######OpenITI# #META# URI: 1338TahirJazairi.KafiFiLugha.Hindawi69259172 #META# Tags: linguistics #META# ID: 69259172 #META# Title: الكافي في اللغة #META# AuthorID: 70951583 #META# Author: طاهر الجزائري #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # خطبة الكافي‏ # خطبة الكافي‏ # | الكافي في اللغة # | الكافي في اللغة # تأليف # طاهر الجزائري # | خطبة الكافي # الحمد لله الذي خلق الإنسان، علمه البيان، وميزه على سائر أجناس الحيوان. والصلاة ~~والسلام على أفصح الأنبياء بيانا، وأوضحهم حجة وبرهانا، أحمد # 1 # من أرسله لإرشاد الخلائق إلى أسنى الحقائق، وعلى آله الكرام البررة الذين ~~اقتفوا أثره، وصحبه أعلام العلم والهداية، الذين كان لهم في نشر آثاره أسمى عناية، وعلى ~~التابعين لهم بإحسان، ما أعرب عما في النفس لسان. # أما بعد، فلما كان للغة العربية الشأن الذي لا يجهل أقبلت وجوه العلماء الأعلام عليها؛ ~~وجعلوا وجهتهم تمهيد السبيل إليها # 2 # كي لا يحلأ عن مواردها العذبة وارد، ولا يدرأ عن معاهدها الرحبة قاصد، # 3 # فبينوا قواعدها وأحكامها، ورفعوا أعلامها. وأفردوا كلا من حالي الأفراد ~~والتأليف بالبيان، حتى كاد بيانهم يكون بمنزلة العيان، ونقبوا في البلاد عن شواردها، وجعلوا ~~أسفارهم قيد أوابدها، # 4 # وأبرزوا في ذلك مصنفات مختلفة الأصناف، مشحونة بصحاح الجواهر ممتازة عن الأصداف، # 5 # ودعوا الناس إليها دعوة تامة؛ لتكون مأدبة الأدب لهم عامة. # 6 # ثم اجتهدوا في فقه اللغة؛ فأوضحوا أصوله المحكمة، وشرحوا فصوله المبهمة # 7 # حتى ظهر ما بهر من سرها الخفي ومن خصائصها المونقة لمن هو بها حفي، # 8 # ولم يزل التأليف فيها متواترا بقدر الإمكان مرعيا فيه حال الزمان والمكان، # 9 # والناس لهم بما ألف فيها أعظم إلف، حتى بلغ ذلك زهاء ألف. # 10 # ثم عرضت عوارض قضت بضعف العلم، وخفض أعلامه الشم؛ # 11 # ففترت في تحصيلها الهمم، وترك رعاية ما لها من الذمم. حتى نجم عن ذلك ما ~~نجم، وكاد أهلها في إهمال لغتهم يكونون كالعجم، # 12 # بل جعل بعض الأغمار أمرها غير أمم، وعد الاشتغال بها ضربا من اللمم، # 13 # وحال ما لا يحصى من الأحوال على هذا البلبال. ثم حالت تلك الحال، وأتى ما لا ~~يخطر بالبال، # 14 # فقيض الله لها نفوسا سامية أشرفت عليها فعرفت قدرها السامي، وسمت ~~إليها فرأت لها من المحاسن ما به تحكي ms01 العرب التي ~~تجل عن المسامي، # 15 # فشرعوا في تجديد معاهدها، وتشييد قواعدها، إماطة الأذى عن شوارعها، وإزالة ~~القذى عن مشارعها؛ # 16 # ليكون الناس شرعا في وردها السائغ، وظلها السابغ # 17 # وإن اختلفت مشاربهم، وتباينت أسرابهم ومساربهم، # 18 # وقرروا درسها في المدارس، وأحيوا من كتبها ما كان كالرسم الدارس؛ فهبت ريحها، ~~وأضاءت مصابيحها. وكاد يعود لها رونقها الأول، وخفت من كان يقول: وهل عند رسم دارس من معول؟ # 19 # ولما كنت خليلا لها أحببت أن أبدي أمارة من أمارات الخلة؛ شفاء لما في النفس ~~الغلة، فألفت هذا الكتاب على وجه يروق أولي الألباب. فذكرت فيه ألفاظ الكتاب العزيز، ~~وما يتلوه من كتب الحديث والأثر، # 20 # وضممت إلى ذلك ما لا بد للأديب من معرفته، وقد أوردت فيه كثيرا من الشواهد # 21 # والأمثال؛ # 22 # لتبقى الكلمات ممثلة في النفس وهي سالمة المبنى واضحة المعنى، وليقف على ~~منهاج البلغاء في تأليف الكلام من أراد أن ينحو نحوهم. # 23 # وقد اجتنبت فيه غريب اللغة ووحشيها إلا أن يدعو إلى ذلك داع، # 24 # ولم آل جهدا في توخي أقرب العبارات إلى الفهم، وأبعدها عن الوهم، # 25 # مع رعاية حسن النسق بإيراد كل شيء في أحسن مواضعه بقدر الإمكان. # 26 # غير أني لم أتعد أقوال الأئمة الذين يعول في اللغة عليهم، # 27 # وقد فرقت فيه بين الفصيح والأفصح؛ ليأخذ الناظر في نفسه بما هو الأرجح # 28 # ويدع غيره في دعة، حيث كان في الأمر سعة، وأرجو أن يكون هذا الكتاب على ما فيه ~~من الإجمال كافيا فيما قصدت إليه من غير إخلال؛ # 29 # فإني غصت لأجله في قاموس لسان العرب؛ لإسعاف من لهم في التحلي به أرب، # 30 # فأجلت النظر في جواهره المختلفة الأوضاح، ثم استخرجت لهم من مختار صحاح ~~مفرداتها ما هو مزهر كالمصباح، # 31 # ليبني على أساس البلاغة، وهو في نهاية الأحكام من يريد منهم إصلاح المنطق ~~وتهذيب الكلام. # وليس لي فيه مع الجمع غير الوضع، على وجه يلائم الطبع، فإن راقك ما فيه ms02 فاشكر لمن تقدم ~~وقل سلام على من لم يغادر فيها من متردم، # 32 # وإن رأيت فيه ما راعك من خلل لا يمكن حمله على غير الخطل، # 33 # فنبه بلطف عليه، وأشر من غير أشر إليه؛ # 34 # صيانة للسان من الزلل فإن أمره جلل. # 35 # ورتبته على حروف المعجم، معتبرا فيه أوائل الكلم. # 36 # وأسأل الله التوفيق لما يرضى من قول وعمل. # الطريقة الأولى: طريقة الإمام الأوحد الخليل بن أحمد في كتاب «العين» # وهو أول كتاب ألف في اللغة، وسمي بذلك لابتدائه بحرف العين؛ فإنه رتب كتابه ~~على الحروف، وهي مسوقة على هذا الترتيب: # ع # ح # ه # خ # غ # ق # ك # ج # ش # ض # ص # س # ز # ط # د # ت # ظ # ذ # ث # ر # ل # ن # ف # ب # م # و # أ # ي # ولا إشكال في كتابه من جهة هذا الترتيب وإن خالف ما ألفه الجمهور في ترتيب حروف ~~المعجم، ألا ترى أن حروف المعجم قد اختلف في ترتيبها المشارقة والمغاربة، ولم يعق ~~ذلك أحد الفريقين عن الانتفاع بكتب الفريق الآخر فيما رتب على حروف المعجم، كما لم ~~يعقهما عن الانتفاع بالكتب التي رتبت على نسق أبي جاد؟ # وإنما أتى الإشكال فيه من جهة أخرى وهي أنه يذكر الكلمة وما ينشأ عنها بالقلب في موضع ~~واحد؛ فيذكر «الضرم» في حرف الضاد، ويتبعها بذكر «الضمر» ثم «الرضم»، ثم «المضر»، ثم ~~«الرمض»، ثم «المرض»، فإن أهمل شيء من أنواع القلب أشار إلى إهماله، وزاد على ذلك ~~أنه ذكر كل نوع من الصحيح والمضاعف والمهموز والمعتل على حدة؛ ليمتاز كل نوع عن غيره، ~~وقد جرى طريقته بعض اللغويين ومنهم الأزهري وابن سيده، ولصعوبة هذه الطريقة على الجمهور ~~الذين ليس لهم مأرب في غير معرفة أبنية الكلم ومعانيها قال صاحب «لسان العرب»: «ولم أجد ~~في كتب اللغة أجل من تهذيب اللغة لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري، ولا أكمل من ~~المحكم لأبي الحسن علي بن إسماعيل بن سيده الأندلسي رحمهما الله؛ فإنهما من أمهات كتب ~~اللغة ms03 على التحقيق، وما عداهما بالنسبة إليهما بنيات الطريق، غير أن كلا منهما مطلب ~~عسر المدرك ومنهل وعر المسلك، وكأن واضعه شرع للناس موردا عذبا وحلأهم عنه، ~~وارتاد لهم مرتعا مربعا ومنعهم منه، قد أخر وقدم، وقصد أن يعرب فأعجم. فرق الذهن ~~بين الثنائي المضاعف والمقلوب، وبدد الفكر باللفيف والمعتل والرباعي والخماسي فضاع ~~المطلوب. فأهمل الناس أمرهما، وانصرفوا عنهما، وكادت البلاد لعدم الإقبال عليهما أن ~~تخلو منهما، وليس لذلك سبب إلا سوء الترتيب وتخليط التفصيل والتبويب، ثم ذكر «صحاح ~~الجوهري» ونوه بحسن ترتيبه وجرى عليه.» # واعلم أن طريقة الخليل لها موقع عند الذين يرون أن الكلمات التي تشترك في الحروف وإن ~~اختلفت في الترتيب لا بد أن يكون لها معنى مشترك بينها هو جنس لأنواع موضوعاتها، وذلك ~~مثل: «كلم» و«كمل» و«مكل» و«ملك» و«لكم» و«لمك»؛ فإن لها معنى يجمع بينها وهو القوة ~~والشدة. # الطريقة الثانية: طريقة الجوهري صاحب «الصحاح» # فإنه رتب كتابه على حروف المعجم على النسق المعروف في المشرق، غير أنه جعل الآخر ~~للباب والأول للفصل، فكل كلمة يكون آخرها ألف؛ مثل: «بدا» يذكرها في الباب الأول وهو ~~باب الألف، ويسميها بالألف المهموزة احترازا عن الألف اللينة التي هي أحد حروف المد، ~~وكل كلمة يكون آخرها باء مثل: «أب» يذكرها في الباب الثاني وهو باب الباء، ولم يزل يجري ~~على هذا الترتيب حتى وصل إلى الحرف الأخير وهو حرف الياء، وقد جعل كل باب ثمانية وعشرين ~~فصلا، جعل الفصل الأول منها لما يكون أوله همزة، والفصل الثاني لما يكون أوله باء إلى ~~أن وصل إلى الآخر. غير أن بعض الأبواب قد تكون فصولها أقل من ثمانية وعشرين وهو ~~الأكثر؛ كباب الراء، فإنه لا يوجد فيه فصل اللام لعدم وجود كلمة في العربية أولها لام ~~وآخرها راء، وأقل الأبواب فصولا باب الظاء؛ فإن فصوله ستة عشر، إذا عرفت هذا تعرف أن ~~مثل «بري» و«بغي» يذكر في فصل الباب من باب الياء، وذلك في آخر الكتاب، وإن مثل «برء» ~~و«بطء» يذكر في فصل ms04 الباء من باب الألف، وذلك في أول الكتاب، وقد جرت عادته في الفصل أن ~~يراعي ما بعد الأول في الترتيب فيقدم «سأر» على «سبر» وهي على «ستر»، ويقدم «خردل » على ~~«خزعل»، و«عبقر» على «عبهر»، وقد أشار الجوهري إلى طريقته في خطبة الصحاح فقال: «الحمد ~~لله شكرا على نواله، والصلاة على محمد وآله. # أما بعد: فإني قد أودعت هذا الكتاب ما صح عندي من هذه اللغة التي شرف الله تعالى ~~منزلتها، وجعل علم الدين والدنيا منوطا بمعرفتها، على ترتيب لم أسبق إليه، وتهذيب لم ~~أغلب عليه، في ثمانية وعشرين بابا، وكل باب منها ثمانية وعشرون فصلا على عدد حروف ~~المعجم وترتيبها، إلا أن يهمل من الأبواب جنس من الفصول، بعد تحصيلها بالعراق رواية، ~~وإتقانها دراية، ومشافهتي بها العرب العاربة في ديارهم بالبادية، ولم آل في ذلك نصحا، ~~ولا ادخرت وسعا، نفعنا الله وإياكم به.» # وعلى طريقته سلك الإمام رضي الدين الحسن الصغاني في «العباب» و«التكملة»، والإمام ~~جمال الدين في «لسان العرب». # الطريقة الثالثة: طريقة الجمهور # وقد رتب السالكون عليها كتبهم على حروف المعجم معتبرين فيها أوائل الكلم؛ فيذكرون ~~في الباب الأول وهو باب الألف - ويراد بها هنا الهمزة - كل كلمة في أولها ألف، مثل: ~~«أب» و«ألو» و«أبي»، وفي الباب الثاني وهو باب الباء كل كلمة في أولها باء، مثل: «بر» ~~و«بري»، ولا يزالون على هذا النهج إلى أن يصلوا إلى النهاية وهي باب الياء، وقد جعلوا ~~كأصحاب الطريقة الجوهرية في كل باب فصولا ناظرين فيها إلى ثواني الكلم؛ فيذكرون الفصل ~~الأول ما يكون ثانيه همزة، وفي الثاني ما يكون ثانيه باء، وفي الفصل الثالث ما يكون ~~ثانيه تاء، ولا يزالون على ذلك إلى أن يصلوا إلى النهاية؛ فالحرف الأول عند هؤلاء ~~كالحرف الأخير عند الجوهري، والحرف الثاني عندهم كالحرف الأول عنده؛ فمثل «أبي» تذكر ~~عندهم في أول الكتاب في فصل الباء من كتاب الألف، وتذكر عند الجوهري في آخر الكتاب في ~~فصل الألف من كتاب الياء، ويقدمون بعض كلمات الفصل على ms05 بعض بالنظر إلى ما بعد الحرف ~~الثاني؛ فيذكرون «برج» مثلا قبل «برح»، و«برنج» قبل «برزخ»، و«عندل» قبل «عندم»، ~~و«سنبك» قبل «سندس »، وعلى هذه الطريقة جرى ابن فارس في «المجمل»، والهروي في ~~«الغريبين»، والراغب الأصفهاني في «المفردات»، والزمخشري في «أساس البلاغة»، وابن ~~الأثير في «النهاية». # قال صاحب «المجمل» في أوله مبينا لسبب أمن قارئه المتدبر له من التصحيف: «وذلك أني ~~خرجته على حروف المعجم، وجعلت كل كلمة أولها همزة في كتاب