهة شرب في خلالها القهوة | والمرطبات ~~ثم وفد على السراي محمد علي باشا في عربة تجرها ستة من أحسن | الخيول ~~العربية وتحف ms162 بها كوكبة من فرسان المماليك لابسين ثيابا فاخرة | مزركشة ~~بالذهب والحجارة الكريمة على أحسن نوع وأتم وضع ، فقابل الدوك | بأحسن ~~مقابلة وشكره على تشريفه الديار المصرية ثم عاد بمثل ما جاء به من | ~~الإجلال والتعظيم . # وفي صبيحة اليوم التالي رد الدوك إلى الوالي الزيارة في سراي رأس التين | ~~العامرة فقابله الوالي وسائر ضباطه البرية والبحرية بدون أن ينقص منهم أحد ~~إلا | سليمان باشا فإنه كان مريضا بالقاهرة مما كابده من الأتعاب أثناء ~~عودته من | الشام وفي مساء هذه الليلة صنع له سمو الوالي مأدبة فاخرة دعى ~~إليها سراة | القوم وأكابرهم وأعيانهم وسائر الموظفين من الفرنساويين وقدم ~~لجناب الدوك | الدكتور ( كلوت بيك ) مؤسس مدرسة الطب و ( لنبيربيك ) مؤسس ~~مدرسة | المهندسخانة وغيرهما من الفرنساويين الذين لهم الفضل الأعظم في ~~تأسيس | PageV01P215 | المدارس وبناء القناطر وكذلك كافة ما حصلت عليه مصر ~~من التقدم في زمن | المغفور له محمد علي باشا ، ولقد صرف الدوك أسبوعا ~~كاملا في مدينة | الإسكندرية قضاه في زيارة الإستحكامات والإسبتاليات ~~والسفن الحربية وسر | كثيرا من السفينة المسماة ( بني سويف ) أكبر سفن ~~المصريين فكان فيها مائة مدفع | وألف ومائة جندي وكان قائدها سعيد باشا . # ثم ركب النيل ومعه سعيد باشا وعباس باشا فوصلوا إلى مصر ونزلوا بسراي | ~~شبرا في يوم 8 يوليو وكان بانتظارهم هناك إبراهيم باشا وبعد ان استراح | ~~الدوك قليلا ركب في عربة مع إبراهيم باشا وسارا إلى القلعة حيث كانت معدة | ~~لإقامة محمد علي باشا فوصلاها في الساعة 10 مساء وكان مرورهما بين | صفوف ~~الأهالي والعساكر يتقدمهم جم غفير من حاملي المشاعل وفي يوم 9 منه | طاف ~~الدوك في أنحاء القاهرة للتفرج على ما بها من الآثار العربية ، فشاهد كافة ~~| المساجد القديمة وقبور الخلفاء ، وعند الأصيل توجه إلى مصر القديمة وعاد ~~| سليمان باشا وكان طريح الفراش فسر كثيرا من تنازل نجل ملك فرنسا إلى | ~~زيارته ثم شارف مقياس النيل بجزيرة الروضة ( المنيل ) وفي يوم 10 منه أقيمت ~~| صلاة احتفالية في الكنيسة الفرنساوية تذكارا لعيد جلالة ملكة فرنسا ( ~~ماري | آميلي ms163 ) والدة الدوك فحضرها مع كل ضباط الدونانمة التي رافقته إلى | ~~الإسكندرية . # وفي مساء ذلك اليوم زار الأمير عباس باشا وتوجها معا على طريق البر إلى | ~~مدينة السويس واستراحا أثناء السير في السراي التي بناها عباس باشا في | ~~الصحراء وبعد أن شارفا المدينة والمينا ذهب الدوك إلى جبل طود سينا لزيارة ~~| الأماكن المقدسة هناك وعادا إلى القاهرة . وأظهر الدوك رغبته في السفر ~~على | طريق النيل إلى مصر العليا وزيارة آثار مدينة طيبة فقيل له أن السفر ~~إلى هذه | الجهات لا يستحسن إلا في زمن الشتاء لما أن النيل يبتدئ في ~~الزيارة في شهر | يوليو وأن الأولى العودة إلى مصر في أواخر الشتاء حين ~~تكون مياه النيل قد | PageV01P216 | تناقصت فقال الدوك أنه لا يمكن ذلك ~~لأنه ربما تشب نار الحرب في بلاد | الجزائر في أوائل الربيع وأنه لا بد أن ~~يحضرها ، فسلم عباس باشا ما طلبه الدوك | وأصدر أوامره المشددة بتجهيز ~~ثلاثة بواخر نيلية فجهزت في أسرع وقت وعزم | الدوك على السفر في 14 يوليه ~~سنة 1845 . ففي صبيحة ذلك اليوم توجه | الدوك إلى السراي بشبرا لوداع ~~الأمير إبراهيم باشا فوجد عنده سليمان باشا | الفرنساوي ، وكان قد نقه من ~~مرضه قليلا وجاء لتأدية واجبات العبودية لإبن | ملكه وخالف تشديدات الأطباء ~~عليه بعدم الخروج خوفا من عود المرض إليه | فقابله الدوك أحسن مقابلة وأظهر ~~له سرور الملك وسرور الأمة الفرنساوية | كلها مما أتاحه الله للمصريين من ~~النصر في بلاد الشام بحسن ترتيباته العسكرية | وتنظيماته الحربية ، وأن ~~فرنسا تود وجود أحد أبنائها الأعزة في مثل هذا المنصب | لأن هذا مما يعلي ~~كلمتها ويحقق رغبتها في تقدم مصر التي كانت ولم تزل في | مقدمة البلاد ~~الشرقية . # ثم عاد الكل إلى فرضة بولاق حيث تنتظرهم البواخر المعدة لسفر الدوك | ~~فنزل في الأولى مع بعض معيته وكان يخفق عليها العلم الملوكي الفرنساوي ونزل ~~| في الثانية الأمير سعيد باشا وحاشيته وفي الثالثة بقية معية الأميرين ~~الفرنساوي | والمصري وكان العلم المصري المنصور الذي تبعه المصريون في ساحة ~~القتال غير ms164 | مرة يرفرف فوق الباخرتين الأخريين . # وبعد أن ودعه الأمير إبراهيم باشا وسليمان باشا ومن كان معهما من | ~~الأمراء وأكابر الأعيان أقلعت البواخر في الساعة 10 صباحا وكان الجو صحوا | ~~والريح رخوا فسارت تشق عباب البحر ، ولم تزل الأبصار شاخصة إليها حتى | ~~بعدت عن الأنظار ثم انصرف الجميع وعاد كل إلى محله مسرورا مما رآه من | لطف ~~الدوك وحاشيته ولم يلبث الدوك في سياحته طويلا بل عاد بعد أن شارف | المنيا ~~وأسيوط ودندرة وآثار مدينة طيبة ثم سافر توا إلى فرنسا . | PageV01P217 # ولقد سر والده ( لويس فيليب ) لما بلغه ما لقيه ولده في الديار المصرية ~~من | حسن الملاقاة وكرم الوفادة فأهدى لسمو محمد علي باشا الجران كوردون من ~~| نيشان الليجيون دونور ، وكان إرساله مع أحد مستخدمي نظارة خارجيته المسيو ~~| ( دي منترو ) فوصل المرسل إلى مصر في 2 نوفمبر سنة 1845 واستقبله سمو | ~~الوالي بقاعة الإستقبال بسراي القلعة العامرة وكان الإحتفال جامعا لكافة ~~أمراء | مصر وقوادها البرية والبحرية الذين اشتهروا وحازوا قصب السبق في ~~حروب | الشام الأخيرة ، ولم يشهد هذا الاحتفال سليمان باشا الفرنساوي لأنه ~~كان | مرافقا لإبراهيم باشا في بلاد إيطاليا وكان قد ذهب إليها طلبا للشفاء ~~من مرض | باطني ألم به منذ مدة وكان الأطباء أشاروا عليه بالتوجه إليها ~~لمداواته | بالإستحمام بالمياه المعدنية . | PageV01P218 | ### | 9 - رحلة إبراهيم باشا إلى أوربا ### || سفر إبراهيم باشا إلى أوربا : # وأما محمد علي باشا فلم يكن سروره بهذه الهدية صافيا ، بل كان يشوبه | ~~الكدر مما ألم بأكبر أولاده الأمير إبراهيم باشا من المرض الداخلي الذي ~~أنهك | قواه حتى تحيرت الأطباء في علاجه وفي آخر الأمر أشار عليه الدكتور ( ~~لالمان ) | طبيبه الخاص به بأن يسافر في أوائل شهر سبتمبر سنة 1845 إلى ~~حمامات ( سان | جيتانو ) بالقرب من مدينة بيز بإيطاليا ، فسافر إليها وبعد ~~أن استمر وداوم | على الإستحمام في مياهها المعدنية مدة بدون فائدة ، أشار ~~عليه الأطباء مرة ثانية | بالتوجه إلى مياه فرنيه الواقعة على جبال ~~البيرنية الشامخة الفاصلة بين فرنسا | وإسبانيا فكتب إبراهيم باشا لوالده ~~بذلك وطلب ms165 منه إخبار حكومة فرنسا | بحضوره إليها فانشرح ( لويز فيليب ) ملك ~~فرنسا لمجيء شجاع مصر وفاتح مورة | والشام الذي عم ذكره جميع الأقطار إلى ~~بلاده ، ولقد أمر والد الأمير سليمان | باشا بمرافقته لولده الأعز في هذه ~~السياحة كي يكون له دليلا ومرشدا في هذه | البلاد التي لم يسبق له توجه ~~إليها ، فسر بذلك لما أنه يود أن يرى وطنه العزيز | بعد أن غاب عنده مدة 25 ~~سنة فسافر إلى ( بيزا ) ومنها إلى ( فلورنسا ) مع | إبراهيم باشا وحاشيته ~~ومنها إلى ( ليفورن ) فجنوة وقابله شارل البربت | ملك سردينيا فرحب به ~~وأضافه أربعة أيام متوالية . | PageV01P219 # وفي أثناء إقامة إبراهيم باشا في مدينة جنوه سافر سليمان باشا إلى مدينة ~~| طولون من أعمال فرنسا ، لإجراء الترتيبات اللازمة لإقامة أميره حين قدومه ~~| إلى أرض فرنسا فوصلها في 20 نوفمبر سنة 1845 وكان في انتظاره هناك | ~~مأمور الحكومة وجم غفير من الأهالي أتوا من كل فج لمقابلة هذا الشجاع | ~~الفرنساوي الذي تجرع غصص الفاقة في فرنسا وخرج منها فقيرا وإن لم يكن | ~~حقيرا ، وعاد إليها بعد خمس وعشرين سنة مكللا بالنصر والظفر ومتحصلا على | ~~رضا سمو أميره وافتخار كافة ضباط الجيش المصري به حيث قام بجميع ما يلزم | ~~للوطن العزيز بالذمة الصادقة والهمة العالية . # فبعد أن أجر المحلات اللازمة لإقامة أميره وحاشيته قضى مدة انتظاره في | ~~التفرج على استحكامات المدينة من جهتي البر والبحر وعلى ما بها من | ~~الترسانات والسفن الحربية وجميع الأعمال الفنية ، وبينما جميع الأهالي ~~منتظرون | سمو الأمير المصري المنصور متشوقون لرؤيته إذ وصل إليها من طريق ~~البحر في | صبح يوم 2 نوفمبر ، تنقله احدى سفن مصر الحربية ، وأدت التحية ~~لهذا الأمير | بارجة الأميرال بطلقها أحدا وعشرين مدفعا ورفعها العلم ~~المصري على أعلى | صواريها وكذلك كافة السفن الفرنساوية رفعت العلم المصري ~~ثم أطلق من | إحدى الطوابي البرية واحد وعشرون مدفعا وأرسلت الأخبار توا ~~إلى باريس | بالتلغراف لإخبار الملك بقدوم سمو ضيفه فأرسل الملك تلغرافا ~~يهنئه بسلامة | وصوله وقد حيته أيضا بإطلاق المدافع السفينة النابلتانية ~~المسماة بأوزانيا ms166 التي | كانت راسية بطولون ، وأما سفن الدول الأخرى فاكتفت ~~برفع أعلامها مع | PageV01P220 | العلم المصري على جميع صواريها وكان دخول ~~السفينة المقلة لسموه المينا في | الساعة 8 صباحا وعند دخولها ذهب لتهنئته ~~على السفينة حاكم المدينة البحري | ليتلقى من سموه الأوامر ، وبعد أن مكث ~~في الوابور ثلاث ساعات للإستراحة من | مشاق البحر نزل إلى البر في الساعة ~~الحادية عشرة وكان في انتظاره على | الرصيف الماركيز دي لافاليت مندوبا من ~~قبل جلالة الملك والحاكم البحري | وكثير من الضباط البرية والبحرية ، وكان ~~الألاي الثالث من المشاة البحرية | مصطفا على جهتي طريق الترسانة والألاي ~~التاسع عشر من المشاة