######OpenITI# #META# URI: 1337MuhammadFarid.TarikhRumaniyyin.Hindawi69573150 #META# Tags: history #META# ID: 69573150 #META# Title: تاريخ الرومانيين #META# AuthorID: 96026251 #META# Author: محمد فريد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # القسم الأول: من سنة 754ق.م إلى سنة 510ق.م‏ # تأسيس مدينة رومة‏ # الملك نومابونبيليوس‏ # الملك أنكوس مارسيوس‏ # الملك تركان الأول‏ # الملك سرفيوس تليوس‏ # الملك تركان الثاني‏ # القسم الثاني: الحكومة الجمهورية‏ # تأسيس الجمهورية‏ # نظامات الرومانيين الأولى‏ # الجمهورية في عهد القناصل الأشراف‏ # خيانة كوريولان‏ # حكومة العشرة وحصول الشعب على المساواة في الأمور ~~المدنية‏ # إغارة الغاليين (الجلالقة) على رومة‏ # حصول الشعب على المساواة في الحقوق ~~السياسية‏ # فتح إيطاليا‏ # إدارة وتنظيم الأقاليم الإيطالية‏ # الحرب البونيقية الأولى‏ # إغارة بعض قبائل الغاليين على رومة‏ # الحرب البونيقية الثانية‏ # حرب مقدونية‏ # محاربة أنتيوكوس ملك الشام‏ # بعض حروب أخرى‏ # محاربة مقدونية وجعلها ولاية رومانية‏ # زوال ملك قرطاجة وخرابها‏ # مقدمة‏ # القسم الأول: من سنة 754ق.م إلى سنة 510ق.م‏ # تأسيس مدينة رومة‏ # الملك نومابونبيليوس‏ # الملك أنكوس مارسيوس‏ # الملك تركان الأول‏ # الملك سرفيوس تليوس‏ # الملك تركان الثاني‏ # القسم الثاني: الحكومة الجمهورية‏ # تأسيس الجمهورية‏ # نظامات الرومانيين الأولى‏ # الجمهورية في عهد القناصل الأشراف‏ # خيانة كوريولان‏ # حكومة العشرة وحصول الشعب على المساواة في الأمور ~~المدنية‏ # إغارة الغاليين (الجلالقة) على رومة‏ # حصول الشعب على المساواة في الحقوق ~~السياسية‏ # فتح إيطاليا‏ # إدارة وتنظيم الأقاليم الإيطالية‏ # الحرب البونيقية الأولى‏ # إغارة بعض قبائل الغاليين على رومة‏ # الحرب البونيقية الثانية‏ # حرب مقدونية‏ # محاربة أنتيوكوس ملك الشام‏ # بعض حروب أخرى‏ # محاربة مقدونية وجعلها ولاية رومانية‏ # زوال ملك قرطاجة وخرابها‏ # | تاريخ الرومانيين # | تاريخ الرومانيين # تأليف # محمد فريد # | مقدمة # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فلا مرية في أن مطالعة التاريخ ~~من أهم الأمور التي تثقف العقول وتهذب الأخلاق وتنمي العواطف الوطنية في الشعوب؛ إذ ~~بواسطته يقف الإنسان على أسباب ارتقاء الأمم فيتبعها، ويعلم كنه موجبات انحطاطها ~~فيجتنبها؛ ولذلك حض العقلاء على درسه درسا فلسفيا لا الاكتفاء بحفظ بعض تواريخ ~~الوقائع وأسماء الملوك وسردها عن ظهر قلب، بل بالبحث والتنقيب عن أسباب كل حادث والوقوف ~~على حقيقتها وربط الحوادث ببعضها، ولكي يتمكن المطالع من الاستفادة من مطالعته يجب على ~~كاتب التاريخ أن يراعي كل هذه الملحوظات ms01 عند كتابته حتى يأتي بالغرض المقصود وتكون ~~مطالعته مفيدة للأهل والوطن. # هذا ولما كان تاريخ الرومانيين مفعما بالحوادث الصادرة عن حب الوطن والإخلاص له ~~والتفاني في خدمته والتهالك في الدفاع عنه والذود عن حوضه، وكانت مطالعته واجبة على كل ~~من يريد معرفة طرق تقدم الأمم وارتقائها، وكيف تنال الحرية والاستقلال بالدفاع عن ~~حقوقها قبل كل معتد ظالم، والاتحاد على ما فيه خير وطنهم وفلاحه وجمع كلمتهم أمام ~~الأجنبي المهاجم والدخيل المزاحم، ونبذ النفاق والشقاق من بينهم ليكونوا يدا واحدة ~~لإعلاء شأن الوطن وبنيه؛ أردت أن ألخص تاريخ هذه الأمة التي ملكت أغلب جهات المسكونة، ~~وامتدت حدود أملاكها من المحيط الأتلانطيقي غربا إلى جبال القوقاز شرقا؛ أي من ~~الدرجة 12 غرب باريس إلى الدرجة 40 شرقا، ~~عبارة عن 52 درجة، ومن بلاد بريطانيا (إنكلترا) شمالا إلى أصوان جنوبا؛ أي من الدرجة ~~23 إلى الدرجة 53 عرضا، مبتدئا هذا التاريخ من تأسيس مدينة رومة - عاصمة هذه المملكة ~~- في سنة 754 قبل الميلاد إلى يوم دخول مدينة القسطنطينية (الأستانة) في حوزة دولة آل ~~عثمان في سبتمبر سنة 1453 بعد الميلاد، وقد ~~قسمته إلى خمسة أقسام: الأول من تأسيس رومة إلى سقوط الملوكية وتأسيس الجمهورية، ~~والثاني يحتوي على تاريخ الجمهورية الرومانية إلى عهد استئثار أغسطس بالحكومة وتأسيس ~~الحكومة الإمبراطورية، والثالث ينتهي إلى تقسيم الدولة الرومانية إلى دولتين شرقية ~~وتختها بيزنطة التي سميت فيما بعد القسطنطينية وهي الأستانة، وغربية وتختها رومة، ~~والرابع يحتوي على تاريخ المملكة الغربية إلى يوم انقراضها بتوالي هجمات المتبربرين ~~عليها، والخامس على تاريخ الدولة الشرقية ليوم دخول السلطان الغازي محمد الثاني ~~العثماني الملقب بالفاتح الأستانة، وجعلها عاصمة لدولة آل عثمان. # القسم الأول # | من سنة 754ق.م إلى سنة 510ق.م # | تأسيس مدينة رومة # لا بد وأن يكون أصل مدينة رومة كأصل باقي مدن العالم؛ أي بعض أكواخ حقيرة لصيادي ~~الأسماك على ضفاف نهر (التبر)، ثم أخذت تكبر شيئا فشيئا كلما ارتقى سكانها في عالم ~~التمدن إلى أن وصلت تلك الدرجة العلياء، وصارت تلك ms02 المدينة الشماء التي تفاخر الشعراء ~~في مدحها ، وتبارى الكتاب في وصف مبانيها العمومية وحركتها العلمية والتجارية، لكن ~~لما كان دأب كل أمة غمض أصل تاريخها أن تضع لنفسها تاريخا وهميا كما تزينه ~~لها مخيلتها، فينتسب بعضها إلى جبابرة اشتهروا بالقوة والبأس، والبعض الأخر إلى بعض ~~الملائكة أو النجوم أو إلى آلهتهم الخيالية ترفعا عن عامة الأمم، ولزيادة التأثير على ~~عقول أفرادها، كذلك وضع مؤرخو مدينة رومة الأولون الخرافة الآتية ناسبين إليها تأسيس ~~عاصمة دولتهم، ونحن ننقلها على علاتها مع عدم اعتقادنا بصحتها أصلا كما يرى ~~المطالع. # قالوا إنه لما خربت مدينة (طروادة) وصارت أثرا بعد عين؛ هاجر منها (إينيه) ~~مستصحبا معه ولده (اسكاني) وأصنام المدينة ونزل بساحل بلاد اللاتينيين، فأكرم ملكها ~~المدعو (لاسيوس) وفادته، وزوجه ابنته (لافيينيا)، وأقطعه أرضا فسيحة بنى فيها مدينة ~~ودعاها لافينيوم نسبة لزوجته، فصار حليفه ومن أهم أعوانه في حروبه مع مجاوريه، واستمر ~~على ذلك مدة إلى أن اختفى في إحدى الوقائع الحربية؛ فظن الأهالي أنه صعد إلى السماء ~~وعبدوه باسم (جوبيتر انديجيت). # ثم ترك ابنه (اسكاني) مدينة (لافينيوم) لرداءة موقعها وأسس مدينة (ألبه) على جبل ~~(البانو) أحد الجبال القائمة عليها مدينة رومة، وبعد وفاته تعاقب عليها سبعة ملوك من ~~نسله أعقب سابعهم ولدين (نوميتور) و(أموليوس)، وكان الملك بحكم الوراثة لأرشدهم وهو ~~الأول، فلم يرق ذلك في عين أخيه (أموليوس)، بل استأثر بأغلب أملاك والده ولم يترك ~~لأخيه الأكبر إلا شيئا قليلا، وقتل ابنه ووضع بنته (سلفيا) في أحد أديرة راهبات ~~(فستا) حتى لا يعقب أخوه من يرثه في الملك، وتنحصر السلطنة في أعقابه دون أخيه الأكبر، ~~وبينما كانت سلفيا تدلي دلوها في إحدى الآبار المقدسة؛ إذ تجلى لها الإله (المريخ) ~~ونفخ فيها من روحه؛ فحملت ووضعت غلامين فقتلت بناء على قوانين راهبات (فستا)، وألقي ~~ولداها في نهر (التبر) فحملتهما أمواجه إلى أن رسيا تحت ظل شجرة، فأتت ذئبة على صوتهما ~~وأرضعتهما على مرأى من أحد رعاة الملك عمهما واسمه (فستولوس)، فحملهما الراعي إلى زوجته ~~(أكالورنسيا) ms03 فدعتهما (رومولوس) و(ريموس)، واعتنت بتربيتهما مع أولادها حتى بلغا ~~أشدهما بين الرعاة، وتشاجرا ذات يوم مع رعاة أحد أغنياء القوم المسمى (نوميتور) فقادهما ~~أمام سيده فأعجب بشجاعتهما وشدة تشابههما؛ ولذلك أخذ يبحث عن أصلهما وصحة نسبهما حتى ~~وصل إلى الحقيقة وأعلمهما بها، فتألبا مع باقي الرعاة على عمهما (أموليوس) وقتلوه، ~~وولوا مكانه على مدينة ألبه سيدهم (نوميتور)؛ فأقطعهما قطعة عظيمة من الأرض على شاطئ ~~نهر التبر فعزما على بناء مدينة عظيمة تكون لهما ولذريتهما، لكنهما اختلفا في أيهما ~~يقوم ببنائها. # وبعد الجدال اتفقا على أن يصعد كل ~~منهما على ربوة ومعه جماعة بصفة شهود، ومن يرى منهما طيورا أكثر من الثاني يكون أحق ~~ببناء المدينة، فرأى ريموس ستة عقبان ورأى رومولوس اثني عشر؛ ولذلك تقرر أن يخط رومولوس ~~أساس المدينة، فعلق ثورا وعجلة في محراث وشق به الأرض حول مرتفع (بالاتينو) علامة على ~~سور المدينة الجديدة، وكان ذلك على ما جاء في كتب الرواة فى 21 أبريل سنة 754ق.م، ثم ~~أخذ في بناء السور، ولما ارتفع قليلا وثب ريموس من عليه استهزاء فقتله رومولوس بيده ~~قائلا: فليمت هكذا كل من يجترئ على الاعتداء عليها، وقيل غير ذلك، لكن هذه الرواية هي ~~المتفق عليها تقريبا، ومن ذلك الحين صار رومولوس ملكا منفردا على مدينته الجديدة ~~التي سماها (رومة) نسبة له وتخليدا لاسمه، وأباح الإقامة فيها لكل من لجأ إليها من ~~الأمم الأخرى من المدنيين الفارين من وجه العدالة، فتوارد المهاجرون إليها من كل فج حتى ~~كثر عدد الرجال عن النساء زيادة عظيمة، وامتنع المجاورون إليهم من مصاهرتهم لكون أغلبهم ~~من الأخلاط الذين لا خلاق لهم، فاضطر رومولوس إلى تدبير طريقة لتكثير عدد النساء، واتفق ~~مع رجاله على دعوة القبائل المجاورة لهم إلى احتفال عظيم يقيمونه إكراما لأحد آلهتهم ~~وسبي بناتهم عنوة أثناء الاحتفال، فنجحت هذه الطريقة وتزوج جميع رجاله، ولما عاد ~~أقارب المسبيات لاستخلاص نسائهم وبناتهم ووقع القتال بين الطرفين؛ توسطت النسوة بين ~~أزواجهن الرومانيين وأقاربهن، ومنعن القتال وأصلحن ذات بينهم، ms04 وبذلك زالت الكراهة ~~والبغضاء من بينهم ، وساد الاتفاق وأخذت رومة تخطو في سبيل التقدم بسرعة غريبة حتى سعى ~~مجاوروها إلى محالفتها، وتعاهد (تيتوس) ملك السابيين مع رومولوس على محاربة ~~أعدائهم. # ويروى أن إحدى الرومانيات واسمها (نزبيا) لما رأت السابيين مقبلين أثناء الحرب ~~وبأيديهم اليمنى أساور من ذهب؛ عرضت عليهم أن تفتح لهم أحد الأبواب إذا أعطوها ما ~~بأيديهم اليمنى فقبلوا، وبعد أن فتحت لهم الباب ألقوا عليها الدرق الحديد الذي كان ~~بأيديهم؛ فماتت فريسة خيانتها لوطنها، ويغلب على الظن أن هذه الحادثة موضوعة إظهارا ~~لبشاعة خيانة الوطن، وأن العدو والغالب يلفظ خائن وطنه لفظ النواة بعد أن يستعمله آلة ~~لنفاذ أغراضه؛ إذ لا يركن عاقل لمن خان وطنه الذي تحض جميع الشرائع على محبته والتفاني ~~في الدفاع عنه. # هذا وبعد ذلك بخمس سنوات قتل تيتوس ملك السابيين فاختاروا رومولوس ملكا عليهم، ~~وانتصروا باتحادهم على معاديهم من الأمم المجاورة، وعلا شأن رومولوس بين الأهالي حتى ~~توجس أعيانهم خيفة منه، وخشوا أن يستبد فيهم فقتلوه، وأشاعوا أنه صعد إلى السماء على ~~عربة إلههم المريخ في وسط الرعد والبرق، فصدق العموم هذه الرواية لسذاجتهم وعدوا ~~رومولوس من ضمن آلهتهم العديدة، وعبدوه باسم (كويرينوس) وكان موته في ~~سنة 715ق.م. # | الملك نومابونبيليوس # لم يتفق الرومانيون والسابنيون على انتخاب خلف لرومولوس، واستمر هذا الشقاق مدة سنة ~~كان الأمر في خلالها لأعضاء مجلس الأعيان (سناتو) بالتتابع، وأخيرا اتفقت الأمتان ~~على أن يكون حق الانتخاب للرومانيين بشرط أن لا ينتخبوا إلا سابينيا؛ فانتخب ~~(نومابونبيليوس) وكان رجلا محبا للسلم لم تحصل في أيامه حروب مطلقا، بل صرف مدة ~~حكمه الذي استمر ثلاثا وأربعين سنة في تشجيع الزراعة، وتحديد الأطيان حتى لا يتنازع ~~المتجاورون، ومنع تمثيل معبوداتهم بأصنام، وحرم قتل ابن آدم قربانا لهم كما كان ~~جاريا قبلا، ورتب الاحتفالات الدينية وعين وظائف الكهنة والمنجمين، وأصلح نظام راهبات ~~(فستا) اللاتي كن ينتخبن من بنات أشرف العائلات لحفظ النار المقدسة، ومداومة إشعالها ~~حتى لا تطفأ أبدا، والمحافظة على (البلاديوم) الذي أتى ms05 به (إينيه) من طروادة. # ولحبه في السلم ومقته للحرب أقام معبدا (ليانوس) إله السلم تفتح أبوابه وقت الحرب ~~وتقفل وقت السلم، فلم تفتح في أيامه مطلقا، وكان يعتقد الرومانيون أن له صديقة من ~~الجن تدعى (إيجيري) تساعده بالأفكار الصائبة، وتوحي إليه بالأعمال المفيدة. # وينسب إليه إصلاح السنة الشمسية التي كانت قبله من عشرة شهور فقط، فضبطها وجعلها اثني ~~عشر شهرا تابعة لدورة الأرض حول الشمس لانتظام مواعيد الزراعة، ولا يعلم من تاريخه غير ~~ذلك وتوفي سنة 672ق.م. # وذهب بعض المؤرخين الحديثين - مثل بوفور الفرنساوي ونيبور الألماني - إلى أن هذا ~~الملك لم يوجد إلا في مخيلة مؤرخي الرومان، وأنه لم يحكم رومة ملك بهذا الاسم، بل إن ~~اسمه يمثل فقط دور التشريع والتقنين في أول عصر الرومانيين، واستندوا في قولهم هذا على ~~أن اسم نوما مشتق من الكلمة اليونانية نوموس، ومعناها الشرع أو القانون. # وبعد وفاة نومابومبليوس انتخب الأهالي تلوس هوستليوس ملكا عليهم، وكان بعكس سلفه ~~محبا للحرب وشن الغارة على مجاوريه لسلب الماشية والأمتعة واغتصاب الأراضي، إلا أنه ~~كان ميالا لمساعدة الفقراء من الأهالي، فكان يقسم عليهم أراضي القبائل التي تدور عليها ~~رحى الحرب، وأخيرا حصلت بينه وبين سكان ألبه عدة وقائع صغيرة أصلها اختطاف بعض المواشي ~~والتعدي على الحدود أوجبت إشهار الحرب، لكن لما كانت علاقات المودة بين مدينتي رومة ~~وألبه قديمة جدا وكانت مدينة رومة في الأصل مستعمرة لمدينة ألبه - كما سبق - لم يرغب ~~تلوس هوستليوس إيقاد نيران الحرب بين أهالي المدينتين، بل ارتأى أن ينوب عن كل فريق ~~ثلاثة أبطال يتبارزون معا، ومن يفوز مندوبوها بالفوز والنصر تكون هي الغالبة، فانتخب ~~الرومانيون ثلاثة إخوة من عائلة (هوراس) والألبيون ثلاثة من عائلة (كورياس)، وفي أثناء ~~المبارزة قتل اثنان من مندوبي رومة، وبقي الثالث حافظا لجميع قوته أمام مندوبي ألبه ~~الثلاثة الذين كانوا أثخنوا بالجراح، فأخذ مندوب رومة في العدو مظهرا الفرار أمام ~~أعدائه الثلاثة فتبعوه، ولما تباعدوا عن بعضهم عاد إليهم فقتلهم الثلاثة بالتتابع، ~~وبذلك تم الظفر للرومانيين ms06 على الألبيين. # ومما رواه بعض قدماء المؤرخين نقلا عن السلف أن أخت الهوراس مندوب رومة المسماة ~~(كامليه) كانت مخطوبة لأحد مندوبي ألبه الذين قتلوا، فأخذت تبكي وتنتحب على موته فغضب ~~عليها أخوها ووبخها على البكاء وقتلها بيده، ولم تمنعه المحبة الأخوية عن إتيان هذا ~~الأمر العظيم تغاليا في حب الوطن والدفاع عنه، فحكم عليه بالإعدام على هذه الجريمة، ~~لكن تجمهر الأهالي وطلبوا العفو عنه نظير خدمته لوطنه وأهله وفوزه على أعدائه فعفي ~~عنه، ويظهر لي أن هذه الرواية من الأقاصيص الموضوعة إظهارا لقوة حب الوطن ووجوب تغلبه ~~على ما عداه من الإحساسات الشريفة، وتضحية كل غال ولو كان من أقرب الناس إلى الإنسان ~~في سبيل خدمته الشريفة. # ولقد اتخذ راسين الشاعر الفرنساوي المفلق هذه الحادثة موضوعا لإحدى رواياته المحزنة ~~ترجمت إلى جميع اللغات، لكن لا أظن أنها نقلت إلى اللغة العربية للآن. # وبعد ذلك تحالفت مدينتا رومة وألبه بشرط أن تكون السيادة لرومة على الأخرى، لكن لم ~~يستمر هذا التحالف إلا قليلا؛ إذ كانت ألبه تضمر العداء لرومة وتنتظر الفرصة المناسبة ~~للحصول على الاستقلال التام، وظهر ما تكنه ألبه من العدوان في أثناء محاربة جرت بين ~~الرومانيين وبعض القبائل المجاورة، فلم يساعد أميرها حلفاءه، بل تربص ينتظر نتيجة ~~القتال حتى إن دارت الدائرة على الرومانيين انقض عليهم وساعد أعداءهم، إلا أن فأله لم ~~يصب فانتصر الرومانيون، وانتقم توليوس هوستليوس من أمير ألبه بالقتل نظير تذبذبه وعدم ~~إخلاصه وخرب مدينته، فصارت أثرا بعد عين ونقل سكانها إلى أحد أحياء رومة واستمالهم ~~إليه بأن قبل أشرافهم في مجلس الشيوخ وأغنياءهم في زمرة الشوالية، وسيأتي شرح ~~امتيازات هذه الفئة في موضعه. # ولم تكن هذه الواقعة آخر محاربات هذا الملك، بل حارب كثيرا من القبائل، وانتصر عليها ~~نصرا مبينا في وقائع متعددة؛ حتى صار لرومة المقام الأسمى بين المدن المجاورة وخشيها ~~القريب والبعيد. # وينسب للملك المذكور عدم الاعتناء بأمور دينه وعدم اتباع أوامره واجتناب نواهيه ~~وإهمال عبادة الأصنام المعتبرة لدى قومه، ولذلك يدعي الرواة ms07 أنه استحق غضب معبوداته ~~فأنزلت عليه الصواعق المحرقة أهلكته ودمرت قصره تدميرا، ولم يوقف لجثته على أثر، وكان ~~اختفاؤه أو موته في سنة640 قبل الميلاد. # | الملك أنكوس مارسيوس # وولي بعده (أنكوس مارسيوس) ويقال إنه ~~حفيد نومابومبليوس ثاني ملوك الرومان، وكان مثل جده ميالا للسلم محبا للسكينة التي ~~تساعد على تقدم أسباب العمران ونمو الزراعة والصناعة، فنشط الزراعة ونقش القوانين ~~المعمول بها على ألواح، وعلقها في محل اجتماع الأهالي المسمى بالفوروم، وأعاد ما اختل ~~من نظام عبادتهم في عهد سالفه، وشدد في مراعاة قواعده لتحققه أن الدين مهما كان فاسدا ~~ضروري لكبح جماح الأهالي، ومنعهم عن الإخلال بالراحة العمومية لأمره بإطاعة ولاة الأمور ~~والرضوخ لأوامرهم. # لكن لم يمنعه حبه للسلم من الحرب والقتال خصوصا مع اللاتين الذين نكثوا المواثيق ~~وخانوا العهود، فاضطر لمحاربتهم وإقماعهم بعد قتال عنيف، ولما فاز عليهم بالنصر ~~المبين دمر أربعة من مدائنهم، ونقل سكانها إلى رومة، وأسكنهم على مرتفع (أفانتان)؛ ~~فاتسعت المدينة اتساعا عظيما، وأقام أول جسر (كوبري) على نهر التبر وحفر مينا ~~(أوستيه) لتسهيل التجارة، ونقل البضائع إلى رومة؛ فاتسع العمار وكثرت المساكن على ~~الشاطئ الأيمن، والتزم (أنكوس) أن يقيم حصنا منيعا على مرتفع (جانيكول) لحماية الجسر، ~~وصد غارات العدو عنه، وخد خندقا عميقا لمنع كل عدو مهاجم يحيط بجميع المساكن ~~القائمة على الشاطئ الأيمن، ولما كثرت أهالي المدينة بسبب إقامة الألبيين وسكان مدائن ~~اللاتين الأربع، وكثر ارتكاب الجرائم وتعدد التعدي على الأموال والأرواح ~~بسبب اختلاف الأجناس واختلاطهم؛ أنشأ ~~(أنكوس) سجنا تحت الفورم لمرتكبي الجرائم الكبيرة، وبالاختصار نمت المدينة وارتقت في ~~أيامه، وعلا شأنها واشتهر اسمها، وتوفي سنة 616 قبل المسيح. # | الملك تركان الأول # وفي مدة ملكه أتى المدينة رجل أجنبي من أهالي (كورنثه) ببلاد اليونان هجر أوطانه، ~~وترك خلانه مع أبيه (ديماراث) هربا من استبداد عائلة (سيبسيلوس)، واستوطن مدينة ~~(تركرينيه) إحدى مدائن الأتروسك، ثم ارتحل عنها إلى مدينة رومة، ولشدة ذكائه وقوة ~~دهائه استمال إليه الملك أنكوس والأمة الرومانية حتى جعله الملك وصيا على أولاده ms08 من ~~بعده، وانتخبه الأهالي ملكا عليهم بعد وفاته ، واشتهر في التاريخ باسم (تركان) نسبة ~~للبلد التي أتى منها إلى رومة ولقب بالقديم، وفي أيامه ازدادت رومة بهجة وبهاء وحسنا ~~ورواء؛ فجفف أرض (الفورم) حيث كانت تغمره مياه التبر أيام فيضانه وطغيانه، وأحاطه ~~بأروقة جميلة على أعمدة ظريفة، وخصصه لاجتماعات الأهالي العمومية سياسية كانت أو مختصة ~~بالأعياد وأوقات الملاهي، وأحاط المدينة على اتساعها بسور منيع من الحجر الصلد أدخل ~~ضمنه جميع المباني الحديثة؛ لتكون في أمن من كل طارئ، وابتدأ في بناء ~~(الكابيتول) # 1 # ومهد أرض المحل المعد للألعاب الرياضية على اختلاف أنواعها (سرك)، وغير ذلك ~~من الأعمال الجسيمة ذات المنفعة العامة، خصوصا المجاري العظيمة التي بناها تحت المدينة ~~لتصريف أقذارها، والباقية آثارها إلى الآن تشهد لبانيها بعلو المدارك وارتفاع ~~الشان. # ولقد استعان على تتميم هذه الأعمال العظيمة بما أخذه في حروبه العديدة مع السابيين ~~واللاتين من الأموال الطائلة والغنائم الهائلة، وتغلب أيضا على أمة (الأتروسك) التي ~~كانت أرقى من الأمة الرومانية في سلم التمدن، ولما كانت القاعدة التاريخية أن الأمة ~~الغالبة تتعود بعوائد الأمة المغلوبة، وتتخلق بأخلاقها إذا كانت أرقى منها حضارة وأرفع ~~تمدنا اقتبس الرومانيون من الأتروسك عوائد كثيرة؛ منها المواكب الانتصارية التي كان ~~يحتفل بها عند عودة الملك إلى المدينة عقب انتصاره على الأعداء، فكان يدخل المدينة ~~لابسا الحلة الأرجوانية والنجوم مزركشة عليها، راكبا عربة تجرها أربعة من الخيول ~~البيضاء، يتقدمه حملة البلط المربوطة حول يدها العصي علامة على السلطة والقوة، وبعد ~~أن حكم نحو أربعين سنة تآمر أولاد أنكوس الملك السابق على قتله انتقاما منه على ~~اختلاسه الملك، فأوعزوا إلى اثنين من الرعاة بالتظاهر بالمشاجرة قريبا من قصر الملك ~~حين وجوده به حتى إذا استدعاهما أمامه قتلاه، وقد تم الأمر كما اتفقا عليه وأراداه وضرب ~~أحدهما الملك بآلة قاطعة قاتلة فشج رأسه ومات لحينه. # | هوامش # | الملك سرفيوس تليوس # لكن أخفت امرأته (تناكويلا) التي كانت مشهورة بالسياسة والدهاء خبر موته، ~~وأذاعت أن الملك جريح فقط وحالته ليست خطرة، ms09 وأنه كلف صهره (سرفيوس تليوس) بإدارة ~~مهام الحكومة ريثما يتم شفاؤه، وبعد مضي بضعة أيام على هذه الحادثة استمالت في خلالها ~~أعضاء السناتو إلى قبول صهرها بصفة ملك، أعلنت وفاة زوجها ولم تفد تلك المكيدة أولاد ~~الملك (أنكوس) شيئا، وكان ذلك سنة 578ق.م تقريبا. # ومما ينسب عمله إلى تركان من الإصلاحات أنه قرر بقبول مائة شخص من عامة الأهالي في ~~مجلس السناتو، وزيادة زمرة الشفالية ثلاث فرق، ولما لامته الأشراف على ذلك استعان على ~~إقناعهم بقوة المنجمين الذين قالوا إن الآلهة راضية عن هذا الإصلاح فامتثل الأشراف، ~~وصارت أقوال المنجمين أكبر عضد للحكومة لتنفيذ مشروعاتها كلما أنست معارضة من بعض طبقات ~~الأمة هذه. # أما (سرفيوس تليوس) فلم يعلم أصله بالتحقيق فقال بعضهم إنه لقيط تربى في السراي ~~الملوكية في مهد العز والدلال، ولما ترعرع وكلت تربيته إلى فحول ذاك العصر، ولما ~~بلغ سن الرجولية زوجه الملك ابنته إجابة لرغبة زوجته (تناكويلا)، وقال آخرون - ~~وخصوصا مؤرخي (التسكان) - إنه أتروسكي الأصل واسمه (مسترنا)، وإنه كان مرافقا لأحد ~~قواد جيوش الأتروسك عند محاربة الرومانيين، ولما غلبت جيوشهم أتى إلى رومية مع من ~~هاجر من الأتروسك وترك اسمه الأصلي، وتسمى باسم سرفيوس وهو من أسماء الرومانيين حتى يظن ~~أنه روماني ولا يعلم أصله الأجنبي، وقيل غير ذلك. # ومن أعماله تجديد أسوار المدينة وإدخال كثير من ضواحيها داخل أسوارها، وتقسيمها إلى ~~أربعة أقسام لكل منها حاكم مخصوص يناط به تحضير القوائم بأسماء الأهالي القاطنين في ~~دائرته لتوزيع الضرائب، وطلب من يلزم من الشبان للخدمة العسكرية، ثم قسم جميع الأراضي ~~التابعة لمدينة رومة إلى 26 قسما، وجميع السكان إلى ست طبقات و(173) فرقة أو قبيلة، ~~كل قبيلة منها مؤلفة من مائة نفس، الأمر الذي يستنتج منه أن عدد الأهالي التابعين لرومة ~~بلغ في أيامه (19300) نسمة، وسيأتي ذكر ذلك مفصلا في الباب التالي. # ومن أعماله الخارجية تحالفه مع ثلاثين مدينة من مدائن اللاتين، وإقامة معبد للمعبودة ~~(ديانة) إحدى آلهة الأقدمين بداخل رومة، وتقاسمت المدينة ومحالفيها من مدائن ms10 اللاتين ما ~~صرف عليه ليكون رابطة اتحاد بينها، ومنها تغلبه على بعض قبائل الأتروسك، وأخذه أراضيهم ~~وتوزيعها على الفقراء من الرومان، ولما كانت جميع أعماله في صالح الطبقات السفلى من ~~الأهالي غضب منه الأشراف ذوو الثروة والجاه، وضاعف غضبهم وحنقهم عليه توزيعه الأراضي ~~على الفقراء، وصاروا يمقتون بقاءه ملكا عليهم وتآمروا على قتله بمساعدة بنته ~~(توليه). # وتفصيل ذلك أنه كان لسرفيوس ابنتان إحداهما (توليه) التي حفظ التاريخ اسمها وكانت ~~ميالة إلى الفتن والدسائس وحب العلو والارتقاء مهما كانت الواسطة، وتزوجت (آرنس) ابن ~~الملك تركان القديم، وكان متصفا بالسكون وسهولة الأخلاق، وتزوجت الأخرى ب (لوسيوس) أخي ~~آرنس الذي كان على عكس أخيه ونقيضه، ولما كان شبيه الشيء منجذبا إليه بالطبع اتفقت ~~(توليه) مع لوسيوس زوج أختها على قتل زوجها وأختها والاقتران معا، والسعي بعد ذلك في ~~تنصيب لوسيوس ملكا على رومة مكان أبيها، ولو أدى الأمر إلى قتله، وفعلا اقترنت ~~بلوسيوس بعد أن تخلصت من زوجها وأختها بتقديمها لهما السم في الدسم، ثم اتحدت مع بعض ~~الأشراف المعادين لأبيها الملك بسبب منحه بعض الحرية للأهالي، وتوزيعه أراضي القبائل ~~المغلوبة عليهم بدل توزيعها على الأشراف، واتفقوا على عزله وتولية لوسيوس مكانه، وبعد ~~تمام الاتفاق وتوثيقه بالأيمان المغلظة انتهز المتآمرون فرصة وجود الأهالي في أشغالهم ~~الزراعية خارج المدينة، وحضر لوسيوس إلى السناتو حال انعقاده متشحا بالملابس ~~الملوكية، وألقى سرفيوس من أعلى الدرج فقتله أعوانه، ونودي بلوسيوس ملكا باسم تركان ~~الثاني، ويقال إن زوجته (توليه) حين أتت لتهنئته مرت بعربتها على جثة أبيها وكان ذلك في ~~سنة 534ق.