الهمز، وكل كلمة أولها باء ~~في كتاب الباء، حتى أتيت على الحروف كلها، فإذا احتجت إلى كلمة نظرت إلى أول حروفها ~~فالتمستها في الكتاب الموسوم بذلك الحرف؛ فإنك تجدها مصورة في الحاشية ومفسرة من ~~بعد.» وقد تسمى الألف ههنا همزة. # وقال صاحب «الغريبين» في كتابه وهو موضوع على نسق الحروف المعجمة: «نبدأ بالهمزة ~~فنفيض بها على سائر الحروف حرفا حرفا، ونعمل لكل حرف بابا، ونفتتح كل باب بالحرف ~~الذي يكون أوله الهمزة ثم الباء ثم التاء إلى آخر الحروف، إلا أن لا نجده فنتعداه إلى ~~ما نجده على الترتيب فيه، ثم نأخذ في كتاب الباء على هذا العمل إلى أن ننتهي بالحروف ~~كلها إلى آخرها؛ ليصير المفتش عن الحرف إلى إصابته من الكتاب بأهون سعي وأخف طلب، وقد ~~جعل بعض المؤلفين بدل قولهم: باب كذا، قوله: كتاب كذا، وبدل قولهم: فصل كذا، قوله: باب ~~كذا، وربما ترك بعضهم ذكر لفظ الفصل في العنوان، واكتفى بقوله: الألف مع الباء مثلا، ~~والخطب في ذلك سهل.» # هذا، ويجب على من أراد البحث عن كلمة في كتب اللغة أن يجردها أولا من الزوائد إن كان ~~فيها زائد، ويعيدها إلى أصلها الأول إن عراها تغيير، ثم يبحث عن الموضع الذي هو مظنة أن ~~توجد فيه؛ فيراجع: «أقبل» «تقبل» و«استقبل» في: «قبل»، و«إثمد» في: «ثمد»، و«منسأة» في: ~~«نسأ»، و«مبراة» في: «بري»، و«وهبة» في: «وهب»، و«سعة» في: «وسع»، و«هدى» في: «هدى»، ~~و«أب» في: «أبو»، و«ابن» في: «بنو»، و«يد» في: «يدي». # ومعرفة الحرف الزائد والأصل الأول وإن توقف ms06 على معرفة علم الصرف، إلا أن أناسا ~~عرفوا ذلك بالممارسة، وقد مرن بعض المعلمين في مدارس المبتدئين تلاميذهم على ذلك ~~فصاروا في أقل مدة يراجعون ما يورد عليهم من الكلمات في كتب اللغة بدون تلكؤ، وجرى لهم ~~نحو ذلك في رسم الخط؛ فتراهم يرسمون مثلا: علا بالألف، وأعلى بالياء، ومن عرف سر ~~التعليم لم يستبعد أعظم من ذلك أن هنا شيئا، وهو أن بعض الكلمات قد اختلف فيها رأي ~~اللغويين، مثل: «هبلع» وهو الأكول؛ فإن بعضهم يحكم بأن الهاء زائدة فيذكر في مادة ~~«بلع»، وبعضهم يحكم بأنها أصلية، ومثل: «إبان» فإن صاحب «الصحاح» ذكره في «أبن» بناء ~~على أن النون فيه أصلية؛ فيكون وزنه فعالا، وصاحب «أساس البلاغة» ذكره في «أب» بناء ~~على أن النون فيه زائدة، كنون وجدان ونحوها؛ فيكون وزنه فعلانا. # وقد جرت عادة اللغويين أن يذكروه في الموضع الذي يترجح عندهم أنه موضعه، وبعضهم ~~يذكره في أحد الموضعين، ويذكر في الموضع الآخر أنه قد مضى ذكره في كذا أو سيأتي فيه، ~~وقد جرت عادة كثير من اللغويين الذين يحبون التيسير على الناس أن يذكروه في الموضع الذي ~~يظن في بادئ الرأي أنه يذكر فيه وإن كان ليس موضعه على مذهبه، وقد جرى على ذلك الزمخشري ~~في «أساس البلاغة»؛ فإنه قال فيه: # وقد رتب هذا الكتاب على أشهر ترتيب متداولا، وأسهله متناولا، يهجم فيه ~~الطالب على طلبته موضوعة على طرف الثمام وحبل الذراع، من غير أن يحتاج في ~~التنقير عنها إلى الإيجاف والإيضاع، وإلى النظر فيما لا يوصل إلا بإعمال الفكر ~~إليه، وفيما دقق النظر فيه الخليل وسيبويه. # وجرى على مثل ذلك المطرزي في «المغرب» فقال فيه: «وربما فسرت الشيء مع لفقه ~~موضع ليس بوفقه؛ لئلا ينقطع الكلام، ويتضلع النظام. ثم إذا انتهيت إلى موضعه الذي ~~يقتضيه، أثبته غير مفسر فيه؛ كل ذلك تقريبا للبعيد وتسهيلا على المستفيد.» # وممن جرى على ذلك مجد الدين المبارك ابن الأثير في «النهاية في غريب الحديث والأثر»؛ ~~فإنه قال بعد أن ذكر ms07 كتاب «الغريبين» للهروي، وكتاب أبي موسى الأصفهاني في استدراك ما ~~فات الهروي: «وسلكت طريق الكتابين في الترتيب الذي اشتملا عليه، والوضع الذي حوياه من ~~التقفية على حروف المعجم بالتزام الحرف الأول والثاني من كل كلمة وإتباعهما بالحرف ~~الثالث منها على سياق الحروف، إلا أني وجدت في الحديث كلمات كثيرة في أوائلها حروف ~~زائدة قد بنيت الكلمة عليها حتى صارت كأنها من نفسها، وكان يلتبس موضعها الأصلي على ~~طالبها، لا سيما وأكثر طلبة غريب الحديث لا يكادون يفرقون بين الأصلي والزائد؛ فرأيت أن ~~أثبتها في باب الحرف الذي هو في أولها وإن لم يكن أصليا، ونبهت عند ذكره على ~~زيادته؛ لئلا يراها أحد في غير بابها فيظن أني وضعتها فيه للجهل بها؛ فلا أنسب إلى ذلك ~~ولا أكون قد عرضت الواقف عليها للغيبة وسوء الظن، ومع هذا فإن المصيب في القول والفعل ~~قليل بل عديم، ومن الذي يأمن الغلط والسهو والزلل! نسأل الله العصمة والتوفيق.» # وقد أكثر صاحب «القاموس» من تعقب الجوهري في مواضع الكلم، وذلك كقوله: في «زرج»: ~~«و«الزرجون»، كقربوس شجر العنب أو قضبانها والخمر وماء المطر الصافي المستنقع في ~~الصخرة، وذكره الجوهري في النون ووهم.» وكقوله لدى لغة في «لدن» و«اللدة»، كعدة الترب ~~جمع «لدات» ... هنا يذكر لا في «ولد»، وقد اشتد إنكار العلماء على صاحب «القاموس» في ~~ذلك؛ لما عرفت أن عادة كثير من اللغويين أن يذكروا الكلمة في الموضع الذي يظن أن الطالب ~~يطلبها فيه، وأنهم قد يذكرون الكلمة مع لفقها في موضع ليس بوفقها تسهيلا عليه؛ مع أن ~~أكثر ما انتقده عليه هو مذكور في موضعه على أصول أئمة الصرف الذين كان الجوهري يعد ~~منهم، غير أنهم أفرطوا في ذلك حتى كادوا أن لا يقيموا لاعتراض من اعتراضاته وزنا، مع ~~أن من كثر خطؤه يمكن أن يخطئ الخطأ ولو مرة، ولم يفده كونه من الجماعة وكون الجوهري ~~من أهل الاعتزال؛ لما أن أهل الأدب لا تؤثر فيهم غالبا هذه العصبية، وعلى كل فليس ~~لنا إلا أن ms08 نشكر مسعى كل من خدم هذه اللغة على أي وجه كان، أجزل الله ثوابهم وجعل ~~إلى دار السعادة مآبهم. # واعلم أن طريقة الجوهري يؤمن فيها التصحيف في الأول والأخير البتة؛ لدلالة الباب ~~والفصل عليهما، وفيما عداهما في الغالب؛ لدلالة ما سبق أو ما يأتي على ذلك، وحيث لم ~~يؤمن التصحيف صرحوا بما يرفع الإشكال، ولا يبقى مجالا للاحتمال كقول الجوهري: ~~«الشبادع: العقارب، واحدتها: شبدعة بالكسر والدال غير معجمة.» # وطريقة الجمهور يؤمن فيها التصحيف في الأول والثاني البتة وفيما عداهما في الغالب، ~~ويصرحون بما يرفع الإشكال في المواضع التي يكون له فيها مجال؛ فإن قلت: أي الطريقتين ~~أرجح؟ قلت: لا فرق بينهما في بادئ الرأي؛ لأن الباحث يحتاج على كل حال إلى تجريد ~~الكلمة من الزوائد وإرجاعها إلى أصلها، وإذا تيسر له ذلك سهل عليه معرفة موضعها من ~~كتب الفريقين، وإذا دقق النظر وجد طريقة الجمهور أسهل مسلكا؛ وذلك لأن طريقة ~~الجوهري تتوقف على معرفة الآخر فإذا لم يعرف لم يمكن أن يعرف باب الكلمة، ومعرفة الآخر ~~أصعب من معرفة ما سواه غالبا. فإذا أراد المبتدئ أن يبحث عن مثل «إبان» و«برهان» ~~و«عرجون» لم يدر هل النون فيها أصلية؟ فيراجعها في باب النون؟ أم زائدة فيراجعها في ~~غيره؟ والحيرة في مثل هذا أقل من الحيرة في مثل «يد» و«دم» و«ابن» و«أب» و«أخ»، مما ~~حذف آخره، وفي مثل «خبأ» و«ذرأ» و«برأ» مما يحتمل أن يكون مهموزا فيرجع فيه إلى باب ~~الهمزة في أول الكتاب، أو ناقصا فيرجع فيه إلى باب الواو أو الياء في آخر الكتاب، ~~ولنذكر لك أمثلة أخرى. # فمن ذلك: «الجفاء» بالضم، وهو ما نفاه السيل؛ فإنه من: جفأ الوادي إذا رمى بالقذى ~~والزبد، فإنه يذكر في باب الهمز، وأما «الجفاء» بالفتح وهو خلاف الصلة، فإنه يذكر في ~~باب الواو؛ لأنه مصدر جفوته إذا هجرته، ومن ذلك «الداء» و«الدواء»؛ فإن الداء ~~يذكر في باب الهمز؛ لأنه من ذوات الهمزة، ويجمع على «أدواء»، و«الدواء» يذكر في باب ~~الياء؛ لأنه من ذوات ms09 الياء، ويجمع على «أدوية»، وأما الكتب الموضوعة للجمهور فإن مثل ~~«برا» و«برأ»، و«ذرا» و«ذرأ»، و«جفاء» و«جفاء»، يذكر في باب واحد في فصل ~~واحد. # نعم، قد يقع الإشكال في الأول في مثل «ابن» و«إثمد» و«أصبع»؛ فإن الهمزة فيها زائدة ~~غير أن الإشكال فيه أقل. # والظاهر أن الذي دعا الجوهري إلى المسلك الذي سلكه مع أنه أصعب من المسلك الآخر هو ~~رعاية جانب أهل الأدب؛ فإنه إذا جمعت الكلمات المتحدة الأواخر في باب تيسر لهم أن ~~يقصدوه لمعرفة الكلم التي على روي واحد من غير مشقة ونصب، وذلك من المهمات في ~~النظم والنثر الذي ينحى به منحاه، وقد جرت عادة كثير من الشعراء أن يعدوا القوافي قبل ~~النظم، وأكثر ما يشكل في الشعر من الكلم في الأكثر: الكلم التي ترد في القوافي، ~~ولا يخفى أن للقوافي شأنا غير شأن غيرها؛ حتى تغاضوا فيها عن ورود الغريب الذي لم ~~يتجاوز الحد في الغرابة لمكان الاضطرار إليها، ويكفيك ما شاع من قول الناس: «هذا مما ~~جرته القافية.» ويذكر أن بعض أهل الأدب عمل أبياتا في وصف مدامة شربها وذكر فيها ~~أنها جعلته في العي يحكي فلان بن فلان، فسمع بذلك المهجو فقال له: لم هجوتني وأنا ~~من أصدقائك؟ فقال: لأنك قعدت على طريق القافية. # وقد رأيت كتابا كبيرا في اللغة العربية رتبه صاحبه على القوافي إلا أنه فسر ~~الكلمات فيه بالفارسية لإفادة الفرس، وإذا عرفت ما اختصت به الطريقة الجوهرية فلنذكر ~~لك ما اختصت به الطريقة الجمهورية: وهي جمع الكلمات المتقاربة في اللفظ والمعنى في ~~فصل واحد، وذلك أنه قد ثبت عند علماء الاشتقاق أن التقارب بين اللفظين يدل على التقارب ~~بين المعنيين نحو: «قسم» و«قصم» و«قدر» و«قتر»، مما اتفق فيه الأول والثالث، واختلف فيه ~~الوسط، ونحو: «صعد» و«سعد» و«قضم» و«خضم» مما اتفق الثاني والثالث واختلف الأول، ونحو: ~~«أبد» و«أبق» و«بتر» و«بتك»، مما اتفق فيه الأول والثاني واختلف فيه الثالث، قال بعضهم ~~في هذا النوع: وهو الذي يجمع في طريقة الجمهور في فصل واحد ms10 إذا أمعنت نظرك في التراكيب ~~اللغوية وجدت بين كل كلمتين اتفقتا في الفاء والعين اتصالا؛ فإن تقارب اللامان في ~~المخرج كان التقارب بين المعنيين أشد، وإن تباعدا كان التباعد بين المعنيين بقدر ~~ذلك. # وأما أصل الاتصال فلا بد منه يظهر ذلك عند إمعان النظر، وذلك المعنى هو الجهة الجامعة ~~لهما وإن خفيت، وقد ظهر من البحث والنظر أن تركيب الهمزة مع الباء يدل على النفور ~~والبعد والانفصال، ويظهر ذلك في: «أب» و«أبد» و«أبق» و«أبى» ونحوها؛ فإن كل واحد منها ~~لا يفارقه ذلك المعنى، يقال أب إذا تهيأ للذهاب، وأبدت البهيمة إذا نفرت وتوحشت، وأبق ~~العبد إذا هرب من سيده، وأبى الرجل إذا امتنع، وإن تركيب الهمزة مع الزاي يدل على الضيق ~~والشدة؛ ويظهر ذلك في: «أز» و«أزق» و«أزل» و«أزم» ونحوها، وأمثلة ذلك كثيرة وقد ~~أوردوا ما يكفي للتدريب، وباقيه يحتاج إلى من يثيره من مكامنه، وكأن القائلين بهذا ~~القول يذهبون إلى أن الأصل في هذا الباب هو حرفان وضعا لمعنى، ثم زيد عليهما حرف ~~آخر ليدل على معنى آخر يكون بمنزلة النوع للمعنى الأول الذي هو بمنزلة الجنس لأنواع ~~معاني الألفاظ التي نشأت عنه بالزيادة، وهذا بحسب الظاهر يخالف ما قرروه؛ فإنهم ذكروا ~~أن ما كان على ثلاثة أحرف لا يحكم على حرف منه بالزيادة، وهذا كالمتفق عليه، قال سيبويه ~~في كتابه: «وأما ما جاء على ثلاثة أحرف: فهو أكثر