######OpenITI# #META# URI: 1339MuhammadDiyab.TarikhAdabLughaCarabiyya.Hindawi79072819 #META# Tags: linguistics :: literature #META# ID: 79072819 #META# Title: تاريخ آداب اللغة العربية #META# AuthorID: 60261920 #META# Author: محمد دياب #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة في الأدب‏ # الباب الأول‏ # 1 - في تعريف اللغة ونشأتها‏ # 2 - في تاريخ اللغة العربية‏ # 3 - في أول كتاب بلغة العرب‏ # 4 - في السنة أو الأحاديث النبوية‏ # 5 - في جواز الاستشهاد بالقرآن والحديث في علوم الأدب‏ # 6 - في بعض ما اشتهر من كتب اللغة‏ # الباب الثاني‏ # 1 - في تعريف الكتابة‏ # 2 - في تاريخ الخط العربي‏ # 3 - في الحروف ونقطها‏ # 4 - في علوم الخط‏ # الباب الثالث‏ # 1 - في تعريف الشعر وفنونه ووجه تعلمه‏ # 2 - في تاريخ الشعر‏ # 3 - فيما يتبع الشعر‏ # 4 - في دواوين الشعر‏ # الباب الرابع‏ # في تاريخ العروض والقافية‏ # الباب الخامس‏ # 1 - في تعريف النحو والصرف والاشتقاق‏ # 2 - في تاريخ النحو بالمعنى العام‏ # الباب السادس‏ # المعاني والبيان والبديع‏ # الباب السابع‏ # في تاريخ المحاضرات‏ # الباب الثامن‏ # 1 - في تعريف الإنشاء ووجه تعلمه وأنواعه‏ # 2 - في تاريخ الإنشاء‏ # 3 - في شذرات من منشآت السلف والخلف‏ # 4 - فيما اشتهر من كتب الإنشاء‏ # حياة المؤلف‏ # مقدمة في الأدب‏ # الباب الأول‏ # 1 - في تعريف اللغة ونشأتها‏ # 2 - في تاريخ اللغة العربية‏ # 3 - في أول كتاب بلغة العرب‏ # 4 - في السنة أو الأحاديث النبوية‏ # 5 - في جواز الاستشهاد بالقرآن والحديث في علوم الأدب‏ # 6 - في بعض ما اشتهر من كتب اللغة‏ # الباب الثاني‏ # 1 - في تعريف الكتابة‏ # 2 - في تاريخ الخط العربي‏ # 3 - في الحروف ونقطها‏ # 4 - في علوم الخط‏ # الباب الثالث‏ # 1 - في تعريف الشعر وفنونه ووجه تعلمه‏ # 2 - في تاريخ الشعر‏ # 3 - فيما يتبع الشعر‏ # 4 - في دواوين الشعر‏ # الباب الرابع‏ # في تاريخ العروض والقافية‏ # الباب الخامس‏ # 1 - في تعريف النحو والصرف والاشتقاق‏ # 2 - في تاريخ النحو بالمعنى العام‏ # الباب السادس‏ # المعاني والبيان والبديع‏ # الباب السابع‏ # في تاريخ المحاضرات‏ # الباب الثامن‏ # 1 - في تعريف الإنشاء ووجه تعلمه وأنواعه‏ # 2 - في تاريخ الإنشاء‏ # 3 - في شذرات من منشآت السلف والخلف‏ # 4 - فيما اشتهر من كتب الإنشاء‏ # حياة المؤلف‏ # | تاريخ آداب اللغة العربية # | تاريخ آداب اللغة العربية # تأليف # محمد دياب # العلم شيء حسن # فكن له ms001 ذا طلب # بسم الله الرحمن الرحيم # أحمده، علم الإنسان ما لم يعلم، وأصلي على نبيه صاحب الفرقان المحكم، وعلى الآل ~~والصحابة، والتابعين سننه وآدابه. # وبعد؛ فقد أخبرني فيما سلف صديق يعرف الألمانية أن مستشرقي الألمان عنوا بتاريخ آداب ~~لغتنا العربية ؛ فوضعوا فيه كتابا ذا أسفار مطبوعا بلغتهم، وود الصديق لو يؤلف ~~بالعربية مثل هذا الكتاب؛ فلاح بخاطري أن أشق عباب هذا الموضوع الجليل، فسرت في سبيله ~~متجشما الصعاب بضعة أعوام إلى أن اهتديت إلى وضع مؤلف جامع لأشتاته المتفرقة في بطون ~~مئين من أمهات الكتب ذات الاعتبار، وأبدعت فيه ما أبدعت مما لم تلده القرائح فيما غبر أو ~~حضر، وقد شرحت فيه نشأة العلوم الأدبية وسيرها في مختلف العصور، والكتب التي ألفت فيها، ~~وأزمانها وحياة مؤلفيها، وذكرت فصولا من كل فن اقتضاها سير التأليف، وغير ذلك مما يطول ~~بيانه في هذا المقام، ولا أطري على هذا المؤلف بأنه جليل أو مفيد أو لم يسبق النسج على ~~منواله أو أول كتاب في بابه أو ديوان أدب عزيز يضن به المالك، إلى غير ذلك من الدعاوى ~~الواسعة، بل الحكم في هذا موكول إلى المطلعين، والله الهادي إلى الصواب. # محمد دياب # المفتش بالمعارف # قد عرض هذا الكتاب على نظارة المعارف فأرسلته إلى الأستاذ الفاضل الشيخ حمزة فتح الله ~~المفتش الأول لهذه اللغة، فكتب إلى الأمير الهمام صاحب السعادة يعقوب أرتين باشا وكيل ~~المعارف ما نصه: # قد فحصنا «تاريخ آداب اللغة العربية» الصادر لنا بشأنه أمر سعادتكم الشفاهي؛ ~~فوجدناه مودعا من الفوائد العلمية والمحاسن الأدبية ما يشهد لمؤلفه الفاضل ~~بطول الباع وسعة الاطلاع، فلا أقل من أن تتكرم النظارة بشراء جملة نسخ منه بعد ~~طبعه على نفقة مؤلفه مساعدة للعلم وأهله والفضل وذويه، وها هي نسخته عائدة مع ~~هذا. أفندم 18 ذي الحجة سنة 1314ه / 20 مايو سنة 1897م. # الفقير إليه عز شأنه # حمزة فتح ~~الله # وقد سجل هذا في دفاتر الديوان بقلم اللوازم نمرة 406 في 24 مايو سنة 1897م. # | مقدمة في الأدب ms002 # (1) أدب النفس # الأدب: تحلي النفس بالفضيلة، ومظهر ذلك جميل الفعل وحسن القول، قال الشاعر ~~الفزاري: # أكنيه حين أناديه لأكرمه # ولا ألقبه والسوأة اللقبا # كذاك أدبت حتى صار من خلقي # أني وجدت ملاك الشيمة الأدبا # ولذا أطلقوه على آثاره فقالوا إنه استعمال ما يحمد قولا وفعلا، أو هو الوقوف مع ~~المستحسنات، أو هو أن تعظم من فوقك وترفق بمن هو دونك. # وأصل الأدب: الدعاء، ومنه قيل للوليمة يدعى إليها: مأدبة. ~~(2) أدب الدرس # ولما كانت علوم اللسان في صدر الإسلام لها العناية القصوى في أخذ الناس بها، وكانت ~~أعظم وسيلة آدبة إلى تزكية نفوسهم؛ أطلقوا عليها اسم «الأدب» وأضافوها إليه، فقالوا: ~~علوم الأدب أو علم الأدب. قال ابن عباس: كفاك من علم الدين أن تعرف ما لا يسع جهله، ~~ومن علم الأدب أن تروي الشاهد والمثل. وقال والد لابنه: حبب إلى نفسك العلم حتى ~~ترأمه، ويكون لهوك وسكوتك. والعلم علمان: علم يدعوك إلى آخرتك فآثره على ما سواه، ~~وعلم لتزكية القلوب وهو جلاؤها وهو علم الأدب، فخذ بحظك منه. وقال الإمام المطرزي: ~~الأدب الذي كانت تعرفه العرب هو ما يحسن من الأخلاق وفعل المكارم. قال الغنوي: # لا يمنع الناس مني ما أردت ولا # أعطيهم ما أرادوا حسن ذا أدبا # واصطلح الناس بعد الإسلام بمدة طويلة على تسمية العالم بالشعر أديبا وعلوم العربية ~~أدبا. ا.ه. باختصار. # وقد يطلق الأدب على الملكة التي يكتسبها ممارس هذه العلوم فيقتدر بها على رواية ~~أشعار العرب وأمثالهم وأخبارهم ونوادرهم، وعلى إجادة قرض الشعر وكتابة الإنشاء؛ فيكون ~~بذلك أديبا، وكانوا يصنفون لهذا الغرض مصنفات جامعة لما عساه تحصل به هذه الملكة من ~~أشعار وأخبار وأمثال ومسائل لغوية ونحوية مبثوثة في أثناء شرح ذلك. وقد قالوا إن أصول ~~هذا الفن وأركانه أربعة دواوين؛ وهي: «أدب الكاتب» لابن قتيبة المتوفى سنة 270 للهجرة، ~~و«الكامل» للمبرد المتوفى سنة 285، و«البيان والتبيين» للجاحظ المتوفى بالبصرة سنة 255، ~~و«النوادر» لأبي علي القالي البغدادي، وما سوى هذه الأربعة فتبع لها وفروع عنها، وكتب ~~المحدثين في ذلك ms003 كثيرة. # وقد أنهى العلماء علوم الأدب إلى ثلاثة عشر؛ وهي: متن اللغة، وكتابة الحروف أو الخط، ~~وقرض الشعر، والعروض، والقافية، والنحو، والصرف أو علم الأبنية، والاشتقاق، والمعاني، ~~والبيان، والبديع، والتاريخ أو المحاضرات، وإنشاء النثر. وبعض يسقط البديع ويجعله ~~ذيلا لعلمي المعاني والبيان. وقد نظمت أسماءها غير مراع هذا الترتيب، فقلت: # لغة وشعر ثم قافية # نحو عروض ثم إنشاء # وكذا اشتقاق ثم أبنية # خط بديع فيه آراء # وبيان معنى مع محاضرة # أدب له شرح وأنباء # وسأبسط القول على تاريخ هذه الفنون باذلا جهد المستطيع في بيان نشأة كل فن، وأدوار ~~سيره، وترقيه مع العصور والأجيال، وهذا في ثمانية أبواب. # | الباب الأول # في تاريخ اللغة # الفصل الأول # | في تعريف اللغة ونشأتها # اللغة من حيث هي أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم؛ فاللغة العربية ألفاظ يعبر ~~بها العرب عن المعاني المرادة لهم، وما يبين الألفاظ ومعانيها يسمى «متن اللغة». ومن ~~ذلك: «القاموس». وقال ابن الحاجب: «حد اللغة كل لفظ وضع لمعنى.» وفي «كشف الظنون»: ~~علم اللغة؛ علم باحث عن مدلولات جواهر المفردات وهيئاتها الجزئية التي وضعت تلك ~~الجواهر معها لتلك المدلولات بالوضع الشخصي، وعما حصل من تركيب كل جوهر، وهيئاتها من ~~حيث الوضع والدلالة على المعاني الجزئية، وغايته الاحتراز عن الخطأ في فهم المعاني ~~الوضعية، والوقوف على ما يفهم من كلمات العرب، ومنفعته الإحاطة بهذه المعلومات وطلاقة ~~العبارة وجزالتها والتمكن من التفنن في الكلام، وإيضاح المعاني بالبيانات الفصيحة ~~والأقوال البليغة. فإن قيل: علم اللغة عبارة عن تعريفات لفظية، والتعريف اللفظي من ~~المطالب التصورية، وحقيقة كل علم مسائله وهي قضايا كلية والتصديقات بها وأيا ما كان ~~فهي من المطالب التصديقية؛ فلا تكون اللغة علما. أجيب بأن التعريف اللفظي لا يقصد به ~~تحصيل صورة غير حاصلة كما في سائر التعاريف من الحدود والرسوم الحقيقية أو الاسمية، بل ~~المقصود من التعريف اللفظي تعيين صورة من بين الصور الحاصلة؛ ليلتفت إليه ويعلم أنه ~~موضوع له اللفظ، فمآله إلى التصديق بأن هذا اللفظ موضوع بإزاء ذلك المعنى؛ ms004 فهو من ~~المطالب التصديقية. لكن يبقى أنه حينئذ يكون علم اللغة عبارة عن قضايا شخصية حكم ~~فيها على الألفاظ المعينة المشخصة بأنها وضعت بإزاء المعنى الفلاني، والمسألة لا بد ~~وأن تكون قضية. # واختلف في نشأة اللغة: أهي من الأوضاع الإلهية؟ أم من الموضوعات البشرية ؟ (1) فذهب ~~ذاهب إلى أنها توقيف وإيحاء من الله. (2) وذهب آخر إلى أنها مواضعة وتواطؤ من الناس. ~~(3) وقال ثالث: إنها مأخوذة من الأصوات المسموعات كزفيف الريح، وحفيف الطائر، وخرير ~~الماء، وجعجعة الرحى، وأز القدر، وصهيل الفرس، ونعيق الغراب، وبغام الظبية، ومواء ~~الهر، وخشخشة السلاح، وصلصلة الحديد ... وغير ذلك مما يطول تعداده. ولما اختلف اعتبار ~~الصوت عند السامعين تولدت ألفاظ متقاربة النطق لمدلول واحد: كغطيط النائم وخطيطه، ~~وقهقهة الضاحك وقرقرته وكركرته، وكالشخشخة والخشخشة وكالطنطنة والدندنة. ويمكن الجمع ~~والتوفيق بين هذه الأقوال المتضاربة الظاهر، وذلك بأن يلقي الله في صدور بعض خلقه ~~علوما بديهية بأخذ أسامي الأشياء من أصواتها الساذجة، ثم يحرك نفوسهم إلى الاصطلاح ~~والتواطؤ على التسمية؛ ليسهل التفاهم فيما بينهم، وألفاظهم الموضوعة يتناقلها قوم، ~~ويزيد فيها آخرون وهكذا حسب ما تقتضيه ضرورات التخاطب. وصاحب القول الثالث يقول: إن بين ~~اللفظ ومدلوله مناسبة طبيعية حاملة للواضع على أن يضع. ~~(1) المناسبة بين الألفاظ ومعانيها # في «المزهر»: وقد كاد أهل اللغة يطبقون على ثبوت المناسبة بين الألفاظ والمعاني، ~~قال الخليل: «كأنهم توهموا في صوت الجندب استطالة؛ فقالوا: صر، وفي صوت البازي ~~تقطيعا؛ فقالوا: صرصر». وقال سيبويه في المصادر التي جاءت على الفعلان: إنها ~~تأتي للاضطراب والحركة؛ نحو: الغليان، والغثيان، فقابلوا بتوالي حركات الأمثال ~~حركات الأفعال. وقال ابن جني: وقد وجدت أشياء كثيرة من هذا النمط؛ من ذلك: المصادر ~~الرباعية المضعفة تأتي للتكرير والزعزعة؛ نحو: القلقلة، والصلصلة، والقعقعة، ~~والقرقرة. والفعلى تأتي للسرعة؛ نحو: الجمزى والزلقى. ومن ذلك: الخضم لأكل الرطب، ~~والقضم لأكل اليابس، فاختاروا الخاء لرخاوتها للرطب، والقاف لصلابتها لليابس، وغير ~~هذا. وفي «الجمهرة»: الخنن في الكلام أشد من الغنن، والخنة أشد من الغنة، والأنيت ~~أشد من الأنين، والرنين أشد من ms005 الحنين، والعطعطة تتابع الأصوات في الحرب وغيرها، ~~والغطغطة صوت غليان القدر وما أشبهها، والجمجمة أن يخفي الرجل في صدره شيئا ولا ~~يبديه، والحمحمة أن يردد الفرس صوته ولا يصهل، والقبص الأخذ بأطراف الأصابع، والقبض ~~الأخذ بالكف كلها. وقال الأصمعي: من أصوات الخيل: الشخير، والنخير ، والكرير؛ فالأول ~~من الفم، والثاني من المنخرين، والثالث من الصدر. والهتل من المطر أصغر من الهطل. ~~ومن ذلك: المد والمط؛ فإن فعل المط أقوى؛ لأنه مد وزيادة جذب فناسب الطاء التي هي ~~أعلى من الدال. وفي «فقه اللغة» للثعالبي: النقش في الحائط، والرقش في القرطاس، ~~والوشم في اليد، والوسم في الجلد، والوشي في الثوب. وقد قالوا: زيادة المبنى تدل ~~على زيادة المعنى؛ من ذلك ما حكاه الزمخشري عن نفسه قال: اجتزت يوما بساحل البحر ~~فرأيت رجلا أعرابيا فسألته عن مركبين؛ صغير وكبير، فسألته عن اسم الكبير، فأشار ~~إلى الصغير وقال: أليس هذا الشقدف؟ فقلت: بلى. فقال: فهذا الشقداف! فانظر إلى بديع ~~مناسبة الألفاظ لمعانيها، وكيف فاوتت العرب في هذه الألفاظ المقترنة المتقاربة في ~~المعاني، فجعلت الحرف الأضعف فيها والألين والأخفى والأسهل والأهمس لما هو أدنى ~~وأقل وأخف عملا أو صوتا، وجعلت الحرف الأقوى والأشد والأظهر والأجهر لما هو أقوى ~~عملا وأعظم حسا! ا.ه. بتصرف. # السبب في وضع الألفاظ # وفي «المزهر» أيضا: وقال الإمام فخر الدين وأتباعه: السبب في وضع الألفاظ أن ~~الإنسان الواحد وحده لا يستقل بجميع حاجاته، بل لا بد له من التعاون، ولا تعاون ~~إلا بالتعارف، ولا تعارف إلا بأسباب، كحركات أو إشارات أو نقوش أو ألفاظ توضع ~~بإزاء المقاصد، وأيسرها وأفيدها وأعمها الألفاظ؛ أما أنها أيسر فلأن الحروف ~~كيفيات تعرض لأصوات عارضة للهواء الخارج بالتنفس الضروري الممدود من قبل ~~الطبيعة دون تكلف اختياري؛ وأما أنها أفيد فلأنها موجودة عند الحاجة، معدومة ~~عند عدمها؛ وأما أنها أعمها فليس يمكن أن يكون لكل شيء نقش، كذات الله تعالى ~~والعلوم أو إليه إشارة كالغائبات، ويمكن أن يكون لكل شيء لفظ، فلما كانت ~~الألفاظ أيسر وأفيد وأعم ms006 صارت موضوعة بإزاء المعاني. # لا يجب أن يكون لكل معنى لفظ # قال الإمام فخر الدين الرازي وأتباعه: لا يجب أن يكون لكل معنى لفظ؛ لأن ~~المعاني التي يمكن أن تعقل لا تتناهى، والألفاظ متناهية لأنها مركبة من ~~الحروف، والحروف متناهية، والمركب من المتناهي متناه، والمتناهي لا يضبط ما ~~لا يتناهى، وإلا لزم تناهي المدلولات، قالوا: فالمعاني منها ما تكثر الحاجة ~~إليه فلا يخلو عن الألفاظ؛ لأن الداعي لوضع الألفاظ لها حاصل والمانع زائل فيجب ~~الوضع، والتي تندر الحاجة إليها يجوز أن يكون لها ألفاظ وألا يكون. ا.ه. # ولم تجئ اللغة مرة واحدة، بل جاءت تباعا سائرة مع الاجتماع الإنساني، وكانت ~~مركبة في الأصل من مقاطع ساذجة؛ أي كلمات غير متصرفة ولا متغيرة الأواخر ~~ينطق بها دفعة واحدة مشابهة لأصوات الأشياء المنقولة عنها، وكانت تستعمل ~~أسماء وأفعالا في آن واحد ويعين المراد منها سياقها في الكلام وقرينة الحال. ~~ثم دخل في أبنية هذه الكلمات حروف زوائد للدلالة على اختلاف المراد، وترقت ~~شيئا فشيئا في التصرف وتغير الأواخر إلى أن بلغت ما بلغت من الكمال. وكانت ~~اللغة كما قيل واحدة قبل تفرق بني آدم في أرجاء البسيطة وأقاصيها، فلما ~~تفرقوا اختلفت لهجاتهم لاختلاف طبائع الأقاليم التي سكنوها، فإن كل إقليم له ~~مشاهدات ومسموعات ومؤثرات خاصة به؛ ومن هذا نشأ اختلاف اللغات. # الفصل الثاني # | في تاريخ اللغة العربية # بعد هذا الانتشار تناسل ممن استوطن جنوب آسية الغربي قبائل العرب العاربة عاد وثمود ~~وطسم وجديس وعمليق وأميم وجاسم، فكان لسانهم العربية القديمة إلى أن جاء يعرب بن قحطان ~~من ولد أرفخشذ بن سام وغلب عادا على اليمن، فاعتدل لسانه من السريانية إلى العربية؛ ~~ولذا يقال: إنه أول من تكلم بالعربية؛ أي من ولد أرفخشذ ذوي اللسان السرياني، وسمي بنو ~~قحطان بالعرب المتعربة، ونشأ عن ذلك عربية حمير. ولما انتقل منهم إلى الحجاز جرهم ~~الثانية تعلم منهم إسماعيل - عليه السلام - العربية، وكان لسان أبيه إبراهيم عبرانيا ~~أو عبريا؛ ولهذا سمي بنو إسماعيل ب «بالعرب المستعربة». ms007 وروي: أول من فتق لسانه ~~بالعربية المتينة إسماعيل. ~~(1) مقارنة ألفاظ عربية بأخرى عبرية # والعبرية قريبة من العربية بقدر قرب اللفظين؛ فيقولون في رأس: «روش»، وفي عين: ~~«عاين»، وفي أذن: «أوذن»، وفي يد: «ياد»، وفي رجل: «رغل»، وفي أسبوع: ~~«شابوع»، وفي ساعة: «شاعا »، وفي أرض: «أرص»، وسماء: «شمايم»، وفي كوكب: «كوخاب»، ~~وفي كرم: «كيريم»، وفي زيتون: «زايت»، وفي أكل: «أخال»، وفي ذبح: «ذاباح» ... وغير ~~ذلك كثير يكاد ألا يحصى، وربما اتحد اللفظ في اللغتين: كالحانوت، واليوم. # ورأيت في «الوسيلة الأدبية» ما نصه بالحرف: «وحكى صاحب «المثل السائر» أنه ورد في ~~بعض سياحته مصر فلقي رجلا من بني إسرائيل عالما فجرى بينهما ذكر اللغة بالفصاحة ~~والملاحة، فقال اليهودي: كيف لا تكون فصيحة مليحة وهي منتخبة من اللغات؟! ومثل ~~لذلك بلفظ «الجمل»، فقال: إنه كان بالعبرانية «كوميلا»، فغير إلى ما سمعت فصار ~~عذبا وفصيحا.» وأقول: إني سمعت من بعض اليهود العارفين بالعبرية أن الجمل يسمى ~~«جمال»، فيكون الفرق بينهما الألف بعد الميم، وأنكر تسميته «كوميلا»، إلا أن هذا ~~يقرب من اسمه بالرومية. # وفي قرب اللغتين وسبق العبرية على العربية دليل على أن الثانية تهذيب ~~للأولى. # وتناسل من إسماعيل جيل عظيم كانوا شعوبا وقبائل اختلفت لهجاتهم مع رجوع الكل إلى ~~العربية، ونشأ عن ذلك أن يقال: لغة تميم، لغة هذيل، لغة قيس، لغة طيئ، لغة قريش، ~~وغير ذلك. ~~(2) اختلاف لهجات القبائل # وهذه العربية المختلفة اللهجات مخالفة أيضا للهجة حمير وقبائل اليمن، وهذا ~~الاختلاف قد يكون بإبدال حركة بأخرى: (1) ككسر أحرف المضارعة في لغة بهراء، فيقولون ~~في نسمع ما تقول: «نسمع ما تقول» ويسمى هذا «تلتلة»، وهي شائعة في لسان أهل ~~مصر، ما عدا الهمزة فإنهم ينطقون بها مفتوحة. (2) وككسر الكاف في نحو: عليكم وبكم ~~في لغة ربيعة، وهم قوم من كلب، ويسمى هذا «وكما». (3) وككسر الهاء في نحو: منهم ~~وعنهم وبينهم في لغة كلب، مع أنه لم يكن قبلها كسرة ولا ياء، ويسمى هذا ~~«وهما». # وقد يكون بإبدال حرف بآخر: (1) كإبدال الهمزة التي في ms008 أول الكلمة عينا في لغة ~~تميم وقيس، فيقولون في أراق الدم: «عراق الدم»، ويسمى هذا «عنعنة»، ويظهر أن هذا ~~ليس خاصا بالهمزة الأولى؛ فإنه جاء كثأ وكثع اللبن، والكثأة والكثعة وموت ذؤاف ~~وذعاف وغير ذلك. والفرنج يبدلون العين بالهمزة فيقولون في علي : «ألي». (2) ~~وكإبدال الحاء عينا في لغة هذيل فيقولون في حتى حين: «عتى عين» ويسمى هذا ~~«فحفحة». والفرنج يبدلون الخاء بالهاء، فيقولون في أحمد: «أهمد». (3) وكإبدال العين ~~الساكنة المتلوة بالطاء نونا في لغة سعد وهذيل والأزد وقيس والأنصار، فيقولون في ~~أعطاه: «أنطاه»، ويسمى هذا «استنطاء»، وهو شائع الآن في لغة أعراب مصر. (4) وكتبادل ~~الباء والميم في لغة مازن، فيقولون في ابني في مكة: «امني في بكة»، وفي يرمي من ~~كثب: «يرمي من كثم»؛ أي من قرب. وفي كتاب: «مميزات لغات العرب» لصديقنا الفاضل حفني ~~بك ناصف ما نصه: # وأهل مديرية الدقهلية وبعض الغربية ~~يبدلون هذا الإبدال، ولكن لا في كل المواضع، بل يبدلون الباء الساكنة إذا ~~تلاها نون؛ فيقولون: «يا امني، الجمنة وقعت على التمن»؛ أي: يا ابني، ~~الجبنة وقعت على التبن. وقسم ديروط من أسيوط يبدلون الميم باء في بعض ~~الكلمات، فيقولون: «اقعد بكانك»؛ أي مكانك. ~~(5) وكإبدال كاف المخاطب سينا مهملة، وكاف المخاطبة شينا معجمة في لغة ربيعة ~~ومضر، فيقولون في منك: «منس»، ومنك: «منش»، وتظهر فائدة هذا عند الوقف، ويسمى ~~الأول: «كسكسة»، والثاني: «كشكشة». (6) وكإبدال الكاف شينا مطلقا في لغة اليمن؛ ~~فيقولون في كلمني كلاما فأورثني كلاما: «شلمني شلاما فأورثني شلاما»، ويسمى ~~هذا «شنشنة». (7) وكإبدال لام التعريف ميما في لغة حمير؛ فيقولون في القمر والشمس: ~~«امقمر وامشمس» ويسمى هذا: «طمطمانية». (8) وكإبدال السين تاء في لغة اليمن ~~أيضا؛ فيقولون في الناس: «النات»، ويسمى هذا «وتما». (9) وكإبدال الجيم من الياء ~~المشددة أو المخففة أو المفتوحة في لغة قضاعة. # فالأول نحو: # خالي عويف «وأبو علج» # المطعمان اللحم في «العشج» # أي: أبو علي، والعشي. # والثاني نحو: # لاهم إن كنت قبلت «حجتج» # فلا يزال ساجح يأتيك «بج» # أي: حجتي، وبي. والساجح: السريع ms009 من الدواب. # والثالث نحو: # حتى إذا ما أمسجت وأمسجا # أي: أمسيت وأمسيا. # ويسمى هذا «عجعجة» وفي العجعجة كلام غير هذا. والترك يجعلون «جي» بدلا من ياء ~~النسب في نحو: «مخزنجي». # وقد يكون بالحذف نحو: حب، واستحى، في: أحب، واستحيا. # وقد يكون بإمالة الألف نحو الياء في لغة عامة نجد؛ فيقولون في: هوى وغوى: ~~«هوى وغوى». # وقد يكون بتغيير نحو: رضي وبقي إلى: «رضى وبقى» في لغة طيئ. # وقد يكون بتخفيف الهمزة نحو: كأس، وبئر، وشؤم في لغة تميم؛ فيقولون: «كاس، وبير، ~~وشوم». # التضاد # وقد يكون بإطلاق اللفظ على ما يباين معناه، كإطلاق الجون وهو الأسود على ~~الأبيض، وكإطلاق الوثب على القعود في لغة حمير، روي في أصل المثل «من دخل ظفار ~~حمر» أن أعرابيا دخل على ملك من ملوك حمير، فقال له الملك: «ثب» يريد اقعد ~~بلغته، فوثب الأعرابي، فسأل الملك عن ذلك، فقيل له: إن الوثب بلغة العرب هكذا، ~~فقال: أما إنه ليست عندنا عربيت «من دخل ظفار حمر» أي: تكلم بلغة ~~حمير؛ يضرب لمن يدخل في القوم فيأخذ بزيهم؛ ومن هذا نشأ التضاد في ~~اللغة. # الترادف # وقد يكون بإطلاق لفظ آخر على معنى واحد؛ كإطلاق الحوجم على الورد، روي أن ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # وقعت من يده سكين، فقال لأبي هريرة: ناولني السكين، فالتفت أبو ~~هريرة يمنة ويسرة ولم يفهم ما المراد بهذا اللفظ، فكرر له القول فقال: آلمدية ~~تريد؟ وأشار إليها، فقيل له: نعم. فقال: أوتسمى عندكم سكينا؟ ثم قال: ~~والله لم أكن سمعتها إلا يومئذ. وكان أبو هريرة من قبيلة دوس. ومن هذا نشأ ~~ترادف الألفاظ في اللغة. # اشتراك المعاني في لفظ واحد # وأما اشتراك المعاني في لفظ واحد فيظهر أن ليس منشؤه اختلاف القبائل، فإننا ~~لو قلنا بلغة واحدة عامة لزم فيها وجود الاشتراك؛ لأن الأشياء التي تستحق ~~التسمية غير متناهية والأسماء متناهية لتركبها من الحروف المتناهية. ومن ~~الاشتراك: النوى في الدار والنية والبعد والغروب في قوله: # يا ويح قلبي من دواعي الهوى # إذا ms010 رحل الجيران عند الغروب (1) # أتبعتهم طرفي وقد أزمعوا # ودمع عيني كفيض الغروب (2) # بانوا وفيهم طفلة حرة # تفتر عن مثل أقاحي الغروب (3) # يريد: (1) غروب الشمس. (2) والدلاء العظيمة. (3) والوهاد المنخفضة. # توجه العرب إلى توحيد لغات القبائل # ولاختلاف لهجات القبائل أرادت العرب أن توحد اللغة وتهذبها؛ ليسهل التفاهم ~~فيما بينهم بلسان عام، فكانوا يقيمون لذلك حول مكة أسواقهم الشهيرة كسوق عكاظ ~~وذي المجاز ومجنة، ويتناشدون الأشعار ويلقون الخطب ويتبارون في ميادين ~~الفصاحة، ويستقضون قضاة يرضون عنهم ليفصلوا بينهم فيما يختلفون فيه، فكان ~~القضاة يفضلون من رقت عبارته أوج الفصاحة والبلاغة على غيره، ويتخيرون ~~من الألفاظ المترادفة على معنى واحد ما قبله السمع، ويهجرون منها ما مجه ~~الطبع؛ فلهذا كان الشاعر أو الخطيب يبذل مجهوده في أن تكون ألفاظ قصيدته أو ~~خطبته فصيحة مألوفة لكل القبائل، فبهذا فصحت اللغة وخلصت من شوائب الغرابة ~~والوحشة. ولنذكر مثالين لما وصلت إليه اللغة من درجة الفصاحة والبلاغة: # خطابة أكثم بن صيفي أمام كسرى # الأول: # قام أكثم بن صيفي بين يدي كسرى، ~~فقال: # إن أفضل الأشياء أعاليها، وأعلى الرجال ملوكها، وأفضل الملوك أعمها ~~نفعا، وخير الأزمنة أخصبها، وأفضل الخطباء أصدقها، والصدق منجاة، ~~والكذب مهواة، والشر لجاجة، والحزم مركب صعب، والعجز مركب وطيء، وآفة ~~الرأي الهوى، والعجز مفتاح الفقر، وخير الأمور منقبة الصبر، وحسن الظن ~~ورطة، وسوء الظن عصمة، وإصلاح فساد الرعية خير من إصلاح فساد الراعي، ~~ومن فسدت بطانته كان كالغاص بالماء، وشر البلاد بلاد لا أمير لها، ~~وشر الملوك من خافه البريء، وخير الأعوان من لم يراع الصحبة، وأحق ~~الجنود من حسنت سيرته، ويكفيك من الزاد ما بلغك المحل، وحسبك من شر ~~سماعه، والصمت حكم وقليل فاعله. البلاغة في الإيجاز. من شدد نفر، ~~ومن تراخى ألف. # فتعجب كسرى من أكثم وأمثاله. # خطابة قس بن ساعدة في سوق عكاظ # والثاني: # خطب قس بن ساعدة في سوق عكاظ فقال: # أيها الناس، اجتمعوا واسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما ~~هو آت آت، ليل موضوع، وسقف مرفوع، ms011 ونجوم تغور، وبحر يمور. # أما بعد؛ فإن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا. ما لي أرى ~~الناس يموتون ولا يرجعون؟ أرضوا بالإقامة فأقاموا؟ أم تركوا كما هم ~~فناموا؟! # في الذاهبين الأولي # ن من القرون لنا بصائر # لما رأيت مواردا # للموت ليس لها مصادر # ورأيت قومي نحوها # تمضي الأصاغر والأكابر # لا يرجع الماضي ولا # يبقى من الباقين عابر # أيقنت أني لا محا # لة حيث صار القوم صائر # فصاحة لغة قريش # وكانت لغة قريش - وهم سكان مكة وضواحيها - منتهى هذا الترقي؛ ففاقت غيرها ~~فصاحة وصراحة، يشهد لذلك ما رواه الأصمعي، وهو: «قال معاوية: أي الناس أفصح؟ ~~فقال رجل من السماط: يا أمير المؤمنين، قوم ارتفعوا عن فراتية العراق، وتياسروا ~~عن كسكسة بكر، وتيامنوا عن كشكشة تغلب، ليست فيهم غمغمة قضاعة ولا طمطمانية ~~حمير. قال: من هم؟ قال: قومك يا أمير المؤمنين. قال: صدقت. قال: فممن أنت؟ قال: ~~من جرم.» قال الأصمعي: وجرم فصحاء العرب. ~~(3) الدخيل في لغة العرب من الألفاظ # اعلم أن من العرب قبل الإسلام من كان تابعا للفرس؛ كآل المنذر ملوك الحيرة، ومن ~~كان تابعا للروم كآل غسان ملوك الشام. وكان الفرس والروم في ذلك العصر السالف ذوي ~~السلطان وعلو الشأن، فقضى حكم التبع والاختلاط على العرب أن يستعملوا في كلامهم ~~ألفاظا فارسية ورومية مع تغيير فيها إذا اقتضاه منهاج لغتهم، كما دخل في لغتهم من ~~قبل ألفاظ سريانية وحبشة وهندية. # فمن الفارسية: # الإبريق والإستبرق والإسفيداج. # 1 # والبنفسج والبلور والتنور والجرة والجلنار والخوان ~~والخز والديباج والديوان والرسن والزنديق والسكرجة. # 2 # والسندس والسوسن والشطرنج والشهر والصندل والطبق ~~والطشت والعنبر والفالوذج والفيروزج والقرفة والقرنفل والكافور ~~والكرويا والمسك والنرجس والنسرين. # 3 # والياسمين والياقوت. # ومن الرومية: # الأسطرلاب والإسفنط # 4 # والبستان والبطاقة والبطريق والترياق والخندريس والخوخ ~~والسجنجل والصراط والفردوس والقسطاس والقسطل والقنطار ~~والقنطرة. # ومن السريانية: # البرنسا والتامور والترعة والرباني والطور واليم. # ومن الهندية: # أوج معرب أود، ومعناه العلو. # ومن الحبشية: # المشكاة، وحار يحور، بمعنى رجع يرجع. # تقسيم الأسماء الأعجمية إلى ثلاثة أقسام # قال أبو ms012 حيان: الأسماء الأعجمية على ثلاثة أقسام: قسم غيرته العرب وألحقته ~~بكلامها؛ فحكم أبنيته في اعتبار الأصلي والزائد والوزن، حكم أبنية الأسماء ~~العربية الوضع؛ نحو: درهم وبهرج. وقسم غيرته ولم تلحقه بأبنية كلامها؛ فلا ~~يعتبر فيما يعتبر في القسم الذي قبله؛ نحو: آجر. وقسم تركوه غير مغير . فما لم ~~يلحقوه بأبنية كلامهم لم يعد منها، وما ألحقوه عد منها، مثال الأول: خراسان ~~لا يثبت بها فعالان، ومثال الثاني: خرم ألحق بسلم وكركم ألحق ~~بقمقم. # الاشتقاق من اللفظ الأعجمي # العرب تأخذ اللفظ العجمي وتتصرف فيه كما تتصرف في اللفظ العربي، كقول علي رضي ~~الله عنه: «مهرجوا لنا كل يوم»، من «المهرجان»، وقولهم: تطلس من «الطيلسان»، ~~وتقرطق من «القرطق»، ودبج من «الديباج»، ودون من «الديوان»، وعلى هذا إذا وجد ~~من اللفظ فعل فلا يكون الفعل شاهدا على أن اللفظ عربي كما زعم ذلك بعض. ~~(4) ألفاظ إسلامية وألفاظ اصطلاحية # ما نطقت به العرب من الألفاظ زمن الجاهلية هو المعتبر عربية صحيحة، سواء كان ~~أصيلا أو دخيلا. # وأما ما حرفوه وأدخلوه في لغتهم بعد الإسلام لضرورة اختلاطهم بمغلوبيهم من ~~الأمم؛ فليس من العربية الصحيحة. لكن لما جاءت الشريعة الإسلامية ونسخت ديانات ~~العرب، وكثيرا من آدابهم وعاداتهم، وجاءت بآداب وأحكام إلهية جديدة، تركت ألفاظ ~~وخصصت ألفاظ بعد أن كانت عامة، ونقلت ألفاظ من معانيها الأصلية إلى معان أخر ~~مناسبة لها. # فمن المتروك قولهم للملك: «الرب»، وفي تحيته: «أبيت اللعن»، وقولهم: «أنعم ~~صباحا وأنعم ظلاما»، وقولهم: «حجرا محجورا» عند الاستعاذة ممن يخشى منه، أو عند ~~إرادة حرمان السائل، وقولهم: «المرباع والنشيطة والفضول». # 5 # ألفاظ إسلامية # ومما جاء به الإسلام: «الوضوء والتيمم والصلاة والصيام والحج والزكاة ~~والإيمان والكفر والنفاق»، فإن العرب تعرف: (1) الوضوء ~~من الوضاءة، وهي الحسن والنظافة، فخصص ~~بالعمل المعهود ذي المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه واليدين والمسح من الرأس. (2) ~~والتيمم بمعنى القصد والتوخي، قال الأعشى: # تيممت قيسا وكم دونه # من الأرض من مهمه ذي شزن # فصار علما على مسح الوجه واليدين بالتراب بدل الوضوء غير المتيسر. ~~(3) والصلاة ms013 بمعنى الدعاء، قال الأعشى: # وصهباء طاف يهوديها # وأبرزها وعليها ختم # وقابلها الريح في دنها # وصلى على دنها وارتسم # أي: دعا لها أن لا تحمض ولا تفسد فخصت بما فرضه الله من الأقوال والأفعال ~~المعهودة المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم. (4) والصوم: بمعنى الإمساك، قال ~~النابغة: # خيل صيام وخيل غير صائمة # تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما # فخصته الشريعة بإمساك الرجل عن المطعم والمشرب والمباشرة من الفجر إلى ~~الغروب بشرط النية. (5) والحج: بمعنى القصد، قال المخبل السعدي: # وأشهد من عوف حلولا كثيرة # يحجون بيت الزبرقان المزعفرا # فخص بقصد مكة للنسك. (6) والزكاة من زكا: إذا نما أو طهر، وفي حديث علي: ~~«المال تنقصه النفقة، والعلم يزكو بالإنفاق»، فخصت بما يخرج من المال ~~للمساكين. (7) والإيمان من آمن إذا صدق، قال تعالى: # وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين ~~، فخص ~~بالتصديق بالله ورسوله وما جاء به، قال تعالى: # إنما ~~المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم ~~يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ~~أولئك هم الصادقون ~~. (8) والكفر: من كفره إذا ~~ستره؛ ولهذا كانوا يسمون الزارع بالكافر لستره البذر بالتراب، قال تعالى: # كمثل غيث أعجب الكفار ~~نباته ~~، ويسمون الليل كافرا؛ لأنه يستر بظلمته كل شيء، قال ~~لبيد: # حتى إذا ألقت يدا في كافر # وأجن عورات الثغور ظلامها # فأطلق على مقابل الإيمان بالله ورسوله. ~~(9) والنفاق من نافق اليربوع إذا دخل نافقاءه؛ فأطلق على إخفاء الكفر وإظهار ~~الإيمان أو الرياء. # ألفاظ اصطلاحية # وبعد أن توطدت دعائم الإسلام أخذ أهلوه في الحضارة والتقدم، واتسعت دائرة ~~المعارف بالتصنيف في علوم شتى جاءت ألفاظ اصطلاحية في كل علم. # فمن ألفاظ النحو: # الإعراب والبناء والرفع والنصب والخفض والضم والفتح ~~والكسر. # ومن ألفاظ العروض: # الوتد والسبب والخبن والطي والطويل والمديد. # ومن ألفاظ القافية: # الروي والردف والمجرى والرس والمتكاوس والإيطاء. # ومن ألفاظ البيان: # المجاز والاستعارة والكناية والعلاقة والقرينة والترشيح ~~والتجريد. # ومن ألفاظ المعاني: # الفصاحة والبلاغة والخبر والإنشاء والقصر والفصل ~~والوصل. # ومن ألفاظ البديع: # الجناس والاستخدام والافتنان والطباق والتورية ~~والمشاكلة. # ومن ألفاظ المنطق: # التصور والتصديق والجنس والنوع ms014 والقضية والشكل والدليل ~~والبرهان. # ومن ألفاظ الهندسة: # الوتر والقوس والدائرة والمحيط والكرة والقطر والمركز. وغير ~~ذلك كثير من العلوم والألفاظ. ~~(5) اللغات العامية # مع كون لغة قريش صارت السائدة على لغات القبائل الأخرى بفصاحتها، وكادت أن تكون ~~لسان التخاطب العام في صدر الإسلام، وبقيت في لسان العلماء والأدباء وبقايا العرب ~~الخلص ومن خالطهم ولم تزل اللسان العام في الكتابة والتدوين والتصنيف أخذت لهجات ~~سكان الأقاليم المتباعدة مع تقادم العهد ودخول الدخيل فيهم صورا من الكلام فاسدة ~~مبدلة عن أصولها بتغيير حركات أو زيادة حروف أو نقص وغير هذا، وصارت هذه الصور ~~المحرفة ملكات راسخة في ألسنتهم يتكلمون بها في سرهم وجهرهم، ويتقاضون بها ~~أغراضهم، وهذه اللهجات هي اللغات العامية كلغة أهل مصر ولغة الشام ولغة ~~الغرب. # اللغة الجامعة # ومع اختلاف هذه اللغات اختلافا ظاهرا حتى يكاد ألا يفهم أهل لغة لغة ~~الآخرين لم يزالوا جميعا يفهمون العربية الصحيحة الصريحة إذا سمعوها أو قرءوها ~~فهي اللغة الجامعة بينهم، والسبب في ذلك أنهم وإن لم يتحاوروا بها تماما فقد ~~تربت آذانهم على سماعها من الصغر إلى الكبر، فإن أولاد المسلمين في الشرق - ~~وهم سواد عظيم إن لم نقل: السواد الأعظم - أول ما يتعلمونه القرآن ويحفظونه أو ~~بعضه، ثم يتعلمون علوم لسانهم ودينهم وأحاديث نبيهم ويحفظون متون ذلك، وكل هذا ~~بصحيح اللغة مكتوب ومقروء، وغير المتعلمين منهم يسمعون القرآن في مآتمهم ~~وأفراحهم وفي منازلهم وحوانيتهم قصد التبرك، ويحفظون من سوره وآياته ما تتم به ~~صلواتهم وكثيرا من الأدعية والأوراد، ويصغون إلى مواعظ الوعظاء وخطب الخطباء، ~~ويتأثرون بما يسمعون ويحضرون دروس العلماء ليتلقوا عنهم ما ينفعهم في دينهم، ~~وهذا كله بالعربية الصحيحة أيضا، فضلا عن كونها لسان الكتابة العام فيما ~~بينهم، بها يكتبون رسائلهم الأهلية ويقرءونها ويسمعونها. # وعربية الرسائل وإن لم تكن صحيحة من كل وجه فليست بالعامية المحضة. # ومن شواهد ما تقدم أننا نرى عامة مصر في سمرهم يصغون وكلهم آذان كأنما فوق ~~رءوسهم الطير إلى راوي قصة عنترة وعربيتها في الجملة صحيحة ولا ms015 تخلو من أشعار ~~رقيقة، ويتأثرون عند كل توقيع بما يناسبه؛ فيحزنون عند أسر القائد، ويفرحون ~~بانتصاره كأنهم في ساحة الحرب، ويطربون من سماع أخبار ابنة مالك وما قيل فيها ~~من النسيب وغير هذا. # فكون كتب العلوم والفنون والآداب بالعربية الصحيحة دون لغة العامة ليس حائلا ~~دون تربيتهم وتقدمهم في المعارف، كما ذهب إلى ذلك بعض المستشرقين من أهل ~~أوروبا، ومال إلى أن الكتابة إذا كانت باللغة العامية في الشرق كانت أقرب إلى ~~الوصول إلى الغاية من التعلم والتربية. وهذه الفكرة كثيرا ما تخطر بأذهان ~~الفرنج المختلطين بالشرقيين فيتكلمون بعربيتهم العامة، ثم يتعلمون الهجاء ~~العربي ويأخذون في المطالعة، فيحسون أن الكلام المقروء ذو تجويد وإعراب وهيئة ~~لفظية تغاير ما اعتادته ألسنتهم من لهجة العامة فيستصعبون الأمر جدا، ويودون ~~لو يكون المكتوب نفس ما اعتادوا نطقه أولا. # وفاتهم أن لغة التخاطب في كل أمة لا تطابق تماما لسان الكتابة فيها؛ خصوصا ~~في القرى البعيدة عن دوائر التعليم كما هو مشاهد ومسموع، فليس هذا خاصا ~~بالشرق. نعم، درجة التفاوت بين الكلام والمكتوب في مسالك أوروبا تقل عن درجته ~~في ممالك الشرق بسبب أن دائرة التعلم والتعليم في الأولى أوسع منها في الثانية، ~~فإنه كلما سادت المعارف في أمة تقومت ألسنة أفرادها وقربت من الصواب، وكلما ~~تقلص ظلها اعوجت الألسنة وفسدت؛ ولهذا نرى لهجات المتعلمين أقرب إلى الصحة ~~من لهجات الأميين. # فإذا كانت حكومات الشرق تسعى في نشر التعليم بين أرجائه القاصية والدانية كما ~~في الممالك الغربية اعتدل المقول وبعد عن الفضول. ~~(6) ألفاظ أجنبية دخيلة في لغة العامة # دخل في لغة العامة ألفاظ أجنبية كثيرة صقلتها الألسنة وقبلتها الآذان واستعملوها ~~كأنها عربية. # منها: وابور # VAPEUR # وعربوه بالقطار، كأنهم ~~أخذوه من: جاءت الإبل قطارا؛ أي بعضها وراء بعض على نسق، وسماه بعض: بالرتل، ~~وهو حسن تناسق الشيء، وعربية اللفظ الإفرنجي بخار. # ومنها: بوستة POSTE # والجرائد تعربها بالبريد، ~~وهو حسن. والبريد في الأصل: البغل، والرسول الحامل للرسائل، والمسافة ذات الأربعة ~~الفراسخ. # ومنها: تلغراف # TELEGRAPHE # وعربوه بالسلك ms016 ~~والبرق والسلوك البرقية والإشارة. # ومنها: بروة أو بروفة # EPREUVE # لأول ما يطبع ~~ليقرأ ويصحح أو لصورة الكسوة قبل الخياطة لتختبر، وعربيتها: التجربة ~~والاختبار. # ومنها: تياترو # THEATRE # وعربيتها: ملعب أو ~~ملهى. # مثل هذه الألفاظ كثير متداول على الألسنة، والذي قضى بذلك ضرورة الاختلاط ~~بالأجانب، ويمكن جمع ما جاء من هذا القبيل في معجم خاص به. # الفصل الثالث # | في أول كتاب بلغة العرب # إن أول كتاب عربي ملأ الأرض نورا والخافقين علما، وهدى العالمين إلى الصراط ~~السوي بعد الاعتساف في شعاب الغي، فأخرجهم من ظلام الجهالة إلى نور المعرفة، ومن ~~أودية الاختلاف إلى أندية الائتلاف، ومن بحر الغواية إلى بر الهداية، ومن مهوى الشقاوة ~~إلى مرقى السعادة، وكان إماما لحضارة العرب ومدنيتهم، وآما لرأس بداوتهم وخشونتهم، ~~ونبراس لغتهم ومشكاة أدبهم؛ هو القرآن المبين، الذي أنزله الله على نبيه الأمين، فكان ~~الآية الكبرى على نبوته، والحجة البالغة على رسالته؛ إذ تحدى ذوي اللسن أن ~~يأتوا بمثال أو صورة لآية منه أو سورة، فوقفت قرائحهم وعجزت ألسنتهم، واعترفوا بأن ~~الأمر لا تبلغه مكنتهم، وقد نزل القرآن منجما في عشرين سنة على حسب الوقائع ~~مشرعا للأحكام بين الناس. # وقد كتب كله في عهد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # مرتب الآيات والسور، لكن غير مجموع في مصحف ~~واحد بل مفرقا في الرقاع والألواح والعسب واللخاف والأكتاف. # 1 # وكان يحفظه كله أو بعضه كثير من الصحابة، وقد نظم بعضهم أسماء عشرة من القراء في ~~عهده - عليه الصلاة والسلام - فقال: # لقد حفظ القرآن في عهد أحمد # علي وعثمان وزيد بن ~~ثابت # أبي أبو زيد معاذ وخالد # تميم أبو الدرداء وابن الصامت # وكانوا يقرءونه - كما تلقوه عنه عليه الصلاة ~~والسلام - على سبعة أحرف؛ أي لغات أو قراءات. # 2 # ولما استحر القتل بقراء القرآن يوم اليمامة وقتل منهم سبعون رجلا؛ أمر أبو بكر ~~زيد بن ثابت بجمع القرآن من الرقاع المفرقة وصدور الرجال ونسخه في صحف مجموعة من ~~الورق حتى لا يضيع منه شيء، ففعل زيد ما أمر به ms017 وبقيت الصحف عند أبي بكر حتى توفي ~~وعند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر. # ولما خيفت الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في القراءات الواردة حتى كان بعضهم ~~يقول: قراءتي خير من قراءتك؛ أرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلي الصحف ننسخها في ~~المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها إليه، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد ~~بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث أن ينسخوها على لغة قريش ففعلوا، وأرسل المصاحف ~~المنسوخة إلى الآفاق ليزول الاختلاف، فأرسل إلى مكة وإلى الشام وإلى اليمن وإلى ~~البحرين وإلى البصرة وإلى الكوفة، وحبس بالمدينة واحدا. # والمصاحف التي بأيدينا الآن هي على حسب ما في مصاحف عثمان بن عفان بالضبط والصحة، لم ~~يشبها أدنى تبديل ولا تحريف. ~~(1) إفادة القرآن للناشئين والمنشئين # وفضلا عن كون القرآن الكريم قوام الشريعة، هو مقوم الألسنة والأفئدة؛ فإن ~~الناشئين من المسلمين في العصر الأول وبعده عماد ما يتعلمونه في المبدأ «القرآن»، ~~يحفظونه ويجودون قراءته بضبط الحروف والحركات، فكانت تتقوم ألسنتهم وتعتدل ~~لهجاتهم، فإذا شبوا درسوه وتعرفوا معانيه واتخذوه مادتهم اللغوية ونموذج ~~كتاباتهم الإنشائية، فينبغون في الأدب. # علوم القراءات والتفسير # ولهذا كان مرجع كثير من علوم السلف إلى القرآن؛ فمنهم أئمة تصدوا لبيان ~~كيفيات قراءته وكتابته، ودونوا من أجل ذلك علوم القراءات والتجويد ورسم ~~المصحف، ومنهم آخرون نصبوا أنفسهم لتفسير مفرداته وشرح مركباته وأسباب نزول ~~آيه، وكشف النقاب عن وجوه بلاغته وإعجازه ونحو ذلك؛ ولهذا دونوا علم التفسير ~~ودون غيرهم علوما أخرى مما يطول شرحه. ~~(2) بعض كتب القراءات المشهورة # ومن أشهر كتب القراءات: «التيسير في القراءات السبع» لأبي عمرو الداني، ولد سنة ~~371ه، وتوفي سنة 444 بدانية الأندلس، ومنظومة حرز الأماني المعروفة «بالشاطبية» من ~~نظم أبي القاسم بن فيره الأندلسي، ولد بشاطبة سنة 538، وتوفي سنة 590 بالقاهرة، ~~وقد عني الناس بحفظها وتلقينها للولدان المتعلمين. ~~(3) بعض كتب التجويد # ومن كتب التجويد: «الجزرية» من نظم أبي الخير محمد المعروف بابن الجزري، توفي سنة ~~833ه. # و«تحفة الأطفال والغلمان في تجويد ms018 القرآن» من نظم الشيخ سليمان الجمزوري، من ~~علماء القرن الثاني عشر. ~~(4) بعض كتب الرسم # ومن كتب رسم المصحف منظومة رائية من نظم أبي القاسم السالف الذكر، تسمى «عقيلة ~~أتراب القصائد في أسنى المقاصد»، ورسالة تأليف أبي طاهر إسماعيل بن خلف المقري، ولد ~~سنة 554 وتوفي سنة 623. # و«عمدة العرفان في مرسوم القرآن» تأليف السيد محمد النابلي المتوفى في أواخر ~~القرن الثالث عشر الهجري. ~~(5) بعض كتب التفسير المشهورة # ومن أشهر كتب التفسير: «تفسير ابن عباس» المتوفى سنة 68 في الطائف، ويظهر أنه ~~أول تفسير دون، وقد طبع في المطبعة الأميرية في سفر واحد سنة 1290. ~~و«جامع البيان في تأويل القرآن» تأليف الإمام أبي جعفر محمد الطبري، ولد سنة 224 ~~بآمل طبرستان، وتوفي سنة 310 ببغداد، ويوجد منه ثلاثة وعشرون جزءا بالمكتبة ~~الخديوية. وتفسير الإمام الحافظ أبي الليث نصر السمرقندي المتوفى سنة 375. و«غريب ~~القرآن» لأبي بكر محمد السجستاني، توفي سنة 330. و«غريب القرآن» مرتب على حروف ~~المعجم، تأليف الإمام أبي عبيد أحمد الهروي، المتوفى سنة 401. و«مفردات ألفاظ ~~القرآن» تأليف الشيخ أبي القاسم حسين المعروف بالراغب الأصبهاني، كان في أوائل ~~المائة الخامسة. و«الكشاف» للإمام أبي القاسم جار الله الزمخشري الخوارزمي، ولد ~~سنة 467 وتوفي سنة 538 بجرجانية خوارزم، وقد طبع في المطبعة الأميرية سنة 1281 وفي ~~غيرها. و«مفاتيح الغيب» المشهور ب «التفسير الكبير» تأليف الإمام أبي عبد الله محمد ~~الطبرستاني فخر الدين الرازي المعروف بابن الخطيب، ولد سنة 544 وتوفي بمدينة هراة ~~سنة 606، وقد طبع في بولاق سنة 1278، وهو ذو ستة أجزاء. و«تفسير القاضي ناصر الدين ~~البيضاوي» المتوفى بتبريز سنة 685، وقد طبع في الآستانة. و«لباب التأويل في معاني ~~التنزيل» تأليف علاء الدين البغدادي المعروف بالخازن، ولد سنة 670 وتوفي سنة 741 ~~بحلب، وقد طبع سنة 1287 بمطبعة المويلحي. و«ألفية في غريب ألفاظ القرآن» تأليف ~~الشيخ زين الدين الكردي نزيل القاهرة، ولد سنة 725 وتوفي سنة 806. و«تفسير الفناري» ~~شمس الدين محمد الرومي، ولد سنة 751 وتوفي سنة 834، و«تفسير الجلالين» جلال الدين ~~المحلي المولود سنة 791 بمصر والمتوفى ms019 سنة 864، وجلال الدين السيوطي المولود سنة ~~849 والمتوفى سنة 911، وقد طبع في المطبعة الأميرية وغيرها. و«مفحمات الأقران في ~~مبهمات القرآن» تأليف جلال الدين السيوطي، وقد طبعت في بولاق سنة 1284. و«السراج ~~المنير» تأليف الخطيب الشربيني المتوفى سنة 977، وقد طبع في بولاق في أربعة أجزاء. ~~و«إرشاد العقل السليم» المعروف ب «تفسير أبي السعود»، وقد طبع في بولاق سنة 1289. ~~و «روح البيان في تفسير القرآن» تأليف الشيخ إسماعيل حقي من علماء القرن الثاني عشر، ~~تم تأليفه سنة 1117، وقد طبع في المطبعة الأميرية سنة 1255. و«روح المعاني» تأليف ~~أبي الفضل شهاب الدين السيد محمود الألوسي مفتي بغداد، من علماء القرن الثالث عشر ~~الهجري، وقد طبع في بولاق سنة 1301 في تسعة أجزاء. وهذه الكتب توجد هي وغيرها ~~بالمكتبة الخديوية، وما ذكرناه غرفة من بحر. ~~(6) حكم وآداب من القرآن # فضلا عن فصاحة القرآن وبلاغته وتشخيصه صورة لغة العرب، وإفادته مريدي هذه اللغة ~~والمنشئين؛ فإن فيه من الحكم والآداب ما فيه كمال النفوس وتحليها بالفضائل، ~~ولنغترف غرفة من بحر هذه الحكم والآداب، فنقول: # قال تعالى في سورة البقرة: # ولا تلبسوا الحق ~~بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون ~~، # أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ~~وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون ~~، # كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في ~~الأرض مفسدين ~~، # وبالوالدين ~~إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا ~~للناس حسنا ~~، # ولكم في القصاص ~~حياة ~~، # ولا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا ~~فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون ~~، # ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة ~~الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام ~~* وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ~~ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد * وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة ~~بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد ~~، # يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ~~ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو ~~مبين ~~، # وعسى أن تكرهوا شيئا وهو ~~خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله ~~يعلم وأنتم لا تعلمون ~~، # ولا ~~تجعلوا الله ms020 عرضة لأيمانكم ~~، # لا ~~إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ~~، # قول معروف ومغفرة خير من صدقة ~~يتبعها أذى ~~، # يا أيها الذين ~~آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ~~، # يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما ~~كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا ~~الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا ~~فيه ~~، # إن تبدوا الصدقات فنعما ~~هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير ~~لكم ~~، # ولا يأب الشهداء إذا ما ~~دعوا ~~، # ولا يضار كاتب ولا ~~شهيد ~~، # ولا تكتموا الشهادة ومن ~~يكتمها فإنه آثم قلبه ~~. # وفي سورة آل عمران: # لن تنالوا البر حتى ~~تنفقوا مما تحبون ~~، # ولتكن ~~منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر ~~. # وفي سورة النساء: # وآتوا اليتامى أموالهم ولا ~~تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى ~~أموالكم إنه كان حوبا كبيرا ~~، # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا ~~، # ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم ~~على بعض ~~، # إن الله يأمركم أن ~~تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس ~~أن تحكموا بالعدل ~~، # وإذا حييتم ~~بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ~~، # يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط ~~شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين ~~والأقربين ~~، # لا يحب الله الجهر ~~بالسوء من القول ~~. # وفي سورة المائدة: # وتعاونوا على البر ~~والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ~~، # يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله ~~شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا ~~تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ~~، # من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما ~~قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس ~~جميعا ~~، # يا أيها الذين آمنوا لا ~~تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ~~، # يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا ~~يضركم من ضل إذا اهتديتم ~~. # وفي سورة الأعراف: # وكلوا واشربوا ولا ~~تسرفوا ~~، # ولا تبخسوا الناس ~~أشياءهم ~~، # خذ العفو وأمر ~~بالعرف وأعرض عن الجاهلين ~~. # وفي سورة الأنفال: # فاتقوا الله وأصلحوا ذات ~~بينكم ~~، # واتقوا فتنة لا تصيبن ~~الذين ظلموا منكم ms021 خاصة ~~، # ولا ~~تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ~~، # ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم ~~حتى يغيروا ما بأنفسهم ~~، # وإما ~~تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن ~~الله لا يحب الخائنين ~~. # وفي سورة هود: # ولا تركنوا إلى الذين ظلموا ~~فتمسكم النار ~~. # وفي سورة الحجر: # فاصفح الصفح الجميل ~~، # فاصدع بما تؤمر ~~. # وفي سورة النحل: # إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء ~~والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ~~، # وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا ~~تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ~~، # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ~~وجادلهم بالتي هي أحسن ~~، # وإن ~~عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم ~~لهو خير للصابرين ~~. # وفي سورة الإسراء: # إن أحسنتم أحسنتم ~~لأنفسكم وإن أسأتم فلها ~~، # ولا ~~تزر وازرة وزر أخرى ~~، # وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر ~~أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما ~~وقل لهما قولا كريما * واخفض لهما جناح ~~الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني ~~صغيرا ~~، # وآت ذا القربى حقه ~~والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا * إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ~~، # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا ~~تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ~~، # ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن ~~نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا ~~، # ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة ~~وساء سبيلا ~~، # ولا تقتلوا النفس ~~التي حرم الله إلا بالحق ~~، # ولا ~~تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ ~~أشده ~~، # وأوفوا بالعهد إن ~~العهد كان مسئولا ~~، # وأوفوا الكيل ~~إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ~~، # ولا تقف ما ليس لك به علم ~~، # ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق ~~الأرض ولن تبلغ الجبال طولا ~~. # وفي سورة النور: # يا أيها الذين آمنوا لا ~~تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا ~~على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون * فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها ~~حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو ~~أزكى لكم والله بما تعملون عليم ~~. # وفي سورة لقمان: # يا ms022 بني أقم الصلاة وأمر ~~بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ~~ذلك من عزم الأمور * ولا تصعر خدك ~~للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل ~~مختال فخور * واقصد في مشيك واغضض من ~~صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ~~. # سورة الحجرات: # يا أيها الذين آمنوا لا ~~تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله ~~سميع عليم * يا أيها الذين آمنوا لا ~~ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له ~~بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم ~~وأنتم لا تشعرون * إن الذين يغضون ~~أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله ~~قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم * ~~إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا ~~يعقلون * ولو أنهم صبروا حتى تخرج ~~إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم * ~~يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا ~~أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم ~~نادمين * واعلموا أن فيكم رسول الله لو ~~يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب ~~إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم ~~الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون * فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم * وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ~~فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى ~~فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت ~~فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب ~~المقسطين * إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا ~~بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون * يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن ~~يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن ~~خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا ~~بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم ~~يتب فأولئك هم الظالمون * يا أيها ~~الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن ~~إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب ~~أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا ~~الله إن الله تواب رحيم * يا أيها الناس ~~إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا ~~وقبائل لتعارفوا ms023 إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن ~~الله عليم خبير * قالت الأعراب آمنا قل ~~لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان ~~في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من ~~أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم * إنما ~~المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم ~~الصادقون * قل أتعلمون الله بدينكم والله ~~يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله بكل شيء ~~عليم * يمنون عليك أن أسلموا قل لا ~~تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم ~~للإيمان إن كنتم صادقين * إن الله يعلم ~~غيب السماوات والأرض والله بصير بما ~~تعملون ~~. # الفصل الرابع # | في السنة أو الأحاديث النبوية # ويلي القرآن الكريم في المنزلة السنة أو الأحاديث النبوية من حيث اللغة والإنشاء ~~والحكم والآداب، وكانت الصحابة تحفظها، وإنما كانوا لا يكتبونها خشية اختلاطها بالقرآن. ~~وكان أحفظ الصحابة وأكثرهم حديثا: أبو هريرة، ثم ابن عباس، وأنس بن مالك، وعائشة، ~~وأبو سعيد الخدري، وأبو الدرداء، وابن مسعود، وغيرهم. # وروى الأحاديث عن الصحابة التابعون، وأحفظهم: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، ~~وابن شهاب الزهري، وخارجة بن زيد، وأبو سلمة، وسعيد بن جبير، وقتادة، والأعمش، وغيرهم، ~~وروى عن التابعين تابعوهم. ~~(1) ابتداء تدوين الأحاديث # وكان ابتداء تدوين الحديث على رأس المائة في خلافة عمر بن عبد العزيز، فإنه كتب ~~إلى الآفاق: «انظروا إلى حديث رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فاجمعوه!» ودونه بأمره ابن ~~شهاب الزهري وغيره. ~~«موطأ مالك بن أنس» # وفي عصر أبي جعفر المنصور المتولي الخلافة العباسية سنة 137، صنف الإمام ~~مالك بن أنس «الموطأ» بإشارته، وقد قال الخليفة إنه لم يبق على وجه الأرض أعلم ~~مني ومنك، وإني قد شغلتني الخلافة، فضع للناس كتابا ينتفعون به، تجنب فيه ~~رخص ابن عباس، وشدائد ابن عمر، ووطئه للناس توطئة. قال مالك: والله لقد ~~علمني التصنيف. وكان تصنيف «الموطأ» بالمدينة، وفي هذا العصر وبعده صنف في ~~السنة كثير من الأئمة كل على حسب ما سنح له وانتهى إليه علمه. ms024 # وكانت الأحاديث تدون ممزوجة بأقوال الصحابة وفتاوي التابعين وغيرهم، ~~ممزوجا فيها الصحيح بغيره إلى أن جاء: (1) الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، ~~المولود في بخارى سنة 194، وصنف كتابه في الأحاديث الصحيحة خاصة؛ والسبب في ذلك ~~على ما روي عنه أنه قال: «كنا عند إسحاق بن راهويه، فقال: لو جمعتم كتابا ~~مختصرا لصحيح سنة رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~! قال: فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع ~~«الجامع الصحيح»، وقد ألفته في بضع عشرة سنة.» وفيه من الأحاديث (كما في ~~«تقريب النواوي») سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون بالمكررة، وبحذف المكرر أربعة ~~آلاف (وفي غيره ما يخالف ذلك). # وقد طبع «صحيح البخاري» عدة مرات في مصر وغيرها، وفي عصرنا الحاضر سنة 1313 ~~أمر أمير المؤمنين السلطان عبد الحميد بطبع خمسة آلاف نسخة منه بمطبعة بولاق ~~الأميرية، وأمر أن تراجعه وتصححه طائفة من علماء الأزهر، وأن توزع النسخ ~~المطبوعة على العلماء ومواضع العلم. وقد منحت نظارة معارفنا منه خمسمائة نسخة ~~فوزعتها على أهليها. # وقد اعتنى الأئمة ب «صحيح البخاري»؛ فمنهم من شرحه ومنهم من اختصره. # فمن الشارحين له: الحافظ ابن حجر المولود سنة 773، وسمى شرحه: «فتح الباري» ~~وهو أحد عشر جزءا، والقسطلاني المولود بمصر سنة 851، وسمى شرحه «إرشاد الساري» ~~وهو عشرة أجزاء، وكلا الشرحين مطبوع بمطبعة بولاق الأميرية. # ومن المختصرين له: الإمام الحسين الزبيدي، فرغ من مختصره المسمى «بالتجريد» ~~سنة 889. # ثم تلا البخاري (2) تلميذه مسلم، فصنف جامعا آخر في الأحاديث الصحيحة وفيه ~~أربعة آلاف حديث بإسقاط المكرر (كما في «تقريب النواوي» وفي «التقريب» وشرحه)، ~~واختص مسلم بجمع طرق الحديث في مكان واحد بأسانيده المختلفة، وألفاظه المختلفة، ~~فسهل تناوله، بخلاف البخاري فإنه قطعها في الأبواب بسبب استنباطه الأحكام ~~منها. # وقد شرح «صحيح مسلم» النووي، وطبع «الصحيح» وحده ومع الشرح، وطبع أيضا ~~«شرح النووي» على هامش «شرح القسطلاني» بالمطبعة المذكورة. # و«صحيح البخاري» و«صحيح مسلم» أصح الكتب بعد القرآن العزيز. # وصنف بعدهما في الصحيح: أبو داود السجستاني المتوفى بالبصرة سنة 275، ~~وأبو عيسى الترمذي المتوفى بترمذ سنة ms025 279، وأبو عبد الرحمن النسائي المتوفى ~~بفلسطين سنة 303، وابن ماجه القزويني المتوفى سنة 273. # كتب الأحاديث الستة # قال في «مشكاة المصابيح» للخطيب التبريزي: إن الكتب الستة المشهورة المقررة ~~في الإسلام التي يقال لها الصحاح الست هي: «صحيح البخاري»، و«صحيح مسلم»، ~~و«الجامع للترمذي»، و«السنن» لأبي داود والنسائي، و«سنن ابن ماجه». وعند البعض ~~«الموطأ» بدل «ابن ماجه»، وصاحب «جامع الأصول» اختار «الموطأ». وفي هذه الكتب ~~الأربعة أقسام من الأحاديث؛ من الصحاح، والحسان، والضعاف. وسمى صاحب «المصابيح» ~~أحاديث غير الشيخين بالحسان. ا.ه. ~~(2) حكم وآداب من السنة # جاء في الحديث الشريف: «إن من أخيركم أحسنكم خلقا.» وفيه: «إن خياركم أحاسنكم ~~أخلاقا.» وفيه: «إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء ~~شره.» وفيه: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا.» وفيه: «تجد من شر الناس ~~يوم القيامة عند الله ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه.» وفيه: ~~«الكلمة الطيبة صدقة.» وفيه: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن ~~كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه.» وفيه: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ~~فليقل خيرا أو يصمت.» وفيه: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه.» ~~وفيه: «من لا يرحم لا يرحم.» وفيه: «من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، قيل: ~~يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه وأمه.» ~~وفيه: «إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ومنع وهات، ووأد البنات، وكره ~~لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال.» وفيه: «من سره أن يبسط له في رزقه ~~وأن ينسأ له في أثره؛ فليصل رحمه.» وفيه: «إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث، ولا ~~تجسسوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا.» وفيه: «لا يحل للرجل ~~أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ ~~بالسلام.» وفيه: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن ~~خان.» وفيه: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب.» ms026 وفيه: ~~«إذا لم تستحي فاصنع ما شئت.» وفيه: «يسروا ولا تعسروا، وسكنوا ولا ~~تنفروا.» وفيه: «خالط الناس ودينك لا تكلمنه.» وفيه: «قال الله تعالى: ~~يسب ابن آدم الدهر وأنا الدهر؛ بيدي الليل والنهار.» وفيه: «ترى المؤمنين في ~~تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد؛ إذا اشتكى عضو تداعى له سائر جسده ~~بالسهر والحمى.» وفيه: «لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من ~~النساء بالرجال.» وفيه: «لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين.» وفيه: «إياكم والجلوس ~~في الطرقات! فقالوا: يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها. # فقال: إذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه! قالوا: وما حق الطريق يا رسول ~~الله؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر.» وفيه: «إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع.» وفيه: «من رأى من ~~أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه.» وفيه: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.» ~~وفيه: «اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم لك تكن أغنى الناس، وأحسن ~~إلى جارك تكن مؤمنا، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما.» وفيه: «من رأى منكم ~~منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذاك أضعف ~~الإيمان.» وفيه: «اطلبوا العلم ولو بالصين.» وفيه: «من تعلم وهو شاب كان كرسم في ~~حجر، ومن تعلم وهو في الكبر كان كالكاتب على ظهر الماء.» وفيه: «من سئل عن علم ~~فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة.» وفيه: «من ظلم معاهدا أو انتقصه حقه ~~أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا خصيمه يوم القيامة.» ~~وفيه: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.» وفيه: «إياكم والبطنة في الطعام والشراب، ~~فإنها مفسدة للجسد تورث السقم، ومكسلة عن الصلاة، وعليكم بالقصد فيهما فإنه أصلح ~~للجسد وأبعد من السرف.» وفيه: «إياك وكل أمر يعتذر منه.» وفيه: «الخلق كلهم عيال ~~الله، وأحبهم إليه أنفعهم لعياله.» وفيه: «من دل على خير فله أجر فاعله.» وفيه: ~~«رضا الله في ms027 رضا الوالدين، وسخطه في سخط الوالدين.» وفيه: «طلب العلم فريضة على كل ~~مسلم ومسلمة.» # الفصل الخامس # | في جواز الاستشهاد بالقرآن والحديث في علوم الأدب # يجوز الاستشهاد في علوم الأدب بالقرآن الكريم، وهذا بالإجماع من العلماء؛ لأنه أبلغ ~~كلام عربي بقي لفظه محفوظا إلى الآن كما سمع من النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فإن الدين يقضي بعدم ~~جواز تحريف في نصه الشريف. واختلف في جواز الاستشهاد بأحاديث السنة، فجوزه ابن ~~مالك، ومنعه ابن الضائع وأبو حيان محتجين بأمرين؛ الأول: أن الأحاديث لم تنقل كما ~~سمعت عنه عليه الصلاة والسلام؛ وإنما رويت بالمعنى. والثاني: أن أئمة النحو المتقدمين ~~من البصرة والكوفة لم يحتجوا بشيء منها. # ورد الأول - على تقدير تسليمه - بأن النقل بالمعنى إنما كان في الصدر الأول قبل ~~تدوين الأحاديث في الكتب، وقبل فساد اللغة، وغايته تبديل لفظ بلفظ يصح الاحتجاج به، فلا ~~فرق. ورد الثاني بأنه لا يلزم من عدم استدلالهم بالحديث عدم صحة الاستدلال به، قال ~~أبو الحسن بن الضائع في «شرح الجمل»: «تجويز الرواية بالمعنى هو السبب عندي في ترك ~~الأئمة كسيبويه وغيره الاستشهاد على إثبات اللغة بالحديث، واعتمدوا في ذلك على القرآن ~~وصريح النقل عن العرب، ولولا تصريح العلماء بجواز النقل بالمعنى في الحديث لكان الأولى ~~في إثبات فصيح اللغة كلام النبي # صلى الله عليه وسلم ~~؛ لأنه أفصح العرب.» وقال أبو حيان في «شرح ~~التسهيل»: قد أكثر المصنف من الاستدلال بما وقع في الأحاديث على إثبات القواعد الكلية ~~في لسان العرب، وما رأيت أحدا من المتقدمين والمتأخرين سلك هذه الطريقة غيره. # على أن الواضعين الأولين لعلم النحو المستقرئين الأحكام من لسان العرب كأبي عمرو ~~بن العلاء، وعيسى بن عمر، والخليل، وسيبويه من أئمة البصريين، والكسائي، والفراء، وعلي ~~بن المبارك الأحمر، وهشام الضرير من أئمة الكوفيين لم يفعلوا ذلك، وتبعهم على ذلك ~~المسلك المتأخرون من الفريقين وغيرهم من نحاة الأقاليم كنحاة بغداد وأهل الأندلس. وقد ~~جرى الكلام في ذلك مع بعض المتأخرين الأذكياء فقال: إنما ذكر العلماء ذلك ms028 لعدم وثوقهم ~~أن ذلك لفظ الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~؛ إذ لو وثقوا بذلك لجرى مجرى القرآن الكريم في إثبات ~~القواعد الكلية، وإنما كان كذلك لأمرين؛ أحدهما: أن الرواة جوزوا النقل بالمعنى فتجد ~~قصة واحدة قد جرت في زمنه # صلى الله عليه وسلم # لم يقل بتلك الألفاظ جميعا، نحو ما روي من قوله: ~~زوجتكها بما معك من القرآن، ملكتكها بما معك من القرآن، خذها بما معك من القرآن، وغير ~~ذلك من الألفاظ الواردة، فنعلم يقينا أنه # صلى الله عليه وسلم # لم يلفظ بجميع هذه الألفاظ، بل لا ~~يجزم بأنه قال بعضها؛ إذ يحتمل بأنه قال لفظا مرادفا لهذه الألفاظ فاتت الرواة ~~بالمرادف ولم تأت بلفظه، إذ المعنى هو المطلوب، ولا سيما تقادم السماع وعدم ضبطها ~~بالكتابة والاتكال على الحفظ، والضابط منهم من ضبط المعنى، وأما من ضبط اللفظ فبعيد ~~جدا، لا سيما في الأحاديث الطوال. وقد قال سفيان الثوري: «إن قلت لكم إني أحدثكم كما ~~سمعت فلا تصدقوني، إنما هو المعنى.» ومن نظر في الحديث أدنى نظر علم العلم اليقين أنهم ~~يروون بالمعنى. # الأمر الثاني: أنه وقع اللحن كثيرا فيما روي من الحديث؛ لأن كثيرا من الرواة كانوا ~~غير عرب بالطبع ويتعلمون لسان العرب بصناعة النحو، فوقع اللحن في كلامهم وهم لا ~~يعلمون، ودخل في كلامهم وروايتهم غير الفصيح من لسان العرب. ونعلم قطعا من غير شك أن ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # كان أفصح العرب، فلم يكن يتكلم إلا بأفصح اللغات وأحسن التراكيب ~~وأشهرها وأجزلها، وإذا تكلم بلغة غير لغته فإنما يتكلم بذلك مع أهل تلك اللغة على طريق ~~الإعجاز وتعليم ذلك له من غير معلم. والمصنف قد أكثر من الاستدلال بما ورد في الأثر ~~متعقبا بزعمه على النحويين، وما أمعن النظر في ذلك ولا صحب من له التمييز. وقد قال لنا ~~بدر الدين بن جماعة - وكان ممن أخذ عن ابن مالك: قلت له: يا سيدي، هذا الحديث رواية ~~الأعاجم، ووقع فيه من روايتهم ما نعلم أنه ليس ms029 من لفظ الرسول! فلم يجب بشيء. قال ~~أبو حيان: وإنما أمعنت الكلام في هذه المسألة؛ لئلا يقول مبتدئ: ما بال النحويين ~~يستدلون بقول العرب وفيهم المسلم والكافر، ولا يستدلون بما روي في الحديث بنقل العدول ~~كالبخاري ومسلم وأضرابهما، فمن طالع ما ذكرناه أدرك السبب الذي لأجله لم يستدل النحاة ~~بالحديث. ا .ه. من «خزانة الأدب» للبغدادي. # قال الشاطبي: الحديث على قسمين: قسم اعتنى ناقلة بمعناه دون لفظه، فهذا لم يقع به ~~استشهاد أهل اللسان، وقسم عرف اعتناء ناقله بلفظه لمقصود خاص كالأحاديث التي قصد بها ~~بيان فصاحته # صلى الله عليه وسلم ~~؛ ككتابته لهمذان، وكتابته لوائل بن حجر، والأمثال النبوية، فهذا ~~يصح الاستشهاد به في العربية. وتبعه السيوطي في «الاقتراح» فقال: وأما الحديث فيستدل ~~منه بما ثبت أنه قاله - عليه الصلاة والسلام - على اللفظ المروي، وذلك نادر جدا، إنما ~~يوجد في الأحاديث القصار على قلة أيضا، فإن غالب الأحاديث مروي بالمعنى، وقد تداولتها ~~الأعاجم والمولدون قبل تدوينها فرووها كما أدت إليه عباراتهم، فزادوا ونقصوا وقدموا ~~وأخروا وأبدلوا ألفاظا بألفاظ؛ ولهذا نرى الحديث الواحد مرويا على أوجه شتى ~~بعبارات مختلفة. قال الدماميني في «شرح التسهيل»: قد أكثر المصنف من الاستدلال ~~بالأحاديث النبوية، وشنع أبو حيان عليه، وقال: إن ما استند إليه من ذلك لا يتم له ~~لتطرق احتمال الرواية بالمعنى، فلا يوثق بأن ذلك المحتج به لفظه - عليه الصلاة والسلام ~~- حتى تقوم به الحجة، وقد أجريت ذلك لبعض مشايخنا فصوب رأي ابن مالك فيما فعله ~~بناء على أن اليقين ليس بمطلوب في هذا الباب، وإنما المطلوب غلبة الظن الذي هو مناط ~~الأحكام الشرعية، وكذا ما توقف عليه من نقل مفردات الألفاظ وقوانين الإعراب، فالظن في ~~ذلك كله كاف. ولا يخفى أنه يغلب على الظن أن ذلك الموكول المحتج به لم يبدل؛ لأن الأصل ~~عدم التبديل، لا سيما والتشديد في الضبط والتحري في نقل الأحاديث شائع بين النقلة ~~والمحدثين، ومن يقل منهم بجواز النقل بالمعنى فإنما هو عنده بمعنى التجويز العقلي الذي ~~لا ms030 ينافي وقوع نقيضه؛ فلذلك تراهم يتحرون في الضبط ويتشددون مع قولهم بجواز النقل ~~بالمعنى. فيغلب الظن من هذا كله أنها لم تبدل، ويكون احتمال التبديل فيها مرجوحا فيلغى ~~ولا يقدح في صحة الاستدلال بها. ثم إن الخلاف في جواز النقل بالمعنى إنما هو فيما لم ~~يدون ولا كتب، وأما ما دون وحصل في بطون الكتب فلا يجوز تبديل ألفاظه من غير خلاف ~~بينهم، قال «ابن الصلاح» بعد أن ذكر اختلافهم في نقل الحديث بالمعنى: «إن هذا الخلاف لا ~~نراه جاريا ولا أجراه الناس - فيما نعلم - فيما تضمنته بطون الكتب، فليس لأحد أن ~~يغير لفظ شيء من كتاب مصنف ويثبت فيه لفظا آخر.» ا.ه. # وتدوين الأحاديث والأخبار بل وكثير من المرويات وقع في الصدر الأول قبل فساد اللغة ~~العربية، حين كان كلام أولئك المبدلين على تقدير تبديلهم يسوغ الاحتجاج به، وغايته ~~يومئذ تبديل لفظ بلفظ يصح الاحتجاج به، فلا فرق بين الجميع في صحة الاستدلال، ثم دون ~~ذلك المبدل على تقدير التبديل، ومنع من تغييره ونقله بالمعنى كما قال ابن الصلاح، فبقي ~~حجة في بابه ولا يضر توهم ذلك السابق في شيء من استدلالهم المتأخر، والله أعلم بالصواب. ~~ا.ه. كلام الدماميني من «خزانة الأدب». # الفصل السادس # | في بعض ما اشتهر من كتب اللغة # (1) مرجع التأليف في اللغة # قبل الخوض في بيان بعض الكتب المصنفة في اللغة، نذكر ما جاء في «كشف الظنون»، وهو بنصه: # إن مقصد علم اللغة مبني على أسلوبين؛ لأن منهم من يذهب من جانب اللفظ إلى ~~المعنى بأن يسمع لفظا ويطلب معناه، ومنهم من يذهب من جانب المعنى إلى ~~اللفظ. فلكل من الطريقين قد وضعوا كتبا ليصل كل إلى مبتغاه إذ لا ~~ينفعه ما وضع في الباب الآخر؛ فمن وضع بالاعتبار الأول فطريقته ترتيب حروف ~~التهجي، أما باعتبار أواخرها أبوابا وأوائلها فصولا تسهيلا للظفر ~~بالمقصود كما اختاره الجوهري في «الصحاح»، ومجد الدين في «القاموس»، وأما ~~بالعكس؛ أي باعتبار أوائلها أبوابا وأواخرها فصولا كما اختاره ابن فارس ~~في «المجمل» ms031 والمطرزي في «المغرب»، ومن وضع بالاعتبار الثاني فالطريق إليه ~~أن يجمع الأجناس بحسب المعاني، ويجعل لكل جنس بابا كما اختاره الزمخشري في ~~قسم الأسماء من مقدمة الأدب. ثم إن اختلاف الهمم قد أوجب إحداث طرق شتى، ~~فمن واحد أدى رأيه إلى أن يفرد لغات القرآن، ومن آخر إلى أن يفرد غريب ~~الحديث، وآخر إلى أن يفرد لغات الفقه، كالمطرزي في «المغرب»، وأن يفرد ~~اللغات الواقعة في أشعار العرب وقصائدهم وما يجري مجراها كنظام الغريب، ~~والمقصود هو الإرشاد عند مساس أنواع الحاجات. ا.ه. ~~(2) كتاب «العين» للخليل بن أحمد الفراهيدي ومختصره للزبيدي الإشبيلي # ممن نبغ في الأدب في المائة الثانية: الخليل بن أحمد البصري الفراهيدي، أو ~~الفرهودي، وهو أول من ضبط لغة العرب وألف فيها كتاب «العين»؛ وسماه بالعين لأنه ~~بدأه بالكلم التي أولها العين، وابتدأها بها لأنها من الحروف القاصية وأكثر في ~~الكلام دورانا، ولا يلحقها تغيير ولا حذف مثل الهمزة والألف، ولا همس مثل الهاء، ~~وهي أنصع من الحاء. # وترتيب مواد الكتاب اللغوية مبني على مخارج الحروف من الحلق إلى الشفتين هكذا: ع ~~ح ه خ غ ق ك ج ش ض ص س ز ط د ت ظ ذ ث ر ل ن ف ب م أ و ~~ي. قال ابن خلدون: «إن الخليل حصر في كتاب ~~«العين» مركبات حروف المعجم كلها من الثنائي والثلاثي والرباعي والخماسي، وهو غاية ~~ما ينتهي إليه التركيب في اللسان العربي، وتأتى له حصر ذلك بوجوه عديدة حاصرة؛ ~~وذلك أن جملة الكلمات الثنائية تخرج من الأعداد على التوالي من واحد إلى سبعة ~~وعشرين، وهو دون نهاية حروف المعجم بواحد؛ لأن الحرف الواحد منها يؤخذ مع كل واحد ~~من السبعة والعشرين فتكون سبعة وعشرين كلمة ثنائية، ثم يؤخذ الثاني مع الستة ~~والعشرين كذلك، ثم الثالث والرابع، ثم يؤخذ السابع والعشرون مع الثامن والعشرين ~~فيكون واحدا، فتكون كلها أعدادا على توالي العدد من واحد إلى سبعة وعشرين، فتجمع ~~كما هي بالعمل المعروف عند أهل الحساب ثم ms032 تضاعف لأجل قلب الثنائي؛ لأن التقديم ~~والتأخير بين الحروف معتبر في التركيب فيكون الخارج جملة الثنائيات، وتخرج ~~الثلاثيات من ضرب عدد الثنائيات فيما يجمع من واحد إلى ستة وعشرين؛ لأن كل ثنائية ~~يزيد عليها حرف فتكون ثلاثية، فتكون الثنائية بمنزلة الحرف الواحد مع كل واحد من ~~الحروف الباقية ، وهي ستة وعشرون حرفا بعد الثنائية، فتجمع من واحد إلى ستة وعشرين ~~على توالي العدد، ويضرب فيه جملة الثنائيات، ثم تضرب الخارج في ستة جملة مقلوبات ~~الكلمة الثلاثية، فيخرج مجموع تراكيبها من حروف المعجم، وكذلك في الرباعي والخماسي، ~~فانحصرت له التراكيب بهذا الوجه. # ورتب أبوابه على حروف المعجم بالترتيب المتعارف، واعتمد فيه ترتيب المخارج؛ ~~فبدأ بحروف الحلق ثم ما بعده من حروف الحنك، ثم الأضراس، ثم الشفة، وجعل حروف العلة ~~آخرا، وهي الحروف الهوائية. وبدأ من حروف الحلق بالعين؛ لأنه الأقصى منها، فلذلك ~~سمى كتابه بالعين؛ لأن المتقدمين كانوا يذهبون في تسمية دواوينهم إلى مثل هذا، وهو ~~تسميته بأول ما يقع فيه من الكلمات والألفاظ. ثم بين المهمل منها من المستعمل، ~~وكان المهمل في الرباعي والخماسي أكثر لقلة استعمال العرب له لثقله، ولحق به ~~الثنائي لقلة دورانه، وكان الاستعمال في الثلاثي أغلب فكانت أوضاعه أكثر لدورانه، ~~وضمن الخليل ذلك كله في كتابه «العين» واستوعبه أحسن استيعاب وأوعاه.» ~~ا.ه. # وقد وقع في كتاب «العين» خلط وغلط؛ ولهذا أنكروا نسبته إلى الخليل وقالوا إنه من ~~جمع «الليث بن نصر» عن الخليل. وقيل: إنه كان قد شرع فيه ورتب أوائله وسماه ~~العين ثم توفي سنة 170 بعد الهجرة، فأكمله تلامذته «النضر بن شميل» و«مؤرج السدوسي» ~~و«نصر بن علي الجضمي» ومن في طبقتهم، فما جاء عملهم مناسبا لما وضعه الخليل في ~~الأول، فأخرجوا الذي وضعه أولا وصنفوا بدله؛ فلهذا وقع فيه خلل كثير يبعد وقوع ~~الخليل في مثله. # قال السيوطي: «وقد طالعته فرأيت وجه التخطئة غالبا من جهة التصريف والاشتقاق، ~~كذكر حرف مزيد في مادة أصلية، أو مادة ثلاثية في مادة رباعية ونحو ذلك، وأما كون ms033 ~~الخطأ في لفظة من حيث اللغة بأن يقال: هذه اللفظة كذب أو لا تعرف! فمعاذ الله لم ~~يقع ذلك وحينئذ لا قدح فيه؛ فالإنكار راجع إلى الترتيب والوضع الأولي، وهذا أمر ~~هين لا يمنع الوثوق بالخليل والاعتماد عليه في نقل اللغة.» ا.ه. # وفي المائة الرابعة اختصر كتاب «العين» أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي الإشبيلي، ~~من علماء الأندلس، مستدركا ما وقع فيه من الغلط، حاذفا المهمل، وكثيرا من شواهد ~~المستعمل، فجاء كتابا مختصرا لطيفا فاق أصله وفضل عليه، وأعجب الناس به ~~كثيرا ولهجوا به، وتوفي مؤلفه بإشبيليه سنة 379 بعد الهجرة. ~~(3) كتاب «الجمهرة» لابن دريد و«التهذيب» للأزهري # وفي المائة الثالثة، ألف أبو بكر محمد بن دريد المولود بالبصرة سنة 223 كتاب ~~«الجمهرة»، وهو مبدوء ب «أب»، ثم «أت» ثم «أج» إلى آخر الحروف، ثم «بت» و«بث» ~~و«بج» وهكذا، وبعد المضاعف يذكر الألفاظ الثلاثية ثم الرباعية وهكذا، فهو مرتب ~~على حروف المعجم. قال الأزهري: ممن ألف الكتب في زماننا ورمي بافتعال العربية ~~وتوليد الألفاظ «أبو بكر بن دريد»، وقال: سألت عنه إبراهيم بن عرفة (يعني نفطويه) ~~فلم يعبأ به ولم يوثقه في روايته، وهجاه بقوله: # ابن دريد بقرة # وفيه عي وشره # ويدعي من حمقه # وضع كتاب الجمهرة # وهو كتاب العي # ن إلا أنه قد غيره # قال السيوطي في «المزهر»: معاذ الله، هو بريء، ~~ومن طالع كتاب «الجمهرة» رأى تحريه في روايته، ولا يقبل فيه طعن نفطويه؛ لأنه ~~كان بينهما منافرة عظيمة بحيث إن ابن دريد هجاه بقوله: # لو أنزل الوحي على نفطويه # لكان ذاك الوحي سخطا عليه # وشاعر يدعى بنصف اسمه # مستاهل الصفع على أخدعيه # أحرقه الله بنصف اسمه # وصير الباقي صراخا عليه # قال بعضهم: وكان لأبي علي القالي نسخة من «الجمهرة» بخط مؤلفها، وكان قد أعطي ~~فيها 300 مثقال فأبى، فاشتدت الحاجة به فباعها بأربعين مثقالا، وكتب عليه هذه ~~الأبيات: # أنست بها عشرين عاما وبعتها # وقد طال وجدي بها وحنيني # وما كان ظني أنني سأبيعها # ولو خلدتني في السجون ديوني ms034 # ولكن لعجز وافتقار وصبية # صغار عليهم تستهل شئوني # فقلت ولم أملك سوابق عبرتي # مقالة مكوي الفؤاد حزين: # وقد تخرج الحاجات يا أم مالك # كرائم من رب بهن ضنين # قال: فأرسلها الذي اشتراها وأرسل معها أربعين دينارا أخرى. ومات ابن دريد ~~ببغداد سنة 321. # وألف أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري المولود سنة 282 كتاب «تهذيب اللغة»؛ وهو ~~كتاب كبير معتبر في اللغة، مرتب على الحروف باعتبار مخارجها كترتيب كتاب ~~«العين»، وسيأتي مزيد وصف لهذا الكتاب في الكلام على كتاب «المحكم» لابن سيده. ~~وتوفي الأزهري بمدينة هراة سنة 370. ~~(4) كتاب «الصحاح» للجوهري و«المجمل» لابن فارس # وفي المائة الرابعة، صنف الشيخ أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري كتاب «تاج اللغة ~~وصحاح العربية» على ترتيب لم يسبق إليه؛ فجعله ~~ثمانية وعشرين بابا مرتبة على حروف المعجم، الباب الأول: باب الألف المهموزة، وفيه ~~الكلمات المنتهية بالهمزة، والباب الثاني: باب الباء، وفيه الكلمات المنتهية ~~بالباء، والباب الثالث: باب التاء، والرابع: الثاء، وهكذا إلى آخر الحروف، إلا أنه ~~جعل الواو والياء في باب واحد ذكره بعد باب الهاء، وذكر باب الألف اللينة أخيرا. ~~وفي كل باب من هذه الأبواب يذكر عدة فصول: فصل الألف وفيه الكلمات المبدوءة ~~بالهمزة، ثم فصل الباء وفيه الكلمات التي أوائلها باء، ثم فصل التاء، ثم فصل الثاء، ~~وهكذا إلى الآخر، إلا أنه قدم فصل الواو من كل باب على فصل الهاء، وكان يجب أن ~~يكون عدد الفصول في كل باب 28، إلا أن هذا العدد لم يكمل إلا في خمسة أبواب: الألف ~~المهموزة، واللام، والميم، والنون، وباب المعتل، والأبواب الباقية منها ما نقص ~~فصلا ومنها ما نقص فصلين وهكذا، والباب الأخير لم يفصل فيه. وإسقاط الفصول ناشئ ~~عن كون كلماتها مهملة أو معربة أو غير لازمة في الاستعمال، والمعتبر في الأبواب ~~والفصول أصل المادة، وحروف أوساط الكلم، مراعى فيها ترتيب حروف المعجم ~~أيضا. # فإن أردت أن تكشف في هذا الكتاب عن الكلم: «بهظ» و«جوانح» و«توقان» و«استئثار»، ~~فابحث عن الأولى في باب الظاء فصل الباء، ms035 وعن الثانية في جنح من باب الحاء فصل ~~الجيم، وعن الثالثة في توق من باب القاف فصل التاء، وعن الرابعة في أثر من باب ~~الراء فصل الهمزة. # ومن اصطلاح «الصحاح» وتبعه غيره فيه أنه إذا ذكر لفظا وقال عقبه بالكسر أو ~~الفتح أو الضم فالضبط لأول حرف إن كان اسما، ولعينه إن كان فعلا، وإذا قال ~~بالتسكين كان للثاني، وإذا قال محركا أو بالتحريك يكون اللفظ بفتحتين، ومحل كون ~~الضبط للأول في غير المفعلة فالضبط فيها للعين. # وسمى الجوهري كتابه ب «الصحاح» بالكسر جمع صحيح، أو الفتح مفردا كصحيح؛ لأنه ~~التزم فيه ذكر الصحيح من اللغة بخلاف غيره من الكتب قبله؛ فإنها لم تلتزمه بل جمعت ~~ما صح وغيره، ونبهت على ما لم يثبت غالبا؛ ولذا قالوا: إن «صحاح الجوهري» في ~~اللغة نظير «صحيح البخاري» في الحديث. قال الجوهري في خطبة كتابه: «قد أودعت هذا ~~الكتاب ما صح عندي من هذه اللغة التي شرف الله تعالى منزلتها، وجعل علم الدين ~~والدنيا منوطا بمعرفتها، على ترتيب لم أسبق إليه وتهذيب لم أغلب عليه في ثمانية ~~وعشرين بابا، وكل باب منها ثمانية وعشرون فصلا على عدد حروف المعجم وترتيبها، إلا ~~أن يهمل من الأبواب جنس من الفصول بعد تحصيلها بالعراق رواية وإتقانها دراية ~~ومشافهتي بها العرب العاربة في ديارهم بالبادية، ولم آل في ذلك نصحا ولا ادخرت ~~وسعا.» وجمع الجوهري في صحاحه أربعين ألف مادة. # وقد كثر تداول هذا الكتاب واشتهر شهرة عظيمة لحسنه وسهولته وما فيه من الفوائد ~~والقواعد والشواهد، لكن قل تداول الناس له في هذه الأيام؛ لأنه طبع خلوا من ضبط ~~الكلمات اللغوية، ومالوا إلى «القاموس» لطبعه مضبوطا ولزيادة مواده. وكثير من ~~الفضلاء يفضلون «الصحاح» على «القاموس» لسهولة عباراته وكثرة شواهده الرصينة، ولعدم ~~تكلفه الإجمال في الكلام، والاختصار البالغ حده. وتوفي الجوهري في حدود الأربعمائة، ~~وقيل سنة 393. # قال السيوطي: «وكان في عصر صاحب «الصحاح» ابن فارس، فالتزم أن يذكر في «مجمله» ~~الصحيح، قال في أوله: قد ذكرنا الواضح من ms036 كلام العرب والصحيح منه دون الوحشي ~~المستنكر، ولم نأل في اجتباء المشهور الدال على تفسير حديث أو شعر، والمقصود في ~~كتابنا هذا من أوله إلى آخره التقريب والإبانة عما ائتلف من حروف العربية، فكان ~~كلاما وذكر ما صح من ذلك سماعا أو من كتاب لا يشك في صحة نسبه؛ لأن من علم ~~أن الله تعالى عند مقال كل قائل فهو حرى بالتحرج من تطويل المؤلفات وتكثيرها ~~بمستنكر الأقاويل وشنيع الحكايات، فقد كان يقال: من تتبع غرائب الأحاديث كذب، ~~ونحن نعوذ بالله من ذلك. وقال في آخره: قد توخيت فيه الاختصار، وآثرت فيه ~~الإيجاز، واختصرت على ما صح عندي سماعا أو من كتاب صحيح النسب مشهور، ولولا ~~توخي ما لم أشك فيه من كلام العرب لوجدت مقالا.» ا.