م. # ولقد دعا الرومانيون الطريق الذي مرت منه هذه الغادرة عند ارتكابها هذا الأمر الفظيع ~~بطريق الخيانة؛ إظهارا لعدم استحسانهم له وعدم مشاركتهم لها فيه. # | الملك تركان الثاني # وكان تركان الثاني ميالا للكبرياء والجبروت محبا للظلم والاضطهاد، فأبطل جميع ~~الإصلاحات التي أدخلها سرفيوس وسلب طبقة العوام ما منحته من الحقوق، فرجعت إلى ما ~~كانت عليه من الضعة والانحطاط؛ ولذلك لقبه الأهالي بالشامخ وأظهروا له الجفاء ~~والإعراض، فاتخذ ms11 لنفسه حرسا من الأجانب استخدمهم لقمع الأهالي، وإطفاء كل حركة تبدو ~~منهم طلبا للحرية، والتخلص من حكمه الجائر. # وكان يقتل كل من آنس منه عدم الإخلاص له والرضا عن أعماله من الأعيان وأعضاء مجلس ~~الشيوخ، واتبع هواه في جميع أعماله، ولم يراع لقانون حرمة ولم يخفر لأحد ذمة، وسخر ~~الأهالي في أشغاله الخصوصية والمنافع العمومية، فتمم مجاري المدينة والكابيتول وباقي ما ~~شرع فيه والده من الأعمال، وتحالف مع حاكم مدينة (تسكولم)، وزوجه ابنته ليكون له ~~عونا وعضدا ضد رعاياه، ويقال إن العملة عثروا عند فتح أساسات (الكابيتول) على رأس ~~إنسان، فقال المنجمون إن ذلك يدل على أن مدينة رومة ستكون ذات شأن عظيم في العالم، ~~وتكون مقر حكومة يمتد سلطانها على جميع أنحاء العالم المتمدن. # وفي عصر هذا الملك حضرت إلى المدينة إحدى المتكهنات المدعيات معرفة الغيب وقدمت له ~~تسعة مجلدات مدعية أنها تحتوي على بيان كل ما يستحدث لمدينة رومة من الحوادث، وطلبت منه ~~في مقابلتها مبلغا عظيما فرفض، فأحرقت ثلاثة منها وعرضت عليه الستة الباقية بنفس ~~القيمة فرفض ثانيا، فحرقت ثلاثة أخرى وعرضت عليه الثلاثة الباقية بالقيمة نفسها فقبل ~~ووضعها في خزانة خصوصية بنيت لها تحت الكابيتول، وعين لحراستها اثنين من الأشراف، ~~وهذه الخرافة تشبه ما يدعيه البعض في زمننا هذا زمن البدع والغرائب من وجود كتب يسمونها ~~(الجفر)، يقولون إنها تنبئ بالمستقبل ويصدقهم بسطاء العقول وصغار الأحلام. # ومن أعمال تركان الشامخ أنه حارب كثيرا من مجاوريه، وانتصر عليهم خصوصا قبائل ~~(الفولسك)، وشدد ربط الاتحاد مع مدائن اللاتين، وجعل لرومة - وبعبارة أخرى لنفسه - ~~سيطرة شديدة عليها، وفتح مدينة (جانس) بواسطة أكبر أولاده (تاركان سكستوس)، وذلك أنه ~~تظاهر بالعصيان على والده واحتمى بهذه المدينة، وأقام بها حتى استمال في خلالها الأهالي ~~بحسن المعاملة وبذل العطايا حتى اختاروه حاكما عليهم، ولما تم له الأمر أرسل لوالده ~~يسأله عما يفعله لتوطيد سلطته وتسليم المدينة إليه، فوجد الرسول والده يتمشى في بستان، ~~وبعد أن سمع ما كلف بتبليغه إياه أخذ يقطع الأزهار ms12 المرتفعة عما جاورها بعصاة كانت ~~بيده، ثم قال للرسول: عليك بتبليغ ما رأيت لولدي فإن فيه الجواب الكافي والرأي ~~السديد. # ولما نقل حديث هذا الدور التمثيلي إلى سكستوس أدرك أن والده ينصحه بقتل أعيان ~~المدينة، وكل من يظن فيه المعارضة، فأمر بقتلهم وسلم المدينة لوالده غنيمة ~~باردة. # وكان تركان فظا غليظا سيئ الخلق ظالما مستبدا لا يوقر كبيرا ولا يرحم صغيرا ~~ولا يحترم أميال الأمة ولا آراء نوابها وشيوخها فنفر منه الأهالي، ولم تبق لهم طاقة ~~على احتمال هذه المعاملة، وصاروا يترقبون الفرص المناسبة للتخلص منه، ولا يتركون طريقة ~~لبث شكواهم وإظهار تمللهم، وزاد غيظهم منه ومقتهم له حين تطاول ابنه سكستوس إلى اغتصاب ~~(لوكريسيا) زوجة تركان كوللاتان ابن أخي الملك، فساعده الأهالي على الانتقام منه وطرد ~~الملك تركان الشامخ، وإسقاط الحكومة الملكية، وتأسيس الحكومة الجمهورية. # القسم الثاني # | الحكومة الجمهورية # | تأسيس الجمهورية # وتفصيل ذلك على ما جاء في كتب أشهر ~~المؤرخين أن (تركان) كان يحاصر مدينة (أرديا) عاصمة قبيلة (الروتول) الواقعة على بعد ~~ثلاثين كيلومترا من مدينة رومة، ومعه أولاده وكثير من الأمراء، وبينما كان الأمراء ~~مجتمعين ذات ليلة في السمر إذ دارت المناقشة بينهم في صفات زوجاتهم، وأخذ كل منهم يعدد ~~محاسن زوجته المادية والأدبية، ويدعي أنها تفوق زوجات الباقين في الشؤون المنزلية ~~والترتيبات العائلية، ثم اتفقوا على أن يفاجئوهن في مخادعهن ليروا كيف يصرفن أوقاتهن، ~~فقاموا لوقتهم وفاجئوهن؛ فوجدوهن مشتغلات بالملاهي والمغاني إلا (لوكريسيا) زوجة (تركان ~~كوللاتان)، فإنها وجدت مشتغلة بالغزل مع خادمتها، فأجمع الحضور على أنها أعقل الأميرات ~~وأكثرهن التفاتا إلى أشغال بيتها، فاغتاظ (سكستوس)، وأضمر لها السوء وتربص لها، حتى ~~إذا وجدها بمعزل عن عيون الرقباء انقض عليها كالعقاب واغتصبها كرها، فجمعت زوجها ~~وأباها وأخا زوجها (بروتوس) وغيرهم وقصت عليهم ما حصل لها من الإهانة تفصيلا، ثم قالت ~~إن لا حياة لها في هذا العالم بعد ما لحقها من العار بفعل هذا الوحش الكاسر، واستلت ~~خنجرا وطعنت نفسها به طعنة كانت القاضية، فقضت نحبها شهيدة العفاف ms13 موصية زوجها بالأخذ ~~بثأرها. # فحمل زوجها جثتها إلى رومة وعرضها على أعضاء مجلس الشيوخ وأنظار الأمة طالبا منهم ~~الانتقام للشهامة والعفاف من أصحاب الغدر والخيانة، فمالوا لجانبه واتحدوا على عزل ~~الملك، وطردوه هو وولديه من المدينة تخلصا من ظلمه واستبداده الذي أثقل كاهل الأهالي ~~بالضرائب والمغارم، وحملهم ما لا طاقة لهم على حمله من أنوع التسخير والاستعباد، ~~فاجتمع مجلس الشيوخ (سناتو) وقرر بإبطال الحكومة الملكية ونفي الملك. # وفي أثناء ذلك قصد (بروتوس) الجيش المحاصر لمدينة (أرديا)، وأهاجه على الملك فشق ~~العساكر عصا الطاعة وتركوا حصار المدينة، ولما بلغ تاركان خبر ثورة الأهالي عاد ~~مسرعا إلى مدينة رومة فوجد أبوابها مؤصدة في وجهه، ولما أعيته الحيل ولم يجد له بين ~~الأهالي نصيرا، بل وجد الكل ضده يدا واحدة وقالبا واحدا طلبا للحرية والاستقلال؛ ~~التجأ إلى مدينة (سيره) هو وولداه آرنس وسكستوس سبب جميع المصائب التي لحقت بهم. # وبعد ذلك طلب الأهالي الرجوع إلى القوانين العادلة التي وضعها سرفيوس تليوس، وأن ~~ينتخب لإدارة شؤون الحكومة اثنان من المشهود لهم بالحكمة والاستقامة، ويعطى لهما ~~لقب (قنصل) فقبل مجلس الشيوخ بهذه الطلبات العادلة، واجتمعت لجان الانتخاب وانتخب تركان ~~كوللاتان وبروتوس، وتم هذا الانقلاب العظيم في سنة 510ق.م، ثم توجس الأهالي خيفة من ~~تركان كوللاتان، وداخلهم الريب من جهته؛ فعزلوه ونفوه خارج المدينة وانتخبوا مكانه ~~(فالريوس). # وقد تناقل المؤرخون خرافة يعللون بها تولي (بروتوس) على منصة الأحكام بعد تركان ~~الشامخ، قالوا إن هذا الملك لما أحس بعدم محبة الأهالي له وقلبهم له ظهر المجن؛ ~~أرسل ولديه إلى مدينة (دلفوس) ببلاد اليونان ليستشيرا متكهنتها على ما ستؤول إليه ~~حالته، فتوجها ومعهما (بروتوس)، وبعد أن أديا المأمورية سألوا الكاهنة عمن سيخلف تركان ~~الشامخ في الملك، فأجابتهم بأن سيخلفه من يقبل أمه قبل الآخرين منهم، فأدرك (بروتوس) ~~سر الجواب وسجد على الأرض مقبلا إياها إذ هي أم أولاد آدم المخلوق من الطين، ولذلك ~~أخلف تركان بعد نفيه دون ولديه، وبعد أن التجأ تركان إلى مدينة (سيره) تركها قاصدا ms14 ~~مدينة تركوينيه لعدم مساعدة أهالي الأولى له، فأرسلت تركوينيه ومدينة أخرى رسلا يطلبون ~~من رومة إعادة تركان إلى الملك أو بالأقل رد أملاكه وأملاك من هاجر معه إليهم، وفي ~~أثناء المداولة في هذه الطلبات تآمر المندوبون مع بعض أولاد الأشراف الذين لم يرق في ~~أعينهم تمتع الأهالي بكامل حقوقهم، بل كانوا يفضلون خدمة ملك ذي أبهة وعظمة على التساوي ~~مع جميع طبقات الأهالي في الحقوق والواجبات، فاتفقوا على إهاجه الطبقات السفلى من ~~الأهالي على مجلس الشيوخ وإلزامه بقبول عودة الحكومة الملكية، لكن لم يتم قصدهم ولم ~~تفلح مؤامرتهم بسبب إفشاء بعضهم للسر، فقبض على المتآمرين، ومن ضمنهم ولدا بروتوس نفسه ~~وحوكموا بمقتضى قوانين البلاد، فحكم عليهم بالإعدام ولم تمنع بروتوس الشفقة الوالدية من ~~تنفيذ الحكم على ولديه، بل فضل احترام القانون وحماية الوطن العزيز على تخليص ولديه ~~الخائنين من عقاب استحقاه بغدرهما وخيانتهما. # وبعد ذلك منح السناتو عشرين يوما للمهاجرين مع تركان للعودة إلى رومة بحيث إن لم ~~يعودوا في الميعاد المذكور تضم أملاكهم لجانب الأمة، ووزعت أطيان تركان على الأهالي فخص ~~كل منهم سبعة أفدنة تقريبا، وبذلك ازداد تعلق الأهالي بالحكومة الجمهورية وصار لا يخشى ~~من إصغائهم لوساوس المتحزبين للملك ثانيا، وجعل السهل الواقع بين المدينة ونهر التبر ~~الذي كان من أملاك تركان الخصوصية ميدانا عموميا تحت حماية إله الحرب، وهو (المريخ) ~~على زعمهم وسمي ميدان المريخ. # ولما لم تفلح مأمورية مندوبي هاتين المدينتين جهزتا جيشا عرمرما لإكراه ~~الرومانيين على إرجاع الحكومة الملوكية، فقابله الرومانيون خارج المدينة بثبات الأسد ~~الذي يدافع عن عرينه والأمة التي تناضل عن استقلالها وتتفانى في الدفاع عن حريتها، ~~واقتتل الجيشان طول النهار بدون أن يتم النصر لأحدهما، وانفصلا لما خيم الظلام وألقى ~~عليهم سدوله، وفي أثناء المعركة قتل بروتوس محرر الرومانيين وآرنس أحد ولدي تركان، ~~ولما جن الليل خيل لأعداء رومة أن هاتفا ينادي بينهم أن موتاهم أكثر من موتى ~~الرومانيين فانذعروا وولوا مدبرين، فعاد الجيش الروماني إلى المدينة، ودخل القنصل ~~فالريوس بموكب انتصاري ms15 عظيم، ولبست نساء رومة الحداد مدة سنة كاملة حزنا على بروتوس ~~الذي دافع عن العفاف وصان الفضيلة بانتقامه للوكريسيا شهيدة الشرف والشهامة، وأقيم له ~~تمثال نصب في الكابيتول بجوار أنصاب الملوك السابقين التي احترمها الرومانيون بعد إلغاء ~~الحكومة الملكية، ولم ينزلوها عن منصاتها لاعتبارهم إياها بمثابة أنصاف آلهة تبعا ~~لاعتقاداتهم الفاسدة وتخيلاتهم الكاسدة. # وبعد هذه الخيبة استعان تركان على الرومانيين بصاحب مدينة (كلوزيوم) إحدى مدائن ~~الأتروسك المدعو (بورسنا)، غير ناظر إلى ما يجره من ويلات الحرب ومصائبه على بلاده، ~~مفضلا الاستعانة بالأجنبي لتملك رقاب الرومانيين على أن يراهم متمتعين بالحرية ~~والاستقلال، فشن (بورسنا) الغارة على مدينة رومة بخيله ورجله سنة 507ق.م ودخلها عنوة ~~بعد أن بذل أهلوها من ضروب الشجاعة وفنون القتال ما لم يأته قبلهم أحد، لكن لم يعد ~~إليها ملكها تركان الخائن، بل امتلكها لنفسه، ولم تجد خيانة تركان واستعانته بأعداء ~~وطنه فتيلا، وهكذا الحال في كل زمان ومكان، فكثيرا ما رأينا ونرى الملوك والأمراء ~~خصوصا في بلاد الشرق يستعينون بالأجانب ويستدعونهم لبلادهم؛ لإخضاع أممهم ورعاياهم إذا ~~هبوا مطالبين ببعض الحقوق أو الاشتراك في إدارة بلادهم، فيلبي الأجنبي دعوتهم فرحا ~~مستبشرا، وبعد أن يقمع الأهالي ويؤيد سلطة الحاكم الجاهل المستعين بهم يقوضون أركان ~~سلطته شيئا فشيئا، ويستأثرون هم بالوظايف والنفوذ حتى إذا ساعدت الفرص امتلكوا البلاد ~~غنيمة باردة وطردوا من ظن فيهم خيرا، وفي ذلك عبرة لأولي الألباب. # هذا؛ ولقد ذكر (تيت ليف) # 1 # المؤرخ القديم عدة وقائع وإن لم تكن حقيقية إلا أنها تشهد بشجاعتهم ~~وإقدامهم لا فرق بين النساء والرجال، فقد قال إن (هوراسيوس كوكليس) قاوم بمفرده رجال ~~(بورسنا) وصدهم عن أحد جسور التبر عندما كانوا قاصدين عبوره لدخول رومة، وقاوم مدة حتى ~~تمكن الرومانيون من هدمه وعاد هو إلى المدينة سبحا، وقال أيضا إن إحدى الرومانيات ~~واسمها (كليلي) سلمت لهذا الملك بصفة رهينة فهربت لبلادها وعبرت النهر سابحة معرضة ~~نفسها لنبال الأعداء، ولم تخش الموت تخلصا من ربقة الأجنبي، وإنها لما أعيدت إليه ~~بحكم الضرورة ms16 اضطرارا أعجب بورسنا بثبات جأشها وقوة جنانها وإخلاصها لوطنها فأطلق ~~سراحها ، وقال هذا المؤرخ في موضع آخر إن أحد شبان الرومانيين واسمه (موسيوس شفولا) تمكن ~~من الوصول إلى سرادق (بورسنا) أثناء حصار مدينة رومة قاصدا قتله، فقتل أحد كتابه خطأ ~~ظنا منه أنه هو الملك، ولما ضبط قال للملك بكل ثبات: «إني عالم بما سيحل بي من ~~العذاب والقتل، لكن يوجد بالمدينة ثلاثمائة من الشبان متحالفون على قتلك.» ثم وضع يده ~~اليمنى في النار حتى احترقت قائلا لها: «هذا جزاؤك على خطائك عدو أمتي ووطني.» وذكر ~~حوادث أخرى غير هذه تناقلها المؤرخون إظهارا لما وصل إليه حب الوطن، والتهالك في ~~الدفاع عنه عند هذه الأمة الحية. # ولبث (بورسنا) برومة إلى أن ساقه طمعه لمحاربة اللاتينيين فانهزم أمامهم شر هزيمة، ~~ولم يعد له جلد على البقاء في رومة لهياج الأهالي، وتحققه من عدم قدرته على قمعهم لو ~~هموا مطالبين باستقلالهم فأجلى عنها بسلام. # لكن لم ترق هذه الحال في أعين تركان، بل كانت فيها قذى وفي فمه شجى، فأهاج قبائل ~~السابيين على رومة معللا النفس بالعودة إلى سابق مجده وتليد سلطانه، فطوح الطيش ~~بالسابيين، وهاجموا رومة لا لإرجاع تركان كما يظن كل جاهل يغتر بمساعدة الأجانب ~~وإخلاصهم وصفاء سريرتهم، بل طمعا في انتهاز هذا الشقاق لامتلاكها فخذلوا وعادوا بخسران ~~مبين سنة 496ق.م. # وكانت هذه الموقعة هي الحاسمة إذ قتل فيها كثير من رؤساء الفريقين في مبارزات خصوصية ~~كما كان الحال في حروب الجاهلية عند العرب، وقتل آخر أولاد تركان وجرح هو أيضا جرحا ~~بليغا كان سبب وفاته، وبذلك ارتاحت مدينة رومة ورسخت الجمهورية فيها أي رسوخ استمرت ~~بعده إلى سنه 28ق.م حين اغتصب أغسطس قيصر الحكومة لنفسه وأسس الإمبراطورية الرومانية؛ ~~أي إن الحكومة الجمهورية مكثت برومة مدة 482 سنة امتد سلطانها في خلالها على جميع ~~الأجزاء المعلومة من المسكونة في ذلك الزمان. # ولقد ينسب الرومانيون انتصارهم هذا على أعدائهم إلى تداخل الآلهة كما كان شأنهم في ~~جميع الحوادث المهمة للتأثير على ms17 عقول الأهالي، فقد ذكر في كتبهم أنهم نظروا شابين ~~جميلي الصورة مرتفعي القامة راكبين على جوادين شاهقين في البياض يحاربان في مقدمة ~~الجنود، وكانا أول من اجتاز حصون الأعداء غير مبالين بالشهب والنبال الموجهة إليهم ~~كالمطر فتبعهما الرومانيون، وتم لهم النصر بسبب شجاعتهما، ولما بحث عنهما لتسليمهما ~~المكافآت التي كانت مقررة لمن يجتاز حصون الأعداء لم يوقف لهما على أثر، ثم ادعى بعضهم ~~أنهم نظروهما يغسلان أسلحتهما وملابسهما من التراب والدم في إحدى أفنية المدينة، وقال ~~الكهنة إنهما ولدا المشترى أكبر آلهتهم واسمهما «كستور» و«بولوكس»، ومن ذلك العهد أقيم ~~لهما معبد في الفورم وخصص لهما يوم يحتفل فيه بتذكار مساعدتهم للرومانيين في كل سنة، ~~واتخذهما الشفالية الرومانيون حماة لطائفتهم. # | هوامش # | نظامات الرومانيين الأولى # وحيث وصلنا إلى تأسيس الجمهورية وشرحنا الحوادث التي أدت إلى سقوط الملوكية بالتفصيل ~~مع ذكر خرافات القوم وأوهامهم، رأيت قبل الشروع في بيان تاريخ الجمهورية أن آتي على شرح ~~وجيز لترتيباتهم الداخلية ونظاماتهم العمومية مع ذكر بعض عوائدهم المنزلية والعائلية؛ ~~ليكون القارئ على بينة من جميع أمورهم، وليقف وقوفا تاما على كافة أحوالهم، وإليك - ~~أيها القارئ - بيان ذلك: # إن أول نظام وضعه رومولوس لأهالي رومة هو أن قسمهم ثلاث فرق أو قبائل: الأولى مؤلفة ~~من رفاقه الأصليين الذين ساعدوه على تأسيس المدينة، والثانية من رجال تيتوس ملك ~~السابيين الذي عاهد رومولوس بعد القتال الذي وقع بينهما عقب اختطاف بنات السابيين وسبق ~~ذكره في موضعه، والثالثة قيل إنها مؤلفة من رجال أحد أمراء الأتروسك واسمه (لوكومون) ~~أتى إلى رومة لمساعدة رومولوس على بناء المدينة، لكن عدم تمتع رجال هذا القسم ببعض ~~امتيازات القسمين الأولين، وعدم وجود نواب عنهم في مجلس السناتو الذي سيأتي الكلام ~~عليه؛ حمل بعض المؤرخين على الظن بأنه كان مكونا من سكان رومة الأصليين الذين أتى ~~رومولوس في أول الأمر وأقام بين ظهرانيهم عنوة، وهذا الرأي هو الأقرب للصواب، وبقي هذا ~~القسم في هذه الدرجة المنحطة إلى عهد تركان فمنحه المساواة مع القسمين الآخرين في ms18 جميع ~~الحقوق والواجبات، وكان لكل قسم أو قبيلة رئيس يلقب (تريبون )، وكل قسم ينقسم إلى عشرة ~~أقسام مؤلف كل منها من مائة نفس، ويسمى القسم المائيني ورئيسه يلقب (سانتوريون)؛ أي ~~رئيس المائة، وكل قسم مائيني ينقسم إلى عشرة أقسام مؤلف كل منها من عشرة أنفس ويسمى ~~القسم العشري ويلقب رئيسه (ديكوريون)؛ أي رئيس العشرة. # ومن جهة أخري كان يوجد بكل قسم من الأقسام الثلاثة الأصلية أقسام ثانية تسمى (جنتس)؛ ~~أي عشائر أو أجناس كانت كل واحدة منها مؤلفة من أعضاء العائلة التي تربطهم روابط النسب ~~والمصاهرة وممن ارتبط معها بروابط أخرى اجتماعية مثل رابطة التوارث لو مات رئيس العائلة ~~عن غير وارث ولم يترك وصية، ويمكنا أن نسمي أعضاء هذا الفريق الثاني بالأتباع، فأعضاء ~~العائلة المرتبطون معها برابطة النسب كانوا هم المتمتعين بجميع الحقوق المدنية ~~والسياسية، ومنهم تكون طبقة الأشراف أو الأسياد دون أعضاء الفريق الثاني (الأتباع) ~~الذين كانوا يفضلون الالتصاق بإحدى هذه العائلات بالتبعية ليأمنوا شر حوادث الزمان، ~~وليكونوا في راحة بال ورغد من العيش متنازلين عن حقوقهم المدنية في نظير هذه الحماية، ~~فكان السيد أو المتبوع يعطي لكل تابع من أتباعه قطعة من الأرض ليتعيش منها ويساعده فيما ~~يكون له أو عليه من القضايا، وبعبارة وجيزة يعامله كما لو كان ولده، أما التابع فكان ~~يجب عليه أن يتسمى باسم العائلة التابع لها ويساعد متبوعه على دفع الفدية لو أخذ ~~أسيرا في الحرب، وفي دفع ما يحكم به عليه من الغرامات وفي أمهار بناته، وبالاختصار في ~~جميع شؤونه ومصارفه العمومية والخصوصية، ولا يجوز له أن يساعد أو يعاون أحدا ضد متبوعه ~~السياسي، ولا يجوز للتابع أو المتبوع أن يشهدا ضد بعضهما أمام المحاكم أو يرفعا قضايا ~~على بعضهما إلى غير ذلك من الحقوق والواجبات المفصلة في كتب القوم وأسفارهم، ولما ~~امتدت فتوحات الرومانيين في عهد الجمهورية كما سيجيء امتد ظل هذه التابعية إلى أمم ~~بأجمعها ومدن بجميع سكانها، وساعدت هذه الطريقة على استعار نيران الحروب الداخلية؛ إذ ~~كان كل ms19 سيد يدعي الرئاسة لنفسه ويستعين بمتبوعيه الذين لا يجدون مفرا من ~~مساعدته. # وكان الأشراف يجتمعون بهيئة جمعية عمومية (كومسيو) للنظر في الشؤون المهمة وتقريرها ~~بأغلبية الآراء، وذلك كوضع الشرائع وتقنين القوانين وإشهار الحرب وإبرام الصلح والتعيين ~~في الوظايف العمومية الرئيسية مدنية كانت أو دينية، أما الأشغال العادية فكانت تنظر ~~في مجلس (السناتو)، وهذا المجلس كان بمثابة جمعية استشارية لرئيس الحكومة الأعلى وهو ~~الملك، وكان يؤلف السناتو أولا من رؤساء العائلات السياسية فقط، ثم تغيرت كيفية ~~تشكيله فيما بعد كما سيذكر في موضعه، وكان عدد أعضائه أولا مائة شخص ثم وصل مايتين بعد ~~انضمام السابيين إلى الرومانيين، وأخيرا ثلاثمائة في عهد تركان، وبالاختصار كانت ~~الحكومة مشكلة بالكيفية الآتية: # أولا: # الملك وهو الرئيس الأعلى، وكان يجمع في شخصه أكبر وظيفة دينية؛ إذ ~~كان يعتبر بمثابة رئيس ديني كإمبراطور الروسيا وملكة الإنكليز الآن، ~~وأكبر وظيفة في الجيش حيث كان قائده العام، وأعلى وظيفة قضائية. # ثانيا: # السناتو للنظر في الأمور العادية والفصل فيها. # ثالثا: # الجمعية العمومية المؤلفة من جميع الأشراف (كوميسيوم) للنظر في ~~المسائل المهمة التي لها تأثير شديد على نظام الحكومة. # وكان الملك يجلس كل تسعة أيام للحكم فيما يرفع إليه من القضايا، لكن لم يكن حكمه ~~نهائيا بل كان قابلا للاستئناف أمام الجمعية العمومية، ولما كانت لا تسمح له ~~أشغاله بنظر القضايا بنفسه كان يعين قاضيين يصدران الأحكام باسمه، وفي حالة الحرب تكون ~~سلطة الملك مطلقة إطلاقا كليا خارج أسوار المدينة فقط، وهو الذي كان يعين أعضاء ~~السناتو ويدعوهم للاجتماع في الأوقات المعينة كما يدعو الجمعية العمومية لعقد ~~اجتماعاتها، وكان له حرس خصوصي مؤلف من ثلاثمائة فارس (شواليه) ينتخبون من أكثر ~~الأهالي ثروة وأعزهم جاها، وكانوا هم القوة الراكبة؛ أي السواري أثناء الحرب، وكان ~~ينتدب في غيابه أحد أعضاء السناتو للقيام بمهام وظيفته، وأخيرا كانت الأمور المالية ~~وجباية الأموال منوطة بموظفين مخصوصين من اختصاصاتهم الحكم في مسائل التعدي على الأنفس ~~أو الأموال، فيرى القارئ من هذا الترتيب أن هذه الأمة بلغت مع ms20 حداثتها شأوا عظيما من ~~حسن الانتظام وتمام الترتيب، وكانت حكومتها جمهورية تقريبا حيث لم يكن للملك فيها سلطة ~~استبدادية، بل كان الملك كملوك أوروبا المقيدين الآن بنظامات عمومية كملك إيطاليا وملكة ~~الإنكليز وغيرهما، ولولا تجاوز تركان الشامخ حدوده، وعدم احترامه للدستور، ونبذه أرآء ~~السناتو ظهريا؛ لما سقطت الحكومة الملكية واستبدلت بالحكومة الجمهورية البحتة. # ثم تأتي طبقة العوام المؤلفة من الأمم التي أخضعها الرومانيون وألزموهم بالإقامة حول ~~المدينة والأخلاط الذين أتوا إليها للاحتماء بها، وهذه الطبقة كانت مجردة من جميع ~~الحقوق المدنية والسياسية؛ كالانتخاب والتبني والوصية بعد الموت وغير ذلك من الحقوق ~~التي كانت مخولة للرومانيين، وكان لا يجوز لهؤلاء العوام الدخول في العائلات الشريفة أو ~~الارتباط معها بالمصاهرة إلا أنهم كانوا من جهة أخرى أحرارا في تصرفاتهم لا يخضعون ~~لأحكام السناتو أو الجمعية العمومية، بل كانوا تابعين للملك رأسا وينتخبون قضاة من ~~بينهم للفصل في قضاياهم الخصوصية، وكانت أهم أشغالهم الزراعة والتجارة لعدم اشتغالهم ~~بالأمور السياسية وتفرغهم لأعمالهم الخصوصية، واستمرت هذه الطبقة من الأهالي في هذه ~~الحالة من العزلة والانحطاط السياسي حتى خولت لها جميع الحقوق الرومانية في عهد الملك ~~(سرفيوس)، وصاروا كباقي الرومانيين لهم ما لهم وعليهم ما عليهم. # وقد فعل ذلك لما آنس الكراهية والبغضاء من الأشراف، فأراد إضعاف سطوتهم وتقليل ~~نفوذهم، فجمع أهالي هذه الطبقات السفلى النازلة خارج المدينة وأنزلهم على مرتفع ~~(أفانتان) داخل أسوارها ومنحهم الحقوق والامتيازات، ثم أبطل تقسيم الأهالي إلى طبقات ~~تبعا للحسب والشرف، وقسمهم تقسيما جديدا جعل أساسه الثروة والغنى، وللوصول إلى ذلك ~~أحصى تعداد الأهالي من أشراف وغيرهم وثروة كل فرد منهم بأن يأتي كل منهم إلى الموظف ~~المنوط بذلك، ويقسم إنه يقول الحق، ثم يملي اسمه واسم عائلته وسنه ومقدار ثروته مع ما ~~تساويه عقاراته، وكان جزاء من يرتكب غشا أو تدليسا حرمانه من حريته أو مصادرته في ~~الأموال أو قتله حسب الأحوال، وقرر عمل مثل هذا الإحصاء كل خمس سنوات. # ولما تم الإحصاء وعلمت درجة كل إنسان من الغنى أو ms21 الفقر، قسم الأهالي إلى ست طبقات ~~غير متساوية، وخصت الطبقات العليا منها بأوفر قسم من الضرائب بحيث كانت نسبة الضرائب ~~إلى الثروة تزداد من طبقة إلى أعلى منها (وهذه الطريقة هي التي تسمى الآن في علم ~~الاقتصاد السياسي بالضريبة التدريجية، بمعنى أن من يكون إيراده ألف قرش مثلا يدفع ~~واحدا في المائة ومن بلغ إيراده عشرة آلاف قرش يدفع اثنين في المائة وهلم جرا ~~بكيفية منتظمة)، وبهذا الترتيب الذي يدل على توقد ذهن واضعه اختلط الأشراف الأصليون بمن ~~دخل حديثا في الجنسية الرومانية، وتفرقت كلمة الأشراف وضعفت شوكتهم خصوصا وقد حمل ~~سرفيوس الطبقات العليا أكثر مصاريف الحروب وخصهم بأخطر مواقع القتال. # ولما كان هذا التقسيم الجديد مبنيا على الثروة، وكانت الثروة من طبيعتها قابلة ~~للنمو والاضمحلال تبعا لاجتهاد وخمول مالكها؛ كان من الممكن لكل إنسان الانتقال من ~~طبقة إلى أرقى بجده واجتهاده كما هو حاصل في هذا العصر ببلاد الإنكليز حيث يعطى لقب ~~لورد لكل من امتاز في فن أو علم أو خدم وطنه خدما جليلة أو أثرى في التجارة أو غيرها، ~~فتتجدد طبقة الأشراف في إنكلترا بدخول عناصر جديدة فيها تعيد إليها ما تفقده من القوة ~~الحيوية بتلاشي وانحلال بعض العائلات القديمة. # ومما يذكر لهذا الملك العادل من الأعمال التي تخلد له حسن الذكر وطيب الأحدوثة مدى ~~الدهر، أن أبطل العادة القديمة التي كانت تجعل المدين المعسر رقيق دائنه حتى يوفيه ما ~~عليه، وجعل حق الدائن على مال المدين ليس إلا كما هو الحال الآن في جميع شرائع الأمم ~~المتمدنة، لكن لسوء حظ الرومانيين أبطل تركان الشامخ هذا القانون وأعاد الطريقة القديمة ~~مع ما فيها من مخالفة العقل والعدل والذوق السليم، ولم يتحصل الرومانيون على إبطالها ~~ثانيا إلا بعد جهاد ونضال استمر نحو مايتي سنة، وبالاختصار كانت أيامه أيام سعد ~~ورفاهية وعدل وإنصاف بما وضعه من القوانين العادلة وسنه من الشرائع التي تشهد له بعلو ~~الإدراك وكرم الأخلاق، ثم لما أتى بعده تركان الشامخ هدم ما أسس وأفسد ما ms22 أصلح وسلب ~~طبقة العوام جميع ما منحها سرفيوس من الحقوق والمزايا التي جعلتهم كجميع الرومانيين ~~أعضاء جسم واحد لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، وأبطل كيفية تقسيم الأهالي إلى طبقات بنسبة ~~ثروتهم، وأعاد النظام القديم القاضي بتقسيمهم إلى أشراف وعوام، فكان كالساعي إلى حتفه ~~بظلفه إذ بغضه العموم وانتهى الأمر بإبطال الحكومة الملوكية وتأسيس الجمهورية، لكن لم ~~يتحصل العوام ثانيا على جميع ما سلبوه من الحقوق إلا في عدة من السنين، وبعد حروب ~~داخلية جرت فيها الدماء كالسيول؛ فأخر تقدم رومة نحو جيلين بعمله الاستبدادي وإعادة ~~النظامات القديمة مع عدم ملاءمتها للوقت. # أما ديانة الرومانيين فكانت الوثنية يشوبها شيء من الصابئية، ولما كثر اختلاطهم ~~باليونانيين (الإغريق) اقتبسوا كثيرا من عوائدهم الدينية واتخذوا معبوداتهم آلهة لهم، ~~فأقاموا الهياكل والمعابد للمريخ والمشترى والزهراء وغيرها من النجوم الثوابت ~~والسيارة، وكانوا يؤلهون القوى الطبيعية كالبحر وأمواجه وجبال النار والهواء، وكذلك ~~العواطف النفسانية كالحكمة والشرف وحب الوطن والحلم والغضب وهلم جرا، ويقيمون ~~التماثيل والأنصاب رمزا لها فيعبدها العوام بصفة آلهة حقيقية والعياذ بالله. # ولم يكن لهم قسوس لإقامة الصلاة وتقديم القرابين لمعبوداتهم، بل كان كل رئيس عائلة ~~يقوم بهذه الوظائف بين أفراد عائلته، وكان رئيس الحكومة هو الكاهن الأكبر، ثم وجدت بعض ~~طوائف دينية خصصت لأعمال معلومة؛ مثل المنجمين وكهنة المعبود المريخ وغيرهم مما لا يسمح ~~لنا حجم الكتاب بتفصيله تفصيلا كافيا. # وكان للرومانيين اعتقاد أكيد وتمسك شديد بالطوالع الفلكية والتفاؤل بأقل الأمور ~~والتشاؤم من أصغرها، فكانوا لا يقومون بأي عمل خصوصي أو عمومي إلا بعد أن يستطلعوا ~~اتجاه الريح وطير الطيور وتغريدها، أو حالة ما يقدمونه من القرابين عند ذبحها من سكون ~~أو اضطراب أو بعد موتها من تشنجات وحركات وحالة الأمعاء ولونها ووضعها، وكان الرجل لا ~~يخرج من بيته إذا عثرت قدمه أو صادفه طير عن يساره إلى غير ذلك من الأمور التي تضحك ~~الصبيان، ولا تزال مع ذلك متأصلة في نفوس جميع الشعوب حتى التي انتشر التعليم بين ~~أفرادها، ولن تزال كذلك ms23 لميل النفس لتصديقها وانتقال الاعتقاد فيها بالوراثة حتى تتلاشى ~~شيئا فشيئا بتعميم التعليم، وزوال آثارها المنطبعة في المخيلة تدريجا. # وأما عوائدهم المنزلية فكان أساسها التقشف وعدم الترف والبذخ وترك الكماليات ~~والاكتفاء بالحاجيات الضرورية، وكانت معاملة رب المنزل لخادميه كمعاملته لأولاده إذ كان ~~يساعدهم في جميع الأعمال، فكان يحرث بيده مهما كانت ثروته العقارية، وكانت ربة البيت ~~تصرف وقتها في تدبير شؤون منزلها ومساعدة جواريها على القيام بكافة ما يستلزمه، وتصرف ~~أوقات الفراغ معهن في الغزل والحياكة، لكن كانت حالة المرأة في أيامهم أحط بكثير من ~~حالتها الآن في جميع الجهات، فكان لا يجوز لها التصرف في أملاكها مطلقا ولو بلغت من ~~العمر عتيا، بل كانت طول حياتها في حالة الحجر تحت وصاية أبيها ثم زوجها ثم أكبر ~~أبنائها فأخيها فابن أخيها ... إلخ على حسب ترتيب معلوم، وكان لرب العائلة الحق المطلق في ~~مجازاة أولاده وامرأته بجميع العقوبات البدنية حتى القتل بدون أن يسأل عن سببه؛ إذ كان ~~الكل لديه كالأنعام أو أقل قدرا، ولا يصير الولد حرا مهما بلغ من العمر أو ترقى في ~~مناصب الحكومة ما دام والده موجودا، فكان للوالد أن يقتل ولده ولو كان عضوا في مجلس ~~الشيوخ أو قائدا عاما للجيوش كما حصل في فتنة (كتلينا) حيث قتل والد ابنه وكان عضوا ~~في المجلس المذكور بدون محاكمة، بل بمجرد ما له عليه من الحقوق، ومن غريب عوائدهم أن ~~المدين المعسر يكون رقيقا لدائنه كما ذكرنا، ولو كان الدائنون عديدين جاز لهم بيعه ~~واقتسام ثمنه أو قتله وتقسيم جثته. # ثم تركت هذه العوائد البربرية شيئا فشيئا، وارتقت الأخلاق العمومية تبعا لارتقاء ~~التمدن والعمارية مما هو مسطور ومذكور في المطولات خصوصا في كتب القانون الروماني، ~~فليرجع إليها من يريد التوسع في هذا الموضوع. # | الجمهورية في عهد القناصل الأشراف # من سنة 510ق.