الكلام في كل شيء من الأسماء والأفعال ~~وغيرهما مزيدا فيه وغير مزيد فيه؛ وذلك لأنه كأنه هو الأول فمن ثم تمكن في ~~الكلام، ثم ما كان على أربعة أحرف بعده، ثم بنات الخمسة وهي أقل، لا تكون في الفعل ~~البتة، ولا يكسر بتمامه للجميع؛ لأنها الغاية في الكثرة فاستثقل ذلك فيها.» # فالكلام على ثلاثة أحرف وأربعة أحرف وخمسة لا زيادة فيها ولا نقصان، والخمسة أقل ~~الثلاثة في الكلام؛ فالثلاثة أكثر ما تبلغ بالزيادة سبعة أحرف وهي أقصى الغاية ~~والمجهود، وذلك نحو: «اشهيباب»، فهو يجري على ما بين الثلاثة والسبعة، والأربعة ms11 تبلغ ~~هذا نحو: «احرنجام»، ولا تبلغ السبعة إلا في هذين المصدرين، وأما بنات الخمسة فتبلغ ~~الزيادة ستة، نحو «عضرفوط»، ولا تبلغ سبعة كما بلغتها الثلاثة والأربعة؛ لأنها لا ~~تكون في الفعل فيكون لها مصدر نحو هذا، فعلى هذا عدة حروف الكلم، فما قصر عن الثلاثة ~~فمحذوف، وما جاوز الخمسة فمزيد فيه. # وكأن علماء الصرف أجمعوا على أن الاسم المتمكن والفعل لا يبنيان من أقل من ثلاثة ~~أحرف، واحترزوا بالمتمكن عن غير المتمكن وهو المبني؛ فإنه لمشابهته للحرف قد يبنى ~~من أقل من ثلاثة أحرف كالحرف، وذلك مثل «من» و«هي»، فإن وجد اسم متمكن على أقل من ثلاثة ~~أحرف «كأب» و«أخ» حكموا بأنه قد حذف منه شيء، وأصلهما عندهم: «أبو» و«أخو»، ويدل على ~~ذلك أنه يقال في تثنيتهما: «أبوان» و«أخوان»، وقد استقرءوا الكلم فوجدوا أن ~~الأبنية الثلاثية أكثر مما سواها، وحكموا بأنه أعدل الأبنية، وأن الأصل في كل كلمة أن ~~تكون على ثلاثة أحرف: حرف يبتدأ به، وحرف يوقف عليه، وحرف يكون واسطة بينهما. # إذا عرفت ما ذكرنا ربما عرض لك الإعراض عن القول السابق متعللا بأن إجماع علماء ~~الصرف حجة فإنهم صرفوا أعمارهم في هذا الفن، ووجهوا أنظارهم إلى دقائقه، فإذا اتفقوا ~~على شيء منه ولا داعي لهم على ذلك من رغبة أو رهبة لم يكن ذلك إلا لكونه صوابا؛ إذ ~~يعسر الحكم بخطئهم أجمعين بعد إعطائهم النظر حقه، لكن إذا أمعنت النظر ربما ظهر لك ~~ذلك القول ربما لم يكن مصادما للإجماع؛ لأن كثيرا من المسائل يختلف الحال فيها ~~باختلاف الفن، ألا ترى أن النحوي المنطقي يجزم بأن عبد الله - إذا كان علما - مفرد؟ ~~هذا إذا كان يبحث في المنطق؛ لأنه لا فرق بينه وبين زيد في كونه لا يدل جزء لفظه على ~~جزء معناه، فإذا كان يبحث في النحو يرجح كونه مركبا رعاية لجانب اللفظ، فحكمه ~~عنده حكم قولك: أنا عبد الله، إذا لم يكن ذلك اسمك لوجود جزأين فيه قد أعرب كل واحد ~~منهما بإعراب، ولعلك تقول ms12 إن هذا ليس باستدلال بل هو من قبيل إيراد المثال، وهو لا يزيل ~~ما حاك في صدري من الإشكال، فهل عندك أقرب من هذا إلى الفهم وأبعد منه عن الوهم؟! # فأقول: إن علماء الصرف إنما يبحثون عن الكلمات باعتبار الزمن الأخير الذي وصلت إليهم ~~فيه، وحكمهم في ذلك صحيح لا مرية فيه، وعلماء سر اللغة إنما يبحثون عنها باعتبار ~~الزمان الأول وهو زمن ظهورها شيئا فشيئا، وحكمهم في ذلك وإن كان في الغالب بطريق الظن ~~إلا أنه لا يصادم حكم أولئك، فكم من زائد في أول الأمر حكم له من بعد بالأصالة! وكم من ~~مركب في الابتداء صار مفردا في الانتهاء! وانظر إلى ميم «مكن»، فإنه لا يتوقف أحد من ~~أهل الصرف عن الحكم بأنها أصلية، فإنها نظير ميم «مرن» و«مكث»، مع أن بعضهم قال: إنها ~~مأخوذة من المكان وميمه زائدة، فهو مفعل من الكون، لكن لكثرته في الكلام توهموا أن ~~ميمه أصلية؛ فأجروه مجرى فعال كزمان، وجمع على أمكنة، ثم أخذ منه «مكن» ~~و«تمكن». # وانظر إلى همزة «إمعة»، وهو الذي يتابع كل أحد على رأيه ويقول له: «أنا معك.» ومنه ~~قول ابن مسعود: «لا يكونن أحدكم إمعة.» وقد جاء في الأثر: «اغد عالما متعلما ~~ولا تكن إمعة.» فإنهم حكموا بأنها أصلية فوزنه فعلة، مع أن الظاهر أنها زائدة دخلت ~~على لفظ «مع»؛ فيكون وزنه أفعلة، قالوا: لأن أفعل وأفعلة لا يكونان وصفا. # ومثل ذلك تاء «تخذ»، فإنهم حكموا بأنها أصلية مع أنها كانت في الأصل زائدة، قال علماء ~~اللغة: يقال اتخذوا في القتال بهمزتين؛ أي أخذ بعضهم بعضا، و«الاتخاذ» افتعال أيضا من ~~الأخذ، إلا أنه أدغم بعد تليين الهمزة وإبدالها بالتاء، ثم لما كثر استعماله توهموا ~~أن التاء فيه أصلية كتاء «اتبع»: فبنوا منه فعل بالكسر فقالوا: «تخذت زيدا صديقا.» ~~إذا جعلته كذلك، ومصدره «تخذ» بفتح الخاء وسكونها، واستبعد بعضهم ذلك فجعل «تخذ» أصلا، ~~وجعل «اتخذ» مأخوذا منه فهما بمنزلة «تبع» و«اتبع»، ومن دقق النظر تبين له أن ~~البناء ms13 على التوهم لا يحصى في اللغة، وأن معظم اتساعها نشأ عن ذلك؛ ومغزى الكلام هنا أن ~~الحكم على كلمة بكونها كانت مجردة ثم زيد فيها شيء لا ينافي الحكم عليها بأنها ليس فيها ~~زائد؛ نظرا إلى الحال الحاضر. # ويظهر لك هذا الأمر ظهورا لا خفاء بعده بأمر النحت، وهو جعل الكلمتين كلمة واحدة بعد ~~إزالة ما يمنع التئامهما، نحو: «حيعل المنادي» أي قال: حي على كذا، قال ~~الشاعر: # أقول لها ودمع العين جار # ألم يحزنك حيعلة المنادي؟ # وقد ذكروا أن أكثر الكلمات التي تجاوزت حروفها الثلاثة منحوت، ولا يخفى أن المنحوت ~~مفرد مع أنه كان في الأصل مركبا؛ فليس يسوغ لمن لا يعرفه أو ينكره أن يعترض على القائل ~~به بأن الألفاظ المدعى نحتها مفردة، مع أن قاعدة النحت تقتضي أنها مركبة؛ لأن المدعي ~~للنحت لا يخالفه في كونها الآن مفردة وقد ذكرنا في كتاب «أصول اللغة» أنه قد يعرض في ~~بعض المواضع أن تختلف أنظار كل من علماء الصرف وعلماء اللغة وعلماء الفقه فيها ويكون ~~لكل وجهة. والواجب على كل فريق منهم أن يعطي فنه ما يستحقه من النظر والاعتبار ~~غير متعرض لما لا يعنيه من الاعتراض على غير أهل مذهبه؛ فإن ذلك أقرب للسلامة من ~~الخطأ والخطل، وإن كان مليا بها كلها كان أجدر أن يعطي كل فن ما يستحقه من النظر ~~والاعتبار لإشرافه عليها من عل، إلا أن يبدو له شيء يضطره إليه البرهان فيقول به، فإن ~~أصاب فله مع الأجر جميل الذكر، وإن أخطأ لم ينح عليه بالملام؛ لأنه تكلم فيما له به ~~إلمام، وعلى كل حال فليكن متمثلا بقول من قال: # يوما يمان إذا لاقيت ذا يمن # وإن لقيت معديا فعدناني # هذا، والإمعة بكسر الهمزة وتشديد الميم المفتوحة، وقد تفتح الهمزة، والهاء فيه ~~للمبالغة ، ولا أستبعد أن يكون الإمعة منحوتا مما يقوله لكل من يلقاه، وهو: إني معه، ~~حذفت النون الثانية؛ ليتيسر المزج ثم قلبت النون ميما، ثم أدغمت في ميم «مع»، فصار ~~«إمع»، ثم ms14 زيدت فيه الهاء للمبالغة فصار: «إمعة»، ويقال أيضا: «إمع» بدون ~~هاء. # ولعل قائلا يقول: كيف يحكمون بأن الأصل في الكلم العربية أن تكون على ثلاثة أحرف ~~فما زاد على ثلاثة يكون إما من المزيد فيه أو مما ركب من كلمتين صارتا بعد بطريق ~~النحت كلمة واحدة، وما نقص عن ثلاثة أحرف يكون مما حذف منه شيء، إلا أن تكون الكلمة ~~من قبيل الحرف ك «هل»، و«قد»، أو من قبيل الأسماء المشابهة للحرف ك «من» و«هو»، فإن ~~هذا النوع يحكم فيه بأنه قد نشأ كذلك لعلة يذكرونها، والخليل بن أحمد يسمي مثل: «در» ~~و«رد» ثنائيا، ويفتتح في العين كل حرف من الحروف به، وناهيك قول مثل صاحب «مفتاح ~~العلوم» في مبحث النواصب وهو من العدلية المعروفين بالاعتزال، والخليل من الجماعة ~~الموصوفين بالاعتدال: وأما الناصبة للأفعال فالأصل فيها أن عند الخليل - قدس الله ~~روحه - وقول الخليل يغني عن الدليل: # إذا قالت حذام فصدقوها # فإن القول ما قالت حذام # على أن كثيرا من الباحثين عن أصول اللغات في هذا العصر قد أفضى بهم البحث إلى أن ~~الكلم في اللغات السامية كانت ثنائية في أول الأمر. # فنقول: إن الخليل إنما سمى مثل «در» و«رد» بالثنائي المضاعف؛ وفي لفظ «المضاعف» ما ~~يدل على أنه لم يرد بلفظ الثنائي المعنى الذي تشير إليه، ألا ترى أنه لما ذكر «در» في ~~أول حرف الدال في نوع الثنائي المضاعف منه أتبعه بذكر «دردر» و«دردور»؟ ولا شك أن ~~«دردر» ذو أربعة أحرف، ولكن سماه هو ثنائيا لعدم وجود غير الدال والراء فيه، وهما ~~حرفان وإن كان منهما قد ضوعف، وذكر بعده «الدرد» وهو ذو ثلاثة أحرف، غير أن فاءه ولامه ~~من جنس واحد، و«الددن» وهو ذو ثلاثة أحرف غير أن فاءه وعينه من جنس واحد، ثم لما انقضى ~~الثنائي المضاعف انتقل إلى ذكر الثلاثي الصحيح فذكر فيه ما ذكر من نحو: «دثر» و«درن» ~~و«دفر» وما قلب منها على عادته ... وعلى ذلك جرى في سائر الحروف. # وههنا أمر جدير بأن ms15 ينظر فيه، وهو أنهم قالوا إن الأصل في أواخر الكلم أن تكون ~~ساكنة، قال في «المفتاح»: «إن اعتبار أواخر الكلم ساكنة ما لم يعرف عن السكون مانع أقرب ~~لخفة السكون بشهادة الحس، وكون الخفة مطلوبة بشهادة العرف، ولكون السكون أيضا أقرب ~~حصولا لتوقفه على اعتبار واحد، وهو جنسه دون الحركة لتوقفها على اعتبارين: جنسها، ~~ونوعها. فتأمل!» # وعلى هذا يكون المضاعف على حرفين حين الوضع؛ وذلك لأن الكلمات قبل التركيب تبنى على ~~الوقف، وإذا وقف عليه بقي على حرفين فتقول في «قد»: «قد» بسكون الدال، وفي ~~«هل»: «هل» بسكون اللام؛ فتصير قد حين الوقف على صورة قد في قولك: «قد قام»، غير أن ~~بينهما فرقا يشعر به السامع مثل ما يشعر به المتكلم؛ وذلك أن الحرف المشدد إذا وقف ~~عليه يكون الاعتماد عليه أكثر، فيبقى فيه شيء من آثار التشديد، فيشعر السامع بأنه كان ~~قبل الوقف مشددا. # ومن أراد أن يتجاوز هذا الحد عسر عليه ذلك، إلا أن يأخذ بالمذهب الذي تقبله ابن ~~جني بقبول حسن، وهو ما ذكره في «الخصائص» بقوله: «ذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات كلها ~~إنما هو من الأصوات المسموعات؛ كدوي الريح، وحنين الرعد، وخرير الماء، وشحيج الحمار، ~~ونعيق الغراب، وصهيل الفرس، ونزيب الظبي ... ونحو ذلك، ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما ~~بعد.» وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل. # فإن حكاية الأصوات تظهر في المضاعف أكثر مما تظهر في غيره، وإذا استقرأت المضاعف وجدت ~~جله مما يشعر بحكاية صوت، وكثير من ذلك يظهر بأدنى التفات إليه، وكثير منه يحتاج ~~إلى قوة حس وحدس فيبدو لأناس ويخفى على آخرين؛ حتى إن بعض المنكرين يتخيل أن هذا من ~~تأثير التخيل، ويقول: إن هؤلاء لما اعتقدوا أن المضاعف نشأ عن حكاية الأصوات صاروا ~~يتخيلون في المضاعف صوتا يشاكل ما أخذ عنه وإن لم يكن ثم مشاكلة. # قال ابن جني بعد أن أفاض في بيان مناسبة اللفظ للمعنى: «ووراء هذا ما اللطف فيه أظهر ~~والحكمة أعلى وأصنع، وذلك أنهم قد يضيفون ms16 إلى اختيار الحروف تشبيه أصواتها بالأحداث ~~المعبر عنها بها ترتيبها وتقديم ما يضاهي أول الحدث وتأخير ما يضاهي آخره وتوسيط ما ~~يضاهي أوسطه؛ سوقا للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المطلوب. # ومن ذلك قولهم: «شد الحبل»، فالشين لما فيها من التفشي تشبه صوت أول انجذاب الحبل ~~قبل استحكام العقد، ثم يليها إحكام الشد والجذب وتأريب العقد فيعبر بالدال التي هي ~~أقوى من الشين، لا سيما وهي مدغمة فهي أقوى لصيغتها، وأدل على المعنى الذي أريدها ~~بها ويقال: شد وهو يشد، فأما الشدة في الأمر فإنها مستعارة من شد الحبل.