البرية مصطفا | أيضا من باب الترسانة إلى سراي ~~الحكومة المعدة لإقامة سموه ، وكان في مقدمة | المواكب فرقة من الجندرمة ~~يتبعها ضباط البر والبحر ثم سمو الأمير إبراهيم باشا | وعن يساره سليمان ~~باشا وهما لابسان أفخر الملابس الشرقية المزركشة | بالذهب ، وخلفهما عدد ~~كثير من الخدم السودانيين حاملين الشبكات المحلاة | بالحرير والتراكيب ~~المنمنمة ومر سموه بهذه الهيئة بين صفوف العساكر والأهالي | والكل يقابلونه ~~بالتهليل والتفخيم والتكريم والتعظيم . # ثم في اليوم التالي سافر سليمان باشا إلى مدينة مرسيليا فبورفاندر ، ~~فبربنيان ، | ففرنيه لإستعداد المحلات اللازمة لإقامة الأمير وتابعيه وبعد ~~تأدية هذه المأمورية | عاد الباشا إلى مدينة بربنيان وكان قد دعاه الجنرال ~~الكونت دي كاستيلان قائد | الفرقة الفرنساوية المعسكرة في هذه الجهة ليشهد ~~المناورات التي عزم الكونت | على عملها إكراما له ثم بعد أن حضر هذه ~~المناورات عاد إلى مدينة بورفاندر | لإنتظار أميره . # وفي يوم 29 نوفمبر سنة 1845 بارح سموه مدينة طولون قاصدا مدينة | ~~مارسيليا فوصلها عند ظهر ذلك اليوم ، ولما وصل حيته القلاع بإطلاق مدافعها ~~| وعند نزول سموه إلى البر قابله الجنرال ( كونت دوبول ) قائد الحامية ~~وسائر | مأموري الحكومة وكان نزول سموه في منزل أحد التجار المشهورين الذين ~~لهم | علاقات دائمة مع البلاد المصرية وهو منزل ( اخوان باستري ) وهناك ~~زاره أكابر | PageV01P221 | البلد من تجار وأعيان ثم دعا سموه مأموري ~~الحكومة إلى مأدبة أعدها لهم ، وبعد | الفراغ من تناول الطعام ms167 ذهب إلى ~~التياترو وقابله هناك جميع المتفرجين بالتهليل | والتصفيق كما هي عادة ~~الإفرنج عند إظهار استحسانهم أو سرورهم من أمر | وبعد انتهاء التشخيص عاد ~~سموه باليمن والإقبال إلى منزل باستري إخوان | فقضى ليلته فيه إلى الصباح . # وفي اليوم التالي الموافق ( 30 نوفمبر ) زار المدينة ومر في أهم شوارعها ~~فعند | مروره من شارع بائعات الأزهار قدمن لسموه باقة من الزهور الجميلة ~~فتعطف | سموه بقبولها منهن . # وفي مساء الساعة التاسعة توجه ( إلى البالو ) الذي أعده الجنرال ( كنت | ~~دوبول ) إكراما لسموه فمر في جميع غرف الرقص وصار يلاطف السيدات | ~~والمدموازلات برقيق لفظه وسليمان باشا يترجم لهن عباراته حتى انشرحن من | ~~ملاطفته وأعجبهن حسن التفاته إليهن وتعطفه السني جهتهن وعليهن . # وفي صبيحة أول دسمبر سنة 1845 زار سموه ما حوته المدينة من ورش | ~~وفايريقات وجميع الأماكن الصناعية وكان رحمه الله يتأمل بغاية الدقة إلى ~~آلاتها | اللطيفة الغريبة ويعجب من حسن صنعتها العجيبة ، ومما أدهش مهندسي ~~هذه | الفربريقات حدة ذكاء الأمير وقوة فكره وفهمه هذه التركيبات ~~الميكانيكية حتى | أنه أبدى لهم بعض ملحوظات لتحسين بعض الآلات مع عدم تعلم ~~سموه العلوم | الهندسية بل ولا غيرها من العلوم مطلقا . # وفي يوم 2 منه أولم وليمة فاخرة لأعيان تجار هذه المدينة وأصحاب | ~~الفابريقات وفي يوم 3 منه في الساعة الرابعة مساء أقلع من مارسيليا قاصدا | ~~بورفاندر بعد أن وزع الهدايا الثمينة على كل من احتفل بلقائه وأعطى ألفا | ~~وخمسمائة فرنك إلى حاكم المدينة بقصد توزيعها على الفقراء ، ووصل سموه إلى ~~| فرضة بورفاندر في 4 منه وقضى يوم 5 في سفينته وفي اليوم السادس تناول | ~~PageV01P222 | طعام الظهر في وليمة أعدها لسموه تجار المدينة وبعد انتهاء ~~الوليمة سافر سموه | إلى مدينة بربنيان وكان وصوله إليها قبيل وقت الأصيل ~~فقابله هناك الجنرال | كونت دي كستيلان مقابلة عسكرية واستعرض أمامه الجيوش ~~المعسكرة في هذه | المدينة وضواحيها ثم تناول سموه طعام المساء عند الكونت ~~في وليمة فاخرة | عظيمة باهرة كان أعدها لسموه ودعا إليها كل أعيان المدينة ~~وضباط الحامية | وفي يوم 7 ms168 منه تناول طعام العشاء عند مدير الإقليم المدعو ~~بالمسيو ( فابس ) . وفي | صبيحة يوم 8 منه تناول سافر سموه في عربة إلى ~~فرنية ورافقه في طريقه الجنرال | ( كونت دي كستيلان ) ولم يزل راكبا جواده ~~حتى أمضى مسافة 2 كيلو متر | خارجا عن المدينة ثم عاد بعد أن ودع سموه وداع ~~إخلاص وولاء وكان الجنرال | أرسل أوامره إلى مدينة فرنية باستقبال الأمير ~~إبراهيم باشا بكل ما يليق بمقامه | الرفيع من الإحترام والتبجيل فسار سموه ~~طول نهاره فيما بين جبال البرينية | الشامخة مع جزء من ليله ، وقبل أن يصل ~~المدينة بمسافة فرسخين وجد عساكر | الجند رمة مصطفة على جانبي الطريق ~~وأهالي الجبال مجتمعون في الأودية وعلى | قمم الجبال ينتظرون قدوم الأمير ~~المصري متزينين بأفخر لباسهم حاملين | أسلحتهم كما هي العادة المعتادة عند ~~سكان الجبال . # وبمجرد ما أطلقت المدافع من قلعة ( فيل فرانش ) إيذانا بقدوم سموه أطلق | ~~الأهالي بنادقهم في الهواء تعظيما لمقام زائرهم الأفخم وبعد قليل أحاط ~~بعربته | جم غفير من الأهالي حاملين مشاعل متقدة ولم يزالوا مرافقين له ~~ومتابعيه حتى | وصل إلى المدينة فتابعوا إطلاق البنادق مهللين بأصوات الفرح ~~والبشر ، وكان | بانتظاره عند تشريفه المدينة شيخ البلد وقسيسها فقابلاه ~~وخطب كل منهما | خطبة وجيزة هنأ بها سموه على سلامة الوصول وأظهر في خلالها ~~ما نال بلادهم | من الشرف بتشريف جنابه الأكرم وختم كل منهما عبارته بطلب ~~البقاء له من | بادئ النسمات ومبدع الكائنات وشافي العلل والآفات ، ثم مرت ~~عربته من تحت | PageV01P223 | قنطرة نصر أقيمت في أول شارع احتفالا وتزيينا ~~لجنابه وكان مكتوبا عليها هذه | الكلمات إلى المنصور في قونية ونصيبين ، ~~وعند باب الحمام أقيم له قنطرة | أخرى عليها هذه الجمل الأربع إلى نجل محمد ~~علي باشا الأكبر إلى | ممدن الشرق إلى صديق فرانسا إلى الشجاع المصري . # ولما وصل سموه إلى الحمام توجه بلا توان إلى المحل الذي كان معدا لجنابه ~~| الرفيع في لوكاندة الحمام وأخذ الجمع في الإنصراف رويدا وقضى سموه في ~~مياه | قرنية أربعة أشهر طلبا للشفاء فكانت صحته تتحسن يوما ms169 عن يوم حيث أن ~~| الهواء وافقه سيما بملاحظة همة الدكتور لالمان طبيبه الخاص ولكنه سئم ~~الإقامة | في هذه الجهة المنعزلة وفضل مبارحتها عن الإقامة بها لولا تشديد ~~طبيبه عليه ، | نعم كان يزوره أحيانا الجنرال كونت دي كستلان قائد أوردي ~~بربنيان وبعض | من موظفي الحكومة في هذا الإقليم وما كانت هذه الزيارات ~~القليلة تكفي | لتسليته ففي أوائل شهر فبراير أذن له الدكتور لالمان ~~بالتوجه إلى بربنيان لو أراد | بشرط أن يكون انتقاله في عربة تسير الهوينى ~~فرضى سموه بهذا الشرط . # وسافر إلى المدينة في 5 فبراير سنة 1846 حتى وصلها في الساعة الحادية | ~~عشر بعد الظهر بدون أن يعلم الجنرال كونت ( دي كستيلان ) وكان بمعيته | ~~طبيبه الذي كان لا يفارقه أصلا وبعد أن قضى سموه يومين عاد إلى الحمامات | ~~وفي 4 مارث زار هذه المدينة مرة أخرى فقابله فيها الجنرال ورافقه عند عودته ~~| إلى خارج المدينة وكان هناك فرقة من جنوده وأركان الحرب تشتغل بوضع | ~~قنطرة من السفن على نهر يمر بالقرب من المدينة لمرور العساكر قصد التمرين | ~~فتم وضعه في أقل من القليل ولم يحتج إلى مضي وقت من الزمن ومر عليه الجيش | ~~بحضور سموه فسر من مهارتهم وسرعة حركاتهم وإتقان عملهم ثم عاد إلى فرنية | ~~مصحوبا باليمن والإقبال ولما تم الشفاء لسموه في أوائل ابريل عزم على السفر ~~| إلى مدينتي باريس ولوندرة وأخبر والده بذلك فكتب سمو الوالي رحمه الله ~~إلى | حكومتي فرنسا وانكلترا يخبرهما بقدوم ولده إليها بقصد السياحة . ~~PageV01P224 # فلما علم إبراهيم باشا بأن والده كتب إليهما وتحقق من ذلك بادر السفر | ~~مع حاشيته من فرنيه في النصف الثاني من شهر إبريل سنة 1846 من طريق | بوردو ~~، فمدينة تور حيث كان في انتظار سموه قطار حديدي خاص به فوصل إلى | باريس ~~الزاهرة في الساعة الأولى بعد ظهر بوم 25 منه ولا حاجة إلى ذكر ما | لقيه ~~سموه أثناء الطريق في المدن العظيمة التي مر عليها من الإحتفالات بل نكتفى ~~| بأن نقول أنه قوبل أحسن مقابلة واحتفل بمروره بنوع ms170 لم يسبق في تاريخ ~~الشرق | من قبله . # وكان في انتظار سموه على رصيف المحطة الكولونيل ( تييري ) أحد ياوران | ~~الدوك ( دي مونبانسيه ) من طرف جلالة الملك لملاقاته ومرافقته أثناء إقامته ~~في | عاصمة المملكة الفرنساوية وكانت المحطة جامعة من الداخل والخارج ~~لجماهير | الأهالي بين نساء ورجال ، ولم يتأخر أحد من التلامذة المصريين ~~الموجودين هناك | بل أتى الكل للتشرف بمقابلة نجل مليكهم وولي عهد حكومتهم ~~فنزل سموه من | القطار وتبعته حاشيته والتلامذة المصريون وهنأه الكولونل ( ~~تييري ) بسلامة | الوصول نائبا عن جلالة الملك وكافة أعضاء العائلة ~~الملوكية ، وأخبره بأن الملك | يدعو سموه للاقامة في سراي الإليزيه بوربون ~~فقبل سموه ذلك وشكر الملك | على ما كان منه من حسن القبول . وما ظهر من ~~باقي حكومته من سروره | بمقابلتهم في سائر الجهات التي مر بها ، ثم ركب ~~سموه مع حاشيته العربات | الملوكية التي أعدت لإنتظارهم وساروا توا إلى ~~السراي بين صفوف الأهالي | وكان كلما يمر على جماعة يصرخون بقولهم فلتحى ~~مصر فليعش إبراهيم باشا | ليحفظ الله سمو واليها ولم يزالوا على هذه الحالة ~~حتى وصل إلى السراي وكان | المحل الذي أعد لإقامة سموه من هذه السراى ~~القديمة العهد هو الذي أقام فيه | PageV01P225 | الإمبراطور نابليون بعد ~~عودته من جزيرة البه والسرير الذي أعد لنوم سموه هو | الذي كان معدا لنوم ~~الإمبراطور . # ولقد قضى سمو إبراهيم باشا يومي 25 و 26 قبل أن يقابله الملك مقابلة | ~~رسمية وكان سموه يطلع على مباني المدينة متخفيا ثم في يوم 27 احتفل الملك | ~~وأولاده وزوجاتهم بمقابلته بحضور الملكة والبرنسيس اديلاييد في سراي | ~~اللتويلري في قاعة المقابلات الإحتفالية وكان جلالة الملك متحليا بكسوة | ~~رئيس الجيوش وكذلك نجله الدوك دي نيمور وأما البرنس دي جوانفيل فكان | ~~لابسا ملابس فيس أميرال بحري والدوك دي مونباسيه كسوة أميرالاي طوبحى . # وكان حاضرا عند الإستقبال كل من المارشال سولت الملقب بدوك دلماسيا | ~~ورئيس النظار والمسيو جيزو ناظر الخارجية وقبل مجيء إبراهيم باشا ببرهة حضر ~~| إلى السراي الملوكية سفير الباب العالي المدعو سليمان باشا وكان حضوره في ~~| الساعة ms171 الأولى بعد ظهر ذلك اليوم وعند قدومه أقبلت العربة الملوكية ~~المقلة | لسمو الأمير إبراهيم باشا يتقدمها خياله من خيالي اسطبلات الملك ~~ويتبعها | ثلاث عربات أخر ملوكية . وكان مع سموه الكونيل تييري المعين ~~لمرافقته وفي | العربات الأخر سليمان باشا الفرنساوي وغيره من حاشية الأمير ~~، ولما وصل | سموه إلى قاعة الاستقبال قدمه سفير الباب العالي إلى جلالة ~~الملك فصافحه | وشكره على ما لقيه نجله الدوك ( دي مونبانسيه ) من الإكرام ~~وحسن المقابلة | أثناء سياحته في القطر المصري وقد روى أن الملك قال أثناء ~~مقابله سليمان باشا | الفرنساوي أجدك المركيز دي سيف ؟ فقال له الباشا لا ~~بل إن والدي كان أحد | طحاني مدينة ليون ، فرد عليه الملك بقوله أن ذلك مما ~~يزيدك شرفا ونبلا وبعد أن | تكلم الملك قليلا مع إبراهيم باشا والحاضرين من ~~حاشيته عاد سمو الأمير إلى | السراية بنفس الإحتفال الذي جاء به . | ~~PageV01P226 # وفي مساء ذلك اليوم عاد سموه إلى سراي الملك لتناول طعام المساء على | ~~مائدة جلالة الملك ولما حضر الأمير والمدعوون قام الملك في الساعة السادسة ~~| والنصف إلى قاعة الطعام وجلس إبراهيم باشا عن يمين جلالة الملكة أمام ~~زوجها | الأفخم وكان المدعوون من أكبر رجال المملكة بين أمراء وقواد ووزراء ~~ثم | تجاذب الملك والحاضرون أطراف الحديث أثناء الأكل وكانت جلالة الملكة | ~~تلاطف ضيفها برقيق ألفاظها وتسأله عن حالات عمومية في الشرق إلى أن | انقضى ~~الطعام في نحو الساعة ثمانية ونصف مساء وعاد سمو الأمير إبراهيم باشا | إلى ~~مقره بسراي الإليزيه بصحبة الكولونل تييري ومن كان معه من حاشتيه . # وفي صبيحة يوم 28 منه توجه سموه إلى سراي الإنفاليد لزيارة قبر | ~~الإمبراطور نابليون الأول وصحبه في هذه الزيارة الدوك دي مونبانسيه | ~~والكولونل تييري وسليمان باشا ، فقابل سموه على باب السراي الدوك دي | ~~ريجيو حاكمها والضباط من كهول الجيش الفرنساوي حاملين السلاح تعظيما | ~~لجنابه العالي فزار سموه السراي بجميع أركانها وأثنى على الحكومة ~~الفرنساوية | التي خصصت هذا البناء الشاهق لمن يعجز عن الكسب من شجعانها ~~إما لتقدمه | في السن أو لإصابته بفقد ms172 أحد أعضائه في الدفاع عنها وعن شرفها ~~، ثم نزل | بموكبه الحافل إلى القاعة المبنية تحت السراي وبها محفوظة جثة ~~الإمبراطور التي | احتفل بإرجاعها من جزيرة سانت هيلان ( وقد دفن بها ) في ~~15 ديسمبر | 1840 وبعد برهة خرج منها إبراهيم باشا وتوجه لزيارة المدرسة ~~الحربية وبعد | ذلك منتزه قليلا في متنزه غابة بولونيا ثم قصد سراي الدوك ~~دي مونبانسيه | لتناول العشاء في مأدبة خصوصية أعدها الدوك إكراما لزائره ~~وقياما ببعض | واجبه . | PageV01P227 # وفي يوم الخميس الموافق 30 إبريل سنة 1846 ذهب سموه في الساعة 3 | بعد ~~الظهر إلى سراي لوكسنبورج للتفرج في دار التحف فسر مما رآه فيها من | الصور ~~الجميلة خصوصا اللوحة المشهورة التي رسم فيها المسيو هوراس فيرنيه | مقتل ~~المماليك بقلعة مصر المحروسة . # وفي يوم الجمعة أول مايو توجه صباحا لمقابلة الملك الذي كان يستقبل أكابر ~~| الدولة المناسبة عيد دولته الفخيمة فأهدى الملك إليه بعد المقابلة نيشان ~~( اللجيون | دونور ) من درجة جران كوردون فشكره سمو الأمير على هذه الهدية ~~التي دلت | على مابين مصر وفرنسا من المحبة والوفاق الخالصين من كل شائبة ، ~~ثم دخل | سموه مع جلالة الملك إلى قاعة الإستقبال العمومية وشهد مرور وفود ~~المهنئين مع | اختلاف ملابسهم بين ملكية وحربية على اختلاف أجناسهم ~~وأشكالهم وكان | بجانب سموه الدوك دي مونبانسيه فكان يعرفه اسم كل من مر من ~~أمامهما ولما | وقع نظره على المسيو تيرس ، الذي كان وزيرا لفرنسا في سنة ~~1840 ولم يقدر | على مساعدة الحكومة المصرية على المقاومة وعدم قبول الشروط ~~التي عرضتها | عليه الدول ، كما مر ذلك في بابه ، تغير وجه سموه واستشاط ~~غضبا وود أنه لم | يوجد في هذا الإحتفال حتى لا يرى وجه هذا الرجل الذي ~~بسوء سياسته | أوجب الويل للأمة المصرية . # وبعد انقضاء رسوم التشريفات الملوكية عاد سموه إلى سرايته وفي المساء | ~~توجه سموه لتناول الطعام في مأدبة أعدها له المارشال سولت وزير فرنسا الأول ~~| وبعد انتهاء الوليمة توجه سموه مع جناب الوزير وسائر المدعوين إلى ~~السراية | الملوكية لسماع نغمة طقم الموسيقى ، الذي ms173 أعدته بلدية باريس ~~احتفالا بعيد | جلالة ملكهم وعند منتصف الليل شاهد سموه بحضور الملك وسائر ~~أعضاء | العائلة الملوكية السواريخ وحرائق البارود التي أحرقت على شاطئ نهر ~~السين | كما هي العادة في المواسم والأعياد فسر سمو الأمير من هذا المنظر ~~البهيج الذي | لم يسبق لسموه رؤيته في الديار المصرية . | PageV01P228 # وفي يوم السبت الموافق 2 منه زار سموه سراي محكمة الإستئناف العليا | ~~وحضر إحدى جلساتها وكان مترجمه الخاص يترجم له ملخص أقوال الأبوكاتية | ~~ويعبر لسموه عما تصدره القضاة من الأحكام ويشرح له كيفية ترتيب المحاكم | ~~في فرنسا وكيفية سير الأحكام بها ، فشهد سموه بصلاحية هذا الترتيب للأمم | ~~المتقدمة في الحضارة ووعد من معه بإدخاله في الديار المصرية حينما ينتشر | ~~التعليم ولو قليلا بين أبنائها ليعلم كل ماله من حقوق وما عليه من الواجبات ~~| وبعد أن استراح سموه يومي الأحد والإثنين توجه في يوم الثلاث 5 مايو سنة ~~| 1846 إلى قلعة ( فنسين ) ليحضر المناورات العسكرية التي أمر الملك | ~~بإجرائها احتفالا بسمو زائره وكان في انتظاره هناك الدوك ( دي نيمور ) | ~~والدوك ( دي مونبانسيه ) أنجال الملك وأيضا خمسة عشر ألف جندي لإجراء | ~~مناورة تمثل واقعة نصيبين ولما وصل سموه صدحت الموسيقات العسكرية بأنغامها ~~| الحربية وتحركت العساكر بغاية الإنتظام كأنهم شخص واحد وكان سموه متحليا ~~| في هذه الحفلة بنيشان ( الليجون دونور ) وراكبا جوادا عربيا فتوجه مع ~~أنجال | الملك وكل القواد المدعوين إلى هضبة عالية كانت تشخص مركز ~~العثمانيين | ليشاهد هجوم الفرقة المعينة للإستيلاء على هذه الهضبة وبعد أن ~~هجمت هذه | الفرقة مرتين تمكنت بمساعدة الطوبجية من احتلالها كما حصل في ~~واقعة نصيبين . | فسر سموه من نظام العساكر الفرنساوية وتدربهم على الحركات ~~العسكرية | وشهد بأن هؤلاء الجند لو وجدوا من يحسن قيادتهم لا يهزمون أمام ~~أي عدو | كان لأنهم مستوفون عدة وعدة ، ولما انتهت المناورة في نحو الساعة ~~الرابعة بعد | PageV01P229 | الظهر زار سموه قشلاقات العسكر وفي الساعة ~~السادسة تناول الطعام في مأدبة | أعدها لسموه ضباط الجند وكانت قاعة الطعام ~~مزينة بالسيوف والبنادق | يتخللها قليل من الأزهار ولم ms174 يعد سموه إلى باريس ~~إلا عند الساعة العاشرة يرافقه | في عربته الملوكية سليمان باشا الفرنساوي ~~والكولونيل ( تييري ) ياورانه وفي | اليوم السادس منه زار سموه المجمع ~~العلمي ( انستيتيوت ) الكتبخانة الملوكية وفي | السابع شارف محل الضربخانة ~~وفي الثامن زار الإسبتالية العسكرية وخصص اليوم | التاسع منه للإطلاع على ~~ما تحتويه الكتبخانة من الكتب العربية فلما أطلع عليها | اندهش مما وجده ~~فيها من الكتب النفسية التي ربما لا يوجد لبعضها نسخ أخرى | في غيرها من ~~الدول سواء كان في الشرق أو في الغرب وتعجب من اهتمام | الدول الأجنبية ~~باللغة العربية أكثر من اهتمام أهلها بها . # وفي اليوم الحادي عشر منه حضر سموه الإحتفال بتوزيع الجوائز على | ~~التلامذة المصريين الموجودين إذ ذاك بباريز وكان بمعية سموه المارشال ( ~~سولت ) | رئيس الوزراء والدوك ( دي مونبانسيه ) فسر جنابه من تقدم التلامذة ~~خصوصا | نجله أحمد بيك لأنه كان ماهرا وفي المعارف وافرا وفي يوم أربعة عشر ~~زار جناب | الأمير مدرسة الصنائع والفنون وتفقد كل ما بها من الآلات ~~الميكانيكية وأبدى | لأساتذتها بعض ملحوظات استدلوا بها على ما لسموه من ~~توقد الفكر وشدة | الذكاء الطبيعي ثم في اليوم التالي شرف سموه مجلس ~~الأعيان ( سناتو ) بهيئة | احتفالية يتقدمه جمع من الفرسان وحضر الجلسة ~~بتمامها واستحسن نظام | الحكومة الشورية التي منها تستمد القوة الحاكمة ~~آراء الأمة بواسطة مندوبين | ينتخبون بالإنتخاب العمومي لينوبوا عن الأمة ~~في إبداء آرائها واقتراح ما تريده | من الإصلاحات أو التغييرات ، فلما رأى ~~ذلك ود أن يكون بمصر مجلس ينوب | عن أهلها لإنارة حاكمها وإرشاده لما يلزم ~~للأمة من الإصلاحات لولا أنه حال | دون ذلك عدم تقدم الأمة في معارج التمدن ~~والتهذيب السياسي . | PageV01P230 | وفي أحد وعشرين مايو سنة 1846 شرف سموه ~~محل الخواجات ( كريستوفل ) | المشهورين بإتقان صناعة البلور وكذلك شرف غيره ~~من المحلات الصناعية مما | دل على شغف جنابه بالإطلاع على المواد الصناعية ~~والبحث عن أسباب تقدمها | بين الأمم الأجنبية وانحطاطها في الشرق ، مع أنه ~~لما كانت الدولة العربية في أوج | تقدمها في سائر فروع الصناعة وامتيازها ~~بانتشار العلوم