م إلى سنة 471ق.م # قد ذكرنا فيما مر أسباب سقوط الحكومة الملوكية، وما أتاه تركان الشامخ من الفظائع ~~الوحشية التي أبعدت عنه قلوب الأهالي وكانت سببا لطرده وعائلته ms24 من المدينة، ثم شرحنا ~~ما أتاه من الاستنجاد بالأجانب ضد رومة لإخضاعها وإعادته إلى مقر عرشه، وكيف استولى ~~(بورسنا) على المدينة ولبث بها مدة، ونحن ذاكرون الآن الاحتياطات التي اتخذها مجلس ~~الشيوخ عند تأسيس الحكومة الجمهورية لمنع عودة السلطة الاستبدادية ثانيا، وبقاء النفوذ ~~في أيديهم، وعدم تطرق أيدي طبقة العوام إليها أو طموح أنظارهم للحصول عليها، فقرروا أن ~~ينتخب لرئاسة الحكومة اثنان من بينهم لمدة سنة واحدة، ويكون لهما ما كان للملك من ~~الحقوق والوظائف إلا حق الحكم بالإعدام فيحرمون منه ما داموا داخل أسوار المدينة أو ~~خارجا عنها بمسافة ميل واحد ويعود لهم بعد هذه المسافة، وتقرر رمزا لذلك أن لا توضع ~~البلط ضمن العمد التي تحمل أمامهم إلا بعد ابتعادهم عن المدينة بزيادة عن ميل، وأن تكون ~~السلطة لكل منهما مدة شهر بالمناوبة، وأن من يطمح لاختلاس السلطة المطلقة بدون حق أو ~~يسعى في إعادة الملوكية يكون جزاؤه القتل لا محالة، وأن تخفض العمد التي تحمل أمام ~~القناصل عند حضورهم أمام الجمعية العمومية احتراما لها واعترافا بأن سلطتها فوق ~~سلطتهما. # ولزيادة ارتباط الأهالي بالجمهورية واستمالتهم إليها أضيف إلى السناتو مائة عضو ~~انتخبوا من جماعة (الشفاليه) وانتخب مكانهم مائة من أغنياء طبقة العوام، ثم وزعت أملاك ~~العائلة الملوكية على الفقراء من بينهم، وأبطلت الرسوم الجمركية على الحدود لتخفض أسعار ~~الواردات الخارجية وأنزل ثمن الملح كثيرا، وبذلك رسخت قدم الحكومة الجمهورية واتحد ~~الرومانيون على الدفاع عنها، وصاروا جميعا - على اختلاف طبقاتهم - يدا واحدة لصد ~~هجمات الأعداء حتى وطدوا دعائمها، وصار لا يخشى عليها من دسائس المفسدين ومكر ~~الماكرين. # لكن من جهة أخرى أهملت الزراعة بسبب الحروب المتواصلة، وكثرت ديون الفقراء بتراكم ~~الفوائد الفادحة حتى عجزوا عن الدفع، ووقع كثيرون منهم في حالة الرق بمقتضى القانون؛ ~~فتآمر المديونون المعسرون وطلبوا من الحكومة وضع حد للفوائد الزائدة، وإلزام الدائنين ~~بترك بعض ديونهم التي أغلبها فوائد متكاثفة فلم تصغ الحكومة لشكواهم ولم تسع في ~~تخفيف بلواهم؛ لأنه كان لأغلب القابضين على أزمة الأحكام ms25 ديون على الأهالي، ولو ~~لبوا نداءهم لخسروا مبالغ وافرة، ولازدياد الفقر وتفاقم الخطب امتنع الأهالي عن الخروج ~~لمحاربة اللاتين حين أتوا لنجدة تركان في سنة 496ق.م، وأبوا القتال ما لم يجب طلبهم؛ ~~فقررت الحكومة انتخاب حاكم مطلق موقتا (دكتاتور) لمدة ستة شهور يتصرف في الأحكام حسب ~~ما تقتضيه الأحوال حتى بالقتل # 1 # وكلفته بإكراه الأهالي على الخروج للقتال، فخرجوا اضطرارا لا اختيارا ~~وهزموا الأعداء وصدوهم عن المدينة، واستعفى الحاكم المطلق، ورجعت الأحكام إلى ما كانت ~~عليه، وازداد الدائنون قسوة وخشونة في معاملة مديونيهم خصوصا سنة 495ق.م في عهد قنصلية ~~(كلوديوس أبيوس) أحد المثرين المرابين حتى ~~اشتد الكرب على الأهالي، وطلبوا ثانيا تسوية ديونهم، وعززوا طلبهم بالامتناع عن محاربة ~~الفولسك حين تعدوا حدود رومة في هذه السنة وغزوا بعض أحيائها، فوعدهم القنصل الثاني ~~سرفليوس بالنظر في طلبهم بعد انتهاء الحرب، وأمر بالكف عن المطالبة مدة الحرب وإخلاء ~~سبيل المسجونين بسبب ديونهم موقتا حتى تضع الحرب أوزارها، لكن لم يصدق السناتو بعد ~~انتهاء الحرب على هذه الوعود، بل ساعد المثرين على الفقراء في تحصيل ديونهم، فامتنعت ~~الجنود عن الحرب مرة ثالثة، ولم يخرجوا إلا بعد أن وعدهم القنصل (منيوس فالريوس) الذي ~~كان من إحدى العائلات الوضيعة وتثق الأهالي به وثوقا تاما بتنفيذ جميع مطالبهم، وعزز ~~وعده بالأيمان المغلظة، إلا أن السناتو لم يؤيد هذه الوعود لوجود الأغلبية فيه بين ~~أيدي أصحاب الديون فاستعفى فالريوس وأهاج الشعب لنوال حقوقه بالثورة حيث إن جميع الطرق ~~السلمية لم تصادف إلا وعودا عرقوبية مبنية على أطماع أشعبية، فثار الأهالي في ~~سنة 493ق.م واجتمع بعضهم على الجبل المقدس خارج المدينة والبعض على جبل أفانتان داخلها، ~~فأرسل إليهم السناتو وفدا لينصحهم بالخلود إلى الراحة والسكينة مؤكدا لهم ترك ديون ~~المعسرين وإطلاق سبيل جميع المستعبدين بسبب عدم دفع ديونهم، وكان من ضمن الوفد رجل ~~مشهور بالفصاحة يدعى (مننيوس أجربا) فخطب فيهم وحثهم على الائتلاف ونبذ الثورة، ~~وضرب لهم مثلا «أن أعضاء الإنسان تآمرت ذات يوم على ترك العمل وعدم ms26 تغذية المعدة قولا ~~إنه ليس من العدل أن تشتغل جميع الأعضاء لمنفعة عضو واحد، فلما منع الغذاء عن المعدة ~~ضعفت وامتد الضعف إلى الأعضاء المتآمرة، وعاد اعتصابها عليها بالضرر أكثر من المعدة ~~نفسها». # لكن لم تؤثر هذه الوعود ولا هاتيك المواعظ في المتآمرين لعدم الوفاء في الماضي، بل ~~طلبوا ضمانة على تنفيذها أن ينتخبوا نوابا للدفاع عنهم، وأن لا تنفذ الأحكام ضد من ~~يتضح عدم اقتداره على الدفع، فقبل السناتو هذا الطلب مكرها بعد تعديله بأن يكون حق ~~الانتخاب للجيش فقط لتأثير الأشراف عليه وقلة عدده بالنسبة لمجموع الأهالي، فانتخب ~~الجيش نائبين عن الأهالي أعطى لهما لقب (تريبان) ثم زيد عددهم إلى خمسة في ~~سنة 393. # وكان لانتخابهم نتائج عظمى بالنسبة للأهالي أهمها استقلالهم عن القنصلين مما يقضي ~~بإضعاف سلطتهما بقدر ما يعطى منها للتريبان، ومساعدتهم الأهالي على عدم تنفيذ أحكام ~~القناصل المجحفة بحقوق الفقراء والمعسرين، وجعلت سلطتهم داخل مدينة رومة فقط وعلى مسافة ~~ميل واحد خارجا عنها، وفي سنة 486 انتخب سبوريوس كاسيوس قنصلا، وكان سبق انتخابه ~~مرتين لهذا المنصب السامي وذلك لميله لمساعدة الأهالي ضد الأشراف المرابين، ولما كان جل ~~سعيه تخفيف أثقال الفقراء عرض على مجلس السناتو تقسيم أراضي الحكومة بينهم والتشديد على ~~الأغنياء في دفع الضرائب ودفع راتب معين للجنود مقابل ما يلزمهم من المؤن والأسلحة، وقد ~~كان كل جندي ملزما بالصرف على نفسه بدون تكبد الحكومة صرف أي شيء عليه، فلم يسع ~~السناتو إلا التصديق على هذا المشروع الزراعي مع ما فيه من الإضرار بالأغنياء القابضين ~~على أزمة الأحكام لمجاهرة الشعب باستحسانه وإظهار الرغبة الشديدة في تنفيذه، فصادق ~~المجلس عليه مصرا على عدم تنفيذه والإيقاع بواضعه، فأشاعوا أن كاسيوس لم يراع صالح ~~وطنه في معاهدة كان أبرمها في قنصليته الأولى مع قبائل اللاتين ووافقت عليها قبائل ~~(الهرنيك)، وأنه فضل صوالح الأجانب بغية الاستعانة بهم على إذلال رومة وإسقاط ~~الجمهورية وإعادة السلطة الملوكية فيها لنفسه، وأنه يسعى الآن في إيقاع الشحناء بين ~~الأغنياء والفقراء من الأهالي للتفريق ms27 بينهم والتمكن من تنفيذ مقصده الحقيقي وهو ~~الاستئثار بالحكم والاستبداد بالملك. # ولما كان الشعب الروماني شديد الغيرة على استقلاله والمحافظة على حريته صدق هذه ~~الوشايات ومال عنه، فانتهز السناتو هذه الفرصة المناسبة واتهمه بالسعي في إعادة ~~الحكومة الملوكية؛ فحكم عليه بالإعدام، وقتل في أواخر سنة 486 شهيد مساعي من يفضل ~~الصالح الخاص على الصالح العام، ولم يراع حرمة لمصلح، ولم يخفر ذمة لخادم صديق ~~لوطنه. # وبعد موت كاسيوس ماطل السناتو في تنفيذ مشروعه الذي ضحى حياته للحصول على التصديق ~~عليه، وساعدته على ذلك عائلة فابيوس الشهيرة بمعاداة الأهالي ومساعدة الأشراف على ~~أطماعهم، وبقيت وظيفة القنصلية في عائلتهم سبع سنين متوالية من سنة 484 لغاية سنة 478 ~~لم يسمع في أثنائها نداء الأهالي ولا نوابهم (التريبان) الذين بعد أن أعيتهم الحيل في ~~الحصول على تنفيذه بالطرق السلمية؛ عمدوا إلى استعمال الحق الممنوح لهم من إيقاف تنفيذ ~~أوامر القناصل لو رأوا أنها مخالفة لصالح منتخبيهم، وعارضوا فعلا في تنفيذ قانون ~~الخدمة العسكرية وأمروا الأهالي بالامتناع عن الدخول فيها حتى يعمل بمشروع كاسيوس وتوزع ~~عليهم الأراضي التي تقرر إعطاؤها لهم، ولما كانت سلطتهم القانونية قاصرة على مدينة رومة ~~وضواحيها على مسافة ميل واحد فقط، نقل القنصلان مركز أعمالهم على مسافة تزيد عن الميل، ~~وأمروا بجمع أنفار الجندية بالقوة وحرق مزروعات من يمتنع منهم امتثالا لأوامر نواب ~~الأهالي، فكثرت الشكوى وعلا التذمر، وخيف حصول فتنة عمومية تكون عاقبتها وبالا على ~~الجميع؛ ولذلك استمال السناتو بعض النواب وهم أقنعوا المعارضين بضرورة المسالمة وعدم ~~المعارضة منعا للثورة، فسحبوا أمر الامتناع ونصحوا الأهالي بالدخول في الجندية ~~فامتثلوا إلا أنهم أرادوا الانتقام من عائلة فابيوس التي كانت معضدة لهذه الاضطهادات، ~~فامتنعوا عن القتال في واقعة كان قائدها أحد أعضاء هذه العائلة واسمه (سيزوفابيوس) حتى ~~لا يتم النصر، ولا يكون له حق في الاحتفال الذي يعمل للقناصل المنتصرين عند عودتهم إلى ~~المدينة. # فلما رأت عائلة فابيوس أن الأهالي ناقمين عليها لمساعدتها السناتو وأعضاءه، وأن ~~السناتو ابتدأ يقلب لها ظهر ms28 المجن لتخوفه من نمو نفوذها بين الأشراف، وبقاء ~~الزعامة فيها من مدة. # ولاعتقاد أعضائها بأن الفوز لا بد وأن يكون في آخر الأمر للشعب على الأشراف مالت ~~بكلياتها عن السناتو، وصارت من أكبر مساعدي الشعب على تنفيذ القانون الزراعي، فكانت ~~نتيجة ذلك أن الأهالي ساعدوا القنصل فابيوس في سنة 479 على محاربة قبائل الأتروسك، ~~فغلبهم ومحا ما كان لحق بعائلته من العار بسبب انخذال (سيزوفابيوس) أمام ~~الأعداء. # ولما عاد الجيش منصورا إلى المدينة دخلها في موكب حافل حسب العادة، وقبل فابيوس ~~جرحى الفقراء في داره، فزاد تعلقهم به وبعائلته لدرجة أقلقت السناتو وأعضاءه على ~~امتيازاتهم واستقلالهم، وزاد خوفهم وقلقهم لما طلب (سيزو) السالف الذكر تنفيذ القانون ~~الزراعي الذي تقرر من سنة 484 ولم يعمل به؛ ولذلك تآمر الأشراف على إخراج هذه العائلة ~~من رومة بدعوى أنها تسعى لإعادة الملك وأرهبوا الأهالي بهذا الخيال الوهمي فلم يبدوا ~~أي حركة ظاهرة للدفاع عنها كما كان ينتظر، فخرجت مع أتباعها وعددهم نحو الأربعة آلاف ~~ونزلت على ضفة نهر كراميرا الذي يصب في نهر التبر لصد هجمات الأتروسك عن مدينة رومة؛ إذ ~~حافظت هذه العائلة على ولائها ولو لم تجد منها إلا الجحود والكفران لأن حب الوطن يجب أن ~~لا تزعزعه الحوادث أو تؤثر فيه الكوارث، بل يبقى هذا الإحساس حيا إلى آخر رمق من ~~الحياة. # وفي سنة 477 انقرضت هذه العائلة تقريبا في إحدى حروبها المتعددة مع القبائل بسبب عدم ~~تحرك القنصل مننيوس لنجدتها، ومد يد المساعدة إليها مع وجوده معسكرا بجيشه بالقرب من ~~محل القتال؛ ولذلك ثار عليه الأهالي واتهموه بالخيانة وطلبوا محاكمته بصفة خائن للوطن، ~~فلم ينتظر المحاكمة بل امتنع عن الأكل حتى مات جوعا هربا من العقاب الصارم الذي ~~استحقه بترك الأعداء يتغلبون على إخوانه الرومانيين؛ تشفيا لضغائن شخصية يجب أن تضحى ~~على هيكل الوطنية. # واعتبر اتهام الشعب لهذا القنصل سابقة ينسج على منوالها لاتهام كل من يشتهر من ~~القناصل بعدم مساعدته على تغيير القانون الزراعي عند انقضاء مدة انتخابه، ms29 ففي سنة 475 ~~اتهموا القنصل سرفليوس لعدم انتصاره في موقعة حربية ولم يحكم عليه بشيء، وفي سنة 473 ~~اتهموا مانليوس وفوريوس لمعارضتهم في تغيير القانون الزراعي، وتولى اتهامهما النائب ~~(تريبان) جنوسيوس لاشتهاره بقوة الحجة وفصاحة اللسان، وأقسم أمام الشعب بأنه لا بد من ~~الحصول على معاقبة هذين القنصلين حتى يلزم من يأتي بعدهما بتنفيذ هذا القانون، لكنه ~~وجد قتيلا في فراشه يوم المحاكمة بدسيسة الأشراف حتى لا يحاكم القنصلان المتهمان، ~~ويقال إنه قتل في هذه الليلة كثير من فصحاء الشعب المطالبين بحقوقه المسلوبة، فوقع ~~الرعب في قلوب الأهالي وأراد السناتو انتهاز هذه الفرصة الثمينة لتثبيت سلطته وتقريرها، ~~فأمر بجمع الشعب في الفورم لانتخاب من يليق منهم للخدمة العسكرية، وكاد يتم الأمر بسكون ~~لعدم معارضة أحد من الأهالي أو نوابهم لولا قيام (بوبليسيوس فوليرو) وتحريضه الأهالي ~~على الثورة وعدم الامتثال لأوامر الحكومة ما لم ترد إليهم حقوقهم المسلوبة ظلما ~~وعدوانا، فأمر القناصل بالقبض عليه فهاج الشعب وخلصوه عنوة من أيدي القابضين وطردوا ~~القناصل وأعضاء السناتو من الفورم بالقوة. # وفي سنة 472 انتخب فوليرو نائبا عن الشعب (تريبان) فبذل كل اهتمامه لإنالة الشعب ~~حقا لو تحصل عليه يكون مقدمة لحصوله على حقوق كثيرة تنيله السلطة الحقيقية مع ~~الوقت، وتفصيل ذلك أن انتخاب نواب الشعب كان يحصل بمعرفة فرق الجيش المئينية التي ~~للأشراف النفوذ والسيطرة عليها، فارتأى فوليرو أن يكون انتخابهم بمعرفة جمعية الأهالي ~~العمومية التي لا يحضرها أحد من الأشراف مطلقا ولا نفوذ لهم عليها، فلم يقبل السناتو ~~هذا الطلب العادل بل ماطل وحاول حتى مضت مدة (فوليرو) ولم يقرر مشروعه الذي سمي بقانون ~~بوبليليا نسبة له، ثم أعيد انتخابه رغم مساعي الأشراف وأشياعهم، وانتخب معه (ليتوريوس)، ~~وكان أشد كراهة لاستبداد السناتو فأضاف إلى مشروع فوليرو الأصلي أن يكون لجمعية الشعب ~~العمومية حق التداخل في شؤون الحكومة أيا كانت بواسطة الاقتراع العام. # ومن جهة أخرى انتخب السناتو (أبيوس كلوديوس) ضمن قنصلي هاته السنة لمعاداته للشعب ~~ومحافظته على امتيازات الأشراف وخصوصياتهم، ولما أتى ms30 اليوم المحدد للاقتراع على مشروع ~~فوليرو اجتمع الأهالي في الفورم الموصلة ساحته إلى محل انعقاد مجلس السناتو للتظاهر، ~~وتعضيد المشروع وإلزام المجلس بقبوله وتهديده بالثورة والعصيان لو رفضه في هذه السنة ~~أيضا، فلم تؤثر هذه المظاهرات في أعضائه بل رفضه فهاج الشعب بأجمعه وأعلن الإقرار عليه ~~والعمل به رغم مجلس السناتو وعناده، وحصلت عدة معارك بين الفريقين جرح فيها ليتوريوس ~~وكاد يقتل كلوديوس لولا أنه التجأ إلى قاعة المجلس ونجا بنفسه بكل مشقة. # ثم احتل الشعب قلعة الكابيتول وألزم السناتو بالتصديق عليه فصدق مكرها، وبذلك تم ~~الفوز للشعب، وتحصل الأهالي على ما يمكنهم به التأثير على سير الحكومة خصوصا بما أضيف ~~على هذا القانون الجديد من أن للأهالي الحق في الاقتراع في جمعيتهم العمومية على ما ~~يرونه ضروريا من القوانين والنظامات، نعم إن تصديق السناتو كان واجبا لتنفيذها إلا ~~أنه كان لم ير بدا من الموافقة على ما يعرض عليه لسبوق إقرار الأمة عليه. # هذا؛ ولما انتخب المدعو (ايسيليوس) نائبا عن الشعب (تريبان) بالطريقة الجديدة ~~اقترح أنه لا يجوز لأحد ما مقاطعة نائب الأمة أثناء تكلمه بالفوروم، ومن يفعل ذلك يحاكم ~~بالقتل ومصادرة الأموال إذا اقتضت الظروف ذلك، وصودق على هذا الاقتراح مع ما فيه من ~~القسوة والصرامة حبا في منع حصول ما يكدر صفاء الاجتماعات أثناء المداولة في المسائل ~~المهمة، والتشويش على الخطباء، ومنعهم بكيفية ما من تتميم خطابهم، والتمتع بحرية الدفاع ~~عن مشروعاتهم. # وفي هذه السنة وهي سنة 470ق.م دارت رحى الحرب بين الرومانيين وقبائل (الفولسك) ~~و(الأيك)؛ فخرجت الجيوش تحت قيادة القنصل (إبيوس كلوديوس) الذي كان من أقوى المعارضين ~~في مشروع انتخاب نواب الشعب بمعرفة الجمعية العمومية كما سبق بيانه في موضعه، ولما كان ~~الكل غير راض عنه لهذا السبب ولميله للأثرة والاستبداد؛ تقهقرت الجنود أمام العدو بدون ~~شديد مقاومة حتى إذا انهزموا وفاز عليهم العدو بالغلبة والانتصار حوكم (إبيوس) بصفة ~~مقصر في الواجب أو خائن للوطن، لكن أدرك إبيوس دسيستهم وعلم أن انهزامهم لم يكن لشدة ~~بأس ms31 العدو أو كثرة عدده، بل للأسباب التي ذكرناها، فأراد الانتقام منهم قبل العودة إلى ~~رومة فعاقب أغلب رؤسائهم بأشد العقوبات العسكرية صرامة وهو القتل تشفيا منهم، ولما عاد ~~إلى المدينة اتهمه نواب الأمة (التريبان) بالخيانة فقابل اتهامهم له بكل أنفة وكبرياء ~~وقتل نفسه حتى لا يحاكم على جناية هو براء منها، فاحتفل الأهالي بجنازته احتفالا ~~باهرا اشترك فيه الأشراف والعوام لاعتبار الكل له بسبب شهامته وعلوه عن الدنايا وترفعه ~~عن التزلف للأمة ونوابها. # هذا؛ وبالاختصار فإن طبقة العوام في رومة تحصلت - في مدة ~~ثلاث وعشرين سنة - أي من سنة 494 إلى سنة ~~471 - على سلطة ونفوذ في إدارة شؤونها وشؤون الحكومة، ما كانت لتتحصل عليها لولا ~~اتحادها بحق وتضافرها على الطلب والمثابرة عليه بكل ثبات لا ترهبها القوة ولا ترعبها ~~السطوة ما دامت معتقدة أنها تطالب بحق مقدس، هو المساواة للأشراف الذين لا يميزهم عن ~~باقي طبقات الأمة مميز طبيعي أو عقلي. # ففي سنة 493 تحصلوا على حق تعيين نواب عنهم، وفي سنة 476 خول هؤلاء النواب لأنفسهم حق ~~اتهام القناصل أمام الشعب وطلب محاكمتهم، وفي سنة 471 أجيز للشعب حال اجتماعه بهيئة ~~جمعية عمومية أن يقترع على الأمور العمومية، ويصدر عليها قرارات أهلية تكون نافذة على ~~جميع الأهالي دون الأشراف ما لم يصدق عليها السناتو الذي كان لا يتيسر له الامتناع أمام ~~إجماع الشعب خشية الثورة وإراقة الدماء. # | هوامش # | خيانة كوريولان # وفي أثناء اشتغال رومة بمسائلها الداخلية التي شرحناها تعدى الأعداء حدودها مرارا، ~~ونهبوا مزروعاتها ومواشيها، واقتربوا من المدينة لامتناع الجيوش عن الحرب مرارا بسبب ~~توقف الحكومة عن تنفيذ القانون الزراعي. # ومن غريب ما ذكر في تاريخ هذه السنين ولم يسبق في تاريخ رومة في عهد الجمهورية، أن ~~الأعداء هاجموا الرومانيين تحت قيادة أحد أشراف الرومان واسمه (كوريولان)، كان في الأصل ~~من أكبر المدافعين عن وطنه، وأشدهم تعلقا به إلا أنه كان مساعدا للأشراف ضد طبقة ~~العوام، وينسب له أنه عندما حصل جدب في إحدى السنين غلت الحبوب واشترت ms32 الحكومة مقدارا ~~وافرا من الغلال من جزيرة صقلية لتوزيعها على الأهالي اقترح على السناتو عدم توزيع شيء ~~على الشعب ما لم يتنازل عن حق انتخاب نواب له ويرضخ للأشراف كما كان الحال قبلا، فهاج ~~الشعب ضده وطلبه التريبان (نواب الأمة) للمحاكمة أمام الشعب، فحكم عليه بالنفي والإبعاد ~~فخرج مضمرا الشر لوطنه والعياذ بالله، والتجأ إلى توليوس أحد رؤساء قبائل الفولسك ~~الشهير بعداوته للرومانيين وعرض عليه استعداده للانتقام من وطنه وبنيه، فقابله هذا ~~العدو بقلب منشرح وصدر رحيب وقبل أن تكون رياسة الجيش لكريولان ويكون هو نائبه في ~~قيادتها ثم قصد رومة سنة 490 في جيش عظيم، وأمر كوريولان بنهب المزارع التي أصحابها من ~~طبقة العوام وعدم مس أراضي الأشراف بسوء، وسار بهذه الكيفية يبذر الخراب والدمار في ~~طريقه إلى أن وصل هذا الخئون إلى بعد خمسة أميال فقط من المدينة، فأرسل إليه السناتو ~~أكبر أعضائه سنا وأكثرهم اعتبارا لإرجاعه عن غيه وحمله على كف الغارة عن وطنه فلم ~~يقبل، وكذلك لم يصغ إلى نصائح وإرشادات قسوس مذهبه الذين أخذوا يبينون له قبح خيانته ~~وعظم جنايته نحو وطنه وأهله، بل أعماه وأصمه حب الانتقام، وأخيرا أتت إليه أمه ~~(فيتوريا) باكية آسفة على عقوق ولدها ومساعدته الأعداء على بلاده بعد أن كان من أقوى ~~المدافعين عن استقلالها؛ فرثى لبلواها ورق لشكواها وعاد مع من معه من الجيوش مقتنعا ~~بما أخذه من الغنائم، فحنق عليه توليوس لعدم تمكينه من دخول رومة والاستيلاء عليها ~~ويقال إنه قتله، وقيل إنه لم يقتل بل بقي مطرودا مخذولا حتى مات غير مأسوف ~~عليه. # وكذلك كانت هذه الفترة فرصة مناسبة لأعداء حلفاء رومة وهم قبائل اللاسيوم والهرنيك، ~~فأغارت الفولسك على بلاد اللاسيوم ولم يمكن رومة إسعافها بالمساعدة لاشتغالها بأمورها ~~الداخلية من جهة، ولاحتلال الفائيين مرتفع جانيكول بضواحي رومة عقب انهزام عائلة فابيوس ~~على نهر كريميرا في سنة 477، واستمر هذا الضيق إلى سنة 470 حيث أمضي بين أهالي مدينة ~~(فايه) والرومانيين هدنة لأربعين سنة. # ولم يتم لرومة السكون تماما ms33 لإغارة قبائل الأيكيين عليها سنة 471 وصدهم عنها بهمة ~~وشجاعة القنصل كونكيثيوس الذي لقب بأبي الجند من معاملته لهم واعتباره إياهم ~~كأولاده، لكن لم ترتدع هذه القبائل المحبة للحرب ، بل عاودت الكرة عليها أربع مرات ~~وتبعهم القنصل فوريوس في إحداها سنة 468 حتى وصل إلى مضيق فحاصروه وضايقوا عليه الخناق، ~~وكاد يهلك هو وجيشه لولا أن أمدهم كونكبتبوس بإسعافه وتخليصه من هذه الورطة. # وفي السنة نفسها فتح هذا القائد الذي حاز شهرة عظيمة مدينة نيوم إحدى الثغور المهمة ~~وتبعد عن رومة بمسافة كيلومتر، وعند عودته منصورا عمل له احتفال عظيم لم يسبق له مثيل ~~صعد به إلى قلعة الكابيتول؛ ولذلك أعطي إليه لقب كابيتولينوس، ثم توالت إغارات الأعادي ~~على أراضي رومة، وكانت الحرب سجالا بين الطرفين، وأهم ما حصل فيها أن بعض المطرودين من ~~رومة هاجموها فجأة في سنة 495 تحت قيادة زعيم لهم أصله من السابيين اسمه هارورينوس ~~واحتلوا الكابيتول عنوة ثم أكرهوا على إخلائه بعد أيام قلائل، وفي سنة 458 تبع القنصل ~~منوسيوس بعض قبائل الأيك، فحصروه في مضيق وخيف هلاكه ومن معه من الجنود، فعين السناتو ~~القائد سنسناتوس حاكما مطلقا لإنقاذ القنصل المحصور، ولما توجه إليه وفد من المجلس ~~لتبليغه خبر تعيينه وجدوه يحرث الأرض بنفسه فقبل المأمورية وسار في جيش عظيم، وبعد أن ~~أدى المأمورية وأنقذ القنصل وجيشه عاد في احتفال عظيم ثم استقال من منصبه الموقت فعادت ~~الأحكام إلى نظامها العادي وعاد هو إلى محراثه كما كان، فتأمل لهذا التقشف وهذا ~~الإخلاص وهذا التجرد عن الغايات وعن حب المناصب، وقل لي بأبيك كيف لا تبلغ أمة اتصف ~~أفرادها بهذه الصفات الحميدة والخلال الوطنية شأوا عظيما في العالم، وتسود على من ~~عداها وتتغلب على من عاداها ويمتد سلطانها على مشارق الأرض ومغاربها؟! # وبالاختصار كانت أيام الجمهورية الأولى أيام حروب مستمرة وخطوب مدلهمة لم تعد على ~~رومة بفتح شيء من البلاد، إلا أنها حافظت في خلالها على أراضيها الأصلية، ولو أنه أصاب ~~الأمم المتحالفة معها بعض الضرر ms34 خصوصا اللاتيين، إلا أن الرومانيين تدربوا في خلالها ~~على فنون الحرب وضروب النزال، واستعدوا للفتوحات العظيمة التي أنالتهم ملك جميع الأرض ~~التي كانت معلومة في هذه الأعصر الخالية مما سيأتي ذكره مفصلا في هذا الكتاب إن شاء ~~الله تعالى. # | حكومة العشرة وحصول الشعب على المساواة في الأمور ~~المدنية # قد سبق لنا شرح ما نالته طبقة العوام (التي سميناها وسنسميها دائما بالشعب أو الأمة) ~~من الحقوق والامتيازات، لكن ما نالته كان بعضا من كل أو بعبارة أخرى: إن ما تحصلت عليه ~~كان عبارة عن الطرق القانونية التي بها تتحصل على المساواة مع طبقة الأشراف التي كانت ~~محتكرة جميع الوظائف العالية ومحافظة على ما لها من السلطة والسودد، ولما كان الفوز ~~دائما لجانب الحق على القوة إذا ثابر أصحاب هذا الحق على طلباتهم، وأصروا على المطالبة ~~بها بالطرق القانونية العادلة؛ انتهى الأمر للشعب بالفوز والحصول على المساواة ~~تدريجيا تبعا للظروف، واختلاسا للفرص المناسبة؛ فحصلت في سنة 450 على المساواة في ~~الأمور المدنية، وفي سنة 397 على المساواة السياسية، وفي سنة 329 و306 على المساواة ~~القضائية، وفي وظائف القضاء وفي سنة 302 على المساواة الدينية. # وبيان عدم المساواة المدنية أن الأحكام كانت بيد القناصل ومجلس السناتو وبعض القضاة، ~~لكن كانت اختصاصات كل منهم غير محددة بكيفية تمنع تجاوز الحدود، ومن جهة أخرى كانت ~~الأحكام تصدر لا على قانون معلوم للعموم بحيث إن كل فرد يعلم ما له وما عليه، بل كانت ~~تصدر بناء على قواعد قديمة وعوائد مألوفة لا يعلمها إلا القليل يتصرف فيها أصحاب ~~الأهواء حسب غاياتهم ومنافعهم الشخصية. # وحيث كانت أزمة الحكومة في أيدي طبقة الأشراف كان الحيف والظلم دائما على فقراء ~~الأهالي؛ ولذلك اجتمع نواب الأمة (تريبان) واتفقوا على أن يطلبوا من الحكومة تعيين لجنة ~~مؤلفة من عشرة متشرعين يكلفون بتدوين العوائد القديمة وتقنينها وترتيبها بطريقة يسهل ~~فهمها على العموم، فلا يمكن للقضاة التلاعب بالأحكام، ثم ينشر هذا القانون ويعلق في ~~الفورم ليكون معلوما للخاص والعام، واختار النواب أحدهم المسمى ms35 ترنتليوس أرسه لعرض هذا ~~الطلب والسعي في الحصول عليه فقام بهذه الدعوة في سنة 461، لكن لم يصادف طلبه قبولا ~~لدى مجلس السناتو، بل رفضه رفضا باتا وتحزب بشأن الأشراف ضد هذا المشروع تحت زعامة ~~(سيزون) ابن سنسناتوس فصاروا يتجمهرون في الفورم ويشوشون على الأهالي في اجتماعاتهم ~~ويمنعون مداولاتهم، فاتهم بعضهم سيزون بضرب أحد نواب الأمة في إحدى هذه المناوشات، ~~واتهمه آخر بإصابة أخ له طاعن في السن بعربته لقتله، وأشاعوا هذه التهم في الفورم ~~فهاج الأهالي وطلبوا محاكمته فهرب إلى جهات إتروريا سنة 460 فرارا من العقاب وهو القتل ~~جزاء تعديه على أحد نواب الأمة حال تقلده منصب النيابة كما كانت تقضي بذلك ~~القوانين. # ولما هاجر أخذ يفكر في الانتقام من أهل وطنه فاستعان بأحد رؤساء السابيين واسمه ~~هرديينيوس، وأغار على رومة ومعه كثير من المطرودين والمبعدين لشرورهم ومفاسدهم ~~فاحتلوا الكابيتول ثم استخلصه الرومانيون وقتلوا كل من به من الأعداء، ولم تشترك ~~الأمة في هذه الحرب إلا بعد أن وعدها القنصل فالريوس بقبول مشروع النائب ترنتليوس ~~السابق ذكره جزاء مساعدته على طرد الأعداء، لكن لسوء الحظ قتل فالريوس في هذه الواقعة، ~~وعين مكانه سنسناتوس والد سيزون الذي فر هربا من المحاكمة (وربما كان ضمن المقتولين في ~~الكابيتول)، فلم يقم بنفاذ ما وعد به القنصل السابق وطلب من السناتو رفض المشروع ~~فرفض. # إلا أن الأهالي داوموا على إصرارهم وثبتوا في طلبهم وأعادوا انتخاب نوابهم المساعدين ~~على هذا المشروع خمس سنين متوالية، ولما لم تر الحكومة بدا من إجابة طلبهم منعا ~~للمشاغب والفتن الداخلية التي تجرئ الأعداء على محاربتها عمدت إلى الحيلة ~~والخديعة، فقررت أن يكون عدد نواب الأمة (التريبان) عشرة حتى يمكنها التفريق بينهم ~~فيكون عدم اتحادهم مضعفا لقوتهم ومقللا من نفوذهم، لكن فطن الأهالي لهذه الحيلة ~~فزادوا اتحادا وتضافرا على المطالبة بحقوقهم. # وفي سنة 484ق.