######OpenITI# #META# URI: 1339WaliDinYakin.MaclumWaMajhul.Hindawi15062075 #META# Tags: history #META# ID: 15062075 #META# Title: المعلوم والمجهول #META# AuthorID: 96170848 #META# Author: ولي الدين يكن #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الجزء الأول‏ # إلى مؤسس بناء الحريةالأمير الجليل المرحوم مصطفى فاضل باشا‏ # مقدمة‏ # الجرائد المصرية في سنة 1892 وما قبلها وما بعدها‏ # السياسة الإنكليزية بمصر في سنة 1892‏ # المرحوم عبد الله النديم وأستاذه‏ # حزب تركيا الفتاة‏ # مذابح شهداء الحرية من إخواننا الأرمن‏ # جرائد العثمانيين الأحرار بمصر وغيرها‏ # فرار مراد الطاغستاني من الآستانة إلى مصر وسبب ~~ذلك‏ # حال الأحرار وجمعياتهم بعد هرب مراد من الآستانة‏ # وقع ما كتبه الأحرار على دوائر الظلم بالآستانة‏ # أبو الهدى بالآستانة وبمصر‏ # ماذا كان يريد أبو الهدى؟‏ # اللورد كرومر وأحرار العثمانيين‏ # بين التابع والمتبوع‏ # أنا في حزب الأحرار‏ # الأميرة الجليلة الفاضلة «نازلي هانم»‏ # الجنرال أحمد جلال الدين‏ # الشيخ محمد ظافر المدني‏ # عزت العابد‏ # شر جديد‏ # بعض ما مر علي بنظارة المعارف‏ # الحرب العوان‏ # محمد باشا الجركسي المعروف بأبي لحية‏ # شتم وضرب وقتل‏ # السياسة الحميدية‏ # الجزء الثاني‏ # مقدمة‏ # كيف نفوني إلى سيواس؟‏ # السجن‏ # أعوان النقمة‏ # السجن الجديد‏ # الأحرار في بطون الأرض‏ # بعض ما وقع أيام سجني‏ # من السجن إلى الباخرة‏ # نظرة في حال فروق‏ # وداع فروق‏ # صامسون‏ # كتاب إلى الصديق الأوفى رفيق التلمذة‏ # إلى سيواس‏ # سيواس‏ # وفاة الحاج حسن حلمي باشا والي سيواس‏ # زفرة من زفراتي‏ # ما كابده أهل بيتي في فروق‏ # قدوم رشيد عاكف واليا على سيواس‏ # كلمة في الأناضولي‏ # جغرافية ولاية سيواس‏ # آثار القدماء في سيواس‏ # تلخيص الخلاصة في تاريخ سيواس‏ # رجال الدين في سيواس‏ # أقيال سيواس وسراتها‏ # إخواني في النفي‏ # كيف مرت أيامي بسيواس؟‏ # أهل سيواس‏ # الأمة والشورى‏ # ملخص الصور‏ # الجزء الأول‏ # إلى مؤسس بناء الحريةالأمير الجليل المرحوم مصطفى فاضل باشا‏ # مقدمة‏ # الجرائد المصرية في سنة 1892 وما قبلها وما بعدها‏ # السياسة الإنكليزية بمصر في سنة 1892‏ # المرحوم عبد الله النديم وأستاذه‏ # حزب تركيا الفتاة‏ # مذابح شهداء الحرية من إخواننا الأرمن‏ # جرائد العثمانيين الأحرار بمصر وغيرها‏ # فرار مراد الطاغستاني من الآستانة إلى مصر وسبب ~~ذلك‏ # حال الأحرار وجمعياتهم بعد هرب مراد من الآستانة‏ # وقع ما كتبه الأحرار على دوائر الظلم بالآستانة‏ # أبو الهدى بالآستانة وبمصر‏ # ماذا كان ms001 يريد أبو الهدى؟‏ # اللورد كرومر وأحرار العثمانيين‏ # بين التابع والمتبوع‏ # أنا في حزب الأحرار‏ # الأميرة الجليلة الفاضلة «نازلي هانم»‏ # الجنرال أحمد جلال الدين‏ # الشيخ محمد ظافر المدني‏ # عزت العابد‏ # شر جديد‏ # بعض ما مر علي بنظارة المعارف‏ # الحرب العوان‏ # محمد باشا الجركسي المعروف بأبي لحية‏ # شتم وضرب وقتل‏ # السياسة الحميدية‏ # الجزء الثاني‏ # مقدمة‏ # كيف نفوني إلى سيواس؟‏ # السجن‏ # أعوان النقمة‏ # السجن الجديد‏ # الأحرار في بطون الأرض‏ # بعض ما وقع أيام سجني‏ # من السجن إلى الباخرة‏ # نظرة في حال فروق‏ # وداع فروق‏ # صامسون‏ # كتاب إلى الصديق الأوفى رفيق التلمذة‏ # إلى سيواس‏ # سيواس‏ # وفاة الحاج حسن حلمي باشا والي سيواس‏ # زفرة من زفراتي‏ # ما كابده أهل بيتي في فروق‏ # قدوم رشيد عاكف واليا على سيواس‏ # كلمة في الأناضولي‏ # جغرافية ولاية سيواس‏ # آثار القدماء في سيواس‏ # تلخيص الخلاصة في تاريخ سيواس‏ # رجال الدين في سيواس‏ # أقيال سيواس وسراتها‏ # إخواني في النفي‏ # كيف مرت أيامي بسيواس؟‏ # أهل سيواس‏ # الأمة والشورى‏ # ملخص الصور‏ # | المعلوم والمجهول # | المعلوم والمجهول # تأليف # ولي الدين يكن # | الجزء الأول # ما كان أهنأني وأسعدني # لو كان ينفع معشري قلمي # أنا لي فؤاد لا أنزهه # لكن يراقب ما يقول فمي # إلى القراء # بهذا الكتاب أشياء، وقد فاتته أشياء، وفي أحوال العالم ما يمنع الإفصاح بكل ~~ما يدور بالخلد. على أنني لا أحب أن أخرج من هذه الدنيا قبل إظهار ما عندي من ~~الخوافي، فإذا وفقني الله إلى أمنيتي تلك كنت سعيدا. # حين تذهب دول الظلم ويذوق الناس نعيم العدل يقرءون مثل كتابي هذا ~~بارتياح. # وإذا وهب الله أقوامنا من الترقي أكثر مما نالوه وبقيت أنا حيا بينهم ~~كلمتهم بما يخالج صدري تصريحا لا تلميحا. # مؤلف الكتاب # | إلى مؤسس بناء الحريةالأمير الجليل المرحوم مصطفى فاضل باشا # قائد كتائب الحرية والأحرار الأمير المرحوم مصطفى فاضل باشا ~~الشهير. # أيها الأمير # أنطقت كمالا وأصحابه، واخترت الصمت. ولدت بنفسك غنيا ومت لوطنك ~~فقيرا. علمت محب الحرية كيف يغنيها فغناها، ثم طربت فشربت كأسا هي ~~الحمام، في حب حبيب ms002 هو الوطن . ما كنت شاعرا ولكن خلقت الشعراء. فلما جئت في ~~لداتي لم نجد ما نقول بل كررنا ما قاله الأسلاف من تلامذتك. # لو أمست البلاد العثمانية كلها قبرا لك وحدك، وخيط كفنك مما يتسرب من ~~آماق بنيها من الأشعة، وأقيم لك تمثال من الذهب أطول من برج «إيفل» عشر ~~مرات، وكتب مدحك على أديم الأرض من شمال البالقان إلى جنوب اليمن، لكان ذلك ~~دون قدرك. # هذا كتاب فصوله كثيرة، ولكنها فصلان، لي في كليهما شئون؛ أما الفصل الأول ~~فبيان لمحنة الأمة، وأما الفصل الثاني فاستخراج العبرة من تلك المحنة. وقد ~~ذهب الشر وجاء الخير ولكن ضعت أنت في الفترة. # هذا كتاب أهديه إلى اسمك الخالد، لا تقربا إليك بأمل دنيوي، إذ لا سبيل ~~إليك، بل تشريفا لي ولكتابي، ثم اعترافا لك بفضل لا يخالفني فيه أحد. فليطب ~~مضجعك، ولتتغمدك الرحمة، وليسق ثراك الغيث أيها الأمير الفاضل الجليل. # ولي الدين يكن # | مقدمة # 1 # كتابي سر في الأرض واسلك فجاجها # وخل عباد الله تتلوك ما تتلو # فما بك من أكذوبة فأخافها # ولا بك من جهل فيزرى بك الجهل # سيشهد من يتلوك إن كان عادلا # بأن بني حواء ما بينهم عدل # للمؤلف # بين فروق ومصر نجي من الغيب تتراوح به الرسل فتقصر في ~~بلاغه، وتتحمله النسائم فتعجز عن تأديته. لكل عند صاحبتها لبانة، ولكل لدى ~~الأخرى مكانة؛ شدت أواصر القربى بينهما فأحكمت، ثم رثت فتراخت، ثم دبت بين الأم ~~وبنتها عقارب الجفوة، فكادت تنفرج مسافة الخلف وتنفصم عرى الود؛ ولكن تدوركتا ~~من حيث لم تحتسبا، فباتتا على ريب من أمريهما، فمتأمل في حاليهما يقول: # وكل مظهر للناس بغضا # وكل عند صاحبه مكين # ومتسل بواحدة عن الأخرى ينشد: # تسلى بأخرى غيرها فإذا التي # تسلى بها تغري بليلى ولا تسلي # أما فروق فهي الغانية، بزت حليها وحلاها، واستغنت بجمالها عن تجملها، ~~عروس الطبيعة الناشز، المنعمة الممنعة، تهب الصبابة وتسلب الجلد. للملوك ~~مصارع من حسنها، وللرعايا مصارع من ظلمها. يقيم على غرامها إلى الأبد من ms003 نظر إليها ~~نظرة واحدة. # وأما مصر؛ فهي الفتاة، أنسها قريب وملالها أقرب؛ أكبر من أمها سنا، وأقدم ~~منها بالحضارة عهدا؛ رائعة الخلق والخلق، عروب، لعوب، نئوم، مكسال، صادق حبها، ~~كاذب وعدها ووعيدها. # الفاتنتان تتباينان فتتراجعان، ولا تستمران على قطيعة. # أما بنو فروق، فمغلوبون على أمرهم؛ قضي عليهم ألا يتحاصوا من الحياة الدنيا ~~إلا الهموم، يعيشون فيها، لا يرون بها شمسا ولا زمهريرا (ولا يسمعون لغوا ولا ~~تأثيما)، عاليهم ثياب من نار، كلما شوت منهم جلودا بدلوا بها جلودا. تتعاقب ~~الآناء وهم سكارى حيارى، كأن عهدهم بالحشر قريب، ينظرون من خلل اليأس إلى بارق ~~الأمل. # وكأنه برق تألق بالحمى # ثم انضوى وكأنه لم يلمع # يكاد البرق يخطف أبصارهم، كلما أضاء لهم مشوا فيه، وإذا أظلم عليهم قاموا. أوصدت ~~دونهم أبواب القبول وحيل بينهم وما يشتهون. فأيد بسطت ضارعة بالذلة، ووجوه عنت ~~منقبة بالمسكنة، وأبصار زاغت وفي لواحظها نعاس الخمول، وقلوب شقت وفي أشطارها ~~معاني الشكوى. وما يغني التطلب! أقعدت العزمات وصغرت الهمم، وفاضت النفوس وراحت ~~الآمال، وبوعد بين الشباب وبين الوصال. # أما لو أن زهور الرياض مقل، وقطرات الطل دموع، وأنفاس النسائم زفرات، وأغاريد ~~الطيور نحيب، والأقاحي ثغور تناجي، والبراكين أفئدة تتقد، والقيامات أنات ~~الضمائر، وخطوب الدهر أحزان بنيه؛ لقل ذلك عند وقوف المتأمل على أجداث إخواننا ~~الشهداء. ألا بنفسي تلك اللحود، صمت نازلوها ونطقت صناديقها، ألا ما لمثل هذه ~~الأفئدة البشرية هذه الشجون. بلى هي قوى كهربائية لها من كل ويل تيار. # أما بنو مصر، فمغلوبون على أمرهم؛ ذاقوا مرارة الذل أولا، ثم بدلوا منها ~~أريا شهيا، وأوتوا رخاء وعيشا معللا جانبه. أسفرت لهم الحرية، عدوة ~~الملوك وحبيبة الشعوب. راموها زرقاء فأتت حمراء، وما تلك بحمرة خجل ولا حمرة دم؛ ~~إن هو إلا الحياء يورد الخدود ويقصر الخطى؛ فهم مغبوطون وهم حاسدون، ذلوا لها ~~حين استعصت، ودلوا عليها حين سلست، وأنساهم عذب الوصال مر الهجران. # ليقف من شاء من أبناء حواء على منارة من منارات فروق، وليدع طرفه يرود تلك ms004 ~~الهضاب في أبرادها السندسية، وليفسح له مجالا في مسارح ~~خلت من أوانسها، وليرم به إلى قرارات ~~كالدراهم. تلمع بكرة وتلتهب أصيلا. مراودها الغزل ومسالكها العفاف. فإذا بدا له ~~«البوسفور» في ازرقاق عبابه، وتجعد أديمه، وازدهار شطيه، واطلاع أقماره، ~~فليرجع البصر إلى منازل كأنها لعب أو علب، كأنها بنيت بعضها فوق بعض. فلينصت ~~هنالك قليلا، وليسأل بعدها عما سمع ورأى. أما والله ليصيحن بملء فيه منشدا ~~قول المعري: # خفف الوطء ما أظن أديم ال # أرض إلا من هذه الأجساد # رب دار كأنها قفص البلبل، في وسط حديقة كأنها طبق زهر، ثم فتاة أفرغ الله ~~نوره فتكونت منه، يدخل عليها داخل وهي غارقة في هواجسها، فتقول له: ما أخر ~~أبي؟ ما أبطأ بأخي؟ لم لم يحضر هو ...؟ وهو معلوم، فيقول لها أبوك نفي وأخوك ~~سجن وهو ... ضاع بين الأزرقين، السماء و«البوسفور». فلا أدري، بل لا أود أن أدري ~~ما يكون من لحظيها إذا أسبلا بكاء، وما يكون من ذلك الوجه إذا رفع في يأسه وحزنه ~~إلى السماء، وقال فمه مرة واحدة: آه! # وليقف بعد ذا من أراد على قمة الهرم الكبير في مصر، وليتأمل بنت إيزيس وأوزريس؛ ~~أما والله لا يلبث أن يرى الوجوه الضاحكة، خلال المغاني الآهلة، فيبدو لتأمله فرق ~~ما بين العاصمتين. # 2 # بفروق قصر وبمصر قصر؛ القصران مصدران للأحكام، وموردا للآمال، هما كشقي ~~المقص؛ إذا افترقا أحاطا وإذا تجمعا فرقا. هما الصرحان تطل منهما المعالي ~~ويشرف سلطان القوة. يقلبان ولا يتقلبان، على أيهما وقف البصر خشع وأيهما حضر بخيال ~~النفس هالها! يا داري العزة ما الخورنق والسدير! ما إيوان كسرى وما قصر الحمراء! ~~ما ربع مية يطيف بها غيلان وهو معمور! بل ما إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في ~~البلاد! # تطاولت الأيدي حتى انتهت إليهما، فما بقي مكان خاليا إلا وطرقه طارق منتاب، ~~أحيطا، فمنعا، فعزا، فأرهبا، ثم اغترا، فأعملا، فأذلا، فأغضبا، ثم زادا، ~~فأفنيا، فأثارا. وما هي إلا صيحة أخذتهما فتساقطت تلك اللبنات الذهبية، وقعقعت ~~هاتيك ms005 العروش، وقضي الأمر . وكذلك يستدرج ربك بعباده من حيث لا يعلمون. # مضى زمان العمل وجاء زمان الحساب. وقد قال شاعر العرب: # فشككت بالرمح الأصم ثيابه # ليس الكريم على القنا بمحرم # القاضي هو الحق، والمخاصم هو الأمة، ومن كان نصيره تاجه وصولجانه فالأمة نصيرها ~~الله. # 3 # قلت (له) قبل اليوم بنحو الثلاث عشرة سنة من أبيات لي: # ضع الأمر في موضع الإعتبار # فإن الزمان زمان العبر # ولا يفرحنك زوال الخطوب # فكم إثرها من خطوب أخر # مصاب مرير إذا ما انقضى # تلاه مصاب عليك أمر # حياتك أمست حياة التساوي # فلست تساء ولست تسر # إذا ما أماني الهوى برزت # وكل خفي بها قد ظهر # وشام بصير وأصغى سميع # وراحت ترود المعاني الفكر # وقال زمانك كيف التحامي # وناداك دهرك أين المفر # هنالك تشكو كما كنت تشكى # ويجري بما لا تشاء القدر # واليوم لا أجد ما أزيد على هذا المقال. # 4 # أضحت مصر منذ سنة 1517 ولاية عثمانية، عاشت سلسة القياد، لينة العريكة، إلا ~~ما كان يأتي به بعض المتغلبين من بقية السيف، من ساداتها الأول منذ سنة ~~1766. # وفي سنة 1794 أخرج نابوليون الأول من الجيش العامل في فرنسا؛ فهم أن يقصد إلى ~~الملك العثماني لينظم مدفعيات العثمانيين، لكنه استبقى لفرنسا حتى سلط مدفعياتها ~~على الهرمين في سنة 1798 وهزم عنهما مراد بك وإبراهيم بك، ثم أجفل إلى بلاده وأخرجت ~~جنوده الجنود العثمانية والبريطانية. # وقد شاءت الأقدار أن يغنم مصر سليم الأول ويخسرها سليم الثالث، كما رفع فرنسا ~~نابوليون الأول ووضعها نابوليون الثالث. وشتان بين سليمنا الثالث ونابوليونهم ~~الثالث. إن سلطاننا كان حرا وحكيما وعادلا، ولكن جنى عليه الجانون. # فلما اطمأنت مصر بعض الاطمئنان إلى محمد علي الأول بعد سنة 1811؛ دخلت في تاريخ ~~جديد. # فإذا تأملناها منذ أخذها العثمانيون إلى يومنا هذا؛ رأينا الغرابة فيها من ~~ابتداء سنة 1892 وما تلاها من السنين. وسيأتي الكلام على بعض تلك النوائب إيثارا ~~لتخليدها. # 5 # وهبتني مصر تجارب ووهبتني فروق تجارب، وكتابي فيه مواهب العاصمتين ومختصر من ~~تاريخ ms006 القطرين وعبر من وقائع القصرين؛ فمن قال فيه إنه دفتر الحسنات والسيئات فقد ~~صدق، ومن قال فيه إنه ديوان السياسة فما أخطأ. على أني أتمثل بقول أبي ~~الطيب: # ليت الحوادث باعتني الذي أخذت # مني بعلمي الذي أعطت وتجريبي # | الجرائد المصرية في سنة 1892 وما قبلها وما بعدها # كانت الجرائد المصرية إلى سنة 1892 معتدلة السياسة على اختلافها في مذاهبها، ولم تكن ~~السياسات إلا ثلاثة ضروب: عثمانية محضة مسالمة للاحتلال الإنكليزي. وهي التي امتازت بها ~~جريدتان يوميتان «المقطم» و«النيل». وفرنساوية مصرية. وهي التي اختصت بها: «الأهرام» ~~و«المؤيد». ومصرية محضة مع إنصاف المحتلين. وهي التي سارت عليها جريدة «الوطن». # فأما «المقطم»؛ فقد ثبت على سياسته إلى يومنا هذا، ولم يبد منه أدنى تغير ~~فيؤاخذ عليه. وأما «النيل» فقد تغير في أواخر أيامه وظهر تغيره للعيان؛ وما ~~غيره صاحبه بل غيرته أنا. على أنه لم ينتقد السياسة البريطانية ذاتها، بل استكبر ~~حمايتها للأحرار العثمانيين ممن هبطوا مصر ليستمتعوا بحريتها ويحتشدوا بها على حرب ~~الحكومة المستبدة المنقرضة، فكنت أنا وصاحب النيل - رحمة الله عليه - ننكر على الأحرار ~~مساعيهم ونأبى مشاركتهم فيها. ومن هنا يتبين للمتأمل أن اختلاف «المقطم» مع «النيل» لم ~~يكن إلا من الوجهة العثمانية الداخلية، وذلك لأن أصحاب «المقطم» نشئوا في أعظم مدرسة ~~غربية أسست في الشرق. وهي الكلية الأمريكية الكائنة ببيروت، وأخذوا علومهم عن أعظم ~~حكيم غربي قطن الشرق؛ وهو طيب الذكر الدكتور كارنيليوس فانديك؛ فعرفوا التمدين العصري ~~وبرعوا في العلوم الجديدة، وأشربوا الحرية فشبوا عليها وكأنهم ولدوا في أوطانها. ~~وصاحب «النيل» لم يكن كذلك؛ فإن الرجل كان من الراسخين في العلوم العقلية والنقلية مما ~~نحله إياها أحزاب الفكر القديم؛ فكان مؤرخا فقيها وكاتبا ألمعيا، ولكن لم يخل ~~قلبه من التعصب. كانت نفسه الكبيرة لا تستحب النزوع عن القديم ولا تستطيب شيئا من ~~الجديد، فاهتديت أنا برأيه، ولكن وقعت في أخطائه. # وأما «الأهرام» فكان صاحباه - رحمهما الله - محميين بقوة فرنسا، فلم يريا من ~~المروءة أن يخالفاها في سياستها الاستعمارية. ولولا ما ms007 سبق منهما من الإفراط في التعصب ~~لها لكان عذرهما أوسع . على أنهما سعيا لخير مصر من حيث ظنا أنه صواب. ولم ينصفا ~~الإنكليز بل أصرا على حربهم، ولم يذكرا للقوم يدا وإن جلت ولم يسترا لهم هفوة وإن ~~صغرت. وأما «المؤيد» فقد ظهر واهي القوى، شديد العزيمة، خلق الجلباب، جديد الهمة، ~~رابط الجأش، جميل الصبر، يعاني الشدائد ويعاين المهالك، رحب الصدر باسم الثغر، فكان ~~يزداد كل يوم شهرة، ويجد من إقبال الناس عليه ومؤازرتهم له ما يبعث نشاطه ويستعيد ~~فتوته. ولم يرض صاحبه أن يمشي في الأرض مكبا، بل سار في مناكبها شامخ العرنين، ~~سامي الطرف، بادي الخيلاء، ثم جنح إلى السياسة الفرنساوية شيئا على يد صديقه من قبل ~~وخصمه من بعد المرحوم مصطفى كامل، رئيس الحزب الوطني الأول ومؤسسه، وصاحب المسيو ~~«دلونكل» أحد ساسة الاستعمار في فرنسا إذ ذاك. وقد أمسى «المؤيد» محالف «الأهرام» كما ~~أصبح «النيل» مخالف «المقطم». # فكانت جريدة «الوطن» وحدها تغني مصر كما تهوى مصر، بل كما يجب عليها لمصر. حفظت ~~العهود؛ عهود أجدادها؛ الصيد الأول، نسل الشمس، وخدمت قومها كما أراد قومها. ولما كان ~~الأقباط، أولو مصر، قوما امتازوا بحب وطنهم وشرف نفوسهم وبعد هممهم ومحبتهم الجد ~~ومجانبتهم المعايب؛ لم تثن هماتهم عداوات البعض من مواطنيهم المتعصبين، وكما حموا ~~مجدهم على قلتهم وكثرة حسادهم وظلم حكامهم أعانوا جريدتهم فعاشت لهم واستفادوا ~~بها. # على أن هذه الجرائد لم تكن متمتعة بمثل حريتها اليوم؛ فإن قانون المطبوعات الذي وضع ~~في سنة 1881، ونصب معه البارون مالورتي الشهير مديرا لقلم المطبوعات، ضيق الخناق ~~على أرباب الصحف والأقلام، وسلب الأمة المصرية حريتي الفكر والسياسة. # فكانت الجريدة من الجرائد تنشر الخبر لا يوافق سياسة الحكومة، فيأتيها الإنذار من ~~الداخلية تنشره في أول عدد يصدر منها بعد وروده، وإذا أنذرت مرتين ألغيت في الثالثة، ~~وقد يحكم عليها بتعطيلها شهرا أو أكثر أو أقل. وقد تلغى بغتة. وكل ذلك على ما يبلغ ~~ذنبها وجنايتها السياسية. ولكن لم يطل أمد هذا الظلم، وأعلنت حرية ms008 المطبوعات في ~~وزارة الرجل الحر مصطفى باشا فهمي، وكان ذلك في أواخر سنة 1892 على ما أظن، ثم أتت ~~الوزارة الرياضية فهمت برفع هذه الحرية، فلم تفلح وذهبت غير مأسوف عليها. # غير أن الجرائد المصرية لم تشبه أخواتها في الغرب بحال من الأحوال، لا في عهد أسرها ~~ولا بعد عتقها. وسبب هذا النقص اتحاد الصحافيين على استرضاء الشعب؛ فهم يرون أن الشعب ~~المصري لا يحب في صحفه إلا أن تكون هكذا، وفاتهم أن الجرائد هي ألسن العقلاء تنطقها ~~الحكمة ولا يستميلها الهوى، وأن الواجب عليها أن تقود لا أن تقاد. # وكم أسف أجده عندما أتذكر ماضي الشباب، أيام كان الفتى منا شغله مقالة يكتبها أو ~~قصيدة ينظمها لتذكرها له الصحف السيارة ناعتة إياه بالفاضل والأديب. أيام كان الشاب ~~منا يقضي ليله في معاقرة ولهو وسماع، ثم يصبح فينادي في الصحف باسم الوطن ويدعو إلى ~~مكارم الأخلاق، وإذا صادف من أديب غرة انبرى له طالبا مناضلته طامعا في مساجلته، ~~اقتساما لشهرته، ولك يقال إنه ناظر فلانا فغلبه. كانت أمامنا ساحات المطبوعات ~~متباعدة الأطراف، مباحة الحمى، نجول فيها كما نحب، نقول فنجد من يسمعنا ونهذر فنلقى من ~~يشاركنا. فيوما نحن أعداء «قوم» نحض الناس على مقاتلتهم، ونزين لهم مناوأتهم ونحبب ~~إليهم بغضتهم، ويوما نحن أنصارهم نفديهم بالأرواح ونبغض من يريدهم بسوء؛ ذلك بأننا ~~دخلنا أبوابا لم نكن أهلا لدخولها، وادعينا السياسة وما كنا إلا فتيانا لا يعلم ~~الواحد منا أحوال نفسه، فكيف كان يتسنى لنا كشف غوامض حارت فيها الدهاة وأخطأها أهل ~~الصواب. # هكذا، يأتي على المرء حين من الدهر يؤلمه تذكر ماضيه ويخجله. وما أشد عصر الشباب ~~إغراء للشباب! وليت هذه العظات تنال رخيصة، فيستعاض بها ما خسرته الحياة على قصرها، ~~إلا أنها غالية أثمانها الأعمار. # وهنا لا أجد بدا من الاعتراف بأن حرية الجرائد اليوم بلغت أقصى غاياتها، ولكنها ~~أساءت إلى الأدب والأديب؛ فقد منحت الجرأة لقوم من الأميين والبعيدين عن معالي ~~السياسة، فصرت الأقلام بما يضر وعجزت عما يفيد. ms009 # | السياسة الإنكليزية بمصر في سنة 1892 # في 8 يناير سنة 1892 جاء من «فينا » إلى رئاسة مجلس النظار بمصر تلغراف هذا نصه: # إن نبأ وفاة سيدي ووالدي قد أدهشني؛ فهو مصيبة عظيمة على عائلتي وعلى القطر ~~المصري بأجمعه. ومتى وصلتني منكم الأخبار الأكيدة عن الوابور الذي سيعد ~~لسفري من تريستا، أسافر بلا إبطاء، وأخبركم بالتلغراف عن ساعة السفر، وأنني على ~~يقين أن الأعمال تستمر سائرة على أحسن محور بهمة عطوفتكم ورفقائكم ريثما أصل ~~إليكم. # كان هذا التلغراف رجع الصدى لآخر مثله نعى توفيقا العادل إلى عباس البار، فرددت ~~ألسن الكهول قول الشاعر القديم: # هناء محا ذاك العزاء المقدما # فما عبس المحزون حتى تبسما # ثغور ابتسام في ثغور مدامع # شبيهان لا يمتاز ذو السبق منهما # وكررت ألسن الفتيان قول الشاعر الجديد، شاعر الأميرين: # بين ماضي الأسى وآتي الهناء # قام عذر النعاة والبشراء # نبأ معذر نفى بعضه بع # ضا فكان السفيه في الأنباء # حتى إذا ازدحمت الجموع وتأهبت عابدين للترحاب بالأمير الفتى، ألهم جني القريض ذاك ~~الشاعر الجديد إلهامه فقال: # إن خيلا حملن سيزوستريس ال # عصر أولى الجياد بالخيلاء # فردت الشبيبة المصرية بقوله: # وطني قبلتي وأنت إمامي # بك فيه لوجه ربي اقتدائي # ثم خفتت الأصوات وتطلعت الأعناق، فدوت المدافع من القلعة. فإذا هي تحيات يزفها ~~محمد علي الكبير من مرقده العالي لابنه الأمير بالنيابة عن أبنائه المصريين. # هنا اضطرت إنكلترا أن تغير سياستها التي سارت عليها بمصر من سنة 1880 إلى هذا ~~التاريخ المتقدم ذكره، وكانت تلك السياسة قائمة على تأييد المقام الخديوي وحفظ القطر ~~المصري من أن تمد إليه يد الطامع، وأن تصلح شئون مصر ويزداد عمرانها. وقد رأت من ~~ود الخديوي المرحوم توفيق باشا وصدق ولائه ما ذلل لها الصعاب، فاشتركت معه واستعانت ~~به على القيام بجلائل الأعمال. وبات العرابي ومن خدعهم في سيلان يتحسرون على مصر، ~~ولسان حالهم يقول: # فهيهات هيهات العقيق ومن به # وهيهات خل بالعقيق نواصله # فأما السياسة البريطانية الجديدة فلم تزد في تغيرها على زيادة الانتباه ms010 لسياسة ~~عابدين الجديدة. هنالك شرخ الشباب وخطر المقام وقلة التجربة وكثرة المطامع استدعت ذلك ~~الانتباه ، حتى قال طيب الذكر اللورد «سالسبري» في 10 فبراير سنة 1892: «إن الحكومة ~~الإنكليزية لا تدع مصر فتتسلط عليها دولة أخرى أو تقوم فيها الفتنة.» # ولقد قال «أرل ددلي» في خطبة خطبها في 9 فبراير سنة 1892 بعد خطبة العادلة الفاضلة ~~الشهيرة فيكتوريا ملكة بريطانيا العظمى: «أنا على ثقة أن سمو الأمير الجديد سيكون كفؤا ~~للقيام بأعباء ملكه على توالي الأيام.» # على أن المعية المصرية أخذت تتهيأ لسياسة جديدة بما تدرجت فيه من التغيير الجديد قبل ~~ذلك بأيام. # ففي 25 يناير سنة 1892 عزل المرحوم خليل بك ثابت التشريفاتي الثاني بالمعية، وموسى ~~بك عصمت معاون التشريفات. وفي 27 يناير سنة 1892 صدر أمر عال بقبول استعفاء ثابت باشا ~~وذي الفقار باشا. وقبل ذلك؛ أي في 11 يناير، أحيل على المعاش أحمد باشا الياور الخديوي ~~الأول، وعين بدلا منه عبد الله باشا فوزي، وأحيل على المعاش أيضا علي بك ثابت ~~قوماندان المراسلة الخديوية، وعين مكانه محمد بك توفيق (هو محمد باشا توفيق الذي ~~توفي بعد أن نال رتبة الفريق). وفي 5 فبراير من السنة ~~عينها أحيل على المعاش علي بك حافظ رئيس قلم ~~الترجمة، وعين مكانه أحمد بك شفيق (هو الآن أحمد باشا شفيق). # ثم حلت النقمة بسبعة من عملة التلغراف بالمعية، فصدرت الإرادة بفصلهم جميعا من ~~أعمالهم، وعينت إدارة السكة الحديد في القاهرة سبعة غيرهم، وذلك في 8 يونيو سنة ~~1892. # وكان الناس يستشعرون بتجدد في أحوال المعية كلها، كما وقع ذلك التجدد في تغيير ~~رجالها. فباتوا يتوقعون يومه بصبر اضطراري ونظر اختياري، حتى آذن صبحه بابتسام. وإني ~~لذاكر في هذا الفصل قبل الدخول في بيان شيء صورة التقرير الذي سيره السير أفلن بارنج ~~«هو اللورد كرومر» إلى طيب الذكر ماركيز «سالسبوري» ليكون توطئة لما سيتلوه من ~~الكلام. # صورة التقرير منقولا تعريبه عن مجموعة المقطم الشهير # مصر القاهرة، في 9 فبراير سنة 1892 # مولاي # كانت عادتي قبل ms011 سنة 1891 أن أبعث إلى فخامتكم أو إلى أسلافكم بتقرير سنوي ~~في مالية الحكومة المصرية. ولكني في السنة الماضية كتبت أول مرة تقريرين، ~~أحدهما في المالية المصرية فقط ، والآخر في تقدم الإصلاح الإداري الذي تم ~~بوجه الإجمال في القطر المصري مدة السنين اليسيرة الماضية. وقد قصدت في هذا ~~التقرير الذي أتشرف بعرضه على فخامتكم أن أوضح، بالإيجاز، النتائج التي ~~أدركتها مصر، سواء كانت في المالية أو في الإدارة العمومية بعد تقريري ~~الماضي في 29 مارس سنة 1891. # المغفور له الخديوي السابق. # أهم الحوادث السياسية التي حدثت بعد كتابة تقريري الماضي في 29 مارس سنة 1891 ~~وفاة سمو الخديوي السابق رحمه الله، وذلك في 7 يناير سنة 1892 بعد أن مرض أياما ~~قلالا. # وقد كان رحمه الله في مقام عظيم المصاعب طول ~~أيام اشتغاله بالسياسة؛ فإنه ارتقى سرير الخديوية في شهر أغسطس سنة 1879 وهو يومئذ ~~ابن سبع وعشرين سنة. كانت البلاد قد أمست على شفا الدمار بسبب الإسراف والتبذير في ~~المالية وسوء الإدارة العمومية، وكان نظام الجيش قد اختل اختلالا عظيما بسبب ~~الحوادث التي جرت قبل تنازل إسماعيل باشا؛ فثار الجيش وتمرد بعد ارتقائه رحمه ~~الله بزمان قصير، واقتضت الأحوال مجيء جيش أجنبي لرد النظام. ولم أكن أنا بمصر في ~~الثورة العرابية، ولكني كثيرا ما سمعت الثقات الأكفاء يتكلمون عن تصرف الخديوي ~~المرحوم في تلك الشدة، ويطنبون في مدحه إطنابا عظيما. ولم يزل مركزه بعد ~~الاحتلال البريطاني محفوفا بمصاعب عظيمة، وإن كانت مختلفة عن المصاعب الأولى في ~~نوعها؛ فإن سموه امتاز بكونه مصلحا معتدلا، وكان خبيرا بأحوال بلاده، يعلم حق ~~العلم بأن إصلاحها يجب، بحكم الضرورة، أن يتم تدريجيا، وكان يدري جيدا أنه لا ~~بد من استخدام عدد يسير من الأوروبيين المنتخبين مدة من الزمن، وذلك مع شدة رغبته ~~في ترقية أبناء وطنه إلى المناصب التي يكونون فيها محل الاعتماد وتلقى عليهم ~~العهدة والمسئولية. أما الخدمة التي خدمها الموظفون الأوروبيون في الحكومة ~~المصرية للقطر المصري، فالناس كلهم يعترفون لهم الآن بهم، ms012 وهم أقل كرها لوجودهم ~~عندهم، وأقل حذرا وتخوفا منهم بالنسبة إلى ما كانوا عليه قبلا. # فاقتضى في غضون ذلك أن يكون هناك شيء كثير من حسن السياسة والتمييز لإجراء معظم ~~الإصلاح على يد الأوروبيين بلا إساءة إلى أهالي البلاد ولا مس حاساتهم. وحسن ~~السياسة هو ما اشتهر به الخديوي المغفور له وفاق فيه، فكان من جهة يشد أزر ~~مشيريه الأوروبيين ويؤيدهم تأييدا لولاه لما جاءت مساعيهم في تحسين أحوال البلاد ~~بنتيجة تذكر، ومن جهة لا ينسى أن النظامات الأوروبية الشوروية والإدارية يجب إن ~~تغير في الصورة والجوهر، وتكيف بحيث تصير صالحة لحاجات الأمم الشرقية. # وكان رحمه الله يعلم أيضا أن أعظم المخاطر التي يجب اجتنابها هي الإسراف ~~والتبذير في المالية، والاستبداد في الحكومة؛ فلذلك جعل علم الزمان الماضي نصب ~~عينيه، فكان في معيشته العمومية أول من يكره غيره الإسراف والتبذير ويؤيد سلطة ~~القانون، كما كان أيضا في معيشته الخصوصية التي هي حرية بأن يقتدى بها من كل ~~الوجوه. # فلهذه الأسباب وغيرها مما تيسر سرده يحق لأبناء مصر ولكل الذين يهتمون ~~بأمورها أن يندبوا فقيد مصر الذي عاجلته منيته فاخترمته قبل أوانها؛ لا سيما وأنها ~~وافته حينما زالت المصاعب التي خصت بخديويته في بداءتها، وابتدأ يجني ثمار جده ~~الدائم الشديد وجهده الثابت الجهيد لتحسين أحوال مصر في السنين اليسيرة ~~الماضية. # وزد على ذلك أيضا أنه منذ سنة أو سنتين، زاد نصيبه الخصوصي في تولي الأمور ~~وإداراتها بنفسه، فتوفر الخير والفائدة لبلاده، وكانت الثقة به آخذة في الازدياد ~~والتعاظم في نفوس الموظفين والوطنيين والأوروبيين الذين مازجوه، وفي نفوس الأهالي ~~عموما، وكانوا يزيدون كل يوم اعتبارا لصدقه واستقامته وصحة حكمه وحسن تمييزه. ~~والحق يقال إن الناس على اختلاف طبقاتهم حزنوا حزنا حقيقيا على وفاته في ~~شبابه. # وأضيف على ما تقدم أن سموه طالما شكر وأثنى في حديثه معي على ما فعلته حكومة ~~جلالة الملكة لإنقاذ بلاده من الفوضى في أيام الفتنة العرابية. وقد كان سموه طول ~~أيام حكمه على غاية الصداقة والمودة مع ms013 حكومة جلالة الملكة ومع الإنكليز الموظفين ~~في الحكومة المصرية، وكان يعلم حق العلم أن الغاية الوحيدة من السياسة الإنكليزية ~~في الديار المصرية إنما هي خير المصريين ورفاهتهم؛ وعلى ذلك كان يجري في معاملاته ~~معهم ومع سواهم. # ومما يزيدني رغبة في إيفاء سموه حقه بهذه الشهادة هو أنه نظرا إلى صعوبة مركزه ~~أخطأ كثيرون حقيقة تصرفه، ولم يصيبوا في فهم البواعث التي كانت تبعثه على أفعاله، ~~وإذا قلت ذلك فإني أقوله عن ثقة بعد تقادم عهد العلاقة الشديدة التي كانت بيني ~~وبين سموه. # ولما توفي إلى رحمة ربه خلفه بكره سمو البرنس عباس باشا حلمي على عرش ~~الخديوية عملا بنص الفرمان الشاهاني الصادر في 8 يونيو سنة 1873. أما الفرمان ~~الناطق بتولية سموه فلم يأت من الآستانة حتى الآن، ولكن جلالة السلطان بادر بعد ~~وفاة الخديوي السابق فاعترف له بالخلافة الشرعية على الخديوية ... إلخ، ويتلو هذا ~~الكلام ثناء على مقام الإمارة الجديدة، ولولا طول التقرير لذكرته برمته في هذا ~~الفصل. # ويستدل من هذا وما يتلوه، أن السياسة البريطانية كانت إلى عام 1892 سياسة ود ~~وصفاء. قام العرابيون على أمير البلاد عصيانا وطغيانا، ووقفت الحكومة العثمانية ~~وقفة الغريب لا تدري أي طريق يجب عليها أن تسلكه. وقد عرضت عليها إنكلترا إرسال ~~جنودها العثمانية إرهابا للعاصين وعقابا، ووعدتها أن تحرس لها جنودها بدوارعها؛ ~~فصدرت الإرادة السلطانية بإرسال عدد كاف من الجنود العثمانية التي كانت إذ ذاك ~~بجزيرة كريد، إلا أن المرحوم الشيخ أسعد وكيل الفراشة وشى إلى السلطان بأن الأسرة ~~الخديوية اتحدت مع الإنكليز على إعلان الاستقلال المصري والنداء باسم الخلافة ~~لتوفيق باشا؛ فصدرت إرادة سلطانية ثانية نسخت الأولى، وبقي الجنود في كريد كما ~~كانوا. وكتب الشيخ أسعد إلى العرابي وأعوانه يحضهم على الثبات ويعدهم بجعل الإمارة ~~المصرية في نصابهم، إذا هم تمكنوا من طرد هذه الأسرة من مصر. فلما يئس الإنكليز ~~من انتباه الحكومة العثمانية وارعواء المتمردين كلموا الثغر الإسكندري بألسنة ~~المدافع وهبطوا مصر إن شاء الله آمنين. # فلما كانت الإمارة الجديدة التي ms014 ظهرت في عام 1892، وسبق منها ما سبق من التغيير ~~الدال على تغير القلوب وجب على الإنكليز الانتباه. # ولما سقطت الوزارة الفهمية الأولى وحلت محلها الوزارة الرياضية حسب المخلصون ~~لمقام الإمارة أن قد تم لهم ما يريدون ، وأن الزمان رجع إلى شيمة الوفاء وتاب عن ~~الغدر. ولكن لم تلبث هذه الوزارة أن أشارت على الإمارة برأي كله خطل، فكان انتقاد ~~الإمارة على الأعمال الجندية بما لا يوافق المجاملات السياسية مغضبا للقواد ~~الإنكليز الذي يدربون الجيش المصري ويصلحونه. فاستعفى السردار كتشنر باشا ومن هم ~~تحت أمره من الضباط واضطرت الإمارة إلى الاعتذار خطا وشفاها. وكانت الإمارة ~~استدعت رئيس الوزارة الرياضية بالتلغراف سائلة إياه رأيه، فأشار عليها بالاعتذار ~~وقفل راجعا من ساعته. # ولم تكتف الإمارة المصرية بهذا القدر من إعلان العداء للمحتلين وإظهار الإخلاص ~~لجماعة من أهل البطالة والعرافين، فاتخذت بدار الإمبراطورية العثمانية من تعتمد ~~عليهم وتحمل الهدايا إليهم. ومن هؤلاء عزت العابد وعبد الله النديم والمرحوم جمال ~~الدين الأفغاني، ولا إخال أن في أكثر الفضلاء من المشتغلين بمثل هذه الأشياء من ~~يكون نسي سفر الإمارة إلى الآستانة، متقدمة جماعة من أهل الشبيبة المصرية، معتمدة ~~على آراء من ذكرت من رجالها، وقضية المضبطة التي قامت لها القيامة إذ ذاك معروفة، ~~وما أريد من هذا كله إلا تجديد الصلة بين التابع والمتبوع في الظاهر، وبث الفتن في ~~الباطن. # ثم ظهر مصطفى كامل وراح ينتصر بالمسيو دلونكل أحد أعضاء مجلس الأمة الفرنساوي ~~وناظر المستعمرات في فرنسا في أواخر سنة 1894 تقريبا، وكان هذا الوزير ووزير ~~الخارجية إذ ذاك المسيو هانوتو من أضداد الاستعمار الإنكليزي، ولم تكن فرنسا اقتنعت ~~بنصيبها من البلاد المغربية بدل البلاد المصرية، فرحب الوزيران بالشاب المصري ~~واستخدماه في آرابهما، فكان لهما أشد من البنان طوعا وأكبر من الظل انقيادا، ~~فخلق مصطفى كامل من العدم وخلقت السياسة البريطانية الجديدة معه. ولما بدت على تلك ~~السياسة التي كانت آية في الولاء والسلم آثار الاشمئزاز، بلغ الخوف من القلوب ~~مبلغه، حتى لقد اضطر جماعة من ms015 أولي الحماسة إلى إنكار المضبطة متقدمة الذكر، وكانوا ~~يريدون الاحتجاج بها على الاحتلال عند القصر السلطاني. # فرأى كبار الساسة في إنكلترا بذل النصح أولا والإرهاب ثانيا، فكلم اللورد ~~كرومر مقام الإمارة مرارا ناصحا غير مخادع؛ فلم يجد ذلك نفعا ولم ينتبه أحد ~~إلى ما في هذه السياسة العوجاء من الخطأ العظيم، ثم تبدلت وزارتان، إحداهما لم تدم ~~أكثر من الأربع والعشرين ساعة، ورجعت الوزارة الفهمية في حكمتها وسداد رأيها، فعاشت ~~تعاني الشدائد وتجاهد في الإخلاص للبلاد جهادا. غير أنها لم تفز كل الفوز، إذ كانت ~~الحيل التي يتدبرها جماعة خافية عنها، ولو خيرت لاختارت طريق الإصلاح مع ~~الوقار. # وإني لأعجب من قوم حببوا إلى الإمارة الاستمرار على سياسة العداوة للمحتلين، ~~وأذكر جيدا أني لاقيت بعض وجهائهم (والأمانة تقضي بستر اسمه في هذا الكتاب)، ~~فقال: أتدري ما يراد بالمحكمة المخصوصة؟ قلت: وما أدراني ذلك. قال: هي ضربة على ~~الإمارة، ولو بقي عبد الله نديم بمصر إلى اليوم لما أقدم هؤلاء على أمر كهذا. قلت ~~له إقدامهم على طرده من مصر دليل على احتقارهم له ولشيعته، وتركته لا يحير جوابا. ~~ومثل هؤلاء أسسوا الإحن في قلوب المصريين، ولقنوهم أقوال السوء، وغشوا الإمارة ~~وآلوا بها إلى ما لا أحب بيانه في هذه الفصول. # على أن المحتلين أصروا في طلب العفو عن العرابيين من الإمارة، وما زالوا بها ~~حتى أجابتهم إليه. وقد أرادوا أن يعرفوا الأمة أنهم قوم لا تحمل صدورهم دخلا ~~وأنهم لا يستثمرون أحقادا. ولا أظن أن رجلا يشفق على بنيه إشفاق اللورد كرومر ~~على المصريين؛ فهو أبو حريتهم ومصدر إنصافهم ومورد سعدهم، إلا أنه كان يخدم من لا ~~يحبونه. # | المرحوم عبد الله النديم وأستاذه # لا أذكر هنا ترجمة الرجل لكيلا أخرج عن الصدد، فليلتمسها من يطلبها في مظانها. وأنا ~~ذاكر له ما أعرف من أحواله ومقاصده، مبين بعض ما تيسر من تقلبات الأيام معه؛ فقد كان ~~له أشياع يأتمرون بأمره ويسيرون تحت علمه. # إن عبد الله النديم انتحل لنفسه السيادة وجاراه ms016 إلى تسميته باسمها جماعة من محبيه، ~~ولكن اتصل بي ممن حضر مجالسه وسمع حديثه وألم ببعض أموره أنه لم يكن في طباعه ما ~~يشبه طباع السادة. وما كان إلا رجلا من الرجال، ذكي القلب، شديد العارضة، ذرب اللسان، ~~سريع الخاطر، حاضر البديهة، ظريف المحاضرة، حلو الشمائل. وكان كذلك جريئا على من ~~يخافه، كثير الوقيعة بمن يعاديه، محاسدا أهل الفضل ممن هو دونهم، سهل الغضب، صعب ~~الرضاء، مدمن الهجاء، دائم السخط؛ فمن صاحبه على حذر منه فاز بوده، ومن وثق به ضاع ~~وضاعت ثقته معه. قرض الشعر فلم يملك له ناصية ولا فاز منه بسهم، ورام الزجل فوفر منه ~~حظه وحلا في فمه نشيده، فكان يرتجله ارتجالا ويسابق أهله فلا يشقون له ~~غبارا. # هذا عبد الله النديم صاحب «الطائف» و«التنكيت والتبكيت» من قبل، وصاحب «الأستاذ» من ~~بعد. اختفى بعد ثورة العرابيين، وكان حارثهم ابن حلزة أو عمرهم بن كلثوم. رغا ~~فتجمعوا، وعقر فتفرقوا، ثم آوته قرى الريف، فبات كأبي زيد السروجي يحترف الحرف ويتنقل ~~في الأزياء والأشكال، فيوما هو واعظ ويوما هو ماجن ويوما هو عالم ويوما هو خليع. ~~وما زال كذلك يطوف في البلاد حتى تعرفه بعضهم فوشى به إلى الحكومة، فجيء به إلى ~~نظارة الداخلية، عليه غبرة ترهقها قترة، فأظهر الذلة والاستكانة ووعد بالتوبة ~~والإنابة. فزين بعض شيعته لمقام الإمارة المصرية أن تعفو عنه بعد ذلك فعفت، فبدأ ~~بعدئذ في نشر «الأستاذ». وبيان النديم مشهور ومألوف تفهمه العامة وتبتذله الخاصة، ولو ~~مسح على كلامه بشيء من جزالة اللفظ وسمو المعنى، وأمعن النظر في غلطاته فاجتنبها؛ ~~لصح أن يعد من كبار الكتاب. فقد شهدت له ببعض الذوق السليم وأعجبني ترسله، وقرأت ~~له في «الأستاذ» مقالة عنوانها «لو كنتم مثلنا لفعلتم فعلنا» فعلمت أن البيان سجية في ~~الرجل، وكتابه المسمى «كان ويكون» يجوز أن يقال فيه إنه ابن قريحة وقادة. # ومن المعلوم عند أهل الدهاء أن حزب العرابي وإن تمزق شمله بعد نكبة صاحبه بقي ~~مختبئا في مكامن خوفه اختباء الأفاعي ms017 في جحورها؛ وكذلك الفزع يستولي على أهل الدعوة ~~فيلجم أفواههم ويكبهم على أذقانهم. فلما عاد النديم وأعاد لهم نغماته تطربوا ~~وعرتهم هزة أفلتوا بها من مرابطهم، فقال فصدقوا ودعا فأجابوا، وما زال في غلوائه ~~وهم في غوايتهم، يدعو إلى الفتنة ويحض على الثورة، والإمارة تحبوه ما يقوم أوده ~~ويطلق لسانه حتى آل أمره إلى الطرد، فترك مصر مأسوفا عليه من أشياعه، مغضوبا عليه من ~~العقلاء. # وقد أخطأ اللورد كرومر. وقد يخطئ عظماء الساسة، فطلب من الإمارة أن تكلمه في ~~الخروج، فكان كلام الإمارة له كلاما يدل على قصر في النظر وخطل في الرأي وضعف في ~~الإرادة ومجاملة حيث يجب العدل. وظن اللورد كرومر أن عبد الله النديم إذا دام على نشر ~~«أستاذه» حدثت ثورة في البلاد، فأراد الاقتصاد في المكاره والاجتناب للفتن. ولو كنت أنا ~~في مقام اللورد لتركته يقول حتى ينفد ما عنده، فإن للباطل جولة ثم يضمحل، وليس بمصر قوم ~~يقدمون على الثورة ولو كانت مداعبة، وإن قوما ثاروا أو أثيروا ومعهم خمسمائة ألف ~~مقاتل لم يصبروا في ميادين الحرب إلا ساعات معدودة لأشد من النعائم إجفالا وأسرع في ~~الهزيمة من الظباء عدوا، فلا يقومون إلا إذا مد السماط وصفت الصحون. # مضى النديم، رحمه الله تعالى، واستخلف بعده آراء مشى فيها على إثره أشياعه، وقد جرى ~~لي معه شأن ليس هذا محل ذكره، ولربما جاء الكلام عليه في سياق الحديث مما يلي الفصل ~~الحاضر، وإنما أحدث بيننا الخلاف أنه كان عدوا للعثمانيين؛ وهو من قدماء من يقولون ~~«مصر للمصريين»، ونحن نقول مصر للعثمانيين. ويظهر من أمور كثيرة أن مقام الإمارة ~~المصرية وثق بالنديم ثقة لا يتخللها الريب، فكان يحسبه قادرا على كل شيء، ومن أجل هذا ~~قال أكثر الأمراء من الأسرة الحاكمة في مصر: إن مقام الإمارة يقرب منه النديم؛ لأنه عدو ~~أسرته وجنسه. وبهذه السياسة المضحكة آل الأمر إلى الاعتماد على مصطفى كامل. وقد كان ~~كامل ممن يرددون نغمات النديم، وإنما ميز المقلد عن المجتهد إلمامه باللغة ms018 ~~الفرنساوية واستطاعته بيان آرائه للغربيين، ولم يفز النديم بمثل ذلك. # وقد أخبرني من لا يتهم بكذب أن مقام الإمارة المصرية اتخذ النديم وسيطا بينه وبين ~~يلديز في أمر المصاهرة، وسيأتي ذكرها، وكاد يفلح في سفارته لولا أشياء دسها عليه خصم ~~من أخصامه بالآستانة، وبذا بطلت الثقة أو كادت. # | حزب تركيا الفتاة # ملك من الملوك، شديد البطش، قاسي الفؤاد، دائم الحقد، جريء في غضبه، خائف في حيلته، ~~مطلق اليدين على أمة تتوجع ولا تدري مكان وجعها، يبعث بأمره إلى رجل من رجاله فيجرده ~~من ماله ونشبه، ويسلبه عزه وسلطانه، ويخرجه من بين أهله وجيرته ويسجنه صاغرا. كل ذلك ~~لنصح نصح به، أو قول صدق فيه، أو حق عرف حبه له، أو ظلم أبى أن يعين عليه. ثم ~~يفرق أهله ويشرد أولاده، ويقفل باب داره، ويختم عليها رجال الشرطة بالشمع ~~الأحمر، ويمسي الرجل وذووه خبرا من الأخبار! هذا هو الاستبداد. # دولة عظيمة، جم ثراؤها، رغد عيش أبنائها، يتقلبون في النعم، ثغورهم باسمة، ~~وألحاظهم غير زائغة، يتسابقون ولكن إلى المجد، يتنافسون إلا أن تنافسهم في الفضل، ~~ربوعهم آهلة وخيراتهم عميمة، لا يخافون مسيطرا إلا كتابا هو القانون، ولا يتقون ~~معاديا إلا الأجل المحتوم، أيديهم مطلقة في عمل ما يفيد، مغلولة عن عمل السوء، تخفض ~~الملوك رءوسها أمام إراداتهم، وتنصاع الحكومات إلى إشاراتهم، لا يعرفون الحزن إلا ~~وصفا، ولا يجهلون من السرور طمعا ولا شكلا! هذه هي الحرية. # الاستبداد الذي اشتكاه العثمانيون هو أكبر مما جاءت به هذه السطور، والحرية التي ~~كانوا يقنعون بنيلها أقل بكثير مما مثلته في الكلمات المتقدمة. نعم كانت الأمة تريد ~~شيئا ولا تدري ما هو، كانت تشكو ولا تعلم ما يشكيها، بل كانت لا تطمع أن تعلمه. فلما ~~حل ميقات الخلاص انتفضت، فتساقطت من عليها نبال الظلم، ووقفت مستبسلة لا ترجو إلا الله، ~~ولا تريد إلا الوطن، حتى إذا ذاقت وصال الحرية واستمتعت بجمالها وشبابها علمت أنها كانت ~~تئن من أجل ذاك، ودرت أن هذا ما لا بد منه ms019 لحياة الأمم. # يحسب أكثر الناس أن أبناء تركيا الفتاة محدثون. كلا ثم كلا. هذا فريق عريق مطلبه ~~مترق بترقي الأجيال. وأول من هاجر من الأراضي العثمانية ناقما هو الأمير «جم» الذي ~~يسميه الأجانب «زيزيم»؛ وهو ابن محمد الثاني من ملوك آل عثمان. ولد في سنة 1459، ~~وهاجر مغلوبا من أخيه بايزيد الثاني في سنة 1482، وراح إلى أوروبا تضيفه السجون ~~وتتقاذفه أيدي الملوك، حتى قضى في أسر البابا «إينوسان» الثامن في سنة 1495 مسموما. ~~على أن هجرة «جم» لم تكن من أجل إصلاح، ولكنها كانت النموذج الأول. # إلا أن الأمة العثمانية، وإن انتابتها النوائب وتعددت فيها آفات الاضمحلال، أسعدها ~~الله مرارا بقوم تداركوها وانتشلوها من وهدتها. وإذا كان «الصقولي» الشهير مجددا ~~بناء هذه الدولة؛ فإن «محمدا الكوبريلي» أنالها في سنة 1661 من الثراء والجاه ما لم ~~يفز بمثله معاصره «ريشليو». وقد شاء الله أن يسير فيها على إثره، بل أن يفوته حفيده ~~«مصطفى الكوبريلي» الشهير الوطني الذي لمع نجمه بعد سنة 1691. وما هؤلاء إلا رجال تركيا ~~الفتاة. فعلوا ولم يقولوا؛ أصلحوا لأنهم أرادوا؛ ولم يطلبوا الإصلاح لأنهم قدروا على ~~فعله. # أما مذهب التجديد الحق، وقلب الإدارة العثمانية القديمة إلى إدارة عثمانية جديدة ~~على منوال الإدارات في الممالك المتمدنة؛ فأمر لم يكد يخطر على بال أحد من قدماء ~~العثمانيين قبل سليم الثالث؛ فإنه أول سلطان بل أول عثماني ألهم هذا الرأي؛ رأي القلب ~~من القديم إلى الجديد. ولي الملك في سنة 1789 بعد عمه عبد الحميد الأول، فرآه مضعضع ~~الأركان بادي الضعف، ففطن لوجوب الإصلاح، وأوشك يشرع في إنجازه، لولا أن تعجلته الصروف ~~بما لم يكن في الحسبان. فدخل الجيش النمساوي بلغراد والجيش الروسي بندر إسماعيل، ودارت ~~رحى الحرب حتى اضطر أن يرضى بهدنة «ياس» سنة 1792، ودخل بونابارت مصر واحتل الفرنساويون ~~بر الشام، فاستعان على طردهم بإنكلترا، واستخلص مصر من غاصبها في سنة 1802. وقد ثار ~~الوهابيون في أرض الحجاز، وثار علي باشا «التبه دلنلي» في يانية، وثار الصربيون، ~~وقامت القيامة في داخل البلاد، ms020 وانهمك هذا السلطان الجليل بإطفاء هذه الفتن حتى أتى ~~عليها، ثم رأى أن لا بد من إبطال الجنود «اليكيجرية» وجمع جنود مرتبة مدربة على النسق ~~الأوروبي؛ فقد أيقن أن لا خير في أولئك الجبابرة الذين ظهرت سطوتهم في النهب والقتل ~~والاعتداء على إخوانهم من بعد ما افتضحوا وخذلوا في حرب النمسا وروسيا. فأسس ~~ثكنات عديدة وشاد «الخمبرة خانة» والمهندسخانة، ونظم بعض الفرق من الجنود الجديدة. ~~وبذا ثار اليكيجرية عليه وخلعوه في سنة 1807، ثم خنقوه في سنة 1808 بأمر من مصطفى ~~الرابع الذي ولي الملك من بعده. فقضى سليم الثالث شهيد الإصلاح، وبقي عمله ناقصا إلى ~~أن أتمه السلطان محمود وطهر البلاد حتى لم يترك فيها من اليكيجرية أحدا، واستراح ~~واستراحت معه الأمة؛ ومن هنا صح لنا أن نعد سليمان الثالث أول مؤسس لتركيا الجديدة ~~أو تركيا الفتاة فعلا. # ثم شاءت الأقدار أن تنال البلاد العثمانية نصيبها من التمدين على يد الرجل الحر، ~~الشهير ببيانه ودهائه مصطفى محمد رشيد باشا. ومن عجائب النوادر أنه ولد في سنة 1802، ~~وهي السنة التي تهادن فيها سليم الثالث مع الفرنساويين بعد إخراجه إياهم من مصر. ولم ~~يكن لهذا الرجل في صباه من يعينه ويربيه سوى أمه، ولا من يحميه في شبابه سوى ختنه علي ~~باشا المعروف ب «الإسبارطة لي» وذلك إلى سنة 1826. وقد عرف فضل نفسه، وعرف السلطان ~~محمود فضله بعد سنتي 1828 و1833، وكان برتو باشا يريد أن يستخدم رشيدا في إصلاح هذا ~~الملك، فلم يمهله الدهر إلى إنجاز إرادته، ونكب بالنفي ثم بالقتل، وبقي رشيد من بعده ~~واهن القوى واهي الأمر. وقد اختص بمودة إنكلترا وولائها؛ ومن أجل ذلك لقي من فرنسا من ~~العدوان ما أحبط كثيرا من مساعيه. وما لقيه من أعدائه المقربين من السلطان كان أشد ~~وأنكى. ولولا هؤلاء السفل الذين يتزاحمون على أبواب السلاطين ويتخاصمون على المكاسب؛ ~~لاستفادت الأمة من جد أعاظمها، ولم يذهب نصبهم في غير جدوى. كذا بلي رشيد بحساد ~~أبطلوا أعماله وحالوا بينه وبين خير البلاد، ولم ms021 يزل يتولى زمام الصدارة ثم يبارحها من ~~سنة 1846 إلى سنة 1857 حتى قبضه ربه إليه؛ فهو ثاني المجددين بعد سليم الثالث، وأول من ~~هذب اللغة العثمانية واستخلصها من حوشي الكلام ومستهجنات العجمة، وفتح باب الإصلاح ~~اللغوي لشناسي الشهير. # ولقد جاء بعده رجلان عظيمان ، أحدهما عالي باشا؛ وهو نابغة المحررات الرسمية في اللغة ~~العثمانية، نشأ في عز رشيد المتقدم ذكره، وانتسب إليه وتفرد بحذقه ودهائه. ولي ~~الصدارة في نحو سنة 1281 هجرية، وبقي يغادرها ويعاودها خمس مرات، وكانت ولايته الصدارة ~~خامس مرة في سنة 1283 وبقي فيها إلى آخر عمره. ولئن فاز عالي باشا في تذليل المصاعب ~~اليونانية التي ظهرت في سنة 1274؛ فلقد خاب في معضلة كريد التي أتت في عهد صدارته وقفل ~~غير فائز منها بعدما قصد إليها بنفسه، وكان عالي باشا من القائلين بالترقي في المألوف ~~والإعراض عن المستجد، وكان يؤثر رضاء السلطان على رضاء الأمة، وكان يطارد أنصار تركيا ~~الفتاة الذين وجدوا في عصره؛ حتى لقد قامت الحرب بين كمال بك مع ضيا باشا وبينه، كلاهما ~~عاداه، وطالت الحروب واشتدت الخصومات، فألفاه أعداؤه خشنا عند المجس وصعبا لدى المراس ~~ما دام حيا، ومثله فؤاد باشا الشهير الذي ولي الصدارة في سنة 1278، فكان أول ما أتى ~~به من جلائل الأعمال أن سعى في عزل مصطفى فاضل باشا من نظارة المالية، ووشى به إلى ~~السلطان حتى أوقع بينهما العداوة والبغضاء، وحرم بذا الأمة من أبي الحرية وموجدها. ~~ولبعض الكتاب في فؤاد هذا مبالغات لا طائل تحتها، ولم يكن الرجل إلا من أنصار الفكر ~~القديم. وقد مات بعدما اختل عقله بالغا من العمر خمسا وخمسين سنة. # على أن أبا الحرية وصاحبها الأمير الجليل المرحوم مصطفى فاضل باشا نال الشرف وحده في ~~مجاهدة الاستبداد، فكان هو ورشيد باشا قطبي المجد في الملك العثماني، ولكن تكاثرت ~~عليهما الأعداء، وقلت الحيلة، وبقي للأخلاف من بعدهما أن يسيروا على إثريهما. # ولي الأمير فاضل نظارة المعارف ثم نظارة المالية، لا يتقاضى راتبا ولا يراقب كسبا، ms022 ~~بل جاد بقناطير من الذهب ورثها من أبيه، فأهدى المعرض الأول الذي أقيم بالآستانة ~~العلية خمسا وعشرين ألف ليرة، وأهدى السلطان مرادا الخامس خمسا وسبعين ألف ليرة، ~~وهاجر من عاصمة الملك يؤم بلاد الغرب حتى استقر به النوى في باريس سنة 1765، وكان ~~استصحب معه الشاعرين الكاتبين الشهيرين كمال بك وضيا باشا، فجاهد بماله ورأيه، وجاهد ~~صاحباه بقلبيهما ويراعيهما، فهزا قصور الظلم هزا. وسار على طريقه شهيد الحرية ~~والوطن مدحت باشا الشهير، وما زال يجاهد ويعمل حتى تمكن من خلع عبد العزيز في قصة ~~معروفة يطول شرحها، وأجلس على سرير الملك مرادا الخامس. # فبينا يجتهد الأمير مصطفى فاضل مع صاحبيه اجتهاد أبي حنيفة وصاحبيه، إذ أتى عبد ~~العزيز. وقد تخلص من عالي وفؤاد بموتيهما واستخلص لنفسه محمودا نديما المعروف عند ~~العثمانيين بنديموف، وإنما سمي بذلك لأنه كان صنيعة آغناتيف، وأول من جعل السياسة ~~الروسية رابحة السوق في المابين. فانطلق هذا الخئون في زمان صدارته يرتكب من الموبقات ~~ما لم يسبقه إليه سواه، استغوى السلطان عبد العزيز حتى أغواه، وحارب به الحرية ~~والأحرار، ثم طلع مدحت في سماء الصدارة، فعنت الوجوه وشخصت الأبصار. # ولا بد لي من ذكر شيء من لائحة أبي الأحرار المرحوم الأمير مصطفى فاضل قبل الكلام ~~على مدحت وأعماله. هذه اللائحة أنفذها الأمير مصطفى فاضل إلى السلطان عبد العزيز حين ~~مهاجرته إلى باريس، وأودعها من الحقائق والكلام الموجع ما نزل على المابين نزول الحديد ~~المذاب. وهذه اللائحة كانت كإعلان حرب من حزب تركيا الفتاة الذي تأسس إذ ذاك على ~~السلطان المستبد. # قال مؤسس الحرية الأمير فاضل بعد الديباجة: أصعب ما يدخل قصور الملوك هو الحق. ومن ~~يحيطون به يخفون الحق حتى عن أنفسهم؛ لأن هؤلاء لما عاشوا في مركز الحكومة وبين لذتها ~~حسبوا أن المشقة التي تكابدها الرعية هي من فتورها، وهم يزعمون أن وقوع الدول في الضعف ~~هو من حوادث الكون التي لا حيلة في درئها. # لا بد من جرأة في الصدق؛ ليبصر الحق من غير وقوع في ms023 الأوهام الباطلة، ولا بد من ~~جرأة أكثر من ذلك لبيان الحق للملك. وهذا الصدق لم يتخط عبدك أبدا، وإثباتا لذلك أرجع ~~إلى ذاكرة جلالتك ومن كانوا سببا في نفيي إلى ديار الغربة. # نعم، لم تتهيأ لي إلى الآن خدمة ترى الآثار البادية لهذه الصداقة واستعدادي لها ؛ أي ~~لم أتمكن من خدمة صالحة تستوجب إصلاح وطننا وإعادة الحياة إليه، ولكن أول من أماط ~~الحجب عن وجوه الدول وعرض سيئات حكومتك وجراحاتها لذاتك الهمايونية، وجل أفكار ~~عبدك متجهة إلى خدمة ذاتك الشاهانية. وإني؛ لإخلاصي لذاتك الهمايونية ومحبتي لوطني، لم ~~يبق لي صبر للتفرج عن بعد على الأسواء التي أحاطت بنا ظاهرا وباطنا، وإذ كنت على ثقة ~~من المروءة التي اتصف بها قلبك الشاهاني عددت من وظائف التابعية أن أبين هذه الأسواء ~~مرة أخرى، غير كاتم منها واحدا؛ لنجد لنا سبيلا إلى خلاصنا في حينه. # مولاي صاحب الشوكة، إن ما يقوم به في دولتك من ~~أعمال الفوضى رعاياك المسيحيون، هي كلها من أعمال أعدائنا في الخارج. على أن الإدارة ~~الحاضرة أيضا لها من ذلك نصيبها الأوفر؛ لأن أعمالا لم يكن بها بأس فيما سلف من ~~الأزمان تلوح اليوم وكأنها ظلم وجور على الرعايا من كل جنس، والأوروبيون يحسبون أن ~~المظلومين والممتهنين والمحقرين كل التحقير في تركستان هم من الأمة المسيحية ~~المحكومة. وليس الأمر كذلك؛ إن المسلمين - ولا تحميهم دولة من الدول الغربية - سحقوا ~~ومحقوا أكثر من الملل غير المسلمة، المسلمون كابدوا هذه الكرب إلى الآن بما اتصفوا ~~به من النخوة في الصبر والانتظار. أما الأوروبيون فلا يعلمون ذلك. على أن المسلمين ~~لما كانوا من دم ذاتك الشاهانية التي بيدها زمام حكومتهم، يعدون محبتهم وطاعتهم لعرش ~~سلطنتك من الأوامر القرآنية، ولكن ائذن لي يا مولاي صاحب الشوكة أن أقول لك: إنه لم ~~يبق للملة الإسلامية جلد، لا على الإخلاص ولا على احتمال الكرب. إن أصوات السخط وإن ~~عولجت بالإسكات ما عولجت، أخذت ترن في كل صوب؛ فإنزالهم إذن إلى هذه الدركة من اليأس ~~مضر ms024 بنسلك وبهم. # إن من سيئات أصول الإدارة الحاضرة التي ربما كانت على من يخالف رضاءك الشاهاني خاصة ~~ويخالف رضاء الوكلاء أيضا، بل من أنواع الظلم التي لو علمت به ذاتك الهمايونية ~~لأزاحته. إن أعراض التناقص بدأت تبدو في سلالة الأتراك يوما بعد يوم، وإن البعض من ~~عبيدك الصادقين الذين يفتخرون بأنهم من هذه السلالة العلية يرون قلة هذه الأمة ~~فيأسفون أسفا حقا، ولئن كان السبب الأصلي لهذا خطأ الأصول العسكرية، إلا أن الأمر ~~الذي يخيف عبدك أكثر من ذلك ليس هذا، بل الذي يخيفني جدا من أحوالنا الآتية هو - كما ~~يرى في الملل المحكومة - ازدياد سوء الأخلاق الذي عرض لأمتنا العثمانية وتمكنه كل ~~آن وانتشاره. # مولاي صاحب الشوكة، محا آباؤنا قبل أربعمائة ~~سنة إمبراطورية الشرق من على وجه الأرض، وجاءوا البلدة المشهورة التي اتخذها قسطنطين ~~مقرا لملك العالم في أبهتهم وجلالهم وسكنوها، فما كان هذا الشرف التاريخي الذي ~~أحرزوه ناجما عن غيرة دينية أو شجاعة عسكرية، بل كانت الغيرة الدينية والشجاعة ~~العسكرية عكسا لأشعة أخلاقهم الملية، وإنما نالوه لأنهم كانوا مطيعين قوادهم، ~~ولكن هذه الطاعة كانت قائمة على أساس حرية اختاروها وقبلوا بها من أنفسهم، وكان قلب كل ~~منهم وعقله حرا فيما يختار. ولا أدري أية حرية فطرية وأي شمم غريزي اجتمعا فيهم ~~واستحدثا لهم نظاما، وجعلا أخلاقهم الحية ومشاربهم في حالة من الاطراد. هذا هو ~~السبب، سهل لهم الظفر بدولة عظيمة قامت فيها حكومة الظلم وأضحت الذلة والمسكنة وكل ~~المعايب الأخرى دستورا للعمل. # هذا ما تيسر نشره من لائحة الأمير الجليل مصطفى فاضل، وكنت أود تعريبها برمتها ~~إيثارا لدرر حكمها وإقرارا بفضلها لولا ضيق المقام. ولمدحت باشا وإسماعيل كمال بك ~~ومراد بك لوائح عديدة رفعت إلى عبد الحميد الثاني من بعد، سخر بها وبكاتبيها، وزاد ~~إسرافا في الدماء واستمراء للظلم. # وقد كان في خلع عبد العزيز والبيعة لمراد موعظة لعبد الحميد، نبهته إلى العناية ~~بذاته دون ملكه حين أفضت السلطنة إليه بعد أخيه مراد. رأى الشعب موغلا في ظلم ms025 الجهالة، ~~لا يدري من نعم الحياة شيئا. وأبصر قوما من نبهاء العثمانيين يقودهم مدحت أبو ~~الدستور، فقال أستميلهم كلهم باللين، حتى إذا خضعت رقابهم وملكت نواصيهم أعملت فيها ~~الشفار القاطعة واقتطفت رءوسهم اقتطافا، وكان مدحت أخذ عليه عهدا بخطه ألا يحيد ~~عن أسلوب الدستور، وألا يستبد برأيه، فرضي بذلك ساكن «يلديز» وأصدر إرادته بإنفاذ ~~القانون الأساسي الذي كان اشترك في تحريره كمال بك وضيا باشا وحرفه سعيد باشا، وفتح ~~مجلس الأمة في سنة 1877 إلى أن ثبت قدمه، وكان اسم مدحت يكاد يغطي على اسم السلطان، ~~فدبت في فؤاده نيران الحسد وأكبر أن يعلوه أحد رعيته مجدا وسؤددا ويسلبه محبة ~~الأمة، ولا يدع له من الملك إلا تاجا أذهبت تألقه الأيام وأبلت جدته العصور، فأضمر ~~له الشر. ولكن كيف يقوى على ذلك ومعه رقيبان لا يغفلان عنه ولا تسام ذمتاهما بأغلى ~~المهور؛ وهما كمال بك وضيا باشا، وكانا جعلا مستشاريه ومراقبيه، فدعا مدحت ذات يوم إلى ~~قصره وقال إن وجود رقيبين عليه يخفض جانبه ويذهب بهيبته ويحقره في أعين أمته، ولعبد ~~الحميد في مثل هذه المضايق حيل لا تخذله، ومدحت وإن عرف بسعة العقل وخلاص الطوية ~~وكثرة التجارب؛ لم يكن من نظراء عبد الحميد في مكايده؛ فدخلت عليه الحيلة ورضي بما نوى ~~سلطانه واستكان. # وما لبث السلطان العثماني أن استطار كمالا وضيا كلا إلى بلدة يحتكمها ظاهرا ويبيت ~~عانيها باطنا. واستشعر مدحت بعاقبة الأمر، وكاد يقضي ندما ولات ساعة مندم. ظفر الجبار ~~أول ظفر وهدم سدين قويين بينه وبين الاستبداد. # عالي باشا. # فما بقي على طاغية الشرق إلا أن يتخلص من مدحت إما بسلم وإما بحرب، ولا سبيل ~~إلى أحد الأمرين. فأقام يترقب الفرص، وفي العين قذى وفي الحلق شجا. فلما كانت سنة ~~1877 وجعل الجنرال أغناتيف مندوب روسيا في الآستانة يقترح مطالب كلها فضول، وأبى نواب ~~الأمة قبول تلك المطالب، طاب السلطان نفسا وتحفز للوثوب على فريسته، فأعلنت روسيا ~~الحرب المشئومة وخرجت الدولة العثمانية مكسورة القوادم منهوكة القوى، وعقدت ms026 معاهدة «سان ~~إستفانو»، وكان مجلس الأمة تفرق جمعه، ومدحت أسقط من مقام الصدارة وطرد من وطنه، ~~إلا أنه بادر إلى برلين وما زال ببسمارك حتى استرضاه بعقد مؤتمر برلين بعدما أقنعه ~~بالحجج الدامغة بأن زوال الملك العثماني يفضي إلى فقدان التعادل في أوروبا ويئول إلى ~~حرب تهلك الحرث والنسل وتأكل كل غارب ومنسم. # هكذا هزم الجيش العثماني، وتفرق نواب الأمة؛ فمنهم من ضافته السجون، ومنهم من ~~أدلي إلى قاع البحر أو نفي إلى الولايات البعيدة، أو هرب ومكن من الخلاص؛ فطاب ~~الوقت لعدو الدستور والمتيم بالاستبداد، وبقي القانون الأساسي ينشر كل سنة في ~~التقويم العثماني الرسمي «السالنامه» وفجر بميثاقه من ينتحل لنفسه اسم الخلافة لرسول ~~الله. # ولما كان هذا السلطان مرزأ بحب النفس والجاه والمال، شديد الجبن، دائم الوسواس، ~~قليل الثقة بأشد رجاله إخلاصا، كثير الارتياب، لا يزول من قلبه الحقد ولا يفارقه حب ~~الانتقام، سل للأمة سيف البغي، فجندل سراتها وأذل أعزتها وجعل سافل ملكه عاليه، ~~فألقت له الأمة الطيبة بمقاليد الأمور، وأذعنت له أيما إذعان. # ولما أصبح الأوائل من رجال تركيا الفتاة. وقد انصدع شملهم، لم يبق منهم إلا من غلب ~~عليه الخوف فآثر السكوت على مضض أو فتنه المال فاختار النفاق؛ حتى لقد صار جماعة من ~~علية القوم وفضلائهم من رجال القلم جواسيس ووشاة وأغدقت عليهم الهبات وفسدت الطباع، ~~فنم الولد على أبيه، وعادى الأخ أخاه، وخان الأمين الأمين، وراجت أباطيل التعصب؛ ~~فتزلف حملة العمائم والطيالس إلى سدرة الملك حيث يدر النوال وترتفع ~~الأقدار. # وإنما نقم رجال تركيا الفتاة على الملوك العثمانيين جهلهم وخمولهم، وما ألفوه من ~~البذخ والترف، وما جروا عليه من ظلم الرعية والتأله عليهم، وإنكارهم على الأمة ما ~~تطلبه من العدالة وهي أصل الحرية والمساواة والإخاء؛ واستكبروا أن يكونوا كالملوك في ~~البلاد المتمدينة. وأبناء الملوك عندنا لا يربون على ما يفتح أذهانهم ويهذب ~~أخلاقهم ولا يتقنون من العلوم إلا مبادئ في أمر الصوم والزكاة والصلاة ولا ينظرون من ~~الكتب المؤلفة إلا في كل قديم ms027 منها، مشحون بما لا يسعه العقل من «آلتي بارمق» و«أنوار ~~العاشقين» و«علم حال»، ولا يتعلمون إلا ما لا يذكر من اللغة العثمانية في كتب مثل ~~«التحفة الوهبية» و«بند عطار» و«كلستان» و«بوستان»، ولا يلقنون إلا بعض كل ما كان ~~غريبا من جيده ورديئه، ثم هم يرون كيف يعيش آباؤهم ومن هم فوقهم سنا؛ فينغمسون في ~~الملاهي ويقضون أيامهم بين الأبكار العون من الولائد، في قصف وعزف ومعاقرة ولهو، وهم ~~بمعزل عن أمور الملك، ولا يأذن لهم بمعاناتها أحد ممن ولي الأمر خشية ~~ورقبة. # أما رجال الدين وهم عيال الرجال، فينبشون عن منسوخة الأحاديث وغير الصحيح منها، فلا ~~يروون للملوك إلا ما كان حثا على طاعتهم مثل قولهم: «قلب السلطان بين أصبعي الله ~~يقلبه كيف يشاء.» وقولهم: «الملوك ملهمون.» وقولهم: «اسمعوا وأطيعوا ولو ولي عليكم ~~عبد حبشي كأن رأسه زبيبة.» كل ذلك يفسدون به أخلاق الملوك تقربا إلى جفانهم ~~واستجداء لحبواتهم، فما يخرج هؤلاء إلا يدخل السائلون المادحون، ونسميهم مسامحة ~~شعراء؛ ليمدحوا الظالم سفاك الدماء وناهب العباد، فيقولون له: «إن بين غلائلك لعدلا ~~من الله وبين جنبيك لروح القدس. يا مجزل العطاء ومولى النعم، يا من يخصب بأمرك ~~المحل وتجري الرياح، وتنقاد لمشيئتك الأقدار، وتحسد السماء الأرض إذ كانت موطئا ~~لأقدامك، يا ظل الله وباني الكون، يا من عتبته فوق الأفلاك ...» إلى غير ذلك مما يستحي من ~~ذكره ويشمئز من سماعه كل من كان في فؤاده مثقال خردلة من العقل والإنصاف. ولا يكتفي ~~أمثال هؤلاء بما أجملنا قليله، بل يختلقون لأنفسهم ما يمكن في قلوب الملوك مكانتهم ~~ويعليها، ويتحكمون به على الأمة وهي غافلة عنهم، فيروون مثل قولهم «علماء أمتي ~~كأنبياء بني إسرائيل.» ويأتون بآيات من القرآن العظيم لا تصدق في أحد منهم، كقوله ~~تعالى: «إنما يخشى الله من عباده العلماء» وفيهم من بلغت به القحة ~~إلى أن قرأ لفظة الجلالة مضمومة والعلماء مخفوضة، ففسر الآية الكريمة بغير معناها ~~الأصلي. # أما الحكومة العثمانية، فلم تشبه حكومة في الوجود، وما انتظم لها أمر ms028 في ماضيها ولا ~~في حاضرها. ومثل رجالها كمثل سكان الخيام في زمان الجاهلية؛ إذا وليهم سيد عاقل واتخذ ~~بطانة خير وحاشية عدل أنعش نفوس محكوميه، وأحيا موات آمالهم، وإذا وليهم غاشم جب منهم ~~الغارب والسنام، وأذاقهم مضض الذل ومرارة العذاب. تجبى أموال الرعية بلا حساب، فيضيع ~~بعضها في جيب الجابي وبعضها في جيب من هو فوقه، فلا يبقى لبيت مال الدولة إلا ما يتصدق ~~به عليه السارق والناهب. فضالة ينفق جانب منها على طرب الملوك ولذاتهم وجانب على ~~المقربين من الغرانقة، ويبقى الموظف الصغير صفر اليد أو تدرك آمره رحمة فينبذ إليه ~~بما يسد به رمقه. # فإلى مثل هذا نظر رجال تركيا الفتاة وتوقعوا منه سوءا وأحبوا أن يفدوا ملكهم ~~ووطنهم بأرواحهم. # فؤاد باشا. # وإذ كان الأوائل من رجال تركيا الفتاة فني أكثرهم، ولم يبق من شيعتهم من يعول ~~عليه كما تقدم ذكره في هذا الفصل؛ أخذت جماعة من الناشئين الأحداث ممن تأدبوا بأدب ~~كمال، وتعلموا من كتبه الخالدة على ممر الدهور، واستناروا بآرائه وآراء من كان معه، ~~تنوب عنهم، فكانوا يتشاكون فيما بينهم مما يرون من سوء المصير. وقد أبغضوا السلطان لما ~~اقترف من الآثام ولحنثه بيمينه، وكان كلما أحس السلطان بنهضة سلط أعوان نقمته فشرد ~~دعاتها وبدد سراتها وكاد لها كيدا. ولقد بث الجواسيس وفتح أبواب السعاية ~~والنميمة لكل خامل الذكر عاثر الجد لئيم الأصل، فمن دله من هؤلاء اللؤماء على نبيه ~~ليذهله، وفاضل لينتقصه، وعائل يؤيم أهله، وبيت يخربه على صاحبه، أجزل عطاءه ورفع ~~منزلته. ولقد أقصى عن دار الملك كل أريب صادق وفي، وقرب منه كل خئون ممقوت. # فلما حدثت المذابح الأرمنية التي وقعت في سنة ~~1894 حنق أكثر أنصار الحرية من العثمانيين، واستحوا أن يدعوها تمر بهم غير متألمين، ~~فكان فيمن حنق على الحكومة الحميدية مراد «الطاغستاني». رفع كتابا طويلا إلى عبد ~~الحميد أدمج له فيه وصف التهلكات المحيطة بالملك العثماني، وأبان له عن مصير الظلم. إلا ~~أنه أحس بالشر وعرف أن عبد الحميد لا ms029 يترك جرأته بلا حساب، فخرج من الآستانة طالبا ~~نجاته، فنزل بمصر وأصدر فيها جريدته «ميزان» التركية التي كان يصدرها بدار السلطنة قبل ~~دخوله في خدمة الحكومة، وكان السلطان أمر إذ ذاك بتعطيلها لما نشر فيها من الرثاء ~~لكمال بك الأعظم شهيد الأدب والوطن، وكان لمراد منزلة كبرى في قلوب كثيرين من تلامذة ~~المكتب الملكي؛ لأنه كان معلما لهم في التاريخ، ففازت جريدة «ميزان» من الشهرة ~~والإرهاب بما أفزع عبد الحميد على سريره، ثم قضت الصروف على مراد بالخروج من مصر، فسافر ~~إلى «جنيف» وأعاد إصدار ميزانه هنالك، وألف جمعية لمكافحة الدولة الظالمة، وجعل نفسه ~~رئيسا لها. وإذا ابتلى الله العثمانيين بالحسد وحب الرئاسة في مثل تلك الأوقات نشأ ~~الخلاف بين مراد وبين أحمد رضا. كل رأى نفسه أولى من صاحبه بأن يستقل بالأثرة ~~ويتفرد بالسيادة، وكل رأى في مناوأة الظلم رأيا لا يشاكل رأي صاحبه. فأخذا ~~يتراجحان ويتباريان حتى استرجع مراد إلى الآستانة بعدما ترك لاسمه دويا في أرجاء ~~أوروبا والممالك العثمانية ملأ الأسماع وكاد يستولي على القلوب، وتفرقت من بعده جمعيته ~~ولم تقم لها قائمة منذ ذلك. # ورأى عبد الحميد في رعيته أمارات الضجر، واستشعر من أذكياء الأمة انتباههم؛ فعمد إلى ~~قوته يضرب بها ضعفهم، وغفله الله عن اصطناعهم بالجميل وإخضاعهم بالعدل وسياستهم ~~بالحكمة، وزين له البغي أعوانه وقربوا منه أسبابه؛ فضاعف عدد الجواسيس واستبد ~~على الناس فداخلهم حتى في وليماتهم ومناحاتهم، ففني صبر المتحالفين وخاف العقلاء عاقبة ~~هذا الجور، فاجتمع فريق من الفضلاء وألفوا «جمعية الاتحاد والترقي العثمانية» في نحو ~~سنة 1889، وجعلوا مركزها الأعظم بسلانيك، ومركزها العظيم بمناستر، ونهض أنور ونيازي ~~يتقدمان صفوف المجاهدين في سبيل الحق ويستصرخان بكل صادق الود ثابت العزم من كبار الأمة ~~وأهل نجدتها حتى كان هذا الانقلاب. # نعم وفت الجمعية وأبطالها بعهدهم، فوفى الله بعهده. وإنما قرب لهم الأسباب ~~وسهل لهم إدراك الطلبة إفراط عبد الحميد في الظلم ومبالغته في الإساءة. وقد آنس ذلك ~~قبولا في طبيعة الرعية للخير واستعدادا للمجد واستحقاقا للفخر، ms030 فقويت الفئة القليلة ~~على الفئة الكثيرة. # وإذا لم يشأ رجال الجمعية المقدسة وبطل الحرية نيازي الكبير أن يقولوا شيئا في تاريخ ~~الجمعية وكيفية تألفها، واعتذروا بأن هذه الأسرار لا يمكن إفشاؤها، فأولى برجال ~~التدوين إمساك القلم عن الخوض في هذا العباب تفاديا من الشطط واجتنابا للوم ~~الأصدقاء. # | مذابح شهداء الحرية من إخواننا الأرمن # مثل هذا الفصل يحتاج إلى أنامل «روبنس» مصور اللوح الشهير الذي سماه «مذبحة ~~الأبرار»؛ فإن أنامل الشاعر المجيد والكاتب المبدع لا تفي بغرض ولا تأتي بفائدة في ~~وصفه. الكلام على مذابح، والمذابح فيها جثث، والجثث معصفرة بالدماء، والدماء تجري على ~~بطاح، والبطاح بها حجارة صلدة وهشيم يابس ونهر دافق، ومشهد العين غير خيال الفكر، ~~والفكر يستمد من العين؛ فهي ينبوع العلم، والفكر مجلي المعاني؛ فليكن الكلام على قدر ~~الإمكان لا على قدر الواجب. # البلاد العثمانية تعمرها أمم شتى، متباينة الأجناس ومختلفة المذاهب، جمعت بينهم ~~القوة وفرقهم العدوان؛ فهم إخوة يسكنون دارا واحدة ويستظلون بسماء واحدة، ~~وينهلون ويعلون من مياه متجانسة منذ سبعة أعصر. ولكنهم مع ذلك متنافرون، يسقيهم وطنهم ~~بكل صاف نمير، ويسقونه بالدم المسفوك. أهم على مقربة من الموضع الذي يزعم أهل القصص ~~أن قابيل قتل هابيل فيه، فعدتهم الحال بمرض أحد الآباء، قتل الأخ لأخيه؟ أم اختاروا ~~سبيل الجناية حبا في الجناية؟ # السلف أخطأ الحكمة ولم يحسن السياسة. كذا قال التاريخ، ولا بد من تصديق التاريخ. ~~هم أحبوا الأنبياء وشاءوا أن يكونوا كالأنبياء ألسنا لا قلوبا، وحالا لا ذاتا. ~~فما اختاروا من قصة موسى إلا عبادة العجل، ولا من تاريخ عيسى إلا الصلب، ولا من وقائع ~~العدناني إلا حال أبي لهب. تشاغلهم بأنفسهم لم يدعهم يرون غيرهم، وصيحاتهم منعتهم عن ~~سماع أصوات الأمم. حتى إذا تضاءلت شمس الشرق ولم يكف شعاعها لإنارة ربوعها، وطلعت ~~بآفاق الغرب شموس كثيرة، وقفوا وقفة المجهود ينظرون إلى بعض. فإذا بهم دامية أظفارهم، ~~دامية أنيابهم، دامية لهواتهم، بادية أجسامهم، تعلوها أطمار بالية رثة، حسبوها ~~بقايا ثياب، فإذا هي قطع أكفان! ms031 # قال قائلهم: هلموا نطلب علما. صدق القائل، لله در القائل! ما أكبر عقل القائل! وما ~~هي أن أنشئت المكاتب وفتحت المدارس وألفت الكتب على النمط الجديد. وقالوا: ما ~~لنا وللأديان، تلك أمور بين الخالق وخلقه. القلوب ألواح محفوظة لا يقرأ ما فيها إلا ~~الله ، وما نحن إلا إخوة؛ وحدة حال ووحدة مصير لا يتفقان. فغم ذلك الصفاء أهل الدين ~~أولي التعصب، من يعمرون المساجد ليستغنوا بها عن تكاليف المنازل فيتخذونها مساكن، ~~ويشيدون الزوايا والتكايا ليصيبوا فيها مآكلهم وأقواتهم، فهبوا يغالبون المخلوق باسم ~~الخالق. وأتت الدولة الحميدية وشيد صرحها الممرد «يلديز»، فوجدوا منه أكنافا موطأة ~~للمزاحمين، وآذانا سميعة للواشين. قالوا: النبي يأمر. قال: وأنا خليفته أفعل. قالوا: ~~الدين يفرض. قال: وأنا حاميه أقوم بما فرض. وماذا فعل لا در دره؟ جعل بيوت الحكومة ~~كالمساجد ترن على سلالمها أصوات المؤذنين، وصير المكاتب كالمدارس الدينية تقام ~~فيها الصلوات وتقرأ كتب الدين، ويزرع التعصب في قلوب الشباب فتنمو معه نفوسهم وترسخ ~~عليه طبائعهم، فكان المفطر منهم في رمضان يزج في السجن، والقاتل مطلق السراح يمشي ~~في الأرض مختالا. ~~- ألا تخشى يا ولي الدين أن تغضب المتدينين بهذا الكلام؟ ~~- كلا. ~~- ألا تجده سابق أوانه؟ ~~- كلا. ~~- أتجرؤ بعدها أن تسكن البلاد العثمانية؟ ~~- نعم، لأكثر فيها من مثل هذا الكلام، ولست وحيدا في إنصافي، وأهل الإنصاف عددهم ~~كثير. ~~- إذن، فأنت جدير بالرثاء. ~~- ربما رثيتني اليوم وحسدتني غدا. إذا سكت الكاتب الحر اثني عشر عاما، ثم لقي ~~الحرية ينطق بمثل ما ترى. فلا تقل سكت دهرا ثم نطق كفرا، ولكن قل: # وذو الشجو القديم وإن تسلى # محب حين يلقى العاشقينا # أرى حولي أحرار العثمانيين فأغنيهم بغنائنا، ولكل امرئ غناء يطربه، ثم الحروف التي ~~توصف بها الدماء تكون حمرا، فلنرجع إلى ما كنا بصدده. # تعصب أكثر العلماء وجهل الرعية وظلم الحكومة ~~أتى البلاد بثلاث مذابح مختلفة: أولاها مذبحة الشام، وقعت في سنة 1860، أضرم جاحمها ~~وأجزل وقودها أحد الباشاوات بأمر من الباب العالي؛ فطلبت إنكلترا وفرنسا من الحكومة ~~العثمانية تحقيق ms032 الأمر وعقاب من تثبت عليه جريمة التحريض، فذهبت إلى الشام هيئة ~~محققة اشترت رضاء الباشا وسارت على ما أمرتها به الحكومة. غير أن إنكلترا وفرنسا لم ~~تقنعا بذلك وأصرتا على طلب التحقيق، فتبين ذنب الباشا، فطلبت هاتان الحكومتان ~~إعدامه ليكون عبرة لغيره، وكان سفير إنكلترا في الآستانة إذ ذاك «أرل رسل» ومعتمدها في ~~بر الشام «اللورد دوفرين». فزعمت الحكومة العثمانية أن قتل الباشا قد يستثير المسلمين ~~ويدفعهم إلى قتل المسيحيين عامة انتقاما وتشفيا، وربما تعدى ذلك إلى رعايا ~~الدولتين، فكان جوابهما الإصرار بعقاب الباشا، فأعدمته الحكومة التي أوعزت إليه بالفتنة ~~ولم تحدث هنالك أشياء مما ادعت تخوفها منها. # البطريرك نرسيس. # ثم وقعت مذبحة البلغاريين في سنة 1877. وقد حمى الباب العالي زعماء الفتنة وذهبت ~~مساعي «اللورد بكنسفيلد» غير مجدية نفعا. # ثم جاءت المذابح الأرمنية، ولا بد من إعادة النظر قليلا في أسبابها لكي يتسنى ~~لنا استخراج نتائجها. # أكثر الناس لا يعلمون ما حمل بعض إخواننا الأكراد على مباغضة إخواننا الأرمن؛ فهم ~~يلتمسون الأسباب ولا يجدونها، وإن من تلك الأسباب التي خفيت عنهم أن قبائل من الأكراد ~~كانت فيما مضى من الزمان أرمنية، ثم آثرت التدين بدين الإسلام إبقاء على حريتها ~~وتوكيدا لنيل رغائبها. فبزت قديمها ورفلت في جديدها، إلا إنها ظلت محقرة عند ~~أخواتها مرزأة في غلوائها؛ فمن هذه القبائل المتغيرة قبيلة «ماميقون» الكردية، كانت ~~من إمارة «ماميقونيان» الأرمنية، وقبيلة «بكران» الكردية، كانت من إمارة «باقرادونيق» ~~الأرمنية، وقبيلة «ريشقون» الكردية كانت من إمارة «روشتونيق» الأرمنية. والمتأمل في ~~توافق الأسماء لا يرى مناصا من التسليم بصحة ما رواه التاريخ. # ولم تزل الأضغان تتزايد بين هذه القبائل وأخواتها الأرمنية؛ حتى أدت إلى التقاضي ~~إلى السلاح. وإذ لم يكن عند الأكراد ما عندهم اليوم من السلاح الجيد والعدة الوافية، ~~كانوا يهزمون أعداءهم تارة وينهزمون أمامهم تارة أخرى، ولكن عقلاء الأرمن أوجسوا من ~~دوام هذه المعارك شرا، فأحبوا أن يحلوا الوفاق محل الشقاق، وأن يستعيضوا ~~بالاتحاد عن الخلاف، وأول من انتبه منهم لهذا الرأي الصواب ms033 هو البطريرك الشهير «نرسيس». ~~وبين سنة 1878 وسنة 1879 قام وفد من بيكوات الأكراد يريد القدوم إلى الآستانة للمذاكرة ~~مع البطريرك في هذا الباب، فلما أحس بذلك عبد الحميد أكمن للبيكوات من اغتالهم في ~~طريقهم وأحل بهم الردى، وهكذا خابت آمال «نرسيس» الحكيم. # ثم عن لعبد الحميد أن يتخذ سذاجة الأكراد وعداوتهم للأرمن ذريعة للإيقاع بالأرمن، ~~وليجعل للرعية ما يصرفها عن الاشتغال بأعماله، ويستزيد لنفسه قوة يركن إليها عند الفزع ~~الأكبر؛ فاستحدث الآلايات «الحميدية» من أخلاط وزمر؛ فمنها الكردية وهي الأكثر، ومنها ~~العربية، ومنها الجركسية، وجهزهم بالسلاح الجديد وأمدهم بالميرة وكل ما يحتاجون ~~إليه جما وافرا، وحين فاز الأكراد بهذه الأهبات وباتوا مدججين سلاحا والأرمن ~~معازيل، رجحت كفة الأكراد في الضراب وخفت كفة الأرمن، وعليهم دارت الدائرة. هذا ما ~~يتعلق بالأرمن مع الأكراد. # ولكن يجب أيضا النظر إلى المذابح الأرمنية من جهة أخرى. # الأرمن كابدوا من ظلم المسلمين والحكومة ~~المستبدة، لا سيما في طريق بر الأناضولي، ما لا تصبر عليه القلوب، وحملوا من الضيم ما ~~تكل عنه المتون. ولكنهم أبناء الشرق، وأبناء الشرق نفوسهم أبية، فنشطوا إلى العمل ~~في جد متواصل طلبا لما يستخلصهم من إذلال إخوانهم إياهم، فما وجدوا سبيلا هو ~~أقرب إلى المراد وأنفذ إلى النجاة من طلب العلم والصناعة، والاستفادة من معجزات العصر ~~الجديد؛ فكان منهم المهاجرون إلى أقاصي البلاد، والمتزاحمون على أبواب المكاتب، ~~والمتنافسون في تشييد مكاتب أرمنية. وما برحوا يتراكضون إلى الاستنارة بأنوار المعرفة ~~حتى توافوا إلى مشرق نورها ومطلع نيراتها، وهم كلما زادوا توغلا في العلم زادوا ~~معرفة بأساليب الحياة، فغيروا ما رأوه غير صالح من قديم العادة واستبقوا ما كان ~~صالحا، فما مضت أعوام قلائل على نهضتهم هذه إلا برزوا على مواطنيهم من المسلمين. أما ~~المسلمون فلم يريدوا النزوع عن ميراث السلف إلا قليلهم، وعدوا الاستفادة من علوم ~~الغرب واقتفاءه في ترقيه شائنا لكرامة الدين. وعند التفاضل ظهر فرق الأمتين وأحرز ~~الأرمن قصب السبق، فكان هذا داعيا إلى حسد المسلمين لهم وامتعاضهم منهم. ms034 والأرمن عرفوا ~~حد ما عليهم للحكومة وما لهم عليها؛ فرضوا أن يهبوها حقها وأن يطالبوها بحقهم، ~~وكبر هذا على الحكومة لأنها كانت لا تحب النصفة، وكبر على المسلمين لأنهم لم يكونوا ~~يعلمون أن للأرمن حقا على الحكومة، وهم يعلمون أن الحق لا يكون إلا للمسلمين دون ~~سواهم. نعم، كان في جماعات المسلمين رجال رزقوا العلم وأشربوا حب الوطن اعترفوا ~~لإخوانهم المسيحيين بالحق، وأرادوا إنصافهم، وودوا مشاركتهم في مطالبهم. غير أن قلة ~~العدد خذلتهم في مناوأة الحكومة والسلطان الظالم، وظلوا في أعين الجهلاء بمنزلة ~~الأعداء. # وكانت بمدينة «وان» شركة اسمها «مياتسيال أنكرجون»، ومعناها الشركة المتحدة. أسست ~~لاستحضار ما تحتاجه المدارس الأرمنية من كتب ودفاتر وأقلام وقراطيس وغيرها من الأدوات ~~المكتبية، وجعلت لهذه الشركة شعب في سائر الولايات العثمانية، ونصب لها مديرا رجل ~~من جلة الفضلاء اسمه «مغرديج بورتقاليان أفندي». ولما رأى تخلي المسلمين عما يرمي ~~إليه بنو جنسه، واستحكم اليأس من فؤاده وأفئدة من هم على شاكلته من نجباء الأرمن، أسس ~~جمعية خفية في «وان» سماها «جمعية آرمناقان»، وذلك في سنة 1880، وجعل أساس مقصدها ~~حماية الحقوق الأرمنية من الضياع. وفي سنة 1885 قبض عليه وعلى أحد رفاقه في سعيه؛ وهو ~~البطريرك السابق المرحوم «خريميان» أفندي وأخذا إلى الآستانة، وكان وشى بهما البعض ~~إلى السلطان. ولما لم يجدوا ما يرجح التهمة عليهما أخلوا سبيلهما، فسافر ~~«بورتقاليان» أفندي إلى «مرسيليا»، وأصدر فيها جريدة باللغة الأرمنية سماها ~~«أرمينيا». وهي لا تزال تنتشر إلى اليوم، وانتقل مركز الجمعية أيضا إلى «مرسيليا» وهو ~~كائن هنالك إلى يومنا هذا. # وفي سنة 1885 حين كان البطريرك السابق «أورمانيان» مطرانا بأرضروم، أحست الحكومة ~~المنقلبة أن قد أسست هنالك جمعية أرمنية اسمها «خنجاق»، فأخذت إلى الآستانة أناسا ~~كثيرين لتستطلع منهم سر الجمعية وما يتعلق بوجودها، فلم تقف منها على عين ولا أثر، ~~وسافر «أورمانيان» إلى الآستانة، وبقيت الحكومة بين الشك واليقين في التصديق بوجودها. ~~وإنما أسست هذه الجمعية بباريس، وولي رئاستها رجل من رعايا الدولة الروسية اسمه ~~«نظريك»، ثم جعل ms035 فرع تابع لها في أرضروم. # وقد ألفت بعد هذه جمعية «طروشا غيان» أو «طاشناقساغان» في «جنيف». وإذ كان أكثر ~~أعضائها من الأرمن التابعين لروسيا، لم تكن محلا لثقة إخواننا من الأرمن العثمانيين. ~~وهذه الجمعية تميل أيضا إلى مذهب الاشتراكية. وهناك جمعيات أخرى لا أعلم من أحوالها ما ~~أوثره بالذكر، فلا أرى مندوحة للخوض في أعمالها. # الحرج يعلم الحيلة، وتوالي العقاب يستولد البغضاء ولو كان عدلا، فكيف به إذا كان ~~ظلما، ودوام الإساءة يحول دون استعادة الصفاء. هذه ثلاث قضايا ضرورية فرغ العقلاء من ~~التخالف فيها، لما حقت على إخواننا المظلومين عملت جمعياتهم بفحواها. وفي سنة 1890 ~~قامت جمعية «خنجاق» بواقعة «قوم قبو»، وهي براعة الاستهلال في النهضة الأرمنية. وفي سنة ~~1896 قامت جمعية «طاشناقساغان» بواقعة البنك العثماني، كلتا الواقعتين وقعت في عاصمة ~~الملك العثماني لتكون بمشهد من أعين سفراء الدول وبحضرة عبد الحميد. أرادت الجمعيتان ~~الأرمنيتان أن تعلما حكومة الاستبداد أن الشعب الأرمني نفض عنه تراب الذل، وأنه يأبى ~~الاستمرار في طاعة كلها تكلف، فجاءوا لسائر إخوانهم العثمانيين بمثال من النخوة كان ~~يجب أن يحذوا على منواله. غير أنه لم يقر عينا بذلك سوى فريق من رجال الحرية أضجرهم ~~الظلم. أما الباقون من المتعصبين والجهلاء ومن أسعدهم الاستبداد وعلت أقدارهم في دولته، ~~فقد أغضبهم ذلك وأقبلوا بجموعهم يقتلون الأرمن، فكثرت المذابح وحمي الوطيس بين العنصرين ~~المسلم والأرمني بعد أن كان الأمر بين الأرمن والحكومة، وذهب كثير منهم غدرا إذ لم ~~يكونوا من جمعية من الجمعيات الثائرة ولا ممن شاركوهما في أمر من الأمور. # فلما وقع القتال بين هذين العنصرين ~~العثمانيين زادا كلاهما بعدا عن صاحبه، ونبتت بينهما الإحن، فعلم الأرمن أن لن يكون ~~مقام رغد في البلاد العثمانية، وعدوا أنفسهم غرباء فيها، فكان منهم المطالب بإحياء ~~دولة «أرمينيا» ليعيشوا فيها منفردين، وكان منهم من يؤثر الصبر ليرى ما سيكون من عاقبة ~~البغي، وكان منهم من يحب الهجرة إلى أمريكا وأوروبا تاركا وراءه وطنه وإخوانه، يأسا ~~لا هجرانا، وفرارا لا تحولا؛ ms036 فأدى ذلك وما تلاه من تعمم القتل والسبي فيمن هم ~~بالأناضولي من الأرمن إلى توسط الدول الأوروبية، وطلبها من الحكومة المستبدة كف أذاها ~~عن المسيحيين وإنفاذ ما تعهدت به للدول من الإصلاحات، فلم يجد كل ذلك نفعا. وجملة ~~ما احتال به عبد الحميد على الحكومات المتمدينة حتى خدعها تنصيبه لبعض ولاة الأناضولي ~~معاونين من مسيحيين ومسلمين، وفتحه باب الهجرة لمن يريد «ترك التابعية» من الأرمن؛ وهو ~~أمر يراد به ظاهره دون حقيقته، فكم رأيت جماعة من الأرمن يطرقون أبواب الحكومة طالبين ~~الإذن بالسفر إلى أمريكا، فيطالبهم رجال الحكومة بما يكون عليهم من جزية ومال. فإذا ~~فعلوا ذلك كلفوهم إثبات براءتهم مما عساه يكون صدر عليهم من حكم وأعيق عن الإنفاذ أو ~~لم يكن انتهى من المحاكم. فإذا كان هذا طالبوهم بضمان على ألا يعودوا ثانية إلى ~~الأقطار العثمانية. فإذا جاءوا بذاك الضمان أمروهم ألا يدعوا وراءهم مالا ولا عقارا ~~ولا أهل قرابة، وأن يدعوا في دائرة البوليس صورهم الفطوغرافية ليعرفوهم بها إذا عادوا. ~~وبعد هذا العذاب الطويل يسمعون من وقاحة المأمورين وشتمهم وانتهارهم ما تندى له الجباه، ~~ثم لا سبيل إلى إنجاز شيء مما سبق ذكره إلا إذا جاء المهاجرون بالدراهم وبذروا في ~~الحباء تبذيرا. # ولربما خرجوا مسافرين ومعهم نساؤهم وبناتهم، فتتلاحق بهم خيل اللصوص ويحيط بهم جماعة ~~من السفل، فيصيبهم من مكروههم ما يعيقهم عن الخلاص. وويل لهم إن رجعوا يومئذ مستصرخين ~~بعدل الحكومة أو طالبين خلاص من سبي منهم، إذن تقوم عليهم القيامة ويعظم الخطب. وقد ~~صدق أحد شعراء الحماسة إذ يقول: # لو كنت من مازن لم تستبح إبلي # بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا # إذن لقام بنصري معشر خشن # عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا # قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم # طاروا إليه زرافات ووحدانا # لا يسألون أخاهم حين يندبهم # في النائبات على ما قال برهانا # لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد # ليسوا من الشر في شيء وإن هانا # يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة # ومن إساءة ms037 أهل السوء إحسانا # كأن ربك لم يخلق لخشيته # سواهم من جميع الناس إنسانا # فليت لي بهم قوما إذا ركبوا # شدوا الإغارة فرسانا وركبانا # من الوقائع ما تروع القارئ وتستطير لبه، فكيف ~~بكاتبها وهو يتكتم منها ما لا يقوى على تسطيره طورا رحمة وطورا حياء. والأنباء ~~الآتية من الأقطار البعيدة يحسبها البعض مبالغا فيها ويحسبها البعض مختزلة، ولكن الذين ~~يظنون بها المبالغة أكثر؛ فمن سمع في سائر البلاد ما نزل بالأرمن من المصائب قال هذه ~~من مكر الأرمن ولم يشأ تصديقها، ثم هناك أناس يقولون لنا إن الأرمن أعداء لنا ويزعمون ~~أنهم هم المعتدون دائما، وأن المسيحيين لا يخلصون للمسلمين ودا ولا يصفون لهم ~~سريرة، وينعتونهم لنا بالكافرين وأهل النار وغير ذلك من كلام الجهل والجنون، وبسطاؤنا ~~يصدقون هذه الباطلات حسن ظن منهم بقائليها، ولبعدهم عن مواضع العلم وفهم الحقائق. ~~فإذا ذكرت لهم تلك الفظائع لم تهز منهم موضعا من قلب، ومنتهى إنصافهم أن يقولوا إن ~~الأرمن جنوا على أنفسهم. # هذا كلام قد يعذر عليه الجاهلون من السوقة والمحرومون من نعمة العقل، ولكن ما عذر ~~جماعة من المؤلفين وأصحاب الصحف ورجال الرأي إذا قالوا ذلك. أما والله وددت أن أطاوع ~~القلم في جماحه، ولكن أخاف مأثور القول. # المذابح الأرمنية التي كانت بالآستانة وبغيرها من أقطار الأناضولي ذكرت في حينها، ~~فمنها ما جاء مفصلا في الجرائد وطيرها البرق في روايات مختلفة، ومنها ما كتب في ~~رسائل خاصة بها. والتزام الإيجاز في هذا الكتاب يمنع استعادة ذكرها. غير أن هناك أشياء ~~قد لا تكون ذكرت، بل ربما كانت خافية عن كثيرين ممن يستقصون مثل هذه الوقائع. أذكرها ~~لتكون أمثلة لما كابده إخواننا المظلومون. وهذه النوادر أرويها عمن شهدها ممن عرفتهم ~~بسيواس. # لما اتصل بأهل سيواس ما جرى للأرمن افترقوا فريقين، فأما فريق المسلمين فأخذ يتأهب ~~لمحاربة الأرمن إذا بدر منهم اعتداء عليهم، وأما فريق الأرمن فذهب خاصتهم إلى جماعة ~~من الأجانب يسألونهم إن كان هناك ما يخيفهم، فذهب هؤلاء الأجانب إلى خليل رشيد ms038 باشا ~~وإلى سيواس إذ ذاك، واستطلعوه جلية الأمر، فقال لهم إن الأمن معتدل في نصابه، وأن لا ~~خوف من وقوع أمر جلل، وأنه ساهر لتنام الرعية. ثم شاع بين المسلمين أن الأرمن على أهبة ~~دائمة، وزعم جماعة من الرعاع أن أرمنيين أبصرا أربع سيدات مسلمات في الطريق فاعترضاهن ~~وقالا لهن غدا نقتل رجالكن ونتخذ بعضكن ساقيات وبعضكن ولائد، فزاد ذلك من حقد ~~المسلمين، والأرمن لا يعلمون شيئا مما يقال عنهم من هذا القبيل. غير أنهم باتوا ~~يتوجسون خيفة حين بدت على المسلمين أمارات الغضب وألفتوا عنهم الوجوه. وما مضى بعد ذا ~~طويل زمن حتى قام المسلمون وأعملوا في الأرمن القتل والفتك، ودخلوا بيوت التجارة، ~~وأكثرها في بناء عظيم اسمه «طاش خان»، أبوابه من الحديد، فما زالوا يضربون تلك الأبواب ~~بالمعاول ويرمونها بالرصاص حتى انفتحت لهم. فما تركوا هنالك شيئا. وتلاحق الجنود ~~والوالي يصيح بدار الحكومة ليكفوا وهم لا يكفون، وبعد قتال دام يومين كفت ~~المذابح، ومما تقشعر منه الأبدان أن بعض أولئك الوحوش كانوا يذبحون من عثروا عليه من ~~الأرمن بالمناشير. وقد رأى قوماندان الرديف الفريق محمد خلوصي باشا الذي توفي منذ ~~عامين أناسا من المعتدين أحاطوا بأرمني وكان يصنع له أحذيته وله قبله دين لم يوفه، ~~فاستجار الأرمني بالقوماندان، وقال: يا مولاي، عبدك يقتلونه ولا ذنب له، مرهم بحق ~~مروءتك أن يهبوا حياتي لأولادي الصغار، قال القوماندان: أنت كافر وأولادك كفرة، وأشار ~~إلى من أحاطوا بذلك المسكين أن يجهزوا عليه ففعلوا. وقد انتهز السفل هذه الفرصة ~~فاختطفوا البنات ونهبوا المال نهبا لما، فترى اليوم أكثر تجار الأرمن وقد أصبحوا لا ~~يملكون قوت يومهم، وأثرى بمالهم المنهوب غيرهم من اللصوص، فأمسوا من التجار. # ولو كان المسلمون أنصفوا إخوانهم المسيحيين، بل أنصفوا أنفسهم واتحدوا في القيام يدا ~~واحدة على الحكومة المستبدة؛ لنالوا حريتهم منذ أعوام مديدة، ولاستبقوا محبة ~~إخوانهم. # نعم، غضب الأرمن من المسلمين عامة، ومنا معشر الترك خاصة، ولا يبعد عن العقل أن ~~يكونوا اتفقوا بينهم أن يتخذونا أعداء. فإذا ms039 صح ذلك فهو أمر حادث ولكنهم لم يكونوا ~~كذلك؛ فيا طالما بكوا لبكائنا وشاركونا في ضرائنا، ومنعناهم أن يشاركونا في سرائنا، ~~وكانوا يظنون أننا شركاؤهم في التشكي من استبداد المستبدين، فرأونا صاغرين لا نأتي ~~حراكا ولا ننطق بلوم، ثم لم نبت أن خضبنا الأكف بدماء نحن أحوج الناس إلى ~~حقنها . # كثير من الأرمن تركوا جمعياتهم وشاركوا أحرارنا وقالوا: نحن عثمانيون فلتكن رغائبنا ~~عثمانية، وخالفوا بعض القائلين من أبناء جلدتهم بإحياء «أرمينيا الجديدة»، وقالوا هذا ~~محال ولو كان لما أفاد. # فمن فضلائهم الذين فقد منهم العثمانين دعائم مجد رفيع وسيف نجدة ماضي الغرارين الشاعر ~~الأديب الفاضل المرحوم «ناربي لوسينيان». مات في سنة 1894 مسموما. هذا النابغة هو من ~~رجال الرهبانية، وله آثار تفتخر بها الأوطان، كان صادق النية حر النزعة، عثمانيا ~~جسما وروحا، ولكن استكثره عبد الحميد على العثمانيين كما استكثر غيره، فسقاه الردى ~~وأسكت يراعا نحن أحوج العباد إلى صريره. # كفى كفى، ولنختم هذه الصحيفة السوداء، وليكفنا منها أن ستشهد بها علينا الأيام، فإذا ~~قرأها العثماني الصادق فليتخذها ذكرى وعبرة، وإذا قرأها غير العثماني فليثق أن هناك ~~ناقمين كثيرين مثل كاتبها. وإذا التقى حر بيتيم من أيتام هذه المذابح وقال أنا ابن من ~~ذبح بالمنشار، أو رأى فتاة في أسرة لابسة سوادا كنجم الثريا يبدو في الظلام وقالت ~~أنا بنت من طعن في فؤاده، أو قرب مجلسه من سيدة أيم وكان محبا لزوجها وقال لها ~~أين صديقي فلان فاغرورقت عيناها وقالت له قتله ابن عمك فلان؛ فليطأطئ الرأس وليقل: ~~لألبسن معكم ثياب الحداد، ولأحمين عرضكم، ولأكونن لكم أخا ومعينا ما دمت حيا. ~~وإذا وقف على قبر قفر الجوانب في بلقع يغلي هجيره وتسفي الرياح عليه المور، فليقل: ~~عليك السلام أيها الأخ الشهيد الأرمني المظلوم، نعم ما طل حيث كنت ولا وتر لك دم؛ ~~فلإن جار عليك المتعصبون فلينصفن من بعدك الأحرار. # | جرائد العثمانيين الأحرار بمصر وغيرها # عشق الحرية أضنى أفئدة العثمانيين، وفي الغرب ناس كادوا يسأمون وصالها، والعشق يصقل ~~الفكر ms040 ويبري اللسان ويسير الأقلام، وعلى قدر امتناع الشيء تكون الصبوة إليه «أعز شيء ~~على الإنسان ما منعا.» ولا غرو أن ابن ورقاء على فننه، والريح في هزيزها، والماء في ~~خريره، والشجر في حفيفه، نعم والرعد في زجله، والليث في زئيره، كل ينشد الحرية، فكيف ~~ابن حواء وفيه من كل مخلوق خلق مودع في باطنه باد في ظاهره. # عرفنا «هوميروس» في «إلياذته»، وسمعنا «دانتي» ~~يندب «بياتري»، وفهمنا «شكسبير» من «روميو وجوليت»، وقرأنا «غوطا» في «فوست»، وسمعنا ~~«هوغو» وهو يجهر ب «الأصوات الباطنية»، وتلونا ما جاء به «نامق كمال» في «سلستره»، ~~وأنشدنا مع «شوقي» قوله: # صوني جمالك عنا إننا بشر # من التراب وهذا الحسن روحاني # فإذا كل يغني الحرية وكل يناديها، وهل في العشق ما يستدر عبرة أو يصعد زفرة لولا ~~امتناع الحرية؟! # ما زالت الحرية - منذ كانت - تطرق باب كل فؤاد فيفتح لها، حتى طرقت باب فؤاد عبد ~~الحميد أكثر من ستين عاما فلم تقدر على فتحه. # الحرية طافت بلاد الله، فكلما دخلت أرضا أعتقت المعتقلين فيها، فلما طرقت تركيا ~~اعتقلت في سجنها ب «يلديز». # الاستبداد استنجد «فالاريس» و«نيرون» و«الحجاج» و«جنكيز» و«هلاكو» و«تيمورلنك» على ~~الحرية، فهزمتهم معه وقهرته معهم. ولكنه حين استنجد عبد الحميد دام نصره عليها ثلاثا ~~وثلاثين سنة. # لو لم يكن على وجه الأرض أمم أخذوا الحرية من ملوكهم قسرا، وإن هذه الأمم تشارك عبد ~~الحميد في استنشاق الهواء لكان غير فان، فأما وقد نالت رعيته الحرية وأنفه راغم فلن ~~تطول أيامه. # كريهان يؤذيهما طيبان: الجعل يؤذيه ريح الورد، وعبد الحميد يؤذيه نسيم ~~الحرية. # ولقد حكم عبد الحميد الأجساد ولم يحكم القلوب، اشترى طاعة بعضها برهبة بطشه والرغبة ~~في دنانيره وأبى عليه بعض القلوب؛ وبذا هان عليها سلطانه وحقر فيها ذهبه، فخرج قوم عليه ~~بأقلامهم حين دخلوا حصونا لا تنالهم فيها أسيافه، فقالوا فيه ما يخلد مع اسمه خلود ~~الدهر، وفتحوا عيون الغافلين إلى عيوبه، وما سكنت العاصفة التي عصفت بأنفاس «كمال» ~~ورجال عهده إلا هاجت غيرها. ولا حاجة ms041 بنا إلى ذكر كل صادح وباغم فيتسع لنا الميدان، ~~وحسب القارئ الكريم أن يلم بالأهم فيكفيه طلب المهم. # الشاعر الحر الشهير المرحوم ناربي لوسينيان. # كاتبان من كتاب العهد الجديد من عهدي الحرية عليهما السلام، أحدهما جاور ربه، وا ~~أسفاه! وهو خليل غانم، وثانيهما لا يزال حيا ، والحمد لله، وهو محمد قدري. # فأما غانم فهو أبو المقالات الرنانة في جريدة مشورت الفرنساوية وغيرها، جاهد جهاد ~~لا وان ولا متخاذل، واشتدت وطأته على الظالمين فطلبوه بكل حيلة وحاربوه بكل شر، فما ~~فتنوا له لبا ولا زعزعوا له جأشا. # وأما محمد قدري فقد كان يكتب في «المقطم» جريدة العثمانيين، ويذيل مقالاته بإمضاء ~~«محمد قدري العثماني»، ثم كتب في جريدة «قانون أساسي» التركية، وجريدة «القانون ~~الأساسي» العربية؛ وهو صاحب الكتاب التركي المشهور الذي سماه «استنصاف». حاول عبد ~~الحميد إرجاعه إلى الآستانة أو إسكاته فأعياه ذلك. وقد قال بطل الحرية «نيازي» في ~~«خواطره» التي نقلها إلى العربية مؤلف هذا الكتاب. إن كتاب «استنصاف» وغيره من كتب ~~الأحرار فتحت قلبه وشددت عزيمته لخلاص وطنه. # ولقد ظهرت جرائد كثيرة في أوروبا ومصر وأمريكا، واتحدت كلها في الحملة على حكومة ~~الاستبداد والمطالبة بما للأمة من حق مهضوم. وأسس هذه الجرائد واشتغل بتحبيرها وإفاضة ~~الحكم فيها جماعة من نجباء العثمانيين وأولي الرأي والمنزلة الرفيعة بين فضلائهم؛ ~~فمنها التي دامت على ولائها للحق وواصلت جهادها في سبيل الحرية، غير مستضعفة في كفاح ~~ولا محجمة في مزدحم، ومنها التي انقطعت عنها وسائل البقاء فسكتت وتركت صيحاتها ترن في ~~آذان الدهور. # وإني لذاكر في هذا الفصل كل جريدة لم أنس مبلغ جهادها، وتارك ما لا أذكر وقائعها، ~~وأرجو ألا يحسب ذلك مني سوى زلة زللتها غير مختار. وهذه الجرائد هي: # مشورت (التركية والفرنساوية): # صدرتا في باريس ثم صدرتا في جنيف، أنشأهما أحمد رضا رئيس مجلس ~~المبعوثان الآن. # المشير (العربية): # أنشأها بالقاهرة واختص بتحريرها صاحبها صديقي القديم سليم ~~سركيس. # عثمانلي: # أنشأها في «جنيف» صديقي الدكتور عبد الله جودت، واشترك في تحريرها مع ~~المرحوم ms042 إسحاق سكوتي ونوري أحمد وطونه لي حلمي. # لسان العرب: # كان يحررها المرحوم الشيخ نجيب الحداد. # بنتي وجريدة قوقوماو: # وهما لجماعة من الأحرار لم يذكروا أسماءهم، وكان عبد الحميد لا ~~يغضبه شيء مثل كلمة «بنتي»، ومعناها: الأبله الذليل. # النبراس: # كان يحررها الفاضل الجاويش. # بصير الشرق: # أنشأها رشيد بك، وكان يحررها مع الدكتور إسماعيل إبراهيم، وكانت تصدر ~~باللغتين التركية والعربية. # ييلديرم: # ومعناه الصاعقة، كان صاحبها إبراهيم أدهم. # جورجونه: # كان يحررها الشاعر التركي الشهير أشرف. # سنجق: # كان أصدرها أحمد صائب، ثم استبدل اسمها فصيره «شوراي امت». # ميزان: # كان يصدرها مراد الطاغستاني بالتركية بمصر، ثم أصدرها في ~~«جنيف». # أمل: # كان يكتبها المرحوم حسن فهمي. # اجتهاد: # أصدرها صديقي الدكتور عبد الله جودت بعد أن ترك جريدته الأولى ~~«عثمانلي» وجاء مصر، وكان تقبل أن يكتب فيها بكل لغة، وهي منتشرة إلى ~~الآن. # ترك: # كان يكتب فيها الدكتوران نجم الدين عارف المناسترلي وشرف الدين ~~مغمومي. # قانون أساسي (التركية)، والقانون الأساسي (العربية): # كان يكتب فيهما الخواجة محمد قدري العثماني ومؤلف هذا الكتاب. # الإنذار: # كان يحررها يوسف حمدي يكن شقيق المؤلف أيضا. # وقد ظهرت بأوروبا وأمريكا جرائد جليلة القدر عظيمة الخطر، مثل: «كشف النقاب» التي كان ~~ينشرها بباريس الأمير أمين أرسلان، و«كوكب أمريكا» و«الأيام» وكلتاهما صدرت ~~بأمريكا. # كل هذه الجرائد طالبت حكومة الاستبداد بحرية الأمة وشدت في ذم ظلم عبد الحميد ~~ودعته إلى الإنصاف، وخاطبت العثمانيين في الانتباه إلى ما هم صائرون إليه؛ فطاردها ~~الظالم مطاردة من لا يعرف السأم، وأكثر من اتخاذ الجواسيس، وجعل المراقبة الشديدة على ~~البريد، وبالغ في منع هذه الجرائد من الدخول في البلاد العثمانية لكيلا يقرأها أفراد ~~الأمة فيتنبهوا إلى أعماله، ويكونوا مع الأحرار يدا واحدة عليه، ثم حاول أن يستغوي من ~~يكتبون الصحف وأن يستجلبهم بالمال، وتمكن من نيل مأربه مع البعض منهم ولم ينجح مع ~~الآخرين. # أما «مشورت» فكانت من حزب الإصلاح الديني، ومثلها «ميزان»؛ فإن صاحبيهما ما استعانا ~~على عبد الحميد إلا من الوجهة الدينية، و«القانون الأساسي» كذلك، وسبب اتخاذها هذه ms043 ~~الخطة أنه لم يمكن مخاطبة العثمانيين إلا باسم الدين، وا أسفاه. # أما «عثمانلي» و«اجتهاد» و«المشير»، فكانت جرائد من الطبقة الأولى. وقد سبقت لي ~~مناظرات مع صاحب «المشير» قبل دخولي في فريق المطالبين بالحرية، أظهر فيها من قوة الحجة ~~وحسن البيان وشدة النفس ما خيل لكثير من الناس أننا أعداء، وما كانوا يعرفون أننا ~~نقضي أكثر أوقاتنا معا على أحسن ما يكون من الإخاء. وسليم سركيس رجل يندر مثله في رجال ~~الصحافة، وكانت جريدته محبوبة عند أولي الذوق السليم مطلوبة من ذوي الأدب والظرف؛ لأن ~~صاحب «المشير» كان يتخير الفصول ويجيد الكلام، فما ظهر عدد من جريدته إلا رأيت فيه كل ~~ما يطيب للنفس ويخف على السمع. وإنه لشهم جريء، إذا جاءه وعيد زاد إقداما، وإن سيم ~~في ذمته أعرض عن النفائس إعراض الكريم؛ فهو من أنصار الحرية الذين يفتخر بهم الوطن. هو ~~صحافي منذ أكثر من عشرين سنة، يشهد له «لسان الحال» و«المشير» و«المؤيد» و«مجلة سركيس». ~~ولقد عانى من مطاردة الحكومة المستبدة ما لا يصبر عليه سواه، بعثت وراءه من يغتاله ~~قتلا فسلمه الله من شره، وطلبته من الحكومة المصرية فكانت قلامة ظفره أمنع من عقاب ~~الجو. وقد سجن مرتين فلم يزده السجن إلا رفعة في عيون الفضلاء. # والسجن إن لم تغشه لدنيئة # سوآء نعم المنزل المتودد # وأما «ميزان»؛ فإن صاحبها مرادا رجل له علم بالتاريخ؛ وهو معدود من الطبقة الثانية ~~من الكتاب. جاء مصر وللناس فيه ثقة وللحكومة العثمانية منه وجل، فكانت «ميزان» ~~كالصاعقة المنقضة على رأس عبد الحميد، منعته الكرى وكادت تفلح فيما تسعى إليه. دعا ~~عبد الحميد ناظم باشا ناظر الضبطية إذ ذاك إلى قصر «يلديز» وقال له: ما أكبر ذنبك وما ~~أصغر همتك! أمرتك أن تطارد كل من يقرأ «ميزان»، والتقارير تأتيني بأنها تجيء إلى فلان ~~وإلى فلان، أكذا طاعتك لسلطانك؟! قال ناظم: يشهد الله والناس بما أجد في مطاردة ~~«المفسدين»، ولكني لا أدري ما أصنع، وكلما أمرت رجال الشرطة بالانتباه وإدمان النظر في ~~ذلك؛ وجدت ms044 نسخ «ميزان» في جيوبهم. وخرج ناظم وهو كاسف البال ضائع الرشد. # غير أن مرادا كان معجبا بنفسه متكبرا دائم الازدهاء، لا يدين للحق فلم يحسن ~~البداية ولا النهاية. # وممن الجرائد التي عوضت ما خسرته الأمة بفشل «مشورت» التركية وخيبة صاحبتها «ميزان»؛ ~~جريدة «عثمانلي» سابقة الذكر. وقد كان تأسيسها في سنة 1897، ثم تلتها اجتهاد ولغتها ~~تركية، وكانت تقبل كل مقالة تأتيها بأية لغة كانت. وصديقي الدكتور عبد الله جودت هو ~~مؤسس «جمعية الاتحاد والترقي العثمانية» وسكرتيرها، وإنه لمن الفضلاء الذي يزينون عقد ~~الحرية، ما شئت من أدب رائع وخلق مطبوع ونفس صريحة وعقل راجح وضمير لم يتطرقه الرياء ~~ولم تهتد إليه الأهواء، حر متناه في حريته، يقول الحق ويعلم أنه ضائره، فلا يبالي ~~عاقبة ولا يخشى حسابا. # و«القانون الأساسي» كان له شأن يذكر، ففيه سيرت هذا القلم مجاهدا، وقلت لعبد ~~الحميد: «فلأهزن به أركان قصرك هزا»، فلم تدعني الأيام أصدق وعدي وأقوم بوعيدي، ~~وهزت «يلديز» وأمالت عماده قنابل الأحرار. فإذا كان دوي رعودها رجع ما صرت به ~~الأقلام، فالحمد لله ولا فخر، وإن كانت منبعثة من أفئدة أمة أجملت الصبر حتى تنفست عن ~~البارود، فالفخر أعظم. # وجريدة «الإنذار» التي كان يكتبها شقيقي يوسف حمدي يكن كان لها دور وله شأن؛ فكم ~~بالقصور من أعداده، جمعت من «العتبة الخضراء» ورفعت إلى العتبة العلياء. وأذكر هنا ~~منها هذه الأبيات التي قالها صاحب الإنذار في العدد الرابع الصادر في سنة 1317، وفيها ~~إشارة لا تخفى على اللبيب، قال: # إذا صحا النائم من نومه # وهم ذو الهمة في يومه # عادت لنا أيامنا مثل ما # نرجو وعاش المرء في غنمه # يا قوم هبوا هذه رقدة # طالت وذو الإثم على إثمه # حكم رشاد الدين مقصودنا # وإنما الإقبال في حكمه # فليحتكم هذا وظلامنا # أراحنا الرحمن من ظلمه # كانت هذه الصحف حجة على الغرب تدحض ما يتهم به الشرق من خمول واستسلام للظلم. كان ~~الشعب العثماني يئن فتكذبه ملوك أوروبا وساستها الذين اشترى قلوبهم عبد الحميد ~~بمال الرعية، فيخطبون على ms045 منابر التمدين بما يعظمون به الظالم في عيون من لا يعرفون ~~ظلمه، وهذه الجرائد تقول لأولئك العظماء: أنتم غير صادقين، وتبين لهم وجوه ظلاماتهم، ~~مستندة في دعواها على الظاهر من الأعمال دون الخفي، ثم كان لأصحاب الصحف العثمانية ~~الحرة أحبة وأعوان يحتالون في إدخال تلك الصحف في الأقطار العثمانية بوسائل دقت عن ~~أفهام المراقبين والجواسيس، وكانوا يطلعون عليها كل من يأمنون جانبه ولا يخشون منه ~~وشاية من خلطائهم، فتحدث أقوالها الحقة في نفوسهم ما لا يحدث الغرام، وتلعب بألبابهم ~~كما تلعب بها بنت الكرم؛ وبذا بات الأكثرون من عقلاء العثمانيين متحدين قلوبا وآمالا، ~~متواطئين بلسان الحال على احتقار العصر الحميدي. # ويشهد الله وكل محب للحق أن إخواننا العرب؛ لا سيما مسيحيي السوريين منهم، ~~كانوا أشد الناس ضجرا وأعظمهم أنفة من احتمال الذل؛ فهم الذين تاقت نفوسهم إلى ~~الفضيلة العصرية من وراء حجب الاستبداد، فأقبلوا على مصر وعلموا إخوانهم المصريين ~~إنشاء الصحف واتخاذ المطابع واحتراف الأدب العصري واصطفاء الحرية. هذا مع أنهم محرومون ~~في بلادهم من التمتع بمثل هذا النعيم. غير أن حب المعالي في أكثر النفوس طبع لا ~~تطبع؛ وإلا فمن علم الطير ترجيعه، ومن وهب البلبل حب الورد؟ ولما طال عليهم ~~احتمال الضيم هجروا أوطانهم وضربوا في أقطار الأرض يجوبون قاصيها ودانيها، يحلون من ~~منازلها آهلها وخاليها، أعوانهم عزائمهم وبضاعتهم عقولهم، فحيث عثرت جدودنا انتهضت ~~جدودهم. فكان «المشير» وهو جريدة أسبوعية صاحبها غني علما فقير كيسا، منتشرا كجريدة ~~يومية، فتذهب نسخه البرازيل وفيلادلفيا وسائر أقطار أمريكا وأوروبا وآسيا، والبلاد ~~العثمانية كان يدخلها في غفوة من أعين الرقباء، وكان يراسله بعض الأعالي من رجال القلم ~~ورجال الرأي ممن لا أصرح بأسمائهم إذ لم أستأذنهم في ذلك، وما لبث المشير أن أعاش ~~صاحبه وعاش بفضل صاحبه. # وجرائدنا التركية لم تدم كثيرا، إذ لم يكن في مصر والبلاد الخارجية أناس كثيرون ~~يقرءون اللغة التركية، والذين يقرءونها أو يفهمونها من الأتراك الذين استوطنوا مصر من ~~الأزمان السالفة لا يهمهم من السلطان إلا كونه ms046 سلطانا، وهم يعتقدون أن لا حق للأمة ~~في مشاركة الملوك في أعمالهم، وأن الرعية عبيد للملوك، أمروا بالطاعة لهم وإن ظلموا، ~~والشكر وإن أساءوا. يتحدثون بذلك في مجامعهم، وبأيديهم السبح، وأمامهم النارجيلات ~~(الشيشات)، يمتصونها حتى تستطلع حبابها . يؤتى لهم بالشاي منقوعا وبين يديهم جماعات ~~من المشايخ منهم المدعون لعلوم الكيمياء القديمة، ومنهم أولياء الله الناطقون بالغيب ~~«بالسرياني»، ومنهم المتصوفون من أتباع الرفاعي والكيلاني ومحيي الدين العربي والبكطاشي ~~والمولوي، ومنهم أئمة الشرع ورواة الأحاديث والمفسرون. كل هؤلاء يكفرون الأحرار ~~ويدعون لعبد الحميد، ويمدون أنامل أكلت أطرافها حبات السبح، يجرون بها دراهم ~~أعوانهم عدا بطلا وجشعا ولؤما، كانوا يؤثرون حب عبد الحميد على حب العادل ~~الحميد. # فمن من هؤلاء القدماء الصلحاء الأتقياء يشك في صدق الحاج السيد الشيخ زيد مثلا ~~وهو لابس عمامة كأنها كيوان، وفي يده عصا كأنها عمود الصبح، وعليه جبة خضراء كأنها ~~ملاءة الربيع، وفي رجله خفان أصفران كأنهما سفينتان من النحاس الأصفر، وفي عنقه سبحة ~~هي أطول من ألفية ابن مالك، ثم يصدق ما جاء به سليم سركيس وهو رجل مسيحي ما قرأ على ~~شيخ، أو يؤمن بما يقول به غيره من أحرار الترك والعرب، وهم متعلمون في أوروبا أو البلاد ~~العثمانية على معلمين أتوا بهم من أوروبا. والمسلمون من إخواننا المصريين كانوا ولا ~~يزال أكثرهم متمسكين بتلك الآراء القديمة. فأحر بأولئك العثمانيين المقيمين وراء جبال ~~الأناضولي ألا يعرفوا من الدنيا إلا مقدار ما يرون في بلادهم. كل هذه المصائب كانت ~~عوائق دون نجح المجاهدين من الأحرار. # قلت إن صحف المجاهدين كانت تنتهي إلى من يقرءونها من أنصارهم في غفلة من عيون ~~الرقباء، ولم يكن ذلك دائما؛ فكثيرا ما وقعت بأيدي قوم من الكاشحين تسابقوا بها إلى ~~قصر الملك وأسلموها إلى حملة العرش، وأسلموا من جاءت من أجله إلى الزبانية الموكلين ~~بتعذيب العباد، فألقي منهم في البحر من ألقي وسجن من سجن ونفي من نفي، بل ~~ربما تذرع قوم إلى نيل أمانيهم باتهام آخرين زورا وبطلا وادعائهم بأنهم ms047 يراسلون ~~أصحاب «الأوراق المضرة» أي الصحف الحرة، فباءوا بالهبات والوسامات والرتب. وقد فتح ~~هذا الترغيب باب التنافس في مصر بين من يحبون الرتب والألقاب من سراتها وأغنيائها، ~~فتزاحموا بالمناكب عن ابتياع ما ينشره الأحرار من الجرائد والكتب ، يجعلونها في صناديق ~~عليها أقفال من الحديد، يرسلونها إلى القصر الحميدي أو يستصحبونها معهم ليتقدموا بها ~~إلى معبودهم الفاني. ورأى ذلك بعض السفل فتشبهوا بالأحرار في إنشاء الصحف وتأليف ~~الكتب. ولقد كان أكثرهم لا يعرف الكتابة، فيستكتب غيره بأجر يسميه له، وعشاق الرتب ~~يجزلون لهم العطاء ويكتبون إلى القصر السلطاني أنهم ساعون في إسكات المفسدين أعداء ~~«أمير المؤمنين»، وأنهم استرضوا فلانا وسيرتضون فلانا. # ومما ينبغي أن يدمج في كتابي هذا ليتلوه أخلافنا على ممر الدهور أن دار الإمارة ~~المصرية كان لها في هذا المعترك راية القائد؛ فقد سال منها النضار حتى فاض عن الأكف ~~وعلق بالأقدام. وكم من بريد بين مصر وفروق يروح واحد ويغتدي واحد، وكم من رسائل وسفراء ~~أحسنوا البلاغ وانقلبوا فائزين. يا رب صندوق ترى ظاهره فتخال به ذخائر وتحفا وهدايا ~~مما يهدى به الملوك، وما حشوه إلا أوراق مشتراة غلب عليها كاتبوها أو أخذت ممن لا ~~يحرص عليها لولا الخير المفاض. # ومن أجل هذا قامت الحرب عوانا بين الإمارة والأحرار كما سيجيء خبره في الفصول ~~الآتية واشتد النزاع. # وبينما تدور هذه الأدوار إذا بأنور ونيازي بطلي الحرية وغيرهما من حماة حقيقتها ~~وخلصائها يتدبرون ويفكرون. وإذا كانوا تورثوا من نامق كمال وفضلاء زمانه قليل كتب ~~وأخبار، بعثت نجدتهم وحثحثت نخوتهم، جاءتهم هذه الصحف الحرة كالأدوية للمرضى، ولكنها ~~شفتهم من داء الخمول وابتلتهم بداء العشق، عشق الوطن وهو أقتل للأجساد وأحفظ ~~للنفوس. # قد استشفيت من داء بداء # وأقتل ما أعلك ما شفاكا # | فرار مراد الطاغستاني من الآستانة إلى مصر وسبب ~~ذلك # مراد رجل من أهالي طاغستان، هاجر من بلده قاصدا إلى عاصمة السلطنة العثمانية وهو في ~~مقتبل عمره وعنفوان شبابه، لا يملك من الدهر إلا همومه، يزجي راحلتي الفقر والأدب، ~~وما ms048 كان الأديب صفة بل كان الأديب رغبة. # كان قدومه الآستانة في صدارة المرحوم «محمد رشدي باشا المترجم المعروف بالشروانلي» في ~~نحو سنة 1293، فلاذ بركن هذا الصدر واحتمى بجاهه، وأقام ببابه وأكب على طلب العلم ما ~~استطاع له طلبا، فأصاب منه حظا غير قليل، ونظر في التاريخ فأحاط به علما، واشتغل ~~بالأدب فأجاد الكتابة؛ حتى إنه ليعد من رجال الطبقة الثالثة، بل الطبقة الثانية أقرب ~~إليه. وجملة ما يجوز أن يقال فيه إنه بعد أن أبطل له عبد الحميد جريدته «ميزان»، التي ~~كان يصدرها بالآستانة بسبب رثائه للأديب الأعظم نامق كمال، أدخل في نظارة المعارف، ثم ~~أخذ يتدرج في الترقي حتى انتهى إلى وظيفة «قوميسير الديون العمومية» براتب شهري لا يقل ~~عن المائتي ليرة. ولم يكن بعاصمة السلطنة العثمانية من يجهل شهرة مراد ولا من لا يثني ~~على حريته ويعجب ببيانه. وألوف من تلامذة «المكتب الملكي» أقاموا على تمجيده وإطرائه ~~إذ قرءوا عليه التاريخ، وعرفوا منه أحوال من سلف من الأمم، وعرفوا من كتابه الذي ألفه ~~لهم في هذا الباب مترجما أكثره من اللغة الروسية ما أتاهم بأجزل الفوائد. # ولقد نال مراد من إقبال عبد الحميد عليه وعنايته بأمره ما رفعه فوق كثير من نظرائه ~~والراجحين عليه، حتى خال العامة من العظماء أن قد حان لمراد أن يولى الصدارة. # فلما كانت المذبحة الأرمنية التي وقعت في سنة 1894 نقمها مراد فيمن نقمها من ~~العثمانيين الأحرار، ورأى الملك العثماني رهينة مهالك لا تسهل تفديته منها، فكتب لائحة ~~مطولة أبان فيه ضجرة العقلاء وسخطهم، ولام السلطان لوما لا يجرؤ عليه كل امرئ، ورفعها ~~إليه وتحتها توقيعه وخاتمه، وكان مراد حمل لائحته إلى قصر عبد الحميد ولم ينفذها مع ~~أحد، فدفعها إلى من دفعها إليه، وقال له: أخبر مولانا السلطان أني مقيم هنا ببابه على ~~انتظار ما تقضي به إرادته. ويروي البعض أنه مثل في حضرة السلطان فلقي عتابا رقيقا ~~خاف على نفسه عاقبته، وأيقن أن عبد الحميد لا يتركها له، وأنه إذا عاتب ms049 إنسانا عاتبه ~~في حياته وضربه في عمره. فخرج من بين يديه وهو غير آمل أنه ملاق أهله، فما انتهى إلى ~~باب القصر إلا تنفس تنفسا كادت تتصدع له أضالعه، فأسرع إلى بيته واشتغل ليلته ~~باتخاذ أهبته للسفر. فما أشرق الصباح إلا ودع أهله وبنتيه وخرج متنكرا لائذا ~~بالهرب، وسهل الله له أسبابه، فما أحس به أحد ولا علمت الحكومة المستبدة بهربه إلا ~~بعد أن أجاز ساحة سلطانها وبعد عن أيدي أعوانها. # ما خلت أن عبد الحميد وجد بفرار أحد من العظماء ما وجد بفرار مراد؛ وذلك لأسباب منها ~~مكان مراد بين رجال القلم، وشهرته التي عرفه بها الخاصة والعامة، وكثرة تلامذته، وهم ~~بلا ريبة على رأيه ووظيفته التي عرفه فيها كثيرون من الأجانب، وأنها وظيفة ذات شأن في ~~الدولة العثمانية، ثم وقوع هربه في زمان اشتداد المشكلات بعد المذبحة الأرمنية. وقد قرأ ~~عبد الحميد لائحته، وعلم أن مرادا يعرف أشياء إذا هو وصفها ببيانه المألوف وأذاعها بين ~~الناس أفسد على الظالم سياسة ظلمه، فاتقد الجبار غيظه وسقط في يده. # أما العثمانيون، فذهب كل جماعة منهم مذهبا واختلفوا في ذلك أقوالا وآراء، حتى لقد ~~كان فيهم من ظن أن عبد الحميد أنفذه سرا في حاجة يقضيها له في البلاد الأجنبية، ~~وأنه تواطأ مع مراد على أن يكون سفره هربا مبالغة منه في حفظ السر وكتمانه. إلا أنهم ~~عرفوا خطأ زعمهم بما رأوه من مطاردة السلطان، حتى لمن كان يعرفه معرفة غير صميمية، ~~فتفرقوا إلى فريقين: فريق يرى أن مرادا كافر نعمة، وأنه خائن، وأنه مدفوع إلى عمله ~~هذا بيد عدو في ثياب صديق، وفريق يرى أن مرادا قام بما يجب عليه نحو وطنه، وأن مثله ~~بعيد عن أن تستهوي لبه المطامع وأن تستغويه الأهواء. # وأما الأجانب؛ فقد أعجبوا بمراد وواقعته أيما إعجاب، واعترفوا أنهم كانوا أساءوا ~~الظن بالعثمانيين حين وصفوهم بالأذلاء الأغبياء، الذين تتهلل نواجذهم كلما وقعت سياط ~~المتغلبين على ظهورهم، وكان أكثر الناس فرحا وابتهاجا أصدقاؤنا الإنكليز؛ فإن فيهم من ms050 ~~وهبه المال الجزيل عن طيب نفس، وذلك الواهب الجواد هو إدارة جريدة «التيمس» المشهورة ~~على ما يقال. # | حال الأحرار وجمعياتهم بعد هرب مراد من الآستانة # ما وطئت قدم الطاغستاني أرض مصر إلا ابتسمت ثغور الأحرار، وانتعشت أرواحهم، وتجددت ~~آمالهم؛ فالتفوا حوله وحشدوا تحت رايته ورضوه لهم زعيما ولمذهبهم إماما ولكتائبهم ~~قائدا، وقالوا هو الصمصامة العضب لا تفل مضاربه ولا تقي دونه السابغات. ولما رام ~~الكلام سكت لديه المتكلمون، وأوسعوا له من مكان الأستاذ، فظهر ولسان حاله يقول: # لقد علمت قيس بن غيلان أنني # إذا قلت «أما بعد» أني خطيبها # فصدر العدد الأول من «ميزان» باللغة التركية يقل معاني كالوحي في ألفاظ كالرسل، ~~تتلى على الظالم فيخشع لها قلبه وتزور جوانبه، ونقلت بعض الصحف الكبيرة في مصر ~~وغيرها فصولا كثيرة من فصوله، وكاد يتعزى الأحرار بمراد عن كمال، وبدا الخذلان في جانب ~~من يعارضون الأحرار ويكذبونهم (وكنت أنا من الفريق المخذول). وجاءت الرسائل برقية ~~وغير برقية تطالب فيها الحكومة العثمانية الحكومة المصرية بإعادة مراد إلى الآستانة أو ~~طرده من مصر، أو عدم الإذن له بإصدار جريدة فيها؛ فلم ينل عبد الحميد من لجاجه سوى ~~الفشل وسوء المصير، والفضل في ذلك للورد كرومر حبيب الأحرار ومصلح مصر ورجلها ~~العظيم. # وقد كان في إدارة جريدة «القانون الأساسي» خاتم منقوش عليه باللغة التركية هذا ~~الكلام: «عثمانلي اتحاد وترقي جمعيتي»، ومعناه «جمعية الاتحاد والترقي العثمانية». كان ~~الأحرار يكتبون أوراقا فيها وعيد وإنذار، ينفذونها إلى قصر عبد الحميد ليغيظوه ~~وينغصوا عليه أيامه، وكم ورقة أرسلت مختومة بهذا الخاتم وفيها ما لا عين رأت ولا ~~أذن سمعت، انخلع لها فؤاده، وقضى بليلة سليم لا تبرئ أوجاعه رقى أبي الهدى ولا ~~تمائمه. وإنما حفر هذا الخاتم ليكون للجمعية التي كان يراد إنشاؤها بمصر تابعة ~~لجمعية «الاتحاد والترقي العثمانية» المؤسسة إذ ذاك بباريس. فسافر مراد إلى أوروبا وبقي ~~الخاتم مهملا بمصر. وهذا يدل على أن هذا الاسم كان استنبط في زمان الطاغستاني، وأنه ~~لم يكن لجمعية الاتحاد هيئة تابعة ms051 بمصر إلا قبل إعلان الدستور ببعض السنين. # أسست جمعية تركيا الفتاة برئاسة مراد، فلم تعمل عملا يذكر؛ لأن مرادا كان ~~قئولا ولم يكن فعولا، وأنه ليبدو له الصواب في رأي رآه غيره فلا يقره، بل يجهد ~~نفسه في جرحه ورده أنفة منه أن يكون لآخر عليه حق التقدم في فضل. سجية تلك فيه لا ~~يستطيع النزوع عنها. فلما انتظمت جمعيته أحب الاستبداد بالأمر، ولم يرض أن يكون ~~لغيره كلمة مسموعة. وكان إذا هم بعض الأعضاء ببيان رأي يراه في عمل من الأعمال قاطعه ~~وأومأ إليه بكفه يأمره بالسكوت. وبذا جانب كثير من الأحرار مرادا وشيعته، ورابهم ~~أمره وحذروا تقلبه. على أن الأحرار كبروا في أعين الناس، وبدت على أعمالهم بشائر ~~الفوز، واتخذهم عبد الحميد شغله الشاغل وهمه المبرح؛ فسهر الليالي لكيدهم، وتدبر ~~الحيل للإيقاع بهم، وأحس من نفسه العجز عن الاستمرار على عداوتهم. ولو دام لهم ذلك ~~الصبر والجهاد لنالت الأمة العثمانية حريتها من منذ ذلك العهد. # هذا والأجانب عن أعمال الأحرار كانوا يسمون حزبهم حزب «تركيا الفتاة»، وكان ~~العثمانيون يدعونهم بحزب «الزون ترك»؛ أي الترك الفتيان. ولم يكن لاسم «جمعية الاتحاد ~~والترقي العثمانية» شهرة ذائعة تسترعي الأسماع وتملأ القلوب إلا في أواخر أيام ~~الاستبداد، حين أخذت تخاطب الحكومات وتجهر بعداوتها للحكومة الحميدية. # على أن مرادا لم يحسن العمل إلا في انتقاد الحكومة المنقلبة؛ فقد أجاد فيما كتبه كل ~~الإجادة وأخرس مناظريه، فكان الفضل في كل عمل وإن جل ودق راجعا إلى مراد دون ~~رجاله وأنصاره، وكان عالم العثمانية مطويا في شخصه، فلما فاز هو فاز حزبه، ولما هزم ~~هزموا معه. وليس من الصواب أن أقول هزم؛ فقد كان في مأمن من الهزيمة، ولكن غلبه ~~اليأس بتمادي الاجتهاد، وأضجره طول الاغتراب، وتجدد حنينه إلى الأهل والسكن، ثم ربأ ~~بكبره أن ينازعه فيه منازع، فقيل له في العودة إلى عاصمة الملك العثماني وهو في تلك ~~الحال، فأجاب بالرضى وأسلم نفسه وأنصاره وانقضى أمره. # | وقع ما كتبه الأحرار على دوائر الظلم بالآستانة ms052 # لم يهمل عبد الحميد شاردة ولا واردة مما كتبه الأحرار في صحفهم وأسفارهم إلا أحاط ~~به خبرا وأحصاه عدا، ونظر فيه وتأمل قريبه وبعيده، وفكر في جليه وخفيه. فما ~~رآه حجة عليه تلطف في إزالته غير مظهر أنه أزاله خشية من هجاء الأحرار، وما لم يكن ~~كذلك تركه على أصله غير مبدل من حاله شيئا. ولكن أمرين كانا شديدين على نفسه شهوة ~~ولزوما: إعلان الدستور والتخلي عن الاستبداد. هذان أمران ما حدثته نفسه أن يرضي ~~فيهما الله ولا عباده، وكان كلما ذكر له خصومه مثلبة من مثالبه غلت مراجله وهاج غضبه في ~~خوف تبدو على وجهه آثاره وإن بالغ في تكتمه. # ولقد قال الأحرار في صحفهم إنه منع الجرائد العثمانية عن ذكر اسم «محمد» عند الكلام ~~على النبي # صلى الله عليه وسلم # وكان الأمر كذلك، ولكنه لما رآهم يكثرون من تعييره بهذا الأمر ~~انتهى عنه، وذكرت الجرائد بعد ذا اسم النبي صريحا؛ وإنما أراد بفعلته هذه تكذيبهم ~~ليحدث الشك في قلوب من يقرءون أقوال الأحرار. # وقالوا عنه إنه يخاف أبا الهدى؛ لأن عنده صورة فتوى بخلعه مختومة بخاتم شيخ الإسلام ~~المرحوم الشهير «عرياني زاده»، وأن أكثر الداخلين في الطريق الرفاعي ينتصرون لأبي ~~الهدى. فلما بلغه قولهم هذا أضمر الشر لشيخه المحبوب. وفي ذات يوم أمر به فجاءه وبين ~~يديه بعض الوزراء والمقربين، فقال له عبد الحميد: بلغني عنك أنك تفهم الناس أني أخافك ~~على نفسي، وأنك تقدر على مناوأتي. هذا وأنت غرس نعمتي وإن قدرك لأحط عن أن يسمو إلى ~~تراب قدمي، ثم بصق على وجهه وأخرجه من حضرته، وبقي بعد ذلك أبو الهدى شهورا لا يطرق ~~له باب ولا يوطأ له بساط. # ومن هذا القبيل ما أورده هنا على سبيل الفكاهة وتتمة للفائدة؛ وهو أن عبد الحميد كان ~~اتخذ «منيرا» سفير الدولة العلية في فرنسا سابقا، سيفا يضرب به الأحرار، فكان ~~سفيره وكان جاسوسه أيضا، وكانت ظهرت في «جنيف» منذ عشر سنين قبل الآن جريدة هزلية ~~تصويرية باللغة التركية ms053 تدعى «به به روحي»، وصدر عدد من أعداد هذه الجريدة وفي ~~الصحيفة الأولى منها صورة عبد الحميد. وقد جلس على كرسيه وأمامه رجل من بطانته في يديه ~~صندوق كبير عليه عدد كثير من طوابع البريد، وتحت الصورة هذه المحادثة: # حامل الصندوق ~~: # أرفع إلى أعتاب مولاي الأعظم هذا الصندوق الذي أرسله عبده المخلص «منير بك» ~~سفير الدولة بباريس؛ فقد أودعه كل ما استطاع جمعه من «الوريقات المضرة» التي ~~ينشرها «الزون ترك» أعداء الدين والدولة لتصدر إرادته الشاهانية ~~بإحراقها. # عبد الحميد ~~: # لا تزال التجارب تزيدني كل يوم إعجابا بمنير وثقة بولائه، وليت لي كثيرين ~~مثله يغالبون أعدائي ويتقدمون إلي بصدق الحب والولاء، فأجزل لهم المكافأة ~~وأحبوهم المزيد. هلم إلى هذا الصندوق وافتحه لأنظر ما فيه من عجائب هؤلاء ~~الأغرار. # وفي الصحيفة الثانية من ذلك العدد، عبد الحميد وقد استلقى على ظهره فوق كرسيه وفتح ~~ذراعيه وقطب حاجبيه وامتقع لونه وبرزت مقلتاه وانقلب وجهه فكأنه إسفنجة مبتلة، ~~والصندوق مفتوح وقد خرج منه صاحب «به به روحي» وفي يمينه مسدس يصوبه إلى صدر عبد ~~الحميد، ورجل بطانته باهت عاض بسبابته، وتحت الصورة علامة الاستغراب تتلوها أصفار ~~كثيرة، هكذا: !00000000. # ولما وقعت هذه النسخة بيد عبد الحميد كتب إلى «منير» يأمره ألا يرسل إليه صندوقا ~~كما تقدم ذكره إلا بعد أن يتحقق بنفسه مما فيه، وأن يحكم قفله ويختم بخاتمه! # وكان لما يكتبه الأحرار وقع آخر في نفس عبد الحميد، أدركه كل فطن عارف بأحواله ~~ومختبر حقائقه. وذلك أن الأحرار كثيرا ما كانوا يشيعون في جرائدهم أنه مريض، وأنه ~~يود أن يعتزل الملك، فكان يبادر إلى تكذيبهم في جرائده لأنه لم يكن يرضى أن يشاع ~~عنه أنه مريض ولا أنه على نية الاعتزال. # وكان الأحرار يختلقون أنباء لا أصل لها، فيكتبون في صحفهم أن فئة منهم على أحسن أهبة ~~وسلاح سيظهرون قريبا بالآستانة، فتذهب جماعة منهم لاستخلاص السلطان مراد، وكان معتقلا ~~بقصر «جراغان»، وتذهب جماعة إلى خلع عبد الحميد وسجنه مكان مراد. فتصل هذه الصحف ~~الآستانة، ms054 فتقوم لها القيامة ويشتد الهول، ويطفق رجال الشرطة يتراكضون يمنة ~~ويسرة صعدا وصببا، يطلبون تلك الفئة التي أخبرت عن ظهورها الجرائد الحرة، فما ~~رأوا نفرا متجمعين إلا انقضوا عليهم وأمسكوا بتلابيبهم وجروهم إلى رؤساء الشرطة ~~يستنطقونهم. فكان هذا وما ماثله من الفصول المضحكة في مرسح الإدارة الحميدية. # وكان عبد الحميد وأعوانه يتسلون عن إدراك أمانيهم في جلب الأحرار والانتقام منهم ~~بأن ينتقموا من إخوانهم الذين هم في قبضة أيديهم، فما اتهم أحد من أولئك المساكين ~~بمراسلة الأحرار أو أخذ صحفهم أو الكلام عنهم تلميحا أو تصريحا إلا أخذوه إلى دار ~~التعذيب، فأثقلوا قيوده وشدوا وثاقه وأروه من صنوف الأذى ما يقضي به نحبه بين أيديهم. ~~وإنما كان يجرؤ عبد الحميد على تلامذة المدارس ممن لا يتوسم فيهم القدرة على الكتابة ~~ولا على الهرب، وكذلك من لا شهرة لهم من صغار المأمورين. أما الذين يبلغه عنهم أنهم من ~~رجال القلم ومشاهير الكتاب فيكفيه منهم أن يتوعدهم ويبث لهم من يراقبهم ويأتيه ~~أخبارهم، وربما ضاقت الحال ببعض الأدباء ولم يجد سبيلا لاستزادة راتبه، فيكتب إلى عبد ~~الحميد يقول له: إن اشتداد الأزمة عليه ومراقبة الجواسيس له وتكاثر الأعداء يضطره إلى ~~ترك وطنه واختيار الغربة، وأن مثله لا يعاني كبير كد في الاسترزاق بعلمه وفضله إذا ~~يمم أرضا يعيش في أكنافها أمثاله. فإذا اتصل هذا الوعيد المستظرف بالملك الأحمر ~~بادر لوقته فاستدعى المتوعد إلى قصره وأجزل عطاءه ورفع درجته ووعده خيرا. # كان فخري بك المصري متهما عند السلطان بأنه من حزب تركيا الفتاة. ولقد سأل السلطان ~~مرارا واستعطفه كثيرا ليأذن له بالسفر إلى مصر ليصلح شئونه ويتعهد أراضيه وأملاكه، ~~فظن السلطان أن فخري بك يريد السفر ليتحد مع الأحرار في محاربته. وإذ كان فخري من ~~أهل الثراء والفضل أيقن عبد الحميد بصحة ظنه، فلما زار الآستانة سمو الخديوي في سنة من ~~السنين توسط في الاستئذان لفخري بك، فنال الإذن وأحضره معه على يخت المحروسة. فانتبه ~~لذلك أحد الأدباء الفقراء، ورأى فرصة لا تسنح ms055 كثيرا، فاستكتب أحد المصريين الذين كانوا ~~هربوا من مصر إلى الآستانة تقريرا يقول فيه للسلطان: إن الكاتب المعروف فلانا كتب ~~كتابا إلى فخري بك المصري يعده فيه بالسفر ليلحق به، وأن قد جعل فخري راتب ذلك الكاتب ~~عشرين جنيها شهريا، وأن الكاتب على أهبة السفر. وقال: إذا كان أمير المؤمنين يشك ~~في صدق عبده هذا فما عليه إلا أن يصدر أمره إلى إدارة البريد العثماني في «غلطة» ولا ~~يلبث أن يؤتى له بذاك الكتاب، فأخذ المصري المتجسس تقريره ورفعه إلى عبد الغني (آغا ~~دار السعادة) إذ ذاك، فصدرت الإرادة إلى إدارة البريد، وجيء بالكتاب وظهر صدق الجاسوس، ~~فجاءه شكر من السلطان على إخلاصه ولم يحسن عليه بعطية أبدا، وجيء أيضا بالأديب ~~المتهم وسئل عن الأمر، فاعترف معتذرا بشدة الحاجة وما يعانيه من ضيق ذات يده، فأمر ~~له السلطان بعطية سنية قدرها خمسون جنيها وأدخله في إدارة الأملاك السنية براتب لا ~~يقل عن العشرين جنيها، فلما بلغ الجاسوس ما جرى أسرع إلى صاحبه فهنأه وطلب له ~~المزيد، ثم قال له: كنت وعدتني بأن تعطيني نصف ما تأخذه من السلطان. وقد أخذت خمسين ~~جنيها، فهات لي النصف. # الكاتب: لم يجر بيننا كلام مثل هذا، وإني لأنهاك أن تعود إلى مطالبتي بما ليس من ~~حقك. # ففارقه الجاسوس ساخطا ناقما، وذهب من ساعته إلى قصر عبد الحميد وأخبر عبد الغني أن ~~ما أتاه به أول مرة كان تواطؤا بينه وبين الكاتب، وأن لا مخابرة بينه وبين فخري بك، ~~فلم يجده اعترافه هذا نفعا ولم يلحق بالكاتب ضررا، وخرج من القصر مطرودا، وما بقي ~~له إلا إثم التجسس. # ولما استمر مراد الطاغستاني على إصدار «ميزان» بمصر ثم «جنيف»، ونشر في جريدته أحاديث ~~جرت في «يلديز» بين خاصة عبد الحميد، وأخذ يسمو إلى أن نشر أحاديث جرت بين عبد الحميد ~~نفسه وبين مقربيه، غير مضيع منها حرفا، كبر الأمر على المستبد وعلى رجاله، فداخله ~~الريب حتى في أمنائه، وشك المقربون بعضهم في بعض، وزادت الوشايات عن ms056 ذي قبل؛ فلا الصديق ~~يثق بصديقه ولا الوالد يأمن على سره ولده، وعظم الوجل واشتد الحرص في القلوب. ~~فلما كثرت الظنون وتنوعت أخذ البعض يذهب إلى أن لمراد رجالا حتى في قصر السلطان ~~يوافونه بأخباره، وزعم بعضهم أن بالآستانة بل بقصر الملك جمعية خفية تتآمر على اغتيال ~~عبد الحميد؛ فمن قائل إن ولي العهد هو رئيس تلك الجمعية، لا بل رئيسها هو المشير فلان ~~أو الوزير فلان، وكثرت تقارير الجواسيس على عبد الحميد إلى أن عجز عن استيفاء قراءتها ~~كلها. # صاحب القانون الأساسي العثماني وشهيد الحرية مدحت باشا. # وقد طمحت نفس الاستبداد إلى أكثر مما تقدم؛ وذلك أن عبد الحميد كان اشترى بعض الصحف ~~الأوروبية والعثمانية، وخصص لأصحابها رواتب لتدافع عنه وتحارب له الأحرار. وهذه ~~الجرائد المشتراة بدماء العثمانيين لتكذب على العثمانيين وتمتهن العثمانيين موجودة إلى ~~اليوم، لم تحتجب منها إلا قليلات كانت تبدو بمصر، وكان أصحاب هذه الجرائد يذهبون إلى ~~الآستانة كل عام، فيقضون بها أياما وشهورا يحتالون على عبد الحميد، فيسرقون دراهمه، ~~ويحتال هو عليهم فيسرق قلوبهم، وكل يظن أنه يغش صاحبه، وكل صادق وكل كاذب نفسه. ~~إلا أن عبد الحميد انتصر على الأحرار بهذه الجرائد؛ فلقد احتقرها أكثر الناس استخفافا ~~بأربابها ورموها تحت أقدامهم، ولكن الذين فعلوا ذلك هم العارفون بمن يصدرونها، الواقفون ~~على أحوالهم وسيرهم. أما القاطنون في البلاد البعيدة ممن كانت ترسل إليهم ولم يعرفوا ~~عن أصحابها إلا ما يرونه على رأس الجريدة كقولهم «صاحب الامتياز هو سعادة فلان» أو ~~«يقوم بتحرير هذه الجريدة هيئة من مشاهير الكتاب ورجال السياسة ... إلخ إلخ.» فلا عجب ~~إذا انخدعوا بهذه الألقاب والجمل الساحرة. والعثمانيون القاطنون صميم الأناضولي أقرب ~~خلق الله إلى الانخداع. # اضطر عبد الحميد وأعوانه إلى ركوب هذا الشطط تخوفه من جرائد الأحرار، ثم تألمه ~~مما كان يكتب فيها عنه. # وقد شاهد المنقطعون إلى تحقيق الأمور أن أكثر المأمورين العثمانيين كانوا يستحون مما ~~يكتبه فيهم الأحرار، وما يصفونهم به من الخمول والجهل والتذلف إلى الرؤساء وعدم المعرفة ms057 ~~بما عهد؛ فكان منهم عمال ألا إليهم من يجهد نفسه لكيلا يصدق فيه ما يقوله الأحرار، ~~وكان منهم من يقول: هؤلاء أعداء الخليفة والمسلمين، هم أنصار الفرنجة يريدون أن نصبح ~~كلنا مجردين من الدين، فيجب أن لا نلتفت إلى أقوالهم ولا إلى مفترياتهم. # ولما بدت على وجوه المأمورين وكبار رجال الدولة آثار الخوف والوجل مما يكتبه مراد في ~~«ميزانه»، ويكتبه غيره من الأحرار في جرائدهم؛ انتبه لذلك بعض الشبان ممن زاد نصيبهم ~~من التعلم وأوتوا الذكاء، ففر كثير منهم إلى الأقطار الأجنبية وإلى مصر التي كانت ~~مهبط ملائكة الحرية، وشاركوا إخوانهم المجاهدين في جهادهم، وبقي غيرهم بالآستانة ~~ليوافوهم بما يتجدد فيها من النبأ اليقين، فكان هؤلاء المجاهدون مقيمين في وسط النار ~~تحرق ما حولهم، ولا يصيبهم منها سوى حرق تبقى أياما ثم تزول. وقد يذهب منهم وقودا ~~لها من يذهب. وبهؤلاء ملئت السجون ومواطن النفي، ولقبهم العاتون المتعصبون ألقابا ~~وسموهم أسماء ونعتوهم نعوتا، فقالوا: المتفرنجون والكافرون وأعداء الدولة والدين، ~~وأضحى شقاؤهم في الولايات أشد، فكان الولاة وأكثرهم رجال الحكومة يضربونهم ويحبسونهم، ~~وقد يهدرون دماءهم ويبيحون للناس نهبهم ويذلونهم إذلالا؛ وفي ظلم أنيس باشا أحد ولاة ~~«قسطموني» سابقا واعتدائه على المنفيين عبرة للسائلين. # | أبو الهدى بالآستانة وبمصر # رجل نشأ في «خان شيخون» - وهو اسم قرية من قرى حلب - مجهول النسب والحسب، فقيرا من ~~المال والعلم، لا نصير له إلا عقل ما تجلى شعاعه على داجية معضلة إلا أنارها، وسيم ~~المحيا طلقه، فتي العزيمة ماضيها، طموح النفس إلى كل سؤدد، صبور على المكاره، إذا ~~نال جشع وإذا حرم شبع، لطيف ظريف، لا يمل مجلسه، شمائله أندى من الزهر، وهيبته أعظم ~~من هيبة السبع، إذا تقاعس تحالم، وإذا قدر بطش غير راحم، يبدي على صفحته ما يريد ~~ويكن في ضميره ما يريد، لا يخذله تلون ولا تلجلج، لجام نفسه بيده يصرفها كيف ~~يشاء وأنى يشاء. ذاك هو أبو الهدى المعروف عند العثمانيين والمصريين. # ادعى النسب وربط أسلافه ببيوتات وبطون كثيرة؛ فهو رفاعي خالدي ms058 قرشي هاشمي علوي، ثم ~~غساني تبعي، ثم عالم فقيه نحوي لغوي أديب مؤرخ متصوف فيلسوف، فلكي طبيب عراف، ولي ~~شاعر كاتب سياسي إداري مالي عسكري بحري بري، ثم هو مستبد جاسوس، وحر دستوري، فاسق ~~تقي، مبذر ممسك، جبان شجاع، قوي ضعيف، حبيب عدو، خائن وفي، يتقلب في هذه النعوت والصفات ~~ما بين غمضة عين وانتباهتها، ولولا خوف الهجر لقلنا إنه كل يوم في شأن. # أحرز أشرف الألقاب فقيل له «صاحب السماحة والسيادة»، وكني بأجمل الكنى، فدعي ~~«مستشار الملك، حامي العثمانيين، سيد العرب»، ولكن غلبت سورة الحق على كل هذه الأباطيل، ~~وسمي «أبا الضلال»، فبقي له هذا الاسم صفة حتى لقي به ربه. # وليس ببعيد أن يكون أبو الهدى ولد مطبوعا على الخير راغبا في المعالي، فسلك ~~الطريق إليها كما أراد وكما أراه عقله. ولعله كان يظل مقيما على الإنصاف لو وجد منهم ~~الإنصاف. ولكن كثر مزاحموه وجم حاسدوه، فاضطر إلى محاربتهم غيرة على أربه وحفظا ~~لحياته؛ وهو في دهائه ووفرة تجاربه عالم بأن نعم الملوك تتكنفها النقم، فنازل أعداءه ~~منازلة لا مشفق ولا آمن، وأيقن أنه إن غفل عنهم برهة دبروا له من المكايد ما يذهب ~~بعزه ويقصيه عن سلطانه، فجعل كلما أتاه منهم شر أرسل عليهم مثله، دقة بدقة، وما ~~تشمر لحربه إلا كبار الرجال من أهل الحظوة عند السلطان، فما زال بهم حتى بزهم ~~واحدا واحدا، وبقي مكانه كالطود الراسخ لا تزعزع قواعده الصروف ولا تترقى إليه ~~الهمم. # استمال فريقا من الرجال، منهم الأمراء وأهل الثروة وذوو الحكم في البلاد، فأظهر لهم ~~الود واستعمل قدرتهم في أغراضه. ووفد عليه العلماء والشعراء والكتاب يستعينون به ~~على قضاء حوائجهم، فأخذ بناصرهم وأكرم وفادتهم وأدنى منه مجلسهم، فكان منهم من يؤلفون ~~الأسفار ويعزونها إليه، ومنهم من ينظمون الأشعار ويروونها عنه، فتناقلت الألسن ما بدا ~~من فضله المتزود به، وسهت الأفكار عن نقصه الكمين فيه. على أني لا أقول نقصه، ومن أين ~~لنا أنه كان ناقصا؟ وهل يقدم أكثر الناس على المكاره ms059 إلا مضطرين، وإن كان منهم من ~~يتشهاها ويستهتر بها؟ على أن ضرورات الحياة أشقت أبا الهدى من حيث أسعدته، وحطته من ~~حيث رفعته، فعاش، وهو حبيب الناس، عدوهم، وألف الحيل لما رأى حياته ونشبه لا ~~يسلمان إلا بها ، وقلت ثقته بالناس، وقلت رغبته في مصافاتهم؛ فعاش وأشد الناس ملازمة ~~له أشدهم خوفا منه. # ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى # عدوا له ما من صداقته بد # أتى على أبي الهدى حين من الدهر يفزع اسمه الولاة على مقاعد ولاياتهم، ويرهب ~~الوزراء بل الصدور وهم على أرائك حكومتهم؛ ينفذ إلى أحدهم وصاة في أمر لا يجرؤ عليه ~~غيره ولا تجيزه قوانين الدولة ولا يرضى به عبد الحميد؛ فلا يستطيع أحد أن يظهر له ~~مخالفة ولا أن يضمر في نفسه مماطلة، وكم أمر السلطان أمرا وأبطله أبو الهدى، وكم شكا ~~الرجال كثرة ما يقترح لهم فما أفادهم ذلك ولا ضره، وكان عبد الحميد يقول: «عجبت لهؤلاء ~~الخونة الذين يحسدون شيخي وليس فيهم من يليق به أن يكون من خدامه. يكتب لي الواحد ~~منهم كتابا يطلب من فيه بدرة مال أو رتبة لا تكاد تذكر؛ وهو مع ذلك يتعسف الحيل ولا ~~يهتدي إليها سبيلا. أما أبو الهدى فإن سألني سألني عن ثقة وظرف، ولا يتدنى بقدره ~~إلى طلب ما يكون مشاعا يمكن أن ينازعه فيه غيره، بل يطلب مني ما يفتخر الشريف بنيله؛ ~~فهو الأمير وأولئك هم الصعاليك.» # وما زال أبو الهدى مجدا في طلب خصومه؛ وهو كلما أدرك واحدا جلد به الأرض وداسه ~~بقدميه، فلا يقوم بعدها أبدا؛ حتى سخر الله له عزت العابد، فثبت أمامه وناوأه في ~~وجهه، فكانا ككفتي الميزان؛ إذا رجح أحدهما خف صاحبه، اشتدت وطأة كل منهما على ~~الآخر، وضاعت بينهما مصالح الأمة والدولة. وانقسم عامة الناس إلى حزبين: أحدهما هدائي ~~وثانيهما عزتي، فما يبرم هذا أمرا إلا ينقضه ذاك، ولا يفتح ذاك بابا إلا يغلقه ~~هذا. ولما رأى الناس من العابد ثبات قدمه في مصاولة أبي الهدى ms060 جنحوا إليه بآمالهم، ~~ولاذوا بركنه عند فزعهم، وسر بذلك عبد الحميد، فاتخذ كلا من المتفاضلين رقيبا ~~على مفاضله، ورأى سائر أعداء أبي الهدى ألا يختلفوا في محاربته، فاتحدوا عليه ورضوا ~~بعزت العابد زعيما، فساروا تحت رايته وعملوا برأيه حتى كادوا يغلبون الصيادي ويزيحونه ~~من طريقهم. # أما أبو الهدى؛ فقد قرع باب السعادة في أول أمره داعيا باسم الدين، وسار في طريق ~~حياته سالكا مسلك المتصوفين، فكان يأتي عبد الحميد كل يوم بعجيبة من العجائب؛ فآونة ~~يبلغه سلام النبي، وحينا يقص عليه رؤيا يزعم أنه رآها ويفسرها له على ما يلائم ~~هواه ويرضيه، ثم يدعي لأبيه ولنفسه كرامات لا وجود لها، وكان عبد الحميد محبا لهذه ~~الأشياء، ويظن أنها من أقرب الوسائل إلى استدامة حكمه. غير أن أبا الهدى تعدى ما ~~كان رسم له، فأفهم سيده أن السالكين طريقة الرفاعي من دراويشه كثيرون في مشارق الأرض ~~ومغاربها، وأنهم يجلونه ويتفانون في حبه، وأنه إذا نابه أمر قاموا عن بكرة أبيهم ~~انتصارا له، فكان عبد الحميد يسمع ذلك فيصدقه أو يضطر عقله إلى تصديقه لأمر يعلمه ~~هو، ولكن حيل أبي الهدى تعدت السلطان إلى غيره، فكان له رجال يبتدعون له الكرامات ~~وينتحلون المعجزات لأبيه. ولقد روى لي الكاتب المصري الشهير المرحوم إبراهيم بك ~~المويلحي نادرة منها قال: كنت ذات يوم عند أبي الهدى. وقد غص مجلسه بقوم من أصحابه ~~وشيعته، وكلهم جلوس كأن على رءوسهم الطير، فأخذ أبو الهدى يحدثنا بأمر وقع لأبيه، ~~قال: رحمة الله على سيدي الوالد، ما أظرف ما كانت تصدق به كراماته؛ خرج ذات يوم شديد ~~الهاجرة في حلب يريد التنزه، فاشتد عليه القيظ وعلم أنه لم يصب في اختيار وقت ~~النزهة، فانثنى راجعا إلى باب داره حتى إذا وافاه جلس على عتبته من فرط ما أصابه من ~~التعب، وأخرج منديلا له وجعل يمسح به عرقه المتصبب على جبينه، وإنه لكذلك إذا برجل ~~يقود حمارا له عليه زنبيلان مملوءان خيارا، فاشتهت نفس سيدي الوالد من ذلك الخيار، ~~وسأل ms061 البائع أن يزن له منه رطلين، والرطل الحلبي يساوي أقتين ونصفا، ففعل الرجل، ~~ولما انتهى من وزن الخيار وأخذ ثمنه وهم بالانصراف التفت، فما راعه إلا زنبيلاه وليس ~~فيهما ولا خيارة واحدة، فأخذ الرجل ينوح وينتحب ويقول: أين ذهب هذا الخيار؟ لم يمر ~~بنا أحد فنقول سرقه. فتبسم سيدي الوالد وقال: كم كان بزنبيليك من الخيار؟ قال الرجل: ~~سبعون رطلا، فدفع إليه سيدي الوالد ثمنه وقال: أنا أكلته، فنظر الرجل في وجه الوالد ~~مليا ثم صاح: والله إنك لقطب الزمان وغوثه. وانكب على قدميه يقبلهما، فطيب ~~الوالد الرجل وقال: لا عليك بأس، ولكن عاهدني ألا تبوح بما رأيت لأحد، فعاهده الرجل ~~على ذلك ومضى في شأنه. قال المويلحي: فما أتم أبو الهدى كلامه إلا نهض رجل في أخريات ~~الجالسين وقال: يا مولاي عفوا، إنه لم يكن بالزنبيلين سبعون رطلا بل خمسة وتسعون كما ~~أخبرني به البائع نفسه. قال أبو الهدى: لله أنت، ما أحفظ قلبك، والله لقد أنسانا الزمان ~~ذلك. قلت للمويلحي: يا إبراهيم بك، هذه ليست بكرامة، وإذا صحت الرواية فأبو أبي الهدى ~~جمل أو ثور وليس بغوث ولا شيطان. # وقد كتبت وأنا بالآستانة رسالة صغيرة طبعت بمصر سميتها «الخافي والبادي من فضائح ~~الصيادي»، ذكرت فيها أشياء كثيرة من هذا القبيل لا أرى بي حاجة إلى استعادتها ~~هنا. # وكما انتصر أبو الهدى على خصومه بالوشايات انتصر عليهم بالجرائد، فوجه إلى مصر في ~~نحو سنة 1892 رجلا من دراويشه اسمه السيد كمال الدين الدمشقي، فأتى هذا الرجل إلى مصر ~~محملا بالمال مصحوبا برعاية أبي الهدى وقوته، وكان خليعا ظريفا وسيم المحيا، ~~يمشي وكأنه مروحة في يد الحسناء، فأصدر كمال الدين جريدة القاهرة التي أسسها سليم ~~فارس، ثم نشرها من بعده محمد عارف الكاتب الشهير، فكأن خيبة الجد استكثرت على «القاهرة» ~~سابق «مجدها» فأرادت أن تنزلها بعد الرفعة إلى أسفل الدركات، فأخذت تنشر جريدة القاهرة ~~كل أسبوع بعد أن كانت تنشر كل يوم، وسودت صفحاتها بمقالات الدراويش وأهل المجون بعد ~~أن ms062 كانت ترصعها باللآلئ أقلام مشاهير الكتاب في عهد سليم فارس ومحمد عارف، وأتتها ~~قصائد الصوفية مطولة باردة مظلمة كليالي الشتاء. # وقد اشتغلت الدسائس بين مصر والآستانة، فأخذ كثير من الأغنياء يحبون كمال الدين ~~المال ويتخذونه شفيعا إلى أبي الهدى في استجلاب رتبة أو وسام أو قضاء حاجة دخلت فيها ~~المشكلات، وأخذت جماعة من رجال عزت العابد تنتصر بالمعية، وأخذت المعية تطارد كمال ~~الدين. وبذا عرف المصريون من مكانة أبي الهدى ما لم يعرفوا من قبل، فأقبلوا على سفيره ~~المعمم يمشون وراءه، ودخل أبو الهدى أبوابا لم تكن تنفتح له لولا جريدته ودرويشه، فقصد ~~إليه المتنازعون مع المعية في أمر جزيرة طاشيوز، وتحملوا إليه الدراهم، ويممه أصحاب ~~وقف العلماء في قضية الأزهر، ثم تاجر بالرتب والنياشين فربحت تجارته. # أشعر شعراء الترك وأكتب كتابهم الأديب الأعظم نامق كمال بك ~~الشهير. # وكان المرحوم السيد جمال الدين الأفغاني صديقا لأبي الهدى، وكان كل يخاطب صاحبه ~~بيا ابن العم، ولا يصبر أحدهما على فراق الثاني يوما واحدا، فسعى بينهما بالنميمة عبد ~~الله النديم حتى تنافرا، وبلغت منهما العداوة والبغضاء أن بات كل يطلب موت بغيضه؛ ومن ~~هنا بدأت الحروب الصيادية، وتنازل القرنان، ولولا أن المنية تداركت الأفغاني لظلت ~~الحرب إلى يوم إعلان الدستور، وسيأتي الكلام على هذه الوقائع في فصل خاص بها. # ولقد نفع أبا الهدى كثرة حاسديه؛ فاتخذ فرط بغضهم له برهانا على إخلاصه لعبد الحميد، ~~وجعل يوهمه أنه لو كان خائنا مثلهم لما أبغضوه. وما أراح ذلك عبد الحميد، ولكنه أظهر ~~الارتياح، فصاحبه على ريبة من أمره، ثم خافه على نفسه، فبات يدبر له ما يرديه. غير ~~أن أبا الهدى أحس بالشر وعلم أنه إن وقع مرة لن تقوم له بعدها قائمة، فأسر إلى ~~قوم يعلم أنهم لن يحفظوا له سرا أن عنده صورة فتوى بخلع عبد الحميد من شيخ الإسلام ~~المرحوم عرياني زاده مكتوبة بخطه مذيلة بخاتمه، وأنه لا ينشرها إلا إذا أوجس على نفسه ~~خيفة. فنقل هذا الكلام إلى عبد الحميد، ms063 فهاج له وساوسه واستطال سهاده وحال بين أبي ~~الهدى والهلاك، وكان أبو الهدى كثير الدالة على سيده، فكثيرا ما قاطعه أسابيع لا يطأ ~~فيها بساطا له، وإذا كتب يسأله عن أمر لا يرد عليه جوابا حتى يسترضيه سيده بحاجة ~~يقضيها له. # وكان أبو الهدى يركن في الشدائد إلى رأي ابنه حسن خالد بك؛ وهو شاب ظريف سهل ~~الخلق ذكي الفؤاد حاضر البديهة، يشبه أباه وجها لولا لحية كثة كست عارضي أبيه، ~~ولم تنبت بعارضيه. جرت عادة هذا الشاب أن يذهب إلى قصر يلديز ويطوف بدوائره ويتجسس على ~~رجال القصر كلهم. وقد برع في استراق السمع واختلاس ما يكتب بنظرة ترتد إليه بعدما ترود ~~خلال كتب الغيب، فيرجع إلى أبيه وعنده النبأ اليقين بما كان وبما يكون. # وكان لأبي الهدى جاسوس آخر اسمه جميل، حلبي الأصل، زوجوه جارية من جواري عبد ~~الحميد، واستخدموه بإدارة الجمارك (أمانة الرسومات)، وجعلوا له راتبا للتجسس، فكان هذا ~~الرجل لا يرفع وشاية إلى عبد الحميد إلا باستشارة الصيادي، فأمسى الصيادي وله جاسوسان: ~~أحدهما ابنه يأتيه بأنباء سيده، وثانيهما جميل الحلبي ينقل عنه إلى عبد الحميد ما ~~يتفقان على نقله. # على أن أبا الهدى مع ما ذكرته عنه من تعدد موارد رزقه وتيسر الكسب له لم يكن ذا وفر، ~~بل كان كثير الديون، إذ اضطرته مواقفه مع خصومه إلى الاستمرار على التبذير، ثم كلفه ~~بالتشبه بأهل السماحة وإظهار الأريحية والجري على سنن الكبراء من السلف في إجازة ~~المادحين وفتح باب داره للقاصدين من الضيوف والدراويش كان يستنفد ما في خزانته، فيقترض ~~من رجل صيرفي اسمه توفيق أفندي الداغستاني. هذا ولم ينل صلة من عبد الحميد إلا فرقها ~~على الخاصة من شيعته القائمين بأمر دعوته. # | ماذا كان يريد أبو الهدى؟ # ذهب كثير من الناس إلى أن أبا الهدى كان يريد أن يجعل نفسه خليفة، وأن يجعل الخلافة ~~في العرب كما كانت. وهذا افتراء محض. أجل كانت نفس الصيادي طامحة لكل ما يعليه كما ~~أسلفت في الفصل المتقدم، ولكن ms064 نفسه لم تحدثه بشيء من ذلك؛ فقد عرف خطر هذا الأمر ~~ومسافة بعده عن الإمكان، وإنما هاجمه أعداؤه بمثل هذه الأقاويل طلبا للإيقاع به ~~وإقصائه عن عبد الحميد. وما غاظ أبا الهدى أحد مثل كاتب هذا الكتاب. وقد قلت فيه ما لم ~~يقل غيري وزعمت أنه كان يسعى في قلب الخلافة والاستئثار بها. ولكنه زعم ليس بصحيح، ~~وإنما أردت أن يبعد عن عبد الحميد ويخف ضرره عن الدولة. # وكان أحب الأشياء إلى أبي الهدى أن يصير شيخ الإسلام؛ لأن صاحب هذا المقام له ~~التصرف المطلق في نصب القضاة وعزلهم، وفيه من الوسائل لاستجلاب الدراهم ما لا يتحصل في ~~مقام غيره، ولأبي الهدى دراويش ومادحون يحب أن يقلدهم مناصب رفيعة في الولايات ليكسبوا ~~فيها ويكسبوه معهم، ولكن عبد الحميد لم يسمح له هذا السماح ووقف وسواسه بينه وبين ~~أماني شيخه المحبوب. على أن أبا الهدى عاش ما عاش غير يائس من الفوز بمأربه. # ثم الخلافة، وهي الملك في عرف أهل البدعة والتعصب، لا يحلم بها أبو الهدى ومن هم على ~~شاكلته من رجال التصوف؛ فهم قوم يميلون إلى إظهار النسك في أنهارهم وادخار اللذات ~~إلى لياليهم، ولأحب إليهم أن يقال فيهم إنهم أهل الله ومقربوه ومن لا يرد لهم دعاء ~~ومن جعل الأكوان وما بها من حي وجامد طوع مشيئاتهم. والولي ينفع الخليفة ويضره ~~ويرفع البلاد ويضعها، وليس الخليفة كذلك. وأهل التصوف يبدون الورع ويسرون الطمع؛ ~~فهم يأكلون ويشربون خفية. فإذا هم جلسوا إلى طالبيهم ~~ادعوا الصوم وتنزهوا عن مشاركة الناس في حالاتهم من ضرورة الأكل والشرب والنوم، ~~وكيف كان يقنع أبو الهدى بأن يكون خليفة على العرب وهو يدعي أنه يفعل ما يريد بالرغم ~~من الخلفاء ودول الأرض كلها. أما طمعه في أن يكون شيخ الإسلام فذلك لكي يقال إنه رجل ~~كلف بخدمة الدين، ذو وجد بنصرة الشرع؛ فيزيد الناس فتنة بظاهر ورعه ويزيد الناس ~~فتنة بجاهه وحبائه. # أكبر برهان على صدق ما أقول أن أبا الهدى لم يخاصم من ms065 الصدور ورجال الدولة إلا من ~~أبوا الانقياد إلى رغائبه من استخدام تابعيه أو من بدءوا بعداوته. أما رجال التصوف ~~والمنتحلون العلم؛ فقد شن عليهم الغارات وأنزل بهم البلاء، ولو لم يتعرضوا له بعدوان، ~~وذلك بأن هؤلاء مشاركون له في الصفات التي يحب التفرد بها. # كان الشيخ محمد ظافر المدني - رحمة الله عليه - رجلا جاهلا. وإنه لأشبه الناس ~~برؤساء الصوفيين الذي نراهم في القطر المصري ويسمون أنفسهم مشائخ السجادة، وكان من ~~رؤساء طريقة صوفية اسمها الشاذلية، عرف بالصلاح واجتناب الزخارف وحب التواضع، وقد ~~اتصل بعبد الحميد في ولاية عهده أيام كان عبد العزيز سلطانا على العثمانيين، فلما ولي ~~الملك عبد الحميد زاد حبا للشيخ ظافر وأجزل عطاءه، وشاد له تكية هي باقية إلى اليوم ~~على يسار الطريق الموصل إلى قصر «يلديز». وربما جاء ذكر الشيخ ظافر في أحد الفصول ~~الآتية. هذا الشيخ المسكين كابد من أبي الهدى ما لا يدخل تحت الحصر، ولولا مكانته عند ~~عبد الحميد وانتصار جماعة من أعداء أبي الهدى له لحل به من البلاء العظيم ما حل ~~بغيره. وقد اتخذ مصطفى ظافر ابن الشيخ ظافر وسائر أخوته وعمه المرحوم الشيخ حمزة مع عزت ~~العابد، فأمكن له أن يقاوم أبا الهدى ويقف أمامه طول أيام حياته. # وقد وقع لأبي الهدى مع الشيخ أسعد وكيل الفراشة - رحمه الله - أكثر مما وقع له مع ~~الشيخ ظافر؛ فقد نال أسعد من الحظوة لدى عبد الحميد ما لم ينله أحد قبله، وفاقه فيه أبو ~~الهدى بعده، ولعل من سيقرءون كتابي هذا من المصريين لا يعرفون أسعد الذي أتى ذكره عرضا ~~في هذه السطور، ولولا أن ذكره خارج عما نحن بصدده لأجملته لهم في كلمات، ولكنني ~~أقول لهم إن هذا الرجل يعرفه العرابي وبعض الخاصة من حزبه؛ فقد كان يكاتب العرابي ~~ويعده بجعل الخديوية وقفا عليه ومن يتلوه من ذريته، ويبلغه سلام عبد الحميد ورضاه. ~~وقد أصاب أسعد جنون في عقله لم يعش بعده كثيرا، ومات وأنا بالآستانة. # وكان الشيخ الجربي قصد إلى ms066 الآستانة في أحد السنين، ويعرف المصريون ما اتصف به الجربي ~~من حسن المنطق وجودة القريحة وبيان الأسلوب، فلما اتصل ذلك بأبي الهدى همه وأورثه ~~القلق، وخاف أن يطول بالآستانة مقامه فينال حظوة عند عبد الحميد ويتغلب عليه، فبادر من ~~ساعته إلى القصر السلطاني وما خرج منه إلا وصدر الأمر بإقصاء الجربي عن ~~الآستانة. # ولإن اشتغل أبو الهدى في كثير من أوقاته بمهام الملك، فما ذلك إلا ليقول عبد ~~الحميد: إن الله آتى هذا الرجل من علم كل شيء أوفر نصيب، وكان يقول لكثير من الناس: ~~لو شئت لكلمت الطيور وساميتها إذ تحلق في الجو ولخاطبت النمال ودعوت الوحوش فأجابت. ~~كل هذا أراد به ادعاء الولاية والحظوة عند خلاق الكائنات. وكثيرا ما تباهى برجل ~~يسميه سيدي القطب المهدي الرواس، يقول إن هذا القطب كان أستاذه وأنه لقنه كل ما يعلم ~~واتخذه صاحبا لما رأى فيه من مخايل الذكاء، وذكر أن قطبه الرواس تفرس وجهه ذات يوم ~~فقال على البديهة: # إن خافيك الذي غيبته # هو باد ظاهر في حاضرك # اجل قلبا في حمانا إننا # نحن قمنا بالذي في خاطرك # فقلت: ما الذي أراد بقوله «قمنا بالذي في خاطرك»! قال: أراد ما لا ينبغي أن تعلمه لا ~~أنت ولا أمثالك. # هذا الملك الروحاني المدعى هو أكبر عند جميع المحتالين من أهل التصوف من الملك ~~الدنيوي؛ فقد قضوا على ملوك البلاد أن يمتثلوا لإشاراتهم وأن يرفعوا أقدارهم وأن يهابوا ~~جانبهم، وما خاطبوا ملوك الإسلام إذ خاطبوهم إلا زعموا أن الله أوحى إليهم بذلك، وعقلاء ~~الشرق هم رجال الطبقة المتوسطة بين الملوك والسوقة، قليل ما بقي بالشرق من علم هو ~~مقسم بينهم. أما الملوك والسوقة فمتساوون علما وفهما. وإذا امتاز الملوك عن إخوانهم ~~السوقة في أشياء من السياسة فذلك محمول على كثرة معاناتها وتجريبها والاضطرار إلى ~~ممارستها. وقد رأيت من جهلاء الناس غير المنقطعين إلى العبادة كثيرين لا يصدقون ~~أكاذيب مشايخ الصوفية. # ومما لا أرى بأسا من ذكره في هذا الفصل أنا أبا الهدى عثر ms067 في مكتبة «آيا صوفيا» على ~~شيء من الجفر المنظوم، ذكر في أوله أنه كان من محفوظات السلطان مراد الرابع، فطاب أبو ~~الهدى بهذا الكتاب نفسا وأخذه من المكتبة واحتفظ عليه. ~~فلما كانت المذبحة الأرمنية التي وقعت سنة 1894 ~~رفع هذا الكتاب بنفسه إلى عبد الحميد، وإذا فيه إشارة بالحمرة على بيت من الشعر هو ~~هذا: # ويحترق الأرمني الخبيث # بما كان أضمره فاستعر # فكان هذا معوانا لعبد الحميد على الجهل؛ فقد شد به عزيمته وأمضى مضاربه وباء بحسن ~~الجزاء من عدو الناس وجزارهم، وظهر لمن اتبعه من الجاهلين ظهور الأولياء. # أجل، تكلم أبو الهدى كثيرا في أمر الخلافة حين حفلت مجالسه وأقبل عليه بالسمع ~~أشياعه، فقال إن الخلافة كانت عربية وينبغي أن تبقى عربية، ولم يبال بمن ينقل عنه هذا ~~الكلام إلى عبد الحميد. وهذا غاية في المكر. ود أن يرتاب عبد الحميد في أمره ويتوهم ~~أنه يعمل على غصب الخلافة منه ليزداد خوفا وليعيش معه على المسالمة. هذا وأبو الهدى ~~أعلم الناس بأمر الخلافة وبعده عنها، ثم لم يكن كلفا بها كلفه بادعاء ~~الكرامة. # وما كان أكثرني تعجبا من دراويشه حين يذكرون له كرامات لا يصح تصديقها في مثل ~~هذا العصر، زاعمين أنهم رأوها رأي العين. أخبرني كمال الدين الدمشقي أن العقارب في بيت ~~أبي الهدى لا تؤذي أحدا، وأنه نهى دراويشه عن قتلها، فقال: دعوها لن يصيبكم منها ~~أذى، وقال: كثيرا ما ننام الليل وفي فراش الواحد منا واحدة أو ثنتان من العقارب، ~~ولا يخطر لنا على بال أنها ستؤذينا. وحدثني أبو الخير وهو خليفة أبي الهدى قال: بينا ~~نحن مع السيد في أحد أذكاره إذ أخذته سكرة، فعمد إلى حسام كان على الأرض فأغمده في صدر ~~أحد الدراويش حتى لخرج النصل من ظهره شبرا، فأخذ منا الروع مأخذه، فما هو إلا أن ~~استل الحسام وبصق على موضع الجرح فالتأم لوقته ولم يترك له أثرا. # هذا الذي أراده أبو الهدى في حياته. وقد نال منه ما نال، وبمثل كلف ms068 المتمهدي في ~~السودان ومن ظهر باليمن، ولو طالت أيام الاستبداد ومات أبو الهدى في دولته بعد سنين ~~لكان قبره كقبر الولي يزار وتقام فيه الصلاة، ولألف له من يسيرون على نهجه من بعده ~~كتبا يذكرون فيها من كراماته ما فاته في أيام حياته. على أن ما بناه الباطل يهدمه ~~الحق، وفي إقبال الحظ ورفعة الدولة ما يسهي المرء عن الصواب، ومن رأى أبا الهدى في ~~أيام عزه وشهد مصرعه بعد إعلان الدستور علم أن الباطل مهما طال قصير. وليت هذه العظات ~~تنفع أبناء الشرق فيقلعون عن الاستمساك بتلك الأضاليل التي خذلت السلف وأشقت الخلف، ~~ولا يعتمدون إلا على الجد في أمورهم. # | اللورد كرومر وأحرار العثمانيين # خير ما يقال عن اللورد كرومر أنه كان أبا مشفقا للمصريين وظهيرا كبيرا لأحرار ~~العثمانيين، قدم مصر زمان أشكلت أمورها وجمت مخاوفها فشد أزرها وأنهضها وسط مخاوفها ~~ووقف بها على حد التصافي، فكان لها كالطبيب النطاسي، كلما شكت وجعا بادرها بالدواء ~~بما يزيله، وظل إلى يوم فارقها يتحدث بفضله من عرفوا حسن مقاصده، وأدركوا مبتدأ أمره، ~~غير أنه بلي بقوم لا يشكرون صنيعة وإن جلت، ولا يحمدون حالا وإن صفت، فنالوا منه ~~وسفهوا عليه، فكان حظهم من ذلك كله أن قال الناس إن هؤلاء ليسوا أهلا للحكومة. ما أصاب ~~مصلح مصر من كيدهم سوء، بل زادت محبته تمكنا من قلوب محبيه، وزاد أهل السداد ~~إعجابا بحلمه كما زادوا إعجابا بحكمته. # ثم قضت الضرورة أن يسلك اللورد كرومر مع بعض الجهات المصرية طريق الخشونة، ردا للشر ~~بالشر، فلما جاء فرمان الخديوية لأمير البلاد أبى الإذن بتلاوته قبل الاطلاع عليه، ثم ~~طلب تغيير بعض أحكامه فيما يتعلق بالحدود بين مصر والبلاد العثمانية، فأذعن لذلك الباب ~~العالي بعد جدال طال أياما، وأصر على طلب إخراج عبد الله النديم من القطر المصري، ~~وأسقط الوزارة الرياضية الأخيرة، ولم يشأ قبول الوزارة الفخرية، فسقطت بعد أن عاشت ~~أربعا وعشرين ساعة. هذه أشياء يؤاخذ عليها اللورد كرومر من لم يعرف كيف وقعت. ms069 أما ~~الذين خبروا الأمور وعرفوا أنه أحرج في حلمه واضطر إلى ركوب هذا المركب الخشن؛ يقولون ~~إنه لم يفعل إلا بعض ما يجب عليه. وأنا ذاكر هنا ما جربته بنفسي من كرم طباعه وما عرفته ~~يقينا من مؤازرته لأنصار الحق . # مصلح مصر «اللورد كرومر». # كانت بعض الجرائد الإنكليزية كتبت في وصف الجنس التركي فصلا هو غاية في الذم، ثم ~~ظهرت بعض الجرائد الحرة العربية فحذت حذوها. أما الجرائد الإنكليزية، فكانت ناطقة عما ~~في فؤاد المرحوم المستر غلادستون، فأرادت كشف الغطاء عن مساوئ الحكومة المستبدة التي ~~انقلبت. غير أنها جعلت لومها خاصا بالترك قياسا منها بأن الترك هم أولو الأمر في تلك ~~الحكومة. وأما الجرائد العربية الحرة فكان كلامها كلام من تجرع مرارة الظلم وعاش ~~تحت أثقاله حتى عيل صبره؛ فهو كلام عثمانيين يشتكون عثمانيين. فآلمني كلام الفريقين ~~وأوهمني اتفاقهما في البيان أن هنالك قصدا آخر. فشبت الحرب يومئذ بيني وبين إخواني ~~أولئك، وبالغت في التحامل على أصدقائي الإنكليز، ولما أنشأ مراد الطاغستاني ميزانه ~~وادعى الرئاسة على الأحرار زدت لهم بغضا وذلك لأمور نقمتها على الطاغستاني لا أذكرها ~~في هذا الكتاب لكيلا يشوبه شيء من أشياء لم تكن إلا بين شخصين؛ وبذا خسرت ود كثير من ~~إخواني العثمانيين مثل الفضلاء أصحاب المقطم وخلاني النجباء وفي مقدمتهم الكاتب ~~التركي الشهير علي سعاد بك وسليم سركيس أفندي صاحب المشير وغيرهم؛ إلا أن صاحب المشير ~~لم يشأ أن يجعل خلاف الرأي خلافا قلبيا، فكنا عدوين في مناظراتنا وأخوين في ~~معاشراتنا. ولقد حفظ غيبتي ووفى لي بوده. وأصاب اللورد كرومر من قلمي ما أصاب إخواني ~~العثمانيين. # هذه أشياء أذكرها مع ما أجد بذكرها من الألم لتكون عبرة لغيري فلا يقع في مثلها كما ~~وقعت فيها. وإنما يحزنني منها أني أسأت الظن بقوم هجروا بلادهم لينقذوها من الظالم ~~المستبد، وأني ظننت بالظالم خيرا فأخلصت له الود. كل ذلك أنفة أن يكون مثل الطاغستاني ~~من حماة وطني وثقة مني بأن للطاغستاني آرابا يسرها بوطنيته الظاهرة. وشاء الله ms070 أن ~~أزور وطن ميلادي الآستانة، وأشهد مصارع الشهداء من إخواني الأرمن، وأقف على حقائق كانت ~~عني غامضة. ورجع مراد وترك زعامة الأحرار، فعدت إلى مصر وكان عبد الحميد أصدر إرادته ~~بجعلي مراقبا للجرائد مكان عبد الله النديم بعد موته، فاستقلت بعد أن ذكرت الجرائد في ~~أقسامها الرسمية خبر تعييني. # ويروق لي أن أذكر هنا واقعة حال جرت لي؛ ذلك أن المعية أنفذت إلي أحد مستخدميها في ~~عصبة لا أعلم من رجالها إلا نفرا قليلا، وأنا إذ ذاك بالإسكندرية أريد السفر إلى ~~الآستانة لأرى عما لي كان هناك. فجاءني الرسول في عصابته ليلا وجعل يتوعدني بالضرب ~~والتحقير إذا أنا لم أكتب له ورقة أقول فيها إن كل ما أدافع به عن عبد الحميد زور ~~وبهتان. فكتبت له الورقة التي طلبها ودفعتها إليه، فلما كان الغد رجعت إلى القاهرة ~~وقصدت إلى قصر الدوبارة ومعي اثنان من أصحابي، فاستقبلنا المستر «بويل» وأظهر لنا من ~~البشاشة والظرف ما لا أنساه له إلى اليوم، وقام اللورد كرومر بمناصرتي خير قيام، ~~وبقيت الإمارة لا تدري كيف تتحامى نبالي وكيف تخفض شماسي، ولو كان اللورد كرومر وسائر ~~إخوانه الإنكليز ممن يسرون الأحقاد لأغضى عن شكاتي ولأخرجني من دار حكومته على أسوأ ~~حال. هذا جميل لا أزال أذكره له وأشكره من أجله كلما هبت الشمال من بلاده تحمل أرج ~~السلام، ولأسجلن وده في فؤاد لا يكتم ما يخجل صاحبه ولا يضيع بين مكنونه شيء من ~~الجميل. # وما لاقاه المقطم من أعدائه أعظم؛ فكم تآمروا عليه جماعات وقصدوا إلى إدارته ليضربوا ~~أصحابه ويلحقوا بهم كل سوء فتعجلتهم الحكومة المصرية بحماة الأمن، ففرقوا المهاجمين ~~ودفعوا عن المقطم شرهم. وكم حاولت حكومة الاستبداد كسر تلك الأقلام التي نمقت ديباجة ~~المقطم والانتقام ممن صرت في أناملهم، فحال اللورد كرومر بينهم وبين ما ~~يشتهون. # ولما طاردت الحكومة المستبدة صاحب المشير وجدت في طلبه بما في ذرعها من وسائل الشر، ~~وخاف ذاك العثماني الحر على نفسه بغيها؛ لم يجد أمامه من يستصرخ بعد له ms071 مثل اللورد ~~كرومر. وإني لأقتبس من آخر عدد للمشير صدر بعد إعلان الدستور ما جاء بقلم صاحبه في ~~حكاية واقعة، قال: دخلت ووقفت بحضرة الرجل الجليل فقال: ما هو مذهبك؟ ~~- بروتستاني. ~~- من عادة البروتستانت أن يعلموا أولادهم الكتاب المقدس، فأنت عارف حافظ ~~لآياته. ~~- نعم. ~~- ألا تذكر قول الكتاب والأنبياء: «لا تقل شيئا في رئيس شعبك.» و«يد الله على قلب ~~الملك» ... إلخ؟ ~~- نعم، أذكر ذلك. ~~- ولكنك تطعن على حكومتك طعنا جارحا؛ فإنني قرأت بعض مقالاتك (وكان المشير يومئذ ~~يصدر باللغتين العربية والإنكليزية). ~~- لو علم الرسل والأنبياء بمثل هذه الحكومة ما قالوا قولهم. # فتبسم، فقلت: جنابك تقرأ عن مصائبنا في الجرائد ثم تنسى. وأما نحن فنشعر بها كل ~~حين. وترقرقت الدموع في عيني. فسكن روعي وصرفني قائلا: إذا طلبوك فأنت لا تزايل مصر ~~إن شاء الله. # فانصرفت مسرورا، حتى إذا كان المساء دعيت ثانية، وأنبئوني أن قد وردت تعليمات من ~~إنكلترا بعدم تسليم المجرمين السياسيين. # وما عضد اللورد كرومر أحرار العثمانيين وأخذ بناصرهم في هذه الواقعة وحدها، ولا ~~اكتفى من الجميل وتأييد الحق بمثل ولا مثلين، بل أخذ يواصل أعماله فيما هو ميسر له ~~من المعروف. ولما لجت المعية في إبادة الجماهير العثمانية الحرة وأبلت في ذلك بلاءها؛ ~~رأت أن تتم الفتح المبين بأخذ المطبعة العثمانية من صاحبها المرحوم صالح جمال. فدست ~~له يومئذ من ساومه عليها عند أشد حاجته إليها، فلما أخذ ثمنها أو بعضه أقبل أناس من ~~قبل المعية فعمدوا إلى أبواب المطبعة فحموها، وإلى دفاترها فختموها، وإلى رسائلها ~~فجمعوها. وبينا هم في شغلهم بأعمالهم هذه إذا باللورد كرومر وقد طلع عليهم طلوع البدر ~~على ركب ضل عن الطريق، فاستخلص تلك الدفاتر والأوراق وأخذها إلى دار الوكالة ~~البريطانية، وهي لا تزال محفوظة فيها إلى يومنا هذا، وكان ممن شهد هذه الملحمة التي ~~استعرت نارها بين الحق والباطل شقيقي يوسف حمدي يكن أحد الذين جاهدوا مع الأحرار إذ ~~ذاك. # ولو فازت المعية بتلك الدفاتر والكتب لاستخرجت منها أسماء كثيرين من المجاهدين ms072 ~~العثمانيين القاطنين تحت سيطرة عبد الحميد؛ فمنهم من كان مشتركا في جريدة القانون ~~الأساسي التي كانت تطبع في المطبعة العثمانية، ومنهم من كان يوافيها بمقالاته وما ~~يبلغه من أعمال الحكومة المستبدة. ولو عرف عبد الحميد أحدا من هؤلاء وهو يطاردهم في ~~ليله ونهاره؛ لأنزل به نقمته ولأدلاه إلى أسماك البوسفور أو كبله بالحديد حتى تفيض ~~نفسه ولخسرت الأمة العثمانية من أبنائها من هم عدتها ليوم شدتها. # وإن بهذه الصنائع تمكن ود اللورد من قلوب المجاهدين العثمانيين، وبها سيخلد له ~~الثناء في كتبهم كما خلد للأمة الإنكليزية العظيمة التي منها نشأته ومنها أخلاقه. غير ~~أن كثيرا من أهل المعرفة ومصطنعي الجميل بلوا بقوم يعادونهم حين لا داعية للعداء، كذا ~~كان اللورد كرومر مع جماعة من المصريين، حاولوا أن يكذبوا بأقوالهم فعاله وأن يغطوا ~~بباطلهم على حقه. وما ذلك بضائره أبدا. غدا تشهد كتب التاريخ بفضله على من ينكرونه، ~~ويستغفر أبناء العصر الآتي لذنوب أبناء هذا العصر، وإنما حدا بي إلى كتابة سطوري هذه ما ~~يحدو بكل ذي كلف بالحق، وما باللورد من حاجة إلى من يستنصف بكلامه؛ فقد استنصف لنفسه ~~بكتابه الذي سماه «مصر الحديثة»؛ فهو الكتاب لا ينسيه القدم ولا تمحو سطوره الحقب. ~~هكذا يظل منقوشا على القلوب. وإذا لم تبلغ قصيدة من الشهرة مبلغ «قفا نبك»، فلن يبلغ ~~كتاب من الشهرة مبلغ «مصر الحديثة». وكم كتاب وكم كاتب! ما قلت العظات ولا أقصرت ~~الحوادث في الإنذار، ولكن بعض الأفئدة لا تهتدي الحكمة إليها السبيل. # | بين التابع والمتبوع # هذا العنوان يذكرني قول شاعر الأمير في مطلع قصيدة له كان قالها بعد سنة 1892 على ~~وجه التقريب؛ وهو قوله: # جددت عهد تواصل وتلاق # وعطفت مشتاقا على مشتاق # لقد صدق الشاعر فيما قال، وكم جرى القريض على لسان بغرض ولم يرده الضمير، فوافق ~~الواقع المقال؛ ثم مهجتان خفقتا معا، وسكنتا معا؛ فما استخف الشوق واحدتهما إلى ~~ركوب البحر إلا أقلق الثانية حين أكرهها على الصبر، حتى إذا التقى البصر بالبصر أنشد ~~لسان ms073 كل منهما قول ابن معمر العذري: # ولما تلاقينا عرفت الذي بها # كمثل الذي بي حذوك النعل بالنعل # وكأن فترة ما بين عهد أبي الفداء وعهد فتاه سنة من النوم، وكأن تلك الخلات تنوسيت ~~على مر الأيام. فيا له من يوم أغر محجل جلس فيه السلطان الخامس والثلاثون ~~لاستقبال الأمير السابع من البيت العلوي، وفتحت أبواب «يلديز» لمن ماشى ركاب الأمير من ~~وفود المصريين، وقيل لهم: هذه جنة الدنيا أزلفت لكم، وتلك رياضها حصباؤها الدر وترابها ~~المسك، وتلك حياضها مترعة بصافي النمير غير آجن، ومدت الموائد وطاف عليهم مقربون ~~يتلون عليهم بشائر من عند السلطان، وانقلبوا بعد ذلك إلى أهلهم فكهين. # الدكتور عبد الله بك جودت. # ورأى بعد ذا جماعة من خلق الله أن يجعلوا بين التابع وبين المتبوع حرمة صهر، ويجددوا ~~لحمة نسب ألهمها الله إلهامي باشا ابن المرحوم عباس باشا الأول وزوج «منيرة» سلطانة ~~بنت السلطان الجليل عبد المجيد خان. وكاد يستدرجها الله بمدرجة النسيان، ولكن شتان ما ~~بين الصهرين؛ فما كان إلهامي صاحب الأمر بمصر ولا من يرجى ليحكمها. وقد أقام بعاصمة ~~الملك العثماني وبقي عضوا بالمجلس الأعلى «مجلس والا» حتى جاور ربه في سنة 1277 ~~بالغا من العمر خمسا وعشرين سنة. أما غيره فليس كذلك؛ فهو صاحب بلد ووارث ملك ورب ~~حكومة لا يودع سريرها ليبدل به سرير نوم، وأميرات البيت العثماني لا يزايلن عاصمة ~~ملك هن كواكب سمائه. وإلى هذا نظر أبو الهدى وبه استمسك عند السلطان، ولو كان بينه ~~وبين خاطب ذلك المجد ود ووحدة قصد لاحتال له في نيل أربه ولكفاه أن يعود من الغنيمة ~~بعد الكد بالقفل. # فلما باتت آمال المعية غير ذات نتاج وكبر ~~عليها أن ينازعها أحد الدراويش حظوة القرب من عرش الملك بعد استنجادها بمثل جمال الدين ~~وعبد الله النديم والشيخ ظافر وغيرهم؛ وقفت النخوة العلوية بينها وبين «فروق»، ودب ~~الجفاء بين الأب وابنه. وفي سنة 1894 قدم مراد الداغستاني إلى مصر وأصدر بها ~~«ميزانه»، كما ذكرته في أحد الفصول ms074 المتقدمة. فنزل بالمعية على الرحب والسعة، وأكرمت هي ~~مثواه وأنزلته منزل التكريم، وكانت استخدمت رشيد بك صاحب جريدة «بصير الشرق» معاونا ~~بالخاصة الخديوية، فاتحد مراد ورشيد بك مع رجل بالمعية اسمه «ع» بك، وبلغت الثقة بهؤلاء ~~الثلاثة أن باتوا أصحاب الكلمة في صرح الإمارة ودانت لهم الرقاب وعنت لهم الوجوه، وبذا ~~تباشر الناس وظن أكثرهم خيرا وأيقن المجاهدون في سبيل الحرية أن سيرسل الله لهم ~~ملائكة نصره. # وإذ ضاق عبد الحميد ذرعا باستمرار الأحرار على مطالبته بالدستور ومقاضاته إلى الرأي ~~العام بما يكتبون من كتبهم وجرائدهم، ورأى قوميسرية الدولة بمصر لا تبرم أمرا ولا ~~تنقض رأيا وأنها شغلت عن أمورها بالصيد والقنص واقتناء الخيول ومواصلة الأسفار بين ~~القاهرة والإسكندرية، وأنها لا تتقدم صفوف المجاهدين فيتخذها عدوة له ولا تبدي له من ~~دلائل الإخلاص ما يحمله على الثقة بها والركون إليها، وبينا يصيح الظلم من داخل الفؤاد ~~الحميدي؛ من لهذه المعضلات يكشف غماءها ويجلو عن يقينها؟ إذا بعزت يناديه: أنا لها. ~~والله لأنغمسن لك في نجيعها وأخوضن أهوالها، ولأنفذن إلى أعدائك نفوذ رمياتك إلى ~~قلوب شهدائك، وأرسل ابن هولو إلى الإمارة المصرية أن انفضي ثيابك من غبار العار وأخلصي ~~سرك وجهرك لسلطان البرين والبحرين، ودعي قوما ينشدون ضالة أفقدها سوء المصير. ~~فما استهلت سنة 1897 إلا استشعرت المعية بضرورة الإذعان. رأت نفسها نائية جانبا عن ~~رضاء عبد الحميد مستهدفة لغضب الإنكليز، وهي كلما عولت على ود امرئ خابت آمالها ~~فيه حتى أصبحت كما قال الطغرائي: # فلا صديق إليه مشتكى حزني # ولا حبيب إليه منتهى جذلي # فاستخارت أولي مشورتها، فبذلت ألف جنيه اشترت بها ~~ما عند الأحرار الذين بمصر من بقايا آثار وأوراق وكتب وجرائد، وملأت بها صندوقا كبيرا ~~وأنفذته مع «ع» بك إلى الآستانة. وفي تلك الأوراق نسخ من رواية «كيوم تل» باللغة ~~التركية ابتاعتها بمائة جنيه. وأرادت المعية أن تجري حينئذ على مصداق المثل التركي ~~«رمى طائرين بحجر واحد.» فأوصت رسولها بالسعي في حل المعضلة التي كانت استجدت في وقف ms075 ~~«قواله وطشيوز» فوقف أمام «يلديز» ولسان حاله يقول: # لي في معاليك آمال أرجيها # فهل سمحت بإنشاد فأبديها # وما لبث المعتمد أن طير رسالة برقية من «فروق» وقعت في «المنتزه» مبشرا ~~ونذيرا، وعاد بعد ذلك يلتمع على صدره الوسام المجيدي الثالث، وحق فيه قول ~~القائل: # إذا كنت في حاجة مرسلا # فأرسل لبيبا ولا توصه # غير أن الأحرار لم يجملوا الود ولم يحفظوا الجميل، بل انقلبوا على مدر المال ومفيض ~~النضار، وأصدروا جريدة «القانون الأساسي» بالعربية والتركية، بعد أن كانوا يصدرونها ~~بالتركية وحدها، وأصدروا جريدة «عثمانلي» بالتركية والإنكليزية. وقد أفادتهم الألف ليرة ~~أكبر فائدة فأكملوا أهبتهم واتخذوا سلاحهم ونادوا الظالمين. # ألا لا يحسب الأقوام أنا # تضعضعنا وأنا قد ونينا # ألا لا يجهلن أحد علينا # فنجهل فوق جهل الجاهلينا # ونظروا إلى «يلديز» ومن يتقربون إليها وأنشدوا ساخرين: # فآبوا بالنهاب وبالسبايا # وأبنا بالملوك مصفدينا # وبدل رضاء القصر الحميدي غضبا، ونادى مناديه سيفا ونطعا. وخذلت المعية أحلافها ~~وأنصارها، وعاد الجفاء إلى سابق عهده، وكثرت الوشايات والسعايات، وبينا هي كذلك إذ ~~حلت إحدى النقم بحاميها وموئلها عزت العابد، وكان أرسل أحد أبنائه إلى مدرسة من مدارس ~~باريس؛ فاتهمه أحد أعدائه عند السلطان بأنه أرسل ابنه ليكون واسطة في مراسلته للأحرار. ~~فبلغ ذلك ابن هولو، فبادر من وقته واسترجع ابنه وجعل يؤنبه على مخالطة الأحرار، وقال لن ~~ترجع إلى باريس. ولكن الولد كان على علق لبه بتلك العاصمة الفاتنة، وشجته شواطئ ~~«السين» بجسورها العالية ومسارحها الحافلة؛ فأجاب إليها داعي الصبا وطار على أجنحة ~~الشوق لا يلوي على من خلف وراءه من أب ولا غيره، فكم من وشاية يومئذ وكم من ~~سعاية! لو أدرج ابن هولو في تلك الأوراق التي رفعها أعداؤه ليحطوه لكانت أكفانا له ~~ولمن يلوذ به، فكان كالشاعر الذي يقول: # فصرت إذا أصابتني سهام # تكسرت النصال على النصال # ولقد أفلح الكاشحون وخر عزت على وجهه، فلزم بيته وانقطع عن «يلديز» وانقطع أصحابه ~~عن طروق داره. وقال أبو الهدى وأحلافه إن ابن عزت لحق بأمير مصر ms076 ولجأ إلى عابدين ورسل ~~منها إلى القبة، فأفرد له مكان خاص به وبات ضيفا كريما بجوار مضيف كريم، فأشار على ~~عبد الحميد جماعة من مقربيه أن ينفذ إلى مصر جاسوسا ممن يثق بهم ليتنسم له ~~الأخبار ويطلع مولاه على ما يدور بعابدين من الأعمال؛ فقدم مصر ذلك الرسول المتنكر ~~مستصحبا معه آخرين جربهم وعرف حسن بلائهم. فكان هؤلاء الشياطين يرصدون قصر الإمارة، ~~وجاسوسها «ز...» يقتص أثر جماعة غيرهم، ويواصل أسفاره من الرحمانية إلى الغربية إلى ~~الإسكندرية، ولا يدري ما قدر له في الغيب. # ولما لاحت تباشير النجح على ما دبره رجال عبد الحميد طلبوا المزيد، وقالوا: إذا ~~رميت فأجهز. فاستفزوا جمهورا من أهالي جزيرة «طشيوز» واستقدموهم إلى الآستانة مشتكين ~~مما لحق بهم من الضر بقطع أشجارهم، طالبين نقلهم من الجزيرة إلى موضع يكون بمعزل عن هذا ~~الاعتداء، فكتبوا بذا عريضة وقالوا في وقف «قواله» ما لا أحب أن أقوله الآن. فوقعت ~~العريضة موقع القبول عند خاقان البرين والبحرين وطيب نفوسهم ووعدهم النظر في أمرهم ~~والأخذ بناصرهم، وبقي واحد من الجمهور بالآستانة ليأتيهم بما يتجدد من الأنباء. # وقد حدثت أمور في دائرة الأميرة الجليلة الطيبة الذكر عصمت هانم بنت المرحوم الأمير ~~طوسون باشا. وتلك الأمور هي فيما يتعلق بالأعمال الإدارية. فقضت الحاجة بسفر الجنرال ~~أحمد جلال الدين باشا زوج الأميرة إلى مصر للنظر في مهام تلك الأمور. فظن رجال ~~«يلديز» وخلصاء قصر الإمارة أن سيقدم الجنرال مصر ليخاطب أحرار العثمانيين النازلين ~~بها في العودة إلى الآستانة. ومنهم من أذاع بين الناس أن سيكون للجنرال موضع ~~بالقوميسرية العثمانية ليرقب الغازي مختار باشا ويستطلع خفايا أعماله تخرصا ~~وتلفيقا. فبادر «م. س» باشا وأنفذ إلى صديقه «م. ش» باشا كتابا يستبطئ فيه أعماله ~~ويذم سكوته وسكوت قصر الإمارة ويظهر التعجب من تغافل صاحبه عن هذه الفرصة التي سنحت ~~لاستعادة الصفاء بين التابع والمتبوع بعدما بلغ التجافي حده، ويعده بالرتب العالية ~~والهبات الجذلة. وما اتصل هذا الكتاب بيد «م. ش» باشا إلا ترك شواغله وانصرف ms077 عن همومه، ~~واستدعى إلى داره صاحب «عثمانلي» وجعل يؤنبه على إصدار جريدته، ويقول له ينبغي علينا ~~أن نتكتم عيوبنا عن أعدائنا وأن نستر على زلات رجالنا، فما لكم تنشرون من مساوئنا ما ~~انطوى؟! أتريدون أن نفتضح عند خصومنا فنعيش مذممين على ألسنتهم منتقصين في أعينهم؟! ~~وعند سلطاننا لو شئتم ما يفرج المكروب ويحيي ميتة الآمال. فكان مخاطبه يسمعه ويتبسم ~~ويقول: إن مع العسر يسرا. # أما الجنرال أحمد جلال الدين باشا فلم يأذن له عبد الحميد بالسفر، وقال له: أنا أعرف ~~أن الغازي مختار باشا حاسد لك، وأعرف أنك صلب في عنادك، وأخشى أن تذهب إلى مصر فيقع ~~بينكما ما يستحدث أمورا عظيمة، فأخر سفرك في عامنا هذا، وربما تدبرت لك في سبب جديد ~~يؤدي إلى مقصودك. فلم يجد الجنرال بدا من الرضاء. # وروي أن ابن هولو لما كثر مغالبوه وبدت لمنازليه ~~مقاتله عمد إلى مصاولتهم بكل حيلة يتنبه لها ذهنه، ولو كان فيها خراب الملك ودثور ~~آثاره؛ حتى عرف ذلك الأجانب قبل العثمانيين، فقال له ذات يوم المسيو «كمبون» سفير فرنسا ~~بالآستانة إذ ذاك: عجزت دول أوروبا عن حل المسألة الشرقية في أعوامها المديدة ويوشك أن ~~تحلها أنت فيما دون العام! ونقل هذا الكلام ناقله إلى عبد الحميد، فحقدها عليه واستبقى ~~الانتقام إلى زمان يهون فيه الانتقام، وكان أعداء عزت والمعية المصرية واقفين لهما ~~بالمراصيد، فلما سافر البرنس عزيز إلى نجد أقاموا «يلديز» وأقعدوها، وبالغوا في وصف ما ~~سيتلو ذلك من الفتن، وقالوا: هو أمر الخلافة آن لأعوانه أن يجاهروا به. ثم أظهروا القلق ~~من ذهاب الإمارة إلى جهة العريش، وما برحوا بعبد الحميد حتى حملوه على أن يأمر بزيادة ~~الجنود في العقبة ليكونوا على أهبة إذا عاد الأمير مجتازا بالطور. فأيقن الحزب الهدائي ~~أن النصر حالفهم وأن قد عقدت رايات المجد على سيدهم. وسخر الله للصيادي أمرين تذرع ~~بهما إلى الإثراء والإيقاع بأعدائه؛ فقصد إليه أولياء وقف «طشيوز» وكالوا له المال ~~كيلا، ولحقت بهم دائرة البرنس حليم طالبة مظاهرتها ms078 في قضية العلماء والسيدة نزاكت هانم ~~قبل أن نظرت بالمحكمة المختلطة بمصر في 14 فبراير سنة 1898، ووجد خليل الله هنالك ~~صدرا رحيبا ومنزلا آهلا، وحملت الهدايا البلورية من «كارلسباد» وكان الأمر ~~مقضيا. # وبينا أبو الهدى وشيعته في غرورهم يفرحون بما حل بعزت وأعوانه من خيبة وخسران إذ ~~روعهم الله بالسفرة الشكيبية، فنزلت على رءوسهم نزول القضاء المبرم، فبدلوا بأنس ~~القرب وحشة النوى، وبخفض العيش عناءه، وطارت الرسائل البرقية بين السيد الصيادي وحبيبه ~~بمصر؛ فانتعشت أرواح عزت وحزبه وأخذت الحظوة مأخذها الأول. فأصابت الإمارة المصرية حظها ~~وقالت: لست بتاركتك يا «يلديز» هذه المرة، واعتصمت بحبل منها لا يرث بتقادم الزمان ~~وتقلب الحدثان. ولقد صدق المتنبي إذ قال: # بذا قضت الأيام ما بين أهلها # مصائب قوم عند قوم فوائد # ولا يطمعن القارئ الكريم في بيان شيء من السفرة الشكيبية؛ فتلك قصة تكفي فيها ~~الإشارة ولا يحتمل الأدب من أمرها أكثر من الإشارة. # وقد رأى بعضهم هم المعية ونصبها في استرضاء أناس من الأحرار العثمانيين وإسكاتهم، ~~والسعي في إرجاعهم إلى الظالمين؛ ليجزوا نواصيهم ويرتاحوا من صراخهم المستمر لإيقاظ ~~الأمة، فأجمعوا بينهم على أن يدعوا وجود جمعية سرية بمصر تسمى «جمعية شفق»، وأن هذه ~~الجمعية ذات شأن عظيم، وأن لها من الأسرار ما لو كشف عنه الغطاء لحارت فيه العقول، ~~فطربت المعية لهذا الخبر طرب الثمل وقالت في نفسها: الآن دار فلكي سعدا وأتاني الدهر ~~مسالما. غدا أستطلع هذه الخفايا وأبعث بها إلى «يلديز» كعبة الآمال. وما كان إلا مثل ~~رجع الطرف وإذا على أبوابها أقوام أكلت السنة الممحلة غواربهم ومناسمهم، أقبلوا يدفع ~~بعضهم بعضا، فقيل لهم: هاتوا ما عندكم من الأسرار، قالوا: بل هاتوا أنتم ما عندكم من ~~الدنانير وأسمعونا رنينها في أكفنا وأرونا لمعانها بأعيننا، فتلك المفاتيح لهذه الكنوز، ~~فانفتحت لهم ميازيب الجو تهمي نضار خالص، وما ناب المستخبرين من «شفق» إلا احمرار بقي ~~كالورس على وجوههم. # وقد كاد يفوتني ذكر «الماركي» المشهور الذي كان معتمد إحدى الدول العظمى بمصر؛ فلقد ~~كان ms079 مستشار الإمارة باطنا وصديقها ظاهرا، وثقت بوده وأخذت برأيه حتى أحدث الجفاء ~~بينها وبين اللورد كرومر، وكان «الماركي» يبشر الإمارة بقرب خروج الإنكليز من مصر، ~~ويعدها من لدن حكومته بالنصر التأييد، فذاع بين الناس أن هذا المستشار أشار على الإمارة ~~بالسعي في انتحال الخلافة ، مظهرا لها مكان الدولة العثمانية من الخطر، مذكرا إياها ~~بأن الخلافة أخذت من مصر وأنها ستعود إلى مصر، زاعما أن دولة أيدت محمد علي الأول ~~حتى تبوأ سرير الإمارة المصرية الجديرة بأن تتوج سليل مجده بتاج الخلافة، فوقعت هذه ~~البشائر من القلب الفتي وقع القبول، ولكن عظم المطلب وقلة الأنصار ثنيا عنان الصبا. ~~وهنالك لعبت أنامل الرقباء فجاءت الأنباء ساكن «يلديز» وفيها من الزيادات ما قدر على ~~إيجاده أربابها، وكان من تلك الزيادات أن المرحوم السيد جمال الدين الأفغاني والمرحوم ~~عبد الله النديم المصري سبقا الناس إلى إقرار البيعة بالخلافة الجديدة للخليفة ~~الجديد. # وليس في قراء كتابي هذا من يكون نسي كيف كان غضب عبد الحميد وكيف حظر على ~~الإمارة المصرية أن تزور الآستانة، كما أنه ليس بينهم من نسي كيف ساء هذا الغضب المعية ~~المصرية، وكيف بذلت جهد طاقتها في استرجاع الرضاء الحميدي. لو شئت أن أستقصي تلك ~~الأعمال لرأيت هذه الصحائف أضيق من أن تسع قليلها. غير أني لست تاركا كل ما أعلم. ولا ~~أريد أن أخرج من هذه الدنيا كاتما حقا أنا من شهوده، وتأبى ذمتي أن يعلن الدستور ~~العثماني وينقرض أشياع الاستبداد، فيظهر بعد ذلك بعضهم مغالطين قائلين: الآن نلنا ~~المراد، هذا عيدنا ويوم فوزنا، وما هو بعيدهم ولا بيوم فوزهم لو أنصفوا قليلا. # نعم أن المعية حاربت أحرار العثمانيين وحاربت حرية الأمة العثمانية بأسرها. هذا أمر ~~ينبغي أن يسطر في تاريخها؛ فهي هي التي استعانت على جماعة من شبان العثمانيين ~~بذهبها وحاجتهم وقد قطع عنهم المدد وامتنع عليهم الرزق. فلما غلبتهم على أمرهم وجهتهم ~~إلى الآستانة. وقد اتخذت ذلك عادة لها، فصارت كلما صفا ما بينها وبين «يلديز» زادت في ~~الاقتراح؛ ms080 فيوما تطلب الفوز بوقف ويوما تطلب الإنعام بقصر. وكلما تكدر ذلك الصفاء ~~عمدت إلى استغواء أناس من أسرى الاغتراب ومطرودي الحظ؛ فقدمتهم على مذابح الظلم. # وإلى القراء أسماء إخوان لي عرفتهم بالآستانة وبمصر، ثم التقيت بهم في سيواس، وقد ~~نفوا إليها بعد أن توسطت المعية في عودتهم إلى الآستانة، وضمنت لهم ألا يمسهم بها ~~سوء. # فائق أفندي الملقب لقصره ب «كوجك فائق»؛ أي فائق الصغير، شوقي أفندي، صلاح الدين ~~أفندي، فائق أفندي، خالد أفندي، توفيق أفندي. وقد أرسل مع هؤلاء مصطفى وجداني أفندي، ~~ولكنه نفي إلى جزيرة رودس ونفي أيضا ستة آخرون إلى جهات مختلفة، وهؤلاء كلهم أحياء ~~يرزقون. أقاموا نحو العشرة أعوام فوق جبال سيواس يلاقون من مشاق الاغتراب وآلام الظلم ~~ما لا يصبر عليه غير المجاهدين. وما قيل في المعية لهم إننا مشترون ذممكم ومساوموكم في ~~وطنكم بالمال، بل قيل لهم أنتم أنصار الحرية وجنودها المتطوعون، ونحن معجبون بما أنتم ~~قائمون به من مناصرة الحق والذود عن الوطن، ولكن تعلمون أن مثل عملكم يحتاج مالا ~~كافيا ورزقا موصولا، وأكفكم اليوم صفر من المال، وإذا طال الأمر ربما كنتم عيالا ~~على إخوانكم الآخرين. وعندنا الرأي الصواب، أن ترجعوا إلى بلادكم وتكفوا أنفسكم ذل ~~الحاجة في هذه البلاد التي لا تعرفون لغة أهلها، ولا تجدون لكم فيها من الكسب ما يقوم ~~بأمر معاشكم، ولكم علينا أن نستعطف عليكم السلطان. فإذا جاء عفوه ذهبتم إلى وطنكم ~~وهنالك تتقاضون من الرواتب ما تجعلون بعضها إعانة لسائر إخوانكم المجاهدين. فإذا تأمل ~~المنصف في متكلم هذا الكلام ونظر إلى حال سامعيه، وفيهم أناس لم يذوقوا طعاما منذ ~~يومين - قد سخر منهم أهل مصر وقالوا: هؤلاء الصعاليك يريدون أن يصلحوا الدولة ~~العثمانية - عرف كيف كان اضطرار أولئك الغرباء المجاهدين إلى الرجوع، وكيف كان فوز ~~المعية عليهم. # وقد أوفدت المعية بعد ذلك بعض أبناء «بدرخان» باشا الشهير إلى الآستانة، وكان لها مع ~~أحدهم واسمه صالح بك حرب عوان وشأن لا كالشئون. # وأين هذا من واقعتها مع ms081 المرحوم محمود باشا «الداماد» وولديه الأميرين الحرين؛ فتلك ~~لعمر الذمة إحدى الكبر؛ رأت عبد الحميد يجتهد في استرجاع ذلك المجاهد العظيم إلى ~~الآستانة لينتقم منه، ويصب عليه وعلى ذويه أسواط عذابه، وكان الداماد بباريس، فخفت ~~المعية إليه واستقدمته إلى مصر واعدة إياه بمؤازرته وتخفيف حاجته ليواصل جهاده مكفي ~~الحاجة مطمئن الفؤاد، فخدعته ظواهر المقال، وأقبل مع ابنيه يؤم منزل الكرم وينزل ~~بساحة المجد، ثم أقام أياما لقي فيها من أقلام السفهاء وأحلاف الباطل ما استكت له ~~مسامعه. وما راعه إلا قائل من المعية يقول له ارجع إلى الآستانة، ولك علي أن أطلب لك ~~العفو، فما بلغ هذا الكلام سمع الأمير صباح الدين أكبر أنجال الداماد إلا تطاير الشرر ~~من عينيه، وقال لأبيه: إذا كنت تنوي الرجوع فأنا لا أنوي الرجوع، وخرج من عنده حنقا ~~وسافر من ساعته إلى باريس مستصحبا معه أخاه، واضطر والده الكريم أن يلحق به إلى عاصمة ~~الحرية، وبقي يواصل فيها جهاده مع شبليه حتى قبضه الله إليه. # كذا كان ما كان بين التابع والمتبوع، يختلفان فيتذرعان إلى الوفاق بكل ذريعة ولو ~~ذهبت بأرواح العباد، ويتوافقان فيتبادلان الهدايا والتحف؛ وهي إما قصور شيدت بدماء ~~الأمة، وإما أوراق بالية مما حبره فحول كتاب الأحرار، وإما شبان هجروا ~~أوطانهم واستخلفوا للفقر والذل أهلهم وعشيرتهم في سبيل الوطن، فتخرب تلك الدور ليعمر ~~قصران أحدهما صرح الخليفة وثانيهما بيت الإمارة. # ومالي لا أذكر في هذا الفصل ما وقع للمرحوم صالح جمال صاحب المطبعة العثمانية مع ~~المعية من أجل مطبعته؛ فذلك مما يحلو إيثاره مع ما سبق بيانه من المكارم؛ فقد أتت ~~المعية في سياستها تلك بأساليب من الخدع الحربية تصفر لها الأنامل؛ وجهت من قبلها ~~رجلا ليشتري المطبعة العثمانية حين جرى ما جرى بين صاحبها وجماعة من جمعية العثمانيين ~~الأحرار فيما يرجع إلى حساب المطبعة. فما برح هذا الرجل يغالي في الثمن حتى وقف عليه ~~البيع، فأراد أخذ المطبعة بما فيها من كتب وأوراق ودفاتر، ولما أبى ذلك رجال الحزب حجز ms082 ~~رجل المعية على المطبعة بما فيها، وكانت المعية تريد أن تستخرج من تلك الدفاتر أسماء ~~المشتركين في جريدة القانون الأساسي، وأن تأخذ رسائل من يراسلون الأحرار من إخوانهم ~~المقيمين في البلاد العثمانية؛ لتبعث بذلك كله إلى عبد الحميد، فينتقم هو منهم كما ~~يريد. وقد كبر الأمر على أحرار العثمانيين، فأرسلوا بعضهم إلى اللورد كرومر يعلمونه ~~بما هم صائرون إليه، فأخذ تلك الأوراق إلى دار الوكالة البريطانية، ولا تزال فيها إلى ~~اليوم؛ وبذا مكن الله عدله، وخلص مئات بل ألوف من الأحرار كادوا يقعون في مخالب ~~المفترس الكاسر لولا اللورد كرومر. وقد أشرت إلى هذا في أحد الفصول المتقدمة في معرض ~~الكلام عن مصلح مصر ونصير العثمانيين. # ولقائل أن يقول: كانت السياسة تقضي إذ ذاك بمثل هذه الأمور، ولو أن المعية شاركت ~~الأحرار في جهادهم لأدى ذلك إلى مسائل قد لا يصل إلى كنهها القادمون. فأقول هذا يجوز. ~~غير أنه ليس في الناس من طالب المعية بشيء هو فوق وسعها. ولقد كان في القدرة أن ~~تتغاضى وتترك هؤلاء المجاهدين في جهادهم غير معترضة لهم بخير ولا بشر. فإذا عذلها ~~عاذل من جراء ذلك فالجواب هو تقول: بلادنا حرة وأنا لا قبل لي بمخالفة النظام ولو ~~أمكن لي منع هؤلاء لفعلت. وإذا لم يكن للمعيد بد من مطاردة الأحرار واسترضاء المستبد، ~~فيكفيها أن تكلف أحد رجالها مخاطبة الأحرار ظاهرا في الكف عن الحروب القلمية، وأن ~~تدع ذلك يذكر لها في صحف الأخبار، فتسقط في مجادلتها حجة الظالمين. # ولكن أمراء الشرق إلا قليلهم، يحبون الاستبداد طبعا، ولهم في ذلك فلسفة لا يفلح ~~في تخطئتها برهان؛ فقد لقنوا منذ صباهم عقائد من قوم يفتون بتحريم الشيء في يومهم، ~~ثم يفتون بتحليله في غدهم، والحال واحدة ومأخذ الحكم واحد. فأيقن هؤلاء المسيطرون ~~المتألهون أن الله خلق العامة من أجل الخاصة، وخلق الرعية لتؤنس الملوك في وجوههم؛ ~~فكيف يطمع بعد ذا صاحب عقل أن يدخل ذرة من الإنصاف في تلك القلوب؟! # يسافرون إلى أوروبا أم يؤتى ms083 لهم بأساتذة أوروبيين ليتعلموا منهم ما يتعلم أمراء ~~أوروبا، لا يفلحون؛ سواء عليهم علموا أم لم يعلموا، أنصفوا أم ظلموا. هم ~~الملوك يجب أن يقدسوا، وأن يقرن ذكرهم إلى ذكر الله. وإذا لم يكن ذلك كذلك، فما ~~لهؤلاء المؤرخين يذكرون لنا في كتبهم عواقب ما صار إليه الباغون. أكانت بينهم وحدة ~~مصلحة، فتواطئوا على الكذب وافتروا إثما وبهتانا على ملوك زمانهم، أم هذه زيادات ~~تخرصها المتأخرون؟ # هذه صورة الرجل الحر، العثماني الصادق، حسين بك طوسون، أحد نخبة ~~الضباط الذين يفتخر بهم الوطن. وقد فاتني ذكره سهوا في عداد إخوانه ~~الذين خلصهم من الأسر غير مبال بما يقع فيه من الخطر. وقد فر إلى ~~أوروبا ثم عاد مختفيا كما يراه القارئ في صورته هذه، وبقي سجينا حتى ~~أعلن الدستور، فخرج من السجن بهذا الزي الجركسي الجميل. # وكان عبد الحميد رجلا جاهلا لم يتذوق لذة العلم، ولم يتحل بشيء من الفضل، وكان ~~يكاد يكون أميا. ولقد بلغني أنه لم يتمكن من قراءة أية ورقة من غير أن يساعده ~~عليها مساعد. ولقد زار بعض العواصم الأوروبية مع عمه عبد العزيز، فشغل بتجسس أخيه ~~المرحوم السلطان مراد عن أن يستفيد شيئا من آثار العلم والصناعة في تلك الأقطار. وما ~~نشأ إلا في قصر تضاحكه الولائد في حرمه، ويسجد له المماليك لدى بابه. فإذا جلس جلس ~~إليه المتفيهقون الثرثارون وعلى رءوسهم تلك العمائم التي لا أجد ما أشبهها به غير ~~رءوس البصل، فيفيضون له في وصف الحور والغلمان، وكيف تزوج بهرام جور بنات السبعة ملوك ~~كما ذكر في كتاب «هفت بيكر» وما كان من قبيله. غير أن صاحبنا ليس كذلك؛ فهو أمير ~~أدبه أبوه فأحسن تأديبه، وراضت شبابه مدارس الملوك، وأخذ ما عرف من علومه عن ~~أساتذة من رجال الفضل ونخبة أهل البلاد المترقية في العلم. أما لو كان عبد الحميد ~~موزورا فما صاحبه بمأجور. # وإني ممن لاحظتهم العناية وخطروا على باب الإمارة؛ فقد سعت للإيقاع بي وأنا ~~بالآستانة، ووشت بي إلى عبد الحميد، فأحلني ms084 السجن ونفاني بعد ذلك إلى سيواس كما سيأتي ~~ذكره في فصل خاص، فلها علي حق الكرامة ولن أبرح أشدو بتلك المنن حتى يذهب ربيع ~~الحياة. # كل هذه الإحن كادت تنطوي صحائفها ويسدل عليها ظلام النسيان. ورأيت قوما يطرون ~~الإمارة بما لم يكن في سوابق آلائها، فقلت: يا سبحان الله! أهذا مبلغ إنصاف الناس؟ ~~أبسمة واحدة في آن واحد تنسي بكاء مئات من عباد الله طوال الليالي؟ ورسول كان ~~جاسوسا يصبح الآن شفيعا ويظل قبرك يا صالح جمال مهجورا لا يزوره زائر ولا يحييه في ~~طريقه سائر؟ وتستقرين أيتها الأجسام الطاهرة في أجداثك المجهولة حزينة أرواحك في آخرتها ~~كما كانت حزينة في دنياها، وتسير تلك المواكب خافقة أعلامها متسابقة بشائرها ويصف ~~العثمانيون إجلالا لمن حارب إخوانهم تحت رايات عبد الحميد. يا ويل تلك الضمائر، ما ~~أصبرها على الأذى! وما أغراها بهوى النضار! # روحي أيتها الأرواح المستطارة من أقفاص الفناء إلى فضاء الأبد، لا تتحاومي على مزدحم ~~الآمال، ارجعي إلى بارئك مستصحبة غيرك من أرواح الشهداء في خالية العصور، قولي يا رب ~~تبكي الشيعة على شهيد كربلاء، وتبكي كل أمة على شهدائها. وهاك أهلنا باتوا غارقين في ~~الحداد، سر قومنا بمجد كنا سلالمه، وداسوا بعد ذلك قبورنا ونسوا بلادنا وأكرموا ~~أعداءنا، فخذ بحقنا ما لنا سواك من نصير. # أخليتما داري أيها القصران، وأخليتما دور إخواني، وأقصيتماني سبعة أعوام طوال أتت ~~علي في ريق الشباب وزالت عني وقد بلي الجسم، وحكمتما على هذا الخاطر بالجمد، وقد ~~عودته على جولات طالما أعجب بها المتأدبون، ورفعتما السدود بيني وبين آمال تخذتها ذرائع ~~إلى مكافحة الحوادث في ذودي عن وطن أنا من أبنائه، وما رجعت إذ رجعت إلا وقد أبدل ~~البيان حصرا والشباب كبرة والبأس وهنا والأمل يأسا، ورأيت منكما المقال ورأيت منكما ~~المودود، فإيه يا دهر يا أبا العجائب. ما أعرفك بمواضع النقص من بنيك! # إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت # له عن عدو في ثياب صديق # | أنا في حزب الأحرار # الوطن يشكو ظالمه # حتى م ms085 تبكي العين طال البكاء # أما لحزن بت فيه انقضاء # قد خنتني يا دهر قد خنتني # ما كنت أحجوك قليل الوفاء # إن أبد ما بي يعيني سرده # أو أخفه يزدد بطول الخفاء # ماتت أماني ولما أمت # أحيا إذن لليأس لا للرجاء # كيف أعزي القلب عما مضى # ويل لقلب ما له من عزاء # ما زلت أدعو للهدى معشرا # ضلوا فلما يجد طول الدعاء # ضاع ندائي حين ناديتهم # لو لم أضع ما ضاع ذاك النداء # هذي رسوم قد محاها البلى # وذي قصور قد علاها العفاء # فحيثما تسع تجد مأتما # باك ومبكي وآبي البكاء # ليس صباح بصباح لهم # ولا مساء لهم بالمساء # في ذمة الله رجال قضوا # طال بهم تحت القبور الثواء # لا التاج ذاك التاج من بعدهم # ولا بهاء الملك ذاك البهاء # يا أرض ميدي إنها دولة # مادت وأنت اضطربي يا سماء # تشقى «جراغان» بسجينها # ويجتلي بيعته من يشاء # يا رب هذي كعبة شيدت # ركنا وهذا خاتم الأنبياء # أساءني بينهما ظالمي # وقد كفى بينهما أن أساء # عاش المدى أرضي وطاء له # عيشا هنيئا وسمائي غطاء # أعدم قوما بت أرثيهم # وا لهفي ماذا يفيد الرثاء # كانوا غيوثي بت لا غيث لي # كانوا نمائي فعداني النماء # أقول والظلم بآفاته # يحتث للملك مطايا الفناء # لا ييأس المكروب من فرجة # ولا عليل أبدا من شفاء # العدل سلطان شديد القوى # ينصره الله بجند القضاء # هذه هي أبياتي التي استهللت بها كتابي الذي كنت سميته «مائة برهان ~~وبرهان على ظلم عبد الحميد السلطان». أذكرها هنا لا استدلالا بها على بلاغة معنى أو ~~فصاحة لفظ، فليس بها شيء من صناعة الكلام سوى الوزن والروي، وإنما أريد أن أستعيد ~~ذكر أيام خلت كان فيها هذا اليراع شاكيا ولم يكن مثل يومه حاكيا. # في اليوم الثاني والعشرين من شهر ديسمبر سنة 1897 دخلت إدارة المقطم وولجت مكتب ~~الأستاذ الدكتور فارس نمر، فنظر في وجهي مليا يريد أن يتعرفني جيدا، فقال: هل من ~~حاجة فأقضيها؟ وكان يحسبني أتيت المقطم لعمل من أعمال الإدارة، ms086 فدفعت إليه مقالة ~~عنوانها «نرجع إلى الجواسيس»، فلما وقع نظره إلى الإمضاء مد نحوي يمينه مصافحا وقال: ~~أهنئك بتطوعك لخدمة الوطن، وأهنئ الوطن بقلمك. وأسس الله المودة في قلبينا منذ ذلك ~~العهد. # ولقد قلت في آخر تلك المقالة ما أنقله إلى هذا الفصل بحرفه؛ وهو : # هذا قلم أرن القوس صائب الرمية، عرفه من هنالك. فلأجرينه حتى لا تبقى ~~من دار الظلم لبنة على لبنة وبياض على سواد، ولأسيرن قوارعه شزبا في كل ~~قاتم الأعماق شاسع الأطراف، إلى أن يقول نصير الحمية لبيك، ونستريح ~~وإخواننا مما نحن فيه. # على أنني لم أنل شرف الاستمرار على خدمتي، وكان خلاص الوطن على يد قوم رآهم الله أجدر ~~مني بهذا الفخار. # أجل قد طهر الله حزب الأحرار من مراد الداغستاني، ولو بقي فيه لما سطرت في مناصرة ~~الأحرار حرفا واحدا؛ فقد كان عبد الحميد ظالما، وكان مراد محتالا، وكان عبد الحميد ~~يحب الواشين، وكان مراد يود ألا يكون له واش غيره، فلم ترض نفسي أن أجتمع معه ولا ~~على خدمة الوطن وخلاصه. هذا عناد يؤاخذني عليه كل ذي إنصاف، ولكنني لا أستطيع له ~~إنكارا، ولتبقى لي هذه الجناية مسطورة في سجل آثامي بهذا القلم الذي أصبح غازيا في ~~حرب الاستبداد. # ولقد قضت عثمانيتي أن أقف إلى جانب المجاهدين من أبناء وطني حين خفتت أصوات كثيرة، ~~وخيل لي عجب الشباب أني أستطيع أن أنفع بلادي، فشاركت يومئذ الأستاذ الفاضل محمد ~~أفندي قدري العثماني في كتابة بعض الفصول بجريدة القانون الأساسي، فساء ذلك رجال ~~الاستبداد، ورفعت القوميسرية العثمانية تقاريرها إلى عبد الحميد حتى خيل له أن ولي ~~الدين إذا استمر على الكتابة قامت القيامة، فقصد سكرتير القوميسرية محسن بك منزل العم ~~إبراهيم باشا يكن وطلب إليه أن يكون وسيطا له في إسكاتي، فكان جوابي له جواب من لا ~~يتزحزح عن موقفه، وواصلت الاجتهاد بعزم أشد التهابا وأمضى نفوذا. # ثم جاء مصر أحد وكلاء الدعاوى، وخاطب في أمري كثيرا من الناس، فمنهم من تخلى عن ~~مشاركته ومنهم ms087 من أراد مشاركته، ولكن غير واثق بالنجاح. فقابلني ذات يوم رجل من رجال ~~الصحافة وقال لي: أرجوك أن تغدو علي غدا في داري؛ فإن عندي رجاء إليك أريد أن ~~أحملك قبوله، ولكن لا بد من التكلم معك كلاما طويلا حتى تعرف حقائقه. ولما كان ~~الغد ذهبت في الميعاد المضروب إلى دار ذلك الداعي. فإذا هو يتطلب المقدمات لمحادثتي في ~~الأمر الذي دعاني من أجله، فتعرفت ذلك في وجهه، فقلت له هات ما عندك موجزا فإن وقتي ~~لأضيق من أن أضيقه فيما لا يجدي، قال: جاءني منذ يومين صديقي فلان؛ وهو من وكلاء ~~الدعاوى بالآستانة. وقد أسلمني مقالة شديدة الطعن يزيف بها أقوالك في ذم السلطان ~~ورجاله، وفيها من الأدلة على بطلان دعاواك ما لا يدحض، وطلب مني نشر المقالة في ~~جريدتي، وأنا استمهلته إلى أن أراك وأخاطبك في ترك الخصام وأدعوك إلى الهدون. فما رأيك ~~في ذلك؟ # قلت: إني ليحزنني أن تؤخر نشر مقالة ربما كانت لك من ورائها منافع. هذا وينبغي ~~لرجال الصحف ألا يحابوا فيما يظنون أنه الحق. وأنا أقرأ ما تكتبه. فإذا رأيتك ~~مصيبا فيه اعترفت لك بالحق ورجعت عما يتبين لي أنه باطل. وإذا رأيتك مخطئا رددت عليك ~~قولك أو تركتك وإياه جانبا وآثرت السكوت. وليس من الإنصاف أن تهمل نشر مقالة تعرف ~~أنها ناطقة بالصواب وتدع صاحبها ينتظرها بغير طائل. # قال: أنا لم أخدع صاحب المقالة، وكما أنك صديقي هو أيضا صديقي، ولكني أردت أن أقرب ~~بينكما وأن أجعل اتفاقكما بالحجة. # قلت: ما لي وله؟! كل يعمل على شاكلته. وإذا كان صاحبك يرى عبد الحميد بريئا مما ~~يوصم به فليبق كذلك، لعل له عذرا ونحن نلوم، ألا ترى أنني أقمت زمنا أدافع دون عبد ~~الحميد، ولم يرجعني عن الإخلاص له جدال ولا دليل إلا ما رأيته بعيني وجربته بنفسي. ~~وعسى أن تعلم الأيام صاحبك من مثالب سلطانه ما يقلل أنفته ويكسر من عزمه، ثم هممت أريد ~~الانصراف، فأمسك مخاطبي بذراعي قائلا تمهل ريثما نتفق معك ms088 على أمر. # قلت: أراك غير تاركي يومنا، فماذا تريد؟ دع الإشارات وهات ما عندك من الأمر ~~الصراح. # قال: أما وقد أبيت إلا البيان، فهاك ما عندي. يريدون أن يرجعوك إلى الآستانة كما ~~فعلوا بمراد وغيره. وهذه فرصة لا يضيعها عاقل. وقد علمت أن مرادا مقيم هناك بحال ~~يحسده عليها السعداء. ومن يمنعك إذا أنت أحرزت هنالك جاها منيعا أن تنصر الحق وتنفع ~~إخوانك وبلادك؟ ولا أكتمك أن السلطان مل الاشتغال بأمر الأحرار أو كاد. فإذا هو أهمل ~~يوما أمرهم وأرسل حبل كل على غاربه، ومحا الله آية ظهورهم، أخاف عليك أن تحشر ~~يومئذ في زمرتهم وتلاقي من الأهوان ما يلاقون. وما لي ولهذه الأحاديث في غير جدوى، أنا ~~ضمنت للرجل بمالي عليك من الدالة أن ألاقيك به. فهل أنت واعدي بذلك؟ فما دون الزيارة ~~شيء لو أجبت إليها. تعال غدا ولنذهب إليه معا. # قلت: لا ضير. وفارقته على أن أعود إليه في الغد، فلما آن موعد اللقاء جئت داره فإذا ~~هو في انتظاري، فحملني في عربته وانتهينا إلى منزل رحيب بجوار البنك العثماني في ~~القاهرة، فاستقبلتنا سيدة علمت بعد ذلك أنها حليلة غريمي، فجلسنا إليها وأقبلت علينا ~~تحادثنا فإذا هي شرقية مقيمة على شرقيتها في كل أطوارها، مع أدب غض وعقل راجح. ~~وبينا نحن كذلك إذ وافانا الغريم، فرأيته قد تبادل مع صاحبي نظرتين فاجأهما مني لحظ ~~شاعر يرمي الأغراض طائرة فيصيبها، وتم بيننا التعارف. ثم أراد أن يبدأني باللوم على ما ~~جرى به قلمي، ولكنه وقف غير متقدم في شوطه، وأيقن أن مثله لا يجادل مثلي، فاختار ~~الصراحة غير تارك مكره وقال: سمعت عن ولي الدين من أصحابه أنه يجل عن أن يتهم في ~~ذمته، وأنه لا يقاس بغيره ممن كشفت الأيام عن مكنونات ضمائرهم. وقد رأيت في مقالاته ما ~~يؤيد قولهم، ولكنني مولع بمناظرة الفضلاء، وأرى أنه لو دخل في خدمة الحكومة العثمانية ~~وصدق في خدمتها كما تقضي به عثمانيته أتى بلاده بالخير الجزيل. أجل يا ولي الدين، ms089 إن ~~الحكومة العثمانية في حاجة إلى إصلاح ما بها؛ فقد أشكلت أمورها واشتدت خطوبها وعظمت ~~بلاياها، وما دواؤها إلا من كان مثلك ممن لا يخشى في الحق لومة لائم. # قلت: إن بلادا تبيت في حاجة إلى مثلي لجديرة بالرثاء، وما قدري أنا بين الرجال حتى ~~أصلح ملكا كبيرا أريد فساده من يوم خلقه. # قال: أنت لا تستطيع أن تصنع وحدك شيئا، والجنرال أحمد جلال الدين باشا لم يسع في ~~استرجاع الأحرار إلا لأمرين؛ أولهما: وعد السلطان له بإعلان الدستور بعد رجوعهم. ~~ثانيهما: جعلهم في وظائف يساعدون بها إخوانهم على ذلك. ولست وحدك فتستعظم الخدمة، بل ~~هناك آخرون ولوهم أمورا لا يقدر على تدبيرها غيرهم. ونحن لا نختار للوطن إلا من نثق ~~بمضاء عزيمته وصدق نيته، ولو لم أكن سألت عنك الثقات من أصحابي وأتبعتك نظري على غير ~~علم منك حتى وقفت على جلية أمرك لما سعيت في التوصل إلى محادثتك. ولك الرأي في ~~القبول وفي الرد، ثم اعلم أنه جاءني أناس ممن يدعون الانتصار للحرية، وطالبوني ~~بالاتفاق معهم على إسكاتهم وساوموني ذممهم، فكان حظهم مني الإغضاء عنهم. ولقد بلغت ~~الجرأة من بعضهم أن توعدوني بذمي في جرائدهم إذا أنا لم أجبهم إلى مطالبهم، فلم ~~ينالوا مني سوى الخذلان. # قلت: أفارقك الآن وأعود إلى بيتي فأتدبر الأمر وأتبين دقائقه، ولي من أثق بآرائهم ~~ولا أستغني عن مشورتهم، وأنا من أنصار الشورى، فلا يجوز لي إهمالها في أموري بعدما قضيت ~~بوجوبها في أمور الناس. ولا ألبث أن آتيك بما يقر عليه رأيي، ثم ودعته وانصرفت مع ~~صاحبي وفارقته هو أيضا وعدت إلى بيتي. # هذه الذكرى تبعث الشجون وتقف بالمرء موقف الشك حتى في ذاته؛ فوالله ما أدري أتعجيل ~~مغنم أم حب وطني استخفني! ظللت ليلتي مفكرا أطالع صحائف الماضي من تاريخ حياتي، فإذا ~~بالأربع وعشرين سنة من أيام عمري إذ ذاك لا تفي باستنتاج عبرة ولا بمعرفة صواب. شباب ~~منشؤه الشرق ومجاله الشرق، وأيام خلت بين الدفاتر والأقلام في تصوير خيالات لا ms090 حقيقة ~~وراءها، ومكتسب نزر من العلوم يكاد لا يعد شيئا. أريد ولكنني لا أدري ما أريد ولا كيف ~~أريد. قلت أظل أخدم الحرية حتى ينصر الله جيشها وتخفق على بلادي رايتها، ولكن الرجل ~~أخبرني أن خدمتي تؤخر حصولها، وأن السلطان لا يضن بها إذا اختار السكوت طالبوها. قلت ~~أذهب إلى الآستانة وأقيم فيها على مناصرة إخواني المجاهدين وأعمل على خير وطني، فلم ~~يعدني الشك وقلت من لي بمن يضمن لي صحة ذلك. ثم من هذا الرجل الذي سخره الله لي ليقف ~~في وجهي ويقيد يميني حتى لا تخط في سبيل الحق حرفا، ويكم فمي فلا ينطق في نصرة ~~الحرية كلمة، وما له علي من سلطان، وأنا في مأمن من كيده إذا شاء أن يكيدني! وهل هو ~~صادق فيما يخاطبني به؟ أم يريد أن يسرق مني فؤادي؟ ولقد نظرت إلى صور من جاهدوا في سبيل ~~الحرية وهي معلقة أمامي على الحائط، وفيها أبو الأحرار وحاميهم مصطفى فاضل العظيم، ~~وشاعر الوطن وشهيد هواه نامق كمال، فخيل لي أنهما يرميان إلي بألحاظ ملؤها عتاب، ~~كأنهما يريدان أن يقولا لي أكذا حبك لبلادك؟ أنت لا أقال الله عزتك جندي خائن؛ اعتقلت ~~سلاحك وبرزت في ميدان الحفاظ، ولما رأيت التماع النضار بأيدي الأعداء ملت إليهم وتركت ~~من وراءك من أعوان نجدتك وإخوان غزوتك غير متلفت نحوهم، ألهذا رجوناكم يا أعقاب السوء ~~وعباد المال وحثالة رجال البأس؟! فأقف صامتا واجما لا أدري ما أجيبهما به. غير ~~أني قلت ليس بيني وبين الجماعة إلى الساعة أمر مبرم فأوخذ به، وأنا لو شئت لأنلتهم من ~~بغيتهم طول الحسرة عليها، وعقدت العزم على أن أخاطب من أثق برأيه وأعرف بعد ~~نظره. # ولما كان الغد بكرت نحو مستشاري، فأطلعته على قصتي من أولها إلى آخرها وقلت له: ~~الآن لك حكمك. # قال: يا ولي الدين، سافر على حب الله، ومن أحب الوطن أحب الموت في سبيله. فإذا صدق ~~القوم في وعدهم وأقر عبد الحميد الدستور، فحسبكم أن تكونوا يومئذ غارسي أعواده ms091 ~~ومجتني ثمراته، وإن نابكم من خطبه ما عساه يكون أضمره فتلك سبيل إن منكم إلا واردها، ~~وإنه ليسليكم أنكم ذاهبون في خلاص الوطن. ثم اعلم أن الجنرال جلال الدين لا يقاس ~~بغيره من المقربين، أولئك يبيعون أولادهم إبقاء على حظوتهم، والجنرال لا يدخل في ~~مأزق يشك في الخروج منه؛ وهو إذا استشعر تحت الأمر بشر يؤثر الموت على أن يعيش ~~متهما في ذمته. # قلت: غدا يذيع بعض المفسدين بين الناس أني سافرت إلى الآستانة طلبا للمال، وأني بعت ~~وطني بيعا. # قال: دع الناس وما يقولون، ما سلم من ألسنتهم أحد قبلك فتسلم أنت، أنت في شأنك ~~وانفع وطنك إذا استطعت له نفعا؛ فإن كان في الناس من يعرفك حق المعرفة فقد كفيت عنده ~~شر الملامة، وإن كان فيهم من لا يعرفك فبينك وبينه الأيام. أنت رجل بغير نصير، ولو كان ~~لك حزب يتحدث بصنائعك ويبلغك بالمدح عنان السماء لاستقام في عليائه جدك وأقبلت ~~دولتك، وبينا نحن نتحادث إذا بخادم مستشاري الجليل يستأذن لغريمي، فأذن له، فدخل علينا ~~مسلما، وأطلعه مستشاري على ما خاطبني به، ولم نلبث أن تم بيننا التراضي على ~~سفري. # ولقد رأيت كثيرا من رجال الحرية وأنصارها الذين لبوا دعوة عبد الحميد وتسابقوا ~~إليه يرجون ثوابه، يحاولون اليوم إنكار ما كان من عودتهم ليقول الناس إنهم كانوا ~~معذورين، ومنهم من يقول أنا كنت آخر الراجعين، ومنهم من يقول أنا لم أرجع، وكل هذا ~~تضليل وبهتان، بلى هو أعظم من التضليل والبهتان. ويا خجلة المرء عند نفسه أن يكون ~~منافقا وأن يكون جبانا، ووالله ما أدري ماذا يرجون وماذا يتقون؛ فإن كانوا يرجون أن ~~يجازوا بالوظائف العالية، وأن يسير خلفهم العامة هاتفين: ليحي أبطال العثمانية، ليحي ~~حماة الدستور؛ فهذا فخر ابتذل حجابه وبات جديده خلقا. وإن كانوا يتقون ما ينزل ~~بالخونة والجواسيس من العقاب، وعلموا أنهم هم الخونة والجواسيس، فتعسا لهم إن جمعوا ~~الخوف إلى اللؤم، وفي خلة منهما ما يغني عن أختها، لعمري لنعم المناط للعدل عقدة ~~حبل ms092 تقضي بها للعدل حقه، وأنا امرؤ رجعت إلى الآستانة رجوعا ليس فيه ما يخجل الحر؛ ~~ومن أجل هذا أقول غير مستشعر خوفا ولا آمل نفعا: لوطني مني حياتي وكل ما كان دونها ~~على أن أعيش عثمانيا وأموت عثمانيا. # ولنرجع إلى ما كنا بصدده: كتب غريمي إلى الجنرال أحمد جلال الدين يخبره بما كان من ~~رضائي، فجاءه الجواب بسفري مع والدتي وأخي يوسف حمدي يكن، فسافر غريمي معنا إلى ~~الإسكندرية وفيها نزلنا بنزل «أبات». ولقد رأيت على باب النزل فخري باشا ومحمود شكري ~~باشا. أما الأول فلم يكن يعرفني إلا اسما، وأما الثاني فكان يعرفني جيدا، ولكنه ~~لم يكن محبا لي بعد ما جرى بيني وبين المعية. فأشار غريمي إلى الأميرين بيده واضطرني ~~إلى السلام عليهما، فحيياني أجمل تحية وانصرفت. وقد قال محمود شكري باشا لغريمي: أما ~~وقد أخذت هذا، فهات المدافع وارم بها أي «قصر» شئت. # ولما استقرت قدمي على ظهر الباخرة المسماة «توفيق رباني»، وأقلعت بنا تؤم «فروقا» ~~بين آذي البحر وزبده، وأخذت يد الفضاء ويد الماء تنطبقان على البر، جرت على لساني ~~هذه الأبيات التي أذكرها هنا لإشارات فيها لا تخفى على اللبيب. قلت: # قد دعاني داعي فروق إليها # فأجبت الدعاء حين دعاني # أنا أهوى بين البلاد فروقا # وهي أيضا بين الورى تهواني # وتمر الأيام لا أنساها # وتكر الأعوام لا تنساني # يا ربوع الهوى بأية كأس # قد سقاني فيك الهوى من سقاني # بلبل مشتك وورد سميع # انظروا كيف يصنع العاشقان # خبر الناس أيها النيل عني # واشهدا معه أيها الهرمان # لم أودعكما ملالا ولكن # وطني في خطوبه ناداني # كذلك انقضى ذياك العهد، وانطلقت بنا السابحة الهوجاء في وخدها وخببها صافرة زافرة، ~~حتى إذا كان أصيل اليوم الخامس بعد الرحيل ارتفع لنا دخان علمنا أنه الأرض، ثم تعاقبت ~~البيوت البيض بين الأشجار الخضر فإذا نحن بمدخل الخليج. # سلام عليك أيها الوطن، يا مأملي وجنتي، يا أيها البلد الذي لم تغيبك عن روحي ~~مرامي النوى، ولم تتغلب على تذكري إياك ملاهي ms093 الصبا، تفقدك ناظراي في محاسن ~~الأشياء، فإذا بك تتمثل في أشدها علاقة بالنفس، وتطلبك خاطري في معاني الكمال، فإذا ~~أنت ديوانها المرتب، سمعت سويجع الأثلاث على مطلولة العذبات، فغلبتني الغيرة عليك ووددت ~~لو مزجك الله بروحي مزجا، الآن أحس بالعجز عن إيفائك من الوصف حقك . لو كان كتابي ~~كتاب رواية أو أدب لأطلت الكلام بما أقضي به بعض ما يجب علي نحوك، ولكن هل ذلك نافعي ~~في هواك، وبي من الشوق إليك ما لو كان بالبحر لغيض ماؤه، وبالأرض لسالت شعابها. # مقامي بالآستانة في جمعية الرسومات (الكمارك) # خرجت في الفصل المتقدم عن أسلوب المؤرخ إلى أسلوب الشاعر. ما حيلتي! هاجت فؤادي ~~ذكرى أيام مضت، وللطرب مقادير كما للأسف مقادير، وحسبي ما تقدم، قد اتأدت، ~~وللقارئ الكريم من سجية العفو ما يستطرد قلمي على قرطاسي. # أنا ولدت بالآستانة، وخرجت منها في نحو الثالثة من عمري، ثم زرتها ما بين سنة ~~1895 وسنة 1896، فأقمت بها حولا كاملا، وانثنيت إلى مصر كما أشرت إلى ذلك في أحد ~~الفصول التي مرت، وبقيت بمصر نحو الثمانية أشهر وأخذت إلى الآستانة، فكانت هذه ~~هي المرة الثالثة التي قدر لي أن أنشق ريا تلك الربا وأعل صافي مياهها. وقد ~~صدرت الإرادة الحميدية بجعلي عضوا بجمعية أمانة الرسومات (مجلس إدارة ~~الجمارك). # فدخل بي في قاعة رحبة تدور بجوانبها مكتبة واحدة مصنوعة من الخشب، سوداء اللون، ~~مكسو أعلاها بالجوخ الأحمر، وتدور معها من جانب دون جانب كراسي مصفوفة مكسوة ~~أيضا بالجوخ الأحمر. تلك مقاعد الأعضاء، وفي صدر المكان مما يلي الجهة اليسرى من ~~مدخل القاعة مكان الرئيس الأول وإلى يمينه مكان الرئيس الثاني واسم كليهما رضا بك. ~~وفي المكان مكتبة صغيرة أمامها كرسي؛ ذاك مكان كاتب الجمعية يجلس فيه ويتلو على ~~الأعضاء ما يجب أن ينظروا فيه من المضبطات وغيرها. # فلما قدمت إلى الرئيس الأول أو رضا الأول رحب بي قليلا، وأكرمني بسيجارة لم ~~يمهلني إلى استكمالها، وأشار بيده إلى المكان الذي خصص لي (بعد أن علم أني من ms094 ~~أصحاب الرتبة الثانية من الصنف الثاني!) فكان مكاني قريبا من باب القاعة من الجهة ~~الواقعة على يمين الداخل. فما استقر بي الجلوس إلا وارتفعت أيدي الأعضاء مشيرة ~~بالتحية، فأجبتهم بمثلها أو أحسن منها وظللت مكاني لا أدري ما سيكون من أمري. ولم ~~ألبث أن جيء لي بقهوة يمانية في فنجان مذهب كبير كأنه الدلو، فجعلت أعب فيها عبا ~~ولا أمصها مصا. وإني لأجيل طرفي يمنة ويسرة لأرى ما يصنع أولئك الأعضاء رجال ~~الدولة الذين شرفني الله بأن حشرني في زمرتهم، فرأيت بعضهم يقرءون أوراقا متراكمة ~~أمامهم، ثم يجعلون تحتها تواقيعهم، ورأيت بعضهم يوقعون على الأوراق من غير أن ~~يقرءوها، ورأيت بعضهم يتسارون ويتغامزون، ورأيت بعضهم يتسللون إلى خارج القاعة ~~إلى حيث لا أدري ما يصنعون، ثم يرجعون. كل هذا وأنا فارغ اليد من العمل، جالس ~~كالصنم غير المعبود، فعراني السأم وكاد يتغشاني الكرى. وقد استطال لبثي كأني ~~مجذوم بين صحاح. # فتقدم نحوي الرئيس وأشار إلي أن اتبعني، فتبعته إلى حجرة معاون أمين ~~الرسومات. وأمين الرسومات بمنزلة الناظر والرسومات أمانة أي «مصلحة». والأمين رجل ~~ممن أحرزوا رتبة الوزارة اسمه نظيف باشا، كان ناظر المالية. والمعاون رجل اسمه محمد ~~علي بك، ممن نالوا رتبة البالا (تأتي دون الوزارة)، وكانت كلمة المعاون أسرع أثرا ~~وأمره أمضى نفوذا؛ لأنه كان متزوجا أخت امرأة الباشكاتب تحسين. فدخل رئيس ~~الجمعية حجرة المعاون ودخلت أنا على إثره، فرأيت مكانا ضيقا في صدره مكتبة ~~أمامها كرسي عليه رجل عظيم الجثة ذو لحية أوروبية سوداء إلى اصفرار، كبير العينين ~~وسيم الوجه؛ فقدمني إليه الرئيس، وبعد ذلك سأله عما يجب في أمر تحليفي. # فقال المعاون: لا بد من انتظار الأمين، وسيحضر غدا. فخرجنا من عنده، ولما كان ~~الغد دعيت إلى حجرة الأمين، فرأيت فيها الرئيس ومكتوبجي الأمانة (السكرتير) ~~والمعاون وكاتب الجمعية، يتوسطهم الأمين؛ وهو رجل طويل القامة، أسمر اللون، يحسبه ~~من يراه أول مرة أحد كتاب بيت المال، له لحية كالرغوة، ووجه كالصك العتيق، ~~فسألني الكاتب إن كنت توضأت، فقلت: ms095 لا، قال لا بد من الوضوء. قلت: لا أعرف كيف ~~يتوضأ الناس. فنظر في وجهي باهتا وسكت، فأقسمت للجماعة يمينا وهذا مضمونها: «أقسم ~~بالله لأكونن صادقا للحضرة السلطانية والدولة العلية ولا أنحرفن عن الأمانة ~~في جباية أموال الدولة.» نطقت بهذه الكلمات واضعا يمناي على المصحف، فلما انتهت ~~اليمين هنأني الحاضرون وعدت مع الرئيس إلى قاعة الجمعية. # فما استقر بي الجلوس إلا جاءني الكاتب بأوراق بعضها فوق بعض فتركها أمامي. قلت ~~في نفسي: هنا يزل قدمك يا ولي الدين، أين أنت من أعمال الكمارك، وهل هذه مثل ~~أبياتك وفصولك، تنقش به طروسك وتتلوها على مستمعيك! فمددت يميني وأخذت ورقة من تلك ~~الأوراق، فوالله للغة اليابان أو اللغة الهيروغليفية أقرب إلي منها فهما، لم ~~أجد إلا أرقاما بإزائها كلمات ومصطلحات لا علم لي بواحدة منها، فتركت هذه الورقة ~~جانبا وأخذت أخرى غيرها، لعلي أجد فيها شيئا يصل إليه فهمي. فإذا هي أسوأ حالا ~~وأحكم عقدة، فظللت حائرا لا أدري ما أصنع. وقد اشتد ما بي، فبقيت أتناول ورقة ~~وأطرح ورقة كأني في حانوت وراق، وأنا كلما أوغلت في الاختيار زدت عجزا عن الفهم، ~~فرجعت إلى التي أخذتها أولا، فوقعت عليها ثم أتبعتها بغيرها، ولم أزل حتى أتيت ~~على الجميع، وكان الرئيس يلحظني شذرا ويعجب بي ظنا منه أني أفهم هذه الأشياء. ~~فلما آن أوان الانصراف دنا مني قائلا أكثر الله من أمثالك، ضقت والله ذرعا بهؤلاء ~~الذين تراهم على مقاعدهم فليس فيهم من يدري ماذا يعمل، وما للجمعية منهم إلا هذا ~~الغرور الذي تراه. وقد رأيتك تتأمل الأوراق تأمل من لا يدع لفكره شبهة في عمله، ~~وإني لأرجو أن تكون نافعا لنا. # قلت في نفسي بعدما شكرته: اللهم هذا ثناء باطل وعبدك هذا مخطئ، وأنا أبعد الناس ~~عن معرفة ما دعيت له، ولكنني سأجهد النفس في معرفة ما أجهله، ولو كلفني ذلك أشد ~~النصب. # فخرجت ولم أنتظر خروج الرئيس، فمشى أمامي الحجاب يوسعون لي الطريق وأنا أحيي ~~من يقفون لي إجلالا، وأناجي ms096 الله في ضميري أن يهب أصحاب المقطم من الضعف ما وهبني ~~ليؤخذوا إلى الآستانة ويكونوا أعضاء بالمجلس العلمي في باب مشيخة الإسلام، وأن يكون ~~سليم سركيس وكيلا لأمين الفتوى. # ثم مرت الأيام وأنا لا أنقطع عن مكان وظيفتي، باذلا قصارى الهمة في تعود ~~أمورها والمعرفة بأساليبها ، فكنت أسمع بأسماء بعض الأعضاء ولا أراهم. أولئك أبناء ~~المقربين والمحتمون بجاههم. كانوا يتقاضون رواتبهم غير مكلفين أنفسهم تعب الحضور ~~إلى مقر وظائفهم لأخذها، بل كانوا يرسلون من قبلهم أناسا يأخذونها لهم. # ولقد تعارفت في جمعية الرسومات ببعض أعضائها معارفة لم تزد على المحادثة في حجرة ~~«الاستراحة» وتعاطي السلام، وبقي آخرون لم أر وجوههم، وإني لأجهل إلى اليوم ~~أسماءهم؛ فقد كنا نحو الثمانية والأربعين عضوا، ما كان يحضر منهم إلى وظيفته غير ~~العشرين. فممن عرفتهم من أعضاء الجمعية رفعت بك؛ هو حفيد فؤاد باشا الشهير الذي ~~توفي في فرنسا، كان فر إلى أوروبا ثم استرجعه السلطان حيث استرجع مراد بك. هو ~~رجل حسن المحاضرة طيب الطباع، ولكنه كان مولعا بشاربيه أكثر من ولعه بأعماله؛ فما ~~جالسته يوما إلا رأيته يبرمهما ويرفع طرفيهما تشبها بإمبراطور ألمانيا. ومنهم ~~راسخ بك؛ وهو ابن المرحوم عابدين باشا الشهير الذي كان واليا على جزائر الأرخبيل، ~~وذهب إلى «يلديز» طالبا الإذن في البقاء بالآستانة وجعله صدرا أعظم، فسقوه قهوة ~~ما استقرت في جوفه ساعة حتى قضى نحبه في القصر وأخرج إلى بيته ميتا. وراسخ بك ~~هذا شاب مهذب الأخلاق طاهر السريرة، عرفته قبل دخولي الجمعية. غير أني لا أجد ~~بدا من الاعتراف بأنه كان من المتناهين في الكبر والغرور، ولا أنسى قوله لي يوما ~~وقد جلس قبلها إلى جانبي ثلاث مرات من غير أن يكلمني كلمة واحدة: كيف حالك يا ~~سيدي ألبك؟ وقولي له: كما تراني منذ ثلاثة أيام، لم أتغير فيها أبدا، فلم يحر ~~جوابا واختار الصمت. # ومن رفاقي بالجمعية حكمت بك، غير الذي تقدم ذكره. وقد نفي إلى سيواس بعد نفيي ~~إليها، فصار رفيقي في منفاي أيضا. هذا ms097 رجل أحبه كثيرا، وأنا أواخذه على خلات ~~وددت لو نزهه الله عنها، رأيته يحسد بعض أصحابنا، ورأيته يتزلف فنهيته فأنكر ~~علي ذلك، وكان يحب «الدوندرمه» كثيرا، أبصرته ذات يوما أكل منها ستة أطباق ~~متتابعة، وكنت حين أمازحه بسيواس أذكره بذلك فتقوم بيننا القيامة. ومنهم رفعت بك ؛ ~~وهو من أسرة كردية لها مكانة بين الأكراد، نعم الرجل هو لولا تنسكه وتورعه، كنت ~~أرتاح إلى محادثته لولا ما يدخل فيها من أحاديث العبادة والتقوى حتى لتكاد روحي ~~تزهق ضجرة، ومنهم علي ساجد بك، وهو من أحرار العثمانيين، شديد المضاء في حريته، ~~يكاد يكون كاتبا مجيدا، بلده إزمير، سافر منها إلى الآستانة طالبا امتياز جريدة ~~يصدرها بإزمير، فوشى به بعض الجواسيس إلى السلطان وقالوا يريد أن ينشئ هذه ~~الجريدة ليبث فيها الأفكار الحرة شيئا فشيئا، فرأى عبد الحميد أن يجعله عضوا ~~بجمعية الرسومات ووعده براتب قدره عشرون جنيها في الشهر، ثم لم يخصصوا له سوى ~~نصفها، ووعده الصدر الأعظم إذ ذاك وهو خليل رفعت باشا بأن سيزاد له باقي راتبه بعد ~~زمان قليل، فأخذ علي ساجد يكتب له الكتاب وراء الكتاب يذكره بوعده، متوعدا ~~إياه بالخروج من الآستانة، ثم هبت عليه نفحة من نفحات الشباب، فأرسل إلى الصدر ~~الأعظم رسالة برقية قال له فيها: كنت أرجو أن تعرف قيمة وعد العظيم ولكنك حمار، ~~فأخذ من الجمعية وأرسل إلى قسطموني منفيا، وبقي هنالك إلى أن أعلن الدستور. ~~ولله ما كابد هذا الشاب من الظلم وما ذاق من مضض العيش على عهد والي قسطموني ~~المستبد خائن الوطن، وعدو أبناء آدم أنيس باشا. تلك مصائب لا أعادها الله ولا أعاد ~~أيامها، وكان علي ساجد يألف معاهد اللهو وينقطع إلى لذاته، فلم يعجبني منه سوى ~~إقدامه على المخاوف وجرأته على الظالمين. # أما رفاقي الذين لم أرهم على مقاعد وظائفهم ولا مرة واحدة، فمنهم حسن خالد ~~الصيادي الرفاعي القرشي الهاشمي العدناني الحلبي؛ وهو ابن أبي الهدى، وسبق الكلام ~~عليه، ومنهم أنجا زاده عبد الغني الطرابلسي، كان صفي أبي ms098 الهدى ثم تهاجرا، فلجأ ~~عبد الغني إلى عزت العابد وباح له من أسرار الشيخ بما لا تستقيم له هذه السطور، ~~واضطر بعد ذا إلى مصالحة أستاذه وطلب الإذن له بالذهاب إلى الحج، فأذن له السيد ~~ودس له من رماه برصاصة ذهبت بحياته، ومنهم كيلاني زاده، باشا ، أصابه من لؤم ~~الصيادي ما كاد يقضي على حياته، وغير هؤلاء كثيرون نسيت أسماءهم ولا أذكر منها ~~اليوم واحدا. # هكذا ذهبت أيامي بجمعية الرسومات، تأتي الأوراق مكتبتي فتستقر عليها ما شاء الله ~~ثم تنتقل إلى غيري، وليس لها مني سوى التوقيع. # ويا شد ما كنت أضحك إذ يجس أحد الأعضاء الزر الكهربائي الكائن أمامه، فيسرع ~~إليه الحاجب في ثيابه المخملة ويقف أمامه مكتفا يديه منتظرا إشارته، فيرفع ~~العضو عند ذلك رأسه قائلا: هات قدحا من الشاي أو هات طبقا من «الدوندرمه»، ~~فأقول: قاتلكم الله وأنا معكم، يا عيال الحكومة وطفيليتها، وملوك المقاعد وعبيد ~~الرواتب. لو أنصف الدهر لنال هؤلاء الحجاب مكانكم ولأصبحتم أنتم مكانهم؛ فهم ~~أصدق منكم خدمة وأنفع سعيا. آه يا عبد الحميد، ما أبصرك بقلوب رعيتك! أخذت أنت ما ~~لا تملك ووهبت من لا يستحق، وجعلت خزائن ملكك نهبا مقسما بينك وبين أولي ~~المطامع. # لم أشك تأخر راتب ولا طول كد. غير أن الذمة وقفت بيني وبين ذاك الخفض الذي ~~كنت فيه، رأيتني أنقد المال وليس لي فيه حق، يحبس القروي ويضرب لكل قرش من ~~قروشه وأنا قاعد على الكرسي الفخيم يسير الحجاب بين يدي ليوسعوا لي الطريق. ~~تلك لعمر الله سرقة سيعاقبني فؤادي عليها ولو عفا الله عنها. # فقلت: أبعد بذلك المال وأبعد بتلك المقاعد! وكتبت إلى السلطان رسالة برقية ~~أسأله فيها نقلي إلى وظيفة أحسن القيام بمهامها، فرأى أن ينقلني عضوا إلى المجلس ~~الأعلى بنظارة المعارف مع زيادة راتبي زيادة تبلغ حد الكفاية، فصدرت الإرادة ~~السلطانية بذلك، فأسرعت إلى جمعية الرسومات وودعت من استطعت أن أراه من رفاقي ~~وداع من لا يرجو التلاقي أبد الدهور، وخرجت أيمم نظارة المعارف، وأنا ms099 لا أدري ~~أفيها أحد يعرفني أم ليس لي فيها أحد، فدخلتها خائفا مترددا كمن يلج غابات لا ~~يدري ما وراءها. # أنا بنظارة المعارف # قلت أرى أن أذهب إلى «المحاسبه جي»؛ وهو بمنزلة مدير الحسابات في الحكومة ~~المصرية، فأرسلت إليه بطاقتي مع الحاجب، فبادر إلى استدعائي لعنده ، فلما توسطت ~~حجرته نهض واقفا وتقدم نحوي خطوات، ومد إلي يمينه محييا. وهذا المحاسبه جي ~~رجل اسمه شكري بك الحسيني، ينمى إلى بيت من بيوتات الحسب في المقدس، قدم ~~الآستانة فصاهر أحد الباشاوات المعروفين، وبذا نال من الترقي ما جعله بالمكان الذي ~~رأيته فيه، فلما جلست إليه أقبل علي يحادثني، فأخبرني أن زهدي باشا ناظر المعارف ~~لم يحضر، وسألني الانتظار إلى وقت حضوره ليدخل بي إليه ويعرفني به. قلت: ما في ~~الانتظار من بأس. ثم ما لبثنا أن أخبرنا الحاجب بحضور الباشا، فتركني شكري بك ~~مكاني وبعد دقائق قضاها عنده جاء فأخذني معه وأدخلني إلى حضرته، فإذ هو رجل كهل ~~بادن منتفخ الوجه، ذو لحية بيضاء تبدو في خلالها شعرات سود هي من بقايا ما ترك ~~الشباب، فتقدمت مشيرا بالسلام، فرفع يمينه قليلا جوابا لسلامي وأومأ إلي أن ~~اجلس فجلست، ثم التفت نحوي ليكلمني فقال: هل سبقت لك خدمة في الحكومة؟ # قلت: نعم، كنت من أعضاء جمعية الرسومات، بقيت فيها نحو العامين، والآن نقلت إلى ~~المعارف. ~~- هل حلفت اليمين القانونية؟ ~~- هل يبقى مستخدم في خدمته عامين ينظر في أعمال الحكومة من غير أن يحلفوه ~~اليمين؟! ~~- حسن، وماذا تعرف؟ ~~- لا أعرف شيئا. ~~- وكيف يجعلونك عضوا بمجلس المعارف الأعلى إذا كنت لا تدري شيئا؟! أمدرسة هذه ~~جيء بك لتتعلم فيها؟ # فرأيت كلام الرجل غليظا كطبعه، فقلت في نفسي: الرأي أن أكلمك بما تفهم، فاللهم ~~عفوا عما سيجري على لساني، لا أنطق به مختارا بل مضطرا، وقلت: إنما قلت لا أعرف ~~شيئا تأدبا، وإلا فإني من أكبر الراسخين في اللغة العربية واللغة التركية، يشهد ~~الملايين ممن قرءوا ما أكتب أني من شعراء الطبقة الأولى ومن الكتاب الآخذين ms100 ~~بنواصي الكلام؛ نظرت في العلوم قديمها وحديثها، قريبها وبعيدها، فأصبت منها الحظ ~~الأوفر. هذا وأنا أحسن الكتابة والكلام باللغة الفرنساوية، وأخذت من فنون علمائها ~~ما لم يفز بمثله غيري، ولي مؤلفات بالعربية والتركية هي حجة العلم لنقض الجهل. ~~فجعل الرجل يستمع حديثي ويتأمل وجهي كمن يريد أن يبلو محدثه، فعلمت أني كبرت في ~~عيني هذا الناظر الغبي، وأيقنت بعدها أن خير ما يحفظ للمرء كرامته في عاصمة الملك ~~العثماني هو أن يكون مدعيا لما ليس فيه من المزايا. وكان شكري بك جالسا أمام ~~زهدي باشا غارقا في صمته يصغي إلى حديثنا ولا يشاركنا فيه، فقال له الناظر مشيرا ~~نحوي بيسراه: خذ هذا وادخل به إلى المجلس. فسلمت وخرجت وأنا لا أدري كيف أكتم ~~ضحكا يكاد يغلب علي هنالك، فأمسك شكري بك بيدي ونزل بي إلى قاعة المجلس ~~الأعلى. # فلما ولجنا الباب رأيت مكانا رحبا في وسطه مكتبة مستطيلة كالخوان، على طرفها ~~الكائن بصدر المكان رجل كالقبرة، يكاد لا يجده متفقده لولا عمامة كقرص من الجبن ~~الكريتي تشرف على مكانه، وعلى الجانب الأيمن للداخل أعضاء كلهم معممون، وعلى ~~الجانب الأيسر آخرون على رءوسهم الطرابيش. فتقدم بي شكري بك إلى الجالس بصدر المكان ~~وغمز ذراعي قائلا: هذا هو الرئيس حيدر أفندي. ولما صرنا أمامه قدمني إليه وتركنا ~~وانصرف، فدار الرئيس بعينيه في الجلوس، ثم التفت نحوي قائلا: ما ثم مكان خال، ~~الأعضاء أكثر من الكراسي عددا، فاجلس إلى جانبي حتى يخرج أحد الجالسين فتجلس ~~مكانه، وخاطب الحاضرين يعرفهم بي، فسماني لهم وبالغ في مدحي كما أسر إليه ~~شكري بك قبل انصرافه، هنالك ارتفعت الأيدي بالسلام وابتسمت الثغور ترحيبا. ثم خرج ~~بعض المعممين فجلست مكانه، وإني لأجيل ناظري يمنة ويسرة لأنظر ما يصنع هذا الجمع، ~~فرأيت في الموضع القريب من باب القاعة رجلا ربعة القامة، كث اللحية أسودها، ~~ممتلئ الجسم، على ناظرتيه «نظارة» بيضاء يقرأ بها أوراقا أمامه ويوقع تحتها، ~~فدلتني هيئته وأطواره على أنه رب فضل، وعلمت بعدها أنه أمر الله بك ms101 الشهير، ~~وكان في مواجهتي رجل نحيف الجسم ذو لحية سوداء أيضا اسمه راسخ أفندي، حادثته ~~قليلا فظهر لي من حديثه أنه أصاب حظا من العلوم الآلية، وأنه يقول الشعر ويجيده ~~بالتركية والفارسية على الأسلوب القديم، فقلت في نفسي هذا مجلس المعارف الأعلى، ولا ~~بد أن يكون هؤلاء الرجال من جلة أهل الفضل والمتقدمين على كثير من علماء زمانهم، ~~فخير لمثلي أن يختار السكوت لكيلا ينكشف جهله وتصاب مقاتله. فإذا تعودت الأعمال ~~ووقفت على حقائق الأشياء أتيت لهم بما يتجدد لي من رأي تكون وراءه فائدة ~~تستفاد. # وبينا نحن كذلك إذ دخل علينا رجل قيل لي إنه أحد كتاب قلم المجلس، قد زرر ~~«سترته» أدبا، وأمسك أوراقه بيديه وتقدم حتى قارب مكتبة صغيرة هي على يسار ~~الرئيس، فوضع عليها الأوراق ووقف ينتظر الأمر، فقال لي راسخ أفندي: الآن يقرأ ~~الكاتب علينا ما ينبغي أن ننظر فيه من الأوراق. فإذا انتهى من تلاوتها أبان كل ~~منا عما يرى. فإذا رآها على ما يجب وافق عليها، وإذا رأى موضعا للإعراض اعترض. ~~فتناول الكاتب ورقة تلاها بصوت عال وأنا أسمعه وأتأمل حال الأعضاء، فرأيت واحدا ~~يسر لمن هو جالس إلى جانبه حديثا، وآخر يكتب كتابا، وثالثا يأكل الحمص، ~~ورابعا أثقل النعاس هامته، وخامسا يقرأ جريدة في يده، وإذا كلهم كما قال الحسن بن ~~هانئ: # كأن أرؤسهم والنوم واضعها # على المناكب لم تخلق بأعناق # فهالني ما رأيت حتى خيل لي أني بين جماعة من أبناء السبيل نزلوا بدار مطعم ~~وأقاموا ينتظرون غداءهم. واستمعت ما يتلو الكاتب، فإذا هو استئذان من النظارة بصرف ~~مائة وعشرين قرشا لإصلاح أنابيب المياه في مدرسة من مدارس البنات لا يحضرني الآن ~~اسمها. فلما انتهى الكاتب من التلاوة وشرح الرئيس للأعضاء مجمل ما تلاه، قال أحدهم: ~~فليكن. # آخر ~~: # لا، لا يكون أبدا. # ثالث ~~: # ولم لا يكون؟ # رابع ~~: # نعم، صدق فلان، هذا لا يكون أبدا. # خامس ~~: # أنت لا تدري من هذه الأمور شيئا، تكلم فيما تدريه ولا تشغلنا بهذرك ~~هذا. # سادس ~~: # أرجو ms102 ألا يطول هذا الجدال وإلا اضطررنا إلى الدخول معكم فيما لا ~~نريد. # الرئيس ~~: # كفى كفى، يظهر لي أنكم توافقون كلكم على صرف العشرين والمائة قرش. # الجميع وفيهم المخالفون ~~: # نعم نعم، كلنا نوافق. # فوالله ما رأيت مشهدا هو أنفى لصبر وأجلب لضحك مما رأته عيناي، فيا لك من ~~مبرك إبل أنا أحد أذواده، فعاودني هنالك شيطاني ونفخ في أذني نفخته، فقلت لمعمم ~~كان باركا إلى جانبي: ما قدر ميزانية المعارف؟ ~~- لا أدري. ~~- كيف لا تدري ثم توافق على احتساب مبلغ منها؟ ~~- وما يعنينا نحن من ذلك؟! لينظر في الأمر من هم فوقنا، وما جيء بنا هنا لنحاسب ~~الناس على كل ما يقولون، أنا أحب ألا أتعدى ما رسم لي. وأنت جئت اليوم، فلا ~~تدري من أعمال المعارف شيئا، فأولى لك ألا تعجل في الرأي وألا تكشف مقاتلك ~~لمحاسديك. قلت: وهذه فائدة استفدتها. وقد ذهبت هيبة المجلس من عيني، وأيقنت أن هذا ~~البناء الذي يظل رجال العلم في الإمبراطورية العثمانية لا يئوي إلا أناسا هم ~~نخبة جهلائها، فأشفقت على وطني وتمنيت ألا أعيش حتى أشهد مصرعه. # فلما كان المساء، وآن للمستخدمين أن يخرجوا من بيوت العمل إلى مضاجع الراحة أو ~~معاهد اللذات، تلفع كل ذي عمامة عباءة، ولبس كل ذي طربوش معطفه (بالطوه)، فدنا ~~مني راسخ أفندي وقال لي: كم جعلوا راتبك؟ ~~- لا أدري. ~~- أنصحك لوجه الله الكريم، لا تتأن في أمر لك نفعه وعليك ضرره، اذهب من ساعتك ~~إلى الناظر، فقل له كم جعلتم زيادة راتبي؟ أنت لا تعرف زهدي باشا، سل عنه مستخدمي ~~المعارف يخبروك خبره؛ هذا رجل سوء، ما قدر على ضرر يضر به أحدا وتأخر عن تعمده، ~~وربما أدى به حلمك إلى الاقتصاد من راتبك وجعل ما اقتصده من نصيب غيرك. ادخل عليه ~~الآن قبل أن يخرج، ثم إياك والإفراط في التأدب والتحشم، هذا رجل جاهل يحسب الأدب ~~خضوعا وتذللا، فلا تملكه ناصيتك فهي في قبضته. # فما أتم راسخ كلامه إلا هرولت نحو السلم، وجعلت أصعد فوقه درجتين ms103 درجتين حتى ~~بلغت أعلاه، وأنا لا أجد نفسا أتنفسه، فدخلت حجرة الناظر بعدما استأذنت، مخالفا ~~لما أشار به علي ناصحي من ترك الاستئذان، فرأيت شكري بك الحسيني عنده، فسلمت ~~ولم أمهله أن يسألني عما أريد، بل وضعت يدي على جانب مكتبته معتمدا عليهما، وقلت ~~له: جئت لأعلم مقدار راتبي. # هنالك زوى عني وجهه وقال: هذا ينظر فيه حين يجيء وقته. فتركته وخرجت. فإذا راسخ ~~في انتظاري أمام باب النظارة، فلما رآني أومأ بعينيه يسألني عما كان، فقصصت عليه ~~الخبر، فقال: إذا رجعت إلى بيتك ففكر في أمرك علك تهتدي إلى ما يريح خاطرك. ثم ~~إنه سلم علي وفارقني. # ولا يفوتن القارئ الأريب أني لم أنتقل طول أيام مقامي بالآستانة من نظارة ~~المعارف إلى نظارة غيرها، فحسبه قليل ما جاء في هذا الفصل، وسأعود إلى الكلام على ~~المعارف كلما أدى إليها سياق الحديث، ولنرجع إلى ذكر أشياء تقدمت ذلك، وقعت قبل أن ~~أفارق جمعية الرسومات؛ فإن لها شئونا لا يخلو ذكرها من فائدة. # | الأميرة الجليلة الفاضلة «نازلي هانم» # كريمة أبي الحرية والأحرار الأمير المرحوم مصطفى فاضل # لا يسع نطاق كتابي ترجمة حياة الأميرة الفاضلة، ~~ولا نحن بصددها فأزين بها صحائفي، ولا أريد أن أستعيد هنا ما سبقني إليه الكاتبون من ~~بيان أعمالها التي يفتخر بها أهل الفضل، ولكنني ذاكر طرفا مما وقع لها في إحدى ~~زياراتها بالآستانة لوقوع ذلك بمقربة مني. وقد وددت أن أطبع صورتها في طالعة هذا الفصل. ~~غير أن أهل الشرق عامة والعثمانيين خاصة لم يتعودوا هذا، وفي القلوب من التعصب ما ~~يجعل عملي مستهجنا، ويستثير علي الأضغان؛ وبذا أحجمت عن مخاطبة الأميرة فيما كنت ~~أتمناه، فلتبق صورتها بموضعها من التكريم في قلوب المعجبين بفضلها، ولتتكلم آثارها إذا ~~سكت مادحوها. # أجل، تجاسرت الأميرة الفاضلة على شخص الاستبداد ~~في حصنه المنيع، وعلى رأسه تاج الخلافة، وفي حركة شفتيه شقاء العباد وسعادتهم، فما ~~بهرتها «جلالته» ولا هالها بطشه وقدرته، فتراءت له في صورتها الجميلة ونفسها الجليلة ~~مرأى الشمس تنير الأبصار ms104 ولا تحدق إليها الأبصار، وكأن روح أبيها كانت تصحبها كلما ~~تمثلت بين يدي الملك الظالم، وكأن روح أبيها كانت تشير إليها بما تخاطب به عدو أبيها ~~وعدو أبنائه الأحرار. # إني ذاكر في هذا الفصل تعريب كتاب تركي كانت أنفذته الأميرة الفاضلة إلى عبد الحميد، ~~فغصه وأسهده ، وسيبقى حجة عليه في كتاب تاريخه إلى آخر عهد الناس بالدنيا. # الكتاب كانت أنفذته الأميرة من القاهرة في 22 أوكتوبر سنة 1896، وذلك حين جاءها أن ~~عبد الحميد ناقم عليها لحضورها بعض اجتماعات مؤتمر تركيا الفتاة الذي التأم في تلك ~~الأيام بباريس. وقد تتابعت الوشايات يومئذ لعبد الحميد تحرضه كلها على الأميرة، ~~وكانت حجة المستبدين في تخطئة فاضلة الشرق أنه لا يجمل بعقائل الإسلام أن يسافرن إلى ~~بلاد النصارى ويخالطن أعداء الخليفة، ولو رزقهم الله أقل ما يرزق عباده من عقل أو إنصاف ~~لفاخروا بها النساء من سالفات ولاحقات، ولقالوا إن التي خطبت الناس يوم الجمل لم تأثم، ~~وقد أدى ذلك إلى سفك الدماء، فكيف تأثم من حضرت مؤتمرا ألف ليستخلص الوطن من يد ~~قاتله؟! # صورة كتاب الأميرة الفاضلة إلى عبد الحميد نقلا عن جريدة «حذام» التي كان يصدرها ~~شقيقي يوسف حمدي يكن: # القاهرة في 22 أوكتوبر سنة 1896 # مليكي # قرأت مع الأسف الشديد في جرائد أوروبا التي وردت في هذا الأسبوع أن مولاي ~~الأعظم غاضب علي غضبا شديدا، وعلمت أن السبب في غضبه حضوري مؤتمر «تركيا ~~الفتاة» الذي عقد بباريس؛ ولهذا أرجو الإذن لي ببيان ما يدور بخلدي في هذا ~~الباب. # إن استهدافي للغضب الملوكي ليس بالأمر الحادث، ولكنه مستمر منذ أربع سنوات، ~~وإذا وجب أن يميز من حل بهم ذاك الغضب سهل تعيين الفئة التي ينبغي أن أحشر في ~~عدادها. غير أن حضوري مذاكرات هذا المؤتمر ليس تذرعا للشهرة؛ فهو إذن منزه ~~عن كل غرض ذاتي. # يذكر مولاي الأعظم أنه قال ذات يوم للمرحوم خليل باشا شريف: «إني مغرم بكلمة ~~الحق.» ولقد بشرني المرحوم بهذه البشارة الملكية، وتعاهدنا كلانا منذ ذلك ~~ألا نحيد ms105 عن كلمة الحق. # قرأت ما ينشره هذا المؤتمر من زمن مديد، واطلعت على اللوائح التي رفعها إلى ~~الأعتاب الشاهانية. ولما كانت هذه المنشورات بمثابة كلمة حق في وصف الدمار الذي ~~بانت فيها الممالك المحروسة الشاهانية؛ رأيت أن أحضر مذاكرته عند نزولي ~~بباريس. # فشهدت من الجميع منتهى الود والولاء للمقامي الملوكي وللوطن والأمة، ورأيت ~~الجميع باكين لحال الوطن الذي بات على شفا الفناء، فهاجني ذلك وتذكرت أن مولاي ~~كان مغرما بكلمة الحق، فظننت وا أسفاه أنه ربما تسلى عن ذاك الغرام. ولكن ~~هز فؤادي ما عاهدت الله عليه وأيقنت أن العشق يزول والعهد يبقى. # لما زرت الآستانة منذ أربع سنوات أوصاني بعض المقربين بأن أرفع إلى مولاي ~~عريضة أستقيل بها من هفواتي. ولما لم يكن لي علم بهفوة تكون سبقت لي لم ~~أقدم على هذا الأمر؛ فقد تغيرت سياسة مولاي مع الإنكليز وذهب الرضاء الذي كان ~~توسط لي في نيله المرحوم السير هانري لاير. وإني لأتلقى بكل ارتياح توسط ~~الإنكليز لي في إحراز رضاء مليكي. بلى، أشكر اليوم ما أصابني من الغضب الملوكي، ~~وإن في بعدي عن مشاهدة ما وقع بالآستانة من الزلازل وما نزل بالرعية من الفقر ~~وما جرى من دماء المظلومين الذي ذبحوا كما تذبح الأضحية وعن سماع استغاثات ~~المظلومين وتأوهاتهم ما يسليني وما أحمد الله على بعدي عنه. وسأستمر لذا على ~~العمل بنص الأمر الملوكي الذي أبلغتنيه الحكومة المصرية غير رسمي ما دامت لي ~~الحياة. # على أني لا أبرح داعية بطول عمر مولاي وبقاء دولته، ولا أبرح داعية بأن يعود ~~له سالف غرامه بكلمة الحق. فإذا قدر الإله ليزولن بؤس اليوم كما تزول ~~الرؤيا المفزعة، فيصبح سعيدا مهنأ، ويلفي رعيته في رغد بالاتحاد والحرية؛ ~~فإن رعيته لا تريد منه إلا أن يكون أبا مشفقا. لعلي تجاوزت الحد وأسأت ~~البيان، فلست أدري مبلغ وقع ما أتشرف بعرضه. فليثق مولاي أن كلام أصدق عبيده في ~~زماننا هذا لا يختلف عما جرى به قلمي، وليوقن مولاي أن ورقتي لم تسطر إلا ms106 بخالص ~~النية وصادق الولاء. # بنت المرحوم مصطفى فاضل باشا المصري # خادمتك # نازلي # أميرة ورثت فضل أبيها كما ورثت مجده، تقيم أمثالها بظل شاهقات القصور، يسحبن ذيل ~~الإمارة مختالات في حلل التيه، تسفر في سماء معاليها على الوطن فتكسوه نورا! لعمرك ~~لهي واحدة الشرق وسيدة السيدات المتحجبات. # وصل كتاب الأميرة إلى يد عبد الحميد، وكم كتاب قبله لم يحرك له نخوة ولم يبعث له ~~همة! لقد أسكن الله بين جنبيه روحا أعوذ بالله أن تكون من روح عبد المجيد؛ هي روح ~~أجنبية عن المعالي، يزهقها الحق ويحرقها الحلم، هي وسواس يحرك جسدا لا يحلو على أديمه ~~نعمة من نعم الله. فلما استقرأ الكتاب استشاط غضبا واربد وجهه وغلب عليه طبع أكلة ~~البشر، فلو كانت الأميرة عنده ساعة رنت في آذانه كلماتها لنشب فيها أظفاره وأنيابه، ~~ولكنه اكتفى من الانتقام بما خص الله به أهل العجز من المجبنين، وحقد حقدا لا تزيله ~~من صدره تقلبات الأيام. وما زال يتلطف في استدعائها إلى الآستانة واعدا إياها الخير ~~والمزيد حتى أجابت دعوته بعد سنة 1898 على وجه التقريب. # فتقدمت الأميرة إلى الآستانة ونزلت فيها بمنزل الجنرال أحمد جلال الدين، ثم دعاها إلى ~~«يلديز» فأكرم وفادتها وأظهر لها ما لا يكنه فؤاده، فلما عادت إلى مصر ظن أن قد ~~أصبحت في عداد أعوانه، وأنه إذا شاء حارب بها أعداءه دعاة الحرية، فخاب ظنه، وندم إذ ~~أفلتها من يديه بعد أن حسبها وقعت في حبائله، فلم ينفع الندم. ولقد بلغ بغض عبد الحميد ~~للأميرة الفاضلة أن خاف رجاله أن يذكروا لها اسما في القصر كلما أتى ذكرها في جريدة من ~~جرائد أوروبا. ولقد كدت ألقى حتفي يوم كتبت للأميرة خطابا أنفذته إليها من الآستانة ~~بعد سفرها، فلا أدري كيف علم بها الجواسيس وأخبروا به عبد الحميد، وأحمد الله إذ لم يكن ~~بذلك الخطاب شيء من السياسيات. ومنتهى ما لقيت يومئذ أني سئلت عما يدعوني إلى ~~مراسلة الأميرة، فقلت لمن سألوني إن بيتي ينمي إلى بيتها؛ فهي ms107 الأصل وأنا الفرع، وقد ~~دام اتصالنا بوالدها المرحوم ما عاش أبي وما عاش أعمامي، ولم نبرح مخلصين لهذا البيت ~~العالي ما شاء الله. # وأعجب ما في السياسة الحميدية أن أعوان عبد الحميد أنفسهم كانوا يسخرون منه ليستمطروا ~~هباته، فكان أكثرهم يكذبه فيما يشي به إليه، فيزعم له أن عنده أنباء الأميرة وأنه بث ~~عليها الأرصاد ليستطلعوا له أسرارها، وكان عبد الحميد يصدق ذلك. # ولولا أنفة وحكمة فطرت عليهما بنت الأمير الفاضل، وصدق ود من الجنرال أحمد جلال ~~الدين؛ لتمكنت مخالب الظالم من ذلك الفؤاد الكريم، ولأصابه ما يصيب كل ذي رأي من ~~الهفوات التي لا ينسيها توالي الأعصار، ولكنها نبذت كل وعد واستحقرت كل وعيد، وجاءت ~~تاركة عبد الحميد يندب خيبته في سبيل التغلب عليها. # | الجنرال أحمد جلال الدين # كان ينبغي علي أن أذكر هذا الفصل في طالعة الكلام على رجوعي إلى الآستانة؛ فإن ~~الجنرال أحمد جلال الدين كان الوسيط بيني وبين عبد الحميد؛ وهو الذي نزلت على داره حين ~~قدومي الآستانة؛ وهو أول رجل قابلته في تلك السفرة. غير أنني تجاوزت عن الإطالة وطويت ~~ذكر أشياء لا فائدة تحتها، فليس لها شأن يستلفت نظرا أو يسترعي سمعا. # إني رجعت إلى الآستانة ثقة بوعد أحمد جلال الدين ألا يصيبني بها هوان، فقلت حسبي ~~وعده. ولقد قال لي: إذا رأيتني لا أقدر أن أذود عنك مكروها تلطفت في خلاصك وإخراجك من ~~الآستانة. وكلام أهل النجدة ينبعث من الفؤاد وعلى قدر جرأة المرء يكون صدقه، وأحمد جلال ~~الدين جريء الجنان لا يروعه مخوف وإن جل ولا يملأ عينيه خطر وإن عظم. # رأيت هذا الرجل بموضع لا يرومه المتطاولون، منيع الحمى، مرهوب البطش، نافذ الكلمة، ~~يقيم في بيت تزدحم على بابه الأفواج، فمن حله أمن غارات المطاردين وبات بموئل لا ~~تطول إليه ولا يد عبد الحميد. هذا كلام ربما حسبه قوم مبالغا فيه. كل من أقام بفروق ~~شهرا واحدا عرف ذلك، وإنما ثبت قدمي الرجل في موقفه احتقاره الموت وازدراؤه بما ~~كان فيه ms108 من جاه رفيع. ولقد حلت به نكبة عبد الحميد قبل ذلك، فشد وثاقه وصاحت السلاسل ~~على ساعديه وقدميه، ونفي إلى حلب وأقام بها ما شاء الله أن يقيم، فنصره حقه وخذل ~~أعداءه باطلهم. # هذا رجل رباه السلطان المستبد، أخذه صغيرا لا يميز الخير من الشر، وأظله بظله ~~وقيده بقيوده. فلو نشأ ظالما مثله سفاكا للدماء كذوبا حولا قلبه لمهد له ~~العذر تعوده ذلك، ولكنه غلبت عليه البداوة الحرة، وللبداوة حرية ~~لا تطاولها حرية التمدين، فغلبت نفسه على وساوس ~~الغرور ونزق الشباب، وعاش صحيحا بين جرب، وللدهر من العجائب ما لا ترقى إليه العلل. ~~غير أني آخذته على أمور وددت لو سلم منها؛ فقد رأيته مطواعا للمخادعين، آمنا عواقب ~~الفتنة من قوم كان واسطة عقدهم وملتقى أهوائهم، ورأيت ذكاءه في التمييز بين الناس دون ~~ذكائه الذي يقدم به على المخاوف. وهذه خلال تؤذي الأحرار وتحرم أكثر الرجال أن يجتنوا ~~ثمرات مساعيهم. على أن أصلها عدم المبالاة والإهوان بالحوادث. # ثم إن أحمد جلال الدين لم يتخرج من مدرسة ولم يتعلم من العلوم ما إذا أضيف إلى ~~ذكائه الفطري زاده رونقا وحباه كمالا، كل ما عرفه عرفه تجربة وممارسة. وقد تعود ~~الأناة وروض نفسه على مجانبة الطيش. فإذا جرى في مجلسه كلام على أمر لا يعرفه أمسك عن ~~الخوض فيه، ولم يتعسف الرأي كما يتعسفه أكثر الناس، وإذا تكلم في أمر سبق إليه علمه ~~أعجب به سامعوه إعجابا. # ولما امتحن عبد الحميد صدق ربيبه وجرب إصابة رأيه رمى به الدواهي ففرج له غماءها ~~وأزاح مخاوفها، فكان يتكل عليه في شدائده ولا يحبه، وما أحب عبد الحميد أحدا من الناس ~~ولا أبناءه الذين من صلبه. ولقد عرف لدى العثمانيين باسم «سر خفية»، ومعناه رئيس ~~الجواسيس، وكان ذلك من حظ المظلومين، فكم أنصف منهم من حاق به الظلم، وكم أغضب عبد ~~الحميد ليرضي فقيرا لا يملك قوت يومه، وما عهد الناس عليه تجسسا ولا عرفوا له ~~مثلبة تشبه التجسس، والرجل لا يملك اليوم لنفسه ضرا ms109 ولا لغيره نفعا، ولو افتريت عليه ~~كذبا وبهتانا لما لحقني منه سوء. غير أني أقول لا مرتقبا جزاء ولا طالبا شكورا. ~~لعمري لنعم الرجل الهمام أحمد جلال الدين. # ولا أنسى ما سمعت منه كثيرا بمحضر من حاشية عبد الحميد من الكلام الذي يتجاسر عليه ~~حر من الأحرار. ولقد دعاني ذات يوم إلى منزله وقال لي: بلغني أن قد جاء الآستانة شاب ~~ممن كانوا في جنيف، ونزل متنكرا بمكان في «بيرا» لا أعلم أين هو، والأحرار لا يخفون ~~عنك أنفسهم، فاذهب وفتش عليه حتى تجده، فقل له إن فلانا يهديك سلامه ويقول لك إنه ~~اتصل به أن جماعة من الجواسيس يفتشون عنك. فإذا وجدت سبيلا إلى داري فلا تبطئ في ~~الالتجاء إليها، وإذا تعذر عليك ذلك قل إني استدعاني أحمد جلال الدين، وأنا لا أذهب ~~إلا مع رجاله. فقضيت يومي أسأل عن الشاب الذي ذكره لي فلم أجد له أثرا، وأخبرته بذلك ~~في المساء فغمه الخبر، وقال: سأبذل كل مرتخص وغال في معرفة مكانه لأجعله في مأمن من ~~شر أعدائه. # وكانت العداوة بلغت مبلغ الكمال بيني وبين أبي الهدى، فجاءني منه الوعيد بعد الوعيد، ~~وكنت كتبت في سيئاته فصولا نشرت بجريدة الرائد المصري الذي كان يصدرها بمصر صديقي ~~القديم نقولا أفندي شحادة، وانتحلت لنفسي إمضاء زهير؛ إذ لا يصح لموظف في الحكومة أن ~~يراسل الجرائد. وقد قلت قصيدة خاطبت بها عبد الحميد أذكرها ها هنا إيثارا ~~لواقعتها: # ألا اقتل، أمير المؤمنين، أبا الهدى # فقد جار في الإسلام ما جار واعتدى # سعى مفسدا بين الرعية جاهلا # فلم يستطع ثم استطاع فأفسدا # تظن به خير ولا خير عنده # وما هو إلا الشر في جبة بدا # رفعت، أمير المؤمنين، مكانه # ليرشد للحسنى وما كان مرشدا # فأكبره قوم ودانوا لأمره # وأصبح يدعى في البرية سيدا # يقول غدا يرجو خلافتي الورى # ومن ذا الذي يرجو خلافته غدا # عفاء على العلياء إن رضيت به # وويل على الأمجاد إن هو مجدا # يهددني بالبطش لا در دره # ويعلم أني ms110 لا أبالي مهددا # كأني لم أنصب له أمس غارة # أقام لها الدنيا بكاء وأقعدا # ولم أرم فيه من سهامي صائبا # ولم أجر فيه من سيوفي مجردا # بلى رعت منه مهجة ذات مرة # وأوقدت فيها الغيظ حتى توقدا ~~... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... # فغصته هذه الأبيات فما ساغ له ريق، وأقذته فما اغتمض له جفن، وأذكى علي العيون ~~والأرصاد، وأتبعني بجماعة من رجاله ليوقعوا بي في غرة مني. فكلمت في أمره أحمد جلال ~~الدين. فإذا قلبه يتلظى عليه غيظة وحنقا، فقال لي: هون عليك الأمر، فالخطب أصغر ~~مما تظن، ودعني أنازله بالبأس ونازله أنت بالقلم. # قلت: هذا رجل شديد الوطأة على خصومه، صعب الكريهة، سابغ الدروع، تصرد سهام راميه ~~وتصيب سهامه. فنظر أحمد جلال الدين إلي نظرة ملؤها الأسف وقال: كنت أحسبك أعظم جرأة ~~مما أرى. # قلت: عندي رسالة صغيرة كتبتها، اسمها «الخافي والبادي في فضائح الصيادي»، وأريد أن ~~أطبعها بمصر. # قال: نعم الرأي، ولكن على ألا تتعرض للسلطان؛ فإني أخاف أن يبطش بك. أما أبو الهدى ~~فلك أن تقول فيه ما تريد على ألا تذكر شيئا غير الحق؛ فإني رجل لا أحب النصر ~~بالباطل. هنالك كتبت رسالتي وبعثت بها إلى مصر مع أخي يوسف حمدي يكن، فطبعت، فباع ~~الطابع رحمه الله نسخها. وقد بيعت النسخة الواحدة منها بجنيه، وبقي لي ولأخي من الكسب ~~تعب الكتابة والطبع. # ولقد زرت الجنرال أحمد جلال الدين باشا يوما، فرأيت عنده الميرآلاي الدكتور عزت بك، ~~وكان عالجني في سفرتي الأولى إلى الآستانة، فلما رآني أحمد جلال الدين قال للدكتور: ~~أعد على ولي الدين ما كنت تقوله لي الساعة. فوجم الرجل، فقال له أحمد جلال الدين: ليس ~~من الرأي أن تخاطبني في رجل وهو غائب وأن تسكت وهو حاضر، وأنت لا بأس عليك، وما على ~~الرسول إلا البلاغ. # قال عزت بك: إن أبا الهدى أرسلني إليك لتأذن لولي الدين في الذهاب إليه؛ وهو يقول لك: ~~لا تخف عليه، إنه بمنزلة ولدي ولا يصيبه عندي سوء، وما أدعوه إلا لأعاتبه عتاب الآباء ms111 ~~للأبناء. # قال أحمد جلال الدين: أعدت الآن رسالتك بمسمع من غريمك، وها أنا ذا أعيد جوابي لك ~~بمسمع منه أيضا. بلغ عني أبا الهدى أن يده لأقصر من أن تصل إلى ولي الدين بشر، ~~وأنا لا أمنع ولي الدين عن زيارته إذا هو شاءها، ولكنني أمنعه بعد ذلك أن يدخل لي ~~بيتا. ثم التفت نحوي وقال: وأنت ماذا تريد؟ # قلت: أرى ما تراه. # ولقد أظهر أحمد جلال الدين من النخوة ما أوثره له مع أجمل الثناء. أما عزت بك فرجع ~~إلى أبي الهدى وأخبره الخبر، فوقع على فؤاده كالسهم إذا أصاب صميمه، وسكنت عواصف الغضب ~~في فؤاد عدو لو ظفر بي لأحرقني بالنار. # وكان بنفسي شيء في رجوع مراد الداغستاني إلى الآستانة. وقد اختلفت الروايات فيها، ~~فزعم جماعة أن عبد الحميد استرضاه، وقال آخرون: لا بل التمس هو من الأسباب للرجوع حين ~~نفدت دراهمه. وإذ كان رجوع الداغستاني هو على يد جلال الدين سألته يوما أن يخبرني بما ~~وقع، فأخبرني أن عبد الحميد استدعاه ذات يوم وقال له: رأيت أن أؤخر إعلان الدستور إلى ~~أجل غير محدود؛ وذلك لأن الأمة لم تكن متهيأة له، فأما وقد عرفت مزاياه وظهر من أبنائها ~~من يهجرون أوطانهم ويستصغرون المهالك في طلبه، فقد آن لنا أن نهبهم طلبتهم. ولكن هذا ~~لا يتم وفي أوروبا مثل مراد وغيره يملئون الصحف ويواصلون الجهاد، ومثلي لا يرضى بأن ~~يقول فيه الناس إنه خاف جماعة من رعيته خرجوا عليه فأعلن الدستور مكرها لا راضيا. ~~فاذهب إلى هؤلاء الناس وقل لهم أن يرجعوا إلى بلدهم، وليمر على رجوعهم بعض الشهور وأنا ~~أحلف لك بشرف المتقدمين من أجدادي أني أعلن الدستور بعد ذلك. # قال أحمد جلال الدين: فخرجت من عند عبد الحميد وأنا أكاد أطير فرحا، وقلت في نفسي: ~~لا يوثق بكلام هذا الرجل ولكنه آلى يمينا لا يحنثها أبدا. فأدركني الحاج علي باشا ~~رئيس قرناء السلطان إذ ذاك وقال: أمرني مولاي أن أبلغك صدور الإرادة إلى البنك العثماني ~~باعتماد ms112 كل ما تطلبه من المال على حساب السلطان، فتبسمت له ابتسامة ازدراء عرف المراد ~~منها، وخرجت ولم أجاوبه بشيء، ولما التقيت بمراد الداغستاني ورفاقه قبل مراد بغير شرط، ~~إلا أن رفاقه طلبوا المال وقالوا إن علينا ديونا ولا نستطيع أن نسافر قبل قضائها. ~~ومنهم من رضي أن يكف عن الكتابة في طلب الدستور على أن ينقد مالا يعيش به في ~~أوروبا، وألا يكره على العودة إلى الآستانة. فأديت سفارتي وقلت إنني لم أكلف بسماع ~~اقتراح. وقلت لهم: أنا لا أحب الدخول في أمور مالية، ولكنني سأكتب إلى السلطان مطالبكم، ~~ولا أدري إن كان يرضاها أم يأباها، ولما جيء لي بالكتاب وقد كتب على ما يريدون أمسكت ~~القلم بيدي وقلت: وددت لو انكسرت يميني ولم أكتب مثل هذا الكتاب. أما مراد الداغستاني ~~فلم يرض بالمال الذي أمر به السلطان، ولكنه اقترض مني ألفي فرنك ليشتري بها بعض ~~الهدايا لبنتيه، وتم الأمر ورجع مراد إلى الآستانة. # وقد أنفق أحمد جلال الدين في سفرته هذه من ماله الخاص نحو العشرين ألف جنيه، ولما ~~سئل عن مقدار ما أنفق قال: لم أعده إلى الآن. إن هو إلا قطرة من جود مولاي ~~السلطان. ولم يستعض عن ذلك كثيرا ولا قليلا. # وإذ وفق الله أحمد جلال الدين إلى استرجاع أكثر الأحرار واستراح عبد الحميد قليلا ~~من سهر الليالي ومراقبة العباد، وبقي جواسيسه لا يتهمون إلا رجالا ممن لا يخرجون من ~~أسوار الآستانة؛ راع ذلك حساد جلال الدين وقالوا: لقد فاز عند السلطان أيما فوز، فلا ~~تنفع فيه الوشاية ولا يضره الحسد، ولكن المحاسدين لا يملون والأعداء لا يغفلون. وقد ~~عرف ذلك أحمد جلال الدين قبل وقوعه، فقال للأحرار الذين خاطبهم في ترك النضال: إني منذ ~~اليوم من الهالكين؛ أسعى لأرجعكم. وهذا السعي ينفعكم ولا يضركم ويشرح صدر السلطان، غير ~~أن لي أعداء سيجعلون نجحي وبالا علي. وقد صدق فأله وجعلوا نجحه وبالا عليه، وذكروا ~~عند عبد الحميد أن أحمد جلال الدين لو لم يكن متواطئا مع ms113 الأحرار لما استطاع إسكاتهم. ~~وكيف خاب غيرهم في مخاطبتهم وأفلح هو؟! ولم يثق الأحرار بكلامه ولا يثقون بكلام ~~غيره؟! فصدق عبد الحميد هذه الأكاذيب وقلب لأحمد جلال الدين صفحته لما رابه أمره، ~~فأذكى له العيون والأرصاد وأقصاه عن حظوته، وتخذه لنفسه محاربا ولسطوته ~~مغالبا. # شهدت كل هذا بعيني وأنا إذ ذاك بالآستانة أزور منزل جلال الدين وأغشى مجالسه، ولو ~~بلي غيره بما بلي لنجا بنفسه من بين تلك الشدائد، ولاطرح عن كاهله أعباء ينوء بها ~~كل قوي النفس صبور على المكاره. # رأيت قوما يطرقون باب هذا الشهم ويتهافتون على موائده ويتخاطفون هباته، ثم يرمونه ~~بسهام لا تخطئ. وقد رأيت أحمد جلال الدين قليل التفرس؛ وأهل الجرأة لا تفرس لهم، ~~وإنما يتحرى البواطن ويستقري السرائر كل قلق الجأش مستطار الفؤاد. فإذا استرسل جلال ~~الدين في حديثه لم يبال بمن حضر مجلسه من الناس كراما كانوا أم لئاما. وقد يبلغ عبد ~~الحميد أن جلال الدين قال فيه كذا وكذا، وأنه نال منه بحضرة كثيرين، فيسر له الحقد ~~ويضمر له الانتقام. ولقد انتقم منه بأن سلط عليه فهيما المشهور، كان رجاله يطوفون بيت ~~جلال الدين ليلا حذرين خائفين أن يحس بهم أحد ممن في البيت فيطول همهم. # | الشيخ محمد ظافر المدني # لعل قراء كتابي لا يجهلون الشيخ محمد ظافر ولا سيرته. غير أن أكثر ما يقال عن ~~الأخيار كما يقال عن الأشرار، كله غلو وجله بهتان. وقد سمعت الناس يتكلمون كثيرا ~~عن هذا الرجل من قادح ومادح، فأما القادحون فأنصار أبي الهدى ولا يجوز الاعتماد على ~~كلامهم، وأما المادحون فأنصاره هو ولا يصح أيضا الوثوق بكلامهم، فكان الصواب أن ~~أبلوه وأختبره بنفسي. أردت ذلك كثيرا ولم أتمكن منه إذ لم تأت الفرص بما يجمعني ~~وإياه، وأنا رجل قليل الجرأة على الناس، لا أقدم على غشيان منازلهم إن لم يسبق بيننا ~~تعارف، وما زلت أسكن ما بقلبي من هذا الشوق حتى حان الحين، فجاءني ذات يوم رجل من ~~معارفي يخبرني أن آل ظافر يودون ms114 التعارف بي، وأنهم معجبون بما هجوت به أبا الهدى، ~~فسرني ما بلغني ولكن إعجابهم بهجائي أبا الهدى أحدث في قلبي الريب، فقلت لصاحبي: ~~سأنظر في ذلك، على أني أخبرك مذ الآن أني لا أحب أن أكون البادئ بالزيارة. إن أولي ~~الجاه والحظوة يزدرون بالمتطفلين عليهم. فإذا بدءوني ألفوني أهلا لمودتهم . قال: لك ~~علينا ذلك، ولولا ثقتي منهم بشدة الرغبة إليك لما فاوضتك في ملاقاتهم ولا حببت إليك ~~مخاطبتهم. ثم فارقني الرجل غير ضارب ميعادا لتلك الزيارة ولا لعودته إلي، ومضت على ~~ذلك أيام قلائل، وفي أصيل ذات يوم وقفت أمام باب داري عربة خرج منها ثلاثة رجال، فعرفت ~~أحدهم وهو ذلك الرجل الذي كان عرض علي زيارة الظوافر. أما رفيقاه فلم أعرفهما بادئ ~~بدء ولكني فطنت أنهما أو أن أحدهما لا بد أن يكون من أبناء الشيخ محمد ظافر. # فلما أدخلوا علي قال دليلهم مشيرا إلى النحيف منهما: هذا عطوفة مصطفى بك ظافر. ثم ~~أشار إلى البادن وقال: هذا محمد أفندي الأسير نجل العلامة الشهير الشيخ الأسير صاحب ~~الأسفار الجمة التي عرفها العلماء. فكان مجلسنا مجلس صفاء، منزها عن الغيبة ~~والمفاخرة والكبرياء. ولم يشأ مصطفى ظافر أن يبادرني بذكر شيء عن أبي الهدى، وتعمدت ~~أنا أيضا الصمت عن ذكره، وجعلت أنشد لهم بعض قصائدي وأقص عليهم ما حضرني من ~~الأخبار؛ فلم يطق محمد أفندي الأسير صبرا ورأى أن يجسني بشيء من دهائه، فقال: يزعم ~~بعض الناس أن أبا الهدى ناقم عليك كثيرا، وأنه لا يهنأ له عيش دون الإيقاع بك؛ فلقد ~~آلمه ما كتبت عنه في الجرائد، وأظنه الآن يتدبر لك مكيدة يكفى بها شرك. # قلت: له أن يصنع ما يشاء، ولي أن أصنع ما أشاء، وأشقانا من إذا ظهر خافيه استعصى عليه ~~الجدال. أنا لا أزاحم أبا الهدى على مقام، ولا يجوز أن يكون بيننا تنافس؛ فهو ولي ~~السلطان وأمينه وأنا أحد أفراد الرعية. وهو درويش من الدراويش وأنا رجل من رجال القلم ~~وموظف من موظفي الحكومة. على أني ms115 أحاربه لا مختفيا ولا خائفا؛ فإن كان عنده ما يبطل ~~به كلامي فليأت به، وإذا لم تكن لديه حجة تدحض ما أقول فليربأ على ظلعه: ما تقول إلا ~~الحق، ولكن من لهذا الذي تنازله أن يدين للحق، ولو أنصف لاستراح وأراح، غير أني سائلك ~~عن شيء أود ألا تبخل علي بجوابه، ولئن كان العهد بمعرفتك قريبا فليس العهد ~~بمعرفة فضلك قريبا. ~~- هات ما يعن لك. فإذا كان مما أعرفه أرضيتك بالجواب. ~~- يقولون إن عندك صكا بخاتم محمد قدري العثماني، كتبه على استلام مبلغ من الدراهم ~~أنفذها إليه أبو الهدى، وبتلك الدراهم أعيدت جريدة «القانون الأساسي العربية» بعد أن ~~عطلها صاحبها لضيق ذات يده. فإذا كانت هذه الرواية صحيحة أرى أن تدفع هذا الصك إلى ~~سيدنا (يريد الشيخ محمد ظافر)؛ وهو يرفعه بنفسه إلى السلطان وتكون لك من وراء ذلك فائدة ~~تجني ثمراتها ما دامت لك الحياة، ويلقى أبو الهدى من العقاب ما هو أهله. ~~- نعم الرأي، ولكن الصك الذي تسألني عنه كان عندي، ثم مزقته وأنا قادم إلى ~~الآستانة. قلت ربما فتشوني في الكمارك فوجدوا علي هذه الورقة فيحل بي من غضب ~~السلطان ما لا أحب. ولو كان هذا الصك بيدي الآن لما رضيت الانتفاع به، نحن قوم لا نعرف ~~التجسس ولا نحسن السعاية، ولأن يفوز علينا أعداؤنا خير لنا من أن نفوز عليهم بمثل هذه ~~السعايات. وفيما أكتبه ويقرؤه الناس ما يغني عن تعسف الحيل ومغالبة الرجال بالدنايا. ~~فقرأ مصطفى ظافر في وجهي الضجر، فأومأ إلى صاحبه ليكف، ولما هم الثلاثة بالانصراف ~~تقدم نحوي مصطفى ظافر مصافحا مصافحة ود، وقال: والدي مشتاق إليك؛ وهو شيخ كبير لا ~~يفارق البيت كثيرا، فلو زرتنا يوما لزرت دارا تسعد بقدومك. ولنا مجالس طيبة لا نغتاب ~~فيها أحدا ولا ننطق فيها بشر. فوعدته بذلك وجعلت الميعاد يوم الجمعة. وذهب القوم ~~وبقيت وحدي، فقلت: يا سبحان الله! إذا كان الظوافر على ما رأيت من محمد أفندي الأسير ~~فقد ساء فيهم ظني. نعم إن أبا ms116 الهدى رجل سوء وينبغي أن يحارب بكل سلاح ينفع في حربه. ~~أما اللؤم فلا قبل لي به، وإذا كنت أريد أن أحاربه بمثل سلاحه فخير لي أن أسالمه وأن ~~أنتفع بجاهه وكلمته. على أنني لا آمن على نفسي الخطأ في الحكم إذا زعمت أن ما يقوله ~~الأسير يقوله محمد ظافر نفسه. هذا الأسير صنيعتهم ويجب أن يتقرب إليهم بإظهار الود ~~والإخلاص، وربما استوجب عليه كلامه هذا لوما وتأنيبا حين يرجع ما ابن الشيخ. # فلما كان يوم الجمعة استصحبت الدليل الذي سبق ذكره وقصدت إلى تكية الظوافر الكائنة ~~على يسار شارع «يلديز» بالآستانة. فإذا بناء شامخ الأركان رحب المكان، تحيط به قضبان ~~الحديد، فخم ظاهره عار عن الزخرف باطنه، فسعى بنا خدام التكية إلى حجرة واسعة، ولم يطل ~~بنا الانتظار، وإذا شيخ أبيض اللحية متوسط القامة أكحل الناظرتين وسيم المحيا، يسنده في ~~مشيه خادمان له، فأشار إلي صاحبي بأن الداخل هو الشيخ ظافر، فدنونا منه فحيانا ~~وحييناه، وجلس وجلسنا إليه، فأقبل علينا بحديثه، وقال إنه سعيد برؤيتنا، وكان صاحبي ~~عالما بما ينبغي أن يخاطب به حملة العرش والمقربون، فقال: كدنا والله ننهب الأرض نهبا ~~شوقا إلى مولانا، وما خاطبت ولي الدين في زيارته لمولاي إلا ورأيت به من الشوق ما لا ~~يبالي به المرء الشدائد. فتبسم لنا الشيخ وقال: حفظكم الله. # وكان بعض الشياطين أخبرني أن أحد الدراويش قال ذات يوم للشيخ محمد ظافر: إني رأيت ~~مولاي في منامي جالسا على يمين الله والملائكة بين يديهما خشع الأبصار. فاعترض على ~~كلامه أحد الحاضرين، فقال له الشيخ: دعه، إنما ينطقه إخلاصه ويريه إخلاصه. ومن صفت ~~سريرته قرب عند الله مكانه. فقلت في نفسي: أمتحنه. فإذا كان كلام الراوي صحيحا علمت ~~ذلك من حديثه وإذا كان كذبا تبينته، ولكن الشيخ سبقني إلى السؤال فقال لي: هل تأتيكم ~~من مصر جرائد؟ ~~- لا؛ فإني لم أطلب لأرباب الصحف أن يرسلوا إلي صحفهم؛ فإني أخاف أن يتذرع بذلك ~~بعض أعدائي إلى ما يطيل همي. ~~- نحن أيضا ms117 لا نقرأ الجرائد، ولكن بعضها يأتينا على سبيل البركة، وابني مصطفى ظافر ~~يحب المؤيد كثيرا؛ وهو يقول إنه أكبر جريدة عربية بل أكبر جريدة شرقية، وكل من قرأ ~~المؤيد شهد لصاحبه بالفضل. وقد بلغني أنه من أكبر الشعراء وأن كلامه كله سجع لا تكلف ~~فيه. # وقد كان المرحوم عبد الله النديم يمدح لنا المؤيد، وأخبرني عزت بك (عزت باشا العابد) ~~أن جرائد مصر كلها تعترف للمؤيد بحق السبق، وقال لنا: لولا الشيخ علي يوسف لأعلن ~~الإنكليز امتلاكهم مصر. # فجعلت أستمع هذا الكلام من الشيخ الجالس أمامي، ولاحت مني التفاتة إلى صاحبي الذي جاء ~~بي إلى التكية، فرأيته مطرقا خجلا، وقد ساد بيننا السكوت دقائق معدودة، وإنا لكذلك ~~وإذا بمصطفى بك ظافر قد دخل علينا، فحيانا واستأذن والده في الذهاب بنا إلى حجرته، ~~فأذن له، فدخلنا حجرة رأيت بها شيخا آخر ينطق الشيب على مفرقه ولحيته، فتبادلنا السلام ~~والمصافحة، ولما استقر بنا الجلوس أومأ مصطفى إلى ذلك الشيخ وقال: الأستاذ العلامة ~~الشيخ إبراهيم السنوسي من سادات المغرب، هو ضيفنا الكريم ومن المغرمين بشعرك. فأجبت ~~مصطفى ظافر بما يوافق المقام، ثم دخل الحجرة رجل أسود اللحية معمم، فدنا مني وأمسك بيدي ~~ووقف أمامي قائلا: أهلا وسهلا بعطوفة البك، حلت البركة، تشرفت التكية، أنا والله ~~محبكم المخلص، الله يطيل حياتكم ويحفظكم، الله ينصركم على أعدائكم، الله لا يخيب لك ~~رجاء، الله لا يسوءنا فيك، الله يعطيك البركة، الله يعلي قدرك، الله يكفيك شر ما ~~تخاف. # فكاد والله ينفد صبري من كلام الرجل ودعائه؛ فقد كان يرتجله ارتجالا غير ساعل ولا ~~متوقف، فبادرني صاحبي قائلا: هذا إبراهيم بك ظافر نجل الأستاذ الكبير وأخو عطوفة مصطفى ~~بك. فقلت: أنعم وأكرم. وأخذنا نتحادث مع الشيخ السنوسي، فرأيت منه رجلا عالما ~~متفقها كثير التعصب، مصدقا لأضاليل الأولين، تمكنه من العلوم الشرعية أعلا ~~قدره في نظري، واستأنست به واستطبت حديثه. ثم خرجنا من التكية بعدما لقينا فيها من ~~الإكرام والترحيب ما لا أستطيع ذكره في هذا الموجز، ومحمد ms118 أفندي الأسير كان يومئذ ~~متغيبا عن التكية، وكثرت الزيارات منذ ذلك بين الظوافر وبيني، فأنس إلي مصطفى ~~ظافر وأخذ يفضي إلي بأسراره ويشكو ما لاقاه من عداوة أبي الهدى له، وكان يقول لي: إن ~~أبي رجل درويش فقير، لا يريد من هذه الدنيا إلا وقتا يعبد الله فيه ويصلي على نبيه. ~~وقد بلغ من الحظوة عند السلطان ما لم يبلغه سواه، فلا نال رتبة ولا رضي وساما ولا طمع ~~في وظيفة يزاحم عليها أهل المطامع، بل عف عن كل لذة وانصرف إلى الله عن كل جاه، ~~وآثر الآخرة على الأولى؛ فهو يحب الفقراء ويجلس إليهم ويستطيب مجالسهم، ولا تمت به نفسه ~~إلى مخالطة الكبراء أولي المطامع. فوالله ما أدري ماذا يريد منه أبو الهدى، وهو مع أبي ~~على طرفي نقيض، تسمو نفسه إلى المعالي ويحب الألقاب ويتعشق الوسامات ويفتتن بحب المال، ~~وهل ينال أبي شيئا يحرم هو منه؟ حسبنا ما نحن فيه، هذه نعمة من الله لا نستطيع أن ~~نوفيه عليها شكرا، فلا نريد أكثر منها ولا أحسن منها. # قلت: يخيل لي أن أبا الهدى شديد الوطأة عليكم، وأنه لا يألو في نكايتكم جهدا، ولكن ~~هل تعلم لذلك سببا؟ فليس من العقل في شيء أن يناوئكم طلبا للمناوأة. ~~- السبب حسد أبي الهدى لأبي؛ يرى السلطان مقبلا علينا برضائه واضعا آلنا تحت ~~حمايته، غير مانع عنا خيرا، فيسوءه ذلك؛ وهو يريد ألا يحب السلطان غيره وألا ~~يقبل بدولته على سواه، وكثيرا ما وشى بأبي ودس له الشر، ولكن نجانا الله من كيده. ~~وكم قال له السلطان أنا واثق بود الشيخ محمد ظافر، معتمد على صدق ولائه، فلا تخاطبني في ~~أمره بما لا أحب. غير أن عادة الشر تغلب عليه، فيسبق لسانه خاطره وينال منا ومن ~~أعراضنا ويرمينا بكل نقيصة، وله رجال يدخلون بيتنا يطئون بساطنا ويصيبون من طعامنا، ثم ~~يذهبون إليه بأحاديث ملفقة يستزيدها هو من عنده ما شاء. ~~- وأنتم ألا تنازلونه كما ينازلكم؟ أبوك له من الدالة على السلطان ما ms119 يمنع بها ~~حماه ويكيل لعدوه مكيالا بصاع. ~~- لما كان المرحوم السيد جمال الدين والمرحوم عبد الله النديم على قيد الحياة كانا ~~يغيظانه حتى تتبادر شئونه من عينيه. ولقد أطالا سهاده وضاعفا همه، فما كنت تسمع له إلا ~~صخبا وعويلا متواصلا وشكايات إثر شكايات يطرق بها باب السلطان. ولما ألف فيه ~~المرحوم النديم كتابه الذي سماه «المسامير» قامت له قيامته وجعل يهدر كما يهدر الفحل ~~إذا هاج، ولو مد الله في أيامهما لعاجلاه بما يلقى به حتفه، ولكن لكل أجل كتاب. ~~وكان السيد جمال الدين إذا ذكره في مجلس السلطان لم يسمه إلا أبا الضلال. ولقد ~~استشاط عبد الله نديم غضبا ذات يوم وكان دعي إلى قصر السلطان، وسئل هنالك أن يكف ~~عن هجاء أبي الهدى والسلطان مطل عليه من كوة يسمعه ويراه، فصاح النديم بأعلى صوته ~~قائلا: لقد قلد مولانا السلطان أبا الضلال وسام الافتخار، فلألبسنه أنا وسام ~~العار يلازمه في حياته ويصحبه إلى قبره بعد مماته، فخاف من بالقصر من وعيد النديم ~~وأخذوا يتلطفون في إسكاته ولم يستطيعوا ذلك إلا بعد جهد أضناهم. # | عزت العابد # قال لي مصطفى ظافر يوما: هل لك في زيارة عزت بك العابد؟ (لم ينل إذ ذاك رتبة ~~الوزارة) فقد رأيته يثني عليك أجمل الثناء، وقال لي إنه يحب أن يعرفك ذاتا كما عرفك ~~اسما. # قلت: هذه فرصة لا تضيع، وما بي غنى عن معرفة أولئك الذين أحاطوا بسلطان ~~العثمانيين، وأضحوا سورا بينه وبين رعيته. # قال: إذن فانهض معي لنزوره. فخرجنا، فلما انتهينا إلى يلديز ولجنا الباب الكبير الذي ~~يدخل منه إلى القصر، وأخذ يسير بي إلى أن انتهينا إلى دائرة عزت. فإذا هو رجل ربعة ~~القامة نحيف الجسم، أسود اللحية باسم الوجه، فتلقى مصطفى ظافر بالترحاب وتقدمت نحوه ~~فسماني له صاحبي، فصافحني وأجلسني بمقربة منه، ثم أراد أن يتمثل ببيت من الشعر فلم ~~يحضره، وجعل لسانه يتلجلج ولا ينطق به، فاختار ترك الإنشاد ورضي بالحديث. # قال: قضى مرضي ألا يهنأ لي عيش بأنس ولا ms120 بشيء من نعم الحياة. وقد أمر مولانا ~~السلطان أن تخصص لي باخرة صغيرة أتنزه عليها في الخليج. فإذا جاء ميعاد النزهة أرسل ~~- أعزه الله - يخبرني بالميعاد، فأنهض إلى باخرتي وأرود بها البوسفور، ثم أعود فأدخل ~~إلى حضرته، فأتملى بتقبيل أذياله وأنصرف بعد ذلك إلى بيتي. غير أن نزهتي هذه لا ~~تسرني كثيرا؛ فقد أظل بالباخرة وحيدا لا أجد من أحادثه، فرأيت أن أخاطب بعض ~~الأحبة أن يزوروني ساعة خروجي لأستصحبهم معي وأخلص من ملل الوحدة. وقد خرجت الآن مع عبد ~~الجليل أفندي، فانشرح فؤادي وطابت نفسي. ويا ليتكما تذهبان معي يوما، هنالك ما يفجر ~~ينابيع الشعر في فؤاد ولي الدين. # قال مصطفى ظافر: إن ولي الدين لا يحب أن يبرح منزله إلا مكرها، وإذا تركت الأمر له ~~فلا تنتظر زيارته إلا نادرا، ولكنني سأحتال في استصحابه يوما لنشاركك في هذه ~~النزهة. # هكذا قضينا نحو ساعة في حديث لا فائدة فيه، والسبب في ذلك أن مكاننا كان مكان خوف، ~~وعلى عزت جواسيس وعلى غيره أيضا جواسيس، وأنا لم أشأ أن أبادئه بذكر شيء تجنبا لما ~~عساه يأتي من جراء كلامي، ولكيلا يحسب العابد أني أذم أبا الهدى تحببا إليه ~~فيتهمني في قلبه بالنفاق وسوء الأخلاق. غير أننا لما أردنا الخروج أمسك عزت بيدي وخاطب ~~مصطفى ظافر قائلا: أرجو أن تأتي مساء يوم مع ولي الدين إلى منزلي لنتعشى معا. فضمن ~~صاحبي له ذلك، وفي مساء يوم من الأيام زارني مصطفى ظافر ومعه ورقة من العابد يدعوه بها ~~إلى العشاء، ويرجوه ألا يألو جهدا في أخذي معه، فذهبنا. فإذا بيت مدخله مفروش ~~بالرخام الملون، فاخر الأثاث حسن الترتيب، فسار بي رفيقي حتى ولجنا حجرة واسعة ليس بها ~~أحد، وإلى يسار الداخل حجرة أخرى سمعنا بها أصوات أناس يتكلمون، فخرج منها رجل وإذا هو ~~عزت، فما وقعت عينه علينا إلا بادر نحوي آخذا بيميني، ثم قال: تعال أقاسمك ما رزقنا ~~الله. هذا جعل للشعراء. أما رفيقك فهو تقي وابن تقي، دعه وحده في ms121 مراقبته. فتبسمت ~~وأنشدت قول الصفي الحلي: # يرنون بالألحاظ شزرا كلما # صبغت أشعتها أكف سقاتها # فأخذ عزت بيدي ودخل بي إلى الغرفة التي سمعنا منها حديثه مع أصحابه. فإذا رجلان ~~أحدهما عبد الجليل أفندي أحد الموظفين بإدارة الريجي، والثاني لا أعرفه، وفي أحد أركان ~~المكان مائدة عليها ما لذ وطاب من العرق الشامي وأنواع الأطعمة (المزة)، فناولنا ~~عزت كأسا وقال لي: قل فيها شعرا ثم اشربها. # قلت: لم أستصحب معي شيطاني، ولا أدري إن كان يهتدي إلى موضعي فيأتيني أم يدعني الليلة ~~أخرس لا أنطق بشيء. ومجمل القصة أننا أصبنا راحنا ونلنا طعامنا، ثم خرجنا إلى الحجرة ~~التي دخلناها أولا، فأخرج عزت من «جيبه» ورقة بها قصيدة (أظنها للفاضل النبهاني)، ~~فأشار إلينا أن أنصتوا وراح ينشدها علينا، فسمعت شعرا غير جيد ولكنني آثرت السكوت ولم ~~أعب منه شيئا، فقال عزت: هذا رجل من رجال أبي الهدى، ولكنه صلي بناره، فلجأ إلى ركني ~~وأنا حميته نكاية بأبي الضلال. آه، ماذا أقول لكم أيها الإخوان؟ أقالني الله من خدمتك ~~يا سلطان يا عبد الحميد، وأذهب الله عني كل عز نلته على يديك، قولوا بالله آمين. فقال ~~الحاضرون: حاش لله أن نجيبك إلى طلبك، هذا دعاء لن يتقبله منك الله، وكم عند مولانا ~~السلطان مثلك من صادق يحبه ويفتديه بحياته! # قال: هذا الذي سيجلب علي البلاء، أنا والله أحبه وأهابه وأعلم أن محبتي له مهلكتي، ~~ثم أية لذة أجدها في حياة كلها خوف ونصب؟! الناس إذا أمسوا رجعوا إلى بيوتهم، فعاشوا ~~بين أهلهم وأحبابهم، وأنا كالضيف في بيتي. لقد أنزع عني ثيابي وأذهب إلى فراشي، فلا ~~أمهل أن تأخذني سنة من نوم إلا والرسل تتبع الرسل يتعجلون ذهابي معهم إلى القصر، فأذهب ~~وأنفي راغم، وكثيرا ما يكون استدعائي لأمر غير ذي بال أو ليسألني سؤالا لا يفيده ~~شيئا، فأظل هنالك ساعات طويلة، وحين أهم بالعودة إلى داري أجد الليل وقد نزع جلبابه ~~ونصل إهابه، فأبقى بالقصر ولا أعود إلى مساء اليوم الثاني. والناس يحسبون ms122 عزت العابد ~~رافلا في حلل السعادة بالغا من العز منتهاه، تعالوا انظروا وحدته في حجرته وكيف تجري ~~مدامعه ثم احسدوه إذا شئتم. # قلت: يا سيدي، هذه حالك من دون المقربين، أم كلهم كذلك معذبون؟ # قال: الشكاية على قدر الأعباء، أما المصيبة فمتوزعة بيننا على السواء، أنت تخرج من ~~هنا وتذهب إلى بيتك فتجلس إلى أهلك أو صحبك، وإذا شئت خرجت إلى معاهد اللهو وصنعت كل ما ~~تشتهيه نفسك، لا يعارضك في ذلك معارض، فمن من رجال القصر يقدر أن يذهب حيث تذهب؟ ~~ومن منهم يجد متسعا في وقته ليأنس إلى أهله أو من يحبهم ولو كان مرة واحدة في ~~الأسبوع؟! هذا ما لا يحلم به أحد منا. ولولا مرضي لما وجدت إلى هذه الراحة سبيلا. ~~وقد أزف الوقت وبلغ السهر مداه، فاستأذنا من مضيفنا في الذهاب وسلمنا عليه وخرجنا، ثم ~~ودعت مصطفى ظافر ورجعت إلى بيتي، فلما خلوت إلى حجرتي أشعلت سيجارتي وجلست أدخن بها ~~وأتفكر فيما رأت عيناي وسمعت أذناي. # فقلت: ويل لهذا السلطان، يقيم خاصته على أبوابه كرها لا رضاء، ولو أمنوا غدره ~~لولوا من قصره طالبين نجاتهم. هذا عزت العابد، أهل الآستانة وسائر أهل الأقطار ~~العثمانية يحسبونه في نعمة ليس وراءها مطمع؛ كل يتمنى لو نال أقل ما نال هو من عز ~~باهر وسلطان قوي؛ وها هو الساعة أمامي تكاد عبرته تسبق كلامه. غير أن ما أشكل علي ~~فهمه ولم أجد له إذ ذاك جوابا شافيا، هو المعرفة بحقيقة عزت؛ أهو خائن كما يزعم الناس ~~أم غير خائن؟ فإن كان ما يزعمون صدقا فما هو الدليل على صدقه؟ وإن كان كذبا فما هو ~~الدليل على كذبه؟ كلا القولين بلا مرجح يرجحه. أما ما رأينا من شكايته المرة فلا ~~يعتد به، وربما اشتكى خوفا من عواقب خيانته وانكشاف أمره للناس، وربما اشتكى أيضا ~~أنفة من مشاركة عبد الحميد في آثامه وحياء من أن يكون من أبناء أمة ويعمل مع ~~عدوها على قتلها. نعم، قال إنه يحب عبد الحميد، ms123 وحاشية الرجل الظالم لا يستطيعون أن ~~يقولوا غير ذلك؛ فهم يعرفون غضبه ويحذرون نقمته. ولقد قال أيضا إن حبه لعبد الحميد ~~مهلكه يوما. وهذا منتهى ما يقدر أن يقوله قائل في مثل موضعه. فنمت وأنا أمني ~~النفس باستجلاء تلك الغوامض يوما وإن أبت إلا امتناعا. # إلى هنا أكتفي بهذا القدر من الكلام على ظافر وعزت، وسأرجع الحديث إلى ذكرهما لاتصاله ~~بذكر غيرهما. # | شر جديد # لما أتم شقيقي يوسف حمدي يكن بعض أعماله التي جشمته السفر إلى مصر، وفرغ من طبع ~~رسالتي المسماة «الخافي والبادي» عاد إلى الآستانة، فأقام معي نحو العام أو أكثر، ثم ~~أراد السفر إلى مصر زاعما أن طول مقامه بالآستانة أكسب فكره الخمول، وأنه يريد أن ~~يتنسم نسائم الحرية التي درج من عشها وعاش في ديارها، وإنما أراد أن يصدر بمصر جريدة ~~ينشر فيها ما رآه بالآستانة من آثار الظلم وطلائع الدمار. تبينت ذلك في حديثه وإن كان ~~بالغ في كتمانه ظنا منه أني ربما منعته عن إتمام بغيته، فسررت وأظهرت التغابي ~~وتمثلت بقول القائل: # إذا مقدم منا ذرا حد نابه # تخمط منا ناب آخر مقدم # وقلت في نفسي ليس من العدل أن أقضي على هذا الشاب بما قضيت به على نفسي، فليغن الوطن ~~غناءه، وليجاهد ما استطاع إلى الجهاد سبيلا. ثم زودته عناقا وقلت: سر يكلؤك الله، ~~فإن أتاني منك ما يعلي ذكرك وإلا فهذا فراق بيني وبينك. فوصل أخي إلى مصر وأصدر بها ~~جريدته التي سماها «الإنذار» وأرسل إلي نسخة منها في مظروف على يد رجل أجنبي يعلم ~~مودته لي، فلما نظرت في الجريدة وتأملت ما يخاطب فيها عبد الحميد من الكلام أوجست في ~~نفسي خيفة وقلت: هذا باب من أبواب الشر أنا فتحته على نفسي. ولقد سبق السيف العذل وما ~~بقي إلا النظر في جواب سديد ألجم به أفواه من يسألونني غدا. ثم زارني في ظهر الغد ~~مصطفى ظافر وأخذني معه إلى تكيتهم، فقال لي ونحن في الطريق: دعاني باشكاتب السلطان أمس ~~إلى القصر، ms124 فلما دخلت عليه وجدت بين يديه نسختين من جريدة اسمها «الإنذار»، فمد إلي ~~نسخة منهما وهو يقول: انظر هذه الوريقة التي أصدرها أخو صاحبك، واعجب لجرأة ولي الدين ~~كيف يعيش بأنعم السلطان ثم يرسل أخاه إلى مصر ليعتدي على مصدر نعمته. قال مصطفى ظافر: ~~فلما أخذت الجريدة ورأيت عليها اسم شقيقك دهشت حتى لم أدر ما أقول، ولكنني تغلبت على ~~ما عراني من الدهش وقلت: يا مولاي، إن ولي الدين من أسرة كريمة؛ وهو رجل عاقل لا يقدم ~~على مثل هذه الأمور، وأخوه شاب صغير السن، ومصر الآن مزدحمة بالهاربين من عدل مولانا ~~السلطان، فلا شك أن بعضهم أغواه واستهواه فتجاسر على عمله هذا وهو لا يعلم مبلغ جرمه. ~~وما يضر قدر الخليفة في عليائه أن يجهل عليه بعض الغلمان ويجعلوا أنفسهم بمنزلة من ~~يعرفون حقائق الأشياء؟! حسبه أن كل مسلم في مشارق الأرض ومغاربها يشدو بثنائه، وأن ~~المنابر في جوامع المسلمين تميل طربا عند ذكر اسمه، وإذا شئتم كلمت ولي الدين في هذا ~~الأمر ومحضت له النصح، وما إخاله إلا غاضبا إذا اتصل به هذا الخبر. أما أنت يا ولي ~~الدين، فينبغي عليك أن تكتب لأخيك كتابا يكون رادعا له عن غيه. فلا يغرك حلم ~~السلطان؛ فإنه والله إذا غضب لم يبال شيئا. وأخوك في شبابه لا يدرك هذه الأمور، ~~فانظر ما أنت فاعل. أما أنا فقد وعدت الباشكاتب أن أعود إليه بجواب منك فيه مقنع، ~~وسأقول له كلاما يخفف غضبته ويبرئك لديه. # قلت: جزاك الله عني خيرا. أما جريدة أخي فلا أعلم بها إلا الساعة، ولا أكذبك أني ~~أسفت لما فرط منه أشد الأسف، ولكن حيلتي في الأمر قليلة. وفي غد ذلك اليوم جاءني رسول ~~من عند فائق بك ابن المرحوم لطفي آغا، وكلاهما من قرناء السلطان (جمع قرين، يراد به ~~النديم الخاص)، فلما أدخل بي إليه قال لي: بلغ ولي النعم أن لك أخا اسمه يوسف حمدي ~~يكن، وأنه ذهب إلى مصر وأصدر بها جريدة اسمها «الإنذار» ms125 ينتصر بها لأعداء الدولة وخائني ~~الوطن الذي يقيمون بمصر ويسمون أنفسهم «الزون ترك»، ومولانا يأمرك أن تكتب إلى أخيك ~~تسأله عما يريد من وظيفة أو مال على أن يكون ما يريده غير متعد حد الممكنات، وأن يرجع ~~عن معاداة السلطان. وهذه فرصة لا تسنح لكل الناس، فاكتب إلى أخيك بذلك وقل له يرسل ~~جوابه إلي باللغة التركية، فوعدته بإنجاز ما أراد، ورجعت إلى منزلي، فقلت في نفسي: ~~الشباب له سكرة تطول سنين عديدة، وربما أكتب ما يريدون فيصادف من شقيقي ضعفا في نفسه ~~فيرضى فيحل به وبي ما نخاف، وإذا كتبت له كتابا آخر أحذره من كتابي الأول فلا آمن أن ~~يقع في يد من لا يرقب ذمة ولا يخشى لها عتابا ويحل بنا يومئذ البلاء العميم. ومن ~~لي بطريق في غفلة من أعين الواشين والرقباء! فلم أجد بعد كل تأمل وتدبر مخلصا ~~سوى الإذعان، فكتبت إلى شقيقي كتابا باللغة التركية أدعوه إلى ترك الجدال والعودة إلى ~~الآستانة وأبشره بنيل ما يريد، وجعلت كتابي في مظروف أخذته معي مفتوحا وأسلمته إلى ~~فائق، فأرسله من القصر السلطاني إلى دار البريد. # وفي ذات يوم جاءني صديقي الكاتب التركي الفاضل «س. ت» بك. وقد كان يحرر القسم التركي ~~في بعض جرائد الآستانة، ثم عين بالخزينة الخاصة السلطانية، فأخذ يلتمس العبارات ~~ليؤدي بنا الحديث إلى سفرة أخي لمصر، فلما أعياه الطلب ورأى كثرة المقدمات تضل عن الصدد ~~اقتضب الكلام اقتضابا فقال: أنا أعرف أنك لا تحب من أخيك أن يكتب شيئا فيه ذم ~~للسلطان، ولا يمكن أن يسافر أخوك من نفسه طلبا لإصدار جريدة في هذا السبيل، ولا بد ~~أن يكون أرسله قوم ممن لهم بمصر مقاصد يطاردونها. وهذا ما لا يفعله إلا آل ظافر؛ فإن ~~قلت إن الشيخ الكبير لا يعنيه من أمر الجرائد شيء وإنه بخيل لا يجود بالدرهم ولو كان ~~فيه طول عمره. قلت لك: نعم، ولكن ابنه مصطفى ليس كذلك؛ فهو أبو المشاكل، وكل ما يلاقيه ~~أبوه هو منشئه. ولو ms126 سلك مصطفى طريق أبيه وترك عداوات الرجال وأغضى عما يبادئه به ~~أعداؤه لانقلبوا له أصدقاء. والآن وقع ما وقع وقضي الأمر؛ فإن كتموك ما دبروه بالأمس ~~فما أحسبهم يكتمونك اليوم، وهم يعرفون منك فرط الحياء والتمسك بالود، ولئن فعلوا فأنت ~~قادر على استيضاح ما تريد بأن تتوعدهم. فإذا فعلت ذلك لم يجدوا بدا من بيان ما أغمض ~~عليك. # قلت: يا فلان، هذا كلام حسن الانتساق، ولكن الفائدة منه منعدمة. فماذا تريد أن تقول؟ ~~قل وأوجز ودع هذه الخطبة إلى وقت آخر. # قال: ما أراني خاطبا. ومجمل الأمر أني موجه إليك من أحد المقربين، ولا أستطع أن ~~أذكر لك اسمه جريا على ما اتفقنا عليه؛ وهو يريد أن يعلم ألآل ظافر شأن في سفر أخيك أم ~~لغيرهم؟ # قلت: يا فلان أراك رضيت لنفسك صناعة كنا نذمها معا؛ فإن كنت بدلت برأيك السابق ~~غيره فإني لا أزال على قديمي، ولا أسديك نصحا في الرجوع إلى سابقك، فذلك له أول وليس ~~له آخر. ومن أوقعه سوء الحظ في مجاهله ضاقت عليه المسالك ولم يجد إلى الهداية مهيعا. ~~اذهب إلى من زودك رأيه وأعارك لسانه فقل له إني أخو يوسف حمدي يكن. ولكنني لا أعرف من ~~فؤاده إلا ما يبديه لي. أما آل ظافر فقد كان مصطفى معي؛ وهو أول من جاءني معاتبا؛ وهو ~~أول من طلب إلي استرجاع أخي، فخرج صاحبي يجر فضول أذيال الخزي. وكان ذلك آخر عهدي ~~به. # وإلى هنا نفد الصبر. فرأيت ألا أصبر على الضيم الطويل، فأقمت أتدبر فيما يفتح لي ~~أبواب النجاة لأخرج من هذا الوطن؛ لعلي أجد في البلاد الحرة من يسمع رثائي حين أرثيه. ~~وما كابدته من آلام الاستبداد يكفر عن سيئاتي في العودة إلى حيث دفن الحق وقامت ~~مناحات الشهداء. فجرت هذه الأبيات على لساني ونمقها قلمي، فجعلت أرددها طول ليلتي. ~~وإني لذاكرها في هذا الفصل عسى يكون في القراء من يحب كلام الشعراء حين تخترق قلوبهم ~~وتمازج دخانها حسراتهم. قلت: # ألا مرشد لي بعد ms127 ما ضل من عقلي # أأندب أم لا يحسن الندب من مثلي # تندمت لا أني تورطت ذلة # ولكن لأني ما ربيت على الذل # يعاتبني قلبي على ما فعلته # فأسكت علما بالذي كان من فعلي # وأحمل أعبائي على السخط والرضا # لعلي بعد اليوم أرتاح من حملي # ولو أحد قبلي بشقوته ارتضى # رضيت ولكن ما ارتضى أحد قبلي # فيا مجد آبائي أثبني إقالة # تنقلت في عهدي من الصون للبذل ~~••• # يهددني بالقتل من ليس فاعلا # ويا ليته يوما يمكن من قتلي # فأجتاز دهرا خيره مثل شره # وأخلص لا أبكي لهجر ولا وصل ~~••• # عذولي لا يرتاح يوما من العذل # وما بي من جهل فأعذل في الجهل # رأى رجلا لم ينتزع ثوب جده # فقال ألاقيه بشيء من الهزل # دنوا دنوا يا معاني فإنني # سأملي بك الشكوى على الدهر ما أملي # يرى معشر فضلي فيرجونني به # وهيهات لا نقصي يفيد ولا فضلي ~~••• # يخاتلني لحظ الجميل فأنثني # عليه ومن أدري من اللحظ بالختل # وقد كنت عن شغل الهوى متفرغا # فأصبحت من بعد التفرغ في شغل # وعاد لي الليل الذي كنت ساهرا # وعاودني السهد الذي كنت أستحلي # أحب الحسان البيض وهي تحبني # كأن الحسان البيض أبدعن من أجلي # يصيب إذا ترمي فؤادي نبلها # ويصرد إذ أرمى محاسنها نبلي # وما أنا بالمظلوم منها وإنما # جبلت على حب الزيادة في العدل # لقد كدت أنهى النفس لولا اعتلاقها # عن الوجنات الحمر والأعين النجل # وتلك لعمري للأكارم سبة # أبى لي يوما أن أقارفها أصلي ~~••• # كلي يا ليالي همتي لسكونها # أجدك منها أنها أبدا تغلي # سئمت تكاليف المعالي ولا أرى # لأهل النهى بين التكاليف ما يعلي # بلى وازدهتني كبرة عن طلابها # غداة استوى فيها أخو المجد بالنذل # ولم يرض نبلي أن أرى متنبلا # وقد علموا ليس التنبل كالنبل # رمى الله في عيني زماني بالقذى # ولقاه تبلا لا يقصر عن تبلي # تواثبني منه الخطوب كمعشر # أتت بعد قتلاها تطالب بالذحل # أراني إما ناحيا قصد شرة # وإما مقيما في جوار من المطل # لقد أكلتني الحادثات ولم ms128 يكن # لها كافيا لحمي فتشبع من أكلي ~~••• # وما مسلم للموت بين عداته # يقاد له قود الجنيبة بالحبل # غريب له أهل يرجون أوبه # كما آب من نأي سواه إلى الأهل # توافوا به للنار أذكوا ضرامها # وأوفوا لها بالرضف والحطب الجزل # بأعظم مني لوعة بمعاشر # هم أوقروا متني وهم قيدوا رجلي # مضى كل شيء كان للنفس سلوة # وهذي البقايا لا تعزي ولا تسلي # أعيذك يا أرض الأساود أن يرى # بك الماء غورا غير ري ولا ضحل # وأن تنبتي ما ليس تجنى ثماره # وأن تتغشاك السحاب بلا وبل # وعرفت حينئذ أن مقامي في أرض مسبعة، فما راعني إلا شيطان من أبي الهدى يحرق ~~علي البلاد ويأبى أن يراني ضاربا بين أضواحها وأجزاعها. وافاني مصطفى ظافر ليلا، ~~فرأيت الفزع باديا على وجهه، فقلت: ما وراءك؟ # قال: قامت القيامة علينا وعليك. أبو الهدى أوعز إلى أحد الجواسيس واسمه «ضيا» فوشى ~~إلى السلطان بأن بالآستانة جمعية خفية تعمل على الفتك به والانتصار لأعدائه، وأن رئيس ~~هذه الجمعية هو المشير فؤاد باشا، وأني ورضا بك (هو الآن رضا باشا نزيل مصر) والشيخ ~~أسعد شقير إمام آغا دار السعادة (هو الآن نائب أنطاكية بمجلس المبعوثان) ومحمود أفندي ~~نديم (آخر وظيفة له هي متصرفية قره حصار التابعة لولاية سيواس) أعضاء هذه الجمعية، وأنك ~~أنت قلم الجمعية؛ تنشر بجرائد مصر ما نحن نتفق عليه، ثم تأتي هذه الجرائد باسمك إلى ~~إدارة البريد الفرنساوي فتوزعها علينا وعلى من يقول برأينا. وقد أخبر الجاسوس أن بإدارة ~~البريد طردا من الجرائد جاء باسمك من مصر، فأنفذ السلطان أحد رجاله ليأخذ له ذلك الطرد ~~فأبى البريد أن يسلمه إياه، هنالك كلموا سفير فرنسا المسيو قونستان، فأمر البريد ~~أن يسلم الطرد وأن يسلم أيضا كل طرد ترتاب فيه حكومة السلطان، وقال: نحن لا نريد ~~أن يكون بريدنا واسطة في دخول الدسائس إلى البلاد العثمانية، ولما نظروا الطرد وجدوه ~~مكتوبا باسمك، فظهر صدق الجاسوس، واليوم أخذوا الشيخ أسعد شقير إلى نظارة الضبطية، ~~وتولى الناظر وقدري بك ms129 رئيس الجواسيس استنطاقه. وقد بادر محمود نديم إلى «يلديز»، ~~وأخبر عبد الغني (آغا دار السعادة) وعبد الغني بادر إلى السلطان شاكيا وباكيا، وقال ~~إن أعدائي يريدون احتقاري، وقد أخذوا إمامي، وربما لحقه السوء ظلما وعدوانا. فصدرت ~~إرادة السلطان باستدعاء الجميع إلى «يلديز» والاستمرار على التحقيق هنالك. # وقد كان أبو النصر يحيى السلاوي عندنا في يومنا هذا، فأخبرنا أن شفيق باشا ناظر ~~الضبطية وقدري بك رئيس الجواسيس دعواه إلى النظارة وسألاه عما يعلم عنك، فقال لهم إنه ~~يعرفك كما يعرفك سائر رفاقك الذين معك بنظارة المعارف، فقال له قدري بك: وهل يكتب ولي ~~الدين فصولا في ذم السلطان ويبعث بها إلى جرائد الأحرار بمصر؟ # فقال السلاوي: لا علم لي بذلك، وإذا كان ولي الدين يكتب فصولا كما ذكرت أفلا يخاف ~~على نفسه العقاب حتى يطلع الناس عليها؟ وهل علمتم عليه شيئا من هذا القبيل؟ # قال قدري بك: كلا، وإنما نسألك لنتعرف ذلك منك، فأما وقد ذكرت أنك لا تعرف شيئا ~~من أسراره فلا حاجة إلى زيادة الأسئلة، ونحن نوصيك ألا تخبر ولي الدين بشيء مما جرى ~~لك معنا. فأجابهم السلاوي إلى طلبتهم وانصرف. # قلت لمصطفى ظافر: ومن ضيا هذا الذي تذكره؟ وأين هو الآن؟ # قال: هو رجل أظنه من إزمير؛ وهو الآن في «يلديز» لا يريدون أن يطلقوا سراحه حتى يتم ~~التحقيق ويظهر صدقه من كذبه. وقد بادرت إليك مخبرا بما وقع فكن على حذر. # قلت: وما ينفع حذري الآن؟ وهل تحسب القوم يغفلون عنا بعد أن بلغهم عنا ما بلغهم؟ ~~وما لي من حيلة سوى انتظار ما ستجري به الأقدار. # ثم مضى على هذه الواقعة نحو الأسبوع، فاتصل بي بعد ذلك أن الذين تولوا تحقيق القضية ~~قالوا للجاسوس: من أين عرفت أن ولي الدين اتفق مع من سميتهم على أن يكتب إلى الجرائد ~~في ذم السلطان؟ ومن أين لك أن هذه الجرائد ستأتيه أو هي أتته وأنها محفوظة بإدارة ~~البريد الفرنساوي؟ # قال: كنت ذهبت إلى الباب العالي، فرأيت الشيخ أسعد ms130 شقير ومحمود نديم وولي الدين ~~خارجين من شورى الدولة، وكانوا عند مصطفى ظافر، فجعلت أمشي خلفهم وأستمع ما يقولون، ~~فوعيت كلامهم كله ولم أضع منه حرفا واحدا. # قالوا له: صف لنا ولي الدين. # قال: هو رجل عظيم الجثة، له لحية شقراء وعينان زرقاوان. فلم يمهلوه إلى أن يتم ~~كلامه، وهنالك هدده أحد رجال القصر بالويل والثبور إذا لم يعترف بالحقيقة. وتركوه وحده ~~في حجرة ليتمعن فيما هو صائر إليه، فهاله الأمر وأحس بالشر وأيقن أن لا خلاص له مما ~~وقع فيه، فطلب أن يعيدوه إلى المحققين. فلما مثل بين يديهم قال: إن أبا الهدى عرض ~~علي كتابة تقرير أتهم به من عرفتم أسماءهم، وأعطاني ثلاث ورقات من أوراق البنك ~~العثماني قيمة كل واحدة منها خمسة جنيهات، وكل الذي سمعتم مني لقننيه أبو الهدى. وأنا ~~رجل فقير ولي حاجة شديدة إلى أقل من هذا المال، فغلبتني الحاجة فأنجزت ما أراد. فلما ~~سمع المحققون كلام الرجل ورأوا أوراق البنك بأعينهم أبلغوا السلطان ما وقع، فأمر بكتمان ~~الأمر. كل هذا جرى ولم أعلم به إلا بعد أن جرى. # ولما علم فؤاد باشا بالواقعة قصد إلى «يلديز»، وبينما هو يريد الصعود إلى عند ~~الباشكاتب التقى بأبي الهدى في طريقه. فتقدم نحوه وبادره بالشتم، وكاد يرمي به تحت ~~أقدامه لولا تضرعه وبكاؤه، فأمسك عنه فؤاد باشا وقال له: أنا بمعزل عن هذا القصر وعن ~~مطامعه، وليس لي وإياك شأن. فإذا أنت لم ترعو وحدثتك نفسك بالعودة إلى مثل فعلتك ~~هذه رميتك على الأرض ووطئت رأسك بأقدامي، ففارقه أبو الهدى وهو لا يصدق ~~بالنجاة. # فدلني مرة رجل من معارفنا على ما يستوقف دوننا دهمات أبي الضلال، وكان من رأيه أن ~~ننشئ جريدة بجنيف تنشر بالتركية والعربية والفرنساوية، نذكر بها مثالب هذا العدو ~~الغاشم ونبين مخازيه ليحذره السلطان بعد ذلك أو ليضطر إلى حذره تنصلا منه أمام رعيته، ~~فكلمنا في ذلك رضا باشا وأسعد أفندي شقير. غير أن رأي أسعد أفندي كان موافقا لرأيي في ~~جعل الجريدة ms131 جريدة حرة محضة. وقد صدق إذ كنا أقدر الناس على معرفة ما يقع بيلديز، ولو ~~شئنا لنشرنا نص كل إرادة سلطانية من قبل أن تبلغ إلى الباب العالي، ولكن مصطفى ظافر ~~خاف على نفسه وأبيه غضب السلطان، وقال: إذا ظهر أمرنا يوما فماذا يصيبنا؟ أما أنتم ~~فتسجنون أو تنفون، ولكنني أنفى وأسجن وأزيد عليكم بما يحل بأبي في كبره وبإخوتي ~~من بعده ما يبدد شملنا ويفني حتى أعقابنا، فلما رأينا هذا الخلاف عدلنا عن الأمر. وكان ~~«ح. ح» يريد السفر إلى مصر، فقال لمصطفى ظافر: إنه سيتفق مع صاحب المؤيد على إصدار ~~جريدة أسبوعية تكون لسان حالنا. ولما وصل مصر أتت كتبه وليس فيها شيء سوى الثناء على ~~بدائع مصر وعلى صاحب المؤيد حامي مصر والمصريين! # | بعض ما مر علي بنظارة المعارف # عاد الحديث # ليت هذه البلايا التي داهمتني خارج وظيفتي هادنتني وأنا فيها، فأتسلى بما صفا من ~~شطر الحياة عما كدر من شطرها الآخر، فمن يملأ إذن هذه الصحائف بهذه المخازي؟ وماذا كان ~~يتسنى لي من الشكاية لو تساوى الطيب والرديء في تناوبهما؟ هيهات! ذاك زمان عبد ~~الحميد الثاني، يظل الكاتبون يكتبون فتنفد المعاني وتمتنع الألفاظ ولا يحصى لتلك ~~المساوئ عد ولا يمكن لقليلها شرح. # لما مر علي بعض الشهور بعد نقلي إلى نظارة المعارف، ووقفت على ما تيسر لي من ~~أعمال المجلس الأعلى؛ أخذت أعترض على ما أراه مخالفا، وأرشد إلى ما أحسبه موافقا، ~~فساء ذلك رفاقي وجعلوا يؤاخذونني على ما أجري عليه من هذا المنهاج. وأبغضني زهدي باشا ~~ناظر المعارف وغضب علي أنصاره وشركاؤه في النهب، فأنفذ إلي علي غالب بك مدير ~~الأوراق حاجبه يدعوني إلى حجرته. وكان راسخ أفندي أحد الأعضاء الذين سبق ذكرهم في أحد ~~الفصول المتقدمة جالسا إلى جانبي، فالتفت وسألته من هو غالب بك الذي يدعوني إلى حجرته؟ ~~فقال لي: هو مدير الأوراق بنظارة المعارف، وهو ألباني الأصل شرس الطباع، لا يخاف أحدا ~~ولا يكرم أحدا، فأرجع إليه حاجبه بكلام لين لا يهيج ms132 له غضبا؛ فقد ضرب يوما أحد ~~أعضاء مجلس الأنجمن (مجلس مراقبة الكتب والمؤلفات الأخرى)، والمضروب رجل هرم اسمه طاهر ~~أفندي، ضربه في حجرته بهذه النظارة بمشهد من موظفي المعارف كلهم، ولم يستطع أحد منهم ~~أن يعارضه. ثم ذهب طاهر أفندي باكيا معولا ورفع شكواه إلى السلطان، فلم يغنه ذلك ~~فتيلا وما سأل الضارب أحد، ولا أقول إنه ربما ضربك، ولكن من يضمن لنا أنكما لن ~~تتضاربا. # قلت: إن مدير الأوراق لا يقدر أن يأمر أحد أعضاء المجلس الأعلى، ومن أجل هذا كنت ~~أود ألا أذهب إليه، ولكن لما كان الرجل ممن يتوعدون ويضربون ولا يسألون عما يفعلون ~~فقد وجب علي أن أبادر إليه لأرى ما سيكون من أمره. ثم تبعت الحاجب إلى حجرة علي غالب، ~~فدخلت عليه وهو جالس أمام مكتبته، يكاد يكون مضطجعا عليها، وخلفه سجادة على الحائط قد ~~سمر عليها صولجان من الخشب وأشياء أخر لا أذكر الساعة ما هي. فسلمت عليه، فأجابني ~~على سلامي قاعدا، فقلت: أخبرني الحاجب أنك تريد أن تكلمني. وها أنا بين يديك لأسمع ~~ما تقول. ~~- تفضل بالجلوس. ~~- الوقت لا يسع إطالة الكلام، فقل ما بدا لك ولا حاجة بي إلى الجلوس. ~~- أراك كثير الاعتراض على قرارات المجلس. وأنت تفعل ذلك لتظهر للناس أنك رب معرفة ~~وأنك لا تخفى عليك خافية. ولكنك تخطئ في كثير من اعتراضاتك. ~~- إن من حقي أن أعترض وأن أوافق، وما جعلت في المجلس إلا من أجل ذلك. أما الخطأ فلا ~~أسأل عنه؛ والمراد أن يبدي كل رأيه وليس بين الناس من تكون آراؤه كلها ~~صوابا. ~~- نعم، ولكن الذين يكثرون من الاعتراض لا يفلحون، وأنا من المخلصين لسماحة الأفندي ~~(يريد أبا الهدى) ولعطوفة البك (يريد عمي المرحوم فائق بك، وكان من أشد أصدقاء أبي ~~الهدى)، فرأيت أن أنصحك في الرجوع عن جهل الشباب. فإذا قبلت نصيحتي شكرتني عليها في ~~مستقبل زمانك، وإن أبيت إلا تماديا ندمت حين لا ينفع الندم. ~~- نحن الآن بنظارة المعارف ولسنا بتكية أبي الهدى ولا بمنزل ms133 عمي، وأنا لا أقبل رأي ~~أحد في أعمالي؛ فإن كان عندك رأي غير هذا فهاته. ~~- ألا تريد أن تقلع عن اللجاج؟ ~~- أتريد أن تتوعدني. إذن فاستمع: أنا رجل لا أبالي بالوعيد، وأعلم أنك من المسيطرين ~~بهذه النظارة وكفى؛ فقد صبرت على كلامك طويلا، وكنت أريد ألا أحضر إجابة لدعوتك ~~لتعلم أن مدير الأوراق لا يصح له أن يدعو أحد أعضاء المجلس. ولكنني علمت أنك تتوعد ~~الناس، فحضرت لأعلمك أني لست ممن يخافون وعيدا، وإذا لم تبادر إلى الترضية طائعا ~~أكرهتك عليها إكراها، فبهت الرجل من هذا الكلام وما سمع مثله من قبل، فجعل يتأملني ~~من رأسي إلى قدمي. وكنت أكلمه وأضرب بيدي على مكتبته، ولما وصلت إلى آخر كلامي ضربت على ~~تلك المكتبة ضربة قوية قلبت دواته، ثم قلت له: أنتم أناس لا تميزون بين الناس، ~~ويستوي عندكم طيب وخبيث، ولو اعترضكم ذو جأش رابط يكم أفواهكم ويخفض من شماسكم لما ~~تعديتم أطواركم ولوقفتم عند حد الأدب. فلما أتممت كلامي مشيت خطوات إلى الباب غير ~~مسلم فسبقني إلى الباب وقال: ما كنت أحب أن تخرج من عندي غاضبا، وإنما حدا بي إلى ~~هذا الكلام مودتي لك وإعجابي بك. # قلت: ومن أين لنا هذه المودة وأنا لم أرك إلا الساعة وليس بيننا سابق معرفة فتستوجبها ~~علينا؟! ثم انصرفت. وفي الغد جاء علي غالب إلى الحجرة التي يستريح بها الأعضاء إذا ~~فرغوا من المذاكرة، واعتذر لي عما فرط منه بالأمس. غير أن الواقعة كانت باتفاق بينه ~~وبين ناظر المعارف. فلما جرى مني ما جرى من الرد والإباء رأى الناظر أن يعاقبني عقابا ~~يكون رادعا لغيري؛ فرأى أن يغيظني بتأخير صرف شهريتي. وقد فعل ولكنه خاب في ذلك أيضا. ~~فلما أبصر الأعضاء ما جريت عليه؛ شكروا إقدامي ودنا مني راسخ أفندي، فقال لي: إذا هممت ~~بالخروج فانتظرني حتى نخرج معا. ففعلت، فسار بي إلى حديقة بقرب «آيا صوفيا» جلسنا ~~بقهوة فيها، فقال لي: رأيتك ذا جنان ثابت ونفس أبية. وقد أعجب الأعضاء بما ms134 جرى لك مع ~~علي غالب وناظر المعارف، ولكن هذا كله آخره العطب. نحن بالآستانة، وهنا رجال لا يخافون ~~إلها ولا يرقبون ذمة، فمن ترجو أن يكون نصيرك إذا تكاثر عليك الأعداء ووقعت ~~بأيديهم؟ ~~- أرجو أن يكون نصيري الحق. ~~- هذا كلام حسن ولكنه لا ينفع. وما دعوتك هنا ~~لأجبنك وأرجعك عن إقدامك، بل دعوتك لأخلص لك النصيحة؛ فإني أكبر منك سنا وأكثر ~~منك تجربة. وما أشابت الأيام فودي إلا بعد أن انتابتني حوادثها بما يذهل العقول. فيجب ~~عليك أن تتمسك بمحبة السلطان ودع كل امرئ سواه تعش آمنا، ولا يكن لأحد إليك من سبيل. ~~فإذا سمعت امرأ يغتاب السلطان اكتب بذلك تقريرا وارفعه إليه، وإذا جرى لك مثل الذي ~~جرى بينك وبين علي غالب بادر إلى القصر واكتب بذلك إلى السلطان. هذا سلاح لا يفل ~~غربه ولا تنبو مضاربه، وكلنا متسلحون به، فإذا رضيت بنصيحتي نلت المرام وفزت حيث ~~يخيب منازعوك. ~~- أراك تدعوني إلى أمر لم أخلق له، وأنا أحب إلي أن يفوز علي خصومي من أن ~~أفوز عليهم بالتجسس؛ فإن كان هذا مبلغ رأيك فهو رأي لن أتبعه، وإذا كنت أنت ممن ~~يتجسسون فلن يتقارب قلبانا ولن تحدث بيننا ألفة ما دامت الحياة. ~~- أنا لا أدعوك إلى التجسس بأن تتبع الناس في خطواتهم وتنصت إليهم في أحاديثهم، بل ~~أدعوك إلى إخبار السلطان عمن يأخذون رواتبهم بفضله ثم يعملون على ما يضره. والمخلص ~~لدولته لا يخفي عن سلطانه أمرا. ~~- هذه فلسفة لا يمكن التغلب عليها. كل رجالنا يقولون مثل ما تقول، وكلهم يتجسسون كما ~~تتجسس أنت. أما أنا فلم أتعود ذلك، وصعب على الإنسان ما لم يتعود. وإني لأشكرك إذ ~~عرفتني نفسك فقد كنت أحسبك بمعزل عن هذه المسالك، والآن كشف لي الغطاء باعترافك. ~~ولما فرغت من كلامي نهضت واقفا وحييته تحية المودع القالي، ولما رجعت إلى بيتي وفكرت ~~فيما جرى لي بالمعارف، رأيت ترك الآستانة والهجرة إلى أوروبا أمرا لا بد منه. # ثم سخر الله لي ما استوقفني مضطرا؛ وذلك ms135 أن ~~عبد الكريم بك أحد أحفاد الصدر الأعظم الشهير المعروف بالصقولي بعث إلي كتابا يقول ~~فيه إن نظارة المعارف قررت بناء معهد جديد تسميه دار الأيتام، وستنفق عليه أربعة آلاف ~~جنيه؛ وهو مبلغ كبير لو استبقته لغرض غير هذا كان أحسن. ولي أرض بالقرب من أبي أيوب ~~الأنصاري بمكان يقال له «سودليجه» وهذه الأرض واسعة جدا، وفيها من حجارة البناء ما ~~يكفي لما هو أعظم من دار الأيتام. وأنا أهب هاته الأرض هدية مني إلى المعارف لا أطلب ~~عليها ثمنا ولا عوضا، ولا أريد شكرا ولا إعلانا ولا شهرة. فأشرت عليه أن يكتب ~~عريضة بذلك إلى نظارة المعارف. فكتب، وأخذت العريضة معي وقدمتها باسم صاحبها على ~~الوجه الرسمي، وأقمت أياما أنتظر ما سيكون من جواب ناظر المعارف، فلم يجب بشيء، ~~وكان ينبغي عليه أن يبعث بهذه العريضة إلى المجلس الأعلى لينظر فيها ويكتب بعد ذلك خطاب ~~شكر لصاحبها. وكنت أطلعت الأعضاء على العريضة قبل تقديمها إلى الناظر، فاتفقت مع جماعة ~~منهم في مخاطبة رئيس المجلس، ولكنه تنصل عن تبعة المسألة وقال: نحن لا نعلم هذه العريضة ~~رسميا، ولا حق لنا في طلب ما لم يرسل إلينا. فكان كلامه موافقا لنظام المعارف. ~~وعلمنا أن زهدي باشا اتفق مع بعض الناس على ابتياع أرض بجهة اسمها «قزيل طوبراق» لتكون ~~دار الأيتام قريبة من داره، ويتمكن من تفتيشها متى أراد. واتصل بنا أنه سينفق ألفي ~~ليرة ثمنا للأرض وأنه سيحفظ الباقي لنفسه. فجعلت أعيب خطة الناظر بمحضر من الأعضاء ~~وفيهم المخلصون له، وأقول بصوت عال: ما هذا الاختلاس! إذا كان زهدي باشا الذي سرق من ~~نظارة المالية مائتي ألف جنيه أيام كان ناظرا عليها نقل إلى المعارف ليسرق منها ~~دراهمها، فنحن لا نشاركه لا في سرقته ولا في عارها. فنقل هذا الكلام إلى الناظر، فزاد ~~علي حقدا وبات لا يطيق ذكر اسمي بمجلسه. وقد انتصر له الأعضاء المخلصون، وشاء الله ~~أن يفتضحوا فضيحة تكون عظة لغيرهم؛ وذلك أن عبد الرحمن بك ناظر المدرسة ms136 السلطانية كتب ~~إلى المعارف يبين لها أن قد ظهر عجز كبير في واردات المدرسة فباتت دون مصاريفها، ~~وأشار على النظارة بإلقاء القسم الثالث من درجات أجرة التعليم، فكتبت المضبطة بذلك ~~وأرسلت إلى المجلس للتصديق عليها، فالتزمت السكوت حتى وضع الأعضاء أختامهم ولم يبق ~~أحد منهم مخالفا، ثم أخذت المضبطة وكتبت على هامشها: إن نظام المدرسة السلطانية قبل ~~بإرادة سلطانية، وليس للمجلس أن ينسخ إرادة السلطان. فأخذ الأعضاء ينظر بعضهم إلى بعض، ~~فسألني الرئيس من أين لي ذلك؟ فقلت: إن نظام المدرسة السلطانية مطبوع. وقد وزعته ~~النظارة على الأعضاء. فأخرج الرئيس من مكتبته نسخة ونظر في أولها فإذا مكتوب عليها ~~هكذا: «صدرت الإرادة السنية السلطانية بقبول هذا النظام واتباعه في المدرسة ~~السلطانية.» فكاد والله يسيل لعابه خجلا، وحاول أكثر الأعضاء أن يمحوا أسماءهم بألسنهم ~~ولكن الحبر الزيتي لا ينصل له صبغ، فتركتهم في حيرتهم وأشعلت سيجارتي وجلست أدخنها ~~وأنظر إليهم. # وكان يقع بمجلس مراقبة الكتب (الأنجمن) ما يقع بالمجلس الأعلى، حتى حدث خلاف بين ~~الرئيس حسيب أفندي وبين بعض الأعضاء، ومنهم الشاعر التركي الشهير صديقي حيرت أفندي. ~~ولكن تغلب الرئيس على الأعضاء واستقل بخاتم المجلس رغما من المخالفين له، وأيده ~~زهدي باشا الناظر، وكان حسيب أفندي صنيعته. وقد آلى الرئيس لا يدخل المجلس أو يعزل حيرت ~~أفندي وأبو النصر يحيى السلاوي. ولقد نال ما أراد وثبت على كلامه، فنقل السلاوي عضوا ~~إلى جمعية الرسومات، وأنزلت درجة حيرت إلى مفتش المكتبات، ولم يغن اعتراضهما ~~شيئا. # | الحرب العوان # ما زلت أنوي الخروج من الآستانة، وأنا أشد الناس شغفا بها، ولا يقدر لي ذلك. ~~ورأيت الهرب تهلكة على أهل بيتي؛ فإني حين أدعهم بالآستانة لا أترك لهم ما يعيشون به ~~على حد الكفاية، وما لي بالآستانة من يعولهم من آلي وعشيرتي، وإذا أرسلت لهم مالا لم ~~آمن عليه الضياع، وإذا أردت أن أستصحبهم معي أحست بنا الحكومة، وإن تركتهم ليلحقوا بي ~~بعد سفري مانعتهم الحكومة السفر. فعن لخاطري أن أستأذن في السفر إلى مصر ms137 لأقيم بها ~~شهرا وأعود بعد انقضائه. فكتبت ورقة بذلك ورفعتها إلى ناظر المعارف، فلم يرض بقبولها ~~وقال لي: اكتب إلى السلطان؛ فإن أذن لك فلا تقوى على مخالفته، فكتبت ورقة أخرى إلى ~~السلطان وذهبت بها إلى دائرة الباشكاتب تحسين الكائنة بيلديز. فقرأ الورقة ثم قال لي: ~~ولم تريد السفر إلى مصر؟ ~~- لي بها حقوق أريد أن أحفظها. وقد أردت أن أجعل لي وكيلا، ولكن جاءني الجواب بأن لا ~~غنية لي عن سفري. ~~- سأرفع ما كتبت إلى أعتاب السلطان، فعد إلي بعد ثلاثة أيام. فشكرته سلفا ~~وانصرفت، فلما انقضى الميعاد غدوت عليه وأقمت في انتظاره ساعات طويلة، ثم قيل لي إنه في ~~«الحضور»، والحضور يريدون به هنالك أنه عند السلطان، وسألتهم: متى يكون رجوعه؟ فقالوا ~~إنهم لا يعلمون، فخرجت على غير هدى من أمري. وفي الغد رجعت إليه ولبثت كذلك في انتظاره ~~كما وقع لي بالأمس، ومكان الانتظار فيه أناس كثيرون لهم حوائج يريدون قضاءها، فدعاني ~~الحاجب جانبا وأخبرني أن الباشكاتب يخصني بالسلام، وأنه لم ينس ما وعدني به. وسألني ~~أن أعاوده بعد بضعة أيام، فوافيته، فضرب لي ميعادا آخر، ثم ضرب ميعادا آخر، ثم ضرب ~~ميعادا آخر. وأنا في كل مرة أخسر دراهمي وأضيع وقتي حتى عيل صبري ونفدت حيلتي، ولم ~~أدر ما أصنع. فوافيته يوما وهو يتهيأ للدخول إلى «الحضور»، فسلمت عليه وقلت: سيدي، ~~إذا كانت حاجتي غير مقضية فلا تكلفني التعب عبثا، وإن كانت مقضية فتفضل علي بما ~~أمر به السلطان وأرحني من هذا العناء وكثرة الترداد. فقال: وما يمنع قضاء حاجتك ولم ~~تتطلب محالا؟ ولكن غير خاف عليك ما أنا فيه من وفرة العمل وتكاثر المشاغل. فاغد ~~علي غدا مبكرا بكور الطير وإذا لم تجدني فانتظرني إلى أن أحضر. وآمل أن ترجع بعد ~~ذلك وقد نلت الإذن وقضي الأمر. فشكرته ثم شكرته ثم شكرته، وخرجت وأنا أعلل النفس ~~بقرب الخلاص وأقول: إذا خرجنا من الآستانة اخترت الإقامة في أوروبا؛ هنالك أجاهد في ~~سبيل الوطن آمنا نكايات الأعداء، ms138 ولا أدخل مصر إلا زيارة كلما اشتقت إليها؛ فإن بمصر ~~من يحارب الأحرار وقد ملك عليهم البر في فجاجه وسد عليهم مسالك الحياة. فبت بأهنأ ~~ليلة، على أنني لم أذق غمضا ولم يستطب الرقاد لي جنب من فرط ما داخلني من الفرح. ~~فلما تنفس الصبح بادرت إلى القصر وأنا أستحث سائق العرب وأقول له: ما أبطأ عربتك ~~سيرا! حتى إذا وافينا إلى باب يلديز وثبت إلى الأرض وانطلقت عدوا إلى دائرة ~~الباشكاتب. فرأيت بعض الخدم يجمعون قطع الشمع التي بقيت من الليل ويدخلونها في جيوبهم، ~~وآخرين يعدون سيجارات وجدوها، كانت سقطت من الوافدين على القصر، وغير هؤلاء يكنسون ~~المكان ويصلحون من شأنه. فاتخذت لي كرسيا بمكان خال وأردت أن أدخن سيجارة لي ~~فلم أجد معي سجاير. قلت: وهذه إحدى العظائم؛ ألم يكفني أني خرجت من قبل أن أفطر حتى ~~أجلس هنا بلا تبغ، إن هذا لخطب عظيم. وقد طال علي الوقت واشتد بي الضجر، فقال لي ~~الخدم إنه لا يليق بي أن أجلس على كرسي بهذا المكان المعد للأصاغر! أدخلوني إلى حجرة ~~الانتظار للأكابر! فلبثت بها ساعات، وأخذ يتوافد عليها أهل المصالح حتى غصت بهم. # وبينا أنا كذلك أكاد أقضي كمدا وقد أمضني الجوع وزاد بي من القلق ما رأيت من ~~الزائرين الذين يدخنون السجاير ولها رائحة أزكى من المسك الأزفر، إذ جاء حاجب ~~الباشكاتب فدعا أحد الجالسين ثم عاد فدعا ثانيا ثم دعا ثالثا، ولكن الحجرة لا يخلو ~~بها مكان؛ فما مضى زائر إلا جاء زائرون. واستطال لبثي إلى العصر حتى كدت أن يغشى ~~علي، فنهضت واقفا وجعلت أمشي رويدا رويدا إلى باب حجرة الباشكاتب، فأراد الحاجب أن ~~يمانعني فدفعته في صدره وفتحت الباب وأسرعت بالدخول. فإذا هو جالس وحده يقرأ أوراقا ~~له، فقلت: طال الثواء ولا سؤال من لدنك ولا جواب. عشر ساعات مرت علي وأنا مقيم هنا، ~~فهل أردت يا مولاي أن تهزأ بي؟ ~~- كلا، وإنما تعمدت تأخيرك لأجد سعة في الوقت فأكلمك فيما أنت قاصد له. ms139 ~~- ولكن الذي أريده لا يحتاج مناظرة ولا تأملا طويلا؛ إن هو إلا استئذان بالسفر ~~إلى بلد من البلاد لحاجة من الحاجات. ~~- صدقت، ولكن كنت أريد أن أعلم ماذا تريد. ~~- ألم أذكر بالعريضة ما أريد؟ ~~- بلى، ولكنها ضاعت، ولا أدري إن كنت رميتها سهوا مني بين الأوراق الممزقة أم هي لا ~~تزال بين الأوراق التي «تحت العرض». فخيل لي أن المكان سقط على رأسي. أظل شهرا ~~كاملا أنفق المال وأضيع الوقت وأجد وأكد في طلب إذن السفر، ثم يقول لي هذا الرجل ~~بعد ذلك كله: ماذا تريد! نظرت إليه نظرة ملؤها حنق ويأس، وقلت: لأسهدن والله جفونك ~~ولأطيلن أوجاعك، ولأجعلن أيام الحياة حربا عليك، ولأسلكن المخاوف سبلك، ولتعلمن بأية ~~داهية رميت. وخرجت من عند مخاطبي وأنا أكاد أتميز غيظا. فركبت عربة وجدتها في طريقي ~~وقلت لسائقها أن يذهب بي إلى جهة بك أوغلي (وهي بيرا). وكان عبد الحميد جعل بالآستانة ~~مراكز ترسل إليه الرسائل البرقية منها. وفي «بيرا» أحد تلك المراكز، يخاطب منها ~~السلطان ومقربيه من يشاء؛ فإن كان خطابه جديرا بالعناية عرضوه على السلطان وإن لم يكن ~~كذلك ألقوه جانبا. ومراكز التلغرافات تقبل كل رسالة هي تعرف صاحبها أو تعرف اسمه ولو ~~ملئت من القول الغليظ وخوطب به السلطان نفسه. # فأخذت القلم بيدي وكتبت رسالة تركية هذا معناها: # إلى الباشكاتب الكاذب بالقصر السلطاني # سخرت مني وأضعت أوقاتي فيما لا يجدي، ولم تبال كذبا وبهتانا، فانتظر ما ~~سينشر عنك في أوروبا وغيرها. # ولي الدين يكن # أحد أعضاء مجلس المعارف الأعلى # فأخذ الموظف الرسالة وجعل يتأملني، فقلت له: إن كنت لا تعرفني فانظر في تقويم الحكومة ~~الرسمي تجد اسمي، فقال: ولكن الرسالة شديدة ولا بد من الاستئذان من المدير. # قلت: لك ذلك. فصعد وغاب عني بضع دقائق ثم عاد، وقال: أمرنا المدير بقبول الرسالة على ~~أن تكتب في أسفلها أنك تتحمل تبعة ما فيها وتختمها مرة ثانية. ففعلت ما طلب ودفعت له ~~الثمن، وخرجت بعد ذلك قاصدا إلى منزلي، فنمت ليلتي نومة ms140 يحسدني عليها المؤرقون، ~~وانتبهت في الغد وبي من الانشراح ما لا أستطيع له وصفا، فقلت: من أين لي هذا الجذل ~~وأنا قضيت بالأمس يوما لو سمع به أهل الجنايات لاقشعرت جلودهم. وقد سدت علي ~~المسالك وليس بيدي من الدراهم ما يكفي لحاجتي ريثما أتقاضى راتبي؟ وبعد، فإن أمام ~~باشكاتب السلطان رسالة برقية بها من الكلام ما لم يسبقني إليه غيري. فعلمت أن لا رجاء ~~في فرجة، ومتى حق اليأس استقرت الراحة في الفؤاد. # وإذ لم يكن من مواصلة الجهاد بد عمدت إلى قلمي وكتبت رسالة فرنساوية نشرت إذ ذاك ~~في إحدى الجرائد الفرنساوية التي بالقاهرة، وأظنها «لوجورنال دي جيبت»، ذكرت فيها كيف ~~اتصل تحسين بخدمة السلطان ولم يكن معروفا بين الناس بالكاتب المجيد ولا الأمير النبيل ~~ولا الموظف الكبير، ولم يكن إلا سكرتيرا بنظارة البحرية. فلما توفي الباشكاتب الذي ~~قبله واسمه ثريا باشا أشار لطفي آغا قرين عبد الحميد باختيار تحسين هذا لما كان بينهما ~~من الود منذ أيام أحد الصدور الخائنين المسمى محمود نديم. والأحرار العثمانيون ~~يسمونه نديموف لسعيه في تأييد المنافع الروسية وإيثاره إياها على منافع دولته. ثم ~~وصفت بعض ما صنع هذا الباشكاذب منذ اتصل بالسلطان، وذكرت أني مشتغل بتأليف رسالة في ~~بيان أعماله وشرح مفاسده ليقف عليها من كان يجهلها. فوشى بهذه الرسالة بعض الجواسيس ~~الأجانب، فقامت القيامة على القوم الخائنين، ثم قلوب أبت الرحمة أن تدخلها وأبى الإنصاف ~~أن يأوي إليها، بها من الشر ما يفزع الأسد بآجامها، ولو صفر لها عصفور لطارت من ~~صفيره شعاعا. # | محمد باشا الجركسي المعروف بأبي لحية # كنت قصدت إلى دار صديق لي، ثم ودعته وقصدت إلى بيتي، فبينا أنا في الطريق إذا بخادمي ~~يهرول نحوي وقد أجهده الجري وتصبب جبينه عرقا، فلما رأيته على تلك الحال هالني ~~منظره، فصحت به: ويلك ما وراءك؟ # فقال: جاء أحد الياورية من «يلديز»، وذكر أنه طلبك بنظارة المعارف، وقيل له إنك لم ~~تذهب إليها اليوم، ثم سألنا عنك، فأخبرناه أنك خرجت، فلم يصدق ms141 كلامنا وقال إنه لن ~~يبرح المنزل إلا وأنت معه، ووالدتك وامرأتك في خوف شديد لا تدريان ماذا تصنعان، والرجل ~~لا يزال هناك ولا يريد أن يذهب. وقد أرسلتني السيدة لأبحث عنك وأخبرك بالأمر لتأتي وأنت ~~متهيئ له. # قلت له: ما في الأمر من خطر. وأسرعت في مشيتي، فلما قاربت البيت ألفيت امرأتي على ~~انتظاري في منتصف الزقاق وهي ترتجف ولا تقدر على الكلام، فأخذت أهون عليها الأمر ~~وأقول إن هذه ليست بأول مرة دعيت فيها إلى القصر وقد أخذت قبل ذلك ليلا. قالت: نعم، ~~ولكن الذي يطلبك هذه المرة هو محمد باشا الجركسي المعروف بأبي لحية. فتبسمت لها وقلت: ~~هذا صديقي، وإذا كان الطلب من عنده فكوني في راحة. لا أرجع إلا شاكرا حسن لقائه. على ~~أنني لم أعرف أبا لحية إلا اسما، وإنما اخترت هذا الكذب لتطمئن امرأتي. ورأيت بعد ذا ~~الجندي الذي جاء ليأخذني معه، فعلم أن أهل البيت لم يكذبوه فجعل يعتذر عما بدر منه، ~~فاستمهلته ريثما أغير ملابسي وألبس «الريدنجوت»، وكنت أريد أن أدع أوراقا كانت بجيبي ~~وأوصي بها امرأتي، فلم يمانع في شيء. وخرجت معه وإذا عربة تنتظرنا، فركبناها وقصدنا إلى ~~«يلديز»، فدخل الجندي بي إلى حجرة أبي لحية، وجاء حاجبه فقادني إلى أخرى مجاورة لها ~~وقال: إن الباشا في «الحضور» فإذا عاد أخبرتك بعودته. ولم تمر علي بذلك المكان عشر ~~دقائق إلا والخادم يخبرني بقدوم الرجل. # فدخلت على غريمي ... أعوذ بالله! الضواري تفتك إما لإشباع بطونها وإما جريا على ~~طبائعها. وإن أفتكها وأشدها خطرا ليمل حينا فيجلس إلى جانب فريسته يلعب بها أو ~~يستريح بقربها. وأبو لحية لا يعرف التعب؛ فهو إذا فتك فتكته أسمع روحها ضحكته، ثم وقف ~~متلفتا ذات اليمين وذات الشمال طالبا صيدا جديدا؛ لا يفتأ دامي الجوارح؛ فإن لم ~~يجد شيئا ينهشه نهش جليسه، وإذا لم يكن عنده جليس نهش ثيابه أو عض نفسه، وربما أنساه ~~طربه بعضاضه ما يجده من ألم مبرح، فيستمر عاضا، هو يعلم أن كل ذي ms142 روح يؤكل. ولقد ~~يعنى بصحة أبنائه وأهله ويسمنهم ليأكلهم إذا عدم فريسته. يرى أن الله خلق الأنياب ~~لتنهش، فلا يحب أن يعطلها مما خلقت له. فإذا سال الدم الأحمر على لهاته وبراثنه وهدر ~~في حلقه سائغا مستعذبا سخنا؛ عرته هزة من تطرب وارتاح فؤاده. # رأيته أربد الوجه، ينطق الموت الزؤام على ناصيته، له عينان ملؤهما اللؤم، تحيط بذلك ~~الوجه الخشن لحية لم أر في حياتي مثلها. لو نصبت شراكا لما تركت بمزرعة طائرا ولا ~~بأجمة وحشا. فسلمت عليه ووقفت أمامه، وكان مطرقا فرفع طرفه إلي ومشى في نظره، ~~ثم قال لي بصوت قبيح: أهكذا تدعنا في انتظارك طول يومنا هذا؟! أكنت تريد أن تهرب أم كنت ~~تحدث نفسك بالعصيان؟! ~~- كلا، لا هذا ولا ذاك، ولكن جاءني أمرك الآن فأسرعت ملبيا. فتأملني مليا ثم ~~ضحك ضحكا عاليا وقال: أتريد أن تخدعني أنا! إن هذا لشيء عجاب. وصاح بخادمه فلما وقف ~~أمامه قال: علي بالجندي الذي ذهب ليدعو هذا البك. فدخل وقال إنه لم يجدني بالمعارف، ~~وإنه فتش علي كثيرا حتى تأخر، وإنه حين أخبرني بدعوة الباشا بادرت لا متوانيا ولا ~~محجما. فسرى عنه وأمرني بالجلوس، وناولني سيجارة أشعلتها وأقمت أنتظر سؤاله. # فتنهد تنهدا طويلا ثم التفت نحوي وقال: كم تحسن من اللغات؟ ~~- أعرف العربية والتركية والفرنساوية، ولكنني لا أحسن واحدة منها. ~~- إذن تعرف معنى كلمة الخليفة؟ ~~- لا يحتاج المرء إلى معرفة كثير من اللغات ليفهم معنى كلمة الخليفة. ~~- وتعلم أيضا أن قوة الخليفة وبطشه لا حد لهما، وأنه مع ذلك كله أميل إلى العفو ~~عمن جنى والإحسان إلى من أساء. وإني سائلك الآن أشياء، فإذا كان جوابك كما أتوسمه فيك ~~من الصدق والأمانة لا يبعد أن يعفو السلطان عنك، وإذا حاولت الإنكار ولزمت المخادعة ~~فتذكر أن اسمي محمد الجركسي، وأنا من يلين بالمجاملة ويخشن بالعناد، ولا أريد أن ~~تجربني في حالة يسوءك أن تراني بها. وأنت اليوم عظيم الذنب؛ ولكن النخوة تدفع بصاحبها ~~إلى الاعتراف بذنبه وإن عظم لكيلا يرمى بالجبن ms143 والخور. # قلت: يا مولاي، هذه أشياء كان ينبغي أن تقولها إذا أنت سألتني وأخفيت أنا عنك شيئا ~~مما أعرفه أو أكون جنيته. وإني إذا أجبتك إلى الحق فذلك محبة مني للحق. أما الوعيد ~~فلا يطلق لي لسانا أكون عزمت على تقييده. فسل ما بدا لك. وأنا ذنوبي كثيرة لا أعلم ~~إلى أيها تشير، فأفصح لي سؤالك أفصح لك جوابي. ~~- هل كتبت إلى الجرائد الأجنبية شيئا في ذم أحد رجال السلطان؟ ~~- الآن علمت ما تريد. تسألني عما كتبت في أعمال الباشكاتب. نعم كتبت فيه عجالة ~~أنفذتها إلى الجرائد وعدت فيها قراءها بطبع كتاب سأبدأ تأليفه قريبا، وسأذكر في هذا ~~الكتاب ما أعلمه من سيئات الباشكاتب. ~~- ولأي شيء تكلف نفسك هذا الشطط؟! وما يفيد الناس ذمك للباشكاتب؟! هلا صرفت قوة ~~عارضتك وبيانك في شيء ينفع أهل بلادك؟ ~~- وهل ينفع أهل بلادي شيء أكثر من علمهم بمن يحول بينهم وبين سلطانهم؟ أتراهم لا ~~يرغبون أن يعلم السلطان بما يقع في بلاده فيتخلص من عدوه وعدو أمته؟ ~~- هذا فضول منك. ومن ذا الذي طلب منك أن تخدمه هذه الخدمة؟! أم من أنابك أنت عن أهل ~~بلادك؟! أنا أقول لك السبب في غضبك على الباشكاتب؛ طلبت إليه أن يأتيك برتبة أو وسام، ~~فوعدك بالنظر في ذلك وقال لك إن الخليفة أدرى بمن ينبغي أن يتحلوا بالأوسمة. فغاظك ~~ذلك، والآن تريد أن تنتقم منه. فيا ناشدتك الله أتراني أصبت في حدسي أم أخطأت؟ ~~- إن ما طلبته من السلطان طلبته كتابة لا شفاها؛ فإن كان فيه ما يستدل به على ~~شيء من هذا القبيل فحكمك فيما تريد، وإذا ظهر أن كلامك غير صحيح أترضى بأن تكذبه في ~~الجرائد؟ ~~- أكلمك هنا بقصر السلطان، وما لنا وللجرائد؟! ولا شأن لنا معها؛ فإن كان ما أقوله ~~غير صواب فخبرني أنت بالصواب. وإنما أمرني السلطان باستدعائك لأستطلع منك ~~الصواب. ~~- أنا لا أجيب إلا كتابة. على أن آخذ سندا منك بما كتبته ودفعته إليك. ~~- إذن فاكتب. ثم أشار إلى مكتبة بجانب الباب ms144 عليها ما يحتاجه الكاتب من قلم وقرطاس، ~~فقمت إليها وكتبت ما جرى لي مع الباشكاتب من البداية إلى النهاية، ورفعت ما كتبته إليه، ~~فأخذه وقرأه وقال: سأرفع هذا إلى أعتاب السلطان وأبلغك بعد ذلك أمره، فأتني غدا ~~صباحا، وإياك أن تمر بمكان أحد من رجال القصر. فخرجت قاصدا إلى بيتي . ولما كان الغد ~~ذهبت لميعادي، فكان وصولي إلى القصر قبل حضور أبي لحية، فأدخلت حجرته وأقمت في ~~انتظاره إلى أن جاء، فحياني تحية عن عرض، ودعا بعد ذلك كاتبا له فناوله مسدسه ~~ومفاتيح مكتبته ليضعه بها، ثم عمد إلى مصحف كان على يمينه فوق كرسي عال، فتناوله ~~وقبله وجعله فوق عينيه ثم أعاده إلى مكانه. وحين فرغ من أعماله هذه التفت نحوي وأخذ ~~يحادثني ويسألني عن أيام معاوية وعلي بن أبي طالب، وقال إنه يبغض معاوية بغضا شديدا، ~~وإنه لو وقع في يديه لضرب عنقه بالسيف. وبعد حديث لم أستطب منه شيئا فارقني قاصدا ~~الدخول إلى الحضور. وصرت في انتظاره وحدي إلى الظهر، فعاد ولم يرد الجلوس بل قال لي وهو ~~واقف وأنا أيضا واقف: أبلغك أن مولانا السلطان يأمرك بإحضار أخيك من مصر، وأن تكذب ~~ما كتبته في ذم الباشكاتب، وأن تأتينا بالكتاب الذي تزعم أنك ألفته أو ستؤلفه لنحرقه ~~هنا ونرتاح نحن وترتاح أنت معنا. وقد أمهلك السلطان إلى صباح السبت، فأت إلى هذه ~~الحجرة بعد أن تكون نفذت ما أمرك به سيدنا. ~~- اليوم الخميس، وتريد أن أحضر أخي صباح السبت إلى هنا! إذا قلت إنك لا تعرف كم بيننا ~~وبين مصر، أفلم يخبرك أحد بمقدار بعدها عنا؟ ألم تسأل شركات البواخر كم يوما تستغرقه ~~أسرع باخرة للوصول إلى الإسكندرية؟! فهب أن أخي الآن واقف على رصيف الثغر الإسكندري، ~~وأن حكومة إنكلترا أعارتني أسرع مدمرة لديها، أيكفي كل هذا لوصول أخي إلينا في صباح ~~السبت؟! هذا ما لا يكون. وتكذيب ما كتبته مع علمي بصدقه لا أقوى عليه ولو أدى ذلك إلى ~~ذهاب حياتي. أما الكتاب فلم أشرع ms145 في تأليفه؛ وذلك لأن عادتي ألا أكتب شيئا إلا إذا ~~علمت أنه سيطبع، وأنا أكتب ما أكتبه وأبعث به إلى المطبعة تباعا. ~~- كل هذا لا أسمعه منك. وما أمرت بمناظرتك، بل أمرت بأن أدعوك إلى الإنصاف. اذهب ~~الآن واجعل جوابك مفتوحا لكيلا أتهم عند السلطان بخيانة العهد. # ولقد قضيت ليلتي على مثل أعالي الموج، فلما وافانا السبت قصدت إلى «يلديز»، وكنت كتبت ~~ورقة ذكرت بها بعدي عن أغراض السوء وما كابدته من الباشكاتب، وكيف اتفق الناس على ~~الشكاية من أعماله، وأبنت أن رجوع أخي ليس بيدي، وأني محضته النصح فلم يرض به مني، ~~وقلت إني لن أقدم على تكذيب حق أنا عرفته، وإن لي من حسبي لرادا على تورط الشبهات. ~~فأدخلت إلى حجرة أبي لحية كما سبق بيانه، وجاء هو بعد ذلك، فدفع مسدسه لكاتبه ولثم ~~المصحف كأول مرة، والتفت نحوي سائلا عما أكون قضيت فيما بلغنيه من أمر مولاه، فدفعت ~~الرقعة إليه فقرأها وتمعنها ثم نبذها إلى الأرض ونظر إلى وجهي نظرة مغضب، وقال: الآن ~~ندخل معك في شأن جديد. ألا تريد أن تطيع مولانا السلطان؟! # قلت: بلى، إني أريد، ولكن شتان ما بين الإرادة والإمكان. ~~- أراك تقول: حسبي! وما هو حسبك الذي تتباهى به؟! من أي بيت فجور منشؤه؟ ~~- نحن لم ننشأ من بيت فجور مثلك، ووا حرباه أن يكون بقصر الملك العثماني رجل مثلك أبت ~~مكارم الأخلاق أن تسكن نفسه! أمن أجل هذا الكلام المهذب دعوتني وأشغلتني بك منذ ~~يومين؟! أم أمرك السلطان أن تخاطبني بذلك؟ وقد نسيت أن أذكر لقراء كتابي أنه دخل ~~علينا رجل قصير القامة بادن الجسم علمت أنه من موظفي السفارة العثمانية التي ببرلين، ~~فلما سمع ما خاطبت به أبا لحية قال لي: الباشا مثل والدك، ولا ضير في أن تتحالم له ~~إكراما لسنه. # قلت: أعوذ بالله أن يكون مثله والدي. أنا لم أعرف والدي جيدا لأنه توفي إلى ~~رحمة ربه وأنا صغير، ولكنني سمعت من أناس كثيرين أنه كان رجلا أحسن الله ms146 أدبه وعصمه ~~مما يشين أهل الوقار. أما هذا الرجل الذي يذم حسبي ونسبي في قصر سلطان العثمانيين ~~فلص دنيء حقير كذاب أفاك، لا يقاس بأحد حتى من السوقة. فالتفت أبو لحية ~~إلى جليسه وقال: أرأيت كيف يستبطر حلم السلطان هؤلاء القوم؟ أما والله لو كان أمره بيدي ~~لتوالت على أكتافه العصي. # قلت: وما يمنعك من ذلك؟ # قال: خوفي من غضب سيدي الذي أعيش بأنعمه، وإني لفخور بخوفي هذا. وأنتم لا تعرفون مقام ~~السلطان، فتبلغ منكم قلة الأدب أقصاها. وقد صدق من قال: أشد الناس جرأة على الأسد أشدهم ~~جهلا لبأس الأسد. # قلت: ويحك! ألا تدري أن السلطان لو جعل أمرك بيدي لألجمت فاك، ولجعلت فوق ظهرك برذعة، ~~ولأركبت الناس متنك بلا أجرة. أنت لا تعلم ما تقول، ومن العبث أن أضيع معك أوقاتي، وها ~~أنا ذاهب فإن كان عندك ما تبلغني عن السلطان فلا أتقبله إلا مكتوبا. وخرجت من بين ~~يديه فلم يمانعني. # ثم أرسلت رسالة برقية إلى عبد الحميد وصفت فيها ما اتفق لي مع سيافه، وقلت: إذا لم ~~ينصفني طلبت إنصافه في جرائد أوروبا. فدعاني المرحوم عاصم بك كاتبه الخاص وأبلغني أن ~~السلطان أسف أشد الأسف لما جرى لي مع أبي لحية، وأخبرني أنه سيحضر إلي عند عاصم ~~ليعتذر إلي عما فرط منه، ونصح لي ألا أجيبه جوابا يؤلمه. فجاء أبو لحية وسلم ~~علي وزعم أنه لم يرد بكلامه لي غير النصيحة، وأنه أحبني فرأى أن يخاطبني بما يخاطب به ~~ولده إذا لم يطعه. # قلت: إذا كنت تقول لولدك في أية دار فجور نشأت، فهذا كلام أنا لا أصبر عليه. وحين ~~هممت بالانصراف مال عاصم بك بي جانبا وقال: يقول لك مولانا السلطان: إن من حسن أدب ~~المرء ألا يكثر من الوعيد في مخاطبة مليكه. ويريد ألا يسمع منك كلاما عن الجرائد ~~الأوروبية. # فخرجت من ذلك القصر الذي استوطنه الظلم وأنا أكاد أعدو هربا، وقلت: يا لك من صرح ~~شيد على خراب الوطن، فلئن مد الله في أيامي ms147 ورأيتك وقد خلت مقاصيرك وحجرك وقفت أمام ~~رسمك المحيل وحييتك بما قاله الملك الضليل في الغابرين: # ألا عم صباحا أيها الطلل البالي # وهل يعمن من كان في العصر الخالي # فدخلت منزلي واستلقيت على مقعد لي وجعلت أفكر فيما مر بي من المخاوف والمهالك، ~~وقلت: عسى يعقب الله هذا التعب راحة فأخرج لا غانما ولا غارما، كما قال الشاعر ~~القديم: # على أنني راض بأن أحمل الهوى # وأخلص منه لا علي ولا ليا # فلبثت ثلاثة أيام لا تروعني في خلالها روائع الدهر، حتى ظننت أن الدهر عاد إلى شيمة ~~الوفاء، ولم يبق لي شيء أخافه. وفي اليوم الرابع بينا أنا جالس في حديقة البيت إذا ~~زائر يتقدم نحوي، فتأملته فرأيتها شابا حسن البزة والوجه، فلما دنا مني سألني: هل أنت ~~ولي الدين يكن؟ قلت: نعم. فأخرج لي بطاقة كتب عليها اسمه، وهو ممتاز بك من موظفي نظارة ~~الداخلية، فرحبت بقدومه ولم أسأله عن سبب زيارته تأدبا، وقربت منه كرسيا وسألته ~~الجلوس، فجلس، وبعد دقائق قضيناها في تكرار جمل التحيات على العادة الشرقية قال لي: ~~أرسلني إليك ممدوح باشا ناظر الداخلية لأبلغك أنه يريد مواجهتك في أمر ذي بال، ويقول ~~إذا استطعت أن تزوره قبل العصر فاذهب إلى النظارة، وإذا لم تستطع ذلك فإنك تجده بمنزله ~~الكائن بجهة «أرناءود كوي». وأمرني أن ألازمك في ذهابك لكيلا تتكلف تعب السؤال عن ~~المنزل. # قلت: سمعا وطاعة. غير أنني لم أحظ قبل اليوم بلقاء الوزير، فماذا ترى يريد أن ~~يخاطبني فيه؟ ~~- لا أدري. # وكانت الشمس مالت إلى الغروب، فنهضت ولبست ملابسي ورافقت الرجل إلى منزل ممدوح، ~~فأخبرونا أنه رجع من النظارة على عادته ثم دعاه السلطان إلى «يلديز»، وقالوا لممتاز بك: ~~أمرنا الباشا أن نستبقيك مع من دعوت إلى أن يعود من القصر. فأقمنا في انتظار الناظر نحو ~~ساعة من الزمان، فلما جاء أدخلت إلى عنده، فألفيته واقفا إلى جانب الباب فاستقبلني ~~بأحسن ما يستقبل به قادم، وناولني الخادم سيجارة فلم يرض الباشا أن أشعلها وناولني ms148 ~~أخرى من علبته، وأشعل لي كبريتة بيده فدخنت سيجارتي وقلت في نفسي: ترى ما وراء هذا ~~الإكرام! فبدأني بالحديث، قال: كثيرا ما كنت أسمع الناس يتحدثون بفضلك وأدبك فأشتاق ~~إلى رؤيتك. غير أنني لم يقسم لي أن أراك إلا في هذا اليوم، وأود ألا تكون هذه آخر ~~زيارة؛ فإن البيت بيتك وكل من به يفرحون لقدومك. فأجبته بما يسع المقام، ثم قال لي: ~~أأنت ابن أخي محمد فائق بك يكن؟ ~~- نعم. ~~- أنعم به وبك، هو صديقي من القديم وأنا ممن يفتخرون بمودته. والآن زادت جرأتي في ~~بيان ما أريد لك، فاسمع كلامي وتأمله ولا تتعجل الاعتراض. أنا لي ولد هو أسن منك، ولي ~~من التجارب ما لا يتاح لسنك. وقد كنت صديقا للمرحوم نامق كمال الشهير، وهو أشعر ~~الشعراء وأكتب الكتاب غير منازع، فأخلصت له النصيحة في ترك اللجاج والرجوع إلى طاعة ~~أولي الأمر، فلم يحفل بمقالي وسخر من نصحي، فلما خاب في مساعيه وعثرت جدوده ندم حين ~~لا يجدي الندم. وقد رآني في أيام نكبته مرة فقال لي: صدقت يا ممدوح فيما قلت لي، ~~وليتني كنت تبعت رأيك وعملت بمشورتك فكفيت ما ألاقيه اليوم. وإنما أبدؤك بهذا الكلام ~~لتجعله عظة لك، إني أتاني أنك تناضل قوما من المقربين عند السلطان. وهذا ما لا أرضاه ~~لك؛ ما لنا نحن ولهم، هم خاصة رجل نحن من رعيته، ولا يطمع عاقل في أن يعاقب السلطان ~~أحد خاصته إكراما لمن ليس من أندادهم. إذا كنت تريد من السلطان شيئا فبالرفق والحسنى ~~تناله. ولقد قال الحكماء: يدرك بالحكمة ما لا يدرك بالقوة. هذا كلام لم يأمرني به ~~السلطان ولا طلبه مني أحد من مقربيه، ولكني أقوله لك متوسما فيك الرأي والسداد، وإذا ~~شئت أن تكتب فاكتب ما ينفع بلادك. والذم لا ينفعها. ألف روايات وترسل فيها ببيانك ~~المعلوم، أو فاكتب كتبا في التاريخ والأدب، وإذا كانت لك عند السلطان حاجة فتعال إلى ~~بيتي ولك علي أن أكون رسولك إليه، وإذا لم أرضك فاشتمني وذمني ms149 ما شئت، أنا لا ~~أواخذك، وأحمل منك ذلك على فتنة الشباب. أما غيري فيؤاخذك ويطالبك بحقه، والسلطان لا ~~يذل خاصته، ولا غنى له عنهم. والآن وقد سمعت كلام أب يغار على أهل الفضل والحسب أن ~~يصيبهم مكروه، فهل أنت واعدي بترك نضالك؟! ~~- ما ثم من نضال، شتموني ثم اعتذروا، وسمعت الشتم أولا وقبلت المعذرة ثانيا، فلا ~~أنا مغبون ولا الدهر غابن. ~~- حسبك. قد رضيت منك بما تعهدت. أما رجوعك إلى مصر فلا أراه صوابا، ولا يضيع العاقل ~~خيرا هو بيده جريا وراء أهوائه. فشكرت كلام الرجل كما يوجبه الأدب وخرجت من عنده، وما ~~أطربني من كلامه إلا لفظه دون معناه؛ فإن ممدوحا من رجال الأدب الذين عاشروا كمالا ~~وأصحابه وأوتوا البيان وفصل الخطاب. غير أنه فتنه ذهب عبد الحميد وقلت قيمة الوطن ~~عنده، فحسب الذهب يبقى والوطن يفنى، فكان من الأخسرين أعمالا. # هذه الزيارة فذة لا ثانية لها، وما سرني أن يكون لي بمودة ممدوح ملك الدنيا، وهو ~~رجل لم تطلع الشمس على ألأم منه، وأعلم أنه خاطب كثيرين بمثل ما خاطبني؛ ليستجلب قلوبهم ~~ويشتري نفوسهم ويلقي بهم في هلكات العار. # وقد أطلت الكلام في هذه الفصول حتى كدت أخرج عن الصدد، بل خرجت عن الصدد. وإنما أردت ~~بذكر هاته المحادثات أن يقف القراء على عقول أركان الاستبداد وعلى تنوع أهوائهم؛ فهي ~~منقولة إليهم بغير زيادة ولا نقص، وكأن كاتبا كان يكتب ما يدور بيني وبين هؤلاء الناس. ~~وربما يخيل لبعض القراء أن ببعض لأخبار مبالغة فلا يصدقون وقوعها، فيقولون كيف يكتب ~~ولي الدين كذا وكيف يتجاسر أن يقول كذا وهو في قصر عبد الحميد بين يدي خاصته؟! ولكن هذه ~~الوقائع يعلمها كثير من الناس، وهم لا يزالون بالآستانة، ومنهم من جاء مصر وأقام بها، ~~فإن كانوا يعلمون فيما ذكرت شيئا يخالف الصواب فليتفضلوا بذكره ولينشروه بالجرائد، ~~وإذا هم لم يستطيعوا نشرها نشرتها أنا لهم بأية جريدة يريدونها. # | شتم وضرب وقتل # عاصمة ملك أم مرسح ملعب! # كل بلد فيها من ms150 الفضائح ما يظنه الناس لا يتحصل في غيرها، وكل معشر لهم من المثالب ~~ما يخاله المرء لا ينشأ إلا منهم. ولو تأمل حال الدنيا لبيب رأى عواصمها مكامن ~~للأسواء ومعاشرها صناديق للعيوب. فلست أريد أن أذم ماضي فروق من هذه الوجهة؛ وما ذنب ~~فروق وهي روضة غناء، زهرها ابتسامها ومزنها بكاؤها، جنة أراد قوم أن تكون جهنم فلم ~~تكن. وإنما الذنب ذنب فئة باغية تقدمها عبد الحميد، فكانت كالسيل إذا دهم والطامة إذا ~~حلت. # دخلت الآستانة وبها شاب اسمه عبد الغني بك، كان ميرالايا بالحرس السلطاني، نال من ~~ثقة مولاه ما لم ينله أحد غيره، ومن الحظوة شأوا بعيدا وقفت دونه الهمم. استبطر عبد ~~الحميد هذا الشاب فتركه يعتدي على الناس، ولم يقبل فيه وشاية ولا سمع فيه شكاية، فلو ~~قيل له إن عبد الغني أضرم النار بالآستانة وأخذ يرمي بالناس في لهيبها مثنى وفرادى ~~لقال: دعوه، أنا أمرته بذلك. ولم أعاشر عبد الغني ولم أخالطه كثيرا ولا قليلا فأقول ~~في حقيقته ذما أو مدحا، وما رأيته منذ نزلت بالآستانة إلى يوم مقتله غير مرة واحدة. ~~والمادحون له من أفادهم وده، والقادحون له من أضرهم بغضه، ولا يعتد بشهادة فريق ~~منهما. غير أنه تجاوز الحد في إقدامه، فلم يرحم صغيرا ولم يوقر كبيرا، وحيث رمى ~~ببصره سعى بقدمه. وكان لهذا الشاب آخر يغايره ويعانده، وكان دون عبد الغني شجاعة ولم ~~يكن دونه قدرة. وقد فاق عبد الغني طولا بما أوتي من المال. وهذا الخصم الألد هو جاويد ~~بك ابن المرحوم خليل رفعت باشا الصدر الأعظم. ولما بلغ الشر مبلغه بين المتحاسدين وسعى ~~أناس بينهما بالغيبة والنميمة دهم عبد الغني جاويدا بأحد المنازل فسبه وشتمه وطرده ~~على أسوأ حال، فأسرها له جاويد في نفسه، وكان له صديق حميم اسمه حافظ باشا، وهو أحد ~~أعضاء أمانة البلدة بالآستانة، فأخذ يتودد إلى عبد الغني حتى استحكمت بينهما الألفة، ~~ثم رماه برصاصة أصابت جبهته في خبر طويل، وفر حافظ. وأرسل بعد ذلك جماعة من ms151 قبيلة عبد ~~الغني بك رجلا اسمه الحاج مصطفى قتل جاويدا بجسر غلطة في رابعة النهار. # وكان لعبد الحميد كاتب خاص من قبل عاصم بك اسمه كامل بك، دخل عليه جاويد يوما ~~وكلمه في شئون بينهما لا يعلمها سوى الله، فعظم الخلاف وكبر الشر وآل الكلام إلى ~~الملاكمة، ففاز جاويد على خصمه وضربه حتى أوجعه، فلما بلغ الأمر عبد الحميد أنعم على ~~كامل بك برتبة البالا وعلى جاويد بوسام وأمر لهما بجائزة سنية. # واشتد غضب الصيادي على آل بدرخان إلا اثنين منهم، وهما بدري بك وعثمان باشا، فسلط ~~على ... بك البدرخاني جماعة من الحمالين هاجموه ذات يوم، ولكنه أدخل يده في جيبه فأخرج ~~مسدسا كان معه ورمى به في الهواء ثلاث رميات، فأسرع البوليس إلى المكان الذي دوت ~~منه الرصاصات وقبضوا المعتدين واستاقوهم إلى نظارة الضابطة، وخلص الله البدرخاني من ~~أعدائه. وأراد علي شامل باشا - وهو أيضا من كبار أولاد بدرخان الشهير - أن يعاقب أخاه ~~عثمان باشا على صداقته للصيادي، فقابله في يوم من أيام رمضان إحدى السنين وهو خارج من ~~الجامع، فضرب علي شامل أخاه ضربة على وجهه هشمت أنفه ووقع على الأرض صريعا فنقلوه إلى ~~البيت. ولما كان يوم العيد قابل عثمان أخاه في حجرة التشريفات بسراي «طولمه بغجه» فرماه ~~بنظرة ملؤها وعيد وخرج من بين صفوف المهنئين، وأشار بيده إلى السلطان مسلما، فأنفذ ~~السلطان وراءه حسن باشا محافظ بشكطاش الفاتك الشهير ينذره بأنه لن يعود إلى التشريفات ~~بعد ذلك أبدا. # وكان حسن باشا - الذي أتى ذكره في هذا الفصل عرضا - من أكبر أنصار الاستبداد، يضرب ~~ويقتل ولا يعارضه أحد. ويروي البعض أن السبب في هذه المنزلة أن بعض الأحرار كانوا ~~هاجموا قصر «جراغان» التي كان السلطان مراد الخامس مسجونا بها وحاولوا إخراج السلطان ~~المعتقل وإعادته على كرسي الملك وجعل عبد الحميد مكانه. وقاد هؤلاء الأحرار السعاوي ~~الشهير، ففتحوا أبواب القصر عنوة حتى وصلوا إلى السلطان مراد، وكان الخبر وصل إلى حسن ~~باشا محافظ بشكطاش فأسرع إلى المهاجمين في ms152 جماعة من الجنود، ووقعت عينه على السعاوي ~~فضربه ضربة ألقته على الأرض قتيلا. والقصة معروفة عند العثمانيين كافة، وهم يسمون ~~هذه الواقعة واقعة السعاوي. ومن ذلك اليوم أعجب عبد الحميد بحسن باشا وركن إليه في ~~المحافظة على حياته. وهذا الرجل ضرب يوما الحر الشهير المرحوم مانياسي زاده رفيق ~~بك الذي كان ناظر العدلية، فشكاه ولكن لم يسمع شكايته أحد. # ولعلي شامل باشا البدرخاني واقعة أخرى تعجبني كثيرا؛ فقد التقى يوما بحسن خالد ~~الصيادي بجهة الفنار، وكان حسن خالد ذهب إلى هناك لينزه ناظريه في جمال تلك الغانيات ~~وقد ملأت الروابي والبطاح، فضربه علي شامل أمامهن حتى أسفه التراب. # كذا كانت فروق؛ يضرب الناس بها بعضهم بعضا، فمن كان ذا قوة وبأس شديد استوجب لنفسه ~~الكرامة وبات ذا منعة لا تتطاول إليه الأبصار، ومن كان ضعيفا ضيم في ضعفه ولم يجد له ~~حميما ولا نصيرا. وهنالك عبد الحميد مشرف من أوجه ينظر إلى الناس في اختلاف أهوائهم ~~وتزاحمهم على آرابهم، فيسوق فريقا إلى حرب فريق، فمن رجحت كفته استدناه من حظيرته ~~واختاره لنفسه، ومن خفت كفته أجهز عليه وعجل له بنقمته. # | السياسة الحميدية # ليس في العثمانيين ولا في الغربيين من عرف سياسة عبد الحميد حق معرفتها. بلى أقول: ~~ليس في خاصته وأشد الناس قربا منه من استبان مقاصده. لقد كان هذا الرجل لغزا من ~~الألغاز حارت في فهمه العقول وقصرت المدارك. ولا أدعي لقراء كتابي أني عرفت من ~~عبد الحميد ما لم يعرفه غيري؛ فتلك دعوى عريضة لا تقدم نفسي عليها. وإن ما أذكره لهم ~~في سطوري هذه لضروب من الحدس قد أخطئ فيها وقد أصيب. غير أن أمرا واحدا لا أخطئ ~~فيه ولا يجادلني فيه أحد من الناس؛ وهو أن عبد الحميد كان عدو أمته، لم يعرف مقدار ~~جهلها في أوائل حكمه، فتولى زمامها على حذر منه، فلما مارسها وعرف من أمرها ما كان يجهل ~~صغرت في عينه عقولا ولم تصغر في عينه قلوبا. وقد شهد لها بالبأس والفتوة واحتقار ms153 ~~الموت في سبيل كرامتها، وعلم أن هذه الصفات الطيبة يسترها الجهل؛ فتمسك بالجهل، وأيقن ~~أن سمو المدارك يكون على قدر العلم؛ فقضى ألا تزداد الأمة علما لكيلا تزداد ~~فهما. # ورأى بني الشرق مولعين بقديمهم، لا يريدون أن يبدلوا منه غيره، فمشى على أهوائهم ~~وفتنهم بالهبات، وفتح لهم باب الحسد ففرق بينهم وجعل بعضهم رقباء على بعض، ثم دلته ~~تجاربه أن خير ما يؤيد به عرش في بلاد لم تزل على عهد البداوة أن يبدو من السلطان ~~تعصب للدين، فجعل يستدني من مجلسه أولي العمائم ويعمر لهم التكايا ويشيد لهم ~~المساجد، ويواصل ببره أهل النسك والزاهدين، فيقولون هذا سلطان تقي بار يحب أهل البر ~~والتقوى؛ وهم لا يعلمون ما وراء بره وتقواه. على أنه نال بغيته فجعل لنفسه منزلة في ~~قلوب المسلمين في بلاده وفي البلاد القاصية، وأوهم دول أوروبا أن له ركنا قويا ~~وجانبا غير هضيم. # أما أوروبا فكان فيها المصدق وفيها المكذب، فرأى المصدقون ألا يفتحوا على ~~أنفسهم أبواب الفتنة ويدعوا عبد الحميد في ملكه حتى يقبضه الله، ورأى المكذبون أن ~~يستفيدوا منه بتخويفهم إياه؛ فقد علموا أنه ضعيف الفؤاد شديد الفزع، فكانوا كلما لاحت ~~لهم بالبلاد العثمانية غنيمة أقبلوا عليها يتراكضون وأمامهم أساطيلهم وجيوشهم تتكلم ~~النيران بأفواه مدافعها، ولا يلبث أن يهبهم حاجتهم فيرجعون ظافرين غانمين. # وقد شاء الله أن يكون في الأمم المتمدينة قوم يرثون لحال العثمانيين، ويستحثون ~~حكوماتهم وأبناء جلدتهم على الأخذ بناصرهم وافتدائهم من أسرهم، فلم يفلحوا؛ وذلك لأن ~~بعضهم لمع له المال في يد الظالم فعي لسانه وشلت أنامله، وبقي البعض الآخر لا نصير ~~له حتى مل النضال وطلب الهدون. وما ظهر من العثمانيين من يدعو الناس إلى نصرتهم ~~ويحدثهم بخطبهم إلا تغلب عليه عبد الحميد بالمال، وإذا لم ينفع في نكايته المال ~~تغلب عليه بالحيل. ورأى الغربيون ذلك، فساءت بنا ظنونهم وصغرت منزلتنا في أعينهم، ~~وقالوا هؤلاء قوم لا ثبات لهم على رأي، فليذوقوا الظلم حتى يتعودوه فيستطيبوه أو ~~يملوه فيغلبوه. وبذا أمكن ms154 الله عبد الحميد من رقاب أمة استسلمت إليه امتثالا لا ~~ذلا، وسكتت عنه صبرا لا عجزا، وأحبه منها من أحبه جهلا لا علما. # ولو اقتصر ساسة أوروبا على التغاضي عن العثمانيين لهان الأمر ولتدبر العثمانيون ~~لأنفسهم تدبيرا يقصر دون رقابهم يد القاتل، ولكنهم في حضارتهم وشغفهم بإنصاف بني ~~الإنسان أقبلوا على خزائن عبد الحميد، فبينا تجري دماء الأرمن أنهارا في أقطار ~~الأناضولي، ويعلو صراخ الثاكلات واليتامى بين الصخور والوديان، وتغتذي أسماك البوسفور ~~بأجساد الفضلاء من الأمة، وتجبى الأموال إلى عبد الحميد وأعوان نقمته وهي تسل من كبد ~~القروي المسكين، إذا بزعيم قوم يخطب على ضريح صلاح الدين الأيوبي محييا عدو الأمة ~~العثمانية فوق عرشه الذي اغتصبه، فيقول لأبناء الحضارة: كذب المتظلمون، إن عبد الحميد ~~سلطان جليل عادل رحيم، ويقول أبناء الحضارة: صدق الزعيم وكذب العثمانيون. # كان أبو الهدى أشد الناس بغضا لعزت العابد، وكان العابد أشد الناس بغضا لأبي الهدى، ~~وكان عبد الحميد مصطفيا كليهما وهو يعلم أنهما لا يتفقان في رأي ولا يجتمعان على خطة. ~~فإن كان يظن بأبي الهدى خيرا فقد وجب عليه أن يكتفي به ويستغني عن العابد، وإن كان ~~يتوهم بالعابد نفعا فكان من الصواب أن يستخلصه لنفسه وينصرف عن أبي الهدى. ولا يجتمع ~~نقيضان على حق. وبذا يتبين للمتأمل أن عبد الحميد لم يرد من اختيار المتخالفين إلا ~~اتخاذ كل منهما رقيبا على الآخر، علما منه أنهما سيسهران لياليهما في رقبة ويرتاح ~~هو بين الرقيبين. # وأشد ما على نفس الحر أن يعيش عبد الحميد في ملكه ثلاثا وثلاثين سنة يظلم فيها ~~رعيته ويقتل أبناءها تقتيلا، وأن يجد كثيرا من الناس يضربون بسيفه ويجادلون بحجته، ~~وما ذاك إلا أنه أرضى رجال الدين، والعامة تبع رجال الدين. # هذا هو دهاء عبد الحميد الذي يضرب به الأمثال أكثر المتشيعين له. وهذا هو السر في ~~استمرار حكمه طول هذه المدة. وأنا أخالف كل من يقول بذلك؛ فإن الرجل فطر على حب نفسه ~~وولد إذ ولد جبانا مستطارا، فكان همه ms155 استطلاع أسرار الناس ليتبين إن كان فيها ما ~~يرجع إليه بمكروه. ولو كان ذا دهاء كما يقولون لتبين الحق من الباطل ولاستطاع أن ~~يحبب نفسه إلى مبغضيه، وذلك ما لا يكلفه شططا ولا يكسبه إثما؛ فقد خرج الآن من ~~ملكه وهو لا يعلم من رعاياه إلا ما كان خاصا بذاته من حب أو بغض؛ وهو علم تتكنفه ~~الشبهات ولا يؤيده إلا الوسواس. والرأي السديد لا يقيم بفؤاد الجبان؛ فإن الخوف يمنع ~~الفكر إدمان التأمل، وكل ما يراه المرء في فزعه من الرأي يراه على غير حقيقته. وقد وقع ~~ذلك لعبد الحميد في كثير من أموره. وما اشتد به أمر إلا استدعى وكلاءه وفاوضهم مفاوضة ~~المقيم على جمر الغضا، فتزل قدمه وتزل أقدامهم. وربما أمر أمرا يستحدث شرا فيتجاهله ~~ويزعم أنه لم يأمر به خوفا وذلة، ولبئست الخلتان. # وأي دهاء عند رجل كلمة تقيمه وأخرى تقعده، كما وقع له في أمر العرابي، فوعد الإنكليز ~~بإرسال الجنود العثمانية لإخماد الفتنة، ثم انصاع لرأي الشيخ أسعد كما سبقت الإشارة ~~إليه في أحد الفصول المتقدمة؟! بل أي دهاء عند رجل يخاف أحقر عبيده وترتعد فرائصه أمام ~~نسائه ويكاد يميته الخوف من طفلة ربيبة تقلب مسدسا له، كما جرى له مع تلك المسكينة ~~التي قتلها ظلما وعدوانا؟! أنا لا أصدق أن جبانا يكون ذا دهاء، وإذا كان المراد ~~بالدهاء احتياله على الناس وابتزاز أموالهم فذلك ما لا أجادلهم فيه. وإذا كان في الناس ~~من يظن أنه خدع أوروبا فذلك ظن كله خطأ. وإن أوروبا لأعقل أن يتلاعب بساستها عبد ~~الحميد، ولكنهم كانوا معه على ما قال الشاعر الحكيم: # ليس الغبي بسيد في قومه # لكن سيد قومه المتغابي # بلغني أن سفير إيطاليا شدد عليه النكير في إحدى زياراته وجعل يقول له: إن الدول ~~الأوروبية لم تر من الدولة العلية وفاء بوعد من وعودها، وأنها كلما طالبتها الدول ~~إنجاز الإصلاح الذي ضمنته مالت إلى الخديعة والمطل، وأن هذه الحال قد تضطر الدول يوما ~~إلى ركوب الخشن والرجوع ms156 إلى الوعيد. فحاول عبد الحميد إقناع السفير بأنه ساهر ليله ~~مشتغل نهاره سعيا وراء ما يرضي الدول، وأن الأمة العثمانية جاهلة ومتعصبة؛ فهو يعاني ~~الشدائد في إرشادها إلى الخير، وأنه لا يلبث أن يتمكن من ذلك قريبا. كل هذا والسفير لا ~~يقتنع، فحار عبد الحميد ولم يدر ما يصنع، ولما كبر عليه الأمر استدعى عزت العابد وقال ~~له: كلم جناب السفير بشيء يكون له فيه مقنع. وأقام العابد يغالط السفير حتى استرضاه ~~بالرجاء ولم يرضه بالبرهان. فأين كان الدهاء في عبد الحميد يومئذ وفي مثل ذلك يعرف ~~الدهاء؟ ولا يستنجد الملك الحازم بكاتب من كتابه في معضلة بينه وبين أحد ~~السفراء. # هذا كجوابه لمن قال له: ما السبب في إكثار السلطان من الحراس والجند حين يخرج إلى ~~صلاة الجمعة؟ وكان سائله أوروبيا، فقال له عبد الحميد: لأمكن هيبة الخلافة من قلوب ~~النصارى. وقد حرف الكلمة ترجمانه فقال: من قلوب الأوروبيين، فجاءت الإقالة شرا من ~~العثرة. # وأقبح من كل ما تقدم أن عبد الحميد كان كلفا بالاستقلال، فلم يشأ أن يكون لغيره ~~رأي في كبيرات الأمور ولا صغيراتها، وسيان لديه تولية وال وتوظيف أحد رجال ~~الجاندرمة، كل يكون بإرادة سلطانية. وقد تولى تدبير حركات الجيش في الحرب الروسية وهو ~~بقصره بين جواريه وغلمانه، فكانت العاقبة أن جاءت الجنود الروسية إلى عاصمة ملكه، وكادت ~~تطأ سنابك أعوجياتها حجرة نومه لولا فضل الأسطول الإنكليزي ووقوف جباله الشم تلقاء «سان ~~استفانو». # ولينظر القراء من اختارهم لدولته من الصدور والوكلاء؛ أما والله لم يكن بينهم ذو عقل ~~ولا من يليق به أن يكون من الرعاة. هذا وفي الناس من يتوهمون أن عبد الحميد كان من ~~الدهاة. # جهل الأمة وأطماع قادتها ومقاصد أوروبا من منن الدهر التي يشكره عليها عبد الحميد. ~~والآن وقد أنزله الله من عرشه وجعل مأواه بيتا كان لا يرضى أن يهب مثله لنديم من ~~ندمانه، وترك لنا بقية ملك يحاول كل عثماني أن يرقعها بشغاف فؤاده، فلا يجمل بنا أن ~~نخدع أعقابنا ms157 ونوهمهم أن الرجل الذي أبت نعمة الله أن تساكنه كان ملكا من كبار ~~الملوك. # | الجزء الثاني # | مقدمة # قد علم من قرأ الجزء الأول من هذا الكتاب بعض ما كان يقع بعاصمة الملك العثماني في ~~عهد حكومة الاستبداد البائدة. وما ذاك بالكل ولا بالجل، إن هو إلا مجمل ما عرفته ~~معرفة المشاهد وخبرته خبر المجرب، ولم أتعرض لما شاع على ألسن الرواة أو ذكر في صحف ~~الأخبار؛ إذ لم آمن عليه غلبة الأهواء وكذب الرواية. ولكن اتهمني بعض الخلان بجعل ~~الشكوك بمنزلة الحقائق في تسجيل التاريخ، وبالميل مع الهوى في مقاضاة الرجال، وليس ذلك ~~من الصواب في شيء، وكيف يكون صوابا وأنا الذي عانيت صعب مراس الأيام واستهنت فادحات ~~الخطوب وأعرضت عن بسمات المعالي لكلمة حق أقولها، ولو تكتمتها لاقتصدت في عداوات ~~الرجال. # نظر أناس في الجزء الأول من المعلوم والمجهول فرأوا صورة اللورد كرومر وقد كتبت ~~تحتها «مصلح مصر»، فألقوا بالكتاب جانبا وأطبقوا جفونهم وولوا عنه هاربين؛ راعهم شخص ~~ذلك الرجل الجليل على الورق فأخذتهم سورته ولم تقو عيونهم على النظر في وجهه، فكيف ~~بهم لو تمثلوا بين يديه ورن صوته في آذانهم. وقد زعموا بعد ذلك أني صنيعة الرجل، ~~والرجل لا علم له بكتابي إلى يومنا هذا. وهال بعض الجرائد ما في الكتاب فأمسكت عن ~~الكلام فيه. لم تشأ تقريظه ثقة منها بأن ستشتمها الصحف التي تشتم اللورد كرمر، ولم ~~ترد نقده علما منها بأن سأحجها إذا دعت إلى النزال. وتراضينا في هذه القضية على ~~السكوت. # يا حرية، ظننت بأن سيكثر المتنافسون فيك فخفت أن ينفسوا علي، وإذا هم يدعونك ولا ~~يعرفونك؛ فلن أخاف منذ اليوم رقيبا. أنا عرفتك وهمت بك هياما، فأنا صاحبك من قبل ~~ومن بعد. يريدون أن أكتب ما يريدون وأريد أن أكتب ما أريد. اتسعت مسافة الخلف بيني ~~وبينهم. الشرق وطني وأنا في الشرق غريب. ولا ضير إن أعرض عن مقالي أهل زماني فغدا ~~يتهافت عليه أبناؤهم؛ «ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.» # على أنني ms158 طويت أشياء كانت ذكرت في الفهرست الذي طبعته قبل الكتاب ورضيت أن تتأجج في ~~فؤادي حسراتها وقلت: يا نفس ردي موارد الصبر، وما أنا بالجبان في قول الحق. غير أني ~~أشفقت على القلوب الحرة أن يذيبها حر أنفاسي. وقد أتت حالات عجزت عن تحويلها، وها أنا ~~اليوم مقر بعجزي ومعترف بذنبي. وإذا كانت لي في ذمة الدهر أيام رجوت أن أجد السبيل ~~إلى زيادة الإفصاح، وألا أموت نصف حر بل أن أموت حرا كاملا. # واليوم آن لي أن أنجز الجزء الثاني من المعلوم والمجهول، وسيأتي فيه ذكر أشياء كثيرة ~~لم يسبقني أحد إلى بيانها، فأرجو ممن سيطالعون هذا الكتاب من خصومي أن يحكموا فيه ~~ضمائرهم دون أهوائهم، وألا يتعجلوه بمدح أو ذم قبل إكمال مطالعته. # | كيف نفوني إلى سيواس؟ # لو كنت آمل أن سأعيش إلى يوم أكتب هذه السطور لحرصت على ما كنت كتبت في أيام شقائي. ~~ولكن غلب علي اليأس واشتدت الضجرة، وقلت: ربما وشى بي واش إلى الحاكم الظالم فأوخذ ~~إلى السجن ويؤخذ ما أكون كتبته إلى النار، فلا أنا أستفيد ولا الوطن يستفيد. # لي عند بعض الناس ثارات أنا أهبها اليوم لهم غير مكره. عفا الله عما سلف. ولا آتي في ~~سياق حديثي بذكر أشخاصهم ولا أعرض بشيء مما امتازت به صفاتهم تجاوزا وصفحا، فليعذرني ~~قارئ كتابي؛ فليس المقام مقام انتقام بل هو مقام اعتبار واتعاظ. # لما كاثرتني جموع المستبدين وهي في إقبال دولتها وقوة سلطانها، واشتعال جذوتها ~~وامتداد حكمها، وتخاذل عني قوم كنت أعددتهم للعظائم؛ رأيت في نفسي ضعفا عن الاستمرار ~~على الكفاح. أما النكوص على عقبي فلم أرض بعيبه وعاره، وأما الانقياد فدونه الموت ~~وأعذب منه أشد العذاب. فرأيت الراحة في الهدون حتى أجد عدة كافية ودرعا واقية وسلاحا ~~ماضيا وأنصارا أولي حزم ووفاء. فأقمت الليالي والأيام لا أغشى لصديق مجلسا ولا أفشي ~~لأحد سلاما، ولزمت بيتي وانقطعت عن نظارة المعارف، فكان يزورني من الأصدقاء من لا ~~يسوءني محضرهم ومن آمن عواقب الثقة بموداتهم. وظللت ms159 على ما ذكرت بعيدا عن معترك ~~المتناظرين منقطعا إلى أحزاني مكبا على مطالعة الكتب وكتابة الفصول ونظم الأشعار، ~~فطاب لي الانفراد وآنست إلى وحشة هذا السجن الذي اخترته لنفسي، ولزم الجواسيس باب داري ~~فجعلوا يتزاحمون جيئة وذهابا وهم لا يظفرون بطائل. # فخرجت ذات يوم في حاجة عرضت، فلما كنت في بعض الطريق التقيت بصديقي القديم الدكتور ن... ~~وهو إنكليزي الأصل، كان جاء الآستانة في أيام الحرب التي هاجت بين دولتنا وبين روسيا في ~~سنة 1877 وكتب في الجندية العثمانية، ولما وضعت الحرب أوزارها خرج من الجندية وطابت له ~~الإقامة بالآستانة فلم يفارقها إلا مرات قلائل. وقد تعلم اللغة التركية وعرف ~~قراءتها، وكان له في اللغة الفرنساوية باع طويل وله بها كتابات تدل على أخذه بنواصي ~~البيان. فدنا مني هذا الصديق ومال بي إلى قهوة كانت قريبة منا فدعاني إلى الجلوس ~~فجلسنا، ثم جعل يصعد في نظره ويصوبه وقد عرته دهشة مما رأى من نحولي، فأنكر ما شاهد ~~في وجهي من التغير وأخذ يسألني عما أدى بي إليه، فقلت: لزمت البيت وانقطعت عن النزهة ~~والاستشفاء بمعتلة النسائم، فأحدث في طول اللبث وفرط الانكباب على التفكير ما ~~ترى. ~~- وما الذي دعا بك إلى هذا الاعتزال؟ ~~- مللت مغالبة الغاشمين وكل عن نضالهم ساعدي، فهادنتهم حتى أستعيد قوتي أو أجد ~~نصيرا على الحرب. # فتأمل الرجل النطاسي وجهي مليا وتنهد تنهدا سمعت له زجلا في صدره ثم قال: ~~ألم أقل لك يا ولي الدين إنك خاطئ في إغضابك أبا الهدى؟ وقد ظننت بي الظنون يومئذ ~~وزعمت أني متشيع له؟ وما لي والتشيع لأبي الهدى وليس له علي من سلطان؟! أنا رجل ~~إنكليزي، وقصارى ما ينالني من غضب عبد الحميد أن يأمر بإخراجي من بلاده، فأخرج مكرها ~~ثم أعود مدعوا فيستقبلونني بالعطايا، ولو كنت أحاول ذلك لنلته منذ أمد بعيد. وإنما ~~كان لومي خوفا عليك من كيد رجل لم يثبت على لقائه منازل، وعلما مني بأن كل هؤلاء ~~الذين في قصر الملك يخافون أبا الهدى على ms160 أنفسهم، ولا يجاهر أحد من أعدائه بحماية عدو ~~يكون أبو الهدى مطارده. ولم أقل لك في نصحي شارك الرجل في مفاسده وأعنه على الخيانة ~~وتحبب إليه بالكذب والنفاق، بل قلت لك دعه وشأنه واحترس من غوايته واكف نفسك شر ~~بطشه. والآن ماذا تريد أن تفعل؟ ~~- سبق السيف العذل، ما أنت باخل بنصح ولا الجد ذاهب بمأمل ولا أنا نادم على ما ~~فات. إني فعلت حين قدرت وأمسكت حين عجزت. وإذا عاودتني المقدرة عاودت العمل. ~~- أنت أملك مني لنواصي الكلام، وأنا أبصر منك بمواضع الرأي، فلا تغالب حقائقي ~~بزخارفك واسمع لما ألقي عليك: تقوم من ساعتك ماضيا في حاجتك التي خرجت لها من دارك، ~~وسأكون واسطة لإصلاح ذات بينك مع أبي الهدى. ولكن إياك أن تنقاد لهواه وتستخدم قلمك في ~~أغراضه فتقضي بذلك لباناته، حتى إذا حاق بك سوء وقف يضحك على عقلك ويسخر من رأيك. ~~وسأزورك في دارك بعد يومين. # فمضى صاحبي لشأنه ومضيت لشأني، وتم الصلح بيني وبين أبي الهدى على يده، وزرت أبا ~~الهدى في بيته وزارني بعد ذلك نجله حسن خالد بك الصيادي. وبعد أن مضت على الصلح أيام ~~توجهت إلى منزل الصيادي لأنظر ما سيبدي لي من ود أو عتاب، وقد كنا تراضينا على ألا ~~نعيد ذكر ما فات وألا يكلف أحدنا صاحبه عملا. فلما أدخل بي على الرجل تلقاني ~~بصدر رحب وثغر باسم وأدنى منه مجلسي وأقبل علي بوجهه وطيب حديثه، وأنا لا يطمئن له ~~فؤادي ولا تنبسط له نفسي. وكنت أعلم أن أبا الهدى لا يفلت فريسة أمكنه الدهر منها، ~~وأنه أشد ما يكون فاتكا إذا ظفرت يداه بعدو له. فأضمرت الحذر وأظهرت الاستسلام فإذا ~~هو يميل علي بكله، وجرى يومئذ بيننا حديث طويل، وأطلعني على كثير من أسراره وأقرأني ~~من أوراقه ما لو عرض على عدو غيري لنال بها من الثراء ما يبقى لأعقاب أعقابه، وحلف ~~لي بالأيمان المغلظة أنه لا علم لابنه حسن خالد بشيء مما في تلك الأوراق، فأعدتها له ~~وعاهدته ms161 ألا يعلم مني أحد شيئا مما أسره إلي، وها أنا اليوم أوفي بعهدي وأحفظ له ~~سره، ولو عاش في دولته إلى يومنا هذا لحاربته حرب المستميت ولكن غير مغالب له بأسراره. ~~وقد أيقنت بعدها أن الرجل جرى معي على غير شيمته وأنه لا يضمر لي غدرا، فأمنت غوائله ~~واسترحت من طول الحذر، ولو كان أبو الهدى غير خائن لدولتي لحرصت على وده ولأقمت على ~~مناصرته ما بقيت لي في الحياة بقية. # على أنني ما صالحت أبا الهدى إذ صالحته إلا لأكفى طول مناضلته وأفرج عن وجهي ما ~~كان يمنعني عن الفرار والخلاص مما كنت فيه. وأما وقد تهيأ لي ما أردت فلم يبق إلا ~~تشمري وشد رحالي. وبينا أنا في نقض وإبرام إذ دخل علينا شهر رمضان، فحمدت قدوم ~~الصيام ورأيت في شغله الشاغل للناس ما يعمي أبصارهم عما أتأهب له، وأقمت أستنجز الفرص. ~~وإني لفي داري مشتغل بما ذكرت وإذا رسول أبي الهدى يتعجل مضيي إليه. قلت: ما أتى ~~السيد حتى أنفذك إلي؟ قال: لا أدري، ولكنه أخبرني أنه سيكون على انتظارك بعد الإفطار. ~~قلت: بلغه أني قادم عليه. ولما ولى الرسول أنجزت ما كان بيدي من أعمالي وما أزف ~~الوقت إلا واكتريت عربة وبادرت إلى موعدي، فتلقاني حسن خالد في طرقة الدار وسألته عما ~~دعيت لأجله، فأبدى تجاهلا حسن عنده سكوتي، ثم أدخلت عند أبي الهدى، فاستقبلني ~~قائما ولم أر على وجهه بشاشته التي عودنيها ولا بدت على ثغره بسماته تلك التي خدعت ~~الماكرين، ولكني رأيت في حاله من الوجل ما كاد يستخف بحلمي، فأمسك بيدي وجعل يتأمل ~~وجهي وأنا مستمسك بنفسي موطد قدمي ولا أدري ما نهاية ذلك كله، فأخذ يسكن روعه قليلا ~~قليلا وثابت إليه أناته وراجعه وقاره فأشار إلي أن اجلس وجلس هو بمكانه، ثم قال: ~~إني لفي قلق عليك منذ البارحة. ~~- وكيف ذلك؟ ~~- سمعت أن الشرطة دخلت بيتك وأخذت كتبك وأوراقك، وأنك قضيت ليلتك في دار الضابطة، ~~فبت لا أدري ما أصنع ولا كيف ms162 أستخبر صحة الخبر، فما أصبحت إلا وأنفذت رسولي إليك، ~~ولما رجع وأخبرني أنه رآك بمنزلك خف عني بعض ما كان حل بي من الجزع، ثم خبرت أن ~~القوم أخذوا ما وجدوا عندك من كتب وأوراق ولم يتعرضوا لك بسوء، فقص علي الآن كيف كان ~~ذلك؟ ومن هذا الذي وشى بك ولم يعلم أن وراءك أبا لا يكلك إلى من يجهل عليك؟ ~~- سيدي، لم يحدث شيء مما تذكره، إني لأحس بشر ولا أتبينه. وقد بثوا علي ~~العيون وأذكوا الأرصاد، وما أدري ما رابهم من أمري. ~~- إذا لم يصح ما ذكر لي فذلك فضل من الله، ولكنني أوصيك بنفسك خيرا، افتح عينيك يا ~~ولي الدين ولا تدع لأعدائك سبيلا إليك، ومهما يكن عندك من كتاب أو ورقة مما يحج به ~~الخصوم خصومهم فمزقه ولا تخف بعد ذلك واشيا ولا تبال رقيبا. وإذا مسك الضر من ~~مكيدة عدو فبادر إلي لا متريثا ولا متغافلا. فهممت أن أخبره بما عزمت عليه من ~~الهجرة، ولكنني أمسكت مخافة أن تكون الفتنة فتنته، ثم استأذنته في الانصراف فأذن لي ~~وودعته وخرجت من عنده لا ألوي على شيء، فما أدركت منزلي إلا عمدت إلى كتبي وأوراقي، ~~فأخذت أتفقدها وأستخرج منها ما لا يلائم هوى القوم، وكان عندي من كتب أحرارنا ~~وجرائدهم شيء كثير، جاءني بعضه على يد بعض أصحابي من الأجانب وأحضرت بعضه والدتي حين ~~قدمت علي من مصر، فجعلت أمزق هذه المذخورات الغوالي تفاديا بها من ليل لم أعلم ~~أنه لا محالة مدركي، وملت بعد ذلك على أوراقي تفقدتها ورقة ورقة، وأنا كلما أجد شيئا ~~يستراب منه أمزقه وألحقه بغيره، ولم أزل كذلك في نظر وتنقيب حتى آذن ليلي بالبلج، ~~فأخذت تلك الممزقات وألقيت بها في النار، وما استقل بها اللهب إلا وأنا كالآيب من ~~احتطاب في الجبل أو كالخارج من غمرات الوغى. وكان لي بحجرة والدتي صندوق فيه أوراق ~~وجرائد وصور نسيتها كلها ولم أتعهدها منذ قدومي الآستانة، وقد فاتني أن بذلك الصندوق ~~ما يستطير الشرر ms163 من عيني عبد الحميد، ولكم حاول أهل بيتي أن يحملوني على فتحه وإحراق ~~ما يكون فيه من أشباهه ونظائره فلم ألق للنصح بالا. # وفي يوم الجمعة السابع والعشرين من شهر ديسمبر الكائن في سنة 1901 جاء امرأتي المخاض، ~~وما قاربت الشمس الغروب إلا وقد وضعت بنتا سميتها فكتوريا، تلقيناها ببسمات ~~وتلقتنا بصيحات ، وكأن المسكينة أحست بدنو النكبة من أبيها فأجهشت لرؤيته بالبكاء، ~~فقلت إذ رأيتها في مهدها: ما كان أسعدني بك يا بنيتي لو كنت في مأمن من طوارق الحدثان، ~~وما بي أن أغرق في اليم أو أن أظل في ظلمات السجن، ولكن من لأمك وأخيك وجدتك من ~~بعدي، وقد أظلكم عبد الحميد بسلطان نقمته والناس يفرون من الحر وأهله كما ~~يفرون من المجذوم. # ومما زادني حزنا وأوسعني خبلا قعود الحظ بي عن الفرار، وكيف كان يتهيأ لي ذلك وقد ~~باتت عندي نفساء لا تقدر أن تخطو في حجرتها وطفلان كبيرهما لا يحبو وصغيرهما رضيع، ~~ووالدة إن أتركها أتركها للفاقة والامتهان. هذا وحول داري من الجواسيس طائفة لا تهجع ~~الليل ولا تغدو النهار، قائمة على بابي تحصي أنفاسي وتراقب كل حالاتي. # فلما كان اليوم الثاني من شهر يناير في سنة 1902 جلست في حجرتي وجعلت أمامي ورقا ~~وأقلاما، وأنشأت أكتب فصلا كان خطر ببالي. وقد أمسيت وأوقدت حولي المصابيح وأنا ~~مستغرق في شغلي لا أستشعر شيئا من ذلك، فدخلت علي الخادمة تخبرني أن بأسفل الدار ~~زائرين يريدان أن يرياني، وأن وراءهما جماعة من رجال البوليس وقوفا على باب الدار، ~~قلت: لا ضير، أدخلي الضيفين إلى مجلس الضيوف. أما البوليس فيكونون أتوا من الثكنة ~~المجاورة للبيت ليدلا عليه الطارقين، هنالك خرجت الخادمة، وأنا رفعت ما كان أمامي من ~~ورق وغيره، ثم دخلت على الضيفين. فإذا هما لا يسر مرآهما ولا يبشر قدومهما؛ رجلان من ~~أعوان النقمة وجنود العذاب، أعرفهما من وجهيهما اللذين محا الله تعالى منهما آية الأنس، ~~وأجال في أديميهما صبيبا غساقا، وأسكن نفسيهما من السوء ما يكون معوانا لهما ms164 على ~~أكل لحوم الناس وشرب دمائهم. أعوذ بالله من مثل تلك الوجوه! الضيفان الطارقان أحدهما ~~محمد علي بك الذي كان رئيس الهيئة التحقيقية بنظارة الضابطة، وثانيهما إسماعيل حقي ~~أفندي الذي كان مفتش البوليس في متصرفية «غلطة سراي». تلقيتهما بما يتلقى به الزائر غير ~~المعروف، وناولتهما السيكارات وأسقيتهما القهوة وهما في محادثتهما لي يقلبان أوراقا ~~وجرائد كانت على خوان قائم في وسط القاعة. وقد أحس قلبي أن وراء هذه الزيارة ما لا ~~أحب، فأبديت التغابي وآثرت الصمت، حتى إذا فرغا مما يكرم به الضيف التفت نحوي محمد علي ~~بك وقال: شفيق باشا ناظر الضابطة يقرئك السلام، ويقول لك إن السلطان أمره بتفتيش ~~أوراقك وأخذ ما كان مخالفا لرضائه منها، والباشا يعلم أنك لا تدخر شيئا يغضب ~~مولانا الأعظم، ولكن لا بد من الطاعة والجري على مشيئته، وها نحن عندك نرجي إذنك في ~~التفتيش. # إسماعيل حقي أفندي: أترى ولي الدين بك يشك في محبة الباشا له وإيثاره إياه على كل ~~عزيز عنده؟! ما أظنه مانعنا عن خدمة يعلم أننا مكرهان عليها، ولو خيرنا فيها لما ~~اختار أحدنا أن يحرمه راحته ويكدر عليه صفاءه. قلت: لا بأس عليكما، لكما ما سألتما ولي ~~إليكما رجاء فأعيناني على أكذوبة تنفعني ولا تضركما. ~~- ما هي؟ ~~- سأقول لامرأتي إن ناظر الضابطة محب لي، وإنه اتصل به أن سيفتش البوليس بيتي في ~~هذه الأيام، فأرسلكما إلي لتأخذا له ما يكون عندي من الكتب والأوراق؛ فيخفيها عنده ~~ويعيدها إلي بعد انقضاء تلك المحنة. ~~- لك ما سألت. # هنالك دخلت على امرأتي وخاطبتها على ما توافقنا عليه، فلم تنفع الحيلة وفطنت لها، ~~ولكنها تجلدت تجلدا لا تقوى عليه السيدات، وقعدت في فراشها وقالت: أدخلهما. فدخل ~~الرجلان وأمالا رأسيهما سلاما، فلم ترد سلامهما، ثم أوغلا في التفتيش، فما أشكل ~~عليهما فهم كتاب أو جريدة أو ورقة إلا أخذاها، ولما تدانيا من الصناديق التي بها ملابس ~~سيدة البيت أعرضا عنها ولم يمد أحدهما إليها يدا. وقد وقع نظرهما على مسدس لي كان ~~على ms165 خوان هناك فأخذاه أيضا، ثم دخلا حجرة والدتي وطلبا أن ينظرا الصندوق الذي كان ~~فيها. قلت: هذا صندوق فيه ثياب والدتي، قالا: كلا، ليس الصندوق صندوق ثياب ولا بد من ~~أن نراه، فتركتهما وشأنهما وقد وجدا به كل شيء؛ تلك أوراق وكتب وصور منها ما كتبه ~~الأحرار ومنها ما كتبته أنا، ووجدا صورة عبد الحميد الفطغرافية في أوائل أيام ملكه، ~~وصورة السلطان مراد الخامس الذي قضى شهيد السجن بجراغان، وغير ذلك مما يطول شرحه ويهول ~~الخائنين ذكره. # فلما وقع نظر الرجلين على هذه الأوراق لمعت أعينهما وافترت نواجذهما سرورا. وكان ~~محمد علي أخبث الرجلين، فجعل يقلب الأوراق بين يديه ويهز رأسه كمن هاله أمر عظيم، ~~فقلت في نفسي: ما له يعطو كما يعطو حمار الوحش! وما لهذه الرأس تدور بين كتفيه وكأن ~~تحتها لولبا يديرها! فالتفت نحوي وقال: وجدنا عندك أكثر مما أملنا. # فلم أجاوبه بكلمة، ثم استخرج صاحبه من الصندوق كيسا صغيرا كانت به أوراق بخط ~~والدي المرحوم وصكوك وعقود وغيرها، فحاولت استرجاع الكيس غير أني لم أفلح. وإذ فرغ ~~كلاهما من جمع الورق جعلا ما أخذاه في كيس كبير وختما عليه بالشمع الأحمر وختمت كذلك ~~معهما، واحتملا حملهما وودعاني ذاهبين، ثم حين عاودت حجرة امرأتي وجدتها تنتفض ~~انتفاض العصفور في ليلة قر ممطرة حتى لم أشك أن ستقضي بين يدي، فصحت بوالدتي ~~لتعينني على مساعفة تلك المسكينة بشيء من الدواء، وإذا هي لا تقدر أن تنهض من مكانها، ~~فأدركتني الخادمة وأخذت تعالج معي المرأتين حتى هدأ روعهما وسكنت الرعدة في جسديهما، ~~ولكن بعد أن كادت الروح تزهق. ولما اطمأن عليهما فؤادي خرجت إلى بيت الجنرال أحمد جلال ~~الدين، فرأيت هناك مرادا الداغستاني ولم يكن يعرفني وجها، وعلمت أن الجنرال مريض وأنه ~~لم يقابل أحدا في يومه، فأخبرت وكيله بما كان من دخول الرجلين بيتي وأخذهما أوراقي، ~~وأظهرت له ما بت أتوقعه من الخطر، وكان الداغستاني يصغي لحديثنا وسمع الوكيل ينطق ~~باسمي، فعرفني وتذكر ما كان بيني وبينه من ms166 شر، فتركني حتى أتممت حديثي، فالتفت إلى ~~وكيل الجنرال واسمه رشيد بك وهو رجل عاقل كامل التهذيب، فقال له مراد: أهذا ولي الدين ~~بك يكن؟ ~~- نعم، هو من تراه. # فنهض مراد واقفا وجعل يحدق في ببصره حتى لظننت أن الرجل قد جن، ومشى خطوات ~~إلى أن صار أمامي، فكلمني قائلا: ما كنت أحسبني أحيا إلى زمن تشكو أنت فيه هذه ~~الشكاية. ~~- وما يريبك من شكايتي؟ ~~- يريبني منها أنها شكاية رجل حر يصيح بها رجل مستبد. ~~- ما رأيت من استبدادي؟ ~~- منازلتك لي أيام كنت أصدر جريدتي «ميزان» بوادي النيل، ووقوفك في وجهي ودفاعك عمن ~~تشكو ظلمه اليوم. هذا الذي كنا نشكوه قبلك وكنت أنت تكذبنا فيه وتمطر علينا ~~صواعقك، وجريدة النيل شاهدة عليك. وإني لأعرف لك فضلا حدثت به كل من لقيته أيام تلك ~~المصاولات؛ وذلك أنك مظفر الحجة شديد الوطأة غزير مادة الكلام. ولقد قلت لهم إنك للخصم ~~يقذع خصمه، ولكن يعلمه ويهذبه وكنت أوصي من معي بترك مغاضبتك والتعرض ~~لقارعاتك. ~~- أما ما ذكرت من منازلتي لك فما كان ذلك مكابرة في الحق، ولكن كرها مني أن أراك ~~زعيما للأحرار. إني ذكرت في أول كلامي عنك أني تاركك حتى أسبر غورك وأستبين نفسك من ~~خلال كلامك، فسقطت سقطة بغضتك إلى فؤادي وتخذتك بعدها عدوا لوطني وعرفتك لنفسي ~~عدوا لدودا. وإن ترجع اليوم زعيما على الأحرار أرجع عدوا لهم. لن تجمعني وإياك ~~وحدة حال ولو كانت في سبيل الوطن. واعلم أني امرؤ لا أثق بعلمي ولكني أثق بيراعي ~~ونفسي، وما دام لي نفس يتردد بين جوانحي فذلك عزمي الذي أنازل به الصروف وأجاهد به في ~~تأييد ما أعلم أنه الحق، ولندع هذا إلى لقاء آخر؛ فإني منذ ليلتنا ممن هدرت دماؤهم، ~~وكان كلامي لمراد آخر ما تحدثت به في بيت الجنرال أحمد جلال الدين. وأيقنت أن لا فائدة ~~من بقائي هناك، فودعت القوم وصرت إلى إدارة التلغراف الكائنة في بيرا «بك أوغلي»، ~~فكتبت رسالة برقية نسخت منها صورا عدة؛ خصصت كل ms167 صورة برجل من عظماء الرجال، منهم: كوجك ~~سعيد باشا وكان ولي الصدارة إذ ذاك، وممدوح ناظر الداخلية، وعزت العابد، وتحسين ~~الباشكاتب. وكانت إدارة التلغراف تقبل كل رسالة إذا كان صاحبها معروفا ولو كانت تلك ~~الرسالة تسوء عبد الحميد، ولكنها امتنعت عن قبول رسالتي زاعمة أن قد جاءها أمر بأن لا ~~تقبل رسائل إلا إذا كانت موجهة إلى السلطان، وأن يكتب عليها هكذا: «إلى الأعتاب ~~العليا»، فرضيت بما اشترطه مأمور التلغراف مكرها. وهاك فحوى رسالتي: # دخل رجال الضابط الليلة بيتي وأخذوا أوراقي وكتبي، وملئوا قلوب من بالبيت ~~فزعا. وإنما يصنع مثل هذا باللصوص وأهل الجنايات لا بمن اختارتهم الدولة ~~لخدمتها ورفعت مراتبهم في حكومتها. وها أنا اليوم أتظلم لصاحب هذه البلاد ~~وأسأله إنصافي، وأن يصدر أمره بمحاكمتي لأنال براءتي مما وصمت به أو يلحقني ~~جزائي. # ولما فرغت من الرسالة ودفعتها للمأمور رجعت إلى البيت، فما اغتمض لي جفن ولا استقر ~~لي جنب، وقاسيت ليلة لا تكشف أهاويلها ولا تنجاب ظلماؤها إلى أن نصل صبغها ورقت ~~حواشيها، فتهادت إلي سنة في طيات نسائم السحر تخطر على إيقاع الطير في وكناتها، ~~فملت على وسادة إلى جانبي وحيل بيني وبين الشهود، ثم ما لبثت أن نبهني بكاء بنيتي في ~~مهدها. قلت: تعلمي البكاء أيتها المسكينة، إني لأرى أمامك أياما تبكين فيها على ~~أبيك إما شهيدا وإما أسيرا. وما تكامل الصباح في ضيائه إلا أقبلت أمي وامرأتي ~~تبكيان إلى جانبي، فنهيتهما عن البكاء وقلت: اصبرا، لعل لنا في جوانب هذا المأزق ~~منفرجا. وأخذت امرأتي تنصح لي بالسفر قبل أن يتعاظم الأمر، وقالت: نحن امرأتان ولا ~~يلحق بنا من الحكومة أذى ولا نلبث أن نلحق بك إذا بلغت مأمنك. قلت: وكيف السبيل إلى ~~ذلك؟ هذه دارنا أقامت على جوانبها الأرصاد، وإن بالباب لقوما ألفت السهاد محاجرهم لا ~~يفارقون مصراعيه قيد شبر، وما مشيت في الطريق إلا رأيت ورائي قوما يطلبونني بأوجههم ~~الكاسفة وأعينهم الخائنة، يلازمونني ملازمة الظل حتى لأتمنى أن تخسف بي الأرض ~~فأتوارى عن أبصارهم. ms168 ثم هبي أني أحكمت الحيلة ودانت لي فجاج الأرض وصرت إلى حيث لا ~~يطول إلي باع الظالم المطارد، فما الحيلة في سفرك مع أمي وهذين الطفلين؟ تظلون ~~وليس عندكم من يعولكم، ولا تدعكم الحكومة حتى تلحقوا بي، وتمنع عنكم ما أبعث به إليكم ~~من المال، ولا ألبث أن أعود صاغرا فتكون العودة الثانية شرا من الأولى. ~~- وماذا تريد أن تصنع؟ ~~- سأنظر في أمري، عسى أن أهتدي إلى ما فيه خلاصنا. # هذا وعد وعدت به من عندي وأنا غير واثق بإنجازه. ولما كان المساء مضيت إلى ~~أبي الهدى، فلما رآني صاح بي: ما وراءك؟ قلت: ورائي ما يسوء كل صديق ويسر كل ~~عدو. ~~- وما ذلك؟ # فقصصت عليه القصة لم أدع منها حرفا إلا ذكرته، فأطرق يفكر وبدت على وجهه كآبة ~~استكبرتها في نفسي، ثم رفع طرفه إلي وقال: وهل وجدوا عندك الكتاب؟ يريد كتابا كنت ~~أخبرته أني وضعته وسميته «العصر الجديد»، أتيت فيه على بعض الوقائع التي جرت بين مصر ~~وفروق، ولكني لم أتعرض فيه لعبد الحميد بسوء. وهذا كتاب كنت أنفذته إلى مصر ليطبع ~~فيها، ولكنه تلاعبت به الأيدي ولم يسمع له ذكر. # قلت: يا سيدي، جرت عادتي أن أكتب من غير تسويد؛ وذلك أني أنقل سانحاتي في إباناتها ~~واقتصد من الزمان بقدر ما أستطيع. ~~- أوه! لقد أخطأت الصواب، وددت لو عثر الرجلان عندك على تسويد هذا الكتاب فتفوز ~~يومئذ فوزا عظيما، يا ليتني علمت ذلك من قبل. ثم صاح: يا غلام! فدخل خادمه، فقال: ~~علي بحسن خالد الساعة، فما غاب الخادم إلا عاد ومعه ابن أبي الهدى، فأقبل حتى جلس إلى ~~جانبي، وكان أبوه مطرقا ويمينه تعبث بلحيته، فانتبه على سعلة سعلها ابنه ليعلمه ~~بمكانه وقال: جئت يا حسن؟ ~~- ممتثلا أمرك يا مولاي. # فأخذ أبو الهدى يقص على ابنه ما سمع مني، فما أتمه إلا ابتدره ابنه مستعلما: ~~والكتاب؟ ~~- أخبرني البك أنهم لم يجدوه واعتذر لي بأنه لم يتعود تسويد ما يكتب. ~~- قضي الأمر ولا حيلة في تلافي ما ms169 فات. # وإذا لم يكن من الجلد بد أقبل علي الرجلان يعزياني، وقال أبو الهدى: لا تخف، لن ~~يبلغ الشر بنا غايته، وإن في الكنانة لسهاما أعددتها للأيام المحجلة، فكن بمكانك من ~~النجدة لا تذهب بذماء قلبك هذه العظائم. وسأبيت الليلة تدبيرا يتحداه الفوز وتسير ~~على إثره الرغائب. فشكرت للرجل دعواه ونهضت راجعا إلى منزلي، فبلغته وقد كاد يتمزق ~~صدار الليل عن ترائب الصباح، وإذا الجواسيس يتهادون في الطريق، فجاوزتهم إلى الباب ~~حتى إذا بلغت أعالي السلم تلقتني والدتي لائمة معنفة وقالت: أي بني، ما أبطأ بك إلى ~~الساعة؟ ولقد تركتني وامرأتك على مثل جمر الغضا. فأجملت لها الرد وتعهدت امرأتي فرأيت ~~منها ما راعني؛ وجها تعالاه الوجل وجوانح تملك عليها الرعب وقد تمشى السقم في ~~جسدها حتى لا ينقطع لها أنين، فجعلت أهون عليها الأمر وأقول كانت أزمة ثم انفرجت ~~وإنها لغير معاودتنا من بعد. وما زلت بها حتى خف وقرها وهدأت لوعتها فنامت. # إن في اليأس لسكونا تجده نفس المكروب إذا بلغت الأمور أقاصيها، وإني لأشهد بصدق ذلك. ~~وهذه تجربة ثانية ذقت فيها موتة العزم بعد ما كان بيني وبين أبا لحية. ومتى استشعر ~~المجاهد ضياع المساعي وأيقن بخيبة الأمل ثابت إليه راحة السكون وهي آخر إعياء يجده ~~المجهود. رأيتني في منزل نام أهله مغلوبين وليس حولي من أفضي إليه بحاجات نفسي، وكنت ~~أريد صديقا جلدا مستحكم رباط الجأش رحب الصدر مكين قرار الصبر أحدثه بما يحدثني ~~به فؤادي، ولكن من لي بذاك وقد تخاذل عني إخوان الصفاء وولوا كأنهم النعائم المجفلة، ~~وأضحى لا يزاورني إلا الرجل الفاضل والصديق الأوفى مصطفى بك المخزومي والعالم المرحوم ~~محمد صديق خان الحسيني، وكلاهما من أعضاء مجلس المعارف إذ ذاك، ثم كلاهما ينتمي إلى بيت ~~رفيع من بيوتات المجد، أولهما عربي وثانيهما هندي، وحسبك دلالة على طيب العنصر. وما ~~فرغت من هواجسي إلا وقد غشيني الكرى، فما انتبهت إلا قرب الظهر، وصرت أجدني واهي ~~العزيمة خامد جذوة الشباب، فجعلت أتمثل ببيت كثير: # فقلت ms170 لها يا عز: كل مصيبة # إذا وطنت يوما لها النفس ذلت # وبعد هذا كله اعترضني معضل أشكل علي استخراج غامضه واستنتاج الصواب من ثنيات شكوكه؛ ~~وذلك أمر أبي الهدى. قلت إن كان الرجل أسر عني بغضه وأضمر لي انتقامه فما حمله على ~~إفضائه إلي بأسرار يضارب الرجال دونها بالسيوف؟ وإن كان مخلصا لي في وده مستصفيا ~~سريرته فما هذا اللعب الذي أراه؟ من أين جاء أبا الهدى أن ستدخل الشرطة داري وأن ~~ستأخذ أوراقي حتى أعلمني بذلك قبل وقوعه؟ وما لبثت في استطلاع هذا السر طويل زمن، بل ~~قيض لي الله من أطلعني على مكنونه وأسر إلي بنجواه، وسيأتي بيانه في ~~موضعه. # ولا غنية عن ذكر ما كان بيني وبين القصر الحميدي، فعنه يتساءل القراء الكرام؛ ~~وإجماله أن الباشكاتب تحسينا كان وجه إلي بعض حاشيته يستدعيني إلى «يلديز»، فقصدت ~~إليه قبل مضيي إلى أبي الهدى، وكانت هذه أول زورة زرتها لهذا الخائن المائن بعد أن ~~استعرت بيننا نيران العداوة، فما أخبر بمكاني إلا أمر بإدخالي عليه، فلما رآني ~~تبسم لي تبسامة الخاتل، ولم يمهلني أن أسأله عما ندبني إليه بل تعجلني بقوله: كرهت ~~أن أطيل انتظارك، وقصارى ما لك عندي أن مولانا السلطان يأمر بإحضار أوراقك من عند شفيق ~~باشا ليكون فحصها واستطلاع ما فيها هنا بمرأى منك ومسمع. غير أن الأوراق لم تنفذ ~~إلينا، والرأي أن تحضر غدا في هذه الساعة. قلت: لك ذلك. وخرجت غير مسلم، ثم اقتضيته ~~في الغد فاعتذر، وقال إن الأوراق تأخرت عنه، فخرجت وأنا أقول: جعل الله عاليك سافلك ~~أيها القصر وأوطأ الله أرجل الغالبين حجرك ومقاصيرك. وما اعتادني بعد ذا من هم جديد ~~ولا ألم بي ملم يجدر بالذكر إلى اليوم السادس من شهر يناير الكائن في سنة اثنتين ~~وتسعمائة وألف؛ وهو مستهل الكربة ومبدأ تاريخ الشقوة. # | السجن # ما ذكر امرؤ عهده بنكبة حلت ساحته وخطر شهد هوله إلا تجددت فيه جزعاته وفزعاته، ~~وعادته آلام كان استشعر بها في إبانات نزول الخطب واشتداد ms171 الويل. الآن يخيل لي أني ~~بسجن الاستبداد، وأني أعاني ما خلتني فرغت من معاناته، ولولا أني قليل الاعتداد بما ~~تأتي به الأوهام وما ينجاب عنه دخان الشك لطال همي وساء عيشي. وما ذاك الذي أذكره رجفان ~~في الروع ولا خور في النفس، ولكنه أثر تستبقيه شدائد الأيام، لكل كارثة منه جانب ولكل ~~فادحة منه سهم. على أني سأزجر فؤادي عن ذكر ما مضى وأنقطع من تلك العظائم إبقاء لرونق ~~أمل أتلقى به هذا العيش الجديد الذي لبسنا لبوسه؛ فإن تجر الأقدار طوع ما أردنا من ~~الخير فذلك نعم العوض، وإن تحل حوائل الأيام دون استتمام رغباتنا واستقرار أماننا فإن ~~في لذة الادكار معوانا على التأسي. سبحان من جعلني راويا بعد أن جعلني شاهدا، ~~وسبحان من أخلى تلك المعاقل بعد أن ظننا حقبة من الدهر أن لن يستفتح الزمان مغاليقها ~~وأن لن يذل جبابرتها. # لكل ذي حياة يوم هو أشهر أيامه. وما في أيامي مثل اليوم السادس من شهر يناير، ولا في ~~أعوامي عام مثل العام الثاني من التسعمائة والألف. طلعت علي طلائع الويل من يومه ~~الثاني وما تلاه يوم إلا استجد لي فيه شر، خلتني مجدودا حتى إذا حياني سنحه ~~تمنيت جذمه. فليذهب، وقد ذهب، لا أعاد الله مثل شؤمه. # أهاب بي سحرة داع من الوجد فاسمع. قلت: ما هذا الذي استفزني من كراي وأنهضني من ~~رقدتي؟ وتقدمت إلى إحدى الكوى وجعلت أنظر منها إلى الحديقة، فإذا الوقت صحو والروض ندي ~~والشجر موقف المتن لا تلويه نسائم، والغصون مجردة من غلائل الأوراق لا تتأود ولا ~~تتعذر، وإذا عصافير تتطاير من أماليد إلى أماليد، برحت وكناتها وودعت فراخها فهي ~~تتحاوم لتلتقط حبات سقطت من يد الإنسان في غفوة من حرصه، والماء كالماوية جلتها ~~كف الصناع، تتجعد صفحته كلما عبت فيه العصافير بمناقيرها ثم يخف تجعدها ثم يعاودها ~~استواؤها، وعلى متون الغصون قطرات من الظل هي ولا شك بقايا دموع الطبيعة حين بكت بنيها؛ ~~فهاج المشهد بلابلي وأثار أشجاني وكدت أصيح طربا، ms172 وقلت: ندع مثل هذا ونأوي إلى ~~الأجداث! ولكنني أشفقت على نفسي أن يطغيها حر خافيها، فالتفت ورائي وإذا بنيتي وأخوها ~~نائمان يرتفع صدراهما وينحطان، فصبحت كلا بلثمة على جبينه وثب لها فؤادي، وبدرت من ~~عيني بوادر شئونهما، فقلت: دموع بدموع أيتها الطبيعة والبادئ أظلم، ثم أقمت أترقب أن ~~يتقادم العهد بالنهار علي أجد سبيلا كانت اشتبهت مسالكها أو أحدث رأيا أدرع به ~~في لقاء الخطر المنتظر. غير أنني لم أبرح البيت يومي ذلك حتى المساء، فلما أصبت عشائي ~~خرجت أنشد الطبيبة لتصف لامرأتي دواء وكانت اشتدت عليها أوجاعها. # فركبت التراموي متوجها إلى بيرا «بك أوغلي»، ولما هممت بالنزول تبعني رجل لم ألق ~~له بالا. وفي بيرا مطعم يقال له مطعم طوقاتليان، يعرفه كل من زار فروق في عمره مرة، ~~فما بلغت مكانه إلا اعترضني رجل من الشرطة قائلا: إلى أين تريد؟ # قلت: وما يعنيك أنت من ذلك؟ ~~- إني أسألك لأني من رجال الشرطة وعليك أن تجيبني. ~~- أنا ذاهب لأدعو الطبيبة إلى عند امرأتي؛ إنها نفساء وقد أصابها نزيف من الدم لا ~~يمكن لنا أن نتغلب عليه. ~~- ما أظنك صادقا، ولا بد من مضيك معي إلى متصرف بيرا. ~~- لماذا؟ ~~- كذا أردت وكذا ينبغي أن يكون. ~~- وإن أنا أبيت المضي معك وقلت لك: ما أنا بالقاتل ولا بالسارق ولا بالمعربد، ~~وليس لي عند المتصرف شغل يدعوني إليه، فما أراك تفعل؟ ~~- آخذ بطوقك وأجرك على وجهك حتى أنتهي بك إلى المتصرف. ~~- أنت لا تعرف من تخاطب ولا تعقل ما تخاطب به الناس. خذ هذه البطاقة واطلبني في داري ~~أو في مكان خدمتي. ~~- لا حاجة بي إلى بطاقتك، وما اعترضتك جهلا بك، ولا بد من المضي معي. وما أتم ~~الرجل كلامه إلا رمى بنفسه علي وحاول أن يأخذني من خناقي، فأهويت على يده بعصا كانت ~~معي فشلت، وعاجلته بضربات كندف القطن، وأخذت منه سيفه فألقيته على الأرض ثم جعلت ~~أدفع الرجل بقدمي واستطرده أمامي صائحا به: سر، الآن أنا أذهب بك إلى متصرفك، فلما ms173 ~~انتهينا إلى باب المتصرفية أخذ جماعة من الأوروبيين يتصايحون: ما هذا؟ ما هذا؟ أكذا ~~يتصيدون الناس في الطرقات ليذهبوا بهم إلى بحر مرمرة! ~~- ماذا فعل هذا المسكين؟ ~~- لعله سكران، لقد ضرب البوليس ضربا مبرحا. # وقد بلغت الشهامة من بعض الأوروبيين مبلغها، فدنا مني وأمسك بذراعي وهو يقول: لا ~~تذهب، وليأخذوك قسرا إن كانوا رجالا. # فكثر اللغط بين الوقوف وعلت الجلبة وتكاثف الزحام، فأحاط بي جماعة من الجاندرمة وحيل ~~بيني وبين الناس، فتقدمت إلى باب المتصرفية آخذا بطوق الشرطي الذي اعترضني، وإذا جماعة ~~من إخوانه يتقدمهم قوميسير اسمه شاكر أفندي هو من أهل «بوسنة سراي»، فلما بصر بي دنا ~~مني ومد يده إلى حزامي ليرى مسدسي فيأخذه ويخفيه، وكنت أعزل لا سلاح معي. وقد جفت ~~يمناي ويسراي على أذني الشرطي، وإني لأجذبه إلي ثم أدفعه ضاربا برأسه الحائط، فأمسك ~~شاكر أفندي بذراعي وجعل يعالجني حتى خلص مني الرجل. وأقبل علي بعد ذلك ملاطفا ~~ليسكن ما هاج بي من غضب. وقد جاء أناس من الشرطة فكان منهم من يعنفني وكان منهم من ~~يلاطفني. أما المعنف فآب مزودا بما قسم له، وأما الملاطف فكان جوابه الإعراض. وأقبل ~~قوميسير المركز يقول لي: أرى أن تصعد إلى مكان المتصرف وتخاطبه فيما أغضبك؛ فهو أولى ~~بجوابك وأدرى بمواقع الصواب والخطأ مما أتيت في ليلتك هذه. أما نحن فعبيد الأمر نفعل ما ~~نؤمر به. قلت: وأين مكان المتصرف؟ قال: أنا أدلك عليه وأسعى بك إليه، ولكنه لم يرجع من ~~القصر. قلت: سر، فسار وسرت على إثره، وما مضت على انتظاري ساعة إلا وقد أدخل بي على ~~المتصرف. # أعوذ بالله! وجه كاللبنة وعينان كالبصقتين ولحية كالطحلب وأنف كالسواك، كل هذا ~~يحمله عنق كخصر الهيفاء وجسد كزجاجة ملؤها صبغة اليود. لو صدق ما يقال عن العفريت ~~وتنقب ذلك العفريت بحائط أحد الأطلال لكان دون الرجل قبحا. # تجاوزت باب الغرفة، فتلقاني المتصرف قائما باسم الثغر بادي الأنس كأنه صديق لي ~~مقيم على ودي منذ الأعوام. وحين دانيته تبادلنا سلامين كمن ms174 يحثو التراب على رأسه، ~~فأشار إلى كرسي أمام مكتبته وأمرني بالجلوس عليه، ثم ناولني سيكارة وطلب لي قهوة، حتى ~~إذا فرغنا من استنفاد عبارات النفاق قال لي: ما يغضب سيدي؟ ~~- ما ثم ما يغضبني، اعترضني رجل من الشرطة زاعما أنك أنفذته في طلبي، فحاولت ~~مجادلته بالحسنى فلم أفلح، وكان ساعداي أفصح مني كلاما وأبلغ حجة. ~~- أترى أنك أصبت فيما صنعت؟ ~~- كلا، إني وقعت فيما نهيت عنه الناس ولمت على مثله أترابي. غير أني أكرهت على ما ~~كان مني إكراها؛ استفزني ما يستفز غيري، وكما قيل في المثل: سبق السيف العذل. وقد ~~كان في سابق خدمتي وإخلاصي لهذا الوطن شفيع لي إذا اشتدت بي الكرب. غير أن الأمة لا ~~تعرف من يحبونها ولو عرفتهم لالتفت حولهم ووقفت في وجوه ظالميهم. ~~- كلما أتونا بمعتد أخذ يجادلنا باسم الأمة، كأن هذه الأمة تختار لنفسها أنصارا ~~لينادوا باسمها. ~~- ما أنا ممن اختارتهم الأمة لنجدتها، ولكني متطوع في هذه السبيل، ولا أنا من أنصار ~~الأمة، ولكني أحد أبنائها وجزء من أجزائها. ~~- ألا ترهب بطش أمير المؤمنين؟ # ما نطق المتصرف بهذا الكلام إلا وأثار كل ساكن في جوانحي، فقلت: أهذا مبلغ عرفانك؟ ~~إنك لأحمق. خوف بأمير المؤمنين إحدى الدول أو ملكا من ملوكها، أما أنا فلا جند لي ~~ولا أنا بصاحب تاج. إن أنا إلا واحد من رعيته. ومتى جاز للناس أن يخوفوا الناس ~~بملوكهم؟! قد كنت أرجو أن تخاطبني بغير هذا الكلام، ولكنك قليل النصيب من الإدراك. ~~تبا لك ولأمير المؤمنين الذي اختارك لتجلس على هذا الكرسي. لو أجلس عليه قرعة لكانت ~~أحمد منك لقاء وأحسن منظرا. # فنزل هذا الجواب على قلب المتصرف كالمهل، فضرب بيده على مكتبته وصاح بي أن جاوزت في ~~قلة الأدب حد المغفرة. فما أتم كلامه إلا وقد أكفأته على مكتبته وأهويت بين كتفيه ~~بلكمات (ضرب الوليدة بالمسحاة في الثأد)، فبدت من الباب وجوه الشرطة ورأيت أني لا ~~محالة واقع في أيديهم، فصحت بهم: إذا تقدم أحدكم نحوي خطوة واحدة تركت ms175 لكم هذا الرجل لا ~~حراك به وألقيت بنفسي من الكوة على الطريق، ويبقى لكم مني جثة لا روح فيها. فجاء ~~معاون المتصرف وهو أقرب الناس شبها «إلى أبي زعيزع» الذي يصنعه الصغار في مصر من الجزر ~~ويصيحون به في لعبهم: «يابو زعيزع قوم صلي، انت صغير ومحني». فأخذ المعاون يلاطف ~~المتصرف بكلام لا أعرفه، والتفت نحوي فقال: لا يليق بمثلك أن يغلبه الحنق. إن البك ~~بمنزلة والدك. فقلت: حاشا؛ إن والدي عاش حرا ومات حرا. وهذا الذي أمامك لا يكون ~~والد أحد، وأقسم لك إن أبناءه أو بناته ليبرءون منه إلى الله. # فجلس المتصرف وأخذت شفتاه تتحركان بكلام لم أسمعه، ثم رفع رأسه إلي وقال: سامحك ~~الله. ~~- بل أثابني الله. # ثم دعا أحد الكتاب وأسر في أذنه كلاما لم أسمعه، فغاب الكاتب وعاد وفي يده ورقة ~~أخذها المتصرف ووقع تحتها بخاتمه وقال: أرسل هذا في مثل لمح البصر. فلما ولى الرجل ~~نهضت واقفا وأردت الخروج، فقال لي المتصرف: إلى أين تريد؟ ~~- إلى بيتي. ~~- لا سبيل إلى ذلك الآن. ~~- وما يمنعني عن الذهاب ولست مسجونا ولا محكوما علي بحكم؟ ~~- إذا حاولت الخروج قسرا منعتك الجنود، ولا بد لك من الانتظار. ~~- وماذا تريد أن أنتظر. ~~- إرادة مولانا السلطان الأعظم. # فأيقنت بعد ذا أني وقعت في الشراك، فجلست، وطاف علينا الخدم بالقهوة والسيكارات، ~~واستولى علينا الصمت؛ مجلس تعالاه السكون وأظلته دهشة الظلم ووحشة الويل، كالقبر لولا ~~مصابيح تسطع منها الأنوار وأنفاس تتردد بين الجوانح والصدور، ما يعلق الطرف بشيء إلا ~~ورأى فيه صورة الخطب. فلما دقت الساعة دقتها التاسعة بالحساب الشرقي بدا في الباب شخص ~~مشى نحوه المتصرف، ثم غاب كلاهما وبقيت أنا وحدي في تلك الغرفة، فما راعني إلا قوميسير ~~المركز وهو رجل اسمه حسين أفندي يتبعه نحو الستة من أشداء الرجال، فتقدم الرجل نحوي ~~وقال: أرجو أن تتبعني. ~~- إلى أين؟ ~~- إلى مكان ضيافتك، أنت في هذه الليلة ضيفنا الكريم. ~~- أنا لا أريد هذه الضيافة، وأحب أن أرجع إلى بيتي. ~~- ترجع إلى ms176 البيت غدا صباحا. ~~- ولم لا أرجع الآن؟ ~~- لأن الساعة قبيل الصبح، ولا يجوز ذهابك في مثل هذا الوقت؛ إذ لا نأمن عليك من ~~اعتداء معتد. ~~- وأين المتصرف؟ ~~- قد ذهب إلى داره. ~~- وددت لو ذهب أحد منكم ليخبر أهلي بمكاني. ~~- لك ما تريد. # وبعد هذه المحادثة نهضت واقفا وقلت للقوميسير أني رهين الإشارة، فمشى أمامي وتبعنا ~~أعوانه. وما زال يطوف بي حتى أنزلني إلى غرفة «المعاينة الطبية»، فأدخلت فيها إذ لم ~~يكن هناك موضع هو أشكل بي منها، فلما استقر بي الجلوس جاءني شرطي فقال: إن المتصرف رآك ~~تلعب بقلم من الرصاص كان في يدك فأرسلني لآخذه منك. ~~- قلتم إن المتصرف ذهب إلى داره، فكيف يطلب الآن قلمي؟ # فلم يرد الرجل جوابا، وأخرجت له القلم فدفعته إليه وذهب عني بسلام. وإذ كان الموسم ~~موسم الشتاء وكان البرد شديدا ولم يكن بالغرفة التي أدخلتها كانون ولا نار لتكسر ~~سبرات القر، جعلت المعطف (البلطو) غطائي واعتمدت على ساعدي فنمت. # فلما كان الغد انتبهت من نومي فرأيت في الغرفة رجلين، أحدهما قوميسير وثانيهما شرطي، ~~فلما رأيا انتباهي أقبل علي الأول منهما وسألني أصائم أنا أم مفطر؟ قلت: أفي السجن ~~تريدون أن يصوم الناس؟! أنا مفطر ثم مفطر ثم مفطر. فقال: هل لك في قهوة وسيكارة؟ قلت: ~~قهوات وسيكارات. فأشار القوميسير إلى الشرطي فبادر ثم عاد ومعه القهوة والسيكارات، ولما ~~تعالى الضحى دخل الغرفة جماعة من الشرطة، فتقدم نحوي رجل منهم مسلما وأخذ يعاتبني ~~على ما كان مني في الليل، قال: لقد عذبت نفسك الليلة وعذبتنا معك. ~~- وكيف ذلك؟ ~~- ما أسرع نسيانك، ألم تجعل المتصرفية كلها مشتغلة بك، وضربت المتصرف وقلت في مولانا ~~السلطان كلاما لا يليق بمثلك أن يقوله، وما صدقنا أن رأيناك نزلت إلى هذه الغرفة ~~ونمت. # فرد أحد الحاضرين على معاتبي منكرا وقال: متى تكلم البك في مولانا السلطان كلاما ~~كما زعمت؟! إني كنت حاضرا فلم أسمع شيئا مما ذكرت. فأجابه ثالث بأن قد سمعني أشتم ~~السلطان. فلما رأيت تمادي الجدال بين ms177 هؤلاء الأنذال التفت إلى معاتبي وقلت: كان ما ~~كان وأنا قلت كل ما خطر ببالي وصنعت كل ما قدرت أن أصنع، وها أنا ذا اليوم رهين السجن، ~~فماذا تريدون مني؟ فلما سمعوا مني هذا الكلام خرجوا من عندي وبقيت مع صاحبي القوميسير ~~والشرطي، وكان القوميسير من أهل «بوسنة سراي»، ذا همة وجد، يأنس المرء إلى محادثته ~~ويعجب بأدبه وحسن أخلاقه، فقلت في نفسي: يا سبحان الله! كيف رمت الأقدار بمثل هذا الرجل ~~الشهم في سلك البوليس؟ ثم علمت أن الحاجة اضطرته، وإنها لتضطر إلى ركوب كل مركب خشن. ~~ولقد قال لي: إن نوبتنا في الجلوس عندك ست ساعات، وسيأتيك بعدنا قوميسير وشرطي فيلبثان ~~كذلك، ثم يأتي آخران إلى أن يمن الله عليك بالخروج قريبا. على أنني أرى بك ضجرا ~~ويأسا ولا أحب أن تستسلم إليهما، الرجال يعرفون عند اشتداد اللزبات، وسأطلب الإذن في ~~إحضار أوراق اللعب لنلعب معك ونعينك على ترويح نفسك من أكدارك، فشكرت للرجل ظرفه ولم ~~أخالفه في نصحه كثيرا. # ولا يسألن القارئ الكريم عن حال من بات ينتظر إيابي في البيت، فذلك يطول شرحه ولا ~~يستطاع وصفه، وكنت سألت القوميسير أن ينفذ أحد أعوانه ليعلم أهلي بمكاني، وكان ~~وعدني بذلك ولكنه لم يف بوعده. ولما أصبحت والدتي وامرأتي ولم أعد إليهما أوجستا ~~خيفة وأيقنتا أن أمرا أصابني، فتوجهتا إلى بيت الجنرال أحمد جلال الدين وسألتاه أن ~~يستعلم لهما من القصر، ثم أخذتا تقصدان منازل الكبراء فلم تقفا على خبري، فذهبتا إلى ~~«غلطة سراي»، وجعلتا تسألان عني كل من لقيتاه من رجال الشرطة حتى دلهما أحدهم على ~~مكاني وأخبرهم خبري، وقد كان ممن شهدوا واقعتي مع المتصرف، فجاءتا إلى المتصرفية وطلبتا ~~أن ترياني فلم يؤذن لهما بذلك، وبقيت في السجن أياما لا أرى أحدا من أهل بيتي ولا ~~أسمع عنهم خبرا، أقضي أنهاري ماشيا في الغرفة أو مضطجعا على المقعد أدخن السيكارات ~~وأشرب القهوة ولا أذوق طعاما، وفي يوم العيد؛ عيد الفطر - وقد وقع في ثالث أيامي ~~بالسجن ms178 - جاءني رئيس القوميسيرية من قبل المتصرف مهنئا لي بالعيد، فغاظني ذلك غيظا ~~شديدا، فقلت له، لا هنأه الله: أيرى الغبي أني في قصر «طولمة بغجة» مقيم بين أبهة ~~الملك وعز القدرة؟! إن سره اليوم أني مسجون فربما تأتي الأيام بما يطيل إساءته، وما ~~ذلك على الله بعزيز. # | أعوان النقمة # إن في دول الظلم لأعوانا يسعدون في إباناتها، يؤتون الحكم على أعداء الاستبداد، ~~يستحلون أموالهم وأرواحهم، حتى إذا استمرءوا الغواية وزين لهم الغرور أن يضيموهم ~~استضعافا وأن يحقروهم استخفافا؛ وقفت النجدة - نجدة الأحرار - في وجوههم، وأهوت عليهم ~~يد اليأس بسيف من سيوفه القاطعة، لا يصيب منهم عضوا إلا براه بري القلم. أولئك الطغام ~~خلقوا بغير قلوب فلا يرحمون، ونشئوا بوجوه لا دماء فيها فلا يستحون، ما تفردوا ~~بفتى حر إلا ساموه عذابا، فسخروا من عقله، وضحكوا لبكائه، فلا يزالون به حتى يواروا ~~شمائله ويدفنوا معه فضائله. وقد كان عبد الحميد يبغض أحرار الأمة ويطاردهم؛ لأنهم ~~أقاموا له بالمرصاد فأحصوا سيئاته في كتبهم وعيروه بمثالبه في منشورات فصولهم. أما ~~أعوانه فلم يبغضوا الأحرار حبا في ذاته، بل رغبا في ذهبه ورهبا لبطشه. ثم لم تزل ~~تلك العداوات تنمو في صدورهم حتى انقلبت غرائز، فبات عدوانهم للأحرار طبعا فيهم. وإني ~~لذاكر في هذا الفصل بعض ما بقي بالخاطر من بغي هؤلاء القوم لتكون حجة عليهم خالدة خلود ~~الأبد، وليتعظ بها سواهم. # جاءت خادمتي يوما من الأيام ومعها فولاد يكن؛ ~~وهو أكبر أبنائي، وطلبت إلى الموكلين بحفظي أن يدخلوا به عندي ولم يتجاوز عمره العام ~~الواحد يومئذ، فخافوا أن تكون في ثيابه ورقة أخفاها أهل بيتي، ففتشوا الطفل فلم ~~يجدوا معه شيئا، ثم خافوا أن أكون كتبت ورقة وأعددتها ليوم يجيء الطفل وأن أنال غرة ~~منهم فأجعلها في ثيابه، وما كتموا ذلك حتى عن الخادمة، فرجعت آيسة وهي لا تكاد تصدق ~~ما سمعت أذناها وما رأت عيناها. # وقد أذنوا ذات مرة لوالدتي ولامرأتي أن ترياني، ولكن جعلوا لهما شرطا ألا ~~تكلماني إلا باللغة التركية ms179 وألا تسرا إلي الحديث، فلما أدخلتا علي أحاط ~~بنا رجال الشرطة من كل ناحية، فجعلت أمي تؤنبني فتقول: بلغني يا بني من المتصرف أنك ~~نطقت في سلطاننا بكلام غير حسن، من أين جاءك هذا الأدب الجديد وأنت تعلم أننا نحيا تحت ~~أمنه ونرتع في بحبوحة نعمه؟! ولا أصدق أن تكون قلت هذا الكلام ، وأنت أشد الناس إخلاصا ~~لمولاك. فقلت: يا أماه، اقصري في ملامك، إني عنك في شغل، وإن في فؤادك مقدار ذرة من ~~حب هذا الرجل فابرئي مني إلى الله. ثم التفت إلى امرأتي وقلت: أود أن تلزمي بيت ~~زوجك وأن لا تجعلي لقدميك مراحا على أرض الظلم. فخرجت المرأتان وهما تذرفان ~~الدموع. # ولما كانت الليلة العشرون بعد دخولي السجن، بلغ مني اليأس أقاصي الروح، وكانت النوبة ~~في تلك الليلة للقوميسير شاكر أفندي الذي تقدم ذكره، فاقترب مني بكرسيه وأخذ في يده ~~أوراق اللعب وجعل ينظر فيها على الطريقة المعروفة عند الغربيين؛ وهي المسماة «بسيانس» ~~أي الصبر، ويزعم أناس أن نابليون الأول كان يسلي نفسه بهذه اللعبة حين اعتقاله ~~بجزيرة القديسة هيلانة. فقال شاكر أفندي: هذا فأل مجرب، لا يخطئ أبدا، فأضمر في ~~نفسك ما تريد معرفته وأنا أصف الورق ثلاث مرات. فإذا نجح الفأل ثلاث مرات فمرادك لا ~~محالة ميسر، وإذا نجح مرتين فيغلب تيسره على تعذره، وإذا نجح مرة واحدة فتعذره ~~أقرب من تيسره، وإذا لم ينجح الفأل ولا مرة واحدة، فدون مرادك اجتياز ما بين السماء ~~والأرض. ~~- سل ورقك أأخرج من السجن قريبا أم يطول فيه مقامي. # فنظر الرجل في الورق وأجاله ثلاث مرات فلم ينجح في واحدة منها، فقلت: سل ورقك أأرسل ~~قريبا إلى أقاصي بلاد الأناضولي منفيا، ويكون ذلك في غفوة من عيون أهلي، ويطول في ~~النفي مقامي؟ فامتنع صاحبي بادئ بدء، ثم أجابني إلى طلبي، فأجال الورق ثلاث مرات، فنجح ~~الفأل فيها جميعا، فأخذ الورق وجلد به الأرض وقال: هذا فأل غير صادق. قلت: وكل فأل ~~هو غير صادق. وتركنا بعد ذلك ما ms180 كنا فيه من الفأل، واضطجعت مكاني، فغلب علي النوم، ~~فانتبهت على يد تهز إحدى كتفي هزا، وإذا رجل ربعة القامة ممتلئ الجسم عليه ~~سيماء أهل الجنايات، وخلفه شرطي بيمينه مصباح فيه شمعة مشعلة؛ فنهضت فوجدت القوميسير ~~شاكر أفندي قد انتهت نوبته وجاء مكانه رجل آخر اسمه حسين أفندي، وهو كذلك من أهل «بوسنة ~~سراي»، وكان حسين أفندي مطرقا مفكرا، لا يبدي حراكا، فقلت للرجل الذي أيقظني: ~~ماذا تريد؟ ~~- أريد أن أذهب بك إلى السجن. ~~- أولست اليوم مسجونا؟ ~~- كلا، ما كنت إلى الساعة إلا ضيفا، ولكنك مذ الآن مسجون. ~~- كم الساعة الآن؟ ~~- نصف الليل. ~~- أنا لا أبرح مكاني هذا قيد شبر. وإذا شئتم أن تذهبوا بي إلى السجن فليكن ذلك ~~نهارا. ~~- لا تخف. ~~- ما أنا بخائف، ولكني لن أبرح مكاني. # فلما سمع الرجل مني هذا الكلام فكر مليا ثم ذهب فغاب عني دقائق قليلة وعاد يستعيد ~~معي كلامه. غير أنه قال لي: الطاعة خير من العصيان. وإذا لم تذهب معي مختارا أخشى أن ~~يذهبوا بك مكرها، وذلك ما لا أحب لك. ~~- إذن فاذهبوا بي كرها. أما أنا فلن أختار المسير في مثل هذا الحين إلى موضع لا ~~أعرفه. ~~- ولكن كيف تستطيع أن تغالب الحكومة، دع عنك العناد، إن وراءه لندما طويلا. وإذا ~~أوجست من ذهابك شرا فذلك وهم منك، وإني لأقسم لك بالله ألا يصيبك أقل ~~مكروه. ~~- لا سبيل إلى ما تريد، فاقض ما أنت قاض. # فذهب الرجل والشرطي الحامل للمصباح وبقيت مع حسين أفندي والشرطي المناوب، فقال حسين ~~أفندي: أرى يا بك ألا تخالف القوم، فتحرجهم معك، ولا خوف في ذهابك مع الرجل، والسجن ~~ليس بعيدا عنا. ثم عاد الرجل ومعه حامل المصباح، فقال لي: أقسم لك برأس السلطان أنك ~~لن يصيبك أذى. وأستحلفك بكل عزيز عليك ألا تكرهنا على إبداء الخشونة. ~~- حلفت لي بالله فلم أصدق حلفتك، ثم حلفت لي برأس السلطان فأيقنت صدق ما تقول، وها ~~أنا طوع إشارتك، فاذهب بي إلى حيث تريد. # | السجن الجديد # نادى السجان ms181 بأعلى صوته: من القادم؟ وجاوبه من يقودني مسرعا: لا غريب بيننا، فسمع ~~صرير الباب واجتزنا ساحة حتى وقفنا أمام مديره، فتأمل الرجل وجهي وقيد اسمي في ~~دفتره، وذكر من أوصافي ما يحتاجه، ثم سعى بي رفيقي إلى ناحية، فناداني أن طأطئ رأسك ~~واصعد السلم على مهل. وصعد وأنا على إثره، فدخلنا حجرة خالية ما بها إلا خوان في ~~وسطها وإلى جانبه كرسي فيه خرق واسع لم أنتبه له، فثبت الرجل شمعة كان أخذها على ~~ذلك الخوان وأشار إلي بالجلوس على الكرسي، وحين أردت أن أستقر فوقه هويت من خرقه ~~إلى الأرض حتى التصقت ركبتاي بصدري فجعلت أحاول الخلاص فلا أستطيعه، وبهت الرجل فجعل ~~ينظر إلي دهشا ولا يتحرك من مكانه، ولم أزل أعالج ذلك الخرق إلى أن انقلب بي الكرسي ~~على الأرض، وخرجت مجهودا ينقط جبيني عرقا، فقلت: ساء ما نتبوأ من مقاعدك أيتها ~~الدار. ووقفت أنفض التراب عن ثيابي، وحين عاودت صاحبي السكينة ذهب وعاد وهو يحمل فرشي ~~وكانوا أتوا به من داري قبل ذلك بأيام، فجعله على أرض الغرفة وودعني وانصرف. # فلما اطمأنت نفسي إلى الوحدة؛ هاجت لوعاتي وجاشت همومي وسالت عبرات لا يكفكفها الصبر ~~ولا ينهنهها الوقار. ما أرخص تلك اللآلئ عند من كان على شاكلتي من أهل الضعف. هذا ذنب ~~أقر به طائعا وأسجله على نفسي آسفا. وإن من العار على المجاهد في حب وطنه أن ~~يغلب عليه طبع السيدات، فيبكي في موطن هو أحق بأن يبدو فيه بنخوته. ولكن كذا كان؛ بكيت ~~ثم بكيت ثم بكيت. لا القوافي أسعدتني، ولا الحكمة صاحبتني، ولا العزيمة أهابت بي. إن هو ~~إلا الدمع دجانا وتهتانا، بللت به مواضع ألهبها الحزن، فكنت شاعرا في نظم العبرات، ~~ولم أكن شاعرا في نظم الأبيات. # يا لك من ليل أسود الإهاب موحش الجوانب، أظلمت هواديه، وما استنارت تواليه، ويا لك من ~~مثوى بين تلك الألواح المحددة لتكون أرضا والمشبكة لتكون سقفا! هكذا طال الحزن ~~فغشيني نوم كأنه الموت، ظللت صريعه إلى الصباح، ms182 وما انتبهت إلا وقد بدا النهار مفتوق ~~الأديم أغر الطلعة، فاستويت على حرف الكرسي المخرق وإذا كوة مفتوحة في بعض الحيطان ~~تناصفها سلالم لا أرى أوائلها ولا أواخرها، أطل منها رجلان، قال أحدهما لصاحبه: ما ~~هذا الذي أرى؟ ~~- لعله ضيف جديد. ~~- لا مرحبا به، والله لكأنه من إوز البر. ~~- مثل هؤلاء لا ينبغي أن يصطبح بأوجههم؛ فهي شؤم على من يراها. ~~- هذا وجه خلق ليزرع فيه الفجل. ~~- خلق ليبصق عليه. # فصحت بالرجلين: ماذا تريدان مني؟ خلياني وشأني، لست من حزبكما. # فقال أحدهما: ألا تسمع، هذا يتكلم. ما كنت أحسبه إنسانا. فلما لم ينصرف الرجلان ~~آثرت الصمت حتى ذهبا عني. ووقفت أنظر حولي عسى أن أجد شيئا أتلهى به عما أنا فيه من ~~العذاب، فجعلت آخذ أعواد الكبريت وأرصفها على المائدة في أشكال مختلفة، ثم أعدها ثم ~~أشعلها واحدة واحدة، فسئمت هذا اللعب فقمت أمشي في الغرفة وأعد خطواتي، فما بلغت نحو ~~الألف إلا وقد أضجرني العد، فرأيت أن أنظم شيئا من الشعر فاستعصى علي ولم يجر على ~~لساني ولا بيت واحد، فجعلت أنشد ما أحفظ من أشعار القدماء، فما راقني شيء منها؛ وما ~~زلت في هذا العناء الممض حتى أمسيت. # فلما مضت من الليل أوائله استدعاني مدير السجن إلى غرفته، فذهبت فأكرم وفادتي وسقاني ~~الشاي وأقبل يحادثني بأطيب ما سمعت. ولما أردت الانصراف من عنده صعد بي إلى حجرته ووقف ~~بي أمام كتبه وقال: تعلم أن الكتب السياسية أو العلمية لا تدخل بيوتنا، فكيف نطمع أن ~~نجعلها عندنا في مواضع مثل هذا؟! ولكن أمامك من الروايات ما شئت، كلها مترجم من ~~الفرنساوية إلى التركية، فاختر لنفسك إحدى الروايات لتكون تسلية لك في وحدتك، فسرني ~~من الرجل هذا الظرف وشكرت له جميله، واخترت إحدى الروايات، وكان فرحي بها فرح الفقير ~~أصاب كنزا، وبتلك الرواية قضيت ما بقي من أيامي بالسجن. وكان المدير يدعوني كل ليلة ~~إليه فيحادثني ويخفف عني ما أجد من كمد الوحدة. # | الأحرار في بطون الأرض # قد يحمل بعض ms183 الناس أكثر ما أنا ذاكر في كتابي هذا على المبالغة، فيقولون شاعر يجري مع ~~الخيال، كما حمل بعض أصدقائي ما سبق من فصولي على هذا المحمل، ولكن الذي بلوا بمثل ما ~~بليت به يجدونني مقصرا، ولولا جرأة تعودتها منذ خلقت لأمسكت عن ذكر أشياء كثيرة ~~لكي لا تعتورها هذه الشبهات. غير أنني لا أبالي الثناء ولا أبالي الهجاء وإنما أبالي ~~أن يصدق في أحدهما، فليسمع القارئ وليسأل. # أخبرني مدير السجن أن بالسجن الذي كنت به سردابا مظلما تحت الأرض، أرضه الوحل وسقفه ~~الحجارة، لا ينفذ إليه ضياء النهار ولا يتهادى فيه نسيم الشمال. وهنالك برميل فيه ماء ~~غير مصفى وإلى جانبه صخرة نحتت لتكون كرسيا يجلس عليه المسجون موثقا بالأغلال ~~والأصفاد، ولا يجدد الماء الذي في البرميل إلا إذا نفد. قال: وكانوا يدعون المسجون ~~هنالك إلى أن يموت. # قلت: أراك تخبرني أخبارك قائلا: كان ... وهل تبدل ذلك الآن؟ ~~- نعم، تبدل كثيرا في الآستانة، وهي كما علمت أمام عيون الدول. أما الولايات ~~البعيدة عن الثغور فلم يتبدل فيها شيء. وقد علمنا أن السلطان أمر بزيادة التعذيب في ~~سجون الولايات البعيدة، وفيها اليوم ما يذهل أهل الرأي ويستبكي كل حر في ~~الرجال. ~~- وما يمنع السلطان من رقبة الدول عن إنزال العذاب بأعدائه وهو كل يوم يقتل ويسجن ~~وينفي؟ لا تسأم ذلك نفسه ولا يمجه ذوقه. ~~- أجل. غير أنه يقتل سرا لا جهرا. وأحوال السجون بالآستانة لا يعلمها أحد مثلي. ~~ولقد يؤتى بالرجل المظلوم فيبقى في السجن شهورا وأعواما لا يسأل عنه سائل ولا يعرف هو ~~الجرم الذي سجن من أجله. وأكثر أهل التهم السياسية يظلون بمعزل عن سواهم من ~~المسجونين، فلا يؤذن لهم بمخالطة أحد ولا يهنئون بزيارة قريب من أقاربهم. أما ~~المكان الذي أحدثك الآن بحديثه فلم ننزل إليه أحدا من الناس، ولا يعيش فيه أحد. على ~~أننا أنزلنا إليه بعض الأرمن الذين وقعوا في أيدينا أيام الحوادث الأرمنية، وهؤلاء لم ~~يمكثوا بذلك المكان إلا يوما واحدا، ثم نقلوا إلى سجن ms184 الضبطية ونفوا منه إلى سجون ~~القلاع والولايات. وقد كان بالغرفة التي أنت بها الآن رجل يزعمون أنه من حزب تركيا ~~الفتاة، بلغ منه الجزع مبلغه؛ فهم ذات يوم بالانتحار، ولو لم نتداركه للقي حتفه. ولما ~~رأيت حاله من اليأس وما حل به من الوجل أشفقت عليه وأحببت أن أسليه بعض أحزانه، ~~فاجتنبني وأساء بي الظن. ولقد قال لي مرة: أنا لا أحب الجواسيس ولا أتقرب إليهم ولا ~~أدعهم يتقربون إلي. فقلت له: لو كنت جاسوسا لما عشت براتب قدره أربع ليرات طول هذه ~~السنين. قال: أنت تزعم ذلك وأنا لا أصدقك. وكان هذا آخر ما كلمني به إلى أن من ~~الله عليه بالخروج. ~~- كيف يأخذون الناس ليلقوهم في البحر؟ ~~- ذلك ما لا علم لنا به؛ لأنهم لم يأخذوا منا أحدا وألقوه في البحر، وإنما يأخذون ~~من يريدون إغراقهم من نظارة الضابطة. هنالك خزينتهم. ولا يعلم ذلك كل مستخدم في تلك ~~النظارة، بل يعلمه أناس من كبارهم، فهم الأمناء على هذه الأسرار. ~~- وهل سجن عندكم كثير من الأحرار غير من ذكرت؟ ~~- بلى. ثم اعلم أن بجانب الحجرة التي أنت بها حجرة ثانية عرضها متران وطولها متران، ~~هذه يجعل بها من عظمت ذنوبهم من أهل السياسة، ولا يوضع فيها إلا رجل واحد، لا يقدر ~~أن يضطجع ولا أن يجلس، بل يظل واقفا حتى تتخاذل قدماه؛ فإن باح بسره أخرج من ~~الحجرة وأمضي فيه حكم القوم، وإن أبى إلا إنكارا بقي مكانه حتى يبوح، وما باح لنا ~~أحد بسره، والذي أراه أنهم لا سر لهم. # | بعض ما وقع أيام سجني # إنما يعرف الصديق الوفي عند اشتداد الكرب وتوالي الحوادث. أما ادعاء الود والعيش ~~في خفضة والحال في استقرار فذلك يتساوى فيه صادق وكاذب. وفي كرام الأعادي من يشفق ~~على عدوه إذا فلت مرته ومال ركنه، ولله أيام الشدائد؛ تعلم من حيث تستبكي، ~~وتهب الموعظة من حيث توجع! # سجنت فأعرض عني إخوان الصفاء، راعتهم نكبتي وباعدت ما بيني وبينهم محنتي، فبالغوا ~~في الحذر من ms185 جانبي، ورثت يومئذ حبال كانت أحكمتها الألفة في ظلال الأمن وفي ~~ساعات الغرور، ولم يرث لبلواي ولا بكى لمصرعي سوى قليل من الإخوان وواحد من ~~الأعداء. # أما الإخوان الذين استهانوا الأهوال في جانب الإخاء وأقبلوا على مورد الموت الأحمر ~~يطلون حيث جندل أخوهم الشهيد، فأولئك منهم زكي الحسب مصطفى بك المخزومي، أحد ~~أعضاء مجلس المعارف إذا ذاك، ومنهم الشهم الأوفى المرحوم محمد صديق خان الحسيني؛ وهو ~~أحد أعضاء ذلك المجلس. وقد تقدم ذكرهما، وآخرون غير هذين الصديقين أدع ذكرهم إجابة ~~لملتمسهم، فكان عدد الذين أهمهم أمري لا يزيد على الخمسة، جزاهم الله عني خيرا، إني ~~عاجز عن جزائهم، ولقاهم من السعادة بقدر ما ابتلاني به من الشقاء. # وأما العدو الذي نسي يومئذ عداوته فهو زهدي باشا ناظر المعارف، كان سوسا لخزائن ~~الحكومة، لا يدع قطعة من الذهب إلا نخر فيها، لا يرحم في سبيل آرائه صغيرا ولا يوقر ~~كبيرا، ولا ينام عن خصم حتى يرديه ويزيله عن موضع عزه. وقد كان لي وإياه شأن من ~~الشأن. وحين أمال الدهر عماد سلطاني وأسلمني إلى من يطيل همي وتسهيدي؛ أمر زهدي باشا ~~بصرف مرتبي وأرسله إلى أهلي، وحمل رسوله من كلام الود وجميل العزاء ما كاد يثلج ~~صدورهم، ثم أرسل إلي يقول: أنت اليوم رهينة السجن، لا حول لك ولا قوة، وأخشى أن يحدث ~~لك من اليأس ما يذهب بعزك؛ فاصبر إن الصبر درع الكريم إذا نابته نائبة، وسلني كل ~~حاجة تكون عرضت أقم لك بقضائها. فرددت الرسول أحسن رد وقلت: إن حاجة الحر في رأسه لا ~~في صدره، وإذا بخلت الأيام بها فلا ألتمسها عند من هم أبخل منها. # وبينما أنا في السجن، لا علم لي بما تجري به الأقدار، إذا جماعة من المظلومين يقادون ~~إلى ذلك البيت غير المحبوب، عضت السلاسل على سواعدهم عض الثقاف على صم الأنابيب، ~~أخرجتهم يد الجور من مستقر دعتهم وقادتهم إلى مستثار فزعهم. أحد أولئك المظلومين هو ~~المرحوم جبرائيل أفندي غرغور؛ وهو من مشاهير المحامين، ms186 وكان وظف عضوا بأمانة ~~البلدة؛ ثم رجل من الأروام وولده معه، وهما من مشاهير تجار الجواهر والحلي. وكان السبب ~~في سجن المرحوم غرغور أنهم عثروا في داره على بعض مطبوعات الأحرار، فأتوا به مسرعين ولم ~~يمهلوه أن يلبس ملابسه، وإنما أقام الحجة على ذلك الشيخ الجليل أن أحد نجليه وهو نعوم ~~أفندي غرغور كان فر إلى أوروبا ولحق بجماعات المجاهدين من الأحرار، ولم يثنه عن جهاده ~~وعد القوم ولا وعيدهم، فقالوا ننتقم لأنفسنا من الأب إذ فاتنا الانتقام من ~~الولد. # والرجلان الجوهريان حسدهما هاروناشي جوهري عبد الحميد، وحساد التجارة شر من ~~حساد الدولة؛ فوشى بهما إلى مولاه زاعما أنهما من أعوان رشاد أفندي ولي عهد الملك ~~العثماني، فحلت بالرجلين نقمة الظالم الجبار وخلا الجو لوجه هاروناشي وفاز بربحي ~~التجارة والوشاية. وقد أرسل غرغور أفندي ورفيقاه إلى ولاية قسطموني وبها مات غرغور في ~~سجنه، وخلص الأب وابنه عند إعلان الدستور. # هذا بعض ما جرى في السجن، وما جرى في بيتي أجلب للعبرة وأدعى للعجب؛ فقد ملك ~~الجواسيس الطريق وأقاموا يرقبون من يزور أهلي؛ فإن كان عثمانيا تلاحقوا به وأخذوا ~~بطوقه، وإن كان أجنبيا حاربوه بوشاياتهم وهي لا تضره ولا ترهبه. # إلى الله المشتكى من أهوال تلك الأيام، عيون يواقظ تتحرى مواضع الشبهات، وأيد ~~تحتفر القبر لمن عز ناصره وهان جانبه، وقلوب خلت من جوانبها مواضع الرحمة فقست فهي ~~أشد قسوة من الحجارة. وإن بداري لنحيبا تئط له الأركان وتزلزل قواعد البنيان، ~~وحزنا يتصلصل بين الترائب والنحور، ثم امرأتان - أم وزوجة - وطفلان لا يعلمان من ~~الحياة شيئا، أشكلت عليهما فحوى الدموع فأحرقت قطراتها وجناتهما فهما يتململان، ما ~~حلت الأيام منهما عقد اللسان فيكون منهما معوان على الشكاية، بل ألهما الحزن ~~إلهاما. والبكاء في الإنسان سجية، وفي ارتجالات الأعين ما لا تقوم له بدائه القرائح. ~~سر أيها القلم، هذا زمانك، قد خلا زمن العبرات. # استنجدت المرأتان كل من ظنتا به نجدة، وطرقتا كل باب حسبتا وراءه ملجأ، ~~فأوصدت الأبواب وتضاءلت عزمات الكرام، ثم ms187 صاح بهما الشمم: قفا، فوقفتا، ذلك إنذار ~~اليأس يستعيد الفتوة في النفوس. # ولم أنس مما امتحنت ربعي به حوادث الأيام شيئا مر بي أوثر ذكره في سطوري هذه؛ ~~إن في ذكره لعظة خالدة وحكمة بالغة يأخذ منهما اللبيب على قدر لبه. # أصبحت في بعض أيامي بالسجن كما يصبح من قضى ليلته على شوك القتاد؛ أردت النهوض ~~فخانتني قدماي، فاستجمعت قوتي فعل اليائس من حياته إذا هوى في جب ذرعه ألف ~~ذراع، فوقفت أجيل طرفي يمنة ويسرة، وهما يتساقط نورهما من أطراف أهدابهما. هذا ~~موقف الحيرة. لو تمثل لي الموت شخصا ونزا إلي بسنانه وافتر عن نواجذه وأحدق ~~بباصرتيه لما وجد في مهزا ولا أنس مني ذعرا. فطال وقوفي زمنا لا أدري مقداره. ~~وإني لكذلك وإذا السجان سمعت صرير مفتاحه على قفل الباب، وبدا لي وجهه الأربد في ~~ابتسامه القبيح، فقلت: لا حيا الله هذه الوجه. فسلم فسلمت، ثم سألته: ما جاء بك ~~الساعة؟ ~~- خدمتك. ~~- جزيت خيرا، لا أريد شيئا. ~~- ألا تفطر؟ ~~- كلا، ولكن ائتني بالقهوة. ~~- والدتك جاءت وهي تريد أن تراك، فطلبت إلى المتصرف أن يأذن لها في زيارتك، فأذن ~~لها أن تراك من باب السجن ولم يأذن لها في الدخول عندك. ~~- اذهب فبلغها عني أني بخير، وأني أطلب منها دعاءها وأستمنحها رضاها ولا أريد أن ~~أواجهها في هذه الدار المظلمة جوانبها. ~~- لا سبيل إلى ما سألت، وما هي ببارحة إن لم ترك بعينها. # فلم يبق إلا الرضاء، فتبعت الرجل حتى إذا انتهينا إلى دهليز السجن استوقفني جانبا ~~وفتح الباب لوالدتي، وأقام دون ممرها سلسلة الباب، فأشارت بالتحية وأشرت بالتحية، ~~وأومأت إليها لتعود فعادت، ورجعت إلى غرفتي مسرعا أكفكف عبرات استنزلها الهول المتجدد، ~~وقد علمت أن الوالدة إذا رأتني بذلك المكان غلب عليها الحزن وانثنت مثقلة بفادحات ~~الهموم، ولكن قلت الحيلة في درء ما يتوقع، فأيقنت أن لا سبيل إلى الراحة في أيدي قوم ~~تستطيب لحوم الناس أنيابهم وتستلذ الدماء أفواههم، وأقمت أنتظر ما سيكون. # | من السجن إلى الباخرة # أصبح ms188 بسجن وأمسي بباخرة، سبحان مقلب الملوين في ثنيات الأبد، خطى معجلة ~~إلى شقوة مؤجلة، يا بعد غاية المقادير! # زارني قوميسير المركز فقال: سلام. قلت: سلام. فافتر ثغره عن تبسامة كأنها تبسامة ~~الجدث لميت جديد، ثم دنا حتى حال بيني وبين الوجود، فأنشأ فصول الخدع فقال: أما مللت ~~مقامك في ضيافتك هذه؟ إنا مللناك وسئمنا طول لبثك، وسنشرب القهوة عندك الليلة، فانهض ~~غير مخذول ولا مروع. ~~- إلى أين تذهبون بي الساعة؟ ~~- إلى ساحل النجاة. ~~- الحمد لله على نعمته. # فمشى البشير أمامي ومشيت وراءه حتى أجزنا باب السجن، فرأيت في طرقات المتصرفية طوائف ~~من رجال الشرطة يتغامزون ويتسارون. وما زلنا في صعود وانحدار إلى الباب الجنوبي، فإذا ~~عربة يحيط بها جماعة من فرسان الجندرمة، وإذا في العربة رجلان أحدهما من رجال الملكية ~~وثانيهما من ضباط الجندرمة، فتقدم القوميسير ففتح باب العربة وأدخلني فيها، ثم وقف ~~أمامي وقال: ما أمامك إلا كل خير، لا تخف شيئا، وسألحق بك هنالك، ويكون لي معك حديث ~~تستطيبه. # وما أتم الرجل كلامه إلا وانطلقت بنا العربة تحيط بها الفرسان؛ حتى لظننت أني قد صرت ~~ناظر الداخلية أو ناظر المعارف، وما برحت بنا تهوي مخارم الطبخانة إلى أن وقفت عند شاطئ ~~البحر، وما هو إلا مثل لمح بالبصر وإذا بالباب قد فتح وإذا بنا قد نزلنا، فأقبل نحوي ~~الرجل الملكي يستلفتني إلى زورق كبير كان راسيا على مقربة من مكاننا، فأشار يدعوني إلى ~~النزول فيه، فنزلت وأنا في كل خطوة أتنقل من يد إلى يد. # كرة طرحت بصوالجة # فتلقفها رجل رجل # فلما استقر بي مجلسي جلس الرجل الملكي إلى جانبي وجلس الضابط أمامي، وسار بنا ~~الزورق في موج متراكب وريح طيبة، لا يسمع من الزورق إلا قعقعة أضلاعه وإيقاع مجاذيفه ~~وضربات الأمواج في حيزومه وجوانبه، فكنا نجتاز البواخر وعليها الرايات العثمانية ~~والأجنبية فلا نقف عند واحدة منها، فخيل إلي أن قد دنت الساعة وأزف فراق الدنيا، ~~وما لبثت أن راجعت نفسي وقارها وغلبتها على وجلها، فتأملت وجهي الرجلين ms189 الملكي ~~والضابط، وإذا هما يتغامزان، فقلت قد وضح الصبح لذي عينين: أنا لا أدع هذين الصاحبين ~~يباعدان مجلسي قيد ذراع، ومتى آن لي الغوص في اليم جمعت بطوقيهما إلي فغصنا جميعا، ~~وإنا لعلى مقربة من «سراي بروني»؛ وهو موضع يزعمون أنه اتخذ ليلقى منه الأبرياء ~~في البحر، فارتفعت لنا باخرة لا كالبواخر، كأنها الزورق في حالها، خافت صفيرها بارد ~~زفيرها، علا الطحلب جوانبها فكساها مثل السابري المضاعف نسجه، تدلى من جانبيها ~~سلمان يصعد عليهما المسافرون وينحدرون، فرسا بنا الزورق إلى جانب الباخرة، فتبينت ~~اسمها منقوشا بالخط الكبير «بحر جديد». # فما راعني إلا أحد صاحبي وقد أخذ بيميني وجذبني إلى نحو السلم، وما هممت بصعوده ~~إلا وتخاطفتني الأيدي وعلت في أذني أصوات من معي يقولون «بيورك، بيورك» تفضلوا ~~تفضلوا، فما خلصت من أيديهم إلا بعد أن بلغت أعلى الباخرة. # فأدخلت المجلس وأخذ حراسي بأطرافي. وقد اشتهت نفسي التدخين، فمددت يدي إلى ملابسي ~~لأستخرج منها سكايري، فقبض عليها أحد الجلوس قبضة كاد يقتلعها من أصلها. قلت: ما ~~لك؟ ~~- ماذا تريد لتصنع؟ ~~- أريد أن أستخرج سيكارة أدخنها. # فلما رأى السيكارة في يميني سري عنه وهدأ باله. فظللت بين القوم ساكتا لا أحادثهم ~~ولا أجاوبهم إذا حادثوني، ولم نلبث أن جاءنا قوم من الشرطة ومعهم فراشي الذي كنت أبيت ~~عليه في السجن وما يتزود به المسافر من طعام وغيره، وكنت سألت الملكي الذي صحبني إلى ~~الباخرة أن يخبر أهلي بمكاني عسى أن أتزود بنظرة إليهم وأوصيهم وصاتي، فوعدني وعدا ~~ظهر لي المطل في أعقابه. وقد طاف أهل بيتي دور الظلم يستخبرون عني، فعادوا وهم لا ~~يعلمون لي مستقرا وادرعوا الحزن الطويل واليأس المرير. # | نظرة في حال فروق # يممت فروق مدعوا ونزحت عنها مجفوا، فلا ~~الدعوة أبطرتني ولا الجفوة كفرتني. وما زلت من لدن وطئت مهادها وعللت أنهارها وشممت ~~طيبها ورعيت كواكبها صادق الود، مخلصا في السر والجهر. وما فروق إلا وطن ميلادي، ~~استهلت فيها حياتي، ونما في أرضها عودي، بذلت لها روحي ولا أمن ms190 بها، ومنحتها آمالي ~~ولا أدل بها. وكانت شقوة فغلبت على أمري وفارقتها فراق الجبان روحه، ونزعت عنها ~~نزوع الصب عن موطن صبابته. # رأيتها اختلفت فيها الأهواء وكثرت المطامع. خليفة الله فيها يقتل عباد الله ويستحل ~~ما حرم الله من أموالهم وأعراضهم، ورجال الدولة وحماة مجدها عصبة من أهل الحرص ~~يسلبونها قليل ما أبقت لها الأيام من طارف لا يجمل عده وتليد لا يستطاع حفظه. ويحمل ~~العرش يومئذ رجال كادوا يشاركون الله في ملكه وينكرون عليه قدرته، فهالني ما رأيت، ~~وددت أن لو قامت نوادبي ولم أر تلك الفادحات، فعاهدت الله ألا أسالم خائنا ولا ~~أسكت على عداء. وما زلت أجالدهم حتى كاثروني، وما سلاحي إلا يراع تشذر فلا يفصح ~~صوته، وخاطر نضبت ينابيعه فلا يجري معينه. وإن أمامي لرجالا أولي قوة وسلطان، لا ~~تأخذهم صيحة ولا يرهبهم بطش. وقد خذلني من خذل من الأنصار، فبقيت في صغر قدري وضعف ~~ركني أسير من لا يرحم وعاني من لا يفدي. # ثم المجاهدون الأحرار يسترجعون بالرغبة أو الرهبة، والجرائد تحيي الظالم في صبحه ~~ومسائه تحيات طيبات، ومن رزقهم الله الكفاية من أهل الثراء وحماة الذهب يتسابقون إلى ~~عاليات المراتب، يتفننون في سياسة الفوز، فقوم يحملون دنانيرهم وآخرون يتقربون ~~بوشاياتهم، وفريق يحكم الحيلة حتى ليخدع عبد الحميد ويسرق منه حظوته ويختلس رضاه؛ ~~فأوجست خيفة وملئت يأسا. # يموت خليل رفعت الصدر الأعظم، فيولى مكانه سعيد، ويسرع فريد إلى فروق مطالبا عبد ~~الحميد بالصدارة، يقول: جعلتموني واليا على قونية وهي دون قدري فأطعت واخترت الصبر، ثم ~~دعوتموني لأولى الصدارة فقلدتم أمرها غيري قبل أن أصل إليكم. فقد أصبحت منذ اليوم ~~حديث الناس في أنديتهم وسمرهم، يسخرون مني ويستهينون بي، فأقيلوني من ذل لم أستوجبه ~~بعصيان. فيأتيه البشير من عند السلطان يحمل وسام الافتخار المرصع، فيرجع فريد داعيا ~~شاكرا. # ثم تحاصر عيون الظالمين وأرصادهم بيوت المخلصين مثل المشير فؤاد والفريق أحمد جلال ~~الدين، ويتسع مجال الشر لفهيم ومحمد أبي لحية وأبي الهدى ومحافظ غلطة سراي وناظر ~~الضبطية، ms191 فيا من رأى عاصمة ملك تقاسم هدمها الملك والرعية! # لهفي على فروق في تلك الأيام السود! عروس في نعش أو جنة يملكها الحريق. لو وفت ~~الأيام بأماني الجبار لنال من فروق ما نال نيرون من روما. ولقد فعل. والغرائز ~~أكثر تشابها من الوجوه، وحوادث هذه الحياة تستعاد مختلفات، والتأملات قاصرة، والعقول ~~حيارى، وصحف التاريخ أهملت الكثير وحدثت بالقليل. # | وداع فروق # ودع «فروق» لقد أجد فراق # ماذا تطيق! هل الوداع يطاق # هي وقفة بين التعلل والأسى # يفنى الرجاء ويخلد الميثاق # أعط المنازل حقها يوم النوى # هذا الفؤاد وهذه الأحداق # واستبق شعرك للقاء إذا دنا # حسب النوى ما تنشد الآماق # قد كان شوق ثم نؤت بحمله # فلتنظرن ما تصنع الأشواق # يا عاشقا لم يدر ما جهد الهوى # أرأيت ما يتجرع العشاق # اكتب شجونك فالشعاع يراعة # والبحر حبر والسما أوراق # فعسى يسوق الدهر ما سطرته # لبنيه بعدك فالشجون تساق # السابقوك إلى المصارع أدركوا # غاياتهم ولك استجد سباق # فاغلب بعزمك أمر حزمك وانصلت # تلحق بهم عقبى المجد لحاق # رقأت دموع قد جرت لفراقهم # لم يبق دمع بعدهم مهراق # أما الجفون فما بها متسهد # أما القلوب فما بها خفاق # والروض موشي الطرائق زاهر # أبدا وسائغ مزنه رقراق # والطير في دوحاته متجاوب # والبان في أثلاته مطراق # وجد السلو الواجدون وهكذا # كأس الهموم تعاف حين تذاق # سيفيق من سكر الصبى نشوانه # فالسابقون قد انتشوا وأفاقوا # أستودع الله الرفاق جميعهم # ولسوف يتبع الرفيق رفاق # هذا كلام ودعت به «فروق». قلته ~~حين اختفت عن عيني، وإنما يجيش الشعر في خاطر الشاعر بمثل تلك المواقف. # على ظهر قصر سابح، في لجج البسفور، بين شطي أوروبا وآسيا، من الوطن المحبب إلى غاية ~~مجهولة، فراق أهل وولد، من غير توديع ولا تسليم، كل ذلك تحت ليل كأنه ظل الشقاء ~~وسماء كخاطر الواله، في حيث تتراءى تفاريق نور على البيوت كبسمات أرواح المظلومين من ~~وراء حجب الوجود، لقد كنت شاعرا في ظلمك يا عبد الحميد. # ودعني الرجل الملكي وبقي معي رفيقه الضابط، ورجل ms192 من الجواسيس، فلما استقر بنا ~~المجلس التفت الضابط نحوي، فقال: لا تهمن نفسك، لن ترى في سفرك هذا إلا ~~خيرا. # فدخل الجاسوس في الحديث وجعل ينظر إلى وجهي نظر الشامت، ثم رأى ألا يكتمني ذلك، ~~فقال: وما يهم البك من سفره هذا؟ لقد لقي جزاءه، ولو تدبر الأمر لكفى نفسه أحزانها ~~اليوم. كلنا عرفنا أن سيكون مصيره إلى مثل ما هو فيه الآن، قضاء الله وقدره، ولا حيلة ~~للمرء في قضاء الله وقدره. ولقد كان البك كثير الإعجاب بنفسه، يحتقر الدنيا وما عليها؛ ~~فكم مررت به في اختياله وكبريائه فازدراني وأعرض عني بوجهه، ما حسبته نسي ذلك. قلت: ومن ~~تكون، ويحك؟ هذا وجه أنكره ولا أذكر أني بليت بشؤمه إلا في يومي هذا. ~~- عجبا، تبدي التغابي عني وأنت أعرف بي من ذات نفسك! # فأدركني مثل الجنون من عناد الرجل وكدت أهوي على وجهه بلطمة تهشم أنفه وتهثم ثناياه. ~~غير أنني استحيت من نفسي ألا أكون مالكا لقيادها في مثل تلك الساعة، فزجرتها ~~فازدجرت، ثم قلت للجاسوس: لو كنت عرفتك لنالك مني ما نال إخوانك. ~~- كأني بك يومئذ حاملا علي بعصاك تريد أن تضربني. أما لتلقيتك كما تلقيت ~~غيرك، فإن أقدر عليك أثأر لنفسي ولإخواني وإن تقدر علي فنحن قوم لا يضرنا ~~الضرب ولا يؤذينا الهوان. فبقيت باهتا مما أسمع من كلام الرجل، فتركني في حيرتي وأقبل ~~على الضابط يحادثه، فقال: كان البك منذ عامين يقطن دارا بجوار سفارة ألمانيا، وكان له ~~ود مع الأمير محمد باشا نجل الأمير عبد القادر باشا الجزائري، وبيتاهما يومئذ ~~متجاوران، فجاءني الأمر بمراقبتهما، فكنت أقضي أكثر أوقاتي بين المقابر الكائنة أمام ~~السفارة، ولكن على غير طائل، فلما أعيتني الحيل وخفت ألا أعرف من أمريهما شيئا ~~تلطفت في المكر حتى تمكنت من الاستخدام في بيت الأمير، ~~فاستبشرت خيرا، وما راعني إلا هذا البك داخلا من ~~باب الدار في أصيل يوم يتبعه رجل من الأجانب، فلما رآني البك أنكرني، عرفت ذلك في ~~نظره الشذر، ولكنني لم أبد ms193 شيئا سوى ظاهر الحرمة والتوقير، فسرت بهما حتى أدخلتهما ~~على الأمير وخرجت فوقفت وراء الباب أسترق السمع، فكان هذا البك يخاطب صاحبه الأجنبي ~~بالفرنساوية ويترجم للأمير بالعربية؛ فقد غاظني والله ذلك وكادت روحي تخرج من شدة ~~الغيظ. وإني لفي غيظي وإذا ثلاثتهم يضحكون ضحكا عاليا، فخيل إلي أنهم يضحكون ~~مني، فخليت عنهم ونزلت كاسف البال، والله يعلم ما كنت أقول عند نزولي. # وقد أراد الرجل أن يسترسل في حديثه لولا أن قاطعته، فأقبلت على الضابط وأنا أرتعد ~~غضبا، فقلت: أهكذا دأبكم؟ تبعثون بمثل هذا الرجل إلى الناس ليبالغوا في تعذيبهم وهم ~~يحتضرون، كفى كفى، لقد أحسن القيام بما عهد به إليه. أما أنا فكما ترى، أتطلب الصبر ~~فلا أجده، لا تحرجوني فما بالقلب جهد فيحتمل. # فأيقن الضابط أن الإناء قد امتلأ وعرف أن لنفوس المكربين ثورات تعيي على مخمديها، ~~فعدل بالرجل جانبا وسمعته يقول له: إذا لم تخرج الساعة من هنا خرجت أنا وتكون أنت ~~مسئولا عما يقع من الأمر. فذهب عنا ذلك الجاسوس وكانت ساعة سفر الباخرة قد دنت، ~~فأسرع نحوي الموكلون بإخراجي من الوطن، وأخذوا يودعونني وداع القالي وأوصوا بي الضابط ~~ونزلوا، ثم صفرت الباخرة صفيرها وانبعث من جوفها زفيرها، ثم تمايلت ذات اليمين وذات ~~الشمال، ثم دارت إلى ناحية البحر الأسود فدارت دواليبها وقعقعت أضلاعها وتوالت ~~هزاتها، فسألني صاحبي الضابط أن أصعد معه إلى سطح الباخرة ووافق ذلك هوى في النفس ~~فصعدت، وإذا نحن نسير بين منظرين ما تفتحت الأعين على أحسن منهما؛ شطي آسيا وأوروبا، ~~يتناغيان بالمصابيح، عاشقان ضنت عليهما الأقدار بالتلاقي، مررنا بهما أم مرا بنا؟ ~~لا أعلم. صحائف أجاد الحسن فيها منمقه، نشرت فانطوت، زلت عنها الأبصار وضاقت ~~عنها الفهوم، فرائيها متخيل وعارفها متوهم، ما شك ناظر إلى السماء وإليها أن تلك ~~المصابيح كواكب سقطت عليها، عهدي بها في حالتيها، بينا هي عرين إذا بها كناس، يخالط ~~فيها كل زئير ليث عندلة عندليب، تتجاور بها مسارح أرآم ومصارع كرام، تسقى من ماء ~~معين ومن ms194 دم مهراق، تطالعها وجوه ضاحكة وأخرى مجهشة، تقسمتها مواسم الصبا؛ فهي تارة ~~مشتى وآونة مصيف وحينا مربع، جنة يحرسها حارس جهنم، فتنتني يوم لقائها وتوشك أن ~~تفضحني يوم فراقها. فروق يا ظلوم، خذي روحي فما هبطت علي إلا فيك، واسترجعي من ~~أنحاء الفضاء متفرقات أنفاسي، أنت أولى بحسراتي منه، استبقي لي خاطرا أحييك به ~~وشعرا أنوح به عند فراقك. يا نعيمي الماضي وشقائي الحاضر، ألا يضطرب ماء هذا الخليج ~~مجاراة لجوانحي. وددت لو أن ارتطم عبابه وترامت أمواجه وأغرقتنا قبل أن نجتاز ربوعك. ~~كان بك مهدي وأريد أن يكون بك لحدي. هنيئا يومئذ لحوتك ونونك ما أبقت الأيام من لحم ~~على وضم، ولتتصرف رياحك بأخريات أنفاسي ولترن في أرجائك نوحاتي. الوداع الوداع يا ~~فروق، وسلام الله عليك وعلى بنيك كلهم. هذا طريد جديد، مظلوم يلحق بمظلومين. يخرجونني ~~منك ليلا لأراك في ثوب حدادك. أمن أجلي كل هذا؟ كلا، بل حدادك على أختك الغزالة. أنا ~~أضيع فيك من دمعة على خد مهجور. أنا أهون على الدهر من ذرة من ذراتك ضلت بين ~~ثنيات الأثير ... # اجتازت بنا الباخرة مرسى «بشكطاش»، فاطلع علينا من ورائها قصر «يلديز» على هضبته. ~~وبينا نحن ننظر إليه ونستعيذ بالله منه، إذا مدفع قد دوى ثم تلاه غيره، فعددنا ~~المدافع فكانت سبعة. وهذه عادة فروق إذا حدث فيها حريق، فجعلنا نطلب بأبصارنا مكان ~~النار، ثم لم نلبث أن لاحت قريبة من «يلديز»، وكنت أعلم أن لن تصل إليها فحولت عنها ~~بصري وجعلت أمتعه بما يتجدد أمامه من محاسن فروق. ظللنا على تلك الحال حتى دانينا باب ~~البحر الأسود، فوقفت عنده الباخرة وألقت مراسيها قبيل الحصون. وكنا غلب علينا الإعياء ~~وتواكلت أقدامنا من طول الوقوف، فأشار علي صاحبي بالنزول إلى موضع نومنا فنزلنا ~~جميعا، وحين أخذنا مجلسنا للراحة أخبرني عن اسمه فإذا هو موسى كاظم بك، وأعلمني ~~بوظيفته فإذا هي وظيفة ياور لناظر الضابطة ورتبته ملازم أول. وقد وجدت كلامه لا يشبه ~~كلام رفاقه الذين تقدموا، فاستأنست به، وعرف ms195 مني ذلك فقال: سترى في الولايات حياة ~~جديدة غير التي رأيتها في الآستانة، ويا ليتني كنت مكانك الآن. أقول لك ذلك لأني قضيت ~~شطرا من عمري متنقلا في مدن الأناضولي، وما مرت علي ساعة في تلك المواضع وشكوت ~~منها أمرا. ~~- كذا ينبغي أن تكون. كل موضع يبعد عن «يلديز» يقرب من النعيم. ~~- صدقت . وسترى مني خادما مطيعا وخلا وفيا. ولا أسألك من الجزاء إلا أن تكون ~~جلدا وأن تجعل ما أنت فيه اليوم من محنة الدهر مغنما من التجاريب لا مغرما ~~باليأس. ~~- سترى مني حمالا لأثقال النوائب، صبورا على فادحات الكرب. غير أني سائلك عن ~~أشياء أرجو أن تصدقني في الإجابة عنها. ~~- سل ما بدا لك. ~~- إلى أين يكون مصيري؟ ~~- إلى صامسون، وإخال أنك ستوظف وظيفة فيها. ~~- وما تكون وظيفتي؟ ~~- لا أدري. ~~- ألا أسجن فيها أياما؟ ~~- لن تسجن فيها ولا ساعة واحدة. ~~- ويحك، ما أدلك على طرق المكر، وما أغباني ساعة أملت فيك الصدق! قم عني إلى ~~لعنة الله، لن أكلمك مذ الليلة. ~~- سيدي، أنت رجل كثير الوسواس، ولولا غلبة الجزع على ذات نفسك ما اتهمتني من غير ~~تجربة. شهد الله أني ما كذبتك في شيء مما أخبرتك به. وسواء علي صدقت أم لم تصدق. ~~لا أحاول إقناعك. ثم اعلم أنني صحبت قبلك كثيرا من الرجال إلى الأقطار التي نفوا ~~إليها، فما ذمني منهم أحد. وهذا إسماعيل بك صفا الشاعر التركي الشهير؛ صحبته إلى ~~سيواس. وغيره كثير لو شئت أن آتي لك على أسمائهم لقضيت الليل في عدها. ~~- إذن، أنا لا أسجن؟ ~~- نعم، وبرئت من عثمانيتي إن كنت كاذبا. ~~- لقد قامت حجتك. ولكن متى نفي إسماعيل صفا؟ ~~- منذ عامين. أتعرفه؟ ~~- نعم أعرفه بآثاره. وكنت مولعا بمجلته التي سماها «معارف»، ثم عرفني به أحد ~~الفضلاء في إحدى ليالي السمر، وكان حديثنا غير طويل. # وقد استطال حديثي مع كاظم بك إلى ما بعد نصف الليل، فعلمت منه أنه ابن أخي الحاج حسن ~~حلمي باشا والي سيواس إذ ذاك، وأنه نفي وسجن وذاق ms196 أمر طعم النوائب، وأنه لولا ~~استشفاع عمه لقامت عليه نوادبه. فلما أخذنا حظنا من الحديث مال كل إلى مضجعه، فما ~~انتبهنا إلا على هزج الباخرة وضرب الأمواج، فلم نر إلا الأسود الخضم في أزباده ~~البيض وتحت سمائه المحتجبة وسحبها الداجية. شططنا عن المعاهد والرسوم ويممنا قصدا لا ~~ندري متى نحن مدركوه، فقلت لكاظم بك: ترى، أيعلم أهل بيتي شيئا من خبري؟ ~~- ذلك علمه عند الله، والقوم لا يخبرون الناس خبرا. ~~- وما الحيلة في إخبار أهلي بأمري ليهدأ روعهم ويخف حزنهم؟ ~~- أرى أن تصبر حتى ننزل بصامسون. أما الآن ونحن في عرض البحر فلا نستطيع ~~شيئا. # هذا جواب حسن عنده سكوتي، وفي النفس من برحائها ما لا ينهض به عزم، فبقينا في ~~الباخرة خمسة أيام، وما انتهينا إلى صامسون إلا أصيل اليوم السادس. وما مر بنا في ~~سفرنا هذا ما يصلح للذكر سوى أن فرغ الفحم منا حين بلغنا «أركلي»، وأن الربان ~~عانى الشدائد حتى حصل من «مورده» ما يحتاجه. ولما بلغنا حصن «سينوب» أقبل علينا من ~~الشط زورق يقل جماعة من الشرطة يتوسطهم رجل نحيف الجسم قصير القامة أصفر اللون ذو ~~لحية سوداء، تلوح عليه سيماء أهل الفجور، فسألت كاظم بك: ممن الرجل؟ فأخبرني أنه مدير ~~التحريرات في متصرفية «صامسون»، وأن أباه أنيس باشا والي قسطموني عدو الأحرار الفاتك ~~بمن نفي منهم إلى ولايته. وأنيس باشا كان أشد ظلما من عبد الحميد؛ وهو الذي غذا ~~الأسواط من لحوم المظلومين الذي وقعوا تحت حكمه، حتى لقد استعظم ظلمه عبد الحميد وبعث ~~إليه يأمره بالتخفيف فلم يمتثل أمره. كرهت لقاء ذلك القادم الثقيل فتنكبت طريقه، ~~ولكنه سأل عني فقيل له إني منفي، فدنا مني وحياني، فحييته تحية كلها تكلف، وكان ~~صاحبي كاظم بك عرف بعض طباعي فتداركنا بمحضره، ثم أشار إلى الرجل وخاطبني معرفا: ~~البك نجل صاحب السعادة أنيس باشا والي قسطموني؛ وهو مدير تحريرات صامسون. ~~- أهلا به. ~~- لما سمع باسمك أسف لما أصابك. ~~- شكرا له. # فابتدرني القادم بكلامه، فقال: إنما تعرف ms197 الرجال عند الشدائد، فلا تحزن لما أصابك، ~~إن عفو سلطاننا مؤمل. ~~- ما أنا بحزين. ~~- رأيت بقسطموني كثيرا من المنفيين. غير أني لم أحفل بأحد منهم. ما فيهم من فتى ~~كريم. ولقد أدبهم والدي فأحسن تأديبهم، وإنهم اليوم لأذل من العبيد. # فما رددت على الرجل بحرف، بل رميته بنظرة أدرك منها مرادي، فأخذ كاظم بك بذراعه وتنحى ~~به جانبا. وقد رأيته يؤنبه على كلامه ويحذره مني. غير أنه لم يلبث أن عاودني وأخذ ~~يكلمني، فأعرضت عنه بوجهي وتركته يهذي وحده، فذهب إلى الربان يحدثه بما قابلته به من ~~الإعراض، فقال له الربان: ما علمنا به إلا حسن الخلق، ولكنه مكروب، والمكروب تضيق نفسه ~~عن أشياء ربما اتسعت لها في أيام دعتها؛ فلا تؤاخذه بما رأيت منه، وأنا سائله الليلة ~~عما أنكره منك. # وقد وفى الربان بوعده، فسألني عما انصرف بي عن مخاطبة ابن أنيس باشا. قلت: هو رجل ~~اختلفت بيني وبينه الأهواء، ثقل على فؤادي أول ما سمعت من كلامه. فرأى الربان ألا ~~يزيدني سؤالا، وكان ذلك آخر غرائب السفرة البحرية. # | صامسون # لما نزلت مع رفيقي كاظم بك إلى البر استقبلنا رجال من الشرطة وغيرهم، وكانوا على ~~انتظارنا، فداروا حولي وأبعدوا عني رفيقي واستبقوني وحدي في غرفة من الخشب، فمكثت ~~فيها مدة، ثم عاد كاظم ومعه أربعة رجال من الشرطة، فأركبنا زورقا سار بنا حتى قارب ~~دار المتصرفية؛ وإنما أركبوني الزورق ولم يسيروا بي في البر مجانبة لأعين الناس. فلما ~~دخلنا المتصرفية صعدنا إلى غرفة استرحنا فيها قليلا، وجاء بعد ذلك رجل صحبني إلى غرفة ~~المتصرف وكان اسمه حمدي بك، فإذا رجل حسن الوجه طلقه قام يتلقاني تلقي الصاحب ~~لصاحبه، ثم أجلسني إلى جانبه وأظهر لي من الأنس والإكرام ما لم يخطر على بالي، وسألني ~~عن سبب نفيي، فأخبرته بما انتهى إليه علمي، فقال: هذه سبيل سلكها كثيرون قبلك ~~وليسلكنها كثيرون بعدك، فلا تخف ولا تحزن، أنت ذاهب إلى مدينة سيواس، وفيها يكون ~~مقامك ما شاء ربك. إن طريقا تؤدي بك ms198 إلى النفي لتؤدي بك إلى الخلاص منه. وأنت في ~~شبيبتك، وميدان الأمل أوسع للشبان منه للشيوخ، فكن جلدا واجعل أملك في جانب الله ~~ثابتا. ولو كان في طاقتي خلاصك مما أنت فيه لأغنيتك عن الصبر. غير أني أستطيع أن ~~أستبقيك بصامسون ثلاثة أيام إلى أن يشتد عزمك وأدعك حرا تسير فيها كما تريد على أن ~~يصحبك أحد رجال الشرطة حيثما توجهت. # فشكرته بما هو أهله وقلت له: إني أحب التعجيل بالسفر. فدعا بكاظم بك وكبير الشرطة ~~وأمرهما أن يفرجاني على البلدة، وأوصى بي كاظم بك خيرا، فخرجت من عنده متحدثا ~~بمكارم أخلاقه. # فذهبنا إلى أحد الخانات وطلبنا إلى صاحبه أن يعد لنا غرفة نبيت فيها، وحين خلوت إلى ~~كاظم قلت له: أرأيت كيف ظهر كذبك؟ ~~- أي كذب ظهر لك مني؟ ~~- ألم تقل لي ونحن بالباخرة إني أنفى إلى صامسون؟ وقد أخبرني المتصرف أني أنفى إلى ~~سيواس. ما حملك - بالله - على أن كذبتني؟ وهل صامسون أحب إلي من سيواس؟ كلا ~~البلدين أنا فيه غريب. ~~- لو عرفت منك ذلك لأخبرتك اليقين. غير أني خشيت عليك الكمد، فاخترت الكذب ولا فائدة ~~لي فيه. ~~- دع ذا. إني أريد أن أخبر أهلي بما أنا صائر إليه. ~~- لا سبيل إلى ذلك. أمرت ألا أدعك تخط حرفا على قرطاس، وأنت لا تحب أن يصيبني ~~أذى بورقة لا تعلم أتصل إلى أهلك أم لا تصل. ~~- صبر جميل. إن لي في إسماعيل صفا لأسوة، وإن لي في قربه لسلوة. # ثم إننا جلنا في البلدة ليلا، وجيء برجلين من الجندرمة ناما معنا في الغرفة، فما ~~انزاح نقاب الليل عن وجه النهار إلا وقد أعدت لنا عربة كعربة النعش يسمونها ~~«يايلي»، جعلوا لنا بها ما نحتاج من فرش وغطاء، فخرجت من صامسون تؤم سيواس. # | كتاب إلى الصديق الأوفى رفيق التلمذة # سيدي # أجلك أن يصيبك هذا القلم بسنانه، وأجل هذا القلم أن يكمن في شقه الحقد ~~أو أن يثأر لي منك. لا آخذ الله من أجلي أحدا، وليهنئ مبغضي ما أصابني من ms199 ضر. ~~فهب لي من لدنك إنصافا يكون لك معوانا على قراءة كتابي هذا. لن أقاضيك إلى الناس ~~بل أقاضيك إلى ذات نفسك. أما لتقضين لي عليك، حجتي عليك قائمة وما لك علي من ~~حجة. # أنفذت فلانا يأخذ كتابا أنا بعثت به إلى فلان، ثم جعلت ذلك الكتاب سببا لنفيي ~~سبعة أعوام، حتى شلت أناملي وبح صوتي وجفت ينابيع خاطري. فهلا ذكرت أن ~~للمظلوم ربا يسمع أنينه من أعماق السجون ويرى دموعه في ظلمات الليالي. # هذا يراع ملكته ولا فضل علي فيه لغير الله الذي براه لأناملي وبراني لصريره. ~~سيرته في خدمة أمة باد أكثرها بظلم الظالم، وباكيته على أحرار أسكنوا الأجداث ~~ولم يمتعوا بالشباب. أكان علي في ذلك بأس أم أنا صنعت ما ينبغي على الحر أن ~~يصنعه. # ليتك كنت طيب الشمائل فأحبك كما أريد أن أحبك، وليت إساءتك كانت وقفا علي ~~ولم تتعدني إلى إخواني، إذن لاتخذت منك تلك الإساءة إحسانا ولأقمت على ودك ~~ما أقامت في جسمي الحياة. لست أشنؤك؛ فإني لا أعادي إنسانا، ولكن دلني على قلب ~~أحمله محبتك وأكرهه على قبولك. عفا الله عنك وتجاوز لك عن حقي. ما أريد تأنيبا ~~ولا أطلب لك شيئا تبغضه، فلتجد عيناك بدموع تغسل عن قلبك حب الانتقام، ~~وليهدك الله مذ اليوم حتى تداوي بآتيك ما جرحت بماضيك. # كاتب المعلوم والمجهول # الحمد لله كثيرا، نفست عن فؤادي هما واغلا، إذا صرت أقرن إلى هذه النظائر ~~العالية فقد عفوت عفو قادر، والقدرة بيد الله، لا من ولا سرف. غير أني ما كنت أحسبني ~~أحيا إلى مثل هذا اليوم. # | إلى سيواس # أيها الركب سر فإن أمامي # لبعادا مرا وعيشا أمرا # غربة هذه وقد كنت أدري # أن سأرمى بها لدن كنت حرا # فالفحي يا رواسي الأرض نارا # وأفيضي فدافد الأرض بحرا # وانفحي يا ريح الشمال سموما # واقذفي يا سوائر الأفق صخرا # أنا أرضى بذا لحب بلادي # وأرى في سبيلها الموت فخرا # ركب حثحث نجبه البين، يهوي المخارم هوي الأجدل، ويترقى ~~الشم ترقي العقاب، ms200 تستوقفه الحوائل وتستطرده المسالك، ما يخلص من وحل إلا يغوص ~~في ثلج، لأخشابه صريف ولعجلاته دبيب. كذا مر يومنا حتى حللنا أول منزل في مكان يقال ~~له «جقالي»، فيممنا أحد خاناته وأوينا إلى غرفة من غرفه، فنزل كاظم بك ليستحضر ~~عشاءنا، وكان الرجلان من الجندرمة صحبانا، فرأيت على حيطان الغرفة من الكتابة ما يملأ ~~الكتب، فقمت لأقرأها، وإذا هي مكتوبة بالتركية والإفرنسية والرومية وغيرها من اللغات، ~~كل من نزل ذلك الخان كتب على حيطانه شيئا، فكلام يستعذب وكلام يمجه الذوق وكلام ~~يضحك وكلام يبكي، ثم وقع نظري على بيتين للشاعر الجليل إسماعيل صفا، كتبا بيده بقلم ~~الرصاص وتحتهما توقيعه، فخفق فؤادي طربا ووقفت أنشدهما. وهذا معناهما: مثل هذه الدار ~~كمثل الدار الدنيا، ينزل إليها الناس ليرحلوا عنها، ما تأخذ منهم سوى زفراتهم، ولا ~~يأخذون منها سوى حسراتهم. غير أن الراحل عن هذه قد يعاودها، أما الراحل عن تلك فلن ~~يعاودها أبدا. # ثم رأيت تحت ذينك البيتين كلاما منثورا. وهذا معناه: ما أعدى حوادث الأيام! كنا ~~نرجي أن يعيش لنا إسماعيل صفا ليكون خير خلف لنامق كمال، ولكن قضى الدهر أن ينفى إلى ~~سيواس مظلوما، وأن يوسد التراب بين تلك الجبال. ولم أستطع أن أقرأ توقيع الكاتب لأنه ~~بالغ في إبهامه. # هنا أدركني من الحزن ما لا أقدر على وصفه، أأمني النفس بلقاء فاضل تنحط دونه ~~الأشباه والنظائر، وحر كان في حريته قرة عين الوطن، ثم يقدر لي أن أسمع أنينه من ~~الصخر الأصم، ثم ينعاه إلي من لم يعلم من أمري شيئا. ألا إنني لعاثر الجد، كاذب ~~الأمل. ألا إن ريب المنون قد رمى فأصاب كبدا ما إلى الحرية شيء أعز منها. ليت ذلك ~~المكان أطت أركانه وتصدعت جوانبه وتساقطت علي أحجاره ولم أتبين على صفحاته هذا ~~الخبر. جادك الغيث وأنبت ثراك أطيب الزهر يا مثوى إسماعيل صفا، وليدم ذكرك على ~~أفواه العثمانيين طيبا تتعطر به الأفواه وتطرب به الأسماع. إن لك على الأدب وأهله ~~لفضلا، وإن من حقك على ms201 أبناء وطنك أن يذكروا أياديك على وطنهم. رحمة الله عليك، رحمة ~~الله عليك. # تجلدت، وكيف يتجلد من شجاه مثل شجاي! غربة وفراق أهل وأولاد، وروعة تستطير القلوب ~~من الصدور! وبينا أنا في تلك الحال إذا كاظم بك داخلا من الباب وخلفه الجنديان، فلما ~~رآني مستعبرا وقف أمامي باهتا لا يدري ما يقول، فتداركته بالجواب قبل سؤاله وأعلمته ~~ما أحدث في قلبي موت إسماعيل صفا، فقال: إن موت إسماعيل صفا ليس بالأمر القريب. بلى إنه ~~مات منذ عامين. ~~- ما علمت ذلك إلا الساعة، ولكن ناشدتك الله ما يدعوك إلى كتمان الصواب عن الناس. ~~ألم يجر بيننا ذكر الرجل ونحن بالباخرة؟ فما كان ضرك لو أخبرتني بموته إذ ~~ذاك. ~~- ما كان يجديك علمك بموته. أكنت قادرا على أن تبعثه حيا؟! دع ذكر ما يشجيك ~~واستبق عزمك. إن أمامنا لطريقا صعبا وسفرا بعيدا. # قلت في نفسي: ما أخبرني هذا الرجل خبرا إلا ظهر لي كذبه، وأخشى أن يكون كذلك ما ~~أخبرني به عن مقامي بسيواس. هو يزعم أن لن أسجن. فإذا أنا سجنت فماذا أقدر أن أخجله ~~به؟ وكان الجنديان فرغا من إعداد طعامنا، فجلسنا نتعشى وأنا صامت، وكأن كاظما فطن ~~لما أنا فيه فاختار أن يدعني وشأني، فأعجبتني منه فطنته. وما فرغنا من الطعام والتدخين ~~إلا وقد أثقل النوم هاماتنا فنمنا، فما انتبهنا إلا على أصوات المسافرين قبيل الفجر، ~~فأخذنا أهبتنا وجاءنا جنديان غير اللذين صحبانا إلى جقالي، أخذا منهما النوبة، ~~وأخذنا كلنا في الطريق. وهذه أسماء المنازل التي نزلناها من لدن أن خرجنا من جقالي ~~إلى أن بلغنا سيواس، أذكرها مع طرف من تاريخ بعضها. وكنا نرحل عن المنزل الذي نبيت فيه ~~قبيل الفجر ونبلغ المنزل الذي يليه أصيلا أو قبيل المغرب. ~~«حوضة»: بلدة صغيرة أنيق منظرها متشاكلة بناياتها، بها حمام يستشفى بمائه الحار، ~~بناه ممدوح باشا الذي كان ناظر الداخلية في أواخر أيام الاستبداد، فأجاد بناءه وأحكم ~~نظامه. ولقد دخلته واغتسلت بمائه. غير أني لم أقدر على نزول حياضه لما ms202 في مياهها من ~~الحرارة الشديدة؛ فإنها تبلغ الدرجة الخمسين بميزان سنتيغراد. ~~«أماسية»: هي مدينة في الشمال الغربي من سيواس، تبعد عنها خمسة وسبعين ومائة كيلومتر، ~~وفي الجنوب الغربي من صامسون، تبعد عنها أربعين ومائة كيلومتر. مكانها هو المرتفع ~~الكائن في (43° 39 # 5 ~~) من العرض الشمالي وفي (33° 24 # 15 ~~) من العرض الجنوبي، على يمين النهير المسمى «طوزانلي» بحيث ~~يتلاقى به نهير «ترس آقان صو». عدد أهلها خمسة وعشرون ألفا، سبعمائة منهم من الأرمن ~~ونحو المائة من الروم، وما بقي فمن الترك. # هذه مدينة آماسيا الشهيرة بفاكهتها وجودة أرضها وكثرة أطلالها ورسومها وآثارها ~~ومعاهدها. وهي من المدن القديمة، وفيها ولد «سترابون # Strabon ~~»؛ وهو أحد مشاهير الجغرافيين من قدماء اليونان، وولد بها ~~السلطان سليم الثاني المعروف بياوز. وقد فتحها السلطان بايزيد الأول وأنشأ بها جامعا ~~ومدرسة وجسرين على النهر، وكل ذلك باق على جدته وروائه إلى يومنا هذا، وتعلم في ~~تلك المدرسة السلطان محمد جلبي والسلطان بايزيد الثاني. # وفي أماسيا مقابر بعض الأمراء من بيت الملك العثماني، ودفن بها من الملوك السلاجقة ~~«قيلج أرسلان الأول»، ومن وزرائهم «معين الدين بروانه»، والشيخ حمزة والد «آق شمس ~~الدين»، وغير هؤلاء. # ولما كانت آماسيا لا تبعد عن حوضة إلا مسيرة ست ساعات بلغناها غير متأخرين، فكان لنا ~~في الوقت متسع لمشاهدتها والإلمام ببعض محاسنها. على أنني لم أجد فيها من المناظر ما ~~يبعث على الطرب أو يهيج ساكنا في الفؤاد؛ ذلك لأننا جئنا في أواخر كانون الثاني ~~وأشجارها مجردة من ورقها وأرضها معراة من نبتها، والوحل متراكم في طرقاتها، وكان ~~متصرفها إذ ذاك العالم الكبير المرحوم كمال بك؛ وهو غير نامق كمال بك الشهير، وكان ~~منفيا إليها، فأحببنا زيارته ثم علمنا أنه مريض، فزاره كاظم بك وحده. # ومما أذهل عقلي أني رأيت نساء الأرمن والروم في آماسيا متحجبات، يتهادين ساحبات ~~مآزرهن كما تفعل نساء المسلمين، فأيقنت أن المرأة العثمانية في تلك البلاد محرومة من ~~نعم الدنيا، فتجددت لوعاتي وتضاعفت أحزاني، وقلت ما قاله أبو الطيب المتنبي: ms203 # ذو العقل يشقى في النعيم بعقله # وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم # ثم عاودنا الخان الذي نزلناه فإذا جماعة من كبار المدينة جاءوا لزيارة كاظم بك؛ لأنه ~~ابن أخي الحاج حسن باشا والي سيواس، فجعلوا يتنافسون في إكرامه والتقرب إليه. وفيمن ~~جاءنا يومئذ أبناء طوبجي زاده، وهم فروع بيت من بيوتات الحسب الزاكي في تلك البلاد. ~~وقد أعدوا لنا مأدبة بلغت الغاية في بهجتها، وأهدونا من تفاح آماسيا المشهور شيئا ~~كثيرا وحملونا جانبا منه هدية للوالي، فسألني كاظم بك أن أنظم بيتا من الشعر ~~التركي أكتبه على حائط الغرفة التي بتنا بها، فأجبته إلى ما أراد وقرأه أناس كثيرون ممن ~~قدموا بعدي سيواس وأخبروني به. وكان يخيل إلي أن سأرحل إلى بلاد مثل آماسيا، ~~هيهات، أخطأت الظن وخاب المأمل، فما سارت بنا العربة إلا بين صخور وعلى حجارة لا نستجلي ~~عندها خضرة ولا نرد ماء إلا كما قال الشاعر: # صرى آجن يزوي له المرء وجهه # إذا ذاقه الظمآن في شهر ناجر ~~«جنكل»: هو منزلنا الرابع بعد خروجنا من صامسون، موضع تبصرت فيه فلم أر بيتا ولا ~~سكنا سوى الخان الذي نزلناه؛ وهو على سفح أكمة هناك، بئست دار المسافر تلك، قفر جرداء ~~موحشة، لا يلم بساحتها طير، ولا يبقل في مهادها نبت، ولا يظلها سحاب، ولا تهب عليها ~~صبا، ولا يسجع بها طير، بلغناها وقد بلغت الشمس مغربها، فلما فرغنا من الاستعداد ~~لحاجات العشاء خرجت إلى مكان بالطبقة العليا من الخان أريد أن أتمشى. وقد خلت ذلك ~~المكان مستشرفا، فإذا هو لا يشبه المستشرف، فقلت: تظل أنت يا عبد الحميد في قصر يلديز ~~بين بنات الجركس، تقتل الأمة وتضحك من عقول الناس، وترمي بي في هذه الفجاج لأقيس لك ~~جبال الأناضولي ووهادها! ألم تجد أحدا أعلم مني بالمساحة؟! إنك لقليل الخبرة ~~بالهندسة! # ثم دعاني كاظم بك إلى المائدة ونفسي لا تشتهي الطعام، فجعلت آكل لا رغبة في الأكل بل ~~إبقاء على قوة أستعين بها على مواصلة الأسفار. فلما رفع من بين ms204 أيدينا الطعام وملنا ~~إلى تلك المضاجع الخشنة طار نومي واعتادني أرق شديد، وما راعني إلا جنود من البق ~~تدب إلي من كل ناحية، بق غذي أنواع الدماء حتى اتسع وانبسط وعادت كل واحدة ~~منه كطابع البريد، تتبختر على الوسادة تبختر الفقيه في الجنازة، فقمت إلى خوان في وسط ~~الغرفة عليه مصباح ضئيل النور، وإذا صاحبي كاظم قائم إلى جانب النور، بإحدى يديه قميصه ~~وبيده الأخرى عود يحذف به البق. قلت: ما لك يا رفيق الخير؟ قال: دعني، ألا ترى ما أنا ~~فيه؟ قلت: لا عليك بأس، أفسح لي مكانا إلى جانبك. قد صار القميص قميصين. ولئن دام لنا ~~ما نرى خرجنا هائمين في جنح هذا الليل، ثم سكت كلانا واشتغل عن صاحبه بالتقاط ~~الحشرات، ولبئس العقود عقود نظمناها تلك الليلة حتى آذنت برحيل، فما خفقت راية الشفق ~~على قمة الجبل إلا تبادرنا إلى السائق نوقظه بالأيدي والأرجل، ثم نبهنا الجنديين ~~الحارسين وخرجنا من الخان بعد أن دفعنا لصاحبه حقه، وما أدركتنا العربة إلا وقد قطعنا ~~شوطا بعيدا وغصنا في الوحل والثلج إلى الركب، وحين اعتدلت الشمس في عليائها تهاوت ~~تلاع جنكل برءوسها وحيل بينها وبين الشهود. وطاب بعد ذلك السفر فانطلقت بنا العربة تشتد ~~في سيرها يومنا كله ميممة «توقاد» فوافيناها في عتمة المساء. ~~«توقاد»: مدينة كائنة على مسيرة تسعين كيلومترا من شمال مدينة سيواس، وعلى الشاطئ ~~الأيسر من نهر «توزانلي»، يبلغ عدد سكانها أربعين ألف نسمة، خمسة آلاف منهم من الأرمن ~~وغيرهم من إخواننا المسيحيين. هذه المدينة جيدة التربة، طيبة الهواء، عذب ماؤها، جميم ~~خصبها، تلتف حولها الحدائق المونقة والكروم الوافية، وهي معروفة بكثرة فاكهتها وبقلها، ~~منظفة الأسواق والشوارع. غير أنها ليس بها من آثار السلف سوى حصن خرب فيه السجن ~~المشهور في كتب التاريخ واسمه «جارطاق بدوي». ويذهب أكثر المؤرخين إلى أن توقاد من ~~المدن القديمة، وأنها هي المدينة المسماة عند القدماء «بريسة» أو «قومانة بونتيقة». ~~وقد ذكر المستعصمي توقاد في معجمه. ولأهل هذه المدينة مهارة في صنع ms205 الأواني النحاسية ~~ونسج الحرير وتطريزه، وبضاعتهم معروفة بالجودة. # فلما نزلنا الخان وأخذنا بعض الحظ من الراحة خرجت مع كاظم بك نريد زيارة المتصرف، ~~وكان المتصرف رجلا من خاصة الجراكسة اسمه بكير باشا. فإذا دار آهلة كل أهلها جراكسة، ~~وكلهم مقيمون على بدويتهم، فتلقونا على الرحب والسعة، وأدخلونا إلى مجلس الباشا بلا ~~استئذان، وكان بكير باشا يعرف كاظما ولا يعرفني، فسماني له وقص عليه قصتي. فرفع ~~الرجل موضعي وأقبل يحادثني أطيب الحديث، ثم أخذ يقص على جماعة كانوا عنده بعض أخبار ~~البيت اليكني الذي أنا منه؛ وهو في كل حديثه يثني أجمل الثناء. وقد قال للقوم: أيكون ~~مثل هذا خائنا؟! أم يعاقب مثله بالنفي؟! فقال كاظم بك: إن والدة فلان جركسية ووالدة ~~أبيه جركسية. فبسم لي وقال: أصادق صاحبك؟ قلت: نعم. قال: فأنت تركي جركسي معا، كفانا ~~الله شرك. وأخذ يلاطفني ويمازحني كأني كنت صديقه منذ القدم. ولما هممنا بالانصراف ~~دعانا إلى مأدبة أعدها لنا، كانت كأحسن ما يستطاع في ذلك المكان، وقال لكاظم بك: لن ~~تبرحونا غدا، إنكما ضيفاي، وقد أخبرت الوالي بذلك تلغرافيا فرضي. فخرجنا شاكرين، ~~وكنت أحب أن أبلغ سيواس غير متأخر لأجد حيلة في مراسلة أهلي. غير أني كرهت أن أخالف ~~بكير باشا فأقابل إحسانه بالكفران. # وفي اليوم التالي طفنا توقاد وولجنا دورها ومشينا في أزقتها ورجعنا مساء إلى بيت ~~المتصرف مع رسول كان أنفذه في طلبنا، فودعناه وأثنينا على بشره وإكرامه، ثم أصبحنا ~~فتوافى الوجهاء إلى الخان يودعوننا ويظهرون الأسف على فراقنا، فقلت: يا عبد الحميد، ~~تريد ذلي ويريد الله عزي، دام أنفك راغما. # فخرجنا من توقاد على عادتنا مبكرين والطير في وكناتها، فجعلنا نتسنم الهضاب لا ~~يتخلل صعودنا انبساط ولا انحدار، حتى رفع لنا شامخ ذو هضبات، متصل الذرى بالسحاب، ~~تعالته تلال من الثلج كالقطن المندف، أشم، صعب المرتقى يقصر دونه الجهد وتنحل في ~~ترقيه العزائم، تتطالع فوقه الجياد والعربات كأنها تسبح في سحاب جامد. قلت لصاحبي: ما ~~هذا الذي نرى؟ قال: هذا «جاملي بل». ms206 ~~- ما زدتني علما. ~~- وما تريد أن تعلم منه؟ شاهق من شاهقات الأناضولي توسط بين «يكي خان» وبين توقاد، ~~وستعلم ما هو حين نطلب ذروته. ~~- وما حاجتنا إلى هذا النصب؟ أعندنا سعة في الوقت فنضيعها بالتوقل في هذه ~~الجبال. ~~- ذاك ما لا بد منه، ففيه طريقنا إلى «يكي خان». # وفيما نحن نتحدث إذ هبت علينا ريح صرصر نفذ بردها إلى عظامنا، ثم علت في الأفق ~~غبرة حتى لخيل إلينا أن ذلك الشاهق يحثو على رأسه الثلج بدلا من التراب، فاستوقف ~~السائق العربة ونزل عنها وراح يتأثر الطريق، فلما رجع سألناه عن الخبر، فقال: التبست ~~المسالك ولا أدري أية أسير. فتقدم الجنديان اللذان كانا معنا بجواديهما أمام العربة ~~وأشارا إلى السائق أن يسير خلفهما، وما هي إلا مسافة خمسين مترا في سفح الجبل، قطعناها ~~في كد وإعياء، فما راعتنا إلا هزة كادت تستطير كل واحد منا من مكانه، فوثب صاحبي ~~إلى الأرض وبقيت في العربة وحدي، فمالت إلى جانب ميلة فتدحرجت بي إلى حفرة هناك. وقد ~~تعجلت بوثبة لم أحسنها، فوقعت غائصا برأسي في الثلج وبقيت رجلاي في الهواء، ولولا ~~السائق والجنديان لمت في موضعي مختنقا، وما أدركوني إلا بعد أن سففت الثلج سفا، ~~وحين فرغ رفاقي من إنهاضي ونفض ثيابي أخذوا يعالجون العربة ليقيموها وهم لا يستطيعون أن ~~يصنعوا شيئا، فتقدم إلينا الجنديان يعرضان علينا جواديهما، فامتطى كاظم جوادا وامتطيت ~~جوادا، وسرنا نطلب ذروة الجبل، فلما انتهينا إليها رأينا خانا واسعا فيه جماعة من ~~فرسان الجندرمة كانوا ينتظرون قدوم البريد وآخرين من المكاريين، فتلقونا وأنزلونا في ~~الخان، وانطلق رجال منهم بالحبال وبالجياد إلى الموضع الذي تركنا فيه رفاقنا، فجاءوا ~~بهم وقد أضناهم ما كابدوا. # أما أنا فقد سكرت بغير راح، حرارة الكانون بعد برد الثلج، هذا ما لا يطاق، وكان ~~الذين في الخان يعلمون ما في ذلك من الضرر، فأجلسوني ورفيقي بعيدا عن الكانون، ثم ~~أصبنا طعامنا وأخذنا حظنا من الراحة ساعة أو ساعتين واستأنفنا المسير. لم نستشعر ضنى ~~ولا إعياء. ms207 شتان ما بين ارتفاع وانخفاض. انبسطت لجيادنا الأرض وسهلت فقطعناها إلى ~~«يكي خان» وكأننا مشينا على الديباج. ولا أنسى موقفي على ذروة «جاملي بل» بين فسيل ~~الأرز وكأنه باقات زهر منتثرة على ملاءة بيضاء منشرة. نظرت إلى ما حولي فخيل إلي ~~أني على روق سحابة جامدة، ثم نظرت عند انحدارنا إلى قرارة الوادي فضاع رائد الطرف بين ~~اختلافات الألوان والأشكال. الماء كالزجاج، وجوانب الوادي كالطبق الصيني، وأخضر النبت ~~وأصفره كالنقش على ذلك الطبق. وقد برد الهواء حتى أصبح كقدح من البلور أكفئ علينا، ~~فلما توارت عنا الشمس تبدى لنا «يكي خان»؛ وهو قضاء أناف عليه جبل في شرقه منعه ~~مصابحة الشمس، صغير بارد ولكنه غير قبيح المنظر، فقضينا ليلتنا في حديث وسمر وتجددت ~~فينا العزائم إذ كان منزلنا هذا آخر منازلنا إلى سيواس. وقد شرد السرور النوم من ~~الأجفان، ولو نمنا لهنأنا نومنا ولاطمأنت جنوبنا، هنالك خانات نظيفة لانت مضاجعها وطابت ~~حجراتها، فلا تقاس بالتي نزلناها من قبل. # تطاول علينا الليل واشتد قاتمه، فأقمنا تحت سواده نتعلل بالأماني، ثم رق أديمه وخف ~~حندسه فبدت تباشير الصباح، فنهضنا نهضة رجل واحد ورمينا بأبصارنا جادة سيواس وانطلقنا ~~مسرعين، وبينا نحن في بعض الطريق إذا التفت صاحبي نحوي باشا مؤانسا، فقال: الحمد لله ~~على السلامة، أدركنا دار المقام، وسترى من سيواس بلدا طيبا فلن تطيب لك مبارحتها. ~~غير أنني أبغض منها كثرة أشجارها، حيثما تسر في شوارعها تلق أشجارا صفت على ~~جانبيها حتى اشتجرت الأغصان بالأغصان واشتبكت الأوراق بالأوراق. ~~- وتبغض مثل هذا الشكل يا كاظم بك؟ أما إنك لحائر القلب لا تدري ما تحب ولا ما ~~تبغض! ~~- أنا لا أحب الشجر الكثير. على أن في سيواس أشياء تطربني. ~~- وما هي؟ ~~- ملاعبها وحاناتها. ~~- ومن أين لها ذلك؟ ~~- وما تعجبك؟ ألا تعلم أنك قادم على ولاية من الولايات العثمانية الكبرى؟ ولسوف ترى ~~من المحاسن ما يسرك، وإني لخائف عليك منها أن تستهوي لبك. فخذ لها أهبتك منذ اليوم ~~ولا تدع قلبك مجزءا بينها. ~~- لقد أنذرت ms208 فأعذرت، وما للشباب في بقية تنفق، ذهبت الأيام بجدته ونضارته وإن أنا ~~في الحياة إلا ضيف دنا أوان رحيله. # وإلى هنا عاودنا السكوت، فأخذ كل يفكر في شأنه إلى أن دانينا الضيعة الحميدية ~~المسماة «نمونه جفتلكي»، وهي تبعد عن سيواس مسافة ثمانية كيلومترات. فلما رأيت باسقة ~~الأشجار على جانبي الطريق أيقنت أن صديقي كان صادقا في قوله، وما حاذينا مدخل الضيعة ~~إلا ألفينا عربة الوالي على انتظارنا ومعها جماعة من رجال بطانته مثل ياوره الخاص ملك ~~أفندي ومثل مأمور التلغراف الخاص، فدنوا منا وبلغونا سلام سيدهم وقدموا إلينا ~~العربة لنتحول إليها، فنزل صاحبي وآثرت البقاء مكاني إذ لم أكن على هيئة تصلح لركوب تلك ~~العربة، وسرنا ميممين سيواس، فبلغناها بعد سير استمر ساعة ونصفا من الزمان. # | سيواس # جانب من منظر مدينة سيواس. # استقبلتنا سيواس بوجه أربد، ما اجتزنا صفوف أشجارها المتكاثفة عند ~~مدخلها إلا تلقتنا أعشاشها التربة وأزقتها الموحلة، فدارت العجلات فوق مهاد تراكمت ~~عليها الثلوج والحجارة، وتخطت حفرا لكل غوصة في إحداها جهاد يستنفد الساعات ويذيب ~~الهمم. وقد عرتني هزات ليست هزات تطرب ولا هزات ثمل، أنستني ما تقدم من مثلها في سفرنا ~~كله، وكان دخولنا إلى سيواس يوم الجمعة 14 فبراير سنة 1902. # فذهبوا بي إلى مكان قالوا لي إنه الخان، وافتقدت صاحبي فلم أجده، فامتنعت عن نزول ~~الخان وقلت: بلغت الروح الحلقوم؛ لأن تقع السماء على الأرض أهون علي من أن أطيعكم إلى ~~دخول السجن مرة أخرى، تكاثروا وغالبوني، لن تدخلوني حيا. فجعل القوم ينظر بعضهم في ~~وجوه بعض ولا يفهمون ما أريد، ثم اقترب مني أحد ضباط البوليس متأدبا محتشما وقال: ~~ما لسيدي لا يتفضل بالنزول إلى الخان؟ قلت: ما هذا بخان، إن هذا إلا سجن. قال: إذا كان ~~هذا الخان لا يرضيك فاختر غيره ومرنا بما تريد، فنحن في خدمتك. وفيما نحن نتكلم هكذا ~~إذ أقبل صاحب الخان واسمه «مانوق آغا»، فحياني تحية تبينت فيها الصدق، وعرفت من ~~كلامه ولغته أنه أرمني، فهدأ روعي ونزلت، وحين ms209 صعدنا إلى الطبقة العليا أبصرت قوما ~~جلوسا يدخنون نركيلاتهم وسيكاراتهم وأمامهم كاسات القهوة والشاي، وفي صدر المكان ~~فونوغراف يطرب الجلوس بما يحاكي لهم من أصوات المغنين والموسيقات. ورأيت على رءوس ~~القوم نوعين من العمائم، وأحدهما معصوب بشاش أبيض وثانيهما معصوب بشاش أسود. فسألت عن ~~الفرق بين الشكلين، فقيل لي إن الأبيض شعار المسلمين والأسود شعار الأرمن. فتذكرت ما ~~يروى عن اتخاذ بني العباس للشعار الأسود حين أظهروا دعوتهم في أواخر الدولة الأموية، ~~ولم أدرك سر هذا الفارق الجديد. # وما استقر بي الجلوس على بعض تلك المقاعد إلا جاءني مدير البوليس، (وكان يسمى ~~سرقوميسيرا إذ ذاك)، فتلطف في التسليم وجلس إلى جانبي مرحبا ومسلما، فلما ~~فرغنا من مطارحة الأكاذيب قلت له: ما شأني اليوم عندكم؟ ~~- أنت معاون مكتوبجي الولاية (مساعد ثان للسكرتير). ~~- غير أنني منفي. ~~- وما يضرك أن تكون منفيا، وأنت حر غير مسجون ولا مقيد، تذهب أين شئت على ~~شريطة ألا تخرج عن حدود ولايتنا. # فكاد فؤادي يثب سرورا واغتباطا، وما كان سروري ولا اغتباطي إلا بما بلغت من حريتي، ~~فأحببت أن أظل بمكاني من الأمل ولم أشأ إكثار الأسئلة لئلا أسمع شيئا جديدا يذهب ~~بحلاوة ذاك الأمل. وبينا أنا أحادث زائري وإذا رسول من عند الوالي يدعوني إلى داره، ~~فكبر علي الأمر وأخجلني ما كنت مرتديا من الملابس التي التبست طرائقها وغابت ~~ألوانها، فاعتذرت وأظهرت التعب، ولكن أقبل علي مدير البوليس يستنشط نفسي إلى الذهاب ~~وأخذ يثني على الوالي ثناء جميلا، ويبين لي أن عدم الإجابة يحدث بيني وبينه ~~شرا عظيما، فقمت مع الرسول متثاقلا. وما زلت أطوف تلك الأسواق الموحلة والناس ~~يرمونني بأبصارهم حتى جئنا دار الوالي، فدخلناها وأقبل الخدام يريدون أن ينزعوا حذائي ~~ويقدموا لي نعلين لينتين مكانهما، فأجبت كارها، فلما رأوا جوربي ممزقين وقد ~~تبدت منهما أصابع قدمي رثوا لحالي ودعوا على من رماني تلك الرمية، ثم أدخلت مكان ~~الاستقبال وبقيت به حتى أعدت المائدة، فلما تقدمت إليها رأيت صاحبي كاظم بك ~~ينتظرني، فجلس كلانا وجلس ms210 معنا جماعة من المستخدمين وأخبرنا أن الوالي في بيته الآخر ~~مع حرمه الصغرى، وأنه يريد أن يواجهنا بعد العشاء، وحين آن أوان الزيارة خرجنا وبين ~~أيدينا الخدم بالأنوار، ندع طريقا ونأخذ في غيرها إلى أن بلغنا البيت، فصعد بنا الخدم ~~إلى مجلس الوالي، فأقمنا في انتظاره، ولم يلبث أن أقبل علينا في ملابسه البيتية على ~~عادة أهل الشرق، فتقدمت مسلما فعرفني بفراسته، ثم التفت إلى كاظم بك وقال: أظنه ~~ضيفنا فلانا. ~~- نعم، هو ذاك. # ثم أمرنا بالجلوس ومد إلينا علبته بسيكاراته، فتناولت واحدة وأخذت أدخنها ساكتا ~~أنتظر أن يبدأ الكلام، وإذا به مطرق مفكر لا يكلمنا ولا ينظر إلينا، وقد بدت على وجهه ~~آثار الكآبة حتى لمحها كاظم ولمحتها، ثم رفع رأسه بعد استغراقته وأقبل يسألني عن سبب ~~نفيي. ولما كان شرح القصة يحتاج زمانا طويلا ويجدد شجنا كاد يتقادم لم أر بدا ~~من إظهار التجاهل، فهز الرجل رأسه وقال: قاتلهم الله، وهل يقاس مثلك بمن ينفونهم إلى ~~هذه الأقطار؟ ولكن لا ضير، لكل كارثة لطف من الله يدرؤها، فاصبر وامتثل حكم ربك، ما ~~بعد الشدة إلا الرخاء، واعلم - بني - أنك نازل بلدا أهله أهل دعة وسلام، وأيقن أنني ~~لست واليا عليك وإنما أنا أبوك، فشاورني في أمورك وافزع إلى الله ثم إلي عند مخاوفك. ~~ولا تكثر مخالطة السفهاء من هؤلاء المنفيين الذين ستجدهم في هذا البلد، وجانب فلانا؛ ~~إنه خدين الكأس، لا يعرف غيرها؛ وهو سيئ التربية، لا يحبه أحد من الناس. فوعدته طاعة ~~وامتثالا وخرجت من عنده راجعا إلى الخان. # فلما كان الغد بكر إلي رسول الوالي، فتوجهت إلى داره الأولى وإذا أمين الصندوق ~~واقف في انتظاري، فتقدم إلي بورقة في يمناه ودراهم في يسراه وقال: ضع توقيعك على ~~هذا الصك واقبض هذه الدراهم؛ لقد اتصل بدولة الباشا أنك خالي اليد، ولكن كتب إلينا من ~~الآستانة بتوظيفك معاونا للمكتوبجي ولم يسموا لنا مبلغ مرتبك، فرأى الوالي أن يصرف ~~إليك سبعمائة قرش تنفقها في بعض حاجاتك إلى أن يسمى ms211 مرتبك في الآستانة، فوقعت ~~للرجل على الصك وقبضت المال، وحين واجهت الوالي أمرني أن أبعث رسالة برقية إلى أهلي ~~ليعلموا مكاني، فكتبت الرسالة وانتهت إليهم في غداة اليوم الثاني، واطمأنت بذا قلوبهم ~~وعرفوا ما آل إليه أمري. وكنت أوصيت الخياط أن يصنع لي ملابس جديدة فصنع ولبستها ~~وأصلحت من هيأتي ما أمكن لي إصلاحه. فلما تهيأ لي بعض ما أردت خرجت أريد دار الحكومة، ~~فذهب بي الشرطة إلى غرفة السرقوميسير، فتلقاني الرجل تلقي الصاحب ونهض معي حتى ~~أدخلني على المكتوبجي وقدمني إليه، وإذا رجل محبوب الطلعة باسم الوجه نحيف الجسم ذو ~~لحية سوداها غالب على صفرتها، فأحسن قبولي وبذل لي المودة وأبدى لي جانب الأنس ~~والود. وبعد الاكتفاء بالحديث والتسليم قادني إلى غرفة الوالي وقدمني إليه على ~~الطريقة الرسمية. وكان إلى جانب الوالي في غرفته رجل أسمر اللون أبيض الشاربين محبوب ~~الوجه، استخبرت عنه فقيل لي إنه أرستيدي باشا معاون الوالي (هو بك إذ ذاك). # فعدنا إلى غرفة المكتوبجي بعد مجلس لم يطل إلا دقائق معدودة ولحق بنا معاون الوالي، ~~فتم التعارف بيننا على أحسن منوال. هذه حالات توالت فيما دون الثلاثة أيام خلت بعد ~~وصولي إلى سيواس، أتت ومضت ولا أدري ما هي. غير أني لا أجحدها فضلها؛ فقد كان لها شأن ~~يذكر في تخفيف لوعاتي، وإنما سرني أن قيض الله لي مثل هؤلاء المتحببين؛ أفرج ~~بهم غماء الهموم. ولو ألقت بي المشيئة بين أناس من غلاظ القلوب وجفاة الطباع لطال ~~شقائي، ولقد يتخلل أيام الشدائد أويقات تكاد تنسي المرء ما يتجرعه من غصصها، وما ذاك ~~إلا إنصاف في الدهر يتغلب عليه أحيانا. ولما هممت بالخروج من عند المكتوبجي سألني أن ~~أعاوده إلى غرفته قبيل المساء إجابة إلى مأدبة أعدها لي في بيته، فأجبت شاكرا ~~وخرجت. # ما أمسيت يومنا ذاك إلا وأنا في بيت المكتوبجي، فأراني ابنه سليما وبنته سوزان وهما ~~كحمامي أيكة تدل نظراتهما على ذكاء موفر وتهذيب مستمر، ثم جاء أرستيدي باشا معاون ~~الوالي، فكنا ثلاثة على ms212 مائدة واحدة، وكنت كلما زدت محادثة للرجلين زدت محبة لهما ~~وأنسا بهما. وقد أظهرا من الود مثل ما استشعر به فؤادي. # وبينا نحن في مجلسنا وسمرنا إذا برجل له حدبة بين كتفيه كسنام البعير، تحمل رقبته ~~رأسا كالليمونة اليابسة، ركب فيها وجه كالجذع المنقلب. كله ختل باد وشر كامن. قلت: ~~من هذا؟ فقيل: هذا ترجمان الولاية واسمه المسيو عمانوئيل برويستاكي. ومما زدت به علما ~~من صفات الرجل أنه شديد الساعد مدمن للرياضة الجسمية كثير العجب بها، وأن الرجل كريدي ~~الأصل وأنه من أرذل الجواسيس. قلت أبعد به، ولكن ماذا أخاف من تجسسه وأنا رجل منفي ~~مقصي. فجاء هذا الزائر غير المحبوب حتى جلس إلى جانبي. غير أننا لم نلبث أن عرف كل ما ~~سيكون له عند صاحبه. وقد سهرنا تلك الليلة سهرا طويلا قضيناه في حديث طيب وأنس ~~قريب، ثم تودعنا وخرج كل يريد منزله. # | وفاة الحاج حسن حلمي باشا والي سيواس # انتبهت مبكرا غداة دعوة أسعد بك المكتوبجي، فما راعني إلا أغوب خادم الأوتيل ~~داخلا غرفتي على غير عادته. قلت: ما وراءك؟ قال: مات الوالي. فبقيت واجما باهتا؛ لأن ~~الرجل أمسى وليس به ما يشكيه. فزدت الخادم استيضاحا، فأخبرني أنه مات بالسكتة القلبية. ~~قلت: هذا رجل حمدت لقاءه ولم أعلم له سيرة تكسبه الحمد أو الذم سوى ما كان يثني به ~~عليه مقربوه، وليس ذلك دليلا؛ فإن كان رجلا أفاد الأمة خيرا فوا أسفاه على فقده، ~~وإن كان امتحن جانبها بشره فالحمد لله على خلاصها منه، وليعوضها الله رجلا ينهض ~~بجناحها الكسير ويهبها من الإنصاف والرأفة حاجتها. # ثم أسرعت إلى ثيابي فلبستها وخرجت أريد دار الوالي، فرأيت على بابها جماعات من ~~المساكين والمشايخ وغيرهم، كل فئة قائمة في انتظار ما يعنيها، فدخلت الدار وإذا الناس ~~كلهم متوافون متكاملون، وما دنا الظهر إلا وخرجت الجنازة باحتفال لا يستحق الذكر. ~~فشيعنا الفقيد حتى واريناه رمسه، ورجعنا ونحن لا نتحدث إلا بحديث وفاته، فقص علينا ~~الخبر من حضرها، قال: إنه فرغ من ms213 عشائه وجلس إلى حرمه الصغرى يحادثها، ولما حان وقت ~~نومه استلقى على مقعد هناك وسألها أن تبادر إلى الخدم بطلب الطبيب. غير أن المنية ~~سبقت ومات الرجل قبل أن يحضر. # ولما كان المساء توجهت إلى المأتم فجلست فيه ما استطعت، ثم خرجت مع المكتوبجي ~~وجماعة من الموظفين، فجعل بعض الحاضرين يذكرون من مساوئ الرجل ما لا يصبر حليم على ~~سماعه. قلت: قد آن للكتاب المطوي أن ينشر. # ثم أقبل على سيواس بكير باشا متصرف توقاد، فجعل وكيلا للولاية، وكثرت يومئذ ~~الأقوال والظنون، فذهب أناس إلى أنه سيخلف الوالي المتوفى، وزعم آخرون أن سيخلفه غيره، ~~وتوالت الولائم والمأدبات احتفالا ببكير باشا، فلم يبق في سيواس وجيه إلا استقبله ~~بدعوة إلى بيته، وكنت أنا معه كالظل لا يتركني أفارقه إلا بعد نصف الليل عند انصراف ~~سائر رفقته، وما يسفر الصباح إلا تتسابق إلي رسله. # ولقد لمحني يوما مفكرا فالتفت إلي مزدجرا، وقال لي والناس يسمعون: أي بني، لا ~~تحمل نفسك هما، انتظر حتى يقضي الله في أمري بما يريد. فإذا أنا وليت سيواس ~~احتلت لك في السعادة؛ فإما أخلصك من هذا النفي، وإما أفتح في وجهك طريق الهرب ~~إلى مصر، فثقل كلامه على سمعي وأوجست منه خيفة. ثم قدر الله أن ولي سيواس الرجل ~~الشهم والعثماني الحر رشيد باشا عاكف ابن المرحوم عاكف باشا الشهير، فانتقضت آمال بكير ~~وأقام يرتقب أن ينصب واليا على ولاية أخرى. # وقد كثر المطالبون لحسن باشا بعد موته وتعدد المشتكون، فأبى بكير باشا أن يأذن لأهل ~~الرجل بالسفر قبل أن يقضى دينه، وجاءت تركته بما لا يذكر من المال، وظهرت في خزينة ~~الحكومة وغيرها فضائح تداركها من عني بها يومئذ، فعلمت أن هذا الوالي لم يرحم في ~~استجلاب الكسب صغيرا ولم يوقر كبيرا. وقد بلغ من الجشع مبلغا لم تقدر عليه وحوش ~~الفلاة ولا نسورها. # زعموا أنه اشترى من بعض الفقراء قنطارين من البصل، فلما ذهب البائع إلى الوكيل ~~مقتضيا أخذ يماطله أياما حتى عيل صبره. فلزم ms214 الغريم البائس باب الباشا إلى ساعة ~~خروجه، فتقدم نحوه ولثم طرف ثوبه ووقف خاشعا خاضعا يستعديه على وكيله ويطلب عطفه ~~ورحمته، فتغير وجه الباشا وأشار إلى الرجل بعصاه قائلا: ألا تستحي أيها الرجل أن ~~تطالب واليك بثمن قنطارين من البصل؟ امض لشأنك وتعلم التربية. ثم التفت إلى من حضر ~~من صحبه وقال: لي الله، ماذا أعاني من تقويم هذه الطباع وهي تأبى أن تقوم؟ وخرج ~~بائع البصل مخزيا ومنكسرا. فإذا صحت هذه المزاعم - وما إخالها إلا صحيحة - فالرجل ~~ساقط المروءة بعيد عن مواضع الشرف، لا يمنعني عن الشهادة له بذلك ما سبق إلي من ~~تودده وإكرامه. إن الخائنين يستدرجون بالمظلومين حتى يبلغوا بهم غايات التلف، ولا ثقة ~~بود مفاجئ من غير وفي. أكثر العوادي يستنيم للفريسة وفي لهواتها دماء فريسات مضت ~~وبين أنيابها الحتف الكامن. # ومما علمت من ماضي هذا الرجل أنه كان واليا على الحجاز، وأن أهل البدو سطوا على ~~قناصل بعض الدول في جدة وقتلوهم، وكان ذلك في أيام ولايته في نحو سنة 1894 على ما أظن. ~~وكانت تلك الدول وفي طليعتها الدولة البريطانية أرسلت يومئذ سفنها الحربية وطلبت ~~محاكمة الباشا، ولكنه وجد سبيلا إلى الفرار ففر إلى الآستانة. غير أن الحكومة ~~العثمانية لم تجد بدا من محاكمته في مجلس خاص. فقامت عليه البينة وحكم عليه ~~بأن لا يستخدم في الحكومة ما دام حيا. ثم فرغ إلى الرشوة فاستعملها فعين واليا ~~على سيواس، وكان يأمل أن يصير ناظرا للداخلية إذا سقطت الوزارة واستغنى عبد الحميد عن ~~ناظر الداخلية ممدوح وشيعته. # | زفرة من زفراتي # فؤاد دأبه الذكر # وعين ملؤها عبر # ونفس في شبيبتها # وجسم مسه الكبر # وآمال مضيعة # ووقت كله هدر # وعيش عذبه مضض # وعمر صفوه كدر # أما يا ليل من صبح # لمن سهروا فينتظروا # جفون الناس هاجعة # وجفني ضافه السهر # إذا سور تولت من # ك عني أقبلت سور # أفانيها فتفنيني # وأطويها فتنتشر # وحيدا فيك ذا حذر # يكاد يخونني الحذر # فلا كتب أسامرها # إذا ما شاقني السمر # ولا نظم ms215 ولا نثر # وقد نظموا وقد نثروا # سأقضي العمر في أسر # ويسعد بعد من أسروا # أرى سيواس تغمدني # كأني صارم ذكر # صدأت بها وأحسبني # سأصدأ ما جرى العمر # أيخذلني وإخواني # وينصر خصمنا القدر # فوا لهفي على سرب # تولى رعيه النمر # غدا في أرض مسغبة # جفاها النبت والشجر # قضى راعيه مذ زمن # وضلت بعده العفر ~~••• # يقول أحبتي صبرا # وهل في النار يصطبر # عداة الحق قد ربحوا # وأهل الحق قد خسروا # ونحن أمامنا وطن # نراه اليوم يحتضر # فمن يجزع فمعذور # ولكن قل من عذروا # فيا أفق التهب حزنا # وجد بالدمع يا مطر ~~••• # علام نلوم أعداء # على شر إذا قدروا # بلوناهم لدن شبوا # أننساهم إذا كبروا # نصحناهم فما انتصحوا # زجرناهم فما ازدجروا # لقد صلدت قلوبهم # كأن قلوبهم حجر ~~••• # إذا ائتمروا على كيد # فإنا سوف نأتمر # فمن نخشى وفوق العر # ش مهما يغترر بشر # وفي الأيام متسع # وفي الأقدار مدخر # وفي الأحداث معتبر # لو ان الناس تعتبر # وهذا التاج منعفر # غدا والقصر مندثر # رويدا إنها دول # تدول وبعدها أخر # يظل الحق منهزما # زمانا ثم ينتصر # سيوف الله إن سلت # فلا تبقي ولا تذر # | ما كابده أهل بيتي في فروق # جاءت والدتي وامرأتي لتزوراني في السجن على جاري عادتهما، وكانت المرأتان لا تأملان ~~أن يؤذن لهما في الوصول إلي. ولكنهما قالتا: نحتال في الأمر عسى أن نهتدي إلى حيلة ~~ننال بها طلبتنا. وإذا نفدت الحيل وسدت المسالك كلها فإن فيما نستخبر عن حال الرجل ~~وصحته لمقنعا لنا. وإنما وصلت السيدتان ساعة أرادت المتصرفية حملي إلى الباخرة، فخشي ~~رجال الشرطة أن يحدث من ذلك أمر يستلفت أنظار الناس، فرأوا إخراجي في غفوة من أهل ~~بيتي، فتقدم رئيس القوميسيرية إلى السيدتين قائلا: انتظرا المتصرف، ويوشك أن يحضر ~~الساعة. إني لأرجو أن يأذن لكما اليوم في زيارة رجلكما. ثم رأى الخادمة حاملة ولدي ~~البكر، فقال لها: لا تقفي في هذا المكان، إني أخاف أن يبكي الصبي فيسمع أبوه بكاءه ~~ويعتريه حزن شديد. فذهبت الخادمة مع السيدتين إلى مكان ينتظرن ms216 فيه قدوم المتصرف، وبقين ~~هنالك إلى أن أخرجوني من سجني وأركبوني العربة، وجاءت امرأة من قيمات السجن تخبر ~~والدتي وامرأتي أني لست هناك، وأن الشرطة نقلتني إلى باب الضبطية. فلا يسألن قارئ ~~كتابي عن حال النسوة الثلاثة حين فاجأهم هذا الخبر. وقفن واجمات حائرات لا يدرين ~~ماذا يصنعن. # وبينا هن على تلك الحال من الخبال إذا أحد الشرطة يتقدم نحوهن متخوفا حذرا، ~~فلما قارب مكانهن قال: أيتها السيدات، لا تضيعن وقتكن هدرا، بادرن إلى نظارة ~~الضبطية عسى أن تستطلعن خبرا أو تهتدين إلى طريق. ثم أبصر الشرطي رفاقا له قادمين ~~نحوه فاختلط بهم وانصرف عن السيدات. فلما يئسن من رحمة تتداركهن خرجن متوجهات إلى ~~الضبطية، وبقين هنالك إلى المغرب، ثم تكرم أحد ملوك الأرض فسألهن عما يلتمسن، فلما ~~أخبرنه ذهب عنهن وغاب ساعة ثم جاء يحمل دفترا، فقرأ لهن أسماء كثيرة وليس بينهن ~~اسمي، وقال: هو لا يأتي إلينا. وأبى أن يخبرهن بأكثر من ذلك، فلم يبق تدبير يحكم ~~ولا أمل يرتقب، ورجعت السيدات رجوع اليأس والحسرة. # ولقد يخلق الله نفوسا تحب الخير وتستطيب مكارم الأخلاق، وتعصف بها في هذه الحياة ~~عواصف حتى ترمي بها في مهاوي الشقاء، حيث تزدحم نفوس تعودت الشر، فتبلى بتلك الصحبة ~~الدنسة ثم تفسد جواهرها وينطفئ نورها. وهذه القرارات النارية هي بيوت الظلم التي ندعوها ~~منازل الشرطة ودور الحكومات المستبدة. ومن كتب عليه النحس في الأزل بمخالطة هاته ~~المواضع عرف كيف يكون الشقاء. # أقامت والدتي وامرأتي خمسة عشر يوما وهما لا تعرفان أين أنا. كلما ولجتا باب كبير ~~من الكبراء زعر منهما أهله وحاشيته. لم تجد المرأتان في عاصمة الملك ذا جاه من الرجال ~~يحبوهما نصحا أو يعينهما على صبر سوى وفاء من بعض أنصار الحرية أعلنوه بزياراتهم ~~ومشاركتهم لهما في أحزانهم. وكم من ذي رأي يومئذ بان الخطل في رأيه! قالوا: استعطفا ~~السلطان. وهل يستعطف الذئب على فريسته؟ قالوا: قبلا الأيادي والأقدام. وهل مثل أهلي ~~يشترون دمي بشرفي؟ لقد أغناهما الله بالصبر ووهبهما الحكمة، ms217 فامتثلتا أمره واستنجدتا ~~العبرات. وما أنا بعاتب على مقصر في نصرة ولا متحول عن ود. إن مواطن الهلكات لا ~~تثبت فيها كل القلوب. ولولا اقتضاء الوصف لما كان للقارئ نظر في هذه السطور السود. ~~أصف حال الجواسيس. بئست الخليقة تشاركنا في الحياة ولا تشاركنا في الاستشعار. أخذوا ~~بطرفي الطريق وترصدوا باب الدار، وتراءوا للزائرين في وجوه كأنها الحجارة، بردت فيها ~~حرارة الحياة، فلا تحمر ولا تصفر، بل تبقى غبرا كالحة لو ضربتها بصوانة لارتدت عنها ~~الصوانة. # وددت أن أصف بعض ما كابده أهل بيتي من الشدائد، ولكني لا أجرؤ على ذلك؛ هذا أسف أخاف ~~أن أستعيد ذكره. أقر بالجبن عنده وما جبنت عند خطر قبله. لقد باتت امرأتي وهي لا ~~تجسر أن ترضع بنتنا؛ تغير لبنها ومجته الرضيعة. فكانت لنا جارة من سيدات الأرمن ~~تأتي ليلا فترضع الشقية بنت الشقي خلسة ثم تعود. وكانت الباعة تجانب البيت حذرا. ~~ولم يبق محب على عهوده سوى من ذكرت في الفصول المتقدمة وسوى الصديق الشهم حسن فؤاد ~~باشا، الجندي الحر الباسل، ناظر الدروس في المدرسة الحربية العثمانية، وكذلك أهل بيته. ~~غير أنه لم يلبث أن أصابه بعد ذلك ما أصابني، فنفي إلى رودس وظل بها إلى أن أعلن ~~الدستور. # ولما أنفذت رسالتي البرقية إلى أهل بيتي اطمأنت قلوبهم وعاودتهم عقولهم، فأخذوا ~~أهبتهم وبادروا نحوي مسرعين. وكان بكير باشا لم يبرح سيواس، فأذن لي في استقبالهم ~~وأصحبني بجندي ليكون في خدمتي. فلما رأيت والدتي وامرأتي أنكرتهما لما بدا عليهما من ~~التغير والشحوب. ثم رجعت معهما وبين يدي ابني وبنتي أخفف بهما آلام الغربة. وكان ~~هذا اللقاء معوانا لي على احتمال النفي سبعة أعوام، ولولا ذلك لم أستطع ~~تجلدا. # | قدوم رشيد عاكف واليا على سيواس # الوزير الحر والفاضل الجليل رشيد عاكف باشا والي سيواس ثم ناظر ~~الداخلية سابقا وأحد أعضاء مجلس الأعيان الآن. # لما التقيت بأهلي واستصحبتهم إلى سيواس أدللت على منزل للسكن ~~فنزلناه. بئس منزل الساكن ذاك. غرفتان في الطبقة العليا وغرفة في الطبقة ms218 السفلى. وفي ~~جوف ذلك البناء ظلام وهواء كله بلل، كالكهف بل أحسن منه الكهف، فما ولجنا الدار إلا ~~انقبضت صدورنا. غير أننا وطنا النفوس على الصبر وقلنا: ما نحن بخالدين فيها، وعزمنا ~~على أن نبدل عنها بخير منها حين تستقيم الحال ونعلم مصيرنا، فأمسينا وآن لنا أن نأوي ~~إلى المضاجع، فوقفت إلى جانب كوة تطل على الطريق وقد خلت من كل عابر، فاستشعرت وجعا في ~~أسناني بدأ خفيفا ثم اشتد حتى كدت أجن به جنونا. قلت: وهذا هم جديد، كأن ما ~~كابدناه لم يكن كافيا فزادنا المرض لتتم المصائب، فأخذت قليلا من الكونياك وجعلت ~~أتمضمض به تسكينا لوجعي فما زادنا إلا شرا، وبقيت ليلتي تلك واقفا أو ماشيا أو ~~قاعدا أو مضطجعا إلى أن أصبحت، فبادرت إلى أجزاخانة تحت المنزل أسأل صاحبها دواء ~~يسكن وجعي، فأخذ يجرب عقاقيره في غير طائل، فلما تجاوزت الشدة ذرع الصبر طلبت إليه أن ~~يعطيني مقدارا من المورفين وحقنة أحقنه بها تحت اللثة، فامتنع أولا ثم أجابني ~~راضيا، فحقنت الدواء وسكن الجوع واستلقيت سكران لا أحسن الكلام. # هذه سكرة ما تجشمت لها سرى ولا طرقت من أجلها حانة ولا أجلت في طلابها كأسا، أتت ~~عفوا حين اشتدت الحاجة إليها، وإنها لسكرة مات بحسرتها شيخ المعرة إذ قال: # تمنيت أن الخمر حلت لنشوة # تجهلني كيف اطمأنت بي الحال # فأذهل أني بالعراق على شفا # رزيء الأماني لا أنيس ولا مال # اضطجعت في ناحية من الغرفة وأقمت أستسمع شكوى من قعدوا حولي. ~~السيدتان في نحيب والطفلان في بكاء، ولدينا زنجية كان تشبثت بالسيدتين ألا تدعاها، ~~وهي امرأة مثل زجاجة الحبر، أخذت تتعهدني بالقهوة، وإني لساكت ساكن. تقع تلك الأصوات ~~على أذني وكأنها تأتيني من جوف بئر، أسمعها ولا أفهمها، وكنت أود ألا أفهمها، ~~فتأمل صحبي في وجهي فرأوا في الخد الأيسر ورما يتزايد على توالي الساعات، وما دنا ~~المساء إلا وأنا ذو وجهين. أشهد الله ما كنت كذلك فيما سلف من عمري. فلما تكامل ~~الليل خف فعل المورفين ms219 واعتادني الوجع، فبادرته بحقنة أزالته وأنامتني. وبقيت كذلك ~~أياما أحمل على أيسر وجهي وجها ثانيا هو أكبر من الأصلي، حتى إذا كنا في بعض ~~الأيام سمعنا أصوات الموسيقات وضجات العربات وضوضاء السوقة. فأطللنا من الكوى وإذا جموع ~~تتلوها جموع يؤمون دار الحكومة، ودار الحكومة قريبة من كهفنا، نراها كل يوم ونتبين ~~داخلها وخارجها، فأنفذت آغوب الذي يخدمني في الخان وكنت استخدمته عندي، فذهب ثم جاء ~~يخبرنا أن الوالي الجديد قد حضر وأن الفرمان السلطاني قرئ وأن الوالي خطب الناس خطبة ~~وعد فيها بالمساواة والعدل وأن الناس مستبشرون به. قلت: أهلا به إن كان عادلا وأبعد ~~به إن كان ظالما، فكان وصول رشيد عاكف باشا الوالي الجديد إلى سيواس بعد وصولي بشهرين ~~على ما أذكره. # فمكث هذا الأمير أياما لا نسمع عنه بشيء جديد، وكنا نراه في بعض الأحايين يمر ~~بباب دارنا ومعه أركان الولاية وخواصها، فأعجبنا ظاهر هيئته؛ فقد دلت على أدب غض ~~ونفس أبية. أما ما انطوت عليه طويته فتلك ما لا تكشفه الظنون ولا تصدق فيه ~~النظرات. # وإني لعلى ما وصفت من السقم والسأم وإذا رسول من أرستيدي باشا معاون الوالي يتعجل ~~مصيري إليه، فاعتذرت بما أنا فيه من المرض والوهن، فقال: هو يعلم كل ما ذكرت، ولا بد ~~من ذهابك معي ولو كلفك ذلك عناء ومجهودا. فلبست ثيابي وانطلقت مع الرجل حتى دخلت ~~على المعاون، فلما رآني بسم إلي وأحسن لقائي، ثم أخبرني أن الوالي حدث بحديثي، ~~فساءه أن لم يرني وتمنى أن لو عرفني. وقال لي: ادخل الآن عليه، وارجع إلي إذا خرجت من ~~عنده. فاستأذن لي الحجاب، فجاء الإذن فدخلت، فتلقاني الرجل بصدر رحب وأنس قريب ~~وود محض لا يشوبه رياء، وأجلسني قريبا منه، ثم أقبل علي يحادثني فقال: عز علي ~~يا فلان أن أراك في حال تسوءك. وقد أتاني عليك ثناء طيب ممن عرفوك هنا على قرب ~~عهدك بهم، وبلغت أنك من بيت يكن، فنعم الحسب، أنا لا أعرف من بيتك أحدا ولكنني ~~أجله ms220 وأحبه على الغيب. فهل لك أن تخبرني عما دعا القوم إلى نفيك؟ ~~- هذا يا سيدي سر غامض لا علم لي به، بلاء دهمني ولم أكن له متوقعا. ~~- كلامك لا ينقع غلة المستخبر، لا تسئ بي الظن إن كنت لا تستطيع أن تحسنه، وما ~~سألتك إلا لأنظر في أمرك، عسى أن أجد سبيلا إلى خلاصك وإرجاعك إلى ما كنت فيه. ~~- ما كتمت سيدي شيئا مما علمت، لقد دهاني خطب عرفت ورده ولم أعرف صدره. ~~- إذن، فالصبر بك أولى. وإذا أنست في جانبي ثقة واطمأنت إلي نفسك فاطلبني تجدني ~~عند أملك. وإني لموصيك وصاة أرجو ألا تغفل عنها، إياك والخوض في السياسة عند قوم ~~لا تعلم حقيقتهم. إن في البلدة جواسيس رزقهم من هفوات المظلومين. لا أدري من هم أولئك ~~السفلة، ولكنني سأحتال في معرفتهم وسأتدبر في إبعادهم من هذه الأرض. واعلم أنك إذا وشى ~~بك أي واش أثمرت وشايته، وما بعد النفي إلا السجن وإلا الأغلال وإلا الموت، فاحذر أن ~~تفجع بك محبيك وأن تروع قلوب أهلك بمصرعك. # فشكرت الأمير على هذا الكلام الذي ما أملت أن أسمعه من أحد في مثل ذلك العهد، ~~واستأذنت في الانصراف، فأذن لي، وحين ودعته بسم في وجهي وقال: بلغني أن السيدة ~~الوالدة معك، فقبل عني يدها ولترضني ولدا لها. فأعدت الشكر وخرجت من عنده متوجها ~~إلى غرفة معاون الوالي، فأجلسني وسألني عما جرى بين الوالي وبيني من الحديث، فأخبرته، ~~فسر حتى بدا السرور على وجهه وقال لي: إذا صدقت الفراسة فقد رزقنا خير وال. وكيف بك ~~لو رأيت أعماله في الحكومة؟ أما لقد ملأ القلوب والعيون. أمس استدعى بعض المعممين من ~~الموظفين فلما مثلوا بين يديه خاطبهم وكأنه خطبهم فقال: دار الحكومة ليست تكية ولا ~~مسجدا، فما هذه العمائم التي على رءوسكم؟ لا أنتم كالمشايخ ولا أنتم مثلنا، أثياب ~~أوروبية تعلوها عمائم! هذا ما لا يكون. إما أن تستبدلوا العمائم بالطرابيش وإما أن ~~تستقيلوا. إني لا طاقة لي بمصاحبة أناس من الساقطين بين الجديد ms221 والقديم. غدا أستدعيكم، ~~وأرجو ألا أرى فيكم من يكرهني على أن أقسو عليه. # قال أرستيدي باشا: فانصرف القوم وما جاءوا دار الحكومة غدا إلا وعلى رءوسهم ~~الطرابيش، ثم ضرب الوالي ميعادا لحضور الموظفين وتوعد كل من يتأخر منهم عن ذلك ~~الميعاد بالعزل، فما رأينا بعد ذلك موظفا يأتي متأخرا. # قلت: يا سيدي هذا شيء تنشرح له الصدور، فعسى أن تدوم هذه الحال وألا يتغير لنا ~~الرجل؛ فقد رأيت الناس يسرع إليهم التغير، فيصبح العادل ظالما وينقلب المحسن ~~مسيئا. ~~- ليس في الوجود محال. على أن طباع الرجل ثابتة ظاهر ثباتها، وكل أقواله وأعماله ~~تدل على نفس حرة وشمم موروث. وما زلنا في مثل حديثنا حتى آن أوان الانصراف من ~~الحكومة، فودعت المعاون وخرجت معاودا بيتي، فدخلته وقد هاجت علي أوجاعي وعاودني ~~قلقي، فعمدت إلى عدتي التي أسطو بها وهي حقنة المورفين، فشككت موضع الألم فسكن وسكنت ~~وعاودني ما كنت فيه من الاستغراق. تلك حياة جديدة استفتحت بابها في سيواس، ولكنها لم ~~تطل كثيرا؛ فقد اتصل خبري بالوالي وأرسل إلى الأجزاخانات ينهاها أن تبيعني المورفين، ~~وكان ما عندي منه قد نفد فامتنعت أن تبيعني شيئا منه ولم يغن عني رجاء ولا إغراء ~~بمال، فلما عاودت المنزل عمدت إلى سلك من الصلب لففته على إحدى ثناياي وما زلت أجذبها ~~حتى اقتلعتها من أصلها واقتلعت معها قطعة من عظم الفك الأعلى. وقضيت ليالي ما أحسبها ~~مرت على غيري، ثم عملت عملية جراحية، فلم تنجح بل ضاعفت آلامي وزادتني وجدا على ~~وجد. # كنت دعوت طبيب الأسنان وسألته أن يتولى تلك العملية، فأخرج من جيبه سكينة مطواة ~~غطاها الصدأ حتى لا يتبين الناظر نصلها، فتناولتها بيدي وشممتها فإذا بها رائحة ~~الخيار، فنظرت في وجه الرجل وقلت: ألم تختر موضعا تصنع فيه السلطة إلا بين فكي؟ ~~فمسحها الرجل على سرواله وقال: هي نظيفة. ~~- لا والله، لن أدعك تمس فمي أو تدعني أطهر هذه السكين. ~~- شأنك وما تريد. # فاستحضرت قليلا من الكحول أضرمت جانبا منه أحرقت به النصل ms222 ثم غسلته بما بقي، وأمرت ~~الرجل أن يغسل يديه أمامي ففعل، ثم أسلمته فكي وجلست بين يديه، فأسند رأسي على ركبتيه ~~وخط على اللثة العليا بسكينه خطا استشعرت به وهي تحفر في عظامي، فوثبت واقفا دامي ~~الثغر لا تحملني قدماي، وأشرت إلى الطبيب قائلا: قم عني، لا عدت لي بعدها. فخرج من ~~عندي الرجل متعثرا. ورأيت بعد ذلك أن أنتقل من الدار التي كانت مأوى أحزاني، فاكتريت ~~بيتا رحبا خالص الهواء حسن المنظر وتحولت مع أهلي إليه. وهنالك جاءني ترجمان الولاية ~~من قبل الوالي يخبرني بأن قد جعل مرتبي خمسة عشر جنيها عثمانيا في الشهر. قلت: لا ~~ضير، سنصبر كرها إذا لم نصبر طوعا. # وقد رأى الترجمان أن يجعل هذه الزورة فاتحة للتجسس، فأخذ يقص علي أنه كان جاسوسا ~~وهو تلميذ بالمدرسة، وأنه تجسس مرارا على عبد الرحمن بك مدير المدرسة السلطانية ~~الكائنة في بيرا، وأن الرجل أحس منه ذلك فطرده، وأنه رفع أمر المدير إلى السلطان ~~مستشفعا بعزت باشا العابد، فصدرت الإرادة بقبوله في المدرسة حتى أكره المدير على ~~ذلك إكراها. # فقلت للرجل وقد فهمت ما يريد: وما يعنيني يا أخي من حديثك هذا؟ إني امرؤ لا أحب ~~الجواسيس ولا أجد لذة في استماع أخبارهم. ~~- أنا لست من الجواسيس الذين يتسلطون على الناس فيؤذونهم من غير داعية إلى ذلك، ثم ~~إني لا أسترق أحاديث أصحابي ولا أخفي عنهم شيئا من أمر تجسسي، ولكنني أوذي من يبادئني ~~بالشر. هذا أمضى سلاح يحمله العاقل. ~~- يا سيدي، ما بينك وبيني سابقة وداد ولا دالة؟ ما لي أنا ومهنتك وعادتك وسلاحك؟ أنا ~~رجل منفي مبغض إلى السلطان وإلى كل مخلص له، دعني وما أنا فيه والتمس لك غيري. فرحل ~~عني الخبيث حاقدا وأضمر لي الانتقام. وبينا أنا في داري ذات يوم وإذا رسول من الوالي ~~يستقدمني إليه، فأجبت مسرعا وأدخلت عليه ساعة وصولي، فتلقاني بوجه لم آنس إليه ~~واستدناني منه وأمر ألا يدخل علينا ثالث، ثم التفت إلي فقال: ألم أقل لك يا ms223 فلان إن ~~في البلدة جواسيس وإن رزقهم موصول بقطع أرزاق الناس؟ ~~- بلى، قال سيدي ذلك. ~~- إذن، فما حملك على أن تجلس إلى برويستاكي تحادثه وتقول له: إن لديك جرائد مصرية ~~تريد أن توزعها على الأحرار الذين بسيواس؟ ~~- لم أقل شيئا من ذلك. ~~- أنا أعلم أنك لم تقل؛ لأن المراقبة على البريد شديدة، ولا تستطيع أن تستجلب عددا ~~من جريدة مصرية إلا ويقع في أيدي المراقبين، ثم أعرف أنك معتزل مطالعة الجرائد وأنك ~~رضيت لنفسك العزلة عن الناس دفعا لشرهم واتقاء لمفترياتهم، فسرني ما عرفت من ~~حالك، ولكن ترجمان الولاية كذب عليك هذه الكذبة وقد صادفت أذنا مصدقة، فكتب إلي ~~بعض المقربين يسألنا عنك ويستخبرني عما زعمه الزاعم. وإني سأدفع عنك كل ريب. غير أني لا ~~أضمن لك النجاة كلما وقعت وقعة، فاحذر بني ولا تقبل زيارة أحد من هؤلاء. # فأثنيت على مروءة هذا الأمير بما استطاع لساني وخرجت من عنده وكل روحي معجبة به، وما ~~بلغت المنزل إلا وفي يد والدتي خطاب تقرؤه، وإلى جانبه آخر أشارت بيدها أن خذه إنه ~~لك. فالتقطت الكتاب وإذا هو من عند شقيقي يوسف حمدي يكن، فأخذت في قراءته فما راعني إلا ~~خطوط سود مدت على سطوره فأخفت كلماتها، فحاولت حل تلك الرموز التي نسجت عليها دار ~~البريد نسجها الأسود، فما استطعت مضيا، فعن لي أن أضع الكتاب على لوح من الزجاج من ~~ألواح الكوى ففعلت. غير أني لم أستخرج إلا كلمات كقوله: بعض الباشاوات، وعصابات ~~مكدونيا، وانهزمت العساكر. فعلمت أن شقيقي أراد إخباري بوقائع جرت في الروملي وأن ~~مراقبة البريد استطلعت ذلك فمحته، فأسفت على ما فاتني من العلم بتلك الوقائع ولكنني ~~كتمت تأسفي وأرسلت كتابا ألوم فيه شقيقي على تعرضه لأمور لا حاجة لي بها. # | كلمة في الأناضولي # ما اتخذت حوادث الأيام مستقرا لها مثل الأناضولي. عصفت عليها رياح الشدائد، وفيها ~~انتهت إلى السكون. من عهد رمسيس أو قبله، اشتدت فيها همم الفاتحين وتراخت. ما برحتها ~~خيول الفراعنة إلا أقبلت عليها جياد ms224 اليونان، ثم تعاقبتها الدول مثل الأرمن والرومان ~~ومن بعدهم إلى أن قادت إليها المقادير بناة الملك العثماني، فانتشروا في أرجائها ولا ~~يزال ملكهم بها قائما. # أرض ذات جبال وأفلاء وكهوف وأحقاف وبحار وأنهار وعيون متفجرات، مترامية الأطراف، لا ~~يبلغ ذرعها ولا يسبر غورها، إحدى حدائق آسيا، تفرد بالغرابة أنسيها ووحشيها، ~~منبت الغالبين والمغلوبين، مرتقى الحضارة ومهوى البداوة، تجاورت فيها شعوب مختلفات ~~عادات وألسنا، فلا كر الزمان ألف بينها ولا طول العشرة استحدث فيها توادا، ~~بل قطعت العصور متغايرة متنافرة حتى بات كل شعب وكأنه عدو لجاره. # لم يفتحوا كنوز الأرض فيستخرجوا دفائنها ولم يستثمروها بحرث ولا بسقي فيؤتوا ~~أرزاقهم منها. غفلوا عما يجب وانطلقوا يأكل بعضهم بعضا أكلا. # وقد كان من حق فاتحيها أن يعلموا أهلها لسانهم وأن يدخلوهم فيما دخلوا فيه، فلا ~~يأتي زماننا إلا وقد استقر كل في قراره، وأصبحنا بعد ذلك وليس بيننا تنابذ بالدين ولا ~~بالأصل. غير أن الأمر لم يكن كذلك، وليتهم إذ لم يدخلوا الإيلاف بين تلك القبائل على ~~ما ذكرت ألفوهم بتعليمهم أو بوصل الأنساب بينهم، فكانت أواصر القربى أشد من الدين ~~واللسان جذابا، ولكنهم ما فطنوا لهذا الرأي، ولو فطنوا له لقام في وجوههم جفاة ~~المتورعين قومة رجل واحد. # فأما وقد سها الماضون عن هذه الدقائق فكان على أعقابهم أن ينظروا فيها ويحكموا ~~السياسة من وجهة أخرى، ولا أرى تدبيرا يفيد بلادنا مثل عدم المركزية. هذا رأي يفزع ~~أكثر الساسة عند سماعه، ولو أطالوا فيه النظر لبدت لهم محاسنه في أحسن الصور. # سبعمائة عام مضت والأناضولي في ذمة العثمانيين، كل دولة قامت ثم وقعت تركت فيها ~~أثرا، والدولة العثمانية وهي لا تزال قائمة لا أثر لها في بلادها، وما ذاك إلا لأن ~~العز بالسيف عز لا بقاء له، ولأن النجدة لا تسد خلة تحتاج الحكمة، والأسلاب والغنائم ~~كسب المعتدي أو كسب الناهب؛ فهي أقل بقاء من الظل، وإنما يغتبط بها من اتخذ ساعده ~~مشاوره ولم يرض صاحبا إلا قائم السيف، وأشهد اليوم ms225 أني من أمة فاتحة ذات بأس ونجدة ~~وليست بذات رأي وسياسة. # لقد بلغت الدولة العثمانية في أيام سليمان القانوني أقصى غايات المجد والسؤدد، ولكنه ~~لم يستكف له طماح، ما وقعت نظرته على بلد في الخريطة إلا واشتهتها نفسه. ما حمله على ~~أن يعبئ تلك الفيالق ويسير على أوروبا. قد كان له سيف ماض وكان من حق ذلك السيف ~~عليه أن لا يصدأ في غمده، وكانت له كتائب تموج بصناديد الرجال وكان من حقهم عليه ألا ~~يتعودوا لين المضاجع، فجعل تاجه علمهم وسار بهم يطأ الخدود ويتخطى الرءوس من معقل إلى ~~معقل ومن ساحة قتال إلى ميدان ظفر، يلعب بالتيجان ويستريح في قصور الملوك حتى انثنى وفي ~~كل شعرة من شعرات جسمه قطرة من دم. # فما ضر هذا السلطان الفاتح لو أجهد هماته في إعمار بلاده ورفع المباني في مواضع ~~الأعشاش والخيام، واستنزل أهل الغارات من أعالي جبالهم واستدرج بهم في الحضارة حتى تزول ~~عنهم جاهليتهم ويأنسوا إلى الناس ويستلذوا أطايب الحياة. # هذا مرام يصعب مناله على من تراخت عزائمه. أما أولئك الفاتحون ووراءهم أبطال نجدتهم ~~والعيون ملأى منهم والصدور منطوية على هيبتهم، فلا يعجزهم طلاب ذلك. ولسنا نلومهم على ~~ما قصروا فيه عن البلوغ مبلغ المتمدينين في أيامنا، وإنما نلومهم على أن لم يتأهبوا ~~في زمانهم كمن تأهب من ملوك الغرب، ونذم من كانوا لهم مشاورين وعندهم مقربين من ~~رجال لم يحدثوهم إلا بأحاديث الجنة والنار والحور والولدان، ولم يشيروا عليهم إلا ~~بالجهاد وسبي النساء وجمع الأسلاب، ولم يطربوهم إلا بسير المتقدمين من جبابرة الفرس ~~والعرب والهند واليونان. هزوا المعاطف في كبريائها وعتوها بالمدح الكاذب، وأعانوا ~~على المبالغة في البذخ وعلى الإفراط في التجبر، فظنت الملوك أن الرعية عبدان لهم، وأن ~~أرواح الناس إليهم مرجعها، وأنهم أولى بالعباد منهم بأموالهم وأعراضهم. # وإن من البلية أن تنشأ الذراري على حب الفتك والانتقام. فإذا كانت هدنة أو تمادي سلم ~~بدلوا من صهوات الجياد فرش النوم ومن بيض السيوف مترعة الأكؤس، ومن مجالدة ms226 الأبطال ~~مغازلة القيان. وأن تصبح الأمة كلها على ثقة من حوادث الأيام، فتزعم أن لن تبدل حالها ~~وأن لن يخلق الله غالبا لها، وأن تؤلف بين الكأس والدين ولا تؤلف بين العقل ~~والدين. # ولاية آيدين: هي إحدى ولايات الأناضولي، تستخرج في العام الواحد أكثر من الثلاثة ~~ملايين كيلوغرام من القطن. يباع ربعه في البلاد ويرسل باقيه إلى أوروبا، وأكثر من ~~المليون قنطار من العنب الذي لا بذر له والعنب المعروف بالرزاقي والعنب الأسود، ويصنع ~~من الكل الزبيب، ينتفع أهل البلاد بالقليل منه ويحمل جله بعد ذلك إلى أوروبا. ويجني ~~أهل آيدين من التين أكثر من الأربعة ملايين كيلوغرام ومن الزيتون الذي أهمل شجره ولم ~~يلقح ما يربي ثمنه على الثلاثمائة ألف جنيه. هذا والزراعة في تلك البلاد لم يدخلها ~~شيء من مستحدثات الفنون العصرية، ولصوص «الزيبك» تقطع الطرق وتشن الإغارات على القرى، ~~والحكومة لا تحرك ساكنا والمتغلبون يسلبون كل ما وقعت عليه أنظارهم. # وكم بالأناضولي من بلاد كنوزها مقفلة ومفاتيحها بيد الحكومة، لا هي تفتحها ولا تأذن ~~للأمة بفتحها. هذه أركلي يستخرج منها الفحم الحجري ألوفا من القناطير، وفي طرابزون ~~وأرضروم معادن من الفحم والكهرباء الأسود (الكهرمان) لم تعمل فيها يد عامل، وفي ~~كموشخانة وطرابزون وتوقاد من معادن الفضة والرصاص والحديد والنحاس ما لا يحصيه عد، لا ~~تنتفع الدولة ولا أبناؤها إلا بالقليل منها. وفي ولايتي قونية وأنقرة مقادير من الملح ~~الصخري، وفي شواطئ البحر ملاحات جمة لولا مصلحة «الديون العمومية» لاندثرت معالمها ~~وخفيت آثارها. # كان المسافر من منذ عشرين سنة سلفت يخرج في القافلة من قيصرية إلى صامسون، فيقطع في ~~سفره أكثر من الستمائة كيلومتر وهو في كل أوقاته مطأطئ الرأس من كثرة الأغصان. كل تلك ~~الأرض كانت حراجا أنهارها دافقة وظلالها وارفة ووحوشها سارحة وأطيارها متجاوبة. وقد ~~أتيح لي أن أقطع نصف تلك المسافة يوم نفيت، فما ألفيت بين صامسون وسيواس خمسين شجرة ~~في مكان واحد، خلا ما يعترض المسافر من مدخل توقاد وآماسيا وعلى «جاملي بل». أصابت ms227 ~~المعاول تلك الجذوع فأمالتها وكان منها وقود للناس وكان منها سقائف لهم. ولم يفكر في ~~غرس عود مكان شجرة اقتلعها. ولن يلبث سكان الكثير من الولايات الباردة مثل سيواس ~~وغيرها أن يفنوا بقر الشتاء فلا يجدون وقودا يحفظون بناره حر الحياة في ~~أجسادهم. # يعز على الحر أن تبيت هذه الأقطار الشاسعة على ما فصلت من الحال، وأن يظل أهلها ~~وهم أكثر من الثمانية مليون وليس بينهم ما يزيد على المائتي ألف نفس ممن يعرفون القراءة ~~والكتابة. وتلك معرفة لا تكشف عن البصر غطاء ولا تبعث في القلب نورا. حفظ الناس ~~أمثالا كقولهم: «القناعة كنز لا يفنى» و«سفينة التوكل لا تغرق»، وقام بينهم رجال ~~يقولون لهم إن الدنيا دار غرور ومستودع باطل ولا عيش إلا عيش الآخرة، وحببوا إليهم ~~التواكل والخمول وبغضوا إليهم محاسن التمدين، فقالوا: هذه من أعمال الكافرين وهم ~~أصحاب الدنيا ولا ينبغي لنا أن نتشبه بهم ولا أن نزاحمهم فيها، وإنهم لحاسدونا غدا ~~في الجنة إذ نأوي إلى نعيمها الخالد ويلقون هم في النار لعذاب خالد. وبذا فترت الهمم ~~وصغرت النفوس وقلت الآمال، فترى جماعات من الناس جالسين إلى أصل جدار أو مستظلين ~~بظل شجرة يتثاءبون، حديثهم كله لغو وهذر، وأنسهم ذكر الغانيات وقصص الغرام، وكل رجل ~~منهم يحمل مسدسا أو خنجرا وليس في بيت أحد منهم كتاب يستفيد منه. # على أن أهل الأناضولي شداد شجعان، أهل ذكاء، يحبون الكرم، وللأضياف عندهم منزلة ~~السادة، والغريب في أرضهم محمي الجانب مشفع لا يشتكي وحدة ولا يعاني هما. وإن ~~خيرهم طباعا وأكثرهم دعة وأجدهم عملا لمن أهل القرى. أولئك يبخلون بالخبز على ~~أنفسهم ويضنون بالوثير من الفرش والغطاء على أبنائهم ويدخرون ذلك كله لضيف طارق، ~~لا يقبلون منه أجرا ولا يسألونه شكرا ولا أحدوثة عند الناس وإنما يصنعون ذلك كرما لا ~~تكرما. # كأن نوب الدهر التي تناوبتهم منذ العصور أبقت فيهم بقية رمق حتى جاء عبد الحميد ~~يستنفد تلك البقية. سل عليهم سيف البغي واستحل منهم كل ما حرمه شرع، ms228 ولم يسمع ~~منهم شكاية ولا أنس ضجرة، بل علت من جوانب عرشه أصواتهم بالدعاء وكان منهم الجازرون ~~وكانت منهم الأضاحي. # كانت الحكومة تنفذ الفارس الواحد من فرسان الجاندرمة ليجبي لها المال من القرى فلا ~~ينزل إلا على أبسطهم يدا وأحسنهم حياة، رجل لا يملك إلا بقرة أو بقرتين وليس له من ~~الأرض إلا فدان أو فدانان، فيقول له: أشبع فرسي علفا، واطبخ دجاجات آكل منها ما ~~يشبعني وأتزود منها لسفري، واسقني الخمر حتى أسكر، وابغني مغنيا أو مغنية وانظر ~~هل عندك من المال فضلة فآخذ منها حاجتي، ثم يصبح فيطالب الرجل وأهل القرية بمال ~~الحكومة، فما يدفع له أحدهم إلا استزاده وما يمتنع عليه أحد لخلة تكون أصابته إلا ~~ويطرحه أرضا ويرفع السوط ويضعه من كاهله إلى قدمه، ثم يأخذ فرشه وما ملكت يداه فيبيعه ~~ويخرج من القرية خروج الملك الغالب من المعركة. ولولا اعتقاد في أولئك المساكين بأن ~~عاصي السلطان ملعون من الله والملائكة وأنهم مأمورون بالطاعة له وإن جار؛ لكفت نفخة ~~واحدة من أفواههم يستطيرون بها ذلك الفارس وفرسه، ولولا هذا الجهل المخيم على عقول ~~الأمة ما دام الحكم الحميدي ثلاثة وثلاثين عاما. # لا تزال بلاد الأناضولي إلى يومنا هذا على باهليتها، لم يتغير فيها شيء، وكلما سنحت ~~فرصة وشاءت الحكومة أن تستفيدها بمد خطوط الحديد أو منح امتياز ينمي ثراء البلاد لعبت ~~الجارات المجاورة لعبها، وحالت دون النجح، كما ظلت جارتنا العظيمة تعترض الحكومة في ~~الخط الحديدي بين صامسون وسيواس. كل دولة تدعي لنفسها حقا قبلنا، ونحن لا نعترف ~~بحق لواحدة منها، وربما جاء يوم تقبل فيه الجموع المتغلبة علينا تطأ مقابر الآباء ~~والأجداد وتتخذ منا عبيدا وإماء، فتقول لنا يومئذ: أنتم لا تصلحون لأن تسوسوا بل ~~تصلحون لأن تساسوا. هذه مكاتب أدخلوا فيها أبناءكم طوعا وإلا أدخلناهم كرها، وهاكم ~~آلات الحرث والزرع فاعملوا طائعين قبل أن تعملوا مكرهين. تلك نعم يتصدقون بها علينا ~~بعد أن ينالوا أعز شيء لدينا وهو الاستقلال. لا أحيانا الله إلى مثل ms229 تلك الأيام. # أرض تتكنفها القوقاس، وبلاد التركستان والعجم وخليجهم والبحار التي تجري فيها سفائن ~~التجارة والاستعمار وترى منها أوروبا معقلا في شرقها يكاد ينيف على غربها، ويظل ~~الحاكم والمحكوم مستغرقين في نوم لا تعقبه انتباهة ثم يدعوننا بسلام! هذا ما لا يكون ~~أبدا. # | جغرافية ولاية سيواس # سيواس هي إحدى الولايات الجسام التي اختطفت في الأناضولي، ينتهي شمالها إلى طرابزون ، ~~وشرقها إلى أرضروم، وجنوبها الشرقي إلى معمورة العزيز، وجنوبها إلى حلب وأدنة، وغربها ~~إلى أنقرة، وغربها الشمالي إلى قسطموني؛ فهي بين الدرجة الثامنة والثلاثين والدقيقة ~~العاشرة وبين الدرجة الحادية والأربعين والدقيقة العشرين من العرض الشمالي، وشكلها شكل ~~مثلث غير مستقيم الخطوط، وتبلغ مساحتها 83700 كيلومتر مربع، وعدد سكانها على ما جاء في ~~إحصاء سنة 1325 هجرية هو كما يأتي: # 968786 # مسلمون ومنهم الأكراد والمستوطنون من مهاجري القوقاس # 141643 # أرمن # 64501 # أروام # 3278 # كاثوليك وأكثرهم من الأرمن # 4336 # بروتستانت وأكثرهم من الأرمن # 229 # يهود # 2173 # أقباط # 1185016 # المجموع ستة عشر وخمسة وثمانون ومائة ألف ومليون # فإذا قسم هذا المجموع على مساحة الولاية أصاب كل كيلومتر ثلاثة عشر نفسا، وعدد ~~الذكور 618345 وعدد الإناث 566671. وإني لأتعجب أن يكون عدد الذكور أكثر من عدد الإناث ~~في بلاد مثل بلادنا دائمة الفتن وشديدة الكلف بالتجنيد، وما ذاك إلا من حسن الطالع دام ~~للأمة ابتسامه. # جبال الولاية # أعظم جبال سيواس سلسلتان، إحداهما تبتدئ من أدنة ممتدة من الجنوب الغربي إلى ~~الشمال الشرقي، فتقطع سيواس من جنوبها الشرقي حتى تنتهي إلى جبال أرضروم، وكان ~~القدماء يسمونها «أنتي طاورس» والأخرى تبتدئ من جبال أرضروم ممتدة غربا بين ~~طرابزون وسيواس، وتسمى «بونت». وأعلى شامخات السلسلة الأولى هو جبل «قرة بل»، ~~فعلو ذروته 3276 مترا. أما سائر الذرى فعلوها بين الألفين وبين الألفين ~~والخمسمائة من الأمتار، وأشهر جبال السلسلة الثانية هو جبل «جاملي بل»، وعلو ذروته ~~2500 متر، وقد سبق ذكره في سياق الكلام على رحلتي إلى سيواس. # أنهار الولاية # في ولاية سيواس نهران هما أعظم أنهارها؛ اسم الأول «قيزيل ms230 إيرماق» ومعناه النهر ~~الأحمر، واسم الثاني «يشيل إيرماق» ومعناه النهر الأخضر. أما «قيزيل إيرماق» فينبع ~~في جبل «قيزيل طاغ» الكائن بقضاء «قوجكيري»، فيجري في جنوب الولاية متجها إلى ~~الغرب الجنوبي منها حتى يدخل ولاية أنقرة، ثم يتدفق إلى الغرب في مجرى كالقوس ~~الكبير فيطوف حدود ولاية قونية وحدود ولاية قسطموني، ثم يعود إلى الشمال الغربي ~~لسيواس فيأخذ مجراه بينها وبين قسطموني وطرابزون، ثم يدخل ولاية طرابزون ويظل بها ~~باقي مجراه إلى أن يختلط بالبحر. وطول «قيزيل إيرماق» ألف كيلومتر، أكثر من نصفها ~~يجري بسيواس. وأما «يشيل إيرماق» فحاصل من تلاقي نهيرين، أحدهما نهير «طوزانلي» ~~ينبع في شمال جبل «كوسة» وطوله 230 كيلومترا، وثانيهما نهير «جيقريق» ينبع في ~~«جاملي بل» وطوله 220 كيلومترا، وإنما يتلاقى النهيران بعد أن يجتازا «قاز أووه»، ~~فيمر «يشيل إيرماق» بمدينة آماسية فيتلاقى بالنهير المسمى «ترس آقان» ثم يقطع ~~«طاش أووه» فيلحق به نهير «كلكيت» فيتدفق حتى ينتهي إلى البحر الأسود مجتازا ~~بولاية طرابزون. # وقد شاءت الحكومة الحميدية أن تطهر «قيزيل إيرماق» وتسير فيه السفن تسهيلا ~~للتجارة، ولكنها استكثرت النفقات فرجعت إلى العجز وسكتت. # الهواء والصحة في الولاية # الأرض في ولاية سيواس كثيرة اختلاف المواضع صعودا وصبوبا وماء وشكلا وحالا. ~~وهذه الاختلافات تستحدث الاختلافات في الصحة، إذ لا يصح أن يكون إقليم مدينة سيواس ~~وهي تعلو عن سطح البحر ثلاثمائة وألف متر مثل إقليم آماسيا، وهي لا تعلو عن سطح ~~البحر إلا أربعمائة متر، وبعد فالولاية كلها جيدة الهواء خلا مواضع قليلة فيها، ~~وتلك المواضع هي ولا ريب خير من ولايتي طرابزون وأدنة، ولولا جهل المستوطنين ~~وإفلاس الحكومة الزائلة وخستها لخلصت البلاد من أمراض كثيرة لازمتها ملازمة ~~المستوطن؛ فإن الحمى التيفوئيدية وحمى التيفوس لا تكفان عن الفتك، وتأتي بعدهما ~~الحمى القرمزية ثم السل وضحاياهما قليلة ولله الحمد. أما داء الحصاة فلا يغادر ~~سيواس أبدا. على أن زيادة المواليد مضطردة عاما فعاما؛ فهي تزداد كل عام نحو ~~العشرة آلاف مولود. # أجل أن هنالك عظائم لا تفلح في مغالبتها ms231 المساعي، كتوالي التغيرات الهوائية في ~~أيام الربيع وتمادي المطر أياما كثيرا يقلع ليلا ويغدق نهارا ودوام الوحل ~~والرطوبة في الطرق كلها، ولكن مضار هذه الأشياء لا تذكر إذا قيست إلى ما يتولد ~~من البرك والمستنقعات من الأمراض، وتلك تسهل إزالتها بمال لا تعجز عنه الحكومة لو ~~تكلفته، هذا ودرجة الحرارة لا تتجاوز الثمانية والثلاثين في الشتاء تحت الصفر ولا ~~الثلاثين فوقه في الصيف. # الزراعة في الولاية # ولاية سيواس هي من أكثر ولايات الأناضولي خضبا ومن أجودها تربة وأحسنها مرعى، ~~لا يجد الباحث المجد في جبالها الشامخة وسهولها المنبسطة موضعا لا يصلح للزرع إلا ~~نادرا، وإنما يختلف خصبها باختلاف أرضها، فما ينبت في توقاد وفي آماسية لا ينبت في ~~مدينة سيواس وفي «قرة حصار». تجود تلك الأراضي بما يغرس فيها من أعواد وما يلقى ~~فيها من بذور سوى ما كان خاصا منها بالبلاد الحارة كالتمر، وما كان أليفا بشواطئ ~~البحار كأشجار الليمون والبرتقال والزيتون. # غير أن الزراعة في سيواس مهملة إهمالا، فلا أهلها يعنون بها ولا الحكومة ~~ترغبهم فيها، وكم يرى السائر في أرجائها من أرض خصبة بالنبات البري تركها ~~أصحابها عجزا عن استثمارها، وفن الزراعة عندهم مفقود، وليس في تلك البلاد أثر ~~للآلات التي استحدثها العصر الجديد، ولا بها شيء من معدات النقل يبعثون به ثمرات ~~أرضهم إلى البلاد القاصية. # على أن توقاد وآماسية تجودان من الفاكهة بكل لذيذ طيب، فليس على وجه الأرض تفاح ~~مثل تفاح آماسيا، وعنب توقاد مشهور يخمر نبيذا ويقطر عرقا ويؤكل فلا يستنفد ولا ~~يمل، وكرومها غاية في الحسن والكثرة، ولكنها لم تمتع بيسير ما جاد به الترقي ~~العصري في أسلوبها. # حيوانات الولاية ووحوشها وأطيارها # البقر والغنم والماعز وداجنات الطيور في الولاية كثيرة يقتنيها الموسر والمعسر، ~~اشتريت فيها بقرة حلوبا ومعها عجلها بثلاثمائة قرش، وفي ذلك دليل على الكثرة ~~والابتذال، والدجاجات والحمامات الداجنة والبرية لا يحصيها العد. لقد كنا نبتاع ~~الزوجين من الحمام البري بقرش واحد، وكذلك الحجل. أما الدراج فكنا نذهب لصيده ونجهد ~~في ms232 طلبه والبط والإوز وسائر أجناس الطير أكثر من أن يعد، هذا مع تهافت الناس على ~~الصيد في غير أوانه ومع كثرة الطيور الخاطفة كالعقبان والصقور، وجبال الولاية كثيرة ~~الأرانب والثعالب والذئاب، وإنما تكثر ذئابها في الشتاء فهي تطوف جماعات فيشتد ~~فتكها ويعم ضررها، وفي حراج العزيزية ونيكسار من الدب والوعل والخنزير البري ما لا ~~يجهد قناصا. ولأهل الولاية سيواس كلف شديد باقتناء الخيل وأكثرها من الجنس ~~القوقاسي، وأشدهم عناية بها وكلفا هم المهاجرون من القوقاس (الجراكسة)، ففي قضاء ~~العزيزية وحده من الخيل نحو الثلاثين ألف رأس. وهذه الخيل أصلب من خيول العرب قوائم ~~وأحمل ظهورا وأكثر صبرا على السير والجري، ولكن الخيول العربية أحسن منها أشكالا ~~وأكرم أحسابا وأسرع ركضا وأسلس قيادا وألين متونا، وقل في الجركس رجل لا ~~يملك جوادا أو جوادين. وقد يجد فرسان الجيش العثماني في سيواس حاجتهم من الخيل غير ~~أنهم يجدون تربيتها صعبة المرام. # التجارة والصناعة في الولاية # لو كانت ولاية سيواس متمتعة بما تتمتع به بلاد الله من أسباب العمران لأفادت ~~الدولة واستفادت؛ فإن أهلها ولا سيما الأرمن، منهم أهل جد واجتهاد لا يعرفون ~~الملل ولا يعجزهم شيء، وإنهم مع ما بلوا به من الحرمان من الآلات والأدوات يصنعون ~~لأنفسهم ما يكون لهم معوانا على الاستمرار في صناعتهم. عرفت صانعا من مهرة ~~صناعها اسمه الحاج أوسكيهان، كان يصنع بنادق المارتيني والمسدسات فتفوق ما ~~تصنعه مصانع أوروبا، ضربت الحكومة الحميدية على يده وقالت: أنت أرمني وربما أعتت ~~قومك وأعددت لهم عدتهم من السلاح، فكف الرجل عن البنادق والمسدسات، وأخذ يصنع ~~الأقفال والكوانين وغيرها، ثم اتهمته الحكومة بضرب النقود الزائفة فصادرت آلاته ~~وأدواته وتركته يطلب قوته فلا يجده، فلما أعيته الحال فر مهاجرا إلى أمريكا، ~~وبلغني بعد ذلك أنه بات يلعب فيها بالذهب، وعرفت صانعا آخر اسمه نورادنجيان، كان ~~لا يحتاج آلة من الآلات إلا صنعها بنفسه، وله من المصنوعات ما يتباهى به كل محب ~~للوطن، ولأهل سيواس مهارة تذهل عندها الألباب في صنع الخناجر والمطاوي؛ ms233 فقد فاقوا ~~في ذلك على صناع شفيلد، غير أن مطاوي سيواس لا تشبه مطاوي شفيلد حسنا ولا شكلا. ~~أما الخناجر الجركسية فليس في صناع الأقطار من ينافسهم فيها. # كذلك النجارة؛ فلقد اقتنيت من نفائس مصنوعات القوم ما لم أر خيرا منه، ولو ~~تهيأ لي استحضار بعضه لفعلت، ولو رأى القارئ الكريم مهارة الصياغ فيما يصوغون من ~~الحلي ذهبا وفضة لتناهى في تعجبه، كل ذلك يبدعونه ويجيدونه بلا آلة تذكر سوى ما ~~لا تخلو منه كف حداد شرقي من مبرد ومحفر وما ماثلهما. # ومن جيد الصناعة السيواسية نسج الحرير. غير أنهم لا يبدعون في أجزاعه وأنماطه، ~~أما النسيج فحسن دقيق وأما الألوان فكثيرة زاهية، فلا تروج في أسواق الغرب، وأهل ~~أماسية وتوقاد متفردون بصناعة نسج الحرير. # أما الطنافس والسجادات فقد فاقت ما يصنع منها في بلاد الفرس جودة ورونقا، ~~وقلت نسوة هنالك لا تحكمن نسج السجادات، هذه صناعة لا تكاد تجهلها فتاة سيواسية ~~ولا يكاد يخلو منها بيت في سيواس، ولتلك المنسوجات منزلة في البلاد الغربية لا تسمو ~~إليها بضاعة من بضاعات الشرق بأسره، ويبلغ عدد المصانع التي تصنع السجادات والطنافس ~~في مدينة سيواس وضواحيها أكثر من العشرة آلاف مصنع، لا يعمل فيها إلا النساء ~~والبنات. وقد تجد نساء القرى في هذه الصناعة تسلية إذا اشتدت أيام الشتاء وطالت ~~البطالات. والطنافس في جودتها وبهائها درجات، فالطنافس المسماة «رشوان» هي المتفردة ~~بمنتهى الرونق، لا ينصل لها صبغ ولا يتغلب عليها القدم، ومثلها الطنافس المنسوجة ~~بقضاء العزيزية وتسمى صارز وإفشار، ودون هذه الأستار الكردية وتنسج بقرية «قرانلق» ~~التابعة لقضاء «قانغال» وفي قرية «إيوالي درة» التابعة لقضاء «دارندة»، ودونها ~~الطنافس المسماة «إيلبكلو»؛ فهي وإن أشبهت نوع «رشوان» إحكاما ولكنها ~~لا تماثلها حسنا، وهي تصنع في ناحية «إيلبكلو» ثم تأتي الطنافس المعروفة بالمشبك ~~وتنسج في أكثر القرى التابعة «لقانغال» و«يلديز إيلي» وغيرهما. # وتبقى هذه الطنافس الأخيرة منها أكثر من الخمسين عاما، تطؤها الأقدام وتستعمل ~~في الخلوات على التراب وغيرها وهي لا تزداد إلا جدة، وكلما ms234 تقادم عهدها كثرت ~~قيمتها. # وسجادات سيواس هي من بدائع الصنعة في هذا العصر، عرف ذلك الأجانب وأدركوا رجحانها ~~على سجادات الفرس، فأغلوا أثمانها وتنافسوا في اقتنائها وتسابقوا إلى الإكثار منها، ~~وفي سيواس مصنع اليوتي الشهير وهو شركة بين المسيو آلبراليوتي والمسيو بيكر والمسيو ~~داندريا، وتختلف قيمة ما يصنع من السجادات من عشرة إلى خمسين جنيها ثمنا للسجادة ~~الواحدة. # ولا تقف المنسوجات السيواسية عند هذا القدر، بل هناك أنواع أخر من الصوف ~~والكتان والقطن ، ينالها الفقير ويعجب بها الغني ويتخذها المسافر تحفة وتهاداها ~~الأحباب فيما بينهم، ويوم تمد خطوط الحديد بين سيواس وصامسون يسعد أهلها ويكثر ~~رزقهم وتتجدد فيهم العزائم. # المعارف في الولاية # إذا لم تكن سيواس أكثر ولايات الأناضولي جهالا فهي من أكثرها جهالا؛ ذلك بأن ~~المسلمين طبعوا على حب قديمهم فلا يريدون الجديد منه بديلا، ولا تزال في خزانات ~~بعض المتعصبين كتب طوت معارف هذا العصر لغوها، وينظر أولئك القوم إلى ما كلف به ~~شباب هذا العصر من المعارف، فلا يجدون فيها لذة ويكرهون تداولها بينهم. هذا شأن من ~~في بيوتهم كتب يقرءونها، فما ظنك بمن ليس في بيوتهم إلا المسدسات ولا البنادق! ~~أما المسيحيون فهم فريقان: قليل من الروم وكثير من الأرمن، ففريق الروم لا يفوق ~~المسلمين في حال من الأحوال، ولا مشابهة بينهم وبين من عرفت من روم الآستانة وإزمير ~~وغيرهما، وقل فيهم الغني ومن له جاه أو منزلة تميزه عن غيره. وفريق الأرمن ~~بمثابة من العلم والصناعة والتجارة لا يساميهم فيها أحد ولهم السبق في كل مضمار، ~~ولولا ما دهمتهم به المذابح من نهب أموالهم وقتل سراتهم لبلغوا شأوا تقصر عنه ~~الهمم. # والأرمن قوم أولو جد ونشاط، كلفون بالعلوم لا يستكف لهم شوق ولا تفل لهم ~~عزيمة؛ فهم يتسابقون إلى مدارس اليسوعيين والبروتستانت وإلى مدارسهم الأهلية ~~فيصيبون منها الحظ الأوفر، والمسلمون يصدون عن سبيل تلك المدارس خوفا أن تفسد ~~على أبنائهم دينهم. وإذا خالفهم في رأيهم مخالف لجوا في الوقيعة به وأطالوا ~~اجتنابه. وكم يرى نزيل ms235 سيواس في أهل الحرف وأبناء التجار من سكانها الأرمن شبانا ~~إذا تكلموا بالفرنساوية أو بالإنكليزية ما شك أنهم تعلموها في مدارس أوروبا. وليس ~~في أبناء الوجهاء من المسلمين خمسة يكتبون التركية ويؤدونها صحيحة. وليس في مدينة ~~سيواس سوى مدرسة إعدادية واحدة وهي كأحسن ما رأيت من البنايات وأوسعها، وحظها من ~~العلم كحظ الصخرة الصماء من النبت، والكتب التي تقرأ في هذه المدرسة كتب مهجورة ~~لا يعرفها أكثر فضلاء هذا العصر، مثل كتاب المشذب في قواعد اللغة العربية، كل تصريف ~~فعل نصر، فترى صحائفه حواشي وأنماطا بنصر ينصر نصر منصورا منتصرا مستنصرا ~~منصرا متناصرا. واللغات الغربية لا يحسنها الأساتذة والعناية بعلوم الدين بالغة ~~منتهاها. # سألت بعض المتقدمين من تلامذة تلك المدرسة أسئلة فيما يعاني من الفنون فبدا عليه ~~العجز وبهت لا يجد جوابا، ثم سألته عن أركان الصلاة والصوم فانطلق انطلاق الصقر ~~من وكره، فأخذ مني التعجب، فقلت: ما بالك تحسن الجواب في هذه القواعد وإذا بلغت ~~إلى غيرها غلب عليك الوجوم؟ فقال: هذه من أمور الدين، لا يكون المسلم مسلما إلا ~~بمعرفتها، أما تلك فليست من الدين في شيء. فاستشعرت في فؤادي حسرات على تلك الشبيبة ~~وقلت: لقد بلغ بكم السفهاء مبلغا لا يرجى بعده خيركم. وأيقنت أن للبلاد العثمانية ~~أياما باقية من الشقاء لا بد لها أن تستوفيها. # وفي سيواس جوامع عتيقة بها معاهد للعلم يسمونها مدارس، وهم يسمون المدارس ~~مكاتب، وقد نحوت نحوهم في كثير من مواضع هذا الكتاب، وإنما يجاور في تلك الجوامع ~~أناس من أهل البطالة فرارا من الجندية واكتفاء من الرزق بما لا يتجشم له تعب. ~~فإذا أفلح في علومهم أحدهم رأى في نفسه مفرد العلم وخرج في طلب الوظائف أو جلس في ~~المساجد يعظ الناس ويضل عقولهم ويميت نفوسهم بالتعصب. ولا يطهر الله البلاد ~~العثمانية من هؤلاء القوم إلا بعد سنين عديدة أقلها عصر وأكثرها عصران. # ومن تمام البلية أن نظارة المعارف تتخذ أساتذة مدارسها من رجال تشفع فيهم ~~القرابات والوصايات وما يهبون لبعض ms236 رجالها من المال، فلا تختار ولا تمتحن. ~~والتلامذة يذهبون إلى مدارسهم ومعهم الأسلحة من مسدسات وخناجر ينازل بعضهم بها ~~بعضا. وقد يكمنون في الطريق لمن يشدد عليهم العقاب من الأساتذة ولمن يخافونه عند ~~الامتحان، فيخرجون عليه متوعدين ولا يفارقونه إلا إذا حلف لهم الأيمان المغلظة ~~أن يراعي جانبهم. وهذه معايب ما أظن أن لها أشباها في سائر أقطار الأرض. # | آثار القدماء في سيواس # سيواس هي إحدى المدن التي كرت عليها العصور الخوالي وتعاقبت فيها الدول المختلفات، كل ~~دولة قامت فيها أو أقبلت عليها خلفت لنفسها آثارا، فلما أتت دولتنا أخذت تمحو آثار ~~سابقاتها غير مستحدثة شيئا تبقيه للأجيال المنتظرة، قام آباؤنا وأسيافهم وأعنة خيلهم ~~بأيديهم يثلون العروش ويقلبون الممالك، فما ورثونا مما يورث الآباء أبناءهم إلا ~~أخبار وقائع خفقت بالنصر راياتها. وهذه مفاخرنا التي نساجل بها أمم الأرض. # ولقد مرت بسيواس حوادث من الأيام، فأقوت معالمها ودرست آياتها. تلك إغارات ~~المتغلبين من أمم الأرض ما زالت تأتكل حتى أكلها الأبد. # وكان من حق سيواس أن يبقى بين أنقاضها بعض ~~النفائس من الدمى والحجارة المنقوشة والأدوات والآلات وما استعان به أهلها الأولون ~~على مصانعة الحياة. ولكنها اليوم صفر من ذاك كله، وربما عثر المحتفرون في الأرض وقطاع ~~الصخور على تماثيل صغار من الرخام أو النحاس، فيكسرونها ويفنونها؛ زعما منهم أن تلك ~~النفائس آلهة الكافرين عبدوها من دون الله، فهم يحطمونها انتقاما منها إذ لم ~~يتمكنوا أن ينتقموا من أربابها. وهنالك بقايا أطلال من أيام الرومانيين مثل الجسر ~~الروماني الكائن على مسيرة ساعة ونصف من شمالي سيواس الشرقي، وكالقبة التي في خارج ~~المدينة على طريق صامسون، وأنا أحسبها بنيت بعد السيد المسيح عليه السلام، ومثلها ~~الكنيسة المسماة «خوي كسان» وهي تبعد نحو الأربعة أميال عن تلك القبة. هذه آثار لم ~~أهتد إلى تاريخ أعول عليه في نقل أخبارها، شاهدتها مرارا في إقوائها ودثورها، ~~فطأطأت الرأس عندها إجلالا وأنشدت ما قال صريع الغواني: # هاجت وساوسه برومة دور # دثر عفون كأنهن سطور # ولو كانت ms237 هذه الآثار في غير بلادنا لجدد دارسها ~~ولأعيد لها رونقها. غير أننا رجال حرب ولسنا رجال عمران. ولما نظرت إلى المساجد ~~والجوامع رأيتها أقل خرابا وأبقى على حدثان الدهر، فعلمت أن الذين عنوا بها جعلوا ~~عنايتهم للدين دون التاريخ، وها أنا ذاكر هنا بعض ما عرفت من أمر تلك المعاهد. # المدرسة الشفائية # أنشأها كيكاوس الأول بن كيخسرو أحد الملوك السلاجقة. وقد جعلها مستشفى ومدرسة ~~طبية، كما تدل عليه النقوش والكتابات التاريخية التي على بابها. والمدرسة بناء ~~مستطيل الشكل في وسطه رحبة واسعة، قامت على جوانبها عمد من الصفاح تعلوها حنايا من ~~الرخام المزين بأنواع النقوش جعلت تحتها الحجرات. وقد نقش على باب المدرسة ~~هذا الكلام بالعربية: «أمر بعمارة هذه الدار الصحية السلطان ظل الله في العالم، ~~أدام الله أيامه، عز الدنيا والدين، ركن الإسلام والمسلمين، سلطان البر والبحر، ~~تاج آل سلجق، أبو الفتح كيكاوس بن كيخسرو برهان أمير المؤمنين، في تاريخ سنة أربع ~~عشرة وستمائة.» وفي أعالي تلك العمد وأسافلها نقوش كأبدع ما رأته العيون، وعلى ~~أبواب الحجرات نقوش وكتابات بأحرف بارزة تتضمن آيات قرآنية وأحاديث نبوية، وفي إحدى ~~تلك الحجرات ضريح كيكاوس بن كيخسرو باني المدرسة، قبتها ذات شكل مخروط يعلوها ~~شيء كثير من النقوش الصينية والكتابات الكوفية، وعلى باب الضريح لوح من قطع ~~الآجر طوله خمسة أمتار وتسعون سنتيمترا وعرضه خمسة وأربعون سنتيمترا، نقش عليه ~~الكلام الآتي بالفسيفساء: # المدرسة المسماة شفائية. ~~«لقد أخرجنا من سعة القصور إلى ضيق القبور، يا حسرتاه! ما أغنى عني ماليه، هلك ~~عني سلطانيه. تحقق الانتقال، وتبين الرحال، عن كل ما أوشك الزوال، في الرابع من شهر ~~شوال، سنة سبع عشرة وستمائة.» # المدرسة الشفائية. # وبين هذا اللوح وأعلى الباب موضع فيه كثير من النقوش البارزة من الصفاح ~~والفسيفساء، وعلى الجدار هذه الآية مكتوبة بالخط الكوفي: # كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو ~~الجلال والإكرام # صدق الله. وكتبت فوق الباب أيضا في أقرب ~~المواضع منه: «إنا لله وإنا إليه راجعون.» # ثم إن على جهتي ms238 باب الضريح نافذتين كتب فوق اليمنى منهما: «عمل أستاذ أحمد ...» ~~وهو لا شك اسم الصانع الماهر الذي حلت يمينه ذاك البناء بتلك البدائع. # وفي داخل حجرة الضريح أضرحة أحدها ضريح كيكاوس والأخر لا يعلم من فيها، ~~ولعلهم من أهل بيته. وعلى صناديق تلك الأضرحة بقايا نقوش من الفسيفساء تدل على ~~أنها كانت مزينة بها. ومن يدري أية يد مدت إلى هذه النفائس فاستلبتها. ولقد ~~ذهب جماعة إلى أن بأحد تلك الأضرحة جسد الأمير أرطغرل بك ابن السلطان ييلديرم ~~بايزيد خان، ولكن ليس هنالك ما يؤيد ذلك. # هذه المدرسة التي كان صاحبها اتخذها كلية للطب ومستشفى للمرضى حل بها البلاء ~~من تيمورلنك. وقد استحفظ ما بقي منها على ما وصفت ملوك آل عثمان وجعلوها معهدا ~~للعلوم الدينية من منذ عام 1182، وبها اليوم من الطلاب أكثر من الخمسمائة، ولها ~~أوقاف في القرى والمزارع المجاورة لها ينفق عليها من ريعها. # مدرسة جفتة منارة # مدخل جامع جفته مناره. # مدرسة جفته مناره. # أي مدرسة المنارتين. هي أمام المدرسة الشفائية. وقد دلت حالتها والنقوش التي ~~بقي قليلها على بابها وجدرانها أنها كانت أعظم من المدرسة الشفائية؛ فإن ما عليها ~~من التجزيع والتزيين تحار فيه العقول، ما شئت من رونق وما شئت من محاسن. لقد رأيت ~~من جمال ما خلف القدماء كل رائع وكل باهر، فما أجد في كل ما مر بي شيئا أقرنه ~~إلى هذه المعجزات الصناعية. شيد جانبا الباب في هذا الموضع بالآجر المرصوص أحسن ~~رص، وتخلل ما بين كل آجرة وأخرى تطعيم بالصيني وبالفسيفساء، وكذلك المنارتان ~~القائمتان على جانبي الباب وصار اسمهما علما للمدرسة. # يروى أن هذه المدرسة أنشئت لتكون منتجعا لطلب رواية الحديث. وقد زين بابها ~~بالزينة العربية وكتب عليه الآيات القرآنية والأحاديث بالخط الكوفي، وكتب معها ~~هذا الكلام: «أمر بعمارة هذه المدرسة الصاحب الأعظم ملك الملوك الوزراء في العالم ~~شمس الدنيا والدين محمد بن محمد بن محمد صاحب الديوان خلد الله دولته، في سنة ~~سبعين وستمائة.» ويؤخذ منه أن باني المدرسة هو ms239 أحد وزراء الدولة السلجوقية. # فإذا نظر المرء من الباب إلى داخل البناء رأى ميدانا واسعا فيه آثار غرف ودار ~~رواية الحديث، آثار كان بعضها باقيا إلى أوائل زمان عبد الحميد الثاني، ثم عفت ~~فيما عفى في عهده، وكانت نظارة المعارف بدأت في إنشاء مدرسة للصناعة بموضع من هذا ~~الميدان، ولكنها عدلت عن افتتاحه لأسباب لا يعلمها إلا الله وبقي ما أنشأته خاويا ~~على عروشه إلى أيامنا. # المدرسة البروجية # مدرسة البروجية أو المقصودية. # وهذه تقرب من موضع المدرستين السابقتين، وبابها مزين أحسن زينة ومحلى بأجمل ~~نقش، وعلى حيطانها آيات وأحاديث كتبت بماء الذهب ولم يتغير من بهجتها وروائها ~~شيء إلى اليوم. وفي داخل المدرسة ميدان رحب قامت على جوانبه العمد الحجرية تعلوها ~~آطار متسلسلة، يتخلل تلك الآطار مواضع الحجرات، والعمد كلها منقوشة بالآيات ~~والأحاديث. # أنشأ هذه المدرسة مظفر الدين الغازي، وضريحه على يسار الداخل من الباب، وعلى ~~الضريح بقايا نقوش بالصيني وبالفسيفساء تدل على أنه كان ملبسا بها. وهذه المدرسة ~~هي مما أصابته معاول تيمورلنك. وقد كتب على الجدار القائم قبالة الداخل هذا ~~الكلام: «بنى هذه المدرسة المباركة في أيام السلطان الأعظم غياث الدين وأبو الفتح ~~كيخسرو بن قليج أرسلان خلد الله ملكه؛ العبد الضعيف المحتاج إلى رحمة ربه الغفور ~~المظفر ... غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين في شهور سنة سبعين وستمائة.» # هذا ويرى الداخل إلى البناء دهليزا صغيرا ينتهي إلى رحبة هي في وسطه كما تقدم، ~~وفوق الدهليز قبة صفت بالحجارة ثلاثة صفوف حلزونية على شكل هندسي يبهر ~~الأنظار. # كوك مدرسة # مدرسة «كوك مدرسة». # ولعل المراد بلفظة كوك السماء. وهي أشد البنايات العتيقة بقاء على غير ~~الأيام ونوائب الحدثان. نقوشها ليست أدق من نقوش «جفتة منارة» ولا تقاربها رونقا ~~ولكنها أكثر جدة. على بابها منارتان كذلك كالتي قبلها. منقوش من أعلى بابها: ~~«عمر في أيام دولة السلطان الأعظم شاهنشاه المعظم غياث الدنيا والدين كيخسرو بن ~~قليج أرسلان خلد الله دولته.» ونقش تحته: «أمر بعمارة هذه المدرسة المباركة في ~~أيام دولة ms240 السلطان الأعظم شاهنشاه المعظم غياث الدنيا والدين كيخسرو بن قليج ~~أرسلان خلد الله دولته؛ الصاحب الأعظم الدستور المعظم أبو الخيرات والحسنات فخر ~~الدولة والدين علي بن الحسين، أحسن الله عاقبته، في غرة محرم سنة سبعين وستمائة.» ~~ونقش تحته «عمل أستاذ كالويان القونوي». ويدخل إلى المدرسة بدهليز تعلوه قبة ~~بديع شكلها، ثم يتجاوز الداخل ذلك إلى رحبة البناء، فيرى الجامع على يمينه وكل ~~حيطانه منقوشة أحسن نقش، ومحراب الجامع غاية في البهاء، والخطوط التي على الجدران ~~مكتوبة كلها بالخط الكوفي. # إن هذه المدرسة أصغر من أخواتها ولكنها أحفظ لجدتها، وكأن معاول تيمور نبت عنها ~~فلم تحدث بها ضررا بالغا. وهي اليوم أعظم بنايات سيواس عمرانا. # كوجك منارة # أي المنارة الصغرى، هذا اسم شائع بين العامة لضريح عظيم هو من بقايا آثار ~~السلجوقيين على ما يظن أكثر الناس، صلب منيف، ترتفع قبته عن الأرض ستة عشر مترا، ~~ليس عليه من النقوش والزينة ما يملأ العين، ولكنه محكم يدل ظاهره على جودة في ~~الصناعة. ويروى أن المدفون هنالك هو من الرجال أولي الجاه والسلطان وأنه نسل إحدى ~~بنات السلجوقيين واسمه «الشيخ حسن بك». ولقد كتب على الضريح: «وفات مرحوم مغفور، ~~سلطان شنكوفه شجره سعادت روضه مملكت شيخ حسن بك نور الله.» ولم يتسن لأحد تحرير ~~تاريخ الرجل. # هذه آثار استصحبت تصاويرها معي حين غادرت سيواس، واستخرجت بيانها من التقويم ~~الرسمي الذي وضع في ولاية الأمير الحر رشيد عاكف باشا ابن المرحوم عاكف باشا ~~الشهير. وهنالك آثار جمة كالحصون التي على جبال آماسيا وتوقاد ونيكسار وغيرها، صمتت ~~عنها كتب التاريخ، فلم أتمكن من ذكر شيء تكون فيه فائدة لقارئ هذا الكتاب. # واردات ولاية سيواس ونفقاتها في سنة 1323 ~~مالية. # واردات # نفقات # غرش # نوع # باره # غرش # نوع # 7435468 # الويركو # 2629905 # داخلية # 1021823 # التمتع # 2884537 # مالية # 7571053 # البدل العسكري # 20 # 4077878 # ذاتية # 7226590 # الأغنام # 5046078 # شرعية # 21253993 # الأعشار # 11084249 # عدلية # 36819 # الأملاك الأميرية # 2072450 # الويركو # 303781 # رسوم متنوعة # 3153284 # الجاندرمة # 367005 # الحراج والأخشاب # 588437 # البوليس # 10893 ms241 # المعادن # 2342260 # أسهم # 798551 # عوائد الطابو # 75777 # الحراج # 405701 # مصاريف المحاكم # 980963 # حاصلات متفرقة # 117009 # المعارف # 54912 # توقيفات الرواتب # 47584561 # المجموع # 20 # 33954855 # المجموع # يتبين للقارئ الكريم إذا قابل واردات الولاية بنفقاتها أن النفقات تزيد على ~~الواردات 13629705 غرش ونصف. وليس للمعارف في هذا القدر كله غرش واحد. هذا والدولة ~~في أقاصي الحاجة، ووالي سيواس إذ ذاك رجل حازم شهم هو رشيد باشا عاكف؛ فقد وقف ~~للسارقين والمختلسين بالمرصاد، فما وقع امرؤ منهم في يده إلا أحل به العقاب ~~الشديد، وكان لا يستثني في ذلك أحب الناس إليه؛ فلو نما إليه يوما أن وحيده اختلس ~~درهما واحدا لما صده عن عقابه إشفاق ولا أخذته عليه رحمة. # وكان رشيد باشا في أوائل أيامه قد استوثق من حكومة الآستانة ألا يضطر إلى ~~التضييق على موظفي الولاية في صرف رواتبهم، وقال إن الموظف لا رزق له إلا ما ~~يتقاضاه من أجر عمله. فإذا انقطع عنه هذا الرزق بقي حائرا بين أن يفتضح وعياله أو ~~أن يمد يده إلى أموال الحكومة. وأعلم رجال عبد الحميد أنه لا يستطيع أن يسوس ~~ولاية سيواس إذا لم يتقاض الموظفون أجورهم في أوقاتها. فأجيب إلى طلبه شهورا، ثم ~~وضع عزت العابد طريقة المركزية. وهي ألا تصرف الرواتب لأصحابها إلا بإذن يأتي ~~إلى كل ولاية من نظارة المالية، فأطال رشيد باشا شكايته ورفع إلى المابين استقالته، ~~فلم يجد ذلك نفعا، وكانت الرسائل البرقية تأتي من الآستانة طالبة إرسال المال ~~بمئات الألوف من القروش، فلا يجتمع في خزينة الولاية مقدار من المال إلا ويسلم ~~إلى البنك العثماني فيحول من ساعته إلى المالية. وقد خالف دفترداران في بعض ~~الولايات أمر المالية وصرفا رواتب شهر واحد للموظفين، فعزلا لشقوتهما وحكم ~~عليهما بألا يوظفا في الحكومة ما عاشا، فأوقع هذا الحكم في قلب كل دفتردار ~~رعبا لا مزيد عليه. # ولقد رأت عيناي مشاهد كلما ذكرتها وجدت لها وجدا عظيما. كنت إذا جاء آخر الشهر ~~أذهب إلى الدفتردار مطالبا بمرتبي، وكان الدفتردار صديقا لي، ms242 فأجلس على كرسي ~~أمامه وأظل أرى أفواج الداخلين والخارجين وهم يمرون بيني وبينه، بأيديهم صكوك ~~تضاعفت متونها وحواشيها أرقاما وتواقيع حتى أصبحت كالتمائم، يتقدم الرجل من ~~الجماعة محتشما متخضعا، فيحيي الدفتردار تحية العبد لسيده ويضع صكه على المكتبة ~~التي أمام الدفتردار، فلا يلبث أن ينبذ للرجل صكه ويصيح في وجهه: لم يأتني إذن ~~المالية بصرف غرش واحد. وقد أنفذنا طلبا ثانيا بالإذن، ومتى جاء الجواب بالقبول ~~تأخذون رواتبكم. ~~- ومتى يأتي الإذن من المالية؟ ~~- ذلك علمه عند الله. ~~- نحن يا سيدي مضيقون، ديوننا كثيرة ونفقاتنا جمة. وقد مضى علينا ثلاثة أشهر لم ~~نأخذ فيها درهما واحدا من رواتبنا. ~~- إن لغيركم أربعة أشهر وخمسة أشهر ، وهم بعد ذلك صابرون. احمدوا الله على ما أنعم ~~به عليكم. إن الموظفين في الولايات الأخرى لهم من الرواتب المتأخرة سبعة أشهر ~~وثمانية أشهر، فأنتم اليوم أحسن منهم حالا. # وقد ينتهي الجدال بهذا القدر. وقد يتعداه إلى الوعيد والشتم من الدفتردار ~~والمطالب، فيتبادر الحجاب والجاندرمة، فيقودون المسكين إلى الباب، وهنالك جموع من ~~الرجال والنساء والأيتام يتصايحون ويتباكون، لا يثنيهم نصح ولا يخوفهم وعيد، وكان ~~رشيد باشا أمر بإيثار هؤلاء وتقديمهم على غيرهم إذا جاء الإذن بصرف الرواتب. ولكم ~~ازدحم فريق من الضباط عند باب الدفتردار فغلق دونهم، ثم دفعوه ودخلوا عليه يريدون ~~ضربه. وعهدي به في إبانات تلك الشدائد يترك غرفته ويجلس في غرفة غيرها لا يظن ~~أحد أنه فيها، ولا يدل على مكانه يومئذ إلا كل من يعرفون له إيثارا عند ~~الرجل. # ومن غريب ما وقع لي مع هذا الرجل أني قصدت غرفته في أشد أيامي إملاقا، وكانت ~~تأخرت لي عنده رواتب ثلاثة أشهر، فرأيت إلى جانبه جماعة من كبار الموظفين يدخنون ~~سجايرهم سكوتا، يراقب بعضهم بعضا، فلما بصروا بي تناولتني أعينهم، فسلمت وجلست ~~ناحية أنتظر تفرغا منه، فكلمه أحد الحاضرين في راتبه، فتبسم في وجهه الدفتردار ~~والتفت إلي وهو يقول: البك في أشد ما يعتاد المرء من الضيق. ولقد يأتيني فيرى ~~ما أنا فيه من ms243 الكرب فلا تطيب نفسه إلى مخاطبتي في أمر راتبه، وها هو ذا أمامك، ~~أرأيته نطق بحرف؟ لوددت أن يكون معي كذلك كل أصدقائي. # فلما سمعت كلام الرجل أشرت إشارة الموافق على مضض، ثم أقمت دقائق قليلة ودعته ~~بعدها وخرجت من عنده وأنا أتعجب من لطف حيلته في إعجازي عن المطالبة. وإنما ذكرت ~~هذه الأشياء بيانا لما كان يأكله عبد الحميد وأعوانه من مال الأمة والأمة في أشد ~~الحاجة إليه. وأرى أن إصلاح المالية العثمانية لا يتهيأ لنا إلا بعد زمان مديد ~~وذلك على يد أهل العلم بالاقتصاد من الأوروبيين. هذه النقائص التي استمرت طوال ~~الأعوام لا تغالب إلا بكد ينفد فيه الصبر وتنحل فيه العزائم. ولو التفتت ~~الحكومة الزائلة إلى حال البلاد وتبينت وجوه الفائدة لوجدت منها كنوزا تغني أمم ~~الأرض، ولكنها عاشت تجني ولم تغرس أبدا. # | تلخيص الخلاصة في تاريخ سيواس # نويت أن أتجاوز الكلام في هذا الباب إلى غيره، وأشرت إلى ذلك في أحد الفصول المتقدمة، ~~ولكنني كرهت أن أخرج من كتابي تاركا فيه نقصا لا يعذرني عليه من يقتنيه. وها أنا أجرب ~~سجيتي في إجادة ما أعنى به. إن لدي مظان جمة أرجع إليها في استقراء الأخبار. وبدء ~~تاريخ سيواس لا يختلف عن غيره. إن عليه مسحة من الشك لا يزيلها يقين. وإني لأحاول أن ~~أجعل منقولي أقرب إلى اليقين منه إلى الشك. # إن ولاية سيواس جانب من شمالي مملكة «قبادوكيا # Cappadocia # أو # Cappadoce ~~» اسمها القديم «قابيرة # Cabira ~~» ولعله «كبيرة» ثم سميت «سباست # Sébaste ~~» في أيام الرومانيين، ومنه اسمها الحالي سيواس. ~~ذكر «أسترابون» المؤرخ المولود في مدينة «آماسيا» أن سيواس كانت في أيامه عاصمة ~~«قبادوكيا»، وروى غيره أن «مهرداد ~~الثاني # Mithridate II ~~» لما فتح «قبادوكيا» أنشأ لنفسه قصرا في سيواس، وزعم بعض ~~الرواة أن «بمبيوس # Trogue Pompée # أو # Trogus Pomeius ~~» القائد الروماني الشهير لما هزم ~~مهرداد وقضى عليه بالانتحار بدل اسم سيواس فسماها «ديوسبوليس # Diospolis ~~»، ولم أجد ما يؤيد ذلك في كتب الثقات. # ثم تنقلت سيواس في ms244 أيدي الفاتحين من الرومانيين واليونانيين والفرس. تمادى تنقلها على ~~الدول من أوائل العصر الخامس قبل الميلاد إلى أوائل العصر العاشر بعد الميلاد. اختارها ~~«نيرون # Néron ~~» وتملكها «يوستنيانوس # Justinien ~~»، واستقرت في حكم طائفة من بقايا ~~اليونانيين إلى أن ظهر الغازي أحمد دانشمند بن علي بن نصر في أيام الخليفة العباسي ~~القائم بأمر الله عام 1041 ميلادي، فاستأذنه في فتح بلاد الروم أي الأناضولي على شريطة ~~أن يحكم هو كل أرض يفتحها، ففتح سيواس واتخذها عاصمة ملكه وأسس فيها الدولة ~~الدانشمندية، وذلك في عام 1043 بعد الميلاد. # ولم أر في خطط سيواس ما يدل على أنها «سباست» القديمة عينها، ولا أظن أن المدينة ~~الجديدة خطت مكان القديمة، فليس بها من الأطلال والرسوم ما يخبر عن القدم. وأكثر ~~الناس يذهبون إلى أن مدينة «سباست» كانت على مسيرة ثلاث ساعات من شرقي سيواس على شط ~~نهرها المشهور المسمى «قيزيل إيرمق». وهذا القول يكاد أن يكون صحيحا. # وقد دامت الدولة الدانشمندية عصرا، وملوكها ستة، هذه أسماؤهم: ~~(1) # الغازي أحمد دانشمند بن علي بن نصر (فاتح سيواس). ~~(2) # الغازي محمد بن دانشمند. ~~(3) # أبو المظفر نظام الدين بن محمد المعروف بباغي بصان. ~~(4) # الغازي جمال الدين بن نظام الدين. ~~(5) # إبراهيم بن محمد بن دانشمند. ~~(6) # أبو الفداء إسماعيل بن إبراهيم. # ولما ولي الملك أبو الفداء إسماعيل أقبل عليه عز الدين قليج أرسلان الثاني بن مسعود؛ ~~وهو الخامس من ملوك الدولة السلجوقية الرومية، فغزاه وأخذ منه سيواس. ويروى أنه جعلها ~~عاصمة ملكه. # وكان عز الدين قليج أرسلان ولى أبناءه العشر كلا على بلد، فجعل ابنه قطب الدين ~~على سيواس، ثم استقل بالدولة السلجوقية كيخسرو وسليمان شاه. وقد رأيت أن أذكر أسماء ~~الملوك السلجوقيين الذين أظلوا سيواس بحكمهم، مبتدئا بخامسهم لأنه فاتحها وأول من ~~حكمها منهم. وها هي أسماؤهم مع تواريخ ولاياتهم بالحساب الهجري: # عام ~~(5) عز الدين قليج أرسلان الثاني بن مسعود # 558 ~~(6) غياث الدين كيخسرو بن عز الدين # 578 ~~(7) ركن الدين سليمان الثاني بن عز الدين # 580 # غياث الدين كيخسرو (ولايته الثانية) ms245 # 603 ~~(8) عز الدين قليج أرسلان الثالث # 603 ~~(9) عز الدين كي كاوس بن كيخسرو # 609 ~~(10) علاء الدين كي قباد بن كيخسرو # 610 ~~(11) غياث الدين كيخسرو الثاني بن كي قباد # 636 ~~(12) ركن الدين سليمان شاه بن كيخسرو الثاني # 644 ~~(13) غياث الدين كيخسرو الثالث بن سليمان الثالث # 664 ~~(14) غياث الدين مسعود الثاني بن كي كاوس بن كيخسرو الثاني # 282 ~~(15) علاء الدين كي قباد الثاني بن قرامرز بن كي كاوس # 697 إلى 699 # وهذه الدولة السلجوقية هي التي نشرت النسل التركي في أرجاء الأناضولي. وقد ظلت ~~قائمة في سلطانها موالية للدولة «الإيلخانية». وعاش ملوك السلجوقيين الذين ولوا الحكم ~~من بعد غياث الدين كيخسرو الثاني ينصبون ويعزلون بعهود الملوك الإيلخانيين. حتى إذا ~~ولي الملك علاء الدين كي قباد الثاني بن قرامرز بن كي كاوس خلع طاعة الإيلخانيين، ~~فأقبل عليه جيش غازان محمود بن أرغون، فهزمه واعتقله في سجنه، وكان ذلك آخر العهد ~~بالدولة السلجوقية الرومية، وبقيت آثارها من بعدها تدل على مجد مؤثل وأيام طيبة. # ولما احتاز الإيلخانيون سيواس رأى السلطان أبو سعيد وهو آخر ملوكهم أن ينفذ إلى سيواس ~~واليا من أرومتهم، فاختار لها الأمير الشيخ حسن بن الأمير حسين بن آق بوغا بن إيلكان ~~بن جلاير. والشيخ حسن هذا هو ابن أخت أرغون خان. وكان ذلك في عام 730. ثم توفي ~~السلطان أبو سعيد ولم يترك عقبا يرث ملكه، وقام أمراء المملكة يقتسمونها بينهم، فنهض ~~الأمير الشيخ حسن والي سيواس متوجها إلى العراق وأصلاهم حربا بعد حرب وأقام الدولة ~~«الإيلكانية» أو «الجلايرية». وكان استخلف على سيواس حين خرج في غزوته الأمير «أرتنا» ~~وهو من أمراء الجغتاي، فأحبه الناس وأخلصوا له، وكان ذا رأي وسياسة، فضم توقاد وقيصرية ~~وأرزنجان وبايبورد إلى مملكة جعل سيواس عاصمتها، ثم ولي الحكم بعده ابنه «محمد أرتنا»، ~~ثم تلاه حفيده علاء الدين بن محمد، فدام حكمهم نحو ثلاثة وخمسين عاما. ولما توفي ~~علاء الدين خطب أمه، وكانت أيما، رجل من متغلبي الطوائف الجنكيزية ومن علماء ~~التركمان اسمه أحمد برهان الدين، ms246 وكان قاضيا على أرزنجان، فبات حاكما على سيواس وما ~~يليها. # ويروى أن قرة عثمان وهو أحد رؤساء التركمان كان مخيما بمشتى سيواس عام 793، وأبى أن ~~يدفع الخراج الذي كان يدفعه من قبل، فسار إليه القاضي برهان الدين في جنوده وانجلى ~~القتال عن قتل القاضي، وقبره لا يزال على مقربة من شمالي سيواس، وله شرح سماه الترجيح ~~على أحد الكتب العربية المسمى التلويح. وفي إبانات ذلك أخذ السلطان «ييلديرم ~~بايزيد» العثماني سيواس وأصبحت ولاية عثمانية، فجعل ابنه الأمير أرطغرل بك واليا عليها ~~وجعل «مصطفى بك مالقوج» محافظا لها. # فلما كان عام 803 أقبل تيمورلنك التاتاري في خيله ورجله يطأ العروش ويعبث بالتيجان ~~ويقلب البلاد ويستطير الحصون، فأناخ بكلكله على سيواس، وإنها لفي روق شبابها ورونق ~~جدتها، فصدمها صدمة قلعت منها الأبواب ودكت الحصون وكادت أن تميد الرواسي. ولقد احتال ~~في فتح المعاقل حيلا لا تخطر على فؤاد بشر. وكانت الجنود التي بها دافعت دفاعا ~~أذهله، فلما صاروا في يده قال: ليس من الرأي أن يترك هؤلاء الشجعان. فأمر بهم فضربت ~~أعناقهم. وقد التجأ إليه أكثر من الستة آلاف من الصبيان يستأمنون وعلى جباههم المصاحف، ~~فأمر بهم فداستهم سنابك الخيل وهو ناظر، ثم اتصل به أن بسيواس جماعة من الكسالى، ~~فقتلهم عن بكرة أبيهم، وقال: إن الكسل مرض لا تؤمن عدواه، وينبغي أن تطهر الأرض ممن ~~ضني به. وحين فرغ من قتل الناس وثلج بدمائهم صدره صرخ بجنده أن يوسعوا المدينة تخريبا، ~~فما رحل عنها إلا وهي أطلال وأهلها أرمام. # ثم طار هذا الخبر إلى السلطان ييلديرم بايزيد، وعلم أن ابنه الأمير أرطغرل بك قتل ~~في تلك الوقعة، فسار بجيشه يريد تيمور، وإنه لفي سفره وقد خرج وحده ذات يوم يبترد ~~بالنسيم إذا راعي غنم ينفخ قصبة له، فهاجت لوعته وأن فؤاده والتفت إلى الراعي فقال: ~~«أعد أيها الراعي أعد، أثكلت ابنا مثل طغرل؟ أم انهد لك ركن مثل سيواس؟» وحين ~~التقى ييلديرم بايزيد بتيمور، وغلبت كثرة التاتار على شجاعة العثمانيين؛ وقع ms247 السلطان ~~العثماني وفني جنوده قتلا. # ثم امتلك أنقاض سيواس أحد أمراء الأكراد واسمه مزيد بك، وكان السلطان محمد خان جلبي ~~فتح توقاد، فسير بايزيد باشا على مزيد بك، فحاربه وأتى السلطان به أسيرا. ولقد أعجب ~~السلطان بشجاعته وعقله، فعفا عنه وجعله واليا على سيواس على شريطة أن يعمرها ~~ويستعيد رونقها، فتجددت المدينة في عثمانيتها، ودامت كذلك إلى يومنا هذا. # لقد حرن القلم وتجددت الشجون، فأرجو القارئ أن يقيلني من الاستمرار؛ تلك خطوب لا أقدر ~~أن أتولى وصفها إلا مستعرا. # أسماء الولاة والمتصرفين الذين ولوا سيواس منذ عام 1198 ~~بعد الهجرة. # أسماء # تاريخ الولاية # مدة الولاية # يوم # شهر # عام # يوم # شهر # سنة # الوزير سيد محمد باشا # 6 # م # 1198 # 11 # 5 # الوزير سليمان باشا # 11 # ج # 1199 # 22 # 6 # 1 # الوزير عبد الله باشا # 11 # م # 1200 # 10 # 10 # الوزير عبدي باشا # 11 # ذا # 1200 # 22 # 1 # الوزير محمود باشا # 23 # م # 1201 # 2 # 3 # الوزير مقداد باشا # 15 # را # 1201 # 7 # 7 # 4 # الوزير حسن باشا # 12 # ذا # 1205 # 24 # 7 # 1 # الوزير السيد عثمان باشا # 19 # ش # 1207 # 14 # 1 # 4 # الداماد السلطاني الوزير السيد أحمد باشا # 17 # ل # 1211 # 17 # 7 # 1 # الوزير رجب باشا # 22 # جا # 1213 # 12 # 8 # 1 # الداماد السلطاني علاء الدين باشا ابن السيد أحمد باشا # 5 # ص # 1215 # 27 # 2 # الوزير كوسه مصطفى باشا # 3 # را # 1215 # 11 # 7 # 2 # علاء الدين باشا (الولاية الثانية) # 15 # ل # 1217 # 17 # 9 # الوزير أبو المراق الحاج محمد باشا # 3 # ش # 1218 # 21 # 4 # الوزير يوسف باشا # 25 # ذ # 1218 # 11 # 1 # 1 # الوزير محمد جلال الدين باشا # 3 # ص # 1220 # 12 # 11 # 7 # بايا إبراهيم باشا # 15 # م # 1228 # 5 # 1 # 2 # محمد غالب باشا (صدر أعظم سابقا) # 21 # ص # 1231 # 14 # 7 # 1 # علي باشا الجرخه جي # 12 # ن # 1232 # 14 # 7 # 1 # الوزير لطف الله باشا # 17 # ل # 1233 # 13 # 6 # 1 # الحاج ms248 محمد بهرام باشا # 1 # جا # 1235 # 1 # 11 # الوزير الحاج سليمان باشا # 11 # ر # 1236 # 17 # 7 # 1 # الوزير حسن باشا # 29 # م # 1237 # 3 # 7 # الوزير إسماعيل حقي باشا # 3 # ذا # 1237 # 7 # 10 # 1 # الوزير كوسه محمد باشا # 12 # ل # 1242 # 2 # 5 # 4 # إسماعيل باشا (الولاية الثانية) # 15 # ر # 1244 # 26 # 9 # الوزير عثمان باشا # 12 # م # 1245 # 18 # الوزير الحاج حسن باشا # 6 # ص # 1245 # 5 # 1 # سعيد إبراهيم آغا أحد بوابي المابين وكان عين محصلا # 14 # ر # 1248 # 1 # 3 # الوزير عثمان باشا (الولاية الثانية) # 14 # ر # 1248 # 23 # 9 # سعيد إبراهيم آغا محصلا (التولية الثانية) # 8 # م # 1249 # 5 # 8 # رشيد محمد باشا (صدر أعظم سابقا) # 14 # ن # 1249 # 11 # 2 # الوزير حافظ باشا # 15 # ش # 1252 # 17 # 2 # 2 # الوزير أسعد محمد باشا # 3 # ذا # 1254 # 27 # 7 # 1 # الفريق محمد حمدي باشا # 1 # ب # 1256 # 10 # الميرميران سعيد إبراهيم باشا # السيواسي (التولية الثانية) # الوزير عشقر باشا # 1 # ل # 1259 # 8 # الميرميران محمد باشا # 1 # جا # 1260 # 10 # الوزير محمد شريف باشا # 10 # ر # 1261 # 8 # الميرميران محمد منيب باشا # 10 # ذ # 1261 # 26 # 8 # الميرميران محمد باشا # 1 # جا # 1260 # 10 # الوزير محمد شريف باشا # 10 # ر # 1261 # 8 # الميرمران محمد منيب باشا # 10 # ذ # 1261 # 26 # 8 # الوزير محمد أسعد باشا (التولية الثانية) # 7 # ن # 1262 # 28 # 3 # الوزير عزت باشا # الوزير عشقر باشا (التولية الثانية) # 2 # م # 1263 # 8 # 1 # الميرميران عباس باشا # 3 # ن # 1264 # 14 # 1 # 1 # الميرميران محمد منيب باشا (التولية الثانية) # 18 # ل # 1265 # 11 # 8 # 1 # الوزير محمد حمدي باشا # 1 # ر # 1267 # 27 # 4 # 3 # الوزير إسماعيل باشا # 18 # ذا # 1269 # 18 # 11 # الوزير فيض الله باشا # 17 # ذا # 1270 # 21 # 8 # 1 # الوزير محمد باشا # 8 # ش # 1272 # 10 # 4 # 3 # الوزير محمد خير الدين باشا # 19 # ذ # 1272 # 5 # الميرميران الحاج أحمد ms249 باشا # 24 # جا # 1278 # 14 # 11 # 1 # الميرميران الحاج محمد زكي باشا # 9 # جا # 1278 # 7 # 2 # 1 # الوزير محمد رشيد باشا # 7 # ل # 1279 # 20 # 6 # 1 # الميرميران أحمد باشا # 5 # ر # 1281 # 4 # 4 # 1 # الوزير علي رضا باشا # 4 # ن # 1282 # 29 # 4 # 1 # الوزير الحاج أحمد عزت باشا # 1 # م # 1283 # 20 # 9 # 4 # الوزير محمد حالت باشا # 3 # ن # 1288 # 6 # المشير أحمد أسعد باشا # 3 # را # 1289 # 7 # 2 # الوزير محمد خورشيد باشا # 3 # جا # 1289 # 25 # 8 # الوزير محمد تقي الدين باشا # 25 # ص # 1290 # 11 # الوزير الحاج أحمد عزت باشا (التولية الثانية) # 6 # ص # 1291 # 16 # 19 # 3 # الوزير مصطفى ثريا باشا # 6 # را # 1295 # 18 # 6 # 1 # عابدين باشا (من رجال روم إيلي بكلربكي) # 9 # ن # 1296 # 2 # 6 # حقي باشا ابن إسماعيل باشا من رجال رتبة روم إيلي بايه سي # را # 1297 # 12 # 10 # 1 # الوزير خليل رفعت باشا # 1 # ر # 1297 # 7 # 3 # الوزير عابدين باشا (التولية الثانية) # 1 # م # 1302 # 9 # 9 # الوزير سري باشا # 3 # ش # 1303 # 1 # 10 # 1 # الوزير سروري باشا # 30 # ب # 1305 # 12 # 1 # الوزير محمد ممدوح باشا # 12 # ش # 1306 # 10 # 3 # الوزير خليل باشا # 1 # ج # 1310 # 25 # 5 # 3 # الوزير الحاج حسن حلمي باشا # 27 # ل # 1314 # 3 # 11 # 4 # الوزير رشيد عاكف باشا ابن عاكف باشا الشهير # 24 # ذي # 1319 # إلى أن ~~أعلن الدستور العثماني، فعين بعد ذلك ناظرا للداخلية؛ وهو اليوم ~~عضو بمجلس الأعيان # لقد استعنت في هذا التلخيص بمظان جمة أهمها: «قاموس الأعلام» الذي وضعه المرحوم ~~العلامة شمس الدين بك سامي، وتقويم ولاية سيواس الرسمي الذي رتبه الفاضل الجليل رشيد ~~عاكف باشا، وقام بتحرير القسم التاريخي فيه صديقي الشاعر التركي المجيد سامح بك فتحي، ~~وهو من أحفاد علاء الدين باشا الداماد الذي تقدم ذكره في أسماء الولاة. وقد اعتمد ~~سامح بك في أكثر رواياته التاريخية على «تقويم ms250 مسكوكات» وهو من الكتب التركية المعتبرة، ~~وكنت أود أن أزيد هذا الفصل إسهابا، ولكن خفت الخروج عن موضوع الكتاب. # ومما أسفت له أني لم أجد كتابا أعتمده لأنقل عنه شيئا من تاريخ سيواس قبل الدولة ~~الدانشمندية؛ فإن الكتب الإفرنجية لا تشفي غليل الباحث، وكل كلام تضمنته في سيواس موجز ~~أشد الإيجاز، والكتب العثمانية أكثر منها إيجازا، فكان محصول الاستقصاء على قدر ~~المستطاع لا على قدر الواجب. # | رجال الدين في سيواس # رجال الدين في كل أقطار الأرض حرب على الناس؛ فهم يبدون غير ما يخفون ويأمرون بما ~~لا يعملون، ومنهم من صدق إيمانه وكانت سريرته كعلانيته وهم أقل من القليل، والذين أريد ~~ذكرهم أو الإشارة إليهم في هذا الفصل قوم فيهم فضل ومعرفة وأوتوا فطنة ودهاء، ولكن ~~حظهم مما أوتوه أقل مما تعرضوا له من تهذيب الناس وتعليمهم، ثم غلب عليهم النفاق ~~فاتخذوا إيمانهم ذريعة إلى المال ورضاء للسلطان، وإلا فليست التقوى سبيلا إلى شقاوة ~~المرء، وجميل الظن بالخالق سبحانه وتعالى وعبادته لا يحملان على إيذاء خلقه، والبررة ~~كالفجرة، لهم أنفس تشتهي وأفئدة تتطرب وأهواء تستأثر، وحسب التقي أن يكون تقيا وأن ~~يدعو الناس بلسانه إلى انتهاج نهجه، لا مورطا ولا ظالما. والمتجاوزون حدود النصح ~~مزاحمون للأنبياء، والمغالون في النسك مشاركون للمنافقين، والدين لا ينصر بالشطط ولا ~~يخذل بالتهاون. # عرفت من علماء سيواس رجلا اسمه أمين أفندي، هو عضو بمحكمة الجزاء الابتدائية، وكنت ~~أغشى منزله مع صديقي وخالي أمير باشا أحد أمراء الجراكسة بسيواس، فنأخذ في حديث الصوفية ~~ويستعر بيننا الجدال، فكنت أجده رحب الصدر في مناظرته، صبورا على شدائد البراهين، إذا ~~انتهى به الجدل إلى العي أمسك عن الاستمرار واستطرد إلى ذكر ملح ونوادر يستطيبها ~~السامعون، وكان يقول لي: إن ما بيني وبينك لمختلف جدا، أنا أحاول أن أقرك على ~~التصوف وأنت تحتال في إخراجي إلى التفرنج، وليس أحدنا بالغا أربه. وكنا في بعض ~~زياراتنا له نستصحب علي أفندي؛ وهو من علماء قونية، يأتي كل سنة مرة فينزل بدار أمير ms251 ~~باشا أياما ثم يرجع إلى بلده، وكان علي أفندي وعظ الناس في الجامع، فنهاهم عن اتخاذ ~~التماثيل والصور، وجعل يقول إن الملائكة لا تدخل دارا فيه صور، فلما حضر بعض مجالسنا ~~عند أمين أفندي أصغى إلى كلامي إصغاء المتأمل، فكان كلما أنكر شيئا سألني عليه ~~برهانا، حتى إذا فرغنا وخرجنا نطلب منازلنا قال لي: لا عيب فيك سوى أنك شديد الانحراف ~~عن السلف الصالح، فأقول: أما السلف فنعم وأما الصالح فلا. # وقد زارني أمين أفندي ومعه علي أفندي، فرأياني آخذا آلة التصوير أصور بها أمير ~~باشا، فقالا لي: أهذا دأبك الدهر؟ قلت: لا، ولكنني أتلهى بذلك حين لا أجد لهوا غيره، ~~وسألتهما أن يجلسا معا لأصورهما، فأحجما ثم انصاعا وصورتهما، ولا تزال صورتهما ~~عندي. ولما قال أمير باشا لعلي أفندي: أتدعه يصورك وأنت تنهى عن اتخاذ الصور في ~~البيوت؟ قال: دعني: رأيت هذا الرجل أعرف مني بالحق، فلا يقولن مذ اليوم شيئا وأخالفه ~~فيه. # ولأهل سيواس في أمين أفندي أقاويل يكذبونها، غيظة منه وبغضا له. وقد زعموا أنه قال: ~~إن الله تنكر ذات ليلة فدخل إحدى الكنائس، وأراد جبريل أن يدخل عليه في أمر عرض، فلما ~~لم يجده على عرشه أكبر ذلك وانطلق يفتش عليه، فرأى الله مختبئا وراء صنم من أصنام ~~الكنيسة. وهذا قول لا يقوله أجهل الناس، فكيف يقوله أمين أفندي. # وقد حضرت مفتي سيواس يوما في غرفة أرستيدي باشا معاون الوالي، وكان ذلك في رمضان، ~~فأخذ المفتي يقص علينا أخبار من تقدم من الصحابة والتابعين والأئمة الصالحين، ~~ومعاون الوالي في شغل بما بين يديه من أوراق الحكومة، والمفتي يريد إليه أن يدع الأوراق ~~ويستمع أخباره، فقال أرستيدي باشا مازحا: أتريد أن تضطرني إلى الدخول في الإسلام ~~اضطرارا؟ قال المفتي: كلا، وإنما أحب أن تسمع هذا الملح، عسى أن تشرح صدرك للإسلام. ~~قال أرستيدي باشا: لقد كان الإسلام والمسلمون بخير. أما اليوم فالإسلام وحده بخير. فضحك ~~المفتي وقال: صدقت، صدقت. # ومن علماء سيواس وأصحاب الغلو من متعصبيها ضياء ms252 الدين أفندي، ذاك الذي كان ينهى الناس ~~أن يزاوروني، زعما منه أن دخول بيت فيه تصاوير حرام، وله كتاب وضعه في تحريم الصور ~~وتحريم اتخاذها، وعدني أخوه أن يطلعني عليه ولم يف بوعده. # ورأيت من علمائهم رجلا اسمه راسخ أفندي، هو أحد معلمي مدارسهم، وكان ذلك يوم تلي ~~فرمان الوزارة التي قلدها رشيد باشا والي سيواس، فوقف راسخ أفندي بين الجموع في بهرة ~~الحلقة التي تلي فيها الفرمان وخطب الناس، وما زين له شيطانه إلا أن يخطب بكلام ~~العرب، فما افتتح فاه بالبسملة إلا رفعت الأيدي وانطلقت الأفواه صارخة: آمين آمين، ~~فكان المشهد هكذا: # راسخ أفندي ~~: # بسم الله الرحمن الرحيم. # الجمع ~~: # آمين، آمين، آمين. # راسخ أفندي ~~: # الحمد لله ... # الجمع ~~: # آمين، آمين، آمين. # راسخ أفندي ~~: # الذي ... # الجمع ~~: # آمين، آمين، آمين. # راسخ أفندي ~~: # رفع ... # الجمع ~~: # آمين، آمين، آمين. # راسخ أفندي ~~: # السماء على ... # الجمع ~~: # آمين، آمين، آمين. # راسخ أفندي ~~: # أرضنا وأرضكم. # الجمع ~~: # آمين، آمين، آمين. # وكان في المستمعين رجل قريبا من موضعي، استغرقته تأملاته وتعالاه إعجاب حتى سال ~~لعابه على لحيته، فجعل يهز عنقه هزا عنيفا حتى خشيت أن يقصفه؛ فقد كان عنقه ~~رفيعا جدا. واستمر الخطيب في خطبته فاحش اللحن قبيح اللفظ سمج التأليف مشوش ~~الإفادة، إذا أومأ خلته يتوعد، وإذا أشار خلته يخطف، فلما انتهى قلت: الحمد لله. # وعلماء سيواس أهل دعوى ولجاج، رأيت منهم رجالا يزعمون أنهم قرءوا «السعد» مكررا ~~وهم لا يعرفون من موضوعه شيئا، وذهب رجل منهم إلى أنه يحرم على المسلم أن يدعو غير ~~المسلم أخاه، واحتج بآية: # إنما المؤمنون ~~إخوة ~~، فقلت له: أنا لا أجادل بالقرآن، ولكنني أخالف الساعة عادتي وأثبت ~~لك فساد دعواك وخطأك في تأويلك، قال: هات ما عندك. # قلت: إن في علم المعاني بابا اسمه باب القصر. ~~- أعرفه. ~~- وفي الآية قصر موصوف على صفته؛ فهذا لا ينفي الإخاء من غير المسلمين، ولو كان ~~فيها قصر صفة على موصوف كأن تكون إنما الإخوة المؤمنون لنفى من غيرهم الإخاء. # فغضب الرجل من كلامي وقال: أعوذ ms253 بالله أن يكون في علم المعاني شيء مثل هذا الكفر، ~~وما هو إلا اختلاق منك. وهب جدلا أن دعواك صحيحة، أيحملني ذلك على أن أصدق علم ~~المعاني وأكذب القرآن، فأيقنت يومئذ أن الرجل ممن أفرغ في رأسه عشرون قنطارا ~~قطرا، وآثرت إهماله وأنشدت قول أبي الطيب: # ومن البلية نصح من لا يرعوي # عن جهله وخطاب من لا يفهم # هؤلاء الرجال يحللون من الأمور ما يوافق أهواءهم، ~~ويحرمون منها ما يخالف أهواءهم. يسطون على الناس بالسيوف من الإيمان الكاذب فلا يثبت ~~على لقائهم إلا من: # إذا هم ألقى بين عينيه عزمه # ونكب عن ذكر العواقب جانبا # فما تحكم عبد الحميد في الأمة إلا بنصر هؤلاء. أما جنوده فأولئك منخدعون. ولقد فطنوا ~~لذلك، فجعلوا صلواتهم وابتهالاتهم كلها وقفا لظالم الأمة، استجلبوا له القلوب الخالية ~~والنفوس الطامعة، فوقفوا كلهم لقاء الأحرار، يكيدون لهم كيدا، وكانوا يدعون المنفيين ~~في بلادهم أعداء الدين والدولة، وكانوا يذمون الشورى ويذمون من يدعو إليها، ولو أمكنتهم ~~غرة من الأحرار لاجتثوا أصولهم وأبادوا أعقابهم. فإذا طهرت البلاد من شر هذه الفئة ~~راجعتها السعادة. # | أقيال سيواس وسراتها # إذا جلس المرء على ممر الناس وأخذ يتصفح الوجوه ويثبت الأشباه وينفيها؛ تهادت أمامه ~~مواكب الأشباح، هنالك الصور المتحركة تبدو وتستسر، تكاد النظرات تنبو عنها. فإذا وقف ~~القعود على جانبي الممر ورفعت الأيدي إلى الصدور والرءوس فثم سري يمر، وكل هذا ~~التكلف إجلالا له. والسري رجل مثلهم. وقد يكونون أجمل منه لباسا وأحسن تقويما، يلج ~~الجمع فيوسعون له مكان السيد، وفي خطواته تثاقل ولقده تأود وكتفاه يقلعهما كأنه ~~يحمل بينهما كرة الأرض! من سيدنا؟ هو أحد أعضاء مجلس الولاية، حضر الجلسة وخرج منها ~~غير مشير برأي ولا ناطق بكلمة؛ وهو مع ذلك يمر بالسوق ليتخير لنفسه ما اشتهت من أكل ~~وفاكهة، فما يبلغ منزله إلا ويتبادر إليه الخدم يكرمون وفادته، وعلى الدواوين المرصوصة ~~في داره أناس يشتاقونه ويعدون الساعات انتظارا له، وبعد فتسليمة فاستراحة فطعام ~~فكلام فتوديع فنوم. هذا أحلى من قول شوقي ms254 بك: # نظرة فابتسامة فسلام # فكلام فموعد فلقاء # إذا عرف القارئ هذا السري فقد عرف كل السراة، وإنما أستثني منهم آحادا لو عاشوا في ~~بلد غير سيواس لكانوا من الظرف والفضل بالمكان الأرفع، وهم مع ذلك لا يمل قربهم ~~ولا يسأم حديثهم، منهم أمير باشا. وقد تقدم ذكره في فصل سابق، هذا رجل داره محط رحال ~~الكرام، سليل بيت له في المجد سابقات؛ وهو جركسي، أبوه المرحوم ماهر بك، كان من أمراء ~~الأباظيين، لحق به ضيم من الحكومة فخرج عليها في جماعة من فرسانه. وقد سيرت الدولة ~~عليه الجنود فهزمها وأعجزها طلبه وأخذ عليها الدروب والمسالك. فإذا لاح له البريد أقبل ~~عليه في أعوانه فاستاقه وفرق ما غنمه على أهل القرى وعلى رجاله، ولم يبق لنفسه منه ~~شيئا، فلما عم أذاه واشتدت على الناس وطأته أرسلت عليه الدولة عددا كبيرا من ~~المقاتلة، فما زالوا يطاردونه إلى أن دخل في ولاية قسطموني واختفى هنالك ولم يعلم من ~~خبره شيء إلى يومنا هذا. غير أن كثيرا من أشياخ الجركس يزعمون أن الجنود ظفروا به في ~~بعض المواضع فقاتلهم حتى قتل وقتل معه أكثر رجاله وانهزم الباقون. # ولأمير باشا أشياع وأنصار جلهم من الجركس، يفضون إليه بحاجاتهم ويتقاضون إلى حكمه ~~في خصوماتهم، وله أعداء من قومه ومن غيرهم يترقبون الفرص لإتلاف نفسه وينصبون له حبائل ~~المكايد، فحياته حياة حذر، إذا غفل عنهم طرفة عين حل به كيدهم. # وكانت بين أمير باشا وبيني مودة مؤكدة، ثم هو من أقارب والدتي، وكنت أناديه يا خال، ~~فرأيت من إخلاصه ونصحه ما لا أنساه مدى الدهر. أقمنا على ذلك سبعة أعوام لا نختلف في ~~شيء، سوى أنه كان يزعم أنه أسد مني رماية وكنت أزعم ضد ذلك، فنخرج إلى حديقة له لا ~~تبعد كثيرا عن البلد، فينصب لنا رجاله هدفا على قمة تل هنالك، فتارة أنا أكثر إصابة ~~وتارة هو أكثر إصابة، هذا إذا كانت الرماية بالبندقية، وإذا هي كانت بالمسدس فالفوز ~~حليفي لا محالة. وقد عاهدني أن ms255 يهيئ لي أسباب الفرار من سيواس كما أبنته في غير هذا ~~الموضع، ولولا أن تداركنا الله بإعلان الدستور في البلاد العثمانية لنجوت من سيواس على ~~يده. # ومن سراة سيواس رجل اسمه عبد الله بك؛ وهو ابن آغا قانغال، ما شئت من مال ومن نشب، ~~مات رحمه الله في شبابه بمرض السل بعد أن قاسى منه ما لا يصبر عليه غيره، وكان على جانب ~~من صغر الرأي، فصد عن نصح الأطباء إلى أن أحس بدنو أجله؛ فهم بالسفر إلى الآستانة ~~ليتداوى عند كبار أطبائها، ولكن أدركته المنية حين لم تبق فائدة للعلاج. # ومنهم نوري بك ابن الحاج علي بك. وهذا الرجل أشبه الناس بعبد الحميد، ومن مزاياه التي ~~أمن فيها النظير أنه ما لبس ثوبا نظيفا ولا حمل صدره قميصا إفرنكيا. وهو من أعضاء ~~لجنة المهاجرين. وقد ترقى في مدارج العلى حتى بلغ المتمايز، ثم وقف به جده لا يتقدم ~~قيد أصبع، ولا أعلم من حال الرجل ما يسوء ذكره غير أنه كان كثير النفاق. # ومنهم خالد بك مدير الأوراق، رجل حسن الطلعة كريم الطباع طيب المجلس، ولكنني شممت من ~~خلائقه رائحة الختل، فاتقيته. # ومنهم الحاج نوري أفندي، مميز قلم المحاسبة، لوددت أن أروع بلقاء الذئب أعزل على ~~ألا أراه. إني لأربأ بهذا القلم أن يسفل حتى يلتقط معايبه، ولولا لجاجة سبقت في ذكر ~~هؤلاء القوم لأمسكت القلم عن أن يخط اسمه، وها أنا فاعل. # ومنهم إبراهيم بك، ناظر النفوس، هو من مهاجري ولاية الطونة، أتى سيواس مع المرحوم ~~خليل رفعت باشا أحد الصدور العظام حين وجه واليا عليها، فلما فارقها الباشا بقي ~~إبراهيم في سيواس ورضيها لنفسه وطنا. # ومنهم توفيق أفندي باشكاتب مجلس الإدارة وضياء الدين أفندي مميز المكتوبجي، وكانا في ~~التجسس والوشاية فرسي رهان، ولا أدري أيهما أشد تعصبا من صاحبه. وضياء أفندي ~~زارني مرة في العيد، فأبصر بين الصور المعلقة على جدار الغرفة صورة شاب من فضلاء ~~إخواننا الأرمن وهو المسيو باليوزيان، فاشمأز وبدا الغيظ على عينيه، ثم ms256 التفت إلي وهو ~~يقول: انزع هذه الصورة، لا ترفع صور الكافرين على جدار بيتك، ألا تعلم أن هذا الرجل هو ~~أحد أعضاء الجمعية الأرمنية السرية؟ فقلت: ليس ذا من شأنك، فخرج من عندي وهو يكاد يستعر ~~غيظا. أما توفيق أفندي فلم يسلم علي ولا سلمت عليه، وأبغضني الرجل وأبغضته من أول ~~يوم اختلفت فيه بيننا النظرات. # ومنهم حسين أفندي، سرقوميسير الولاية، واليوم بدل هذا الاسم إلى مدير البوليس. رجل ~~لا أعرف له سيئة. ولقد حمدت سيرته وكنت أزوره مستطيبا زيارته، والمنفيون كلهم يحبونه ~~ولا يذكرونه إلا بالخير. # | إخواني في النفي # كان عبد الحميد يتخذ من بعض الولايات ديارات للنفي، فما غضب على حر ولا غضب على غير ~~حر إلا أشخصه إلى واحدة منها، وإنما اختلفت عنده مراتب النفي باختلاف الأجرام واختلاف ~~الأماكن، فمن نفاه من خاصته امتحانا أو عتبا اختار له الثغور أو البلاد القريبة من ~~العمران، ومن نفاه قاليا ناقما رمى به في أبعد المرامي وراء الجبال، حيث البداوة ~~والعصبية والموت الأحمر والبلاء الأسود، وسيواس هي إحدى مواطن النقمة الحميدية. # ألفيت بها أناسا سبقوني إليها، أولئك إخواني من أحرار العثمانيين، طائفة منهم كانت ~~آوت إلى مصر في أيام كرومر الجليل وحامي الأحرار، وطائفة كانت هاجرت إلى أوروبا أو كادت ~~تهاجر، ما زالت الأقدار تسيرهم وتطوفهم في الآفاق حتى رجعوا كلهم إلى العش الذي ~~استطيروا منه، فمغلوب على أمره بالحاجة ومنخدع بوعد ومستخف له الشوق، وكأن حوادث ~~الصروف كانت مسخرة للرجل الظالم، تحارب من يحاربهم. فما استقرت على أرض سيواس قدماي ~~إلا ولحق بي آخرون، فكنت أنا صاحب الفترة بين البريدين. # فتجدد جلدي وثبتت نفسي، وقلت: المواطن أوطان إذا تجاورت فيها الأحبة. وأقمت ~~أياما أترقب زيارتهم لي فلم يطل ترقبي، فكانوا يتوافدون علي فرادى ثم مثنى، ولما ~~اطمأنت قلوبهم علي وعرفوا أني غير محجوب عن الناس أكثروا الترداد في ود وصفاء لا ~~أنساهما أبدا. وها أنا ذاكر أسماءهم على ما علق في ذهني: # الخواجة شكري (هو الآن مبعوث سيواس). # الدكتور ms257 فائق. # توفيق أفندي. # خالد أفندي. # صلاح الدين أفندي. # رضا بك. # شوقي أفندي. # رجب أفندي الألباني. # فائق أفندي. # وهذه أسماء من نفوا إلى سيواس على إثري: # البكباشي المرحوم جميل بك. # الملازم أحمد بك. # المرحوم حسن بك ويريون الألباني. # نجله نزهت بك ويريون. # المسيو لامبروس نيقولاييدس. # حكمت بك. # وكان بسيواس منفيان؛ أحدهما علي غالب بك، هو مدير الأوراق بنظارة المعارف، وثانيهما ~~عادل بك؛ وهو أحد خزنة الكتب في مكتبة عبد الحميد التي بقصره. لقد صددنا عن هذين ~~الرجلين لأن المتقدم الذكر منهما أحد الجواسيس الذين فتكوا بالأرواح فتك الذئاب حتى ~~ضرب بالسيف الذي ضرب به المظلومين، والثاني رجل مذموم الأخلاق مملول الود لا يدانيه ~~أحد من الناس. وقدم سيواس بعد ذلك منفيان: أحدهما ألبوز بك حمو عبد الحميد، وثانيهما ~~توفيق بك متولي زاده أحد أشراف إزمير. وكان ألبوز بك يقبض كل شهر راتبا قدره 150 ~~جنيها، وكان بسيواس منفيون غير الذين ذكرت أسماءهم، وعددهم أكثر من الخمسين والمائة. ~~غير أنهم فرقوا في أنحاء الولاية، فأسكن فريق منهم توقاد وأسكن فريق آماسيا ~~وأسكن الباقون بلادا أخرى داخلة في الولاية. # وقد عن لي في بعض أيامي رأي، فدعوت بمن تقدم ذكرهم من الإخوان وقلت لهم: «هذه حياة ~~لا لذة فيها؛ نظل في سيواس حتى تفنينا الأيام ونرى إلى وطننا وقد أشفى على الهلاك، كل ~~يوم يموت منه عضو، والظالم الجبار سالمته الأيام، فما أظنه يموت وفي الوطن حياة ترجى.» ~~فقال قائلهم: وما رأيت لنا في الأمر؟ قلت: ما عندي رأي مختمر، وإنما دعوتكم لنتشاور في ~~الأمر جميعا، ولكن ينبغي أن نعلم أن سبيل العمل فيما نتحدث فيه محفوفة بالمكاره، فمن ~~أحس في نفسه ضعفا فليتنكبها، إنا نريد أنصارا ذوي عزم. لو أن في قلبي أقل الريب ~~في صدق أحدكم ما خاطبتكم في مثل هذا الأمر، اطلبوا التدبر والتأمل، ثم انظروا ما ينبغي ~~أن نبدأ فيه. إني أظن أن الرأي في تأليف جمعية سرية تكون على الطريقة الماسونية أو ~~تقرب منها؛ على ألا تكون ثم ms258 رئاسة تستهوي القلوب ويتخاصم عليها الإخوان. إنا قليلون ~~والثبات يكثرنا عددا، ولنتخير من أشراف سيواس من نأمن غدره ونثق بمروءته ومن هو جدير ~~بنصرتنا أو مشاركتنا في بلوانا إذا حم القضاء. هذا أمر لا يستطاع الفراغ منه في مجلس ~~واحد، والأيام بيننا، وسنزداد في كل التئام نلتئمه رأيا جديدا. # قالوا: من لنا بالسلاح والعدة؟ # قلت: السلاح والعدة لهما رجال غيرنا، وإنما علينا أن نحكم تدبيرنا ونتولى استكمال ~~جمعيتنا. فإذا أتت نوبة السلاح والعدة نظرنا في ذلك، ولن تأتي تلك النوبة إلا وحولنا ~~رجال أولو بأس ونجدة. # فرضي الإخوان رأيي ووعدوني بالنظر فيه، ثم توالت اجتماعاتنا، فكنا نتفق على أشياء ~~ونختلف على أشياء، حتى اتفقنا على ألا نتفق، وسلك كل بعد ذلك طريقا، وانقسمنا ~~جماعات وكلنا أقل من أن نكون جماعة واحدة. غير أني لم أعلم على أحد من الإخوان ما يزري ~~بحريته ولا ما يستحدث ريبا في نجدته. وقد فرق الدهر بيني وبينهم بعد إعلان الدستور ~~ونحن متوادون ، لم يبدل أحدنا بسياسته سياسة، صبرنا على مضض الأيام ووقفنا في وجه ~~الحكومة البائدة غير صاغرين، ولو كان والي سيواس غير رشيد باشا عاكف لقضينا الأيام في ~~ظلمات السجون، ولكن الوالي كان حرا شهما وكان منفيا مثلنا؛ فهذا خفف ويلاتنا ~~وجعلنا في مأمن من كيد الخائن. ولقد ذاق مر العذاب إخواننا الذي نفوا إلى خربوط ~~وقسطموني وغيرهما، وابتلوا بولاة لو سألهم عبد الحميد أن يقتلوا الأجنة في البطون ~~لأطاعوا. # | كيف مرت أيامي بسيواس؟ # العامة تقول: «الغريب أعمى ولو كان بصيرا»، هذا مثل يصدق في. إن سيواس أرض عثمانية ~~وأنا رجل عثماني؛ فهي إذن بلدي وأنا ابنها. غير أن الغربة غربة الدار واحدة، كل أرض لم ~~يسبق للمرء علم بها هي دار اغتراب له. وقد كانت أوائل أيامي في سيواس أيام شدائد، ضقت ~~ذرعا حتى لا أدري أين أذهب وإلى من ألتجئ، ولولا إخواني الأحرار الذين تقدم ذكرهم لبلغ ~~بي الحرج أقصى حدوده، وما لبثت أن استأنست بالدار وأهلها واتخذت لي رفقة صالحة ms259 من ~~نازليها ومن أشرافها، ثم أخذت أجوب مسارحها وألم بساحاتها، فصرت بعد ذلك كأني بعض ~~أهلها. # ولقد علمت أن الحكومة في غنية عن خدمتي، وأن المراد من وظيفتي اسمها دون حقيقتها، ~~ورأيت الموظفين يخفون عني أوراق الحكومة التي تتضمن شيئا من أسرارها، فاخترت ملازمة ~~الدار، وألقي في روعي أن قراءة الكتب قد تستحدث نسيانا لمصائبي وتفيدني ما لا أعلم، ~~فجعلت أتحرى أسفارا أقتطف فوائدها وأقتبس من معارفها. فإذا حظ البلدة منها قليل، ~~فاشتريت من القصص الفرنساوية ما أدخلت في غفوة من أعين الرقباء، فجعلت أقرؤها وأستعين ~~بها على مغالبة البطالة، وأعارني إخواني الأحرار مما عندهم من الكتب، فشفت داء صدري ~~وطابت بها أوقاتي، وأحببت أن أقضي بعض ساعاتي في التأليف، ولكن خوفني الأصدقاء من شر ~~ذلك، قالوا: قد يتصل بالحكومة أمرك فتدخل الشرطة دارك وتروع أهلك وحسبهم ما لقوه ~~بالآستانة، وإذا ظهر شيء تكون كتبته حرفوه وزادوا على ما فيه ورموا بك رمية لا نجاة ~~لك بعدها، فأقمت بسيواس ما أقمت لم أؤلف رسالة ولا كتبت فصلا من رسالة سوى ~~كتابين. # وكان يجيش في صدري الشعر فأقول الأبيات أو القصيدة الطويلة وأقيدها في كتاب لا ~~أطلع عليه أحدا. وقد ضاعت أكثر تلك القصائد إذ تساقطت أوراقها كما ضاعت عدة من غرر ~~قصائدي بين أوراقي التي أخذها الجواسيس بالآستانة، فتلك السوانح أتلهف عليها وأبكيها ~~ما دمت حيا. # وما مضى علي الحول إلا ولي أصحاب كثيرون من الأجانب، أولئك قوم خففت موداتهم ~~لواعجي، ألفيت منهم ودا لا يشوبه الهوى، ما نابتني نائبة من حدثان الدهر إلا تسابقوا ~~إلى داري بوجوه كنت أقرأ على صفحاتها سطور الوفاء، فمن هؤلاء الدكتور جويت قنصل ~~الولايات المتحدة الأمريكية (هو الآن قنصل الولايات المتحدة في طرابزون)؛ فقد كان الرجل ~~مني بمنزلة الأخ، وكذلك عقيلته وشقيقتها المس باوس، ولما مرض أكبر أنجالي بالحمى ~~التيفوئيدية جعل الدكتور جويت يعوده كل يوم مرتين. وقد تولى معالجته مشتركا مع ~~صديقي الدكتور خسرف هكيميان، وكانت المادام جويت تأتينا صباح كل يوم فتظل ms260 في خدمة ~~المريض إلى الظهر، ثم تذهب لتتغدى، ثم تعود فتمكث عندنا إلى الليل، لم تنقطع يوما ~~واحدا إلى أن شفى الله ذلك الطفل على يدي الطبيبين وعلى يدي هذه السيدة ~~الفاضلة. # ومنهم المسيو لابورت قنصل فرنسا، شاب لم يبلغ يومئذ الثلاثين من العمر، كان كذلك مني ~~بمنزلة الأخ. ولقد لمته ذات يوم على كثرة دنوه من سرير ابني في إبان مرضه، فابتسم في ~~وجهي وقال: لا تخف علي شيئا، أبواي لقيا ربهما وليس لي زوجة ولا ولد يهمني ما يصيران ~~إليه بعدي. فقلت: بل لك إخوان كلهم يفديك بحياته ويستزيد لك الصحة والسلامة. # ومنهم المسيو مونتي سانتو، ترجمان قنصل الولايات المتحدة الأمريكية (هو الآن فيس قنصل ~~الولايات المتحدة في طرابزون). ومنهم المرحوم المسيو أصلان، رئيس حسابات البنك العثماني ~~بسيواس، كان مثالا في صدق المودة، امتاز بالجرأة واستخفاف المهالك حتى أودى شهيدهما ~~في بعض مسيره إلى الصيد، ولم يبلغ من العمر أكثر من الثمانية والعشرين عاما. ومنهم ~~المسيو سالجاني، مدير البنك العثماني، والمسيو دوتوليدو أحد الذين خلفوا المرحوم أصلان، ~~ومنهم المسيو بون هنري قنصل فرنسا بعد المسيو لابورت وعقيلته؛ فقد قضينا معهما شتاء ~~كاملا، في ليال نسينا بها أننا وراء جبال الأناضولي، وخيل إلينا أننا مقيمون ~~بباريس بين محاسنها وبدائعها. # أما الموظفون العثمانيون، فمنهم صديقي الأوفى أرستيدي باشا معاون الوالي (هو الآن ~~عضو في مجلس الأعيان). وقد تخرجت علي كبرى بناته في اللغة التركية، لن ينسيني كرور ~~الأيام ما لقيت من هذا الشهم وآله من جميل الود، فما استحدثت الأيام لي معضلة إلا كان ~~حلها بيده. وأرستيدي باشا رجل من نخبة العثمانيين فضلا وأدبا، وله في وظيفته آثار ~~تشهد له بما أوتي من الحكمة والرأي. # ومنهم أسعد بك رءوف، سكرتير الولاية (ثم جعل متصرفا لمرسين)، وأظهر في المذابح ~~الأرمنية من الحرية والعدالة ما يتباهى به العثمانيون. # فكنا إذا جاء فصل الصيف ننصب الخيام خارج البلدة بالقرب من مصنع الدقيق الذي أسسه ~~خليل رفعت باشا؛ فهنالك بارض النبت في ألوانه الزاهية، ms261 وهنالك الأشجار المتكاثفة ~~والينابيع المتفجرة والأنهار الدافقة والجبال الشاهقة والنسائم المعتلة، نقيم تحت تلك ~~الخيام المتجاورة شهرا أو أكثر كسكان البادية، تصبحنا الشمس المشرقة ويماسينا البدر ~~المتكامل من وراء الأكمة، ونحن نرتع في تلك المحاسن، فآونة نطوف متصيدين أنواع الطير ~~وتارة نذهب إلى منهل عذب نعل صافيه ونصيب عنده طعامنا، فلا ينتهي الموسم ونرجع إلى ~~البلدة إلا ممتلئين صحة وشبابا، فنقضي أيامنا بذكر تلك الأوقات ونقيم على التزاور ~~والتواد والصيد ونحوه طول فصل الشتاء؛ وهو تسعة أشهر، حتى إذا عاد الصيف عدنا إلى ما ~~كنا فيه. # إني لكثير الحنين إلى تلك الأيام الطيبة، ولولا ما كدرها من ظلم عبد الحميد ~~واستبداده على الأمة لتمنيت عودتها مع أولئك الأصحاب؛ فذلك العيش معلل جانبه. وهنالك ~~الدعة والصفو كلاهما. هذه ذكرى طيبة أوثرها في كتابي تشريفا له بذكر أولئك الإخوان، ~~وما في فؤادي أجمل وأبقى. # وقد وجدت لي أعمالا تعينني على التخلص من شؤم البطالة، فتعلمت حفر الخشب وتجويفه، ~~وأكثرت من التمرن في التصوير الفطوغرافي والتصوير باليد، فكنت إذا ضاق صدري أجد منهما ~~مفرجا للكربة. كذا مضت علي سبعة أعوام في تلك الأرض، فلم أعدم من الحكومة البائدة ~~عدوا يكدر صفو الحياة؛ فقد عشت محروما من صحف الأخبار إلا ما كنت أقرؤه عند ~~إخواني الأجانب، وكانت إدارة البريد لا تدفع إلي الكتب التي يبعث بها شقيقي ومعارفي ~~إلا بعد أن تفض ظروفها وتعلم ما فيها، لم يغنني لديها تظلم ولا استنصاف، وكان مدير ~~البريد والتلغراف من أكبر الجواسيس. # | أهل سيواس # تقدمت في فصولي الماضية إشارات إلى أهل سيواس، فتلك متفرقات لا طائل تحتها. وهذا الذي ~~أذكره أكثر فائدة وأخص بيانا. # إن للأمصار من بنيها أعوانا على اتساعها وتعاظم شأنها وزيادة رونقها وتوفر ثرائها، ~~وما يصيبها من عناية الحكومات مجلوب برغبة الأهلين وطلبهم، وسيواس كغيرها من سائر المدن ~~العثمانية، بقيت على قدمها، وما بقيت عليه في تمام محاسنه بل قامت على أنقاض لم تمسها ~~يد مجدد من أبنائها؛ فهي عنوان فطرتهم ودليل عجزهم. # وبنو ms262 سيواس قوم تعودوا عيشهم فاستطابوه، ولئن قام منهم أناس يشكون حالهم فتلك ~~شكاية لا استمرار لها، تبسامة من وال تنسيها وزجرة من مدير البوليس تذهب بريحها. وإن ~~من آفات الجهل أن يعد المرء شقاوته نعيما، وألا يصدق أن في الحياة الدنيا عيشا ~~هو أطيب من عيشه. # ما اشتاق أهل سيواس شيئا مما بأيدي غيرهم، ولا تاقت نفوسهم إلى إحراز مثله، فإذا ~~حدثهم محدثهم بما في مدن الغرب من مظاهر العمران وقص عليهم أخبار الناس ووصف ~~لهم الكهرباء في نورها الوهاج وقوتها التي تستخف الرواسي؛ ضحكوا ضحك غير المصدق، ~~وظنوا أن الرجل يحدثهم بأشياء لا مكان لها في الوجود. يتساوى في ذلك أشرافهم ~~وسوقتهم، هم يقولون: أعلى هذه الأرض بلد هو أعظم من سيواس؟ أم فيها أقطار أنهارها ~~كأنهارنا ورياضها كرياضنا وخصبها كخصبنا؟ وإذا جاراك محدث إلى ما تعيب من سيواس، فإنما ~~يصنع ذلك تحببا إليك وفؤاده ينكر عليك ما تقول. # وما القوم بمحرومين من العقل ولا ذكاؤهم دون ذكاء الناس، ولكن يغلب على قلوبهم بعدهم ~~عن بلاد الله، وحياتهم التي يتقضى أكثرها على شاهقات آسيا الصغرى، وجهلهم الذي لا يقف ~~عند حد، فيبقى ذلك العقل غير مستخدم ويظل ذاك الذكاء معطلا وغير مستثمر؛ وبذا تتعود ~~النفوس عيش البطالة وتنشأ على العجز والذلة، ولئن كان الطمع مذموما فإن من القناعة ~~لشرا منه. وقد رأيت من فاقة السيواسيين ما لا أقدر أن أصفه ولا أن أقارنه إلى غيره، ~~تلك فاقة منسوجة على غير منوال، وأشد ما فيها ألا رجاء في زوالها. وإذا اقتضى الكلام ~~على المتمولين الذين هناك، فقل إن فيهم الموسرين ولكنهم ليس فيهم الأغنياء، ومن كان ~~مجموع ماله ألفي جنيه عد من كبار أغنيائهم، وأكبر غني هناك هو أفيونيان وكل ماله لا ~~يتجاوز العشرين ألف جنيه. # وإن من عجائب ما استقراه العقلاء أن أكثر الأمم غلوا في الدين أكثرها تهاونا في ~~غيره، وما ذهب بمجد اليونانيين وأخر سبق الرومانيين وأضعف سلطان الإسبانيين لجدير بأن ~~يبلغ بالسيواسيين منتهى الشقوة. وما غلو ms263 هؤلاء القوم في دينهم ظاهرا في نسكهم ~~وعبادتهم، بل هو بين في صدهم عن كل شيء يأتيهم من أوروبا. لقد كنت أخرج إلى بعض ~~الخلوات مع رفقة لي، محمولين على الدراجات، فيرجمنا الشبان والصغار بالحجارة، وكم ~~اضطررنا إلى تهديدهم بالمسدسات ردا لأذاهم، فرددناهم وما كدنا، وهم يسمون الدراجة ~~«شيطان عربة سي»؛ أي عربة الشيطان. ولما استمر اعتداؤهم وأعيتنا الحيل في اكتفاء ~~شرهم؛ عمد كل منا إلى دراجته فباعها. # وكانت السيدات الأوروبيات إذا خرجن للنزهة يصحبن معهن رجالهن وخدمهن لكي ~~يردوا عنهن الأولاد إذا رموهن بالحجارة. وهذه الجرأة تجدها عند المسلمين كما ~~تجدها عند الأرمن، وصبيان الأرمن إذا رأوا سيدة أوروبية صاحوا بها: يا مادام، جيوبك ~~ملؤها الشياطين. وقد يغتفر المرء أمثال ذلك من صبية نقصوا تربية وحرموا علما، ولكن ~~ما يقول المرء إذ يرى أمهاتهم يمشين محجبات ساحبات فضول مآزرهن كجماعات الإوز أو ~~كأقطاع الغنم. ولقد يبصرن بسيدة أوروبية أو سائرة بزي الأوروبيات فيسببنها في وجهها ~~ويضحكن من شكلها. هذا جهل لو انقلب علما لأصبحت غربان سيواس فلاسفة. ذاك والمدارس ~~الأجنبية لا تضيع في سوى التعليم وقتا من أوقاتها، فما ظنك بها من قبل أن تدخل جنود ~~العلم أرض سيواس. # ولا يحسبن القارئ أني أرمي بما تقدم من كلامي إلى ذم أخلاق السيواسيين، فذاك ~~بمعزل عن غرضي، بل إن أهل سيواس من أقرب العثمانيين إلى التقويم والتهذيب، وما أظن أن ~~في الولايات العثمانية ولاية تفاضل سيواس في دعة أهلها. ومن المستحسن من محاسنهم أن ~~الجنايات بينهم أقل من الأقل؛ فلقد يمضي الشهر والشهران ولا تقع في مدينة سيواس جناية ~~واحدة. ولقد كثرت في خارج المدن وفي بعض قراها سطوات الصعاليك وقطاع الطرق وأكثرهم ~~من الجركس، ثم أبادهم رشيد باشا عاكف في أيام ولايته فحل الأمن محل الخوف. # وإذا نظرنا إلى أولئك الأقوام وحالهم حالهم من البؤس والشقاء وبقاء أكثر شبانهم ~~بغير شاغل لهم من حرفة يحترفونها أو طريق كسب يسلكونه، وقارنا ذلك إلى اعتصامهم ~~بالصبر وغيرتهم على الأخلاق أن ينتهي ms264 بها الفساد إلى ما لا علاج له؛ عرفنا لهم حق ~~الأدب القومي وأنصفناهم؛ فإن الصناعات التي ذكرتها في فصولي المتقدمة قد انقطع إليها ~~ناس عرفوا بها ولم يترسم خطاهم غيرهم، وسائر الشبان يحيون حياة بطالة ولهو لا طائل ~~تحتها. # | الأمة والشورى # من الناس من يذهب إلى أن الأمة العثمانية كانت تريد الدستور. وهذا وهم لا حقيقة له. ~~من أين للأمة أن تدرك محاسن الشورى ولا عهد لها بها؟! لقد أقرها عبد الحميد في أوائل ~~ولايته أياما ليخدع بها خصومه ويبث بها لهم حبائل الشر، ثم أخذ يرمي بهم واحدا ~~بعد واحد حتى أباد جمعهم وأفنى أكثرهم، ومد بعد ذلك رواقا من الظلم احتبى تحته ~~الراضي والساخط وقضى ألا يحاسب وألا يعاتب، فاشترى أقلاما بذهبه وكسر أقلاما ~~بقوته، وحال بين الرعية وبين الحياة. فمن أين عرفت الشورى وكيف تاقت إليها ~~نفوسها؟! # ما أريد غضا من جانب الأمة ولا تجاهلا لمناقبها، ولكن هو الحق الذي لا يتغلب عليه ~~اللجاج. وليس في ادعاء غير الواقع فخر تناله الأمة، ولا في إبطاله عار يلحق ~~بها. # إن الأمة اشتدت عليها الأوجاع، فتجلدت وكرمت في تجلدها، وما كان ذلك عجزا ولا ذلا ~~بل وفاء وإعذارا، فكان منها من يحمل مصائبها على حكم القدر فيمتثل إيمانا، وكان منها ~~من يتهم حاشية السلطان بإخفاء الأمور عنه ومنع شكاوى الرعية أن تصل إليه، وكان منهم من ~~يقول إن مهب تلك الفادحات هو الغرب حيث عكف ساسته على الكيد لنا والانتقام لأسلافهم ~~الذين وردت سيوفنا رقابهم وأذل سراتنا أعزتهم، ولم يتجاسر أحد من عامة الأمة أن يتهم ~~عبد الحميد في نجواه، فما ظنك بإعلان عصيانه وإنكار سيئاته عليه، وإنما باح ببغضه له ~~وجاهره بالعدوان قليل ممن تعلموا وعرفوا، فهؤلاء هم أعوان الحرية وأنصار ~~الشورى. # إن العامة تحب الشيء إذا حببه إليها زعماؤها وتبغضه إذا بغضه إليها زعماؤها. ~~وزعماء العامة عندنا رجال الدين، وهؤلاء لا يرغبهم في الشورى شيء مما هم منقطعون ~~إليه؛ فهم يحبون أن يظلوا محتكمين على الرقاب، وأن ms265 يبقوا عيالا على الأمة، وأن ~~يلثم الناس أيديهم ويملئوا أكياسهم، ثم إن عبد الحميد اتخذ منهم شيعته وذادته، فما ~~أقر هيبته في القلوب ولا ابتاع له المودات إلا هذا الرهط. فصح إذن أن الأمة لم تكن من ~~العلم بالشورى على شيء. # على أن فريقا - هو متوسط بين الخاصة والعامة - أخذ يبدي ضجرته بعدما طال إخفاؤها، ~~فكان كلما اشتدت وطأة الجواسيس زاد بغضا لرجال الحكومة؛ ظنا بأن أولئك يخدعون ~~السلطان ويخونون عهده لأمته، وكلما حاول فريق الأحرار حمل هذا الفريق على مؤاخذة ~~السلطان أبوا وقالوا: «حاش لله، هو أعظم من أن يتهم في ذمته، أنتم خاطئون، الذنب ذنب ~~من حملهم الأمانة فخانوها.» # قلت يوما لصديقي أمير باشا: ألا يقوم رجل من نجباء هذه البلاد فيجمع بعض الأمة في ~~داره ويعلمها بما هي صائرة إليه من الهلاك؟ أرجو أن يكون ذلك باعثا لها على ~~الانتباه. فقال: إن أهل الشرق لا ينبههم النصح وإنما ينبههم الجوع، فإذا هم جاعوا ~~طلبوا حقهم . # قلت: هذا غلو منك. # قال: بل هو الحق الذي لا يختلف فيه، وما كلمتك إلا كلام مجرب. # وقد أيدت الأيام كلام صديقي، فحدث بسيواس غلاء قبل إعلان الدستور بأشهر قلائل، وأخذ ~~التجار يغلون الحنطة ثم لا يبيعون ما في خزائنهم إلا بعد رجاء تيبس له الألسن في ~~الأفواه، فتظلم الناس إلى الولاية، والوالي إذ ذاك في حوضة ينتظر ما قدر له من غدر ~~عبد الحميد، فلم يتمكن من الإسراع إلى إغاثة الملهوفين، فأقبلوا ذات يوم في جموع يزاحم ~~بعضها بعضا حتى وقفوا على باب الحكومة، فانتهرهم الجندرمة والبوليس، فهاج انتهارهم غضب ~~المتجمعين، فحملوا على الأبواب وعلى الأجناد حملة تزحزح الجبال عن مواضعها، فغلقت ~~الأبواب واعتصم حراسها بالقصر، وكان الدفتردار وكيلا عن الوالي، فأبرق إليه يخبره ~~الخبر ولم يبين الأمر بيانا شافيا، فجاء أمر الوالي برد الناس إلى منازلهم وضربهم ~~إذا أبوا. غير أن الجنود أبت الامتثال وتركت إخوانهم ينهبون المخازن ولا يتعرضون لهم ~~بشر، وما انتهت الفتنة يومئذ إلا حين نفدت الحنطة ms266 من المخازن. # فأقبل علي أمير باشا باسما وأخذ بيدي وهو يقول: نحن لا نجادلكم فيما تعلمون، فما ~~لكم تجادلوننا فيما نعلم؟ أرأيت يا ابن أختي كيف صدق يقيني وكذب ظنك؟ فأما وقد عرفت ~~الأمة أنها قادرة على مغالبة الحكومة وأن صاحب الحق أقرب ما يكون من حقه إذا طلبه ~~بساعده، فإن وراء ذلك لخيرا يرجى. # قلت: حسبك، وعظت وعظا ما خلت أني أسمعه وراء «جاملي بل»، والله على كل شيء ~~قدير. # وكان أهل أرضروم ثاروا قبل ذلك بأشهر على واليهم، فضربوه حتى أماتوه. غير أن ثورتهم ~~لم تكن من الجوع؛ فقد أراد ذلك الوالي نفي رجل من سراتهم، فأخذه من بيته ليلا، ~~فخلصوا صاحبهم وعاقبوا المعتدي عقابا اضطربت له جوانب يلديز، وجاءت أخبار غضبهم هذه ~~نيازي ورفاقه المجاهدين، فجددت عزائمهم وأحيت آمالهم. # ولئن عرفت الحكومة العثمانية الناشئة أن تسترجع الشورى من غاصبها، فذلك فضل تزيده ~~معرفتها باستدامته، ومتى ذاقت الأمة عذب طعم الحرية وفطنت لما تنال في أيامها من الصفو ~~والرخاء؛ أمست وهي أشد غيرة عليها من الأحرار وباتت أمة حرة بأسرها ووضحت لها خطيئات ~~أهل الأهواء. # | ملخص الصور # الفاضل الحر والهمام الأبي أرستيدي باشا؛ معاون الوالي بسيواس، ثم ~~مبعوث إزمير، ثم ناظر الحراج والمعادن سابقا، وأحد أعضاء مجلس الأعيان ~~اليوم. # الصديق الأوفى والشهم الأبي المسيو جويت؛ قنصل الولايات المتحدة ~~الأمريكية بسيواس سابقا، وقنصلها بطرابزون الآن. # الشهم الأبي المسيو أوسمين لابورت؛ قنصل فرنسا بسيواس، ثم قنصلها في ~~بنكوك. # الشهم الحر أسعد رءوف بك؛ مكتوبجي ولاية سيواس، ثم متصرف ~~مرسين. # قلعة سيواس العتيقة. # المدرسة الملكية الإعدادية. # أولوجامع، ومعناه الجامع العظيم. # القبة الكائنة بخارج سيواس. # إحدى حفلات السباق التي أسسها رشيد عاكف باشا بسيواس. رشيد باشا في ~~وسط الصف الأول، وعلى يمينه المستر جويت قنصل أمريكا ثم عقيلته ثم ~~شقيقتها، وعلى يساره المسيو لابورت قنصل فرنسا، ثم آليوز بك حمو ~~السلطان السابق. # إحدى حفلات السباق التي أسسها رشيد عاكف باشا بسيواس. ms267