ms175 بين أهليها ، كانت تلك | الأمم الغربية التي تدهشنا الآن ~~باستيفائها الأشياء العلمية واختراعاتها الصناعية | في حالة التوحش ~~والخشونة البربرية . # وفي يوم 25 منه حضر سموه استعراض حامية مدينة باريس في ميدان ( شان | دي ~~مارس ) وكانت مؤلفة من خمسة وعشرين ألفا من المشاة وستة آلاف من | الخيالة ~~والألاي الخامس من الطوبجية ، وصحبه في هذا الاحتفال العسكري | الدوك ( دي ~~نيمور ) وسليمان باشا وغيره من الضباط المصريين الذين رافقوه | ولازموه في ~~هذه السياحة . | ### || سفر إبراهيم باشا إلى إنكلترا : # وبعد هذه الإحتفالات والمقابلات عزم سموه على السفر إلى بلاد الإنكليز | ~~قبل عودته إلى الديار المصرية فأعدت له الحكومة الفرنساوية قطارا خاصا | ~~لركوبه إلى مدينة ( دييب ) الواقعة على شاطئ بحر المانش الفاصل بين فرنسا | ~~وانكلترا وباخرة حربية لنقله إلى البر الإنكليزي وفي أول يونيو ودع سموه ~~جلالة | الملك وجميع أعضاء عائلاته . # وفي صبيحة اليوم الثالث منه عزم سموه على مبارحة باريز فركب مع من معه | ~~العربات الملوكية وتوجه إلى محطة ( سان لازار ) في موكب حافل بين صفوف | ~~الأهالي وصفوف المودعين ، حتى وصل المحطة باليمن والإقبال وكان هناك في | ~~انتظاره فرقة من الجند مع الموسيقى لتأدية مراسم الوداع وودع سموه من قبل | ~~جلالة الملك أكبر ياورانه ، وبعد قليل سار القطار قاصدا مدينة ( دييب ) على ~~| PageV01P231 | طريق روان ولم تستوقفه هذه المدينة مع مالها من الشهرة ~~التاريخية والآثار | القديمة بل سار توا إلى مينا ( دييب ) فلم يجد الباخرة ~~التي كانت بانتظاره لعدم | تمكنها من الدخول إلى المينا بسبب جزر البحر بل ~~كانت في فرضة صغيرة | بالقرب من مينا دييب تدعى ( ترييور ) فتوجه إليها ~~سموه وفي الساعة السادسة | من يوم 4 يونيو أطلق الربان البحار للسفينة فشقت ~~عباب البحر بسرعة عجيبة | ووصلت مينا ( بورت سماوث ) في الساعة التاسعة من ~~صباح اليوم التالي وقد | احتفل الإنكليز بإبراهيم باشا عند نزوله إلى البر ~~احتفالا باهرا وكان في انتظاره | على المينا الأميرال ( تشارلس أوجل ) ~~حكمدار المينا وجميع ضباط الحامية ورئيس | البلدية وقد عين الماجور ( ~~كولنوود ديكسن ) من الطوبجية لمرافقته أثناء إقامته في ms176 | بلاد الانكليز ~~وإنما انتخب لتضلعه في اللغة العربية وليستغني سمو الأمير به عن | ترجمانه ~~ثم توجه بصحبه الأميرال إلى ديوان البحرية ( أدميرالتي ) وبعد أن استراح | ~~برهة ركب سموه إلى المنزل الذي أعد لإقامته وحاشيته . # ولما وصل سموه حضر رئيس وأعضاء البلدية بملابسهم الرسمية والتمسوا | ~~مقابلته فأذن لهم بذلك ولما استقر بهم الجلوس قام الرئيس وخطب خطبة هنأ بها ~~| جنابه بسلامة الوصول ، وشكر فيها والده على تسهيل التجارة بين انكلترا | ~~ومستعمراتها الهندية حتى في أثناء الحرب بينها وبين مصر فتشكر له سموه ~~بعبارة | وجيزة عن هذه الزيارة وما قاله من المدح في حق والده . # وبعد أن أقام سموه يوما في ( بورت سماوث ) سافر قاصدا مدينة ( لندن ) | ~~عاصمة بريطانيا العظمى فوصلها في يوم 8 يونيو سنة 1846 قبل الظهر وتوجه | ~~توا إلى ( أوتيل ميفار ) الذي كان استأجره سموه لإقامته مع حاشيته وفي ~~الساعة | PageV01P232 | الثانية بعد الظهر حضر اللورد ( ابردين ) وزير ~~الخارجية وقابله مقابلة سرية | استمرت مدة طويلة لم يعلم ما قيل في خلالها ~~ثم زار سموه الكولونيل ( كامبيل ) | الذي كان قنصلا في مصر ثم حضر السير ( ~~روبرت بيل ) الوزير الأول والدوك | ( دي ولنجتون ) قاهر ( نابليون الأول ) ~~في واقعة ( وترلو ) والبرنس ( جورج دي | كامبردج ) وأخيرا الكومودور ( سير ~~تشارلس نابير ) الذي اشتهر بضربه سواحل | الشام كما مر ، وقيد الكل أسماءهم ~~في دفتر المقابلات لأن سمو الأمير إبراهيم | باشا لم يمكنه مقابلتهم نظرا ~~لما تحمله من مشاق الأسفار . # وفي اليوم التالي الموافق 9 منه ذهب سموه وضباطه إلى سراي ( باكنجهام ) | ~~لمقابلة البرنس ألبرت زوج جلاله الملكة فيكتوريا ، وجريا على ما هو متبع في ~~| المقابلات الانجليزية لم يؤذن بالدخول مع إبراهيم باشا لمقابلة البرنس ~~ألبرت | لأحد من الضباط المصريين ، لكن بطريق الإستثناء أذن لسليمان باشا ~~بذلك | فقابلهما البرنس بكل بشاشة وترحاب وهنأ سمو الأمير إبراهيم باشا على ~~وصوله | وتمنى استمرار علائق المحبة والمودة بين الحكومتين الإنكليزية ~~والمصرية وبعد | انتهاء المقابلة ذهب الأميران معا إلى ميدان ( سانت جمس ~~بارك ) لحضوره | استعراض الجند ، فوجدا بالباب الدوك ( ولنجتون ) وأركان ms177 ~~حربه فقدمهم | البرنس ألبرت إلى إبراهيم باشا وسليمان باشا ثم توجه الجميع ~~بين صفوف | الأهالي إلى محل الإستعراض وكان الأمير إبراهيم باشا يستجلب ~~أنظار الحاضرين | بكسوته الإرجوانية المزركشة بالذهب ونيشان ( اللجيون ~~دونور ) وبعد انتهاء | الإستعراض عاد الأميران إلى سراي ( بوكنهام ) ~~والمتفرجون يصفقون سرورا | واحتفالا إلى أن وصلا إلى السراي فعاد إبراهيم ~~باشا إلى الفندق . | PageV01P233 # وفي اليوم 11 منه توجه سموه لحضور الإحتفال المعد لتوزيع الجوائز على | ~~كل من حاز قصب السبق في ميدان الفنون اللطيفة وبعد عودته قدم له سليمان | ~~باشا المسيو ( أو كونل ) زعيم الارلانديين وبعد أن زارا كثيرا من اللوردات ~~| ووزراء الدولة الإنكليزية سافر من لندن في الساعة الخامسة من ظهر ذلك ~~اليوم | قاصدا ( برمنجهام ) و ( منشستر ) وغيرهما من المدن الصناعية أو ~~التجارية للبحث | عن أسباب ثروة الأمة الإنكليزية وإدخال بعض هذه الصنائع ~~لمصر خصوصا ما | توجد فيها مادته الأصلية مثل القطن والحرير وغيرهما . # ولا حاجة لنا بذكر تطواف سموه بالتطويل خوفا من الإطالة ، ويكفينا أن | ~~نقول أنه ساح كافة بلاد بريطانيا واسكوتلاندا وارلاندا الشهيرة ثم عاد إلى ~~| لوندرة في اليوم الخامس من شهر يوليو سنة 1846 وبعد أن قضى يومه وليلته | ~~في الإستراحة ، خرج مع بعض حاشيته وطاف خفية في أهم شوارع المدينة ثم | ~~الحارات التي يسكنها الفقراء وتعجب من وجود كثير من الفقراء في ضنك | شديد ~~بين أفراد هذه الأمة التي بلغت أعلى الثروة وأغلى الغنى ، يسكنون أماكن | ~~لا تليق بسكنى البهائم مع وجود القصور الباذخة بجوارها مما يزيد في إظهار | ~~حقارة هذه المساكن الرثة ، وعند عودته وجد العربات الملوكية في انتظاره | ~~ليتوجه إلى سراى باكنجهام لمقابلة جلاله الملكة فكتوريا فذهب توا إلى ~~السراى | وقابل الملكة مقابلة خصوصية استمرت ساعتين من الزمن ثم عاد ثانيا ~~إلى | السراى في نحو الساعة السابعة من مساء ذلك اليوم ( 6 يوليو سنة 46 ) ~~لتناول | العشاء على المائدة الملوكية فكانت الملكة تلاطفه في أثناء الطعام ~~وتسأله عن | صحة والده وعن حالة بلاده وتشكره على مساعدة حكومته للتجارة | ~~الإنكليزية وتمنت دوام المحبة ms178 بين حكومتها والحكومة المصرية . | ~~PageV01P234 # وفي صبيحة اليوم السابع سافر من طريق نهر التيمس الذي يمر بمدينة لوندن | ~~إلى مدينة ( جرينويتش ) حيث زار المستشفى البحري المقام هناك لإقامة من | ~~يصاب من البحارة الإنكليزية بعاهات تمنعه عن الإكتساب وكان تأسيس هذا | ~~المستشفى في سنة 1696 ، وهو أشبه شيء بسراى الأنفاليد بفرنسا التي مرت | ~~الإشارة إليها . # وفي مساء ذلك اليوم أعدت له شركة الهند الشرقية مأدبة فاخرة قام في | ~~ختامها أحد أعضائها وشكر الحكومة المصرية على مساعدة هذه الشركة في | جميع ~~أعمالها وفي يوم 11 يوليو صنع حاكم مدينة لندن ( اللورد مايور ) مأدبة | ~~عظيمة لإبراهيم باشا في دار الحكومة ( مانسن هوس ) ودعا إليها نخبة رجال | ~~الحكومة وكان من جملتهم اللورد جون رسل فألقى في ختام المأدبة خطابا مطولا ~~| أبان فيه ما يعود على مصر من مصافاة انكلترا واتخاذها خليلة . # وفي يوم 13 أولم لسموه اللورد بالمرستون ، وكان المدعوون قليلين وقابل | ~~اللورد سموه من الباب كما قابله اللورد مايور وفي انتهاء الوليمة قال ~~اللورد | بالمرستون مقالة أنيقة لم يخرج فيها عن الموضوع خطاب اللورد جون ~~رسل . | ### || عودة إبراهيم باشا إلى مصر : # وكانت هذه الوليمة خاتمة الإحتفالات التي أقيمت في بلاد الإنكليز إكراما ~~| للأمير إبراهيم باشا وحاشيته ففي الساعة السابعة ونصف من صباح يوم 14 | ~~منه قصد سموه محطة السكة الحديدية بين صفوف المودعين وبعد أن قام له | ~~بواجب الوداع كل من حضر ، وخصوصا القائم بأشغال الدولة العلية المدعو | ~~PageV01P235 | أديب أفندي ، سافر سموه على القطار البخاري إلى فرضة ( جبرت ~~) فوصلها في | نحو الساعة الحادية عشرة من مساء ذلك اليوم ثم ركب الباخرة ~~الإنكليزية | ( افنجز ) وسافر توا إلى بوغاز جبل طالر قاصدا العودة إلى ~~وطنه بحرا وكان معه | كثير من العمال الإنكليز الماهرين في صناعة الأقمشة ~~القطنية لإستخدامهم في | الفابريقات التي أنشأها والده في مصر ومقدار عظيم ~~من الآلات الميكانيكية ، | وعدد وافر من الطيور الداجنة كان اشتراها من ~~جمعية لندن الحيوانية | لإستكثارها في القطر المصري . # ولما وصل سموه أمام مدينة لسبون ( لشبونة ) عاصمة البرتغال أراد أن ms179 ينزل ~~| إلى البر لمشاهدة المدينة وزيارة ملكها وكان ذلك في 23 يوليو سنة 1846 | ~~لكن لمناسبة وضع الملكة غلاما وإقامة صلاة احتفالية في كنيسة لسبون | ~~الكاتدرائية لم يتيسر للأمير إبراهيم باشا مقابلته في سرايته ، لأنه كان ~~توجه إلى | الكنيسة لحضور الإحتفال فتوجه الأمير إليه هناك للتفرج ثم ركب ~~البحر وسار | إلى جبل طارق ورسا قليلا بمينا كادكس ( قادس ) بإسبانيا ~~والبوغاز ، ثم استمر في | سيره إلى أن وصل جزيرة مالطة