م طلب النائب (إسليوس) أن توزع أراضي الحكومة الكائنة على مرتفع ~~(أفنتان) على فقراء الأهالي، فقررت الأمة هذا الطلب في جمعيتها العمومية وألزم إسليوس ~~القناصل على ms36 عرضه على السناتو وتحصل على تصريح خصوصي بحضور الجلسة التي بحث فيها في هذا ~~الطلب (وكان ذلك غير جائز لنواب الأمة) وبقوة بيانه وبلاغة خطابه أقر السناتو عليه ~~خوفا من حصول ثورة داخلية، وكان لحضور إسليوس مجلس السناتو نتيجة عظمى حيث اعتبر هذا ~~التصريح الاستثنائي سابقة تتبع في المستقبل، وصار لنواب الأمة من ذلك التاريخ الحق في ~~حضور جلسات السناتو للدفاع عن مشروعاتهم، بل وفي طلب انعقاده أيضا في جلسات فوق العادة ~~للمداولة في المشروعات المهمة التي يكون في تأخيرها ضرر. # وبعد ذلك عادت الأمة للمطالبة بمشروع ترنتليوس القاضي بتدوين الشرائع وتقنينها، فماطل ~~السناتو مدة، ثم لما رأى أن ضرر التسويف أكثر من نفعه وأن لا بد من الرضوخ لطلبات ~~الأمة يوما طوعا أو كرها؛ قرر قبول هذا المشروع مبدئيا، وتعيين لجنة مؤلفة من ~~ثلاثة أعضاء للسفر إلى مدينة أتينة مقر حكومة الهلين الذين اشتهروا في التواريخ ~~العربية باسم الإغريق، وإلى المدن التي أسسها الإغريق في جنوب إيطاليا للبحث في شرائعها ~~وقوانينها وأخذ ما يوافق بلاد الرومانيين منها ووضع قانون كاف شاف بعد عودتهم من هذه ~~الرحلة، وكان قصد السناتو بتعيين هذه اللجنة المماطلة وضياع الوقت في سفرها فتكون أفكار ~~الأهالي قد سكنت وهدأت حركتهم فيتخلص السناتو من تنفيذ هذا المشروع، لكن لم تصب ~~سياستهم ولم تنجح حيلتهم فإن الأعضاء الثلاثة عادوا في أقرب وقت. # فالتزم السناتو بتعيين هيئة حكومية من عشرة متشرعين خول إليهم السلطة المطلقة، وأوقف ~~سير النظام الأصلي وأبطلت وظائف القناصل ونواب الأمة موقتا ريثما تتم الهيئة الجديدة ~~مأموريتها؛ وهي سن قانون جامع ينبي عن العوائد القديمة مع إضافة ما يلائم البلاد من ~~عوائد وقوانين الإغريق التي جمعها المندوبون الثلاثة، وابتدأت الحكومة الجديدة عملها في ~~مايو سنة 450ق.م وكانت الرئاسة لكل منهم مدة أربع وعشرين ساعة فقط، فاشتغلت هذه اللجنة ~~مدة سنة سارت الأمور في أثنائها بغاية الهدوء والسكينة، وفي ختامها أتمت سن ما كلفت ~~به من القوانين وأمرت بنقشها على عشرة ألواح وتعليقها في الفورم ليطلع ms37 عليها العموم ~~ويبدي كل إنسان ما يعن له من الملحوظات ويعرضها على اللجنة، وهي بعد جمع هذه الملحوظات ~~وتنقيح القوانين بمقتضى ما يوجد منها موافقا للصواب تعرضها منقحة على الأمة في ~~اجتماعها العمومي فتقررها أو ترفضها. # ولما انقضت السنة الأولى ووجب تغيير أعضاء اللجنة العشرية حسب العادات الرومانية التي ~~تقضي بتغيير الحكام كل سنة خوفا من طموحهم إلى الاستبداد سعى أحدهم المدعو أبيوس ~~كلوديوس في أن يعاد انتخابه خلافا للعوائد المتبعة، وأن ينتخب الباقون من خاملي الذكر ~~ضعاف العزائم الذين لا يقوون على معارضته، وساعده على ذلك شبان الأشراف انتقاما من ~~الأمة على تحصلها على جملة حقوق وسعيها في الحصول على المساواة بهم، وقد جرأ أبيوس ~~على ذلك نفس أعضاء مجلس السناتو الذين أظهروا له سرورهم من خطته ولم يراعوا واجب الدفاع ~~عن حرية الشعب ناظرين إلى سوء العاقبة التي تعود عليهم من استبداد فرد بالسلطة إذ لا ~~يقتصر ظلمه واستبداده على طبقة من الأمة، بل يتعدى إلى باقي الطبقات عاليها وسافلها، ~~لكن هو الغرض يعمى عن نظر الحقيقة ويصم عن سماعها فتلحق المصيبة العموم، ولا يلتفت إلى ~~عواقبها إلا بعد فوات الوقت، فيندم المتسببون فيها حيث لا ينفع الندم. # وبهذه المساعدات تحصل أبيوس على مرغوبه وأعيد انتخابه وانتخب رفاقه على حسب ما يحب ~~ويهوى حتى صار هو صاحب السلطة المطلقة فعلا إن لم يكن قانونا، وصارت أرواح الأهالي ~~وأموالهم في قبضة يده يتصرف فيها بما يمليه عليه الغرض ويلقنه إليه الطمع، ولا رادع ~~يردعه لتوقيف جميع دواليب الحكومة ونظاماتها موقتا كما ذكر قبل. # واستمرت الحال كذلك إلى انتهاء السنة الثانية من تعيينه، ولما انتهت لم يظهر رغبته في ~~الاستقالة لينتخب غيره كما جرت به العادة، بل ظل قابضا على أزمة الأحكام بصفة ~~غير قانونية والأشراف مساعدون له وأعضاء مجلس السناتو غاضون الطرف عنه. # وفي هذه السنة أتمت لجنة التشريع لوحتين صار نقشهما وتعليقهما في الفورم كالعشرة ~~ألواح السابقة، وسنأتي على ملخصها بعد. # ثم أتاح الله لرومة فرصة مناسبة كادت ms38 تتخلص بها من استبداد أبيوس وزملائه لولا ضعف ~~عزيمة بعض أعضاء السناتو وعدم ثباتهم، وذلك أن بعض قبائل السابيين والأيك تعدت حدود ~~رومة، فاجتمع السناتو بصفة غير اعتيادية لتقرير ما يلزم لصد الأعداء، وفي الجلسة قام ~~أحد الأشراف الغيورين على حرية وطنه واسمه فلريوس وطعن في هيئة الحكومة التي يرأسها ~~أبيوس وأبان مخالفتها للقوانين وضرورة إبطالها وإعادة الأحكام إلى ما كانت عليه خصوصا، ~~وقد أتمت عملها التشريعي وعلقت الاثني عشر لوحا وختم خطابه قائلا إن أولاد الذين ~~طردوا الملوك لا يخضعون لأوامر غيرهم، فعضده بعض الأعضاء وقاومه آخرون، وبعد مناقشة ~~طويلة تقرر بقاء الهيئة موقتا على ما هي عليه، وأن تسلم لها الجيوش لمحاربة الأعداء ~~فخرجت الجيوش للقتال وعادت بالخيبة لعدم كفاءة قوادها وعدم ثقة الجند بهم. # وبعد ذلك بقليل ارتكب أبيوس امرأ استبداديا يدل على تجرده من الشرف والذمة وكان ~~السبب في نفور الأمة منه، وهو أنه أحب فتاة تدعى (فرجينيا) ابنة أحد الأعيان، فأوعز إلى ~~أحد أتباعه أن يدعيها رقيقة له فيحكم له هو بذلك ويسلمها إليه ثم يردها إليه ليقضي ~~منها أربه، فصدع التابع بأمره ورفع دعواه إليه فحكم بملكيته لها مع قيام الأدلة واتفاق ~~الشهود على أنها حرة النسب. # فلما رأى والدها أن لا بد من تسليمها إليه فضل أن يقتلها ويعدمها الحياة على ما ~~يلحقها ويلحق عائلتها من العار لو سلمها إلى هذا الباغي، فعمد إلى دكان قصاب وأخذ منها ~~سكينا طعن بها ابنته وفلذة كبده طعنة كانت القاضية، ثم حمل جثتها ودمها البريء يسيل في ~~الطريق حتى وصل إلى الفورم، وهناك اجتمع عليه الأهالي فأظهر لهم حقيقة الحال وشرح لهم ~~تدبير هذه المكيدة بمعرفة أبيوس، فاستفزت الغيرة الحضور وهاج الشعب ضد هذا الباغي ~~ومعضديه وانضم إليهم الجيش وطلب الجميع بلسان واحد إسقاط هذه الهيئة وإعادة الأحكام إلى ~~سابق مجراها، فتوقف أبيوس قليلا لمساعدة بعض أعضاء السناتو الذين كانوا يخشون إعادة ~~سلطة نواب الأمة (التريبان)، ثم انصاع خوفا من حصول ثورة أهلية تكون عاقبتها أكثر ms39 ~~وخامة عليهم، واستقال هو وباقي أعضاء الحكومة الموقتة في سنة 448، وعاد الموظفون ~~الأصليون إلى مناصبهم، ولنذكر الآن بطريق الإيجاز ملخص ما دونوه من القوانين في ~~الاثنتي عشرة لوحة، وعلى من يريد الوقوف عليها تفصيلا أن يراجع القانون ~~الروماني . # أهم ما جاء بهذه الألواح تقسيم الأملاك إلى عمومية وخصوصية وعدم جواز امتلاك العمومية ~~بالمدة الطويلة مطلقا، وتملك الأراضي الخصوصية بوضع اليد عليها مدة سنتين فقط بشرط أن ~~يكون واضع اليد رومانيا لا أجنبيا، أما الأجانب فلا يمكنهم امتلاك أراضي الرومانيين ~~بالمدة مهما طالت، ولذلك كان الأجانب يسعون دائما في التجنس بالجنسية الرومانية حتى لا ~~ينازعوا في أملاكهم بعد سنتين، والقصد من ذلك أمران: أولهما حمل الأجانب على طلب ~~الدخول ضمن العشيرة الرومانية، وثانيهما - وهو الأهم - عدم إهمال الملاك أراضيهم خوفا ~~من امتلاك الغير لها، فلا تهمل الأرض بل يعتنى بزراعتها واستغلالها فتزداد العمارية ~~وتنمو الثروة، أما المنقولات والعبيد فتملك بوضع اليد مدة سنة واحدة، وأبقت القوانين ~~الجديدة كافة حقوق رب العائلة على زوجته وأولاده وعبيده على ما كانت عليه من الإطلاق ~~وعدم التقييد، ولم تبطل ما كان متبعا من جعل المدين رقا لدائنيه يبيعونه ويقتسمون ~~ثمنه أو يقتلونه ويقتسمون جثته مع ما في هذه العادة من التوحش، وأجازت قتل اللص لو فوجئ ~~ليلا حال تلبسه بالسرقة ونهارا لو حصلت منه مقاومة عند ضبطه، أما في مسائل الجروح ~~والضربات وإتلاف الأعضاء فقررت بمجازاة المثل؛ أي العين بالعين والسن بالسن وهكذا ما لم ~~يرض الجاني المجني عليه بالمال، إلى غير ذلك من الجزاءات. # وأهم ما جاء فيها في صالح الشعب مما كان يسعى وراءه هي المساواة في التقاضي والمحاكمة ~~بين جميع الأفراد سواء في ذلك الرفيع والوضيع والشريف وغيره، فأبطل التمييز في التقاضي ~~وصار القانون واحدا يخضع الجميع أمامه، وأهم من ذلك أنها جعلت جميع الأحكام قابلة ~~للاستئناف أمام الأمة في جمعيتها العمومية، وأنها هي دون غيرها التي تحكم بالإعدام، وأن ~~ما يقرره الشعب يكون قانونا عموميا على جميع الأهالي، وأن شاهد الزور ms40 والقاضي الذي ~~يحيد عن الحق ويتبع سبيل الغرض أو يقبل الهدية يلقى من مكان شاهق. # وبذلك تحصلت الأمة على المساواة في الأمور المدنية التي لا يوجد عدل أو إنصاف إلا ~~بها، إلا أنها لم تتحصل هذه الدفعة على المساواة في تقلد المناصب، بل ظلت الوظائف ~~منحصرة في طبقة الأشراف، فمنهم القناصل (رؤساء الجمهورية) وأعضاء السناتو والكهنة ~~والقضاة، وكذلك بقي الزواج ممنوعا بين الأشراف وغيرهم غيرة منهم على عدم الاختلاط مع ~~أفراد الشعب وبقاء المناصب محتكرة في طبقتهم، لكن من يتأمل فيما نالته الأمة من الحقوق ~~تدريجيا بثباتها واتحادها يحكم لأول وهلة أن لا بد من حصولها على جميع حقوقها ~~الطبيعية التي كان منحها لها الملك سرفيوس وسلبها إياها تركان، فإن الحقوق لا بد من ~~الحصول عليها يوما ما مهما اشتدت المعارضات، والنصر ينتهي دائما للحق ضد القوة، ولو ~~فازت القوة بالغلبة فإلى حين إذ الحق يعلو ولا يعلى عليه. # وبعد استقالة الحكومة الاستثنائية كما سبق شرحه توجه عضوان من السناتو محبوبان لدى ~~الأمة وهما فلريوس وهوراسيوس إلى محل اجتماع الأمة ووعداها بإعادة انتخاب نواب الأمة ~~العشرة مع حق استئناف جميع الأحكام أمام الأمة، وبالحصول على العفو المطلق عن جميع من ~~اشترك في الهياج الأخير فانشرحت الأمة لهذه الوعود، لكنها احتلت قلعة الكابيتول ريثما ~~ينفذ السناتو ما وعد به، فاستدعى السناتو الأهالي للاجتماع لانتخاب نوابهم، فاجتمعوا ~~وتم الانتخاب على الطريقة القديمة ثم انتخب فلريوس وهوراسيوس السابق ذكرهما قنصلين ~~وبذلك عادت الأحكام إلى سابق مجراها، ثم استصدر هذان القنصلان عدة قوانين ضامنة حرية ~~الأهالي وعدم مساسها بسوء، أهمها أن كل من يسعى في تعيين حكام مطلقين تكون أحكامهم غير ~~قابلة للاستئناف يجازى بالموت، وكذلك من يتعدى بالإيذاء على أحد نواب الأمة، وأن الحاكم ~~الذي لا يجمع الأمة في آخر السنة لانتخاب نوابها يجازى بالجلد ثم يقتل، وأن جميع قرارات ~~السناتو ينسخ منها صور يصدق عليها نواب الأمة وتحفظ بهيكل (سيريس) منعا لحصول الغش ~~والتزوير فيها. # ولما توطدت الحرية وصار لا يخشى عليها ms41 قال فرجينوس والد فرجينيا الذي قتلها تخليصا ~~لها من الوقوع في أيدي من لا يصون عرضها ويحافظ على شرفها، واتهم أبيوس رئيس الحكومة ~~الاستثنائية الملغاة أمام الأمة بتحريض المدعي بملكيتها والتحيز له في الحكم قضاء ~~لغرضه، فسجن أبيوس انتظارا للحكم على ما اقترفه، ولتحققه بما سيحكم به عليه قتل ~~نفسه في السجن فرارا من العدالة، وكذلك أحد رفاقه العشرة، أما الباقون الذين ساعدوا ~~أبيوس على استبداده فخرجوا من المدينة خوفا من المحاكمة وصودروا في أملاكهم. # وفي أثناء ذلك حارب هوراسيوس قبائل السابيين وانتصر عليهم نصرا مبينا أوقع الرعب في ~~قلوبهم حتى لم يقدموا على محاربة الرومانيين مرة أخرى مدة مائة وخمسين سنة، ولما عاد ~~منصورا لم يقبل السناتو أن يعمل له موكب حسب المعتاد انتقاما منه لمساعدة الأهالي ~~في طلباتهم ضد الأشراف، فقررت الأمة ذلك في جمعيتها العمومية خلافا للعادة واحتفل به ~~احتفالا شائقا، واعتبر هذا القرار قاعدة تتبع في المستقبل، وكان هذا الأمر قبل ذلك من ~~حقوق السناتو ليس إلا. # وفي هذه السنة تعدت الأمة على أهم اختصاصات هذا المجلس وهو الإقرار على الحرب الذي ~~كان له دون خلافه حتى في عهد الملوك، وبهذه الطريقة زادت حقوق الأمة كثيرا عن ذي قبل، ~~وكانت كلما تحصلت على حق أو امتياز تنساق بحب التقدم والارتقاء إلى طلب غيره، وتثبت ~~في المطالبة بالطرق السلمية تارة، وبالهياج والثورة أخرى حتى صارت هي صاحبة القول الفصل ~~والسلطة الحقيقية في الحكومة كما يجب أن يكون الأمر في كل حكومة جمهورية. # ولما ازدادت سلطة الشعب وبالتالي سلطة نوابه (تريبان) ورأى الأشراف أن لا بد من ~~امتدادها سنة عن سنة أرادوا أن يستفيدوا بهذه ~~السلطة ويحولوها لمنفعة طبقتهم بحصولهم ~~عليها كلها أو بعضها بالانتخاب، وذلك باستمالة المنتخبين وبذلهم المال والعطايا لهم، ~~فشعر النواب بهذه المساعي التي لا يكون وراءها إلا ضياع كل ما تحصلوا عليه من الحقوق ~~ونالوه من المزايا بعد العناء والتعب، واستصدروا قرارا من الأمة في سنة 447ق.م يحجر ~~على الأشراف أن ينتخبوا في هذه ms42 الوظائف، وأن تبقى محتكرة لباقي طبقات الأهالي ~~دونهم. # وفي هذه السنة وجه الشعب اهتمامه لمسألتين عظيمتين كانتا من أكبر المميزات بينه ~~وبين الأشراف، أولاهما احتكار الأشراف لجميع وظائف الحكومة، والثانية عدم جواز التزاوج ~~بين الطبقتين، فتحصلوا في الأولى على بعض الشيء وهو تعيين أمناء الخزينة العمومية وقضاة ~~تحقيق الجنايات بواسطة الانتخاب العمومي بدون تمييز بين الطبقات؛ أي من الأشراف أو ~~غيرهم على حد سواء، وكان تعيينهم قبلا بمعرفة القناصل وهم ينتخبونهم طبعا من الأشراف ~~لعدم ثقتهم في غير أهل طبقتهم، وأما المسألة الثانية وهي عدم التزاوج بين الطبقتين ~~فتحصلوا في سنة 445 على لغوها بالمرة بهمة النائب كانوليوس، وذلك أنه بعد أن تجمهر ~~الأهالي وأظهروا استعدادهم للثورة خضع السناتو لطلبهم لاعتقاده أن الأخلاق والعوائد ~~تمنع تنفيذه وتبقي الانقسام الأصلي على حاله، وأن طبقة الأشراف تستمر على عدم الاختلاط ~~بمن هو أدنى منها في اعتقادها، وبعد ذلك طلب الشعب أن يعين من بين أفراده أحد ~~القنصلين واثنان من مراقبي المالية (وكان لهم اختصاص نظار المالية الآن) فحاول السناتو ~~واستعمل الدهاء وقرر أن يعين مراقبو المالية من الأشراف وغيرهم بدون تخصيص فمنح ~~الشعب حقا يسهل عليه حرمانه منه، وفي الواقع لم يعين في هذا المنصب أحد من الأهالي ~~عدة سنوات متوالية. # وأما مسألة تخصيص إحدى وظيفتي الرئاسة العظمى (قنصلية) بالأهالي والأخرى بالأشراف ~~فراوغ فيها السناتو وصمم على رفضها وبقاء الوظيفتين في طبقة الأشراف، لكن لما رأى ~~المماطلة لا تفيده شيئا، وأنه لا بد له من الرضوخ لطلبات الشعب بأجمعها إن أصر على ~~المعارضة؛ قرر في سنة 444 بتعديل القانون الأساسي بكيفية ترضي الشعب ولا تسلب الأشراف ~~جميع امتيازاتهم، بل تمنح الشعب بعض مزايا ظاهرية تسكن هياجه وتطفئ لهيب اشتياقه إلى ~~تقلد الوظائف العالية ومشاركة الأشراف في المناصب، وبيان ذلك أن يعين ثلاثة موظفون ~~عالون أو أكثر حسب الأحوال يكون انتقاؤهم من جميع الأهالي بدون نظر إلى حسب أو ثروة ~~يقومون مقام القنصلين اللذين تلغى وظيفتهما ويعطى لهم لقب (نائب قنصلي) ~~لجمعهم بين ms43 بعض اختصاصات نواب الأمة وبعض ~~اختصاصات القناصل. # ولا تعطى لهؤلاء الموظفين جميع اختصاصات القناصل، بل تجزأ سلطتهم بين عدة موظفين ~~آخرين يختص ببعضها الأشراف دون غيرهم بحيث لا يبقى لهم إلا الاختصاصات الآتية: # أولا: # يجب أن لا تنحصر قيادة الجيش في أحدهم، بل يكون كل منهم قائدا لفرقة ~~معينة؛ حتى لا تكون لأحدهم سلطة جسيمة يمكنه استعمالها لتنفيذ أغراض ~~حزبه أو مطامعه الخصوصية. # ثانيا: # القضاء المدني؛ أي الحكم في المسائل المدنية. # ثالثا: # رئاسة مجلس السناتو والجمعيات العمومية. # رابعا: # وظيفة المحافظة على مدينة رومة من كل طارئ خارجي ومراقبة تنفيذ ~~قوانين ونظامات الحكومة. # ثم أنشئت وظيفتان عاليتان تكون اختصاصات من يعين فيهما تعداد الأهالي وحصر ثروتهم ~~لتقسيمهم إلى طبقات بحسب غناهم وفقرهم كما سبق شرحه في موضعه، وتحرير قوائم أعضاء ~~السناتو والشوالية والمحافظة على الأمن داخل المدينة. # ومع تقليل اختصاصات وظيفة النواب القنصليين بهذه الدرجة فلم يعين فيها أحد أفراد ~~الشعب إلى سنة 400ق.م، بل بقيت منحصرة في يد الأشراف كما كانت وظيفة القنصل الأصلية، ~~وذلك لعدم تحتيم القانون الجديد تقسيمها بين الأهالي والأشراف، وجعلها مشتركة ~~بينهم. # وزيادة على ما ذكر فإن وظيفة القنصل الأصلية لم تلغ بالمرة، بل أوقف التعيين ~~فيها موقتا، وفي أول كل سنة كان يسأل السناتو الشعب عن رغبته في النظام الذي يرى أن ~~يحكم به هذه السنة، أنظام القنصلية القديم أو نظام النواب القنصليين الحديث، وبهذه ~~الطريقة تمكن السناتو - بما له من النفوذ والأعوان - من إعادة النظام القديم أربعا ~~وعشرين مرة في مدة الثماني وسبعين سنة التي مكثها هذا النظام مع ما فيه من الاختلال، ~~وعدم الثبات وتغيير نظام الحكومة من سنة لأخرى، ذلك الاختلال الذي جرأ أعداء رومة على ~~التعدي على حدودها، وحمل أصحاب المطامع الذين يترقبون الفرص للاستحواذ على السلطة، ~~والاستبداد بها على اتخاذ هذا الاعتلال وسيلة لتنفيذ ما تخفيه صدورهم من الأغراض المضرة ~~باستقلال رومة والنوايا القاتلة لحريتها. # فمن ذلك ما حصل في سنة 437 من أحد الأغنياء إذ توهم أن الرومانيين يفضلون ms44 الراحة تحت ~~سلطة حاكم مطلق يعدل بينهم على حالتهم الحاضرة لما فيها من القلق والاضطراب والأخذ ~~والرد بين الأحزاب، فاشترى كثيرا من الغلال وأخذ يوزعها مجانا على الأهالي ليستميلهم ~~إليه بسبب إمحال المحصولات وارتفاع أثمانها في تلك السنة، فأوجس السناتو منه خيفة وعين ~~سنسناتوس (دكتاتور)؛ أي حاكما مطلقا ليوقف هذه الحركة ويقاوم تيارها ويجازي محازبي ~~هذا الساعي في العبث بحرية وطنه بالعقوبات الصارمة التي تستدعيها الحال بدون مراعاة ~~المرافعات والإجراءات العادية. # فطلبه سنسناتوس ليدافع عن نفسه فأظهر الامتناع والاحتماء بمن أحسن إليهم، وقاوم ~~الحجاب الذين أرسلوا للقبض عليه؛ ولذلك اضطر الدكتاتور إلى إرسال قائد الفرسان ~~لإحضاره قهرا، فذهب إليه ولما قاومه وامتنع عن الامتثال لأمره قتله بيده في وسط ~~محازبيه وأنصاره، ثم هدم منزله وبيع ما جمعه من الغلال بأبخس الأثمان، وبذلك انتهت هذه ~~الفتنة واستقال سنسناتوس من منصبه الموقت وعادت الأحكام إلى سابق مجراها بكل هدوء ~~وسكينة. # هذا، وكانت الحروب في أثناء تلك الحوادث وبعدها مستمرة تقريبا بين الرومانيين ~~ومجاوريهم، وكان النصر غالبا من جانب جيوش رومة ولم يحدث في خلالها من الأمور التي ~~تستوجب الذكر إلا أمران: أولهما توقف القناصل في سنة 428 بعد انهزامهم في إحدى الوقائع ~~عن تعيين (دكتاتور) لصد الأعداء كما كانت العادة، فاستعان السناتو بنواب الأمة على ~~إلزامهم بذلك فلبوا دعوته وكانوا له عونا على الأشراف، وهي أول مرة قاوم فيها السناتو ~~الأشراف وأخضعهم بمساعدة الشعب، وبذلك ازداد نفوذ الأهالي وتحصلوا في السنين التالية ~~على عدة امتيازات. # وثانيهما محاصرة الرومانيين لمدينة (فايه) أهم مدائن الأتروسك، وهي التي أتعبت ~~الرومانيين نحو قرن، ودخولها عنوة في سنة 395ق.م تحت قيادة فوريوس كامليوس الذي انتصر ~~في عدة وقائع شهيرة، وقد أعقب فتح هذه المدينة خضوع عدة مدائن أخرى مهمة، وبعد ذلك عاد ~~كامليوس إلى رومة ودخلها في موكب حافل متناه في الأبهة والعظمة، وزاد اعتباره في أعين ~~العموم حتى صار ذا نفوذ عظيم أوجب الريب في نواياه وخيف من تطاوله إلى اغتصاب الحكومة، ~~ولكون الرومانيين كانوا غيورين ms45 على حريتهم متمسكين باستقلالهم كانوا يخشون من ظهور أي ~~إنسان وحصوله على محبة الأهالي من أن يعبث بنظام الحكومة ويستأثر بها، ولذلك كانوا ~~يبادرون باتهامه لإلجائه إلى الخروج من المدينة، ولو أدى الأمر إلى انقلابه على وطنه ~~وأهله ومساعدته الأعداء عليهم لعلمهم واعتقادهم أن عدوا أجنبيا مهاجما خير من عدو ~~داخلي ينتخر عظام نظام الحكومة ويقوض أركانها شيئا فشيئا، ومما زاد حنق الأهالي عليه ~~معارضته جميع ما يقدمه نوابهم من المشروعات، ومساعدة الأشراف على مشروعاتهم؛ فاتهموه في ~~سنة 390ق.م بارتكاب الرشوة، ودعوه للمحاكمة فلم ينتظرها وفضل النفي الاختياري على ~~الوقوف أمام هيئة القضاء وتبرئة نفسه مما نسب إليه. # قد فقدت رومة بخروجه قائدا مجربا وجنديا محنكا كان يقودها كثيرا ضد أعدائها، ~~خصوصا وكانت أمة الجلوا المعروفة في كتب العرب باسم الجلالقة تتحفز للوثوب عليها كما ~~سيذكر مفصلا في الفصل الآتي. # | إغارة الغاليين (الجلالقة) على رومة # الغاليون أمة كانت تسكن في الأصل الأرض المكونة لجمهورية فرنسا الآن ثم ارتحل فريق ~~منهم إلى إيطاليا ونزل في شمالها، ومنها انتشروا شيئا فشيئا حتى وصلوا إلى قرب رومة ~~والمدائن المجاورة لها، وفي سنة390ق.م طلبوا من (كلوزيوم) إحدى مدائن الأتروسك أن ~~تعطيهم بعض أراضيها، ولما امتنعت حاصروها فاستعان أهلها برومة فأرسلت ثلاثة سفراء ~~للتوسط بين الفريقين، ولما قابلوا (برنوس) قائد الغاليين قال له أحدهم: بأي حق تهاجم ~~هذه المدينة ولم يسبق بينها وبينكم عداوة؟ فأجابه بما معناه أن لا حق أمام القوة، فغضب ~~السفراء ودخلوا المدينة المحصورة واشتركوا مع سكانها في الدفاع عنها. # وفي إحدى الوقائع قتل أحدهم المدعو امبوستوس قائدا غاليا بيده وجرده من سلاحه، ~~فطلب الغاليون محاكمته، ولما امتنع الرومانيون عن إرضائهم تركوا مدينة كلوزيوم وقصدوا ~~رومة للانتقام لرئيسهم، فقابلهم الجيش الروماني على بعد ميل خارج أسوار المدينة، وبعد ~~قتال عنيف انهزم الرومانيون في 16 يولية سنة 390 بكيفية لم تسبق لهم من قبل وعادوا إلى ~~مدينتهم بدون انتظام، ومن شدة ما داخلهم من الوهم والخوف من شجاعة الغاليين ومنظرهم ~~الوحشي لم يقفلوا ms46 الأبواب، ولم يفتكروا في إقامة الحرس على الأسوار، بل التجأ فريق منهم ~~إلى قلعة الكابيتول وتشتت الباقون شزر مزر في القرى والبلاد المجاورة، وتحصن الحكام ~~وأعضاء السناتو في هذه القلعة بعد أن نقلوا إليها ما بالمعابد من الأشياء الثمينة، ولو ~~تبعهم الغاليون بدون إبطاء لدخلوا القلعة بكل سهولة، لكن أشغلهم فرحهم بهذا الانتصار ~~الغير منتظر عن تتميم فوزهم، فصرفوا هذا الوقت الثمين في تجريد القتلى عن ملابسهم وقطع ~~رؤوسهم، ولم يدخلوا المدينة إلا في اليوم التالي، فلم يجدوا بها إلا بعض أعضاء السناتو ~~الذين فضلوا انتظار العدو والتعرض للموت على الهروب والالتجاء إلى المدن المجاورة، ~~فبهت الغاليون من سكونهم والخطر محدق بهم حتى ظنوهم من غير بني الإنسان ولمس أحدهم لحية ~~رجل هرم من بينهم، فضربه الشيخ بعصاه فقتله العدو ثم سرى القتل في المدينة حتى لم يبق ~~أحد ممن بقي بها، ثم اشتغلوا بنهب المنازل وحرقها بعد تجريدها، وأخيرا أرادوا ~~الاستيلاء على قلعة الكابيتول عنوة، وكان الرومانيون قد أتموا تحصينها فردوا عنها بعد ~~أن قتل منهم كثيرون على الأسوار، ولذلك اتفق رؤساؤهم على محاصرتها ومنع المدد والمؤنة ~~من الوصول إليها. # واستمر الحصار مدة سبعة أشهر هلك من الغاليين في أثنائها خلق كثير بسبب هجوم الشتاء ~~وعدم وجود حاصلات لترك الأرض بدون زراعة ولتفشي الأمراض فيهم، ولذلك تفرق المحاصرون ~~في القرى والمزارع المجاورة للبحث على ما يقتاتون به، فهاجم اللاتين والأتروسك كل من مر ~~بأرضهم من الأعداء دفاعا عن أموالهم، وصاروا يقتلون كل من عثروا عليه منهم، وكذلك ~~القائد الشهير فوريوس كامليوس الذي كان هجر رومة هربا من المحاكمة كما سبق شرحه وأقام ~~بمدينة أرديا جمع جيشا من هذه المدينة وقاتل فرقة من الغاليين وهزمها دفاعا عن وطنه ~~الذي ظل محافظا على محبته والإخلاص له ولو اضطرته الظروف لمهاجرته، فلما رأى ~~الرومانيون المقيمون بمدينة (فايه) هذا الإخلاص منه عينوه حاكما مطلقا وقائدا عاما ~~لمطاردة الغاليين، ثم أرسلوا كومينوس إلى القلعة للحصول على قرار من مجلس السناتو يقضي ~~بأن ترد إليه ms47 حقوقه الوطنية التي كان فقدها بسبب مهاجرته وباعتماد تعيينه، فذهب هذا ~~الرسول إلى رومة وأفرغ جعبة الحيل حتى وصل ليلا إلى القلعة بدون أن يراه المحاصرون ~~وتحصل على القرار المذكور وعاد من الطريق التي أتى منها. # وفي الصباح رأى الغاليون أثر أقدام فاقتفوها حتى وصلوا إلى أسوار القلعة وهاجموها ~~فردوا عنها بعد أن خسروا خسائر جمة، لكن لم يتيسر للرومانيين البقاء في هذه الحالة ~~لنفاد المؤنة وعدم إسراع كامليوس بالمجيء لنجدتهم، فاتفق النائب الحربي مع قائد ~~المحاصرين على أن يرفعوا الحصار عن القلعة ويخلوا المدينة ويعودوا لبلادهم بشرط أن يدفع ~~لهم الرومانيون مقدارا من الذهب يبلغ وزنه بالموازين الحالية 326 كيلوغراما ~~وثلثا تقريبا، ويقدموا لهم ما يلزمهم من ~~المؤنة وعربات ودواب النقل، فغش الغاليون في وزن الغرامة ولما لاحظ الرومانيون ذلك ~~عليهم أجابهم القائد (برنوس) قائلا «ويل للمهزومين» وألقى سيفه ونجاده في الميزان ~~وألزم الرومانيين بدفع ثقلها ذهبا فدفعوه مكرهين. # لكن لما بلغ كامليوس خبر هذه المعاهدة لم يصادق عليها، بل نبذها ظهريا وأوعز إلى ~~المدائن المحالفة لرومة بعدم إمداد الغاليين بشيء وقفل الأبواب أمامهم ومهاجمة ما ~~يلاقونهم من فرقهم وقتل كل من يتخلف منهم في الطريق، وجمع هو عددا عظيما من بقايا ~~الجنود الرومانية وتبعهم في عودتهم، وبذلك قتل كثير منهم ولم ينج إلا القليل وقد ~~بالغ بعض مؤرخيهم في الحادثة وعدوها من الانتصارات المهمة. # وبعد انسحاب الغاليين عاد إلى رومة من هاجر من أهلها، ولما وجدوها خاوية على عروشها ~~وقد التهمت النار أغلب منازلها؛ ارتأى بعضهم تركها ونقل من بقي من سكانها إلى مدينة ~~(فايه) واتخاذها عاصمة لهم، لكن لم يوافقهم الباقون ولا أعضاء السناتو بل قرروا البقاء ~~في رومة وإعادة مبانيها إلى سابق حالها، ثم تقرر منح الحقوق الرومانية إلى أهالي فايه ~~وكابنيه وفاليريا المفتتحة حديثا لزيادة عدد الرومانيين، وتعويض من نقص منهم أثناء هذه ~~الحرب التي كادت تكون القاضية عليهم وعلى مدينتهم الباقية للآن رغما عن تتابع الفاتحين ~~واختلاف المغيرين. # ومن ثم اهتم الجميع في إعادة ms48 بناء المعابد والأماكن العمومية فضربت لذلك الضرائب ~~الفادحة واضطر الفقراء للاستدانة بالفوائد الباهظة فاشتد الإعسار، وزج كثير من ~~المعسرين في السجون لعدم إمكانهم القيام بدفع ما عليهم من الديون كما حصل بعد الحروب ~~التي أعقبت تأسيس الجمهورية. # فأراد أحد الأشراف واسمه منليوس أن ينتهز هذه الفرصة المناسبة لاستمالة الأهالي إليه ~~للحصول على إحدى الوظائف العالية إن لم تكن أنظاره تطمح إلى الاستئثار بالسلطة، وتضحية ~~استقلال وطنه على هيكل أغراضه فدفع ديون أربعمائة نفس من المسجونين، وتظاهر بالدفاع ~~عنهم وحضهم على مقاومة الأغنياء وعدم دفع ديونهم إليهم، فتوجهت إليه الظنون وخيف أن ~~يكون قصده غير صالح؛ فاتهمه بعض نواب الأمة كما اتهم كراسوس وسبوريوس من قبله، إلا أنه ~~لما حضر للمحاكمة عدد الوقائع التي انتصر فيها على الأعداء وما حازه من علامات الشرف ~~وأظهر آثار ما أصابه من الجروح في الدفاع عن وطنه فبرئت ساحته، ثم اتهم ثانيا وفاز ~~أعداؤه عليه فحكم عليه بالإعدام، فالتجأ مع أنصاره إلى قلعة الكابيتول لمقاومة الحكومة، ~~وعندما كان واقفا بقرب صخرة (تربيا) التي يلقى من شاهقها كل خائن لوطنه دفعه أحد من ~~كان حوله من أعلاها فسقط هشيما، وبذلك انقضت هذه الفتنة وهدم بيته كما كانت ~~العادة. # | حصول الشعب على المساواة في الحقوق ~~السياسية # ولما انقضت الأزمة الشديدة التي أعقبت جلاء الغاليين عن رومة وانتهت فتنة منليوس ~~بالكيفية السابق شرحها، وعادت الأحكام إلى نظامها الأصلي، وهدأت الخواطر؛ اتجهت الأفكار ~~إلى محو ما كان باقيا للأشراف من الامتيازات، والاستئثار بأهم الوظائف، وتقرير ~~المساواة بين أفراد الشعب بدون تمييز بين الطبقات بكيفية تجعل مشاركة الأهالي في ~~الوظائف العالية مشاركة حقيقية لا وهمية، كما حصل عند تعديل نظام الحكومة في سنة 444ق.