، ومن ذلك ~~قولهم: «جر الشيء يجره.» قدم الجيم؛ لأنه حرف شديد، وأول الجر مشقة على الجار ~~والمجرور جميعا، ثم عقبوا ذلك بالراء وهي حرف تكرير، وكرروها مع ذلك في نفسها؛ وذلك ~~لأن الشيء إذا جر على الأرض في غالب الأمر اهتز عليها واضطرب صاعدا عنها ونازلا ~~إليها، وتكرر ذلك منه على ما فيه من التعتعة والقلق؛ فكانت الراء لما فيها من التكرير، ~~ولأنها أيضا قد كررت في نفسها أوفق بهذا المعنى من جميع الحروف، فإن رأيت شيئا من هذا ~~النحو لا ينقاد لك فيما رسمناه، ولا يتابعك على ما أوردناه؛ فذلك لأحد أمرين: إما أن ~~يكون لم تنعم النظر فيه فيقعدك فكرك عنه، أو لأن لهذه اللغة أصولا وأوائل قد تخفى عنا ~~وتقصر أسبابها دوننا.» # وعلى ما ذكر من أن اللغات إنما نشأت عن الأصوات، وأن حكاية الأصوات تظهر في المضاعف ~~أكثر مما تظهر في غيره، وأن الأصل في أواخر الكلم السكون يقوي القول بأن الكلمات كانت ~~في أول الأمر ثنائية، وأن أول ما وضع من الكلم هو المضاعف ثم تلاه غيره، قال ابن ~~جني: «الصواب: رأي أبي الحسن الأخفش، سواء قلنا بالتوقيف أم بالاصطلاح أن اللغة لم توضع ~~كلها في وقت واحد؛ بل وقعت متلاحقة متتابعة.» # في أن ذلك لا ينافي قوله تعالى: # وعلم آدم الأسماء ~~كلها # واعلم أن الذين قالوا بحدوث اللغات عن الأصوات، وبكونها لم توضع كلها في ms17 وقت واحد، ~~يقولون إن هذا لا ينافي قوله سبحانه: # وعلم آدم الأسماء ~~كلها ~~؛ لأن غاية ما في القول الأول ثبوت المناسبة بين اللفظ والمعنى، ~~وفي ذلك دلالة على حكمة الواضع، وغاية ما في القول الثاني أن بعض الأشياء لم يوضع لها ~~اسم إذ ذاك لعدم الاحتياج إليها حينئذ. إما لأنها لم توجد بعد أو لأنها وإن وجدت فإن ~~الحاجة لم تدع إليها؛ فإن وضع الاسم للشيء إنما تكون له فائدة إذا كان مما يحتاج ~~إليه ليدل به حين الحاجة عليه. # ويدل على أن ما لم يوجد حينئذ لم يوضع له اسم تتمة الآية، وهي قوله سبحانه وتعالى: # وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على ~~الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ~~* قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما ~~علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ~~، قال المفسرون: الضمير ~~في عرضهم عائد إلى المسميات المدلول عليها ضمنا؛ إذ التقرير # وعلم آدم # أسماء المسميات كلها، ثم عرض المسميات على الملائكة، ~~وتذكيره لتغليب ما اشتمل عليه من العقلاء، وأما التأكيد ب «كل» هنا فأجابوا عنه بأن كل ~~قد يأتي للتكثير دون الإحاطة، كقوله تعالى: # ولقد أريناه ~~آياتنا كلها ~~، والتزم بعضهم التخصيص في الأسماء فقال التقدير: # وعلم آدم الأسماء # المسميات التي احتاج إليها ~~كلها، وعليه فتكون «كل» هنا على ظاهرها من الدلالة على الإحاطة، وعلى كل حال فإيراد ~~الأسماء وهو جمع محلى بالألف واللام، وهو مما يدل ظاهره على العموم، وتأكيد ذلك ب ~~«كل» يدل على أن ما علمه آدم - عليه السلام - من ذلك أمر عظيم لا يحاط بكنهه، ولا يخفى ~~أن معرفة الأسماء على الحقيقة لا تكون إلا مع معرفة المسمى وحصول صورته في النفس؛ ~~ولذلك كان القصور في اللغة أو التقصير فيها موجبا في الأكثر للتقصير في كثير من ~~العلوم، وكفى بهذه الآية دليلا على شرف علم اللغة. # في سر تقديم بعضهم المضاعف على غيره # ولنرجع إلى أول الكلام، فنقول: قد عرفت أن طريقة الجمهور يتحد فيها الأول والثاني في ~~كل فصل من ms18 فصول الأبواب، إلا أن ترتيب الكلمات في الفصل الواحد يكون بالنظر إلى ما بعد ~~الثاني؛ فما كان فيه مقدما قدم لا فرق بين المضاعف وغيره، وقد التزم الراغب ~~الأصفهاني أن يبدأ بالمضاعف إن كان ثم بمضاعفه، ثم يعود إلى الترتيب المشهور فيذكر ~~في فصل الراء من باب الباء: «بر» و«بربر»، ثم يأخذ في ذكر «برأ» فما بعده. # وكأن لذلك سببين: # أحدهما: # أن عنوان الفصل ينطبق على المضاعف أكثر من انطباقه على غيره؛ فإن ~~دخول «بر» في فصل الباء مع الراء أظهر من دخول «برأ» ونحوه فيه؛ ~~لوجود زيادة فيه على عنوان الفصل، ولأنه ثنائي في بادئ الرأي، والثنائي ~~مقدم على ما فوقه، وهذا سبب لفظي لا مانع من مراعاته. # والثاني: # ما أشير إليه سابقا وهو أن المضاعف هو الأصل في كل فصل، وهذا سبب ~~معنوي جدير بالمراعاة. # وقد ذكر بعضهم مثل: «رأب» في «راب، ومثل: «صبأ» في «صبا» لانقلاب الهمزة في كثير من ~~المواضع إلى حرف العلة. # وقد قدم بعضهم الهاء على الواو موافقة للمغاربة في هذا الموضع، وهذا موافق للحكمة؛ ~~لأن الواو والياء أختان لا ينبغي أن يفصل بينهما بفاصل لا سيما وكثير من ذوات الواو قد ~~وردت في بعض اللغات بالياء نحو «محوته» فقد ورد «محيته» من باب نفع في لغة، ونحو «فاح» ~~«يفوح» «فوحا»، فقد جاء فيه «فاح» «يفيح» «فيحا» في لغة، وكثير من ذوات الياء قد وردت ~~في بعض اللغات بالواو نحو: «كنيت» عنه، فقد ورد «كنوت» عنه في لغة، ونحو «تاه» «يتيه» ~~فقد جاء «تاه» «يتوه» في لغة. # طريقة كل من المشارقة والمغاربة في ترتيب حروف الهجاء # هذا، وقد أحببنا أن نذكر لك طريقة المغاربة في ترتيب حروف الهجاء؛ فإن ذلك ينفعك حين ~~مطالعة كتبهم المرتبة على حروف المعجم ككتب اللغة والتاريخ، وقد وافقوا المشارقة في ~~الألف فما بعدها إلى حرف الزاي، وخالفوهم فيما فوق ذلك، وها هي مسوقة على ترتيبهم، ~~وتحتها حروف المعجم مسوقة على ترتيب المشارقة، وهي بخط دقيق: # # ب # ت # ث # ج ms19 # ح # خ # د # ذ # ر # ز # ط # ظ # ك # # ب # ت # ث # ج # ح # خ # د # ذ # ر # ز # س # ش # ص # ل # م # ن # ص # ض # ع # غ # ف # ق # س # ش # ه # و # ي # ض # ط # ظ # ع # غ # ف # ق # ك # ل # م # ن # و # ه # ي # طريقتهم في ترتيب الحروف في حساب الجمل # وخالفوهم أيضا في ترتيب الحروف في «أبجد»؛ وترتب عليه الاختلاف في أعدادها حين ~~الحساب بها على الطريق المعروف بحساب الجمل إلا أن الاختلاف إنما وقع فيما بعد النصف ~~الأول وهو ما بعد «كلمن»، وها هي مسوقة إليك على النهج السابق: # أ # ب # ج # د # ه # و # ز # ح # ط # ي # ك # ل # م # ن # أ # ب # ج # د # ه # و # ز # ح # ط # ي # ك # ل # م # ن # 1 # 2 # 3 # 4 # 5 # 6 # 7 # 8 # 9 # 10 # 20 # 30 # 40 # 50 # ص # ع # ف # ض # ق # ر # س # ت # ث # خ # ذ # ظ # غ # ش # س # ع # ف # ص # ق # ر # ش # ت # ث # خ # ذ # ض # ظ # غ # 60 # 70 # 80 # 90 # 100 # 200 # 300 # 400 # 500 # 600 # 700 # 800 # 900 # 1000 # فإن قلت: إن الذي ذكرته من مزية طريق الجمهور موجود في طريقة الجوهري؛ فإن الجمهور ~~جمعوا في كل فصل بين الكلمات التي تماثل أولها وثانيها، وهو جمع في كل فصل بين الكلمات ~~التي تماثل أولها وآخرها؛ فالاتفاق في حرفين حاصل في الطريقتين، قلت: إن التقارب بين ~~الألفاظ وإن كان موجبا للتقارب بين المعاني إلا أن درجات التقارب مختلفة اختلافا ~~بينا؛ فإن التقارب بين: «كن» و«كند» و«كنز» مما يجتمع في فصل على طريقة الجمهور، ~~أبين من التقارب بين «ركن» و«زكن» و«سكن»، مما يجتمع في فصل على طريقة من رتب كتابه على ~~القوافي؛ فإنه يلتزم رعاية ما قبل الآخر رعاية لمن يلتزم من الأدباء ما لا يلزم. ~~والتقارب فيها أبين من التقارب بين «كمن» و«كان» و«كهن» مما يجتمع في فصل على ms20 طريقة ~~الجوهري، وإن كانت هذه الكلمات كلها متقاربة لوجود الكاف والنون فيها أجمع، غير أن ~~الأخيرة قد فصل فيها بين الحرفين حرف أجنبي بخلاف الأولى والثانية، غير أن الأولى قد ~~جعل الحرفان فيها في مبدأ الكلمة، وهي أول ما يقرع السمع، فإذا فرضنا أن «كن» المركبة ~~من الكاف والنون هي أصل هذه المواد المختلفة يكون ظهور معناها في القسم الأول أقوى من ~~الثاني، وفي الثاني أقوى من الثالث. # مثال قريب المنال يتعلق بسر اللغة # ولنتم البحث في هذا المثال؛ فإنه فيما يظهر قريب المنال، فنقول: «الكن» بالكسر: ~~السترة، والجمع: «أكنان»، و«كن» الشيء و«أكنه»: ستره، و«استكن» الشيء: استتر، ومعنى ~~الستر موجود في كل كلمة وجدت في أولها هذه المادة، تقول: «كند» فلان إذا كفر النعمة ~~فهو كنود، وأصل الكفر تغطية الشيء، والكنز: المال المدفون، وقد كنزه من باب ضرب، ويقال: ~~كنزه إذا جمعه وادخره، وكنس الظبي كنوسا: دخل في «كناسه»، وهو مستتره في الشجر؛ ~~لأنه يكنس الرمل حتى يصل، والذي يظهر أن كنس الدار مأخوذ من كنوس الظبي، و«كنع» ~~«كنوعا»: انقبض وانضم وذل وخضع، وكنع عن الأمر: جبن عنه، والكنيف: هو ما يستر من بناء ~~أو حظيرة، ويقال للترس: كنيف؛ لأنه يستر صاحبه، ويقال: كنفت الرجل إذا قمت بأمره وجعلته ~~في كنفك أي حرزك، وكنه الشيء: حقيقته ونهايته وغايته ووقته، يقال: عرفته كنه ~~المعرفة، ولا يشتق منه فعل، وكنيت عن الأمر وكنوت عنه إذا وريت عنه بغيره، وتكنى: ~~تستر، ومنه قول بعضهم: رأيت علجا يوم القادسية قد تكنى، وقيل: تكنى بمعنى ذكر ~~كنيته، وهو من شعار المبارزين في الحرب، يقول أحدهم: أنا فلان وأنا أبو فلان، فالنظر ~~إلى ظهور معنى الستر في أكثر هذا الفصل ظهورا بينا، وأما ما تأخرت الكاف والنون فيه ~~نحو: «تكن» و«ركن» و«زكن» و«سكن» و«عكن» و«لكن» و«مكن» و«وكن »، فيقل ظهور ذلك المعنى ~~فيه إلا في قليل منها نحو: الثكنة بالضم فإنها جاءت بمعنى القبر، وبئر النار، والحفرة ~~التي تكون بمقدار ما يواري الشيء، والنية من إيمان وكفر، ms21 ومركز الأجناد ومجتمعهم تحت ~~لواء صاحبهم وإن لم يكن هناك لواء ولا علم، ونحو: «الوكن» و«الوكنة» فإنهما بمعنى «عش ~~الطائر»، وأما «الدكان» وهو الحانوت فإنه معرب، والمعرب لا مدخل له في هذا الباب، ~~فإن وجد فيه المعنى كان من قبيل الصدفة، وأما ما فصل فيه بين الكاف والنون بحرف نحو: ~~«كبن» و«كتن» و«كفن» و«كمن» و«كان» و«كهن»؛ فظهور ذلك فيه أقل مما قبله كما نحو «كفن» ~~و«كمن»، وأما «كبن الشيء»: إذا غيبه، فلعله مأخوذ من خبن، تقول: خبنت الطعام إذا ~~غيبته، والخبنة: ما تحمله في حضنك. # في أن لغة حمير تخالف لغة مضر في كثير من أوضاعهاوتصاريفها وحركات إعرابها # واعلم أن هذا المبحث صعب المسلك؛ فيجب على سالكه أن يكون شديد الانتباه كثير ~~الاحتراز؛ لئلا يدخل عليه كلمة معربة أو ناشئة من غيرها بطريق القلب أو الإبدال ونحو ~~ذلك، والأولى له أن لا يتعرض لغريب اللغة، فربما كان فيه ما هو من لغة حمير وما جرى ~~مجراها، ولغة حمير تخالف لغة مضر في كثير من أوضاعها وتصاريفها وحركات إعرابها، وقد ~~حاول بعض من لم يشعر بذلك أن يشتق بعض كلماتها كالقيل من لغة مضر فأغرب، والقيل: الملك ~~من ملوك حمير. # قال بعضهم: أصله قيل بالتشديد كميت، سمي به لأنه يقول ما شاء فينفذ، والقياس في جمع ~~قيل: أقوال، مثل: ميت وأموات، وروي في الحديث: «إلى الأقيال العباهلة.» والقياس ~~الأقوال في جمع فيعل من القول، ويجوز أن يكون الأقيال جمع قيل الذي هو فيعل، من ~~قولهم تقيل أباه: إذا أشبهه، كأن كل ملك يشبهه الآخر في ملكه، كما قيل تبع لما ~~كان يتبع الآخر، قال أبي عمرو بن العلاء: «ما لسان حمير وأقاصي اليمن لساننا، ولا ~~عربيتهم عربيتنا.» # قال ابن جني في «الخصائص»: «لسنا نشك في بعد لغة حمير ونحوها من لغة ابني نزار؛ فقد ~~يمكن أن يقع شيء من تلك اللغة في لغتهم فيساء الظن بمن سمع منه، وإنما هو منقول من تلك ~~اللغة، ودخلت يوما على أبي علي - رحمه الله ms22 - خاليا في آخر النهار، فحين رآني قال: ~~أين كنت؟ أنا أطلبك، قلت: وما ذلك ما تقول فيما جاء عنهم من حوريت، فخضنا معه فيه ~~فلم نحل بطائل منه، فقال: هو من لغة اليمن، ومخالف للغة ابني نزار، فلا ينكر أن يجيء ~~مخالفا لأمثلتهم.» # وقال ابن دريد في كتاب «الاشتقاق»، وهو كتاب في اشتقاق أسماء المشهورين من العرب بعد ~~أن ذكر أسماء مهرة بن حيدان: «وقد تقدم قولنا في أن هذه الأسماء المستشنعة مشتقة من ~~أحرف قد أميتت.» # ومهرة قد انقطعوا بالشحر فبقيت لغتهم الأولى الحميرية لهم يتكلمون بها إلى هذا ~~اليوم. # وقال في أسماء قبائل ذي الكلاع: «قد عرفتك آنفا أن هذه الأسماء الحميرية لا نقف ~~لها على اشتقاق؛ لأنها لغة قد بعدت، وقدم العهد بمن كان يعرفها.» ومن وقف على القلب ~~والإبدال والنحت، وبرع في إرجاع المواد المختلفة إلى مادة واحدة على الطريقة التي أشرنا ~~إليها، وعرف مع ذلك الأصل الأول في المادة الواحدة؛ فقد أشرف على اللغة، ووقف على ~~أسرارها، وقوي أنسه بها. # في أن معرفة الأصل الأول في المادة الواحدة أمر مهم الاتباع # ومعرفة الأصل الأول في المادة الواحدة أمر مهم، وقد قال به بعض علماء الاشتقاق، مثال ~~ذلك مادة «ش ج ر» فإنهم ذهبوا إلى أن الأصل فيه «الشجرة» المعروفة ذات الأغصان، وكل ما ~~في هذه المادة راجع إليها، تقول: «شجر الأمر بين القوم.» إذا اختلف واختلط، وتأويله ~~اختلف واختلط كاختلاف أغصان الشجرة واختلاطها، واشتجر القوم وتشاجروا إذا اختلفوا أو ~~تنازعوا، وشجره بالرمح إذا طعنه به، وتأويله أنه جعله فيه كالغصن في الشجرة، وشجر بيته ~~إذا عمده بعمود، وشجر الشجرة إذا رفع ما تدلى من أغصانها، إلى غير ذلك. فكل ما تفرع ~~من هذه المادة فأصله الشجرة عندهم، وقس على ذلك ما لا يحصى من الكلم، مثل مادة: «ظ ه ر» ~~فإن الأصل فيه الظهر، ومثل مادة «ب ط ن» فإن الأصل فيه البطن، وقد أنحى عليهم بالملام ~~قوم هم أحق بذلك منهم؛ فإن الأمر في ms23 نفسه صحيح لكن الطريق إليه قد تخفى معالمه، فخذ ما ~~صفا ودع ما كدر. # ومن الغريب إطلاق العقيرة على الصوت في قولهم: رفع فلان عقيرته، والعقيرة: الساق ~~المقطوعة، وأصله أن رجلا قطعت إحدى رجليه فرفعها ووضعها على الأخرى وصرخ؛ فقيل بعد ~~ولكل رافع صوته: قد رفع عقيرته. قال ابن جني في الخصائص: «توقف أبو بكر عن كثير مما ~~أسرع إليه أبو إسحاق من ارتكاب طريق الاشتقاق، واحتج أبو بكر عليه بأنه لا يؤمن بأن ~~تكون هذه الألفاظ المنقولة إلينا قد كانت لها أسباب لم نشاهدها ولم ندر ما حديثها، ~~ومثل له بقولهم: «رفع عقيرته.» أي رفع صوته، قال له أبو بكر: فلو ذهبنا نشتق لقولهم: ~~«ع ق ر» من معنى الصوت لبعد الأمر جدا، وإنما هو أن رجلا قطعت إحدى رجليه فرفعها ~~ووضعها على الأخرى، ثم نادى وصرخ بأعلى صوته، فقال الناس: رفع عقيرته، أي رجله ~~المعقورة، قال أبو بكر: فقال أبو إسحاق لست أدفع هذا. ولذلك قال سيبويه في نحو من هذا ~~أو لأن الأول وصل إليه علم لم يصل إلى الآخر.» ولا يخفى أن مثل هذا قليل، ولو سددنا ~~باب البحث خشية من وقوع الخطأ في بعض المسائل لانسد باب العلم، وبقيت أكثر الفنون في ~~حال الكمون. نعم، في مثل ذلك زاجر لمن لا يتروى في المسائل ولا يعد في الاستنباط ما ~~يلزمه من الوسائل، ومن هذا النوع كذب في الإغراء، فإن ظاهره يبعد عن ذلك، يقال كذب كذا ~~أي عليك به، قال عنترة: # كذب العتيق وماء شن بارد # إن كنت سائلتي صبوحا فاذهب # أي: عليك بالعتيق، قال محمد بن السري: «إن مضر تنصب به واليمن ترفع.» ومعنى كذب عليك ~~البزر أي الزمه وخذه، ووجه ذلك أن الكذب عندهم في غاية الاستهجان ، ومما يغري بصاحبه، ~~ويأخذه المكذوب عليه؛ فصار معنى كذب فلان الإغراء به؛ أي الزمه وخذه فإنه كاذب، فإذا ~~قرن بعليك صار أبلغ في الإغراء كأنك قلت: افترى عليك فخذه، ثم استعمل في الإغراء بكل ~~شيء وإن ms24 لم يكن مما يصدر منه الكذب، كقول بعضهم لمن شكا إليه المعص، وهو التواء في ~~عصب الرجل: كذب أي عليك العسل؛ أي وهو بالعسلان وهو مشي الذئب، أي: عليك بسرعة ~~المشي. # ومما ينبغي التروي فيه ما جاء على نهج الإتباع؛ فإنه كثيرا ما لا يكون له حال ~~الإفراد معنى قال النحاة: التأكيد اللفظي ضربان؛ أحدهما: يكون بإعادة اللفظ الأول بعينه ~~نحو: جاءني زيد زيد، وثانيهما: يكون بإيراد موازنه مع اتفاقهما في الحرف الأخير نحو: ~~حسن بسن، وهو ثلاثة أقسام: # أحدهما: # أن يكون للثاني معنى ظاهر نحو هنيئا مريئا. # وثانيهما: # أن يكون له معنى أصلا، ولكن ضم إلى الأول لتزيين الكلام لفظا ~~وتقويته معنى، وإن لم يكن له في حال الإفراد معنى. # وثالثهما: # أن يكون معنى متكلف غير ظاهر، نحو: خبيث نبيث، فالنبيث يمكن أن ~~يكون بمعنى: الذي ينبث أمور الناس؛ أي يستخرجها، من نبثت البئر إذا ~~أخرجت نبيثتها، وهو ترابها، وكان قياسه أن يقال: خبيث نابث لكن قيل ~~نبيث لموازنة خبيث. # ولاعتنائهم بتقارب اللفظين قلبوا واو بوص ياء؛ وذلك في قولهم: «وقعوا في حيص بيص.» ~~قال بعض اللغويين: «الاتباع: هو أن تتبع الكلمة كلمة على وزنها أو رويها ~~تأكيدا.» # وقد ألف ابن فارس فيه كتابا قال في أوله: «هذا كتاب «الاتباع والمزاوجة»، وكلاهما ~~على وجهين؛ أحدهما: أن تكون كلمتان متواليتان على روي واحد، والوجه الآخر: أن يختلف ~~الرويان. ثم تكون بعد ذلك على وجهين؛ أحدهما: أن تكون الكلمة الثانية ذات معنى ~~معروف، والآخر: أن تكون الثانية غير واضحة المعنى ولا بينة الاشتقاق إلا أنها ~~كالاتباع لما قبلها.» روي أن بعض العرب سئل عن هذا الاتباع فقال: «هو شيء نتد به ~~كلامنا.» # ثم إن الكلمات التي لها معنى معروف قد تكون بمعنى ما قبلها، وقد يكون لها غير معناه، ~~وقد كان بعض اللغويين لا يسمي بالاتباع إلا ما لا يكون له معنى إذا جيء به وحده، نحو: ~~«نطشان» في قولك: «عطشان نطشان»، بخلاف قولهم: فلان «قسيم وسيم»؛ فإن «وسيم» قد جاء ms25 دون ~~«قسيم»، يقال: رجل «وسيم» أي «جميل»، وامرأة «وسيمة»، والميسم: الحسن والجمال. # وقال ابن دريد: سألت أبا حاتم عن معنى قولهم «بسن»؛ فقال: لا أدري ما هو. وقد توهم ~~بعضهم من عبارة أبي حاتم أنه يرى أن ذكره من قبيل العبث، فرد عليه بأنه يفيد ~~التقوية، وليس ذكره سدى، ولا يخفى أن أبا حاتم إنما قال: لا أدري ما هو بالنظر إليه ~~وحده، وأما إفادته التوكيد عند مجيئه تابعا لحسن فهو أمر لا يخفى على أحد من أهل ~~اللغة، ونظير ذلك اعتراض بعضهم على نحاة في قولهم: هذا الحرف زائد، وما بعد إذا زائدة، ~~فظنوا أن قولهم بذلك يدل على أن في اللغة ما هو من قبيل العبث، مع أنهم قد صرحوا في ~~الكتب المبسوطة بأن معنى قولهم: «إن هذا زائد.» أنه إنما جيء به لتوكيد الكلام ولم يحدث ~~معنى؛ وذلك ك «ما» من قوله تعالى: # فبما نقضهم # و # عما قليل ~~، # مما ~~خطيئاتهم # والباء في قوله: # أليس الله ~~بكاف عبده ~~، ومن أكثر التتبع تبين له أن أكثر الاعتراضات التي ~~يوردها بعض أرباب الفنون على ما ليس من فنهم تكون واهية؛ وكأن بعضهم ارتاع من اعتراض ~~مثل هؤلاء فحاول أن يوجد ل «بسن» معنى، فقال: الأصل في «بسن» «بس»، و«بس» مصدر بسست، ~~حذفت إحدى السينين تخفيفا وزيدت فيه النون، وبني على مثال حسن، ومعنى بسن: حسن كامل ~~الحسن، ويمكن أن يقال وهو الأحسن: أبدلت السين الثانية هنا نونا ولم تبدل ياء على ما ~~هو المألوف في المضاعف رعاية للاتباع؛ لأن مذهبهم فيه أن تكون أواخر الكلم على لفظ واحد ~~مثل القوافي والسجع، وقد خلص أبو حاتم بقوله: لا أدري من التعسف، وفي مثل هذه المجاهل ~~ينبغي أن يقال إن «لا أدري» نصف العلم من غير أن يوصل بعض المستدركين، لكنه من النصف ~~الذي لا ينفع. ومن الاتباع قولهم: هو همزة لمزة، الهمزة والهماز: العياب، والهمز مثل ~~الغمز والضغط، ومنه الهمز في الكلام، تقول: همزت الكلمة همزا، وهي كلمة مهموزة؛ لأن ~~الهمز ms26 لا بد فيه من ضغط، وقيل لأعرابي: أتهمز الفأرة؟ فقال: السنور يهمزها. واللمزة ~~واللماز كالهمزة والهماز، وأصل اللمز: الإشارة بالعين ونحوها. # عبارة الخليل في العلل التي يذكرها النحويون # قال أبو القاسم عبد الرحمن الزجاجي في كتاب «إيضاح علل النحو»: «ذكر بعض شيوخنا أن ~~الخليل بن أحمد سئل عن العلل التي يعتل بها في النحو، فقيل له: عن العرب أخذتها أم ~~اخترعتها من نفسك؟ فقال: إن العرب نطقت على سجيتها وطباعها، وعرفت مواقع كلامها، وقامت ~~في عقولها علله وإن لم ينقل ذلك عنها، وعللت أنا بما عندي أنه علة لما عللته به، فإن ~~أكن أصبت العلة فهو الذي التمست، وإن يكن هناك علة غير ما ذكرت فالذي ذكرته محتمل أن ~~يكون علة له.» # ومثلي في ذلك مثل حكيم دخل دارا محكمة البناء عجيبة النظم والأقسام، وقد صحت ~~عنده حكمة بانيها بالخبر الصادق أو البراهين الواضحة والحجج اللائحة، فكلما وقف هذا ~~الرجل الداخل الدار على شيء منها قال: إنما فعل هذا هكذا لعلة كذا، وسبب كذا لعلة سنحت ~~له وخطرت محتملة أن تكون علة لتلك، فجائز أن يكون فعله لغير تلك العلة، إلا أن ما ذكره ~~هذا الرجل محتمل أن يكون علة لذلك، فإن سنحت لغيري علة لما عللته من النحو هي أليق مما ~~ذكرته فليأت بها. وهذا كلام مستقيم وإنصاف من الخليل. # هذا، والمراد باللغات السامية فيما سبق ذكره: اللغات المنسوبة إلى سام بن نوح - عليه ~~السلام - وسبب هذه النسبة: كون أكثر المتكلمين بها من نسله، وأشهرها: العربية، ~~والعبرانية، والسريانية. وقد نشأت هذه اللغات الثلاثة من أصل واحد هو لهن بمنزلة الأم، ~~وهي اللغة الآرامية نسبة إلى آرام أحد أبناء سام، وقد عدت هذه اللغات الثلاث أخوات ~~لما ذكر، ولكثرة التشابه بينهن، وقال بعض العلماء: كانت لغة العبرانيين في أول الأمر ~~هي السريانية؛ إذ كان جدهم إبراهيم - عليه السلام - سريانيا مولدا وموطنا، فلما ~~هاجر إلى أرض كنعان، واختلط بنوه بالكنعانيين سكان تلك الأرض تغيرت لغتهم تغيرا ما ~~ونشأت عنها اللغة العبرانية، ms27 والكنعانيون هم أولاد كنعان، أحد أبناء سام، وقد عرفهم ~~بعض اللغويين بقوله: «الكنعانيون أمة تكلمت بلغة تضارع العربية.» # عبارة في اللغة العربية وأخواتها منقولة من كتاب الإحكام # قال الإمام ابن حزم في كتاب «الإحكام لأصول الأحكام»: «لا ننكر اصطلاح الناس على ~~إحداث لغات شتى بعد أن كانت لغة واحدة وقفوا عليها، بها علموا ماهية الأشياء وكيفياتها ~~وحدودها، ولا ندري أي لغة هي التي وقف آدم - عليه السلام - عليها أولا، إلا أننا نقطع ~~على أنها أتم اللغات كلها، وأبينها عبارة، وأقلها إشكالا، وأشدها اختصارا، وأكثرها ~~وقوع أسماء مختلفة على المسميات كلها