فحيته الحامية ~~الإنكليزية بإطلاق مدافعها من | قلاعها ومن سائر السفن الراسية في الميناء ~~. وفي الساعة التاسعة من صبح اليوم | الخامس من شهر أغسطس سنة 1846 رست ~~السفينة المقلة لجنابه في مينا | الإسكندرية فقابله أخوه سعيد باشا الذي ~~كان وقتئذ حاكم المدينة وجميع | القناصل ومأمور والحكومة وزينت المدينة ~~إجلالا لجنابه السامي ثم في اليوم التالي | سافر إلى القاهرة على طريق ~~النيل فوصلها متمتعا بالصحة التامة متفكرا فيما | رآه في سياحته من عجائب ~~الأمور وفيما يمكن إدخاله في مصر من الصنائع | والفنون لإستغنائها عن ~~واردات أوربا وزيادة رفاهية سكانها . | PageV01P236 # هذا ولم يكن والده محمد علي باشا بمصر حين عودته بل كان قد توجه إلى | ~~القسطنطينية في شهر يوليو من هذه السنة ليقوم بواجب العبودية إلى سدة | ~~الخلافة العظمى ، وليظهر لأوربا أنه ما زال محافظا على الولاء لجلاله ~~السلطان | الأعظم أمير المؤمنين وخليفة رب العالمين وليزيل ما كمن في صدور ~~أكابر الدولة | ووزرائها من الكراهة والبغض له . # ثم عاد منها بالتحية والإقبال في صبح 14 أغسطس سنة 1846 إلى | الإسكندرية ~~وأطلق من قلاعها مائة مدفع وواحد ايذانا بوصول سمو أمير البلاد | وممدن ~~العباد . # ولما عاد إبراهيم باشا إلى مصر عاد له المرض واشتد عليه وهو مرض | ~~الإسهال ( الدوسنتاريا ) فأمره الأطباء بالسفر إلى جزيرة مالطة ومنها إلى ~~شواطئ | إيطاليا الشهيرة بجودة الهواء فسافر في شهر أكتوبر سنة 1847 وبارح ~~| الإسكندرية في 9 منه . | ### || وفاة إبراهيم باشا ووالده : # وفي أثناء هذه المدة ظهرت على محمد علي باشا علامات الهرم وضعفت قواه | ~~الجسمية والعقلية ، فأشارت عليه الأطباء ms180 أيضا بالسفر خارج القطر لترويح | ~~النفس ولإستراحته من أتعاب الإدارة وأوصاب الحكومة فأذعن لمشورتهم | وسافر ~~من الإسكندرية في أوائل فبراير سنة 1848 قاصدا جزيرة مالطة | فأحسن الحاكم ~~الإنكليزي مقابلته وأكرم وفادته وسافر منها قاصدا مدينة نابولي | حيث كان ~~هناك ولده إبراهيم باشا ، وفيها وصل إليه خبر ثورة أهالي فرنسا على | ملكهم ~~لويز فيليب وعزلهم إياه ومناداتهم بالجمهورية ، فحزن لذلك محمد علي | باشا ~~لما كان بينهما من علائق المودة والمحبة وثقل عليه المرض وازدادت قواه | ~~العقلية ضعفا حتى التزم الأطباء المرافقون له بإرجاعه إلى الإسكندرية ~~فوصلها في PageV01P237 | أواخر شهر مارث سنة 1848 وتبعه ولده إبراهيم باشا ~~فأقام والده بسراي | رأس التين ومعه أحذق الأطباء . # وعاد هو إلى مصر وعقد ديوانا تحت رياسته لإدارة أحوال الحكومة مدة | مرض ~~والده وأرسل بذلك إلى دار الخلافة فورد في منتصف شهر يوليو سنة | 1848 ~~مندوب يدعى مظلوم بيك من قبل الخليفة الأعظم ومعه أمر بتولية | إبراهيم ~~باشا مكان والده إلى أن يشفى فلم يحتفل احتفالا كليا بهذا المندوب | لمرض ~~أبيه وانتشار الوباء في أنحاء القطر . وفي أواخر شهر يوليو سنة 1848 | سافر ~~إبراهيم باشا مع هذا المندوب إلى القسطنطينية للمثول بين يدي الحضرة | ~~السلطانية واستلام فرمان التولية من يدها الشريفة وكان سفر سموه إلى جزيرة ~~| رودس على إحدى الدوارع المصرية تخفره الدونانمة المصرية بتمامها ومنها ~~ركب | سفينة عثمانية كانت في انتظاره فوصل إلى إسلامبول في 25 أغسطس وتشرف ~~| بالمثول لدى السدة العلية ونال منها كل رعاية والتفات ، لكنه لم يلبث أن ~~| عاوده المرض فأسرع بالرجوع إلى مصر إتباعا لمشورة الأطباء فسافر من | ~~القسطنطينية في 3 سبتمبر سنة 1848 على إحدى السفن العثمانية فأوصلته | إلى ~~جزيرة رودس ، وكان في انتظاره السفينة المصرية ( بني سويف ) فركبها | ووصل ~~ثغر الإسكندرية في 9 سبتمر سنة 1848 وكانت قد خفت وطأة | الوباء بعد أن ~~أهلك عددا عظيما من الأهالي ، وبعد أن زار والده في سراى رأس | التين عاد ~~إلى القاهرة وجمع بالقلعة ديوانا عظيما من علماء البلد وأعيانها | وقناصل ~~الدول ms181 وتلا الفرمان العلي الشأن المؤذن بتوليته على أريكة الحكومة | ~~المصرية وأطلقت المدافع ايذانا بذلك واستبشارا بما هنالك ، واستمر سموه ~~قابضا | على أزمة الحكومة والأحكام إلى أن اخترمته المنون في ليلة 10 ~~نوفمبر سنة | 1848 وكانت ولادته في مدينة قوله سنة 1789 فتولى بعده عباس ~~باشا ابن | أخيه طوسون باشا . | PageV01P238 # وكانت وفاة محمد علي باشا في يوم 2 أغسطس سنة 1849 عن ثمانين سنة | قضاها ~~في تحسين القطر المصري وتخليصه من أعدائه المماليك وفتح الكثير من | البلاد ~~وإجراء الإصلاحات مثل فتح المدارس وإنشاء الترع والجسور وتأسيس | الورش ~~والفابريقات ، فمات رحمه الله مأسوفا عليه من كل مصري حر الترعة | وسنأتي ~~في الباب التالي على بيان ما فعله من الإصلاحات ، بدون اختصار مخل | ولا ~~تطويل ممل ، ليحظى القراء بما لهذا الشهم العظيم من الأيادي البيضاء على | ~~وطننا العزيز الذي كان مضغة في أفواه المماليك يستترفون ثروته ويضعفون | ~~قوته بفعلهم ما لا خير فيه ، مما أتينا في صدر هذا الكتاب على بعضه لأن | ~~استقصاء ما ارتكبوه في مصر من المظالم والمحرمات يستلزم المجلدات | الضخمة ~~بل يتعسر حصره فعلى من يريد الوقوف على أعمالهم أن يطالع الكتب | المطولة ~~في فن التاريخ فإنها كثيرة لا تحصى وأسماؤهم لا تستقصى . | PageV01P239 | ~~صفحة فارغة | PageV01P240 | ### | 10 - خاتمة فيما فعله محمد علي باشا من الاصلاحات والتأسيسات # أن أول ما شرع فيه محمد علي باشا رحمه الله ممدن مصر من الإصلاحات | ~~ليعيد إليها مجدها الأثيل تأسيس المدراس لبث العلوم والمعارف بين المصريين ~~| الذين هجر وطنهم العلم ، فأخذ العزيز في إحياء المدارس بعد أن كانت فيها ~~| دوارس وأعاد العلوم إلى وطنها ومرباها ليستضاء بمسراها ، فأسس مدرسة | ~~الطب بأبي زعبل بناء على طلب الدكتور كلوت بيك الفرنساوي سنة 1242 | هجرية ~~( 1826 م ) وأتى له بالأساتذة من البلاد الأورباوية وذلم أن كلوت | بيك ~~أظهر لمحمد علي باشا احتياج البلاد لتأسيس هذه المدرسة لتستغنى عن | ~~الأطباء الأجانب ، وليوجد بمصر أطباء كافية للجيوش البرية والبحرية وقدم له ~~| بذلك تقريرا إضافيا قال في آخره يجب أن يكون بمصر ms182 مدرسة طبية تكون | ~~تلامذتها من الوطنيين المخلصين الذين يغارون على بلادهم ويحبون تقدم وطنهم ~~| وارتقائه في سلم التمدن والعمران ، ويتوصل لذلك بإنشاء استباليه عمومية ~~يتعلم | فيها مائة وخمسون شابا ممن لهم إلمام بمعرفة اللغة العربية قراءة ~~وكتابة ومبادئ | الحساب ويلزم أن تدرس لهم اللغة الفرنساوية وأنواع الطب ~~بفروعه سيما | الجراحة وتكون مدة الدراسة أربع سنوات يختبر التلامذة في آخر ~~كل سنة منها ، | فسر الباشا من هذا المشروع وأصدر أوامره بتأسيسها وجعلها ~~تحت رياسة | كلوت بيك . # وجعل أيضا مدرسة للطب البيطري وولى رياستها للموسيو هامون | الفرنساوي ، ~~ومدرسة المهندسخانة ورئيسها ( لامبربيك ) الفرنساوي ، ومدرسة | للموسيقى ، ~~وأخرى لتعليم الصنائع والفنون ، وهذا كله غير المدارس الإبتدائية | ~~والتجهيزية التي أنشئت في أنحاء القطر المصري ومدرسة الألسن بناء على طلب | ~~PageV01P241 | العالم الفاضل رفاعة بيك فقد جاء في الخطط المصرية لعلي باشا ~~مبارك في ترجمة | البيك المذكور ما نصه . # عرض رفاعة بيك للجناب العالي أنه في إمكانه أن يؤسس مدرسة لتعلم | اللغات ~~الأورباوية ويمكن أن ينتفع بها الوطن ويستغني عن الدخيل فأجابه إلى | ذلك ~~ووجه به إلى مكاتب الأقاليم لينتخب منها من التلامذة ما يتم به المشروع | ~~فأسس المدرسة وفي المدة المعينة امتحنت التلامذة في اللغة الفرنساوية ~~وغيرها من | العلوم المدرسية ، فظهرت نجابة التلامذة ، ثم شكل بها قلم ~~ترجمة ترجم فيه كثير | من الكتب . وكان بهذه المدرسة قسم تجهيزي خاص وهو ~~أيضا تحت رياسته | وكان معلموها من تلامذه مدرسة الألسن فنبغ منها رجال ~~بارعون في | الإنشاءات العربية نظما ونثرا وفي العلوم العربية كذلك . ثم ~~ألغيت هذه المدرسة | مع غيرها من المدارس في مدة المرحوم عباس باشا . # وأنشأ أيضا مدرسة لتعليم الزراعة العلمية والعملية ببلدة قديمة تدعى ( ~~نبروه ) | من مديرية الغربية ، وأتى لها من البلاد الأوروباوية بالمعلمين ~~وآلات الفلاحة | المستعملة في بلادهم وجعل فيها من شبان المصريين 40 تلميذا ~~لدراسة فن | الزراعة الذي عليه مدار الثروة في سائر البلاد وإتقان هذا الفن ~~النفيس علما | وعملا ، وكذا صناعة استخراج السمن والجبن من اللبن واعتنى ~~العزيز بتلك | المدرسة وذهب إليها بنفسه ms183 وكان يود نجاحها ، لكن الأهالي ~~والحكام كانوا لا | يرغبون في هذه الإصلاحات وينسبون إليها عدم الفائدة ~~وأنها لا تساوي ما | يصرف عليها ومع ذلك لم يحصل لهمته فتور حتى كثر اللغط ~~بزيادة مصاريفها | وعدم ظهور نتيجة منها ولما رأى ناظرها المسيو ( جران جان ~~) عدم رضا الأهالي | عنها ، استقال من وظيفته وخلفه فيها شخص أرمني تربى في ~~فرنسا فتبع أهواء | الأهالي وعوائد المزارعين فاضمحلت المدرسة بالكلية وكان ~~ذلك داعيا إلى نقلها | لشبرا الخيمة لتكون تحت نظر الموسيو ( هامون ) ناظر ~~المدرسة البيطرية ، فأجتهد | في ترتيبها وإتقان التعليم فيها على أسلوب ~~المدارس الفرنساوية ، لكن لم يمتنع | PageV01P242 | المعارضون عن معارضته ~~ولم ينتظروا حسن النتيجة فاضمحل حالها ودرس أمرها | ولم تأت بالثمرة ~~المطلوبة . # وأسس أيضا المدارس الحربية منها مدرسة المشاة ( بيادة ) وكانت بمدينة ~~دمياط | ومدرسة الخيالة بسراي مراد بيك الكبير ورئيسها المسيو ( فاران ) من ~~ضباط | الجيش الفرنساوي ومدرسة الطوبجية بمدينة ( طره ) بالقرب من القاهرة ~~| ومؤسسها