م ~~بالطريقة التي أتينا على تفصيلها في موضعه، فقام كل من لسنيوس استولون وسكستيوس حين ~~انتخبا نائبين عن الشعب (تريبان) في سنة 376 وقدما مشروع إصلاح جاء فيه: # أولا: # أن لا ينتخب النواب الحربيون من الأشراف وغيرهم؛ الأمر الذي جعل ~~انتخابهم من غير الأشراف نادرا جدا، بل ms49 ينتخب قنصلان كما كان قبل ~~سنة 444 بشرط أن يكون أحدهما من الأشراف والآخر من الأهالي. # ثانيا: # أن لا يستحوذ أحد على ~~أكثر من خمسين فدانا رومانيا # 1 # من أطيان الحكومة، وأن لا يطلق في المراعي العمومية أكثر ~~من مائة رأس من البقر أو خمسمائة من الأغنام، وأن يعطى لكل روماني فقير ~~ما يوازي هكتارا وثلاثة أرباع من الأرض، وأن كل من يستغل جزءا من ~~أراضي الحكومة يؤخذ منه عشر محصولها ما عدا شجر الزيتون والكروم، ~~فيؤخذ خمس محصولها، وأن يستعمل هذا الإيراد في ترتيب ماهيات لأفراد ~~الجيش. # ثالثا: # أن تحقق ديون الأهالي، وذلك بأن كل ما دفع عنها من الفوائد يخصم من ~~الأصل، ويقسط الباقي على ثلاث سنوات. # فعارض الأشراف حفظا لحقوقهم السياسية وديونهم، وأصر كل من الطرفين على عدم التسليم ~~للآخر لكن بالطرق القانونية لا الثورية الموجبة لتفرق الشعب وانقسامه على بعضه وإراقة ~~الدماء التي يحق الحفاظ عليها لمحاربة الأعداء فقط، فأعاد الشعب انتخاب نائبيه اللذين ~~قدما هذه المشروعات الثلاثة عشر سنوات متوالية رغما عن معارضة الأشراف، وكانا في كل ~~سنة يقدمان مشروعاتهما ويلحان في طلب تقريرها مع معارضة الأشراف بعض زملائهما لهما ~~بمساعي ودسائس الأشراف وأعضاء السناتو، وأخيرا مل الشعب من الانتظار وأظهر رغبته في ~~قبول تقرير مشروعي الأراضي والديون فقط وإرجاء مشروع المشاركة في وظيفتي القنصلية ~~لفرصة مناسبة، فعارض سكستيوس وقال بقبول المشروعات الثلاثة معا أو رفضها معا إذ إن ~~فصلها عن بعضها بعد المثابرة عشر سنوات مما يحط بقدر الشعب في أعين الأشراف، ويحملهم ~~على الظن بأن الأهالي لا يقوون على الثبات أمام معارضتهم، وتكون نتيجة ذلك عدم تقدير ~~طلباتهم في المستقبل حق قدرها، والمماطلة في قبولها حتى يسأم الشعب ويتركها وتبقى القوة ~~والسلطان للأشراف. # وفي سنة 367 توسط القائد الشهير كامليوس وأقنع السناتو بضرورة التصديق على هذه ~~الطلبات العادلة حتى تتحصل الأمة على حقوقها، ولا يبقى ثمة سبب للشقاق والانقسام فصدق ~~عليها وانتخب سكستيوس أول قنصل من الأهالي وزال الخلاف وانتهى التنازع على السلطة ms50 بعد ~~أن استمر نحو مائة وخمسين سنة، وأقام كامليوس تذكارا لذلك هيكلا للمعبود الذي يمثل ~~الوفاق والاتحاد. # ولما صادق السناتو على قبول غير الأشراف في وظيفة القنصلية سلخ عنها بعض الاختصاصات ~~المهمة وخصها بالأشراف، وأوجد وظيفة (بريتور) وجعل من اختصاصاتها إدارة القضاء وتفسير ~~المسائل القانونية مع حق الفصل في القضايا. # وفي سنة 365 أنشأ إدارة البلدية وخصها كذلك بالأشراف وجعل من شؤونها ملاحظة الشوارع ~~وأقنية جلب المياه للمدينة والمحافظة على المباني العمومية، وملاحظة الأعياد ~~والاحتفالات والألعاب الأهلية، وبالاختصار كانت اختصاصاتها تقرب من اختصاصات المجالس ~~البلدية الموجودة بقطرنا الآن، فبقي للقناصل بعد سلخ هذه الاختصاصات قيادة الجيوش ~~ورئاسة السناتو والخدمة العسكرية إلا أن حق تعيين حاكم مطلق في الظروف الحرجة بمعرفة ~~السناتو أنقص من أهمية الامتياز الجديد الذي منح للأهالي؛ لأنه كان يستعمل هذا الحق عند ~~الانتخابات العمومية للتأثير على المنتخبين، وكذلك في الحروب المهمة حتى لا يحتفل ~~بانتصار قنصل من الشعب بالطريقة المتبعة غيرة من الأشراف على هذا الامتياز القديم، ~~ولقد أكثر السناتو من استعمال هذا الحق فعين أربعة عشر دكتاتورا من سنة 364 ~~لسنة 343؛ أي في مدة إحدى وعشرين ~~سنة. # وفي أثناء ذلك حصلت حوالي رومة عدة حروب كان النصر النهائي فيها للرومانيين بعد أن ~~هربوا عدة مرات، ففي سنة 362 تألب اللاتينيون عليها وفازت قبائل الهرنيك على جيوشها ~~وقتلوا قائدهم. # وفي سنة 460 أغار الغاليون # 2 # ثانيا على أرباض المدينة ووصلوا إلى أحد أبوابها مدحورين، وفي سنة 357 ~~هاجمها سكان مدينة تركوينيا وهزموا جيوشها وقتلوا قائدهم وذبحوا 307 جنود من الأسرى ~~قربانا لآلهتهم، ثم هزموا مرارا بين سنة 356 وسنة 350، واضطروا في هذه السنة لعقد ~~معاهدة صلح مع رومة لمدة أربعين سنة، وفي سنة 356 عاود الغاليون الكرة عليها فانتصرت ~~عليهم بمساعدة اللاتينيين الذين رأوا أخيرا أن الاتحاد مع الرومانيين على محاربة هؤلاء ~~الأجانب أضمن لاستقلالهم وأولى من الانقسام والشقاق، لكن لم تكن هذه الإغارة هي الأخيرة ~~من قبل الغاليين، بل جمعوا قواهم وهاجموها المرة الأخيرة في سنة ms51 349 فانتصر ~~الرومانيون عليهم هذه الدفعة نصرا مبينا تحت إمرة وقيادة فلريوس بن كامليوس الذي رد ~~إغارتهم الأولى فلم يعودوا إليها، وقد لقب هذا القائد بالغراب تذكارا لحادثة يروونها، ~~ويغلب أنها وهمية لا حقيقية لها، وهي أنه بارز أحد قواد الغاليين في أثناء القتال، فنزل ~~غراب على خوذته وأخذ ينقره في عينيه ويرفرف عليه بجناحيه حتى لم يتمكن من الدفاع عن ~~نفسه وقتله فلريوس. # وفي سنة 345 فتح الرومانيون مدينة (سوره) إحدى مدائن الفولسك؛ فزال بذلك المانع الذي ~~كان يعوقهم من التقدم إلى إقليم (كمبانيا) التي كانت رومة تطمح إلى الاستيلاء عليه ~~لخصوبة أرضه ووفرة حاصلاته. # وبهذه الانتصارات المتوالية والفتوحات المتتالية في الخارج، وحصول الشعب على المساواة ~~في جميع الحقوق السياسية تقريبا، واستتباب الأمن بسبب ذلك في الداخل؛ صارت الجمهورية ~~الرومانية أقوى الولايات التي كانت تكون لما نسميه الآن بمملكة إيطاليا، وداخلها حب ~~امتداد النفوذ والفتوحات إلى ما وراء حدودها؛ فساقت الجيوش إلى جميع الحكومات المتاخمة ~~لها وفتحتها شيئا فشيئا حتى أدخلتها تحت سلطانها وتعدتها إلى غيرها كما سيأتي مفصلا، ~~ولنذكر الآن بكل إيجاز واختصار الحروب التي كانت نتيجتها بسط سلطة رومة على جميع إقليم ~~إيطاليا فنقول: # | هوامش # | فتح إيطاليا # من سنة 345ق.م إلى سنة 272ق.م # تنقسم هذه الحروب التي استمرت 73 سنة تتخللها بعض سني صلح وسلام إلى سبعة أقسام: ~~الأول من سنة 345 إلى سنة 341، وكانت نتيجته فتح مدينة (كابوه)، والثاني من سنة 340 إلى ~~سنة 338، وفيه تم إخضاع إقليم اللاسبوم موطن قبائل اللاتين، والثالث من سنة 326 إلى سنة ~~311، وفي خلالها فتح إقليما أبوليا ~~وكمبانيا، والرابع من سنة 311 إلى سنة 303، ~~وفيه أخضعت رومة كل قبائل الهرنيك والأيك، والخامس من سنة 300 إلى سنة 290، وفيه تم ~~إذلال قبائل السمينين واحتلال جميع أقاليم إيطاليا الوسطى، والسادس من 285 إلى 280، ~~وفيه فتحت أقاليم إيطاليا الشمالية ما عدا وادي نهر (بو)، واحتل الرومانيون أراضي قبائل ~~الأتروسك والأمبريين والغاليين النازلين بإيطاليا، والسابع من سنة 280 إلى سنة 272، ~~وهو يشمل حروب بيروس ms52 التي انتهت باحتلال ~~الرومانيين لأقاليم إيطاليا الجنوبية المعروفة في التاريخ القديم باسم إغريق الكبرى ~~وفتح مدينة ترنته أهم مدائن اليونان (الإغريق) في إيطاليا. # ولما كان ذكر الحروب بتفاصيلها وحذافيرها لا يفيد المطالع سوى الملال، ولا يورثه إلا ~~الكلال اكتفيت بما ذكرته آنفا من نتيجة هذه الحروب فقط لعدم التطويل خصوصا وأن ~~إغفالها لا يضيع من ثمرة الكتاب شيئا ما، وحيث كان أهم الحروب ما حصل منها أخيرا مع ~~الإغريق بقيادة زعيمهم بيروس ملك إبيروس الذي استدعته من بلاده لشهرته وشجاعته أردت أن ~~أشرحها بالإيضاح الكافي والبيان الشافي، وتفصيل ذلك أن مدينة توريوم الواقعة على البحر ~~بالقرب من مدينة ترنته استعانت بالرومانيين لما هاجمها بعض مجاوريها، ولما طلبت سنة ~~282 أن تكون تحت حمايتهم لبوا طلبها وأعانوها على رد إغارة أعدائها عنها، وأقاموا فيها ~~حامية من جنودهم لإنجادها عند الحاجة فلم تنظر ترنته إلى هذا الاحتلال بعين الرضى، بل ~~عزمت على انتهاز أول فرصة لطرد الرومانيين من جوارها حفظا لاستقلالها وخوفا من وصول ~~أيديهم إليها. # وبعد ذلك أضافت رومة إلى حامية هذه المدينة أسطولا بحريا مركبا من عشرة مراكب ~~حربية، وفي ذات يوم تجول هذا الأسطول حتى وصل إلى مدخل ميناء ترنته، وكان الأهالي ~~مجتمعين على الساحل في إحدى التياترات، فلما رأوا مراكب الرومان مقبلة ظنوا أنها تريد ~~شن الغارة عليهم، فأسرعوا إلى مراكبهم وخرجوا لمحاربة مراكب الرومانيين فهاجموها بشدة ~~وأغرقوا أربعة منها وأخذوا واحدة وقتلوا من بها، ثم ساقهم الغرور إلى مهاجمة مدينة ~~توريوم وطرد حاميتها الرومانية منها بدون إعلان حرب، فلما وصلت هذه الأخبار المكدرة إلى ~~رومة أرسلت سفيرا التي ترنته يطلب من أهلها رد المراكب المأخوذة وتقديم الترضية ~~اللازمة عن هذا التعدي، فأهانوا السفير وأخرجوه من بلدهم بحالة غير مستحسنة، فلم يسع ~~رومة بعد هذه الإهانات المتكررة إلا إعلان الحرب عليها وتجهيز الجيوش والكتائب لتأديبها ~~والانتقام منها، ولما اقتربت الجيوش الرومانية من ترنته أرسل قائدها إلى أهلها يعرض ~~عليهم الصلح إذا قاموا بالترضية المطلوبة، فمال الأغنياء إلى السلام ms53 وعارضهم الشبان ~~والمتطرفون وأبوا إلا الحرب، واستدعوا بيروس من بلاد الإغريق ليرأس جيوشهم فأتى إليهم ~~طمعا في فتح إيطاليا الجنوبية وجعلها مملكة له، واستصحب معه خمسة وعشرين ألف مقاتل ~~وعشرين فيلا، ولما وصل إلى ترنته أمر بقفل التياترات ومحلات الملاهي العمومية وجبر ~~جميع الأهالي على الانخراط في سلك الجندية والتمرن على الأعمال العسكرية، فهاجر كثيرا ~~منهم لحبهم للملاذ وبغضهم للتقشف والتعب، ولتوهمهم أن هذا الأجنبي يدافع عنهم وهم ~~مرتاحو البال منغمسون في الملاهي والمفاسد، فخشي بيروس شر العاقبة وعرض الصلح على ~~الرومانيين فرفضوه بكل إباء وشهامة غير قابلين توسط هذا الأجنبي في شؤون الجزيرة ~~الإيطالية التي كانت رومة تبذل جهدها في نشر لوائها عليها، وعقدوا الخناصر على مكافحة ~~هذا الدخيل وإلزامه العودة لبلاده، ولما لم ير بدا من القتال خرج بمن أتى معه من ~~الجنود والتقى بجيوش الرومانيين بقرب هرقليه وكادت تدور عليه الدائرة لولا أن أزعج ~~الرومانيين منظر الأفيال لعدم رؤيتهم لها من قبل فولوا مدبرين بعد أن قتل منهم نحو خمسة ~~عشر ألفا، وقتل كذلك من جيوش بيروس نحو اثني عشر ألف مقاتل؛ أي نحو نصف جيوشه، ولتحققه ~~من عدم اقتداره على استمرار الحرب بباقي جيوشه طلب الصلح ثانيا من رومة، وأرسل إليها ~~سينياس الشهير بالفصاحة وقوة الحجة، فسافر إليها حاملا هدايا فاخرة لأعضاء السناتو ~~وزوجاتهم فلم تقبل منه الهدايا ولم تفده فصاحته، بل طلب السناتو جلاء بيروس وجنوده عن ~~إيطاليا أولا، ثم ينظر بعد ذلك في أمر الصلح، وكلفوه بالرجوع إلى مرسله بدون إمهال ~~وتبليغه ذلك وإلا تزحف الجيوش الرومانية لطرده. # فعاد سينياس إلى معسكر بيروس مقتنعا بوجوب الجلاء عن هذه البلاد عاجلا لما شاهده من ~~استعداد الرومانيين واتحادهم على قتاله لآخر نقطة من دمهم، لكن لم يصغ بيروس لنصائحه، ~~بل زحف خلسة بقليل من رجاله ومر من بين جيوش الرومانيين قاصدا مدينة رومة نفسها ~~مؤملا الوصول إليها قبل أن يصل الرومانيين خبره فيستعدوا للدفاع عنها، وصار ينهب كل ~~ما يمر عليه في طريقه من القرى والبلدان، ms54 لكن لما اقترب من رومة وجد أهلها قد استعدوا ~~للقائه، وكادت الجيوش التي اقتفت أثره تقطع عنه خط رجعته فعاد مسرعا إلى ترنته مكتفيا ~~بما اكتسبه من الغنائم وجمعه من الأسلاب. # وفي ربيع سنة 279 حاصر مدينة تسكولم فأتت الجيوش الرومانية لإنقاذها وحاربت جيوش ~~الأعداء بكل بسالة وإقدام وقتلوا منهم خلقا كثيرا، لكن لم يقووا على الانتصار عليها ~~وإلزامها رفع الحصار عن المدينة لخوف خيولهم من منظر الأفيال، ومع ذلك فكان بيروس هو ~~الخاسر في هذه الواقعة لموت أغلب جنوده التي أتى بها من بلاد اليونان وعدم قيام الأهالي ~~المستنجدين به لمساعدته، فاضطر لرفع الحصار عن تسكولم بدون قتال آخر وعاد إلى ترنته ~~متحيرا في أمره. # وبينما هو على هذا الحال إذ أتاه وفد من اليونان النازلين بجزيرة صقلية يطلبون منه ~~المعاونة والمساعدة على رد إغارة القرطاجيين عنهم، فسافر بكل سرعة لنجدتهم مع من بقي ~~بجيوشه مؤملا النصر بالسهولة على القرطاجيين والعودة لمحاربة رومة بمساعدة يونان ~~صقلية، فنزل بمدينة سيراكوزة وكان القرطاجيون محاصريها ومضايقين عليها الخناق، فحارب ~~المحاصرين وقهرهم ثم تبعهم إلى داخل الجزيرة مقتفيا أثرهم من مدينة لأخرى، وقبل ~~الإجهاز عليهم وطردهم من الجزيرة وقع الخلاف بينه وبين محالفيه المستنجدين به فتركهم ~~وعاد إلى جنوب إيطاليا لتتميم مشروعه الأول وهو امتلاك إقليم ترنته وما جاوره من ~~البلاد، وعند اجتيازه بوغاز مسينه الذي يفصل جزيرة صقلية عن بلاد إيطاليا هاجمته سفن ~~القرطاجيين وأغرقوا بعض سفنه بمن فيها واستولوا على ما كان معه من الأموال والأشياء ~~الثمينة، ولم ينج هو وباقي سفنه إلا بكل مشقة. # ولما عاد إلى ترنته لم يمهله الرومانيون ريثما ينظم ما بقي من جيوشه، بل داهموه ~~بالقرب من مدينة بنفنوتم ~~(Benvenutum) # وانتصروا عليه ~~نصرا مبينا لم تقم له بعده قائمة، وكان ذلك لتعود الرومانيين وخيولهم على منظر ~~الأفيال، واحتفل بالقائد كوريوس الذي كان قائدا للجيوش الرومانية في هذه الموقعة ~~احتفالا عظيما حين عودته إلى رومة، فدخلها على مركبة تجرها أربعة من الأفيال التي ~~أخذت من جنود بيروس ms55 ضمن الغنائم، ووصل صدى هذا الانتصار إلى مصر فأرسل ملكها بطليموس ~~الملقب فيلادلف؛ أي محب إخوته، وفدا إلى رومة لتهنئة السناتو والسعي في إبرام معاهدة ~~بين الحكومتين. # هذا؛ أما بيروس فلما لم يبق له أمل في تنفيذ مشروعه عاد إلى بلاده بخفي حنين مع ~~من بقي من جيوشه تاركا في مدينة ترنته حامية قليلة تحت إمرة أحد ضباطه المسمى ميلون ~~وأثار هو نيران الفتن في بلاد مقدونية، ونودي به ملكا عليها ثم قتل سنة 272 عند ~~محاصرته مدينة (أرجوس) بعد أن قضى حياته في ~~الحروب والفتن والسعي للحصول على بقعة من الأرض والتملك عليها. # وبعد انسحاب بيروس ورجاله من بلاد إيطاليا استمرت الحرب بها بين الرومانيين والقبائل ~~الساكنة بجنوب إيطاليا مدة من السنين؛ انتهت بانتصار الرومانيين، واستيلائهم على ما بقي ~~مستقلا بإقليم الجنوب وبلاد اتروريه. # وفي سنة 272ق.م اضطر ميلون قائد حامية ترنته إلى تسليمها للرومانيين وبذلك امتد ~~نفوذهم إلى أطراف الجزيرة الإيطالية وأشرب الشعب الروماني حب الحروب والفتوحات، وصار ~~شعبا حربيا اكتسب جميع الصفات التي تؤهله لذلك في هذه الحروب المستمرة ضد الأجانب، ~~وسنرى فيما يأتي ما وصلت إليه هذه الدولة من الاتساع وبسطة النفوذ حتى امتد ظل لوائها ~~على جميع الجهات المسكونة في ذلك العهد تقريبا، وكانت أول حروبها الخارجية مع حكومة ~~قرطاجة الباقية أطلالها للآن بقرب مدينة تونس الخضراء، ولا بأس من أن نذكر طرفا من ~~كيفية ترتيب الحكومة الرومانية، وما حصل فيها من التغيير والتبديل أثناء المدة التي ~~كانت فيها نيران الحرب مشتعلة لفتح جنوب إيطاليا قبل الشروع في تفصيل حروب رومة ~~وقرطاجة، وبيان تاريخ هذه الدولة التي لم يسبق ذكرها في هذا الكتاب. # | إدارة وتنظيم الأقاليم الإيطالية # قد اتبعت رومة مع الأمم التي فتحت بلادها وضمتها إليها سياسة مبنية على الحكمة وبعد ~~النظر والتبصر في العواقب فلم تعاملهم معاملة ملوك وحكومات تلك الأزمان الغابرة لمن ~~تؤخذ بلادهم؛ أي معاملة الاسترقاق والتملك الحقيقي على الأموال والأنفس، ولم تعاملهم ~~بضد ذلك مرة واحدة؛ أي لم تمنحهم جميع ms56 ما للرومانيين الأصليين من الحقوق، بل اتبعت طريق ~~الرشاد والسداد وعاملت كل أمة بما يناسبها ويضمن بقاءها ضمن الجمهورية الرومانية مراعية ~~في ذلك بعدها عن مدينة رومة وقربها منها ودرجة ولائها لها، فأعطت القبائل المجاورة لها ~~جميع حقوق الرومانيين ليكونوا حاجزا بينها وبين أعدائها البعيدين، وشكلت منهم اثنتي ~~عشرة قبيلة رومانية جديدة، وبذلك بلغ عددها ثلاثا وثلاثين قبيلة، لكنها وزعت أصوات ~~الانتخاب بينها بكيفية تجعل الأغلبية دائما لسكان رومة الأصليين لحفظ نفوذهم وسيادتهم ~~على باقي الأمم المنضمة إليهم حديثا بطريقة غير محسوسة. # ومنحت لبعض مدن اللاتين امتيازات خصوصية كانتخاب حكامها وقضاتها وتوزيع الضرائب بين ~~أهلها، وسهلت لهم التجنس بالجنسية الرومانية فجعلتها حقا لكل حاكم أو قاض قضى مدة ~~تقلده الوظيفة بكل أمانة وصداقة، ومكافأة لكل من يأتي عملا جليلا نافعا لأبناء ~~وطنه، وغير ذلك من الطرق المسهلة للحصول على ما للرومانيين من الحقوق؛ إذ كانت تمنح ~~باقي المدن والأمم المفتتحة حديثا تارة حق الاتجار مع الرومانيين والتعامل على حسب ~~نصوص القانون الروماني، وأحيانا حق التزاوج معهم وآونة جميع الحقوق إلا حق الانتخاب ~~حسب الظروف، وبالاختصار فإنها لم تتبع مع رعاياها طريقة واحدة، بل طرقا متنوعة تتغير ~~تبعا للأحوال والمقاومة التي حصلت منها وقت الفتح، وبعض الأمم لم تمنح شيئا من ذلك، ~~بل بقيت بالنسبة للرومانيين الأصليين كنسبة غير الأشراف لهم قبل حصول هؤلاء عن جميع ~~الحقوق كما سبق بيانه في موضعه. # واتخذت رومة طريقة أخرى لتأييد سلطتها على هذه القبائل وعدم تمكينهم من التحالف ~~والاتحاد ضدها، وهي أقامة مستعمرات من الرومانيين بين ظهرانيهم تكون كحاميات عسكرية ضد ~~كل طارئ خارجي أو داخلي، ونشر عوائد الرومانيين ولغتهم بينهم من جهة أخرى، وأخيرا بث ~~الدم الروماني في عروقهم بالتزاوج والاختلاط الحقيقي، فيزيد الارتباط بينهم حتى بعد زمن ~~يسير تصير هذه الأمة أو المدينة المغلوبة رومانية حقيقية في الدم والأخلاق واللغة ~~والأفكار والمشارب، وينمحي ما كان بينها من الاختلاف والتباين في جميع ذلك، وتصير سكان ~~الجزيرة الإيطالية أمة واحدة رومانية عزيزة الجانب قوية ms57 الشوكة يمكنها الإغارة على ما ~~وراء حدودها من الإيالات والممالك، وصد كل من يتعدى حدودها من الغزاة والفاتحين ولتسهيل ~~المواصلات بين هذه المستعمرات أو النقط العسكرية وبين أطراف البلاد من الجنوب إلى ~~الشمال، ومن الشرق إلى الغرب وتشهيل إرسال الجنود إلى أي نقطة يفاجئها العدو أنشأت رومة ~~طرقا عسكرية متسعة ومرصوصة بالأحجار المنحوتة الصلبة، وأقامت الجسور والكباري الحجرية ~~على الجداول والأنهار التي تقطعها هذه الطرق، فكانت فيما بعد من أهم معداتها الحربية ~~كالسكك الحديدية في عصرنا هذا، ولم تزل آثارها باقية للآن في جميع البلاد التي فتحها ~~الرومانيون شاهدة لهم بحسن الإدارة ودقة التدبير. # | الحرب البونيقية الأولى # هي الحرب التي دارت رحاها وحمي وطيسها بين الجمهورية الرومانية وجمهورية قرطاجة؛ بسبب ~~ادعاء كل منهما السيادة على البحر المتوسط الذي كان مرسحا لسفن قرطاجة التجارية، تشق ~~عبابه لنقل السلع والمتاجر إلى جميع البلاد والثغور الواقعة على شواطئه، فإن قرطاجة ~~كانت السيدة الوحيدة على هذه الطريق التجارية، ولما ازدادت فتوحات رومة، ووصلت إلى ~~أطراف إيطاليا الجنوبية، واحتلت مدائن ترنته ونابولي وغيرهما من الثغور المهمة، وأخذت ~~في إنشاء السفن الحربية والتجارية؛ خشيت قرطاجة مزاحمتها لها في التجارة التي كانت مورد ~~ثروتها وينبوع غناها، كما كانت أساس حياة بلاد فنيقيه التي خلفتها قرطاجة في مهنة نقل ~~الحاصلات بين الأقاليم وبعضها، مع أنها كانت إحدى مستعمراتها العديدة المنتشرة على ~~سواحل البحر المتوسط وبعض سواحل المحيط الشمالية، ولنذكر هنا لمحا من تاريخها ونظامها ~~قبل تفصيل ما حصل بينها وبين رومة من الحروب التي كانت نتيجتها خراب قرطاجة وسيادة رومة ~~على البحار فقط، بل على جميع أقطار أوروبا وشمال أفريقيا وغربي آسيا، وجعل البحر ~~المتوسط بحيرة رومانية تحيط أملاكها من جميع الجهات فنقول: # كانت هذه المدينة عبارة عن إحدى ~~الحلقات المكونة لسلسلة المستعمرات التي أسستها فنيقيه على جميع طرقها البحرية إلا أن ~~موقعها الجغرافي بالقرب من جزيرة صقلية وفي منتصف البحر المتوسط، وعدم وجود جبال خلفها ~~تمنع امتدادها في الداخل ووجود سهول إقليم تونس الخصبة في جنوبها وغير ms58 ذلك من المزايا ~~الطبيعية ساعدها على النمو والارتقاء أكثر من مدينة (صور) عاصمة الفينقيين نفسها، ولما ~~ظهرت أمة الإغريق في العالم وتغلبت تجارتها على تجارة صور في شرق البحر المتوسط ازدادت ~~تجارة قرطاجة الجزء الغربي منه، وأخيرا لما اضمحل حالها وسقطت في هوة الانحطاط ~~والتقهقر حين فتحها الإسكندر المقدوني سنة 332ق.