######OpenITI# #META# URI: 1339MuhammadTaymur.MaTarahuCuyun.Hindawi14959242 #META# Tags: literature #META# ID: 14959242 #META# Title: ما تراه العيون: قطع قصصية مصرية #META# AuthorID: 40461618 #META# Author: محمد تيمور #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # ما تراه العيون‏ # في القطار‏ # عطفة «ال ...» منزل رقم 22‏ # بيت الكرم‏ # حفلة طرب‏ # صفارة العيد‏ # ربي لمن خلقت هذا النعيم؟‏ # كان طفلا فصار شابا‏ # العاشق المفتون بالرتب والنياشين‏ # الشباب الضائع‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # ما تراه العيون‏ # في القطار‏ # عطفة «ال ...» منزل رقم 22‏ # بيت الكرم‏ # حفلة طرب‏ # صفارة العيد‏ # ربي لمن خلقت هذا النعيم؟‏ # كان طفلا فصار شابا‏ # العاشق المفتون بالرتب والنياشين‏ # الشباب الضائع‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # | ما تراه العيون # | ما تراه العيون # | قطع قصصية مصرية # تأليف # محمد تيمور # | ما تراه العيون # | في القطار # صباح ناصع الجبين يجلي عن القلب الحزين ظلماته، ويرد للشيخ شبابه، ونسيم عليل ينعش ~~الأفئدة، ويسري عن النفس همومها، وفي الحديقة تتمايل الأشجار يمنة ويسرة كأنها ترقص لقدوم ~~الصباح، والناس تسير في الطريق وقد دبت في نفوسهم حرارة العمل، وأنا مكتئب النفس أنظر من ~~النافذة لجمال الطبيعة، وأسائل نفسي عن سر اكتئابها فلا أهتدي لشيء. # تناولت ديوان موسيه وحاولت القراءة فلم أفلح، فألقيت به على الخوان، وجلست على مقعد، ~~واستسلمت للتفكير كأني فريسة بين مخالب الدهر. # مكثت حينا أفكر، ثم نهضت واقفا وتناولت عصاي وغادرت منزلي وسرت وأنا لا أعلم إلى أي ~~مكان تقودني قدماي، إلى أن وصلت إلى محطة باب الحديد، وهناك وقفت مفكرا، ثم اهتديت للسفر ~~ترويحا للنفس، وابتعت تذكرة - درجة ثانية - وركبت القطار للضيعة لأقضي فيها نهاري ~~بأكمله. # جلست في إحدى غرف عربات القطار بجوار النافذة، ولم يكن بها أحد سواي، وما لبثت في مكاني ~~قليلا حتى سمعت صوت بائع الجرائد يطن في أذني: «وادي النيل، الأهرام، المقطم»، فابتعت ~~إحداها وهممت بالقراءة، وإذا بباب الغرفة قد انفتح ودخل شيخ من المعممين، أسمر اللون طويل ~~القامة نحيف القوام كث اللحية، له عينان أقفل أجفانهما الكسل، فكأنه لم يستيقظ من نومه بعد، ~~وجلس الأستاذ غير بعيد عني، وخلع مركوبه الأحمر ms01 قبل أن يتربع على المقعد، ثم بصق على الأرض ~~ثلاثا ماسحا شفتيه بمنديل أحمر يصلح أن يكون غطاء لطفل صغير. ثم أخرج من جيبه مسبحة ذات ~~مائة حبة وحبة، وجعل يردد اسم الله والنبي والصحابة والأولياء والصالحين. فحولت نظري عنه ~~فإذا بي أرى في الغرفة شابا لا أدري من أين دخل علينا، ولعل اشتغالي برؤية الأستاذ منعني ~~أن أرى الشاب ساعة دخوله. # نظرت إلى الفتى وتبادر لذهني أنه طالب ريفي انتهى من تأدية امتحانه وهو يعود إلى ضيعته ~~ليقضي إجازته بين أهله وقومه. نظر إلي الشاب كما نظرت إليه، ثم أخرج من محفظته رواية من ~~روايات مسامرات الشعب، وهم بالقراءة بعد أن حول نظره عني وعن الأستاذ، ونظرت للساعة ~~راجيا أن يتحرك القطار قبل أن يوافينا مسافر رابع، فإذا بأفندي وضاح الطلعة حسن الهندام ~~دخل غرفتنا وهو يتبختر في مشيته، ويردد أنشودة طالما سمعتها من باعة الفجل والترمس. جلس ~~الأفندي وهو يبتسم واضعا رجلا على رجل بعد أن قرأنا السلام فرددناه رد الغريب على ~~الغريب. # وساد السكون في الغرفة؛ والتلميذ يقرأ روايته، والأستاذ يسبح وهو غائب عن الوجود، ~~والأفندي ينظر لملابسه طورا وللمسافرين تارة أخرى، وأنا أقرأ وادي النيل منتظرا أن يتحرك ~~القطار قبل أن يوافينا مسافر خامس. # مكثنا هنيهة لا نتكلم كأنا ننتظر قدوم أحد، فانفتح باب الغرفة ودخل شيخ يبلغ الستين، أحمر ~~الوجه براق العينين، يدل لون بشرته على أنه شركسي الأصل، وكان ممسكا مظلة أكل الدهر عليها ~~وشرب، أما حافة طربوشه فكانت تصل إلى أطراف أذنيه، وجلس أمامي وهو يتفرس في وجوه رفقائه ~~المسافرين كأنه يسألهم من أين هم قادمون، وإلى أين هم ذاهبون. ثم سمعنا صفير القطارة تنبئ ~~الناس بالمسير، وتحرك القطار بعد قليل يقل من فيه إلى حيث هم قاصدون. # سافر القطار ونحن جلوس لا ننبس ببنت شفة، كأنما على رءوسنا الطير، حتى اقترب من محطة ~~شبرا، فإذا بالشركسي يحملق في، ثم قال موجها كلامه إلي: هل من أخبار جديدة يا ~~أفندي؟ # فقلت له وأنا ms02 ممسك الجريدة بيدي: ليس في أخبار اليوم ما يستلفت النظر، اللهم إلا خبر ~~اهتمام وزارة المعارف بتعميم التعليم ومحاربة الأمية. # ولم يمهلني الرجل أن أتم كلامي؛ لأنه اختطف الجريدة من يدي دون أن يستأذنني، وابتدأ ~~بقراءة ما يقع تحت عينيه، ولم يدهشني ما فعل؛ لأني أعلم الناس بحدة الشراكسة، وبعد قليل وصل ~~القطار محطة شبرا، وصعد منها لغرفتنا أحد عمد القليوبية، وهو رجل ضخم الجثة كبير الشارب ~~أفطس الأنف، له وجه به آثار الجدري، تظهر عليه مظاهر القوة والجهل. جلس العمدة بجواري بعد ~~أن قرأ سورة الفاتحة وصلى على النبي، ثم سار القطار قاصدا قليوب. # مكث الشركسي قليلا يقرأ الجريدة، ثم طواها وألقى بها على الأرض وهو يحرق الأرم وقال: ~~يريدون تعميم التعليم ومحاربة الأمية حتى يرتقي الفلاح إلى مصاف أسياده، وقد جهلوا أنهم ~~يجنون جناية كبرى. # فالتقطت الجريدة من الأرض وقلت: وأي جناية؟ ~~- إنك ما زلت شابا لا تعرف العلاج الناجع لتربية الفلاح. ~~- وأي علاج تقصد؟ وهل من علاج أنجع من التعليم؟ # فقطب الشركسي حاجبيه وقال بلهجة الغاضب: هناك علاج آخر. ~~- وما هو؟ # فصاح بملء فيه صيحة أفاق لها الأستاذ من نومه، وقال: السوط؛ إن السوط لا يكلف الحكومة ~~شيئا، أما التعليم فيتطلب أموالا طائلة، ولا تنس أن الفلاح لا يذعن إلا للضرب؛ لأنه ~~اعتاده من المهد إلى اللحد. # وأردت أن أجيب الشركسي، ولكن العمدة - حفظه الله - كفاني مئونة الرد، فقال للشركسي وهو ~~يبتسم ابتسامة صفراء: صدقت يا بيه صدقت، ولو كنت تسكن الضياع مثلنا لقلت أكثر من ذلك. إننا ~~نعاني مع الفلاح ما نعاني؛ لنكبح جماحه، ونمنعه عن ارتكاب الجرائم. # فنظر إليه الشركسي نظرة ارتياب وقال: حضرتكم تسكنون الأرياف؟ ~~- أنا مولود بها يا بيه. ~~- ما شاء الله. # جرى هذا الحديث والأستاذ يغط في نومه، والأفندي ذو الهندام الحسن ينظر لملابسه ثم ينظر ~~لنا ويضحك، أما التلميذ فكانت تظهر على وجهه سيما الاشمئزاز، ولقد هم بالكلام مرارا فلم ~~يمنعه إلا حياؤه وصغر سنه، ولم أطق سكوتا على ما فاه ms03 به الشركسي، فقلت له: إن الفلاح يا ~~بيه إنسان مثلنا، وحرام أن لا يحسن الإنسان معاملة أخيه الإنسان. # فالتفت إلي العمدة كأني وجهت إليه الكلام، وقال: أنا أعلم الناس بالفلاح، ولي الشرف أن ~~أكون عمدة في بلد به ألف رجل، وإن شئت أن تقف على شئون الفلاح أجبك. إن الفلاح يا حضرة ~~الأفندي لا يفلح معه إلا الضرب، ولقد صدق البك فيما قال (وأشار بيده إلى الشركسي). # فقال الشركسي وهو يبتسم ابتسامة الساخر: ولا ينبئك مثل خبير. # فاستشاط التلميذ غضبا، ولم يطق السكوت، فقال وهو يرتجف: الفلاح يا حضرة العمدة ... # فقاطعه العمدة قائلا: قل «يا سعادة البك»؛ لأني حزت الرتبة الثانية منذ عشرين ~~سنة. # فقال التلميذ: الفلاح يا حضرة العمدة لا يذعن لأوامركم إلا بالضرب لأنكم لم تعودوه غير ~~ذلك، فلو كنتم أحسنتم صنيعكم معه لكنتم وجدتم فيه أخا يتكاتف معكم ويعاونكم، ولكنكم مع ~~الأسف أسأتم إليه فعمد إلى الإضرار بكم تخلصا من إساءتكم، وإنه ليدهشني أن تكون فلاحا ~~وتنحي باللائمة على إخوانك الفلاحين! # فهز العمدة رأسه ونظر للشركسي وقال: هذه هي نتائج التعليم. # فقال الشركسي: نام وقام فوجد نفسه قائم مقام. # أما الأفندي ذو الهندام الحسن، فإنه قهقه ضاحكا وصفق بيديه، وقال للتلميذ: برافو يا ~~أفندي، برافو برافو. # فنظر إليه الشركسي، وقد انتفخت أوداجه، وتعسر عليه التنفس، وقال: ومن تكون أنت؟ ~~- ابن الحظ والأنس يا أنس. # وضحك عدة ضحكات متواليات. # فلم يبق في قوس الشركسي منزع، فصاح وهو يبصق على الأرض طورا، وعلى جبة الأستاذ وعلى حذاء ~~العمدة تارة: أدبسيس، بس فلاح. # ثم سكت وسكت الحاضرون، وأوشكت أن تهدأ العاصفة لولا أن التفت العمدة للأستاذ، وقال: أنت ~~خير الحاكمين يا سيدنا، فاحكم لنا في هذه القضية. # فهز الأستاذ رأسه وتنحنح وبصق على الأرض، وقال: وما هي القضية لأحكم فيها بإذن الله - جل ~~وعلا؟ # هل التعليم أفيد للفلاح أم الضرب؟ # فقال الأستاذ: بسم الله الرحمن الرحيم # إنا فتحنا لك فتحا ~~مبينا ~~، قال النبي - عليه الصلاة والسلام: «لا تعلموا أولاد السفلة ms04 ~~العلم.» # وعاد الأستاذ إلى خموله، وأطبق أجفانه مستسلما للذهول. فضحك التلميذ وهو يقول: حرام عليك ~~يا أستاذ. إن بين الغني والفقير من هو على خلق عظيم، كما أن بينهم من هو في الدرك ~~الأسفل. # فأفاق الأستاذ من غشيته، وقال: واحسرتاه! إنكم من يوم ما تعلمتم الرطان فسدت عليكم ~~أخلاقكم، ونسيتم أوامر دينكم، ومنكم من تبجح وبغى واستكبر وأنكر وجود الخالق. # فصاح الشركسي والعمدة: «لك الله يا أستاذ.» وقال الشركسي: كان الولد يخاف أن يأكل مع أبيه ~~واليوم يشتمه ويهم بصفعه. # وقال العمدة: كان الولد لا يرى وجه عمته، والآن يجالس امرأة أخيه. # ووقف القطار في قليوب، فقرأت الجميع السلام وغادرتهم، وسرت في طريقي إلى الضيعة وأنا أكاد ~~لا أسمع دوي القطار وصفيره، وهو يعدو بين المروج الخضراء؛ لكثرة ما يصيح في أذني من صدى ~~الحديث. # 7 يونيو سنة 1917 # | عطفة «ال ...» منزل رقم 22 # دخلت غرفة عملي بوزارة «ال ...» وجلست أمام مكتبي، وأمسكت بجريدة وادي النيل أقرأ شيئا عن ~~السياسة وعن الأخبار، وما لبثت في مكاني دقيقتين إلا وحانت مني التفاتة للباب فرأيت زميلي ~~أمين علي يبتدرني السلام بقوله: صباح الخير يا أبو علي. # فألقيت الجريدة على المكتب ورددت السلام بأحسن منه، ثم تثاءب زميلي فتثاءبت وقلت: جازاك ~~الله يا أمين بالموت على ما بدر منك أمس؛ لقد سقتني إلى بؤرة كدت أن أموت فيها. ~~- أينا المخطئ؟ ~~- الله أعلم. ~~- دعنا من العتاب. تلك ليلة لا يسمح الزمان بمثلها إلا في السنة مرة، ولولا تهافتك على ~~الخمر وإكثارك من معاقرتها؛ لما سألت الله أن يجازيني بالموت على هذا الجميل الذي أسديته ~~إليك. ~~- ولكني ما زالت أشكو ألما في الرأس، وتثاقلا في الجسد، ويا حبذا لو كان اليوم يوم ~~الجمعة! ~~- وماذا كنت تفعل؟ ~~- كنت أتناول مسهلا، وألزم سريري طول يومي. ~~- تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن. # ثم جلس أمين أمامي، وأسند رأسه بيديه، ونام أو استسلم للنوم، فنظرت إليه، وظهرت لي على ~~وجهه صورة شنيعة؛ صورة المدمن الذي لا يفارق الحانات والمواخير ms05 وبيوت الفسق والدعارة إلا ~~عند الفجر، فقلت في نفسي إن هذه الصورة المرتسمة على وجهه ما زالت مرتسمة على وجهي أيضا؛ ~~إنه يحب الخمر وأنا لا أبغضها، هو زير نساء وأنا أبحث عن المرأة في كل مكان؛ فلا فرق بيني ~~وبينه إلا أنه متزوج وأنا أعزب، ولكن الفرق ليس بالكبير؛ لأنه لا يرى امرأته إلا ست ساعات ~~في كل يوم يقضيها وهو مستلق على ظهره بجوارها يغط في نومه، فامرأته في نظره كالوسادة في ~~نظري. فنحن إذن في مستوى واحد. # وظفت في وزارة «ال ...» منذ ستة أشهر، عرفت أمين في اليوم الأول من الشهر الأول منها، ~~وائتنست بعشرته، وربطتني به رابطة الاتفاق في المشرب لا رابطة الود والوفاء، ولكني استشعرت ~~بعد أن قضيت معه شهرين على صفاء ووئام برابطة الصداقة تربطني به وتربطه بي، وما لبثنا أن ~~أصبحنا صديقين لا نفترق إلا بعد منتصف الليل. كنت أشتغل معه في الوزارة، وكنت أقضي معه عصر ~~كل يوم في سبلنددبار، وإذا دنا وقت العشاء أكلنا سويا في مطعم أوبليسك أو مطعم أركل ~~وكاسات الجعة تحف بخواننا، ثم نقضي الليل في دار من دور التمثيل أو في بيت من البيوت ~~المفتوحة أبوابها للناس أجمعين، ثم نرجع كل لمنزله، فكنت أسير معه إلى باب بيته في عطفة «ال ~~...» رقم 22، وأسير في طريقي لمنزلي وأنا لا ألوي على أحد. # كان هذا شأني معه، وكنت مسرورا من عشرته مغتبطا بوفائه ومحبته، وظننت أني سأبقى مستودع ~~أسراره إلى الأبد، ولم يحدث بيننا - والحمد لله - في الستة الأشهر التي مضت ما يدعو للهجر ~~أو القطيعة. # ثم أفاق أمين من نومه، وأعطاني سيكارة، أشعلتها بعد أن أشعل أختها لنفسه، ومكثنا هنيهة ~~نفكر، ثم التفت إلي وقال: آه من النساء! ~~- إنك ترتئي فيهن رأيا تخالف فيه سواد الناس. ~~- أنا لا أحب إلا من يرتدين الإزار البلدي. # 1 ~~- وأنا لا أكره إلا هؤلاء. ~~- يا للعجب! أتكره هذا الصنف من النساء، وبينهن من يستهوين الأفئدة، ويمتلكن ~~النفوس؟! ~~- إني لا أرى في ذات ms06 الإزار البلدي إلا امرأة قذرة مبتذلة، يأنف منها كل ذي ذوق ~~سليم. ~~- أشكرك. # ثم ضحكنا والتفت إلي أمين وقال: إن بينهن نساء ذوات حسب ونسب، يخشين الفضيحة فيتسترن ~~بهذا الإزار حتى لا يعرفهن أحد من أزواجهن. ~~- أتظن ذلك؟ ~~- بل أعتقده، وإن شئت سردت لك حوادث وقعت لي مع أمثالهن. # وابتدأ في سرد قصص كثيرة اندهشت لسماعها، وظننت أن ليس في مصر من الإسكندرية إلى أسوان ~~امرأة عفيفة، فقلت له: لا ثقة لي بامرأة بعد اليوم. ~~- كل النساء خائنات وعبثا الثقة بهن. # فسكت ولم أنطق ببنت شفة، وماذا يريد القارئ أن أقول، وصديقي متزوج له امرأة يغار عليها، ~~وكأنه فطن لما كنت أحدث نفسي به؟ فقال وهو يبتسم: ما الذي أسكتك؟ أيدهشك أني أرمي النساء ~~بالخيانة وبينهن زوجتي؟ ولكن امرأتي يا صاح في مأمن من كل ذلك؛ لأنها تعيش مع أمي، وأمي من ~~النساء اللواتي لا تفلح معهن شدة ولا رجاء. # ثم انقطع حديثنا، وقام أمين لمكتبه، وابتدأت أن أشتغل قليلا بعد أن سألت الخادم أن ~~يأتيني بفنجان قهوة. # غادرت الديوان، وذهبت لأتناول الغذاء في المنزل، ثم خرجت عصر اليوم للقاء أمين في ~~اسبلنددبار، وانتظرته هناك نصف ساعة ثم مللت الانتظار، فقمت لأتمشى في شارع بولاق، فإذا به ~~يموج بالناس من مصريين وإفرنج، ومنهم من يتتبع النساء، ومن النساء من يدخلن حانوت شكوريل أو ~~شملا لشراء حاجياتهن أو بحجة شراء ما تتوق إليه أنفسهن، ثم وقفت أنظر لامرأة مرتدية إزارا ~~بلديا، وتذكرت حديث أمين في الصباح، وقلت في نفسي: ما ضرني لو تبعتها؟! وقد أعجبني قوامها ~~النحيل ولحظها الفاتك، ووطدت العزم على ذلك، وما لبثت أن نفذت ما عزمت عليه. # سرت وراءها طويلا إلى أن وصلنا إلى تلك الحديقة الصغيرة التي يعرفها كل من اعتاد التنزه ~~في شارع بولاق، وهناك اقتربت منها وقلت لها: لقد حق لك ولي أن نستريح، فعلام ~~الإسراع؟ # فنظرت إلي ولم تجب، ثم سارت في طريقها، فقلت لها وقد شجعتني نظرتها: إلى أين؟ خففي من ~~سرعتك أيها ms07 الملاك الجميل. # فالتفتت إلي مرة ثانية وابتسمت، ثم سارت على مهل، فسرت معها جنبا إلى جنب وقرأتها ~~السلام، فقالت: علام تقتفي أثري؟ ~~- لأحظى منك بكلمة واحدة. ~~- لقد سمعت مني عدة كلمات، فدعني وسر في طريقك. ~~- إن طريقنا واحد. # فابتسمت وقالت: يا لك من أبله! # وتحادثنا طويلا، ثم سألتها أن نذهب لمصر الجديدة، فقبلت ببشاشة وسرور، ورجعنا أدراجنا ~~إلى محطة المترو. وصلنا مصر الجديدة بعد عشرين دقيقة، ودخلنا لونا بارك، وصعدنا على الجبل ~~الروسي راكبين القطار الصغير، فكانت تمسك بملابسي كلما صعد بنا القطار أو هبط، وغادرنا لونا ~~بارك فأظهرت لي عند بابه الميل للعودة للقاهرة، فقلت لها وأنا أستعطفها: علام هذا الإسراع ~~والساعة لم تدق السابعة بعد؟ أينتظرك أحد في المنزل؟ ~~- كلا إن زوجي لا يتعشى في المنزل. ~~- فلنقض معا إذن ساعة أخرى. # وقد قضينا تلك الساعة في مكان يظهر أنها لم تكن تجهله ولم يكن يجهلها. # ورجعنا بعد ذلك وركبنا عربة كانت تنتظر بجوار قهوة البسفور، ولما وصلنا لميدان عابدين ~~سألتني أن أغادرها هناك، فأجبتها لسؤالها عن طيبة خاطر، وأعطيت الحوذي عشرة قروش، وودعتها ~~بعد أن تواعدنا على اللقاء بعد يومين. # ثم تركتني وسارت في طريقها بعد أن استحلفتني أن لا أتبعها، ولما كادت أن تغيب عن عيني قام ~~بنفسي أن أعرف أين تسكن؛ حتى إذا ما أخلفت موعدها معي انتظرتها كل يوم أمام باب بيتها. ولما ~~اقتربت منها سألت الله أن لا تلتفت فتراني، فإذا بي أراها بعد قليل تسير في عطفة «ال ...»، ~~فدق قلبي دقات متوالية، ثم وصلت للمنزل رقم (22)، والتفتت لترى إن كان هناك أحد يتبعها، ~~ولكنها لم تتبيني في الظلام؛ لأن الشارع لم يكن من الشوارع المضاءة، ودخلت المنزل فوقفت ~~كالصنم لا أتحرك، ثم عدت وأنا كاسف البال. # يا للعار! لقد ارتكبت إثما هائلا، ولكني لم أتعمد ارتكابه. لقد أصبحت حليلة صاحبي ~~خليلة لي، ولكنها كانت خليلة سواي من قبل. ~~••• # في الغد ذهبت للديوان، وجلست بجوار أمين، وتحادثنا كالعادة، وذهبنا عصرا لسبلنددبار، ~~وتناولنا العشاء في ms08 أبليسك، وقضينا ليلتنا معا في ماخور من مواخير العاصمة، كأن لم يكن شيء ~~حدث بالأمس. # 18 يونيو سنة 1917 # | بيت الكرم # أسرة مجدي مشهورة في مصر بالثروة والجاه، يؤمها المستغيث ويقصدها كل ذي حاجة. توفي ربها ~~المرحوم عبد الله بك مجدي عن ستين عاما قضاها - كما قالت الجرائد - في عمل الخير والبر ~~والإحسان، تاركا ولدين يبلغ أكبرهما الثلاثين والآخر لا يتجاوز العاشرة، وثلاث بنات أبكار ~~لم تسعد أكبرهن بعد بالزواج. # ورث المرحوم عن أبيه ثروة طائلة تزيد عن ألفي فدان، أضاع معظمها حبا في الخمر وسعيا ~~وراء النساء، فلم يترك لأولاده بعد موته إلا ثلاثمائة من الأفدنة وعشرة من الرفاق، كان ينفق ~~عليهم من حر ماله، وكانوا يقضون معه الليل والنهار ليأتنس بحديثهم ويقتل الوقت معهم، وأصبح ~~الولد الأكبر - محمد بك مجدي - بعد وفاة أبيه رئيس أسرة مجدي، وناهيك عن قيمة هذا اللقب في ~~أعين الرفاق العشرة بعد أن وجدوا في الولد خير خلف لأبيه، فلقبوه بابن العز والإمارة ورب ~~البيت الذي لم يغلق بابه في وجه سائل. ولم يكن محمد بك تلقى من العلم والتربية ما يلهمه أن ~~يضرب بأقوالهم عرض الحائط، وأوحى إليه الجو الذي نشأ فيه أن لا يحيد عن الخطة التي اختطها ~~أبوه لنفسه من قبل؛ فرحب بالرفاق وجلس بينهم كما كان يجلس أبوه في صدر المكان وهم حواليه ~~يكاد يدفعهم الخشوع والامتثال إلى الركوع والسجود. ~~••• # نزل محمد بك من الحريم إلى السلملك وهو مرتد جلابية بيضاء وعباءة من الحرير الأبيض، وكان ~~عاري الرأس منتفخ العينين، وقد نسج السهر لكل واحدة منهما إطارا أحمر، لو رآه طفل صغير في ~~رابعة النهار لولى الأدبار خائفا أن ينقض عليه ذلك البعبع فيهشم عظامه أو يسيل ~~دماءه. # مشى محمد بك مشية الزهو والتيه، يميل به الإعجاب بنفسه ويرنح عطفه احتقاره للناس، ومن ~~مثل محمد بك على وجه البسيطة وهو الغني العظيم ابن الكرم والسيادة، وبيته مأوى البؤساء ~~وملجأ الفقراء؟! وكان في ذلك اليوم مقطب الوجه عابسا ساهما، وذلك لزيارة ms09 وسيط وافاه في ~~الصباح يطلب يد أخته الكبرى لابن أحد البيكاوات، وهل يسمح محمد بك بذلك ولأخته حصة فيما ~~تبقى من تراث أبيه يصرف ريعها على الحفلات اليومية التي يقيمها كل ليلة في بيته هو ورفاقه ~~الكرام، أستغفر الله، بل عبيده المخلصون؟! وصل محمد بك للسلملك وكان الوقت مساء؛ لأن البك ~~لا يفيق من نومه إلا في الساعة السادسة، وكان من عادته النوم بعد الغذاء، ولما دخل غرفة ~~الاستقبال وجد الجماعة في انتظاره وقد تهيئوا للقائه، فجلس بينهم وهو تائه النظر، وقد تعمد ~~ذلك حتى لا يقال إنه يتنازل لرؤية أحدهم، ثم نادى الخادم وأمره أن يجيء بزجاجات الوسكي، ~~وقام الخادم بما أمر به حق قيام، وتناول كل واحد قدحه وشربوا نخب البك. # وقام أحدهم واقفا، وهو شيخ سكير يناهز الستين، كان كاتبا بوزارة «ال ...» وأحيل على ~~المعاش، ولم يساعده معاشه على اقتناء الخمر والقيام بأود أسرته، فالتجأ لمحمد بك، وليس شيء ~~أحب لنفس محمد بك من أن يلتجئ إليه من يظهر التفاني في محبته والخضوع لآرائه والحاجة العظمى ~~لماله وطعامه. وكان ذلك الشيخ من أصحاب النكات الظريفة المستملحة، يترقب الفرص حتى إذا حانت ~~أرسل النكتة من فيه فتقع في قلب مناظره كما يقع السهم الصائب في ثنايا الصدر. ولم يكن في ~~تلك الحاشية التي جمعتها يد المنكر والفساد رجل يحب الآخر؛ فكلهم متنافرو المشارب مختلفو ~~الأميال، ولم يتحدوا إلا على كسب أموال البك، حلالا كان ذلك الكسب أم حراما. قام ذلك ~~الشيخ وقال للبك: سيدي وولي نعمتي، هل ليدك الشريفة أن تتناول الكمنجة ...؟ # ولم يمهله البك أن يتم قوله فنهره قائلا: كفى مجونا وهزرا. # اندهش الرفاق لما فاه به البك لاعتقادهم أن البك يحب من يتغنى بشهرته الواسعة في الكمنجة. ~~اندهش الجميع وسكتوا، ولكن شيخنا السكير لم يندهش ولم يسكت، بل ابتسم ابتسام الفائز، وقال ~~وفي صوته رنة الرجاء والاستعطاف: الناس لا تشك في هزري ومجوني، وهم أيضا لا يشكون في نبوغك ~~وعبقريتك، فهل لسيدي أن يتنازل ويشنف آذان ms10 عبيده؟ # ونظر البك للسماء مادا يده لوجهة الشيخ. # ففطن صاحبنا لما يدور في خلد البك، فمشى على أطراف أصابعه إلى أن وصل لتلك اليد الشريفة، ~~وتناولها في يده، وقبلها مرارا وهو يرجو ويستعطف. # فقبل البك رجاءه وشنف آذان رفاقه، ولم يكن - حفظه الله - حانقا على عبده، ولكنه كان ممن ~~إذا رجاهم أحد ودوا لو كرر الرجاء مرات عديدة. وبينما كان البك يشنف آذان رفاقه دخل عليهم ~~رفيق آخر هللوا لقدومه وصفقوا، ولكن البك عبس في وجهه وصافحه مصافحة جفاء وغضب؛ فانقلب ~~تهليل الجماعة إلى نفور وازدراء، واستمر البك يضرب الكمنجة ورءوس الرفاق تميل طربا إلى أن ~~انتهى فألقى بها على الخوان، ونظر للقادم نظرة تجسم فيها البغض وقال: ما هذا الجفاء يا ~~سعادة الباشا. # فابتسم الحضور لتقريع البك، وسكت الرجل، فقال البك: علام السكوت؟ أين كنت؟ وعلام ~~تأخرت؟ ~~- كانت امرأتي تلد. ~~- لقد وضعت بإذن الشيطان كلبا. # فقهقه الحضور وتمايلوا بأجسامهم، وكانوا يضحكون إرضاء للبك، وليس شيء أقبح من وجه من ~~يتضاحك، ولكن البك كان يتغافل عن كل ذلك تغفيلا لنفسه، وأقسم الرجل ثلاثا على صحة دعواه، ~~فقال البك: إنك تكذب. أنت تنكر النعمة التي أسبغناها عليك. ~~- حاشا لله أن أكون ذلك الرجل. ~~- صه. إياك والكلام. إني أعرف أين كنت أمس. # وسكت الرجل وهو بريء لم يرتكب إثما، وهل في ذهابه لبيت ابن عم البك مرة في الشهر إثم ~~كبير؟ ولكن البك كان من الأغنياء الذين تشبه أخلاقهم أخلاق النساء؛ فتراهم يغيرون إذا ما ~~التجأ أحد حاشيتهم مرة في حياته إلى أحد سواهم. # وقام الرجل المسكين وقبل أقدام سيده ومولاه، فصفح عنه بعد أن فرض عليه جزية تقبلها الرجل ~~شاكرا؛ وهي أن يقوم هذا البائس ويقبل أيادي الرفاق أجمعين ثلاثا بعد أن يصفعه كل واحد ~~منهم مرة، وكيف لا يقبل ذلك الرجل الفقير ذلك وقد وضعت امرأته بالأمس طفلها السادس؟! # ودارت الكئوس مرة ثانية وثالثة ورابعة وخامسة، ثم قاموا جميعا وتناولوا العشاء، وعادوا ~~للراحة في غرفة الاستقبال، ولبثوا سكوتا ومنهم من ms11 أسند رأسه على كتف صاحبه مستسلما للكرى، ~~ومنهم من انتهز الفرصة وتناول كأسا من الوسكي دون أن يراه أحد، ومنهم من جلس يفكر في حيلة ~~يضحك بها البك لينال رضاءه، أما البك - حفظه الله - فكان كالميت لا يعي شيئا، وهذا حال كل ~~رجل بدين الجسد إذا أكل ولم يحاذر في أكله. # ثم أفاق البك ونادى أحد الرفاق، وكان فتى في مقتبل العمر، جميل الصورة أهيف القد، إذا مشى ~~تثنى كما يتثنى الغصن وقد لعب به النسيم، وكان البك يميل لمحادثته على انفراد؛ لعذوبة ~~ألفاظه، ورقة حديثه فكان لا يصبر على فراقه دقيقة واحدة، ولهذا أسكنه البك في غرفة من ~~السلملك، حتى إذا احتاج لرؤيته لا يلبث أن يراه. # ناداه البك قائلا: أين عودك يا صديقي؟ أمسك به وشنف آذاننا جميعا. # فتناول الفتى العود، وابتدأ في الضرب، وغنى لحنا تناول البك عند سماعه الكمنجة واشترك في ~~الضرب والغناء معه، وقام الرفاق يرقصون حتى إذا أعياهم الرقص جلسوا وهم يصفقون ويميلون ~~طربا كأنهم يسمعون عبده أو عثمان. وعند انتهاء الغناء دخل على الجماعة رجل يبلغ الخامسة ~~والأربعين، يلبس منظارا أسود يحجب عن الناس ما في عينيه من شر وحسد وحقد، وسلم على الجميع ~~بعد أن قبل يد البك، وقام البك واقفا لرؤيته وعانقه والرفاق في دهشة! وكيف لا يدهشون ~~والقادم صعلوك ممن حكم عليهم قديما بالحبس للتزوير والاختلاس؟! وجلس الرجل بجوار البك، ~~وأسر إليه كلمات ابتسم لها البك، وتهللت أسارير وجهه، ولما رآه الرفاق يسر للبك شيئا ~~ابتعدوا قليلا فقال الرجل لسيده: قد انتهى كل شيء. ~~- كم في المائة؟ ~~- ثلاثون. ~~- بورك فيك. # وعاد البك للغناء والضرب على الكمنجة، والرفاق للرقص والتصفيق. ~~••• # لم يكن هذا الزائر الجديد إلا رسول البك للمرابين لرهن مائة فدان هي البقية الباقية من ~~تراث آبائه، وهل يتسنى لمن كان يمتلك ثلاثمائة فدان أن يعتاد هذا البذخ وهذا الإسراف على ~~جماعة يستأجرهم لتقبيل يده والتغني بكرمه وجوده دون أن يرهن ما عنده ليفقده صفقة ~~خاسرة؟! # وهب بعد قليل نسيم ms12 عليل ارتاحت له نفس البك، فقال وهو يبتسم: لو من الله علي بألفي ~~جنيه لكنت أشتري بها منزلا في رمل الإسكندرية لأقضي فيه فصل الصيف من كل عام. # وتنهد البك آسفا على ذلك المنزل الجميل، فقال أحد الرفاق: لا تيأس يا سعادة البك من رحمة ~~الله، سوف يمن الله عليك بما تريد. # ولم تقع هذه الجملة موقعا حسنا عند البك، فغلى الدم في عروقه وقطب وجهه استياء ثم صاح: ~~يا لك من غر أحمق! يمن الله علي؟ أتظن أني فقير أيها المجنون؟! # وحق للبك أن يغضب هذا الغضب الكبير وهو الذي يغيث الفقراء ويحمي الضعفاء، فقام إليه ~~الزائر الجديد ذو المنظار الأسود وحاول أن يزيل غضبه، ولكن البك لم يقتنع بشيء، وكاد أن يهم ~~بضرب من اتهمه بالفقر والاحتياج لمعونة الله، وعزز الرفاق سيدهم وسقط الرجل في يده وخرج من ~~الغرفة وهو يتعثر في أثواب خيبته، وجلس البك وهو يرغي ويزبد، ثم تناقص غضبه شيئا فشيئا ~~إلى أن زال، وعاد الجمع للعزف والغناء والرقص، ودارت الكئوس ولعبت الخمر بالرءوس، فكنت تسمع ~~في الغرفة النكات تتلو النكات والشتائم تتبع الشتائم، إلى أن تملك التعب على القوم نفوسهم ~~فاستسلموا إليه، وسقط بعضهم على الأرض لا حراك به، واستأذن من تبقى له شيء من قوته تحمله ~~إلى بيته إلى أن خلا المكان إلا من النائمين، وكان البك ملقى على مقعد وبجواره الزائر ذو ~~المنظار الأسود يفتش في جيوبه، ولما انتهى من عمله نادى إدريس البربري؛ ليحمل سيده إلى ~~الحريم ... # فرغ صديقي من قصته فالتفت إلي وهو يقول: ماذا تقول في هذه القصة؟ # فتنهدت وقلت: صدق من قال إن شبان مصر الأغنياء لا يعرفون للضجر معنى، فأكرم بهم ~~وأنعم! ~~- هذا طريق واحد من عدة طرق يسلكها هؤلاء الأغنياء لقتل وقتهم وضياع ثروتهم. ~~- وهل هناك طرق أخرى؟ ~~- هيا بنا نخرج لاستنشاق الهواء في الجزيرة، وهناك أقص عليك قصة أخرى. # فخرجت معه وكلي آذان مصغية لحديثه. # 2 أغسطس سنة 1917 # | حفلة طرب # كنت شغوفا بالكنسير أيام ms13 كنت في باريس، لا تفوتني من لياليه ليلة تجمع بين الأناشيد ~~الشجية والألحان الفكاهية، والوجوه الوضاحة والقدود المائسة والعيون الضعيفة القاتلة. هناك ~~كنت أمتع عيني بالجمال الذي صاغته يد الخالق في وجوه الحسان، وأملأ قلبي لذة يمازجها الطهر، ~~وأذني ألحانا جميلة ينفسح لها الصدر. ~~••• # أيام مضت كما يمر الحلم العذب برأس النائم، والآن أنا بمصر محروم من تلك الجباه المشرقة ~~والوجوه اللامعة والغرر المتألقة والألحان الشجية الجميلة، وما أحوجني إلى رؤية شيء منها، ~~إن لم يماثلها جمالا وحسنا فلا أقل من أن يكون باعثا من بواعث الذكرى تهيج في قلبي نارا ~~كاد أن يطفئ أوارها النسيان! # جلست أمس في مجلس جمع من الإخوان من كانت تتوق النفس للقائه، ويتأجج الصدر عطشا لرؤيته، ~~وكان بينهم صديق لم تره عيني منذ سنين، فكنت أجاذبه أطراف الحديث وكلي آذان مصغية له، ~~ولبثنا نتحادث إلى أن أخرج ساعة من جيبه ونظر فيها مليا، ثم قال: هيا بنا، لقد دنا ~~الميعاد. # فقلت: وأي ميعاد؟ ~~- أنا على موعد مع أحد الأصدقاء لسماع مغنية جديدة، فهل لك في مرافقتي؟ # فأجبته لمطلوبه واستأذنا الجماعة ومشيت معه جنبا لجنب. # وصلنا إلى القهوة، ووجدنا على بابها شابا ينتظر، قدمه إلي صديقي، فابتدرنا ~~بقوله: لنرجع أدراجنا إلى منازلنا. # فقال صديقي: وعلام؟ ~~- أن السيدة «...» لا تغني هذه الليلة. # وحانت مني التفاتة إلى القهوة فقلت: ولكني أرى سيدة جالسة على «التخت». # فقال الشاب: يا للعجب لقد تأخرت إذن عن ميعادها ربع ساعة. # فقلت لنفسي وأنا أبتسم: «يا للعجب أول القصيدة كفر.» وابتعنا تذاكرنا، ودخلنا القهوة ونحن ~~نتسابق لسماع المغنية، وأخذنا مجالسنا بين الجمهور، وجلسنا وكأن على رءوسنا الطير. # القهوة فسيحة الأرجاء، جمعت من شتات الناس المطربش والمعمم ولابس الجلابية الزرقاء؛ جماعة ~~مختلفي المشارب خارج القهوة متحدي الأميال فيها، تعوزهم ريشة المصور؛ لترسم للناس الصور ~~المضحكة المبكية التي تبدو على وجوههم. ثم نظرت لجماعة المغنيين وضحكت حتى كدت أن ألفت ~~أنظار الناس لولا اندفاعهم لرؤية وجه المغنية الفاتنة التي كانت تبتسم للجميع وتحييهم أجمل ms14 تحية. # المغني الأول: # شاب أسود البشرة يظهر لي أنه من أم زنجية وأب مصري، أو أنه نوبي من ~~أهل أسوان، أو عامل من عمال العنابر في مصر له أنف طويل يكاد يلتطم مع شفته ~~اليسرى، وعينان سوداوان بهما جمال عبثت به يد السهر والخمر، وشارب قصير ~~كريش فرشة تنظيف الأسنان، وكان مرتديا بدلة بيضاء وبها بقع سوداء، فما ~~أقرب شكله لشكل الفرس الأبلق! # والثاني: # رجل مغلق الأجفان يجتهد في فتحهما كلما دعته الحالة فتعييه الحيلة، ~~له فم إذا فغره خلته بئرا، وأذنان كبيرتان، وذقن طويلة تهتز مع رأسه كلما ~~أنشد كأنها تسأل الناس المعونة والأجر، فما أشبهه بحلاق من جهة سيدنا ~~الحسين أصيب بالعمى فجاء ليرتزق في قهوة عمومية! # أما الثالث: # فكان رجلا مرتديا جلابية بيضاء وحزاما من المناديل الحمراء ~~الكبيرة وجبة زرقاء وطربوشا من غير «خوصة»، لم يحلق لحيته منذ أيام ~~فظهرت شعورها في وجهه كما يظهر النجيل في الأرض القحلاء، وكان إذا أنشد أخذ ~~فمه شكلا هندسيا يشبه المعين، إذا نظرت إليه ظننت أنه منجد ملك عنانه حب ~~الغناء فأتى إلى القهوة ليشنف آذانه، ودفعه ذلك الميل الغريزي لامتطاء ~~الدكة المعدة للمغنين، فجلس عليها يساعد الجماعة على إخراج الأغاني صحيحة ~~خالية من العيوب. # أما الرابع: # فهو شاب نحيف الجسد أسمر اللون لا تفارق عيناه أديم الأرض، ولعله ~~من المصابين بداء الحياء الشديد، ولهذا لم يتيسر لي أن أتفرس في ملامح وجهه ~~لأصفها للقراء. فهو رجل كما تقول العامة في «حاله»، ولهذا ندعه في ~~حاله. # أما الخامس: # فهو شيخ أحنت الأيام ظهره، فأصبح كالقوس يداعب المغنية من وقت ~~لآخر، ولا أدري لماذا. له طربوش تظهر منه شعور كتلك الشعور التي أبقتها يد ~~التحنيط على رءوس الجثث المحنطة في دار الآثار المصرية، مرتديا بدلة يحار ~~فكر الناظر أمامها؛ فمن قائل إنها بدلة عادية، ومن قائل إنها ردنجوت قصيرة، ~~ومن قائل إنها من نوع جديد سوف يحذو على منواله كل حائك في مصر، فلا تلبث ~~أن تصبح الموضة المصرية الجديدة بعد ms15 أن انقطعت عنا في أيام الحرب موضة ~~باريس ، وهو أشبه الناس بكتاب الدوائر الكبيرة. # وأما حامل العود: # فهو رجل بدين الجسد له وجه منتفخ تغار فيه عيناه البراقتان، تظهر ~~عليه بعض مخايل الوجاهة، ولا أدري لماذا؛ ولعل ذلك لأنه حامل العود والعود ~~سلطان الآلات الغنائية. # وأما حامل القانون: # فهو شاب جميل الصورة أسمر اللون حسن الهندام، يظهر عليه أنه كان ~~غنيا ثم أناخ عليه الدهر بكلكله، إذا لمست يده أوتار القانون اهتز جسده ~~بأجمعه مع اهتزاز النغمات، وتقلصت شفتاه وتقطب وجهه، فكأنه يبكي أيامه ~~الماضية وثروته الضائعة. # وأما حامل الكمنجة: # فهو شاب في ريعان الشباب، أصفر الوجه له شارب طويل يرتفع طرفه ~~الأيمن إلى أعلى وينخفض طرفه الأيسر إلى أسفل، له وجه ليس فيه شيء من ~~التناسب بين طوله وعرضه، وجبهة خليقة بأن تكتب عليها بالثلث عناوين ~~الأدوار، فما أشبهه بمحرري بعض الجرائد في مصر! # أما الأخير: # فهو يافع لا أدري لماذا أتوا به، يذكرني بيافع آخر كان يمر على ~~قهاوي العاصمة ليبيع السجاير «الفنتزية»، التي إذا أشعلتها طار منها شعاع ~~يخيف الأطفال الصغار. # أما المغنية: # فهي امرأة ذات جمال إغريقي في نحو الثانية والثلاثين من عمرها، ~~قصيرة القامة نحيلة الخصر وضاحة الطلعة سافرة الوجه، مرتدية ملاءة سوداء ~~تصل أطرافها إلى ركبتيها فتزيدها رقة وحسنا، لها فم جميل لا تفارقه ~~الابتسامة، فكأنما تتساقط منه زهور النرجس والورد، ولها شفتان تتعدد ~~أشكالهما كلما غنت؛ فتارة تظهر عليهما صورة الاستعطاف، وطورا صورة ~~الإعراض، وآنا صورة الحنو والامتثال، وآونة صورة التيه والإعجاب. تغني ثم ~~تضحك، وتضحك ثم تغني، وتبتسم وتخجل، ولا أدري لماذا تخجل ولماذا تبتسم ~~ولماذا تضحك، وإن كنت أعرف لماذا تغني! # ويخيل لي أنها إذا خلعت إزارها الأسود وجلست لتحادثك خارج القهوة وهي ~~جادة في قولها، يذهب عن وجهها ذلك الجمال الساحر والدلال القاتل. يشفع ~~ابتسامها الجميل في ضعف صوتها. # انتهى الغناء، وخرجت مع صاحبي، فسمعت عند باب القهوة رجلا يقول: هذا غناء يتخلله ضحك ~~وابتسام. # فقلت في نفسي: لقد أخطأت ms16 يا صاح، هذا ضحك وابتسام يتخللهما غناء. # أغسطس سنة 1917 # | صفارة العيد # العطفة التي نتكلم عنها طويلة ضيقة خالية من الأرصفة، تبتدئ بحائط سميك وتنتهي عند الشارع ~~الكبير؛ حيث ترى على يمينها قصرا فخما يخاله الناظر سجنا أعد للمجرمين، وعلى شمالها ~~قبرا لشيخ وهمي تقف أمامه الرجال والنساء يقرءون الفاتحة وهم ينظرون للسماء نظرة رجاء ~~وابتهال، ثم يمسحون وجوههم بأيديهم ليتم الله نعمته عليهم. وإذا سرت فيها فبلغت منتصفها ~~وجدت «أم مليم»، بائعة الطعمية والسلطة والكرات، جالسة القرفصاء أمام حانوتها المكون من قفص ~~تعرض عليه ما تبيعه لسائق عربة الكارو ولابن السبيل والفاعل. وإذا اقتربت من بدايتها؛ أي من ~~الحائط السميك الذي يقف في وجه المارة ليمنعهم من المسير، وجدت شجرة كبيرة يتفيأ ظلالها ~~كل من تعب وتملكه الإنضاء. أما إذا أسرعت في سيرك خشيت أن تعثر في هاوية صغيرة أو تل لا ~~يزيد ارتفاعه عن عشرة سنتيمترات، أو في القاذورات التي تلقي بها أيدي المارة بلا خوف ولا ~~حذر. أما القصر فهو لأحد البشوات الذين أبوا أن يهجروا الحي الذي نشأ فيه أجدادهم، وهو قصر ~~- كما قلنا - عظيم، يجلس على بابه الخصي واضعا رجلا على رجل وممسكا بمسبحة يستعين بها ~~على قتل الوقت؛ حتى لا يشعر بسأم ولا ملل، وهو شيخ في الخامسة والخمسين من عمره، له شفاه ~~تشبه قطع «البفتيك» التي تقدم لك في مطاعم العاصمة، وعينان يزداد احمرارهما كلما «أخذته ~~الجلالة» فنطق باسم الله العظيم، وأنف أفطس كأنه ضفدعة وجدت في وجه الخصي منبتا حسنا، ~~وكان طويل القامة ضخم الجثة، إذا مشى اهتز كما يهتز الفيل. ~~••• # نحن في اليوم الأول من أيام العيد، والناس في هرج ومرج، والأطفال يلعبون في الشارع وقد ~~أمسكوا بألاعيبهم وارتدوا ملابسهم الجديدة وتسامروا وهم يضحكون ويقفزون، والآباء انشرحت ~~صدورهم ومشوا في الشارع وهم يقولون بعضهم لبعض: «كل عام وأنتم بخير.» وكان بين الأطفال طفل ~~نحيل الجسم أصفر الوجه، ينظر لرفقائه نظرة تعبر عن غبطة لهم وعن رثائه لنفسه لحرمانه من ~~سرورهم وسعادتهم، ms17 وكان خجولا من لباسه القذر وأقدامه الحافية. يقف بجوارهم ثم يضع يديه خلف ~~ظهره ويبتسم، كأنه يسألهم السماح له بمشاركته إياهم سرور العيد، وليس في ذلك بأس عليهم وهو ~~طفل مثلهم، يبكي إذا ألم به ضر ويضحك إن نال ما تصبو إليه نفسه، وأنى له أن ينال بغيته ~~وهو يتيم توفيت أمه بعد ولادته بخمس سنوات، ومات أبوه بعد وفاتها بعامين! فعاله عمه، وأين ~~حنو زوجة العم من حنو الأم! مشى الأطفال الهوينا ثم غادروا العطفة، وتواعدوا على العدو في ~~الشارع الكبير، وجروا فيه أشواطا عديدة، فسقط أحدهم على الأرض فأسرع إليه رفقاؤه وهم ~~يضحكون كما تغرد العصافير وعاونوه على النهوض من سقطته، فقام وهو كالح الوجه كاسف البال، ~~وقد جال الدمع في عينيه، ولكنه لم ينس أن اليوم عيد وأن البكاء محرم فيه وأن السرور فرض، ~~فما لبث أن نسي سقطته وتناسى آلامه وجرى خلفهم إلى حيث كانوا يقصدون. أما اليتيم فلم ينس ~~آلام نفسه؛ تلك الآلام القاتلة التي كانت تدب في جسمه فتطفئ نوره وتذهب بجماله ~~وروائه. # ثم غادر الأطفال الشارع الكبير، ومشوا في العطفة وهم يضحكون وينشدون الأناشيد الصبيانية، ~~إلى أن وصلوا للشجرة الكبيرة، وهناك صاح أحدهم: لقد ابتعدنا عن الشارع الكبير، وهناك تمر ~~الباعة، فهيا بنا نعود من حيث أتينا. # وتسابقوا وقد علا صياحهم في الفضاء. ~~••• # ومرت في الشارع الكبير في تلك الساعة عربة كارو وقد ركب عليها سائقها، وهو شاب يشبه جسمه ~~المكعب، له رأس له أربعة أركان يشبه مسطحها المربع. ألهب السائق جواده وهو يغني أنشودة ~~بلدية جميلة: «أسمر سمرمر صغير السن لوعني»، ولما اقترب من الخصي قرأه السلام بصوت جهوري، ~~فرد عليه الخصي السلام من أطراف شفتيه وهز رأسه كأنه يأسف على تدهور أخلاق السوقة. وعادت ~~الأطفال في تلك الساعة من الشارع الكبير إلى العطفة، وهي ملجؤهم الوحيد، وفي يد كل واحد ~~منهم صفارة اشتراها من بائع يجول في الطرق، وابتدءوا ينفخون في صفافيرهم ويغنون، وتلك لعمري ~~موسيقى تبعث السرور في القلوب، وإن ms18 كانت غير شجية لتنافر نغماتها. وقف اليتيم معهم وقد ~~أشجته تلك الموسيقى، واقترب من رفقائه وهم يرقصون ثم رقص معهم؛ إذ لم يكن في وسعه أن يفعل ~~غير ذلك. فنظر إليه أكبرهم سنا وقال له بملء فيه: أين رداؤك الجديد يا علي؟ # فلم يجب اليتيم وضحك الآخرون. # وقال ثان: أين صفارتك أيها الصديق؟ # وقال ثالث: كفاكم رقصا ولنصفر جميعنا. ليرقص من ليست معه صفارة. # ولكن اليتيم لم يكف عن الرقص، وقد عز عليه أن لا يترنح معهم، وضرب صفحا عما سمعه كأن ~~لم يعرض به أحد. # وفي تلك الساعة مر أستاذ قصير القامة طويل اللحية، يسير الهوينا في طريقه وهو يداعب لحيته ~~بيده اليسرى ومسبحته بيده اليمنى. فهرعت الأبناء للقائه وهم الخصي واقفا ثم مشى وقبل ~~يده، بينما كان الآخرون يقبلون أطراف جبته. أما الشيخ فهو رئيس الطريقة النقشبندية؛ وهي ~~طريقة تحتم على أشياعها أن يذكر كل واحد منهم لفظ الجلالة مرة في كل عشرة دقائق، توفي شيخها ~~القديم منذ خمسمائة سنة بعد أن نقشت التقوى على صدره اسم الجلالة، ولهذا سميت طريقته باسم ~~النقشبندية. # ثم مر بائع الحلوى فهرعت إليه الأطفال، وجرى معهم اليتيم ولكنه كان في مؤخرتهم، فمد إليه ~~أحدهم قطعة من الحلوى قائلا: خذ. # فأشار علي برأسه رافضا، واستكبر الآخر منه ذلك فألقى بقطعة الحلوى على الأرض، فالتقطها ~~اليتيم وأعطاها لكلب جائع كان يبصبص له بذنبه، وغادر اليتيم رفيقه وقد ارتسمت على وجهه صورة ~~البؤس ممزوجة بصورة عزة النفس، ولحق برفقائه وهو وحيد القلب وإن كان كثير الرفقاء، أما ~~رفيقه الذي أعطاه الحلوى فقد مشى وهو يهز كتفيه ويصعر خده أنفة واستكبارا. # ثم حانت التفاتة من الأطفال إلى الشارع الكبير فوجدوا محمودا «الفتوة» قادما عليهم، ~~فصاحوا جميعا: «محمود السبع حضر. محمود السبع حضر.» وصفقوا بأيديهم، فابتسم لهم محمود وكان ~~«فتوة» عطفتهم، وسار في طريقه على مهل ساحبا أذيال الخيلاء وملوحا بعصاه في الهواء كما ~~يلوح الفارس بسيفه، وكان ضخم الجثة قوي العضلات له في المشاجرات القسط الأوفر ms19 والفوز ~~الأكبر، مشهور بين فتوات العطفات الأخرى؛ ولذا لقب ب «محمود السبع». # نظر إليه الخصي نظرة امتهان وامتعاض، فقهقه محمود ضاحكا حتى استلفت أنظار المارة، وبصق ~~الخصي على الأرض وكان هذا أكبر مجهود يقدر على فعله لإهانة محمود، ثم صاح أحد الأطفال: ~~المصارعة المصارعة خير مما نفعل، ومن يتفوق على نظيره يأخذ صفارته مكافأة له على قوته ~~وشجاعته. # فقال آخر: وليكن محمود السبع حكما بيننا. # فقال محمود: بلا شك. # وقال رابع: ولكن عليا «اليتيم» لا يملك صفارة. # فصاح الطفل الذي رمى لعلي بقطعة الحلوى: سأصارعه، فإن تفوق علي أعطيته صفارتي، وإن ~~تفوقت عليه صفعته على وجهه أمام الجميع. # فصفق الأطفال استحسانا وقطب علي وجهه وشمر عن ساعده، فكنت ترى عند التحام جسمه بجسم ~~رفيقه صورة غريبة على وجه كل واحد منهما؛ الأول: يدافع عن صفارته، والثاني: يدافع عن شرفه. ~~والفرق بين الصفارة والشرف كبير، وتغلب علي على رفيقه وألقى به على الأرض وهو ممسك ~~بتلابيبه، وفرق بينهما الرفاق فقام علي وهو رافع الرأس وقال: أين الصفارة؟ # فقال محمود السبع للمغلوب: أعطه الصفارة. # ثم أدار وجهه عن الأطفال وذهب للقاء صاحب له. فأخرج المغلوب صفارته من جيبه بعد تردد ومد ~~يده بها إلى عدوه، فأخذها علي ووضعها في فمه كما يضع الظمآن حافة الكأس المثلجة بين شفتيه ~~وكأنه امتلك العالم بأجمعه، وما لبث قليلا حتى ضحك الحاضرون ضحكة استهزاء وسخرية، وكيف لا ~~يهزءون به ولا يسخرون منه وهو ينفخ في صفارة لم يشترها بماله، فألقى علي بالصفارة في ~~وجهوهم وسار على مهل وهم يصفقون خلفه. وابتعد عنهم فلم يشاءوا أن يتتبعوه خشية أن يفارقوا ~~نهاية العطفة؛ حيث يكثر الباعة، فسار اليتيم الهوينا إلى أن وصل للشجرة الكبيرة، وهناك وقف ~~هنيهة كأنه يفكر ثم جلس في ظل الشجرة وقد أسند ظهره إلى ساقها ونظر جهة اليمين وجهة الشمال، ~~فوجد العطفة قفرة كقلبه، فوضع رأسه بين يديه وبكى وهو يقول: «أماه. أماه. أبتاه.» بينما ~~كانت الأطفال تغني في الشارع الكبير. ~~••• # ثم أفاق بعد ms20 هنيهة فوجد الكلب الذي ألقى بقطعة الحلوى إليه جالسا عند رأسه يلحس دموعه ~~بلسانه الظامئ. # أغسطس سنة 1917 # | ربي لمن خلقت هذا النعيم؟ # (هذه القصة لموبسان الكاتب الفرنسي الشهير، بدل المعرب أشخاصها وزمانها ومكانها ~~وموضوعها، ممصرا كل شيء فيها، فلم يبق من الأصل إلا روح الكاتب، واتبع المعرب في ذلك خطة ~~تولستوي في قصصه التي نقلها عن موبسان. ~~••• # محمد بك عبد القادر رجل في الخامسة والخمسين من عمره، أقنى الأنف أسود العينين مقرون ~~الحاجبين، يقص شاربه ويعفو عن لحيته. إن مشى يسير الهوينا، وإن جلس يتربع على كرسيه بعد أن ~~يخلع خفيه، يرتدي الردنجوت ولا يحب سواها من الملابس الإفرنجية؛ لأنها أقربها شكلا لمظاهر ~~الصلاح والتقوى. مسلم في كل أقواله وأفعاله، يذب عن الدين كلما تعرض له ملحد لا يتقي الله ~~في دينه ولا دنياه، ويدافع عن حجاب المرأة في كل مجلس يتناقش فيه أصحاب مذهب السفور مع ~~المحافظين على العوائد والتقاليد القديمة. وإن رأى شابا جالسا في حان يتعاطى كأسا من ~~الخمر، وقف في مكانه كالمصعوق، ثم بصق على الأرض ومشى في سبيله وهو يرتل آيات القرآن. له في ~~بنك الكريدي ليونيه عشرون ألفا من الأصفر الرنان، لا يتعاطى عنها فائدة متبعا قوله تعالى: # وأحل الله البيع وحرم الربا ~~. # يسكن محمد بك في قصر جميل على ضفاف النيل، تحوطه حديقة غناء تتمايل أشجارها كلما داعبها ~~النسيم، وتسمع فيها موسيقى الطيور ممزوجة بألحان أمواج النيل. تلك موسيقى جميلة هادئة كأنها ~~صوت الحب في آذان العاشق اليائس. وإذا ظهر الشفق خلف النخيل وارتدت السماء ثوبها الأحمر ~~قبيل الغروب، خيل للناظر أن هذا الاحمرار هو دموع الليل يودع النهار. وإذا بزغ القمر في ~~القبة الزرقاء في ليلة من ليالي الصيف، ود صاحب البيت أن لا يفارق الحديقة حتى مطلع ~~الفجر. هذا هناء كبير جاد به الله على هذا الشيخ الصالح مكافأة له على عبادته وصلاحه؛ فهو ~~به قرير العين مثلوج الفؤاد، تلوح عليه أريحية السرور كلما ذكر الله، ويلمع في غرته نور ms21 ~~البشر كلما صلى على نبيه. # لم يرزق محمد بك عبد القادر إلا بفتاة جميلة الصورة حلوة الحديث غضة العينين، كأنها نرجسة ~~جميلة في حديقة الشعر لا يقف أمامها إلا كل شاعر كبير الخيال بديع التصوير، ولقد بلغت تلك ~~الفتاة العشرين منذ عدة أيام، وفكر أبوها كثيرا في أمر زواجها وحادث زوجته في هذا الشأن ~~مرارا، وعدد لها أسماء كثير من الشبان الأغنياء المتعلمين الذين يتطلعون لهذا الزواج ~~المبارك، واتفقا على شاب وجدا فيه ضالتهما المنشودة، وحادثت الأم ابنتها عنه، فأبدت البنت ~~نفورا من ذلك الشاب، فأخبرت الأم زوجها بما كان بينها وبين ابنتها فاستاء لتلك النتيجة، ~~ولكنه اختار شابا آخر لم ترفضه الفتاة بل رفضت الزواج كلية. وعز على أبيها ذلك الرفض ~~وقامت بنفسه قيامة عصيان البنت لأوامر أبيها، فهددها ما شاء وشاء تعصبه وتفانيه في حب كل ~~عقيدة قديمة صالحة كانت أو فاسدة، وأصر على زواج ابنته بالفتى الأول، وأبلغها ذلك الحكم ~~الصارم بشدة لم تعهدها فيه من قبل، قابلتها بالصمت والبكاء. ~~••• # لم يرق في عين الأم أن ترى ابنتها تبكي وتنوح، وهالها أن ينبو الفراش عن جسم تلك الفتاة ~~الخرود، وأن يطيش سهمها ويخيب رجاؤها وتقف آمالها على شفا اليأس. خلت الأم بابنتها في صبيحة ~~يوم من الأيام بعد أن خرج والدها للقاء أحد أصحابه، وحادثتها في شأن زواجها بعد أن أقسمت ~~لها أنها ستكون ساعدها الأقوى وعضدها أمام تعسف أبيها وظلمه، فبكت الفتاة وأنت وجثت أمام ~~أمها تسألها الرحمة والمعونة. # علام تبكي هذه الفتاة؟ ولماذا تستعطف؟ وأي باعث يهيج في قلبها تلك النار الكامنة؟ كل ~~فتاة تحب الزواج وتبحث عن شاب جميل وغني، والشاب الذي انتخبه لها أبوها حسن الأخلاق كريم ~~العنصر، باذخ الشرف منيع الساحة، جميل الصورة كثير المال، فلماذا تأبى الزواج به؟ لعل في ~~الأمر سرا آخر! # هذا ما كانت تقوله الأم لنفسها وهي تمسح دموع ابنتها، ولما هدأت الفتاة قليلا قالت لها ~~بصوت تمازجه الشفقة والحنو: «إني أعدك يا ابنتي أن لا تتزوجي هذا ms22 الشاب، بل أعدك أن تتزوجي ~~الشاب الذي تصبو له نفسك . فمن يكون هذا الشاب؟!» # فنكست الفتاة رأسها وابتسمت ابتسامة باحت لأمها بسرها الدفين، فقبلتها أمها وقالت: «ومن ~~هو؟» فلازمت الفتاة الصمت وأسندت رأسها على كتف أمها، ولم تشأ الأم أن ترهق الفتاة ~~بالأسئلة، فاكتفت بما عرفت. ~~••• # وعاد محمد بك إلى منزله وخلت به زوجته ورجته أن يؤخر هذا الزواج المشئوم، فأصر على عناده، ~~فلم تجد الأم بابا من أبواب الرجاء والاستعطاف إلا وولجته، ولكن البك عز عليه أن يقهر في ~~هذا الميدان، وقد جهل أن خذلانه أكثر شرفا من انتصاره، ونظر إلى زوجته وقال: لعلها تهوى ~~فتى تود الاقتران به. # فقالت الأم وهي غاضبة: وإذا كان الأمر كذلك، فأي ضرر يلحق بنا؟! ~~- أي ضرر يلحق بنا! إنك تلعبين بالنار أيتها المرأة. إني أحرم على هذه الفتاة أن ترى نور ~~السماء. سوف أعمل على سجنها وسوف تعيش راهبة ما دمت حيا. # وخرج من الغرفة وهو كالمجنون، ونادى فتاته فأتته ملبية طائعة، فابتدرها بالشتم والسباب، ~~وكاد أن يضربها لولا وقوف زوجته في وجهه، وغادر البك المنزل وهو هائم على وجهه. ~~••• # مضى على هذا الحادث شهران لم يحدث فيهما شيء جديد، وخيم السكون على هذا المنزل؛ فكان البك ~~هادئا ساكنا لا يلفظ بكلمة تشير للموضوع القديم ولكن نار الغيظ كانت تتأجج في قلبه، وكانت ~~زوجته هادئة ساكنة أيضا ولكنها كانت تتألم خفية لآلام ابنتها، أما الفتاة فكانت تبكي آناء ~~ليلها وأطراف نهارها وتتوجع سرا دون أن تبوح لأحد بآلامها. لقد كان لها بارق من المنى كذب ~~برقه، وعارض من الآمال أخلف ودقه، فسلام على ماضي هنائها، وسلام على رجائها وآمالها. # وفي ذات ليلة تعشى البك كعادته وشرب فنجانين من القهوة ثم دخن سيجارة، وابتدأ في صلاة ~~العشاء ولم يفارق سجادته إلا بعد ساعتين قرأ فيهما أربعين وردا، ثم قام وتمشى في المنزل ~~قليلا، ودخل غرفة نومه لينام، وحاول النوم ساعة من الزمان فلم يفلح، فخرج إلى الحديقة دون ~~أن يعلم بخروجه أحد. # تمشى ms23 البك في الحديقة ونظر إلى السماء نظرة ابتهال وخضوع، فوجد القمر لامع الصفحة والنجوم ~~زاهية، فقال مخاطبا ربه: «ربي لمن خلقت هذا النعيم؟» ثم نظر للأشجار فوجدها تتمايل يمنة ~~ويسرة، وقد هب نسيم عليل يحمل إليه شذى الورد وعبق الياسمين، فقال مخاطبا ربه: «ربي لمن ~~خلقت هذا النعيم؟» ونظر للنهر فوجد أشعة القمر الفضية تلاعب أمواج النيل، ورأى قاربا يحمل ~~قوما يغنون ويضحكون، وسمع في تلك الآونة نشيد طائر يغني في جوف الليل البهيم، فقال مخاطبا ~~ربه: «ربي لمن خلقت هذا النعيم؟» ثم جلس على كرسي ونظر لكل شيء؛ لهذه الصورة الطبيعية التي ~~رسمتها يد الخالق على صفحة الوجود، لهذا الجمال الذي يكشف الستار عن عظمة الخالق وقوته ~~وشفقته وحنوه، لهذه الجنة التي هي مهبط الحب وخلوة اللذة والنعيم، فقال مخاطبا ربه: «ربي ~~لمن خلقت هذا النعيم؟» ثم تذكر أيام كان شابا يخفق قلبه لرؤية الغيد، فأغمض عينيه ورتل ~~آيات القرآن الكريم وأحاديث النبي، ثم فتح أجفانه وقال: «ما تلك إلا جنة ال ...» ولم يدر أي ~~كلمة يتم بها جملته، فوقف وهو حائر الطرف، وإذا به يرى شبحين يسيران نحوه، فاختفى وراء شجرة ~~كبيرة تحجب جسمه عن الناظرين ودق قلبه دقات متتابعة، وقال لنفسه: «من هو هذا الغريب الذي ~~يجسر على التنزه في حديقتي قبل منتصف الليل؟!» # واقترب الشبحان منه فتفرس فيهما، فإذا به يرى ابنته تسير بجوار شاب جميل الصورة وقد أسندت ~~رأسها على كتفه. عرف البك الشاب بعد أن تفرس في وجهه، وقال لنفسه: «هذا هو الشاب الفقير ~~الذي كان يسكن بجوارنا أيام كنا نسكن بالحمزاوي.» ووقف الشبحان وتحادثا على مسمع منه، فقال ~~الفتى: أنا مرغم على تركك يا حبيبتي، وإني أقسم لك أني سأبقى على عهد حبي الطاهر الشريف إلى ~~أن يضم عظامي القبر. # فأجابته الفتاة: وأنا أقسم لك على ذلك. # وقبلها الفتى في جبهتها وسار معها متخذا وجهة السور ليعود أدراجه إلى منزله. # خرج البك من مخبئه وهو ساكن صامت، ومكث هنيهة يفكر ثم نظر للسماء ms24 وللنهر وللأشجار، لهذا ~~الجمال الطبيعي، لهذه الجنة الدنيوية، لهذا النعيم الحيوي، وقال لنفسه بعد أن فكر قليلا ~~فيما رآه وفيما سمعه: «ربي إنك خلقت هذا النعيم للمحبين، ولعمري ما تلك إلا جنة الحب.» ورتل ~~آيات من القرآن، ودخل إلى منزله وقد علت شفتيه ابتسامة تعبر عن هنائه وغبطته. ~~••• # مضى على هذا الحادث شهر من الزمان أقيمت في نهايته حفلة قران الفتاة الغنية بالشاب ~~الفقير، وما كانت تلك الحفلة إلا رمز انتصار الحب الطاهر على كل شيء. # أكتوبر سنة 1917 # | كان طفلا فصار شابا # أحمد محجوب يبلغ من العمر عشرين عاما، أقنى الأنف أسود العينين، مقرون الحاجبين وضاح ~~الطلعة، جميل الصورة طويل القوام. إذا رأته النساء نظرت إليه بطرف خفي، وإذا رأى النساء مشى ~~مشية التيه والدلال. أبوه من أغنياء القاهرة يملك ألف فدان من أجود أطيان الوجه البحري ~~والقبلي، وأمه من عائلة عريقة في الحسب والنسب لا غبار عليها. رباه أبوه تربية مصرية بحتة ~~فنشأ يخاف أباه ويخشاه ولا يجسر على محادثته، واختلط بفئة وضيعة تعلم منها لعب الميسر وولع ~~به ولوعا أنساه كل لذة في العالم. وكانت له مربية تبلغ من العمر الخامسة والأربعين، ربته ~~صغيرا من يوم أن بلغ الخامسة، وكان عمرها في ذلك العهد خمسا وعشرين عاما، وكانت قد طلقت ~~من زوجها وهو رجل كان معاونا في إحدى زراعات الدومين، ومحجوب يحب مربيته ولكنه لا يخشاها، ~~يهزأ منها إذا أغضبته، ثم لا يلبث أن يسترضيها فتنسى إساءته وتقبله وتضمه لصدرها ضاحكة ~~مستبشرة. # لقد بلغ محجوب العشرين، ولكنه لا ينسى أيام كانت تضربه مربيته وهو طفل إذا هفا هفوة أو ~~ارتكب إثما. # أينسى يوم أن تسلق شجرة النبق في الحديقة وكاد أن يسقط على الأرض؟! لقد أمسكت به مربيته ~~والعصا في يمناها تقرعه بها ناهية إياه أن يعود لما فعل. وهل ينسى يوم أن مكث في الفناء ~~يلعب ويمرح، وكان الوقت ظهرا، فنهاه السقا عم عبد الرازق عن ذلك، فشتمه ورفصه برجله ~~الصغيرة؟! إنه لا ينسى ذلك اليوم ms25 وقد لطمته مربيته على وجهه وهي تؤنبه على ما فعل. وهل ينسى ~~يوم أن التقط من الأرض بقية سيجارة كان يدخنها أبوه وأراد أن يستنشق الدخان، فرأته مربيته ~~من النافذة ونادت به، فهم بالهرب وأبى الدخول للمنزل إلى أن حمله الخصي وأتى به إليها ~~لينال جزاءه؟! إنه لا ينسى كل ذلك. وإن للطفولة حوادث تبقى مرسومة في رءوس الشبان والرجال ~~إلى الأبد. # وكان القصر الذي يسكن فيه محجوب وعائلته في حي من الأحياء الوطنية ذوات الشوارع الضيقة، ~~وكانت تحوطه عدة بيوت صغيرة لأقوام من بيئة ليست بالغنية ولا بالفقيرة، وسكن أمام قصر محجوب ~~رجل تاجر حسن السيرة، له زوجة وبنت تبلغ الخامسة عشرة وولد يبلغ العشرين يساعده في إدارة ~~حانوته. # وكانت تشتغل زوجته طول نهارها في أعمالها المنزلية، وتساعدها ابنتها من وقت لآخر. وإذا ما ~~خلت البنت بنفسها جلست أمام النافذة التي تطل على غرفة محجوب تنتظر إيابه من المدرسة، فكان ~~إذا ما دخل غرفته أشارت إليه بالسلام ويبتدئان في المغازلة. ففي ذات يوم دخلت عليه مربيته ~~فوجدته يشير بيمناه للفتاة، فنظرت إليه نظرة ريبة وامتعاض، ثم تركته وخرجت من الغرفة دون أن ~~تنبس بكلمة، ولم يعر محجوب ذلك الحادث اهتماما وانقضى اليوم على صفاء، ولكنه لاحظ بعد ذلك ~~أن مربيته تكثر من الدخول في غرفته ساعة إيابه من المدرسة كأنها تود أن تمنعه عن محادثة ~~الفتاة، فساءه ذلك منها وود أن تكف عن مراقبته، فعمد إلى حيلة ناجعة؛ فكان إذا عاد من ~~المدرسة أحكم إقفال باب غرفته بالمفتاح ليفعل ما يوحيه إليه هواه. # واهتدت مربيته لسر حيلته فدقت على بابه بيدها، ففتحه لها بعد أن أشار لفتاته أن تتوارى، ~~ودخلت المربية ووجدت نافذة الفتاة خالية، فابتسمت ابتسامة الهازئ وقالت له: لقد طار العصفور ~~من القفص! ~~- وماذا تقصدين من ذلك؟ ~~- إنك يا ولدي تسيء لنفسك. أنسيت أن الحب يشغل المرء عن أداء واجباته. ~~- إني حريص على أدائها فدعي اللوم جانبا. ~~- يا لك من غر أحمق! ~~- إني أكره أن يسبني أحد. ms26 ~~- ولكنك ترتكب المعاصي على مرأى من الناس. ألا تخشى أن أخبر أباك بما تفعل؟ ~~- أبي لم يخرج من غرفته بعد، فهل لك أن تذهبي وتقصي عليه ذلك. ~~- سأفعل. # وخرجت وهي غاضبة، وخاف محجوب أن تخبر أباه بهواه، فلما دنا وقت العشاء أبى أن يأكل مع ~~أبيه، فادعى المرض ونام وهو جوعان. # ثم مضت أيام وهو يسأل نفسه عن سر مراقبة مربيته له فلا يهتدي إلى شيء. إنه لم يلاحظ شيئا ~~في حركاتها ولا في سكناتها، فعلام لا تتركه حرا يفعل ما يشاء، وليس فيما يفعل ما يدعو ~~للخوف والحذر، وعلام تغار من هذه الفتاة التي لم تبلغ الخامسة عشرة وهي امرأة آربت على ~~الخامسة والأربعين. هذا سر غامض يدعو للتفكير. ~~••• # خرج محجوب في يوم من أيام الجمعة وقابل رفقة من أصحابه، لعب معهم الميسر وخسر ما في جيبه، ~~فرجع البيت وهو يعض بنان الندم، وسأل عن أبيه فقيل له إنه خرج، وعن والدته فقيل له إنها ~~ستتناول طعام العشاء عند خالته. فدخل غرفته وجلس أمام نافذته وأمسك برواية من الروايات ~~الحديثة ليقتل بها الوقت، وبعد هنيهة رأى حبيبته في النافذة تبتسم له، ولبث يحادثها ويشير ~~لها إلى أن رأى خيال مربيته في الغرفة الأخرى؛ فكف عن محادثة حبيبته، وأشار لها أن تبتعد ~~فابتعدت، وجلس وحيدا ينتظر الرقيب. # فدخلت مربيته بعد عدة دقائق وقد استشاطت غضبا، وقالت بصوت متهدج: هذه هي المرة الأخيرة، ~~فإن عدت لفعلتك أخبرت والدك بكل ما فعلته. ~~- وأي باعث يستفز غضبك وأنا لم أجن ذنبا يستحق اللوم؟ ~~- أي باعث يستفز غضبي! إنك حقا ساذج لا تعرف إلى أي هوة أنت مسوق، وأخشى أن تدور ~~الدائرة عليك. ~~- إني أكره هذا الحديث. ~~- أتأبى استماع نصائحي؟ ~~- إنها لا تصلح الآن بعد أن كللتني الرجولة. ~~- يا لك من شاب أبله! # سمع محجوب هذه الكلمة فقام غاضبا وهم أن يغادر الغرفة، فأمسكت به مربيته ولفت ذراعها ~~على خصره ومنعته من الخروج، فهم بالإفلات منها فلمس جسمه جسمها، فلم يجد بأسا في البقاء، ms27 ~~فلف ساعده أيضا على خصرها متظاهرا بالهجوم ليدافع عن نفسه، ووقع نظره على وجهها، فإذا به ~~يرى صورة غريبة شهوانية لم يرها من قبل في ذلك الوجه الذي عرفه من يوم أن كان «يحبو» على ~~الوسائد. فوقف هنيهة ينظر إليها وتنظر إليه، وكانت لم تزل بضة البشرة عليها مسحة من الجمال ~~بالرغم من الخمسة والأربعين عاما التي قضتها، وكان محجوب شابا يهيج شهوته الخادرة أي ~~باعث صغير، فأطال النظر إليها وأطالت النظر إليه، وسمع أنفاسها تتردد في صدرها وهي تنظر ~~لخصلة شعره الأسود المسدلة على جبينه، ثم قبلته في فمه فقبلها في فمها وتعانقا وتلاصق جسمها ~~بجسمه، وأحس بنهديها الذابلين تدلك بهما صدره ... # ثم غابا عن الوجود. ~~••• # لقد كان طفلا جميلا فكانت تحبه مربيته كأم حنون، والآن صار شابا جميلا فأحبته مربيته ~~كعشيقة ضرم الحب أنفاسها. # فيا للعجب مما تراه العيون في ظلام هذه الحياة! # سنة 1917 # | العاشق المفتون بالرتب والنياشين # من رسائل مجبور أفندي: خطاب من كاتب إلى رجل لا يعرفه # يا صديقي العزيز # اسمح لي أن أناديك بالصديق العزيز مرة في كل عام، وإن كنت لم أسعد في حياتي الماضية ولن ~~أسعد في حياتي المقبلة بمعرفتك، ومعرفتك أمر هام جدا، بل شرف عظيم لكل من يجد في قربك ~~سعادة لنفسه وراحة لضميره المعذب، ولكني لا أكتمك - وإن كانت صراحتي تؤلمك - إني لا أود ولن ~~أود أن تسمح لي الظروف بمعرفتك بل برؤياك ... # لماذا إذن أخاطبك في العام مرة واحدة؟ لماذا أكتب إليك هذا الخطاب وبيني وبينك مسافة ما ~~بين الأرض والسماء، مسافة طويلة جدا، ولكنها لا توجد إلا بين نفسي ونفسك! ما جسمانا ~~قريبان، وربما التطما في الطريق مرة واحدة؛ لأنا نعيش سويا على صعيد واحد، هو مصر. إذن ~~لماذا أكتب إليك؟ إني لا أسائل نفسي؛ لأني أعرف السبب، وسأذكره إليك؛ فربما وجدت فيه عزاء ~~لنفسك المضطربة وراحة لضميرك الهائج، ولكني لا أريد أن نتكلم سويا إلا إذا اعتقدت أني ~~صريح فيما أقول، وأنه لا يحملني على مناقشتك ms28 إلا أمر واحد هو حبي للناس، ومن هذا الحب تولدت ~~في قلبي عاطفة غريبة نحوك، عاطفة تكونت من عصير الشفقة والرثاء، وما أجمل الصراحة التي ~~يتساقط من نورها الوضاح شعاع الشفقة والرثاء! # أنت بلا شك لا تغضب لأني صريح، ولكني أخشى أن يسوءك رثائي وشفقتي؛ لهذا أود من صميم قلبي ~~أن تتنازل عن كبريائك ... # عفوا أيها الصديق العزيز! عفوا! لقد أخطأت مرة ثانية وقلت إنك من المتكبرين المتغطرسين، ~~ولكن ما الذي يضرك؟ وهل يسوءك أن أصفك بهذه الصفة وأنت ممن يجدون في الكبرياء والأبهة لذة ~~لا تقدر؟ أظن إذن أني لم أغضبك مرة ثانية وأني لم أخطئ بالمرة. فاسمح لي إذن أن أقول لك إني ~~أود من صميم قلبي أن تتنازل عن كبريائك في غضون تلك الساعة الزمانية التي نود أن نتحادث ~~فيها سويا، وأن لا يسوءك أني أشفق عليك وأرثى لحالك. # إذن فلنبدأ الحديث على الشروط الماضية، وحديثي معك يبدأ هكذا: # أنت أيها الصديق أحد رجلين؛ فإما أن تكون من أعيان القاهرة، تلك الجماعة التي تسكن القصور ~~الشامخة تحوطها الحدائق الغناء، والتي تركب السيارات ذوات المنافيخ المزعجة، والتي إذا ~~تكلمت تأنت في كلامها ووزنت كل حرف بميزان الأبهة والكبرياء، والتي تلبس الملابس الغالية ~~وتأكل الطعام الفاخر، والتي تجد في التبختر - إذا سارت - بابا جديدا من أبواب الظهور بين ~~الناس، والتي إذا زارت لا تزور إلا من له صلة بكبار رجال الحكومة ولهم تحني ظهورها، وتمد ~~للرق رقبتها، أما لغيرهم؛ فتظهر بمظهر المتعجرف الشامخ الذي إذا جلس التحف بجلباب الكبر، ~~وإذا سار امتطى ظهر التيه. # إما أن تكون هذا الرجل وإما أن تكون الرجل الآخر؛ أي من أعيان الريف الذين إذا أكلوا في ~~منازلهم اكتفوا بالعيش والفتة، وإذا زارهم المأمور ذبحوا له الخروف يتلوه الخروف، والذين ~~ينامون في غرفة ضيقة ويلتحفون بملابسهم، ولكنهم يعدون في قصرهم لرجل الحكومة غرفة جميلة ~~وسريرا حريريا، ولا يستنكفون من أن يقفوا في خدمته وقفة الخاضع الذليل، ولكنهم يستنكفون ~~أن يسمحوا لزوجاتهم وأولادهم أن يأكلوا ms29 معهم. # إما أن تكون الرجل الأول أو الثاني، وسيان عندي أن تكون أحد الرجلين؛ لأن نفسيكما نشأت من ~~نبع واحد، فأنتما شخص واحد. دع عنك فروق المعيشة؛ فما هي إلا نتيجة الجو الذي عشتما فيه، ~~ولا يهمني من أمركما إلا شيء واحد؛ هو خضوعكما لمن في يده القوة واستنكافكما من معاشرة ~~الآخرين. # الآن قد انتهيت من وصفك، ويخيل لي أنك توافقني عليه؛ لأنك عاهدتني قبل محادثتك بتنازلك عن ~~كبريائك، وباعتقادك أني أصارحك القول. والآن فلنتحدث قليلا لأعلمك لماذا أخاطبك في العام ~~مرة واحدة. أظنك لا تنكر يا صديقي أنك تقضي العام كله ما عدا عدة أيام قلائل وأنت مستطار ~~الفؤاد حزين النفس، تقوم مبكرا من نومك وفي رأسك شاغل كبير يقطع عليك أحلامك ويصور لك ~~الحياة في صورة قبيحة لا ترضاها لنفسك. أليس الأمر كذلك؟ ذلك الشاغل هو قيمتك في أعين ~~الناس. أنت تود أن تكون قيمتك كبيرة جدا، تريد أن يكون مقامك بين نظرائك أكبر مقام تسمح ~~به الهيئة الاجتماعية في مصر! ولكنك مع الأسف تجهل ماهية القيمة الإنسانية، بل ربما كنت ~~تعرف ماهيتها ولكنك تتغافل عنها؛ لأنك لا تجد فيها الطريق السوي الذي تسوغ لك كفاءتك السير ~~فيه؛ لهذا تسير في طريق آخر آملا أن تصل به إلى العرش الذي تطمح نفسك لارتقائه، وما نتج ~~هذا إلا من جهلك؛ لأنك بلا نزاع لم تنظر للحياة بمنظار الحقيقة، ولم تلبس بعد لباس الحقيقة، ~~ولم تشرب أيضا من ينبوعها الطاهر، وليس الذنب ذنبك أيها الصديق العزيز؛ لأنك نشأت في جو لم ~~تنل فيه من العلوم والآداب قسطا وافرا، فأنت بطبيعتك جاهل؛ لهذا ظل قلبك مقفلا أمام نور ~~الحقيقة، ذلك النور الذي يتغلغل في حنايا القلوب فيضيء ظلماتها القاتمة. إذن أنت من الحزب ~~المصري الذي يرى قيمة الرجل بالرتبة التي ينالها، أو في النيشان الذي يحلى به صدره. ويا ~~ليته يرى ذلك فحسب، بل يمتد نظره إلى قاع تلك الهاوية فيرى أن ليس من العار على الرجل أن ~~يفعل كل ما ms30 في وسعه، وأن يبرر كل واسطة للوصول لغايته. فأنت إذن من هذا الصنف؛ أي إنك تود ~~رفعة المقام في الحياة دون أن تفعل شيئا يذكر تستحق عليه رفعة المقام. أظنك توافقني أيضا ~~على ذلك، وأظنك أيضا تقضي العام كله وأنت تزور من له صلة بمن في يده تدبير الأمور. تزوره ~~كلما سنحت لك الفرصة فتجلس بين يديه وقد جلس الكبر بين عينيه، وتمشى الذل في شرايينك ~~فأحنيت رأسك، وتذللت في السؤال والكلام والسلام، ثم تعود إلى بيتك وتجلس على كرسيك جلسة ~~الكبرياء والعظمة وتفكر فيما فعلت. # إني أقسم بكل عزيز عندي فوق الأرض وتحت السماء أن ضميرك لا يلبث أن يوبخك وأنت ترى فيما ~~فعلت ما يحمر له وجهك وترتعد فرائصك خجلا، ولكنك تنظر إلى يمينك فترى صديقك فلانا حائزا ~~لرتبة باشا وأنت لم تحز بعد إلا رتبة بيك، ثم تنظر لشمالك فترى صديقك الآخر حاز نيشانا، ~~وصدرك ما زال خاليا من تلك الأوسمة الجميلة. ترى ذلك بعينك فيزيل احمرار وجهك ويحل محله ~~الاصفرار، اصفرار منشؤه الغيظ والحسد، وتظل ركبتاك ترتعدان، ارتعادا ليس منشؤه الخجل بل ~~الغضب والحقد؛ فتنسى ما أنبك به ضميرك وتقوم من مكانك وتركب عربتك لزيارة رجل آخر ممن ~~يتصلون بأولي الحل والعقد، وتظل العام كله وأنت لا يقر لك قرار. فإذا دنا الميعاد وجاء ~~الوقت الذي يتكرمون فيه على الناس بالرتب والأوسمة، أكثرت من زياراتك وقضيت لياليك وأنت لا ~~تنام، يدنيك الأمل ساعة ثم لا يلبث أن يبعدك اليأس. ثم ماذا؟ تظهر النتيجة فترى نفسك قد ~~سقطت في الامتحان. ويلاه وألف مرة ويلاه؛ ويلاه لنفسك لأنك لم تنل غايتك، وويلاه لزوجتك ~~لأنك تحرم عليها الطعام، وويلاه لأولادك لأنك تشبعهم ضربا، وويلاه لخدمك لأنهم يظلون مدة ~~وهم مهددون بالطرد. ثم ترجع لنفسك وتسألها لماذا فاز غيرك ولم تفز أنت، فلا تهتدي لشيء. ثم ~~تسأل الناس وتعود لزياراتك، إلى أن يساعدك الحظ وتنال ما تريد. فإذا نلت الرتبة أو النيشان ~~تمشى السرور في نواحيك، وهزك الفرح هزة تخشى ms31 أن تضر بصحتك. ثم تمر الأيام وتنسى كل ذلك، ~~وتنظر إلى يمينك وإلى يسارك، فترى الصورة التي رأيتها قديما؛ ترى قوما آخرين من أصحابك هم ~~أعلى منك رتبة أو حازوا نيشانا لم تحزه أنت، فتعود إلى شاغلك القديم، وتكرر الزيارات ~~والخشوع والخضوع؛ أي إنك تظل طول حياتك معذبا مكروب النفس حزين القلب، فوا أسفاه لك، ومن ~~تلك الحياة المنغصة التي ارتضيتها لنفسك! # ولعلك بعد هذا الحديث الطويل توافقني بل تشكرني؛ لأني أشفق عليك وأرثي لحالك. واسمح لي ~~أيضا أن أقول لك - وإن كنت أشك فيما سأقوله - ربما يجول بخاطرك الآن هذا السؤال: «إذن ما ~~هو الطريق الذي إذا سرت فيه استراح ضميري وهدأت ثائرة نفسي؟ ما هو هذا الطريق أيها ~~الصديق؟» سأخبرك عنه، واعلم أن من أجل هذا السؤال أكتب إليك هذا الخطاب. أنت لست من العلماء ~~لأطرق معك باب العلم وأقول: «اقرأ وألف واخترع»، ولست من رجال الصناعة فأقول لك: «اعمل ~~في سبيل رواج صناعة بلادك»، ولست من رجال الأدب فأقول لك: «أي كتاب كتبت؟» ولست من التجار ~~ولا رجال الحكومة ولا ولا ... ولكنك من الأغنياء. أنت من الرجال الذين يكنزون في بيوتهم ~~القناطير المقنطرة من الذهب، والذين إذا مشوا أو ركبوا قال عنهم الناس: «هذا هو الغني ~~فلان!» أنت من هؤلاء أيها الصديق، وأنا لا أطالبك بصرف مالك وتبذيره، كلا وألف مرة كلا. أنا ~~أود أن يظل مالك في حوزتك، ولكني أرجوك أن تتنازل عن بعض إيرادك لمن يستحقه. بلادك أيها ~~الصديق محتاجة لبعض مالك لينفق في سبيل الخير؛ أمامك الفقراء يودون أن يجدوا أمامهم مدارس ~~يرسلون إليها أبناءهم بلا أجر. وأمامك الشيوخ الذين أقعدهم المرض والفقر والشيخوخة عن ~~العمل، هم في حاجة لملجأ يلم شتاتهم ويدفع عنهم ذل السؤال. وأمامك، إذا سرت في الطريق على ~~قدميك، الأطفال المتشردون الذين بإحسانك ينصلح حالهم فيعودون بالخير على أمتهم. وأمامك ~~المرضى الفقراء، فهل لك أن تنشئ لهم مستشفيات وفي طاقتك أن تفعل ذلك؟ هذا هو السبيل السوي ~~الذي تستطيع أن ms32 تسير فيه بأقدام ثابتة. # أتعرف أيها الصديق ماذا يكون من أمرك إذا فعلت ذلك - على شريطة أن لا تزور أحدا ممن كنت ~~تزورهم، وأن لا تحني رأسك للذل، ولا تمد رقبتك للرق - أتعرف أيها الصديق ماذا يكون من أمرك؟ ~~إني سأقول لك شيئا ستندهش له وأخشى أن لا تصدقني، ولكني سأقوله على كل حال؛ إني أؤكد لك ~~أيها الصديق أن تلك الرتبة التي كنت تسعى لها ستسعى هي إليك، وأن النيشان الذي كنت تفتش عنه ~~في كل ساعة سيفتش عنك بنفسه، وسوف يقول الناس: «إن الرتبة والنيشان تتشرفان بك بدل أن تتشرف ~~بهما.» # ثم بعد ذلك، بعد هذا الكلام الطويل بيني وبينك، ما زلت أحس بدافع يدفعني لأن أقول لك ~~شيئا آخر، ولكني أفضل أن لا أقوله خشية أن تنفر مني، وتظن أني واهم أو أني أخبط خبط عشواء. ~~أأقول أم لا أقول؟ لا أعلم؟ دعني أفكر! وأخيرا قد استقر قراري على أن أقول هذا الشيء، فإن ~~كنت حي الضمير صدقتني وشكرتني، وربما قبلتني قبلة أخوية طاهرة. أما إذا كنت ممن لا ينفع ~~معهم الكلام، فإني لا أخسر شيئا كبيرا بما سأقوله بعدما أتعبت نفسي فيما قلته لك. اعلم يا ~~صديقي أنك بعد أن تقوم بإحدى الأعمال التي طلبتها منك ستشعر بشيء غريب؛ بشعور جديد، براحة ~~في ضميرك توحي إليك بأن تعتقد أن خير جزاء وأن أكبر مقام هو تلك الراحة التي تشعر بها عندما ~~ترى عينك الأطفال الذين أصلحت حالهم، والشيوخ الذين آويتهم، والمرضى الذين شفيتهم. # عندها تنسى رتبتك القديمة، ونيشانك القديم، وتعرف أن الإحسان هو أعظم رتبة وأكبر نيشان، ~~وأن الرتب والأوسمة ما هي إلا أوهام. # سنة 1917 # | الشباب الضائع # رواية قصصية مصرية # | الفصل الأول # كان الأستاذ الشيخ محمد عبد العليم يلقي على تلاميذ الفصل الأول من السنة الأولى ~~بالمدرسة الخديوية في الساعة الثالثة بعد الظهر درسا في «المبتدأ والخبر»، وكانت ~~التلاميذ مصغية إليه إصغاء الطفل لنصائح أبيه؛ لا حبا في الأستاذ ولكن خوفا من شدته؛ ~~إذ كان ms33 معروفا بينهم ببأسه وغلظ كبده، حتى لقبه أشقياؤهم بالصاعقة، فكان إذا لاح شبحه ~~من بعيد وهم يلعبون ويمرحون في فناء المدرسة، صاح أحدهم قائلا: «هلم بنا نغادر هذا ~~المكان قبل أن تحل به الصاعقة.» وتعقب هذه الصيحة ضحكات متواليات تدل على بغضهم للأستاذ ~~ونفورهم منه، وما كان الأستاذ بالرجل ذي القلب الأسود كما يزعمون، ولكنه كان ممن ~~يتفانون في حب النظام ومراعاة الآداب، وكم من مرة رأف بتلاميذه وأشفق عليهم وساعدهم إذا ~~خانهم الحظ في الامتحان. # أتم الأستاذ درسه ونظر في ساعته، ثم قال: «ليرفع سبابته من تعسر عليه فهم شيء من درس ~~اليوم.» وأجال ببصره بين صفوف تلاميذه فلم يجد بينهم من أجاب سؤاله، فابتسم ابتسامة ~~الظافر، وقال: «نتيجة حسنة تبشر بمستقبل باهر، إن كنتم فيما فعلتم صادقين.» وحول بصره ~~لوجه شاب أسمر اللون نحيف القوام، أقنى الأنف أسود العينين، يرى الناظر فيهما أثرا ~~للحزن والتفكير. نظر إليه الأستاذ مليا والتلميذ حاسر الطرف، ثم قال له بلهجة الهازئ: ~~«ما رأي أبي الإنشاء في درس اليوم؟» فلم يجب التلميذ ببنت شفة، فأردف الأستاذ جملته ~~بجملة أخرى أغضى لها التلميذ حياء، وكاد يجول الدمع في عينيه؛ إذ كان من خلقه ~~الحياء الشديد، حياء يقرب من الجبن. # قال له الأستاذ: «أتلوي عطفك أنفة وتصعر خديك استكبارا؟!» وألقى عليه سؤالا في درس ~~اليوم وطلب منه الإجابة، فلازم التلميذ الصمت لتشتت فكره، فقال الأستاذ وهو يحرق الأرم: ~~«لقد أهملت النحو وانصرفت نفسك للإنشاء؛ ولذا تأتي بالخطأ الفادح في جملك المنمقة، ولو ~~تبعت نصحي وخصصت جزءا من وقتك لدراسة النحو، لكان لك في فن الإنشاء شأن عظيم؛ إذ لا ~~ينكر أحد جمال أسلوبك، ولكني أبشرك بخمول الذكر ما دمت لا تسمع إلا ما توحيه إليك ~~نفسك.» وتمشى الأستاذ يمنة ويسرة وهو غير ملتفت للتلميذ، ثم أدار إليه وجهه وقال: ~~«اجلس.» ودق الناقوس معلنا للطلبة ساعة انصرافهم، فخرج الأستاذ تتبعه التلاميذ إلى ~~فناء المدرسة. # وقف التلاميذ في الفناء صفا صفا، ونادى الضابط المعاقبين وكانوا كثيرين في ms34 ذلك ~~اليوم، وانتظر التلاميذ ناظر المدرسة إلى أن وافاهم، وأدوا له التحية وهو واقف على درج ~~لم يكن غير «سلم الفناء»، فأذن لهم بالانصراف، فغادروا باب المدرسة وهم ثملون بخمرة ~~حريتهم بعد سجنهم. # خرج حسن أمين «أبو الإنشاء» مع من خرجوا من التلاميذ وهو يتعثر بأثواب خجله وخيبته، ~~وما زال يفكر فيما سمعه من أستاذه أمام إخوانه إلى أن وصل إلى باب المدرسة الخارجي، ~~فابتدره البواب قائلا: ما الذي يشغل بالك يا حسن بك؟ ~~- لا شيء يا عم طه. # وسار حسن في شارع درب الجماميز وهو مطأطئ الرأس إلى أن وصل إلى ساحة باب الخلق، وهناك ~~عرج على قهوة وطنية معلقة عليها لوحة مكتوب عليها بالثلث «النادي المصري»، وجلس في ركن ~~من أركانها يفكر كالشاعر الذي يمنعه خياله عن رؤية ما حوله، ثم وافاه خادم القهوة ~~حاملا تحت إبطه جريدتين، وضعهما أمامه وهو يقول: هاك اللواء والمؤيد يا سيدي، وسآتيك ~~بالأهرام والمقطم بعد أن أعد لك القهوة. # وتركه ليجيب طلب معمم من لابسي الجلاليب الزرقاء. # أمسك حسن ب «اللواء» في يده، وقرأ كل ما فيه مستثنيا الإعلانات، وهم بقراءة المؤيد ~~وإذا به يرى الخادم يضع أمامه فنجان القهوة يحف به المقطم والأهرام، فأعطاه حسن قرش صاغ ~~وشكره الخادم وانصرف. # وقرأ حسن الجرائد الأربع، ثم هم واقفا وحمل محفظته تحت إبطه، وسار الهوينا لمنزله، ~~وكان يسكن الحمزاوي. وصل حسن منزله عند الغروب بعد أن قال لنفسه في الطريق: «لقد ~~امتلكت تلك المقالة نفسي، وأسرت لبي، فلله در كاتبها فهو أفضل من كتب!» وتاه في بيداء ~~أفكاره قليلا، ثم علت شفتيه ابتسامة تشف عما في قلبه من فرح وقال: «يا حبذا لو تحققت ~~تلك الأحلام! أأغدو يوما ما كاتبا؟! من يدري؟!» ثم قرع باب منزله ثلاثا، ففتح له ~~الباب وصعد السلم، فرأى والدته تنتظره في ردهة البيت، فقبل يدها وقبلته في خديه، وقالت ~~له: لقد تأخرت يا حسن، فأين كنت؟ ~~- كنت أقرأ الجرائد يا أماه. ~~- قراءة الجرائد يا ولدي أكبر مدعاة لإهمال ms35 الدروس، فخل عنك قراءتها واشتغل بما ~~ينفعك. ~~- إنك يا أماه تجهلين ما يجري خارج المنزل؛ ولذا تلقين القول جزافا. ~~- أنا لا أنكر يا ولدي أني جاهلة، ولكن شعوري يوحي إلي بما ينفعك. ~~- لقد أنبني أستاذي اليوم؛ لأني تبعت ما يوحيه إلي شعوري، فوالله لا أدري أأصغي ~~لنصائح الأم أم لنصائح الأستاذ! # وترك أمه ودخل إلى غرفته. ~~••• # حسن أمين هو ابن المرحوم مصطفى أفندي أمين، الذي كان كاتبا بنظارة المعارف العمومية ~~في عهد توفيق باشا، والذي أحيل على المعاش قبل وفاته بسنتين. توفي مصطفى أفندي في سنة ~~وفاة عزيز مصر، تاركا ولده حسن وزوجته عزيزة وبيتين صغيرين في شارع الحمزاوي استبدلهما ~~بمعاشه، كان يسكن الطبقة العليا من أكبرهما، ويتقاضى سبعة جنيهات أجرة الثلاث طبقات ~~الباقيات. # مصطفى أفندي رجل لا يعرف عنه إلا أنه مصري الأرومة، طويل القامة بدين الجسم، إذا غضب ~~استرسل في غضبه دفعة واحدة وتناساه دفعة واحدة، وكان أكولا، له في أنواع الأطعمة ~~وألوانها آراء جرت بين أهل ناحيته مجرى المثل، ولكنه كان محبوبا من جيرانه يعظمونه ~~ويذكرونه بالحسنى، ويقفون له إذا مر أمامهم كأنه سيدهم وعميدهم. # لم يذق مصطفى أفندي في حياته الحب، ولم يستوجف فؤاده ذلك الشيطان الرجيم، ولكنه كان ~~ممن إذا مرت أمامهم سيدة تحدثوا بجمالها الفتان وحسنها الرائع. تزوج مصطفى أفندي في ~~شبابه سيدة لم تضرب في الجمال بسهم وافر، ولكنها كانت عفيفة سلسة القياد، تقتصد في ~~بيتها وتكره التغالي في الزينة والتبهرج. عاشرته تلك السيدة دهرا طويلا أذاقته فيه ~~حلاوة العيش، ثم ماتت ولم تترك في أحضانه ولدا ولا بنتا. # أسف مصطفى أفندي على زوجته أسفا كبيرا، وبكاها آناء ليله وأطراف نهاره؛ حتى أصيب ~~بمرض أورثه الضعف والهزال. وكان قد بلغ الخامسة والخمسين، فأشار عليه بعض أصدقائه أن ~~يتزوج فتاة حسناء تزيل ألحاظها الساحرة عن قلبه نار آلامه المستعرة. ضحك مصطفى أفندي ~~لهذه الفكرة، وظنها كالحلم العذب اللذيذ الذي يمر ببال النائم في ظلام الليل، ولا يلبث ~~أن يزول إذا ظهر في الفضاء شعاع ms36 الشمس، ولكنه راود فكره كثيرا، ورأى في نفسه الحاجة ~~لتلك الزوجة، وما زال يجادل نفسه ويزيل العقبات من سبيله إلى أن تجسمت في مخيلته تلك ~~الفكرة، وأصبح تحقيقها أمنيته الوحيدة، وبحث مصطفى أفندي عن تلك الفتاة كثيرا إلى أن ~~وفق لعائلة ربتها شركسية، توفي زوجها المصري تاركا لها ابنة وولدا، فخطب مصطفى أفندي ~~الابنة وكانت تبلغ الثامنة والعشرين، وقبلت الأم وهي متهللة الوجه لانصراف شبان الناحية ~~عن ابنتها، ولم يهتم مصطفى أفندي بجمال زوجته؛ إذ لم يكن جمالها غاية الشيخ المريض الذي ~~لا يرجو من امرأته إلا عفتها واعتناءها به، وتزوج بها وعاشت معه ثلاث سنوات، ماتت في ~~السنة الأولى منها أمها، ثم ولدت له ولدا سماه حسن، فرح به فرحا كاد أن يقتله، وما ~~زال يرتع الولد في أحضان أبيه وأمه إلى أن توفي مصطفى أفندي بالغا الثامنة والستين، ~~تاركا ولده بالغا من العمر عشر سنين. # نشأ حسن ضعيف الإرادة - وابن الشيخ المريض لا ينشأ إلا على هذه الحالة، لا يقدم على ~~عمل إلا بعد أن يتردد فيه كثيرا، وإذا أقدم عليه ود أن يتركه، ولكنه كان يميل للتفكير ~~والخيال، وكان به شغف بالكتابة عظيم، استحق به في المدارس الابتدائية لقب «أبا ~~الإنشاء»، ذلك اللقب الجميل الذي لم يفارقه يوم دخوله المدارس الثانوية. # عاشت عزيزة بالسبع دنانير التي كانت تتقاضاها من أجرة البيتين، ولكنها وجدتها غير ~~كافية لقضاء حاجياتها وحاجيات ابنها البالغ السادسة عشرة؛ ولذا وطدت العزم على العمل، ~~فاشتغلت بالخياطة والاتجار ببيع الأقمشة في بيوت الأغنياء والعظماء، فكانت تربح من وراء ~~ذلك ما تسد به نفقاتها ونفقات تعليم ابنها. # دخل حسن غرفته بعد أن ترك والدته في ردهة البيت، ووقف فيها هنيهة كأنه يقرئ السلام ~~كل ما في الغرفة من كتب وفراش؛ إذ للجماد في قلوب أهل الخيال مكانة لا تقل عن مكانة بني ~~الإنسان. وقف حسن هنيهة، ثم أرسل زفرة أطلقتها جوانحه، لم يسمعها غير كلبه الأمين ~~«سحاب» الذي أتاه يبصبص بذنبه كأنه يسأله الصفح عن تأخره. ms37 جلس حسن على كرسي ونظر لكلبه ~~نظرة العاتب، ثم ناداه بصوت حنون رقص له الكلب طربا وقفز ليجلس على ركبتي سيده، فأمسك ~~به حسن وداعبه قليلا قائلا له: «أين كنت يا سحاب؟ وإلى متى تهمل سيدك وهو الذي أحسن ~~إليك وآواك إلى منزله ليلة كنت ترتعد بردا أمام الباب، وقد نبذك أصحابك كما ينبذ الطفل ~~النواة؟ أهذا جزاء الإحسان؟» وتمادى حسن في عتابه، واستمر الكلب في إظهار ولائه، وكان ~~الوقت - كما قلنا - وقت الغروب، وقد اختفت الشمس ولم يبق في الأفق إلا احمرار الشفق، ~~وحانت في تلك الساعة التفاتة من حسن للنافذة، فإذا به يرى في البيت الذي يقابل لبيته ~~فتاة تطل من نافذتها لتمتع بصرها بجمال الطبيعة، وتنظر نظرة المعجب لتورد خدود السماء. ~~نظر حسن للفتاة نظرة لم تعرها التفاتا كأنها أتت للنافذة وفي قصدها غير لقائه؛ إذ ~~الحياء كما نعلم من خلق النساء. ناداها حسن بصوت يسمع السامع منه رنين الحب والخوف، ~~فالتفتت إليه جافلة كما يجفل الريم وقد سمع خطوات الصياد. ثم اطمأنت له بعد أن عرفته، ~~وأشار إليها بالسلام فردته بأحسن منه، وتلى سلامه بقبلة أرسلها على أطراف أنامله، احمر ~~لها وجه تلك الفتاة الخرود «الكثيرة الحياء»، فكسرت من طرفها، ثم رفعته إليه وقد علت ~~شفتيها ابتسامة جمعت بين آية الجمال والهيام، وابتدأ حسن في محادثتها، فكانت تسمع كلامه ~~كأنها كانت معه في غرفته؛ إذ لم يكن بين بيته وبيتها غير ثلاثة أمتار لا يعرفها إلا من ~~عاش في أمثال ناحية الحمزاوي. # قال لها حسن: إني سعيد بلقائك يابنة خالتي، ولقد فكرت فيك طول اليوم وأنا مثلوج ~~الفؤاد، وكنت كلما استرجعت في مخيلتي صورتك المحبوبة، أشعر بالفرح يهز عطفي، وبالسرور ~~يتمشى في جوانحي. كيف حالك اليوم؟ ~~- كما ترومه أنت، وكيف حالك؟ ~~- المحب المحبوب لا يشعر بحزن، ولا يتفجع لمكروه. ~~- وهل حل بك مكروه؟ ~~- لقد خاصمني أستاذ النحو اليوم، وعاقبني أمام إخواني الطلبة حتى ندي وجهي ~~عرقا. ~~- أتعد يا عزيزي خصام الأستاذ مصيبة تفتت الكبد وتمزق الأحشاء؟! ms38 ~~- خصام كل أستاذ سهل على أفئدة الطلبة، ولكن خصام «الصاعقة» ... ~~- أما زلت تسمي أستاذ النحو ب «الصاعقة»؟ ~~- اسم وافق مسماه يا عزيزتي. ~~- دع عنك هذا الفكر جانبا ولنفكر بأمر آخر. ~~- لنفكر بحبنا، فهو أحسن وقعا على قلبي. # أمالت لبيبة بعطفها عند سماعها كلمة الحب للمرة الثانية، ونظرت إليه نظرة المحبة ~~الوفية الصادقة، وقالت: وهل يبقى هذا الحب في قلوب الرجال طويلا؟ ~~- ما بقيت الأرض والسماء. ~~- ألم تستهو فؤادك اليوم نظرات الغيد في الطريق؟ ~~- أسير في الطريق وصورتك في مخيلتي. أنت معي في كل مكان؛ في البيت وفي المدرسة وفي ~~الشارع وفي الحدائق، حتى وفي الساعة التي أجتهد فيها لفهم درس يصعب على سواد الطلبة ~~فهمه. أنت الحياة. أنت الوجود. أنت الدنيا وما فيها من نعيم، وإني أقسم لك على الوفاء ~~حلفة عاشق صدوق المقال يبر بقسمه حتى آخر نسمة من نسمات حياته. # واستمر المحب يغازل حبيبته و«سحاب» جالس عند أقدام صاحبه كأنه الشاهد العدل على هذا ~~الحب، وعلى هذه الأقسام التي تترى على ألسنة الناس ولا تلبث أن تذروها الرياح. وسمعت ~~لبيبة أمها تناديها، فأسرعت للقائها بعد أن حملت النسيم قبلات عديدة، وكاد أن يشعر ~~حسن بحرارتها على خديه، وما لبيبة هذه إلا ابنة تبلغ السابعة عشرة تربت تربية حسنة، ~~وتعلمت تعليما يحسدها عليه الكثيرات من أترابها، وأبوها عبد الرءوف أفندي خال حسن، رجل ~~طيب السيرة والسريرة، سكن أمام منزل المرحوم مصطفى أفندي بعد وفاته؛ ليكون عونا لأخته ~~«والدة حسن» إذا دعتها الحال لطلب المعونة، والحياة تدعو النساء كثيرا لذلك. # وقف حسن بعد أن غادرته ابنة خاله قليلا، ينظر للسماء تارة ولنافذة حبيبته تارة أخرى، ~~إلى أن سمع صوت أمه تناديه قائلة: لقد أعددت الطعام يا حسن. هيا لتتناول عشاءك. ~~- ها أنا ذا يا أماه ... # | الفصل الثاني # - ألم تقرأ مقالة إبراهيم يسري في مؤيد أمس؟ ~~- لم أطالع الجرائد أمس. ~~- أنا أعلم الناس بعاداتك يا محمود، فأنت ممن يأنفون من مطالعة الجرائد. ~~- بل أنا يا عبد العزيز ممن لا يضيعون أوقاتهم ms39 في قراءتها. ~~- بل ممن يضيعون أوقاتهم في لعب الكرة. ~~- الكرة ديدني يا عزيزي، وإني لا أجد فيها ضياعا للوقت كما تزعم، وهل وقع إبراهيم ~~مقالته باسمه؟ ~~- كتبها تحت اسمه المستعار كعادته. ~~- إني لا أعرف لقبه الجديد. ~~- لقد كتبها تحت اسم «ابن بطليموس». ~~- لقب مضحك. # والتفت يمينا فرأى حسن أمين يقترب منه فصاح به قائلا: ألا ترى يا أبا الإنشاء في ~~لقب «ابن بطليموس» ما يدعو للضحك؟! ~~- لقد قرأت مقالته، وأعجبني فيها سمو خياله، وجمال أسلوبه؛ إذ وصف الأهرام وأبا الهول ~~وصفا دل على سلامة ذوقه ونصاعة بيانه. ألا تشاطرني رأيي هذا يا محمود؟ ~~- أنا لا أشاطر الناس أفكارهم في شيء لم أقف عليه، وأظن أخي عبد العزيز يوافقني على ~~ذلك وإن كان ينكر علي إهمال مطالعة الجرائد. # فقال عبد العزيز وهو كاره: إن أهوائي لا توافق أهواءك يا محمود، فعبث الكلام في ~~ذلك. ~~- إني ذاهب لأرى من أميل إلى مذهبه. # وترك محمود رفيقه ومشى يوسع الخطا مبتعدا عمن لا يتكلمون إلا في جودة الإنشاء وطلاقة ~~اللسان. ثم التفت عبد العزيز لحسن وقال له: وما رأيك أنت؟ إنك بلا شك ممن لا يغضبهم ~~الكلام النافع. ~~- وهل ظننت في غير ذلك؟ ~~- كلا وحاشا أن أظن فيك الظنون، ولكني أرى بين نابتة اليوم قوما لا يعبئون بخدمة ~~بلادهم ولا يعملون إلا على خذلانها بانصرافهم للهو والألعاب؛ ولذا تراني أرثي لحال ~~محمود مع اعترافي له بالتفوق في لعب الكرة. أنا لا ألوم التلاميذ الذين يخصصون جزءا من ~~وقتهم للتريض، ولكني ألوم الذين لا يفعلون ذلك. إن للدرس يا حسن ساعة وللتريض ~~ساعة. ~~- بلا شك، ولكن أتعلم كيف توصل إبراهيم يسري للكتابة في جريدة كبيرة؟ ~~- ابتدأ بالكتابة في جريدة صغيرة، وشجعه صاحبها على المثابرة حتى ثبتت أقدامه في ~~ميدان الكتابة، وهو ميدان وعر كما تعلم، ووجد في نفسه الكفاءة لأن يحرر في جريدة يقرؤها ~~سواد الناس في مصر، فكتب في المؤيد. ~~- ولكن علام تسألني يا أبا الإنشاء هذا السؤال؟ أفي نفسك ميل للكتابة في ~~الجرائد؟ ms40 # منع الحياء حسن أن يصرح عما يجول في خاطره، فأجاب صديقه قائلا : أنا أكتب في ~~الجرائد؟! هذا أمل قل أن يتحقق. ~~- ولم لا؟ إن أسلوبك يا عزيزي أنيق الديباجة مهذب اللفظ، ولا أغالي إنك في مدرستنا ~~منقطع القرين. # وعندما سمع حسن عبارات المدح من فم صديقه قال دفعة واحدة، وقد أنساه المدح حياءه ~~الطبيعي: أتظن أن أسلوبي أرق من أسلوب إبراهيم يسري؟ # وعلت وجهه بعد ذلك حمرة الخجل كأنه لم يكن ينتظر من نفسه أن يتفوه أمام أحد إخوانه ~~بكلام يشم منه رائحة للغيرة. ~~- إبراهيم كاتب تستعيد الأسماع عبارته، ولكنه دونك بمراحل. ~~- إنك تمزح يا عبد العزيز. ~~- لم أتعود المزح متى كنت جادا. إني ألومك على كسلك وإهمالك السير في الطريق التي ~~اختطتها لك مواهبك، ولكني أحذرك لحيائك، فأنت وإن كنت أفصح التلاميذ عبارة فأنت أكثرهم ~~حياء وأشدهم خجلا. ~~- هذا حق لا مرية فيه، وإني أشكو لنفسي حياء نفسي. # وسمع حسن تلميذا يناديه من بعيد فاعتذر لصاحبه وفارقه وهو فرحان جذلا، واتخذ بعد ~~ذلك عبد العزيز وجهة الحديقة، وفيها لاقى إبراهيم يسري، فقابله وهو متهلل الوجه وصافحه ~~وهو يقول له: لله درك! لقد قرأت مقالتك، وما زلت ثملا بخمرة بلاغتك إلى الآن. ~~- خمرة بلاغتي؟ إنك تغالي في القول. ~~- أقسم لك بالله وبالشرف إني لا أقول إلا الصدق. ~~- وهل قرأت المقالة حتى آخرها؟ ~~- واستعدتها ثلاث مرات متواليات، وقرأتها للمرة الرابعة صباح اليوم وأنا في ~~الترام. ~~- وما رأي إخواني الطلبة فيها؟ ~~- كلهم يحبذون عملك، ويقرون لك بالتفوق في ضروب الإنشاء، ومن بينهم من يحسدك. ~~- من يحسدني؟! وعلام هذا الحسد؟ # لأنهم يودون الصعود بلا تعب إلى المكانة التي وصلت إليها بجدك وعملك. ~~- ومن هم هؤلاء؟ ~~- لم أحادث إلا فردا منهم. ~~- ومن هو؟ ~~- إني لا أحب نقل الكلام من أفواه الحاسدين إلى آذان المحسودين. ~~- أنت صديقي وأخي، ولم أتعود منك إخفاء الحقيقة عني. ~~- اعذرني يا صديقي إذا كتمت اسمه عنك. ~~- وهل في ذكر اسمه من بأس؟ ~~- كلا، ولكن علام كثرة الكلام في مثل ذلك. ms41 ~~- لقد عرفته، فهو بلا شك أحمد عبد الله. إنه نظيري من يوم أن أمسكت أناملي ~~القلم. ~~- إن الله لا يحب الظالمين يا إبراهيم، وحرام أن تظلم الأبرياء. ~~- هو إذن علي فؤاد. إنه لا يقر لي بفضلي ويهزأ بمقالاتي. ~~- ولا هذا أيضا. إنك تحتال علي لأصرح لك باسم ذلك الذي أخطأ في غمطك لا في ~~حسدك. ~~- إذا كان هو ممن يغمطونني، وليس ممن يحسدونني فلماذا لا تصرح باسمه؟ ~~- أخشى أن تكون قد كتمت له الضغينة. ~~- لست خسيس النفس ولا غليظ الطبع لأفعل ذلك. ~~- حاشا أن تكون كذلك يا إبراهيم، ولكي أبرهن لك على حسن ظني فيك أقول لك: إن الذي ~~غمطك هو حسن أمين. ~~- أبو الإنشاء! ... # وضحك إبراهيم يسري ضحكة طويلة، وأردف ضحكه بقوله: لقد قرأت له موضوعا إنشائيا رفع ~~فيه المفعول ونصب الفاعل، وكاد أن يسكن المبتدأ لولا أن تداركته رحمة من ربه. إذا كان ~~هذا الفتى - أستغفر الله - بل «هذه الفتاة» يحسدني على ما أنا فيه من نعمة وهناء فبشره ~~بخذلانه وانحداره؛ لأنه لا ينهض ولن ينهض من الهاوية التي رماه فيها حياؤه ~~النسائي. ~~- إن في نفسه ميلا للكتابة في الجرائد. ~~- يريد أن يجاريني؟ ~~- بل يريد أن يظهر للناس بلاغته. ~~- إنه قلق المعاني مضطرب المباني، وسيبقى كذلك إلى ما شاء الله. # ودق الناقوس فأسرع الطلبة للدخول في الفصول. ~~••• # جلس حسن أمام مكتبه، وأخرج من قمطره كتاب كليلة ودمنة وألقاه أمامه غير عابئ به، ~~ثم مكث هنيهة يفكر كأنه يسائل نفسه الإقدام على شيء، ثم أخرج من درجه ورقة بيضاء ومن ~~جيبه قلما من الرصاص، وأسند رأسه بيده اليمنى واضعا قلمه بين يديه مستسلما لأمانيه ~~العذبة وأحلامه اللذيذة، ودخل في هذه الساعة أستاذ المطالعة - وكان غير الصاعقة - فقامت ~~له التلاميذ وقوفا لتؤدي له التحية، ومكث حسن جالسا كأنه لم يعبأ بأستاذه، ولحسن حظه ~~لم يلتفت إليه الأستاذ. ابتدأ التلاميذ في المطالعة، وكان أول القارئين فتى من أبناء ~~ملوي، له لهجة أبناء الصعيد، وهي لهجة تستهجنها آذان أبناء مصر وإن كانت ms42 أقرب للعربية ~~الفصحى من لهجتهم التي لا تنبو عن أسماعهم. قرأ التلميذ واسترسل في قراءته، وفسر ~~الألفاظ المغلقة وكان يعارضه الأستاذ في معانيها، والأستاذ من الأساتذة الذين يتعمدون ~~الكلام باللغة الفصحى، له منظار لا يفارق عينيه إلا ساعة نومه، ويقال إن أول شيء تمتد ~~إليه يده عند استيقاظه من نومه هو منظاره الكريم؛ ولذا اعتاد أن يضعه تحت وسادته. وقيل ~~إنه حل بالمنظار في إحدى الليالي حادث جلل، وكان الأستاذ مستغرقا في النوم، فلما ~~استيقظ في الصباح بحث عن منظاره كعادته، فوجد زجاجه مهشما؛ فلم يفارق سريره طول يومه. ~~كل هذا لا شأن له في قيمة الأستاذ؛ لأنه كان وديع الأخلاق، لطيف السجايا، محبوبا من ~~التلاميذ لتساهله ورقته. # انتهى التلميذ الأول وابتدأ الثاني، وحسن تائه في بيداء أفكاره، يكتب في ورقته جملة ~~ويشطب أخرى، ولا يسمع إلا «قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف» تقطع عليه أحلامه ~~الخيالية. وما مرت الساعة إلا ومقالة حسن كادت أن تتم إلا قليلا، ودق الناقوس فهرعت ~~التلاميذ للخروج، وطوى حسن رسالته ووضعها في جيبه، وحمل محفظته تحت إبطه، ووضع يديه في ~~جيبي «بنطلونه»، ومشى يترنح يمنة ويسرة وقد أسكرته خمرة ما خطته يده. # خرج حسن مع من خرجوا من التلاميذ، ومر أمام البواب كعادته، فقال له البواب وقد رآه ~~مسرورا: أسعدت مساء يا حسن بك. ~~- أسعدت مساء يا عم طه. # وابتسم حسن للبواب وأخرج من كيسه قرشا أعطاه له في يده، فشكره البواب ودعا له. وسار ~~حسن في شارع درب الجماميز إلى أن وصل إلى قهوة «النادي المصري»، وجلس في الركن الذي ~~اختارته نفسه منذ طرقت قدماه أرض هذا النادي المبارك، وطلب من الخادم القهوة كالعادة ~~وورقة بيضاء وقلما وحبرا، وما لبث في مكانه هنيهة إلا وأتاه الخادم بما طلب وزاد عليه ~~الجرائد الأربع، وأتم حسن مقالته في النادي، وفيه انتهى من تبييضها أيضا، وجلس يقرؤها ~~للمرة الأخيرة، واستوقفه عنوانها ثلاث دقائق، وكيف لا يستوقفه هذا العنوان هذه المدة ~~الطويلة وهو عنوان غريب وجميل؛ «الأم الشفيقة ms43 القاتلة»! وما هي تلك الأم التي تشفق على ~~أبنائها، ثم لا تلبث أن تزهق أرواحهم؟! هي بلا نزاع البورصة، وإنه حقا اسم وافق ~~مسماه. قرأ حسن العنوان للمرة الخامسة والعشرين بعد المائة وهو يبتسم ويقول لنفسه: «ليت ~~شعري! أينشر صاحب الجريدة مقالتي هذه؟ ولم لا ينشرها؟ وهل أنا أقل شأنا ممن يكتبون في ~~جريدته؟! لقد شهد لي القاصي والداني في المدرسة بمتانة الأسلوب وعلو الأفكار. إنها بلا ~~شك ستنشر ولا نزاع في ذلك.» # وقرأ مقالته مرتين، وأراد أن يقرأها للمرة الثالثة، ولكنه سئم من التكرار فطواها ~~ووضعها في ظرف أتاه به الخادم وكتب على الظرف بخط واضح: # إدارة جريدة الحقائق بالقاهرة # حضرة الفاضل رئيس التحرير # مصر # وهم واقفا وهو يبتسم، ثم سار في شارع محمد علي موسعا الخطا، ومر على أربعة من ~~صناديق البريد، ولكنه فضل أن يلقي خطابه في «دار البريد الكبرى» بالعتبة الخضراء؛ ليكون ~~آمنا عليه، ولما وصل إلى تلك الدار ألقى في صندوقها الخطاب، ثم أرسل زفرة طويلة تعبر ~~عما يخالج قلبه من ألم اليأس وحلاوة الأمل. # | الفصل الثالث # - ماذا تفعلين يا لبيبة؟ ~~- ألبس ردائي الجديد يا أماه. ~~- وعلام تلبسينه وأنت لا تغادرين الدار اليوم؟ ~~- وهل يسوءك ذلك؟ ~~- كلا يابنتي. # لم تلبس لبيبة رداءها الجديد إلا ليراه حسن، ونعيمة هانم أمها لا تجهل ذلك ولكنها ~~تتجاهله؛ لأن الأمهات يتغاضين عن هفوات بناتهن، ويسعين سرا في إصلاحها؛ ولذا سكتت ~~نعيمة هانم ولم تناقش بعد ذلك فتاتها فيما فعلت. # وظلت لبيبة تروح وتجي أمام المرآة وهي تصلح من شأنها إلى أن حان ميعاد حبيبها، فذهبت ~~إلى الغرفة التي تطل من شباكها؛ لتقرأه السلام، وتستقبل قبلاته الحارة يحملها إليها ~~نسيم الغروب. ~~••• # دخل عبد الرءوف أفندي بيته ونادى زوجته؛ لتساعده على خلع ملابسه فلبت نداءه، وبعد ~~أن لبس لباس المنزل جلس على مقعد من الخيزران، وأشعل سيجارة واسترسل في تأملاته، وجلست ~~زوجته بجواره وهي تنظر للدخان المتصاعد من فمه إلى سقف الغرفة. ثم التفت إليها بعد قليل ~~وقال: سنغادر هذا المنزل ms44 آخر الشهر. ~~- ماذا تقول؟ ~~- أقول إنا سنغادر هذا المنزل آخر الشهر. ~~- وإلى أين نذهب؟ ~~- إلى حيث يسوقنا القدر. ~~- أنغادر القاهرة؟ ~~- هذا ما لا ريب فيه. ~~- وأي حادث حدث؟ # حدث ما لم يكن في الحسبان. لقد خاصمني رئيسي في الديوان، فسعيت مرارا لحمله على ~~نسيان تلك الهفوة الصغيرة فأبت نفسه الصفح، وقرر نقلي في آخر الشهر. فلعنة الله على ~~الدساسين الذين لا تهدأ نفوسهم إلا إذا أوقعوا بين المرء وأخيه. ~~- ومن هم هؤلاء الدساسون؟ ~~- قوم في الديوان عادوني لنشاطي واستقامتي، وعز عليهم أن أكون محبوبا من رئيسي، ~~فتقربوا إليه بحيلهم الشيطانية وانتظروا هفوة صغيرة ارتكبتها، فلما حانت لهم الفرصة ~~أغروه على نقلي، فصدع لإغرائهم. ~~- أما من رجاء في صفحه؟ ~~- لقد فعلت المستحيل فلم أنجح فكلي الأمر لله. # سكتت نعيمة وقد هالها ما سمعت، ومكثت مدة وهي تفكر في أشياء كثيرة. عز عليها أن ~~تغادر هذه الدار التي تربت فيها ابنتها. عز عليها أن تبتعد عن المنزل الذي يسكن فيه ~~أهل زوجها. عز عليها أن تفارق القطعة التي ألفتها، وعز عليها أن ترى الدمع يجول في ~~عيني ابنتها؛ لفراق من وهبته روحها الطاهرة. والأم وإن كانت تكره من ابنتها أن تميل ~~لأحد الشبان، فإنها تكره أيضا أن تراها تبكي وتنتحب لفراق من تميل إليه، وما زالت ~~نعيمة هانم مسترسلة في أفكارها إلى أن قال لها زوجها: وما قولك في هذه المصيبة ~~الجديدة؟ ~~- وماذا تريد أن أقول؟ ~~- كنت أظن أني سأنقل إلى بلدة قريبة كالجيزة حتى لا أرغم على مفارقة هذا المنزل ~~المحبوب، ولكني سمعت اليوم، بل تأكدت، إنا سنسافر إلى أسيوط أو إلى دمياط. ~~- يا لله! سنحرم من لقاء أحبابنا أعواما عديدة. ~~- ربما كان الأمر كذلك. تلك بلاد لا نعرف من أهلها أحدا، وسنعيش فيها كالغرباء حينا ~~من الدهر. عيشة الغرباء مؤلمة لا تحتملها النفس. ~~- تلك مشيئة الله يا عبد الرءوف. ~~••• # بينما كان عبد الرءوف أفندي يحادث زوجته كانت ابنته لبيبة واقفة أمام الشباك وقد ~~أسندت رأسها بذراعها، واستسلمت لأحلام غرامها إلى ms45 أن سمعت صوت ابن عمتها يقول: مساء ~~الخير يا عزيزتي. # احمر وجه لبيبة وقالت: أسعدت مساء يا حسن. كيف حالك اليوم؟ ~~- كما يود لي كل حبيب. ما هذا الثوب الجميل؟ ~~- أتراه جميلا؟ ~~- جدا، ولكنه أقل جمالا من لابسته. ~~- أتظن ذلك؟ ~~- بلا شك يا فاتنتي، إن ثوبك جميل ويزيده جمالا قدك الأهيف، وشعرك الأسود، ومعصمك ~~الجميل، وعيونك الساحرة. ~~- لا تطل مديحك يا حسن. ~~- أنت حورية من حور الجنان، وأنا عبدك الواله المطيع. ألا تعرفين يا لبيبة فيم أفكر ~~كثيرا؟ ~~- في نوالك الشهادة. ~~- أنا لا أنكر أني أفكر في ذلك، ولكني أفكر في أمر آخر تصبو إليه نفسي كثيرا. احذري ~~يا لبيبة. احذري فإنه يلذ لي أن تحذري ما يجول في فكري في كل دقيقة بل في كل ~~ثانية. # سكتت لبيبة هنيهة لتفكر ثم قالت: لا أعلم. ~~- إنك إذن لا تحبينني؛ لأنك لا تفكرين فيما أفكر فيه. # احمر وجه لبيبة ووضعت كفها على وجهها لتخفي احمراره؛ لأنها أدركت أن حسن لا يفكر إلا ~~بزواجه بها وهو ما تفكر فيه أيضا. ثم قالت له بعد قليل: بأي شيء تفكر يا حسن؟ ~~- ألم تدركي بعد، إني أفكر في زواجنا؟ فهل تفكرين فيه أيضا؟ # فقالت وهي مطأطئة الرأس: في كل آونة. # فابتسم وقد سره سماع هذا الإقرار من ذلك الفم الجميل، ثم قال لها وقد ارتسم السرور ~~على وجهه: إني سعيد يا لبيبة اليوم لثلاثة أمور؛ أولها: رؤيتك في هذا الثوب الجميل، ~~وثانيها: إقرارك لي بأنك تفكرين في زواجنا كل آونة، وثالثها: أمر آخر لم يتحقق ~~بعد. ~~- وما هو؟ ~~- أنت تعرفين أني أحب الإنشاء كثيرا. ~~- نعم. ~~- وأود أن أصبح يوما كاتبا عظيما في إحدى الجرائد. ~~- نعم. ~~- لقد أقدمت على عمل عظيم اليوم. ~~- وما هو؟ ~~- كتبت مقالة وأرسلتها لتنشر في إحدى الجرائد. ~~- ولأي جريدة أرسلتها؟ ~~- لجريدة الحقائق ... # ولم تبد لبيبة اهتماما كبيرا لما أخبرها به حسن لتفكيرها بحبها وزواجها وسعادتها، ~~فعز على حسن، بل ساءه كثيرا أن يرى من لبيبة ذلك. فاحمر وجهه قليلا وغص بريقه ms46 عندما ~~حاول متابعة حديثه شأن كل حي يدفعه الحياء إلى ما يقرب من الجبن، ثم نظر إلى السماء ~~كأنه يسأل الله خلاصه من خيبته، ثم نظر إلى الأرض هربا من نظرات لبيبة، وكأنها شعرت ~~بما يدور في خلده، فودت إصلاح خطئها، فحادثته بصوت حنون تبرأ عند سماعه القلوب الكليمة ~~قائلة: أواثق أنت من نشر مقالتك؟ ~~- لا أعلم. # وسكت خوفا من الكلام فابتسمت لبيبة ابتسامة تعبر عن هزيمتها، وسكتت ناظرة ~~للفضاء. # لبث حسن هنيهة يفكر، وكل فتى حي يحلو له التفكير؛ إذ فيه التعزية الكبرى لخيبته، وقد ~~حدا به فكره إلى مغادرة حبيبته، ولكنه لم يستصوب هذا الرأي؛ مخافة أن يسيء لمن يهوى ~~فزادت حيرته، ولكنه اهتدى دفعة واحدة لرأي ظنه صائبا، وسرعان ما يهتدي الفتى الحي ~~للآراء الجديدة، فقال لنفسه: سأشرح لها شئون الكتابة والكتاب لتقف عليها. فالتفت إليها ~~فوجدها تبتسم كأنها تسأله الصفح والرضى، فقال لها بصوت متهدج: إنك بلا شك لا تعرفين ما ~~يعانيه الكاتب عند كتابته مقالته. ~~- أود أن أعرف ذلك. # وكان هذا الرضى مفتاح استرسال حسن في حديثه فقال: آه يا عزيزتي، لو كنت تعرفين ذلك؟! ~~إن الكاتب إذا جلس أمام مكتبه وأمسك بالقلم في يده استرسل للتفكير أولا، فإذا ما ~~اختمرت الفكرة في رأسه أراد أن يكسو معانيها ألفاظا أنيقة تلذ القارئ، فإذا وفق لذلك ~~خطها قلمه على الورق الأبيض بالمداد الأسود، ويكون هذا شأنه في كل ما يكتب، ولا تظنين ~~أن الأفكار تترى في رأس الكاتب تباعا، ولا أن الألفاظ دانية القطوف. وإذا أراد الكاتب ~~أن يكون مبسوط العبارة، متناسب الفقر، بعيدا فيما يكتب عن شوائب اللبس؛ فإنه لعمري ~~يحاول المستحيل، والدليل أنا لا نجد في مصر عددا كبيرا من الكتاب. ~~- وإذا وفق الكاتب إلى كل ذلك؟ ~~- إذا وفق، يدخل جنة الحياة تحمله إليها ملائكة البلاغة. ~~- ما أحلى وقع هذا الكلام في أذني! أستحظى يا حسن بكل ذلك؟ ~~- إذا أراد الله لي الخير. ~~- سأسأله في كل لحظة أن ينيلك هذا المقام الرفيع. ~~- أنت إذن ms47 تشاطرينني فرحي؟ إنك لا تعلمين كم أنا سعيد بذلك! ظننتك لا تهتمين بما تصبو ~~إليه نفسي، بتلك الأمنية التي أصبح إذا نلتها أسعد إنسان في مصر، فإذا بك تسألين الله ~~أن أحظى بها عاجلا، فشكرا لك، اللهم شكرا لك. # ورفع حسن يدية للسماء شاكرا، فابتسمت حبيبته وقالت له: ومتى تظهر مقالتك؟ ~~- بعد ثلاثة أيام أو أربعة؛ لأنهم سيقدمون عليها مقالات كبار الكتاب، وإني أعدك أنك ~~ستكونين أول من يسمع بظهورها. ~~- يا لسعادة نفسي في ذلك اليوم! # ونظر المحبان للسماء فوجدا الظلام بدأ يضرب خيامه، فافترقا وهما يبتسمان. فلما أدار ~~حسن وجهه لغرفته وجد نفسه فيها وحيدا، ولم يطق أن يستأثر بسعادته الكبرى، فلم يدر ما ~~يفعل، فابتدأ بالقفز في غرفته، فإذا به يرى كلبه «سحاب» يقفز خلفه كأنه يشاطره هناءه ~~وسعادته. # | الفصل الرابع # أتى ناظر المدرسة الخديوية يمشي الهوينا إلى أن وصل إلى الدرج، فوقف عليه؛ ليحيي ~~طلبته قبل انصرافهم. وكانت الطلبة قبل ظهور ناظرهم في هرج ومرج، فلما رأوه قادما إليهم ~~لزموا السكون كأنهم كانوا متأهبين له. # حيا الطلبة رئيسهم وحياهم، وانصرفوا إلى الخارج والحرية نصب أعينهم، وليس شيء أحب ~~إلى قلب الطالب من تلك الساعة الجميلة؛ ساعة انتهائه من درسه واستنشاقه عبير ~~حريته. # مشى إبراهيم يسرى الهوينا إلى أن وصل إلى الباب الخارجي، وهناك قابل عبد العزيز ~~واقفا يمسح حذاءه وهو يطالع جريدة اللواء، فابتدره بقوله: هل من أخبار جديدة؟ ~~- لا أرى شيئا يستحق العناية. ~~- وباب المقالات؟ ~~- أرى فيه ردا لمن يكتب تحت لقب «عبد ربه» على مقالات أحمد نديم. ~~- لقد صار أحمد نديم ذائع الصيت بين كبار الكتاب. ~~- إنه يكتب منذ سنين عديدة. ~~- ومن هذا الذي يكتب تحت اسم «عبد ربه»؟ ~~- يقولون إنه موظف بإحدى النظارات، وآخرون يقولون إنه تلميذ ب «المدرسة السعيدية»، ~~وآخرون يقولون إنه من كبار قضاتنا. ~~- أصدق أنه قاض أو موظف، ولكني لا أظن أنه طالب. ~~- ولم لا؟ ~~- أيكتب الطلاب كلاما كهذا؟ ~~- وهل تستكثر عليهم ذلك وأنت منهم؟ ~~- إني ما زلت من الكتاب الحديثين. ms48 # وابتسم ابتسامة تدل على اعتقاده عكس ما يقول، ولا يستغرب القارئ ذلك من إبراهيم يسري ~~بعد أن عرف كل إخوانه أنه ممن يعتقدون في أنفسهم الألوهية في فن الكتابة، وزد على ~~ذلك أنه حسود يكره أن يرى تلميذا مثله يجاريه في مضمار القلم. أما عبد العزيز، فهو من ~~النمامين الذين تدب عقاربهم بين القوم فتقطع بينهم حبال الود والإخاء، وممن يتبعون ~~السيئة حتى يقضوا لبانتهم وينالوا غرضهم. # سمع عبد العزيز جملة إبراهيم وقال له: إني لا أعتقد ذلك. ~~- أأساوي «عبد ربه» وهو من جهابذة أهل العلم أصحاب النقد الصحيح والفكر ~~الثاقب؟! ~~- لكل منكم طريق لم يسلكه الآخر؛ أنت تكتب في الخيال وهو في النقد. ~~- وهل تظن أني عاجز عن انتقاد الكتاب أجمعين؟ ~~- أنا لا أقول ذلك، ويسرني أن أرى في نقدك - إن شاء الله - صواب الفكر ودقة ~~النظر. ~~- سوف تقرأ عن قريب في إحدى مجلاتنا الكبيرة عدة مقالات في معنى النقد وشروطه. ~~- وأتعشم أن تكون بتوقيعك. ~~- إن شاء الله تعالى. ألا ترى أن الكتاب الذين يكتبون في النقد يحيدون كثيرا عن ~~الصراط المستقيم؟ ~~- لا أرى ذلك. ~~- هذا لأنك لم تقرأ في الإنكليزية كتب النقد الصحيح، وهي كثيرة يا صديقي، وإن شئت ~~أقرضتك كتابا منها؛ لتقف على هذه الروح العالية المفقودة عند كتابنا - سامحهم ~~الله. # وانتهى عبد العزيز من مسح حذائه، ونفح ماسح الأحذية قرشا، ومشى مع إبراهيم جنبا ~~لجنب وهو يقول له: إني أشكرك يا عزيزي، ومتى أحظى منك بهذه المنحة العظيمة؟ ~~- غدا إن شئت ذلك. ~~- إن نفسي لتواقة لقراءة هذا الكتاب. ~~- غدا تبتدئ في مطالعته في حصة المطالعة الإنكليزية؛ لأن أستاذها، كما تعلم، لا يهمه ~~كثيرا ما تفعله التلاميذ. ~~- إنه إذا دخل الفصل جلس على مقعده إلى أن يدق الناقوس. ~~- ولكن نتيجته حسنة دائما. فما السر في ذلك؟ ~~- سعادة حظه. # عندما قال عبد العزيز كلمة «سعادة حظه» ضرب بيده على رأسه كأنه يأسف على نسيانه ذكر ~~أمر كان بوده أن يقوله ليسري. ثم قال له: لقد نسيت أن أقول ms49 لك إن صديقك أبا الإنشاء قد ~~أرسل مقالة لجريدة الحقائق. ~~- لقد أخطأت يا صديقي في إلصاق لفظ الصداقة بصفاته، وكان الأولى أن تقول «حاسدك» لا ~~صديقك. ~~- إنك ما زلت تضمر له الشر. ~~- إني أمزح معك يا عبد العزيز، ولا إخالك تعتقد في غير ذلك، وما موضوع ~~مقالته؟ ~~- البورصة. ~~- وما عنوانها؟ ~~- الأم الشفيقة القاتلة. ~~- ومتى أرسلها؟ ~~- منذ يومين. ~~- ومتى أخبرك بذلك؟ ~~- صباح اليوم. ~~- عنوان يأخذ بمجامع القلوب. إني أهنئ صاحبك يا صاح على هذا الذكاء. ~~- أما زلت تهزأ به؟ ~~- إن العنوان أطربني؛ ولذا تراني أترنح كالشارب الثمل. # ومشى وهو يترنح يمنة ويسرة مقلدا شارب الخمر، وضحك بعد ذلك ضحكة عالية، ثم التفت إلى ~~صديقه وقال له: بشر صاحبك بنجاحه في مسعاه؛ لأن صاحب «الحقائق» فقير المادة، فسوف يرى ~~في مقال أبي الإنشاء عونا له يستعين به. ~~- أتهزأ بصاحب «الحقائق» وأنت أول من كتب فيها. ~~- إن للحقائق فضلا علي، ولي عليها أيضا فضل عظيم، وأظنك لا تنكر ذلك. # ووصل الصاحبان إلى ميدان العتبة الخضراء، فقال عبد العزيز لصاحبة: كنت أود أن أتم ~~حديثي معك، ولكني مجبر على مغادرتك. ~~- وأين تقصد؟ ~~- شارع الموسكي؛ حيث أشتري «نصف دستة» من الشرابات. # وغادر عبد العزيز صاحبه، فوقف إبراهيم هنيهة ينظر طورا للغبراء وطورا للسماء، وهم ~~إلى جهة دار البريد، وإذا به يسمع صوتا يناديه، فالتفت خلفه ليرى المنادي، وعندها صاح ~~بملء فيه: أنت! أما دار بخلدي أن أراك اليوم، فيا حسن حظي! لقد صدق المثل العامي ~~«افتكرنا القط جانا ينط»، وأين كنت؟ # كنت جالسا على هذه القهوة (وأشار بيده لقهوة النيل) لأستريح، وإذا بي أراك تقلب نظرك ~~في أديم الأرض طورا، وفي صفحة السماء تارة أخرى، فقلت لنفسي، والنفس تحب لقاء الأدباء: ~~هاك طلبتك التي كنت تطمحين إليها منذ حين. فناديتك وأنا آمل أن تشملني بعطفك بعد أن ~~رميتني بهجرك وصدك. ~~- لا صد ولا هجر فيما فعلت أيها الأخ الكريم، ولكن المدرسة ... ~~- لا تلجئني لأن أقول: «العذر أقبح من الذنب.» ~~- مغفرة وصفحا لو كنت أذنبت، وتسامحا ms50 لو كانت الظروف أذنبت. ~~- هذا كثير يا عزيزي، فلا تجعلني بالله عبد لطفك أبد الدهر. ~~- لا يسع محدثك إلا أن يقر لك بالتفوق في كل شيء. ~~- هل لك أن تجالسني قليلا؟ ~~- ذلك ما تصبو إليه نفسي. إني كنت أنظر لأديم الغبراء تارة ولصفحة السماء طورا؛ لأني ~~كنت أبحث عن أخ كريم مثلك يسمعني من فيه آيات السحر الحلال. ~~- بورك فيك يا عزيزي. # وذهب الصديقان لقهوة النيل وجلسا أمام خوان صغير، وابتدآ في الحديث بعد أن صفق صاحبنا ~~الجديد مرتين، فلما أتاه خادم القهوة طلب منه أن يأتي إبراهيم بفنجان قهوة أتى به ~~الخادم بعد قليل. ~~- كنت منذ حين مع بعض الإخوان، وكنا نتحادث بشأن جريدتك. ~~- إني لأعجب لذلك بعد أن أغضيت الطرف عن جريدة لا أعدها إلا من بنات فكرك. ~~- لقد اعتذرت لك يا صديقي فلم تقبل عذري، وليس أمامي إلا شيء واحد أصلح به خطئي. ~~سأكتب في جريدتك من جديد حتى لا تقول عني إني أهملتها بعد أن كنت من العاملين على ~~نجاحها. ~~- أشكرك يا صديقي. ~~- ولكن كيف حال جريدتك؟ أفي عزمك أن تجعلها يومية؟ ~~- لعن الله من يذوق لذة العلم في بلد كمصر. إني أقرأ الجرائد والمجلات الأوربية، ~~وأقتطف منها ما لذ وطاب، وأنشره على صفحات جريدتي؛ ليستفيد منها المعمم والمطربش، ولا ~~يكون جزائي على كل ذلك إلا الصبر والإعراض. ~~- لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ~~- ولقد طرقت باب السياسة وباب الاجتماع، وأردت أن أكتب في الفلك والرياضيات، ولكن خاب ~~فألي وتلاشت كل آمالي، وكرهت الصحافة بعد أن كنت أتفانى في الزود عن حياضها. ~~- كل هذا يفت في ساعد أهل الأدب، ولولا أنك ذو همة قصية المرمى، وعزيمة تفل الحديد؛ ~~لنصحت لك بإيقاف جريدتك. ~~- حاشا أن أفعل ذلك ولو قطعت إربا إربا، وسأعمل إلى النهاية وإن أقلت صحيفتي ~~عطاءها ولم أنل منها إلا النزر اليسير. ~~- ألا تخاف الخراب؟ ~~- أنا واقع فيه يا صديقي من يوم أن فكرت في إنشاء الصحيفة. أنسيت أن الصحافة لم تنعم ~~علي ms51 بشيء؟ ~~- وبعد؟ ~~- سأجاهد حتى ألفظ النفس الأخير. ~~- همة شماء فلله درك من رجل! ~~- ألم تقرأ «برق» يوم الجمعة الماضي؟ ~~- كلا. ~~- لقد كانت «افتتاحيته» ملأى بالمطاعن. ~~- ومن كان فريسة «البرق» في الأسبوع الماضي؟ ~~- جريدة الحقائق. ~~- جريدتك أنت؟! ~~- نعم، وعلام العجب والبرق جريدة لم تنشأ إلا لنهش أعراض الناس؟! ~~- وما الذي ذكره صاحبها في مقالته هذه؟ ~~- قال إني أسب الناس لأستدر أموالهم. ~~- حاشا أن تكون ذلك الرجل. ~~- لقد كتبت عدة مقالات أستحث بها أغنياءنا على مساعدة أهل العلم والأدب، ولمت بعضهم ~~على توانيه وتقاعده عن خدمة رجال الصحافة. ~~- وهل ذكرت أسماء الأشخاص؟ ~~- لم أذكر أسماءهم، ولكني وصفت صفات بعضهم وصفا دقيقا يعرف به القارئ اسم ~~الموصوف. ~~- أفعلت ذلك؟ ~~- وكيف لا أفعل ذلك وقد أصبحنا في هذا البلد الأمين كالمتشردين لا نجد لقمة ~~بها. ~~- وما الذي دفعك لارتكاب هذا الزلل؟ ~~- لا زلل فيما فعلت أيها الصديق القديم. ذهبت عند أحد البشاوات لأسأله بدل الاشتراك، ~~فاعتذر بمرضه أولا، وبتغيبه عن قصره ثانيا، ثم بطردي من القصر ثالثا ... وذهبت عند أحد ~~البيكوات، فقال لي بسماحته المعروفة: «لقد أخطأت يا صاح في العنوان.» وذهبت عند أحد ~~الكبراء ففغر فاه عند ملاقاتي وسبني أمام خدمه، ولولا ما أظهرته من الشمم والإباء ~~لضربني بيده ورفصني بقدمه، فماذا تقول في كل ذلك؟ ~~- جنايات فظيعة على رجال الصحافة. ~~- أليس كذلك؟ ~~- لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. لقد أصبحت الصحافة محتقرة في أعين العظماء ~~والكبراء والأغنياء، فمن يعولها في كنانة الله بعدهم؟ ~~- كنانة الله! أتسمي مصر بهذا الاسم! قل جحيم الله، قل غضب الله، قل صواعق السماء، قل ~~قاذورة البلاد، قل ما شئت؛ فقد ألجأتنا الحاجة في هذه البلاد لنصير كالذئاب الجائعة ~~تأكل بعضها بعضا، ولكن يظهر لي أنك لا تقرأ «الحقائق» منذ مدة طويلة لأنك تجهل ما يكتب ~~فيها. # وابتدأ إبراهيم في خلق اعتذاراته وشرحها بما آتاه الله من فصاحة اللسان وبلاغة ~~الكلام، حتى صرف ما في ذهن صاحب الحقائق نحوه، وما صاحب الحقائق هذا إلا تلميذ حاز ms52 ~~شهادة الكفاءة، ثم ألجأته الضرورة لأن يتخذ الصحافة مهنة، فابتدأ عمله شريفا ثم ختمه ~~بسب الناس وشتمهم كما تفعل أصحاب الجرائد الأسبوعية التي لم تنشأ إلا لهذا الغرض، وهو ~~صديق قديم لإبراهيم يسري، وإبراهيم هذا كان من أكابر معضدي الحقائق، وعلى صفحاتها نشر ~~مقالاته الأولى، ولما وجدها تتدهور من هاوية إلى هاوية صد عنها، وابتدأ بالكتابة في ~~الجرائد الكبيرة إلى أن حاز الشهرة التي رفعته إلى مقامه الكبير بين إخوانه الطلبة، ~~ولقد أراد حسن أمين أن يقلده فيما يفعل لينال في الحياة حظا أكبر من حظه وأعظم، فأرسل ~~مقالته الأولى لجريدة الحقائق. # مكث إبراهيم يتحادث مع صاحب «الحقائق» مدة طويلة إلى أن قال له: ومن ذا الذي يعاونك ~~على التحرير؟ ~~- رأسي ويدي. ~~- ألا ترد إليك رسائل من كبار الكتاب؟ ~~- بل من صغارهم. # وأخرج من جيبه خطابا أعطاه لإبراهيم وهو يقول له: هاك مقالة وصلتني أمس من كاتب ~~مجهول يسألني فيها أن لا اذكر اسمه الحقيقي. ~~- وأي اسم اختاره لنفسه؟ ~~- رعمسيس الثاني. خذ واقرأ لتقف على المقالة. # قرأ إبراهيم المقالة، ثم ردها لصاحبه وقال: إني أعرف هذا الصرصور الصغير. إنه معنا في ~~المدرسة. ~~- في السنة الرابعة معك. ~~- في السنة الأولى، وله كلف عظيم بالإنشاء حتى لقبه الطلبة بأبي الإنشاء. أعازم أنت ~~على نشر هذه السخافات؟ ~~- لم يقر رأيي بعد على شيء. ~~- إني أربأ بجريدتك الراقية أن تتلوث بهذه القاذورات النجسة. ~~- أترتئي في مقال صاحبك ذلك؟ ~~- إني لا أعد هزؤة المدرسة صاحبا لي. ~~- أتهزأ الطلبة بهذا التلميذ؟ ~~- هو موضوع سخريتهم أجمعين. ~~- إنك إذن لعلى حق. مزق المقالة وألقها على الأرض لتدوسها المارة، وكفى جريدتنا ما حل ~~بها من المصائب حتى أزيدها بكلام هذا التلميذ المهزأ مصيبة على مصيبة. ~~- أنا لا أمزق كلام الناس يا صديقي. ~~- هاتها ... # وأخذها من يد إبراهيم ومزقها، وألقى بها على الأرض، وهو لا يعلم إنه يمزق بذلك غشاء ~~ذلك القلب المسكين قلب حسن أمين، وقد دفعه على ذلك ما كان قائما في قلبه من الحقد على ~~أعدائه وعلى ms53 الأغنياء والعظماء، وقام يتبعه إبراهيم وقد ارتسمت على شفتي هذا الخبيث ~~ابتسامة الغلبة والظفر. # | الفصل الخامس # دخل حسن قهوة «النادي المصري» وطلب جريدة الحقائق، فأجابه الخادم قائلا: «إننا لا ~~نشتري هذه الجريدة يا سيدي.» فأخرج حسن من جيبه قرشا وقال للخادم: «اذهب واشترها لي.» ~~فصدع الخادم لأمره وأتاه بها بعد حين. # أمسك حسن جريدة الحقائق بيده وبحث في الفهرست عن عنوان مقالته فلم يجده، فكذب ~~الفهرست، وبحث في جميع الصفحات فلم يجد من مقالته حرفا واحدا، فأظلمت الدنيا في ~~عينيه، وأقفل الجريدة وألقى بها على الخوان، وعافت نفسه قراءة الجرائد الأخرى، فأطلق ~~لفكره العنان. # مكث حينا يفكر في أشياء كثيرة إلى أن سئم التفكير، فقام يتمشى وهو مطرق برأسه. ثم ~~أطلق من بين جوانحه زفرة ألفتت إليه أنظار المارة، ومشى غير عابئ بأحد. # لم يسلك حسن سبيله إلى المنزل؛ لأنه كان سائرا على غير هدى، ولكنه كان يأمل الخير في ~~الغد مع أن شواهد الحال كانت تنطق بغير ذلك. لقد مرت على مقالته ثلاثة أيام والأقدام ~~تدوسها في الشارع، ولكنه كان يجهل ذلك فكان يقول لنفسه: «إن لم تنشر مقالتي في الغد ~~فعلى آمالي السلام!» ويا ليته كان عالما بما حل بها حتى لا يفاجأ في الغد بما لم يهجس ~~في ضميره قبل ثلاثة أيام. # ليس شيء أصعب على نفس الناشئ من حبوط أول أمل له، كما أن هذا الحبوط هو أكبر باعث له ~~على إعادة الكرة لنيل أمنيته وتحقيق غرضه، وتكبر صعوبة حبوط المسعى على الناشئ إذا كان ~~من خلقه الحياء وضعف الإرادة، وحسن أعظم مثال لهذا النوع من الناشئين؛ ولذا كان ألمه ~~عظيما، ولم يبعث في قلبه داعي التأسي إلا أمله في الغد، وكان الغد آخر موعد لنشر ~~مقالته، ففي الغد يفتح حسن صدره للبؤس أو للسعادة. # مشى حسن من شارع إلى شارع وهو لا يلوي على أحد إلى أن وصل إلى منزله بعد الغروب، ~~فأنبته أمه فلم يجب عليها، وانتظرته حبيبته لتقرأه السلام كالعادة فذهب انتظارها سدى، ms54 ~~ولم يعزه على مصابه في ذلك اليوم إلا كلبه «سحاب». ~~••• # أشرقت الشمس في الصباح، وخرجت الناس من منازلها والطيور من أعشاشها، وتكلمت ألسنة ~~المدينة بعد أن سكتت طول الليل، ومشى حسن من بيته إلى المدرسة وهو غير عابئ بما حوله، ~~ولما وصل إليها وقضى بها ساعتين وقف في الفناء مع إخوانه التلاميذ يتجاذب أطراف الحديث، ~~وإذا إبراهيم يسري يقرئه السلام ويقول له: ما لك تفكر يا حسن. أحلت بك مصيبة؟ ~~- أينبئك حالي بذلك؟ ~~- نعم. ~~- إنك واهم يا عزيزي، لم تحل بي مصيبة كبرى، ولكن حياة الإنسان لا تخلو من ~~المكدرات. ~~- صدقت. أقرأت أمس جريدة الحقائق؟ ~~- وهل «الحقائق» جريدة تستحق المطالعة؟ ~~- لقد أخبرني صديقي عبد العزيز أنك أرسلت لمديرها مقالة نفيسة. # أرتج على حسن في هذه الساعة ولم يعلم ما يقول، واحمر وجهه خجلا وسكت هنيهة وهو ينظر ~~لأقدام من كان حوله، ثم رفع بصره لإبراهيم يسري وقال له: أأخبرك عبد العزيز ~~بذلك؟ ~~- وهل في ذلك بأس؟ ~~- لقد كذب عليك عبد العزيز يا صديقي؛ لأني لم أغتر بعد بخدع الآمال حتى أكتب ~~بالجرائد. ~~- أنت أبو الإنشاء. ~~- هذه نغمة من يهزأ بي يا إبراهيم، فإن كنت من هؤلاء فإني أسامحك. ~~- أنا لا أهزأ بك يا صديقي، ولا أرى داعيا يدعوك لإخفاء الحقيقة عني. ~~- وأي حقيقة أخفيتها عنك؟ ~~- وما الذي يدعو عبد العزيز للكذب؟ إنك بلا شك ممن لا يحبون التغني بمآثرهم. ~~- وأي مأثرة يحق لي أن أفتخر بها أيها الصديق؟ ~~- ومن ذا الذي ينكر فضلك؟ # سكت حسن، ولكن لم ينظر للأرض خجلا كعادته، بل نظر إلى إبراهيم نظرة تجسمت فيها ~~الأنفة من هزوه والاحتقار لشخصه، ولوى ظهره له وابتعد عنه وهو يسمع إبراهيم يناديه ~~قائلا: لا تغضب يا «رعمسيس الثاني». فقال لنفسه: «إنه يعرف أيضا أني كتبتها تحت اسم ~~مستعار، فإن لم تنشر المقالة اليوم، صغرت في عينه، وهو ممن يتطلعون لذلك. فأف منك يا ~~عبد العزيز! لقد أخبرتك بأمر هذه المقالة ورجوتك كل الرجاء أن تخفي أمرها عن كل ~~التلاميذ، ولكنك ms55 أخبرت به القاصي والداني، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم .» # تجسمت في رأس حسن فكرة عدم نشر المقالة، وكان خوفه من فضيحته أمام إبراهيم يسري أكبر ~~من خوفه من عدم نشر المقالة، وكل ذلك أتاه من حيائه وضعف إرادته. # قضى حسن في المدرسة يوما عصيبا، لم يفقه فيه لأقوال أساتذته إلى أن دق ناقوس ~~الانصراف في عصر ذلك اليوم، فخرج مع من خرج من التلاميذ، ومشى مسرعا إلى الترام وركب ~~فيه، وود أن يسوقه بنفسه. فلما وصل الترام إلى باب الخلق، ازداد اضطراب قلبه، وتعددت ~~أنفاسه، وظهر على وجهه القلق، وهم واقفا ثم جلس، ثم وقف ثم جلس، وأعاد ذلك مرارا ~~وقفز منه دفعة واحدة، وإذا به يسمع بائعي الجرائد يقولون: «اللواء، اللواء، المؤيد ~~والأهرام»، فأخرج من كيسه قرشا ومد يده لأحدهم صائحا: «الحقائق. علي بالحقائق.» ~~فبحث البائع هنيهة في أعداد الجرائد التي كانت تحت إبطه، وقال له: «لم تظهر بعد.» فهم ~~حسن بضرب البائع ولم يستوقفه إلا الترام الذي كان يسير بجواره إلى العتبة الخضراء، ~~والعتبة الخضراء محط رحال كل الجرائد، فقفز فيه كمن به جنة. # وصل به الترام إلى العتبة الخضراء، واشترى حسن «الحقائق» وفتحها ليرى مقالته الشائقة، ~~فاستلفتت نظره لأول وهلة لفظة «أم»، وكانت عنوانا لإحدى المقالات، فظنها مقالته، فشعر ~~بالدم يعلو إلى رأسه، وتلعثم لسانه وغص ريقه، ولكنه قرأ العنوان بإمعان فوجده «الأم ~~العادلة» وكانت المقالة غير مقالته. فشرع في البحث عنها في كل جزء من أجزاء الجريدة؛ في ~~باب الوفيات، في باب الإعلانات، في باب أخبار البورصة، حتى وفي العنوان نفسه، ولكنه رجع ~~بخفي حنين، وكاد أن يصعق أمام الناس، فألقى بالجريدة على الأرض، ولكنه لم يلبث هنيهة ~~حتى عاوده الأمل فالتقطها مرة ثانية، وابتدأ في مطالعة مقالة «الأم العادلة»، ثم حول ~~بصره مرة ثانية لكل كلمة في الجريدة، وأخيرا انقطع رجاؤه منها، فرمى بها على الأرض ~~وداسها بقدمه، فاعلا بها ما فعل رئيس التحرير بمقالته، ومشى إلى بيته مستمسكا من ~~الأمل بخيط ms56 باطل. ~~••• # في تلك الغرفة التي سمعت آذانها كل ما جرى بين حسن ولبيبة، وأمام هذا الشباك الذي ~~استقبل النسيم يحمل للعاشقة قبلات حبيبها؛ جلست لبيبة تبكي وهي تنظر للفضاء، وما لبيبة ~~إلا فتاة وديعة هادئة، طيبة السيرة والسريرة، لا تستحق من الحياة سهمها القاتل، ولا من ~~الوجود سلاحه القاطع. لقد وقع على قلبها خبر السفر وقوع الصاعقة، فوضعت يدها على قلبها ~~الخافق كأنها تبحث عنه، بل كأنها تبحث عن آمالها فيه، وما هي آمال الفتاة السجينة في ~~الحياة بعد أن يتقلص ظل أمانيها فيمن تحب، فيمن عليه تعتمد وبه تسعد وبغيره لا تعرف غير ~~الشقاء. # تعيش الفتاة المصرية في بيتها وهي لا تعرف عن الحياة إلا ما يقع في ذلك البيت، ولا ~~تسمع من الأصوات إلا صوت أهلها، ولا ترى من الأشياء إلا جدران هذا البيت الضيق، وإذا ~~لاح لها برق آمالها في طلعة شاب تراه عفوا ويكون من أقربائها، تحكم عليها الظروف ~~بالابتعاد عنه، فلا تجد تعزية إلا في الاستسلام للأسى والدموع. # تلك حال فتاتنا لبيبة وهي - كما قلنا - فتاة لا تستحق ذلك. # ذهبت للنافذة لتقص على حبيبها ذلك الخبر المؤلم، فوجدته بعد قليل داخلا غرفته هو ~~وكلبه، ثم وقف هنيهة يمسح دمعة تساقطت على خده، ثم أقفل باب الغرفة وأحكم إقفاله، وخلع ~~معطفه، وارتمى على سريره؛ ليبكي وينتحب، فنادته بصوت يسمع السامع منه رنة الحزن والأسى، ~~فهم واقفا وذهب للنافذة وهو يبكي، واندهش لما رأى حبيبته تبكي مثله. # ظنت لبيبة أن حسنا واقف على جلية الأمر، فقالت له: سنسافر بعد أسبوع يا حسن. ~~- تسافرين! وإلى أين؟ ~~- إلى أسيوط. ~~- وهل تحقق ذلك؟ # وكف عن البكاء لاندهاشه العظيم فوقف واجما لا يعرف ما يقول. # فقالت له لبيبة: ظننتك واقفا على الحقيقة. لقد نقل أبي إلى أسيوط وسأفارقك بالرغم ~~مني، ولكن ما الذي كان يبكيك؟ # فأجهش حسن بالبكاء دفعة واحدة، وقال بعد قليل: تلك كبرى المصائب. لقد أراد الحظ ~~الأسود أن لا تنشر مقالتي، وأن تسافر حبيبتي فوداعا أيتها الآمال الكاذبة، ms57 ووداعا يا ~~أحاديث المنى، فما أنت إلا وساوس الأطماع وأضغاث الأحلام. # واسترسل في البكاء واسترسلت معه حبيبته، وظل العاشقان ردحا من الوقت يتناجيان ~~ويشكوان مصيبة أظلتهما على غير حسبان ولا انتظار. # وافترق العاشقان بعد أن تساقطت نفساهما غما، وتقطعت أحشاؤهما حزنا ولهفا. # ورجع حسن إلى مقعده وارتمى عليه وهو كاسف البال، وقد ائتنس بوحدته وانفراده ليطلق ~~لدمعه العنان، وانكب على البكاء انكباب من انفطرت مريرته، وتساقطت دموعه على الأرض فكان ~~يلتقطها كلبه الأمين سحاب، وكان سحاب في عرفه أوفي من الإنسان. # | الفصل السادس # أظلم الليل وخيم السكون على أنحاء المدينة، وحسن ملقى على مقعده يبكي وينتحب، وقد ~~لذ له البكاء، والبكاء أكبر تعزية للأنفس الحزينة، أتت أمه وطرقت الباب تسأله الخروج ~~للعشاء، فأصلح من شأنه وفتح الباب، فقال لها وهو يتصنع الثبات في القول والعمل: لست ~~بجوعان يا أماه هذه الليلة، وأود الخلوة لحفظ درس التاريخ؛ لأني أتوقع أن أكون غدا ضمن ~~الممتحنين. ~~- عبثا تحاول يا ولدي إخفاء ما في نفسك؛ لأن شعور الأم يدلها على خفايا قلب ولدها. ~~إنك بلا شك حزين، وتشهد بقايا دمعك بذلك، فما الذي أحزنك اليوم؟ أتشاجرت مع أحد أقرانك، ~~أم خاصمك أستاذك؟ تكلم يا ولدي وبح لي بالحقيقة حتى أشاطرك ما في نفسك من ~~الأشجان. ~~- أنت واهمة يا أماه ... # وأتم جملته والدموع تخنقه، وارتمى على صدر أمه ليسكب في أحضانها دموعه الحارة، وما ~~أحسن صدر الأم على فؤاد الولد الحزين؛ ففي هذا الصدر ينشأ الرضيع ومنه يتغذى، وفي هذا ~~الصدر يلعب الطفل هازئا بالحياة وآلامها، وفي هذا الصدر تستذرف جفون الشاب آلام الخيبة ~~واليأس! صدر الأم هو الغرفة الدافئة الصغيرة التي بنتها يد الحب والحنان؛ ففيها يتلاقى ~~السرور بالسعادة، وفيها يلتطم الأسى بالمصائب. # حملت الأم ابنها ووضعته في سريره، وجلست بجواره تلاعب شعوره الجميلة، وتقبله من آونة ~~لأخرى، وهي تحاول الصبر حابسة دمعها وواضعة يدها على قلبها، كأنها تود أن لا يخفق فيسمع ~~منه ولدها صوت الهم. # سألت الأم ابنها عن سبب أشجانه فذكره ms58 لها. فأكبرت عليه أن يبكي لأجل مقالة أخطأ رئيس ~~التحرير في فهمها ، وسألته أن يهون عليه وينسى ما مضى، ويهيئ للغد مقالا آخر يرسله ~~«للفاروق»؛ وهو أكبر جريدة مصرية كانت تظهر في ذلك العهد، وما رامت من كل ذلك إلا إزالة ~~الهم عن فلذة كبدها، ولقد فازت بأمنيتها، وسرعان ما ينسى ضعيف الإرادة الماضي إذا وجد ~~من المستقبل بارقة أمل، وإن كانت خلابة. تسيطرت فكرة الكتابة في «الفاروق» في فكره، ~~وقام يتبع أمه ليتناول العشاء، وأكل هنيئا وشرب مريئا، ورجع إلى غرفته لينام بعد أن ~~أقسم لأمه أنه لا يعود للبكاء. # دخل غرفته وأوصد الباب وأشعل مصباحه وجلس أمام خوائه ليكتب. أمسك في يده القلم وهيأ ~~الدواة والورقة قبل أن يهتدي للموضوع، ولكنه ما لبث قليلا على هذه الحالة المضحكة ~~المبكية حتى اعتراه اليأس فألقى بالقلم، وكاد أن يهشم الدواة، ومزق الورقة، وألقى بنفسه ~~على الأرض يلطم وجهه بكفيه، وتلك هي حال عصبي المزاج إذا كان ضعيف الإرادة لا يشكو همه ~~إلا لنفسه، ولا ينتقم إلا من نفسه أيضا. # سكن قليلا فقام إلى سريره وارتمى عليه مستهزئا بكل ما وافاه بل بالعالم أجمع. فسكنت ~~ثائرة نفسه وحاول النوم متناسيا نكبته الشديدة، والنوم لا يزور من في قلبه كمد باطن ~~وحزن دفين، وتذكر فراق حبيبته في هذه الساعة التي أحس فيها بالراحة قليلا، وجسم له ~~مزاجه العصبي وضعف إرادته أن هذا الفراق أبدي، فهم من نومه جالسا ونظر إلى ~~النافذة، وكانت مقفلة، كأنه يسألها جلية الخبر، ثم قام إليها وفتحها ونظر لبيت حبيبته، ~~وتناسى في تلك الساعة مقالته وما جرته عليه من الأوصاب والكروب، ومد يديه للسماء، وما ~~أقسى قلب السماء على من تخالجه الهموم! ولبث هنيهة ساكنا لا يتحرك، وكان لابسا لباسا ~~أبيض اللون أصبح فيه كالتمثال في جوف الليل البهيم. # عبثا حاول نسيان أشجانه، فأقفل النافذة ورجع إلى سريره يميد به شجوه، وارتمى عليه ~~لينام بعد أن يئس من كل شيء، حتى من استرساله في الهموم، وأقفل جفونه؛ فكانت ms59 فكرة ~~الكتابة في «الفاروق» وفكرة فراق حبيبته تتبادلان إزعاج رأسه المسكين، وأخيرا استسلم ~~للنوم فنام إلى الصباح. ~~••• # انقضت الحصة الرابعة، فنزل التلاميذ إلى فناء المدرسة، وخلت كل جماعة منهم بركن من ~~أركان الفناء تتجاذب فيه أطراف الحديث؛ ومنهم من آثر اللعب والجري، ومنهم من ذهب إلى ~~فناء الكرة ليريض نفسه، ولزمت جماعة إبراهيم يسري المقعد المجاور لسلم الفناء، وكان من ~~بينهم عبد العزيز ومحمود، وقد سلف لنا ذكرهم، وابتدءوا بذكر حسنات الأساتذة وسيئاتهم، ~~ولا يلذ للطلبة إلا التكلم في ذلك، ثم انتقلوا من ذلك الحديث إلى السخرية من بعض الطلبة ~~الذين كانوا موضعا لهزئهم وسخريتهم، ولذ لإبراهيم يسري أن يقص على جماعته خبر مقالة ~~حسن أمين، وأغرب في الضحك لما حل بها وشاركه إخوانه في ذلك، ولقبوا ذلك المسكين بلقب ~~«رعمسيس الثاني»، ورأوه بعد آونة يسير الهوينا على السلم وهو مطرق للأرض، فنادوه بصوت ~~واحد «يا رعمسيس الثاني!» فالتفت بالرغم منه، فرآهم يضحكون ويشيرون إليه بأصابعهم، فسار ~~في طريقه وقد علت وجهه حمرة الخجل، وود أن يصعق في ساعته، وذهب بعد ذلك إلى الحديقة؛ ~~ليخفي نفسه خلف أشجارها الكثة، وهناك جلس على مقعد خشبي ينظر للتلاميذ ولا يراه أحد، ~~واستسلم لأشجانه، فمرت أمام فكره صور أحزانه تباعا، فكأنه كان يستعرض شريطا من شرائط ~~الصور المتحركة، وهم من مكانه ليتمشى في الحديقة راجيا أن يخفف من حزنه، فإذا به يرى ~~أمامه عبد العزيز، فابتسم له ابتسامة الحزين، وقال له والدمع يكاد ينطق بآلامه: أكنت ~~تشاركهم في ضحكهم يا عبد العزيز؟ ~~- بل كنت ألومهم على فعلتهم الشنعاء. ~~- أشكرك يا أخي على رقيق إحساسك. # وسكت الاثنان دفعة واحدة، فلم يجد أحدهما سبيلا للتكلم، والتفت عبد العزيز بعد قليل ~~إلى يمينه ثم إلى خلفه كأنه كان يخشى أن يسمع أحد ما أراد ذكره لحسن، ثم قال له وهو ~~يتلعثم: أود أن أسر إليك شيئا وأريد أن تصدقه. ~~- قل ما شئت. ~~- عدني أولا أن تصدق ما أقوله لك. ~~- إني أثق بك أيها الأخ ثقة عمياء، ms60 فحدثني بما تريد. ~~- أتعلم السر في ضرب رئيس التحرير بمقالتك عرض الحائط ؟ ~~- وأنى لي أن أعرف سر ذلك؟ أظن أنها لم ترق في عينيه. ~~- حاشا أن يكون ذلك سر المسألة، وإني إخالك أكبر من أن تظن ذلك. ~~- وهل أنت واقف على الحقيقة؟ ~~- كان يقصها علينا إبراهيم يسري بصوته الجهوري. ~~- وماذا قال لكم؟ ~~- قال لنا إنه قبح لرئيس التحرير أن ينشر مقالتك، بل وعده بالتخاصم إن هو فعل ذلك، ~~فألقى رئيس التحرير مقالتك على أديم الثرى بعد أن مزقها. ~~- ألقى مقالتي على الأرض؟ مزق مقالتي؟ أتدوس المارة كلاما تعبت في إنشائه؟ يا للعار! ~~وما الذي دفع إبراهيم لفعل ذلك؟ ولكني نسيت أن ألومك على خطأ فعلته ساءني فعله ~~كثيرا. ~~- أنا؟ وأي خطأ فعلت؟ ~~- لقد استحلفتك أن لا تذكر لأحد خبر كتابتي تلك المقالة، فلماذا أسررت له ~~بخبرها؟ ~~- إني لم أفعل ذلك، وأشهد الله والنبي والإخاء والود على ذلك، ولكني أعلم أن إبراهيم ~~قابل رئيس التحرير عفوا في العتبة الخضراء فقرأ عليه مقالتك، ففعل إبراهيم بها ما ~~ذكرته لك. # وكذب عبد العزيز على الله والنبي والإخاء والود؛ لأنه وإن صدق في مقابلة إبراهيم ~~لرئيس التحرير، فقد كذب في تنصله من إخباره بشأن مقالة حسن. وعبد العزيز هذا - كما قلنا ~~- يحب الإيقاع بين التلاميذ؛ لا لمال يكتسبه ولا لنصر يفوز به، ولكن لمرض في نفسه ~~ابتلاه به المجتمع الإنساني. # نظر حسن لعبد العزيز نظرة الحائر ثم قال له: أعيد عليك سؤالي هذا «ما الذي دفع ~~إبراهيم لفعل ذلك؟» ~~- إنك ما زلت صبيا صغيرا لا تعرف من شئون الناس شيئا. إن إبراهيم يخشاك كما يخشى ~~الفأر القط. أتجهل ما يحل باسمه لو ظهر اسمك بين الكتاب مكللا بزهور الفصاحة ~~والبلاغة؟ واعلم أن نفسه لا تود لك الخير؛ لأنه يخشى أن تكون كاتبا عظيما. ~~- ولكن الوسيلة التي اتخذها لمنعي عن ذلك المقصد الشريف وسيلة تدل على دناءته وضعة ~~نفسه، وما كان عهدي به كذلك. ~~- إنه عرة قومه، وهل ظننته قبل اليوم من ذوي الشرف والحسب ms61 والنسب؟ أعوذ بالله من ~~ذكر السوء عن الإخوان، ولكني مجبر على ذلك ، وما دعاني إلى ذكر حقيقة هذا الشاب إلا حبي ~~لك وشغفي بما يخطه بنانك. ~~- إني أشكرك يا عبد العزيز. ~~- لي كلمة أخرى. ~~- تكلم. ~~- أود أن تكتب مقالا آخر تنشره في جريدة كبرى كالمؤيد أو الفاروق؛ لتكيد به هذا ~~الوغد. # سكت حسن ونظر للأرض هنيهة ثم للسماء، وقال: لقد طلقت الإنشاء ثلاثا، وحاشا لمثلي أن ~~ينغمر في حمأة الكتاب بعد اليوم. ~~- ماذا تقول؟! أظن بك جنة يا عزيزي! ~~- أنا سليم العقل، وأكره أن تناقشني في ذلك، ولا يغضبك قولي هذا ... ~~- إني أسمع الناقوس يدق، فهيا بنا نتناول الغذاء. # وسار الاثنان جنبا لجنب إلى غرفة الطعام. ~~••• # غادر حسن المدرسة قاصدا منزله، فلما وصل سأل عن أمه، فقيل له إنها ذهبت لبيت أخيها؛ ~~لتعد مع زوجته معدات السفر، فقصد منزل خاله وفيه قابل والدته وزوجة خالة، وجلس معهما ~~يتكلم في شئون السفر ويتأسف على الفراق، وكانت تسمعه لبيبة من وراء السجف وهي تبكي ~~لكلامه وتتوجع لآلامه، ودخل عليهم خاله فقام حسن من كرسيه وقبل يده، وقال له: كيف حال ~~خالي اليوم؟ عسى أن تكون في خير وسلام. ~~- لا يؤلمني يا ولدي إلا فراقكم، ولقد حكم به القضاء، فعبثا نحاول دفعه. ~~- هل من حيلة لرد هذا القدر؟ ~~- إني أجد في السفر مأمنا يقيني شر رئيسي. ~~- وهل ينوي لك الشر؟ ~~- إنه يعمل على النكاية بي؛ لظنه أني أرميه في كل ناد بالرعونة والطيش والجهل ~~التام. ~~- ومن صاحب هذه الوشاية؟ ~~- كثيرون يا ولدي، ولقد صفحت عنهم ولله الأمر. # ثم التفت عبد الرءوف أفندي لزوجته وقال لها: سنسافر بعد باكر، فهل أعددت كل ~~شيء؟ # فأجابته أخته قائلة: كدنا أن نتم كل شيء، ولم يبق إلا عدة حقائب سنجهزها غدا. # وأتت القطة «دلال» وتمسحت في أذيال سيدها، فأخذها على ركبتيه ولاعبها قليلا، وقال: ~~وكيف نأخذ دلال معنا؟ هل أعددتم لها قفصا جميلا؟ أود أن تضعوا فيه قطعة من القماش حتى ~~لا يؤلم جريد القفص عظام هذا ms62 الحيوان الجميل. # فأجابته زوجته: لقد هيأت لبيبة لها القفص قبل أن تهيئ حقائبنا، فلا يشغل بالك ~~أمرها. ~~- إني واثق من حب ابنتي لهذا الحيوان الصامت. # ثم التفت لابن أخته وقال: كيف حال كلبك سحاب؟ ~~- لقد وجدته اليوم في ساحة محمد علي، ولا أدرى ماذا كان يصنع، فرافقني إلى الدار، ~~ولقد تركته هناك. ~~- إن سحاب كلب أمين. # فقالت أخته: ولكنه نجس. ~~- يتهم الإنسان الكلب بالنجاسة؛ لأنه يغار من وفائه. # ثم قام إلى غرفته ليخلع ملابسه، ولما فارقها إلى الفسحة وجد الطعام مهيأ، فجلس مع ~~زوجته وأخته وابن أخته يتناولون العشاء سويا. أما لبيبة فأكلت بعض ما تبقى منهم، ~~وكانت تشعر بالسعادة والحزن في ساعة واحدة؛ سعادة قرب حبيبها منها، وحزن فراقها عنه بعد ~~يومين. # فرغ القوم من العشاء، وودعت الأخت أخاها، وخرجت مع ابنها إلى منزلها، ومكثت معه هنيهة ~~يتجاذبان أطراف الحديث، ثم قام حسن وقبل يدها، وأغلق باب غرفته بعد أن أشعل مصباحه وجلس ~~أمام مكتبه يفكر. ثم أخذ القلم في يده وغمسه في الدواة وكتب في وسط السطر «الحاسد ~~والمحسود»، ولبث بعدها عشر دقائق وهو بين عاملين يتجاذبانه؛ عامل الإقدام وعامل ~~الإحجام، إلى أن تغلب العامل الأول على الثاني؛ فابتدأ في الكتابة وهو ممتقع اللون خافق ~~القلب، وما زال يكتب سطرا ويشطب آخر إلى أن أتم مقالته، ثم قرأها لنفسه مرتين، وهو ~~يتمشى في غرفته بعد أن أعاد كتابتها على ورق جيد، ثم طواها ووضعها في ظرف أعده لذلك، ~~وكتب عليه بالثلث: # إدارة جريدة الفاروق # بشارع خيرت # مصر # حضرة رئيس التحرير # ورمى بها على مكتبه، ووقف يتمطى في الغرفة، ثم هدد الفضاء بيده كأنه يكلم شخصا ~~خياليا، وقال بصوت خافت: «ستنشر هذه المقالة في الفاروق فيسعد المحسود ويشقى الحاسد.» ~~ودخل إلى سريره وقد وثق بنفسه، واستغرق في نومه إلى أن أشرقت الشمس. # | الفصل السابع # كان اليوم الثلاثاء، فهرعت طلبة المدرسة الخديوية إلى ملعب الكرة؛ لتشاهد فرقة ~~مدرستها تلاعب فرقة إنكليزية تفوقت على فرق كثيرة، وكان حسن ممن يميلون لرؤية ms63 لعب ~~الكرة، فرافق إخوانه إلى الملعب، وفي عزمه أن يشتري الفاروق من ميدان الحلمية. فلما وصل ~~إلى الميدان تناول الجريدة من يد أحد البائعين، وأجال بصره في الصفحة الأولى فوجد ~~مقالته الثانية، فقرأها مرتين وهو لم يبرح مكانه، وقد ارتعشت يداه، واصطكت أسنانه، ~~وارتجف ساقاه، وبينما هو يقرأ مقالته إذ به يرى عبد العزيز مارا بجواره، فاستوقفه ~~بنظرة دلت عما يخالج قلبه المسكين من السرور. فلما رآه عبد العزيز بارق الثغر لامع ~~الصفحة، وقف يسأله السبب فقال: لعلك غير ما كان ... # ولكن حسنا لم يمهله ليتم جملته، وقال له وهو يسحب أذيال الغبطة: لقد نشر «الفاروق» ~~مقالتي بعد أن مزقت «الحقائق» أختها. خذ واقرأ، ثم أعط الجريدة لصاحبك إبراهيم؛ لتقوم ~~عنده قيامة الأحزان، وتضيفه الهموم والأشجان. اقرأ يا عبد العزيز، وثق بعد ذلك بأخيك ~~حسن أمين؛ فقد أضاء نجم سعده، وأصبح ممن لا تفتح العين على مثلهم في الناس. # اصفر وجه عبد العزيز، وارتجفت شفتاه؛ لأنه كان ممن لا يريدون الخير لأحد، وتناول ~~الجريدة من يد صاحبه، وأجال نظره في مقالته، وقد أظلمت الدنيا في عينيه، فتعسر عليه أن ~~يفهم منها كلمة واحدة، فأمسك بالجريدة مدة وهو كالصنم لا يتحرك ولا يتكلم، إلى أن قال ~~له حسن وهو ضاحك السن: هيا بنا إلى الملعب لنصله قبل ابتداء اللعب. # وسار الصديقان إلى المعلب وفي صدر أحدهما جنة البشر والسرور، وفي صدر الثاني جحيم ~~الحقد والبغضاء. # اشترى حسن نسخة أخرى من الفاروق، ودخل بها الملعب، وأراها لكل من توسم فيه الصداقة ~~والإخلاص، فطاف بها الملعب خمس مرات متواليات، استوقفه فيها إخوانه كثيرا، وأخيرا وقف ~~بجوار الكشك يقرأ مقالته على فئة من إخوانه. ~~••• # افترق عبد العزيز من حسن عند باب الملعب؛ لأنه لم يشأ أن يطوف معه الملعب، ووقف في ~~ركن من الأركان يقرأ المقالة وهو يعض على شفتيه من الغيظ والكمد، وبعد أن أتمها سمع صوت ~~إبراهيم يسري يطن في آذانه ... ~~- أي مقال تقرأ يا عبد العزيز؟ ~~- أقرأ مقال من مزقت مقالته، ms64 ورميت بها على الأرض! ~~- أيجرأ حسن على الكتابة في الفاروق؟ ~~- خذ واقرأ . # أخذ إبراهيم الجريدة وقرأ المقالة إلى النهاية، وضحك ضحكة غير طبيعية، ثم رد الجريدة ~~لعبد العزيز وقال له: لقد كان هزأة القوم وأضحوكتهم، فأصبح واسمه يكتب على صفحات ~~الجرائد الكبيرة. ~~- هذا ما يدهشني يا أخي. # ومر أمامهما حسن في هذه الساعة، فالتفت لإبراهيم وقال له: «سلام من رعمسيس الثاني إلى ~~إبراهيم يسري سيد الكتاب في مصر.» # ومشى في طريقه دون أن يزيد حرفا، أو يسمع من إبراهيم كلمة، فالتفت إبراهيم لعبد ~~العزيز وقال له: ما الذي يقصده من قوله؟ # فلم يجب عبد العزيز، ولكن نظرته كانت توحي لإبراهيم ما معناه «كما يدين الفتى ~~يدان». ~~••• # انتهى لعب الكرة، فخرج حسن مع من خرجوا وهو يميد سرورا وفرحا، وقد أنسته مقالته ~~العالم أجمع؛ نسي أمه الحنون، وحبيبته الوفية، وبيته وكلبه، وكل من يعرف من الأصحاب، ~~ولم يفكر إلا في مقالته التي نشرها الفاروق، والفاروق شيخ الجرائد في مصر. لقد نال حسن ~~ما كانت تصبو إليه نفسه، ولقد أثبتت له مقالته الجديدة أن البلاغة أنزلت على فؤاده، وأن ~~الألفاظ السلسة سخرت لقلمه، وأنه غدا بين الكتاب سيدهم وأميرهم، بعد أن يئس من الفوز ~~في مضمارهم. وقف حسن في وسط الطريق ينظر للسماء رافعا يديه يشكر الله على هذه النعمة، ~~ويسأله أن يديمها عليه، ثم سار في طريقه ينتحي جهة منزله، فلما وصل صعد السلم وهو يجري ~~إلى أن لاقى أمه في ردهة البيت، فألقى بنفسه في أحضانها يسكب دموع الفرح والهناء، وقال ~~لها وقد تهدج صوته: لقد نشرت مقالتي يا أماه. إني سعيد الحظ. ~~- أنشرت الحقائق مقالتك؟ ~~- لقد نشرها الفاروق. ~~- وهل أرسلت له مقالة جديدة؟ ~~- كتبتها ليلة أول أمس، وأرسلتها له صباح أمس فنشرها اليوم. # فقبلته أمه وهي محزونة الصدر، فساءه ذلك؛ لأنه لم يعهد منها إلا الفرح لفرحه والحزن ~~لحزنه، فنظر إليها نظرة العاتب كأنه يسألها الإفصاح عن حزنها وكمدها، وحانت منه في هذه ~~اللحظة التفاتة إلى نوافذ بيت خاله، ms65 فوجدها مقفلة، فالتفت لأمه وقال: وهل سافروا صباح ~~اليوم؟ ~~- كان في عزمهم السفر غدا - كما تعلم - ولكنهم سافروا فجأة صباح اليوم. # لم يجب حسن على كلام أمه، ودخل غرفته ليقف هنيهة أمام النافذة يندب الهوى ويبكي ~~الفراق. لقد انقضت أحلامه اللذيذة. تحطم سراج حبه الوهاج، وغدا يسكن بيت حبيبته قوم ~~لا صلة بينه وبينهم. لقد كتب له القضاء البؤس حتى في يوم سعده؛ ففارقته حبيبته يوم نشرت ~~مقالته، فلم يتيسر لها أن تشاركه هذا الفرح العظيم. # وللقضاء أحكام تحار فيها العقول. # جلس حسن على كرسي كان بجوار النافذة، وأرسل دمعة تحدرت على خديه تخط عليهما ما قدرته ~~له الأيام. # | الفصل الثامن # بعد عامين # رجلان قطعا من الحياة نصف مرحلتها؛ الأول معمم، والثاني مطربش. الأول له لحية كثة ~~وأنف كبير وعينان لهما إطار أحمر، وضعته يد الخمر والسهر، وجبة سوداء يصح لنا أن نطلق ~~عليها كلمة نظيفة، ولو أنها لا تخلو من بعض بقع لا تظهر إلا لعين الفاحص المدقق. ~~والثاني حليق ذو أنف أفطس وعينين براقتين يلمع فيهما نور الذكاء، وبدلة كلح لونها، ~~وعذره في ذلك أنها بدلة عمل. الأول مصري مسلم، والثاني سوري مسيحي. هذا يشتغل في ~~الفاروق ليحرر باب الأخبار ويصحح ما يكتبه كتاب الأقاليم، وذاك ليترجم النبذ السياسية ~~عن الجرائد الفرنسية. والغرفة التي كانا بها مساحتها أربعة أمتار في خمسة، وليس بها ~~إلا مكتبان وعدة كراسي من الخيزران، ولوحة معلقة فوق مكتب الأستاذ ومكتوب عليها ~~بالثلث «الفاروق». # جلس الأستاذ أمام مكتبه وخلع عمامته ثم وضعها فوق كتاب المصباح المنير، وابتدأ ~~يداعبها بيده اليسرى، ويشرب لفافة تبغ بيده اليمنى بعد أن انتهى من شرب فنجان القهوة. ~~أما الأقلام والأوراق، فكانت ملقاة فوق المكتب بعضها فوق بعض، ووقف الأفندي أمامه ~~واضعا يسراه على كرسي من الخيزران، وممسكا بيمينه جريدة الماتان. يقرأ فيها فصولها ~~الهامة. فابتدر الأستاذ صاحبه قائلا: تفضل سيجارة. ~~- أشكرك. لقد انتهيت من أختها منذ قليل. # واستمر الأفندي في المطالعة والأستاذ في أفكاره الخيالية حتى أعياه التفكير، فنظر ms66 ~~لصاحبه فوجده قد طوى جريدته، وهم بالذهاب لمكتبه فاستوقفه قائلا: هل من جديد؟ ~~- أكاد لا أجد شيئا يستوقف النظر، اللهم إلا مقالة عن الزواج في أمريكا ربما اشتغلت ~~بعد حين بترجمتها. ~~- وما قولك في مقال أمين خربوش؟ ~~- أحسده على سمو خياله ورقة أسلوبه، وآسف لفقر مادته. ~~- صدقت. لو كان مثلك له دراية باللغات الإفرنكية لبز هيجو وشكسبير. ~~- يا صديقي، اللغات تفتح للأعين طريقا مغلقة، ولكن لانكساب النفس مواهب ~~جديدة. ~~- وهل تظن أن خربوشا محروم من مواهب الفن؟ ~~- من مواهب الابتكار فقط، والابتكار أساس الكتابة. ~~- وهل قرأت قصيدة علي بدر. لقد دفع إلي بها رئيسنا لتنشر في صدر الجريدة. ~~- أظنها لا تخلو من المدح. ~~- كعادته. ~~- أف لشعرائنا الكرام؛ فقد قل من يعتني منهم بالخيال والمعنى. ~~- وما تقصد بذلك؟ ~~- أقصد أن الشعر لا يستعذبه القارئ إلا إذا كان لشاعره وحي من السماء. ~~- الشعر يا صاحبي، هو اللفظ الحسن والديباجة الأنيقة. # سكت الأفندي هنيهة وهو مطرق للأرض، ثم رفع رأسه وحدق في وجه الأستاذ وقال: ~~«ربما!» # وذهب توا إلى مكتبه، وهم بالترجمة فإذا بالأستاذ يقول له: لعل لك رأيا آخر؟ # فابتدأ الأفندي في الكتابة، وقال وهو ينظر في الجريدة: «ربما!» # فعز على شيخنا ذلك فقال: أتهزأ يا بحري أفندي بالكلام المنسجم واللفظ الأنيق؟! ~~- حاشا أن أكون ذلك الرجل، ولكني أكبر على شعرائنا المفلقين أن يصرفوا همهم للغزل ~~والمدح والرثاء والهجو، وينتقون لذلك الديباجة المليحة واللفظ الشائق، ويغفلون عن تلك ~~الروح العالية التي إذا قرأها القارئ جرت في نفسه مجرى الماء المثلوج في صدر ~~الظامئ. # وسكت عن الكلام مشتغلا بالكتابة. فنظر له الأستاذ نظرة عتاب واستهجان، وأمسك بقلمه ~~ليكتب، وخط على الورقة في السطر الأول: «داس قطار المطرية مساء أمس بجوار محطة منشية ~~الصدر غلاما يبلغ العاشرة فأسال دماءه، وهشم عظامه، ونحن نستلفت أنظار أصحاب ...» وإذا ~~به يسمع من النافذة صوتا رقيقا يناديه قائلا: عم صباحا يا شيخ عبد الله. # فرفع رأسه لاتجاه الصوت، ولما عرف صاحبه ابتسم وقال: صباح الخير يا حسن أفندي. ms67 تفضل. # وإذا بصاحب الصوت يقرئ السلام بحري أفندي فرده بما هو أحسن منه، ودخل حسن أمين عليهما ~~وجلس على كرسي بعد أن صافحهما، ثم التفت يمنة ويسرة ورفع رأسه للسقف ثم قال: إني أتيتكم ~~اليوم بالمقال الأول من مقالات «خواطر». # فقال الأستاذ: وكم عدد هذه المقالات الشائقة؟ ~~- ربما أربت على العشرين. ~~- ما شاء الله. ~~- وأود أن تظهر المقالة الأولى في الفاروق اليوم. ~~- وهل اطلع عليها البيك؟ ~~(وكان البيك صاحب الجريدة.) ~~- سأطلعه عليها بعد حين. # جرى هذا الحديث الصغير، وبحري أفندي مشتغل بالترجمة كأنه في واد والآخرون في واد ~~آخر. فالتفت حسن له وقال: وما رأي بحري أفندي؟ ~~- وعن أي شيء يريد سيدي الكريم أن أبدي رأيي؟ ~~- عن الخواطر. ~~- المقالات التي وعدت الفاروق بها؟ ~~- نعم. ~~- إني أرحب بها كما أرحب بك الآن. ~~- شكرا لك، وهل في عزمك ترجمة مقالات الفيجارو عن المرأة المصرية؟ ~~- ربما صح مني العزم. ~~- يا حبذا لو أقدمت على ذلك، وأخرجت تلك المقالات ذات التخيل اللطيف والمنهج ~~الواضح! ~~- أخشى أن تذهب الترجمة بحسنها الرائع. ~~- هذا تواضع أجل صاحبه عنه. # ثم التفت حسن للشيخ عبد الله، وقال: وما ذاك الخبر الذي نشرته أمس؟ ~~- أي خبر؟ ~~- خبر استقالة مدير مصلحة البريد. أصحيح ذلك؟ ~~- الفاروق لا ينشر غير الأخبار الصادقة، وإن نشرها قبل أن تتحقق. ~~- لله درك! # وإذا بأحد الخدم داخلا وفي يديه ورقتان دفع بهما للشيخ عبد الله وهو يقول: بريد زفتى ~~وميت غمر يرجو البيك أن تصلح ما به من خطأ. # فتناول الأستاذ الورقتين وهو يقول: «الأولى بك أن تقول: «البك يرجوك في كتابته من ~~جديد».» # وخرج الخادم وكأنه لم يسمع ما قاله الأستاذ. # فالتفت حسن لشيخنا المسكين، وقال: أيسرك إصلاح بريد الأقاليم؟ ~~- مرة في كل شهر. ~~- بل قل مرة في كل عام، وهل عزم الفاروق على زيادة صفحاته إلى اثنتي عشر؟ ~~- هذا ما لا علم لي به، ولا أظن مذيع هذا الخبر صادقا. ~~- ولم؟ ~~- يصعب علينا أن نملأ ثماني صفحات طويلة عريضة، فأنى لنا أن نحرر اثنتي عشرة ms68 صفحة، ~~ومن من المصريين يقدم على مطالعتها؟ ~~- المصريون متشوقون للمطالعة. ~~- إذا كان ما نكتبه في جرائدنا من نوع مقالاتك، وأمثالك - كما نعلم جميعا - قليلون ~~في هذا البلد الأمين. ~~- إنك تطريني يا شيخ عبد الله. ~~- أنا لا أقول إلا الصدق، فإن ظننت فيه الإطراء فشأنك وما تظن. ~~- أشكرك، ولو أني أظنني أقل كفاءة من ذلك. # وهم واقفا فقال له بحري: وإلى أين؟ ~~- أود أن أرى البك. # وخرج مسرعا لا يلوي على أحد. ~~••• # كان محمود بك عبد اللطيف صاحب الفاروق ورئيس تحريره جالسا أمام مكتبه يحرر المقالة ~~الافتتاحية، وكانت الغرفة التي كان جالسا بها مزدانة بأفخر الرياش، وبها لوحة كبيرة ~~مكتوب عليها بالثلث «بسم الله الرحمن الرحيم. # إنا فتحنا ~~لك فتحا مبينا ~~»، وصورة متقنة للبك مرسومة بالزيت، صنعها له أحد ~~ماهري الرسامين بمصر. # جلس البك جلسة الكاتب المفكر ينظر للنافذة تارة؛ ليستجمع أفكاره، وللورقة تارة أخرى؛ ~~ليخط ما يمليه عليه قلبه. فلما انتهى من مقالته سمع خادمه الخصوصي يقول له: أحمد بك أبو ~~شنق ينتظر في غرفة الاستقبال. ~~- أدخله. # ودخل البك الجديد مهرولا يتعثر في أذيال جبته وقفطانه، وصاح بملء فيه. ~~- السلام عليكم. ~~- وعليكم السلام ورحمة الله. # وهم البك واقفا وصافح زائره بيده وأجلسه في صدر المكان، وقدم له سيجارة بعد أن أمر ~~الخادم أن يأتيه بفنجان قهوة، وابتدأ يحادثه وهو يبتسم. ~~- لقد تكرم البك بزيارة الفاروق فمرحى له وأهلا وسهلا به. ~~- لقد تشرفت بهذه الزيارة التي كانت تطمح إليها نفسي منذ عام. إني مشترك بالفاروق، ~~وأقرؤه كل يوم، ويلذ لي مطالعته كثيرا، ولولا إقامتي في الريف لكنت أول من يكثر التردد ~~على صاحبه. فعذرا يا سيدي عذرا، والكريم من يقبل العذر. ~~- إن عذر سيدي البك مقبول على العين والرأس، أما زيارته لإدارة الفاروق فهي منة ~~كبرى لا أنساها أبد الدهر. ~~- ولقد أتيت بالاشتراك فأرجو قبوله. # فأظهر صاحب الجريدة امتعاضا، ولكنه قرع الجرس، وأمر الخادم أن يناديه بأحد رجال ~~الإدارة. وما غاب الخادم دقيقة حتى عاد ومعه محمود أفندي المنوفي محصل الاشتراكات، ms69 ~~وإليه دفع البك قيمة الاشتراك، فلما قدم إليه الوصل ليمضيه، اعتذر البك لألم في يده ~~وسأله أن يمضيه عنه، وكان البك من العمد الذين لم يتعلموا القراءة ولا الكتابة، وانصرف ~~محمود أفندي حاملا في يده الدراهم بعد أن أعطى لأبي شنق الوصل ممضيا عليه. # وتحادث صاحب الجريدة مع البك عن أحوال بلدته، وعن الأمن العام فيها، وعن رأيه في ~~النفي الإداري، وأبدى له الزائر آراء لولا كرم الضيافة لقهقه لسماعها صاحب الجريدة ~~هازئا ساخرا. وانصرف البك بعد أن شرب القهوة وهو يتعثر بأذيال جبته وقفطانه ويصيح ~~بملء فيه «السلام عليكم.» # ولما خلا صاحب الجريدة بنفسه قرع الجرس ودفع للخادم بالمقالة الافتتاحية ليذهب بها ~~لتنشر، ومكث هنيهة يضرب أخماسا في أسداس. ثم دخل عليه الخادم ليعلن قدوم زائر ~~جديد. # دخل الزائر فلم يقم له عبد اللطيف بك لما بينهما من الود والإخاء، فصافحه الزائر ثم ~~جلس بعد أن سأل صاحب الجريدة أن يعطيه سيجارة، أعطاها له عن طيب خاطر وهو يبتسم، وابتدأ ~~الحديث قائلا: كيف حالك اليوم؟ ~~- على ما يرام. لقد أتيت مبكرا. أليس في عزمك الذهاب للمحكمة؟ ~~- ليس عندي من القضايا ما يبعثني على زيارة المحكمة اليوم، وعندي من المحامين - كما ~~تعلم - من يقوم بأداء الواجب بالنيابة عني. ~~- حسنا فعلت. ~~- أتيت لأحادثك بشأن المقالة التي تعرضت لك فيها إحدى جرائد أمس. أتسكت عن هذه ~~الوقاحة؟ ~~- السكوت خير وأولى. ~~- ليست هذه الجريدة من الجرائد الساقطة التي تبيع شرفها في سبيل المال، وليست المقالة ~~مقالة مدح ولا ذم، والسكوت يسيء من سمعة الفاروق؛ فأولى لك أن تكتب ردا يكبح جماح ~~أعدائك، ويرد كيدهم في نحرهم. ~~- أتستصوب ذلك؟ ~~- بلا شك. إن الفاروق هو الجريدة الإسلامية الوحيدة المنتشرة في جميع أنحاء العالم ~~الإسلامي؛ فخذ لنفسك الحيطة يا صديقي، واعمل؛ إن الله مع العاملين. # مكث صاحب الفاروق هنيهة يفكر، ثم نظر لصديقه نظرة طويلة، وقال: ستظهر المقالة ~~غدا. ~~- بل اليوم. ~~- محال لقد أزف الوقت، وليس عندي متسع للكتابة. ~~- إذن فلنرجئها للغد. وما الذي أنت عازم ms70 على فعله مع المحرر السوري؟ ~~- قررت فصله. ~~- وهل هو عليم به؟ ~~- كلا ، سأعلمه به بعد اتفاقي مع من سأستعيض به عنه. ~~- وهل وفقت لشاب حسن السيرة والسريرة؟ ~~- نعم، ولا ينقصني إلا الاتفاق معه. # ودخل عليهما في هذه الساعة حسن أمين وهو باسم الثغر، فالتفت عبد اللطيف بك لصاحبه ~~المحامي وأسره هذه الجملة: «افتكرنا القط جانا ينط»، وصافح حسن أمين المحامي بعد أن ~~قدمه له صاحب الفاروق، وجلس الثلاثة يتجاذبون أطراف الحديث. فقال المحامي: لقد حادثني ~~عبد اللطيف بك عن حضرتكم كثيرا، ومدح لي غيرتكم على تقدم الصحافة. # فاحمر وجه حسن، وقال بصوت متهدج: إني لا أستحق كل هذا المديح. ~~- إنك لا تحب أن تذكر الناس حسناتك، وهذا شأن كل نابغة عظيم. ~~- حاشا لله أن أكون نابغة؛ لأني ما زلت تلميذا أتلقى العلم في المدارس ~~الثانوية. ~~- وفي أي مدرسة أنت؟ # فأجاب صاحب الجريدة: في السنة الرابعة بالمدرسة الخديوية. # فأجاب المحامي: ما شاء الله. # وقال صاحب الجريدة: ولم يمنعه اشتغاله بالعلم من مساعدة جريدة كجريدة الفاروق. ~~- هذه خصلة حميدة تثبت لنا تعلقك الشديد بالصحافة، وكلفك بها. # فأجاب حسن، وهو يتردد في القول: هذا من حسن أفضالكم وجميل سجاياكم. # فقال المحامي: وأي المواضيع يطرقها حسن أفندي؟ ~~- أكتب في مواضيع خيالية، وأحب المقالات الأخلاقية، ولي كلف بترجمة ما يكتب في ~~الجرائد الإنكليزية. ~~- شيء جميل. إني أبشرك بمستقبل عظيم. ستغدو يوما ما صاحب جريدة. ~~- هذا حلم جميل. ~~- الأحلام تتحقق يا صديقي، إذا ارتكن الإنسان على نفسه. # فقال صاحب الفاروق مخاطبا حسنا: وهل أتيتنا بشيء جديد؟ ~~- بالمقال الأول من مقالات خواطر. # وأخرج من جيبه رزمة أوراق دفعها لصاحب الجريدة. فدق عبد اللطيف بك الجرس وأعطى ~~المقالة للخادم آمرا إياه أن يدفع بها لتنشر. فقال لعبد اللطيف بك: كنت أود أن يقرأ ~~البك المقالة ليصححها. ~~- نحن لا نصحح ما تجود به قرائح رصفائنا، ولكن قل لي متى ينتهي امتحانك؟ ~~- بعد خمسة عشر يوما. ~~- أود أن تمر علي بعد انتهائك منه لأحادثك في مسألة هامة. ~~- إني رهن إشارتك. ms71 # وهم المحامي واقفا، واستأذن في الخروج وهو يقول لحسن: أعيد عليك جملتي السالفة: ~~«الأحلام يا ولدي تتحقق إذا ارتكن الإنسان على نفسه.» # ثم خرج بعد أن صافح صديقيه. # وحسن لا يعوزه في الدنيا إلا ارتكانه على نفسه، فهل يفلح في مسعاه؟! # ثم جلس صاحب الجريدة؛ ليفاوض حسنا في اشتغاله بالفاروق رئيسا لقلم الترجمة. # ملحوظات ختامية ~~(1) # حسن يرسل لحبيبته خطابا باسم صاحبة لها مدرسة. ~~(2) # امتحان البكالوريا - سقوط حسن. ~~(3) # خطاب من حبيبته. ~~(4) # مشاجرة مع أمه. لا يريد دخول الامتحان مرة أخرى. أول مرة أهان أمه ~~فيها. ~~(5) # يرد على خطاب حبيبته ويعتذر إليها. ~~(6) # دخوله الفاروق كمحرر. ~~(7) # أصبح محررا، وأصبحت حياته كما يأتي: يقضي عصر يومه في القهاوي، وليله في ~~محال الخمور. ~~(8) # يتعرف بشبان أغنياء يغرونه على القمار. ~~(9) # أصبح حسن مقامرا. ~~(10) # مشاجرة مع والدته من أجل القمار. # إنه في احتياج شديد للدراهم. تقرضه والدته. ~~(11) # الوالدة تبيع حليها. ~~(12) # يتعود الذهاب متأخرا لدار الفاروق، ويبدأ أن يهمل أعماله. ~~(13) # يذهب إلى إحدى الحانات ليلا، فيقضي فيها ليلته للصباح، ثم يقصد دار ~~الفاروق ثملا مترنحا. ~~(14) # يطرد نهائيا من دار الفاروق. ~~(15) # أصبح حسن محررا صعلوكا يعيش عيشة الأدنياء الساقطين. ms72