الكلونيل ( سيجيرا ) الإسبانيولي . # ولم يكتف العزيز بإنشاء المدارس في كافة أنحاء القطر المصري وتأسيس | ~~المدارس العليا بالعاصمة ، لعلمه أنه يكون بهذه الطريقة دائما محتاجا ~~لمعلمين من | الأجانب ما دام لم يكن لديه من المصريين من يقوم مقامهم في ~~المستقبل فتكون | مصر بسبب ذلك ملزمة باستخدام الأجانب في حكومتها ، اضطر ~~إلى إرسال | عدد عظيم من شبان المصريين إلى أوربا عموما وباريس خصوصا لتلقى ~~العلوم | بها لما اشتهرت به مدارسها من اتساع المعارف ودقة التعليم ، ولا ~~يخفى ما كان | في ذلك من مخالفة عوائد الأهالي الذين لم يفقهوا ولم يعلموا ~~ما ينجم عن هذا | المشروع من تقدم وطنهم بالنفع العميم فأخذوا يندبون حظ ~~أولادهم الذين | ساعدهم الحظ الأوفر بدخولهم في جملة من اختير للسفر وصاروا ~~يستعملون كل | الوسائط لحرمان أولادهم من ثمرة التعلم والتعليم لكن لم يفد ~~بكاؤهم ولا | انتخابهم شيئا ، بل صمم العزيز على إخراج مشروعه من حيز الفكر ~~إلى حيز | العمل مراعيا في ذلك منفعة البلاد والعباد متيقنا أنهم يكونون ~~عونا له ولمن | يسمو أريكة الولاية من بعده على الإصلاح ms184 والتقدم في سبل ~~الفلاح بقلب ثابت | وعزم شديد . # فأرسل في أوائل سنة 1826 أربعين تلميذا وفتحت لهم مدرسة خصوصية | عهدت ~~إدارتها إلى المعلم الشهير الموسيو ( جومار ) فقام بما عهد إليه خير قيام ، ~~| ورتبها ونظم دروسها وعين لها مهرة الأساتذة وخص كل واحد من التلامذة | ~~بفن معلوم لشدة إتقانه ، فقد جاء في كتاب الموسيو ( هامون ) نقلا عن تقرير ~~| PageV01P243 | تقدم من الموسيو ( جومار ) إلى محمد علي باشا سنة 1828 أنه ~~خصص من | التلامذة اثنين للعلوم السياسية ، وكان يدرس لهم قانون حقوق الملل ~~والإقتصاد | السياسي وأكثر اللغات الأوروباوية المستعملة في السياسة ، ~~ويسوحون بلاد | أوروبا للوقوف على عوائد أهلها ونظامهاتها الداخلية ~~والخارجية وحالتها | الإقتصادية وأربعة للإدارة العسكرية وثلاثة للبحرية ~~يدرسون العلوم الهندسية | للدخول في إحدى المدارس الحربية أو البحرية ، ~~وثلاثة أيضا للعلوم الميكانيكية | يتعلمون الهندسة العملية ويتدربون في ~~المعامل والفابريقات ويتعودون على بعض | الأشغال اليدوية ، وكذلك فرقة لفن ~~الطوبجية والإستحكامات وخص منهم عددا | عظيما لدراسة الكيمياء الصناعية لا ~~سيما ما يتعلق بالصباغة وعمل الزجاج | والقيشاني وصناعة السكر ، ليكونوا ~~مدربين على المعامل التي أنشئت بمصر كما | سيجيء ، وفريقا لصناعة الطبع ~~والرسم والحفر في الحجر والخشب لأعمال الخرط | الجغرافية والرسومات اللازمة ~~للكتب العلمية وبعضهم للزراعة العملية التي هي | من أهم العلوم والفنون ~~بالنسبة لمصر واتساع أرضها وخصوبتها . # وكانوا يبحثون عما يمكن إدخاله في القطر المصري من الأشياء التي توافق | ~~تربتها من أنواع الثمار ويشتغلون أيضا بالتاريخ الطبيعي وقليل من علم | ~~البيطرة ، ومنهم من تخصص لدرس المعادن وكيفية استخراجها وذلك للبحث | عما ~~عساه يوجد بمصر من المعادن وخصوصا الفحم الحجري والحديد حيث | كان محمد علي ~~باشا باذلا جهده في استكشافهما في مصر ، لعلمه أنهما روح | الصناعة ~~والتجارة والملاحة وبهما تقدمت الأمة الإنكليزية عن غيرها من الأمم | وصارت ~~ملكة البحار . # ثم في سنة 1832 أرسل أيضا إلى باريس 12 تلميذا من مدرسة الطب لإتمام | ~~دروسهم وأرسل غيرهم إلى أن بلغ عدد من أرسل من المصريين إلى سنة 1842 | ~~مائة تلميذ . | PageV01P244 # ثم أنشأ العزيز للوازم الخيالة وتحسين نوع الخيل ms185 في القطر المصري اصطبلات ~~| لتربية الخيول واستنتاجها وقد قال الموسيو ( هامون ) الذي كان ناظرا على ~~| مدرسة البيطرة والإصطبلات في زمن المغفور له محمد علي باشا في كتابه الذي ~~| ألفه على مصر أنه لما تولى العزيز على مصر ، لم يكن بها من الخيل إلا ~~القليل غير | الكافي بحاجات الزراعة والجند لكن لما اجتهد رحمه الله في شأن ~~إنماء الزراعة | وتوسيع نطاقها والأخذ في تجنيد القدر العظيم من العساكر ~~الخيالة جمع سموه عدة | من جياد الخيل ذكورا وإناثا وأنشأ لها اصطبلات بقرب ~~القاهرة ثم نقلها بجوار | سراية شبرا ، فلم تحصل الثمرة المقصودة بل كان ~~نتاجها يموت أو يتعب من | كثرة الأمراض ، ولما كان المسيو ( هامون ) ~~المذكور ناظرا على مدرسة البيطرة | بأبي زعبل أمره العزيز بالتوجه إلى ~~اصطبلات شبرا وتفقدها وتحرير تقرير عما | يراه لازما لها من الإصلاحات حتى ~~تأتي بالنتيجة التي أنشئت لأجلها ، فتفقدها | وقدم للعزيز تقريرا بما رآه ~~لازما لها من التحسينات فكلفه الباشا بإجراء كل ما | يجده موجبا لنجاحها ~~فتولى إدارتها وبنى لها محلات جديدة مستكملة للشروط | الصحية ورتب لها كافة ~~ما يلزم لها من المآكل والمشارب ، فنتجت وكثر عدد | خيولها وأنشأ اصطبلا ~~آخر بقرب ( نبروه ) . # ثم لما رأى الأعيان والأمراء وأعضاء عائلة الباشا رغبته في تكثير الخيل | ~~واعتنائه بأمرها رغبوا فيها وأكثروا من اقتنائها وتنافسوا في تخيرها ، فسمو ~~| إبراهيم باشا السر عسكر كان له اصطبلات بجوار قصر النيل وفيها أربعمائة | ~~فرس تقريبا جميعها من الصافنات الجياد ، وكذا كان لعباس باشا اصطبلات | ~~بالقرب من المطرية أغلبها من كرائم خيل العرب وكذا كان عند كثير من | ~~الأمراء والأعيان اصطبلات وفيها خيول جيدة ، فكان لأحمد باشا يكن اصطبل | ~~فيه نحو ثلاثين فرسا وأيضا لما كان إبراهيم باشا ببلاد الشام أرسل إلى مصر ~~| العدد الكثير من إناث الخيل الشامية ففرقت في البلاد المصرية . | ~~PageV01P245 | وكذلك أنشأ للوزام الجيش عموما معامل لصناعة البارود ~~والبنادق وسبك | آلات المدافع وعمل الأحذية والملابس الضرورية للجيش حتى ~~أصبح جميع لوازم | الجندي من سلاح ولباس يصنع بالقطر المصري على نفقة ms186 ~~الحكومة تحت ملاحظة | الأوروباويين الذين استخدموا لهذه الغاية الجليلة . # ولم يكن اهتمام العزيز محمد علي باشا بالبحرية أقل من اهتمامه بالعساكر | ~~البرية فأنشأ بمينا الإسكندرية ترسانات لصناعة السفن التجارية والحربية ، ~~وكان | الرئيس عليها رجلا وطنيا يقال له الحاج عمر وكان من الحذاقة ~~والنباهة على | جانب عظيم لكن لما دمرت أغلب السفن المصرية في واقعة ~~ناوارين الحربية | وشرع العزيز في عمل دونانمة أخرى استحضر من فرنسا ~~المهندس الحاذق الماهر | الموسيو سريزي بيك لتعميق الترسانة ليكون بها من ~~المياه ما يكفي لحمل السفن | الكبيرة المزمع على إنشائها ثم أخذ في تأسيس ~~ورش مخصوصة لفتل الحبال | وصناعة الحديد وعمل الصواري والقلوع وكافة ما ~~يلزم للسفن وفي أثناء هذه | الأعمال جمع من جهات الأرياف العدد الكافي من ~~شبان الأهالي لتعلم هذه | الصنائع تحت مراقبة معلمين من البلاد الأجنبية ~~فاختص كل فريق بفرع من | فروع مصالح السفن حتى أتقنها . | وكانت نتيجة ذلك ~~إتمام عدة سفن في أقرب وقت بين حربية وتجارية مع | الإتقان ، بحيث أنها ~~عادلت أحسن السفن الأوروباوية واستغنت الحكومة بذلك | عن شراء سفن من ~~الخارج ، نعم كانت الحكومة تشتري كافة ما يلزم لها من | حديد وأخشاب من ~~البلاد الأجنبية بأثمان فاحشة لعدم وجودها في بلاد مصر | وشدة الإحتياج ~~إليها . # ولم يكن ذلك داعيا لفتور همة محمد علي باشا بل استمر على إنشاء السفن | ~~بمصر ولم يصغ لكلام التجار الذين كانوا دائما يثبطونه عن إنشائها ويبدون له ~~| مالا مزيد عليه من الصعوبات وكثرة المصاريف ، ويدخلون عليه بكل حيلة | ~~لينثنى عزمه عن هذه الوجهة الشريفة المبدأ والغاية ، وصارت بذلك الدونانمة ~~| PageV01P246 | المصرية تعادل أو تفوق دونانمة الدولة العلية وأحسن السفن ~~الحربية المصرية | السفينة المسماة بالمحلة الكبرى والمنصورة والإسكندرية ، ~~وكل منها يحمل مائة | مدفع ، وأما مصر وعكا فإنهما يحملان 98 مدفعا هذا سوى ~~السفن الصغيرة | التي تقل حمولتها عن هذا المقدار وكان عدد من بها من الجند ~~والبحرية نيفا | وخمسة عشر ألفا بخلاف الصانعين بالترسانة وكان عددهم لا ~~ينقص عن | 4000 . وبالجملة فقد بلغت مصر في مدته ms187 درجة لم تبلغها قط منذ ~~ولاية | الرومانيين عليها فكانت قوتها البرية والبحرية على ما جاء في كتاب ~~كلوت بيك | تزيد عن 276 ألف جندي منها 130 ألفا من الجنود المنتظمة و 41 ~~ألفا من | الباشبوزق و 19 ألفأ وخمسمائة من البحرية والباقي من عساكر ~~الرديف | وتلامذة المدراس الحربية . # وغير ذلك كان له اعتناء كلي بإنشاء الإستحكامات اللازمة لحفظ سواحل | مصر ~~من إغارة الأجانب عليها كما حصل في سنة 1807 فأحضر لذلك | المهندسين ~~الحربيين من الأجانب ، وكلفهم باختيار المواقع المهمة من جميع | السواحل ~~المصرية اللازمة لإنشاء استحكامات بها فأسست طبق رغبته العلية | وأحضر لها ~~المدافع اللازمة وعين لحفظها العساكر الكافية ، فتحصنت بذلك | مصر وازدادت ~~قوتها أضعافا حتى قاومت الدولة العلية وبذلك انتصرت مرارا | على غيرها ، ~~كما سبق ذكر ذلك في محله ، وزيادة على ذلك مال كثير من قواد | الدولة ~~العلية للإنحياز إلى مصر لما شاهدوا في عزيزها من الكفاءة والقدرة على | ~~أجل الأعمال وأنفعها وسلم أحمد باشا فوزي قبودان الدونانمة الشاهانية ~~دونانمته | إليه بما فيها من الجند وكانت مركبة من 9 سفن كبيرة وستة عشرة ~~سفينة صغيرة | تحمل ستة عشر ألفا من الجند البحريين و 5 آلاف جندي بريء ، ~~فبذلك يظهر | جليا أن الديار المصرية اكتسبت بحسن تدبير عزيزها قوة يمكنها ~~بها أن تقاوم | أكثر من دولة حتى اضطرت الدول ليأمنوا على أنفسهم من صولة ~~الديار | المصرية أن يتعاهد بعضها مع بعض بإرجاع مصر إلى حدودها الأصلية ، ~~كما | PageV01P247 | رأيت في هذا