م سادت قرطاجة على البحر المتوسط وملكت ~~زمام تجارته، وبلغت من الغنى والثروة مبلغا لم تبلغه صور ولا غيرها من قبلها، وفتحت ~~سواحل البلاد المكونة الآن لولاية الجزائر ومراكش وإسبانيا وجنوب فرنسا، وأقامت فيها ~~المراكز التجارية لتبادل التجارة مع أهاليها المنغمسين في الهمجية والتوحش، واحتلت جميع ~~الجزائر الموجودة في هذا القسم من البحر المتوسط؛ مثل سردينيا، وكورسيكا، ومالطة، ~~وجزائر باليار، وليباري، ونحو ثلثي جزيرة صقليه لحفظ مركزها التجاري وسيادتها ~~البحرية. # ولما كانت هذه الأمة أمة تجارة واكتساب لا أمة حرب وجلاد كانت لا تعد الجندية فخرا ~~ولا التفاني في الدفاع عن الوطن مجدا، فكانت تجند الجيوش من الأجانب المستأجرين الذين ~~لا يهمهم إلا قبض الراتب في ميعاده، وينضمون للفريق الذي يدفع لهم راتبا أكثر من ~~الآخر، نعم إن القواد والضباط كانوا من القرطاجيين إلا أن ذلك لا يكفي لأن تعادل الجيوش ~~المؤلفة بهذه الصفة الجيوش التي أفرادها من نفس الأمة وبالدفاع عنها تدافع عن أراضيها ~~وعائلاتها. # وأما حكومة قرطاجة فكانت جمهورية إلا أن السلطة لم تكن فيها للشعب بأسره، بل في قبضة ~~بعض عائلات تتوارثها خلفا عن سلف كما كانت رومة في بادئ أمرها، لكن أدركت رومة ضرورة ~~مشاركة جميع الأهالي في إدارة شؤون البلاد فمنحتهم الحقوق السياسية تدريجيا كما رأيت، ~~بل ومنحت نفس هذه الحقوق والمزايا كلها أو بعضها للأجانب المفتتحة بلادهم ونعم ما فعلت؛ ~~لأنها كونت بهذه الطريقة الحكيمة أمة واحدة عزيزة قوية ملكت العالم ولم تفقه قرطاجة ~~لسوء عاقبة حصر السلطة في بعض العائلات، واستمرت على احتقار الشعب وعدم منحه شيئا من ~~السلطة، ومن جهة أخرى أساءت معاملة من فتحت بلادهم فكانت تلزم البعض بزراعة صنف معين ms59 أو ~~عدم زرعه مراعاة لصالحها التجاري بدون نظر إلى ما يعود على هذه الأمم التعيسة من الخراب ~~والدمار. # وكان يرأس حكومة قرطاجة رئيسان عظيمان يعادلان قناصل رومة في الاختصاص، وكان لقبهما ~~الرسمي (سوفيت) ويليهما مجلس سناتو مؤلف من خمسمائة عضو ينتخبون من عائلات الأشراف دون ~~غيرهم، وله ما لسناتو رومة من الاختصاصات تقريبا، وتنتخب من بين أعضائه لجنة من مائة ~~عضو فقط ينتخبون لمدة حياتهم لإدارة جميع الأعمال تحت رئاسة السوفيت، وكان كل فرع من ~~فروع الحكومة من اختصاص لجنة صغرى تنتخب من السناتو للنظر في شؤونها وعرض قراراتها على ~~مجلس المائة فيعتمدها أو يرفضها على حسب ما يرى له، هذا مجمل نظامها الداخلي ويرى لأول ~~نظرة أنه أقل بكثير من نظام رومة، فإن هذه كانت تغيره أو تعدله تبعا لظروف الحوادث ~~وطلبات الشعب، وتلك لم تصغ لطلباته ولم تحسن معاملة الأمم التي فتحت بلادها. # ولذلك كان من المحقق تغلب رومة على قرطاجة ولو طال الحرب؛ إذ الجنود المؤجرة لا يكون ~~لها من صفات الثبات والوطنية ما للجنود المأخوذة من نفس الأمة، ولنذكر الآن أسباب ~~انتشاب القتال بين الجمهوريتين. # إن جزيرة صقلية كانت منقسمة بين ثلاث حكومات متضادة: الأول تابع لهبيرون صاحب ~~سيراكوزة، والثاني في قبضة قبيلة المامرتايين وعاصمتهم مدينة مسينه، والثالث وهو الأهم ~~في حوزة القرطاجيين، وفي سنة 265 حارب صاحب سيراكوزة قبيلة المامرتايين لقمعهم ومنع ~~تعديهم على البلاد التابعة له بالنهب والسلب، فقهرهم وكاد يدخل مدينة مسينه لولا تعرض ~~القرطاجيين له، وفي أثناء ذلك أرسلت هذه القبيلة وفدا إلى رومة تستعين بها على صاحب ~~سيراكوزة، فأسرعت بإرسال الجيوش لنجدتها متخذة هذه الفرصة سببا لوضع قدمها في جزيرة ~~صقلية وطرد القرطاجيين منها، واستخلصت مدينة مسينه من هبيرون، وكان قد احتلها بحيلة ~~حربية فاتحد مع القرطاجيين على مكافحة الرومانيين خوفا من امتلاكهم الجزيرة شيئا ~~فشيئا، وحاصروا مسينه لإخراج الرومانيين منها ومنع القرطاجيون وصول المدد إلى ~~الرومانيين من إيطاليا باحتلالهم بوغاز مسينه، لكن توصل القنصل إبيوس كودكس من اجتياز ~~البوغاز في ms60 ليلة حالكة مع عشرين ألف مقاتل وانتصر على المحاصرين وتبع هبيرون إلى مدينة ~~سيراكوزة وابتدأ في حصارها، وأرسل إلى رومة يطلب الإمداد فأرسلت إليه خمسة وثلاثين ألف ~~مقاتل فشدد الحصار على المدينة، فعرض هبيرون في سنة 264 أن يعاهدهم على دفع مبلغ جسيم، ~~وعلى أن يكون حليفا لرومة ضد القرطاجيين فقبل الرومانيون ذلك وبقي حليفا لهم مدة ~~خمسين سنة. # ومن ثم تفرغ الرومانيون لمحاربة قرطاجة وانتشروا في جميع أنحاء الجزيرة واحتلوا ~~أغلب مدنها حتى لم يبق مع القرطاجيين إلا بعض الثغور البحرية، إلا أنهم من جهة أخرى ~~كانوا سائدين على البحار ويشنون الغارة على شواطئ إيطاليا ويمنعون الاتصال بينها وبين ~~الجزيرة، ولذلك قرر سناتو رومة سنة 261 بضرورة محاربتهم بحرا لمنع تعديهم على الثغور ~~وإقلاقهم راحة سكانها وتعطيلهم التجارة، وأمر بإنشاء السفن الحربية فأنشأت مائة وعشرين ~~سفينة في مدة يسيرة على مثال سفينة قرطاجية ألقتها الرياح على شواطئ إيطاليا، وعين ~~القنصل كورنيليوس سيبيون قائدا عاما لها، لكن لعدم تمرن الرومانيين وتدربهم على ~~القتال البحري انهزمت الدونانمة الرومانية في سنة 260، وأخذ سيبيون أسيرا مع سبع عشرة ~~سفينة، ثم ما لبثوا أن أحسنوا إدارة السفن وتفننوا في ضروب القتال وانتصروا على ~~القرطاجيين نصرا مبينا تحت إمرة دويليوس. # وينسب بعض المؤرخين هذا الانتصار إلى اختراع غريب ابتدعه هذا القائد البحري؛ وهو جسر ~~من الخشب يركب في مقدمة كل سفينة، وبه عدة مشابك وكلاليب من حديد بحيث لما تقترب السفن ~~من سفن الأعداء تلقي هذه الجسور عليها فتشتبك معها وتنتقل الجنود إليها بكل سهولة، ~~وبذلك تصير الحرب حربا برية لا بحرية، ولا يخفى ما كانت تمتاز به الجنود الرومانية على ~~أعدائها من الثبات وحسن النظام، وهي رواية تحتمل الصدق والكذب نقلناها على علاتها، ~~وكافأ السناتو هذا القنصل بأن أقام في الفورم عامودا تذكارا لهذه الحادثة نقش عليه ~~تاريخها بجانب اسمه ومنحه عدة امتيازات أخرى. # ثم انقسمت الدونانمة الرومانية قسمين تبع أحدهما ما بقي من سفن قرطاجة إلى جزيرة ~~سردينيا حيث أجهز عليها، وشرع الرومانيون ms61 من ثم في فتح هذه الجزيرة وجزيرة كورسيكا ~~المجاورة لها، والقسم الثاني جعل سواحل جزيرة صقلية ميدانا لأعماله. # ولما تحقق السناتو ضعف حكومة قرطاجة وعدم انتظام داخليتها ووقوع الفشل فيها عقب ~~انتصار الرومانيين وانتشار سفنهم في البحر المتوسط؛ قرر تجهيز دونانمة أخرى أكثر ~~انتظاما واستعدادا لمحاربة قرطاجة في مياهها الأصلية وإنزال الجنود إلى البر ~~لمحاصرتها برا وبحرا، فأنشئت ثلاثمائة وثلاثون سفينة جديدة أنزل إليها مائة ألف ~~بحري وأربعين ألف جندي بري تحت قيادة القنصلين مانليوس فولسو واتليوس ريجلوس. # ولما بلغ قرطاجة خبر استعداد هذه السفن وسفرها قاصدة بلادها أرسلت لملاقاتها ومنعها ~~من الوصول ثلاثمائة وخمسين سفينة، فتقابلت الدونانمتان بقرب مدينة اكنوم واقتتلتا ~~قتالا عنيفا كانت الدائرة فيه على القرطاجيين (سنة 256ق.م) ثم سارت السفن الرومانية ~~قاصدة شواطئ إفريقية فوصلتها بدون مقاومة، ونزل القنصلان والجنود البرية إلى الشاطئ ~~بالقرب من مدينة كليبيا وانتشروا في جميع الإنحاء كالجراد، ولم يمض قليل زمن حتى ~~احتلوا مدائن لا تحصى وغنموا مغانم وأموالا كثيرة وأسروا نحو عشرين ألف مقاتل. # ثم استرجع السناتو القنصل منليوس وأغلب الجنود وأبقى ريجلوس مع خمسة عشر ألف مقاتل ~~وخمسمائة خيال، فاستمر مع هذا الجيش القليل في فتح القرى والبلدان، ووصل إلى مدينة تونس ~~التي لا تبعد عن مدينة قرطاجة بأكثر من ميلين اثنين فقط، فخشيت الحكومة من أن يحاصر ~~المدينة نفسها ولا قدرة لها على الدفاع، وعرضت الصلح على ريجلوس فاشترط شروطا لا يمكن ~~قبولها لشدتها وإجحافها باستقلال قرطاجة، ولذلك فضلت الحرب لآخر رمق من حياتها على قبول ~~هذه الشروط، وأسعدها الحظ بوجود قائد ماهر لقدموني الأصل اسمه كسانتيب ضمن جيوشها ~~المؤجرة المؤلفة من خليط الأجناس المختلفة والأمم المتباينة، فأعاد إلى جيوش قرطاجة بعض ~~الانتظام وبث فيهم روح الحماسة نوعا وحارب الرومانيين في عدة وقائع صغيرة كان الفوز له ~~في أغلبها، ولم يجسر على محاربتهم بكل جيوشه دفعة واحدة خوفا من الخيبة ~~والانهزام. # ولما تدربت جيوشه على فنون القتال في هذه الوقائع المتعددة، وتعودت على الوقوف أمام ~~الرومانيين في مواقع ms62 النزال؛ هجم بكل قواه على ما بقي مع ريجلوس من الجيوش وبدد شملهم ~~ومزقهم كل ممزق وأخذ ريجلوس أسيرا، وتخلصت قرطاجة من الرومانيين فإنهم أخلوا بلادها ~~بعد وقوع ريجلوس في الأسر، وانتقلت الحرب إلى جزيرة صقلية وشواطئ إيطاليا. # وبقيت الحرب بعد ذلك سجالا بين الطرفين إلى سنة 250 وفيها انتصر الرومانيون على ~~أعدائهم في واقعة (بانورم) بكيفية أوجبت قرطاجة أن تطلب الصلح ثانيا فرفضته رومة، ~~واستمر القتال إلى سنة 242 التي هزم فيها القنصل لوتاتيوس كاتولوس الدونانمة القرطاجية ~~بقرب جزائر ايجات الواقعة على شاطئ صقلية من جهة الغرب، وأغرق أغلب سفنها وأخذ باقيها ~~بحيث لم تعد لقرطاجة قدرة على محاربة رومة بحرا، ولا على إسعاف جنودها المحاربة في ~~صقلية بالرجال لوقوف السفن الرومانية في طريقها فعرضت الصلح ثالثا، وبعد مخابرات ~~استمرت نحو سنة تم الصلح بين الطرفين على أن تخلي قرطاجة جزيرة صقلية والجزائر المجاورة ~~لها، ولا تتعرض لأهاليها مطلقا وتطلق سراح الأسرى بدون فدية، وتدفع غرامة حربية توازي ~~تسعة عشر مليون فرنك من العملة الفرنساوية؛ أي سبعمائة وستين ألف جنيه مصري ~~تقريبا. # وبذلك انتهت هذه الحرب بعد أن استمرت نحو ربع قرن خسرت قرطاجة في أثنائها سيادتها على ~~البحار، ولحق تجارتها البوار والدمار، وذاقت فيها رومة لذة الانتصار فسكرت بخمرة المجد ~~والفخار، وتاقت نفسها إلى امتلاك البلاد والأمصار، لكن لم تقبل قرطاجة هذه الحالة إلا ~~بصفة مؤقتة لعجزها عن استمرار الحرب وتعطيل تجارتها التي عليها مدار ثروتها، وأيقنت ~~رومة كذلك أن هذا الصلح ظاهري فقط وأن لا بد لقرطاجة من الأخذ بالثار وإعادة ما فقدته ~~من الأموال فضلا عن الشرف في هذه الحرب، فأخذ كل فريق يستعد للحرب ويتأهب له ليكون على ~~استعداد عند انتشاب نيرانه ثانيا. # فابتدأت رومة بتتميم فتح جزيرة صقلية ~~حتى لا يبقى لقرطاجة أمل في استرجاعها، فأتمت فتحها في مدة يسيرة وجعلتها ولاية رومانية ~~وعينت لها حاكما يلقب (بريتور) مع حفظها استقلال بعض القبائل حفظا موقتا، ثم احتلت ~~جزيرتي سردينيا وكورسيكا، وتم فتحهما في سنة ms63 227ق.م فصارت صاحبة السيادة الحقيقية ~~والقول الفصل في البحر المتوسط. # ومن جهة أخرى وجهت أنظارها إلى البحر الأدرياتيكي الذي يفصل بينها وبين جزيرة ~~البلقان الواقعة بلاد اليونان في طرفها الجنوبي، وأنشأت فيه سفنا عديدة لمطاردة قرصان ~~البحر الذين كانوا يعطلون تجارتها ويهاجمون مراكبها في غدوها ورواحها إلى هذه الجهات، ~~وكانت تسكن البلاد الواقعة على شاطئه الشرقي المقابل لسواحل إيطاليا أمة الأليرين ~~التي كان منها أغلب قرصان هذا البحر، ولما كثرت الشكاوى للسناتو أرسل وفدا إلى (تيتا) ~~الوصية على هذه المملكة لصغر سن ابنها بينياس يطلب منها اتخاذ الطرق الفعالة لمنع أذى ~~رعاياها عن الرومانيين، فكان جوابها قتل أعضاء الوفد. # فلما وصل رومة خبر هذه الفعلة الشنعاء أرسل إليها جيشا جرارا في سنة 229ق.م احتل ~~أولا مدينة قنسير بخيانة دمتريوس أحد قواد الأليرين، ومنها انتشرت الجنود الرومانية في ~~طول هذا الإقليم وعرضه، ودخلت أغلب مدائنه فاضطرت الملكة (تيتا) أن تسلم لرومة بطلباتها ~~التي أهمها دفع جزية معينة، والتنازل عن جزء ليس بقليل من أراضيها، ورد ما كان لمدينتي ~~قونسير وأبولونيا اليونانيتين من الامتيازات وعدم جواز تعدي سفنها مدينة لسوس. # وبهذه المعاهدة صار لرومة ولاية رومانية جديدة بالقرب من بلاد اليونان يمكنها الزحف ~~عليها منها بكل سهولة عند سنوح الفرصة، وصار البحر الأدرياتيكي بحيرة رومانية لامتداد ~~أملاكها على شاطئيه الشرقي والغربي. # ولما بلغ الملك بينياس رشده، واستلم زمام البلاد أراد التخلص من سيطرة الرومانيين ~~فهزم، وكانت هذه الحركة آخر ما أتته هذه الأمة لاسترجاع ما فقدته من حريتها ~~واستقلالها. # | إغارة بعض قبائل الغاليين على رومة # ثم طلب النائب فلامينوس من السناتو تقسيم أراضي الحكومة الواقعة في إقليم سينون على ~~حدود بلاد غاليا الإيطالية بين فقراء الرومانيين؛ ليكونوا حاجزا حصينا بين الغاليين ~~وأملاك رومة، فاضطرب الغاليون لذلك وخشوا من تعدي الرومانيين الحدود وطموح أنظارهم إلى ~~الاستيلاء على السهول المتسعة النازلين وتألبوا مع جميع القبائل المجاورة لهم على ~~محاربة الرومان، واستنجدوا بإخوانهم النازلين بغاليا الفرنساوية وساروا قاصدين مدينة ~~رومة نفسها بقصد احتلالها كما حصل ms64 في السابق، وكانت قوتهم مؤلفة من نحو خمسين ألف راجل ~~وعشرين ألف راكب. # ولما بلغ رومة خبر زحف هذه القوة الهائلة عليها أخذت تستعد لملاقاتها بكل قواها، ~~فجمعت نحو مليون جندي خرج منهم مائة وخمسون ألفا لمحاربة الأعداء قبل وصولهم إليها ~~وبقي الباقون للدفاع عنها ومساعدة الجيش الأول عند مسيس الحاجة، ثم استشاروا المنجمين ~~فيما يجب عليهم عمله لاستعطاف المعبودات وحملهم على مساعدتهم على الأعداء، فأجابوهم ~~بضرورة ذبح اثنين من الغاليين قربانا لهم، فصدعوا بهذا الأمر الوحشي المبني على اعتقاد ~~وهمي، وخرجوا لملاقاة الغاليين كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا متحدين على الدفاع عن ~~وطنهم إلى آخر نقطة من دمهم، وانتظروا الأعداء على بعد ثلاثة أيام من المدينة في نقطة ~~حصينة، ولما التقى الجيشان اقتتلوا قتالا شديدا استمر عدة ساعات، وكانت نتيجته انتصار ~~الرومانيين وموت نحو أربعين ألفا من الغاليين، وكان ذلك في سنة 225ق.م لكن لم يكتف ~~الرومان بهذا الفوز الذي خلص مدينتهم من هذه الإغارة الجديدة، بل قرروا فتح بلادهم إلى ~~جبال الألب لتكون حاجزا حصينا وحدا طبيعيا بينهم وبين بلاد غاليا الأصلية، فأرسلت ~~الجيوش إليها تحت قيادة كورنليون سيبيون ومرسلوس ففتحوا معظمها واحتلوا مدائنها مثل ~~ميلانو، وبارز القائد مرسلوس ملك قبيلة الإنسوبريين المسمى فندومار وقتله، فاستسلمت هذه ~~القبيلة للرومان، ثم أرسل السناتو عدة مئات من العائلات الرومانية لتأسيس عدة مستعمرات ~~بين ظهرانيهم وتثبيت سلطة الرومانيين عليهم. # وفي سنة 221 استولوا على إقليم (إستيريا) الواقع في شمال بلاد الليريا للتمكن من ~~إيصال أملاكهم التي على شاطئ بحر الأدرياتيك، وللإغارة على بلاد اليونان في ~~المستقبل. # وزيادة على جميع ما ذكر من الفتوحات المهمة طمحت أيضا رومة إلى بلاد مصر والشام، ~~وجددت تحالفها مع ملوك البطالسة في مصر وحصلت بين الحكومتين مخابرات بشأن إرسال جيوش ~~رومانية إلى الشرق لمساعدة الحكومة البطليموسية على محاربة ملوك أنطاكية بالشام، لكن لم ~~يتم بينهما أمر بهذا الخصوص وتأجل التداخل في شؤون مصر والاستيلاء عليها إلى فرصة أكثر ~~مناسبة. # فيتضح للقارئ أن رومة لم تضع الوقت ms65 بعد إبرام الصلح مع قرطاجة، بل صرفت كل قواها ~~لافتتاح ما بقي من إيطاليا الشمالية لسد أبواب الغارات أمام الغاليين، واستولت على ~~جزائر سردينيا وكورسيكا وبعض الجزر الصغيرة المجاورة لها لمنع هجوم القرطاجيين على ~~أراضيها من جهة البحر، وجعلت البحر الأدرياتيكي بحيرة رومانية باستيلائها على إقليمي ~~إليريا وإستريا. # وبذلك صارت آمنة من مفاجأة القرطاجيين لها ومستعدة لملاقاتهم لو أتوها من جهة غير ~~منتظرة، وكانت في استعداد عظيم لمحاربة هذه الجمهورية القائمة أمامها والانتصار عليها؛ ~~حتى تكون هي الدولة الوحيدة في العالم، وملكة البر والبحار، ومالكة زمام الأمصار بدون ~~شريك منازع أو معارض أو مضارع. # وحيث انتهينا من ذكر ما أتته رومة من الأعمال العظيمة والفتوحات الجسيمة في هذه المدة ~~الوجيزة استعدادا لمنازلة جارتها وعدوتها ومناظرتها قرطاجة، فلنبين الآن ما أتته هي ~~الأخرى لهذه الغاية نفسها وما حدث فيها من الحوادث المهمة، ثم نشرح الحرب البونيقية ~~الثانية وأسبابها ونتائجها شرحا يوقف القارئ على ماجريات هذه المناظرة الدولية ~~التاريخية القديمة فنقول: # قد ذكرنا عند التكلم على حكومة قرطاجة ونظامها أن جيوشها لم تكن وطنية أهلية، بل ~~مؤلفة من مستأجرين مختلفي الأجناس متبايني الملل والنحل لا تجمعهم جامعة وطن أو جنس، ~~وظاهر أن تركيب جيوشها وتأليفها بهذه الصفة مما يجعلها أقل بكثير من حيث الغيرة والحمية ~~من الجيوش الرومانية المؤلفة من الرومانيين دون غيرهم. # وقد ظهر هذا الفرق العظيم في الحرب البونيقية الأولى وزادت مضاره بعد انتهاء حرب ~~قرطاجة وقبولها طلبات رومة، وذلك أن الحكومة عجزت عن دفع مرتبات الجنود في أوقاتها بسبب ~~ما أصابها في هذه الحرب المشؤومة، ولما كانت هذه الجيوش لا يهمها إلا قبض الراتب (شأن ~~كل أجنبي دخيل استخدم في غير وطنه) ولا ترثي لما أصاب قرطاجة من المصائب هاجت وماجت ~~وأكثرت من الشغب، ثم أظهرت التمرد والعصيان وساعدها بعض الأهالي لتضجرهم من كثرة ~~الضرائب ووقر المكوس واشتد الهياج في جميع الجهات التابعة لقرطاجة خصوصا في جزيرتي ~~سردينيا وكورسيكا، الأمر الذي ساعد الرومانيين على الاستيلاء عليهما بدون كثير ~~عناء. ms66 # وكان رؤساء الثورة كل من اسينديوس الإيطالي الأصل وماتوس الإفريقي، ولما عمت الجيوش ~~تقريبا تحيرت الحكومة فيما يلزم اتخاذه من التدابير، وانقسم السناتو حزبين أحدهما تحت ~~رئاسة هانون وكان يود مسالمة العصاة بأي طريقة، والآخر يطلب إخضاعهم بالقوة، وبعد جدال ~~عنيف تغلب هذا الحزب الأخير باجتهاد أعضاء عائلة (برقة) فعينت الحكومة أملكار أحد زعماء ~~هذه العائلة قائدا لمن بقي مصافيا لها من الجنود، وأباحت له اتخاذ الطرق الممكنة لقمع ~~الثورة، فابتدأ هذا القائد المدرب والسياسي المجرب في استمالة قبائل (النوميد) إليه حتى ~~لا يمدوا العصاة بالمؤونة، ثم حاربهم بشدة حتى ألزمهم رفع الحصار عن مدينة (أتيك) ~~والابتعاد عن ضواحي قرطاجة، وكان يعامل من يقع بين يديه من الأسرى بالحسنى وزيادة ويغدق ~~عليهم العطايا، ففر كثير من جنود العصاة للانضمام إليه، ولما خشي رئيسا الثورة من ~~نتيجة فرار الجنود أمرا بقتل أسرى القرطاجيين فقتلوا وكانوا سبعمائة، فعامل أملكار ~~أسراه بهذه المعاملة الوحشية ثم حصر أحد الجيشين الرافعين راية العصيان في مضيق حرج ~~المسلك وشدد الحصار عليها مدة طويلة حتى نفدت مؤونتهم وأكلوا من عندهم من الأسرى ~~والعبيد، ولما ضاق بهم الحال مالوا إلى الصلح وطلب قائدهم اسينديوس مقابلة (أملكار)، ~~ولما أذن له قصده ومعه اثنان من كبار ضباط العصاة وعرضوا عليه التسليم فقبل مشترطا ~~إرجاع العصاة إلى أوطانهم بعد تجريدهم من السلاح، واستثناء عشرة فقط من هذه الشروط، ~~فلما قبل الوفد بذلك قال أملكار أنتم الثلاثة من ضمن العشرة وقبض عليهم وقتلهم ~~صلبا. # وعندما وصل خبر إلقاء القبض على أعضاء الوفد الثلاثة إلى مسامع العصاة المحصورين في ~~المضيق بدون أن يعلموا بتفصيلات الاتفاق ظنوا أن أملكار غدر بمندوبيهم، فاستعدوا فورا ~~للقتال وهاجموا القرطاجيين مهاجمة يائس لا أمل له في النجاة وظلوا يحاربون حتى قتلوا عن ~~آخرهم، ويقال إن عددهم كان يبلغ أربعين ألفا. # وبعد إبادة هذا الجيش العظيم جمع أملكار كل قواه ضد الجيش الثاني الذي كان تحت قيادة ~~ماتوس رئيس الثورة الثاني وانتصر عليهم، وقتل منهم عددا عظيما، وأخذ زعيمهم ms67 أسيرا ~~وأرسله إلى قرطاجة حيث قتل بعد أن شهروه في الشوارع وأهانته العامة وجعلته أضحوكة، ~~وبذلك انتهت هذه الحرب الداخلية بعد أن استمرت زيادة عن سنتين كانت فيها قرطاجة في أحرج ~~المراكز وأشد المضايق حتى رثى لها الأعداء، وساعدها هيبرون صاحب سيراكوزة بالمال ~~والرجال، وعرضت عليها رومة المساعدة والمعاونة وأباحت إرسال الغلال إليها. # لكن لا يظن القارئ أن هذه المساعدة كانت حبا في بقاء سؤدد قرطاجة وعظمتها، بل خوفا ~~من أن يسود فيها العنصر الحربي لو انتصر العصاة وتزيد قوة ومنعة فيصعب عليها تنفيذ ما ~~كانت تضمره لها من المقاصد العدائية، وانتهت هذه الحرب الداخلية سنة 238ق.م. # وبعد انتصار أملكار على العصاة بهذه الكيفية زاد نفوذ عائلة برقة زيادة عظمى حتى صارت ~~صاحبة الكلمة النافذة والقول الغير مردود في مجلس السناتو وجميع فروع الحكومة، فخشي ~~السناتو سوء عاقبة هذا التداخل الذي ربما يؤدي إلى إسقاط الحكومة الجمهورية واغتصاب هذا ~~القائد للسلطة. # وقرر بإرسال أملكار وجيوشه لفتح بلاد إسبانيا لتكون عوضا عن جزائر صقلية وسردينيا ~~وغيرها التي احتلها الرومانيون ولإبعاد أملكار عن قرطاجة، فسافر إلى إسبانيا وأخضع في ~~طريقه سواحل بلاد الجزائر ومراكش، ومكث بإسبانيا مدة تسع سنوات قضاها في محاربة الأمم ~~المختلفة النازلة بها وإلزامها بالاعتراف بسيادة قرطاجة عليها، وقتل في إحدى الوقائع ~~الحربية سنة 229 وينسب إليه تأسيس مدينة برشلونة التي تسمى باللاتينية (برسينه) تخليدا ~~لاسم عائلة برقة. # وبواسطة مساعي عائلته في السناتو تعين بدله (ازدروبال) زوج ابنته لتبقى هذه الوظيفة ~~الخطيرة في عائلتهم، فسافر إلى إسبانيا واستمر في محاربة سكانها وإخضاعهم إلى أن وصل في ~~سيره إلى نهر (إبر) في سنة 227 فتوجس ~~الرومانيون خيفة من تقدمه السريع، وأبرموا معه معاهدة تلزمه بعدم تعدي هذا النهر، فأخذ ~~في تنظيم ما فتحه من البلاد، وأسس مدينة قرطاجنة في موقع تجاري مهم جدا لقربها من ~~ساحل إفريقية الشمالي، ومن المعادن التي كان يستخرج الفينيقيون الفضة منها. # وأصلح ميناها وأقام لها الأرصفة والمخازن التجارية، وبنى لنفسه سراية عظيمة أفخر من ~~سرايات ms68 ملوك هذا الوقت، وصار يعتبر نفسه كأنه ملك مستقل بإقليم إسبانيا، واستمر على هذا ~~الحال إلى أن قتله في سنة 221ق.م رفيق غالي ~~الأصل أخذ بثار سيده الذي كان قتله ارذروبال غدرا وخيانة. # فانتخب الجيش لقيادته أنيبال بن أملكار بدون انتظار أوامر السناتو من قرطاجة، ولما ~~بلغ الحكومة خبر انتخابه بهذه الصفة الغير قانونية؛ لم يسعه إلا التصديق عليه خوفا من ~~عصيان الجيش واستقلال أنيبال بإسبانيا التي أصبحت إدارتها بهذه الكيفية وراثية في عائلة ~~برقه. # | الحرب البونيقية الثانية # علم القراء مما تقدم أن أملاك قرطاجة كانت ممتدة على سواحل البحر الأبيض المتوسط ~~من إقليم طرابلس الغرب مما يلي حدود مصر من جهة الغرب إلى مصب نهر إيبر بإسبانيا؛ أي ~~على مسافة تسعمائة فرسخ تقريبا، لكن كانت سلطتها فعلية على السواحل فقط غير ممتدة إلى ~~داخلية هذه الأقاليم المتسعة التي تسكنها عدة قبائل متبربرة، فكان يسهل على أعدائها ~~إنزال جيوشهم إلى أي نقطة أرادوا إن كانوا آتين من الخارج، أو على احتلال السواحل إن ~~كانوا من القبائل الداخلية؛ إذ إن قرطاجة كانت لا تهتم مطلقا بإخضاع البلاد التي ~~تفتحها إخضاعا حقيقيا، بل تكتفي بإلزامهم بمشترى بضائعها والاتجار معها فقط، هذا من ~~جهة حكومة قرطاجة ومستعمراتها. # أما الحكومة الرومانية فكانت على الضد من ذلك بالكلية في غاية الانتظام متقاربة ~~الأجزاء تربطها السكك الحربية وتتخللها المستعمرات، وغالب سكانها تجنسوا بالجنسية ~~الرومانية بحيث صاروا أعضاء عاملين في الحكومة كسكان رومة نفسها لا رعايا مستعبدين إلا ~~اليسير منهم، هذا فضلا عن عدم التباين الشديد في العوائد واللغات؛ إذ إن سكان إيطاليا ~~أجمعها كانوا من أصل واحد تقريبا، وتغلبت عليهم عوائد الرومانيين فصار الكل جسما ~~واحدا ومدينة رومة بمثابة القلب لتوسط مركزها. # وباحتلالها الجزائر القريبة منها صارت آمنة من مهاجمة الأعداء بحرا؛ إذ كانت تلك ~~الجزر كنقط أمامية تمنع كل عدو مفاجئ، وباحتلالها شواطئ البحر الأدرياتيكي الشرقية ~~اتقت شر الأليريين وأخضعتهم وصارت قريبة من بلاد الإغريق. # كل هذه الأسباب والدواعي كانت تميز الحكومة الرومانية عن القرطاجية، ms69 وتضمن لها الفوز ~~عليها بكل تأكيد. # تلك كانت حالة هاتين الدولتين المتناظرتين المتنازعتين للسيادة على البحر الأبيض ~~المتوسط والبلاد الواقعة على شواطئه في سنة 219، ولذلك كانت قرطاجة تخشى محاربتها، ~~وتتوقى الأسباب التي توجب الشحناء والنفرة والجفاء بين الحكومتين لعدم وثوقها من الفوز ~~والانتصار. # أما أنيبال قائد جيوش إسبانيا فلم يكن من هذا الرأي، بل كان يعتقد الفوز والنجاح على ~~الرومانيين ويطمع في محاربتهم لفتح بلاد غاليا الجنوبية وإيطاليا نفسها إن أمكنه ويجعل ~~نفسه ملكا مستقلا عليها، فصرف جل اهتمامه لإخضاع القبائل الإسبانية المستوطنة في ~~الجبال الوسطى واحتل مدينة طليطلة، ولما تأكد من خضوع سكان إسبانيا وأمن نزوعهم إلى ~~الثورة لو ترك بلادهم لمحاربة الرومانيين؛ جهز جيشا جرارا من نحو مائة وخمسين ألف ~~مقاتل وحاصر مدينة (ساجونت) الواقعة على شاطئ نهر الإبر، والتي كانت اشترطت في المعاهدة ~~التي بينها وبين ازدروبال في سنة 227ق.م حفظ استقلالها وعدم مس حريتها قاصدا بنكث هذا ~~العهد والخروج عن نصوصه إلزام رومة بمحاربته، ثم شدد عليها أنيبال الحصار ودخلها عنوة ~~بعد ثمانية أشهر فوجدها مشتعلة بالنيران؛ إذ إن أهلها فضلوا حرقها وتدميرها عن تسليمها ~~إلى الأعداء. # 1 # ولما علمت رومة بهذا التعدي المخالف للعهود والمواثيق؛ أرسلت وفدا إلى أنيبال تذكره ~~بها وتحذره سوء العاقبة، وآخر إلى قرطاجة لاستصدار الأوامر إلى هذا القائد بالعدول عن ~~محاصرة (ساجونت) فعاد الوفدان بلا فائدة. # فأرسلت بعض أعضاء السناتو ثانيا إلى أنيبال، وكان من ضمنهم شهم يدعى (فابيوس) فلم ~~يصغ إلى طلباتهم وأصر على عناده وتمادى في غروره فقال له فابيوس: إني أعرض السلم والحرب ~~عليك فاختر أيهما يحلو لديك، فأجابه أنيبال: إن الاثنين عندي سواء فاختر أنت ما تريد، ~~فقال فابيوس: الحرب الحرب، وعاد هو ومن معه إلى بلاده، وكان ذلك هو سبب الحرب البونيقية ~~الثانية التي استمرت ثمان عشرة سنة، وكانت عاقبتها وخيمة جدا على قرطاجة، فقد فقدت ~~فيها أهم جيوشها البرية والبحرية وجزيرة إسبانيا حيث فتحتها رومة وأدخلتها ضمن أملاكها، ~~وصارت قرطاجة عرضة لهجمات الرومانيين لا سفن ms70 ولا جنود تمنع وصولهم إليها أو شن غاراتهم ~~عليها. # وبمجرد إشهار الحرب بالكيفية السابقة ساق أنيبال جيوشه إلى جبال بيرينيه الفاصلة بين ~~إسبانيا وفرنسا؛ لأنه اتخذ في هذه الحرب للوصول إلى بلاد الرومان طريقا لم يسلكه أحد ~~قبله وهو طريق البر من جنوب فرنسا إلى إيطاليا؛ وذلك لتعسر الوصول إليها بحرا بسبب ~~احتلال الرومانيين أكبر جزائر البحر الأبيض المتوسط وأغلب جزائره الصغيرة. # ووصل أنيبال إلى جبال الألب الفاصلة بين فرنسا وإيطاليا بعد أن حارب أغلب القبائل ~~والأمم الواقعة على طريقه، ولم يلتفت إلى الجنود التي أرسلها الرومانيون إلى مرسيليا ~~لقطع خط الرجعة عليه، ولم يحاربهم بل جد في اجتياز جبال الألب الوعرة المسالك الضيقة ~~المفاوز لا تعوقه وعورتها ولا توقفه صعوبتها، بل كان يفتح الطرق ويوسعها لمرور جنوده ~~غير مبال بما يتكبده من المتاعب ويهلك في هذه الأعمال الشاقة من الرجال والدواب، ~~ناظرا إلى الإمام فقط شأن أولي العزم من الرجال وأولي الحول والقوة من القواد حتى ~~اجتاز هذه الطريق التي لم يسلكها جيش قبله، ولم يصل إيطاليا إلا بنصف جيشه وهلك الباقي ~~في الطريق، البعض من محاربة القبائل التي اعترضته والباقي في مضايق الألب. # وبمجرد وصوله شمال إيطاليا عاقب قبيلة (تورين) على عدم مساعدتها له، ودخل مدينتهم ~~عنوة، وجعل عاليها سافلها. # 2 # ولقد أدهشت الرومانيين هذه السرعة العجيبة حتى عدلوا عن مشروعهم الأول، وهو إرسال ~~الجيوش إلى نفس قرطاجة حتى يضطر أنيبال إلى العودة إليها لحمايتها، واستدعى السناتو ~~القنصل سمبرونيوس ~~(Semprenius) # بعد أن انتصر على مراكب ~~القرطاجيين، واحتل جزيرة مالطة، واسترجع القائد سيبيون من غاليا (فرنسا)، وجمع جيشا ~~بأعالي إيطاليا لصد أنيبال وإيقافه في سيره نحو رومة. # فانتصر أنيبال على سيبيوس بالقرب من نهر (تسينو) وجرح القائد الروماني؛ فتقهقر بجيوشه ~~إلى ما وراء نهر (بو)، وانضم بجيوشه إلى القنصل سمبرونيوس، وتحصن في موقع منيع على نهر ~~(تريبيا)، فاحتال عليهم أنيبال حتى أخرجهم من هذا الموقع الحصين، وانتصر عليهم نصرا ~~مبينا بعد قتال شديد قتل فيه - على ما جاء في ms71 كتب الثقات - ثلاثون ألفا ~~من الرومانيين، ولم ينج سمبرونيوس بمن بقي ~~معه إلا بعد أن زهقت النفوس وتناثرت الرؤوس ودخل ببقايا جيشه إلى مدينة (بليزانس) حيث ~~حاصره القرطاجيون (218ق.