المختلفة من كل ما في العالم من جوهر أو عرض ~~لقول الله عز وجل: # وعلم آدم الأسماء ~~كلها ~~. فهذا التأكيد يرفع الإشكال ويقطع الشغب فيما قلناه، وقد قال قوم ~~هي السريانية، وقال قوم هي العبرانية، وقال قوم هي العربية، والله أعلم، إلا أن الذي ~~وقفنا عليه وعلمناه يقينا أن السريانية والعبرانية والعربية التي هي لغة مضر وربيعة لا ~~لغة حمير لغة واحدة تبدلت بتبدل مساكن أهلها؛ فحدث فيها جرس كالذي يحدث من الأندلسي ~~إذا رام نغمة أهل القيروان، ومن القيرواني إذا رام نغمة الأندلسي، ومن الخراساني إذا ~~رام نغمتهما، ونحن نجد من سمع لغة أهل فحص البلوط - وهي على ليلة واحدة من قرطبة - كاد ~~يقول إنها لغة أخرى غير لغة أهل قرطبة، وهكذا في كثير من البلاد، فإنه بمجاورة أهل ~~البلدة لأخرى تتبدل لغتها تبدلا لا يخفى على من تأمله. # ونحن نجد العامة قد بدلت الألفاظ في اللغة العربية تبديلا هو في البعد عن أصل تلك ~~الكلمة كلغة أخرى ولا فرق؛ فتجدهم يقولون في «العنب»: «العينب» وفي «السوط»: «أسطوط» ~~وفي «ثلاثة دنانير»: «ثلاثا»، وإذا تعرب البربري فأراد أن يقول «الشجرة» قال: ~~«السجرة». وإذا تعرب الجليقي أبدل من العين والحاء هاء فيقول: «مهمد» إذا أراد أن ~~يقول «محمد» ومثل هذا كثير، فمن تدبر العربية والعبرانية والسريانية أيقن أن اختلافها ~~إنما هو من نحو ما ذكرنا من تبدل ألفاظ الناس على طول ms28 الأزمان واختلاف البلدان ~~ومجاورة الأمم، وأنها لغة واحدة في الأصل، وإذ قد تيقنا ذلك فالسريانية أصل ~~للعربية وللعبرانية معا، والمستفيض أن أول من تكلم بهذه العربية إسماعيل - عليه ~~السلام - فهي لغته ولغة ولده، والعبرانية لغة إسحاق ولغه ولده، والسريانية بلا شك هي ~~كانت لغة إبراهيم - صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم - بنقل الاستفاضة الموجب لصحة العلم؛ ~~فالسريانية أصل لهما.» # الألف ومعناها # هذا، ولنعد إلى أصل الكلام فنقول: إن كل كتاب رتب على حروف المعجم ابتدأ بالألف، ~~وإنما قدمت لتقدمها في حروف أبجد التي هي الأصل، ولتقدم مخرجها على سائر ~~المخارج؛ فإنها من أقصى الحلق، ولكثرة ورودها في الكلام، وقد قيل: إن جميع أهل اللغات ~~المشهورة يبتدئون بالألف عند تعداد الحروف إلا الحبشة، والمراد بالألف هنا: الهمزة لا ~~ألف المد؛ لأنها لا توجد في أوائل الكلم حتى عند الذين يجوزون الابتداء بالساكن؛ ~~لأنها لا تحدث إلا إذا سبقها حرف متحرك بالفتحة إذا مد، فمن ثم لم توجد إلا في الوسط ~~أو في الآخر، على أن الألف في أصل الوضع كان اسما للهمزة، وأما ألف المد كألف قال، فلم ~~يجعل لها الواضع اسما لعدم استقلالها بنفسها، وإنما يطلق عليها الألف مجازا حيث تظهر ~~بصورته في الكتابة، وإنما كتب بصورة الألف لأن الألف كثيرا ما تقلب إليها حين التخفيف، ~~وذلك في مثال «سأل» و«قرأ»، قال المحققون: إن الواضع لأسماء الحروف قد راعى أمرا ~~بديعا؛ وهو أنه جعل مسمى كل حرف في صدر اسمه، ولا يخفى أن أول الألف هو الهمزة، وقد ~~وهم من ظن أن الألف كانت في الأصل اسما لذلك الحرف الذي لا يقوم بنفسه، فقال: إن الذي ~~يذكر في حروف التهجي هو الألف لا الهمزة، وكل الحروف قد صدر فيها المسمى بالاسم إلا ~~الألف؛ فإنه لا يتأتى فيه تصدير الاسم بالمسمى. # في أن الهمزة اسم حدث فيما بعد # وأما الهمزة فهو اسم حدث فيما بعد، ولما شاع كثر إطلاقه على الألف وكثر إطلاق ~~الألف على ذلك الحرف الذي لا يستقل بنفسه؛ ms29 حتى صار لفظ الألف كأنه خاص به، وهذا في عرف ~~المتأخرين. # وأما المتقدمون فإطلاق الألف على الهمزة شائع عندهم ذائع؛ فيقولون: هذه ألف قطع، وهذه ~~ألف وصل، وهذه ألف استفهام، وأما لفظ الهمزة فلم يطلقه أحد على ألف المد أصلا، وفرق ~~بعضهم بين النوعين فسمى ألف المد بالألف اللينة والهمزة بالألف اليابسة، وقد أطلق بعضهم ~~الألف المتحركة على الهمزة مع أنها قد تكون ساكنة اعتمادا على فهم المقصود من ذلك؛ ~~لأنها في مقابلة ألف المد التي لا تقبل الحركة، وينبغي أن لا يذكر الألف مطلقا في ~~موضع يقع فيه التباس، والذي حملنا على إطلاقها هنا ما ذكرنا من أن ألف المد لا توجد ~~في أوائل الكلم فارتفع اللبس، ولأنه الاسم الأول للهمزة، ولأن حروف المعجم لا يذكر ~~فيها غيره؛ ولذا التزم كثير ممن رتب كتبهم على حروف المعجم أن لا يطلق غير هذا اللفظ في ~~العنوان، ولأنه الوارد في الكتاب العزيز، قال تعالى: # الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه ~~، نعم، يقع الالتباس ~~في هذا الموضع في كتب اللغة التي جعلت الباب معقودا لآخر الكلمة كالصحاح؛ فإن أواخر ~~الكلم كثيرا ما توجد فيها الألف اللينة، غير أن صاحب «الصحاح» قد رفع اللبس بقوله: باب ~~الألف المهموزة. # في الألف اللينة # واعلم أن الألف اللينة لا تكون أصلا في الأسماء المتمكنة والأفعال، وإنما تكون ~~فيهما زائدة كألف «قتال» و«قاتل»، أو منقلبة عن واو أو ياء كألف «قال» و«باع» و«غزا» ~~و«رمى»، وأما الحروف ك «ما» و«لا» والأسماء المتشابهة لها ك «ذا» و«مهما»، والأسماء ~~المعربة ك «الدانق» فالألف فيها أصلية، وقد عرفت أن أرباب اللغة لا يعتبرون الحرف ~~الزائد، وأما الحرف المنقلب عن غيره فيعتبرون الحرف الذي انقلب عنه؛ فيذكرون «غزا » في ~~«غزو» و«رمى» في «رمي»، وقد عقد صاحب «الصحاح» للألف اللينة بابا على حدة جعله في ~~آخر الكتاب إتماما للمقصود، قال فيه: باب الألف اللينة. لأن الألف على ضربين: لينة ~~ومتحركة؛ فاللينة تسمى ألفا، والمتحركة تسمى همزة، وقد ذكرنا الهمزة وذكرنا أيضا ما ~~كانت ms30 الألف فيه منقلبة من الواو والياء، وهذا الباب مبني على ألفات غير منقلبات من شيء ~~فلهذا أفردناه. فإن قلت: إن الجمهور قد جعلوا الباب معقودا لأول الكلمة والفصل لثانيها ~~فكان يمكنهم أن يجعلوا في كل باب فصلا للألف اللينة، فلم لم يفعلوا ذلك؟ قلت: تركوا ~~ذلك لقلة الكلمات التي ثانيها ألف لينة أصلية، وأما الأسماء المعربة ك «دانق» و«آب» ~~ونحو ذلك فذكروها في أشبه المواضع بها؛ وهي المواضع التي يظن أن الباحث يتحراها فيها، ~~فذكروا دانق في «دنق» وآب في «أوب» واستبرق في «برق» وقس عليه غيره، واختلف في الهمزة ~~والألف فقيل: هما متحدتان بالذات غير أن في الهمزة شدة رفعتها للحلق، فالفرق بينهما ~~كالفرق ما بين النون الساكنة والمتحركة فإنهما متحدتان مع أن بينهما فرقا، وهي أن ~~النون الساكنة تخرج من الخيشوم بدليل أنك لو أمسكت بأنفك ثم نطقت بها لوجدتها مختلفة ~~بخلاف النون المتحركة، وإن كان فيها بعض غنة تخرج من الأنف، وقيل هما مختلفتان بدليل ~~اختلاف المخرج؛ فإن الهمزة من الحلق والألف من الجوف، وعلى الحالين فلا ينبغي أن يخلط ~~بينهما كما فعل بعض اللغويين حين أراد ذكر معناهما، بل يجب ذكر كل واحدة منهما على ~~حدة. # الهمزة وما يتعلق بها من المباحث # وقد أفاض العلماء في أمر الهمزة، وما ذكروه فيها يبلغ سفرا ضخما؛ لكثرة ما لها من ~~الأحوال، ولقد أحببنا أن نورد هنا أقل ما يمكن إيراده في مثل هذا المقام؛ فنقول: إن ~~الهمزة قد تكون من حروف المعاني، وقد تكون من حروف المباني؛ فإذا كانت من حروف المعاني ~~فقد تكون للنداء إذا كان المنادى قريبا، كقول امرئ القيس: # أفاطم، مهلا بعض هذا التدلل # وإن كنت قد أزمعت صرما فأجملي # وقد تكون للاستفهام، ومعناه طلب الفهم، نحو: «أزيد قائم؟» و«أرأيت عمرا؟» ويجوز مدها ~~إذا جاء بعدها همزة، نحو: # أأنت فعلت هذا ~~، قال ذو ~~الرمة: # أيا ظبية الوعساء بين جلاجل # وبين النقا آأنت أم أم سالم # فصل بين الهمزتين بالألف فرارا من ثقلهما، قال بعض العلماء: ms31 هذا إذا لم تكن الهمزة ~~الثانية ممدومة، فإن كانت ممدودة امتنع مد الأولى؛ لما في اجتماع همزتين وألفين من ~~الثقل الشديد نحو: أآسيت زيدا وأآخيت عمرا. # وقد تخرج الهمزة عن الاستفهام فترد لنحو ثمانية معان مذكورة في كتب النحو، وإذا كانت ~~من حروف المباني فهي ثلاثة أضرب: أصل وبدل وزائدة؛ ومعنى كونها أصلا أن تكون فاء الفعل ~~نحو: «أمر» و«أمن» و«أنف» و«أذن» و«أبره». أو عينه نحو: «سأل» و«سئم» و«ضؤل» و«بأس» ~~و«ذئب» و«بؤس». أو لامه نحو: «قرأ» و«وطئ» و«وطؤ» و«مرء» و«ردء» و«رزء»، ولم تجئ كلمة ~~فاؤها وعينها همزة، ولا عينها ولامها همزة؛ لما في النطق بالهمزة من التكلف، فإذا ~~كرهوا الهمزة الواحدة فهم بكره الثنتين - لا سيما إذا كانتا مصطحبتين غير مفترقتين - ~~أحرى، فليس في الكلام لفظة توالت فيها همزتان وهما أصلان البتة. وقد جاءت أسماء ~~محصورة وقعت الهمزة فيها فاء ولاما نحو: «آءة» و«أجأ» لوجود الفصل بينهما. # وذهب سيبويه في «ألاءة» و«أشاءة» و«أباءة» إلى أنهما فعالة، ولامها همزة، و«الألاءة» ~~واحدة «الألاء» وهو شجر مر يدبغ به، والإشارة واحدة «الأشآء» وهي صغار النخل، والأباءة ~~واحدة «الأباء» وهي الأجمة من القصب، وكلها بالفتح، وذهب أبو بكر محمد بن السري المعروف ~~بابن السراج إلى أن الإباءة من ذوات الياء؛ فهي من «أبيت» وأصلها عنده أباية، وإنما ~~حملها على معنى أبيت لما أن الأجمة ممتنعة بما ينبت فيها من القصب وغيره من السلوك ~~فكأنها أبت وامتنعت على سالكها. # ومعنى كون الهمزة زائدة: أن لا تكون فاء الفعل ولا عينه ولا لامه؛ وذلك نحو همزة ~~«أكرم» و«إثمد» و«إكليل » و«شمأل» و«ضهيأ». # ومعنى كونها بدلا: أن تقوم مقام حرف إما ضرورة وإما استحسانا، وقد أبدلت من خمسة ~~أحرف، وهي: الألف والواو والياء والهاء والعين. # وأما إبدالها من الألف ففي العالم في قول العجاج: # يا دار سلمى يا اسلمي ثم آسلمي # فخندف هامة هذا العألم # فقد روي أنه كان يهمز «العالم»، وأما إبدالها من الواو والياء ففي «أقتت» في ~~«وقتت»، وفي «أديه» في قولهم: «قطع الله أديه.» يريدون: ms32 يديه، وفي مثل: قام، وأصله: ~~«قوم»، وباع، وأصله: «بيع»، وفي مثل: «قائم» و«بائع»، وفي مثل: «علاء» و«كساء» و«قضاء» ~~و«سقاء»، وأصلها: «علاو» و«كساو» و«قضاي» و«سقاي»؛ لأنها من «علوت» و«كسوت» و«قضيت» ~~و«سقيت»، وقد أبدلت الواو همزة بدلا مطردا إذا ضمت ضما لازما، وذلك نحو: «أثؤب»، ~~قال في «الصحاح»: «الثوب واحد الأثواب والثياب، ويجمع القلة على أثوب، وبعض العرب ~~يقول: أثؤب، فيهمز لأن الضمة على الواو تستثقل، والهمزة أقوى على احتمالها، وكذلك «دار» ~~و«أدؤر» و«ساق» و«أسؤق»، وجميع ما جاء على هذا المثال.» ونظير ذلك: قئول وما ~~أشبهه. # قال سيبويه: «واعلم أن هذه الواو إذا كانت مضمومة فأنت بالخيار إن شئت تركتها على ~~حالها، وإن شئت أبدلت الهمزة مكانها؛ وذلك نحو قولهم في «ولد»: «ألد»، وفي «وجوه»: ~~«أوجه»، وإنما كرهوا الواو حيث صارت فيها ضمة كما يكرهون الواوين، فيهمزون نحو: «قئول» ~~و«مئون»، وأما الذين لم يهمزوا فتركوا الحرف على أصله كما يقولون: «قئول» فلا يهمزون، ~~وإذا التقت واوان في أول الكلمة لم يكن بد من همز الأولى؛ وذلك «كالأواقي» في جمع ~~«واقية» وأصلها «وواقي» لأنها فواعل، إلا أنهم كرهوا اجتماع الواوين فقلبوا الأولى ~~همزة، وقد أبدلت الهمزة من