الكتاب ، وفي ذلك أكبر شاهد على قوة فكر ~~العزيز وسعة عقله | وعلو همته ومكانة شهامته وحسن تدبيره . # ومن إنشاءات محمد علي أيضا فابريقات الغزل ونسيج القطن والحرير | والكتان ~~والصوف فكان للقطن خاصة 18 فابريقة وكانت في أهم مدن القطر ، | كالمنصورة ~~ودمياط ورشيد ، إذ كان ينسج فيها قلوع السفن والمحلة الكبرى | وشبين الكوم ~~وقليوب وزفتى وميت غمر في هذا الوجه البحري وبنى سويف | وأسيوط ، وبهما ~~أكبر فابريقات الصعيد ثم في المنيا وفرشوط وطهطا وجرجا وقنا | بالوجه ~~القبلي ، وأكبر الفوريقات فوريقة بولاق ms188 مصر التي كانت تسمى بفوريقة | مالطة ~~لكثرة وجود المالطية بها وكان رئيسها المسيو ( جوميل ) الفرنساوي الذي | ~~اجتهد في نشر زراعة القطن في القطر المصري ، وأقدمها الخورنفش بمصر التي | ~~أنشئت سنة 1816 وأنشأ العزيز عدة فوريقات أخر لغزل الكتان وأنشأ أيضا | ~~المبيضة بين بولاق وشبرا لتبييض مقاطع الكتان وبصم أقشة الشيت وكان يبصم | ~~بها أيضا المناديل فترغبها النساء كثيرا وفيها أيضا أنوال النسيج الحرير ~~وقد جعل | بها 200 نولا لنسيج المقصب وغيره وأحضر لها صناعا من إسلامبول ~~فأتقنت | صنعته وصار ما ينسج بمصر يضاهي في الرقة وحسن الصنعة ما يصنع في ~~بلاد | الهند ونحوها . # وأنشأ بالقاهرة فوريقة لفتل حبال المراكب وغيرها من التيل وقد كان هذا | ~~النبات مفقودا من مصر فأوجده بها وأنشأ في بولاق فوريقة الجوخ أحضر لها في ~~| مبدأ الأمر رجالا فرنساويين أداروها مدة وتربى تحت أيديهم جماعة من شبان ~~| المصريين ، ولم يكتف محمد علي باشا بذلك بل أرسل جملة من الشبان إلى | ~~فوريقات سيدان وليون من أعمال فرنسا المشهورة بصناعة الجوخ فتعلموا تلك | ~~الصنعة وأتقنوها ثم عادوا إلى مصر واستخدموا بفوريقة بولاق فحسن الجوخ | ~~وصار يستعمل في ملبوس العساكر ، وكان ينسج بها أيضا أحرمة وسجاجيد | للزوم ~~العسكر ثم أنشئت فوريقة بمدينة فوه لعمل الطربوش تحت إدارة رجل | ~~PageV01P248 | مغربي وجلبت لها الشغالة من تونس فنجحت حتى صار المتحصل ~~يوميا ستين | دوزينة . # ومن إنشاءاته فوريقات السكر بالصعيد فأنشأ واحدة في الزيرمون وأخرى | ~~بساقية موسى وأخرى بالروضة ، ومن ذلك إدخال زراعة النيلة بالقطر المصري | ~~فجلب لها عددا من مزارعي بلاد الهند لتعليم الأهالي وانتشرت زراعتها ~~بالبلاد | وكان أغلب محصولها يستعمل في المصابغ التي أنشأها بشبرا وغيرها ~~من بلاد | الوجه البحري والقبلي وأنشأ أيضا معاصر الزيت فكان منها في الوجه ~~البحري | مائة وعشرون معصرة لعصر زيت الكتان والسمسم وفي القاهرة أربعون ~~لزيت | القرطم وعدد عظيم في الوجه القبلي لاستخراج زيت الخس خصوصا في ~~مديرية | إسنا وأخرى لزيت السلجم في أخميم وما جاورها . # ولشدة اعتنائه رحمه الله بإصلاح أحوال مصر ورفاهية أهلها لم ms189 يكتف بإنشاء ~~| المعامل والفوريقات بل وجه اهتمامه لإيجاد المواد الأصلية لهذه الصنائع ~~بالبلاد | المصرية ، فأمر بالإكثار من زراعة القطن والتيل والنيلة وكافة ~~النباتات التي لها | دخل في الصناعة ، ثم عن له أن يدخل تربية دود القز إلى ~~الديار المصرية حتى | تستغني به البلاد عما يأتي لها من الشام وغيرها فأمر ~~بإنشاء عدة سواقي | وتوابيت بالمحل المعروف برأس الوادي ( شرقية ) وأن يزرع ~~شجر التوت اللازم | لتغذية الدود وذهب بنفسه إلى هذا الإقليم للإسراع ~~بإنشاء السواقي وإقامة | الأبنية اللازمة لسكن المعينين من الفلاحين لتعهد ~~الأشجار بالسقي والخدمة ، فلم | يمض إلا قليل من الزمن حتى كان بها ألف ~~ساقية وغرست أشجار التوت لتربية | دود القز والحرير كما هو حاصل في بلاد ~~الشام وجبل الدروز ثم استحضر | العزيز من هذه الجهات كثيرا ممن لهم إلمام ~~ودراية بتربية دود القز وصناعة الحرير | وجمع لهم عددا وافرا من أهالي ~~الشرقية الخالين عن العقار ، لتعليمهم وسكنوا في | كفور بنيت لهم وزين هذا ~~الوادي بالسواقي والأشجار حتى صار أهلا للسكنى | بعد أن كان قفرا وعرا ~~وفضاء متسعا . | PageV01P249 # وقال كلوت بيك في كتابه على مصر أن جميع ما غرس من شجر التوت | بجهة ~~الوادي يبلغ ثلاثة ملايين شجرة في جهات متعددة تبلغ مساحتها عشرة | آلاف ~~فدان وكان مقدار الحرير المتحصل سنة 1833 تسعة آلاف وتسعمائة | وخمسة ~~وسبعين أوقة ، وكان لذلك أماكن وخدم أتى بهم العزيز من الخارج | وتعلم منهم ~~الأهالي وبلغت دواليب الحرير مائتي دولاب ثم اضمحل ذلك بعده | حتى كأن لم ~~يكن ولا يستعمله الآن إلا القليل من الأهالي . اه . # ثم أحضر رحمه الله من بلاد أوربا عددا وافرا من أغنام أوربا المعروفة | ~~بالمرينوس وذلك لتحسين جنس الأغنام المصرية وتحسين صوفها فإن صوف | الغنم ~~المصرية على ما جاء في كتاب هامون الفرنساوي بسبب طوله وخشونته | وصلابته ~~كان غير جيد لعمل الجوخ والطرابيش والثياب الرفيعة فكان العزيز | يشتري ~~سنويا من صوف غنم أوربا بقيمة ثمانمائة ألف فرنك . # ووزعت الأغنام الأوربية في مديرية البحيرة وجعل لها مدير خاص بها وعين ms190 | ~~لها رعاة من العرب ولكن لقلة المرعى بهذه المديرية ووجود أغلبها على حافات ~~| الترع وفي مواطئ الأرض الرطبة تولدت فيها الأمراض ، ومع ذلك لم يكن لها ~~ما | يقيها حر الصيف وبرد الشتاء حتى مات منها كثير ، ثم ذهبوا بها إلى ~~الصحراء | لكثرة مرعاها عن غيرها فكان يتعلق الرمل بأصوافها وجلودها فيضر ~~بصحتها | وجودة صوفها فلذلك لم تحصل منها الثمرة المقصودة ، ثم كلف العزيز ~~الموسيو | هامون بالنظر في أحوالها وترتيب ما يوجب صحتها وتحسين صوفها ~~وإكثار | نتاجها وأمره بتوزيعها في المديريات البحرية بحيث لم يبق في ~~مديرية البحيرة إلا | ألف وخمسمائة رأس منها وصدرت أوامر أيضا ببناء مراحات ~~بسبرباي ومحلة | روح والمنصورة وغيرها ، فنظر الموسيو هامون في أمرها وسن ~~لها لائحة تتبع في | كل جهة وأهم ما بها أن عدد المراح الواحد لا يزيد على ~~ألف ويكون له ناظر | أوروباوي وكاتب ليقيد ما يموت وما يولد وجنس الذكر ~~والأنثى وأن يميز | PageV01P250 | البطون بعضها عن بعض بعلامات تعرف بها ~~كنتاج أول بطن يعلم بخرقة في | الأذن اليمنى ونتاج البطن الثانية في اليسرى ~~إلى غير ذلك من العلامات . # ولرغبته في تحسين الأغنام في كافة أنحاء القطر من تلك الأغنام اشترى من | ~~العرب أربعة آلاف رأس وقدرها من الأهالي ووزع في الجهات جملة من ذكور | ~~الأغنام المرينوس واستمر الحال على هذا المنوال ، وقد قال الموسيو هامون في ~~| كتابه أنه وجد منها في القطر المصري سنة 1837 ميلادية سنة 1253 هجرية | ~~7548 رأسا ، ومع بذل الإجتهاد والإهتمام لم يتم غرض العزيز من تلك | ~~المصلحة لعدم قيام المستخدمين بما عينوا له على الوجه المطلوب ، فإنه لم ~~يحصل | من صوفها بعد عشر سنين من تجزئتها إلا نحو ستمائة أوقة مع كثرتها ~~وكثرة | مصاريفها ولم يستغن عن شراء الصوف من البلاد الخارجية ثم لم يزل ~~حال | الأغنام في الإضمحلال حتى لم يكن منها الآن إلا آثار قليلة في بعض ~~جهات | الوجة البحري . اه . # وأما اهتمام محمد علي باشا بأمور الري الذي عليه مدار الزراعة في القطر | ~~المصري فإنه ms191 كان عظيما جدا ولا شك أنه أدرك بقريحته الوقادة وفطنته النقادة ~~| أن مدار سعادة مصر بالأصالة هي الزراعة ولا يسوغ لها أن تتوقع ثروة إلا ~~إذا | كان محصولها الزراعي وأن حياتها متعلقة بنيلها ، إلا أن أرض مصر أقرب ~~| للتلف من غيرها اذهى تابعة للنيل وجودا وعدما فإذا أغمض النيل عنها عينه ~~| سنة من السنين أو حجب عنها فيضانه الممزوج بالطمي المخصب الذي هو | ~~بالنسبة لأرض مصر بمثابة السماد كانت السنة سنة جدب كما أنه إذا أغرقها | ~~بمائة الزائد عن الحاجة كان الضرر أعم والخطب أدهى وأهم ، وحسبك في ذلك | ~~ما جاء في القرآن الشريف في سورة يوسف عليه السلام من ذكر سبع بقرات | سمان ~~يأكلهن سبع عجاف ، فالآية قد جاءت في وصف مصر على وجه التحقيق | وقوله ~~تعالى ^ ( فما حصدتم فذروه في سنبله ) ^ يرشد إلى الإحتياط والإحتراس | ~~ولذلك كان حكماء ملوك مصر يحتاطون في سنى الخصب فلا يخرجون الزائد | ~~PageV01P251 | عنهم لغيرها من البلاد ، ويعتنون كل الإعتناء بحفظ مجرى ~~النيل وتنظيم القناطر | والجسور والترع والخلجان واستمر الحال كذلك حتى ~~وقعت مصر في قبضة | المماليك فكانوا لا ينظرون لعمارتها بل يأخذون كل ما ~~طاب لهم وراج في كل | عام حتى صارت مصر خرابا وأهمل أمر النيل وترعه حتى ~~كانت الأراضي تفسد | في كل عام في كثير من الأقاليم ، إلى أن هجمت جيوش ~~رمال البراري على | وادي النيل ولو بقي حكم إبراهيم بيك ومراد بيك عشرين ~~سنة لفسدت جميع | أرض مصر الزراعية ومن فيها ، ولما قيض الله لمصر المرحوم ~~محمد علي باشا أدرك | أهمية النيل بالنسبة لمصر وأخذ في إحياء مواتها فوجه ~~اهتمامه أولا إلى إيصال الماء | إلى مدينة الإسكندرية لرى ما بينها وبين ~~فرع رشيد من الأراضي . # وصدرت أوامره السنية سنة 1233 هجرية الموافقة سنة 1819 ميلادية | بحفر ~~ترعة المحمودية وأن تعمق حتى تجري صيفا وشتاء وأن توسع بحيث يسهل | لجميع ~~سفن النيل منها الوصول إلى المدينة بأنواع المحصولات في زمن قريب بلا | ~~كبير مصرف ولا مشقة مع حصول تمام النفع للأهالي ms192 وحيواناتهم ومزروعاتهم . | ~~وكانت قبل ذلك تجارات القطر لا تصل إلى الإسكندرية إلا من ثغر رشيد أو | ~~دمياط وذلك مستوجب لكثرة المصرف وزيادة المشقة جدا فإن سفر البحر المالح | ~~لا يخلو عن الخطر وكانت لا تخلو سنة عن غرق بعض السفن والبضائع | والآدميين ~~. ولأهميتها جمع لها عدد عظيم من الأهالي من جميع مديريات القطر | حتى تمت ~~في أقرب وقت مع الأبنية اللازمة لها وقد بلغ ما صرف