ه. # قال أحمد فارس إنه رأى خطبة «المجمل» على غير النسق الذي نسقه الإمام السيوطي، ثم ~~ذكر نصها، وجاء في آخر النص: «وسميته «مجمل اللغة»؛ لأني أجملت فيه الكلام، ولم ~~أكثره بالشواهد والتصاريف إرادة الإيجاز؛ وذلك أني خرجته على حروف المعجم فجعلت ~~كل كلمة أولها ألف في كتاب الألف، وكل كلمة أولها باء في كتاب الباء، حتى أتيت على ~~آخر الحروف كلها.» وتوفي ابن فارس القزويني سنة 398. ~~(5) كتاب «المحكم» و«المخصص» لابن سيده # ألف أبو الحسن علي المعروف بابن سيده الأندلسي المولود في دولة علي بن مجاهد ~~سنة 397 كتاب «المحكم» على نحو ترتيب كتاب «العين». قال ابن خلدون: «وزاد فيه ~~التعرض لاشتقاقات الكلم وتصاريفها فجاء من أحسن الدواوين، ولخصه محمد بن أبي ~~الحسين (صاحب المستنصر من ملوك الدولة الحفصية بتونس) وقلب ترتيبه إلى ترتيب كتاب ~~«الصحاح» في اعتبار أواخر الكلم وبناء التراجم عليها، فكانا توءمي رحم وسليلي ~~أبوة.» # قال أبو الفضل بن منظور في خطبة كتابه «لسان العرب»: «ولا أقول: شافهت أو سمعت أو ~~شددت أو رحلت أو نقلت عن العرب العرباء أو حملت؛ فهذه دعاوي لم يترك فيها الأزهري ~~وابن سيده مقالا لقائل، فإنهما عينا في كتابيهما عمن رويا، وبرهنا عما ~~حويا، ولعمري ms037 لقد جمعا فأوعيا وأتيا بالمقاصد فوفيا، وهما من أمهات كتب اللغة ~~على التحقيق، وما عداهما ثنيات للطريق، غير أن كلا منهما مطلب عسر المهلك، ومنهل ~~وعر المسلك، وكأن واضعه شرع للناس موردا عذبا وحلأهم عنه، وارتاد لهم مرعى ~~مريعا ومنعهم منه ، قد أخر وقدم وقصد أن يعرب فأعجم، فرق الذهن بين الثنائي ~~والمضاعف والمقلوب، وبعد الفكر باللفيف والمعتل والرباعي والخماسي فضاع المطلوب، ~~فأهمل الناس أمرهما وانصرفوا عنهما وكادت البلاد لعدم الإقبال عليهما تخلو منهما؛ ~~وليس لذلك سبب إلا سوء الترتيب وتخليط التفصيل والتبويب.» # وألف ابن سيده كتابا آخر في اللغة سماه «المخصص» جمع فيه الأجناس بحسب ~~معانيها، وجعل لكل باب جنسا وما تعلق به، وهو نافع لمن يذهب من جانب المعنى إلى ~~جانب اللفظ عكس المشهور. قال في خطبته: «فلما رأيت اللغة على ما أريتك من الحاجة ~~إليها لمكان التعبير عما نتصوره وتشتمل عليه نفوسنا وخواطرنا، أحببت أن أجرد فيها ~~كتابا يجمع ما تنشر من أجزائها شعاعا، وتنثر من أشلائها حتى قارب العدم ~~ضياعا ... ثم إني لما وضعت كتابي الموسوم ب «المحكم» مجنسا لأدل الباحث على مظنة ~~الكلمة المطلوبة، أردت أن أعدل به كتابا أضعه مبوبا حين رأيت ذلك أجدى على ~~الفصيح المدره، والبليغ المفوه، والخطيب المصقع، والشاعر المجيد المدقع، ~~فإنه إذا كان للمسمى أسماء كثيرة وللموصوف أوصاف عديدة تنقى الخطيب والشاعر منها ما ~~شاءا واتسعا فيما يحتاجان إليه من سجع أو قافية، على مثال ما نجده في الجواهر ~~المحسوسة كالبساتين تجمع أنواع الرياحين، فإذا دخلها الإنسان أهوت يده إلى ما ~~استحسنته حاستا نظره وشمه.» # وفي المكتبة الخديوية نسخة من «المخصص» ذات 17 سفرا، مكتوبة بقلم مغربي، ~~فيها خروم وتقديم وتأخير، والآن يطبع بمطبعة بولاق الأميرية. وتوفي ابن سيده ~~بدانية سنة 458. ~~(6) «فقه اللغة» للثعالبي # ألف أبو منصور الثعالبي النيسابوري المولود سنة 350 كتاب «فقه اللغة وسر ~~العربية» في ثلاثين بابا تتضمن من الفصول ما يناهز ستمائة فصل، جمع في كل منها من ~~الألفاظ ما هو من واد واحد، فهو مفيد ms038 لمن يذهب من جانب المعنى إلى جانب اللفظ ~~ك «المخصص» لابن سيده، وتوفي الثعالبي سنة 425. ~~(7) كتاب «أساس البلاغة» للزمخشري # ألف أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري المولود سنة 467 كتاب «أساس البلاغة» على ~~الترتيب المعهود في حروف المعجم؛ فجعل الكلم المبدوءة بالهمزة في باب والمبدوءة ~~بالباء في آخر، والمبدوءة بالتاء في ثالث وهكذا، وراعى في ترتيب أوساط الكلم من كل ~~باب ما راعاه في ترتيب أوائلها. والكتاب ليس قاصرا على إفادة اللغة بل يرشد أيضا ~~إلى مناهج الإنشاء لكثرة ما فيه من السجع والشواهد والأمثال وبيان المجاز. قال ابن ~~خلدون: «ومن الكتب الموضوعة أيضا في اللغة كتاب الزمخشري في المجاز، بين فيه كل ~~ما تجوزت به العرب من الألفاظ وفيما تجوزت به من المدلولات، وهو كتاب شريف ~~الإفادة.» ولحسن ترتيبه يسهل على الطالب الكشف منه على معاني الكلم، لكن ربما أبطأ ~~به عن نوال المطلوب اقتصار المؤلف في الغالب على وضع الكلمات في التراكيب دون ذكر ~~معانيها صراحا اعتمادا على فهم المطالع واستنباطه معنى الكلمة من الجملة؛ فلهذا ~~ربما يصح أن يقال إنه كتاب مطالعة لا مراجعة، وفضلا عن هذا قد طبع غير مضبوط ~~بالمطبعة الوهبية سنة 1299. وتوفي الزمخشري سنة 538. ~~(8) نهاية ابن الأثير # ألف الإمام مجد الدين أبو السعادات الجزري المعروف بابن الأثير المولود في ~~جزيرة ابن عمرو سنة 544 كتابه الموسوم ب «النهاية في غريب الحديث والأثر»، جمع فيه ~~من غريب الحديث ما في كتابي الهروي وأبي موسى الأصفهاني في غريبي القرآن والحديث، ~~وزاد عليهما، قال: «وقد سلكت طريق الكتابين في الترتيب والوضع على حروف المعجم ~~بالتزام الحرف الأول والثاني من كل كلمة ~~وإتباعهما بالحرف الثالث منها على سياق الحروف، إلا أني وجدت في الحديث كلمات كثيرة ~~في أوائلها حروف زائدة قد بنيت الكلمة عليها حتى صارت كأنها من نفسها، وكان يلتبس ~~موضعها الأصلي على طالبها، فرأيت أن أثبتها في باب الحرف الذي هو أولها وإن لم يكن ~~أصليا ونبهت عند ذكره على زيادته ... وجعلت على ما فيه من ms039 كتاب الهروي «هاء» ~~بالحمرة، وعلى ما فيه من كتاب أبي موسى «سينا»، وعلى ما أضفته من غيرهما مهملا من ~~غير علامة.» وتوفي ابن الأثير بالموصل سنة 606. ~~(9) «العباب» و«التكملة» و«مجمع البحرين» للصغاني # من أئمة اللغة العظام «حسن الصغاني» المولود سنة 577 في لاهور (إحدى مدن الهند)، ~~وإنما قيل له: الصغاني؛ لأن أحد أسلافه جاء من صغان، إحدى قرى ما وراء النهر، وتوفي ~~سنة 650 في بغداد، ونقل إلى مكة ودفن فيها. ألف كتابه «العباب الزاخر واللباب ~~الفاخر» في عشرين مجلدا مع أنه لم يكمله، بل انتهى فيه إلى مادة: «بكم»؛ ولهذا ~~قيل: # إن الصغاني الذي # حاز العلوم والحكم # كان قصارى أمره # أن انتهى إلى بكم # وألف «تكملة الصحاح»، وهي أكبر منه حجما، ثم جمع بينهما في كتاب واحد سماه ~~«مجمع البحرين»، وترتيبه في ذلك كترتيب «الصحاح». ~~(10) كتاب «لسان العرب» لابن منظور # أعظم كتاب ألف في اللغة هو كتاب «لسان العرب» للإمام جمال الدين بن منظور ~~الأنصاري الخزرجي الأفريقي، نزيل مصر، المولود في سنة 690، وهو كتاب شهرته تغني عن ~~البيان، جمع فيه مؤلفه كثيرا من كتب اللغة ك «الصحاح» و«التهذيب» و«المحكم» ~~و«الجمهرة» و«النهاية»، فهو يغني عن جلها إن لم نقل عن كلها، فيه ثمانون ألف مادة ~~مرتبة ترتيب مواد «الصحاح»، لا يقتصر فيه على إفادة اللغة بل يبين من فنون الأدب ~~وتفسير الآي وشرح الأحاديث والأمثال والأشعار ما يأتي في عرض الكلام ويمس إليه ~~البيان، وهذا كثير يفوق الحصر. # وقد طبع هذا الكتاب في عشرين جزءا في مطبعة بولاق الأميرية سنة 1300 بعد ~~الهجرة، ولولا طبعه ما كثر تداوله بل كان كنزا مدفونا ودرا مكنونا. وتوفي ~~ابن منظور سنة 771، وقيل إنه ولد سنة 630 وتوفي سنة 711، وعلى القول الأول يكون ~~ابن منظور معاصرا للفيروزآبادي صاحب «القاموس» المولود سنة 729، وعلى الثاني تكون ~~وفاة ذاك قبل ولادة هذا. ~~(11) «المصباح» للفيومي # على نسق كتاب «النهاية» في ترتيب الكلم اللغوية، جرى الإمام أحمد بن محمد بن علي ~~المقري الفيومي، المتوفى سنة 770 في ترتيب كتابه المسمى ms040 ب «المصباح المنير في غريب ~~الشرح الكبير»، وهو مختصر كتاب له مطول كان جمعه في غريب «شرح الوجيز» للإمام ~~الرافعي، وقال في آخر المصباح إنه جمع أصله من نحو سبعين مصنفا، وعد منها ~~كثيرا، وأنه فرغ من تأليفه سنة 734، وقد طبع «المصباح» في مطبعة بولاق الأميرية ~~سنة 1281 وطبع في غيرها. ~~(12) «القاموس» للفيروزآبادي # ومن كتب اللغة المشهور كتاب «القاموس المحيط» للإمام مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي # 1 # المولود بكارزين سنة 729، وقد اشتهر هذا الكتاب وتداولته الأيدي أكثر ~~من غيره حتى الآن، وترتيبه على نسق ترتيب «الصحاح»، من اعتبار أواخر الكلمات مجردة ~~للأبواب، وأوائلها للفصول، كما قيل: # إذا رمت في القاموس كشفا للفظة # فآخرها للباب والبدء للفصل # ولا تعتبر في بدئها وأخيرها # مزيدا ولكن اعتبارك بالأصل # إلا أن عبارة «الصحاح» أوسع وأصرح لا يظهر عليها أثر التكلف مشفوعة بالشواهد، ~~وعبارة «القاموس» ضيقة موجزة محذوفة الشواهد مطروحة الزوائد، وكثيرا ما يعمى ~~المراد منها على غير الممارس لمطالعته ولا العارف باصطلاحاته، قال في خطبته: ومن ~~بديع اختصاره، وحسن ترصيع تقصاره: (أ) أني إذا ذكرت صيغة المذكر أتبعتها المؤنث ~~بقولي: وهي بهاء ولا أعيد الصيغة. (ب) وإذا ذكرت المصدر مطلقا أو الماضي بدون ~~الآتي ولا مانع # 2 # فالفعل على مثال كتب. (ج) وإذا ذكرت آتيه بلا تقييد فهو على مثال: ضرب. ~~على أني أذهب إلى ما قال أبو زيد: # 3 # إذا جاوزت المشاهير من الأفعال التي يأتي ماضيها على «فعل» فأنت في ~~المستقبل بالخيار، إن شئت قلت: يفعل بضم العين، وإن شئت قلت: يفعل بكسرها. (د) ~~وكل كلمة عريتها عن الضبط فإنها بالفتح إلا ما اشتهر بخلافه اشتهارا رافعا ~~للنزاع من البين، وما سوى ذلك فأقيده بصريح الكلام غير مقتنع بتوشيح القلام. (ه) ~~مكتفيا بكتابة ع د ة ج م عن قولي موضع وبلد وقرية، والجمع ومعروف فتلخص، وكل غث ~~إن شاء الله عنه مصروف. ا.ه. # وفي «القاموس» 60 ألف مادة، فهو يزيد عن «الصحاح» بعشرين ألف، وينقص عن اللسان ~~بمثلها، والمواد المزيدة ms041 عن «الصحاح» كانت تكتب حمراء في نسخ «القاموس» المكتوبة ~~بالأيدي، فلما طبع ميزوها بوضع خطوط فوقها. # ومن الناس من يفضل «القاموس» على «الصحاح»؛ لزيادة المواد وكثرة اللغات وتكثير ~~المعاني للألفاظ مع الإيجاز ولما في «الصحاح» من الأوهام. وقد مدح «القاموس» غير ~~واحد، قال ابن العليف المتوفى بمكة سنة 815: # منذ مد مجد الدين في أيامه # من بعض أبحر علمه القاموسا # ذهبت صحاح الجوهري كأنها # سحر المدائن حين ألقى موسى # وقال آخر: # لمجد الدين في القاموس مجد # وفخر لا يوازيه موازي # أصح من الصحاح بغير شك # وإن خلط الحقيقة بالمجاز # ومنهم من يفضل «الصحاح» على «القاموس»؛ كالشيخ ~~عبد القادر اليمني، قال: «في زماننا قد نقصت رتبة «الصحاح» وشهرته، واكتفى الناس ~~ب «القاموس» لثلاثة أمور: الأول: جهلهم أن «الصحاح» أصح الكتب في اللغة حتى توهموا ~~أنه كثير الغلط لما سمعوا أن فيه تصحيفا يسيرا، ولم يعلموا أن ذلك لا يخلو منه ~~إلا كتاب الله تعالى، وأنه يمكن أن يعرفه كل مشتغل باللغة، الثاني: لجهلهم بعيوب ~~«القاموس» حتى صار عندهم جميع ما فيه قطعيا، الثالث: جهلهم بمحاسن «الصحاح»، وما ~~ادعى المجد أن الجوهري وهم فيه فهو دعوى مجردة، وأوهام «الصحاح» يسيرة كما نص ~~عليه الأئمة؛ ولذلك اعتمد عليه أئمة اللغة بخلاف «القاموس»، وإن أكب عليه أهل ~~عصرنا. على أننا تتبعنا كثيرا مما ادعى المجد وغيره أن الجوهري وهم فيه ~~فوجدناه صحيحا، وقد أبان ذلك شيخنا ابن الطيب في «شرح القاموس».» ا.ه. وقد رد ~~على أصحاب القول الأول الشيخ عبد الغني النابلسي بقوله: # من قال: بطلت صحاح الجوهري # لما أتى القاموس فهو المفتري # قلت: اسمه القاموس وهو البحر إن # يفخر فمعظم فخره بالجوهري # وتوفي الفيروزآبادي في اليمن بزبيد سنة 817، وقد كتب كثير من الحواشي والشروح على ~~«القاموس»؛ فمن ذلك حاشية ابن الطيب المولود بفاس سنة 1110، وشرح السيد محمد مرتضى ~~نزيل مصر المتوفى بها سنة 1205 عن ستين سنة، وكان تلميذ ابن الطيب، وقد طبع هذا ~~الشرح حديثا في المطبعة الخيرية سنة 1306 في عشرة أجزاء ms042 ضخام، وقد طبع «القاموس» ~~ثلاث مرات في مطبعة بولاق الأميرية، وآخر طبعة كانت سنة 1301 بعد الهجرة. ~~(13) «مختار الصحاح» # اختصر «الصحاح» الإمام محمد بن أبي بكر الرازي، وسمى مختصره «مختار الصحاح» وهو ~~مشهور متداول، فرغ من تأليفه سنة 760. ~~(14) «المزهر في علوم اللغة» # كتاب جليل الفائدة ألفه جلال الدين ~~السيوطي المولود سنة 849 والمتوفى سنة 911، قال في خطبته: «هذا علم شريف ابتكرت ~~ترتيبه واخترعت تنويعه وتبويبه، وذلك في علوم اللغة وأنواعها وشروط أدائها وسماعها، ~~حاكيت به علوم الحديث في التقاسيم والأنواع، وأتيت فيه بعجائب وغرائب حسنة الإبداع، ~~وقد كان كثير ممن تقدم يلم بأشياء من ذلك، ويعتني في تمهيدها ببيان المسالك، غير أن ~~هذا المجموع لم يسبق إليه سابق ولا طرق سبيله قبلي طارق، وقد سميته ب «المزهر في ~~علوم اللغة».» وقد جاء بخمسين نوعا، ثمانية منها راجعة إلى اللغة من حيث الإسناد، ~~وثلاثة عشر منها من حيث الألفاظ، وثلاثة عشر أيضا من حيث المعنى، وخمسة منها من ~~حيث لطائفها، والباقية منها راجعة إلى رجال اللغة ورواتها، وقد طبع هذا الكتاب ~~بمطبعة بولاق سنة 1282. ~~(15) «محيط المحيط» و«قطر المحيط» # كتابان ألفهما المعلم بطرس البستاني اللبناني المولود سنة 1819 بعد الميلاد، ~~والمتوفى سنة 1883، قال في أول «محيط المحيط» إنه يحتوي على «محيط الفيروزآبادي»، ~~وعلى زيادات كثيرة عثر عليها. وقال في أول «قطر المحيط» إنه سماه بذلك؛ لأن نسبته ~~إلى «محيط المحيط» تقرب من أن تكون كنسبته قطر دائرة إلى محيطها. وفرغ من تأليف ~~الأول سنة 1261 بعد الهجرة، ومن الثاني سنة 1286، وهما في ترتيب المواد اللغوية ~~ك «المصباح»، وقد طبعا في بيروت، ومنهما نسختان في المكتبة الخديوية. ~~(16) «الجاسوس» و«سر الليال» # كتابان ألفهما أحمد أفندي فارس، صاحب «الجوائب»، الأول في تخطئة «القاموس»، وقد ~~طبع في القسطنطينية سنة 1299، والثاني في القلب والإبدال، وقد تم طبعه سنة 1284 ~~بالآستانة العلية، وتوفي أحمد فارس سنة 1305. ~~(17) «أقرب الموارد في فصح العربية والشوارد» # كتاب نفيس ألفه الفاضل سعيد أفندي الشرتوني اللبناني، من نبهاء هذا العصر، ~~وقد طبع في بيروت ms043 سنة 1889 بعد الميلاد في سفرين ضخمين، وطريقته في الترتيب ~~ك «المصباح». ~~(18) «قلائد الذهب في فصيح لغة العرب» # كتاب جمعت فيه من الألفاظ ما هو كثير الدوران على ألسنة الفصحاء، ومشخص للمعاني ~~المتواردة على أفئدة البلغاء، يتبع اللفظ معناه، ويشفع هذا بشاهد أو مثال يهدي إلى ~~مرماه؛ فتستبين بذلك مرامي الكلام، وينال الطالب ما يعز من فوق الثمام: # يقرب الأقصى مع الإيجاز # ويردف الأصلي بالمجاز # شواهده وأمثلته توقف على مناهج الإنشاء والتأليف، وتوفق إلى مدارج الإبداع في ~~التصنيف، يرتب كلمات المادة اللغوية حسب معانيها الأصلية والفرعية، والمواد مرتبة ~~ترتيب الحروف على وجه جميل مألوف يستسهل معه الكشف، ويستعذب منه الرشف. وقد طبع ~~منه السفر الأول في مطبعة بولاق سنة 1311، وهذا السفر يشمل نحو خمسة آلاف كلمة ~~لغوية ولها من الشواهد نحو 500 بيت شعر، و500 آية، و150 حديثا، و100 مثل سائر، ~~وغير ذلك من نوابغ الكلم وجوامع الحكم، وفي مادة «جلل» مقامة أدبية بديعة. # | الباب الثاني # في تاريخ الكتابة أو الخط # الفصل الأول # | في تعريف الكتابة # الكتابة أو الخط: تصوير اللفظ بحروف هجائه، ومثلها الكتاب بدون هاء، قال تعالى لعيسى ~~عليه السلام: # وإذ علمتك الكتاب ~~والحكمة ~~، وقد يطلق كل منهما على المكتوب من إطلاق المصدر على اسم ~~المفعول؛ كالحياكة في المحيك، والبساط في المبسوط، وعلى هذا تعرف الكتابة بأنها: ~~نقوش القلم المخصوصة الدالة على المعاني المقصود دلالة الألفاظ عليها، فهي واللغة ~~سيان، ولا اختلاف بينهما إلا في طريقة التبليغ إلى الذهن، ففي اللغة ينقل الهواء ~~الصوت إلى السمع فيصل إلى الذهن، وفي الكتابة ينظر البصر المكتوب وينقله إليه، وقد ~~تطلق الكتابة على صناعة الإنشاء، وبهذا ترادف النثر وتقابل ~~القريض، قال الشاعر: # وما كل من لاق اليراع بكاتب # ولا كل من راش السهام بصائب # الفصل الثاني # | في تاريخ الخط العربي # كثرت الأقوال في أولية الخط العربي، والذي يؤخذ من مجموعها أن أهل اليمن الحميريين ~~كانوا يكتبون، وخطهم المسمى بالمسند كان ذا حروف منفصلة، وكانوا يمنعون العامة من ~~تعلمه. ومن خطهم استنبط ms044 عرب طيئ خطا ذا اتصال وانفصال بدون نقط ولا إعجام سموه ~~بالجزم، فأخذه عنهم أهل العراق، ومن هؤلاء تعلمه عرب قريش. وفي «المزهر»: قال ابن دريد ~~في «أماليه»: أخبرني السكن بن سعيد عن محمد بن عباد عن ابن الكلبي عن عوانة قال: أول ~~من كتب بخطنا هذا - وهو الجزم - مرامر بن مرة، وأسلم بن سدرة الطائيان، ثم علموه أهل ~~الأنبار، فتعلمه بشر بن عبد الملك أخو أكيدر بن عبد الملك الكندي، صاحب دومة الجندل، ~~وخرج إلى مكة فتزوج الصهباء بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان، فعلم جماعة من أهل مكة؛ ~~فلذلك كثر من يكتب بمكة من قريش، فقال رجل من أهل دومة الجندل من كندة يمن على قريش ~~بذلك: # لا تجحدوا نعماء بشر عليكمو # فقد كان ميمون النقيبة أزهرا # أتاكم بخط الجزم حتى حفظتمو # من المال ما قد كان شتى مبعثرا # وأتقنتمو ما كان بالمال مهملا # وطامنتمو ما كان منه منفرا # فأجريتم الأقلام عودا وبدأة # وضاهيتمو كتاب كسرى وقيصرا # وأغنيتمو عن مسند الحي حميرا # وما زبرت في الصحف أقيال حميرا # وممن اشتهر في الإسلام بالكتابة من علية الصحابة: عمر وعثمان وعلي وطلحة وأبو عبيدة ~~وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ويزيد بن أبي سفيان. # وفي «المطالع»: ومعرفة شرذمة من قريش للكتابة لا تنفي عن العرب الأمية التي وصفهم ~~الله بها في قوله تعالى: # هو الذي بعث في الأميين ~~رسولا منهم ~~. وانتشرت الكتابة في المدينة بعد الهجرة بنحو سنة، وذلك ~~أنه لما أسرت الأنصار سبعين رجلا من صناديد قريش وغيرهم في غزوة بدر جعلوا على كل واحد ~~منهم من الأسرى فداء من المال، وعلى كل من عجز عن الافتداء بالمال أن يعلم الكتابة ~~لعشرة من صبيان المدينة، فلا يطلقونه إلا بعد تعليمهم، فبذلك كثرت فيها الكتابة وصارت ~~تنتشر في كل ناحية فتحها الإسلام في حياته - عليه السلام - وبعده. وقد بلغ عدد كتابه ~~- عليه السلام - ثلاثة وأربعين كاتبا، منهم: زيد بن ثابت ومعاوية بن أبي سفيان، ~~واختلف في كونه # صلى الله ms045 عليه وسلم # يقرأ ويكتب، فمن قال بذلك استدل بقوله تعالى: # رسول من الله يتلو صحفا مطهرة ~~، وبحديث ~~البخاري أنه - عليه الصلاة والسلام - في غزوة الحديبية أخذ الكتاب ليكتب فكتب. ومن قال ~~بأنه أمي استدل بقوله تعالى: # وما كنت تتلو من ~~قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك ~~، وبحديث البخاري: «نحن ~~أمة أمية لا نكتب ولا نحسب.» وقد أخذ أبو الوليد الأندلسي بظاهر الحديث فقام ~~عليه علماء عصره وطلبوه عند أميرهم فجمعهم وإياه، واحتجوا عليه بأنه قد خالف نص الآية ~~الكريمة، وهي: # وما كنت تتلو من قبله من كتاب ~~ولا تخطه بيمينك ~~، فاستظهر عليهم بأن هذا النفي مقيد بما قبل ~~ورود القرآن، وأما بعد أن تحققت أميته وتقررت بذلك معجزاته فلا مانع أن يعرف ~~الكتابة من غير معلم، ويكون ذلك معجزة أخرى له، ووافقه على ذلك شيخه أبو ذر الهروي، ~~والنيسابوري، وجماعة من علماء إفريقية محتجين بما ورد أنه ما مات رسول الله # صلى الله عليه وسلم # حتى كتب وقرأ. وقد روي عن جعفر الصادق - رضي الله عنه - أنه قال: كان يقرأ من الكتب ~~وإن كان لا يكتب. ا.ه. بتصرف. # وقد كتبت المصاحف العثمانية بخط الجزم، وسمي بالخط الكوفي بعد إنشاء الكوفة، ~~واستعمل في عهد بني أمية مع ترقية في درجات الحسن تبعا لحضارة الأمة الإسلامية، ~~وتمييز الحروف المتشابهة بالنقط حدث في صدر الإسلام، ذكر ابن خلكان في ترجمة الحجاج أن ~~أبا أحمد العسكري قال: «إن الناس غبروا يقرءون في مصحف عثمان بن عفان - رضي الله عنه - ~~نيفا وأربعين سنة إلى أيام عبد الملك بن مروان، ثم كثر التصحيف وانتشر بالعراق، ففزع ~~الحجاج بن يوسف إلى كتابه، فسألهم أن يضعوا علامات لهذه الحروف المتشابهة، فيقال إن ~~نصر بن عاصم قام بذلك، فوضع النقط أفرادا وأزواجا، وخالف بين أماكنها فغبر الناس بذلك ~~لا يكتبون إلا منقوطا، فكان مع استعمال النقط يقع التصحيف، فأحدثوا الإعجام، فكانوا ~~يتبعون النقط بالإعجام.» ويظهر من هذا أن الإعجام هو الشكل وأنه غير النقط، وأنه وضع ~~في زمن الحجاج، ms046 وهذا لا ينافي ما روي من أن أول من نقط المصحف «أبو الأسود الدؤلي» فإن ~~النقط الذي وضعه كان عبارة عن علامات الإعراب ليس إلا، كما يؤخذ من الروايات المعزوة ~~إليه، قال أبو علي المقري في كتاب «المقنع»: «اختلف الرواة فيمن نقط المصاحف من ~~التابعين، فروينا أن المبتدي بذلك كان أبا الأسود، وأنه أراد أن يعمل كتابا في النحو ~~يقوم الناس به ما فسد من كلامهم فقال: أرى أن أبتدئ بإعراب القرآن أولا، فأحضر من ~~يمسك المصحف، وأحضر صبغا يخالف لون المداد، وقال للذي يمسك المصحف: إذا فتحت شفتي ~~فاجعل نقطة فوق الحرف، وإذا كسرتهما فاجعل النقطة تحت الحرف، وإذا ضممتهما فاجعل النقطة ~~إلى جانب الحرف، فإذا أتبعت شيئا من هذه الحركات غنة فاجعل نقطتين، ففعل ذلك حتى ~~أتى على آخر المصحف.» وذكر في «المحكم» سبب ذلك؛ أن معاوية كتب إلى زياد يطلب عبد الله ~~ابنه، فلما قدم عليه وجده يلحن، فرده إلى زياد وكتب إليه كتابا يلومه فيه على ذلك، ~~فبعث زياد إلى أبي الأسود وطلب منه أن يضع شيئا يصلح الناس به كلامهم ويعرفون به كلام ~~الله تعالى، فأبى ذلك أبو الأسود فوجه زياد رجلا وقال له: اقعد في طريق أبي الأسود ~~فإذا مر بك فاقرأ شيئا من القرآن وتعمد اللحن، فلما مر أبو الأسود رفع الرجل ~~صوته وقال: «أن الله بريء من المشركين ورسوله» بالجر، فاستعظم ذلك ~~أبو الأسود وقال: عز وجه الله أن يتبرأ من رسوله! ثم رجع من فوره إلى زياد وقال له: ~~قد أجبتك إلى ما سألت ورأيت أن أبدأ بإعراب القرآن، فابعث إلي ثلاثين رجلا. فأحضرهم ~~زياد فاختار منهم عشرة، ثم لم يزل يختار حتى اختار رجلا من عبد القيس، فقال: خذ المصحف ~~وصبغا يخالف لون المداد ... وساق الحديث المتقدم. # وأما ما وضع في زمن الحجاج فكان نقطا لتمييز الحروف المتشابهة، وشكلا للأوائل ~~والأواسط، وخولفت طريقة نقط أبي الأسود إلى طريقة الشكل الحديث، ويقال: إن الخليل بن ~~أحمد هو الذي تمم بقية علامات ms047 الإعجام، كالشدة والمدة والقطعة والصلة، وهذب في ~~جميع العلامات فجعل الضمة واوا صغيرة فوق الحرف، والكسرة ياء تحته، والفتحة ألفا ~~مسطحة فوقه، والشدة رأس شين، والصلة رأس صاد، وسمى كل هذه العلامات «بالشكل» أخذا من ~~شكال الدابة الذي تقيد به، فكأن شكل الكلمة يقيدها عن الاختلاف فيها ويزيل عنها ~~الإبهام. قال ابن خلكان: إن الخليل هو أول من صنف كتابا في الشكل، ومع ما تقدم ~~فالنقط والشكل يسميان بالإعجام، من أعجمته إذا أزلت عجمته وبينته؛ ولهذا تسمى ~~حروف الهجاء العربية بحروف المعجم. وقد يخصص الإعجام بالحرف المنقوط إذا شاركه في صورته ~~الخطية حرف آخر مهمل فيقال: خاء معجمة وحاء مهملة ومثلهما الذال والدال والزاي والراء ~~والشين والسين والغين والعين، لكن الباء وأمثالها لا توصف بالإعجام، بل بالموحدة ~~والمثناة الفوقية والتحتية والمثلثة، وكذا الظاء يقال فيها: المشالة، والضاد ~~الساقطة. # وانتقل الخط الكوفي إلى الأمصار التي افتتحها الإسلام، وتنوعت أشكاله ورسومه واختلفت ~~أسماؤه؛ فانتقل من الأمويين إلى بلاد إفريقية الشمالية، وتولد منه الخط المغربي ~~المستعمل للآن في الجزائر وتونس وطرابلس ومراكش، وأول من وصف بحسن الخط في صدر الإسلام ~~«خالد بن الهياج»، وكان يكتب المصاحف والأشعار والأخبار للوليد بن عبد الملك سادس خلفاء ~~بني أمية المتولي الخلافة سنة 86 من الهجرة، وفي أول خلافة بني العباس ظهر «الضحاك» ~~الكاتب، وجاء بعده «إسحاق بن حماد» في خلافة المنصور والمهدي، وقد كتب عليه عدة تلامذة ~~أنواعا مختلفة من الخطوط الموزونة، منها ما يعرف بقلم الطومار الكبير، وقلم الجليل، ~~وقلم السجلات، وقلم الديباج، وقلم العهود، وقلم القصص. ويقال: إن جودة الخط انتهت إلى ~~رجلين من أهل الشام: «الضحاك»، و«إسحاق بن حماد» وكانا يخطان الجليل، قيل: وكأنه ~~الطومار أو قريب منه، وأقول: لعله ما يعرف بالجلي الآن. # ومن كتاب المصاحف في عهد الرشيد: «خشنام البصري»، و«المهدي الكوفي». # وفي عهد المأمون أخذ الكتاب بتجويد خطوطهم، وظهر «إبراهيم السجزي» وأخوه يوسف، ~~و«الأحول» الذي تكلم على رسوم الخط وقوانينه وجعله أنواعا، وظهر قلم الثلثين، وقلم ~~الثلث، وقلم النصف، وقلم ms048 النسخ، والقلم الرياسي نسبة إلى ذي الرياستين «الفضل بن سهل»، ~~وكانت تحرر به الكتب السلطانية، وقلم غبار الحلية، ويقال: إن قلم غبار الحلية حروفه ~~كلها مستديرة، بخلاف قلم الطومار فإن حروفه كلها مستقيمة فهما حاشيتان وبينهما خطوط ~~الثلثين والنصف والثلث على حسب استقامة ثلثي الحروف أو نصفها أو ثلثها. ثم كان «أبو ~~الحسين إبراهيم التميمي» معلم المقتدر وأولاده، وكان أكتب أهل زمانه، وله رسالة ~~في الخط سماها «تحفة الوامق». قيل: واستمر الخط الكوفي نحو ثلاثة قرون هجرية إلى أن ~~ظهر في بغداد الوزير «ابن مقلة» وأخوه عبد الله، فحولا الكتابة الكوفية في أواخر ~~القرن الثالث إلى طريقة النسخ المستعملة إلى الآن في كتابة الكتب والمصاحف. لكن الظاهر ~~أن التحويل ابتدأ قبل ابن مقلة كما يؤخذ مما سبق، وإنما نسب إليه ذلك لكونه هو الذي ~~أتم إزالة غبار الكوفية عن وجه الخط فظهر بديعا. وتوفي ابن مقلة سنة 328. ومن الثلث ~~والنسخ تولد خط التوقيع، وفي بلاد العجم تولد خط التعليق ويعرف بالفارسي وهو ~~مستعمل بها للآن. وجاء بعد ابن مقلة «ابن البواب» المتوفى سنة 413، قيل: ولا يوجد في ~~المتقدمين من كتب مثله ولا قاربه وإن كان ابن مقلة أول من نقل هذه الطريقة من خط ~~الكوفيين وأبرزها في هذه الصورة، وله بذلك فضيلة السبق، وخطه أيضا في نهاية الحسن، لكن ~~ابن البواب هذب طريقته ونقحها وكساها حلاوة وبهجة. ثم ظهر «أبو الدر ياقوت ~~الموصلي» الملقب بالملكي نسبة إلى السلطان «ملكشاه أبي الفتح بن سلجوق»، قيل: كان ~~مولعا بنسخ «الصحاح للجوهري»، وكان يبيع النسخة منه بمائة دينار، توفي سنة 618. ثم ~~«أبو المجد ياقوت الرومي المستعصمي» المتوفى سنة 698، وهو الذي سار ذكره في الآفاق، ~~واعترفوا بالعجز عن مداناة رتبته. # وبعد سقوط بغداد انتقل تقدم العلوم والكتابة إلى مصر إلى أن ظهرت الدولة العثمانية ~~بالقسطنطينية، فارتقت فيها الخطوط إلى أقصى درجات الحسن والكمال، واشتهر عندهم من ~~الخطوط: الثلث والنسخ والتعليق والريحان والمحقق والرقاع والديواني. ومن أشهر كتابهم ~~المتأخرين حمد الله المعروف بابن الشيخ، والحافظ ms049 عثمان، ومحمود المعروف بجلال الدين، ~~والسيد الحاج محمد المعروف بشكرزاده. ومن أشهر كتاب مصر المعاصرين: محمد أفندي مؤنس، ~~ومحمد أفندي جعفر، واشتهر قبلهما عبد الله بك زهدي. والآن نرى حسن الخط وتقدمه في ~~حواضر الدولة العلية والعجم. وفي المكتبة الخديوية كثير من المصاحف القرآنية قديمة ~~وحديثة يؤخذ من الاطلاع عليها سير الخط وترقيه؛ منها مصحف مكتوب بالخط الكوفي على رق ~~غزال، إلا أن يد الزمان أضاعت بعض صفحاته وأبلت البعض الآخر، واستحضر هذا المصحف من ~~جامع عمرو بن العاص، ويقال: إنه مصحف سيدنا عثمان بن عفان وأنه الذي كان بين يديه يوم ~~الدار، وأنه استخرج من خزائن المقتدر، فأخذه أبو بكر الخازن وجعله في جامع عمرو، ~~ويحتمل أن يكون المصحف الذي أرسل إلى مصر في عهد الخليفة. ومنها نصف مصحف مكتوب بالخط ~~الكوفي على رق غزال، يقال إنه بخط الإمام جعفر الصادق المولود سنة 80، والمتوفى سنة 148 ~~من الهجرة. وهذا وما قبله ليس بهما نقط ولا إعجام. ومنها مصحف مكتوب بخط مغربي من وقف ~~الأمير محمد بك أبي الذهب. ومنها جزء أول سورة الحجر بقلم نسخ يقال إنه بخط «ابن ~~مقلة» في شهور سنة 308، وهو ذو جداول ومحلى بالذهب. ومنها مصحف بقلم ياقوت المستعصمي ~~فرغ من كتابته سنة 690. ومنها مصحف بالقلم الريحاني فرغ من كتابته «عبد الرحمن ~~بن الصائغ» سنة 814، وهذا المصحف وقف السلطان فرج ابن السلطان برقوق المتوفى سنة 815. ~~ومنها مصحف بقلم «حمد الله» المتوفى في القرن الحادي عشر الهجري. ومنها مصحف بقلم ~~«الحافظ عثمان» فرغ من كتابته سنة 1083، وآخر مطبوع مأخوذ بالمصورة الشمسية ~~(الفوتوغرافية) من مصحف فرغ من كتابته سنة 1094، وقد أخذت مصاحف الحافظ عثمان شهرة ~~فائقة وللناس فيها رغبات زائدة. وفي المكتبة الخديوية أيضا مجموعات خطوط بأقلام كثيرين ~~من مشاهير الكتاب، منها مجموعات خطوط مطبوعة ومأخوذة بالمصورة من خط محمود جلال ~~الدين، كتب بعضها سنة 1109، ومجموعاته المطبوعة تتخذ الآن أساليب لتعليم الخطوط في ~~المدارس المصرية. # ولا ريب أن النساخين في العصر السالف كانوا يفنون أعمارهم النفيسة في ms050 نسخ القليل من ~~الكتب، فضلا عن المشاق التي كانوا يكابدونها في النسخ؛ ولذا كانت كتبهم غالية ~~القيمة جدا، وأما الآن فالمطابع نسخت كل هذه الصعوبات وقربت البعيد، وجعلت الكتب سهلة ~~الحصول للغني والفقير. والذي اخترع فن الطباعة رجل جرماني يسمى «يوحنا غوتمبرج» في ~~القرن الخامس عشر الميلادي (راجع الجزء الثاني من كتابنا «دروس الأشياء»). # الفصل الثالث # | في الحروف ونقطها # حروف الخط العربي أثرت عن السلف مرتبة ترتيبين: ترتيب «أبجد هوز حطي كلمن سعفص ~~قرشت ثخذ ضظغ»، وترتيب «أ ب ت ث ج ح خ د ذ ر ز س ش ص ض ط ظ ع غ ف ق ك ل م ن ه و لا ي»، ~~وعلى الترتيب الأول نرى عددها 28 حرفا، وعلى الثاني 29 حرفا، فإن فيه أول حرف عبارة ~~عن الألف اليابسة وهي الهمزة التي تقبل الحركات، وأما الألف اللينة التي لا يمكن النطق ~~بها على حدتها، فجاء بها معتمدة على اللام في «لا»، ويحقق ذلك أنه وسطها بين حرفي ~~العلة الواو والياء بخلاف الترتيب الأول، فإنه أدرج قسمي الألف في أول الحروف. وإذا ~~تأملت في الترتيب الثاني تراه في الأغلب جمع الحروف المتقاربة في الصورة الخطية أو ~~النطق بعضها بجانب بعض بخلاف الترتيب الأول، لكنهم يبنون عليه ما يسمونه بحساب الجمل؛ ~~فيجعلون من الألف إلى الطاء للآحاد، ومن الياء إلى الطاء للعشرات، ومن القاف إلى الظاء ~~للمئات، ويحسبون الغين بألف. وكلا الترتيبين مبدوء بالألف؛ قيل: لأنها من أقصى الحلق ~~وهو مبدأ المخارج، وقيل: لاستقامته كما أشار إلى ذلك يحيى بن زياد في قوله: # ألف الكتابة وهو بعض حروفها # لما استقام على الجميع تقدما # ويظهر أن تعليم الهجاء على ترتيب «أبجد» سابق على الترتيب الآخر، حكي عن عمر بن ~~الخطاب أنه لقي أعرابيا فقال له: هل تحسن أن تقرأ شيئا من القرآن؟ فقال: نعم. قال: ~~فاقرأ أم القرآن! فقال: والله ما أحسن البنات فكيف الأم؟ قال: فضربه ثم أسلمه إلى ~~الكتاب، فمكث فيه حينا، فهرب ثم أنشأ ms051 يقول: # أتيت مهاجرين فعلموني # ثلاثة أسطر متتابعات # كتاب الله في رق صحيح # وآيات القران مفصلات # وخطوا لي أبا جاد وقالوا # تعلم سعفصا وقريشيات # وما أنا والكتابة والتهجي # وما خط البنين من البنات # وقال أحمد فارس: «أما ترتيب الحروف على أبجد فالظاهر أنه جرى على ترتيب اللغة ~~السريانية إلى حرف التاء وهي فيها «تاو»، ثم زادوا عليها ثخذ ضظغ؛ لأن الثاء والخاء ~~والذال ليس لها فيها شكل مخصوص، وإنما تتميز عن الثاء والكاف والدال بالنقط، وحرفا ~~الضاد والظاء لا وجود لهما فيها لا رسما ولا نطقا، والغين تتميز عن الجيم التي تقدم ~~ذكرها بنقطة في جوفها.» ا.ه. والمغاربة يخالفوننا في ترتيب الأبجدية؛ فهي عندهم أبجد ~~هوز حطي كلمن صعفض قرست ثخذ ظغش؛ ولهذا يخالف حساب جملهم ما عندنا في ستة أحرف تعلم ~~من مقارنة الترتيبين. ويخالفوننا أيضا في الترتيب الثاني فهو عندهم هكذا: «أ ب ت ث ج ح ~~خ د ذ ر ز ط ظ ك ل م ن ص ض ع غ ف ق س ش ه و لا ي»، وينقطون الفاء من أسفل، والقاف ~~واحدة من فوق، ويميلون كالترك بالضاد في النطق نحو الظاء. والفرس يكتبون لغتهم بالحروف ~~العربية إلا أنهم يزيدونها أربعة أحرف: (1) باء بثلاث نقاط ينطق بها بين الباء ~~العربية والفاء كما في «پك» بمعنى جدا. (2) وجيما بثلاث نقط ينطق بها بين الشين ~~والتاء كما في «چوق» بمعنى كثير. (3) وزايا بثلاث نقط ينطق بها بين الزاي والجيم ~~العربيتين كما في «مژدة» بمعنى بشرى. (4) وكافا ينطق بها كالجيم المصرية كما في «گرد» ~~بمعنى شجاع. وكذا الترك يكتبون لغتهم بالحروف العربية لكنهم زادوها هذه الأربعة السالفة ~~وحرفا خامسا، وهو كاف ينطق بها كالنون كما في «بيكباشي» بمعنى رئيس ألف. ~~(1) كتابة الألفاظ غير العربية بالخط العربي # وكتاب العربية إذا عرض لهم حرف من هذه الأحرف ردوه إلى أقرب الحروف إليه؛ ~~فأبدلوا الكاف الفارسية في «نركس» و«كلنار» عند التعريب بالجيم وكتبوا نرجس وجلنار. ~~وأبدلوا باء «پالوزة» الفارسية بالفاء وكتبوا فالوذ، ms052 وعامة مصر يقولون: «بالوظة». ~~قال ابن فارس في «فقه اللغة»: حدثني علي بن أحمد الصباحي قال: سمعت ابن دريد ~~يقول: حروف لا تتكلم العرب بها إلا ضرورة، فإذا اضطروا إليها حولوها عند التكلم إلى ~~أقرب الحروف من مخارجها، كالحرف الذي بين الباء والفاء مثل: پور، إذا اضطروا قالوا: ~~فور. قال ابن فارس: وهذا صحيح؛ لأن پور ليس من كلام العرب؛ فلذا يحتاج العربي عند ~~تعريبه إياه أن يصيره فاء. # واستحسن بعض المتأخرين أن يتبع في كتابة هذه الأحرف ما يكتب عند أهلها بتعداد ~~نقطها؛ تنبيها على أنها دخيلة، وأن يلفظ بها كنطقها الأصلي، وهذا الاستحسان أتى ~~له مما رآه ابن خلدون في مقدمته، وهو: (اعلم) أن الحروف في النطق هي كيفيات ~~الأصوات الخارجة من الحنجرة تعرض من تقطيع الصوت بقرع اللهاة وأطراف اللسان مع ~~الحنك والحلق والأضراس، أو بقرع الشفتين أيضا، فتتغاير كيفيات الأصوات بتغاير ذلك ~~القرع، وتجيء الحروف متمايزة في السمع، وتتركب منها الكلمات الدالة على ما في ~~الضمائر. وليست الأمم كلها متساوية في النطق بتلك الحروف، فقد يكون لأمة من الحروف ~~ما ليس لأمة أخرى، والحروف التي نطقت بها العرب هي ثمانية وعشرون حرفا، ونجد ~~للعبرانيين حروفا ليست في لغتنا، وفي لغتنا أيضا حروف ليست في لغتهم، وكذا ~~الإفرنج والترك والبربر وغير هؤلاء من العجم. ثم إن أهل الكتاب من العرب اصطلحوا في ~~الدلالة على حروفهم المسموعة بأوضاع حروف مكتوبة متميزة بأشخاصها كوضع ألف وباء ~~وجيم وراء وطاء إلى آخر الثمانية والعشرين، وإذا عرض لهم الحرف الذي ليس من حروف ~~لغتهم بقي مهملا عن الدلالة الكتابية مغفلا عن البيان، وربما يرسمه بعض الكتاب ~~بشكل الحرف الذي يليه من لغتنا قبله أو بعده، وليس ذلك بكاف في الدلالة بل هو ~~تغيير للحرف من أصله. # ولما كان كتابنا مشتملا على أخبار البربر وبعض العجم، وكانت تعرض لنا في أسمائهم ~~أو بعض كلماتهم حروف ليست من لغة كتابتنا ولا اصطلاح أوضاعنا؛ اضطررنا إلى بيانه ~~ولم نكتف برسم الحرف الذي يليه كما ms053 قلناه؛ لأنه عندنا غير واف بالدلالة عليه، ~~فاصطلحت في كتابي هذا على أن أضع ذلك الحرف العجمي بما يدل على الحرفين اللذين ~~يكتنفانه؛ ليتوسط القاري بالنطق به بين مخرجي ذينك الحرفين فتحصل تأديته. وإنما ~~اقتبست ذلك من رسم أهل المصحف حروف الإشمام؛ «كالصراط» في قراءة خلف فإن النطق ~~بصاده فيها معجم متوسط بين الصاد والزاي ، فوضعوا الصاد ورسموا في داخلها شكل الزاي، ~~ودل ذلك عندهم على التوسط بين الحرفين، فكذلك رسمت أنا كل حرف يتوسط بين حرفين ~~من حروفنا، كالكاف المتوسطة عند البربر بين الكاف الصريحة عندنا والجيم أو القاف، ~~مثل: اسم بلكين فأضعها كافا وأنقطها بنقطة الجيم واحدة من أسفل، أو بنقطة القاف ~~واحدة من فوق أو اثنتين، فيدل ذلك على أنه متوسط بين الكاف والجيم أو القاف. وهذا ~~الحرف أكثر ما يجيء في لغة البربر وما جاء من غيره، فعلى هذا القياس أضع الحرف ~~المتوسط بين الحرفين من لغتنا بالحرفين معا ليعلم القارئ أنه متوسط فينطق به كذلك ~~فيكون قد دللنا عليه، ولو وضعناه برسم الحرف الواحد عن جانبيه لكنا قد صرفناه من ~~مخرجه إلى مخرج الحرف الذي من لغتنا وغيرنا لغة القوم. # وأقول: ما استحسنه البعض وما رآه ابن خلدون أولا لا يسري حكمه على الألفاظ ~~المعربة المدونة في كتب اللغة، وثانيا إذا اتبعناه في غير هذه الألفاظ ~~وبالقياس عليه وضعنا أوضاعا جديدة كتابية لتشخيص نطق الألفاظ الإفرنجية الدخيلة في ~~لسان تخاطبنا الآن - وهي كثيرة جدا ربما لا يسعها سفر ضخم - تكلمنا بلسان غيرنا، ~~ونحونا بلهجتنا إلى منحى صعب غير مألوف لألسنتنا، وربما تعذر أداؤه مع حركات ~~النطق الأجنبية الغريبة عن حركاتنا، فالأحسن طريقة السلف، وهي إذا مست الحاجة إلى ~~دخول لفظ أجنبي في لغتنا يجب وضعه في القالب العربي والنطق به على حسبه، وبهذا يكون ~~من عداد الألفاظ العربية. قال صاحب «الصحاح»: تعريب الاسم الأعجمي أن تتفوه به ~~العرب على منهاجها، وبالمثل نرى الإفرنج إذا أخذوا لفظا من لغتنا فيه حاء أو خاء ~~أو صاد أو ms054 ضاد أو طاء أو ظاء أو عين أو غين أو قاف حروف ليست في لغاتهم حولوا هذه ~~الحروف إلى ما يقرب منها، ويا ليتهم اقتصروا على ذلك! بل حرفوا الكلمات العربية ~~جوهرها وعرضها؛ فالفرنسيس قالوا في صلاح الدين سلدن # SALADIN # وفي ابن سينا أڤسين # AVICENNE ~~، وفي ابن رشد أڤروويس # AVFRROES ~~، وفي رشيد روزيت # ROSETTE ~~، كلمات صارت في عداد كلماتهم مدونة في معجماتهم. ومع ~~هذا إذا كان الغرض مجرد بيان النطق الأجنبي والمقام مقام توقيف فلا بأس بما استحسنه ~~البعض، ويوضع نقطة تحت الكاف لينطق بها جيما، وفوقها لينطق بها نونا، ووضع ثلاث ~~نقط فوق الفاء لينطق بها كحرف متوسط بين الباء الفارسية والفاء العربية، ووضع ألف ~~صغيرة فوق الحرف وياء بعده إذا أريد إمالته، ووضع ضمة وفتحة فوق الحرف إذا أريد ~~نطقه بحركة متوسطة بين الضمة والفتحة ونحو ذلك، كما ترى بعض هذا في أمثلة صلاح ~~الدين وابن سينا وابن رشد ورشيد السابقة، فتدبر. # الفصل الرابع # | في علوم الخط # قد صنفوا علوما مختلفة في الخط، منها ما يتعلق بأدواته من القلم والدواة والمداد ~~والكاغد. ونظم «ابن البواب» في أدوات الكتابة قصيدة رائية، ولياقوت رسالة فيها أيضا. ~~قال عبد الحميد الكاتب المشهور لمسلم بن قتيبة، وقد رآه يكتب خطا رديئا: «إن كنت تحب ~~أن تجود خطك فأطل جلفتك وأسمنها، وجوف قطتك وأيمنها.» قال مسلم: ففعلت ذلك فجاد ~~خطي. ومنها ما يتعلق بقوانين الكتابة؛ أي في كيفية نقش صور الحروف. ولمحمد أفندي مؤنس ~~المصري رسالة في ذلك سماها: «الميزان المألوف». ومنها ما يتعلق بتحسين الكتابة، ويرجع ~~ذلك إلى حسن تشكيل الحروف، وإلى حسن وضع الكلمات. ومنها ما يتعلق بالإملاء، وللشيخ نصر ~~الهوريني كتاب جليل في هذا الموضوع سماه: «المطالع النصيرية»، وقد تمت تأليفا وطبعا ~~سنة 1275 للهجرة. # وأعيد طبعها بالمطبعة الأميرية سنة 1302. وللشيخ مصطفى السفطي المؤدب بالمدارس ~~المصرية رسالة مفيدة في هذا الموضوع اسمها: «عنوان النجابة في قواعد الكتابة»، وللفاضل ~~السيد محمد الببلاوي وكيل المكتبة الخديوية منظومة لطيفة في قواعد الرسم، فرغ ms055 من ~~تأليفها سنة 1306، وهي مطبوعة في مجموع المتون. ومنها ما يتعلق بخط المصحف، فإن فيه ~~أشياء جاءت مخالفة للقياس فتحفظ عن السلف ولا يقاس عليها. ومثل خط المصحف في عدم ~~القياس عليه خط العروضيين؛ فإنهم يكتبون في تقطيع الشعر ما يلفظونه تماما، فيكتبون ~~التنوين نونا، والحرف المشدد بحرفين، ويحذفون «ال» الشمسية ونحو ذلك. قال ابن ~~درستويه: «خطان لا يقاس عليهما: خط المصحف ؛ لأنه سنة، وخط العروض؛ لأنه يكتب فيه ما ~~أثبته اللفظ ويسقط عنه ما أسقطه.» # | الباب الثالث # في تاريخ الشعر # الفصل الأول # | في تعريف الشعر وفنونه ووجه تعلمه # (1) تعريف الشعر # الشعر لغة: العلم والفطنة، ومنه: ليت شعري، ثم غلب على منظوم الكلام لشرفه ~~بالوزن والقافية كما غلب الفقه على علم الشرع والنجم على الثريا، ومنه حديث: «إن من ~~الشعر لحكمة، فإذا ألبس عليكم شيء من القرآن فالتمسوه في الشعر.» قال في ~~«المزهر»: «وكان الكلام كله منثورا فاحتاجت العرب إلى الغناء بمكارم أخلاقها وطيب ~~أعراقها وذكر أيامها الصالحة وأوطانها النازحة وفرسانها الأنجاد وسمحائها ~~الأجواد؛ لتهز نفوسها إلى الكرم، وتدل أبناءها على حسن الشيم؛ فتوهموا أعاريض ~~فعملوها موازين للكلام، فلما تم لهم وزنه سموه شعرا؛ لأنهم شعروا به.» ~~ا.ه. # والمناطقة يشترطون في الشعر الخيال لا الوزن؛ فإنهم أطلقوه على القياس المركب من ~~قضايا خيالية تؤثر في النفس فتصير مبدأ فعل أو ترك أو رضاء أو سخط أو بسط أو قبض أو ~~لذة أو ألم، وجاءهم هذا من الشعر اليوناني فإن المنطق مأخوذ عن اليونان. والشعر ~~بهذا المعنى يفيد عند الاستعطاف والاستقضاء وفي الإقدام على الهيجاء ونحو ذلك ما لا ~~يفيده البرهان، فإن النفس أطوع إلى التخييل منها إلى التصديق؛ لأنه إليها ألذ ~~وأغرب. ثم قالوا: ويزيد في تأثيره الوزن والصوت، قال عبد الغني النابلسي: # لا تلمني إن السماع يقيت # وهو يحيي بطيبه ويميت # وقال طرفة: # تغن في كل شعر أنت قائله # إن الغناء لهذا الشعر مضمار # وقال العطار: من لم يتأثر برقيق الأشعار تتلى ~~بلسان الأوتار على شطوط الأنهار في ظلال ms056 الأشجار؛ فذلك جلف الطبع حمار. # من كل معنى لطيف أحتسي قدحا # وكل ساجعة في الكون تطربني # ونحن نشاهد أهل الصناعة الشاقة يستعينون عليها بالتغني، والإبل عند كلالها ~~ينشطها صوت الحادي والمغني، وشجعان العرب تتمثل بالأشعار وتلقي نفسها عند ذلك في ~~مهالك الأخطار، فلا تبالي بمواقع السيوف ولا بوارق الحتوف. وقال شارح «سلم العلوم»: ~~ولا بد في الشعر من أن يكون جاريا على قانون اللغة، وأن يكون ذا استعارات لطيفة أو ~~تشبيهات بديعة، وأن تكون قضاياه بحيث تؤثر في النفس سواء كانت صادقة أو كاذبة، فلا ~~يجوز فيه استعمال الأوليات الغير مؤثرة، ويجوز استعمال المخيلات ولو كاذبة مستحيلة، ~~وقد يستنتج منه اجتماع الضدين؛ نحو: أنا مضمر الشكوى باللسان مظهرها بالدموع، ~~وكل مضمر صامت، وكل مظهر متكلم، فأنا صامت متكلم، ويقرب من هذا: # أشكو وأشكر فعله # فاعجب لشاك منه شاكر # ا.ه. # ويظهر أن الاقتصار في تعريف الشعر على الوزن والتقفية آت من اصطلاح العروضيين؛ ~~فإنهم لا يبحثون عنه إلا من هذه الجهة، وأن الشعر في اعتبار الأديب يجمع بين شرطي ~~الوزن والخيال، كقوله: # والشمس لا تشرب خمر الندى # في الروض إلا من كئوس الشقيق # لكن ذلك يخرج من الشعر ما هو منه؛ فإن كثيرا من منظوم الكلام مع جودته يخلو من ~~القضايا الخيالية، كقول زهير: # ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله # على قومه يستغن عنه ويذمم # وقول لبيد: # ألا كل شيء ما خلا الله باطل # وكل نعيم لا محالة زائل # وقول عنترة: # لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب # ولا ينال العلا من طبعه الغضب # فمثل هذا خال من الخيال، مركب من قضايا أولية، ولا يسعنا أن ننكر أنه شعر جيد في ~~باب الحكم. على أن شرط الخيال مع الوزن لا يستقيم معه تقسيمهم الشعر إلى خمسة ~~أقسام: مرقص، كقوله: # ومهفهف يحميه عن نظر الورى # غيران سكنى الملك تحت قبابه # أوما إلي أن ائتني فأتيته # والفجر ينظر من خلال سحابه # فضممته للصدر حتى استوهبت # مني ثيابي بعض طيب ثيابه # وكأن قلبي من ms057 وراء ضلوعه # طربا يخبر قلبه عما به # ومطرب كقوله: # لك قد لولا جوارح عيني # ك لغنت عليه ورق الحمام # ومقبول كقول زهير: # ومن يجعل المعروف في غير أهله # يعد حمده ذما عليه ويندم # ومسموع مما يستقيم به الوزن، كقول ابن الرومي: # بجهل كجهل السيف والسيف منتضى # وحلم كحلم السيف والسيف مغمد # ومتروك يمجه الطبع كقوله: # فقلقلت بالهم الذي قلقل الحشا # قلاقل هم كلهن قلاقل # ومع هذا فالشعر الخيالي أجذب للنفس وأشد ~~تأثيرا فيها من غيره، فهو الأحق بأن يسمى شعرا. وعرف الشعر ابن خلدون بعد أن ~~أطال فيه القول بأنه الكلام البليغ المبني على الاستعارة والأوصاف، المفصل بأجزاء ~~متفقة في الوزن مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وبعده، الجاري على ~~أساليب العرب المخصوصة، ثم قال: «فقولنا: الكلام البليغ جنس، وقولنا: المبني على ~~الاستعارة والأوصاف فصل عما يخلو من هذه فإنه في الغالب ليس بشعر، وقولنا: ~~المفصل بأجزاء متفقة في الوزن والروي فصل له عن الكلام المنثور الذي ليس شعرا ~~عند الكل، وقولنا: مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وبعده بيان للحقيقة؛ ~~لأن الشعر لا تكون أبياته إلا كذلك ولم يفصل به شيء، وقولنا: الجاري على الأساليب ~~المخصوصة به فصل له عما لم يجر منه على أساليب العرب المعروفة، فإنه حينئذ لا ~~يكون شعرا إنما هو كلام منظوم؛ لأن الشعر له أساليب تخصه لا تكون للمنثور، وكذا ~~أساليب المنثور لا تكون للشعر، فما كان من الكلام منظوما وليس على تلك الأساليب ~~فلا يكون شعرا. وبهذا الاعتبار كان الكثير ممن لقيناه من شيوخنا في هذه الصناعة ~~الأدبية يرون أن نظم المتنبي والمعري ليس هو من الشعر في شيء؛ لأنهما لم يجريا على ~~أساليب العرب.» ا.ه. ~~(2) فنون الشعر # جعل أبو تمام فنون الشعر عشرة: الحماسة، والمراثي، والأدب، والنسيب، والهجاء، ~~والإضافات، والصفات، والسير، والملح، ومذمة النساء، وبنى عليها كتاب «الحماسة»، ~~ومما جاء فيه: # في باب الحماسة، قول الفند الزماني في حرب البسوس: # صفحنا عن بني ذهل # وقلنا: القوم ms058 إخوان # عسى الأيام أن يرجع # ن قوما كالذي كانوا # فلما صرح الشر # فأمسى وهو عريان # ولم يبق سوى العدوا # ن دناهم كما دانوا # مشينا مشية الليث # غدا والليث غضبان # بضرب فيه توهين # وتخضيع وإقران # وطعن كفم الزق # غذا # 1 # والزق ملآن # وفي الشر نجاة حي # ن لا ينجيك إحسان # وبعض الحلم عند الجه # ل للذلة إذعان # وفي باب المراثي قول مهلهل: # نبئت أن النار بعدك أوقدت # واستب بعدك يا كليب المجلس # وتكلموا في أمر كل عظيمة # لو كنت شاهدهم بها لم ينبسوا # وإذا تشاء رأيت وجها واضحا # وذراع باكية عليها برنس # تبكي عليك ولست لائم حرة # تأسى عليك بعبرة وتنفس # وفي باب الأدب قول مسكين الدارمي: # وقتيان صدق لست مطلع بعضهم # على سر بعض غير أني جماعها # لكل امرئ شعب من القلب فارغ # وموضع نجوى لا يرام اطلاعها # يظلون شتى في البلاد وسرهم # إلى صخرة أعيا الرجال انصداعها # وفي باب النسيب قول نصيب: # كأن القلب ليلة قيل: يغدى # بليلى العامرية أو يراح # قطاة عزها # 2 # شرك فباتت # تجاذبه وقد علق الجناح # لها فرخان قد تركا بوكر # فعشهما تصفقه الرياح # إذا سمعا هبوب الريح نصا # 3 # وقد أودى بها القدر المتاح # فلا في الليل نالت ما ترجي # ولا في الصبح كان لها براح # وفي باب الهجاء قول آخر: # إذا بكرية ولدت غلاما # فيا لؤما لذلك من غلام! # يزاحم في المآدب كل عبد # وليس لدى الحفاظ بذي زحام # وفي باب الإضافة والمدح قول عتيبة المازني: # ومستنبح بات الصدى يستتيهه # 4 # إلى كل صوت فهو في الرحل جانح # فقلت لأهلي: ما بغام مطية # وسار أضافته الكلاب النوابح؟ # فقالوا: غريب طارق طوحت به # متون الفيافي والخطوب الطوارح # فقمت ولم أجثم مكاني ولم تقم # مع النفس علات البخيل الفواضح # وناديت شبلا فاستجاب وربما # ضمنا قرى عشر لمن لا نصافح # فقام أبو ضيف كريم كأنه # وقد جد من فرط الفكاهة مازح # إلى جذم مال قد نهكنا سوامه # 5 # وأعراضنا فيه بواق صحائح # جعلناه دون الذم حتى ms059 كأنه # إذا عد مال المكثرين المنائح # 6 # لنا حمد أرباب المئين ولا # يرى إلى بيتنا مال مع الليل رائح # وفي باب الصفات قول البعيث الحنفي: # وهاجرة يشوي مهاها سمومها # طبخت بها عيرانة واشتويتها # مفرجة منفوجة حضرمية # مساندة سر المهارى انتقيتها # فطرت بها شجعاء قرواء جرشعا # إذا عد مجد العيس قدم بيتها # وجدت أباها رائضيها وأمها # فأعطيت فيها الحكم حتى حويتها # وفي باب السير والنعاس قول الخطيم: # وقال وقد مالت به نشوة الكرى # نعاسا ومن يعلق سرى الليل يكسل # أنخ نعط أنضاء النعاس دواءها # قليلا ورفه عن قلائص ذبل # فقلت له: كيف الإناخة بعد ما # حدا الليل عريان الطريقة منجلي؟ # وفي باب الملح قول بعض الحجازيين: # خبروها بأنني قد تزوج # ت فظلت تكاتم الغيظ سرا # ثم قالت لأختها ولأخرى # جزعا: ليته تزوج عشرا! # وأشارت إلى نساء لديها # لا ترى دونهن للسر سترا: # ما لقلبي كأنه ليس مني # وعظامي كأن فيهن فترا # من حديث نما إلي فظيع # خلت في القلب من تلظيه جمرا # وفي باب مذمة النساء قول آخر في امرأة طلقها: # رحلت أنيسة بالطلاق # وعتقت من رق الوثاق # بانت فلم يألم لها # قلبي ولم تبك المآقي # ودواء ما لا تشتهي # ه النفس تعجيل الفراق # لو لم أرح بفراقها # لأرحت نفسي بالإباق # وخصيت نفسي لا أري # د حليلة حتى التلاقي # وقال عبد العزيز بن أبي الأصبع: «الذي وقع لي أن فنون الشعر ثمانية عشر فنا: ~~غزل، ووصف، وفخر، ومدح، وهجاء، وعتاب، واعتذار، وأدب، وزهد، وخمريات، ومراث، ~~وبشارة، وتهان، ووعيد، وتحذير، وتحريض، وملح، وباب مفرد للسؤال والجواب.» ~~(3) وجه تعلم الشعر # إذا أردت أن تقول الشعر فتخير أولا من أشعار الشعراء النوابغ الشعر الرصين ذا ~~الخيالات والأساليب، واحفظ كثيرا منه، وتفهم معانيه، فبهذا تتكيف نفسك وتشحذ ~~قريحتك وتتهيأ للنظم، فأقبل عليه وأكثر منه تزكو فيك ملكته. قال الخوارزمي: «من ~~روى حوليات زهير واعتذارات النابغة وحماسيات عنترة وأهاجي الحطيئة وهاشميات ~~الكميت ونقائض جرير وخمريات أبي نواس ومراثي أبي تمام ومدائح البحتري وروضيات ~~الصنوبري ولطائف كشاجم ms060 ولم يخرج إلى الشعر فلا أشب الله قرنه!» وإذا خلوت في مكان ~~يروق فيه نظر المياه وتزكو نفحة الأزهار ويطيب استنشاق الهواء ويستلذ المسموع أجممت ~~فؤادك ونشطت القريحة إلى الشعر. قالت الحكماء: لم يستدع شارد الشعر بأحسن من ~~الماء الجاري والمكان الخالي والشرف العالي. ولقي أبو العتاهية الحسن بن هانئ، فقال ~~له: أنت الذي لا تقول الشعر حتى تؤتى بالرياحين والزهور فتوضع بين يديك؟ قال : ~~وكيف ينبغي للشعر أن يقال إلا على هكذا؟! قال: أما إني أقوله على الكنيف. قال: ~~ولذلك توجد فيه الرائحة، ولا بد أن يكون فيك ما يبعث عليه. قال ابن رشيق: ومن ~~بواعثه العشق والانتشاء. قيل لكثير عزة لم تركت الشعر؟ قال: ذهب الشباب فما ~~أعجب، وماتت عزة فما أطرب، ومات عبد العزيز فما أرغب - يريد عبد العزيز بن مروان. ~~وتخير لعلم شعرك باكورة نهارك عندما تهب من النوم، قال الفرزدق: من أسلس ما يكون ~~الشعر في أول الليل قبل الكرى، وأول النهار قبل الغداء وعند مناجاة النفس واجتماع ~~الفكر، فإذا استعصى عليك بعد هذا كله فراوضه في وقت آخر. قال ابن خلدون: فإن ~~القريحة مثل الضرع يدر بالامتراء ويجف بالترك والإهمال. قيل لكثير عزة: يا أبا ~~صخر، كيف تصنع إذا عسر عليك الشعر؟ قال: أطوف في الرباع المحبلة، والرياض المعشبة، ~~فإن نفرت عنك القوافي وأعيت عليك المعاني فروح قلبك وأجم ذهنك وارتصد لقولك ~~فراغ بالك، فإنك تجد في تلك الساعة ما يمتنع عليك يومك الأطول وليلك الأجمع. وضع ~~قوافي قصيدتك أولا وابن عليها الأبيات لئلا تجيء القوافي نافرة عن محالها، ~~وإذا جادت قريحتك ببيت لا يناسب سابقه فاتركه إلى موضعه الأليق به. وليكن شعرك ~~فصيحا بليغا يمضي مع النفس، تسابق معانيه ألفاظه إلى الفهم، ذا تأثير في الطباع؛ ~~ففي الحماس يكون مهيجا للقوى مثيرا للخواطر باعثا على الحمية، وفي العتاب ~~يكون هاديا للموافقة مولدا للرضا ... إلى غير ذلك. وراجع شعرك بعد الفراغ منه ~~ونقحه، فقد روي أن زهير بن أبي سلمى كان ينظم القصيدة في ms061 شهر وينقحها في سنة؛ ~~ولذا كانت قصائده تسمى بالحوليات. # روي عن البحتري أنه قال: «كنت في حداثتي أروم الشعر، وكنت أرجع فيه إلى طبعي، ~~ولم أكن أقف على تسهيل مأخذه ووجوه اقتضابه حتى قصدت أبا تمام وانقطعت فيه إليه، ~~واتكلت في تعريفه عليه، فكان أول ما قال: يا أبا عبادة، تخير الأوقات وأنت ~~قليل الهموم، صفر من الغموم، واعلم أن العادة جرت في الأوقات أن يقصد الإنسان ~~لتأليف شيء أو حفظه في وقت السحر؛ وذلك أن النفس تكون قد أخذت حظها من ~~الراحة، وقسطها من النوم. وإن أردت التشبيب فاجعل اللفظ رقيقا والمعنى رشيقا، ~~وأكثر فيه من بيان الصبابة وتوجع الكآبة، وقلق الأشواق ولوعة الفراق، فإذا أخذت ~~في مديح سيد ذي أياد فأشهر مناقبه وأظهر مناسبه، وأبن معالمه وشرف مقامه، ~~ونضد المعاني واحذر المجهول منها. وإياك أن تشين شعرك بالألفاظ الرديئة، وكن ~~كأنك خياط يقطع الثياب على مقادير الأجساد، وإذا عارضك الضجر فأرح نفسك، ولا ~~تعمل شعرك إلا وأنت فارغ القلب، واجعل شهوتك لقول الشعر الذريعة إلى حسن نظمه؛ ~~فإن الشهوة نعم المعين. وجملة الحال أن تعتبر شعرك بما سلف من شعر الماضين، فما ~~استحسن العلماء فاقصده، وما تركوه فاجتنبه ترشد إن شاء الله. قال: فأعملت نفسي ~~فيما قال فوقفت على السياسة.» # الفصل الثاني # | في تاريخ الشعر # الشعر قالته العرب من قديم من عهد عاد وثمود والعمالقة كما يدل على ذلك رواية بعض ~~أخبارهم، إلا أنه لما كانت أحوال الأمم في هذه الأعصر الغابرة مدرجة تحت طي الخفاء ~~لم تصل إلينا أشعار شعرائهم، ولا أخبارهم مفصلة حتى نتعرف منها سير الشعر ~~وترقيه، ولم يزل الأمر مستورا إلى أن جاء عصر آل المنذر ملوك الحيرة قبل الإسلام ~~بنحو مائة سنة فأكثر، فبرح الخفاء وأخذ الشعر في الظهور والنماء. وأولع العرب به حتى ~~صار ديدنا لهم وسجية فيهم ومبلغ علمهم وحكمتهم وأدبهم، يقولونه رجالا ونساء في ~~فنون مختلفة، كالحماسة والفخر والنسيب والحكم والآداب والأخلاق والمدح والهجاء والرثاء ~~والاعتذار والوعيد والعقاب والشكوى وذكر ms062 المنازل والطلول، ووصف الظباء والغزلان وتاريخ ~~الوقائع وأيام الحروب وغير ذلك؛ ولذا قيل: «الشعر ديوان العرب.» قال الخطيب التبريزي: ~~«به يحفظون المكارم والمناسب، ويقيدون به الأيام والمناقب، ويخلدون به معالم ~~الثناء، ويبقون به مواسم الهجاء، ويضمنونه ذكر وقائعهم في أعدائهم، ويستودعونه حفظ ~~صنائعهم إلى أوليائهم.» ا.ه. # وكان للعرب أسواق يقيمونها يعرضون فيها أشعارهم إما ارتجالا وإما استحضارا، روي أن ~~النابغة الذبياني كانت تضرب له قبة حمراء في سوق عكاظ، فيجلس لشعراء العرب على كرسي، ~~وتأتيه الشعراء فتنشده أشعارها فيفضل من يرى تفضيله، فأنشده في بعض المواسم الأعشى، ~~ثم حسان بن ثابت، ثم الخنساء فأعجبه شعرها، فقال لها: «اذهبي فأنت أشعر من كل ذات ~~ثديين، ولولا أن أبا بصير (يريد الأعشى) أنشدني قبلك لفضلتك على شعراء هذا الموسم، ~~فإنك أشعر الإنس والجن.» فلما أن سمع حسان ذلك غضب، وقال: أنا أشعر منك ومنها. فقال ~~له: يا ابن أخي، ليس الأمر كما ظننت. ثم التفت إلى الخنساء وقال: خاطبيه يا خناس. ~~فالتفتت إليه الخنساء وقالت: ما أجود بيت في قصيدتك هذه التي عرضتها آنفا؟ قال: ~~قولي فيها: # لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى # وأسيافنا يقطرن من نجدة دما # قالت: ضعفت افتخارك وأنزرته في ثمانية مواضع في بيتك هذا. قال: وكيف؟ قالت: قلت: ~~«لنا الجفنات»، والجفنات ما دون العشر، ولو قلت: الجفان لكان أكثر. وقلت: «الغر»، ~~والغرة بياض في الجبهة، ولو قلت: البيض لكان أكثر اتساعا. وقلت: «يلمعن»، واللمعان ~~شيء يأتي بعد شيء، ولو قلت: يشرقن لكان أكثر؛ لأن الإشراق أدوم من اللمعان. وقلت: ~~«بالضحى»، ولو قلت: بالدجى لكان أكثر طراقا. وقلت: «أسياف»، والأسياف ما دون ~~العشرة، ولو قلت: سيوف لكان أكثر. وقلت: «يقطرن»، ولو قلت: يسلن لكان أكثر. وقلت: ~~«دما»، والدماء أكثر من الدم. فسكت حسان ولم يحر جوابا. ~~(1) المعلقات السبع # ومن أشهر شعر العرب القصائد السبع المشهورة بالمعلقات؛ لأنها علقت على الكعبة ~~احتراما لها، وأصحابها: امرؤ القيس الكندي، وطرفة بن العبد، وزهير بن أبي سلمى ~~المزني، ولبيد بن ربيعة العامري، وعمرو ms063 بن كلثوم، وعنترة بن شداد العبسي، والحارث ~~بن حلزة اليشكري. # ورأيت على هامش «شرح الزوزني» لهذه المعلقات ما نصه: «إنما سميت المعلقات؛ لأن ~~العرب في الجاهلية كان الرجل منهم يقول الشعر في أقصى الأرض فلا يعبأ به ولا ينشده ~~أحدا، حتى يأتي مكة فيعرضه على أندية قريش، فإن استحسنوه روي وكان فخرا لقائله، ~~وإن لم يستحسنوه طرح ولم يعبأ به. قال أبو عمرو بن العلاء: وكانت العرب تجتمع في ~~كل عام بمكة، وكانت تعرض أشعارها على هذا الحي من قريش. قال ابن الكلبي: فأول شعر ~~علق في الجاهلية شعر امرئ القيس، علق على ركن من أركان الكعبة أيام الموسم ~~حتى نظر إليه فعلقت الشعراء بعده، وكان ذلك فخرا للعرب في الجاهلية. وعدد من ~~علق شعره سبعة آلاف، إلا أن عبد الملك طرح شعر أربعة منهم وأثبت مكانهم أربعة. ~~وروى آخرون أن بعض أمراء بني أمية أمر من اختار له سبعة أشعار فسماها المعلقات ~~الثواني.» # قال حماد الراوية: كانت العرب تعرض أشعارها على قريش فما قبلوا منه كان مقبولا، ~~وما ردوا منه كان مردودا، فقدم عليهم علقمة الفحل، فأنشدهم قصيدته التي ~~أولها: # هل ما علمت وما استودعت مكتوم # أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم # فقالوا: هذه سمط الدهر، ثم عاد إليهم العام المقبل فأنشدهم قصيدته التي ~~أولها: # طحا بك قلب في الحسان طروب # بعيد الشباب عصر حان مشيب # فقالوا: هاتان سمطا الدهر. # وكان للبداوة والحضارة تأثير على الشعر؛ فكان شعر البدوي يدور بين جبل وجمل وحط ~~وترحال ورداء وخباء وصيال ونزال وقتام وغمام، وما أشبه ذلك من مشاهده التي هو فيها، ~~وشعر الحضري بين قصور وحور وترف وطرف ولهو وطرب وخلاعة وما شاكل ذلك. # وكان الشعر ذا تأثير واعتبار في النفوس؛ فكان الشاعر يرفع قوما ويخفض آخرين ~~بشعره. مما يرشد إلى ذلك ما جاء في ترجمة الأعشى في «الأغاني» من أنه كان لأبي ~~المحلق شرف فمات وقد أتلف ماله، وبقي المحلق وثلاث أخوات له ولم يترك لهم إلا ناقة ~~واحدة وحلتي ms064 برود جيدة كان يسد بها الحقوق. فأقبل الأعشى من بعض أسفاره يريد ~~منزله باليمامة، فنزل الماء الذي به المحلق، فقراه أهل الماء فأحسنوا قراه، فأقبلت ~~عمة المحلق فقالت: يا ابن أخي هذا الأعشى قد نزل بمائنا وقد قراه أهل الماء، ~~والعرب تزعم أنه لم يمدح قوما إلا رفعهم، ولم يهج قوما إلا وضعهم، فانظر ما ~~أقول لك واحتل في زق من خمر من عند بعض التجار، فأرسل إليه بهذه الناقة والزق ~~وبردتي أبيك، فوالله لئن اعتلج الكبد والسنام والخمر في جوفه ونظر إلى عطفيه في ~~البردتين ليقولن فيك شعرا يرفعك به. قال: ما أملك غير هذه الناقة وأنا أتوقع ~~رسلها! فأقبل يدخل ويخرج ويهم ولا يفعل، فكلما دخل على عمته حضته حتى دخل ~~عليها، فقال: قد ارتحل الرجل ومضى. قالت: الآن والله أحسن ما كان القرى تتبعه ذلك ~~مع غلام أبيك مولى له أسود شيخ، فحيثما لحقه أخبره عنك أنك كنت غائبا عن الماء ~~عند نزوله إياه، وأنت لما وردت الماء فعلمت أنه كان به كرهت أن يفوتك قراه، فإن ~~هذا أحسن لموقعه عنده. فلم تزل تحضه حتى أتى بعض التجار فكلمه أن يقرضه ثمن زق ~~خمر، وأتاه بمن يضمن ذلك عنه فأعطاه، فوجه بالناقة والخمر والبردين مع مولى ~~أبيه، فخرج يتبعه فكلما مر بماء قيل: ارتحل أمس عنه، حتى صار إلى منزل الأعشى ~~بمفتوحة اليمامة، فوجد عنده عدة من الفتيان قد غداهم بغير لحم وصب لهم فضيخا ~~فهم يشربون منه، إذ قرع الباب، فقال: انظروا من هذا؟ فخرجوا فإذا رسول المحلق يقول ~~كذا وكذا، فدخلوا عليه وقالوا: هذا رسول المحلق الكلابي أتاك بكيت وكيت. فقال: ~~ويحكم، أعرابي والذي أرسل إلي لا قدر له! والله لئن اعتلج الكبد والسنام ~~والخمر في جوفي لأقولن فيه شعرا لم أقل قط مثله. فواثبه الفتيان وقالوا: غبت عنا ~~فأطلت الغيبة ثم أتيناك فلم تطعمنا لحما وسقيتنا الفضيخ واللحم والخمر ببابك لا ~~نرضى بذا منك. فقال: ائذنوا له، فدخل فأدى الرسالة، وقد أناخ الجزور بالباب ms065 ووضع ~~الزق والبردين بين يديه. قال: أقره السلام وقل له: وصلتك رحم سيأتيك ثناؤنا. ~~وقام الفتيان إلى الجزور فنحروها وشقوا خاصرتها عن كبدها، وجلدها عن سنامها ثم ~~جاءوا بهما، فأقبلوا يشوون وصبوا الخمر فشربوا، وأكل معهم وشرب ولبس البردين ونظر ~~إلى عطفيه فيهما فأنشأ يقول: # أرقت وما هذا السهاد المؤرق # وما بي من سقم وما بي معشق # ولكني أراني لا أزال بحادث # أغادي بما لم يمس عندي وأطرق # حتى انتهى إلى قوله: # أبا مسمع سار الذي قد فعلتم # فأنجد أقوام به ثم أعرقوا # به تعقد الأجمال في كل منزل # وتعقد أطراف الحبال وتطلق # قال: فسار الشعر وشاع في العرب، فما أتت على المحلق سنة حتى زوج أخواته الثلاث ~~كل واحدة على مائة ناقة، فأيسر وشرف. وقال ابن رشيق: «وكانت القبيلة من العرب إذا ~~نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنأتها بذلك، وصنعت الأطعمة، واجتمعت النساء يلعبن ~~بالمزاهر كما يصنعن في الأعراس، وتتباشر الرجال والولدان؛ لأنه حماية لأعراضهم، ~~وذب عن أحسابهم، وتخليد لمآثرهم، وإشارة لذكرهم، وكانوا يهنئون إما بغلام ~~يولد، أو شاعر ينبغ فيهم، أو فرس تنتج.» ~~(2) تأثير الإسلام على الشعر # وفي أول الإسلام انصرف العرب عن الشعر بما شغلهم من أمر الدين والنبوة والوحي، ~~وما أدهشهم من أسلوب القرآن ونظمه، ولكنهم رجعوا إليه لما علموا أن لا حظر عليه ~~فيما أتاهم به النبي، بل رأوه - عليه الصلاة والسلام - يسمعه ويثيب عليه، فقد أجاز ~~كعب بن زهير بردا حين مدحه بقصيدته التي أولها: # بانت سعاد فقلبي اليوم متبول # متيم إثرها لم يفد مكبول # ويروى أن كعبا باع البردة إلى معاوية بعشرين ألف درهم. قال عمر بن الخطاب: «كان ~~الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه.» فجاء الإسلام فتشاغلت عنه العرب ~~وتشاغلوا بالجهاد وغزو فارس والروم، ولهت عن الشعر وروايته، فلما كثر الإسلام ~~وجاءت الفتوح واطمأنت العرب بالأمصار راجعوا رواية الشعر، فلم يئولوا إلى ديوان ~~مدون ولا كتاب مكتوب وألفوا ذلك، وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل فحفظوا ~~أقل ms066 ذلك وذهب عنهم كثير. وقد كان عند آل النعمان بن المنذر منه ديوان فيه أشعار ~~الفحول وما مدح به هو وأهل بيته، فصار ذلك إلى بني مروان أو ما صار منه. وبعد ~~الإسلام بزمن لما كثر تمدن العرب وتحضرهم واختلاطهم بأهل الأمصار أخذ الشعراء في ~~التأنق في الشعر فرق وحسن ولبس صبغة غير صبغته التي كان عليها عصر الجاهلية. ~~وبالإجمال حضارة الإسلام سلت عن الشعر رداء المعاظلة والحوشية، وألبسته حلل الرقة ~~والملاحة، انظر إلى قول جرير: # إن العيون التي في طرفها حور # قتلننا ثم لم يحيين قتلانا # يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به # وهن أضعف خلق الله إنسانا # ومما كان يساعد على ترقي الشعر أن الخلفاء والأمراء كان يثيبون الشعراء المجيدين ~~ويقربونهم من مجالسهم؛ فكان الشاعر ينفتق لسانه بالشعر المليح رغبة في الجائزة أو ~~طمعا في الجاه، وقد ينتجع بشعره قاصدا الممدوح مع بعد المشقة طلبا لنواله. ~~وقد انتجع أبو نواس من بغداد قاصدا الخصيب بن عبد الحميد، أمير مصر من قبل ~~الرشيد، ومدحه بقصيدته التي أولها: # أجارة بيتينا أبوك غيور # وميسور ما يرجى لديك عسير # فغمره بإحسانه ورده إلى أوطانه. ~~(3) اعتبار الشعر بعد الإسلام # ولم تزل درجة الشعر عالية واعتباره في النفوس باقيا عصر الخلفاء الراشدين ~~وخلفاء بني أمية، فقد روي أن بني عبد المدان كانوا يفخرون بطول أجسامهم، حتى قال ~~فيهم حسان: # لا بأس بالقوم من طول ومن غلظ # جسم البغال وأحلام العصافير # فقالوا له: يا أبا الوليد، لقد تركتنا ونحن نستحيي من ذكر أجسامنا بعد أن كنا ~~نفخر بها! فقال لهم: سأصلح منكم ما أفسدت، فقال فيهم: # وقد كنا نقول إذا رأينا # لذي جسم يعد وذي بيان # كأنك أيها المعطى لسانا # وجسما من بني عبد المدان # وروي أن الزبرقان بن بدر لما هجاه الحطيئة بشعر قال فيه: # دع المكارم لا ترحل لبغيتها # واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي # حط من أمره، فرفع أمره إلى عمر بن الخطاب وأنشده البيت، فقال: ما أرى به بأسا. ~~قال الزبرقان: والله ms067 يا أمير المؤمنين ما هجيت ببيت قط أشد علي منه، فبعث إلى ~~حسان بن ثابت وقال: انظر إن كان هجاه! فقال: ما هجاه ولكن سلح عليه. فأمر الأمير ~~بحبس الحطيئة، فكتب إليه وهو في الحبس: # ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ # زغب الحواصل لا ماء ولا شجر؟ # ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة # فاغفر عليك سلام الله يا عمر! # أنت الإمام الذي من بعد صاحبه # ألقت إليك مقاليد النهى البشر # ما آثروك بها إذ قدموك لها # لكن لأنفسهم قد كانت الأثر # فأمر بإطلاقه وأخذ عليه أن لا يهجو أحدا. # وكان بنو نمير أشراف قيس وذوائبها، فلما هجا جرير راعيهم بقوله: # فغض الطرف إنك من نمير # فلا كعبا بلغت ولا كلابا # اتضع اسمهم وانحط شأنهم. # وروي أن جريرا دخل على عبد الملك بن مروان، فأنشده قصيدته التي أولها: # أتصحو أم فؤادك غير صاحي # عشية هم صحبك بالرواح؟ # تقول العاذلات: علاك شيب # أهذا الشيب يمنعني مزاحي؟! # تعزت أم حرزة ثم قالت: # رأيت الموردين ذوي لقاح # ثقي بالله ليس له شريك # ومن عند الخليفة بالنجاح # سأشكر أن رددت إلي ريشي # وأنبت القوادم في جناحي # ألستم خير من ركب المطايا # وأندى العالمين بطون راح؟ # فلما انتهى جرير إلى هذا البيت كان عبد الملك متكئا، فاستوى جالسا وقال: من ~~مدحنا منكم فليمدحنا بمثل هذا أو فليسكت، ثم أجاز جريرا بمائة ناقة. # ثم أخذ اعتبار الشعر يتناقص في غضون دولة بني العباس لما كان يؤخذ به الشعراء من ~~مس شرف ذوي المقامات. # فمن ذلك ما روي أن بشار بن برد في خلافة المهدي ثالث خلفاء بني العباس استنهض ~~بني أمية في استرداد الخلافة إليهم، مدعيا أن الخليفة مغمور في ملاهيه وأن القائم ~~بأعباء الخلافة وزيره يعقوب بن داود، فقال في ذلك: # بني أمية هبوا طال نومكم # إن الخليفة يعقوب بن داود # ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا # خليفة الله بين الناي والعود # فضربه حتى مات. وقيل: إن بشار بن برد هجا صالح بن داود أخا يعقوب حين ولي ~~فقال: ms068 # همو حملوا فوق المنابر صالحا # أخاك فضجت من أخيك المنابر # فبلغ يعقوب هجاؤه فدخل على المهدي فقال: إن هذا الأعمى المشرك قد هجا الخليفة، ~~قال: وما قال؟ قال: يعفيني أمير المؤمنين من إنشاده، فأبى أن يعفيه، فأنشده: # خليفة يزني بعماته # يلعب بالدبوق والصولجان # أبدلنا الله به غيره # ودس موسى في حر الخيزران # فوجه في حمله فخاف يعقوب أن يقدم على المهدي فيمدحه فيعفو عنه ، فوجه إليه من ~~يلقيه في البطيحة. # وفي القرون الأخيرة مالت الأنظار عن الشعر وقلت جوائزه. ~~(4) تقسيم الشعر إلى أربع طبقات # وقد قسم الشعر إلى أربع طبقات: شعر جاهلي؛ وهو شعر من جاء قبل الإسلام كشعر ~~امرئ القيس وزهير بن أبي سلمى المتوفى قبل الإسلام بنحو سنة، وشعر مخضرم؛ وهو ~~شعر من أدرك عصر الجاهلية والإسلام، كشعر الأعشى والحطيئة، وشعر إسلامي؛ كشعر ~~شعراء الدولة الأموية مثل الفرزدق وجرير، وشعر مولد؛ كشعر شعراء الدولة ~~العباسية مثل أبي نواس وأبي فراس الحمداني المتوفى سنة 357. قالوا: إن الشعر ختم ~~بأبي فراس كما بدئ بامرئ القيس الكندي. ~~(5) الاستشهاد بالشعر في العلوم # وشعر الطبقة الأولى والثانية يستشهد به في اللغة وغيرها، وأما شعر الثالثة ~~فالصحيح أنه يستشهد به أيضا، وأما الرابعة فالصحيح أنه لا يستشهد بشعرها إلا في ~~علوم المعاني والبيان والبديع؛ فإنها راجعة إلى المعاني، ولا فرق في ذلك بين ~~الجاهلي والمولد. وقد زيدت طبقة خامسة وهي: شعر المتأخرين، كابن مطروح، وصفي ~~الدين الحلي المتوفى سنة 750. ويلحق بهذه الطبقة شعر شعراء هذا العصر؛ أي القرن ~~الرابع عشر الهجري وما قبله، مثل الشيخ علي الليثي، والشيخ علي أبي النصر من شعراء ~~العائلة الخديوية. ولما توفي خديوي مصر محمد باشا توفيق سنة 1309 من الهجرة رثاه ~~بقصائد الشعر نحو ستين شاعرا ترى أسماءهم وقصائدهم في كتاب «القول الحقيق في رثاء ~~وتاريخ الخديوي المغفور له محمد باشا توفيق». # ولدرك تفاوت درجات الشعر مع تقلبات العصور نذكر أشعارا لهذه الطبقات تتوارد على ~~باب واحد، كالمدح والنسيب والرثاء. ~~(6) أشعار متواردة على المدح # قال الشاعر الجاهلي، وهو ms069 زهير بن أبي سلمى، يمدح هرم بن سنان المري: # إن الخليط أجد البين فانفرقا # وعلق القلب من أسماء ما علقا # 1 # وأخلفتك ابنة البكري ما وعدت # فأصبح الحبل منها واهنا خلقا # 2 # وفارقتك برهن لا فكاك له # يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا # 3 # قامت تراءى بذي ضال لتحزنني # ولا محالة أن يشتاق من عشقا # بجيد مغزلة أدماء خاذلة # من الظباء تراعي شادنا خرقا # 4 # كأن ريقتها بعد الكرى اغتبقت # من طيب الراح لما يعد أن عتقا # 5 # شج السقاة على ناجودها شبما # من ماء لينة لا طرقا ولا رنقا # 6 # ما زلت أرمقهم حتى إذا هبطت # أيدي الركاب بهم من راكس فلقا # 7 # دانية من شرورى أو قفا أدم # تسعى الحداة على آثارهم حزقا # 8 # كأن عيني في غربي مقتلة # من النواضح تسقي جنة سحقا # 9 # تمطو الرشاء فتجري في ثنايتها # من المحالة قبا رائدا قلقا # 10 # لها متاع وأعوان غدون به # قتب وغرب إذا ما أفرغ انسحقا # وخلفها سائق يحدو إذا خشيت # منه اللحاق تمد الصلب والعنقا # وقابل يتغنى كلما قدرت # على العراقي يداه قائما دفقا # 11 # يحيل في جدول تحبو ضفادعه # حبو الجواري ترى في مائه نطقا # 12 # يخرجن من شربات ماؤها طحل # على الجذوع يخفن الغم والغرقا # 13 # بل اذكرن خير قيس كلها حسبا # وخيرها نائلا وخيرها خلقا # القائد الخيل منكوبا دوابرها # قد أحكمت حكمات القد والأبقا # 14 # غزت سمانا فآبت ضمرا خدجا # من بعد ما جنبوها بدنا عققا # 15 # حتى يئوب بها عوجا معطلة # تشكو الدوابر والأنساء والصفقا # 16 # يطلب شأو امرأين قدما حسنا # نالا الملوك وبذا هذه السوقا # هو الجواد فإن يلحق بشأوهما # على تكاليفه فمثله لحقا # أو يسبقاه على ما كان من مهل # فمثل ما قدما من صالح سبقا # أشم أبيض فياض يفكك عن # أيدي العناة وعن أعناقها الربقا # وذاك أحزمهم رأيا إذا نبأ # من الحوادث غادى الناس أو طرقا # فضل الجياد على الخيل البطاء فلا # يعطي بذلك ممنونا ولا نزقا # 17 # قد ms070 جعل المبتغون الخير في هرم # والسائلون إلى أبوابه طرقا # إن تلق يوما على علاته هرما # تلق السماحة منه والندى خلقا # وليس مانع ذي قربى وذي رحم # يوما ولا معدما من خابط ورقا # 18 # ليث بعثر يصطاد الرجال إذا # ما كذب الليث عن أقرانه صدقا # 19 # يطعنهم ما ارتموا حتى إذا طعنوا # ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا # هذا وليس كمن يعيا بخطبته # وسط الندي إذا ما ناطق نطقا # لو نال حي من الدنيا بمنزلة # وسط السماء لنالت كفه الأفقا # وقال الشاعر المخضرم وهو الحطيئة يمدح آل لأي: # ألا هبت أمامة بعد هدء # تعاتبني وما قضت كراها # فقلت لها: أمام ذري عتابي # فإن النفس مبدية نثاها # وليس لها من الحدثان بد # إذا ما الدهر عن كثب رماها # فهل أبصرت أو خبرت نفسا # أتاها في تمنيها مناها # كأني ساورتني ذات سم # نقيع لا يلائمها رقاها # لعمر الراقصات بكل فج # من الركبان موعدها مناها # لقد شدت حبائل آل لأي # حبالي بعدما ضعفت قواها # فما تتام جارة آل لأي # ولكن يضمنون لها قراها # لعمرك ما يضيع آل لأي # وثيقات الأمور إلى عراها # وما تركت حفائظها لأمر # ألم بها وما صغرت لهاها # ومن يطلب مساعي آل لأي # تصعده الأمور إلى علاها # كرام يفضلون قروم سعد # أولي أحسابها وأولي نهاها # وهم فرع الذرى من آل سعد # إذا ما عد من سعد ذراها # وخطة ماجد في آل لأي # إذا ما قام صاحبها قضاها # إذا اعوجت قناة الأمر يوما # أقاموها لتبلغ منتهاها # ويبني المجد راحل آل لأي # على العوجاء مضطمرا حشاها # وتسعى للسياسة آل لأي # فتدركها وما اتصلت لحاها # لعمرك إن جارة آل لأي # لعف جيبها حسن ثناها # وقال الشاعر الإسلامي، وهو الأخطل، يمدح الحجاج بن يوسف: # صرمت حبالك زينب وقذور # وحبالهن إذا عقدن ~~غرور # يرمين بالحدق المراض قلوبنا # فغويهن مكلف ~~مضرور # وزعمن أني قد ذهلت عن الصبا # ومضى لذلك أعصر ~~ودهور # وإذا أقول: صحوت من أدوائها # هاج الفؤاد دمى ~~أوانس حور # وإذا نصبن قرونهن لغدرة # فكأنما حلت ms071 لهن ~~نذور # ولقد أصيد الوحش في أوطانها # فيذل بعد شماسه ~~اليعفور # أحيا الإله لنا الإمام فإنه # خير البرية للذنوب ~~غفور # نور أضاء لنا البلاد وقد دجت # ظلم تكاد بها ~~الهداة تجور # الفاخرون بكل يوم صالح # وأخو المكارم بالفعال ~~فخور # فعليك بالحجاج لا تعدل به # أحدا إذا نزلت عليك ~~أمور # ولقد علمت وأنت أعلمنا به # أن ابن يوسف حازم ~~منصور # وأخو الصفاء فما تزال غنيمة # منه يجيء بها إليك ~~بشير # وترى الرواسم تختلفن وفوقها # ورق العراق سبائك ~~وحرير # وبنات فارس كل يوم تصطفى # يعلونهن وما لهن ~~مهور # والخيل يتعبها على علاتها # لله منتصب الفؤاد ~~شكور # خوصا أضر بها ابن يوسف فانطوت # والحرب لاقحة ~~لهن زجور # وترى المذكي في القياد كأنه # من طول ما جشم ~~الغوار عقير # هريت نطاف عيونهن فأدبرت # فكأنهن من الضرارة ~~عور # وحولن من خلج الأعنة وانطوت # منها البطون وفي ~~الفحول جفور # قطع الغزاة عجافهن فأصبحت # حردا صلادم قرح ~~وذكور # ولقد علمت بلاءه في معشر # تغلي شناة صدورهم ~~وتفور # والقوم زأرهم وأعلى صوتهم # تحت السيوف غماغم ~~وهرير # وإذا اللقاح غلت فإن قدوره # جوف لهن بما ~~ضمن هدير # طلب الأزارق بالكتائب إذ هوت # بشبيب غائلة ~~النفوس غدور # يرجو البقية بعدما حدقت به # فرط المنية ~~يحصب وحجور # فأباح جمعهم حميدا وانثنى # وله لوقعة آخرين ~~زئير # وقال الشاعر المولد، وهو المتنبي، يمدح كافورا الإخشيدي: # من الجآذر في زي الأعاريب # حمر الحلى ~~والمطايا والجلابيب؟ # إن كنت تسأل شكا في معارفها # فمن بلاك ~~بتسهيد وتعذيب # لا تجزني بضنى لي بعدها بقر # تجزي دموعي ~~مسكوبا بمسكوب # سوائر ربما سارت هوادجها # منيعة بين مطعون ~~ومضروب # وربما وخدت أيدي المطي بها # على نجيع من ~~الفرسان مصبوب # كم زورة لك في الأعراب خافية # أدهى وقد ~~رقدوا من زورة الذيب # أزورهم وسواد الليل يشفع لي # وأنثني وبياض الصبح ~~يغري بي # قد وافقوا الوحش في سكنى مراتعها # وخالفوها ~~بتقويض وتطنيب # جيرانها وهم شر الجوار لها # وصحبها وهم ~~شر الأصاحيب # فؤاد كل محب في بيوتهم # ومال كل أخيذ المال ~~محروب # ما ms072 أوجه الحضر المستحسنات به # كأوجه البدويات ~~الرعابيب # حسن الحضارة مجلوب بتطرية # وفي البداوة حسن غير ~~مجلوب # أين المعيز من الآرام ناظرة # وغير ناظرة في ~~الحسن والطيب؟! # أفدي ظباء فلاة ما عرفن بها # مضغ الكلام ولا ~~صبغ الحواجيب # ولا برزن من الحمام مائلة # أوراكهن صقيلات ~~العراقيب # ومن هوى كل من ليست مموهة # تركت لون مشيبي ~~غير مخضوب # ومن هوى الصدق في قولي وعادته # رغبت عن شعر ~~في الوجه مكذوب # ليت الحوادث باعتني الذي أخذت # مني بحلمي الذي ~~أعطت وتجريبي # فما الحداثة من حلم بمانعة # قد يوجد الحلم في ~~الشبان والشيب # ترعرع الملك الأستاذ مكتهلا # قبل اكتهال أديبا ~~قبل تأديب # مجربا فهما من قبل تجربة # مهذبا كرما ~~من قبل تهذيب # حتى أصاب من الدنيا نهايتها # وهمه في ابتداءات ~~وتشبيب # يدبر الملك من مصر إلى عدن # إلى العراق فأرض ~~الروم فالنوب # إذا أتتها الرياح النكب من بلد # فما تهب بها ~~إلا بترتيب # ولا تجاوزها شمس إذا شرقت # إلا ومنه لها إذن ~~بتغريب # يصرف الأمر فيها طين خاتمه # ولو تطلس ~~منه كل مكتوب # يحط كل طويل الرمح حامله # من سرج كل طويل ~~الباع يعبوب # كأن كل سؤال في مسامعه # قميص يوسف في أجفان ~~يعقوب # إذا غزته أعاديه بمسألة # فقد غزته بجيش غير ~~مغلوب # أو حاربته فما تنجو بتقدمة # مما أراد ولا تنجو ~~بتجبيب # أضرت شجاعته أقصى كتائبه # على الحمام فما ~~موت بمرهوب # قالوا: هجرت إليه الغيث! قلت لهم: # إلى غيوث ~~يديه والشآبيب # إلى الذي تهب الدولات راحته # ولا يمن ~~على آثار موهوب # ولا يروع بمغدور به أحدا # ولا يفزع موفورا ~~بمنكوب # بلى يروع بذي جيش يجدله # ذا مثله في أحم ~~النقع غربيب # وجدت أنفع مال كنت أذخره # ما في السوابق من ~~جري وتقريب # لما رأيت صروف الدهر تغدر بي # وفين لي ووفت ~~صم الأنابيب # فتن المهالك حتى قال قائلها: # ماذا لقينا من ~~الجرد السراحيب؟! # تهوي بمنجرد ليست مذاهبه # للبس ثوب ومأكول ~~ومشروب # يرى النجوم بعيني من يحاولها # كأنها سلب في عين ~~مسلوب # حتى وصلت ms073 إلى نفس محجبة # تلقى النفوس بفضل ~~غير محجوب # في جسم أروع صافي العقل تضحكه # خلائق الناس ~~إضحاك الأعاجيب # فالحمد قبل له والحمد بعد لها # وللقنا ولإدلاجي ~~وتأويبي # وكيف أكفر يا كافور نعمتها # وقد بلغنك بي يا خير ~~مطلوب # يا أيها الملك الغاني بتسمية # في الشرق والغرب ~~عن وصف وتلقيب # أنت الحبيب ولكني أعوذ به # من أن أكون محبا ~~غير محبوب # وقال شاعر العصر «حفني بك ناصف» القاضي بالمحاكم الأهلية يمدح خديوي مصر توفيق ~~باشا، ويهنئه بالعام الجديد، ويذكر حريق قصر عابدين والخديوي في مصيفه ~~بالإسكندرية: # وافى يقبل راحتيك العام # وحنت إليك ~~رءوسها الأيام # والدهر أقسم لا يجيء بغير ما # ترضى وكم برت له ~~أقسام # فاقبل معاذير الزمان فطالما # قبلت معاذير المنيب ~~كرام # واغفر جنايته على القصر الذي # لم تحو مصر ~~نظيره والشام # شبت به النيران فارتاعت لها # مهج الأنام ~~وهالها استعظام # وسعوا إلى إطفائها فتزاحمت # ثم السنابك ~~والتقى الأقدام # زاغت لها الأبصار واحتشدت لها الن # ظار بل طاشت لها الأحلام # لولا الدخان أحاط حول لهيبها # ما شك فرد أنها أعلام # أمر به نفذ القضاء وليس في # أحكامه نقض ولا إبرام # لسنا نذكرك القضاء فأنت في # هذا المقام وفي سواه إمام # بل حكمة شاء الإله بيانها # لعباده ليذيع ~~الاستسلام # حتى يروا أن الملوك وإن علوا # قدرا تسير ~~عليهم الأحكام # فإذا اقتدى بهم الرعية أحسنوا # صبرا وخفت ~~عنهم الآلام # عين السماء لعابدين تطلعت # حسدا عليك وللعيون ~~سهام # وتشوف القصر الكريم لأهله # والشوق في قلب المحب ~~ضرام # لم يستطع صبرا على طول النوى # والصبر في شرع ~~الغرام حرام # فتصعدت زفراته وتأججت # جمراته والصب كيف ~~يلام؟! # لولا الدموع من المطافئ ما انقضى # منه الهيام ولم ~~يبل أوام # خرقت طباق الجو إلا أنها # برد قصارى أمرها ~~وسلام # والنار من آي القبول فقد عفا # قربان هابيل لها ~~إضرام # هذا وكم من نعمة في نقمة # طويت فلم تفطن لها ~~الأفهام # عام بما فيه مضى ووفا أبا ال # عباس عام وجهه ~~بسام # يفتر ثغر الدهر عن نفحاته # ويضيء ms074 من قسماته ~~الإظلام # أيامه بك كلهن مسرة # وزمانه بك كله ~~إنعام # مولاي أغرقت الأنام بأنعم # ليست تفي ببيانها ~~الأقلام # طوقتهم بمواهب سجعوا بها # كالروض تسجع في رباه ~~حمام # عفو وإحسان وحط ضرائب # ومدارس ومجالس ~~ونظام # ودوام إرسال الوفود لمنتدى # أهل العلوم وللعلوم ~~ذمام # أكرمتهم حتى ملكت قلوبهم # والحر يملك قلبه ~~الإكرام # دم يا عزيز لمصر تصلح شأنها # فدوام ملكك للصلاح ~~دوام # واستقبل الأيام تكلؤك العلا # ويحوطك التبجيل ~~والإعظام # وانعم بعباس وطب بمحمد # فهما لأوصاف الكمال ~~مرام # واهنأ بعام قلت في تاريخه: # توفيقنا تسمو به ~~الأعوام # سنة 1309 # وقال الشاعر المجيد أحمد بك شوقي، من موظفي المعية السنية، يهنئ الجناب ~~العالي بعوده من دار الخلافة إلى مصر سنة 1316: # على قدر الهوى يأتي العتاب # ومن عاتبت تفديه ~~الصحاب # ألوم معذبي فألوم نفسي # فأغضبها ويرضيها ~~العذاب # ولو أني استطعت لتبت عنه # ولكن كيف عن روحي ~~المتاب؟ # ولي قلب بأن يهوى يجازى # ومالكه بأن يجني ~~يثاب # ولو ساغ العقاب فعلت لكن # نفار الظبي ليس له ~~عقاب # يلوم اللائمون وما رأوه # وقدما ضاع في الناس ~~الصواب # صحوت فأنكر السلوان قلبي # علي وراجع الطرب ~~الشباب # وللعيش الصبا فإذا تولى # فكل بقية في الكأس ~~صاب # وما رثت له عندي حبال # ولا ضاقت له عني ~~ثياب # وشأني والصبابة منذ كنا # كما الصهباء يألفها ~~الحباب # كأن يد الغرام زمام قلبي # فليس عليه دون هوى ~~حجاب # كأن جوانحي والحب فيها # فلاة التيه ما منها ~~مآب # كأن الحب جوعة قوم موسى # فبعدي عنه بالسلوى ~~اقتراب # كأن رواية الأشواق عود # على بدء وما كمل ~~الكتاب # كأني والهوى أخوا مدام # لنا عهد بها ولنا ~~اصطحاب # إذا ما اعتضت عن عشق بعشق # أعيد الكأس ~~وامتد الشراب # وكل هوى بلائمة مشوب # وحبك بالملامة لا ~~يشاب # لأنك أنت للأوطان كهف # وأنت حقوق مصرك ~~والطلاب # وأنت الرأس ما منه بديل # وأنت الروح ما عنها ~~مناب # وأنت سلاحنا ما خان يوما # وغيرك سهمنا وبه ~~نصاب # فأهلا «بالأمير» وما رأينا # هلالا تستقر به ~~الركاب # ولا شمسا «برأس التين» حلت ms075 # وفي الدنيا ضحاها ~~واللعاب # وأكرم قادم أنت المفدى # وأيمن مقدم هذا ~~الإياب # تغيب عن البلاد وعن بنيها # ومالك عن قلوبهم ~~غياب # تقربك المنى آنا وآنا # تقربك الأحاديث ~~العذاب # إذا ما سرت من قطر لقطر # أقام البحر وانتقل ~~السحاب # إذا جاورت قوما حل فيهم # صميم المجد والشرف ~~اللباب # إذا جعل الكرام لنا سماء # فإنك شمسها وهم ~~الضباب # ولما جئت «دار الملك» حيت # بأحسن ما تعود ذا ~~الجناب # أظلتك الخلافة في ذراها # وبرت سوحها بك ~~والرحاب # وفتح للرعاية ألف باب # هناك وسد للواشين ~~باب # وردنا الماء بينكما نميرا # وأظمأ من يريبكما ~~السراب # وما وجدوا لمفسدة مجالا # ولكن تنبح القمر ~~الكلاب # فعيشا فرقدين من الليالي # وعاش خلائق بكما ~~وطابوا # نداء الخلف بينكما عقيم # وداعي الله بينكما ~~مجاب ~~(7) أشعار متواردة على النسيب # قال امرؤ القيس، وهو جاهلي: # ألا عم صباحا أيها الطلل البالي # وهل يعمن ~~من كان في العصر الخالي؟! # وهل ينعمن إلا سعيد مخلد # قليل ~~الهموم ما يبيت بأوجال؟ # وهل ينعمن من كان أحدث عهده # ثلاثين ~~شهرا في ثلاثة أحوال # ديار لسلمى عافيات بذي الخال # ألح ~~عليها كل أسحم هطال # وتحسب سلمى لا تزال كعهدنا # بوادي الخزامى ~~أو على رأس أوعال # وتحسب سلمى لا تزال ترى طلا # من الوحش أو ~~بيضا بميثاء محلال # ليالي سلمى إذ تريك منصبا # وجيدا ~~كجيد الريم ليس بمعطال # ألا زعمت بسباسة اليوم أنني # كبرت وأن لا يشهد ~~اللهو أمثالي! # بلى رب يوم قد لهوت ~~وليلة # بآنسة كأنها خط ~~تمثال # يضيء الفراش وجهها لضجيعها # كمصباح زيت في ~~قناديل ذبال # كأن على لباتها جمر مصطل # أصاب غضى جزلا ~~وكف بأجذال # وهبت له ريح بمختلف الصوى # صبا ~~وشمالا في منازل قفال # كذبت لقد أصبي على المرء عرسه # وأمنع عرسي أن ~~يزن بها الخالي # ومثلك بيضاء العوارض طفلة # لعوب تنسيني ~~إذا قمت سربالي # لطيفة طي الكشح غير مفاضة # إذا ~~انفتلت مرتجة غير متفال # إذا ما الضجيع ابتزها من ثيابها # تميل ~~عليه هونة غير مجبال # كحقف النقا يمشي الوليدان فوقه # بما ~~احتسبا من ms076 لين مس وتسهال # إذا ما استحمت كان فيض حميمها # على متنتيها ~~كالجمان لدى الجالي # تنورتها من أذرعات وأهلها # بيثرب أدنى ~~دارها نظر عال # نظرت إليها والنجوم كأنها # مصابيح رهبان تشب ~~لقفال # سموت إليها بعدما نام أهلها # سمو ~~حباب الماء حالا على حال # فقالت: سباك الله إنك فاضحي # ألست ~~ترى السمار والناس أحوالي؟ # فقلت: يمين الله أبرح قاعدا # ولو ~~قطعوا رأسي لديك وأوصالي # فلما تنازعنا الحديث وأسمحت # هصرت ~~بغصن ذي شماريخ ميال # فصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا # ورضت ~~فذلت صعبة أي إذلال! # حلفت لها بالله حلفة فاجر # لناموا ~~فما إن من حديث ولا صال # فأصبحت معشوقا وأصبح بعلها # عليه ~~القتام كاسف الظن والبال # يغط غطيط البكر شد ~~خناقه # ليقتلني والمرء ليس ~~بقتال # أيقتلني والمشرفي ~~مضاجعي # ومسنونة زرق كأنياب ~~أغوال؟! # وليس بذي سيف فيقتلني به # وليس بذي ~~رمح وليس بنبال # أيقتلني وقد قطرت فؤادها # كما قطر ~~المهنؤة الرجل الطالي؟! # وقد علمت سلمى وإن كان بعلها # بأن ~~الفتى يهذي وليس بفعال # وماذا عليه إن ذكرت أوانسا # كغزلان ~~رمل في محاريب أقوال؟ # وبيت عذارى يوم دجن دخلته # يطفن ~~بجماء المرافق مكسال # قليلة جرس الليل إلا وساوسا # وتبسم عن عذب ~~المذاقة سلسال # طوال المتون والعرانين كالقنا # لطاف الخصور ~~في تمام وإكمال # أوانس يتبعن الهوى سبل المنى # يقلن ~~لأهل الحلم ضلا بتضلال # صرفت الهوى عنهن من خشية ~~الردى # ولست بمقلي الخلال ولا ~~قالي # كأني لم أركب جوادا للذة # ولم ~~أتبطن كاعبا ذات خلخال # ولم أسبأ الزق الروي ولم ~~أقل # لخيلي كري كرة بعد ~~إجفال # ولم أشهد الخيل المغيرة ~~بالضحى # على هيكل نهد الجزارة ~~جوال # سليم الشظى عبل الشوى شنج ~~النسا # له حجبات مشرفات على ~~الفال # وصم صلاب ما يقين من الوجى # كأن ~~مكان الردف منه على رال # وقد أغتدي والطير في وكناتها # لغيث ~~من الوسمي رائده خال # تحاماه أطراف الرماح تحاميا # وجاد ~~عليه كل أسحم هطال # بعجلزة قد أترز الجري لحمها # كميت ~~كأنها هراوة منوال # ذعرت بها سربا نقيا ~~جلوده # وأكرعه وشي البرود من ~~الخال # كأن ms077 الصوار إذ يجاهدن غدوة # على جمد ~~خبل تجول بأجلال # فجال الصوار واتقين بقرهب # طويل ~~القرا والروق أخنس ذيال # فعادى عداء بين ثور ونعجة # وكان ~~عداء الوحش مني على بال # كأني بفتخاء الجناحين لقوة # صيود ~~من العقبان طأطأت شملالي # تخطف خزان الشربة ~~بالضحى # وقد حجرت منها ثعالب ~~أورال # كأن قلوب الطير رطبا ويابسا # لدى ~~وكرها العناب والحشف البالي # فلو أنما أسعى لأدنى معيشة # كفاني ~~ولم أطلب قليل من المال # ولكنما أسعى لمجد مؤثل # وقد ~~يدرك المجد المؤثل أمثالي # وما المرء ما دامت حشاشة ~~نفسه # بمدرك أطراف الخطوب ولا ~~آلي # وقال النابغة الذبياني، وهو جاهلي، يصف المتجردة، وقد دخل على النعمان، ففاجأته، ~~فسقط نصيفها عنها، فغطت وجهها بمعصمها: # أمن آل مية رائح أو مغتدي # عجلان ~~ذا زاد وغير مزود؟ # أفد الترحل غير أن ركابنا # لما تزل ~~برحالنا وكأن قد # زعم الغداف بأن رحلتنا غدا # وبذاك ~~خبرنا الغداف الأسود # لا مرحبا بغد ولا أهلا به # إن كان تفريق ~~الأحبة في غد # حان الرحيل ولم تودع ~~مهدرا # والصبح والإمساء منها ~~موعدي # في إثر غانية رمتك بسهمها # فأصاب ~~قلبك غير أن لم تقصد # غنيت بذلك إذ هم لك جيرة # منها بعطف ~~رسالة وتودد # ولقد أصاب فؤاده من حبها # عن ظهر ~~مرنان بسهم مصرد # نظرت بمقلة شادن متربب # أحوى ~~أحم المقلتين مقلد # والنظم في سلك يزين نحرها # ذهب توقد، ~~كالشهاب الموقد # صفراء كالسيراء أكمل خلقها # كالغصن ~~في غلوائه المتأود # والبطن ذو عكن لطيف طيه # والنحر ~~تنفجه بثدي مقعد # محطوطة المتنين غير مفاضة # ريا ~~الروادف بضة المتجرد # قامت تراءى بين سجفي كلة # كالشمس يوم ~~طلوعها بالأسعد # أو درة صدفية غواصها # بهج متى يرها ~~يهل ويسجد # أو دمية من مرمر مرفوعة # بنيت بآجر ~~يشاد وقرمد # سقط النصيف ولم ترد ~~إسقاطه # فتناولته واتقتنا ~~باليد # بمخضب رخص كأن بنانه # عنم يكاد من ~~اللطافة يعقد # نظرت إليك بحاجة لم تقضها # نظر السقيم ~~إلى وجوه العود # تجلو بقادمتي حمامة أيكة # بردا أسف ~~لثاته بالإثمد # كالأقحوان غداة غب سمائه # جفت أعاليه ~~وأسفله ندي ms078 # زعم الهمام بأن فاها بارد # عذب مقبله ~~شهي المورد # زعم الهمام - ولم أذقه - أنه # عذب ~~إذا ما ذقته قلت: ازدد # زعم الهمام - ولم أذقه - أنه # يشفى ~~بريا ريقها العطش الصدي # أخذ العذارى عقدها فنظمنه # من لؤلؤ ~~متتابع متسرد # لو أنها عرضت لأشمط راهب # عبد الإله ~~صرورة متعبد # لرنا لرؤيتها وحسن حديثها # ولخاله رشدا ~~وإن لم يرشد # بتكلم لو تستطيع كلامه # لدنت له ~~أروى الهضاب الصخد # وبفاحم رجل أثيث نبته # كالكرم مال على ~~الدعام المسند # وإذا لمست لمست أجثم جاثيا # متحيزا ~~بمكانه ملء اليد # وإذا طعنت طعنت في مستهدف # رابي المجسة ~~بالعبير مقرمد # وإذا نزعت نزعت عن مستحصف # نزع الحزور ~~بالرشاء المحصد # وإذا يعض تشده أعضاؤها # عض الكبير من ~~الرجال الأدرد # ويكاد ينزع جلد من يصلى به # بلوافح ~~مثل السعير الموقد # لا وارد منها يحور لمصدر # عنها، ولا صدر ~~يحور لمورد # وقال الأعشى، وهو مخضرم: # ودع هريرة إن الركب مرتحل # وهل ~~تطيق وداعا أيها الرجل؟ # غراء فرعاء مصقول ~~عوارضها # تمشي الهوينا كما يمشي الوجي ~~الوحل # كأن مشيتها من بيت جارتها # مر ~~السحابة لا ريث ولا عجل # تسمع للحلي وسواسا إذا انصرفت # كما ~~استعان بريح عشرق زجل # ليست كمن يكره الجيران طلعتها # ولا تراها ~~لسر الجار تختتل # يكاد يصرعها لولا تشددها # إذا ~~تقوم إلى جاراتها الكسل # هركولة فنق درم مرافقها # كأن أخمصها ~~بالشوك منتعل # إذا تقوم يضوع المسك ~~أصورة # والزنبق الورد من أردانها ~~شمل # ما روضة من رياض الحزن ~~معشبة # خضراء جاد عليها مسبل ~~هطل # يضاحك الشمس منها كوكب شرق # مؤزر ~~بعميم النبت مكتهل # يوما بأطيب منها نشر رائحة # ولا ~~بأحسن منها إذ دنا الأصل # ومنها: # صدت هريرة عنا ما تكلمنا # جهلا بأم ~~خليد حبل من تصل # أأن رأت رجلا أعشى أضر به # ريب المنون ودهر ~~مفند خبل # قالت هريرة لما جئت زائرها: # ويلي عليك ~~وويلي منك يا رجل! # أما ترانا حفاة لا نعال لنا # إنا ~~كذلك ما نحفى وننتعل # وقد أخالس رب البيت غفلته # وقد ~~يحاذر مني ثم ما يئل # وقد ms079 أقود الصبا يوما فيتبعني # وقد ~~يصاحبني ذو الشرة الغزل # وقد غدوت إلى الحانوت ~~يتبعني # شاو مشل شلول شلشل ~~شول # في فتية كسيوف الهند قد علموا # أن ~~ليس يدفع عن ذي الحيلة الحيل # نازعتهم قضب الريحان متكئا # وقهوة مزة ~~راووقها خضل # لا يستفيقون منها وهي راهنة # إلا بهات ~~وإن علوا وإن نهلوا # يسعى بها ذو زجاجات له نطف # مقلص أسفل ~~السربال معتمل # ومستجيب تخال الصنج تسمعه # إذا ~~ترجع فيه القينة الفضل # والساحبات ذيول الريط آونة # والرافلات ~~على أعجازها العجل # من كل ذلك يوم قد لهوت به # وفي ~~التجارب طول اللهو والغزل # وقال عمر بن أبي ربيعة، وهو إسلامي: # أمن آل نعم أنت غاد فمبكر # غداة ~~غد أم رائح فمهجر؟ # لحاجة نفس لم تقل في جوابها # فتبلغ ~~عذرا والمقالة تعذر # أهيم إلى نعم فلا الشمل جامع # ولا ~~الحبل موصول ولا القلب مقصر # ولا قرب نعم إن دنت لك نافع # ولا ~~نأيها يسلي ولا أنت تصبر # وأخرى أتت من دون نعم ومثلها # نهى ~~ذا النهى لو يرعوي أو يفكر # إذا زرت نعما لم يزل ذو قرابة # لها ~~كلما لاقيتها يتنمر # عزيز عليه أن ألم ببيتها # يسر ~~لي الشحناء والبغض مظهر # ألكني إليها بالسلام ~~فإنه # يشهر إلمامي بها ~~وينكر # بآية ما قالت غداة لقيتها # بمدفع ~~أكنان: أهذا المشهر؟ # قفي فانظري أسماء هل ~~تعرفينه؟ # أهذا المغيري الذي كان ~~يذكر؟ # أهذا الذي أطريت نعتا فلم أكن ~~- ~~رعيتك - أنساه إلى يوم أقبر؟ # فقالت: نعم لا شك غير لونه # سرى ~~الليل يحيي نصه والتهجر # لئن كان إياه لقد حال بعدنا # عن ~~العهد والإنسان قد يتغير # رأت رجلا أما إذا الشمس ~~عارضت # فيضحى وأما بالعشي ~~فيخصر # أخا سفر جواب أرض تقاذفت # به ~~فلوات فهو أشعث أغبر # قليل على ظهر المطية ظله # سوى ما ~~نفى عنه الرداء المحبر # وأعجبها من عيشها ظل ~~غرفة # وريان ملتف الحدائق ~~أخضر # ووال كفاها كل شيء يهمها # فليست ~~لشيء آخر الليل تسهر # وليلة ذي دوران جشمني السرى # وقد ~~يجشم الهول المحب المغرر # فبت رقيبا للرفاق ms080 على شفا # أحاذر ~~منهم من يطوف وأنظر # إليهم متى يستمكن النوم منهم # ولى ~~مجلس لولا اللبانة أوعر # وباتت قلوصي بالعراء ورحلها # لطارق ~~ليل أو لمن جاء معور # وبت أناجي النفس أين خباؤها # وكيف ~~لما آتي من الأمر مصدر؟ # فدل عليها القلب ريا عرفتها # لها ~~وهوى النفس الذي كاد يظهر # فلما فقدت الصوت منهم ~~وأطفئت # مصابيح شبت بالعشاء ~~وأنور # وغاب قمير كنت أهوى غيوبه # وروح ~~رعيان ونوم سمر # وخفض عني الصوت أقبلت مشية ~~ال # حباب وشخصي خشية الحي ~~أزور # فحييت إذ فاجأتها فتولهت # وكادت ~~بمخفوض التحية تجهر # وقالت وعضت بالبنان: فضحتني # وأنت ~~امرؤ ميسور أمرك أعسر # أريتك إذ هنا عليك ألم تخف ~~- ~~وقيت - وحولي من عدوك حضر؟! # فو الله ما أدري أتعجيل حاجة # سرت ~~بك أم قد نام من كنت تحذر؟ # فقلت لها: بل قادني الشوق ~~والهوى # إليك وما نفس من الناس ~~تشعر ~~«فقلت: كذاك الحب قد يحمل الفتى # من الهول حتى ~~يستقاد فينحر» # فقالت وقد لانت وأفرخ روعها: # كلاك ~~بحفظ ربك المتكبر # فأنت أبا الخطاب غير مدافع # علي ~~أمير ما مكثت مؤمر # فبت قرير العين أعطيت ~~حاجتي # أقبل فاها في الخلاء ~~فأكثر # فيا لك من ليل تقاصر طوله # وما كان ~~ليلى قبل ذلك يقصر # ويا لك من ملهى هناك ومجلس # لنا لم ~~يكدره علينا مكدر # يمج ذكي المسك منها مقبل # نقي ~~الثنايا ذو غروب مؤشر # تراه إذا ما افتر عنه كأنه # حصا ~~برد أو أقحوان منور # وترنو بعينيها إلي كما رنا # إلى ~~ظبية وسط الخميلة جؤذر # فلما تقضى الليل إلا ~~أقله # وكادت توالي نجمه ~~تتغور # أشارت بأن الحي قد حان ~~منهم # هبوب ولكن موعد منك ~~عزور # فما راعني إلا مناد: ترحلوا! # وقد ~~لاح معروف من الصبح أشقر # فلما رأت من قد تنبه ~~منهمو # وأيقاظهم قالت: أشر كيف ~~تأمر؟ # فقلت: أباديهم فإما أفوتهم # وإما ~~ينال السيف ثأرا فيثأر # فقلت: أتحقيقا لما قال كاشح # علينا ~~وتصديقا لما كان يؤثر؟ # فإن كان ما لا بد منه فغيره # من ~~الأمر أدنى للخفاء وأستر # أقص ms081 على أختي بدء حديثنا # وما لي ~~من أن يعلما متأخر # لعلهما أن يطلبا لك مخرجا # وأن ~~يرحبا سربا بما كنت أحصر # فقامت كئيبا ليس في وجهها دم # من ~~الحزن تذري عبرة تتحدر # فقامت إليها حرتان عليهما # كساءان ~~من خز؛ دمقس وأخضر # فقالت لأختيها: أعينا على فتى # أتى ~~زائرا والأمر للأمر يقدر # فأقبلتا فارتاعتا ثم ~~قالتا: # أقلي عليك اللوم فالخطب ~~أيسر # فقالت لها الصغرى: سأعطيه ~~مطرفي # ودرعي وهذا البرد إن كان ~~يحذر # يقوم فيمشي بيننا متنكرا # فلا ~~سرنا يفشو ولا هو يظهر # فكان مجني دون من كنت أتقي # ثلاث ~~شخوص؛ كاعبان ومعصر # فلما أجزنا ساحة الحي قلن ~~لي: # أما تتقي الأعداء والليل ~~مقمر؟ # وقلن: أهذا دأبك الدهر ~~سادرا # أما تستحي أو ترعوي أو ~~تفكر؟! # إذا جئت فامنح طرف عينيك ~~غيرنا # لكي يحسبوا أن الهوى حيث ~~تنظر # فآخر عهد لي بها حيث أعرضت # ولاح لها ~~خد نقي ومحجر # سوى أنني قد قلت يا نعم قولة # لها ~~والعتاق الأرحبيات تزجر # هنيئا لأهل العامرية نشرها ~~ال # ذيذ ورياها الذي ~~أتذكر # وقمت إلى عنس تخون نيها # سرى ~~الليل حتى لحمها متحسر # وحبسي على الحاجات حتى كأنها # بقية ~~لوح أو شجار مؤسر # وماء بموماة قليل أنيسه # بسابس لم ~~يحدث به الصيف محضر # به مبتنى للعنكبوت كأنه # على ~~طرف الأرجاء خام منشر # وردت وما أدري أما بعد موردي # من ~~الليل أم ما قد مضى منه أكثر # فقمت إلى مفلاة أرض كأنها # إذا ~~التفتت مجنونة حين تنظر # تنازعني حرصا على الماء رأسها # ومن ~~دون ما تهوى قليب معور # محاولة للماء لولا زمامها # وجذبي لها ~~كادت مرارا تكسر # فلما رأيت الضر منها ~~وأنني # ببلدة أرض ليس فيها ~~معصر # قصرت لها من جانب الحوض منشأ # جديدا ~~كقاب الشبر أو هو أصغر # إذا شرعت فيه فليس لملتقى # مشافرها ~~منه قدى الكف مسأر # ولا دلو إلا العقب كان رشاءه # إلى ~~الماء نسع والأديم المضفر # فسافت وما عافت وما رد شربها # عن ~~الري مطروق من الماء أكدر # وقال ابن زيدون الأندلسي، وهو مولد: ms082 # أضحى التنائي بديلا من تدانينا # وناب عن طيب ~~لقيانا تجافينا # بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا # شوقا ~~إليكم ولا جفت مآقينا # يكاد حين تناجيكم ضمائرنا # يقضي علينا الأسى ~~لولا تأسينا # حالت لفقدكم أيامنا فغدت # سودا وكانت بكم ~~بيضا ليالينا # إذ جانب العيش طلق من تألفنا # ومورد اللهو ~~صاف من تصافينا # وإذ هصرنا فنون الوصل دانية # قطوفها فجنينا ~~منه ما شينا # ليسق عهدكمو عهد السرور فما # كنتم ~~لأرواحنا إلا رياحينا # من مبلغ الملبسينا بانتزاحهم # حزنا مع الدهر ~~لا يبلى ويبلينا؟ # أن الزمان الذي ما زال يضحكنا # أنسا بقربهم ~~قد عاد يبكينا # غيظ العدا من تساقينا الهوى فدعوا # بأن نغص ~~فقال الدهر آمينا # فانحل ما كان معقودا بأنفسنا # وانبت ما كان ~~موصولا بأيدينا # وقد نكون وما يخشى تفرقنا # فاليوم نحن وما ~~يرجى تلاقينا # لم نعتقد بعدكم إلا الوفاء لكم # رأيا ولم ~~نتقلد غيره دينا # لا تحسبوا نأيكم عنا يغيرنا # أن طالما ~~غير النأي المحبينا # والله ما طلبت أهواؤنا بدلا # منكم ولا ~~انصرفت عنكم أمانينا # ولا استفدنا خليلا عنك يشغلنا # ولا اتخذنا ~~بديلا منك يسلينا # يا ساري البرق غاد القصر فاسق به # من كان ~~صرف الهوى والود يسقينا # ويا نسيم الصبا بلغ تحيتنا # من لو على ~~البعد حيا كان يحيينا # يا روضة طالما أجنت لواحظنا # وردا جلاه الصبا ~~غضا ونسرينا # ويا حياة تملينا بزهرتها # منى ضروبا ولذات ~~أفانينا # ويا نعيما رفلنا من غضارته # في وشي نعمى سحبنا ~~ذيله حينا # لسنا نسميك إجلالا وتكرمة # وقدرك المعتلي عن ~~ذاك يغنينا # إذا انفردت وما شوركت في صفة # فحسبنا الوصف ~~إيضاحا وتبيينا # يا جنة الخلد أبدلنا بسلسها # والكوثر العذب ~~زقوما وغسلينا # كأننا لم نبت والوصل ثالثنا # والسعد قد ~~غض من أجفان واشينا # سران في خاطر الظلماء يكتمنا # حتى يكاد لسان ~~الصبح يفشينا # لا غرو أنا ذكرنا الحزن حين نهت # عنه النهى ~~وتركنا الصبر ناسينا # إنا قرأنا الأسى يوم النوى سورا # مكتوبة ~~وأخذنا الصبر تلقينا # أما هواك فلم نعدل بمنهله # شربا وإن كان يروينا ~~فيظمينا # لم نجف أفق جمال ms083 أنت كوكبه # سالين عنه ولم نهجره ~~قالينا # ولا اختيارا تجنبناك عن كثب # لكن عدتنا على ~~كره عوادينا # نأسى عليك إذا حثت مشعشعة # فينا الشمول ~~وغنانا مغنينا # لا أكؤس الراح تبدي من شمائلنا # سيما ارتياح ~~ولا الأوتار تلهينا # دومي على العهد ما دمنا محافظة # فالحر من دان ~~إنصافا كما دينا # فما ابتغينا خليلا منك يحسبنا # ولا استفدنا ~~حبيبا منك يغنينا # ولو صبا نحونا من علو مطلعه # بدر الدجى لم ~~يكن حاشاك يصبينا # أولى وفاء وإن لم تبذلي صلة # فالذكر يقنعنا ~~والطيف يكفينا # وفي الجواب قناع لو شفعت به # بيض الأيادي التي ~~ما زلت تولينا # عليك مني سلام الله ما بقيت # صبابة منك ~~نخفيها فتخفينا # وقال محمود باشا سامي المصري، نزيل جزيرة سيلان الآن: # ظن الظنون فبات غير موسد # حيران يكلأ مستنير الفرقد # تلوي به الذكرات # 20 # حتى إنه # ليظل ملقى بين أيدي العود # طورا يهم بأن يزل بنفسه # سرفا وتارات يميل على اليد # فكأنما افترست بطائر حلمه # مشمولة أو ساغ سم الأسود # قالوا: غدا يوم الرحيل ومن لهم # خوف التفرق أن أعيش إلى غد؟! # هي مهجة ذهب الهوى بشغافها # معمودة إن لم تمت فكأن قد # يا أهل ذا البيت الرفيع مناره # أدعوكم يا قوم دعوة مقصد # 21 # إني فقدت العام بين بيوتكم # عقلي فردوه علي لأهتدي # أو فاستقيدونى # 22 # ببعض قيانكم # حتى ترد إلي نفسي أو تدي # بل يا أخا السيف الطويل نجاده # إن أنت لم تحم النزيل فأغمد # هذي لحاظ الغيد بين شعابكم # فتكت بنا خلسا بغير مهند # من كل ناعمة الصبا بدوية # ريا الشباب سليمة المتجرد # 23 # هيفاء إن خطرت سبت وإذا رنت # سلبت فؤاد العابد المتشدد # يخفضن من أبصارهن تختلا # للنفس فعل القانتات العبد # فإذا أصبن أخا الشباب سلبنه # ورمين مهجته بطرف أصيد # وإذا لمحن أخا المشيب قلينه # وسترن ضاحية المحاسن باليد # فلئن غدوت دريئة لعيونها # فلقد أفل زعارة # 24 # المتمرد # ولقد شهدت الحرب في إبانها # ولبئس راعي الحي إن لم أشهد # تتقصف المران في حجراتها # ويعود فيها ms084 السيف مثل الأدرد # عصفت بها ريح الردى فتدفقت # بدم الفوارس كالأتي المزبد # ما زلت أطعن بينها حتى انثنت # عن مثل حاشية الرداء المجسد # ولقد هبطت الغيث يلمع نوره # فى كل وضاح الأسرة أغيد # تجرى به الآرام بين مناهل # طابت مشاربها وظل أبرد # بمضمر أرن كأن سراته # 25 # بعد الحميم سبيكة من عسجد # خلصت له اليمنى وعم ثلاثة # منه البياض إلى وظيف أجرد # فكأنما انتزع الأصيل رداءه # سلبا وخاض من الضحى في مورد # زجل يردد في اللهاة صهيله # دفعا كزمزمة الحبي المرعد # 26 # متلفتا عن جانبيه يهزه # مرح الصبا كالشارب المتفرد # فإذا ثنيت له العنان وجدته # يمطو كسيد الردهة المتورد # 27 # وإذا أطعت له العنان رأيته # يطوي المهامه فدفدا في فدفد # يكفيك منه إذا استحس بنبأة # شدا كألهوب الإباء الموقد # صلب السنابك لا يمر بجلمد # فى الشد إلا رض فيه بجلمد # نعم العتاد إذا الشفاه تقلصت # يوم الكريهة في العجاج الأربد # 28 # ولقد شربت الخمر بين غطارف # شم المعاطس كالغصون الميد # يتلاعبون على الكئوس إذا جرت # لعبا يروح الجد فيه ويغتدي # لا ينطقون بغير ما أمر الهوى # فكلامهم كالروض مصقول ندي # من كل وضاح الجبين كأنه # قمر توسط جنح ليل أسود # بل رب غانية طرقت خباءها # والنجم يطرف عن لواحظ أرمد # قالت وقد نظرت إلي: فضحتني # فارجع لشأنك فالرجال بمرصد # فخلبتها بالقول حتى رضتها # وطويتها طي الحبيرة # 29 # باليد # ما زلت أمنعها المنام غواية # حتى لقد بتنا بليل الأنقد # 30 # روعاء تفزع من عصافير الضحى # ترفا وتجزع من صياح الهدهد # حتى إذا نم الصبا وتتابعت # زيم # 31 # الكواكب كالمها المتبدد # قالت: دخلت وما إخالك بارحا # إلا وقد أبقيت عار المسند # 32 # فمسحتها حتى اطمأن فؤادها # ونفيت روعتها برأي محصد # وخرجت أخترق الصفوف من العدا # متلثما والسيف يلمع في يدي # فلنعم ذاك العيش لو لم ينقضي # ولنعم هذا العيش إن لم ينفد # يرجو الفتى في الدهر طول حياته # ونعيمه والمرء غير مخلد ~~(8) أشعار متواردة على الرثاء # قال المهلهل يرثي أخاه كليبا، وهو ms085 جاهلي: # أهاج قذاء عيني الاذكار # هدوا فالدموع لها انحدار # وصار الليل مشتملا علينا # كأن الليل ليس له نهار # وبت أراقب الجوزاء حتى # تقارب من أوائلها انحدار # أصرف مقلتي في إثر قوم # تباينت البلاد بهم فغاروا # وأبكي والنجوم مطلعات # كأن لم تحوها عني البحار # على من لو نعيت وكان حيا # لقاد الخيل يحجبها الغبار # دعوتك يا كليب فلم تجبني # وكيف يجيبني البلد القفار # أجبني يا كليب خلاك ذم # ضنينات النفوس لها مزار # أجبني يا كليب خلاك ذم # لقد فجعت بفارسها نزار # سقاك الغيث إنك كنت غيثا # ويسرا حين يلتمس اليسار # أبت عيناي بعدك أن تكفا # كأن غضا القتاد لها شفار # وإنك كنت تحلم عن رجال # وتعفو عنهم ولك اقتدار # وتمنع أن يمسهم لسان # مخافة من يجير ولا يجار # وكنت أعد قربي منك ربحا # إذا ما عدت الربح التجار # فلا تبعد فكل سوف يلقى # شعوبا يستدير بها المدار # يعيش المرء عند بني أبيه # ويوشك أن يصير بحيث صاروا # أرى طول الحياة وقد تولى # كما قد يسلب الشيء المعار # كأني إذ نعى الناعي كليبا # تطاير بين جنبي الشرار # فدرت وقد عشى بصري عليه # كما دارت بشاربها العقار # سألت الحي: أين دفنتموه؟ # فقالوا لي: بسفح الحي دار # فسرت إليه من بلدي حثيثا # وطار النوم وامتنع القرار # وحادت ناقتي عن ظل قبر # ثوى فيه المكارم والفخار # لدى أوطان أردع لم يشنه # ولم يحدث له في الناس عار # أتغدوا يا كليب معي إذا ما # جبان القوم أنجاه الفرار؟ # أتغدوا يا كليب معي إذا ما # حلوق القوم يشحذها الشفار؟ # أقول لتغلب والعز فيها: # أثيروها لذلكم انتصار # تتابع إخوتي ومضوا لأمر # عليه تتابع القوم الحسار # خذ العهد الأكيد علي عمري # بتركي كل ما حوت الديار # وهجري الغانيات وشرب كأس # ولبسي جبة لا تستعار # ولست بخالع درعي وسيفي # إلى أن يخلع الليل النهار # وإلا أن تبيد سراة بكر # فلا يبقى لها أبدا أثار # وقالت الخنساء، وهي مخضرمة: # قذى بعينك أم بالعين عوار؟ # أم ذرفت إذ خلت من أهلها الدار؟ ms086 # كأن عيني لذكراه إذا خطرت # فيض يسيل على الخدين مدرار # تبكي لصخر هي العبرى وقد ولهت # ودونه من جديد الترب أستار # تبكي خناس فما تنفك ما عمرت # لها عليه رنين وهي مفتار # تبكي خناس على صخر وحق لها # إذ رابها الدهر إن الدهر ضرار # لا بد من ميتة في صرفها عبر # والدهر في صرفه حول وأطوار # قد كان فيكم أبو عمرو يسودكم # نعم المعمم للداعين نصار # صلب النحيزة وهاب إذا منعوا # وفي الحروب جريء الصدر مهصار # يا صخر وراد ماء قد تناذره # أهل الموارد ما في ورده عار # مشى السبنتى إلى هيجاء معضلة # له سلاحان؛ أنياب وأظفار # وما عجول على بو تطيف به # لها حنينان؛ إعلان وإسرار # ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت # فإنما هي إقبال وإدبار # لا تسمن الدهر في أرض وإن رتعت # فإنما هي تحنان وتسجار # يوما بأوجد مني يوم فارقني # صخر وللدهر إحلاء وإمرار # وإن صخرا لوالينا وسيدنا # وإن صخرا إذا نشتو لنحار # وإن صخرا لمقدام إذا ركبوا # وإن صخرا إذا جاعوا لعقار # وإن صخرا لتأتم الهداة به # كأنه علم في رأسه نار # جلد جميل المحيا كامل ورع # وللحروب غداة الروع مسعار # حمال ألوية هباط أودية # شهاد أندية للجيش جرار # فقلت لما رأيت الدهر ليس له # معاتب وحده يسدي ونيار # لقد نعى ابن نهيك لي أخا ثقة # كانت ترجم عنه قبل أخبار # فبت ساهرة للنجم أرقبه # حتى أتى دون غور النجم أستار # لم تره جارة يمشي بساحتها # لريبة حين يخلي بيته الجار # ولا تراه وما في البيت يأكله # لكنه بارز بالصحن مهمار # ومطعم القوم شحما عند مسغبهم # وفي الجدوب كريم الجد ميسار # قد كان خالصتي من كل ذي نسب # فقد أصيب فما للعيش أوطار # مثل الرديني لم تنفد شبيبته # كأنه تحت طي البرد أسوار # جهم المحيا تضيء الليل صورته # آباؤه من طوال السمك أحرار # مورث المجد ميمون نقيبته # ضخم الدسيعة في العزاء مغوار # فرع لفرع كريم غير مؤتشب # جلد المريرة عند الجمع فخار # في جوف لحد مقيم ms087 قد تضمنه # في رمسه مقمطرات وأحجار # طلق اليدين لفعل الخير ذو فجر # ضخم الدسيعة بالخيرات أمار # ليبكه مقتر أفنى حريبته # دهر وحالفه بؤس وإقتار # ورفقة حار حاديهم بمهلكة # كأن ظلمتها في الطخية القار # لا يمنع القوم إن سألوه خلعته # ولا يجاوزه بالليل مرار # وقال كعب بن سعد الغنوي، وهو إسلامي: # تقول ابنة العبسي: قد شبت بعدنا # وكل امرئ بعد الشباب يشيب # وما الشيب إلا غائب كان جائيا # وما القول إلا مخطئ ومصيب # تقول سليمى: ما لجسمك شاحبا # كأنك يحميك الشراب طبيب؟! # فقلت ولم أعي الجواب ولم أنح # وللدهر في الصم الصلاب نصيب: # تتابع أحداث تخرمن إخوتي # فشيبن رأسي والخطوب تشيب # لعمري لئن كانت أصابت منية # أخي والمنايا للرجال شعوب # لقد عجمت مني الحوادث ماجدا # عروفا لريب الدهر حين يريب # لقد كان أما حلمه فمروح # عليه وأما جهله فعزيب # أخي ما أخي لا فاحش عند بيته # ولا ورع عند اللقاء هيوب # أخي كان يكفيني وكان يعينني # على نائبات الدهر حين تنوب # حليم إذا ما سورة الجهل أطلقت # حبى الشيب للنفس اللجوج غلوب # هو العسل الماذي لينا ونائلا # وليث إذا يلقى العداة غضوب # هوت أمه ما يبعث الصبح غاديا # وماذا يؤدي الليل حين يئوب؟ # هوت أمه ماذا تضمن قبره # من المجد والمعروف حين يثيب؟ # أخو شتوات يعلم الضيف أنه # سيكثر ما في قدره ويطيب # حبيب إلى الزوار غشيان بيته # جميل المحيا شب وهو أديب # كأن بيوت الحي ما لم يكن بها # بسابس قفر ما بهن عريب # كعالية الرمح الرديني لم يكن # إذا ابتدر الخيل الرجال يخيب # إذا قصرت أيدي الرجال عن العلا # تناول أقصى المكرمات شبيب # جموع خلال الخير من كل جانب # إذا حال مكروه بهن ذهوب # مغيث مفيد الفائدات معود # لفعل الندى والمكرمات كسوب # وداع دعا: يا من يجيب إلى الندا؟ # فلم يستجب عند النداء مجيب # فقلت: ادع أخرى وارفع الصوت ثانيا # لعل أبا المغوار منك قريب # يجبك كما قد كان يفعل إنه # بأمثالها رحب الذراع أريب # أتاك سريعا واستجاب إلى ms088 الندى # كذلك قبل اليوم كان يجيب # كأن لم يكن يدعو السوابح مرة # بذي لجب تحت الرماح مهيب # فتى أريحي كان يهتز للندى # كما اهتز من ماء الحديد قضيب # فتى ما يبالي أن يكون بجسمه # إذا نال خلات الكرام شحوب # إذا ما تراءاه الرجال تحفظوا # فلم ينطقوا العوراء وهو قريب # على خير ما كان الرجال خلاله # وما الخير إلا قسمة ونصيب # حليف الندى يدعو الندى فيجيبه # سريعا ويدعوه الندى فيجيب # غياث لعان لم يجد من يعينه # ومختبط يغشى الدخان غريب # عظيم رماد النار رحب فناؤه # إلى سند لم تجتنحه عيوب # يبيت الندى يا أم عمرو ضجيعه # إذا لم يكن في المنقيات حلوب # حليم إذا ما الحلم زين أهله # مع الحلم في عين العدو مهيب # معنى إذا عادى الرجال عداوة # بعيد إذا عادى الرجال قريب # غنينا بخير حقبة ثم جلحت # علينا التي كل الأنام تصيب # فأبقت قليلا ذاهبا وتجهزت # لآخر والراجي الحياة كذوب # وأعلم أن الباقي الحي منهم # إلى أجل أقصى مداه قريب # لقد أفسد الموت الحياة وقد أتى # على يومه علق علي حبيب # فإن تكن الأيام أحسن مرة # إلي فقد عادت لهن ذنوب # جمعن النوى حتى إذا اجتمع الهوى # صدعن العصا حتى القناة شعوب # أتى دون حلو العيش حتى أمره # نكوب على آثارهن نكوب # كأن أبا المغوار لم يوف مرقبا # إذا ربأ القوم الغزاة رقيب # ولم يدع فتيانا كراما لميسر # إذا اشتد من ريح الشتاء هبوب # فإن غاب منهم غائب أو تخاذلوا # كفى ذاك منهم والجناب خصيب # كأن أبا المغوار ذا المجد لم تجب # به البيد عنس بالفلاة خبوب # علاة ترى فيها إذا حط رحلها # ندوبا على آثارهن ندوب # وإني لباكيه وإني لصادق # عليه وبعض القائلين كذوب # فتى الحرب إن حاربت كان سمامها # وفي السلم مفضال اليدين وهوب # وحدثتماني أنما الموت في القرى # فكيف وهذا روضة وقليب # وماء سماء كان غير محمة # بداوية تجري عليه جنوب # ومنزله في دار صدق وغبطة # وما اقتال من حكم عليه طبيب # فلو كانت الدنيا تباع ms089 اشتريته # بما لم تكن عنه النفوس تطيب # بعيني أو يمنى يدي وقيل لي: # هو الغانم الجذلان يوم يئوب # لعمركما إن البعيد لما مضى # وإن الذي يأتي غدا لقريب # وإني وتأميلي لقاء مؤمل # وقد شعبته عن لقاي شعوب # كداعي هذيل لا يزال مكلفا # ولا يناله حتى الممات مجيب # سقى كل ذكر جاءنا من مؤمل # على النأي زحاف السحاب سكوب # وقال ابن الأنباري، وهو مولد، يرثي ابن بقية وزير عز الدولة بويه لما صلبه ~~عضد الدولة ببغداد بعد قتل عز الدولة: # علو في الحياة وفي الممات # لحق تلك إحدى المعجزات # كأن الناس حولك حين قاموا # وفود نداك أيام الصلات # كأنك قائم فيهم خطيبا # وكلهم قيام للصلاة # مددت يديك نحوهم احتفاء # كمدهما إليهم بالهبات # ولما ضاق بطن الأرض عن أن # يضم علاك من بعد الوفاة # أصاروا الجو قبرك واستعاضوا # عن الأكفان ثوب السافيات # لعظمك في النفوس بقيت ترعى # بحراس وحفاظ ثقات # وتوقد حولك النيران ليلا # كذلك كنت أيام الحياة # ركبت مطية من قبل زيد # علاها في السنين الماضيات # وتلك فضيلة فيها تأس # تباعد عنك تعيير العداة # ولم أر قبل جذعك قط جذعا # تمكن من عناق المكرمات # أسأت إلى النوائب فاستثارت # فأنت قتيل ثأر النائبات # وصير دهرك الإحسان فيه # إلينا من عظيم السيئات # وكنت لمعشر سعدا فلما # مضيت تفرقوا بالمنحسات # غليل باطن لك في فؤادي # يخفف بالدموع الجاريات # وكنت تجير من صرف الليالي # فعاد مطالبا لك بالترات # ولو أني قدرت على قيام # بفرضك والحقوق الواجبات # ملأت الأرض من نظم القوافي # ونحت بها خلاف النائحات # ولكني أصبر عنك نفسي # مخافة أن أعد من الجناة # وما لك تربة فأقول تسقى # لأنك نصب هطل الهاطلات # عليك تحية الرحمن تترى # برحمات غواد رائحات # وقال الفاضل إسماعيل باشا صبري محافظ ثغر الإسكندرية الآن يرثي خديو مصر محمد ~~توفيق باشا، المتوفى في أوائل جمادى الثانية سنة 1309: # نحن لله ما لحي بقاء # وقصارى سوى الإله فناء # نحن لله راجعون فمن ما # ت ومن عاش ألف عام سواء # يفرح المرء في الصباح ms090 وما يع # لم ماذا يكنه الإمساء # ومتاع الدنيا قليل وما يل # هو به المرء من حطام هباء # زهد الناس في الحياة ملم # روعتنا بهوله الأنباء # قصر حلوان كنت أنضر قصر # فيه يحلو ويستطاب الهواء # كنت ذا هيبة يحاذرها الده # ر وتكبو أمامها البأساء # كيف أصبحت مستضاما وللخط # ب إلى ركنك المنيع ارتقاء؟ # ما كذا عهدنا بعزك ترمي # ه الليالي أو يعتريه انقضاء # كان بالأمس في ذراك أبو الع # باس تحيا ببشره الأحياء # فطوت برده الخطوب وكانت # قبل تشقى بسعده وتساء # ويح من شيعوه قد أودعوا القب # ر كريما يبكي عليه العلاء # وارتضوا بالبكا وما الحزن إلا # أن تسيل القلوب والأحشاء # عاش فينا عذب البشاشة والأخ # لاق تروى به النفوس الظماء # وتولى وفي الصدور من الوج # د عليه ما ليس يرويه ماء # عطلت مصر من سناه كما قد # عطلت من حليها الحسناء # كل خطب في جنب خطبك يا مص # ر يرجى للناس فيه عزاء # ما يقول الراثون في فقد توفي # ق وماذا تحاول الشعراء؟! # والرزايا في بعضها يطلق القو # ل وتعيا في بعضها البلغاء # إن مولاك كان أحسن من تز # هى بأنوار وجهه البطحاء # كان للتاج فوق مفرقه ضو # ء لديه تحقر الأضواء # كان يجلو دجى الكوارث إن جل # ت برأي تعنو له الآراء # كان أدرى الملا بكسب ثناء # آه لو خلد النفوس ثناء! # آل توفيق الكرام البسوا الص # بر رداء فالصبر نعم الرداء! # أنتم الراسخون في علم ما كا # ن فقولوا من ذا عداه الفناء؟ # أين قوم شادوا البلاد وسادو # ها وكانت تهواهم العلياء؟ # ملكوا الأرض حقبة ثم أمسوا # وهمو في بطونها نزلاء # سنة الله في البرية لم يس # تثن منها الملوك والأنبياء # لا أعزيكم وأنى لقولي # أن تعزى بمثله الحكماء! # أحمد الله في العشية والإص # باح فالبؤس قد تلاه هناء # إن يكن خر من سمائكم بد # ر فعباسكم به يستضاء # ورث الملك عن أبيه فلما # قام بالأمر دب فينا الرجاء # واجتنيناه طود مجد وسورا # دار منه حول البلاد بناء ms091 # حبذا منه همة تترك الصع # ب ذلولا وعزة قعساء # وثبات في طيه وثبات # للمعالي وحكمة وإباء # وصفات عن كنهها يعجز الوص # ف وفيها يستغرق الإحصاء # دام يكسو الزمان حسنا ويسدي # أنعما لا يشوبهن انتهاء # وقالت عائشة هانم التيمورية ترثي ابن تها، وهو من الشعر الجزل الرصين المزري ~~بشعر الخنساء: # إن سال من غرب العيون بحور # فالدهر باغ والزمان غدور # فلكل عين حق مدرار الدما # ولكل قلب لوعة وثبور # ستر السنا وتحجبت شمس الضحى # وتغيبت بعد الشروق بدور # ومضى الذي أهوى وجرعني الأسا # وغدت بقلبي جذوة وسعير # يا ليته لما نوى عهد النوى # وافى العيون من الظلام نذير # ناهيك ما فعلت بماء حشاشتي # نار لها بين الضلوع زفير # لو بث حزني في الورى لم يلتفت # لمصاب قيس والمصاب كثير # طافت بشهر الصوم كاسات الردى # سحرا وأكواب الدموع تدور # فتناولت منها ابن تي فتغيرت # وجنات خد شانها التغيير # فذوت أزاهير الحياة بروضها # وانقد منها مائس ونضير # لبست ثياب السقم في صغر وقد # ذاقت شراب الموت وهو مرير # جاء الطبيب ضحى وبشر بالشفا # إن الطبيب بطبه مغرور # وصف التجرع وهو يزعم أنه # بالبرء من كل السقام بشير # فتنفست للحزن قائلة له: # عجل ببرئي حيث أنت خبير # وارحم شبابي إن والدتي غدت # ثكلى يشير لها الجوى وتشير # وارأف بعين حرمت طيب الكرى # تشكو السهاد وفي الجفون فتور # لما رأت يأس الطبيب وعجزه # قالت ودمع المقلتين غزير: # أماه قد كل الطبيب وفاتني # مما أؤمل في الحياة نصير # لو جاء عراف اليمامة يبتغي # برئي لرد الطرف وهو حسير # يا روع روحي حلها نزع الضنا # عما قليل ورقها ستطير # أماه قد عز اللقاء وفي غد # سترين نعشي كالعروس يسير # وسينتهي المسعى إلى اللحد الذي # هو منزلي وله الجموع تصير # قولي لرب اللحد رفقا بابنتي # جاءت عروسا ساقها التقدير # وتجلدي بإزاء لحدي برهة # فتراك روح راعها المقدور # أماه قد سلفت لنا أمنية # يا حسنها لو ساقها التيسير # كانت كأحلام مضت وتخلفت # مذ بان يوم البين وهو عسير # عودي ms092 إلى ربع خلا ومآثر # قد خلفت عني لها تأثير # صوني جهاز العرس تذكارا فلي # قد كان منه إلى الزفاف سرور # جرت مصائب فرقتي لك بعد ذا # لبس السواد ونفذ المسطور # والقبر صار لغصن قدي روضة # ريحانها عند المزار زهور # أماه لا تنسي بحق بنوتي # قبري لئلا يحزن المقبور # ورجاء عفو أو تلاوة منزل # فسواك من لي بالحنين يزور # فلعلما أحظى برحمة خالق # هو راحم بر بنا وغفور # فأجبتها والدمع يحبس منطقي # والدهر من بعد الجوار يجور # بنتاه يا كبدي ولوعة مهجتي # قد زال صفو شأنه التكدير # لا توصي ثكلى قد أذاب وتينها # حزن عليك وحسرة وزفير # قسما بغض نواظري وتلهفي # مذ غاب إنسان وفارق نور # وبقبلتي ثغرا تقضى نحبه # فحرمت طيب شذاه وهو عطير # والله لا أسلو التلاوة والدعا # ما غردت فوق الغصون طيور # كلا ولا أنسى زفير توجعي # والقد منك لدى الثرى مدثور # إني ألفت الحزن حتى إنني # لو غاب عني ساءني التأخير # قد كنت لا أرضى التباعد برهة # كيف التصبر والبعاد دهور؟ # أبكيك حتى نلتقي في جنة # برياض خلد زينتها الحور # إن قيل: عائشة أقول: لقد فنى # عيشي وصبري والإله خبير # ولهي على توحيدة الحسن التي # قد غاب بدر جمالها المستور # قلبي وجفني واللسان وخالقي # راض وباك شاكر وغفور # متعت بالرضوان في خلد الرضا # ما ازينت لك غرفة وقصور # وسمعت قول الحق للقوم ادخلوا # دار السلام فسعيكم مشكور # هذا النعيم به الأحبة تلتقي # لا عيش إلا عيشه المبرور # ولك الهناء فصدق تاريخي بدا # توحيدة زفت ومعها الحور ~~[بدا = 7، توحيدة = 433، زفت = 487، ومعها = 122، الحور = 245] # سنة 1294 ~~(أ) # فترى من قصائد المدح أن أغلبها مبدوء بالنسيب وهو أسلوب غريب؛ ~~ولعل سببه أن شعراء العرب كانت أشعارهم في الغالب حكاية عن واقع، ~~فكان الشاعر يقص على الممدوح في مدحته ما انتابه من فراق امرأته ~~أو ابن ته ذات المكانة في فؤاده لما لها من الصفات الحسان، ولا يأنف ~~من ذكر اسمها ولا صفاتها، ويقص عليه أيضا ما اعتراه وراحلته من عناء ~~السفر ms093 وركوب الخطر حتى وصل إليه، ثم يمدحه فيستعظم الممدوح حال ~~الشاعر ويجزل له العطاء استعاضة لما نابه، فلما جاء الشعراء ~~المتأخرون أرادوا أن ينسجوا على منوال شعر العرب، فافتتحوا مدائحهم ~~بالتشبب بمحبوب اخترعه وهمهم وخيالهم، وصار هذا الأمر عادة مألوفة ~~لهم. وقال الدسوقي: إن السبب في ذلك تهييج القريحة وتحريك النفس ~~للشعر والمبالغة في الوصف وترويح النفس ورياضتها. وقال أحمد فارس إنه ~~لا شيء أفظع عند الإفرنج من أن يروا في قصائد المدح تغزلا بامرأة ~~ووصفها بكونها رقيقة الخصر ثقيلة الكفل نجلاء العينين سوداء الفرع وما ~~أشبه ذلك، وأفظع منه التشبب بغلام، وأقبح من هذا وذاك نسبة شيء من ~~صفات المؤنث إلى المذكر؛ كقول الشاعر: «كأن ثدياه حقان»، فإنهم أول ~~ما يبتدئون المدح يوجهونه إلى المخاطب ويجعلونه ضربا من التاريخ، ~~فيذكرون فيه مساعي الممدوح ومقاصده وفضله على من تقدمه من الملوك، ~~وأنه لما مدح أحمد باشا والي تونس بقصيدته التي مطلعها: «زارت سعاد ~~وثوب الليل مسدول»، سئل: هل اسم الباشا «سعاد»؟ فقال: لا، بل هو اسم ~~امرأة. فقال السائل: وما دخل المرأة بينك وبين الباشا؟! # وأقول: إن العرب ما كانت تشبب بالغلمان قط، وإن هذا ما جاء إلا ~~في شعر المتأخرين، ولم نر في أشعار هؤلاء وأولئك نسبة شيء من صفات ~~المؤنث إلى المذكر، واستشهاد أحمد فارس على هذا بقول الشاعر: «كأن ~~ثدياه حقان» وهم؛ فإن الضمير في «ثدياه» لا يعود لمحبوب ~~مذكر أن توهمه، بل يرجع إلى الصدر في الشطر الأول من البيت، وهو: ~~«وصدر مشرق النحر كأن ثدياه حقان»، ومن أنى جاءه أن هذا ~~الصدر صدر غلام وليس صدر فتاة ولم يرو ما قبل هذا البيت ولا ما بعده ~~من الأبيات، وهو من شواهد سيبويه التي لا يعلم قائلها. وكونه صدر فتاة ~~أحق وألزم. وقد قال الشيخ جمال الدين بن هشام: «وصدر» مرفوع ~~بالابتداء، والخبر محذوف تقديره: ولها صدر. ولم يقل: وله صدر. # هذا وقد هجر كثير من شعراء العصر الأسلوب العربي القديم كما ترى في ~~قصيدة حفني ms094 بك وغيره. ~~(ب) # وترى من قصائد النسيب أنهم يذكرون رحيل النساء ونأيهن، ويخاطبون ~~أطلالهن ويصفون محاسنهن، ويذكرون أيام شباب ولهو ولذات قضوها معهن، ~~قال بعض: والنسيب نوع من التشبب، وهو المعبر عنه بالغزل، وهو ~~عند المحققين من أهل الأدب يشتمل على أربعة أنواع: (1) ذكر ما في ~~المحب من الصفات؛ كالشغف والنحول والذبول والحزن والأرق. (2) وذكر ~~ما في المحبوب من الصفات؛ كحمرة الخد، ورشاقة القد، والملاحة ~~والخفر. (3) وذكر ما يتعلق بهما من هجر وصد ووصل وسلو واعتذار ~~ووفاء وإخلاف ونحو ذلك. (4) وذكر ما يتعلق بغيرهما بسببهما من الوشاة ~~والرقباء ونحوهما. ~~(ج) # وترى من قصائد الرثاء أنها دائرة حول الجزع على الفقيد، وفيض ~~العبرات، والحزن والأسف عليه، ووصف مآثره ونحو ذلك. ~~(د) # وبالإجمال ترى أن كل نوع من الشعر يناسب زمانه ومكانه، كما يعلم ذلك ~~من التتبع. # الفصل الثالث # | فيما يتبع الشعر # بعد الإسلام لما رسخت أقدام الأمة العربية في الحضارة والعمران في الأندلس والعراق ~~ولواحقهما، أولعوا بالعلوم والفنون والآداب، وركنت نفوسهم إلى ما يريضها ويزكيها ~~من سماع أناشيد الشعراء وألحان المغنين شأن كل أمة توطدت دعائم ملكها وتوفرت ~~دواعي الرفه فيها، فكان شعراؤهم ينظمون جيد الشعر ذي الخيالات التي لا تخطر بفكر ~~العربي البحت، ففاقوا أسلافهم في ذلك حتى نظموا الكلام على أوزان غير المأثورة عنهم في ~~أشعارهم، واستحدثوا فنونا ستة ألحقها الأدباء بالشعر. ~~(1) أولها: الموشح # واخترعه أرباب الألحان من أهل الأندلس تطبيقا على أصوات الموسيقى، وأول من قاله ~~مقدم بن معافر، وقيل إن بعض الألحان الموسيقية كانت تجيء إلى مصر من بلاد ~~الروم على أوزان ساذجة تضرب على آلات الموسيقى خالية من الكلام، فكان المغنون ~~يأخذون اللحن منها ويتأملون في دوره وتوقيعه، مراعين متحركاته وسواكنه، وينظمون ~~الكلام على هواه وعلى قدر ما فيه من الأغصان والسلاسل حتى يكمل توشيحا موزونا ~~مقفى ويؤخذ مثالا لغيره. # ويجيء الموشح على أوزان وصور مختلفة، منها أن تأتي ببيت تلتزم فيه التقفية في ~~صدر الشطر الأول وعروضه وصدر الشطر الثاني وضربه، ويسمى هذا البيت «مذهبا»، ms095 ثم ~~تأتي بثلاثة أشطر أخرى تلتزم فيها التقفية أيضا، لكن على حرف آخر، وتسمى هذه ~~الأشطر «دورا»، ثم تعود وتأتي ببيت مقفى كالأول ومتحد معه في حرف التقفية ~~ويسمى قفلة، ثم تأتي بدور آخر وقفلة أخرى، وهكذا إلى سبعة أدوار في الأكثر، مثال ~~هذا موشح ابن سناء الملك: # كللي يا سحب تيجان الربا بالحلي # واجعلي ~~سوارها منعطف الجدول # المذهب # يا سما فيك وفي الأرض نجوم وما # كلما أغربت ~~نجما أشرقت أنجما # دور # وهي ما تهطل إلا بالطلا والدمى # فاهطلي على قطوف الكرم كي تمتلي # وانقلي للدن طعم ~~الشهد والفوفل # قفلة # تتقد كالكوكب الدري للمرتصد # يعتقد فيها المجوسي ~~ما يعتقد # دور # فاتئد يا ساقي الراح بها واعتمد # وامل لي حتى تراني عنك في معزل # قلل فالراح ~~كالعشق إن يزد يقتل # قفلة # من ظلم في دولة الحسن إذا ما حكم # فالسدم يجول في ~~باطنه والندم # دور # والقلم يكتب ما سطر فوق القمم # من ولي في دولة الحسن ولم يعدل # يعزل الألحاظ ~~الرشا الأكحل # قفلة # لا أريم عن شرب صهباء وعن عشق ريم # فالنعيم عيش ~~جديد ومدام قديم # دور # لا أهيم إلا بهذين فقم يا نديم # وانهل من أكؤس صورن من صندل # أفضل من ~~نكهة العنبر والمندل # قفلة # هل يعود عيش قطعناه بوادي زرود # والجنود في حضرتي ~~تضرب جنكا وعود؟ # دور # والحسود في معزل عنا غدا لا يسود # عذلي لا تعذلوني فالهوى لذ لي # ما الخلى في ~~الحب مثل العاشق المبتلي # قفلة # أسفرت ليلتنا بالأنس مذ أقمرت # بشرت بملتقى ~~المحبوب واستبشرت # دور # شمرت فقلت للظلماء مذ قصرت: # طولي يا ليلة الوصل ولا تنجلى # واسبلي سترك ~~فالمحبوب في منزلي # قفلة # يا نسيم بلغ سلام المستهام السقيم # للكريم طه ~~إمام المرسلين العظيم # دور المديح # عن اليم وجدي به حدث وشوقي القديم # ليس لي من ملجأ سوى الحمى الأفضل # الجلي وآله ~~ذوي الجناب العلي # قفلة # وشطر هذا الموشح وزنه: «فاعلن مستفعلن مستفعلن فاعلن»، وقد يأتي فيه فاعلن على ~~فاعلان. # وقد يكون المذهب بيتين يتفق عروضاهما في ms096 قافية ويتفق ضرباهما في أخرى. ويكون ~~الدور خمسة أبيات، ثلاثة منها تتفق أعاريضها في قافية وأضربها في أخرى، والبيتان ~~الآخران يتفقان مع المذهب في قافيتيه، فهما بمنزلة القفلة، كقول بعض ~~المغاربة: # المذهب # قابل الصبح الدجى فانهزما # ومحا بالسيف أفق ~~الغلس # وجلا الغيم ببرق رقما # ثوب ديباج به الجو ~~كسي # دور # نسخ الصبح أحاديث الدجى # بيد بيضاء في لوح ~~النهار # ولكهف المغرب الليل التجى # حين نادى الفجر في ~~الشرق البدار # وجلا الصبح جبينا أبلجا # فاختفى النجم من نوره ~~وغار # وبكى القمري لما ابتسما # عاطر الزهر بثغر ~~ألعس # وزها خد الربا فانسجما # دمع عين العارض ~~المنبجس # دور # للرياض اذهب ترى بلبلها # يتغنى بين زهر ~~ينجلي # وخدود الروض قد كللها # دمع طل لاشتياق ~~البلبل # وقدود البان قد قام لها # يانع الغصن مقام ~~الأسل # والربا فاحت تحاكي خزما # وعليها من ثياب ~~السندس # جيبها زرر بالزهر كما # زر بالفضة ثوب ~~الأطلس # وكقول الأديب أمين أفندي الخوري طبيب مستشفى دمياط يوصي الحليلة بآداب ~~جليلة: # مذهب # إن أوقات التلاهي قد مضت # وأتى وقت الزواج ~~المؤنس # فخذي عني وصايا جمعت # يا فتاتي من نفيس ~~أنفس # دور # إن حسن الحظ ألقانا إلى # بيت قوم مثلنا في كل ~~حال # وحليل كل ما فيه حلا # من جمال ورشاد ~~وكمال # فبه بدر هناك اكتملا # أسأل الله لكم ~~حسن المآل # إن يكن هام بحسن قد حلت # وزهت بهجته ~~للأنفس # فأريه فيك أخلاقا سمت # حسبما يقتضيه طيب ~~المغرس # دور # ستنالين الرضا بالابتدا # والصفا الدائم في ~~شهر العسل # ويكون الكل فيكم سعدا # والهنا أين تقيمان ~~يحل # إنما ذا ليس يبقى سرمدا # فلقد يعقبه بعض ~~الملل # ربما نار هوى الزوج خبت # فأحسني الظن ولا ~~تبتأسي # فإذا المرأة في ذا عقلت # تجعل العمر كشهر ~~العرس # دور # ودي أخت الزوج واسترضي أباه # وابذلي كل احترام ~~لأمه # اتركي الهزل ولا تلقي أخاه # بمزاح لا ولا ~~ابن ي عمه # اقضي ما يرضى وخلي ما أباه # وكذا اهتمي له في ~~همه # وإذا البشرى عليه ظهرت # أظهري بشرا له ~~وأتنسي # وكذا في ms097 غمه لو بدرت # حدة لا تنزعي ~~للشرس # دور # خلي عنك الهزل مع أهل القرين # لا لكي تستظهري ~~بالعظمة # بل لأن الهزل للنفس مهين # مثلما الكبر سجايا ~~المجرمة # وزني الأعمال بالعقل الرزين # وقبيل النطق ذوقي ~~الكلمة # حاذري الجارة مهما برهنت # كذبا عن حبها ~~واحترسي # وبك الأقوام مهما أعجبت # فإلى تمليقهم لا ~~تأنسي # دور # أودعي سرك أعماق الفؤاد # ولدى الحاجة في وقت ~~الصفا # زوجك المختار من رب العباد # إذ سواه ليس يرجى ~~للوفا # امدحي أطواره في كل ناد # وألقي الشكوى ولو ~~يوما هفا # إنما الشكوى من الزوج عنت # تورث الوحشة بعد ~~الأنس # فأمور مثل هذي لو جرت # تنطق الألسن بعد ~~الخرس # دور # إن يكن عيب به يوما طرا # أو أتى أمرا على غير ~~المرام # غضي من طرفك عنه حذرا # أن تقوديه لشر ~~وخصام # فبحسن الرأي تقضي الوطرا # لا ببذل اللوم أو بذء ~~الكلام # واحفظي الواجب مهما وصلت # معه حرية ~~واستحرسي # ولتك الآداب فيك انطبعت # خيفة من وصمة ~~الملتبس # دور # البسي ما كان محبوبا لديه # وامنعي ما النفس منه ~~تشمئز # اجمعي أولاده بين يديه # واشغليه فيهم عمن ~~يعز # لا تلحي بالسؤالات عليه # وأريه فيك نفس ~~المستعز # وأبعدي الغيرة مهما فتكت # بالحشى فهي نذير ~~الأبؤس # وانفري منها إذا ما هاجمت # كالظبا من أسد ~~مفترس # دور # أنت بالحسنى وباللين فقط # قد تفوزين لدى ~~إرجاعه # فاحذري أن تركبي متن الشطط # إن دعت حال إلى ~~إقناعه # وتأني واعلمي أن الغلط # غالبا للمرء من ~~إسراعه # إنما المرأة من قد أدركت # قصدها تحت لواء ~~الأنس # لا من الغيرة فيها اشتعلت # فأضاعت رشدها ~~بالهوس # دور # رتبي بيتك فيما تقتضيه # حال ذاك الزوج في هذا ~~الوجود # والذي عنه غنى فاقتصديه # وامنعي الاثنين؛ ~~تقتيرا وجود # إن من وفر شيئا يلتقيه # فليالي عمرنا بيض ~~وسود # وبأوقات فراغ قد خلت # من مهماتك لا بأس ~~ادرسي # فمبادي طبنا قد تممت # كلما يصلح أن ~~تلتمسي # وشطر هذا وما قبله: «فاعلاتن فاعلاتن فاعلن»، وقد جاءت العروض والضرب على ~~فاعلان. # وقد يكون المذهب أربعة أبيات تتحد أعاريضها في ms098 قافية وأضربها في قافية أخرى، ~~والدور أربعة أخرى تتحد أعاريض ثلاثة منها في قافية وأضربها في أخرى، والبيت الرابع ~~كبيت من المذهب، كقوله: # المذهب # اجمعوا بالقرب شملي # واسمحوا لي ~~بالتلاق # وصلوا بالود حبلي # فالنوى مر ~~المذاق # نال أهل العشق قبلي # في الهوى ما لا ~~يطاق # من رأى في الناس مثلي # من تباريح ~~الفراق؟! # الدور # يا ملوك الحسن رفقا # بمساكين ~~الغرام # ارحموا من هام عشقا # وتغشاه ~~السقام # أنا لا أنفك رقا # عنك يا أقصى ~~مرام # فتداركني بفضل # واطف نار ~~الاشتياق # وشطر البيت: فاعلاتن فاعلاتن، إلا أن ضربه فاعلان. # وقد يكون المذهب بيتين تتحد عروضاهما وضرباهما في قافية، والدور بيتين تتحد ~~عروضاهما، وضرب البيت الأول في قافية أخرى، وضرب البيت الثاني يتحد مع المذهب في ~~القافية وهكذا. ومنه قول الشاعر المجيد أحمد بك شوقي عند الاحتفال بفتح مدرسة في ~~الإسكندرية من مجزوء الرجز: # يا ربنا يا ذا المنن # أكثر مدارس ~~الوطن # واجزل الأجر لمن # يجري على هذا ~~السنن # وهب لنا فيما تهب # حسن الثبات في ~~الطلب # وفضل علم وأدب # كي ترتقي منا ~~الفطن # إن العلوم للورى # كالنجم يهدي في ~~السرى # والماء يجري في الثرى # والروح تسري في ~~البدن # هن مفاتيح المنى # وهي أسباب ~~الغنى # من اقتناهن اقتنى # ملكا كبيرا في ~~الزمن # يا من لهذا أسسوا # ومن له قد ~~غرسوا # من فضلكم نلتمس # دوام ذا السعي ~~الحسن # ها نحن جئنا نشكر # والشكر منا ~~أجدر # عذرا إذا نقصر # فليس للعلم ثمن # أبقاكمو الله لنا # مؤيدا ~~سلطاننا # موفقا عباسنا # لما به يحيا ~~الوطن ~~(2) وثانيها: الدوبيت # ويؤخذ من لفظه أنه نشأ عند الفرس، ومعناه بيتان، ويسمونه بالرباعي، وقيل إن ~~اسمه الدوبت بحذف الياء وأنه مركب من كلمتين فارسيتين: «دو» بمعنى اثنين، و«بت» ~~بمعنى حاشية، وعندهم القافية حاشية الفن، فمعنى «دوبت»: فن ذو قافيتين، وقافيتاه ~~تكونان محركتين على وزن «قمري»، فيمتاز عن غيره بدخول القمرية في قافيتيه، وتجيء ~~أيضا في درجه مع الحسن. ا.ه. # والشائع هو التسمية الأولى. # ووزن الشطر منه: «فعلن متفاعلن فعولن فعلن محركا»، وقد ms099 يغير متفاعلن إلى ~~متفاعيل أو متفاعيلن، وفعلن المحرك إلى فعلن الساكن أو إلى فعلان. # ومنه قول الصلاح الإربلي وهو في سجن الملك، فكان سببا في الإفراج عنه: # ما أمر تجنيك على الصب خفي # أفنيت زماني ~~بالأسى والأسف # ما ذا غضب بقدر ذنبي ولقد # بالغت وما أردت إلا ~~تلفي # ومنه: # إحسانك طول الدهر لا أنساه # لا أذكر بعد خالقي ~~إلا هو # إن أبعدك الزمان عني حسدا # مولاي خليفتي عليك ~~الله # ومنه: # أهوى رشأ كل الأسى لي بعثا # مذ عاينه تصبري ما ~~لبثا # ناديت وقد فكرت في خلقته # سبحانك ما خلقت هذا ~~عبثا # ومنه: # أهوى رشأ حوى من الحسن فنون # عيناه تقول للهوى كن ~~فيكون # غنى فتمايل الندامى طربا # لا شك هو النسيم ~~والقوم غصون # والدوبيت والموشح معربان، وقيل إن اللحن في الثاني ليس بعيب. ~~(3) وثالثها: الزجل # وأول شهرته كانت في حواضر المغرب، وأول من قاله «ابن قزمان»، وهو صبي في المكتب. ~~وأصل الزجل رفع الصوت، ثم خص بالصوت الطرب، قال: «له زجل كأنه صوت حاد.» وله ~~أوزان كثيرة جدا حتى قيل: من لا يعرف ألف وزن ليس بزجال، ويجيء على أوزان الشعر ~~والموشح إلا أنه يخرج من بابيهما بكونه بلسان العامة، حتى إنه يشترط فيه ~~اللحن. # فمنه على وزن البسيط: # لو ان مائي ذهب ولي مراكب درر # ما كان لشمسي ~~كسوف ولا جفاني قمر # ومنه على وزن مجزوء الرمل قول مدغيس الأندلسي: # ورذاذ دق ينزل # وشعاع الشمس ~~يضرب # فترى الواحد يفضض # وترى الآخر ~~يذهب # والنبات يشرب ويسكر # والغصون ترقص ~~وتطرب # وتريد تجي إلينا # ثم تستحي وتهرب # ويسمى منه ما يشبه قصيدة الشعر بالحمل. # ومنه للغباري: # جار حبيبي فقلت دا الحجاج # جا يجور أو ~~يزيد # لو عدل عشت بو مسرور # ويكون ~~الرشيد # دور # أقلع القلب في هوى العشاق # والدموع في ~~انحدار # وبحور الهوى إذا هاجت # ليس لها من ~~قرار # كنت أحسب قلبي معوريس # غرتوا دي ~~البحار # صحت لما وحلت يا محبوب # بحر عشقك ~~يزيد # خفت فيه الغرق فقال افرح # من غرق مات ms100 ~~شهيد # دور # أنا يوم في الغبوق باتفرج # على شط ~~الغدير # إذ رأيت عالشط واحد واقف # شب صياد ~~صغير # نظرت مقلتي إلى منظر # ما لحسنو ~~نظير # قلت يا عين إن غرك الصياد # بالجمال ~~المصيد # يوقعك في فخاخ شباك عشقو # وكرا كي ~~يصيد # دور # من تحبو حديد سلب قلبي # يوم صدفتو ~~صدف # قلت لين يا قاسي لمن دمعو # سال وحالو ~~وقف # دار وقال لي ما الاسم بالإنجيل # قلت اسمي ~~خلف # قال علينا يكتب ومن يسمع # دا الكلام ~~يستفيد # في الحقيقة من لا يكون داود # ما يلين لو ~~الحديد # دور # لك عوارض في الخد مرقومة # ليس لها من ~~مثال # وجفاك صار حماق وباب وصلك # كان وكان يا ~~غزال # وأنت دوبيت موشح القامة # يا عزيز ~~الدلال # ولك ألفاظ صارت مواليا # بالزجل ~~والنشيد # وبشعرك متوج القامة # وأنت بيت ~~القصيد # دور # عن محرم شرابنا صمنا # ونفطر ~~بالثمار # حين وجدنا سفرجل البستان # يذهب ~~لاصفرار # وغنا الطير به الجماد يطرب # وكذا ~~الجلنار # في ربيع حين رأى الثمر قاعد # فيه تعاليق ~~عقيد # حسب الروض النص من شعبان # صار يقيد فيه ~~وقيد # دور # من لهيب مدمعي جرى الطوفان # للهيب ما ~~طفى # وأنا هو الغباري في العشاق # ما جرى لي ~~كفى # حين عليا بالصد والهجران # والبعاد ~~والجفا # جار حبيبي فقلت دا الحجاج # جا يجور أو ~~يزيد # لو عدل عشت بو مسرور # ويكون ~~الرشيد # ومنه ما قيل في مدينة سيون بعد أن تخربت بالشام: # مذهب # فين يا سيون العز راح # والمجد راح فين ~~والعظم # ليه صبحت أرضك براح # ما قصر إلا ~~وانهدم # دور # دور # فين الحصون فين القلاع # اللي رءوسها في ~~السحاب # من بعد هذا الارتفاع # صبحت مساوية ~~للتراب # دور # إن كنت أغدو أو أروح # منك خيال في ~~فكرتي # أبكي على فقدك وانوح # ديما أقول يا ~~حسرتي # دور # يا نهر لردن يا مليح # فين الرياض اللي ~~رويت # ما عاد هناك كروان يصيح # ولا بقا في الشط ~~بيت # دور # كانت وكنا والزمان # رايق ومتبسم ~~لنا # يا هل ترى نفضل كمان # بالغصب منفيين ~~هنا ms101 # ويقول الزجل في عصرنا هذا كثير من أدباء مصر، منهم الشيخ محمد علي أحد طلبة مدرسة ~~دار العلوم، ومن زجله ما أنشأه حينما قطع محمود باشا الفلكي ناظر المعارف من طلبة ~~هذه المدرسة الجنيه المرتب لكل منهم في الشهر، وهو: # ما للزمان يا ناس علينا جميل # تارة بنا يعدل ~~وتارات يميل # كم للزمن فينا أمور من عجب # يبدي الفرح ساعات ~~ويبدي الغضب # يحكي دولاب الماء إذا ما انقلب # يضحك ولكن أدمعه ~~دوم تسيل # إن سرنا برهة يسئنا سنين # وازداد بنا من كتر جوره ~~الأنين # حتى اشتكى في بطن أمه الجنين # خايف يبان يصبح ~~بحكمه ذليل # بسطوته كم قد أذل الأسود # أخنى على شداد وعاد ~~مع ثمود # وقبلهم يا ما قضى من جنود # من كل ماجد شهم بارع ~~نبيل # دارت بنادي الكل كاس الزمان # شربو على الترتيب ~~وفاتو المكان # وانضمت الهيئة لأخبار كان # حتى استوى فيها السليم ~~والعليل # من فطنته لم ينس من شخص قط # إلا عليه هامة تلاطم ~~زلط # لكن غلط مرة وزاد به الغلط # قبض غلام مصري مهفهف ~~جميل # قبض الغلام والمغرمين فيه كتير # يبلغ ثمانية ~~وأربعين شيخ كبير # وكل شيخ دمعه بخده غدير # وإن طال عليه الحال ~~فعمره قليل # من كل شيخ عالم أبوه الأدب # لا ينثني عطفه إذا ما ~~الطرب # يثني معاطف غانيات العرب # أو عطف زاهي الخد طرفه ~~كحيل # من كل شيخ نحوي فصيح اللسان # صرفي فقيه مقري بديع ~~البيان # حلو المعاني لو بديع الزمان # أبقاه زمانه كان ~~يلاقي الخليل # والكل في علم الحديث له مجال # والهندسة ما عندك ~~إلا رجال # وكل جغرافي كثير المقال # وفي الحساب والخط ما لوش ~~مثيل # وكل دول يبكوا لفقد الولد # ويصبروا روحهم ولا ~~فيش جلد # وجت تعزيهم ولاد البلد # سي فلان وسي علان ~~فصبر جميل # إزي ما يبكيش أحدهم عليه # ويكبس المقلة على ~~مقلتيه # دا كان ولد شاطر واسمه جنيه # من أكرمين غينا ~~وأصلو أصيل # كان العشا محسوب عليه والفطور # والعمة ~~والصرمة وملو المجور # حتى كرا الأودة ونابت ونور # وأجرة ms102 المركب نهار ~~الرحيل # من يوم وفاته كم عيون قد بكت # حتى الدموع لون ~~العقيق قد حكت # والجبة من كوع المشايخ شكت # دابت وقفطانهم يخيل ~~في النخيل # كان النواح والشلشلة والعديد # أربع لغات عربي ~~بلاده بعيد # شرقي وبحراوي وأقصى الصعيد # وينوحوا ليثي ~~وصوتهم طويل # يا هل ترى هذا المصاب للعموم # والا مصيبة جت ~~لدار العلوم # حتى غدت أهل الملامة تلوم # والمبغضين فرحوا ~~وأشفوا الغليل # أروح لمين أبكي وأشكي الزمان # وإن رحت للزوجة ~~تقول كان ومان # عمه وتفليس شيء يزرزر كمان # طلقني يا ابن ~~الناس وشف لك سبيل # وإن جت حماتي بيتنا يوم تزور # فايرة شبيه البحر ~~ما لوش جسور # تمط بوزها متر غير الكسور # وتقول أنا ليه بخت ~~بنتي يميل # يا اهل البلاغة والفنون والفكر # قصر الكلام العلم ~~فقره دكر # شوفوا لكم صنعة ويكفي بطر # واللي يكذبني يقيم ~~الدليل # دي مسألة تكتب بماء الفسيخ # عني خذوا نانا ~~الزعيق والصريخ # واتأملوا واقروا وشوفوا التاريخ # مات الجني واش ~~راح يفيد العويل ~~[مات = 441، الجني = 94، واش = 307، راح = 209، يفيد = 104، العويل = 147] # سنة 1302 # ومنهم الأديب الشيخ «أحمد القوصي»، ومن زجله في حلاق: # اصفح وصلح يا ريس # يا مزين الدنيا ~~والناس ~~«حلاق» # 1 # مثلك فين اليوم # ولك أيادي فوق ~~الراس # دور # بحق سيدنا «موسى» # والا مقام ~~«الشعراني» # ما حد ماشي في «حدك» # ولا رأيت مثلك ~~ثاني # دور # دنتا جدع طيب طاهر # ومحبتك «فضلة» ~~عندي # ولك منافع في «الجلده» # 2 # وليه متحفظشي ودي # دور # إزي بتجرح في حواسي # وأنا بحاسب على ~~شانك # وليه تقول على الصحبة «بدم» # وانت «مواسي» ~~أقرانك # دور # ولك محاسن «سنتها» # وصرت قائم ~~بالواجب # وفي الغسيل كله يطلع # والعين ما تعلى على ~~الحاجب # دور # دنا انكسفت كسوف صنعة # لما رأيت عني ~~بتقطع ~~«وإشنابك» إنت من الدنيا # وكل «قصة» ليه ~~تسمع # دور # ادعك وشوف «مرآة» فكرك # وتجعل الواحد ~~باثنين # إن كنت تزعل من غير ذنب # تودي «وشك» مني ~~فين # دور # وإن كان كلامي فيه غلطة # أرجوك يا سيدي ~~«تصلحها» # وخد لوحدة # 3 # دي عندك # والمسلمين ليه ~~تقطعها ms103 # دور # وإن كان كلام واقف في «الحلق» ~~«بحلق» ولا تسأل ~~عنه # وإن «طشت» مرة في «شروطك» # وفضلت أرغي ~~سامحني # ومنهم الأديب الشهير الشيخ محمد النجار، ومن أحماله: # يا اللي إنت في حسنك عديم المثيل # وأنا بحبي فيك ~~ضرب بي المثل # وفي غرامي شرح حالي طويل # لو كنت أحكي لك على ما ~~حصل # دور # يا اللي الغزالة وهي شمس الضحى # من نور ضيا خدك ~~بقت في خجل # يا اللي الغزال من لفتتك في التفات # ومن سواد ~~عينيك أعاروا الكحل # يا اللي الغزل في وصف حسنك غلا # سعره وشعره فيه ~~مذاق العسل # أصبحت من وجدي عليك يا جميل # أهوى الغزالة ~~والغزال والغزل # دور # يابو قوام مياس يحاكي الغصون # وجيد يحاكي جيد ~~غزال النقا # حبك ملا قلبي ولي قد ملك # وطمعت في قربك وحسن ~~اللقا # حتى فنى صبري وعمري انقضى # لك يا حياة النفس طول ~~البقا # وكم رثى لي في غرامي مليم # وكم عذرني في الهوى من ~~عذل # دور # هندي لحظك يا غزال كم غزا # في معترك أهل الهوى ~~والغرام # وكم أسر عشاق وقطع مهج # وكم هزم من جيش قوامك ~~قوام # وبالعيون السود أكم صاد أسود # وكم كسرهم كسر جفنك ~~ونام # وكم سلب وارحمتاه من قتيل # دمه يطالب في الهوى من ~~قتل # دور # فقت الأهلة يا ضياء العيون # ودر ثغرك بالعقيق ~~حين برق # أجرى بريقه من عيوني مطر # ومن شرار رعده فؤادي ~~احترق # وصرت غرقان في دموع من ولوع # وما انطفت ناري بماء ~~الغرق # وصرت اكدب من يقول مستحيل # الجمع بين ضدين ~~وأمري جلل # دور # سحر الجفون طلسم على ناظري # وما انفتح للوصل باب ~~مطلبه # في الرمل أستأنس بوحش الفلا # والدمع زادي آكله ~~واشربه # ولذ لي ذلي وعذب العذاب # ومر صبري كم حلا ~~مشربه # والجسم من جفنو السقيم صار عليل # ورق من خصره ~~النحيل وانتحل # دور # لما حللت القلب حل الفرج # والبرج صار طالعه ببدره ~~سعيد # وخفت من ناري عليه قلت له # يا قلب كن بردا عليه ~~لا تقيد # يا هاجري أقلل وخلي ms104 القلا # نانا بقى دا الجسم ~~ماهوش حديد # وقل لقلبك مثل قدك يميل # يا غصن بان والغصن طبعه ~~الميل # دور # شبهت لفظك يا فصيح اللسان # بالدر ينظم باتساق في ~~سلوك # ونور جبينك قد أقام حجتي # بأن أمك شمس والبدر ~~أبوك # وشعرك الليل فوق محيا قمر # ستر ضياؤه وخاف ~~عليك يحسدوك # يا شعر لك طوله علي وجميل # لاجلك أقول يا ليل ~~جميلك وصل # دور # يا اللي لاجلك فت نظم القريض # وكرهت حرفة سوق ~~رواجها كسد # راحت رجالها والعرب عندهم # كله صبون والوقت لاخر ~~فسد # وصغت من فن «الغباري» نضار # طير غباره وقلت ~~ماهوش حسد # ليه يمدحوا الفحام وفحمه عويل # ما يوم شراره ~~بالمعاني اشتعل # دور # حسك خلي البال تخلي النظر # يجر يوم قلبك لعشق ~~الملاح # البحر دا واسع وبره بعيد # ياما غرق عاشق وقع فيه ~~وراح # وارجع واقول العشق إمتى يكون # خالص لوجهه وفين ~~رجال الصلاح # إن كان لوجهه فين رجال من قبيل # من حب ذا عفة ~~وكتم وانقتل # دور # مداح محاسنك يا بديع الصفات # فيك أحسن التشبيه ~~ونظمه انتظم # عيب «أبو الطيب» وقالوا عليه # سيد من تنبأ ~~بالمثل والحكم # شحتر كلام «البحتري» وبحتره # وفاق «أبو تمام» ~~بقوله الأتم # ما يوم رأيت له في القوافي دخيل # ولا زحف منه ~~الزحاف والعلل # دور # يا اللي لاجلك صرت منشي بليغ # في كل موضوع صرت ~~أحكي وأعيد # وفقت «عنتر» في الغزل والحماس # وفي الكتابة فقت ~~«عبد الحميد» # ولي كلام في السهل صار ممتنع # تلقى «لبيد» إن كان ~~يعارضه بليد # عليك قصرت الشعر إلا قليل # والشعر في غير عارفيه ~~مبتذل # دور # يا اللي بأسبابك جفاني الكرى # وصح في وجدي اختلاف ~~الظنون # واحد يقول عاشق وآخر يقول # مسحور وغيره يقول ~~أصابه جنون # وكل قائل قد أصاب الغرض # وصح قوله والصبابة ~~فنون # اللحظ سحري والجفا لي مزيل # عقلي وداء العشق داعي ~~الخبل # دور الاستغفار # أستغفرك يا رب وارجع إليك # تايب وظني فيك قبول من ~~يتوب # دا انت اسمك التواب على من عصى # ونا أنا العاصي ~~كثير الذنوب # يا ms105 رب عاملنا بفضلك وإن # عاملتنا بالعدل تحرق ~~قلوب # يا رب صنعك في عبيدك جميل # لاجلك رفعنا جميل ~~الجمل # دور المديح # أرسلت خير الناس لخير الأمم # رحمة ونور هادي شفيع ~~العصاة # لمعجزاته الباهرة صدقوه # لكن بقي القرآن دليل ~~لاح ضياه # يا ربنا صلي وسلم عليه # وجملة الأصحاب وآله ~~معاه # ما صدقت دعوى وصح الدليل # وما تلي في وصف طه ~~زجل # يا اللي انت في حسنك عديم المثيل # وأنا بحبي ~~فيك ضرب بي المثل ~~(4) ورابعها: كان وكان # وهو نوع من الزجل إلا أنه جعل فنا مستقلا بسبب أن دوره يأتي على بيتين، ~~لكل شطر منهما قافية، والشطران الأولان من البيتين يتحدان في وزن والأخيران ~~منهما يختلفان بين وزنين، وإذا جاء مركبا من أدوار اتحدت ضروب الأبيات الزوجية ~~في قافية، وأعاريض الفرد به قد تتحد في قافية أخرى، كقوله: # ومنه: # يا قاسي القلب مالك # تسمع وما عندك ~~خبر # ومن حرارة وعظي # قد لانت الأحجار # أفنيت مالك وحالك # في كل ما لا ~~ينفعك # ليتك على ذي الحالة # تقلع عن ~~الإصرار # تحضر ولكن قلبك # غايب وذهنك ~~مشتغل # فكيف يا متخلف # تحسب من ~~الحضار؟! # ويحك تنبه لأمرك # وافهم مقالي ~~واستمع # ففي المجالس محاسن # تحجب عن ~~الأبصار # يحصي دقائق فعلك # وغمز لحظك ~~يعلمه # وكيف تعزب عنه # غوامض الأسرار؟ # تلوت قولي ونصحي # لمن تدبر ~~واستمع # فترى أن الشطور الأوائل على وزن مستفعلن فاعلاتن وقد يخبن فاعلاتن أو يشعث، ~~والشطور الثواني دائرة بين وزن مستفعلن مستفعلن، ووزن مستفعلن فاعلان. ~~(5) وخامسها: القومة # وهي نوع من الزجل أيضا، إلا أنها تمتاز بمجيء دورها على بيتين شطورهما تتحد في ~~قافية ما عدا الشطر الثالث، ووزن كل شطر منها: مستفعلن فاعلان، وقيل أول من اخترعه ~~«ابن نقطة»، برسم الخليفة الناصر. ومن المستظرف أنه لما مات ابن نقطة وأراد ابنه ~~أن يعرف الخليفة بموته ليأخذ مفروضه أخذ أتباع والده من المسحرين في شهر رمضان ~~ووقف تحت القصر أول ليلة من هذا الشهر، وغنى القومة بصوت ~~رقيق، وقال: # يا سيد السادات # لك بالكرم ~~عادات # أنا ms106 بني ابن نقطة # تعيش أبويا ~~مات # فطرب منه الخليفة وخلع عليه، وفرض له ضعف ما كان لأبيه. ا.ه. # ومن قراءة هذه العبارة يخطر بالذهن أن هذا الفن سمي بالقومة، وهي المرة من ~~القيام؛ لأن المسحرين كانت تنشده في رمضان لقيام الناس للسحور، ويحرفونه بضم ~~القاف، وبعض يكتبه بالألف بدل تاء الوحدة، فليحرر. ~~(6) وسادسها: المواليا # ويعرف الآن بالمواويل، جمع موال، فيقال إنه ظهر في بغداد بعد الفتك بالبرامكة ~~والنهي عن رثائهم بالشعر، وإن بعض جواريهم صرن يندبنهم بكلام ذي أربع قطع متفقة في ~~الوزن والتقفية، يكثرن فيه من قولهن: يا مواليا؛ فسمي بذلك. ومن هذا الفن ما يأتي ~~بلسان أهل الأدب ، ومنه ما يأتي بلسان العامة. # ومنه: # يا من على نار خدوده خال كحبة عود # ومهجتي فوق ~~قوامه طير بأعلى عود # قل لي سبب دي الغضب مني وإلا عود # واصل ونادم ~~فوصلك لي ولفظك عود # ومنه: # ألا هيف اللي تمناه الفؤاد ودعاه # في موقف الذل ~~خلى العاشقين ودعاه # كم قلت عيني كفا عن هواه ودعاه # فإن له ~~قلب عمره ما رحم عاشق # ولا يخاف من قيامه في الدجى ودعاه # ومنه: # يا عبد ابكي على فعل المعاصي ونوح # يا عبد اعمل ~~عمل طيب وعش مشروح # دنيا غرورة تجينا في صفة مركب # ترمي معاشها على ~~شط البحار وتروح # ومنه: # إن كنت عاقل وربك بالتقى برك # ادفع أذاك وهات ~~خيرك ودع شرك # وإن تعدى حسودك والحسد ضرك # ناديه يا أيها ~~الإنسان ما غرك؟! # وبالتأمل في وزن هذا الفن نراه من بحر البسيط، مع تغيير في العروض ~~والقافية. # وفي صعيد مصر نوع شائع الآن يعرف بالمواويل الحمر # 4 # ونوع آخر يعرف بالواو. # ومن الأول: قول الأديب مصطفى بك نجيب: # امتى بقى يا زمان عدلك يمليني # 5 # واكتب كتاب الهنا والشوق يمليني # 6 # كان لي رفاقة وصبحوا اليوم مليني # 7 # صبحت بيني وبين دار الحبايب سد # 8 # أقضي الليالي على نار المحبة سد # 9 # أبكي وأنوح وما حدش يقول لي ~~سد # الحق علقلب قال للشوق مليني ms107 # 10 # ومنه: # إنفاق مالك على المحتاج أنجالك # 11 # من التعرض لكيد الدهر إنجالك # 12 # ما تسمع اللي بلومه كل أنجالك # 13 # أنت من الناس واحد من ألوف ملايين # 14 # أكثر عددهم فوارع والقليل ملايين # 15 # والدهر قلبه علينا من حديد ملايين # 16 # وأنت أبو الكل والمساكين أنجالك # 17 # ومن الثاني: # الدهر له أرياح وشرود # وحتى الليالي ~~كحايل # بدل الغزالات بقرود # وحمير بعد ~~الكحايل # الفصل الرابع # | في دواوين الشعر # أشعار العرب الجاهليين ما دونت في عصر الجاهلية؛ بسبب أن الأمة كانت أمية، ~~وغاية ما سمع أنه كان عند آل المنذر ديوان فيه أشعار الفحول وما مدح به هو وأهل ~~بيته، فصار ذلك إلى بني مروان، ولكن لم نر هذا الديوان ولا نعلم أين يوجد الآن . هذا ~~وإنما كان بعض الأشعار يحفظ بتواتر روايته. وفي صدر الإسلام اهتم الأدباء برواية الشعر ~~الجاهلي وجمعه وتدوينه وتفسيره مثل: الأصمعي وأبي زيد وأبي عبيدة وحماد الراوية وخلف ~~الأحمر، وقد حذا حذوهم من خلفهم. ونظم هؤلاء وأولئك الشعر وأكثروا منه، وأخذ الشعراء ~~يدونون ما نظموه بأنفسهم غالبا. ~~(1) فمما تدون من أشعارهم واشتهر # كتاب «العقد الثمين في دواوين الشعراء الستة الجاهليين: النابغة الذبياني، وعنترة ~~العبسي، وطرفة بن العبد، وزهير بن أبي سلمى، وعلقمة الفحل، وامرئ القيس». وقد طبع ~~هذا العقد في مدينة غريفزولد سنة 1869 للميلاد. و«ديوان امرئ القيس الكندي» ~~المتوفى سنة 539 للميلاد؛ وبه ثلاثون قصيدة طبع في مصر سنة 1282 للهجرة مع شرحه ~~للوزير أبي بكر عاصم بن أيوب، وأعيد طبعه سنة 1307. و«ديوان النابغة الذبياني» ~~وتوجد منه نسخة بالمكتبة الخديوية بخط محمود باشا سامي المصري الشهير بالبارودي. ~~و«ديوان المتلمس» المتوفى سنة 550 للميلاد. و«ديوان علقمة الفحل» المتوفى سنة 561 ~~للميلاد، وقد طبع بمدينة ليبسيك سنة 1867. و«ديوان زهير بن أبي سلمى» المتوفى قبل ~~الإسلام بنحو سنة، وقد طبع مع شرح له منسوب للأعلم الشنتمري بمدينة ليدن سنة 1306 ~~للهجرة من ضمن مجموعة مسماة بالطرف العربية ومنسوبة إلى الشيخ عمر السويدي، ~~ولا أدري من هو المسمى بهذا ms108 الاسم، وأظنه إفرنجيا مستشرقا تسمى به. ومجموع ~~مشتمل على خمسة دواوين لأربعة جاهلية، وهم: النابغة الذبياني، وعروة بن الورد، ~~وحاتم طيء، وعلقمة الفحل، والخامس إسلامي وهو الفرزدق، ومع الديوان الأول شرحه ~~للوزير أبي بكر عاصم بن أيوب البطليوسي المتوفى سنة 194، ومع الثاني والثالث شرحهما ~~لابن السكيت المتوفى سنة 244، وهذا المجموع طبع بالمطبعة الوهبية بمصر سنة ~~1293. # ومجموعة «المعلقات السبع وشرحها» لعبد الله الزوزني، وعلى الورقة الأولى ~~منه أنه توفي سنة 375، والزوزني نسبة إلى الزوزن؛ وهي بلدة كبيرة بين هراة ~~ونيسابور، وقد طبع بالإسكندرية سنة 1288، وشرحها لأحمد بن النحاس الغريق في النيل ~~سنة 338، وشرحها للشيخ عثمان التنوخي جمع فيه بين الشرحين السابقين. و«جمهرة أشعار ~~العرب» لأبي زيد القرشي المتوفى سنة 170، تكلم فيها على الشعر والشعراء، وجمع لهم ~~تسعة وأربعين قصيدة مقسمة إلى المعلقات والمجمهرات والمنتقيات والمذهبات ~~والمراثي والمشوبات والملحمات، وشرح هذه القصائد بعض الشرح، وقد طبع بالمطبعة ~~الأميرية سنة 1308. و«ديوان قيس بن الخطيم»، أدرك الإسلام ومات قبل الهجرة. و«ديوان ~~الأعشى» المتوفى سنة 7 للهجرة. و«ديوان الخنساء» المتوفاة سنة 24 للهجرة، وقد ~~طبع بمصر سنة 1888، وببيروت سنة 1889 للميلاد، وأضيفت إليه مراث أخرى. و«ديوان ~~حسان بن ثابت» المتوفى سنة 40 للهجرة، وكان شاعر النبي عليه الصلاة والسلام. ~~و«ديوان الحطيئة» المتوفى في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. و«ديوان لبيد ~~بن ربيعة» المتوفى في أول خلافة معاوية بعد أن عاش 140 سنة، وهو مطبوع بمدينة ~~ويانة سنة 1880 للميلاد. و«ديوان أبي محجن الثقفي» الصحابي، وشرحه لأبي هلال الحسن ~~بن سهل، وقد طبع في مدينة ليدن سنة 1303 للهجرة من ضمن المجموعة المسماة ~~بالطرف العربية السابقة. و«ديوان مختارات شعراء العرب»، وبه خمسون قصيدة، وهو ~~مطبوع بمطبعة أبي زيد بمصر 1306، و«ديوان سيدنا علي بن أبي طالب» المتوفى بالكوفة ~~سنة 40 للهجرة، وهو مرتب على حروف المعجم، طبع ببولاق سنة 1251. و«ديوان عمر ~~بن أبي ربيعة» المتوفى سنة 93، وجميع شعره في النسيب ولم يمتدح أحدا؛ ولذا قال له ~~سليمان بن عبد الملك: لم لا تمدحنا؟ فقال: إنما أمدح ms109 النساء لا الرجال، وقد طبع ~~هذا الديوان بمصر سنة 1311. # و«ديوان الفرزدق» المتوفى بالبصرة سنة 110 بعد أن عاش نحو مائة سنة، وقد تم ~~طبعه بمدينة باريس سنة 1875 للميلاد. و«ديوان جرير» المتوفى سنة 110 باليمامة وقد ~~طبع بمصر سنة 1313. و«ديوان مجنون ليلى» وهو شاعر إسلامي، وقد طبع سنة 1294 ~~بمطبعة بولاق. و«ديوان ذي الرمة» المتوفى سنة 117 للهجرة. و«ديوان العجاج» ~~وديوان ابنه رؤبة المتوفى سنة 145 وليس فيهما إلا أراجيز. و«المفضليات» وهي أشعار ~~مختارة جمعها للمهدي المفضل الضبي الأول، وقد طبعت بمدينة ليبسيك سنة 1885 ~~للميلاد. # و«ديوان الحسن بن هانئ» المعروف بأبي نواس المتوفي سنة 195 ببغداد، وقد طبع ~~بمصر سنة 1277. و«ديوان مسلم بن الوليد» الملقب بصريع الغواني من شعراء الدولة ~~العباسية ، توفي سنة 208، وطبع الديوان سنة 1875 للميلاد بمدينة ليدن. و«ديوان ~~إسماعيل أبي العتاهية» المتوفى سنة 211، وقد طبع ببيروت سنة 1886. و«ديوان ~~أبي تمام» حبيب بن أوس الطائي المتوفى بالموصل سنة 228، وقيل: سنة 231، وفيه سبعة ~~فنون من الشعر: المديح، والرثاء، والعتاب، والوصف، والغزل، والفخر، والهجاء، وقصائد ~~كل فن مرتبة على حروف المعجم، وهو مطبوع بمصر سنة 1292 للهجرة، وببيروت سنة ~~1889. # و«ديوان الحماسة»، وهو ديوان جمع فيه أبو تمام ما اختاره من أشعار العرب، ~~ورتبه على عشرة أبواب: الحماسة، والمراثي، والأدب، والنسيب، والهجاء، والإضافات، ~~والصفات، والسير، والملح، ومذمة النساء؛ وهو مطبوع مع شرحه لأبي زكريا يحيى ~~الشهير بالخطيب التبريزي سنة 1296 بمطبعة بولاق في سفرين. و«ديوان علي بن الرومي» ~~المتوفى سنة 283 ببغداد، وكان شعره غير مرتب فرتبه أبو بكر الصولي على الحروف. ~~و«ديوان الوليد البحتري» الطائي المتوفى سنة 284 بمنبج. و«ديوان عبد الله ~~بن المعتز» العباسي المتوفى سنة 296، وقد طبع بمصر سنة 1308. و«ديوان أبي الطيب ~~أحمد المتنبي» المتوفى سنة 354، وهو ديوان مشهور متداول، وقد طبع بمصر ~~منفردا 1283، وسنة 1302، وطبع مع شرحه للعكبري سنة 1284 بمطبعة بولاق في ~~سفرين. # و«ديوان أبي فراس الحمداني» المتوفى سنة 357. و«ديوان محمد بن هانئ الأندلسي» ~~المتوفى سنة 362، وقد طبع بمطبعة بولاق سنة 1274 للهجرة، وفي بيروت ms110 سنة 1886 ~~للميلاد. و«ديوان محمد أبي الحسن الشريف الرضي» المتوفى ببغداد سنة 406، وقد طبع ~~سنة 1313. و«ديوان أحمد بن زيدون» الوزير الأندلسي المتوفى بمدينة إشبيلية سنة ~~463. # و«ديوان أبي العلاء المعري» المتوفى سنة 499، وهذا الديوان معروف ب «سقط الزند»، ~~وقد طبعته جمعية المعارف مع شرحه المسمى «التنوير» سنة 1286. و«ديوان إبراهيم ~~بن خفاجى» الأندلسي المتوفى سنة 533، وقيل: سنة 538، وقد طبعته جمعية المعارف بمصر ~~سنة 1286. و«مختارات أشعار العرب» اختارها هبة الله بن الشجري المتوفى سنة 542 ~~ببغداد. و«ديوان عمر بن الفارض» المتوفى سنة 579، وقد طبع بمصر منفردا سنة 1299، ~~وطبع مع شرحه لرشيد بن غالب سنة 1289، وهذا الشرح مجموع شرحي حسن البوريني وعبد ~~الغني النابلسي. و«ديوان كمال الدين المعروف بابن النبيه المصري» المتوفى بنصيبين ~~سنة 619، وقد طبع بمصر سنة 1280، وسنة 1313. و«ديوان إبراهيم بن سهل الإشبيلي» ~~المتوفى سنة 649، جمعه الشيخ حسن العطار المصري المتوفى سنة 1250 وطبع سنة 1279 ~~بمصر. و«ديوان البهاء زهير» المتوفى بمصر سنة 656 وقد طبع بمصر مرارا. # و«ديوان محمد بن سليمان التلمساني» الملقب بالشاب الظريف المتوفى بدمشق سنة ~~688، وقد طبع بمصر سنة 1274 وسنة 1308. و«ديوان عبد العزيز الطائي» الملقب بصفي ~~الدين الحلي المتوفى سنة 750، وقد طبع بدمشق سنة 1297. و«ديوان جمال الدين ~~بن نباتة المصري» المتوفى سنة 768، وقد طبع بمصر سنة 1288. و«ديوان شهاب الدين ~~الموسوي» المعروف بابن معتوق المتوفى سنة 1087، وقد طبع بمصر سنة 1278 للهجرة، وفي ~~بيروت سنة 1885 للميلاد. و«ديوان عبد الله الشبراوي» المتوفى سنة 1171، وهو مرتب ~~على حروف المعجم، وقد طبع بمطبعة بولاق سنة 1282، وبالمطبعة المحمودية سنة 1314. ~~و«ديوان السيد عبد الرحمن العيدروس» المتوفى بمصر سنة 1192. و«ديوان السيد علي ~~الدرويش المصري» المتوفى سنة 1270، وهذا الديوان مسمى ب «الإشعار بحميد ~~الأشعار»، وقد طبع بمصر سنة 1284. و«ديوان شهاب الدين المصري» المتوفى سنة 1274، ~~وقد طبع بمصر سنة 1277، وله أيضا كتاب «سفينة الملك ونفيسة الفلك»، وقد قال في ~~خطبتها أنه رتبها على ثلاثة أنابير: صغير ووسيط وكبير؛ الأول: في معرفة الموسيقى، ~~والثاني: فيما نظمه فيها، والثالث: في التلاحين وما فيها من الموشحات والأبيات، وقد ~~طبعت ms111 بمصر سنة 1281. # و«ديوان محمود أفندي صفوت الساعاتي» المتوفى في أواخر القرن الثالث عشر الهجري، ~~وقد طبع سنة 1276. و«ديوان السيد علي أبي النصر» المتوفى سنة 1298، وقد طبع ~~ببولاق سنة 1300. و«ديوان السيدة عائشة التيمورية» المعاصرة، وهو مطبوع سنة 1303 ~~للهجرة. وكتاب «شعراء النصرانية» جمعه وصححه الأب لويس شيخو اليسوعي، وقد رأيت ~~منه أربعة أقسام في شعراء الجاهلية مطبوعة في بيروت سنة 1890 للميلاد. # وقد جمع في عصرنا هذا الفاضل السيد توفيق البكري كتابا جليلا في المختار من ~~أراجيز العرب، مفسرا للغريب وشارحا للمعاني ومبينا للمقاصد، وقد طبعه سنة ~~1313 للهجرة، وقد صنف أيضا كتابا نافعا سماه «فحول البلاغة» قال في أوله: «هذا ~~سفر وضعناه في المختار من شعر ثمانية من فحول الشعراء وأئمة البلاغة وأمراء الكلام، ~~وهم: مسلم بن الوليد صريع الغواني، وأبو نواس الحسن بن هانئ، وأبو تمام حبيب ~~بن أوس الطائي، وأبو عبادة البحتري، وابن الرومي علي بن العباس، وابن المعتز، ~~وأبو الطيب أحمد المتنبي، وأبو العلاء المعري.» وقد طبعه بالمطبعة الأميرية سنة ~~13 للهجرة. # | الباب الرابع # | في تاريخ العروض والقافية # (1) العروض # علم أوزان الشعر، والذي اخترعه «الخليل بن أحمد» المتوفى سنة 170 للهجرة، وجاءه ~~ذلك - كما في تاريخ ابن خلكان - من معرفة الإيقاع والنغم، قالوا: لا فرق بين صناعة ~~العروض وصناعة الإيقاع، إلا أن صناعة الإيقاع تقسيم الزمان بالنغم، وصناعة ~~العروض تقسيم الزمان بالحروف المسموعة. # وقيل إنه جاء في فكره حينما مر بشوارع البصرة وسمع طرقات مطارق الحدادين بأصوات ~~مختلفة. # وقال بعض إن شعر اليونان له أوزان مخصوصة، والتفاعيل عندهم تسمى الأيدي ~~والأرجل، ولا يبعد أن يكون وصل إلى الخليل شيء من ذلك فأعانه على إبراز ~~العروض. # وروى الأخفش عن الحسن بن يزيد قال: سألت الخليل: هل للعروض أصل؟ قال: نعم، مررت ~~بالمدينة حاجا، فرأيت شيخا يعلم غلامه يقول له: قل: # نعم لا/نعم لا لا/نعم لا/نعم لا لا # نعم لا/نعم ~~لا لا/نعم لا/نعم لا لا # فقلت له: ما هذا الذي تقول للصبي؟ فقال: هو علم يتوارثونه عن سلفهم يسمونه ms112 ~~«التنعيم»؛ لقولهم فيه: نعم. قال الخليل: فرجعت بعد الحج فأحكمتها. فجرى الخليل في ~~تجزئته على ما سمع من الشيخ، فإن وزن قوله: «نعم لا» فعولن، و«نعم لا لا» ~~مفاعيلن. قيل: وسمى الخليل هذه الصناعة بالعروض؛ لأنه لما شبه البيت من ~~الشعر بالبيت من الشعر شبه ما يقيم وزن الأول بعروض الثاني، وهي الخشبة ~~المعترضة في سقفه، وشبه الأسباب بالأسباب، والأوتاد بالأوتاد، والفواصل بالفواصل. ~~وقيل إنه لما امتحن الشعر ووجد الاختلاف والتنقل في أواخر أبياته على الجملة أكثر ~~منه في أوساطها؛ سمى وسط البيت الذي هو منتهى قسمه الأول عروضا أيضا تشبيها ~~بالعروض، وهو العمود المعترض في وسط الخباء لثباته وقلة تبدله. # ولما تتبع الخليل أشعار العرب رأى أن أوزانها تنحصر في خمسة عشر وزنا ~~سماها بحورا، وسمى البحور بأسماء مختلفة: الطويل والمديد والبسيط والوافر ~~والكامل والهزج والرجز والرمل والسريع والمنسرح والخفيف والمضارع والمقتضب والمجتث ~~والمتقارب. # وأخذ العروض عن الخليل سيبويه، وأخذه عنه الأخفش، وزاد بحرا سماه الخبب. ولم ~~يزل يتواتر أخذ العلماء هذا الفن إلى وقتنا هذا. # وجعل الجوهري بحور الشعر اثنى عشر لا غير، منها المتدارك، وجعل فيها سبعة مفردات ~~وهي: الوافر، والكامل، والهزج، والرجز، والرمل، والمتقارب، والمتدارك. وخمسة ~~مركبات: الطويل، والمديد، والبسيط، والخفيف، والمضارع. فالطويل مركب من المتقارب ~~والهزج؛ لأن المتقارب مركب من «فعولن»، والهزج مركب من «مفاعيلن»، ومنهما ~~الطويل. والمديد مركب من الرمل والمتدارك؛ لأن الرمل من «فاعلاتن» والمتدارك من ~~«فاعلن»، والمديد منهما. والبسيط مركب من الرجز والمتدارك. والخفيف مركب من ~~الرمل والرجز. والمضارع مركب من الهزج والرمل. ولم يتركب من الكامل والوافر ~~شطر، وأسقط السريع والمنسرح والمقتضب والمجتث، قال: وإنما كثر الخليل الألقاب ~~للتقريب والشرح، وإلا فالسريع من البسيط؛ لأن بناءهما من مستفعلن وفاعلن. والمنسرح ~~والمقتضب من الرجز؛ لأنهما من مستفعلن، وهذا بناء على قاعدته أن مفعولات مقلوب ~~مستفعلن، والمجتث من الخفيف؛ لأنهما من مستفعلن وفاعلاتن، ولا اختلاف بين هذه ~~الأجزاء إلا في تقديم وتأخير أو تكرير بعضها. ا.ه. # ولمعرفة أجزاء البحور رسموا خمس دوائر وضعوا ms113 فوقها علامات للمتحركات والسواكن من ~~شطر كل بحر؛ فالمتحرك علامته (5) والساكن علامته (1)، وإن شئت قلت علامة الوتد ~~المجموع (155) والمفروق (515)، والسبب الخفيف (15) والثقيل (55). ووضعوا اسم البحر ~~داخل الدائرة تحت علامة مبدأ الشطر، والسير في هذه الدوائر يرشد إليه ~~الموقف. # ولا يتحتم أن تجيء أوزان البحور على الأجزاء المستخرجة من الدوائر تماما، بل ~~يدخلها الزحاف والعلل والجزء والشطر وغير ذلك مما هو مبين في موضعه، كما يظهر من ~~تقطيع أبيات الشعر المسموعة عند العرب. ~~(1) وتسمى الدائرة الأولى بدائرة المختلف لتركبها من جزأين مختلفين: خماسي ~~«فعولن أو فاعلن»، وسباعي «مفاعيلن أو فاعلاتن»، ويستخرج منها الطويل والمديد ~~والبسيط. # فأجزاء الطويل: «فعولن مفاعيلن» أربع مرات، وهو كثير الدوران في شعر العرب، ~~ومنه قصيدة امرئ القيس التي أولها: # قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان # ورسم عفت آياته ~~منذ أزمان # أتت حجج بعدي عليها فأصبحت # كخط زبور في مصحف ~~رهبان # وقصيدته التي أولها: # خليلي مرا بي على أم جندب # لنقضي لبنات ~~الفؤاد المعذب # وقصيدته التي أولها: # أعني على برق أراه وميض # يضيء حبيا في ~~شماريخ بيض # ويهدأ تارات سناه وتارة # ينوء كتعتاب الكثير ~~المهيض # وقبض فعولن في الطويل حسن، ويزداد حسنا إن جاء بعده الضرب المحذوف ولا يكاد ~~يسمع إلا مقبوضا، كقوله: # وما كل ذي لب بمؤتيك نصحه # ولا كل مؤت نصحه ~~بلبيب # وأجزاء المديد «فاعلاتن فاعلن» أربع مرات في الدائرة، لكنه لم يسمع إلا ~~مسدسا، وهو قليل في شعرهم، ومنه قصيدة لتأبط شرا أولها: # إن بالشعب الذي دون سلع # لقتيلا دمه ما ~~يطل # خلف العبء علي وولى # أنا بالعبء له ~~مستقل # وقصيدة لامرئ القيس منها: # وخليل قد أفارقه # ثم لا أبكي على ~~أثره # وابن عم قد تركت له # صفو ماء الحوض من ~~كدره # وابن عم قد فجعت به # مثل ضوء الصبح في ~~غرره # وقول علي بن زيد: # يا لبينى أوقدي النارا # فالذي تهوين قد ~~حارا # رب نار بت أرمقها # تقضم الهندي ~~والغارا # عندها ظبي يؤججها # عاقد في الجيد ~~تقصارا # شادن في عينه حور # وتخال الوجه ~~دينارا ms114 # ومن مشطور المديد قصيدة لامرأة يقال إنها أم تأبط شرا أو أم السليك ~~بن السلكة، وهي: # طاف يبغي نجوة # من هلاك فهلك # ليت شعري ضلة # أي شيء قتلك! # أمريض لم تعد # أم عدو ختلك؟ # أم تولى بك ما # غال في الدهر ~~السلك # والمنايا رصد # للفتى حيث سلك # أي شيء حسن # لفتى لم يك لك # كل شيء قاتل # حين تلقى أجلك # طال ما قد نلت في # غير كد ~~أملك # إن أمرا فادحا # عن جوابي ~~شغلك # سأعزي النفس إذ # لم تجب من ~~سألك # ليت قلبي ساعة # صبره عنك ملك # ليت نفسي قدمت # للمنايا ~~بدلك # قال أبو العلاء : «هذا الوزن لم يذكره الخليل ~~ولا سعيد بن مسعدة، وذكره الزجاج وجعله سابعا للرمل، وقد يحتمل أن يكون مشطورا ~~للمديد.» ا.ه. # والعروض الثانية بأضربها الثلاثة قليلة ~~الوجود، وقد استقريت كثيرا من شعر العرب فلم أر منها شيئا، وربما كانت ~~شواهدها المذكورة في كتب العروض موضوعة، فإنهم لم يذكروا قائليها، ورأيت في شارح ~~الخزرجية: «وحكى للثانية ضرب متمم، كقوله: # صاحبي استنطقا ساعة # دمنة فيها لذي الحب ~~داء # وهذه العروض قل أن توجد لمحدث فضلا عن العرب.» وفيه أيضا أن ضربيها الثاني ~~والثالث اللذين وضعهما الخليل لم يسمع نظيرهما للعرب، وقال الزجاج: «لم يجئ على ~~أولهما قصيدة إلا للطرماح.» ا.ه. وكان عليه في هذا المقام أن يذكر أول ~~القصيدة. # وأجزاء البسيط: «مستفعلن فاعلن» أربع مرات، وهو شائع في الشعر، ومنه قول سالم بن ~~وابصة: # عليك بالقصد فيما أنت فاعله # إن التخلق يأتي ~~دونه الخلق # وموقف مثل حد السيف قمت به # أحمي الذمار ~~وترميني به الحدق # فما زلقت ولا أبديت فاحشة # إذا الرجال على ~~أمثالها زلقوا # ومنه قول الفضل بن العباس: # مهلا بني عمنا مهلا موالينا # لا تنبشوا بيننا ~~ما كان مدفونا # لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم # وأن نكف الأذى ~~عنكم وتؤذونا # مهلا بني عمنا من نحت أثلتنا # سيروا رويدا ~~كما كنتم تسيرونا # الله يعلم أنا لا نحبكم # ولا نلومكم أن لا ~~تحبونا # كل له نية في بغض ms115 صاحبه # بنعمة الله نقليكم ~~وتقلونا # وجزء البسيط قليل الاستعمال قبيح الوزن، لم يجئ في شعر العرب إلا نادرا، لكن ~~يحسن إذا حولت العروض والضرب بعد الجزء إلى «فعولن»، ويسمى حينئذ مخلعا، ومنه ~~قول الأعشى: # ألم ترو إرما وعادا # أودى بها الليل ~~والنهار # وقد جاء مكان فعولن مفعولن في قصيدة لامرئ ~~القيس أولها: # عيناك دمعهما سجال # كأن شأنيهما ~~أوشال # أو جدول في ظلال نخل # للماء من تحته ~~مجال # من ذكر ليلى وأين ليلى! # وخير ما رمت ما ~~ينال # وقال بعض إن المخلع من المنسرح، واستدل بإطباق المحدثين على مفعولات مكان ~~فاعلن، كقول ابن المعتز : # العيش مر والموت مر # فأي هذين لا ~~أذم؟ # أنقل رحلي من كل دار # خوف المنايا والأرض ~~سم # وعورض بإطباق العرب على فاعلن. # ويقرب من مخلع البسيط قول سلمى بن ربيعة: # إن شواء ونشوة # وخبب البازل ~~الأمون # يجشمها المرء في الهوى # مسافة الغائط ~~البطين # والبيض يرفلن كالدمى # في الريط والمذهب ~~المصون # والكثر والخفض آمنا # وشرع المزهر ~~الحنون # من لذة العيش والفتى # للدهر والدهر ذو ~~فنون # والعسر كاليسر والغنى # كالعدم والحي ~~للمنون # أهلكن طسما وبعده # غذي بهم وذا ~~جدون # وأهل جأش ومأرب # وحي لقمان ~~والتقون # قال التبريزي: «هذه الأبيات خارجة عما وضعه الخليل، وعما وضعه سعيد ابن مسعدة، ~~وأقرب ما يقال فيها أنها تجيء على السادس من البسيط.» ا.ه. وعد من مجزوء ~~البسيط: # عجبت ما أقرب الأجل # منا وما أبعد ~~الأمل! # وقيل إن البسيط يجيء مشطورا، وبيته: # دار عفاها القدم # بين البلى ~~والعدم # واستخرجوا من هذه الدائرة بحرين مهملين، أحدهما وزنه «مفاعيلن فعولن» أربع مرات ~~عكس الطويل، وسموه المستطيل، ومنه قول بعض المولدين: # أيسلو عنك قلب بنار الحب يصلى # وقد سددت نحوي من ~~الألحاظ نصلا؟ # وثانيهما: «فاعلن فاعلاتن» أربع مرات مقلوب المديد، وسموه الممتد، ومنه قول بعض ~~المولدين: # قد شجاني حبيب واعتراني ادكار # ليته إذ شجاني ~~ما شجته الديار ~~(2) وتسمى الدائرة الثانية بدائرة المؤتلف؛ لائتلاف أجزائها وتماثلها، ويستخرج ~~منها: الوافر والكامل، فالوافر أجزاؤه «مفاعلتن» ست مرات، لكن عروضه وضربه ms116 لم ~~يسمعا إلا مقطوفين عند عدم الجزء، فيحول كل منهما إلى فعولن، ومنه لقيس ~~بن الخطيم: # وما بعض الإقامة في ديار # يهان بها الفتى إلا ~~بلاء # وبعض خلائق الأقوام داء # كداء البطن ليس له ~~دواء # يريد المرء أن يعطى مناه # ويأبى الله إلا ما ~~يشاء # وكل شديدة نزلت بقوم # سيأتي بعد شدتها ~~رخاء # ولا يعطى الحريص غنى لحرص # وقد ينمى على ~~الجود الثراء # غني النفس ما عمرت غني # وفقر النفس ما عمرت ~~شقاء # وليس بنافع ذا البخل مال # ولا مزر بصاحبه ~~السخاء # وبعض الداء ملتمس شفاه # وداء النوك ليس له ~~شفاء # ومن مجزوء هذا البحر قول عربي في ابنه: # هوى ابني من علا شرف # يهول عقابه صعده # هوى من رأس مرقبة # فزلت رجله ويده # فلا أم فتبكيه # ولا أخت فتفتقده # هوى عن صخرة صلد # ففزت # 1 # تحتها كبده # ألام على تبكيه # وألمسه فلا أجده # وكيف يلام محزون # كبير فاته ولده؟ # وزاد الأخفش عروضا ثالثة مجزوة مقطوعة لها ضرب مثلها، وبيتها: # عبيلة أنت همي # وأنت الدهر ذكري # والكامل أجزاؤه «متفاعلن» ست مرات، وهو كالطويل في كثرة الدوران في الشعر، ومنه ~~معلقة عنترة، وأولها: # هل غادر الشعراء من متردم # أم هل عرفت الدار بعد توهم؟ # ومنه: # نزل المشيب فأين تذهب بعده # وقد ارعويت وحان منك رحيل؟ # كان الشباب خفيفة أيامه # والشيب محمله علي ثقيل # ليس العطاء من الفضول سماحة # حتى تجود وما لديك قليل # وقول عربي: # عادوا مروءتنا فضلل سعيهم # ولكل بيت مروءة أعداء # لسنا إذا ذكر الفعال كمعشر # أزرى بفعل أبيهم الأبناء # وقول ابن عبدل الأسدي: # بيناهمو بالظهر قد جلسوا # يوما بحيث ينزع الذبح # فإذا ابن بشر في مواكبه # تهوي به خطارة سرح # فكأنما نظروا إلى قمر # أو حيث علق قوسه قزح # وقول قيس بن عاصم المنقري: # إني امرؤ لا يعتري خلقي # دنس يفنده ولا أفن # من منقر في بيت مكرمة # والغصن ينبت حوله الغصن # خطباء حين يقوم قائلهم # بيض الوجوه مصاقع لسن # ومن مجزوء الكامل قول ابن زهيمة: # وجد الفؤاد ms117 بزينبا # وجدا شديدا متعبا # أمسيت من كلف بها # أدعى الشقي المسهبا # ولقد كنيت عن اسمها # عمدا لكيلا تغضبا # وجعلت زينب سترة # وكنيت أمرا معجبا # ومن مجزوئه المرفل قول النابغة: # المرء يأمل أن يعي # يش وطول عيش قد يضره # تفنى بشاشته ويب # قى بعد حلو العيش مره # وتخونه الأيام حت # ى لا يرى شيئا يسره # كم شامت لي إن هلك # ت وقائل: لله دره! # قال ابن مرزوق: ولما كثرت حركات الكامل، وقع في أعاريضه من الاختلاف ما لم يقع ~~في غيره؛ كقول امرئ القيس: # الله أنجح ما طلبت به # والبر خير حقيبة الرحل # بعد قوله في هذه القصيدة بعينها: # يا رب غانية صرمت حبالها # ومشيت متئدا على رسلي # وقول زهير في قصيدة له: # إن الرزية لا رزية مثلها # ما تبتغي غطفان يوم أظلت # ولنعم حشو الدرع أنت إذا # نهلت من العلق الرماح وعلت # فاجتمع في هذه الأبيات العروض السالمة ~~والحذاء، وهذا خلاف ما اشترط في العلل من اللزوم. # واستخرجوا من هذه الدائرة بحرا مهملا بالابتداء من السبب الخفيف وزنه ~~«فاعلاتك» ست مرات، ويقال له: المتوفر، ومنه قول بعض المولدين: # ما رأيت من الجآذر بالجزيرة # إن رمين بأسهم جرحت فؤادي ~~(3) وتسمى الثالثة بدائرة المجتلب؛ لأن أجزاءها كلها اجتلبت إليها من دائرة ~~المختلف، واستخرجوا منها الهزج والرجز والرمل، فالهزج أجزاؤه «مفاعيلن» ست مرات على ~~حسب ما تقتضيه دائرته، لكنه لم يسمع عن العرب إلا مجزوا، وهو أقل استعمالا من ~~الكامل، ومنه قصيدة الفند الزماني التي أولها: # صفحنا عن بني ذهل # وقلنا القوم إخوان # قال ابن مرزوق: وحكي استعمال الهزج مسدسا على الأصل وهو قليل جدا، ~~كقوله: # عفا يا صاح من سلمى مراعيها # فظلت مقلتي تجري مآقيها # ومنه: # ترفق أيها الحادي بعشاق # نشاوى قد تعاطوا كأس إشراق # والرجز أجزاؤه «مستفعلن» ست مرات، وأكثر ما يستعمل منه العرب المشطور، كقول جحدر ~~بن ضبيعة: # قد يتمت بنتي وآمت كنتي # وشعثت بعد الرهان حمتي # ردوا علي الخيل إن ألمت # إن لم يناجزها فجزوا لمتي # قد علمت والدة ms118 ما ضمت # ما لففت في خرق وشمت # إذا الكماة بالكماة التفت # أمخدج في الحرب أم أتمت # وكقول الزباء: # ما للجمال مشيها وئيدا # أجندلا يحملن أم حديدا؟! # أم صرفانا تارزا شديدا # ويقال إن كل شطرين من هذا بيت، والتزمت العرب التقفية بين الأعاريض والأضرب، ~~ومن غير الأكثر قول امرئ القيس: # لم تسبنا خيلكم فيما مضى # حتى استفأنا الحي من أهل ومال # ذاك وكم كندية سوداء قد # تستقبل القوم بوجه كالجمال # قايظننا يأكلن فينا عفرا # نطعمها قدا ومحروث الخمال # أيام صبحناكم ملمومة # كأنها نطقت قد من حزم آل # من كل قباء بعدو الوكرى # إذا توانى الخيل بالقوم الثقال # ومنهوك الرجز كقول دريد بن الصمة يوم هوازن: # يا ليتني فيها جذع # أخب فيها وأضع # أقود وطفاء الزمع # كأنها شاة صدع # ويقال إن هذا من مجزوء الرجز، الملتزم فيه التقفية بين الأعاريض ~~والأضرب. # وللعرب تصرف واتساع في الرجز لكثرته في كلامهم في مواطن الحروب والفخر، ~~قال الزجاج: ولو جاء منه شعر على جزء واحد مقفى لاحتمل ذلك، كقول عبد الصمد بن ~~العدل: # قالت أجل ماذا الخجل هذا الرجل حين احتفل أهدى بصل # فجاء بالقصيدة على «مستفعلن»، ومثله قول يحيى بن علي المنجم: # طيف ألم بذي سلم # بعد العتم يطوي الأكم # جاد بفم وملتزم # فيه نظم إذا يضم # ويقال إن أول من انترع مثل هذا «مسلم الخاسر»، في قصيدة مدح بها موسى الهادي ~~رابع الخلفاء العباسيين أخا الرشيد، وهي: # موسى المطر غيث بكر # ثم انهمر أروى المدر # كم اعتسر ثم ايتسر # وكم قدر ثم غفر # عدل السير باقي الأثر # خير وشر نفع وضر # فرع مضر بدر بدر # والمفتخر لمن غبر # ولم يسمع شيء من هذا عن العرب، وأقل ما سمع لهم كان على جزأين، كقول دريد ~~السابق. # واشتهر بالرجز في صدر الإسلام: العجاج، ورؤبة، وكل منهما له ديوان ليس فيه من ~~الشعر غير الأراجيز. وكذا أبو النجم، ومن رجزه: # خرجت من عند زياد كالخرف # تخط رجلاي بخط مختلف # تكتبان في الطريق لام ألف # وقد تصفحنا ms119 كثيرا من أراجيزهم وأراجيز من سبقهم؛ فرأيناها ملتزما فيها ~~التقفية بين الأعاريض والأضرب، لكن من جاء بعدهم لم يلتزموا التقفية. ومن ذلك ~~مقصورة ابن دريد التي أولها: # يا ظبية أشبه شيء بالمها # ترعى الخزامى بين أشجار النقا # إما ترى رأسي حاكى لونه # طرة صبح تحت أذيال الدجا # ويحتمل أن قول امرئ القيس السابق من الكامل المزاحف المعلول. والرمل أجزاؤه في ~~الدائرة: «فاعلاتن» ست مرات، لكن عروضه لم تسمع في شعر العرب إلا محذوفة عند عدم ~~الجزء، ومنه قصيدة لطرفة أولها: # أصحوت اليوم أم شاقتك هر؟ # ومن الحب جنون مستعر # لا يكن حبك داء قاتلا # ليس هذا منك ماوي بحر # وقصيدة لعبيد بن الأبرص أولها: # يا خليلي أربعا واستخبرا ال # منزل الدارس عن حي حلال # مثل سحق البرد عفى بعدك ال # قطر مغناه وتأويب الشمال # ومن مجزو هذا البحر قصيدة جساس بن مرة، أولها: # إنما جاري لعمري # فاعلموا أدنى عيالي # وأرى للجار حقا # كيميني من شمالي ~~(4) وتسمى الدائرة الرابعة بدائرة المشتبه؛ لاشتباه أبحرها، ويستخرج منها ~~السريع والمنسرح والخفيف والمضارع والمقتضب والمجتث. «فالسريع» أجزاؤه: «مستفعلن ~~مستفعلن مفعولات» مرتين، لكن المسموع في عروضه أنها لا تجيء تامة. # ومنه قول جساس بن مرة: # إنا على ما كان من حادث # لم نبدأ القوم بذات العقوق # قد جربت تغلب أرماحنا # بالطعن إذ جاروا وحز الحلوق # لم ينههم ذلك عن بغيهم # يوما ولم يعترفوا بالحقوق # وأسعروا للحرب نيرانها # للظلم فينا باديا والفسوق # أليس من أردى كليبا لمن # دون كليب منكم بالمطيق؟ # من شرع العدوان في قاتل # اقترف الظلم وضنك المضيق # بدأتم بالظلم في قومكم # وكنتم مثل العدو الحقيق # والظلم حوض ليس يسقى به # ذو منعة في كل أمر يطيق # فإن أبيتم فاركبوها بما # فيها من الفتنة ذات البروق # ومنه قول امرئ القيس: # أحللت رحلي في بني ثعل # إن الكريم للكريم محل # وجدت خير الناس كلهم # جارا وأوفاهم أبا حنبل # أقربهم خيرا وأبعدهم # شرا وأجودهم إن بخل # ومنه قول حطان بن المعلى: # أنزلني الدهر على حكمه # من شامخ ms120 عال إلى خفض # وغالني الدهر بوفر الغنى # فليس لي مال سوى عرضي # أبكاني الدهر ويا ربما # أضحكني الدهر بما يرضي # لولا بنات كزغب القطا # رددن من بعض إلى بعض # لكان لي مضطرب واسع # في الأرض ذات الطول والعرض # وإنما أولادنا بيننا # أكبادنا تمشي على الأرض # لو هبت الريح على بعضهم # لامتنعت عيني من الغمض # ومن مشطور السريع قول قبيصة الحرمي: # هاجرتي يا بنت آل سعد # أأن حلبت لقحة للورد # جهلت من عنانه الممتد # ونظري في عطفه الألد! # إذا جياد الخيل جاءت تردي # مملؤة من غضب وحرد # و«المنسرح» أجزاؤه: «مستفعلن مفعولات مستفعلن» مرتين ، إلا أن ضربه عند التمام ~~لا يجيء إلا مطويا، وقال بعض: وكذا عروضه لا تجيء إلا مطوية، ويؤيد هذا ~~تتبع شعر العرب الصحيح، ومنه قول امرئ القيس: # أنى علي استتب لومكما # ولم تلوما حجرا ولا عصما # كلا يمين الإله يجمعنا # شيء وأخوالنا بنو جشما # حتى يزور الضباع ملحمة # كأنها من ثمود أو إرما # قال الصبان: وحكى غير الخليل ضربا مقطوعا لهذا البحر، كقوله: # ما هيج الشوق من مطوقة # قامت على بابه تغنينا # واستحسن هذا الضرب المحثون وأكثروا منه. # ومن منهوك المنسرح قول هند بنت عتبة: # صبرا بني عبد الدار # صبرا حماة ~~الأدبار # ضربا بكل بتار # و«الخفيف» أجزاؤه: «فاعلاتن مستفع لن مفروق الوتد فاعلاتن» مرتين، ومنه قول منقذ ~~الهلالي: # أي عيش عيشي إذا كنت منه # بين حل وبين وشك رحيل # كل فج من البلاد كأني # طالب بعض أهله بذحول # ما أرى الفضل والتكرم إلا # كفك النفس عن طلاب الفضول # وبلاء حمل الأيادي وإن تس # مع منا تؤتى به من منيل # ومنه قصيدة لعدي بن زيد، أولها: # طال ليلي أراقب التنويرا # أرقب الليل بالصباح بصيرا # شط وصل الذي تريدين مني # وصغير الأمور يجني الكبيرا # كم ترى اليوم من صحيح تمني # وغدا حشو ريطة مقبورا # ومن مجزو الخفيف قول فقيد ثقيف: # أيها الجيرة اسلموا # وقفوا كي تكلموا # خرجت مزنة من ال # بحر ريا تحمحم # هي ما كنتي وتز # عم أني لها ms121 حم # و«المضارع» أجزاؤه: «مفاعيلن فاع لاتن مفاعيلن» مرتين. و«المقتضب» أجزاؤه: ~~«مفعولات مستفعلن مستفعلن» مرتين، قالوا كلاهما مجزوء وجوبا، وذكروا: # شاهد الأول: # دعاني إلى سعادي # دواعي هوى ~~سعادي # وشاهد الثاني: # أقبلت فلاح لها # عارضان ~~كالثبج # أدبرت فقلت لها # والفؤاد في ~~وهج # هل علي ويحكما # إن عشقت من ~~حرج؟ # وقد بحثت كثيرا في شعر العرب الذي يؤخذ حجة؛ فلم أعثر على أبيات من كليهما ~~إلى أن رأيت في «حاشية الدمنهوري على الكافي» ما نصه: «قال الدمامني: أنكر الأخفش ~~أن يكون المضارع والمقتضب من شعر العرب، وزعم أنه لم يسمع منهم شيء منهما، قلت: ~~وهو محجوج بنقل الخليل. وقال الزجاج: هما قليلان حتى إنه لا يوجد منهما قصيدة ~~لعربي، وإنما يروى من كل واحد منهما البيت والبيتان، ولا ينسب بيت منهما إلى ~~شاعر من العرب ولا يوجد في أشعار القبائل.» # و«المجتث» أجزاؤه في الدائرة: «مستفع لن فاعلاتن فاعلاتن»، لكنه لم يستعمل إلا ~~رباعيا، ويكاد أن لا يوجد في شعر العرب الجاهلي كالمضارع والمقتضب، ومنه قول ~~العباس بن الأحنف في جارية اسمها «فوز» حجت مع مولاها: # يا رب رد علينا # من كان أنسا ~~وزينا # من لا نسر بعيش # حتى يكون ~~لدينا # يا من أتاح لقلبي # هواه شؤما ~~وحينا # ما زلت مذ غبت عني # من أسخن الناس ~~عينا # ما كان حجك عندي # إلا بلاء ~~علينا # وللوليد بن يزيد بن عبد الملك: # إني سمعت بليل # نحو الرصافة ~~رنة # خرجت أسحب ذيلي # أنظر ما ~~شأنهنه # إذا بنات هشام # يندبن والدهنه # يندبن ويلا وعولا # والويل حل ~~بهنه # وحكى بعضهم استعمال المجتث مسدسا، وأنشد: # يا من على الحب يلحى مستهاما # لا تلحني إن ~~مثلي لن يلاما # واستخرجوا من هذه الدائرة أيضا ثلاثة أبحر مهملة، الأول أجزاؤه «فاعلاتن ~~فاعلاتن مستفع لن» مرتين، ويسمى «المتئد»، وقال بعض المولدين: # ما لسلمى في البرايا من مشبه # لا ولا البدر ~~المنير المستكمل # والثاني أجزاؤه: «مفاعيلن مفاعيلن فاع لات»، ويسمى بالمنسرد، وقال منه بعض ~~المولدين: # لقد ناديت أقواما حين جابوا # وما بالسمع من ~~وقر لو ms122 أجابوا # والثالث أجزاؤه: «فاع لاتن مفاعيلن مفاعيلن» مرتين، ويسمى بالمطرد، وقال منه ~~بعض المولدين: # من مجيري من الأشجان والكرب # من مزيلي من ~~الإبعاد بالقرب؟ ~~(5) وتسمى الدائرة الخامسة بدائرة المتفق؛ لاتفاق أجزائها، ويستخرج منها: ~~المتقارب والمتدارك، فالمتقارب أجزاؤه: «فعولن» ثماني مرات، ومنه قصيدة بشر ~~بن أبي حازم التي أولها: # غشيت لليلى بشرق مقاما # فهاج لك الرسم منها ~~سقاما # بسقط الكثيب إلى عسعس # تخال منازل سلمى ~~وشاما # ومنه قصيدة لدريد بن الصمة أولها: # مدحت يزيد بن عبد المدان # فأكرم به من فتى ~~ممتدح # ومنه قول الصلتان العبدي: # تموت مع المرء حاجاته # وتبقى له حاجة ما ~~بقي # وهذا البحر كثير في شعرهم، غير أنه يقل منه المجزو ولم يستعمل منه ~~المشطور، ويجوز فيه خلط العروض التامة بالمحذوفة والمقصورة والمحذوفة بالبتراء ~~لتصرف العرب فيه. وأنشدوا منه لعبيد بن الأبرص: # هي الخمر تكنى الطلا # كما الذيب يكنى أبا ~~جعدة # وأصلحه الخليل بقوله: # هي الخمر يكنونها بالطلا # كما الذيب يكنى أبا ~~جعدة # و«المتدارك» أجزاؤه: «فاعلن» ست مرات، ولم أعثر على شواهد له في أشعار العرب ~~الجاهلية، ومع ذلك وزنه محبوب وفي الأسماع مؤثر في النفوس، خصوصا إذا دخله الخبن، ~~نحو: # كرة طرحت بصوالجة # فتلقفها رجل ~~رجل # أو القطع نحو: # ما لي مال إلا درهم # أو برذوني ذاك ~~الأدهم # وقد اجتمعا في قوله: # قم نحو حماة وابتهج # وعلى ذاك المحيا ~~فعج # وقد سموا هذا البحر بضرب الناقوس والمتسق ~~وغير ذلك، وقال الصبان: «وحكم كثير بشذوذ ورود هذا البحر سالما ووروده مجزوا، ~~وأن المطرد استعماله مخبونا.» ا.ه. وهذا البحر لم يذكره الخليل، بل زاده الأخفش ~~كما سبق، وزعم ابن رشيق أنه قديم، ومنه: # يا بني عامر قد تجمعتم # ثم لم تدفعوا الضيم إذ ~~جئتم # وقد نظم بعضهم أسماء بحور الخليل، ~~فقال: # طويل مديد فالبسيط فوافر # فكامل أهزاج ~~الأراجيز أرملا # سريع سراح فالخفيف مضارع # فمقتضب مجتث قرب ~~لتفضلا # ونظم أوزان البحور كثير من الشعراء، منهم الصفي الحلي، فقال: # الطويل: # طويل له دون البحور فضائل # فعولن مفاعيلن فعولن ~~مفاعل # المديد: ms123 # لمديد الشعر عندي صفات # فاعلاتن فاعلن ~~فاعلات # البسيط: # إن البسيط لديه يبسط الأمل # مستفعلن فاعلن ~~مستفعلن فعل # الوافر: # بحور الشعر وافرها جميل # مفاعلتن مفاعلتن ~~فعول # الكامل: # كمل الجمال من البحور الكامل # متفاعلن متفاعلن ~~متفاعل # الهزج: # على الأهزاج تسهيل # مفاعيلن ~~مفاعيل # الرمل: # رمل الأبحر يرويه الثقات # فاعلاتن فاعلاتن ~~فاعلات # السريع: # بحر سريع ماله ساحل # مستفعلن مستفعلن ~~فاعل # الرجز: # في أبحر الأرجاز بحر يسهل # مستفعلن مستفعلن ~~مستفعل # المنسرح: # منسرح فيه يضرب المثل # مستفعلن فاعلن ~~مفتعل # الخفيف: # يا خفيفا خفت به الحركات # فاعلاتن مستفعلن ~~فاعلات # المضارع: # بعد المضارعات # مفاعيلن فاعلات # المقتضب: # اقتضب كما سألوا # فاعلات مفتعل # المجتث: # اجتث الحاجات # مستفعلن فاعلات # المتقارب: # عن المتقارب قال الخليل # فعولن فعولن فعولن ~~فعول # المحدث: # حركات المحدث تنتقل # فعلن فعلن فعلن ~~فعل # وقد جاءت آيات قرآنية وأحاديث نبوية على ~~الأوزان الشعرية اتفاقا، فمن ذلك آية: # لن تنالوا ~~البر حتى تنفقوا مما تحبون ~~. وحديث: «إن أنت ~~إلا أصبع دميت، وفي سبيل الله ما لقيت»؛ فالآية من مجزو الرمل، والحديث من ~~الرجز المقطوع. # وقد نظم الشيخ شهاب بيتين لكل بحر مبينا فيهما اسم البحر وأجزاءه، ~~ومقتبسا آية من القرآن الكريم جاءت على وزنه. # فقال في الطويل: # أطال عذولي فيك كفرانه الهوى # وآمنت يا ذا الظبي ~~فأنس ولا تنفر # فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن # فمن شاء فليؤمن ومن ~~شاء فليكفر # وقال في المديد: # يا مديد الهجر هل من كتاب # فيه آيات الشفا ~~للسقيم # فاعلاتن فاعلن فاعلاتن # تلك آيات الكتاب ~~الحكيم # وقال في البسيط: # إني بسطت يدي أدعو على فئة # لاموا عليك عسى ~~تخلو أماكنهم # مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن # فأصبحوا لا ترى ~~إلا مساكنهم # وقال في الوافر: # غرامي بالأحبة وفرته # وشاة في الأزقة ~~راكزونا # مفاعلتن مفاعلتن فعولن # إذا مروا بهم ~~يتغامزونا # وقال في الكامل: # كملت صفاتك يا رشا وأولو الهوى # قد بايعوك ~~وحظهم بك قد نما # متفاعلن متفاعلن متفاعلن # إن الذين يبايعونك ~~إنما # وقال في الهزج: # لئن تهزج بعشاق # فهم في عشقهم ~~تاهوا # مفاعيلن مفاعيلن # وقالوا حسبنا ~~الله # وقال في الرجز: # يا ms124 راجزا باللوم في موسى الذي # أهوى وعشقي فيه ~~كان المبتغى # مستفعلن مستفعلن مستفعلن # اذهب إلى فرعون إنه ~~طغى # وقال في الرمل: # إن رملتم نحو ظبي نافر # فاستميلوه بداعي ~~أنسه # فاعلاتن فاعلاتن فاعلن # ولقد راودته عن ~~نفسه # وقال في السريع: # سارع إلى غزلان وادي الحمى # وقل أيا غيد ارحموا ~~صبكم # مستفعلن مستفعلن فاعلن # يا أيها الناس اتقوا ~~ربكم # وقال في المنسرح: # تنسرح العين في خديد رشا # حيا بكأس وقال خذه ~~بفي # مستفعلن مفعولات مستفعلن # هو الذي أنزل السكينة ~~في # وقال في الخفيف: # خف حمل الهوى علينا ولكن # ثقلته عوازل ~~تترنم # فاعلاتن مستفع لن فاعلاتن # ربنا اصرف عنا عذاب ~~جهنم # وقال في المضارع: # إلى كم تضارعون # فتى وجهه منير # مفاعيلن فاع لاتن # ألم يأتكم ~~نذير # وقال في المقتضب: # اقتضب وشاة هوى # من سناك حلولهم # مفعولات مفتعلن # كلما أضاء لهم # وقال في المجتث: # اجتث من عاب ثغرا # فيه الجمان ~~النظيم # مستفع لن فاعلاتن # وهو العلي ~~العظيم # وقال في المتقارب: # تقارب وهات اسقني كأس راح # وباعد وشاتك بعد ~~السماء # فعولن فعولن فعولن فعولن # وإن يستغيثوا يغاثوا ~~بماء # وقال في المتدارك: # دارك قلبي بلمى ثغر # في مبسمه نظم ~~الجوهر # فعلن فعلن فعلن فعلن # إنا أعطيناك ~~الكوثر # وقال في المخلع: # خلعت قلبي بنار عشق # تصلى بها مهجتي ~~الحرارة # مستفعلن فاعلن فعولن # وقودها الناس ~~والحجارة # وقال في الدوبيت: # دوبيت لنظم فارس ميزان # ما خصصهم بكسبه ~~الإمكان # فعلن متفاعلن فعولن فعلن # بل ران على قلوبهم ما ~~كانوا # وقال في المواليا: # لذ بالموالي الأكابر واعتصم بالله # يهديك إذا ~~شا وإلا لا تزل باللاه # مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن # وما تشاءون إلا أن ~~يشاء الله # لطائف # الأولى: # قيل لا حاجة إلى العروض؛ لأن الشعر به شاق ويجيء متكلفا؛ ~~فإن العروضي ليتأتى له وزن البيت ينظر في أجزائه ويقابل ما ~~فيها من الأوتاد والأسباب على التفاعيل، وإلى أن ينظم بيتا ينظم ~~الشاعر بالسليقة قصيدة. # قال أبو فراس: # تناهض الناس للمعالي # لما رأوا ~~نحوها نهوضي # تكلفوا المكرمات كدا # تكلف ~~النظم للعروضي # وقال ابن ms125 حجاج: # مستفعلن فاعلن فعول # مسائل كلها ~~فضول # قد كان شعر الورى صحيحا # قبل أن ~~يخلق الخليل # وقال بهاء الدين السبكي: # إذا كنت ذا فكر سليم فلا ~~تمل # لعلم عروض توقع القلب في ~~كرب # فكل امرئ عانى العروض ~~فإنما # تعرض للتقطيع وانساق ~~للضرب # الثانية: # ألغز ابن الصائغ في جبل، فقال: # يا عروضيا له فطن # بحرها ~~بالفكر يضطرب # أيما اسم وضعه وتد # وهو إذا ~~صحفته سبب # ويرى في الوزن فاصلة # ساكن ~~تحريكه عجب # أراد بالوتد: الجبل، قال تعالى: وجعلنا # الجبال أوتادا ~~، وهو إذا صحفته جبل، وهو السبب ~~لغة ، ووزنه: فاصلة صغرى؛ لأن جبلا ثلاثة أحرف متحركة بعدها ~~ساكن. # وألغز بعضهم في الساقية، فقال: # يا أيها الحبر الذي # علم ~~العروض به امتزج # أبن لنا دائرة # فيها بسيط ~~وهزج # وظاهر هذا مشكل؛ لأنه ليس في ~~دوائر العروض ما يجمع البسيط والهزج؛ لأن البسيط من دائرة ~~المختلف، والهزج من دائرة المجتلب وأوهم بالبسيط وهو يريد ~~الماء، وأوهم بالهزج وهو يريد الصوت المسموع من الساقية حال ~~دورانها. ا.ه. من الصفدي. # الثالثة: # قال في «النفحات الأرجية»: قال الخليل وغيره: للعرب نوعان من ~~الشعر: المخمس والمسمط. قال ابن رشيق: «المخمس» أن يؤتى بخمسة ~~أقسام على قافية واحدة، ثم بخمسة أخرى على قافية أخرى إلى تمام ~~القصيدة، هذه أصله، وقد يستعمل على أقل من خمسة أو أكثر. أنشد ~~الزجاج: # سقى طللا بحزوى # هزيم الودق ~~أحوى # عهدنا فيه أروى # زمانا ثم ~~أقوى # وأروى لا كنود # ولا فيها ~~صدود # لها طرف صيود # ومبتسم ~~برود # لئن شط المزار # بها ونأت ~~الديار # فقلبي مستطار # وليس له ~~قرار # وهذا الوزن يحتمل أن يكون من مربع الوافر المقطوع، أو من المضارع المقبوض ~~المكفوف. و«المسمط» أنه يؤتى ببيت مصرع، ثم بأربعة أقسام على قافية واحدة ~~غير قافية البيت الأول، ثم يؤتى بشطر واحد متحد في الوزن والقافية مع ~~البيت الأول؛ نحو: # توسمت من هند معالم أطلال # عفاهن طول ~~الدهر في الزمن الخالي # مرابع من هند خلت ومطايف # يصيح بمغناها صدى ~~وعوازف # وغيرها هوج الرياح العواصف # وكل ms126 مسف ثم ~~آخر رادف # بأسمح من نوء السماكين هطال # وهذا جرى عليه اسم المخمس غلطا، وربما كان التسميط بالإتيان بثلاثة أشطر ~~متحدة في التقفية ورابعة على قافية أخرى، ثم بثلاثة أخرى متحدة في ~~التقفية، ورابعة متحدة مع الرابعة السابقة في القافية وهكذا، كقوله: # خيال هاج لي شجنا # فبت مكابدا ~~حزنا # عميد القلب مرتهنا # بذكر اللهو ~~والطرب # سبتني ظبية عطل # كأن رضابها ~~عسل # ينوء بخصرها كفل # كميل روادف ~~الحقب # ا.ه. بتصرف. # وأقول: التخميس المستعمل الآن بمصر أن يؤتى بأربعة أشطر متحدة في ~~التقفية، وخامسة مخالفة لها في القافية، إلا إذا أريد التصريع، كقول الشيخ ~~إبراهيم راضي المؤدب في تخميس هذا البيت: ~~«كل من في الوجود يطلب صيدا # غير أن ~~الشباك مختلفات» # احترس من سواك قربا وبعدا # وتبصر في ~~الأمر عكسا وطردا # أنت للناس لست تعلم قصدا # كل من في الوجود ~~يطلب صيدا # غير أن الشباك مختلفات # والتشطير: أن تجعل بيتا بيتين، كقوله في البيت السابق: # كل من في الوجود يطلب صيدا # تتجارى لقنصه ~~الغايات # لو علمنا بسرها لاحترسنا # غير أن الشباك ~~مختلفات # ومن الشعر نوع ثالث يسمى «القادوسي» لم يذكره الخليل وذكره غيره، شبه بقواديس ~~الساقية لارتفاع بعض قوافيه في جهة وانخفاضها في جهة أخرى؛ نحو: # كم للدمى الأبكار # بالحسن من ~~منازل # بمهجتي للوجد من # تذكارها ~~منازل # منازل غيرها # سواكب ~~الهواطل # لما ناء ساكنها # فأدمعه ~~هواطل ~~(2) القافية # علم أحوال أواخر الأبيات، وتطلق على مجموع الساكنين اللذين في آخر البيت وما ~~بينهما من المتحركات والمتحرك الذي قبل الساكن الأول، كذا قال الخليل. وقال ~~الكوفيون إنها حرف الروي خاصة. ورأيت في رسالة لابن كيسان مطبوعة في ليدن ما ~~يخالف هذا؛ فإن فيها ما نصه: «قال الخليل: القافية الحرف الذي يلزمه الشاعر في ~~آخر كل بيت حتى يفرغ من شعره، وكان الخليل يسمي الكلمة التي فيها القافية: الضرب ~~والروي.» وهذا مخالف للمشهور، ولما جاء في لسان العرب، وهو: وقال الخليل: القافية ~~من آخر حرف البيت إلى أول ساكن يليه مع الحركة التي قبل الساكن ms127 كأن القافية على ~~قوله من قول لبيد: عفت الديار محلها فمقامها، من فتحة القاف إلى آخر ~~البيت. # وقال قطرب: القافية الحرف الذي تبنى القصيدة عليه، وهو المسمى رويا. # وقال ابن كيسان: القافية كل شيء لزمت إعادته في آخر البيت. وقد لاذ هذا بنحو قول ~~الخليل لولا خلل فيه. # وقال الأخفش إنها آخر كلمة في البيت. وقال آخرون: هي المصراع الأخير. # قال الخطيب التبريزي: والقول قول الأخفش لأنا رأيناهم إذا قالوا البيت حتى تبقى ~~منه كلمة قالوا: بقيت القافية. # ولو أن شاعرا قال لك اجمع قواف لم تجمع له أنصاف أبيات، وإنما كنت تجمع له ~~كلمات أواخرها الحرف الذي تريد أن تجعله روي القصيدة. ا.ه. # والعرب يطلقون القافية على البيت وعلى القصيدة. # قال حسان: # فنحكم بالقوافي من هجانا # ونضرب حين تختلط ~~الدماء # وقال آخر: # وكم علمته نظم القوافي # فلما قال قافية ~~هجاني # وقالت الخنساء: # وقافية مثل حد السنا # ن تبقى ويهلك من ~~قالها # وقال الشميذر الحارثي: # بني عمنا لا تذكروا الشعر بعدما # دفنتم بصحراء ~~الغمير القوافيا # أي: دفنتم بصحراء الغمير شاعركم صاحب القصائد. # ويقال إن مهلهل بن ربيعة أول من أجاد تقفية القصائد الطوال، وأنه لم يقل أحد ~~قبله عشرة أبيات من روي واحد، وأنه أول من يروى له كلمة ثلاثون بيتا من ~~الشعر. # قال الفرزدق: # ومهلهل الشعراء ذاك الأول # ولهذا نسبوا إليه وضع القوافي. وأما علم القافية فالظاهر أنه من علم العروض، ~~فيكون من وضع الخليل؛ فإن تعاريف القافية الاصطلاحية وأسماء حروفها وحركاتها ~~وعيوبها وأنواعها منسوبة كلها إلى الخليل ومن تبعه، ولم يؤثر عن زمن الجاهلية ~~وضع علم ولا تدوين فن، ولو كان العلم نفسه من وضع المهلهل لما خفي على النابغة ~~الذبياني شاعر العرب المحكم عيب الإقواء في قصيدته التي أولها: # أمن آل مية رائح أو مغتدي # عجلان ذا زاد ~~وغير مزود؟ # فإنه خالف فيها مجرى رويها المكسور حيث قال: # زعم البوارح أن رحلتنا غدا # وبذاك خبرنا ~~الغداف الأسود # ولما أنكر عليه أهل يثرب ذلك لم يعرف ما أنكروا ms128 فألقوه على لسان جارية فتغنت ~~فيه فمدت صوتها في «مزود» ومدت صوتها في قوله «الأسود»، فقال النابغة: ما ~~أبصركم يا أهل يثرب بمجاري الكلام، ورجع عنه فقال: # وبذاك تنعاب الغراب الأسود # وقد أقوى النابغة في موضع آخر من هذه القصيدة، فقال: # سقط النصيف ولم ترد إسقاطه # فتناولته ~~واتقتنا باليد # بمخضب رخص كأن بنانه # عنم يكاد من اللطافة ~~يعقد # ويؤيد ما ذهبنا إليه قول ابن مرزوق شارح الخزرجية. وإنما أفردت القوافي ~~بالتأليف وإن كانت من علم العروض لكثرة مباحثها، كما أفردت الفرائض بالتآليف وإن ~~كانت من علم الفقه، وكإفراد التصريف بالتأليف وإن كان من علم النحو. # ولقافية البيت حروف وحركات إذا جاءت للشاعر في مطلع شعره وجب عليه التزامها في ~~بقيته؛ فالحروف ستة نظمها بعضهم فقال: # روي ووصل والخروج وردفه # ومن قبله التأسيس ثم ~~دخيل # والحركات ست أيضا نظمها آخر فقال: # إن القوافي عندنا حركاتها # ست على نسق بهن ~~يلاذ # رس وإشباع وحذو ثم تو # جيه ومجرى بعده ~~ونفاذ ~~(1) # فالروي: الحرف الذي ينسب إليه الشعر، ويكون ساكنا ومتحركا. ~~فالساكن: ويسمى مقيدا كالميم الملتزمة أخيرا في قصيدة طرفة بن العبد ~~التي أولها: # سائلوا عنا الذي يعرفنا # بقوانا يوم ~~تحلاق اللمم # يوم تبدي البيض عن أسوقها # وتلف ~~الخيل أعراج النعم # ولذا يقال لها: «ميمية طرفة». # والمتحرك: ويسمى مطلقا كالهمزة في معلقة الحارث بن حلزة التي ~~أولها: # آذنتنا ببينها أسماء # رب ثاو ~~يمل منه الثواء (و) # بعد عهد لنا ببرقة شما # ء فأدنى ~~ديارها الخلصاء # ويقال لها «همزية الحارث»، وكالنون في معلقة عمرو بن كلثوم التي ~~أولها: # ألا هبي بصحنك فاصبحينا # ولا تبقي ~~خمور الأندرينا # مشعشة كأن الحص فيها # إذا ما الماء ~~خالطها سخينا # ويقال لها المعلقة النونية، وكالباء في قصيدة النابغة التي ~~أولها: # كليني لهم يا أميمة ناصب # وليل أقاسيه ~~بطيء الكواكب # تطاول حتى قلت ليس بمنقض # وليس الذي ~~يرعى النجوم بآيب # وتسمى بالبائية، وكالميم في قصيدة ~~عبيد بن الأبرص التي أولها: # لمن جمال قبيل الصبح ~~مزمومة # ميممات بلادا غير ~~معلومة # عالين رقما ms129 وأنماطا مظاهرة # وكللا ~~بعتيق العقل مقرومة # والباء في قصيدة أبي النشناش التي أولها: # إذا المرء لم يسرح سواما ولم ~~يرح # سواما ولم تعطف عليه ~~أقاربه # واللام في قطعة لابن زيابة أولها: # نبئت عمرا غارزا رأسه # في سنة يوعد ~~أخواله (و) # وتلك منه غير مأمونة # أن يفعل الشيء إذا ~~قاله # والعين في قول مسكين الدارمي: # وفتيان صدق لست مطلع بعضهم # على سر بعض ~~غير أني جماعها # لكل امرئ شعب من القلب فارغ # وموضع نجوى ~~لا يرام اطلاعها # يظلون شتى في البلاد وسرهم # إلى ~~صخرة أعيا الرجال انصداعها # والهمزة في قطعة للهذيل بن مشجعة: # إني وإن كان ابن عمي غائبا # لمقاذف # 2 # من خلفه وورائه (ي) # ومفيده نصري وإن كان امرأ # متزحزحا في ~~أرضه وسمائه # ويعاب على الشاعر أن يغير حرف الروي في شعر واحد، وسموا هذا العيب ~~إكفاء، كقول رؤبة: # أزهر لو يولد بنجم الشح # ميمم ~~البيت كريم السخ # وحركة الروي المطلق تسمى مجرى، ~~وحركة ما قبل الروي المقيد توجيها، وفي اختلاف المجرى عيب الإقواء كما ~~تقدم في شعر النابغة، وفي اختلاف التوجيه عيب السناد، كقول امرئ ~~القيس: # فلا وأبيك ابنة العامر # ي لا يدعي ~~القوم أني أفر # تميم بن مر وأشياعها # وكندة حولي ~~جميعا صبر # إذا ركبوا الخيل واستلأموا # تحرقت ~~الأرض واليوم قر ~~(2) # والوصل: لين أو هاء تلي الروي المطلق، كالواو المتولدة بعد الهمزة في ~~«الثواء»، والألف بعد النون في «الأندرينا»، والياء بعد الباء في ~~«الكواكب»، وهاء التأنيث بعد الميم في «معلومة»، وهاء الضمير في «أقاربه» ~~وفي «أخواله» وفي «جماعها» وفي «ورائه»، فليست الهاء وصلا في مثل قصيدة ~~الحطيئة التي أولها: # ألا هبت أمامة بعد هدء # تعاتبني وما ~~قضت كراها # فقلت لها: أمام ذري عتابي # فإن ~~النفس مبدية ثناها # بل هي الروي والألف الوصل، والوصل لا يتأتى في الروي المقيد، وأشار إلى ~~هذا الوراق، فقال: # قلت: صلني فقد تقيدت في الحب # به والإسار ~~في الحب ذل # قال: يا من يجيد علم القوافي # لا تغالط ~~ما للمقيد وصل # وحركة هاء الوصل ms130 نفاد أو نفاذ، ولم يسمع في شعر اختلافها. ~~(3) # والخروج: حرف مد يلي هاء الوصل؛ إن ضمة فواو، وإن فتحة فألف، وإن كسرة ~~فياء، كالواو والألف والياء المتولدة بعد الهاء في «أخواله» و«جماعها» ~~و«ورائه». ~~(4) # والردف: حرف لين قبل الروي كالألف قبل الهمزة في «الثواء»، والياء قبل ~~النون في «الأندرينا»، والواو قبل الميم في «معلومة». والردف إذا كان ~~بالألف انفردت في الشعر كقصيدة بشر بن أبي خازم التي أولها: # تعنى القلب من سلمى عناء # فما ~~للقلب إذ بانت شفاء # وآذن آل سلمى بارتحال # فما للقلب إذ ~~ظعنوا عزاء # وإذا كان بالواو أو الياء جاز أن ~~يجتمعا في شعر واحد، كقول المعلوط بن بدل السعدي: # إن الظعائن يوم جو سويقة # أبكين ~~عند فراقهن عيونا # غيضن من عبراتهن وقلن لي: # ماذا لقيت ~~من الهوى ولقينا؟! # بل لو يساعفنا الغيور بداره # يوما لقد ~~مات الهوى وحيينا # وحركة ما قبل الردف حذو، وفي اختلافها عيب السناد، كقول عبيد: # فإن يك فاتني أسفا شبابي # وأضحى الرأس ~~مني كاللجين # وكان اللهو حالفني زمانا # فأضحى اليوم ~~منقطع القرين # فقد ألج الخباء على عذارى # كأن عيونهن ~~عيون عين # وفي إرداف بعض الشعر دون البعض الآخر عيب السناد، كقول حسان: # إذا كنت في حاجة مرسلا # فأرسل حكيما ~~ولا توصه # وإن باب أمر عليك التوى # فشاور ~~لبيبا ولا تعصه ~~(5) # والتأسيس: ألف سبق الروي بحرف وكان معه في كلمته أو في كلمة أخرى، بشرط ~~أن يكون الروي ضميرا أو بعض ضمير، كقول حفص العليمي: # أقول لحلمي: لا تزعني عن الصبا # وللشيب ~~لا تذعر علي الغوانيا ~~(من كلمته). # طلبت الهوى الغوري حتى ~~بلغته # وسيرت في نجديه ما ~~كفانيا ~~(ضمير). # فيا رب إن لم تقضها لي فلا تدع # قذور ~~لهم واقبض قذور كما هيا ~~(بعض ضمير). # ويا ليت أن الله إن لم ألاقها # قضى بين ~~كل اثنين ألا تلاقيا # وأما إذا كان الألف في كلمة أخرى ولم ~~يكن الروي ضميرا ولا بعضه؛ فلا يكون تأسيسا، كقول الصمة بن عبد الله ~~بن الطفيل: # حننت إلى ريا ms131 ونفسك باعدت # مزارك ~~من ريا وشعباكما معا # فما حسن أن تأتي الأمر طائعا # وتجزع إن ~~داعي الصبابة أسمعا # وكقول عنترة: # ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر # للحرب ~~دائرة على ابني ضمضم # الشاتمي عرضي ولم أشتمهما # والناذرين ~~وإن لم ألقهما دمي # وإذا جاء أول الشعر مؤسسا، لزم التأسيس في باقيه، كقول معدان ~~الكندي: # صفا ود ليلى ما صفا ثم لم ~~نطع # عدوا ولم نسمع به قيل ~~صاحب # فلما تولى ود ليلى لجانب # وقوم ~~تولينا لقوم وجانب # وكل خليل بعد ليلى يخافني # على الغدر أو ~~يرضى بود مقارب # وإلا جاء عيب السناد، كقول حجر بن حية العبسي: # ولا أدوم قدري بعدما نضجت # بخلا ~~لتمنع ما فيها أثافيها # حتى تقسم شتى بعدما وسعت # ولا يؤنب ~~تحت الليل عافيها # لا أحرم الجارة الدنيا إذا اقتربت # ولا ~~أقوم بها في الحي أخزيها # ولا أكلمها إلا علانية # ولا أخبرها ~~إلا أناديها # فالبيت الثالث غير مؤسس والباقي فيه التأسيس. ~~(6) # والدخيل حرف متحرك بين التأسيس والروي، كنون «الغوانيا»، وحركته ~~إشباع، وفي اختلافها عيب السناد كقول النابغة: # وهم طردوا منها بليا فأصبحت # بلي ~~بواد من تهامة غائر # وهم منعوها من قضاعة كلها # ومن مضر ~~الحمراء عند التغاور # ومما تقدم يعلم أن القافية باعتبار ~~حروفها تسعة أنواع: # لأنها إما مطلقة؛ أي لها وصل، أو مقيدة ليس لها وصل، وكلتاهما مردوفة ~~أو مؤسسة أو مجردة من الردف والتأسيس. والمطلقة بأقسامها الثلاثة إما ~~موصولة بحرف لين وإما بهاء. # فالمطلقة المردوفة الموصولة كقول أمية بن أبي الصلت: # كل عيش وإن تطاول يوما # صائر مرة إلى ~~أن يزولا # ليتني كنت قبل ما قد بدا لي # في رءوس ~~الجبال أرعى الوعولا # الوصل حرف لين. # وكقول عنترة يرثي تماضر زوجة الملك زهير: # جازت ملمات الزمان ~~حدودها # واستفرغت أيامها ~~مجهودها # وقضت علينا بالمنون فعوضت # بالكره من ~~بيض الليالي سودها # الوصل هاء. # والمطلقة المؤسسة الموصولة كقول سعد بن ناشب: # سأغسل عني العار بالسيف جالبا # علي ~~قضاء الله ما كان جالبا # وأذهل عن داري وأجعل هدمها # لعرضي من ~~باقي ms132 المذمة حاجبا # الوصل حرف لين. # وكقول طرفة: # فكيف يرجى المرء دهرا ~~مخلدا # وأعماله عما قليل ~~تحاسبه # ألم تر لقمان بن عاد تتابعت # عليه ~~النسور ثم غابت كواكبه # الوصل هاء. # والمطلقة المجردة الموصولة كقول جليلة بنت مرة: # يا ابنة الأقوام إن لمت فلا # تعجلي ~~باللوم حتى تسألي # فإذا أنت تبينت الذي # يوجب اللوم ~~فلومي واعذلي # الوصل حرف لين. # وكقول طرفة: # تذكرون إذ نقاتلكم # لا يضر معدما ~~عدمه # أنتم نخل نطيف به # فإذا ما جز ~~نصطرمه # والمقيدة المردوفة كقول امرئ القيس: # تطاول الليل علينا دمون # دمون إنا ~~معشر يمانون # وإنا لأهلنا محبون # والمقيدة المؤسسة كقول الحطيئة: # وغررتني وزعمت أن # ك لابن في ~~الصيف تامر # والمقيدة المجردة كقول طرفة: # خالط الناس بخلق واسع # لا تكن كلبا على ~~الناس تهر # وإن التقى ساكنا القافية فهي المترادف، كقول امرئ القيس السابق، وإن ~~كان بينهما حركة فهي المتواتر كقول حطان: # أنزلني الدهر على حكمه # من شامخ ~~عال إلى خفض # وإن كان بينهما حركتان فهي المتدارك، كقول المؤمل: # وكم من لئيم ود أني شتمته # وإن كان ~~شتمي فيه صاب وعلقم # وللكف عن شتم اللئيم ~~تكرما # أضر له من شتمه حين ~~يشتم # وإن كان ثلاث حركات فالمتراكب، كقول طرفة: # ولا أغير على الأشعار أسرقها # عنها ~~غنيت وشر الناس من سرقا # وإن أحسن بيت أنت قائله # بيت يقال إذا ~~أنشدته صدقا # وإن أربع فالمتكاوس، كقول العجاج: # أو يبتغوا إلى السماء درجا # وقافيتا المترادف والمتكاوس نادرتان في الشعر. # | الباب الخامس # في تاريخ النحو والصرف والاشتقاق # الفصل الأول # | في تعريف النحو والصرف والاشتقاق # «النحو»: كان يطلق على ما يعم الصرف؛ فكان يبحث فيه عن أبنية الكلم وأحوالها ~~مفردة ومركبة، وكتب السلف ناطقة بذلك. قال ابن جني في «الخصائص»: «هو انتحاء ~~سمت كلام العرب في تصرفه من إعراب وغيره كالتثنية والجمع والتحقير والتكسير والإضافة ~~وغير ذلك؛ ليلحق من ليس من أهل العربية بأهلها في الفصاحة فينطق بها وإن لم يكن منهم، ~~وإن شذ بعضهم عنها رد إليها. وهو في الأصل مصدر شائع؛ ms133 أي نحوت نحوا، كقولك: قصدت ~~قصدا. ثم خص به انتحاء هذا القبيل من العلم.» ا.ه. # وقيل: النحو علم بأقيسة تغير ذوات الكلم وأواخرها بالنسبة إلى لغة العرب. ثم عني ~~العلماء بالصرف وأفردوه بالتصنيف لتشعب مسائله، وخصصوه بعلم أبنية الكلم ~~وأحوالها مفردة. فالأبنية: كبناء اسم الفاعل من الثلاثي على فاعل، واسم المفعول على ~~مفعول، واسم التفضيل على أفعل، واسم المكان واسم الزمان على مفعل أو مفعل. والأحوال: ~~كالإعلال والإدغام والحذف والإبدال. وفي «الارتشاف» لأبي حيان: «التصريف ينقسم إلى ~~قسمين؛ أحدهما: جعل الكلمة على صيغ مختلفة لضروب من المعاني. # والآخر: تغيير الكلمة لغير معنى طارئ عليها، وينحصر في الزيادة والحذف والإبدال ~~والقلب والنقل والإدغام.» ا.ه. # وكذا أفردوا النحو بالتأليف وأطلقوه على علم أحوال الكلم، وهي مركبة خاصة كرفع ~~الفاعل ونصب المفعول وجر المضاف إليه وتقديم المبتدأ على الخبر في حال، وتأخيره في حال، ~~وحذف أحدهما عند الاقتضاء. # والاشتقاق: أخذ كلمة من أخرى بشرط مناسبتهما معنى وتركيبا، ومغايرتهما في الصيغة، ~~أو هو أن تجد بين اللفظين تناسبا في المعنى والتركيب فترد أحدهما إلى الآخر، والأول ~~باعتبار العمل والثاني باعتبار العلم. والاشتقاق يكون صغيرا إن كان بين اللفظين تناسب ~~في الحروف الأصلية وترتيبها؛ نحو: جذب من الجذب، وكبيرا إن كان بينهما تناسب في ~~الحروف دون الترتيب نحو جذب من الجبذ، وأكبر إن كان بينهما تناسب في نوع بعض الحروف وفي ~~مخارج البعض الآخر كنعق من النهق، وثلب من الثلم، وإذا أطلق الاشتقاق انصرف ~~للصغير. # وقال في «كشف الظنون»: الاشتقاق علم باحث عن كيفية خروج الكلم بعضها عن بعض بسبب ~~مناسبة بين المخرج والخارج بالأصالة والفرعية باعتبار جوهرها، والقيد الأخير يخرج ~~الصرف؛ إذ يبحث فيه أيضا عن الأصالة والفرعية بين الكلم، لكن لا بحسب الجوهرية، بل ~~بحسب الهيئة، مثلا يبحث في الاشتقاق عن مناسبة نهق ونعق بحسب المادة، وفي الصرف عن ~~مناسبته بحسب الهيئة، فامتاز أحدهما عن الآخر، واندفع توهم الاتحاد. وموضوعه: ~~المفردات من الحيثية المذكورة. ومبادئه: كثيرة منها قواعد مخارج الحروف. ومسائله: ~~القواعد التي ms134 يعرف منها أن الأصالة والفرعية بين المفردات بأي طريق يكون وبأي وجه ~~يعلم. ودلائله: مستنبطة من قواعد علم المخارج، وتتبع مفردات ألفاظ العرب ~~واستعمالاتها. والغرض منه: تحصيل ملكة يعرف بها الانتساب على وجه الصواب. وغايته: ~~الاحتراز عن الخلل في الانتساب. # واعلم أن مدلول الجواهر بخصوصها يعرف من اللغة، وانتساب البعض إلى البعض على وجه ~~كلي إن كان في الجوهر فالاشتقاق، وإن كان في الهيئة فالصرف، فظهر الفرق بين العلوم ~~الثلاثة، وأن الاشتقاق واسطة بينهما، ولهذا استحسنوا تقديمه على الصرف وتأخيره عن ~~اللغة في التعليم. ثم إنه كثيرا ما يذكر في كتب التصريف، وقلما يدون مفردا ~~عنه إما لقلة قواعده، أو لاشتراكهما في المبادئ، حتى إن هذا من جملة البواعث ~~على اتحادهما. والاتحاد في التدوين لا يستلزم الاتحاد في نفس الأمر، قال صاحب ~~«الفوائد الخاقانية»: «اعلم أن الاشتقاق يؤخذ تارة باعتبار العلم، وتارة باعتبار ~~العمل، وتحقيقه: أن الضارب مثلا يوافق الضرب في الحروف الأصول والمعنى بناء على ~~أن الواضع عين بإزاء المعنى حروفا، وفرع منها ألفاظا كثيرة بإزاء المعاني ~~المتفرعة على ما تقتضيه رعاية التناسب؛ فالاشتقاق هو هذا التفريع والأخذ، فتحديده بحسب ~~العلم بهذا التفريع الصادر عن الوضع هو أن تجد بين اللفظين تناسبا في المعنى ~~والتركيب، فتعرف رد أحدهما إلى الآخر وأخذه منه، وإن اعتبرناه من حيث احتياج أحد إلى ~~عمله عرفناه باعتبار العمل، فنقول: هو أن تأخذ من أصل فرعا يوافقه في الحروف ~~والأصول، وتجعله دالا على معنى يوافق معناه.» ا.ه. والحق أن اعتبار العمل زائد ~~غير محتاج إليه، وإنما المطلوب العلم باشتقاق الموضوعات؛ إذ الوضع قد حصل وانقضى على ~~أن المشتقات مرويات عن أهل اللسان، ولعل ذلك الاعتبار لتوجيه التعريف المنقول عن ~~بعض المحققين، ثم إن المعتبر فيهما الموافقة في الحروف الأصلية ولو تقديرا، إذ ~~الحروف الزائدة في الاستفعال والافتعال لا تمنع، وفي المعنى أيضا إما بزيادة أو نقصان، ~~فلو اتحدا في الأصول وترتيبها كضرب من الضرب فالاشتقاق صغير، ولو توافقا في الحروف ~~دون الترتيب كجبذ من الجذب ms135 فهو كبير، ولو توافقا في أكثر الحروف مع التناسب في الباقي ~~كنعق من النهق فهو أكبر ا.ه. # وفي «الارتشاف»: «الاشتقاق أكبر وأصغر؛ فالأكبر: هو عقد تقاليب الكلمة كيفما قلبتها ~~على معنى واحد نحو: القول والقلو والولق والوقل واللقو واللوق على معنى: الخفة ~~والسرعة. والكلم والكمل واللكم واللمك والمكل والملك على معنى: الشدة والقوة. ولم يقل ~~بهذا الاشتقاق إلا أبو الفتح. # والاشتقاق الأصغر: إنشاء مركب من مادة يدل عليها وعلى معناها، كأحمر: من الحمرة. ~~وهذا الاشتقاق أثبته الجمهور في أن بعض الكلم قد يشتق من بعض، ولا بد من اتحاد في ~~الحروف الأصلية على ترتيب واحد وفي المعنى، ويدل على أن اللفظ فرع دلالته على ~~معنى زائد على ما اشتق منه نحو: ضارب وضرب، والأصل في الاشتقاق أن يكون من المصادر، ~~وأصدق ما يكون في الأفعال المزيدة والصفات منها وأسماء المصادر والزمان والمكان، ~~ويغلب في العلم، ويقل في أسماء الأجناس، كغراب يمكن أن يشتق من الاغتراب، ~~وجرادة من الجرد.» ا.ه. وكان للاشتقاق بأقسامه الثلاثة أهمية كبرى في قياس اللغة ~~واستنباطها، وعلى ذلك كان مدار السلف في تدوينها. قال ابن فارس في «فقه اللغة»: «أجمع ~~أهل اللغة إلا من شذ منهم أن للغة العرب قياسا، وأن العرب تشتق بعض الكلم من ~~بعض، وأن اسم الجن مشتق من الاجتنان، وأن الجيم والنون تدلان أبدا على الستر، ~~تقول العرب للدرع: جنة. وأجنه الليل، وهذا جنين؛ أي هو في بطن أمه، وأن الإنس من ~~الظهور، يقولون: آنست الشيء؛ أبصرته. وعلى هذا سائر كلام العرب.» ا.ه. # وسأل عمرو ابن العلاء أعرابيا عن اشتقاق الخيل، فقال الأعرابي: استفاد الاسم من ~~فعل السير، يريد أن في مشيها خيلاء، فأخذ اسمها من ذلك. وكان الزجاج يقول: ~~الرحل مشتق من الرحيل، والثور إنما سمي ثورا؛ لأنه يثير الأرض. والثوب إنما سمي ~~ثوبا؛ لأنه ثاب لباسا بعد أن كان غزلا. # الفصل الثاني # | في تاريخ النحو بالمعنى العام # كان العرب يتكلمون كلاما معربا بالسليقة والطبع، قال أعرابي: # ولست بنحوي يلوك لسانه # ولكن ms136 سليقي أقول ~~فأعرب # فلما جاء الإسلام وقضى باختلاطهم مع الأعاجم تولد في لسانهم اللحن، وأول ما ظهر في ~~كلام الموالي والمتعربين من عهد النبي عليه الصلاة والسلام، فخوفا من فساد اللغة وضع ~~الإمام علي رابع الخلفاء الراشدين أصولا لذلك أعطاها لأبي الأسود الدؤلي، وأمره بأن ~~ينحو منحاها، فصار يتبع ما رسمه له الإمام، ويزيد في هذه الأصول، ويعرض عليه كل ما عن ~~له في هذا الشأن، فكان ذلك مبدأ علم النحو، وصار الإمام يرغب في تعلم هذا العلم، ~~فمما يروى عنه أنه قال: # النحو يصلح من لسان الألكن # والمرء تكرمه إذا لم ~~يلحن # وإذا أردت من العلوم أجلها # فأجلها عندي مقيم ~~الألسن # لحن الشريف يحطه عن قدره # فتراه يسقط من لحاظ ~~الأعين # ما ورث الآباء فيما ورثوا # أبناءهم مثل العلوم ~~فأتقن # وعلى ما تقدم يظهر أن ذوي العرفان من العرب قبل وضع النحو كانوا يعرفون علم لسانهم ~~بالتلقي والوراثة عن أسلافهم بدون تدوين في كتاب ولا معرفة للألفاظ الاصطلاحية الحديثة، ~~يرشد إلى ذلك حكاية الخنساء وحسان في سوق عكاظ وقد مرت في الشعر، وحكاية النابغة ~~وقينة المدينة السالفة عند الكلام على القافية، وما روي عن عمر ثاني الخلفاء أنه قال: ~~تعلموا العربية فإنها تزيد في العقل والمروءة. ويقال إن السبب في وضع باب التعجب ~~والاستفهام أن أبا الأسود كان مع ابن ته على سطح بيته، فرأت السماء ونجومها الزواهر ~~وحسن نظامها البديع، فقالت: يا أبت، ما أحسن السماء - بضم النون - فقال: نجومها؛ ~~ظنا أنها تسأله عن أي شيء أحسن مما نظرته فيها. فقالت: يا أبت، أردت التعجب ~~والاستفهام من حسنها وبهجتها! فقال: إذن قولي: ما أحسن السماء! وافتحي فاك. وقيل: ~~إنه دخل على ابنة له بالبصرة فقالت له: يا أبت، ما أشد الحر. متعجبة، ورفعت أشد، ~~فظنها مستفهمة، فقال: شهر ناجر. فقالت: إنما أخبرتك ولم أسألك. وإن السبب في وضع باب ~~العطف والنعت أنه سمع رجلا يقرأ: «أن الله بريء من المشركين ~~ورسوله» بالجر. وتقدم في الكلام على الخط أن ms137 هذا أيضا كان سببا في وضع ~~علامات الإعراب. ولما وضع باب «إن» وأخواتها وعرضه على الإمام، أمره بزيادة «لكن»، ~~وروى عاصم قال: جاء أبو الأسود إلى زياد وهو أمير البصرة، فقال: إني أرى العرب قد ~~خالطت هذه الأعاجم وفسدت ألسنتها، أفتأذن لي أن أضع للعرب ما يعرفون به كلامهم؟ ~~فقال له زياد: لا تفعل. قال: فجاء رجل إلى زياد فقال: أصلح الله الأمير! توفي أبانا ~~وترك بنونا. فدعا زياد أبا الأسود وأمره أن يضع ما كان نهاه عنه. ا.ه. وكان أبو الأسود ~~يجلس لتعليم النحو والناس يختلفون إليه للأخذ منه، وكان يزيد فيما وضعه، وكان أعلم ~~الناس بكلام العرب. # يحكى أن غلاما كان يتعلم منه النحو، فقال له يوما: ما فعل أبوك؟ قال: ~~أخذته حمى فضخته فضخا، وطبخته طبخا، وفتخته فتخا، فتركته فرخا. قال: فما ~~فعلت امرأة أبيك التي كانت تشاره وتجاره وتضاره وتزاره وتهاره وتماره؟ قال: طلقها ~~وتزوج غيرها، فحظيت عنده، ورضيت وبظيت. قال: وما بظيت يا ابن أخي؟ قال: حرف من ~~العربية لم يبلغك. قال: لا خير لك فيما لم يبلغني منها. ومات أبو الأسود في خلافة ~~عبد الله بن الزبير سنة 67. وكان أخذ عنه النحو أناس نقلوه إلى آخرين، وهؤلاء إلى ~~غيرهم، وزادوا في الأصول وفرعوا وخالطوا عرب البوادي واستنبطوا علوم لغتهم من كلامهم، ~~فإن لغات الحضر كان عرض لها الاختلال، وانقسم القوم في بعض المسائل إلى بصريين وهم ~~أهل البصرة، وكوفيين وهم سكان الكوفة - مدينتان مشهورتان بالعراق العربي تسميان: ~~المصرين - فاتسع الأدب في هاتين المدينتين اتساعا عظيما، وتدونت فيه كتب ~~كثيرة، وعنهما انتشر بين أهل العراق والأندلس والمغرب ومصر وغيرهم. ~~(1) نحاة البصرة # فمن نحاة البصرة عنبسة بن معدان: ويقال له: عنبسة الفيل، روى الشعر وتعلم ~~النحو من أبي الأسود، وكان أبرع أصحابه. # ومنهم ميمون الأقرن: أخذ عن أبي الأسود وعن عنبسة فرأس الناس وزاد في ~~الشرح. # ومنهم عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي: أخذ عن ميمون، وكان أعلم أهل البصرة، وهو ~~أول من علل النحو وقاسه، ms138 وكان يرد كثيرا على الفرزدق، ويكلمه في شعره، فقال ~~فيه الفرزدق: # فلو كان عبد الله مولى هجوته # ولكن عبد الله ~~مولى مواليا # فقال له ابن أبي إسحاق: ولقد لحنت أيضا في قولك: مولى مواليا، وكان ينبغي أن ~~تقول: مولى موال! وتوفي بالبصرة سنة 117 في خلافة هشام بن عبد الملك. # ومنهم أبو عمرو بن العلاء المازني: كان في عصر ابن أبي إسحاق، وكان أعلم الناس ~~بالعربية والشعر ومذاهب العرب، روي أنه سئل عن قوله تعالى : # فعززنا بثالث ~~، فقال: المعنى شددنا، وأنشد: # أجد إذا ضمرت تعزز لحمها # وإذا يشد ~~بنسعها لا تنبس # 1 # ويروى عنه قال: كنت هاربا من الحجاج بن يوسف، وكان يشتبه علي لفظ «فرجة» هل ~~هو بالفتح أو بالضم، فسمعت قائلا يقول: # ربما تجزع النفوس من الأم # ر له فرجة كحل ~~العقال # بفتح الفاء من فرجة، ثم قال: ألا إنه قد مات الحجاج. قال أبو عمرو: فما أدري ~~بأيهما كنت أشد فرحا بقوله: «فرجة» أو بقوله: «مات الحجاج». وتوفي أبو عمرو ~~سنة 154 في خلافة المنصور. # ومنهم عيسى بن عمر الثقفي: أخذ عن أبي عمرو، وكان عالما متفيهقا يتقعر في ~~الكلام ويستعمل غريب الألفاظ، ألف كتابين في النحو أحدهما مبسوط سماه ~~«الجامع»، والآخر مختصر سماه «المكمل»، وفيهما يقول الخليل: # بطل النحو الذي ألفتمو # غير ما ألف عيسى ~~بن عمر # ذاك إكمال وهذا جامع # فهما للناس شمس ~~وقمر # وتوفي سنة 149 في خلافة المنصور. # ومنهم يونس بن حبيب الضبي: أخذ عن أبي عمرو وسمع من العرب، وكان من أكابر ~~النحويين، له مذاهب وأقيسة تفرد بها، وكان يقصد حلقاته بالبصرة طلبة العربية ~~وفصحاء الأعراب والبادية، وتوفي سنة 183 في خلافة الرشيد. # ومنهم أبو خطاب الأخفش: أخذ عن أبي عمرو أيضا، وهو أول من فسر الشعر تحت ~~كل بيت، وما كان الناس يعرفون ذلك قبله، وإنما كانوا إذا فرغوا من القصيدة ~~فسروها. # ومنهم الإمام الخليل بن أحمد: أخذ عن أبي عمرو، وعيسى بن عمر، ولم يكن قبله ولا ~~بعده مثله، وكان ms139 أعلم الناس وأذكاهم وأفضلهم، قالوا: لم يكن للعرب بعد الصحابة ~~أذكى من الخليل، ولا أجمع، ولا كان في العجم أذكى من ابن المقفع ولا أجمع. # قال أبو عمرو التوجي: اجتمعنا بمكة أدباء كل أفق، فتذاكرنا أمر العلماء حتى جرى ~~ذكر الخليل، فلم يبق أحد إلا قال: الخليل أذكى العرب، وهو مفتاح العلوم. وأبدع ~~الخليل بدائع لم يسبق إليها؛ كتأليفه اللغة في كتاب «العين»، واختراعه للعروض. ~~توفي سنة 160. # ومنهم ثلاثة كانوا في عصر واحد، وكانوا أئمة الناس في النحو واللغة والشعر، منهم ~~أخذ جل ما في أيدي الناس من هذا العلم، وهم: «أبو زيد، وأبو عبيدة، والأصمعي» ~~وكلهم أخذوا عن: أبي عمرو، وعيسى بن عمر، وأبي الخطاب الأخفش، ويونس بن حبيب، وعن ~~جماعة من ثقات الأعراب وعلمائهم، مثل: أبي مالك عمرو بن كركرة صاحب النوادر من ~~بني نمير. # وأبو زيد الأنصاري: كان أعلم الثلاثة بالنحو، أخذ عنه أكابر الناس، منهم ~~سيبويه، قال: كان يأتي مجلسي سيبويه وله ذؤابتان، فإذا قال: «وحدثني من أثق ~~بعربيته» فإنما يريدني. ويروى أن أعرابيا وقف على حلقة أبي زيد فظن أبو زيد ~~أنه قد جاء يسأل عن مسألة في النحو، فقال له: سل يا أعرابي! فقال له على ~~البديهة: # لست للنحو جئتكم # لا ولا فيه ~~أرغب # أنا ما لي ولامرئ # أبد الدهر ~~يضرب # خل زيدا لشأنه # أينما شاء ~~يذهب # واستمع قول عاشق # قد شجاه ~~التطرب # همه الدهر طفلة # فهو فيها ~~يشبب # وكبر سن أبي زيد حتى قارب المائة، ومات سنة 214 في خلافة المأمون، ومن مصنفاته ~~كتاب «النوادر» في اللغة، وقد طبع في عصرنا سنة 1314. # وأبو عبيدة كان أعلمهم بأيام العرب وأخبارهم وأنسابهم، وهو أول من ألف غريب ~~الحديث. وأقدمه من البصرة إلى بغداد الوزير الفضل بن الربيع، فلما حضر ~~أنشده فطرب منه ثم دخل إبراهيم بن إسماعيل من كتاب الوزير وجلسائه ~~فأجلسه بجانبه وسأله: أتعرف هذا؟ قال: لا. قال: أبو عبيدة علامة أهل البصرة، ~~أقدمناه لنستفيد من علمه. فبعد أن حياه استأذنه في مسألة، فقال: ms140 هات! قال: قال ~~الله تعالى: # طلعها كأنه رءوس ~~الشياطين ~~، وإنما يقع الوعد والإيعاد بما قد عرف مثله، وهذا لم ~~يعرف. فأجابه بأن الله إنما كلم العرب على قدر كلامهم، أما سمعت ~~قول امرئ القيس: # أيقتلني والمشرفي مضاجعي # ومسنونة زرق كأنياب ~~أغوال # وهم لم يروا الغول قط، ولكنهم لما كان أمر الغول يهولهم أوعدوا به. فاستحسن ذلك ~~الفضل وإبراهيم، وكان هذا سببا في أن يضع أبو عبيدة كتابا في مجاز القرآن، وتوفي ~~سنة 207. # والأصمعي: كان أتقن القوم باللغة وأعلمهم بالشعر وأحضرهم حفظا، وكان الرشيد ~~يسميه: شيطان الشعر. قال الأخفش: ما رأينا أحدا أعلم بالشعر من الأصمعي وخلف. ~~قيل له: أيهما أعلم؟ قال: الأصمعي؛ لأنه كان ~~نحويا. وكان الإمام أحمد بن حنبل يقول: إن الأصمعي ثقة في السنة. وقال ~~الشافعي: ما رأيت بذلك المعسكر أصدق من الأصمعي. توفي سنة 213 في خلافة المأمون، ~~ورثاه أبو العتاهية بقوله: # أسفت لفقد الأصمعي لقد مضى # حميدا له في ~~كل صالحة سهم # تقضت بشاشات المجالس بعده # وودعنا إذ ودع ~~الأنس والعلم # وقد كان نجم العلم فينا حياته # فلما انقضت ~~أيامه أفل النجم # ومنهم: حماد بن سلمة، وأبو بشر عمرو المعروف بسيبويه، والنضر بن شميل المازني، ~~وأبو محمد اليزيدي، وكلهم أخذوا عن الخليل وغيره. # وكان سيبويه أعلم الجميع بالنحو، يروى أن سبب قراءته النحو أنه جاء إلى حماد ~~بن سلمة لكتابة الحديث، فاستملى منه قوله عليه الصلاة والسلام: «ليس من أصحابي أحد ~~إلا ولو شئت لأخذت عليه، ليس أبا الدرداء»؛ يعني: لعتبت عليه إلا أبا الدرداء. فقال ~~سيبويه: ليس أبو الدرداء. فصاح به حماد: لحنت يا سيبويه، إنما هذا استثناء! ~~فقال: والله لأطلبن علما لا يلحنني معه أحد. ثم مضى وأخذ النحو عن الخليل ~~وغيره حتى برع فيه وفاق، وألف كتابه المشهور وكان يطلق عليه بالبصرة اسم «الكتاب» ~~فقط لشهرته ومكانته، وقد اطلعت على نسخة منه بالمكتبة الخديوية مطبوعة بمدينة ~~باريس سنة 1881 بعد الميلاد # 2 # فرأيته 571 بابا منها في المبدأ: (1) هذا باب علم ما الكلم ms141 من ~~العربية. (2) هذا باب مجاري أواخر الكلم من العربية. (3) هذا باب المسند والمسند ~~إليه. (4) هذا باب اللفظ والمعاني. (5) هذا باب ما يكون في اللفظ من الأعراض. ومنها ~~في الآخر: (567) هذا باب الإدغام في الحروف المتقاربة. (568) هذا باب الإدغام في ~~حروف طرف اللسان والثنايا. (569) هذا باب الحرف الذي يضارع به حرف من موضعه والحرف ~~الذي لا يضارع به ذلك الحرف وليس من موضعه. (570) هذا باب ما تقلب فيه السين صادا ~~في بعض اللغات. (571) هذا باب ما كان شاذا مما خففوا على ألسنتهم وليس ذلك ~~بمطرد . # وليتعرف المطلع لسان المتقدمين في تآليفهم وسيرهم فيها، ذكرت هنا بعض ~~تراجم هذه الأبواب، وأذكر نص باب من أصاغرها وهو: «هذا باب اللفظ للمعاني»: ~~«اعلم أن من كلامهم اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين، واختلاف اللفظين والمعنى ~~واحد، واتفاق اللفظين واختلاف المعنيين، وسنرى ذلك إن شاء الله تعالى. فاختلاف ~~اللفظين لاختلاف المعنيين هو نحو: جلس وذهب. واختلاف اللفظين والمعنى واحد نحو: ذهب ~~وانطلق. واتفاق اللفظين والمعنى مختلف نحو: وجدت عليه: من الموجدة، ووجدت: ~~إذا أردت وجدان الضالة. وأشباه هذا كثير.» وتوفي سنة 180. # ويحكى أن النضر بن شميل كان بمجلس المأمون، فسأله عن الفرق بين السداد ~~بالفتح والسداد بالكسر، فقال: السداد بالفتح: القصد في الدين والسبيل. ~~والسداد بالكسر: البلغة وكل ما سددت به شيئا. قال له: أوتعرف العرب ذلك؟ فأجاب: ~~نعم، وأنشد قول العرجي: # أضاعوني وأي فتى أضاعوا # ليوم كريهة وسداد ~~ثغر # ويحكى أن النضر لما مرض عاده رجل يكنى أبا صالح، فقال له: مسح الله ما بك! ~~فقال: لا تقل «مسح» بل قل: «مصح»؛ أي أذهبه الله وفرقه، أما سمعت قول ~~الشاعر: # وإذا الخمرة فيها أزبدت # أفل الإزباد فيها ~~ومصح # فقال أبو صالح: إن السين تبدل من الصاد كما يقال: الصراط والسراط، وصقر ~~وسقر. فقال له: أنت إذن أبو سالح، وتوفي النضر سنة 203. # وكان أبو محمد اليزيدي يصحب يزيد بن منصور خال المهدي يؤدب ولده، فنسب إليه، ثم ~~اتصل بالرشيد فجعله مؤدب المأمون. ويروى أن المأمون سأله يوما ms142 عن شيء، ~~فقال: لا، وجعلني الله فداءك. فاستحسن منه زيادة الواو في هذا الموضع ووصله بعطية ~~سنية. وألف اليزيدي كتاب «النوادر» في اللغة، وكتاب «المقصور والممدود»، ~~ومختصرا في النحو، وكتاب «النقط والشكل». وتوفي سنة 202. # ومنهم قطرب ومحمد بن سلام: والأول أخذ عن يونس بن حبيب، وفي الطبقات أنه أخذ ~~النحو عن سيبويه، وهو الذي سماه قطربا؛ لأنه كان يراه بالأسحار على بابه، فيقول ~~له: إنما أنت قطرب ليل. والقطرب: دويبة تدب ولا تفتر. واسمه محمد بن المستنير، وله ~~من التصانيف كتاب «معاني القرآن»، وكتاب «غريب ~~الحديث»، وكتاب «الصفات»، وكتاب «الأصوات»، وكتاب «الاشتقاق»، وكتاب «النوادر»، ~~وكتاب «الأضداد»، وكتاب «خلق الإنسان»، وكتاب «فعل وأفعل»، وكتاب «القوافي»، وكتاب ~~«الأزمنة»، وكتاب «المثلث»، وكتاب «العلل في النحو». وتوفي سنة 206 في خلافة ~~المأمون. # وأما محمد بن سلام فأخذ عن يونس وغيره، وفي «الطبقات» أنه أخذ عن حماد بن سلمة، ~~وأنه ألف كتابا في طبقات الشعراء، وروى عنه: الإمام أحمد بن حنبل، وأبو العباس ~~ثعلب، وتوفي سنة 232. # ومنهم أبو الحسن سعيد الأخفش: وكان أعلم من أخذ عن سيبويه، وكان أكبر ~~منه، وهو الذي زاد في العروض بحر «الخبب» كما سبق. # وفي «الطبقات» أن مروان بن سعيد المهلبي سأل الأخفش عن قوله تعالى: # فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان ~~: ما ~~الفائدة من هذا الخبر؟ فقال: أفاد العدد المجرد من الصفة. وأراد مروان بسؤاله ~~أن الألف في كانتا تفيد التثنية فلم فسر ضمير المثنى بالاثنتين مع أنه ~~لا يجوز أن يقال: فإن كانتا ثلاثا أو خمسا. وأراد الأخفش أنه كان يجوز أن ~~يقال: فإن كانتا صغيرتين فلهما كذا، وإن كانتا كبيرتين فلهما كذا ونحو ذلك، فلما ~~قال: # فإن كانتا اثنتين فلهما ~~الثلثان # أفاد الخبر أن فرض الثلثين تعلق بمجرد كونهما اثنتين ~~فقط، فقد حصل من الخبر فائدة لم يحصل من ضمير المثنى. ا.ه. # وله كتاب «الأوسط»، وكتاب «المقاييس» في النحو، وكتاب «الاشتقاق»، وكتاب ~~«العروض»، وكتاب «القوافي»، وكتاب «معاني الشعر»، وكتاب «الملوك»، وكتاب «الأصوات» ~~وغير ذلك. وتوفي سنة 215، وقيل سنة ms143 221. # ومنهم أبو عمرو صالح الجرمي: كان فقيها عالما بالنحو واللغة، وأخذ النحو عن ~~الأخفش وغيره، واللغة عن أبي عبيدة وأبي زيد والأصمعي. قدم من البصرة إلى بغداد ~~وناظر الفراء. # قال المبرد: كان الجرمي أثبت القوم في «كتاب سيبويه» وعليه قرأت الجماعة، ~~وله كتاب في السير عجيب، وكتاب «الأبنية»، وكتاب «العروض»، ومختصر في النحو، وكتاب ~~«غريب سيبويه»، توفي سنة 225. # ومنهم أبو عثمان بكر المازني: كان إمام عصره في النحو والأدب، أخذ عن أبي عبيدة ~~والأصمعي وأبي زيد، وأخذ عنه أبو العباس المبرد. وروى عنه المبرد أن بعض أهل ~~الذمة قصده ليقرأ عليه «كتاب سيبويه»، وبذل له مائة دينار فامتنع. قال: قلت له: ~~جعلت فداك أترد هذه المنفعة مع فاقتك؟ فقال ~~له: إن هذا الكتاب يشتمل على ثلاثمائة وكذا آية من كتاب الله، ولست أرى أن ~~أمكن منها ذميا. قال: فاتفق أن غنت جارية بحضرة الواثق بقول ~~العرجي: # أظلوم إن مصابكم رجلا # أهدى السلام تحية ~~ظلم # فاختلف من كان بالحضرة في إعراب «رجلا»، فمنهم من نصبه وجعله اسم إن، ومنهم من ~~رفعه على أنه خبرها، والجارية مصرة على أن شيخها أبا عثمان المازني لقنها ~~إياه بالنصب، فأمر الواثق بإشخاصه، فلما حضر مجلسه سأله عن ذلك، فقال: إنه ~~منصوب على أنه مفعول لمصابكم، فإنه مصدر بمعنى أصابتكم. فعارضه اليزيدي فقال له: ~~إنه بمنزلة: إن ضربك زيدا ظلم، والدليل عليه أن الكلام معلق إلى أن تقول: «ظلم» ~~فيتم. فاستحسنه الواثق وأمر له بألف دينار. قال: فلما عاد إلى البصرة قال لي: كيف ~~رأيت يا أبا العباس؟ رددنا لله مائة فعوضنا ألفا. وتوفي المازني سنة ~~246 بالبصرة. # ومنهم أبو عثمان عمرو الجاحظ: كان عالما أديبا متفننا، لكنه كان مشوه ~~الصورة، ومن أخباره أنه قال: «ذكرت للمتوكل لتأديب بعض أولاده، فلما رآني ~~استبشع منظري فأمر لي بعشرة آلاف درهم وصرفني.» # وروي أنه كان يأكل مع ابن الزيات فجاءوا بفالوذجة، فأسرع الجاحظ في الأكل ~~حتى خلا ما بين يديه، فقال له ابن الزيات: تقشعت سماؤك قبل سماء ms144 الناس! فقال ~~الجاحظ: لأن غيمها كان رقيقا. ومن أحسن تصانيفه كتاب «الحيوان»، و«البيان ~~والتبيين»، وقد طبع هذا سنة 1313 في مصر. # قال أبو القاسم السيرافي: حضرنا مجلس الأستاذ ابن العميد الوزير، فجرى ذكر ~~الجاحظ، فغض منه بعض الحاضرين وأزرى به، وسكت الوزير عنه، فلما خرج الرجل قلت: ~~سكت أيها الوزير عن هذا الرجل في قوله مع عادتك في الرد على أمثاله. فقال: لم أجد ~~في مقابلته أبلغ من تركه على جهله، ولو وافقته وبينت له لنظر في كتبه وصار بذلك ~~إنسانا يا أبا القاسم، فكتب الجاحظ تعلم العقل أولا، والأدب ثانيا، ولم ~~أستصلحه لذلك. وكان الجاحظ من أئمة المعتزلة، وكان ابن أبي داود يقول: أنا أثق ~~بظرفه ولا أثق بدينه. # وروى المبرد قال: دخلت على الجاحظ في آخر أيامه وهو عليل، فقلت له: كيف ~~أنت؟ # فقال: كيف يكون من نصفه مفلوج ولو نشر بالمناشير لما أحس به، ونصفه الآخر ~~منقرس لو طار الذباب بقربه لآلمه وقد جزت التسعين، وأنشد: # أترجو أن تكون وأنت شيخ # كما قد كنت أيام ~~الشباب # لقد كذبتك نفسك ليس ثوب # خليق كالجديد من ~~الثياب # وتوفي سنة 255 بالبصرة. # ومنهم أبو العباس المبرد: نزيل بغداد، كان إماما في النحو واللغة، أخذ عن ~~المازني وغيره، وأخذ عنه نفطويه وغيره، وكان حسن المحاضرة مليح الأخبار كثير ~~النوادر، وكان هو وأبو العباس ثعلب الكوفي عالمين متناظرين قد ختم بهما تاريخ ~~الأدباء. ويروى أن المبرد قال حين بلغه أن ثعلبا تكلم فيه بما لا ينبغي: # رب من يعنيه حالي # وهو لا يجري ~~ببالي # قلبه ملآن مني # وفؤادي منه خالي # فلما بلغ ثعلبا ذلك انتهى عن الكلام في المبرد. # وللمبرد تآليف في الأدب منها كتاب «الكامل»، وقد طبع طبعا حسنا في مصر ~~بالمطبعة الخيرية سنة 1308 بعد الهجرة، ولما توفي سنة 285 في خلافة المعتضد ~~نظم فيه وفي ثعلب ابن العلاف: # ذهب المبرد وانقضت أيامه # وليذهبن أثر المبرد ~~ثعلب # بيت من الآداب أضحى نصفه # خربا وباقي النصف منه ~~سيخرب # فابكوا لما سلب ms145 الزمان ووطنوا # للدهر أنفسكم على ~~ما يسلب # وتزودوا من ثعلب فبكأس ما # شرب المبرد عن قريب ~~يشرب # وأرى لكم أن تكتبوا أنفاسه # إن كانت الأنفاس ~~مما يكتب # ومنهم أبو بكر محمد المعروف بابن دريد: ولد بالبصرة سنة 223 ونشأ بها، وأخذ عن ~~علمائها، ثم انتقل إلى عمان وسكن بها، ثم عاد إلى البصرة ثم خرج إلى فارس وانتقل ~~إلى بغداد، وأقام بها إلى حين وفاته سنة 321، فعمره يقرب من المائة، وكان إمام عصره ~~في اللغة والأدب والشعر، قال المسعودي في «مروج الذهب»: وكان ابن دريد في بغداد ~~ممن برع في زماننا في الشعر واللغة، وقام مقام الخليل، وأورد أشياء في اللغة لم ~~توجد في كتب المتقدمين، وكان يذهب بالشعر كل مذهب، فمن جيد شعره قصيدته المشهورة ~~بالمقصورة التي مدح بها الشاه ابن ميكال وولديه، وأولها: # أما ترى رأسي حاكى لونه # طرة صبح تحت أذيال ~~الدجى # واشتعل المبيض في مسوده # مثل اشتعال النار في ~~جمر الغضا # وله من المؤلفات المشهورة كتاب «الجمهرة» في اللغة وقد تقدم الكلام عليه، وله ~~كتاب «الاشتقاق»، وكتاب «السرج واللجام»، وكتاب «زوار العرب»، وكتاب «اللغات»، ~~وكتاب «السلاح» وغير ذلك. # نحاة الكوفة وأدباؤها # من نحاة الكوفة وأدبائها معاذ بن مسلم الهراء: أستاذ الكسائي وهو أول من ~~وضع التصريف، ولكن لم يظهر له مصنف، وكان صديق الكميت الشاعر، وقد عاش زمنا ~~طويلا يتجاوز المائة، فإنه على الصحيح ولد في أيام عبد الملك المتوفى سنة ~~86، وتوفي سنة نكبة البرامكة أي سنة 187، وفي هذا قال سهل الشاعر قصيدة ~~منها: # إن معاذ بن مسلم رجل # ليس لميقات عمره ~~أمد # قد شاب رأس الزمان واكتهل الده # ر وأثواب ~~عمره جدد # قل لمعاذ إذا مررت به: # قد ضج من طول عمرك ~~الأمد # ومنهم أبو جعفر محمد الرؤاسي: وهو ابن أخي معاذ الهراء، وهو أول من وضع من ~~الكوفيين كتابا في النحو سماه «الفيصل»، وأخذ عنه الكسائي أيضا. # ومنهم أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي: وهو عالم أهل الكوفة، كان إماما في ~~النحو واللغة والقراءات. ms146 والسبب في تعلمه النحو أنه قال مرة: «عييت» بعد أن ~~مشى طويلا، فرد عليه بأن الصواب أن تقول: «أعييت» من التعب، و«عييت» ~~من الحيرة في الأمر، فأنف من ذلك وأخذ يتعلم على معاذ بن مسلم الهراء، ثم ~~ذهب إلى البصرة وأخذ عن الخليل، ثم ذهب إلى البوادي وسمع من العرب، ثم عاد إلى ~~بغداد. وجاء سيبويه من البصرة إلى بغداد، وكان الكسائي يعلم الأمين بن هارون ~~الرشيد، فجمع بينهما وتناظرا، وزعم الكسائي أن العرب تقول: كنت أظن الزنبور ~~أشد لسعا من النحلة، فإذا هو إياها. فقال سيبويه: ليس المثل كذا، بل: فإذا ~~هو هي. وتجادلا طويلا واتفقا على مراجعة عربي خالص لا يشوب كلامه ~~شيء من كلام أهل الحضر، فأحضروا عربيا، فوافق الكسائي بإيعاز من الأمين مع ~~أن الحق مع سيبويه. وتوفي الكسائي سنة 189. # ومنهم أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء: كان أبرع الكوفيين وأعلمهم بالنحو ~~واللغة وفنون الأدب، أخذ عن الكسائي، وورد بغداد في خلافة المأمون وعلم ~~ولديه، وأمره أن يؤلف كتابا يجمع فيه أصول النحو وما سمع من العربية، ~~فصنف كتاب «الحدود» في سنتين. قال ابن الأنباري: لو لم يكن لأهل بغداد ~~والكوفة من علماء العربية إلا الكسائي والفراء لكان لهم الافتخار؛ إذ انتهت ~~العلوم إليهما. وتوفي الفراء سنة 207 في خلافة المأمون. # ومنهم أبو عبد الله محمد المعروف بابن الأعرابي: كان صاحب لغة، أخذ الأدب عن ~~الكسائي وغيره، وأخذ عنه أبو العباس ثعلب وابن السكيت، وكان يناقش العلماء ~~ويستدرك عليهم، ويخطئ كثيرا من نقلة اللغة، وكان يزعم أن أبا عبيدة ~~والأصمعي لا يحسنان شيئا. وكان يقول: جائز في كلام العرب أن يعاقبوا بين ~~الضاد والظاء، فلا يخطئ من يجعل هذه في موضع تلك وينشد: # إلى الله أشكو من خليل أوده # ثلاث خلال ~~كلها لي غائض # بالضاد، ويقول: هكذا سمعته من فصحاء العرب. وكان يحضر مجلسه كثير من ~~المستفيدين، وله مصنفات كثيرة، منها: كتاب «النوادر»، وكتاب «الأنواء»، ~~وكتاب «تاريخ القبائل»، وكتاب «معاني الشعر»، وكتاب «تفسير الأمثال»، وكتاب ~~«الألفاظ»، ms147 ولد في السنة التي توفي فيها الإمام أبو حنيفة؛ أي سنة 150 ~~وتوفي سنة 231. # ومنهم أبو طالب المفضل بن سلمة الضبي: كان فاضلا في الأدب، أخذ عن ابن ~~الأعرابي وغيره، واستدرك على الخليل في كتاب «العين» وصنف في ذلك كتابا، ومن ~~تصانيفه: كتاب «التاريخ في علم اللغة»، وكتاب «المفاخر»، وكتاب «العود ~~والملاهي»، وكتاب «جلاء الشبه»، وكتاب «الطيف»، وكتاب «الاشتقاق»، وكتاب ~~«المقصور والممدود»، وكتاب «المدخل في علم النحو». وروى عنه أبو بكر الصولي، ~~وزعم أنه سمع منه سنة 290 (انتهى من ابن خلكان في ترجمة أبي الطيب محمد بن ~~المفضل). والمفضل الضبي هذا غير «أبي عبد الرحمن المفضل بن محمد الضبي» الذي ~~جمع للمهدي أشعارا اختارها سماها ب «المفضليات» وتزيد وتنقص، وأصحها التي ~~رواها عنه ابن الأعرابي؛ فابن الأعرابي متوسط بين المفضلين، ناقل الأدب من هذا ~~إلى ذاك. # ومنهم أبو العباس ثعلب: كان إمام الكوفيين في النحو واللغة في زمانه، أخذ عن ~~ابن الأعرابي وغيره، وأخذ عنه: أبو الحسن علي الأخفش، وابن عرفة، وابن ~~الأنباري، وغيرهم. وكان المبرد يقول: أعلم الكوفيين ثعلب. # حكى ثعلب عن العرب: راكب الناقة طليحان؛ أي: راكب الناقة والناقة طليحان، إلا ~~أنه حذف المعطوف لتقدم ذكر الناقة. ومن تصانيفه كتاب «الفصيح»، وهو صغير الحجم ~~كثير الفائدة، وقد طبع في مطبعة وادي النيل بالقاهرة سنة 1285. وتوفي ثعلب ~~ببغداد سنة 291. ~~(2) من اشتهر بالأدب في بغداد # وكان كثير من علماء المصرين ينتقلون إلى بغداد ويسكنونها كما علمت، وممن ~~اشتهر بالأدب في بغداد غير من سلفوا: # يعقوب بن السكيت: كان يؤدب أولاد الخليفة المتوكل، وكتبه جيدة صحيحة ~~منها: «إصلاح المنطق»، ويوجد بالمكتبة الخديوية، وكتاب «الألفاظ»، وقد طبع في سنة ~~1314، وكتاب في معاني الشعر، وكتاب «القلب والإبدال». # قال أبو الحسن الطوسي: كنا في مجلس أبي الحسن علي اللحياني، وكان عازما على أن ~~يملي نوادره، فقال: تقول العرب مثقل استعان بذقنه. فقال له ابن السكيت وهو ~~حدث: إنما هو مثقل استعان بدفيه؛ يريدون الجمل إذا نهض استعان بجنبيه، فقطع ~~الإملاء. فلما كان المجلس ms148 الثاني أملى فقال: تقول العرب: هو جاري مكاشري. فقال له ~~ابن السكيت: وما معنى مكاشري؟ إنما هو مكاسري كسر بيتي إلى كسر بيته، فما أملى ~~اللحياني بعد ذلك. ومات ابن السكيت ببغداد سنة 244. # وأبو محمد عبد الله بن مسلم الدينوري المعروف بابن قتيبة: ولد سنة 213 ~~ببغداد، وقيل بالكوفة، وأقام بالدينور مدة قاضيا فنسب إليها، ثم سكن ~~بغداد، وكان فاضلا ثقة في النحو واللغة والشعر، متفننا في العلوم. وله من ~~التصانيف: كتاب «أدب الكاتب»، وكتاب «المعارف»، وكتاب «طبقات الشعراء»، وكتاب ~~«الميسر والقداح» وغير ذلك، وأقرأ كتبه ببغداد. ويقال إنه ألف كتاب «أدب ~~الكاتب» لأبي الحسن وزير المعتمد، وقد طبع في مصر سنة 1300 بمطبعة الوطن، وقد شرحه ~~البطليوسي. وتوفي ابن قتيبة سنة 276. # وأبو إسحاق الزجاج: كان عالما ماهرا في ~~الأدب، أخذ عن المبرد وثعلب، وأخذ عنه أبو علي الفارسي. ومن مصنفاته: كتاب ~~«الأمالي»، وكتاب «الاشتقاق»، وكتاب «العروض»، وكتاب «القوافي»، وكتاب مختصر في ~~النحو، وكتاب «فعلت وأفعلت»، وكتاب «ما ينصرف وما لا ينصرف»، وكتاب «شرح أبيات ~~سيبويه»، وكتاب «النوادر»، وتوفي سنة 316 ببغداد. # وأبو بكر محمد بن السراج: كان إماما جليلا في النحو والأدب، أخذ عن المبرد ~~وغيره، وأخذ عنه أبو سعيد السيرافي، ونقل عنه الجوهري في «صحاحه». ومن مصنفاته ~~المشهورة: كتاب «الأصول في علم العربية»، وكتاب «جمل الأصول»، وكتاب «الاشتقاق»، ~~و«شرح كتاب سيبويه»، وكتاب «الشعر والشعراء»، وتوفي سنة 316. # وأبو عبد الله إبراهيم نفطويه النحوي: ولد بواسط وسكن بغداد وتوفي بها سنة ~~323، وكان يتبع طريقة سيبويه ويدرس كتابه. # وأبو بكر محمد بن الأنباري: أخذ عن ثعلب، وكان علامة وقته في الأدب، وله ~~مصنفات كثيرة منها: كتاب «الكافي» في النحو، وكتاب «الأضداد»، وكتاب ~~«الجاهليات»، وكتاب «المذكر والمؤنث»، و«شرح المفضليات» و«السبع الطوال». وتوفي سنة ~~327. # وأبو القاسم عبد الرحمن الزجاجي: نشأ ببغداد وأخذ النحو عن أبي بكر بن الأنباري ~~وغيره، وصحب أبا إسحاق الزجاج فنسب إليه، وصنف كتابه المشهور ب «الجمل»، ~~وانتفع به ناس كثيرون، وانتقل إلى دمشق وسكنها وتوفي بها سنة 337. # وأبو محمد ms149 عبد الله بن درستويه: أخذ الأدب عن المبرد وابن قتيبة وغيرهما ببغداد، ~~وأخذ عنه جماعة من الأفاضل كالدارقطني. وله مصنفات كثيرة منها: كتاب «المقصور ~~والممدود»، وكتاب «معاني الشعر»، وكتاب «الإرشاد في النحو»، وكتاب «الهجاء»، وكتاب ~~«أخبار النحويين». وتوفي ببغداد سنة 347 في خلافة المطيع. # وأبو الحسن الفارسي: ولد بمدينة فسا، ثم انتقل إلى بغداد سنة 307. وأخذ عن ~~الزجاج وغيره حتى برع في النحو، ثم أقام بحلب عند سيف الدولة بن حمدان، وكان ~~بينه وبين المتنبي مجالس. ثم انتقل إلى فارس وصحب عضد الدولة بن بويه، وقد علت ~~منزلته عنده حتى قال: أنا غلام أبي علي الفسوي في النحو، وصنف له كتاب «الإيضاح»، ~~و«التكملة» في النحو، وله تصانيف كثيرة غير ذلك، وتوفي سنة 377 ببغداد. # وأبو سعيد الحسن السيرافي: تولى قضاء بغداد وكان من أعلم الناس بنحو البصريين، ~~شرح كتاب سيبويه، وله كتاب «ألفات الوصل والقطع»، وكتاب «أخبار النحويين»، وكتاب ~~«صنعة الشعر والبلاغة»، وشرح مقصورة ابن دريد، ~~وأخذ اللغة عنه، والنحو عن أبي بكر بن السراج، وكان بينه وبين أبي الفرج الأصبهاني ~~صاحب كتاب «الأغاني» تنافس، فقال فيه هذا: # لست صدرا ولا قرأت على صد # ر ولا علمك ~~البكي بشاف # لعن الله كل نحو وشعر # وعروض يجيء من ~~سيراف # وتوفي السيرافي سنة 360 ببغداد. # واشتهر من الموصل أبو الفتح عثمان بن جني: أخذ الأدب عن أبي علي الفارسي، وكان ~~إماما في العربية، وله مصنفات كثيرة منها: كتاب «الخصائص»، و«سر الصناعة»، ~~و«التلقين» في النحو، و«شرح ديوان المتنبي» وكان قد قرأه على صاحبه. قال ابن ~~خلكان: ورأيت في شرحه قال: سأل شخص أبا الطيب المتنبي عن قوله: # باد هواك صبرت أم لم تصبرا # فقال: كيف أثبت الألف في تصبرا مع وجود لم الجازمة؟ وكان الواجب أن تقول: لم ~~تصبر، فقال المتنبي: لو كان أبو الفتح هنا لأجابك! يعنيني. وهذه الألف هي بدل من ~~نون التوكيد الخفيفة؛ كان في الأصل: لم تصبرن، ونون التوكيد الخفيفة إذا وقف ~~الإنسان عليها أبدل منها ألفا، قال الأعشى: ms150 # ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا # وكان الأصل «فاعبدن»؛ فلما وقف أتى بالألف بدلا من النون. وتوفي ابن جني ~~ببغداد سنة 392. # وكان في عصر ابن جني «علي بن عيسى الربعي»: أخذ في بغداد عن أبي سعيد السيرافي، ~~ثم خرج إلى شيراز وأخذ عن أبي علي الفارسي، ثم عاد إلى بغداد وشرح كتاب «الإيضاح» ~~لأبي علي، وكتاب الجرمي، وصنف كتاب «البديع» في النحو، وتوفي سنة 420 في ~~بغداد. # واشتهر في هذا العصر بالأندلس أبو الحجاج يوسف المعروف بالأعلم: من أهل شنتمرية ~~الغرب، رحل إلى قرطبة سنة 433 وأقام بها مدة، وأخذ عن علمائها، وشرح «الجمل في ~~النحو» لأبي القاسم الزجاجي، وشرح كتاب «أبيات الجمل» في كتاب مفرد، وتوفي سنة 476 ~~بمدينة إشبيلية من جزيرة الأندلس. # واشتهر من المعرة أبو العلاء أحمد المعري: ~~كان إماما واسع الأدب متفننا، قرأ النحو واللغة على أبيه بالمعرة، ثم على محمد ~~بن عبد الله النحوي بحلب، وقرأ عليه أبو القاسم علي التنوخي، والخطيب التبريزي، ~~وتصانيفه مشهورة منها: ديوان «سقط الزند»، وشرحه «ضوء السقط»، وكتاب «اللامع» في ~~شرح شعر المتنبي؛ ولهذا كان يقول وهو أعمى: كأن المتنبي ينظر إلي بلحظ الغيب حيث ~~يقول: # أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي # وأسمعت كلماتي من ~~به صمم # وديوان «لزوم ما لا يلزم»، ومنه: # لا تطلبن بآلة لك رتبة # قلم البليغ بغير حد ~~مغزل # سكن السماكان السماء كلاهما # هذا له رمح وهذا ~~أعزل # واختصر ديوان أبي تمام وشرحه وسماه «ذكرى حبيب»، وديوان البحتري وسماه «عبث ~~الوليد»، وديوان المتنبي وسماه «معجز أحمد». ومكث مدة خمس وأربعين سنة لا يأكل ~~اللحم كي لا يذبح الحيوان فيؤلمه، والآن يوجد طائفة بأوروبا ترى رأي أبي العلاء ~~المعري، وتقتصر على أكل النبات. ودخل بغداد سنة 398، ثم عاد إلى المعرة وتوفي بها ~~سنة 449، وأوصى بأن يكتب على قبره: # هذا جناه أبي علي # وما جنيت على ~~أحد # واشتهر من تبريز يحيى الخطيب التبريزي: وأخذ عن أبي العلاء وأبي محمد الدهان، ~~ودرس الأدب بالمدرسة النظامية ببغداد وله شعر حسن. ومن ms151 تصانيفه كتاب: «إعراب ~~القرآن»، وكتاب «الكافي» في علمي العروض والقوافي، و«شرح اللمع لابن جني». ~~وشرح «الحماسة» و«ديوان المتنبي» و«المعلقات» و«المفضليات» و«المقصورة» لابن ~~دريد و«سقط الزند»، وأخذ عنه أبو منصور موهوب الجواليقي، وتوفي سنة 502 ~~ببغداد. # وكان في هذا العصر أبو محمد القاسم الحريري البصري: وكان أديبا فاضلا نحويا ~~منشئا، ومن مصنفاته: «درة الغواص في أوهام الخواص»، و«ملحة الإعراب» وشرحها، ~~و«المقامات المشهورة»، وجاء بها إلى بغداد وادعاها فلم يصدقه أدباؤها، وهذه ~~المصنفات مطبوعة ومشهورة. وكان يقول نقلا عن شيخه: إذا قلت ما أسود زيدا، وما ~~أسمر عمرا ، وما أصفر هذا الطائر، وما أبيض هذه الحمامة، وما أحمر هذا الفرس؛ ~~فسدت كل مسألة منها من وجه وصحت من وجه، فيفسد جميعها إذا أردت التعجب ~~من الألوان، وتصح جميعها إذا أردت التعجب من سؤدد زيد، وسمر عمرو، وهو الحديث ~~بالليل خاصة، ومن صفير الطائر وكثرة بيض الحمامة، ومن حمر الفرس؛ وهو أن ينتن ~~فوها. ومن شعره: # ولما تعامى الدهر وهو أبو الورى # عن الرشد في ~~أنحائه ومقاصده # تعاميت حتى قيل إني أخو العمى # ولا غرو أن يحذو ~~الفتى حذو والده # وتوفي سنة 516 ببني حرام من البصرة. # واشتهر من نيسابور أبو الفضل أحمد الميداني: صاحب كتاب «الأمثال» المشهورة، ~~وكتاب «نزهة الطرف في علم الصرف»، وهما مطبوعان، وله مؤلفات حسنة غير ذلك. ~~وكان ينشد كثيرا: # تنفس صبح الشيب في ليل عارضي # فقلت: عساه يكتفي ~~بعذاري # فلما فشا عاتبته فأجابني: # أيا هل ترى صبحا بغير ~~نهار؟! # وتوفي سنة 518 بنيسابور. # واشتهر من هراة إحدى مدن خراسان أبو سعد آدم بن أسد: وكان أديبا فاضلا، ~~ورد بغداد حاجا سنة 520، وقرئ عليه الحديث والأدب، وجرى بينه وبين أبي منصور ~~الجواليقي ببغداد نوع منافرة في شيء اختلفا فيه، فقال الهروي للجواليقي: أنت لا ~~تحسن أن تنسب نفسك؛ فإن الجواليقي نسبة إلى الجمع والنسبة إلى الجمع لا ~~تصح. # وفي «طبقات» الأنباري أن هذا مغالطة؛ فإن لفظ الجمع إذا سمي به جاز أن ~~ينسب إليه كمدائني وأنماري، وتوفي سنة 536. # واشتهر ms152 من زمخشر إحدى قرى خوارزم أبو القاسم محمود الزمخشري: وكان إمام عصره في ~~الأدب، وله تصانيف جليلة تدل على علو منزلته وأن لا يدرك شأوه، منها: «الكشاف» ~~في تفسير القرآن الكريم، و«الفائق» في تفسير الحديث، و«أساس البلاغة» في اللغة، ~~و«المفصل»، و«الأنموذج» في النحو، و«المستقصي» في أمثال العرب، و«القسطاس» في ~~العروض، و«ديوان الرسائل»، و«ديوان الشعر»، وكتاب «أسماء الأودية والجبال» وغير ~~ذلك، وقدم بغداد للحج وجاور بمكة زمانا؛ فلذا يقال له: جار الله، وتوفي سنة ~~538 بجرجانية خوارزم بعد رجوعه من مكة. # ومن مفاخر بغداد في هذا العصر أبو منصور موهوب الجواليقي، وهبة الله بن الشجري، ~~وأبو محمد سعيد المعروف بابن الدهان: # فالأول: كان إماما في فنون الأدب، أخذ عن الخطيب التبريزي، وصنف للإمام ~~المقتفي كتابا لطيفا في العروض، وألف «شرح أدب الكاتب»، و«المعرب»، وتتمة ~~«درة الغواص» للحريري وسماها: «التكملة فيما يلحن فيه العامة». وكان في ~~اللغة أمثل منه في النحو، وتوفي سنة 539 ببغداد. # والثاني: كان إماما في النحو واللغة وأشعار العرب وأيامها، وله كتاب «الأمالي» ~~في فنون الأدب، وكتاب سماه «الحماسة» ضاهى به «حماسة» أبي تمام، وتصانيف في ~~النحو. حكى عن المبرد في بناء حذام أنه اجتمع فيه ثلاث علل: التعريف والتأنيث ~~والعدل، فبعلتين يجب منع الصرف، وبالثالثة يجب البناء. وتقابل ابن الشجري ~~والزمخشري ببغداد، وتوفي سنة 542 ببغداد. # والثالث: كان سيبويه عصره، ومن تصانيفه المفيدة في الأدب: «شرح الإيضاح» ~~و«التكملة»، وشرح «اللمع» لابن جني وسماه «الغرة»، وكتاب «العروض»، وكتاب ~~«الدروس» في النحو، وكتاب «الرسالة السعيدية في المآخذ الكندية» يشتمل على سرقات ~~المتنبي، و«العقود في المقصور والممدود»، و«الغنية في الأضداد». وانتقل من بغداد ~~إلى الموصل، وكانت كتبه قد تخلفت ببغداد، فاستولى الغرق تلك السنة على البلد، ~~فسير من يحضرها إليه، فوجدها قد غرقت، ولما حملت إليه على تلك الصورة بخرها ~~باللاذن لتظهر كتابتها فعمي من ذلك، وأخذ عنه خلق كثير بالموصل، وتوفي سنة ~~569. # واشتهر من الأنبار - وهي قرية قديمة على الفرات على عشرة فراسخ من بغداد - ~~عبد الرحمن بن محمد ms153 الأنباري: سكن بغداد وأخذ عن الجواليقي وابن الشجري، وتفقه ~~بالمدرسة النظامية، وتصدر لإقراء النحو بها، وتبحر في علم الأدب، وأخذ عنه ~~علماء كثيرون، وله في النحو كتاب «أسرار العربية»، وكتاب «الميزان»، وكتاب «طبقات ~~الأدباء»، وقد اقتطفت منه ومن ابن خلكان ما أنا بصدده الآن. ولم يزل مشتغلا ~~بالعلم حتى مات سنة 577 ببغداد. # واشتهر بالأندلس أيضا أبو الحسن علي المعروف بابن خروف الإشبيلي: تخرج على ~~ابن طاهر النحوي الأندلسي، وشرح «كتاب سيبويه» وكتاب «الجمل» لأبي القاسم ~~الزجاجي، وتوفي سنة 610 بإشبيلية . # واشتهر من حلب أبو البقاء يعيش بن علي بن يعيش، (المعروف بابن الصائغ)، كان ~~عالما ماهرا في النحو والصرف، واجتمع في دمشق بالشيخ أبي اليمن زيد الكندي، ~~وسأله عن مواضع مشكلة في العربية، وعن إعراب قول الحريري في المقامة العاشرة: «حتى ~~إذا لألأ الأفق ذنب السرحان، وآن انبلاج الفجر وحان»، فاستبهم الجواب على ~~الكندي هل الأفق وذنب مرفوعان أو منصوبان أو أحدهما مرفوع والآخر منصوب؟ # قالوا: ويجوز في ذلك أربعة أوجه، والمختار منها نصب الأفق ورفع ذنب. # قال ابن خلكان: ولما وصلت حلب سنة 626 للاشتغال بالعلم؛ وهي إذ ذاك أم البلاد ~~مشحونة بالعلماء والمشتغلين، وكان ابن الصائغ شيخ الجماعة في الأدب قرأت عليه ~~وابتدأت بقراءة «اللمع» لابن جني عليه، وكان حسن التفهيم لطيف الكلام خفيف الروح ~~ظريف الشمائل كثير المجون مع سكينة ووقار، وشرح كتاب «المفصل» للزمخشري، و«تصريف ~~الملوكي» لابن جني، وتوفي بحلب سنة 643. # واشتهر بالقاهرة أبو عمرو عثمان المعروف بابن الحاجب: تخرج بها وبرع في علوم ~~العربية وغيرها، ثم انتقل إلى دمشق ودرس بجامعها. قال ابن خلكان: وقد سألته عن ~~مواضع في العربية مشكلة فأجاب أبلغ إجابة، ومن جملة ذلك أن سألته في بيت ~~المتنبي: # لقد تصبرت حتى لات مصطبر # فالآن أقحم حتى ~~لات مقتحم # عن السبب في خفض مصطبر ومقتحم ولات ليس من أدوات الجر، فأطال الكلام وأحسن ~~الجواب. ا.ه. ولم يذكر ابن خلكان صورة إجابة ابن الحاجب عن ذلك خوف الإطالة، ~~وأقول: يجوز في هذا ms154 أن يكون الجر بحتى ولات كلا ليست حاجزا كما جروا بالباء في ~~قولهم: «جئت بلا زاد» على رأي، ونصبوا المضارع بأن في نحو: «لئلا يعلم»، وفي ~~«شرح المتنبي» للعكبري في هذا الموضع التاء في لات زائدة، وقد تزاد في الحروف: ~~كثم وثمت ورب وربت، والجر به شاذ، وقد جر به العرب وأنشدوا: # طلبوا صلحنا ولات أوان # فأجبنا أن لات حين بقاء # ا.