######OpenITI# #META# URI: 1339WaliDinYakin.Tajarib.Hindawi49472024 #META# Tags: literature #META# ID: 49472024 #META# Title: التجاريب: وهي مجموعة مقالات اجتماعية #META# AuthorID: 96170848 #META# Author: ولي الدين يكن #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة المؤلف بخط يده‏ # 1 - استغراق لحظة‏ # 2 - إن أكثر الجد هزل‏ # 3 - التعصب يخرج الحرية من ديارها‏ # 4 - الأحرار وأعداؤهم‏ # 5 - بعد الموت‏ # 6 - نعم الجدود ولكن بئس من تركوا‏ # 7 - كيف يموت الأدباء في الشرق‏ # 8 - ويل للناس من الناس‏ # 9 - إحدى عواصف الضمير‏ # 10 - التكبر وحداثة النعمة‏ # 11 - بين الوحشين الأب والزوج‏ # 12 - ما أكثر خطوبك يا فروق!‏ # 13 - لعل النهضة الثانية أثبت من الأولى1‏ # 14 - كم تحت هذه السماء من أعين باكية!‏ # 15 - ما يمنع القلوب أن تطير من الصدور؟‏ # 16 - عبد الحميد مبكيا بعد سقوطه‏ # 17 - بين أنقاض الوطن‏ # إلى حضرات القراء‏ # مقدمة المؤلف بخط يده‏ # 1 - استغراق لحظة‏ # 2 - إن أكثر الجد هزل‏ # 3 - التعصب يخرج الحرية من ديارها‏ # 4 - الأحرار وأعداؤهم‏ # 5 - بعد الموت‏ # 6 - نعم الجدود ولكن بئس من تركوا‏ # 7 - كيف يموت الأدباء في الشرق‏ # 8 - ويل للناس من الناس‏ # 9 - إحدى عواصف الضمير‏ # 10 - التكبر وحداثة النعمة‏ # 11 - بين الوحشين الأب والزوج‏ # 12 - ما أكثر خطوبك يا فروق!‏ # 13 - لعل النهضة الثانية أثبت من الأولى1‏ # 14 - كم تحت هذه السماء من أعين باكية!‏ # 15 - ما يمنع القلوب أن تطير من الصدور؟‏ # 16 - عبد الحميد مبكيا بعد سقوطه‏ # 17 - بين أنقاض الوطن‏ # إلى حضرات القراء‏ # | التجاريب # | التجاريب # | وهي مجموعة مقالات اجتماعية # تأليف # ولي الدين يكن # | مقدمة المؤلف بخط يده # ما كان أهنأني وأسعدني # لو كان ينفع معشري قلمي # أنا لي فؤاد لا أنزهه # لكن يراقب ما يقول فمي # ولي الدين يكن # الفصل الأول # | استغراق لحظة # بين صدق النهى وكذب الأماني # وقف الرأي والهوى ينظران # للهوى جرأة وللرأي حكم # والبرايا لديهما شيعتان # يا نفوسا جنى الشباب عليها # قضي الأمر واستراح الجاني # لست ألحاك في زمان غرور # فلقد مر في الغرور زماني # والخيال الذي صبوت إليه # قبل عشرين حجة أصباني # خبر الناس أيها النيل عني # واشهدا معه أيها الهرمان # المغاني التي بكيت عليها # باقيات - تكلمي يا مغان # غازلتني عيون زهرك حينا # وقماريك رددت ms01 ألحاني # وإذا أنت حال عهدك بعدي # فكما شئت مهجتي ولساني # يا ربوع الهوى بأية كأس # قد سقاني فيك الهوى من سقاني # بلبل مشتك وورد مصيخ # انظروا كيف يسعد العاشقان # أضحك الدهر معشرا جهلوه # وأنا مذ عرفته أبكاني # كلما قلت للمنى أدناني # جد حتى عن المنى أقصاني ~~••• # أيها الشرق كيف حالك فينا # ينجلي نازل فيغشاك ثان # هدمتك الخطوب صرحا فصرحا # قوضت من علاك شم المباني # يظلم الناس بعضهم منذ كانوا # طال ظلم الإنسان للإنسان # وإذا كان في الحياة قليل # من نعيم فذاك للتيجان # والعقول التي نخال أنارت # استسرت في ظلمة الأديان # انتهيت من صحائفي السود وما صدقت أن سأنتهي، تلك فصول أدمجت فيها وصف آلامي، وكان طيها ~~خيرا من نشرها لولا لجاجة النفس شديدة النزوان. ولو كان في نطاق الصبر سعة لاسترسلت فيها ~~وبلغت بها غايتها، ولكن كان خير مما لو كان. وهذه فصول تجاريب، أقدم عليها جهلا ~~بمخاطرها، كالموغل في الأجمة بليل مسترخي السدول، لا يدري ما وراء أثلاتها وغاباتها، فإن ~~غمرت من مياهها وفوزت من قتادها، فتوفيق غير مؤمل من مثلي، وإن ملكتني سورة هولها وأخذت علي ~~مراودها ومسارحها، فما أنا أول ضال عن قصده، وفي حسن النية مأساة للآيس وتخفيف ~~للملام. # لقد رأيت قوما راعهم ما قرءوه من فصولي، أولئك فريقان، فريق من المسيحيين وفريق من ~~المسلمين، أكبر كلاهما أقوالي ولم تنشرح لها صدورهم، فسكت عنها بعضهم ولامني فيها بعضهم، ~~وأنا في شغل عن الصامت واللائم، هذا باب اجتهاد فتحته لنفسي، ولا يعرف مرادي أحد مثلي، ومن ~~لا يعتمد ما ظهر من رأيي فليأتني بما يحسبني أضمره أو فليدعني وليذهب عني بسلام، وحسبي ~~اليوم أن أقول ما قاله أكثم بن صيفي: إن قول الحق لم يدع لي صديقا. # رأيت كاتبا قال في أحد فصوله إنه يحتقر من يترك الصوم في رمضان ويجهر بذلك، فعلمت أنه ~~عرض بي - عفا الله عنه - لو باليت مثل احتقاره لكنت في موضع غير الذي أنا فيه، ولسوف ~~أواصل جهادي حتى يقلل الله من ms02 أمثاله، فإن عشت حتى أدرك المرام كان ذلك فضلا من الله، وإن ~~تحل المنية دون الأماني فكم في هذا الشرق من حر قلامة ظفره خير من حياة ألف ولي ~~الدين. # وبعد، فهذا ما أستطلعه في استغراق لحظة، أفكر في الشرق، نجلتني أبوته ونتقتني أمومته، ~~واليوم تشقيني محبته، يا حبذا المهد ويا حبذا اللحد، توسده المجد وليدا ثم توسده ميتا، ~~بلاد وأمم، كلها حبيبة وكلها عزيزة. # قلت في نفسي: ما يقعدني عن إصلاح هذا الوطن الكبير الذي أحبه، فرحت أتخيل، جعلتني حاكما ~~على الشرق كله قريبه وبعيده وسهله وجبله، فشيدت معاهد التأديب، وأقمت بنايات العلم، ورفعت ~~بيوت الصناعة، وضربت للعدل رواقه، ومددت للأمن أطنابه، وزينت أسواق التجارة بالنفائس، ~~واستخرجت من بطون الأرض كنوزها، وخلعت عليها مطارف خصبها حتى سال النضار في جداولها، وقر ~~اللجين في قيعانها، وقلت أقبلت عليك السعادة أيها الشرق وراجعك الإقبال، ووقفت أسائل نفسي: ~~أبقي للشرق شيء يحتاجه، أم قضيت له حوائجه كلها؟ وإذا أنا بمكاني من التقصير ~~والتفريط. # وا حر قلباه! ما ينفع كل ذلك وبين أحناء الأضالع وفي سويداوات القلوب نفوس مستعصية على ~~الخير إذا وكزتها أوضعت وإذا لاطفتها حرنت، فأهلها كالعير لا يسيرون إلا وخلفهم العصا، فمن ~~هؤلاء المعاندون ومنهم الأدعياء والكلفون بالرئاسة كعبيد الله استطال على العرب ثم استثار ~~تعصب المتعصبين على قتل المسيحيين، ثم وقف ينتصر للألمانيين ويحض الناس على قتال الإنكليز، ~~ومثله كثير في البلاد العثمانية وفي مصر وفي غيرهما من بلاد الشرق. # وبينا ينادي حماة الإنسان وأنصار نجدته إلى الإخاء، إذا صحف جديدة تأتينا وكلها دينية، ~~منها المسلمة ومنها المسيحية، جدال استعرت ناره بين المآذن والنواقيس والمشايخ والرهبان، ~~كل يصحح دينه، وكل دينه في غنية عن التصحيح، وما عاقبة هذا، وأين يكون مستقره؟ وقانا ~~الله لفحات قيظه. # قلت: الخطب أيسر، تتفق حكوماتنا على طرد هؤلاء الناس أو تكرههم على السكوت حتى تكشف عنا ~~غماؤهم وتسكن عواصفهم، ثم استطلت تأملي فألفيت المعضلة على أصلها، ما حللت لها عقدة ولا ~~قاربت لعقدة حلا، ms03 ما حيلتنا في هذا البارض النضر الذي أتى به ربيع الحياة؟ أريد فتيان ~~اليوم ورجال الغد، يذهبون إلى مدارسهم فيتعلمون بها ما ينير بصائرهم ويصفي نفوسهم، وينفق ~~عليهم الذهب من خزائن الحكومة وأرزاق أهلهم كالمطر الجود ، حتى إذا أشربته قلوبهم وماج في ~~صدورهم غلبت على شدته نفثة من نفثات معمم أو مقلنس يأتيهم مسترزقا ويدانيهم مجترئا، ~~فرأيت روح عبيد الله تجول في كثير من تلك الأجساد الطاهرة، فقلت وا أسفاه! # وعن لي بعد ذلك خاطر جديد: حال بناتنا، نغدوهن الصحة ونعلمهن النضرة ونربيهن على حواشي ~~العز ونسيرهن في مهرجان النعيم، فإذا بلغن غاية ما تشتهي الأنفس أسلمناهن إلى بعولات ~~كالأزواد جسوما وكالبعوض أحلاما، يرفعون بينهن وبين الحياة الطيبة أسوارا، يغارون عليهن ~~من شعاع الشمس وبرد النسيم، ولا يغارون عليهن من يد الموت ولا ضم الجدث. # فلما كثرت في صدري هذه الوساوس، وأطبق علي ظلام اليأس عرتني هزة كهزة الكهرباء خرجت بي ~~من استغراقي، فندمت على تخيل حول وطول ما خلقت لهما ولا قبل لي بهما، ولا تمنيتهما فيما ~~يتمنى، وصحت وا حرباه! برح الخفاء ووضحت السبيل، وإنا لا محالة خاسرون، ولرب فكر لحظة ~~أفادهم الأبد، ما أهون هذه القلوب على خطوب الدهر! وما أضيع ودائع الأماني في ذمم الأيام! ~~ولو عني الناس بوصف كل هم واغل ووجد مستحدث وشجن مستثار لذابت الأفئدة، وضجت إلى بارئها ~~الأرواح، غير أن الجد في السعي والاستمرار على النصح يهون الخطب ويؤخر يومه، وما أنا من ~~تسمو به همته إلى ادعاء ذلك، ولكن للعلم في عصرنا نهضة شخصت لها الأبصار وعنت الوجوه، وكلنا ~~على آثار رجاله لسائرون، فنعم مفتاح باب المعقل الأشب. # الفصل الثاني # | إن أكثر الجد هزل # التاريخ ديوان العبر ومرآة الأخبار، ثم هو شاهد الزور وراوي الأكاذيب، هذه دعاوي لا تحتاج ~~إقامة البينات، وهذا إيماني لا يزعزعني عنه جدل ولا يغلبني عليه شك، وإذا كان فيما لدينا من ~~أخبار القرون الأولى شيء لم يموه بالكذب فذاك قليل بل أقل من القليل، ومن البلية ms04 أن لا ~~نستطيع التمييز بين الصدق والكذب في واحدة من تلك الروايات لبعد العهد وامتناع ~~المرجحات. # وفيمن أطراهم أهل التاريخ أناس مجدهم من غيرهم: معاوية سوده ابن العاص والعباس توجه ~~الخراساني، باء الملكان بالسؤدد والعز وفاء الخادمان بمواهب وقعت ثم انتزعت، والملكان ~~كلاهما ثائران عاصيان صدقهما الجد، وجرت على ما يبغيان الحوادث، فنشأت دولتان كبيرتان ملأتا ~~أكثر الصحائف من كتاب التاريخ. # كنت جالسا ذات يوم مع صديق لي من خيرة الكتاب، فجرى بيننا مثل هذا الحديث، فقال صديقي: ~~احمد الله أن أحرقت دار الكتب التي كانت بالإسكندرية، قلت ولم ذلك؟ قال: من يدري كم حوت ~~من الأحاديث الملفقة والأكاذيب المبتدعة فأكلت النار جميعها، وزالت عنا حماقات لو دامت لنا ~~لأضلت عقولنا، قلت: صدقت. # إن الأزل والأبد لمجهلان من مجاهل الزمان، ما ارتاد أحدهما فهم من الفهوم إلا أضل قصده، ~~ما سيكون مثل ما كان، ولأن تشابهت الوقائع والحالات فإن بينها لاختلافات جمة لا تخفى على ~~اللبيب، والظنون - قاتل الله الظنون - تأوي إلى نفوس الكاتبين فتذر عقولهم حيارى وتسير ~~أقلامهم مفترية وآثمة، والويل لمن طابت سريرته وحسن إيمانه، فذاك يعيش على ضلال ويموت على ~~ضلال. # هات بعض ما كتبه المؤرخون في عبد الحميد يوم لم يخنه جده ولم ينقلب عرشه، ثم اقرأ ذلك ~~ممن لا يعلم صدقه من مينه يقل لك: إن عبد الحميد ملك لم تطلع الشمس على خير منه، ويصدق بما ~~قيل من زور وبهتان، ولو فاز العرابي في ثورته ووفت له الأيام بلباناته لصرت الأقلام بمدحه ~~وتغنت الأفواه بمناقبه، وعبد الحميد أحد الظالمين والعرابي أحد العاصين. # يقولون التاريخ، وما هو التاريخ؟ إفك وتأثيم، وإن بين من سودوا صحائفه ونطقوا بكذبه ~~لأناسا أجفل عنهم الحياء، يحكون حكاية الشاهد لا السامع، ومنهم من يتبع روايته قسمه، ~~إصرارا على الزور وإلزاما لقارئ كتابه، ألا شاهت تلك الوجوه. وإن فيما حدثنا به المؤرخون ~~مثل قصة الزنبيل التي رواها الموصلي عن زواج المأمون ببوران وما زعمه صاحب العقد من حديث ~~الرشيد مع أم ms05 جعفر حين هم بقتل البرامكة، وما أدعوه من أمر الذلفاء وابن عبد الملك الأموي ~~لظرفا وأدبا، ولكنه تضليل لعقول الناس وعار يلزم من نقله من المؤرخين. # وبينا نعلل الأنفس بأن ستذهب عنا هذه الخيالات وتبقى لنا الحقائق، إذا بنا نأتي بما لم ~~يسبقنا إليه السلف، كأن قد قضي على هذا الخلق أن لا يسمع إلا لغوا ولا يعلم إلا كذبا، ~~وما فضل عصرنا على خاليات العصور إذا بات علم من علومه ظنا من الظنون. # توجهت يوما إلى صديقي جورجي أفندي زيدان، فأقبل علي بأنسه وحديثه، ثم أتى ذكر صحف ~~الآستانة، فأتينا على حسن طبعها وجودة ورقها ورقة صورها، فناولني مجلة من مجلات فروق اسمها ~~«رسملي كتاب»، وإذا فيها صورة رجل لو كان جهله علما لكان إلها، كتب في أسفلها أن صاحب ~~الصورة من مشاهير الكتاب، قلت يا صقع الله هذه اللحى، ويا عوج الله هذه الأشداق، وقلت إن ~~زماننا كزمان غيرنا، ولكن للماضين عذرا ونحن لا عذر لنا إن شاء الله. # ورأيت كتابا لعثماني - هو نزيل مصر الآن - اسم الكتاب «ما كابدته في سبيل الوطن»، وموضوع ~~الكتاب من على الأمة وذم في جمعية الاتحاد والترقي، وكل هذا يجوز أن يغلب عليه الصفح ~~الجميل، ولكن قدح المؤلف في الماسونية أو كاد، فسمج عندي تطفله، ورأيت علمه دون كبره ~~فأنزلته منزلة لن يرقى منها درجة ولو أدلت الكواكب إليه أسبابها. # أما آن أن نفيق؟ سكرة هذه يذهب فيها عمر الأبد، كاد الدهر يموت ونحن كيوم خلق من يدعونه ~~آدم. وبعد، فلا ننثني عن التماس الجد وادعائه والهزل ينطق من عيوننا ويبدو على نواصينا، وما ~~يمنعنا أن نحسن نفوسنا أو نقوم طباعنا إلا كلف بما يغاير الحكمة. # لقد أمر بالمكتبة من المكتبة فإذا لاحت لناظري مجلداتها في ذهبها ونقشها أعرضت عنها ~~إعراض السائم، وقلت كم في بطونك من زور، وكم تنطقين عن هوى؟ وسبيل العزاء أن نقول كذا شاءت ~~الأقدار، وما تشقى الأقدار، بل يشقى أنفسهم الناس. هاتوا من ينقض كلامي هذا، نعم ms06 نعم، إن ~~أكثر الجد هزل، وإن التاريخ ديوان العبر والأكاذيب. # الفصل الثالث # | التعصب يخرج الحرية من ديارها # هلموا إلى نجدتها يا أحرار # أسير بدار الظلم أعياه آسره # أما من فتى في الناس حر بناصره # أفي الناس أحرار وفيهم أحبة # فما لأخيهم لا يرى من يؤازره # عفاء على الزوراء بعد جميلها # إذا ربعه المعمور أخلق داثره # ألم به خطب من الجور فادح ~~«كما انقض باز أقتم الريش كاسره» # تنادوا به والضغن ملء قلوبهم # وقالوا وحيد ما لنا لا نكاثره # فإن نكفه نكف الشديد مراسه # وما بعده فينا عدو نحاذره # فطافوا به من خلفه وأمامه # كما طاف بعد المحل بالربع زائره # أحين هوى عبد الحميد بعرشه # وغبره بالذم في الناس غابره # يقوم رجال يستعيدون عهده # وفينا نيازي قائم وعساكره # ألا قد بغت هذي العمائم بغيها # فدارت على القوم الكرام دوائره # ألا لا نرجي العدل والعدل دوننا # موارده محمية ومصادره # تجلى زمانا ثم لم تبتسم لنا # أوائله حتى استسرت أواخره # بأي كتاب أم بأية سنة # يجازى على قول الصواب معاشره # بأي كتاب أم بأية سنة # يريدون طي الحق إن قام ناشره # سلام على الأوطان من بعد مأمل # ذوي وأرق الإقبال منه وثامره # سلام على الدنيا سلام على الورى # سلام على العهد الذي قل شاكره # سنبكي على العيش الذي كان غرنا # وقد ساء ماضيه وما سر حاضره # سقى الله أجداثا علت شهداؤها # بكل ملث الودق تهمي مواطره # قضوا تحت أسوار الحصار حمية # ولم تغن عن عبد الحميد دساكره # فإن يك بالدرويش قد زل جده # فهذا عبيد الله حلق طائره # أقام على الأطلال كالبوم ناعيا # يبشر بالتخريب ساءت بشائره # فأما قضى فيكم جميل بحسرة # ستبقى عليكم شاهدات مآثره # وإن تحجبوا من فضله كل باهر # فليس ضياء الشمس يحجب باهره # أخي وفجاج الأرض بيني وبينه # أعيذك من هم تبيت تساوره # أعيذك من وجد يضيفك نازلا # وأهوال ليل مظلم أنت ساهره # توقف في ظلماته غير منجل # كواكبه تسطو عليها دياجره # تشوفك البيت الذي كنت بدره # لقد أظلمت ms07 حزنا عليك مقاصره # وأصبح زاهي الروض بعدك يابسا # وناح على دوحاته لك طائره # فإن تظلموا فيكم جميلا لغاية # فإن جميلا ليس يغفل ثائره # وإن فريق الظلم إن طال ظلمه # سنمشي إليه بالسيوف نبادره # أيها العالم الجليل أستاذي الدكتور شبلي شميل: أهبت بنا فأسمعت، قرأت في المقطم ما سطرته أناملك الطيبة، وأنا طريح الفراش طليح الهموم، ~~فخلت السقف وقع على رأسي ونهضت واقفا، وها أنا أسطر هذه السطور ولا أدري هل أجد جلدا إلى ~~إتمامها. # كنت قرأت ردود المؤيد على العلامة الزهاوي فاستشعرت وجلا وأحس قلبي بالشر، ثم عاجلتها ~~بكلمة عنوانها «المرأة المسلمة بين القاتل والفادي» نشرت على صفحات المقطم الأغر، غير أن ~~كلام السوء أنفذ سهاما وأشد إصابة لمقاتل الرجال من كلام الخير، فذهبت صيحتي ولم يرجع لها ~~صدى، ودوت صيحة المؤيد وأشياعه لتمام المحنة ولشقوة الأمجاد، هكذا دأب الشرق يفلح الغاش ~~ولا يفلح الناصح. # قلت حين نبذوا لنا جيفة الدستور: نؤازر هؤلاء القوم القائمين فينا بالأمر، ربما أصابوا من ~~حيث لا يشعرون، وكم رمية من غير رام، ثم أوائل الدول تأتي بمخلوقات عجيبة كصندوق الدنيا ~~فيه عجائبه، وقلت اطمئني أيتها القلوب واسكني يا ثائرات النفوس، ووقف إخواني العثمانيون ~~يتفرجون فما راعنا إلا مذابح وفتن وغارات تتلوها غارات، وصخب وضجيج بين نواب الأمة يتجاذبون ~~أطراف الفوائد، كل يريد أن يسمن كبشه، فبدت السرائر في أشكالها وألقت الأفواه بما أخفته ~~الصدور، فقلنا على الآمال والمستقبل السلام. # ولما افتر التعصب عن نواجذه أقمنا نقصد المراثي لننوح بها على الوطن في جدثه، غير أننا ~~حاربناه فغلبنا، واستجرنا بأنصار الآدمية فلم نجد مجيرا، وما بنا أن نلقى المنية في ~~جهادنا، ولكن من لهذه المخازي بعدنا يسجلها في دفاترها السود لتبقى عظات خالدات للأعقاب؟ ~~هذا داء أعضل قلت الحيلة في استئصاله، وأنت طبيب لا يزاد مثلك علما، وترى عبيد الله يسعى ~~في أديم كأديم التمساح، لا تعمل فيه النبال ولا رصاص المرتيني، ومن لنا بماوزر أولوبيل ولي ~~متفورد فنجربه في جسده عسى يستشعر ألما أو ms08 يحدث في خلقه تغيرا، هيهات هيهات! # وكم من مثل عبيد الله، وقوفا مشمرين يحفرون للوطن لحده، والأمة تنظر ولا ترى، هي في حاجة ~~إلى الدرس والدرس فات زمانه، وما يجدي الدستور إذا كان الشعب لم يتهيأ للدستور؟! جنى جان ~~جناية كلنا مأخوذون بها اليوم. # وجرم جره سفهاء قوم # فحل بغير جارمه العقاب # أخواننا الذين يظلهم الدستور العثماني لا قبل لهم بمعارضة الحكام، وهم معذورون، ثم شفار ~~أرهفت وسيوف سلت تقتطف الرقاب كما تقتطف الثمار، ومن قام مصوتا بصوت قامت عليه نوادبه، ~~ونوابنا - حماهم الله عيون الحاسدين - كجماعة الإوز تتحاوم على مناهل الماء، لكل امرئ منهم ~~شأن يغنيه، وفي القتيلين على جسر غلطة عبرة للسائلين. # أما لو يفيد العتب لعصفت به عواصف هذي القلوب، أما لو يغني النصح لامتلأت به بطون ~~الدفاتر، ولكن قال أبو الطيب: # يراد من القلب نسيانكم # وتأبى الطبائع على الناقل # على أنني أرى رأيا أخاله يخرجنا من هذا المأزق، ولا تتسع له هذه السطور، وما هو مما ~~ينشر بالصحف السيارة، فاضرب لي ميعادا توافيني فيه إلى عند الأساتذة أصحاب المقطم، هنالك ~~أبسطه لكم وتنظرون أنتم فيه. # وبعد، فيا أيها المسلمون، أنا مسلم مثلكم، يحزنني خسرانكم ويشركني معكم مصرعكم، هؤلاء ~~الرجال الذين أثقلت هاماتهم العمائم أكثرهم لا يعقلون، كان عبد الحميد يقتل الناس ويظلمهم ~~وينفيهم وينهب الخزائن، وكل هذا حرام في دينكم، فما قام في وجهه واحد منهم ناصحا أو ~~رادعا، ولكنهم اليوم - وقد وسعتهم بلاد الحرية - يكرهون أن يروا حرا يتكلم، يهاجمون من ~~لا يكون من فريقهم، يملئون الدنيا صخبا وضجة، يكفرون الساعل والماخط والآكل والشارب حتى ~~لقد زهدونا في الحياة، وهم أشد الناس بها تعلقا، فلا تجعلوا لهم سلطانا عليكم فيكسبوا ~~من خسرانكم ويسعدوا بشقائكم وأنتم لا تعلمون. # إن ينزل بالزهاوي نازل من الظلم فتلك سبيل أبناؤكم سالكوها غدا، فإلا يحزنكم مصرعه فإن ~~في مصارع أبنائكم ما يستدر جامدات العبرات، إيه لكم! قطعت الشعوب أشواطا في منازل الحياة ~~ونحن إلى الوراء راجعون، لا تكونوا واسطة السوء ms09 بين الأسلاف والأخلاف، أما لتقذفن لكم ~~الأرحام بأضاحي كالتي شهدتم، تلبسون ليومها السواد ويطول عليها أنينكم تحت طيات ~~الدياجر. # استجار المقطم الأغر بالوالي وبالرئيس - لك الله - إنما تستجير من الرمضاء بالنار، بحت ~~الأصوات وتقطعت الأنفاس واضطربت الجوانح وعيت الألسن وشلت الأنامل. # وقد أسمعت لو ناديت حيا # ولكن لا حياة لمن تنادي # ألا في سبيل المجد والحق والحرية شهيد جديد، إذا لم يخنه جده ويرن في الأسماع نعيه فقد ~~جاوز مهالك عظيمة، وإن حم حمامه - لا قدر الله - فإنا له ثائرون أو به لاحقون، وليرو ثراك ~~أيها الوطن بدمائنا إن لم تروه أنهارك، ولتقم في جوانبك المناحات على أنصار الحرية وأبناء ~~آدم شهود. # 1 # الفصل الرابع # | الأحرار وأعداؤهم # قال قيس بن زهير: # إذا أنت أقررت الظلامة لامرئ # رماك بأخرى شعبها متفاقم # فلا تبد للأعداء إلا خشونة # فما لك منهم إن تمكن راحم # لله أبوه! ما أصدق قوله، وما أعرفه بمواضع الرأي! إن طوائف المتعصبين الذين أجفلوا من ~~سيف الحرية وأظهروا الرضاء بالانقلاب العثماني يصدق فيهم هذا الكلام، لقد خفضوا لنا أجنحة ~~الذلة وأبدوا جانب الاستكانة رهبا لا رغبا، والظلم كمين في نفوسهم يخمد الضعف جذوته وتلهب ~~القوة جمرته، ولو أمكنتهم الغرة لاقتحموا إلينا الأهوال ولأخذونا من نواصينا ولجرونا على ~~بطاح الأرض جر المحتطب حزم الوقود، كل ما تتحرك به ألسنتهم من قول لين يخرج من قلوب ~~استوطنها الجبن، وتوجبه عزائم استولى عليها الخور، يكذبوننا المودة ويحتفرون لنا القبور، ~~يد قد بسطت بالضراعة، وأخرى في قائم العضب ومقلة مسبلة بدمع كاذب، وأخرى تتحرى مواضع ~~الأسلاب، هذا هو الود الذي مزقه التخالف وتحاول أن ترفعه الحاجة، باءوا بإثم الغواية كما ~~استقلوا بخزي النفاق. # أقام عبد الحميد بصرحه الممرد ثلاثة وثلاثين عاما، كان كلما أنحى بشفرته على رقبة علت من ~~جوانب ملكه صيحات الصائحين، الله أكبر الله أكبر، وكانت كلما غذت الوالدات أطفالهن ناداهم ~~أولئك الأبرار: أسمنوا ضحاياكم. وكان الملك الأحمر بين أقطاع الضعاف من رعاياه تتساقط حوله ~~الذبائح والمنابر تهتز بالأدعية والمدائح. قالوا ms10 في تمجيده: ظل الله في أرضه، وسلطان ~~البرين والبحرين، وخادم الحرمين الشريفين، باني الكون، المتصف بصفات الملائكة، من عتبته ~~بمنزلة الأفلاك، وقالوا في الدعاء له اللهم أطل في العز أيامه وحكم سيوفه في رقاب أعدائه، ~~وانصر عساكره وامدده بجنود من ملائكتك. ورعاياه المذبوحون يسمعون وهم في آخر كل دعاء يقولون ~~بفم رجل واحد آمين اللهم آمين، مولين وجوههم شطر القبلة شاخصة أبصارهم مبسوطة أكفهم، ونحن ~~نقول: يا هؤلاء نحن مظلومون، فيقولون: أنتم كاذبون بل أنتم معتدون. وما فتئت الأمة المسكينة ~~يقص زمان عبد الحميد من حواشيها حتى أودى خيارها وبقي شرارها، وهم اليوم يكفرون الباء ~~الملل ويحاولون أن يستعيدوا الكرة. # الآكل من كسب غيره وهو قاعد لا يحمل نفسه عناء السعي لرزقه، وإذا علمت الأمة حقائق ~~الأشياء وبصرت بضلالات أهل التعصب قبضت عنهم جدواها ومنعتهم ورد جودها، والقوم يعلمون ذلك ~~ولا يدانيهم فيه ريب فمن أية الطرق يأتي نحوهم الإنصاف؟ لو جمعنا العمائم التي بالبلاد ~~العثمانية وجعلنا بعضها فوق بعض بنينا حصنا يعجز عن هدمه أسطول إنكلترا بأسره، ما في هذه ~~الجوزات ما يرجى منه أقل الفوائد إلا آحاد لا يصعب تسميتها، وما بقي من ذلك الجمع العديد، ~~فأنصار للاستبداد، سواء عليهم حق وباطل، لا يعجبهم من الحياة الدنيا إلا الجفان أو ما يكون ~~ثمنا للجفان، أروني واحدا من هؤلاء للمبردين يكون جاد بدرهم واحد في خير يريده - يا بعد ~~ما تمنى به النفوس - هذا والقوم كلهم مثقلون بالصفر والبيض يجعلونها في أشداقهم كما تجعل ~~القردة مآكلها في أشداقها خيفة خاطف يخطفها، ثم إذا التفت عليهم المحافل ألفينا كل عثنون ~~كحديدة الفاس يضطرب غضبا لرأي رآه أحد العقلاء، فكم من عنفقة كذنب السمكة تهتز على ~~أثرها وتغضب لغضبها، ما أشقانا بهذه المخلوقات! # يغشوننا ونغشهم، ختل بختل، كل فريق يود أن يحرز الغلبة على مضاده بحيلة يحتالها، ~~ولبئست أسباب الفوز في هذه الحرب العوان اتفق المنافقون من أدعياء التقوى أن يظهروا حسن ~~النية ويبدوا جانب الود لمخالفيهم، وذلك بعد أن شرت ms11 سيوف أبطال الحرية من النفوس وباعت، ~~فلما أفرخ روعهم وثاب إليهم بأسهم السالف أسمعونا صريف أنيابهم وقلبوا لنا صفحة الود، وأضحت ~~تلك الألطاف أحاديث مغتبق ذهبت الكميت بلبه، أو أهازيج طير استطير من عشه فذهبت الريح ~~بصداها . # آكل اللحم لا يغذوه النبات، والسمك لا يعيش في غير الماء ولو فرشوا له خدود الملائكة ~~وجعلوا مساكنه سواد المقل، والمعمم لا يطيب له مقعد على متن طائرة ولا على ظهر دارجة، ~~ومخادعة الناس بدعة من بدع عبد الحميد، وليس من الإنصاف أن نبغض الرجل لظلمه حتى نزيله عن ~~سلطانه ثم نعاود شأنه ونستعيد سيرته. # وبعد فقد رأى قراء المقطم الأغر عجائب في نهج حكومتنا العثمانية - رعاها الله - تأتي ~~بالواحدة من باهرات الحكم حتى لتعشى عندها الأبصار وتتضاءل أنوار الفهوم، وبينا تلهج الألسن ~~بإطرائها وتعقد الخناصر على كل أعجوبة من مآثرها إذا بها كممثل الفصل المضحك في آخر رواية ~~كلها حكم وكلها عبر. وما نريد أن نحصي تلك الخطيئات، وليس فينا شامت ولا بيننا عدو رقيب. ~~إن لنا في مفاخرها ومخازيها لنصيبا يصيب كل مستظل براية الهلال، غير أننا معيرون بهاتيك ~~الخطيئات ملزمون من خصوم غير غافلين بإلزاماتها، لا حكمة نستبين بها المراد مما نرى ولا في ~~أولي الأمر من يتكلفون بيانا لما أشكل علينا، وليس لدينا من يدعي علم الغيب ولا من ~~يستطيع كشفا لما تخفيه الصدور. # واقعة العلامة الزهاوي ليست فذة في مواليد الشرور، ولكن لها أخوات تخالفها ظواهر وإن لم ~~تخالفها حقائق، لقد وقع مثلها لصديقي العثماني الحر يوسف سامح بك أحد الموظفين في نظارة ~~الحربية المصرية، ولو كان هذا الفاضل ممن قضى عليه شقاء الجد أن يقيم في بلادنا الدستورية ~~لسمعنا على بعد الديار أنينه في سجنه وصليل السلاسل على سواعده. ويوسف سامح رجل من ~~العثمانيين الأحرار الذين هاجروا من بلادهم، ورأوا في أرض مصر أكنافا موطأة وجوانب مذللة ~~فصدقها الخدمة وصدقته الجزاء. ولما انتشلت الأمة حريتها من كف سالبها وتباشر الناس بعهد ~~جديد وصفو مقبل رأى أن يتحف ms12 إخوانه العثمانيين من العنصر التركي بكتاب جليل الفائدة جامع ~~لأشتات الحكمة، وهو كتاب تحرير المرأة الذي وضعه العالم الحر المرحوم قاسم بك أمين، فترجمه ~~إلى التركية بأجمل أسلوب، فأصدر مجلس الوكلاء بالآستانة قرارا إداريا يمنع به دخوله إلى ~~الأقطار العثمانية، وقد علمنا أن الحكومة توخت هذا الجنف استرضاء لفريق المتعصبين، فهذا ~~قلم مذرب تريد الحكومة الحرة أن تكسر شباته، والدستور رهين الإرادة، فيوما هو بمنزلة ~~الوحي ويوما هو مهجور ومنسوخ، قاتل الله الأهواء. # لا ندري ما خطب حكامنا، يقودون أم يقادون، الأمة قاصرة وقيمها الحكومة، وإذا أطاع ~~القيم أهواء القاصر تعطلت أحكام الحكمة، وما أرخي العنان لقوم حديثي عهد بالعتق إلا اشتد ~~جماحهم وتعذر كبحهم، وكما ضمنت الحكومة تعليم الأمة فرض عليها أن تضمن تربيتها. إن لأهل ~~الصلف المتزهدين والمتورعين من الخطل ما لا يستطاع معه إحكام أمر، وحسب هؤلاء أن تدر ~~عليهم هبات المحسنين وأن يأتيهم رزقهم غدا، إن يقنعوا فذلك الكفاف وإن يطمعوا فيما وراء ~~ذلك فنصح نافع أو زجر رادع أو لجام مصرف في يد تعودت حبس الأعنة واقتياد الصعاب. # الأديان مناهج للناس إلى ما يستطاع من الكمال، فإذا هي تجاوزت ذلك وأضحت سلعا يتجرون ~~بها كان شرها أكثر من خيرها، وإن من أشد ما ينزل بالحر أن يبلى بقوم لا تسمو مداركهم إلى ~~مقاصده فيتعسفوا في تأويلها الشبهات، حتى إذا أعيتهم المناظرة وأعوزتهم الحجج عمدوا إلى ~~الفساد فاستثاروا العامة إلى الوقيعة وفزعوا إلى الختل والغدر، وأكبر من هذا أن تكون ~~الحكومة عونا للمفسد على المصلح لا اعتقادا بإيمانه ولا إعجابا برأيه، بل تحببا إليه ~~وإقرارا بالعجز عن إخضاعه وتقويمه. # لقد ذهلت حكومتنا الدستورية عن الدستور في قضية الزهاوي، وفي كتاب المرأة الذي ترجمه ~~يوسف سامح بك، ثم فعلت مثل ذلك بكتاب كان ترجمه صديقي العثماني الحر الدكتور عبد الله بك ~~جودت، كفانا الله شر الآتية من الهفوات، فهي - ولا شك - أشد وأنكى. # قيل لرجل: لم لا تصلي؟ فقال: إن الله توعد المصلين في قرآنه الكريم إذ ms13 قال: # فويل للمصلين ~~، قالوا له: ولكن بقية الآية تنفي زعمك، ~~وهي قوله تعالى: # الذين هم عن صلاتهم ساهون ~~، ~~قال: إنما ذكرت ما أحتاج إليه وتركت ما لا حاجة لي به. ولأحد الشعراء الأقدمين بيت في مثل ~~هذا المعنى وهو قوله: # ما قال ربك ويل للألي سكروا # بل قال ربك ويل للمصلينا # فهل تريد حكومتنا أن تجري في اتباع أحكام الدستور على هذا المنهاج، تحتفظ بمالها وتسهو ~~عما عليها؟ إن هذا إلا ضلال مبين. # عمرو بن معدي كرب الزبيدي كان من الصحابة، توجه ذات يوم إلى صديق له فحياه بقوله: عم ~~صباحا، فقال الرجل لعمرو: أو لم يبدلنا الإسلام عن هذا بما هو خير منه، وهو السلام عليك، ~~قال عمرو دعنا مما لا نعرف، هل لك في جدي مشوي وخمر معتقة؟ قال الرجل: أتشرب الخمر وقد ~~حرمها الله علينا في كتابه؟ قال عمرو: والله إني سمعت ما بين دفتي المصحف فما وجدت لها ~~تحريما غير أنه قال: # فهل أنتم منتهون ~~، فقلنا: ~~لا. # لقد مضى على الهجرة ثلاثمائة وألف عام فأروني اليوم رجلا يقول مثل ما قاله ذلك الصحابي ~~ويبيت في مأمن من خطب يحل بساحته، أما أننا ليصدق فينا المثل الفرنساوي: أشد تمسكا بالملك ~~من الملك. # لكل ذي فكر رأي يراه، فإن كان صوابا فالفوز له وإن كان خطأ فلا جناح عليه، والمدارك ~~درجات بعضها فوق بعض، ودركات بعضها دون بعض، وإن أمامنا لدستورا يشمل حكمه رقاب الأتقياء ~~وغير الأتقياء، حسبنا ذلك هديا وحسبنا شرعا، البار أخونا والفاجر أخونا، ورحمة الله وسعت ~~كل شيء. # نبئت أن رجالا من أهل الفضل جمعهم محفل أدب ليلة نشر استفتاء العلامة الدكتور شبلي ~~شميل، فأخذ كل يظهر ما عنده، فقال قائل: إن الزهاوي رجل متبذل في دنياه، وقد كتب ما ~~يعترض أصل الدين، وأرى أن نؤاخذ الحكومة العثمانية من غير هذه الوجهة، قلت هذا ينطق لسان ~~حاله بقول ابن الصمة: # وهل أنا إلا من غزية إن غوت # غويت وإن ترشد غزية أرشد # تفتأ هذه الحسرات ms14 تأكل قلوبنا وتستطير آمالنا وتوهي عزائمنا، لولا ذمة توجب مواصلة الجهاد ~~ونخوة تأبى إقرار الظلامة، فإن يحرم إخواننا الذين هم في أوطاننا من ثمار ما تجود به ~~كبيرات العقول فإن تلك الكتب باقية خالدة، لا تمحى كلماتها ولا تجفل معانيها، ومن صبر ~~ثلاثة وثلاثين عاما يصبر عشرة أخرى حتى يأتي الفرج، وإنه لآت وأنوف المتعصبين راغمة، ~~فاطمئني أيتها النفوس اطمئني. # الفصل الخامس # | بعد الموت # أما آن أن يسترجع الدهر ما مضى # فترجع آمال وتقوى عزائم # لقد كدت أنهي النفس عما تريده # من النصح لولا ما تجر العمائم # وما زالت الأيام حربا على النهى # فإن سالمت حينا فختلا تسالم # أرى الناس هاموا بالمعالي صبابة # ولا عجب أني كذلك هائم # وهذي طباع لا يرجى انتزاعها # تناط بقوم إذ تناط التمائم # ستبقى بلاد الله تطلب منصفا # وهيهات أن ترضى بذاك الصوارم # بعد الليالي الطوال والسهاد المستديم والسقام المبرح وحوادث تلاحقت بها حوادث يرجع طريد ~~النوائب، على ظهره كفنه الممزق، وفي يمينه قلمه غير المجهود ليستعيد في التجاريب نوحاته. ~~خلتني جلدا وما أنا بجلد، أهون بمن بدا غيران مشتدا ثم أمسى وانيا جزعا، ابن الشرق ~~كإخوته وما المشابه قومه بظالم. # كم نداء من ذي ود اخترق الجنادل ونفذ من حجب الحياة، أهاب بي أهل النجدة فاسمعوا، ولئن ~~تخاذلت عني جنود الصروف، وعافتني أفواه الأجداث، فإن ذلك لتمام الشقوة، لبيكم دعاتي، اليوم ~~أعاود ماضي شأني وأنتم سامعون. ~~••• # كنت قبل أن يلم بي الضنى جمعت أشياء أريد أن أفيض في نقدها، رأيت ذاك الذي وسم المؤيد ~~بميسم من التعصب ينادي بأرفع صوته «نحن مسلمون قبل كل شيء»، فنويت أن أعد الجواب. # ثم عادت نغمة الترك والعرب والخلافة العربية والأعلام المزركشة، وقامت بالآستانة صحف ~~الشباب تزعزع أركان الكون بصيحاتها، والعلم مرفوع بأيدي صبية يسخرون من الراضي والساخط، ~~فهممت أن أدعو إلى الرشاد. # ثم دوت في أذني استغاثات أولئك المظلومين الذين فصل ظلامتهم مندوب المقطم الفاضل في ~~إحدى رسائله، فتجددت ثورة الشباب في نفس ذهبت بنجدتها وقائع الدهر، ms15 أطيرت الأظافر وأسيلت ~~الدماء وتوالت السياط على أبدان ترقرق على أديمها الشباب، فقلت: # أفلا يزال السوط حاكمكم # وأبو السياط بيلديز ذهبا # أفلا يزال الدهر يعجبكم # ضرب ومضروب ومن ضربا # ونقول أحرار فنمدحكم # لا حر فيكم، كلنا كذبا # ثم أتيت بهذه النفثة إلى أحد أساتذتنا الدكتور فارس نمر، فقال لي: يا ولي الدين، دع ~~العجلة واستصف الأناة، إذا آخذت فآخذ ولكن بعد ثقة، وإن أثنيت بخير فأثن ولكن بعد ثقة، ~~وهذا المقطم لا يتقرب إلى أحد ولا يملق أحدا، ولكنه عثماني مخلص في عثمانيته، غير هياب ولا ~~وجل، تمهل تمهل، إذا دعت الحاجة إلى هذا الغضب، فنحن - ولا نزاع - سابقون، ولكن لا تستعجل ~~الآن بالضجر، فكان كلام الأستاذ بمنزلة الدواء على الفؤاد المريض، به استقر الجأش وعادت ~~السكينة. # ولم تزل الكتب والرسائل تتوالى علي من إخوان الحرية وفرسان الحق، تلك دعوات لم يطاوعني ~~تلقاءها إحجام ولا تثاقلت بي خطوات، وكان الحمام ممسكا بخناقي يريد أن يطوف بي معاهد ~~طافها الآباء والأجداد، ألا سقى الله تلك المعاهد من عهاده، غير أن للنفوس اعتلاقا بهذه ~~الزخارف الباطلة، مال وبنون، ونحن نشقى بالمال والبنين. ~~••• # ثم بدت ميمية الشاعر حافظ أفندي إبراهيم، هذه ثانية قصائده التي أنشدها احتفالا بجمعية ~~رعاية الأطفال، حبذا الشعر تقف عنده البدائه حيارى: «قفا نبك» وأخواتها، أودعت من القول في ~~صوغ الكلام وتأليفه ما لا يسمو إليه حافظ، وميمية حافظ أودعت من المعاني العصرية ما لم ~~يلهم به كل شاعر من ملوك الكلام في ماضيات الأيام. # سبحان من قلده مفاتيح البلاغة ومكنه من نواصي المعجزات. # لولا مخافة التهمة بالحسد لنافست حافظا في هذه البدائع، وهيهات أن ينافس فيها! # ليت حافظا كان رضي من نعمة القلم بمكانه من البلاغة والفصاحة وترك ما دون ذلك لغيره من ~~عشاق الشهرة، إذن يظل كالهندواني العضب لم يغش صفحته الصدأ، ولم تتغلب على حقه صورة ~~الباطل، وليته ترفع عن مدائح الناس وضن بمجد لسانه أن يذال إذا يظل كأولئك الذين في ~~الغرب خفضت لهم الرءوس ودانت ms16 الرقاب، وتضاءل عند مجدهم مجد المتوجين من العباد. # الناس في حاجة إلى الصفاء والوداد، وكلاهما في حاجة إلى أن يترنم به الشاعر ذو القافية ~~المظفرة كحافظ وغيره. # ولو وقف حافظ عن يميني، «وغيره» عن شمالي ونازلنا جنود التعصب لشردناها عن ديارها ولأخذنا ~~أعلامها ورجعنا بأسلابها. # يا حافظ، يا حافظ، ما إلى المزيد من الشهرة سبيل، ولا لفضلك مكابر، ولكنك تجعل نفسك في ~~غير موضعها، دع السياسة إن لم تكن فيها رشيدا، ودع المدائح، إن في أسلافك من أعجزك ~~وأعجزني، ادع إلى الإخاء يحفظ لك النيل ذلك ويشهد لك به الهرمان، ولا تنكر لغرض خيرا أتى، ~~كذا ينبغي أن يكون كبار الرجال. # التجاريب مفاتيح الأمور، والمريض لا يستطيع أن يكتب أكثر من هذا، وعفو القارئين أعظم من ~~عجز العاجزين. # الفصل السادس # | نعم الجدود ولكن بئس من تركوا # يقول أناس إن كتاب التاريخ يحصي الحسنات ويحصي السيئات، كذبوا. ما يحصي إلا بمقدار ثم ~~ينسى الطيب وينسى الخبيث إلى أن تهيج الشجون لسانا ناطقا ويراعا ماضيا فيذكر أولي ~~الألباب، يا عقول ويا قلوب، لشد ما تتغلب عندك الأضداد من الحق والباطل فتتعاورك الشبهات ~~ويصعب عليك القول الفصل، والدرهم والدينار، لعن الله الدرهم والدينار، يطلبان مكامن الحرص ~~أو منافذ الأهواء. الشرق مقتول بأسياف بنيه، مجده مجده، نهب مقسم بين عداته، وورثة معاليه ~~وخزنة مفاخره بين سكرات الصبا وبين آلام الحسرات، ألا إلى الله المشتكى. قلوب أماتها الدهر ~~فلا يبعثها مناد مسمع ولا مستغيث مسترحم، ولا داع إلى مكرمة ولا مرشد إلى محمدة، ما ~~خطبك يا أيتها النفوس؟ ماذا دهاك يا غرائز؟ وما بك يا طباع؟ # إن منا من كان شغله حماما يستطيره على سطح بيته أو ديكة يربيها ليضارب عليها ويراهن ~~حتى محا الله آيات تلك المشاغل ووقع من دعاواه في حرج فخرجت آلاف الدنانير من كفه ربحا ~~حلالا لكل طامع وكاسب، وإن منا من يذهب إلى منت كرلو فيخسر في المقامرة خمسة وعشرين ألف ~~جنيه لا يبالي فقدها ولا يجد لها وجدا، ثم ms17 يحاسب سائقه على قليل من طعام، وإن منا من يقيم ~~له حكومة في داره مع كاتبه وخادمه ويقضي حياته بمعزل عن واجب الرجل الحر، كل هؤلاء لا ~~يفرحهم إلا اللهو ولا يحزنهم إلا موت ديك أو حمامة ، أو ضياع صيد يفلت من أيديهم. # وإبراهيم الذي هجر راحته وباع حياته في خدمة وطنه وأقام بين أغوار اليمن وأنجادها يشتم ~~روائح الشيح والقيصوم لا تبقى له باقية ذكر، ولا يسطر له في تاريخ الناس سطر، نحب التراث ~~ولا نحب مستخلفه، كذا يكون الإنصاف؟ # على أنني سأستوفي الكلام في فصول آتية فلينتظره القراء في مشارق الأرض ومغاربها، دعاني ~~إلى هذا الكلام ما يقع باليمن: إن بها لداء عقاما أعيى الأطباء دواؤه، وإنها لكما قال ~~الثقفي في غابرات العصور: «أرى رءوسا حان اقتطافها وأرى الدماء تموج بين الغلاصم واللحى.» ~~وا حر قلباه على تلك الرءوس وتلك الدماء الغالية! وإن لأهل اليمن عندي لودا مكينا تورثته ~~من أب بعد أب، يعرف ذلك من يعرف إبراهيم، الذي ولي أمورهم حينا من الدهر، وما كاتب هذه ~~السطور إلا حفيده وأحد الذين ورثوا حبه لليمانيين. # ولقد عثرت على أوراق هي محفوظة عند أحد أبناء الأسرة اليكنية، عليها ختم محمد علي الكبير، ~~وهي مقيدة بأرقامها بالدفترخانة الخديوية، عرفت بها كيف ساس اليمن ذلك الفاتح، وأي طريق سلك ~~حتى راض شامسها وكبح جامحها، وكانت هذه الأوراق إلى اليوم تحت حجب النسيان، ولولا انتباه ~~صاحبها إلى ما حوت لذهب بأمانتها، ولم يلتفت إليها أحد ملوك الديكة وسواس منت كارلو. # أدع الآن ذلك جانبا، وأنادي حكومتنا العثمانية بمشهد من أبنائها: على رسلك، احبسي ~~اليوم جنودك واستبقي دماء أبنائك، إن الحكمة تبلغ ما لا تبلغ القوة، وأنا أقف اليوم على تلك ~~التهائم وأخاطب لك أبناءك العاصين، فإن أفلح فرمية من غير رام وإن تبلغ الشقوة حدها ففقد ~~مثلي أخف من فقد أحقر من في أولئك الجنود. # نعم، عندي لليمانيين كلام يسمعونه في حينه، فلئن ذهبت إليهم لأذهبن أعزل غير مستصحب أحدا ~~ولأنازلن قرومهم ms18 بالحجة ولأخاطبنهم بلسان عربي يهز المعاطف من نسل الأقيال وأبناء الملوك ~~الحميرية. # ما أنا برجل الدهاء ولا من حجاجح الرأي، ولكن لدي تدبيرا أحكمته وأمرا استجمعته، ولن ~~أسير إلا مستوثقا بعهود لا تخان، أن لا يخيبوا لمتظلم أملا وأن لا يؤخروا إصلاحا ~~يراد، وأن لا يولوا تلك البلاد من لا يعرف لغتها ولا يدري أهواء أهلها ولا يقدر على أن ~~يستصفي موداتهم ويسترضي قلوبهم، فإلا تفعل الحكومة ما تطالب به من العدل والإنصاف فلا نصير ~~لها إلا السيف، والسيف يحز الرقاب ويخلي الربوع ويقري الوحوش والنسور أجساد الناس ويرفع ~~استغاثات الأرامل واليتامى إلى ملك الملوك، إلى من لا تخفى عليه خافية. # فلتسألني الحكومة عما أريد أن أعمله أجبها بما يزيل الشكوك ولا يدع لريبة مستقرا، ما في ~~الوقت من سعة ولا في الإهمال من خير، هذا رأي رأيته وعقول الناس تستولد الآراء، ثم هو إحدى ~~التجاريب، والتجاريب أمهات الحقائق، والله بيده عواقب الأمور. # الفصل السابع # | كيف يموت الأدباء في الشرق # بلغ من بغضي للشعر أن صرت أعرض عن سوانح معانيه في لوامع قوافيه، القاعد بالحدود عن منازل ~~الشرف، المتواكل بالعزمات عن بلوغ نهايات الإرب، إحدى فتن الخيال، تجري بها البدائه ~~فتتلقاها مسامع بالقبول وتتلقاها مسامع بالملل، أبعد به وبطلابه. # يتهادى أمراء الذهب بين «شولر» وبين «سبلنددبار» تساقط أعطافهم الجنيهات ويطوفون حول ~~معاهد الصبوة في عواصم الغرب من «منت كارلو» إلى منت كارلو، ثم يأوون إلى بيوت كثرت فيها ~~الديكة والحمائم، ثم يصبحون في لزباتهم يهبون المال في دعاوي ومخاصمات، فطلاق وزواج وميراث ~~وشركة، يتخلل ذلك كله لعب الورق واستشارة الوكيل وإدلال الكاتب، وما أدراك ما الكاتب! وبيع ~~الأطيان واقتراض المال، بدرات تفيض العسجد وتنفجر عن ذوب اللجين، والشاعر يريد أن يبيع ~~ديوانه بقرص من الطعمية فلا يجد مشتريا، والكاتب يعرض دفاتره مجانا فلا يرى قارئا، ~~فسبحان الله! # علم من أعلام العراق، هو أبو القصائد المحبرة والقوافي المحكمة، نزيل بمصر، مقيم في ~~دار حزنه يعالج أيامه ويعاني شدائدها، وليس بمصر من ms19 يقول له أين أصبحت أيها الأديب العظيم، ~~أحمد مفتاح، رجل البلاغة يموت ويدفن ولم تكتب خبر وفاته جريدة من الجرائد فيما علمت، ومحمد ~~إمام العبد، وهو شاعر مجيد يوسد بالأمس التراب ولا يتقدم أحد ليقيم له ليالي مأتمه. وفي ~~بلاد الغرب يصنعون التماثيل للشعراء ويسمون بأسمائهم الشوارع والدوارع، ويجعلون لميلادهم ~~ولموتهم أياما في كل سنة هي بمنزلة أيام الأعياد، ويقولون بمصر الدستور والجلاء والمؤتمر، ~~وتكتب الجرائد ليحيا وليسقط، من يحيا ومن يسقط أيها المساكين؟ # لكل امرئ في هذه الأمة موضع يميزه، والناس في درجاتهم متقاربون، وليس رجل ينكره معارفه ~~ويتجافاه أقرب أقاربه إلا الأديب، فهو إذا برز على أقرانه حسدوه، وإن أقصر عنهم حقروه، ~~وإن ولج جمعا جللت فيه أبصار المستهزئين، ولله في خلقه أناس يفخرون بملابسهم وليست بصنع ~~أيديهم ولا أنسجتها من نسجهم، ولا أثمانها من كسبهم، ولا زينتها تجمل ما قبح من أشكالهم، ~~أولئك يطئون الهامات ويذلون الرقاب ويتهادون في كل مزدحم تهادي الكواكب الرود في الوشي ~~والبرود، طواويس الرجال يقضون طوال الأعوام في ديوان الحياة ثم يخرجون منه كما تخرج الأنعام ~~من تحت السقائف، لا متزودين ولا مستخلفين، إلى حيث ألقت رحلها. # أعرف أناسا كانوا وضعوا للديكة أسماء، مثل عنترة وعبد هياف وأبي زيد، وهم لا يعرفون من ~~أسماء ملوك أوروبا خمسة، وأعرف غيرهم كانوا يتعلمون من أنواع الحمام كالهزاز والعنبري ~~والغزاري ما لو علموا بقدره من المفردات لفاقوا علماء اللغة، وفيهم من إذا نظر توقيعه ظنه ~~توقيع غيره، هؤلاء تمر بهم الخلائق كما تمر بهم صور السينماتوغراف، فهم يرون ولكن لا ~~يدركون، فخارهم أبهة ولائمهم، وأن يقال فلان أنفق على وليمته كذا من الجنيهات، وحلاهم ~~ثيابهم بها يتنافسون إذا جمعتهم المجامع، يقول قائلهم أنا فصلت ملابسي هذه عند «كولا كوت» ~~فيساجله الآخر قائلا وأنا فصلت ثيابي هذه عند «ريبو»، اسمعي يا أمم الشرق واعجبي يا أمم ~~الغرب، وميدي يا رواسي الأرض وأعلامها، وغيضي يا بحارها ويا أنهارها، عندي كثير من هذه ~~الأحاديث، وما سيأتي أجلب للعبرات ms20 وأبقى للحسرات، منك الصبر ومني الشكاة. # تنظر إلى الكتاب المطبوع بإحدى اللغات الأجنبية فترى مكتوبا على جلده الطبعة العشرون ~~والطبعة الخمسون وأكثر من ذلك، وقد يكون عدد نسخ الكتاب في الطبعة الواحدة عشرة آلاف على ~~الأقل، وليس في الشرق كتاب طبع مرتين إلا نادرا أو ما كان متضمنا للمجون، وجرائدنا ياكل ~~مشتركوها أثمان اشتراكهم فيها، ويكتفي قراؤها بنسخ يأخذونها من المشتركين أو يقرءونها في ~~القهوات، وقد يبالغ في الغرابة بعضهم فيرد الجريدة مكتوبا عليها «مرفوضة» بعد أن يكون ~~قرأها أشهرا وأياما، وأغرب منهم من جاءته جريدة «الجامعة العثمانية»، وهي جريدة تنشرها ~~«الجامعة العثمانية» في بيروت وتعطيها من دون ثمن، ويكتب على غلافها مجانا، فرد الرجل ~~الجريدة بعد أن كتب على غلافها بالعربية والفرنساوية مرفوضة، رفض الفضل ورفض الكرامة، لا ~~طال ذنب زمانه، ولم يخجله كرم الذين أحسنوا بها عليه إحسانا لم يقع على مستحقه، ومثل ~~هؤلاء المخلوقات كثير بيننا ولا فخر. # يموت أدباؤنا وتطفأ أنوار المعاني في عقولهم وتبقى بيوتهم خالية وأجداثهم داثرة، وليس ~~فينا من تحدثه نفسه بأن ينقب عن آثارهم، وينشر للأمة ما طوي من معارفهم؛ قرارا بفضلهم ~~وتخليدا لذكرهم واستفادة من آثار قرائحهم، ونحاول بعد ذلك أن نجاري الأمم أو أن نشبه عباد ~~الله، ما أكبر جهلنا بأقدارنا، وما أبعدنا عن مواضع الإنصاف! # لا أديب العراق أجدته فرائده، ولا الأستاذ مفتاح هنأته بلاغته، ولا إمام العبد أغناه ~~شعره، وإن نسخة من قصة القاضي والحرامي أو قصة دليلة المحتالة أو قصة هف طلع النهار لأحب ~~إلى عامتنا، وأشهى إلى خاصتنا من درر هؤلاء العظماء وجواهرهم وأدعى للشجون، ثم أبعث للطرب ~~من قصائدهم وفصولهم، سقاهم الله، رعاهم الله، عاشوا مظلومين وماتوا مظلومين، وأودعت بطون ~~المقابر كنوزا يتباهى بأمثالها ملوك الأرض. يروى أن بعض الإنكليز يقول لو خيرنا بين أن ~~نخسر الهند كلها أو نخسر شكسبير لاخترنا خسارتنا للهند ولأبقينا شاعرنا عوضا عنها، ونحن ~~ماذا نقول؟! نقول لتحيا الديكة والحمائم، أم نصيح ليحيا الدستور؟ # إنا لنطمع اليوم في أن ننال ms21 ما لا يتاح لنا إلا بعد خمسين عاما، فمثلنا مثل جماعة من ~~العميان، قيل إنهم ركبوا أحد المعابر (القوارب) ليعبروا النيل، فقال قائلهم: هل لكم في ~~الخروج من المركب من غير أن تدفعوا أجرا؟ قالوا بلي، قال : إذن فاسمعوا لما أقول، إذا قارب ~~المعبر الشاطئ صاح النوتي: «فلق»، فثبوا هنالك وثبة رجل واحد، وتفرقوا هربا، واعلموا أنه ~~لا يترك معبره ويعدو وراءكم، فقبلوا المشورة، وكان النوتي يسمع المؤامرة وهم لا يشعرون، ~~فلما توسط النهر صاح: «فلق»، فوثب العميان فوقعوا في البحر وغرقوا، وإني لأخشى أن ينادينا ~~الغرور نداء النوتي فنغرق غرق العميان. # الأمة في حاجة إلى نوابغها، ونوابغها غرباء بينها، والصوت الأرن والقول المسموع ما يهتف ~~به قوم صمتت ألبابهم ونطقت ألسنتهم، هم المسيطرون وهم الزعماء. # حسب الأديب في الشرق نعوتا تكال له كيل الحشف، فهو الأديب الفاضل والشاعر البليغ ~~والكاتب البارع واللوذعي والألمعي وغير ذلك، وليت هذه النعوت تجبى لمن تصدق فيه، أو فيمن ~~تكاد تصدق فيه، ولكنه مشارك فيها مشاركة الغبن، أهل البلدة كلهم أدباء فضلاء بلغاء فصحاء، ~~ما سلم من ذلك ملك ولا سوقة، وأظن هذه هي المساواة التي يطلبها مجانين الدستور لا المساواة ~~في الحقوق التي يثني عليها أهل الإنصاف. # ألا من مبلغ عني كل أديب في الشرق أنه أديب، وأنه فاضل وأنه لوذعي وأنه ألمعي وأنه فصيح ~~وأنه بليغ، وأنه عند الناس وجوده مثل عدمه، وأنه أهون على أمراء الذهب من ديك من ديكة الهند ~~أو من حمامة من حمائم اليمن. # كنت ذات يوم راجعا من دار البريد وفي يدي سيكارة هي أخرى أخواتها، فمر بجانبي رجل يسرع ~~في مشيته فاستطارها من يدي حتى وقعت على الأرض، وكان اليوم شديد الهاجرة لافح الحر، فلما ~~توسطت الشارع رأيت عربة نظيفة فيها رجل من رعاع القوم وأمامه اثنان من الإوز، ثلاث رفقة في ~~خير عربة يقودها جوادان مطهمان، فرفعت طرفي إلى السماء وقلت: يا رب تلهمني الشعر، وتجري ~~يراعي بما يستطيع من النثر، وتجعل عبادك يدعونني بالأديب ms22 إن صدقا وإن كذبا، ثم أرى أني ~~أحقر من الإوز في هذا الشرق! ثم انصرفت صابرا. # هذا ميدان واسع، يتعب الجائل في أرجائه، ولولا حقوق للأدب وأهله ما سطرتها، ثلاثة إخوان، ~~مكروب ودفينان، أما الرثاء فبعض ما يجب، ولن يفوتني ما استطعت منه، وأما النحيب فإني سوف ~~أنتحب، فمن لي بمن يساجلني الدمع ويشاركني في الشكاية، أما إنا لمظلومون. # الفصل الثامن # | ويل للناس من الناس # يريد الناس في الدنيا هناء # ويأبى أن يجود به الزمان # حياة حاربتهم منذ كانت # وحظ حاربوه منذ كانوا # وآمال تغرهم عجاف # وأحداث تكذبها سمان # وكم من مستنيل ليس يعطى # وكم من مستعين لا يعان # تكاثرت الهموم فلا يراع # يوفيها الشكاة ولا لسان # أمانا أيها الخصم المعادي # إذا دان العدى وجب الأمان # أإن رغبوا إليك رغبت عنهم # لقد هانت رغائبهم وهانوا # يمني الناس بعضهم بخير # ألا كذبوا على بعض ومانوا # فما للخير في الدنيا أوان # ولا للخير في الأخرى أوان # ولكن الشباب له جماح # ليالي ثم يعقبه الحران # يشد عنانه رائي جميع # إلى أمد فيسترخي العنان ~~••• # وداع جاء يدعوني لنصح # وقد وهت النهى ووهى البنان # تعبت من الكلام فليس يجدي # كما أملت نظم أو بيان # وكانت صبوة ونزعت عنها # فها أنا لا أدين ولا أدان # وما أسفي على عهد تقضى # ولكن صنت عهدا لا يصان # ظللت أمينه دهرا طويلا # وكنت أظن أني لا أخان ~~••• # ودار لا يزول القتل عنها # كأن الحرب فيها مهرجان # أهاب بها اليراع فلم تجبه # وناداها فجاوبت السنان # تظل بها السواعد عاملات # يصرفها ضراب أو طعان # بكت عيني الشباب وحين جفت # مدامعها غدا يبكي الجبان # لعمرك ما لذي نصح مكان # ولا للنصح في الدنيا مكان # فدعني إن آمالي استكفت # فلي شأن وللآمال شان # الفصل التاسع # | إحدى عواصف الضمير # أجل إننا خاطئون، صدق لسان الحال وشهدت التجاريب، من ذا الذي يرى عدوه يغدو ويروح أمام ~~داره، ينتزعه الرصاصة بعد الرصاصة ويعلم أنه لا محالة داهمه يوما إذا ضاقت به الحيل وأعياه ~~طول الاصطبار، ثم ms23 يدع بابا مفتوحا لا حارس عليه، أكنا نرجي أن تأخذ عدونا رحمة بنا، أم ~~كنا نحسب أن سيقف أمامنا ويحيينا بالورد والآس؟! إنا إذن مجانين. # قوم عبئوا فيالقهم واستحثوا سابحاتهم وجاءوا يمطروننا قنابل ويصلوننا نارا، طمعا في أرض ~~لا تربتها خصبة ولا ماؤها عذب، نهبا واغتصابا، يطئون الخدود المعفرة ويمشون على العظام ~~النخرة، لم تسترجعهم آداب العصر العشرين، ولا نفذت إلى قلوبهم صيحات الساخطين من أبنائه، ~~يستنيمون إذا عجزوا ويفتكون إذا قدروا، قد استحلوا بلادا غاروا عليها؛ لأن أهلها عرب، ولأن ~~حكامها ترك، فكانوا فيها أشد خشونة من أهل القرون البائدة. # مضت خمسة شهور ونحن مع إيطاليا في حرب، قد أعدت لنا الموت في ألوانه المختلفة، ونحن ماذا ~~أعددنا لها، سوى فئة قليلة تغذوها الفدافد ويسقيها الغيث، تسيل نفوسها على زرق الأسنة دوننا ~~ونحن كعجائز الولائم، نأكل ونحملق، وفي أم عواصمنا أناس أعطوا الله مواثيقهم لا يتركون هذه ~~الدولة وفيها من الحياة بقية، الأمم المحبة لنا تنصح، وأهل الرأي منا يرشدونهم، ولكنهم ~~حرنوا حرانا، لا يريدون أن يتحولوا عن وجهتهم. # أنحن مخلصون لهذه الدولة؟ كلا ثم كلا، يا بعد ما بين الإخلاص وبين هذه القلوب! إن نحن ~~إلا أقوام إذا صفا الدهر لنا أياما فخرنا بغير فخار، وادعينا ما ليس من طباعنا، كم بذلنا ~~في سبيل الدفاع عن طرابلس، لولا ما ندبت به أكف سراة مصر وسائر بنيها من المال لجفت أكباد ~~أبطالنا في حومات الوغي، قصور شاهقة أظلت شطي البسفور وذهب مذخور ونفائس مصونة في خزانات من ~~الحديد، وعندنا أصحاب الدولة والعطوفة والسعادة والعزة والرفعة غصت بهم مجالس الشرف لم تسنح ~~نفوسهم بنصف ما سنحت به أنفس المصريين، وكان قائلنا يقول قبل اضطرام الحرب: ألا لا تجهلن ~~علينا إيطاليا، ألا لترجعن إلى صوابها، أما لنقومن أما لنفعلن، فلما جهلت إيطاليا ولم ترجع ~~إلى صوابها ملأنا الدنيا صياحا، وأعولنا إعوال الثاكلات، وذهب وعيدنا كنفثة مصدور في ريح ~~عاصف. # أي بني بلادي، لا أكذبكم، إذا كان أغش الناس لكم أحبهم إليكم، ms24 فهذا قلم لا يعلم تلك ~~المسالك، اختلفنا وجوها وأشكالا، ولكننا اتفقنا طباعا وغرائز، يا ويل المخلص العاقل ~~بيننا! يرى ويفهم ويقول فلا يسمع، إنما يطربنا نغم المادحين، سواء علينا صدق أم لم يصدق، ~~إنما نريد أن نمدح ، ومن وقف بيننا موقف الناصح الأمين تهاوت على قفاه الأكف حتى تبقى على ~~أديمه وسوما وندوبا. # يا ويلنا! إذا برزنا إلى ميادين الحفاظ وسلاحنا عبراتنا، فما نستبقي للعقائل التي في ~~الخدور، هذه رقة لا الحضارة مصدرها ولا الحكمة أصلها، غير أن العجز، ذاك المسكر الذي أمال ~~الأرؤس على المناكب هو الذي يجمجم تلك العبرات، نيل بها أعقاب الجدود المولية، ولبئست حيلة ~~المحتال، كل قطرة من تلك الدموع تكون كلمة ذم تزاد في صحائف تاريخنا. # إذا جاء ميعاد الجدال في ميزانية الحربية والبحرية وقف ناظراها يستنديان أكف الأمة لزيادة ~~الإنفاق، والإنفاق لدينا عن سعة، فما لبيروت، الثغر الباسم في محيا الملك العثماني تلم به ~~دوارع الدولة المحاربة، فترميه بصواعقها وليس على بابها سوى دارعتين، ما ضمت أضلاعهما غير ~~الهواء؟! لئن كان إيجاد أسطول يذود عن بيضة هذا الملك يحتاج إلى زمان طويل أفلا تستطيع ~~الدولة أن ترفع على شط بيروت حصنين صغيرين تجعل فيهما بعض المدافع من معيار 13 عقدة فتضطر ~~تلك الدوارع إلى الوقوف مكانها، وتحمي المدينة وأهلها شر البلاء. # مدت إلى دولتنا الأكف المصافحة تخطب ودها وتعرض عليها معونتها قبل الحرب وبعدها، ولكنها ~~غلبت على أمرها في قبول الود، فوقفت موقف المرتاب، لا تدري ما تتحيز، أهذا مقام الشك؟ أفلم ~~يبد لنا اليقين؟ ومتى تطمئن قلوبنا إلى إخلاص الناس لنا؟ ما أخال أن هذه القلوب تطمئن إلى ~~شيء، أيام تمضي سراعا وفرص متتالية، ولما نعزم ولما نحزم، ما هذه السياسة؟ # لم نتدبر أمرنا بعدة من حزم ولا من قوة، قد تركنا الأمور تجري في فوضاها غير أن الموت ~~يدنو منا دنوا، قصارى هممنا أن ننشر طرفا من أخبار وقائع جرت في ميادين القتال، والعدو ~~يسوق الجند بعد الجند، لا أدري متى يتهيأ ms25 لنا أن نغضب؟! # أليس من فاضح الخزي أن يصبح كثير من الناس يترحمون على أيام عبد الحميد - ولقد صدقوا - ~~وما يجري على زمان كبرائنا يكاد يجري دموع عبد الحميد، أبو الظلم والاعتساف، أقام في قصره ~~محجوبا إلا عن عيون تعود أن يغازلها، فكان لا يعتريه الحياء، لكن رجالنا يظهرون كأقمار ~~التم في آفاقها، فكان من الشرف أن يخجلوا، أما أن يصان الملك على ما وجدوه، لا نطمع في ~~زيادة، ولكن النعمة العظمى أن لا ينقص، فإذا أعجزهم هذا القدر من حسن السياسة، فليدعوا تلك ~~المقاعد، غيرهم أولى بها. # الفصل العاشر # | التكبر وحداثة النعمة # لا بد من التنقل إلى الاجتماعيات، فقد تضجر النفوس أساليب السياسة، ثم نحن إلى ~~الاجتماعيات أشد منا حاجة إلى السياسيات، طال عهدي بفصول كنت أريدها فأجدها، ها أنا اليوم ~~تصبيني الذكرى وتجدد حنيني الصبوة فأرجع إلى التجاريب، بعد أن طال بيننا التهاجر. # أريد أن أصف التكبر وحداثة النعمة، وليس عندي وصف يرضيني؛ لأن الذين وصفوا التكبر وصفوه ~~غاضبين، وأنا أريد أن أصفه هازئا لا غاضبا، ويبقى لي شيء أتم به الكلام في حداثة ~~النعمة. # التكبر ينشأ في نفس المرء من أشياء كثيرة، أشدها الحمق، ثم الاغترار بالانتقال من الضعة ~~إلى الرفعة، ثم محاولة العزة عند الناس. # المتكبر ينظر إلى أعطافه ويأخذ في تغيير قعوده ونهوضه ومشيه ووقوفه حتى يستضحك الناظر؛ ~~لأن النفس إذا خلا منها موضع الفضل وباتت الشمائل معطلة من زينة الأخلاق استمكن التكبر وبدت ~~غرائبه. # عرفت رجلا تكبر بعد عناية أصابته فرأيته في أحد مجالسه وما زال ينحرف في قعوده ويتلوى في ~~توجهه حتى انشق بنطلونه، وافتر عن بياض قميصه، فكان عابسا من فوق وباسما من تحت، وكاد ~~أهل المجلس أن يموتوا من شدة الضحك. # ولقد رأيت أناسا من ذوي الألقاب المستحدثة يتكبرون، فهالني الأمر، فرحت أتحرى فيهم شيئا ~~من النبل أو الفضل أتخذه عذرا لهم، فإذا عقول بخواتم ربها، لم تمسها فائدة، وإذا ألسن ~~يتساقط منها الحديث كجلمود صخر حطه السيل من عل، وإذا ms26 وجوه صفر، كل وجه منها كإمساكية ~~رمضان، وإذا عيون ما أومض فيها بارق من الذكاء، فقلت في نفسي: ما أشد عبث الدهر! يرفع هؤلاء ~~من مواضعهم ثم يجلسهم مجالس ما خلقوا لها ليفضحهم على رءوس الأشهاد، ولو تركهم حيث ولدوا ~~لكان أشد رحمة بهم. # إن لقب باشا في هذا البلد أشد إسكارا للمرء من زجاجة الويسكي، يناله القروي الذي ربي ~~بين الأنعام، وسار يستحث المحراث وتقوم جنباه على مضاجع الهشيم تحت سقوف الأعشاش، ثم ينزل ~~مصرا أو يطلع الثغر فيرفل في حلة تكاد تتحل عن أعطافه، يخال رائيه أن ثيابه تمشي وحدها، ~~فيطغى ثم يطغى، ويأتي طغيانه على شكله المضحك وكلامه السمج، كالخضاب على رأس الأصلع، فهذا ~~فضح نفسه ولا يشعر أنه فضحها؛ لأنه يرى ضحك الناس منه فيحسبه إعجابا بفضله. # يا سيدي الباشا، لو تركت هذا الخان وتبوأت عرش بلقيس تنقله إلى إيوان كسرى، واتخذت من ~~حمرة الشفق بردك ومن نجوم الأفق أزرارك، وتقلدت لامع البرق حساما وجعلت قوس قزح حمائله، ~~ما زادك في عيني إجلالا مثل أدب أجنيه من فمك، وخلق كريم أتبينه في طبعك، وإني ليزهدني في ~~كثير من أمثالك ما بيننا من اختلاف الحال، أنا أكتب وهم لا يفهمون، وأنا أخلد وهم يفنون، ~~وأنا قديم عهد بالنعمة وهم حديثو عهد بها، وأنا يكرر ذكري كل ناطق بالضاد، وليس فيهم من ~~جاوز ذكره آخر الزقاق الذي يسكنه، أتحدث بنعمة الله، تأدية لشكره، فأين أنت مني حتى تتطاول ~~علي؟ # وزراء الغرب وأغنياؤهم وأعيانهم يتواضعون لمن يغشى منازلهم، وهم لم يبلغوا من الرفعة إلا ~~بالجد والكد وسهر الليالي، وأنت قبلت الأذيال ولا تزال تقبلها، فما يرفعك فوق أهل ~~الرفعة. # ألا ترى ملوك الغرب كيف يتواضعون فيكلم الملك منهم الجندي، ويضع يده على كتفه ويقول له ~~بني وأخي؟ ألا ترى سمو أمير البلاد، ما حظي بلثم يمينه أحد إلا خرج ولسانه شاكر وقلبه ~~منشرح، ولكني - أستغفر الله إليك - لقد قايستك مع غير نظير، ولا أطمع أن تسمو نفسك إلى أكثر ms27 ~~مما خلقت له، فكن حيث يسر لك أن تكون، مكانك من الطبع أولى لك. # هذا حديث أتى عرضا، وها أنا منتقل إلى غيره، شجو في الفؤاد، فاض ثم تدفق، فوا حر ~~قلباه! كم يعاني المتأمل حالات الناس من سوء أخلاقهم! التكبر وحداثة النعمة، بئس القائدان ~~إلى العماية. # السيدات يتجملن بالثياب وبالحلي، والرجال يتجملن بالأخلاق، وإن أفتن السيدات أنضرهن ~~أخلاقا وأطيبهن شمائل، تلك التي يتضاءل عند نور نفسها لمعان جواهرها، فما ظنك ~~بالرجال؟ # رب كرسي يضطرب فوقه حديث النعمة وكأنه جالس على قرن الثور، لو اتخذ درجة لركوب الخيل ~~لكان أرفع قدرا، ورب متكأ يغوص فيه حديث النعمة لو تحول مربطا لجواد لكان أشرف قدرا، ~~حداثة النعمة فتنة من شر الفتن، ولكن الشرق مظلوم، محاسنه أقل من مساوئ الغرب، وهو غير أن ~~مختال بها، يا مطلع الشمس وموطن المجد، متى يغنيك الله عن الغرانق ويبعث فيك مثل أولئك؟ إنك ~~لجدير بالرحمة. # الفصل الحادي عشر # | بين الوحشين الأب والزوج # ألم بها في حسنها وشبابها # كوردة بستان جنتها أنامله # فلما مشى من قلبه نحو قلبها # رسول الهوى خابت لديه وسائله # دعاها وستر التيه أسبل دونها # فما زال حتى رفع الستر سابله # ولو لم يحاول ذلك القلب باطشا # لحال على رغم الخلافة حائله # غزالة واد في حبائل قانص # تبث لغزلان الصريم حبائله # أقام الليالي وهي في قيد أسره # يغازلها لكنها لا تغازله # تضن ويسخو بالوداد وهكذا # يقابل قلب نافر من يقابله # قضاها له الظلم الذي كان قاضيا # وذلك عهد أظلم الناس عادله # تقضى ربيع العمر في غير روضه # ومات وما ناحت عليه بلابله # فيا حسرتا للغصن يذبل وحده # وتبقى عليه ناضرات غلائله # تجاوز غايات الثلاثين جائز # أحبته لو أنصفته عواذله # مضى حكمه لا أرجع الله حكمه # أواخره مذمومة وأوائله # رحمة الله عليك يا «آلبوز» بك، رجل جثته أعظم من المحمل المصري أربع مرات، ذو لحية كأنها ~~الأجمة، ووجه كأنه ميدان القتال، وشكل لا يشابه أحد الأشكال الهندسية، لم يركب عربة إلا ~~كسرها إما صاعدا ms28 أو نازلا، أكثر علمه باللغة الجركسية ولا يعلم منها أكثر من اثنتي عشرة ~~كلمة، عرفته بسيواس نفيت إليها قبله ونفي إليها بعدي، وكنت أكثر عباد الله تعجبا من نكبة ~~«آلبوز»؛ لأنه كان حما السلطان عبد الحميد، وجد الأمير نور الدين أفندي لأمه، فلما علمت أن ~~الحكومة جعلت راتبه مائة وخمسين جنيها في الشهر بطل تعجبي وتمنيت لكل أحبتي مثل ~~نفيه. # أخذنا نتزاور وتحاب أهلانا، فبلغني أن له زوجتين هما آيتان في حسن الخلق والخلق، ما ~~رأتهما سيدة إلا أحلتهما مكان الإجلال، فكان آلبوز بك كالأكمة تختفي وراءها هاتان الزهرتان، ~~وإنما نفي إلى سيواس لخصام وقع بينه وبين بعض المقربين، وإن منهم يومئذ لجمعا لو اجتمع ~~على طود لأماله على قواعده. # إن للتيجان بين رءوس الجبابرة وأقدام الغواني تنقلات تحدثها الصبابة، وكم من حريص ملك في ~~فروق يهبه جملة لثغر ضاحك وما أقبلت السرائر على دول الشرق إلا وولت عنها الجدود، وبذا ~~تبتدئ قصة المرحوم «آلبوز». نشأت له ثلاث بنات، كبراهن ذات جمال يستهوي قلوب أهل الورع، ~~فوصف جمالها لعبد الحميد وهي طفلة، فما أومأ إليها بطرف سبابته إيماءة واحدة إلا وقد ألقي ~~بها بين يديه، ثم فاضت مواهبه على والديها فيضا، فأنعم على أبيها برتبة الميرالاي وأدخل ~~في حرس القصر السلطاني، غير أن نفس «آلبوز» بك ترفعت عن الوشاية، فبقي مكانه ولم يترق في ~~الرتب، وحيل بين الطفلة ووالديها، ما سألا زيارتها إلا عللا بالمواعيد الكاذبة، ومرت ~~الأعياد وهما يرجوان التلاقي بها فلم يقدر التلاقي، وأتت محنة النفي ولم يزودوا بنظرة إلى ~~غصنهما الرطب في مغرسه الذي نقل إليه، وإذا هي يوما قد وضعت الأمير نور الدين، متقدم ~~الذكر في هذا المقال، وعقد عقدها على سلطان العثمانيين فصارت ثالثة نسائه، اليوم أوفى عبد ~~الحميد على باب السبعين، وهي لا تزال في أوائل العشرين. # سمعت أنين آلبوز بك أيام المحنة، فقلت هذا أول طود يتألم، خبرت عن حزن جرمه فقلت درة ~~تذوب بغير لهب، وكم تمنى ذانك القلبان لقاء ساعة فضن ms29 بها الجبار، اجتث ذلك الغصن الأهيف من ~~منبته، فلما بات في قبضته حاول أن يميله إليه فاستعصى، وما زال يجاذبه السلطانين من ذهب ~~وقوة حتى استماله بالقوة، وما هي استمالة ولكنها إذلال، تتبدى على مثل عرش بلقيس، مستقرة ~~بقصر «يلديز» تضم بين ذراعيها فرعا من شجرة عثمان الباسقة، نعم الظل غير أنه محرق، وحبذا ~~الجاه ولكن حماه موحش. # حدثني ابن آلبوز بك، قال: دخلت القصر فانتهوا بي إلى ابن أختي الأمير وهو في الثامنة من ~~عمره، فأجلسني أمامه في عربته وطاف بي الحديقة، وقال سأسأل مولاي أن يجعلك لي ياورا، وحين ~~أنس خلوة همس في أذني: إن والدتي مشتاقة إليك، لم تنسك أبدا، وهي توصيك أن تحسن التعلم وأن ~~تكون نابغا بين نظرائك، وكان ابن آلبوز بك يحدثني وعيناه مغرورقتان في الدموع، قلت: ذهبت ~~وصاة أختك في الريح، هل جاء المسكينة أن أخاها لا يحسن الهجاء؟ # تواقعت قنابل جيش الحرية على أسوار الملك المستبد وبينها أنفس تدعو لراميها بالتسديد، ~~وأبت بعد ذلك أكثر نساء الملك المخلوع أن يشاركنه في محنته وأن يسكن معه في سجنه، فكانت بنت ~~آلبوز بك فيمن خرجن من قصر الأتيني رغبة في الحرية، أبين أن يتحرر العثمانيون والعثمانيات ~~من أسر الظلم وأن يبقين وحدهن أسيرات. # يا أسود سلانيك ومناستر، إن وراء السجون لمكربات كشفتم عنهن الكرب، أن رءوسا عقدت ~~عليها التيجان تحنى لديكم اليوم إجلالا. # سمح الزمان للوالدين بلقاء تمنياه طويلا، فلما شفيت النفس من ألم الفراق رحل آلبوز بك ~~إلى الحجاز فمات في طريقه، وطابت أرجاء الحرية للحمامة المروعة بين الوحشين الأب والزوج، ~~فكم قبلة شوق من شفتي الأم الوالهة تستقر على جبين البنت الوفية، سلام على تلك الدار التي ~~اجتمع فيها الشمل، إنها لقرارة الصفو والهناء. # الفصل الثاني عشر # | ما أكثر خطوبك يا فروق! # نفدت دموعي والأسى لا ينفد # اليوم يبكيني ويبكيني الغد # بالله يا وطني أما لك راحم # أكذاك نارك كل يوم توقد # وجدي عليك ولست وحدي واجدا # من يعرفونك واجد أو موجد ms30 # ذهبت محاسنك التي أنشدتها # فإذا صبوت فأي حسن أنشد # إن يظلموك فكم أصابك ظلمهم # إن كنت تجحده فما أنا أجحد # أو ينزلوا بك للحضيض خيانة # فلعهدنا بك للكواكب تصعد # لو كان في هذي المنازل مصلح # ما ساد في هذي المنازل مفسد # إن يحرقوها ظالمين فبعدها # نار ستحرق في لظاها الأكبد # أفروق ما لك في البرية منجد # كلا، ولا لي في البرية منجد # فستظلمين كما ظلمت بمعشر # سادوا وأكثرهم بأرضك أعبد # كم حريق وكم بلاء، أمصباح فروق هذه؟ أكذا دابها الدهر؟ لا تخمد إلا تضطرم، فنيت أو كادت، ~~اليوم ينكرها عارفها، أكل هذا بيد القدر؟ أكذا قضي عليها يروع فيها النيام تحت ظلمات ~~الليالي؟ ما آوت فئة إلا تكشفت فئة، لقد نسيت الثغور الابتسامات، لقد جهلت القلوب الأفراح، ~~دجان من الدمع وتهتان يرتفع من نواحيه صياح الوالهين، الأمان الأمان، ما بقيت أرواح ولا ~~أجساد. # فروق، لو كان حظي منك مثل أساي عليك لادعيت أني أسعد الناس، أرى بك وجوها لا عهد لي بها، ~~كنت أفزع منها في دولة الظلم، ولما انشق صباح العدل ظننت أن سنبدل عنها بخير منها، فإذا هي ~~ثابتة كمسامير النحس، لا تقتلعها من مكانها قوة. # ما تشتعلين وحدك، كل الأقطار العثمانية في اشتعال. # نار الحرب ونار الثورة ونار الحريق، أغيضت البحار أم جفت الينابيع أم مزقت صحائف الغيث، ~~أم يبس الكون كله؟ # لبست عليك ثياب الحداد أربع مرات في أربعة أعوام، هذه حياة الحداد، أم آلى بنوك لا يفرحون ~~بعد الظلم، ما أشد كلف الناس بالظلم، من أجل هذا كانوا يدعون لعبد الحميد بالعمر والتأييد، ~~علا رءوسهم فأثقلها، وأومأ إلى أكفهم فأثقلها، واشترى منهم وطنهم بثمن بخس، ثم جاد به على ~~الخراب، ولكنه كره أن يجود به جملة وأشفق أن يجعله حطبا للنار. # تنفست أطنة عن النار وبكت الدماء، ثم كان سكوت يتخلله زفير، فاستبطأ الخطب الفريسة، فإذا ~~دمشق ملتهبة، وإذا حيفا ملتهبة أهما تشبهتا بفروق أم هي تشبهت بهما؟ كلا، إن لفروق السبق، ~~إن عهدها بالنار ms31 قديم، تجري النار في أوصالها كما يجري السكر في مفاصل النشوان، هي الشواء ~~اللذيذ تسمنها الغفلة وتأكلها الخيانة. # لهفا على هدية الفاتح، لهفا على الغالية البيزانطينية حبيبة قسطنطين العظيم، سبية ~~الفاتح العظيم، عروس خدر المجد، غانية الشرق في الغرب، المتقلبة على ترائبها الخضر حمائم ~~الموج، الضاحكة بثغر الخليج في وجه الطبيعة، بنت الربيع، أم الخصب، مناحة البلابل، لعبة ~~النسائم. # ألا ذمة وازعة؟ ألا وجوه تستحي؟ أعند أجداث العظماء أجداث الفاتح وسليم والصقوللي ~~والكوبريلي؟ أتلقاء مراقد الشهداء شهداء الحرية بمقربة من «الكاغد خانة»؟ # لا حزن إلا أن تتصدع القلوب كما تصدعت تلك المباني، ولا وجد إلا أن تنضب شئون العيون كما ~~نضبت تلك المياه، تفنى الألفاظ وتنفذ المعاني ولا يؤدي الشكاية لسان ناطق ولا قلم كاتب، وا ~~حسرتاه على فروق. # ما لنا؟ ماذا نحاول عند هذا الملك المسكين؟ لقد مال حتى ضرب الأرض بجرانه، ألا أشفى، ألا ~~احتضر، أيتها القلوب القاسية، أيتها الأيدي العابثة، أما شبعت من القرابين؟ عفي قليلا، ~~فلقد تعف السباع إذا كثرت لديها الأشلاء. # تعالوا أيها العثمانيون ندرك فروق، تعالوا نأس جراحها، عاصمة ملككم، عذراء دولتكم، ~~إخوانكم، أخواتكم بالعراء موسدون، ألا تغارون عليهم من الأعين الخائنة؟ أليس فيكم من ينهض ~~ليستر جسدا عاريا عاش مصونا؟ ادعوا العثمانيين إلى نجدة فروق، هل من سامع؟ هل من ~~مجيب؟ # الفصل الثالث عشر # | لعل النهضة الثانية أثبت من الأولى1 # كانتا كنا حالمين، أطبقت ظلم على ظلم حتى التمس الناس بعضهم بالأيدي، ثم لاحت إيماضة ~~فانطوت، ثم استمرت الظلمات أربعة أعوام كاملة، وها نحن اليوم نتبصر فنرى سنا باديا فنهتدي ~~به، إذا لم يكن برقه خلبا فإنه كوكب الصبح، بعده نهار مشرق الطلعة صافي الديباجة، ألا عم ~~صباحا أيها الطلل البالي. # كنا في مثل هذا الأوان نسمع ما يقوله المعجبون بالاتحاديين، فنكاد نطاول الجبال غرورا، ~~وكنا إذا ذكر الاتحاديون نطرب به كما يطرب بالصوت الحسن سامعه، فإذا دعا باسم الجمعية ~~داع أصاخت له الأرواح في الأجساد، وكم تخيلنا تلك الجمعية، فواحد يصور منها ms32 مثالا كتمثال ~~«فينوس»، وآخر يقيم لها طورا يسجد له كأنه طور سيناء، وظل كل قلم كأنه «فرشة» روفائيل ~~المصور الشهير، وظلت سلانيك ومناسير كأنهما لوحان من ألواحه الفاتنة الخالدة. # وهبنا هذه الجمعية المودات وبذلنا أيام الحياة، فردت المودات وقبلت أيام الحياة، فباتت ~~وهي أملك للأرواح من بارئها، وكانت أحب إلى الناس من النعيم، فصارت أبغض إليهم من الشقاء. ~~ولما سطت على المستبد سطوتها، ورحلت به إلى موضع أمانها، زادت مكانا وحبا، حتى قدسناها ~~تقديسا، وكانت في غفلة من الأمة تسرق وتخزن إلى أن نما ثراؤها وملئت خزائنها، ثم اشتد ~~ساعدها واستحل سطرها فلم توقع به إلا الأمة، فإذا سيف من عدل الإله قد سل على زقاق «شرف» ~~حتى كاد يحصد زرعه حصدا. # إنا لنعرف لأبطال العثمانيين فضلهم، لقد استعادوا الدستور مرتين، أما المرة الأول فأتى من ~~لم يصنعوا شيئا وزاحموهم في الحكم، وأما المرة الثانية فنرجو أن لا تكون كذلك، اليوم أهل ~~فروق في عيد جديد، هنيئا لأهل فروق عيدهم، وإنها لحسناء وإن صفيت، وفاتنة وإن رفلت في ~~الأطمار البالية، إذا بدت على ترائبها قلائد الزينة بين الثياب، رأينا كواكب الأفق في ~~الليلة الصافية، لن يغيرها أن مآلفها اليوم أجداث، وأن دورها أطلال، حسبها أن خلصها من ظلم ~~الاتحاديين، فإن دام لها هذا الهناء فذلك جد عاود الصعود، وإن ودعها بعد قليل وصل ساعة ~~داوى هجر أعوام. # الفرح بالنجح لا يدع مجالا للشماتة بخيبة الأعداء، إن العثمانيين أولو نجدة، رضينا أن ~~نفوز ولا نبالي أن يرجع الأغيار بإخفاق. # الله الله، ما أطيب شذا الحرية، وما أرق نسائمها! ضاقت بنا بلاد الله ونحن اليوم نمرح بين ~~الخافقين جذلا. دنوا دنوا أيتها الآمال المولية، إنا لنحسبك بعد اليوم ثابتة غير ~~مزعزعة، بضاعتنا ردت إلينا، لا نطلب من عدو لنا ما بين جنبيه، ذاك عطاء من الله، ولا نحاول ~~حسابا على ما مضى، إنا في حاجة إلى راحة يتلوها العمل. # أهلا بوزراء الدولة وشيوخ تجاريبها، أحق الموضع بكم هذه المقاعد، ملك مهزول، وأهوال ms33 ~~ناصبة، ومكايد مثبوتة، وأعداء مختبئون لا ينهض بهذه الأعباء غيركم، فإن جاوزتم بنا الهلكات ~~وانتهيتم إلى الموضع الذي تركنا فيه الآباء، فآمال أصابت وجدود ساعفت، وإن حالت فتن الأعداء ~~دون ما تريدون، فشقاء لم نستحقه ساقه قدر محتم وفناء موعود. # لن نقترح الآن شيئا، أنتم أعلم بما ينبغي؛ لأنكم في الدار ونحن نازحون عنها، خلا شيئا ~~واحدا نطالبكم به ما تحركت في أفواهنا ألسن: أن تحموا شيخنا الوطن، وأن لا تجعلوا عصره ~~السابع آخر عصوره، الإخلاص معان والصدق مرجو، فإن قصرت سواعدكم وصلناها بسواعدنا، أمامكم ~~السلطان وعلى آثاركم الأمة، هكذا تنتظم مواكب المجد. # رحمة الله على حسن فهمي وصميم وزكي ثلاثة أغصان علت في أرض الوطن، في ربيع الحياة، هصرتها ~~يد الموت بمنجل الجمعية، جمعهم التراب كما تجمع الحرية والمساواة والإخاء كلمة العدل، سلام ~~على تلك الأرواح الطاهرة، لعل النهضة الثانية أثبت من الأولى. # الفصل الرابع عشر # | كم تحت هذه السماء من أعين باكية! # هل يعقل الدهر وهل يسمع؟ # فما الذي يشكو له الموجع؟ # تجري صروف لا على نية # نخالها تبطئ إذ تسرع # وكلنا شاك وباك على # أشياء قد زالت فلا ترجع # كم تحت جون الليل من مهجة # تكاد لا تمسكها الأضلع # وصاحب النعمة لاه بها # وحامل النقمة لا يهجع # رحماك يا خالق هذا الورى # ارث لبلواه إذا يضرع # صعب علينا بعض ما قد جرى # أما إذا شئت فما نصنع؟ # تحت مضارب الظلم، وفي استغراق سكونها، حركات تحجبها أستار الغيوب، هي الأقدار لا تغالب؛ ~~لأنها خلقت غالبة، ولا تتقى لأنها ترى ولا ترى، والبرايا أغراض منصوبة تنتزعها بالرمية ~~بعد الرمية، فتصيب الأجساد وتنفذ منها إلى الأرواح، ولا يسمع لوقعها إلا مثل وقع القبلة ~~على جبهة الميت في نعشه. # ما توشك البسمة أن تنطفئ فوق ثغر إلا وتجعده آثار البكاء، إن ينابيع الدموع لمعينة، وإن ~~منابت الحسرات لخصبة، وللأمل الكاذب وميض في ليالي الخطوب، أشقى الناس من يعلق به ~~بصره. # بكينا بيروت في جراحها الدامية وأعولنا على التيتانك في غرقاها، وها ms34 نحن اليوم نندب تكساس # 1 # في أضاحيها. يا ديباجة الأفق انطوي، ويا سحب الربيع موري، ويا مياه الأوقيانس ~~غيضي، ويا صفحة الأرض تمزقي، ويا رواسيها ميدي، حتى لا يبقى على هذه الكرة الهوجاء إلا دخان ~~الحسرات منعقدا في جوها على أرواح المظلومين. # سمعت يمامة ترجع على فنن الدوح، فهاجني ترجيعها، قلت يا يمامة، دوحك مورق فينان، وماؤك ~~عذب رقراق، وعشك تلاعبه أنفاس الصبا، وملعبك طيات النسائم وملك الله في فضائه، فما شجاك ~~فأبكاك؟ ومن ألقى عليك هذا الترجيع؟ يطاردك الصياد الخائن فتعجزينه ولا تعلمين أنه مدركك ~~يوما، وتتوعدك كواسر الهواء متحاومة عليك، وإن في عشك فراخا زغب الحواصل، فهل أتاك أن ~~للأقدار وثبات لا مهرب عنها؟ تذكرت قول أبي فراس: # أيضحك مأسور وتبكي طليقة # ويصبر محزون ويندب سال؟ # لقد كنت أولى منك بالدمع مقلة # ولكن دمعي في الحوادث غال # لقد تتقي الحرب بالسلام، ولكن بم تتقي الأقدار؟ # مكان الدمعة الحائرة على المحجر المسهد مكان اليتيم الضائع على السبيل الموحشة، تتلألأ ثم ~~تختفي، ولو دامت مكانها لكانت الشقوة أعظم. # أيتها الأم الثاكلة أجملي جزعا، وأيتها الأيم الواله اقتصدي وجلا، ويا ملك المهد، ابك ~~واستبك، صوتك مرنان ودمعك لؤلؤ رطب، دع الأيام تنظم من ذلك اللؤلؤ قلادة تلبسها الرحمة، هي ~~أولى بهذا الحلي دون كل الحسان. # في ذمة الله أيتها الأنفس المستفاضة والأشلاء الضائعة بين السماوات والبحار، اذكرينا إنا ~~ذاكروك، وابكي علينا إنا باكون عليك، لم يبق بيننا وبينك رسائل سوى العبرات. # الفصل الخامس عشر # | ما يمنع القلوب أن تطير من الصدور؟ # على أبواب الوطن، بين السماء المضطرمة والأرض المضطربة، جمعان حالاهما مختلفتان، جمع سكن ~~سكون الأبد اتخذ من حواشي الجبال مضاجع طاب عليها رقوده، تنفخه أنفاس الشتاء وتنديه مدامع ~~السحاب، كأن الشباب زاده واليوم ينقصه البلى، وكأن الأمل أسكت أفواهه واليوم تنطق الظلامة ~~جراحاته، وجمع ركزت له راية، فهو مقيم يحميها، لابث مكانه، لا يستقدم ولا يستأخر، كأن ~~أقدامه استأصلت في موقفه، موكل بمخارم جتالجه، يضرب عليها بالأسداد، قضي عليه أن ms35 لا يسهر ~~إلا على ظاهرها، وأن لا ينام إلا في باطنها، وفي أعشاش القرى ومنازل المدن أصوات تتجاوب ~~بالعويل، وعلى السرر المتقابلة أجساد استخلصت من الموت أو كادت، التفت حولها العواد، ~~وبين هذه القيامة دولة كظل الجام على المائدة، لا يراه إلا المتثبت، تستجمع قواها لتصول ~~صولة واحدة، إما إلى حياة تستمر فيها المغالبة، وإما إلى موت تستكن فيه الآمال، هذا هو ~~المشهد الذي تتملى من مشاهدته دول أوروبا، بنات التمدين عرائس القرن العشرين. # لو شاءت تلك الفاتنات أن لا تروع بهذا المشهد لفعلت، إشارة واحدة كانت تستوقف الخصمين، ~~غير أنها آثرت الغرض على الإنصاف، فباتت وعلى أعناقها من آثار تلك الدماء المراقة قلائد ~~ليست حلى ولا شكلا، تلازمها على توالي الحقب، شاهدة بآثامها عند أحفادها. # سليلة السبعة الأعصر محتضرة، إنا نراها مختلجة على مرقدها، لن يضير زوالها إلا ~~العثمانيين، هم وحدهم أولى الناس بالوجل وبالجزع، إن تشتم أنفاسها تقض بسنن الماضيات من ~~الدول، غير أن ذاك الاسم الكبير، اسم العثمانية، يبقى خالدا، مشرقا في أوله، مظلما في ~~آخره، ويشهد الله والناس أنه لم تمحه أكف الأعداء بل أكف بنيه، وأنه لم يضيعه إفراط ~~الأعداء في هجومهم بل تفريط الأبناء في حذرهم. # تنادوا بالحرية فأتت وأعطافها تقطر دما، بئست الغانية، أغلوا لها المهور فاسترخصت ~~الآمال، لم يبق يومئذ في مكان الفتنة جان إلا وتبدى للأعين، لقد أصبحت دور الحكومة ~~كخلايا النحل من كثرة المترددين عليها، كل يحمل رأيا ويبتغي له ثمنا، حتى راحت ملايين ~~الذهب في تلك الهوات، ولم تحصل الأمة من ناهبيها إلا مواعيد أبعد شيء عنها هو الوفاء، وثقت ~~بالدولة فوليها المتغلبون، ووثقت بالجيش فاستهواه المتغلبون، ووثقت بنفسها فضربها ~~المتغلبون، ثم وثقت بدول التمدين فأعرضت عنها بوجوهها النضرة. ألا في ذمة الله تلك الثقة، ~~تهدى إلى الخلائق فيردونها، كأن الله تعالى لم يخلق لها صاحبا. # إذا دعت الفائدة دول الغرب بذلت في سبيلها كل ود، ولو كانت أبصر بالفائدة من وجه حلال ~~لأقبلت على هذه الدولة مطالبة بفض ms36 هذا الجمع الثائر، جمع الاتحاديين؛ فإنه لا شأن له اليوم، ~~ما رجاله إلا كغيرهم، تتخذهم الأمة أوصياء على نفسها ولم تولهم الوصاية دولة من الدول، ~~فلو كانت هذه الدول اتحدت على مطالبة الحكومة العثمانية بذلك؛ لأفادت العثمانيين ~~ولاستفادت. # أية أمة تطيق هذا الذل؟ خمسة أعوام طوال مضت، وأعنة الأمور بأيدي أناس لا ندري من أين ~~طلعوا، فيهم الجاني والمستبد والمتعصب والسارق والممتهن، أوزاع وأعناق لا تكون أسرابا ولا ~~أقطاعا، فكيف تكون مملكة يراد أن يعاد بناؤها؟ # تخاطفوا ما ادخره عبد الحميد وتناهبوا ما علق ~~بأركان الخزائن الفارغة، وأنزلوا الويل على رءوس الأمة حتى استغاثت بالأغيار، وأوقعوا في ~~الناصحين تقتيلا وتعذيبا، وصالوا على أهل الرأي يخرجونهم من وظائفهم، ثم فرطوا سلك ~~الممالك فتهاوت متتابعة من طرابلس الغرب إلى البلقان، وجاءوا في أواخر أيام الدولة ليحرموها ~~الموت في دعة. # أربعون مليونا وأكثر من الأربعين مليونا، ذهبا عينا، لو اشترت الحكومة العثمانية بهذا ~~المال حجارة ترصف بعضها فوق بعض لحالت دون إيغال المتغلبين في أرضها، أين ذهب هذا المال؟ ~~وأين بات ذلك الجيش الذي قالوا إنه في مقدمة جيوش العالم؟ # قد كان لأنور بك ولإخوانه من الرأي ما يعلمهم فرق ما بين الحرب في درنة والحرب في ~~البلقان، هذا مقدار من المعرفة لا يحتاج أن يكون صاحبه أركان حرب، فكيف خيل إليهم أن مقتل ~~ناظم باشا وإسقاط ذلك الشيخ العظيم كامل باشا يستدفعان غارات الأعداء؟ ليهنأ أولئك ~~المتطفلون، إن الأمة غافلة، وإن غفلتها ستصاحبها إلى أن يتقلص هذا الظل المتضائل، ظل ~~العثمانية. ولكن كيف السبيل يومئذ إلى استرجاع ما مضى، وما مضى لا يسترجع؟ # أستثني أنور بك ورفيقيه على علاتهم، ولكن ماذا صنع الباقون؟ قضى منظم هذا الجيش أوقاته في ~~بيته كما تقول جريدة الطان، وتقلد طلعت بك حسامه في أول الحرب وتوجه إلى أدرنة، واليوم مات ~~من القواد والجنود من مات وجرح من جرح وأسر من أسر، وبات في حصار أدرنة ألوف من ~~المدافعين، وفيهم خلق كثير حتى من مكاتبي الجرائد والقائد ms37 لم ينزل عن فراشه الوثير والناظر ~~لم يبد للأعين إلا محتميا بظهر أنور وأنصاره، هذا مبلغ شدة القوة في الذود عن دولتهم، ~~وهذا منتهى نجدتهم في معاندة دول العالم. # ليس لدينا لسكان البلاد إحصاء يوثق به، غير أنهم كانوا يقولون إن عددهم ثلاثون مليونا، ~~وكنا نزيد ثمانية من عندنا فنقول ثمانية وثلاثون مليونا، فكيف يبقى عدد الجنود المجندة من ~~هذه الملايين غير متجاوز ثلاثين ومائة ألف مقاتل؟! ما ذاك إلا أن العدة منعدمة، وأن الأمة ~~افتقدت نشاطها الأول، وغلب عليها اليأس وأدركها الوجوم، وإلا لعبت تلك الوديان بسيل من قنا ~~وجياد، ولتوجت ذرى الشم الصعاب بالمقاتلة من كل الأجناس. # لطم حقي باشا في بعض هجماته إسماعيل كمال بك لطمة دوى صوت وقعها في آذان النواب، فصبر لها ~~إسماعيل كمال وأسرها في نفسه، ولم ينهض في ذلك اليوم نائب يؤاخذ الضارب، جهل الجميع أن ~~حقي باشا لطم ألبانيا بأسرها، أجل، لقد أحس بوقع تلك اليمين كل ألباني ذي حياة، ولقد انتقم ~~إسماعيل كمال، غير أن انتقامه أصاب الدولة ولم يصب المعتدي، وبقي حقي يغشى معاهد لذاته في ~~بيرا وغيرها، والدولة والأمة تنضحان دما وتتقدان ألما. # نموت كراما أو نعيش كراما، ما أجمل الكلام لو قاله غير قائله! وكم من كلام حق يراد ~~به الباطل، ولا يحتاج الخادع لخدعة الأمة العثمانية إلى أكثر من هذا، غير أنا - وا حسرتاه - ~~نعيش أذلاء، ونموت غدا أذلاء، وتبقى تلك الأموال المختلسة من خزائن الدولة ينفقها مختلسوها ~~في سبيل لذاتهم، لا يحيون الدولة الزائلة بقطرة من دمع، ما فات مات، وقد قال كثير ~~عزة: # فقلت لها يا عز كل مصيبة # إذا وطنت يوما لها النفس ذلت # الآن لما كادت الحرب تطوي شرتها، ويدعى إلى التقاضي قاتل الأمة وناهبها، يأتي الجانون ~~وأيديهم تقطر دما، وأكياسهم تتفجر ذهبا، يستعيدون المخادعة؛ ليستروا تلك الآثام، ثم ~~ينادون بيننا باسم الوطن الذي قتلوه، ونصدق نحن ما يقولون، إننا إذن أبعد الناس عن الصواب، ~~كلا، إن اسم الوطن أرفع من أن تتماضغه ms38 تلك الأفواه، نخشى عليه من حر تلك الأنفاس التي تنفخ ~~بسموم المطامع، على الأمة أن تنظر في أمرها، لا بد لهذا العبء الثقيل أن يوضع، أفي ساعة ~~الموت نروع بهذه الوجوه؟ ما يمنع القلوب أن تطير من الصدور؟ # الفصل السادس عشر # | عبد الحميد مبكيا بعد سقوطه # إن من عجائب الشرق أن يشكو ابنه الرجل حاضرا، وأن يشتاق إليه غائبا، ومن عجائبه أن يكون ~~لكل امرئ رأيان ليس له أحدهما، ولكنه يحملهما استخداما لهما، فكلما حل بين جماعة من أهل ~~أحد الرأيين كلمهم به، والآن أرجع إلى استيفاء شرح ما أردت. # رأيت أناسا يقولون رحمة الله على أيام عبد الحميد، كانت خيرا من هذه الأيام، وسقى الله ~~عبد الحميد، كان أحسن من رجال اليوم حالا، وأحكم تدبيرا وأسلم نهجا، يا عجبا لهذه ~~الرءوس! خلت من كل تأمل، وإنما برق لها في العهد الحميدي بارق المال والجاه والوسام فهاجها، ~~وإلا ماذا يبكيها من افتقاد عبد الحميد؟ # ألم يأتها أن رجال اليوم إذا قصروا عن الخروج بهذه الدولة من ظلماتها؛ فذلك لأنهم ربوا ~~في دولة عبد الحميد ونشئوا في ظل سلطانه؟ # ألم يأتها أن عبد الحميد لم يفسد الدولة وحدها، بل أفسد الأمة معا؟ أبى عليها مكارم ~~الأخلاق كلها، ما انتفع بكذب إلا حض عليه، ما انتصر بخدعة إلا ساق إليها، أربع وثلاثون ~~سنة، كل سنة منها كالعصر طولا، من ابن الخمسين إلى ابن السنة الواحدة مستثمر بيد عبد ~~الحميد، ناشئ في دوحته. # أجل، إن الفساد سبق عبد الحميد إلى الأمة، ولكنه تخاذل عنها أحيانا، ولم ينتصر إلا بعد ~~عبد الحميد. # رأيت رجالا كان الناس يطاردونهم في العهد الحميدي، فإذا هم اليوم موضع لرحمة الناس، لا ~~أسميهم - والناس يعرفون من أريد - سلبتهم الدولة ألقابهم وردتهم إلى أصولهم، ولكن الأمة لم ~~تبرح حافظة لهم ألقابهم، مؤثرة لهم على سواهم. بمن استعان عبد الحميد إذا بطش؟ وبمن استهدى ~~إلى مكان الأرواح المظلومة إذا استنفرها؟ ألم يكن هؤلاء المرحومون اليوم أعوان نقمته وأهل ~~مشورته؟ ألم يسلب ms39 الأمة لكي يمنحهم؟ ألم يضعها لكي يرفعهم؟ ما أشد جهل الأمة بما لها وبما ~~عليها! ولو رثت لهؤلاء المطرودين نخوة منها ونجدة لكان ذلك منها تكرما، ولكنها تنظر إلى ~~ما بقى بأيديهم من الغنائم فتعظمهم لتشاركهم في بعضها، على أنها خاطئة؛ لأن الكاسبين في ظل ~~عبد الحميد كسبوا ما كسبوا ببيع أغلى ما يملكه الإنسان، وهو الشرف، ومن يجعل الشرف فداء ~~المال كيف يجود بذلك المال لمن يملقه؟ # هذا خطأ، غير أنه خطأ لا يرجى إصلاحه، الناس مغرمون بأولي الجاه، ومغرمون بمن كانوا أولي ~~الجاه، إذا ساير رجل رجلا من أولئك الواقعين التفت يمنة ويسرة ليرى كيف تجول الأبصار فيه، ~~ولقد يهز منكبيه ويتأود في مشيته زهوا؛ لأنه يساير من كان له لقب أو قدر في دولة عبد ~~الحميد، وبهذا القدر من الرأي ومن الحرية تريد الأمة أن تنتفض في أغلال الأسر فتكسر ~~حلقاتها. # هيهات ثم هيهات! عرف أعوان عبد الحميد ذنوبهم وخافوا أن تتناولهم الأمة خفافا وأن تعبث ~~بهم أهوانا، فوجدوا عند الأمة خلاف ما خافوا، وهذا من أكبر دواعي الأمان لمن أتوا بعد عبد ~~الحميد وسلكوا طريقه، هم يقولون نربح اليوم ولن نخسر غدا، إذا أسقطنا الحكومة تلقتنا الأمة ~~بأكفها، وفيما ندخر من المال سبيل إلى حياة طيبة وذكر جميل، وإن أمة لا تعرف الجميل من ~~القبيح لتعجز عن مقاضاة أمثالنا. # إيه يا أهل الشرق، ويا بني العثمانية! يتعاقبكم المتحكمون يجزون نواصيكم، ويسلون أرواحكم ~~من أجسادكم، وأنتم حامدون شاكرون كأن الله لم يخلق أناسا لغفران الإساءة ونسيان الجميل ~~سواكم! # إذا فذوقوا ولا تشتكوا، إن أعداءكم اليوم من أولي الحكم أحبتكم غدا، ولكني كنت أقنع ~~منكم، أن يبقى في فكر بعضكم شيء من هذه الإساءات تعاتبون عليها إخوان الغد عتابا إذا مالوا ~~بآثامهم عن تلك المقاعد، ولكنكم لن تفعلوا. وا رحمتا عليكم! لم أجد أمة أولى منكم بالرحمة، ~~أحسن الله عزاءكم في عبد الحميد، وأحسن الله عزاءنا فيكم. # الفصل السابع عشر # | بين أنقاض الوطن # ديار الحمى حيث القنا والصوارم ms40 # تحييك من عيني الدموع السواجم # لقد طرقتك الحادثات فجأة # وأهلك في أمن وبأسك نائم # فبيناك والليلات فيك ولائم # أذابك والأنهار فيك مآتم # لك الله لا تنفك عنك نوائح # ألم يبق في ذا الدوح إلا الحمائم # أدهرك ذا الوادي من الدم مترع # إذا أمسكت بالوبل عنه الغمائم ~~••• # حلمنا بشيء وانتبهنا بضده # وما يجتني من كاذب الحلم حالم # وكانت لجاجات فلما تيسرت # تزهد مشتاق وأقصر هائم # أقيم بناء بالعراء على شفا # ولم تقو آساس له ودعائم # فما ظن منه قائما فهو مائل # ومن ظن منهم بانيا فهو هادم # وهل ينفع الأطلال تجديد عهدها # إذا درست آثارها والمعالم ~~••• # لحا الله قوما حملوك مغارما # وراحوا وفي الأعناق منك مغانم # هم وعدوك العدل كي يظلموا به # أبا ظالما لكن دهتك المظالم # ولا خير في ملك إذا جار شعبه # ولا خير في ملك إذا جار حاكم # وكيف انتقاء الخطب قد جل وقده # إذا بردت تحت الصدور العزائم؟ ~~••• # وأربعة مرت ولم تحل لامرئ # تهادت على الأقطار وهي سمائم # سعت بالنيوب العصل تنفث موتها # ولا عجب بعض السنين أراقم # تعوض يأسا من غدا وهو آمل # وشام يقينا من سرى وهو واهم # ولما أباحوا حرمة الرأي للهوى # أهابت بأطماع الغواة المآثم # فهبت هبوب الريح من كل جانب # تدافع عنها بعضها وتزاحم # فما تستطيب الحكم فيه مشارك # ولا تستلذ الغنم فيه مقاسم # ويمسي لديها طائع وهو خائف # ويضحي لديها آمر وهو واجم # وليس بمجد في الغواية ناصح # وليس بمجد في الصبابة لائم # وكيف يقر المجد في ظل دولة # وحامدها يحيا بها وهو ناقم ~~••• # تداعوا لنصر والرجا عنك ذاهب # فهلا تداعوا والرجا لك قادم # وبت وبات الداهمون تعاضدوا # فإما تراخى داهم شد داهم # فلم أر خطبا مثل خطبك ناهضا # يدافعه ملك كملكك جاثم # ولم أر مجدا مثل مجدك ناصعا # يظلله حظ كحظك قاتم # تطالعك الأقدار وهي عوابس # ويا طالما حيتك وهي بواسم # وترثي لبلواك المداين رحمة # وقد حسدت فيك السرور العواصم ~~••• # فيا من رأى تلك الفتوح التي خلت # تجرع أسى قد ms41 أعقبتها الهزائم # لئن كنت في شكران حالك جارما # فما أنت في شكران ماضيك جارم # سنبكي لعهد عاره متجدد # ونأسى بعهد مجده متقادم # وفي الدمع والتأسي تخفيف لوعة # إذا أثقلتها الكاربات الكواظم ~~••• # ومعترك للموت أما سماؤه # فنقع، وأما أرضه فجماجم # تنازع فيه النصر خصمان أعزل # يدافع عن ملك وشاك يهاجم # تأخرت الأعلام عن مستقرها # وفر محاميها وقر المخاصم # تفزعت الآجام وهي شواهد # ضراغمها تسطو عليها الضراغم # تجاوبها من حولها في زئيرها # رعود لها في الخافقين زمازم # مدافع منها قسطل متراكب # بنادق منها عارض متراكم # وصائب حتف مستهل فواقع # وراجف روع مستطار فحائم # ووجه ردى في أوجه الكل ضاحك # ووجه رجا في أوجه البعض ساهم # كأن الوغى قد صار في أنفس الورى # هياما فمن يقتل يمت وهو هائم # فمالهم غير الدماء مشارب # وما لهم غير الرمام مطاعم # إذا آنسوا ضعفا فكل محارب # وإن وجدوا بأسا فكل مسالم # وما خير سلم فوقه الشر عاصف # وموج المنايا تحته متلاطم # تشير أكف بالسلام خديعة # وتنزو بأخرى للصدور الصوارم # وكم كان في هذي النفوس منافس # فلم يبق في هذي النفوس مساوم # ولم تبق في الدنيا لنفس فضائل # ولم تبق في الدنيا لطبع مكارم ~~••• # هوت «قرق كليسا» عند أول صدمة # ولما يكن في «قرق كليسا» مصادم # أناف عليها جحفل متحامل # وطال عليها مأزق متلاحم # تقاعس «عبد الله» فيها عن العدى # ولم يلق «عبد الله» جيشا يقاوم # وقد كان فيها سلة من ضراغم # فبادت وولت للنجاة النعائم # بدت تستغيث الهاربين من الردى # زيانب في أترابها وفواطم # سوافر في ذاك الدجى قد تبذلت # ترائب منها روعة ومعاصم # فليس لهم عن مورد العار دافع # وليس لها من مصدر البأس عاصم # أما كان في القوم المولين راحم # فقد قيل في القوم المغيرين راحم # أدرنة لا يبرح دعامك قائما # فإن دعام الحرب تحتك قائم # عرمت عرام الدهر جاشت صروفه # وهل يستذل الدهر والدهر عارم # ألا إن هذا موسم المجد عائدا # ولا غرو للمجد الأثيل مواسم # يظل بنوك الباسلون بعزهم # وآناف أعداهم لديك ms42 رواغم # تبوأت بين الموت والهون موضعا # أقرك فيه خطبك المتفاقم # فإن تشته موتا يرق لك كاسه # وإن تسأمي هونا فمثلك سائم # إذا نحن أعظمنا بلاءك روعة # فذاك بلاء أعظمته العظائم # فإن تسلمي تنسي رزيئة هالك # وإن تهلكي لا يهنأ العيش سالم # شطلجة لا تنفك عنها خضارم # كذلك لا تنفك عنك خضارم # فيا عجبا للويل منه مشاكل # ويا عجبا للويل منه ملائم ~~••• # بلادي ما لي لا أرى غير واطئ # ثراك ألما يبقى في الناس لاثم # توالتك تيجان فشادت لك العلى # فلما استتمت هدمتها العمائم # لئن كان في الإسلاف بينك غالب # فما كان في الأسلاف بينك حازم # لقد بان عنك الرأي مذ بان كامل # وقد مات فيك البأس مذ مات ناظم # طغى الشر في بعض النفوس ولم يزل # يرب إلى أن أعلن الشر كاتم # ألا جمح الغاوون فيك جماحهم # فهيهات تجدي بعد هذا الشكائم # تولوا سراعا حين سلت بواتر # وعادوا سراعا حين صلت دراهم # فجاءوا يسوسون الأنام سياسة ~~«سدى لم تسسها قبل ذاك البهائم» # فكم عالم صاحوا به أنت جاهل # وكم جاهل قالوا له أنت عالم # أقاموا وما فيهم عن الزور تائب # وظلوا وما فيهم على الختل نادم # عزيز علينا أن ذا الملك زائل # وأن الذي قد أذهب الملك دائم ~~••• # صحا كل شعب فاسترد حقوقه # فيا ليت يصحو شعبك المتناوم # هو الشعب أفنى دهره وهو خادم # وليس له فيمن تولاه خادم # يقلب من عهد لعهد على الأذى # إذا زال عنه غاشم جد غاشم ~~••• # أعادينا حكمتمو السيف بيننا # فجار وحكم السيف كالسيف صارم # فلا تطمعوا أن تهضمونا بهذه # فليس لحر في البرية هاضم # | إلى حضرات القراء # انتهت التجاريب، ويرى القراء من مطالعتها أنها كتبت في أوقات مختلفة على حسب تقلبات ~~الأحوال السياسية، فأبدى الكاتب رأيه في تلك الحوادث، وقد علمت من سعادته أنه كان يود ~~مواصلة الكتابة وتدوين كل ما عن له، غير أنه رأى أن أكثر تجاريبه مؤلم كما جاء في المقدمة ~~فاكتفى بهذا القدر ولسان حاله ينشد قول المتنبي: # ليت الحوادث ms43 باعتني الذي أخذت # مني بحلمي الذي أعطت وتجريبي # وقد عرف قراء مؤلفات ولي الدين بك يكن السابقة كالمعلوم والمجهول والصحائف السود وهذا ~~الكتاب المؤلف سياسيا واجتماعيا، وسيصدر قريبا كتاب عفو الخاطر، فيعرفونه أدبيا؛ ~~إذ قد خلا الكتاب المذكور من كل شيء سوى الأدبيات من شعر ونثر، وإني أبشر حضراتهم أن ~~سعادته ساع في جمع ديوانه ونشر سائر آثاره، فيعرفونه إذ ذاك شاعرا كبيرا كما عرفوه ~~كاتبا قديرا. # فؤاد مغبغب ms44