م). # وبعد هذا النصر العظيم قصد أنيبال أن يجتاز جبال (ابنينو) الحائلة بينه وبين رومة، ~~لكنه لم يتمكن من إتمام مشروعه لدخول فصل الشتاء، وتراكم الثلوج في مضايق هذه ~~الجبال. # وبسبب انتصاراته السريعة انضم إليه كثير من الغاليين القاطنين في شمال إيطاليا طمعا ~~في الغنيمة، وأتوا إلى معسكره أفواجا حتى عوضوا أغلب من قتل من رجاله في هذه الحروب ~~المتواصلة ضد الطبيعة تارة، وضد الرومانيين تارة أخرى. # وبمجرد ما ابتلج فجر الربيع وذابت الثلوج وسهل المرور نوعا شرع أنيبال في الزحف على ~~رومة، وسار من أقصر الطرق ولو أنها أصعبها اجتيازا إذ كان يلزمه المسير ثلاثة أيام في ~~وسط مستنقعات وأدغال، لكن لم تقعد هذه الصعوبات همته، بل اجتازها كما اجتاز جبال ~~الألب وتغلب عليها كما تغلب على جميع المواقع التي اعترضته من قبل. # كل ذلك والرومانيون لم يبدوا أقل اهتمام يمنعه من التقدم، بل تربصوا له بجيوشهم ~~بالقرب من بحيرة (تراسيمين) المسماة الآن بحيرة (بيروزه) تحت قيادة قائدهم الشهير ~~(فلامينيوس). # ولقد استعمل معه أنيبال ما استعمله مع القواد السابقين من الحيل ومتى أخرجه من محل ~~استحكامه، وانتصر عليه بقوة فرسانه المشهورين في موقعة هائلة لم تستمر سوى ثلاث ساعات، ~~قتل في أثنائها القائد الروماني وخمسة عشر ألفا من رجاله، وأخذ قدرهم أسراء، وفر ~~الباقون يبكون إخوانهم ويندبون حظ بلادهم (217 قبل المسيح). # وبعد هذا الانتصار العظيم، لم يجسر أنيبال على الزحف على مدينة رومة التي كان لا يبعد ~~عنها إلا بمقدار مائة كيلومتر لعلمه باستعداد أهلها للدفاع عنها، والتهالك في الذود عن ~~حوضها حتى الممات، ولما أصاب جيوشه من النصب والتعب في هذا السير السريع والمحاربات ~~المستمرة. # فلهذه الدواعي والأسباب رأى من الحكمة والصواب أن يتربص مدة شتاء تلك السنة ريثما ~~تستريح جيوشه مما ألم بها من المتاعب وتتقوى خيوله مما ms72 لحقها من المشاق، ولكي ~~يستميل إليه بعض القبائل التي ضمتها رومة إليها حديثا ولم تقو علائقها وروابطها معها، ~~خصوصا سكان إيطاليا الجنوبية المسماة (إغريق الكبرى)، كما استمال سكان شمال إيطاليا ~~الغاليين. # أما الرومانيون فلم ترعهم هذه المصائب المتوالية، ولم تؤثر على شجاعتهم ووطنيتهم هذه ~~الكوارث المتعاقبة، بل جمعوا الجيوش والكتائب وقرر السناتو أن الوطن في خطر وعين ~~القائد (فابيوس) رئيس طائفة الأشراف حاكما عاما مطلقا (دكتاتور) لمدة ستة شهور، ~~وعين (مينوسيوس) قائدا للفرسان إرضاء للشعب حتى لا يظن بالسناتو سوءا. # وكانت طريقة فابيوس في الحرب التسويف، وعدم التورط في الحرب ما لم يكن متحققا من ~~الظفر والنصر على الأعداء. # ولقد سعى أنيبال كثيرا في إغرائه على قبول المحاربة في السهول الواسعة التي يسهل ~~فيها على فرسان قرطاجة الهجوم على الرومانيين فلم يفلح، ولم يتبعه إلى السهول مطلقا، ~~بل اعتصم بالجبال متربصا الفرص فينتهزها بدون تراخ أو توان. # وبالغ فابيوس في الحذر والتوقي من مقابلة جيوش أنيبال حتى رماه أعداؤه بملاءمة العدو ~~والاتفاق معه على خيانة الوطن وأهله، وساعد قائد الفرسان (مينوسيوس) على إذاعة هذه ~~المفتريات ليعين حاكما عاما بعد انتهاء مدة فابيوس. # ولقد تحصل على بعض مطامعه إذ جعل قائدا مشاركا في الرئاسة لفابيوس بأن تكون القيادة ~~العامة لكل منهما يوما بالتعاقب، فحارب مينوسيوس القرطاجيين وهزم، وكاد أنيبال يجهز ~~على الجيش الروماني لولا مساعدة فابيوس له وإرشاده بنصائحه. # ولما انتهت مدة الحاكم العام عادت الأحكام الدستورية وانتخب قنصلان لهذه السنة، ~~فانتخب حزب الأشراف (بول اميل) لكونه على رأي فابيوس في زيادة التحذر وعدم المخاطرة ~~بالجيوش، وانتخب الحزب الأهلي (ترنتيوس فارون) قنصلا ثانيا، فكان الأول يميل على ~~التسويف ويرغب الثاني في التعجيل بالحرب. # وبسبب هذا الخلف بين الرؤساء تطرق الخلل إلى الجنود، وصار كل منهما ينقض ما قرره ~~زميله في يومه حيث كانت القيادة بينهما مناوبة. # وفي يوم 2 أغسطس سنة 216 قبل المسيح كانت القيادة لفارون، فاقترب من جيش أنيبال حتى ~~التحم الجيشان، وحصلت بينهما موقعة هائلة بالقرب من مدينة ms73 (كان) # 3 # كان الفوز فيها للقرطاجيين كما كان لهم في الواقعتين السابقتين بفضل فرسان ~~الإفريقيين الذين كان يبلغ عددهم عشرة آلاف؛ أي خمس الجيش بأجمعه البالغ خمسين ~~ألفا. # أما جيش الرومانيين فكان أكثر من جيش العدو عددا بما يوازي الضعف، لكن لم يكن بينهم ~~أكثر من ستة آلاف فارس. # ومع أن انتصار القرطاجيين كان في جميع مواقعهم السالفة مسببا عن كثرة عدد الفرسان لم ~~يلتفت قواد الرومان لهذا الأمر الخطير، ولم يستفيدوا مما ألم بهم بسبب قلة فرسانهم ~~ولم يزيدوا عددهم بالنسبة الموجودة في جيش أنيبال؛ إذ لو روعيت هذه النسبة لكان يلزم أن ~~يكون في جيش الرومان عشرون ألف فارس لا ستة آلاف. # وقد قدر المؤرخون قتلى الرومانيين بين خمسين وسبعين ألفا والأسرى بعشرة آلاف. # وقال الخبيرون بفنون الحرب والقتال إنه كان من السهل على أنيبال أن يزحف على مدينة ~~رومة فيحتلها بدون كثير عناء؛ بسبب ما لحق سكانها من الاضطراب والخوف عقب وصول خبر هذا ~~المصاب العظيم إليهم، لكن منعه عن ذلك اشتغال جنوده بجمع الأسلاب والغنائم وبيعها ~~والاتجار بالأسرى والأرقاء وصرف غالب أوقاتهم في مغازلة الحسان ومعاقرة بنت الحان فرحا ~~بما نالهم من النصر المبين والفوز العظيم، ومن جهة أخرى كان جزء ليس بقليل من جيوشه من ~~غير القرطاجيين مؤلفا من خليط جميع القبائل التي مالت إليه لا طلبا للمجد والفخار، ~~بل سعيا وراء الكسب والغنى. # ولذلك خشي التقدم إلى الأمام لعدم تأكده من إطاعة الأجراء من جنوده لأوامره، ولتحققه ~~من أن جميع سكان مدينة رومة يكونون يدا واحدة في الدفاع عنها، لا فرق في ذلك بين ~~الرجال والنساء والأحرار والأرقاء، وأنهم لا يدعونه يطأ أرض المدينة ما دام في عروقهم ~~قطرة من الدم. # فلهذه الأسباب فضل التربص في جنوبي إيطاليا والسعي في استمالة سكانها إليه ليكونوا له ~~أعوانا على الرومانيين، خصوصا وقد نقص جيشه نقصا بليغا حتى صارت الأغلبية فيه ~~للأجراء، وصار من المستحيل وصول مدد إليه من قرطاجة بسبب محاصرة سفن الرومان لجميع ~~سواحل إيطاليا، ms74 ومنع أي اتصال بينه وبين بلاده. # فكان من المحتم عليه إدخال بعض القبائل الجنوبية تحت طاعته طوعا أو كرها، وتجنيد ~~الأشداء من رجالها ضمن جنوده، وعدم التعويل على وصول المدد إليه لسد النقص الذي حصل في ~~جيوشه بسبب الأمراض والحروب. # ويظهر للمطالع من هذه التفصيلات أن مركزه كان من أحرج المراكز، وموقفه من أصعب ~~المواقف بتوغله في إيطاليا بدون أن يحفظ لنفسه خط اتصال بينه وبين قرطاجة برا أو ~~بحرا، ولذلك كان الرومانيون معتقدين بقرب الانتصار عليه وإهلاكه مع من بقي معه من ~~الجنود لو اتبعوا الصبر والحكمة، ولم يلقوا بأيديهم إلى التهلكة كما فعل القواد ~~السابقون في المواقع السالفة. # فانتخبوا فابيوس القائد الذي اشتهر في أول هذه الحرب بالتؤدة وعدم التهور قنصلا لسنة ~~217 قبل المسيح وأعادوا انتخابه في السنة التالية، وفي خلال هاتين السنتين أتى من ضروب ~~الحكمة وفنون القتال ما جعل أنيبال في خطر عظيم وأوقعه في حيص بيص؛ إذ أحاطت به الفيالق ~~الرومانية من جميع الجهات إحاطة السوار بالمعصم، واحتلت أغلب البلاد التي فتحها وضايقت ~~عليه الحصار في مدينة (كابوا) وقطعت مواصلاته مع الخارج كلية، وكادت تجهز عليه قطعيا ~~لولا ما استعمله من السياسة في إهاجة مدينة (سيراكوزة) على الرومانيين بدسائسه، ~~واستعانته بفيليب ملك مقدونية ووالد إسكندر الأكبر مما سنذكره بعد قليل. # ولقد أتى الرومانيون في هذه الظروف الحرجة ما يجب على كل أمة اتخاذه نموذجا تنسج على ~~منواله، وقدوة حسنة تقتدي بها في محبة الوطن العزيز وبذل الروح لا المال لإنقاذه من ~~الخطر أو استخلاصه من مخالب الأجانب، فكل أمة سهل عليها إفداء وطنها بأرواحها حفظت ~~استقلالها وعاشت سعيدة سعادة حقيقة، وكل أمة استسهلت تحمل سيطرة الأجنبي على إدارتها ~~واستخفت ثقيل وطأته على هامتها؛ فقدت استقلالها لا محالة وسارت إلى طريق الموت الأدبي ~~والمادي، حيث لا ينفعها ما ضنت به من المال ولا ما احتفظت عليه من الأرواح. # ولما كانت الأمة الرومانية قد أشربت هذه الإحساسات الوطنية والعواطف الملية سهل عليها ~~صرف الأموال، وبذل المهج ms75 والأرواح في سبيل حماية بلادها وطرد الأجنبي من المواقع التي ~~احتلها، فقبلت مضاعفة الضرائب بأنواعها وقدمت كل ما لدى نسائها من الحلي والمصاغ تبرعا ~~لينفق في تعبئة الجيوش وتسليحها، وأصدر السناتو قرارا بأنه لا يجوز لأي سيدة من ~~السيدات إحراز مصاغ من الذهب يزيد وزنه على نصف أوقية، وقدم الأغنياء كل ما عندهم من ~~الأرقاء ليدمجوا ضمن الجند، وتبرعوا بثمنهم ومنحوا الحرية لمن يعود من الحرب منهم ~~سالما، ومنهم من تبرع بمؤونة عدد معين من الجند مدة سنة إلى غير ذلك من أنواع ~~المساعدات والتبرعات التي أملتها وطنيتهم على قلوبهم، حتى أمكن الحكومة جمع نحو مائتين ~~وخمسين ألف جندي، وتشييد ما يلزم من السفن لمنع أي اتصال بين أنيبال وقرطاجة ونقل ~~الجيوش الرومانية إلى إسبانيا لمساعدة القائد (سيبيون) على محاربة القرطاجيين هناك، ~~ولولا وطنية الأهالي وتفضيلهم الموت على مذلة تسلط الأجنبي لما أمكن الحكومة إتيان أي ~~عمل من ذلك. # هذا؛ ولم تفد أنيبال مساعيه في إثارة ~~حاكم سيراكوزة بجزيرة صقلية المدعو هيبرون، فإنه لم يلب دعوته إلى محاربة ~~الرومانيين، بل حافظ على ولائهم في أيام شدتهم محافظته عليه في أيام سعادتهم، وكذلك لم ~~ينجح القرطاجيون في مهاجمتهم جزيرة سردينيا ليحولوا أنظار الرومانيين عن أنيبال نوعا، ~~ويضطرونهم لإرسال بعض جيوشهم للمحافظة عليها، وأخيرا لم تفده حيلته الثالثة وهي ~~الاستنجاد بفيليب المقدوني، فإن الرومانيين هاجموه حين استعداده لمهاجمتهم ببلاد اليريا ~~فهزموه واضطروه إلى العودة لبلاده مخذولا، وبذلك لم يبق لأنيبال خلاص من الموقف الحرج ~~الذي وجد فيه بسبب طيشه، وثقته الزائدة في قوة جيوشه، وتفننه في ضروب الحرب إلا الاتكال ~~على من بقي معه من الجيوش بدون انتظار وصول مدد إليه من قرطاجة بسبب محاصرة الرومانيين ~~لجميع الثغور كما قدمنا. # ولقد تمكن أنيبال من الخروج من مدينة (كابوا) قبل إتمام الحصار عليها، وأخذ يناوش ~~الرومانيين كي يتبعوه في الأماكن السهلة فينقض عليهم بفرسانه المشهورة، لكن أعياه صبر ~~الرومانيين الذين التزموا خطة التسويف في الحرب على مذهب رئيسهم فابيوس. # هذا؛ ولما مات هيبرون ms76 حاكم سيراكوزة وقتل ولده بعده أمكن أنيبال أن يهيج الأهالي ويبث ~~فيهم روح الثورة والعصيان، فثاروا على حكامهم المسالمين لرومة وأعلنوا الحكومة ~~الجمهورية واتحدوا مع قرطاجة ضد الرومانيين، فحاربهم القائد الروماني (مارسللوس) وانتصر ~~عليهم بعد العناء والتعب، وافتتح مدينة سيراكوزة سنة 212 وقتل أثناء الهجوم عليها ~~الرياضي الشهير أرخميدس ~~(Archimède) # وطرد القرطاجيين ~~الذين أتوا لمساعدتهم على الرومانيين، ولم تعد هذه الفتنة بأقل فائدة على ~~أنيبال. # وفي سنة 209 أعيد انتخاب فابيوس لقيادة الجيش فاستخلص مدينة ترنته من القرطاجيين، ~~وكانت هذه الحادثة خاتمة أعماله الحربية إذ لم ينتخب بعد ذلك إلى أن توفي سنة 205 قبل ~~المسيح. # ولقد امتاز (كرنوليوس سيبيون) وأخوه في محاربة القرطاجيين في إسبانيا والانتصار على ~~ازدروبال أخي أنيبال في عدة وقائع شهيرة، وكان النصر حليفهم دائما إلى سنة 212 حيث ~~قتلا في إحدى هذه الحروب العديدة، وكان لأحدهما كورنيليوس ولد يدعى (بوبليوس) اشتهر ~~فيما بعد باسم سيبيون الإفريقي كان خير ولد لخير والد فإنه حفظ اسم أبيه وعمه، بل فاق ~~عليهم في الشهرة وبعد الصيت إذ كان انتهاء هذه الحرب بحسن تدبيره وبعد نظره كما ~~سترى. # وفي سنة 208 انتخب كل من القائد مرسللوس وكرسبييوس قنصلين لهذه السنة، فارتئيا مهاجمة ~~أنيبال لوضع حد لهذه الحرب التي طالت مدتها وزادت مضراتها ولم يتبعوا خطة سلفهم فابيوس، ~~فعادوا بالخيبة والفشل وقتل مرسللوس مع كثير من ضباط الجيش وجنوده، فلم يعد انتخاب ~~زميله لسنة 207، بل وقع الانتخاب على القائدين نيرون وليفيوس. # وفي تلك السنة انتصر (ازدروبال) على سيبيون الإفريقي في بلاد إسبانيا، واجتاز جبال ~~البرينيه وبلاد غاليا الجنوبية إلى أن وصل شمال إيطاليا لمد يد المساعدة والمعاونة ~~لأخيه أنيبال ويحصرا مدينة رومة بين جيشهما، لكن أتاح الله لهذه الأمة الرومانية التي ~~استمرت تحارب عن استقلالها، وتناضل عن حياتها عشرات من السنين القائد نيرون الذي كان ~~يحارب أنيبال في الجنوب بينما كان زميله واقفا في وجه ازدروبال يمنعه عن اللحاق بأخيه، ~~فقد دبر هذا القائد حيلة أجهز بها على ازدروبال، وذلك ms77 أنه سار بكل سرعة مع سبعة آلاف من ~~نخبة رجاله بعد أن اتخذ ما يلزم من الاحتياطات لعدم استشعار أنيبال بغيابه، وجد في ~~السير ستة أيام حتى لحق بزميله ليفيوس وأعلن العدو باجتماع الرئيسين، فظن ازدروبال أن ~~أخاه قد خذل ومات؛ إذ كان يصعب عليه أن يعتقد بمغادرة نيرون لجنوب إيطاليا مع وجود أخيه ~~بها ففر ازدروبال بجيوشه إلى الشمال لتوهمه أن جميع جيوش الرومانيين اتحدت لمحاربته ~~وتحققه من عدم إمكانه مقاومتها، فتبعه القنصلان بما معهما من الجيوش وهزماه شر هزيمة ~~بالقرب من نهر ميتوروس وفرقوا جنوده أيدي سبا، ووجدا جثته ضمن القتلى وأرسلا رأسه ~~لأنيبال ليعلموه مما حل بأخيه، ولقد محا الرومانيون في هذه الموقعة ما لحق بهم من الفشل ~~والتصق بهم من العار في واقعة تراسيمين وكان. # وبعد ذلك لم يبق لأنيبال أقل أمل في وصول أدنى مساعدة إليه من جهة قرطاجة ويئس من ~~النجاح في مشروعه؛ إذ تضعضع حاله وهلكت جيوشه، وتفرق من حوله محالفوه ومحازبوه من أهالي ~~البلاد لما رأوا ما حل به من الانكسار، وأيقنوا أن الفوز سيكون للرومانيين لا محالة ~~لكنه لم يظهر يأسه، بل تظاهر بالثبات والصبر شأن كل عاقل حكيم. # ولنأتي هنا باختصار على ذكر ما حصل بإسبانيا من الوقائع بين الرومانيين والقرطاجيين ~~بعد موت كورنوليوس سيبيون وأخيه وظهور ولده بوبليوس الذي تلقب بالإفريقي فنقول: # إن بوبليوس انتصر مرتين على ازدروبال أخي أنيبال، ثم غافله ازدروبال المذكور واجتاز ~~جبال البيرينه وبلاد غاليا (فرنسا)، ووصل إلى شمال إيطاليا لمساعدة أخيه؛ فهزم وقتل ~~وأرسلت رأسه إلى أخيه كما مر، وفي أثناء ذلك فتح بوبليوس سيبيون مدينة قرطاجة الجديدة ~~المعروفة الآن باسم قرطاجنة التي كان أسسها أنيبال بساحل إسبانيا، ووجد سيبيون ما كان ~~لدى القرطاجيين من الرهائن التي أخذوها من أهالي إسبانيا ليأمنوا غدرهم وانضمامهم ~~للرومانيين، فأحسن سيبيون معاملتهم وردهم إلى أهلهم مزودين بالهدايا الثمينة والتحف ~~النفيسة، وعامل الأهالي بالرفق واللين فمالوا إليه بقلوبهم وساعدوه بأموالهم ورجالهم ~~حتى افتتح جميع ما كان لقرطاجة من بلاد ms78 إسبانيا، ولم يبق لهم إلا مدينة قادس. # ثم حول أنظاره إلى إفريقية الشمالية، وبالأخص إلى بلاد نوميديا ~~(هي بلاد الجزائر ومراكش الآن) التي كانت ~~مجزأة بين دولتين متحدتين مع قرطاجة. # وكان ملك أحدهما يسمى مسنيسا والآخر ~~سيفاكس وسعى في سلخهم عن قرطاجة وضمهم إليه ليكونا له عونا على القرطاجيين، وسافر ~~فعلا إلى (سرتا) عاصمة مسنيسا المسماة الآن مدينة قسنطينة بجزائر الغرب، وأبرم تحالفا ~~مع هذا الملك وتحالف كذلك مع سيفاكس، لكن لم يلبث سيفاكس أن انفصل بمساعي القائد ~~القرطاجي ازدروبال بن جسكون الذي زوجه ابنته وساعده على محاربة مسنيسا وطرده من مملكة ~~آبائه وأجداده . # لكن لم تقعد سيبيون كل هذه العوائق عن تنفيذ ما صمم عليه وعرضه على أمته، وهو أن ~~يقصد نفس بلاد قرطاجة بجيش عظيم فيضطر أنيبال لمبارحة بلاد إيطاليا للدفاع عن وطنه ~~الأصلي، وهو مشروع غاية في الأهمية والإصابة، إلا أنه صادف معارضات شديدة في رومة ~~وبالأخص من القائد الكبير فابيوس الذي كان يميل دائما إلى التسويف وعدم الإسراع، وكان ~~رأيه تضييق المذاهب والمسالك على أنيبال ومحاصرته في الجهة النازل بها حتى يضطر ~~للتسليم. # وقد انصاع سناتو رومة لهذا الرأي ولم ~~يوافق سيبيون الإفريقي على رأيه، فسافر سيبيون إلى سيراكوزة بجزيرة صقلية، وأرسل عدة ~~خطابات إلى الولايات الرومانية والشعوب التابعة لرومة يفصل لهم مشروعه، ويوضح أفضليته ~~على رأي فابيوس الذي لا يكون من ورائه إلا إطالة مدة الحرب، واضمحلال الأمة وفقرها ~~باشتغالها عن الزراعة والتجارة وصرفها كل قواها في تعبئة الجيوش وتجهيزها وتعطيل ما ~~دونها من الأشغال، فصادف نداؤه أذانا واعية وقلوبا متقدة وطنية وغيرة على استخلاص ~~الوطن من احتلال الأجنبي؛ فأمدته الأمم التابعة لرومة بالمال والرجال والسفن، وتطوع ~~كثير من شبان الرومانيين من جميع الطبقات لا فرق بين فقير وحقير في خدمة الوطن والدفاع ~~عن حرمته، حتى جمع سيبيون في مدة وجيزة ثلاثين ألف جندي وسافر بهم قاصدا إفريقية ~~تحملهم أربعمائة سفينة تجارية تخفرهم خمسون سفينة حربية، وأخذ من المؤونة ما يكفي جميع ~~جيشه مدة خمسة ms79 وأربعين يوما وأقلع في غضون سنة 204ق.م قاصدا قرطاجة، وكان يوم سفره من ~~ثغر ليليبيا # 4 # يوما مشهودا حضره إليه الأهالي من أقاصي الجزيرة، ومما جعل لهذه ~~الإرسالية أهمية عظمى أن الحكومة لم تشترك فيها مطلقا، بل كانت مضادة لها اتباعا لرأي ~~القائد المسوف فابيوس. # ولم تعترض سفن قرطاجة سيبيون وسفنه أثناء اجتيازهم البحر بين صقلية وتونس، بل سار ~~بأمان إلى أن ألقت السفن مراسيها بمحل يعرف الآن باسم ~~(Beau Promontoir) ~~، وأنزل عساكره إلى البر فانضم إليه في الحال مسنيسا ~~ملك نوميديا السابق ذكر تعدي سيفاكس عليه واغتصابه الملك منه بمساعدة ازدروبال ~~القرطاجي، وقضى سيبيون ما بقي من سنة 204 بدون أن يأتي عملا يذكر سوى تحصين معسكره، ~~واتخاذه الاحتياط اللازم لصد كل عدو مفاجئ. # وفي السنة التالية جمع له القرطاجيون جيشا يزيد عن خمسين ألف مقاتل تحت قيادة ~~ازدروبال وبمساعدة سيفاكس، فتظاهر سيبيون بالميل إلى الصلح حقنا للدماء البريئة وأرسل ~~بعض ضباطه إلى معسكر الأعداء بحجة المخابرة في الصلح وشروطه، وكانت مأموريتهم الحقيقية ~~زيارة معسكر الأعداء واستكشاف أحوالهم. # ولما علم سيبيون بهذه الطريقة أن المعسكر مركب من أكواخ صغيرة من القش والبوص عمد إلى ~~حرقه بالنار ليلا، فحرق ودمرت ميرة الأعداء وما معهم من المؤن، وهلك كثير من ~~جنودهم وتفرق الباقون إلى جميع الجهات، وبذلك انتصر عليهم نصرا مبينا بدون أن يعرض ~~حياة نفر من رجاله إلى الموت وانتصر عليهم مرة ثانية في موقعة منتظمة. # ثم أرسل مسنيسا مع أحد القواد الرومانيين لاقتفاء أثر سيفاكس والقبض عليه حيا أو ~~ميتا، فطاردوه في الجبال والسهول وانضم إليهم كثير من أهالي نوميديا الذين أصلهم رعايا ~~مسنيسا وتفرقت الجنود عن سيفاكس لما علموا بمجيء ملكهم الأصلي وسيدهم الشرعي، وأخيرا ~~قبض عليه وعلى زوجته ابنة ازدروبال ودخل مسنيسا مدينة سرتا (الآن قسنطينة)، ~~وجيء بسيفاكس إلى سيبيون فسجنه إلى انتهاء ~~الحرب، وتزوج مسنيسا زوجته التي كان يهواها من قبل، لكن لم يقبل سيبيون زواجه بها وطلب ~~منه أن يتركها أو يأخذ منه ملكه، فآثر ms80 الملك على حب هذه الفتاة ودس لها السم فماتت ~~شهيدة الجشع والطمع. # وفي هذه الأثناء استقدمت حكومة قرطاجة ~~أنيبال وجيوشه من إيطاليا، كما استقدمت ماجون الذي كان أرسل بجيش قرطاجي إلى جبال ~~(ليجوريا) بشمال إيطاليا ليحول قوى الرومانيين إليه، ويخلص بذلك أنيبال من الضيق المحدق ~~به، فعادا طائعين وطهرت الأراضي الرومانية من دنس الاحتلال الأجنبي بحسن تدبير سيبيون ~~ونقله ميدان الحرب بإفريقية. # وقد أتى أنيبال من الفظائع عند مبارحته إيطاليا ما تقشعر منه الأبدان وترتعد له ~~الفرائص، وقتل كل من لم يقبل مرافقته إلى إفريقية من الأهالي الذين كانوا انخرطوا في ~~سلك جيوشه طلبا للغنيمة، فخرج من إيطاليا آسفا على عدم نجاح مشروعه وخيبة مسعاه أمام ~~وطنية الرومانيين وتهالكهم في الدفاع عن بلادهم عشرات من السنين. # ولما عاد أنيبال إلى إفريقية أراد أن يصالح سيبيون على مال معين، فلم يقبل لتصميمه ~~على الحرب والانتصار حتى يمحو عن رومة وجيوشها ما لحقها من العار في بعض الوقائع ~~السابقة، وينتقم لها من قرطاجة وجيوشها التي طمحت بأنظارها لامتلاك البحر الأبيض ~~المتوسط. # وفي شهر أكتوبر سنة 202ق.م جمع القرطاجيون ما أمكنهم جمعه من بقايا جيوشهم، واستعد ~~سيبيون للقتال مستعينا بفرسان نوميديا الآتين مع مسنيسا لنجدته، والذين كانوا في أوائل ~~هذه الحرب عونا لأنيبال ضد الرومانيين في وقائع تريبيا وكانه وغيرهما. # وفي 19 من ذلك الشهر التحم الجيشان بمحل يقال له (زاما) ~~(Zama) ~~، وانتصر ~~الرومانيون على القرطاجيين نصرا لم تقم لهم بعده قائمة، وفر أنيبال إلى مدينة ~~(هدروميت) ومنها إلى قرطاجة فدخلها مهزوما بعد أن أقام خارجها خمسا وثلاثين سنة قضاها ~~في الحرب والقتال. # وبعد الانتصار عاد سيبيون إلى تونس طاردا من طريقه كل من قابله من بقايا الجيوش، ومن ~~تونس أرسل إلى قرطاجة رسولا بالشروط التي اقترحها للصلح وإخلاء أرض قرطاجة، وهذه ~~الشروط هي: أن تتخلى قرطاجة عن جميع أملاكها بإسبانيا وجزائر البحر المتوسط ولا تحفظ ~~إلا بلاد قرطاجة الأصلية (إقليم تونس)، وأن تسلم جميع ما لديها من أسرى الرومانيين ~~والفارين إليها من ms81 الجيوش الرومانية، وجميع ما عندها من السفن بحيث لا يكون لها الحق ~~إلا في عشر سفن لا غير، وأن تسلم ما لديها من أفيال القتال، وأن لا يجوز لها أن تقتني ~~غيرها فيما بعد، وأن لا تحارب أحد مجاوريها إلا بإذن رومة، وأن لا تؤجر الأغراب في ~~جيوشها، وأن تدفع غرامة حربية قدرها عشرة آلاف تالنت ~~(Talents) # في مدة خمسين سنة، وأن تعتبر مسنيسا ~~حليفا لها وتعطيه غرامة حربية تقدر فيما بعد. # فقبل سناتو قرطاجة هذه الشروط جميعها، وسلمه خمسمائة سفينة حربية أمر سيبيون بحرقها ~~أمام قرطاجة حتى يثبت لهم أن رومة غير محتاجة لسفنهم وأنها غنية بنفسها. # وكان رأي بعض قواد الرومان إلغاء حكومة قرطاجة بالمرة ومحوها من عالم الوجود، حتى ~~تكون رومة المالكة الوحيدة لحوض البحر المتوسط الغربي، لكن لم يوافق سيبيون على هذا ~~الرأي، بل فضل بقاء قرطاجة ضعيفة وبجانبها حكومة قوية محالفة لها وتحت سيطرة الحكومة ~~الرومانية وهي حكومة (نوميديا)، وعزز هذا الرأي بأن الرومانيين لو أمنوا كل مزاحمة من ~~جهة قرطاجة لركنوا إلى الخمول؛ إذ لا يكون لديهم باعث يحثهم على مداومة الحذر ~~والاستعداد لصد كل طارئ، وتكون النتيجة إماتة الإحساسات الحربية والعواطف الوطنية في ~~الأمة الرومانية، ونعم الرأي رأيه، فإن اهتمام الأمة بأمر حياتها وحمايتها من الطوارئ ~~الخارجية يجدد فيها دائما روح الوطنية، ويشدد ربط الاتحاد بين أفرادها بخلاف ما لو ~~كانت آمنة من الأعداء داخلا وخارجا، فإنها تميل إلى الترف وحب الزخرف، وتشغلها الملاذ ~~الدنيوية عن الاهتمام بالأمور العمومية النافعة للبلاد، وتضعف فيها العواطف الشريفة ~~شيئا فشيئا حتى تتلاشى بالمرة وتكون فريسة سهلة لكل طامع في امتلاكها ساع وراء ~~إبادتها. # ولهذه الملاحظات صدق مجلس سناتو رومة على هذه الشروط، واحتفل بسيبيون عند عودته ~~احتفالا لم يسبق لغيره من القواد العظام، فدخل رومة في موكب حافل سار فيه وراء عربته ~~الملك سيفاكس السابق الذكر، وهو أول ملك سار بصفة أسير في موكب انتصاري برومة (وقال بعض ~~المؤرخين إنه مات في السجن قبل هذا الاحتفال)، ms82 وقامت له الأهالي من جميع الطبقات ~~بمظاهرات الولاء والإخلاص، وتغالت الأمة في إظهار شكرها له على تخليصها من الاحتلال ~~الأجنبي وضعضعة أركان قرطاجة حتى عينته حاكما مطلقا (دكتاتور) طول حياته خلافا لما ~~تقضي به النظامات والقوانين. # هذا؛ ويظهر للمطلع على التاريخ القديم والحديث أن بين حروب رومة لقرطاجة وحروب فرنسا ~~لإنكلترا في أوائل القرن التاسع عشر تشابه عظيم؛ وهو أن كلا منهما كانت تسعى للاختصاص ~~بسيادة البحار دون الأخرى ففازت رومة على منافستها، ولم تفز فرنسا على إنكلترا لدواع ~~يطول شرحها. # وكذلك توجد مشابهة بين اجتياز أنيبال لجبال الألب في أوائل الحرب البونيقية الثانية ~~وبين عبور نابليون بونابرت لها عند محاربته النمسا في آخر القرن الثامن عشر، فإنه اتبع ~~طريق سان برناد الذي اتبعه أنيبال فكان له منه قدوة حسنة سار عليها ونسج على منوالها، ~~وكذلك فقد أراد نابليون مجاراة سيبيون الإفريقي في طريقة محاربته لقرطاجة، ونقله الحرب ~~إلى بلادها بدل أن تكون بلاد إيطاليا مرسحا للقتال، فأنشأ معسكرا عظيما في ثغر ~~(بولونيا) على بحر المانش الفاصل بين فرنسا وإنكلترا، وجمع فيه جيشا جرارا وعدة مئات ~~من السفن الحربية وسفن النقل لنقل الجنود إلى بلاد الإنكليز ومحاربتها في نفس بلادها، ~~فيضطرها لسحب عساكرها من البرتقال وإسبانيا وباقي جهات قارة أوروبا، والاشتغال بالدفاع ~~عن بلادها، وعدم مساعدة باقي دول أوروبا ضده، لكن لم تساعده الظروف على تتميم هذا ~~المشروع، وحفظت إنكلترا من إغارته التي لو تمت حسب تدبيره لأجهزت عليها ولم تقم لها بعد ~~ذلك قائمة، كما حصل لقرطاجة بعد الحرب البونيقية الثانية. # وقد كانت نتائج هذه الحرب عظيمة جدا، فإن رومة سادت على أوروبا الغربية بأسرها، ~~وعلى جميع شواطئ البحر المتوسط الغربي، ولم يبق لها به مزاحم، فطمحت إلى التوسع في ~~امتلاك البلاد الشرقية حتى يكون لها ملك البحر الأبيض المتوسط من أوله لآخره، وساعدها ~~على مقصدها ما صارت إليه حالة العالم الشرقي من الانحلال عقب سقوط المملكة الواسعة ~~الأطراف التي أسسها إسكندر الأكبر باني إسكندريتنا المتوفى سنة 323ق.م، وتقسيم ms83 قواده ~~مملكته إلى عدة ممالك صغيرة، واستمرار الحروب بين هذه الإمارات كما حصل في أواخر خلافة ~~العباسيين في نفس هذا العالم الشرقي مما كان سببا لتلاشيه، كما كان السبب بعينه سببا ~~لتلاشي ملك الإسكندر وامتلاك الرومانيين لهذه الإمارات جميعها الواحدة بعد الأخرى، كما ~~سيأتي في الجزء التالي. # وكذلك كانت بلاد اليونان الأصلية منفصمة العرى لا تضافر ولا ارتباط بين مدنها؛ إذ ~~كانت كل مدينة تصبو إلى التسلط على جارتها والتهام ما تصل إليه يدها من أراضيها، ~~وبالاختصار فلم يكن في الشرق دولة يمكنها مقاومة أطماع الدولة الرومانية وصد غاراتها عن ~~الشرق، نعم لو اتحدوا معا ونبذوا الانقسام ظهريا لأمكنهم حفظ استقلالهم أمام أي دولة ~~مهما كانت قوتها، فالعروة الوثقى لا انفصام لها، لكنهم لم يلتفتوا إلى هذه الحقيقة ~~الباهرة، بل استمروا على تفرقهم، فسطت الدولة الرومانية عليهم وحرمتهم استقلالهم ~~وسلبتهم حريتهم وضربت عليهم الذلة والمسكنة جزاء ما كانوا يفعلون. # ولم تكتف هذه الدول الشرقية بالتفرق والانقسام، بل تهافتت على التملق لرومة والتودد ~~إليها والاستنجاد بها على بعضها البعض مما كان سببا لتداخلها في شؤون بلادهم الداخلية، ~~فقد أبرمت حكومة البطالسة بمصر مع رومة معاهدة محبة وولاء منذ سنة 279ق.