ه. # ثم عاد ابن الحاجب إلى القاهرة، وأخذ عنه خلق كثير، ومن مصنفاته: «الكافية» في ~~النحو، و«الشافية » في الصرف، وتوفي سنة 646. # وعلى «الكافية» شروح كثيرة من أشهرها: شرح رضي الدين محمد بن الحسن الأسترباذي ~~المتوفى حوالي سنة 690. # وهذا الشرح جليل الاعتبار كثير الفوائد، فيه أشياء لا توجد في غيره، وشواهد هذا ~~الشرح أخذها عبد القادر البغدادي المتوفى بالقاهرة سنة 1093 بنى عليها خزانته ~~المشهورة المسماة «خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب»، وهي واسعة الأرجاء مملوءة ~~بجواهر الأدب، قل أن يوجد كتاب في بابها يحاكيها فهي ضالة الأديب، وقد طبعت ~~بمطبعة بولاق سنة 1299 في أربعة أسفار ضخمة. # واشتهر بدمشق محمد بن عبد الله بن مالك: نشأ بمدينة جيان من الأندلس، ثم انتقل ~~إلى دمشق وأقام بها، وكان بحرا لا يشق عبابه في العلوم، خصوصا في النحو، ~~وتصدر بحلب لإقراء العربية، وكان يجتمع به قاضي القضاة ابن خلكان ويحترمه لعلمه. ~~ومن تصانيفه منظومة «الكافية الشافية» في النحو؛ وهي ثلاثة آلاف بيت وشرحها ثم ~~لخصها في أرجوزة سماها «الخلاصة»؛ وهي ألف بيت ولذا تعرف ب «الألفية»، ونثر هذه ~~في كتاب سماه: «الفوائد النحوية والمقاصد المحوية»، ولتسهيل هذا الكتاب وتكميله ~~صنف كتابا سماه: «تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد»، واشتهر كتاب «التسهيل» دون ~~كتاب «الفوائد». ومن تصانيفه أيضا: «الإعلام بمثلث الكلام»، و«عدة اللافظ وعمدة ~~الحافظ»، وتوفي بدمشق سنة 672. # هذا وقد أقبل الناس إقبالا زائدا على «الألفية» يحفظونها ويتعرفون أحكامها؛ ~~ولذا أكثر العلماء من شروحها، فممن شرحها محمد بن ناظمها المتوفى سنة 686 بدمشق، ~~وعبد الله بن عبد الرحمن المشهور بابن عقيل المتوفى بالقاهرة سنة ms155 698، وحسن بن قاسم ~~المصري المتوفى سنة 749 وقد شرح «التسهيل» أيضا، وأبو زيد عبد الرحمن المكودي ~~المتوفى سنة 801، وأبو الفضل عبد الرحمن جلال الدين السيوطي المتوفى سنة 911، وبدر ~~الدين علي الأشموني المتوفى في حدود سنة 900، وهذا الشرح يسمى «منهج السالك إلى ~~ألفية ابن مالك»، ويدرس بالأزهر بعد «شرح ابن عقيل»؛ لأنه أوسع منه وأصعب. ~~ودونوا على هذه الشروح حواشي، فمن ذلك حاشية أحمد بن قاسم العبادي المتوفى سنة ~~992 على شرح ابن الناظم، وحاشية الشيخ أحمد السجاعي المتوفى سنة 1197 بمصر على ~~«شرح ابن عقيل»، وحاشية الشيخ محمد الخضري الدمياطي المتوفى سنة 1288 على هذا ~~الشرح، وهي أوسع وأنفع من «حاشية السجاعي»، وكلاهما تقرأ بالأزهر، وحاشية الشيخ ~~محمد الحفني المصري المتوفى سنة 1101 بمصر على «شرح الأشموني»، وحاشية الشيخ محمد ~~الصبان المصري المتوفى سنة 1216 على هذا الشرح أيضا، ويقرؤها المنتهون ~~بالأزهر. # ومن إشبيلية علي بن محمد الكتامي أبو الحسن المعروف بابن الضائع: كان إماما في ~~العربية لا يجارى، لازم الشلوبين وفاق أصحابه بأسرهم. أملى على «إيضاح» الفارسي، ~~ورد اعتراضات ابن الطراوة على الفارسي واعتراضات على سيبويه واعتراضات ~~البطليوسي على الزجاجي، ورد على ابن عصفور معظم اختياراته، وله «شرح الجمل»، ~~وشرح «كتاب سيبويه»، جمع فيه بين شرحي السيرافي وابن خروف، وله في مشكلاته عجائب، ~~توفي سنة 680. # وكان من أهل فاس أبو عبد الله محمد بن محمد بن داود المعروف بابن آجروم ~~الصنهاجي: نسبة إلى صنهاجة؛ وهي قبيلة بالمغرب، المتوفى سنة 723، ولا يؤثر عنه ~~إلا «متن الآجرومية»، وعليها شروح كثيرة؛ منها «شرح الشيخ خالد الأزهري» المتوفى ~~سنة 905، وعليه حاشية للسيد محمد أبي النجا من نحاة القرن الثالث عشر. ومنها شرح ~~الشيخ حسن الكفراوي (نسبة إلى كفر الشيخ حجازي بالقرب من المحلة الكبرى)، الأزهري ~~المتوفى سنة 1202 بالقاهرة، وعليه حاشية للشيخ إسماعيل الحامدي شيخ رواق الصعائدة ~~بالأزهر الآن (سنة 1314)، وهذا الشرح أول كتاب يقرؤه طالب النحو بالأزهر ويقرأ بعده ~~«شرح الشيخ خالد» السابق، ويقرأ بعدهما «الأزهرية» وشرحها للشيخ خالد المذكور، وعلى ~~«الأزهرية» ms156 حاشية للشيخ محمد الأمير المتوفى سنة 1232، وحاشية للشيخ حسن العطار ~~المصري المتوفى سنة 1250. # واشتهر من الأندلس أبو حيان محمد بن يوسف الأندلسي الغرناطي: نزيل مصر، كان إمام ~~عصره في فنون الأدب، أخذ عن ابن الضائع وغيره، وأخذ عنه كثير من الأئمة كتقي ~~الدين السبكي، وابن قاسم، وابن عقيل، والسمين. وكان يقرئ الناس «كتاب سيبويه» ~~ومصنفات ابن مالك ويرغبهم فيها ويشرح لهم غامضها. ومصنفاته في العربية كثيرة، ~~منها: «التذييل»، و«التكميل في شرح التسهيل»، وهو مطول، واختصره في كتاب ~~سماه: «ارتشاف الضرب من لسان العرب»، قال الصفدي: لم أره قط إلا يسمع أو يشتغل ~~أو يكتب أو ينظر في كتاب، وكان ثبتا قيما عارفا باللغة، وأما النحو والصرف فهو ~~الإمام المطلق فيهما، وخدم العلم أكثر عمره حتى صار لا يدركه أحد في أقطار الأرض، ~~وله اليد الطولى في التفسير والحديث وتراجم الناس ومعرفة طبقاتهم خصوصا المغاربة، ~~ومن شعره: # عداي لهم فضل علي ومنة # فلا أذهب الرحمن ~~عني الأعاديا # هم بحثوا عن ذلتي فاجتنبتها # وهم نافسوني ~~فاكتسبت المعاليا # ومنه: # سبق الدمع بالمسير المطايا # إذ نوى من أحب عني ~~نقله # وأجاد السطور في صفحة الخد # ولم لا يجيد وهو ~~ابن مقلة؟! # ومات بالقاهرة سنة 745. # واشتهر من مصر عبد الله بن هشام الأنصاري: خاتمة النحاة ذوي الآراء والمذاهب، ~~كان إماما لا يبارى، ومصنفاته في النحو تشهد له برفعة المكانة ورسوخ القدم ~~وللناس إقبال عليها، فمنها: «قطر الندى وبل الصدى» وشرحه، و«شذور الذهب في ~~معرفة كلام العرب» وشرحه، ويقرأ «القطر» و«الشذور» بالأزهر قبل «شرح ابن عقيل» ~~على الألفية وبعد «الأزهرية»، ومنها «مغني اللبيب» ورتبه على ثمانية أبواب، ~~الأول: في تفسير المفردات وفيه يذكر حروف المعاني وما أشبهها، والثاني: في تفسير ~~الجملة وذكر أقسامها وأحكامها، والثالث: في ذكر أحكام ما يشبه الجملة، وهو الظرف ~~والجار والمجرور وذكر حكمهما في التعلق، والرابع: في ذكر أحكام يكثر دورها ويقبح ~~بالمعرب جهلها، والخامس: في ذكر الجهات التي يدخل الاعتراض على المعرب من جهتها، ~~والسادس في التحذير من أمور اشتهرت بين ms157 المعربين والصواب خلافها، والسابع: في كيفية ~~الإعراب، والثامن: في ذكر أمور كلية يتخرج عليها ما لا ينحصر من الصور الجزئية، ~~وهي إحدى عشرة قاعدة ويندرج تحت كل باب مواد كثيرة تعرف من الاطلاع على فهرس ~~الكتاب. وله أيضا كتاب «أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك» وقد نثرها فيه، ~~ويعرف ب «التوضيح»، قال الأمير في حاشيته على المغني هذا: ولد ابن هشام ~~بالقاهرة سنة 708 ولم يأخذ عن أبي حيان، غير أنه سمع منه «ديوان زهير بن أبي سلمى»، ~~ومن شعره: # ومن يصطبر للعلم يظفر بنيله # ومن يخطب ~~الحسناء يصبر على البذل # ومن لم يذل النفس في طلب العلا # يسيرا يعش ~~دهرا طويلا أخا ذل # وتوفي سنة 761، ورثاه ابن نباتة المصري شاعر ~~الملك المؤيد صاحب مصر وحماة بقوله: # سقى ابن هشام في الثرى نوء رحمة # يجر على مثواه ~~ذيل غمام # سأروي له من سائر المدح سيرة # فما زلت أروي سيرة ~~ابن هشام # تورية بعبد الملك بن هشام صاحب «السيرة». ا.ه. # وقد اعتنى العلماء بمصنفات ابن هشام، فشرحوها وكتبوا عليها الحواشي؛ فمن ذلك: ~~«تحفة القريب في الكلام على مغني اللبيب» لمحمد بن أبي بكر المخزومي الإسكندري ~~المعروف بالدماميني، ولد بالإسكندرية وتوفي بالهند سنة 827، وألف هذا الشرح بأمر ~~السلطان أبي الفتح ناصر الدين محمد شاه الهندي، و«التصريح بمضمون التوضيح»؛ وهو شرح ~~للشيخ خالد الأزهري المتوفى بالقاهرة سنة 905، و«بلوغ الإرب بشرح شذور الذهب» لأبي ~~يحيى زكريا الأنصاري المتوفى بمصر سنة 926، و«حاشية السجاعي» المتوفى سنة 1197 على ~~«شرح القطر»، و«حاشية محمد الأمير» المتوفى سنة 1232، و«حاشية محمد الدسوقي» ~~المتوفى سنة 1239، وكلاهما على «المغني». # واشتهر من مصر أيضا «أبو الفضل عبد الرحمن المعروف بجلال الدين السيوطي»: كان ~~إماما مجتهدا في العلوم كما تشهد بذلك مصنفاته التي تبلغ ثلاثمائة كتاب، أخذ عن ~~تقي الدين الشمني، ومحيي الدين الكافيجي وغيرهما، وقال إنه تبحر في سبعة علوم: ~~التفسير، والحديث، والفقه، والنحو، والمعاني، والبديع، وأصل الفلسفة. وقد وصل في ~~هذه العلوم الستة سوى الفقه إلى درجة لم يصل إليها ولا وقف ms158 عليها أحد من أشياخه، ~~ومن مصنفاته في فن العربية: كتاب «الأشباه والنظائر النحوية»، وهو كتاب جامع ~~للمهمات مرتب على سبعة فنون كل فن مستقل بخطبة ولقب، وكتاب «الاقتراح» في علم ~~أصول النحو، قال في أوله: هذا كتاب غريب الوضع عجيب الصنع في علم لم أسبق إلى ~~ترتيبه، وهو علم أصول النحو الذي هو بالنسبة إلى النحو كأصول الفقه بالنسبة إلى ~~الفقه. رتبه على مقدمة وسبعة كتب، وشرح «الألفية» و«التوضيح» و«المغني» وشواهده ~~وحشى «الشذور» وغير ذلك، وإن أردت الاطلاع على أسماء مصنفاته فعليك بترجمته في ~~كتابه المسمى ب «حسن المحاضرة»، وتوفي سنة 911. # وفي القرن السابع الهجري، وما بعده إلى وقتنا، هذا مال النحاة في الغالب عن ~~الابتداع في الأصول وقصروا همهم على فهم وتفهيم ما دونه السلف؛ فأكثروا من ~~تصنيف الشروح والحواشي على متونهم كما رأيتهم فعلوا في مصنفات ابن مالك ومصنفات ~~ابن هشام، وقد تغالوا في هذا الأمر حتى كتبوا كتبا على الحواشي سموها ~~التقارير كتقارير شمس الدين محمد الإنبابي، من أكابر علماء القرن الرابع عشر على ~~«حاشية أبي النجاء» على «شرح الشيخ خالد» على «متن الآجرومية»، وعلى «حاشية العطار» ~~على «شرح الأزهرية»، وعلى حواشي «القطر»، وعلى حواشي «الشذور»، وعلى حواشي ~~«ابن عقيل»، وعلى حواشي «الصبان». وقد توفي الشيخ الإنبابي سنة 1313. ~~(3) دراسة النحو في الأزهر # قبل الخوض في ذلك نذكر لمعة من تاريخ هذا الجامع الشهير فنقول: الأزهر مدرسة ~~جامعة واسعة الأرجاء، أنشأها جوهر قائد الخليفة المعز الفاطمي بعد أن فتح مصر سنة ~~358 واختط مدينة القاهرة، وكان الشروع في بنائه سنة 359، وكمل بناؤه سنة 361، ~~وترتب المتصدرون لقراءة العلم به سنة 380 في عهد العزيز بن المعز. ولقد أخذ الأزهر ~~شهرة واسعة ملأت طباق الأرض؛ فهرعت إليه الناس أفواجا من أقاصي مصر والشام ~~والمغرب والترك والكرد واليمن والهند وغيرها طلبا للعلم والأخذ عن علمائه، وبه ~~لكل طائفة ممتازة منزل يعرف بالرواق، أو جهة تعرف بالحارة بها خزائن من خشب يضع ~~فيها الطلاب بعض مختصاتهم الخفيفة. ويبلغ عدد ما به من ms159 الأروقة نحو 22 رواقا، ~~ومن الحارات 15 حارة، ولكل رواق أو حارة شيخ يرجع إليه فيما يختص بطائفته. # وللجامع رحبة سماوية واسعة جدا تعرف بالصحن، بها أربعة صهاريج، وله ست منارات ~~للأذان، وسبع مزاول لمعرفة الوقت، وثمانية أبواب بعد كل باب ذي فرجتين بابين. وما ~~زال ملوك مصر وأمراؤها بعد الخليفة المعز يعتنون بالأزهر ويجددون في بنائه ~~ويوقفون الأرزاق على علمائه وطلابه إلى وقتنا هذا؛ ففي سنة 1190 الأمير عبد الرحمن ~~كتخدا زاد في اتساعه طولا وعرضا قسما عظيما، وهو القسم المرتفعة أرضه قليلا ~~من جهة الشرق، ويشتمل هذا القسم على 50 عمودا من الرخام تحمل مثلها من البواكي، ~~وأنشأ به محرابا ومنبرا جديدين، وفي جهته الجنوبية بنى مدفنا له، ورواقا ~~للصعائدة، وكتابا بأعلاه وبابا كبيرا ذا فرجتين واسعتين بجوار الرواق، ومنارة ~~بجانب الباب، وبالجبهة الغربية من الجامع جدد مدرسة الطيبرسية (1) ومدرسة ~~الأقبغاوية (2)، وبين المدرستين ممشى ينتهي إلى باب كالسابق، وبنى فوق الباب ~~كتابا، وله منشآت بالجامع غير ذلك. # وفي هذا العصر أمر مولانا الخديو الأفخم عزيز مصر عباس باشا حلمي الثاني الأكرم ~~بشراء الأملاك التي تتاخم الجامع من جنوبه الغربي وإدخالها فيه، وبناء عمارة ضخمة ~~في موضعها تشتمل على رواق عظيم ومحل رفيع للمشيخة، فأقيمت العمارة وشيد الرواق ~~فجاء أفخم وأبدع رواق في الأزهر، وسمي بالرواق العباسي، وكذا أمر - حفظه الله ~~- بإنشاء مكتبة نفيسة في محل المدرسة الأقبغاوية، وبتشكيل مجلس لإدارة شئون الأزهر ~~يتركب من رئيس وخمسة أعضاء؛ الرئيس شيخ الجامع، والأعضاء ثلاثة من أفاضل ~~علماء الأزهر، واثنان من العلماء الموظفين في الحكومة. ورئيس المجلس الآن سنة ~~1314 صاحب الفضيلة الشيخ «حسونة النواوي»، وأعضاؤه أرباب الفضل والعرفان: الشيخ ~~«محمد عبده» القاضي بمحكمة الاستئناف الأهلية، والشيخ «عبد الكريم سلمان» وكيل قلم ~~«الوقائع المصرية» بديوان الداخلية، والشيخ «سليم البشري» شيخ المالكية، والشيخ ~~«مصطفى عز» الشافعي، والشيخ «يوسف النابلسي» شيخ الحنابلة. # ويبلغ عدد علماء ومدرسي الأزهر الآن نحو 190، وعدد الطلبة به يتجاوز ثمانية ~~آلاف، وعليهم ضابط عام يفصل في وقائعهم كما يأمره ms160 شيخ الجامع، والضابط الآن هو ~~السيد أحمد الجندي. # والعلوم التي تدرس بالأزهر هي: تفسير القرآن، والحديث، والفقه وأصوله، وعلم ~~الكلام (الإلهيات)، والمنطق، والنحو، والصرف، والمعاني، والبيان، والبديع، والعروض، ~~والقافية وغير ذلك. # ولنرجع إلى ما نحن بصدده الآن فنقول: # يدرسون في الأزهر من كتب النحو: «شرح الشيخ حسن الكفراوي على متن الآجرومية»، ~~ثم «حاشية أبي النجا على شرح الشيخ خالد»، ثم «حاشية العطار على الأزهرية»، ثم ~~«حاشية السجاعي على شرح القطر»، ثم «شرح الشذور» وحواشيه، ثم «حاشية السجاعي - أو ~~الخضري - على شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك»، ثم «حاشية الصبان على شرح ~~الأشموني على الألفية»، ثم «المغني» وشروحه وحواشيه، وذلك في نحو ست سنوات، وهذا ~~كله بعد حفظ الطلاب متن الآجرومية ومنظومة الألفية وغيرهما. وكيفية الدراسة أن ~~يعين المدرس لطلبته جزءا من أول الكتاب المراد قراءته يطالعه كل واحد منهم على ~~انفراده أو بالاشتراك مع غيره، ثم يجيئون في اليوم التالي ويجلسون بين يدي شيخهم ~~بهيئة حلقة ويسمعون منه توضيح ما عينه لهم ويناقشونه فيه، هذا يسأل وهذا يعترض ~~على المصنف، وثالث يجيب عنه وهكذا، وكل منهم يجتهد في إظهار علمه في مناقشاته ~~وربما طالع لهذا الغرض حواشي غير المقرر قراءتها، ولا يزال الطلبة في أخذ ورد ~~وتصويب وتخطئة إلى أن ينتهي الدرس في نحو ساعتين، وربما لا يتم الجزء المعين ~~فيعين لهم جزءا آخر ويحصل فيه ما حصل في سابقه وهكذا إلى أن يفرغ الكتاب، وهذه ~~الطريقة تربي فيهم ملكة الجدل والبحث. # دراسة النحو في المدارس # نتقدم أولا بذكر نبذة من تاريخ المدارس في مصر، فنقول: قبل استيلاء محمد علي ~~باشا رأس الأسرة الفخيمة الخديوية على مصر كانت المعارف فيها قاصرة على معرفة ~~القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم بالكتاتيب التي أنشأها سلاطين المماليك ~~وأمراؤهم، وعلى التخرج من علوم الأزهر السابقة، فكانت هذه الكتاتيب بمنزلة ~~مدارس ابتدائية، والأزهر بمنزلة مدارس ثانوية وعليا، فلما استقام الأمر للباشا ~~بهذه الديار أنشأ عدة مدارس ذات شأن كبير، منها: مدرسة للطب بأبي زعبل، ومدرسة ms161 ~~للهندسة ببولاق، ومدرسة للألسن، ومدرسة للزراعة ببلد نبروه، ومدرسة للصناعات، ~~وثلاث مدارس للفنون الحربية. ثم اقتفى أثره في ذلك من خلفه من أمراء هذه ~~الأسرة الخديوية وكذا حكوماتهم وأشراف الأمة؛ فزادوا في المدارس وشيدوا في ~~أركانها وفرضوا لها النفقات إلى أن وصلت إلى ما هي عليه في وقتنا الحاضر من ~~التقدم والنظام، يدير شئونها ديوان عال يرأسه وزير كبير من وزراء الحكومة وله ~~وكيل من كبار الأمراء وأعالمهم ومفتشون ماهرون وكتاب أماثل، وهذا الديوان ~~يسمى ديوان المعارف، ويرأسه الآن (سنة 1314) صاحبا العطوفة والعرفان «حسين ~~باشا فخري»، و«يعقوب باشا أرتين». ويتبع هذا الديوان نحو أربعين مدرسة ابتدائية ~~تعلم فيها القراءة والكتابة والقرآن والنحو والحساب ومبادئ الهندسة والخط ~~ورسم الحروف ورسم الأشكال وصور الأر ض وتقويم البلدان والتاريخ والأخلاق ~~واللغات الإنكليزية والفرنساوية والتركية، وذلك في مدة أربع سنين. وثلاث ~~مدارس تجهيزية تعلم فيها العلوم السابقة مع الاتساع في مسائلها والزيادة ~~في فروعها، ويزاد عليها المعاني والبيان والبديع والإنشا والتاريخ الطبيعي ~~والطبيعة والكيميا والهيئة، وهذا في مدة خمس سنين، ومدرسة للحقوق ومدرسة ~~للهندسة ومدرسة للطب ومدرسة للصيدلة ومدرسة للولادة، ومدرستان للصنائع إحداهما ~~ببولاق والأخرى بالمنصورة، ومدرسة للزراعة بالجيزة، وثلاث مدارس لتخريج معلمين ~~أكفاء. # وفي هذه المدارس الآن ما بين ثمانية آلاف وتسعة آلاف متعلم، وفيها وفي ~~الديوان 443 موظفا بين رئيس ووكيل ومفتشين وكتاب ونظار مدارس ومدرسين ~~وضباط، وينفق في ذلك كله ما يتجاوز مائة ألف جنيه مصري. وأيضا توجد مدرسة ~~لتخريج ضباط في الجيش تابعة لديوان الحربية. وللأهالي والأجانب مدارس أخرى لا ~~تقل عن مدارس الحكومة في العدد. وهذه وتلك خلاف الكتاتيب المنتظمة وغيرها، وهي ~~كثيرة جدا يزيد عدد ما بها من المتعلمين هي والأزهر وجوامع العلم الأخرى ~~عما في المدارس السابقة كلها. # عود إلى ما نحن بصدده # كان المقرر تدريسه في النحو بالمدارس الابتدائية الأميرية هو كتاب «الفصول ~~الفكرية»، تأليف المرحوم عبد الله باشا فكري، من علماء وأمراء القرن الرابع عشر ~~المتوفى سنة 1307، وكتاب «القواعد الأولية» للشيخ محمد حسين من علماء ms162 الأزهر ~~وأساتذة المدارس. # وللمدارس التجهيزية وما فوقها: «شرح ملحة الحريري» للشيخ حسين والي، و«شرح ~~أنموذج الزمخشري» للشيخ محمد عسكر، وشرح «الألفية» للسيوطي، و«أنوار الربيع في ~~النحو والصرف والبيان والبديع» للشيخ محمود العالم. وكان تعليم النحو في هذه ~~المدارس لا يأتي بالثمرة المطلوبة؛ لأن هذه الكتب وإن كانت صحيحة في ذاتها إلا ~~أنها ليست منسوقة في تصنيفها على حسب أعمار الناشئة المتعلمين، ولأن معلمي ~~هذا العلم وإن كانوا عارفين به لا يحسنون طريقة أدائه إلى أذهان الأحداث، ولا ~~يراعون طاقاتهم، فكان هؤلاء يهملونه بسبب ما يعترضهم من الصعوبات في طريق ~~تعلمهم. # فلما أخذ بزمام المعارف صاحب السعادة والدراية يعقوب باشا أرتين سنة 1884 ~~للميلاد وشرع في إصلاح شئونها والسير بها في طرق النجاح أمر كثيرا من ذوي ~~الفضل بتصنيف مؤلفات جديدة في علوم المدارس موافقة للناشئين، وقد أمرني أنا ~~وحفني بك ناصف ومحمد بك صالح القاضيين الآن بالمحاكم الأهلية، والشيخ مصطفى ~~طموم المدرس بالمدرسة الخديوية بتأليف ثلاثة كتب سهلة المأخذ في النحو مدرجة ~~على حسب أعمار تلامذة المدارس الابتدائية، فألفنا هذه الكتب وقدمناها إلى ~~سعادته، فعرضها على لجنة من أفاضل العلماء فأثنوا عليها، وحلت لديه محل ~~القبول، وأمر بطبعها فطبعت بمطبعة بولاق وانتشرت بين أبناء المدارس وانتفعوا ~~بها انتفاعا زائدا، وأخذت شهرة واسعة، وأجازنا عليها بمائة ليرة مصرية. ثم ~~أمرنا بعد ذلك بتصنيف كتاب رابع في النحو أوسع من الثلاثة المتقدمة، وكتاب خامس ~~في علوم البلاغة للمدارس التجهيزية فصنفناهما، وطبعا وعم نفعهما وأجازنا ~~عليهما بمائة أخرى. وكان معنا في الكتاب الرابع محمود أفندي عمر بدلا من محمد ~~بك صالح، وفي الكتاب الخامس محمد أفندي سلطان أستاذ اللغة العربية بمدرسة ~~الحقوق بدلا منهما. # وليست طريقة تعليم النحو في المدارس كطريقته في الأزهر؛ فإن المعلم فيها لا ~~يحدد جزءا من الكتاب تطالعه التلاميذ من قبل، بل يعطي الدرس أولا في وقته ~~المحدد له والتلامذة يفهمونه منه بدون كبير مناقشة يضيع معها الزمن سدى، ~~ويسألهم أسئلة تثبت ما أخذوه في أذهانهم، ثم يكلفهم بواجب ms163 علمي ~~يؤدونه في منازلهم تطبيقا على الدرس الذي سمعوه، وفي اليوم التالي يعيد ~~سؤال البعض في بعض مسائل الدرس السابق، ثم يعطي درسا آخر وهكذا، وفي خلال كل ~~ثلاثة أشهر ما عدا أشهر المسامحة يختبرهم فيما حصلوه من العلم، ويعطيهم درجات ~~على حسب إجاباتهم فيه، وقبل الاختبار يجتهدون في مذاكرته رغبة في الحصول على ~~الدرجات العلى. # | الباب السادس # في تاريخ علوم البلاغة # | المعاني والبيان والبديع # بعدما نظر علماء السلف في كلام العرب من جهة صحته ودونوا لذلك النحو، تتبعوا كلام ~~البلغاء منهم فرأوا أن تراكيبه تتفاوت بهيئات وخواص تدل على معان ثانوية زائدة عن ~~أصل المعنى، فاستنبطوا من ذلك أصولا دونوها ونوعوها إلى ثلاثة علوم؛ الأول: يبحث ~~فيه عن الخواص والهيئات التي تقتضيها المقامات والأحوال، وسموه «علم البلاغة أو ~~المعاني». والثاني: يعرف به إيراد المعنى الواحد بعبارات مختلفة في وضوح الدلالة عليه، ~~وسموه «علم البيان»، وإن شئت قلت: هو علم يبحث فيه عن التشبيه والمجاز والكناية. ~~والثالث: يبحث فيه عن وجوه تكسو الكلام حسنا، وسموه «البديع». وقد سموا العلوم ~~الثلاثة تارة بالبديع، وتارة بعلوم البلاغة. ومسائل هذه الفنون لم تجئ دفعة واحدة، بل ~~تلاحقت واحدة بعد أخرى ثم رتبت أخيرا. # ويظهر أن أبا عبيدة المتوفى سنة 206 هو أول من صنف في المجاز، فإنه لما سئل ~~بمجلس الفضل بن الربيع عن التشبيه في قوله تعالى: # طلعها ~~كأنه رءوس الشياطين # وأجاب بأنه كقول امرئ القيس: # أيقتلني والمشرفي مضاجعي # ومسنونة زرق كأنياب أغوال؟! # كان هذا سببا في أن يضع كتابا في مجاز القرآن، وقد سبق بسط ذلك في تاريخ ~~النحو. # وعبد الله بن المعتز العباسي المتوفى سنة 296 أول من كتب في البديع، فإنه جمع من ~~وجوهه سبعة عشر نوعا، وقال في كتابه: «وما جمع قبلي فنون البلاغة أحد ولا سبقني ~~إليه مؤلف، ومن أحب أن يقتدي بي ويقتصر على ما اخترعناه فليفعل، ومن رأى إضافة ~~شيء من المحاسن إليه فله اختياره.» # وعاصره قدامة الكاتب، فجمع منها عشرين نوعا توارد معه على ms164 سبعة منها وسلم له ~~ثلاثة عشر، فتكامل لهما ثلاثون، ثم جمع أبو هلال العسكري المتوفى سنة 395 سبعة ~~وثلاثين في كتابه المسمى ب «الصناعتين». ثم جمع مثلها ابن رشيق القيرواني المتوفى ~~سنة 456 في كتابه المسمى ب «العمدة»، ثم أوصلها عبد العظيم بن أبي الأصبع العدواني ~~المصري المتوفى سنة 654 إلى التسعين في كتاب سماه «تحرير التحبير في علم ~~البديع». # ثم جاء صفي الدين عبد العزيز الحلي المتوفى سنة 750 ونظم قصيدة طويلة فيها 140 ~~نوعا باعتبار أصناف التجنيس نوعا واحدا، وجعل كل بيت منها مثالا لنوع، وذكر اسم ~~النوع البديعي إلى جانب البيت وسماها «الكافية البديعية»، ثم شرحها شرحا لطيفا. ثم ~~حذا الناس حذوه ونظموا بديعيات، منها بديعية عز الدين الموصلي المتوفى في حدود سنة 800، ~~ملتزما في البيت ذكر اسم النوع، وشرحها شرحا وافيا، وتسمى ب «الفتح الآلي في ~~مطارحة الحلي»، ومنها بديعية شرف الدين إسماعيل اليمني المعروف بابن المقري المتوفى ~~سنة 837، جمع فيها 150 نوعا من أنواع البديع، وبديعية الشيخ أبي بكر علي المعروف بابن ~~حجة الحموي المتوفى سنة 837، وتعرف ب «خزانة الأدب» وشرحها، والمولى الناصر هو الذي ~~رسم له بنظمها ملتزما فيها تسمية النوع، ومجاريا فيها الصفي الحلي، وكان يشيد ~~البيت فيرسم له بهدمه، ويقول له بيت الصفي أصفى موردا، فيعيد النظم إلى أن يحكم له ~~بالسبق، كذا ذكر في خطبة الشرح. ومنها بديعية عائشة الباعونية الدمشقية المتوفاة سنة ~~922، وتسمى ب «الفتح المبين»، وقد شرحتها شرحا مختصرا، والشرح مطبوع مع شرح ~~بديعية ابن حجة سنة 1304 في المطبعة الخيرية بالقاهرة، ومنها بديعية عبد الغني ~~النابلسي المتوفى سنة 1143 المسماة «نسمات الأسحار»، وقد شرحها شرحا جليلا متقنا ~~سماه «نفحات الأزهار»، أتى في خطبته على ذكر البديعيات الأربع السابقة، وعاب بديعتي ~~الموصلي وابن حجة، وقد طبع الشرح بمطبعة بولاق سنة 1299. # والشيخ عبد القاهر الجرجاني المتوفى سنة 471 ألف كتاب «دلائل الإعجاز» و«أسرار ~~البلاغة» في المعاني والبيان، ومن كلامه: «إن الكلام الذي يدق فيه النظر ويقع به ~~التفاضل هو الذي ms165 تدل بلفظه على معناه اللغوي، ثم تجد لذلك اللفظ دلالة ثانية على ~~المعنى المقصود، فهناك ألفاظ ومعان أول ومعان ثوان.» # وأبو يعقوب يوسف السكاكي المتوفى سنة 626، ألف كتاب «مفتاح العلوم» قال في مقدمته: ~~«اعلم أن علم الأدب متى كان الحامل على الخوض فيه مجرد الوقوف على بعض الأوضاع وشيء من ~~الاصطلاحات، فهو لديك على طرف الثمام، أما إذا خضت فيه لهمة تبعثك على الاحتراز عن ~~الخطأ في العربية وسلوك جادة الصواب فيها، اعترض دونك منه أنواع تلقى لأدناها عرق ~~القربة، لا سيما إذا انضم إلى همتك الشغف بالتلقي لمراد الله تعالى من كلامه الذي لا ~~يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فهناك يستقبلك منها ما لا يبعد أن يرجعك ~~القهقرى، وكأني بك وليس معك من هذا العلم إلا ذكر النحو واللغة قد ذهب بك الوهم إلى أن ~~ما قرع سمعك هو شيء قد افترعته عصبية الصناعة لا تحقيق له، وإلا فمن لصاحب علم الأدب ~~بأنواع تعظم تلك العظمة، لكنك إذا اطلعت على ما نحن مستودعوه كتابنا هذا مشيرين فيه إلى ~~ما تجب الإشارة إليه، ولن يتم لك ذلك إلا بعد أن تركب له من التأمل كل صعب وذلول؛ علمت ~~إذ ذاك أن صوغ الحديث ليس إلا من عين التحقيق وجوهر السداد.» # وقد قسم «المفتاح» إلى ثلاثة أقسام؛ الأول: في الصرف. والثاني: في النحو. والثالث: ~~في علوم المعاني والبيان والبديع. وعرف المعاني بأنه تتبع خواص تراكيب الكلام في ~~الإفادة وما يتصل بها من الاستحسان وغيره ليحترز بالوقوف عليها من الخطأ في تطبيق ~~الكلام على ما يقتضي الحال ذكره، قال: وأعني بتراكيب الكلام التراكيب الصادرة عمن له ~~فضل تمييز ومعرفة، وهي تراكيب البلغاء لا الصادرة عمن سواهم لنزولها في صناعة البلاغة. ~~وأعني بخاصية التركيب ما يسبق منه إلى الفهم عند سماع ذلك التركيب. وعرف البيان بأنه ~~معرفة إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة بالزيادة في وضوح الدلالة عليه أو بالنقصان، ~~ليحترز بالوقوف على ذلك عن الخطأ في مطابقة الكلام لتمام المراد ms166 منه. وقد طبع بالمطبعة ~~الأدبية بالقاهرة سنة 1317 للهجرة. # وقد شرح القسم الثالث من «المفتاح» العلامة محمود بن مسعود الشيرازي المتوفى سنة ~~710، وسمى شرحه «مفتاح المفتاح»، وشرحه أيضا السيد الشريف علي الجرجاني المتوفى سنة ~~816، ولخص هذا القسم محمد بن عبد الرحمن القزويني خطيب دمشق المتوفى سنة 739، وسمى ~~كتابه «تلخيص المفتاح»، ثم وضحه في كتاب سماه «إيضاح المعاني والبيان»، وضم إليه ما ~~خلا عنه مما تضمنه «المفتاح» مع زيادات من «دلائل الإعجاز» و«أسرار البلاغة»، وقد شرح ~~«التلخيص» مسعود بن عمر التفتازاني - المدعو بسعد المتوفى سنة 791 - شرحا واسعا سماه ~~«المطول»، ثم اختصر المطول في شرح يعرف ب «مختصر السعد». وقد شرح «التلخيص» ~~أيضا عصام الدين إبراهيم الإسفراييني المتوفى بسمرقند سنة 951 - وقيل سنة 945 - وسمى ~~شرحه ب «الأطول». وقد أخذ شواهد «التلخيص» الشيخ عبد الرحيم العباسي المتوفى سنة 963، ~~وبنى عليها كتابا جليلا في الأدب يشبه «خزانة الأدب» للبغدادي، وسماه «معاهد ~~التنصيص». وشروح التلخيص الثلاثة السابقة تقرأ بالأزهر بعد كتب النحو، وقد أكثر ~~العلماء من الحواشي على شرحي التفتازاني؛ فمنها على المطول حاشية السيد الجرجاني ~~المتوفى سنة 816، وحاشية حسن چلبي الفناري المتوفى سنة 886، وحاشية عبد الحكيم الهندي ~~المتوفى سنة 1067. ومنها على المختصر حاشية أحمد بن يحيى حفيد السعد المتوفى سنة 906، ~~وحاشية محمد الحنفي المتوفى سنة 1181، وحاشية الشيخ محمد الدسوقي المتوفى سنة ~~1230. # وأبو الليث السمرقندي من علماء النصف الثاني من القرن التاسع صنف متنا في ~~الاستعارات يعرف ب «السمرقندية»، يقرؤه الطلاب المبتدئون، وقد كتب عليه كثير من ~~العلماء، فمن ذلك «شرح العصام»، و«شرح أحمد الملوي» المتوفى سنة 1181، و«حاشية الشيخ ~~حسن العطار» المتوفى سنة 1250، و«حاشية الشيخ إبراهيم الباجوري» المتوفى سنة 1267، وعلى ~~«شرح العصام» حاشية لحفيده الشيخ علي المتوفى بمكة سنة 1007، وحاشية للشيخ محمد ~~الصبان المتوفى سنة 1206، وعلى «شرح الملوي» حاشية للشيخ محمد الأمير المصري المتوفى ~~سنة 1232، وحاشية للشيخ محمد الدمنهوري فرغ من تأليفها سنة 1233، وحاشية للشيخ محمد ~~الخضري الدمياطي المتوفى سنة 1288. # ومحمد بن الشحنه التركي المتوفى سنة 815 بحلب له منظومة في المعاني والبيان ms167 والبديع، ~~وهي مائة بيت؛ ولذا يقال لها: «مائية المعاني والبيان». ولمحمد بن عبد الحق الطرابلسي ~~شرح عليها سماه «درر الفوائد المستحسنة» فرغ من تأليفه سنة 1109، ولمحمد بن العزى شرح ~~عليها أيضا سماه «مواهب الرحمن» فرغ من تأليفه سنة 1134. # وجلال الدين عبد الرحمن السيوطي المتوفى سنة 911 له أرجوزة سماها «عقود الجمان في ~~علم المعاني والبيان»، قال فيها: # وهذه أرجوزة مثل الجمان # ضمنتها علم المعاني والبيان # لخصت فيها ما حوى التلخيص مع # ضم زيادات كأمثال اللمع # وقد شرحها شرحا حسنا. # والشيخ عبد الرحمن الأخضري له منظومة أيضا سماها «الجوهر المكنون في الثلاثة فنون»، ~~فرغ من نظمها سنة 950، وعليها «شرح حلية اللب المصون»، تأليف الشيخ أحمد الدمنهوري ~~المتوفى سنة 1192. وللشيخ مخلوف حاشية على هذا الشرح فرغ من تأليفها سنة 1265. # والشيخ محمد الصبان المتوفى سنة 1206 له كتاب في البيان يعرف ب «الرسالة البيانية»، ~~وللشيخ محمد عليش المصري المتوفى سنة 1299 حاشية عليها، وكذا للشيخ مخلوف حاشية عليها، ~~وقد طبعت سنة 1285 بالمطبعة الوهبية بمصر، وأيضا للشيخ محمد الإنبابي حاشية كبيرة ~~عليها طبعت ببولاق سنة 1315. # والشيخ حسين المرصفي من أساتذة المدارس المصرية له كتاب جليل في فنون الأدب ويسمى ~~ب «الوسيلة الأدبية»، وقد طبع سنة 1289 بمطبعة المدارس الملكية، وكان - رحمه الله - مع ~~كونه بصيرا واسع الاطلاع في الأدب حسن المحاضرة والنوادر قرأت عليه كتابه هذا بمدرسة ~~«دار العلوم»، وقد جاء في مقدمته ما نصه: «اعلم أن هذه الفنون وغيرها من علوم العربية ~~كما سبقت الإشارة إليه إنما تحصلت لباذلي هممهم في تحصيلها بتتبع الكلم العربي، يسمعونه ~~منهم ويروونه عنهم، وأول من تنبه لاستخراج هذه الفنون واتخاذها معيارا لصناعة ~~الكلام حسب ما تقتضيه الشاعران الشهيران «مسلم بن الوليد» و«أبو تمام حبيب بن أوس ~~الطائي»، ولكن لم يدوناها، وإنما كانا يتحدثان بها ويسميانها البديع، ولما أكثر من ~~استعمال مقتضياتها وتبعهما بعض شعراء ذلك العصر غالب ميلهم مع زخرفة الألفاظ، أخذ ~~الشعر هيئة غير هيئته العربية، حتى إن فحول الشعراء إذ ذاك كانوا يقولون: قد ms168 أفسد ~~هؤلاء الشعر بذلك الشيء الذي يسمونه البديع. ولم يزل يتزايد الحديث في ذلك إلى أن جاء ~~عبد الله بن المعتز، وقدامة الكاتب، فوضع كل منهما موضوعا لطيفا، ثم اتسع القول ~~فيه بعد وأقبل عليه كتاب الإنشاء وسموه: البيان. # وهذا أنموذج تأليف الأوائل في هذه الفنون، ابتدأ بعضهم كتابه بقوله: «البلاغة على ~~عشرة أقسام: الإيجاز، والتشبيه، والاستعارة، والتلاؤم، والفواصل، والتجانس، والتصريف، ~~والتضمين، والمبالغة، وحسن البيان.» ثم أخذ في بيان كل منها والاستشهاد عليه، وذكر ~~تفاوت البلغاء فيه. ولما اتسعت دائرة القول في العلوم الفلسفية بين المسلمين حتى أفضى ~~بهم التكلم في تخليص العقائد الإسلامية وإزاحة الشبه عنها إلى كشف حقيقة النبوة ~~وبيان جهة إعجاز القرآن، رأى الناس نفع هذه الفنون في معرفة إعجاز القرآن الذي هو برهان ~~الدين الحق، فصارت من العلوم الدينية، واشتغل بها طائفة من الناس وأكثروا فيها من ~~التآليف، وأولهم الشيخ عبد القاهر. وبحسب اختلاف جهات البحث ميزوا الفنون وخصوا ~~كلا بلقب، وهي ثلاثة فنون: فن يبحث عن الألفاظ من حيث كونها مستعملة في معانيها التي ~~وضعت لها أو فيما يناسبها اعتمادا على المناسبات، وسموه «فن البيان»، وفن يبحث عن ~~المركبات من حيث تختلف صورها لاختلاف الأغراض منها، وسموه «فن المعاني»، وفن يبحث ~~عن أحوال تعرض للكلام فتكسبه حسنا وسموه «البديع».» ا.ه. # والشيخ محمد البسيوني من علماء الأزهر وأساتذة المدارس، له كتاب في العلوم الثلاثة ~~سماه «حسن الصنيع»، وقد طبع بمطبعة ديوان المعارف سنة 1301، وكان يقرأ بمدرسة ~~الحقوق. # والشيخ محمود العالم المنزلي، من علماء الأزهر وأساتذة المدارس، المتوفى حوالي سنة ~~1310، له كتاب جمع فيه خمسة علوم: الصرف، والنحو، والمعاني، والبيان، والبديع، وسماه ~~«أنوار الربيع»، وقد طبع في مطبعة بولاق سنة 1302، وكان يقرأ بالمدارس ~~التجهيزية. # والشيخ الفاضل هارون عبد الرزاق، من علماء الأزهر وأساتذة المدارس، له كتاب حسن ~~الصياغة في فنون البلاغة طبع بالمطبعة الأميرية ببولاق سنة 1889 للميلاد، وهو رسالة ~~صغيرة كانت تقرأ بالمدارس. # وقد ألفنا أنا وحفني بك ناصف ومحمد أفندي سلطان، والشيخ مصطفى طموم كتاب ms169 «دروس ~~البلاغة» لتلامذة المدارس التجهيزية، يقرأ بعد كتبنا النحوية السابقة، وقد طبع ~~بالمطبعة الأميرية سنة 1310. # | الباب السابع # | في تاريخ المحاضرات # كانت سوق الأدب رائجة في عهد خلفاء بني أمية في الشام والأندلس، وخلفاء بني العباس في ~~العراق؛ إذ كانوا يقربون من مجالسهم أدباء عصرهم ليحادثوهم بما يروح نفوسهم ~~ويشرح صدورهم من قص نوادر غريبة وأخبار عجيبة وإنشاد أشعار رقيقة. وعلى سننهم جرى ~~عمالهم في الأمصار؛ فكان الأديب يبذل وسعه في تعرف أنباء السالفين والحاضرين وحفظ ~~أشعارهم واستحضار ملحهم ولطائفهم ليكون ذا اطلاع واسع واقتدار بارع على أن يحضره ~~بداهة في مجلس الخليفة أو الأمير ما يقتضي الحال ذكره، لينال منه كذا جائزة. وقد ~~دونوا لهذا الغرض مصنفات تجمع نوادر وأخبارا وملحا وأشعارا وغيرها، وسموا معرفة ~~ذلك بعلم المحاضرات، وهو لا ريب نوع خاص من علم التاريخ. # وأساس هذا العلم على ما يقال كتاب «كليلة ودمنة»، الذي ترجمه إلى العربية عبد الله ~~بن المقفع كاتب الخليفة أبي جعفر المنصور العباسي المتولي الخلافة سنة 137 للهجرة، وهو ~~كتاب يشتمل على حكايات موضوعة على ألسنة الحيوانات، متضمنة حكما وسياسات تهذب ~~الأخلاق والنفوس، وضعه الفيلسوف بيدبا لملك الهند في القرن الرابع قبل الميلاد، وقد ~~طبع هذا الكتاب أحد علماء الإفرنج الشهير بسلفستر دساسي # Sylvestere de saey # سنة 1816، وطبع أيضا في مطبعة وادي النيل بالقاهرة ~~سنة 1297 للهجرة، وفي مطبعة بولاق، وفي بيروت سنة 1884. وفي عصر الخليفة المنصور هذا ~~صنف محمد بن إسحاق كتاب «المغازي والسير». # ومما دون في المحاضرات كتاب «العقد الفريد» لشهاب الدين أحمد بن محمد ~~الأندلسي، المعروف بابن عبد ربه، المتوفى بقرطبة سنة 328، قال في خطبته: «وبعد، فإن أهل ~~كل طبقة وجهابذة كل أمة قد تكلموا في الأدب وتفلسفوا في العلوم على كل لسان ومع كل ~~زمان، وإن كل متكلم منهم قد استفرغ غايته وبذل مجهوده في اختصار بديع معاني المتقدمين ~~واختيار جواهر ألفاظ السالفين، وأكثروا في ذلك حتى احتاج المختصر منها إلى اختصار، ~~والمتخير إلى اختيار. ثم إني رأيت آخر كل ms170 طبقة وواضعي كل حكمة ومؤلفي كل أدب أعذب ~~ألفاظا وأسهل بنية وأحكم مذهبا وأوضح طريقة من الأول؛ لأنه ناقض متعقب والأول باد ~~متقدم، فلينظر الناظر إلى الأوضاع المحكمة والكتب المترجمة بعين إنصاف، ثم يجعل ~~عقله حكما عادلا قاطعا، فعند ذلك يعلم أنها شجرة باسقة الفرع طيبة المنبت زكية ~~التربة يانعة الثمرة، فمن أخذ بنصيبه منها كان على إرث من النبوة ومنهاج من الحكمة، ~~لا يستوحش صاحبه ولا يضل من تمسك به. وقد ألفت هذا الكتاب وتخيرت جواهره من متخير ~~جواهر الآداب، ومحصول جوامع البيان، فكان جوهر الجوهر ولباب اللباب. وإنما لي فيه ~~تأليف الاختيار وحسن الاختصار وفرش لدور كل كتاب، وما سواه فمأخوذ من أفواه العلماء ~~ومأثور عن الحكماء والأدباء. # وقد نظرت في بعض الكتب الموضوعة، فوجدتها غير متفرقة في فنون الأخبار ولا جامعة لجمل ~~الآثار، فجعلت هذا الكتاب كافيا جامعا لأكثر المعاني التي تجري على أفواه العامة ~~والخاصة وتدور على ألسنة الملوك والسوقة، وحليت كل كتاب منها بشواهد من الشعر ~~تجانس الأخبار في معانيها، وتوافقها في مذاهبها، وقرنت بها غرائب من شعري ليعلم الناظر ~~في كتابنا هذا أن لمغربنا على قاصيته وبلدنا على انقطاعه حظا من المنظوم ~~والمنثور. وسميته كتاب «العقد الفريد»؛ لما فيه من مختلف جواهر الكلام مع دقة المسلك ~~وحسن النظام، وجزأته على خمسة وعشرين كتابا كل كتاب منها جزءان، فتلك خمسون جزءا في ~~خمسة وعشرين كتابا، قد انفرد كل كتاب منها باسم جوهرة من جواهر العقد. فأولها كتاب ~~«اللؤلؤة في السلطان»، ثم كتاب «الفريدة في الحروب ومدار أمرها»، ثم كتاب «الزبرجدة في ~~الأجواد والأصفاد»، ثم كتاب «الجمانة في الوفود»، ثم كتاب «المرجانة في مخاطبة الملوك»، ~~ثم كتاب «الياقوتة في العلم والأدب»، ثم كتاب «الجوهرة في الأمثال»، ثم كتاب ~~«الزمردة في المواعظ والزهد»، ثم كتاب «الدرة في التعازي والمراثي»، ثم كتاب ~~«اليتيمة في النسب وفضائل العرب»، ثم كتاب «العسجدة في كلام الأعراب»، ثم كتاب «المجنبة ~~في الأجوبة»، ثم كتاب «الواسطة في الخطب»، ثم كتاب «المجنبة الثانية في ms171 التوقيعات ~~والفصول والصدور وأخبار الكتبة»، ثم كتاب «العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم ~~وأيامهم»، ثم كتاب «اليتيمة الثانية في أخبار زياد والحجاج والطالبيين والبرامكة»، ثم ~~كتاب «الدرة الثانية في أيام العرب ووقائعهم»، ثم كتاب «الزمردة الثانية في فضائل ~~الشعر ومقاطعه ومخارجه»، ثم كتاب «الجوهرة الثانية في أعاريض الشعر وعلل القوافي»، ثم ~~كتاب «الياقوتة الثانية في الألحان واختلاف الناس فيه»، ثم كتاب «المرجانة الثانية في ~~النساء وصفاتهن»، ثم كتاب «الجمانة الثانية في المتنبئين والموسومين والبخلاء ~~والطفيليين»، ثم كتاب «الزبرجدة الثانية في بيان طبائع الإنسان وسائر الحيوان»، ثم كتاب ~~«الفريدة الثانية في الطعام والشراب»، ثم كتاب «اللؤلؤة الثانية في الفكاهات ~~والملح».» ا.ه. وقد طبع بمطبعة بولاق سنة 1293. # وكتاب «الأغاني» لأبي الفرج علي الأصفهاني المتوفى ببغداد سنة 356، وهو كتاب جامع ~~لكثير من السير والنوادر والأشعار وأيام العرب وأخبارهم، وقصص الملوك في الجاهلية ~~والخلفاء في الإسلام، وقد بنى كل ذلك على المائة صوت المختارة للخليفة هارون الرشيد ~~العباسي، وهذا الكتاب قل أن يوجد له مثيل، وقد طبع في عشرين سفرا بمطبعة بولاق ~~الأميرية سنة 1285، وطبع السفر الحادي والعشرون من هذا الكتاب في مدينة ليدن سنة ~~1305. # وكتاب «نثر الدرر» لأبي سعد منصور بن الحسين وزير مجد الدولة رستم بن بويه، من ~~أدباء القرن الرابع، اختصره من كتاب «نزهة الأدب». # وكتاب «محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء» لأبي القاسم الحسين بن محمد ~~المعروف بالراغب الأصفهاني، كان في أوائل المائة الخامسة، وهو كتاب نفيس في سفرين، ~~طبعته جمعية المعارف المصرية سنة 1287 بمطبعة السيد إبراهيم المويلحي. # وكتاب «زهر الآداب وثمر الألباب» لأبي إسحاق إبراهيم المعروف بالحصري القيرواني ~~المتوفى بالقيروان سنة 453، وقد طبع على هامش كتاب «العقد الفريد» المتقدم. # وكتاب «الغرر والدرر» للشريف المرتضى أبي القاسم علي بن الطاهر المتوفى ببغداد سنة ~~436 وهو ذو ثلاثة أسفار. # وكتاب «ربيع الأبرار ونصوص الأخبار» لأبي القاسم محمود الزمخشري المتوفى ~~سنة 538. # وكتاب «زاد الرفاق» لأبي المظفر محمد الأبيوردي المتوفى بأصبهان سنة 557. # و«أبو قماش» لشرف الدين مبارك بن أحمد الإربلي المتوفى سنة 637 في ms172 الموصل، جمع فيه من ~~النوادر ما لا يحصى. # وكتاب «محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار في الأدبيات والنوادر والأخبار» لمحيي الدين ~~أبي بكر محمد المعروف بابن العربي، المتوفى بدمشق سنة 638. # وكتاب «العدد والمعدود» تأليف أبي يحيى زكريا المراغي، من علماء النصف الثاني من ~~القرن السادس، فيه مائة باب، ثمانون منها في خمس مقالات، وعشرون منفردة. # و«ريحانة الأدب» لأبي الحسن علي بن موسى الأندلسي المتوفى سنة 673، جمع فيه بين «عيون ~~الأخبار»، و«مستحسنات الأشعار». # وكتاب «تمام المتون إلى شرح رسالة ابن زيدون» التي كتب بها إلى ابن جهور، لصلاح ~~الدين خليل بن أيبك الصفدي المتوفى سنة 764. # و«التذكرة» لصلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي أيضا، وهي ثلاثون سفرا جمع فيها نوادر ~~الأشعار ولطائف الأبيات نظما ونثرا. # و«ثمرات الأوراق» لابن حجة الحموي، المتوفى سنة 837، وقد طبع منفردا سنة 1300 ~~بالمطبعة الوهبية، وطبع أيضا على هامش «محاضرات الراغب» السابقة. # و«فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء» لشهاب الدين أحمد الدمشقي المعروف بابن عرب شاه ~~المتوفى بالخانقاه الصالحية من القاهرة سنة 854، وقد نحا منحى كتاب «كليلة ودمنة»، وقد ~~طبع بمطبعة بولاق سنة 1276. # و«روض الأخبار المنتخب من ربيع الأبرار» لمحيي الدين محمد بن الخطيب، المتوفى سنة ~~940، قال في أوله: «لما كان علم المحاضرات علما نافعا لا تدرك غايته؛ استخرجت من ~~بحث فوائده على وجه الاختصار ما عثرت عليه في كتب الأدباء.» ا.ه. واسم الكتاب يدل على ~~انتخابه من كتاب الزمخشري. # و«المستطرف في كل فن مستظرف» لشهاب الدين أحمد الإبشيهي، من علماء القرن التاسع، وقد ~~طبع في بولاق سنة 1285. # وكتاب «طراز المجالس» لأحمد بن محمد الخفاجي المتوفى سنة 1069، وله أيضا كتاب ~~«ريحانة الألباء وزهرة الحياة الدنيا»، ذكر فيه من عاصرهم من الشعراء والأدباء في الشام ~~والمغرب وجزيرة العرب ومصر، وقد طبع بمطبعة بولاق سنة 1273. # وكتاب «نفحة اليمن فيما يزول بذكره الشجن»، لأحمد بن محمد الأنصاري اليمني، من ~~علماء النصف الأول من القرن الثالث عشر الهجري. # | الباب الثامن # في تاريخ الإنشاء وفيه اربع فصول # الفصل الأول # | في تعريف الإنشاء ووجه تعلمه وأنواعه # الإنشاء في ms173 اللغة: الشروع والإيجاد والوضع، نقول: أنشأ الغلام يمشي؛ إذا شرع في ~~المشي. وأنشأ الله العالم: أوجدهم. وأنشأ فلان الحديث: وضعه. # وفي اصطلاح الأدباء: هو صناعة النثر، ويعرف بفن الكتابة؛ فهو يقابل قرض الشعر، ~~ويكون سجعا، وموازن الفواصل، ومرسلا. # فالسجع: يكون ذا فقر متحدة فواصلها في الحرف الأخير؛ نحو: # سرر مرفوعة * وأكواب ~~موضوعة ~~؛ فإن الفاصلتين «مرفوعة» و«موضوعة» اتحدتا في العين، فإن كانت ~~ألفاظ الفقرة أو أكثرها مثل ما يقابلها من ألفاظ قرينتها وزنا وتقفية كان السجع ~~مرصعا نحو: «يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه.» # والموازن: كالسجع لكن فواصله تتحد في الوزن دون الحرف الأخير؛ نحو: # ونمارق مصفوفة * وزرابي ~~مبثوثة ~~؛ فإن «مصفوفة» و«مبثوثة» اتحدتا في الوزن دون التقفية؛ إذ ~~الأولى على الفاء والثانية على الثاء ولا عبرة بتاء التأنيث. وإن كانت ألفاظ إحدى ~~القرينتين أو أكثرها مثل ما يقابلها من الأخرى في الوزن كان الموازن مماثلا؛ نحو: # وآتيناهما الكتاب المستبين * ~~وهديناهما الصراط المستقيم ~~. # والمرسل: ما جاء من غير توخي تقفية أو وزن، وقد جاء بالثلاثة القرآن، وأحسنها ~~المرسل؛ فإنه يمضي مع النفس، وأسرع إلى الأفهام في أداء المعنى، فإن منشئ السجع قد ~~يضطر إلى تقديم لفظ وحقه التأخير، أو الإتيان بلفظ لا يوافق موضعه كي يتيسر له ~~التقفية أو الوزن، وقد يحذف ما تضيق عبارته عنه فيأتي الكلام معقودا ركيكا، فإن جاءت ~~الألفاظ فيهما على ترتيب المعاني بحيث لا يظهر على الكلام غبار التكلف أو القلاقة؛ ~~فقد امتازا عن المرسل بحسن وقعهما في الأسماع، وهما لا يوجدان في غير العربية. # قال ابن خلدون: «السجع هو الكلام الذي يؤتى به قطعا، ويلتزم في كل كلمتين منه ~~قافية واحدة، والمرسل هو الذي يطلق الكلام فيه إطلاقا ولا يقطع أجزاء بل يرسل ~~إرسالا من غير تقييد بقافية ولا غيرها. وقد استعمل المتأخرون أساليب الشعر وموازينه في ~~المنثور من كثرة الإسجاع والتزام التقفية وتقديم النسيب بين يدي الأغراض، وصار هذا ~~المنثور إذا تأملته من باب الشعر وفنه، ولم يفترقا إلا في الوزن، واستمروا على ms174 هذه ~~الطريقة واستعملوها في المخاطبات السلطانية، وقصروا الاستعمال في المنثور كله على هذا ~~الفن الذي ارتضوه، وخلطوا الأساليب فيه، وهجروا المرسل وتناسوه، وخصوصا أهل المشرق، ~~وصارت المخاطبات السلطانية لهذا العهد عند الكتاب الغفل جارية على هذا الأسلوب ~~الذي أشرنا إليه، وهو على صواب من جهة البلاغة لما يلاحظ في تطبيق الكلام على ~~مقتضى الحال من أحوال المخاطب والمخاطب، ويجب أن تنزه هذه المخاطبات عن هذا ~~المنثور المقفى؛ إذ أساليب الشعر تنافيها اللوذعية وخلط الجد بالهزل، والإطناب في ~~الأوصاف، وضرب الأمثال، وكثرة التشبيهات والاستعارات حيث لا تدعو ضرورة إلى ذلك في ~~الخطاب. # والمحمود في الخطابات السلطانية الترسل ؛ وهو إطلاق الكلام وإرساله من غير تسجيع ~~إلا في الأقل النادر وحيث ترسله الملكة إرسالا من غير تكلف له، أما إجراؤها ~~على هذا النحو الذي هو من أساليب الشعر فمذموم، وما حمل عليه أهل العصر إلا ~~استيلاء العجمة على ألسنتهم وقصورهم لذلك عن إعطاء الكلام حقه في مطابقته لمقتضى ~~الحال، فعجزوا عن الكلام المرسل وأولعوا بهذا المسجع يلفقون به ما نقصهم من تطبيق ~~الكلام على المقصود ويجبرونه بذلك القدر من التزيين بالإسجاع والألقاب البديعة، ~~ويغفلون عما سوى ذلك، حتى إنهم يخلون بالإعراب والتصريف في الكلمات إذا دخلت لهم ~~في تجنيس أو مطابقة لا يجتمعان مع صحتها.» ا.ه. بتصرف. وأحسن السجع ما تساوت فيه ~~القرائن وقصرت نحو: # يا أيها المدثر * ~~قم فأنذر * وربك فكبر * وثيابك ~~فطهر * والرجز فاهجر ~~، ويليه ما طالت فيه ~~القرينة الثانية عن الأولى طولا لا يخرجها عن الاعتدال، وعكسه غير حسن، فإن السمع ~~يكون متوقعا طول الثانية كالأولى، فإذا قصرت نبا عنها ولم يصل إلى غايته ~~المنتظرة. # وعلى من يريد أن يبرع في صناعة الإنشاء أن يتزود من فنون الأدب، لا سيما اللغة ~~والمحاضرات، ثم يطالع بإمعان نظر منشآت من اشتهروا بالبراعة في هذه الصناعة، ثم ~~ينثر أبياتا شعرية أو يدرس فصولا من كتاب ممتاز ك «مقدمة ابن خلدون»، ويلخص هذه ~~الفصول أو يطوي الكتاب ويكتب من تلقاء نفسه ما علق بذهنه ms175 منها، أو يأخذ مثلا سائرا ~~ويبني عليه موضوعا واسعا، أو يكتب قصة سمعها أو يصف منظرا رآه، وفي كل هذا يعرض ما ~~كتبه على منشئ ماهر كي يرشده إلى الصواب. وبالجملة هذه الصناعة لا تصير ملكة إلا ~~بالمرانة والدربة. # والإنشاء أنواع: منها الترسل؛ أي إنشاء الرسائل، وتسمى الكتب أيضا. ومنها التحرير؛ ~~أي كتابة دواوين الحكومات وصحف الأخبار المعروفة بالجرائد. ومنها التأليف؛ أي تصنيف كتب ~~العلوم. ومنها القصص؛ أي وضع القصص أو الحكايات. ومنها الخطابة؛ أي وضع الخطب. ومنها ~~الوصف. # الفصل الثاني # | في تاريخ الإنشاء # كانت الرسائل تفتح في عهد النبي # صلى الله عليه وسلم # والصحابة والتابعين بكتابة: «من فلان إلى ~~فلان»، سواء كانت الكتابة من أعلى إلى أدنى، أو من أدنى إلى أعلى، أو بين متساويين، وقد ~~يسبق ذلك: «بسم الله الرحمن الرحيم» ويليه: «السلام عليك»، أو «السلام على من اتبع ~~الهدى»، وبعد هذا: «أما بعد؛ فإن الأمر كيت وكيت»، أو «أما بعد؛ فإني أحمد إليك ~~الله وإن الأمر كذا وكذا.» وقد يؤخر السلام في آخر الكتاب. # وكانت عبارة الرسائل سهلة لا يتوخى فيها السجع ولا تزيين فيها الألفاظ إلا إذا ~~جاء ذلك عفوا. # ولما أراد عليه الصلاة والسلام أن يكتب للملوك قيل له: يا رسول الله، إنهم لا يقرءون ~~كتابا إلا إذا كان مختوما. فاتخذ # صلى الله عليه وسلم # خاتما من فضة منقوشا عليه ثلاثة أسطر: ~~«محمد» في سطر و«رسول» في الوسط و«الله» فوق ذلك، وصار يختم به كتبه، وقد اتخذ هذا ~~سنة من بعده. # قال ابن عبد ربه في «عقده» ما نصه: «كان رسول الله يكتب إلى الصحابة وأمراء جنوده: ~~من محمد رسول الله إلى فلان. وكذا كانوا يكتبون إليه يبدءون بأنفسهم. فممن كتب إليه ~~وبدأ بنفسه أبو بكر والعلاء بن الحضرمي وغيرهما، وكذلك كتب الصحابة والتابعين. ثم لم ~~تزل حتى ولي الوليد بن عبد الملك فعظم الكتاب وأمر أن لا يكاتبه الناس بمثل ما ~~يكاتب به بعضهم بعضا، فجرت به سنة الوليد إلى يومنا هذا، إلا ما ms176 كان من عمر بن ~~عبد العزيز ويزيد الكامل؛ فإنهما عملا بسنة رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ثم رجع الأمر إلى رأي ~~الوليد، والقوم عليه إلى اليوم.» ا.ه. # ولما ارتفع شأن الخلافة الإسلامية وبلغت مبلغها من العظمة والفخار واتسع مجال ~~الأدب، اصطلحوا على ديباجات يصدرون بها كتبهم المقدمة إلى ديوان الخلافة أو ما ~~يتبعها؛ فكانوا يكتبون إلى الخليفة في أول الكتاب: «أدام الله بقاء الديوان العزيز، أو ~~خلد سلطانه، أو نحو ذلك» وإلى الملك: «أطال الله بقاء الملك أو خلد الله ملكه أو ما ~~أشبه»، وإلى الأمير: «أعز الله أنصار الجانب الشريف ، أو أعز الله نصره أو نحوه»، ~~وإلى الوزير: «أدام الله سعادة الوزير، أو خلد مجده أو أسبغ عليه نعمه أو ما شاكله»، ~~ويدعون للقضاة والحكام بعز الأحكام وتأييدها، ثم بعد هذا الدعاء كانوا يمدحون المكتوب ~~إليه بعدة أوصاف تليق بمقامه، ثم يدخلون في أغراضهم المقصودة لهم بمثل هذه ~~العبارات الآتية: «العبد أو المملوك يقبل الأرض، أو الأعتاب الشريفة وينهي ما هو ~~كذا وكذا» أو: «الخادم المطيع يقبل الأيدي الكريمة وينهي ...» أو: «صنيعتكم يتشرف ~~بعرض ما هو كيت وكيت»، أو «الداعي ينهي ما هو ...» وبعد بيان الغرض من الرسالة يختمونها ~~بالدعاء، ويؤرخونها إن كانت في أول ليلة من الشهر بكتابة: «كتب لأول ليلة منه، ~~أو لغرته، أو مستهله»، وفي الليلة الثانية: «كتب لليلة الثانية»، وعلى ~~هذا القياس إلى آخر الشهر. ويكتب في الليلة الأخيرة: «لآخر ليلة منه، أو سلخه، أو ~~انسلاخه»، وإن كتب في اليوم الأول يؤرخون بكتابة: «كتب لليلة خلت، أو أول الشهر، أو ~~غرة الشهر»، وفي الثاني: «لليلتين خلتا»، وفي الثالث: «لثلاث خلون أو خلت»، ~~وكذا إلى «عشر ليال خلون أو خلت»، وفي الحادي عشر: «لإحدى عشرة ليلة خلت أو خلون» إلى ~~الرابع عشر فيكتبون: «لأربع عشرة ليلة خلت أو خلون»، وفي الخامس عشر «للنصف من كذا»، ~~وفي السادس عشر: «لأربع عشرة ليلة بقيت أو بقين» إلى التاسع عشر فيكتبون: «لإحدى عشرة ~~ليلة بقيت أو بقين»، وفي ms177 العشرين: «لعشر ليال بقين أو بقيت» وهكذا إلى الثامن ~~والعشرين فيكتبون: «لليلتين بقيتا»، وفي التاسع والعشرين: «لليلة بقيت»، وفي اليوم ~~الأخير: «لآخر يوم من كذا أو سلخه أو انسلاخه». فالليل عندهم سابق النهار وأول الشهر ~~أول ليلة يرون فيها الهلال. قال ابن عبد ربه في «عقده»: «لا بد من تاريخ الكتاب؛ لأنه ~~لا يدل على تحقيق الأخبار وقرب عهد الكتاب وبعده إلا بالتاريخ، فإن أردت أن تؤرخ ~~كتابك فانظر إلى ما مضى من الشهر وما بقي منه، فإن كان ما بقي أكثر من نصف الشهر كتبت ~~لكذا أو كذا ليلة مضت من شهر كذا، وإن كان الباقي أقل من النصف جعلت مكان «مضت» ~~«بقيت». وقد قال بعض الكتاب: «لا تكتب إذا أرخت إلا بما مضى من الشهر؛ لأنه ~~معروف وما بقي منه مجهول».» ا.ه. # وبعد التاريخ يكتبون على الرسائل أسماءهم، أو يطبعون خواتمهم. فإذا عرض الكاتب على ~~الخليفة أو السلطان أو الأمير الرسالة المرفوعة إليه وأمره أن يكتب على حاشيتها بما ~~يفصل في شأنها فما كتبه كانوا يسمونه توقيعا # 1 # ومثل هذا في عصرنا يسمى شرحا. # قال ابن خلدون: «ومن خطط الكتابة التوقيع، وهو أن يجلس الكاتب بين يدي السلطان في ~~مجالس حكمه وفصله، ويوقع على القصص المرفوعة إليه أحكامها والفصل فيها متلقاة من ~~السلطان بأوجز لفظ وأبلغه، فإما أن تصدر كذلك وإما أن يحذو الكاتب على مثالها في ~~سجل يكون بيد صاحب القصة.» ا.ه. # وقال أيضا: «إن الرسائل وغيرها في سالف العصر إلى عهد خلافة بني العباس كانت ~~تكتب في الرق المهيأ بالصناعة من الجلد، ثم طمى بحر التأليف والتدوين وكثر ترسيل ~~السلطان وصكوكه وضاق الرق عن ذلك؛ فأشار الفضل بن يحيى بصناعة الكاغد، وصنعه وكتب فيه ~~رسائل السلطان وصكوكه، واتخذه الناس من بعده صحفا لمكتوباتهم السلطانية والعلمية، ~~وبلغت الإجادة في صناعته ما شاءت.» ا.ه. # وقال في موضع آخر: «وكانت صناعة الكتابة عند بني العباس رفيعة، وكان الكاتب يصدر ~~السجلات مطلقة ويكتب في آخرها اسمه، ويختم عليها بخاتم السلطان؛ ms178 وهو طابع منقوش فيه اسم ~~السلطان أو شارته، يغمس في طين أحمر مذاب بالماء ويسمى طين الختم، ويطبع به ~~على طرفي السجل عند طيه وإلصاقه، ثم صارت السجلات من بعدهم تصدر باسم السلطان ~~ويضع الكاتب فيها علامته أولا وآخرا.» ا.ه. وقال أيضا: «وأما الخاتم فهو من الخطط ~~السلطانية والوظائف الملوكية، والختم على الرسائل والصكوك معروف للملوك قبل الإسلام ~~وبعده، وقد ثبت في الصحيحين أن النبي # صلى الله عليه وسلم # أراد أن يكتب إلى قيصر، فقيل له: إن ~~العجم لا يقبلون كتابا إلا أن يكون مختوما. فاتخذ خاتما من فضة ونقش فيه «محمد ~~رسول الله». قال البخاري: جعل الثلاث كلمات في ثلاثة أسطر وختم به، وقال: لا ينقش أحد ~~مثله. قال: وتختم به أبو بكر وعمر وعثمان، ثم سقط من يد عثمان في بئر أريس، وكانت ~~قليلة الماء فلم يدرك قعرها بعد، واغتم عثمان وتطير منه وصنع آخر على مثله. # وفي كيفية نقش الخاتم والختم به وجوه؛ وذلك أن الخاتم يطلق على الآلة التي تجعل ~~في الإصبع، ومنه: تختم؛ إذا لبسه. ويطلق على النهاية والتمام، ومنه: ختمت الأمر؛ ~~إذا بلغت آخره، وختمت القرآن كذلك. ومنه: خاتم النبيين، وخاتم الأمر. ويطلق على ~~السداد الذي يسد به الأواني والدنان ويقال فيه ختام، ومنه قوله تعالى: # ختامه مسك ~~، وقد غلط من فسر هذا بالنهاية والتمام، ~~قال: لأن آخر ما يجدونه في شرابهم ريح المسك، وليس المعنى عليه وإنما هو من الختام الذي ~~هو السداد؛ لأن الخمر يجعل لها في الدن سداد الطين أو القار يحفظها ويطيب ~~عرفها وذوقها، فبولغ في وصف خمر الجنة بأن سدادها من المسك، وهو أطيب عرفا ~~وذوقا من القار والطين المعهودين في الدنيا. فإذا صح إطلاق الخاتم على هذه كلها ~~صح إطلاقه على أثرها الناشئ عنها؛ وذلك أن الخاتم إذا نقشت به كلمات أو أشكال ثم ~~غمس في مداف من الطين أو مداد ووقع على صفح القرطاس بقي أثر الكلمات في ذلك الصفح، ~~وكذلك إذا طبع به على جسم لين ms179 كالشمع فإنه يبقى نقش ذلك المكتوب مرتسما فيه. ~~وإذا كانت كلمات وارتسمت فقد يقرأ من الجهة اليسرى إذا كان النقش على الاستقامة من ~~اليمنى، وقد يقرأ من الجهة اليمنى إذا كان النقش من الجهة اليسرى؛ لأن الختم يقلب جهة ~~الخط في الصفح عما كان في النقش من يمين أو يسار، فيحتمل أن يكون الختم بهذا الخاتم ~~بغمسه في المداد أو الطين ووضعه على الصفح فتنقش الكلمات فيه ويكون هذا من معنى ~~النهاية والتمام، بمعنى صحة ذلك المكتوب ونفوذه، كأن الكتاب إنما يتم العمل به بهذه ~~العلامات وهو من دونها ملغى ليس بتمام ...» # وأما الرسائل التي كانت سائرة بينهم فكانوا يبتدئونها بما يعن لهم مع مراعاة حال ~~المكتوب إليه، فبعضهم كان يبتدئ بنحو: «كتابي إلى فلان أطال الله بقاءه»، أو: «كتابي ~~إلى ولدي العزيز أمتع الله به»، أو: «إلى فلان التاجر أدام الله إقباله»، ثم يقول: ~~«وبعد؛ فكيت وكيت»، ثم ينهي الرسالة بقوله: «والسلام». وبعضهم كان يبتدئ بالسلام ~~والتحية ويبالغ في وصفها، ثم يقول: «نخص بذلك فلان» ويمدحه ويدعو له ثم يقول: «وبعد؛ ~~فالأمر ما هو كذا وكذا»، ثم يتم الكتاب بما يشعر بالانتهاء، ويؤرخون الرسائل ~~ويوقعون عليها كما سبق. # وكانوا يتوخون في هذه الرسائل السجع وتحسين الألفاظ، لكن بعضهم كان يطنب في صدور ~~الكتب ويبالغ في مدح المكتوب إليه ويوجز في الغرض المقصود، وهذا غير حسن في زماننا؛ ~~ولهذا اختاروا الآن في صدور الكتب الرسمية والأهلية ديباجات مختصرة يتلوها الغرض ~~المقصود. # أما الكتب الرسمية في مصر - وإن شئت قلت: الرسائل بين موظفي الحكومة أو كما يقولون ~~الإفادات أو الجوابات - فديباجاتها عربية مشوبة بالتركية، مع أن عبارات الرسائل نفسها ~~عربية محضة، فيكتبون: # لجلالة السلطان: # شوكتلو ولي النعم أفندمز حضرتلريناه. # وللحضرة الفخيمة الخديوية: # دولتلو فخامتلو خديو مصر أفندمز حضرتلري. # وللصدر الأعظم: # دولتلو فخامتلو صدر أعظم أفندم حضرتلري. # ولشيخ الإسلام: # دولتلو سماحتلو أفندم حضرتلري. # وللسر عسكر: # دولتلو عطوفتلو أفندم حضرتلري. # وللمشير: # دولتلو أفندم حضرتلري. # ولذي الرتبة الأولى من الصنف الأول: # عطوفتلو أفندم حضرتلري. ms180 # ولذي الرتبة الأولى من الصنف الثاني: # سعادتلو أفندم حضرتلري. # ولذي الرتبة الثانية من الصنف الأول: # عزتلو أفندم. # ولذي الرتبة الثانية من الصنف الثاني: # عزتلو أفندي أو بك. # ولذي الرتبة الثالثة: # رفعتلو أفندي أو بك. # ولذي الرتبة الرابعة: # فتوتلو أفندي. # ولذي الرتبة الخامسة: # حميتلو أفندي. # وجاء هذا من دخول مصر في حوزة الأتراك. ويمكن الاصطلاح على ديباجات عربية خالصة ~~توازي هذه، وقد أخذ بعض الناس في ذلك الآن فكتبوا بدل «دولتلو فخامتلو» صاحب الدولة ~~والفخامة، وبدل «أفندمز» مولانا وغير ذلك. # وبعد هذه الديباجات يدخلون على المقاصد بعبارات وجيزة تليق بالمكتوب إليه مثل: «يرفع ~~هذا للسدة الكريمة العبد الخاضع فلان وينهي ...» أو: «أتشرف برفع هذا للمقام العالي وأنهي ~~...» أو: «أعرض على مسامع دولتكم ما هو ...» أو: «أحيط عطوفتكم علما بما هو ...» أو: «أقدم ~~هذا لسعادتكم راجيا كذا» أو: «ألتمس من عزتكم كيت وكيت» أو: «أبدي لحضرتكم كذا» وعلامة ~~الانتهاء كلمة «أفندم». # ويؤرخونها بالتاريخ العربي والإفرنجي معا، ويضعونه أسفل الرسالة. والمستعمل الآن في ~~التاريخ أن يكتب عدد ما مضى من أيام الشهر بالرقم وبعده اسم الشهر ثم اسم السنة، وفوقها ~~ما يدل عليها من الأرقام، فيكتب مثلا: «25 شعبان سنة 1314». # ثم يكتبون أسماء وظائفهم ويختمون تحتها. وإن اقتصر المرسل على كتابة الاسم سموا ذلك ~~إمضاء، ويسمون آلة طبع الاسم ختما لا خاتما. # وإن كانت الرسائل الرسمية جوابا عن أخرى ابتدءوها بعد الديباجات بنحو: «طبقا للأمر ~~الصادر في كذا نمرة كذا أو أمر دولتكم» أو: «بناء على أمر عطوفتكم أو سعادتكم» أو: ~~«بناء على ما ورد إلينا من عزتكم» أو: «حيث إن حضرتكم طلبتم كذا». # وأما الرسائل الأهلية الآن فيكتبون في صدورها مثل: «حضرة الفاضل أو الكامل أو الأديب ~~أو المحترم أو العزيز أو الأخ أو صديقنا أو السيد فلان دام بقاؤه أو لا زال ملحوظا ~~بعين العناية أو نحو ذلك». وقد يجمع الكاتب بين وصفين أو ثلاثة، ثم بعد ذلك يذكرون ~~عبارات تفيد إهداء التحية والسلام إلى المكتوب إليه، ثم يدخلون في الأغراض ms181 ويتممون ~~الكتاب بنحو: «اقبلوا فائق احترامي، والسلام». ويؤرخونها بالتاريخ العربي أو الإفرنجي، ~~وبعضهم يكتبه أسفل الرسالة وبعضهم يكتبه أعلاها كعادة الإفرنج، ويمضونها بكتابة: «عبدكم ~~فلان أو الخاضع المطيع أو محسوبكم أو صديقكم أو المحب المخلص أو والدكم أو أخوكم أو ~~الفقير إليه تعالى أو الحقير أو نحو ذلك». ومع هذا قد مال أغلب الناس إلى ترك مثل هذا ~~واقتصروا على كتابة الاسم مجردا أو ختمه. # وبعد إنهاء الرسالة رسمية أو أهلية توضع في غلاف يسمى «ظرفا» مصنوعا على ~~صورتها بعد طيها، وأطراف الظروف مصمغة فتبل ويلصق بعضها ببعض، ويكتب عليه عنوان ~~المكتوب إليه، وهو الديباجة المصدرة بها الرسالة. # وعبارة الرسائل الرسمية والأهلية سهلة لا يتوخى فيها السجع، إلا أن أدباء عصرنا ~~يحذون في رسائلهم حذو أدباء السلف ليظهروا فضل أدبهم. # ومن أشهر ما كتب في الرسائل: رسائل أبي الفضل أحمد بن الحسين المعروف ببديع الزمان ~~الهمذاني، المتوفى سنة 393، وقد طبعت بمطبعة الجوائب سنة 1298، وقد كتب عليها شرحا ~~مفيدا الشيخ إبراهيم الأحدب الطرابلسي، وطبع هذا الشرح سنة 1890 للميلاد في بيروت. ~~ورسائل أبي بكر الخوارزمي، وكان معاصرا للبديع، وقد طبعت بمطبعة الجوائب سنة 1297. ~~ورسالة أبي الوليد أحمد المعروف بابن زيدون الأندلسي المتوفى بإشبيلية سنة 463، وقد ~~أنشأها على لسان ولادة بنت المستكفي في هجاء الوزير أبي عامر بن عبدوس الملقب ~~بالفار، وعليها شرح جليل لأبي بكر محمد بن نباتة المتوفى سنة 768 يعرف ب «سرح ~~العيون». # ومما ساعد على تقدم صناعة الإنشاء في عصرنا هذا (سنة 1314 للهجرة) صحف الأخبار ~~الحاضرة المعروفة بالجرائد، وإنشاؤها في الجملة مرسل حسن يفهمه العوام ويرضاه الخواص. ~~وأقدم الجرائد العربية المنتشرة الآن في مصر الجريدة الرسمية المعروفة ب «الوقائع ~~المصرية»؛ فإن إنشاءها كان منذ ست وستين سنة في عهد المغفور له محمد علي باشا، ثم ~~جريدة «الأهرام» التي أنشئت من نحو 22 سنة وصاحبها الفاضل «تقلا باشا»، ثم جريدة ~~«الوطن» ومحررها الفاضل «ميخائيل أفندي عبد السيد»، وكلتاهما ظهرت في عهد المغفور له ~~إسماعيل باشا خديو مصر، ثم ms182 جريدة «المقطم» التي أنشئت منذ تسع سنين، ومنشئوها ~~الأفاضل: يعقوب أفندي صروف وفارس أفندي نمر وجاهين أفندي مكاريوس، ثم جريدة «المؤيد» ~~وصاحبها الفاضل الشيخ علي يوسف وعمرها نحو ثماني سنين، وكلتاهما ظهرت في عهد المغفور له ~~محمد باشا توفيق خديو مصر. # وأما كتب العلوم فسير التأليف فيها لم يتغير عما كان عليه في العصر السالف، اللهم ~~إلا من جهة حسن الوضع والترتيب والتقريب إلى الأذهان. ومن عاداتهم أن يبتدئوها بخطب ~~مفتتحة بالبسملة والحمدلة والصلاة والتسليم، ثم يقولون: وبعد؛ فكذا وكذا، ~~ويبينون الغرض من تأليف الكتاب، وقد يذكرون فيه اسم الخليفة أو الملك أو الأمير ~~الذي ألف في عصره هذا الكتاب. وبعض معاصرينا لا يستحسنون ذلك وفاتهم أن هذا مفيد ~~في تاريخ العلوم. وفي هذه الخطب المؤلفون يظهرون براعتهم في الإنشاء، ويتوخون فيها ~~تهذيب الكلام وتحسينه بأنواع البديع كبراعة الاستهلال والسجع والجناس، ولهذا أفرد ~~العلماء بعض خطب المصنفات بالشروح. # وأما القصص فمنها ما له خارج يطابقه فيكون من علم التاريخ، ومنها ما هو حكايات ~~مخترعة وضعت لتسلية النفوس وقت الفراغ ككتاب «ألف ليلة وليلة»، وهذا النوع يعرف الآن ~~بالروايات، وقد أكثر من التصنيف فيه معاصرونا اقتداء بالإفرنج، فإنهم في هذا الفن قد ~~حازوا قصبات السبق. # ومن الحكايات الموضوعة «المقامات الأدبية» التي قصد بها منشئوها جمع مواد لغوية في ~~حكايات لطيفة حسنة الأسلوب، يرغب فيها طالب الأدب ويسهل عليه حفظها ويتعرف منها ~~أساليب الإنشاء، ك «مقامات أبي الفضل أحمد بن الحسين الهمذاني» المعروف ببديع الزمان ~~المتوفى سنة 393، نسب روايتها إلى عيسى بن هشام، ومبنى حديثها إلى أبي الفتح الإسكندري ~~وكلاهما اخترعه وهمه وخياله. وقد طبعت هذه المقامات سنة 1293 بمطبعة الجوائب، وهي إحدى ~~وخمسون مقامة، وقد شرحها شرحا لطيفا الفاضل الشيخ محمد عبده، وقد طبع هذا الشرح في ~~بيروت سنة 1889 للميلاد. # و«مقامات أبي محمد القاسم بن علي الحريري البصري» المتوفى سنة 516 بالبصرة، قال في ~~خطبتها: «وبعد؛ فإنه قد جرى ببعض أندية الأدب الذي ركدت في هذا العصر ريحه وخبت ~~مصابيحه، ms183 ذكر المقامات التي ابتدعها بديع الزمان وعلامة همذان - رحمه الله - وعزا إلى ~~أبي الفتح الإسكندري نشأتها، وإلى عيسى بن هشام روايتها وكلاهما مجهول لا يعرف ونكرة ~~لا تتعرف، فأشار من إشارته حكم وطاعته غنم إلى أن أنشئ مقامات أتلو فيها تلو البديع، ~~وإن لم يدرك الظالع شأو الضليع ...» إلى أن قال: «وأنشأت خمسين مقامة تحتوي على جد القول ~~وهزله، ورقيق اللفظ وجزله، وغرر البيان ودرره، وملح الأدب ونوادره، إلى ما وشحتها به ~~من الآيات ومحاسن الكنايات ورصعته فيها من الأمثال العربية واللطائف الأدبية والأحاجي ~~النحوية والفتاوي اللغوية والرسائل المبتكرة والخطب المحبرة والمواعظ المبكية والأضاحيك ~~الملهية مما أمليت جميعه على لسان أبي زيد السروجي وأسندت روايته إلى الحارث بن همام ~~البصري ...» إلى أن قال: «ومن نقد الأشياء بعين المعقول، وأنعم النظر في مباني الأصول، ~~نظم هذه المقامات في سلك الإفادات، وسلكها مسلك الموضوعات عن العجماوات والجمادات، ولم ~~يسمع بمن نبا سمعه عن تلك الحكايات أو أثم رواتها في وقت من الأوقات ... فأي حرج على ~~من أنشأ ملحا للتنبيه لا للتمويه، ونحا بها منحى التهذيب لا الأكاذيب؟! وهل هو في ذلك ~~إلا بمنزلة من انتدب لتعليم أو هدي إلى صراط مستقيم؟!» ا.ه. وقد طبعت في بولاق سنة ~~1300 للهجرة، وكثير من طلاب الأدب يحفظونها أو بعضها. وقد علق الأدباء عليها شروحا ~~كثيرة من أشهرها الشروح الثلاثة لأبي العباس أحمد بن عبد المؤمن القيسي الشريشي المتوفى ~~سنة 619، وقد طبع منها: «الشرح الكبير» في سفرين بمطبعة بولاق سنة 1300. # و«مقامات جمال الدين أبي الطاهر محمد بن يوسف السرقسطي» المعروف بابن الإشتركوني ~~المتوفى سنة 538، وهي خمسون مقامة أنشأها بقرطبة على منوال «مقامات الحريري»، والتزم ~~فيها ما لا يلزم؛ ولذا تعرف ب «المقامات اللزومية»، وحدث فيها المنذر بن حمام عن ~~السائب بن تمام. # و«المقامات الزينبية» لشمس الدين أبي الندى معد ابن أبي الفتح المعروف بابن صيقل ~~الجزري المتوفى سنة 701، وهي خمسون مقامة على منوال «مقامات الحريري»، نسبها إلى أبي ~~نصر المصري وعزا روايتها إلى القاسم بن جربال ms184 الدمشقي. و«مجمع البحرين» وهو ستون مقامة ~~على منوال «مقامات الحريري»، أنشأها الشيخ ناصيف اليازجي المتوفى سنة 1287، وقد طبعت ~~ببيروت سنة 1856 وسنة 1872 للميلاد. # وفي كتابي «قلائد الذهب في فصيح لغة العرب» أنشأت في ألفاظ مادة «جلل» مقامة على ~~منوال «مقامات الحريري»، التزمت في كل سجعة منها أن آتي بكلمة من هذه المادة وتعرف ~~ب «المقامة الجلالية»، وسيأتي ذكرها في الفصل الثالث. # وأما الخطب فلا تزال أحوال الناس في كل عصر تدعو إلى قيام نبلائهم ليخطبوا فيهم بما ~~يقوم معوجهم أو يرشدهم إلى ما فيه صلاحهم أو يعظهم الموعظة الحسنة أو يستفزهم ~~إلى خير أو يثبطهم عن ضير أو نحو ذلك. وكان الخطباء في العصر السالف يخطبون ~~ارتجالا في الأحوال القائمة بينهم، وقبل الإسلام كانت لهم أسواق يلقون فيها الخطب، ~~وبعده كانوا يلقونها في المحافل والمساجد. وفي عصرنا هذا الخطب الدينية مدونة يحفظها ~~الخطباء ويلقونها كما هي أيام الجمع على المصلين وقت الظهر، وهذه الخطب تسمى ~~ب «المنبرية»؛ لأنهم يلقونها وهم على المنابر. وكثير من العلماء صنف لكل جمعة من كل ~~شهر خطبة خاصة بها، ومصنفات الخطب تعرف ب «الدواوين»، فإذا اتبع خطيب مسجد ديوان ~~خطب خاص؛ تكررت الخطبة الواحدة قدر سني الخطابة. # هذا، وقد جمع السيد المرتضى أبو القاسم على بن الطاهر المتوفى سنة 436 ببغداد المختار ~~من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في الخطب والرسائل والحكم في كتاب سماه «نهج ~~البلاغة» قال في خطبته: «وقد رأيت كلامه عليه السلام يدور على أقطاب ثلاثة؛ أولها: ~~الخطب والأوامر، وثانيها: الكتب والرسائل، وثالثها: الحكم والمواعظ.» وعلى هذا النهج ~~شرح لطيف للقاضي الفاضل الشيخ محمد عبده، طبع في بيروت سنة 1885 للميلاد. # ولأبي يحيى عبد الرحيم المعروف بابن نباتة خطيب حلب المتوفى سنة 374 بميافارقين ~~«ديوان خطب أدبية» عليه شروح كثيرة، منها شرح لعبد اللطيف البغدادي المتوفى سنة 629، ~~ومنها شرح الشيخ طاهر أفندي الجزائري، من أفاضل هذا العصر، وقد طبع هذا الشرح مع الخطب ~~في بيروت سنة 1311. وابن نباتة هذا ms185 اجتمع مع المتنبي في خدمة سيف الدولة ~~بن حمدان. # وينخرط في سلك الخطب مقالات الزمخشري المعروفة ب «أطواق الذهب في المواعظ والخطب»، ~~طبعت في بيروت في مطبعة جمعية الفنون سنة 1293، وعليها شرح لطيف للشيخ الفاضل يوسف ~~أفندي الأسير. و«مقامات الزمخشري» الوعظية، وقد طبعت بالمطبعة العباسية بمصر سنة 1312، ~~وعليها شرح له. و«مقالات عبد المؤمن» المغربي الأصفهاني المعروفة ب «أطباق الذهب»، قد ~~سلك فيها مسلك الزمخشري في «أطواقه»، وقد طبعت بدار الطباعة ببولاق سنة 1280 ~~للهجرة. # ومن دواوين الخطب المنبرية ديوان شيخ الإسلام أبي يحيى زكريا الأنصاري المتوفى سنة ~~926، ويسمى ب «التحفة العلية في الخطب المنبرية». وديوان الشيخ إبراهيم السقا ~~الأزهري، المتوفى سنة 1298، ويسمى «غاية الأمنية في الخطب المنبرية». وديوان الفاضل ~~السيد محمد الببلاوي وكيل المكتبة الخديوية، وقد طبع هذه السنة (سنة 1314) بمطبعة ~~بولاق. # وأما الوصف فطريقة كتابة السلف والخلف فيه كطريقتهم في غيره من حيث ابتكار المعاني ~~وحسنها وتسجيع الكلام وإرساله، إلا أن تجدد المرثيات المبتدعة مع العصور ~~المتوالية والأمكنة المختلفة جعلت صور الإنشاء فيها بديعة الآن عما كانت عليه قبل، ~~فالحضارة والإقليم لهما تأثير عظيم على الوصف الكتابي كتأثيرهما على الشعر، وهذا النوع ~~من أهم أنواع الإنشاء، وفيه تتفاوت أقدار المنشئين، وقد عني به الإفرنج كثيرا تبعا ~~لمدنيتهم. # الفصل الثالث # | في شذرات من منشآت السلف والخلف # خطب أبو طالب في محفل زواج النبي # صلى الله عليه وسلم # بخديجة بنت خويلد فقال: «الحمد لله الذي ~~جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وضئضئ معد، وعنصر مضر، وجعل لنا بيتا ~~محجوجا وحرما آمنا، وجعلنا أمناء بيته وسواس حرمه، وجعلنا حكاما على الناس. ~~وإن ابن أخي محمد بن عبد الله من علمتم قرابته، وهو لا يوزن به أحد إلا رجح به، ~~فإن كان في المال قل فإن المال ظل زائل، وقد خطب خديجة بنت خويلد، وبذل لها من ~~الصداق ما عاجله وآجله من مالي كذا وكذا، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم، وخطر ~~جليل.» # وكتب عليه الصلاة والسلام إلى خالد بن الوليد جوابا ms186 عن كتابه له بإسلام بني الحارث ~~وقد أرسل إليهم، وهو: «من محمد رسول الله إلى خالد بن الوليد، سلام عليك، فإني ~~أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد؛ فإن كتابك جاءني مع رسولك يخبرني بأن ~~بني الحارث قد أسلموا قبل أن تقاتلهم، وأجابوا إلى ما دعوتهم إليه من الإسلام، وشهدوا ~~أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأن قد هداهم الله بهداه، فبشرهم وأنذرهم ~~وأقبل وليقبل معك وفدهم، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.» # رسالة معزوة إلى أبي بكر وعمر بعثا بها كما قيل إلى علي: روي عن أبي عبيدة أنه ~~قال: # لما استقامت الخلافة لأبي بكر بين المهاجرين والأنصار ولحظ بعين الهيبة ~~والوقار، وإن كان لم يزل كذلك بعد هنة كاده الشيطان بها، فدفع الله - عز وجل ~~- شرها ورحض عرها ويسر خيرها وأزاح ضيرها ورد كيدها وقسم ظهر النفاق ~~والفسوق من أهلها؛ بلغ أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - عن علي بن أبي طالب - ~~رضي الله عنه - تلكؤ وشماس، وتهمهم ونفاس، وكره أن يتمادى الحال وتبدو ~~العداوة وتنفرج ذات البين، ويصير ذلك دربة لجاهل مغرور، أو عاقل ذي دهاء، أو ~~صاحب سلامة ضعيف القلب خوار العنان، دعاني فحضرته وعنده عمر بن الخطاب وحده، ~~وكان يدمل أرضه بالسرجين، وكان عمر قبسا له ظهيرا معه يستضيء برأيه، ويستملي ~~على لسانه. فقال لي: يا أبا عبيدة، ما أيمن ناصيتك، وأبين الخير بين عينيك ~~وعارضيك، ولقد كنت من رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بالمكان المحوط والمحل المغبوط، ولقد ~~قال فيك في يوم مشهود: «أبو عبيدة أمين هذه الأمة.» وطالما أعز الله بك ~~الإسلام، وأصلح فساده على يديك، ولم تزل للدين ملجأ، وللمؤمنين دوحا، ولأهلك ~~ركنا، ولإخوانك ردءا، قد أردتك لأمر له ما بعده، خطره مخوف، وصلاحه معروف، ~~ولئن لم يندمل جرحه بمسبرك ولم تستجب حيته لرقيتك، فقد وقع اليأس وأعضل ~~البأس، واحتيج بعد ذلك إلى ما هو أمر من ذلك وأعلق، وأعسر منه وأغلق. والله ~~أسأل تمامه بك ms187 ونظامه على يديك، فتأن له يا أبا عبيدة، وتلطف فيه، وانصح ~~لله تعالى ولرسوله # صلى الله عليه وسلم # ولهذه العصابة غير آل جهدا، ولا قال جدا، ~~والله كالئك وناصرك، وهاديك ومبصرك، وبه الحول والتوفيق. امض إلى علي واخفض ~~جناحك له، واغضض من صوتك عنده، واعلم أنه سلالة أبي طالب، ومكانه ممن قد فقدناه ~~بالأمس # صلى الله عليه وسلم # مكانه، وقل له: # البحر مغرقة، والبر مفرقة، والجو أكلف، والليل أغلف، والسماء جلواء، ~~والأرض صلعاء، والصعود متعذر، والهبوط متعسر، والحق رءوف عطوف، والباطل شنوف ~~عنوف، والعجب قادح الشرار، والضغن رائد البوار، والتعريض شجار الفتنة، ~~والقعة ثقوب العداوة، وهذا الشيطان متكئ على شماله متحبل بيمينه، نافج ~~حضنيه لأهله ينتظر الشتات والفرقة، ويدب بين الأمة بالشحناء والعداوة عنادا ~~لله ولرسوله # صلى الله عليه وسلم ~~، ولدينه ثالبا، يوسوس بالفجور ويدلي بالغرور، ويمني ~~أهل الشرور، ويوحي إلى أوليائه بالباطل والزور، دأبا له مذ كان على عهد ~~أبينا آدم # صلى الله عليه وسلم ~~، وعادة منه منذ أهانه الله - عز وجل - في سالف الدهر، لا ~~ينجى منه إلا بعض النواجذ على الحق، وغض الطرف عن الباطل، ووطء هامة ~~عدو الله وعدو الدين بالأشد فالأشد، والأحد فالأحد، وإسلام النفس لله ~~- عز وجل - فيما حاز رضاه، وجنب سخطه. # ولا بد الآن من قول ينفع إذا ضر السكوت، وخيف غبه، ولقد أرشدك من أفاء ~~ضالتك، وصافاك من أحيا مودته لك بعتابك، وأراد الخير بك من آثر البقاء ~~معك. # ما هذا الذي تسول لك نفسك؟ ويدوى به قلبك؟ ويلتوي به عليك رأيك؟ ويتخاوص ~~دونه طرفك؟ ويسري فيه ظعنك؟ ويتراد معه نفسك؟ وتكثر معه صعداؤك ولا يفيض ~~به لسانك؟ أعجمة بعد إفصاح؟ أتلبيس بعد إيضاح؟ أدين غير دين الله عز وجل؟ ~~أخلق غير خلق القرآن؟ أهدى غير هدى النبي # صلى الله عليه وسلم ~~؟ أمثلي يدب له ~~الضراء؟ أو يمشي إليه الخمر؟ أم مثلك ينقبض عليه الفضاء أو يكسف في عينه ~~القمر؟ ما هذه القعقعة بالشنان؟ وما هذه الوعوعة باللسان؟ إنك جد عارف ~~باستجابتنا ms188 لله - عز وجل - ولرسوله - عليه السلام - وخروجنا من أوطاننا ~~وأموالنا وأولادنا هجرة إلى الله تعالى عز ذكره، ولنصرة نبيه # صلى الله عليه وسلم # في ~~زمان أنت فيه في كن الصبا وخدر الغرارة، غافل عما يشيب ويريب، لا ~~تعي ما يراد ويشاد، ولا تحصل ما يساق ويقاد سوى ما أنت جار عليه إلى ~~غايتك التي إليها عدى بك، وعندها حط رحلك غير مجهول القدر ولا مجحود الفضل، ~~ونحن في أثناء ذلك نعاني أحوالا تزيل الرواسي، ونقاسى أهوالا تشيب النواصى، ~~خائضين غمارها راكبين تيارها نتجرع صابها، ونشرج عيابها، ونسوغ عبابها، ~~ونحكم أساسها ونبرم أمراسها، والعيون تحدج بالحسد، والأنوف تعطس بالكبر، ~~والصدور تستعر بالغيظ، والأعناق تتطاول بالفخر، والشفار تشحذ بالمكر، والأرض ~~تميد بالخوف، ولا ننتظر عند المساء صباحا، ولا عند الصباح مساء، ولا ندفع في ~~نحر أمر لنا إلا بعد أن نحسو الموت دونه، ولا نبلغ إلى شيء إلا بعد جرع الغصص ~~معه، ولا نقوم منآدا إلا بعد اليأس من الحياة عنده، فادين في كل ذلك لرسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # بالأب والام، والخال والعم، والنشب، والسبد واللبد، والهلة ~~والبلة، بطيب نفس وقرور عين، ورحب أعطان، وثبات عزائم، وصحة عقول، ~~وطلاقة أوجه، وذلاقة ألسن، هذا إلى خفيات أسرار ومكنونات أخبار كنت عنها ~~غافلا، ولولا حداثة سنك لم تكن عنها ناكلا. كيف وفؤادك مشهوم، وعودك معجوم، ~~وغيبك مخبور، والقول فيك كثير؟ والآن قد بلغ الله بك، وأرهص الخير لك، وجعل ~~مرادك بين يديك. وعن علم أقول ما تسمع، فارتقب زمانك وقلص إليه أردانك، ~~ودع التجسس والتعسس لمن لا يضلع إليك إذا خطا، ولا يتزحزح عنك إذا عطا، ~~فالأمر غض، والنفوس فيها مض، وإنك أديم هذه الأمة فلا تحلم لجاجا، وسيفها ~~العضب فلا تنب اعوجاجا، وماؤها العذب فلا تحل أجاجا. والله لقد سألت ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # عن هذا الأمر، فقال لي: «يا أبا بكر، هو لمن يرغب عنه، لا ~~لمن يرغب فيه ويجاحش عليه، ولمن تضاءل له لا لمن ينتفخ إليه، ms189 ولمن يقول: هو لك، ~~لا لمن يقول: هو لي.» # والله لقد شاورني رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في الصهر، فذكر فتيانا من قريش، فقلت: ~~أين أنت من علي؟ فقال: «إني لأكره لفاطمة ميعة شبابه، وحداثة سنه.» فقلت له: ~~متى كنفته يدك ورعته عينك حفت بهما البركة، وسبغت عليهما النعمة، مع ~~كلام كثير خطبت به عنك ورغبته فيك، وما كنت عرفت منك في ذلك حوجاء ولا ~~لوجاء، فقلت ما قلت وأنا أرى مكان غيرك، وأجد رائحة سواك، وكنت لك إذ ذاك ~~خيرا منك الآن لي، ولئن كان عرض بك رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فقد كنى عن غيرك، ~~وإن كان قال فيك فما سكت عن سواك. وإن يختلج في نفسك شيء فهلم فالحكم ~~مرضي، والصواب مسموع، والحق مطاع، ولقد نقل رسول الله # صلى الله عليه وسلم # إلى ما ~~عند الله - عز وجل - وهو عن هذه العصابة راض، وعليها حدب، يسره ما ~~يسرها ويكيده ما كادها، ويرضيه ما أرضاها ويسخطه ما أسخطها. ألم تعلم ~~أنه لم يدع أحدا من أصحابه وخلطائه وأقاربه وشجرائه إلا أبانه بفضيلة، ~~وخصه بمكرمة، وأفرده بخلالة لو أصفقت الأمة عليه لكان عنده إبالتها ~~وكفالتها وكرامتها وغزارتها، أتظن أنه # صلى الله عليه وسلم # ترك الأمة نشرا سدى بددا ~~عدى عباهل مباهل طلاحا مفتونة بالباطل مغبونة عن الحق، لا ذائد ولا حائط ~~ولا ساقي ولا واقي ولا هادي ولا حادي؟! كلا والله ما اشتاق إلى ربه تعالى ولا ~~سأله المصير إلى رضوانه حتى ضرب الصوى، وأوضح الهدى، وأمن المهالك ~~والمطاوح، وسهل المبارك والمهايع، وشدخ يافوخ الشرك بإذن الله عز وجل، وشرم ~~وجه النفاق لوجه الله تعالى جده، وجدع أنف الفتنة في ذات الله تبارك ~~اسمه، وتفل في وجه الشيطان بعون الله جل ذكره، وصدع بملء فيه ويده بأمر ~~الله عز وجل. # وبعد، فهؤلاء المهاجرون والأنصار عندك ومعك في دار واحدة، وبقعة جامعة، إن ~~استقالوني لك وأشاروا عندي بك، فأنا واضع يدي في يدك، وصائر إلى رأيهم فيك، ~~وإن ms190 تكن الأخرى، فادخل فيما دخل فيه المسلمون، وكن العون على مصالحهم، والفاتح ~~لمغالقهم، والمرشد لضالهم، والرادع لغاويهم، فقد أمر الله بالتعاون على البر، ~~وأهاب إلى التناصر على الحق، ودعنا نقضي هذه الحياة الدنيا بصدور بريئة من ~~الغل، ونلقى الله عز وجل بقلوب سليمة من الضغن. # وبعد، فالناس ثمامة فارفق بهم، واحن عليهم، ولن لهم، ولا تشق نفسك بنا ~~خاصة فيهم، واترك ناجم الحقد حصيدا، وطائر الشر واقعا، وباب الفتنة غلقا، ~~فلا قال ولا قيل، ولا لوم ولا تبيع، والله - عز وجل - على ما نقول وكيل، وبما ~~نحن عليه بصير. # قال أبو عبيدة: فلما تهيأت للنهوض، قال لي عمر: كن لدى الباب هنيهة فلي معك نصيب ~~من القول، فوقفت ولا أدري ما كان بعدي، إلا أنه لحقني بوجه يندى تهللا، وقال: قل ~~لعلي: # الرقاد محلمة، واللجاج ملحمة، والهوى مفحمة، وما منا أحد إلا وله ~~مقام معلوم، وحق مشاع أو مقسوم، ونبأ ظاهر أو مكتوم، وإن أكيس الكيسى من ~~منح الشارد تألفا، وقارب البعيد تلطفا، ووزن كل امرئ بميزانه، ولم يخلط ~~خبره بعيانه، ولم يجعل فتره مكان شبره، ولا خيره مكان شره، ولا خير في ~~معرفة مشوبة بنكرة، ولا في علم معتمل في جهل، ولسنا كجلدة رفغ البعير بين ~~العجان وبين الذنب، وكل صال فبناره، وكل سبيل فإلى قراره. وما كان سكوت هذه ~~العصابة إلى هذه الغاية لعي وشي، وكلامها اليوم لفتق أو رتق، فقد جدع ~~الله بمحمد # صلى الله عليه وسلم # أنف كل ذي كبر، وقصم ظهر كل جبار، وقطع لسان كل كذوب، ~~فماذا بعد الحق إلا الضلال؟! ما هذه الخنزوانة التي في فراش رأسك؟ وما هذا ~~الشجا المعترض في مدارج أنفاسك؟ وما هذه الوحرة التي أكلت شراسيفك، والقذاة ~~التي أعشت ناظرك؟ وما هذا الدخس والدس اللذان يدلان على ضيق الباع، وخور ~~الطباع؟ وما هذا الذي لبست بسببه جلدة النمر؟ واشتملت عليه بالشحناء والنكر، ~~لشد ما استسعيت إليها، وسريت سرى ابن أنقد إليها. إن العوان لا تعلم ~~الخمرة، وإن الحصان لا ms191 تكلم خبرة، وما أحوج الفرعاء إلى فال، وما أفقر ~~الصلعاء إلى حال! لقد خرج رسول الله # صلى الله عليه وسلم # والأمر محبس، ليس لأحد فيه ~~ملمس ... ولم يسير فيك قولا، ولم يستنزل فيك قرآنا، ولم يجزم في شأنك حكما، ~~ولسنا في كسروية كسرى، ولا قيصرية قيصر، إنما ذلك لأخدان فارس، وأبناء الأصفر، ~~قوم جعلهم الله جزرا لسيوفنا، وخرزا لرماحنا، ومرمى لطعاننا، وتبعا ~~لسلطاننا، بل نحن في نور نبوة، وضياء رسالة، وثمرة حكمة، وأثرة رحمة، وعنوان ~~نعمة، وظل عصمة، بين أمة مهدية بالحق والصدق، مأمونة على الفتق والرتق، لها من ~~الله عز وجل قلب أبي، وساعد قوي، ويد ناصرة، وعين باصرة. أتظن أن أبا ~~بكر الصديق وثب على هذا الأمر، مفتاتا على هذه الأمة خادعا لها، متسلطا ~~عليها؟! أتراه امتلخ أحلامها، وأزاغ أبصارها، وحل عقدها، وأحال عقولها، ~~واستل من صدورها حميتها، وانتزع من أكبادها عصبيتها، ونكث رشاءها، ~~وأنضب ماءها، وأضلها عن هداها، وساقها إلى رداها، وجعل نهارها ليلا، ~~ووزنها كيلا، ويقظتها رقادا، وصلاحها فسادا؟ إن كان هكذا إن سحره لمبين، ~~وإن كيده لمتين! كلا والله بأي خيل ورجل، وبأي سنان ونصل، وبأي قوة ~~ومنة، وبأي ذخر وعدة، وبأي أيد وشدة، وبأي عشيرة وأسرة، وبأي تدرع ~~وبسطة؟! لقد أصبح عندك بما وسمته منيع العقبة، رفيع العتبة. لا والله ولكن سلا ~~عنها؛ فولهت إليه، وتطامن لها؛ فلصقت به، ومال عنها، فمالت إليه، واشتمل دونها؛ ~~فاشتملت عليه، حبوة حباه الله بها، وعاقبة بلغه الله إياها، ونعمة سربله ~~الله جمالها، ويد أوجب عليه شكرها، وأمة نظر الله به لها، ولطالما حلقت فوقه ~~في أيام رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وهو لا يلتفت لفتها، ولا يرتصد وقتها، والله أعلم ~~بخلقه، وأرأف بعباده، يختار ما كان لهم الخيرة. # وإنك بحيث لا يجهل موضعك من بيت النبوة، ومعدن الرسالة، وكهف الحكمة، ولا ~~يجحد حقك فيما أتاك ربك، ولكن لك من يزاحمك بمنكب أضخم من منكبك، وقرب ~~أمس من قربك، وسن أعلى من سنك، وشيبة أروع من شيبتك، ms192 وسيادة لها عرق من ~~الجاهلية، وفرع في الإسلام والشريعة، ومواقف ليس لك فيها من جمل ولا ناقة، ولا ~~تذكر منها في مقدمة ولا ساقة، ولا تضرب فيها بذراع ولا إصبع، ولا تخرج منها ~~ببازل ولا هبع، فإن عذرت نفسك فيما تهدر به شقشقتك من صاغيتك، فاعذرنا فيما ~~تسمع منا في لين وسكون، مما لا تبعده منه، ولا تناضله عليه. ولئن حدثت بهذا ~~نفسك، ليتنخشن عليك ما ينسيك الأولى، ويلهيك عن الأخرى، ولو علم من عرضنا به ما ~~في أنفسنا له وعليه؛ لما سكت، ولاتخذت أنت وليجة إلى بعض الأرب. فأما أبو بكر ~~الصديق فلم يزل حبة سويداء قلب رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وعلاقة همه، وعيبة سره، ~~ومثوى حزنه، ومفزع رأيه ومشورته، وراحة كفه، ومرمق طرفه، وذلك كله بمحضر الصادر ~~والوارد من المهاجرين والأنصار، شهرته مغنية عن الدلالة عليه، ولعمري إنك أقرب ~~إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قرابة، لكنه أقرب قربة، والقرابة لحم ودم، والقربة روح ~~ونفس، وهذا فرق قد عرفه المؤمنون، وكذلك صاروا أجمعين، ومهما شككت فيه فلا تشك ~~أن يد الله مع الجماعة، ورضوانه لأهل الطاعة، فادخل فيما هو خير لك اليوم، ~~وأنفع لك غدا، والفظ من فيك ما تعلق بلهاتك، وانفث سخيمة صدرك عن نفاثك، ~~فإن يكن في الأمد طول، وفي الأجل فسحة فستأكله مريا أو غير مري، وستشربه ~~هنيا أو غير هني، حين لا راد لقولك إلا من كان منك، ولا تابع لك إلا من ~~كان طامعا فيك، يمض إهابك، ويفري قادمتك، ويزري على هديك، هناك تقرع السن من ~~ندم، وتجرع الماء ممزوجا بدم، وحينئذ تأسى على ما مضى من عمرك، ودرج من قومك، ~~فتود أن لو سقيت بالكأس التي أبيتها، ورددت للحال التي استبريتها. ~~ولله تعالى فينا أمر هو بالغه، وغيب هو شاهده، وعاقبة هو المرجو لضرائها ~~وسرائها، وهو الولي الحميد، الغفور الودود. # قال أبو عبيدة رضي الله عنه: فمشيت متزملا أتوجى كأنما أخطو على أم رأسي؛ فرقا ~~من الفرقة، وشفقا على ms193 الأمة، حتى وصلت إلى علي - رضي الله تعالى عنه - في خلاء، ~~فأبثثته بثي كله، وبرئت إليه منه ورفقت به، فلما سمعها ووعاها، وسرت في أوصاله ~~حمياها، قال: حلت معلوطة، وولت مخروطة، حل لا حليت التعس أدنى لها من أن ~~أقول لعا: # إحدى لياليك فهيسي هيسي # لا تنعمي الليلة بالتعريس # نعم يا أبا عبيدة، أكل هذا في أنفس القوم، يحتبون عليه ويضطبعون به؟ # قال أبو عبيدة: فقلت: لا جواب لك عندي، إنما أنا قاض حق الدين، وراتق فتق ~~الإسلام، وساد ثلمة الأمة، يعلم الله ذلك من جلجلان قلبي، وقرارة نفسي. # قال علي رضي الله عنه: والله ما كان قعودي في كسر هذا البيت قصدا للخلافة، ولا ~~إنكارا للمعروف، ولا زراية على مسلم، بل لما وقذني به رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بفراقه، ~~وأودعني من الحزن بفقده، وذلك أني لم أشهد بعده مشهدا إلا جدد لي حزنا، وذكرني ~~شجوا، وإن الشوق إلى اللحاق به كاف عن الطمع في غيره، فقد عكفت على عهد الله أنظر ~~فيه، وأجمع ما تفرق منه، رجاء ثواب معد لمن أخلص عمله وسلم لعلمه ومشيئة ربه. ~~على أني ما علمت أن التظاهر علي واقع، ولا عن الحق الذي سبق إلي دافع، وإذا قد ~~أفعم الوادي بي، وحشد النادي من أجلي، فلا مرحبا بما ساء أحدا من المسلمين، وفي ~~النفس كلام لولا سابق قول، وسالف عهد، لشفيت غيظي بخنصري وبنصري، وخضت لجته ~~بأخمصي ومفرقي، لكني ملجم إلى أن ألقى الله عز وجل، وعنده أحتسب ما نزل بي. وأنا غاد ~~إلى جماعتكم، ومبايع لصاحبكم، وصابر على ما ساءني وسركم؛ ليقضي الله أمرا كان ~~مفعولا، وكان الله على كل شيء شهيدا. # قال أبو عبيدة: فعدت إلى أبي بكر وعمر - رضي الله تعالى عنهما - فنصصت القول على ~~غره، ولم أختزل شيئا من حلوه ومره، وذكرت غدوه إلى المسجد. فلما كان صباح يومئذ ~~وافى علي، فخرق إلى أبي بكر فبايعه، وقال خيرا، ووصف جميلا، وجلس زميتا، واستأذن ~~للقيام ونهض، فشيعه عمر؛ تكرمة ms194 له واستئثارا لما عنده، فقال له علي: ما قعدت عن ~~صاحبكم كارها له، ولا أتيته فرقا منه، وإنما أقول ما أقول لعلة، وإنى لأعرف ~~مسمى طرفي، ومخطى قدمي، ومنزع قوسي، وموقع سهمي، ولكني قد أزمت على فأسي؛ ثقة ~~بالله في الإبالة في الدنيا والآخرة. # فقال له عمر رضي الله عنه: كفكف غربك، واستوقف سربك، ودع العصا بلحائها، والدلاء ~~برشائها، فإنا من خلفها وورائها، إن قدحنا أورينا، وإن متحنا أروينا، وإن جرحنا أدمينا، ~~وإن نصحنا أربينا، ولقد سمعت أماثيلك التي لغوت بها عن صدر أكل بالجوى، ولو شئت ~~لقلت على مقالتك ما إذا سمعته ندمت على ما قلته ، زعمت أنك قعدت في كسر بيتك؛ لما وقذك ~~به رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بفراقه، أفراق رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وقذك وحدك ولم يقذ سواك؟! بل ~~مصابه أعظم وأعز من ذلك، فإن من حق مصابه ألا يصدع شمل الجماعة بكلمة لا عصام لها، ~~ولا يزرى على أخيارها بما لا يؤمن كيد الشيطان في عقباها. هذه العرب حولنا والله لو ~~تداعت علينا في مصبح يوم لم نلتق في ممساه. وزعمت أن الشوق بك إلى اللحاق به كاف ~~عن الطمع في غيره، فمن الشوق إليه نصرة دينه، ومؤازرة أولياء الله تعالى جده، ~~ومعاونتهم فيه. وزعمت أنك عكفت على عهد الله عز وجل؛ تجمع ما تبدد منه، فمن العكوف على ~~عهده النصيحة لعباده، والرقة على خلقه، وبذل ما يصلحون به، ويرشدون إليه. وزعمت ~~أنك لم تعلم أن التظاهر عليك واقع، ولك عن الحق الذي سبق إليك دافع! فأي تظاهر وقع ~~عليك، وأي حق لك ليط دونك، وقد علمت ما قالت الأنصار لك بالأمس سرا وجهرا، وما تقلبت ~~عليه بطنا وظهرا، فهل ذكرتك أو أشارت بك، أو وجدنا رضاها عنك؟! هؤلاء المهاجرون، من ~~الذي قال بلسانه تصلح لهذا الأمر، أو أومأ بعينه، أو همهم في نفسه؟! أتظن أن الناس قد ~~ضلوا من أجلك وعادوا كفارا زهدا فيك، وباعوا الله عز وجل ورسوله # صلى الله ms195 عليه وسلم ~~؛ تحاملا ~~عليك؟! لا والله، ولكنك اعتزلت تنتظر الوحي، وتتوكف مناجاة الملك لك، ذاك أمر طواه ~~الله عز وجل بعد محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، أكان الأمر معقودا بأنشوطة، أو مشدودا بأطراف ليطة؟! ~~كلا والله، إن الغيابة لمحلقة، وإن الشجرة لمورقة، ولا عجماء بعد حمد الله إلا وقد ~~فصحت، ولا عجفاء إلا وقد سمنت، ولا بلهاء إلا وقد فطنت، ولا شوكاء إلا وقد نقحت، ومن ~~أعجب شأنك قولك: لولا سابق قول وسالف عهد لشفيت غيظي! وهل ترك الدين لأحد من أهله أن ~~يشفي غيظه بيده ولسانه، تلك جاهلية قد استأصل الله شأفتها، ودفع عن الناس آفتها ، واقتلع ~~جرثومتها، وهور ليلها، وغور سيلها، وأبدل منها الروح والريحان، والهدى ~~والبرهان، وزعمت أنك ملجم، فلعمري إن من اتقى الله عز وجل، وآثر رضاه، وطلب ما ~~عنده، أمسك لسانه، وأطبق فاه، وجعل سعيه لما وراءه. # قال علي رضي الله عنه: والله ما بذلت ما بذلت وأنا أريد نكثه، ولا أقررت بما أقررت ~~وأنا أريد حولا عنه، وإن أخسر الناس صفقة عند الله من آثر النفاق، واحتضن الشقاق، ~~وبالله سلوة من كل كارث، وعليه التوكل في جميع الحوادث، ارجع يا أبا حفص ناقع القلب، ~~فسيح البال، مبرود الغليل، فصيح اللسان فليس وراء ما سمعته وقلته إلا ما يشد الأزر ويحط ~~الوزر ويضع الإصر، ويجمع الألفة ويرفع الكلفة ويوقع الزلفة، بمعونة الله عز وجل، وحسن ~~توفيقه. # وخطب عمر بن الخطاب، فقال: «أيها الناس، اتقوا الله في سريرتكم وعلانيتكم، وأمروا ~~بالمعروف وانهوا عن المنكر، ولا تكونوا مثل قوم كانوا في سفينة فأقبل أحدهم على موضعه ~~يخرقه، فنظر إليه أصحابه فمنعوه، فقال: هو موضعي ولي أن أحكم عليه، فإن أخذوا على يده ~~سلم وسلموا، وإن تركوه هلك وهلكوا معه، وهذا مثل ضربته لكم، رحمنا الله ~~وإياكم.» # وكتب إلى أبي موسى الأشعري: «بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فإن القضاء فريضة ~~محكمة، وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك؛ فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، آس ~~بين ms196 الناس في مجلسك ووجهك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا يخاف ضعيف من جورك. والبينة ~~على من ادعى، واليمين على من أنكر. والصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحا حرم ~~حلالا أو أحل حراما، ولا يمنعك قضاء قضيته بالأمس راجعت فيه نفسك وهديت فيه لرشدك ~~أن ترجع عنه، فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل. الفهم الفهم ~~عند ما يتلجلج في صدرك مما لم يبلغك في كتاب الله ولا سنة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. اعرف ~~الأمثال والأشباه، وقس الأمور عند ذلك، ثم اعمد إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق ~~فيما ترى، واجعل للمدعي حقا غائبا أو بينة أمدا ينتهي إليه، فإن أحضر بينة ~~أخذت له بحقه وإلا وجهت عليه القضاء، فإن ذلك أنفى للشك وأجلى للعمى وأبلغ في العذر. ~~المسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجلودا في حد أو مجربا عليه شهادة زور، أو ~~ظنينا في ولاء أو قرابة، فإن الله قد تولى منكم السرائر ودرأ عنكم بالشبهات. ثم ~~إياك والقلق والضجر والتأذي بالناس والتنكر للخصوم في مواطن الحق التي يوجب الله بها ~~الأجر، ويحسن به الذخر! فإنه من يخلص نيته فيما بينه وبين الله - تبارك وتعالى - ولو ~~على نفسه يكفه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين للناس بما يعلم الله خلافه منه ~~هتك الله ستره وأبدى فعله، والسلام عليك.» # ووقع في أسفل كتاب كتبه إليه سعد بن أبي وقاص في بنيان يبنيه بما صورته: «ابن ما ~~يكنك من الهواجر وأذى المطر.» # وكتب عثمان بن عفان إلى علي بن أبي طالب وكان خرج إلى الينبع وقد أحاط الناس ~~بعثمان: «أما بعد، فقد بلغ السيل الزبى، وجاوز الحزام الطبيين، وطمع في كل من كان ~~يضعف عن نفسه، ولم يغلبك مثل مغلب فأقبل إلي صديقا أو عدوا: # فإن كنت مأكولا فكن خير آكل # وإلا فأدركني ولما ~~أمزق!» # وخطب علي بن أبي طالب - عليه السلام - لما خاطبه العباس وأبو سفيان بن حرب في أن ~~يبايعا له بالخلافة بعد ms197 موت النبي # صلى الله عليه وسلم # خطبة، منها: «أيها الناس، شقوا أمواج ~~الفتن بسفن النجاة، وعرجوا عن طريق المنافرة، وضعوا عن تيجان المفاخرة، أفلح من نهض ~~بجناح، أو استسلم فأراح. هذا ماء آجن، ولقمة يغص بها آكلها، ومجتنى الثمرة لغير وقت ~~إيناعها كالزارع بغير أرضه، فإن أقل يقولوا: حرص على الملك، وإن أسكت يقولوا: جزع ~~من الموت! هيهات بعد اللتيا والتي، والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي ~~أمه، بل اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوى ~~البعيدة.» # وكتب للأشتر النخعي لما ولاه على مصر وأعمالها عهدا يجمع كثيرا من المحاسن، ~~وهو: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أمر به عبد الله علي أمير المؤمنين مالك ~~بن الحارث الأشتر في عهده إليه حين ولاه مصر: جباية خراجها، وجهاد عدوها، واستصلاح ~~أهلها، وعمارة بلادها؛ أمره بتقوى الله، وإيثار طاعته، واتباع ما أمر الله به في ~~كتابه من فرائضه وسننه التي لا يسعد أحد إلا باتباعها، ولا يشقى إلا مع جحودها ~~وإضاعتها، وأن ينصر الله - سبحانه - بقلبه ويده ولسانه؛ فإنه جل اسمه قد تكفل ~~بنصر من نصره، وإعزاز من أعزه، وأمره أن يكسر نفسه عند الشهوات، ويزعها عند ~~الجمحات؛ فإن النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم الله. # ثم اعلم يا مالك أني وجهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل وجور، ~~وأن الناس ينظرون من أمورك في مثل ما كنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك، ويقولون ~~فيك ما كنت تقول فيهم، وإنما يستدل على الصالحين بما يجري الله لهم على ألسن ~~عباده، فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح، فاملك هواك وشح بنفسك عما لا ~~يحل لك؛ فإن الشح بالنفس الإنصاف منها فيما أحبت أو كرهت. وأشعر قلبك ~~الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم ~~أكلهم؛ فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل، ~~وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم ms198 في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي ~~تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه؛ فإنك فوقهم، ووالي الأمر عليك فوقك، والله فوق من ~~ولاك، وقد استكفاك أمرهم وابتلاك بهم. ولا تنصبن نفسك لحرب الله؛ فإنه لا يد لك ~~بنقمته، ولا غنى بك عن عفوه ورحمته، ولا تندمن على عفو، ولا تبجحن بعقوبة، ولا ~~تسرعن إلى بادرة وجدت منها مندوحة، ولا تقولن إني مؤمر آمر فأطاع؛ فإن ~~ذلك إدغال في القلب، ومنهكة للدين، وتقرب من الغير، فإذا أحدث لك ما أنت فيه من ~~سلطانك أبهة أو مخيلة، فانظر إلى عظم ملك الله فوقك، وقدرته منك على ما لا تقدر ~~عليه من نفسك؛ فإن ذلك يطامن إليك من طماحك، ويكف عنك من غربك، ويفيء إليك بما ~~عزب عنك من عقلك. # وإياك ومساماة الله في عظمته، والتشبه به في جبروته؛ فإن الله يذل كل جبار، ~~ويهين كل مختال. أنصف الله وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك ومن لك فيه هوى من ~~رعيتك؛ فإنك إلا تفعل تظلم، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده، ومن خاصمه ~~الله أدحض حجته، وكان لله حربا حتى ينزع ويتوب. وليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة الله ~~وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم؛ فإن الله سميع دعوة المضطهدين، وهو للظالمين ~~بالمرصاد. وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق، وأعمها في العدل، وأجمعها لرضا ~~الرعية؛ فإن سخط العامة يجحف برضا الخاصة، وإن سخط الخاصة يغتفر مع رضا ~~العامة. وليس أحد من الرعية أثقل على الوالي مؤنة في الرخاء، وأقل معونة له في ~~البلاء، وأكره للإنصاف، وأسأل بالإلحاف، وأقل شكرا عند الإعطاء، وأبطأ عذرا عند ~~المنع، وأضعف صبرا عند ملمات الدهر من أهل الخاصة، وإنما عماد الدين وجماع ~~المسلمين والعدة للأعداء؛ العامة من الأمة، فليكن صغوك لهم، وميلك معهم. وليكن ~~أبعد رعيتك منك وأشنأهم عندك أطلبهم لمعائب الناس؛ فإن في الناس عيوبا الوالي أحق ~~من سترها، فلا تكشفن عما غاب عنك منها، فإنما عليك تطهير ما ms199 ظهر لك والله يحكم ~~على ما غاب عنك، فاستر العورة ما استطعت؛ يستر الله منك ما تحب ستره من رعيتك. أطلق ~~عن الناس عقدة كل حقد، واقطع عنك سبب كل وتر، وتغاب عن كل ما لا يصح لك، ولا تعجلن ~~إلى تصديق ساع؛ فإن الساعي غاش وإن تشبه بالناصحين، ولا تدخلن في مشورتك ~~بخيلا يعدل بك عن الفضل، ويعدك الفقر، ولا جبانا يضعفك عن الأمور، ولا حريصا يزين ~~لك الشره بالجور؛ فإن البخل والجبن والحرص غرائز شتى يجمعها سوء الظن بالله. # إن شر وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيرا ومن شركهم في الآثام؛ فلا يكونن لك ~~بطانة ، فإنهم أعوان الأثمة، وإخوان الظلمة، وأنت واجد منهم خير الخلف ممن له مثل ~~آرائهم ونفاذهم وليس عليه مثل آصارهم وأوزارهم ممن لا يعاون ظالما على ظلمه، ولا ~~آثما على إثمه، أولئك أخف عليك مئونة، وأحسن لك معونة، وأحنى عليك عطفا، وأقل ~~لغيرك إلفا؛ فاتخذ أولئك خاصة لخلواتك وحفلاتك. ثم ليكن آثرهم عندك أقولهم ~~بمر الحق لك، وأقلهم مساعدة فيما يكون منك مما كره الله لأوليائه واقعا من هواك ~~حيث وقع. والصق بأهل الورع والصدق، ثم رضهم على ألا يطروك، ولا يبجحوك ~~بباطل لم تفعله؛ فإن كثرة الإطراء تحدث الزهو وتدني من العزة. # ولا يكونن المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء؛ فإن ذلك تزهيدا لأهل الإحسان في ~~الإحسان، وتدريبا لأهل الإساءة على الإساءة، وألزم كلا منهم ما ألزم نفسه. واعلم ~~أنه ليس شيء بأدعى إلى حسن ظن راع برعيته من إحسانه إليهم، وتخفيفه المئونات عليهم، ~~وترك استكراهه إياهم على ما ليس قبلهم، فليكن منك في ذلك أمر يجتمع لك به حسن الظن ~~برعيتك؛ فإن حسن الظن يقطع عنك نصبا طويلا. وإن أحق من حسن ظنك به لمن حسن ~~بلاؤك عنده، وإن أحق من ساء ظنك به لمن ساء بلاؤك عنده. # ولا تنقض سنة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة، واجتمعت بها الألفة، وصلحت ~~عليها الرعية، ولا تحدثن سنة تضر بشيء من ماضي تلك السنن؛ فيكون ms200 الأجر لمن ~~سنها، والوزر عليك بما نقضت منها. وأكثر مدارسة العلماء، ومنافثة الحكماء، في تثبيت ~~ما صلح عليه أمر بلادك، وإقامة ما استقام به الناس قبلك. واعلم أن الرعية طبقات، لا ~~يصلح بعضها إلا ببعض، ولا غنى ببعضها عن بعض؛ فمنها جنود الله، ومنها كتاب العامة ~~والخاصة، ومنها قضاة العدل، ومنها عمال الإنصاف والرفق، ومنها أهل الجزية والخراج ~~من أهل الذمة ومسلمة الناس، ومنها التجار وأهل الصناعات، ومنها الطبقة السفلى من ~~ذوي الحاجة والمسكنة، وكلا قد سمى الله سهمه، ووضع على حده فريضة في كتابه أو ~~سنة نبيه - صلى الله عليه وآله - عهدا منه عندنا محفوظا. فالجنود بإذن الله حصون ~~الرعية، وزين الولاة، وعز الدين، وسبل الأمن، وليس تقوم الرعية إلا بهم، ثم لا ~~قوام للجنود إلا بما يخرج الله لهم من الخراج الذي يقوون به في جهاد عدوهم، ويعتمدون ~~عليه فيما يصلحهم، ويكون من وراء حاجاتهم، ثم لا قوام لهذين الصنفين إلا بالصنف ~~الثالث من القضاة والعمال والكتاب؛ لما يحكمون من المعاقد، ويجمعون من المنافع، ~~ويؤتمنون عليه من خواص الأمور وعوامها، ولا قوام لهم جميعا إلا بالتجار وذوي ~~الصناعات فيما يجتمعون عليه من مرافقهم، ويقيمونه من أسواقهم، ويكفونهم من الترفق ~~بأيديهم ما لا يبلغه رفق غيرهم، ثم الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة الذين يحق ~~رفدهم ومعونتهم، وفي الله لكل سعة، ولكل على الوالي حق بقدر ما يصلحه. وليس يخرج ~~الوالي من حقيقة ما ألزمه الله من ذلك إلا بالاهتمام والاستعانة بالله وتوطين نفسه ~~على لزوم الحق والصبر عليه فيما خف عليه أو ثقل. فول من جنودك أنصحهم في نفسك لله ~~ولرسوله ولإمامك، وأنقاهم جيبا، وأفضلهم حلما، ممن يبطئ عن الغضب، ويستريح إلى ~~العذر، ويرأف بالضعفاء، وينبو على الأقوياء، وممن لا يثيره العنف، ولا يقعد به الضعف. ~~ثم الصق بذوي الأحساب وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة، ثم أهل النجدة ~~والشجاعة والسخاء والسماحة؛ فإنهم جماع من الكرم، وشعب من العرف، ثم تفقد ~~من أمورهم ما يتفقد الوالدان من ولدهما، ولا ms201 يتفاقمن في نفسك شيء قويتهم به، ولا ~~تحقرن لطفا تعاهدتهم به وإن قل؛ فإنه داعية لهم إلى بذل النصيحة لك وحسن الظن ~~بك، ولا تدع تفقد لطيف أمورهم اتكالا على جسيمها؛ فإن لليسير من لطفك موضعا ~~ينتفعون به، وللجسيم موقعا لا يستغنون عنه. # وليكن آثر رءوس جندك عندك من واساهم في معونته، وأفضل عليهم من جدته بما يسعهم ويسع ~~من وراءهم من خلوف أهليهم، حتى يكون همهم هما واحدا في جهاد العدو، فإن عطفك ~~عليهم يعطف قلوبهم عليك. وإن أفضل قرة عين الولاة استقامة العدل في البلاد، وظهور ~~مودة الرعية، وأنه لا تظهر مودتهم إلا بسلامة صدرهم ، ولا تصح نصيحتهم إلا ~~بحيطتهم على ولاة أمورهم، وقلة استثقال دولهم، وترك استبطاء انقطاع مدتهم. فأفسح ~~في آمالهم، وواصل في حسن الثناء عليهم، وتعديد ما أبلى ذوو البلاء منهم؛ فإن كثرة ~~الذكر لحسن أفعالهم تهز الشجاع، وتحرض الناكل إن شاء الله. ثم اعرف ~~لكل امرئ منهم ما أبلى، ولا تضيفن بلاء امرئ إلى غيره، ولا تقصرن به دون غاية ~~بلائه، ولا يدعونك شرف امرئ إلى أن تعظم من بلائه ما كان صغيرا، ولا ضعة امرئ إلى ~~أن تستصغر من بلائه ما كان عظيما. واردد إلى الله ورسوله ما يضلعك من الخطوب، ويشتبه ~~عليك من الأمور؛ فقد قال الله تعالى لقوم أحب إرشادهم: # يا ~~أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول ~~، فالرد إلى الله: الأخذ بمحكم كتابه، والرد إلى الرسول: ~~الأخذ بسنته الجامعة غير المفرقة. # ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور، ولا تمحكه ~~الخصوم، ولا يتمادى في الزلة، ولا يحصر من الفي‏ء إلى الحق إذا عرفه، ولا تشرف نفسه ~~على طمع، ولا يكتفى بأدنى فهم دون أقصاه، أوقفهم في الشبهات، وآخذهم بالحجج، ~~وأقلهم تبرما بمراجعة الخصم، وأصبرهم على تكشف الأمور، وأصرمهم عند اتضاح ~~الحكم، ممن لا يزدهيه إطراء، ولا يستميله إغراء، وأولئك قليل. ثم أكثر ms202 تعاهد قضائه، ~~وأفسح له في البذل ما يزيل علته، وتقل معه حاجته إلى الناس، وأعطه من المنزلة ~~لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك؛ ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك، فانظر في ذلك ~~نظرا بليغا، فإن هذا الدين قد كان أسيرا في أيدي الأشرار، يعمل فيه بالهوى، ~~ويطلب به الدنيا. ثم انظر فى أمور عمالك فاستعملهم اختبارا، ولا تولهم محاباة ~~وأثرة، فإنهم جماع من شعب الجور والخيانة، وتوخ منهم أهل التجربة والحياء من ~~أهل البيوتات الصالحة، والقدم في الإسلام المتقدمة، فإنهم أكرم أخلاقا، وأصح ~~أعراضا، وأقل في المطامع إشرافا، وأبلغ في عواقب الأمور نظرا. ثم أسبغ عليهم ~~الأرزاق؛ فإن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم، وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم، ~~وحجة عليهم إن خالفوا أمرك أو ثلموا أمانتك. ثم تفقد أعمالهم وابعث العيون من أهل ~~الصدق والوفاء عليهم، فإن تعاهدك في السر لأمورهم حدوة لهم على استعمال الأمانة ~~والرفق بالرعية. وتحفظ من الأعوان فإن أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه ~~عندك أخبار عيونك اكتفيت بذلك شاهدا، فبسطت عليه العقوبة في بدنه، وأخذته بما أصاب من ~~عمله، ثم نصبته بمقام المذلة، ووسمته بالخيانة، وقلدته عار التهمة. # وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله، فإن في صلاحه وصلاحهم صلاحا لمن سواهم، ولا ~~صلاح لمن سواهم إلا بهم؛ لأن الناس كلهم عيال على الخراج وأهله. وليكن نظرك في ~~عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج؛ لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة، ومن ~~طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد، ولم يستقم أمره إلا قليلا، فإن ~~شكوا ثقلا أو علة أو انقطاع شرب أو بالة أو إحالة أرض اغتمرها غرق أو أجحف بها ~~عطش، خففت عنهم بما ترجو أن يصلح به أمرهم. ولا يثقلن عليك شيء خففت به المئونة عنهم، ~~فإنه ذخر يعودون به عليك في عمارة بلادك، وتزيين ولايتك، مع استجلابك حسن ثنائهم، ~~وتبجحك باستفاضة العدل فيهم، معتمدا فضل قوتهم بما ذخرت عندهم من إجمامك لهم، ms203 والثقة ~~منهم بما عودتهم من عدلك عليهم في رفقك بهم، فربما حدث من الأمور ما إذا عولت فيه ~~عليهم من بعد احتملوه طيبة أنفسهم به، فإن العمران محتمل ما حملته، وإنما يؤتى ~~خراب الأرض من إعواز أهلها، وإنما يعوز أهلها لإشراف أنفس الولاة على الجمع، وسوء ظنهم ~~بالبقاء، وقلة انتفاعهم بالعبر. # ثم انظر فى حال كتابك، فول على أمورك خيرهم، واخصص رسائلك التي تدخل فيها مكائدك ~~وأسرارك بأجمعهم لوجود صالح الأخلاق ممن لا تبطره الكرامة، فيجترئ بها عليك في خلاف لك ~~بحضرة ملأ، ولا تقتصر به الغفلة عن إيراد مكاتبات عمالك عليك، وإصدار جواباتها على ~~الصواب عنك فيما يأخذ لك ويعطي منك، ولا يضعف عقدا اعتقده لك، ولا يعجز عن إطلاق ما ~~عقد عليك، ولا يجهل مبلغ قدر نفسه في الأمور؛ فإن الجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيره ~~أجهل. ثم لا يكن اختيارك إياهم على فراستك واستنامتك وحسن الظن منك، فإن الرجال ~~يتعرفون لفراسات الولاة بتصنعهم وحسن خدمتهم، وليس وراء ذلك من النصيحة والأمانة ~~شي‏ء، ولكن اختبرهم بما ولوا للصالحين قبلك؛ فاعمد لأحسنهم كان في العامة أثرا، ~~وأعرفهم بالأمانة وجها، فإن ذلك دليل على نصيحتك لله ولمن وليت أمره، واجعل لرأس ~~كل أمر من أمورك رأسا منهم لا يقهره كبيرها، ولا يتشتت عليه كثيرها. ومهما كان في ~~كتابك من عيب فتغابيت عنه ألزمته. # ثم استوص بالتجار وذوي الصناعات وأوص بهم خيرا، المقيم منهم والمضطرب بماله، ~~والمترفق ببدنه؛ فإنهم مواد المنافع، وأسباب المرافق وجلابها من المباعد والمطارح ~~في برك وبحرك وسهلك وجبلك، وحيث لا يلتئم الناس لمواضعها ولا يجترئون عليها، ~~فإنهم سلم لا تخاف بائقته وصلح لا تخشى غائلته. وتفقد أمورهم بحضرتك وفي حواشي بلادك، ~~واعلم مع ذلك أن في كثير منهم ضيقا فاحشا وشحا قبيحا واحتكارا للمنافع، ~~وتحكما في البياعات، وذلك باب مضرة للعامة وعيب على الولاة، فامنع من الاحتكار ~~فإن رسول الله - صلى الله عليه وآله - منع منه، وليكن البيع بيعا سمحا بموازين ~~عدل، وأسعار لا تجحف بالفريقين من ms204 البائع والمبتاع، فمن قارف حكرة بعد نهيك إياه ~~فنكل به، وعاقب في غير إسراف. # ثم الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم من المساكين والمحتاجين وأهل ~~البؤسى والزمنى فإن في هذه الطبقة قانعا ومعترا. واحفظ الله ما استحفظك من حقه ~~فيهم، واجعل لهم قسما من بيت مالك، وقسما من غلات صوافي الإسلام في كل بلد فإن ~~للأقصى منهم مثل الذي للأدنى، وكل قد استرعيت حقه، فلا يشغلنك عنهم بطر، فإنك ~~لا تعذر بتضييعك التافه لإحكامك الكثير المهم، فلا تشخص همك عنهم، وتصعر خدك ~~لهم. وتفقد أمور من لا يصل إليك منهم ممن تقتحمه العيون وتحقره الرجال، ففرغ لأولئك ~~ثقتك من أهل الخشية والتواضع، فليرفع إليك أمورهم، ثم اعمل فيهم بالإعذار إلى الله يوم ~~تلقاه، فإن هؤلاء من بين الرعية أحوج إلى الإنصاف من غيرهم. وكل فأعذر إلى الله ~~في تأدية حقه إليه. وتعهد أهل اليتم وذوي الرقة في السن ممن لا حيلة له، ولا ينصب ~~للمسألة نفسه، وذلك على الولاة ثقيل والحق كله ثقيل، وقد يخففه الله على أقوام طلبوا ~~العاقبة فصبروا أنفسهم، ووثقوا بصدق موعود الله لهم. واجعل لذوي الحاجات منك قسما ~~تفرغ لهم فيه شخصك، وتجلس لهم مجلسا عاما فتتواضع فيه لله الذي خلقك، وتقعد عنهم ~~جندك وأعوانك من أحراسك وشرطك حتى يكلمك متكلمهم غير متتعتع، فإني سمعت رسول الله - ~~صلى الله عليه وآله - يقول في غير موطن: «لن تقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من ~~القوي غير متتعتع.» ثم احتمل الخرق منهم والعي، ونح عنهم الضيق والأنف يبسط الله ~~عليك بذلك أكناف رحمته، ويوجب لك ثواب طاعته. وأعط ما أعطيت هنيئا، وامنع في إجمال ~~وإعذار. # ثم أمور من أمورك لا بد لك من مباشرتها؛ منها: إجابة عمالك بما يعيا عنه كتابك. ~~ومنها: إصدار حاجات الناس يوم ورودها عليك بما تحرج به صدور أعوانك. وأمض لكل يوم ~~عمله، فإن لكل يوم ما فيه، واجعل لنفسك فيما بينك وبين الله أفضل تلك المواقيت، ~~وأجزل تلك ms205 الأقسام وإن كانت كلها لله إذا صلحت فيها النية، وسلمت منها الرعية. ~~وليكن في خاصة ما تخلص به لله دينك؛ إقامة فرائضه التي هي له خاصة فأعط الله من ~~بدنك في ليلك ونهارك، ووف ما تقربت به إلى الله من ذلك كاملا غير مثلوم ولا ~~منقوض بالغا من بدنك ما بلغ. وإذا قمت في صلاتك للناس فلا تكونن منفرا ولا ~~مضيعا، فإن في الناس من به العلة وله الحاجة، وقد سألت رسول الله - صلى الله ~~عليه وآله - حين وجهني إلى اليمن كيف أصلي بهم؟ فقال: «صل بهم كصلاة أضعفهم، ~~وكن بالمؤمنين رحيما.» # أما بعد، فلا تطولن احتجابك عن رعيتك، فإن احتجاب الولاة عن الرعية ~~شعبة من الضيق، وقلة علم بالأمور، والاحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه فيصغر ~~عندهم الكبير، ويعظم الصغير، ويقبح الحسن ويحسن القبيح، ويشاب الحق بالباطل، وإنما ~~الوالي بشر لا يعرف ما توارى عنه الناس به من الأمور، وليست على الحق سمات تعرف بها ~~ضروب الصدق من الكذب، وإنما أنت أحد رجلين: إما امرؤ سخت نفسك بالبذل في الحق ~~ففيم احتجابك من واجب حق تعطيه أو فعل كريم تسديه؟ أو مبتلى بالمنع فما أسرع كف ~~الناس عن مسألتك إذا أيسوا من بذلك مع أن أكثر حاجات الناس إليك مما لا مئونة ~~فيه عليك من شكاة مظلمة أو طلب إنصاف في معاملة. ثم إن للوالي خاصة وبطانة فيهم ~~استئثار وتطاول وقلة إنصاف في معاملة، فاحسم مادة أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال، ~~ولا تقطعن لأحد من حاشيتك وحامتك قطيعة، ولا يطمعن منك في اعتقاد عقدة تضر بمن ~~يليها من الناس في شرب أو عمل مشترك يحملون مئونته على غيرهم، فيكون مهنأ ذلك لهم دونك، ~~وعيبه عليك في الدنيا والآخرة. وألزم الحق من لزمه من القريب والبعيد، وكن في ذلك ~~صابرا محتسبا، واقعا ذلك من قرابتك وخاصتك حيث وقع، وابتغ عاقبته بما يثقل عليك ~~منه، فإن مغبة ذلك محمودة، وإن ظنت الرعية بك حيفا فأصحر لهم بعذرك، واعدل ~~عنك ms206 ظنونهم بإصحارك، فإن في ذلك رياضة منك لنفسك، ورفقا برعيتك، وإعذارا تبلغ به ~~حاجتك من تقويمهم على الحق. ولا تدفعن صلحا دعاك إليه عدوك ولله فيه رضا، فإن ~~في الصلح دعة لجنودك وراحة من همومك، وأمنا لبلادك، ولكن الحذر كل الحذر من عدوك بعد ~~صلحه، فإن العدو ربما قارب ليتغفل، فخذ بالحزم، واتهم في ذلك حسن الظن. وإن عقدت ~~بينك وبين عدوك عقدة أو ألبسته منك ذمة، فحط عهدك بالوفاء، وارع ذمتك ~~بالأمانة، واجعل نفسك جنة دون ما أعطيت، فإنه ليس من فرائض الله شي‏ء الناس أشد ~~عليه اجتماعا مع تفرق أهوائهم وتشتت آرائهم من تعظيم الوفاء بالعهود، وقد لزم ذلك ~~المشركون فيما بينهم دون المسلمين لما استوبلوا من عواقب الغدر، فلا تغدرن بذمتك ولا ~~تخيسن بعهدك ولا تختان عدوك، فإنه لا يجترئ على الله إلا جاهل شقي، وقد جعل الله ~~عهده وذمته أمنا أفضاه بين العباد برحمته، وحريما يسكنون إلى منعته، ويستفيضون إلى ~~جواره، فلا إدغال ولا مدالسة ولا خداع فيه. # ولا تعقد عقدا تجوز فيه العلل، ولا تعولن على لحن قول بعد التأكيد ~~والتوثقة، ولا يدعونك ضيق أمر لزمك فيه عهد الله إلى طلب انفساخه بغير الحق، فإن ~~صبرك على ضيق أمر ترجو انفراجه وفضل عاقبته خير من عذر تخاف تبعته، وأن تحيط بك من الله ~~فيه طلبة فلا تستقيل فيها دنياك ولا آخرتك. # إياك والدماء وسفكها بغير حلها! فإنه ليس شي‏ء أدعى لنقمة، ولا أعظم لتبعة، ولا ~~أحرى بزوال نعمة وانقطاع مدة من سفك الدماء بغير حقها، والله سبحانه مبتدئ بالحكم ~~بين العباد فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة، فلا تقوين سلطانك بسفك دم حرام؛ ~~فإن ذلك مما يضعفه ويوهنه بل يزيله وينقله، ولا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل ~~العمد؛ لأن فيه قود البدن، وإن ابتليت بخطأ وأفرط عليك سوطك أو سيفك أو يدك بعقوبة، ~~فإن في الوكزة فما فوقها مقتلة، فلا تطمحن بك نخوة سلطانك عن أن تؤدي إلى أولياء ~~المقتول حقهم. وإياك ms207 والإعجاب بنفسك، والثقة بما يعجبك منها، وحب الإطراء! فإن ذلك ~~من أوثق فرص الشيطان في نفسه ليمحق ما يكون من إحسان المحسنين. وإياك والمن على ~~رعيتك بإحسانك، أو التزيد فيما كان من فعلك، أو أن تعدهم فتتبع موعدك بخلفك، فإن ~~المن يبطل الإحسان، والتزيد يذهب بنور الحق، والخلف يوجب المقت عند الله والناس، ~~قال الله تعالى: # كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما ~~لا تفعلون ~~. وإياك والعجلة بالأمور قبل أوانها، أو التسقط فيها ~~عند إمكانها، أو اللجاجة فيها إذا تنكرت، أو الوهن عنها إذا استوضحت. فضع كل أمر ~~موضعه، وأوقع كل عمل موقعه . وإياك والاستئثار بما الناس فيه أسوة، والتغابي عما ~~يعنى به مما قد وضح للعيون، فإنه مأخوذ منك لغيرك، وعما قليل تنكشف عنك أغطية ~~الأمور، وينتصف منك للمظلوم. املك حمية أنفك، وسورة حدك، وسطوة يدك، وغرب ~~لسانك، واحترس من كل ذلك بكف البادرة، وتأخير السطوة، حتى يسكن غضبك فتملك ~~الاختيار، ولن تحكم ذلك من نفسك حتى تكثر همومك بذكر المعاد إلى ربك. والواجب عليك أن ~~تتذكر ما مضى لمن تقدمك من حكومة عادلة، أو سنة فاضلة، أو أثر عن نبينا صلى الله ~~عليه وآله، أو فريضة في كتاب الله، فتقتدي بما شاهدت مما عملنا به فيها، وتجتهد لنفسك ~~في اتباع ما عهدت إليك في عهدي هذا، واستوثقت به من الحجة لنفسى عليك؛ لكيلا تكون ~~لك علة عند تسرع نفسك إلى هواها. وأنا أسأل الله بسعة رحمته، وعظيم قدرته على إعطاء ~~كل رغبة، أن يوفقني وإياك لما فيه رضاه من الإقامة على العذر الواضح إليه وإلى خلقه، ~~مع حسن الثناء في العباد، وجميل الأثر في البلاد، وتمام النعمة، وتضعيف الكرامة، وأن ~~يختم لي ولك بالسعادة والشهادة، إنا إليه راغبون. والسلام على رسول الله - صلى الله ~~عليه وآله - الطيبين الطاهرين، وسلم تسليما كثيرا. والسلام.» # وخطب معاوية على منبر المدينة، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «يا أهل المدينة، إني ~~لست أحب أن تكونوا خلقا كخلق العراق، يعيبون الشيء وهم فيه، ms208 كل امرئ منهم شيعة ~~نفسه. واقبلونا بما فينا، فإن ما وراءنا شر لكم، وإن معروف زماننا هذا منكر زمان ~~قد مضى، ومنكر زماننا هذا معروف زمان لم يأت، ولو قد أتى فالرتق خير من الفتق، وفي كل ~~بلاغ ولا مقام على الرزية.» # وخطب الحجاج حين ولاه عبد الملك العراق وأمره أن يحشر الناس إلى المهلب في حرب ~~الأزارقة: ~~«أنا ابن جلا وطلاع الثنايا # متى أضع العمامة ~~تعرفوني # صليب العود من سلفي نزار # كنصل السيف وضاح ~~الجبين # وماذا تبتغي الشعراء مني # وقد جاوزت حد ~~الأربعين؟ # أخو خمسين مجتمع أشدي # وتنجدني مداورة ~~الشئون # أما والله إني لأحمل الشر بحمله، وأحذوه بفعله، وأجزيه بمثله، وإني لأرى رءوسا قد ~~أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها، وإني لأنظر الدماء بين العمائم واللحى تترقرق. # قد شمرت عن ساقها فشمري # هذا أوان الحرب ~~فاشتدي زيم # قد لفها الليل بسواق حطم # ليس براعي إبل ولا ~~غنم # ولا بجزار على ظهر وضم # قد لفها الليل بعصلبي # أروع جراح من ~~الدوي # مهاجر ليس بأعرابي # قد شمرت عن ساقها فشدوا # ما علتي وأنا شيخ ~~جلد # والقوس فيها وتر عرد # مثل ذراع البكر أو ~~أشد # إني والله يا أهل العراق، ومعدن الشقاق والنفاق ومساوئ الأخلاق، لا يغمز جانبي ~~كتغماز التنين، ولا يقعقع لي بالشنان، ولقد فررت عن ذكاء، وفتشت عن تجربة، ~~وأجريت مع الغاية، وإن أمير المؤمنين نثر كنانته، ثم عجم عيدانها، فوجدني أمرها ~~عودا، وأشدها مكسرا، فوجهني إليكم ورماكم بي، فإنه طالما أوضعتم في الفتن ~~وسننتم سنن البغي وسعيتم في الضلالة. وايم الله لألحونكم لحو العصا، ولأقرعنكم قرع ~~المروة، ولأعصبنكم عصب السلمة، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل. أما والله لا أعد ~~إلا وفيت، ولا أخلق إلا فريت، وإياي وهذه الزرافات والجماعات، وقال وقيل وما ~~يقولون وفيم أنتم! والله لتستقيمن على طريق الحق، أو لأدعن لكل رجل منكم ~~شغلا في جسده. من وجدته بعد ثالثة من بعث المهلب سفكت دمه، وانتهبت ماله، وهدمت ~~منزله.» # وله أيضا: «يا أهل العراق، إن الشيطان قد استبطنكم فخالط ms209 اللحم والدم والمسامع ~~والأطراف والأعضاد والشفاه، ثم مضى إلى الأمخاخ والأصماخ، ثم ارتفع فعشش، ثم باض ~~وفرخ، فحشاكم شقاقا ونفاقا، وإن أشعركم خلافا، اتخذتموه دليلا تتبعونه، وقائدا ~~تطيعونه، ومؤامرا تستشيرونه، وكيف تنفعكم تجربة أو تعظكم وقعة، أو يحجزكم إسلام، أو ~~يردكم إيمان؟! ألستم أصحابي بالأهواز حيث رمتم المكر، وسعيتم بالغدر، واستجمعتم للكفر، ~~وظننتم أن الله يخذل دينه وخلافته، وأنا أرميكم بطرفي وأنتم تنسلون لواذا، وتنهزمون ~~سراعا؟! يوم الزاوية، وما يوم الزاوية! بها كان فشلكم وتنازعكم وتخاذلكم، وبراءة ~~الله منكم، ونكوص وليه عنكم إذا وليتم كالإبل الشوارد إلى أوطانها النوازع إلى ~~أعطانها، لا يسأل المرء عن أخيه، ولا يلوي الشيخ على بنيه، حتى عضكم السلاح، ~~وقصمتكم الرماح يوم دير الجماجم. وما دير الجماجم! به كانت المعارك والملاحم، بضرب ~~يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله. يا أهل العراق، أهل الكفرات والفجرات، ~~والغدرات بعد الخترات، والثورة بعد الثورات، إن أبعثكم إلى ثغوركم غللتم وخنتم، وإن ~~أمنتكم أرجفتم، وإن خفتم نافقتم، لا تذكرون نقمة ولا تشكرون نعمة. يا أهل العراق، هل ~~استخفكم ناكث، أو استغواكم غاو، أو استفزكم عاص، أو استنصركم ظالم، أو استعضدكم ~~خالع إلا وثقتموه وآويتموه وعزرتموه ونصرتموه ورضيتموه وأرضيتموه؟! يا أهل ~~العراق، هل شغب شاغب، أو نعب ناعب، أو نعق ناعق، أو زفر زافر إلا كنتم أتباعه وأنصاره؟! ~~يا أهل العراق، ألم تنهكم المواعظ؟ ألم تزجركم الوقائع؟ يا أهل الشأم، إنما أنا لكم ~~كالظليم الذاب عن فراخه ينفي عنها المدر، ويباعد عنها الحجر، ويكنها من المطر، ~~ويحميها من الضباب ويحرسها من الذباب، يا أهل الشأم، أنتم الجبة والرداء، وأنتم ~~العدة والحذاء.» # وكتب عبد الحميد كاتب مروان بن محمد، آخر خلفاء بني أمية، رسالة لكتاب أوصاهم فيها ~~بمحاسن الآداب، وهي: «أما بعد، حفظكم الله يا أهل صناعة الكتابة، وحاطكم ووفقكم ~~وأرشدكم، فإن الله عز وجل جعل الناس بعد الأنبياء والمرسلين - صلوات الله وسلامه ~~عليهم أجمعين - ومن بعد الملوك المكرمين أصنافا، وإن كانوا في الحقيقة سواء، ~~وصرفهم في صنوف الصناعات، وضروب ms210 المحاولات، إلى أسباب معاشهم وأبواب أرزاقهم، ~~فجعلكم معشر الكتاب في أشرف الجهات، أهل الأدب والمروءات، والعلم والرزانة. بكم ~~تنتظم للخلافة محاسنها، وتستقيم أمورها، وبنصحائكم يصلح الله للخلق سلطانهم ~~وتعمر بلدانهم، لا يستغني الملك عنكم، ولا يوجد كاف إلا منكم؛ فموقعكم ~~من الملوك موقع أسماعهم التي بها يسمعون، وأبصارهم التي بها يبصرون، وألسنتهم ~~التي بها ينطقون، وأيديهم التي بها يبطشون، فأمتعكم الله بما خصكم من فضل ~~صناعتكم، ولا نزع عنكم ما أضفاه من النعمة عليكم! وليس أحد من أهل الصناعات كلها ~~أحوج إلى اجتماع خلال الخير المحمودة، وخصال الفضل المذكورة المعدودة منكم. # أيها الكتاب ، إذا كنتم على ما يأتي في هذا الكتاب من صفتكم، فإن الكاتب يحتاج ~~من نفسه ويحتاج منه صاحبه الذي يثق به في مهمات أموره أن يكون حليما في موضع ~~الحلم، فهيما في موضع الحكم، مقداما في موضع الإقدام، محجما في موضع ~~الإحجام، مؤثرا للعفاف والعدل والإنصاف، كتوما للأسرار، وفيا عند الشدائد، ~~عالما بما يأتي من النوازل، يضع الأمور مواضعها، والطوارق في أماكنها، قد نظر في كل ~~فن من فنون العلم فأحكمه، وإن لم يحكمه أخذ منه بمقدار ما يكتفى به. يعرف ~~بغريزة عقله وحسن أدبه وفضل تجربته ما يرد عليه قبل وروده وعاقبة ما يصدر عنه قبل ~~صدوره، فيعد لكل أمر عدته وعتاده، ويهيئ لكل وجه هيئته وعادته. ~~فتنافسوا يا معشر الكتاب في صنوف الآداب، وتفقهوا في الدين، وابدءوا بعلم ~~كتاب الله عز وجل والفرائض، ثم العربية فإنها ثقاف ألسنتكم، ثم أجيدوا الخط ~~فإنه حلية كتبكم، وارووا الأشعار واعرفوا غريبها ومعانيها، وأيام العرب والعجم ~~وأحاديثها وسيرها؛ فإن ذلك معين لكم على ما تسمو إليه هممكم. ولا تضيعوا ~~النظر في الحساب؛ فإنه قوام كتاب الخراج. وارغبوا بأنفسكم عن المطامع سنيها ~~ودنيها، وسفساف الأمور ومحاقرها؛ فإنها مذلة للرقاب، مفسدة ~~للكتاب. ونزهوا صناعتكم عن الدناءة، واربئوا بأنفسكم عن السعاية والنميمة ~~وما فيه أهل الجهالات. وإياكم والكبر والسخف والعظمة؛ فإنها عداوة مجتلبة ~~من غير إحنة. وتحابوا في الله - عز وجل - في ms211 صناعتكم، وتواصوا عليها بالذي هو ~~أليق لأهل الفضل والعدل والنبل من سلفكم. وإن نبا الزمان برجل منكم فاعطفوا ~~عليه، وواسوه حتى يرجع إليه حاله ويثوب إليه أمره، وإن أقعد أحدا منكم الكبر ~~عن مكسبه ولقاء إخوانه فزوروه وعظموه وشاوروه، واستظهروا بفضل تجربته وقديم ~~معرفته. وليكن الرجل منكم على من اصطنعه واستظهر به ليوم حاجته إليه أحوط منه على ولده ~~وأخيه؛ فإن عرضت في الشغل محمدة فلا يصرفها إلا إلى صاحبه، وإن عرضت ~~مذمة فليحملها هو من دونه، وليحذر السقطة والزلة والملل عند تغير الحال؛ ~~فإن العيب إليكم معشر الكتاب أسرع منه إلى الفراء ، وهو لكم أفسد منه لها، فقد ~~علمتم أن الرجل منكم إذا صحبه من يبذل له من نفسه ما يجب له عليه من حقه، فواجب ~~عليه أن يعتقد له من وفائه، وشكره، واحتماله، وخيره، ونصيحته، وكتمان سره، وتدبير ~~أمره ما هو جزاء لحقه، ويصدق ذلك تبعا له عند الحاجة إليه، والاضطرار إلى ما ~~لديه، فاستشعروا ذلك وفقكم الله من أنفسكم في حالة الرخاء والشدة، والحرمان ~~والمواساة، والإحسان، والسراء والضراء، فنعمت الشيمة هذه لمن وسم بها من أهل ~~هذه الصناعة الشريفة! # وإذا ولي الرجل منكم أو صير إليه من أمر خلق الله وعياله أمر فليراقب الله ~~- عز وجل - وليؤثر طاعته، وليكن على الضعيف رفيقا وللمظلوم منصفا؛ فإن الخلق ~~عيال الله، وأحبهم إليه أرفقهم بعياله، ثم ليكن بالعدل حاكما، وللأشراف مكرما، ~~وللفيء موفرا، وللبلاد عامرا، وللرعية متألفا، وعن أذاهم متخلفا. وليكن في ~~مجلسه متواضعا حليما، وفي سجلات خراجه واستقضاء حقوقه رفيقا. وإذا صحب أحدكم ~~رجلا فليختبر خلائقه، فإذا عرف حسنها وقبيحها أعانه على ما يوافقه من ~~الحسن، واحتال على صرفه عما يهواه من القبح بألطف حيلة وأجمل وسيلة. وقد علمتم ~~أن سائس البهيمة إذا كان بصيرا بسياستها التمس معرفة أخلاقها؛ فإن كانت رموحا لم ~~يهجها إذا ركبها، وإن كانت شبوبا اتقاها من بين يديها، وإن خاف منها شرودا ~~توقاها من ناحية رأسها، وإن كانت حرونا قمع برفق هواها في طرقها، ms212 فإن استمرت ~~عطفها يسيرا فيسلس له قيادها. وفي هذا الوصف من السياسة دلائل لمن ساس ~~الناس وعاملهم وجربهم وداخلهم. والكاتب لفضل أدبه، وشريف صنعته، ولطيف حيلته، ~~ومعاملته لمن يحاوله من الناس ويناظره ويفهم عنه أو يخاف سطوته أولى بالرفق ~~لصاحبه، ومداراته وتقويم أوده من سائس البهيمة التي لا تحير جوابا، ولا تعرف ~~صوابا، ولا تفهم خطابا، إلا بقدر ما يصيرها إليه صاحبها الراكب عليها. ألا ~~فارفقوا رحمكم الله في النظر، وأعملوا ما أمكنكم فيه من الروية والفكر، تأمنوا ~~بإذن الله ممن صحبتموه النبوة والاستثقال والجفوة، ويصير منكم إلى الموافقة، ~~وتصيروا منه إلى المؤاخاة والشفقة، إن شاء الله. # ولا يجاوزن الرجل منكم في هيئة مجلسه وملبسه ومركبه ومطعمه ومشربه ونباله وخدمه وغير ~~ذلك من فنون أمره قدر حقه، فإنكم مع ما فضلكم الله به من شرف صنعتكم خدمة لا ~~تحملون في خدمتكم على التقصير، وحفظة لا تحتمل منكم أفعال التضييع والتبذير. ~~واستعينوا على عفافكم بالقصد في كل ما ذكرته لكم وقصصته عليكم، واحذروا متالف السرف ~~وسوء عاقبة الترف، فإنهما يعقبان الفقر ويذلان الرقاب ويفضحان أهلهما، ولا سيما ~~الكتاب وأرباب الآداب. وللأمور أشباه وبعضها دليل على بعض، فاستدلوا على مؤتنف ~~أعمالكم بما سبقت إليه تجربتكم، ثم اسلكوا من مسالك التدبير أوضحها محجة، وأصدقها ~~حجة، وأحمدها عاقبة. واعلموا أن للتدبير آفة متلفة، وهو الوصف الشاغل لصاحبه عن ~~إنفاذ علمه ورويته، فليقصد الرجل منكم في مجلسه قصد الكافي من منطقه، وليوجز في ~~ابتدائه وجوابه، وليأخذ بمجامع حججه، فإن ذلك مصلحة لفعله، ومدفعة للشاغل عن إكثاره ~~وليضرع إلى الله في صلة توفيقه وإمداده بتسديده مخافة وقوعه في الغلط المضر ببدنه وعقله ~~وآدابه، فإنه إن ظن منكم ظان، أو قال قائل إن الذي برز من جميل صنعته وقوة حركته ~~إنما هو بفضل حيلته وحسن تدبيره، فقد تعرض بحسن ظنه أو مقالته إلى أن يكله الله - عز ~~وجل - إلى نفسه، فيصير منها إلى غير كاف، وذلك على من تأمله غير خاف. ولا يقول أحد ~~منكم إنه أبصر ms213 بالأمور وأحمل لعبء التدبير من مرافقه في صناعته ومصاحبه في خدمته، فإن ~~أعقل الرجلين عند ذوي الألباب من رمى بالعجب وراء ظهره، ورأى أن أصحابه أعقل منه وأجمل ~~في طريقته، وعلى كل واحد من الفريقين أن يعرف فضل نعم الله جل ثناؤه من غير اغترار ~~برأيه، ولا تزكية لنفسه، ولا يكاثر على أخيه أو نظيره، وصاحبه وعشيره. وحمد الله واجب ~~على الجميع وذلك بالتواضع لعظمته، والتذلل لعزته، والتحدث بنعمته. # وأنا أقول في كتابي هذا ما سبق به المثل: من تلزمه النصيحة يلزمه العمل، وهو جوهر ~~هذا الكتاب وغرة كلامه بعد الذي فيه من ذكر الله عز وجل؛ فلذلك جعلته آخره وتممته به. ~~تولانا الله وإياكم يا معشر الطلبة والكتبة بما يتولى به من سبق علمه بإسعاده ~~وإرشاده، فإن ذلك إليه وبيده. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.» # وكتب وصاية على شخص إلى بعض الرؤساء، فقال: «حق موصل كتابي هذا عليك كحقه علي؛ إذ ~~رآك موضعا لأمله، ورآني أهلا لحاجته، وقد أنجزت الحاجة فصدق أمله.» # وكتب وهو منهزم مع مروان: «أما بعد: فإن الله تعالى جعل الدنيا محفوفة بالكره ~~والسرور، فمن ساعده الحظ فيها سكن إليها، ومن عضته بنابها ذمها ساخطا عليها، ~~وشكاها مستزيدا لها، وقد كانت أذاقتنا أفاويق استحليناها، ثم جمحت بنا نافرة ورمحتنا ~~مولية، فملح عذبها وخشن لينها، فأبعدتنا عن الأوطان، وفرقتنا عن الإخوان، فالدار ~~نازحة والطير بارحة، وقد كتبت والأيام تزيدنا منكم بعدا، وإليكم وجدا، فإن تتم ~~البلية إلى أقصى مدتها يكن آخر العهد بكم وبنا، وإن يلحقنا ظفر جارح من أظفار من ~~يليكم نرجع إليكم بذل الإسار، والذل شر جار. نسأل الله الذي يعز من يشاء ~~ويذل من يشاء أن يهب لنا ولكم ألفة جامعة في دار آمنة تجمع سلامة الأبدان والأديان، ~~فإنه رب العالمين وأرحم الراحمين.» # ووقع جعفر بن يحيى إلى رجل شكاه بعض عماله: «قد كثر شاكوك، وقل شاكروك، فإما ~~عدلت وإما اعتزلت.» # وكتب الحسين بن الحسن بن سهل إلى صديق له يدعوه: «نحن في مأدبة ms214 لنا تشرف على روضة ~~تضاحك حسنا، قد باتت السماء تعلها، فهي مشرقة بمائها حالية بنوارها، فاحضرنا لنكون على ~~سواء من استمتاع بعضنا ببعض.» # فكتب إليه: «هذه الصفة لو كانت في أقاصي الأطراف لوجب انتجاعها، وحث المطي في ~~ابتغائها، فكيف في موضع أنت تسكنه، وتجمع إلى أنيق منظره حسن وجهك وطيب شمائلك؟ وأنا ~~الجواب.» # وكتب عمرو بن مسعدة إلى المأمون: «كتابي إلى أمير المؤمنين ومن قبلي من قواده ~~وسائر أجناده في الانقياد والطاعة على أحسن ما تكون، طاعة جند تأخرت أرزاقهم، وانقياد ~~كفاة تراخت أعطياتهم، واختلت لذلك أحوالهم، والتاثت معه أمورهم.» فلما قرأه ~~المأمون استحسنه، وأمر للجند بعطائهم لسبعة أشهر. # وكتب طاهر بن الحسين لابنه أبي العباس عبد الله المعروف بابن طاهر حين ولاه المأمون ~~من الرقة إلى مصر كتابا جمع فيه كل ما تحتاج إليه الأمراء من الآداب والسياسة، وهو: ~~«بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فعليك بتقوى الله وحده لا شريك له، وخشيته ومراقبته ~~عز وجل ومزايلة سخطه، وحفظ رعيتك في الليل والنهار. والزم ما ألبسك الله من العافية ~~بالذكر لمعادك، وما أنت صائر إليه، وموقوف عليه، ومسئول عنه، والعمل في ذلك كله بما ~~يعصمك الله - عز وجل - وينجيك يوم القيامة من عقابه وأليم عذابه، فإن الله - سبحانه ~~وتعالى - قد أحسن إليك، وأوجب عليك الرأفة بمن استرعاك أمرهم من عباده، وألزمك العدل ~~فيهم، والقيام بحقه وحدوده عليهم، والذب عنهم، والدفع عن حريمهم وبيضتهم، والحقن ~~لدمائهم، والأمن لسبيلهم، وإدخال الراحة عليهم، ومؤاخذك بما فرض عليك وموقفك ~~عليه، ومسائلك عنه، ومثيبك عليه بما قدمت وأخرت، ففرغ لذلك فهمك وعقلك ~~ونظرك، ولا يشغلك عنه شاغل، فإنه رأس أمرك، وملاك شأنك، وأول ما يوفقك الله عز وجل به ~~لرشدك. # وليكن أول ما تلزم به نفسك، وتنسب إليه أفعالك؛ المواظبة على ما افترض الله - عز ~~وجل - عليك من الصلوات الخمس، والجماعة عليها بالناس، وعلى سننها: من إسباغ الوضوء لها، ~~وافتتاح ذكر الله - عز وجل - فيها، وترتل في قراءتك، وتمكن في ركوعك وسجودك وتشهدك، ~~وتصدق ms215 فيها لربك ونبيك، واحضض عليها جماعة من معك وتحت يدك، وادأب عليها فإنها كما ~~قال الله - عز وجل - تنهى عن الفحشاء والمنكر. ثم أتبع ذلك بالأخذ بسنن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وبالمثابرة على خلائقه، واقتفاء آثار السلف الصالح من بعده. وإذا ورد عليك أمر ~~فاستعن عليه باستخارة الله - عز وجل - وتقواه، ولزوم ما أنزل الله - عز وجل - في كتابه ~~من أمره ونهيه وحلاله وحرامه، وإتمام ما جاءت به الآثار عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ثم قم ~~فيه بما يحق لله - عز وجل - عليك. ولا تمل عن العدل فيما أحببت أو كرهت لقريب من ~~الناس أو بعيد، وآثر الفقه وأهله، والدين وحملته، وكتاب الله - عز وجل - والعاملين ~~به، فإن أفضل ما يزين به المرء الفقه في دين الله، والطلب له، والحث عليه، ~~والمعرفة بما يتقرب به منه إلى الله - عز وجل؛ فإنه الدليل على الخير كله والقائد له ~~والآمر به والناهي عن المعاصي والموبقات كلها، وبه مع توفيق الله - عز وجل - ~~يزداد العبد معرفة له وإجلالا له ودركا للدرجات العلى في المعاد، مع ما في ظهوره ~~للناس من التوقير لأمرك، والهيبة لسلطانك والأنس بك، والثقة بعدلك. # وعليك بالاقتصاد في الأمور كلها، فليس شيء أبين نفعا، ولا أخص أمنا ولا أجمع ~~فضلا منه، والقصد داع إلى الرشد، والرشد دليل على التوفيق، والتوفيق قائد إلى ~~السعادة، وقوام الدين والسنن الهادية بالاقتصاد، وأثره في دنياك كلها. ولا تقصر في طلب ~~الآخرة والأعمال الصالحة، والسنن المعروفة ومعالم الرشد، ولا غاية لاستكثار البر والسعي ~~له إذا كان يطلب به وجه الله ومرضاته ومرافقة أوليائه في دار كرامته. واعلم أن ~~القصد في شأن الدنيا يورث العز، ويحصن من الذنوب، وإنك لن تحوط نفسك ومرتبتك ~~ولا تستصلح أمورك بأفضل منه، فأته واهتد به تتم أمورك وتزد مقدرتك، وتصلح خاصتك ~~وعامتك. وأحسن الظن بالله - عز وجل - تستقم لك رعيتك، والتمس الوسيلة ~~إليه في الأمور كلها تستدم به النعمة عليك. # ولا تتهمن أحدا من الناس فيما ms216 توليه من عملك قبل أن تستكشف أمره، فإن إيقاع التهم ~~بالبرآء والظنون السيئة بهم مأثم، فاجعل من شأنك حسن الظن بأصحابك، واطرد عنك سوء ~~الظن بهم وارفضه فيهم، يعنك ذلك على اصطناعهم ورياضتهم، ولا يجدن عدو الله ~~الشيطان في أمرك مغمزا، فإنه إنما يكتفي بالقليل من وهنك، فيدخل عليك من الغم في ~~سوء الظن بهم ما ينقص لذاذة عيشك. واعلم أنك تجد بحسن الظن قوة وراحة، وتكتفي به ما ~~أحببت كفايته من أمورك، وتدعو به الناس إلى محبتك والاستقامة في الأمور كلها لك. ولا ~~يمنعنك حسن الظن بأصحابك والرأفة برعيتك أن تستعمل المسألة والبحث عن أمورك والمباشرة ~~لأمور الأولياء، والحياطة للرعية والنظر فيما يقيمها ويصلحها، بل لتكن المباشرة لأمور ~~الأولياء والحياطة للرعية والنظر في حوائجهم وحمل مئوناتهم آثر عندك مما سوى ذلك، فإنه ~~أقوم للدين، وأحيا للسنة. وأخلص نيتك في جميع هذا، وتفرد بتقويم نفسك تفرد من ~~يعلم أنه مسئول عما صنع، ومجزي بما أحسن، ومأخوذ بما أساء، فإن الله - عز وجل - ~~جعل الدين حرزا وعزا، ورفع من اتبعه وعززه، فاسلك بمن تسوسه وترعاه نهج الدين ~~وطريقة الهدى، وأقم حدود الله - عز وجل - في أصحاب الجرائم على قدر منازلهم وما ~~استحقوه، ولا تعطل ذلك، ولا تهاون فيه، ولا تؤخر عقوبة أهل العقوبة، فإن في ~~تفريطك في ذلك ما يفسد عليك حسن ظنك. واعزم على أمرك في ذلك بالسنن المعروفة، وجانب ~~البدع والشبهات يسلم لك دينك، وتقم لك مروءتك. وإذا عاهدت عهدا فأوف به، وإذا ~~وعدت خيرا فأنجزه. واقبل الحسنة وادفع بها، وأغمض عن عيب كل ذي عيب من رعيتك. واشدد ~~لسانك عن قول الكذب والزور، وأبغض أهل النميمة، فإن أول فساد أمورك في عاجلها ~~وآجلها: تقريب الكذوب والجرأة على الكذب؛ لأن الكذب رأس المآثم، والزور والنميمة ~~خاتمتها؛ لأن النميمة لا يسلم صاحبها، وقائلها لا يسلم له صاحب، ولا يستقيم لمطيعها ~~أمر. وأحبب أهل الصلاح والصدق وأعز الأشراف بالحق، وواس الضعفاء، وصل ~~الرحم وابتغ بذلك وجه الله تعالى وإعزاز أمره، والتمس ms217 فيه ثوابه والدار الآخرة، ~~واجتنب سوء الأهواء والجور، واصرف عنهما رأيك، وأظهر براءتك من ذلك لرعيتك، وانعم ~~بالعدل في سياستهم، وقم بالحق فيهم وبالمعرفة التي تنتهي بك إلى سبيل الهدى. واملك ~~نفسك عند الغضب، وآثر الوقار والحلم، وإياك والحدة والطيش والغرور فيما أنت ~~بسبيله! وإياك أن تقول: أنا مسلط أفعل ما أشاء! فإن ذلك سريع إلى نقص الرأي ~~وقلة اليقين بالله - عز وجل. وأخلص لله وحده النية فيه واليقين به. # واعلم أن الملك لله - سبحانه وتعالى - يؤتيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء، ولن تجد ~~تغير النعمة وحلول النقمة إلى أحد أسرع منه إلى جهلة النعمة من أصحاب السلطان والمبسوط ~~لهم في الدولة، إذا كفروا نعم الله وإحسانه، واستطالوا بما آتاهم الله - عز وجل - ~~من فضله. ودع عنك شره نفسك، ولتكن ذخائرك وكنوزك التي تدخر وتكنز البر والتقوى، ~~والعدل، واستصلاح الرعية، وعمارة بلادهم والتفقد لأمورهم، والحفظ لدمائهم، والإغاثة ~~لملهوفهم، واعلم أن الأموال إذا كثرت وادخرت في الخزائن لا تنمو، وإذا كانت في ~~صلاح الرعية وإعطاء حقوقهم وكف المئونة عنهم نمت وزكت، وصلحت بها العامة، ~~وتزينت بها الولاة، وطاب بها الزمان، واعتقد فيه العز والمنعة. فليكن كنز خزائنك ~~تفريق الأموال في عمارة الإسلام وأهله، وفرق منه على أولياء أمير المؤمنين قبلك ~~حقوقهم، وأوف رعيتك من ذلك حصصهم، وتعهد ما يصلح أمورهم ومعاشهم، فإنك إذا فعلت ~~ذلك قرت النعمة عليك، واستوجبت المزيد من الله - عز وجل - وكنت بذلك على جباية خراجك ~~وجمع أموال رعيتك وعملك أقدر، وكان الجميع لما شملهم من عدلك وإحسانك أساسا لطاعتك، ~~وأطيب نفسا بكل ما أردت. فاجهد نفسك فيما حددت لك في هذا الباب ولتعظم خشيتك فيه، ~~وإنما يبقى من المال ما أنفق في سبيل الله. واعرف للشاكرين شكرهم وأثبهم ~~عليه. # وإياك أن تنسيك الدنيا وغرورها هول الآخرة فتتهاون بما يحق عليك! فإن التهاون يورث ~~التفريط، والتفريط يورث البوار. وليكن عملك لله - عز وجل - وارج الثواب فيه، فإن ~~الله سبحانه قد أسبغ عليك نعمته في الدنيا، وأظهر لديك فضله، ms218 فاعتصم بالشكر وعليه ~~فاعتمد؛ يزدك الله خيرا وإحسانا، فإن الله - عز وجل - يثيب بقدر شكر الشاكرين، ~~وإحسان المحسنين. ولا تحقرن ذنبا، ولا تمالئن حاسدا، ولا ترحمن فاجرا، ولا ~~تصلن كفورا، ولا تداهنن عدوا، ولا تصدق نماما، ولا تأمنن غدارا، ولا ~~توالين فاسقا، ولا تتبعن غاويا، ولا تحمدن مرائيا، ولا تحقرن ~~إنسانا، ولا تردن سائلا فقيرا، ولا تحسنن باطلا، ولا تلاحظن مضحكا، ولا ~~تخلفن وعدا، ولا تزهون فخرا، ولا تظهرن غضبا، ولا تأتين ندما، ولا تمشين ~~مرحا، ولا تزكين سفيها، ولا تفرطن في طلب الآخرة، ولا تدفعن الأيام ~~عتابا، ولا تغمضن عن ظالم رهبة منه أو محاباة، ولا تطلبن ثواب الآخرة في الدنيا، ~~وأكثر مشاورة الفقهاء، واستعمل نفسك بالحلم، وخذ عن أهل التجارب وذوي العقل والرأي ~~والحكمة، ولا تدخلن في مشورتك أهل الرفه والبخل، ولا تسمعن لهم قولا، فإن ضررهم ~~أكثر من منفعتهم، وليس شيء أسرع فسادا لما استقبلت فيه أمر رعيتك من الشح، واعلم ~~أنك إذا كنت حريصا كنت كثير الأخذ قليل العطية، وإذا كنت كذلك لم يستقم أمرك إلا ~~قليلا، فإن رعيتك إنما تعقد على محبتك بالكف عن أموالهم، وترك الجور عليهم. ووال من ~~صافاك من أوليائك بالإفضال عليهم وحسن العطية لهم، واجتنب الشح، واعلم أنه أول ما ~~عصى الإنسان به ربه، وأن العاصي بمنزلة الحري، وهو قول الله عز وجل: # ومن يوق شح نفسه فأولئك هم ~~المفلحون ~~. فسهل طريق الجود بالحق، واجعل للمسلمين كلهم من فيئك حظا ~~ونصيبا، وأيقن أن الجود من أفضل أعمال العباد، فاعدده لنفسك خلقا، وارض به عملا ~~ومذهبا. # وتفقد الجند في دواوينهم ومكاتبهم، وأدرر عليهم أرزاقهم، ووسع عليهم في ~~معايشهم، ليذهب الله - عز وجل - بذلك فاقتهم، فيقوى لك أمرهم، وتزيد به قلوبهم في ~~طاعتك وأمرك خلوصا وانشراحا. وحسب ذي السلطان من السعادة أن يكون على جنده ورعيته ذا ~~رحمة في عدله وحيطته وإنصافه وعنايته وشفقته وبره وتوسعته، فزايل مكروه أحد البابين ~~باستشعار فضيلة الآخر ولزوم العمل به تلق - إن شاء الله تعالى - نجاحا وصلاحا ms219 ~~وفلاحا. # واعلم أن القضاء من الله تعالى بالمكان الذي ليس يعدل به شيء من الأمور؛ لأنه ~~ميزان الله الذي تعدل عليه أحوال الناس في الأرض، وبإقامة العدل في القضاء والعمل تصلح ~~أحوال الرعية، وتأمن السبل، وينتصف المظلوم، ويأخذ الناس حقوقهم وتحسن المعيشة، ~~ويؤدى حق الطاعة، ويرزق الله العافية والسلامة، ويقوم الدين، وتجري السنن والشرائع ~~على مجاريها بتنجيز الحق والعدل في القضاء. واشتد في أمر الله عز وجل، وتورع عن ~~النطف، وامض لإقامة الحدود، وأقلل العجلة، وابعد عن الضجر والقلق، واقنع بالقسم ~~وليسكن ريحك، ويقر حدك، وانتفع بتجربتك، وانتبه في صمتك، واسدد في منطقك ، وأنصف ~~الخصم، وقف عند الشبهة، وأبلغ في الحجة، ولا يأخذك في أحد من رعيتك محاباة ولا مجاملة ~~ولا لومة لائم، وتثبت وتأن وراقب وانظر، وتفكر وتدبر واعتبر، وتواضع لربك، ~~وارفق بجميع الرعية وسلط الحق على نفسك، ولا تسرعن إلى سفك دم، فإن الدماء من ~~الله - عز وجل - بمكان عظيم انتهاكا لها بغير حقها، وانظر هذا الخراج الذي ~~استقامت عليه الرعية، وجعله الله للإسلام عزا ورفعة، ولأهله توسعة ومنعة، ولعدوه ~~وعدوهم كبتا وغيظا، ولأهل الكفر من معاهدتهم ذلا وصغارا، فوزعه بين أصحابه ~~بالحق والعدل والتسوية والعموم فيه، ولا ترفعن منه شيئا عن شريف لشرفه، ولا عن ~~غني لغناه، ولا عن كاتب لك، ولا عن أحد من خاصتك وحاشيتك، ولا تأخذن منه فوق ~~الاحتمال، ولا تكلفن أمرا فيه شطط، واحمل الناس كلهم على مر الحق، فإن ذلك أجمع ~~لألفتهم، وألزم لرضا العامة. # واعلم أنك جعلت بولايتك خازنا وحافظا وراعيا، وإنما سمي أهل عملك رعيتك؛ ~~لأنك راعيهم وقيمهم، وخذ منهم ما أعطوك من عفوهم ونفذه في قوام أمرهم وصلاحهم ~~وتقويم أودهم، واستعمل عليهم ذوي الرأي والتدبير والتجربة والخبرة بالعمل، والعلم ~~بالسياسة والعفاف، ووسع عليهم في الرزق فإن ذلك من الحقوق اللازمة لك فيما تقلدت ~~وأسند إليك، ولا يشغلنك عنه شاغل، ولا يصرفنك عنه صارف، فإنك متى آثرته وقمت فيه ~~بالواجب استدعيت به زيادة النعمة من ربك، وحسن الأحدوثة في عملك، ms220 واستجررت به المحبة ~~من رعيتك، وأعنت على الصلاح فدرت الخيرات ببلدك، وفشت العمارة بناحيتك، وظهر ~~الخصب في كورك، وكثر خراجك وتوفرت أموالك وقويت بذلك على ارتياض جندك وإرضاء ~~العامة بإفاضة العطاء فيهم من نفسك، وكنت محمود السياسة مرضي العدل في ذلك عند عدوك، ~~وكنت في أمورك كلها ذا عدل وآلة وقوة وعدة، فتنافس في هذا ولا تقدم عليه شيئا؛ ~~تحمد مغبة أمرك إن شاء الله تعالى. # واجعل في كل كورة من عملك أمينا يخبرك أخبار عمالك، ويكتب إليك بسيرهم وأعمالهم، ~~حتى كأنك مع كل عامل في عمله معاين لأموره كلها، فإن أردت أن تأمرهم فانظر في عواقب ما ~~أردت من ذلك، فإن رأيت السلامة فيه والعافية ورجوت فيه حسن الدفاع والصنع فأمضه ~~وإلا فتوقف عنه، وراجع أهل البصر والعلم به، ثم خذ فيه عدته، فإنه ربما نظر ~~الرجل في أمر من أموره قد أتاه على ما يهوى فأغواه على ذلك وأعجبه، فإن لم ينظر في ~~عواقبه أهلكه ونقض عليه أمره، فاستعمل الحزم في كل ما أردت، وباشره بعد عون الله - عز ~~وجل - بالقوة. وأكثر من استخارة ربك في جميع أمورك. وافرغ من عمل يومك، ولا تؤخره ~~لغد، فإن لغد أمورا وحوادث تلهيك عن عمل يومك الذي أخرت، واعلم أن اليوم ~~إذا مضى ذهب بما فيه، فإذا أخرت عمله اجتمع عليك عمل يومين، فيثقلك ذلك حتى تعرض عنه، ~~وإذا أمضيت لكل يوم عمله أرحت نفسك وبدنك، وأحكمت أمور سلطانك. # وانظر أحرار الناس وذوي الفضل منهم ممن بلوت صفاء طويتهم، وشهدت مودتهم لك ومظاهرتهم ~~بالنصح والمحافظة على أمرك، فاستخلصهم وأحسن إليهم. وتعاهد أهل البيوتات ممن قد ~~دخلت عليهم الحاجة فاحتمل مئونتهم، وأصلح حالهم حتى لا يجدوا لخلتهم مسا. ~~وأفرد نفسك بالنظر في أمور الفقراء والمساكين ومن لا يقدر على رفع مظلمته إليك، ~~والمحتقر الذي لا علم له بطلب حقه، فسل عنه أحفى مسألة، ووكل بأمثاله أهل الصلاح ~~من رعيتك ومرهم برفع حوائجهم وحالاتهم إليك لتنظر فيها بما يصلح الله به أمرهم، ~~وتعاهد ms221 ذوي البأساء ويتاماهم وأراملهم، واجعل لهم أرزاقا من بيت المال اقتداء بأمير ~~المؤمنين - أعزه الله - في العطف عليهم، والصلة لهم، ليصلح الله بذلك عيشهم ويرزقك ~~به بركة وزيادة. وأجر للأضراء من بيت المال، وقدم حملة القرآن منهم ~~والحافظين لأكثره في الجراية على غيرهم، وانصب لمرضى المسلمين دورا تئويهم، ~~وقواما يرفقون بهم، وأطباء يعالجون أسقامهم، وأسعفهم بشهواتهم ما لم يؤد ذلك ~~إلى إسراف في بيت المال. واعلم أن الناس إذا أعطوا حقوقهم وأفضل أمانيهم لم يرضهم ~~ذلك، ولم تطب أنفسهم دون رفع حوائجهم إلى ولاتهم طمعا في نيل الزيادة، وفضل الرفق ~~منهم، وربما يبرم المتصفح لأمور الناس لكثرة ما يرد عليه ويشغل ذهنه وفكره منها ما ~~يناله به مئونة ومشقة، وليس من يرغب في العدل ويعرف محاسن أموره في العاجل، وفضل ثواب ~~الآجل كالذي يستفز بما يقربه إلى الله تعالى ويلتمس به رحمته. وأكثر الإذن للناس ~~عليك، وأرهم وجهك، وسكن لهم حراسك، واخفض لهم جناحك، وأظهر لهم بشرك، ولن ~~لهم في المسألة والمنطق، واعطف عليهم بجودك وفضلك، وإذا أعطيت فأعط بسماحة، وطيب نفسك، ~~والتماس للصنيعة والأجر من غير تكدر ولا امتنان، فإن العطية على ذلك تجارة مربحة ~~إن شاء الله تعالى. # واعتبر بما ترى من أمور الدنيا، ومن مضى قبلك من أهل السلطان والرئاسة في القرون ~~الخالية، والأمم البائدة، ثم اعتصم في أحوالك كلها بأمر الله والوقوف عند محبته والعمل ~~بشريعته وسنته، وإقامة دينه وكتابه، واجتنب ما فارق ذلك وخالف ما دعا إلى سخط الله - عز ~~وجل. واعرف ما يجمع عمالك من الأموال وينفقون منها ولا تجمع حراما ولا تنفق ~~إسرافا. وأكثر مجالسة العلماء ومشاورتهم ومخالطتهم، وليكن هواك اتباع السنن ~~وإقامتها، وإيثار مكارم الأمور ومعاليها. وليكن أكرم دخلائك وخاصتك عليك من إذا رأى ~~عيبا فيك لم تمنعه هيبتك عن إنهاء ذلك إليك في سر، وإعلامك ما فيه من النقص، فإن ~~أولئك أنصح أوليائك ومظاهريك لك. # وانظر عمالك الذين بحضرتك وكتابك فوقت لكل رجل منهم في كل يوم وقتا يدخل ~~فيه عليك ms222 بكتبه ومؤامرته، وما عنده من حوائج عمالك، وأمور كورك ورعيتك. ثم فرغ لما ~~يورده عليك من ذلك سمعك وبصرك وفهمك وعقلك، وكرر النظر فيه والتدبر له، فما كان ~~موافقا للحق والحزم فأمضه، واستخر الله - عز وجل - فيه، وما كان مخالفا ~~لذلك فاصرفه إلى التثبت فيه والمسألة عنه. ولا تمن على رعيتك ولا غيرهم بمعروف ~~تؤتيه إليهم، ولا تقبل من أحد منهم إلا الوفاء والاستقامة والعون في أمور المسلمين، ~~ولا تصنعن المعروف إلا على ذلك. وتفهم كتابي إليك، وأكثر النظر فيه والعمل به ~~واستعن بالله على جميع أمورك، فإن الله - عز وجل - مع الصلاح وأهله. وليكن أعظم ~~سيرتك، وأفضل رغبتك ما كان لله - عز وجل - رضا ولدينه نظاما ولأهله عزا وتمكينا، ~~وللملة والذمة عدلا وصلاحا. وأنا أسأل الله أن يحسن عونك وتوفيقك ورشدك وكلاءتك. ~~والسلام.» # ومن نثر أبي الفضل محمد المشهور بابن العميد، وزير ركن الدولة ابن بويه: «خير ~~القول ما أغناك جده، وألهاك هزله. المرء أشبه شيء بزمانه، وصفة كل زمان ~~منتسخة من سجايا سلطانه، اجتنب سلطان الهوى وشيطان الميل. المرح والهزل بابان إذا ~~فتحا لم يغلقا إلا بعد العسر، وفحلان إذا ألقحا لم ينتجا غير الشر.» # وكتب أبو علي عبد الرحيم المصري المعروف بالقاضي الفاضل، وزير صلاح الدين الأيوبي، في ~~صفة قلعة شاهقة: «وهذه القلعة عقاب في عقاب، ونجم في سحاب، وهامة لها الغمامة عمامة، ~~وأنملة إذا خضبها الأصيل كان الهلال لها قلامة.» # وكتب إلى عبد الله الطبري: «وصل كتابك، فصادفني ~~قريب العهد بالانطلاق من عنت الفراق، ووافقني مستريح الأعضاء والجوانح من جوى ~~الاشتياق، فإن الدهر جرى على حكمه المألوف في تحويل الأحوال، ومضى على رسمه المعروف ~~في تغيير الأشكال، وأعتقني من مخالبك إعتاقا لا تستحق به ولاء، وأبرأني من عهدتك ~~براءة لا تستوجب معها دركا ولا استثناء، ونزع من عنقي ربقة الذل في إخائك بيدي ~~جفائك، ورش على ما كان يضرم في ضميري من نيران الشوق بالسلو، وشن على ما كان يلتهب ~~في صدري من الوجد ماء اليأس، ms223 ومسح أعشار قلبي فلأم فطوري بجميل الصبر، وشعب أفلاذ ~~كبدي فلاحم صدوعها بحسن العزاء، وتغلغل في مسالك أنفاسي فعوض عن النزاع إليك نزوعا ~~عنك، ومن الذهاب فيك رجوعا دونك، وكشف عن عيني ضبابات ما ألقاه الهوى على بصري، ورفع ~~عنها غيابات ما سدله الشك دون نظري، حتى حدر النقاب عن صفحات شيمك، وسفر عن ~~وجوه خليقتك، فاذهب فقد ألقيت حبلك على غاربك، ورددت إليك ذمم عهدك.» # وكتب ولد ابن العميد أبو الفتح علي كتابا إلى بعض أصدقائه يستهديه شرابا، وهو: ~~«قد اغتنمت الليلة - أطال الله بقاءك يا سيدي ومولاي - رقدة من عين الدهر ، وانتهزت ~~فرصة من فرص العمر، وانتظمت مع أصحابي في سمط الثريا، فإن لم تحفظ علينا النظام بإهداء ~~المدام، عدنا كبنات نعش، والسلام.» # وكتب الصاحب ابن عباد إلى صديق له: «نحن يا سيدي في مجلس غنى إلا عنك، شاكر إلا ~~منك، قد تفتحت فيه عيون النرجس، وتوردت خدود البنفسج، وفاحت مجامر ~~الأترج، وفتقت فأرات النارنج، وانطلقت ألسن العيدان، وقامت خطباء الأطيار، ~~وهبت رياح الأقداح، ونفقت سوق الأنس، وقام منادي الطرب، وامتد سحاب الند، ~~فبحياتي إلا ما حضرت فقد أبت راح مجلسنا أن تصفو إلا أن تتناولها يمناك. وأقسم ~~غناؤه أن لا يطيب حتى تعيه أذناك، فخدود نارنجه قد احمرت خجلا لإبطائك، وعيون ~~نرجسه قد حدقت تأميلا للقائك.» # وكتب البديع الهمذاني إلى أبي نصر بن المرزبان: «كنت - أطال الله بقاء سيدي ومولاي - ~~في قديم الزمان أتمنى للكتاب الخير، وأسأل الله أن يدر عليهم أخلاف الرزق، ~~ويمد لهم أكناف العيش، ويوطئهم أعراف المجد، ويؤتيهم أصناف الفضل، ويركبهم أكتاف ~~العز، وقصاراي أن أرغب إلى الله تعالى في أن لا ينيلهم فوق الكفاية، ولا يمد لهم في حبل ~~الرعاية، فشد ما يطغون للنعمة ينالونها، والدرجة يعلونها، وسرع ما ينظرون من عال، ~~بما ينظمون من حال، ويجمعون من مال، وتنسيهم أيام اللدونة أوقات الخشونة، وأزمان ~~العذوبة ساعات الصعوبة. # وللكتاب مزية في هذا الباب؛ فبينما هم في العطلة إخوان كما انتظم السمط، وفي ~~العزلة ms224 أعوان كما انفرج المشط، حتى لحظهم الجد لحظة حمقاء بمنشور عمالة، أو صك جعالة؛ ~~فيعود عامر ودهم خرابا، وينقلب شراب عهدهم سرابا، فما غلت أمورهم حتى أسبلت ~~ستورهم، ولا علت قدورهم إلا خلت بدورهم، ولا اتسعت دورهم إلا ضاقت صدورهم، ولا ~~أوقدت نارهم إلا انطفأ نورهم، ولا زاد مالهم إلا نقص معروفهم، ولا ورمت أكياسهم ~~إلا ورمت أنوفهم، ولا تبجلت عتاقهم إلا فظعت أخلاقهم، ولا صلحت أحوالهم إلا فسدت ~~أفعالهم، ولا حسنت حالهم إلا قبحت خلالهم، ولا فاض جاههم إلا غاضت مياههم، ولا ~~لانت برودهم إلا صلبت حدودهم، ولا علت جدودهم إلا سفل جودهم، ولا طالت أيديهم إلا ~~قصرت أياديهم، وقصارى أحدهم من المجد أن ينصب تخته تحته، ويوطئ استه دسته، ويقف غلامه ~~أمامه ونائبه من الكرم دار يصهرج أرضها، ويزبرج بعضها، ويزوق سقوفها، ويعلق شفوفها، ~~وكفاه من الفضل أن تحمل الغاشية قدامه، وتغدو الحاشية أمامه، وناهيه من الشرف ألفاظ ~~فقاعية، وثياب مشقاعية، يلبسها ملوما، ويحشوها لوما ولوما، وهذه صفة فاضلهم. ~~ومنهم من يحتمل الود أيام خشكاره حتى إذا أيسر جعل ميزانه وكيله، وأسنانه أكيله، ~~وأليفه رغيفه، وأنيسه كيسه، وأمينه يمينه، ودنانيره سميره، ومفتاحه ضجيعه، وصناديقه ~~صديقه، ثم جمع الذرة إلى الذرة، ووضع البدرة على البدرة، فلم يضع النظر من طرفه، ولا ~~الصرة من كفه، ولا يخرج ماله من عهدة خاتمه إلا يوم مأتمه، فهو يجمع لحادث حياته، أو ~~وارث مماته، يسلك في الغدر كل طريق، ويبيع بالدرهم ألف صديق. # وقد كان الظن بصديقنا أبي سعيد - أيده الله ~~تعالى - أنه إذا أخصب آوانا كنفا من ظله، وحبانا من فضله، فمن لنا الآن بعدله؟ إنه - ~~أطال الله بقاء الشيخ - حين طارت على رأسه عقاب المخاطبة بالرئيس، وجلس من الديوان في ~~صدر الإيوان، افتض عذرة السياسة ببعض المختلفة إلي، وجعل يعرضه للهلاك، ويسبب ~~عليه بمال الأتراك، ويشحن داره بالدجالة، ويكده بالفرسان والرجالة. وجعلت ~~أكاتبه مرة وأقصده أخرى، فأذكره أن الراكب ربما استنزل، والوالي ربما عزل، ثم يجف ~~ريق الخجل على لسان العذر، ms225 وتبقى الحزازة في الصدر. فما زاده قولي إلا غلوا في تهكمه، ~~وعلوا في تحكمه، وجعل يمسني الجمر في ظلمه، ويبرأ إلي من علمه، وأقول إذا رأيت ذلة ~~السؤال وعزة الرد منه: # قل لي: متى فرزنت سر # عة ما أرى يا ~~بيدق؟! # وما أضيع وقتا بذكره قطعته، هلم إلى الشوق وشرحه، فقد نكأ القلب بقرحه، وكيف أكاد ~~أصف شوقا لا يفرع الدهر فروة حاله، ولا ينتقض عروة انحلاله، فما أولاني أن أذكره ~~مجملا، وأتركه مفصلا.» # وكتب أيضا إلى القاسم الكرجي: «يعز علي - أطال الله بقاء الشيخ الرئيس - أن ينوب ~~في خدمته قلمي عن قدمي ، ويسعد برؤيته رسولي دون وصولي، ويرد مشرعة الأنس به كتابي قبل ~~ركابي، ولكن ما الحيلة والعوائق جمة: # وعلي أن أسعى ولي # س علي إدراك ~~النجاح # وقد حضرت داره وقبلت جداره، وما بي حب الحيطان ولكن شغفا بالقطان، ولا عشق ~~الجدران ولكن شوقا إلى السكان. وحين عدت العوادي عنه أمليت ضمير الشوق على لسان ~~القلم معتذرا إلى الشيخ على الحقيقة عن تقصير وقع، وفتور في الخدمة عرض، ولكني ~~أقول: # إن يكن تركي لقصدك ذنبا # فكفى أن لا أراك ~~عقابا» # وكتب إلى أبي عامر الضبي يعزيه: ~~«إذا ما الدهر جر على أناس # حوادثه أناخ ~~بآخرين # فقل للشامتين بنا: أفيقوا # سيلقى الشامتون كما ~~لقينا # أحسن ما في الدهر عمومه بالنوائب، وخصوصه بالرغائب، فهو يدعو الجفلى إذا ساء، ويختص ~~بالنعمة إذا شاء. فلينظر الشامت، فإن كان أفلت فله أن يشمت! ولينظر الإنسان في الدهر ~~وصروفه، والموت وصنوفه، من فاتحة أمره، إلى خاتمة عمره، هل يجد لنفسه أثرا في نفسه؟ أم ~~لتدبيره عونا على تصويره؟ أم لعمله تقديما لأمله؟ أم لحيله تأخيرا لأجله؟ كلا، ~~بل هو العبد لم يكن شيئا مذكورا، خلق مقهورا، ورزق مقدورا، فهو يحيا جبرا، ويهلك ~~صبرا. وليتأمل المرء كيف كان قبلا، فإن كان العدم أصلا، والوجود فضلا، فليعلم الموت ~~عدلا. والعاقل من رفع من حوائل الدهر ما ساء، ليذهب ما ضر بما نفع، وإن أحب أن لا ~~يحزن ms226 فلينظر يمنة، فهل يرى إلا محنة؟ ثم ليعطف يسرة، فهل يرى إلا حسرة؟ # ومثل الشيخ الرئيس من تفطن لهذه الأسرار وعرف هذه الدار، فأعد لنعمتها صدرا لا ~~يملؤه فرحا، ولبؤسها قلبا لا يطير جزعا، وصحب الدهر برأي من يعلم أن للمتعة ~~حدا، وللعارية ردا. # ولقد نعي إلي أبو قبيصة - قدس الله روحه وبرد ضريحه - فعرضت علي آمالي ~~قعودا، وأماني سودا، وبكيت والسخي بما يملك، وضحكت وشر الشدائد ما يضحك، وعضضت ~~الإصبع حتى أفنيته، وذممت الموت حتى تمنيته، والموت خطب قد عظم حتى هان، وأمر قد ~~خشن حتى لان، ونكر حتى قد عم حتى صار عرفا، والدنيا قد تنكرت حتى صار الموت ~~أخف خطوبها، وجنت حتى صار أصغر ذنوبها، وأضمرت حتى صار أيسر غيوبها، وأبهمت حتى صار ~~أظهر عيوبها، ولعل هذا السهم آخر ما في كنانتها، وأزكى ما في خزانتها، ونحن معاشر ~~التبع نتعلم الأدب من أخلاقه، والجميل من أفعاله، فلا نحثه على الجميل وهو الصبر، ولا ~~نرغبه في الجزيل وهو الأجر، فلير فيهما رأيه إن شاء الله.» # وكتب أبو بكر الخوارزمي إلى ابن سهل سعيد: «وصل كتاب سيدي المنتظر المؤتلف، ~~والمستبطأ المتشوف، بعد أن عاتبت الدهر على تأخره ولمته، وبعد أن ذممت فيه البخت ~~وشتمته، وبعد أن نظرت إليه وهو غائب مثالا، ورأيته في النوم خيالا، وبعد أن عددت له ~~الليالي والأيام عدا، وحسبت في الأوقات والأنفاس ضربا وعقدا، وبعد أن ظننت الظنون ~~بسيدي وبوده، وتوهمت الأيام في وفائه وعهده، وحسبت وأنا أستغفر الله أنه قد أثبت اسمه ~~في جريدة الغدر، وجالس أبناء الدهر، وبعد أن أنشدت فيه: # لم تزل تجهل الخيانة حتى # علمتك الأيام كيف ~~تخون # فويلي إن لم يعف سيدي عني، ولم يغفر لي ما بدر مني، ولم يجعلني في حل من سوء ~~ظني، وفهمته، ولم أزل أكرر قراءته حتى حفظته، ثم تزودت في ذلك حتى حفظت غاية باءاته، ~~وصارت روايته تقطع علي صلاتي وتستهلك أكثر أوقاتي. ثم عرضته على أصدقائي، وأصدقاء ~~ولائي، فما منهم إلا من سألنيه ms227 ونافسني فيه واستعارنيه، ونيته أن لا يرد العارية، ولا ~~يؤدي الأمانة. ثم نسخوه، ولو طلبته منهم لما أعادوه. # ذكر سيدي من شوقي إليه ما لم يتكلم فيه إلا عن لساني، ولم يترجم إلا عن شاني، ولقد ~~طويت بعده بساط المدام، ورفعت صحيفة المؤانسة والندام، وطلقت الراح ثلاثا، وفارقت ~~الغناء بثاثا، حتى جفت الأقداح، واستخصتني الراح، ونسي بناني الأترج والتفاح. ~~ولقد ترك سيدي بخروجه رسوم الطرب من إخوانه دارسة، وآثار الفرح طامسة، وديار المنادمة ~~والمجالسة مقفرة، وأطلال المحادثة والمساعدة متنكرة، قد هبت عليها بغتة ريح الأدبار، ~~وطلع عليها نجم البلاء والإقفار، ونفذ فيها حكم الفناء، ولمستها يد العفاء. سألني سيدي ~~عن ذكري له، وكيف لا يذكره من يراه، وإن كان لا يلقاه؟ بل كيف يذكره من ليس ينساه؟ وكيف ~~يسلو عنه من لا يرى عوضا منه؟ وكيف يغب ذكره من لا يفتح عينيه على أكرم منه عليه، ~~وأحب منه إليه. وقد عرفته أنا هجرنا الشراب وأغلقنا هذا الباب، ثم إن شربنا في ~~كل فترة نبوة أو بيعة خلافة فلا نقل إلا تذكاره، ولا تحية إلا أذكاره، ولا حديث إلا ~~أنسنا به كان، ووحشتنا له الآن، ولا اقتراح على المغني الأشعر في أوله ذكر غيبته، ~~وفي آخر تمني أوبته. رد الله تعالى سيدي إلى إخوانه الذين أنا أولهم في المحبة، ~~وإن كنت آخرهم في الرتبة، على حالة يقع الشكر وراء حقها، وتكل مطايا التعديد والبشر في ~~مسافات طرقها، والناس يقولون ردك الله سالما إلى سالمين، وأنا أقول ردك تعالى ~~غانما إلى غانمين، فإن من سعد بلقياك فهو غانم، كما أن من حرم النظر إلى طلعتك فهو ~~غارم. وأرجو أن يتقدم سيدي بوصوله عند الفطر، فيجتمع لي عيدان وفطران، كما اجتمع علي ~~بغيبته صومان، على أن صوم العين أشد من صوم البطن، فإن مسافة صوم العين مجهولة الأمد ~~والعدد، مخوفة الزيادة والمدد، ومسافة صوم البطن يوم وشيك المهلة، قريب العشية من ~~الغدوة. فحصتي من صوم هذه السنة المباركة حصتان، ويومي منه يومان، وتأبى ms228 صروف الدهر ~~أن تأتيني إلا مزدوجة في قران، وذلك أني صمت عن النظر إلى طلعة سيدي شهري رجب ~~وشعبان، وصمت عن الطعام والشراب شهر رمضان، وقد قال الخليع الشامي: # سكران سكر هوى وسكر مدامة # فمتى يفيق فتى به ~~سكران؟! # وأنا أقول: # صومان صوم نوى وصوم عبادة # فمتى يعيش فتى له ~~صومان؟!» # وكتب إلى تلميذ له: «وصل كتابك يا سيدي فسرني نظري إليه، ثم غمني اطلاعي عليه ~~لما تضمنه من ذكر علتك، جعل الله أولها كفارة وآخرها عافية، ولا أعدمك على الأولى ~~أجرا وعلى الأخرى شكرا، وبودي لو قرب علي متناول عيادتك، فاحتملت عنك بالتعهد ~~والمساعدة بعض أعباء علتك، فلقد خصني من هذه العلة قسم كقسمك، ومرض قلبي لمرض جسمك، ~~وأظن أني لو لقيتك عليلا لانصرفت عنك وأنا أعل منك، فإني بحمد الله تعالى جلد ~~على أوجاع أعضائي غير جلد على أوجاع أصدقائي، ينبو عني سهم الدهر إذا رماني، ~~وينفذ في إذا رمى إخواني، فأقرب سهامه مني أبعد سهامه عني، كما أن أبعدها عني أقربها ~~مني، شفاك الله وعافاك، وكفاني فيك المحذور وكفاك، ورفع جنبك وغفر ذنبك، وآمن سربك وشرح ~~قلبك، وأعلى كعبك.» # وكتب إلى صديق: «الأيام - أيدك الله - بيني وبينك تراجمة لي عن صحة وفائك، وشهود ~~عندي على صدق إخائك، وأقل حقوقك علي يلزمني ألا أشغل لساني بغير شكرك، ولا قلبي ~~إلا بذكرك، ولو تجاوز طبقات أهل مودتك في ميدان المقة، وتنازعوا خصل الأنس والثقة، ~~رجوت أن أكون سابقا ليس له سابق، ولا يذكر معه لاحق، وأن تجلى الغاية مني عن محبة ~~مرباة بالوفاء، وعن شكر مرضع بالدعاء. وقد بلغني خبر سعيك لفلان في العمل الذي هو ~~دون قدره، وإن كان فوق أعمال عصره فشكرتك عنه وإن كان بشكرك أوفى وأملى وبإيفائك حقك ~~أحق وأولى. وأردت أن أكل شكرك إليه، ولا أتطفل فيه عليه، فكرهت أن تطوى صحيفة الشكر ~~ولم يجر لي فيها اسم، وأن تختم جريدة المشاركة ولم يكن لي فيها قسم، فذكرته لك وأنت ~~له أذكر، وشكرتك عنه ms229 وهو لك مني أشكر، على أني أرغب بذلك الحر عن التلطخ بأوضار ~~الأعمال، فإنها مزالق أقدام الرجال، ضنا به عن تخاليط الأيام، وصيانة لمحله عن ~~مدانسة الأوهام، ونعمتك عليه مقتسمة بيني وبينه، بل أكثرها لي دونه، فما ظنك بعارفة ~~واحدة تكسبك شكرين، وتستعبد لك حرين. وجدير بمن هطلت عليه سحائب عنايتك، ورفرفت حوله ~~أجنحة رعايتك، أن ينبو عنه سيف الزمان مثلوما، ويرجع عن ساحته عسكر الزمان مهزوما. ~~والله - عز وجل - أسأل أن لا يحرمك نعمة يمد بها إليك عنق ودود، ومنة تفقأ ~~عنك عين حسود. # أخبرت أنك - أيدك الله - تحدث نفسك بزيارتي، وإنه ليسرني أن أخطر ببالك، ~~ويسوءني أن أصير زيادة في إشغالك، ولا تجشم نفسك، فإن خيالك في كل ليلة نائب عندي ~~عنك، وإن لم يكن فيه ولا في الدنيا كلها عوض لي منك.» # ومن «مقامات الحريري» المقامة السادسة المراغية: روى الحارث بن همام، قال: حضرت ~~ديوان النظر بالمراغة، وقد جرى به ذكر البلاغة، فأجمع من حضر من فرسان البراعة، وأرباب ~~اليراعة، على أنه لم يبق من ينقح الإنشاء، ويتصرف فيه كيف شاء، ولا خلف بعد السلف، من ~~يبتدع طريقة غراء، أو يفترع رسالة عذراء، وأن المفلق من كتاب هذا الأوان، ~~المتمكن من أزمة البيان، كالعيال على الأوائل، ولو ملك فصاحة سحبان ~~وائل. # وكان بالمجلس كهل جالس في الحاشية، عند مواقف الحاشية، فكان كلما شط القوم في ~~شوطهم، ونثروا العجوة والنجوة من نوطهم، ينبئ تخازر طرفه، وتشامخ أنفه، أنه ~~مخرنبق لينباع، ومجرمز سيمد الباع، ونابض يبري النبال، ورابض يبغي ~~النضال، فلما نثلت الكنائن، وفاءت السكائن، وركدت الزعازع، وكف المنازع، وسكنت ~~الزماجر، وسكت المزجور والزاجر، أقبل على الجماعة وقال: لقد جئتم شيئا إدا، وجرتم عن ~~القصد جدا، وعظمتم العظام الرفات، وافتتم في الميل إلى من فات، وغمصتم جيلكم الذين ~~فيهم لكم اللدات، ومعهم انعقدت المودات. أنسيتم يا جهابذة النقد، وموابذة الحل ~~والعقد، ما أبرزته طوارف القرائح، وبرز فيه الجذع على القارح من العبارات ~~المهذبة، والاستعارات المستعذبة، والرسائل الموشحة، والأساجيع المستملحة؟ ms230 وهل للقدماء ~~إذا أنعم النظر من حضر، غير المعاني المطروقة الموارد، المعقولة الشوارد، المأثورة ~~عنهم لتقادم الموالد، لا لتقدم الصادر على الوار؟ وإني لأعرف الآن من إذا أنشا وشى، ~~وإذا عبر حبر، وإن أسهب أذهب، وإذا أوجز أعجز، وإن بده شده، ومتى اخترع خرع، ~~فقال له ناظورة الديوان، وعين أولئك الأعيان: من قارع هذي الصفاة، وقريع هذه الصفات؟ ~~فقال: إنه قرن مجالك، وقرين جدالك، وإذا شئت ذاك فرض نجيبا، وادع مجيبا، لترى ~~عجيبا. فقال له: يا هذا إن البغاث بأرضنا لا يستنسر، والتمييز عندنا بين الفضة ~~والقضة متيسر، وقل من استهدف للنضال، فخلص من الداء العضال، أو استثار نقع ~~الامتحان، فلم يقذ بالامتهان، فلا تعرض عرضك للمفاضح، ولا تعرض عن نصاحة الناصح، فقال: ~~كل امرئ أعرف بوسم قدحه، وسيتفرى الليل عن صبحه. فتناجت الجماعة فيما يسبر ~~به قليبه، ويعمد فيه تقليبه. فقال أحدهم: ذروه في حصتي، لأرميه بحجر قصتي، فإنها عضلة ~~العقد، ومحك المنتقد، فقلدوه في هذا الأمر الزعامة، تقليد الخوارج أبا نعامة. ~~فأقبل على الكهل وقال: اعلم أني أوالي هذا الوالي، وأرقح حالي بالبيان الحالي، وكنت ~~أستعين على تقويم أودي، في بلدي بسعة ذات يدي، مع قلة عددي، فلما ثقل حاذي، ونفد ~~رذاذي، أممته من أرجائي برجائي، ودعوته لإعادة روائي وإروائي، فهش للوفادة وراح، ~~وغدا بالإفادة وراح. فلما استأذنته في المراح إلى المراح، على كاهل المراح، قال: قد ~~أزمعت أن لا أزودك بتاتا، ولا أجمع لك شتاتا، أو تنشئ لي أمام ارتحالك، رسالة ~~تودعها شرح حالك، حروف إحدى كلمتيها يعمها النقط، وحروف الأخرى لم يعجمن قط، وقد ~~استأنيت بياني حولا، فما أحار قولا، ونبهت فكري سنة، فما ازداد إلا سنة، واستعنت ~~بقاطبة الكتاب، فكل منهم قطب وتاب. فإن كنت صدعت عن وصفك باليقين، فأت بآية إن ~~كنت من الصادقين. فقال له: لقد استسعيت يعيوبا، واستسقيت أسكوبا، وأعطيت القوس ~~باريها، وأسكنت الدار بانيها، ثم فكر ريثما استجم قريحته، واستدر لقحته، وقال: ألق ~~دواتك وأقرب، وخذ أداتك واكتب: # الكرم - ثبت الله ms231 جيش سعودك - يزين، واللؤم - غض الدهر جفن حسودك - يشين، ~~والأروع يثيب، والمغور يخيب، والحلاحل يضيف، والماحل يخيف، والسمح يغذي، والمحك ~~يقذي، والعطاء ينجي والمطال يشجي، والدعاء يقي والمدح ينقي والحر يجزي، والإلطاط يخزي، ~~واطراح ذي الحرمة غي، ومحرمة بني الآمال بغي، وما ضن إلا غبين، ولا غبن إلا ~~ضنين، ولا خزن إلا شقي، ولا قبض راحه تقي. وما فتئ وعدك يفي، وآراؤك تشفي، وهلالك ~~يضي، وحلمك يغضي، وآلاؤك تغني، وأعداؤك تثني، وحسامك يفني، وسؤددك يقني، ومواصلك ~~يجتني، ومادحك يقتني، وسماحك يغيث، وسماؤك تغيث، ودرك يفيض، وردك يغيض. # ومؤملك شيخ حكاه فيء، ولم يبق له شيء، أمك بظن حرصه يثب، ومدحك بنخب مهورها ~~تجب، ومرامه يخف، وأواصره تشف، وإطراؤه يجتذب، وملامه يجتنب، ووراءه ضفف، مسهم ~~شظف، وحصهم جنف، وعمهم قشف، وهو في دمع يجيب، ووله يذيب، وهم تضيف، وكمد ~~نيف، لمأمول خيب، وإهمال شيب، وعدو نيب، وهدو تغيب، ولم يزغ وده فيغضب، ~~ولا خبث عوده فيقضب، ولا نفث صدره فينفض، ولا نشز وصله فيبغض، وما يقتضي كرمك نبذ ~~حرمه، فبيض أمله بتخفيف ألمه، ينث حمدك بين عالمه، بقيت لإماطة شجب، وإعطاء ~~نشب، ومداواة شجن، ومراعاة يفن، موصولا بخفض، وسرور غض، ما غشي معهد غني، أو ~~خشي وهم غبي، والسلام. # فلما فرغ من إملاء رسالته، وجلى في هيجاء البلاغة عن بسالته، أرضته الجماعة فعلا ~~وقولا، وأوسعته حفاوة وطولا. ثم سئل من أي الشعوب نجاره، وفي أي الشعاب وجاره؟ ~~فقال: # غسان أسرتي الصميمة # وسروج تربتي ~~القديمة # فالبيت مثل الشمس إش # راقا ومنزلة ~~جسيمة # والربع كالفردوس مط # يبة ومنزهة ~~وقيمة # واها لعيش كان لي # فيها ولذات ~~عميمة! # أيام أسحب مطرفي # في روضها ماضي ~~العزيمة # أختال في برد الشبا # ب وأجتلي النعم ~~الوسيمة # لا أتقي نوب الزما # ن ولا حوادثه ~~المليمة # فلو ان كربا متلف # لتلفت من كربي ~~المقيمة # أو يفتدى عيش مضى # لفدته مهجتي ~~الكريمة # فالموت خير للفتى # من عيشه عيش ~~البهيمة # تقتاده برة الصغا # ر إلى العظيمة ~~والهضيمة # ويرى السباع تنوشها # أيدي الضباع ms232 ~~المستضيمة # والذنب للأيام لو # لا شؤمها لم تنب ~~شيمة # ولو استقامت كانت ال # أحوال فيها مستقيمة # ثم إن خبره نما إلى الوالي، فملأ فاه باللآلي، وسامه أن ينضوي إلى أحشائه، ويلي ~~ديوان إنشائه، فأحسبه الحباء، وظلفه عن الولاية الإباء. # قال الراوي: وكنت عرفت عود شجرته، قبل إيناع ثمرته، وكدت أنبه على علو قدره، قبل ~~استنارة بدره، فأوحى إلي بإيماض جفنه، أن لا أجرد عضبه من جفنه. فلما خرج بطين ~~الخرج، وفصل فائزا بالفلج، شيعته قاضيا حق الرعاية، ولاحيا له على رفض الولاية، ~~فأعرض متبسما، وأنشد مترنما: # لجوب البلاد مع المتربة # أحب إلي من ~~المرتبة # لأن الولاة لهم نبوة # ومعتبة يا لها ~~معتبة! # وما فيهم من يرب الصن # يع ولا من يشيد ما ~~رتبه # فلا يخدعنك لموع السراب # ولا تأت أمرا إذا ما ~~اشتبه # فكم حالم سره حلمه # وأدركه الروع لما ~~انتبه! # ومن «أطواق الذهب» المقامة الثامنة: «ما أسعدك لو كنت في سلامة الضمير، كسلاسة الماء ~~النمير، وفي النقاء عن الريبة، كمرآة الغريبة، وفي نفاذ الطية، كصدر الخطية، وفي ~~أخذ الأهبة، كالواقع في النهبة! لكنك ذو تكدير، كرجرجة الغدير، ومتلطخ بالخبائث، ~~كخرقة الطامث، وذو عجز وتواني، كمكسال الغواني، وتارك للاستعداد، كالشاك في ~~المعاد.» # ومن «أطباق الذهب» المقالة السابعة والعشرون: «أشرف الأنفاس أحرها، وأفضل الأذكار ~~أسرها، وراء الجهر بالدعاء لام، والذي يحسن إفشاؤه سلام. ترك الذكر يشبه الكبرياء، ~~وإعلانه يوجب الرياء، وإخفاؤه سنة زكرياء، فإذا دعوت الله فعم، ولا تجهر فإنك لا ~~تنادي الصم، إنه لا يسمع بالغضروف، ولا يحتاج منك إلى الأصوات والحروف، هو راحم ~~النمال العمش، ورازق النعاب في العش، يعلم خطرات الأوهام، كما يحصر قطرات الرهام، فيا ~~أيها الملح في الدعاء، ويا جهوري النداء، أتسترزق بالإلحاح والإرهاق، وتقتضي ~~القضيم بالنهاق، للعجول إذا حرص جؤار، وللعجول إذا نهم خوار، وللأتان على الأري ~~نهيق، وللضفدع في الأدي نقيق، والحريص سريع السغب، كثير الشغب، والقانع لا يستنبط ~~الماء بنقرات المعول، والمخلص يدعو بسره لا بحركات المقول. والصبر من الهلع أجمل، ~~والنية أبلغ ms233 وأعمل، والصمت من الصراخ أنفع، والفيل من العصفور أشبع، والحوت الصموت ~~أقنع، وزعاق الضفادع أشنع، ولسان الحال أفصح، وبساط الرحمة أفسح، فسبح تسبيح الحيتان ~~في النهر، واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر، وأقل من سؤالك فهو فعال ~~لما يريد، واخفض من ندائك فهو أقرب إليك من حبل الوريد.» # وكتب محمد بن حبيب الحلبي صاحب كتاب «نسيم الصبا»، المتوفى سنة 779 في وصف السماء ~~وزينتها: «أيقظتني ليلة دواعي الهموم، فنظرت نظرة في النجوم، فإذا السماء كأنها ~~روضة مزهرة، أو صرح كنس جواريه مسفرة، أو غدير تطفو عليه الفواقع، أو بنفسج نور ~~أقاحه لامع ، أو مسح ألقي عليه درر غواص، أو ستر به لعين كل نجم وصواص، أو جمر في ~~خلال رماد، أو كما قال من أجاد: # بساط زمرد نثرت عليه # دنانير تخالطها ~~دراهم # ونهر المجرة يجري في سندسها، ويسري ليسقي ذابل نرجسها، يا له من نهر صفا ماؤه، وعقد ~~على الأفق لواؤه! يتقلب القلب إليه، ويقف طرف الطرف عليه، ويقبل نحوه الدبران، ~~وينصب على شطه الميزان، ويحوم حوله النسران، ويعوم فيه الحوت والسرطان. # والثريا كالكرة أو كجام # أو بنان أو طائر أو ~~وشاح # أو باقة من نرجس، أو كأس يدار في المجلس، أو شمع يتوقد، أو شمس من عسجد، أو شذر ~~منضود، أو كرم أو عنقود، أو عقد لؤلؤ حسن الاتساق، أو أقراط خود ترتعد فرقا ~~من الفراق: # وسهيل كوجنة الحب في اللو # ن وقلب المحب في ~~الخفقان # أو كمصباح تلعب به أيدي الرياح، أو ظامئ يريد أن يرد، أو فارس في حمى الحمى ~~مجتهد، أو مشوق يتبع الآثار، أو غريب لا يزور ولا يزار، أو غريق يدعي قوة السباحة، ~~أو ماجد أنف من الذل فألف السياحة، أو مغاضب يدعى فلا يجيب، أو محب يغض الطرف ~~ويفتحه خوف الرقيب، والجوزاء النيرة كالشجرة المنورة: # كأنها منطقة من ذهب # قد عقدت على قباء ~~أزرق # والفرقدان الهاديان المرشدان: # كأنهما إلفان قال كلاهما # لشخص أخيه: قل فإني ~~سامع # والذراع يذرع شقة الأفق، والجبهة ms234 تسجد على مفارق الطرق، والعيوق يعوق عن السير إذا ~~سار، والعواء أعينها نشاوى قد تغشاها خمار، والسماك معتقل رمحه، والنثرة منتظمة ~~كالسبحة، والنعائم تحدوها النعامى، وزهرة الزهرة تضيء بين الخزامى، وبهرام يخجل ~~البهرمان، والإكليل ليس يكل من مسايرة الأظعان، والمقدم لا يتأخر عن الإعناق والإيجاف، ~~والصرفة قد همت مع العسكر بالانصراف: # تمر بواديا ليلا وتطوى # نهارا مثلما طوي ~~الإزار # فكم بصقالها صدي البرايا # وما يصدى لها أبدا ~~غرار # فبينما أنا أسرح في درر الدراري نظري، وأروض في رياضها جواد فكري، وأقدس من ~~هي مسخرات بأمره، وأنزه من هدى خلقه في بره وبحره، إذ هب نسيم السحر، ~~يروي عن أهل نجد أطيب الخبر، فعطر الكون بعرفه، وملك الرق برقته ولطفه، وأهدى ~~الروح إلى الأرواح، وأطرب السمع بأحاديثه الصحاح: # فهو حياة لكل حي # كأن أنفاسه ~~نفوس # فاستبشرت بوروده، وحصلت على الفائدة من وفوده، وسر بمناجاته سري، وقلت له والدموع ~~تجري: # أعد ذكر من حل الغضا يا محدثي # وإن أضرموه ~~بالأضالع والصدر # ولا تنس سكان العقيق وإن هم # على وجنتي أجروه ~~في مدة الهجر # فلما أتممت الإنشاء والإنشاد، وشرعت في طلب الإسعاف والإسعاد؛ تبسم الفجر ضاحكا ~~من شرقه، ونصب أعلامه على منازل أفقه، فانطوى نشر الليل، وكف من غمره الذيل، ~~وارتفت الحجب، وتأججت نار الشهب، واقتنص بازي الضوء غراب الظلام، وفض كافور النور ~~عن الغسق مسك الختام: # وشرد الصبح عنا الليل فاتضحت # سطوره البيض في ~~ألواحه السود # وفلت جيوش الدجى، وحرك النهار منه ما سجى، وجنح جنحه إلى الرحيل، وتلا ~~لسان حال التحويل: # يقلب الله الليل والنهار إن ~~في ذلك لعبرة لأولي الأبصار ~~.» # وله أيضا في وصف الشمس والقمر: «بكرت يوما بعد أداء الفرض، أتفكر في خلق ~~السموات والأرض، فلمحت المشرق بالنظر، وإذا قرن الغزالة قد ظهر، كأنه جذوة نار، أو قطعة ~~من دينار، أو كأس ستر بعضه بالحباب، أو حسناء غطت وجهها بنقاب، ثم كشفت أستارها، ~~وألقت على الأفق أنوارها، وبرزت كأنها كرة في ميدان، أو مجن دولاب ضمخ بالزعفران، أو ~~مرآة ms235 لم تصقل ولم تطرق، أو وجه المليحة في خمار أزرق، أو سبيكة زجاج منتفخة الجوانب، ~~أو بودقة يحرك فيها ذهب ذائب: # وكأنها عند انبساط شعاعها # تبر يذوب على فروع ~~المشرق # فقلت: أهلا بالجارية، التي في طلعتها ما يغني عن الجارية، والعين التي تغار منها ~~العين، والجونة التي وضح منها الجبين، والسراج الوهاج التي تبرجت بها الأبراج. ~~أنت المخصوصة بالشرف والرفعة، أنت واسطة عقد الكواكب السبعة، أنت للحكمة برهان، ~~وللفلك معيار وميزان، أنت الناطقة في صمتها، التي قصر البليغ عن وصفها ونعتها، أنت ~~ملك مقدم، أنت النير الأعظم، أنت يوح، التي تغدو في مصالح العالم وتروح، أنت ذكا ~~التي ذكت نارها، أنت الضحى التي علا منارها، أنت الشمس، التي بها تعرف الأوقات ~~الخمس، بك ينشر الظل ويطوى، ويشتد النبات بعد ضعفه ويقوى، ويستدل على طريق ~~الصواب، ويعلم عدد السنين والحساب. لما سفرت رافلة في الحلل المعصفرة، محيت آية ~~الليل وجعلت آية النهار مبصرة، وناهيك بها منزلة، وحسبك أن صفاتك في الكتاب ~~منزلة. # ثم تمشت على بساطها، وخطرت في وشيها ورياطها، وسبحت في فلكها مرشدة ~~إلى الحقائق، مظهرة أسرار الساعات والدرج والدقائق: # تسمو إلى كبد السماء كأنها # تبغي هناك دفاع أمر ~~معضل # واستمرت سائرة يحدوها مر النسيم، # والشمس تجري ~~لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم ~~، فلم يزل ~~فكري يصاحبها، وطرفي يرعاها ويراقبها: # حتى إذا بلغت إلى حيث انتهت # وقفت كوقفة سائل عن ~~منزل # ثم انثنت تبغي الخدور كأنها # طير هفا لمخافة من ~~أجدل # فلما حجبت عن العيون شخصها، وخطف المغرب من يد المشرق قرصها، واكتحلت جفون الأفق ~~بالنار، وطرد زنجي الليل رومي النهار، بزغ الهلال، بأمر ذي الجلال، كأنه ~~قوس موتور، أو زورق منحدر في بحر الديجور، أو شطر سوار أو منجل معد لحصاد ~~الأعمار، أو خنجر مرهف النصلين، أو نون مرسومة من لجين، أو شفة كأس مائلة، أو ~~مخلب عقاب صائلة، أو قطعة من قيد، أو فخ نصب للصيد، أو حرف جيم، أو عرجون قديم، ~~أو حاجب شيخ أدركه الشمط، أو ms236 نعل من حافر أدهم الدجى سقط، أو ذباب سيف خرج من جفنه، ~~أو راكع يعبد من لا يحدث أمر إلا بإذنه. وفي معناه من قصيدة: # وترى الهلال يلوح في أفق السما # يبدو كقوس ~~بالمنى يرميني # أو شبه فخ أو كدملج غادة # وكجانب المرآة ~~والعرجون # وجبين حب بالعمامة قد زها # وكوجه خود بالنقاب ~~مصون # وكناب فيل أو قلامة أنمل # وكزورق وكحاجب ~~مقرون # أو كالسوار أزيل منه البعض أو # قربوس سرج مذهب أو ~~نون # وكشأفة الكأس المخبأ بعضه # ضمن الشفاه ومنجل ~~مسنون # هو منجل الأعمار للحصد الذي # يفني أولي التزيين ~~والتحسين # وإذا مضى سبع تراه كأنه # نصف لتعويذ بدا ~~لعيون # وإذا تكامل صار جاما صافيا # وكأنه من لؤلؤ ~~مكنون # أو غادة قد أسفرت عن وجهها # غنيت عن التحسين ~~والتزيين # هذا هو المشهور في تشبيهه # قدما وذلك جمعه ~~يكفيني # فقلت: مرحبا بمن ثياب مناوئه رثاث، قر عينا ستعود قمرا بعد ثلاث، ثم تصير ~~بدرا، إن في ذلك لذكرى: # وإذا رأيت من الهلال نموه # أيقنت أن سيكون ~~بدرا كاملا # أنت الزمهرير الذي ليس له في نضارته نظير، أنت الزبرقان الذي له في كل شهر مهرجان. ~~أيها القمر، كم محب طاب له فيك السمر، أيها الواضح الباهر، ما أنت إلا مثل سائر، ~~أيها البدر الكامل، الذي فضله للبرية شامل، لا تأس على ما فاتك من الدرج، ولا يكن ~~في صدرك من الغزالة حرج: # فقد تخمد الشمس الصباح بضوئها # تفاوتت الأنوار والكل ~~رائق # منازلك معروفة، ومحاسنك موصوفة، وشرفك باذخ، وقدمك راسخ، وآياتك ظاهرة، وسفارتك ~~سافرة، كم أوضحت من طريق، وهديت الرفيق إلى الفريق، وذكرت محبوبا لمحبوبه، وبلغت ~~طالبا غاية مطلوبه. أحسن بضوء ذبالتك! وحسبي مثلا بهالتك، جعلك الباري في السموات ~~نورا، وكان أمر الله قدرا مقدورا، فسبحان من جلا بمحياك حندس الغسق، وأقسم بك ~~في قوله: # والقمر إذا اتسق ~~. قدرك أثيث أثيل، ~~ومحبك نبيه نبيل، ووجهك يا بثينة الحسن جميل: # على رسل فما لك من مجار # إلى رتب العلاء ولا ~~رسيل # فتبارك اسم من ألبسكما أحسن ms237 الحبر، وتعالى جد من جعلكما مصباحين لأهل النظر، # ومن آياته الليل والنهار والشمس ~~والقمر ~~. # ثم لم يبرح يسري وأنا لا أبرح، وينجلي وأنا أشاهد وجهه الأصبح، إلى أن غاب واختفى، ~~وحسبنا الله وكفى.» # وله أيضا في وصف البحر والنهر: «هزتني رياح الأمل البسيط، إلى امتطاء ثبج البحر ~~المحيط، فأتيت سفينة يطيب للسفر مثواها، وركبت فيها باسم الله مجراها ومرساها، موقنا ~~بأن المقدور صائر، معرضا عن قول الشاعر: # لا أركب البحر أخشى # علي منه ~~المعاطب # طين أنا وهو ماء # والطين في الماء ~~ذائب # يا لها سفينة! على الأموال أمينة، ذات دسر وألواح، تجري مع الرياح ، وتطير بغير جناح، ~~وتعتاض عن الحادي بالملاح. تخوض وتلعب، وترد ولا تشرب. لها قلاع كالقلاع، وشراع ~~يحجب الشعاع، وسكينة وسكان، ومكانة وإمكان، وجؤجؤ وفقار، وأضلاع محكمة بالقار، وجسم ~~عار من الفؤاد، وهو في عين الماء بمنزلة السواد، بعيدة ما بين السحر والنحر، من أحسن ~~الجواري المنشآت في البحر، معقودا بنواصيها الخير كالخيل، لا تمل من سير النهار ولا من ~~سرى الليل: # ما رأى الناس من قصور على الما # ء سواها تسير سير ~~القداح # كأنها وعل ينحط من شاهق، أو عرباض سابق يحثه سائق، أو عقرب شائلة، أو عقاب ~~صائلة. أو غراب أعصم، أو تمساح أو أرقم، أو ظليم نفر في الظلام، أو جواد فر مستنكفا ~~من صحبة الأنام، حاكمها عادل في حكمه، عارف بنقض أمرها وبرمه، يهتدي بالنجوم، ويبتدي ~~باسم الحي القيوم، يبرز من نواتيها في جنود، يشمل إحسانهم أهلها أيقاظا وهم رقود، ~~يتأنقون فيما يعمرون، ويفعلون ما يؤمرون: # يكثرون الصياح حتى كأن الس # فن تجري من خوف ~~ذاك الصياح # فبينما نحن من البحر في قاموسه، كتب الجو حروف الغيم في طروسه، وثارت ريح عاصف، ~~يتبعها رعد قاصف، فمالت بنا الفلك واضطربت، ودنت شفتها من رشف الماء واقتربت، ~~واستمرت ترفع وتخفض، وتقرب وترفض، وتعلو على الأوتاد، وتهيم في كل واد، وتحوم وتحول، ~~وتجود وتجول، وتضرم في الكبود نار ناجر، إلى أن بلغت القلوب الحناجر: # ألا فارجه ms238 واخشه إنه # هو البحر فيه الغنى ~~والغرق # ثم نظر إلينا من لا تخفى عليه السرائر، وأمر الجارية بحمل العبيد إلى بعض الجزائر، ~~فلم ندر إلا ونحن تجاه جزيرة، تسر النفوس بمحاسنها الغزيرة، فانحدرت ماضيا إلى ~~بنيها، نائبا عن السفينة وساكنيها، فوجدتها مخضرة الأفنان، مخضلة الكثبان، ~~بها من الياقوت ما يرجع خاسئا مناويه، ومن الأشجار ما يحمل الفواكه والأفاويه، وبين ~~رياضها نهر شديد الخضر، أرضه ذهب وحصباؤه درر، وأمواجه عكن وداراته سرر: # عذب إذا ما عب منه ناهل # فكأنه من ريق خود ~~ينهل # لين الأديم، مزاجه من تسنيم، يصقله الصبا ويفركه النسيم، فكأنه دروع موضونة ، أو ~~مبارد مسنونة، أو دمع يتسلسل، أو أفاع تتململ، أو ذوب فضة يسيل، أو صفحة سيف صقيل، أو ~~لوح بلور مرقوم، أو رحيق بالمسك مختوم: # وكأن الطيور إذ وردته # من صفاء به تزق ~~فراخا # إن مالت إليه الغصون فالشخوص ترقص في الخيال، وإن كرعت منه الظباء فالغيد يرشفن من ~~ثغور أترابهن الزلال، وإن أشرقت عليه النجوم خلت الفلك يدور في أرجائه، وإن تجلى له ~~البدر حسبته قلبا خافقا بين أحشائه. قال مؤيد الدين الطغرائي: # والشمس إن وافته راد الضحى # حسناء في مرآته ~~ناظرة # أنموذج الماء الذي جاءنا ال # وعد بأن نسقاه في ~~الآخرة # فلبثت فيها مدة، مفكرا فيما رأيت من الفرج بعد الشدة، مؤمنا بالقدر خيره وشره، ~~وحلوه ومره، واقفا على شكر من تجري الفلك في البحر بأمره: # ربما تجزع النفوس لأمر # ولها فرجة كحل ~~العقال # ولم أزل بها في أحسن حال، وأرغد عيش وأنعم بال، إلى أن حرك الله مني ما كان ~~ساكنا، وأدخلني مصر بمشيئته آمنا.» # وكتب المغفور له عبد الله باشا فكري، المتوفى سنة 1307، عن الحضرة الخديوية إلى ملك ~~دارفور: «حمدا لمن ألف بين قلوب المؤمنين، وجعلهم بنعمته إخوانا في الدين، وصلاة ~~وسلاما على رسول جنابه وسيد أحبابه، وعلى آله وأصحابه، من كافل الديار المصرية وما ~~والاها من الأقطار السودانية، إلى حضرة صفوة السادة الأماجد، الجامع ما تفرق من مكارم ~~المحامد، غرة جبين ms239 الشرف الأجلى، وقرة عين المجد الأعلى، بحر الفضل الزاخر، وبدر ~~سماء المحاسن والمفاخر، وفخر الأوائل والأواخر، الملك المعظم، السلطان ~~المفخم، محمد بن الحسين المهدي سلطان مملكة دارفور، حفظه الله بدوام السرور، والسعد ~~الموفور. آمين. # بعد سلام ينبئ عن صريح الوداد، ويخبر عما في صميم الفؤاد، من صحيح المحبة ~~والاتحاد، وتحية يحلو على الألسن حسن تكريرها، ويعبر عن صدق الولاء طيب عبيرها، وشوق ~~يقل عنه البيان، ويكل دونه البنان، وسؤال عن الخاطر العالي أدام الله معاليه، ~~وحف بطوالع السعد أيامه ولياليه. بينما نحن في انتظار ما يرد من الرسائل، والثناء ~~على حسن تلك الشمائل، ورد لنا خطابكم الكريم، فقابلناه بمزيد من التعظيم، وسررنا بحسن ~~صحتكم، وما أبديتموه من لطف مودتكم، فالله يرعى تلك الصحة ويلحظها، ويديم هذه المحبة ~~ويحفظها. وقد أوضحتم أن سلفنا السعيد المنتقل إلى رحمة ربه المجيد - ضاعف الله حسناته ~~وأحله أعالي جناته - كان قد جعل فلانا وكيلا في رؤية أموركم البهية على منهج ~~السداد، ونحن أيضا قررناه في هذه الوظيفة، وأوصيناه بالاهتمام فيما يتعلق بتلك ~~الحضرة الشريفة، وسيجد منا في ذلك حسن المساعدة، ودوام التسهيل والمعاضدة. ثم ما ~~تكرمتم بإرساله مع كريم خطابكم، على يد القاصدين الواردين من عالي جنابكم، قوبل ~~بقبوله عند وصوله، والمبعوث مع القاصدين المذكورين لناديكم الكريم، ما هو موضح ~~بالبطاقة المطوية مع هذا الرقيم، والمرجو أن تتصل بيننا روابط الود على الدوام، ~~كما جمعتنا علاقة الأخوة في الإسلام! وصلى الله على سيدنا محمد بدر التمام، وعلى ~~آله وأصحابه الأعلام، غيوث الأفضال، وغايات الكمال.» # ولما سافر - رحمه الله - إلى مؤتمر المستشرقين بمدينة استكهلم عاصمة مملكة ~~السويد، أرسل خطابا إلى صاحب الدولة رياض باشا، صورته: # دولتلو أفندم حضرتلري # أقدم من تحايا التبجيل والتكريم، ما يليق بذلك المقام الكريم، داعيا ~~بدوام ظلال الإقبال، وجمال الأحوال، وكمال الآمال، أعطر الأرجاء بأريج الثناء، ~~وأستقبل قبلة الإجابة بخير الدعاء. وقبل هذا حررت لسيدي الباشا علي الهمم، ~~مبارك الطلعة المحترم، وذكرت بعض الجهات التي وردناها، في طريق الواجهة التي ~~قصدناها، وكتبت ms240 أيضا لبعض الأجلاء، من السادة الأخلاء، ولبثت أنتظر أن ~~يجيبني أحد بسطر أو بعض سطر، ولو بقدر قلامة ظفر، فما جاءني عن الدار ولا ~~غيرها خبر، حتى حررت بالتلغراف لبعض الأصدقاء، فلم يظهر قبل وصولنا إلى السويد ~~أثر. اللهم إلا أني كتبت من باريس يوم العيد، بالتلغراف للمعية السنية قياما ~~بواجب العبودية من التعبيد، والتبريك لجناب ولي النعم الخديو الأعظم السعيد، ~~أبقاه الله ممتعا بأنجاله وجميع آله بعمر مديد وحظ مزيد، مهنأ ~~بالأعياد والمواسم، وثغور المسرة له كمحياه السعيد بواسم، يشيع الماضي ~~مبرورا، ويستقبل الآتي مسرورا، ويكسوها من نوره نورا؛ فجاءني الجواب ~~في بياض اليوم لم يتأخر، مبشرا بالقبول والممنونية. # وذلك لدينا عيد أكبر، وحظ أوفر، وسجدنا لله داعين ومؤمنين، ومسرين ~~ومعلنين، ولم يزل دأبنا في كل موضع حللناه، وموقع نزلناه، نؤدي وظيفة ~~الدعاء أحسن الأداء، وننشر ألوية مدائحه الجليلة عاطرة النشر، ونخلد في ~~المسامع والمجامع طيب الذكر، ونعدد ما نعلم من المآثر الغراء والمفاخر ~~الحسناء، تربو على الإحصاء، ونستتبعها بذكر محاسن أمراء رجاله، الأمناء ~~الموازين له في أعماله، الناسجين على منواله، في محاسن خلاله، وأقمنا في ~~باريس نحو عشرين يوما نراجع ما كتبناه بمصر من المواضيع التي حررناها للعرض ~~على المؤتمر السويدي، ونعيد عليها النظر وفي خلال ذلك نتردد على معرض ~~باريس العام وغيره من المواضع الشهيرة، فشاهدنا من الصنائع والبضائع وأنواع ~~البدائع والنظام والإتقان والإحكام، ما يحتاج في إيضاحه من البيان، وتقريبه ~~للأفهام، إلى مجلدات ضخام، واستخدام أعوام. # وسنذكر في الرحلة - إن شاء الله - مما رأيناه في هذه العاصمة وغيرها ما ~~يبلغه الجهد ويساعد عليه الحال. وفي أثناء تلك المدة أردنا معاينة المدارس ~~الموجودة هنا، فصادفنا الوقت وقت عطلة، فكانت كلها مقفلة معطلة، فلم أحصل ~~على الغرض من ذلك، إلا أني لم آل جهدا في تحصيل قدر كاف من بروجراماتها ~~وقوانينها وترتيباتها عن أنواع متنوعة من ابتدائية وثانوية، وخصوصية بعضها ~~بالشراء وبعضها بالاستهداء، وأحضرت جملة جداول وبيانات عن بعض أدوات التعليم ~~وأثمانها، ومحلات بيعها، وشاهدنا جملة من المدارس ms241 المذكورة مختلفة الأنواع، ~~إلا أنها خالية من الدروس والمدرسين والتلامذة، ليس بها إلا البواب وبعض ~~الخدم، فرأينا محلات التدريس وبعض أدوات التعليم. وكان من جملة ما رأيناه ~~مدرسة زراعية سافرنا إليها من باريس بسكة الحديد ورجعنا في يومنا، وكانت مغلقة ~~أيضا، ولم نجد مدرسة من التي رأيناها جاريا فيها العمل إلا مدرسة خاصة ~~بالأطفال الصغار من سن سنتين ونصف وثلاث سنين يقيمون بها إلى سن ستة، ~~ويتولى أمرهم فيها معلمات قد صرن لهن كالأمهات المشفقات، يتحببن إليهم ~~ويتحببون إليهن، ويراعين تعليمهم بطرق سهلة في غاية البساطة واللطافة ~~والملاءمة لحال الطفل، لا يظنها إلا من اللعب والمحادثة. # وقد أحضرنا ترتيبا عنها مفصلا، وأعجبتني الطريقة المتبعة بها جدا. ~~ثم سرنا من باريس إلى لوندرة، وأقمنا بها أياما، ومنها إلى محل المأمورية ~~معرجين على روتردام، ثم ليدن، ثم أمستردام، ثم كولونيا، ثم هامبورج، ثم ~~كوبنهاج، ثم مالمو، وهي أول ثغور مملكة السويد. وفي أثناء مسيرنا منها إلى ~~العاصمة صادفنا من معتبري البلاد من عرف من هيئة ملابسنا المشرقية من الطربوش ~~والعمامة أننا من أعضاء المؤتمر الذين طوحت بهم إلى بلادهم مرامي السفر، ~~فصاروا يتعرفون إلينا ويتقربون منا ويلاطفوننا غاية الملاطفة، ~~ويجملون لنا المقابلة والمعاملة، إلى أن وصلنا إلى استكهلم، ونزلنا الأوتيل. ~~وهناك اجتمعنا بالكونت لاندبرج، فحضر وسلم علينا، ومضينا معه إلى مكتب ~~المؤتمر محل أشغاله، فأطلعنا على المحل المعد لانعقاد المؤتمر في جلساته ~~العامة والخاصة ومواضعنا فيه، وهي في جزء مرتفع عن باقيه بدرج، وبه كرسي ~~للملك وخلف ظهره العائلة الملوكية، وعن يساره موقف من يخطب وكراسي لجلوس ~~الوفد المصري، وعن يمينه بعض وزرائه وسفير العجم في الآستانة العلية؛ محسن ~~خان، والوفد العثماني وبقية وفد العجم، وبين يديه الكتب المهداة إليه. وفي ~~باقي المحل أسفل من هذه الدرجة مواضع باقي الناس أعضاء المؤتمر، والمحل يسع فوق ~~خمسمائة نفس، وفي أعلاه محل مرتفع مشرف عليه لجلوس النساء به، يسع نحو مائة ~~وخمسين. وأعطى الكونت لكل واحد منا علامة العضوية في المؤتمر، وهي شبه ~~وردة ms242 من قماش لماع ملون بالألوان الموجودة في علمي السويد والنرويج، ~~مثبتة في شبه زر يجعل في عروة السترة، لبس الملك واحدة منها. # وقد حضر في أثناء وجودنا هناك، فرآنا وعرفه بنا الكونت فسلم علينا بيده ~~واحدا واحدا، وقابلنا بغاية البشاشة، ولما سلم علي أظهر محبته للجناب ~~الخديو المعظم، وشكره على إرسال الوفد، وسروره بحضوري، ولما سلم على أمين ~~بك قال له: أنت ترجماني لوالدك، وفي ثاني يوم وهو يوم الأحد طلبنا إلى سرايته ~~بعربات حضرت إلينا لمقابلته المقابلة الرسمية، ولم تكن المقابلة الأمسية ~~رسمية، فتوجهنا بالكساوي التشريفية والنياشين كما أشير علينا، فلما دخلنا ~~عليه وجدناه بالكسوة التشريفية والنشانات أيضا، فأعلن المسرة والممنونية ~~والثناء على الجناب الخديو الفخيم، وسلمت إليه المحرر الكريم الخديو، ~~وأجبت قائلا: # مولاي، أقدم لجلال مقامك الرفيع الشأن تحايا التعظيم والإجلال ~~والثناء الفائق من لدن مولاي خديو مصر المعظم، مؤيدا ذلك ~~بتقديم محرر سموه المنطوي على خالص المودة، المتضمن تعييني وتعيين ~~رفاقي الماثلين بين يدي عظمتكم، للحضور في المؤتمر العمومي العلمي الذي ~~توجهت خواطركم الملوكية لانعقاده في هذه المملكة العامرة، لما يترتب ~~عليه من الفوائد المهمة لنشر العلم وتقدمه واتحاده، باشتراك القريب ~~والبعيد والشرقي والغربي فيه، ولم يكن ذلك ليتأتى إلا بتوجه همة ~~الملوك إليه. فلك يا مولاي الفضل الجزيل على ذلك المسعى الجميل، وأختم ~~قولي بتقديم واجب تشكراتي لما نلت من لطف الرعاية الملوكية، لا ~~سيما في هذا الموقف النبيل، لا زال موقع إجلال ومنتهى كمال. وكان ذلك ~~يوم الأحد، أول سبتمبر سنة 1889. # وبعد ذلك انصرفنا، وفي ثاني يوم اجتمع الناس لافتتاح المؤتمر، وحضر الملك في ~~الميعاد المقرر، وحضر الناس وأخذ كل موضعه، فافتتح الملك المؤتمر بخطبة حسنة ~~ألقاها وأجاد فيها وفي حسن أدائها، قال في ضمنها: «إن السلطة قبل كانت للقوة ~~والاستبداد وليست الآن إلا للعلم.» ومضى فيها حتى أتمها واقفا والناس بين ~~يديه وقوف، ثم جلس. وخطب بعده المسيو كريمر وافد النمسا، ثم سفير العجم، فخطب ~~خطبة باللغة الفارسية، ثم وافد السلطنة العلية العثمانية أحمد ms243 مدحت أفندي، ~~فتلا مقالة باللغة التركية. ثم أشير إلي، فقمت وأنشدت قصيدة كنت أعددتها ~~لذلك بعد ارتحالنا من باريس، فأتممتها في الطريق، وبيضتها في استكهلم، ~~فابتدأت أقول: # اليوم أسفر للعلوم نهار # وبدت لشمس سمائها ~~أنوار # ومضيت فيها إلى آخرها، وصفق الناس لكل من خطب، وبالجملة لي ما أتممت ~~الإنشاد، وخاطبني أناس منهم باستحسانها في اليوم، وحضر كاتب المؤتمر على أثر ~~الفراغ منها، وسارني بطلب نسختها، فأخذها في الحفلة. وخطب بعد ذلك أناس، ~~منهم الموسيو شفر وافد فرنسا. وكانت هذه الحفلة خاصة بذلك ليس فيها تقديم ~~موضوعات علمية. ثم قام الملك وودع الحاضرين، وصافح البعض وصافحنا وقال ~~حسنا، وانصرف وانصرفنا، وانفضت الحفلة، وارفضت الجمعية. # وبعد ذلك انقسم المؤتمر إلى فصول متعددة، فكنا في الفصل الأول المعد للغة ~~العربية، وصارت الفصول تجتمع كل يوم وتقدم فيها الموضوعات المعدة ~~للعرض عليها بعد أن يقدم بيانها لكتاب اللجنة إجمالا. ويكون في كل يوم بعد ~~الظهر فسحة ووليمة ونزهة كل مرة في جهة وبكيفية غير التي قبلها. واستمر ~~الحال على ذلك إلى أن انقضى المؤتمر. وفي أثناء انعقاد جلسات فصوله المذكورة ~~قدم مني ومن جميع رفاقي ما أردنا تقديمه مما أعددناه لذلك، وقوبل ما ~~عرض من كل واحد منا بالاستحسان والاعتبار، وقد أبقى واحد منا عنده ~~نسخة مما عرضه بعد تقديم نسخته، وأعطى من معه نشان من بلاده، نشانا من طرف ~~الملك، وأعطيت نشانا من النوع المسمى «وازا» من الدرجة الأولى، فشكرت للملك ~~ودعوت لمولاي ولي النعم الخديو الأكرم. # وقبل قيامنا من استكهلم أولم الملك وليمة خاصة في سرايته دعا إليها ~~خواص أعضاء المؤتمر إلى مائدته الخاصة، وكنت من جملتهم، وقبل الدخول إلى ~~المائدة أعلم كل واحد بموضعه منها وموضع من بجانبيه، فكان عن يمين الملك ~~سفير العجم في دار السعادة، وعن يمين السفير المشار إليه البارون دوكريمر ~~الوافد من طرف النمسا، وكنت عن يمين البارون دوكريمر، وعن يميني الكونت ~~دولاندبرج. # وفي أثناء الطعام، شرب الملك على اسم الجناب الخديو، خاصة بعد الالتفات ~~إلى ناحيتي، ms244 فقمت مؤديا رسوم التعظيم والشكر. # وكان كلما صادفني في موضع من المواضع يكلفني بإبلاغ سلامه وشكره ~~للحضرة الفخيمة الخديوية، وكرر القول بمحبته للجناب الكريم وقال: إنه أخي. ~~وعزفت الموسيقى بسلام الحضرة الخديوية مرارا، كان آخرها في آخر مدة ~~المؤتمر بناحية خرستيانيا من مملكة النورويج، فكنا نقوم في أثناء السلام ~~مؤدين شعائر التعظيم والاحترام. وانتهى المؤتمر والمأمورية بحمد الله على خير، ~~وكل واحد ممن معنا في غاية الاستقامة والكمال وانتظام الأحوال، والمحافظة ~~على شعائر ديانته وحكومته وهيئاته وملابس بلاده وإقامة صلاته، داعين للخديو ~~الأعظم ناشرين لمدائحه. # وقد أخذنا في الرجوع إلى الوطن العزيز، ووصلنا إلى ناحية «جوتمبرج»، ومنها ~~نتوجه اليوم إن شاء الله إلى «كوبنهاج»، إلى «برلين»، إلى «ويانة»، إلى ~~«تريستا»، إلى «برنديزي»، إلى «الإسكندرية»، ناذرين بعض الصدقة والصلاة ~~والسلام على النبي عليه السلام إذا حظينا بتقبيل يد جناب خديونا المعظم ~~ولي الإنعام، ولقاء ساداتنا وإخواننا وأحبابنا الكرام، 13 سبتمبر سنة ~~1889. # وكتب المرحوم الشيخ عبد الهادي نجا الإبياري في سنة 1301 إلى الشيخ أحمد الحلواني كما ~~جاء في «الوسائل الأدبية في الرسائل الأحدبية»: # بسم الله وبحمده # تحية تحيا بها معاهد تنصيص المحبة، وتحلو بها موارد تخصيص الوفاء الذي ~~يفرح به الحبيب نفسه وعينه وقلبه، أرق من خصر ممشوق، لأهيف معشوق، ~~ومن صهبا كعين الديك صفى سلافها الراووق، وأدق من جسم نحله الضنى ~~كجسم محبك، وأكله العنا كمن ابتلي ببينك بعد أن بلي بقربك، ~~وثناء يروق سنا وسناء، ويفوق القمر نورا والشمس ضياء، لحضرة نضرة وجه هذه ~~الأيام، التي لولاها لما عرف فرقا بين الليالي والأيام الأنام، السيد الذي ~~شد الله به أزر السيادة، ومد بمدده على وجه البسيطة بحر السعادة، روض ~~الأمالي والأماني، حضرة الأخ الهمام السيد الحلواني، لا زال يتيه على محبيه ~~تيه الملوك على بعض المساكين، ويليه كل صديق فيه أمين، «آمين». # سيدي، ما الذي أوجب تناسيك لمحبك الذي لم ينس لعهدك، والذي لا يزال على ممر ~~الأيام يرقب إلك، ويرعى ودك؟ وما الذي توهمته في صديقك الفقير الصادق ms245 حتى ~~قطعت صدقات رسائلك عنه وهو بها وامق، وبك واثق؟ سيدي، ما هذا التجني، والإغضاء ~~عني؟ سيدي، ما لعرائس كتبك عني استأخرت، ولأوانس فضلك مني استنفرت؟ وإني بها ~~لرءوف شغوف، بحسنها الشفوف. سيدي، ما لك نسيت من لهج بذكرك وذكراك، ولا ~~يتمنى بعد دوام الإيمان إلا دوام محياك؟ سيدي، ما لي لا أرى هدهد كتابك ~~المبين، أم كان من الغائبين؟ لأعذبن خاطري به عذابا شديدا أو ~~لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين، يأتيني من سبأ ساحتك بنبأ يقين، يقيني من ~~الجوى، فيقيني أنه شفاء لقلبي الجريح من النوى. أفأن أحاط بما لم يحط به ~~في البلاغة أحد جرد سيف القطيعة لرحم أحبته وأحد؟! أو أن جد درسيس ~~البراعة ما جد، أو مزح، جند خميس الهجران، وصعر خده للإخوان، ومرح؟! ~~كلا، إنه لكتاب كريم، وإن كان ربما شرد ونفر كريم. سيدي، ما لخمائل جمائلك ~~التي كانت تهز أعطافها نسمات الحنين، إلى أسيف بينك الذي به له في كل آن أنين، ~~تسنت ولم تتثن كعادتها؟ # وما لشمائلك التي لعبت بها شمول اللطافة، وهي أحلى من الزرافة، وألذ من ~~الكنافة، تجنت ولم ترمقني حور غاداتها، الرافلات في حرائر بهجتها؟ سيدي، ما ~~هذا الدلال وما له من دليل؟ وما ذلك الملال وليس له وجه جميل، بعد دلك ~~الجميل من ذلك الجناب الجليل؟ إن كنت مقصرا فأنت بكل كمال محلق، أو ~~كنت عن الوفاء أقصرت فيما أسلفت فإني الآن على بابك متملق. سيدي، ~~وأبيك، ما هذا الظن بمعاليك، وأخيك وحميك وفيك؟ ما كذا كان أملي فيك! سيدي، ~~كيف أمكن علياك، أن تخرق بغير الإحسان سماء سجاياك؟ ولا سبيل لخرق العوائد ولا ~~مجال، وقد قيل أيضا إن الخرق والالتئام في السموات محال، ولا أزال أقول: سيدي ~~سيدي، حتى يشتد بعودك إلى حنانك إلي ساعدي، ثم أرجع فأقول: سيدي، الحمد لله ~~الذي أنجاك وأنجالك وحباك وأحباك السلامة من ذلك الحادث المهول، والحمد ~~لله الذي كفى الجميع أمره، ولم يجرع أحدا منا مره، فلكم ولنا وللجميع ~~الهناء الأكبر، وله ms246 تعالى الحمد والشكر أكثر ما يحمد وأكبر ما يشكر، والله ~~تعالى يمتع الوجود بدوام طلعتكم، التي هي مطالع السعود ما تعطر كل نادي، ~~بالثناء على مقامكم الرفيع من الفقير عبد الهادي. # قال الشيخ عبد الهادي بعد هذه الرسالة ما نصه: # وجواب هذه الرسالة لم يرد لنا، مع أنه كما أشار حضرة الشيخ في جوابه الآتي ~~يعلم أنه أرسله هو وغيره، فكأنما ضن بها بريدها، أو قطع الطريق مريدها. ثم ~~مضت شهور ولم يصلني من ساحة حضرته جواب ما، وكان متن الدورق الذي نظمناه في ~~أسماء الأضداد وتفضل هو بشرحه بطرفه، فأرسله فوجدت في خطبته بيتا كان ~~مخرجا بالهامش، فيه بيان لما درجنا عليه فيه مضروبا عليه، فكتبت له هذه ~~الرسالة، جاعلا سجع نثرها كنظمها، منسوجا على روي واحد، حتى تكون كملبوس ~~الوقت إذا استحسن أهله أن تكون البدلة من لون واحد أو متقارب، مع عدم سآمة ~~السمع لذلك السجع لاختلاف حركاته، والتئام مناسباته فيما أظن، فقلت: # قد أومأت لك باللواحظ عزة # أفيرتجى لك بعد ذلك عزة؟ # كلا فما لمتيم أبدا بدت # إلا وقد ضربت عليه الذلة # في مقلتيها فترة تغزو بها # أهل الهوى لا تعتريها فترة # مهما تحركتا فما بمتيم # أبدا حراك هل تحرك ميت؟! # ولقد يشوبهما دلالا سكرة # فتنوب أبطال الصبابة كسرة # من ذا يرى الألحاظ سكرى ثم لا # يغشاه من نظر إليها سكرة؟ # من ذا يراها راقصات ثم لا # تعروه من دون اختيار هزة؟ # من ذا يرى هذا التغنج ثم لم # يوقعه منه في خيال غنجة؟ # يغزو مزجج حاجبيها مهجة # أفتستطيع المرهفات المهجة؟ # من ذا يرى هذا التزجج ثم يز # عم أن له مما دهاه نجدة؟ # وكأنما الأهداب ترمي في الحشا # شررا له في كل قلب حرقة # هي ريش سهم منية ترمي به # عن قوس حاجبها فتصمي الرمية # من رام نظرة ذلك الحور الذي # حارت لخدعته العقول الفكرة # فليستعد لمحنة تغشاه يا # ويلاه إن غشيته تلك المحنة! # عقباك غير حميدة يا طرف إن # لم تغضضن تسفر إليك حميدة ms247 # فالعين تشخص والفؤاد على شفا # جرف له في كل آن أنة # وإذا ذوائبها غدت مسترسلا # ت فالقلوب ذوائب تتفتت # وإذا معاطفها انثنت متمايسا # ت فالعقول ذوائب تتشتت # حركات لطف لا تكاد ترى كأن # جمع التحرك والسكون الميسة # لا تعجبن فإن فيها النشر في # ه الطي فيه القبض فيه البسطة # وبوجنتيها للقلوب جهنم # أبدا وفيها للنواظر جنة # كادت تعبد نهية لي وهي تح # سب أنها كنهى سوائي نهية # لا أنها وعيونها المرضى بأع # ين سيدي ملحوظة مكتنة # السيد الحلوان من بهدى طرا # ئقه اقتدت فنجت لعمري الأمة # وبنوره اهتدت الأفاضل وارتوت # من ذلك البحر المحيط أئمة # وبه ترشحت الفهوم وبان من # طرق البيان حقائق مكنية # وبنحو تصريفات تحريراته # سهلت من الآداب طرق صعبة # وبحسن تحبيرات تحريراته # راقت وساغت للمعارف شرعة # من نظمه انتثرت عقود بلاغة # وفصاحة هي للمعاني عدة # وبنثره انتظمت سموط براعة # وبداعة هي للبدائع بهجة # هو قدوة للعالمين وقرة # للناظرين ومنة هي منية # فيشنف الأسماع منه منطق # عذب به تحيا النفوس الميتة # ويشوف الأبصار منه طلعة # هي للوفود بكل بشر طلقة # وترنح الأبصار منه حكمة # شرعية أو نكتة أدبية # وتروح الأرواح منه رؤية # تغدو بها الألباب وهي روية # وتفرح الأحباب منه خليقة # هي بالثناء وبالسناء خليقة # وتفتح الأبواب أبواب الهدى # منه لعمرك سنة سنية # فلكل عين من سناه قرة # ولكل قلب من هداه هدية # ولكل نفس من علاه منية # ولكل شخص من حلاه حلية # يا سيدي قد كنت أعهد دورقي # في فيه لكن لاحتياج ضبة # فرأيتها لما أتى خفيت وسو # د وجهها المبيض عندك شطبة # قد أفرغت منه وحقك قطرة # رهقته من أن فارقته قترة # هي عند حضرتك الشريفة فلة # لكنها وأبيك عندي قلة # بيت تهدم من مدينة نظمه # لكنه لبني الصناعة قلعة # خطبته مني خطبة فأجبتها # فتروحت بحلاه منه قينة # فامنن عليها بالرجوع لأصلها # فلقد دهتها بالبلاء الفرقة # لا زلت تمحو ثم تثبت ما تشا # ء وأسفرت لك بالأماني العزة # سلام تلوح في مشارق المهارق منه على صدق ms248 الإخاء كواكب آيات بينات، وتفوح في ~~رقائق شقائق خده من حق الوفاء بعهده نفحات عنبريات، يراجع به مهديه معاشرة ~~المعاشرة التي بت السيد طلاقها بتا، ويجدد به عهد الود الوثيق الذي لا ترى ~~في سبيله عوجا ولا أمتا. وتحيات أرق من نسمات الصبا إذا تنسمت، وأشرق من ~~بسمات الصبا إذا تبسمت، وأشوق من رف رقيق ثغر عروس زفت، ولف رشيق قد ~~خود رفت غلائها وشفت، آنس من سمر غانية تطوست، تتغنج في سمرها تارة ~~وتتغنى تارات، وأنفس من مائسة تبرجت تنثني معاطفها الرشيقة الرقيقة الحركات، ~~إلى حضرة روضة بصري وبصيرتي، ونضرة طلعة نعمي ونعمتي، السيد الذي بإعرابه بنيت ~~قصور البيان بعد انقضاضها وسورت، وببدائع بدائهه جمعت أشتات المعاني بعد ~~انفضاضها، وصورت مشكاة الشريعة والحقيقة، ومرقاة الطريقة للخليقة على ~~الحقيقة. # سيدي الذي له أشكر أيادي فضل علي توالت، وعوائد بر عني قط ما تناءت ~~ولا توانت، وإليه أشكو شقتي التي بعدت، ومشقتي لبينه الذي رأيت روحي به قد ~~بعدت، وتواني كتبه التي كانت لروحي في كل غدوة غدوة، ومنن تحننه التي كانت ~~تنفس عن النفوس في كل مساء وغدوة. وأظنه - إن شاء الله - يقبل شكايتي، ~~ويقبل علي ممتنا بما به راحتي ورحمتي، فإما منا بعد بعده ~~بالمراسلات، وإما فداء - فداه أبي وأمي - بما هو النعمة الكبرى من المشاهدات. ~~فإني والله - والله أعلم - أعلم أني أحن إلى أثره وعينه حنين الخمس إلى ~~الست، وأحنو على طرائف لطائفه حنو الوالدة على الابن والبنت، وأتشوق إليه ~~تشوق شيبتي لعود عيد رونق شبيبتي، فإن بذلك تفوق وتروق صحتي، ويغوث ولا ~~يعوق به رونق قريحتي. # وماذا عليك أيها السيد إذا جعلت ذلك من جملة مالك من حسنى الحسنات، ومنحت ~~به محبك الذي لا يتسنه وده بتسنه السنوات؟ منحك الله كل ما تمنيت، ونفحك ~~بنفحات قدسه أينما كنت وحيثما انتهيت، آمين. في 13ج سنة 1301. # فورد جواب هذه الرسالة في 22ج سنة تاريخه بما صورته: # السلام عليكم ورحمة الله وبركاته # سيدي، أما توقد أشواقي، فقد صعد الروح إلى ms249 التراقي، بل أسالها دمعا من ~~أحداقي، فهي منهلة المآقي، ما بها ولا لها من راقي، فآها لها من حدق، ~~صبحها الدمع ومساها الأرق! وكيف لا يصوب دمعها الغدق، فيقضي بالغرق، هياما ~~بتلك الشمائل التي لو دنت من الصخر لرق وإلا انفلق، أو رنت إلى البحر لأصبح ~~عذبا فراتا يشفي الحرق وإلا انفرق؟ فلو أنه النيل لطاب حتى لا يشتكي منه ~~شرق وإلا احترق. أم كيف لا يعروها شوقا إلى ذلك الخلق الكريم، الذي هو أرق ~~من النسيم، أرق على أرق؟ ثم آها وآها من ذلك الشوق الذي طبخني حتى العرق ~~مرق! وحتى غلى العرق أيضا، فقيل انشلوه من المرق وإلا احترق. ومن العجب أني مع ~~هذا الحال المشروح، أغدو وأروح، ولكن من حلاوة الروح، وربما طار طير وهو مذبوح! ~~فيا حبيبي أكذا؟ ويقول السيد أني طلقت عشرته الشريفة بتا، وكيف وهي التي ~~أمت بها إلى الزمان متا؟ يا أيها السيد، مكره عبدك لا بطل، ولا ~~تؤاخذني في تغيير المثل، فكيف يثبت السيد الطلاق، ولا طلاق في إغلاق باتفاق، ~~ولا أقول بإطباق؟ أيحكم بالتفريق على الطريق، ويدير هذه الكأس على الريق، وذلك ~~خلاف مذهبه، ومما لا يقول، أليس قد علم تعطشي به، لتوطني بمصر، حتى أجلو ~~بقرب مجلسه الكريم، صدأ ما أصابني لبعده من الإصر؟ # فأما انقطاع الأخبار، وتواني الأسفار، فذلك شكيتي، وعين قضيتي؛ فقد ~~أرسلت للسيد كتابين، ولم أقف من جوابهما على أثر ولا عين، فهل طارا في مخالب ~~البين، في المابين؟ إذن فما أصنع في سوء البخت، وتربع كيوان فوق التخت، ~~وتصرف الوقت بأنواع المقت؟ لولا ما نتعلل به من استعمال الصبر في انتظار ~~حلاوة الفرج، وعادة الصبر أن يغتال كل حرج. فبينا أنا في صبيحة قد ابتسمت ~~بالصباحة، كوجه المليحة تلألأت منه الملاحة، إذ طلع كوكب تائية السيد البهية ~~التي أربت بوشيها المحبوك، وتبرها المسبوك على كل تائية، ولعمري لقد وردت على ~~العبد مهموما فسلت همه، مغموما فسلت غمه، معتلا فأبرأت عليله، مستهاما ~~فبردت غليله، غافلا فنبهته، جاهلا ms250 ففقهته، فقلت لها: أهلا بك من زائرة، على ~~أنك أشرد من غزال سافرة، على أنك أدق من خيال ساحرة، على أن سحرك الزلال حلال، ~~فلوحي للدر شمسة بل للدراري شمسا، وبوحي للتائيات وغيرها نبرز من بدائعك ~~الروائع همسة، فلا تسمعها بعد ذلك إلا همسا، واسطعي على تفننك في بيان بدائع ~~المعاني بذلك المحيا البشيش، حتى تقول أجنحة الطواويس، لا شك أن حسني على ~~بديع تلونه في الريش، واطرفي عين نور الشجر بطرف ألفاظك اليانعة النضرة، ~~واكتمي نفس نسيم السحر بأنفاس معانيك الرائعة العطرة، وامتزجي بالأرواح التي ~~أصبحت تتقاطر عليك، فروحيها بلطف السمر، فإنك من لطائف شمائل منشيك معتصرة ، ~~ثم تفضلي فاهزئي بالمعلقات، واكتبي بصكهن فإنك قد قضيت بأنهن قد صرن ~~مطلقات، واضربي سيارة جرير بفخارة الفرزدق، ولفي نسائج بشار في أبيه وارمي بها ~~في وجه مهلهلات أبي الشمقمق، واضحكي ببواسم جواهرك المنتظمة من تقاطيع ابن ~~بسام، وقطعي عن رأس تقاطيف الجزار مقاطعات اللحام، وأسمعي سجع المطوق رنة ~~سهمك المفوق، واصفعي قفا ما يساميك من أشعار العرب بوجه أشعار العجم، وافعلي ~~بجميعها فعل أبي الطائي بالغنم، ثم هكذا فافعلي وبخدود حسان الأشعار فإنك ~~عزتها، وإن كنت في عشقي جميلا لا كثيرا، فتنعلي سودي فديتك بوجودي، ~~فما يشق لك غبار، ولا تجارين في مضمار. # ثم عندي لك نصيحة فخذيها صريحة، احذري على مالك من الرمزات، أن تسرقها عيون ~~الغواني غمزات، وعلى رقة غزلياتك أن تختلسها مغازلة، وشدة حماسياتك أن ~~تستلها سيوفا للمقاتلة. وصوني مواصيلك عن مقاطيع الشعراء، فإنهم لما ~~أدركهم من حرفة الأدب سراق. وتبرقعي ببراقع التورية إلا عن الأكفاء من ألباب ~~الألباء، ففيهم عن نهزة الأدب مراق. ثم هاتي خبريني عن سر أسألك عنه، ~~فمثلك من يعربه، واصدقيني وإن كان الصدق كالصديق قد عز مطلبه، ولا تقولي: ~~أنا شعر والشعر أعذبه أكذبه! بالله ماذا أراد السيد من زفافك إلي يا أيتها ~~العروس، وأنا كما ترين على حافة القدوس، لا أحسن أن أعض ولا أن أبوس ولا ~~أحوس ولا أدوس؟ فقالت: أراد ms251 أن تتمتع بالنظر إلى محاسني الغرا. فقلت: أهان ~~عليه عقلي حتى يبهره بتلك المحاسن بهرا؟ قالت: ورام أن يحيي لك بين أهل الأدب ~~ذكرا. فقلت: سبحان الله، وهل يستحيل السها بدرا؟ قالت: وأحب أن يذكرك ~~بعهد الوداد نظما كما ذكرك به نثرا. قلت: وهل نسيته لحظة فأحتاج للذكرى؟ ~~قالت: واشتهى أن يفرغ عليك حلة أساليب البلاغة، فلعلك أن تكتب على طرازها ولو ~~سطرا؟ فقلت: تلك لعمري رتب تسقط الأماني دونها حسرى، على أن النسر قد عز ~~ابن دأية قسرا، وعشش في وكريه حتى رأيت النجوم منه ظهرا، أفبعد ما صار ~~شيبي بدرا، يبغي عندي من الأدب بدرا، أو من الشعر شعرى؟ وهل أبقت رحى الأيام ~~لبا أو قشرا، أو ترك معصار الدهر خلا أو خمرا؟ اللهم غفرا! قالت: وقصد ~~أن يتعرف لما صنعته بدورقه السرى سرا، فإنك نحرت خطبته نحرا، وكسرت ضبة فمها ~~كسرا. قلت: وقد فهت أنت أيضا بذلك جهرا، وتركت الناس تروي ذلك عنك كما تروي ~~بك برا وبحرا! لا وألحاظ إشارتك السكرى، حين اكتحلت سحرا، فأسرت أبطال ~~الصبابة أسرا، ثم قالوا: أتحبها؟ قلت: بهرا، ما جمشت تلك العذراء، ولا خمشت ~~لها نحرا، ولا أسقطت لفيها درا ولا أرقت لريقها العذب خمرا، وإنما تركت ~~حسنها يقطر قطرا. # بالله متى زادت خطبة عن أربعة وأربعين شطرا؟ ثم بالله كيف صدقت أني أنقض ~~منها سطرا بطرا، وما عهدت عندي غدرا؟ قالت: لعمري لقد أرهقتك عسرا، ~~وأوسعتك زجرا، على أني لم أستبطن لك شرا، ولم أرد بك - لعمري - إلا خيرا، ~~فكيف ترى يميني هذه؟ قلت: برا، وهل أتوهم فيك شيئا نكرا؟! لا وطلعة ~~السيد التي هي للوفود طلعة غرا، لا وحسن تخلصه الذي إن اكتحلت به العيون ~~المرضى فإنها من المرض تبرا. قالت: إذن فقدم للسيد على وجهي شكرا، ومهد له ~~فيما كان عذرا. قلت: قد فعلت؛ فقد زففت إليه عروسا بكرا. قالت: أهي مثلي ~~تائية كبرى؟ قلت: بل كافية صغرى. قالت: ولم تركت الشعراء ينظرون إليك إذ ~~خالفت الروي شزرا؟! ms252 قلت: أليست الكاف أخت التاء في أمور جاءت تترى، أليست ~~تلاقيها وتقالبها فيما يجل حصرا؟! قالت: ولكن ما هي هي فلا بد للعدول من نكتة ~~أخرى. فقلت: قد أتممتها في الكأس المروق؛ فأحببت أن تكون للسيد بشرى. ~~قالت: أما هذا فليكن عذرا، فقل: أهي مثلي في محاسني الغرا، وهل تحكيني ~~نثرا أو شعرا، أو كفلا أو خصرا، أو صدرا أو نحرا، أو قدرة أو قدرا؟ ~~قلت: كلا، ولكنها إن لم تؤكل درمكا فتمرا، وإن لم تشرب قهوة فدرا، وإن لم ~~تنظر شمسا فبدرا، وإن لم تسمع معبدا فعمرا، وإن لم تشم مسكا فزهرا. ~~على أني ربما فشرت في ذلك فشرا، وعلى كل حال فما تجيء للبك قشرا، فأنت ~~أسرى وأشد أسرا، وأعظم قدرا. قالت: فانو عن غيري الصوم ثم استيقظ من ~~النوم، وحدث عني القوم، إني سيدة القصائد اليوم. # فاستيقظت من المنام، وقد بلغت المحاورة بيني وبينها حد التمام، فإن لم ~~يؤوله السيد بما يرام، فليسمه على الأقل أضغاث أحلام. والسلام. 26ج سنة ~~1301. # القصيدة المشار إليها في الجواب # لا يا بثينة والهوى لم أسلك # ولغير ما ترضينه لم أسلك # هاتي فديتك خبريني ما الذي # قدرت أن أسلوه منك فتشتكي؟ # أهو ابتسامك أم سلامك أم كلا # مك أو قوامك وهو أصل تهتكي؟! # أهو اللمى وإليه قد وقد الظما؟ # آها على رشفات ذاك المضحك! # أهو الرقيق كدين أرباب الهوى # من خصرك المتزهد المتنسك؟ # أهو الصحاح من الثنايا تزدهي؟ # أهو المراض من الجفون الفتك؟ # يا بثن لا والله ما قلبي سلا # يوما هواك نعم سلوت تنسكي # لا والصباح من الجبين المزدهي # لا والدجى من فرعك المحلولك # لا وازدهار الكون مهما أشرقت # شمس الضحى من وجهك المستضحك # بالله قولي كيف تمكن سلوتي؟ # أولست أخشى منك سرعة مهلكي؟! # أخشى لحاظك فهو سيف منتضى # أوما إلي اسكن فلم أتحرك # وبسحره قد راعني إذ راقني # فكأنه لفظ الذكي ابن الذكي # السيد النحوي عون الملتجي # والمرتجى غوث اللهيف المشتكي # البارع الندس الذي سبق الورى # مجدا فأصبح في العلا ms253 لم يدرك # غواص علم كل علم زاخر # ما للأنام بشطه من مسلك # جواب آفاق الفنون إلى مدى # لم يحكه أحد الورى فيما حكي # صواغ ما سبكت قرائحه من الن # كت النضار طبيب ما لم يسبك # أوما ترى الدنيا غدت محبوكة # بحلى له من قبلها لم تحبك # وسل المطالع والمطالع والوسا # ئل والرسائل ثم لا نتحكك # وعلى يمينك إن دخلت القصر من # باب الفتوح فثم دورقه الزكي # فانهل إذن من كأسه وادخل حدي # قة أنسه وإلى الفواكه فاسلك # وإذا شممت أريج ذاك السيد ال # مفضال ثم فقم إذن وتمسك # وله فبايع فهو بالإجماع في # كل الفنون غدا أجل مملك # وله التزم وبه اعتصم أو فانقصم # وله فمق وبه فثق واستمسك # هو عروة الدين التي لم يعرها # أدنى انفصام في مقام أضنك # هو رونق الدنيا وروق نعيمها # هو صيقل الألباب مما تشتكي # أفديه من يقظ يكاد ذكاؤه # ينساب بشرا في الوجوه الحلك # ثقف إذا أوما إلى العضل التي # أعيت رمى أعضاءها بتفكك # روض إذا فكه استطرت فكاهة # وتراه جد فطار قلب الدوسك # إن راح ينشد قلت: عبد صبابة # أو جاء يرشد قلت: رب تنسك # وإذا أفادك ظل مثل المستفي # د فصرت في وصف المفيد المدرك # خلق له سجد النسيم ولو سرى # حقبا ليدرك لطفه لم يدرك # وانظر إلى الأدب استرق له فإن # قلت اغتدى مملوكه لم تأفك # أما رقيق الشعر فهو عتيقه # والحر يحسن للرقيق الأسلك # والدر راعته دراري نثره # فله بقاع البحر أي تمسك # والورق ما أدت لطافة سجعه # نغما لتحكي السجع بل لتبرك # ما الورق إن سالت رقائق لفظه ال # عربي تمحو عجمة المتترك # اللفظ يخطب والبلاغة منبر # والكون يسمع أو يخط بمألك # فضحت بديهته روية من ترى # فإذا بدت لم يبق بعض تشكك # يجلو بزوغ الشمس من بدهاته # ما الناس من ظلماته في معرك # ولجوده عندي حديث مطرب # قد غار منه البحر بعد تهتك # كم جعفر من فضله يحيى به # من يرتجيه فلا يقول ببرمكي # سقيا لأيام مضت في ms254 ظله # قشعت دجى ليل الهموم الأحلك # حيث الطرائف والظرائف والمعا # رف والعوارف في مزيد تشبك # يا عادة الأيام هل لك عودة؟ # عودي فعودينا فديت وأوشكي # عودي فعودي قد ذوى ظمأ إلى # تلك العلا وخذي حشاي أو اتركي # عودي لدور الدورق السلسال في # نادي الصفا ولكل ملكي فاملكي # عودي فمولاي اصطفاه لنفسه # ولقد يكون على الأقل مشركي # يا أيها الأستاذ هذا دورقي # ملكي وقد أصلت فيه تملكي # وأبحت لي حور القصور بروضه # فظللت ثم على الأرائك أتكي # أأسومه خسفا وفيه لي المنى # لقد انتهجت إذن سبيل تضنك # أأحوطه بدمي وأثلم ثغره # أيقوم ثلم دون لثم يشتكي # وأبيك ما أسقطت منه درة # فيما علمت وقد عجبت لما حكي # فعقود خطبته بخاتم ربها # متناسقات لم ترع بتفكك # وكما عهدت قصورها العلياء لم # ترتع بنقض لا ولا بتدكك # وعلى افتراض النقض فالأستاذ يب # رم ما اقتضاه رأيه لتورك # ولينظر الأستاذ في البيت الذي # أوما له فقد استفز تشككي # أو فليطوقنا بنعمة رده # إن لم يجده كذاك فلنستدرك # فالبيت ليس لدي إثباتا ولا # محوا ولا عدا ولا نقدا شكي # لا زال ينفحنا بألطف نفحة # فنشم ريا طيب خاطره الزكي # أحمد الحلواني # وكتب الإبياري إلى الحلواني أيضا ردا لكتابين وردا منه يسأل في ذيلهما عن مسائل في ~~الدورق: «سيدي الذي لا أطلب بعد دوام الإيمان إلا دوامه، وأن لا تبرح كواكب السعد ~~والسؤدد إلا أنصاره وخدامه، ورد جوابك الأول والثاني، فكانا أوقع عندي من ضرب ~~المثالث والمثاني، بما أنبآه من خبر سلامة السيد التي هي بهجة مهجتي، وروح روحي وسداد ~~سدتي، وإن كبرا علي كبر تجني حبيب رنق النعاس في لواحظه النرجسية، وحقق أنه من ماء ~~اللطائف مصور، فرأى الدلال مقيسا والمطاوعة غير قياسية ولو مجازية. ولعمري ما يوم ~~العيد عندي، إلا يوم يأتيني من تلك الحضرة كتاب، أو يرد من تلقاء مدين فضلها الباهر ~~سؤال، وإن كنت أبيت منه في ارتباك وارتياب؛ إذ قد وهن العظم مني واشتعل الرأس ~~شيبا وأصبحت لملازمة الأمراض لا تعدم ms255 حسناء حالتي المتوهمة ذاما ولا تفقد عيبا، مع ~~ما ينضم لذلك من حرماني الأمد المديد من رؤية طالع طلعتك وتروح روحي بقطف ثمر سمر ~~حضرتك، وكثرة رؤيتي - حاشا من أشرت في كتابك إليهم - من تقذي العين برؤيتهم، وتتجرح ~~القرائح بما يتفق من مجاراة قرائحهم؛ فلذا نحمد الله في كل وقت مرتين، ونلجأ إليه أن ~~يمنح أولئك نفحة رقة تفقأ من غلظتهم كل عين، ولكن لا يزال لطف الله تلمع لي بروقه، ~~وتلمح لقلبي بما أشوقه، من كتب السيد التي تمنع كل بأس عن كل بائس، وتمنح كل فرج وفرح ~~لكل آيس ويائس، ومن ظن انفكاك لطفه عن قدره فذلك من قصور نظره. وأبيك إن رسائلك ~~لعيني بصري وبصيرتي لقرة، ولطلعتي وجهي ووجاهتي لغرة ناهيك من غرة، لا ~~أملك وربك العجب لحسن مواقعها، ولا الغبطة لكمال جمال منافعها، فلله تلك الروية ~~وسبحان من سواها، ودقة ذلك النظر الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ~~وإني وحق الله بما تبديه إلي من هذه التنبيهات، لكالنديم يقول في مجلس أنسه النظيم، ~~طاب الصبوح لنا فهات وهات، وهكذا هكذا تكون المحبة الحقيقية، والسنة المحمدية ~~الأحمدية، وإلا فلا وكذا يكون الإيمان اليافع، والعلم النافع، وإلا فيا ضيعة ~~الأعمار تمشي سبهللا. # ولقد أود أن يكون وجه الدهر لي في جمال شيمتك، وأماني في إصابة فهمك، وآمالي في جودة ~~قريحتك. وليت دعائي مجابا فأدعو الله بقرب أو اتحاد الدارين، وأن يجعلني ملازما لك ~~ملازمة العرض للجوهر في الدارين، فإن شوقي إلى حضرتك أكثر وأكثر من كل شيء إلا من ~~ذكرك وذكراك، ولهفي عليك أكبر وأكبر إلا من صبرك عني وعدم سماحك بأن أراك، ويروقني أن ~~رأى السيد - حفظه الله - فراش النقد وطيئا فتربع عليه، وفراش القلم مني متهافتا على ~~سراج الجمع بغير تحرير فقص جناحيه. لا والله ما أقول ذلك إلا حقا، أرى به لك يدا لا ~~تزال في عنقي طوقا، وهكذا الإخلاص يكون، والمؤمن مرآة المؤمن كما تفيدون، وقد أثبت ~~عندي في «ذاج» ما لفظه: ms256 # ذأجت ماء بهمز بعد معجمة # شربت ما قل أو حتى رويت ظمأ # وقلت في «الفوج»: وفسر الفيج شخص واحد وجماعة ومرحانا ... إلخ، وقد كان غرني فيه ~~تشبيه السيد مرتضى، وكان عدم تأملي فيه غير مرتضى، وبيت الشرح قد قلنا في قافيته - كما ~~فهما - وهو منبئ بأني لم أر فيه التضاد صريحا، بل بحسب ما يفهم من عبارتهم وإلى ~~الآن لم أزل أشم منها تلك الرائحة، فإن غدت لحضرتكم فائحة فتجارة رابحة، وإلا فما ~~مانع من هدم بيته كليا، أولى من أكون فيه بلا موافق دعيا. وأما المطاوعة فلم ~~يطعني اليراع فيها أن يجري بغير ما سبق، فإن كان كافيا وإلا فما تراه ~~أحق. # أسأل الله أن يلقيني بلقياك نضرة وسرورا، ويزيدني بدوام حبك وفضلك فضلا ~~وحبورا، ويوزعني من شكر صنيعتك ما أملأ به وطاب الأيام، وأستروح به إن شاء الله طيب ~~حسن الختام. هذا وحضرات من نوهتم بذكرهم وطيبتم الكتاب بعبير نشرهم يزفون إلى ساحة ~~فضلكم عرائس تحيات، تتهادى في غلائل أشواق متباهيات غير متناهيات، والسلام.» # وكتب القاضي الفاضل الشيخ محمد عبده إلى أحد أصحابه وكان في السجن بسبب الحوادث ~~العرابية في 9 محرم سنة 1300: # عزيزي # تقلدتني الليالي وهي مدبرة # كأنني صارم في كف منهزم # هذه حالتي، اشتد ظلام الفتن حتى تجسم بل تحجر، فأخذت صخوره من مركز ~~الأرض إلى المحيط الأعلى، واعترضت ما بين المشرق والمغرب، وامتدت إلى ~~القطبين فاستحجرت في طبقاتها طباع الناس؛ إذ تغلبت طبيعتها على المواد ~~الحيوانية أو الإنسانية، فأصبحت قلوب الثقلين كالحجارة أو أشد ~~قسوة، فتبارك الله أقدر الخالقين! انتثرت نجوم الهدى، وتدهورت الشموس ~~والأقمار، وتغيبت الثوابت النيرة، وفر كل مضيء منهزما من عالم ~~الظلام، ودارت الأفلاك دورة العكس، ذاهبة بنيراتها إلى عوالم غير عالمنا هذا، ~~فولى معها آلهة الخير أجمعين، وتمحضت السلطة لآلهة الشر، فقلبوا الطباع ~~وبدلوا الخلق وغيروا خلق الله وكانوا على ذلك قادرين. # رأيت نفسي اليوم في مهمه لا يأتي البصر على أطرافه في ليلة داجية ~~غطي فيها وجه السماء بغمام سوء، ms257 فتكاثف ركاما ركاما، لا أرى إنسانا ولا ~~أسمع ناطقا ولا أتوهم مجيبا، أسمع ذئابا تعوي وسباعا تزأر، وكلابا تنبح ~~كلها يطلب فريسة واحدة، هي ذات الكاتب. والتف على رجلي تنينان عظيمان، وقد ~~خويت بطون الكل، وتحكم فيها سلطان الجوع، ومن كانت هذه حاله فهو لا ريب ~~من الهالكين. تقطع الأمل وانفصمت عروة الرجاء، وانحلت الثقة بالأولياء، ~~وضل الاعتقاد بالأصفياء، وبطل القول بإجابة الدعاء، وانفطر من صدمة الباطل ~~كبد السماء، وحقت على أهل الأرض لعنة الله والملائكة والأنبياء وجميع ~~العالمين. سقطت الهمم، وخربت الذمم، وغاض ماء الوفاء، وطمست ~~معالم الحق، وحرفت الشرائع وبدلت القوانين، ولم يبق إلا هوى يتحكم ~~وشهوات تقضى ، وغيظ يحتدم، وخشونة تنفذ، تلك سنة القدر، والله لا ~~يهدي كيد الخائنين، وذهب ذوو السلطة في بحور الحوادث الماضية يغوصون ~~لطلب أصداف من الشبه، ومقذوفات من التهم، وسواقط من اللمم، ليموهوها بمياه ~~السفسطة، ويغشوها بأغشية من معادن القوة، ليبرزوها في معرض السطوة، ويغشوا ~~بها أعين الناظرين. لا يطلبون ذلك لغامض يبينونه، أو لمستور يكشفونه، ~~أو لحق خفي فيظهرونه، أو خرق بدا فيرقعونه، أو نظام فاسد ~~فيصلحونه. كلا؛ بل ليثبتوا أنهم في حبس من حبسوه غير مخطئين، وقد وجدوا ~~لذلك أعوانا من حلفاء الدناءة وأعداء المروءة، وفاسدي الأخلاق وخبثاء ~~الأعراق. رضوا لأنفسهم قول الزور وافتراء البهتان، واختلاق الإفك. وقد تقدموا ~~إلى مجلس التحقيق بتقارير محشوة من الأباطيل، ليكونوا بها علينا من ~~الشاهدين، كل ذلك لم تأخذني فيه دهشة، ولم تحل قلبي وحشة، بل أنا على أتم ~~أوصافي التي تعلمها غير مبال بما يصدر به الحكم أو يبرمه القضاء، عالما ~~بأن كل ما يسوقه القدر وما ساقه من البلاء، فهو نتيجة ظلم لا شبهة للحق ~~فيه؛ لأن الله يعلم - كما أنت تعلم - أنني بريء من كل ما رموني به، ولو ~~اطلعت عليه لوليت منه رعبا أو كنت من الضاحكين! # نعم، حنقني الغم، وأحمى فؤادي الهم، وفارقني النوم ليلة كاملة عندما ~~رأيت اسمك الكريم واسم بقية الأبناء والإخوان المساكين تنسب إليهم أعمال لم ms258 ~~تكن، وأقوال لم تصدر عنهم لقصد زجهم في المسجونين، لكن اطمأن قلبي وسكن ~~جأشي عندما رأيت تواريخ التقارير متقادمة، ومع ذلك لم يصلكم شرر الشر، فرجوت ~~أن الحكومة لم ترد أن تفتح بابا لا يذر الأحياء ولا الميتين. قدم ~~فلان وفلان تقريرين جعلا فيهما تبعات الحوادث الماضية على عنقي، ولم يتركا ~~شيئا من التخريف إلا قالاه، وذكرا أسماءكم في أمور أنتم جميعا أبعد الناس ~~عنها، لكن لا حرج عليهما فإني لأراهما من المجانين! ولم أتعجب من هذين ~~الشخصين؛ إذ يعملان مثل هذا الذنب القبيح، ويرتكبان هذا الجرم الشنيع، ولكن ~~أخذني العجب كل العجب غاية العجب بالغ ما شئت في عجبي ؛ إذ أخبرني المدافع ~~عني بتقرير قدمه فلان الذي أرسلت إليه السلام، وأبلغته سروري عندما ~~سمعت باستخدامه، وأنا في هذا الحبس رهين، إلى هذا الوقت لم يصلني التقرير ولكن ~~سيصل إلي، إنما فيما بلغني أنه شهادة بأقبح شيء لا يشهد به إلا عدو ~~مبين. هذا اللئيم الذي كنت أظن أنه يألم لألمي، ويأخذه الأسف لحالي، ~~ويبذل وسعه إن أمكنه في المدافعة عني، فكم قدمت له نفعا، ورفعت له ذكرا، ~~وجعلت له منزلة في قلوب الحاكمين، كم سمعني أقاوم هجاء الجرائد وأوسع ~~محرريها لوما وتقريعا، وأهزأ بتلك الحركات الجنونية، وكان هو علي في بعض ~~أفكاري هذه من اللائمين، كان ينسب فلانا لسوء القصد اتباعا لرأي فلان، ~~وأعارضه أشد المعارضة، ثم لم أنقض له عهدا، ولم أبخس له ودا، وحقيقة ~~كنت مسرورا لوجوده موظفا فما باله أصبح من الناكثين؟! آه، ما أطيب هذا ~~القلب الذي يملي هذه الأحرف، ما أشد حفظه للولاء، ما أغيره على حقوق الأولياء، ~~ما أثبته على الوفاء، ما أرقه على الضعفاء، ما أشد اهتمامه بشئون الأصدقاء، ~~ما أعظم أسفه لمصائب من بينهم وبينه أدنى مودة، وإن كانوا فيها غير صادقين! ما ~~أبعد هذا القلب عن الإيذاء، ولو للأعداء، ما أشده رعاية للود، ما أشده ~~محافظة على العهد، ما أعظم حذره من كل ما توبخ عليه الذمم الطاهرة، ما أقواه ms259 ~~إقداما على العمل الحق، والقول الحق، لا يطلب عليه جزاء، وكم اهتم بمصالح قوم ~~وكانوا عنها غافلين! هذا القلب الذي يؤلمونه بأكاذيبهم هو الذي سر قلوبهم ~~بالترقية، وملأها فرحا بالتقدم، ولطف خواطرهم بحسن المعاملة، وشرح ~~صدورهم بلطيف المجاملة، ودافع عنهم أزمانا، خصوصا هذا اللئيم، أفنشرح الصدور ~~وهم يحرجون؟ ونشفي القلوب وهم يؤلمون؟ ونفرحها وهم يحزنون؟ تالله قد ~~أضلوا وما كانوا مهتدين. هذا القلب ذاب معظمه من الأسف على ما ~~يلم بالهيئة العمومية من مصائب هذه التقلبات وما ينشأ عنها من فساد ~~الطباع، الذي يجعل العموم في قلق مستديم، وما بقي من هذا القلب فهو في خوف ~~على من يعرفهم على عهد مودته، فإن تسللوا جميعا بمثل هذه الأعمال، وأصبحوا ~~من مودته خالين، واتخذوه وقاية لهم من المضرة، وجعلوه ترسا يعرضونه ~~لتلقي سهام النوائب التي يتوهمون تفويقها إليهم كما اتخذوه قبل ذلك سهما ~~يصيبون به أغراضهم فينالون منها حظوظهم، فقد أراحوا تلك البقية من الفكر فيهم، ~~والله يتولى حسابهم وهو أسرع الحاسبين. # آه، ما أظن أن تلك البقية تستريح من شاغل الفكر في شئون الأحبة وإن جاروا ~~في تصرفهم. إن طبيعة هذا القلب لطبيعة ناعم الخز إذا اتصل بذي الود، وإن ~~كان خشنا فصعب أن ينفصل ولو مزقته خشونته، وإن هذا القلب في علاقة مع ~~الأوداء كالضياء مع الحرارة، أيما حادث يحدث وأيما كيماوي يدقق لا يجد ~~للتحليل بينهما سبيلا، وأظنك في العلم بثبوت تلك الطبيعة فيه كنت من ~~المتحققين. # أي عزيزي: # الآن وصلني تقرير اللئيم، فقرأته بأول نظرة، ووجدته كما بلغني، ~~وسأرد عليه في بضع دقائق بما يسود وجهه ويخجله إن كان إنسانا، ولكن ~~تصادف فراغ الحبر من الدواة، فسأنتظر بالرد عليه وتتميم رقيمي إليك بعض ساعات ~~فكن من المنتظرين. # رددت على التقرير وكان كل ما فيه الغش والتغرير، وذكر فيه فلانا بأشنع ما ~~يؤاخذ به إنسان في هذه المسألة كما ذكره الخبيثان قبله، ولكن دفعت ما قاله في ~~جانبه أيضا، وأخذت على نفسي كل مسئولية تنسب إليه أو إليكم، ms260 فما عليكم إن ~~سئلتم إلا أن تكونوا منكرين، ربما يسألكم «القموسيون» عن معلوماتكم في شئوني ~~أيام الحوادث، فلا يدخل عليكم غش السؤال والإرهاب، ولكن عبروا عما كنتم ~~تشهدون وتعلمون من أفكاري وأقوالي التي كانت تهزأ بالحكومة الفلانية ومن كانوا ~~لها من الطالبين. # إلى هذا الحد قفوا، فإن سئلتم فقولوا: ما نحن بتأويل الأحلام بعالمين. في ~~هذا الوقت وصلني الرقيم مبشرا ببقائكم في مركزكم، فقمت ورفعت يدي ورجلي ~~وناديت: الحمد لله رب العالمين، وأخذني الأسف على حبس فلان، لكن دل إطلاقه ~~على حسن حالة الباقين. # يا عزيزي، أعود إلى ذكر ما لأولئك القوم كأنما قذف بهم من مشاهق جبل، ~~فسقطوا على رءوسهم فغشيهم من شدة الصدمة ما غشيهم، فقاموا ينطقون بما لا ~~يعلمون، ويتكلمون ولا يفهمون. ما بالهم يقذفون من أفواههم أخلاطا أقذر من ~~البلغم، وأمر من الصفراء؟ وكأنما جرعوا جرعة من السم فقلبت أمعاءهم ~~فاستفرغت من حلاقيمهم أخبث ما يحملون. ما بال دنان قلوبهم تفيض من اللؤم بأشد ~~من فيضان بئر برهوت، تقذف بسائلات بشعة الطعم خبيثة النظر كريهة الرائحة، ~~تضطر معانيها للفرار منها؟ لكن أعضاء التحقيق من زكام الحوادث الأخيرة لا ~~يشمون ولا يذوقون، ومن ظلماتها لا يبصرون. هل بطل يا عزيزي ما جاء على لسان ~~النبوات: «الإنسان أسير الإحسان»؟ هل نقض ما جاء من ذلك: «المعروف بذر ~~المحبة يغرسها في أعماق القلوب»؟ هل هدمت قاعدة: «إن الحيوان يقاد ~~بالزمام، والإنسان يقاد بالصنيعة»؟ هل كان خرافا ما قرره الحكماء من الفصول ~~الطويلة تقسيما للمحبة وبيانا لفضائلها ومنافعها في الاجتماع الإنساني ~~الخبيث؟ هل كان خرافا ما حوته الكتب متعلقا بموجبات روابط النوع البشري؟ أم ~~صح كله لكن الناس به جاهلون؟ هل أتأسف أن كنت سباقا إلى الخيرات؟ هل ~~أتأسف أن كنت مقداما في المكرمات؟ هل أتأسف أن كنت شجاعا في الدفاع عن ~~ذوي مودتي؟ هل أتأسف أن كنت أبيا أغار أن ينسب مكروه أو ذل لأولي صلتي؟ هل ~~أستحق العقاب على حبي لبلادي والناس لها كارهون؟ كلا، والله لن يكون ms261 ذلك، ~~ولم أزدد في سبيل الفضيلة إلا بصيرة، ولم أزدد في المحافظة عليها إلا ثباتا، ~~ولئن عشت لأصنعن المعروف، ولأغيثن الملهوف، ولأنقذن الهاوي في حفرة الغدر، ~~ولآخذن بيد المتضرع من ضغط الظلم، ولأتجاوزن عن السيئات ولأتناسين جميع ~~المضرات، ولأبينن لقومي أنهم كانوا في ظلمات يعمهون، ولأظهرن ~~الصديق في أجمل صوره، ولأجلونه للناس في أبهى حلله، ولأثبتن لهم ببرهان ~~العمل أنه فكرك الثاني في روحك الواحدة، وأنه جسمك الآخر في حياتك المتحدة، ~~وأنه صاحبك إذا طال ليل الكدر، ومصباحك إذا أغسق دجى الهموم، تستضيء به في حل ~~ما انعقد، وتستعين بقوته في تيسير ما عثر، وتذهب به إلى أوج المعالي، والناس من ~~معجزات الصديق يتعجبون. # إنني اليوم أعجز من المقعد عن طلوع النخل، ومن المفلس عن حرية التصرف، ~~وقد صار سقوط الجاه كمرض يصيب الجميل الفاتن، فينحف الجسم ويغير اللون، ~~ويقلص الشفاه، ويضعف القوى، ويقعد عن الحركة، ويبعد عن نيل المطلوب، ~~ويثقل عن الأهل والعشائر في التمريض ويسئمهم إن طال من معاناة العلاج فيصبح ~~المريض منهم في أدنى المنازل، وقد كان ربا وهم له ساجدون، يذهب عنه البهاء ~~وينكسف من وجهه الضياء، وتنكره عن الرؤية أعين العشاق، وتمجه طباع ذوي ~~الأذواق، وتمحي من جبينه تلك الأسطر الجلية العبارة الصادقة النسبة الناطقة ~~بالحق القائلة ها هنا كنز الرغبات، ها هنا منال الحاجات، ها هنا ما يروح الروح، ~~ها هنا ما يقضي وطرا في الأنفس، ها هنا ما يخشى منه على الأرواح والأفئدة، ~~فينحرف عنه السالكون إليه وقد كانوا قبل على آثار غباره يتدافعون. وقيسوا على ~~مرض الجميل مرض صاحب جاه، ولا أظنكم بالقياس تجهلون. # لكن أقول لكم إن الحوادث المريعة سوف تنسى، وإن الشرف سوف يرد، ولئن أبت ~~طبيعة هذه الأرض بخستها أن يكون لها من عوده نصيب فليعودن في بلاد خير منها، ~~ولأجذبن إلى المجد أحبتي ومن إلى المجد ينجذبون، كل ذلك إن عشت وساعدتني ~~صحة الجسم، ولا أطلب شيئا فوق هذين سوى معونة الله الذي عرفه بعض الناس وبعضهم ~~له ms262 منكرون. أطلت عليك الكلام فلا تسأم، وأظنه آخر كتاب مني إليك في السجن ~~إلا أن يحدث حادث يسمح بالكتابة مرة أخرى، فإن تلاقينا بعد اليوم كانت المشافهة ~~أزكى، وإلا كانت المراسلة أجل وأعلى. ولا تجزع فليس في الأمر ما يفزع، وهو ~~أهون مما يتوهمون، وأسأل الله أن يغض عنكم أبصار الظالمين، ويحفظكم من ~~نكاية الخائنين، ويسر قلبي بالطمأنينة عليكم وعلى سائر الإخوان والأبناء ~~أجمعين. # وجاء في الجريدة الرسمية الصادرة في 26 يناير سنة 1887 من إنشاء حضرة الفاضل الشيخ ~~عبد الكريم سلمان فصل يصف فيه ليلة راقصة في قصر عابدين الخديوي: # باللو سراي عابدين # ليلة الثلاثاء 25 يناير ~~1887 # هي حلية الدهر، وطراز الفخر ، وهي جامعة المسرة والبشر من مبادئها حتى مطلع ~~الفجر، وهي مرايا التحف، ومرائي الطرف، ومظاهر العوائد المستعذبات، ومجالي ~~اللطائف المستبدعات، طاولت وإن لم تطل بياض النهار افتخارا، وعلت حجة نورها ~~على شموسه انتصارا، فبها أفاض الخديو المعظم في سجال نعمه، وأورد من اختارهم ~~موارد بره وكرمه، فظهر للكل في صفات الوالد الحنون، وأولاهم غيث فضله ~~الهتون. # ولقد ظهرت آثار تلك النعم العميمة على ظواهر السراي العامرة، فتلألأت رحبتها ~~بشعل الأساطين على شكل معين، وانتظمت فيها الفوارس والمشاة يحفظون النظام، ~~ويبتدرون السلام، وتحلت وجهها ومداخلها بالأضواء الكهربائية أشكالا وصفوفا، ~~وأنوار الشموع ضروبا وصنوفا. # أما مدخل السراي فكان طريقه مرصع اليمنة واليسرة بأكر النور الأرضية ذوات ~~الألوان الشفافة الدرية، وما يليه مزدانا بالنجف والصحب على أشكال الباقات ~~الريحانية ومن وراء ذلك إلى سلم الصعود إلى مواطن الرياضة والجلوس، فكلها مما ~~يكل لسان القلم إذا أراد التوصيف، ويشق لسانه إن رام التعريف. فيا ما أبهج ~~هذه المرائي الغريبة! ويا ما أعذب ما بينها من تلك المناسبات القريبة! شموع ~~تتلاعب في مرايا تتقابل فتعدد الوحدة وتتوحد الكثرة! وتجتمع الشتيتات وباقات ~~الريحان في الطرقات، تتباهى منثور الزهور في المجتمعات، فما أميلح ما تفاخر ~~به الأخوات! # ولئن كان هذا فوق ما قلناه فما هو بأغرب مما بتلك الحديقة السطحية، وما أدراك ~~ما ms263 تلك الحديقة، غرست أشجارها ونجومها فوق سطح الدور الأول بين المرمر والرخام، ~~وفصلت طرقاتها على أشكال هندسية تأخذ بمجامع القلوب استغرابا، ونبتت أعوادها ~~المخضرة تحت السقوف، ولقد كانت الأنوار تغازل هاتيك النباتات وترنو إليها ~~بعين الإعجاب، فتختلس هي منها بعض الضوء، وتعرضها عليها بلونها الزاهي، ~~فيتحلل بينهما الضوء إلى أصوله الأصلية وتتعدد الفروع، فينبهم على الطبيعي ~~تحليل الأضواء، فلا يسعه إلا التسليم بأن فوق كل ذي علم عليم ... # وفي أوائل الساعة الخامسة العربية بدأ المدعوون يغدون زمرا وفرادى، ~~تتلاعب في صدورهم وسامات الشرف وعلامات الامتياز، ولم تكمل الساعة الخامسة حتى ~~كمل عدد من قربهم الخديوي المعظم. ودعاهم ورضي عنهم ورعاهم، وهم نحو الألف ~~والمائتين من سراة آله ورجال دولته وأمراء بلاده الملكية والعسكرية، وعلماء ~~دياره ووجوه رعيته وكبراء نزلاء القطر، وأجلاء القنصلاتات، وضباط الجيش ~~المصري وجيش الاحتلال من الإنجليز، ومشاهير الرؤساء الروحية والأعيان من ~~الأوروباويين على اختلافهم في التبعية والانتماء ما بين ذكران وإناث، على أجمل ~~ما يكون من الزي والهيئات. كل أولئك حلوا تلك الساحة الخديوية الفيحاء آمنين، ~~فلاقوا من الكرم العميم والإجلال والتكريم، ما لا عين رأت ولا خطر على فكر قبل ~~تلك الليلة الغراء ... # وقد تشرف بالمثول لدى الحضرة الفخيمة الخديوية على وجه مخصوص كثير من ~~الأمراء والفضلاء والوجوه والنبلاء والأكارم، بين وطنيين وأجنبيين، ملكيين ~~وعسكريين، من رجال وسيدات، فلاقوا من جنابه الكريم ما لا يكاد يبينه الوصف من ~~الإكرام والتحية والتبجيل، فألان الجانب وسهل الخطاب، وأدخل المسرة على كل ~~ذات تشرفت بالمثول شأن جنابه العالي الذي جبل عليه، وطبعه الكريم الذي ~~فطر به ومال إليه في كل حال. # وفي منتصف الساعة السادسة العربية، فتحت قاعة الرقص فتسابقت إليها غادات ~~الغانيات، يسحبن مطارف الخيلاء، ويتبخترون في حلل الزهو والإعجاب، وتلت ~~عليهن الموسيقى سور الألحان، فطربت بها هاتيك الغزلان، وظهرت آثاره على ~~الجوارح، فماست تلك القدود السمهريات في وسط الميدان حتى أرقصت القلوب ورسمت ~~في ميسانها دوائر ذوات الذنب من الكواكب العلويات، وخطوط النيازك من شهب ~~السموات، فانتصرت ms264 الهيئة الإفرنجية الحديثة على تعاليم أرسطو وبطليموس في هذه ~~الفنون، ولم تبق باصرة إلا شخصت إلى هذا الصنع الدقيق بعين الإعجاب ~~والاستحسان. # وبعد منتصف الليل ببضع دقائق فتحت قاعة موائد الكرم (بوفيه)، وإذا هي بغية ~~الطالب وطلبة الراغب، فيها من صنوف المأكل ما تتوق إليه النفوس، وتشتهيه ~~الأرواح، فتوارد عليها كل من جمعهم النادي وأكلوا هنيئا وشربوا ما حلا وطاب ~~مريئا، وتنقلوا بين أكل وشرب وتفكه وتحلية، يترددون كلما تاقت ~~النفوس، ويطلبون ما يشتهون فيجدونه حاضرا بين أيديهم بأسرع من لمح الطرف، ~~وأمضى من حركة الأفكار في المعقولات. وكل من فرغت حاجته منهم خرج إلى الرياضة ~~في الحديقة وفي الطرقات بين القاعات وفي مواطن الاستراحات، وكلها كانت بهجة ~~الناظر وقرة الخاطر، مصطفة في جوانبها الزهور والأنوار على أحسن ما ~~يمكن من بديع الإتقان، ولن يزال الناس كذلك في مرح وفرح ومسرة وابتهاج، ~~يتباهون بعميم كرم الجناب الرفيع، ويتفاخرون في كيفية الثناء على جنابه ~~الكريم، ويرفعون لمقامه المنيف جلائل الشكر والامتنان، حتى مضى بعد نصف الليل ~~ساعتان، فأخذوا في الانصراف. # وجاء في جريدة «الأهرام» الصادرة في 25 أكتوبر سنة 1897 هذا الفصل: # قعود البنات # هذا بحث جديد لم يخض الشرق في عبابه بعد، نزفه إلى أبناء الشرق ~~عامة لما نجد فيه من الفائدة، ونحن نتوقع له الرضا العام لاعتقادنا بأنه من ~~أهم الأبحاث وأخلقها بالتدوين، ولثقتنا بأن الرأي الشرقي سيأنس به ولو بعد حين، ~~فتنجلي الغياهب عن الحقيقة ويعم الجدال فيه، فنتوصل إلى استئصال شأفة داء ~~قد تمكن منا؛ إذ الحقيقة بنت البحث، فنقول: # ليس ما يستحق أن يشغل الخواطر ويحمل على الإشفاق ويدعو إلى اشتغال الكتاب ~~أكثر من شأن تلك البنت التي يمر بها سن الزواج، فتجلس في منزلها تنظر إلى ~~ماضي أيامها، ولا شاغل لها غير حديث النفس ومعاتبة القضاء. ومن العجيب أننا لا ~~نجد من يهتم بشأنها، ولا نرى شاعرا يذكرها، ولا قصاصا يحتفل بها، ولا ~~مرسحا يمثل عنها، بل إن أكثر ذكرهم إنما يكون للمتزوجات أو للآنسات ms265 ~~القادمات على الزواج؛ ولعل ذلك لأنه لا يعترض حياتها الساكنة على مقتضى ~~الظاهر ما يدعو إلى مثل هذا الاهتمام، حتى إنه إذا استأثرت بها رحمة الله فلا ~~نجد بين خلقه من يذرف عليها دمعة حزن، أو يودع تلك الزهرة الذابلة بنظرة ~~إشفاق. # أما تلك التي قدر الله عليها أن لا تجري على سنن الله، وقضى عليها أن لا ~~تشترك في الزوجية كسائر أخواتها في الجنسية، فهي لا تزال بعد أن يمضي عليها عصر ~~الشبيبة منغصة العيش لا يروق لها النظر إلى هناء الناس، ولا يطيب لديها ~~إلا الرجوع إلى سابق أيامها، والأسف على شبابها الزائل. # ولسنا نرى في المجتمع الإنساني أشد منها نكدا ولا أتعس حالا ؛ فإن ~~تجملها بالفضيلة وتحليها بشعائر الرفق والحنان وممارستها للأيام، كل ذلك لا ~~يشفع عند الأكثرين بذهاب نضارة وجهها، وانقضاء دولة محاسنها، هذا إذا وقيت ~~العثار في زمن شبابها، وإلا فإن وصمة ذلك العثار لا تزال ملازمة لها طوال العمر ~~حتى تدرج معها في القبر. # وإننا نراها ناحلة الجسم ساهية الطرف، شاحبة اللون، إذا مدت يدها للسلام ~~نجدها باردة كأنما لا يجول فيها دم الحياة، وربما اضطربت واختلجت فلا تجد ~~مخرجا مما هي فيه؛ وذلك لما يخلق فيها القنوط من الضعة، فلا تحسب نفسها من ~~أعضاء ذلك المجتمع، وتظن ألا حق لها بالدخول فيه. # وإن بعض أولئك البنات ينظرن إلى ظل الشباب وقد تقلص، وزهرة الرجاء ~~وقد ذبلت، وأن لا بد لهن من بعض الهناء في هذا الوجود، ولا هناء لهن بعد ~~اضمحلال الشباب، وفوت الأمل، فيعملن على السعي وراء هناء الناس، فإذا لم ~~يتيسر لهن السعادة فهن يهنأن بسعادة الآخرين. غير أن ذلك لا يعبأ به ~~لندوره بينهن، ولسعيهن وراء ذلك الهناء من طريق الاضطرار، فهن ينظرن إليه ~~بالعين، ولا يشعرن به في القلب. # وقد يتولد فيهن بعد ذلك اليأس مبدأ التسليم للقضاء في كل أمر، فإذا رأين ~~مثلا حاجة قد وضعت في غير موضعها أو وقفن على عثرة لأحد فلا يخطئن واضع تلك ms266 ~~الحاجة، ولا يندفعن باللوم على ذلك العاثر، بل ينسبن هذا الخلل وتلك العثرة إلى ~~إرادة القضاء؛ ذلك لأنهن يقسن كل أمر عليهن. وإذ كن يعتقدن ألا ذنب ~~لهن في قعودهن فهن لا يخطئن أحدا في ذنب أتاه، ويكتفين بالقول أن ذلك ~~العاثر ما خلق ليكون سعيدا. # ثم إنه يعتريهن ذهول لطيف ينتج عما سبق لهن من الأحلام الكاذبة والآمال ~~الخائبة، فهن قد خطون في هذا الوجود خطوات ملؤها الرغبة والنشاط والأمل ~~والمطامع، فخابت كل مساعيهن؛ ولذلك فإنهن يبدأن بذكر تلك الأيام الزائلة، فلا ~~ينقطعن عن تكراره في كل يوم إلى أن يخيم على تلك الذكرى ضباب الملل، ويرين ~~أن صدى ذلك الصوت الحنون وهو صوت الأمل قد انقطع، فينتبهن إلى اليأس فالخمول، ~~ولا يطيب لهن غير الوحدة والانقطاع عن الناس. وما أشد ما يكون شقاؤهن عندما ~~تبتدئ آثار التجعيد تظهر في تلك الوجنات التي كانت تجرحها خطرات النسيم، ويرون ~~حياة الشباب وقد ماتت في تلك العيون التي كانت تحيي وتميت. فيطرقن الرءوس ~~قانطات، وهن ينظرن إلى المستقبل فلا يجدن غير الفراغ والخلاء. ثم تأتي عليهن ~~تلك الساعة الهائلة، وهي بلوغهن إلى الخامسة والثلاثين من العمر فترتجف أيديهن ~~كأنها تبحث عن طفل تضمه ولا تجده. وينصرف حنان قلوبهن عن الإنسان إلى حيوان ~~يلاعبنه، وطير يأنسن به. وتشتد فيهن الكآبة فربما أفضت إلى الجنون أو إلى ~~الموت، أو أنهن يصبحن كالأطفال فيعجبن لكل أمر وينذهلن لكل ما يبدو لهن وإن لم ~~يكن على شيء مما يوجب الغرابة، فلا يتميزن في شيء عن الأحداث. # وإننا لا نجد ما يحمل على الشفقة مثل تلك الفتاة التي قد ظلمتها ~~الهيئة الاجتماعية فوق ما ظلمها القضاء؛ فإن الرجل العزب قد يبلغ سن الهرم ~~ولا يزال محترما، وأما الفتاة العزبة فلا تلبث أن تخطو سن الزواج حتى يعرض ~~عنها كل إنسان، وتسمج في كل عين. ولا عجب بعد ذلك إذ رأينا النساء ولا سيما ~~الآنسات يحرصن على تنقيص الأعمار! وحبذا لو وقف ظلمهن عند هذا الحد، فإن ms267 ~~الفتاة إذا اضطرت إلى الارتزاق من عمل يديها فإنها لا تكافأ عن عملها بنصف ما ~~يكافأ به الرجل ولو تساويا في العمل! فإذا أضفت إلى ذلك ما تقيدها به ~~الهيئة من العوائد والمصطلحات التي تغل يد حريتها، وجدت أنها من أتعس البشر ~~حالا. # هذا ما نقلناه ملخصا عن إحدى الجرائد الشهيرة، نقول إن من أهم واجبات ~~الآباء أن يجدوا أكفاء لبناتهن، وإذا لم يجدن لهن أكفاء فإن قرين السوء خير ~~لهن من القعود. # وجاء في جريدة «المقطم» الصادرة في 23 أغسطس سنة 1897 من إنشاء الفاضل نجيب أفندي ~~الجاويش في هذا الفصل: # القلم في الشرق # حضرات الأفاضل أصحاب «المقطم» # غير خاف على كل ذي عقل صريح أن العلم والكتابة من لوازم التمدن، وأن نوع ~~الإنسان لما كان مدنيا بالطبع وكان محتاجا إلى إعلام ما في ضميره إلى غيره، ~~اتخذ له طرائق شتى لإيصال مسائل العلوم ومبادئ المعارف وما انتحله من المذاهب ~~تارة علما وتعليما، وتارة محاكاة وتلقينا إلى تكميل نفسه البشرية. والتكميل ~~لا يتم إلا بالعلم بحقائق الأشياء. ولم نجد لهذا العهد الذي أدركناه واسطة أو ~~ذريعة لنقل كافة العلوم وسائر الفنون بأسرع ما يمكن من الوقت للاطلاع عليها، ~~وتهذيب الأخلاق بها، وتشويق النفوس إلى الكمالات الإنسانية وتحريكها إلى حسن ~~الاقتداء والاقتفاء بإمرار النظر إلى آثار الأقدمين والمحدثين إلا الجرائد. ~~والناظر في موضوعي لأول عارض يظن أني أريد الإفاضة في هذا المجال؛ ~~وإنما همي المقصود من هذا المقال البحث في أمر المعارف والتحقيق في شأن ~~الكتابة والتصنيف، وما آل إليه القلم بين ظهرانينا - نحن معاشر الشرقيين- ~~الأمر الذي ساعف عليه بخل الأغنياء وتقتير الموسرين وتقاعدهم عن شد أزر حملة ~~العلم والمؤلفين وتراجعهم عن تنشيط أولئك الذين قد خملوا واستراحوا من حيث تعب ~~هؤلاء الكرام في جمع الدنيا وحشد الأموال. # ولما رأيت هذا العرق من البخل والحرص نابضا على أولئك، قلت مع القائلين ~~اليوم إن القلم لا يزال في الشرق ميتا، والعلم لا يتعدى نفرا قليلا، ولا ~~يكاد يدرك له إلا أثر ms268 ضئيل، أو رسم محيل تلقاه ذووه كدا واجتهادا، ~~وتعلموه تأدبا لا تكسبا. وعليه يحق لرجال العلم وحملة الأقلام في ~~الشرق أن يقيموا مأتم العلم، ويعقدوا مناحة الفضل كما فعل علماء ما وراء النهر ~~لما بلغهم أن العلم والحكمة قد توافى إليهما الأخساء وأرباب الكسل، ~~وقالوا: كان يشتغل بهما أرباب الهمم العلية والأنفس الزكية، الذين يقصدون ~~العلم لشرفه والكمال به، فيأتون علماء وينتفع بهم وبعلمهم، ومن ها هنا هجرت ~~الفنون وعلوم الحكمة وإن كانت شريفة لذاتها. ونحن اليوم قد غدونا نندب ~~الحالة التي أمسى فيها العلم ساقط المنزلة منحط الرتبة لقلة اعتناء القائمين ~~بأمره، وأصبح القلم حملا على صاحبه، وعبئا على ناقله، ولكساد سوقه وموت ~~الطامعين وإقبالهم على جمع الحطام وكسب الدينار، وتفرغهم لبهارج هذا ~~التمدن الجديد، واشتغال السواد الكبير من أهل البلاد بلغات الغرباء؛ ولهذا ~~السبب الظاهر ضن الأغنياء بفضلات مالهم على فقراء الشعب وتعساء القلم، وقد ~~دخل هؤلاء تحت قول المعري: # أولو الفضل في أوطانهم غرباء # تشذ وتنأى عنهم القرباء # فما سبئوا الراح الكميت للذة # ولا كان منهم للخراد سباء # غير أن الأنظار لا تقف عند حد، ومطامع النفوس لا تنتهي إلى غاية، فقد تزيا ~~به اليوم رهط من المقلدين، واتجر به قوم من المقصرين، فابتذلوا محاسنه ~~وصوحوا زهرته، وقد عرفت جملة من أكابر الكتاب وفحولة المحصلين القائلين قد ~~جاء اليوم الذي يحق لنا فيه أن نقبع في زوايا الخمول ونتستر بمسوح الأسى ~~والانقباض ونهجر المحابر والأقلام؛ لأنه قد تطاول إليها واستلم أعنتها قوم ~~هم أحوج من صبيان المكاتب إلى التعليم! فقاتل الله القلم الذي يمشي في أيدي ~~الجهال الأغمار، ولا يعلم أنه يمشي تحت الضعفة الأغرار! # وغير منكر أن الأمة الخارجة من الظلمة إلى النور تكون أشبه بجواد مرتبط ~~في مكان داج، إذا حللت لجامه وواجهته بالنور بغتة عشا بصره، وانبهرت عينه، ~~وأصبح جريه ضربا من العقال. وإذا سئلنا لماذا نحن في تأخر وانحطاط؟ وبلادنا ~~أشبه شيء بنا؟ أجبنا مع العارفين أن الشرقيين لا يزالون بالنسبة إلى غيرهم ms269 من ~~الأمم والقبائل أطفالا رضعا يقتضي لهم التدرب والتعلم المقرون بالتربية ~~الصحيحة والتهذيب الخالص، ليدرجوا ويشبوا على الشغف بالعلوم، والكلف ~~بالصنائع والفنون التي تعود على الأمة بالإصلاح والعمارية. # وقد سطا على المشارقة داء عقام أشبه شيء بالبرسام، أو إذا شئت قل السرسام، ~~ونعني به داء المحاسدة والمباغضة، فإن المرء إذا رأى أخاه بالغا حدا ~~قصر هو عنه أعمل الفكر وسهر الليل ليوقعه في أشراك الويل والخسران. وصار ~~الكاتب إذا أطلق العنان لقلمه موضوعا للتهكم والسخرية؛ لأن الناس أصبحوا ~~اليوم كلهم ساسة؛ ولهذا ترى العلماء والخطباء قد هجروا طريقة الفرنجة في ~~الكتابة والتعليم، وضنوا بأفكارهم ونفثات أقلامهم لئلا يصبحوا مضغة في أفواه ~~المتشدقين، ولماظة بين شفاه المدعين، وخرجوا من قول القائل: # وأسوأ أيام الفتى يوم لا يرى # له أحدا يزري عليه وينكر # وقد رأيت طائفة من أولئك الذين يعتقدون في أنفسهم التمييز عن الأتراب والنظر ~~بمزيد من الفطنة والذكاء، قد شرعوا يكتبون من غير نظر وتحصيل، بل بتقليد ~~صادر عن التعثر بأذيال التشبه الصارفة عن صوب الصواب والانخداعات المزخرفة ~~المتلألئة كالسراب. وكل مصدر هذا الاغترار حب الظهور بمظهر التحذلق ~~والتردي ببعض القشور التي التقطوها، والزخارف التي لبسوها، ليظهروا التكايس ~~ببضاعة مزجاة، حتى إذا وضعت تحت مجهر النظر والفحص، وجدت مغشوشة مزجاة. ~~قلت: وما حملني على الانصباب في هذا المضمار وركوب مثل هذا المركب الخشن؟ ~~وخصوصا في جريدة سيارة ك «المقطم» إلا هوى الذود عن عصابة أعنيها بهذه ~~الصبابة، كاشفا القناع عن وجه الحقيقة التي أصبحت اليوم في الشرق كأنها في دار ~~غربة لا يصاحبها إلا أهلها، وما ذلك إلا لاختلاط الأحوال، وتبدل الأشكال، ~~وانبراء الكافة لإنشاء صحف السياسة، ونبذهم مبادئ العلوم والفنون الآيلة إلى ~~رفع منار الأوطان الواقعة تحت مخالب الإفرنج والطارئين من كل حدب. # نعم، لقد كثر المتشبهون واختلفت أحوالهم، وتستر بزيهم المتسترون، وفسدت ~~الأعمال، وكسدت سوق كل حال، ولم يعد يعرف الفاضل من المفضول. ومن أعجب الأشياء ~~أني لا أرى إلا طامعا في هذا الفن، مدعيا له على خلوه ms270 عن تحصيل آلاته ~~وأسبابه، وقد قيل إن الجهل داء لا ينتهي إليه سقم السقيم. # وقد يندرج في مطاوي هذا الموضوع الجليل مواد جوهرية، وأنظار دقيقة، منها ~~أسباب ذيوع مثل هذه الجرائد المعروفة عند قراء «المقطم» بقلة جدواها، ~~وخفة بضاعة أهلها؛ لأنها لم تنشر إلا لغرض الكسب وحشو المعد والطعن على ~~العلماء وأرباب الفضل. وبالله ماذا يرجى من جرائد ليس في أدمغة أصحابها شعاعة ~~من النور والعلم؟ أسفي على كل من يستهلك زمانه في سفاسف لا طائل تحتها! هكذا ~~يكون شأن البلاد التي لم يثبت قدم أهلها في المعارف الصحيحة والمبادئ الحقة؛ ~~لأن الجرائد ولا مراء من الصناعات الشريفة المقصودة لتهذيب الأفكار وتدريب ~~الأخلاق قبل المنفعة الخاصة، والتي هي على هذا المبدأ القديم أشهر من أن تعرف. ~~حقا، إن هذه العناية الشريفة قد رذلت اليوم حتى صار أكثر الذين يتعاطونها ~~جهلاء يروجون بها أكاذيبهم. # والسبب الثاني الذي هو أس تأخر أهل الشرق: فقدان المبدأ الصحيح من ~~الصدور، وهو دعامة النجاح في المغرب. أما الذين ضحوا الحياة لأجل مبدئهم من ~~الشرقيين فقليل ما هم، ولم تلق منهم أحدا يوما إلا توجع لك مما أصاب ~~الأوطان من الذل والصغار لعدم وجود العدد الكافي من الرجال للقيام بالدفاع ~~عن الشرق وآله. ويقيني أنه لا يمضي ردح من الحين إلا وتهب الليوث من ~~غاباتها؛ لأن الشرق كما أسلفنا في حاجة إلى أهل القلم، ولا حياة لأمة إلا ~~بأعلامها وهداتها، فهم مصابيح العلم وأقمار العرفان. # وعندي كلام كثير عما أصاب المشرق من تمدن أوربا، وما آلت إليه هذه ~~الحركة الفكرية، ووجوب إقامة المجامع العلمية ودرس الفنون والصنائع، والرحلة في ~~طلبها من البلاد البعيدة، وحالة التأليف ومصيره، والحض على عدم الاعتماد على ~~أهل الغنى واليسار في بلاد الشرق؛ لأن هؤلاء لا مأثرة منهم تؤمل ولا خير ~~يرجى: # وظالم عنده كنوز # من أم دفر ومن لهاها # وعذرت حاجة بعسر # على عليل قد اشتهاها # وربما بسطت ذلك في فرصة أخرى لتنشيط بني قومي وتشجيع رهطي على الإقدام ~~والاندفاع في ms271 سبيل إحياء مجد القلم وإعادة رونقه الماضي، وتجديد ذكر السلف حتى ~~لا يقال يوما إن العلوم قد دثرت عند الشرقيين ومات القلم بموتهم الأدبي ~~والسياسي، ورحم الله عبدا علم فعمل. # وجاء في جريدة «المؤيد» الصادرة في 28 جمادى الأولى سنة 1317 للهجرة، يصف ليلة ماطرة، ~~ما نصه: # السيل الجارف # حدثنا أهالي القاهرة صباح اليوم ببعض ما نحدثهم عن ضواحيها من عصف ~~الرياح وقصف الرعود وانهمال الأمطار التي لا نعدها إلا سيلا جارفا. # قطنا منذ بضعة أيام عزبة الزيتون، تبعا لإشارة الأطباء فيما هو أجود ~~للأطفال من الهواء، فلم تكد الساعة العاشرة تحين مساء حتى اختفى أديم السماء، ~~واسود وجه الأفق، وأنذرت بروقه بالرعود، ورعوده بالهجوم، فلم تك إلا هنيهة ~~حتى هراق السحاب ما في سقائه من فوق، لا لسراب كاذب رآه ولكن لأن السيل سيأتي ~~بعد قليل من أعالي الجبال جارفا بتياره الشديد كل ما يجده أمامه. # ولا حاجة لأن نطيل على القارئ الشرح، ولكن في قصة ما شاهدنا من المزعجات وما ~~كابدنا من شدائد النازلة مثال صغير يشرح الحادث الكبير. # فليمثل القارئ بيتا صغيرا في زاوية حديقة كبيرة، مساحتها ثلاثة أفدنة، ~~مسورة من جميع جوانبها بإحكام، ذلك هو المنزل الذي كنا نقطنه في تلك ~~الحديقة الرحبة، قد اعتنى بها صاحبها من ذوات العاصمة اعتناء مثله ~~بمثلها. # فلما جادت السحب بوابلها الغزير استيقظنا على دوي الرعد القاصف، وبريق ~~البرق الخاطف، وخرير الماء ينزل على السقف نحو ساعة من الزمان، حتى تأثر ~~السقف ونزلت منه قطرات زادتنا قلقا، وخصوصا على الأطفال. # ولو اقتصر على هذا الحد لقال قراء العاصمة: نحن كابدنا أشد من هذا ~~العناء هولا! ولكن الذي فوجئنا به بعد ذلك فأرانا الموت ألوانا هو أن السيل ~~انقض كأنما هو النيل يفيض من أحد الشلالات الكبرى، وصار صدى هديره يرسل لنا ~~النذير وراء النذير، ودوي سقوط المنازل واحدا بعد آخر يكاد يصعق منا ~~القلوب، فلم نجد بدا من أن نهجر مأوانا ونلجأ إلى الحديقة لنعتصم بسياج من ~~أشجارها، ثم تحققنا ms272 عندئذ أن اندلاق السيل قد وصل إلى جنوب الحديقة فجرف ~~السور دفعة واحدة من الشرق إلى الغرب، وهو لا يقل عن مائة متر، وتدفق تيار ~~السيل في عرض الحديقة كلها حتى قطعها إلى الشمال في علو نحو متر ماء، فما ~~استتم خروجنا من محيط المنزل حتى امتلأ ماء وأتلف كل شيء فيه. ثم لم ~~يلبث أن سقط السور الشمالي على مثال سقوط الجنوبي، وبقيت الدار بعد ذلك نحو ~~ثلاث ساعات ثم تقوضت جدرانها الأربع، أما نحن فلم يعصمنا شجر ولم تحمنا ربوة ~~في الحديقة التي كانت كأنها في هذه الحالة واد سحيق، ولكن ألهمنا الله أن نلجأ ~~إلى عجلة الساقية فنعلو سطحها؛ لأنه آمن كل مكان في الحديقة التي صارت لجة ~~تضرب أمواجها بين جنباتها. وهكذا قضينا المسافة بين الساعة الحادية عشرة ~~والساعة السابعة صباحا أشد ما كان يؤلمنا ويؤذينا نزول الأمطار علينا في ~~خلالها مدرارا، وليس بين أيدينا غطاء ولا وطاء إلا وقد أخذ أضعاف حظه من ~~الماء، ثم لم ينجنا من هول ما كنا فيه وسوء عقباه إلا العربات التي ~~جاءتنا باكرا لإنقاذنا من هذه الكربة. # وقد كنت أحسب أن ما نابنا من هول هذه الليلة الدهياء أكثر مما ناب سوانا، ~~ولكني تحققت أن أكثر سكان الجهة الشمالية من عزبة الزيتون قد كانت مصائبهم ~~أدهى وأمر؛ إذ ليس لدى كل واحد منهم ساقية تمكن من الالتجاء إليها فخففت ~~بعض ويلاته. وعلى هذا النمط ينبغي لأهالي القاهرة أن يرثوا لحالة سكان نحو 300 ~~منزل جرفها السيل بما فيها بين عزبة الزيتون والمطرية مما لم يبق معه لحديث ~~القاهرة في هذه الحادثة شأن. لطف الله بعباده وجعل من ماء هذا الحادث الفجائي ~~ريا لبعض شراقي هذا العام، آمين! # وكتب صديقنا الفاضل حفني بك ناصف إلى الفاضل السيد توفيق البكري شيخ مشايخ الطرق، ~~وكان قد زاره يوم احتفال في بيته، فلم يقم بحفاوته: # كتابي إلى السيد السند، ولا أجشمه الجواب عنه، فذلك ما لا أنتظره منه، وإنما ~~أسأله أن ينشط إلى ms273 قراءته، ويتنزل إلى مطالعته، وله الرأي بعد ذلك أن يحاسب ~~نفسه أو يزكيها ويحكم عليها أو لها. # فقد تنفع الذكرى إذا كان هجرهم # دلالا فأما ملالا فلا نفعا # زرت السيد ويعلم الله أن شوقي إلى لقائه، كحرصي على بقائه، وكلفي بشهوده ~~كشغفي بوجوده، فقد بعد والله عهد هذا التلاق، وطال أمد الفراق، وتصرم ~~الزمان، وأنا من رؤيته في حرمان، فقيل لي إنه خرج لتشييع زائر، وهو عما قليل ~~حاضر، فانتظرت رجوعه، وترقبت طلوعه، ولم أزل أعد اللحظات، وأستطيل ~~الأوقات، حتى بزغت الأنوار، وارتج صحن الدار، وظهر الاستبشار على وجوه ~~الزوار، وجاء السيد في مركبه، وجلالة محتده ومنصبه، فقمنا لاستقباله، ~~وهينمنا بكماله، فمر يتعرف وجوه القوم حتى حازاني، وكبر على عينه أن تراني، ~~فغادرني ومن على يساري، وأخذ في السلام على جاري، وجر السلام الكلام، ~~وتكرر القعود والقيام، وأنا في هذه الحال أوهم جاري، أني في داري، وأظهر ~~للناس أن شدة الألفة، تسقط الكلفة. # ومر السيد بعد ذلك من أمامي ثلاث مرات، ومن الغريب أنه لم يستدرك ما فات، ~~وأغرب منه أنه استخلص لنفسه من المجلس أربعة ودعاهم إلى الحجرة فدخلوا معه، فلم ~~يبق إلا القيام والإمساك عن الكلام: # تمرون الديار ولم تعوجوا # كلامكمو علي إذن حرام # وكنت أظن أن مكانتي عند السيد لا تنكر، وأن عهدي لديه لا يخفر، فإذا ~~أنا لست في العير، ولا في النفير، وغيري عند السيد كثير، وذهاب صاحب أو أكثر ~~عليه يسير: # ومن مدت العليا إليه يمينها # فأكبر إنسان لديه صغير # ولا أدعي أني أوازي السيد - صانه الله - في علو حسبه، أو أدانيه في ~~علمه وأدبه، أو أقاربه في مناصبه ورتبه، أو أكاثره في فضته وذهبه، وإنما ~~أقول: ينبغي للسيد أن يميز بين من يزوره لسماع الأغاني والأذكار، وشهود الأواني ~~على مائدة الإفطار، وبين من يزوره للسلام، وتأييد جامعة الإسلام، وأن يفرق ~~بين من يتردد عليه استخلاصا للخلاص، ومن يتردد إجابة لدعوة الإخلاص، وأن لا ~~يشتبه عليه طلاب الفوائد بطلاب العوائد، وقناص الشوارد بنقباء ~~الموالد، ms274 ورواد الطرف بأرباب الحرف: # فما كل من لاقيت صاحب حاجة # ولا كل من قابلت سائلك العرفا # فإن حسن عند السيد أن يغضي عن بعض الأجناس، فلا يحسن أن يغضي عن جميع ~~الناس، وإلا فلماذا يطوف على بعض الضيوف، ويحييهم بصنوف من المعروف، ~~ويتخطى الرقاب لصروف، ويخترق لأجله الصفوف، فإن زعم السيد أنه أعلم بتصريف ~~الأقلام، فليس بأقدم هجرة في الإسلام، وإن رأى أنه أقدر مني على إطرائه، فليس ~~بممكن أن يتخذه من أوليائه: # ولا أروم بحمد الله منزلة # غيري أحق بها مني إذا راما # وإنما أصون نفسي عن المهانة والضعة # ولا أعرضها للضيق وفي الدنيا سعة: # وأكرم نفسي إنني إن أهنتها # وحقك لم تكرم على أحد بعدي # فلا يصعر السيد من خده، فقد رضيت بما ألزمني من بعده، ولا يغض من ~~عينه، فهذا فراق بيني وبينه، وليتخذني صاحبا من بعيد، ولا يكلمني إلى يوم ~~الوعيد: # كلانا غني عن أخيه حياته # ونحن إذا متنا أشد تغانيا # ومني على السيد السلام، على الدوام، ومبارك إذا لبس جديدا، وكل عام وهو ~~بخير إذا استقبل عيدا، ومرحى إذا أصاب وشيعته السلامة إذا غاب، وقدوما ~~مباركا إذا آب، وبالرفاء والبنين إذا أعرس، وبالطالع المسعود إذا أنجب، ~~ورحمه الله إذا عطس، ونوم العافية إذا نعس، وصح نومه إذا استيقظ، وهنيئا ~~إذا شرب، وما شاء الله كان إذا ركب، ونعم صاحبه إذا انفجر الفجر، وسعد مساؤه ~~إذا أذن العصر، وبخ بخ إذا نثر، ولا فض فوه إذا شعر، وأجاد وأفاد إذا ~~خطب، وأطرب وأغرب إذا كتب، وإذا حج البيت فحجا مبرورا، وإذا شيع جنازتي ~~فسعيا مشكورا. # وكتب الفاضل الشيخ إبراهيم اليازجي: # وافاني كتابك العزيز والنفس نازعة إلى ما يزيل نفارها، والقريحة تائقة إلى ما ~~يشحذ غرارها، فكان روضة باسمة الكمائم، فائحة النسائم، قد ردت على النفس ~~انبساطها، وأحيت البادرة فاستأنفت نشاطها، فأنا منه ما بين وشي يخجل طراز ~~العبقرية، وزخرف دونه نضرة السابرية، تناجيني منه رشاقة ألفاظ تفتضح قدود ~~الحسان، وغضاضة أنفاس يغار منها ورد الجنان، ورقة ms275 خطاب يشف عن ود صفي، ~~ولطف حفي، وكرم وفي، وعتب أعذب من الماء القراح، وأرق من نسمات الصبا في ~~الصباح، حتى لقد حبب إلي تقصيري، وشفع عند نفسي في قبول معاذيري. على ~~أن ما عندي من الولاء لا يعتريه - معاذ الله - وهن، ولا يخلقه تمادي زمن، ~~أو ترامي وطن، ولكن صروف الأحداث قد قصرت الجهد، وصرفت جواد العزيمة عن القصد. ~~والله يعلم أني لو نزلت على حكم نوازل الدهر، ولم أدافع طلائعها بما بقي من ~~ساقة الصبر، لما كان في همتي إلا كسر اليراع، وهجر المحابر والرقاع. وحسبي من ~~العذر ما أعرفه من حلمك المألوف، وما ألفته من كرمك المعروف، والله أسأل ~~أن يبقيك لي من الدهر نصيبا، ويمتعني بلقائك قريبا بمنه وكرمه. # وكتب الفاضل مصطفى بك نجيب: # الفونوغراف # مثال القوة الناطقة، من غير إرادة سابقة، يقتطف الألفاظ اقتطافا، ويختطف ~~الصوت اختطافا. مطبعة الأصوات، ومرآة الكلمات، ينقل الكلام من ناحية إلى ~~ناحية، نقل كلام عمر - رضي الله عنه - إلى سارية. أشد من الصدى في فعله، في ~~إعادة الصوت على أصله، كأنه الحرف عن يد الطابع، والوتر عن يد الضارب، والقصب ~~عن فم القاصب. يحفظ الكلام ولا يبيده، ومتى استعدته منه يعيده، من غير أن يبقي ~~لفظا في صدره، أو يكتم شيئا من أمره، كأنما حفظ الوديعة، في نفسه طبيعة، ~~فلو تقدم له الوجود في مرتبة الزمن لما احتجنا في الأخبار إلى عنعنة، ولا في ~~الدعاوى إلى بينة، بل كان يسمعنا كلام السيد المسيح في المهد، وصوت عازر من ~~اللحد، وكانت استودعته الفلاسفة حكمتهم، وأنشدوه كلمتهم، فرأينا به غرائب ~~اليونان وبدائع الرومان، وربما سمعنا خطب سحبان، وشعر سيدنا حسان، بذلك ~~اللسان، وأصبح وجود الإنسان، غير محدود بزمن من الأزمان. # لله دره من تلميذ يستوعب ما عند المعلم، ويستخلصه في لحظة، معيدا لقوله ~~ناقلا صوته ولفظه! # لقد وجدت مكان القول ذا سعة # فإن وجدت لسانا قائلا فقل # نديم ليس فيه هفوة النديم، وسمير لا ينسب إليه تقصير، تسكته وتستعيده، ~~وتذمه وتستجيده، وتنقصه ms276 وتستزيده، وهو في كل هذه الأحوال، راض بما يقال، لا ~~يكل من تحديث، ولا يمل من حديث. نمام كما ينم لك ينم عليك، وينقل ~~لغيرك كما ينقل إليك، فهو المصور لكل فن، المتكلم بكل لغة، المتحدث عن كل ~~إنسان، المؤرخ لكل زمان، الشاعر، الناثر، المغني العازف، لا تعجزه ~~العبارة، ولا يجهده الأداء، ولا يضره اختلاف شكل، ولا تباين أصل، بل تعدت ~~شدة حفظه البشرية من اللغات، إلى حفظ أصوات العجماوات، إلى حركة اصطكاك ~~الجمادات. # فيا لله من أيهما نعجب؟ ولأيهما نطرب؟ أمن الفونوغراف وقد نقل صوتنا كما ~~نطقنا؟ أم من شقيقه الفوتوغراف إذ ينقل صورتنا كما خلقنا؟ فنرى من في أقصى ~~أقطار الأرض ويرانا وكلانا عن مكانه لم يتحول، ويسمعنا حديثه المعنعن ونسمعه ~~حديثنا المسلسل. # وكتب صديقنا الفاضل حسن أفندي توفيق لبعض أصحابه، وقد لامه على عدم مكاتبته: # عذلت أيها الصديق ولات حين عذل، حيث أملت أن أكون لك كما أنت لي، وأنا ~~ذلك الخدن الذي ملئت جوانحه شوقا، وحشيت أحشاؤه صدقا. أغرك إرجاء ~~المكاتبة؟ أم غرك صمت الأقلام؟ والقلوب كالسبيكة إذا أصدأها السكون فهي ~~خالصة الباطن، أو كجمرة الزند تتأجج وهي مغبرة الظاهر. بل تحكم لديك ~~الشك فحكمت، وكان عهدي بك اليقين. ومع هذا فإني لأشكرك على عذلك، وأحمدك على ~~فضلك، فلا لوم إلا بين أصدقاء، ولا عتاب إلا بين أوداء، وما اختياري بهذا أن ~~أقرع عصاك، بل أن أجعل شكك يقينا في صديق رؤيتك أشهى آماله، ولقاؤك أعظم ~~أمنياته، والسلام. # وكتب الفاضل مصطفى أفندي الدمياطي: # الأناة # ليس في الأناة مظنة العجز ولو أدنت من الفوت، وإنما العجز في العجلة التي ~~تعقبها الندامة، فما أضيع الفرصة إذا انتهزها المرء بلا روية! # ولم لا يكون الإنسان طويل الأناة، بعيدا عن التسرع؟ الغاية فرس جموح لا ~~تراض بغير الحزم والتأني، وما مثل الإنسان عجولا إلا كمن امتطى جوادا لا ~~يقوى على رياضته؛ لأن يده غير قادرة على ضبطه، فتراه عاجزا عن إيقافه عند ~~الحاجة، كذلك المتعجل تراه مدفوعا برغبات لم يرضها، ms277 فهي تعدو به ولكن إلى ~~هوة عمق قرارها إذا سقط فيها فلن ينهض منها. فعلام يتعجل المريد؟ بل لماذا ~~يغفل الروية في الأمر؟ # نار الروية نار جد منضجة # وللبديهة نار ذات تلويح # وقد يفضلها قوم لعاجلها # لكنه عاجل يمضي مع الريح # أيريد أن يقطع ولا سكين؟ أو يحصد في إبان البذر؟ أو أن يأكل من الفواكه وهي ~~فجة؟ أو يدخل الدار قبل أن يؤذن له؟ أو يكسر الباب قبل أن يفتح عليه؟ أو ~~أن يعمل بغير الحكمة؟ # إذا عزمت على أمر تحاوله # فاسلك من الحزم في تطلابه طرقا # إن الأناة لطرف إن ونيت ونى # عن اللحاق وإن أجهدته سبقا # وكتب الفاضل أحمد بك زكي رسالته الثالثة من كتابه «السفر إلى المؤتمر»، في وصف رومية ~~المدائن، فقال: # يا للعجب يا للعجب! كأني نسيت الكتابة بلغة العرب، أو كأن مقامي بهذا ~~البلد، أضاع اللب وأذهب الرشد، فكيف العمل فكيف العمل؟! وأنا كلما حاولت ~~التحرير أو أخذت في التحبير، استعصى القلم وحرن جواد التفكير، وانهالت علي ~~المطالب انهيالا لا يجعلني أعرف بم يجب الاستهلال؟ ومتى يكون الختام؟ وكيف ~~أتخلص إلى تلخيص شيء من المذكرات الجمة؟ والمفكرات العديدة التي اقتطفتها أو ~~جمعتها على هذه المدينة المختالة في حلل البهاء والجمال، المجللة بما ~~أودع فيها من آثار العظمة ومشاهد الجلال، ففيها العمائر الفاخرة الفائقة، ~~والقصور الواسعة الشاهقة، والمزارات المتعددة المتنوعة، والبقايا الكثيرة مما ~~خلفه فيها القياصرة والإمبراطرة، والقناصل والأمراء، والأشراف ~~والكبراء، والسادات والباباوات، فإنها من يوم نشأتها إلى الآن ما زالت عاصمة ~~السياسة والحل والعقد، وكعبة الديانة الوثنية ثم النصرانية، وكل من يتولى ~~الأمر فيها سعى بما في وسعه لتوسيع نطاقها، وبذل جهده في زخرفتها، بما يوجب ~~له الفخار، ويستبقي ذكره على ممر الأيام، فلذلك ترى شوارعها فسيحة، وميادينها ~~أنيقة، وفي كل ساحة فسقية يتدفق الماء منها، وفيها بأشكال معجبة، وأصوات ~~مطربة، وقد نصبوا فيها كثيرا من المسلات التي استجلبوها من بلادنا، مع ~~أن عاصمتنا القاهرة خلو منها بالمرة (والذي بقي عندنا من المسلات ما ms278 زال في ~~موضعه يندب التمدن الذي كان حوله، ويتحسر على عدم العناية به مثل أمثاله ~~في أوروبا وأمريكا). وللمباني في رومية منظر رائق بهيج بألوان زاهية ~~براقة تعجب النظار، وعلى جميع جدرانها وأبوابها ونوافذها ومطلاتها ~~وشرفاتها وأفاريزها ترى التماثيل من النقوش البارزة، والتصاوير المختلفة، ~~والرسوم المتعددة، كأن كل واحد من أهاليها أراد أن يستوقف السائحين والجائلين ~~والرائحين والجائين. بل هذا غرام قام بهم وشغف لازمهم فلا مندوحة لهم عنه؛ لأنك ~~ترى حتى الجزار يزوق حانوته بأغصان الأشجار، ويعرض اللحم على الأنظار ~~مقطعا قطعا، ملتفا أعلاها بقراطيس من الورق الأبيض، تنضم ثنياته إلى ~~بعضها فتجمعها زهرة من الزهر المختلف الألوان. ومثله بائع الخضر في حسن ~~الترتيب وجمال العرض، ولا ينقص عنهما غيرهما، فكل واحد يتفنن فيما يلزم ~~الخلائق بالإقبال عليه. # وقد اغتنمنا فرصة مقامنا بهذا البلد لزيارة ما به من الكنائس التي يضرب بها ~~المثل في الضخامة والفخامة والمتانة والتناهي في الإبداع، واللاتناهي في ~~الإغراب، والتشييد الهائل والزخرفة التي تلهي ولا شك المتعبدين والمتعبدات، ~~وتشغل المتنسكين والمتنسكات بالنظر إليها. وإن العقل ليحار في كيفية ~~تشييدها، ويذعن باقتدار ذلك الذي صورها بالقلم على القرطاس، ثم أبرزها ~~مجسمة على سطح البسيطة، حاوية كمال التناسق، وتمام التناسب، وإحكام الصنع، ~~وإتقان الوضع في كل نوع من جدرانها وعمدانها وسواريها إلى عقودها إلى سقوفها ~~إلى قبابها، حتى إنه لم يترك مقالا لقائل، ولم يدع مجالا لاستعمال ليت ~~ولو. وفوق ذلك فإن للقوم بحفظها عناية لا بعدها ولا قبلها؛ ففي كل كنيسة منها ~~سلالم للتعمير والترميم، والتجبير والتتميم، ومع كثرة الكنائس والبيع بها - ~~فإنها تكاد تناهز نصف الألف - رأينا القوم مشتغلين بتشييد غيرها. وأنت تعلم ما ~~حاق في هذا الزمان بالحكومة البابوية والسلطة الدينية من الضعف والاضمحلال في ~~بلاد أوروبا على العموم وإيطاليا على الخصوص. # هذا وقد زرنا معرض الصور والرسوم، ومصنع الفصوص والفسيفساء في قصر ~~«الفاتيكان»، ورأينا بهما من العجائب والغرائب التي يقصر عن تفصيلها هذا ~~الإجمال. ثم شاهدنا ما بالمدينة من آثار القدماء والمتاحف والمعارض ms279 والقصر ~~الملوكي والأطلال القديمة والسراديب المنقورة في قلب الجبل، حيث كان النصارى في ~~مبدأ أمرهم يلجئون إليها أيام الاضطهاد، ويتقون بالاختفاء فيها شر عباد ~~الأوثان. # وقد رأينا في كل ساحاتها وباحاتها وميادينها وبساتينها وفي كافة الأرجاء من ~~منازهها وشوارعها، تماثيل كبارهم وعظمائهم الذين قاموا بخدمة الوطن، وترقية شأن ~~البلاد وتعزيز مقام الأمة، بحيث إن ذكرهم لا يمكن أن يمحوه الزمان، وبذلك ~~عرف الأهلون عالمهم وجاهلهم كبيرهم وحقيرهم مقدار الأجر العظيم الذي يصيبه ~~من ينفع الوطن من أي وجه كان، وبأي عمل كان. ووقف السكان عموما على تواريخ ~~أولئك الذين استفادت منهم البلاد فائدة حسية أو معنوية قليلة أو جليلة، ~~واتخذوهم نموذجا لتهذيب الأبناء الناشئين وتربيتهم على السير في جادتهم ~~ومحاكاتهم في خدمة الأوطان. وهنا ينبغي لي أن أقف قليلا كاسف البال ~~متحسرا على إهمال أهل بلادنا هذا الأمر الذي هو أفضل الأعمال، وأجل ما ~~تشد لأجله الرحال؛ فإن الذي يعلم أنه إذا خدم وطنه عرف قومه قدره، ~~وأجلوا ذكره، وشادوا له الآثار والمباني التي تضمن له عمرا غير العمر ~~الفاني، وتستديم حياته إلى كل جيل، لا شك أنه يضحي النفس والنفيس ويواظب ~~على السعي والعمل لنيل هذا الشرف الذي ليس بعده شرف. ألا ترى أن الكثير من ~~علمائنا وفضلائنا قد انقرض ذكرهم بمجرد دخولهم في رمسهم، اللهم إلا أن يكون ~~لهم كتاب متداول مشهور - وهم الأقلون؟ وهل يصح لي أن أعرف بني وطني ~~الكرام بأن السعي في تخليد ذكر الأماجد الأماثل الذين يخدمون الوطن هو أكبر ~~باعث ينهض بالنفوس، ويحرك العزائم، ويحد القرائح، ويوجب الإقدام على ~~العظائم، فتغتنم الأمة والوطن أجل المغانم ويربحان باجتهاد أفرادهما وسعي ~~أبنائهما، من غير أن يكونا على الدوام في حاجة إلى الأجنبي والدخيل، لا نسير ~~إلا بمشكاة نورهما، ولا نهتدي إلا بهدايتهما وإرشادهما؟ أم آن لنا أن نفطن إلى ~~هذه الحقائق وندرك ما وراءها من المنافع، فنطرح الحسد من نفوسنا، ونسعى جميعا ~~في وجهة واحدة لصالح الوطن العزيز كل بقدر ما عنده، ونعضد بعضنا لنكون ms280 ~~كالبنيان المرصوص؟ فلعل أهل بلادنا تهزهم الأريحية المصرية، وتثور فيهم ~~النخوة الوطنية والحمية الأهلية فيتشبهون بأمم أوروبا لنوال الفلاح ~~والنجاح! # أواه! تحدثني نفسي عند كتابة هذه السطور بأن الكثير من القراء لا بد أن ~~يستخف بهذا المقال، ولكني أنادي من له حياة أو كان له قلب أو ألقى السمع وهو ~~شهيد، فتلك لعمرك عواطف وطنية وإحساسات قومية وددت لو يشعر بها أهلي، كما ~~تملكتني حينما رأيت الخاصة والعامة في هذه المدينة واقفين تمام الوقوف على ~~جميع ماجريات أولئك العظماء الذين أقيمت لهم التماثيل والأنصاب، وتزينت ~~بصورهم قصور الملوك وقاعات الدواوين، حتى كان ذلك باعثا للأمة الطليانية على ~~مباراة الأمم العظيمة، ففتحت المعامل الكبيرة، وألفت الشركات الجليلة، ~~وأقدمت على مهام الأعمال فحفظت ثروة البلاد، وروجت الصنائع الوطنية، فاكتسبت ~~أيما اكتساب. نعم، لا ننكر أن الدولة الطليانية واقعة الآن في أزمة مالية ~~وقد برك فيها جمل الفقر، ولكن لها عذر واضح من حيث إنها في وقت قصير أنشأت ~~مواني حربية بحرية، وأنجزت كثيرا من الأعمال العظيمة ذات المنفعة العمومية كي ~~تضاهي الدول الكبيرة والأمم المثرية، فكانت كالزارع ينفق كل ما عنده ثم ~~ينتظر الغلة والريع، وقد بدأت تجني ثمار ما غرست وأخذ الخير يدر ~~عليها، وأظن أنه لا يمضي عليها نحو النصف مائة حتى تنفض ما عليها من غبار ~~الفاقة، وتفيق مما حاق بها من الارتباك والإعسار. # وكأني بك أيها القارئ قد مللت من هذا الاستطراد، وتود مني بدل ذلك أن ~~أكاشفك بما رأيته في هذه البلاد من الأمور العرضية الثانوية، التي قد يكون ~~وراءها فائدة معجلة جزئية يمكن إدخالها في بلادنا، مثل: العربات والسكة ~~الحديدية والبريد والتلغراف والبواخر والشرطة (البوليس)، وما أشبه ذلك من ~~التنظيمات من أنهم يضعون أسماء الشوارع على رقع مربعة من الرخام؛ لكي لا يتطرق ~~إليها البلاء بسرعة، كما حصل عندنا في الأخشاب التي وضعتها نظارة الأشغال في ~~القاهرة بمصاريف باهظة. ولكني أقول لك إن الحر شديد جدا، وإني أقاسي منه أكثر ~~منك من عهد مبارحتي للإسكندرية إلى ms281 هذا اليوم، حتى كأني ذهبت إلى أسوان أو ~~السودان، فأعفني من ذلك الآن - عافاك لله - وأعتقد أن الحر في هذا العام ~~بأوروبا أشد منه في كل عام، بل لم يعهد القوم له مثيلا قبل الآن، ولقد كنت ~~أستغرب ذلك في أرض أوروبا حتى قرأت في جريدة «التريبونا» الصادرة في يوم ~~الإثنين 22 أغسطس تلغرافا من باريس، ينبئها بأن اشتداد الحر فوق العادة قد ~~أتلف صحة الجنود وهم يتمرنون في جملة جهات، وآخر من ويانة يقول إن القيظ ~~مستمر فيها وأنه وردت عليها الأخبار من جملة مدائن أن الحر سبب وفيات ~~كثيرة، وأن سبعة من العساكر زهقت أرواحهم من اشتداد الحر، بينما كانوا في ~~مرانتهم، وأن الفلاحين قد اضطروا لترك أعمالهم، وأن الفاكهة قد أصابتها أضرار ~~بليغة. فكيف لا تشفق علي مع ذلك كله؟ وقد كنت أيضا بالأمس (يوم الأحد) ~~أتريض في رومة، ورأيت في منازهها من رأيت وما رأيت، وحسبك مني هذه ~~الإشارة ... # وعرب هذا الفاضل فصلا حكميا نشرته إحدى المجلات الفرنسوية، وكان له وقع عظيم ~~في نفوس قرائها، فأبدع في إنشاء ما عرب، حتى فاق المعرب أصله أسلوبا وأخذا ~~بالقلوب. ويا ليت المعربين ينحون هذا المنحى في معرباتهم! وها هو الفصل بنصه الفائق: # بين المجانين # أسرتي أثيلة في المجد، كثيرة في العد، مشهورة بالنعمة والثراء، ولها من الجاه ~~مكانة علياء. ولي إخوة تحسدهم البدور والأغصان، لما امتازوا به من الرشاقة ~~والجمال، وأما أخواتي فقد خلقهن الله فتنة لذوي الألباب، يسحرن العقول، ~~ويفتكن بالأرواح ... ولا جناح، فلماذا يا ربي أفردتني بالدمامة والبشاعة ~~والسماجة والشناعة بين أفراد هذه الأسرة الباهية الباهرة، الزاهية الزاهرة؟! ~~كأنني عنوان الاختلال والاعتلال في نظام الأكوان، أو مجمع أسباب النفور ~~والاشمئزاز، بل لعنة الرحمن مجسمة في جسد إنسان. # لا أرى أمامي وجهة واحدة أجعلها كعبة آمالي. ويعلم الله أن فؤادي ينطوي على ~~عواطف الحب الشديد، والولاء الصادق، ولكنني لا أجد فردا في الوجود يرضى بأن ~~تحوم حوله أميالي. فلله در الحب والهيام! وأف أف لهذا العالم الذي ms282 أنا ~~فيه ينبوع الجزع والفزع! كل من أسعى في التودد إليه والتقرب منه يفر ~~من وجهي مرعوبا مذعورا، بل إن الذين تدفعهم عواطفهم الكريمة وإحساساتهم ~~الشريفة إلى الشفقة علي والرثاء لحالي، لا يلبثون أن يغضوا أبصارهم عني ~~ويولوني ظهورهم، هلعا وفرقا! # وحيثما وليت وجهي، وأينما ساقتني أقدامي، رأيت الجو المحيط بي مشحونا ~~بجراثيم القلى والبغضاء، فقد حكمت علي معاندة القدر، ونحس الطالع، وقبح ~~الطلعة، بأن أهيم وحدي، على وجهي، في بيداء بهماء، ولا أجد فيها وسيلة للنجاة. ~~فالأماني والمسرات وحب الشهرة وغير ذلك من الرغائب التي فطر بقية الناس ~~عليها، هي كلها أمامي دوائر مسحورة، ومناطق مطلسمة، لا أكاد أقترب منها حتى ~~يقذفني الرصد الموكل عليها، بأنواع العذاب ... والهوان والنكال. # معارفي واسعة متنوعة، ومعلوماتي غزيرة متعددة، بحيث يقف دونها أكابر العلماء ~~المشهورين موقف الجهالة والاستفادة. عندي من قوة العزيمة والثبات على النشاط، ~~ما يجعل الراحة في نظري عذابا لا يطاق. فؤادي كله رأفة وحنان، على كافة ~~المخلوقات على الإطلاق، حتى إنني لأشفق على الحشرة الضعيفة، والدودة الضئيلة ~~أن أطأهما بقدمي على غير علم مني. # سبحانك ربي، أنت أرحم الراحمين! ماذا أصنع بهذه المواهب التي أفضتها علي ~~من خزائن علمك، ونفحات فضلك؟ أفلا ينبغي لي الاختلاط بالناس كي تظهر آثارها ~~ومزاياها؟ فلماذا متى اقتربت منهم يصيبني من العذاب أشكال وألوان؟ وأينما نزلت ~~أحاط بي الهزء والسخرية والازدراء؟ وكنت سببا في انخلاع القلوب واضطراب ~~العقول؟ لقد أصبحت وكل خطوة من خطواتي تقودني إلى هاوية عميقة، وغيابة ~~سحيقة، فعيشي زقوم، وحياتي كلها غموم وهموم. # لما أتيت إلى عالم الوجود واستقبلتني القابلة، ألقتني بعنف على ~~الأرض، وفرت صارخة مذعورة! ولما رأتني المرضعة، ارتجفت وهرولت إلى ~~خارج الدار، وهي تقسم بأغلظ الأيمان، أنها لن تحملني على صدرها، ولا تغذوني ~~بدرها! فنظرت إلي والدتي فغشيها من الهم ما غشيها، ووقعت عن ~~كرسيها مغمى عليها، فأدركها والدي؛ وإذ أبصرني، اصطكت أسنانه وارتعدت ~~فرائصه، وصاح: «ما هذا بشرا إن هذا إلا مسخ دميم، ولا يستحق أن يعيش!» ~~فتسامع ms283 بي الأطباء، وقالوا: «بل نحفظه مثالا غريبا على غرائب المسوخ ~~وعنوانا على فلتات الطبيعة في التشويه!» # ألا لعنة الله على الأطباء، فهم سبب حياتي، بل أصل ما أقاسيه من بلائي ~~وشقائي! وجاءت عجوز شمطاء، منقطعة عن الأهل والأولياء، فأخذها الحنان علي، ~~وأخذتني، وآوتني، وقامت بتربيتي حتى ترعرعت، فإذا في فؤادي شغف شديد ~~بالمحبة والوداد، فملت بكليتي إلى كل ما وقع عليه بصري، من أرض وعشب وحيوان ~~في الفلاة، وهمت ولوعا بكل شيء من البهيمة التي ترعى تحت أقدامي، حتى ~~الإنسان الذي خلقه الله ليتأمل في بدائع الملكوت، ولو أنه يفزع لرؤيتي، ويفر ~~من أمامي. شغفت بحب الكائنات، من أشرفها وأسماها إلى أحقرها وأدناها. ركعت ~~أمام أمي، وتضرعت إليها أن ترمقني بعين المحبة، فنالها رعب شديد، وخارت ~~قواها وضاع هداها! ذهبت إلى أبي، فنهرني وطردني بنفور واشمئزاز. بل نفر عني ~~حتى أحقر العبيد مفتخرا بشكله الإنسي وظاهره الآدمي، ورفض أن يكون له أدنى ~~علاقة بشخص عليه علائم الغضب السماوي، والسخط الرباني. بل إن الكلب ... الكلب ~~الذي اخترته من أقبح الأنواع وأبشعها، وأشوهها وأشنعها، خاف من وجهي، وأطلق ~~سيقانه للهرب من منظري! # فلما رأيت نفسي طريدا مهجورا، ممقوتا ملعونا، أجمعت رأيي على الوحدة ~~والاعتزال، والمعيشة في بطون الغابات وفوق نواصي الجبال، منفردا حقيرا، ~~كالدودة في الحجر الأصم. وبقيت في عزلتي، أعاني الآلام، تزيدها الأفكار ~~والأشجان، وأقاسي الهموم والأحزان، بسبب النفي من هذا العالم الذي لا ينبغي أن ~~يكون لي فيه نصيب من الحب والوداد. # ولما أصبحت مطرودا من معاشرة الناس، رأيت أن أتفرغ للنظر في عجائب الكون ~~وجمال الطبيعة، وصار همي طول يومي، وسمري في سهري التلقي والتحصيل عن ~~مشاهير الأموات الذين تركوا لنا زبدة أفكارهم، وثمرة أتعابهم، وخلاصة أعمالهم، ~~وأرشدتني الأرض إلى كنوزها وعجائبها، وسلمتني كتب الحكماء مفاتيح علومهم ~~ومعارفهم. فقرأت، ونظرت، وفكرت، حتى انكشفت لي الحقائق من خدرها المكنون، ~~وسرها المكتوم، وانطبعت على صدري بطابعها الرباني، وظهرت لي خفايا الماضي ~~في أتم الظهور، وانكشفت أمامي أسرار الوجود، من غير ما ms284 قناع يحجب ~~محياها الوسيم، بل توصلت بطول المراقبة، ودوام الرياضة، وكثرة الاختبار، ~~إلى معرفة المستقبل من الأمور والشئون، ونظمت من القريض الدرر والدراري، ~~ضمنتها خلاصة آرائي وأفكاري، لكن وا أسفاه! كلما ارتقى عقلي واتسع نطاق ~~فكري وصفت قريحتي، ازدادت آلامي شدة وحدة، حينما أراني في هذا العالم - عالم السعادة والحب والهناء - محكوما علي دون سواي بأن أعيش في نكد وكراهة ~~وشقاء، وأن لا أكون محبوبا على الإطلاق، إلى ما شاء الله. # لذلك عزمت على السياحة، لعلي أجد في بعض الأجزاء الأخرى من هذه المسكونة ~~الملعونة أناسا مخلوقين على غير هذه الصورة الربانية، التي جعلت في قومي ~~إعجابا بأنفسهم فاق حدود الأنفة والكبرياء (قلت: قومي! فوا حسرتى! أمثلي له ~~قوم ينتسب إليهم ؟!) # إن الخلائق البشرية على أنواع تفوق الحصر، فلماذا لا أجد أثناء تسياري في ~~أطراف المعمور أناسا يشبهونني ويحبونني؟ ولماذا لا يصيبني أنا أيضا نصيبي ~~من السعادة والهناء؟ فاستودعت الله ذلك الشخص الوحيد الذي عني بي، وأعني به ~~تلك العجوز الشمطاء، وكانت قد أصبحت عمياء بلهاء، فلم تشمئز من وضع يدها ~~المرتعشة على رأسي المشوه الدميم، ثم ودعتني ودعت لي ... ولكنها لم تتمالك من ~~اختتام دعائها بهذه الكلمات: «ليتك يا بني لم تخرج من حيز العدم!» فأفلت ~~من فمي، رغما عني تبسم، يصحبه تهكم، وهرولت مسرعا إلى خارج دارها ~~... # اتفق لي في بعض الأيام أنني أمضيت النهار كله في حل وترحال، حتى إذا ~~حان الأصيل، وجدت نفسي في منتهى إحدى الغابات، وأبصرت بالقرب منها دارا ~~خلاوية جميلة التفت حولها الأشجار، تفوح منها أعطار الأزهار، وتتناغى ~~فوقها الأطيار، وقد تسلقت أغصان الورد والياسمين على أسوارها، وتشابكت ~~فوقها فروع الدوالي واللبلاب، ونزل على الأزهار ندى المساء، فضاع شذاها، ~~وتأرجت به سائر الأرجاء. فأخذت أستنشق هذا النسيم وهذه الأعطار بشغف ~~وهيام. نعم، بشغف وهيام؛ لأن هذا النعيم على الأقل لم يكن محظورا علي، ~~ممنوعا عني ... وبينما أنا أمتع أنفي بشميم الأريج، وعيني بالمنظر ~~البهيج، إذا بسمعي قد اشترك أيضا في هذا النعيم، فقد ms285 استرعاه صوت رخيم في ~~البستان، وأرشدتني رقة النغمة إلى أنه صادر من سرب نساء، فكتمت ~~نفسي، وأصغيت، لا بأذني وحدها، بل بكل حواسي، وإذا بهن يتجاذبن أطراف ~~الكلام، عن الحب والغرام، وعن الصفات والخواص التي تولده في ~~الفؤاد. # وسمعت إحداهن تقول كلمات، كان لها في فؤادي الكليم، سحر عجيب، قالت: ~~«كلا، ليس الجمال في الرجال، هو الذي يجذب فؤادي، ويمتلك قيادي؛ بل الرجل ~~الذي تتوق إليه روحي، وتميل إليه عواطفي، هو الذي يمتاز بسمو المدارك، حتى ~~يتسلط على عقول الآخرين، ويكون له فؤاد كله شغف وهيام، يجعله يستخدم قريحته ~~في خدمة أقل أغراضي، وأدنى مشتهياتي. وخلاصة القول أن الذي أتطلبه هو ~~نابغة الرجال في عصره، بحيث يكون كله وجد وغرام؛ وما عدا ذلك فهو عندي والعدم ~~سيان.» فسألتها إحدى صويحباتها: «أتقدرين أن تحبي رجلا مشوها ~~ممسوخا ولو كان آية الآيات في العواطف والإحساسات؟ أو أعجوبة العصر في الذكاء ~~والفضل؟» فأجابتها الأولى بصوتها الشجي، ولفظها الشهي: «نعم، أشعر من ~~نفسي بهذه القدرة، وإذا كان فؤادي كما أعهده لا يخيب ظني، فإنه ~~يخيل إلي أني أهيم وجدا بالرجل الممتاز بنبيل الخصال، وجليل الصفات، ~~مهما كانت خلقته مشوهة دميمة.» # وكان في سياج البستان ثغرة بين الأغصان، فاسترقت النظر من خلالها كما ~~استرقت السمع من ورائها، لعلي أحظى بنظرة إلى تلك التي نفثت بمقالها روح ~~الرجاء في فؤادي اليئس الحيران، فرأيت في ملامحها ما يدل على شدة ~~التفكير والاستغراق؛ وكانت ذوائبها الذهبية مرسلة على جبينها الوضاح، ولها ~~ظل ممدود على لواحظها الساجية الساحرة، وفي كل حركة من حركاتها دليل على علو ~~النفس ورقة العواطف. بل إن لونها الصافي كان يشف عن صفاء ضميرها، وارتياح ~~روحها. وربما كانت صاحبتي في نظر غيري لا تعد بين ربات الجمال، ولكن ~~عيوني وفؤادي صوروها أمامي ملكا في صورة إنسان. قل لي بعيشك، أين هو الطيف ~~اللطيف يهديك محاسن ولذائذ مثل تلك التي أرسلت إلى قلبي الكئيب شعاعا من ~~الأمل الرباني، بعد أن تولاه اليأس والقنوط؟ # لعمري! كانت هذه ms286 اللحظة سببا في حياتي؛ فإنني أسرعت بالعودة إلى الغابة، ~~المحدقة بمنزل تلك الغادة، وقاسمت الوحوش في كهوفها، وهنالك صرفت الأيام، ~~وكلها أحلام في الغرام والهيام، وكنت متى أرخى الظلام سدوله وستر ذاتي عن أعين ~~الرقباء، سعيت إلى دارها، وأقمت فؤادي حارسا على كل خطوة من خطواتها ~~في غدوها ورواحها. وكنت أتسلل بين الأغصان، لإمتاع الأسماع بنغمات صوتها ~~الرنان، أما الليالي فكنت أقضيها كلها تحت نوافذ غرفتها، ولم يكن لي ~~حينئذ من هم سوى ترديد التغريد، وكثرة الشكوى من لوعة الجوى؛ فكان صوتي ~~الشجي يوقظها من نومها في أغلب الأوقات، وكانت أينما وضعت أقدامها أثناء ~~تنزهها، ترى قصائدي الغزلية تبث إليها شكوى الضنى، وقسوة الهوى، ودوام ~~الإعجاب بها والتشبيب بحبها. # حتى لقد انتهت بها الحال أن تحركت في نفسها دواعي حب الاستطلاع للوقوف على ~~حقيقة الأمر، وكشف غوامض هذا السر، فوقع خيالها البكر، في أحبولة العشق ... ولا ~~فخر. آه! لماذا لم تيبس يدي؟ ولم يشل ساعدي؟ ولماذا لم ينقبض صوتي في ~~صدري؟ قبل أن تمكنت من جعلها تشاطرني هذه العواطف الغرامية ~~الملعونة؟ # أرسلت لها نظمي ونثري، يبثانها وجدي وحزني، وقلت لها إنني سمعت ~~تحاورها مع أترابها، ولكنني أكثر دمامة وأشد تشويها حتى من الأبالسة ~~والعفاريت والشياطين، وإنني أقبح بآلاف من المرات من كل ما صوره أو ~~يصوره الوهم والخيال، وإنما أخبرتها بأنني أتعشقها إلى درجة ~~تقرب من العبادة، وأنها هي الوجود أمامي، وما عداها فهو العدم. # غير أن ألحاني كانت مطربة، ونغماتي شجية بحيث لا يكاد يصدق معها ~~اعترافي بتشويه خلقتي، فأجابتني، وأوجد جوابها عالما جديدا من حولي، عالما ~~كله لذات ومسرات، وأكدت لي أنها لا تنظر إلى الجمال على الإطلاق، ولكن ~~الروح وحدها هي الجديرة بحبها؛ وأن من كان مثلي في رقة التعبير ولطف ~~الشعور، لا يمكن أن تراه بعين المقت والنفور، بل وعدتني بأنها تحبني ولو ~~كنت في الدمامة والبشاعة أكثر مما وصفت لها نفسي. # تعالوا فانظروا، أين تنتهي الحماقة ويسوق الغرور! فإنني صدقت قولها، ~~وتدثرت برداء ستر جسمي ms287 كله، واعتمدت على الأيمان التي حلفتها لي ~~بأنها لا تسعى في رؤيتي قبل اليوم الذي أعينه لهذه المكاشفة، بل لهذه ~~المباغتة، فكنت أتجرأ في كل ليلة على التقرب منها، والجلوس بجانبها، في ~~أيكة كثيفة الأشجار، ملتفة الأغصان، بحيث لا يتوصل أحد إلى الوصول إلينا، ~~إلا بعض الأشعة من ضياء القمر. # وكنت أطيل السمر معها، فأشرح لها أسرار الطبيعة، وأفتح خزائن العلوم، ~~وأكشف كنوز المعارف، ولكنني ما كنت لأهمل وصف الوجد والغرام، وشكوى الهوى ~~والهيام، بحيث كنت تارة أتجلى أمامها في مظهر الحكيم العاقل، والفيلسوف ~~الفاضل؛ ثم لا ألبث أن ألبس ثياب المغرم المتيم، والعاشق الولهان ... # وا حسرتاه! لماذا قضيت يا ربي بانصرام هذا الوصال، وسرعة انقضاء هذا الزمن ~~السعيد؟ فإنني ما كدت أتمتع بلذة الحياة حتى قالت لي صاحبتي ذات ليلة: ~~«سافر بعيدا عني، اذهب إلى حيث تجعل الناس مثلي في الإعجاب بك والاشتياق ~~إليك، واجعل لنفسك شهرة فائقة تزكي اختياري، وتؤيد انتقائي، ثم ارجع ~~إلي وطالبني بإنجاز الوعد، والوفاء بالعهد؛ إن العهد كان مسئولا.» ~~فتلهفت فرقا من الفراق، وطلبت منها توثيق عرى الميعاد وتوكيد المقال، ~~فأغلظت الأيمان والأقسام. وفي تلك الدقيقة كان الهواء يلاعب الأوراق، ~~ويداعب الأغصان، ففتح فيما بينهما نافذة أطل القمر منها علينا، وأرسل شعاع ~~ضياء إلينا، فتوسمت في عينيها بريقا من شدة الوجد والهيام، بريقا يدل ~~على أنها لم تحاول المكيدة والخداع، فقد كان نظرها هادئا ومستقرا، ويلوح ~~على ملامحها أنها استسلمت لأمر عظيم، قضت به على نفسها؛ فخفق فؤادي ~~طربا، وانحبس لساني اضطرابا، وأخذت يدها فوضعتها على قلبي هنيهة ... ~~وأنا ساكت ساكن، ثم قبلتها مثنى وثلاث، وانصرفت من حضرتها، فلم تعد ~~تسمع بي مدة أيام طوال ... # اخترت لنفسي خلوة سبرت فيها غور العلوم، وبصرت بالمنطوق منها ~~والمفهوم، وهمت في أودية الشعر، وأرسلت اليراع يحلي الطروس بأبكار ~~أفكاري العالية، وبدائع تصوراتي السامية، وقد كانت كلها متجمعة في خزانة ~~صدري، ثم نشرتها على الملأ من الناس، فقابلوها بإعجاب أيما إعجاب، حنى ~~الفلاسفة رءوسهم أمام فروضي ونظرياتي، وأقروا ms288 بالعجز عن مجاراتي، وأما ~~العلماء فسيقتفون أثري إلى ما شاء الله من الزمان، في الطرق الجديدة التي ~~هديتهم إليها، والطرائق المبتكرة التي أهديتهم إياها. ولم أقنع بالبحث في ~~العلوم العالية، والمطالب الغامضة، والمسائل العويصة، بل هلهلت الشعر، ~~ونظمت قلائد القصائد في النسيب والتشبيب، فكانت العذراء تترنم بها ~~وتترنح لها، حتى تلتهب بنار الجوى، فيخرج من احتراق الفؤاد بخار ندي ~~يتلألأ على جبينها الوضاح، ويحمر منه محياها الوضاء. وأجمع الناس ~~من ذكور وإناث، مع اختلافهم في الأعمار والأجناس، والأديان والأوطان، على ~~الإعجاب بهذا النابغة المجهول، الذي جعله الله آية الآيات، وأعجوبة الأعاجيب؛ ~~إذ أتاح له الجمع بين سامي العلم والعرفان، وصافي الفكر والخيال. # حينئذ رجعت إلى صاحبتي، وزرتها بالتكتم المعهود، وأتيتها بالبرهان ~~الصادق، والدليل الصادع، على أنني ذلك الذي طبقت شهرته السبع الطباق، وتحدث ~~بذكره الركبان في الآفاق، وقد كان فؤادها حدثها بذلك، ثم طالبتها بالوعد ~~الجميل، وحسن الجزاء ... واتخذنا الظلام ستارا لاتحادنا. وكانت السماء ~~خالية من النجوم، والأرض ساكنة مطمئنة لا حراك بها # 1 # ولا عليها، وأوراق الأشجار ثابتة على الأغصان، فاستندت على صدري، ~~ولم تصدر منها أي حركة تشعر بالنفور والاستنكاف. وقد توالت اجتماعاتنا، ~~وتعددت مقابلاتنا ... وكنت سعيدا سعيدا، أغبط نفسي ولا أكاد أصدق ~~حواسي! ولكن ثمرة حبنا المشئوم، أوشكت أن تكشف أمرنا، وتفضح سرنا، بحيث ~~أصبح من اللازم أن أهرب بها، أو أن نوثق ارتباطنا بالاحتفالات الرسمية ~~المقررة بين الناس، كما أكدناه بطبيعة الحال. واستحال علينا التأجيل، ~~فخدعتني بمواعيدها، وأذهبت رشادي بدموعها، وانضم إلى ذلك فؤادي؛ فأغراني ~~وأغواني وأعماني، وحينئذ عقدت النية، واتفقنا على أنها تنظر النظرة ~~الأولى إلى وجه خليلها بل حليلها، ونحن أمام الذي يتولى صيغة العقد الشرعي ~~بيننا. # فلما حل اليوم الموعود، برزت من خدرها في دارها، وليس معها سوى ~~شاهدين، وأبيها المحزون؛ لأنه اضطر إلى الرضا باقتراننا دفعا للفضيحة ~~والعار. وقد كانت صاحبتي هيأتهم لمرأى شخص دميم الخلقة، مشوه الوجه للغاية ~~والنهاية، ولكنها لم يكن في وسعها أن تهيئهم لرؤيتي ... فدخلت الدار ~~وكانت الأنظار ms289 كلها - إلا عيناها - موجهة نحوي، شاخصة إلي، فصاح ~~الحاضرون صيحة فزع واضطراب، اهتزت لها جدران الدار، أما العاقد فقد ~~وقع الكتاب من يده، وطفق يهمهم ويتمتم من غير معرفة ولا تمييز، ~~ويقرأ الأوراد والأدعية المخصصة لطرد الجن والعفاريت، ووقع أبوها وقعة لن يقوم ~~منها إلا يوم القيامة، وأما الشاهدان فأسرعا بالهرب إلى خارج الدار وهما لا ~~يصدقان بالنجاة. # وكنا قد اخترنا الليل لهذه الحفلة؛ فكانت الأنوار تضيء الدار بنور ضئيل، ~~تعبث به الريح، فاقتربت من عروسي وهي ترتعش وتبكي، ولم تكن تجسر على رفع ~~بصرها نحوي، وقلت لها: «انظري ها هو زوجك يا سيدتي!» وكشفت نقابها، فانتفض ~~جسمها، وأغمي عليها، فلم تعلم مقدار المصيبة التي حلت بها. أما أنا فلم ~~أرفعها عن الأرض، بل وقفت في مكاني ... ثابتا صامتا؛ إذ قد زال سعدي، وحقت ~~علي لعنة ربي، وتولاني خبال ضاع معه الرشد والصواب، فحملوا العروس إلى ~~مخدعها، وبعد هنيهة امتلأ المكان بالناس قليلا قليلا، وكان القوم ينظرون ~~إلى الوحش بعين الارتياب والارتعاد، فتنبهت لنفسي، وصرخت فيهم صرخة شديدة ~~فولوا الأدبار، فرميت بنفسي إلى خارج الدار، واختفيت في الغابة بين ~~الأشجار. # حتى إذا تكاثف الظلام وحان ميعاد اجتماعنا المعتاد، ذهبت خفية إلى الدار، ~~فرأيت شباك صاحبتي مفتوحا، فتسلقت إلى غرفتها، فلم أجد أحدا فيها، وكانت ~~مع ذلك تسطع بالأنوار، ورأيت مصباحين بالقرب من سرير العروس، فرفعت الكلة ~~(الناموسية)، وإذا هي في عداد الأموات، فلم أنتحب ولم أتوجع ... كلا، بل ~~شعرت بفرح صادر عن قلب كله قسوة وجمود، حينما أبصرت الشخص الوحيد الذي ~~أحبني في هذا العالم مطروحا أمامي، بارد الجسم، فاقد الحراك، عادم الإحساس، ~~هذا الشخص المحبوب الذي سيكون عما قريب وليمة للدود. ثم قلبت نظري في ~~الغرفة فإذا بمائدة مجللة بغطاء أسود، رأيت تحته جثة مولود قد فارقته ~~الحياة، رأيت له أشداقا هائلة مخوفة، وملامحة دميمة قبيحة، وأعضاؤه نحيلة ~~نحيفة، والشعر والوبر نابتان على كل جسده بهيئة فظيعة. والخلاصة أنه تشويه في ~~تشويه، لا يشبه سوى أبيه، فتحققت حينئذ أنه ms290 «ابن حلال»، ومن يشابه أبه ~~فما ظلم. # حملت زوجتي وولدي، وذهبت بهما إلى الغابة، واختفيت معهما في مغارة مظلمة ~~عميقة، ونمت بجانبهما ألاعب الديدان التي كانت تسرح وتمرح في جسديهما ... نعم، ~~كنت أشعر بالسعادة أثناء وجودي في المغارة! حتى إذا لم يبق من الجسدين سوى ~~العظم الرميم، دفنت الرمتين الباليتين، وعدت إلى مسقط رأسي. # وجدت أبي قد قضى نحبه، وبقية إخوتي يعللون النفس بأنني قد سبقته ... ~~فطردتهم أجمعين، ووضعت يدي على كافة الأملاك والأموال، وتاقت نفسي لرؤية ~~المرأة التي ربتني ... فأراني الناس قبرها ... فرويته بدموع مرة نابعة من ~~كبد حرى. ولعمري لا أدري كيف أمكنني البكاء عليها، مع أنني لم أجد دمعة ~~واحدة عند فقد امرأتي وولدي! # وعشت في سعادة وراحة بال مدة من الزمان. ولكن الناس توصلوا للعلم بأنني ~~ذلك الفيلسوف المجهول، وذلك الشاعر المفلق الذي ذاع صيته واشتهر فضله، فلم أنل ~~بعد ذلك شيئا من الراحة والسلام؛ إذ أصبحت الخلائق تتوافد علي من كل مكان، ~~وأحاطوا بداري، والسعيد السعيد الذي يحظى بمقابلتي! وكانت الأبصار كلها شاخصة ~~إلي، والضحك والقهقهة محيطين بي، بل أصبحت أتخيل الهواء مشحونا شياطين ~~يتهكمون ويضحكون ... ومن ذلك اليوم لم يتركني الناس وحدي، ولم أتمكن من ~~الخلوة بنفسي ولا ساعة من الزمان ... # هذه حال الدنيا! # وكل الناس مجنون ولكن # على قدر الهوى اختلف الجنون # وكتب الفاضل السيد محمد علي الببلاوي، من خطبه المنبرية: # الحمد لله الذي يعلم خائنة الأعين وما تكن الصدور، الحاكم العدل، جامع ~~الناس ليوم النشور، المنتقم الجبار، يوم لا ينفع مال ولا بنون، أحمده هدى من ~~شاء إلى صراطه المستقيم، وأشكره مستمدا فيض فضله العميم، وأتوب إليه ~~وأنزهه عما يقول المبطلون، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة تشفي ~~القلوب من السقم، وأشهد أن محمدا رسول الله أرسله رحمة للأمم. اللهم صل ~~وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه عدد ما كان وما يكون. # أما بعد، فيا عباد الله تعهدوا الصدق، فمن تعهده سلم، والزموا الحق ~~فيا فوز من له لزم! واحذروا ms291 الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون، وإياكم ~~والغش فالغش مرتعه وخيم، ودعوا الفجور فإن الفجار لهم عذاب أليم، ~~وتقربوا إلى الله ألا إن حزب الله هم المفلحون، وقد أمركم الله ~~بالتحاب فما امتثلتم أمره، وزجركم عن التباغض فما رعيتم زجره، ونهاكم عن ~~المعاصي وأنتم عنها غافلون، وكونوا عباد الله إخوانا، وليمدد أحدكم يد الإعانة ~~لأخيه، وليساعده بقدر الإمكان، فالساعي في الخير شريك فيه، واعتبروا ~~بأحوال قوم معكم إلى التعاون سابقون، فرحم الله امرأ أخلص لأخيه النصيحة، ~~وعامل الناس بخلق حسن ونية صحيحة، وطهر ظاهره وباطنه مما اتصف به ~~المنافقون، فتوبوا إلى الله وأنتم في سعة من الأيام، وعجلوا بالتوبة قبل أن ~~يهجم جيش الحمام، وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون. ~~(الحديث) اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى ~~الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما، ~~ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب. # وكتب حضرة الفاضل علي أفندي حامد يشكو ويستعطف: # أشكو إليك ما كلت قوتي عن مزاولته، وضعفت عزيمتي عن مقاومته من ركوب ~~متن الاعتساف، والخروج في الأعمال عن جادة الإنصاف، وتشعب دواعي الشقاء ~~والعناء، حتى بلغ السيل الزبى، فصور الهفوات، تقابل بأقصى العقوبات، ~~والحسنة بالسيئة والإكرام بالإيلام، وحسن المجاملة بسوء المعاملة، وليس في ~~مقدوري الاستغناء عن هذه المرتبات القليلة التي أبذل في سبيل الحصول عليها نفيس ~~الحياة للقيام بتلك الأعمال الجليلة، فوجود الحياة عدم، وأحرار الدهر خدم، ~~والأيام لم ترع حقوقا، ولم تبق شروقا، ولم يسلم أحد من تجنيها، ولم ~~تصف لمصافيها ومواليها، وقد أنهيت أملي إلى رحابك، ووجهت رجائي للوقوف ~~على بابك، عله أن يسعده نظر سيدي العالي، ويحقق آمالي فأكون ممن ~~استفتح باب العطايا فبذل الشكر، والله يحب المحسن ويضاعف له الأجر. # وكتبت «المقامة الجلالية» التي سبقت الإشارة إليها، وهي: # حكى الجلالي ابن الخيالي قال: أجلتني الأقدار عن مكة أجل الديار، ~~فجللت عنها قاصدا جلولاء، والأرض قد جللتها السماء، لا أملك دقا ~~ولا جلا، ولا ms292 كثرا ولا قلا، ذاكرا: # كل شيء ما خلا الله جلل # والفتى يسعى ويلهيه الأمل # ومعي هاجن جلت عن الولد، وهم جليل طال عليه الأمد، وغلام جلجل وفرس ذو ~~جلجل، وحمار جلال يجل عن الكلال، فتجللنا الدواب بعد أن جللها ~~بالجل الغلام، وسرنا نحمد ذا الجلال والإكرام. فلما قطعنا جل الطريق، ~~سمعنا جلجلة هزبر طليق، وما رأيناه حتى تجلجل منا الفؤاد، ~~وجلجلنا الزناد، وصاح الشيخ: أمر جلل، ينهب الأجل! وتلته الفتاة ~~صارخة: هيا يا قوم إلى الجلى والعين منها: # لجوج إذا سحت سحوح إذا بكت # بكت فأدقت في البكا وأجلت # فأجابها الفتى: # إذا دعوت إلى جلى ومكرمة # يوما سراة كرام الناس فادعينا # ثم عقد في عنقه خيط الجلجل، وهجم على الأسد المجلجل، ورماه فأصاب ~~جلجلان قلبه، فتجلجل في الأرض بذنبه، فشكرنا المولى الجليل، وسرنا حتى ~~أمسينا بوادي الجليل، فأنشدت: # ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة # بفج وحولي إذخر وجليل؟ # وهل أردن يوما مياه مجنة # وهل يبدون لي شامة وطفيل؟ # ثم أصبحنا جالين عن الوادي، فسمعنا جل بن عدي وهو ينادي: # أيا ظبية الوعساء بين جلاجل # وبين النقى أأنت أم أم سالم؟ # ثم مررنا على دارة جلجل وحي جلان، فرأينا في عرصاته رعاة يرعون ~~الدقائق والجلائل والثنيان ينشدون: # لنا غنم نسوقها غزار # كأن قرون جلتها العصي # ومعهم إماء سود، يجتللن جلة الوقود، فتقدمت إلى كبير القوم، وبثثت إليه ~~جلاجل نفسي، فما أجلني ولا أدقني، بل أجابني برفع الرأس. وقابلنا في البادية ~~جالة من اليهود، أجلوا عن الحرم المحمود. وعند دخولنا قصبة الجلوليين، ~~فاح علينا من رياضها شذا الجل والياسمين، ونزلنا في مسجدها القاصي، وشرع ~~شيخنا في تدريس مجلة لقمان، فأحاط به قوم أجلاء الشان: # أماجد صيد ذوو تجلة # ترى عليهم للندى برهانا # وبعد الفراغ من الدرس، أخذوا يجلونه بالتحية وانحناء الرأس. وأحلونا من ~~فضلهم دار الكرامة، وخصوه بالدراسة والإمامة. # وكتبت إلى خليل شط مزاره: # كتابي إليك وقد طال بي الانتظار، وشوقي يجل عن الكيف والانحصار، فشخصك دائم ~~المثول أمام إنساني، وعن سواك ms293 من الأخلاء ألهاني وأنساني. فلله أيام ~~قضيناها، وليال من الدهر اختلسناها! كان السرور فيها ضاربا خيامه، والأنس ~~ناشرا أعلامه، طوي بساطها وكأن الأمر ما كان، غير أنها زرعت بفؤادي شجرة ~~الأشجان. لكن عودها حليف أوبتك، وتجددها رهين إشارتك. فمتى يقرب المزار، ~~وتنجلي سحب الأكدار؟ فاضرب لعودك أجلا، فالعود لا شك أحمد. واكتب ~~بقربك وصلا، فالوصل أضمن للعهد، وعهدي من خلقك الوفاء وحسن الولاء، فلا ~~تجعل صفقة شوقي إليك خسرا، بل هبني بعد العسر يسرا. والسلام. # وكتبت إلى صديق سافر إلى الأندلس وكنت قد ودعته على ميناء الإسكندرية وقت ~~السفر وأهداني مطبوع صورته (فتوغرافيته): # أخي الشقيق # بينا أنا أفكر فيما أتيح لك من المقدور مذ فارقتنا يوم المرفأ، وامتطيت صهوة ~~البحر الجموح تؤم الأندلس، إذ جاءني البشير بالرسالة والهدية منك، فاطمأن ~~قلبي وسكن روعي ونعم بالي، وهدأ بلبالي، ووئدت بنات صدري بسهام سروري؛ إذ ~~الأولى أنبأتني بركوبك متن السلامة، ونزولك بحبوحة الكرامة، والثانية لما سفرت ~~عنها اللثام، وألفيتها مثال صورتك، سجدت لله شكرا على ما أهديت وأسديت، ~~وكأنك أوحي إليك أن ناظري حسد خاطري على خيالك، فأرسلت له من مثالك، لتفصم عنه ~~آخية الحسد خشية أن يشيب من الكمد. وقد أحطت الصورة بالسور الكلي وموضوعها ~~شخصي، وقد أرسلت لك مع هذا مثالي هدية وتذكارا لي. والسلام. # وعربت من الفرنسوية إلى العربية ما يأتي: # وصف مساء صيف # ذات يوم حره شواظ من نار، خرجنا وقت الأصيل نلتمس شواطئ الأنهار لنستنشق ~~نسمات العصور، ونشتفي من نفثات الحرور، فجلسنا بقرب الماء، في حديقة غناء، ~~فكان يروقنا رقص الغصون، إذا هب عليها النسيم، ويطربنا هزج السواقي وخرير ~~العيون، عن رنات المثاني وغناء النديم، والشمس قد كست النهر حلة من ذهب، ~~فأخذ يموج ويعجب كل العجب، إلى أن مالت عنه وتوجت رءوس الجبال والأشجار، ~~بتيجان من جلنار. وكلما أخذت الغزالة في الرقاد، ضربت ألوان الخليقة إلى ~~السواد، وأخذ كل راع يئوب بماشيته من مرعاها، ويقودها إلى مأواها. ثم عدنا ~~وقد أخذت تهدأ الأصوات، وتسكن المتحركات، والعلي ms294 الأعلى يلحظ الكل بعين ~~رعايته وهم سكون، ويكلأ أرواحهم وما يكنون. # وفي سنة 1308 للهجرة رغب أصحاب جريدة «الأزهر» إلى أهل الأدب أن يكتبوا في موضوعات ~~اقترحوها عليهم، كالشوق والتعارف قبل اللقاء، والتهادي والتقاضي ولطف السؤال والتهاني، ~~فكتب كثير من أدباء العصر في هذه الموضوعات المقترحة. # فمن ذلك ما كتبه الفاضل الشيخ حمزة فتح الله، رسالة في الشوق، وهي: # مولاي، أما الشوق إلى رؤياك فشديد، وسل فؤادك عن صديق حميم، وود صميم، ~~وخلة لا يزيدها تعاقب الملوين، وتألق النيرين، إلا وثوقا في العرى، ~~وأحكاما في البنا، ونماء في الغراس، وتشييدا في الدعائم. ولا يظنن سيدي ~~أن عدم ازدياري ساحته الشريفة، واجتلائي طلعته المنيفة، لتقاعس أو تقصير، فإن ~~لي في ذلك معذرة اقتضت التأخير . والسيد - أطال الله بقاءه - أجدر من قبل معذرة ~~صديقه، وأغضى عن ريث استدعته الضرورة. وبعد، فرجائي من مقامكم السامي أن لا ~~تكون معذرتي هذه عائقا لكم عن زيارتي، فلكم منة طوقتمونيها ولكم فيها ~~فضل البداءة، وعلي دوام الشكران. والسلام. # ومن ذلك ما كتبه الفاضل الشيخ عبد الكريم سلمان في التهادي: # الإنسان الكامل، المولى الفاضل، دام كماله، وزاد إقباله # كتابي إلى الأستاذ والهدايا تزيد في التواد وتوسع في قوة الارتباط إن كانت ~~لغير من حظرها عليه الشرع القويم، والشيخ مني بمنزلة الأخ من أخيه، أو أنا ~~منه بمثابة الولد من أبيه، ولا داعية لي إليه سوى الصلة به، ولا أريد منه غير ~~الوداد # قل لا أسألكم عليه أجرا إلا ~~المودة في القربى ~~. # وقد اخترت لك من كتب الأدب العربي القديم كتابا حديث العهد بالوجود، بعثته ~~إلى حضرتك معترفا بأنه نموذج فضلك، ومعنى أدبك، يعترف لك مهديه بأنه لاحظ ~~المناسبات، ونظر إلى الرغبات، وقبل أن تشتغل بالبحث فيه عن اسمه والأوصاف، ~~أعلمك بأنه كتاب «المنسوب والمضاف»، فهنيئا له بالشيخ يقدره حق قدره، ~~وهنيئا للشيخ به يزيده في أمره. وإن قبول الأستاذ لهديتي مكفول بحسن أخلاقه، ~~وطهارة أعراقه، وبعلمه بأن النفع بها وهي عنده أعم وأوفى، فله الحمد على ما ms295 ~~قبل، والشكر على ما أولى. # ومن ذلك ما كتبه الفاضل حفني بك ناصف في التهادي: # الهدية في نظر الأصفياء جليلة وإن كانت في نفسها قليلة، ومكانتها خطيرة وإن ~~كانت يسيرة، وسنة حسنة اجتمعت على فضلها الألسنة: # مضت الدهور وأمرها مستحسن # وتعاقبت بمديحها الأيام # اللهم إلا إن لبست جلباب الرياء، وولجت أبواب الارتشاء. ولا مراء أن ~~الأوداء من ذلك براء: # لا يبتغون سوى الوفاء وما لهم # غير البقاء على الصفاء مرام # وما زالت الهدية شعار الأصدقاء، وعنوان تذكار الولاء، كم جددت بين الأصحاب ~~عهود التحاب: # وتعهدت ودا فعاد شتيته # ولشمله بعد البداد نظام # قد وصلتني يد العصا فحبذا الإهداء، وأهلا بتلك اليد البيضاء، وليست هذه أول ~~أياديك علي، ولا أكبر عارفة جاءت من ناديك إلي، وقد أمنت بها النوب، ~~واعتضدت بها على تفريق شمل الكرب. # فإذا طغى بحر الهموم ضربته # بعصاي فاجتازت به الأقدام # تنفلق بها من الأيام صخور، فتنبجس منها عيون السرور، وتلقف ما يصنع الأعداء ~~فتذهب بسحر البغضاء. وإذا اشتد هجير الوحشة نشرت ظلال أنسها، أو عصى فرعون ~~الدهر راعته ببأسها: # فكأنما أوصى الكليم لنابها # حتى يرى آياته الأقوام # وقد فكرت ماذا أقابل به طرفتك؟ وأتلقى به تحفتك؟ إلى أن هداني الله ~~أن يد المنعم إنما تقابل بالأفواه، ليعزز القبول بالقبل، ويؤدى الرسم ~~باللثم، فأرسلت إليك فم سجارة، وجعلته لهذا المعنى إشارة، وقلت: # مولاي كم فاضت يمينك بالندى # حتى غدوت غريق بحر الأنعم # والشكر أوجب أن أقبل راحها # فكنيت عن هذا بإهداء الفم # وقد علمت أن المنظر البهيج يتم بالتدبيج، فاخترت أن يكون مبدؤه كالليل إذا ~~عسعس، ومنتهاه كالصبح إذا تنفس، إيذانا بزوال الشرور بالسرور، ورمزا إلى ~~الخروج من الظلمات إلى النور. # وكتب الفاضل محمود بك أبو النصر في التهادي: # يا أيها المولى الذي # عمت أياديه الجميلة # اقبل هدية من يرى # في حقك الدنيا قليلة # غرة وجه السعود، وقرة عين الوجود، ~~الأمير الجليل: # يا جليل الفضائل، إليك توجه الآمال، ويا جميل الشمائل، بساحتك تحط الرحال، تلك ~~هي الساحة الفيحاء، ms296 والشيمة الحسناء، والهمة العلياء، واليد البيضاء، والأعمال التي بها ~~تضرب الأمثال، كم من نعم أسديتها، ومكارم أوليتها، وعلوم أحييتها، فأنت المصدر ~~والمورد، والمقصد والموعد، إليك أقدم تلك الهدية المرضية وأرفع ذلك الكتاب ~~المستطاب، مشفعا في قبوله كرم سجاياك، وعظم مزاياك، وإني وإن كنت أعلم أن مقامك ~~العلي يجل عن أن يرفع إليه مثله، فقد عرفناك متواضعا في علاك، قريبا مع اعتلاك. # دنوت تواضعا وعلوت مجدا # فشأناك انخفاض وارتفاع # كذاك الشمس يبعد أن تسامى # ويدنو الضوء منها والشعاع # وحاشا أن أهدي للقمر نورا، أو للشمس ضياء، أو أبعث ببنية القطر إلى ذلك البحر، ~~ولكني أحببت أن يحظى بلثم بنانك، وينال من كرمك وإحسانك. وقد عهدناك تهتز للمكارم ~~اهتزاز الصارم، وترتاح لإسداء الجميل كما يرتاح للكرم النزيل، وللشفاء العليل، وما هو ~~إلا من نور فكرك مقتبس، فعساه يحظى بالقبول فأبلغ غاية المأمول. والسلام. # ومن ذلك ما كتبه الفاضل سلطان أفندي محمد في التعارف: # كتابي إلى مولاي وقد نمى إلي حديث فضائله، ونقلت لي الصبا عبير شمائله، ~~كتاب امرئ دله التواتر على البحر الزاخر، وأرشده أرج النسيم إلى الروض ~~المقيم، فوله بورود شرعته، والاستظلال بدوحته، وائتلاف النفوس إذا كان ~~فطريا، كان ميلها بمجرد الرؤية أو السماع طبيعيا. ومن ثم قدمت التعرف ~~إليه بهذا الخطاب، حتى أرد عليه وقد نظمني في سلك الأصحاب، وسيلقى من ~~قاصده ما يجعله مفزع رأيه وحقيبة سره، ويحقق به ثقته، فيرفع منزلته، ويصبح ~~في مقدمة بطانته، ويشمله بعنايته. والسلام. # ومن ذلك ما كتبه الفاضل أحمد أفندي سمير في التعارف: # يعلم سيدي أن المودة لا تباع ولا تشترى، وإنما هي نتيجة الاجتماع ~~والتعارف، وقد خلق الله الإنسان مضطرا إليهما؛ لأن انتظام العمران عليهما ~~موقوف، ولهذا شهد العيان بأن المنفرد بأعماله المستبد بآرائه عرضة للخطأ مظنة ~~لعدم الثقة، بخلاف ما إذا كان الاشتراك في الفكر قاعدة للعمل، فلا بد أن الصواب ~~يتمحض منه لضعف التفرد وقوة الاجتماع؛ إذ لا جرم أن المرء كما قيل: قليل ~~بنفسه كثير بإخوانه. وقد سمعت عن ms297 السيد وقرأت من آثاره المأثورة ما حببه ~~إلي، وشاقني للتعرف به، لنشترك في منفعة تبادل الأفكار، فإني لا أكتفي ~~بمجرد السماع، ولا أقول إن الأذن تعشق قبل العين، فإنما هي جارحة صغيرة، ولكن ~~كلي ميال إليه، محب لاستجلاء مرآه، عالم أني إذا دخلت إلى موادته من باب ~~التلاقي لا أجد دهري: # يقرب مني كل شخص كرهته # ويبعد عني من إليه أميل # فإن لم يتيسر أن يراني أو أراه، فليسعدني ببضعة أسطر تضمن لي رضاه عن هذه ~~المعرفة الترسلية، لنتراءى بأعين الطروس، قبل أعين الرءوس، ونتجاذب أحاديث ~~المراسلة، إن عزت المقابلة. وقد وقفت عليه خالص ودي، واخترته من بين رجال ~~العصر سعيا لكسب المعالي بمعرفته، فكل امرئ بما كسب رهين، وليس للإنسان إلا ما ~~سعى. # عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه # فكل قرين بالمقارن يقتدي # ومن ذلك ما كتبه الفاضل الشيخ أحمد مفتاح في التهادي: # الهدية - غمرك الله بالمعروف - تبسط يد المودة، وتدر بها أخلاف ~~القرب، وتغرس بين المتحابين من الائتلاف بقدر ما تقطع بينهما من شجر الخلاف. ~~وما أنا فيما أهديه إليك إلا كمستبضع تمرا إلى أرض خيبر، أو كالواهب الماء ~~للبحر، والضوء للبدر، والملك لسليمان، والمال لقارون، والحلم لأحنف، والذكاء ~~لإياس، والتفسير لابن عباس. وما ذاك إلا كتاب كما تراه ضرب في الإحكام ~~بسهم، ووعى من الأحكام ما خلت منه مفعمات الأسفار وموجزات الرسائل، فهو كما ~~قيل كل الصيد في جوف الفرا: # تزين معانيه ألفاظه # وألفاظه زائنات المعاني # على أني وإن تطفلت عليك وسقت لك هذا الكتاب، مزدلفا إلى جنابك الرحب ~~ومقامك الأسنى، فقد أصبت كبد الصواب، ووضعته حيث يعرفه أهلوه، ويتقبله من ~~باذله عالموه، علما بأنك عماد العلوم، وأساس الفضائل، لا تغادر شاردة إلا ~~وعيتها، ولا نادرة إلا رويتها، وإلا: # لو كان يهدى على قدري وقدركمو # لكنت أهدي لك الدنيا وما فيها # ومن ذلك ما كتبه الفاضل الشيخ طه محمود في التهاني: # المجد عوفي إذ عوفيت والكرم # وزال عنك إلى أعدائك الألم # لقد تقلبت في حلل السراء، ms298 حتى ما أشتهي حلة، وتضلعت من كئوس ~~النعماء حتى لا أسأل ساقيا علة، فلم أجد في الحلل الضافية، ولا في المشارب ~~الصافية ألذ ولا أجمل من العافية، وما آب إلي بعد الظعن أعز علي من صحة ~~البدن، ولا رحل عني بعد الإلمام، ضيف أبغض إلي من الآلام. ولو لم يكن إلا ~~بعد الحبيب، أو قرب الطبيب، وإلا قطيعة الوالد أو صلة العائد، لقلت البعد ~~والقطيعة أشهى إلى النفس من القرب والصلة. فماذا يثير من شجنك إذا أصبحت معافى ~~في بدنك؟! وأي شيء مع الصحة رديء أو بدون الصحة جيد؟! ومن أجل هذا كانت ~~العافية أولى ما أهنئ به السيد، فالحمد لله أن عافاك «أيها السيد» وشفاك، ~~ووافاك بأمره من الصحة ما كان جفاك . # وبعد، فلا أطيل بشرح حالي التي رجعت بها من عند السيد يوم عدته، فوجدته ~~بحيث يرجو العدو ويخاف الحبيب، وما هو إلا أن نصبت قدمي مدة من الزمان أستشرف ~~إلى ما يرد علي من نحو سيدي. وقد حالفت السهاد، وخالفت الرقاد، مذ رأيت ~~أن دوحة المجد قد اعتراها ذبول، وأن سيف الشهامة قد أصابه فلول، إلى أن ~~وردت علي البشرى تترى، بأن الله قد أذن لظاعن العافية أن يئوب إلى ~~وطنه، ولنازح القوة أن يثوب إلى بدنه. فلا تسل عما ثاب إلى قلبي من الأفراح ~~ونزح عن صدري من الهموم والأتراح، وما ابتسم من ثغور المكارم، وما تهلل من ~~جباه الفضائل، فأنت تعلم موقع تجلي الكروب من القلوب، وكيف مورد السرور من ~~الوجوه والصدور، وما مقدار الاعتدال بعد الاعتلال. فليهنئك «سيدي» ما كساك الله ~~من ثياب الصحة بعد شكوى ألمت بساحتك، فلم تحجبنا عن سماحتك، وإن حجبت عن ~~صباحتك ولم تصب من حلمك وعلمك، وإن أصابت من جسمك ورسمك. وما كنت في شكواك هذه ~~إلا الذهب، ولا عجب، امتحنه صائغه بشيء من الحرارة ليبين معياره ويظهر ~~مقداره، فإذا هو إكسير، ولا ينبئك مثل خبير، أو الشمس توارت في الحجاب، أو ~~حال بيننا وبينها قزعة سحاب، لنعرف نعمة ms299 الله علينا فيها، ولم تلبث السحابة ~~أن تقشعت فاعتدل الجو، وتمحض الصفو، فليطب السيد نفسا وليقر عينا بعظيم ~~فضل الله عليه، وعميم إحسانه إليه، فيما أعاد إليه من الصحة، ومنحه به أعظم ~~منحة: # ولا زال يرفل في حلة # سداها ولحمتها العافية # ومن ذلك ما كتبه الفاضل السيد محمد علي الببلاوي في التعارف: # سيدي، إن مكارم الأخلاق ومعالي الهمم مما تسترق القلوب وتسترق العقول وتمتلك ~~الأرواح وإن لم تتلاق الأشباح. فإني مذ سرى إلي النسيم بأخلاقكم ~~الغراء، وابتسم لي ثغر هذا العصر عن آثاركم الزهراء، وتواترت الأخبار ~~بحبكم للفضل وأهله، وارتياحكم للعلم وذويه وأنا مشغوف الفؤاد بالتعرف ~~بسيادتكم، مشغول البال بالتوصل إلى رياض مودتكم ولعلمي أن للصداقة حقوقا ~~وللمصاحبة شروطا، ربما صعبت على من حاولها، وعزت على من أراد الوفاء ~~بها، كنت أرى الوحدة بي أولى، والانفراد بي أسلم. ولكن ما زالت تنمي إلي ~~أحاسن شمائلكم المشرفة، وتتوارد على مسامعي محاسن سيركم المطهرة، فينمو ~~الوجد ويزداد الشوق: # والأذن تعشق قبل العين أحيانا # وما كنت أجد سبيلا للتعرف ولا سببا للتودد، ولا تجسر نفسي على ~~المراسلة ابتداء، إلى أن رأيت سيدي قد اهتم للأدب فأعلى مناره، ونظر للإنشاء ~~فرفع مقداره، ونصر دولته، وأحيا صولته، وأعاد شبابه، وفتح لأدباء هذا العصر ~~بابه، فعلمت أن الدهر قد ساعدني والفرصة قد أمكنتني، من مصافحة ما أملت، ~~ومصافاة ما أردت، من اجتناء ثمار مودة سيدي والتعرف به والتمسك بأهداب ~~فضائله، والتزود من آدابه، فإن الأدب أحسن ما يستصبح بأنواره، وأشرف ما ~~يتسابق لاقتطاف أنواره، ويحمد التطفل على موائده، ويمدح التنافس في التقاط ~~فرائد فوائده، فجعلت طلب الانتظام، في سلك أرباب الأفلام وسيلة لورود عذب ~~وداده، ونمير التعرف به. فإن رأى سيدي أن يعد نفس حر في عداد معارفه، ويقابل ~~رسالته بما اشتهر من لطائفه، حتى تتمتع بالرؤية الأبصار، كما تمتعت ~~المسامع بطيب الأخبار، كنت مديم الشكر لأفضاله، مستمر الثناء على ~~كماله. # ومن ذلك ما كتبه الفاضل عبد الله أفندي الأنصاري في التهادي: # المولى - أدام الله وجوده ms300 ممتعا بهدايا الأيام، وتحف الأعوام - طالما ~~أوقد من الرفد إلي، ووجه من الخيرات ما أفعم يدي، حتى أصبحت - وله ~~الفضل والمنة - أجر ذيول النعماء على غبراء البأساء، وأجتلي معارف ~~السراء بعوارفه البيضاء التي لا يوازيها ثناء وحمد، ولا يوازيها عطاء ورفد، ~~ولا يطاولها سماء وبحر، ولا يغالبها بؤس وفقر. وإن لي من آلاء السيد - حفظه ~~الله وأدام علاه - ما أينع وأزهر وأورق وأثمر، حدائق قامت لشكره عيدانها، وسجدت ~~لفضله أغصانها، وترنمت طربا، وتمايلت عجبا، بنفحات هي عرفه، وبركات هي ~~عرفه. ولي أمل في جنابه وأنا سليل نعمته، وعهدي بأخلاقه وأنا ابن مودته، ~~أن يمن بقبول ما أهديته، وهو من مال نفسه وثمرة غرسه، باكورة تفاح يرفعها ~~إجلال وإعظام، وتصحبها تحية وسلام. # ومن ذلك ما كتبه الفاضل محمد أفندي علي المنياوي في التهاني: # لك الهناء بما قد نلت من شرف # وافت بشائره بالقلب فابتهجا # ليرق سعدك، ويحظ جدك، وينعم بالك، ويجزل نوالك، فإن إسداء الفضل عليك ~~بعض ما يرتاح الفؤاد بانتمائه إليك، وقد هبت أرواح البشائر بأريجها العاطر، ~~تروي لنا مرفوع ما ساد بمعناك من الرتب الفاخرة، واتصل بمغناك من المنح ~~الباهرة، التي أخصب غيث سرورها جدب النفوس، وأحيا روض أنسها بعد أن شابه البوس، ~~فازدهت أفنانه وماست عجبا، وهشت ورقه وغردت طربا، وأصبح يانع الزهر ~~باسم الثغر، يفتر عن شكر المنعم وإنعامه، والدهر وتبلج أيامه بما أولى من ~~الفضل، من هو له أهل. # فيا حبذا دهر على ما به أولى # ويا حبذا من منه قد فاز بالجدوى # فلتهنأ ذاتكم الشريفة بهذه الرتبة المنيفة، لا زال كوكب سعدكم بسماء المجد ~~يسمو، وساطع حبوره بسرادق القلب يزهو وينمو. والسلام. # ومن ذلك ما كتبه الفاضل وفا أفندي في الشوق: # أما بعد سلامي عليك، فهذا كتابي إليك، ينبئك عني، وعن شوقي وعن ودي. ولا ~~أزيدك علما أني ما كتبته من دواة، ولا أجريت عليه قلما، ولكنها دموع وشوق ~~سالت على القرطاس، وجرت على حركات الخواطر والأنفاس، وهبت عليها حرارة كبدي ~~بالأشواق، ووجدي بالفراق، فبينما ms301 هي عقيقة حمراء، إذ صارت فحمة سوداء. ألا وإن ~~كتابي هو قلبي ولساني، أما تراه على رقته ولطف عبارته، وصدق طويته بين ~~يديك، مقبلا عليك، ينشره الشوق ويطويه لا يخفي أمرا، ولا يكتم عنك سرا، ~~وتلك صفات لساني وقلبي معك، فما الذي أبتغيه بعد؟! وقد بعثت إليك بالأصغرين، ~~وما أنا إلا بهذين. نعم، أرجو بقاك ممتعا بنعمك؛ لأكون على الدوام محل ~~نظرك. والسلام. # ومن ذلك ما كتبه الفاضل مصطفى أفندي نصر في التهاني: # أيها العزيز # أكتب إليك والعين قريرة، والنفس مسرورة، والقريحة قد أوسعها الفرح جودة، ~~والفكر قد جلا الصفاء عنه كسادا، واللسان قد أورثه الانشراح طلاقة، والكلم قد ~~يسر الحبور جموحها، ووطأ من أكنافها، والتحرير قد أسلس الجذل قياده، وأدنى ~~ملتمسه، فاللسان يتلو في أساطير القلب سور السرور، وينطلق بما يمليه عليه من آي ~~التهنئة وصيغ التبريك. وهو لا يتكلف لعبارة صوغا، ولا للفظ بحثا؛ إذ قد ~~كفاه طيب الخاطر وابتهاج النفس مؤنة ذلك، وأراحاه من عنائه، فالألفاظ تتسابق ~~إليه، والعبارات تتوارد عليه، والمترادفات تتجمع بناديه، فيختار منها ما طابق ~~واقع الحال، واقتضاه مقتضى المقام. إلا أن الحق أقول إن العبارات ولو تهيأت ~~أسبابها، وتوفرت موادها ضيقة النطاق عن حصر الغرض، غير محيطة بمكنون ~~الضمير في الإعراب. كيف لا وحديث التهنئة أسوقه إلى زهرة الإخوان، وكوكب ~~الأقران، وحلية الأكفاء، قريع دهره في الأدب، منقطع القرين في العلم، إمام أهل ~~الفضل، قدوة أرباب الكمال، من استمسك من الجد بالعروة الوثقى فشغل بالقلوب ~~أمنع مكان، وحل بأسمى منزل فمحضت له الإخلاص، وتمنت له أجزل الصلات، ~~وتحرت له أكمل الرضا؟! وهكذا فليجز الذين أوتوا العلم والفضل. ويا حبذا لو ~~اتبع أولو الفضل سننه، وكان لهم به أسوة حسنة، فالسؤدد غاية الطريق التي ~~اتخذها، والنجح لؤلؤ اليم الذي خاض لجته. فلعمر الصدق إن في الاجتهاد ~~ارتياحه، وفي العمل طيب خاطره، وفي المثابرة سروره، والإقدام دأبه، ومضاء ~~العزيمة ديدنه، والمعارف سبيله، والعلم دليله، والعقل هاديه، والسريرة رقيبة، ~~والنفع مرمى غرضه، والكمال غايته. # ومن ذلك ms302 ما كتبه الفاضل عبد الخالق بك ثروت، في التقاضي: # إليك يا من قد استأسر النفوس بكرمه، واسترق الأحرار بجميل صنعه، وأولى ~~النعم والخيرات، وأسدى المعروف والمبرات، أرفع كتابا تبعثه إلى ناديك ~~العالي عوامل الحاجة وتزجيه إلى ساحتك دواعي الشدة. آمل أن يكون تذكرة ~~بأمري، والذكرى تنفع المؤمنين، وتفكرة بحالي والله لا يضيع أجر ~~المحسنين. فقد كان سيدي - رفع الله قدره وأعلى مرتبته - وعدني، ومثله من يتمسك ~~من الوفاء بالعروة الوثقى، ويقطع حبل الإخلاف بسيف الوفاء، ويطرز خلعة الوعد ~~بوشي العطاء؛ أن يرسل لي من خيراته، ويوليني من آلائه وحسناته، ويضاعف لي من ~~مننه، ويزيدني من عطائه ما أشد به أزري على الزمان، وأطاول به نوائب ~~الحدثان. فقد بارزني الدهر بسيوفه، ورماني بسهامه، وأناخ علي بكلاكله، ~~وقد طال الأمد على حاجتي عند سيدي - أطال الله بقاءه - حتى طار غراب شبابها، ~~وصاح بجانب ليلها، فخفت أن تكون هبت عليها ريح النسيان، وعصفت بها عاصفات ~~الحدثان، فكتبت إلى سيدي ومولاي تلك الرقعة استعجل بها بره، وأستدر ~~بها ضرع عطائه، علما بأن التعجيل يكبر العطية وإن كانت صغيرة، ~~ويكثرها وإن كانت يسيرة، فعسى أن يكون قد لاح نجم النجاح، وهب نسيم ~~الفلاح، فيرسل سيدي إلي سحاب كرمه، ويمطرني من غياث فضله، فترف غصون ~~آمالي بعد ذبولها، وتضحك وجوه مطالبي بعد عبوسها. وأملي في ذلك فسيح؛ فإن سيدي ~~من أكرم الناس نسبا، وأشرفهم حسبا، ومثله جدير بحفظ العهد وإنجاز الوعد، فإن ~~رأى سيدي أن يخفف ثقل الحاجة عني، ويرد ما سلبه الدهر مني، بقطرة من ~~بحر عطائه، ومنة من بعض آلائه، ويجبر ما كسره الفقر من جناحي، ويرد عني ~~النوائب التي لا تفتأ تتولاني، عقدت لساني على مدحه، ووقفت نفسي على شكره، ~~فيحرز من الله أجرا جزيلا، ومني شكرا جميلا، إن شاء الله. # ومن ذلك ما كتبه الفاضل أحمد أفندي رأفت في التقاضي: # السيد الفاضل - أدام الله علاءه، وأطال بقاءه، وجعله موئل الكرم ومسدي النعم ~~- قد غمرني بنعمائه، وطوقني بآلائه، حتى قصرت حمدي عليه، وأمسكت ms303 لساني عن ~~الشكر إلا إليه. وكان من مننه علي، وأياديه البيضاء لدي، أن وعدني أنه ~~يقلدني في أول العام وظيفة عالية، ومرتبة سامية، فاخضل روض الأمل بعد ~~ذبوله، وبزغ كوكبه بعد أفوله، واتسع نطاقه، واستبشر القلب نبيل أمنيته، ~~والحصول على طلبته، واشتد أزري على مقارعة كتائب الزمان، وقوي جناني على ~~صد جيوش الحدثان، وما زالت بي الأيام، حتى حان أول العام، وما تحقق الوعد، أو ~~أوفي العهد. ومثل السيد من إذا وعد وفى، أو تعهد أوفى. ومولاي يعلم ~~أن صاحب الحاجة سيئ الظن بالأيام، مريض الثقة بالأنام؛ فداخلتني لذلك الظنون، ~~وأسلمت خاطري الهواجس، وعاد الدهر مغضبا يقارعني بسيفين، ويطاعنني ~~برمحين، كأنما يقتص مني جزاء ما جنته يداي من إثم الاستظهار عليه، وأسلمتني ~~زرق الخطوب، وتغشتني سود النوب، وأحدقت بي حمر الكرب، وصبت علي صروف ~~الدهر، فصرت إلى حال لا يحلو، وأنزلت إلى عذاب لا يعذب، وألجأني صفر ~~اليدين، إلى ركوب متن الدين، فصار العناء سميري، والشقاء نجيي، والغموم ~~لزامي، والهموم ندامي، وقرارة الأكدار مقامي، حتى تخيلت أن المنون إلي ~~بالمرصاد، فخفت المصار إلى دار القرار، قبل بلوغ الأوطار: # أفي دين ذي المعروف يجمل أنني # تنوء بي البؤسى ويثقلني العسر # وأنت الذي أعطى المكارم حقها # ولم يحك جدواك السحاب ولا البحر # فعجل فخير البر يحمد عاجلا # وأوف فوعد الحر دين به الحر # هذا ولكني رجعت وحكمت العقل فعذرت السيد، وحملت ذلك على أنه إنما لم ~~يعجل بإنجازه وعده، وإيفاء عهده، إلا لتقليد عبده وظيفة أسمى ومرتبة أعلى، ~~وأرشدني مرشد الحجا أن مثل تلك الرسالة بين يدي حضرته، وأوفدها على محلته، ~~عل مولاي يستدرك ما فات، ويحسن إلى عبده فيما هو آت. فإن شاء ألا يرد ~~طرف هذا الأمل كليلا وصحيحه عليلا؛ عجل لعبده من البر ما يسترق به ~~فؤاده، ويمتلك به قلبه، فملأت بشكره ما بين الخافقين، وأسمعت حمده المشرقين، ~~وأذعته في البر والبحر، وتابعته في السر والجهر، وأن يجد لي سبيلا في التوصل ~~إلى إحدى الطلبتين، وتحقيق إحدى الأمنيتين، رجوته ms304 التعجيل بإخباري، فاليأس إحدى ~~الراحتين، ورغبت منه التصريح، فذلك مما يريح. # ومن ذلك ما كتبه الفاضل عبد العزيز أفندي محمد في التقاضي: # عهدي بالسيد الجليل - أدامه الله - مصدرا للمكارم، تشتق منه صفاتها، ~~ومظهرا للفضائل تتجلى فيه آياتها، سباقا إلى غايات المجد، دراكا ~~لمطالب الحمد، أريحيا لا يصبو إلا إلى إسداء المنن، جوادا لا يطمع ~~طرفه في بث عوارفه إلى ثمن، ما أمه أسير فاقة إلا وألفى لديه كهفا ~~منيعا، وجاها رفيعا، وجنابا مريعا، وما قصده ذو حاجة إلا وصدر عن مورد ~~فضله، شاديا بثنائه معلنا بولائه. فلا هم له إلا ارتياد مواقع النعم، وافتقاد ~~متعلقات الهمم. وإن لي إلى السيد حاجة إن لم يسعف بقضائها، فيا حسرة نفسي ~~وطول شقائها، وليست هذه بأول مرة استمحت فيها عالي مروءته، واستمطرت صيب ~~همته، فإنه طالما طوقني قلائد نعمه، وأرسل علي مدرار كرمه، فليجر في هذه ~~أيضا على عادته، ويقابلني بما عودني من كرامته، ومعاذ الله أن اسأله ما ليس في ~~وسعه، أو أن أستقضيه شيئا يحرص على منعه، ولكنني: # أريد بسطة كف أستعين بها # على قضاء حقوق للعلا قبلي # والذي يكفل لي تلك البسطة أن يقلدني سيدي وظيفة مناسبة لحالتي، حتى تكون لي ~~درعا أتقي بها مهانة الفقر، وسيفا أكف به عوادي الدهر. وما لي والإقسام ~~عليه في إنالتي هذه البغية بنفيس وقت قضيته في خدمة العلم واقتناء أبكاره، ~~وطويل عناء تحملته في مزاولة الأدب، واكتشاف أسراره، ونفس ارتاضت بالفضل، وآثرت ~~غصة الفقر على منة البذل. وله من سنيات الفضائل، وعليات الفواضل، ~~وجليات المآثر، وجليلات المفاخر ما لو أقسم به عليه في إنالة أعز المطالب ~~لألزمه كرم سجاياه بر ذلك القسم، وإجابة دواعي الهمم. فها أنا ذا أقسم ~~على سيدي بهذه الشيم الباهرات، وتلك الأخلاق الطاهرات، أن يغرس عندي هذه ~~الصنيعة، فقد وجد لها مكانا، وأن يسديني تلك المنة حتى لا آلوها شكرانا، ~~وإلا فرأيه في ذلك مسدد إن شاء الله. # ومن ذلك ما كتبه الفاضل حسين أفندي توفيق في التقاضي: # كتابي ms305 إلى رب النعماء، واليد البيضاء، وقد أصبحت كما قال الحريري: «خاوي ~~الوفاض، بادي الأنفاض، لا أملك بلغة، ولا أجد في جرابي مضغة.» قد التوى ~~علي أمري، وثقل من حاجتي ظهري، مد الاحتياج علي أطنابه، وسربلني ~~الافتقار إهابه، والدنيا مكدرة بأحداثها، وقصورها منغصة بأجداثها، نعيمها ~~يضفو ولكن لا يصفو، وأنت - كما أعلم - مفرج كربتي، ومنقذي من ~~شدتي، بطرفة من طرف رفدك، ولمحة من لمحات برك، فإن استدررت حلوبة ~~مالك، فقد لاذ غيري بجاهك، ما يممت غيرك وكيف يقصد النهر من جاوز البحر؟! ~~ويحتاج إلى النجم من يسري في ضوء البدر؟! فأستهز عطف جودك، وأستمطر سحاب ~~كرمك. كيف وأنت قبلة المعروف، وملاذ الملهوف، إليك تشد الرحال، وبك ~~تناط الآمال، أولياؤك منك في ظل ممدود، وهناء وسعود، أفأنت الشمس عمت ~~بالإشراق، أو الغيث والى الاندفاق، لكن: # من قاس جدواك يوما # بالسحب أخطأ مدحك # فالسحب تعطي وتبكي # وأنت تعطي وتضحك # نسب الكرم بك عريق، وروض المجد أنيق، أصل راسخ، وفرع شامخ، تهتز للمكارم ~~اهتزاز الحسام، وتثبت أمام الشدائد بثغر بسام: # تراه إذا ما جئته متهللا # كأنك تعطيه الذي أنت سائله # حكمت الآمال في أموالك، واستعبدت الأحرار بفعالك، ينابيع الجود من أناملك ~~تتفجر، وربيع السماح بك ضاحك لا يضجر، فلا زلت مولاي ممتعا بشرف ~~سجاياك وشيمك، مستمدا الشكر من غراس نعمك، ولا زالت الأنام تنفع بتلك ~~الشيم، وتجني ثمار ذلك الكرم، ودمت للمكارم بدر تم لا يناله خسوف، وشمس ~~فضل لا يلحقها كسوف. أطال الله لك البقاء، كتطول يديك بالعطاء، ~~آمين. ~~(1) الأمثال السائرة # مما يعنى به الأديب من كلام العرب؛ الأمثال السائرة المأثورة عنهم، فإنها كما ~~قال الزمخشري: «قصارى فصاحة العرب العرباء وجوامع كلمها، ونوادر حكمها، وبيضة ~~منطقها، وزبدة بلاغتها التي أعربت عن القرائح السليمة، والركن البديع إلى ذرابة ~~اللسان، وغرابة اللسن؛ حيث أوجزت اللفظ فأشبعت المعنى، وقصرت العبارة فأطالت ~~المغزى، ولوحت فأغرقت في التصريح، وكنت فأغنت عن الإفصاح بله الاستظهار ~~بمكانها، والتمنع بجانبها عند الانتظام في سلك التذاكر، وإفاضة أزلام التناظر، ~~وتذاوق بعض أهل ms306 الأدب بعضها، وإنها للمحافل إذا حوضر بها بهاء، وللأفاضل متى ~~أوردوها أبهة، وللنثر أنى سلكت أثناءه طلاوة، وللشعر كيف انساقت في تضاعيفه ~~متانة.» # منها: البس لكل حالة لبوسها، إما نعيمها وإما بوسها. إن البغاث بأرضنا ~~يستنسر. إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا. إياك أعني واسمعي يا جارة. بلغ ~~السيل الزبى. بكل واد أثر من ثعلبه. تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها. تقطع ~~أعناق الرجال المطامع. ثار حابلهم على نابلهم. أحشفا وسوء كيلة. الخلة تدعو ~~إلى السلة. يخبط خبط عشواء. دون ذلك خرط القتاد. رجع بخفي حنين. الصيف ~~ضيعت اللبن. تسمع بالمعيدي خير من أن تراه. أنجز حر ما وعد. رمتني بدائها ~~وانسلت. حسبك من شر سماعه. حسبك من القلادة ما أحاط بالعنق. لا أطلب أثرا ~~بعد عين. لا يحزنك دم هراقه أهله. اليوم خمر وغدا أمر. على أهلها تجني براقش. ~~شنشنة أعرفها من أخزم. ضغث على إبالة. ألق دلوك في الدلاء. كل فتاة بأبيها ~~معجبة. أنف في السماء واست في الماء. كالقابض على الماء. عند جهينة الخبر ~~اليقين. لا تعدم الحسناء ذاما. ألزم للمرء من ظله. يا عاقدا اذكر حلا. ~~قطعت جهيزة قول كل خطيب. # وقد جرت آي من القرآن الكريم مجرى الأمثال، منها: # قول معروف ومغفرة خير من صدقة ~~يتبعها أذى ~~، # لن تنالوا البر ~~حتى تنفقوا مما تحبون ~~، # ولا ~~يحيق المكر السيئ إلا بأهله ~~، # لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ~~، # وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى ~~أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ~~، # كل نفس بما كسبت رهينة ~~، # ما ~~على المحسنين من سبيل ~~، # كم من ~~فئة قليلة غلبت فئة كثيرة ~~، # ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ~~، # تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ~~، # ولا ينبئك مثل خبير ~~، # كل حزب بما لديهم فرحون ~~، # لا يستوي الخبيث والطيب ~~، # ولا تزر وازرة وزر أخرى ~~، # من يعمل سوءا يجز به ~~، # ولا تبخسوا الناس أشياءهم ~~. # وكذا أحاديث نبوية، منها: ~~«إذا لم تستح فاصنع ما شئت.» «لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين.» «دع ما يريبك ms307 ~~إلى ما لا يريبك.» «إياك وكل أمر يعتذر منه.» «الحكمة ضالة المؤمن.» «إن من ~~البيان لسحرا.» «إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى.» # ومن كلام أبي بكر: # إن البلاء موكل بالمنطق. # ومن كلام علي: # المنية ولا الدنية. المرء مخبوء تحت لسانه. قيمة كل امرئ ما ~~يحسن. # وكذا جرت أبيات وشطور من الشعر مجرى الأمثال. فمن ذلك قول طرفة بن العبد في ~~معلقته: # وظلم ذوي القربى أشد مضاضة # على المرء من وقع ~~الحسام المهند # إذا أنت لم تنفع بودك أهله # ولم تنك بالبوسى ~~عدوك فابعد # لعمرك ما الأيام إلا معارة # فما اسطعت من ~~أيامها فتزود # ولا خير في خير ترى الشر دونه # ولا نائل يأتيك ~~بعد التلدد # ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا # ويأتيك بالأخبار ~~من لم تزود # ويأتيك بالأخبار من لم تبع له # بتاتا، ولم ~~تضرب له وقت موعد # وقول زهير بن أبي سلمى في معلقته: # رأيت المنايا خبط عشواء من تصب # تمته ومن ~~تخطئ يعمر فيهرم # ومن لا يصانع في أمور كثيرة # يضرس بأنياب ~~ويوطأ بمنسم # ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله # على قومه يستغن ~~عنه ويذمم # ومن هاب أسباب المنايا ينلنه # وإن يرق أسباب ~~السماء بسلم # ومن يجعل المعروف في غير أهله # يكن حمده ذما ~~عليه ويندم # ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه # يهدم ومن لا ~~يظلم الناس يظلم # ومن يغترب يحسب عدوا صديقه # ومن لا يكرم ~~نفسه لا يكرم # ومهما يكن عند امرئ من خليقة # وإن خالها تخفى ~~على الناس تعلم # وإن سفاه الشيخ لا حلم عنده # وإن الفتى بعد ~~السفاهة يحلم # وقول الشنفرى في لاميته: # لعمرك ما في الأرض ضيقا على امرئ # سرى راغبا ~~أو راهبا أو هو يعقل # وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن # بأعجلهم إذ ~~أجشع القوم أعجل # وقول ابن دريد في مقصورته: # من ظلم الناس تحاموا ظلمه # وعز عنهم جانباه ~~واحتمى # وهم لمن لان لهم جانبه # أظلم من حيات أنباث ~~السفا # عبيد ذي المال وإن لم يطعموا # من غمرة في جرعة ms308 ~~تشفي الصدى # وهم لمن أملق أعداء وإن # شاركهم فيما أفاد ~~وحوى # من لم يعظه الدهر لم ينفعه ما # راح به الواعظ ~~يوما أو غدا # من لم تفده عبرا أيامه # كان العمى أولى به ~~من الهدى # من قاس من لم يره بما يرى # أراه ما يدنو إليه ما ~~نأى # من عطف النفس على مكروهها # كان الغنى قرينه حيث ~~انتوى # وإنما المرء حديث بعده # فكن حديثا حسنا لمن ~~وعى # وآفة العقل الهوى فمن علا # على هواه عقله فقد ~~نجا # وقول المتنبي: # وإذا كانت النفوس كبارا # تعبت في مرادها ~~الأجسام # يراد من القلب نسيانكم # وتأبى الطباع على ~~الناقل # ومن صحب الدنيا طويلا تقلبت # على عينه ~~حتى يرى صدقها كذبا # خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به # في طلعة الشمس ما ~~يغنيك عن زحل # لعل عتبك محمود عواقبه # فربما صحت الأجسام ~~بالعلل # لأن حلمك حلم لا تكلفه # ليس التكحل في ~~العينين كالكحل # وما الحسن في وجه الفتى شرف له # إذا لم يكن في ~~فعله والخلائق # يهون علينا أن تصاب جسومنا # وتسلم أعراض لنا ~~وعقول # ومن ينفق الساعات في جمع ماله # مخافة فقر فالذي ~~فعل الفقر # إذا الجود لم يرزق خلاصا من الأذى # فلا الحمد ~~مكسوبا ولا المال باقيا # لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها # سرور محب أو ~~إساءة مجرم # وأظلم أهل الظلم من بات حاسدا # لمن بات في ~~نعمائه يتقلب # لا تلق دهرك إلا غير مكترث # ما دام يصحب فيه ~~روحك البدن # فما يديم سرورا ما سررت به # ولا يرد عليك ~~الفائت الحزن # وإذا لم يكن من الموت بد # فمن العجز أن تكون ~~جبانا # إنا لفي زمن ترك القبيح به # من أكثر الناس ~~إحسان وإجمال # لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى # حتى يراق على ~~جوانبه الدم # ومن العداوة ما ينالك نفعه # ومن المودة ما يضر ~~ويؤلم # والظلم من شيم النفوس فإن تجد # ذا عفة ~~فلعلة لا يظلم # من يهن يسهل الهوان عليه # ما لجرح بميت ~~إيلام # أفاضل الناس أغراض لذا الزمن # يخلو من ms309 الهم ~~أخلاهم من الفطن # وليس يصح في الأذهان شيء # إذا احتاج النهار ~~إلى دليل # وفي الناس من يرضى بميسور عيشه # ومركوبه رجلاه ~~والثوب جلده # ومن جهلت نفسه قدره # رأى غيره منه ما لا ~~يرى # وقد عني كثير من الأدباء بجمع أمثال العرب وتدوينها، وأشهرهم: أبو الفضل أحمد ~~الميداني النيسابوري المتوفى سنة 518 للهجرة، فإنه جمع في كتاب سماه «مجمع ~~الأمثال» ما ينيف عن ستة آلاف مثل، بعضها جاهلي وبعضها إسلامي والبعض مولد، ~~ورتبها على حروف المعجم، وذكر قصص وأسباب هذه الأمثال، وهو كتاب جيد في بابه، ~~وقد طبع سنة 1284 بدار الطباعة ببولاق. # وألف أبو القاسم محمود الزمخشري المتوفى سنة 538 كتاب «المستقصى في أمثال ~~العرب»، ويروى أنه ندم على تأليفه لما وقع له كتاب «مجمع الأمثال» للميداني، ورآه ~~يفوق كتابه في حسن التأليف والوضع وبسط العبارة وكثرة الفوائد، وفي المكتبة ~~الخديوية نسخة من «المستقصى» مكتوبة بالقلم سنة 1112. # الفصل الرابع # | فيما اشتهر من كتب الإنشاء # من أقدم ما كتب في صناعة الإنشاء كتاب «الصناعتين»؛ أي صناعتي النثر والنظم لأبي ~~هلال العسكري المتوفى سنة 395، وقد رتبه على عشرة أبواب؛ الأول: في البلاغة، والثاني: ~~في تمييز جيد الكلام من رديئه، والثالث: في معرفة صنعة الكلام، والرابع: في البيان مع ~~حسن السبك وجودة الوصف، والخامس: في الإيجاز والإطناب، والسادس: في حسن الأخذ وقبحه ~~وجودته ورداءته، والسابع: في التشبيه، والثامن: في السجع والازدواج، والتاسع: في ~~البديع، والعاشر: في مقاطع الكلام ومباديه. # وألف ضياء الدين أبو الفتح نصر الله الموصلي المتوفى سنة 637 كتاب «المثل السائر ~~في أدب الكاتب والشاعر» قال في خطبته: «إن علم البيان لتأليف النظم والنثر بمنزلة أصول ~~الفقه للأحكام، وقد ألف الناس فيه كتبا، وجلبوا ذهبا وحطبا، وما من تأليف إلا وقد ~~تصفحت شينه وسينه، وعلمت غثه وسمينه، فلم أجد ما ينتفع به في ذلك إلا كتاب ~~«الموازنة» لأبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي، وكتاب «سر الفصاحة» لأبي محمد عبد الله ~~بن سنان الخفاجي، إلا أن كلا الكتابين قد أهملا من ms310 هذا العلم أبوابا، ولربما ذكرا في ~~بعض المواضع قشورا وتركا لبابا ... وهداني الله لابتداع أشياء لم تكن من قبلي مبتدعة، ~~وقد بنيته على مقدمة ومقالتين؛ فالمقدمة تشتمل على أصول علم البيان، والمقالتان ~~تشتملان على فروعه. فالأولى في الصناعة اللفظية، والثانية في الصناعة المعنوية.» ا.ه. ~~بحذف. وقد طبع سنة 1282 بمطبعة بولاق. وقد اختصره في كتاب أضاف إليه الرسائل ~~والتقليدات والمكاتبات والمقاطيع المستحسنة، ويوجد هذا المختصر في المكتبة الخديوية. # وشرح «المثل» أبو منصور الجواليقي، وابن أبي الحديد، وسمى شرحه «الفلك الدائر على ~~المثل السائر»، ورد عليه أبو القاسم محمود السنجاري المتوفى سنة 640 في كتاب سماه ~~«نشر المثل السائر وطي الفلك الدائر». وصنف خليل بن أيبك الصفدي كتابا سماه «نصرة ~~الثائر على المثل السائر»، قال في خطبته إن ابن أبي الحديد أورد مؤاخذات على صاحب ~~«المثل»، ووجدته قد أغفل كثيرا وأخذ قليلا، فأحببت أن أتتبع مواضع المؤاخذات التي ~~تركها. # وألف محمود بن سليمان الحلبي المتوفى سنة 725 كتاب «حسن التوسل إلى صناعة ~~الترسل» قال في خطبته: «لما جعل الله لي في كتابة الإنشاء رزقا باشرت بسببه من ~~وظائفها ما باشرت، وعاشرت من أجله من أكابر أهلها وأئمتها من عاشرت، ورأيت من مذاهبهم ~~في أساليبها ما رأيت، ورويت عنهم من قواعدها بالمجاورة والمحاورة ما رويت، واطلعت ~~بكثرة المباشرة على طرائق، وألجئت فيها باختلاف الوقائع إلى مضائق أي مضائق، ونشأ لي ~~من الولد وولد الولد من عاناها، وترشح لها من بني من لم أرض له بالتلبس بصورتها ~~دون التحلي بمعناها، فأحببت أن أضع لهم ولمن يرغب في ذلك في هذه الأوراق من فصولها ~~قواعد، وأقيم لهم فيها على ما لم يسع الجهل به من أصولها وفروعها شواهد ليأتوا هذه ~~الصناعة من أبوابها، ويعلموا من طرقها ما هو الأخص بأوضاعها والأولى بها.» # وألف أبو العباس أحمد القلقشندي نزيل القاهرة المتوفى سنة 821 كتاب «صبح ~~الأعشى في كتابة الإنشا»، وهو كتاب جليل في بابه إلا أنه لم يطبع، والنسخة التي ~~بالمكتبة الخديوية ناقصة بعض أجزاء، ms311 وفي الجزء الرابع منه مكاتبات عن ملوك مصر، وفي ~~الخامس مقاصد المكاتبات الإخوانيات، وما يكتب به الرئيس إلى المرءوس، والمرءوس إلى ~~الرئيس، والنظير إلى النظير، وفي السادس ما يكتب من الولايات عن الملوك، وقد اختصره في ~~كتاب سماه «ضوء الصبح المسفر وجني الدوح المثمر». # وقد ألف الفاضل سعيد أفندي الخوري الشرتوني كتابا مفيدا سماه «الشهاب الثاقب في ~~صناعة الكاتب»، طبع في بيروت سنة 1884. # وقد ألفت سنة 1306 كتابا في الإنشاء النظري، تكلمت فيه على التفكر في الموضوع ~~والكتابة فيه، وأدرجت في هذه ستة فصول؛ الأول: في صحة الألفاظ، والثاني: في تخير ~~الألفاظ، والثالث: في موافقة اللفظ موضعه، والرابع: في بلاغة الكلام، والخامس: في متانة ~~السياق، والسادس: في عيوب الكلام. وبعد هذه الفصول ذكرت طرق تعليم الإنشاء في المدارس ~~الابتدائية والتجهيزية والعالية ، وقد طبع هذا الكتاب سنة 1306 بمطبعة بولاق ~~الأميرية، وقرظه عدة من الأفاضل، منها ما كتبه صديقنا الفاضل «حفني بك ناصف»، ~~فقال: # أي عذر بعد هذا الكتاب # لعري عن حلية ~~الكتاب # بان وجه الإنشاء فيه ولم يب # ق عسيرا سلوك نهج الصواب # حل بيت الأسماع من غير إذن # وأتى للقلوب من كل ~~باب # ليت شعري هل يبتغي بعد هذا # بينات على انتصار ~~دياب # إلى هنا انتهى ما أردنا إيراده في هذا الكتاب، والحمد لله على التمام، وكان ذلك في 19 ~~شوال سنة 1314 للهجرة. # محمد دياب # المفتش بنظارة المعارف العمومية # | حياة المؤلف # من إنشاء ابنه ملتزم طبع الكتاب # لأيام خلت من شهر رجب سنة 1269 للهجرة، من أسرة شريفة، في منوف العلا، ولد ~~والدي العزيز مؤلف هذا الكتاب. ولما بلغ أشده وقرأ وكتب وحسب، بعث به والده ~~إلى الأزهر، فأخذ فقه الشافعي عن الشيخ إبراهيم السقا، والنحو والصرف عن الشيخ عفيفي ~~الباجوري، وعلوم البلاغة والأصول عن الشيخ أحمد شرف الدين المرصفي، والمنطق عن الشيخ ~~الأجهوري الضرير. # وفي أوائل يناير سنة 1874 للميلاد، دخل مدرسة دار العلوم، فتلقى فيها التفسير عن ~~الشيخ أحمد شرف الدين المذكور آنفا، وفقه أبي حنيفة ms312 عن الشيخ سليم عمر والشيخ حسونة ~~النواوي، وعلوم الأدب عن الشيخ حسين المرصفي، والدرس التام في التاريخ العام عن مؤلفه ~~أبي السعود أفندي، والحساب والهندسة والهيئة وتقويم البلدان عن يعقوب بك صبري، والطبيعة ~~والكيمياء عن منصور أفندي أحمد، والخط عن محمد بك جعفر. ومدة التعلم هذه كانت نشاطا ~~واجتهادا ومجاراة في ميادين التحصيل، فضرب بسهم في كل علم من هذه العلوم، وسار في ~~طليعة نوابغ المدرسة المعدودين، وكتب موضوعات إنشائية وعلمية تناسب ذلك العصر، ~~أدرجت في المجلة العلمية التي كانت تسمى «روضة المدارس». # وفي 16 يوليو سنة 1876 اختير معلما للنحو في مدرسة أطفال الجند بالقلعة، وكانت ~~تعرف بالخيرية، وكان بها ما ينيف عن ألف تلميذ، فألف لتلاميذه كتاب «الدروس ~~النحوية»، وطبعه سنة 1294 للهجرة. # وفي 21 أبريل سنة 1879 اختير مدرسا للحساب والهندسة في مدرسة «المبتديان» ~~بالناصرية، فألف كتابه المشهور ب «النخبة السنية في الأصول الحسابية»، وطبعته نظارة ~~المعارف مرتين: سنة 1298، وسنة 1300 بعد أن اعتمده مجلس معارفها الأعلى، وعم نفعه ~~جميع المدارس، وعرب من الفرنسوية مسائل تطبيقية على مقالات الهندسة، وطبع منها مسائل ~~المقالة الأولى بمطبعة الهلال سنة 1302. وكذا عرب ألف مسألة رياضية طبعت سنة 1313، ~~وكتابا في الجبر لم يطبع. ومع وظيفته هذه عهد إليه في يناير سنة 1882 تعليم الحساب ~~والهندسة، وتقويم البلدان في مدرسة الآثار القديمة. وفي سنة 1886 اختير مدرسا لدروس ~~الأشياء في مدرسة «المبتديان» السالفة الذكر، فألف فيها كتابا ذا ثلاثة أجزاء، ~~طبع مرات بمطبعة بولاق الأميرية، وكانت دراسة هذه الدروس في مدارس الحكومة وغيرها ~~على طبق ما جاء في كتابه هذا. # وفي نوفمبر سنة 1887 اختير أستاذا لتعليم الإنشاء في القسم العالي من مدرسة ~~المعلمين المسماة الآن ب «المدرسة التوفيقية». (والتعليم في هذه المدرسة على ثلاث ~~درجات: تعليم ابتدائي ومدته أربع سنين، وتعليم ثانوي يرقى عن الأول ومدته كانت أربعا ~~ثم صارت خمسا، والآن هي ثلاث فقط، وتعليم عال أرقى منهما ومدته ثلاث سنين، والغرض من ~~هذا القسم تخريج معلمين أكفاء ليعلموا في ms313 المدارس.) والمترجم له كان أستاذ هؤلاء ~~المعلمين في الإنشاء، فصنف من أجلهم كتاب «الإنشاء النظري»، وقرظه كثير من أدباء ~~العصر، وقرره ديوان المعارف لتلامذة المدارس، وطبع في مطبعة بولاق الأميرية سنة ~~1306. وألف أيضا معجما في اللغة العربية سماه «قلائد الذهب في فصيح لغة العرب»، ~~ولدرك منزلة هذا المعجم في دائرة المعجمات اللغوية يراجع ما كتب بشأنه في باب ~~اللغة من الجزء الأول من «تاريخ أدب اللغة» هذا وما قرظه به كبار العلماء، وطبع منه ~~الجزء الأول بمطبعة بولاق الأميرية سنة 1311. وكان من اللجنة التي عهدت إليها نظارة ~~المعارف تأليف أربعة كتب في النحو، وكتاب خامس في البلاغة، سهلة المأخذ مدرجة على ~~حسب أعمار تلامذة المدارس الابتدائية والثانوية، فألفت هذه الكتب فحازت رضا ~~الكافة، وفتحت الطريق لعلوم الأدب. # وفي سنة 1892 عهد إليه تعليم التاريخ في مدرسة دار العلوم، فألف منه «خلاصة ~~تاريخ مصر القديم والحديث»، وقد أقرته نظارة المعارف واستعملته في بعض مدارسها، ~~وطبع طبعا حسنا في مطبعة بولاق، وعرب من الفرنسوية «تخطيط أوروبا» ولكنه لم ~~يطبع. # وفي فبراير سنة 1893 تعين مفتشا ثانيا للغة العربية في جميع المدارس، وفي خلال ~~مدة وظيفته بالتفتيش ألف كتابه هذا. # ومكافأة على قيامه بوظائفه خير قيام وجه إليه المغفور له خديو مصر توفيق باشا ~~الرتبة الرابعة سنة 1303، وأنعم عليه سمو المولى الخديوي عباس باشا الأفخم بالرتبة ~~الثالثة سنة 1314. # وقد ساح في أوروبا أثناء عطلة المدارس ثلاث مرات سنة 1888، وسنة 1892، وسنة 1896 ~~ابتغاء التزود من اللغة الفرنسوية فاستفاد وأفاد بما عربه منها. # فلنا من هذه الحياة نابغة صرف عصر الشبيبة مجدا في طلب العلوم، سباقا إلى ~~نيل المعارف، فبلغ في الكبر مبلغ علامة متفنن، له في كل جو متنفس، ومن كل ~~نار مقتبس، فياض بعلمه على قومه، أمتعني الله بحياته مدى الزمان. آمين. # كتب لخمسة عشر يوما خلت من شعبان سنة 1318. # محمد رياض دياب ms314