الياء الزائدة في نحو قولهم: «حرباء» و«علباء»، وأما إبدال ~~الهمزة من الهاء ففي قولهم: «ماء» وأصله «موه» لقولهم في الجمع: «أمواه»، وفي قولهم: ~~«آل» وأصله «أهل» أبدلت الهاء همزة، فتوالت همزتان، فأبدلوا الثانية ألفا، كما ~~أبدلوها في «آخر» و«آمن» ثم خصوه بأشرف المواضع التي يستعمل فيها «أهل»، ولم يستعملوه ~~في كل موضع يستعمل فيه «أهل»، وأما إبدالها من العين فقد وقع في «أباب» بحر أي: في ~~عبابه، وهو شاذ، وقال ابن جني: «هو من أب إذا تهيأ، وذلك أن البحر يتهيأ لما يزخر ~~به؛ فلهذا كانت الهمزة أصلا غير بدل من العين، وإن قلت إنها بدل منها فهو وجه وليس ~~بالقوي، ومن أراد استيفاء هذه المباحث وما شاكلها فلينظر في كتابه المسمى: ب «سر ~~الصناعة».» # ولنرجع إلى إبدال الهمزة من الألف؛ فإنه أهم في هذا الموضع ms33 من غيره، فنقول: قد همز ~~بعضهم «الضالين» و«شابة» و«دابة»؛ وعلة ذلك أنهم كرهوا اجتماع الساكنين، فحركوا ~~الألف لالتقائهما فانقلبت همزة؛ لأن الألف حرف ضعيف واسع المخرج لا يتحمل الحركة، فإذا ~~اضطروا إلى تحريكه قلبوه إلى أقرب الحروف إليه وهو الهمزة، وذكر بعض العلماء: أن أصل ~~«اطمأن» «اطمان» مثل: «ادهام»، لكنهم همزوا على غير قياس فرارا من الساكنين، وقيل ~~أصله: «طأمن» لكن أخرت في «اطمأن» على غير قياس بدليل قولهم: «طأمن» ظهره إذا خفضه، ~~وجاء الشعر «ادهأم» بالهمزة في «إدهام» بالألف، وقد قلب بعض العرب كل ألف وقعت في آخر ~~الكلمة همزة في الوقف، قال ابن جني: «حكى سيبويه في الوقف هذه «حبلأ» يريد «حبلى»، ~~ورأيت «رجلا»، والهمزة في «رجلأ» إنما هي بدل من الألف التي عوض من التنوين في الوقف، ~~ولا ينبغي أن تحمل على أنها بدل من النون لقرب ما بين الهمزة والألف، وبعد ما بينها ~~وبين النون، ولأن «حبلى» لا تنوين فيها، وإنما الهمزة فيها بدل من الألف البتة فكذلك ~~همزة «رأيت رجلأ»، وحكي أيضا: «هو يضربهأ» وهذا كله في الوقف فإذا وصلت قلت: «هو ~~يضربها» يا هذا ورأيت حبلى أمس.» # تنبيه: # قال بعض علماء اللغة: لا توجد الهمزة في ~~الكلام العجم إلا في الابتداء، وهذا القول صحيح لوروده في مورد الإجمال، وهو سائغ إذا ~~اقتضاه الحال، وإن أريد نوع من التفصيل قيل إن مهموز العين يوجد في السريانية غير أنه ~~فيها قليل، وفي العبرانية وهو فيها أقل مما في السريانية، وأما مهموز اللام فلا يكاد ~~يوجد فيها، وأكثر ما هو مهموز اللام في العربية هو ناقص في السريانية نحو: «قرأ» ~~و«برأ». # والمشهور عند السريانيين كما ذكر بعضهم تخفيف الهمزة، فإن كانت متحركة وكان ما قبلها ~~ساكنا نقلت حركتها إلى ما قبلها ثم حذفت هي، وإن كانت ساكنة قلبت حرف مد يجانس حركة ~~ما قبلها. وبهذا تعلم أن المختص باللغة العربية هي الهمزة الساكنة، نحو همزة: «رأس» ~~و«بؤس» و«بئس»، واقرأ عند من يحققها دون من يقلبها حرف مد ms34 كالسريان. # هذا، ولما كان العرب أكثر الأمم تفننا في الهمز وهو حرف فيه ثقل؛ حاولوا الخلاص ~~منه فتفننوا في تخفيفه، وأكثرهم محاولة لذلك أهل الحجاز لا سيما قريش؛ ولذلك كان أكثر ~~ما يرد في القراءات من تخفيف الهمزة إنما جاء من طرقهم كابن كثير من رواية ابن فليح، ~~وكنافع من رواية ورش، وكأبي عمرو فإن مادة قراءته عن أهل الحجاز، وأما ما يروى من أنه ~~قيل للنبي - عليه السلام - يا نبيء الله فقال: «إنا معشر قريش لا ننبر.» فهو منكر، قال ~~علماء اللغة: «النبر همز الحرف.» # وطرق التخفيف عندهم أربعة: # النقل: # وهو نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها ثم حذفها نحو: «قد افلح» ~~بفتح الدال، وبه قرأ نافع من طريق ورش. # والإبدال: # وهو أن تبدل الهمزة الساكنة حرف مد من جنس حركة ما قبلها؛ فتبدل ~~ألفا بعد الفتح نحو: «وامر أهلك بالصلاة»، وواوا بعد ~~الضم نحو: «يومنون»، وياء بعد الكسر نحو: «جيت» وبه يقرأ أبو ~~عمرو سواء كانت الهمزة فاء أو عينا أو لاما إلا أن يكون سكونها ~~جزما نحو: «ننسأها»، ونحو: «أرجئه»، أو يكون ترك الهمز فيه أثقل ~~وهو: «تؤوي إليك»، أو يوقع في الالتباس وهو: «رئيا». # والتسهيل: # وهو أن تأتي بالهمزة بين الهمزة وبين حرف حركتها، وتجعل الحركة التي ~~عليها مختلسة سهلة بحيث تكون كالساكنة، فإن كانت مفتوحة كهمزة «سأل» ~~جعلت بين الهمزة والألف، وإن كانت مكسورة كهمزة «سئم» جعلت بين الهمزة ~~والياء، وإن كانت مضمومة كهمزة «لؤم» جعلت بين الهمزة والواو، ولا تقع ~~الهمزة المخففة أولا أبدا؛ لقربها بالضعف من الساكن، وهي مع كونها ~~ليس لها تمكن الهمزة المحققة بمنزلتها في الزنة، قال الأعشى: # أإن رأت رجلا أعشى أضر به # ريب المنون ودهر مفسد خبل # فلو كانت الهمزة الثانية ساكنة بسبب جعلها بين بين لانكسر وزن البيت. # والإسقاط بلا نقل: وبه قرأ أبو عمر، وقال سيبويه: «واعلم أن الهمزتين إذا التقتا، ~~وكانت كل واحدة منهما من كلمة؛ فإن أهل التحقيق يخففون إحداهما ويستثقلون تحقيقهما لمل ~~ذكرت لك ms35 كما استثقل أهل الحجاز تحقيق الواحدة، فليس من كلام العرب أن تلتقي همزتان ~~فتحققا.» # ومن كلام العرب: تخفيف الأولى وتحقيق الآخرة، وهو قول أبي عمرو، وذلك قولك: # فقد جاء أشراطها ~~، و # يا ~~زكريا إنا نبشرك ~~. # ومنهم من يحقق الأولى ويخفف الآخرة، سمعنا ذلك من العرب، وهو قولك: «فقد جاء ~~اشراطها»، و«يا زكرياء انا». # هذا، ولما رأى بعض الباحثين في اللغات السامية كثرة الهمز في العربية وقلته في ~~أختيها؛ أشار إلى أن الظاهر أنه كان شائعا فيهما، إلا أنه قل فيما بعد لسبب من ~~الأسباب، غير أن ما ذكرنا من قلته في لغة قريش التي هي أقرب لغات العرب إلى العبرانية ~~والسريانية يدل في بادئ الرأي على أن الأصل في هذه اللغات قلة الهمز. # وقد نقل في الإتقان فائدة مهمة عن ابن مجاهد فيها ما يتعلق بالهمز، قال: إذا شك ~~القارئ في حرف هل هو بالتاء أو بالياء؟ فليقرأه بالياء فإن القرآن مذكر، وإن شك في حرف ~~هل هو مهموز أو غير مهموز فليترك الهمز، وإن شك في حرف هل يكون موصولا أو مقطوعا ~~فليقرأ بالوصل، وإن شك في حرف هل هو ممدود أو مقصور فليقرأ بالقصر، وإن شك في حرف هل هو ~~مفتوح أو مكسور فليقرأ بالفتح؛ لأن الأول غير لحن في موضع، والثاني: لحن في بعض ~~المواضع. # وأشار بقوله: فإن القرآن مذكر إلى ما أخرجه عبد الرزاق عن ابن مسعود قال: «إذا ~~اختلفتم في ياء وتاء فاجعلوها ياء، ذكروا القرآن.» وقد فهم منه ثعلب أن ما احتمل ~~التذكير والتأنيث فتذكيره أجود، قال بعض العلماء: مراده أنه إذا احتمل اللفظ التذكير ~~والتأنيث ولم يحتج في التذكير إلى مخالفة المصحف ذكر، نحو: «ولا تقبل منها شفاعة»، ~~ويدل على ذلك أن أصحاب عبد الله بن مسعود من قراء الكوفة كحمزة والكسائي ذهبوا إلى ~~هذا فقرءوا ما كان من هذا القبيل بالتذكير نحو: «يوم يشهد عليهم ألسنتهم»، وهذا في غير ~~الحقيقي. # قال ابن السيد في «الاقتضاب» عند قول صاحب «أدب الكتاب: باب الأفعال ms36 التي تهمز ~~والعوام تدع همزتها» ذكر في هذا الباب: «أطفأت السراج»، «وقد استخذأت له» «وخذأت» ~~و«خذيت» لغة، وذكر فيه هذا موضع «ترفأ فيه السفن»، فأنكر على العامة ترك الهمز في هذه ~~الألفاظ، ثم أجاز في باب ما يهمز أوسطه من الأفعال ولا يهمز بمعنى واحد: أرفأت السفينة ~~وأرفيتها، وأطفأت النار وأطفيتها. ثم قال: وقد حكي أن من العرب من يترك الهمز في كل ما ~~يهمز إلا أن تكون الهمزة مبتدأ بها، حكى ذلك الأخفش. # طريقة المتأخرين في ضبط الكلم # هذا، وقد جرينا في ضبط الكلم في هذا الكتاب على طريقة المتأخرين؛ فإنهم ضبطوا كل لفظ ~~يخشى فيه الاشتباه على الجمهور إما بذكر مثال له مشهور، وإما بذكر حركاته التي يقع ~~فيها اللبس. # مثال الأول قولهم: «النور» بالضم الضوء، و«النورة» حجر الكلس، و«النور» بالفتح: ~~الزهر، والواحدة: «نورة»، و«النوار» بالضم والتشديد مثله، والواحدة «نوارة»، ~~ونورت الشجرة، وأنارت: أخرجت نورها، و«المنار» بالفتح: علم الطريق، و«المنارة» ما ~~يوضع فوقها السراج. # ومثال الثاني قولهم: «النمر» ككتف سبع معروف، و«أبو قبيلة» وهو النمر بن قاسط، ~~والنسبة إليه نمري بفتح الميم، وماء نمير كسمير: ناجع، عذبا كان أو غير عذب، ونمرى: ~~كذكرى، قرية من نواحي مصر. # وكثيرا ما يضمون إلى المثال ذكر بعض الحركات مع كون المثال كافيا في المرام خشية ~~أن يكون ذلك المثال مجهول الضبط عند بعض الناظرين في كتبهم أو مضبوطا عندهم لكن على ~~وجه يخالف الصواب، مثال ذلك قولهم المضيعة: الضياع، يقال: فلان بدار مضيعة، وهي بكسر ~~الضاد وسكون الياء مثل: معيشة، ويجوز فيها سكون الضاد وفتح الياء مثل مسلمة، وقولهم ~~المشورة اسم من شاورته، وفيه لغتان؛ إحداهما: سكون الشين وفتح الواو، والثانية: ضم ~~الشين وسكون الواو وزن معونة. # طريقة المتقدمين في ذلك # وأما المتقدمون فأغفلوا ذلك في كثير من المواضع لا سيما ما يستغني عن ضبطه الخواص ~~واقتصروا فيها على الشكل، فإن كان في الكلمة لغات كرروها بعددها ليتيسر شكلها ~~بالأوجه المختلفة، كقول الجوهري: «قلب النخلة لبها.» وفيه ثلاث لغات: «قلب» «قلب» ms37 ~~«قلب»، والشكل وإن كان كافيا في الضبط إلا أنه كثيرا ما يغفله النساخ، فإن لم ~~يغفلوه لم يخل غالبا من خطأ يتطرق إليه، إما عن جهل أو غفلة، وإنما حملهم على ~~الاقتصار على الشكل فيما لا يعم الإشكال فيه ما كان لهم من العناية بكتب اللغة؛ فإنها ~~كانت تروى كما تروى كتب الحديث، وتقابل على الأصول المعتمدة، وكان كثير منها جامعا ~~بين صحة الضبط وحسن الخط، فلما فترت الهمم وخشي من شيوع التصحيف في اللغة تدارك علماؤها ~~ذلك، وسلكوا طريقا يؤمن فيه من العثار، وهو الطريق الذي أشرنا إليه أولا. # واعلم أنهم قد يعينون موضع الحركة وقد يوهمونه، فإذا عينوه فالأمر ظاهر؛ كقول ~~بعضهم: «المغرب» بكسر الراء على الأكثر وبفتحها، والنسبة إليه «مغربي» ~~بالوجهين. # وكقوله: الغرفة العلية والجمع غرف، والغرفات بفتح الراء: جمع الجمع عند قوم، وهو ~~تخفيف عند قوم، وتضم الراء للاتباع، وتسكن حملا على لفظ الواحد، والمغرفة بكسر ~~الميم: ما يغرف به الطعام. # وإذا أبهموه فإن لم يكن ثم قرينة كان موضع تلك الحركة هو الحرف الأول، مثال ذلك: ~~قول الجوهري «اللعبة» بالضم لعبة الشطرنج والنرد، وكل ملعوب به فهو لعبة لأنه اسم، ~~ومنه قولهم: اقعد حتى أفرغ من هذه اللعبة، وقال ثعلب: من هذه بالفتح أجود؛ لأنه أراد ~~المرة الواحدة من اللعب، و«اللعبة» بالكسر: نوع اللعب مثل: الركبة والجلسة. # فإن وجدت قرينة تدل على غيره كان موضعها ما دلت عليه، مثال ذلك قوله: القالب ~~بالفتح: قالب الخف وغيره، والقالب بالكسر: البسر الأحمر، وقوله الطابع بالفتح: ~~الخاتم، والطابع بالكسر: لغة فيه؛ فإن الحرف الأول لا يتصور فيه هنا غير الفتح لوجود ~~الألف اللينة بعده فتعين أن يكون الفتح والكسر راجعا إلى اللام في القالب، والباء في ~~الطابع، ومما يتعين فيه الحرف الثاني الفعل الماضي من الثلاثي؛ لأن الأول والثالث لا ~~يحتاجان إلى ضبط، مثال ذلك قوله: «الحلم» بالضم ما