م. # ولما كان من القوانين الطبيعية المقررة بالشواهد العديدة أن كل اتحاد بين أمتين ~~إحداهما أضعف من الأخرى تكون نتيجته حتما تداخل القوية منهما في شؤون حليفتها مع الزمن ~~بدعوى النصيحة والإرشاد، والتسلط عليها في آخر الأمر تسلطا أدبيا، ثم يستحيل هذا ~~التسلط الأدبي إلى تسلط فعلي وامتلاك حقيقي. # ولم تنج مصر في عهد البطالسة من نتائج ~~هذا الناموس الطبيعي، بل تداخلت الحكومة الرومانية في شؤونها شيئا فشيئا، حتى تحصلت ~~بمساعيها لدى وزراء مصر عند تولية بطليموس الخامس الذي كان سنه لا يتجاوز الخمس سنوات ~~على أن تكون الوصاية عليه مدة طفوليته إلى أن يبلغ رشده لسناتو رومة، فكانت شؤون مصر في ~~عهده في يد الحكومة الرومانية بصفة وصية، ونحن نعلم كيف تكون معاملة الوصي للموصى عليه ~~في مثل هذه الظروف، وأمام ms84 أعيننا الشواهد العديدة على ذلك في عهد احتلال إنكلترا لمصر ~~وإدارتها شؤونها بصفة وصية إلا أن الفرق بين هاتين الحالتين أن رومة عينت وصية على ملك ~~قاصر وبطلب وزرائه، وإنكلترا عينت نفسها وصية على مصر التعيسة وخديويها توفيق باشا بالغ ~~رشيد، واستمرت وصايتها بعد موته وشهادة العموم بأن خليفته عباس باشا الثاني لا يقل ذكاء ~~وحبا لخير بلاده عن أحسن ملوك أوروبا وإمبراطرتها. # | هوامش # | حرب مقدونية # وبعد أن انتهت الحروب مع قرطاجة بالكيفية السابق شرحها وفازت رومة بالظفر وقيدت ~~عدوتها بمعاهدات تجعلها تحت حمايتها الفعلية، وألزمتها بمحالفة مسنيسا ملك نوميديا ~~وقوته بجوارها ليكون مراقبا عليها وعونا لرومة عند الحاجة؛ وجهت رومة التفاتها ~~للانتقام من فيليب ملك مقدونية الذي اتحد مع أنيبال عليها، فقرر السناتو محاربته ~~لإذلاله وإضعافه فيؤمن شره في المستقبل، خصوصا وأنه كان باذلا جهده في الاتحاد مع ~~أنتيوكوس # 1 # ملك الشام وبروسياس ملك بثينيا # 2 # على محاربة بطليموس مصر الذي كان تحت حماية رومة، وسلبه أملاكه في بلاد ~~سوريا وغيرها، وحصره في حدود مصر الطبيعية. # ولقد كان الشعب الروماني غير موافق على الحرب في أول الأمر لما قاساه من المشاق في ~~محاربة أنيبال، ثم اقتنع بضرورة إشهار الحرب على فيليب حتى لا يكون بجوار إيطاليا ملك ~~قوي يخشى من تعديه يوما ما على حدودهم كما فعل مساعدة للقرطاجيين. # وعين القنصل سولبسيوس لمحاربته، فسار إلى بلاد مقدونية سنة 201 ~~ودخلها من جهة الغرب وفتح منها عدة مدن، ~~ولما جاء الشتاء عاد إلى مدينة أبولونيا على بحر الأدرياتيك لقضاء فصل الشتاء. # وفي ربيع سنة 200 قبل المسيح أتى إلى المعسكر القنصل ويلنيس الذي انتخب لهذه السنة ~~فرأى الجند في حالة عصيان وهيجان لا يجسر معها على مهاجمة العدو، فقضى مدته في تنظيم ~~الجند وإعادة السكينة إليه، وظن فيليب أن الرومانيين لم يهاجموه لضعف في قواهم فأتى ~~بجيشه وعسكر على ضفتي نهر أوس # 3 # الذي يمر بالقرب من أبولونيا ويصب في البحر الأدرياتيكي، وامتنع في محل ~~بالغ في تحصينه حتى خشيت ms85 رومة عاقبة وجوده في هذه النقطة، وأرسلت فلامينوس الذي برهن ~~على كفاءته في الحروب السابقة لقيادة الجيش المحارب في مقدونية. # ولقد حقق هذا القائد اعتقاد أهل بلاده فيه، وانتصر على فيليب في سنة 198ق.م انتصارا ~~عظيما، وتبعه في تقهقره إلى إقليم (تساليا)، وقضى شتاء هذه السنة في قلب بلاد اليونان ~~ليستميل إليه القبائل المعادية لفيليب، فانضم إليه كثير منهم حتى إذا أتى ربيع سنة 197 ~~كان قد أدخل في عداد جيوشه كثيرا من اليونان أنفسهم. # وحارب فيليب في شهر يونيو بجيش تعداده ستة وعشرون ألف مقاتل بينهم ثمانية آلاف من ~~اليونان المنضمين إليه، وانتصر عليه نصرة عظيمة لم يقم له بعدها قائمة، بل اضطر لطلب ~~الصلح وقبول شروط فلامينوس بدون تغيير أو تحوير. # وأهم هذه الشروط أن يكتفي بملك مقدونية ويسحب عساكره من باقي بلاد اليونان بأوروبا ~~وآسيا، ويعيد إلى تساليا استقلالها ويسلم جميع السفن الحربية وغيرها إلى الحكومة ~~الرومانية، ولا يبقى بطرفه غير خمسة مراكب نقل لا غير، ويحل جميع جيوشه إلا خمسمائة ~~جندي لحفظ الأمن داخل بلاده، وأن لا يحارب أحد مجاوريه بدون إذن وتصريح الحكومة ~~الرومانية وتعهد بأن يدفع خمسمائة تالنت غرامة حربية، وخمسين ألف دينار جزية سنوية لمدة ~~عشر سنين، وقدم على تنفيذ هذه الشروط عدة رهائن منها ولده دمتريوس. # وبذلك أضعفت رومة ملك مقدونية كما فعلت مع قرطاجة فأمنت مجاوريها شرقا كما أمنت شرور ~~قرطاجة جنوبا وغربا، ولم تجهز على مقدونية وتجعلها ولاية رومانية للأسباب التي ~~ذكرناها في آخر الحرب البونيقية الثانية، بل اتبعت سياسة الحكمة والسداد والإصابة ~~والرشاد. # وبعد أن تم خضوع فيليب وأمنت رومة جانبه استمالت جميع اليونانيين إليها حتى لا ينضموا ~~فيما بعد إليه أو إلى غيره ممن يدعونهم لمحاربة رومة، فمنحتهم جميعا الحرية في داخلية ~~بلادهم وجعلت كل بلد مستقلة عن الأخرى تمام الاستقلال أو متحدة مع بعض مجاوريها اتحادا ~~بسيطا، فشكرها اليونانيون شكرا جزيلا على هذه المنة لاعتقادهم أنها تروم لهم كل خير، ~~وأقاموا الولائم والاحتفالات شكرا لصنيعها، وأعتقوا من ms86 كان لديهم في حالة الرق من أسرى ~~الرومانيين الذين باعهم القرطاجيون بيع الأنعام، ولم يفطنوا إلى ما كانت تبطنه لهم ~~الحكومة الرومانية من الشر والخديعة السياسية، فإنها كانت تقصد بعملها المذكور التفريق ~~بينهم وفصم عرى اتحادهم؛ فلا تخشى بأسهم حالا واستقبالا وتتركهم في حالة الاستقلال ~~الظاهر أشتاتا لا رابط يجمعهم ولا وحدة بينهم، يفتقر كل منهم لحمايتها ضد جيرانه من ~~أبناء جنسه، فيكون الجميع تحت حمايتها الفعلية لا غنى لهم عنها مطلقا، حتى إذا آنست ~~منهم ضعف العواطف الوطنية والحمية الملية سلبتهم استقلالهم وجعلتهم ولايات رومانية ~~تابعة إليها رأسا؛ فلا يقووا إذ ذاك على مقاومتها بالقول أو بالفعل لما يكون نخر ~~عظامهم من سوس التفريق والانحلال. # ولقد أصابت رومة في هذا العمل من وجهتها الأنانية، ولو أنها ألحقت باليونانيين ~~أضرارا بليغة مادية وأدبية فمنافع قوم مصيبة آخرين، وقانون التزاحم في الحياة النباتية ~~والحيوانية يقضي بافتراس القوي الضعيف بالقوة والسيف أو السياسة والدهاء تبعا لدرجة ~~المفترس الهمجية أو المدنية. # ولما انتهت الحرب مع فيليب بالكيفية السابقة؛ رجع أغلب الجنود الرومانية وعاد القائد ~~فلامينوس إلى رومة فدخلها في موكب النصر حسب المعتاد لدى القوم، لكن أبقى في بلاد ~~اليونان فرقة رومانية لمراقبة حركات فيليب المقدوني من جهة، وخوفا من تعدي أنتيوكوس ~~ملك سوريا حدوده واختياره البحر لمحاربة الرومانيين اتباعا لوساوس أنيبال الذي ما انفك ~~ساعيا في تأليف المحالفات ضد رومة انتقاما منها على انتصارها عليه، فهو الذي كان سعى ~~في تحريض فيليب المقدوني على محاربتها. # ولما لم يفلح وثبت للحكومة الرومانية تداخله وتحريضه طلبت من قرطاجة نفيه خارج ~~البلاد خصوصا وأنها رأت منه اهتماما زائدا في إصلاح داخلية بلاده، وخشيت لو استمر ~~على خطته الإصلاحية من أن تقوى قرطاجة يوما ما من استرجاع ما فقدته من القوة والشرف في ~~الحرب الأخيرة، فهرب أنيبال خفية وأتى إلى أنطاكية يحرض ملكها على محاربة رومة العدوة ~~اللدودة لبلاده. # | هوامش # | محاربة أنتيوكوس ملك الشام # ولما كان أنتيوكوس يطمح بنظره إلى امتلاك ما كان تحت سلطان إسكندر ms87 الأكبر من البلدان، ~~وخصوصا في آسيا الصغرى وإقليم (تراس) المسمى اليوم بالرومللي والباقي للآن تحت حكم ~~الدولة العلية؛ مال إلى نصائح أنيبال وقبلها بكل ارتياح، وجهز جيشا عظيما لمحاربة ~~الرومانيين واجتاز البحر إلى بلاد اليونان وانضم إليه من اليونانيين إحدى القبائل التي ~~كانت مصافية للرومانيين ومحالفة لهم ضد فيليب المقدوني، ثم انقلبت عليهم لعدم حصولها ~~على ما كانت تبتغيه من الضيع والبلاد، فأرسلت رومة الجيوش من ثغر برنديس (الآن برنديزي) ~~إلى بلاد اليونان، وساعدتها قرطاجة بإرسال جانب عظيم من الغلال، وكذلك انضم إليها فيليب ~~المقدوني عدوها السابق وحكومة قبرص وباقي الحكومات اليونانية المستقلة التي كانت تخشى ~~على استقلالها من مطامع أنتيوكوس، فانتصر عليه الرومانيون ومحالفوهم تحت قيادة كانتون ~~في عدة مواقع، وأخيرا تقابل الجيشان في مضيق (الترموبيل) # 1 # في يولية سنة 191ق.م. # وفاز الرومانيون بالغلبة وفر أنتيوكوس إلى آسيا الصغرى بعد أن اجتاز (إقليم تراس) ~~وعبر بوغاز الدردنيل # 2 # فتبعه الرومانيون إلى بر الأناضول، وهي أول مرة يطأ فيها الرومان أرض ~~آسيا، وبمجرد دخولهم إلى هذا الإقليم انضم إليهم كثير من الإمارات الصغيرة التي قامت ~~على أطلال مملكة الإسكندر لما سمعوه من معاملة الرومانيين لأهالي اليونان ومنحهم الحرية ~~في نظاماتهم الداخلية، ودخل كثير منهم في عداد جنود الرومانيين. # أما أنتيوكوس فتقهقر إلى مدينة (إفسوس) # 3 # وصده عنها سكانها بعد أن حاول احتلال مدينة (برغامة) # 4 # تحت قيادة ملكهم # Eumène # حليف ~~الرومان. # وفي 5 أكتوبر سنة 190ق.م دخل الرومان إلى معسكر أنتيوكوس بالقرب من مدينة ~~مغنيسيا # 5 # وهزموه هزيمة لم تقم له بعدها قائمة، واضطروه لقبول ما عرضوه عليه من شروط ~~الصلح التي تشبه من جميع الوجوه ما أبرم مع قرطاجة وفيليب المقدوني، وهي أنه لا يجوز ~~له محاربة أحد مجاوريه بدون إذن سناتو رومة، وأن يسلم ما لديه من أفيال الحرب إلى ملك ~~برغامة، ويدفع إليه غرامة حربية تساوي مائة ألف جنيه من عملة هذا الزمان، وأن يدفع ~~لرومة غرامة تعادل ثلاثة ملايين جنيه ويسلمها جميع مراكبه الحربية، وأن ينسحب ms88 إلى ما ~~وراء جبال طوريس بحيث يكون هذا الجبل حدا لأملاكه من جهة الشمال، وأخيرا اشترطت عليه ~~تسليم أنيبال أكبر محرض على هذه الحرب التي كانت القاضية على ملك أنتيوكوس، فكأن أنيبال ~~لم يكتف بما أصاب بلاده من الضرر بسبب مطامعه فأوقع محازبيه في ما وقع هو فيه من ~~المصائب، ولما علم أن أنتيوكوس قبل تسليمه إلى الرومانيين فر هاربا واحتمى لدى ~~بروزياس ملك بثينيا. # وقد وزع الرومان ما أخذوه من بلاد أنتيوكوس على محالفيهم من اليونان ولم يبقوا ~~لأنفسهم شيئا منها، وأعطوا معظمها إلى أكبر حلفائهم، وهو # Eumène # ملك برغامة، فصار بالنسبة لأنتيوكوس كمسنيسا ~~ملك نوميديا بالنسبة لقرطاجة. # وبعد أن أتموا إخضاع هذا الإقليم ورتبوا أموره ووطدوا ربط الاتحاد بين سكانه وبين ~~الحكومة الرومانية عادوا إلى أوروبا ولم يتركوا نفرا من جنودهم في البلاد التي فتحوها، ~~بل ردوها لأصحابها مكتفين بأن يكونوا لهم أصدقاء مخالصين لا أعداء معاندين كما فعلوا مع ~~بلاد اليونان سابقا، فوجدوا منهم أكبر عضد وأعظم مساعد عند مرورهم من بلادهم قاصدين ~~آسيا الصغرى، نعم إن بعض القبائل انقلبت على الرومانيين في أوائل محاربة أنتيوكوس ~~لاعتقادها أنها لم تحظ بما تستحقه من المكافأة بعد مساعدتها الرومان في أول الأمر على ~~محاربة فيليب المقدوني، إلا أنها لم تر بدا من الإذعان بعد أن لقيت من الرومان يدا ~~قوية في معاقبتهم على خيانتهم لها وعدم محافظتهم على ولائها. # وبذلك لم يبق لرومة مجاور تخشى تعديه على حدودها، بل لم يبق على ضفاف البحر ~~المتوسط أمة غير متحالفة معها، وبعبارة أخرى غير خاضعة لها بالفعل، ولكن لاعتقادها عدم ~~المقدرة على جعل بلادهم ولايات رومانية بحتة؛ تركت لها هذا الاستقلال الظاهري حتى تتمكن ~~من إخضاعها تماما تبعا لمقتضيات الظروف ودواعي الأحوال. # ولا يخفى ما بين هذه السياسة وسياسة الدول الأوروبية مع الأمم الشرقية في هذه القرون ~~الأخيرة من التشابه، فمن راجع تاريخ احتلال الإنكليز لبلاد الهند وامتداد نفوذهم ~~تدريجا تارة بالفتح وغالبا بإبرام المعاهدات الودادية (كما يسمونها) مع الأمراء ~~والحكام، ms89 وإيقاد نيران البغضاء والشحناء بينهم، ومساعدتهم على بعضهم البعض لإضعافهم ~~وتفريقهم، وما تبذله إنكلترا الآن من هذه السياسة المبنية على الأنانية وحب النفس في ~~بلاد إفريقية بمساعي رجالها، مثل سسيل رود في الجنوب، والكابتن لوجارد في الوسط، ~~واللورد كرومر في الشمال؛ يتحقق أن الإنكليز تشبهوا في سياستهم الاستعمارية بالرومانيين ~~الذين سبقوهم في هذا المضمار. # وقد كانت نتيجة إتعابهم أجيالا متعاقبة الخراب والدمار لما تغلبت عليهم اللذات، ~~ومالوا مع الهوى بسبب كثرة أموالهم وشدة غناهم. # وحيث قد شوهد أن الحوادث التاريخية تتكرر فلا بد أن تكون عاقبة الإنكليز سيئة جدا ~~لو داموا على هذه الخطة خطة الأثرة وامتهان حقوق الضعفاء والإكثار من امتلاك البلاد، ~~فإن ذلك قد أثار طمع الأمم الأخرى فقامت لمزاحمتها، وسيكون لها من ألمانيا والروسيا في ~~المستقبل أكبر منافس في المسائل الاستعمارية، وأعظم محافظ على طريق الاستعمار وهو مصر، ~~ونؤمل أن تكون نتيجة هذه المزاحمة والمنافسة خيرا لمصرنا التعيسة، فتحصل على ما يضمن ~~لها استقلالها بحماية جميع الدول ذات الصالح في حفظها من السقوط في أيدي دولة واحدة ~~تقفل طريقها وتوصد أبوابها في وجه من خالفها أو عاداها. # | هوامش # | بعض حروب أخرى # موت أنيبال # هذا؛ وفي أثناء الحروب المتوالية في مقدونية وآسيا الصغرى هاجت القبائل الأيبرية ~~النازلة بإسبانيا طلبا للاستقلال، فأرسلت الجيوش الرومانية تباعا لقمعهم وإلزامهم ~~الرضوخ والسكينة فقاوموا مدة، وكانت الحرب بينهم وبين الرومانيين سجالا إلى أن تغلب ~~عليهم في آخر الأمر القائد سمبرونيوس ~~جراكوس # Semprenius Grachus # وألزمهم الطاعة. # وكذلك مالت قبائل الغال النازلة في شمال إيطاليا إلى الثورة والعصيان؛ فقمعوا وبقي في ~~إيطاليا من أراد البقاء، وهاجرت عدة من القبائل التي لم ترض أن تكون تحت ذل واستعباد ~~الرومانيين، وآثرت هجرة الوطن إلى غيره من بلاد الله الواسعة طلبا للاستقلال والتمتع ~~بالحرية بعيدا عن مرامي أنظار الرومانيين، ونزلت على شواطئ نهر الدانوب. # ولما استتب الأمن بإسبانيا وشمال إيطاليا، واستراح بال الحكومة الرومانية من جهتهم ~~كما استراح من جهة بلاد اليونان وآسيا الصغرى؛ لم تجد الوقت الكافي ms90 لتنظيم داخليتها ~~والنظر فيما يعود عليها بالتقدم في ميادين التمدن، والارتقاء في معارج الفلاح بسبب ما ~~كان يدسه فيليب المقدوني من الدسائس في بلاد اليونان، ويبذره من بذور الشقاق بين ~~مدائنها لتنفصل عن الاتحاد مع رومة وتحصل على تمام استقلالها، ومن كان يرسلهم من الرسل ~~إلى متبربري الجهات الشمالية ليشنوا الغارة على بلاد الرومان فيشتغلون برد غاراتهم عن ~~بلادهم ويخلو له الجو في بلاد اليونان، فيفتح جميع مدنه ويصير هو ملكا مطلقا بها، ~~الأمر الذي كان يسعى جهده لنواله من مدة، واتحد مع سكان التراس (الرومللي) واحتل جزءا ~~منها ليس بقليل وأسس مدينة في مركز متوسط يلجأ إليه عند الضرورة وسماها ~~فيلببوبوليس # 1 # نسبة إليه، فأرسلت رومة القائد الشهير فلامينوس لتسكين الخواطر في اليونان، ~~والقبض على أنيبال القرطاجي الذي كان نزيلا عند بروزياس ملك بثينيا وينفث سم دسائسه في ~~بلاد اليونان، ويحرض فيليب وغيره على معاداة رومة ومنازلتها انتقاما منها على ما أتته ~~مع قرطاجة. # ولما اخترق فلامينوس بلاد اليونان وأعاد السكينة إليها قصد عاصمة ملك بروزياس، وطلب ~~منه تسليم أنيبال فلم ير بدا من الإذعان لطلباته خوفا من سطوة حكومته، وخشية أن تمد ~~رومة يدها الخاطفة إلى بلاده، خصوصا وأنها لم تبخل عليه بإقطاعه بعض أملاك أنتيوكوس؛ ~~فأمر بالقبض عليه وإحضاره، ولما علم أنيبال بذلك تجرع السم بنفسه حتى لا يقع في أيدي من ~~لم يرحمه (سنة 183ق.م)، وبذلك انتهت حياة هذا البطل الذي زعزع أركان الحكومة الرومانية ~~وكاد يدخل رومة لولا وطنية الأمة الرومانية، وثباتها أمام النوائب والنوازل، وبذلها ~~الأموال والأرواح لإنقاذ وطنها من احتلال الأجنبي وإجلائه عنها. # ولما علم سناتو رومة بمساعي فيليب أطلق سراح ابنه دمتريوس الذي كان أخذ ضمن الرهائن ~~وأرسله لبلاده ليكون نصيرا للرومان على والده، فذهب إلى مقدونية وصار رئيسا للحزب ~~المصافي للرومانيين، وكان له أخ لأبيه يدعى (برسيه)، فخشي برسيه من أن يرث دمتريوس ~~الملك بعد أبيه دونه بسبب أن والدته ليست من العائلة الملوكية؛ فسعى به لدى والدهما ~~وأقنعه بأن دمتريوس ms91 يؤامر لقتله، فحنق عليه والده وقتله سنة 181، ثم ندم على تسرعه وحزن ~~حزنا شديدا كان سببا لوفاته في سنة 179 فخلفه ابنه برسيه المعادي للرومانيين، وتظاهر ~~في أول أيامه بقبول الشروط التي قبلها والده، وأخذ في استمالة القبائل المجاورة له ~~وملوك اليونان بآسيا الصغرى وفي تحريض المتبربرين على تعدي الحدود الرومانية، وأرسل ~~وفدا إلى قرطاجة يطلب منها المساعدة والمعاونة سرا وأخذ يستعد لمحاربة الرومانيين ~~ومنازلتهم. # | هوامش # | محاربة مقدونية وجعلها ولاية رومانية # ولما علم ملك برغامة بهذه الاستعدادات أخبر الحكومة الرومانية لتأخذ حذرها لكي لا ~~تتهمه فيما بعد بممالأة المقدونيين، فأرسلت رومة وفدا مؤلفا من سبعة أشخاص إلى بلاد ~~اليونان لإبطال مساعي (برسيه) وتحذيرهم من سوء العاقبة لو اتبعوه، وأرسلت لمقدونية ~~جيشا من خمسة آلاف مقاتل في سنة 169ق.م، وانقضت هذه السنة في مناوشات خفيفة بين ~~الطرفين لم تأت بفائدة قطعية. # وفي سنة 168 انتخب بوليوس أمليوس # 1 # قنصلا وسافر للانضمام للجيش المحارب في مقدونية، وبعد أن أعاد النظام إلى ~~الجيش ومرنه على الحرب في عدة مواقع ومناوشات صغيرة، قصد العدو وحاربه في سهل فسيح ~~بالقرب من مدينة بيدنه # 2 # وانتصر عليه نصرا عظيما في 22 يونيه سنة 168، أثبت به أفضلية النظام ~~الروماني على النظام اليوناني الذي كان وضعه إسكندر الأكبر بعد تجاربه العديدة. # وبعد أن تبدد شمل الجيش المقدوني هرب (برسيه) ولجأ إلى بعض القرى الصغيرة، ثم سلم ~~نفسه للقائد الروماني مع بكر أولاده بسبب وقوع أولاده الآخرين بين أيدي الرومانيين ~~بدسيسة، وخيانة أحد أتباعه فأرسله وأولاده إلى رومة. # وأعلنت الحكومة الرومانية بحرية بلاد مقدونية ولم تضم إليها شيئا منها في بادئ الأمر ~~اكتفاء بأخذ نصف ما كان يدفعه برسيه من الجزية، ثم قسمت هذا الإقليم إلى أربعة أقسام، ~~وحجرت على أهالي كل قسم الاتجار والتزاوج مع سكان القسم الثاني حتى تنحل من بينهم روابط ~~الوطنية والقرابة، وقسم كذلك إقليم إليريا إلى ثلاثة أقسام بهذه القيود. # أما برسيه فسجن في مدينة رومة، ولم تطل مدته به فإنه امتنع عن الأكل ms92 حتى مات ~~جوعا. # ولقد كان لانخذال برسيه ووقوعه في أسر الرومانيين دوي عظيم في جميع بلاد اليونان، بل ~~في جميع الممالك الواقعة على شواطئ البحر المتوسط، فحضر بروزياس ملك بثينيا إلى رومة ~~ومثل أمام مجلس السناتو بكل خشوع وخضوع، وأراد ملك برغامة ومسنيسا ملك نوميديا الاقتداء ~~به فمنعتهما الحكومة الرومانية عن مفارقة بلادهم، وألزمت ملك أنطاكية الكف عن محاربة ~~مصر والعودة لبلاده ورد ما أخذه من مصر إليها، ونفت من بلاد اليونان كل من كان معارضا ~~لأعمالها أو متظاهرا بالميل ولو قليلا لجانب ملك مقدونية. # وبالاختصار صارت هي الدولة الوحيدة المسموعة في جميع هذه البلاد، وخشي سطوتها البعيد ~~قبل القريب. # لكن لم تكف هذه الإجراءت لإلقاء الرعب في قلوب أهالي مقدونية، بل أخذوا يسعون ~~جهدهم في تحرير بلادهم وتخليص وطنهم من تسلط الأجنبي فأثاروا الأهالي أكثر من مرة، ~~وحصلت بينهم وبين جيوش الرومان حروب سالت فيها الدماء أنهارا، وقتل فيها أغلب هذه ~~الفئة الغيورة على استقلال بلادها، وأخيرا لما تضعضع حال البلاد وصارت غير قادرة على ~~إبداء أقل مقاومة وقتل سراتها وأشرافها أعلن مجلس سناتو رومة في ~~سنة 142 بجعل بلاد مقدونية ولاية رومانية، ~~وسلبها ما كان تركه لها من الاستقلال الظاهري. # وكذلك لما نخر الشقاق عظام الأمم اليونانية، وانفصمت عرى اتحادها، وصارت أشتاتا تسعى ~~كل منها للإضرار بأختها للتقرب من رومة، وماتت العواطف الوطنية فيها بدسائس الرومان؛ ~~أعلنت الحكومة الرومانية بجعل بلاد اليونان ولاية رومانية واحدة، وبذلك نجحت سياسة رومة ~~أي نجاح، وزال استقلال بلاد اليونان ومقدونية تماما، وصارت ولايات رومانية كما تبعها ~~غيرها تدريجا حتى صار البحر الأبيض المتوسط بحيرة رومانية كما سترى. # | هوامش # | زوال ملك قرطاجة وخرابها # ولنتكلم الآن بالإيجاز عما حصل لهذه الجمهورية الإفريقية القديمة من بعد أن أخضعها ~~الرومانيون عقب الحرب البونيقية الثانية، وحصروا دولتها في بلاد تونس، وأوجدوا بجانبها ~~جارا شديد البطش عليها قديم العداوة لها، وهو مسنيسا ليكون في جسمها كالسرطان في جسم ~~العليل، إن برئ من جانب ظهر في الجانب الآخر حتى ms93 يقضي العليل نحبه ويستريح بالموت ~~الأحمر من هذا الداء الأزرق، هكذا كانت حال قرطاجة بعد الشروط القاسية التي قبلتها ~~مضطرة غير مختارة عقب انهزام بطلها الشهير أنيبال في موقعة (زاما)، فإن مسنيسا ما انفك ~~بعدها يوجد كل يوم سببا للشقاق بينه وبين قرطاجة، ويتعدى الحدود المعينة له، ويختلس ~~الأراضي بدون أن تجسر الحكومة القرطاجية على صد هجماته أو منع تعدياته؛ بسبب الشروط ~~التي تم عليها الصلح بينها وبين رومة التي تحرم عليها إعلان الحرب على أحد مجاوريها ~~بدون تصريح الحكومة الرومانية، فكانت تكتفي بالشكوى إلى باب سناتو رومة الأعلى ولا تجد ~~منه إلا أذنا صماء، حيث كان من صالح رومة إضرام نار الفتن بين الجارين حتى تحصل على ~~ضالتها المنشودة وهي الإجهاز على قرطاجة يوما ما. # لكن لما كثرت شكوى قرطاجة من جارها؛ أرسلت الحكومة الرومانية رسلا لتسوية ما بين ~~الجارين من الخلاف وتوطيد أسباب الاتفاق والوئام بينهما إلى حين. # وكان من ضمن أعضاء الوفد (كاتون)، فوجد حالة قرطاجة في غاية اليسار وخزائنها ملأى ~~بالدراهم، ومخازنها مفعمة بالأسلحة والذخائر الحربية، وتجارتها رابحة على عكس ما كان ~~يؤمل الرومانيون بعد انتصارهم. # ولما كانت هذه الحالة المرضية غير منطبقة على رغائب أمته؛ انقلب كاتون على قرطاجة، ~~وصار من أكبر المحرضين على التعجيل بالإجهاز عليها قبل أن تزداد قوتها فيخشى منها وتضطر ~~رومة إلى محاربتها حربا ربما كانت عاقبتها وخيمة على الأمة الرومانية، وصار يخطب بذلك ~~في كل صقع وناد، ويختم خطاباته ومحرراته بهذه العبارة التي صارت في اللغات الأوروبية ~~إلى الآن مجرى الأمثال، وهي # Delenda est Corthago ~~، ~~ومعناها يجب تخريب قرطاجة. # ولقد أثرت خطاباته هذه في الرأي العام وبالتالي في رجال الحكومة تأثيرا شديدا حتى ~~اقتنعوا بضرورة محاربة قرطاجة ثانيا وجعلها ولاية رومانية بسيطة، وانتهزت لتنفيذ غرضها ~~هذا فرصة تعدي مسنيسا على حدود قرطاجة وقيام الجنود القرطاجيين لصد غاراته، فأعلنتها ~~رومة بأنها خالفت نص شروط الصلح بمحاربتها جارها بدون استئذان سناتو رومة، فأزعنت ~~قرطاجة للقوة واسترجعت جيوشها، وتركت مسنيسا يعثو في حدودها ms94 فسادا إرضاء لخاطر الحكومة ~~الرومانية وإذعانا للقوة دون الحق. # ومع كل هذا التذلل لم تعاملها رومة بالعدل، بل أرسلت إليها جيشا مؤلفا من نحو ~~ثمانين ألف مقاتل تحت قيادة سيبيون ~~إمليان # Seipion Emilien ~~(في سنة 149ق.م) لمجازاتها على إخلالها بالعهود، ولما رأت ~~قرطاجة أن الرومانيين ينوون محوها من عالم الوجود؛ عادت الشجاعة إلى أهلها، وتعاقدوا ~~وتضافروا على محاربة الأجنبي حتى يموتوا عن آخرهم أو يعيشوا أحرارا خصوصا بعد أن ظهر ~~قصد رومة السيئ، وعدم اقتناعها بأخذ جميع ما لدى القرطاجيين من الأسلحة ومعدات الحرب، ~~وطلبها خروج جميع السكان من المدينة وسكناهم بعيدا عنها بمسافة عشرة أميال، عند ذلك ~~قفل القرطاجيون أبواب مدينتهم، وأخذوا في الاستعداد للحرب آناء الليل وأطراف النهار، ~~وجمعوا كل ما لديهم من الأشياء الحديدية وصنعوا منها أسلحة جديدة غير التي أخذها ~~الرومانيون، وقبض الحزب الوطني على أعنة الحكومة، وقتلوا كل محازب لرومة، وجمعوا ~~جيشا مؤلفا من نحو سبعين ألف مقاتل تحت إمرة قائد وطني يدعى ازدروبال، وتفانت ~~النساء قبل الرجال في الاستعداد للحرب حتى قيل إنهن قطعن شعورهن لتصنع منها الحبال ~~اللازمة للمنجنيقات التي وضعت على أسوار المدينة، لكن لم تجدهم كل هذه الاستعدادات ~~نفعا، فإن الرومانيين احتلوا ثغر (أوتيك) وحاصروا مدينة قرطاجة برا وبحرا، ومنعوا ~~وصول المؤونة إليها ليضطروها للتسليم جوعا. # وأتى كل من الفريقين من الأعمال الحربية بما شهد له القواد المتأخرون، ومن ضروب ~~القتال وفنون الاستحكام للهجوم من جهة والدفاع من الجهة الأخرى. # وبعد أن استمر الحصار بهذه الكيفية نحو سنة انتصر سيبيون الروماني على ازدروبال الذي ~~كانت تنتظر قرطاجة نجاتها بنجاحه، وأخيرا دخل الرومانيون المدينة عنوة لكنهم لم يصلوا ~~إلى القلعة القائمة في وسطها إلا بعد أن حاربوا الأهالي في الشوارع شارعا فشارعا، بل ~~بيتا بيتا مدة ستة أيام وست ليال متوالية، وأخيرا سلم من بقي فيها من المحاربين ~~ومعهم قائدهم ازدروبال، ولم يصبر على المقاومة إلا نحو ألف شخص امتنعوا في هيكل اسكولاب ~~(إله الطب عند قدماء اليونان والرومان)، وأضرموا فيه النار ms95 ليموتوا عن آخرهم حتى لا ~~يروا خراب بلادهم، وكان بهذا الهيكل زوجة ازدروبال ومعها ولداها فصعدت بهما إلى أعلى ~~الهيكل وقتلتهما بيدها أمام زوجها بعد أن وبخته على خيانته لوطنه، ثم ألقت بنفسها من ~~شاهق الهيكل فسقطت في النار وذهبت ضحية الوطن، بينما كان زوجها يئن في حالة الأسر ~~والذل والخذلان. # ثم أصدر سناتو رومة أمرا ساميا بجعل الأراضي التابعة لقرطاجة ولاية رومانية، وأطلق ~~عليها اسم (إفريقا)، وبذلك زالت هذه الأمة من الوجود السياسي بعد أن بلغت من العمران ~~واتساع نطاق الاستعمار شأوا عظيما، ونالت من التجارة الأرباح الباهظة، دخلت في خبر ~~كان، وصارت أثرا بعد عين شأن جميع الدول والممالك قديما وحديثا، إذ كل من عليها فان ~~ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام. ms96