عليها إلى | تمامها 300 ~~ألف جنيه ، على ما نقله كلوت بيك ، وهذا بالنسبة لما ترتب عليها | من ~~المنافع شيء يسير كما هو مشاهد وجعل فيها فمها عند ناحية العطف وكان | ذلك ~~سببا في اتساع عمارة تلك الناحية وكثرة خيراتها ، إذ كانت مرسى للسفن | ~~التجارية وجعل مصبها بالقرب من الإسكندرية وقد حصل منها منافع جمة | وفوائد ~~عديدة ، كأحياء غالب الأراضي التي بجوانبها من العطف إلى الثغر ، بعد | أن ~~كانت ميتة غير صالحة للزراعة ولما اتسع نطاق الزراعة بسببها اتضح عدم | ~~كفاية مياه المحمودية بجميعها واحتيج إلى تركيب وابورات العطف ، ثم إنه عند ~~| PageV01P252 | تمام حفرها جعل في فمها وفي مصبها قناطر كانت مانعة لسفن ~~النيل والسفن | الآتية من الخارج من الدخول فيها فكانت التجارة تنقل مرتين ~~عند فمها وعند | مصبها وبالعكس . # ولما علم العزيز بأن وجود القناطر ينشأ عنه المصاريف الباهظة التي توجب | ~~تأخير تجارة القطر المصري فضلا عن المشقة وكان غرضه درء المضار وتذليل | ~~الصعوبات ، أمر جنابه العالي بإزالة تلك القناطر وصنع هويسات على فمها | ~~ومصبها وذلك في سنة 1842 الموافقة سنة 1258 هجرية ، وسميت هذه | الترعة ~~بالمحمودية نسبة إلى السلطان محمود الثاني سلطان القسطنطينية . # وقد شرع العزيز محمد علي باشا في إنشاء كثير من الترع والجسور والقناطر | ~~لتعميم الري وأتم أغلبها ، ومن أكثر هذه الأعمال فائدة وأكبرها عائدة إقامة ~~| القناطر على فرعي النيل المفترقين عند شلقان وذلك أن هذين الفرعين يتكون ~~| منهما مثلث وهو الجزيرة المسماة بالدلتا ومنهما تروى عدة مديريات وهي | ~~القيلوبية والشرقية والدقهلية والمنوفية والغربية والبحيرة إلا أن انتفاع ~~تلك | المديريات منهما ms193 لا تكون تاما إلا في زمن فيضان النيل ، أما في زمن ~~التحاريق | فميا ههما تنصب في البحر المالح ولا تعود منهما على الزراعة ~~أدنى فائدة ولذلك | استصوب المرحوم محمد علي باشا إقامة قنطرتين عليهما من ~~أمام شلقان إلى بر | المناشئ إحداهما على البحر الشرقي والثانية على البحر ~~الغربي ، وأن تكون | القنطرتان على استقامة واحدة من البرين وأن يبنى رصيف ~~على رأس الجزيرة | يكون ابتداؤه من الشاطئ الغربي من فرع دمياط وانتهاؤه ~~إلى الشاطئ الشرقي | من فرع رشيد وأن يكون هذا الرصيف عاليا جدا بحيث لا ~~يرتفع إليه الماء في | زمن الفيضان ، وأن يعمل لهذه القناطر عيون بأبواب ~~محكمة تقفل وتفتح بحسب | الإقتضاء لحبس الماء وإرساله عند اللزوم ، وأن ~~يعمل أيضا لمساعدة القناطر | ثلاث ترع ( رياحات ) كبيرة تكون فوهاتها من ~~فوق تلك القناطر وإحدى هذه | الترع تكون معدة لري القليوبية والشرقية ~~والدقهلية بغاية الراحة وفوهتها من | PageV01P253 | الشاطئ الشرقي قبلي ~~شلقان ، والترعة الثانية تكون فوهتها من وسط رأس | الجزيرة أعنى من منتصف ~~الرصيف وتكون معدة لري المنوفية والغربية ، والترعة | الثالثة يكون مأخذها ~~من فوق القناطر الخيرية ببر المناشي وتكون معدة لري | مديرية البحيرة ، وأن ~~يعمل لهذه الترع الثلاثة قناطر وعيون بحسب ميزانية | الأرض وأن يعمل لها ~~أبواب تقفل وتفتح عند اللزوم فإذا فتحت القناطر الخيرية | والرياحات على ~~هذه الكيفية ترتب منه أنه في وقت فيضان النيل تفتح القناطر | الخيرية ~~وقناطر الترع الثلاث لتصريف ما زاد من مياه النيل عن لزوم الري وفي | أيام ~~التحاريق تقفل الأبواب المذكورة قفلا محكما فترتفع المياه أمام القناطر | ~~المذكورة فتنصب في الرياحات وبذلك تزيد فيها المياه أيام التحاريق ويتسع | ~~بذلك نطاق الزراعة الصيفية . # ولذلك أمر محمد علي باشا ببناء هذه القناطر ، وعند أول حجر من | أساسها ~~احتفل احتفالا رسميا وكان ذلك على ما جاء في كتاب موسيو | ( وانترينيه ) في ~~يوم 9 إبريل سنة 1847 بحضور جنتمكان وقناصل الدول وجم | غفير من أعيان ~~الأهالي والتجار الوطنيين والأجانب ، وعندما تنازل رحمة الله | بوضع الطين ~~على الحجر الأول بيده الطاهرة ms194 أطلقت المدافع إيذانا بالإبتداء بهذا | الفعل ~~العظيم الذي يعود على مصر بما لا يقدر قدره من الفوائد وانتشر البشر | ~~والسرور في أنحاء القطر بين الأهالي واستبشروا بالسعادة والرفاهية بسبب هذا ~~| البناء ، الذي لو لم يكن لمحمد علي باشا إلا هو بكفاه فخرا جميلا ونبلا ~~جليلا | واستحق من المصريين الثناء عليه والإخلاص له ولعائلته الكريمة ~~وحاشيته | العظيمة . # ومن منشآته رحمه الله تلغرافات الإشارات ، رتبه الموسيو ( ابرو ) بمساعدة ~~| الموسيو ( كوست ) بين مصر والإسكندرية في سنة 1821 ميلادية بناء على | ~~أوامر عزيز مصر ، وذلك لتصل إليه أخبار جيوشه المشتغلة بقتال اليونان في | ~~أقرب وقت وقد جعل لهذا التلغراف ثماني عشرة محطة بنيت فيها الأبراج العالية ~~| PageV01P254 | وأتى لها بالنظارات والآلات من بلاد أوربا ، وقد تم هذا ~~المشروع حتى وردت | الأخبار من الإسكندرية إلى القاهرة وبالعكس في مسافة لا ~~تزيد عن أربعين | دقيقة . # وبالجملة أصبحت مصر ذات بهجة ونضارة وزهرة وغضارة بل أضحت | مدينة السلام ~~ودارة الاستسلام ومنارا للعلم وعلما للحق ، فاتسق النظام | واستتب المرام ~~والتأمت الحال بعد أن استحال وأخصب القطر وأثرى ، فزالت | فاقته وانتشرت ~~إفاقته واستوفر أسباب التقدم بعد أن أوشكت أركان التمدن أن | تتهدم ، حيث ~~العزيز ( برد الله مضجعه ) برد الغليل وشق الغلة وآسى القطر | بحكمته وأزال ~~العلة فأسرع لمصر الصفاء وتزلف لها غب غيبة وجفاء ، وفني في | فنائها الروع ~~وأحييت بها السكينة فأسكنت الربوع وأبيد الظلم والميل ونشر | لواء العدل ~~الظليل وسوى بين الحقير والجليل ، والوضيع والأثيل والدخيل | والأصيل ، ~~وأحكمت بين مختلف الأقوام عرى التآلف وثت روح الإخاء | والتحالف ، ومنحت ~~المنح وأجزلت الجوائز وحفظ العزيز العرف لذويه وأغضب | قلوب أهل الإلحاد ~~وموازريه وكان جميل صنعه وجليل مصطنعه سلما ، إلى | ملتمسه وبلاغا لمبتغاه ~~، فهادنته صروف الزمان وتخطته حوادث الحدثان ولوت | عنه عوادي الملوان وغفر ~~للدهر هفواته وعفى عنه من زلاته بعد أن انتهى لجنابه | حل الأمور وعقدها ~~وفتقها ورتقها ، وعانى المشقات بعوالي الهمم وحمي وطيس | الحروب واحتدم ، ~~وطهرت البلاد من العاثين ووطد أركان الأمن باستئصال | جراثيم المفسدين وملك ~~المقسطين أزمة الأحكام وقد ms195 هامات الظالمين بصمصام | الإنتقام حيث كانت لهم ~~سطوات وصولات ووقعات وبطشات فكانوا أحكموا | أسباب الوقاحة وقطعوا أوصال ~~السماحة ومدوا أطناب المظالم وأطنبوا في بث | المحارم ، وعمدوا إلى استعباد ~~المصري فكان عميدا وأثقلوا كاهله بالبلايا حتى | صار سيره وئيدا ، ولجوا في ~~غلوائهم واستمروا في جهالاتهم وتهافتوا في ضلالاتهم | وجمعوا في غواياتهم ~~فكان تاريخهم نوادر مساءات وبوادر سوآت ولكن أبى الله | PageV01P255 | إلا ~~أن مرضت أهواؤهم وتصرمت علاقاتهم وانبتت أواخيهم ورث عهد | شوكتهم ووهن ~~زمان صولتهم بمصاليت الجند وصناديد العزيز في ذلك العهد إذ | أعملوا عوامل ~~الفتك ، وشحذوا أسنة البتك وإن شئت فقل كانوا حماة | الإنسانية وذادتها ~~ورعاة المروءة وكتيبتها ، كل ذلك بتدبير واشارات العزيز | كوكب عصره وفريد ~~دهره والأقوام ، ومنبعث العدالة والنظام ممدن مصرنا | وعزيزها الأول وقد ~~خلفه خلف أضاعوا بقية الفظائع وآثروا الحقائق فأودوا | الشبهات بحججهم ~~القواطع ، فأصبح الناس يحمدون غب السرى ويتناقلون | صحف اليمن والأمان بلاا ~~مترا ، حتى تبوأ أريكة الملك خير مملك على | التحقيق ، ألا وهو خديوينا ~~الداوري الأكرم ( محمد باشا توفيق ) فأتم للنظام | معداته وشيد للعلم ~~مناراته وأكمل للعدل منصاته وأسبغ للإرتقاء لباناته ، حتى | أجمعت القلوب ~~على محبته وولائه بما أفعمها سرورا من عواطفه السنية وآلائه | وأنعشها ~~بإبادة غواشي الدهر وبأسائه ، فقد بلغ بمصر من المنزلة غاية ليس | وراءها ~~مطلع لناظر حتى ساوت سواها من الأمم المعجبة بالمدينة في ميدان | الرفاهة ~~والتفاخر ، سيما في عصر الوزارة الوطنية المحضة الرياضية أبيات النفوس | ~~العصامية حيث صرفت في بلوغ القطر امنيته عنايتها وبذلك في تقدمه جهدها | ~~المستطاع ورعايتها ، وحفظت لأبنائه حقوقا طالما ماطلها فيها الدهر وانتقت | ~~للهيئة الحاكمة رجالا ازدهي بمآثرهم تاريخ هذا العصر غذوا بلبان الحكمة | ~~فآخاهم الإخاء وعنوا بالعدالة فصافاهم الصفاء فمتع اللهم مصرنا بشموس علا | ~~التوفيق وأنجاله الفخام وأمتعه بدوام وزارتها الحالية وأيد مناصب رجالها ~~البررة | الكرام ، وأفض على قطرنا من قطرات فيوضاتك الإلهية وأمنحنا جميعا ~~من | لحظات عنايتك الصمدانية ما يعضد آمالنا وينجح أعمالنا لنحظى بمرضاتك ~~في | الحال ولنفوز بتنزل رحماك في المآل . # وإلى هنا أمسكت عنان ms196 اليراع واقتصرت من الجل على القل بل على البعض | من ~~الكل وجعلت هذه العجالة سهلة المأخذ لمن رام الإطلاع على مناقب جمعت | ~~PageV01P256 | شتاتها من مفرقات الرقاع ما بين غربية وشرقية ، وعربية ~~وأعجمية ، وتحاشيت | فيها عما غرب مبناه وعزب مغزاه ، وليس قصدي أن يقال ~~فلان ألف ، وصار له | في كتيبة الكتب مؤلف ، وإنما هذه خدمة لوطني الأعز ~~الأغر ، حملني على القيام | بها حبيه الصادق الأبر ، ومع ذلك أرجو إقالة ~~عثارى عند العثور فيها على | السقط ، وادكر أيها المطلع ( من ذا الذي ما ~~ساء قط ) ، أحسن الله لنا خواتيم | الأمور ، بجاه خاتم المرسلين وصلى وسلم ~~عليه وعلى إخوانه النبيين وآله | وصحابته الأكرمين والتابعين وتابعيهم إلى ~~يوم الدين ما جمع كاتب بين حرفين ، | وبلغ الكمال المطهر من التشيع والمين ~~. . آمين . | PageV01P257 ms197