يراه النائم، تقول منه: «حلم» ~~بالفتح واحتلم، و«الحلم» بالكسر: الأناة، تقول منه: حلم الرجل بالضم، والحلم بالتحريك ~~أن يفسد ms38 الإهاب في العمل تقول: منه حلم الأديم بالكسر، فموضع الحركة في قوله: حلم ~~بالفتح وحلم بالضم وحلم بالكسر، إنما هو اللام الذي هو عين الفعل بخلاف قوله: الحلم ~~بالضم والحلم بالكسر، فإن موضع الحركة فيهما إنما هو الحرف الأول وهو الحاء، وأما ~~قوله: والحلم بالتحريك، فإنه يشير به إلى فتح الحرف الأول والثاني وهما الحاء واللام، ~~وإنما دل قوله: بالتحريك على فتح الثاني؛ لأن الحرف الأول لا يكون إلا محركا، والأصل ~~فيه أن يكون محركا بالفتحة؛ ولذلك لا يشيرون غالبا إلى حركة الحرف الأول إذا كان ~~محركا بها؛ لأنه جاء على الأصل، والأصل في حرف الثاني في كثير من المواضع أن يكون ~~ساكنا؛ ولذا لا يشيرون إلى سكونه في الغالب؛ لأنه جاء على الأصل، فإذا كان محركا فإن ~~كان محركا بالضمة أو الفتحة نصوا على ذلك، وإذا كان محركا بالفتحة اكتفوا بالإشارة ~~إلى كونه محركا؛ لأن الفتحة هي الأصل في الحركات، وكثير من اللغويين يستعمل عوض قوله: ~~بالتحريك أو محركا، قوله: بفتحتين، نحو قول بعضهم: الكبد بفتحتين: المشقة من ~~المكابدة للشيء. وقوله: الكتم بفتحتين: نبت فيه حمرة يخلط بالوسمة ويختضب به للسواد، ~~وقوله: «الكثب» بفتحتين القرب، تقول هو «يرمي من كثب». # هذا، ومثل ماضي الثلاثي مضارعه؛ فإن موضع الحركة فيه هو العين، غير أن العين فيه تكون ~~هي الحرف الثالث ، فإذا قيل: يكتب بالضم كان موضع الضم فيه هو الثالث وهو التاء، إلا في ~~مثل «يقر» فإن موضع الحركة فيه يكون هو الثاني لانتقالها من الثالث إليه، وقد جرت ~~عادتهم في الأبواب الثلاثة الأول من الثلاثي إذا ضبطوها بالحركات أن يذكروا الماضي ~~والمضارع، ويكون الضبط فيه للمضارع؛ لاستغناء الماضي حينئذ عن الضبط؛ إذ يعلم بذلك ~~كونه مفتوح العين، مثال ذلك قول الجوهري: «الخلابة»: الخديعة باللسان، تقول منه: خلبه ~~يخلبه بالضم واختلبه مثله، وقوله: نسبت الرجل أنسبه بالضم نسبة ونسبا إذا ذكرت ~~نسبه. ونسب الشاعر بالمرأة ينسب بالكسر نسيبا إذا شبب بها، وقوله: «اللغوب»: ~~التعب والإعياء، تقول منه: لغب يلغب بالضم ms39 لغوبا، ولغب بالكسر يلغب لغوبا لغة ضعيفة ~~فيه، وكثيرا ما يذكرون الماضي، ويتبعونه بالمضارع مكررا من غير إشارة إلى ضبط، ~~وهذا في الغالب يكون من الباب الأول والثاني، مثال ذلك قوله: عكفه أي حبسه ووقفه، يعكفه ~~ويعكفه عكفا، ومنه قوله تعالى: # والهدي معكوفا ~~، ~~يقال ما عكفك عن كذا. ومنه الاعتكاف في المسجد وهو الاحتباس، وعكف على الشيء يعكف ويعكف ~~عكوفا: أي أقبل عليه مواظبا. وأما السكون والتشديد فلا يقعان في أول الكلمة، فإذا ~~عين موضعهما فالأمر ظاهر، وإن لم يعين فالغالب أن يكون موضعهما الحرف الثاني إلا أن ~~تدل قرينة على غيره فيرجع إليها، مثال ذلك قول الجوهري: «زهرة الدنيا» بالتسكين غضارتها ~~وحسنها، وزهرة النبات أيضا نوره، وكذلك الزهرة بالتحريك، وقوله: «عثر» مخففا بلد ~~باليمن، وعثر بالتشديد: موضع، وقوله: «القمطر» و«القمطرة» ما يصان فيه الكتب، قال ابن ~~السكيت: لا يقال بالتشديد وينشد: # ليس بعلم ما يعي القمطر # ما العلم إلا ما وعاه الصدر # وكثيرا ما يطلق التخفيف ويريد به التسكين، مثال ذلك قوله: «طرسوس» اسم بلد، ولا يخفف ~~إلا في ضرورة الشعر؛ لأن فعلولا ليس من أبنيتهم، وقوله: «القربوس» للسرج، ولا يخفف إلا ~~في الشعر مثل: «طرسوس»، وعبارة «القاموس» «قربوس» كحلزون، ولا يسكن إلا في ضرورة الشعر ~~حنو السرج، وهما قربوسان. # مقدمة مختار الصحاح وهي مما يتعلق بذلك # وقد أورد صاحب «مختار الصحاح» في مقدمة كتابه المذكور فوائد تتعلق بما نحن في صدد ~~بيانه، فأحببت إيرادها هنا؛ إتماما لهذا المبحث الذي لا ينبغي للمشتغل بعلم اللغة أن ~~يغفل عنه، قال: # وكل ما أهمله الجوهري من أوزان مصادر الأفعال الثلاثية التي ذكر أفعالها، ومن ~~أوزان الأفعال الثلاثية التي ذكر مصادرها؛ فإني ذكرته إما بالنص على حركاته ~~أو برده إلى واحد من الموازين العشرين التي أذكرها الآن إن شاء الله ~~تعالى، إلا ما لم أجده من هذين النوعين في أصول اللغة الموثوق بها والمعتمد ~~عليها فإني قفوت أثره - رحمه الله تعالى - في ذكره مهملا، لئلا أكون زائدا ~~على الأصل شيئا بطريق القياس، ms40 بل كل ما زدته فيه نقلته من أصول اللغة الموثوق ~~بها، وأبواب الأفعال الثلاثية محصورة في ستة أنواع لا غير: # الباب الأول: # فعل يفعل بفتح العين في الماضي وضمها في المضارع، والمذكور ~~منه سبعة موازين: نصر ينصر نصرا، دخل يدخل دخولا، كتب ~~يكتب كتابة، رد يرد ردا، قال يقول قولا، عدا يعدو ~~عدوا، سما يسمو سموا. # الباب الثاني: # فعل يفعل بفتح العين في الماضي وكسرها في المضارع، والمذكور ~~منه خمسة موازين: ضرب يضرب ضربا، جلس يجلس جلوسا، باع يبيع ~~بيعا، وعد يعد وعدا، رمى يرمي رميا. # الباب الثالث: # فعل يفعل بفتح العين في الماضي والمضارع، والمذكور منه ميزانان: ~~قطع يقطع قطعا، خضع يخضع خضوعا. # الباب الرابع: # فعل يفعل بكسر العين في الماضي وفتحها في المضارع، والمذكور ~~منه أربعة موازين: طرب يطرب طربا، فهم يفهم فهما، سلم ~~يسلم سلامة، صدئ يصدأ صدأ. # الباب الخامس: # فعل يفعل بضم العين في الماضي والمضارع، والمذكور منه ميزانان: ~~ظرف يظرف ظرافة، سهل يسهل سهولة. # الباب السادس: # فعل يفعل بكسر العين في الماضي والمضارع، كوثق يثق وثوقا ~~ونحوه وهو قليل؛ فلذلك لم نذكر منه ميزانا نرده إليه بل حيث ~~جاء في الكتاب تنص على وزانه ووزان مصدره، وإنما خصصت هذه ~~الموازين العشرين بالذكر دون غيرها؛ لأني عتبرتها فوجدتها أكثر ~~الأوزان التي يشتمل عليها هذا المختصر . # قاعدة أولى # اعلم أن الأصل والقياس الغالب في أوزان مصادر الأفعال الثلاثية أن «فعل» متى كان ~~مفتوح العين كان مصدره على وزن: «فعل» بسكون العين إن كان الفعل متعديا، وعلى وزن ~~«فعول» إن كان الفعل لازما، مثاله من الباب الأول: نصر نصرا، قعد قعودا، ومن ~~الباب الثاني: ضرب ضربا، جلس جلوسا، ومن الباب الثالث: قطع قطعا، خضع خضوعا، ومتى ~~كان «فعل» مكسور العين و«يفعل» مفتوح العين كان مصدره على وزن فعل أيضا إن كان الفعل ~~متعديا، وعلى وزن فعل بفتحتين إن كان لازما، مثاله: فهم فهما، طرب طربا، ~~ومتى كان فعل مضموم العين كان مصدره على وزن فعالة بالفتح أو فعولة ms41 بالضم أو فعل ~~بكسر الفاء وفتح العين وفعالة هي الأغلب، مثاله: ظرف ظرافة، سهل سهولة، عظم عظما، ~~هذا هو القياس في الكل، وأما المصادر السماعية فلا طريق لضبطها إلا السماع والحفظ، ~~والسماع مقدم على القياس فلا يصادر إلى القياس إلا عند عدم السماع. # قاعدة ثانية # اعلم أن الأبواب الثلاثية الأول لا يكفي فيها النص على حركة الحرف الأوسط من الماضي ~~في معرفة وزن المضارع؛ لاختلاف وزن المضارع مع اتحاد الماضي، فلابد من النص على المضارع ~~أيضا أو رده إلى بعض الموازين المذكورة، وأما الباب الرابع والخامس فيكفي فيهما النص ~~على حركة الحرف الأوسط من الماضي في معرفة وزن المضارع؛ لأن مضارع فعل بالكسر عند ~~الإطلاق لا يكون إلا يفعل بالفتح، كذا اصطلاح أئمة اللغة في كتبهم؛ لأن اجتماع الكسر ~~في الماضي والمضارع قليل، وكذا اجتماع الكسر في الماضي مع الضم في المضارع قليل أيضا؛ ~~لأنه أيضا من تداخل اللغتين، مثل: فضل يفضل ونحوه، فمتى اتفق نصوا عليه فيهما، ومضارع ~~فعل بالضم لا يكون إلا يفعل بالضم. # ففي الباب الرابع والخامس لا نذكر إلا الماضي المقيد والمصدر فقط طلبا للإيجاز، ~~ومتى قلنا في فعل مضارع بالضم أو بالكسر فاعلم أن ماضيه مفتوح الوسط لا محالة - وكذا ~~أيضا لا نذكر مصدر الفعل الرباعي مع ذكر الفعل إلا نادرا؛ لأن مصدره مطرد على وزن ~~الأفعال بالكسر لا يختلف - وكذا نسند كل فعل نذكره إلى ضمير الغائب غالبا؛ لأنه أخصر ~~في الكتابة إلا في موضع يفضي إلى اشتباه الفعل المتعدي باللازم اشتباها لا يزول من ~~اللفظ الذي نفسر به الفعل، أو يكون في إسناده إلى ضمير المتكلم فائدة معرفة كونه ~~واويا أو يائيا نحو: غزوت ورميت؛ فيكون إسناده إلى ضمير المتكلم دالا على مضارعه، ~~أو يكون مضارعا فيكون إسناده إلى ضمير المتكلم مع النص على حركة عين الفعل دالا على ~~بابه نحو: صددت ومسست ونحوهما، أو فائدة أخرى إذا طلبها الحاذق وجدها فحينئذ نسنده ~~إلى ضمير المتكلم، ونترك الاختصار دفعا للاشتباه أو تحصيلا للفائدة ms42 الزائدة، وإنما ~~نذكر في أثناء المختصر لفظ الماضي مع قولنا: إنه من باب كذا؛ لفائدة زائدة على معرفة ~~بابه، وهي: كونه متعديا بنفسه أو بواسطة حرف الجر وأي حرف هو، وأما ما عدا الثلاثي من ~~الأفعال فإنا لم نذكر له ميزانا؛ لأنه جار على القياس في الغالب، فمتى عرف ماضيه ~~عرف مضارعه ومصدره إلا ما خرج مضارعه أو مصدره عن قياس ماضيه فإنا ننبه عليه، وكذا ~~أيضا لم نذكر الفعل المتعدي بالهمزة أو بالتضعيف بعد ذكر لازمه؛ لأن لازمه متى عرف ~~فقد عرف تعديه بالهمزة والتضعيف من قاعدة العربية، كيف وإن تلك القاعدة مذكورة أيضا ~~في حرف الباء الجارة من باب الألف اللينة في هذا المختصر. فإن اتفق ذكر الفعل لازما ~~أو متعديا بواسطة، فذلك لفائدة زائدة تختص بذلك الموضوع غالبا. # قاعدة ثالثة # اعلم أنا متى ذكرنا مع الفعل مصدرا بوزن التفعيل أو التفعل أو التفعلة، أو ~~ذكرنا مصدرا من هذه الأوزان الثلاثة وحده، أو قلنا فعله فتفعل؛ كان ذلك كله نصا ~~على أن الفعل مشدد؛ إذ هو القاعدة فيؤمن الاشتباه فيه مع ذلك، والتزمنا من الموازين ~~أنا متى قلنا في فعل من الأفعال أنه من باب ضرب أو نصر أو قطع أو غير ذلك من الموازين ~~المعدودة؛ فإنه يكون موازنا له في حركات ماضيه ومضارعه ومصدره أيضا على التصريف ~~المذكور عند ذكر الموازين لا على غيره إن كان للميزان تصريف آخر غير التصريف الذي ~~ذكرناه، وأما الأسماء فإنا ضبطنا كل اسم يشتبه على الأعم الأغلب إما بذكر مثال مشهور ~~عقيبه، وإما بالنص على حركات حروفه التي يقع فيها اللبس، وإن كان كثير مما قيدناه ~~يستغني عن تقييده الخواص؛ ولهذا أهمله الجوهري - رحمه الله تعالى - لظهوره عنده، ولكنا ~~قصدنا بزيادة الضبط بالميزان أو بالنص عموم الانتفاع به، وأن لا يتطرق إليه بمرور ~~الأيام تحريف النساخ وتصحيفهم، فإن أكثر أصول اللغة إنما يقل الانتفاع بها، ويعسر لعلتين: # إحداهما: # عسر الترتيب بالنسبة إلى الأعم الأغلب. # والثانية: # قلة الضبط فيها بالموازين المشهورة وقلة ms43 التنصيص على أنواع الحركات ~~اعتمادا من مصنفيها على ضبطها بالشكل الذي يعكسه التبديل والتحريف عن ~~قريب، أو اعتمادا على ظهورها عندهم فيهملونها من أصل التصنيف. # وهنا تم ما أردنا إيراده في شرح خطبة الكافي من الفوائد التي لا يستغني عنها من ~~أحب أن يكون على بصيرة في علم اللغة، وقد آثرنا الإيجاز في كثير من المواضع، ونسأل من ~~لا يخيب راجيه أن يقيلنا العثرة، وأن يجعلنا ممن يجزى بالحسنى. ms44