######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_004525 #META# 000.BookURI :: AFTER1900 #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: الشيخ علي البحراني #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1340 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: منار الهدى في النص على إمامة الإثني عشر (ع) #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: ردود علماء المسلمين على الوهابية والمخالفين #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_004525 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/4525_منار-الهدى-في-النص-على-إمامة-الإثني-عشر-(ع)-الشيخ-علي-البحراني #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: تنقيح وتحقيق وتعليق : السيد عبد الزهراء الخطيب #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1405 - 1985 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الغني لذاته، والمتوحد بصفاته، ~~والمتفرد في أفعاله الذي لم يشاركه أحد في صنع مخلوقاته، ولم يوازره وزير ~~في إنشاء برياته، الذي لم يخلق الخلق عبثا، ولا فطر السماوات والأرض وما ~~بينهما باطلا {ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار} (1) الذي لم ~~يكلف عباده شططا، ولم يتركهم سدى، ولم يعذب أحدا من خلقه حتى يبعث إليهم ~~رسلا يدلونهم على طريق الهدى ويصدونهم عن سبيل الردى تقوم له بهم على ~~العباد الحجة، وتستبين بهم المحجة لئلا تكون للناس على الله حجة بعد الرسل، ~~والصلاة والسلام على من ختمت به النبوة وكملت به الرسالة ووضحت به الدلالة، ~~وقامت به الحجة وتمت به النعمة واجتمعت به الكلمة وحصلت به الألفة، وائتلفت ~~به القلوب المختلفة، وانتظمت به أمور الناس بعد المباينة والفرقة، واتفقت ~~به الأهواء المتشتتة، والآراء المتشعبة، ولم الله به الشعث وشعب به الصدع، ~~وآمن به السبل، وصدق به الرسل، وفضله على جميع من خلق ونسخ بشرعه أديان من ~~سبق وأنزل عليه قرآنا مجيدا وفرقانا حميدا، أقام به الأود (2) وهدى به إلى ~~الراشد وسوى به العوج، وفك به من الرنج (3) إمام المتقين # PageV00P013 # وسيد المرسلين وشفيع يوم الدين سيدنا ونبينا محمد بن عبد الله النبي ~~الأمي، وعلى آله البررة الأخيار الناسجين على منواله، والمقتفين أثره في ~~أفعاله وأقواله، حجج الله على بريته، وخلفاء رسوله على أمته الحافظين ~~لكتابه وسنته والعاملين بأحكام شريعته والمطهرين من مقارفة معصيته، ~~والمنزهين عن ارتكاب مخالفته الذين ماز (1) الله بولايتهم الخبيث من الطيب ~~ببديع حكمته كما قال في محكم كتابه {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم ~~عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب..} (2) ففرض ~~ولاءهم على لسان نبيه الكريم الأمين فامتاز به الغث من السمين، وأبى عن ~~حمله من خبثت طينته من الأشقياء وسارع لحمله وقبوله من سبقت له من الله ~~الحسنى، وعلى أصحابه المنتهين إلى أمره والمنزجرين بزجره ما هدل الحمام (3) ~~وهطل الغمام. # أما بعد: ms001 # فيقول المفتقر إلى فيض ربه السبحاني علي بن عبد الله بن علي البحراني ~~ألهمه الله تقواه وأتاه هداه: إن أمر الإمامة والإمام، مما شاع فيه بين ~~الأمة الجدال والخصام، وطال فيه البحث والكلام، وبذل كل فريق جهدهم في ~~إثبات ما ذهبوا إليه، وأجهد كل قوم أنفسهم في تقوية ما اعتمدوا عليه، فكم ~~جمع أصحابنا المتقدمون فيه من مصنف فائق، وكم حرر أسلافنا الصالحون فيه من ~~مؤلف رائق أقاموا في تلك الصحف والمصنفات على صحة مذهبهم الأدلة الواضحة، ~~وأظهروا عليها البراهين اللائحة، التي انجلى غبارها وسطع منارها مما فيه ~~كفاية كل طالب ومنتهى رغبة كل راغب بحيث لم تبق لقائل مقالة ولا لمتعلل علة ~~ولا لخصم # PageV00P014 # عذر إلا مكابرا مال عن التحقيق وتنكب قصد الطريق بالشبهة وحاد بسوء النظر ~~عن سواء المحجة فتاه في فيافي الضلالة، وارتكس في غمرات الفتنة ممن جعل ~~شهوة نفسه أمام عقله، وصير الخطأ صوابا بجهله واقتصر من الدليل على حقية ~~مذهبه وتصحيح طريقته على تقليد الأسلاف وحسن الظن فيمن تحقق منهم لله ~~ولرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) الخلاف، ممن حقت عليهم كلمة العذاب ~~بتركاضهم (1) في مهاوي الشك والارتياب وتهافتهم على الدنيا تهافت الفراش ~~والذباب، فخالف الرشاد على عمد وسلك فج الهلاك مقدرا للسلامة والنجاة، وليس ~~إعراض المعاند عن الهدى بناقض للحق ولا حجاج المكابر بمبطل للصدق ولا إنكار ~~الجاحد بموهن لما أقامه أصحابنا من الدليل ولا بمبهم لما أوضحوه في تلك ~~الزبر من نهج السبيل، بل كان ما زبروه كافيا وما رقموه شافيا، وإنما أنكره ~~من انحرف فهمه كما ينكر الماء العذب من انحرف مزاجه والداء إنما هو منه لا ~~من الماء، فشكر الله مساعيهم الجميلة وضاعف مثوباتهم الجزيلة، وجعلنا من ~~المنتظمين في سلك عقدهم والواردين صافي وردهم، بيد (2) أن التصنيف الحادث ~~لا يفقد فائدة اهملها الأولون والتأليف الجديد لا يعدم التنبيه على دقيقة ~~أغفلها السابقون، لاستغنائهم عن إيرادها في ذلك الزمان وتجدد الحاجة إليها ~~في هذه الأزمان، فلذا تجشمت هذه الخطة وخضت هذه اللجة ms002 وولجت هذه الغمرة، مع ~~قلة البضاعة وكثرة الإضاعة، ومكابدة المحن ومعاناة صروف الزمن وتوارد ~~الهموم وتتالى الغموم وغربة # PageV00P015 # الديار والابتلاء بمعاشرة الأغمار (1) ومصاحبه الأغيار وكثرة الحساد ~~ومقاساة الأمور الشداد، فصنفت هذا الكتاب المحتوي على إثبات النص على ~~مولانا أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب وأولاده الأحد عشر ~~المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين بالإمامة، معتصما بالله ومتوكلا عليه في ~~الاسعاف، والإعانة على ما طلبت والتسديد والارشاد إلى ما قصدت، فلا حول ولا ~~قوة إلا به، ولا انتصار إلا بنصره، ولا التجاء إلا إلى منيع عزه، ولا ~~استمداد إلا من إلهامه ولا استعانة على أمر إلا بمعونته وتوفيقه، ورغبت ~~إليه أن يجعله للمسترشدين مرشدا وللسائلين، منجحا، وللسالكين سبيل الانصاف ~~هاديا، وأن يجعله لي في القيامة ذخرا، وإليه مقربا وأن يجعلني لثوابه ~~مستحقا، ويجعل لي به عند النبي (صلى الله عليه وآله) وسيلة وقربا، ويزرع لي ~~به في قلوب المؤمنين ودا أنه مجيب الدعوات ومعطي الأمنيات، واقتصرت في مقام ~~الحجة على ذكر ما صح عند الخصوم من دليل عقل معروف عدله، أو آية محكمة فيها ~~بيان الأمر وفصله، أو خبر ثبت في صحاح أخبارهم والمعول عليه من كتبهم، مما ~~وضح معناه ودليله وبان جده وزال هزله، ولم أذكر في خلال المباحث حديثا من ~~طرقنا خاصة إلا لمرام آخر كالبيان لأصحابنا ما يدل على قولنا من أحاديث ~~أئمتنا (عليه السلام) لتزداد بصيرتهم كما ذهبت حيرتهم لا لاحتج به على ~~الخصم فإنه لا يجوز الاحتجاج على أحد إلا بما يعتقد صحته ويسلم حجيته، وذلك ~~سبيل الانصاف وصراط من جانب الزيغ والاعتساف، (2) وقد بذلت فيه جهدي وأتعبت ~~فيه كدي وجريت فيه إلى غاية مقدرتي، طلبا لمرضاة الله وتقربا به إلى رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) ونصرا لدين الله عز وجل ووسمته إذ سميته # PageV00P016 # ب‍ (منار الهدى في إثبات النص على الأئمة الاثني عشر النجباء) ورتبته على ~~مقدمة وفصلين مستعينا على تحقيقه وتنميقه برب الثقلين. # اللهم افتح لي أبواب فضلك وانشر علي من خزائن ms003 علمك، اللهم زدني علما ~~وفهما واشرح لي صدري ويسر لي أمري، وثبت قدمي واعصم من الزلل والخطل قلبي، ~~(1) واجر الحق على لساني إنك ذو الفضل العظيم، بحق نبيك الكريم وآله ~~الأبرار أولي الشرف القديم وبحق من عظمت قدره من خلقك يا رب العالمين. # PageV00P017 # المبحث الأول في بيان معنى الإمامة في بيان معنى الإمامة، قد عرفها ~~المتكلمون وحدوها: بأنها رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا لشخص إنساني ~~خلافة عن النبي، فخرج بقيد العموم مثل رئاسة القاضي وأمير الحاج وأمير ~~الجيش وأمير بلاد وناحية ورئاسة من جعله الإمام نائبا عنه مطلقا لأنها لا ~~تعم الإمام، وفي الدين والدنيا متعلق تلك الرئاسة، والمراد بالدنيا هنا ما ~~يتعلق بأمر المعاش من إصلاح البلاد وإزالة الفساد وأخذ الحقوق وغير ذلك، ~~وبقيد الشخصية تعدد الإمام في العصر الواحد، فلا يكون مستحق الإمامة في عصر ~~واحد أكثر من إمام واحد إذ لا يجوز في عصر واحد إمامان لاستلزامه التكليف. ~~بالمحال، وبيان ذلك: أن الإمام واجب الطاعة على المكلفين البتة، فلو كانا ~~اثنين في عصر واحد فأمر أحدهما بأمر ونهى الآخر عنه فإنه يجب بحكم الطاعة ~~لهما فعل ذلك المأمور به وتركه في حال واحدة وظاهر أن ذلك محال، وما يستلزم ~~المحال محال، ثم يلزم أما ترك طاعتهما معا فيخرجان عن كونهما واجبي الطاعة ~~وامتثال قول أحدهما دون الآخر وحينئذ إما أن يكون بغير مرجح والترجيح بغير ~~مرجح قبيح عقلا فهو غير جائز، وإما أن يكون لمرجح فكان واجب الطاعة بالمرجح ~~هو الإمام البتة (1)، وخرج الآخر عن كونه إماما وهو المطلوب، # PageV00P019 # وبعبارة أخرى: لو كان في عصر واحد إمامان واجبا الطاعة فأمر أحدهما بشئ ~~ونهى الآخر عنه فإما أن يجب امتثال أمرهما معا فيجب فعل ذلك الشئ وتركه في ~~حال واحدة وذلك ممتنع لامتناع اجتماع الضدين، أو عدم امتثال أمرهما معا ~~فيكون من هو واجب الطاعة محرمة طاعته في حال واحدة هذا خلف أو ترجيح قول ~~أحدهما بغير مرجح وهو قبيح أو تقديم قول أحدهما لمرجح فيكون هو ms004 الإمام ~~ويخرج الآخر عن الإمامة لعدم وجوب طاعته فلما كان في اجتماع إمامين في عصر ~~واحد لزوم المحال أو خلاف المفروض من طاعة الإمام والترجيح بدون المرجح وجب ~~وحدة الإمام في الزمان الواحد، ولذا ورد عن مولانا أبي عبد الله جعفر بن ~~محمد (عليه السلام) أنه سئل: # أيكون إمامان في عصر واحد؟ قال: (لا إلا وأحدهما صامت) (1) ومن هذا بطل ~~ما ينقل عن الزيدية من جواز نصب إمامين في عصر واحد كل واحد في ناحية (2)، ~~وهذا لا يرفع التناقض ولا يزيل المحذور إن لم يزده لو فرض صدور أمر كل ~~منهما إلى أهل ناحية الآخر بشئ وصدر من الآخر نهي أهل ناحيته عنه تقدير ~~طاعة أهل الناحيتين لكلا الإمامين واستشراء الفساد بعصيان كل من أهل ~~الناحيتين لإمام الأخرى عند طلبه منهم الطاعة فيحدث القتال ويشيع الجدال، ~~ومن هذا علم بطلان ما قيل: إن غاية الأمر أنه لا بد في كل اجتماع من رئيس ~~مطاع منوط به النظام والانتظام، لكن من أين يلزم عموم رئاسته جميع الناس ~~وشمولهما أمر الدين والدنيا على ما هو المعتبر في الإمام؟ مع أنه أجاب عنه ~~أهل الاختيار: بأنا نعلم أن انتظام أمر الدين والدنيا على جهة العموم على ~~وجه يؤدي إلى الصلاح فيهما مفتقر إلى رياسة عامة لأنه لو تعدد الرؤساء في ~~الأصقاع والبقاع لأدى إلى منازعات ومخاصمات # PageV00P020 # تؤدي إلى اختلال النظام، ولو كانت الرئاسة مقصودة على الدنيا لفات انتظام ~~أمر الدين الذي هو المقصد الأهم من الإمامة انتهى. # فإن قيل: نفرض اتفاق الأئمة في الأمر والنهي فيزول المحذور، قلنا: أنتم ~~تجعلون الإمام كواحد من المجتهدين فهذا الفرض غير ممكن الحصول على قولكم ~~لأن اتفاق المجتهدين في جميع أحكام الدين وأمور الدنيا مما لم يقع ولا يقع ~~أبدا على أن التزام هذا الفرض يقتضي الحكم بوحدة الإمام، لأن الآمر والناهي ~~على قولكم واحد والباقين موافقون له في الحالين تابعون لأمره ونهيه فيكون ~~هو الإمام وأولئك أتباعا له فهم من جملة الرعية المطيعين فلا تعدد على ms005 هذا ~~في الإمام إذ لا رئاسة لمن لا يأمر ولا ينهى إلا تبعا لغيره، وبالجملة ~~فالمعتمد هو وجوب وحدة الإمام في العصر واستقلاله بالنهي والأمر وعموم ~~رئاسة على جميع المكلفين. # وبقيد الإنسان يخرج الملك وغيره فلا يكون الملك إماما قال الله تعالى: # {ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون} (1) وورد عن أبي ~~جعفر الباقر (عليه السلام): (إن لله لم ينزل ملائكة يجعلهم في الأرض حكاما ~~وإنما جعل ذلك من البشر، قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي ~~إليهم من أهل القرى} (2) وإذ امتنع أن يكون الرسول ملكا امتنع أن يكون ~~الإمام كذلك للأولوية أو للاشتراك في العلة وهي عدم قيام الحجة على ~~المكلفين بإتيان الملك بما هو خارق للعادة لعدم ثبوت كونه معجزا لاحتمال ~~أنه من قدرة الملك لا من فعل الله لتصديقه في دعواه الرسالة لأن قدرة البشر ~~تعجز عن قليل من قدرة الملك فلم يكن في إتيانه بما يعجز عنه البشر معجزة ~~تقوم بها الحجة على صحة رسالته وغير ذلك من العلل ليس هنا # PageV00P021 # مقام بيانها ومحله مبحث النبوة، وهذا يتمشى على قواعدنا من اشتراط ~~المعجزة في الإمام كالنبي، وعلى قواعد غيرنا للسمع والأولوية، أو لأنه نائب ~~عن النبي فيجب أن يكون من نوعه أو علة أخرى. # وبقيد الخلافة خرجت النبوة، وفي بعض الحدود نيابة عن النبي والمعنى واحد، ~~ونقل عن بعض الفضلاء أنه عرف الإمامة بأنها رئاسة عامة في أمور الدين ~~والدنيا لشخص إنساني بحق الأصالة، قيل: واحترز به عن نائب يفوض إليه الإمام ~~عموم الولاية فإن رئاسته عامة لكن ليست بالأصالة، وأجيب بأن النائب المذكور ~~لا رئاسة له على إمامه فليست رئاسته بعامة فتخرج بقيد العموم ولا يحتاج في ~~إخراجها من الإمامة إلى ذكر الأصالة، وجعل بعض الأفاضل موضع خلافة عن النبي ~~في الحد لفظ بحق النيابة عن النبي أو بواسطة بشر وكلاهما يؤدي مؤدى لفظ ~~الخلافة عن النبي إلا أن الأول يزيد عليه بالتصريح بإخراج الإمامة ~~بالاختيار من الحد حيث أخذ ms006 حق النيابة قيدا للرئاسة ولا يعلم أن النائب تحق ~~له النيابة عن النبي إلا بنصه عليه، وظني أن هذا التقييد زائد عن مفهوم ~~الإمامة من حيث هي هي، فإن كون الإمامة مشروطة صحتها بالنص أم تصح ~~بالاختيار أمر آخر وراء مفهومها وحقيقتها. # وأما الثاني: وهو قوله بواسطة أحد من البشر فلا يقتضي أكثر من كون الإمام ~~منصوبا من قبل أحد من البشر وهذا لا ينفي الاختيار في الإمامة فيرجع في ~~نفسه فيها إلى أمر آخر وهو ما سنذكره من الأدلة على بطلان الاختيار، على أن ~~كلا من لفظ الخلافة والنيابة يقتضي النص عندنا لزوما لأن مرادنا من الإمامة ~~الصحيحة ولا تكون كذلك إلا باستخلاف النبي واستنابته ولا يكون ذلك إلا بنصه ~~فيكون بحق في قوله بحق النيابة مستغني عنه لأنه مؤكد لا مؤسس. PageV00P022 # ثم إن الإمامة تجامع النبوة فإن كل نبي إمام، وقد تكون مجردة عن النبوة ~~كإمامة الأئمة في هذه الأمة لختم النبوة بنبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فلا نبي بعده، والإمامة في النبي من حيث النبوة غير الإمامة من حيث النيابة ~~عن النبي لثبوت الأولى بثبوت النبوة وعدم احتياجها إلى أمر آخر واحتياج ~~الثانية إلى نصب النبي إذ ليس كل نبي نائبا عن الذي قبله وإلا لتعددت ~~النواب لكثرة الأنبياء في الأمم السالفة والمعلوم خلافه، فإن موسى ما كان ~~وصيه إلا يوشع بن نون وداود لم يكن وصيه إلا ابنه سليمان وكذا غيرهما من ~~الأنبياء كل نبي يوصي إلى واحد بعينه فيكون خليفته مع تعدد الأنبياء في تلك ~~الأزمان وإن جميعهم أئمة من حيث النبوة لأن كل نبي إمام وليس كل إمام من ~~حيث النيابة نبيا وإلا لامتنعت الإمامة في نواب نبينا (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) لامتناع النبوة فيهم ولذا احتاج موسى في استخلافه أخاه هارون إلى نصه ~~عليه بقوله: ﴿اخلفني في قومي﴾ ~~(1) ولم يكف في نيابته عنه كونه نبيا مرسلا معه، فظهر أن الإمامة من حيث ~~النيابة عن الأنبياء منفكة ms007 عن الإمامة من حيث النبوة وبالعكس، وأن حيثية ~~أحدهما غير حيثية الأخرى واختلاف الحيثيات كاف في اختلاف الحقائق وتغاير ~~المفهومات وإن اجتمعتا في الوجود في شخص واحد كاجتماعهما في هارون وأشباهه ~~من الأنبياء الذين كانوا نوابا عمن كان قبلهم من الأنبياء بنصبهم لهم ~~واستخلافهم إياهم على أممهم في إنفاذ الأحكام وإقامة أمر الدين كشيث وسام ~~وإسماعيل وإسحاق وغيرهم، وبين الإمامتين عموم وخصوص من وجه. # وأيضا للإمامة مفهومان آخران قال الشيخ أبو علي في مجمع البيان: # " المستفاد من لفظ الإمام أمران أحدهما أنه المقتدى به في أفعاله ~~وأقواله، والثاني: أنه الذي يقوم بتدبير الأمة وسياستها والقيام بأمورها # PageV00P023 # وتأديب جناتها وتولية ولاتها وإقامة الحدود على مستحقيها ومحاربة من ~~يكيدها ويعاديها، فعلى الوجه الأول لا يكون نبي من الأنبياء إلا وهو إمام، ~~وعلى الوجه الثاني لا يجب في كل نبي أن يكون إماما إذ يجوز ألا يكون مأمورا ~~بتأديب الجناة ومحاربة العداة والدفاع عن حوزة الدين ومجاهدة الكافرين " ~~انتهى (1)، وأنت خبير بأن الإمامة المذكورة في الحد شاملة للوجهين ~~المذكورين لأنها رئاسة في الدين والدنيا فتخرج النبوة بقيد الخلافة أو ~~النيابة، ثم إن الإمامة على ما هي مذكورة في الحد هي الملك العظيم المذكور ~~في قوله تعالى: # {فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما} (2) فالكتاب ~~النبوة، والحكمة العلم والملك العظيم الإمامة وهي عبارة عن فرض الطاعة على ~~المكلفين وهو معنى الرئاسة العامة وفي قوله تعالى في شأن داود: {وآتاه الله ~~الملك والحكمة} (3) جمع الله له النبوة والرئاسة العامة كما جمعهما من قبله ~~لموسى (عليه السلام) ومن بعده لابنه سليمان كما جمعا لنبينا (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) واختص نوابه بالثاني لأن النبوة قد ختمت به والرسالة قد كملت ~~برسالته فلا نبي بعده ولا شريعة بعد شريعته، وقد أنكر تقسيم الشيخ أبي علي ~~(رحمه الله) في زماننا هذا من لم يعرف معنى الإمامة وزعم أن النبي لا يلزم ~~أن يكون إماما مطلقا وهو مع ذلك يدعي أنه من العارفين لكنه جاهل جهله ولا ms008 ~~عبرة بمثله. # ثم اعلم أيضا أن للإمام تقسيما آخر وهو إما أن يكون الإمام إماما ليس ~~عليه إمام أو يكون إماما وعليه إمام. # والأول: يختص باهل الشرائع الست وهم آدم ونوح وإبراهيم وموسى # PageV00P024 # وعيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله) لأنهم أئمة الأمم وليس على واحد منهم ~~إمام يأتم به. # والثاني: يشتمل على ما سواهم من الأنبياء والأئمة لرجوع الجميع منهم إلى ~~شرائع الستة المذكورين فقد حصل الاتفاق على انحصار الشرائع المبتدأة ~~والناسخة في تلك الست وأن لا شريعة غيرها، روى الشيخ الجليل ثقة الإسلام ~~أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني بالسند عن ابن أبي يعفور (1) قال سمعت أبا ~~عبد الله (عليه السلام) يقول: (سادة النبيين والمرسلين خمسة وهم أولوا ~~العزم من الرسل وعليهم دارت الوحي نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله ~~عليهم وعلى جميع الأنبياء) (2). وروي بسنده عن درست بن أبي منصور (3) قال: ~~قال أبو عبد الله (عليه السلام): (الأنبياء والمرسلون على أربع طبقات فنبي ~~منبأ في نفسه لا يعدو غيرها، ونبي يرى في النوم ويسمع الصوت ولا يعاينه في ~~اليقظة ولم يبعث إلى أحد وعليه إمام مثلما كان إبراهيم على لوط، ونبي يرى ~~في منامه ويسمع الصوت ويعاين الملك وقد أرسل إلى طائفة قلوا أو كثروا كيونس ~~قال الله تعالى ليونس {وأرسلناه إلى مائة ألف # PageV00P025 # أو يزيدون} (1) قال يزيدون ثلاثين ألفا وعليه إمام، والذي يرى في نومه ~~ويعاين في اليقظة وهو إمام مثل أولي العزم.. الخبر ((2) والأخبار عن ~~ساداتنا في هذا المعنى كثيرة مودعة في محالها ولا حاجة إلى التطويل بنقلها ~~لوضوح المقام عند أولي الأفهام وغير خفي عليك أن الإمام المبحوث عنه هنا من ~~القسم الثاني لكون إمامته خلافة عن النبي. # PageV00P026 # المبحث الثاني: # في نصب الإمام هل هو واجب أم لا؟ وعلى تقدير وجوبه فهل هو واجب على الله ~~أو على المكلفين؟ وهل هو من جهة العقل أو السمع، وقد اختلف الناس في ذلك ~~فذهب الأشاعرة والمعتزلة والزيدية إلى وجوبه على الخلق ثم اختلفوا فقال: # الأولون سمعا، ms009 وقالت المعتزلة والزيدية: عقلا، وقال الحرورية: إنه غير ~~واجب مطلقا (1) وقال أبو بكر الأصم (2) من المعتزلة أنه يجب مع الخوف وظهور ~~الفتن ولا يجب مع الآمن لعدم الحاجة إليه وقال الفوطي (3) وأتباعه: يجب مع ~~الآمن لإظهار شعائر الشرع ولا يجب عند ظهور الفتن لأن الظلمة ربما لم # PageV00P027 # يطيعوه وصار سببا لزيادة الفتن (1) وذهب أصحابنا الإمامية إلى أنه واجب ~~على الله عقلا وهو المعتمد وعليه المعول، ولنا في ذلك وجوه: # الأول: إن كل ما دل على وجوب النبوة من الفوائد التي من جملتها معاضدة ~~النقل فيما يدل عليه العقل، واستفادة الحسن والقبح في الأفعال التي لا ~~يهتدي العقل إلى مواقعها وحفظ النوع الإنساني وتكميل أشخاصه وتعليم الأخلاق ~~الفاضلة والسياسات الكاملة ورفع الاختلاف عنهم في أمر دينهم ودنياهم، ~~وغيرها مما ذكر هناك فهو دال على وجوب الإمامة لأنها خلافة عنها والإمام ~~خليفة النبي في جميع منازله إلا في تلقي الوحي بلا واسطة أحد من البشر فإن ~~ذلك مخصوص بالنبي، ولو لم تجب الإمامة بعد النبوة لزالت فائدة البعثة لأن ~~النبي إذا ارتحل من الدنيا إلى جوار الملك الأعلى ولم يجعل الله له خلفا ~~يقوم بتلك المصالح ويقرر تلك الفوائد ويجمع الأمة عن شتات الكلمة رجع الناس ~~بعد النبي إلى الاختلاف واستعمال الآراء المؤدي إلى الخلط في الدين، وذهاب ~~الألفة وتشتيت الكلمة لاستغناء كل برأيه واتباع كل مريد شئ هواه، فيرجع ~~الأمر من الصلاح إلى الفساد، وتضعف قواعد شريعة النبي لكثرة الاختلاف فيها ~~وتذل تلك الملة لافتراق أهلها وعدم تناصرهم كما نشاهده في هذا الزمان الذي ~~منع الناس فيه أنفسهم اللطف بإخافة الإمام من استيلاء الكفرة اللئام على ~~أهل الإسلام وإبطالهم أحكام شريعة سيد الأنام وقعود المسلمين عن جهادهم ~~لعدم اجتماعهم وتعاونهم وما ذاك إلا لعدم رجوعهم إلى رئيس مطاع مأمون على ~~الدين، ومعلوم على هذا أن فوائد البعثة مع عدم نصب إمام لا تبقى بل تزول ~~وتفنى فوجب على الله في حكمته نصب الإمام لإبقاء فوائد النبوة كما وجب في ~~الحكمة إحداث ms010 النبوة لحصول تلك الفوائد والعقلاء يجزمون بأن ما وجب إحداثه ~~لإدراك مصلحة يجب إبقاؤه # PageV00P028 # أو إحداث ما يقوم مقامه لاستبقاء تلك المصلحة. # الثاني: إن الإمام لطف من الله في حق عبادة لأنه يقرب إلى الطاعة ويبعد ~~عن المعصية، وبيانه إلى الناس إذا كان لهم رئيس مطاع يمنعهم من المحظورات ~~ويحثهم على الطاعات كانوا معه إلى الطاعة أقرب ومن المعصية أبعد منهم بدونه ~~وذلك هو الإمام فيكون لطفا واللطف واجب على الله تعالى، والمعتزلة يوافقونا ~~في وجوب اللطف على الله والأشاعرة ينفونه بناء على أصلهم من نفي الحسن ~~والقبح العقليين وقد أبطل أصحابنا هذا الأصل وهدموه بما لا مزيد عليه من ~~القول في مبحث العدل، وليس هذا الموضع محل ذكره فليطلب من موضعه، على أنه ~~يكفي في بطلان قولهم قوله تعالى: # {ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا ~~فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى} (1) فإنه واضح في وجوب اللطف على الله ~~تعالى، واعترض مخالفونا على هذا الدليل بأن الإمام إنما يكون لطفا إذا خلا ~~عن المفاسد كلها وهو ممنوع، لأن أداء الواجبات وترك الحرام مع عدم الإمام ~~أكثر ثوابا لكونهما أقرب إلى الإخلاص لانتفاء كونهما من خوف الإمام والجواب ~~من وجوه. # الأول: القدح في العلة فإن أداء الواجب على وجهه وترك الحرام من جميع ~~جهاته لا يحصل بدون الإمام. # الثاني: منع أكثرية الثواب في أداء الواجب وترك الحرام بدون الإمام لقربه ~~إلى الإخلاص لاحتمال إرادة الرياء أو خوف المسلمين أن يسقطوا منزلته لا ~~سيما إذا كان الشخص من أولي المناصب فليس عدم الإمام بكاف في قرب العمل إلى ~~الإخلاص. # PageV00P029 # الثالث: إنه لو كان احتمال الخوف من الإمام في أداء الواجب وترك الحرام ~~مفسدة توجب خروجه عن كونه لطفا لكان احتمال الخوف من النبي في إظهار كلمة ~~الإسلام وفعل الواجب وترك الحرام مفسدة توجب خروجه عن كون بعثته لطفا ~~لاشتراك العلة فيهما فيجب ألا يبعث نبي واللازم باطل بالاتفاق فالملزوم ~~مثله، على أن اللطف كما علمت ms011 هو ما يحصل به الحث على الطاعة والردع عن ~~المعصية ولا يبلغ إلى حد الإلجاء فالخوف منه في أداء الواجب وترك الحرام هو ~~نفس كونه لطفا فكيف يكون مخرجا له عن اللطف؟ # فحاصل هذا الاعتراض أن اللطف ليس بلطف ولا خفاء في تناقضه فالاعتراض به ~~باطل من أصله غير محتاج إلى الجواب عنه، والعجب من القوشجي (1) كيف اعترض ~~به على الدليل ثم عقبه بقوله: ولو سلم فإنما يجب لو لم يقم لطف آخر مقامه ~~كالعصمة مثلا لم لا يجوز أن يكون زمان يكون الناس فيه معصومين مستغنين عن ~~الإمام، والجواب أن هذا الفرض معلوم الاستحالة كما نعلم استحالة أن يكون ~~زمان يكون الناس جميعهم في مؤيدين بالوحي السماوي والإلهام الإلهي والعصمة ~~فيكونون مستغنين عن النبي لوجهين: # الأول: إن النفوس البشرية ليست بجملتها ذوات ذكاء وفطنة بحيث تكون قابلة ~~للهداية بدون واسطة ولا ذوات قوة ونباهة بحيث يشرق عليها نور العرفان ~~فتستغني به في ترك القبيح عن مؤدب كما هو المشاهد في الأمصار والأعصار، بل ~~كثير من النفوس كالحشرات لا تقبل التعليم ولا التأديب كما قال تعالى: [إن ~~هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا] (2) فأين الجميع من # PageV00P030 # العصمة بل من العدالة!. # الثاني: ما ورد في الكتاب العزيز من الأخبار عن أكثر الناس بعدم الإيمان ~~تارة وعدم العلم أخرى وعدم الفقه ثالثة وتخصيص الشاكرين بالأقل مطلق غير ~~مقيد بوقت مثل قوله: [ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ولكن أكثرهم لا يعلمون ~~وأكثرهم الفاسقون وقليل من عبادي الشكور وقليل ما هم] (1) إلى غير ذلك من ~~الآيات الموجبة للقطع بامتناع هذا الفرض بل بامتناع حصول العدالة لجميع ~~الناس فيكون ما فرضه غير واقع دائما، ثم لو سلمنا إمكان وقوع الفرض عقلا ~~لرددناه بمقتضى العادة المستمرة المفيدة لليقين، وبيان ذلك أنا إنما نتكلم ~~على ما جرت به العادة الموجبة للقطع بأن ذلك الفرض وهو عصمة جميع الناس لم ~~يحصل فيما مضى من الأزمنة ولا يحصل فيما يأتي لتساوي الأزمان وإشخاص النوع ~~الإنساني وحذو هذه الأمة ms012 حذو من سبقها من الأمم كما أفصح عنه قول النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فيما صح من الأخبار (2)، فكان العلم بامتناع ~~عصمة جميع الناس من جهة العادة جاريا مجرى العلم بامتناع عصمة جميع الناس ~~من جهة العادة جاريا مجرى العلم بامتناع انقلاب أواني الجمادات وصيرورتها ~~جالا كاملين علماء ومشائخ مهذبين فضلاء من جهتها، وإن كان غير ممتنع ذلك في ~~قدرة الله تعالى فعلم أنه لا لطف يقوم مقام الإمام، بل تعين انحصار اللطف ~~فيه، فوجب في حكمة الله نصبه لأن الاخلال بما وجب في الحكمة قبيح لا يصدر ~~من الحكيم، فإن حصل زمان تنخرق فيه العادة ويعصم الناس فيه عن آخرهم حكمنا ~~باستغنائهم عن الإمام من هذا الوجه لا من جميع الوجوه لكن # PageV00P031 # ذلك لا يحصل أبدا فالحاجة إلى الإمام حاصلة دائما، هذا كله مع أن العلم ~~بالتجاء العقلاء في جميع الأعصار والأمصار إلى نصب الرؤساء في حفظ نظامهم ~~وضبط أحوالهم دال على انتقاء طريق سوى الإمامة وعدم قيام غير الإمام مقامه، ~~وإلا لكانوا يلتجئون إليه ويتمسكون به، ومن هذا يعلم انحصار اللطف عند ~~العقلاء في الإمام فيتعين وجوبه، وعلم من جميع ما ذكرنا امتناع الفرض ~~المذكور عقلا وسمعا وعادة، ومنه يتضح صحة ما قاله رئيس المحققين نصير الدين ~~(1) في التجريد من معلومية انتفاء المفاسد وانحصار اللطف في الإمام للعقلاء ~~(2)، وقول القوشجي إنهما مجرد دعوى فاسدناش؟؟ عن غير تأمل وقال أيضا في ~~الاعتراض على دليلنا: " وأيضا إنما يكون لطفا إذا كان الإمام ظاهرا قاهرا ~~زاجرا عن القبائح قادرا على تنفيذ الأحكام وإعلاء لواء الإسلام، وهذا ليس ~~بلازم عندكم فالإمام الذي ادعيتم وجوبه ليس بلطف والذي هو لطف ليس بواجب " ~~والجواب المعارضة بالأنبياء فإن النبي لطف ولم يشترط في كونه لطفا قدرته ~~على الزجر عن القبائح وقهره على الطاعة ولم تبطل نبوته وإمامته بعصيان ~~العصاة، فإنا نعلم بأخبار الكتاب العزيز أن نوحا. وهودا ولوطا (عليهم ~~السلام) عصاهم قومهم ولم يقدروا على الزجر عن القبائح وإنفاذ الأحكام، وأن ~~إبراهيم خليل الرحمن ms013 ألقاه قومه في النار ليحرقوه، وأن هارون عصاه بنو ~~إسرائيل وعكفوا على عبادة العجل # PageV00P032 # ولم يستطع كفهم عن ذلك، وموسى طلبه فرعون ليقتله ومن معه ولم يقدر على ~~مدافعة فرعون واضطر إلى عبور البحر، وأن عيسى بن مريم أراد اليهود قتله ~~فرفعه الله، وغيرهم من الأنبياء الذين أوذوا وقتلوا وكلهم لم يكونوا ~~متمكنين مما ذكره من القهر والزجر والقدرة على تنفيذ الأحكام وإعلاء لواء ~~الإسلام (1) إما دائما أو في أكثر الأحوال ومع هذا لم تبطل نبوتهم وإمامتهم ~~في حال من الأحوال ولا كان عدم تمكنهم واقتدارهم على ما ذكره وسطره مخرجا ~~لهم عن كونهم ألطافا ولا مقتضيا للقدح في إمامتهم، وإذا لم يكن عدم القدرة ~~على إنفاذ الأحكام وإعلاء لواء الدين موجبا لخروج النبي عن كونه لطفا من ~~الله في خلقه لم يكن ذلك مبطلا للطفية خليفته لتساويهما في كونهما معا ~~منصوبين من قبل الله تعالى فلا يخرجان عن الإمامة بعصيان الخلق، وقد علمت ~~أن نبينا محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) قد كذبه قومه كأبي جهل وأبي لهب ~~وأبي سفيان وأضرابهم من رؤساء قريش وأرادوا قتله وأخافوا سبيله وجهدوا ~~أنفسهم في ذلك حتى ألجئوه تارة إلى الحصار وأخرى إلى الغار والهجرة عن ~~الوطن إلى الدار (2) ورمته العرب عن قوس واحدة وبذلوا جهدهم في قتله وقتل ~~من معه افترى أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) حين كان غير متمكن من الزجر عن ~~القبائح ولا من إعلاء لواء الإسلام وغير قاهر أولي العصيان ليس بنبي ولا ~~إمام وليس بلطف من الله في الأنام فيكون قد بطلت بذلك نبوته وزالت إمامته ~~ولطفيته؟ ما أراك تقول ذلك ولا ترضى به، بل تقول نبوته (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) لم يبطلها تكذيب المكذبين وإمامته (صلى الله عليه وآله وسلم) لم ~~يفسدها عصيان العاصين، وكونه # PageV00P033 # لطفا لم يزله عناد المعاندين، وإذا لم تقل بأن عدم التمكن والقهر في ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قادح في صحة نبوته ولا مبطل لفرض إمامته ~~ولا مخرج له ms014 عن اللطف لزمك القول بأن عدم التمكن مما ذكرته أيضا غير قادح ~~في إمامة وصيه ولا مزيل للطفية خليفته لاتحاد العلة، ثم إنا نعلم أن ~~التكليف لطف لأنه زاجر عن القبيح وحاث على الطاعة، وهو عبارة عن أمر ونهي ~~وأنه لا يخرجه عن اللطفية عدم عمل المكلفين بمقتضاه، وخروجهم من حدوده، ومن ~~ذا يتبين أن عمل أناس بمقتضى اللطف وإجابتهم إياه ليس بشرط في كون اللطف ~~لطفا؟ فعدم حصوله لا يبطل لطفية اللطف فالإمام لا يبطل لطفيته عدم تمكنه من ~~الأمور التي ذكرها المعترض لعصيان الرعية، فما ادعينا وجوبه لطف فيكون ~~واجبا، وهذا الجواب هو الحاصل من كلام جماعة من قدماء أصحابنا كالصدوق (1) ~~وابن قبة (2) في إبطال تلك الشبهة وأجاب أصحابنا المتأخرون كنصير الدين ~~الطوسي وجمال الدين الحلي (رضي الله عنه) (3) عنها بأن وجود الإمام لطف ~~تصرف أو لم يتصرف لقيام حجة الله # PageV00P034 # على عباده به ولأن المكلف إذا علم بوجود إمام في العالم يجوز ظهوره ~~وتسلطه على الرعية فيعاقب العصاة ويؤدب الجناة كان إلى فعل الطاعة ~~والانزجار عن المعصية أقرب منه إذا علم انتفاء وجوده فيحصل من وجوده اللطف ~~وإن لم يتصرف، وتصرفه الظاهر لطفا آخر لا يفوت الأول بفواته وعدمه إنما جاء ~~من قبل المكلفين وسوء اختيارهم حيث أخافوا الإمام وتركوا نصرته ففوتوا ~~أنفسهم مصلحة تصرفه في إنفاذ الأحكام وإقامة الحدود وأخذ الحقوق وإعزاز ~~الدين وحماية الإسلام والمسلمين حتى ألجئوه إلى الاستتار والغيبة. # وحاصل هذا الوجه أن الواجب على الله في الحكمة إيجاد الإمام ودلالة ~~العباد عليه وليس يجب على الله تصيير العباد منقادين لحكم الإمام ومطيعين ~~لأمره، بل الواجب في حكمة الله أمرهم بطاعته والواجب عليهم الانقياد له ~~والتسليم لأمره والرضا بحكمه ونصرته على من ناواه، وقد قال تعالى لنبيه: # [فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيها شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم ~~حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما] (1) والله سبحانه قد فعل ما وجب في حكمته ~~فأوجد الإمام ودل عليه وأمر بطاعته بقوله: [أطيعوا الله وأطيعوا ms015 الرسول ~~وأولي الأمر منكم] (2) والعباد لم يفعلوا ما وجب عليهم من الطاعة للإمام ~~فكان فوات اللطف الظاهر وهو تصرف الإمام منهم ولذا قال بعض المحققين: " ~~التحقيق أن اللطف في أمر الإمامة يتم بأمور منها ما يجب على الله تعالى وهو ~~خلق الإمام وتمكينه من القدرة والعلم والنص عليه باسمه ونسبه وهذا قد فعله ~~الله تعالى، ومنها ما يجب على الإمام وهو تحمله الإمامة # PageV00P035 # وقبوله لها وهذا قد فعله الإمام، ومنها ما يجب على الرعية وهو المساعدة ~~والنصرة له وقبول أوامره وامتثال قوله وهذا لم يفعله الرعية، فكان اللطف ~~الكامل منهم لا من الله تعالى ولا من الإمام " انتهى فتبين أن وجود الإمام ~~لطف على الاستقلال غير متوقف على التصرف فبطل بذلك ما قال القوشجي: " بأنا ~~لا نسلم أن وجوده بدون التصرف لطف " لأنا قد بينا أن مسارعة العبد إلى ~~الطاعة وانزجاره عن القبيح بسبب علمه بوجوده وإمكان تصرفه أقرب منه إذا علم ~~عدمه لأنه إذا اعتقد وجوده كان دائما يخاف ظهوره ويترقب تصرفه فيمتنع من ~~القبائح، وذلك هو اللطف. # وأما قوله: " بأن مجرد الحكم بخلقه وإيجاده في وقت ما كاف في هذا المعنى ~~فإن ساكن القرية إذا انزجر عن القبيح خوفا من حاكم من قبل السلطان مختف في ~~القرية لا أثر له كذلك ينزجر خوفا من حاكم علم أن السلطان يرسله إليها متى ~~شاء " ففاسد لأن محصله أن علم المكلف بقدرة الله تعالى على إيجاد إمام في ~~وقت من الأوقات وتمكينه من التصرف قائم مقام وجوده في حصول الخوف للمكلف ~~فيحصل به اللطف ولا يحتاج في ذلك إلى كون الإمام موجودا، وفساده من وجوه. # الأول: إن ما فرضه خوف من المعدوم ولا خفاء أن الخوف من المعدوم غير حاصل ~~للعقلاء بخلاف الخوف من الموجود المترقب ظهوره فإن الخوف منه حاصل فكان ~~لطفا دون الأول، فقوله بعد: " وليس هذا خوفا من المعدوم بل موجود مترقب " ~~عدول عما فرضه ومغالطة في القول فإن الفرض أنه ليس بموجود لكن يمكن وجوده ~~وأما إذا ms016 كان موجودا كان هو عين ما فرضناه لا ما فرضه. # الثاني: إن المكلف لو علم أن في القرية حاكما مختفيا من جهة السلطان ~~سيظهر ويعاقب على فعل القبيح يكون دائما خائفا من اطلاعه عليه إذا فعل ~~PageV00P036 # قبيحا لعلمه بوجوده وعدم معرفته بعينه وتصوره أن إنكاره فعل القبيح لا ~~ينفعه إذا ظهر ذلك الحاكم لاطلاعه عليه بخلاف ما إذا علم خلو القرية منه ~~ولم يبق إلا علمه بإمكان وجوده فيما بعد فإنه لا يرتدع عن القبيح لذلك ~~لتمكنه من الانكار عند وجود ذلك الحاكم وهذا ظاهر عند العقلاء فاللطف يحصل ~~بما فرضناه دون ما فرضه للفرق الظاهر بين الحالين. # الثالث: إن ما ذكره لا يتمشى على قواعدهم لأن نصب الإمام عندهم ليس من ~~الله بل من المكلفين فلا إمام على قولهم يترقب نصبه من الله فلا لطف حاصل ~~بالمرة، وقد علم من هذا أن اللطف منحصر في وجود الإمام وأن العلم بإمكان ~~إيجاده لا يقوم مقام وجوده فثبت أن وجوده لطف فهو واجب في حكمة الله ووضح ~~سلامة الدليل من الخدش فيه، كل هذا مع ما في كلامه من التدافع فإنه فيما مر ~~عليك من قوله أبطل لطفية الإمام بخوف المكلف منه في أداء الطاعة فمقتضى ~~كلامه هناك أن الإمام لا يكون لطفا إذا كان متمكنا من ردع العاصين ومعاقبة ~~الجانين فيكون لطفية مشروطة بعدم تصرفه ثم هو هنا يقول أن الإمام لا يكون ~~لطفا إلا إذا كان متصرفا قاهرا زاجرا عن القبيح، فما جعله هنا شرطا في كون ~~الإمام لطفا جعل ضده هناك شرطا في ذلك، وهذا تناقض واضح فيكفي في بطلان ~~قوليه تضادهما وتنافيهما. # الثالث (1): من أدلتنا أنه لا شك أن الله تعالى أنظر لخلقه منهم لأنفسهم ~~وارأف بهم وأرحم بهم منهم على أنفسهم، وليس من نظر الله لهم ورأفته عليهم ~~ورحمته بهم أن يتركهم هملا ويهملهم سدى كالغنم لا راعي لها بل مقتضى الرحمة ~~والرأفة بهم يوجب في حكمة الله أن ينصب لهم من يقيم أودهم (2) ويجمع كلمتهم ms017 ~~ويهتدون إلى سبيل النجاة بضياء علمه وينزجرون # PageV00P037 # عن القبيح بنافذ حكمة ويقتدون في أمر دينهم ودنياهم بقوله وفعله وذلك هو ~~الإمام، فنصب الإمام واجب في الحكمة بمقتضى نظر الله لخلقه ورأفته بهم وهو ~~المطلوب، وهذا الوجه لبعض متكلمينا من أصحاب أبي عبد الله الصادق (عليه ~~السلام) (1) ولا قدح باحتمال قيام إيجاب الله على العباد نصب الإمام لحصول ~~الفوائد المذكورة مقام نصبه لهم إماما في حصول الرأفة بهم لأن ذلك مناف ~~للرأفة للعلم بأن تفويض الأمر إلى الخلق مما يوجب لهم الاختلاف والنزاع ~~المؤدي إلى الفساد واختلال النظام لاختلاف الآراء وميل الأهواء فيميل كل ~~قوم إلى شخص غير الذي اختاره غيرهم فيقع الخصام ويشيع الجدال فيما بينهم ~~فلا يتم الغرض المطلوب بل تصير الرحمة بذلك نقمة وهو خلاف المراد. # احتج القائلون بوجوب نصب الإمام على العباد عقلا بأن في نصب الرئيس دفعا ~~للضرر عن أنفس الخلق ودفع الضرر واجب عقلا أما الأولى فظاهرة لأن الخلق إذا ~~لم يكن لهم رئيس يحسم مادة النزاع فيما بينهم ويأخذ للضعيف من القوي انتشر ~~أمرهم وفشا الفساد فيهم، وأما الكبرى فمعلومة والجواب أنه لا نزاع في كون ~~الإمامة دافعة للضرر وكون دفع الضرر واجبا إنما النزاع في تفويض الأمر إلى ~~اختيار الخلق فإنا لا نسلم كون الإمامة على هذا الوجه دافعة للضرر لاختلاف ~~الخلق في تعيين الإمام فيؤدي إلى الضرر المطلوب زواله كما قدمناه فالواجب ~~جعل ذلك إلى الله تعالى على أن الاختيار في الإمامة سنبطله إن شاء الله ~~تعالى في محل الكلام عليه بأدلة واضحة. # واحتج القوشجي للأشاعرة بوجوه قال: # الأول: وهو العمدة إجماع الصحابة حتى جعلوا ذلك أهم الواجبات # PageV00P038 # واشتغلوا به عن دفن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وكذا عقيب موت كل ~~إمام، روي أنه لما توفي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خطب أبو بكر فقال: ~~" يا أيها الناس من كان يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد رب ~~محمد فإنه حي لا يموت، لا بد لهذا الأمر ممن ms018 يقوم به فانظروا وهاتوا آراءكم ~~رحمكم الله ". # وهذه الحجة فاسدة من وجوه. # الأول: إن دعوى الإجماع من الصحابة على المبادرة إلى تعيين الإمام ونصبه ~~خطأ فاحش فقد صح في روايات قومه وأهل مذهبه أن الذين بادروا إلى ذلك ~~الأنصار وثلاثة من المهاجرين أبو بكر وعمر وأبو عبيدة ومضوا ينازعون ~~الأنصار في سقيفة بني ساعدة حتى غلبوا عليهم وجميع المهاجرين غيرهم لم ~~يحضروا ذلك الأمر ولا بادروا إليه وهم وجوه الصحابة وأعلم الصحابة علي ~~(عليه السلام) وهو وجميع بني هاشم وأشياعهم يشتغلون بجهاز النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) ودفنه عن ذلك الأمر، فأين إجماع الصحابة على المبادرة إلى ~~نصب الإمام واشتغال جميعهم به عن دفن الرسول كما ادعاه؟ فلو كان نصب الإمام ~~على الرعية واجبا لكان أحق الناس بالمبادرة إليه علي بن أبي طالب وشيعته ~~مثل عمه العباس، وسلمان وأبي ذر والمقداد وأضرابهم، ولو كان مبادرة الثلاثة ~~والأنصار إلى المنازعة في الخلافة حقا لما تأخر علي (عليه السلام) وشيعته ~~لأنه مع الحق والحق معه ولما قعد عنه أكابر الصحابة عندهم كعبد الرحمن بن ~~عوف وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وعثمان بن عفان ~~وأشباههم فلا إجماع منهم على ما ذكره المحتج. # الثاني: إن الذين بادروا إلى عقد الإمامة من الصحابة الذين ذكرناهم لم ~~يكن غرضهم ما ذكره من تعيين الإمام لكونه واجبا وإنما كان غرضهم أمرا ~~PageV00P039 # دنيويا، أما الأنصار فسارعوا إلى ذلك خوفا من أن تلي الخلافة قريش ~~فيأخذوا منهم ثار من قتله الأنصار من رجال قريش في حروب النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وأما الثلاثة المذكورين فبادروا إلى ذلك خوفا من خروج ~~الأمر من أيديهم وولاية الأنصار عليهم، ولم يكن أحد الفريقين طلب بما أراد ~~أمرا دينيا ولا وجها شرعيا كما ادعاه في الحجة، وقد روى ما ذكرناه جميع من ~~روى أخبار الصحابة كأبي بكر الجوهري (1) ومحمد بن جرير الطبري (2) ويحيى بن ~~جابر البلاذري (3) وغيرهم من رجال العامة وثقاة محدثيهم وها نحن نذكر ms019 بعض ~~ما رواه مما يصرح بما قلناه وينطق بما إليهم نسبناه، قال أبو بكر الجوهري: ~~أخبرنا أحمد بن إسحاق بن صالح، قال: حدثنا عبد الله بن عمر عن حماد بن زيد ~~عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد قال: لما توفي النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة فأتاهم أبو بكر وعمر وأبو ~~عبيدة فقال الحباب بن المنذر: منا أمير ومنكم أمير والله ما ننفس هذا الأمر ~~عليكم أيها الرهط ولكنا نخاف أن يليه بعدكم من # PageV00P040 # قتلنا أبناءهم وآباءهم وإخوانهم فقال عمر بن الخطاب: إذا كان ذلك قمت إن ~~استطعت، فتكلم أبو بكر فقال: نحن الأمراء وأنتم الوزراء والأمر بيننا نصفان ~~كشق الأبلمة (1) فبويع (2). # وروى الطبري في التاريخ حديثا طويلا فيه ذكر السقيفة وذكر الفلتة من كلام ~~عمر وفيه حكاية عمر قول أبي بكر للأنصار: يا معشر الأنصار إنكم لا تذكرون ~~فضلا إلا وأنتم له أهل، وإن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لقريش أوسط العرب ~~دارا ونسبا وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين يعني عمر وأبا عبيدة - إلى أن ~~قال -: فلما قضى أبو بكر كلامه قام رجل من الأنصار فقال: # " أنا جذيلها المحكك: وعذيقها المرجب (3) منا أمير ومنكم أمير " وارتفعت ~~الأصوات واللغط فلما خفت الاختلاف قلت لأبي بكر: أبسط يدك أبايعك فبسط يده ~~فبايعته وبايعه الناس ثم نزونا على سعد بن عبادة فقال قائلهم قتلتم سعدا ~~فقلت: اقتلوه قتله الله إلى أن قال: خشيت إن فارقت القوم ولم يكن بيعة أن ~~يحدثوا بعدنا بيعة فإما أن نبايعهم على ما لا نرضى أو نخالفهم فيلوث فيكون ~~فسادا (4) وفي رواية أبي بكر الجوهري من حديث أحمد بن إسحاق عن أحمد بن ~~سيار عن سعيد بن كثير الأنصاري بعد كلام أبي بكر للأنصار فقال الأنصار: ما ~~نحسدكم على خير ساقه الله إليكم، ولا أحد # PageV00P041 # أحب إلينا ولا أرضى عندنا منكم، ولكنا نشفق فيما بعد هذا اليوم ونحذر أن ~~يغلب على هذا الأمر من ليس منا ولا ms020 منكم (1) إلى آخر ما ذكر، فهذه الأخبار ~~وغيرها من أحاديثهم ناصة على أن غرض المسارعين إلى عقد الإمامة ليس ما ذكره ~~المحتج من أداء الواجب الذي هو تعيين الإمام، وإنما كان غرضهم ما ذكرناه ~~عنهم من الأمور الدنيوية، وتنطق بأن الثلاثة الذين حضروا مع الأنصار من ~~المهاجرين كان مطلبهم ألا يلي الأمر غيرهم وليسوا قاصدين أمرا وراء هذا من ~~الأمور الراجعة إلى الدين فقط كما قال، وأيضا لو كان غرض من سارع إلى عقد ~~الإمامة أمرا دينيا لم يكن لإعراضهم عن المجلس الذي اجتمع فيه الناس لتجهيز ~~الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وجه إذ جلوسهم في ذلك المجلس لم يكن ~~مانعا لهم من إجالة الرأي وإدارة المشورة فيما بينهم في تعيين الإمام وعقد ~~البيعة له هناك على برد ورضا فتركهم ذلك المجلس ومخاصمتهم في السقيفة وما ~~جرى لهم من النزاع فيها المؤدي إلى قول عمر: اقتلوا سعدا قتله الله وقول ~~الحباب بن المنذر: إن شئتم لنعيدنها جذعة (2) وقوله: والله لا يرد على أحد ~~ما أقول إلا حطمت أنفه وغير ذلك من الأقوال الغليظة المذكورة في الأحاديث ~~التي نقلنا منها ما تقدم وغيرها دليل على أن القوم قصد كل منهم المغالبة ~~والاستبداد بالأمر وأنهم سارعوا إليه قبل أن يعقد لغيرهم فيفوتهم ما طلبوا ~~من الرئاسة لأداء ما وجب عليهم من تعيين من يصلح للإمامة وكل هذا ظاهر لمن ~~نظر في الأخبار نظر متأمل، فإذا كان أغراض القوم هي ما عرفت من المطالب ~~النفسية والشهوات الدنيوية كيف يكون فعلهم أصلا يبني عليه القواعد الشرعية، ~~وحجة يعتمد عليها في الأصول الدينية؟ هذا بعيد من التحقيق وناء عن نظر أهل ~~النظر بواد سحيق. # PageV00P042 # الثالث: إن الكلام الذي ذكره من قول أبي بكر وجواب الصحابة له على الوجه ~~المذكور مما لا أصل له ولا ورد في شئ من أخبارهم على هذا النهج (1) بل ~~أخبارهم ناطقة بأن بيعة أبي بكر لم تكن عن مشاورة ومناظرة وإنما كانت ~~مغالبة ووقعت فلتة وإجماع الناس على ذلك وما ms021 تقدم من الأخبار شاهد به ~~ويكفيك من ذلك قول عمر على صهوة المنبر: إن بيعة أبي بكر فلتة (2) وغيرها ~~من الأخبار روى الجوهري في خبر سعيد بن كثير قال: لما قبض النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة، ثم ذكر كلام سعد وما ~~ردوا عليه من الإجابة إلى توليته وما ترادوه بينهم من الكلام إلى أن قال: ~~فأتى الخبر عمر فأتى منزل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فوجد أبا ~~بكر في الدار وعليا في جهاز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) وكان الذي ~~أتاه معن بن عدي (3) فأخذ بيد عمر وقال: قم فقال عمر أني عنك مشغول فقال ~~إنه لا بد من قيام فقام معه فقال له: إن هذا الحي من الأنصار قد اجتمعوا في ~~سقيفة بني ساعدة معهم سعد بن عبادة يدورون حوله أنت المرجى ونجلك المرجى ~~وثم أناس من أشرافهم وقد خشيت الفتنة فانظر يا عمر ماذا ترى واذكر لأخوتك ~~واحتالوا لأنفسكم فأتى انظر إلى باب فتنة قد فتح الساعة إلا أن يغلقه الله، ~~ففزع عمر أشد الفزع حتى أتى أبا بكر # PageV00P043 # مع عمر فحدثه الحديث ففزع أبو بكر أشد الفزع وخرجا مسرعين إلى سقيفة بني ~~ساعدة، وساق الكلام الواقع في السقيفة من خصام أبي بكر وصاحبيه للأنصار ~~(1). # وقال أبو بكر الجوهري: سمعت أبا زيد عمر بن شبة يحدث رجلا بحديث لم أحفظ ~~إسناده قال: مر المغيرة بن شعبة بابي بكر وعمر وهما جالسان على باب النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) حين قبض فقال ما يقعد كما قالا: ننتظر هذا الرجل ~~يخرج فنبايعه يعنيان عليا (عليه السلام) فقال أتريدون أن تنتظروا خيل ~~الحلبة (2) من هذا البيت وسعوها في قريش تتسع (3) قال فقاما إلى سقيفة بني ~~ساعدة أو كلاما هذا معناه وغير ذلك من أخبارهم المصرحة بخلاف ما ذكره هذا ~~المحتج والناطقة بمغايرته، على أن جميع أصحاب السيرة رووا كلام أبي بكر بعد ~~قول عمر: إن رسول الله لم يمت ms022 ولا يموت حتى يظهره الله على دينه قالوا ~~جميعا: فجاء أبو بكر وكشف عن وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وقال: بأبي وأمي طبت حيا وميتا والله لا يذيقك الله الموتتين ثم جزع والناس ~~حول عمر وهو يقول لهم: إنه لم يمت ويحلف فقال: أيها الحالف على رسلك ثم ~~قال: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا ~~يموت قال الله تعالى: [إنك ميت وإنهم ميتون] (4) وقال: # [أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم] (5) هذا كلامه الذي نقله جميع # PageV00P044 # أهل السيرة من أوليائه (1) وليس فيه مما ذكره القوشجي من طلب أبي بكر من ~~الصحابة تعيين الإمام وإجابتهم له بما ذكره هناك حرف واحد وما ذكرناه دليل ~~واضح على أن القول المذكور لم يقع وأنه شئ افتعله القوشجي من نفسه أو غيره ~~من متكلميهم ليصلحوا به أمرهم، ويقووا به مذهبهم، فلا حجة فيما ذكر إذ لم ~~يرد به خبر، ولا وجد له في كتب الأخبار أثر، والكذب لا تقوم به الحجة ~~الشرعية عند أولي الألباب، ومما بيناه استبان أنه لا استشارة ولا جواب فضلا ~~عن أن يكون وقع اتفاق من الصحابة على تعيين الإمام، وحصول الإجماع. # الرابع: إن خبره لو صح لكان مناقضا لغرضه ومعاندا لمطلبه لأن فيه بعد ~~كلام أبي بكر وطلبه من القوم تعيين الإمام قالوا: صدقت لكنا ننظر في هذا ~~الأمر، وهذا القول دال على التأني والمهلة لا على المسارعة والعجلة كما لا ~~يخفى على من له اطلاع وممارسة بكلام العرب ومحاوراتهم، فما احتج به الرجل ~~على مراده مخالف له فلا يصح له الاحتجاج به لو صح وروده فكيف ودون ذلك ~~أهوال؟ ومما ذكرنا من الوجوه يعلم يقينا اجتثاث أصل هذا الدليل وانقلاع ~~أساسه وانطماس رسومه واعتفاء أثره مع أنه العمدة عندهم فزال عمادهم وبطل ~~إليه استنادهم. # الثاني: (2) من أدلته أن الشارع أمر بإقامة الحدود، وسد الثغور، وتجهيز ~~الجيوش، للجهاد وكثير من الأمور المتعلقة بحفظ النظام وحماية بيضة ms023 الإسلام ~~مما لا يتم إلا بالإمام وما لم يتم الواجب المطلق إلا به وكان مقدورا فهو ~~واجب على ما مر. # الجواب من وجهين (3). # PageV00P045 # الأول: منع توجه الخطاب بذلك لعامة المكلفين ابتداء بل الخطاب متوجه به ~~كذلك إلى الأئمة والمكلفون مأمورون بطاعتهم ومعاونتهم عليه ومنهيون عن ~~التخلف عن أمرهم فالخطاب به توجه إليهم بواسطة وجوب مؤازرة الأئمة عليهم في ~~ذلك كله فهو خطاب ثانوي وقوله تعالى: [فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك ~~وحرض المؤمنين على القتال] (1). وقوله تعالى: [يا أيها النبي جاهد الكفار ~~والمنافقين واغلظ عليهم] (2) وقوله تعالى: [ما كان لأهل المدينة ومن حولهم ~~من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه] (3) وقوله ~~تعالى: [فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم] ~~(4). وغيرها من الآيات الجارية هذا المجرى وقول النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فيما استفاض: (لي عليكم أن لا تأمروني ولا أن تنهوني وإنما عليكم أن ~~تسمعوا وتطيعوا) شواهد صدق على ما قلناه، إذا الإمام في ذلك كله كالنبي ~~لأنه خليفته فليس على المكلفين تعيين من يتوجه له الخطاب من الشارع بذلك ~~كما أنه ليس عليهم أن يعينوا شارعا يتوجه له الأمر من الله به، بل على ~~الشارع تعيين شخص لذلك كما كان على الله تعالى أن يبعث شارعا بما يريد من ~~الشرع واستقلال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته بتأمير الأمراء ~~دليل على أن تعيين الأمير العام من بعده له وعليه لا للرعية ولا عليهم وإلا ~~لفوض لهم ذلك في حياته فتبين أن عامة الناس ليسوا بمأمورين بتلك الأمور ~~المذكورة على الإطلاق وبذلك بطل الدليل. # الثاني: إن التكليف بذي المقدمة بواسطة التكليف بذيها مشروط بقدرة # PageV00P046 # المكلف عليهما كما ذكره في دليله وأما إذا لم يكن المكلف قادرا عليها ~~كالوقت للصلاة والاستطاعة للحج والنصاب للزكاة لم يكلف بها ولا بذيها، بل ~~يكلف به إذا حصلت وتحصيل الإمام غير مقدور للمكلفين من جهتين. # الأولى: إنه يشترط في الإمام ms024 المنصوب أن يكون مرضيا عند الله للإمامة ~~ومعرفة المرضي عند الله لذلك من دون نص عليه متعذرة على سائر المكلفين لعدم ~~اطلاعهم على الغيب وانقطاع الوحي بموت النبي وعدم المؤيد على قول المستدل ~~بالهام من الله وتفهيم وكون الظن لا يغني من الحق شيئا ولأن الظاهر قد ~~يخالفه الباطن فربما يختار المكلفون من يؤدي نصبه إلى الفساد المطلوب ~~إزالته من نصب الإمام وهم يظنون أنه صالح فلا يكون لله رضا وحيث كان معرفة ~~من يصلح للإمامة عند الله ويكون نصبه لله رضا غير مقدور للرعية لم يجز أن ~~يكونوا مأمورين به فبطل الدليل، اللهم إلا أن يقولوا إن الإمام لا يلزم أن ~~يكون مرضيا عند الله ولا موسوما بالصلاح للإمامة لديه فحينئذ نجيبهم ونقول: ~~فما الفرق بين هذا الإمام وبين الملوك المتغلبين على العباد بالقهر والجبر، ~~وأي فائدة في نصب هذا الإمام للدين، وأي مصلحة في حكومته للمسلمين، وكيف ~~يجوز طاعة من لم يكن مرضيا عند الله للأمر والنهي؟ على أنه لا يتم به ~~الواجب المطلق لعدم قيامه بجميع الوظائف الشرعية ولسنا نتكلم في مثل هذا ~~ولا موضع للقول فيه ولا اعتناء لنا بشأنه ولا حاجة لنا في ذكره إلا بما ~~يذكر أمثاله كنمرود وفرعون. # الثانية: إن الإمام المرضي عند جميع المسلمين يستحيل أن يكون واحدا بعينه ~~باتفاق لاختلاف الآراء وتشعب الأهواء وميل كل فرقة إلى اختيار شخص لا سيما ~~عند كثرة المسلمين وانتشارهم في البلاد وقبح الجبر فيما سبيله الاختيار ~~وعدم جواز ترجيح اختيار البعض على البعض الآخر لفقد المرجح فأين قدرة ~~المكلفين على تعيين واحد بعينه وما يختاره قوم يأباه قوم آخرون؟ # وحديث أبي بكر مع الأنصار في السقيفة وما جرى بينه وأصحابه وبين علي ~~PageV00P047 # (عليه السلام) والزبير ومن معهما وحديث غضب طلحة وتابعيه لنص أبي بكر على ~~عمر وعدم رضا علي (عليه السلام) والزبير ومن معهما أو حديث غضب طلحة ~~وتابعيه لنص أبي بكر على عمر وعدم رضا علي (عليه السلام) وجملة من الصحابة ~~كعمار والمقداد وأمثالهما ms025 ببيعة عثمان وعدم انقياد جماعة كثيرة لعلي (ع) ~~ظنا منهم أن إمامته ببيعة من بايعه كالأولين دليل واضح وبرهان لائح على أنه ~~لم يل الخلافة من رضي به جميع أهل الحل والعقد من المسلمين ولا أمكن لأحد ~~تحصيل رضاهم بإمامته فكيف يكلفون بما لا يمكن حصوله أو يكلف أحدهم بما لا ~~يمكن له تحصيله وهو رضا غيره باختياره فيقال له صير غيرك راضيا بما تختار ~~ثم يكلف ذلك الغير بتصيير الأول راضيا بما يختار والأمران متقابلان ~~والتكليفان متعاندان ولا يحصل بالقطع واليقين إلا بالإكراه وتحكيم حد ~~الحسام وأعمال ماض السنان في الرؤس والأجسام، وأين هذا من الرضا المطلوب ~~والاختيار المقصود؟ فبان أن نصب الإمام على وجه لا يستلزم شيئا من المفاسد ~~غير مقدور للأنام فبطل تكليفهم به المدعى. # الثالث: من أدلتهم أن في نصب الإمام الاستجلاب منافع لا تحصى واستدفاع ~~مضار لا تخفى وكل ما هو كذلك فهو واجب أما الصغرى فتكاد أن تكون من ~~الضروريات بل من المشاهدات وتعد من العيان الذي لا يحتاج إلى البيان وذلك ~~لأن الاجتماع المؤدي إلى صلاح المعاش والمعاد لا يتم بدون سلطان قاهر يدرأ ~~المفاسد ويحفظ المصالح ويمنع ما تتسارع إليه الطباع وتتنازع إليه الأطماع، ~~وكفاك شاهدا ما يشاهد من استيلاء الفتن والابتلاء بالمحن بمجرد هلاك من ~~يقوم بحماية الحوزة ورعاية البيضة وإن لم يكن على ما ينبغي من الصلاح ~~والسداد ولم يخل عن شائبة شر وفساد، ولهذا لا ينتظم أمر أدنى اجتماع كرفقة ~~طريق بدون رئيس لا يصدرون إلا عن رأيه ومقتضى أمره ونهيه، بل ربما يجري مثل ~~هذا فيما بين الحيوانات العجم كالنحل لهم عظيم يقوم مقام الرئيس ينتظم به ~~أمرها ما دام فيها وإذا هلك انتشرت الأفراد PageV00P048 # انتشار الجراد وشاع فيما بينهم الهلاك والفساد، وأما الكبرى فبالإجماع. # والجواب أما المنافع الكثيرة في نصب الإمام فأمر معلوم وكذلك أن حفظ ~~النظام منوط به وبدونه يختل أمر الدين وليس هذا محل النزاع، وأما دعوى ~~تفويض الله نصبه إلى الأمة الذي هو موضع ms026 النزاع فغير مسلمة على أنها هي ~~مطلوبهم والدليل غير ناهض بها ولا واف بإثباتها وإنما غايته الدلالة على ~~وجوب نصب إمام يحصل به النفع ويدفع به الضرر، وعلى هذا يكون لطفا فيكون ~~واجبا على الله تعالى: ولم تكن فيه دلالة على جعل ذلك للعباد، وهذا المعنى ~~هو المتنازع فيه وأيضا دل الدليل على وجوب نصب الإمام لاستجلاب المنافع ~~ودفع المضار والمفاسد، وفي تفويضه إلى المكلفين عكس ذلك المراد ونقيض الوجه ~~المطلوب لما ذكرنا سابقا من اختلاف الآراء في الاختيار وميل كل طائفة من ~~الناس إلى شخص بعينه غير من مالت إليه الطائفة الأخرى فيقع بين العباد ~~الجدال والخصام ويختل به النظام المطلوب التئامه من نصب الإمام وميل كل من ~~الناس إلى هواه وأخذ كل منهم برأيه ومشتهاه، لا سيما إذا كان له الخيرة في ~~ذلك وهذا أمر مشاهد بالعيان المستغني عن البيان وحصول الفساد بذلك أمر ~~معلوم باللزوم وتسليم الخصوم وقد منعوا به من نصب إمامين في زمان واحد، ومن ~~المعلوم لدى كل فاهم أن الاختلاف والفتنة اللذين نشأ منهما الفساد في هذه ~~الأمة فسفكت الدماء وعطلت الحدود وغيرت الأحكام واختل نظام دين الإسلام ~~إنما كانا من جعلهم نصب الإمام إلى الخلق واختلافهم في الاختيار (1) فتبين ~~أن في جعل تعيين الإمام إلى الرعية لزوم مفسدة تزول بها المصلحة التي وجب ~~لأجلها نصب الإمام وذلك غير جائز على الحكيم، فالواجب لدفع المفسدة التي لا ~~تحصل المصلحة إلا به أن يكون الإمام منصوبا من قبل من لا يجوز لأحد من ~~الرعية مخالفته ولا # PageV00P049 # تسوغ لأحد من الناس معصيته ليكون ذلك حاسما للنزاع وقاطعا لطريق ذوي ~~الأطماع، وليس كذلك إلا من هو منصوب من الله تعالى، فنصب الإمام لذلك يكون ~~واجبا عليه فالدليل إن لم يكن لنا لم يكن علينا. # وأما ما ذهب إليه الخوارج وما قال به أبو بكر الأصم وما ذهب إليه الفوطي ~~وأتباعه (1) فهو مع كونه فاسدا بما دل من الأدلة على وجوب الإمام مطلقا ~~مبني على جعل تعيين الإمام ms027 موكولا إلى العباد وقد أقمنا البرهان على بطلانه ~~وزيفنا أدلته وهدمنا رفيع بنيانه، وإذا بطل الأصل تبعه في البطلان فرعه لا ~~سيما وحجة الخوارج موجبة لبطلان الاختيار حيث قالوا: " إن في نصب الإمام ~~إثارة للفتن لأن الآراء مختلفة والأهواء متباينة فيميل كل حزب إلى أحد ~~فتهيج الفتن وتقوم الحروب وما هذا شأنه لا يجب بل كان ينبغي أن لا يجوز إلا ~~أن احتمال الاتفاق على الواحد أو تعينه وتقرره باستجماع الشرائط وترجيحه من ~~بعض الجهات منع الامتناع وأوجب الجواز " وأنت خبير بأن ما احتملوه غير حاصل ~~ولا حصل فيما مضى فلم يبق إلا أن يكون نصب الإمام محرما وهو فاسد باتفاق ~~المسلمين وواجبا على الله دون الرعية لإزالة الخوف مما ذكروه من هيجان ~~الفتن وقيام الحروب وهو المطلوب وحجة أبي بكر الأصم مبنية أيضا على أن ~~مصلحة نصب الإمام مقصورة على إزالة الخوف وتأمين سبل المسلمين وليس بصحيح ~~فإن للإمام مصالح كثيرة غير ذلك قد مر ذكرها وسيأتي وحجة الفوطي منقوضة بأن ~~من جملة المصالح التي لأجلها نصب الإمام إزالة البدع وإذهاب الفتن وإماطة ~~الاختلاف وردع أهل المعاصي عنها فلا يكون وجودها مانعا من وجوب نصبه والأمر ~~في ذلك ظاهر. # (فائدة جليلة) هي فرع ما أصلناه ونتيجة ما أبرمناه، إعلم أرشدنا الله ~~وإياك إلى الحق # PageV00P050 # أن أصحابنا الإمامية وبعض فرق الشيعة قالوا إنه لا يجوز خلو زمان التكليف ~~من إمام معصوم تقوم به الحجة لله على خلقه وتزاح به علتهم، وتجتمع به ~~كلمتهم، وتحصل به ألفتهم، ويدلهم على مراشدهم ويهديهم إلى سبيل نجاتهم، ~~ويبين لهم ما اختلفوا فيه من أمر دينهم وينتظم به أمر دنياهم، وتنجح به ~~مطالبهم ومصالحهم في معاشهم ومعادهم، ويزول به الشك ويتضح به الحق وترتفع ~~به الحيرة ويقمع به الباطل ويقام به الأود ويثقف به العوج، ويستبين بنوره ~~طريق الهدى ويستضيئون بضياء علمه في حنادس الجهل وغياهب الظلماء، ولا يشترط ~~تمكنه ولا على الله تمكينه من إقامة عمود الدين وإعزاز دولة الإسلام بنفسه، ~~بل يجب عليه ms028 القيام بذلك مع وجود المعين والناصر وبذل الطاعة ممن يحصل به ~~النصرة والانتصار على الأعداء، وخالفنا في ذلك مخالفونا القائلون بأن نصب ~~الإمام من قبل الرعية من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم، فجوزوا خلو العصر من ~~إمام بتلك المثابة على أن مقتضى أدلة الطائفتين كما عرفت وجوب نصب الإمام ~~عل العباد في كل زمان وإن تركه إخلال بالواجب عقلا كما عن المعتزلة أو شرعا ~~كما عن الأشاعرة، ولازم ذلك ارتكاب الجميع منهم العصيان بتركهم نصب الإمام ~~الذي تحصل به حماية حوزة الإسلام ويدفع به الضرر عن المكلفين في جميع ~~الأزمان، إذ لا نراهم فعلوا ما أوجبوه على أنفسهم والتزموا به في مذهبهم من ~~قديم الأعصار فدخلوا بإخلالهم بالواجب عندهم في زمرة العاصين وكانوا بتركهم ~~إياه في عداد الفاسقين، وحسبك بلزوم الفسق لهم وتوازرهم عليه لإهمالهم ما ~~وجب عليهم بحكمهم دليلا على فساد قولهم وبطلان مذهبهم، ومن ثم كان الصحيح ~~ما عليه أصحابنا، ولنا على ذلك مضافا إلى الأصل أدلة كثيرة من العقل ~~والنقل. # الأول: إنا بينا أن الإمام لطف وأن اللطف منحصر فيه، واللطف واجب على ~~الله تعالى والأزمان متساوية والمكلفون متماثلون، فليس زمان PageV00P051 # أولى باللطف من زمان ولا مكلف أحق به من مكلف آخر وليس يجوز في حكمة الله ~~منع بعض المكلفين اللطف، فوجب إذن كون الإمام موجودا في جميع أزمنة التكليف ~~فلا يجوز على الله تعالى بمقتضى حكمة إخلاء زمان من أزمنة التكليف من إمام ~~بالمعنى المذكور وذلك بخلاف النبي فإنه وإن كان لطفا إلا أن اللطف غير ~~منحصر فيه لقيام الإمام مقامه فيما بعث له من المصالح والفوائد فلذا جاز ~~خلو الزمان من رسول حي ولم يجز خلوه من إمام ولذا قال العلامة جمال الدين ~~الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي عطر الله مرقده في بعض كتبه. # " الإمامة لطف عام والنبوة لطف خاص لإمكان خلو الزمان من النبي الحي ~~بخلاف الإمام " انتهى وللشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن بابويه في هذا ~~المقام كلام طويل لا بأس بنقل ms029 جملة منه لما فيه من الفوائد الجليلة قال روح ~~الله روحه ونور ضريحه: " والفترات بين الرسل (عليهم السلام) كانت جائزة لأن ~~الرسل مبعوثة بشرائع الملة وتجديدها ونسخ بعضها بعضا وليس الأنبياء والأئمة ~~(عليهم السلام) كذلك، ولا لهم ذلك لأنه لا ينسخ بهم شريعة ولا تجدد بهم ~~ملة، وقد علمنا أن بين نوح وإبراهيم وبين إبراهيم وموسى وبين موسى وعيسى ~~وبين عيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله وعليهم) أنبياء وأوصياء يكثر عددهم، ~~وإنما كانوا مذكرين لأمر الله مستحفظين مستودعين لما جعل الله تعالى عندهم ~~من الوصايا والكتب والعلوم، وما جاءت به الرسل عن الله عز وجل إلى أممهم، ~~وكان لكل نبي منهم مذكر عنه ووصي ومودع استحفظ من علومه ووصاياه، فلما ختم ~~الله عز وجل الرسالة بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يجز أن تخلو الأرض ~~من وصي هاد مذكر يقوم بأمره ويؤدي عنه ما استودعه، حافظا لما ائتمنه عليه ~~من دين الله عزو جل فجعل الله ذلك سببا لإمامة منسوقة منظومة متصلة لما ~~اتصل أمر الله عز وجل لأنه لا يجوز أن تتدارس آثار الأنبياء والرسل ~~PageV00P052 # وأعلام محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وملته وشريعته وفرائضه وسنته ~~وأحكامه، أو تنسخ وتخفى عليها آثار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وشرائعه إذ لا رسول بعده، ولا نبي والإمام ليس برسول ولا نبي ولا داع إلى ~~شريعة ولا ملة غير شريعة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وملته فلا يجوز ~~بين الإمام والإمام الذي بعده فترة والفترات بين الرسل جائزة فلذلك وجب أن ~~لا بد من إمام محجوج به، ولا بد أيضا أن يكون بين الرسول والرسول وإن كان ~~بينهما فترة إمام وصي يلزم الخلق حجته ويؤدي عن الرسل ما جاءوا به عن الله ~~تعالى وينبه عباده على ما أغفلوا يبين لهم ما جهلوا ليعلموا أن الله عز وجل ~~لم يتركهم سدى ولم يضرب عنهم الذكر صفحا ولم يدعهم من دينهم في شبهة ولا من ~~فرائضه التي وظفها عليهم في ms030 حيرة، والنبوة والرسالة سنة من الله جل جلاله ~~والإمامة فريضة والسنن تنقطع ويجوز تركها في حالات والفرائض لا تزول ولا ~~تنقطع بعد محمد (صلوات الله عليهم) وأجل الفرائض وأعظمها خطرا الإمامة التي ~~تؤدي بها الفرائض والسنن وبها كمال الدين وتمام النعمة فالأئمة من آل محمد ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) لأنه لا نبي بعده يحملون العباد على محجة دينهم ~~ويلزمونهم سبل نجاتهم ويجنبونهم موارد هلكتهم، ويبينون لهم من فرائض الله ~~عز وجل ما سد عن أفهامهم ويهدونهم بكتاب الله عز وجل إلى مراشد أمورهم ~~فيكون الدين بهم محفوظا لا يعترض فيه الفسقة وفرائض الله عز وجل مؤداة لا ~~يدخلها ذلل وأحكام الله خالصة لا يلحقها تبديل ولا يزيلها تغيير، فالرسالة ~~والنبوة سنن والإمامة فرائض الله الجارية بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~لازمة لنا ثابتة علينا لا تنقطع إلى يوم القيامة مع إنا لا ندفع الأخبار ~~التي رويت أنه كان بين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وعيسى (عليه السلام) ~~فترة لم يكن فيها نبي ولا وصي ولا ننكرها ونقول إنها أخبار صحيحة ولكن ~~تأويلها غير ما ذهب إليه مخالفونا من انقطاع الأنبياء والأئمة PageV00P053 # الرسل (عليهم السلام) وإنما معنى الفترة أنه لم يكن بينهما رسول ولا نبي ~~ولا وصي ظاهر مشهور كمن كان قبله وعلى ذلك دل الكتاب المنزل أن الله عز وجل ~~بعث محمدا على حين فترة من الرسل لا من الأنبياء والأوصياء ولكن قد كان ~~بينه (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين عيسى أنبياء وأئمة مستورون خائفون ~~منهم خالد بن سنان العبسي نبي لا يدفعه دافع ولا ينكره منكر لتواطؤ الأخبار ~~به بذلك عن الخاص والعام وشهرتها عندهم وأن ابنته أدركت رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) ودخلت عليه فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~(هذه ابنة نبي ضيعه قومه خالد بن سنان العبسي) (1) وكان بين مبعثه وبين ~~نبينا صلوات الله عليه وآله خمسون سنة، وهو خالد بن سنان بن بعيث بن مريطة ~~بن مخزوم بن ms031 مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس حدثني بذلك جماعة من أهل الفقه ~~والعلم " إلى أن قال: " وبعد فلولا الكتاب المنزل وما خبرنا الله عز وجل ~~على لسان نبينا المرسل (صلى الله عليه وآله وسلم) وما اجتمعت عليه الأمة من ~~النقل عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) في الخبر الموافق للكتاب أنه لا نبي ~~بعده لكان الواجب للحكمة أنه لا يجوز أن تخلو العباد من رسول منذر ما دام ~~التكليف لازما لهم، وأن يكون الرسل متواترة إليهم على ما قال الله عز وجل: ~~[ثم أرسلنا رسلنا تترى كلما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا] (2) ~~فلما أخبر الله عز وجل # PageV00P054 # أنه قد ختم رسله وأنبيائه بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) سلمنا ذلك ~~وأيقنا أنه لا رسول بعده وأنه لا بد لنا ممن يقوم مقامه وتلزمنا حجة الله ~~عز وجل به " إلى أن قال: " فالرسل والأنبياء والأوصياء لم تخل الأرض منهم ~~وقد كانت لهم فترات من خوف وأسباب لا يظهرون فيها دعوة ولا يبدون أمرهم إلا ~~لمن أمنوه حتى بعث الله محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) فكان آخر أوصياء ~~عيسى (عليه السلام) رجلا يقال له أبي ويالط وروى في ذلك أخبارا جمة " إلى ~~آخر ما قال. (1) ولنقتصر مع ما ذكرناه في صدر الاستدلال في هذا الوجه على ~~كلامه فقد بلغ منه المرام فجزاه الله خيرا عن المسلمين والإسلام. # الثاني: (2) إن الحجة لا تقوم لله تعالى على خلقه بدون مرشد مأمون يبين ~~للناس أمر الدين وتزاح به علة المكلفين ويهدي العباد إلى طريق الصواب ويرفع ~~عنهم الاختلاف والحيرة ويؤيده قوله تعالى: [إنما أنت منذر ولكل قوم هاد] ~~(3) الدال على أن كل قوم لا بد لهم من هاد يهديهم إلى سبل الحق واعلم أن ~~مبنى هذا الدليل على خمس مقدمات. # الأولى: إن الله سبحانه وتعالى في كل واقعة حكما معينا لا يختلف باختلاف ~~المجتهدين ويدل على هذه المقدمة آيات كثيرة مثل قوله تعالى: # [وإن من شئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله ms032 إلا بقدر معلوم] (4) وقوله تعالى: # [وكل شئ أحصيناه في إمام مبين] (5) وقوله تعالى:: [ما فرطنا في # PageV00P055 # الكتاب من شئ] (1) وما أشبهها من الآيات وكلها ظاهرة غاية الظهور في أن ~~لكل أمر وفعل حدا وحكما عند الله تعالى وليس شئ عنده مهملا غير محدود بحد ~~ولا محكوم عليه بحكم، وقد استفاض في الروايات عن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) من طرق أصحابنا أن الله جعل لكل شئ حدا وجعل لمن يتعدى ذلك الحد حدا، ~~وأما ما يحتج به للمخالفين النافين تعيين حكم الله تعالى في كل واقعة من ~~قوله تعالى: [يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت ~~رسالته] (2) وقوله تعالى: [وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما أنزل إليهم] ~~(3) فضعيف وتقرير حجتهم أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مأمور بتبليغ ~~الأمة ما أنزل إليه من ربه وبيانه لهم، ومن المعلوم أنه لم يخالف الأمر فقد ~~بلغ ما أنزل الله إليه وبينه وما بلغه الأمة وبينه لهم لم يف ببيان جميع ~~الأحكام فلو كان لله تعالى في كل واقعة حكم لأنزله إلى نبيه ولو أنزله إليه ~~لبلغه وبينه لأنه مأمور بذلك ولو بلغة وبينه لنقل إلينا وحيث لم ينقل إلينا ~~مع توفر الدواعي على نقله من حكم الشريعة إلا ما نقل علمنا أنه لم ينزل ~~عليه شيئا غيره فلم يكن لله في ذلك الغير حكم وكان الحكم فيه الاجتهاد فما ~~أدى إليه نظر المجتهد في الواقعة الغير المبنية فهو حكم الله في حقه وحق ~~مقلديه وهذه الحجة هي العمدة في احتجاجهم وليس لهم غيرها ما يعتنى به أو ~~يحتاج إلى الجواب عنه وهذه حجة منقوضة وشبهة مردودة بوجوه: # الأول: منع العموم في آية التبليغ وإرادة الخصوص منها كما يشير إليه قوله ~~تعالى فيها: [وإن لم تفعل فما بلغت رسالته] (4) فإنه لا يستقيم إلا بجعل ~~مسمي رسالته المفعول لبلغت مغايرا لمصداق [ما أنزل إليك] # PageV00P056 # ليكون المعنى بلغ هذا الأمر الخاص فإن لم تبلغه كنت بمنزلة ms033 من لم يبلغ ما ~~سبق من الرسالة التي بلغتها ولو كان المراد العموم فيما أنزل إليك لم يكن ~~لقوله تعالى: [فإن لم تفعل] الخ موقع لأن معناه يكون على هذا بلغ جميع ما ~~أنزل إليك وإن لم تبلغ جميع ما أنزل إليك لم تبلغ جميع ما أنزل إليك فوازنه ~~وزان اضرب زيدا فإنك إن لم تضربه لم تضربه ومن البين لدى أولي الفطنة أن ~~الكلام على هذا التقدير غير مفيد لأن الجزاء هو عين الشرط فلم يحصل جزاء ~~إذا لا بد في إفادة الجملة الشرطية من تغاير الشرط والجزاء، فعلى المعنى ~~المذكور من العموم يجب أن يكون الجزاء كلاما آخر مثل أسقطنا أجرك وعاقبناك ~~وما جرى هذا المجرى وأقل ما فيه أن تكون الآية على هذا الوجه خارجة عن ~~قانون البلاغة والفصاحة التي نزل بهما القرآن فيكون مرغوبا عنه ومما يقوي ~~ما ذكرناه من إرادة الخصوص من الآية بل يعينه أنها نزلت بعد نزول أكثر ~~القرآن وبعد تبليغ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كثيرا من الفرائض ~~والأحكام في أصول الدين وفروعه فيكون المقصود من الجملة أنك إن لم تبلغ ما ~~أنزل إليك من ربك في هذا الأمر الخاص كنت كأنك لم تبلغ ما بلغت سابقا من ~~رسالة ربك لكتمانك هذا الأمر، وفائدتها الحث والتأكيد على المسارعة إلى ~~تبليغ ذلك الأمر الخاص وهذا واضح لمن تأمل وذلك الأمر المذكور وهو تبليغ ~~الناس أمر ولاية أمير المؤمنين علي (عليه السلام) لا جميع الأحكام أي بلغ ~~ما أنزل إليك من ربك في ولاية علي (عليه السلام) وهو المروي عن ابن عباس ~~وجابر بن عبد الله من طريق الكلبي عن أبي صالح رواه الحاكم أبو القاسم ~~الحسكاني أبو إسحق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي في تفسيره (1) وقال ~~بمضمونه ومن أصحابنا رواه من الطريق المذكور # PageV00P057 # العياشي في تفسيره (1) وهو المتفق عليه في الرواية عن أئمتنا (عليهم ~~السلام) بين أهل النقل عنهم، وهو الأصح أو أن الله بعث النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) ms034 برسالة ضاق بها ذرعا وهاب قريشا فأنزل الله عليه الآية ~~لإزالة تلك الهيبة وهو المروي عن الحسن البصري (2) وليس فيه ظهور مخالفة ~~للقول الأول لاحتمال إرادته من الرسالة الوجه الأول وهو تبليغ ولاية علي ~~(عليه السلام) ويومي إليه قوله وهاب قريشا إذ لم يرد أن النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) هاب قومه في تبليغ أمر إلا ولاية علي فإنه خاف منهم أن ~~يكذبوه فيها وينسبوه إلى المحاباة كما جاء في الرواية عن ابن عباس وجابر بن ~~عبد الله الأنصاري برواية الحسكاني والثعلبي، أو المراد بلغ ما أنزل إليك ~~من آيات القرآن وهو مروي عن ابن عباس أيضا وهو محتمل منها ويدخل الأول فيه ~~بالعموم لأن ولاية علي منزلة في الآيات وبالجملة فكافة المفسرين قائلون بأن ~~المراد من (ما أنزل) إليك الخصوص ولم ينقل أنها نزلت في الأمر بتبليغ جميع ~~الوحي إلا عن عائشة وليس قولها مما يعارض ما ذكرناه مع أن في تصديق روايتها ~~لو خلت عن معارض غاية الإشكال فكيف وقد خالفت جميع الأقوال التي كلها متفقة ~~على أن المراد من الآية الخصوص لا العموم المؤيدة بظهور الآية بل صراحتها ~~في ذلك على أن قولها لا يستلزم العموم لأن المروي عنها أن النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) لم يكتم شيئا من الوحي للتقية ونحن نقول بذلك ونعتقد أن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكتم للتقية شيئا من الوحي وإنما كتمه ~~لمصلحة أخرى لأجلها أمر بكتمانه كعدم حاجة الناس إليه في زمانه (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) فلم يبينه لجميعهم أو غير ذلك من المصالح وكلامها لا ينفي ~~ما أثبتناه فانتفى الخلاف عما نقول وآية التبيين يحتمل فيها ما ذكر عن ابن ~~عباس أخيرا في آية التبليغ هو تبيين آيات القرآن أو تبيين # PageV00P058 # الشرائع والدلائل على توحيد الله تعالى، ويحتمل أن يكون المبلغ والمبين ~~بفتح اللام والياء في الآيتين الفرائض الدينية والأحكام الكلية والحدود ~~الشرعية لا جميع الأحكام حتى الجزئية في الوقائع المتجددة ولا جميع الوحي، ms035 ~~وهذا الوجه وإن لم يذكره أحد من المفسرين إلا أنه قريب من مفهوم الآيتين ~~وإذا لم يكن المبلغ والمبين في الآيتين عامين سقط احتجاج الخصوم بهما على ~~مطلبهم، إذ لا دليل لهم فيهما إلا على تقدير عموم المبلغ والمبين وشمولهما ~~لجميع الأحكام كما هو ظاهر. # الثاني: سلمنا أن مفاد الآيتين ظاهر العموم ولكن قد عارضتهما آيات أخر ~~دالة على أن لله في كل واقعة حكما معينا وأن لكل شئ عنده حدا مثل الآيات ~~المتقدمة ومثل قوله جل وعلا: [وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه إلى الله ذلكم ~~الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب] (1) فإنها ظاهرة بل صريحة في أن كل ما حصل ~~فيه اختلاف بين الأمة فلله فيه حكم معين ولم يكن مهملا عند الله تعالى ~~والمنصوص لا يكون فيه اختلاف ومثل آيات الرد عند الشارع إلى الله وإلى ~~الرسول وإلى أولي الأمر، وبيان توجيهها أن الرد إلى الله وإلى الرسول وإلى ~~أولي الأمر عند التنازع في الحكم إما أن يكون لبيان الحكم ورفع الاختلاف ~~فيه في تلك الواقعة أولا والثاني باطل قطعا وعلى الأول إما أن يكون لله ~~تعالى في تلك الواقعة حكم معين بينه لرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وبينه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لولي الأمر أولا فإن كان الثاني ~~فلا فائدة عليه في الرد عند التنازع إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~إذ الاختلاف على هذا لا يرتفع بالرد إليه لأن جوابه على هذا الوجه ~~للمختلفين إذا رجعوا إليه أنه ليس لله فيما اختلفتم فيه حكم معين بينه لي ~~وانتظر بيانه لي حتى أخبركم به فيزول الاختلاف عنكم بل الحكم في واقعتكم # PageV00P059 # هذه دائر مدار الاجتهاد فما أدى إليه اجتهاد أحدكم فهو حكمه فليعمل عليه ~~وهكذا يكون الجواب من ولي الأمر بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن ~~الله أيضا فأي فائدة على هذا في الرد إليهم عند التنازع إذا لم يكن ~~الاختلاف مرتفعا به، بل يكون عبثا والله لا يأمر به ms036 فيثبت الأول وهو كون ~~الرد إليهم لبيان الحكم المعين في الواقعة ورفع الاختلاف فيها بالبيان ~~للمختلفين ذلك الحكم ومنه يثبت أن لله فيها حكما معينا وهو المطلوب، ومثل ~~ذلك آيات أخر سيأتي ذكرها، وحيث حصل التعارض وجب الجمع بحمل الآيتين على ~~إرادة تبليغ أحكام خاصة وتبيينها لا على جميع الأحكام وقول النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) للمظاهرة (وما أظنك إلا وقد حرمت عليه) بعد قوله (لم ينزل ~~على فيك قرآن) (1) شاهد بأن كل واقعة تقع فلله فيها حكم معين وأن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) ينتظر الحكم فيها من الله تعالى حتى يحكم به. # الثالث: سلمنا عموم الآيتين وشمولهما لجميع الأحكام وعدم تخصيصهما من ~~الوجه السابق لكن لا نسلم وجوب التبليغ والتبيين لجميع المكلفين لم لا يجوز ~~أن يكون تبليغ جميع الأحكام وتبيينه للبعض من المكلفين وهم أولوا الأمر وبه ~~يحصل امتثال الأمر وآية الرد إليهم عند الاختلاف شاهدة بذلك بما مر من ~~التقريب وما سيأتي، ولا ينافيه لفظ الناس وفي آية التبيين الظاهر في الجميع ~~لإطلاق الناس في القرآن العزيز على الواحد وعلى الجماعة قلوا أو # PageV00P060 # كثروا قال الله تعالى: [الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ~~فاخشوهم] (1) وقال: [ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس] (2) وقال عز وجل: [أم ~~يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله] (3) ومثله كثير يطول به الكلام ~~والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد بلغ جميع الوحي والأحكام وبينها ~~لخلفائه الكرام فحصل المطلوب. # الرابع: سلمنا العموم في الوجهين المبلغ والمبلغين والمبين والمبينين لهم ~~لكن لا نسلم أن المراد تبيين جميع الوحي والأحكام لجميع الناس وتبليغهم ~~إياها تفصيلا، لم لا يجوز أن الأمر بالتبليغ والتبيين لبعضهم تفصيلا في ~~جميعها وللباقين تفصيلا وإجمالا، وإحالتهم على من فصل له الجميع فيما لم ~~يبينه لهم مفصلا؟ فيكون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على هذا الوجه قد ~~بلغ جميع الأحكام وبينها لجميع الناس وسينكشف لك هذا الوجه في المقدمة ~~الآتية والنبي (صلى الله عليه ms037 وآله وسلم) قد فعل ذلك فبين للأمة مفصلا ما ~~بين من الفرائض وحدودها والمحرمات ومواضعها ودلهم على من يرجعون إليه في ~~بيان ما لم يبينه لهم فقال: (إني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب ~~الله وعترتي) (4) وقال في شأن عترته (تعلموا منهم ولا تعلموهم فإنهم أعلم ~~منكم) (5) وقال: (أقضاكم علي) (6) يعني أعلمكم بالقضاء وقال لعلي # PageV00P061 # (عليه السلام) فيما رواه أبو نعيم عن أنس: (أنت تؤدي عني وتبين لهم ما ~~اختلفوا فيه بعدي) (1) إلى غير ذلك مما سيأتي مشروحا عند ذكر النصوص على ~~أمير المؤمنين (عليه السلام) إن شاء الله تعالى وكله مصحح عند الخصوم، على ~~أنهم حيث اعترض جماعة من محققي الإمامية على رواية أبي بكر عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): (نحن معاشر الأنبياء لا نورث) (2) فقالوا كيف يبين ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك لأبي بكر ولم يبين لأهل الميراث ~~أجابوهم بأنه إذ بين المولى من بعده فقد بين للأمة مع حكمهم بأن ولاية ~~المذكور ليست من قبل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنما هي من وجه ~~اختيار قوم من الصحابة وهذا لازم فيما ذكرناه في الوجه الثالث وهنا من أن ~~البيان للعترة بيان لجميع الناس لا سيما وولايتهم (عليهم السلام) كانت بنصه ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) عليهم ودلالته وإشارته إليهم بصريح القول وواضح ~~المعنى، وقد علم من جملة ما ذكرناه بطلان ما ادعوه من أنه ليس لله في غير ~~ما نص عليه في الكتاب والسنة من الأحكام حكم معين في الوقائع وسلمت مقدمتنا ~~الحاكمة بنقيض دعواهم من الايراد، ومن ذلك يتضح بطلان ما حكموا به من ~~الاستغناء بالاجتهاد في غير المنصوص من الوقائع عن الرجوع إلى مستحفظ ~~الأحكام ومستودع الوحي والمخصوص بعلم التأويل من النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ومن يحل محله من أطائب ذريته المخصوصين من الله بالتفهيم والإلهام ~~لبطلان ما بنوا عليه ذلك الحكم المردود من انتفاء حكم الله في جميع الوقائع ~~والحوادث، وبعد فكيف يجوز عاقل ms038 على ربه الحكيم العليم عدم علمه بكثير من ~~الأمور وأنه لا يدري أهي # PageV00P062 # داخلة في حيز التحليل والتحريم حتى يحكم فيها ربيعة الرأي (1) وسالم بن ~~أبي حفصة (2). والأوزاعي (3) وأبو حنيفة (4) وأضرابهم فهنالك يحدث له العلم ~~بحكمها وتتجدد له المعرفة بحدها ورسمها فلا يزال على هذا يخرج من جهل إلى ~~علم باستمداده من أهل الرأي والقياس واستفادته من اجتهادهم المقرون بالشك ~~والالتباس كما هو لازم قولهم الذي دلهم عليه الوسواس الخناس أعوذ بالله من ~~هذه الجرأة العظيمة المستلزمة لنسبة الجهل للخالق الحكيم الخبير كأنهم لم ~~يسمعوا قوله تعالى: [والله بكل شئ عليم، أليس الله بأحكم الحاكمين، إن ~~الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين] (5) وغيرها من الآيات الكثيرة في ~~الذكر الحكيم، على أن صحة ما قلناه وبطلان قول الخصوم لا يحتاج من الدليل ~~إلى أكثر مما ذكرناه من استلزام قولنا تنزيه البارئ تعالى عن النقص ~~واستلزام قولهم نسبة الجهل إلى الحي القيوم وتحصيله العلم ومعرفته الحكم في ~~خلقه وبريته وأفعالهم من اجتهاد المجتهدين فلقد وقع الحق وبطل ما كانوا ~~يعملون. # PageV00P063 # المقدمة الثانية (1): # إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يبين جميع الأحكام مفصلة لكل ~~الأمة بل بين لجميعهم بعضا تفصيلا وبعضا إجمالا وبين الكل لخلفائه مفصلا ~~وأمر الأمة: بالأخذ عنهم والتعلم منهم والأدلة على هذه المقدمة ظاهرة ~~متكثرة. # الأول: إن الأمة قد اختلفوا في الأحكام اختلافا شديدا ولو بين النبي (صلى ~~الله عليه وآله) لجميعهم كل الأحكام مفصلة لما اختلفوا أما الأولى فمن ~~المشاهدات، وأما الثانية فلأن اختلافهم في الحكم بعد بيان الرسول (صلى الله ~~عليه وآله) أما لتعمدهم مخالفته وميلهم إلى الهوى وترك النص إلى الرأي أو ~~لنسيان الجميع بيان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وكل منهما غير جائز ~~عند مخالفينا لأنهم لا يجوزون على الصحابة الخطأ ولا مخالفة نص النبي (صلى ~~الله عليه وآله) بل يحكمون بأنهم متبعون له في أفعاله وأقواله وأن إجماعهم ~~حجة فلا سبيل إلى الحكم عليهم في اختلافهم بتعمد مخالفة بيان النبي ms039 (صلى ~~الله عليه وآله) ولا نسيانه إذ ذاك يخرج إجماعهم عن الحجية فلم يبق إلا ~~الحكم على أن اختلافهم لعدم البيان إليهم على التفصيل وهو المطلوب، وأما ~~نحن فلا ننكر تعمد البعض لمخالفة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في بعض ~~الأحكام وتركهم نصه (2) وحصول الشبهة لبعض آخر بذلك حتى يخرج النص في نظره ~~عن النصية فيحمله على أبعد محامل التأويل لكن نمنع ذلك عن الكل في جميع ~~الأحكام لو كانت كلها مبينة بالتفصيل لا عن البعض في البعض ولا من جهة # PageV00P064 # الشبهة، ولذا إنا نمنع اجتماع الأمة على الخطأ في مثل وجوب الصلوات الخمس ~~وعدد ركعاتها ومقادير نصب الزكاة وكيفية الحج ومواقفه وغير ذلك من ~~الضروريات لأن الإمام في جملتهم يقينا وهو لا يجوز عليه الخطأ، فإن قيل فمن ~~أين جاء الاختلاف وأنتم قلتم: إن النبي (صلى الله عليه وآله) قد بلغ الأمة ~~جميع الأحكام بعضها تفصيلا وبعضها إجمالا ودل العباد على من يرجعون إليه في ~~بيان ما لم يفصله؟ قلنا: جاء الاختلاف من مخالفتهم أمر النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) بالرجوع إلى من أمرهم بالأخذ عنه والتمسك به في رفع ذلك ~~عنهم وعدولهم عنه إلى آرائهم واجتهادهم إلا قليلا من الصحابة، فإن قيل: من ~~هذا الرجل الذي أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الناس بالرجوع إليه ~~لرفع الاختلاف ببيان الحكم فعدلوا عنه إلى ما ذكرتم؟ قلنا: ذلك علي بن أبي ~~طالب (عليه السلام) وقد سبق ذكر يسير من الأدلة الواردة في أمر النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) بالتمسك به والأخذ عنه وسيأتي الكثير منه في موضعه إن ~~شاء الله ومن بعده للطيبين من ولده (عليهم السلام) فإن قيل: فأنتم لم ~~اختلفتم مع رجوعكم إلى من بين له النبي (صلى الله عليه وآله) جميع الأحكام ~~مفصلة على قولكم ولم لم يرفع الاختلاف عنكم ببيان الحق قلنا: إنا لا ننكر ~~الاختلاف بيننا في مسائل الفقه وإنما نشأ ذلك من جهة عدم تمكن الحجة (عليه ~~السلام) من بيان ms040 الحق للخوف على شيعته من الطواغيت وذلك أنه قد ثبت ~~بالتواتر شدة الخوف على الإمامية في زمن ظلمة من بني أمية وبني العباس حتى ~~آل الأمر إلى استحلالهم دم من يتهم بتشيع أو يذكر أهل البيت بخير فكان ~~الإمام (عليه السلام) يفتي بعض شيعته بمر الحق ويفتي آخر بما يحتمل التأويل ~~والوجوه ويفتي آخرين بما يوافق أقوال العامة لئلا تجتمع شيعته على أمر واحد ~~فيعرفوا فيؤخذ برقابهم وليس مزج الحق بغيره أو إخفائه في حكم أو أحكام في ~~الفتوى للخوف على النفس من الإزهاق بأعظم من إظهار الكفر وسب الرسول (صلى ~~الله عليه PageV00P065 # وآله وسلم) الذي جاز لعمار بن ياسر (رضي الله عنه) وغيره من المؤمنين ~~لدفع القتل عن نفوسهم حتى أنزل الله عذره وعذر غيره في الكتاب بقوله عز ~~وجل: [إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان] (1) وقوله تعالى: [إلا أن تتقوا ~~منهم تقية] (2) وقوله تعالى في رجال ونساء من أهل مكة آمنوا أظهروا الكفر ~~خوفا من أهاليهم فلم يكونوا معروفين بالإيمان ولأجل أن لا يصيبهم ضرر من ~~المسلمين وهم لا يعلمون بهم صار صلح الحديبية [ولولا رجال مؤمنون ونساء ~~مؤمنات أن تطؤهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا ~~منهم عذابا أليما] (3) بل كان دفع الضرر عنهم سببا لدفع القتل عن الكفار ~~فمن هذا جاء الاختلاف بيننا وقد صح في الرواية عن أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) من الطريقين أنه لما استشاره قضاته فقالوا بم نقضي بين الناس؟ قال: ~~(اقضوا كما كنتم تقضون حتى يكون للناس جماعة) (4) وهذا القول تصريح منه بأن ~~قضاءهم السابق غير مرضي عنده، ولو كان عنده مرضيا لما علق الرخصة فيه إلى ~~غاية يمكن حصولها وتبيين منه بأنه لم يتمكن في تلك الحال من بيان الحق، ~~وحمل الناس عليه لعدم إذعانهم له بالطاعة التامة، وعدم تسليمهم إليه ~~المقادة واختلافهم عليه وعصيانهم أمره، هذا وهو خليفة في الناس فما ظنك به ~~في زمان تغلب من قبله وما ظنك بالأئمة من ذريته في حال تغلب ms041 الظلمة ~~والطواغيت عليهم وعلى تابعيهم وما # PageV00P066 # زال الخوف على الشيعة موجودا في وقت ظهور أئمتهم ولم يذهب شدة الخوف عنهم ~~ويحصل لهم بعض الأمن في الجملة إلا من بعد اختفاء الحجة (عليه السلام) ~~واستتاره حيث أخاف الطواغيت سبيله وعلم الظلمة أن لا إمام ظاهر للشيعة ~~فهناك حصل الاختلاف لهم لعدم الوصلة إلى الإمام الذي يزول الاختلاف ببيانه ~~ولم يبق إلا الأخذ بما روي عن آبائه وهو على ما وصفنا لما ذكرنا فبقي ~~الاختلاف الأول قائما كما هو، ومع هذا فإنا نقطع بأن كل مسألة اختلفنا فيها ~~أن أحد الأقوال فيها هو حكم الله إلا أنا لا نعلمه بعينه فليس اختلافنا ~~كسبيل اختلاف الخصوم لأن خلافهم واختلافهم حصل من اعرضاهم عن قول الحجة، ~~واختلافنا مسبب عنه لحسن نظره إلينا، وأقوالنا لا تخلو من الحق وأقوالهم ~~تخالفه دواما أو غالبا فافترقت الحال بيننا وبينهم وحصل العذر لنا ولم يحصل ~~لهم فإن قالوا: إنكم وافقتمونا في زمان غيبة إمامكم في الاجتهاد فأنتم ~~مثلنا قلنا لهم: ولا سواء فإن اجتهادنا باستعمال قوانين نصبها لنا الحجة ~~(عليه السلام) في تميز الحق من الباطل بقدر وسعنا وطاقتنا واجتهادكم ~~باستعمال الأقيسة التي اخترعها إبليس واحتج بها على جواز ترك السجود لآدم ~~والآراء التي نصبها لرد أمر الله تعالى وبين الوجهتين غاية البعد، وأيضا أن ~~اجتهادنا في تحصيل حكم الله ممن قوله الحجة فنعذر بعد بذل الجهد إن أخطأنا ~~واجتهادكم أنتم في تحصيل غير حكم الله إذ لا حكم له في تلك الواقعة عندكم ~~فاجتهادكم لا لإحداث حكم لا يعرفه الله قبل ذلك بزعمكم ليحكم به عليكم وهو ~~مع ما فيه من الزلل العظيم تصرف في ملك الغير بغير إذنه، وإيجاب ما لم ~~يوجبه الله أو تحريم ما لم يحرمه، فالخطأ لازم له على كل حال، والمعذورية ~~مرتفعة على جميع الأحوال لأن حكم ما لم يحرمه الله ولم يوجبه الإباحة البتة ~~فإيجابه أو تحريمه خلاف حكم الله فكان اجتهادنا غير اجتهادكم فاجتهادنا ~~مقدمة للواجب وهو تحصيل حكم الله ms042 في الواقعة واجتهادكم لإخراج المباح عن ~~الإباحة والتكليف بما لم يكلف الله به PageV00P067 # بزعمكم فزال اعتراضكم واندفع إيرادكم. # الثاني: قوله تعالى: [ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه ~~الذين يستنبطونه منهم] (1) وتوضيح ذلك أن الرد إلى أولي الأمر عند الاختلاف ~~إما لجهل المختلفين الحكم أو لا فإن كان الأول ثبت أن النبي (صلى الله عليه ~~وآله) لم يبين لجميع الأمة كل الأحكام بالتفصيل بل بينها جميعها كذلك إلى ~~أولياء الأمر بعده فيثبت المطلوب وإن كان الثاني كان التكليف بالرد إلى ~~أولي الأمر تحصيلا للحاصل وهو ممتنع، فالتكليف به قبيح لا يكلف الله به على ~~أنه لا فائدة في الرد إلى ولاة الأمر مع العلم بالحكم من بيان النبي (صلى ~~الله عليه وآله) فالأمر به عبث، هذا كله مع ظهور الآية من قوله تعالى: ~~[لعلمه الذين يستنبطونه منهم] في الأول وهو كون الفائدة في الرد إلى أولي ~~الأمر حصول علم للمستنبطين كانوا قبل الرد إلى أولي الأمر يجهلونه لكون هذا ~~الجملة جواب الشرط في قوله [ولو ردوه] وحصول الجواب متوقف على حصول الشرط ~~ومفقود قبله فعلم المختلفين بالحكم قبل الرد إلى أولي الأمر مفقود وإذا فقد ~~العلم ثبت ضده وهو الجهل فاتضح من هذا أن المختلفين قبل ردهم ما اختلفوا ~~فيه إلى أولي الأمر واستعلامهم الحال منهم غير عالمين بحكم الله الواقعي في ~~تلك الواقعة وما ذاك إلا لعدم التفصيلي لهم من النبي (صلى الله عليه وآله) ~~وهو المراد. # الثالث: ما ثبت عند الخصوم من أن عند بعض الصحابة من القرآن ما ليس عند ~~البعض الآخر وأنه قتل من الصحابة في حرب مسيلمة (2) قوم # PageV00P068 # يقرؤون من القرآن شيئا لم يكن عند باقي الصحابة ولهذا لما أراد أبو بكر ~~وعمر جمع القرآن كان من جاءهم بشئ منه وأقام عليه بينة قبلوه منه ومن لم ~~يقم بينة على ما أتاهم به منه ردوه واتفق الخصوم على أنه لم يكن يحفظ ~~القرآن جميعه في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) من الصحابة ms043 إلا علي بن أبي ~~طالب (عليه السلام) وهذا أوضح دليل على أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~لم يبين جميع لفظ القرآن لكل الصحابة بل يقرأ ما ينزل عليه منه على من حضره ~~منهم فما ظنك بمعانيه وبباقي الأحكام وقد روى مخالفونا أن زيد بن ثابت (1) ~~لما أنكر عليه عمر في دعواه شيئا سمعه من رسول الله (صلى الله # PageV00P069 # عليه وآله وسلم) من جهة أن المنكر لم يسمعه جبهه بكلام قال فيه: لقد علمت ~~أنه يؤذن لي وادخل وأنت تمنع في كلام آخر وصريحه دعوى زيد أنه سمع من النبي ~~(صلى الله عليه وآله) ما لم يسمع عمر ولا من كان في طبقته وقد صدق عمر في ~~دعواه في روايتهم تلك وادعى عبد الله بن مسعود (1) علم ما لم يعلمه زيد بن ~~ثابت المذكور إلى غير ذلك مما هو مزبور في التواريخ والسير مما يعطي أن ~~الصحابة كانوا مقرين بأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بين لبعضهم ما لم ~~يبين لبعض آخر وكفى بذلك شاهدا على ما ندعيه. # الرابع: إنه قد صح أن النبي (صلى الله عليه وآله) خص بعض الصحابة من ~~العلوم بما لم يخص به سائرهم فأفضى من العلوم والأسرار والأحكام لعلي (عليه ~~السلام) بما لم يفض بجزء منه إلى جميع الصحابة ثم بين لهم ذلك بقوله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) " أنا مدينة الحكمة وعلي بابها فمن أراد الحكمة ~~فليأتها من بابها) (2) وقال فيه (علي خازن علمي وعيبة علمي) (4) وما أشبه ~~ذلك من الأقوال ولهذا قال علي (عليه السلام) على المنبر # PageV00P070 # وقد وضع يديه على بطنه (هذا سفط العلم هذا لعاب رسول الله هذا ما زقني ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) زقا أيها الناس سلوني قبل أن تفقدوني ~~فوالله لو سألتموني عن فئة تضل مائة وتهدي مائة لأخبرتكم بقائدها وسائقها ~~إلى يوم القيامة وما من آية من كتاب الله نزلت في ليل أو نهار أو سهل أو ~~جبل أو حضر أو سفر مكيها ومدنيها ms044 إلا وأنا عالم بتفسيرها وتأويلها وناسخها ~~ومنسوخها) (1) وفيمن نزلت وقال لكميل بن زياد (2) (يا كميل إن هنا - وأشار ~~إلى صدره - لعلما جما لو أصبت له حملة) وكثيرا ما يقول ما يضارع هذه ~~المقالات ولما خطب يوما وذكر كلاما يخبر فيه عن قوم من الأتراك وما يفعلون ~~في بلاد الإسلام من الفساد وقت خروجهم قال بعض أصحابه وكان كلبيا لقد أعطيت ~~يا أمير المؤمنين علم الغيب، فضحك (عليه السلام) وقال للرجل (يا أخا كلب ~~ليس هو بعلم غيب وإنما هو تعلم من ذي علم وإنما علم الغيب علم الساعة وما ~~عدده الله سبحانه إذ يقول: [إن الله عنده علم الساعة] (3) الآية، فهذا علم ~~الغيب لا يعلمه أحد إلا الله وما سوى ذلك فعلم علمه الله نبيه (صلى الله ~~عليه وآله) فعلمنيه ودعا بأن يعيه صدري وأن تضطم عليه جوانحي) إلى غير ذلك ~~وكذلك خص النبي (صلى الله عليه وآله # PageV00P071 # وسلم) حذيفة بن اليمان (1) من أحوال المنافقين وفسر له من أسمائهم ما لم ~~يفسر بعضه لكثير من الصحابة حتى أن عمر احتاج أن يسأله عن نفسه أهو من ~~المنافقين أم لا كما رواه مخالفونا وأسر لسلمان أشياء كثيرة لم يظهرها ~~لغيره من أصحابه وهكذا مما يطول ذكره. # الخامس: أنه لو لم يكن النبي (صلى الله عليه وآله) بين لقوم ما لم يبين ~~لغيرهم ولشخص ما لم يبينه لآخر من الأحكام لسقطت أخبار الآحاد وحرم العمل ~~بها، وبيانه أن مضمون خبر الواحد لم يطلع عليه إلا راويه ولم يسمعه من ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا هو والمفروض أن النبي (صلى الله عليه ~~وآله) لم يخص أحدا ببيان حكم دون أحد وأنه بين جميع الأحكام لكافة الصحابة ~~فما هو من بيان النبي فهو معلوم لجميعهم وما ليس معلوما لجميعهم فهو ليس من ~~بيانه (صلى الله عليه وآله وسلم) وخبر الواحد غير معلوم لكافتهم فيجب أن لا ~~يكون من بيان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيكون مكذوبا ومخالفونا لا ~~يرضون بذلك ولا ms045 يجوز عندهم إسقاط أخبار آحاد الصحابة وكيف يرضون به وهو ~~مبنى صحة مذهبهم ولولا العمل بها لزال أساس أئمتهم كما لا يخفى على العارف ~~بالحال ومنه يثبت المدعى. # السادس: أنه قد صح عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: # PageV00P072 # (أمرنا معاشر الأنبياء أن نكلم الناس على قدر عقولهم) (1) ومن المعلوم ~~أنه ليس في وسع جميع الصحابة معرفة جميع الأحكام الإلهية ولا في قدرة ~~كافتهم حمل كلها وحفظ عامتها فوجب بمقتضى ذلك أن يخص بعضهم دون بعض بقدر ما ~~يحتمله من العلم وقد روي عن عبد الله بن مسعود قال: " ما حدثت رجلا حديثا ~~لا يبلغه عقله إلا كان له فتنة " ويروى مثله عن ابن عباس، والعقل السليم ~~يحكم بصدق مضمونه، وقد صح عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: (إن ~~أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله إلا عبد امتحن الله قلبه للإيمان ولا يعي ~~حديثنا إلا صدور أمينة وأحلام رزينة) (2) وكل ذا مروي عند مخالفينا في بعض ~~كتبهم ويشير إليه من التنزيل قوله تعالى: [لا يكلف الله نفسا إلا وسعها] ~~(3) وما أشبهه، وكل هذه الأدلة سالمة من القدح فيها يثبت المطلوب. # المقدمة الثالثة إن الله سبحانه وتعالى أراد من العباد العمل في كل واقعة ~~بما هو حكمها عنده لا بما أدى إليه نظرهم واجتهادهم، يدل على ذلك آيات ~~كثيرة من القرآن كقوله تعالى: [ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون] (4) وفي أخرى [فأولئك هم الظالمون] وفي ثالثة [فأولئك # PageV00P073 # هم الفاسقون] وقوله تعالى: [إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين] ~~(1) وقوله سبحانه: [ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام] ~~(2) وهذه الآية والتي قبلها وما أشبههما من أوضح الأدلة على بطلان الاجتهاد ~~لنفيه في الأولى حكم من سواه ونهيه في الثانية عن القول بالتحليل والتحريم ~~بدون دلالة من قوله وكل ذلك ينافي بصريحه الرخصة في الاجتهاد كما ترى، ~~وقوله عز وجل: [فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا ~~في أنفسهم ms046 حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما] (3) علق حصول الإيمان من المكلفين ~~على تحكيمهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما اختلفوا فيه ورضاهم ~~بحكمه وتسليمهم لقضائه وهو يناقض رضاه منهم بالاجتهاد ومثلها قوله تعالى: ~~[ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهيكم عنه فانتهوا] (4) وقوله تعالى: [أفحكم ~~الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون] (5) والآيات الدالة على ~~هذا المطلب كثيرة جدا. # ومنها آيات الرد إلى الله وإلى الرسول وإلى أولي الأمر فإنها صريحة فيه، ~~إذ لو رضي الله من المجتهدين بالعمل باجتهادهم، لم يكن في الرد إليه وإلى ~~رسوله (صلى الله عليه وآله) وإلى ولاة الأمر عند التنازع والاختلاف فائدة، ~~بل يكون عبثا لا يأمر به الحكيم فيجب أن يكون الرد المذكور لطلبه منهم ~~العمل بحكمه المعين في الواقعة لا بما أدى إليه نظرهم وحصل من اجتهادهم وهو ~~واضح لا يحتاج إلى زيادة البيان، والآيات الناهية عن اتباع # PageV00P074 # الظن وعن القول على الله بغير علم مثل قوله تعالى: [ولا تقف ما ليس لك به ~~علم] (1) وغيرها والآيات الواردة في ذم المقلدين لأسلافهم كلها على كثرتها ~~صريحة فيه، وتعدادها يوجب التطويل فلنكتف بالإشارة إليها مع ما ذكرناه، فإن ~~قال قائل: فإنكم اختلفتم في كثير من المسائل الشرعية أفترى أن الله أراد ~~منكم الاختلاف ولم يرد منكم العمل بالحكم المعين في تلك المسائل فإن قلتم: ~~نعم، قال: خصومكم فنحن مثلكم قد أراد منا الاختلاف دون الحكم المعين وبطلت ~~مقدمتكم، وإن قلتم لا، ناقضتم أنفسكم وأثبتم مخالفتكم لمراد ربكم وعلى كلا ~~الوجهين لا يصح قولكم؟ قلنا أما نحن فإن الله تعالى رخص لنا في الاختلاف ~~فيما اختلفنا فيه من المسائل الشرعية ولم يرد منا الاجتماع على الحكم ~~المعين فيه في زمان تغلب الظلمة على الأئمة الحق ومنعهم إياهم من التصرف، ~~والدليل على ذلك ما ثبت في الشريعة المطهرة من اختلاف الأحكام باختلاف ~~الأحوال والأشخاص، فإنا نعلم يقينا أن الله عز وجل أراد من مكلف في مسألة ~~حكما معينا في حال وأراد منه في حال ms047 أخرى حكما آخر وأراد من بعض أفراد ~~المكلفين حكما في شئ وأراد فيه حكما آخر من آخرين فقد علمنا أن الله تعالى ~~أوجب على واجد الماء الوضوء للصلاة أو الغسل وأوجب على فاقده التيمم، وأوجب ~~على المرأة في حال خلوها من الحيض والنفاس الصلاة والصيام وأوجب تركهما ~~عليها في وقتهما، وأوجب على الآمن الحاضر إتمام الصلاة وأوجب على الخائف ~~مطلقا وعلى المسافر قصر الصلاة الرباعية، وأوجب الجمعة على الحر الصحيح ~~الحاضر الذي بينه وبين محلتها أقل من فرسخين وأسقطها عن العبد والمرأة ~~والمريض والمسافر ومن هو بعيد عنها بأكثر من فرسخين، وأوجب الزكاة على من ~~ملك النصاب ولم يوجبها على من لم يملكه والحج على المستطيع # PageV00P075 # وأسقطه عن غير المستطيع، وحرم الميتة والدم ولحم الخنزير على العباد وأحل ~~ذلك للمضطر غير الباغي والعادي، وحرم قتل المسلم وأحل قتل الباغي والعادي ~~وقاطع الطريق، وحرم الكفر وأحل إظهاره عند الاكراه والخوف على النفس وعدم ~~القدرة على دفع العدو عنها كما مر ذكره في قضية عمار إلى غير ذلك مما ورد ~~في الشريعة الاختلاف فيه، ولا يخفى على ذوي الخبرة مواضعه. # وبالجملة أن الممنوع اختلاف حكم الله باختلاف المجتهدين ورضاه بالاجتهاد ~~في دينه لا تغيير الله حكم المكلف بتغير أحواله وإذا أثبت اختلاف حكم الله ~~على المكلفين باختلاف أحوالهم فيما ذكرناه وفي غيره مما يطول المقام بنقله ~~صح أن يرخص الله للإمام بل يريد منه في حال عدم تمكنه من تشخيص الحكم ~~المعين في الواقعة لاتباعه وعدم تمكنهم من العمل به على التعيين لخوفه ~~الضرر على نفسه في بيانه وعليهم في العمل به إلقاء الخلاف بينهم وخلط الحق ~~بغيره في كثير من المسائل وأن يريد من كل واحد من شيعة الإمام العمل بما ~~ألقى إليه الإمام من الحكم وما فهمه من قول الحجة لأن في ذلك دفع ضرر عن ~~النفس ودفع الضرر عنها واجب، وكل ما توقف عليه الواجب وكان مقدورا فهو واجب ~~عقلا وسمعا فإذا حصل الأمن وذهب الخوف عنا زالت الرخصة ms048 في الاختلاف وتعين ~~على الإمام تعيين الحكم المعين لرعيته وعليهم العمل به، نسأل الله تعجيل ~~الفرج. # وأما خصومنا فإن الله أراد منهم ما أراد منا من الإقرار للإمام بالإمامة ~~والانقياد لطاعته والتسليم لأمره، والأخذ عنه والرجوع إليه في الأحكام، ولو ~~أنهم فعلوا ذلك إذن لزال الخوف عن الإمام في بيان الحق لاتباعه إذ لا مخالف ~~له وعنهم في العمل به لأن المسلمين على هذا كلهم يكونون أتباع الإمام فلا ~~خوف لأحد منهم على أحد، لكن الخصوم لم يفعلوا شيئا من ذلك فلم يؤدوا ما ~~أراد الله منهم من طاعة الإمام، بل أنكروا إمامته وخالفوه PageV00P076 # ومنعوه وأتباعه من مخالفتهم وألزموه وإياهم بموافقتهم، وتوعدوه بالقتل إن ~~لم يفعل وقتلوا من الأئمة من لم يقبل ما طلبوا منه من موافقتهم، ومن اتهموه ~~بتبعية الإمام من المسلمين، فكان اختلافهم في الشرعيات ناشئا عن مخالفتهم ~~ما أراد الله من طاعة الإمام وفرعا على معصيته في حكمه المعين عليهم من ~~تحري مخالفة الإمام فلم يكن الله ليريد منهم الاختلاف المسبب عن مخالفتهم ~~مراده ولا ليرخص لهم فيه لأن أصل اختلافهم في أحكامه خروجهم عن طاعته في ~~أمره وردهم عليه حكمه، والله تعالى لا يرخص لأحد من الخلق في معصيته ورد ~~أمره ولا في أصل ذلك وفرعه، فكانت حالنا غير حالهم ولم يكونوا مثلنا لأنا ~~غير قادرين على إزالة المانع من إظهار الحق وهم متمكنون من إزالته ببذل ~~الطاعة للإمام فافترقت الحال بيننا وبينهم، فإن قالوا: فما منع الإمام من ~~جهاد العدو ودفعهم ليتمكن من بيان الحق وما منع أتباعه من معونته على ذلك؟ ~~قلنا: المانع للجميع عن الأمرين كون أتباع الإمام في جميع الأوقات لقلتهم ~~بالإضافة إلى مخالفيهم غير متمكنين من نصرة الإمام إلى حد يبلغ به الغلبة ~~على أعدائه ودفعه الضرر عن نفوس أوليائه ليحصل له الإمكان من تعيين الحكم ~~الواقعي فكان حكم الله في حقه وحقهم السكوت والكف فسبيلهم في هذه الحال ~~سبيل المسلمين في مكة قبل الهجرة فإن الله أوجب عليهم الكف وترك ms049 الجهاد ~~وأخبر عن ذلك عز وجل: [ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا ~~الصلاة الآية] (1) وذلك لضعف المسلمين يومئذ عن مدافعة المشركين ولزوم ~~إتيان المشركين عليهم لو جاهدوهم لكثرتهم، وقد علم جميع الناس أن من جاهد ~~من أئمة الحق لإحياء الدين قهر وقتل أفظع قتلة، وذلك لقلة ناصريه وسالم من ~~قبله لكثرة خاذليه ولم يبلغ سيد أئمة الهدى مطلبه ولم يدرك مأربه من إقامة ~~عمود الدين، # PageV00P077 # وإظهار الحق ونشر الأحكام لقصور أهل طاعته عن مقاومة مناويه وقلة مواليه ~~عن عدد معاديه، فمن أين تحصل قدرة الباقين على ذلك مع تفاقم الخطب واشتداد ~~شوكة الظالمين وتشييد أركان دولة الفاسقين واحتياج الإمام في إزاحة الظلم ~~والعدوان إلى اشتباك الحروب واستمرار القتل واستعار نار الوغا وإزهاق ~~النفوس وليس معه من يقوم ببعض ذلك ويصبر عليه؟، فانزاح الاعتراض واتضح من ~~جملة ما قلناه دفع الايراد وثبوت المراد بتوفيق من بيده التوفيق للسداد. # المقدمة الرابعة إنه لا يجوز أن يكلف الله العباد بما لا سبيل لهم إلى ~~معرفته ولا طريق لهم إلى استعلامه لأنه تكليف ما لا يطاق، والله تعالى منزه ~~عن التكليف به، وهذه المقدمة قد دل عليها العقل والنقل، فأما العقل فإن ~~العقلاء يستقبحون مؤاخذة الغافل ومعاقبة من لم يعلم قبل التنبيه والإعلام ~~حتى شاع عند أولي الألباب أنه لا تكليف إلا بالبيان، وأما النقل فالآيات ~~كثيرة مثل قوله تعالى: # [ذلك إن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون] (1) وقوله تعالى: # [وما كنا مهلكي القرى حتى نبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا] (2) ~~وقوله: [وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا] (3) وقوله: [لئلا يكون للناس على ~~الله حجة بعد الرسل] (4) وقوله تعالى: [ولو إنا أهلكناهم بعذاب من قبله ~~وقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك # PageV00P078 # من قبل أن نذل ونخزى] (1) وقوله تعالى: [لا يكلف الله نفسا إلا وسعها] ~~(2) [لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها] (3) وقوله تعالى: [ما جعل عليكم في ~~الدين من حرج] (4) وأي حرج أعظم من تكليف الإنسان ms050 بما لا يعلمه ولا دليل له ~~عليه فيكون منفيا بعموم الآية؟، والآيات الدالة على هذا المعنى بالصريح غير ~~ما ذكرناه كثيرة لا نطيل بذكرها القول، ومن السنة قول النبي (صلى الله عليه ~~وآله) المستفيض [لا ضرر ولا ضرار في الدين] وتكليف الإنسان بما لا يعلم ضرر ~~عليه ظاهر، وكثير من السنة صريح في المعنى مما لا حاجة إلى ذكره، ولا يخفى ~~على الفطن الخبير على أن ذلك هو المعروف من سيرة النبي (صلى الله عليه ~~وآله) فإنه ما قاتل أحدا من المشركين إلا بعد الإنذار والإعذار إليه وإقامة ~~الحجة إن طلبها منه، وهذه كانت سيرة أمير المؤمنين (عليه السلام) وبالجملة ~~فالأمر في هذا واضح ومنكر ذلك مكابر لا يلتفت إليه لأنه قائل بوقوع المحال ~~وهو محال وأولئك بعض حشوية العامة وبعض أهل الضلال الناسبين إلى الله تعالى ~~القبيح قبحهم الله وأعمى بصائرهم وأعاذنا من مقالتهم. # المقدمة الخامسة إنه لا طريق إلى معرفة الحكم المعين عند الله في الواقعة ~~إلا من بيان خليفة الرسول (صلوات الله عليه)، والدليل على ذلك أن نصوص ~~الكتاب والسنة لا تفي إلا بيسير من الأحكام الشرعية، وظواهرهما لا تفيد ~~اليقين # PageV00P079 # لكثرة الاختلاف فيهما واحتمالها الوجوه المتعددة، وباطن الكتاب لا تبلغه ~~عقول الرجال ولا أفهام الناس كيف والله تعالى يقول: [وما يعلمه إلا الله ~~والراسخون في العلم يقولون آمنا به] (1) وليس الراسخ في العلم إلا الإمام ~~المؤيد من الله بالإلهام كما سيأتي فيه البيان التام، وأخبار الآحاد لا ~~تفيد إلا ظنا مع أن كلا من ظواهر الكتاب والسنة النبوية المتواترة وأخبار ~~الآحاد، لا تستوعب الأحكام والوقائع، والإجماع الضروري لم يحصل إلا في قليل ~~من أحكام الشرايع، وما ليس بضروري لا يفيد العلم مع أن حجيته بدون دخول من ~~لا يجوز الخطأ عليه في الأحكام في جملة المجمعين غير ثابتة لجواز الخطأ على ~~الآحاد فيجوز على الجملة، ولا قدح في ذلك بالأخبار المتواترة لأنها إخبار ~~عن محسوس والإجماع إخبار عن أمر نظري، وليس يتطرق إلى المحسوسات من الخفاء ms051 ~~والاشتباه ما يتطرق للأمور النظرية غير اليقينية فلذلك امتنع الاشتباه في ~~المحسوسات على الخلق الكثير عادة دون النظريات وحصل القطع بأخبار جماعة ~~كثيرة لا يحتمل تواطئهم على الكذب فيها دون النظريات والمعاني المعقولة فإن ~~احتمال اتفاق الأفهام على الخطأ فيها قائم فتبين الفرق وزال القدح، والقياس ~~لا يفيد إلا وهما غير معتبر في الشرع، لأن المطلوب معرفة الحكم باليقين لا ~~بالوهم، على أن أصحابنا أبطلوه من الأصل واحتج لإبطاله شارح الباب الحادي ~~عشر بأن مبنى شرعنا على اختلاف المتفقات كوجوب الصوم آخر رمضان وتحريمه أول ~~شوال، واتفاق المختلفات كوجوب الوضوء من البول والغائط، واتفاق القتل خطأ ~~والظهار في الكفارة، هذا مع أن الشارع قطع سارق القليل دون غاصب الكثير، ~~وجلد بقذف الزنا وأوجب فيه أربع شهادات دون الكفر وذلك كله ينافي القياس، ~~وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (تعمل هذه الأمة برهة بالكتاب ~~وبرهة # PageV00P080 # بالسنة وبرهة بالقياس فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا وأضلوا) (1) انتهى قلت: # والأدلة على بطلان القياس كثيرة قد تكفلت ببيانها كتب أصحابنا في الأصول ~~وليس الغرض هنا التنصيص على بطلان القياس حتى نستزيد من الأدلة على فساده ~~وإنما الغرض نفي كونه طريقا إلى تحصيل الحكم التكليفي وهو حاصل بما ذكرناه، ~~وأما الرجوع إلى البراءة الأصلية فظاهر أنه مستلزم لرفع أحكام كثيرة لأنها ~~عبادة عن أصالة براءة الذمة من الوجوب والتحريم فليست بطريق لبيان الأحكام ~~فتبين أن لا طريق لمعرفة جميع أحكام الله المطلوبة من المكلفين إلا بيان ~~الإمام لأن بيان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يحصل في الجميع لكافة ~~الناس كما مر بيانه ووضح برهانه فلا بد من قائم مقامه في ذلك وهو خليفته ~~والوارث منزلته ليبين للأمة ما احتاجوا إليه، وحيث سلمت هذه المقدمات وصحت ~~ثبت منها أن الحجة لله لا تقوم على العباد والعلة لا تزاح عنهم في جميع ~~أزمنة التكليف إلا بهاد يهديهم إلى الحق ومرشد يرشدهم إلى الصواب ودليل ~~يدلهم على طريق الهدى وعالم لا يتغير علمه يبين لهم ms052 ما اختلفوا فيه من أمر ~~الدين ويقيم لهم الكتاب ويوضح لهم متشابهات الآيات ويفصل لهم مجملات السنة ~~ويفسر لهم ما جهلوه من حدود الملة وذلك هو الإمام، فإذن يجب في حكمة الله ~~تعالى لذلك نصب إمام يحصل به المطلوب في كل أزمنة التكليف ولا يجوز أن يخلو ~~عصر من أعصار التكليف ولا وقت من أوقاته عمن يحصل به الغرض المذكور وتكون ~~له تلك المرتبة الشريفة. # الثالث (2): من الكتاب المجيد وهو قوله تعالى: [يوم ندع كل أناس # PageV00P081 # بإمامهم] (1) فإنه صريح في أن لكل أناس إماما، وإضافته إلى ضميرهم يدل ~~على تغيره بتغيرهم فيكون لكل عصر إمام، وقد قال المفسرون في معنى الآية أنه ~~ينادى في الموقف يا أتباع فلان ويا أصحاب فلان فينادى كل قوم باسم إمامهم، ~~وهو نص فيما قلناه من أنه لا بد في كل عصر من إمام، وأنه شخص إنساني لا ~~القرآن إذ لا يتغير بتغير الأزمان ولا يكنى عنه بفلان، وقوله تعالى: [إنما ~~أنت منذر ولكل قوم هاد] (2) وهو أيضا نص في أن كل قوم لا بد أن يكون فيهم ~~هاد يهديهم إلى حكم الله ويدلهم على ما يقربهم إليه وليس عصر من الأعصار ~~إلا وفيه من هو كذلك، فإذن وجود الإمام واجب في كل أعصار التكليف، وجملة من ~~الآيات المتقدمة تومي إليه وكذا غيرها وإن لم تكن صريحة فيه. # الرابع: الأخبار الدالة على عدم خلو العصر من حجة لله على خلقه عالم لا ~~يتغير علمه فمنها الخبر المشهور وهو قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~(من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية) (3) وفي لفظ عبد الله بن عمر كما رواه ~~الإسكافي (4) (من مات ولا إمام له مات ميتة جاهلية) ولفظ الصدوق # PageV00P082 # منا: (من مات وليس له إمام..) إلى آخره وذكر بهاء الدين الشيخ الجليل ~~محمد بن حسين بن عبد الصمد العاملي في شرح الأربعين لفظ الحديثين هكذا (من ~~مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية) (1) مشعرا بالاتفاق عليه وعلى كل ~~حال فالخبر دال على ms053 أنه في كل زمان إمام تجب معرفته على المكلفين ولا يجوز ~~لأحد جهله وأن من مات من المسلمين ولم يأتم به مات ميتة كفر ولم ينفعه ~~إسلامه ولا ما عمله من افعال الخير، ولما قلناه طرق عبد الله بن عمر بن ~~الخطاب على الحجاج بابه ليلا ليبايعه لعبد الملك بن مروان فقال الحجاج ~~لحاجبه: قل له يأتي الصبح فأبى أن ينصرف قبل المبايعة وذكر الحديث (2) ~~مستدلا به وأنه خاف أن يطرقه الموت في تلك الليلة فيموت ولا إمام له كما ~~رواه العامة من أمره وفعله ولا يجوز أن يكون المراد بالإمام في الحديث ~~المذكور القرآن كما زعم بعض أهل الخلاف لوجوه. # الأول: إن القرآن لا يجهله أحد من المسلمين ولا يزعم مخالفته أحد، ~~والإمام المذكور في الخبر مما تقع عليه الخفية وتعرض للناس فيه الجهالة، ~~وإنهم يكونون بين عارف به وجاهل ومؤمن به وتارك فيكون غير القرآن. # الثاني: إن الإمام المذكور في الخبر مما يتغير بتغير الأزمنة وتغير ~~المكلفين ولو لم يكن كذلك لم يعرض للناس عدم معرفته فيموت منهم من ليس ~~عارفا به ولا معتقدا إمامته والقرآن لا يتغير بتغير الزمان فيكون الإمام ~~المذكور غير القرآن. # الثالث: إن لفظ الإمام ظاهر في شخص إنساني له رتبة الإمامة لأنه هو ~~المتبادر منه عند الإطلاق ويرشد إليه أن الإمام في الخبر لو كان المراد به ~~القرآن # PageV00P083 # لكان المراد إما معرفة أحكامه أو العمل به أو معرفة أنه كتاب الله وأن ما ~~فيه من الأحكام عن الله وهو التصديق به المعبر عنه بالمعرفة الإجمالية، لا ~~شئ غير هذه الثلاثة فإن كان المراد الأول فأكثر المسلمين غير عارفين بأحكام ~~القرآن وإنما يعرفه الأوحدي من العلماء والمقلد لا يطلق عليه لفظ المعرفة ~~في العرف القديم ولا باعتبار اللغة العربية فيجب حينئذ أن يكون جميع الناس ~~مكلفين بمعرفة أحكام القرآن ومعانيه عن نظر واجتهاد ومن قصر عن ذلك من ~~المسلمين مات كافرا وهذا مخالف لاتفاق الأمة إذ لا يشترط أحد من أهل العلم ~~ذلك في ms054 صحة الإيمان ثم كيف تحصل لأحد من العلماء معرفة معاني القرآن ~~والإحاطة بما فيه من الأحكام على التمام مع اشتماله على المتشابه والمجمل ~~والخاص والعام والناسخ والمنسوخ وغير ذلك من الوجوه، وعلى هذا لا يموت أحد ~~من الناس إلا كافرا لتعذر الإحاطة بمعرفة القرآن عليه ولا شك في بطلان هذا ~~الوجه وملزومه، وإن كان الثاني فأكثر الناس غير عاملين بالقرآن بل نبذوا ~~أحكامه وتركوا أوامره وعصوا زواجره ولم يعمل به ولا يخالفه في جميع الأحكام ~~إلا يسير بل أيسر من اليسير ومن عمل من الناس به لم يعمل من أحكامه إلا ~~بالقليل فيجب على هذا أن من مات وهو عاص فقد مات كافرا لعدم امتثاله لبعض ~~أحكام القرآن على أن ذلك لازم في أكثر الناس لما أخبر الله سبحانه في ~~القرآن عن عصيان أكثر الناس بقوله: [وقليل من عبادي الشكور] (1) وقوله ~~تعالى:: [ولا تجد أكثرهم شاكرين] (2) وبطلان هذا واضح كالأول لا سيما عند ~~الخصوم، وإن كان الثالث فذاك لا يجهله مسلم ولا ينكره مقر بنبوة نبينا محمد ~~(صلى الله عليه وآله) فلا معرض للجهالة فيه فلا معنى لتقسيم الناس بين ميت ~~على معرفته وميت على الجهل به كما هو مفاد الخبر فظهر من ذلك أن المراد ~~بالإمام فيه غير القرآن، ولا يجوز # PageV00P084 # أن يراد منه إمام المذهب مطلقا - كما أنه ربما يقول به متعصب من القوم ~~المخالفين لوجوه. # الأول: إن المتبادر من لفظ الإمام في المقام - بل إذا أطلق مطلق - الرئيس ~~العام المنصوب من قبل الملك العلام لا فقيه قلده في فتاواه جملة من الرعاع ~~وحثالة من الناس والتبادر أمارة الحقيقة. # الثاني: إن تسمية الفقيه الذي قلده قوم على ما ذكرناه بالامام إنما هو شئ ~~طار من متأخري مخالفينا واصطلاح جديد منهم ولم يكن معروفا في القديم ولا ~~يعرفه الصحابة ولا التابعون ولا من بعدهم بطبقات متعددة وإنما يعرفون من ~~الإمام الرئيس العام، فيلزم أن جعلنا لفظ الإمام في الخبر واقعا على فقيه ~~مقلد لقوم أن يكون النبي (صلى الله ms055 عليه وآله وسلم) خاطب أصحابه بما لا ~~يعرفونه وكلفهم بما لا يفهمونه وذلك غير جائز. # الثالث: إن الإمام في الخبر لو كان كما يظن من أنه الفقيه المذكور لوجب ~~أن يكون الناس قبل اختراع المذاهب الأربعة ماتوا على الكفر حتى الأئمة ~~الأربعة لأنهم ماتوا ولم يعرفوا أنهم بالمنزلة التي جعلها لهم أكثر العامة ~~ولا دخل في خلدهم ذلك ولا ظنوا أنهم يكونون أئمة لا يجوز مخالفتهم وقتا ما، ~~ويكون الصحابة ومن بعدهم ماتوا كفارا لأنهم لم يعرفوا أن أئمة المذاب ~~ويكونون فلانا وفلانا إلى آخرهم، وهذا ما لا يقول به مميز ولا المراد ~~السلطان المتغلب الجائر كما ذكره بعض العامة إذ لا تجوز ولايته ولا الركون ~~إليه بنص القرآن في قوله تعالى: [ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار] ~~(1) فكيف يكفر من مات جاهلا به وغير معتقد إمامته، وهذا لا يرتاب فيه ذو ~~فهم ولقد رووا عن إمامهم أبي حنيفة أنه قال: " لو دعاني اللص # PageV00P085 # الدوانيقي إلى حمل آجرة إلى بناء مسجد ما أطعته " (1) وإذا بطل ما ~~احتملوه من الاحتمالات في الخبر في معنى الإمام تعين أن يكون المراد منه ما ~~ذكرناه وهو الرئيس العام المنصوب من الله لهداية الناس وحماية حريم ~~الإسلام، والظاهر من ابن أبي الحديد (2) ظهورا يقرب إلى التصريح أن المراد ~~بالامام في الخبر الأئمة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأن من مات ~~وهو عارف بهم كان مؤمنا ومن مات ولم يعرفهم مات فاسقا وخلد في النار وأراد ~~بهم الخلفاء الأربعة ومن صحت إمامته بعدهم عند أصحابه، وليس المراد من ~~الإمام من هو في زمان المكلف الميت، وجوابه معلوم مما ذكرناه في أول الكلام ~~على معنى الخبر ويؤيده ما رووه وهو أيضا من الراوين لفعل عبد الله بن عمر ~~مع الحجاج وقد مر ذكره فإنه مصرح بأنه فهم من الإمام المذكور في الخبر إمام ~~زمان المكلف لا الإمام الذي مضى زمانه وانقضى دوره، وإن كان قصر في النظر ~~حيث جعل إمام الفساق الذي تجب عداوته ms056 كإمام الحق الذي تجب معرفته، بل رجح ~~الأول على الثاني فقعد عن بيعة أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وخذله مع ~~الخاذلين وفعل ما سمعت في بيعة عبد الملك ولقد أزرى عليه الحجاج بذلك ~~واستحقره حتى أنه لم يجلس له ولم يعطه يده بل أخرج إحدى رجليه من اللحاف ~~وهو نائم وقال بايعها فإن يدي عنك مشغولة (3) وهذا من فرط جهله أو شدة ~~عداوته لأمير المؤمنين (عليه السلام) يرثها لا عن كلالة، والحاصل أن الخبر ~~واضح في أن لكل زمان إماما تجب معرفته على المكلفين ولا يسعهم جهله لا سيما ~~على ما ذكره البهائي في لفظ الحديث، والاحتمالات مزيفة وهو المطلوب روى ثقة ~~الإسلام محمد بن يعقوب # PageV00P086 # الكليني بسنده عن بريد قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول في قول الله ~~تبارك وتعالى: [أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس] ~~(1) فقال: (ميت لا يعرف شيئا ونورا يمشي به في الناس إماما يأتم به، كمن ~~مثله في الظلمات ليس بخارج منها قال: الذي لا يعرف الإمام) (2): # وعن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله تعالى: [ومن يؤت ~~الحكمة فقد أوتي خير كثيرا] (3) قال: طاعة الله ومعرفة الإمام (4) انتهى. # ومنها: قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث الثقلين (لم يفترقا ~~حتى يردا على الحوض) فبين بذلك أنه لا بد من متمسك به مع القرآن من عترته ~~في كل زمان لا ينقطع في وقت ما دام التكليف باقيا حتى يردا عليه الحوض وهو ~~وقت انقطاع التكليف وذلك المتمسك به الذي هو قرين القرآن هو الإمام المدعى ~~إذ لا يجوز أن يكون غيره فيكون باقيا ما بقي التكليف كبقاء القرآن فيجب أن ~~يكون في كل عصر من هو كذلك حتى تصدق القضية التي لا يجوز عليها الكذب. # ومنها: ما رواه الحاكم وصححه على شرط الشيخين من قول النبي (صلى الله ~~عليه وآله): (النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق وأهل بيتي أمان لأهل الأرض ~~من ms057 الاختلاف) (5) وروى أحمد بن حنبل عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~(إذا ذهب النجوم ذهب أهل السماء وإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض) (6) وروى ~~جماعة من محدثيهم عن النبي (صلى الله عليه # PageV00P087 # وآله وسلم) قال: (النجوم أمان لأهل السماء وأهل بيتي أمان لأمتي) (1) وفي ~~رواية أخرى (أهل بيتي أمان لأهل الأرض فإذا هلك أهل بيتي جاء أهل الأرض من ~~الآيات من كانوا يوعدون) (2) قال في إسعاف الراغبين وهو من أشد المخالفين ~~بعد نقل هذه الأخبار وقد يشير إلى هذا المعنى قوله تعالى: [وما كان الله ~~ليعذبهم وأنت فيهم] (3) قيام أهل بيته مقامه في الأمان لأنهم منه وهو منهم ~~كما ورد في بعض الطرق انتهى (4). # أقول وهذه الأخبار صريحة في أنه ما دام التكليف باقيا فلا بد من شخص من ~~العترة يؤمن به أهل الأرض من الاختلاف وأن الأرض لا يمكن خلوها من شخص بهذه ~~المثابة ولو خلت منه لهلك أهلها وذهبوا، فهم أمان لأهل الأرض من الهلاك ~~والاختلاف، وليس كذلك إلا من ذكرناه وهو الإمام المنصوب من قبل الله لبيان ~~الأحكام ورفع الاختلاف وإزالة الاشتباه عن المكلفين في الحلال والحرام لا ~~مع جميع قرابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ ليس كلهم ممن يرضى مذهبه ~~ويحمد طريقه. # وبالجملة أنه لا يصلح لرفع الاختلاف ويكون أمانا منه ومن الهلاك للعباد ~~إلا من هو مؤيد من الله بالإلهام ومخصوص من النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بالاعلام لا يتغير علمه ولا يتبدل حكمه وما سواه لا يكون كذلك كما هو ~~ظاهر، وهذا تصديق ما روي عن أئمتنا (عليهم السلام) في هذا المعنى روى الشيخ ~~الجليل محمد بن يعقوب الكليني عن علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى بن يونس ~~عن ابن مسكان عن أبي بصير عن أحدهما # PageV00P088 # (عليهما السلام) قال: (قال: إن الله لم يدع الأرض بغير عالم ولولا ذلك لم ~~يعرف الحق من الباطل) وعن علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن محمد بن ~~الفضيل عن أبي ms058 حمزة قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): تبقى الأرض بغير ~~إمام؟ قال: (لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت) وعن علي بن إبراهيم عن محمد بن ~~عيسى عن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: قلت له: ~~أتبقى الأرض بغير إمام؟ قال: (لا) قلت: فإنا نروي عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) إنها لا تبقى بغير إمام إلا أن يسخط الله على أهل الأرض أو على ~~العباد فقال: (لا تبقى إذا لساخت) (1) وعن علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى ~~عن أبي عبد الله المؤمن عن أبي هراسة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (لو ~~أن الإمام رفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله) وعن ~~الحسين بن محمد عن معلى بن محمد عن بعض أصحابنا عن أبي علي بن راشد قال: ~~قال أبو الحسن (عليه السلام): (إن الأرض لا تخلو من حجة وأنا والله ذلك ~~الحجة) (1) إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة التي يضيق بنقل بعضها المقام. # ومما يدل على المطلب من كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام) وأقواله الذي ~~ثبت عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حقه (إنه مع الحق والحق معه) ~~كثير نذكر منه شيئا. # فمنها: قوله لكميل بن زياد في كلام طويل (اللهم بلى لا تخلو الأرض من ~~قائم لله بحجة إما ظاهرا مشهورا وإما خائفا مغمور لئلا تبطل حجج الله ~~وبيناته وكم ذا وأين؟ أولئك والله الأقلون عددا الأعظمون عند الله قدرا ~~يحفظ الله حججه وبيناته حتى يودعوها نظراءهم ويزرعوها في قلوب أشباههم هجم ~~بهم العلم على حقيقة البصيرة وباشروا روح اليقين واستلانوا ما # PageV00P089 # استوعره المترفون وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بأبدان ~~أرواحها معلقة بالمحل الأعلى أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إلى دينه، ~~آه آه شوقا إلى رؤيتهم) (1) وهذا الكلام نص صريح في وجوب دوام الحجة وبقاء ~~الخليفة في الأرض ما دام التكليف باق لا يموت واحد حتى يخلفه من يقوم مقامه ~~وحمل ابن أبي الحديد ms059 هذا الكلام على الأبدال السائحين (2) في الأرض فاسد ~~يرد قوله (عليهم السلام): (وخائفا مغمورا) فإن الأبدال الذين عناهم ابن أبي ~~الحديد لا خوف عليهم من أحد ثم إنه من أين يكون لأحد هذا المقام الذي ذكره ~~أمير المؤمنين (عليه السلام) وهذه الأوصاف غير الأئمة بالمعنى الذي قدمناه ~~خصوصا قوله (عليه السلام): (لئلا تبطل حجج الله وبيناته " وقوله: " هجم بهم ~~العلم على حقيقة البصيرة " إلى آخر الأوصاف إذ من المعلوم البتة أنه ليس ~~أحد من المقلد الذين لا يعرفون الحلال والحرام إلا من فتوى إلى أبي حنيفة ~~ومالك والشافعي وأضرابهم الذين يقيسون الدين برأيهم بقائم لله بالحجة وهو ~~مقلد لمن لم يقم بها فمن أين هجم العلم بهؤلاء على حقيقة البصيرة؟ بل من ~~أين حصلت لهم البصيرة هم مقلدون لمشايخهم، وهم مختلفون؟ والخارج عن تقليد ~~المشائخ الأربعة غير صحيح العبادة عند المعتزلي فمن أين يكون قائما بحجة ~~الله إلى آخر الأوصاف؟ ومن أرادهم بقوله لم ينالوا من البصيرة ما يبل صدى ~~الظمئان؟ على إنا لا نعرف الأبدال السائحين في الأرض ولم ندرك منهم من هو ~~مصداق هذه الأوصاف حتى نجعل من لم نره منهم بحكمه كما رأينا الإمام الظاهر ~~وجعلنا الغائب بحكمه بل إنا لا نعرف السائحين إلا القوم الذين يقال لهم ~~الكلندرية والعامة يسمونهم أولياء ويطلق عليهم الناس لفظ الدراويش وهؤلاء ~~قوم لا يصلون فضلا عن أن يكونوا يحسنون الصلاة افترى هؤلاء الذين عناهم ~~أمير المؤمنين بأن باشروا # PageV00P090 # روح اليقين أو أنهم خلفاء الله في أرضه والدعاة إلى دينه؟ وسائحا غير ~~هؤلاء لا نعرفه، إن صريح كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) أن القوم الذين ~~وصفهم منهم ظاهر ومنهم مستور وكلام المعتزلي مصرح بأن جميع السائحين ~~مستورون لا يعرفون، فلا يطابق كلامه لفظ الخبر ومعناه فلا يصلح أن يحمل ~~عليه، وبالجملة أن كلام المعتزلي لا معنى له وإنما هو من ضيق الخناق فيتعلل ~~بما لا يجدي نفعا والله الهادي. # ومنها: قوله (عليه السلام) في خطبة له (والهجرة قائمة على حدها الأول ms060 ما ~~كان لله في أهل الأرض حاجة من مستسر الأمة ومعلنها لا يقع اسم الهجرة على ~~أحد إلا بمعرفة الحجة في الأرض فمن عرفها وأقر بها فهو مهاجر ولا يقع اسم ~~الاستضعاف على من بلغته الحجة فسمعتها أذنه ووعاها قلبه) (1) وهذا الكلام ~~من أصرح الصريح في أن الأرض لا تخلو من إمام تجب معرفته وإن من عرفه صح ~~عليه اسم الهجرة فسمي مهاجرا وإن من لم يعرفه سمي مستضعفا لا دين له وهو ~~قوله (عليه السلام)، لا يقع اسم الهجرة على أحد إلا بمعرفة الحجة في الأرض ~~ولا يقع اسم الاستضعاف إلى آخره وأن ذلك باق ما دام التكليف موجودا وهو ~~قوله (عليه السلام) " ما كان لله في أهل الأرض حاجة " وقد اعترف المعتزلي ~~بذلك فإنه لما ذكر الفرق بين هذه الهجرة التي ذكرها أمير المؤمنين وبين ~~الهجرة التي ذكرها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: (لا هجرة بعد ~~الفتح) وخص الأولى بالهجرة إلى الإمام قال: ثم ذكر يعني أمير المؤمنين أنه ~~لا يصح أن يعد الإنسان من المهاجرين إلا بمعرفة إمام زمانه وهو معنى قوله: ~~(إلا بمعرفة الحجة في الأرض) قال: فمن عرف الإمام وأقر به فهو مهاجر قال: ~~ولا يجوز أن يسمى من عرف الإمام مستضعفا - إلى أن قال -: وشيعة الإمام ليست ~~الهجرة بالبدن مفروضة عليهم بل تكفي معرفتهم به وإقرارهم بإمامته فلا يقع ~~اسم الاستضعاف # PageV00P091 # عليهم (1) انتهى قوله: ولازم قوله أنه من المستضعفين لأنه لا إمام له على ~~طبق مذهبه والخلفاء الفساق الذين في زمانه من بني العباس لا يصلحون للإمامة ~~على الوجه المذكور في قول أصحابه، وإمامنا المستور عن أهل الغرور لا يثبت ~~هو وجوده بل ينفيه في مواضع كثيرة بالصريح من كلامه فبقي حينئذ بلا إمام ~~عدل فهو من المستضعفين لا محالة، والعجب منه في هذا الموضع أنه لم يذكر أن ~~الإمام الذي معرفته تكون هجرة هو القطب الذي كان يدعيه في شرح كثير من خطب ~~أمير المؤمنين المشابهة في المعنى لهذه الخطبة، وأظنه ms061 هنا نسي ذلك و لم ~~يتصور أن الكلام نص في مذهب الإمامية ليتصدى لدفعه ولو بالراح ولستره ولو ~~بالزجاج، وأنت خبير بأن الكلام المذكور صريح وأي صريح فيما ندعيه. # واعلم أن أمير المؤمنين (عليه السلام) أراد بالمهاجر والمستضعف في قوله ~~المذكور وأشار به إلى ما في قوله تعالى: [إن الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي ~~أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله ~~واسعة فتهاجروا فيها] (2) الآية فمن عرف الإمام في زمانه كان مهاجرا في ~~الأرض وإن لم يخرج من منزله ومن جهل إمام زمانه فهو مستضعف وإن جاب ~~الأقطار. # ومنها: قوله في خطبة (وإنما الأئمة قوام الله على خلقه وعرفاؤه على عباده ~~ولا يدخل الجنة إلا من عرفهم وعرفوه ولا يدخل النار إلا من أنكرهم وأنكروه) ~~(3) الخطبة، وهي وفق المدعى لأن قوله (عليه السلام): " الأئمة قوام الله ~~على خلقه " صريح في دوام وجود الإمام واستمراره باستمرار زمان التكليف، لأن ~~القائم على الخلق والعريف عليهم يستحيل أن يكون غير موجود ولا حي ولا عارف ~~بأحوالهم، وقوله (عليه السلام): " لا يدخل الجنة " # PageV00P092 # الخ. معناه أنه لا يدخل الجنة إلا من عرفهم بالإمامة وأقر لهم بها وعرفوه ~~بالاقرار لهم بذلك فيجب حينئذ أن يكون في كل عصر إمام قائم لله على خلقه ~~وعريف عليهم يدخل الجنة من أقر له بالإمامة ويدخل النار من أنكر إمامته ~~ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وهو المطلوب، والكلام ظاهر في ~~سعة علم الإمام لتمكنه من معرفة عارفية ومنكريه مع بعد ديارهم وكثرتهم، وهو ~~تصديق ما ورد من طرقنا عن أهل البيت أن الإمام يعرف أولياءه وأعداءه في ~~أقاصي الأرض وأدانيها، وأن الدنيا عند الإمام بمنزلة الدرهم في كف الإنسان ~~يقلبه يعلم أعلاها وأسفلها كما رواه المشائخ الكبار مثل محمد بن الحسن ~~الصفار ومحمد بن يعقوب وابن بابويه وغيرهم من أكابر محدثينا في كتبهم، وليس ~~المراد أن الأئمة يعرفون أولياءهم يوم القيامة خاصة كما ذكره ابن أبي ~~الحديد في ms062 شرح الخطبة (1) لأن الذين لا يعرفون أولياءهم إلا في الآخرة لا ~~يسمون عرفاء الله على خلقه في الدنيا لأن العريف النقيب والرئيس، على أن ~~معرفة الولي والعدو في الآخرة لا يختص بالأئمة بل الخلق كلهم ينكشف لهم ~~حينئذ الغطاء فيعرف أهل الجنة أولياءهم ويكونوا (إخوانا على سرر متقابلين)، ~~ويعرف أهل النار أولياءهم (كلما دخلت أمة لعنت أختها) ويعرف المظلوم ظالمه ~~وإن كان بعد موته بذكر سئ ويعرف المحسن من أحسن إليه كذلك كما هو معلوم لدى ~~العارفين فلا فضل للأئمة في هذا يوم القيامة على غيرهم ثم إن المتبادر من ~~قوله: " لا يدخل الجنة " الخ. إنه لا يدخل الجنة إلا من عرفهم في الدنيا ~~بالإمامة وعرفوه في الدنيا بالاقرار لهم بها ولا يدخل النار إلا من أنكر ~~إمامتهم في الدنيا وأنكروه، أي لم يعرفوه في الدنيا بالاقرار لهم بالإمامة ~~وهو يؤيد المطلب ويوضحه، وكلام أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا المعنى ~~كثير وسيأتي بعض منه في آخر الكتاب في موضع يشبه هذا الموضع أو هو فرعه إن ~~شاء الله تعالى. # PageV00P093 # احتج قوم من الخصوم على جواز خلو العصر من إمام بقوله تعالى: # [لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك] (1) وبقوله تعالى: [وما آتيناهم ~~من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير] (2) وأجاب أصحابنا عنه بأن ~~الآيتين نفي للرسول لأن النذير هو الرسول كما يدل عليه قوله في الآية ~~الثانية [ما أرسلنا] وقوله تعالى: [وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جائهم ~~نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم] (3) وكثير من الآيات وليس في الآيتين نفي ~~الأنبياء والأوصياء الهادين إلى الله تعالى والأول نقول به فإنا نجوز خلو ~~العصر من رسول مبعوث بل من نبي ولا نجوز خلوه من وصي هاد تقوم به الحجة لله ~~على العباد والآيتان لا تنفيانه فلا حجة لكم فيهما على ما ادعيتم أقول أما ~~قوله تعالى في الأولى: [ما آتاهم من نذير من قبلك] (1) وفي الثانية: [وما ~~أرسلنا إليهم قبلك من نذير] (2) فمحتمل لأن يكون الله تعالى ms063 أخبر أنه لم ~~يرسل في قريش رسولا منهم قبل النبي (صلى الله عليه وآله) وإن كان أرسل فيهم ~~من غيرهم وبلغتهم دعوة الرسل (عليه السلام) إلى توحيد الله تعالى فليس في ~~الآيتين دلالة على انتفاء الرسل مطلقا وإنما أقصى دلالتهما على انتفاء رسول ~~إلى قريش عن أنفسهم قبل النبي (صلى الله عليه وآله) ويؤيد ما قلناه قوله ~~تعالى: [وإن من أمة إلا خلا فيها نذير] (4) فإنها ناصة على أنه لا تخلو أمة ~~من الأمم من رسول إليهم منذر يخوفهم من العقاب وقد اعترف بذلك شيخ المعتزلة ~~أبو علي الجبائي (5) فقال وفي هذا دلالة على أنه لا # PageV00P094 # أحد من المكلفين إلا وقد بعث إليهم الرسول وأنه سبحانه أقام الحجة على ~~جميع الأمم انتهى ومثل ما قلناه في الآيتين قال به الحسن البصري في قوله ~~تعالى: # [لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون] (1) فقال: (لم يأتهم نذير من ~~أنفسهم وقومهم وإن جائهم من غيرهم) ويحتمل أيضا أن المراد ما أتاهم من نذير ~~من قبلك على حسب ما جئت به وكذلك في الآية الثانية وهذا كما قاله قوم في ~~[لتنذر قوما] الآية فتبين أن الآيتين اللتين احتج بهما الخصم لا تدلان على ~~خلو العصر من الرسل فضلا عن أن تدلا على خلوه من الأوصياء الهادين فسقط ~~الاحتجاج بهما رأسا، وأما الآية الثالثة وهي قوله تعالى: [لتنذر قوما ما ~~أنذر آباؤهم] فقد عرفت ما قيل فيهما مما لا ينفي وجود الرسل إلى قريش من ~~غيرهم، على أن المروي عن عكرمة (2) في معناها لتنذر قوما كما أنذر آباؤهم ~~بجعل ما مصدرية لا نافية وحرف التشبيه محذوف كما حذف في قوله تعالى: [وهي ~~تمر مر السحاب] (3) وهذا القول أدل على المطلوب من الأول ويعضده آيات كثيرة ~~[وإن من أمة] الآية، وآيات نفي الحجة للناس على الله بعد الرسل وقوله ~~تعالى: [ثم أرسلنا رسلنا تترى كلما جاء أمة رسولها كذبوه] (4) وقوله تعالى: ~~[قل قد جائكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم ~~صادقين] (5) جوابا ms064 لقولهم # PageV00P095 # [لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك] (1) الآية كما قاله بعض الأفاضل ~~وأما في الظاهر فهي جواب لقول اليهود [لن نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان ~~تأكله النار] (2) كما قصه الله من قولهم فلا حجة فيها على المقصود فهذه ~~الآيات دالة على أن الله عز وجل لم يترك أمة بغير رسول تقوم به الحجة عليهم ~~وقال الشيخ الصدوق: " إن معنى الآية الأولى وهي قوله تعالى: [لتنذر قوما ما ~~أتاهم من نذير من قبلك] (3) أي ما جاءهم رسول بتبديل شريعة ولا نسخ ملة ولم ~~ينف الهداة الدعاة من الأوصياء " (4) انتهى وهو محتمل أيضا. # أما قوله: تعالى: [وما آتيناهم من كتب يدرسونها] (5) فلا دلالة فيه على ~~نفي الرسول وإنما غاية دلالته على أنه لم ينزل الله على قريش كتبا من ~~السماء بلسانهم قبل القرآن وهذا ما لا ينكره أحد ولا ينفع الخصم إذ لا يجب ~~في كل رسول أن يكون معه كتاب وله شريعة بل يجوز إرسال الرسل يدعون إلى ~~شريعة واحدة ولتأكيد ما في العقول كما ذهب إليه الإمامية وأبو علي الجبائي ~~وأتباعه من المعتزلة، ودل على الأول الاتفاق على أن لا شريعة لأحد من ~~الأنبياء إلا لآدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وأن كل الرسل غيرهم يدعون إلى الشرائع السابقة على شريعتنا، والحاصل ~~أن الآيات لا تدل على نفي الرسل مطلقا بوجه من الوجوه، ولو نزلنا للخضم عن ~~الحجة وقلنا بدلالتها على ذلك لم تكن دالة على نفي إمام هاد تقوم به الحجة ~~لله على العباد كما عرفت من البيان، وقد وضح من ذلك سلامة أدلتنا الدالة ~~على وجوب وجود إمام في كل زمان من أزمنة التكليف عن # PageV00P096 # معارض فتعين القول به والمصير إليه، ولا بأس بنقل بعض الأخبار عن أئمتنا ~~(عليهم السلام) في هذا المعنى روى ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني بسنده ~~عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): [إنما أنت منذر ولكل ~~قوم هاد] فقال: رسول الله (صلى الله عليه ms065 وآله) المنذر وعلي الهادي، يا أبا ~~محمد هل من هاد اليوم؟ قلت: بلى جعلت فداك ما زال منكم هاد بعد هاد حتى ~~دفعت إليك فقال: (رحمك الله يا أبا محمد لو كان إذا نزلت آية على رجل ثم ~~مات ذلك الرجل ماتت الآية مات الكتاب ولكنه؟؟ # يجري فيمن بقي كما جرى فيمن مضى) (1). # وروى الصدوق رئيس المحدثين بسنده عن أبي الصباح عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: (إن الله تبارك وتعالى لم يدع الأرض إلا وفيها عالم يعلم ~~الزيادة والنقصان فإذا زاد المؤمنون ردهم وإذا نقصوا شيئا أكمله لهم ولولا ~~ذلك لالتبست على المؤمنين أمورهم). # وبسنده عن عبد الأعلى بن أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) قال سمعته يقول ~~(ما تترك الأرض بغير عالم ينقص ما زادوا ويزيد ما نقصوا ولولا ذلك لاختلطت ~~على الناس أمورهم) (2). # وعن سليمان الأعمش عن الصادق جعفر بن محمد في حديث قال: # (ولم تخل الأرض منذ خلق الله الخلق من حجة الله فيها ظاهر مشهور أو غائب ~~مستور ولا تخلو حتى تقوم الساعة من حجة لله فيها ولولا ذلك ولم يعبد الله) ~~قال سليمان فقلت للصادق فكيف ينتفع الناس بالحجة الغائب المستور؟ قال: (كما ~~ينتفعون بالشمس إذا سترها سحاب) (1) اللهم ثبتنا على # PageV00P097 # الحق وموالاة الحجة إنك تثبت الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا ~~وفي الآخرة. # PageV00P098 # [الفصل الأول في شروط الإمام وهو يشتمل على مسائل:] PageV00P099 # المسألة الأولى: # في عصمة الإمام وينبغي أولا بيان معنى العصمة، فقد اختلف فيها المتكلمون ~~بعد الاتفاق على أنها في اللغة المنع ومنه قوله تعالى: [والله يعصمك من ~~الناس] (1) وقوله تعالى [لا عاصم اليوم من أمر الله] (2) فذكر أصحابنا أن ~~العصمة لطف خفي يفعله الله تعالى بالمكلف بحيث لا يكون له داع إلى ترك ~~الطاعة وارتكاب المعصية مع قدرته على ذلك، وفسرها بأنها الأمر الذي يفعله ~~الله من الألطاف المقربة إلى الطاعات التي يعلم معها أنه لا يقدم على ~~المعصية بشرط لا ينتهي ذلك الأمر إلى الإلجاء، وفسرها بعض آخر ms066 بأنها ملكة ~~نفسانية لا تصدر عن صاحبها المعاصي، وكل هؤلاء متفقون على أن العصمة لا ~~يشترط فيها سلب القدرة على المعصية، وذهب قوم إلى اشتراط سلب القدرة على ~~المعصية في العصمة، ثم اختلفوا في معناها فقال قوم: إن المعصوم مختص في ~~بدنه وفي نفسه بأمر يقتضي امتناع إقدامه على المعصية فالعصمة على هذا هي ~~ذلك الأمر المذكور، وقال بعض: إن العصمة هي القدرة على الطاعة وعدم القدرة ~~على المعصية، وهو قول أبي # PageV00P101 # الحسين البصري، (1) وأصحابنا رضوان الله عليهم لا يختلفون في قدرة ~~المعصوم على المعصية لكنه لا يفعلها، ولا يصح نسبتها إليه، بل ينبغي أن ~~يقال: إنه لا يشترط في العصمة ألا تخطر المعصية بباله إذ لولا ذلك لكان ~~مسلوب القدرة، وإلا صح ما قاله أصحابنا: إن المعصوم لو لم يكن قادرا على ~~فعل المعصية لما كان مكلفا بتركها إذ شرط التكليف بالشئ القدرة على فعله ~~وتركه إذ لا يصح أن يقال إن الإنسان مكلف بترك الطيران إلى السماء كما أنه ~~لا يجوز أن يكلف بالطيران إليها لعدم الاستطاعة إلى ذلك والتالي باطل فقد ~~علمنا بتوجه الأمر والنية إلى المعصومين من الأنبياء والأوصياء وإذا بطل ~~التالي بطل المقدم، وأيضا لو كان المعصوم غير قادر على فعل المعصية لما ~~استحق على تركها ثوابا ولا مدحا لأنه في تركها مجبور على الترك وملجأ إلى ~~الاجتناب، ولا مدح لمجبور ولا ثواب لملجأ كما لا يخفى والكل باطل بالاتفاق ~~إذ لا نزاع في استحقاق المعصوم على ترك المعصية المدح والثواب والكتاب دال ~~عليه فالمقدم باطل أيضا، إذا عرفت هذا فاعلم أن الناس قد اختلفوا في أن ~~الإمام يجب أن يكون معصوما أم لا؟ فذهب أصحابنا الإمامية ووافقهم ~~الإسماعيلية إلى أن الإمام يجب أن يكون معصوما من أول عمره إلى آخره عن ~~ارتكاب المعاصي كبائرها وصغائرها وعن الخطأ في الأحكام، وقال باقي الفرق لا ~~يجب في الإمام العصمة بل تكفي العدالة، والأصح هو مذهب أصحابنا ولنا على ~~ذلك وجوه من الأدلة عقلا وسمعا. # الأول: إن ms067 المحوج إلى الإمام هو جواز الخطأ على الأمة في العلم والعمل ~~فلو جاز الخطأ على الإمام فيهما لوجب له إمام آخر وذلك الإمام أيضا إن كان ~~معصوما ثبت المطلوب وإلا احتاج إلى إمام آخر فيتسلسل إلى غير النهاية # PageV00P102 # والتسلسل باطل فوجب أن يكون الإمام معصوما دفعا للزوم التسلسل لولاه، ~~وأجاب القوشجي عن هذا الدليل بأن للأشاعرة أن يقولوا لا نسلم أن الحاجة إلى ~~الإمام لما ذكرتم، بل لما ذكرنا في وجوب نصب الإمام ولا يلزم أن يكون ~~معصوما. # أقول: وجوابه قد عرفته فيما سبق عند إيراد ما احتج به على وجوب نصب ~~الإمام سمعا فإنا بينا هناك بطلان ما قال وبينا أن الحاجة إلى الإمام هو ما ~~ذكرناه لا ما ذكره خاصة بما لا مزيد عليه. # الثاني: إن الإمام حافظ للشرع فلو جاز الخطأ لم يكن حافظا له هذا خلف إما ~~أنه حافظ للشرع فلما نبينه وما بيناه في المقدمة، وإما أن المخطئ غير حافظ ~~للشرع فظاهر لا يحتاج إلى بيان فوجب أن يكون الإمام معصوما. # وأجاب القوشجي عنه بأن الإمام ليس بحافظ للشرع بذاته بل بالكتاب والسنة ~~واجتهاده الصحيح فإن أخطأ في اجتهاده فالمجتهدون يردون والآمرون بالمعروف ~~يصدون وإن لم يفعلوا أيضا فلا نقص للشريعة القويمة. # أقول: هذا الجواب فاسد أما قوله: ليس حافظا للشرع بذاته، فما أدري ما عنى ~~به؟ فإن كان يعني أن الإمام علمه ذاتي كعلم البارئ تعالى لا يحتاج إلى ~~التعلم فذلك ما لا يدعيه أحد من الناس، وإنما المدعي كونه معلما من الرسول ~~(صلى الله عليه وآله) جميع ما يحتاج إليه الناس في أمور دينهم ودنياهم ~~ومفهما من الله علم التأويل بحيث لا يشذ عنه حكم واقعة من الوقائع ولا يسئل ~~عن شئ إلا وهو يعلمه من كتاب الله علما لا تغير فيه ولا تبديل ولا اختلاف ~~وليس علما اجتهاديا وحكما نظريا يختلف باختلاف النظر ويتغير بتغير ~~الاجتهاد، وإن عنى بقوله بذاته هذا المعنى المدعى فليس هذا علما ذاتيا ~~وإنما هو علم من الكتاب ms068 والسنة وليس بخارج عنهما لكنه علم يقيني لا يتطرق ~~PageV00P103 # عليه التبدل والاختلاف بتبدل الأنظار واختلاف الاعتبار فيخطي تارة وطورا ~~يصيب كحال أئمة المجيب، وأما قوله واجتهاده الصحيح فهو مناقض لقوله فإن ~~أخطأ في اجتهاده فأين الصحة مع الخطأ، وقد تقدم منا تحقيق بطلان الاجتهاد ~~الذي عناه الذي هو ملازم لمخالفة الحق دائما وأنه ليس طريقا لبيان أحكام ~~الله ولم يتعبد الله عباده به في المقدمات الخمس وأوضحناه أتم الإيضاح ~~وسيأتي له مزيد بيان. # وبالجملة إنا أثبتنا أن الإمام حجة الله على خلقه والحجة لا تقوم ~~بالمجتهد لجواز الخطأ عليه كما اعترف به المجيب في كلامه، وقوله: ~~فالمجتهدون يردون فيه الحكم بانقلاب المحجوج حجة والمأمور الذي تجب عليه ~~الطاعة أميرا واجب الطاعة وهذا إخراج للإمام عن الإمامة لما علمت أنها ~~رئاسة عامة في الدين والدنيا والمردود عن اجتهاده مرؤوس لا رئيس ومحكوم ~~عليه لا حاكم، وقوله: والآمرون بالمعروف يصدون، أظهر قبحا فإن المصدود ~~الممنوع من إمضاء الحكم من سائر الرعية وأداني الناس ليس له رئاسة على أحد، ~~وليت شعري أي إمامة ورئاسة تبقى لذلك الإمام الذي لا يؤمن عليه الخطأ في ~~الأحكام مع رد الرعية اجتهاده وإبطالهم قوله ومنعهم إياه من إمضاء الحكم ~~الذي اجتهد فيه؟ وهل هذا على ما ذكر إلا مأمور منهي يساس ويؤدب من رعيته ~~الذي نصب لسياستهم وتأديبهم فلا يكون على هذه الحالة إماما البتة مع ما ~~يلزم من وجوب طاعة مجتهد ومخالفة آخر وذلك أن الإمام إذا اجتهد في حكم ~~فخالف فيه اجتهاد قوم مجتهدين قد اختلفوا؟ أيضا على قولين أو ثلاثة، لما ~~علمت من أن الاجتهاد غير منضبط فحينئذ كل فريق يخطئون الإمام ويأمرونه ~~بالرجوع إلى قولهم فليخبرنا القوشجي عن إمامه ذلك عن رأي أي الفرق يصدر ~~وبقول أيهم يأخذ ولأمر أيهم يطيع مع لزوم الترجيح من دون مرجح في تقديم ~~تقليده لكل واحدة من الفرق على الأخرى والاقتداء بها دون أختها، فهو مرتهن ~~دائما بعصيان فرقة لطاعته الأخرى PageV00P104 # ومصدود عن الأمر دائما لدوام اختلاف ms069 المجتهدين؟ افترى هذا إماما أم هو ~~أذل المأمومين؟ وبعد فمن أين توجه عليه الخطأ في الاجتهاد عند القوشجي ~~وأصحابه واحتيج إلى الانكار عليه من المجتهدين مع حكمهم بأن كل مجتهد مصيب؟ ~~وهل يبقى على هذا القول فضل لمجتهد على مجتهد آخر حتى يكون أحدهما يرد ~~الآخر عن اجتهاده ويصده عن حكمه؟ ثم لو قلنا بعدم الإصابة في الاجتهاد الذي ~~هو مخالف لقول المجيب فمن أين علم أن المخطئ هو الإمام وأن المصيب غيره؟ ~~وهل يعلم ذلك إلا من هو مطلع على باطن حكم الله في الواقع؟ وإذا وجد هذا ~~فهو الإمام لا محالة، لا ذلك المجتهد المخطئ والمجيب ينفيه فيلزم حينئذ عدم ~~جواز رد مجتهد من الناس اجتهاد غيره الإمام ومن سواه لتساويهم في عدم العلم ~~بالإصابة أو الخطأ على القول بالتخطئة وفي الإصابة معا على القول بالتصويب، ~~فلا يكون لواحد رياسة على الآخر فلا إمام ولا مأموم إلا الرعاع والأوباش ~~فإن إمامهم من يقلدونه، فما أكثر الأئمة على هذا القول لو كان قائلوه ~~يشعرون ولما قالوه يفهمون، وقوله: فإن لم يفعلوه الخ فهو أفحش من الجميع ~~لأنه إخراج للأمر بالمعروف الواجب عن الوجوب ولا يخفى ما فيه من المناقضة، ~~وقوله فلا نقص للشريعة القويمة، إن أراد أن عصيان المجتهدين بترك رد إمامهم ~~المخطئ وترك الانكار عليه لا يغير حكم الله ولا يبدل فرضه فلا ينقلب به ~~الحرام حلالا ولا الحلال حراما بل يلزم العاصي الإثم على المعصية فذلك صحيح ~~عندنا لكنه لا يرضى به لاستلزامه اتفاق الأمة على الخطأ وهو خلاف مذهبه، ~~وإن أراد أن عصيان المجتهدين في تركهم النكير على إمامهم الخاطئ لا يوجب ~~الإثم لهم ولا يخرجهم من حيز العدالة وعصيان الإمام وخطؤه لا يبطل إمامته ~~فذلك باطل باتفاق الأمة والنص من الكتاب والسنة، ومن المحال أن يكون كف ~~الناس عن إنكار المنكر مسقطا عنهم الإثم ومجوزا لفاعل المنكر فعله، والحاصل ~~أن هذا الكلام تدليس وتلبيس لا معنى له ولا فائدة فيه وأنت بعد الإحاطة بما ~~PageV00P105 # قررناه ms070 لا ترتاب في بطلانه وبذلك يسلم دليلنا من الايراد ويتم به المراد. # الثالث (1): إن الإمام لو أقدم على المعصية لوجب الانكار عليه وهو مضاد ~~لوجوب إطاعته الثابت بقوله تعالى: [أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم] (2) ومفوت للغرض من نصبه وهو امتثال أوامره واجتناب مناهيه واتباعه ~~فيما يفعله فيكون من تجب طاعته والاقتداء به في القول والفعل يجب الانكار ~~عليه والبراءة من فعله، أو يلزم الإثم بترك النكير عليه، أو يخرج الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر عن كونهما واجبين، وكله باطل فوجب أن يكون ~~الإمام معصوما لدفع هذه المحذورات، وأجاب عنه القوشجي بأن وجوب الإطاعة ~~إنما هو فيما لا يخالف الشرع، وأما فيما يخالفه فالرد والانكار فإن لم ~~يتيسر فسكوت عن اضطرار أقول: وهذا ليس بجواب عن الدليل بالمرة، وإنما هو ~~تدليس وتشبيه على غير ذي الروية، لأن قوله: إن وجوب الإطاعة إنما هو فيما ~~لا يخالف الشرع مسلم لا ينكره أحد ولا ندعي خلافه وكذلك قوله وأما فيما ~~يخالفه فالرد والانكار صحيح مسلم وهو خلاف المدعي، فإن المدعي أن الإمام لا ~~يجوز عليه الخطأ وارتكاب المعصية، ولو جاز عليه ذلك فحين يواقع الخطيئة إن ~~وجب الانكار عليه خرج عن كونه واجب الطاعة وهو واجب الطاعة بالنص والاجماع، ~~وإن لم يجب الانكار عليه خرج الواجب عن كونه واجبا وهو كذلك باطل فحينئذ ~~وجب كونه معصوما لا يواقع معصية ولا يحتاج إلى الانكار عليه ويكون الراد ~~عليه عليه قوله رادا على الله ورسوله، وليس المدعي أن الإمام يخالف الشرع ~~فتجب إطاعته في مخالفة الشرع ولا يجوز الانكار عليه وجوابه إنما يتوجه ~~علينا لو كان هذا مدعانا وليس هذا هو فسقط الجواب من أصله ولا يتوجه له ~~الجواب إلا بإقامة حجة على منع اللوازم الباطلة مثل أن يمنع وجوب الانكار ~~على الإمام إذا عصى # PageV00P106 # ويقيم عليه دليلا وغير ذلك من اللوازم المذكورة في الدليل مع مباشرة ~~الإمام المعصية وهو لم يقم على منع شئ منها حجة بالمرة، فليس إيراده بوارد ~~علينا بل ms071 هو مما نقول به ونجعله جزءا من الدليل كما ترى، وقوله: فإن لم ~~يتيسر فسكوت عن اضطرار واه جدا، لأنه يستلزم أمرين قبيحين: أما كون ذلك ~~الإمام العاصي متظاهرا بالمعصية ومتغلبا على الأمة بمن يوافقه من العاصين ~~بحيث يبلغ تغلبه إلى خوف أهل العلم والفضل من الانكار عليه إذا عصى ولا ~~يقدرون على إظهار النكير عليه لتجبره وتكبره عن قبول الحق والعمل به ومعلوم ~~أن هذا ليس بإمام مرشد ولا رئيس عادل، بل هو ظالم جائر وجبار فاسق ولا يصلح ~~أن يكون إماما إلا للقوشجي وأمثاله وليس كلامنا في مثل هذا العنيد المريد، ~~ولا يجوز للقوشجي أن يناضل ويخاصم عن مثل هذا الإمام الفاجر الذي يدعو إلى ~~النار ويتكلف لنصرته كلاما مسجعا لا حقيقة له يشبه سجع الكهان، وليس هذا ~~بإمام أصلا حتى نحتاج إلى البحث عنه، وهذا المعنى هو الأقرب والأنسب بعدم ~~تيسر الانكار والسكوت عن اضطرار في كلامه، أي إن الناس يضطرون إلى السكوت ~~عن ذلك الإمام فلا ينكرون عليه لخوفهم من شره وطغيانه، وأما كون الأمة ~~موافقين له على المعصية فاضطروا إلى السكوت لاتفاق الجميع على العصيان وهذا ~~كما ترى مستلزم لإجماع الأمة على الخطأ واتفاقهم على الباطل وإلا كيف يتصور ~~عجز كافتهم وعدم قدرة جميعهم عن الانكار على ذلك الفاسق لولا مواطاتهم معه ~~على الخطيئة وهو باطل عنده فبطل جوابه من جميع وجوهه وصح دليلنا، اللهم إلا ~~أن يقول إن الإمام لا يشترط فيه العدالة أيضا كما يفهم من كلام جماعة من ~~قدماء العامة وحينئذ يلزمه الائتمام بمن وجبت منه البراءة بقوله تعالى: ~~[ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار] (1) فيستحق ما وعد الله من ~~العذاب والخزي على ولاية الظالمين ومعونتهم وبئس هذا المذهب مذهبا. # PageV00P107 # الرابع (1): إن الإمام لو أقدم على المعصية للزم من ذلك انحطاط درجته عن ~~أقل العوام لأنه أعرف بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات فصدور المعصية منه ~~أقبح من صدورها من العوام وذلك ينافي علوه وأبهة رياسته ويكون أنزل درجة من ~~العوام ورعاع الناس ms072 فوجب أن يكون معصوما، ولا قدح للقوشجي فيه وكأنه لا ~~يمنع كون الإمام ناقص الدرجة عن عوام الناس كما يظهر من كلاميه المتقدمين. # الخامس (2): إن الإمام أمين المسلمين على دينهم وخازنهم على أموالهم فلو ~~لم يكن معصوما لم يؤمن عليه من تغيير الأحكام والمحاباة في القضاء بين ~~المسلمين والايثار بالمال لرغبة أو رهبة كما وقع لأئمة القوم فيجئ الفساد ~~من حيث طلب الصلاح، والعدالة لا تكفي لجواز ارتفاعها عند عروض الأسباب ~~الداعية إلى ما ذكرنا إذ ليست من الصفات اللازمة فلا يحصل بها الأمن ~~اليقيني من تغيير الأحكام والإيثار بالمال فلا تنحسم بها مادة التهمة ~~المثيرة للخلاف والفتنة فوجب كون الإمام معصوما لحسم تلك المواد المنافية ~~للغرض من نصب الإمام الذي من جملته حصول الألفة به. # السادس (3): إنه لو لم يكن في الأمة معصوم يجوز عليه الخطأ في الأحكام لم ~~يكن إجماعهم حجة لجواز الخطأ على كل الأفراد فيجوز على الجملة كما بيناه ~~أولا ويشير إليه قوله تعالى: [أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم] (4) ~~وقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (ألا لا ترجعن بعدي كفارا يضرب ~~بعضكم رقاب بعض بالسيف) (5) فإن هذا الخطاب لا # PageV00P108 # يوجه إلا لمن يجوز عليه الخطأ وهو كما ترى موجه إلى الجملة فيخرج الإجماع ~~عن الحجية لكنه حجة عند الخصوم فيجب أن يكون في المجمعين من لا يخطئ في ~~الحكم لتثبت بوجوده في المجمعين حجية الإجماع ويجب أن يكون ذلك هو الإمام ~~لأنه أولى الناس بهذه المنزلة فالإمام معصوم. # السابع: إنه قد حصل الاتفاق في النقل عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~أنه قال: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى تقوم الساعة) (1) وحينئذ إن ~~كانت تلك الطائفة فيهم معصوم من الخطأ يرجعون إلى قوله ويأخذون بحكمه ~~ويعتمدون في الدين على بيانه فذلك المراد ويكون ذلك هو الإمام لما ذكرنا من ~~قريب، وإن لم يكن فيهم معصوم بتلك المثابة وجب أن يكونوا كغيرهم من الطوائف ~~يخطئون ويصيبون فلم يكونوا على الحق أبدا ms073 إذ لا خصوصية لهم على غيرهم من ~~الفرق وعلى هذا توجب لهم دوام الإصابة ولا مانع لهم عليه من الخطأ، فمن أي ~~وجه كانوا ملازمين للصواب مستمرين على الحق على أن لازم ذلك كون الطائفة ~~بأسرهم معصومين ولا قائل به بل هو خلاف ما قاله خصومنا من انتفاء معصوم في ~~الأمة فيجب أن يكون الأول هو المقصود، وهو أن تلك الطائفة فيهم من لا يجوز ~~عليه الخطأ في الأحكام وهم تابعوه في أقواله وأفعاله فكانوا بتبعية المعصوم ~~معصومين من الخطأ وذلك المعصوم هو الإمام وهو المطلوب ولو قلنا بأن الطائفة ~~التي لا تزال على الحق # PageV00P109 # هم الأئمة إمام بعد إمام لكان ذلك أدل على المراد من إثبات عصمة الإمام ~~من الأول فتأمل. # الثامن: قوله عز وجل: [وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني ~~جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين] (1) وجه ~~الدلالة أن الآية تضمنت سؤال إبراهيم الخليل ربه القاهر الجليل أن يجعل من ~~ذريته إماما فأجابه الله تعالى بأن الإمامة وهو قوله [عهدي] لا تنال ~~الظالمين فلا يكون من جرى عليه اسم الظلم لها أهلا ولا لمقامها مستحقا إذ ~~من المعلوم ضرورة أن الخليل (عليه إسلام) لم يسأل الإمامة لظالم في حال ~~ظلمه ولا لعاص في وقت عصيانه، وإنما سألها لمن كان من ذريته في حال ~~استقامته وصلاحه، فأخرج الله منها الظالم فيلزم أن يكون المراد بالظالم من ~~جرى عليه اسم الظلم وقتا ما فيجب من ذلك أن يكون مستحق الإمامة من لم يجر ~~عليه اسم الظلم من أول عمره إلى آخره وذلك معنى العصمة، ثم إن الظلم يطلق ~~على الشرك والكفر وسائر المعاصي فمن إطلاقه على الشرك قوله تقدس وتعالى: ~~[إن الشرك لظلم عظيم] (2) ومن إطلاقه على الكفر قوله تعالى: [والكافرون هم ~~الظالمون] (3) ومن إطلاقه على سائر المعاصي قوله تعالى: [لكم رؤس أموالكم ~~لا تظلمون ولا تظلمون] (4) فسمى أخذ الربا ظلما ونقص الغريم رأس مال معامله ~~ظلما وليس واحد منهما بكفر اتفاقا وقوله ms074 تعالى: [لا يحب الله الجهر بالسوء ~~من القول إلا من ظلم] (5) معلوم أن المراد من عدم محبة الله الجهر بالسوء ~~من القول في المسلمين لا في الكفار إذ لا # PageV00P110 # حرمة لهم في الإسلام بالاجماع فكان معنى الآية أن من ظلم مسلما في ماله ~~أو عرضه أو بدنه من المسلمين جاز للمظلوم أن يذكره بسوء ما صنعه، وليس غصب ~~مال مسلم أو شتمه مثلا أو ضربه بغير حق كفرا وقد سماه الله ظلما، وقوله ~~تعالى: [فمن قتل مظلوما] الآية (1) وإذا كان المقتول مظلوما فالقاتل ظالم ~~البتة وليس القتل بكفر وقد سماه الله ظلما وقوله تعالى: [إن عدة الشهور عند ~~الله اثنى عشر شهرا - إلى قوله - منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا ~~تظلموا فيهن أنفسكم] (2) فسمى القتال في الأشهر الحرم ظلما وهو ليس بكفر ~~وقوله عز وجل: [قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين] (3) فجعل حرمان الفقراء ~~والمساكين من حصتهم وهو حقهم عند صرام أصحاب الجنة جنتهم ظلما وهو ليس بكفر ~~إلى غير ذلك من الآيات التي يطول تعدادها، فحينئذ وجب في الإمام العصمة من ~~جميع الذنوب التي يصدق عليها اسم الظلم والكفر وغيره من المعاصي من أول ~~عمره إلى آخره لئلا يكون اسم الظلم جاريا عليه في بعض أحواله وأطواره فيخرج ~~عن استحقاق الإمامة التي هي عهد الله ويسقط حظه عن نيلها لاشتراط كون ~~الإمام غير ظالم في صريح الآية، فالآية المذكورة ولله الحمد صريحة في وجوب ~~عصمة الإمام غاية الصراحة لا تقبل التأويل وقد اعترف الفخر الرازي وهو من ~~أعاظم المخالفين بدلالتها على ذلك في تفسيره وصرح بأنهم تركوا العمل ~~بمضمونها على عمد قال: " أما الشيعة فإنهم يستدلون بها على صحة قولهم في ~~وجوب العصمة ظاهرا وباطنا، وأما نحن فنقول مقتضى الآية ذلك إلا أنا تركنا ~~الباطن فتبقى العدالة معتبرة " (4) انتهى فانظر لكلامه وتصريحه بمخالفتهم ~~مقتضى الآية من # PageV00P111 # غير حجة لتتضح لك حالهم في تعمدهم مخالفة الحق وارتكاب الباطل على علم ~~ويقين، ومنها علم أن من أسلم عن كفر لا ms075 يصلح للإمامة لفوات العصمة وما أجاب ~~به القوشجي عن الآية بأن غاية الأمر ثبوت التنافي بين الظلم والإمامة ولا ~~محذور إذا لم يجتمعا باطل بما سبق من البيان من أن المسؤول له الإمامة ليس ~~الظالم في حال ظلمه ولا ذلك بمقام خليل الرحمن ولا يجوز عاقل يخاف الله ~~نسبة ذلك إليه بل لمن كان في حال الصلاح أعم من أن يكون ممن يجري منه الظلم ~~أو غيره، وحيث كان الجواب واردا بإخراج الظالم من استحقاق الإمامة التي هي ~~عهد الله تعين أن يكون المراد به من جاز صدور الظلم منه أو صدر منه الظلم ~~اناما؟؟ لا الظالم وقت ظلمه إذ ليس مسؤولا له الإمامة فلو كان هو المراد من ~~الجواب لم ينطبق على السؤال ولكان السؤال باقيا بغير جواب وهو خلاف المعلوم ~~المتفق عليه من كون هذا الجواب لذلك السؤال، وأيضا إن الظالمين اسم فاعل ~~وال موصولة واسم الفاعل إذا كان صلة الأل تعين كونه للماضي فإذا قيل جاء ~~القائم كان المراد به الذي قام فمعنى الظالمين بحسب اللغة العربية الذين ~~ظلموا قبل لا ينالهم عهد الإمامة وإن صلحوا لا الظالمين في الحال لأنه خلاف ~~العربية فكانت الآية صريحة في وجوب عصمة الإمام قبل الإمامة وفي أن نيل ~~الإمامة مشروط بسبق العصمة فيجب حصولها أيضا في الحال وفي المآل في الإمام ~~لأنها شرط لنيل الإمامة وإذا زال الشرط زال المشروط فزال اعتراض المعترض ~~وذهب إيراده فليتأمل المقام فإنه حقيق بالتأمل، ومما يضحك الحزين غفلته (1) ~~عن معنى قوله أن غاية الأمر ثبوت التنافي بين الظلم والإمامة، فإنه يتضمن ~~أن الإمام كلما ظلم زالت إمامته، وعلى هذا لو نصب إمام فظلم بعد نصبه بلا ~~فصل وجب عزله لتنافي الإمامة والظلم باعترافه فيظلم كذلك فتكون حاله حال ~~الأول وهكذا فجاز أن ينصب في يوم واحد عشرة أئمة وأكثر ويعزلوا لأن الفرض # PageV00P112 # أن الإمام ليس بمعصوم وصدور الظلم منه جائز فأي شئ على هذا أضيع من هذه ~~الإمامة؟ وأي ذليل وناقص أذل وانقص من ms076 هذا الإمام الذي ينصب ويعزل في ساعة ~~واحدة؟ وهل بمثله يعز الدين وتقوى شوكة المسلمين، أوليس أنه لا مخرج من هذا ~~المحذور الذي يتضمنه كلام المجيب إلا باشتراط العصمة في الإمام أو لا يدري ~~أنا لم نشترط العصمة في الإمام إلا من جهة ما ذكره من تنافي الظلم والإمامة ~~فما جعله ردا علينا هو الدليل لنا وهل زادنا به إلا تقوية لو كان يشعر، ولو ~~أن اعترافه بما اعترف به شيخه الرازي من تركهم العمل بمقتضى الآية كما مر ~~عليك من كلامه لكان أولى به وأليق بمذهبه، والحمد لله على إظهار الحق ~~لأهله. # التاسع: قوله تعالى: [أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم] (1) ~~وجه الدلالة أنه تعالى أمر بإطاعته على الإطلاق لأنه المالك للعباد والأمر ~~والنهي ولا يأمر ولا ينهى إلا بمقتضى حكمته ولا يسأل عما يفعل وعباده ~~يسألون وأمر بطاعة الرسول على الإطلاق أيضا فعرفنا من ذلك أن الرسول (صلى ~~الله عليه وآله) لا يأمر إلا بحق ولا ينهى إلا عن باطل فهو معصوم من الخطأ ~~والزلل بعصمة الله له وتثبيته إياه على نهج الصواب، ولولا ذلك لما أطلق ~~وجوب إطاعته ثم أطلق الأمر بطاعة أولي الأمر كما أطلقه في طاعة نفسه وطاعة ~~رسوله (صلى الله عليه وآله) ولم يقيده بقيد ولم يشترط فيه شرطا فعلمنا من ~~ذلك أيضا أن أولي الأمر معصومون من الخطأ مطهرون من العصيان ملازمون ~~للصواب، لا يأمرون إلا بمعروف ولا ينهون إلا عن منكر، إذ لا يجوز أن يأمر ~~الله على الإطلاق بطاعة من يجوز منه الخطأ في الأحكام ومقارفة الذنوب ~~العظام بل يجب في الحكمة أن يكون الأمر بالطاعة له مشروطا بموافقة طاعة ~~الله وموافقة الحق لا مطلقا كما أنا رأينا # PageV00P113 # البارئ تعالى اشترط في مواضع كثيرة وقيد الوعد والمدح بلزوم التقوى ~~والاستمرار على الوفاء حيث كان الممدوح والموعود ممن يجوز عليه الخطأ ~~والمخالفة مثل قوله تعالى: [يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن] ~~(1) وقوله تعالى: [إن الذين يبايعونك إنما يبايعون ms077 الله يد الله فوق أيديهم ~~فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسنؤتيه أجرا ~~عظيما] (2) وقوله تعالى: [يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم ~~فرقانا ويغفر لكم] (3) وغير ذلك من الآيات الكثيرة، وحيث لم يشترط في طاعة ~~أولي الأمر شيئا لزم أن يكونوا ملازمين لطاعته لا يخرجون منها إلى معصية ~~وأولوا الأمر هم الأئمة، فالإمام معصوم، فمن كان من أولي الأمر فهو معصوم ~~ومن ليس بمعصوم فليس من أولي الأمر، ولا يعارض ما ذكرناه قوله تعالى: [ولقد ~~أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك] الآية (4) وما جرى ~~مجراها من الآيات لأنها أدب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتهديد لغيره ~~لأن الله قد عصمه من الشرك ومداهنة الكفار فلم يكن الشرط في الحقيقة متوجها ~~إليه بل إلى الأمة وكان الله تعالى كثيرا ما يخاطب النبي (صلى لله عليه ~~وآله وسلم) في القرآن وهو يريد الأمة كقوله تعالى: [يا أيها النبي إذا ~~طلقتم النساء] (5) وغير ذلك، حتى قيل نزل القرآن بإياك أعني واسمعي يا ~~جارة، والفائدة في توجيه الخطاب ظاهرا إلى النبي (صلى الله عليه وآله) في ~~الآية المذكورة ومشابهاتها تهويل أمر الشرك وتعظيمه وقطع أطماع الطامعين من ~~الناس في المغفرة مع الاشراك بعد الإيمان # PageV00P114 # لأنهم إذا سمعوا أن الله توعد نبيه الكريم مع ما نوه باسمه في القرآن ~~الحكيم بإحباط عمله إن أشرك علموا أنه لا رجاء لغيره في عفو الله عنه إذ ~~أشرك فيحذرون غاية الحذر من الشرك، وليس حال من علمت عصمته بالأدلة القاطعة ~~مثل النبي (صلى الله عليه وآله) كحال غيره ممن علمت عدم عصمته حتى يرتكب في ~~أمره من التأويل ما يرتكب في معلوم العصمة للزوم الجمع بين الأدلة القطعية ~~فتبصر فاندفع إيراد الخصوم بعون الحي القيوم وثبت من الآية ما ندعيه من ~~عصمة الإمام. # العاشر (1): إن الإمام منصوب لردع العصاة وتأديب الجناة وإقامة الحدود ~~وإذا لم يكن معصوما من مباشرة القبائح كان في نهيه عن ms078 المنكر داخلا في زمرة ~~المذمومين وحاصلا في حيز الملامين الذين قال الله في أمثالهم [أتأمرون ~~الناس بالبر وتنسون أنفسكم] (2) فأي إمامة لمن كان مذموما معاتبا يأمر ~~بالمعروف ويتركه وينهى عن المنكر ويرتكبه وكيف يكون مثل هذا القيم لله على ~~عباده والصادع بدينه والذاب عن حريم الحق وهو يهتكه ويوهنه بعصيانه، حاشى ~~لله أن يكون مثل هذا خليفة الله في أرضه وحجته على خلقه ودليله في عباده ~~وأمينه في بلاده على حلاله وحرامه وحدوده وأحكامه وهو من جملة العاصين ومن ~~القوم المذنبين، وأي عاقل يتصور أن يكون العاصي أهلا لخلافة الله ومستوجبا ~~لنيل عهد الله ومستحقا للنيابة عن أنبياء الله؟ فإن هذه الأوصاف الثابتة ~~للإمام لا يجوزها العقل السليم إلا لمن كان معصوما ولم يكن بشئ من الذنوب ~~موصوما، على أنا لم نر خليفة لنبي فيما مضى إلا مطهرا من الذنوب مبرئا من ~~العيوب ونبينا سيد الأنبياء أفيجوز أن يكون خليفته من العصاة والخائضين في ~~الجهالات؟ إن في هذا لافتراء عظيما على رب الأرضين والسماوات، فيجب أن يكون ~~الإمام معصوما من مواقعة الخطيئات، وأنت ما # PageV00P115 # أظنك تشك في ذلك بعد الإحاطة بما بيناه والتأمل فيما قررناه. # احتج ابن أبي الحديد على عدم اشتراط العصمة في الإمام بقول أمير المؤمنين ~~في وصيته لابنه الحسن (عليهما السلام) أو محمد بن الحنفية (1) (أي بني إنه ~~لما رأيتني بلغت سنا ورأيتني أزداد وهنا بادرت بوصيتي إليك وأوردت خصالا ~~منها قبل أن يعجل بي أجلي دون أن أفضي إليك بما في نفسي وأن أنقص في رأيي ~~كما نقصت في جسمي، أو يسبقني إليك بعض غلبات الهوى وفتن الدنيا فتكون ~~كالصعب النفور، وإنما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقى فيها من شئ قبلته، ~~فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبك) هذا آخر ما يمكن تعلقه به من ~~الكلام قال: قوله (عليه السلام): " أو أن أنقض في رأيي " هذا يدل على بطلان ~~قول من قال: إنه لا يجوز أن ينقص في رأيه وأن الإمام معصوم عن أمثال ms079 ذلك ~~وكذلك قوله للحسن " أو يسبقني إليك بعض غلبات الهوى وفتن الدنيا " يدل على ~~أن الإمام لا يجب أن يعصم من غلبات الهوى وفتن الدنيا (2) أقول ليس في هذا ~~حجة ولا تحصل به معارضة بل ينبغي أن يحمل في أمير المؤمنين وفي ابنه إن كان ~~هو الحسن على # PageV00P116 # أنه خرج مخرج ما جرت به العادة في البشر من حيث الجملة من تقلب أحوالهم ~~وتصرف الأمور بهم وحصول التغيير لهم في الأجسام والآراء وغلبة النفس والهوى ~~على عقولهم لا خصوص الموصي والموصى لأنه (عليه السلام) هنا في مقام التأديب ~~والموعظة وإرادة المبادرة بها وقصد تعجيلها إلى ابنه ومقتضى الحال أن يذكر ~~الداعي إلى ذلك والمسبب إليه في الواعظ والموعوظ ولا شئ أنسب في ذلك مما ~~ذكره ولا أدخل في المقام مما زبره، ولو أنه قال أنا لا أخاف على رأيي نقصا ~~ولا على جسمي وهنا ولا أتخوف عليك من حدوث أمر يصدك عن الاقبال على حمل ~~الموعظة ولا أحاذر عليك من عروض عارض يمنعك من العمل بموجبها لم يكن ~~لموعظته موقع ولم يبق لتعجيلها والمبادرة بها سبب ولا داع فذكر ما ذكر ~~ليحسن منه المسارعة إلى الوعظ ويحمد منه التعجيل فيه إلى ابنه وليس الغرض ~~بيان أنه يجوز حصول ما خافه على نفسه وعلى ابنه لهما، وإذا كان للكلام ~~فائدة أخرى لم يتعين حمله على أحد الفائدتين إلا بقرينة ولا قرينة تعين ~~حمله على ما قاله ابن أبي الحديد بل القرنية تعين حمله على ما قلناه لقيام ~~الأدلة التي سلفت على وجوب عصمة الإمام وما قاله أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) في تلك الوصية قبيل هذا الكلام وهو قوله (عليه السلام): (غير أني ~~حيث تفرد بي دون هموم الناس هم نفسي فصدقني رأيي وصرفني عن هواي وصرح لي ~~محض أمري فأفضى إلى جد لا يكون فيه لعب وصدق لا يشوبه كذب) (1) فإنه يدل ~~على عصمته من تغيير ما هو عليه من الرأي لقوله فأفضى إلى جد لا يكون فيه ~~لعب الخ. فلما ms080 حصلت المعارضة في كلامه وجب حمل أحدهما على ما لا يخالف ~~الأدلة الخارجية للتوفيق بين الكلامين ولا يكون ذلك إلا بما قلناه، على أنا ~~نعلم يقينا أنه ليس كلما يفرض الواعظ وقوعه من الموعوظ حتى يتوجه له النهي ~~عنه مما يجب أن يكون صدوره من الموعوظ جائزا عند الواعظ، ولا كلما يفرض # PageV00P117 # الواعظ صدوره من نفسه يعتقد جواز صدوره منه، فإنا سمعنا الله يقول لنبيه ~~(صلى الله عليها وآله وسلم) [يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين ~~والمنافقين] (1) وقال تعالى: [لا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ~~ملوما مدحورا] (2) وقال تعالى: [قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم أليم] ~~(3) من المعلوم أن الله عز وجل يعلم أن نبيه محمدا (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) لا يطيع الكافرين والمنافقين ولا يجعل معه إلها آخر ولا يعصيه فيعذبه ~~لأنه قد عصمه وسدده في القرآن من هذا كثير، وقال النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) (أنا سيد الأنبياء ولا فخر ولو عصيت لهويت) (4) وهو يعلم أنه لا يعصي ~~لعلمه بأن الله قد أيده وعصمه وهداه واجتباه، وأخبر عنه إنه لا ينطق عن ~~الهوى لكنه (صلى الله عليه وآله) ذكر ذلك في مقام الوعظ والتحذير من ~~العصيان كما وردت به الرواية فليكن كلام أمير المؤمنين جاريا هذا المجرى بل ~~الواجب حمله عليه، وكيف لا وأمير المؤمنين (عليه السلام) قد علم من أخبار ~~الله في آية التطهير وأخبار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في كثير من ~~أقواله الصريحة الآتية إن شاء الله تعالى أنه لا يصيبه تغير في رأي ولا زلل ~~في قول، وقد أخبر (عليه السلام) بذلك عن نفسه بما ذكرناه مرارا فقال (والله ~~ما ظللت ولا ضل بي ولا زللت ولا زل بي وما زلت على السبيل الواضح ألفظه ~~لفظا) (5) إلى غير ذلك من أقواله المصرحة بأنه ليس # PageV00P118 # بشاك في نفسه ولا متخوف عروض نقص في رأيه وقد ملئ بها نهج البلاغة وغيره ~~مما لا مجال إلى إنكاره ms081 ولا سبيل إلى دفعه. # والحاصل أن ما استدل به المعتزلي على مطلبه ليس بدليل بعد ما سمعت فيه من ~~الكلام ولا يعارض على ما فيه من الاجمال والاشتباه الأدلة الصريحة الدالة ~~على وجوب عصمة الإمام كما لا يخفى على ذي حجى، وأن الاستناد إلى مثل هذه ~~الأقوال المجملة القابلة للتأويل والمعارضة الأدلة الصراح بها تشبث بما لا ~~يجدي نفعا ولا يغني من الحق شيئا. # واعلم أنه كما يجب عصمة الإمام عن ارتكاب الآثام والخطأ في الأحكام كذلك ~~يجب عصمته عن الغلط والسهو والنسيان لأنه قدوة الأنام ومعتمد أهل الإسلام، ~~فلو جاز عليه ذلك لم يحصل الوثوق التام بقوله ولا تطمئن النفوس في الاقتداء ~~بفعله لتجويزها صدور الفعل منه إذ ذاك على جهة الغلط أو السهو أو النسيان ~~وذلك كما علمت مناف لمنصب الإمام ومناقض للغرض من نصبه فوجب أن يكون معصوما ~~مما ينافيه. # وأجاز الصدوق محمد بن علي بن بابويه وشيخه محمد بن الحسن بن الوليد (1) ~~وقوع السهو والنسيان من الإمام في غير تبليغ الأحكام لكنه من فعل الله به ~~لا من فعل الشيطان ولا من ضعف قوته الحافظة بناء على جواز صدور # PageV00P119 # السهو من الأنبياء على الوجه المذكور، حتى قال محمد بن الحسن أن أول درجة ~~في الغلو نفي السهو عن الأنبياء واستندا في إجازتهما ذلك إلى أخبار وردت ~~بنسيان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الصلاة وأنه سلم على نقص ساهيا، ~~وأن الله سبحانه وتعالى أنساه كخبر ذي اليدين (1) وما شابهه وهو مستند ضعيف ~~إذ مثل هذه الأخبار الآحاد لا يعارض بها الأدلة القطيعة من العقل والنقل، ~~بل السبيل فيها الرد أو الحمل على أنها خرجت مخرج التقية لأن ذلك مذهب جميع ~~مخالفينا فيجب إرجاعها إلى قولهم، لا سيما وقد وردت أخبار أخر بإزائها تنفي ~~ما اشتملت عليه وتنقض ما تضمنته، ومنها الخبر الذي ورد عن الرضا (عليه ~~السلام) في صفات الإمام (2) فيتعين فيها ما ذكرناه " وأقل الأمور تساقط ~~الأخبار من الطرفين والرجوع إلى الأدلة الثابتة والأخذ ms082 بها وهي تثبت عصمة ~~الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) من جميع ما ينفر منه الطبع ويحصل منه عدم ~~الوثوق والاطمئنان بهم في القول والفعل فيثبت المطلوب على أن اتفاق ~~الإمامية على ذلك حاصل أو هو الحجة، وخلاف الشيخين المذكورين غير قادح فيه ~~لمعلومية نسبهما ومن ذلك يعلم أن نسبة السهو إلى الأنبياء تقصير ونفيه عنهم ~~حق وصواب والله الهادي. # وقد تبين مما حررناه وجوب كون الإمام منزها عن الخصال الدنية # PageV00P120 # والآفات الردية والخلائق الغير المرضية، كالبخل والجبن والغلظة والفظاظة ~~والبرص والجذام والعنن وغيرها من الأمراض المنفرة والمسقطة لمحل الإمام من ~~القلوب كل ذلك لمنافاتها منصبه واحتمال وقوعه في المعصية لو كان بخيلا أو ~~جبانا باستئثاره بمال أو منعه حقا أو فراره من زحف، ويكون أيضا منزها عن ~~الطعن في نسبه وقد ذكر في أخبارنا وذكره أيضا بعض أصحابنا أنه يشترط في ~~الإمام أن يكون مسلما لا عن كفر استناد إلى آية الخليل، وقد علمت أن ~~اشتراطنا العصمة في جميع العمر يكفي عنه لدخوله فيه وقد قال النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): (من عبد صنما ووثنا لا يكون إماما). # المسألة الثانية (١): # يجب أن يكون الإمام أفضل أهل زمانه ولنذكر أولا معنى الفضل فنقول الفضل ~~على معنيين أحدهما كثرة الثواب فيقال: زيد مثلا أفضل من عمرو أي أكثر ثوابا ~~منه، والثاني الجمع للخصال الحميدة من العلم والحلم والعبادة والسخاوة ~~والشجاعة وغير ذلك كما يقال فلان أفضل من فلان أي أجمع منه لخصال الخير ~~وأرجح منه فيها، ومن المعنى الأول قوله تعالى: [وفضل الله المجاهدين على ~~القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا ~~عظيما] (٢) أي جعل له ثوابا زائدا على القاعدين، ومنه ما ورد في الحديث ﴿ركعتان يصليهما متزوج أفضل من سبعين ~~ركعة يصليها اعزب﴾ (3) وما ورد (أن العالم أفضل من سبعين عابدا) (4) ~~وما أشبه ذلك ومن المعنى الثاني قوله تعالى: [ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم ~~في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم ms083 على كثير مما خلقنا تفضيلا) ~~(5) يريد أنه # PageV00P121 # جمع لهم خصالا زائدة على خصال كثير من خلقه وليس يريد الثواب لدخول ~~الكفار في الآية والكافر لا ثواب له يقينا، وقوله تعالى: [ونفضل بعضها على ~~بعض في الأكل] (1) وقوله تعالى: [تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من ~~كلم الله ورفع بعضهم فوق بعض درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه ~~بروح القدس] (2) يحتمل المعنيين وهو في لفظ التفضيل والايتاء أقرب إلى ~~الثاني كما أن لفظ ورفع إلى درجات يختص بالأول وقوله تعالى: [ولقد فضلنا ~~بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا] (3) يحتمل الوجهين أيضا، إذا تبينت ~~ذلك فاعلم أن أصحابنا الإمامية قد اتفقوا على أنه يشترط في الإمام أن يكون ~~أفضل أهل زمانه من رعيته بالمعنيين جميعا وهذا القول هو المعتمد ولنا على ~~صحته وجهان من الدليل أحدهما خاص والثاني عام. # فالأول: في المعنى الأول أن الإمام متحمل أعباء الخلافة وقائم بإرشاد ~~الأمة ومقيم للوظائف الشرعية مجرد نفسه لسياسة الرعية وحماية حوزة الدين ~~ولم شعث المسلمين مكاشف للأباعد والأقارب في إمضاء الأحكام وإقامة الحدود ~~على جميع أهل الإسلام فكان تكليفه أشق من غيره فوجب أن يكون ثوابه أكثر لأن ~~كثرة المشقة في التكليف توجب الأكثرية في الثواب، ولأن الإمام متبوع ومن ~~سواه من الرعية تابع له ومقتد به والمتبوع يجب أن يكون أكثر ثوابا من ~~التابع كما يرشد إليه حديث (من سن سنة كان له أجرها وأجر العامل بها إلى ~~يوم القيامة من غير أن ينتقص من أجورهم شئ) (4) ولذا # PageV00P122 # كان صلحاء الصحابة أفضل من صلحاء من بعدهم لأنهم السابقون إلى الدين ~~ومتبوعون فيه وغيرهم تابع لهم. # وفي المعنى الثاني: أما اشتراط كون الإمام أعلم من كل رعيته فلأنه مقتدى ~~الأمة فلو كان فيهم من هو أعلم منه لوجب عليه الاقتداء بذلك الغير فخرج ~~الإمام عن كونه مقتدى الأمة فلم يكن إماما، ولأنه الذي ترد إليه الأمة ~~الأمر عند التنازع فيرفع عنهم الاختلاف بيانه كما دلت عليه آية: # [ولو ردوه إلى ms084 الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم] ~~(1) على ما مر من توضيحها، وإذا كان في المختلفين من هو أعلم منه لم يرتفع ~~الخلاف ببيانه بل احتاج هو إلى بيان ذلك الأعلم فلم يحصل بالرد إليه الغرض ~~من رفع الاختلاف وإزالة الشبه وذلك خلاف المراد من الرد فوجب أن يكون هو ~~الأعلم وأن علمه لا يتغير ولا يختلف كما مر عليك بيانه في المقدمة وبعضه في ~~المسألة الأولى. # وأما اشتراط كونه أسخى فلأنه ولي أموال المسلمين وخازنها فإذا لم يكن ~~سخيا تاقت نفسه إلى جمع المال وادخاره فساءت حاله عند أصحابه وسقطت من ~~القلوب منزلته، إذ من المعلوم أن السخي الباذل تكون له جلالة عظيمة في ~~النفوس وقبول عند الناس ومحبة أكيدة وموقع في القلوب، والإمام أولى بذلك ~~كله من غيره وأحوج إلى أن تقع جلالته في النفوس فيحصل المسارعة إلى إنفاذ ~~أوامره ونواهيه، ويكون مرجوا سيبه (2) ممدودة إليه أعناق الرجال، وهكذا يجب ~~أن يكون الإمام، وأن البخيل الشحيح لا جلالة له في النفوس ولا تعظيم ولا ~~محبة ولا قبول، بل يكون ثقيلا على القلوب محقرا عند العباد، والإمام يجب أن ~~يكون منزها عن ذلك لأنه ينافي ما يجب من ولايته، ولأجل # PageV00P123 # ما ذكرنا يجب أن يكون الإمام أزهد أهل زمانه وأورعهم وأتقاهم وأكثرهم على ~~المندوبات مواظبة وللمكروهات الشرعية اجتنابا ليكون أعبد الناس وأبعدهم عن ~~همز هامز ولمز لامز. # وأما اشتراط كونه أحلم الناس فللعلة التي ذكرها الله تعالى في كتابه ~~لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) [ولو كنت فظا غليظ القلب لا نفضوا من ~~حولك] (1) وإذا كانت الغلظة في النبي (صلى الله عليه وآله) وهو صاحب ~~الشريعة موجبة لانفضاض الناس عنه فهم إلى الانفضاض عن الإمام بها أقرب، ~~ولأنه لو كان في الرعية من هو أحلم من الإمام لكان عند الناس أكمل وكانت ~~القلوب إليه أميل والإمام أحق بهذه المرتبة فوجب أن يكون أحلم من رعيته ~~ليعظم قدره في النفوس وتأتلف له القلوب، ومن هنا يجب أن يكون ms085 خاليا من ~~العجلة والطيش والتضجر والتبرم في مقام الحكم والفتوى وقسمة الفئ والأموال، ~~متأنيا في الأمر وفيما يرد عليه من الوقائع والحوادث ومحاورة الخصوم لأنه ~~الحاكم بين المسلمين والقاسم لفيئهم وأموالهم من الصدقات والغنائم وغير ذلك ~~من الحقوق وليتمكن سائله من طلب التفهم والخصم عنده من بيان حجته والشاهد ~~من أن يتتعتع في شهادته إلى غير ذلك من المصالح التي يتوقف عليها حصول ~~ميزان العدل والانصاف الذي يقوم به الإمام. # وأما اشتراط كونه أشجع فلأن الإمام الفئة التي يرجع إليها المسلمون في ~~القتال فإذا لم يكن أثبت منهم قلبا وأمضى منهم في جهاد العدو فإذا ما حاد ~~كما يحيدون (2) وفر كما يفرون فلأي فئة حينئذ يرجعون، ومن هذا يشترط أن ~~يكون الإمام أقوى أهل زمانه في أمر الله تعالى لأنه المتولي لإنفاذ الأحكام # PageV00P124 # وإقامة الحدود وأخذ القصاص وتجهيز الجيوش وسد الثغور، وإذا لم يكن أقوى ~~الأمة في ذلك قصر عما لا يقصر عنه غيره وذهب بقصوره جملة من مصالح نصبه، ~~ومن ذلك يجب أن يكون أسد الناس رأيا وأحسنهم للأمور تدبيرا فيما لا يخالف ~~الشرع، وأصبرهم على احتمال المكاره وتحمل الشدائد في جنب الله ليكون القدوة ~~للرعية في الصبر والاحتمال، وقد أشار إلى ذلك كله أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) في خطبة له قال فيها (أيها الناس إن أحق الناس بهذا الأمر أقواهم ~~عليه وأعلمهم بأمر الله فيه) (1) وقال في أخرى: (إن أولى الناس بالأنبياء ~~أعلمهم بما جاؤوا به) قال المعتزلي الرواية أعلمهم والصحيح أعملهم (2) أقول ~~ولا مناقشة معه في ذلك لأن الكلام على كلا الوجهين دال على قولنا بأوضح ~~دلالة وقال (عليه السلام): (إن العجلة والطيش لا تقوم بهما حجج الله ~~وبيناته) إلى غير ذلك من أقواله. # والثاني (3) من وجوه الأول العقل وبيانه أن تقديم المفضول على الأفضل ~~قبيح عقلا، وتقديم المساوي ترجيح بدون مرجح، وهو أيضا قبيح فإنا نقطع بذم ~~العقلاء رجلا أراد سلوك طريق لحاجته إليه وقد أخبره رجل ثقة عالم بتلك ~~الطريق مجرب لها مطلع على أخبارها ms086 بأنها طريق حزنة (4) لا يمكن السلوك فيها ~~إلا بشدة المشقة فترك سلوكها وفوت نفسه الحاجة ترجيحا لقول هذا الجاهل غير ~~الثقة على # PageV00P125 # قول ذلك العالم الثقة المجرب، ونجزم بتوجه العقل إلى تجهيله في ذلك ولومه ~~وعذله على ترجيحه خبر ذلك الجاهل على خبر ذلك المطلع الثقة وتفويته حاجته ~~لذلك، وهذا أمر وجداني لا شك فيه، وما ذاك إلا لما ارتكز في العقول السليمة ~~من قبح تقديم المفضول على الأفضل ولزوم العكس، وأيضا إن المقطوع به من سيرة ~~الناس في الأعصار والأمصار من المسلمين والكفار استقباح تقديم أهل الغباوة ~~والحمق في جميع الأمور التي لها شأن وخطر على ذوي الفطنة والذكاء، وتقديم ~~المتهورين على ذوي الآراء السديدة في المشورة وإجالة الرأي في عقد أو حل، ~~وتقديم من ليس كاملا ومتقنا في الصناعات والحرف على أولى الكمال والاتقان ~~فيها، وما ذاك إلا لاستقباح العقول تأخير الأفضل وتقديم المفضول، فيثبت ذلك ~~في الشرع إذ لا تخالف بين العقل والشرع في المعلومات والمعتزلة يسلمون ذلك ~~فيثبت المطلوب. # الثاني النقل من الكتاب والسنة فمن الكتاب قوله تعالى [وكونوا مع ~~الصادقين] (1) فأوجب الكون مع الصادق، ولا يتم إلا بترك الكون مع غير ~~الصادق مع فرض اختلافهما فتكون الآية نصا في وجوب تقديم الأفضل على ~~المفضول، وقوله تعالى [أفمن يهدي للحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى ~~فما لكم كيف تحكمون] (2) وهذه الآية صريحة في أن الهادي إلى الحق بعلمه أحق ~~بالاتباع ممن يحتاج في الاهتداء إلى من يهديه والأحق بالشئ من ليس لغيره ~~فيه حق معه فالآية ناصة كالأولى على وجوب اتباع الأفضل وترك المفضول، وحاثة ~~على ذلك بأشد ما يكون من الحث، ومهددة على المخالفة كما هو صريح قوله تعالى ~~[فما لكم كيف تحكمون] فثبت من صريحها وجوب تقديم الأفضل على المفضول على أن ~~ابن أبي الحديد قد # PageV00P126 # استدل بها على تحريم القول بأفضلية غير علي (عليه السلام) وسماه منكرا، ~~وحكم أن الآية ناهية عنه، وإذا استدل بها على تحريم تفضيل غير ms087 علي (عليه ~~السلام) عليه لفضله الظاهر وجب أن يحرم اتباع غيره لذلك لأنها في النهي عن ~~اتباع المفضول وترك الأفضل نص، وفيما ذكره باللزوم وقوله عز من قائل [هل ~~يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب] (1) فبين ~~عز وجل أنه لا تجوز التسوية بين العالم وبين غير العالم فمن قدم غير العالم ~~على العالم واقتدى به وترك العالم فقد رجح غير العالم على العالم، وإذا ~~كانت التسوية بينهما غير جائزة بصريح الآية فكيف يجوز تقويم المرجوح منهما ~~على الراجح؟ فالآية ظاهرة ظهورا بينا في لزوم تقديم الأفضل على المفضول، ~~وغير ذلك من الآيات التي يطلع عليها من طلب علم القرآن وتأمل دلالاته. # ومن السنة كثير فمنها ما رواه ابن أبي الحديد عن أحمد بن حنبل في كتاب ~~الفضائل قال خطب رسول الله (صلى الله عليه وآله) الناس يوم الجمعة فقال: # (قدموا قريشا ولا تقدموها وتعلموا منها ولا تعلموها، قوة رجل من قريش ~~تعدل قوة رجلين من غيرهم، وأمانة رجل من قريش تعدل أمانة رجلين من غيرهم، ~~أيها الناس أوصيكم بحب ذي قرباها أخي وابن عمي علي بن أبي طالب (عليه ~~السلام) (2) الخبر وهو صريح في وجوب تقديم قريش لفضلها على الناس، وتقديم ~~علي لفضله عليها فدل على ما قلناه ومما يرشد إلى ذلك مما لا ينكر من فعل ~~النبي (صلى الله عليه وآله) أنه لم يؤمر على علي (عليه السلام) أحدا من ~~الصحابة وأمر على من سواه الأمراء وأمره هو على كل من كان من الصحابة في ~~مواضع كثيرة وما ذاك إلا لأن عليا (عليه # PageV00P127 # السلام) أفضل الصحابة وأنه لا يجوز تقديم المفضول على الأفضل وهذا الوجه ~~بعينه استدل به أبو سعيد الحسن البصري (1) على أفضلية علي (عليه السلام) ~~على جميع الصحابة وقد رواه عنه ابن أبي الحديد وصححه عنه (2) ومنه يستفاد ~~وجوب تقديم الأفضل، ولولا ذلك لأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~على علي (عليه السلام) من الصحابة في وقت من الأوقات، بل لو ms088 كان ذلك جائزا ~~لوجب على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يفعله وقتا ما ليبين للناس ~~الجواز، فإن قيل: إنما لم يأمر النبي (صلى الله عليه وآله) على علي (عليه ~~السلام) غيره لأنه أشجع من غيره وأعرف بقيادة الجيوش، قلنا: فهذا اعتراف ~~منك بأن الأفضل مقدم على المفضول، وهو عين مدعانا لأنا ندعي أنه لا يجوز ~~تقديم أحد في أمر على من هو أفضل منه فيه، وأنت باعتراضك اعترفت لنا بما ~~ندعي. # ومنها ما صح روايته عند الخصوم واشتهر بينهم أنه لما طعن الصحابة على ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في تأميرة أسامة بن زيد (3) على جلة # PageV00P128 # المهاجرين والأنصار وقالوا يؤمر هذا الغلام الحدث على جلة المهاجرين ~~والأنصار قام خطيبا فقال فيما أجابهم به: (لأن طعنتم على في تأميري أسامة ~~فقد طعنتم في تأميري أباه من قبله وأيم الله إنه كان لخليقا بالإمارة وابنه ~~من بعده لخليق بها وإنهما لمن أحب الناس إلي) إلى قوله (فإنه من خياركم (1) ~~فما نرى الصحابة رجعوا في إنكارهم إلا إلى قبح تقديم المفضول على الأفضل ~~لزعمهم أن في القوم الذي أمر عليهم أسامة من هو أفضل منه وما نرى النبي ~~(صلى الله عليه وآله) أجاب عن إنكارهم إلا بأن أسامة خليق بالإمارة لأنه من ~~خيارهم ولم يجبهم بأنه لا بأس بتقديمه لأن المفضول يجوز تقديمه على الأفضل ~~ومن هذا الخبر يعلم أن الصحابة لا يجوزون تقديم المفضول على الأفضل وإن ~~غلطوا في التفضيل وأنهم إن قدموا المفضول فهو خلاف مذهبهم أو لتوهمهم ~~أفضليته غلطا. # ومنها ما رووه وصححوه من قول النبي (صلى الله عليه وآله) لأبي الدرداء ~~(2) حين كان يمشي أمام أبي بكر (أتمشي أمام من هو خير منك!) وهذه الرواية ~~(3) وإن لم تكن عندنا بشئ لكنا نحتج بها على مخالفينا من باب إلزام الخصم ~~بما ألزم به نفسه وهي صريحة تمام الصراحة في قبح تقدم المفضول على الأفضل ~~في المشي فما ظنك في تقدمه عليه في الإمامة والأمر والنهي والحكم ms089 والصلاة ~~وغير ذلك من المناصب الشرعية، وهل تجويز ذلك إلا مخالفة لما صح عندهم عن ~~الرسول (صلى الله عليه وآله) على عمد. # PageV00P129 # ومنها ما استفاض من طرقنا عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال (من أم ~~قوما وفيهم من هو أفضل منه لم يزل أمرهم في سفال إلى يوم القيامة) (1) وفي ~~رواية أخرى (من تقدم قوما وفيهم من هو أعلم منه كبه الله على منخريه في ~~النار) وهما صريحتان في المدعي وليس للخصوم أن يقدحوا فيهما بعد ما رووا عن ~~النبي (صلى الله عليه وآله) ما يوافق مضمونهما مما مر ذكره وغيره، وما يفهم ~~من مذهب الصحابة مما مضى بيانه ويأتي عن قريب وقد تبين من جملة ما حررناه ~~وجوب أفضلية الإمام على رعيته، وأنه لا يجوز أن يكون في رعية الإمام من هو ~~أفضل منه بوجه من الوجوه، وخالفنا في ذلك أكثر العامة من الأشاعرة وغيرهم ~~فجوزوا إمامة المفضول، وبالغ في ذلك المعتزلة غاية المبالغة فصححوا إمامة ~~الخلفاء الثلاثة مع ذهاب المعظم من محققيهم كمعتزلة بغداد قاطبة وجماعة ~~كثيرة من معتزلة البصرة إلى تفضيل علي (عليه السلام) على جميع الصحابة ~~بالمعنيين من التفضيل وصرح عز الدين عبد الحميد بن أبي الحديد المدائني وهو ~~من أعاظم المعتزلة في شرح نهج البلاغة تمام التصريح (2) به قال وهو يخبر عن ~~الله بزعمه: وقدم المفضول على الأفضل لمصلحة اقتضاها التكليف (3) والمقصود ~~من هذه العبارة أن الله أوجب الاقتداء بالمفضول واتباعه وترك اتباع الأفضل ~~للمصلحة المذكورة وفي كتابه عنه ونقلا عن أصحابه مثل هذا كثير. # أقول وهذه الدعوى مع ما فيها من الافتراء على الله قد كذبتها مضافا # PageV00P130 # إلى ما مضى من الأدلة سيرة أئمة المعتزلي وما صح نقله عنده من طريقهم ~~وذلك من وجوه. # الأول إن أبا بكر لما قال لأصحاب السقيفة " هذان عمر وأبو عبيدة فبايعوا ~~أحدهما " قال له عمر " كيف أتقدم عليك وأنت أقدم مني إسلاما وأنت صاحب رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) وثاني اثنين في الغار، وقدمك رسول ms090 الله (صلى ~~الله عليه وآله) في الصلاة رضيك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~لديننا أفلا نرضاك لدنيانا "؟ وقال للناس " أيكم يطيب نفسا أن يتقدم قدمين ~~قدمهما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الصلاة " (1) فنرى عمر لم ~~يجوز لنفسه ولا لغيره التقدم على أبي بكر لأفضلية أبي بكر عليه وعلى غيره ~~في الخصال التي ذكرها بزعمه لا لشئ آخر وما نراه قال لأبي بكر نعم أنا أفضل ~~منك أوهنا من هو أفضل منك، ولكن المصلحة التي اقتضاها التكليف تقديمك على ~~من هو أفضل منك كما ادعاه المعتزلي. # الثاني: إن أبا بكر لما استخلف عمر قال له طلحة: " ماذا أنت قائل لربك ~~إذا قدمت عليه وقد وليت علينا فظا غليظا " فغضب أبو بكر وقال لطلحة " ~~أبالله تخوفني إذا لقيت ربي فسألني قلت خلفت عليهم خير أهلك " فقال طلحة " ~~أعمر خير الناس يا خليفة رسول الله " فاشتد غضبه فقال " أي والله هو خيرهم ~~وأنت شرهم " (2) فما نرى أبا بكر احتج على تقديمه عمر على الناس إلا ~~لأفضليته عليهم عنده، وما نرى طلحة أنكر على أبي بكر تقديمه عمر إلا ~~لمفضوليته عنده وكونه على صفة لا يصلح صاحبها للإمامة، وهي كونه فظا غليظا ~~كما صرح به، وما أجاب أبو بكر طلحة عن ذلك ولا اعتذر # PageV00P131 # له بما قال المعتزلة بأن عمر ليس أفضل عندي منكم ولكن جاز تقديمه عليكم ~~لمصلحة اقتضاها التكليف بل أجابه بأنه خيرهم كما سمعت. # الثالث أن عمرو بن العاص لما كلم عمر وطلب منه أن يكلم أبا بكر أن يجعله ~~أميرا على جيوش المسلمين بالشام ويعزل أبا عبيدة ويجعله تحت أمره أجابه عمر ~~بأن أبا عبيدة عندنا خير منك وقد سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~يقول: أبو عبيدة أمين هذه الأمة) فامتنع أبو بكر وعمر من تقديم ابن العاص ~~على أبي عبيدة لأفضلية أبي عبيده عليه (1) عندهما كما ترى لا لما ذكره ~~المعتزلي وقبيله إلى غير ذلك مما رووه من أقوال أئمتهم وأفعالهم ms091 مما هو ~~مماثل في المعنى لما ذكرناه وكل ذلك رواه ابن أبي الحديد وصححه وهو صريح في ~~مخالفة قوله ومناقضة دعواه، فاتضح منه أن المعتزلة والأشاعرة وغيرهم قد ~~خالفوا أئمتهم وتركوا قول من جعلوا دعواهم وسيلة لتقديمهم وكفى بقولهم ~~بطلانا مخالفته لحكم من يقتدون به والذي يمكن تمسك المعتزلة به في قولهم ~~ذلك وجهان يظهران من مطاوي كلام ابن أبي الحديد. # الأول إن النبي (صلى الله عليه وآله) أمر على أبي بكر وعمر وعثمان أبا ~~عبيدة بن الجراح مرة وأمر عليهم عمرو بن العاص تارة وخالد بن الوليد أخرى ~~وأسامة بن زيد رابعة (2) وأبو بكر وعمر وعثمان أفضل من هؤلاء المؤمرين ~~عليهم بالإجماع فيعلم من ذلك جواز تقديم المفضول على الأفضل، والجواب أنه ~~إن أراد إجماع الصحابة فقد عرفت أنه قائم على قبح # PageV00P132 # تقديم المفضول على الأفضل ولذا أنكروا على النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) تأمير أسامة بن زيد زعما منهم أن أسامة مفضول بالنسبة إلى المؤمر ~~عليهم ولم ينكروا تأمير أبي عبيدة وعمرو وخالد على أبي بكر وعمر وعثمان فدل ~~ذلك من فعلهم وقولهم على أنهم لا يرون لهم فضلا على الأمراء المذكورين في ~~ذلك الزمان وإن قال به البعض بعد ما صار الثلاثة خلفاء فهو قول متجدد، وقد ~~فضل الأنصار سعد بن عبادة على أبي بكر وقدموه عليه لولا ما رواه عمر من قول ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (الأئمة من قريش) وادعاء أبي بكر وصاحبيه ~~القرابة من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وميل بعض الأنصار لقريش حسدا ~~لسعد وطعن سعد المذكور على أبي بكر وعمر بالمعصية في قوله: لو اجتمع ~~الثقلان ما بايعتكما أيها الغاصبان، وطعن الحباب بن المنذر على عمر بالجهل ~~وطعن طلحة عليه بالفظاظة والغلظة وأنكر على أبي بكر قوله فيه " إنه خير ~~الناس "، وكل ذلك محقق عندهم فأين الإجماع من الصحابة على فضلهم فضلا عن ~~أفضليتهم؟ على إن هذا الإجماع المدعي لو تحقق منهم لكان مناقضا لقول النبي ~~(صلى الله عليه ms092 وآله وسلم) في حديث تأمير أسامة وإذا كان الإجماع مناقضا ~~لقول النبي (صلى الله عليه وآله) كان باطلا والحق أن أفضلية الثلاثة لم تكن ~~معروفة في زمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بين الصحابة وأنها بعده من ~~المختلف فيه بينهم وإن أراد إجماع الأشاعرة فهو لا يرضى به فإنهم وإن لم ~~يستقبحوا تقديم المفضول على الأفضل بناء على أصلهم من نفي الحسن والقبح ~~العقليين لكنهم يفضلون الثلاثة على علي (عليه السلام) في معنى كثرة الثواب، ~~وهو يبطل ذلك كله وإن أراد إجماع أصحابه المعتزلة فهو معارض بإجماع الشيعة ~~على تفضيل أسامة على أبي بكر وعمر وعثمان وأن الباقين أحسن حالا منهم لا ~~سيما في كثرة الجهاد، والشيعة أكثر من المعتزلة فيحتاج في ترجيح أحد ~~الإجماعين على الآخر إلى مرجح من الأدلة فإن احتج بالسبق PageV00P133 # إلى الإسلام أجيب بأن السبق على أبي عبيدة ممنوع في عمر فإن أبا عبيدة ~~أسلم قبله وعثمان أيضا غير متحقق إسلامه قبل أبي عبيدة وخاصية السبق على ~~أسامة منتفية لتولده في دعوة الإسلام وعدم سبق الكفر منه، ثم إن السبق إلى ~~الإسلام لا يصلح بنفسه خاصة أن يكون موجبا للأفضلية إذا عارضه ما هو مثله ~~أو أقوى منه من الصفات الموجبة للتفضيل ما لم ينضم إليه المساواة في باقي ~~الصفات الحميدة ليكون للسابق الزيادة على الآخر المساوي في الصفات بالسبق ~~فيفضله به وذلك بأن نفرض شخصين تساويا في الخصال المحمودة لكن أحدهما أسبق ~~في الإسلام من صاحبه فالسابق أفضل بالسبق من اللاحق أما إذا كان اللاحق قد ~~أدرك من صفات الخير مثل العلم والسخاوة وكثرة الجهاد وغير ذلك مما يقابل ~~السبق ويربو عليه ولم يكن للسابق من ذلك شئ أو لم يكن فيه توغل كاللاحق لم ~~يكن السابق أفضل من المسبوق، وآية [لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح ~~وقاتل] (1) الآية ظاهرة في المعنى الأول بل لا تحتمل غيره وقوله تعالى [إن ~~الله لا يضيع عمل عامل منكم من ذكر وأنثى] (2) شاهد للمعنى الثاني ms093 فغير ~~ممتنع أن يكون لعمرو بن العاص وخالد بن الوليد بعد دخولهما في الإسلام ~~خصائص تقابل سبق الثلاثة وتربو عليه وبذلك قدمهما رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) عليهم، هذا كله إذا أريد من الأفضلية كثرة الثواب، وأما إذا أريد ~~الجمع للخصال الحميدة كان استحقاق عمرو وخالد التقدم في الإمارة على ~~الثلاثة أوضح من أن يوضح لحصول الشجاعة والثبات في الجهاد فيهما دونهم، ولو ~~احتج بالأحاديث المروية في فضل الثلاثة أجيب بوجهين: # الأول إنها مفتعلة موضوعة كما دل عليه احتجاج أبي بكر وعمر على # PageV00P134 # المنازعين لهما في أمور كثيرة قد مر بعضها لخلوه عن ذكر شئ منها مع ~~احتياجهم إليها لأن حديثا منها أوضح من جميع ما احتجوا به على مطالبهم مما ~~لا يغني شيئا ولا يجدي نفعا، ولم لا احتج أبو بكر أو احتج عمر له على ~~الأنصار بما يروي بعد من قول النبي (صلى الله عليه وآله): (لا ينبغي لقوم ~~فيهم أبو بكر أن يتقدم عليه غيره) واحتج أبو بكر على طلحة في تفضيل عمر ~~الذي ادعاه بقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (ضرب الحق على لسان عمر ~~(1) لو كان شئ من ذلك موجودا فعدم تعرضهم لها مع الحاجة إليها وارتفاع ~~المانع من ذكرها دليل على عدم وجودها عندهم وإذا لم تكن موجودة عندهم كانت ~~لا محالة موضوعة، والأمر في عثمان أوضح لأن حاجته كانت إلى الحجة الصحيحة ~~أشد، وتلك الأخبار في حقه لو كانت موجودة لكان الاحتجاج بها أنفع له مما ~~ذكره من كل غث وسمين مما لم يدفع عنه حجة خصومه، على إن بعض العامة طعن ~~فيها بالوضع لما ذكرناه، وطعن الشيعة فيها لذا وغيره معلوم مشهور فتكون ~~باطلة لا تقوم بها حجة وسيأتي لهذا زيادة توضيح في موضع هو أملك به من هذا ~~الموضع. # PageV00P135 # الثاني (1) إنها معارضة بما روي من مدح المأمرين المذكورين وقد رواه من ~~روى مدح الثلاثة من المحدثين مثل (أبي عبيدة أمين هذه الأمة) و (عمرو بن ~~العاص أحب الناس إلي) ms094 و (خالد سيف الله) والتأمير يكون قرينة الترجيح فإن ~~رد الجميع بالوضع فلا احتجاج بالكل فتأمل الوجه الثاني (2) إن علي بن أبي ~~طالب (عليه السلام) رضي بتقديم أبي بكر وعمر وعثمان عليه في الخلافة وهو ~~عند نفسه أفضل منهم وعندنا كذلك، ولو لم يجز تقديم المفضول على الأفضل عنده ~~لما رضي بتقدمهم عليه، وهذه الحجة مع إنها معتمدهم واهية جدا والجواب عنها ~~يمنع المقدمة الأولى فإن عدم رضى أمير المؤمنين بتقدم أبي بكر عليه أظهر من ~~الشمس الضاحية، وقد روى هذا المحتج فيما صح عنده من الروايات امتناع علي ~~(عليه السلام) عن بيعة أبي بكر مع جملة من أصحابه وهم خيار الصحابة ~~وصلحاؤهم، وتألمه من تقدم أبي بكر عليه حتى أخرج إلى البيعة بالقهر والغلبة ~~على أوعر وجه وأشد هوان هو ومن معه وروى أيضا أن عليا استنصر الناس على أبي ~~بكر، كان يركب فاطمة على حمار ويأخذ معه الحسن والحسين ويمضي إلى دور ~~المهاجرين والأنصار يطلب منهم النصرة على أبي بكر وتطلب فاطمة (عليها ~~السلام) منهم له الانتصار على أبي بكر فلم يجبه إلا أربعة أو خمسة (3) وقد ~~عيره معاوية بذلك في مراسلاته وبأنه قيد إلى البيعة كما يقاد البعير ~~المخشوش (4) فما أنكر شيئا من ذلك بل كان من جوابه لمعاوية (وقلت: إني أقاد ~~كما يقاد البعير # PageV00P136 # المخشوش فلعمري لقد أردت أن تذم فمدحت وإن تفضح فافتضحت وما على المؤمن ~~من غضاضة إذا كان مغلوبا عليه ما لم يكن شاكا في دينه أو مرتابا في يقينه ~~(1)) كل ذلك رواه (2) وروى أيضا أن عليا (عليه السلام) كان يقول (لو وجدت ~~أربعين ذوي عزم لنا هضت القوم) (3) يعني أبا بكر وأصحابه فأين رضاه بتقدم ~~أبي بكر على هذا وما سيأتي بعده من البيان في مواضعه؟ فالمعلوم من ذلك أن ~~عليا (عليه السلام) ما ترك مناجزتهم إلا لعدم وجوده الناصر وأمور أخرى يأتي ~~إيضاحها إن شاء الله فإذا بطل رضاه بتقدم الأول بطل رضاه بتقدم الأخيرين ~~البتة، وتظلمه (عليه السلام) منهم في ms095 زمان خلافته في كلماته وخطبه مشهور ~~معلوم، وقوله في بعض خطبه في أيام الجمل (فوالله ما زلت مدفوعا عن حقي ~~مستأثرا علي منذ قبض الله نبيه حتى يوم الناس هذا) (4) معروف غير منكور قد ~~رواه المحدثون وصححه ابن أبي الحديد (5) ولو عمدنا إلى ذكر ما ورد في ~~الروايات المصححة عند الخصم من تظلمه (عليه السلام) وتألمه وتشكيه من تقدم ~~الثلاثة عليه إذن لاحتاج إلى كتاب مفرد، وليس المقصود هنا إلا بيان عدم ~~رضاه بتولي القوم عليه وهو حاصل ببعض ما ذكرناه، ومنه صح أن يدعى رضى أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) بتقدم من تقدم عليه مبطل في دعواه فبطل ما بنى عليه ~~من القول بجواز تقديم المفضول على الأفضل على أن المعتزلي قد ذكر في موضع ~~من كلامه ما حاصله أن الناس الذين لم يشاهدوا النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ولم يسمعوا منه ما قال في حق علي (عليه السلام) من # PageV00P137 # الأقوال الجميلة إنما دعاهم إلى القول بأفضلية المتقدمين عليه في الخلافة ~~تقديمهم عليه فيها لاعتقادهم أن الأفضلية هي سبب التقديم وهذا الكلام مؤيد ~~لما قلناه من أنه قد ارتكز في العقول قبح تأخير الأفضل عن المفضول وذلك ~~مبطل لما يقول ولهذا كان من قدم الثلاثة على أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~مع اشتهار فضائله وشياع مناقبه ووفور مآثره وتواتر أقوال النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) في تفضيله وتبجيله اعتمادا على فعل قوم من الناس ظهرت منهم ~~مخالفة النبي (صلى الله عليه وآله) في مواضع كثيرة مخالفا لمذهبه ومكابرا ~~لمقتضى عقله فلا عذر له عند الله يوم المئاب ولا حجة له عند الحساب ~~لاكتفائه بالتقليد عن النظر مع وضوح الأمر وصراحته. # ثم ما أدري أي مصلحة في التكليف اقتضت تقديم المفضول على الأفضل (1) ~~والتكليف دائر مدار المصلحة وهي عندنا وعنده عقلية والعقل ينكر تقديم ~~المفضول ويقبحه؟ فأين هذه المصحلة؟ ما هذا إلا تناقض في القول وتشبث بما لا ~~يسمن ولا يغني من جوع فبطل ما قال وصح ما قلنا من ms096 وجوب تقديم الأفضل على ~~المفضول. # وبعد فأي عاقل يجوز لنفسه ترك الأخذ بقول رجل فاضل متقن للأحكام محرز ~~لأدلة المسائل العلمية والعملية ويأخذ بقول رجل قاصر العلم ضعيف الاتقان؟ ~~أو يقدم لقيادة الجيوش رجلا خوارا لا يصبر عند اللقاء ولا يثبت عند منازلة ~~الأعداء؟ بل يفر ويولي الدبر ويؤخر عن ذلك رجلا مقداما صبورا عند الهزاهز ~~وقورا عند الشدائد قويا على محاولة الشجعان بصيرا في مطاعنة الاقران عارفا ~~بقيادة الجيوش وسياسة الأمور كرارا غير فرار ويقدم في المشورة في الأمور ~~المهمة رجلا جامدا القريحة متردد الذهن ضعيف العزم على # PageV00P138 # رجل ثاقب الرأي ماضي العزيمة صرام للأمور نافذ البصيرة عارف بأنواع ~~المصالح والمفاسد، أو يقدم في الأمانة رجلا غير تام الوثاق ولا مستكمل ~~الديانة على رجل آخر معروف بالعفاف والأمانة وكمال الديانة مقطوع بصلاحه ~~مشهورة ثقته إلى غير ذلك من الأوصاف المتقابلة التي لا يرتاب عاقل غير ~~معاند ولا مكابر في استقباح تقديم القاصر فيها على الكامل؟!! ولكن القوم ~~(1) خالفوا عقولهم وناقضوا أحلامهم فسفهوها بقبح أقوالهم وكل ذلك إرادة ~~منهم لتصحيح إمامة القاصرين من المتقدمين، وقد بان مما حررناه بطلان ما ~~أثبتوه والله المستعان. # المسألة الثالثة (1) يشترط في الإمام أن يكون قريبا من النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) في النسب بل يجب أن يكون أقرب الناس إليه، أما القرابة في ~~الجملة فظاهر الصحابة والتابعين بل جميع المسلمين عليها، ولذا احتج بها أبو ~~بكر وصاحباه في السقيفة على الأنصار عند رومهم مبايعة سعد بن عبادة، وروى ~~لهم عمر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (أن الأئمة من قريش (2) واحتج ~~لقريش على الأنصار جماعة منهم فانصرفوا بها عن مبايعة سعد واحتج أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) بها على أبي بكر وأصحابه في استحقاق # PageV00P139 # الإمامة دونهم، فما أنكر الاحتجاج بها على أولويته بالخلافة منهم أحد بل ~~اعتذر منهم من اعتذر بأمور أخرى كما سيأتي مشروحا ولم يخالف في ذلك ممن ~~ينتحل الإسلام إلا الخوارج (1) ولا عبرة بهم لخرقهم إجماع المسلمين، نعم ~~ربما يتصور ms097 الخلاف في اشتراط الأقربية من النبي (صلى الله عليه وآله) في ~~الإمامة فإن أكثر المخالفين لم يشترطوها وأصحابنا جميعا على الاشتراط، ~~والعباسية كذلك وهذا هو الأصح وعليه المعتمد لنا قوله تعالى [وأولوا ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله] (2) في الأنفال وفي الأحزاب [وأولوا ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين] (3) وهما ~~شاملتان للمال والمنزلة بل هما للمنزلة أقرب وفيها أظهر لأن سياق الآيتين ~~في معنى الولاية لا سيما الثانية فإنها في مساق ولاية النبي (صلى الله عليه ~~وآله) وهو قوله تعالى: [النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم ~~وأولوا الأرحام] الآية وذلك مرجح ليس له معارض، وقوله تعالى في إبراهيم ~~(عليه السلام) [وجعلها كلمة باقية في عقبه] (4) والكلمة الإمامة وهو إشارة ~~إلى قوله تعالى عز وجل [إني جاعلك للناس إماما] (5) وبه قال جماعة من ~~المفسرين وهو عند أصحابنا متفق عليه فالآية صريحة في المطلوب وقوله جل وعلا ~~[إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها ~~من بعض] (6) يومي إلى ذلك بل يصرح به قول النبي (صلى الله عليه وآله) (لا ~~يؤدي عني إلا أنا # PageV00P140 # ورجل مني) (1) لعموم اللفظ ولأنه إذا لم يجز أن يؤدي عن النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) بعض الأمور من هو بعيد عنه في النسب فكيف يجوز أن يؤدي عنه ~~إلى جميع الأمة جميع الأحكام الشريعة في الدين والدنيا فدل ذلك على اشتراط ~~الأقربية من النبي (صلى الله عليه وآله) في الإمام فإن قيل: # إذا حكمتم بأن الإمام يجب أن يكون أقرب الناس إلى النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم لزمكم القول بأن العباس بن عبد المطلب هو الإمام بعد رسول الله ~~كما قاله العباسية لأنه العم والعم أقرب من ابن العم وأنتم لا تقولون بذلك، ~~قلنا لهذا جوابان عندنا معروفان وآخران مذكوران. # الأول وأن ابن العم للأبوين أقرب عندنا من العم للأب فيجوز الميراث دونه ~~ويحجبه، وهذا مذهب أمير المؤمنين (عليه السلام) ومن المحقق أنه لا ms098 يقول إلا ~~الحق وقد قال به قوم من الفقهاء كنوح بن دراج (2) وأبي بكر بن عياش (3) ~~وغيرهما وعلي (عليه السلام) ابن عم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأبويه ~~فإن أم عبد الله وأبي طالب جميعا فاطمة بنت عمرو المخزومية وأم العباس أخرى ~~غيرها فهو عم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأبيه خاصة فيكون علي (عليه ~~السلام) أقرب منه إلى النبي (صلى الله عليه # PageV00P141 # وآله وسلم). # الثاني أن القرابة بمفردها غير كافية في استحقاق منزلة النبي صلى الله ~~عليه وآله بل تحتاج إلى أن ينضم إليها باقي الشروط من العصمة والأفضلية ~~والعباس غير معصوم وعلي أفضل منه بالإجماع فكان أحق بمقام النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) منه، ومن هذا الوجه قدمنا عليا (عليه السلام) على أخيه ~~عقيل مع تساوي نسبهما الصوري إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وكون قرابتهما ~~منه واحدة وأما الوجهان الآخران. # فأحدهما ما ذكره علي (عليه السلام) وسيأتي ذكره مشروحا في إيراد النصوص ~~عليه وهو مبايعته النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حين جمع بني عبد المطلب ~~ودعاهم إلى مبايعته على أن من بايعه يكون أخاه ووزيره ووارثه وخليفته ~~فبايعه علي (عليه السلام) دونهم (1). # والثاني مروي عن أبي الحسن موسى بن جعفر إنه ذكره للرشيد (2) واحتج به ~~عليه مع أول الوجهين الأولين حين ناظره في استحقاق علي (عليه السلام ميراث ~~النبي (صلى الله عليه وآله) دون العباس وهو أن عليا أسلم وهاجر فكانت له ~~ولاية النبي (صلى الله عليه وآله) والعباس تأخرا إسلامه ولما أسلم لم يهاجر ~~فلم يكن له من ولاية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الميراث شئ لقوله ~~تعالى: [والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا] ~~(3) فلذلك لم يكن للعباس (رضي الله عنه) # PageV00P142 # مقام النبي (صلى الله عليه وآله) ولقد أخرجه عمر من الشورى لذلك وادخل ~~عليا دونه، وذلك حجة على المعترض فبطل اعتراضه كما بطل اعتراض هارون الرشيد ~~على أبي الحسن لما ذكر له الوجه ms099 المذكور وبما ذكرنا من الوجوه بطل قول قوم ~~رعف بهم الزمان يسمون العباسية قالوا: بأن الإمامة بعد النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) لعمه العباس لأنه الأقرب فادعوا له ما لم يدعه لنفسه وما ~~ذكره أيضا بعض جهلة العامة ردا على الشيعة من أن الإمامة إن كانت بالقرابة ~~وجب أن يكون العباس هو الإمام بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) لأنه العم ~~وهو أقرب من ابن العم وعلي (عليه السلام) ابن العم فلا يكون له مقام النبي ~~(صلى الله عليه وآله) مع وجود عمه العباس لما علمت من أن الإمامية لم ~~يسلموا أقربية العباس للنبي (صلى الله عليه وآله) من علي (عليه السلام) وقد ~~ذكرنا دليل المنع ووافقهم عليه من وافقهم من غيرهم مثل نوح بن دراج وهو من ~~قضاة هارون الرشيد وأبي بكر بن عياش وهو من الأجلاء عند العامة ولم يجعلوا ~~القرابة بمفردها مقتضية لاستحقاق الخلافة بدون حصول باقي الشروط فاندفع ~~الاعتراض عنهم وزال من أصله وثبت المدعي من اشتراط الأقربية من النبي (صلى ~~الله عليه وآله) في الإمام وأما الحسن والحسين فاستحقا الإمامة لتساويها في ~~قرابة النبي (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) فلم يكن ولد الحسن ~~يستحقونها مع الحسين (عليه السلام) وهو الأقرب إلى النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وعلي، ثم هي بعد الحسين لمن كان أقرب إلى الإمام الذي قبله مع ~~جمعه باقي الشروط ولذا صارت بعد الحسين في ولده خاصة ولم تصر في ولد الحسن ~~لتساوي الجميع في القرب من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي (عليه ~~السلام)، لأن ولد الحسين (عليه السلام) # PageV00P143 # اختصوا بالقرابة من الحسين وهو الإمام بعد الحسن دون ولد الحسن. # فكان ولد الإمام أولى به بمفاد الآيتين فلم يكن ميراث الحسين (عليه ~~السلام) من جده وأبيه يعود بعده إلى ولد أخيه دون ولده ولا يشتركون فيه، ~~ومن هذا بطل قول من قال من الزيدية وغيرهم بأن الإمامة بعد الحسين جائزة ~~لذريته وذرية أخيه الحسن لتساوي قرابة الكل ms100 منهم إلى رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وإلى أمير المؤمنين، ومنه أيضا يفسد قول الكيسانية بانتقال ~~الإمامة بعد الحسين إلى أخيه محمد بن علي وهو ابن الحنفية ثم من بعده لولده ~~وأنه هو القائم المنتظر إلى غير ذلك من خرافاتهم واختلافاتهم، لأن علي بن ~~الحسين أقرب إلى أبيه وإلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من عمه محمد ~~(رض)، وبطل قول الإسماعيلية لأن موسى (عليه السلام) أقرب إلى أبيه أبي عبد ~~الله، من ولد أخيه إسماعيل إذ لا خلاف في أن الولد أقرب من ولد الولد وليست ~~لإسماعيل إمامة في حياة أبيه إذ لا إمامة للاحق إلا بعد مضي السابق ~~وإسماعيل مات قبل أبي عبد الله (عليه السلام)، وبطل قول الفطحية بإمامة عبد ~~الله بن جعفر (1) لعدم العدالة فيه دون العصمة والعلم وباقي الشروط وبهذا ~~أيضا يبطل جميع ما ذكرناه من الأقوال وغيرها من خرافات فرق الشيعة غير ~~الإمامية وغيرهم من فرق الناس والله الموفق للصواب. # PageV00P144 # المسألة الرابعة (1) في طريق الإمامة وقد اختلف الناس في ذلك فذهب ~~أصحابنا الإمامية إلى أن الإمام يجب أن يكون منصوصا عليه من النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) أو مدلولا عليه من الإمام الذي قبله، أو يدعي الإمامة ~~فيقيم معجزا يدل على صدقه، ولا خلاف بين الأمة في أن النص والتعيين من ~~النبي (صلى الله عليه وآله) أمر مستقل تثبت به الإمامة، وإنما الخلاف في ~~كون النص شرطا فلا تثبت الإمامة بدونه ودون الوجه الثاني، وهذا مذهب ~~أصحابنا (رضي الله عنهم) وهو الحق المتبع، وذهب العامة وغيرهم من الفرق إلى ~~أن الإمامة تصح بالاختيار وتثبت ببيعة أهل الحل والعقد كما تثبت بالنص، ~~وذهب الزيدية إلى أن كل فاطمي عالم زاهد خرج بالسيف وادعى الإمامة فهو ~~إمام، وهذا المذهب مشارك لما قبله في الضعف والوهن، وستسمع الحجة على ~~إبطالهما وذهب العباسية إلى أن تعيين الإمام يكون بالنص والميراث ومرادهم ~~الأقربية، ولا نزاع بيننا وبينهم إلا في تعيين الأقرب الوارث وقد مر بيان ~~ذلك ms101 من قريب، فإن قيل إنكم قلتم: إن نصب الإمام واجب على الله فيكون منصوبا ~~من قبله ثم قلتم هنا: إن الإمامة تحتاج في ثبوتها إلى نص من الرسول (صلى ~~الله عليه وآله) فلا اعتراض فيه لأنه يوحي إليه فيعرفه الله الإمام من بعده ~~ويأمره بنصبه فيكون منصوبا من الله على لسان الرسول (صلى الله عليه وآله) ~~لكن الإمام من أين تحصل له معرفة من نصبه الله بعده في الإمامة حتى يدل ~~عليه والوحي قد انقطع وليس الإمام عندكم يوحي إليه فلا محالة يكون المدلول ~~عليه مختار الإمام الذي قبله لا منصوبا من الله فرجع قولكم في الإمامة إلى ~~الاختيار أيضا قلنا: ليس الأمر كما ادعيت بل لنا في الجواب عن هذا الايراد ~~وجوه. # الأول أن الوحي وإن كان قد انقطع فما انقطعت الإلهامات فجائز أن # PageV00P145 # يلهم الإمام ويفهم من الله معرفة الإمام الذي اختاره للإمامة من بعد كما ~~يلهم غير ذلك من الأمور فيدل الأمة على الإمام بعده وينص عليه بدلالة الله ~~إياه عليه من طريق الالهام، وليس القول بالإلهام مما نختص به نحن بل جملة ~~من خصومنا يثبتونه لكافة أهل العرفان المسلمين عندهم باهل الله من إمام ~~غيره، وقد صرح ابن عربي محيي الدين عند الخصوم بأن المهدي إذا خرج يلهم ~~الشريعة ويحكم بما القي إليه ملك الالهام منها (1) وصرح الحافظ جلال الدين ~~السيوطي في الكشف بأن عيسى إذا نزل يفهم جميع أحكام الشريعة المحمدية من ~~القرآن من غير احتياج إلى الحديث كما فهمها منه نبينا (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) لانطوائه على جميعها وإن قصرت أفهام الأمة عن فهم ما يفهمه صاحب ~~النبوة (2) وقال بعضهم أظنه أبا حامد الغزالي كلاما في هذا المعنى طويلا ~~ومن جملته قوله " فالنبوة والرسالة من حيث عينها وحكمها ما انقطعت وما نسخت ~~وإنما انقطع الوحي الخاص بالرسول والنبي من نزول الملك على أذنه وقلبه " ~~وكان قبل هذا الكلام قال " إن النبوة والرسالة انقطعت من الوجه الخاص ثم ~~بقي منها المبشرات " ثم قال بعد ms102 ذلك: # " وأما الأولياء فلهم في هذه النبوة مشرب عظيم " إلى آخر كلامه في هذا ~~الشأن، وقد ذكر الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا في النمط العاشر في أسرار ~~الآيات من كتاب الإشارات صحة الالهام والعلم بالغائبات للأولياء من جهة ~~استكمال النفس الإنسانية القوة التي هي مبدأ الأفعال الغريبة، قال في موضع ~~" إذا قلت الشواغل الحسية وبقيت شواغل أقل لم يبعد أن يكون للنفس فلتات ~~تخلص عن شغل التخيل إلى جانب القدس فانتقش فيها نقش من الغيب فساح إلى عالم ~~التخيل وانتقش في الحس المشترك وهذا في حال النوم أو # PageV00P146 # في حال مرض ما، يشغل الحس ويوهن التخيل " (1) ثم ذكر علل ذلك وقال بعدها: ~~" فإذا كانت النفس قوية الجوهر تسع للجوانب المتجاذبة لم يبعد أن يقع لها ~~هذا الخلس والانتهاز في حال اليقظة " (1) وقال في موضع آخر مشيرا إلى هذه ~~القوة: " هذه القوة ربما كانت للنفس بحسب المزاج الأصلي لما يفيده من هيئة ~~نفسانية تصير للنفس الشخصية تشخصها وقد تحصل المزاج وقد يحصل بضرب من الكسب ~~يجعل النفس كالمجردة لشدة الذكاء كما يحصل لأولياء الله الأبرار " وقال في ~~موضع " إذا بلغك أن عارفا حدث عن غيب فأصاب متقدما ببشرى أو نذير فصدق ولا ~~يتعسرن عليك الإيمان به فإن لذلك في مذاهب الطبيعية أسبابا معلومة (1) " ~~إلى غير ذلك من كلماته المصرحة بهذا المعنى، وإذا سلم الخصوم صحة الالهام ~~للأولياء من جهة الشرع والحكمة ثبت جوازه وحصوله للإمام لأنه على ما نقول ~~ولي الأولياء وعماد الأصفياء الذي لا يشوب عمله شائبة التغير ولا يخاط حكمه ~~شئ من التبديل فوجب أن يكون ملهما مفهما. # الثاني أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد بين للإمام بعده جميع ما علمه ~~الله من العلوم والأسرار كما ذكرنا فيما مر ومن المعلوم أن الله تعالى أخبر ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعدد أوصيائه وأسمائهم وصفاتهم فكان من ~~جملة ما بينه لخليفته ثم بينه الخليفة إلى من يكون بعده وهكذا وبهذا صرحت ~~جملة من الآثار. # الثالث أنه لا ms103 يبعد أن النبي (صلى الله عليه وآله) يخبر كل إمام زمان بمن ~~يكون الإمام بعده مشافهة أو في المنام وليس في ذلك مانع فقد ذكر مخالفونا ~~ذلك وجوزوه في الأولياء بزعمهم، قال ابن عربي " جزم بعض # PageV00P147 # المحققين القياس على جميع أهل الله لكون رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) مشهودا لهم فإذا شكوا في صحة حديث أو حكم رجعوا إليه في ذلك فأخبرهم ~~بالأمر الحق يقظة ومشافهة " انتهى (1) وقال السيوطي: " إن عيسى إذا أنزل ~~يجتمع به يعني نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا مانع من أن يأخذ عنه ما ~~يحتاج إليه من أحكام شريعته وكم من ولي ثبت أنه اجتمع به يقظة وأخذ عنه ~~فعيسى أولى " (2) انتهى وأمثال ذلك من كلامهم كثيرا مثلما ذكره الواقدي في ~~فتوح الشام من أخبار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأبي عبيدة بأمور ~~كثيرة مما يدور بين النصارى من الكلام والتدبير والمشورة في المنام (3) ~~فإذا صح مشاهدة النبي (صلى الله عليه وآله) عندهم للأولياء وأخذهم عنه ~~وإخباره إياهم في النوم بأمور من الغيب فالإمام أولى لأنه سيد الأولياء، ~~وهذا الوجه وارد في أخبارنا أيضا فاندفع الايراد وانزاح الإشكال، وإذا ~~تحققت ما رسمناه فاعلم أن لنا على ما ذهبنا إليه وجوها من الأدلة. # الأول إنا بينا أن الإمام يجب أن يكون معصوما، والعصمة أمر خفي لا يطلع ~~عليها في أي شخص هي إلا علام الغيوب الذي أيد ذلك الشخص بها فلا يعرف ~~صاحبها إلا من قبله إما بالنص عليه أو إظهار المعجزة على يديه، أما وجوب ~~عصمة الإمام فقد أثبتناه بالأدلة القاطعة، وأما إن العصمة أمر خفي فلما ~~علمت من معناها، ولأنه ليس في خلق الإنسان ما يدل على أنه معصوم أو غير ~~معصوم، وأما ما كان خفيا فلا يعرف إلا من جهة الله تعالى # PageV00P148 # بأحد الوجهين المذكورين فأمر ظاهر لا يحتاج إلى البيان فيثبت المطلوب. # الثاني أن سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) تقتضي التنصيص على الإمام ~~وذلك أنه أشفق على الأمة ms104 من الوالدة على ولدها حريص على إرشادهم وهدايتهم ~~ولهذا علمهم الأمور الجزئية حتى ما يتعلق بقضاء الحاجة والاستنجاء وما شاكل ~~ذلك، وقد وصفه الله بالرأفة بالمؤمنين والحرص على إرشادهم في الكتاب ~~المبين، في قوله تعالى: [لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز علي ما عنتم حريص ~~عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم] (1) فمن كان بهذه المثابة من الشفقة على الأمة ~~والرأفة بهم لا يجوز في العقل أن يتركهم من غير أن يبين لهم مفزعهم ومن ~~يرجعون إليه في أمور دينهم ودنياهم فتحصل لهم بترك بيانه في دينهم الحيرة ~~وتعتريهم في أمورهم الجهالة والشبهة، كلا إن العقل يحيل ذلك عن النبي الرؤف ~~الرحيم بالأمة، الذي اعتنى ببيان أمور لا نسبة لها بالإمامة ولا تعد شيئا ~~بالنسبة إلى الخلافة فكيف يهمل الأمر الأهم من لم يهمل الأمور الجزئية من ~~المستحبات والمكروهات، على أن أبا بكر ما جوز لنفسه ترك بيان خليفته، وعمر ~~بين أن الخلافة بعده جائزة لستة وجعل الرأي لواحد منهم ولم يجوز لنفسه ترك ~~بيان من يصلح بعده للخلافة، أفترى النبي (صلى الله عليه وآله) يقصر في ~~إصلاح الأمة عن الرجلين وهو على ما علم من حاله في الشفقة بالأمة ومن منصبه ~~في إبلاغ الفرائض التي أعظمها وأجلها الإمامة إليهم؟ وحيث أن سيرة النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) تقتضي التنصيص وجب أن يكون الإمام منصوصا عليه. # الثالث أن الاختيار يؤدي إلى التنازع ويفضي إلى التجاذب لاحتمال أن يختار ~~كل فرقة من الناس رجلا للإمامة فتقوم الفتنة بين الأئمة وأصحابهم على # PageV00P149 # ساق، وكذلك في الفاطميين على ما قاله الزيدية، إذ لا مانع من قيام ~~فاطميين أو أكثر بالسيف يدعون إلى أنفسهم كل منهم عالم زاهد فيحصل من ذلك ~~النزاع الشديد والخصام اللديد، فيجب أن يكون الإمام منصوصا عليه لدفع هذه ~~المحذورات المنافية للمطلوب من نصب الإمام، وأنت خبير بأن الفساد الذي شاع ~~في هذه الأمة من الحروب وسفك الدماء وانتهاك المحارم في الصحابة وغيرهم على ~~ما هو مذكور ومسطور كله ناش من الاختيار ms105 في الإمامة (1) والعدول عن النص ~~ومتفرع عليه، ولا مدفع له إلا بالتزام النص على الإمام، وقد تقدم في ~~المقدمة تحقيق في هذا المطلب ما لا يزيد عليه. # الرابع فحوى بعض الآيات وصراحة بعضها في كون الإمامة موقوفة على النص من ~~الله تعالى. # فمنها قوله عز من قائل: [وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني ~~جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين] (2) والدلالة ~~من وجهين. # الأول إن إبراهيم (عليه السلام) لما شرفه الله تعالى بجعله يعني نصبه ~~إماما طلب من الله عز وجل اسمه أن يجعل في ذريته أيضا إماما وقد علمت فيما ~~مر من الكلام أن الإمامة تجامع الرسالة وتجامع النبوة وتخلو منهما والخليل ~~(عليه السلام) سأل الأعم ولم يخصص المسألة بالإمامة المجامعة لأحد الأمرين، ~~فلو كانت الإمامة بجميع مراتبها تصح بالاختيار لما سأل إبراهيم ربه أن يجعل ~~من ذريته إماما، بل كان يختار من يشاء من ذريته وينصبه إماما، وحيث سأل ~~الله ذلك وطلبه علمنا أن الخليل كان يعلم من إعلام الله # PageV00P150 # له أن الإمامة موقوفة على اختيار الله لا اختيار البشر، وإذا لم يكن ~~للخليل اختيار في نصب الإمام فكيف يكون ذلك لسائر الناس؟ وبما ذكرناه يبطل ~~ما احتمله الرازي في تفسيره (1) من كون الإمامة المطلوبة لإبراهيم النبوة ~~ولا ينالها من عبد صنما وقتا ما على أنه قد أبطل قوله هذا بما ذكرناه عنه ~~في مسألة العصمة من جعله الآية دالة على عصمة الإمام ظاهرا وباطنا وأن ~~أصحابه تركوا دلالتها على ذلك واكتفوا بالعدالة في الإمام وجعلوها دليلا ~~على اشتراط العدالة في الإمام ولا يكون هذا المعنى إلا في الإمامة المجردة ~~عن النبوة فثبت أنه مقر بأن الإمام بالمعنى الأعم هو المطلوب ثم يقول في ~~هذا المقام: " إن مطلوب إبراهيم الإمامة بالنبوة والنبوة عنده لا تكفي فيها ~~العدالة لقوله ولا ينالها من عبد صنما وقتا ما فكان بعض كلامه مناقضا لبعض ~~وهذا دأب القوم وديدنهم في مذاهبهم وأقوالهم لضيق مسلكهم. # الثاني إن الله ms106 تعالى أجاب إبراهيم بقوله [لا ينال عهدي الظالمين] فسمى ~~الإمامة عهده، ومن المعلوم أن عهد الله لا ينال إلا من قبله وليس للخلق في ~~جعله لانسان معين صنع، ولو كانت الإمامة تجوز عند الله باختيار الخلق وترام ~~بذلك لقال لإبراهيم أن الإمامة ليست موقوفة على نصبي ونصي بل جعلت الاختيار ~~في تعيين الإمام لخلقي فاختر أنت من ذريتك من تشاء أو من عرفته في نظرك ~~صالحا لها فأنصبه إماما، ولما لم يجب الله إبراهيم (عليه السلام) بذلك بل ~~أجابه بما سمعت علمنا أن الإمامة لا تكون إلا بنص من الله تعالى وهو ~~المطلوب. # ومنها قوله تعالى [ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا ~~لنبي لهم ابعث لنا ملكا تقاتل في سبيل الله] إلى أن قال تعالى: [وقال # PageV00P151 # لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أني يكون له الملك علينا ~~ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده ~~بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم وقال لهم ~~نبيهم أن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل ~~موسى وآل هارون تحمله الملائكة] (1) الآية والملك في بني إسرائيل بمعنى ~~الإمام في هذه الأمة، لأنه منصوب، لإقامة الحدود وإمضاء الأحكام وأخذ ~~القصاص وتجهيز الجيوش وقتال أهل الشرك، ودلالة الآية على المطلوب من جهات. # الأولى: إن بني إسرائيل لما أرادوا ملكا يقيم فيهم الأحكام ويقاتل بهم ~~العدو في سبيل الملك العلام طلبوا من نبيهم أن ينصب لهم ملكا لذلك المرام، ~~ولو كانت الإمامة جائزة بالاختيار لما احتاجوا في نصب الإمام إلى تعيين ~~النبي وقالوا [ابعث لنا ملكا] يعني انصب بل كانوا يختارون لأنفسهم من شاؤوا ~~فيجعلونه عليهم ملكا، ولما كانوا سألوا نبيهم نصب واحد من قبله فتوقفهم عن ~~نصب الملك وطلبهم إياه من نبيهم دليل على أن ليس لهم في الإمامة اختيار. # الثانية قول نبيهم: [إن الله قد بعث ms107 لكم طالوت ملكا] ولم يقل إني بعثت ~~لكم فدل ذلك على أن النبي ليس له اختيار في تعيين من شاء للإمامة وإنما له ~~أن يخبر الأمة عن الله بأن فلانا المخصوص قد جعله الله لكم إماما فالامامة ~~إذن بالنص لا بالاختيار. # الثالثة: إنهم لما أبوا إمامة طالوت وأرادوا نصب من يختارون بقولهم [أنى # PageV00P152 # يكون له الملك علينا] الخ رد الله قولهم وأبطل اختيارهم بقوله تعالى [إن ~~الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم] فأبان بذلك بطلان الاختيار ~~في الإمامة وعدم ثبوتها به وجعلها موقوفة على اصطفائه وهو اختيار الله عز ~~وجل من يختار لها من خلقه لا من يختاره لها، وبالزيادة في العلم والجسم ~~يعني الشجاعة ومن المعلوم أن من يختار الله لا يعلم إلا من قبله فوجب من ~~صريح الآية أن يكون الإمام منصوصا عليه من الله تعالى على لسان النبي أو ~~الوصي وأن يكون أعلم أهل زمانه وأشجعهم، ولو لم يكن ذلك شرطا لم يكن لذكره ~~معنى وحمل هذه الآية على بطلان الاختيار بعد النصر لا قبله كما قاله بعضهم ~~فاسد مردود بالجهتين الأوليين، وبأنهم لم يطلبوا الاستقلال بالاختيار وإنما ~~طلبوا أن ينصب لهم من يكون لهم رضا بمعنى أن يكون من يختاره الله للملك ~~يوافق اختيارهم ويطابق غرضهم فهم من أول أمرهم على هذا، وقد أبطل الله ~~اختيارهم من أصله ورد عليهم ما اقترحوه ولم يجعل لهم في الاختيار مطلقا ~~نصيبا فيدل ذلك بصريحه على أن الإمامة ليس للخلق فيها اختيار لا على جهة ~~الاستقلال ولا على الاشتراك فيثبت المطلوب على أنه لا فرق بين الحالين في ~~الحقيقة، بل إذا لم يجز الاختيار بعد النص لم يجز قبله إذ ليس لأحد أن يحكم ~~بدون حكم الله قبل الحكم وبعده. # الرابعة: قوله [والله يؤتي ملكه من يشاء] دل الكلام صريحا على أن الإمامة ~~ملك الله يؤتيها من يشاء إتيانه إياها لا من يشاء خلقه فدل ذلك بأوضح دلالة ~~على أن الخلق ليس لهم اختيار ولا مدخل في ms108 اختيار الإمام أصلا وأنها موقوفة ~~على اختيار الخالق مطلقا قبل النص وبعده بمعنى أنه ليس لأحد أن يرد النص ~~على واحد بعينه من الله تعالى بنظر واجتهاد ولا أن ينصب إماما من دون نصب ~~الله إياه فأزال بذلك الفرقان بين الحالين الذي ادعاه ذلك الجهول، وهو أيضا ~~وجه رابع في رد قوله وفساد دعواه. PageV00P153 # الخامسة: قوله تعالى: [إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت] (1) الخ فإنه نص ~~في أن الإمامة تحتاج في ثبوتها إلى دليل وبرهان وهو المعجز وليست مما تثبت ~~لمدعيها بدون حجة ودليل ولا بقول أحد من الناس وتسميته ذلك المدعى إماما ~~وتصديقه في دعواه الإمامة، وهذا هو نص مذهب الإمامية وهو أوضح دليل على ~~بطلان الاختيار في الإمامة كما ترى، والآية محكمة ومضمونها جار في هذه ~~الأمة ولم يرد عن أحد من المفسرين السابقين من العامة والخاصة أنها منسوخة ~~الحكم أو أن حكمها مخصوص ببني إسرائيل دون هذه الأمة فلا يجوز لهم الاختيار ~~في الإمامة خاصة دوننا بل عامة لهذه الأمة أنزلها الله لبيان سنته في الذين ~~خلوا ولن تجد لسنة الله تبديلا فتكون حجة على من قال بالاختيار في الإمامة، ~~فما قاله جاهل من حشوية العامة (2) بأن مضمون الآية مخصوص بالأمم السالفة ~~دون هذه الأمة زور وبهتان وظلم وعدوان وذلك مبلغه من العلم، وليس دعوى ~~النسخ مما ثبت باللسان من دون حجة ولا بيان ولا حجة على النسخ إلا العصبية ~~والعناد والميل إلى شهوة النفس وردها الحق لتصحيح ما فعله الأسلاف، وهذا ~~مما لا يعبأ به عند المناظرة والحجاج ولا تقوم به حجة ولا يصح به حكم، على ~~أن هذا الحكم مما لا تختلف فيه المصالح بحسب الأزمان والأشخاص حتى يعرض له ~~النسخ والتخصيص بل حال كحال النبوة التي لا تصح أو المعجزة لأنها خلافة عن ~~النبوة فسبيلها في جميع الأمم واحدة. # ومنها قوله تعالى: [وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة] (3) # PageV00P154 # دلت الآية على نفي الخيرة للخلق مطلقا في الخلق والحكم فليس لهم أن ms109 ~~يثبتوا حكما ولا ينفوا حكما من قبل أنفسهم ولا أن يختاروا أحدا فيقدموه في ~~منزلة ويأخروا غيره عنها بل الحكم في ذلك كله لله تعالى، فكانت الآية ناصة ~~على أنه لا يجوز لأحد أن يختار إماما فينصبه في الإمامة بعد نص الله وقبله ~~كما هو مفادها إذ لو صح ذلك لكان مناقضا لمدلول الآية وحيث بطل الاختيار في ~~كل شئ بطل الاختيار للناس في الإمامة فوجب أن يكون الإمام منصوصا عليه. # ومنها قوله تقدس وتعالى: [وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله ~~أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم] الآية (1) وهي وإن كانت ظاهرة في نفي ~~الاختيار بعد النص لا قبله إلا أنا قد بينا أنه لا فرق بين الأمرين وأنه ~~ليس لأحد أن يوجب حكما أو ينفي واجبا من دون إيجاب الله ونفيه ولا أن يعطي ~~أحدا منزلة ويثبت له مقاما لم يعطه الله إياه ولم يثبته له وقد كان ذلك ~~فيما قضاه الله وأنزله في كتابه حيث يقول [إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو ~~خير الفاصلين] (2) وغيرها من الآيات فلا يجوز لأحد أن يختار شيئا ويوجبه لم ~~يختره الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) ولم يحكما به. # ومنها قوله تعالى: [إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على ~~العالمين] (3) ومن البين أن في آل إبراهيم أنبياء وأئمة بإمامة مجردة من ~~النبوة كالملوك المنصوبين من قبل الله في بني إسرائيل والاصطفاء واقع على # PageV00P155 # الجميع فتكون الإمامة باصطفاء الله كالنبوة، إذ لا تخصيص في الآية ~~بالنبوة وإذا كانت الإمامة باصطفاء الله بطل أن تكون ثابتة باختيار الناس. # ومنها قوله تعالى: [أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا ~~آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما] (1) والملك العظيم هو ~~الإمامة، وهو حاصل بإيتاء الله وإذا كانت الإمامة لا تكون إلا بإيتاء الله ~~بطل أن تكون باختيار من الناس وثبت من مدلول هذه الآيات الظاهرات توقف ~~الإمامة على النص وعدم صحتها بالاختيار، ولعمري أن ms110 الاحتجاج بها على المطلب ~~كاف لأولي الأنظار المجانبين لطريق الاستكبار والله الهادي. # الخامس إن الإمامة خلافة الله في أرضه لا ينكر ذلك أحد من أهل العلم ~~والمعرفة وقد صرح بذلك الخلفاء حتى الذين كانت خلافتهم بالاختيار فكانوا ~~يسمون أنفسهم خلفاء الله كما لا يخفى على من قرء السير والأخبار والتواريخ ~~والآثار، وما زال الناس من ذوي الفضل يقولون في الإمامة أنها خلافة الله في ~~إني جاعل في الأرض خليفة] (2) وقال تعالى: [يا داود إنا جعلناك خليفة في ~~الأرض فاحكم بين الناس بالحق] (3) وقال تعالى: [وقال موسى لأخيه هارون ~~اخلفني في قومي] (4) ومن المعلوم الذي لا يشك فيه أحد عاقل أن خلافة الله ~~لا تنال إلا من قبله ولا تثبت لأحد إلا بنصبه ونصه ولا تعلم إلا من قوله لا ~~من قول الناس، وأنت خبير بأن خلافة أحد من البشر فيما له # PageV00P156 # الولاية عليه لا تصح لأحد من الناس إلا باستخلافه ونصه عليه ولا تعلم إلا ~~من قبله ولا تصح بنصب غيره أفترى أن خلافة الله تصح بدون إذنه وتثبت لأحد ~~من الناس بنصب الخلق إياه فتقصر حرمة الخالق عن حرمة المخلوق، وإذا كان ~~خلافة الله لا تحصل إلا من قوله تعالى كما هو معلوم وجب أن يكون الإمام ~~منصوصا عليه لأنه خليفة الله. # السادس وهو مؤلف من مقدمتين الأولى أنه لا يجوز لأحد من الناس أن يوجب ~~شيئا أو يحرم شيئا بهواه ورأيه من تلقاء نفسه من غير دليل من كتاب الله أو ~~سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإن من أوجب شيئا أو حرمه سئل من أين ~~أخذه فإن أقام عليه شاهدا من كتاب أو دليلا ثابتا من سنة قبل منه وإلا رد ~~عليه وأبطل قوله وأدخل في جملة القائلين على الله بغير علم والمفترين على ~~الله الكذب، وهذه المقدمة مما صح عليها اتفاق المسلمين قولا فإنك لا تجد ~~أحدا من الناس يقول إنه يجوز الحكم في إيجاب أو تحريم بدون حكم الله ولا ~~أنه يجوز مخالفة الله ms111 في حكمه وقد ورد القرآن الكريم بالنهي عن القول على ~~الله بغير علم ولعن الكذبة المفترين وورد مثله في سنة سيد المرسلين بما لا ~~يحصى كثرة من الآيات والروايات مثل قوله تعالى [ولا تقف ما ليس لك به علم ~~وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا ~~حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا ~~يفلحون فجعلتم منه حراما وحلالا قل الله أذن لكم أم على الله تفترون] (1) ~~وغير ذلك من الآيات وقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما تواتر ~~واستفاض عنه (كثرت على الكذابة فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) ~~(2) فمن المتيقن أن الموجب والمحرم # PageV00P157 # بغير حجة من الله كاذب على الله وعلى رسوله ومفتر عليهما الكذب فيكون ~~مستحقا للعن ومستوجبا للبعد من رحمة الله لأن الله يقول [فنجعل لعنة الله ~~على الكاذبين] (1) ويكون الحاكم بدون دليل من الشرع الشريف حاكما بخلاف ما ~~أنزل الله فيدخل في عموم قوله تعالى [ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون] (2) ثم كيف يجوز لأحد من الناس الإيجاب والتحريم والتحليل بدون ~~قول الله تعالى والنبي الذي هو سيد الرسل لم يكن له ذلك بل هو مأمور بأن ~~يحكم بحكم الله ولا يتعداه ولا يعمل بسواه قال الله تعالى خطابا له [اتبع ~~ما أوحي إليك من ربك] (3) وقال [واستقم كما أمرت] (4) وقال [إنا أنزلنا ~~إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله] (5) ولم يقل له احكم بما ~~تراه أنت وما تشتهيه، ومعنى أراك أعلمك وقال [ليس لك من الأمر شئ] (6) وقال ~~تعالى [ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه ~~الوتين] (7) وغير ذلك من الآيات في هذا المعنى وإذا كان الرسول (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) منهيا عن الحكم برأيه مع أنه أسد البرية رأيا افترى يجوز ~~الله الحكم بالرأي لسائر الناس؟ وإذا لم يجعل الله للنبي (صلى الله عليه ~~وآله) أمر التحليل ms112 والايجاب والتحريم أفيجوز أن يجعل ذلك لغيره؟ فثبت من ~~ذلك كله أن الموجب والمحرم بدون حجة من الله من كتاب أو سنة متعمد للكذب ~~على الله # PageV00P158 # ومفتر عليه، ومتعمد الكذب على الله كافر مستحق اللعن والعذاب والطرد من ~~رحمة الله والإبعاد كما عرفت أولا. # الثانية: إن الإمام هو الرئيس الذي تجب على المسلمين طاعته وتحرم على ~~المكلفين معصيته وتجب موالاته ومعاداة أعدائه، والنصيحة له ولزوم جماعته ~~وهذا أمر متفق عليه لا يحتاج إلى الإطالة فيه بنقل الأدلة، ويكفيك منه ما ~~بين في المقدمة مما أوضحناه هناك فحينئذ نقول لأهل الاختيار إذا بدر جماعة ~~من الناس قلوا أو كثروا بعد موت النبي فبايعوا رجلا ونصبوه إماما فإنهم لا ~~محالة أوجبوا بذلك على المكلفين طاعته وحرموا عليهم معصيته فهل أوجبوا ما ~~أوجبوه لذلك الرجل من الطاعة وحرموا ما حرموه له من المعصية وسموه إماما ~~بنص من الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) عليه بالخصوص ليكونوا قد أوجبوا ~~وحرموا بحكم الله؟ أم بهوى أنفسهم وميل شهوتهم؟ فإن كان الأول فذلك خارج عن ~~معنى الاختيار ومطابق لقولنا أن الإمامة لا تكون إلا بنص من الله ورسوله ~~(صلى الله عليه وآله) فلا اختيار على هذا، وإن كان الثاني كانوا بإيجابهم ~~ما لم يوجبه الله وتحريمهم ما لم يحرم داخلين في زمرة المفترين على الله ~~الكذب والقائلين عليه بغير علم، إذ قد علمت من صريح الآيات أن الله تعالى ~~لم يفوض إلى أحد أن يحكم بما أراد في دينه من وجوب وتحريم عموما ولا خصوصا، ~~ومن ادعا ذلك فعليه البيان وإقامة البرهان وأنى له بذاك، فبطل بذلك ~~الاختيار في الإمامة لاستلزامه كذب المختارين على الله، ولو كلفهم الله ~~باختيار الإمام لاغتفر لهم القول عليه بغير علم لكنه تعالى لم يغتفر ذلك ~~لأحد، اللهم إلا أن يقولوا إن الإمام على وجه الاختيار لا تجب طاعته، وإنما ~~هو كالملوك الجائرين فحينئذ يخرج من معنى الإمامة الشرعية ونستريح من كلفة ~~تصحيح إمامته وإبطالها، ومن هذا يعلم أنه لا تثبت ms113 الإمامة إلا بالنص وليس ~~الاختيار بطريق لها. PageV00P159 # السابع إنه لا شك أن الإمام يجب أن يكون مصلحا لأمر الرعية مع صلاحه في ~~نفسه في الدين والدنيا ويجب أن يكون عادلا في الأحكام الشرعية جميعا فلو ~~تعدى حكم الله في شئ من الأحكام لكان مفسدا مبتدعا مفتريا للكذب على الله ~~مستحقا لاسم الظلم والكفر لحكمه بخلاف حكم الله وليس مثل هذا بإمام قطعا ~~عند أهل الدين، فنقول حينئذ لأصحاب الاختيار إذا قلتم بأن الإمامة تثبت ~~بالاختيار فأخبرونا عنكم تريدون إماما مصلحا أم مفسدا؟ لا سبيل لهم إلى ~~الثاني بل لا بد من أن يقولوا نريد إماما مصلحا، فيقال لهم: فهل يجوز أن ~~تقع خيرتكم على الأفسد وأنتم تظنون أنه الأصلح أم تقولون إن خيرتكم لا بد ~~أن تقع على الأصلح وتوافق خيرة الله في باطن الأمر؟ فإن قالوا: بالأول ~~قلنا: فقد بطل بهذا صحة الإمامة بالاختيار لاحتمال كون المختار مفسدا وعدم ~~القطع بكونه مصلحا فلا يكون مقطوعا بصلاحه للإمامة لعدم الجزم بحصول ما هو ~~شرط في الإمام فيه وهو الصلاح، لأن المفروض هو كون الاختيار غير مقتض ~~لصلاحه ولا موجب لإصلاحه فبطلت إمامته لبطلان شرطها، وإن قالوا بالثاني ~~قلنا لهم فيلزم من ذلك دعواكم علم الغيب ومعرفة العواقب ويلزم أن تكونوا ~~أسد رأيا من أعاظم الأنبياء المرسلين فإنا وجدنا منهم من اختار في أمور ليس ~~لها خطر الإمامة أحد يظن أنه صالح لما اختاره فبان أنه غير صالح لذلك في ~~باطن الغيب فلم توافق خيرته خيرة الله. # هذا موسى بن عمران الذي كلمه الله تكليما واصطفاه برسالاته وفرق له البحر ~~وأنزل عليه التوراة وظلله وقومه بالغمام إلى غير ذلك مما أعطاه اختار من ~~قومه وهم ألوف سبعين رجلا لميقات ربه ليكونوا شهودا له عند قومه على خطاب ~~الله تعالى إياه وهو يظن أنهم صالحون فكفروا كما حكى الله تعالى من خطابهم ~~لنبيهم موسى بقوله عز وجل وقالوا [لن نؤمن لك حتى نرى الله PageV00P160 # جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم] (1) فوقعت خيرته على الأفسد ms114 وهو يظن أنه ~~الأصلح. # وهذا نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو سيد الرسل وأفضل الخلق ~~أجمعين قد اختار أبا بكر لتبليغ آيات من سورة براءة إلى أهل مكة ويقرؤها في ~~الموسم بناء على صلاحيته لذلك في الظاهر فلم تكن خيرته مطابقة لخيرة الله ~~في باطن الغيب فأتاه جبرائيل (عليه السلام) عن الله تعالى يقول " لا يبلغ ~~عنك إلا أنت أو رجل منك " فأعطاها عليا (عليه السلام) وعزل عنها أبا بكر ~~والقصة مشهورة كالشمس وفيها سر عجيب وإشارة لطيفة ليس هنا مقام بيانها، ~~فإذا كان الكليم والحبيب من أولي العزم من الرسل وناهيك بهما لما اختارا من ~~دون وحي وقعت خيرتهما على غير الأصلح لما اختاراه ولم توافق خيرتهما خيرة ~~الله فكيف يدعي أحد من الناس أو يدعى له أن رأيه لا يخطئ الواقع وأن خيرته ~~من قبل نفسه ملازمة لإصابة خيرة الله حتى يكون الذي ينصبه من تلقاء نفسه ~~وميل قلبه لله رضا وأنه مختار الله؟ وأي شئ أعظم فرية على الله وأشد كفرا ~~من دعوى أن أحدا من الناس أسد رأيا وأجود إصابة من الأنبياء المرسلين بحيث ~~أن خيرته تلازم إصابة الواقع وتوافق خيرة الله دون الأنبياء من أولي العزم؟ ~~ما أظن أحدا من المسلمين عاقلا يسوغ لنفسه ذلك، ولا يتجاسر على هذه الدعوى، ~~فإذن خيرة الناس لا يلزم منها إصابة الواقع فليس لهم أن يختاروا إماما لأنا ~~بينا أن شرط صحة الاختيار علم المختار بصلاحيته من اختاره لما اختاره في ~~باطن الأمر عند الله تعالى وقد أخبر الله تعالى عن ذلك بقوله [ولقد ~~اخترناهم على علم على العالمين] (2) فليس للجاهل بما هو صالح عند الله أن ~~يختار عليه ويفرض إمامة من لم يفرض الله # PageV00P161 # إمامته، فتبين من جميع ذلك أن الاختيار في الإمامة لا عبرة به ولا تأثير ~~له ولا تعويل عليه والإمام به ليس بإمام حق تجب طاعته ولا بدليل هدى يتحتم ~~الاقتداء به، ومن أنصف عرف ذلك وتحققه، وإذا بطل كون الإمامة بالاختيار وجب ms115 ~~أن تكون بالنص أو المعجز إذ لا طريق غير ذلك لها فثبت ما قلناه والله ~~الهادي. # واعلم أنه ليس لمخالفينا على ما ادعوا من صحة الإمامة بالاختيار حجة من ~~آية أو رواية، ولا عثرنا لهم في كتبهم على ذلك بمتمسك يتمسكون به، ولا ~~ذكروا له دليلا سوى ما حدث من بعض الصحابة حيث بايعوا أبا بكر ونصبوه إماما ~~ولم يكن منصوصا عليه، فلولا أن الاختيار طريق للإمامة لم تكن إمامة أبي بكر ~~صحيحة لكنها صحيحة لإجماع الصحابة عليها فيكون الاختيار مثبتا للإمامة لم ~~نجد لهم سوى هذه الشبهة الواهية وفسادها ظاهر لأهل النظر، بل ليست مما ~~ينبغي أن يذكرا وذلك من وجوه. # الأول أنها مصادرة على المطلوب إذ لا تصح إمامة المذكور إلا بعد جواز ~~الاختيار والاختيار باطل بالأدلة، والباطل لا يثبت شيئا ولا يصححه، فكان ~~الواجب أولا أن يصححوا الاختيار بدليل حتى يثبتوا به إمامة الرجل، وهم إنما ~~صححوا الاختيار بإمامته التي لا تصح إلا بالاختيار فيلزم من ذلك الدور وهو ~~باطل. # الثاني منع الإجماع فإن المعروف من معنى الإجماع عند الخصوم كما ذكروه في ~~كتبهم الأصولية أنه عبارة من اتفاق أهل الحل والعقد، ومعلوم أن اتفاق أهل ~~الحل والعقد لم يحصل على إمامة أبي بكر بالرضا والاختيار، بل كان الناس بعد ~~النبي (صلى الله عليه وآله) على ثلاث فرق، فرقة مالوا إلى علي (عليه ~~السلام) وأخرى إلى سعد بن عبادة، وأخرى إلى أبي بكر، وما زال الاختلاف ~~باقيا إلى يومنا هذا ولقد أجاد من قال. PageV00P162 # وكيف صيرتم الإجماع حجتكم * والناس ما اتفقوا يوما ولا اجتمعوا أمر علي ~~بعيد عن مشورته * مستكره فيه والعباس ممتنع وليس يخفي على ذي اطلاع ما وقع ~~بين الصحابة في خلافة أبي بكر من الخصام والنزاع، وإن أكثر من بايعه ليس ~~على وجه الرضا، وسيأتي جملة من بيان ذلك وقد مضى شئ منه إشارة فلا إجماع ~~ولا اتفاق، وإن كان الإجماع اتفاق جماعة ولو كانوا اثنين أو ثلاثة فذلك ~~مخالف لما ذكروه من معنى ms116 الإجماع، بل ليس إجماعا قطعا وجزما إذ لو كان كذلك ~~لكان كل قول اتفق عليه ثلاثة مثلا كان إجماعا فإذن كثرت الإجماعات وتعارضت ~~وفساد هذه الدعوى بين لا يحتاج إلى البيان الذي فهم. # الثالث منع حجية الإجماع المدعى، وذلك أنا بينا فيما مر أن الإجماع لا ~~يكون حجة إلا بدخول من لا يجوز عليه الخطأ في جملة المجمعين، ومن المتفق ~~عليه بين المسلمين أنه لا معصوم من الداعين إلى بيعة أبي بكر ولا من ~~المبايعين، بل لم تدع العصمة لرجل من الصحابة إذ ذاك إلا لعلي (1) (عليه ~~السلام) وقد صح عند كل الأمة أن عليا لم يدخل في بيعة أبي بكر وأبي خلافته ~~وأنكرها وما زال منكرا لها حتى أكره على البيعة وقد روى البخاري ومسلم في ~~صحيحهما (2) أن عليا (عليه السلام) امتنع من بيعة أبي بكر مدة حياة فاطمة ~~وقد عاشت بعد أبيها ستة أشهر فلما توفيت فاطمة انصرفت وجوه الناس عن علي ~~(عليه السلام) فضرع إلى مبايعة أبي بكر، ومن اليقين أن البيعة لو كانت حقا ~~لما قعد عنها علي (عليه السلام) (وهو مع الحق والحق # PageV00P163 # معه) (1). # وليس بعد الحق إلا الضلال بنص الكتاب. # وأما مبايعته أبا بكر بعد انصراف وجوه الناس عنه فأمر اضطراري إذ لا يسعه ~~الانفراد بنفسه، على أن الأمر خلاف هذا وإنما ذكرنا الرواية حجة على الخصم، ~~وإذا لم يكن على الذي هو ثابت العصمة مع المجمعين فلا عبرة بالاجماع لو كان ~~قد حصل، والحاصل أن مبني هذه الشبهة على الوثوق بجملة الصحابة والحكم عليهم ~~بأنهم لا يتعمدون مخالفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهذا المبني ~~متهدم وسيتضح لك فساده تمام الاتضاح في الفصل الثاني إن شاء الله، وأنت بعد ~~تأمل الأدلة المتقدمة وما حررناه هنا لا تشك في بطلان هذه الشبهة ~~واندفاعها. # الرابع إن الإمامة لو كانت بالاختيار لم تكن أئمتهم أئمة لأن معنى اختيار ~~المسلمين هو اختيار أهل العلم والرأي منهم في جميع بلاد الإسلام، وأقل ما ~~يفهم من الاختيار اختيار ms117 أهل الفضل والعلم من بلد الإمام بأن يجتمعوا بعد ~~موته ويتشاوروا فيما بينهم ويجيلوا الرأي حتى تتفق كلمتهم على واحد معين ~~وتظهر لهم جلية الحال فيه، فإذا اجتمع رأيهم عليه بعد المشاورة والنظر ~~بايعوه لا معنى للاختيار غير هذا ولا ريب أن البيعة لواحد إذا وقعت على غير ~~هذا الوجه لم تكن واقعة باختيار المسلمين فتقع باطلة لبطلان شرطها وهو ~~اختيار المسلمين، ومن يدعي للاختيار معنى غير هذا فهو مكابر جاحد أو جاهل ~~معاند، ومعلوم أن واحدا من أئمتهم لم تقع إمامته على هذا الوجه، هذا أبو ~~بكر وهو رئيس أئمتهم لم تقع بيعته إلا باختيار رجلين عمر بن # PageV00P164 # الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح لم يحضرها من المهاجرين غيرهما وحضرها ~~المغيرة بن شعبة وهو إذ ذاك ليس من أهل الشورى عند القوم وجميع أهل الفضل ~~من المهاجرين غير حاضرين لم يشاوروا فيها ولم يناظروا، والأنصار وهم ~~المعتمد في نصرة الإسلام نازعوا فيها وخاصموا فأخرجهم عمر بن الخطاب من ~~الشورى بما روى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن الأئمة من قريش) ~~فلم يجعل لهم في الإمامة اختيارا وكانوا قد اختاروا سيدهم سعد بن عبادة ~~الخزرجي وأقعدوه في سقيفة بني ساعدة ليبايعوه فأبطل عمر وصاحباه أمرهم ~~بالرواية المذكورة تارة وبغيرها أخرى وأخرجوهم من هذا الأمر بالمرة، وحسبك ~~من ذلك قول عمر " كانت بيعة أبي بكر فلتة " (1) يعني بغير مشورة كما قاله ~~تابعوه في معناها، وإلا فالكلمة أعظم من ذلك كما يصرح به قوله بعد " وقي ~~الله المسلمين شرها فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه " والكل مذكور مبين في ~~مواضعه فأين اختيار المسلمين في هذا الأمر وأين مشاورتهم في هذه البيعة؟ ~~وليس لأحد أن يدعي خلاف ذلك لأنه يدخل حينئذ في حيز العناد البحت والجهل ~~الصرف بما وقع عليه أمر بيعة الرجل فلم تكن بيعة أبي بكر واقعة باختيار ~~المسلمين بالقطع واليقين، وإنما هي باختيار عمر وأبي عبيدة خاصة، فإن قال ~~قائل: إن اختيار الرجلين المذكورين ماض على جميع المسلمين فليس لهم ms118 بعد ~~اختيارهما اختيار قلنا له: أولا هذا رجوع عن القول بالاختيار ومناقض له ~~وعدول إلى القول بالاختصاص ولا بد من إبطالك أحد المتناقضين، فأبطل ما شئت ~~منهما تخصم، ويقال له ثانيا: فيلزمك الحكم بفسق من تخلف من عظماء الصحابة ~~عن بيعة أبي بكر ولم يعتد باختيار الرجلين ولا جعله مؤثرا شيئا حتى ألزم ~~قوم منهم بالمبايعة عل غير وجه جميل # PageV00P165 # كعلي (عليه السلام) ومن معه مثل العباس وبني هاشم والزبير وسلمان ~~والمقداد وأبي ذر وعمار وبقي جماعة على الآباء والامتناع كسعد بن عبادة ~~وتابعيه من حيث أنهم لم يجعلوا اختيار عمر وأبي عبيدة ماضيا عليهم ولم ~~يرضوا بمن اختاراه، قل ما شئت تخصم نفسك وتبطل مذهبك إن قلت: إن اختيار ~~الرجلين غير ماض على المسلمين أبطلت تلك البيعة وطعنت في صحتها وعاقديها، ~~وإن قلت أن اختيار الرجلين ماض على المسلمين طعنت فيمن رده وأبطله وجعل ~~وجوده كعدمه، فاختر - أعزك الله - من هذين الوجهين ما تريد يكن فيه إبطال ~~مذهبك وتكذيب دعواك هذه الحال في بيعة أبي بكر. # وأما خلافة عمر فإنها صدرت باختيار أبي بكر خاصته ولم تكن بمشاورة غيره، ~~وطلب فيها طلحة الشورى وأباها هو وقوم معه أشد الآباء وأزرى على أبي بكر ~~استخلافه عمر وخوفه من الله في ذلك، فجبهه أبو بكر وتنقصه بأن قال له " عمر ~~خير الناس وأنت شرهم (1) " وتهدده وتوعده بما هو عند مخالفينا مذكور وفي ~~كتبهم مسطور وقد مر عليك ذكره، فأين اختيار المسلمين في هذه البيعة،؟ بل هي ~~أعظم من سابقتها اختصاصا ومن أين جاز لأبي بكر أن يجعل لعمر الخلافة من غير ~~مشاورة المسلمين من أهل السابقة والعلم والدين من الصحابة وهو يعلم أنها لا ~~تصح إلا باختيارهم كما قلتم؟ وكيف زاد على ما فعل بإجبار من أبي عن بيعة ~~عمر مع سبقه عليه اسلاما وكونه أكثر منه جهادا على طاعته؟ وكيف استحل عمر ~~الولاية من جهة أبي بكر خاصة مع عدم رضا جماعة من أعيان المسلمين وهو ~~القائل لأبي بكر حين ms119 اقطع عينيه بن حصين والأقرع بن حابس (2) أرضا بعد ما ~~استشار من حوله من المسلمين # PageV00P166 # " أخبرني عن هذه الأرض التي أقطعتها هذين الرجلين أهي لك خاصة أم بين ~~المسلمين؟ قال: بين المسلمين، قال: فما حملك أن تخص بها هذين دون جماعة ~~المسلمين قال: استشرت الذين حولي، فأشاروا بذلك، فقال: أفكل المسلمين ~~أوسعتهم مشورة ورضا " فقال " أبو بكر " فقد كنت قلت لك إنك أقوى على هذا ~~الأمر مني لكنك غلبتني " وقد كان قبل أن يأتي أبا بكر ويسأله بما سمعت أخذ ~~كتاب الإقطاع من الرجلين ثم تفل فيه فمحاه كما رواه أولياؤه من فعله (3) ~~فواعجباه من عمر يرد اقطاع أبي بكر لعيينة والأقرع أرضا خربة مع رضا كثير ~~من المسلمين بذلك لعدم رضا جميعهم ثم يتولى الخلافة بقول أبي بكر وعهده ~~إليه مع عدم رضا جماعة من المسلمين مثل طلحة وأضرابه ولم يقل لأبي بكر لا ~~أتولى بقولك حتى توسع كل المسلمين عذرا ومشورة؟ وأين هو إذ ذاك عن كلامه ~~الأول وهو يعلم أن الخلافة باختيار المسلمين فأين الاختيار وأين المشورة في ~~خلافته وهل هي إلا فلتة كالأولى؟! ثم البيعة الثالثة لعثمان مثلها فإن عمر ~~قصر الاختيار فيها في ستة أخرج جميع المسلمين منها ومن المشورة فيها ثم ~~أخرج منها خمسة وقصرها على رأي واحد وهو عبد الرحمن بن عوف وأبطل اختيار ~~الباقين، وأمر بقتل من خالف عبد الرحمن من الخمسة وغيرهم وبقتل الستة جميعا ~~إن مضت ثلاثة أيام ولم يبايعوا الواحد منهم، فأين اختيار المسلمين في ذلك؟ ~~وأين وقوع هذه PageV00P167 # البيعة باختيارهم؟ وإنما وقعت بخيرة عبد الرحمن خاصة وكان جماعة من خيار ~~الصحابة كعمار بن ياسر والمقداد بن الأسود وأمثال هذين وسعد بن أبي وقاص في ~~رواية كلهم أشاروا على عبد الرحمن بمبايعة علي بن أبي طالب (عليه السلام) ~~وترك مبايعة عثمان فلم يلتفت إلى قولهم ولم يشر بمبايعة عثمان إلا رجل طليق ~~من بني مخزوم ممن لا تجوز مشاورة مثله في تمرة من بيت مال المسلمين (1) ~~فضلا عن الرئاسة ms120 العامة على الأمة فأين اختيار أهل الفضل من الصحابة لهذه ~~البيعة؟ وكل هذه الأمور معلومة لا يستطيع أحد إلى إنكارها سبيلا فاللازم ~~على الخصوم إما القول ببطلان اختيار المسلمين في الإمامة وأنها كالملك ~~الجبري تكون لمن غلب كما هي حالها بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وإما القول ببطلان إمامة الثلاثة لعدم وقوعها باختيار المسلمين كما عرفت أو ~~الحكم بفسق كثير من الصحابة الطاعنين في تلك المبايعات والرادين لها كما مر ~~عليك بيانه مشروحا في المقام وإن كان مختصرا وكل ذلك لا يقول به الخصوم فما ~~أدري ماذا يقولون؟ وبماذا يجيبون في هذه الإمامة التي يقولون إنها باختيار ~~المسلمين ثم يعقدها لواحد آخر على رغم إناف المسلمين، فما أشد مناقضة هذا ~~الفعل لذلك القول، ومن هذا يعلم أن الإمامة لا تصح بالاختيار، وأنها لم ~~يلها أحد باختيار المسلمين من أئمة القوم بالمرة فلا بد في صحتها وثبوتها ~~من النص وقد تبين غاية التبين من جميع ما ذكرناه أن كل من ادعى الإمامة أو ~~ادعيت له بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما خلا عليا (عليه السلام) ~~ليست إمامته صحيحة لفقدانهم الشروط الواجبة في الإمام بأدلة القاطعة ~~والبراهين النيرة اللامعة من العصمة والقرابة والنص عليهم من الرسول (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) والفضل لا سيما بالمعنى الثاني من معنييه وهو الجمع ~~للصفات الحميدة # PageV00P168 # لقصورهم عن كثير من الصحابة في ذلك فضلا عن أن يوازنوا فيها أمير ~~المؤمنين، ولم يكن أحد منهم إماما بالنص عليه من الرسول (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) باتفاق الأمة وإقرار الخصوم، وإذا بطلت إمامة الكل ما خلا ~~إمامنا عليا (عليه السلام) تعين أن يكون هو الإمام بالضرورة لعدم جواز ~~إمامته غيره، وعدم جواز خلو الأرض من إمام وذلك هو المطلوب والمراد، ولنختم ~~هذا الفصل بإيراد حديث شريف في هذا المعنى رواه الشيخان الجليلان محمد بن ~~يعقوب الكليني، ومحمد بن علي بن بابويه القمي واللفظ هنا لمحمد بن يعقوب ~~قال قدس الله نفسه وطهر رمسه أبو ms121 محمد القاسم بن العلا رحمه الله رفعه عن ~~عبد العزيز بن مسلم قال كنا مع الرضا بمرو فاجتمعنا في الجامع يوم الجمعة ~~في بدء مقدمنا فأداروا أمر الإمامة وذكروا اختلاف الناس فيها فدخلت على ~~سيدي (عليه السلام) - يعني الرضا - فأعلمته خوض الناس فيه فتبسم ثم قال: ~~(يا عبد العزيز جهل القوم وخدعوا عن آرائهم إن الله عز وجل لم يقبض نبيه ~~(صلى الله عليه وآله) حتى أكمل له الدين وأنزل عليه القرآن فيه تبيان كل شئ ~~بين فيه الحلال والحرام والحدود والأحكام وجميع ما يحتاج إليه الناس كملا، ~~فقال الله عز وجل [ما فرطنا في الكتاب من شئ] (1) وأنزل في حجة الوداع وهي ~~آخر عمره (صلى الله عليه وآله) [اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ~~ورضيت لكم الإسلام دينا] (2) وأمر الإمامة من تمام الدين ولم يمض (صلى الله ~~عليه وآله) حتى بين لأمته معالم دينهم وأوضح لهم سبيلهم وتركهم على قصد ~~سبيل الحق وأقام لهم عليا (عليه السلام) علما وإماما وما ترك شيئا تحتاج ~~إليه الأمة إلا بينه فمن زعم أن الله عز وجل لم يكمل دينه فقد رد كتاب الله ~~ومن رد كتاب الله فهو كافر، هل يعرفون قدر الإمامة ومحلها من الأمة فيجوز ~~فيها # PageV00P169 # اختيارهم، إن الإمامة أجل قدرا وأعظم شأنا وأعلا مكانا وأمنع جانبا وأبعد ~~غورا من أن يبلغها الناس بعقولهم أو ينالوها بآرائهم أو يقيموا إماما ~~باختيارهم، إن الإمامة خص الله عز وجل بها إبراهيم الخليل بعد النبوة ~~والخلة مرتبة ثالثة وفضيلة شرفه بها وأشار بها ذكره فقال: [إني جاعلك للناس ~~إماما] فقال الخليل (عليه السلام) سرورا بها [ومن ذريتي] قال الله تبارك ~~وتعالى: [لا ينال عهدي الظالمين] (1) فأبطلت هذه الآية إمامة كل ظالم إلى ~~يوم القيامة وصارت في الصفوة، ثم أكرمه الله تعالى بأن جعلها في ذرية أهل ~~الصفوة والطهارة فقال: [ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين ~~وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء ~~الزكاة وكانوا لنا عابدين] ms122 (2) فلم تزل في ذريته يرثها بعض عن بعض قرنا ~~فقرنا حتى ورثها الله عز وجل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال جل ~~وتعالى [إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا ~~والله ولي المؤمنين] (3) فكانت له خاصة فقلدها (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~عليا (عليه السلام) بأمر الله عز وجل على رسم ما فرض الله فصارت في ذريته ~~الأصفياء الذين آتاهم الله العلم والإيمان بقوله جل وعلا [وقال الذين أوتوا ~~العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث] (4) فهي في ولد علي ~~(عليه السلام) خاصة إلى يوم القيامة إذ لا نبي بعد محمد (صلى الله عليه ~~وآله) فمن أين يختار هؤلاء؟!. # إن الإمامة هي منزلة الأنبياء ووراثة الأوصياء. # PageV00P170 # إن الإمامة خلافة الله وخلافة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ومقام ~~أمير المؤمنين وميراث الحسن والحسين (عليهما السلام). # إن الإمامة زمام الدين ونظام المسلمين وصلاح الدنيا وعز المؤمنين. # إن الإمامة أس الإسلام النامي وفرعه السامي، بالامام تمام الصلاة والزكاة ~~والصيام والحج والجهاد وتوفير الفئ والصدقات وإمضاء الحدود والأحكام ومنع ~~الثغور والأطراف. # الإمام يحل حلال الله ويحرم حرام الله، ويقيم حدود الله ويذب عن دين الله ~~ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة والحجة البالغة. # الإمام كالشمس الطالعة المجللة بنورها للعالم وهي في الأفق بحيث لا ~~تنالها الأيدي والأبصار. # الإمام البدر المنير والسراج الزاهر والنور الساطع والنجم الهادي في ~~غياهب الدجى وإجواز البلدان والقفار ولجج البحار. # الإمام الماء العذب على الظمأ والدال على الهدى والمنجي من الردى. # الإمام النار على اليفاع الحار لمن اصطلى به والدليل في المهالك من فارقه ~~فهالك. # الإمام السحاب الماطر والغيث الهاطل والشمس المضيئة والسماء الظليلة ~~والأرض البسيطة والعين الغزيرة والغدير والروضة. # الإمام الأنيس الرفيق والوالد الشفيق والأخ الشقيق والأم البرة بالولد ~~الصغير ومفزع العباد في الداهية النئاد. # الإمام أمين الله على خلقه وحجته على عباده وخليفته في بلاده والداعي إلى ~~الله والذاب عن حرم الله. PageV00P171 # الإمام المطهر من الذنوب والمبرأ من العيوب ms123 المخصوص بالعلم الموسوم ~~بالحلم نظام الدين وعز المسلمين وغيظ المنافقين وبوار الكافرين. # الإمام واحد دهره لا يدانيه أحد ولا يعادله عالم ولا يوجد منه بدل ولا له ~~مثل ولا نظير مخصوص بالفضل كله من غير طلب منه له ولا اكتساب بل اختصاص من ~~المفضل الوهاب، فمن ذا الذي يبلغ معرفة الإمام أو يمكنه اختياره، هيهات ~~هيهات ضلت العقول وتاهت الحلوم وحارت الألباب وخسئت العيون وتصاغرت العظماء ~~وتحيرت الحكماء وتقاصرت الحلماء وحصرت الخطباء وجهلت الألباء وكلت الشعراء ~~وعجزت الأدباء وعييت البلغاء عن وصف شأن من شأنه وفضيلة من فضائله وأقرت ~~بالعجز والتقصير، وكيف يوصف بكله أو ينعت بكنهه، أو يفهم شئ من أمره أو ~~يوجد من يقوم مقامه ويغني غناه لا كيف وإني وهو بحيث النجم من يد ~~المتناولين ووصف الواصفين؟ فأين الاختيار من هذا وأين العقول عن هذا وأين ~~يوجد مثل هذا؟ يظنون أن ذلك يوجد في غير آل الرسول محمد (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) كذبتهم والله أنفسهم ومنتهم الأباطيل فارتقوا مرتقا صعبا دحضا ~~تزل عنه إلى الحضيض أقدامهم راموا إقامة الإمام بعقول حائرة بائرة ناقصة ~~وآراء مضلة فلم يزدادوا منه إلا بعدا قاتلهم الله أنى يؤفكون ولقد راموا ~~صعبا وقالوا إفكا وضلوا ضلالا بعيدا ووقعوا في الحيرة إذ تركوا الإمام عن ~~بصيرة وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين رغبوا عن ~~اختيار الله واختيار رسوله (صلى الله عليه وآله) إلى اختيارهم والقرآن ~~يناديهم [وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله عما ~~يشركون] (1) وقال عز وجل [وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله # PageV00P172 # ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم] (1) الآية وقال [ما لكم كيف ~~تحكمون أم لكم كتاب فيه تدرسون أم لكم فيه لما تخيرون أم لكم أيمان علينا ~~بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون سلهم أيهم بذلك زعيم أم لهم شركاء ~~فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين] (2) وقال عز وجل [أفلا يتدبرون القرآن ~~أم على قلوب أقفالها أم ms124 طبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون أم قالوا سمعنا ~~وهم لا يسمعون إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ولو علم ~~الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون أم قالوا سمعنا ~~وعصينا بل هو فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم] فكيف لهم ~~باختيار الإمام والإمام عالم لا يجهل وراع لا ينكل معدن القدس والطهارة ~~والنسك والزهادة والعلم والعبادة مخصوص بدعوة الرسول (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ونسل المطهرة البتول لا مغمز فيه في نسب ولا يدانيه ذو حسب في البيت ~~من قريش والذروة من هاشم والعترة من الرسول (صلى الله عليه وآله) والرضا من ~~الله عز وجل، شرف الأشراف والفرع من عبد مناف نامي العلم كامل الحلم مضطلع ~~بالإمامة عالم بالسياسة مفروض الطاعة قائم بأمر الله عز وجل ناصح لعباد ~~الله حافظ لدين الله إن الأنبياء والأئمة يوفقهم الله ويؤتيهم من مخزون ~~علمه وحكمه ما لا يؤتيه غيرهم فيكون علمهم فوق علم أهل زمانهم في قوله جل ~~وتعالى [أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدي فما لكم ~~كيف تحكمون] (3) وقوله تبارك وتعالى [ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا] ~~(4) وقوله في طالوت [إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم # PageV00P173 # والجسم والله يؤت ملكه من يشاء والله واسع عليم] (1) وقال لنبيه (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) [أنزل عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان ~~فضل الله عليك عظيما] (2) وقال في الأئمة من أهل بيت نبيه وعترته وذريته ~~[أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب ~~والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفي بجهنم ~~سعيرا] (3) وأن العبد إذا اختاره الله عز وجل لأمور عباده شرح صدره لذلك ~~وأودع قلبه ينابيع الحكمة وألهمه العلم إلهاما فلم يعي بعده بجواب ولا يحير ~~فيه عن الصواب فهو معصوم مؤيد موفق مسدد قد آمن من الخطأ ms125 والزلل والعثار، ~~يخصه الله بذلك ليكون حجته على عباده وشاهده على خلقه و [ذلك فضل الله ~~يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم] (4) فهل يقدرون على مثل هذا ~~فيختارونه، أو يكون مختارهم بهذه الصفة فيقدمونه تعدوا وبيت الله - الحق ~~ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، وفي كتاب الله الهدى ~~والشفاء فنبذوه واتبعوا أهواءهم فذمهم الله ومقتهم وأنفسهم فقال جل وتعالى ~~[ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين] ~~(5) قال [فتعسا لهم وأضل أعمالهم] (6) وقال [كبر مقتا عند الله وعند الذين ~~آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار] (7) وصلى الله على النبي محمد ~~وآله وسلم تسليما كثيرا تمام # PageV00P174 # الخبر (1). وهو كما ترى قد اشتمل على المطالب الجليلة وصرح بالفوائد ~~الجزيلة نسأل الله التوفيق لفهم معانيه والعمل على ما فيه إنه خير مسؤول ~~وأكرم مأمول. # PageV00P175 # الفصل الثاني في ذكر النصوص على أمير المؤمنين والأئمة (عليهم السلام) ~~وهو يشتمل على مسائل: PageV00P177 # المسألة الأولى: في إيراد النصوص على سيدنا ومولانا أمير المؤمنين علي بن ~~أبي طالب (عليه السلام) بالإمامة، واعلم أن لأصحابنا في إثبات الإمامة ~~لأمير المؤمنين (عليه السلام) بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بلا ~~فصل ثلاثة طرق. # الأول: إبطال إمامة غيره ممن ادعيت له الإمامة بعد رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) لتثبت له الإمامة بالضرورة. # الثاني: النصوص الواردة في إمامته من الكتاب والسنة النبوية. # الثالث: ظهور المعجز على يده مع دعواه الإمامة. # أما الطريق الأول فقد بيناه في آخر الفصل الأول بما يكفي في البيان لأولي ~~الأذهان وسيأتي في مطاوي هذا الفصل له مزيد تبيان إن شاء الله. # وأما الطريق الثاني: فنقول إن الإمامية وجملة من فرق الشيعة متفقون على ~~أن المنصوص عليه من الله ومن الرسول (صلى الله عليه وآله) بالإمامة بعد ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو علي بن أبي طالب (عليه السلام) فيكون ~~هو الإمام بعده (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ لا ms126 نص على غيره باتفاق الأمة، ~~وزعم ابن أبي الحديد وشيوخه المعتزلة كالأشاعرة أنه لا PageV00P179 # نص على علي (عليه السلام) بالإمامة صريحا يقطع العذر ويقيم الحجة وإنما ~~كان هناك تلويح لا تصريح وتعريض لا توضيح لا تثبت به الحجة القاطعة ~~للمنازعة وإنما طلبها بالأفضلية والقرابة من الرسول (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، والأشاعرة قالوا بعدم النص على علي (عليه السلام) وأن أبا بكر أحق ~~منه بالخلافة لأنه أفضل، وغير ذلك. مما تصدى قوم من أصحابنا لإبطاله ~~وأبطلوه، وستسمع في كلامنا إفساده بحول الله وقوته، فلنجعل أصل المناظرة ~~هنا مع ابن أبي الحديد ونقتصر من النصوص على جملة مما رواه هو وصححه، أو ما ~~روى في الكتب الصحيحة بزعمه وقبل ذكر النصوص لا بد من بيان معنى النص في ~~هذا المقام فنقول: المراد بالنص في هذا الموضع الأمر الدال على الإمامة ~~بالصريح من فعل وقول، فالفعل مثل تأهيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~رجلا لإمرة لا يصلح ذلك الفعل إلا له (صلى الله عليه وآله وسلم)، مثل أن ~~يعلم من قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه لا يبلغ عنه الأمر ~~الفلاني مثلا إلا من كان صالحا لأن يقوم مقامه فيبعث رجلا للتبليغ عنه فإنه ~~يعلم بهذا الفعل أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أهله لمقامه من بعده ورشحه ~~لخلافته ويكون المخالف له رادا للنص وطاعنا فيه، والقول ما أفاد معنى ~~الإمامة إما بلفظها أو ما يقاربه في المعنى كلفظ الإمرة والإمارة وما ~~شاكلهما، أو بلفظ الوصي والخليفة والوزير وشبهه، أو بلفظ الطاعة مثل أن ~~يقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلان إمام بعدي أو أميركم وشبههما، ~~أو هو وصيي وخليفتي أو طاعته طاعتي، أو هو وزيري، أو أن يقول هو مثلي أو ~~تمسكوا به من بعدي، أو هو وليكم، أو منزلته مني منزلة فلان من فلان ويشير ~~إلى خليفة نبي فهذه الألفاظ كلها دالة على الإمامة فهي نصوص صريحة فيها من ~~غير ضم شئ إليها داخلي أو خارجي، ms127 ومثلها فلان وارثي فلان أحق بمقامي أولى ~~بي فلان المختار بعدي فلان سيد أمتي، وقد يفيدها ألفاظ أخر كقول النبي (صلى ~~الله PageV00P180 # عليه وآله وسلم) فلان أحبكم إلى الله فلان أعلمكم فلان أقربكم إلى فلان ~~أشدكم جهادا أو أكثركم فلان لا يزال على الحق فلان خير أمتي، فهذه الألفاظ ~~تدل على الإمامة بضم اشتراط العصمة والأفضلية والأعلمية والأقربية إلى ~~الرسول (صلى الله عليه وآله) في الإمام ولا يعرف في النص على الإمامة أوضح ~~من هذه المذكورات، ومن طلب لذلك لفظا أوضح منها أو مثلها في هذا الباب لم ~~يجده، ومن شك فقد نازع مقتضى عقله وأخرج اللفظ عن معناه وصرفه في غير ~~مؤداه، وهذا لا يعجز عنه أحد من العارفين بفنون الكلام حتى في كلمتي ~~الشهادتين (لا إله إلا الله محمد رسول الله) لكنه بدون قرينة صارفة عن ~~الحقيقة عين العناد ومنه يجئ الباطل والفساد، والمعاند لا يلتفت إليه، وكيف ~~يستفاد نص أبي بكر على عمر بالخلافة من قوله إني عهدت إلى عمر بن الخطاب ~~ويعرف منه استخلافه ولا يعرف من قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لرجل ~~مخصوص هو وصيي النص عليه بالاستخلاف وكلا اللفظين بمعنى واحد؟ فإن عهدت إلى ~~فلان بمعنى أوصيت إليه كما نص عليه أهل اللغة فما ظنك بغيره من الألفاظ ~~التي ذكرت مما هو أصرح منه وهل يجوز لعاقل أن يقول أنا أفهم من قول أبي بكر ~~إني عهدت إلى عمر أنه استخلفه ولا أفهم من قول رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) (علي وصيي) أنه استخلفه؟ فكيف بقوله: (علي إمامكم بعدي علي ~~خليفتي على أمتي) (1) إلى غير ذلك من الألفاظ الصريحة؟ وهل يرتاب عاقل في ~~إفادتها النص بالخلافة وهو قد قطع بنص أبي بكر على عمر باللفظ المذكور إلا ~~أن يسلك مسلك العناد الذي لا دواء له، نعوذ بالله من طاعة الهوى، # PageV00P181 # فإذا تقرر ذلك وانتقش معناه في صحيفة قلبك فاعلم أنه قد ورد عن النبي ~~(صلى الله عليه وآله) النص على ms128 أمير المؤمنين بالإمامة بالفعل والقول بتلك ~~الألفاظ وما أدى معناها وغيرها مما يدركه المتتبع لكتب الأخبار وكتب ~~الاستدلال في الإمامة، فالفعل الصريح في النص. # منه: أخذ النبي (صلى الله عليه وآله) سورة براءة من أبي بكر وعزله عنها ~~بعد أن بعثة بها ليقرأها في الموسوم وينفذ حكمها نيابة عن الرسول (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وبعثه عليا (عليه السلام) بها لذلك مع قوله لأبي بكر لما ~~سأله أنزل في شئ قال: (لا، لكن لا يبلغ إلا أنا أو رجل مني) (1) والقضية ~~معلومة لا شك فيها عند الأمة وهي كما كانت دالة على إمامة علي (عليه ~~السلام) لأنه المبلغ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى الأمة كذلك هي ~~دالة على نفي صلاحية غيره للإمامة لأنها ناصة على أنه لا يصلح أن يبلغ عن ~~النبي (صلى الله عليه وآله) بعض آيات من سورة # PageV00P182 # براءة إلى أهل مكة ولم يرتضه الله لذلك ولم يجعله له أهلا، فكيف يرتضيه ~~الله للرئاسة العامة وهي التبليغ عن النبي (صلى الله عليه وآله) للأمة جميع ~~أحكام شريعته في الدماء والأموال والفروج وإنفاذها فيهم؟ لأن الإمام هو ~~المبلغ عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أحكام الشريعة إلى أمته ~~والقائم بتنفيذها فيهم لا معنى للإمامة غير هذا يقينا، ومن لم يرتضه الله ~~لتبليغ بعض الأحكام القليلة لأناس من الأمة عن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فبالأولى أن الله لا يرتضيه لتلك الرئاسة العامة والمنزلة الجليلة، ~~ولما كان علي (عليه السلام) هو المرتضى للتبليغ عن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) من دون تخصيص وأن حاله في ذلك كحال الرسول (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فهو القائم مقامه في التبليغ إلى الأمة، كان هو الإمام المرتضى لتلك ~~الرئاسة الكبرى والأمر في ذلك واضح لا يخفى على ذي حجي فكيف على خصومنا وهم ~~من الفضلاء لولا ما وقع على أفهامهم من ظلمات الشبهات فحالت بينها وبين ~~إبصار الأمور الظاهرة والحق الواضح. # ثم أن قول النبي (صلى الله ms129 عليه وآله) (أو رجل مني) إما أنه يريد أنه منه ~~في قرابة النسب فيكون ذلك حجة لنا على ما نقول من أن الإمام يجب أن يكون من ~~ذوي قربى الرسول (صلى الله عليه وآله) ومن لم يكن من ذوي قرابته لا يصلح ~~لخلافته أو أنه بالاتباع كقوله تعالى حكاية عن إبراهيم الخليل (عليه ~~السلام): [فمن تبعني فإنه مني] (1) وقد قال الله سبحانه وتعالى [قل إن كنتم ~~تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله] (2) ومحبة الله سبحانه وتعالى لعلي (عليه ~~الصلاة والسلام) ومحبته لله تعالى ثابتة بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~يوم خيبر: (يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله) # PageV00P183 # وقرابته لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثابتة بالنسب واتباعه له ~~مما لا يختلف فيه اثنان ولذا كان المخصوص بتبعية الرسول (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وبمحبة الله تعالى فهو الإمام المرتضى بنص الله، القاطع ونص ~~رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) المثبت للحجة والمزيل للأعذار الواهية، ~~فإنه على كلا التقديرين في معنى " مني " يوجب خروج غيره عن صلاحيته للإمامة ~~كما سمعت، فأي نص يريد ابن أبي الحديد على إمامة علي (عليه السلام) أصرح من ~~هذا النص الصريح. ولعمري أن هذه القصة المتفق عليها (1) كافية في النص على ~~إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) ونفي إمامة غيره عند أولي الألباب، ولا ~~يحتاجون في ذلك إلى غيرها وإن كان موجودا قد طبق الآفاق والاعتذار في هذا ~~بأن عادة العرب إذا عقدوا بينهم عقدا وعهدا لا يقوم بتبليغه إلى المعاهدين ~~إلا العاقد أو من هو قريب منه في النسب كالأخ وابن العم فجرى الأمر في ~~براءة على قاعدة العرب فلم يكن فيه دلالة على إثبات مقام النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) لعلي مطلقا ونفي أبي بكر عن صلاحيته له مطلقا كما قاله ~~المعتزلة والأشاعرة اعتذار واهن وتعلق بما لا ينفع كتعلق الغريق بالحشيش ~~ودفع للنص بالشبهات الركيكة، لأنا نقول لهم: أولا إنكم علمتم أن النبي (صلى ~~الله عليه وآله) لا يعمل في أمر الدين ms130 والدنيا وتقديم أحد أو # PageV00P184 # تأخيره بعادات العرب أهل الجاهلية ولا يعتمد عليها ولم يأمره الله بذلك ~~بل نهاه في كثير من الآيات عن ذلك مثل قوله تعالى [ولا تطع من أغفلنا قلبه ~~عن ذكرنا] (1) وقوله: [ولا تتبع أهواء الذين لا يؤمنون] (2) وغير ذلك، ~~وإنما اعتماده في كل الأشياء على قواعد دين الله دون قواعد الجاهلية ~~وعاداتها كيف لا والله تعالى يقول في حقه [وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي ~~يوحى] (3) فأبطلت هذه الآية وما قبلها ما ادعاه الخصوم من كون عزله عن ~~براءة وبعث علي (عليه السلام) بها جاريا على عادات العرب وأثبتت أنه لبيان ~~استحقاق مقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعدم استحقاقه على أبين وجه، ~~وأيضا لو كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك مراعيا لعادات العرب ~~لبعث ببراءة من أول الأمر رجلا من أقاربه كعلي (عليه السلام) أو عمه العباس ~~أو عقيل أو غيرهم من بني هاشم فإنهم كانوا معه في المدينة، وهو (صلى الله ~~عليه وآله) عالم بعادات العرب ولم يبعث أبا بكر بها ثم كيف يعقل أن الله ~~يأمر نبيه (صلى الله عليه وآله) وسلم بأن يجري على عادات أهل الجاهلية وهو ~~قد بعثه لإزالتها وإماتتها بدين حنيفي وملة إسلامية لا يقبل الله سواها، ~~وقد قال (صلى الله عليه وآله) (إن الله أذهب بالإسلام نخوة الجاهلية ~~وتفاخرها بأنسابها) (4) وهو معلوم من قوله (صلى الله عليه وآله) لا ريبة ~~فيه وقال الله وجل وعلا مخاطبا له [اتبع ما أوحي إليك من ربك] (5) ولم يقل ~~اتبع عادات العرب وبعد فأي نبي بعثه # PageV00P185 # الله باتباع عادات الكفرة وأهل الجاهلية حتى يكون سيد الرسل (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) كذلك فنسبه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى العمل ~~بعادات أهل الجاهلية، ونسبة الله إلى أمره نبيه بذلك نسبة قبيحة مخالفة ~~للعقل والنقل من الكتاب والسنة توجب الخروج من الدين والبعد من الملة ~~الإسلامية لا يجوز لمسلم أن يدعيها ولا يجترئ مؤمن على اعتقادها ms131 لمخالفتها ~~الكتاب والسنة وضرورة العقل لكن ذلك ليس بكثير على الخصوم، وحيث بطل ما ~~ادعوا صح أن القصة دالة على ما ذكرناه من بيان مستحق مقام النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) ومن لا يستحق دون ما ذكروه لبطلانه بالأدلة القطعية ونقول ~~لهم ثانيا إذا كان بعث النبي (صلى الله عليه وآله) عليا (عليه السلام) ~~ببراءة وعزله أبا بكر عنها كان جاريا على عادة العرب لأن عادتهم جرت بأن ~~إبلاغ العهود لا يكون إلا للعاقد أو أحد من أقاربه كما قلتم وجب أن تجري ~~الإمامة ذلك المجرى فإن العرب قد جرت عادتهم واستقرت بأن مقام الرجل الشريف ~~من بعد موته يكون لا قرب الناس إليه لا سيما من يقوم مقامه في حياته من ذوي ~~قرابته، ولم تجر عادتهم بإعطاء مقامه الأباعد فوجب أن يكون الإمام بعد ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا (عليه السلام) دون غيره على عادة ~~العرب لأنه أقامه مقامه في حياته وهو أقرب الناس إليه ويجب لذلك أن يكون ~~تخصيص الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا بتبليغ براءة نصا منهما ~~على أن عليا (عليه السلام) هو القائم مقام النبي (صلى الله عليه وآله) بعد ~~وفاته دون باقي أقاربه لإقامته إياه مقامه في حياته فلا ينازعه أحدا من ~~أقارب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في مقام النبي (صلى الله عليه ~~وآله)، وأما أبو بكر فإنه خارج بعادة العرب عن خلاقة النبي (صلى الله عليه ~~وآله) على كل حال فما خرجت القصة على دعواكم عن كونها نصا على استخلاف أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) بعد النبي (صلى الله عليه وآله) بلا فصل، ~~PageV00P186 # وعدم صلاحيته لذلك المنصب وليس في ذلك خفاء، ودعوى القوشجي في شرح ~~التجريد أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يدفع براءة إلى أبي بكر ثم عزله ~~عنها بعلي (عليه السلام) وإنما بعثه أميرا على الموسم وأردفه بعلي عليه ~~السلام) ليقرأ براءة، مخالف لما شاع وذاع وتواتر في القصة بين المفسرين ~~وأهل السيرة واستفاض ms132 في روايات محدثيهم، ولسنا نشك أنه كلام مختلق موضوع ~~ويدل على ذلك مضافا إلى شهرة القصة ما سيأتي من احتجاج عبد الله بن عباس ~~على عمر بن الخطاب في تفضيل علي (عليه السلام) على أبي بكر بعزله عن براءة ~~بعلي (عليه السلام) فلم ينكره عمر ولا ادعا خلافه، على أن ذلك لا يدفع ~~حجتنا لأنا نقول على هذه الدعوى أن غيره لا يصلح للتبليغ عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله) في شئ من الأحكام ولو صلح لذلك لاعطاه براءة وأمره ~~بتبليغها وإذا لم يصلح لأن يبلغ عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته ~~بعض الأحكام إلى قوم خاصين من الأمة لم يصلح بالضرورة للقيام مقام النبي ~~(صلى الله عليه وآله) بعد وفاته في تبليغ جميع الأحكام لكل الأمة فلا فرق ~~في ذلك بين عدم تأميره عليها من أول الأمر وبين عدم إقراره عليها بعد ~~التأمير لإفادة الأمرين معنى واحدا كما عرفت، وما توهمه القوشجي من الفرق ~~بين الحالين تجاهل وتغافل. # وأما ابن أبي الحديد فعنده كغيره منهم إن عزل أبي بكر عن براءة ثابت ~~كالشمس المنيرة صرح به في كتبه وأشعاره (1) وعلى كل حال يكون إعطاء النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) عليا (عليه السلام) براءة إن كان من أول الأمر ~~وإن كان بعد عزل أبي بكر عنها إعلاما للناس وإفهاما لهم إنه لا # PageV00P187 # يصلح للتبليغ عنه أحكام الشريعة وعهود المعاهدين غيره فهو القائم مقامه ~~في حياته فيجب أن يكون خليفته بعده والمؤدي عنه لأمته وهو المطلوب، وهذا ~~بحمد الله واضح لكن المتجاهل عن الحق والمقلد لأسلافه لا حيلة فيه. # ومن الفعل: الصريح الناص على إمامة أمير المؤمنين وأنه لا يجوز أن يتقدم ~~عليه في الإمامة أحد بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن النبي (صلى ~~الله عليه وآله) أمر الأمراء من أصحابه على غير علي (عليه السلام) ولم يؤمر ~~عليه أحدا فما خرج أمير المؤمنين (عليه السلام) في جيش ورسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) ليس في ms133 ذلك الجيش إلا وعلي (عليه السلام) هو الأمير على ~~الجيش، ولا بعثه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى بلد إلا وهو أمير على ~~من بها من الصحابة وغيرهم، ولا خلفه في المدينة إلا وهو خليفته فيها، وهذا ~~أمر معلوم لا يشك فيه عاقل، وقد روى ابن أبي الحديد عن الواقدي قال سئل ~~الحسن - يعني البصري عن علي (عليه السلام) وكان يظن به الانحراف عنه ولم ~~يكن كما يظن فقال: " ما أقول فيمن جمع الخصال الأربع، ائتمانه على براءة، ~~وما قال له في غزاة تبوك فلو كان غير النبوة شئ لاستثناه، وقول النبي (صلى ~~الله عليه وآله) الثقلان كتاب الله وعترتي، وأنه لم يؤمر عليه أمير قط ~~وأمرت الأمراء على غيره " (1) انتهى ومن هذا يعلم أن دعوى القوشجي تأمير ~~أبي بكر على علي (عليه السلام) يوم بعثه ببراءة باطلة كسائر دعاويه ~~المزخرفة الفاسدة التي لا تحتاج في بطلانها إلى إكثار القول ونقل الحجج، ~~ويعلم منه أيضا بطلان دعوى ابن أبي الحديد أنه لم يرو عزل أبي بكر عن إمارة ~~الموسم إلا الشيعة، فإن روايته المذكورة عن الواقدي عن الحسن مصرحة بأن ~~عليا (عليه السلام) لم يؤمر عليه أحد قط فلو كان أبو بكر أمير الموسم وعلي ~~فيه لكان أبو بكر أميرا # PageV00P188 # عليه وحصل التناقض في القول، وابن أبي الحديد مصدق لقول الحسن غير طاعن ~~فيه، فإثباته لرواية محدثيهم زعم إمارة أبي بكر على الموسم وطعنه في رواية ~~عزله عنه ونسبتها إلى الشيعة خاصة مناقضة في قوليه إما لجهل أو تجاهل، وعل ~~هذا فتكون رواية الشيعة أرجح لأن مثل الحسن والواقدي وأمثالهما من العامة ~~قد وافقهم، والثانية باطلة مردودة لاختصاص جماعة منهم بها، وصح من كل ذلك ~~أن عليا (عليه السلام) لم يؤمر عليه أحد من الصحابة في حال من الأحوال، ~~وتقرير النص من هذا الفعل: أن النبي (صلى الله عليه وآله) حيث لم يؤمر على ~~علي (عليه السلام) أحد دل ذلك من فعله أنه لا يجوز أن يتأمر على علي ms134 (عليه ~~السلام) أحد من الصحابة وأن يجوز له التأمر عليهم، وإذا لم يصح ان يتأمر ~~عليه أحد من الأمة في زمان النبي (صلى الله عليه وآله) لم يصح ذلك لأحد بعد ~~موت النبي (صلى الله عليه وآله) إذ لا فرق بين الحالين، وإذا لم يجز لأحد ~~التأمر على علي (عليه السلام) في حال من الأحوال وجب أن يكون هو أمير الأمة ~~بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) فهو الإمام لا محالة بعده ولا يجوز لأحد ~~التقدم عليه إذ ليس إلا أمير مطاع أو مأمور مطيع كما رووه عنه وما سواهما ~~خارج من الملة، ولما كان غيره كأبي بكر وعمرو وعثمان وأبي عبيدة وأضرابهم، ~~ممن أمر عليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) غيرهم كان ذلك دالا على ~~جواز تقدم الغير عليهم فلا يكونون أئمة، وهذا الفعل كسابقة نص على إمامة ~~علي (عليه السلام) كما هو نص على صلاحية غيره للإمامة لدلالته على عدم جواز ~~تقدم الغير عليه ففيه وفي سابقة الكفاية في النص لابن أبي الحديد لو كان ~~ينصف، اللهم إلا أن يريد منا نصا مثل النص الذي أراده أهل مكة من النبي ~~(صلى الله عليه وآله) في قولهم: [أو تأتي بالله والملائكة قبيلا] (1) فيقول ~~لنا جيئونا بالنبي (صلى # PageV00P189 # الله عليه وآله وسلم) لنشاهده ويقول لنا أنا فعلت ذلك لأعلم الناس أن ~~عليا (عليه السلام) هو الإمام بعدي والقائم مقامي وأن الإمامة لا تجوز ~~لغيره وإني بذلك الفعل قد نصصت عليه فحينئذ نقر بالعجز عن هذا ونقول إنما ~~علينا أن نأتيكم من فعل النبي (صلى الله عليه وآله) بدليل وشاهد ونقيم ~~عليكم حجة من قول النبي (صلى الله عليه وآله) ويكون جوابنا هنا لهم شبيها ~~بجواب النبي (صلى الله عليه وآله) لأولئك المقترحين عليه وهو قوله تعالى: ~~[قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا] (1) وليت شعري كيف يفهم عويم بن ~~ساعدة الأنصاري الأوسي استخلاف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأبي ~~بكر من أمره له بالصلاة كما ms135 ذكره عنه ابن أبي الحديد (2) وغيره ويفهم عمر ~~رضا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأبي بكر لديهم وتقديمه عليهم من ~~ذلك كما هو مشهور من قوله ولا يفهم من ذينك الفعلين الواضحين إرادة الله ~~ورسوله استخلاف علي (عليه السلام) وتقديمه، ما هذا إلا تحير في المعلومات ~~وشك في الواضحات وذلك من أعظم الغفلات نسأل الله العصمة عن طاعة الهوى، على ~~أن الصلاة لا يشترط عندهم في إمامها العدالة فضلا عن الأفضلية فلو صح أن ~~النبي (صلى الله عليه وآله) أمره بالصلاة ولم يفد على قولهم عدالته فكيف ~~يفيد أفضليته وخلافته، وأنى ودون صحته خرط القتاد وكيف يصح وأمير المؤمنين ~~ينكره ويقول إن الأمر صدر من عائشة كما رواه ابن أبي الحديد (3) وقد صح ~~عنده (أن عليا مع الحق والحق معه) (4) فما ينكره علي لا يكون إلا # PageV00P190 # حقا فأمر أبي بكر بالصلاة غير صادر عن النبي (صلى الله عليه وآله) قطعا ~~بخلاف الأمرين المذكورين الثابتين من فعل رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بعلي (عليه السلام) لأنهما لا يحتملان إلا إرادة التقديم على الغير ~~والاستخلاف كما بيناه ودفعنا به تعليلات القوم العليلة. # وأما القول: فالوارد منه بلفظ الإمامة جملة من الأخبار عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله) منه قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) (علي إمام البررة ~~وقاتل الكفرة منصور من نصره مخذول من خذله) رواه الحاكم بسنده عن جابر بن ~~عبد الله الأنصاري (1) وهو ممن لا يقدح الخصوم في روايته لأنه من أكابر ~~محدثيهم. # ومنه ما رواه ابن أبي الحديد عن أبي نعيم الحافظ الاصفهاني في حلية ~~الأولياء عن أنس بن مالك في حديث قال فيه له رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) (أول من يدخل عليك من هذا الباب إمام المتقين وسيد المسلمين ويعسوب ~~الدين وخاتم الوصيين وقائد الغر المحجلين) قال أنس فقلت اللهم اجعله رجلا ~~من الأنصار وكتمت دعوتي فجاء علي (عليه السلام) فقال (صلى الله عليه وآله) ~~(من جاء يا أنس)؟ فقلت علي ms136 (عليه السلام) فقام إليه مستبشرا فاعتنقه ثم جعل ~~يمسح عرق وجهه فقال علي (عليه السلام) يا رسول الله لقد رأيت منك اليوم ~~تصنع بي شيئا ما صنعته قبل قال (صلى الله عليه وآله) (وما يمنعني وأنت تؤدي ~~عني وتسمعهم صوتي وتبين لهم ما اختلفوا فيه بعدي) (2) وهذا الحديث دال على ~~أن المؤدي عن النبي (صلى الله عليه وآله) المبين للأمة ما اختلفوا فيه # PageV00P191 # من بعده هو صاحب الأوصاف المتقدمة في صدر الحديث من كونه إمام المتقين ~~إلى آخرها وهو المستحق لها دون من سواه ممن لا يصلح للأداء عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله) تسع آيات من سورة براءة. # ومنه: ما رواه عنه في الكتاب المذكور عن أبي بردة الأسلمي أن رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) قال: (إن الله عهد إلي في علي عهدا فقلت: يا رب بينه ~~لي قال: اسمع إن عليا راية الهدى وإمام أوليائي ونور من أطاعني وهو الكلمة ~~التي ألزمتها المتقين من أحبه فقد أحبني ومن أطاعه فقد أطاعني فبشره بذلك ~~فقلت بشرته يا رب فقال: أنا عبد الله وفي قبضته فإن يعذبني فبذنوبي لم يظلم ~~شيئا أن يتم لي ما وعدني فهو أولى وقد دعوت له فقلت: اللهم اجل قلبه واجعل ~~ربيعه الإيمان بك قال: قد فعلت ذلك غير أني مختصة بشئ من البلاء لم أختص به ~~أحدا من أوليائي فقلت رب أخي وصاحبي قال: إنه سبق في علمي أنه لمبتل ومبتلى ~~به) (1). # وبإسناد آخر بلفظ آخر في الكتاب المذكور عن أنس بن مالك عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله): (إن رب العالمين عهد إلي في علي عهدا أنه راية الهدى ~~ومنار الإيمان وإمام أوليائي ونور جميع من أطاعني إن عليا أميني غدا يوم ~~القيامة فصاحب رايتي، بيد علي مفاتيح خزائن رحمة ربي). # وفي الكتاب المذكور قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (مرحبا بسيد ~~المؤمنين وإمام المتقين) فقيل لعلي (عليه السلام) كيف شكرك؟ فقال أحمد الله ~~على ما أتاني وأسأله الشكر على ما ms137 أولاني وأن يزيدني مما # PageV00P192 # أعطاني) (1). # وقال ابن أبي الحديد: روى ابن ديزيل، قال: حدثنا زكريا بن يحيى قال: # حدثنا علي بن القاسم عن سعيد بن طارق عن عثمان بن القاسم عن زيد بن أرقم ~~قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (ألا أدلكم على ما إن ~~تسالمتم عليه لم تهلكوا إن وليكم الله وإمامكم علي بن أبي طالب فناصحوه ~~وصدقوه فإن جبرائيل أخبرني بذلك) فهذه الأحاديث الصحيحة عند الخصم كلها ~~ناصة على علي (عليه السلام) بالإمامة ومصرحة بأنه إمام البررة وإمام ~~المتقين وإمام الأولياء وإمام الصحابة كما هو نص حديث زيد بن أرقم وصريحها ~~أن من كان من المتقين البررة وأولياء الله وأصحاب الرسول (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فإمامه علي (عليه السلام) ومن لم يكن إمامه عليا (عليه السلام) ~~فليس من المتقين البررة ولا من الأولياء ولا من الصحابة بل هو خارج عن هذه ~~المراتب الشريفة وداخل في أضدادها فكيف تجوز لهم الإمامة وقد جعلهم الله ~~ورسوله (صلى الله عليه وآله) مأمومين فأي نص أوضح من هذه النصوص على ما ~~ندعيه من إمامة أمير المؤمنين علي (عليه السلام) من بعد النبي (صلى الله ~~عليه وآله) وأي صريح أصرح منها في ذلك؟ ويعجبني من ابن أبي الحديد قوله بعد ~~نقله حديث زيد بن أرقم: " فإن قلت: هذا نص صريح في الإمامة فما الذي تصنع ~~المعتزلة بذلك؟ قلت: يجوز أن يريد به أنه إمامهم في الفتاوى والأحكام ~~الشرعية لا في الخلافة " (2) انتهى وهذا الجواب مع أنه حرف اللفظ عن معناه ~~وعدول به عن نصه من غير سبب داع إلى ذلك كما هي عادة هؤلاء القوم فيكون ~~فاسدا لا يدفع ما نقوله ولا يرد ما ندعيه لأن دعوانا إنما هو وجود النص من ~~الله ومن # PageV00P193 # الرسول (صلى الله عليه وآله) على علي (عليه السلام) بالإمامة الذي كان ~~ابن أبي الحديد وأصحابه ينكره وكذلك إخوانهم من الأشاعرة ومضاهوهم ينكرون ~~وها هو موجود كما ندعي فثبت مدعانا وبطل إنكارهم، ولسنا ندعي عليه ms138 وعلى ~~أصحابه وأمثالهم أنهم يقفون على النص ولا يتعدونه ولا يخرجونه عن معناه ~~بآرائهم ولسنا ننكر منه تحريفهم الكلم عن مواضعه، بل نقر لهم بأن المعروف ~~من سيرتهم والمعلوم من طريقتهم لكنه عين العصبية والعناد المنهي عنه في ~~الدين. # ثم يقال لابن أبي الحديد: جميع أهل العلم لا يعرفون من معنى الإمام ~~الشرعي إلا الرئيس العام على الأمة في إنفاذ الأحكام الشرعية، ولا يعرف ~~الصحابة من لفظ الإمام إذا أطلق إلا هذا المعنى كما بيناه سابقا، وهذا هو ~~الخليفة البتة وليسوا يعرفون من معنى الإمامة الشرعية إلا الرئاسة العامة ~~في أحكام الدين على سائر المكلفين وتلك هي الخلافة عن الرسول (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) لا محالة، وتسمية المفتي إماما إنما هو اصطلاح حدث بعد مضي ~~أكثر من خمسمائة سنة من الهجرة بسبب ذكره بعض الشافعية في كلام طويل ولم ~~يكن قبل ذلك معروفا فلا يصح حمل الإمام في الأحاديث النبوية عليه يقينا، ~~وقد أوضحنا فيما سبق أن الإمام العام هو العالم بأحكام الدين وموضحها ~~للمكلفين ومن سواه ليس بإمام عام، على أن لفظ الخبر وهو قوله: (صلى الله ~~عليه وآله): (ما إن تسالمتم عليه لم تهلكوا) أي توافقتم ثم إتيانه بلفظ ~~الإمام بعد قوله: (إن وليكم الله) لا يحتمل إلا إرادة الرئيس العام لا ~~غيره، ويزيده وضوحا قوله: (صلى الله عليه وآله) : (فناصحوه وصدقوه) إذ ~~المناصحة لا محصل لها ولا موقع خصوصا إذا كانت مطلوبة من جميع الناس كما هو ~~صريح اللفظ إلا للإمام العام الذي هو الخليفة، ويؤكده زيادة أيضا قوله (صلى ~~الله عليه وآله): (فإن جبرائيل أخبرني بذلك) فإنه (صلى الله عليه وآله) قصد ~~بهذا القول PageV00P194 # إخبارهم بأن نصه على علي (عليه السلام) بالإمامة بوحي من الله إليه لا من ~~قبل نفسه وليس يحتاج إلى بيان هذا إلا إذا كان المقصود من الإمامة المعنى ~~المطلق لا معنى خاصا وهذا ظاهر لكل ذي فهم، وأما الإمامة بمعنى الرئاسة في ~~غير الأحكام الشرعية التي هي أحكام الدين فغير معروفة ms139 عند أحد من الصحابة ~~ولا من الفقهاء والمتكلمين بأنها إمامة شرعية وأنها خلافة الرسول (صلى الله ~~عليه وآله وسلم)، وإنما تعرف بأنها ملك جبري وسلطان جوري، فإذا أقررت بأن ~~عليا هو الإمام في أحكام الدين بنص الخبر لزمك الإقرار بأنه خليفة الرسول ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) إذ لا خلافة في الشرع غير الإمامة في أحكام ~~الدين، ولزمك إذا جعلت غيره خليفة في غير الأحكام الشرعية الإقرار بأنه ليس ~~بإمام من أئمة الدين فهو غير واجب الطاعة على المكلفين ولا لازم المناصحة ~~على المؤمنين فليس بإمام شرعي فلا يكون خليفة الرسول، لأن الخلافة هي ~~الإمامة العامة في الدين والأحكام الشرعية، بل هو سلطان جائر دنيوي فما زدت ~~بجوابك على أن أثبت إمامة صاحبنا وأوضحت النص عليها وأخرجت غيره من الإمامة ~~الشرعية وأدخلته في الرئاسة الدنيوية لا الدينية وذلك هو مطلبنا الأهم ~~وغرضنا المقدم، والذي كنا نناضل الفرق المخالفة عليه، إذ لسنا نزيد في ~~القول على أن من عداه ليس بإمام في أحكام الدين تجب طاعته والاقتداء به ~~فيها، وأن الإمام في ذلك كله هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه ~~السلام) وأنه ظلم واغتصب حقه وصريح قولك الاعتراف بدلالة الخبر على قولنا ~~وذلك هو المراد، فكأنك بما قلت قد قلدت جيد مذهبنا قلائد النور وخلعت على ~~قولنا خلع السرور، ثم يقال له أيضا: ألست حكمت بما قلت: بأن عليا (عليه ~~السلام) إمام أبي بكر في الأحكام الشرعية كما هو إمام غيره من الصحابة ~~فيها، وأن أبا بكر إمام علي (عليه السلام) لأنه الخليفة فحينئذ يكون كل من ~~علي وأبي بكر إماما ومأموما في حال واحدة كل PageV00P195 # منهما واجب الطاعة على الثاني، وهل سمعت ورأيت رجلا إماما لغيره في حال ~~وذلك الغير إمام لذلك الرجل في تلك الحال؟ وهل وجد ذلك في شرائع النبيين؟ ~~أو عقل عند ذوي العقول المنصفين؟ كلا بل هذا تناقض لا تجوز العقول حصوله، ~~وتضاد لا تحتمل جمعيه لأن اجتماع المتضادين واتلاف المتناقضين مما يمتنع في ms140 ~~العقل ولا يعرفه أهل العلم والفضل، فيكون القول المستلزم له باطلا فيجب أن ~~يكون الإمام في الأحكام الشرعية لجميع المسلمين وهو الخليفة للرسول (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) لئلا يلزم التناقض والتضاد اللذان لا يجوزان عقلا ولا ~~شرعا، ثم نقول له أيضا إنك حيث قلت أن عليا إمام الصحابة في الفتاوى ~~والأحكام الشرعية والإمام هو الذي يجب على المأمومين الاقتداء به ولا يجوز ~~لهم مخالفته فأخبرنا عن إمامك أبي بكر هل أخذ في إبطال دعوى فاطمة بنت رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في فدك بفتوى إمامه علي (عليه السلام) في ~~الأحكام؟ أم بخلاف فتواه؟ وكذلك في رده شهادته لفاطمة (عليه السلام) وفي ~~منعها ميراثها؟ وفي درءه الحد عن خالد بن الوليد لما قتل مالك بن نويرة ~~وزنى بامرأته؟ وإحراقه الفجاءة السلمي وإسقاطه سهم أولي القربى من الخمس؟ ~~وتخلفه عن جيش أسامة، ورده عمر من الجيش؟ وغير ذلك من الأفعال (1) هل أخذ ~~بفتوى إمامه علي (عليه السلام) في جميعها أم بغير فتواه؟ فإن قال أخذ في ~~ذلك كله بفتوى علي (عليه السلام) فقد أبطل وأحال وادعى ما لا يعرف وما ~~يكذبه فيه كل أحد، وإن قال أخذ في ذلك وغيره بغير فتوى علي (عليه السلام) ~~بل بضدها كما هو المعلوم بين الأمة فيلزمه أحد الأمرين: إما إثبات المعصية ~~لأبي بكر لمخالفته فتوى إمامه في الفتوى، أو إخراج علي (عليه السلام) من ~~الإمامة في الفتاوى والأحكام الشرعية التي اعترف بصراحة الخبر فيها فيكون # PageV00P196 # قد كذب الخبر الصحيح عنده وأبطل ما حكم به، فليختر عز الدين عبد الحميد ~~من هذين الوجهين ما يريد يكفه في مناقضته نفسه وإبطال مذهبه وجرائته على ~~أئمته، فتبين لك من هذه الجملة الوافرة عصمة تلك الأخبار الصريحة عن ~~التأويل، وامتناعها عن القال فيها والقيل، وبها يتحقق النص على إمامة أمير ~~المؤمنين علي (عليه السلام)، ويبطل ما قاله ابن أبي الحديد، وأعجب من قوله ~~الأول قوله بعده: " وأيضا فإنا قد شرحنا من قول شيوخنا البغداديين ما ~~محصوله ms141 أن الإمامة كانت لعلي (عليه السلام) إن رغب فيها ونازع عليها، وإن ~~أقرها في غيره وسكت عنها تولينا ذلك الغير وقلنا بصحة خلافته، وأمير ~~المؤمنين لم ينازع الأئمة الثلاثة ولا جرد السيف ولا استنجد الناس عليهم " ~~(1) إلى آخر ما قال مما معناه إن أمير المؤمنين (عليه السلام) فعل ذلك لحكم ~~هو وأصحابه على المتقدمين عليه بالهلاك " (2) وفي هذا الكلام من الوهن ما ~~لا يخفي وهو من وجوه:. # الأول: حكمه عليهم بالهلاك لو نازعهم علي (عليه السلام) وهذا يناقض القول ~~بصحة إمامتهم بعد البيعة لهم كما يقوله هو وأصحابه لأن إمام الحق لا يجوز ~~قتاله ولا منازعته ولا تجريد السيف في وجهه، بل لا تجوز مخالفته في أمره ~~ونهيه، وإذا كانت إمامتهم صحتها موقوفة على رضاه لم يجز لهم عقدها قبل ~~حضوره ومشاورته فإن رغب فيها سلموها له وإن رضي بغيره عقدوها لذلك الغير ~~وشئ من ذلك لم يكن، فإنه (عليه السلام) لم يشاور في واحدة من بيعات الثلاثة ~~البتة بالاتفاق، وتصحيح هذا الخصم فإن عمر قد عقدها لأبي بكر في السقيفة ~~وعلي غير حاضر ولا مشاور ولازم قول المعتزلي أن بيعة أبي بكر في السقيفة ~~غير صحيحة لعدم مشاورة أمير المؤمنين # PageV00P197 # فإلزامه الناس بمبايعته بعد خروجه من السقيفة ظلم وعدوان، وعقدها أبو بكر ~~لعمر ولم يشاور عليا (عليه السلام) وعقدها عبد الرحمن بن عوف لعثمان بوصية ~~من عمر وعلي (عليه السلام) كاره، وكل ذلك معلوم لا نزاع فيه فتقع إمامتهم ~~على ما قال باطلة يصححها، ولازم قوله فسادها. # الثاني: قوله إن أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يستنجد الناس عليهم فإنه ~~دفع للمعلوم باللسان، فقد روي أن عليا أركب فاطمة على حمار وأخذ الحسن ~~والحسين، فما ترك أحدا من أهل السابقة إلا مضى إليه وذكر له حقه ودعاه إلى ~~نصرته على أبي بكر وأصحابه فعل ذلك ثلاث ليال في كلها لم يجبه إلا أربعة أو ~~خمسة (1) فمن فعل ذلك كيف يقال فيه أنه لم يستنجد الناس وأنه سكت عن طلب ~~الخلافة ms142 ورضي بخلافة غيره؟ # الثالث: إنه " قوله (عليه السلام) ما جرد السيف " وهذا باطل فإنه قد روي ~~أن الزبير جرد السيف بأمره (عليه السلام) وخرج شاهرا سيفه حين أتى عمر ~~وأصحابه بأمر أبي بكر واقتحموا على علي (عليه السلام) وأصحابه البيت ~~ليجالدهم بذلك السيف فأخذ من عنده، ونادى أبو بكر بأخذه اضرب به الحجر ~~ففعل، وساقوا عليا وأصحابه بالعنف الشديد، ومن المعلوم أن هذا تجريد للسيف ~~لكنه لم يجد على ذلك ناصرا ولا معينا فلا يجوز أن يقال فيه أنه ما جرد ~~السيف. # الرابع: قوله " ولم ينازعهم " فإن هذه دعوى كاذبة كذبا صراحا، وأي منازعة ~~أعظم مما جرى منه معهم وتخلفه عنهم معلوم واحتجاجه عليهم مشهور وطعنه فيهم ~~مواجهة بتظاهرهم على أخذ حقه مذكور وفي كتاب خصمنا وغيره مسطور؟ وسيأتي ~~بعضه في نقل حجته على ما يدعى من عدم النص إن شاء # PageV00P198 # الله تعالى ونذكر هنا قطعة صالحة من ذلك مما نبطل به دعواه فنقول قال في ~~كتابه (1) قال أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري، وأخبرنا أبو زيد عمر بن ~~شبة قال حدثنا إبراهيم بن المنذر عن ابن وهب عن أبي لهيعة عن أبي الأسود ~~قال غضب رجال من المهاجرين في بيعة أبي بكر وغضب علي والزبير فدخلا بيت ~~فاطمة معهما السلاح فجاء عمر في عصابة منهم أسيد بن حضير وسلمة بن سلامة بن ~~وقش (2) وهما من بني عبد الأشهل فصاحت فاطمة (عليها السلام) وناشدتهم ~~فأخذوا سيفي علي والزبير فضربوا بهما الجدار حتى كسروهما ثم أخرجهما عمر، ~~يسوقهما حتى بايعا وقال خصمنا (3) ابن أبي الحديد أيضا، " قال أبو بكر ~~وحدثنا أبو زيد عمر بن شبه وساق السند إلى سلمة بن عبد الرحمن قال: لما ~~أجلس أبو بكر على المنبر كان علي والزبير وناس من بني هاشم في بيت فاطمة ~~فجاء عمر إليهم وقال والذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقن البيت ~~عليكم فخرج الزبير مصلتا سيفه فاعتنقه رجل من الأنصار وزياد بن لبيد فدق به ~~فندر (4) السيف فصاح أبو ms143 بكر وهو على المنبر " اضرب به الحجر " (5) قال أبو ~~بكر الجوهري " وقد روي في رواية أخرى أن سعد بن أبي وقاص كان معهم في بيت ~~فاطمة والمقداد بن الأسود أيضا وأنهم اجتمعوا (عليه السلام) أن يبايعوا ~~عليا (عليه السلام) فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت فخرج إليه الزبير بالسيف ~~وخرجت فاطمة (عليها السلام) تبكي وتصيح " (6). # PageV00P199 # قال المعتزلي، وقال أحمد بن عبد العزيز الجوهري أيضا: # " وحدثنا ابن غفير قال: حدثنا أبو عون عبد الله بن عبد الرحمن عن أبي ~~جعفر محمد بن علي أن عليا (عليه السلام) حمل فاطمة على حمار وسار بها ليلا ~~إلى بيوت الأنصار يسألهم النصرة وتسألهم فاطمة الانتصار فكانوا يقولون: يا ~~بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد مضت بيعتنا لهذا الرجل لو كان ابن ~~عمك سبق إلينا أبا بكر ما عدلنا به، فقال علي (عليه السلام): أكنت أترك ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) ميتا في بيته لا أجهزه وأخرج إلى الناس ~~أنازعهم في سلطانه " (1). # قال وقال أبو بكر: " حدثنا أبو سعيد عبد الرحمن بن محمد وساق السند عن ~~الليث بن سعد قال: تخلف علي عن بيعة أبي بكر فأخرج ملببا (2) يمضي به رقصا ~~(3) وهو يقول معاشر المسلمين علام يضرب عنق رجل من المسلمين لم يتخلف لخلاف ~~" (4). # PageV00P200 # وهذه الأخبار وأضعافها مما رواه ابن أبي الحديد عن الثقاة عنده، وسيأتي ~~أيضا جملة أخرى منها إن شاء الله تعالى كلها دالة بأوضح دلالة على أن عليا ~~(عليه السلام) رغب في الخلافة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وطلبها ~~وطلبها له جماعة من أعيان الصحابة وحضروا ليبايعوه وجمعوا السلاح لولا أنهم ~~عوجلوا وغلب على أمرهم، وأنه (عليه السلام) نازع في خلافة أبي بكر أشد ~~المنازعة وجرد أصحابه السيف بأمره لقتال أتباعه، واستنجد الناس عليه ودعاهم ~~إلى حربه وإعانته على ذلك فاطمة بنت رسول الله (صلوات الله عليها) فلم يجد ~~منجدا ولا معينا، وأنه غير راض بخلافة أبي بكر ومصرحة بذلك أتم تصريح وأنه ~~ما سكت وكف، بل غلب ms144 وقهر وأخرج ملببا وأوعد بإحراق منزله وهو بيت النبوة، ~~وواضحة في أنه (عليه السلام) ما غمد السيف وترك المناهضة لأبي بكر واتباعه ~~إلا بعد أن تحقق عنده عدم الناصر له، فهو سكوت عن اضطرار لا عن رضا ~~واختيار، ولو لم توجد هذه الأخبار وأمثالها الدالة على ما ذكرناه لكان في ~~قوله (عليه السلام) المشهور عنه في خطبة النهج (فنظرت فإذا ليس لي معين إلا ~~أهل بيتي فضننت بهم عن الموت واغضيت على القذى وشربت على الشجى وصبرت على ~~أخذ الكظم وعلى أمر من طعم العلقم) (1) كفاية في الدلالة على أن علة سكوته ~~وكفه عن جهادهم فقده الناصر والمعين وليس عن رضا نفس، وأنه تجرع في صبره عن ~~ذلك ما هو أمر من العلقم فمن يقول هذا القول وأشباهه وهو كثير كيف يعقل أنه ~~كف عن رضا وسكت عن اختيار؟ ما هذا إلا تجاهل وتغافل؟ وقد وضح من هذه ~~الأخبار بطلان ما قاله ابن أبي الحديد أن عليا (عليه السلام) ما نازع ~~الثلاثة ولا طلب في أيامهم الخلافة واقض عجبا منه ومن أغاليظه حيث يروي هذه ~~الأخبار # PageV00P201 # وأمثالها مع كونها نصا في طلب أمير المؤمنين الخلافة وعدم رضاه بخلافة ~~الرجل وأنه أخرج من بيته مقهورا وطلب ناصرا فلم يجد، ثم يقول إن عليا (عليه ~~السلام) ما نازع أبا بكر ولا طلب الخلافة لنفسه في زمانه ولا جرد السيف ولا ~~استنجد الناس ولا ولا، فليختر ابن أبي الحديد الآن أحد وجهين لا محيص له عن ~~واحد منهما إما تكذيب هذه الأخبار التي صححها، أو تكذيب علي (عليه السلام) ~~فيما أخبر به عن نفسه من عدم الرضا بخلافة من تقدم عليه وأنه لم يكف عن ~~منابذتهم ومناجزتهم إلا لعدم المعين وفقدان الناصر فيكون قد كذب من هو مع ~~الحق والحق معه بروايته، وكذب ثقات المحدثين عنده، وإما أن يحكم ببطلان ~~خلافة من تقدم عليه ويجزم بخروجهم من الإمامة لعدم شرط صحتها عنده وهو عدم ~~رضا أمير المؤمنين (عليه السلام) بها كما تقدم في ms145 قوله، لأنا قد أقمنا ~~الأدلة الصحيحة لديه على عدم رضا علي (عليه السلام) بها بتمام التحقيق، وأي ~~الوجهين اختاره ابن أبي الحديد فقد أمكن الرأي من ثغرة نحره وذبح نفسه ~~بخنجره فليكن ذلك محققا. # وأما ما ورد بلفظ: الإمارة والإمرة فلم يورده ابن أبي الحديد ولكنه أورد ~~ما هو بمعناه وزيادة، ومن المعلوم أنه لا فرق بين أن يذكر الشئ أو يذكر ~~مرادفه فليس بين قولك جاءني بشر وجاءني إنسان أو حيوان ناطق فرق في إفادة ~~المعنى المقصود فها نحن نذكر ذلك عنه قال في أوائل شرح النهج: " وتزعم ~~الشيعة أن يعني عليا (عليه السلام) خوطب في حياة رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) بأمير المؤمنين خاطبه بذلك جملة المهاجرين والأنصار ولم يثبت ~~ذلك في أخبار المحدثين (1) إلا أنهم قد رووا ما يعطي هذا المعنى وإن لم يكن ~~اللفظ بعينه وهو قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) له (أنت يعسوب الدين ~~والمال يعسوب الظلمة)، وفي رواية أخرى (هذا يعسوب المؤمنين وقائد الغر # PageV00P202 # المحجلين) واليعسوب ذكر النحل وأميرها، روى هاتين الروايتين أبو عبد الله ~~أحمد بن حنبل الشيباني في المسند وفي كتابه في فضائل الصحابة ورواهما أبو ~~نعيم الحافظ في حلية الأولياء انتهى (1). # أقول: وقد مر ذكر هذه اللفظة في الأحاديث المذكورة أولا فراجع وفي رواية ~~أبي رافع عن أبي ذر من قول الرسول (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) ~~(وأنت يعسوب المؤمنين والمال يعسوب الكافرين) وستأتي بتمامها إن شاء الله ~~وقد اعترف ابن أبي الحديد كما سمعت في كلامه بأن معنى اليعسوب الأمير فثبت ~~من ذلك أن عليا (عليه السلام) أمير المؤمنين على لسان النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) إذ لا فرق بين اللفظ ومرادفه عند جميع العقلاء فيثبت أنه إمامهم ~~لأن معنى أمير المؤمنين إمامهم بغير اختلاف فهي نص على إمامته بلا ريب، فمن ~~كان من المؤمنين وأهل الدين فعلى أميره ومن لم يكن على أميره فليس من ~~المؤمنين ولا من أهل الدين، فما أنكر ms146 ابن أبي الحديد أن يكون جملة من ~~المهاجرين والأنصار خاطبوا عليا (عليه السلام) بأمير المؤمنين في حياة رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم (1) ثم أنكروا ذلك بعد وأخفوه كسائر ما ~~أنكروا من فضائله وأخفوا من مناقبه، فإنه قد تواتر عن النبي (صلى الله عليه ~~وآله) أنه قال: (سلموا على علي بإمرة المؤمنين)، فأخفى القوم ذلك وستروه ~~فصار مجهولا عند العامة ومعلوما عند الخاصة وسيأتي اعتراف المعتزلي بأن ~~القوم قد فعلوا بفضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) ما ذكرناه وبه يزول ما ~~استنكر منه هنا مع اعترافه بورود مماثلة في المعنى وكل ذلك من استحكام ~~الشبه في أوهام القوم. # وأما ما ورد بلفظ: الوصي فكثير منها ما رواه ابن أبي الحديد عن صاحب كتاب ~~الفردوس وأكثره عنه وعن أحمد بن حنبل عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال # PageV00P203 # (كنت أنا وعلي نورا بين يدي الله عز وجل قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف ~~عام فلما خلق آدم قسم ذلك النور وجعله جزئين فجزء أنا وجزء على ثم انتقلنا ~~حتى صرنا في عبد المطلب فكان لي النبوة ولعلي (عليه السلام) الوصية) (1). # وفي حديث أنس المتقدم قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) في علي (عليه ~~السلام): (وخاتم الوصيين وقائد الغر المحجلين) وروى ابن أبي الحديد في شرح ~~النهج عن علي (عليه السلام) أنه قال: (أنا خاتم الوصيين وأن رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) عهد إلي وأني وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما ~~يعطي هذا المعنى في كثير من كلامه. # وروي عن أبي مخنف أنه لما بلغ حذيفة بن اليمان أن عليا (عليه السلام) قد ~~قدم ذا قار واستنفر الناس دعا أصحابه فوعظهم وذكرهم الله وزهدهم في الدنيا ~~ورغبهم في الآخرة، وقال لهم " الحقوا بأمير المؤمنين ووصي سيد المرسلين فإن ~~من الحق أن تنصروه " (2). # ومن أشعار الصحابة والتابعين المتضمنة أنه وصي رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) كثير لا يحصى وقد رواه المحدثون الموثقون عند الخصوم كأبي ms147 مخنف ~~لوط بن يحيى الأزدي وإبراهيم بن ديزيل الهمداني ونصر بن مزاحم المنقري ~~وغيرهم من أهل التواريخ والسير كل روى منه شيئا. # وذكر ابن أبي الحديد منه طائفة ونحن هنا نذكر منه نبذة يسيرة تبركا ~~وتيمنا بمدحه (عليه السلام) فمن ذلك قول أبي الهيثم بن التيهان (3) وكان # PageV00P204 # بدريا. # قل للزبير وقل لطلحة إننا * نحن الذين شعارنا الأنصار نحن الذين رأت قريش ~~فعلنا * يوم القليب (1) أولئك الكفار كنا شعار نبينا ودثاره * تفديه منا ~~الروح والأبصار إن الوصي إمامنا وولينا * برح الخفاء وباحت الأسرار (2) ~~أقول قوله (رضي الله عنه): إن الوصي إمامنا إلى آخر البيت، إخبار عن نفسه ~~وعن أمثاله من قومه وهم صلحاء الأنصار بأنه كان يعتقده وإياهم إمامة أمير ~~المؤمنين سابقا ويخفونه في نفوسهم في زمان الثلاثة ويسرون عن الناس قد ~~أظهروه اليوم وباحوا به حيث ارتفع الخوف وزال المانع من إظهاره بوجود ~~الناصر والمعين عليه، ففيه دليل ظاهر على أن أبا الهيثم وأشباهه لم يكونوا ~~معتقدين إمامة غيره، وإنما الإمام عندهم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) أمير المؤمنين علي (عليه السلام) لأنه وصيه ولكنهم يجمجمون (3) ذلك ~~في الصدور ويخفونه حتى تمكنوا من إظهاره فأظهروه، ونحن على ما هم عليه إن ~~شاء الله. # وقال خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين (4) وكان بدريا أيضا يوم الجمل. # أعايش خلى عن علي وعيبه * بما ليس فيه إنما أنت والده وصي رسول الله من ~~دون أهله * وأنت على ما كان من ذاك شاهده # PageV00P205 # وحسبك منه بعض ما تعلمينه * ويكفيك لو لم تعلمي غير واحده إذا قيل ماذا ~~عبت منه رميته * بقتل ابن عفان وما تلك أيده وليس سماء الله قاطرة دما لذلك ~~* ولا الأرض الفضاء بمائده (1) والأخير من الأبيات يومي إلى أنه غير آمر ~~بما جرى لعثمان. # وقال النعمان بن العجلان الأنصاري (2): # كيف التفرق والوصي إمامنا * لا كيف إلا حيرة وتخاذلا لا تغبنن عقولكم لا ~~خير في * من لم يكن عند البلابل عاقلا وذروا معاوية الغوى وتابعوا * دين ~~الوصي لتحمدوه اجلا (3) وقال ms148 عبد الله بن العباس بن عبد المطلب: # وصي رسول الله من دون أهله * وفارسه إن قيل هل من منازل فدونك إن كنت ~~تبغي مهاجرا * أشم كنصل السيف غير حلاحل (4) وقال حسان بن ثابت في جملة ~~أبيات أيام المخاصمة بين المهاجرين والأنصار بعد موت النبي (صلى الله عليه ~~وآله): # جزى الله عنا والجزاء بفضله * أبا حسن خيرا ومن كأبي حسن سبقت قريشا ~~بالذي أنت أهله * فصدرك مشروح وقلبك ممتحن تمنت رجال من قريش أعزة * مقامك ~~هيهات الهزال من السمن حفظت رسول الله فينا وعهده * إليك ومن أولى به منك ~~من ومن ألست أخاه في الهدى ووصيه * وأعلم منهم بالكتاب وبالسنن فحقك ما ~~دامت بنجد وشجة * عظيم علينا ثم بعد على اليمن (5) # PageV00P206 # إلى ذلك من الأشعار من محبيه ومبغضيه مما لا يسع المقام عشر عشيرها مما ~~تضمن لفظ الوصي والولي فقد صح أن عليا (عليه السلام) وصى رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) ومنه يعلم أن ما ذكره ابن أبي الحديد عن عائشة وبعض ~~تابعيها من أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يوص (1) باطل بلا شبهة ~~لمعارضته لشهادة خيار الصحابة لعلي (عليه السلام) بأنه وصي رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) ودلالة الأخبار على ذلك، وعائشة متهمة في علي (عليه ~~السلام) وكيف تقر له بالوصية وهي تعيبه وتذمه وهي في الغاية القصوى من ~~البغض له، وإلا فهي شاهدة وصية الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إليه ونصه ~~عليه كما هو صريح شعر خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين الذي ذكرناه وأيضا أن ~~شهادة عائشة وتابعيها على النفي وشهادة الجماعة لعلي (عليه السلام) على ~~الاثبات وشهادة الاثبات مقدمة على الشهادة على النفي إجماعا من أهل العلم. # ثم إن المعروف من معنى الوصي على جهة الإطلاق هو القائم مقام الموصي في ~~جميع ما للموصي الولاية فيه وعليه. # ومن معنى الوصية إقامة الموصي الوصي مقامه في جميع ما له التصرف فيه ~~والولاية عليه ولا معنى للوصي والوصية عند العلماء غير هذا والمعروف ms149 من # PageV00P207 # معنى وصي النبي هو القائم مقامه في الأمر والنهي بعهد من النبي إليه، ~~وإذا كان علي (عليه السلام) هو الوصي لرسول الله (صلى الله عليه وآله) كان ~~هو القائم مقامه في تنفيذ الأحكام وسياسة الأمة وغير ذلك من ولايات النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فيكون هو خليفته والإمام بعده، إذ لا معنى ~~لخلافته إلا القيام مقامه ولا معنى لوصيه إلا القائم مقامه بنصبه إياه، ولا ~~معنى للإمامة إلا هذا ولا يعرف لها معنى غيره، وهذا بحمد الله واضح. # قال ابن أبي الحديد " وأما الوصية فلا ريب عندنا أن عليا (عليه السلام) ~~كان وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإن خالف في ذلك من هو منسوب عندنا ~~إلى العناد ولسنا نعني بالوصية النص والخلافة لكن أمورا لعلها إذا لمحت ~~أشرف وأجل " (1) انتهى. # قول إخراج اللفظ عن صريح معناه تشهيا من دون حجة بينة ولا سبب داع هو ~~ديدن ابن أبي الحديد وأصحابه وأمثالهم، وليس النزاع بيننا وبينهم في هذا ~~كما علمت أولا فإنا مقرون لهم بأنهم يحرفون الكلم من بعد مواضعه ويدفعون ~~النصوص بالشبهات ويصرفون الألفاظ الصريحة عن معانيها بمجرد الشهوات هذه ~~عادتهم المعروفة وسجيتهم المألوفة، وإنما النزاع بيننا وبينهم أنا ندعي ~~النص من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) على علي (عليه السلام) بالإمامة ~~والقائم مقامه فعلينا أن نأتي من أقوال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~بما هو صريح في المعنى ونص في المطلب مثل لفظ الإمام والأمير والوصي وما ~~أشبهها مما سنورده، وقد أتينا منه بما يقرون به ولا ينكرونه وما نسبوا ~~جاحده إلى العناد مع أن ذلك الجاحد أم المؤمنين عائشة # PageV00P208 # وبعض من الناس كما قدمنا، وليس علينا أن نحبس ألسنتهم عن التأويلات ~~الفاسدة والتمحلات الممتنعة التي لو صدرت عن غيرهم لحملوه على عدم الفهم ~~وحكموا عليه بالبلادة والعصبية والعناد، فلا ذنب لنا ولا إبطال لدعوانا ~~بسبب تأويلاتهم الركيكة الباطلة بل حجتنا واضحة وحجتهم داحضة. # فما ذنبنا إن جاش بحر بفضلنا * وبحرك ساج لا ms150 يوارى الدعا مصا (1) وما ~~قدمنا من بيان معنى الوصي متكفل بإبطال دعوى ابن أبي الحديد بأن الوصية في ~~غير الخلافة ولأنه يدعي التقييد في المطلق فعليه أن يأتي بالمقيد، وأنى له ~~به؟ ولنا على إبطال قوله مضافا إلى ما ذكرنا وجوه أخر. # الأول: أن الوصية لا تثبت بغير النص من الموصي على الوصي يقينا وإذا سلم ~~الخصم أن عليا (عليه السلام) وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وذلك ~~ما ندعي، فقوله ولسنا نعني بالوصية النص كلام لا معنى له. # الثاني: إن أهل العقول من جميع المسلمين لا يعلمون منزلة بعد النبوة أشرف ~~وأجل من الإمامة حتى تنصرف وصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى علي ~~(عليه السلام) إليها كما ادعاه فعليه وعلى من يدعي دعواه تبيين تلك المنزلة ~~حتى نعرفها، ثم لو كانت ثمة منزلة أعلا وأجل من الإمامة كما ذكر لكانت أيضا ~~منضمة إليها وداخلة معها علوم الوصية فتتناول جميع المنازل حتى يثبت المخصص ~~وليس ثمة مخصص، فقوله: " لعلها إذا لمحت أشرف وأجل " دعوى مستحيلة، ولو ~~أمكنت لكانت مع الإمامة مندرجة في # PageV00P209 # الوصية، الثالث: إن المسلمين من أولي العلم كافة يعلمون أن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) لم يترك أموالا كثيرة ولا خلف أطفالا صغارا يحتاج إلى ~~الإيصاء في حفظ أموالهم والقيام بمصالحهم إلى وصي يقوم بذلك وليس له حاجة ~~في الوصية إلا في القيام مقامه بمصالح الأمة وحماية الملة وإنفاذ الأحكام ~~وجهاد المشركين ودعوتهم إلى دين الإسلام لا غير ذلك، فوصيه هو المنصوص عليه ~~منه بذلك والمنصوب منه له وتلك هي الإمامة بلا ريبة ولا يشك في ذلك عاقل ~~غير معاند. # الرابع: إن الأخبار المذكورة والأشعار الواردة التي قدمناها وغيرها ~~يتبادر من لفظ الوصي فيها بل لا يفهم من معناها إلا كون أمير المؤمنين وصي ~~رسول الله على ما هو المعنى المعروف من أوصياء الأنبياء وهو الخلافة بعدهم ~~لا شئ آخر، فإن قول النبي (صلى الله عليه وآله): (لي النبوة ولعلي الوصية) ~~وقوله: (صلى ms151 الله عليه وآله وسلم) (خاتم الوصيين) (1) لا يعقل منه إلا أن ~~لعلي خلافة الأنبياء، وأنه خاتم خلفاء النبيين، لأن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) خاتم الأنبياء فلا نبي بعده فلا خليفة نبي بعد علي (عليه ~~السلام) بدون واسطة خليفة غيره، لأن الوصية المقابلة للنبوة هي الخلافة من ~~غير شبهة، والوصي المقابل للنبي هو الخليفة بعده لا يتصور منه غير هذا ~~المعنى ولا يراد به غيره عند الإطلاق ببديهة العقل، وليس يعقل منها الفطن ~~اللبيب إن لعلي الوصية المقابلة للنبوة في أمر مخصوص، أو أنه خاتم الوصيين ~~في أمور أخر غير الخلافة كمال أو حكم خاص أو سر في معنى خاص ولا يحملها على ~~هذا المعنى إلا معوج الفهم بسبب استيلاء الشبه على عقله ومما زجتها للبه، ~~فيجعل عقله تبعا لمشتهاه، وسالكا في أثر تقليده ومما # PageV00P210 # يزيد المعنى وضوحا في أن المراد بالوصي هو القائم مقام النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) في جميع أمره ما رواه ابن أبي الحديد قال: قال: نصر يعني ~~ابن مزاحم المنقري وحدثنا عبد العزيز بن سياه قال حدثنا حبيب بن أبي ثابت ~~قال: حدثنا سعيد التيمي المعروف بعقيصا قال: كنا مع علي (عليه السلام) في ~~مسيره إلى الشام حتى إذا كنا بظهر الكوفة من جانب هذا السواد عطش الناس ~~واحتاجوا إلى الماء، فانطلق بنا علي (عليه السلام) حتى أتى إلى صخرة ضرس ~~(1) في الأرض كأنها ربضة عنز (2) فأمرنا فاقتلعناها فخرج لنا تحتها ماء ~~فشرب الناس وارتووا ثم أمرنا فأكفاناها حتى إذا مضى قليلا، قال: أمنكم أحد ~~يعلم مكان هذا الماء الذي شربتم منه؟ قالوا: نعم يا أمير المؤمنين قال: ~~فانطلقوا إليه، فانطلق هنا رجال ركبانا ومشاة فاقتصصنا الطريق إليه حتى ~~انتهينا إلى المكان الذي نرى أنه فيه فطلبناه فلم نقدر على شئ، حتى إذا عيل ~~علينا انطلقنا إلى دير قريب منا فسألناهم أين هذا الماء الذي عندكم؟ قالوا: ~~ليس قربنا ماء، فقلنا: بلى إنا شربنا منه، قالوا: # أنتم شربتم منه؟ قلنا: نعم، فقال صاحب ms152 الدير: والله ما بني هذا الدير إلا ~~لذلك الماء وما استخرجه إلا نبي أو وصي نبي " (3) ومن المعلوم أنه لا يريد ~~بوصي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هنا إلا الخليفة بعده لا ما يقوله ~~ابن أبي الحديد وأصحابه والأشاعرة. # الخامس: إن إيصاء النبي (صلى الله عليه وآله) إلى رجل في أمر مخصوص أو ~~أمور مخصوصة لا يصيره وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على ~~الإطلاق، ولا يسمى عند أحد بوصي الرسول (صلى الله عليه # PageV00P211 # وآله وسلم)، فقد روى ابن أبي الحديد وغيره أن أبا أيوب الأنصاري قال في ~~كلام أن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، " عهد إلينا أن نقاتل مع علي ~~(عليه السلام) الناكثين والقاسطين والمارقين " (1) ولا نجد أحدا قال إن أبا ~~أيوب وقومه أوصياء الله (صلى الله عليه وآله) ورووا أن أبا ذر قال " إن ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) عهد إلي أنه يلي غسلي وتجهيزي قوم من ~~المؤمنين " (2) في حديث طويل ولم يقل أحد من الصحابة وغيرهم أن أبا ذر وصي ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورووا أن عمار بن ياسر قال: يوم صفين في ~~كلام " عهد إلي رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه يكون آخر زادي من ~~الدنيا ضياحا من لبن " (3) ورووا عن كثير من الصحابة مثل هذا ولم يسم أحد ~~منهم بوصي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لذلك الأمر الذي عهد إليه رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) فيه والأمور المخصوصة وهذا مما يدل صريحا على ~~أنه لا يسمى رجل وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله) على الإطلاق إلا ~~المنصوص عليه بخلافته والموصى إليه منه بالقيام مقامه، فأمير المؤمنين وصي ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا المعنى لا غيره فهو الإمام بعده لا ~~محالة وقد اتضح الأمر وزال تشبيه المعتزلي وثبت المراد والله ولي التوفيق ~~إلى السداد. # PageV00P212 # وأما ما ورد بلفظ الخليفة: فهو الخبر الصحيح عند القوم كافة قال ابن أبي ~~الحديد " وأما خبر الوزارة فقد ms153 ذكره الطبري في تاريخه عن عبد الله بن عباس ~~عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: لما أنزلت هذه الآية [وأنذر عشيرتك ~~الأقربين] (1) على رسول الله (صلى الله عليه وآله) دعاني فقال: يا علي إن ~~الله أمرني أن انذر عشيرتك الأقربين فضقت بذلك ذرعا وساق الرواية - إلى أن ~~قال - ثم تكلم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا بني عبد ~~المطلب إني والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني ~~قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم ~~يوازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟ فأحجم القوم ~~عنها جميعا فقلت: أنا وإني لأحدثهم سنا وأرمصهم عينا وأعظمهم بطنا وأحمشهم ~~ساقا: أنا يا رسول الله أكون وزيرك عليه، وأعاد القول فأمسكوا واعدت ما ~~قلت، فأخذ برقبتي ثم قال لهم: # هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا إليه وأطيعوا، فقام القوم يضحكون ~~ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع " (2) وهذه الرواية مع ~~صحتها عند الخصوم نص صريح في أن عليا (عليه السلام) خليفة رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) على من يطيعه، وأنه وصيه ووزيره فأي نص على الخلافة ~~أصرح من هذا؟ ولشهرة هذه الرواية احتج بها أبو جعفر الإسكافي في نقضه على ~~الجاحظ (3) وما أدري ماذا يقول ابن أبي # PageV00P213 # الحديد في ذلك فإنه لم يتعرض فيها بتأويل؟ وأظنه لعجزه عنه، ولو أدرك ~~إليه منفذا لسارع عليه ولعله يرى أن أمير المؤمنين خليفة رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) في أمور أخرى كما قال في الوصية فيكون جوابه، هنا مثل ~~جوابه هناك. # وأما ما ورد بلفظ الوزارة: فمنه حديث أبي ذر عن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وفيه بعد ما ذكرنا في لفظ اليعسوب وأنت أخي ووزيري والحديث ~~المتقدم صريح، وقال ابن أبي الحديد بعد ذكره (ويدل على أنه (عليه السلام) ~~وزير رسول الله (صلى الله عليه وآله) من نص الكتاب والسنة ms154 قول الله تعالى ~~[واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري] (1) وقال ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الخبر المجمع على روايته بين فرق ~~الإسلام: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) فأثبت له ~~جميع مراتب هارون ومنازله من موسى، فإذن هو وزير رسول الله) صلى الله عليه ~~وآله) وشاد أزره ولولا أنه خاتم النبيين لكان شريكا في أمره " (2)، انتهى. # أقول: فإذا كان علي (عليه السلام) وزير رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) والوزير هو المعين على الأمر فإذن علي (عليه السلام) هو معين رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) على إظهار دعوة الإسلام وإقامة أحكام النبوة ~~فيكون له مقامه في حياته وبعد وفاته والأمر ظاهر، ثم إن ابن أبي الحديد حيث ~~استفاد من هذا الحديث أنه نص في وزارة علي لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~لأنها من جملة منازل هارون من موسى بنص الكتاب وأن جميع منازل هارون من ~~موسى إلا النبوة ثبتت لعلي (عليه # PageV00P214 # السلام) من رسول الله (عليه السلام)، فيلزمه على هذا الحكم أيضا بأن ~~الحديث نص في خلافة علي (عليه السلام) لرسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) لأن الخلافة ثابتة لهارون بنص الكتاب وهو قوله تعالى: [وقال موسى ~~لأخيه هارون اخلفني في قومي] (1) الآية ورسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) لم يستثنها مع النبوة فتكون خلافة رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ثابتة لعلي (عليه السلام) بنص الكتاب والسنة كما ثبتت الوزارة له ~~بنصهما على ما قررا أفأبلغ شاهد من هذا يريد عبد الحميد؟ وهل تراه يخفي ~~عليه مثل هذا المعنى الواضح كالشمس الصاحية؟ ولكن غلب عليه ألف المذهب ~~وتقليد الأسلاف كما غلبا على غيره فصاروا يرون الحق باطلا والنص الجلي ~~متشابها والمعنى الواضح خفيا والصواب خطأ فإذا ورد عليهم ما يوافق مذهبهم ~~من المشتبهات صيروه كالبدر الأتم وضوحا وصراحة، وإذا عثروا على ما يطابق ~~مشتهاهم من المزخرفات المضطربة الألفاظ تلقوه ms155 بالقبول الأعظم ووصفوه بغاية ~~الصحة ونهاية الفصاحة، أو جاءهم في ذلك شئ من الموهونات صيرورة كالطود ~~الأشم قوة ورجاحة، فنعوذ بالله من كتمان الحق للأغراض الدنيوية وترويج ~~الباطل للعناد والعصبية. # وأما ما ورد بلفظ الطاعة: فمنه ما تقدم في حديث الخلافة والوزارة من قول ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (اسمعوا له وأطيعوه) وقوله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) في حديث أبي برزة المتقدم إخبارا عن الله تعالى في شأن علي ~~(عليه السلام) وهو الكلمة التي ألزمتها المتقين من أحبه فقد أحبني ومن ~~أطاعه فقد أطاعني) (2) وإذا كان علي (عليه السلام) طاعته طاعة الله وجب أن ~~يكون خليفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأن الذي طاعته طاعة # PageV00P215 # الله هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لقوله تعالى: [من يطع الرسول ~~فقد أطاع الله] (1) ولا نبوة بعد نبينا (صلى الله عليه وآله) فتبقى ~~الخلافة، فالحديث نص على إمامته لوجوب طاعته ولا طاعة واجبة لغير الله ~~والنبي والإمام، وفي حديث أنس المتقدم: (وإمام أوليائي ونور جميع من ~~أطاعني) والمراد بنور من أطاعني قدوتهم الذي يقتدون به في الأحكام ويهتدون ~~به عن الضلال، وإذا كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر بالسمع ~~والطاعة لعلي وجعله الله قدوة المطيعين وهاديهم وجب أن يكون إماما، لأن غير ~~الإمام لا يجب له السمع والطاعة على المكلفين، وإنما ذلك لولي الأمر خاصة، ~~ويستفاد من الخبر أن من لم يقتد بعلي (عليه السلام) في دينه فليس مطيعا لله ~~لأنه لم يأتم بالنور الذي جعله لمن أطاعه ولم يستضئ بضياه فلم يكن من أهل ~~النور، فإذن ليس هو من أهل طاعة الله، وفي حديث عمار أن النبي (صلى الله ~~عليه وآله) قال: (يا عمار طاعة علي طاعتي وطاعتي طاعة الله) رواه كثير من ~~خصومنا (2). # وأما ما ورد بالمثلية: فمن القرآن قوله تعالى: [وأنفسنا وأنفسكم] (3) ولم ~~يدع غير علي (عليه السلام) بالاجماع، فهو إذن نفس الرسول (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وليس على جهة الاتحاد قطعا فيكون المراد ms156 به المثلية، وإذا كان ~~مثل الرسول (صلى الله عليه وآله) وجب أن يكون الإمام بعده إذ لا نبي بعد ~~محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). # ومن السنة ما رواه ابن أبي الحديد عن أحمد بن حنبل أن النبي (صلى الله ~~عليه وآله) قال: (لتنتهن يا بني وليعة # PageV00P216 # أو لأبعثن إليكم رجلا كنفسي يمضي فيكم أمري يقتل المقاتلة ويسبي الذرية) ~~قال أبو ذر فما راعني إلا برد كف عمر من حجزتي من خلفي يقول من تراه يعني؟ ~~فقلت: إنه لا يعنيك وإنما يعني خاصف النعل وإنه (قال هو هذا) (1) قال: وقال ~~لوفد ثقيف (لتسلمن أو لأبعثن إليكم رجلا مني أو قال عديل نفسي فليضربن ~~أعناقكم وليسبين ذراريكم وليأخذن أموالكم) قال عمر ما تمنيت الإمارة إلا ~~يومئذ وجعلت انصب لها صدري رجاء أن يقول هو هذا فالتفت فأخذ بيد علي فقال: ~~(هو هذا مرتين) (2) وقول النبي (صلى الله عليه وآله) في حديث مشهور سيأتي ~~ذكره (إن عليا مني وأنا من علي) وإذا كان علي (عليه السلام) نفس الرسول ~~(صلى الله عليه وآله) وعديل نفسه، وأنه منه كان مماثلا له البتة، ولما كان ~~النبي (صلى الله عليه وآله) خاتم الأنبياء فلا نبوة بعده وجب أن يكون علي ~~(عليه السلام) الإمام بعده لقضية المماثلة وإلا فلا معنى للمماثلة قطعا، ~~ومثله قوله (صلى الله عليه وآله) (علي أخي) لأن الأخوة النسبية بينهما ~~معلومة الانتفاء فثبت أنه (صلى الله عليه وآله) يريد بها المماثلة، وليس ~~إلا في الصفات فما لرسول الله (صلى الله عليه وآله) من الصفات غير النبوة ~~فهو ثابت لعلي (عليه السلام) للمماثلة ومن جملة ذلك الإمامة، فهذا نص صريح ~~من الرسول (صلى الله عليه وآله) على استخلاف علي (عليه السلام) من غير شك ~~وفي قول (مني) معنى عميق وهو أنه مخلوق من نوره وأن ذلك النور كان في أول ~~الخلق شيئا واحدا ثم انقسم إلى قسمين أحدهما كان النبي (صلى الله عليه ~~وآله) والثاني عليا (عليه # PageV00P217 # السلام) فكل واحد من الآخر، فعلي (عليه ms157 السلام) عديل نفس رسول الله ~~وكنفسه بعد الانقسام والعديل بمعنى المعادل، وهو أيضا نفس الرسول (صلى الله ~~عليه وآله) لأنهما في الأصل نور واحد يدل على ذلك صريحا حديث ابن أبي ~~الحديد عن مسند أحمد بن حنبل وكتابه في الفضائل وعن كتاب الفردوس من قول ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (كنت أنا وعلي نورا بين يدي الله عز وجل ~~قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام فلما خلق آدم قسم ذلك النور فيه وجعله ~~جزئين فجزء أنا وجزء علي) (1).. # الخبر وقد ذكرناه بتمامه في لفظ الوصية، ومثله في طرقنا وطرق غيرنا كثير ~~وهذا المعنى هو الذي يشير إليه أمير المؤمنين متبجحا به ومفتخرا بقوله في ~~مواضع كثيرة (وأنا من محمد كالضوء من الضوء) (2) وحق له أن يفتخر بذلك ~~ويتبجح به ويحتج على خصمه به فإنه لا فضل أعلا منه وإن علا ولا رفعة إلا ~~وهي دونه ولا شرف إلا وهو منحط عنه، فقد فاق به الأنبياء المرسلين رفعة ~~ومجدا وشرفا وفضلا ولقد أحسن الحسن البصري في قوله كما رواه عنه الخصم: ~~(ولقد آخا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين أصحابه فآخا بين علي وبين ~~نفسه فرسول الله خير الناس نفسا وخيرهم أخا) (3) انتهى. وإذا كان النبي ~~(صلى الله عليه وآله) قد صرح في علي (عليه السلام) بهذه المقالات بمحضر من ~~الصحابة فأي شئ تراه ترك بعد هذا المقال من النص على استخلافه عليا (عليه ~~السلام) حتى يقول ابن أبي الحديد وأشباهه: ليس هناك نص صريح وإنما هو تعريض ~~وتلويح، نسأل الله أن يوفقنا لإبطال الباطل وتصحيح الصحيح، وأي عاقل منصف ~~سلم # PageV00P218 # من علة تقليد السلف وألف الشبه يشك في إمامة علي (عليه السلام) بعد رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) بعد أن سماه (صلى الله عليه وآله وسلم) (على ~~عديل نفسي ونفسي): ويرتاب في أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أراد بذلك ~~استخلافه؟ أو يجوز تقديم من ليس من النبي على من هو عديل نفسه في ms158 مقامه ~~(صلى الله عليه وآله) حاشا وكلام يأبى العقل الذكي ذلك إلا بعلة. # وأما ما ورد بلفظ التمسك: به من بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وما ~~هو في معناه فكثير شئ منه بإفراده بنفسه وشئ منه بضمه إلى عترة النبي (صلى ~~الله عليه وآله) وشئ منه بضمه إلى الكتاب والعترة معا، ونحن نورده جميعا ~~فنقول: # روى ابن أبي الحديد عن الحافظ أبي نعيم في حلية الأولياء وعن أحمد بن ~~حنبل في المسند وكتاب الفضائل عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: ~~(من سره أن يحيى حياتي ويموت ميتتي ويتمسك بالقضيب من الياقوتة التي خلقها ~~الله تعالى بيده ثم قال لها كوني فكانت فليتمسك بولاء علي بن أبي طالب) (1) ~~وعن أبي نعيم عن النبي (صلى الله عليه وآله) في حديث سنذكر صدره فيما يأتي ~~إن شاء الله قال: فيه فلما جاء أرسل إلى الأنصار فأتوه فقال: (يا معشر ~~الأنصار ألا أدلكم على ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا) قالوا بلى يا رسول ~~الله قال: (هذا علي فأحبوه بحبي وأكرموه بكرامتي فإن جبرائيل أمرني بالذي ~~قلت لكم عن الله عز وجل) (2) وعن الحافظ أبي نعيم عن النبي (صلى الله عليه ~~وآله) أنه قال: (من سره أن يحيى # PageV00P219 # حياتي ويموت مماتي ويسكن جنة عدن التي غرسها ربي فليوال عليا من بعدي ~~وليوال وليه وليقتد بالأئمة من بعدي فإنهم عترتي خلقوا من طينتي ورزقوا ~~فهما وعلما فويل للمكذبين من أمتي القاطعين فيهم صلتي لا أنالهم الله ~~شفاعتي) (1) والموالاة والاقتداء بمعنى المتابعة وهو معنى التمسك وهذه ~~الرواية كما أنها نص على إمامته علي (عليه السلام) كذلك هي نص على إمامة ~~الأئمة من عترة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونص في حرمان الشفاعة لمن ~~كذب بإمامتهم وقطع صلة النبي (صلى الله عليه وآله) فيهم فقد صرحت بحقيه ~~مذهب الإمامية الاثني عشرية بأتم تصريح وبينته بأوضح بيان. # وروى ابن أبي الحديد عن أحمد بن حنبل في المسند وكتاب الفضائل عن النبي ms159 ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه خرج على الحجيج عشية عرفة فقال لهم: (إن ~~الله باهى بكم الملائكة عامة وغفر لكم عامة وباهى بعلي خاصة وغفر له خاصة ~~إني قائل لكم قولا غير محاب فيه لقرابتي، إن السعيد كل السعيد حق السعيد من ~~أحب عليا في حياته وبعد موته) (2) تمام الخبر والمحبة من لوازمها المتابعة ~~والطاعة ومن لم يطع أحدا فليس بمحب له وقد نطق بذلك الكتاب الإلهي في قوله ~~تعالى: [قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله] (3) من يتبع الرسول ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فهو غير محب لله وقال بعض الأبرار. # تعصي الإله وأنت تزعم حبه * هذا كلام في المقال بديع لو كان قولك صادقا ~~لأطعته * إن المحب لمن يحب مطيع # PageV00P220 # فمحبة علي (عليه السلام) طاعته ومتابعته وهذا معنى التمسك. # واعلم أن في إخبار النبي (صلى الله عليه وآله) عن نفسه بعدم المحاباة ~~لقرابته فيما قال فيهم ظهورا أو إشعارا بعلمه (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~بأن جماعة من أصحابه يتهمونه بمحاباة قرابته فيما شرفهم به على غيرهم من ~~الأفعال والأقوال ولولا ذلك لكان قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الخبر ~~غير محاب فيه لقرابتي قليل الفائدة بل لا فائدة فيه أصلا، لأنه (صلى الله ~~عليه وآله) إذا كان عالما من جميع أصحابه عدم اتهامه بالمحاباة لقرابته ~~فيما يفضله به من قول وفعل كان إخباره بنفي ذلك عنه إخبار للعالمين به ~~ومعتقديه، ولا ريب أن إخبار العالم بنسبة الخبر أو معتقد حصولها عديم ~~الفائدة، وإنما يكون مفيدا إذا كان المخبر يجهل نسبة الخبر أو يعتقد نقيضها ~~ليفيد إعلامه بما جهل أورده عن الخطأ في الاعتقاد فتحقق من هذا أنه لا ~~تتحقق فائدة في ذلك الإخبار إلا مع علم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من ~~جماعة من أصحابه اتهامه بالمحاباة لقرابته عمدا منهم أو جهلا ليكون نفيه ~~المحاباة عن نفسه تكذيبا للمتعمد ورفعا لجهل الجاهل وإزالة لتجويز المجوز ~~فتحصل فائدة تامة فيظهر من البيان أن نسبة ms160 جماعة من الصحابة إلى النبي (صلى ~~الله عليه وآله) محاباة القرابة واقعة فمن العجب قول بعض الخصوم (1) (إن ~~الصحابة لو سمعوا من رسول الله (عليه السلام) نصا ما عدلوا عنه) لأن من ~~يتهمه كيف تبعد منه مخالفته، وقول بعضهم ما حاصله " إن رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) لم يوص ولو أوصى ما تأمر أبو بكر على وصي رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وإن أبا بكر ود أنه سمع من رسول الله كلمة فتكون في أنفه ~~خزمة " وقول القوشجي محصوله: أنه لا يظن ذو مسكة أن الصحابة سمعوا # PageV00P221 # النصوص الجلية على علي (عليه السلام) من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فخالفوها، واستبعاد عبد الحميد المعتزلي صدور ذلك من الصحابة كما لما يصدر ~~منهم تغيير القبلة والصوم إلى آخر لغطهم فإن هذا الحديث الصحيح عندهم يبطل ~~دعاويهم ويذهب خرافاتهم، ومثله ما رواه المعتزلي وغيره عن علي (عليه ~~السلام) من قوله: (إنه لعهد النبي الأمي إلى أن الأمة ستغدر بك من بعدي) ~~(1) ويشير إلى ذلك أيضا ما قدمنا من حديث أبي نعيم في لفظ الإمام، وقول ~~النبي (صلى الله عليه وآله) فيه مخبرا عن الله في حق علي (غير أني مختصه ~~بشئ من البلاء لم أختص به أحدا من أوليائي إلى قوله إنه لمبتلى ومبتلى به)، ~~وإلا فأي نص وأي وصية أوضح وأصرح من هذه الأقوال المؤكدة والألفاظ الصريحة ~~والكلمات الظاهرة؟ # مثل: (إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا وليقتد بالأئمة من بعدي فليوال عليا من ~~بعدي (2)، مع تأكيد الجميع ببشارة المحبين وتوعد الغاصبين بما هو مذكور في ~~تلك الأخبار وهل فوق هذا في الوصية والنص مزيد؟ والحمد لله الحميد. # ومن ذلك قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الحديث المشهور وقد رواه ~~ابن أبي الحديد: (إنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد الحكمة فليأتها من ~~بابها) (3) وهو صريح في أن من أراد علم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فليأخذه عن علي (عليه السلام) فالتمسك به لازم لأنه ms161 باب العلم الذي يجب على ~~الناس أخذه والعمل به لقوله تعالى: [ما أتاكم الرسول # PageV00P222 # فخذوه] (1) فثبت منه وجوب التمسك بعلي لمن أراد علم الرسول (صلى الله ~~عليه وآله وسلم)، ومن لم يرده فهو كافر مرتاب وفاجر كذاب. # من ذلك ما رواه ابن أبي الحديد من قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~(علي خازن علمي) قال: وقال فيه تارة أخرى (عيبة علمي) أقول: # وهما مشهوران أيضا (2) واستفادة التمسك منهما بعلي (عليه السلام) بتقريب ~~ما ذكرناه في حديث (أنا مدينة العلم). # وروى ابن أبي الحديد عن أبي نعيم في الحلية وأحمد بن حنبل في المسند عن ~~النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (يا علي إن الله قد زينك بزينة لم ~~يزين العباد بزينة أحب إليه منها هي زينة الأبرار عند الله تعالى الزاهد في ~~الدنيا جعلك لا ترزأ من الدنيا شيئا ولا ترزأ (3) منك شيئا ووهب لك حب ~~المساكين فجعلك ترضى بهم أتباعا ويرضون بك إماما فطوبى لمن أحبك وصدق فيك ~~وويل لمن أبغضك وكذب فيك) (4) والمتابعة له هي التمسك به وهي زينة الأبرار ~~التي ذكرها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نسأل الله أن يجعلنا من أولئك ~~المساكين الذين رضيهم أمير المؤمنين (عليه السلام) له أتباعا وبه متمسكين ~~ثم إن الخبر مصرح بالإمامة فهو من المعاضد للأخبار التي ذكرت في مقامها ومن ~~ذلك حديث الحافظ عن أنس وقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في علي ~~(عليه السلام): (إنه راية الهدى ومنار الإيمان) # PageV00P223 # وقد ذكرناه ومن المعلوم أن راية الهدى يجب اتباعها، ومنار الإيمان يجب ~~الاقتباس منه والاقتداء به، وذلك معنى التمسك بلا ريب. # ومن ذلك الحديث المتواتر في الجملة وهو حديث الثقلين وقد صححه ابن أبي ~~الحديد (1) وهو مروي بأسانيد كثيرة وألفاظ مختلفة بالزيادة والنقصان فمنها ~~(إني مخلف فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي) ومنها (إني ~~مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي كتاب الله الثقل الأكبر وعترتي الثقل ~~الأصغر فتمسكوا بهما فإن اللطيف ms162 الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا ~~علي الحوض) (2) وغير ذلك من الألفاظ والأسانيد وعلى كل حال فهو نص صريح في ~~وجوب التمسك بالعترة الذين أمير المؤمنين (عليه السلام) سيدهم وحاث على ~~لزوم متابعتهم، ومصرح بأن قولهم قول القرآن فالمخالف لهم مخالف للقرآن على ~~عمد فهو فاسق ظالم فالخبر ناص على إمامة العترة المحمدية بلا شك لأن واجب ~~المتابعة على الإطلاق هو الإمام لا غيره من الأمة، وعترة النبي (صلى الله ~~عليه وآله) هم الذي دعاهم للمباهلة يوم نصارى نجران وقال فيهم ذلك اليوم ~~(اللهم هؤلاء أهل بيتي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا) كما هو مشهور عند ~~المفسرين (3) ومعلوم عند المحدثين ولا شك أن المخاطبين بالتمسك بالثقلين ~~بالمشافهة هم الصحابة فهم مأمورون باتباع الكتاب والعترة وبه يبطل ما ادعا ~~خصومنا أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (أصحابي كالنجوم بأيهم ~~اقتديتم اهتديتم) (4) للتناقض # PageV00P224 # الظاهر لكل ذي فهم إلا أن يحمل على إرادة العترة من لفظ الأصحاب كما قال ~~أمير المؤمنين في بعض خطب النهج مخبرا عن وبنيه (نحن الشعار والأصحاب ~~والخزنة والأبواب) الخطبة (1) وهو موافق لما روي من طريقنا أن النبي (صلى ~~الله عليه وآله) فسر الأصحاب الذين هم كالنجوم إذ سئل عنهم باهل بيته ~~وعترته، فما أدرى أهل السقيفة إذ قالوا ما قالوا وفعلوا ما فعلوا بالثقلين ~~تمسكوا أم بآرائهم أخذوا وما بعد عبادان قرية فليجبنا ابن أبي الحديد بحق ~~لا بما يختار ويريد، مما يربى على كلام المبرسمين (2) سماجة ويزيد فإن مثل ~~ذلك مما لا ينفع عند الخصام ولا يقنع به في الحجة ذوو الأفهام. # وروى ابن أبي الحديد عن أحمد بن حنبل في كتاب الفضائل عن # PageV00P225 # النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه خطب الناس يوم جمعة فقال: (أيها ~~الناس قدموا قريشا ولا تقدموها - إلى أن قال - أيها الناس أوصيكم بحب ذي ~~قرباها أخي وابن عمي علي بن أبي طالب) (1) الخبر والمحبة تستلزم المتابعة ~~كما ذكرنا من قبل بل إذا كانت مأمورا بها كما هنا كانت ms163 هي نفس المتابعة لا ~~غير، وسيأتي ما يوضح هذا المقام بأتم إيضاح فدلالة الخبر على وجوب التمسك ~~بعلي (عليه السلام) ظاهرة غاية الظهور، فهو الإمام الواجب اتباعه بعد ~~الرسول (صلى الله عليه وآله) وإلا فلا فائدة في التمسك به إذا كان المتبوع ~~في الأمر والنهي غيره بل لا تمسك به على هذا بالمرة وإنما المتمسك به ذلك ~~المطاع المتبع وهو غيره على قول الخصوم وهو (عليه السلام) مأمور عندهم ~~باتباع ذلك الغير فأين إذن وجوب التمسك بأمير المؤمنين (عليه السلام) بعد ~~النبي (صلى الله عليه وآله) الذي صرحت به أخبارهم ونصت عليه رواياتهم ~~الصحيحة مما ذكرناه هنا وغيره؟ # فلازمهم أما رد الأخبار وتكذيبها ولا سبيل لهم إلى ذلك، أو الإقرار بأنها ~~نص في إمامة علي (عليه السلام) من بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وبطلان إمامة غيره؟ وهو المراد والتأويلات الفاسدة مردودة مع أنها في ~~المقام مفقودة. # وأما ما ورد بلفظ الولي: فمن القرآن قوله: [إنما وليكم الله ورسوله ~~والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون] (2) وهي عند ~~المفسرين نازلة في أمير المؤمنين (عليه السلام) حين تصدق في ركوعه بخاتمة ~~على السائل، ورووا ذلك عن أبي ذر (رضي الله عنه) وعن عبد الله بن العباس ~~(رضي الله عنه) ورواه عنه المحدثون من الخصوم أيضا # PageV00P226 # وصححوه (1) وبالجملة فالاتفاق حاصل عليه، والولي هنا هو الأولى بالتصرف ~~لقول الله تعالى: [النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم] وجملة [وهم راكعون] حال ~~من ضمير [ويؤتون الزكاة] أي يؤتون الزكاة في حال ركوعهم وإذا كان علي (عليه ~~السلام) هو الأولى بالناس بولاية الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) عليهم ~~كان هو الإمام إذ لا ولاية كذلك لغير الإمام ولا ولاية لغير علي (عليه ~~السلام) من الصحابة للحصر ب‍ " إنما " فالآية نص في إمامة علي (عليه ~~السلام) وفي نفي إمامة غيره بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومتى قيل: ~~كيف جعل لفظ الجمع موضع المفرد وما الفائدة في ذلك إذا كان المراد الواحد ~~دون ms164 الجمع؟ قلنا: وضع الجمع موضع المفرد وارد في كلام العرب على كثرة إذا ~~قصدوا تعظيم ذلك الواحد وتفخيم شأنه، وفي القرآن الكريم من ذلك الكثير قال ~~الله تعالى: [والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون] (2) وقال تعالى: [إن ~~إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا] (3) والاستدلال على هذا المطلب مما لا ~~حاجة إليه لوضوحه وحمل الولاية في الآية على ما لا يرجع إلى فرض الطاعة ~~والإمامة مثل المعونة والنصرة كما قاله القوشجي وقبيله والمعتزلي وأصحابه ~~فاسد، لأنه يستلزم أن لا معين ولا ناصر للمؤمنين إلا الله تعالى والنبي ~~(صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) لدلالة الحصر بأنما على ذلك كما ~~ذكرنا فيجب ألا يكون بعض المؤمنين ناصرا ومعينا لبعض، وهو خلاف نص الله ~~تعالى بقوله: # [والمؤمنون بعضهم أولياء بعض] (4) وما يخالف كتاب الله باطل مردود، # PageV00P227 # على أنه يلزم على قوله أن لا يكون المتقدمون علي (عليه السلام) من أعوان ~~المؤمنين وأنصارهم لا في زمان النبي (ص) ولا بعده فلا يجوز جعلهم أئمة لأن ~~الإمام ناصر المؤمنين وهم أنصاره فيجب أن يكون علي (عليه السلام) هو الإمام ~~بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) لثبوت نصرة المؤمنين له مطلقا بالآية وهذا ~~لا يرضى به القوشجي وحزبه، فما ارتكبه من التأويل الفاسد لدفع حجتنا كان ~~لقولنا محققا ولمذهبه مبطلا وهو يقدر بجهله أنه أزال بتأويله استنادنا إلى ~~الآية في إثبات إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو ما زادنا إلا تقوية ~~وانتصارا بإخراجه أئمته من ولاية المؤمنين وحمل وهم راكعون على العطف ~~والاستيناف دون الحال كما ارتكبه هو أيضا وأشباهه فلا تكون الآية خاصة بعلي ~~(عليه السلام) مع ما فيه من المخالفة لقول المفسرين منهم والمحدثين من ~~اختصاص الآية بعلي (عليه السلام) كمجاهد (2) والسدي (1) وعطا (2) والثعلبي ~~(3) وأبي بكر الرازي (4) # PageV00P228 # والرماني (1) والطبري (2) وغيرهم مستلزم لعطف الجملة الاسمية المحضة على ~~الجملة الفعلية المحضة وذلك مرغوب عنه في العربية ومرجوع عند أهل اللغة فلا ~~يحمل عليه القرآن الكريم الذي هو في أعلا طبقات البلاغة وأيضا مستلزم ~~للتكرير الغير المفيد ms165 لأن قوله عز وجل [يقيمون الصلاة] دخل فيه الركوع ~~فذكره ثانيا تكرير غير مفيد فيكون مرجوحا يصان عنه الكتاب العزيز، وجعل ~~الجملة المذكورة حالا مفيد فائدة قريبة فالحمل عليه أولى، بل هو الواجب ~~والاستئناف ممتنع لتلبس الجملة بضمير الذين يؤتون الزكاة ولأنه لم يبق لها ~~معنى محصل إذا قطعت عن ما قبلها ومع هذا كله إن قوله تعالى: # [إنما وليكم الله] خطاب للمؤمنين كافة والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~داخل فيهم قطعا لأن الله وليه وقوله: [ورسوله] خارج من الخطاب وقوله: ~~[والذين آمنوا] لا بد فيه من أحد وجهين إما أن يكون إخراجا لواحد خاص فقد ~~تم المعنى وثبت أن ذلك الواحد هو الولي الذي تجب طاعته بطاعة الله ورسوله ~~(صلى الله عليه وآله) ولا قائل من العلماء على تقدير اختصاص الآية وكون ~~الولاية فيها بمعنى فرض الطاعة بأن المعنى بها غير علي (عليه السلام) فتثبت ~~إمامته بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ضرورة - وإما أن يكون إخراجا ~~لكل المؤمنين الذين يصلون ويزكون ويركعون كما هو مقتضى قول الخصم فحينئذ لم ~~يبق مخاطب بالآية وكان المضاف هو عين المضاف إليه وكان كل مؤمن هو ولي نفسه ~~وهو محال لأن الخطاب بالآية غير مرتفع بالاتفاق، والواجب في ذلك أن يكون من ~~جعلت له الولاية غير المخاطبين بالآية الذين جعلت عليهم الولاية حتى يكون ~~ولي ومولى عليه وليس على تأويل الخصم إلا الولي خاصة، فالخطاب إذن قد # PageV00P229 # ارتفع وهو باطل بدون تأمل فبطل ما تأولوه من التأويلات الركيكة وانزاح ما ~~تمحلوه من التمحلات الممتنعة وتبين أن الآية نص في إمامة أمير المؤمنين بلا ~~ريب. # ومن السنة خبر الغدير الذي ملأ الاسماع وطبق البقاع وذكر في إسعاف ~~الراغبين (1) أنه مروي عن ثلاثين رجلا من الصحابة وذكر غيره أن طرق هذا ~~الحديث تزيد على مائة طريق روى أحمد بن حنبل في مسنده عن البراء بن عازب ~~(رضي الله عنه) قال " كنا مع النبي (صلى الله عليه وآله) في سفر فنزلنا ~~بغدير خم ms166 فنودي فينا الصلاة جامعة وكسح لرسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) تحت شجرتين فصلى الظهر وأخذ بيد علي (عليه السلام) فقال (صلى الله ~~عليه وآله): ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم، قالوا: بلى، فقال ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): (اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم فوال من ~~والاه وعاد من عاداه)، فلقيه عمر بن الخطاب بعد ذلك فقال له هنيئا لك يا بن ~~أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة (2) ورواه أحمد بن الحسين ~~البيهقي بهذا اللفظ أيضا مرفوعا إلى البراء بن عازب (3) في حديث الزهري في ~~ذكر خطبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بغدير خم ثم قال يعني النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) (أيها الناس من أولى الناس بالمؤمنين) قالوا الله ~~ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) أولى بالمؤمنين، يقول ذلك ثلاث مرات ثم ~~قال في الرابعة وأخذ بيد علي (عليه السلام) (اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه ~~اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) يقولها ثلاث مرات (ألا فليبلغ الشاهد ~~منكم الغائب). # PageV00P230 # وفي رواية الحافظ أبو الفتوح أسعد بن أبي الفضائل بن خلف في كتابه الموجز ~~بسنده عن حذيفة بن أسيد الغفاري وعامر بن أبي ليلى بن ضمرة في ذكر الخطبة ~~أيضا ثم قال يعني النبي (صلى الله عليه وآله) (يا أيها الناس ألا تسمعون ~~ألا فإن الله مولاي، وأنا أولى بكم من أنفسكم ألا ومن كنت مولاه فعلي ~~مولاه) (1) وأخذ بيد علي (عليه السلام) فرفعها حتى نظرها القوم ثم قال: ~~(اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) (2) وبعض المحدثين رواه مختصرا بدون ~~المقدمة المذكورة وهي قوله (صلى الله عليه وآله) (ألستم تعلمون أني أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم) إما اختصارا أو تدليسا أو استغناءا بما بعدها في ~~إفادة المراد لا لأنها غير موجودة في أصل كلام النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فقدح القوشجي في دلالة الخبر على المقصود بأن أكثر من رواه لم يرو ~~المقدمة المذكورة معه مقدوح أولا بوجودها في ms167 قول النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) برواية جملة من أكابر المحدثين كما سمعت فلا سبيل إلى إنكارها وثانيا ~~بأن الباقي كاف في الدلالة على المطلب لو لم تكن مذكورة قبله في أصل قول ~~النبي (صلى الله عليه وآله) وخطبته وهذا الخبر مما احتج به أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) على أهل الشورى في جملة ما احتج به على أولويته بالإمامة فما ~~أنكره من القوم منكر ولا قدح فيه قادح، وقد صحح ذلك المعتزلي واعترف به ~~القوشجي (3) فقول بعض الخصوم أن الخبر غير متواتر # PageV00P231 # تعصب محض وعناد صرف ومن هذا شأنه فهو ملئ بالجهالات ودفع الضرورات فلا ~~يلتفت إليه. # وروى ابن أبي الحديد هذا الخبر في مواضع كثيرة من كتابه قال في موضع " ~~وروى عثمان بن سعيد عن شريك بن عبد الله (1) قال لما بلغ عليا (عليه ~~السلام) أن الناس يتهمونه فيما يذكره من تقديم النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) إياه وتفضيله على الناس، قال: أنشد الله من بقي ممن لقي رسول الله ~~وسمع مقاله في يوم غدير خم إلا قام فشهد بما سمع، فقام ستة ممن عن يمينه من ~~أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وستة ممن عن شماله من الصحابة ~~أيضا فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله يقول ذلك اليوم وهو رافع بيد علي: (من ~~كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره ~~واخذل من خذله وأحب من أحبه وأبغض من أبغضه (2) وذكر قول النبي (صلى الله ~~عليه وآله): (وأدر الحق معه حيث دار) في موضع آخر مفردا (3). # والمولى هنا يراد به الأولى والأحق بالأمر مثله. # في قوله تعالى: [مأواهم النار هي مولاهم] (4) وقوله تعالى: # [ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون] (5) لأنه في الشرط مراد ~~به ذلك لثبوته للنبي (صلى الله عليه وآله) بالكتاب في قوله عز وجل: # [النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم] (6) الآية والجزاء على منوال الشرط ~~وارد # PageV00P232 # فيراد به ما يراد بشرطه فثبت أن عليا (عليه السلام) ms168 هو الأولى بالأمر ~~والأحق به، فيكون هو الإمام بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) لدخول من ~~سواه في ولايته بواسطة دخولهم في ولاية رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فلا يصلح أحد منهم للتقدم عليه في أمر من الأمور، كما لا يصلح لهم ~~التقدم على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يجوز حمل المولى في ~~الخبر على غير الأولى بالأمر من معانيه لامتناع المعتق والمعتق للفاعل ~~والمفعول وشبههما يقينا واتفاقا، وخروج الناصر والمعين وما آل إليهما ~~بالقرنية اللفظية والعقلية، أما اللفظية فقول النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) قبل ذلك: (أنا أولى بكم من أنفسكم) فإنها تعين أن المراد من قوله (من ~~كنت مولاه فعلي مولاه) من كنت أولى به من نفسه، وإلا فلا فائدة في هذا ~~الكلام في المحل ولا حاجة إلى أخذ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اعتراف ~~القوم به ثلاث مرات، كما في حديث الزهري، ومرة واحدة كما في غيره، فتكون ~~لغوا ولا يجوز أن يكون كذلك كلام الرسول (صلى الله عليه وآله) فتكون لما ~~ذكرناه من إرادة رفع الاشتراك عن لفظ المولى وتعيين معنى الأولى منه، وأما ~~العقلية فلأن مقتضى المقام ذلك لأن جميع الناس وأخبارهم في ذلك الوقت ~~الشديد الحر لا ينصرف ذهنا ولا يحتمل عقلا لأن يكون إخبارا بما كان معلوما ~~قبل ذلك للمخبرين، بل ينصرف عقلا إلى الإخبار بأمر غير معلوم لهم سابقا، ~~ليكون تأسيسا لحكم وكون علي (عليه السلام) ناصرا ومعينا لمن كان رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) وليه أمر معلوم لكل الحاضرين، فالإخبار به قليل ~~الفائدة، بل لا فائدة فيه وهل هو إلا تحصيل حاصل يصان فعل النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) عن مثله، فلا بد أن يكون الإخبار عن ما ليس بمعلوم ~~للمخاطبين ليعلموه وما هو إلا إثبات ولاية النبي (صلى الله عليه وآله) على ~~المؤمنين لعلي (عليه السلام) والمشترك يرتفع اشتراكه بالقرينة المعينة ~~لإرادة أحد معانيه PageV00P233 # منه، وهي هنا موجودة على ما ms169 نقول كما ترى، فتعين أن المراد بلفظ مولى في ~~الخبر الأولى بالتصرف، وبه يثبت المطلوب. # وبالجملة أن هذا الخبر نص صريح على أمير المؤمنين (عليه السلام) بالإمامة ~~يقينا لا ينبغي للخصوم الشك فيه، ولا التشكيك، لولا ما ارتكبوه فيه من ~~التأويلات البعيدة الباردة التي يحكم الذوق المستقيم باستحالتها للشبهة ~~التي اتخذوها حقا والبدعة التي جعلوها سنة، وكيف يصح أن يريد النبي (صلى ~~الله عليه وآله) هنا بالمولى الناصر والمعين وابن العم والحليف كما قالوه، ~~فيكون (صلى الله عليه وآله وسلم) قد قام في حر الظهيرة وجمع الناس في سعير ~~الهاجرة يخبرهم عن شئ علموه أولا على لسانه من القرآن الكريم في قوله ~~تعالى: [والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض وغيرها] (1) من الآيات ~~الكثيرة وعرفوه من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) مرات متعددة، وتيقنوه من ~~دون خبر إذ لا يجهل أحد أن عليا ابن عم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأن ~~من كان ابن عم أحدهما فهو ابن عم الآخر والحليف كذلك وينبئهم عن علي (عليه ~~السلام) بشئ لا يختص دون المؤمنين كافة، ولا دون سائر بني هاشم في ذلك ~~المقام الوعر، وهذا لو فعله سائر الناس أو صدر من بعض عامتهم لنسبه العقلاء ~~إلى ضعف العقل، وطعن فيه أهل الروية بقلة الرأي، فكيف يصدر مثله عمن لا ~~ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فيجب أن النبي (صلى الله عليه وآله) ~~إنما أخبرهم في ذلك المشهد بشئ من الولاية يختص به علي (عليه السلام) دون ~~سائر المؤمنين ودون باقي بني هاشم، وما هو إلا أنه ولي بولاية الرسول (صلى ~~الله عليه وآله) على المؤمنين وأولى بالتصرف فيهم من أنفسهم باليقين، فيكون ~~هو الإمام لا معنى للمولى هنا إلا # PageV00P234 # هذا كما ذكرنا، ولا يشك في هذا إلا من خالطت العصبية لحمه ودمه، وأعرض عن ~~التأمل في دلالات الكلام والنظر في مقتضيات الأحوال فحاد عن قبول الحق، ~~واعتمد على ما ألفه من زخارف الأسلاف، أهل العصبية والاعتساف، وأما من وقف ms170 ~~عند النص وتأمل مقتضى الحال، وترك التعلل بالشبهات الواهية، فإنه لا يرتاب ~~في أن الخبر نص واضح على أمير المؤمنين (عليه السلام) بالإمامة العامة، ~~ولذا قال أبو الهيثم فيما ذكرنا من شعره. # إن الوصي إمامنا وولينا.. البيت. # يريد أولى بنا كما لا يخفى على المتأمل في كلامه. # وروى ابن أبي الحديد عن إبراهيم بن ديزيل (1) في كتاب صفين، قال حدثنا ~~يحيى بن سليمان، قال حدثنا ابن فضيل، قال حدثنا الحسن بن الحكم النخعي، عن ~~رياح بن الحارث النخعي، قال: كنت جالسا عند علي (عليه السلام) إذ قدم عليه ~~قوم متلثمون فقالوا السلام عليك يا مولانا، فقال لهم، (أو لستم قوما عربا) ~~قالوا بلى ولكنا سمعنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول يوم غدير ~~خم (من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من ~~نصره واخذل من خذله) فقال: لقد رأيت عليا ضحك حتى بدت نواجذه ثم قال اشهدوا ~~ثم إن القوم مضوا إلى رحالهم فتبعتهم، فقلت لرجل منهم، من القوم؟ قال: نحن ~~رهط من الأنصار وذاك يعنون - رجلا منهم - أبو أيوب صاحب منزل رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فصافحته (2) وهذا الخبر ظاهر أي الظهور في أن ~~القوم # PageV00P235 # فهموا من لفظ المولى في كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إرادة ~~الأمير الذي هو الإمام فسلموا على علي بالموالاة بدل الإمارة لأنها عندهم ~~بمعناها فمرادهم بمولانا أميرنا ولو كان مرادهم المعونة والنصرة لم يكونوا ~~سلموا عليه بالإمرة لكنهم قصدوا من اللفظ المذكور التسليم عليه بها، ولولا ~~ذلك لما كان لضحك علي (عليه السلام) واستبشاره باستدلالهم على ذلك بالحديث ~~معنى ولا لقوله لأصحابه اشهدوا فائدة لأنهم لا يشكون قبل ذلك في أنه من ~~المؤمنين الذين صرح القرآن بأن بعضهم معين بعض وناصره بل لا يشكون في أنه ~~سيد المؤمنين وإمامهم في ذلك الوقت، ثم إن راوي الحديث يفهم منه أنه فهم من ~~قصد الأنصار الولاية العامة لا المعونة والنصرة فتأمل. # قال ابن أبي ms171 الحديد وقال أبو بكر: وحدثني علي بن سليمان النوفلي قال سمعت ~~أبي يقول: ذكر سعد بن عبادة يوما عليا (عليه السلام) بعد يوم السقيفة فذكر ~~أمرا من أمره نسيه أبو الحسن يوجب ولايته فقال ابنه قيس بن سعد أنت سمعت ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول هذا في علي بن أبي طالب (عليه السلام) ~~ثم تطلب الخلافة ويقول أصحابك: منا أمير ومنكم أمير؟ لا كلمتك والله من ~~رأسي بعدها كلمة أبدا (1) انتهى. # فهذا كما ترى دال على أن من طلب الخلافة بعد رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) من القوم ليس لعدم علمه بنص الغدير بولاية أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) ولا لأن هذا اللفظ لا يوجب له الإمامة ولكن كان ذلك منهم حبا ~~للرئاسة وطلبا للإمرة وتعمدا لمخالفة نص الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~لذلك الغرض ولذا أنكر قيس على أبيه طلب الخلافة بعد سماع # PageV00P236 # ذلك، وقال: ما سمعت ولولا علمه بأن الولاية لعلي (عليه السلام) في قول ~~النبي (صلى الله عليه وآله) يراد بها الإمامة والإمارة دون المعونة ~~والنصرة، وعلمه بأن أباه يعلم ذلك لما كان يتوجه له الانكار على أبيه بوجه ~~من الوجوه ولا صح له أن يتبرئ من مكالمته بحال من الأحوال، ولولا أن سعدا ~~فهم من الولاية ما فهمه ابنه منها لاعتذر إليه عن فعله ودفع عنه إنكاره بما ~~يعتذر به خصومنا اليوم من حمل الولاية على المعونة والنصرة، وأقول: # سقيا لربع قيس في صدعة بالحق وعدم التفاته في القول به إلى القرابة ~~وإنكاره الباطل حتى على أبيه مع كونه سيد الأنصار، وهذه قاعدة طالب الحق ~~المنصف وطريقته لا يعاند إذا ظهر له الحق ولا يعدل عنه ويتعلل فيه لرضى ~~القرابة والعشيرة والشيوخ والاسلاف وحب الرئاسة والجاه، وقد وضح من جملة ما ~~حررناه أن الأنصار ومن سمع الخبر من منصفي التابعين قد عرفوا وحكموا أن ~~مراد النبي (صلى الله عليه وآله) (من كنت مولاه فعلي مولاه) الأولوية ~~بالأمر وهي الإمارة العامة والإمامة الكبرى ms172 والخلافة العظمى لا معنى غيرها ~~مما يذكره الخصوم، افترى خفي على المهاجرين مثل أبي بكر وعمر وعثمان وأبي ~~عبيدة وعبد الرحمن وأضرابهم مع شدة ملازمتهم للنبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وقوة فهمهم وعلمهم على ما يدعى الخصم ما كان ظاهر للأنصار ظهور الشمس ~~في رابعة النهار؟ أم تعمدوا مخالفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) طلبا ~~للرئاسة وكتموا نص الرسول (عليه السلام) على علي (عليه السلام) طمعا في ~~الإمارة كما فعل سعد بن عبادة عند طلبه ذلك فلما فاته الأمر أظهر ما أخفاه ~~وأبرز ما كتمه؟ فانظر ما قلناه بعين التبصر والإنصاف فإنك لا تشك بعده في ~~صحة ما نذهب إليه، ومما يعين ما قلناه مضافا إلى ما ذكرناه قول النبي (صلى ~~الله عليه وآله) في آخر الخبر (اللهم وال من ولاه وعاد من عاداه وانصر من ~~نصره واخذل من خذله) فإن المراد من موالاة الله موالي علي (عليه السلام) ~~هدايته وإثابته إياه، ومن PageV00P237 # معاداته معادي علي (عليه السلام) إضلاله ومعاقبته، والمراد من موالاة علي ~~(عليه السلام) متابعته والاقتداء به، ومن معاداته مخالفته والعدول عنه إلى ~~غيره لا النصرة والحلف في الموضعين، ولا الخذلان والمحاربة في المقامين، ~~لأنه لو كان المراد ذلك لكان قول النبي (صلى الله عليه وآله) بعده (وانصر ~~من نصره واخذل من خذله) تكريرا عديم الفائدة، ولا يجوز حمل كلام النبي ~~المطهر على ذلك، وإذا استوضحت جهة استدلالنا بالخبر الشريف على قولنا وعرفت ~~صراحته في مذهبنا فاعلم أن الذي حاوله المخالفون فيه وزعموا أنه ناقص ~~لدلالته على ما ندعيه ومخرج له عن الحجية على ما نبتغيه وجوه أربعة. # الأول: منع تواتره لأنه لم يروه البخاري ومسلم والواقدي كما قاله القوشجي ~~وغيره منهم فلا يكون حجة في المقام يعارض به الإجماع، وهذا الوجه وما بعده ~~من الوجوه التي يتعللون بها في دفع الحق الواضح قد اشتمل بياننا على ~~تزييفها وإبطالها على أوضح وجه، ولكنا هنا نذكرها مفصلة ونردف كل وجه بما ~~يبين فساده ويوضح بطلانه. # فنقول في ms173 الجواب عن هذا أن الداعي لمن ذهب من الخصوم إلى منع تواتر الخبر ~~المذكور هو الشبهة الحاصلة من تقدم الثلاثة على علي (عليه السلام) وتركهم ~~وأصحابهم العمل به واستبعاد مخالفتهم للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فيما كان معلوما وكل ذلك مردود أما تقدم الثلاثة فلا يكون معارضا للخبر حتى ~~يثبت أنه واقع على وجه شرعي وهذا هو موضع النزاع والخبر لا نزاع في صحته ~~وإن نوزع في تواتره فيكون أقوى من صحة تقدمهم والاستبعاد ليس بدليل حتى ~~يعارض به الأدلة لا سيما ومخالفة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من ~~القوم واقعة في حياته وبعد وفاته، وسيأتيك توضيحه في موضعه، فما هو بمقتض ~~عدم تواتر الخبر في نفسه لأن شرط PageV00P238 # التواتر وهو كونه خبر جماعة يفيد بنفسه القطع موجود فيه لكثرة طرقه ~~وإقرار الصحابة به من موافقي علي ومخالفيه كما علمت، وترك البخاري وصاحبيه ~~روايته لا يدل على عدم تواتره مع رواية من سواهم من المحدثين وأهل السيرة ~~له، وكم من حديث متواتر لم يذكره البخاري وصاحباه خصوصا إذا كان حجة عليهم، ~~ومتى قال مخالفونا إن تخلف علي ومن معه وسعد بن عبادة ومن اتبعه عن أبي بكر ~~وإنكارهم بيعة غير قادح في الإجماع على إمامته فلا ينبغي لهم أن يقدحوا في ~~الإجماع على الخبر المذكور بترك البخاري وصاحبيه روايته مع عدم تصريحهم ~~بإنكاره، فالاعتراض في الخبر من هذا الوجه مندفع. # الثاني (1): عدم تعيين المولى فيه بمعنى الأولى واحتمال كونه لغيره من ~~المعاني كالناصر والحليف، وزاد الصبان الشافعي في كتابه إسعاف الراغبين (2) ~~على ذلك أنه لم يعهد كون المولى بمعنى الأولى لا شرعا وهو واضح، ولا لغة إذ ~~لم يذكر أحد من أئمة العربية أن مفعلا بمعنى أفعل والجواب عنه أن نقول لهم: ~~إنكم حكمتم على لفظ مولى في قوله تعالى: [مأواكم النار هي مولاكم] (3) وفي ~~قول النبي (صلى الله عليه وآله) (أيما امرأة نكحت بدون إذن مولاها) (4) إنه ~~بمعنى الأولى ومالك الأمر للقرينة الحالية والمقالية ونفيتم عنه ما ms174 سوى ذلك ~~من معانيه ولازم ذلك الحكم على مولى في الخبر بأنه بمعنى الأولى بالمؤمنين ~~لوجود القرينتين الحالية والمقالية على إرادته منه ونفى ما سواه من المعاني ~~كما ذكرنا أولا وهما دليلان يجب العمل بهما في المقام كما # PageV00P239 # أوجبتم العمل بهما في غيره وترك العمل بالدليل للتشهي غير جائز شرعا. # وأما الجواب عن زيادة الصبان وهذره فبأن مولى قد عهد كونه بمعنى الأولى ~~شرعا وعرفا ولغة فأما في الشرع فالرواية المتقدمة تشهد به فقد جمع أصحابه ~~وغيرهم على لفظ مولى فيها بمعنى الأولى شرعا، ومثله في الآيات كثير قال ~~الله تعالى: [ولكل جعلنا موالي مما ترك الولدان والأقربون] (1) أي أولى ~~بالميراث وقال تعالى: [وإني خفت الموالي من ورائي] (2) إلى الأولى بميراثه ~~من غيرهم، وكل هذا مما لا نزاع فيه، وأما في اللغة فبوجوه. # الأول: إن أبا عبيدة معمر بن المثنى وهو إمام نقلة اللغة العربية قد ذكر: ~~أن مولى بمعنى الأولى ونص عليه وحمل عليه لفظ موالي في الآية المذكورة (3). # وقال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد في كتابه المترجم بالعبارة في صفات ~~الله: أصل تأويل الولي الذي هو أولى أي أحق ومثله المولى، وقال بعد تأويل ~~ذلك بأن الله هو مولى الذين آمنوا والولي والمولى معناهما سواء وهو الحقيق ~~بخلقه المتولي لأمورهم، وقال في كتاب معاني القرآن: " الولي والمولى في ~~كلام العرب واحد " (4)، وقال: أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري في كتابه ~~المعروف بالمشكل " المولى الولي والمولى الأولى بالشئ " وذكره أيضا غيرهم # PageV00P240 # من أئمة اللغة واعترف بثبوت ذلك وصحته القوشجي في شرح التجريد. # الثاني: وروده في القرآن كما في الآيات المذكورة وغيرها، وفي السنة مثل ~~الرواية المتقدمة وغيرها وهما أفصح الكلام العربي. # الثالث: وروده في أشعار العرب على كثرة. # قال لبيد بن ربيعة العامري: # فغدت كلا الفرجين تحسب أنها * مولى المخافة خلفها وأمامها (2) فالمولى ~~فيه بمعنى الأولى مثله في قوله تعالى: [مأويكم النار هي مولاكم] قاله ثعلب ~~النحوي وأبو عبيدة، وقال الشنفري جابر بن ثابت الأزدي. # وإني لمولى الصبر ms175 أحباب بزة * على مثل قلب السمع والحزم أفعل أي إني أولى ~~بالصبر من غيري، وأنا مالك أمره، وذلك أنه يصف نفسه بكثرة الصبر زيادة على ~~غيره من ذوي الصبر فلا بد من معنى التفضيل. # وقال عمرو بن البراقة الفهمي. # إذا جر مولانا علينا جريرة * صبرنا لها إنا كرام دغاثم وننصر مولانا ~~ونعلم أنه * كما الناس مجروم عليه وجارم فمولانا في البيتين بمعنى سيدنا ~~قاله شراح الشواهد وهو بمعنى الأولى بنا والمالك لأمرنا. # وقال الأخطل: # فأصبحت مولانا من الناس بعده * وأحرى قريش أن تهاب وتحمدا # PageV00P241 # وقال غيره: # كانوا موالي حق يطلبون به * فأدركوه وما ملوا وما لعبوا والشواهد عليه ~~كثيرة، وإطلاق المولى في لسان العرب على مالك العبد معلوم غير مجهول، وبه ~~ورد الكتاب العزيز قال الله تعالى: [ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على ~~شئ وهو كل على مولاه] والمراد به الأولى به والمالك لأمره، أما في العرف ~~فلأن إطلاق لفظ " المولى " على من بيده أمر المرأة في النكاح وعلى مالك ~~العبد أمر شائع ذائع بين الفقهاء والمحدثين وعامة الناس في جميع الأقطار ~~بحيث لا ينكر ولا يدفع، فقد جاء مولى بمعنى الأولى بالشئ والأحق به شرعا ~~ولغة وعرفا، بل قال بعض المحققين من أهل الاطلاع على دقائق اللغة العربية: ~~إن الأصل في المولى الأولى بالشئ والأحق به وما سواه من معاني المولى راجع ~~إليه، فالمعتق مولى لأنه أولى بميراث المعتق وهذا مولى لأنه أولى بنصرة ~~المعتق من غيره، وابن العم لأنه أولى بنصرة ابن عمه لقرابته، والورثة موالي ~~لأنهم أولى بميراث الميت من غيرهم، والحليف لأنه أولى بأمر محالفه للمحالفة ~~التي جرت بينهما، والولي لأنه أولى بنصرة من يواليه، والسيد لأنه أولى ~~بتدبير من يسوده انتهى والصبان في غفلة عن هذا كله، والجواب عن قوله: أن ~~مفعلا لم يرد بمعنى أفعل، من وجهين. # الأول: إنا قد أثبتنا بالأدلة الظاهرة والبراهين الزاهرة مجئ هذا الحرف ~~من مفعل بمعنى أفعل فلا يضرنا عدم مجئ غيره بمعناه لأنا لا ندعي العموم ms176 ~~وإنما الدعوى في واحد وقد أثبتناها. # الثاني: إنه ليس المدعى أن مولى صفة بمعنى الأولى حتى يرد قوله وإنما ~~المدعى أن مولى اسم للأولى وقد اعترف بذلك القوشجي وغيره من محققيهم ~~وبوروده كذلك في كلام العرب وأشعارهم فزال اعتراض الصبان. PageV00P242 # الثالث: (1) تسليم أنه بمعنى أولى لكن لا نسلم أنه أولى بالإمامة، بل ~~بالاتباع له والقرب منه كقوله تعالى: [إن أولى الناس بإبراهيم للذين ~~اتبعوه] (2) وقول التلاميذ: نحن أولى بأستاذنا مثل به في المقام القوشجي. # والجواب إنا لا ندري ما مرادهم من هذا العبارة المضطربة الألفاظ الزائلة ~~المعنى ولا بد من أن يكونوا أرادوا أحد وجوه إما أنهم أرادوا أن معنى قول ~~النبي (صلى الله عليه وآله) " من كنت مولاه فعلي مولاه " من كان لي تابعا ~~فهو لعلي تابع فيكون حاصله أن من لم يكن تابعا لي فليس تابعا لعلي فمن لم ~~يكن تابعا لعلي (عليه السلام) فليس بتابع للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ~~فيقال لهم: على هذا فأبو بكر وأصحابه تابعون للنبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) أم غير تابعين له فإن كانوا له تابعين لزمهم أن يتبعوا عليا بعده، ~~والمتبوع هو الإمام وإن لم يكونوا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أتباعا ~~لم تجز لهم خلافته فدلالة الخبر على المدعى بحالها وإن أرادوا أن معناه من ~~كنت تابعه فهذا معنى قبيح لأن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يتبع أحدا من ~~الناس، بل هو الرئيس المتبوع، وإن أرادوا أن معناه من كان تابعا لي كان علي ~~تابعا له، فهو معنى مستهجن جدا لأن مراد النبي (صلى الله عليه وآله) من ~~الكلام مدح علي (عليه السلام) بالاتفاق، وعلى هذا المعنى يكون مدحا لواحد ~~غير معين ويكون علي (عليه السلام) ملزوما بتبعية ذلك الغير فلا مدح له وهو ~~خلاف المراد، ولا تنصرف عبارتهم إلى غير هذه المعاني الثلاثة، والأول لنا ~~لا علينا وإن كان من لفظ الخبر بعيدا، والأخيران مع ما فيهما مما سمعته ~~بعيدان عن حاق اللفظ فحمل كلام ms177 النبي (صلى الله عليه وآله) عليهما بين ~~الفساد، وأما الأولى في الآية # PageV00P243 # فلولا القرنية الدالة من العقل على أن التابع لا يلي أمر المتبوع لدلت ~~على ولاية الأمر لكن القرنية صارفة عنه وهي دليل متبع، ومع هذا كله فإن ~~خروج أولى في الآية عن معنى الأحقية إلى معنى المتابعة غير مسلم لأنه على ~~قولهم بمعنى إن أتبع الناس لإبراهيم للذين اتبعوه وهذا ممتنع من جهة أن اسم ~~التفضيل يدل على المشاركة والزيادة ومن لم يتبع إبراهيم لم يشارك متبعيه في ~~متابعته وحيث لا مشاركة فلا تفضيل، وكذا لا مشاركة في الأقربية بين تابعيه ~~ومن لم يتبعه فينتفي التفضيل في الأقربية أيضا فكان لا محالة الأولى فيها ~~باقيا على معناه، والمراد أن الأولى بطريقة إبراهيم والأحق بدينه من جميع ~~الناس من كان تابعا له من الأنبياء والأوصياء وأتباعهم في الملة الحنيفية ~~بدليل قوله تعالى: بعد (وهذا النبي) فإن النبي (صلى الله عليه وآله) غير ~~تابع شريعة إبراهيم في التحليل والتحريم ليكون مؤتما به بالاجماع وإنما ~~تبعيته لإبراهيم كونه على الملة الحنيفية مثله والذين آمنوا بالنبي (صلى ~~الله عليه وآله) فالآية رد على اليهود والنصارى وغيرهم من الفرق المدعين ~~أنهم على دين إبراهيم وطريقته هذا ظاهرها وسرها أن الأولى بمقام إبراهيم ~~والأحق بإمامته المجعولة تابعوه من ذريته في الدين القويم الذين لم يجر ~~عليهم اسم ظلم طول أعمارهم، وهذا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والذين ~~آمنوا الذين لم يلبسوا إيمانهم بظلم، وهم علي (عليه السلام) وأطائب أولاده ~~فهي تشير إلى قوله تعالى: [وجعلها كلمة باقية] (1) في عقبه يعني الإمامة ~~وهذا الوجه هو الوارد عن علماء أهل البيت في معنى الآية (2) فهي دالة على ~~مطلبنا من جميع الجهات وبعيدة عن مطلبهم، وكذا مثال القوشجي فإن المراد منه ~~أن التلاميذ أحق بفوائد أستاذهم وعوائده من غيرهم وذلك موافق لنا لا له، ~~وليس # PageV00P244 # المراد منه إنا أتبع لأستاذنا كما لا يخفي على المتدبر، ثم لو سلمنا حمل ~~الولاية في الآية والمثال على ما ذكروه ms178 لكن لا نسلم جواز حمل الخبر عليهما ~~لاختلاف التأليف المقتضي لاختلاف المعنى، فإن الأولى في الآية مسند إلى ~~التابعين وإبراهيم متعلق الولاية فجاز أن يكون المعنى إن أقرب الناس ~~لإبراهيم المتبعون له، وفي المثال كذلك وفي الخبر الولاية مسنده إلى النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فلا يجوز أن يكون أراد النبي (صلى الله عليه ~~وآله) من كنت تابعا لامتناع ذلك، وعلى ما قالوه يكون المعنى هكذا نعم لو ~~قال (صلى الله عليه وآله وسلم) من كان مولاي فهو مولى علي لجاز حمله على ما ~~قالوه على ما فيه من القول الذي مر فتبين من هذا أن حمل الخبر على ما في ~~الآية مستحيل وليس ذلك بخفي على من له معرفة بعلم العربية ولا على مثل ~~القوشجي ولكن يلجئهم ضيق المسلك إلى ترك ما يعلمون، والله المسدد لمن طلب ~~السداد. # الرابع: (1) تسليم أنه الأولى بالأمر لكن في المئال بعد الثلاثة لا بعد ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا يدل على بطلان إمامة الثلاثة ونحن ~~نقول بذلك ونقر بأنه رابع الأئمة والجواب أن نقول لهم إذا قررتم بأن معنى " ~~من كنت مولاه فعلي مولاه " من كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به من نفسه ~~فلا بد لكم من التزام أحد أمرين لا محيص لكم عن اختيار واحد منهما، إما أن ~~تحكموا على المتقدمين عليه بأنهم من المؤمنين الذين كان النبي (صلى الله ~~عليه وآله) أولى منهم بأنفسهم في اعتقادهم أو بأنهم ليسوا منهم فإن أجبتم ~~بالأول فلازمه أن يكون علي (عليه السلام) أولى بهم من أنفسهم بعد النبي ~~(صلى الله عليه وآله)، لأن من كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أولى به ~~من نفسه فعلي أولى به من نفسه على جهة # PageV00P245 # العموم في الشرط المقتضي لعموم الجزاء لتناول القضية جميع الأشخاص ~~والأوقات كما هو دأب الشرطية المطلقة العامة، فيجب أن يكون علي إمامهم إذ ~~كان أولى بهم من أنفسهم، ولا يجوز لهم أن يولوا عليه ولا على أنفسهم ms179 وقد ~~جعله رسول الله عليهم وليا وأولى بهم من أنفسهم فبطلت إمامتهم قطعا، وإن ~~أجبتم بالثاني فقد أخرجتموهم من حيز الإيمان ونفيتموهم من ملة الإسلام لأن ~~من لم يعتقد أن النبي (صلى الله عليه وآله) أولى به من نفسه فهو كافر ~~والكافر لا يجوز أن يكون إماما بالاجماع ونص الكتاب وهذا الوجه لا تجوزونه ~~بل تحكمون بكفر من نسب إلى الثلاثة الكفر فبقي الوجه الأول وهو يعين بطلان ~~إمامتهم فثبت المطلوب وصحت دلالة الحديث على إمامة علي (عليه السلام) بعد ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بلا فصل وعدم جواز إمامة غيره كائنا ~~من كان. # وأما قول صاحب الإسعاف بأن تجويز النسيان على سائر الصحابة السامعين لهذا ~~الحديث مع قرب العهد في غاية البعد، (1) فباطل لأنا لم ندع نسيان الصحابة ~~للحديث، ولا جهالتهم بمراد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) منه، ولا عدم ~~معرفتهم دلالته على إمامة علي (عليه السلام) وعموم ولايته على الناس كافة ~~بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، وكيف وعمر بن الخطاب لما سمعه عرف جميع ~~ذلك منه وقال مخاطبا لعلي (عليه السلام): هنيئا لك يا بن أبي طالب أصبحت ~~وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة، كما قدمنا ذكره في رواية أحمد بن حنبل ~~والبيهقي عن البراء بن عازب (2)، أفترانا ندعى أن عمر كان شاكا في دلالة ~~الحديث على أن عليا أولى # PageV00P246 # بكل المؤمنين والمؤمنات من أنفسهم بعد النبي (صلى الله عليه وآله) وهو ~~يقول ما سمعت ويصرح به؟ أو ترى أنه أراد تهنئته بأن ناصر المؤمنين الذي ~~يشاركه فيه جميعهم كما تدعون؟ بل هنأه بالخلافة والإمامة بلا ريبة، وهذا من ~~أقوى الأدلة على ما ذكرنا سابقا من أن الصحابة عرفوا من الحديث النص من ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على علي (عليه السلام) بالإمامة، ولم يعرض ~~لهم نسيانه ولا ارتياب في معناه وذلك مدعانا عليهم ولذا لا نعذرهم فيما ~~فعلوا وقوله: وزعم أن الصحابة علموا هذا النص ولم ينقادوا له عناد باطل ~~مردود بما بيناه ms180 من قرب في تهنئة عمر لعلي (عليه السلام)، وما ذكرناه في ~~حديث سعد بن عبادة وابنه قيس، وحديث تسليم الأنصار على أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) بالولاية، وغير ذلك، وليس الصحابة بمعصومين حتى يجب تنزيههم عن ~~الخطأ، في الأحكام وارتكاب العصيان وقد صدرت من بعضهم المخالفة للنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) في كثير من الأمور وفي كثير من القضايا والأحكام ~~وسنذكره مفصلا في محله إن شاء الله، فما ذكره من عدم انقياد القوم لنص ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع علمهم به هو اليقين عندنا من فعلهم، ~~وليس فيه عناد أصلا بعد انتفاء عصمتهم بالاجماع، وثبوت المخالفة منهم ~~للرسول (صلى الله عليه وآله) بالتواتر، بل هو عمل بالدليل وإنما يكون عنادا ~~إذا ثبتت عصمتهم أو عدم مخالفتهم للنبي (صلى الله عليه وآله) في شئ من ~~الأمور دائما وكل ذلك لم يكن فلا سبيل إذن إلى رد الأدلة الصريحة حذرا من ~~تجويز المخالفة على الصحابة، ولسنا نحكم بذلك على جميع الصحابة فنعارض بما ~~روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) (لا تجتمع أمتي على ضلال) (1)، لأنا # PageV00P247 # نقول إن عليا وأصحابه الأخيار ما زالوا على العمل بذلك النص في سرهم وإن ~~لم يتمكنوا من إظهاره في زمان تغلب الأولين، والحق معهم وحجة الله فيهم ~~والإمام بالحق على قولهم فهو الإجماع الصحيح فاندفع ما أورده الصبان بإذن ~~الواحد المنان، ثم إنه زاد في كتابه وجها خامسا في الايراد على الخبر لا ~~ينبغي أن يذكر لهجنته لولا أن الواجب على المناظر الاستظهار في الحجة ~~وإزالة جميع الشبه الواردة على دليله. # قال (1): خامسها كيف يكون ذلك نصا في إمامة علي (عليه السلام) مع أن عليا ~~بنفسه صرح بأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم ينص عليه ولا على غيره كما في ~~البخاري وغيره انتهى (2). # أقول: ما أضعف ما يتشبث به هؤلاء القوم في إخفاء الحق الزاهر، وما أوهن ~~ما يتعلقون به في إطفاء نور الهدى، وهل خفي على أحد من ذوي المعرفة ادعاء ~~أمير ms181 المؤمنين (عليه السلام) النص عليه من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~بهذا الخبر وغيره، واستشهاده من معه من الصحابة على ذلك وشهادة جماعة منهم ~~له به، وقد قدمنا ذكر شئ منه ويأتي غيره، ولا نعرف موضعا صرح (عليه السلام) ~~فيه بعدم النص عليه، وكيف يصرح بعدم النص عليه وهو ما زال يدعي النص ~~ويستشهد عليه وهل هذا إلا تناقض لا يجوز أن يقع من أدنى العقلاء فكيف يصدر ~~منه مع استكمال بصيرته ووفور علمه وحكمته! وذكر البخاري ذلك وأمثاله عنه ~~غير مقبول # PageV00P248 # فإنه متهم في ذلك لموافقة غرضه ومطابقة مذهبه، وهل هو في ذلك إلا كثعالة ~~شاهده ذنبه، ومن روى له مثله، فليس بدليل أصلا لو لم يكن له معارض فكيف وقد ~~عارضه ما هو معلوم من تصريح علي (عليه السلام) بوجود النص عليه من النبي ~~(صلى الله عليه وآله) فمن المقطوع به أن ما ذكره البخاري منكر من القول ~~وزور فهو باطل يقينا هذا والناقل لم يذكر لفظ البخاري ليزيل عن نفسه تهمة ~~الكذب على شيخه والحوالة في مثل هذا المقام غير جائزة عند المناظرة، ولا ~~يثبت بها الاحتجاج، ولذا كان للخصم أن يقول لعلك تقولت على الشيخ أو لعله ~~من كلامه لا من روايته فلا يكون حجة أو لعلها رواية ليس صريحة كما يدعى ~~وتدعى والتأويل البعيد فيها ليس بمقبول منكم وإلا لقبلناه في حديث الغدير، ~~ولو ذكر اللفظ لم يتوجه عليه شئ من ذلك ولكان الاحتجاج فيه والايراد متوجها ~~على البخاري دونه. # وأما الرواية التي نقلها أبو العباس الدمشقي في تاريخه عن ابن عساكر فلا ~~شك أنها مصنوعة مزورة فلا ريب في بطلانها لاشتمالها على اعتراف أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) بما تواتر عنه القول بضده مثل عدم عهد النبي (صلى ~~الله عليه وآله) إليه في قتال أهل الجمل وإخوانهم من أهل الشام مع اشتهار ~~الرواية بوصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقتال الناكثين والقاسطين ~~والمارقين، وقوله (صلى الله عليه وآله) (إن فيكم من يقاتل على ms182 تأويل ~~القرآن) الخبر (1)، وقول أبي أيوب الأنصاري: عهد إلينا رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) أن نقاتل مع علي الناكثين والقاسطين والمارقين رواه ابن ديزيل: ~~ونصر بن مزاحم (2) وعلى أن خلافة # PageV00P249 # الأولين بنص الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عليهما وقد حصل الاتفاق ~~على رده بيعة أبي بكر حتى أخرج إليها قهرا وقد شرحنا ذلك فيما مر فكيف ~~يعترف بالنص ويخالفه وهو منزه عن مخالفة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~في جميع الأمور، ولتضمنها نسبة أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى نفسه ما صح ~~عند المؤالف والمخالف أنه لم يفعله ومن جملته أنه يغزو إذا أغزاه أبو بكر ~~وعمر وعثمان وقد صح عند كل أهل الرواية أنه لم يخرج من المدنية غازيا في ~~زمان الثلاثة قط وامتناعه عن الخروج مع عمر إلى الشام حين دعاه إليه معروف ~~(1)، ومذاهبه المخالفة للثلاثة مشهورة، وفي كتب القوم مذكورة، وتصريحه ~~بدفعهم إياه وأخذهم حقه وغصبهم مقامه على ذروات المنابر معلوم، قد بيناه في ~~مواضع من هذا الكتاب يستغنى بشرحه فيها عن ذكره هنا، وكلما كان من الروايات ~~مخالف للمعلوم فالواجب رده والحكم عليه بالبطلان خصوصا إذا كان مما يختص به ~~المدعي ولم يروه خصمه كهذه الرواية، على أن هذا الرجل قد ذكر قبل الوجه ~~المذكور بقليل أن عليا قد احتج بالخبر على إمامته في خلافته فكيف يعتبر ~~باحتجاج علي (عليه السلام) على إمامته بالخبر ثم يقول ولم يطل الكلام أن ~~عليا قد اعترف بعدم النص عليه! فانظر إلى هذا التضاد الشديد البين في كلامه ~~فيا سبحان الله ما أبعد هؤلاء الجماعة عن التأمل فيما يقولون؟ وقد بينا ~~سابقا أن الحديث المذكور قد احتج به أمير المؤمنين (عليه السلام) على أهل ~~الشورى في اختصاصه بالإمامة دون غيره باعتراف الخصوم من معتزلة وأشاعرة فلا ~~وجه لتخصيص الصبان احتجاجه (عليه السلام) بالحديث بأيام خلافته، ثم يقال ~~له: إذا كان علي قد احتج به على إمامته في خلافته باعترافك فوجب أن يكون ~~حجة على ذلك أبدا إذ لا ms183 تخصيص فيه بوقت، بل هو صريح في تناول جميع # PageV00P250 # الأوقات، وبذلك تبطل إمامة المتقدمين مع ما في اعترافك بهذا من إكذابك ~~نفسك في دعواك اعتراف أمير المؤمنين (عليه السلام) بعدم النص وتكذيبك ~~البخاري في ذكره ذلك كما قلت، فتأمل أيها المنصف في تناقض كلام هؤلاء القوم ~~لتعلم ﴿أي الفريقين أحق ~~بالأمن﴾ (1) وقد اتضح من جميع ما ذكرنا سلامة الخبر من الايرادات ~~وخلوصه من التشكيكات وعصمته من التمويهات، وثبت أنه نص على إمامة أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) بعد سيد المرسلين (صلى الله عليه وآله وسلم) وذلك ~~المراد. # ومنها: ما رواه ابن أبي الحديد عن أكثر المحدثين وعن أحمد بن حنبل في ~~المسند وكتاب الفضائل ولفظ الرواية بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) خالد بن الوليد في سرية وبعث عليا (عليه السلام) في سرية أخرى ~~وكلاهما إلى اليمن، وقال إن اجتمعتما فعلي على الناس وإن افترقتما فكل واحد ~~منكما على جنده، فاجتمعا وأغارا وسبيا نساء وأخذا أموالا وقتلا ناسا، وأخذ ~~علي (عليه السلام) جارية فاختصها لنفسه فقال خالد لأربعة من المسلمين منهم ~~بريدة الأسلمي اسبقوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فاذكروا له ~~كذا واذكروا له كذا لأمور عددها على علي (عليه السلام) فسبقوا إليه فجاء ~~واحد من جانبه فقال: إن عليا فعل كذا فأعرض عنه، فجاء الآخر فقال: إن عليا ~~فعل كذا فأعرض عنه، فجاء بريدة الأسلمي فقال: # يا رسول الله إن عليا فعل كذا وأخذ جارية لنفسه فغضب (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) حتى احمر وجهه وقال: (دعوا لي عليا) يكررها (إن عليا مني وأنا من علي ~~وإن حظه في الخمس أكثر مما أخذ وهو ولي كل مؤمن من بعدي). # PageV00P251 # قال ابن أبي الحديد: رواه أبو عبد الله أحمد في المسند غير مرة (1) ~~والمراد أنه رواه بطرق متعددة وروى الترمذي والحاكم عن عمران بن حصين أن ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: (ما تريدون من علي ما تريدون من ms184 علي ~~ما تريدون من علي إن عليا مني وأنا منه وهو ولي كل مؤمن بعدي) (2). # أقول: وهو نص صريح غاية الصراحة في أن عليا (عليه السلام) ولي المؤمنين ~~بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولا معنى للولاية بعد النبي (صلى الله ~~عليه وآله) إلا الإمامة، ولا يجوز حملها على المعونة والنصرة لأنه يلزم من ~~ذلك أن عليا في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) غير ناصر للمؤمنين ~~ولا معين لهم وإنما يكون كذلك بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهذا ~~ظاهر البطلان بالبديهة، وهل نصر الإيمان والمؤمنين في حياة الرسول (صلى ~~الله عليه وآله) أحد كنصره أو ذب عن حريم الإسلام أحد كذبه فتعين أن المراد ~~الأول فهو النص الواضح الذي لا تدخله الشبه ولا يتطرق إليه فاسد التأويل ~~ولذا قال أمير المؤمنين في خطبة له: (فوالله إني لأولى الناس بالناس)، ~~رواها المعتزلي (3): المنكر النص عليه ومن هنا يعلم فساد ما قاله الصبان ~~حيث قال: والجواب عما يوهمه ظاهره يعني الخبر من تقديمه على غيره واستحقاقه ~~الإمامة عقب وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم) يؤخذ مما ذكرناه في حديث (من ~~كنت مولاه) وأنا أقول جواب هذا الكلام المتهافت يؤخذ مع ما ذكرناه هنا من ~~جوابنا عليه هناك وقد صرح # PageV00P252 # الحديث كما ترى بأن القوم كانوا مبغضين لعلي (عليه السلام) في حياة النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وأنهم مجهدون أنفسهم في عيبه ونقصه عند رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليغضب عليه لكنهم لم يجدوا إلى ذلك سبيلا ~~فما فاتهم منه في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) أدركوه منه بعد ~~وفاته فدفعوه عن مقامه وأخرجوه قهرا إلى من قدموه عليه. # قال ابن أبي الحديد قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة عن رجاله ~~قال: جاء عمر إلى بيت فاطمة في رجال من الأنصار، ونفر قليل من المهاجرين ~~فقال: والذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقن البيت عليكم فخرج ~~الزبير مصلتا بالسيف ms185 فاعتنقه زياد بن لبيد الأنصاري ورجل آخر فندر (1) ~~السيف من يده فضرب به عمر الحجر فكسره، ثم أخرجهم بتلابيبهم يساقون سوقا ~~عنيفا حتى بايعوا أبا بكر (2)، ولا شك أن من سكن في قلبه ذلك البغض القديم ~~لعلي في حياة النبي (صلى الله عليه وآله) يحدث منه بعد وفاته (صلى الله ~~عليه وآله) في علي (عليه السلام) هذا الفعل الذميم، ويأتي لهذا زيادة تحقيق ~~في موضعه فترقب، ومن تبصر أدنى تبصر عرف يقينا أن القوم قد ارتكبوا من أمير ~~المؤمنين أمر عظيما، وأنهم تعمدوا إنكار فضله وإخفاء النص عليه من النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنهم قصدوا مخالفة النبي (صلى الله عليه وآله ~~في جميع ما عهد إليهم في حقه وما أوضحه لهم من علو شأنه، أو لا تراهم كيف ~~شاهدوا غضب النبي (صلى الله عليه وآله) عليهم من ذكرهم عليا (عليه السلام) ~~بشئ من سئ القول وإبدائهم الشكاية منه إليه! (3) ثم هم يعمدون بعد أيام إلى ~~حرق بيته ويخرجونه ملببا يسوقونه ومن معه سوقا عنيفا، فماذا # PageV00P253 # تظن بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لو رآهم حين أخرجوا عليا (عليه ~~السلام) على تلك الحال في ذل وصغار؟!! وهل يجوز لعاقل لبيب أن يستبعد عليهم ~~مخالفة نص الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يرى منهم هذه المخالفات، ~~ويعلم من أفعالهم هذه المنكرات بعد مشاهدتهم من النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ما سمعت من غضبه الشديد لقول في علي دون فعل فيقول (1) لو سمع ~~الصحابة نصا من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على علي (عليه السلام) لما ~~خالفوه! لأنا لا نظن عليهم مخالفته وهذان الحديثان قالعان لشبهتهم التي ~~إليها يستندون كما ترى وسيأتي من الأخبار ما هو أصرح في هذا المطلب ثم إن ~~الحديثين يدلان على أن ما يفعله علي (عليه السلام حق وصواب لأن النبي (صلى ~~الله عليه وآله) لم يسمع الشكاية فيه ولو جاز عليه الخطأ لم يكن يحابيه ولا ~~يراعيه فزالت بحمد الله كل شبهة وذلك ms186 من فضل الله وعونه. # وأما ما ورد بلفظ المنزلة: فهو الحديث المتفق على روايته بين الأمة وهو ~~قول النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) يوم توجه إلى تبوك ~~واستخلفه على المدينة فقال علي (عليه السلام): خلفتني على النساء والصبيان ~~فقال: (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) ~~هذه صورة الحديث عن سعد بن أبي وقاص (2) وصورته عن # PageV00P254 # العباس بن عبد المطلب عن عمر بن الخطاب عن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): (وأنت مني بمنزلة هارون من موسى كذب من زعم أنه يحبني وهو يبغضك) في ~~خبر رواه في الخصائص (1) وكثير من الناس يرويه (أنت مني بمنزلة هارون) إلى ~~آخر ما مر عن سعد، وقد تقدم في حديث الوزارة ذكره وذكر معناه، وجملة الأمر ~~فيه أن لهارون من موسى منزلة الأخوة والوزارة وشد الأزر والشركة في الأمر ~~والخلافة عنه في قومه، فالوزارة تحمل الثقل عنه، وشد الأزر كونه ردأ له ~~يصدقه، والشركة في الأمر النبوة معه، فأثبت النبي (صلى الله عليه وآله) ~~لعلي (عليه السلام) منه جميع منازل هارون من موسى ولم يستثن إلا النبوة، ~~فعلي وزير رسول الله وشاد أزره وخليفته في قومه وأخوه وليس من النسب لكنه ~~من جهة المماثلة، ومؤاخاة النبي (صلى الله عليه وآله) متفق عليها، فمفهوم ~~الأخوة ثابت له من الحديث المذكور، وقد قال الحسن البصري فيما تقدم نقله ~~وقال له يوم تبوك ما قال، فلو كان ثمة شئ غير النبوة لاستثناه انتهى، فقدح ~~بعض الخصوم في عموم الخبر لكل المنازل بأن عليا ليس أخا النبي (صلى الله ~~عليه وآله # PageV00P255 # وسلم) يقينا فلا يشمل جميع المنازل مندفع بما ذكرناه من ثبوت الأخوة له ~~إجماعا، وليس كونها من النسب بواجب في صدقها مطلقا حتى تكون خارجة، بل ~~الواجب دخولها في مفهوم الخبر لثبوتها من وجه آخر وصحة إطلاقها على علي (ع) ~~دائما فيقال هو أخو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو (صلى الله ~~عليه وآله) ms187 كثيرا ما يقول في علي (أخي وابن عمي وأخي وصاحبي)، فالأخوة من ~~هذا الوجه مرادة من الخبر يقينا ولم تستثن، فالخبر شامل لجميع المنازل إلا ~~النبوة لا تخصيص فيه بدونها، وإذا ثبت لعلي جميع تلك المنازل من النبي (صلى ~~الله عليه وآله) التي من جملتها أنه خليفته على الإطلاق ثبت كونه الإمام ~~بعده، فدلالة هذا الخبر المتواتر على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~دلالة نص صريح لا تخفى استفادتها منه إلا على جاهل صرف لا معرفة له بمعاني ~~الألفاظ، ولا علم له بتراكيب الكلام العربي، أو معاند يرتكب تغيير المعاني ~~ويتعسف طريق التأويل، ولسنا في ذلك نبحث ولا إنصافهم ندعي كما قدمنا القول ~~فيه، وقد تقدم عن ابن أبي الحديد اعترافه باستفادة ثبوت جميع منازل هارون ~~من موسى ومراتبه غير النبوة لعلي (عليه السلام) من رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) من هذا الحديث، والانكار غير مقبول بعد الإقرار، وما أورده ~~بعض الخصوم كالقوشجي وغيره على دلالة الخبر على المطلوب مضافا إلى ما سبق ~~تارة باحتمال كون هارون خليفة لموسى (عليهما السلام) في حياته خاصة لأنه ~~مات قبله، وتارة باحتمال أنه لو بقي بعد موسى أن تكون إمامته بالنبوة لا ~~بالخلافة عن موسى، فلا يلزم أن يكون علي إماما بعد النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) لأنه ليس بنبي تشكيك في المعلومات، والجواب عن الأول بأنا إنما ~~نتكلم على دلالة الألفاظ دون ما يؤل إليه أمر الناس من سبق موت الخليفة على ~~من استخلفه، فإنا نعلم يقينا أن الرجل إذا أوصى إلى آخر دل على أنه النائب ~~عنه بعد موته بحيث إذا مات كان للوصي التصرف، ولو PageV00P256 # مات الوصي قبل الموصي تحقق بموته انفساخ وصيته لا بدلالة اللفظ، فقول ~~موسى (عليه السلام) لهارون (عليهما السلام) ﴿اخلفني في قومي﴾ (1) نص على استخلافه غير مقيد ~~بوقت، فلو فرض أن موسى (عليه السلام) توفاه الله في مسيره ذاك لكان هارون ~~خليفته بذلك الاستخلاف قطعا، وليس لأحد أن ms188 يقول إنه ينعزل بموت موسى (عليه ~~السلام) مع شمول اللفظ للحالين، ولا يقول بذلك نبيه، بل نقول إنه خليفة ~~موسى (عليه السلام) في غيبته وموته غيبة وإن لم يرج زوالها فالحال واحدة، ~~وكذا القول فيما لو رجع ومات بعد رجوعه ولم يصرح بعزل هارون فإنه يكون أيضا ~~خليفته بذلك الاستخلاف الأول، ولا يعترض الشك لعاقل فيه، وأما انفساخ ~~خلافته بموته قبل موسى فليس من جهة قصور الدلالة اللفظية في الاستخلاف، بل ~~من جهة استحالة نيابة الميت عن الحي، فكذا نقول في علي (عليه السلام ثبتت ~~له الخلافة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على سبيل العموم على ما ثبتت ~~لهارون ولم يعرض ما يفسخها من فعل أو قول فيجب بقاؤها له بعد موت النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) بالضرورة وعن الثاني بأن القيام مقام النبي ~~الأول لا يكون بمجرد النبوة فيقوم من بعده من هو نبي مقامه مطلقا، بل لا بد ~~من استخلافه والوصية إليه وإلا لكان كل نبي يقوم مقام من قبله فيلزم تعدد ~~الخلفاء في زمان واحد، وهذا باطل بما صح بالاتفاق أن موسى (عليه السلام) ~~قام مقامه يوشع بوصيته إليه ولم يكن لأنبياء ذلك الزمان مع كثرتهم ذلك ~~المنصب بالنبوة، وكذلك بعد يوشع لوصيه وهكذا إلى طالوت وداود وإلى سليمان ~~وهلم جرا إلى أن جددت شريعة عيسى (عليه السلام) وكان الحال فيها كسابقتها ~~يقوم الثاني مقام الأول بوصية إليه لا بنبوة الثاني فقط، فهرون (عليه ~~السلام) لو بقي بعد موسى (عليه السلام) لكان خليفته بذلك الاستخلاف لا ~~بنبوته وإلا لكان خليفته في حياته بالنبوة ولم يحتج إلى # PageV00P257 # استخلافه في ذلك فلا حاجة إلى قوله (اخلفني في قومي) وأيضا إن موسى (عليه ~~السلام) لو لم يستخلف هارون واستخلف غيره لوجب عليه الطاعة لذلك الغير ولم ~~تكن نبوته نافية عنه تبعية وصي أخيه موسى وخليفته فلا يكون أحد مطلقا خليفة ~~نبي إلا باستخلاف، وهذا ظاهر لكل ذي علم، فكذلك علي (عليه السلام) هو خليفة ~~رسول الله (صلى الله ms189 عليه وآله وسلم) بذلك الاستخلاف لأنه لم يعزله ولم يوص ~~إلى غيره بل أكد استخلافه والوصية إليه بخبر الغدير وغيره فثبت المراد وزال ~~الايراد. # ومما يقرب شبها من هذا الحديث ما رواه ابن أبي الحديد عن الحافظ أبي نعيم ~~في الحلية من قول النبي (صلى الله عليه وآله) (أخصمك يا علي بالنبوة فلا ~~نبوة بعدي، وتخصم الناس بسبع لا يجاحد فيها أحد من قريش أنت أولهم إيمانا ~~بالله، وأوفاهم بعهد الله، وأقومهم بأمر الله، وأقسمهم بالسوية، واعد لهم ~~في الرعية، وأبصرهم بالقضية، وأعظمهم عند الله مزية) تمام الخبر (1) فالنبي ~~(صلى الله عليه وآله) لم يخرج من خصائصه ومراتبه عن علي (عليه السلام) إلا ~~النبوة ولوزامها؟؟ فتبقى له الخلافة والإمامة لأنها لم تنقطع بعد النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) بالاتفاق، بل بالضرورة من الدين فهو قريب من ~~الخبر الأول في الدلالة فتأمل. # وأما ما ورد بلفظ الوراثة: فمنه ما رواه ابن أبي الحديد عن أبي جعفر ~~الطبري في التاريخ أن رجلا قال لعلي (عليه السلام) يا أمير المؤمنين بم ~~ورثت ابن عمك دون عمك؟ فقال على هاؤم (2) ثلاث مرات حتى اشرأب الناس ونشروا ~~أذانهم، ثم قال: جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله # PageV00P258 # وسلم) بني عبد المطلب بمكة وهم رهط كلهم يأكل الجذعة ويشرب الفرق (1)، ~~وصنع مدا من طعام (2) حتى أكلوا وشبعوا وبقي الطعام كما هو كأنه لم يمس، ثم ~~دعا بغمر (3) فشربوا ورووا، وبقي الشراب كأنه لم يشرب، ثم قال: (يا بني عبد ~~المطلب إني بعثت إليكم خاصة وإلى الناس عامة، فأيكم يبايعني على أن يكون ~~أخي وصاحبي ووارثي، فلم يقم إليه أحد فقمت إليه وكنت من أصغر القوم، فقال: ~~(اجلس) ثم قال ذلك ثلاث مرات، كل ذلك أقوم إليه فيقول (اجلس) حتى كان في ~~الثالثة فضرب بيده على يدي، فبذلك ورثت ابن عمي دون عمي (4)، وظاهر الحديث ~~بل صريحه أن الناس لا يشكون في أن عليا وارث رسول الله دون عمه العباس، بل ~~هو معلوم عندهم، وإنما يسألون ms190 عن السبب في ذلك. # قال ابن أبي الحديد: وروى يعني أحمد بن حنبل - عن جعفر بن محمد الصادق ~~قال: كان علي (عليه السلام) يرى مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~قبل الرسالة الضوء، ويسمع الصوت، وقال له (صلى الله عليه وآله وسلم) (لولا ~~أني خاتم الأنبياء لكنت نبيا، فإن لا تكن نبيا فإنك وصي نبي ووارثه، بل أنت ~~سيد الأوصياء وإمام الأتقياء) (5) وهذا الحديث قد اشتمل أيضا على ذكر ~~الوصية والإمامة اللتين لا يحتملان إلا الخلافة العامة فهو كما قدمناه من ~~الأخبار في ذلك على ما قررناه هناك. # PageV00P259 # وروى ابن أبي الحديد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال في خطبة: " ~~ورثت نبي الرحمة، ونكحت سيدة نساء هذه الأمة (1)، وأنا خاتم الوصيين "، ~~الخطبة إلى غير ذلك من الأخبار ووراثة علي (عليه السلام) لرسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) أما في المال وذلك غير صحيح عند أصحاب ابن أبي الحديد ~~وإخوانهم من الأشاعرة لوجهين. # الأول حديث أبي بكر عن النبي (صلى الله عليه وآله) (نحن معاشر الأنبياء ~~لا نورث ما تركناه صدقة) (2). # الثاني إن العباس عم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) موجود مع فاطمة بنت ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والعم عندهم يحجب ابنت العم مطلقا، ~~فلفاطمة نصف وللعباس نصف فلا ميراث لعلي (عليه السلام) من المال، وأما ~~عندنا فلأن ابن العم لا يرث مع الولد مطلقا ذكرا كان أو أنثى، وفاطمة ~~موجودة فالمال جميعه لها فليس لعلي (عليه السلام) ميراث من مال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) إجماعا مع أنه وارثه بالنص الصريح، فحينئذ لم ~~يبق إلا المراتب والمنازل، والنبوة في علي (عليه السلام) منتفية لختمها ~~برسول الله (صلى الله عليه وآله) فيبقى الباقي من الفضل والعلم والإمامة ~~فعلي وارث النبي (صلى الله عليه وآله) فيها، فيكون هو الإمام والخليفة من ~~بعده لعموم الوراثة وبقاء ما لم يخرج بدليل قاطع تحت العموم، بل لو قلنا: ~~إن المراد من الوراثة في الأحاديث المذكورة وشبهها ms191 هو وراثة الإمامة ~~ولوازمها لا غير لم نبعد عن الصواب، فإن # PageV00P260 # إمعان النظر فيها والتروي في معانيها يوصل إلى فهم ذلك منها، ومن هذا كله ~~يعلم بطلان ما قال ابن أبي الحديد: وأما الوراثة فالإمامية يحملونها على ~~ميراث المال أو الخلافة ونحن نحملها على وراثة العلم انتهى، وقد تحقق لك أن ~~الإمامية لا يحملونها على وراثة المال لإجماعهم على أن لا وارث مع ولد من ~~ذوي النسب إلا الأبوان، فكلام ابن أبي الحديد فرية عليهم، اللهم إلا بعد ~~وفاة فاطمة فميراث النبي (صلى الله عليه وآله) المالي بواسطتها ينتقل إلى ~~علي (عليه السلام) وولديها الحسن والحسين فيجتمع لهم هنالك المراتب والمال، ~~وأما قبل وفاتها فعلي (عليه السلام) وارث في الإمامة ولوازمها لا يحمل ~~الإمامية الوراثة هنا إلا على هذا وهي صريحة فيه، وأما تخصيصه إياها بوارثة ~~العلم فهو تخصيص للعام بالرأي، وتقييد للمطلق بالاستحسان، وذلك ميراثه ~~وأصحابه من أسلافهم كما سيأتي القول فيه، وليس ذاك بجائز إذ ليس عليه من ~~الشرع دليل فما إلى القول به سبيل مع أن قوله غير وارد علينا ولا مناقض ~~لنا، بل مواقف لما نقول، لأنا نذهب إلى أن وارث علم النبي (صلى الله عليه ~~وآله) يجب أن يكون هو الإمام بعده، ولا يجوز أن يتقدم عليه أحد من الناس ~~كما بيناه فيما سبق من المقدمة والفصل الأول من وجوب تقديم الأفضل على ~~المفضول، فقوله لنا لا علينا بل نزيد على ذلك ونقول إن العقل السليم يجزم ~~بأن وارث علم النبي هو الوارث مقامه وأنهما متلازمان لا ينفك أحدهما عن ~~الآخر عقلا، ووجهه يؤخذ مما أسلفنا من التحقيقات ومن تأمل وأنصف عرف صحة ما ~~نقول. # وأما ما ورد بلفظ الأحقية والأولوية: فما رواه ابن أبي الحديد عن أبي ~~إسحاق الثعلبي في تفسيره عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما نزل [إذا ~~جاء نصر الله والفتح] بعد انصرافه (صلى الله عليه وآله وسلم) من غزاة حنين ~~جعل يكثر من سبحان الله استغفر الله ثم قال: ms192 (يا علي إنه قد جاء ما وعدت به ~~جاء الفتح ودخل الناس في دين الله أفواجا وإنه ليس أحد PageV00P261 # أحق منك بمقامي لقدمك في الإسلام، وقربك مني، وصهرك، وعندك سيدة نساء ~~العالمين، وقبل ذلك ما كان من بلاء أبي طالب عندي حين نزل القرآن فأنا حريص ~~أن أراعي ذلك لولده] (1) انتهى وهذا الحديث نص صريح في أن عليا (عليه ~~السلام) أحق بمقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من كل أحد للخصال ~~التي ذكرها (صلى الله عليه وآله) في علي، وهذه الخصال هي التي نقول إن ~~الموصوف بها على لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الإمام لأن من ~~شرط الإمام الاتصاف بها لاقتضائها الفضل، وهو دليل لنا على الوجهين. # وبالجملة فالحديث المذكور نص من النبي (صلى الله عليه وآله) على علي ~~(عليه السلام) بالإمامة بعده لا يعتريه الريب، ولا يتطرق إليه العيب، ومن ~~الأولوية ما في بعض خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) من قوله: (لا يقاس بآل ~~محمد (صلى الله عليه وآله) من هذه الأمة أحد) إلى أن قال: (ولهم خصائص ~~الولاية) (2) وسنذكرها فيما بعد جميعها إن شاء الله فالمراد بالولاية هنا ~~أوليتهم بمقام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لأنه إذا كان لهم حق ولاية ~~الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا هم الأحق والأولى بمقامه. # قال ابن أبي الحديد في شرح الخطبة: ثم ذكر (عليه السلام) خصائص حق ~~الولاية والولاية الإمرة، فأما الإمامية فتقول أراد نص النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) عليه وعلى أولاده، ونحن نقول لهم خصائص حق ولاية الرسول ~~(صلى الله عليه وآله) على الخلق انتهى (3) أقول ما أرى ابن # PageV00P262 # أبي الحديد في إيراده صنع شيئا، وإنما زاد المعنى إيضاحا وزاد الحجة ~~إثباتا، لأنه لو قيل له ما ولاية الرسول (صلى الله عليه وآله) على الخلق؟ # لكان يقول الإمرة عليهم، لا محيص له عن ذلك إذ لا معنى لها غيرها، فيقال ~~له: إذا أقررت أن لعلي (عليه السلام) وأولاده حق تلك الولاية ms193 كنت مقرا بأن ~~لهم الإمرة لأن الولاية المذكورة هي الإمرة بعينها، فلعلي (عليه السلام) ~~وأولاده الإمرة على الخلق وهو نص كلام الإمامية الذي أنكرته فإنهم لا ~~يزيدون على أن لعلي (عليه السلام) وأطهار ولده ولاية النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) على الخلق، فنعوذ بالله من اللجاج بغير فائدة ما سوى التعصب ~~للمذاهب وقصد تصحيح قول الأسلاف بما لا يصح به، ومما يشير إلى معنى الأحقية ~~والأولوية أخبار فمنها أخبار المماثلة وقد تقدمت. # ومنها ما رواه ابن أبي الحديد عن أحمد بن حنبل في المسند وفي كتاب فضائل ~~علي (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: # (أنا أول من يدعى به يوم القيمة فأقوم عن يمين العرش في ظله ثم أكسى حلة، ~~ثم يدعى بالنبيين بعضهم على إثر بعض فيقومون عن يمين العرش ويكسون حللا، ثم ~~يدعى بعلي بن أبي طالب (عليه السلام) لقرابته مني ومنزلته عندي ويدفع إليه ~~لوائي لواء الحمد آدم ومن دونه تحت ذلك اللواء) ثم قال لعلي (عليه السلام): ~~(ثم تسير به حتى تقف بيني وبين إبراهيم الخليل، ثم تكسى حلة وينادي مناد من ~~العرض نعم الأب أبوك إبراهيم ونعم الأخ أخوك علي، أبشر فإنك تدعى إذا دعيت ~~وتكسي إذا كسيت وتحبا إذا حبيت) (1) ودلالته على أولوية علي بالنبي (صلى ~~الله عليه وآله) # PageV00P263 # ظاهرة من مواضع دعائه دون غيره مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيكون ~~أولى بالنبي (صلى الله عليه وآله) من غيره، وإلا لدعي ذلك الغير، والقرب ~~منه والمنزلة عنده، ولو كان أحد أولى منه لكان أقرب منه إلى النبي (صلى ~~الله عليه وآله) وكانت منزلته عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أرفع، ~~لكن ليس غيره كذلك فهو أولى، وإعطاؤه لواء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فلو كان غيره أولى بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لكان له ذلك اللواء، ~~وقوله (صلى الله عليه وآله) في آخر الحديث: (إنك تدعى إذا دعيت) الخ تصريح ~~بالأولوية، وإذا كان أولى ms194 به في الآخرة فهو في الدنيا كذلك فيكون هو الأولى ~~بمقامه، فالحديث فيه إشارة إلى إمامته بعد الرسول (صلى الله عليه وآله). # ومنها ما رواه عن أحمد في كتاب الفضائل عن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): (أعطيت في علي خمسا هن أحب إلي من الدنيا وما فيها، أما واحدة فهو ~~كأب بين يدي الله عز وجل حتى يفرغ من حساب الخلائق، وأما الثانية فلواء ~~الحمد بيده آدم ومن ولد تحته، وأما الثالثة فواقف على عقر حوضي (2) يسقي من ~~عرف من أمتي، وأما الرابعة فساتر عورتي ومسلمي إلى ربي، وأما الخامسة فإني ~~لست أخشى عليه أن يعود كافرا بعد إيمان، ولا زانيا بعد إحصان) (2) والأظهر ~~في الأولوية الرابعة ثم الثانية والثالثة، والتقرير كما في الأول. # وأما ما ورد بلفظ المختار: فما رواه ابن أبي الحديد عن أحمد بن حنبل في ~~المسند قال قالت فاطمة: إنك والخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~زوجتني فقيرا لا مال له فقال: (زوجتك أقدمهم سلما، وأعظمهم # PageV00P264 # حلما، وأكثرهم علما أما تعلمين أن الله اطلع إلى الأرض اطلاعة فاختار ~~منها بعلك) (1) أقول هذا الحديث نص واضح في إمامة علي (عليه السلام) بعد ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأن الله اختاره بعده فدخل في قوله تعالى: ~~[ولقد اخترناهم على علم على العالمين] (2) ولا يختار الله أحدا من الناس، ~~فيقال اختاره الله إلا نبيا أو خليفة نبي ولما كان نبينا (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) خاتم الأنبياء وجب أن يكون اختار الله عليا لخلافته، إذ لا معنى ~~لاختيار الله رجلا إلا نصبه نبيا أو إماما، وهذا ظاهر لا يحتاج إلى بيان. # ومثله ما رواه ابن أبي الحديد عن محمد بن إسماعيل بن عمرو البجلي قال: ~~أخبرنا عمر بن موسى الوجيهي، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث، ~~قال: قال علي (عليه السلام) على المنبر (ما أحد جرت عليه المواسي إلا وقد ~~أنزل الله فيه قرآنا) فقام إليه رجل من مبغضيه فقال فما أنزل الله ms195 تعالى ~~فيك؟ فقام الناس إليه يضربونه، فقال (دعوه تقرأ سورة هود)؟ قال: نعم، قال ~~فقرأ (عليه السلام): [فمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه] (3) ثم ~~قال: (الذي كان على بينة من ربه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، والشاهد ~~الذي يتلوه أنا) (4) فدل الحديث بصراحته على أن عليا هو التالي للنبي (صلى ~~الله عليه وآله) في اختيار الله له فهو الإمام بعده بلا اشتباه، فما هما ~~إلا سابق ولاحق، ومجل ومصل (5)، فالنبي السابق وعلي اللاحق والنبي (صلى ~~الله عليه وآله) # PageV00P265 # المجلى وعلي المصلى، فصلوات الله عليهما وآلهما. # واعلم أن الحديثين خصوصا الأول كما يدلان بنصهما على إمامة أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) بعد النبي (صلى الله عليه وآله) كذلك يدلان على أنه أفضل من ~~جميع الأنبياء، وذلك لأن سبق الاختيار من الله لأحد دليل على شدة اعتناء ~~الله تعالى بشأنه قطعا وشدة الاعتناء من الله يوجب الأفضلية للمعتنى بشأنه ~~على غيره، ولما كان المخصوص بسبق الاختيار هو النبي المختار كان أفضل ~~المخلوقين، ولما كان المثنى به في الاختيار هو حيدر الكرار كان أفضل البرية ~~بعد النبي الأمين، وهذا بحمد الله ظاهر المنار، ليس عليه غباوة ولا غبار، ~~وهو تصديق ما ورد في هذا المعنى من طرقنا من الأحاديث والأخبار، وبه يبطل ~~ما أبطله عز الدين ابن أبي الحديد من القول بأفضلية علي (عليه السلام) على ~~الأنبياء، واندفع بذلك تشنيعه على بعض أصحابنا في هذا القول بسبق الإجماع ~~من أصحابنا على خلافه، فإنه لا إجماع على خلاف هذا القول من أصحابنا إن لم ~~يكن إجماعهم عليه، والأخبار أدلة وشواهد على أن ابن أبي الحديد قال بعد ~~روايته جملة أحاديث هذا منها: إن من قيل فيه ما قيل لو رقى إلى السماء، ~~وعرج في الهوى، وفخر على الملائكة والأنبياء تعظما وتبجحا لم يكن ملوما، بل ~~كان بذلك جدير انتهى، وهو صريح فيما كان ينفيه ويشنع على قائليه من تفضيل ~~علي (عليه السلام) على الأنبياء والملائكة، فكان القوم سكارى عن النظر في ms196 ~~تناقض أقوالهم، وواعجباه من فاضل محقق يروي مثل هذه الأحاديث وأضعافها ~~محتجا بها على مذاهبه ومصححا لها في مئاربه ثم يقول لا نص على علي (عليه ~~السلام بالإمامة، فكأنه لا يفهم معاني هذه الأخبار، ولا يدرك حقائق هذه ~~الآثار، قد أغشت الشبهة قلبه وأعمى التقليد للأسلاف عين بصيرته، فلم يهتد ~~للصواب. PageV00P266 # وأما ما ورد بلفظ السيادة: فكثير ومنه قول النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فيما تقدم من حديث أنس (أول من يدخل عليك من هذا الباب إمام المتقين، ~~وسيد المسلمين) وفي الحديث الآخر المتقدم أيضا: (مرحبا بسيد المؤمنين، ~~وإمام المتقين) ومنه ما رواه ابن أبي الحديد عن الحافظ أبي نعيم في الحلية ~~من قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (ادعوا لي سيد العرب عليا) (عليه ~~السلام) فقالت عائشة: ألست سيد العرب؟ فقال: # (أنا سيد ولد آدم، وعلي سيد العرب) فلما جاء أرسل إلى الأنصار فأتوه فقال ~~لهم: (يا معشر الأنصار، ألا أدلكم على ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا؟) ~~قالوا: بلى يا رسول الله قال: (هذا علي فأحبوه بحبي وأكرموه بكرامتي فإن ~~جبرئيل أمرني بالذي قلت لكم عن الله عز وجل) (1). # وعن أحمد في المسند عن النبي (صلى الله عليه وآله) (النظر إلى وجهك يا ~~علي عبادة، أنت سيد في الدنيا وسيد في الآخرة، من أحبك أحبني وحبيبي حبيب ~~الله، وعدوك عدوي وعدوي عدو الله) (2) فعلي كما ترى تارة سيد المسلمين، ~~وأخرى سيد المؤمنين، وثالثة سيد العرب، ورابعة سيد في الدنيا وسيد في ~~الآخرة، والسيد هو الرئيس المطاع ومالك الأمر ولا سيادة بأحد هذين المعنيين ~~على المسلمين والمؤمنين والعرب في الدنيا غير النبوة والإمامة، ولا رئيس ~~بعد النبي (صلى الله عليه وآله) على المسلمين والمؤمنين إلا الإمام، ولا ~~رئيس على جميعهم سواه، فيكون علي (عليه السلام) هو الإمام، لأنه الرئيس ~~الواجب الطاعة على المسلمين، فهي نص في إمامته ومصرحة بخلافته لا يعترض ~~فيها بالشبه كما قاله في الاسعاف أن سيادته لهم من حيث النسب أو نحوه فلا ms197 ~~يستلزم أفضليته على الخلفاء الثلاثة # PageV00P267 # قبله (1) انتهى وعلى ما ذكره فتكون سيادة النبي (صلى الله عليه وآله) على ~~ولد آدم في النسب فلا يستلزم أفضليته على الأنبياء ولا على الثلاثة أيضا ~~والحاصل أن هذا كلام متجاهل متعصب لا يبالي بما قال فيما يوافق مشتهاه، ولو ~~كان له بعض التدبر لكفاه فهم عائشة من إرادة النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بلفظ السيادة من التقدم والفضل، ولذا قالت له مستفهمة ألست سيد العرب ~~ولكن ديدن الرجل وأصحابه رد الحق النير بما لا يعقل ولا يمكن من القول كما ~~لا يخفى على الناظر في كلامهم، وذلك لا يغني من الحق شيئا. # وأما ما ورد بلفظ المحبة: فمنه حديث الطائر المتواتر، وقد أشار إليه ابن ~~أبي الحديد مرارا، ورواه الحاكم في المستدرك، وقال بعض العامة أنه صح في ~~كتب النقل والأحاديث الصحيحة والأخبار الصريحة، عن أنس بن مالك قال: أهدي ~~إلى النبي (صلى الله عليه وآله) طير مشوي يسمى الحجل، وفي رواية ما أراه ~~إلا حباري (2) فقال: (اللهم اتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير) ~~فجاء علي فحجبته، وقلت: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مشغول رجاء أن ~~تكون الدعوة لرجل من قومي، ثم جاء على ثانية فحجبته، ثم الثالثة فقرع ~~الباب، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): أدخله فقد غيبته) فلما دخل قال له ~~النبي (صلى الله عليه وآله): (ما حبسك عنا يرحمك الله) قال: هذه آخر ثلاث ~~مرات وأنس يقول إنك مشغول فقال: (يا أنس ما حملك على ذلك) قلت: سمعت دعوتك ~~فأحببت أن تكون لرجل من قومي فقال (صلى الله # PageV00P268 # عليه وآله وسلم): (لا يلام الرجل على حبه لقومه) رواه الترمذي (1) انتهى ~~ومنه حديث الراية بخيبر المتواتر وقد رواه جميع المحدثين كالبخاري ومسلم ~~والحاكم والترمذي وغيرهم (2) وذكره ابن أبي الحديد وأشار إليه مرارا وهو ~~قول النبي (صلى الله عليه وآله) (لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ~~ويحبه الله ورسوله، كرارا غير فرار لا يرجع أو يفتح ms198 الله على يديه) فأعطاها ~~عليا وفتح الله خيبر على يديه، وفي حديث مسلم قال عمر بن الخطاب: فما أحببت ~~الإمارة إلا يومئذ. # ورووا أن حسان بن ثابت قال يخبر عن ذلك: # وكان علي أرمد العين يبتغي * دواء فلما لم يجد من مداويا شفاه رسول الله ~~منه بتفلة * فبورك مرقيا وبورك راقيا وقال سأعطي راية القوم فارسا * كميا ~~شجاعا في الحروب محاميا يحب إلها والإله يحبه * به يفتح الله الحصون ~~الأوابيا (3) # PageV00P269 # فخص بها دون البرية كلهم * عليا وسماه الولي المواليا وكان ذلك القول من ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في علي بعد رجوع الشيخين براية النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) منهزمين. # ومنه الأخبار التي قدمناها المشتملة على (من أحب عليا فقد أحب الله ومن ~~أحبه أحب رسول الله) بألفاظ مختلفة ومعان متفقة والأحب إلى الله الأكثر ~~ثوابا عنده فيكون أفضل، وكذا الذي يحبه الله ورسوله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ومن محبته محبة الله ومحبة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، والمحب ~~لله ولرسوله (صلى الله عليه وآله) هو التابع لهما كما قدمنا بيانه في فصل ~~التمسك، وإذا كان علي (عليه السلام) هو المخصوص بمحبة الله ورسوله (صلى ~~الله عليه وآله)، وأحب الخلق لهما وجب أن يكون المقدم والرئيس على المسلمين ~~لأنه أفضلهم فيكون هو الإمام لقبح تقديم المفضول على الأفضل والشبهات ~~مندفعة. # وأما ما ورد بلفظ الأعلمية وما يؤل إلى ذكر فكثير لا يحصى نذكر منه شيئا ~~يسيرا. # فمنه: قول النبي (صلى الله عليه وآله) لفاطمة في حديث الاختيار المتقدم ~~(زوجتك أقدمهم سلما وأعظمهم حلما وأكثرهم علما) وقوله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) لعلي في حديث خصمه بالنبوة وأبصرهم بالقضية وقدمنا ذكره في حديث ~~المنزلة والأبصر بالقضية هو الأعلم، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في ~~الحديث المشهور (أقضاكم علي) أشار إليه ابن أبي الحديد في مواضع ونقل عن ~~عمر أنه قال: علي أقضانا، والأقضى هو الأعلم بالقضاء. # ومنه قول النبي (صلى الله عليه وآله): (خازن وعيبة علمي ms199 وأنا مدينة العلم ~~وعلي بابها) وقد مر ذكر ذلك كله مشروحا، على أنا لا نحتاج PageV00P270 # هنا إلى الأطناب في القول للاجماع على أن عليا أعلم الصحابة من جميع أهل ~~العلم، وابن أبي الحديد مقر بذلك ومطنب فيه حتى قال في كلام له يعدد فيه ~~خصائص علي (عليه السلام): والثانية علومه التي لولاها لحكم بغير الصواب في ~~كثير من الأحكام، وقد اعترف بذلك له، والخبر مشهور " لولا علي لهلك عمر " ~~(1) انتهى وإذا كان أعلم وجب أن يكون هو الإمام المتبع، والرئيس المقدم، ~~ولم يجز لمن ليس مثله في ذلك أن يتقدم عليه لقول الله تعالى: [أفمن يهدي ~~إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون] (2) ~~وغيرها من الآيات، بل بالعقل كما سبق ذكره وإذا كان الأعلم هو الأحق ~~بالاتباع والمتبع هو الإمام لا غيره فعلي (عليه السلام) هو الإمام لأنه ~~الأعلى وهو ظاهر. # وأما ما ورد بلفظ الأقربية: فمنه ما رواه ابن أبي الحديد عن أحمد بن حنبل ~~في كتاب الفضائل عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه خطب الناس يوم جمعة ~~فقال: (أيها الناس قدموا قريشا ولا تقدموها، وتعلموا منها ولا تعلموها قوة ~~رجل من قريش تعدل قوة رجلين من غيرهم، وأمانة رجل منهم تعدل أمانة رجلين من ~~غيرهم، أيها الناس أوصيكم بحب ذي قرباها أخي وابن عمي علي بن أبي طالب ~~(عليه السلام) لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق، من أحبه فقد أحبني ~~ومن أبغضه فقد أبغضني، ومن أبغضني عذبه الله بالنار) (3) وهذا الخبر نص في ~~أن عليا (عليه السلام) هو # PageV00P271 # ذو القربى من الرسول وهو المخصوص بها دون سائر قريش لتخصيص النبي (صلى ~~الله عليه وآله) إياه بذلك في قوله: (أوصيكم بحب ذي قرباها) ودليل على ~~إرادة تقديمه على كل الأمة وتوضيح ذلك أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~حث الناس أولا على تقديم قريش والتعلم منها فدخل علي بن أبي طالب (عليه ~~السلام) في ذلك لأنه ms200 من ذروتها، وأولى الجميع بالعلتين المذكورتين اللتين ~~لأجلهما أمر النبي (صلى الله عليه وآله) بتقديم قريش والتعلم منها، وهما ~~القوة والأمانة، ثم خصص عليا (عليه السلام) بالوصية بحبه ووصفه بصفة أراد ~~بها التعليل على تخصيصه دون قريش بوجوب الحب المراد منه المتابعة وهي صفة ~~خاصة به، فكان مفاد الحديث قدموا قريشا على كل الناس لقوتهم وأمانتهم ~~وقدموا عليا (عليه السلام) على قريش في المتابعة لأنه أقربهم إلي، ثم أكد ~~وجوب تقديمه بما ذكره من أنه (لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق)، إلى ~~آخر ما بينه من الأوصاف المؤكدة لوجوب تقديمه. # ومنه قول النبي (صلى الله عليه وآله): (ثم يدعي بعلي لقرابته مني ومنزلته ~~عندي) (1). # ومنه قوله (صلى الله عليه وآله): (وإنه ليس أحد أحق منك بمقامي لقدمك في ~~الإسلام وقربك مني) (2) فصرحت هذه الأحاديث بأن الوصية من النبي (صلى الله ~~عليه وآله) بحب علي (عليه السلام وتقديمه على قريش وتقديمه في الدعوة مع ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على غيره، وإن أحقيته بمقام النبي (صلى ~~الله عليه وآله) دون غيره، كل ذلك لقرابته منه فكان ذلك دليلا على أن ~~الأقربية من الرسول (صلى الله # PageV00P272 # عليه وآله وسلم) تقتضي التقديم والأحقية بمقامه، ويوازرها في هذه الدلالة ~~قوله تعالى: [وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله] (1) وإذا كان ~~علي (عليه السلام) هو الأقرب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأقرب ~~للنبي (صلى الله عليه وآله) هو الأحق بمقامه وأولى بالتقديم وجب أن يكون هو ~~المقدم بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والقائم مقامه، فهو إذن الإمام ~~وذلك كله مفاد الأحاديث كما سمعت قال ابن أبي الحديد روى أبو عمر بن عبد ~~البر المحدث في كتابه المعروف بالاستيعاب في معرفة الصحابة أن إنسانا سأل ~~الحسن - يعني البصري - عن علي (عليه السلام) فقال: كان والله سهما صائبا من ~~مرامي الله على عدوه، ورباني هذه الأمة، وذا فضلها وسابقتها، وذا قرابتها ~~من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم ms201 يكن بالنؤمة عن أمر الله ولا ~~بالملولة في دين الله، ولا بالسروقة لمال الله، أعطى القرآن عزائمه ففاز ~~منه برياض مونقة (2) انتهى. # أقول وبما ذكرنا هنا يندفع ما أورده بعض الخصوم فيما ذكرناه في مسألة ~~الأقربية من النبي (صلى الله عليه وآله) من أنه لو كانت الإمامة تستحق ~~بالأقربية لكان العباس أحق بها من علي (عليه السلام)، فهذه الأخبار ~~والأقوال رادة لذلك ومثبتة أن عليا (عليه السلام) أقرب للنبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) من العباس وذلك لبعض ما ذكرناه من الوجوه هناك. # وأما ما ورد أنه أشد جهادا: فإنه أمر متعارف متعالم وقد ذكره أهل المغازي ~~والسير وذكر ابن أبي الحديد في كتابه منه كثيرا ويكفيك في ذلك قول النبي ~~(صلى الله عليه وآله) في خبر الراية المتواتر: (كرارا غير فرار لا # PageV00P273 # يرجع أو يفتح الله علي يديه) (1) وسنذكر جملة من هذا في ذكر شجاعته عند ~~ذكرنا جمعه للصفات الحميدة. # قال ابن أبي الحديد في كلام: فإن قيل: لا ريب أن في كلامه - يعني عليا ~~(عليه السلام) تعريض بمن تقدم عليه، فأي نعمة له عليهم؟ قيل: # نعمتان الأولى منهما جهاده وهم قاعدون فإن من أنصف علم أنه لولا سيف علي ~~(عليه السلام) لاصطلم المشركون من أشار إليه وغيرهم من المسلمين، وقد علمت ~~آثاره في بدر وأحد والخندق وخيبر وحنين، وأن الشرك فيها فغرفاه فلولا أنه ~~سده بسيفه لالتهم المسلمين كافة (2) انتهى وإذا كان علي (عليه السلام) هو ~~الأشد جهادا والأكثر عناء في نصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإعزاز ~~دينه ودفع بأس المشركين عن أهل ملته كان هو الأحق بمقامه، والأولى بالتقديم ~~على غيره، لأن تلك الصفات تقتضي تقديمه وتعظيمه ولا شئ من التقديم غير ~~الإمامة فيجب أن يكون هو الإمام بعد النبي (صلى الله عليه وآله). # وأما ما ورد بأنه مع الحق دائما: فمنه ما رواه كثير من أهل الحديث قال # PageV00P274 # ابن أبي الحديد في شأن علي (عليه السلام) وحكمه في ذلك حكم رسول الله ~~(صلى الله ms202 عليه وآله) لأنه قد ثبت عنه في الأخبار الصحيحة أنه قال: # (علي مع الحق والحق مع علي يدور حيثما دار) وقال له غير مرة: (حربك حربي ~~وسلمك سلمي) (1) انتهى. # ومنه قول النبي (صلى الله عليه وآله) في حديث الغدير (وأدر الحق معه حيث ~~دار) وقوله (صلى الله عليه وآله): (كتاب الله وعترتي لن يفترقا حتى يردا ~~على الحوض) (2) وما يعطي هذا المعنى من الأحاديث الكثيرة مثل أحاديث (إن ~~طاعته طاعة الله وطاعة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإن محبته محبة ~~الله) وأحاديث التمسك به والاقتداء وغير ذلك مما مضى ويأتي، وإذا كان علي ~~مع الحق لا يزال ولا يزول عنه كان واجب التقديم لا سيما أنه قد طلب ~~الخلافة، وأنف من تقدم غيره عليه وامتنع من بيعته حتى قهر عليها كما بيناه ~~سابقا، فوجب أن تكون إمامة غيره باطلة إذ ليس بعد الحق إلا الضلال فهذه ~~الأحاديث دالة على أن عليا (عليه السلام) هو الأولى بمقام الرسول (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) فهو الإمام بعده والله الهادي. # وأما ما ورد بأنه خير الأمة وخير الخلق، وما أدى مؤداه: فكثير منه ما ~~رواه ابن أبي الحديد عن أحمد بن حنبل في المسند عن مسروق قال: قالت لي ~~عائشة إنك من ولدي ومن أحبهم إلي فهل عندك علم من المخدج؟ فقلت: # نعم قتله علي بن أبي طالب على نهر يقال لأعلاه تامرا ولأسفله النهروان ~~بين لخافيق وطرفا (3) قالت: إبغني على ذلك بينة، فأقمت رجالا شهدوا عندها # PageV00P275 # بذلك قال: فقلت لها سألتك بصاحب القبر ما الذي سمعت من رسول الله؟ فقالت ~~نعم سمعته يقول: (إنهم شر الخلق والخليقة يقتلهم خير الخلق والخليقة ~~وأقربهم عند الله وسيلة) (1) قال ابن أبي الحديد: وفي كتاب صفين أيضا ~~للمدائني عن مسروق أن عائشة قالت له لما عرفت أن عليا قتل ذا الثدية: لعن ~~الله عمرو بن العاص فإنه كتب إلي يخبرني أنه قتله بالإسكندرية، إلا أنه ليس ~~يمنعني ما في نفسي أن أقول ما سمعته من ms203 رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~سمعته يقول: (يقتله خير أمتي من بعدي) (2). # وعن أبي جعفر الإسكافي بسنده عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه ~~عن جده أبي رافع قال: أتيت أبا ذر بالربذة أودعه فلما أردت الانصراف قال: ~~لي ولأناس معي ستكون فتنة فاتقوا الله وعليكم بالشيخ علي بن أبي طالب ~~فاتبعوه، فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول له: # (أنت أول من آمن بي وأول من يصافحني يوم القيمة، وأنت الصديق الأكبر، ~~وأنت الفاروق الذي يفرق بين الحق والباطل، وأنت يعسوب المؤمنين، والمال ~~يعسوب الكافرين، وأنت أخي ووزيري وخير من أترك بعدي، تقضي ديني، وتنجز ~~موعودي) (3). # وروى ابن أبي الحديد أيضا عن ابن الكلبي عن رجل من ولد عقيل بن أبي طالب ~~حكمه عمر بن عبد العزيز الأموي في قضية المرأة التي حلف زوجها أن علي بن ~~أبي طالب خير هذه الأمة وأولاها برسول الله، وإلا فامرأته طالق # PageV00P276 # ثلاثا فقال العقيلي لعمر: نشدتك الله يا أمير المؤمنين ألم تعلم أن رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) قال لفاطمة وهو عندها في بيتها عائد لها يا ~~بنية: ما علتك؟ قالت: الوعك يا أبتاه، وكان علي غائبا في بعض حوائج النبي ~~(صلى الله عليه وآله) فقال لها: أتشتهين شيئا؟ قالت: أشتهي عنبا وأنا أعلم ~~أنه عزيز، وليس وقت عنب فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن الله قادر على ~~أن يجيئنا به) ثم قال: (اللهم ائتنا به مع أفضل أمتي عندك منزلة) فطرق على ~~الباب فدخل ومعه مكتل (1) قد ألقى عليه طرف ردائه، فقال له النبي (صلى الله ~~عليه وآله) ما هذا يا علي؟ قال عنب التمسته لفاطمة قال: (الله أكبر الله ~~أكبر اللهم كما سررتني بأن خصصت عليا بدعوتي فاجعل فيه شفاء ابنتي) ثم قال: ~~(كلي على اسم الله يا بنية) فأكلت وما خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~حتى استقلت وبرئت فقال عمر: صدقت وبررت أشهد لقد سمعته ووعيته، يا رجل خذ ms204 ~~بيد امرأتك فإن عرض لك أبوها فاهشم أنفه ثم قال: يا بني عبد مناف وكان ~~المجلس جامعا لبني هاشم وبني أمية وأفخاذ قريش والله ما نجهل ما يعلم غيرنا ~~ولا بنا عمى في ديننا ولكنا كما قال الأول: # تصيدت الدنيا رجالا بفخها * فلم يدركوا خيرا بل استحقبوا الشرا وأعماهم ~~حب الغنى وأصمهم * فلم يدركوا إلا الخسارة والوزرا قيل: فكأنما ألقم بني ~~أمية حجرا وكتب إلى عامله ميمون بن مهران الذي بعث بالمرأة وزوجها وأبيها ~~إليه ليحكم في أمرهم أن يستيقن ذلك الحكم ويعمل عليه (2)، # PageV00P277 # قلت: وهذا الخبر الذي رواه العقيلي تدل القصة على أنه متواتر بين الناس ~~لا سبيل لأحد إلى إنكاره فلهذا لم ينكره من القوم منكر، ولا قال منهم قائل، ~~بل كلهم سلموا لراويه مع أنه جل من في ذلك المجلس مبغضون لأمير المؤمنين، ~~ولا مانع لهم من الطعن في الخبر لو لم يكن معلوما من تقية أو خوف لا سيما ~~عمر بن عبد العزيز فإنه السلطان القاهر إذ ذاك، وقد أقر بأنه روى الحديث ~~ووعاه، فلا شك إذن في صدق الحديث ومعلوميته وما مضى من أحاديث السيادة ~~والاختيار والمحبة ومماثلة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وما يأتي من ~~الأخبار مثل تشبيهه بالأنبياء وغير ذلك كلها تعضد هذه الأخبار المصرحة بأنه ~~خير الخلق وأفضل الأمة في دلالتها، ثم إن نصها على أفضلية علي (عليه ~~السلام) على الأمة، بل على الخلق كافة بمعنى كثرة الثواب وإطلاقها يدل على ~~أفضليته بمعنى الأجمع للخصال المحمودة لشمول الخيرية والأفضلية لذلك، مع أن ~~هذا المعنى لا ينازع فيه عاقل وسنوضحه إن شاء الله. # وروى ابن أبي الحديد أن قيس بن سعد بن عبادة لما أتى مصر عاملا لعلي ~~(عليه السلام) قام خطيبا على المنبر وقال بعد الحمد لله والثناء عليه وما ~~أراد أن يذكره: أيها الناس إنا بايعنا خير من نعلم بعد نبينا يعني عليا ~~(عليه السلام) فقوموا فبايعوا على كتاب الله فإن نحن لم نعمل فيكم بكتاب ~~الله فليس لنا عليكم ms205 طاعة (1). # وقال المعتزلي أيضا: وروى أبان بن أبي عياش قال: سألت الحسن البصري عن ~~علي (عليه السلام) فقال: ما أقول فيه كانت له السابقة والفضل والعلم ~~والحكمة والفقه والرأي والصحبة والنجدة والبلاء والزهد والقضاء والقرابة، ~~أن عليا كان في أمره عليا، رحم الله عليا وصلى عليه، # PageV00P278 # فقلت يا أبا سعيد: أتقول صلى الله عليه لغير النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)؟ # قال: ترحم على المؤمنين إذا ذكروا وصل على النبي وآله وعلي (عليه السلام) ~~خير آله قلت: أهو خير من حمزة وجعفر: قال: نعم، قلت: وخير من فاطمة وابنيها ~~قال: نعم والله إنه خير آل محمد كلهم، ومن يشك إنه خير منهم وقد قال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله): (وأبوهما خير منهما) ولم يجر عليه اسم شرك ولا ~~شرب خمر، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (لفاطمة زوجتك خير ~~أمتي) فلو كان في أمته خير منه لاستثناه، ولقد آخى رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) بين أصحابه فآخى بين علي ونفسه، فرسول الله خير الناس نفسا ~~وخيرهم أخا فقلت: يا أبا سعيد فما هذا الذي يقال عنك إنك قلته في علي؟ ~~فقال: يا بن أخي احقن دمي من هؤلاء الجبابرة لولا ذلك لسالت بي الخشب (1) ~~انتهى. وقد دل آخر الكلام على أن إخفاء الحسن القول بأفضلية علي (عليه ~~السلام) على جميع الأمة كما صرح به هنا وروى فيه الحديث عن النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) إنما كان للخوف على نفسه من القتل، لأن بني أمية كانوا ~~يقتلون من ذكر أمير المؤمنين (عليه السلام) بخير فكيف من فضله على الأمة، ~~وهذا أمر شائع معلوم، على أن المعتزلي مقر بذلك وبه معترف حتى أنه قال في ~~دعوة علي (عليه السلام) للأشتر: إني لا أشك أن الأشتر يغفر الله له ويدخل ~~الجنة بهذه الدعوة فإنها لا فرق عندنا بينها وبين دعوة رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) (2) انتهى. # ثم إن الأحاديث قد اشتملت تارة على أنه خير ms206 الأمة وخير من يترك النبي # PageV00P279 # (صلى الله عليه وآله) بعده، وخير الخلق والخليقة، فيكون أفضل الخلق حتى ~~الأنبياء والملائكة لأنهم من جملة الخلق والخليقة الذين نص الخبر على أن ~~عليا (عليه السلام) خيرهم، فكونه (عليه السلام) أفضل الصحابة أمر واضح ومع ~~هذا إنا نعلم يقينا أن الخصال التي توجب الفضل والصفات التي تقتضي كثرة ~~الثواب كلها حصلت له دون غيره واجتمعت فيه دون من سواه وفاق في جميعها كل ~~الناس فيجب أن يكون أفضل بالضرورة وإلا لخرج المقتضى عن كونه مقتضيا وهو ~~باطل، وها نحن نذكر استكماله في خصال الخير مفصلا ونأتي به مشروحا. # أما نسبه (عليه السلام): فهو النسب الجليل الذي لا يساجل (1)، والمجد ~~الأثيل الذي لا يطاول، فإنه من السرو (1) من قريش، والصريح المهذب من قصى، ~~والذروة من عبد مناف، والسلالة من هاشم، أبوه أبو طالب شريف قريش مانع ~~الجار وحامي الذمار أمنع الناس جانبا، وأبلغهم حجة، وأثبتهم قلبا، وأفصحهم ~~لسانا، وأوفاهم موعدا، وحمايته النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وغيرها ~~تشهد له بذلك، وقال معاوية بن أبي سفيان في أبيات يخاطب بها عمرو بن العاص ~~بعد قتل علي (عليه السلام). # نجوت وقد بل المرادي سيفه * من ابن أبي شيخ الأباطح طالب (2). # PageV00P280 # ابن عبد المطلب شيبة الحمد، وساقي الحجيج، سيد قريش كلها لا يدافع في ذلك ~~ولا ينازع، ابن هاشم عمرو العلا صاحب الايلاف، ومطعم الأضياف، وشمس بني عبد ~~مناف، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم فهو أول هاشمي ولد من هاشميين، وهو ابن ~~عم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأبيه وأمه. # نسب كأن عليه من شمس الضحى نورا ومن فلق الصباح عمودا. # آباؤه آباء رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأمهاته أمهات رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم)، فهو خير الناس نسبا، وأشرفهم حسبا، وأفضلهم ~~آباء وأمهات لما صح عن النبي (صلى الله عليه وآله) من قوله: (ما افترقت ~~فرقتان من لدن آدم إلا كنت في خيرهما) (1) وقوله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): (كنت ms207 أنا وعلي نورا واحدا فما زلنا ننتقل من صلب طاهر إلى رحم مطهر ~~حتى افترقنا في عبد الله وأبي طالب) (2) فعلي (عليه السلام) أفضل الصحابة ~~نسبا، وأجلهم أصلا وأكرمهم عنصرا. # وأما إنه أعلم الصحابة: فلقوة حدسه وشدة ذكائه وكثرة ملازمته للرسول (صلى ~~الله عليه وآله) حتى قال: (علمني رسول الله (صلى # PageV00P281 # الله عليه وآله وسلم) ألف باب من العلم فانفتح لي من كل باب ألف باب) (1) ~~ولحرص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على تعليمه وإرشاده وعظم شفقته ~~عليه، لما نزل قوله تعالى: [وتعيها أذن واعية] (2) قال: # (اللهم اجعلها أذن علي) وقال علي (عليه السلام) (ما نسيت بعد ذلك شيئا) ~~(3) وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حين بعثه إلى اليمن قاضيا: ~~(اللهم اهد قلبه وثبت لسانه) قال: (فما شككت بعدها في قضاء بين اثنين) (4) ~~وقال (عليه السلام): (والله لو كسرت لي الوسادة لحكمت بين أهل التورية ~~بتوراتهم، وبين أهل الزبور بزبورهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم، وبين أهل ~~الفرقان بفرقانهم، والله ما نزلت من آية في بر أو بحر أو سهل أو جبل أو ~~سماء أو أرض أو ليل أو نهار إلا أنا أعلم فيمن نزلت، وفي أي شئ نزلت] (5) ~~وقضاياه معروفة مأثورة كحكمه في قضية الحمار والبقرة بين يدي رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) (6) وفتياه في الزانية # PageV00P282 # الحامل (1)، وفي المرأة التي وضعت لستة أشهر (2) وحكمه في قضية الأرغفة ~~(3)، وفيمن حلف لا يحل قيد عبده (4) وفي مال الكعبة حين استشاره عمر فيه ~~(5)، وهو الذي اخترع علم النحو وبين أصوله (6) وينبغي إلحاق ذلك بالمعاجز ~~وغير ذلك مما لا يبلغ إليه فهم، ولا يحوم حوله # PageV00P283 # عقل، وقد رجع إليه الصحابة في كثير من المسائل بعد غلطهم، واحتاجوا إلى ~~بيانه ولم يحتج هو في شئ من الأحكام إلى أحد من الناس، واعترف أكابر ~~الصحابة له بالأعلمية وقال عبد الله بن العباس لما سئل: أين علمك من علم ~~ابن عمك علي (عليه السلام)؟ قال: كالقطرة في المثعنجر يعني البحر المحيط ~~(1) وقال عبد ms208 الله بن مسعود ما معناه إن من أراد علم القرآن كما أنزله الله ~~فعليه بعلي بن أبي طالب، وقال عمر غير مرة: " لولا علي لهلك عمر " وقال: " ~~لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو الحسن " (2). حتى أن كل فرقة من أهل العلم ~~لتنتمي إليه، وكل ذي طريقة ليتجاذبه وينتهي إليه، فقه كل فقيه وعلم كل ~~عالم، ويكفي في ذلك ما صح في الروايات عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~من أنه أعلم الناس فلا شك أنه أعلم الصحابة في جميع العلوم فيكون أفضلهم ~~لقول الله تعالى: [قل هل يستوي الذين يعلمون والذي لا يعلمون إنما يتذكر ~~أولوا الألباب] (3). وقال: [إنما يخشى الله من عباده العلماء] (4). # وأما إنه أحلمهم: فهو كضوء النهار حتى بلغ من حلمه أنه ترك عبد الرحمن بن ~~ملجم في دياره ويعطيه العطاء مع علمه به وقوله فيه مرارا (إنه # PageV00P284 # قاتلي) (1) وعفا عن مروان يوم الجمل مع شدة عداوته له وقوله فيه: (ستلقى ~~الأمة منه ومن ولده يوما أحمر) (2) وعفى عن سعيد بن العاص وكان عدوا له في ~~غاية العداوة وعن عبد الله بن الزبير وكان يشتمه على رؤوس الاشهاد وأطلقه ~~وقال له: (اذهب فلا أرينك) لم يزده على ذلك (3) وحسبك بحلمه عفوه عن أهل ~~البصرة بعد ما هزمهم وكانوا قد ضربوا وجهه ووجوه بنيه وأصحابه بالسيوف، ~~ونكثوا بيعته ونصروا عدوه، وعفوه عن عائشة وهي السبب الأعظم في نكث بيعته ~~والإجلاب عليه ولو فعلت عشر ذلك بغيره ثم قدر عليها لمزق جلدها وقطعها إربا ~~إربا، ولما منعه وأصحابه معاوية الماء يوم صفين حين ملك أهل الشام الشريعة ~~فقاتلهم وهزمهم وأراد أصحابه منعهم من الماء قال: (أفرجوا لهم عن الشريعة ~~ففي حد السيف مغنى عن ذلك) وكان مع الحلم عظيم الرزانة لم ير طائشا قط، ~~وكان أطلق الصحابة وجها، وأحسنهم خلقا حتى نسبه أعداؤه كعمرو بن العاص إلى ~~الدعابة (4). # وأما قدمه في الإسلام: فمعلوم لأنه لم يجر منه كفر قط وكان يصلي قبل ~~الناس مع رسول الله سبع سنين ms209 وقال رسول الله (أولكم اسلاما علي بن أبي ~~طالب) (5) وقال: (أقدمهم سلما) وكان علي (عليه السلام) يقول على # PageV00P285 # المنابر: (أنا أول من صلى وأول من آمن بالله ورسوله، ولم يسبقني إلى ~~الصلاة إلا نبي الله) (1) ولم يرد عليه أحد قوله مع أنهم كانوا يردون عليه ~~في أقل شئ مما يمكنهم الرد فيه ولو من جهة الشبهة أو الجهالة بما يقول، وقد ~~استفاضت الروايات بذلك عن محدثي مخالفينا كالطبري والواقدي وابن عبد البر ~~وابن إسحاق وابن كعب القرظي وابن شهاب الزهري وعبد الله بن محمد بن عقيل ~~وقتادة وغيرهم ورووا ذلك عن عبد الله بن العباس، وسلمان وأبي ذر والمقداد ~~وخباب بن الأرت وأبي سعيد الخدري وزيد بن أسلم وعفيف الكندي والحسن البصري ~~(2)، وإلى هذا القول ذهب أكثر المخالفين، ولم يخالف فيه إلا شاذ لا يعبأ به ~~وأشعار الصحابة والتابعين فيه كثيرة ومن جملتها قول خزيمة بن ثابت ذي ~~الشهادتين: # وصي رسول الله من دون أهله * وفارسه مذ كان في سالف الزمن وأول من صلى من ~~الناس كلهم * سوى خيرة النسوان والله ذو منن (3) وقول حسان بن ثابت: # جزى الله عنا والجزاء بفضله * أبا حسن خيرا ومن كأبي حسن سبقت قريشا ~~بالذي أنت أهله * فصدرك مشروح وقلبك ممتحن (4) # PageV00P286 # وقول عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب: # وإن ولي الأمر بعد محمد * علي وفي كل المواطن صاحبه وصي رسول الله حقا ~~وصنوه * وأول من صلى ومن لان جانبه (3) وقول أبي سفيان بن حرب في رواية أبي ~~جعفر الإسكافي وفي رواية غيره قول بعض ولد أبي لهب: # ما كنت أحسب أن الأمر منصرف * عن هاشم ثم منها عن أبي حسن أليس أول من ~~صلى لقبلتكم * وأعلم الناس بالأحكام والسنن وأقرب الناس عهدا بالنبي ومن * ~~جبريل عون له في الغسل والكفن (2) وقول هاشم بن عتبة المرقال في صفين: # أعور يبغي أهله محلا * قد عالج الحياة حتى ملا أشلهم بذي الكعوب شلا * عن ~~ابن عم أحمد المعلا أول من صدقه وصلا (3) وقول ms210 شريح بن هاني الحارثي وهو من ~~التابعين: # أبا موسى رميت بشر خصم * فلا تضع العراق فدتك نفسي فلا تجعل معاوية بن ~~حرب * كشيخ في الحوادث غير نكس هداه الله للإسلام فردا * سوى عرس النبي ~~وخير عرس (4) وقول سعيد بن قيس الهمداني: # هذا علي وابن عم المصطفى * أول من أجابه فيما روى هو الإمام لا يبالي من ~~غوى (5) # PageV00P287 # وقول أبي الأسود الدئلي يهدد طلحة والزبير يوم الجمل: # وإن عليا لكم مصحر * يماثله الأسد الأسود أما إنه أول العابدين * بمكة ~~والله لا يعبد (1) وغير ذلك من الأشعار، ولو تعاطينا ذكر الأخبار ورواية ~~الأشعار في هذا الباب حتى نستوفي ما وجدناه من ذلك في كتب الخصوم لطال ~~الكتاب وبلغ إلى غاية الأطناب، وقول من قال: أول من أظهر الإيمان أبو بكر ~~مع شذوذه مردود بمعارضته لهذه الشهرة التي قربت من الإجماع بل كادت تكون ~~إجماعا، ولذا ادعى بعض العامة عليه الإجماع، على أن أبا جعفر الإسكافي قال ~~في كتاب نقض العثمانية: إن جمهور المحدثين لم يذكروا أن أبا بكرا أسلم إلا ~~بعد عدة من الرجال منهم علي بن أبي طالب (عليه السلام) وجعفر أخوه وزيد بن ~~حارثة وأبو ذر الغفاري وعمرو بن عنبسة السلمي وخالد بن سعيد بن العاص وخباب ~~بن الأرت انتهى (2) وقال ابن أبي الحديد أن المخالف في سبق إيمان علي (عليه ~~السلام) شاذ لا يعتد به (3) انتهى ولأجل اشتهار الأمر لم نحتج فيه إلى ذكر ~~ما رواه الخصوم جميعه بل اكتفينا بيسير منه وإذا كان علي (عليه السلام) ~~أسبق في الإيمان كان أفضل لقوله تعالى: # [والسابقون السابقون أولئك المقربون] (4) والمقرب أكثر ثوابا البتة. # وأما إنه أشجع الصحابة وأكثرهم جهادا: فأمر معلوم لا يشك فيه ذو فهم ~~وفطنة، بل كونه أشجع البشر أمر أوضح من ضوء النهار كما يشهد به مواقفه ~~المشهورة، ومشاهدة المأثورة في حروب النبي (صلى الله عليه وآله # PageV00P288 # وسلم) وحروبه في أيام خلافته، وقد قال معاوية لعمرو بن العاص لما أشار ~~عليه بمبارزته: أتأمرني بمبارزة أبي الحسن وهو ms211 الشجاع المطرق أراك طمعت في ~~إمارة الشام بعدي، وكانت العرب تفتخر بوقوفها في الحرب في مقابلته كما ~~افتخر بذلك عبد الله بن الزبير على معاوية فقال له معاوية: # لا جرم أنه قتلك وأباك بيسرى يديه وبقيت اليمنى فارغة يطلب من يقتله بها، ~~ويكفيك شاهدا على ذلك افتخار رهط قتلاه بأن قتلهم قالت أخت عمرو بن عبد ود: # لو كان قاتل عمرو غير قاتله * بكيته أبدا ما دمت في الأبد لكن قاتله من ~~لا نظير له * وكان يدعى أبوه بيضة البلد (1) قال ابن أبي الحديد: أما ~~الشجاعة فإنه أنسى فيها ذكر من كان قبله ومحى اسم من يأتي بعده، ومقاماته ~~في الحرب مشهورة يضرب بها الأمثال، وهو الشجاع الذي ما فر قط ولا ارتاع من ~~كتيبة، ولا بارز أحدا إلا قتله، ولا ضرب ضربة قط فاحتاجت الأولى إلى ثانية، ~~انتهى. ولقد قتل صناديد المشركين، وقويت به شوكة الإسلام، واعتز به جانب ~~المسلمين، قتل في غزاة بدر أعيان الكفار وشجعانهم حتى قتل قريبا من نصف ~~القتلى وقتل باقي المسلمين والملائكة المسمون النصف الآخر (2)، قال القوشجي ~~ومع ذلك كانت الراية في يد علي (عليه السلام) في أحد وقد تفرق عن النبي ~~(صلى الله عليه وآله) أصحابه وانهزموا بعد إن قتل علي (عليه # PageV00P289 # السلام) طلحة بن أبي طلحة وهو المسمى كبش الكتيبة وكان صاحب راية قريش ~~قتله مبارزة بعد أن تحاماه المسلمون وتأخروا عن البراز إليه، ثم أخذ الراية ~~غيره فقتله علي (عليه السلام) أيضا ولم يزل يقتل واحدا بعد واحد حتى قتل ~~تسعة نفر فانهزم المشركون، واشتغل المسلمون بالغنائم فحمل خالد بن الوليد ~~وضرار بن الخطاب الفهري وأصحابهما على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فضربوه بالسيوف والرماح والحجارة وانهزم الناس عنه ما خلا عليا (عليه ~~السلام) فإنه ما زال يجالد عنه حتى رد عنه المشركين، وقتل جملة من فرسانهم ~~وكان قتلاه قريبا من نصف المقتولين وقتل كل المسلمين النصف الآخر قال ~~القوشجي: وجمع له الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بين اللواء ms212 والراية ~~انتهى ونادى جبريل ذلك اليوم: (لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي (1). # وفي يوم الأحزاب حين ظن المسلمون بالله الظنون وزلزلوا زلزالا شديدا، ~~وأتى عمرو بن عبد ود يطلب المبارزة مرارا فأحجم عنه المسلمون وخافوا أشد ~~الخوف والنبي (صلى الله عليه وآله) يحض المسلمين على مقاتلته ويحرضهم على ~~منازلته ويعرض عليهم مبارزته فلم يجبه أحد منهم إلا علي فخرج إلى عمرو ~~فقتله وكفى الله المؤمنين القتال به وكان الفتح ذلك اليوم على يده وقال ~~النبي (صلى الله عليه وآله) (لضربة علي لعمرو خير من عبادة الثقلين) (2) ~~وقال حذيفة: والذي نفس حذيفة بيده # PageV00P290 # لعمله - يعني عليا (عليه السلام) ذلك اليوم أعظم أجرا من عمل أصحاب محمد ~~(صلى الله عليه وآله) إلى يوم القيمة (1). # وفي غزوة خيبر وقد أخذ الراية أبو بكر فرجع مع أصحابه منهزمين خائفين، ثم ~~أخذها عمر من الغد ففعل مثل ذلك، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~(لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله تعالى ورسوله ويحبه الله ورسوله كرار غير ~~فرار لا يرجع أو يفتح الله علي يديه) فدعا بعلي (عليه السلام) وهو أرمد ~~فأتي به فتفل في عينيه فبرأ من ساعته، وأعطاه الراية فمضى وقتل مرحبا ~~فانهزم أصحابه اليهود وغلقوا الأبواب فاقتلع علي الباب وجعله جسرا على ~~الخندق وأمسكه بيده حتى عبر عليه المسلمون فلما انصرفوا أخذه بيده ودحاه ~~أذرعا وكان يغلقه عشرون رجلا وعجز جماعة من المسلمين عن نقله حتى نقله ~~سبعون رجلا من أقويائهم وقال علي (عليه السلام) (ما قلعت باب خيبر بقوة ~~جسمانية ولكن قلعته بقوة ربانية) وكان الفتح على يده (2) وروى الحافظ ابن ~~عساكر الدمشقي أن عليا (عليه السلام) تترس باب الحصن عن نفسه فلم يزل في ~~يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه وهذه الرواية موافقة لرواية أصحابنا. # وفي غزاة حنين وقد سار النبي (صلى الله عليه وآله) في اثني عشر # PageV00P291 # ألف مقاتل فتعجب أبو بكر من كثرتهم وقال لن نغلب اليوم من قلة كما ذكره ~~القوشجي وغيره ms213 ونظمه ابن أبي الحديد في أشعاره (1) فانهزموا بأجمعهم ولم ~~يبق مع النبي (صلى الله عليه وآله) إلا تسعة من بني هاشم وأيمن بن أم أيمن ~~مولى النبي (صلى الله عليه وآله) يقدمهم علي (عليه السلام) فخرج أبو جرول ~~فقتله علي (عليه السلام) حتى قتل أربعين رجلا فانهزم المشركون وغنمهم ~~المسلمون (2). # وفي غزوة بني المصطلق وغيرها من الوقائع المشهورة والغزوات المأثورة، قال ~~ابن أبي الحديد وهذا الفصل لا معنى للاطناب فيه لأنه من المعلومات الضرورية ~~كالعلم بوجود مكة ومصر ونحوهما وإذا كان علي (عليه السلام) أكثر الصحابة ~~جهادا كان أكثرهم أجرا لقوله تعالى: [وفضل الله المجاهدين على القاعدين ~~أجرا عظيما] (3) فهو أفضلهم. # وأما إنه أسخى الناس: فيدل عليه إيثاره المحاويج على نفسه وأهل بيته حتى ~~جاد بقوته وقوت أهل بيته ثلاث ليال على يتيم ومسكين وأسير فأنزل الله فيه ~~وفي أهل بيته [ويطعمون الطعام على حبه] السورة بتمامها إلا آيات قليلة منها ~~وتصدق بخاتمة في الصلوات فأنزل الله في حقه: [إنما وليكم الله ورسوله ~~والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون] (4)، قال ابن ~~أبي الحديد: وروى المفسرون أنه لم يكن يملك إلا # PageV00P292 # أربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا وبدرهم سرا وبدرهم علانية ~~فأنزل فيه: [الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية لهم أجرهم ~~عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون] (1) وكان (عليه السلام) يسقي بيده ~~لنخل قوم من يهود المدينة (2) حتى مجلت يده ويتصدق بالأجرة ويشد على بطنه ~~حجرا وقال الشعبي وقد ذكره: كان أسخى الناس على الخلق الذي يحبه الله ما ~~قال لا لسائل قط، وكان يكنس بيوت الأموال ويصلي فيها، وكان يقول: (يا صفراء ~~ويا بيضاء غري غيري) حتى إنه لم يخلف ميراثا ولقد قال عدوه ومبغضه معاوية ~~فيه: لو ملك بيتا من تبن وبيتا من تبر لأنفق تبره قبل تبنه، ويكفيك شاهدا ~~على أنه أسخى الصحابة وأجودهم آية النجوى التي لم يعمل بها غيره ولم يفز ~~بها سواه وهي قوله تعالى: [يا أيها الذين ms214 آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا ~~بين يدي نجويكم صدقة] (3) الآية فإن الصحابة جميعهم امتنعوا من مناجاة ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد نزولها ولم يناجه إلا علي (عليه ~~السلام)، وقد روي أنه أعتق من كسب يده ألف مملوك. (4) وأما إنه أزهد الناس ~~فأمر ظاهر، فإنه (عليه السلام) كان سيد الزهاد وبدل الأبدال، ما شبع من ~~طعام قط وكان أخشن الناس مأكلا وملبسا، وقل أن يأتدم فإن فعل فبالملح أو ~~الخل، فإن ترقى فبنبات الأرض، فإن زاد فبلبن، وكان لا يأكل اللحم إلا ~~قليلا، ويقول: (لا تجعلوا بطونكم مقابر # PageV00P293 # الحيوان)، وكان نعلاه من ليف وحمائل سيفه من ليف، وكان يرقع قميصه بجلد ~~تارة وبليف أخرى، وإذا اشترى قميصا ورأى كمه طويلا قطعه بالشفرة ولم يخطه ~~حتى يبقى متساقطا على يده، وقد تواترا إعراضه عن لذات الدنيا مع اقتداره ~~عليها لا تساع أبواب الدنيا عليه لأن الأموال كانت تجبى إليه، حتى قال: (يا ~~دنيا يا دنيا إليك عني أبي تعرضت أم إلي تشوقت لا حان حينك هيهات هيهات غري ~~غيري لا حاجة لي فيك وقد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها، فعيشك قصير، وخطرك ~~يسير، وملكك حقير) وقال: (والله لدنياكم هذه أهون في عيني من عراق خنزير في ~~يد مجذوم) (1) وقال عبد الله ابن أبي رافع دخلت عليه يوما فقدم جرابا ~~مختوما فوجدنا فيه خبز شعير يابسا مرضوضا فأكلنا منه، فقلت: يا أمير ~~المؤمنين لم ختمته فقال: (خفت هذين الولدين يلتانه بزيت أو سمن) (2)، قال ~~القوشجي: وهذا شئ اختص به علي (عليه السلام) ولم يشاركه فيه غيره، ولم ينل ~~أحد بعض درجته انتهى وأخبار زهده وسخائه كثيرة يضيق بها هذا الإملاء وتحتاج ~~إلى مصنف على حدة، والغرض هنا الإشارة إلى صفاته الحميدة. # وأما إنه أعبد الناس فلما تواتر من كثرة صلاته وصيامه حتى كان يصلي كل ~~يوم وليلة ألف ركعة، وتعلم منه الناس صلاة الليل وملازمة الأوراد، ويشهد ~~بذلك ما في دعواته ومناجاته من تعظيم جلال الله والخضوع والخشوع له، قال ~~ابن ms215 أبي الحديد: وما ظنك برجل يبلغ من محافظته على ورده أن يبسط له نطع بين ~~الصفين ليلة الهرير فيصلي عليه ورده والسهام تقع بين يديه، وتمر على صماخيه ~~يمينا وشمالا فلا يرتاع لذلك ولا يقوم حتى يفرغ من وظيفته، وما ظنك برجل ~~كانت جبهته كثفنة البعير لطول سجوده (3) انتهى، # PageV00P294 # وقيل لعلي بن الحسين مع أنه سيد العابدين: أين عبادتك من عبادة جدك، ~~فقال: (عبادتي عند عبادة جدي كعبادة جدي عند عبادة رسول الله (عليه ~~السلام). # وأما إنه أحفظ الصحابة للقرآن فلما صح أنه (عليه السلام) كان يحفظه على ~~عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يكن غيره يحفظه، ثم هو أول من جمعه ~~ولم يحتج إلى ما عند أحد غيره منه في جمعه كما احتاج إلى ذلك أبو بكر وعمر ~~لما أرادا جمع القرآن فنادى مناديهما: من كان عنده شئ من القرآن فليأت به، ~~فدل على أنهما لم يعرفا من القرآن إلا يسيرا، وهذا كله صحيح عند الخصوم، ~~وكان أكثر القراء كأبي عمرو بن العلا وعاصم بن أبي النجود وغيرهما يسندون ~~قراءتهم إليه لأنهم تلامذة أبي عبد الرحمن السلمي وهو تلميذ أمير المؤمنين، ~~وعبد الله بن العباس رئيس المفسرين، وعنه يأخذون وإلى قوله يستندون، وهو ~~تلميذ أمير المؤمنين (عليه السلام) وما زال منقطعا إليه وعنه أخذ ومنه تعلم ~~(1). # وأما إنه أفصح الناس لسانا فيدل عليه خطبه ومواعظه ورسائله، وما اشتملت ~~عليه من المطالب العالية، وعلوم التوحيد وكيفية السلوك، والأخبار عن أحوال ~~العالم العلوي وصفاته، وكيفية إنشاء الخلائق علويها وسفليها وجسمانيها ~~وروحانيها ماديها ومجردها مما لم يجر لأحد من الناس شبهه عشر العشر، بل لا ~~يعلم أحد من الصحابة شيئا منه، ولا يعرفون ما هو ولا يحسنون التعبير عنه، ~~وكل ذلك أورده في كلام عال لم يوازنه كلام أحد من البشر بعد كلام رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم)، وشرح فيه أحوال الدنيا والآخرة بعبارات تحير ~~عقول البلغاء في حسن نظمها ولطافة سبكها، ولم # PageV00P295 # يدون لأحد من الناس عشر ms216 العشر مما دون له من الكلام (1) واستشهد القوشجي ~~على أنه أفصح الناس بكلامه المدون في نهج البلاغة وهو كما ذكر أوضح شاهد ~~وأدل دليل، وقال قال البلغاء إن كلامه تحت كلام الخالق وفوق كلام المخلوق، ~~ومنه تعلم الناس الخطابة والكتابة، وقال عدوه معاوية فيه حين قال له محفن ~~بن أبي محفن: جئتك من عند أعيا الناس: ويحك كيف يكون أعيا الناس فوالله ما ~~سن الفصاحة لقريش غيره (2)؟ # وأما إنه أسد الصحابة رأيا فلاحتياج جميعهم إلى رأيه في معظم الأمور ~~وبلوغهم المنى في أخذهم برأيه كما أشار على عمر في وقائع كثيرة وصل فيها ~~إلى مطلوبه إذ أخذ برأي علي (عليه السلام)، وأشار إلى عثمان ولو أطاعه لم ~~يجر عليه بعض ما جرى، ولم ينخدع قط ولم يتحير في أمر قط، وما عرض له أمر ~~إلا عرف مورده ومصدره، وقال لأصحابه لما رفع أهل الشام المصاحف بصفين: ~~(إنما رفعوها خدعة فناجزوهم) فكان الأمر كما قال، ولو أطاعوه لنجحوا، ولما ~~أراد أصحابه نصب أبي موسى حكما قال لهم: (إني أخاف عمروا أن يخدع يمنيكم ~~هذا ولكن ادفعوا في صدر عمرو بن العاص بعبد الله بن عباس) ولو أطاعوه ~~لأفلحوا ولما تمكن عمرو مما أبرمه لكن عصوه فكان الأمر كما قال من خدع ابن ~~العاص لأبي موسى وغير ذلك مما يطول # PageV00P296 # تعداده، وإنما تفرق الناس عنه إلى أعدائه لاقتصاره على حكم الشريعة، ~~وتقيده بالسنة، وتركه العمل بالحيل الدنيوية وتدبير أمر الدنيا، وأخذه في ~~جميع أموره بما يقتضيه الشرع المحمدي، ولذا قال (عليه السلام): (لولا التقى ~~لكنت أدهى العرب) (1) وغيره دبر دنياه وترك آخرته فصار ممدوحا بالرأي عند ~~الجهال ورغب أهل الطمع إلى دنياه والناس عبيد الدنيا. # وأما إنه أسوس الصحابة فذلك مما لا يحتاج إلى بيان فإنه ما حابى أحدا قط ~~ولا آثر قريبا على بعيد في حكم، وشدته على العصاة معلومة من سيرته وحربه ~~وكلينه لأهل الإيمان والطاعة. # وأما إنه أعدل الصحابة في الرعية فلما علم من مساواته الناس في القسمة ~~والعطاء ms217 لم يؤثر أحدا من الناس على أحد، ولم يفضل قويا على ضعيف ولا شريفا ~~على دني، ولا ذا رحم على أجنبي، طلب إليه الزبير وطلحة أن يزيدهما في ~~القسمة فلم يفعل وكان يومئذ بمكان رفيع عند الناس (2) وطلب إليه ابن أخيه ~~عبد الله بن جعفر وكان يجريه مجرى ولده أن يعطيه زيادة فلم يفعل، وقال له: ~~(لا زيادة لك عندي على سهمك إلا أن تأمر عمك أن يسرق فيعطيك) (3) أو كلاما ~~ما هذا معناه وطلب منه أخوه عقيل مالا زيادة على نصيبه من بيت المال وألح ~~عليه في ذلك فوعده بالصبر إلى يوم الجمعة فلما خطب الناس يوم الجمعة التفت ~~إلى عقيل وقال: (ما تقول يا أبا يزيد فيمن خان هؤلاء جميعا في أموالهم) ~~فقال عقيل: بئس الرجل، فقال له: (فهذا أنت تأمرني بذلك) (4) فأسكته عن # PageV00P297 # مطالبته وبعث إليه أسامة بن زيد أن ابعث لي بعطائي ثم لو دخلت فم الأسد ~~بعد ذلك لدخلت معك فكتب (عليه السلام) إليه: (إن هذا المال لمن جاهد عليه ~~ولكن لي مالا بالمدينة فأصب منه ما شئت) (1). وكان تسويته بين الناس أعظم ~~الأسباب في تفرق الناس عنه وتقاعدهم عن نصرته، بل في قتال من قاتله، بل هو ~~السبب في ذلك كله لا سبب غيره، فلم يبال (عليه السلام) بذلك ولا رأى صلاح ~~دنياه مقتضيا لمخالفة السنة في ترك المساواة بين الناس في القسمة، ولما ~~أشير عليه بتفضيل بعض الناس على بعض في ذلك لإصلاح أمر دنياه وتقوية سلطانه ~~أبى ذلك وقال: (إنه لو كان المال لي لساويت بينهم فكيف وإنما هو مالهم) (2) ~~والأخبار في هذا الباب أجل من أن تجمع في هذا المحل وغيره ولو أراد أثر ~~بالفئ وفضل في العطاء وأصلح بهما أمر دنياه. # وأما إنه أحرص الصحابة على إقامة حدود الله فظاهر فإنه ما دافع عن أحد ~~أقيمت عليه شهادة في حد، ولا سلك مسلك التأويل والاستصلاح في إسقاط حد عن ~~أحد صديق أو عدو قريب أو بعيد كما كان يفعل غيره، ms218 ولا أغضى عن حق عند أحد ~~كائنا من كان، ولم يلتفت في إقامة حدود الله لغضب أحد من الناس ولا رضاه، ~~وسيرته في ذلك مذكورة في كتب الحديث والسير والتواريخ، فهذه الخصائص ~~والصفات المحمودة هو أبو عذرها وابن بجدتها والسابق في مضمارها قال ابن أبي ~~الحديد بعد تعدادها: # وهذه خصائص البشر قد أوضحنا أنه فيها الإمام المتبع فعله والرئيس المقتفى # PageV00P298 # أثره (1) انتهى. # ولما أتى عبد الله بن العباس عائشة بعد هزيمتها يوم الجمل رسولا من علي ~~(عليه السلام) إليها في أمر فجعلت تعتل عليه وطفقت تفضل عمر بن الخطاب على ~~علي (عليه السلام) فقال لها ابن العباس في كلام يطرى فيه عليا (عليه ~~السلام): إنه والله أعلا منارا، وأحسن آثارا من أبيك ومن عمر (2)، فظهر من ~~ذلك كله أن أمير المؤمنين (عليه السلام) أفضل الصحابة وأكثرهم ثوابا ~~وأجمعهم لخصال الخير، وما ذكرناه قد أقر به الخصوم، ومن كتبهم أخذنا ما ~~ذكرنا. # ومن جملة ما خصه الله به من المزية كون مولده في الكعبة الغراء على ~~الرخامة الحمراء فقد أجمع الشيعة على أن عليا (عليه السلام) ولد داخل ~~الكعبة كما وصفنا ونقلوه متواترا عن أهل بيت النبوة الذين هم مع القرآن لا ~~يفارقهم ولا يفارقونه ورواه من أهل السنة، أبو المعالي الفقيه المالكي في ~~كتاب المناقب عن علي بن الحسين قال كنا عند الحسين في بعض الأيام وإذا ~~بنسوة مجتمعات فأقبلت امرأة منهن علينا فقلنا من أنت رحمك الله قالت: أنا ~~زبدة ابنة العجلان من بني ساعدة، فقلت لها: هل عندك من شئ تحدثينا به؟ ~~قالت: أي والله حدثتنا أم عمارة بنت عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان ~~الساعدي أنها كانت ذات يوم في نساء من العرب إذا قبل أبو طالب كئيبا حزينا، ~~فقلت له: ما شأنك؟ قال: إن فاطمة بنت أسد في شدة من الطلق، ثم أخذ بيدها ~~وجاء بها إلى الكعبة فدخل بها، وقال اجلسي على اسم الله فطلقت طلقة واحدة ~~فولدت غلاما نظيفا منظفا لم أر أحسن ms219 منه # PageV00P299 # وجها فسماه أبو طالب عليا وقال. # سميته بعلي كي يدوم له * عز العلو وفخر العز أدومه وجاء النبي (صلى الله ~~عليه وآله) فحمله معه إلى منزل، أمه قال علي بن الحسين: فوالله ما سمعت ~~شيئا حسنا إلا وهذا من أحسنه (1)، فلا التفات حينئذ لتوقف ابن أبي الحديد ~~في ذلك زاعما أن المحدثين لا يعترفون به ويزعمون أن المولود في الكعبة حكيم ~~بن حزام بن خويلد (2) إذ لا عبرة # PageV00P300 # بزعمهم بعد ما سمعت فيه من الصحة، ولا ريب أن المحدثين زعموا هذه الفضيلة ~~لحكيم بن حزام ليناقضوا ما ورد لأمير المؤمنين (عليه السلام) كما هي عادتهم ~~والحق لا يزيد إلا علوا وظهورا، والصدق لا يزال يتوقد ضياء ونورا، وإذا ثبت ~~أن عليا (عليه السلام) أفضل الصحابة كما دلت عليه الأدلة ووافقنا عليه أكثر ~~المعتزلة وجب أن يكون هو المقدم والإمام بعد الرسول (صلى الله عليه وآله)، ~~ولا يجوز أن يقدم عليه غيره لأنا قد بينا امتناع تقديم المفضول على الأفضل ~~لقبحه عقلا والمنع منه شرعا وأقمنا عليه الأدلة الواضحة في موضعه وقد تقدم ~~وبذلك يثبت المطلوب، وزعم الأشاعرة أن الأفضل بمعنى الأكثر ثوابا بعد رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبو بكر ثم من بعده من الخلفاء مرتبا قال ~~القرماني في تاريخ الدول أجمع أهل السنة على أن الأفضل بعد رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) أبو بكر ثم عثمان ثم علي (عليه السلام) ثم باقي ~~العشرة إلى آخر ما قال، وأهل السنة عندهم اسم لمن كانوا على مثل ما عليه ~~أبو الحسن الأشعري من نفي الحسن والقبح العقليين، ونفي الاستطاعة عن ~~المكلف، وغير ذلك من شبهاته الواهية، وهذا القول فاسد على تقديران للثلاثة ~~فضلا وما احتج به القوشجي على ذلك بعد اعترافه بما ذكرناه من مناقب أمير ~~المؤمنين على أفضلية أبي بكر وعمر عليه كله باطل مردود، ومزور ومختلق فمن ~~احتجاجه على ذلك الاتفاق الجاري مجرى الإجماع على أفضلية أبي بكر ثم عمر ~~زعم، وأقول ما أدري ms220 ما عني بالاتفاق إن كان اتفاق جماعة من أصحابه الأشاعرة ~~كما PageV00P301 # هو مفاد قول أبي العباس المتقدم فمسلم ولا حجة فيه، وغايته كونه قولا ~~لجماعة من الأمة يطلب عليهم في ثبوته وصحته الدليل فلا يكون هو نفسه دليلا ~~كما ادعى الرجل، وإن عنى اتفاق الصحابة فالمنقول عن أفاضلهم تفضيل علي ~~(عليه السلام) على جميع الناس بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مثل ~~العباس بن عبد المطلب وجملة بنيه، وبني هاشم كافة وبني المطلب كافة، وسلمان ~~وأبي ذر والمقداد وعمار وحذيفة بن اليمان وأبي بن كعب وجابر بن عبد الله ~~وخالد بن سعيد بن العاص الأموي وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين وزيد بن أسلم ~~وبريدة بن الحصيب وأبي الهيثم بن التيهان والبراء بن عازب وقيس بن سعد بن ~~عبادة وأبي سعيد الخدري وأبي أيوب الأنصاري وحجر بن عدي الكندي وزيد بن ~~أرقم وسهل بن حنيف وأخيه عثمان بن حنيف وعبادة بن الصامت وأبي الطفيل عامر ~~بن واثلة الكناني وعمرو بن الحمق الخزاعي في كثير من أمثالهم، ذكر ذلك ~~جماعة من أهل العلم بأقوال الناس كأبي عمر يوسف بن عبد البر المحدث في كتاب ~~الاستيعاب وأبي جعفر محمد بن عبد الله الإسكافي وعبد الحميد بن أبي الحديد ~~وغيرهم (1)، وكل منهم نقل ذلك عن جماعة من المذكورين، وكان الزبير أول ~~الأمر قائلا (2) به ومبالغا فيه حتى صرفه عنه ابنه عبد الله إلى عداوة أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) والخروج عليه، وهؤلاء المذكورين هم خيار الصحابة ~~ومن أجمعت الأمة على وثاقتهم وصدقهم، واعتبار أقوالهم، وكلام جماعة منهم ~~الصريح في التفضيل قد تقدم، ولم يبق من الصحابة ممن صرح بتفضيل غيره إلا من ~~علم فسقه وثبت ضلاله بمحاربته عليا (عليه السلام) وبغضه، وقد صح أنه حربه ~~حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله) # PageV00P302 # وبغضه بغضه، كمعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وعبد الله بن الزبير ~~وأبي هريرة والوليد بن عقبة بن أبي معيط في أضرابهم، أو من اختلفت الأمة في ~~وثاقته وقبول روايته ms221 فضلا عن اعتبار قوله، ومن لم يكن من الفريقين من باقي ~~الصحابة المسكوت عن حالهم لم يعرف لهم قول في المسألة فأين إجماع الصحابة ~~على ما يقول؟ بل أين الشهرة في ذلك بل الحق أن المشهور بين الصحابة عكس ما ~~قال، والتقدم في الخلافة لا يوجب التفضيل عنده وعند أصحابه على فرض أن ~~التقدم وقع برضى جميع الصحابة، وقد بينا استحالته مرارا فلا اتفاق من ~~الصحابة على ما قال القوشجي ولا اشتهار له فيما بينهم، وإن عنى اتفاق ~~التابعين فحالهم في ذلك كحال الصحابة فالكثير منهم يفضل عليا على جميع ~~الناس، منهم، أويس القرني، وزيد بن صوحان، وصعصعة بن صوحان، وجندب الخير، ~~وعبيدة السلماني، ومالك بن الحارث الأشتر، وكميل بن زياد، وسعيد بن قيس ~~الهمداني وخلق كثير لا يحصون (1)، وقد قدمنا تصريح الحسن البصري به، وتصريح ~~عمر بن عبد العزيز به أيضا والتابعين من بني هاشم كذلك، على أن أكثر الناس ~~من أهل العلم والورع لم يمنعهم من إظهار القول بتفضيل علي (عليه السلام) ~~على جميع الصحابة إلا الخوف من معاوية وأتباعه ومن تولى بعده من بني أمية ~~وأتباعهم، فإنهم كانوا يقتلون من ذكر عليا (عليه السلام) بخير أو روى عنه ~~حديثا فما ظنك بحال من يفضله؟ وقد مر في كلام الحسن البصري ما يدل عليه ~~ويأتي له زيادة استدلال، وإن عنى فرق الإسلام فالشيعة قاطبة يفضلون عليا ~~(عليه السلام) على جميع الناس وأكثر المعتزلة يوافقونهم على ذلك ~~فالبغداديون كافة قائلون به كأبي سهل بشر بن المعتمر، وأبي موسى بن صبيح ~~وأبي عبد الله جعفر بن مبشر، وأبي جعفر الإسكافي، وأبي الحسين الخياط، وأبي ~~القاسم البلخي وتلامذته، ومن البصريين أبو علي الجبائي في # PageV00P303 # آخر عمره، وكان قبل من المتوقفين بين علي وأبي بكر خاصة، نقل ذلك عنه أبو ~~القاسم البلخي. # ومنهم أبو عبد الله الحسين بن علي البصري،. وقاضي القضاة أبو الحسن عبد ~~الجبار بن أحمد، وقطع على ذلك بخبر المنزلة. # ومنهم أبو محمد الحسن بن متوية، وسيأتي التصريح به ms222 عن أبي الهذيل العلاف، ~~ومال قوم منهم إلى التوقف في تفضيل علي (عليه السلام) على أبي بكر مع القطع ~~على تفضيله على عمر كواصل بن عطا وأبي هاشم وأبي الحسين البصري. # ومنهم من قال بتفضيل الثلاثة كعمرو بن عبيد، وإبراهيم بن سيار النظام، ~~وعمرو بن بحر الجاحظ، وثمامة بن أشرس وهشام الفوطي، وأبي يعقوب الشحام، وكل ~~أهل قول يحذو حذوهم قوم منهم، وكتب المعتزلة في علم الكلام ناطقة بما قلناه ~~ومن نقلهم نقلنا ومن المحدثين من نسب إليه قوم من العامة في كتبهم ~~وتواريخهم القول بتفضيل علي صريحا كالكيا الهراسي وأمثاله وفي كلام قوم من ~~أعيانهم ما يصرح بالتفضيل قال أحمد بن حنبل: ما جاء لأحد من الفضائل ما جاء ~~لعلي (عليه السلام)، وقال: إن عليا لم تزنه الخلافة ولكنه زانها نقل هذا ~~الكلام ابن أبي الحديد عن ابن الجوزي في المنتظم عن أحمد بن حنبل وقال بعده ~~ما حاصله: أن هذا الكلام يعطي أن جميع من ولي الخلافة غير علي (عليه السلام ~~ذوو نقص ازدان بالخلافة وتم نقصه بها وأن الخلافة قبل ولاية علي (عليه ~~السلام) كانت ناقصة فأتمها بولايته إياها (1). # أقول وهذا الكلام غاية التفضيل، ونهاية التعظيم والتبجيل، ولعمري # PageV00P304 # أن الأمر كما قال وقال إسماعيل القاضي والنسائي وأبو علي النيسابوري: لم ~~يرد في حق أحد من الصحابة بالأسانيد الحسان أكثر مما جاء في علي، فهذه ~~شهادة مشائخهم فأين الاتفاق الذي ادعاه القوشجي علي تفضيل أبي بكر وعمر على ~~علي (عليه السلام)؟ وأين الشهرة بين الأمة؟ # وهل زاد الأمر على كون المسألة من المسائل الخلافية بين الناس؟ والواجب ~~فيها اتباع الدليل الصحيح كغيرها من مسائل الخلاف، ومن هنا تبين بطلان ما ~~ينسبه قوم من الأشعرية المتعصبين من الابتداع إلى من ذهب من المحدثين ~~والعلماء من متقدمي أصحابهم إلى تفضيل علي (عليه السلام) فيقولون: # كان فلان عالما فاضلا وكذا وكذا لصفات من الخير ثم يقولون إلا أنه مال ~~إلى تفضيل علي (عليه السلام) أو قال به فيخرجونه من السنة إلى ms223 البدعة ~~بزعمهم لأنه قال بتفضيل علي (عليه السلام)، وذلك عندهم بدعة كما وجدناه في ~~تصانيف قوم منهم وتواريخهم، وكل هذا لتركهم النظر في الأقوال والأدلة ~~وتقليدهم من تقدم من مشائخهم وأساتيذهم على جهالة لا يعلمون وراء ما سمعوه ~~منهم مذهبا ولا يفهمون غير توجيههم في الأدلة توجيها وذلك لا يغني من الحق ~~شيئا. # واحتج القوشجي ثانيا بقوله تعالى: [وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله ~~يتزكى] (1) مدعيا أن الآية نزلت في أبي بكر عند الجمهور، والأتقى هو الأفضل ~~لقوله تعالى: [إن أكرمكم عند الله أتقاكم] (2) وهذا الاحتجاج واه لأن الآية ~~مع احتمال كون الأتقى والأشقى بها بمعنى التقي والشقي كقوله تعالى: [الله ~~أعلم حيث يجعل رسالته] (3) # PageV00P305 # أي عليم وقوله تعالى: [وهو أهون عليه] (1) يعني هين وقول طرفة:. # تمنت رجال أن أموت وإن أمت * فتلك سبيل لست فيها بأوحد كما قاله بعض ~~المفسرين، ويشهد لذلك الاعتبار فإن صاحب النخلة المعني بالأشقى من المسلمين ~~ومن الصحابة المحكوم عليهم عند القوشجي وأصحابه بالجنة فلا يجوز أن يجعل ~~أشقى من أبي جهل وأبي لهب وأمثالهما من المشركين، فلا دليل فيها على ~~التفضيل مضافا إلى أنها نازلة عند أكثر المفسرين في أبي الدحداح، وهو ~~المروي عن ابن عباس رواه الواحدي وسببه قصة النخلة المشهورة (2)، وقال غيره ~~نزلت في مصعب بن عمير وذكر ذلك أبو جعفر الإسكافي، ولم يقل إنها نزلت في ~~أبي بكر إلا عروة بن الزبير (3) لأنه اشترى ست رقاب فأعتقها بلال وعامر بن ~~فهيرة وأربعة أخر، وحال ابن الزبير في الكذب معلوم، وميله إلى جده معروف، ~~وليس هذا منه بأعجب من روايته عن خالته عائشة عن النبي (صلى الله عليه ~~وآله): أن عليا والعباس بن عبد المطلب من أهل النار (4)، وكان سبابا لعلي ~~(عليه السلام) وكثير البغض له، ومن أفسق ممن يسب رجلا من سبه فقد سب رسول ~~الله # PageV00P306 # (صلى الله عليه وآله) كما دلت عليه الأخبار الصحاح عند القوم، ومنها ما ~~رواه الإسكافي عن عثمان بن أبي شيبة، عن عبد الله بن موسى، عن ms224 قطر بن ~~خليفة، عن أبي عبد الله الجدلي قال: دخلت على أم سلمة رحمها الله فقالت: لي ~~أيسب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيكم وأنتم أحياء؟ قلت: وأنى يكون ~~هذا؟ قالت: أليس يسب علي (عليه السلام) ومن يحبه (1) وما رواه الحافظ أبو ~~عبد الله محمد بن يوسف البلخي الشافعي في كفاية الطالب عن ابن عباس أن رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعلي (من سبك فقد سبني ومن سبني فقد سب ~~الله، ومن سب الله فقد كبه الله على منخريه في النار) (2) وما قدمنا من ~~الأخبار عن أحمد بن حنبل وغيره من قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في ~~علي (عليه السلام): (لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق) (3) وقوله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): (عدوك عدوي وعدوي عدو الله) (4) فمن كان هذه حاله ~~كيف تقبل روايته فيمن يميل إليه بدون معارض فكيف إذا عارضها رواية الثقاة؟ ~~على أن شراء أبي بكر بلالا وعامرا الذي هو سبب نزول الآية كما زعم فاسد لأن ~~محمد بن إسحاق والواقدي ذكر أن رسول الله هو الذي اعتقهما، (5) وبالجملة ~~فالاحتجاج بالآية ساقط، ودعوى قول الجمهور أنها نازلة في أبي بكر كما ترى ~~زور وبهتان كدعواه الاتفاق المتقدم واحتج أيضا بروايات مفتعلة: # PageV00P307 # فمنها: (اقتدوا بالذين من بعدي أبا بكر وعمر) (1) دخل في الخطاب علي ~~فيكون مأمورا بالاقتداء بهما. # أقول قد ذكر بعض أهل العلم والخبرة بالحديث أن هذه الرواية جميع من رواها ~~رواها الذين بصيغة الجمع، وأبا بكر وعمر بنصب أبا، والجواب عنها وعن غيرها ~~على جهة العموم من ثلاثة وجوه. # الأول إنها مما اختص بروايتها الخصوم وليسوا عندنا من أهل الصدق فلا ~~يلزمنا قبول رواياتهم ولا تقوم لهم بها علينا حجة مع أنهم متهمون في ذلك. # الثاني إنه قد طعن في مثل هذه الروايات قوم منهم كالفخر الرازي وحكم ~~بأنها من الموضوعات إذ لم يجر لشئ منها ذكر بين الصحابة والتابعين في مقام ~~الحجة والمناظرة، وطعن فيها سيدنا المرتضى ms225 ذو المجدين علم الهدى كذلك (2) ~~وغيره، وهو كما قال، فإن هذه الروايات إنما وضعت وافتعلت في أيام تغلب بني ~~أمية، روى ذلك أبو الحسن علي بن محمد بن أبي سيف المدائني في كتاب الأحداث ~~وابن عرفة نفطويه وهما من أكابر المحدثين قال المدائني في كلام طويل: وكتب ~~معاوية إلى عماله في جميع الآفاق لا يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته ~~شهادة، وكتب إليهم أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه وأهل ولايته ~~والذين يروون فضائله ومناقبه فأدنوا مجالسهم، # PageV00P308 # وقربوهم وأكرموهم واكتبوا لي بما يرويه كل رجل منهم واسمه واسم أبيه ~~وعشيرته، ففعلوا ذلك حتى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه لما كان يبعثه ~~إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطائع، ويفيضه في العرب منهم ~~والموالي، فكثر ذلك في كل مصر، إلى أن قال: ثم كتب إلى عماله أن الحديث في ~~عثمان قد كثر وفشا في كل مصر وفي كل وجه وناحية فإذا جاءكم كتابي هذا ~~فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين، ولا تتركوا ~~خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا وآتوني بمناقض له في الصحابة ~~فإن هذا أحب إلي وأقر لعيني وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته وأشد عليهم من ~~مناقب عثمان وفضله، فقرئت كتبه على الناس فرويت أخبار كثيرة في مناقب ~~الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها، وجد الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتى ~~أشادوا بذكر ذلك على المنابر، وألقى إلى معلمي الكتاب فعلموا صبيانهم ~~وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتى رووه وتعلموه كما يتعلمون القرآن وحتى ~~علموه بناتهم ونسائهم وخدمهم وحشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء الله ثم كتب بعد ~~ذلك إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان، انظروا من قامت عليه البينة ~~أنه يحب عليا وأهل بيته فامحوه من الديوان وأسقطوا عطاءه ورزقه، وشفع ذلك ~~بنسخة أخرى، من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكلوا به واهدموا داره، فلم ~~يكن البلاء أشد ولا أكثر منه بالعراق، ولا سيما بالكوفة، حتى أن الرجل من ~~شيعة ms226 علي (عليه السلام) ليأتيه من يثق به فيدخل بيته فيلقي إليه سره ويخاف ~~من خادمه ومملوكه ولا يحدثه حتى يأخذ عليه الأيمان الغليظة ليكتمن عليه، ~~فظهر حديث كثير موضوع وبهتان منتشر، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة، ~~وكان أعظم الناس في ذلك بلية القراء المراؤون والمستضعفون الذين يظهرون ~~الخشوع والنسك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم، ويقربوا مجالسهم، ~~ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل، حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث ~~إلى أيدي PageV00P309 # الديانين الذين لا يستحلون الكذب والبهتان فقبلوها ورووها، وهم يظنون ~~أنها حق، ولو علموا أنها باطلة لما رووها ولا تدينوا بها، فلم يزل الأمر ~~كذلك حتى مات الحسن بن علي (عليه السلام) فازداد البلاء والفتنة (1) إلى ~~آخر ما قال من بيان ما فعله معاوية من قتل محبي أمير المؤمنين (عليه ~~السلام)، وما فعله من بعده في عشيرته من إظهار الفساد بقتل المؤمنين ~~الصادقين، وإكرام الكذابين الوضاعين مما يطول نقله ومثله، قال نفطويه، ~~وبهذا المضمون قال أبو جعفر الإسكافي، ويصدق ذلك (2) ما روي في نهج البلاغة ~~عن أمير المؤمنين من تقسيم المحدثين عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى ~~أربعة أحدهم، منافق يكذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يتحرج ولا ~~يتأثم من الكذب عليه (3) وما سيأتي بعد عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر ~~(عليه السلام) من ذكره مضمون ما قاله المدائني ونفطويه بالصريح، فهذه ~~الأخبار التي احتج بها القوشجي وغيره على أفضليته الرجلين على أمير ~~المؤمنين هي تلك الأخبار المزورة المختلقة طاعة لمعاوية وطلبا للدنيا ~~وإيثارا للعاجلة ما زالت تتداول عند قضاة السوء، والفقهاء المنافقين، ~~والقراء المرائين حتى تلقفها حشوية العامة كالبخاري ومسلم وابن مردويه ~~وأضرابهم وزبروها في كتب مع أمثالها إلا ما قل من الأحاديث وسموا تلك الكتب ~~الصحاح، وأقوى دليل على اختلاقها أن جلها ينتهي إسناده إلى من تظاهر بعداوة ~~أهل البيت كأبي هريرة وعمرو بن العاص وعروة بن الزبير وأشباههم، وأن كل ~~حديث منها # PageV00P310 # مناقض لحديث أو أحاديث من المروي في فضل علي ms227 (عليه السلام) وولده وذلك ~~لموافقة غرض معاوية الذي مر في كلام المدائني، فما كان هذه حالة من ~~الأحاديث كيف يكون حجة ودليلا؟ هيهات هيهات ذلك عن التحقيق وناء عن طريق ~~أهل النظر الدقيق. # الثالث إن هذه الأخبار على قلتها وشذوذها قد عارضتها الأدلة الواردة في ~~تفضيل علي (عليه السلام) من الكتاب والسنة الكثيرة التي أجمع الخاصة ~~والعامة على نقلها وصحتها، ومن جملتها ما تلوناه عليك مما تضمن مماثلة علي ~~(عليه السلام) لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومماثلته للأنبياء، وما دل ~~على أنه إمام المتقين وأنه سيد المسلمين، وولي كل مؤمن بعد رسول الله، ~~ومولى من كان رسول الله مولاه، وأنه كلمة الله التي ألزمها المتقين، وأن ~~بيده مفاتيح خزائن الله، وأنه حامل لواء الحمد يوم القيمة، وأنه خير الخلق ~~والخليقة، وغير ذلك مما عددناه نوعا نوعا، وصنفا صنفا، وما سنتلوه عليك في ~~هذا المقام وفيما بعد إن شاء الله تعالى وعارضتها أيضا أدلة العقل ~~والاعتبار، ولا شك أنه عند التعارض يجب الأخذ بالمتفق عليه والمعاضد ~~بالدلالة الخارجية وترك المختلف فيه والمعاند للدلالة الخارجية، فما ظنك ~~بالمطعون في سنده ومتنه مع مخالفته لكتاب الله عز وجل وقد صح عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) أنه (إذا أتاكم الخبر عني فاعرضوه على كتاب الله. # ما وافق كتاب الله فاعملوا به وما خالف فاضربوا به عرض الحائط) بعد ~~إخباره (صلى الله عليه وآله) في أول الكلام بكثرة الكذابة عليه فإذا جاء في ~~الكتاب العزيز أن عليا (عليه السلام) نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) كما في آية المباهلة، وجاء أنه ولي الأمة مثل ولاية الله إياهم ~~ورسوله كما في آية الولاية، ولا شك أن نفس الرسول خير الأنفس، وأن ~~PageV00P311 # ولي المؤمنين خيرهم، ثم أتى عن النبي (صلى الله عليه وآله) أن أبا بكر ~~خير من علي (عليه السلام) فقد حصلت المخالفة الصريحة والمعارضة الظاهرة بين ~~هذا الخبر وبين كتاب الله فوجب بمقتضى أمر الرسول (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ms228 رد ذلك الخبر، وضرب الحائط به، وأخبار بهذه المثابة يجب ردها ~~وإسقاطها، ويلزم تكذيبها وإبطالها، ولا يجوز التدين بها ولا التعويل عليها. # وأما الجواب الخاص عن الخبر المذكور فبأنه معارض لحديث التمسك بالثقلين ~~كتاب الله والعترة، وحديث الاقتداء بالأئمة من أهل البيت، وحديث: (أهل بيتي ~~كسفينة نوح من ركبها نجى ومن تخلف عنها غرق)، وما جرى هذا المجرى مما ~~رسمناه فيكون مفتعلا لمناقضتها كما مر بيانه فهو باطل، ولو صح لوجب تأويله ~~إلى ما يوافق تلك الأدلة الصحيحة بجعل التقدير اقتدوا بالذين من بعدي من ~~الأئمة يا أبا بكر وعمر، فأبو بكر وعمر مأموران بالاقتداء وليس تقدير الفعل ~~الناصب لأبا بكر بأولى من تقدير حرف الندا بل هذا أولى للتوفيق بين ~~الدليلين وقد جاء حذف حرف النداء من المنادى المعلوم كثيرا نحو قوله تعالى: ~~[يوسف أعرض عن هذا] (1) وقول الشاعر. # أبا حكم هل أنت عم مجالد * وسيد أهل الأبطح المتناحر وقول الآخر: # حمامة بطن الواديين ترنمي * سقاك من الغر الغوادي مطيرها وقول الآخر (2): # PageV00P312 # تعدون عقر النيب أفضل مجدكم * بنى الضوطرى لولا الكمي المقنعا وهذا أمر ~~معروف لا يحتاج إلى الإكثار من شواهده فيكون الخبر حجة لنا لا علينا. # ومنها في أبي بكر وعمرهما (سيدا كهول أهل الجنة ما خلا النبيين ~~والمرسلين) (1) والجواب عنه بالخصوص أنه معارض بقول النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) في الحسن والحسين: هما (سيدا شباب أهل الجنة) (2) وبقوله (صلى ~~الله عليه وآله): (سادات أهل الدنيا هم سادات أهل الآخرة أنا وعلي والحسن ~~والحسين وحمزة وجعفر) (3) وقوله لعلي (عليه السلام): (أنت سيد في الدنيا ~~والآخرة) (4) وقوله (عليه السلام) فيه: # PageV00P313 # (هو سيد المؤمنين وسيد المسلمين) (1) فيكون مختلقا لمناقضة هذه الأخبار ~~وشبهها فهو باطل هذا في سنده وفي متنه بمخالفته للكتاب في قوله تعالى: # [إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا أترابا] (2) وقد صح عن النبي ~~(صلى الله عليه وآله): إن الجنة لا يدخلها شيخ ولا عجوز ولا كهل وإن أهلها ~~جرد مرد على صفة الشباب) (3). # ومنها (خير أمتي أبو ms229 بكر ثم عمرو) والجواب عنه أنه معارض لقول النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) في علي (عليه السلام) والخوارج: # (يقتلهم خير الخلق والخليقة) (4) وقوله (صلى الله عليه وآله): (خير الناس ~~حمزة وجعفر وعلي) (5) وما شابه ذلك مما شاع وذاع بين الفريقين فهو مصنوع ~~للمناقضة فيكون باطلا. # ومنها: (ما ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يتقدم عليه غيره) وكيف يكون كذلك ~~وقد عارضه ما تواتر من فعل النبي (صلى الله عليه وآله) فإنه أمر على أبي ~~بكر أبا عبيدة بن الجراح مرة ومرة عمرو بن العاص وأخرى خالد بن الوليد ومرة ~~أسامة بن زيد، وأمر عليه عليا مرارا وما نرى النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) امتنع من تقديم غير أبي بكر من الصحابة عليه فكيف يعقل أن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) يقول قولا معناه النهي عن تقدم أحد من الصحابة على ~~أبي بكر ثم يقدم عليه جماعة منهم مرة بعد أخرى # PageV00P314 # فينقض قوله بفعله وهو الذي لا ينطق عن الهوى؟ اللهم إلا في مقام النسخ ~~وإذا كان هذا القول منسوخا فلا حجة فيه وآخر عمر النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وأبو بكر تحت راية أسامة، والحاصل أن الخبر إذا كان مناقضا لما علم ~~من فعل النبي (صلى الله عليه وآله) كان باطلا بالضرورة، والحديث المذكور ~~هذا شأنه مع معارضته لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للأنصار: (هذا ~~علي فأحبوه بحبي وأكرموه بكرامتي) (1)، وقوله (صلى الله عليه وآله): ~~(أوصيكم بحب ذي قرباها (2) أخي وابن عمي علي بن أبي طالب) وحديث المنزلة ~~وغير ذلك من الأحاديث الصريحة في لزوم تقديم علي (عليه السلام) فهو مصنوع ~~لمعارضتها، على أن المروي في بعض تواريخ القوم أن هذا القول من كلام عمر ~~نفسه ولم ينسبه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وذلك في كلام طويل خطب ~~به يذكر فيه حديث السقيفة أورده الطبري في تاريخه (3)، وكذلك هو الحاصل من ~~كلام عمر يوم السقيفة حيث قال: كيف أتقدم قدمين قدمها رسول ms230 الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) للصلاة، فأخذه القوشجي وأمثاله وصيروه حديثا ينسبونه إلى ~~النبي (صلى الله عليه وآله) جهلا أو تعمدا ليقووا به شبهتهم، وأنى والأمر ~~أظهر من أن يخفى! ومع هذا كله إنه لو صح لم يقتض التفضيل لأن مذهب # PageV00P315 # القوم جواز تقديم المفضول، ولو اقتضى لكان دليلهم مخالفا لمذهبهم فيكون ~~عليهم لآلهم. # ومنها (لو كنت متخذا خليلا دون ربي لاتخذت أبا بكر خليلا لكن هو شريكي في ~~ديني وصاحبي الذي أوجبت له صحبتي في الغار وخليفتي في أمتي) (1) وهذا قريب ~~من الأول. # والجواب عنه أنه لو صح امتناع اتخاذ النبي (صلى الله عليه وآله) أبا بكر ~~خليلا لم يمتنع اتخاذه إياه أخا وما نراه اتخذه أخا يوم المؤاخاة بل جعله ~~أخا لعمر واتخذ هو (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا أخا فلو صلح أبو بكر ~~لخلة النبي (صلى الله عليه وآله) لصلح لأخوته لكنه لم يصلح وإلا لأخاه أو ~~أخا بينه وبين علي (عليه السلام)، هذا على تقدير كون الخلة أعلا شأنا وأقرب ~~مماثلة بين الاثنين من الإخوة كما هو مرام المستدل والأمر بعكس ما رام، فإن ~~الأخوة أدخل في المشابهة وأقرب إلى المماثلة من الخلة، ولذا جاز أن يكون ~~لله خليل ولم يجز أن يكون لله أخ لأن الأخ هو العدل المماثل وليس لله مثيل، ~~والخليل هو المخلص في المودة والاخلاص في محبة الله مطلوب فإذا امتنع أن ~~يكون أبو بكر مخلصا في محبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا فضيلة له ~~البتة وإذا كان علي (عليه السلام) هو الصالح لمماثلة النبي (صلى الله عليه ~~وآله) كان هو الأفضل لا محالة ثم أي مانع من اتخاذ النبي (صلى الله عليه ~~وآله) أبا بكر خليلا من جهة الشرع والخليل على ما سمعت من معناه، فالكلام ~~جزما لو صح لكان قدحا فيه ولم يكن مدحا لتضمنه لعدم صلاحيته لمودة النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) والأمر في ذلك واضح وقوله: (شريكي في ديني) فاسد ~~لأنه لو صح ms231 أنه # PageV00P316 # شريك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في دينه بالمعنى الخاص يعني في قوة ~~الإيمان واليقين كما كان لعلي (عليه السلام) لكان له أخا وكان أعلا مرتبة ~~من الخليل، ولزم تناقض الكلام ويكون معناه إنه لا يصلح لي أن أتخذه خليلا ~~لكنه ارفع من ذلك منزلة وأجل منه قدرا، فالمراد من الاستدراك إثبات منزلة ~~لأبي بكر أدنى من الخلة والكلام يعطي إثبات منزلة له ارفع منها وكلام النبي ~~(صلى الله عليه وآله) مصون عن التناقض وإن كان المراد من شركة أبي بكر ~~للنبي (صلى الله عليه وآله) في دينه المعنى العام يعني الإقرار بالعقائد ~~وأداء الفرائض فالمسلمون كلهم على هذا المنوال فلا أفضلية له على أحد عنهم ~~في ذلك فلا معنى لمدحه وتفضيله على غيره بما يشاركه ذلك الغير فيه. # وأما حديث الغار فنحن في غناء عن ذكره إذ لا دلالة فيه على الفضل بوجه من ~~الوجوه بل دلالته على العكس واضحة من قوله: [لا تحزن] وقوله: [وأنزل ~~السكينة عليه] ولم يقل عليهما والذي أنزلت عليه السكينة هو المؤيد بالجنود ~~وهو النبي (صلى الله عليه وآله) بلا ريب ولماذا لم يشركه الله في السكينة ~~مع النبي (صلى الله عليه وآله) كما أشرك المؤمنين في حنين معه (صلى الله ~~عليه وآله) فيها فقال: [ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين] (1) ~~وكانوا تسعة من بني هاشم يقدمهم علي بن أبي طالب (عليه السلام) وعاشرهم ~~أيمن بن أم أيمن بإجماع المفسرين وأهل المغازي وأهل التواريخ والسيرة (2) ~~ومن وجوه أخر لا حاجة إلى ذكرها # PageV00P317 # وتطويل المقال بها. # وأما قوله: (وخليفتي في أمتي) فباطل بالإجماع لأن الأمة أجمعت على أن ~~خلافة أبي بكر ليست من جهة النص، ولو صح هذا القول عن النبي (صلى الله عليه ~~وآله) لكان نصا صريحا ولكان احتجاج أبي بكر وعمر به على الأنصار أولى من ~~احتجاجهم بما ذكروه من القرابة والصلاة لأنه نص قاطع للعذر، ولكان ~~احتجاجهما به على علي (عليه السلام) وأصحابه إذ امتنعوا من بيعة أبي ms232 بكر ~~أولى لهما من تهددهم بحرق البيت عليهم لصراحته في الحجة، لكنه في ذلك ~~الزمان غير موجود وإنما صنع بعد ذلك الوقت لمعارضة مؤاخاة النبي (صلى الله ~~عليه وآله) لعلي (عليه السلام) ولحديث (من منكم يبايعني فيكون أخي ووزيري ~~ووارثي وخليفتي على أمتي). # فبايعه علي (عليه السلام) وغيرهما من الأحاديث من أشباههما فهو باطل. # ومنها (وأين مثل أبي بكر كذبني الناس وهو صدقني، وآمن بي وزوجني ابنته، ~~وجهزني بماله وواساني بنفسه وجاهد معي ساعة الخوف) (1) وهذا الحديث طريف ~~ينبغي الجواب عنه مقولة مقولة ومنقلة بعد منقلة، فنقول أما # PageV00P318 # تصديقه للنبي (صلى الله عليه وآله) فقد بينا أنه أسلم بعد جماعة من الناس ~~فلم يكن صدقة في حال تكذيب جميع الناس له لتكون القضية كلية، وإذا لم يكن ~~كذلك سقط التمدح بسبق التصديق فلم يبق للكلام موقع في المدح لسقوط الكلية ~~التي بنى المدح على صدقها، وإن كانت مهملة وحملت على الأكثرية أي كذبني ~~أكثر الناس فجميع من صدق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في مكة، بل وفي ~~المدينة في أول الهجرة صدقه وكذبه أكثر الناس فلا اختصاص له بذلك فلا مدح ~~فيه يوجب فضلا على سائر الصحابة. # وأما تزويج النبي (عليه السلام) ابنته فما أدري لأيهما الفضل على الآخر ~~النبي (صلى الله عليه وآله) حين قبلها أم لأبي بكر حين زوجه إياها؟ # وبعد فأي رجل من الناس يخطب إليه النبي (صلى الله عليه وآله) ابنته فلا ~~يزوجه إياها حتى يكون تزويج أبي بكر ابنته إياه منة عليه يستحق بها ثناء من ~~النبي (صلى الله عليه وآله) وثوابا كثيرا من الله كما هو مدعى المستدل فلو ~~خطب (صلى الله عليه وآله) إلى الأكاسرة والقياصرة والتبابعة لعدو خطبته ~~بناتهم من أجل النعم الواصلة إليهم فكيف بغيرهم. # وأما تجهيزه النبي (صلى الله عليه وآله) بماله فمتى كان ذلك أفي مكة أم ~~في المدينة فإن كان في مكة فكل عالم يعلم أن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) كان إذ ذاك غنيا بمال ms233 خديجة (رضي الله عنها) وكان ينفق منه على من ~~شاء في أول النبوة ولم يجهز جيشا ولا قاتل عدوا مدة بقائه (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) في مكة حتى يحتاج في ذلك إلى معونة أحد، ثم إنا نعلم أن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) أحوج ما يكون للتجهيز حين أراد الهجرة من الغار ~~إلى المدينة، وقد روى جميع المحدثين أن أبا بكر باع النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) بعيرين وأخذ منه ثمنهما في تلك الحال فأين التجهيز PageV00P319 # بالمال بعد قبض ثمن البعيرين؟ وأين موضع هذا التجهيز ومحله؟ ثم من أين له ~~المال الذي يجهز به رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد صحح عندكم أنه ~~احتاج إلى سفرة في وقت سفره معه (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة فلم ~~يجدها وثمنها درهم فقطعت ابنته أسماء نطاقها نصفين فأعطته نصفا ليكون له ~~سفرة فسميت لذلك ذات النطاقين (1)، وإن قلتم في المدينة فقد أحلتم فإن أبا ~~بكر كان فقيرا وكان هو وغيره من المهاجرين عيالا على الأنصار، والقرآن ناطق ~~بذلك، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ ذاك قد أغناه الله بالغنائم ~~والأنفال، فأخبرونا عن تجهيزه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) متى كان وفي ~~أي سفر وأي غزوة؟! دلونا عليه حتى نعلم موضعه ونعرف محله، هذا وقد علم كافة ~~أهل الأثر أنه ترك مناجاة النبي (صلى الله عليه وآله) فيمن تركها لما نزلت ~~آية المناجاة عن أن يتصدق لأجلها ولو بشئ يسير فكيف يجهز رسول الله بماله ~~من ترك مناجاته عجزا من الصدقة ولو كان قادرا لكان ذلك ذنبا احتاج هو وغيره ~~فيه إلى عفو الله عنهم، أفيفعل الندب ويرتكب الذنب ما لكم كيف تحكمون؟ # وأيضا أنه قد صح أن عليا (عليه السلام) تصدق بخاتمه (2)، وتصدق # PageV00P320 # بأربعة دراهم ليلا ونهارا وسرا وعلانية (1) وجاد بقوته وقوت عياله ثلاث ~~ليال (2) فأنزل الله في كل من ذلك قرآنا يتلى بمدحه، ويكشف عن إخلاص عمله، ~~ويعرب عن صدق نيته، مثل قوله تعالى: [إنما ms234 نطعمكم لوجه الله] (3) فما بال ~~غيره لم ينزل في تجهيزه النبي (صلى الله عليه وآله) آية تتلى ولا كلمة ~~تقرى، أفترون أن الله عز وجل أضاع عمله وهو لا يضيع عمل عامل أم لم يقبله ~~منه فترك ذكره وأهمله، أم لم يكن شئ مما ادعيتم يحتاج إلى أن يبينه الله ~~تعالى فيما أنزله؟! هذا كله مضافا إلى ما صح من فقر أبي بكر حتى احتاج في ~~أيام خلافته إلى أن يجعل له المسلمون قسمة من سهامهم من بيت المال لكل يوم ~~شئ يسير كما صح في سير القوم وتواريخهم فمن هذه حاله من أين له المال حتى ~~يجهز به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). # وأما المواساة بنفسه فمتى كان ذلك أفي الشعب حين أجمعت قريش على حصر رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) فأبو بكر ليس من المحصورين، أم في إيذاء قريش ~~للنبي (صلى الله عليه وآله) فأبو بكر ليس من المحامين بل القائم بحماية ~~النبي (صلى الله عليه وآله) والمواسي له بنفسه والذاب عنه في ذلك كله من لا ~~يهاب الرجال ولا تروعه الأبطال أبو طالب وبنوه ورهطه وأبو بكر في معزل عن ~~ذلك كله فما نعلم الموضع الذي اختص فيه بمواساة النبي (صلى الله عليه وآله) ~~دون غيره إلا أن يدعو حديث الغار وفيه ما فيه - كما تقدم - وأين هو في ذلك ~~ممن بات يفدي النبي (صلى الله عليه وآله) بنفسه ويتوقع الموت في الذب عنه ~~صابرا محتسبا، وأما المجاهدة ساعة الخوف فما علمنا لأبي بكر قتالا ولا ~~سمعنا أنه في # PageV00P321 # موقف بارز قرنا ولا سفك دما فضلا عن أن يكون اختص بجهاد مع النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) دون غيره، بل المعلوم ضرورة خلاف ذلك فإنه في بدر كان ~~بالعريش ولم ير القتال بوجهه فضلا عن أن يكون قاتل وكان رسول الله لا يكلفه ~~حربا ولا قتالا فإنه لما خرج ابنه عبد الرحمن يوم أحد من عسكر المشركين ~~يدعو المسلمين للمبارزة وينادي هل من مبارز ms235 أنا عبد الرحمن بن عتيق فغضب ~~أبوه من قوله وقام مصلتا سيفه يريد مبارزته فنظر إليه النبي (صلى الله عليه ~~وآله) وقال: (يا أبا بكر شم سيفك وأمتعنا بنفسك) (1) ثم لم يلبث بعد ذلك ~~حتى فر مع الفارين، وفاز بالمواساة والجهاد غيره وهو علي الذي لم يزل فائزا ~~بذلك حتى نزل جبرئيل على النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا محمد قد عجبت ~~الملائكة من صبر هذا الفتى إنها لهي المواساة فقال: (يا جبرئيل إنه مني ~~وأنا منه (فقال جبرئيل (ع): وأنا منكما (2)، ولا شك أن حديثهم الذي افتعلوه ~~ليناقضوا به هذا الحديث الصحيح وما جرى مجراه، ثم في يوم الأحزاب عجز هو ~~وغيره عن مبارزة عمرو وفاز بالحظ الجزيل من مبارزة الشرك كله وقتله غيره. # وفي خيبر رجع منهزما براية النبي (صلى الله عليه وآله) ومن الغد فعل مثل ~~ذلك صاحبه وأدرك الفضيلة السابق إلى الفضائل ابن عم المصطفى. # وفي حنين ولى مدبرا مع المدبرين فأين جهاده مع النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ساعة الخوف؟ وفي أي موضع حصل وفي أي موقف صدر؟ # فليدلنا القوشجي وحزبه عليه حتى نعرفه وهل بلغ من الجهاد مع النبي # PageV00P322 # (صلى الله عليه وآله) ما بلغه أدنى المسلمين من الصحابة حتى يفضل بجهاده ~~على جملتهم، وإذا تأملت الأمر عرفت أن مضمون الخبر كذب كله وليس من قول ~~النبي (صلى الله عليه وآله) لأنه لا يقول إلا حقا ولا يمدح أحدا إلا بما ~~فيه من الخير وبما عمل من الأعمال الصالحة وإنما وضعه القوم ليناقضوا به ~~أقوال النبي (صلى الله عليه وآله) في علي (عليه السلام) المشهورة بين الناس ~~مثل قوله (صلى الله عليه وآله): (هو أول من آمن بي وصدقني) وقوله (صلى الله ~~عليه وآله) فيه (أولهم سلما) وليعارضوا به ما شاع لأمير المؤمنين (عليه ~~السلام) من إنفاقه في سبيل الله ما يملكه ولا يجد سواه وما تواتر وعلم من ~~مواساته النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بنفسه وبذله مهجته دونه في ساعات ms236 ~~الخوف، ومجالدته الأقران عنه في أوقات الروع، وذبه عنه بحسامه عند التحام ~~القتال ومنازلته الأبطال ليغطوا على التحقيق بالشبهات وأنى لهم بذاك. # ومنها: والخطاب لأبي ادرداء؟؟ حين مشى أمام أبي بكر: (أتمشي أمام من هو ~~خير منك والله ما طلعت شمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أحد أفضل من ~~أبي بكر (1) والجواب عنه أنه معارض لكثير من الأخبار الصحيحة الواردة في ~~فضل علي (عليه السلام) مثل قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (الصديقون ~~ثلاثة حبيب النجار، ومؤمن آل فرعون، وعلي بن أبي طالب (عليه السلام) وهو ~~أفضلهم) (2) وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه: (سيد المسلمين ويعسوب ~~المؤمنين وأعظمهم عند الله مزية) (3) ومساواته للأنبياء وغيرها مما مر ذكره ~~وما يأتي فهو مما افتعل # PageV00P323 # للمناقضة فيكون فاسدا ولو صح هذا ومثله لما قال أبو بكر " وليتكم ولست ~~بخيركم " (1) والقول بأنه أراد كسر نفسه باطل لأن الأفضلية حكم من الأحكام ~~لا يجوز إخفاؤه، ونعمة من نعم الله يجب إظهارها ولا يجوز الإخبار بضد الحكم ~~وكتمان نعمة الله، ولهذا قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (أنا سيد ~~المرسلين ولا فخر)، وقال علي (عليه السلام) على المنبر: (أنا الصديق الأكبر ~~وأنا الفاروق الأعظم، آمنت قبل إيمان أبي بكر) (2) وأيضا إن المقام مقام ~~إظهار الحجة لأنه إذ ذاك في مخاصمة الأنصار ومخاصمة علي (عليه السلام) في ~~أمر الخلافة وطلبه منه ومن أصحابه البيعة له فلا موضع لكسر النفس وهضمها في ~~ذلك الوقت وهو يطلب طاعة الأشراف لها واتباع أولي الفضل إياها، هذا لو ~~سلمنا عدم قبح إخفاء الحق لهضم النفس مطلقا فكيف ودون تسليم الأقوال ~~البليغة ومن جملته بل زبدته ما أشرنا إليه في أول هذا الكلام، بل إن الشيخ ~~لم يعلم بهذا الحديث الجديد ولا سمعته أذناه ولا أحد من الصحابة في وقته، ~~ولا علم أنه أفضل الصحابة عند أنفسهم ولذا لم يجيبوه ولا واحد منهم بأنك ~~خيرنا، بل مبلغ علمه أنه عند نفسه وعند الناس من جملة الصحابة فأخبر عن ms237 ~~نفسه بما هو عليه، وإنما حدث له التفضيل العام فيما بعد من أعداء أهل بيت ~~النبوة كما أوضحناه في أول الأجوبة على هذه الأخبار ثم أين عمر عن هذا ~~الحديث حين ذهب في السقيفة يحتج لأبي بكر بصحبته النبي (صلى الله عليه ~~وآله) في الغار # PageV00P324 # وتقديم قدميه في الصلاة مما لا يستدل به على أفضليته، فلم ترك مثل هذا ~~الحديث الصريح في الأفضلية وعدل عنه إلى ما لا حجة فيه. # ومنها قال عمرو بن العاص: قلت لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أي ~~الناس أحب إليك؟ قال: عائشة قلت من الرجال: قال: # أبوها قلت: ثم من قال: عمر (1) والجواب عن هذا اللغو مستغنى عنه في ~~الحقيقة لأن كذبه بين، وراويه ابن الشانئ الأبتر الملعون على لسان النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) لكنا نجري على العادة في أمثاله فنقول بيان ~~بطلانه من وجهين. # الأول: إن هذا الكلام قطعه من كلام الفه ابن العاص يوم صفين يحرض به أهل ~~الشام على قتال أمير المؤمنين، وسيد الموحدين، وخليفة رسول رب العالمين كما ~~ذكره جامعوا أخبار الوقعة، وقبله ما مضمونه أمرني، رسول الله على أبي بكر ~~وعمر فظننت أن ذلك لفضل لي عليهما فلما رجعت قلت لرسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) الكلام المذكور بتمامه، وهذا علي فعل بعائشة كذا وكذا لكلام ~~ذكره يعيب عليا (صلوات الله عليه وسلامه) به، ولا شك لأحد أن هذا القول ~~اختلقه ابن العاص وافترعه ليحض أهل الشام على قتال أمير المؤمنين ليجدوا في ~~ذلك ويبذلوا جهدهم كما اختلق (إن آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء إنما وليي ~~الله وصالح المؤمنين) (2) # PageV00P325 # وغير ذلك مما قوي به قلوب أهل الشام، وشحذ به عزائمهم على الضلال، وكان ~~على الكذب مقتدرا وبتصنيع الكلام وتزوير البهتان بصيرا، وأي جهل أعظم من ~~جهل من يجعل رواية ابن العاص المعروف بالفسق والكذب دليلا يعارض به الكتاب ~~وصحاح الأخبار مع أن مقام إيرادها مصرح باختلاقها، ومجموع ألفاظها واضح في ~~اصطناعها لكن القوم يأخذون ms238 ما يسمعون في الشيخين ويتلقونه بالقبول ولا ~~ينظرون في سنده ولا في متنه، ولا في مقام إيراده، بعكس ما يرد عليهم من ~~أحاديث فضل أمير المؤمنين (عليه السلام) فإنهم يبذلون الجهد في تهجينها ~~سندا مع وثاقة رواتها، ومتنا مع صراحتها واستقامة معانيها كما فعلوا في خبر ~~الغدير وغيره ولو بالتأويلات التي لا معنى لها في العقول، وهذا نتيجة ما في ~~قلوبهم من العصبية. # الثاني إنه معارض لما صح نقله من الأحاديث المشهورة في محبة النبي (صلى ~~الله عليه وآله) لعلي وفاطمة والحسن والحسين ومن ذلك ما رواه الترمذي عن ~~عائشة قالت: كانت فاطمة أحب النساء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وزوجها علي أحب الرجال (2) إليه وقال # PageV00P326 # الإسكافي ولما سئلت عائشة من كان أحب الناس إلى رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) قالت: أما من الرجال فعلي وأما من النساء ففاطمة. # وروى أبو داود والطبراني والحاكم والترمذي وحسنه عن أسامة بن زيدان رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (أحب أهلي إلي فاطمة) (1) وقول النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) (لأبعثن إليكم رجلا عديل نفسي) وغير ذلك مما ~~اشتمل عليه هذا الكتاب فيكون باطلا كإخوانه. # ومنها (لو كان بعدي نبي لكان عمر) (2) والجواب عنه من وجهين. # الأول: إن من شروط النبي العصمة عن الشرك عندنا وعندهم وعمر كان مشركا ~~يعبد الأصنام دهرا ومن كان كذلك لا يكون نبيا البتة بنص الكتاب فيجب أن لو ~~كان بعد نبينا نبي أن يكون غير عمر لعدم جواز النبوة له لسبق الكفر منه ~~فمتن الخبر كذب محض. # الثاني: معارضته لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي (عليه ~~السلام) (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) (3) وقوله ~~(صلى الله عليه وآله) له أيضا (إنك ترى ما أرى وتسمع ما أسمع إلا أنك لست ~~بنبي (4) فهو مما افتعل للمناقضة فيكون باطلا. # ومنها في أبي بكر وعمر: (هذان السمع والبصر) (5) والجواب إن هذا # PageV00P327 # القول لو صح لم تثبت ms239 به أفضلية فقد صح عن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) أنه قال: (عمار جلدة بين عيني والمقداد قدمنا قدا) ولم يفضلهما أحد ~~بهذا على علي (عليه السلام) فكيف وإنما جئ به لمناقضة قول النبي (صلى الله ~~عليه وآله): (علي مني بمنزلة رأسي من بدني) (1) رواه الديلمي عن ابن عباس ~~وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (كنت أنا وعلي نورا واحدا) (2) وما شابه ~~هذا من الأقوال الصحيحة فيكون فاسدا ولو حملناه على قوله تعالى: [إن السمع ~~والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا] (3) كما ورد عندنا في تأويله لصح ~~وانقلب عليهما لا لهما لكن ذلك مما نختص بروايته فلا نحتج به على الخصوم. # ومنها قول ابن عمر: كنا نقول ورسول الله حاضر حي أفضل أمة النبي (صلى ~~الله عليه وآله) بعده أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، أقول لا أشك إن هذا القول ~~كان مفتعلا على ابن عمر كما كان مفتعلا على النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وذلك أن ابن عمر من جملة من روى حديث مؤاخاة النبي (صلى الله عليه ~~وآله) عليا (عليه السلام) حين آخا بين أصحابه وقال سمعت رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) يقول لعلي (عليه السلام) (أنت أخي في الدنيا والآخرة) (4) ~~وهل يرتاب أحد في أن النبي (صلى الله # PageV00P328 # عليه وآله وسلم) أراد من هذه مؤاخاة إثبات المماثلة بين كل رجلين آخا ~~بينهما في الصفات العلمية والمشابهة بينهما في الفضل، وإن تخصيصه عليا ~~(عليه السلام) بأخوته قصدا لإبانته بالشرف من بين الصحابة، وإظهارا لتفضيله ~~عليهم، اللهم إلا أن يكون خليا من أدنى فهم وأقل تمييز، ثم إنه (صلى الله ~~عليه وآله) أكد المعنى الظاهر بما أردفه من الأقوال الصريحة في تفضيل علي ~~(عليه السلام) مثل (ادعو لي سيد العرب عليا) و (أنت مني بمنزلة هارون من ~~موسى) (1) وقوله (صلى الله عليه وآله): لعلي لما نزلت هذه الآية [إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية] (2): # (هو أنت وشيعتك تأتي يوم القيمة أنت وهم ms240 راضيين مرضيين، ويأتي أعدائك ~~غضابا مقمحين) (3) رواه الطبراني عن ابن عباس، ورواه خطيب خوارزم، ورواه ~~بعضهم عن علي (عليه السلام) وغير ذلك من الأقوال المنتشرة بين الصحابة التي ~~بسببها ذهب إلى تفضيله من ذهب من خيارهم، افتراه بعد ذلك ينقض قوله وفعله ~~فيقول لأصحابه قولوا أفضل أمتي بعدي أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ويقررهم على ~~هذا القول، أفيعقل عاقل هذا من فعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم كيف ~~يكون القول بتفضيل أبي بكر وعمر وعثمان في زمن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وحضوره مشهورا بين الصحابة معروفا عندهم ويذهب من ذكرناهم الصحابة ~~وكثير ممن لم نذكرهم إلى تفضيل علي (عليه السلام) على جميع الناس؟ أفتراهم ~~تعمدوا مخالفة الرسول (صلى الله عليه وآله)؟ فإن قال قائل بجواز ذلك # PageV00P329 # عليهم، قلنا له: إن ذلك يخالف قولك فإنك تذهب إلى أن الصحابة لا يجوز ~~نسبتهم إلى مخالفة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإذا سلمنا لك الجواز ~~بناء على مذهبنا عارضناك بأن الجواز لا يستلزم الوقوع فدلنا على أمر خالف ~~أولئك القوم فيه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عمدا بقطع ويقين حتى نلحق ~~ذاك بهذا، كما نثبت نحن لك مثل ذلك على أئمتك وأعوانهم لكنك لا تجد سبيلا ~~إلى مثل ذاك من أصحابنا فبطلت حجتك، وإن قلت: لا يجوز عليهم تعمد مخالفة ~~الرسول (صلى الله عليه وآله) بطل حديثك وذلك هو المراد وأيضا فقد روى صاحب ~~كتاب الخصائص فيه عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله يقول في علي (عليه السلام) ثلاث خصال وددت لو أن لي واحدة منهن وذكرهن ~~وسنذكر الخبر بتمامه بعد إن شاء الله ومعلوم أن المقصود من كلام عمران ~~الثلاث الخصال اللاتي سمعهن من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في علي ~~(عليه السلام) يوجبن التفضيل له على كل أحد فود أن تكون له واحدة منهن ~~ليتفضل بها على سائر الصحابة وينال بها الشرف العظيم بين الناس، وإذا ms241 كان ~~عمر يعلم أنه أفضل أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد أبي بكر وأنه ~~أفضل من علي (عليه السلام) فأي حاجة له إلى خصلة من الخصال التي قالها رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) في علي (عليه السلام) لينال بها تفضيلا؟ وأي ~~فائدة في تحسره على حصول خصلة واحدة من تلك الخصال لعلمه أنه لا يدرك ~~الجميع يقينا هل ذلك إلا طلب تحصيل الحاصل ولا معنى له عند العقلاء، أو ~~تقول أن عمر لم يعلم بحديث ابنه فتكون قد طعنت في عمر بعدم العلم ~~بالمشهورات وذلك أمر يعود عليك بالنقص والنقض، أو تطعن في حديثك وتخرجه من ~~الصدق إلى الكذب لمخالفته الأدلة الصادقة - فاختر ما شئت تخصم، وقد وضح من ~~ذلك كله أن الحديث باطل بلا ريب وأنه موضوع ليقابلوا به الأقوال التي ~~ذكرناها PageV00P330 # عن النبي (صلى الله عليه وآله) وغيرها من الوارد في تفضيل علي (عليه ~~السلام) صريحا. # ومنها عن محمد بن الحنفية قلت لأبي: أي الناس أفضل بعد النبي (صلى الله ~~عليه وآله)؟ قال: أبو بكر قلت: ثم من قال: عمر، وخشيت أن أقول ثم من فيقول: ~~عثمان قلت ثم أنت قال ما أنا إلا رجل من المسلمين (1). # ومنها عن علي (عليه السلام): خير الناس بعد النبيين أبو بكر وعمر ثم الله ~~أعلم. # ومنها عن علي (عليه السلام) لما قيل له: أما توصي فقال (عليه السلام): ما ~~أوصى رسول الله (عليه السلام) حتى أوصي ولكن إن أراد الله بالناس خيرا ~~جمعهم على خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم (2) - والجواب إن هذا ~~الأحاديث الثلاثة المفتراة تبطل بما بطل به ما قبلها، وبما صح عن علي (عليه ~~السلام) في رواية الخصوم كالجوهري وغيره حين قال عثمان له: إن أبا بكر وعمر ~~خير منك، فقال علي (عليه السلام): # (كذبت أنا خير منك ومنهما) (3) وما كان يقوله على رؤوس الاشهاد وصهوات ~~المنابر (أنا الصديق الأكبر وأنا الفاروق الأعظم آمنت قبل إيمان أبي بكر) ~~(4) الخبر الذي مر ولا ريب أن ms242 مراده من هذا الكلام تفضيل نفسه على أبي بكر ~~لا يشك في ذلك ذو فهم، وبما صح عنه (عليه السلام) من نسبة المذكورين إلى ~~ظلمه واغتصاب حقه كما أوضحناه أتم إيضاح فيما مضى ويأتي فكيف # PageV00P331 # ينسبهما إلى ذلك ثم يقول هما خير الناس فيكون خير الناس عنده الظالم ~~الغاصب هذا من المحال ثم كيف يصرح على المنابر بأنه الصديق الأكبر، وأنه ~~أولى الناس بالناس، وأنه وارث رسول الله ووصيه، وخازن علمه كما مر عليك ~~بيان جميعه ثم يقول: ما أنا إلا رجل من المسلمين الذي يعطي بواسطة المقام ~~أنه لا فضل له على أحد من الناس فأين إذن دعوى الوصية والوراثة للرسول (صلى ~~الله عليه وآله) ودعوى الأولوية بالناس ثم كيف يقول: أنا وصي رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) (1) ثم يقول: إن رسول الله لم يوص؟ وهذا تناقض عظيم ~~في الأقوال لا يصدر مثله من عاقل فكيف يصدر من باب مدينة العلم والحكمة ~~ومستودع أسرار النبوة، وكيف يدعون على محمد بن الحنفية ما سمعت والمروي عنه ~~خلاف ذلك؟ ومن جملته ما رواه جامعوا أخبار صفين من محدثيهم ما مضمونه أن ~~عبيد الله بن عمر بن الخطاب خرج يوما يطلب المبارزة فأراد محمد بن الحنيفة ~~مبارزته فمنعه أبوه من ذلك، ومضى هو بنفسه إلى عبيد الله فلما رأى عبيد ~~الله عليا (عليه السلام) قد أتاه رجع عن المبارزة إلى صفه، فرجع أمير ~~المؤمنين فقال محمد له يا أمير المؤمنين إني لأرغب بك عن مبارزة أبيه إلى ~~آخر الخبر (2)، وهذا صريح في تفضيل محمد أباه على عمر فكيف يسمع محمد من ~~أبيه أن عمر خير الناس ثم يقول إني لأرغب بك عن مبارزته، ومن ذا يرغب بنفسه ~~أو بأبيه عن مبارزة خير الناس؟ وإنما يرغب أشراف الناس عن مبارزة غير ~~الكفوء وخير الناس فوق الكفاءة فمن المعلوم أن أحاديثهم الثلاثة اختلقوها ~~ليضاهوا ما ذكرناه من أقوال أمير المؤمنين (عليه السلام) من بيان # PageV00P332 # تفضيل نفسه وظلم حقه وغير ذلك فتكون باطلة، ومع ms243 هذا كله يلزم عليهم في ~~الحديث الآخر محذوران لو صح. # الأول: مخالفة أبي بكر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث أن النبي ~~(صلى الله عليه وآله) لم يوص إلى أحد وأبو بكر أوصى إلى عمر ومتابعة الرسول ~~(صلى الله عليه وآله) واجبة وأبو بكر قد خالف الواجب ويكون الحديث مناقضا ~~أيضا لما مر في أحاديثهم من دعواهم قول النبي (صلى الله عليه وآله) لأبي ~~بكر: (وخليفتي على أمتي) فإن هذا القول وصية بالخلافة ونص صريح ومناقضا ~~لقول القوشجي أيضا أن النبي (صلى الله عليه وآله) أوصى إجماعا أما عند ~~الشيعة فلعلي (عليه السلام) وأما عند الأشاعرة فلأبي بكر، ومناقضا أيضا لما ~~رواه البخاري من قول النبي (صلى الله عليه وآله): (ويأبى الله إلا أبا ~~بكر)، وهذا القول وصية ظاهرة فما أدري بهؤلاء القوم على أي أخبارهم يعولون، ~~وإلى أي أدلتهم يستندون؟ ما تراهم إلا يستدلون في كل باب بما يناقض دليلهم ~~في باب آخر ويعانده، هذا القوشجي يستدل بهذا الحديث المصرح بأن رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) لم يوص على أفضلية أبي بكر وهو قبل يورد الحديث ~~المصرح بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أوصى إلى أبي بكر ~~بالخلافة، ثم هو يرد على الإمامية في مسألة إنكارهم على أبي بكر مخالفة ~~النبي (صلى الله عليه وآله) في الوصية بما ذكرناه من أن رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) أوصى إجماعا ويحتج على ذلك بخبر البخاري ومع ذلك كله يروون ~~عن أبي بكر أنه قال في حديث طويل: وددت أني سألت رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) عن صاحب هذا الأمر من هو حتى لا ننازعه (1) هذا ودعواه الإجماع على ~~استخلاف النبي (صلى الله عليه # PageV00P333 # وآله وسلم) منافية لدعواه الإجماع في مسألة نصب الإمام علي أن إمامة أبي ~~بكر برأي الصحابة لا بالنص ولاستدلاله هناك بقول أبي بكر في خطبته لا بد ~~لهذا الأمر ممن يقوم به فانظروا وهاتوا آراءكم، وإذا كان النبي (صلى الله ~~عليه وآله ms244 وسلم) قد استخلف رجلا بعينه فما حاجة خليفته في نظر الصحابة في ~~ذلك وآرائهم، فانظر إلى هذا التناقض العظيم، وما ذاك إلا لخروج القوم عن ~~الصراط المستقيم، وعدولهم عن الحق القويم، فأي حجة لهم في أخبار متعارضة ~~متناقضة يكذب بعضها بعضا ويدفع بعضها الآخر؟ وكفى بذلك فيها بطلانا، فكيف ~~تقاوم الأدلة الصحاح المتوافقة المتطابقة على أفضلية أمير المؤمنين بعد ~~النبي (صلى الله عليه وآله) على الخلق أجمعين هذا لا يعقل ولا يحمل. # الثاني: إنه يلزم أن معاوية الباغي بنص رسول الله الملعون على لسانه ~~بقوله لعمار: (تقتلك الفئة الباغية تدعوهم إلى الجنة ويدعونك إلى النار) ~~(1) وقوله صلى الله عليه وآله) في أبي سفيان وابنيه أحدهما معاوية: # (لعن الله الراكب القائد والسائق) (2) وقوله (صلى الله عليه وآله): # PageV00P334 # (إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه فإن لم تفعلوا لن تفلحوا) (1) وغير ~~ذلك من الأقوال الشديدة فيه مما صح نقله عند مشايخ القوشجي وكان أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) يقنت بلعنه ولعن جماعة من أصحابه في الصلاة يكون ~~خير الأمة لأن الله جمع الناس عليه فدانت له الناس بالقهر والغلبة، فيكون ~~أفضل من سعد بن أبي وقاص وهو أحد العشرة المبشرة بالجنة والذي اختاره عمر ~~بن الخطاب للخلافة وجعله من أصحاب الشورى، وأفضل من الحسن والحسين اللذين ~~هما سيدا شباب أهل الجنة، وأفضل من باقي المهاجرين والأنصار الذين كانوا في ~~ذلك الزمان، وهذا من أبطل ما يكون بغير ريبة، أو إن الله لم يرد بالناس ~~خيرا حين جمعهم على معاوية بل أراد بهم شرا، وهذا لا يرضى به القوشجي ~~وأصحابه لاستلزامه بطلان إجماعاتهم التي يحتجون بها على أقوالهم المتناقضة، ~~ومذاهبهم المتنافية، والحاصل أن من نظر فيما حررناه، وتبصر فيما رسمناه لا ~~يكاد يتوقف في بطلان أحاديثهم هذه وما شاكلها، ولا يرتاب في اختلاقها ~~وافتعالها إن كان ذا روية وإنصاف، وإذا بطل ما استند إليه القوشجي من ~~الأخبار وانهدم ما اعتمد عليه من الآثار فلا حاجة إلى التعرض لما ذكره من ~~الأمارات الدالة بزعمه على تفضيل ms245 الثلاثة على معدن الفضل أمير المؤمنين من ~~كثرة الفتوح والغنائم وغير ذلك مما سنوضح طرقه ونذكر أسبابه، وأغرب ما في ~~كلامه جعله جمع عثمان الناس على مصحف واحد يعني قراءة زيد بن ثابت وإسقاطه ~~جميع القراءات المروية عن النبي (صلى الله عليه وآله) بطرق ثقات الصحابة ~~كعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وشبههما وحرقه المصاحف من الأمارات الدالة ~~على فضله وأفضليته وهذا مما يقضي بالعجب العجاب # PageV00P335 # حيث يكون ذلك سببا لأفضليته مع أنه من جملة ما نقم عليه وسبب عليه وسببت ~~قتله، مع ما يلزم أيضا من مخالفة القوشجي مذهبه لأن ما ذكره إن كان يقتضي ~~تفضيل عثمان على علي (عليه السلام) كما هو زعمه ومرامه فيجب أن يقتضي ~~تفضيله أيضا على أبي بكر وعمر لأنهما لم يفوزا بهذه المنقبة إذ لم ينقل ~~ناقل عنهما أنهما أحرقا المصاحف ولا أسقطا القراءات المروية عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله) برواية الثقات والقوشجي لا يسلم ذلك ولا يذعن به فأمارته ~~باطلة من الرأس ولا حول ولا قوة إلا بالله وليت شعري أين هم لو سلموا من ~~الطعن وبرئت ساحتهم من الظلم، وأين غيرهم من أخ الرسول (صلى الله عليه ~~وآله) وخليفته ووزيره ومعينه وسيد المؤمنين به وساقي عطاشى أمته من حوضه ~~يوم الورود على الله، وأين يقع فضل الفضلاء من فضله وهو منبع الفضائل ومعدن ~~المفاخر والوسائل، وهل سبقه إلى الفضل إلا السابق لكل خير رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) وأتى بعده مصليا ليكون ذلك المنذر ويكون هو الهادي كما صح ~~في روايات غير لشيعة فقد أخرج الطبراني وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال ما ~~أنزل الله: # [يا أيها الذين آمنوا] إلا وعلي أميرها وشريفها، ولقد عاتب الله أصحاب ~~محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في غير مكان وما ذكر عليا (عليه السلام) ~~إلا بخير (1) وأخرج ابن عساكر عنه قال ما نزل في أحد من كتاب الله تعالى ما ~~نزل في علي (2)، وأخرج عنه أيضا قال: نزل في علي ms246 (عليه السلام) ثلاثمائة ~~آية (3) وأخرج الطبراني عنه قال: كانت لعلي (عليه السلام) ثمانية عشر منقبة ~~ما كانت لأحد من هذه الأمة (4) وأخرج ابن عساكر عن ابن # PageV00P336 # مسعود قال أفرض أهل المدينة وأقضاها علي (عليه السلام) (1) وروى الطبراني ~~عن ابن عباس قال لما أنزل قوله تعالى: [إنما أنت منذر ولكل قوم هاد] (2) ~~قال (صلى الله عليه وآله) (أنا المنذر وعلي الهادي وبك يا علي يهتدي ~~المهتدون) (3)، وروى أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره عن أبي ذر (رضي الله عنه) ~~في حديث قال فيه: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (اللهم إني محمد ~~نبيك وصفيك، اللهم فاشرح لي صدري، ويسر لي أمري واجعل لي وزيرا من أهلي ~~عليا اشدد به ظهري) قال أبو ذر: # فما استتم دعاؤه حتى نزل عليه جبرئيل من عند الله عز وجل وقال قرأ: # [إنما وليكم الله ورسوله الذين آمنوا] (4) الآية وروى أبو المؤيد في ~~مناقبه عن أبي بردة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ونحن ~~جلوس ذات يوم: (والذي نفسي بيده لا يزال قدم عن قدم يوم القيمة حتى يسأل ~~الله تعالى الرجل عن أربع عن عمره فيم أفناه، وعن جسده فيم أبلاه، وعن ماله ~~مما كسبه وفيم أنفقه، وعن حبنا أهل البيت) فقال له عمر: ما آية حبكم فوضع ~~يده على رأس علي (عليه السلام) وهو جالس إلى جانبه وقال: (آية حبي حب هذا ~~من بعدي) (5). # وروى الواحدي في أسباب النزول عن الحسن والثعلبي والقرطبي قالوا: # إن عليا (عليه السلام) وطلحة بن شيبة والعباس افتخروا فقال طلحة: أنا ~~صاحب البيت مفتاحه بيدي ولو شئت كنت فيه، فقال العباس: وأنا صاحب السقاية ~~والقائم عليها، فقال علي (عليه السلام): (لا أدري لقد صليت # PageV00P337 # ستة أشهر قبل الناس وأنا صاحب الجهاد) فأنزل الله تعالى: [أجعلتم سقاية ~~الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله ~~لا يستوون عند الله] إلى قوله: [الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله ~~بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة ms247 عند الله وأولئك هم الفائزون] (1). # وروى في الإسعاف عن ابن السماك أن أبا بكر قال: سمعت النبي (صلى الله ~~عليه وآله) يقول: (لا يجوز على الصراط إلا من كتب له علي الجواز) (2) فهذا ~~من جملة ما ورد فيه صلوات الله عليه في حديثهم من المحامد العظام فأنى ~~يجازيه من لم يفز بشئ من تلك الأوصاف، وكيف يوازنه من لم ينل واحدة من هذه ~~الخصال، وكيف يدرك شأوه من لم يحرز فعلا واحدا مما له من محمود الفعال، ~~فوضح من جميع ما بيناه أن عليا (عليه السلام) هو الأفضل للأدلة السالمة من ~~القدح، والأحاديث البعيدة عن الطعن، ووضوح بطلان ما عارضها مما تعلق به ~~الخصم، فهو الإمام بعد الرسول إذ لا يقدم على الأفضل المفضول، وهذه الأدلة ~~المذكورة في الفصول كلها نصوص صريحة في إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~واضحة في استخلافه وبها يبطل ما أنكره ابن أبي الحديد من النص على إمامته ~~حيث قال بعد ذكر جملة من أخبار السقيفة وإخراج أمير المؤمنين من بيته على ~~أصعب وجه: واعلم أن الآثار والأخبار في هذا الباب كثيرة جدا ومن تأملها ~~وأنصف علم أنه لم يكن هناك نص صريح مقطوع به لا تختلجه الشكوك، ولا تتطرق ~~إليه الاحتمالات كما تزعم الإمامية، فإنهم يقولون إن الرسول (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) نص على أمير المؤمنين نصا صريحا جليا ليس بنص يوم # PageV00P338 # الغدير، ولا خبر المنزلة ولا ما شابههما من الأخبار الواردة من طرق ~~العامة وغيرها، بل نص عليه بالخلافة وبأمرة المؤمنين وأمر المسلمين أن ~~يسلموا عليه بذلك فسلموا عليه بها، وصرح لهم في كثير من المقامات بأنه ~~خليفة عليهم من بعده، وأمرهم بالسمع والطاعة ولا ريب أن المنصف إذا سمع ما ~~جرى لهم بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يعلم قطعا أنه لم ~~يكن هذا النص، ولكن قد يسبق إلى النفوس والعقول أنه قد كان هناك تعريض ~~وتلويح وكناية وقول غير صريح، وحكم غير مبتوت، ولعله يصده عن التصريح بذلك ms248 ~~أمر يعلمه ومصلحة يراعيها، ووقوف مع إذن الله تعالى في ذلك (1) انتهى. # أقول: إن العارف المنصف إذا نظر هذا الكلام ووقف على ما ذكره قائله من ~~النصوص المتقدمة يعلم قطعا أن قائل هذا القول قد سلك مسلك العناد، وخاض بحر ~~العصبية واللداد، وأي نص لم يصرح به الرسول مما يدل على استخلافه عليا حتى ~~يقال: يصده عن ذاك أمر يعلمه ومصلحة يراعيها، وأي لفظ مما ذكره هذا المورد ~~وأقر بأنه موجب للنص على الإمامة وأكثر منه لم يرد عن رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) في حق علي (عليه السلام) قال فيه: (إمام المتقين) (2) وقال فيه: ~~(سيد المسلمين) (3) وقال فيه: (هو ولي كل مؤمن من بعدي) (4) وقال فيه: # (خليفتي) (5) في حديث الموازرة وقال (اسمعوا # PageV00P339 # له وأطيعوا) (1) وقال فيه: (وصيي ووزيري وأحق بمقامي بعدي واختاره الله ~~بعدي) (2) وغير ذلك مما سمعت مفصلا فأي نص يريد ابن أبي الحديد أجلى وأوضح ~~من هذه النصوص، وأي لفظ يطلبه للدلالة على الإمامة أصرح من تلك الألفاظ، ~~وهل يرتاب عاقل أو يختلجه شك في أن قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~(علي (عليه السلام) إمام أوليائي، وإمام المتقين، وإمامكم من بعدي) يريد به ~~الإمامة المعروفة ذلك الوقت وما بعده، وهل يوجد لفظ أجلى في الإمامة من هذا ~~اللفظ، أليس بقبيح من عاقل أن يقول: # ما أراد النبي (صلى الله عليه وآله) بلفظ امام الإمام؟؟ ولا عنى الإمامة، ~~أوليس يقال: لو أراد النبي (صلى الله عليه وآله) أن ينص على علي (عليه ~~السلام) بالإمامة ما ذا كان يقول أيحتاج في ذلك إلى أكثر من قوله: (علي ~~الإمام بعدي) أو (إمامكم بعدي) فإنه لا يجد سبيلا عن أن يقول بلى يكفيه هذا ~~اللفظ ولا يحتاج في ذلك إلى أكثر منه، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) ذلك مرارا فيما روى الرجل ودع عنك ما رواه غيره زيادة عليه، فهو ~~النص الصريح، ولو تمحل ابن أبي الحديد وقال: لا يكفي في ذلك إلا ما ms249 نسبنا ~~إلى الإمامية ادعاءه في كلامنا قلنا له إنك قد رويت ذلك كله فيما رويت عن ~~النبي (صلى الله عليه وآله) بلفظه أو بمرادفه، ولم يبق إلا أمره بالتسليم ~~على علي (عليه السلام) بالإمرة، فإنه وإن كان صحيحا لكنك لم تروه (3) وليس ~~هذا مما يتوقف النص الصريح عليه حتى تحتج على عدم النص بعدمه فإنك تسلم أن ~~أبا بكر نص على عمر نصا صريحا باستخلافه بمجرد قوله: إني عهدت إلى عمر بن ~~الخطاب ولم تحتج أنت ولا غيرك في نصبه عليه إلى إمرة المسلمين أن يسلموا ~~عليه بالخلافة، فليس # PageV00P340 # لك أن تلزمنا بما لم تلزم به نفسك ولم نلتزم به نحن، فإنا نقول: إنه وقع ~~ولسنا نقول أن النص على علي (عليه السلام) من الرسول (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) لا يصح إلا به فإن ادعيت ذلك فأثبته علينا وحينئذ قد حصل النص الذي ~~لا تختلجه الشكوك من قولك وروايتك، على أن الإمامية لا يحتاجون في إثبات ~~النص على أمير المؤمنين إلى أكثر من خبر الغدير وخبر المنزلة كما زعمت ~~لصراحتهما في ذلك، وهل أبقيا شيئا من معنى الإمامة والخلافة حتى يحتاج ~~الإمامية في إثباته إلى دليل غيرهما لو كنت تنصف، وهل مشابههما وغيره من ~~الأخبار إلا مؤكد لهما، ومقو لدلالتهما، ومضاعف لصراحتهما أضعافا مضاعفة، ~~فسبحان الله ما هذا النص الصريح بعد ما طلبت واقترحت؟ ألا تدلنا عليه ما هو ~~وما صفته وما لفظه وما معناه حتى نعلمه ونقف عنده؟ فليس بيننا وبين الحق ~~عداوة، ولم يكن قدمنا عليا على غيره من الصحابة في الفضل والإمامة طمعا في ~~دنيا نصيبها، ولا رغبة في ثروة ننالها، فإنا نعلم وأنتم تعلمون أن الرئاسة ~~في الدنيا قديما وحديثا لمن ناواه، والمال والثروة والغلبة فيها لمن عاداه، ~~وإن أولياءه ومحبيه ما زالوا مقهورين مغلوبين خائفين، وإنما صرنا إلى ما ~~صرنا إليه لما ساقنا إليه الدليل الواضح، والبرهان المبين الذي أقررتم ~~بصحته، فدلونا على ما ينقضه مما اجتمعنا نحن وإياكم على صحته وسلامته من ~~مناقضة ms250 بعضه بعضا حتى نعدل إليه، وأما التأويلات الركيكة والاستبعادات ~~الواهنة والتمحلات (1) الممتنعة والتعللات الباردة فليست مما يجوز أن يترك ~~لها الدليل، ولا أن يعدل بها عنه، وبالجملة فما أدري ما هذه النصوص التي ~~تدل على الإمامة عند ابن أبي الحديد وأصحابه التي لا يختلجها الشك ولا تطرق ~~إليها الاحتمالات، وما تلك الألفاظ الصريحة فيها غير تلك الألفاظ المذكورة ~~حتى نعرفها، فإنا لا # PageV00P341 # نفهم لفظا في الإمامة والخلافة أصرح من لفظ الإمام والخليفة وما رادفهما ~~مما رقمناه ورسمناه حتى نأتيهم به، والصريح جئناهم به من حديثهم فما أذعنوا ~~به، وما ذلك إلا تعللات عن قبول الحق ومدافعة للحجة بالراح، وما أظن القوم ~~إلا أنهم يريدون منا أن نرقى في السماء ثم نأتيهم بكتاب من الله تعالى ~~يقرءونه وفيه إلى عبادي المعتزلة فلان وفلان بأسمائهم أما بعد فإن رسولي ~~محمد بن عبد الله قد نص على علي بالإمامة والخلافة وقد صدق الإمامية فيما ~~قالوا فيكون حينئذ عند القوم نصا، وهذا شئ تعذر على الأنبياء والأوصياء ~~فكيف يمكن مثله لرواة أخبارهم ونقله آثارهم والمقتبسين من شعاع أنوارهم، ~~وأظن أنه لو تيسر ذلك لم يقبلوه ولم يصدقوه ولتأولوه ودافعوا فيه، وإلا ~~لصدقوا ما رووه وصححوه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) من ذلك، وكأنهم ~~اقتدوا بأم المؤمنين عائشة لروايتهم في شأنها (خذوا نصف دينكم من الحميراء) ~~(1) قد روت في حق علي (ع) ما سمعته قريبا وحضرت وصية النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) إليه كما قاله خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين في شعره الذي مر ~~عليك، وقد خرجت تحاربه مع أنها سمعت رسول الله يقول لها في حق علي (عليه ~~السلام) (ستقاتلينه يوما وأنت ظالمة له وتنبحك في طريقك كلاب الحوئب) فلما ~~سارت إلى البصرة ووصلت ذلك الماء نبحتها كلابه فسألت عن اسمه فقيل ماء ~~الحوئب فقالت: ردوني فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول كذا ~~وكذا وذكرت الحديث، فلفق لها طلحة والزبير رجالا من الأعراب وقد جعلوا لهم ~~جعلا # PageV00P342 # ورشوة ms251 فشهدوا عندها أنه ليس بماء الحوئب فقبلت الإنكار بعد الإقرار وصدقت ~~شهادة الأعراب كأن رسول الله لم يخبرها بذلك، والعجيب أنها بعد ذلك كتبت ~~إلى حفصة تبشرها أن عليا لما بلغه كثرة جمعنا بقي متحيرا وصار كالفرس ~~الأشقر إن تقدم عقر وإن تأخر نحر حتى قال في ذلك كله سهل بن حنيف الأنصاري ~~رحمه الله عذرنا الرجال بحرب الرجال * فما للنساء وما للسباب أما حسبنا ما ~~أتينا به * لك الخير من هتك ذاك الحجاب ومخرجها اليوم من بيتها * يعرفها ~~الذنب نبح الكلاب إلى أن أتانا كتاب لها * مشوم بأقبح ذاك الكتاب وكل هذا ~~ذكره ابن أبي الحديد ورواه غيره من أهل السير فروايته وأصحابه شيئا والقول ~~بخلافه شئ آخر: ولا أدري كيف قال: # ليس على علي بالإمامة نص صريح وإنما هو تعريض وتلويح بعد روايته لحديث ~~الغدير وقول عمر لعلي (عليه السلام) ذلك اليوم: هنيئا لك يا بن أبي طالب ~~أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة (1) كما روى أيضا عن ابن عباس قال دخلت على عمر ~~في أول خلافته وقد ألقى له صاع من تمر على خصفة فدعاني إلى الأكل فأكلت ~~تمرة واحدة وأقبل يأكل حتى أتى عليه ثم شرب من جر كان عنده، واستلقى على ~~مرفقة له وطفق يحمد الله يكرر ذلك، ثم قال: من أين جئت يا عبد الله قلت: من ~~المسجد قال: كيف خلفت ابن عمك فظننته يعني عبد الله بن جعفر فقلت خلفته ~~يلعب مع أتراب له، فقال: لم أعن # PageV00P343 # ذلك وإنما عنيت عظيمكم أهل البيت، قلت: خلفته يمتح بالغرب (1) على نخيلات ~~بني فلان وهو يقرأ القرآن، قال: يا عبد الله عليك دماء البدن إن كتمتنيها ~~هل بقي في نفسه شئ من أمر الخلافة؟ قلت: نعم قال: أيزعم أن رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) نص عليه، قلت: نعم وأزيدك أني سألت أبي عما يدعيه فقال: ~~صدق، فقال عمر: لقد كان من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في أمره ~~ذرو (2) من القول لا يثبت حجة ms252 ولا يقطع عذرا، ولقد كان يربع (3) في أمره ~~وقتا ولقد أراد في مرضه أن يصرح باسمه فمنعت من ذلك إشفاقا وحيطة على ~~الإسلام، لا ورب هذه البنية لا تجتمع عليه قريش أبدا، ولو وليها لانتقضت ~~عليه العرب من أقطارها، فعلم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إني علمت ~~ما في نفسه فأمسك، وأبى الله إلا إمضاء ما حتم (4). # قال ابن أبي الحديد: ذكر هذا الخبر أحمد بن أبي طاهر صاحب كتاب تاريخ ~~بغداد في كتابه مسندا (5) انتهى فانظر إلى قولهم أنه ليس على إمامة علي ~~(عليه السلام) نص صريح وإنما هو تعريض وتلويح فإنه مأخوذ من قوله هنا: لقد ~~كان من رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أمره ذرو من القول لا يثبت حجة، ~~ولا يقطع عذرا، وقوله: فمنعت من ذلك، لا يريد به الحقيقة بمعنى أنه قال ~~للنبي (صلى الله عليه وآله) لا تفعل لعدم قدرته على ذلك في ذلك الوقت، لكنه ~~أراد أني قلت قولا علم من رسول الله (صلى الله عليه وآله) إنا نخالفه لو ~~صرح باسم علي (عليه السلام) فترك ذلك لعدم الفائدة، وأشار بهذا إلى قصة ~~الكتاب حيث قال النبي # PageV00P344 # (صلى الله عليه وآله) للحاضرين عنده: (هلم اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده ~~أبدا) فقال عمر: اهجر استفهموه، فاختلف الحاضرون، فقالت طائفة: قربوا إليه ~~يكتب لكم، وقالت طائفة أخرى: القول ما قاله عمر، فغضب النبي (صلى الله عليه ~~وآله) وقال: (قوموا عني فلا ينبغي عند نبي تنازع) وهذا الحديث مروي في صحاح ~~القوم كصحيح البخاري وصحيح مسلم وغيرهما وهو بالغ حد التواتر في الجملة، ~~وألفاظه مختلفة بالزيادة والنقص، وصورة ما ذكرناه متفق عليها وذكره ابن أبي ~~الحديد بلفظه مرة وأشار إليه مرارا. # ثم يقال لابن أبي الحديد: أليس دل هذا الحديث على النص من قول علي (عليه ~~السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نص عليه وقوله حق عندك لأنه مع ~~الحق، ومن شهادة عمه العباس له بذلك، فأين قولك، أنه لا ms253 نص هناك وإنكارك ~~على الإمامية دعواه؟ أولست بإنكارك النص كذبت عليا، ورددت شهادة العباس ولم ~~تكن كذبت الإمامية خاصة؟ وأين قولك في كثير من المواضع: إن عليا لم يحتج ~~على الصحابة بالنص، وهذا الخبر ينص على ذلك من قول عمر: أيزعم أن رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) نص عليه، ومن قول ابن عباس: نعم، أفما في هذا دلالة ~~صريحة على أن عليا (عليه السلام) كان طالبا للخلافة محتجا على ذلك بنص ~~الرسول (صلى الله عليه وآله) وأن عمر قد علم ذلك وسمعه، وأن ابن عباس كذلك ~~وأن العباس سمعه وشهد له، افترى باقي الصحابة لم يسمعوا ذلك! ولا ضير أيضا ~~لو لم يسمعوا إذا كان الخصم قد سمع الدعوى والحجة عليها. # ثم يقال له أيضا أليس في كلام عمر تناقض بين لأنه أنكر النص أو لا وذكر ~~أنه لا نص وإنما هو شئ من القول لا تقوم به الحجة ولا يقطع العذر ~~PageV00P345 # ثم قال ولقد أراد رسول الله في مرضه أن يصرح باسمه، أفليس يدل هذا القول ~~على أن عمر قطع أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يريد التصريح باسم علي ~~(عليه السلام) وتعيينه للخلافة فأخبر أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~نص عليه بهذه الإرادة، وإذا علم ذلك فلا يحتاج إلى اللفظ لأن الحاجة إلى ~~اللفظ إنما هي لإبراز ما في الضمير، وإذا كان القصد معلوما من الإشارة فلا ~~حاجة إلى اللفظ، وإذا علم عمر من إشارة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~إلى الكتاب إرادته النص على علي (عليه السلام) فقد علم النص عليه، فكيف ~~يقول لا نص؟ فدل قوله على أنه رد على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~قضاءه ومنعه من إنفاذ حكمه. # ثم يقال له أيضا: أي ضرر على الإسلام إذا ولى الأمة أعلمهم بالكتاب ~~والسنة وأشجعهم وأتقاهم وأقربهم إلى الرسول قرابة حتى يشفق على الإسلام من ~~ولايته وهو الذي شيد الإسلام بسيفه ومهد قواعده بجهاده؟ وكيف لا تجتمع عليه ~~قريش ms254 بعد نص النبي (صلى الله عليه وآله) عليه وأنت تزعم أن الصحابة لا ~~يخالفون نص النبي (صلى الله عليه وآله)؟ # وكيف تنتقض عليه العرب مع النص عليه من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~أليس هذا إخبارا صريحا من عمر عن تعمد قريش لمعصية الرسول (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) ومخالفته وعدم اعتنائهم بنصه فأين زعمك أن الصحابة لو سمعوا نصا ~~من النبي (صلى الله عليه وآله) لما خالفوه، وهذا عمر يخبر عنهم وهو منهم ~~أنهم ملتزمون بمخالفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في علي (عليه ~~السلام) إذا نص عليه وصرح باسمه، فحديثك كله نص فيما نقول وشاهد على ما ~~ندعي، فبطل إنكارك ما قلناه، وكل ما أوردناه على ابن أبي الحديد وارد عن ~~عمر حرفا بحرف، ثم يقال له أيضا: # هب أن قريشا تخالف نص الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وتعصيه لم ابتدأت ~~أنت بذلك وبادرت إلى المخالفة ومنعته من التصريح باسم علي PageV00P346 # (عليه السلام)، وتحملت مخالفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وابتدعتها ~~لقريش وجرأتهم عليها وطرقتها لهم والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حي، ولم ~~وافقتهم وشاركتهم في مخالفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومعصيته بعد ~~وفاته في عدولهم عن وصيه إلى غيره وكنت أنت المتقدم لهم في ذلك وأول ~~الساعين فيه وأعظم المساعدين عليه؟ وهلا كنت مساعدا لمن نص عليه النبي (صلى ~~الله عليه وآله) كما ساعدت غيره؟ وكيف تركت من قصد النبي (صلى الله عليه ~~وآله) توليته وعدلت عنه وبادرت إلى بزه خلافته وسارعت إلى نصب من لم يشر ~~إليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا الأمر وادعيت أن رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) رضيه للدين فرضيته للدنيا؟ وهلا عدلت عن ذلك كله ~~إلى طاعة الرسول حيا وميتا ولا يضرك عصيان من عصى؟ فما أدري ماذا تصنع ~~المعتزلة أيكذبون هذه الأحاديث المروية من الكتب الصحيحة عندهم؟ أم يكذبون ~~عليا (عليه السلام) في دعواه نص الرسول (صلى الله عليه ms255 وآله) عليه ويردون ~~شهادة العباس بذلك له؟ أم يكذبون عمر الذي افتعلوا في شأنه (إن الملك ينطق ~~على لسانه) في إخباره عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه أشار إلى علي ~~(عليه السلام) بالخلافة في أيام حياته وقصد التصريح به في مرضه وأن المنع ~~من التصريح باسمه إنما جاء من قبله مع أن ذلك معاندة لرسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) وردا لأمره وجرأة على الله في مخالفته، وليت شعري كيف يتابع ~~هؤلاء القوم من يحرم الحلال ويحلل الحرام ويقبلون قوله ويقدمونه على نص ~~الكتاب والسنة، فإذا أخبر عن نفسه بأنه عصى وخالف الرسول (صلى الله عليه ~~وآله) كذبوه، وهذا يدلك على أنهم قد تحيلوا على التقليد المحض في مذهبهم ~~والتصديق الصرف لأسلافهم، فهم مذعنون لهم فيما قالوه وإن خالف ما رووه ~~وصححوه وجملة الأمران الأولين قصدوا إلى إنكار النصوص الواردة عن النبي ~~(صلى الله عليه PageV00P347 # وآله وسلم) على علي (عليه السلام) وإخفائها وسترها ما استطاعوا قولا ~~وفعلا والآخرون من معتزلة وأشاعرة ورعاع الناس وأهل الأطماع في الدنيا ~~قلدوهم في ذلك واتبعوهم على غير بصيرة، فتراهم يروون النص الصريح ويقولون ~~ليس هذا بنص صريح، والمنصف المتأمل في أمرهم إذا نظر إلى أقوالهم لا يختلجه ~~الشك ولا يدخله الريب في أن هذه طريقتهم ودأبهم، وليتهم إذا أخفوا نصوص ~~إمامة علي (عليه السلام) اقتصروا على ذلك ولم يتعدوا عنه إلى تزويرهم ~~الأخبار في ذمه واختلاقهم الأحاديث في فضائل المتقدمين عليه ليعارضوا بها ~~ما لم يجدوا إلى إخفائه وستره سبيلا من مناقبه مثل خطبة ابنة أبي جهل وأن ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) غضب عليه لذلك وأنه قال: (إن آل أبي ~~طالب ليسوا لي بأولياء) إلى غير ذلك مما ذكروا من الأكاذيب وسيأتي لهذا ~~المبحث كشف وبيان في موضع هو أخلق بذكره من هنا فترقب والحاصل أنه لولا فعل ~~الشيخين بأمير المؤمنين وتهجينهما أمره وتصغيرهما قدره لكانت النصوص ~~المذكورة على إمامته زاهرة أقمارها، مشرقة شموسها، مضيئة أنوارها تملأ عين ~~كل ms256 ناظر وتقرع سمع كل باد وحاضر، لكنهما أطفئا تلك الأنوار الظاهرة وأخفيا ~~تلك الشموس الزاهرة ولولاهما لم يخالف أمير المؤمنين (عليه السلام) أحد من ~~الناس ولكان أجل قدرا من أن يضام ويجترئ أحد من الناس على منازعته ولقد صرح ~~بهذا معاوية بن أبي سفيان في كتابه إلى محمد بن أبي بكر وهو غير متهم على ~~الشيخين قال في ذلك الكتاب (فقد كنا وأبوك معنا في حياة نبينا نرى حق ابن ~~أبي طالب لازما لنا، وفضله مبرزا علينا، فلما اختار الله لنبيه ما عنده، ~~وأتم له ما وعده، وأظهر دعوته وأفلج حجته قبضه الله إليه فكان أبوك وفاروقه ~~أول من ابتزه وخالفه، على ذلك اتفقا واتسقا إلى آخر ما قال من شبه هذا فلقد ~~صدق وليس بصدوق روى هذا الكتاب ابن أبي الحديد عن نصر بن PageV00P348 # مزاحم المنقري وكان عند ابن أبي الحديد ثقة ثبتا في الحديث (1) فأعطى قول ~~معاوية أن مخالفته لعلي (عليه السلام) ومناوأته له إنما كانت لما فعلاه من ~~ابتزاز حقه في أول الأمر فكان ذلك مطمعا لمعاوية في نيل الرئاسة ومجسرا له ~~على المخالفة، ولم يكن ذلك منه لعدم علمه بفضل علي (عليه السلام) ولا ~~لجهالته بعدم لزوم حقه على الناس في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وما ذاك إلا لما بينه النبي (صلى الله عليه وآله) من فضله وما ألزمه الناس ~~من حقه بالقول والفعل، ولا يكون ذلك إلا بنص عليه، فلعمري أن في قول معاوية ~~إقرارا بالنص من جهة اللزوم وتصريحا بمخالفة الشيخين له وذلك هو ما نقول، ~~وهو أعظم حجة على معاوية حيث صرح بتعمده مخالفة الرسول (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) في خلعه ما لزمه من حق علي (عليه السلام) تقليدا لفلان وفلان فقد ظهر ~~الحق وتوجه النقض على ابن أبي الحديد وأصحابه وبطل ما كانوا يعملون. # فإن قيل: كيف قبحتم على المعتزلة صرف ألفاظ الأخبار عن نصوصها والعدول ~~بها عن ظواهرها مع أنهم قصدوا بذلك التوفيق بينها وبين فعل الصحابة ms257 وأنتم ~~جوزتم لأنفسكم صرف ألفاظ القرآن الدالة على صدور المعصية من الأنبياء مثل ~~[وعصى آدم ربه فغوى] (2) وغيرها عن نصوصها وظواهرها إلى مجازات بعيدة كترك ~~الأولى وفعل المرجوح وغير ذلك، فكيف جاز لكم صرف اللفظ عن صريحه إلى بعض ~~محتملاته البعيدة ولم يجز للمعتزلة ذلك؟ قلنا: هذه الحجة هي التي ركن إليها ~~ابن أبي الحديد وقوم من أصحابه واستطاعوا على الإمامية بها وهي أوهن من بيت ~~العنكبوت، والجواب عنها أن نقول: إنا إنما صرنا إلى ما صرنا إليه من صرف ~~الألفاظ # PageV00P349 # القرآنية الدالة على صدور المعاصي من الأنبياء عن ظواهرها إلى المجازات ~~مثل ترك الأولى وفعل المرجوح لما ثبت من وجوب عصمة الأنبياء عليهما السلام ~~عن مواقعة الذنوب والخطايا كبائرها وصغائرها بالدليل القاطع من العقل ~~والنقل، فلذلك حملنا الألفاظ الواردة في صدور المعاصي منهم على ترك الأولى ~~وفعل المرجوح وما أشبه ذلك، وعدلنا بها عن مفادها ظاهرا إلى مجازات بعيدة ~~طلبا للتوفيق بين الدليلين المعلومين، وهربا من تناقض الأمرين القطعيين، ~~ولولا ما قام من الدليل المقطوع به من العقل والنقل على نزاهة الأنبياء من ~~مباشرة الذنوب وطهارتهم من مقارفة المعاصي والعيوب لتركنا الألفاظ على ~~حالها، وأبقيناها على مفادها، ولم نحتج إلى تكلف التأويلات، على أن ~~المعتزلة قد شاركونا في تأويلها ووافقونا على صرفها في غير معانيها لوجوب ~~عصمة الأنبياء عندهم، غاية الأمر أنهم حملوها على الصغائر المكفرة لوجوب ~~عصمة الأنبياء عندهم عن الكبائر خاصة، أما التأويل فعليه الاتفاق بيننا ~~وبينهم وليس الأمر في الصحابة كذلك فإنهم غير معصومين باتفاق الأمة ولم يكن ~~منهم من قيل بعصمته إلا صاحبنا الذي نحن بصدد إثبات النص عليه، فلما كان ~~الصحابة غير معصومين قطعا لم يجز صرف الألفاظ الصريحة عن معانيها إذا خالفت ~~أفعالهم ولم يسغ رد نصوص الكلمات الصحيحة إذا ناقضت سيرتهم إذ لا داعي إلى ~~ذلك بعد انتفاء عصمتهم وجواز وقوع المعصية منهم والسهو والغلط عليهم، فهذا ~~فصل ما بين الأمرين والفارق ما بين الحالين فما ظنك بعد هذا بما إذا كان ms258 ~~وقوع العصيان منهم معلوما وصدور المخالفة لله ورسوله منهم متحققا، أفيجوز ~~تخلية اليد من نص اللفظ المعلوم الصدور ممن قوله حجة وتركه والعدول به إلى ~~غير معناه لتصحيح أفعالهم الباطلة في نفسها فنكون قد تركنا المعلوم ~~للموهوم؟ حاشا ما يقول بذا ذو عقل فضلا عن ذي فضل فثبت المراد واندفع ~~الايراد. # وأما الأمور الصادرة من النبي (صلى الله عليه وآله) في شأن أمير المؤمنين ~~PageV00P350 # من افعال وأقوال تنبئ عن عظيم منزلته وجلالته قدره ورفعة شأنه، وتدل على ~~إبانته إياه على غيره، وتومي إلى إرادة رئاسته وتشير إلى قصد النبي (صلى ~~الله عليه وآله) إظهار إمامته فهي كثيرة. # فأما الأفعال فمنها مؤاخاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا (عليه ~~السلام) فإنه قد اتفق الناس على أن النبي (عليه السلام) حين آخى بين أصحابه ~~آخى بين علي ونفسه، وصفة المؤاخاة رووها عن عبد الله بن عمرو عن عبد الله ~~بن العباس، قال ابن عمر: لما آخى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بين ~~صحابته جاءه علي بن أبي طالب (عليه السلام) وعيناه تدمعان فقال: يا رسول ~~الله آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد فسمعت رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) يقول: (أنت أخي في الدنيا والآخرة) (1). # وفي حديث ابن عباس قال: لما آخى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بين ~~أصحابه من المهاجرين والأنصار وهو أنه (صلى الله عليه وآله وسلم (آخى بين ~~أبي سكر وعمر وآخى بين عثمان بن عفان وبين عبد الرحمن بن عوف وآخى بين طلحة ~~والزبير وآخى بين أبي ذر والمقداد ولم يؤاخ بين علي بن أبي طالب وبين أحد ~~منهم خرج علي مغضبا إلى أن قال: # (أغضبت حين آخيت بين المهاجرين والأنصار ولم أؤاخ بينك وبين أحد منهم؟ ~~أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي إلا من ~~أحبك فقد حف بالأمن والإيمان ومن أبغضك أماته الله ميتة # PageV00P351 # جاهلية) (1). # وأما قول النبي (صلى الله عليه وآله) ms259 لعلي أخي فهو كثير في الأحاديث ~~المتقدمة والآتية وغيرها، وهذا الفعل من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~بعلي (عليه السلام) يدل على أمرين. # أحدهما: إن عليا (عليه السلام) لا يماثله أحد من الصحابة ولو كان له مثيل ~~أو شبيه منهم لآخاه. # والثاني: إن عليا (عليه السلام) مماثل لرسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) في صفاته إلا ما خرج بدليل قاطع لأن حقيقة الأخوة رجوع شيئين أو أكثر ~~إلى أصل واحد فهي إذن مماثلة بين اثنين في صفة أو صفات، فمن النسب مماثلة ~~شخصين في التولد من أبوين معا أو من أحدهما، وبين المؤمنين مماثلتهم في ~~الإيمان، وأخوة علي (عليه السلام) للرسول (عليه السلام مماثلة في صفاته، ~~ولما كانت غير معينة في شئ ولا مخصوصة بصفة كانت عامة لكل الصفات إلا ما ~~علم انتفاؤه كالتولد من أبوين أو من أحدهما للعلم بانتفاء ذلك، ومثل النبوة ~~لختمها بالنبي (صلى الله عليه وآله) كما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع ~~الأمة، فبقي ما سواهما من الصفات داخلا في عموم المماثلة مثل العلم والعصمة ~~والأفضلية على الخلق والإمامة كما قال الحسن البصري فرسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) خير الناس نفسا وخيرهم أخا، فمؤاخاة النبي (صلى الله عليه وآله) ~~لعلي دالة على أن عليا هو الصالح لمماثلته في صفاته والقيام مقامه بعد ~~وفاته، لأن من جملة ما ماثله فيه الإمامة فهو الإمام بعده وأن من سواه غير ~~صالح لمماثلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإلا لآخاه، ولا مستحقا ~~لمشاكلة علي (عليه السلام # PageV00P352 # وإلا لآخى بينه وبينه، فمفاده أنه لا يصلح أحد من الصحابة غير علي (عليه ~~السلام) للقيام مقام النبي (صلى الله عليه وآله) في دينه وأمته من بعده، ~~فهذا الفعل يكاد يلحق بالنصوص الصريحة على إمامة أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) إن لم يكن من أدلها وأوضحها عند إعطاء التأمل حقه وليس من أدلة ~~الإشارات والأمارات كما ترى، والعجب كيف تقتضي صحبه أبي بكر لرسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) في الغار ms260 عند أبي عبيدة وعمر إرادة رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) تقديمه عليهما بزعمهما فيمتنعان من التقدم عليه يوم ~~السقيفة كما رواه ابن أبي الحديد (1) وغيره من قولهما مع ما في أمر صحبته ~~الغار من الايراد وعدم تحقق السلامة من الطعن كما سلف منا إشارة إليه ولا ~~تقتضي مؤاخاة النبي (صلى الله عليه وآله) عليا عندهما إرادة تقديمه على ~~الناس كافة مع ما فيها من التشريف الظاهر، والتفضيل البين، والتنويه الواضح ~~بشأن أمير المؤمنين (عليه السلام) مع ما يشاركه من الأفعال والأقوال، ~~والمدح العظيم والثناء الجسيم من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليه ما ~~هذا إلا عناد وإنكار صريح الفضل أمير المؤمنين (عليه السلام)؟ فأعاذنا الله ~~تعالى من الغفلات وقد تقدم هذا كلام في موضع دعت الحاجة إلى ذكره فيها ~~وأوضحنا هناك فيه ما ينتفع به ههنا. # ومنها إباتة النبي (عليه السلام) عليا (عليه السلام) على فراشه لما أراد ~~مشركوا قريش قتله في داره، ونحن نذكر من ذلك ما ذكره ابن أبي الحديد عن ~~شيخه أبي جعفر الإسكافي المعتزلي في نقضه على الجاحظ، ونكتفي به فإنه قد ~~أتى من ذلك بما لا ينبغي الزيادة عليه، قال في جواب الجاحظ: (ثم يقال له: ~~ما بالك أهملت أمر مبيت علي (عليه السلام) على الفراش بمكة ليلة الهجرة هل ~~نسيته أم تناسيته؟ فإنها المحنة العظيمة والفضيلة الشريفة التي # PageV00P353 # إذا امتحنها الناظر وأجال فكره فيها رأى تحتها فضائل متفرقة ومناقب ~~متفاوتة وذلك أنه لما استقر الخبر عند المشركين أن رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) مجمع على الخروج من بينهم والهجرة إلى غيرهم قصدوا إلى ~~معاجلته وتعاقدوا على أن يبيتوه في فراشه وأن يضربوه بأسياف كثيرة بيد كل ~~صاحب قبيلة من قريش سيف منها ليضيع دمه بين الشعوب ويتفرق بين القبائل ولا ~~يطلب بنوا هاشم بدمه قبيلة واحدة بعينها من بطون قريش وتحالفوا على تلك ~~الليلة واجتمعوا عليها فلما علم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذلك من ~~أمرهم دعا أوثق الناس ms261 عنده وأمثلهم في نفسه وأبذلهم في ذات الله لمهجته ~~وأسرعهم إجابة إلى طاعته فقال له: (إن قريشا قد تحالفت على أن تبيتني هذه ~~الليلة فامض إلى فراشي ونم في مضجعي والتف في بردي الحضرمي ليروا أني لم ~~أخرج وإني خارج إن شاء الله تعالى) فمنعه أولا من التحرز وأعمال الحيلة ~~وصده عن الاستظهار لنفسه بنوع من أنواع المكايد والجهات التي يحتاط بها ~~الناس لنفوسهم والجأه إلى أن يعرض نفسه لظبات السيوف الشحيذة من أرباب ~~الحنق والغيظة فأجاب إلى ذلك سامعا مطيعا طيبة بها نفسه ونام على فراشه ~~صابرا محتسبا واقيا له بمهجته ينتظر القتل ولا نعلم فوق بذل النفس درجة ~~يلتسمها صابر ولا يبلغها طالب (والجود بالنفس أقصى غاية الجود) ولولا أن ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) علم أنه أهل لذلك لما أهله ولو كان ~~عنده نقص في صبره أو في شجاعته أو في مناصحته لابن عمه واختير لذلك لكان من ~~اختاره (صلى الله عليه وآله) منقوصا في رأيه مقصرا في اختياره ولا يجوز أن ~~يقول هذا أحد من أهل الإسلام وكلهم يجمعون على أن الرسول (صلى الله عليه ~~وآله) عمل بالصواب وأحسن في الاختيار ثم في ذلك إذا تأمله المتأمل وجوه من ~~الفضل منها أنه وإن كان عنده في موضع الثقة فإنه غير مأمون عليه ألا يضبط ~~السر فيفسد التدبير بإفشائه تلك الليلة إلى من يلقيه إلى الأعداء ومنها أنه ~~وإن كان ضابطا للسر ثقة عند من اختاره PageV00P354 # فغير مأمون عليه الجبن عند مفاجأة المكروه ومباشرة الأهوال فيفر من ~~الفراش فيفطن لموضع الحيلة ويطلب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيظفر به ~~ومنها أنه وإن كان ثقة ضابطا للسر شجاعا نجدا فلعله غير محتمل للمبيت على ~~الفراش لأن هذا خارج عن الشجاعة إذ قد أقامه مقام المكتوف الممنوع، بل هو ~~أشد مشقة من المكتوف الممنوع، لأن المكتوف الممنوع يعلم من نفسه أنه لا ~~سبيل إلى الهرب وهذا يجد السبيل إلى الهرب وإلى الدفع عن نفسه ولا يهرب ms262 ولا ~~يدافع، ومنها أنه وإن كان ثقة ضابطا للسر شجاعا محتملا للمبيت على لفراش ~~فإنه غير مأمون أن يذهب صبره عند العقوبة الواقعة والعذاب النازل بساحته ~~حتى يبوح بما عنده ويصير إلى الإقرار بما يعلمه وهو أنه أخذ طريق كذا فيطلب ~~فيؤخذ فلهذا قال علماء المسلمين: إن فضيلة علي (عليه السلام) تلك الليلة لا ~~نعلم أحدا من البشر نال مثلها إلا ما كان من إسحاق وإبراهيم عند استسلامه ~~للذبح ولولا أن الأنبياء لا يفضلهم غيرهم لقلنا إن محنة علي أعظم لأنه قد ~~روي أن إسحاق تلكأ لما أمره أن يضطجع وبكى على نفسه وقد كان أبوه يعلم أن ~~عنده في ذلك وقفة ولذلك قال له [انظر ماذا ترى] (1) وحال علي (عليه إسلام) ~~بخلاف ذلك فإنه ما تلكأ ولا تعتع ولا تغير لونه ولا اضطربت أعضاؤه " - أن ~~قال -: " وذلك لعلم كل واحد منهما أن أحدا لا يصبر على ثقل هذه المحنة ولا ~~يتورط هذه الهلكة إلا من خصه الله بالصبر على مشقتها والفوز بفضيلتها وله ~~من جنس ذلك افعال كثيرة " ثم قال: " إنه قد ثبت بالتواتر حديث الفراش " ~~قال: " وقال أهل التفسير أن قوله تعالى: [ويمكرون ويمكر الله والله خير ~~الماكرين] (2) كناية عن علي (عليه السلام) ثم ذكر إن مكرهم توزيع السيوف ~~على بطون قريش ومكر الله هو منام علي على الفراش " قال: " وقد روى المفسرون ~~كلهم أن قول الله # PageV00P355 # تعالى: [ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله] (1) أنزلت في علي ~~(عليه السلام ليلة المبيت على الفراش " ثم ذكر جوابه عن دعوى الجاحظ أن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعلي ليلة المبيت (نم فلن يخلص إليك ~~شئ تكرهه) فقال قال شيخنا أبو جعفر: هذا هو الكذب الصراح والتحريف والادخال ~~في الرواية ما ليس منها والمعروف المنقول أنه قال له ثم أورد الرواية وقال: ~~ولم ينقل ما ذكره الجاحظ وإنما ولده أبو بكر الأصم وأخذه الجاحظ ولا أصل ~~له، ولو كان هذا صحيحا لم يصل إليه مكروه وقد وقع ms263 الاتفاق أنه ضرب ورمي ~~بالحجارة إلى آخر ما قال (2). # أقول وهذا الأمر إذا تدبره منصف عرف يقينا أن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ما كان يؤهل للأمور العظائم إلا أخاه عليا فيشير إلى أن عليا هو الذي ~~يقوم مقام النبي (صلى الله عليه وآله) في عظام الأمور فهو خليفته في أمره ~~حيا وميتا فأين عمرو (3) عن هذا فإذا ذكر لصاحبه الغار لم يذكر لصاحبنا ~~الفراش أليس في تركه ذكر ذلك والإعراض عنه دليل واضح على أن قصد القوم صرف ~~الأمر منه إلى غيره وإخفاء ماله من الفضل فكيف يستبعد منهم كتمان النص ~~ومخالفته وهذا ظاهر لكل فاهم. # ومنها إبقاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا بمكة بعد خروجه لأداء ~~أماناته قال ابن أبي الحديد: قال شيخنا أبو جعفر: والمعروف المنقول أنه قال ~~له: (اذهب فاضطجع في مضجعي وتغش ببردي الحضرمي فإن القوم سيفقدوني ولا ~~يشهدون مضجعي فلعلهم إذا رأوك يسكنهم ذلك حتى يصبحوا فإذا أصبحت فلتقم في ~~أداء أمانتي). # PageV00P356 # وقال ابن أبي الحديد قال محمد بن إسحاق في كتاب المغازي لم يعلم رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أحدا من المسلمين ما كان عزم عليه من ~~الهجرة إلا علي بن أبي طالب وأبا بكر بن أبي قحافة أما علي (عليه السلام) ~~فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أخبره بخروجه وأمره أن يبيت على ~~فراشه يخادع المشركين عنه ليروا أنه لم يبرح فلا يطلبوه حتى تبعد المسافة ~~بينهم وبينه وأن يتخلف بعده بمكة حتى يؤدي عن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) الودائع التي عنده للناس وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) استودعه رجال من مكة ودائع لهم لما يعرفونه من أمانته وأما أبو بكر ~~فخرج معه (1) انتهى. وهذا الفعل من النبي (صلى الله عليه وآله سلم) فيه ~~إشارة ظاهرة إلى أن عليا (عليه السلام) هو القائم مقامه فيما ينوبه والمؤدي ~~عنه إذا غاب ما يلزم عليه أداؤه في حضوره فهو خليفته في ms264 جميع الأمور وأين ~~غيره من هذين الأمرين وأين يقعون في منزلة هذين الموضعين كلا بل ليس لهما ~~إلا أبو حسن على صلوات الله وسلامه عليه. # ومن الأفعال التي أبان بها الرسول (صلى الله عليه وآله) عليا (عليه ~~السلام) وأظهره بفضل لا يدانيه فيه أحد تركه بابه مفتوحا إلى المسجد حين سد ~~أبواب الصحابة مع إخباره أن ذلك عن أمر الله تعالى والأمر فيه مشهور (2). # قال ابن أبي الحديد الحديث العشرون كانت لجماعة من الصحابة أبواب # PageV00P357 # شارعة في مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) فقال يوما سدوا كل باب في ~~المسجد إلا باب علي فسدت فقال في ذلك قوم حتى بلغ ذلك رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) فقام فيهم فقال إن قوما قالوا في سد الأبواب وتركي باب علي ~~(عليه السلام) إني ما سددت ولا فتحت ولكني أمرت بأمر فاتبعته رواه أحمد في ~~المسند مرارا وفي كتاب الفضائل (1). # قلت: في هذا ما لا يخفى على عارف منصف من الإشارة البينة إلى إمامة أمير ~~المؤمنين لأن الله حيث لم يجز لأحد من الصحابة مساواته في فتح باب إلى ~~المسجد ولم يرض بمشاركتهم إياه في ذلك، بل جعله في ذلك شريكا للرسول (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) ومثيلا فيرضى بعد ذلك لهم أن يتقدموه إلى مقام النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو يجوز أن يكون أبو بكر وعمر و عثمان أمراء ~~عليه وحكاما وأئمة له كما يزعم الخصم وهؤلاء هم الذين لم يرض الله بالأمس ~~بمساواتهم إياه في باب شارع إلى المسجد، أترى يعقل ذلك عاقل ويعتقده رشيد، ~~وفي الحديث أيضا دلالة على أن بعض الصحابة كانوا يتهمون النبي (صلى الله ~~عليه وآله) في علي (عليه السلام) ولا يسلمون له فيه ما فعل به وما قال، ~~ويطلبون مخالفته في ذلك ما استطاعوا ولذلك قالوا فيه ما أوجب أن يقوم فيهم ~~ويخبرهم أن ما فعل بعلي (عليه السلام) من التشريف عليهم عن الله لا عن نفسه ~~وذلك في حياته وسلطانه فما ظنك ms265 بعد وفاته. # ومنها مناجاة النبي (صلى الله عليه وآله) عليا (عليه السلام) يوم الطائف ~~روى ابن أبي الحديد عن أحمد بن حنبل في المسند أن النبي (صلى الله عليه ~~وآله) دعا عليا (عليه السلام) في غزاة الطائف فانتجاه وأطال نجواه حتى كره ~~قوم من الصحابة ذلك، فقال قائل منهم: # PageV00P358 # لقد أطال اليوم نجوى ابن عمه فبلغه (صلى الله عليه وآله) ذلك فجمع منهم ~~قوما ثم قال: (إن قائلا قال لقد أطال اليوم نجوى ابن عمه، أما إني ما ~~انتجيته ولكن الله انتجاه) (1) فانظر إلى ما تضمنه هذا الفعل من الرفعة ~~لعلي (عليه السلام) وعلو المنزلة التي تقصر عن تناول أدناها يد المتناول، ~~أوليس صريحا في أن عليا (عليه السلام) هو المخصوص بالعناية الإلهية بعد ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤهل من الله تعالى: # للفيوضات القدسية؟ أفليس في هذا إشارة بينة إلى أنه (عليه السلام) هو ~~التالي للنبي (صلى الله عليه وآله) في الدرجة والمرشح من الله من بعده ~~للرئاسة فهو الإمام بعده والخليفة؟ ثم إن هذا الحديث كسابقة في الدلالة على ~~أن بعض الصحابة يسؤهم ما كان يفعله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعلي ~~(عليه السلام) من التشريف والتفضيل، وينكرون عليه ما يميزه به من التعظيم ~~والتبجيل، ويتهمونه في ذلك بأنه لحجبه إياه وميله إليه لا لأمر الله إياه ~~بذلك ولذا قال في جوابهم: (ما انتجيته ولكن الله انتجاه) والمراد أن الله ~~أمرني بنجواه وأن الله لا ينتجي أحدا ولا يخلو بأحد وإذا كانوا ينكرون على ~~النبي (صلى الله عليه وآله) فعله وقوله في علي (عليه السلام) وهو حي فهم ~~إلى إنكار فعله به بعد وفاته أقرب ولمخالفة قوله فيه إذ ذاك أشد لزوال ما ~~كانوا يحذرونه من عقوبته لقهره عليهم وقوته ويرشدك إلى هذا ترك عمر وأصحابه ~~يوم السقيفة ذكر ما كان النبي (صلى الله عليه وآله) خص به عليا (عليه ~~السلام) من هذا الفعل وشبهه مما هو معلوم عند كل الصحابة بل تركهم ذكر علي ~~بالمرة ms266 وإكثارهم من ذكر الغار والاحتجاج به لأبي بكر فمن كان هذا شأنهم لا ~~يبعد منهم إنكار النص على علي (عليه السلام) إذ ليس ذلك إلا كإنكارهم ~~مناقبه ذلك اليوم وقد حصل منهم كما ترى فأين # PageV00P359 # المستبعدون عليهم مخالفة نص النبي (صلى الله عليه وآله) على علي (عليه ~~السلام) عن هذا وشبهه مما تقدم ويأتي؟ وهل بقي للاستبعاد بعد ذلك مجال ~~فتأمل. # ومنها اختصاص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا (عليه السلام) في ~~أسفاره وحضره ومشاركته له في أموره من حله وارتحاله ومسيره ونزوله، وأنه ~~صاحب رحله في سفره والملاصق له وقت سيره، ومستودع سره في كل أحواله ~~وأوقاته، وكل ذلك مذكور مشهور وفي التواريخ والسير مسطور بحيث لا ينكره إلا ~~جاهل أو متجاهل ولقد ذكر (عليه السلام) من ذلك ما روي في النهج قال (عليه ~~السلام) وهو يخبر عن حاله مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (وقد علمتم ~~موضعي من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالقرابة القريبة، والمنزلة ~~الخصيصة، وضعني في حجره وأنا وليد يضمني إلى صدره، ويكنفني في فراشه ويمسني ~~جسده، ويشمني عرفه، وكان يمضغ الشئ ثم يلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول، ~~ولا خطلة في فعل) إلى أن قال: (ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل إثر أمه، يرفع ~~لي كل يوم علما من أخلاقه، ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاور في كل سنة ~~بحراء فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) وخديجة وأنا ثالثهما أرى نور الوحي والرسالة، ~~وأشم ريح النبوة، ولقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه، فقلت: يا رسول ~~الله ما هذه الرنة؟ فقال: (هذا الشيطان قد أيس من عبادته إنك تسمع ما أسمع ~~وترى ما أرى إلا أنك لست بنبي ولكنك لوزير وإنك لعلى خير) (1). # قال ابن أبي الحديد روى الفضل بن العباس قال: سألت أبي عن ولد # PageV00P360 # رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذكور أيهم كان رسول الله ms267 (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) له أشد حبا فقال: علي بن أبي طالب فقلت سألتك عن بنيه، ~~فقال: إنه كان أحب إليه من بنيه جميعا وأرأف ما رأيناه زايله (1) يوما من ~~الدهر منذ كان طفلا إلا أن يكون في سفر لخديجة، وما رأينا أبا أبر بابن منه ~~بعلي ولا ابنا أطوع لأب من علي له (2). # وروى ابن أبي الحديد عن أبي مخنف قال جاءت عائشة إلى أم سلمة تخادعها على ~~الخروج للطلب بدم عثمان فقالت لها: يا بنت أبي أمية أنت أول مهاجرة في ~~أزواج رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأنت كبيرة أمهات المؤمنين، وكان ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقسم لنا من بيتك، وكان جبرئيل (عليه ~~السلام) أكثر ما يكون في منزلك، فقالت أم سلمة: لأمر ما قلت هذه المقالة، ~~فقالت عائشة: إن عبد الله أخبرني أن القوم استتابوا عثمان فلما تاب قتلوه ~~صائما في شهر حرام، وقد عزمت على الخروج إلى البصرة ومعي الزبير وطلحة ~~فاخرجي معنا لعل الله يصلح هذا الأمر على أيدينا وبنا، فقالت أم سلمة، إنك ~~بالأمس تحرضين على عثمان وتقولين فيه أخبث القول، وما كان اسمه عندك إلا ~~نعثلا، وإنك لتعرفين منزلة علي بن أبي طالب أي منزلة كانت عند رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم)، فأذكرك؟ قالت: نعم، أتذكرين يوم أقبل (عليه ~~السلام) ونحن معه حتى إذا هبط من قديد (3) ذات الشمال خلا بعلي (عليه ~~السلام) يناجيه فأطال فأردت أن تهجمي عليهما فنهيتك فعصيتني فهجمت عليهما، ~~فما لبثت أن رجعت باكية فقلت: ما شأنك فقلت إني هجمت عليهما وهما يتناجيان # PageV00P361 # فقلت لعلي: ليس لي من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا يوم من ~~تسعة أيام أفما تدعني يا ابن أبي طالب ويومي؟ فأقبل رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) علي وهو غضبان محمر الوجه، فقال: (ارجعي وراءك والله لا ~~يبغضه أحد من أهل بيتي ولا من غيرهم من الناس إلا وهو خارج من الإيمان) ~~فرجعت نادمة ساقطة؟ ms268 فقالت عائشة: نعم أذكر ذلك، ثم ذكرتها أيضا حديث: ~~(أيتكن صاحبة الجمل الأزب تنبحها كلاب الحوئب) (1) وقول النبي (صلى الله ~~عليه وآله) لها: (إياك أن تكونيها يا حميراء) قالت عائشة: نعم أذكر هذا ~~فهذا الخبر يدل على اختصاص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وخلواته بعلي ~~(عليه السلام) دون جميع أصحابه وأكثر من خلواته بأزواجه، ويصرح بأن مبغض ~~علي (عليه السلام) كائنا من كان خارج من الإيمان، وأن عائشة كانت منطوية ~~على بغضه من ذلك الزمان، وبالجملة فشدة تقريب النبي (صلى الله عليه وآله) ~~عليا وإدنائه منه وتخصيصه إياه بالخلوات دون الأباعد والأقارب أمر معلوم لا ~~يحتاج إلى كثرة الاستدلال عليه، ولصوق علي (عليه السلام) بالنبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) من حين كان طفلا إلى أن اختار الله لنبيه دار البقاء ~~معروف، قال أبو جعفر الإسكافي في ذكر إسلام علي (عليه السلام): " وما بال ~~هذا الطفل لم يأنس بأقرانه " إلى أن قال: " بل ما رأيناه إلا ماضيا على ~~إسلامه مصمما في أمره محققا لقوله بفعله، قد صدق إسلامه بعفافه وزهده ولصق ~~برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من بين جميع من بحضرته، فهو أمينه ~~وأليفه في دنياه وآخرته، فإسلامه هو السبيل الذي لم يسلم عليه أحد غيره، ~~وما سبيله في ذلك إلا كسبيل الأنبياء ليعلم أن منزلته من النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) كمنزلة هارون من موسى، وأنه وإن لم يكن نبيا فقد كان في ~~سبيل # PageV00P362 # الأنبياء سالكا، ولمنهاجهم متبعا، وكانت حاله كحال إبراهيم (عليه السلام) ~~إلى آخر ما قال (1)، ولقد أجاد وأتى من فضل أمير المؤمنين ببعض ما يجب أن ~~يقال فيه، ومن ألطف الأشياء وأطرفها معتزلي يقول في علي هذا القول حتى يبلغ ~~به إلى مساواته لإبراهيم الخليل، وهذا من عظيم نعمة الله على أمير المؤمنين ~~بأن أظهر فضله على لسان كل ناطق من أهل ولايته وأهل ولاية غيره، وهذه ~~الأفعال كلها مشيرة إلى تقديم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا (عليه ~~السلام) على ms269 جميع الصحابة من الأقارب والأجانب، فهو المخصوص بالتعظيم ~~والتفخيم والمقصود بالرئاسة والتقديم، مع ما يضاف إلى ذلك من مواقفه ~~المشهودة ومشاهده المحمودة، افترى يحق مقام الرسول (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) لغيره؟ وهل تظن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يحل محله سواه؟ ~~كلا ورب الراقصات (2) إن هذا ما لا يذهب إليه وهم عاقل لبيب ولا يظنه فطن ~~أريب. # وأما الأقوال المشيرة إلى إمامة أمير المؤمنين: # فمنها: ما رواه ابن أبي الحديد عن أحمد بن حنبل في مسنده وأحمد البيهقي ~~في صحيحه عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (من أراد أن ينظر إلى نوح ~~في عزمه، وإلى آدم في علمه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في فطنته، ~~وإلى عيسى في زهده، فلينظر إلى علي بن أبي طالب) (3) وهذا الحديث دال ~~بظاهره على أفضلية علي (عليه السلام) على # PageV00P363 # الأنبياء لأنه إذا جمع خصال الكل كان أفضل من كل واحد البتة، وهو يكاد ~~يصرح بالنص إذ المقصد من تشبيه علي (عليه السلام) بالأنبياء إظهار ماله من ~~الفضل الفائق على جميع الورى وإرادة تعظيمه من الأمة وتقديمه على من لم يكن ~~فيه خصلة من تلك الخصال، وهذا ينافي ما قاله ابن أبي الحديد من جواز جعله ~~سوقة يحكم عليه من لا يساويه ولا يدانيه في فضله فسبحان الله ما أوهن هذا ~~المقال. # ومنها قول النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي: (والذي نفسي بيده لولا أن ~~تقول طوائف من أمتي فيك ما قالت النصارى في ابن مريم لقلت اليوم فيك مقالا ~~لا تمر بملأ من المسلمين إلا أخذوا التراب من تحت قدميك للبركة) رواه ابن ~~الحديد عن أحمد بن حنبل في المسند (1). # أقول: انظر أيها الناظر المتقن إلى ما احتوى عليه هذا الحديث من الفضل ~~الذي لا يدرك العقل معناه ولا يبلغ الادراك إلى الإحاطة بأدناه، حيث دل على ~~أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد خاف من إظهار ذلك المقال في علي ~~(عليه السلام) ذهاب طوائف من الأمة ms270 إلى القول بربوبيته، والمصير إلى اعتقاد ~~إلهيته، كما قالت النصارى في ابن مريم، مع أنه قال فيه من الأقوال الجليلة ~~ما شاع ذكره في الآفاق، ورواه على كثرته كل قوم على اختلاف # PageV00P364 # مذاهبهم، فصرح الحديث أن قدر علي (عليه السلام) فوق ما ظهر له من الفضل، ~~وأن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يقل فيه مقدار ما هو حقه من المنزلة ~~الرفيعة عند الله تعالى: ولم يبين من كراماته حقيقة ما له من الفضيلة ~~الجليلة، بل بقي بعد ذكر تلك الفضائل العظام، وبيان تلك المناقب الجسام، ما ~~لو قاله فيه لذهب أكثر الأمة فيه إلى الغلو، فليت شعري ما هذا المقال بعد ~~تلك الأقوال، ثم أعظم من ذا أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يقل إن ذلك ~~المقال الذي أخفاه في علي (عليه السلام) هو منتهى فضله ولا غاية مجده فيكون ~~له في فوق ذلك المقال أقوال، وعلى ذلك الفضل أفضال، فأين مبلغ العقول من ~~معرفة حقيقة هذا النور القدسي؟ # وأين محل الادراك من الإحاطة بكنه هذا الجوهر العلوي؟ أفيسوغ لعاقل يروي ~~هذا الخبر ويدريه أدنى دراية أن يشك في أن المراد منه الإشارة إلى نصب علي ~~إماما، وأنه لا يجوز لأحد أن يتقدمه بعد الرسول ولا يخالفه فيما يقول؟ ولا ~~شك أن من رواه ولم يقل ما قلناه، وما عرف معناه ولا دراه ولا فهم إشارته ~~ولا معزاه كابن أبي الحديد وأصحابه والقوشجي وقبيله وغيرهم فجوزوا أن يتقدم ~~على المنصوص عليه بهذا التبجيل من يقول (وليتكم ولست بخيركم وعلي فيكم ~~فأقيلوني) (1) وتارة يقول (إن لي شيطانا يعتريني فإذا # PageV00P365 # زغت فقوموني) (1) ويترأس عليه من يقول: (كل الناس أفقه من عمر حتى ربات ~~الحجال) (2 وكل ذا رواه المذكور ولا شك أن الشبهات أغشت أفهامهم، الفتنة ~~أعمت قلوبهم كما قيل: الفتنة إذا أقبلت أعمت عين البصير، فإن قيل: إن ~~الحديث دال على أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أخفى ذلك القول في علي ~~خوفا من القول بالغلو فيه مع ms271 أن هذا القول بالغلو فيه قد حصل، فذهب قوم إلى ~~القول بربوبيته وهم الغلاة عليهم لعاين الله وقريب منهم المفوضة، فما خاف ~~منه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد وقع؟: # قلت: إن الحديث دال على أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يخف من ~~إبداء ذلك المقال في علي (عليه السلام) ذهاب قوم قليلين من الأمة إلى الغلو ~~فيه، وإنما خاف من ذهاب معظم الأمة إلى ذلك ألا تراه يقول: (لولا أن تقول ~~طوائف من أمتي) ولم يقل طائفة ولا قوم، ومن البين أن الغلاة أقل طوائف ~~الأمة فما وقع لم يخفه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وما خافه وأخفى ~~لخوفه ذلك المقال لم يقع، وكيف يريد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الخوف ~~من حدوث هذا القول مطلقا وهو يقول لعلي (عليه السلام): (يهلك فيك اثنان محب ~~غال وعدو قال (3) وغيره مما يشبهه فأخبر أن قوما يغلون فيه، كما أخبر أن ~~قوما سيعادونه، فمراد النبي (صلى الله # PageV00P366 # عليه وآله وسلم) ما ذكرناه فلا تناقض ولله الحمد. # ومنها ما رواه ابن أبي الحديد عن أحمد بن حنبل في كتاب الفضائل عن أنس بن ~~مالك أنه لما كانت ليلة بدر قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (من ~~يستقي لنا ماء؟) فأحجم الناس فقام علي (عليه السلام) فاحتضن قربة ثم أتى ~~بئرا بعيدة القعر مظلمة فانحدر فيها فأوحى الله إلى جبرئيل وميكائيل ~~وإسرافيل أن تأهبوا لنصر محمد وأخيه وحزبه، فهبطوا من السماء لهم لغط يذعر ~~من يسمعه، فلما حاذوا البئر سلموا عليه من عند آخرهم إكراما له وإجلالا، ~~فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): # (لتؤتين يا علي يوم القيامة بناقة من نوق الجنة فتركبها وركبتك مع ركبتي ~~حتى تدخل الجنة) (1). # قلت: ولهذا قال عبد الله بن العباس لما سئل عن علي (عليه السلام): ما ~~أقول في رجل كانت له في ليلة واحدة ثلاثة آلاف منقبة، أو قال: فضيلة، (2) ~~أراد بذلك تسليم الملائكة عليه تلك الليلة ms272 وهم كانوا ثلاثة آلاف ملك بنص ~~القرآن، وتسليم كل ملك عليه منقبة فلله در ابن عباس في فطنته ومعرفته ~~بالتأويل، ويا له فضلا حازه أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يسبقه فيه سابق ~~ولا يلحقه لاحق وهو به لحقيق وبنيله لخليق فهو المؤهل من الله للإمارة كما ~~يشير إليه تسليم الملائكة عليه لا من قال فيه ابن أبي الحديد الذي هو من ~~شيعته ومواليه حيث قال مشيرا إلى علي (عليه السلام) وإليه. # ولا كان يوم الغار يهفو جنانه * حذارا ولا يوم العريش تسترا (3) # PageV00P367 # ومنها ما رواه ابن أبي الحديد عن أحمد بن حنبل في كتاب الفضائل عن النبي ~~(صلى الله عليه وآله) أنه قال: (الصديقون ثلاثة، حبيب النجار الذي جاء من ~~أقصى المدينة يسعى، مؤمن آل فرعون الذي كان يكتم إيمانه، وعلي بن أبي طالب ~~(عليه السلام) وهو أفضلهم) (1) وهذا الحديث يصدق ما قاله أمير المؤمنين ~~(عليه السلام): (أنا الصديق الأكبر وأنا الفاروق الأعظم) ويبطل ما قاله ~~القوم في تسمية غيره بالصديق ولو كان ما قالوه حقا لقال النبي (صلى الله ~~عليه وآله) الصديقون أربعة وعده منهم. # ومنها ما رواه ابن أبي الحديد عن أبي جعفر الإسكافي قال: روى أبو صادق عن ~~ربيعة بن ناجذ عن علي (عليه السلام) قال: قال لي رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم): إن فيك لشبها من عيسى بن مريم أحبته النصارى حتى أنزلته ~~بالمنزلة التي ليست له وأبغضته اليهود حتى بهتت أمه) (2). # ومنها ما قال ابن أبي الحديد: روى الناس كافة أن رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) قال لعلي (عليه السلام): (هذا وليي وأنا وليه عاديت من ~~عاداه وسالمت من سالمه) (3) ونحو هذا اللفظ وهو يدل على أن موالاته هي ~~الإيمان ولذا قال أبو سعيد الخدري فيما رواه ابن أبي الحديد عن إبراهيم بن ~~هلال الثقفي في كتاب الغارات، كنا نبور أبناءنا بحب علي ابن أبي طالب # PageV00P368 # (عليه السلام) فمن أحبه عرفنا أنه منا، وعن علي في ذلك الكتاب (لا يحبني ~~كافر ms273 ولا ولد زنا) (1). # ومنها ما رواه ابن أبي الحديد عن إبراهيم بن ديزيل في كتاب صفين مسند عن ~~أبي سعيد الخدري، قال: كنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فانقطع ~~شسع نعله فألقاها إلى علي (عليه السلام) يصلحها ثم قال: (إن منكم من يقاتل ~~على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله) فقال أبو بكر أنا هو يا رسول الله؟ ~~فقال: لا، فقال عمر بن الخطاب: أنا هو يا رسول الله؟ قال: (لا ولكنه ذاكم ~~خاصف النعل) ويد علي (عليه السلام) على نعل النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) يصلحها، قال أبو سعيد: فأتيت عليا فبشرته بذلك فلم يحفل به كأنه شئ ~~قد كان علمه من قبل (2)، وهذا الحديث مشهور وهو ظاهر أي ظهور في النص على ~~إمامة علي (عليه السلام) لأن النبي (صلى الله عليه وآله) جعله التالي له في ~~المنزلة، وذلك لأن المنازل ثلاث منزلة النبوة وهو مقام الوحي، ومنزلة ~~الإمامة وهي مقام التأدية عن الرسول (صلى الله عليه وآله) وتبليغ أحكام ~~الكتاب إلى الأمة ومنزلة القبول والطاعة وهي منزلة الرعية فبين النبي (صلى ~~الله عليه وآله) إن منزلة التأدية عنه، والتبليغ وتبيين معاني الكتاب لعلي ~~(عليه السلام) فهو الإمام بعده المبلغ أمته أحكام التنزيل، والمفصل لهم ~~مجملات الوحي، وهو المقاتل الناس على قبولهم تأويل القرآن منه، وتصديقهم ما ~~يقول عنه، كما أن النبي (صلى الله عليه وآله) قاتل الناس ليقروا بأن القرآن ~~منزل من الله تعالى عليه ويصدقوا بأنه كلام الله ليس بمختلق ولا مكذوب، ~~فرسول الله (صلى الله عليه وآله) مؤسس # PageV00P369 # الملة وعلي (عليه السلام) موضح أحكام الشريعة، ومبين تأويل الكتاب ~~والسنة، فهو الخليفة بعده على الأمة، فأين يذهب بابن أبي الحديد عن هذا ~~ولقد فهم شيخاه ما أشار إليه النبي (صلى الله عليه وآله) في هذا الحديث من ~~الإمامة؟ فكل تمناها وطلبها ولو لم يعقلوا ذلك من قصد النبي (صلى الله عليه ~~وآله) ما تطاول كل واحد منهما إلى ذلك، وسأل: # النبي (صلى الله ms274 عليه وآله) أنا هو يا رسول الله فواعجباه كيف كان ~~الشيخان افهم من هذا المعتزلي الجدلي المحقق والخبر رواه أكثر المحدثين. # ومنها ما رواه ابن أبي الحديد من قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~(إن الملائكة صلت علي وعلى علي سبع سنين ولم تصل على أحد من الناس) (1) ~~وذلك أنهما كانا يعبدان الله ولم يكن على وجه الأرض من يصلي لله غيرهما ~~فشريك النبي (صلى الله عليه وآله) في صلاة الملائكة عليه هو الأحق بمقامه. # ومنها ما رواه ابن أبي الحديد عن أبي عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد، وعن ~~محمد بن حبيب في أماليه وقال بعد نقله: روى هذا الخبر جماعة من المحدثين ~~وهو من الأخبار المشهورة، وأنه وجده في بعض نسخ مغازي محمد بن إسحاق، قال: ~~وسألت شيخي عبد الله بن سكينة عن هذا الخبر فقال: خبر صحيح (2) وهو أنه لما ~~انهزم الناس عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم أحد وأفردوه فوقاه ~~علي بنفسه وفداه بمهجته وجالد الكتائب دونه حتى قتل من قتل منهم ورجعوا ~~ناكصين، فقال جبرئيل لرسول # PageV00P370 # الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن هذه المواساة عجبت الملائكة من ~~مواساة هذا الفتى) فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (وما يمنعه وهو ~~مني وأنا منه) فقال جبرئيل (عليه السلام): (وأنا منكما) فانظر إلى هذا ~~المقام وعظم هذا المرام بحيث أن الملائكة الكرام عجبت من صبره وبلائه ~~ومواساته النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك الموقف المهول الذي ذهلت ~~فيه العقول، وأن جبرئيل سيد الملائكة يطلب الإضافة إليه كما يطلب ذلك من ~~النبي (صلى الله عليه وآله)، ويعد ذلك من جملة مفاخره وقول النبي (صلى الله ~~عليه وآله) (هو مني وأنا منه) أليس في هذا كله ما يدل أو يشير إلى أن عليا ~~هو المستحق لمقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأولى به دون كل أحد ~~(1). # ومنها ما في الخبر المذكور أيضا قال وسمع ذلك اليوم صوت من قبل السماء لا ms275 ~~يرى شخص الصارخ به ينادي مرارا (لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي ~~(عليه السلام) فسئل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عنه فقال (هذا جبرئيل) ~~(2) فانظر أيضا إلى هذه المنقبة الجليلة التي لا يشك من سمعها أن عليا هو ~~المخصوص بعناية الله بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والمستحق ~~لمنزلته دون غيره من الصحابة، وكيف يتوهم رشيد أن الرجل الذي كان بالأمس ~~نوه الله بذكره، وأمر الملائكة أن تعلن بمدحه لمشاركته الرسول (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) في صعاب الأمور، وخوضه دونه غمرات الحروب والذي لا فتى في ~~نصرة الدين وجهاد المشركين وإعزاز الإسلام وحماية الرسول (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وطاعة الله مثله، ولا سيف في كل ذلك كسيفه، والمخصوص من الرسول ~~(صلى الله عليه وآله # PageV00P371 # وسلم) بالتقديم في كل شأنه، والتفضيل على أقاربه وأعوانه، والمعدود عنده ~~للنوائب والمدخر لكشف الشدائد يكون بعده مؤخرا عن مقامه، ومباعدا عن محله ~~يحكم البعداء عليه في ماله ودمه أو يتصوران الله بذلك راض ورسوله! # حاشا وكلا، بل كل ما ذكرناه من تنويه الله ورسوله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) باسم علي (عليه السلام) وإعلان الملائكة بمدحه لبيان أنه خليفة ~~الرسول (صلى الله عليه وآله) بعده في أمته، كما أنه الباذل نفسه في حياته ~~في طاعة الله وطاعته، والصابر المجاهد في إعلاء كلمته، وهذا ظاهر لمن كان ~~له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وهذا الحديث وما قبله يبطلان ما رواه بعض ~~الخصوم من أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بكت (1) عليا (عليه السلام) ~~ذلك اليوم حين قال لفاطمة: أمسكي هذا السيف غير ذميم فنظر إليه رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) مختضبا بالدم فقال: (لئن كنت أحسنت القتال اليوم فلقد ~~أحسن عاصم بن ثابت، والحارث بن الصمة، وسهل بن حنيف، وسيف أبي دجانة غير ~~ذميم) (2) فإن هؤلاء وإن كانوا ثبتوا ولم يفروا كما فر غيرهم لكن ليس ~~جهادهم في ذلك اليوم وغيره يشبه جهاد أمير المؤمنين أو ms276 يدانيه كما علمت من ~~قول جبرئيل (عليه السلام) في أمر المواساة حتى يقول النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) لعلي إن كنت فعلت كذا فلقد فعل فلان وفلان مثل فعلك، ومن هذا ~~الوجه يضعف حمل الخبر على إرادة إظهار فضل المذكورين دون تبكيت علي (عليه ~~السلام) ليرتفع التعارض اللهم إلا على وجه بعيد والله أعلم. # ومنها قول النبي (صلى الله عليه وآله) في علي (عليه السلام) يوم برز ~~لعمرو بن عبد ود (برز الإيمان كل إلى الكفر كله) رواه ابن أبي # PageV00P372 # الحديد وهو خبر مشهور بل متواتر وما ظهر من شدة حب النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) لعلي (عليه السلام) فقد روى ابن أبي الحديد (1) وغيره أن رسول ~~الله إذ ذاك ما زال رافعا يديه مقمحا رأسه نحو السماء داعيا ربه قائلا: ~~(اللهم إنك أخذت مني عبيدة يوم بدر وحمزة يوم أحد فاحفظ على اليوم عليا ~~(عليه السلام) رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين) قال ابن أبي الحديد: ~~قال شيخنا أبو الهذيل وقد سأله سائل: أيما أعظم منزلة عند الله علي أم أبو ~~بكر، فقال: يا بن أخي والله لمبارزة علي (عليه السلام) عمرا يوم الخندق ~~تعدل أعمال المهاجرين والأنصار وطاعاتهم كلها وتربى عليها فضلا عن أبي بكر ~~وحده، قال: وروى قيس بن الربيع عن أبي هارون العبدي عن ربيعة بن مالك ~~السعدي قال: أتيت حذيفة بن اليمان فقلت: # يا أبا عبد الله إن الناس ليتحدثون عن علي بن أبي طالب ومناقبه فيقول لهم ~~أهل البصيرة: إنكم لتفرطون في تقريظ هذا الرجل فهل أنت محدثي بحديث عنه ~~أذكره للناس؟ فقال: يا ربيعة وما الذي تسألني عن علي وما الذي أحدثك عنه، ~~والذي نفس حذيفة بيده لو وضع جميع أعمال أمة محمد (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) في كفة الميزان منذ بعث الله محمدا إلى يوم الناس هذا ووضع عمل واحد ~~من أعمال علي (عليه السلام) في الكفة الأخرى لرجح على أعمالهم كلها، فقال ~~ربيعة: هذا المدح الذي لا ms277 يقام له ولا يقعد ولا يحمل إني لأظنه إسرافا يا ~~أبا عبد الله، فقال حذيفة، يا لكع وكيف لا يحمل وأين كان المسلمون يوم ~~الخندق وقد عبر إليهم عمرو وأصحابه فملكهم الهلع والجزع، ودعا إلى المبارزة ~~فأحجموا عنه حتى برز إليه علي فقتله؟ والذي نفس حذيفة بيده لعمله ذلك اليوم ~~أعظم أجرا من أعمال أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى هذا اليوم وإلى ~~أن تقوم القيامة (2) انتهى. # PageV00P373 # أقول وفي هذه القصة وقول النبي (صلى الله عليه وآله): (برز الإيمان ~~كله..) (1) من الإشارة إلى تقديمه على القوم ما لا يخفى علي ذي حجى، ولا ~~يحتاج إلى تبيين وتوضيح، وهل كان شبه علي (عليه السلام) وعمر وذلك اليوم ~~إلا داود وجالوت كما قاله جابر بن عبد الله أو غيره من الصحابة، فهذه ~~الأفعال والأقوال كلها شواهد حق على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام)، ~~وأدلة صدق على أنه خليفة رب العالمين، لا يكاد يرتاب فيها إلا من جانب ~~الانصاف، وسلك فج الاعتساف. # ومما يقوى ما ندعيه ما رواه ابن أبي الحديد عن نصر بن مزاحم في كتاب صفين ~~عن عمر بن سعد (2) عن مسلم الأعور عن حبة العرني، ورواه أيضا عن إبراهيم بن ~~ديزيل الهمداني في كتاب صفين، بهذا الإسناد أيضا عن حبة العرني قال نصر: ~~فروى حبة أن عليا لما نزل على الرقة نزل بموضع يقال له البلخ (3) على جانب ~~الفرات فنزل راهب هناك من صومعته فقال لعلي (عليه # PageV00P374 # السلام): إن عندنا كتابا توارثناه من آبائنا كتبه أصحاب عيسى بن مريم ~~أعرضه عليك فقرأ الراهب الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم الذي قضى فيما قضى ~~وسطر فيما كتب أنه باعث في الأميين رسولا منهم يعلهم الكتاب والحكمة ويدلهم ~~على سبيل الله، لا فظا ولا غليظا ولا صخابا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة ~~السيئة، بل يعفو ويصفح أمته الحمادون الذين يحمدون الله على كل نشز وفي كل ~~صعود وهبوط تدل ألسنتهم بالتكبير والتهليل والتسبيح، وينصره الله على من ~~ناواه فإذا توفاه الله ms278 اختلفت أمته من بعده ثم اجتمعت فلبثت ما شاء الله ثم ~~اختلفت فيمر رجل من أمته على شاطئ الفرات يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ~~ويقضي بالحق ولا يركس (1) الحكم، الدنيا أهون عليه من الرماد في يوم عصفت ~~به الريح، والموت عنده أهون من شرب الماء على الظمآن، يخاف الله في السر ~~وينصح له في العلانية، لا يخاف في الله لومة لائم، فمن أدرك ذلك النبي من ~~أهل هذه البلاد فآمن به كان ثوابه رضواني والجنة، ومن أدرك ذلك العبد ~~الصالح فلينصره، فإن القتل معه شهادة ثم قال: أنا مصاحبك فلا أفارقك حتى ~~يصيبني ما أصابك، فبكى (عليه السلام) ثم قال: (الحمد لله الذي لم أكن عنده ~~منسيا، الحمد لله الذي ذكرني عنده في كتب الأبرار) فمضى الراهب معه ثم ذكر ~~أنه أصيب بصفين، وأن عليا (عليه السلام) صلى عليه ودفنه، وقال: (هذا منا ~~أهل البيت) واستغفر له مرارا (2)، فهذا الحديث مصرح بأن عليا (عليه السلام) ~~هو المخصوص بالذكر بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بتعيينه في كتب ~~الله السابقة المنزلة على الأنبياء فيكون هو الخليفة من بعده، لأن ذكره معه ~~يشير إلى أنه وصيه والقائم مقامه من بعده، ثم انظر # PageV00P375 # إلى ما وصفه الله به في هذا الكتاب مما لا يوازن به وصف ولا يبلغه إلا ~~الأنبياء المرسلون، وهو أدل دليل على كون المراد من الكتاب بيان أنه (عليه ~~السلام) خليفة النبي (صلى الله عليه وآله) ووصيه إذ لم يذكر غيره على ~~الخصوص بشئ مما يشير إلى معنى الإمامة بالمرة، فليسوا عند الله بخلفاء ~~النبي (صلى الله عليه وآله) يقينا، وأنت إذا نظرت ما رسمناه وتدبرت في جميع ~~ما حررناه نظر متأمل متبصر قطعت وجزمت بأنها نصوص صراح متضحة أي اتضاح في ~~إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام)، وعلمت يقينا أن إنكار النص عليه ممن ~~روى تلك الروايات أو اطلع عليها في الكتب الصحيحة عنده ناش عن رأي غير ~~سديد، وعقل غير رشيد، كما صدر من أمثال ابن أبي الحديد ms279 ونحن نسأل الله ~~التوفيق إلى ولاية مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) ونرغب إلى الله في ~~التسديد. # فإن قيل: إنكم رويتم هذه الأحاديث من كتب خصومكم واعتمدتم عليها في ~~مطلبكم، فإن يكن ذلك لوثاقتهم عندكم فيلزمكم قبول روايتهم في أئمتهم، وإن ~~لم يكونوا عندكم موثوقا بهم فليس لكم أن تعتمدوا على شئ مما رووه، وليس لكم ~~أن تأخذوا من روايتهم ما يوافق مطلوبكم دون ما يخالفه لأن ترجيح بلا مرجح، ~~ومن قبلته لك لا بد أن تقبله عليك. # قلنا: أما اعتمادنا على الروايات المروية في كتب خصومنا الواردة في مناقب ~~أئمتنا عليهم السلام فليس لأنهم عندنا ثقات، ولا أن روايتهم مقبولة، ولا ~~لأنها موافقة لمطلوبنا، بل لأنها مذكورة بألفاظها ومعانيها وأمثال أمثالها ~~مما لا يحصى كثرة في كتب أصحابنا المعتبرة من الطرق الموثوق بها، والأسانيد ~~الموثوق برجالها، ولو لم تكن موجودة عندنا، ومروية من طرقنا، ومثبتة في ~~صحاح أخبارنا، وكثير منها منقول بالتواتر لضربنا عنها الذكر صفحا، ولما ~~عرجنا عليها، ولا التفتنا إليها، وهذا بخلاف روايتهم في PageV00P376 # أئمتهم فإنهم يختصون بنقلها، وليس في رواية أصحابنا منها عين ولا أثر، ~~فلذا نحن لا نقبلها لعلمنا بعدم وثاقه ناقليها، بل علمنا باصطناعهم إياها، ~~على أن أكثرها أو جميعها ينتهي إسناده إلى من علمت منهم العداوة لأمير ~~المؤمنين (عليه السلام) وأولاده وذويه، وتزويره الأحاديث في عيبهم وذمهم، ~~فهو يضيف إليها اختلاق أخبار في فضائل المتقدمين عليهم لتكون معارضة ~~لروايات فضائلهم ومناقبهم، ليبلغ غرضه من تهجينها عند الرعاع والغوغاء ~~وينال بذلك الإنعام الوافر عند أعدائهم كأبي هريرة والمغيرة بن شعبة وعمرو ~~بن العاص وابن عمر وعروة بن الزبير وسمرة بن جندب وأضرابهم وكل هؤلاء ~~مصرحون ببغض أمير المؤمنين (عليه السلام) والانحراف عنه، وقد ذكر ابن أبي ~~الحديد في بيان المنحرفين عن علي (عليه السلام) هؤلاء وجماعة كثيرة من ~~أمثالهم وذكر أقوالهم الشنيعة فيه كل ذلك في شرح النهج (1) وذكر تفصيل ذلك ~~وبيانه قبله أبو جعفر الإسكافي (2)، ومنها ما اصطنعه أتباعهم من القراء ~~والفقهاء والمحدثين لمثل ms280 أغراضهم كما أسلفنا بيانه في رد حجة القوشجي، فمن ~~هذه حالهم كيف يصح الثقة برواياتهم؟ على أن كثيرا منها مدخول فيه، وكثير ~~منها لائح عليه آثار الوضع، وجلها مخالف لصريح القرآن، وقد أمرنا من النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) برد ما خالف القرآن من الأخبار المروية عنه، وقد ~~طعن فيها جماعة من الخصوم بالوضع بعضهم صريحا وبعضهم لزوما من حيث لا ~~يشعرون، وطعن ابن أبي الحديد في بعضها صريحا، والكلام في هذا قدمنا منه ما ~~فيه الكفاية في إبطال احتجاج القوشجي بجملة منها، فهذا هو الفارق بين ~~قبولنا رواية الخصوم في فضائل أئمتنا (عليه السلام) دون روايتهم في فضائل ~~أصحابهم وهو المرجح للقبول # PageV00P377 # والرد، وأما ذكرنا إياها من كتبهم فلأنا في مقام خصام والحجة ما لم يعترف ~~بصحتها الخصم لا تثبت بها الدعوى ولا يقطع بها العذر، فلذا اخترنا نقلها من ~~كتبهم من باب إلزام كل إنسان بما التزم به، ولعدم قدرتهم على إنكارها إذ لا ~~سبيل لهم إليه إلا بإنكار تلك الكتب، وفي إنكارها إبطال مذهبهم واستئصال ~~طريقتهم، ونقض حجتهم، وذلك هو المطلوب فاندفع الاعتراض بعون الله. ~~PageV00P378 # تتميم وتكميل وإذا قد انتهينا إلى هنا فلنذكر طائفة من الأحاديث والأخبار ~~الدالة على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) والمشيرة إلى ذلك والمصرحة ~~بفضله مما لم يذكره ابن أبي الحديد ولا أشار إليه، وننقلها من كتب ~~الموافقين له في إنكار النص على أمير المؤمنين والمشاركين له في تقديم غيره ~~عليه ومن رواياتهم لأنا التزمنا في أول إيراد النصوص أن لا نورد منها إلا ~~ما رواه المعتزلي المذكور بلفظه وبمعناه ومضمونه أو أشار إليه فلذا لم نذكر ~~في تلك المباحث إلا ما كان كذلك على أنا لم نقطع بأنا قد استقصينا جميع ما ~~ذكره المشار إليه في كتابه مما يدخل في تلك الأبواب، ولم نجزم بأن ما ~~ذكرناه وما سنذكره إن شاء الله تعالى - في مواضعه الآتية جميع ذلك لطول ~~الكتاب وتفرقها فيه فلعلنا أغفلنا ذكر شئ منه إن نسينا وقت جمع ms281 هذا الكتاب ~~موضعه، لكني أرجو أن ما نذكره إن كان لا يكون خارجا عن حدود الأنواع ~~المذكورة فنذكر هنا ما أشرنا إليه. # فمن ذلك ما رواه الطبراني سليمان بن أحمد بسنده عن عبد الله بن حكيم ~~الجهني قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (إن الله تبارك وتعالى ~~أوحى لي في علي ثلاثة أشياء ليلة أسرى بي بأنه سيد المؤمنين، وإمام ~~المتقين، وقائد الغر المحجلين (1). # PageV00P379 # وروى أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره في حديث طويل عن أبي ذر أنه قال: أيها ~~الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أبو ذر الغفاري، سمعت رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) بهاتين وإلا صمتا يقول في علي بن أبي طالب: ~~(قائد البررة، قاتل الكفرة، منصور من نصره مخذول من خذله) (1). # وروى الترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري قال: ما كنا نعرف المنافقين ~~على عهد رسول الله إلا ببغضهم عليا (2) (عليه السلام). # وفي كتاب الخصائص عن العباس بن عبد المطلب، قال: سمعت عمر بن الخطاب وهو ~~يقول: كفوا عن ذكر علي بن أبي طالب إلا بخير فإني سمعت رسول الله يقول في ~~علي ثلاثة خصال وددت لو إن لي واحدة منها كل واحدة منهن أحب إلي مما طلعت ~~عليه الشمس، وذاك أني كنت أنا وأبو بكر وأبو عبيدة بن الجراح ونفر من أصحاب ~~رسول الله إذ ضرب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على كف علي بن أبي طالب ~~وقال: (يا علي أنت أول المسلمين اسلاما وأنت أول المؤمنين إيمانا، وأنت مني ~~بمنزلة هارون من موسى، كذب من زعم أنه يحبني وهو يبغضك، يا علي من أحبك فقد ~~أحبني، ومن أحبني أحبه الله تعالى، ومن أحبه الله تعالى أدخله الجنة، ومن ~~أبغضك فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغضه الله تعالى وأدخله النار) (3). # أقول غير خفي على من له اطلاع أن الراوي من القسم الثاني وبيان ذلك # PageV00P380 # مضى منه شئ ويأتي منه شطر. # وروى ابن خالويه في كتاب الآل عن أبي سعيد الخدري ms282 قال: قال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) لعلي: (حبك إيمان وبغضك نفاق، وأول من يدخل الجنة ~~محبك، وأول من يدخل النار مبغضك) (1). # وعن ابن عباس أن النبي (صلى الله عليه وآله) نظر إلى علي بن أبي طالب ~~فقال له: (أنت سيد في الدنيا، سيد في الآخرة، من أحبك فقد أحبني ومن أبغضك ~~فقد أبغضني وبغضك يغضب الله تعالى فالويل كل الويل لمن أبغضك) (2). # روى الثعلبي في تفسيره أن سفيان بن عيينة سئل عن قول الله عز وجل (سأل ~~سائل بعذاب واقع) فيمن نزلت فقالت للسائل لقد سألتني عن مسألة ما سألني أحد ~~عنها حدثني أبي عن جعفر بن محمد عن آبائه أن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) لما كان بغدير خم نادى الناس فاجتمعوا فأخذ بيد علي (عليه السلام) ~~وقال: (من كنت مولاه فعلي مولاه) فشاع ذلك فطار في البلاد وبلغ ذلك الحارث ~~بن النعمان الفهري فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على ناقة له ~~فأناخ راحلته ونزل عنها وقال: يا محمد أمرتنا عن الله عز وجل أن نشهد ألا ~~إله إلا الله وأنك رسول الله فقبلناه منك، وأمرتنا أن نصلي خمسا فقبلناه ~~منك، وأمرتنا بالزكاة فقبلناه منك، وأمرتنا أن نصوم فقبلناه، وأمرتنا بالحج ~~فقبلناه، ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعي ابن عمك تفضله علينا فقلت: (من كنت ~~مولاه فعلي مولاه) فهذا شئ منك أم من عند الله عز وجل؟ فقال النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم): (والذي لا إله إلا هو أن هذا من عند الله عز وجل) # PageV00P381 # فولى الحارث بن النعمان يريد راحلته وهو يقول: اللهم إن كان ما يقول محمد ~~حقا فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فما وصل إلى راحلته ~~حتى رماه الله عز وجل بحجر سقط على هامته فخرج من دبره فقتله، فأنزل الله ~~عز وجل: [سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع من الله ذي المعارج] ~~(1). # قال في المناقب مختصر مناقب الحافظ أبي عبد الله ms283 البلخي الشافعي وهو يذكر ~~حديث مبيت علي (عليه السلام) على فراش النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~ليلة الغار: وقال بعض أصحاب الحديث: وأوحى الله تعالى إلى جبرئيل وميكائيل ~~أن انزلا إلى علي (عليه السلام) واحرساه في هذه الليلة إلى الصباح، فنزلا ~~إليه وهما يقولان بخ بخ من مثلك يا علي قد باهى الله بك ملائكته (2). # قال: ونقل الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في كتابه إحياء علوم ~~الدين أن ليلة بات علي بن أبي طالب على فراش رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) أوحى الله إلى جبرئيل وميكائيل: إني آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما ~~أطول من الآخر فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة فاختار كل منهما الحياة فأوحى ~~إليهما: أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب آخيت بينه وبين محمد فبات على ~~فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة فاهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه، فكان ~~جبرئيل عند رأسه وميكائيل عند رجليه ينادي فيقول: بخ بخ من مثلك يا بن أبي ~~طالب يباهي الله بك الملائكة فأنزل الله عز وجل: [ومن # PageV00P382 # الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد] (1) انتهى ~~(2). # أقول وهذا الخبر كما ترى يدل على فضل لا يعلم منتهاه ولا يعرف لأحد من ~~أولياء الله مثل هذه الفضيلة وهو يكذب ما ولده أبو بكر الأصم في حديث ~~المبيت من أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لعلي (عليه السلام): (لن ~~يصل إليك منهم أمر تكرهه) إذ لو كان الأمر هكذا لم يكن علي (عليه السلام) ~~فدى النبي (صلى الله عليه وآله) بنفسه ولا آثره بالحياة ولم يكن شرى نفسه ~~ابتغاء مرضاة الله إذ لا يكون ذلك إلا إذا كان يجوز القتل على نفسه في ~~مبيته بل يظنه فيكون قد سخى بنفسه في فداء النبي (صلى الله عليه وآله)، أما ~~إذا كان قاطعا بالسلامة لإخبار النبي (صلى الله عليه وآله) إياه بعدم وصول ~~مكروه من المشركين إليه فلا شئ من ذلك بحاصل لأنه إذ ذاك لم يقدم على ms284 مخوف، ~~ولا وطن نفسه على ملاقاة المكروه، فلا مشقة عليه في ذلك التكليف ومن كان ~~هذا شأنه لا يستحق شيئا من المدح فكيف يباهي الله به سادات الملائكة ويفضله ~~عليهم كما ترى؟ فدل المدح من الله تعالى لعلي (عليه السلام) على أن تلك ~~الزيادة مكذوبة لتهجين هذه الفضيلة حيث لم يكن لغيره ما يدانيها تلك الليلة ~~فلم يباه الله به ملكا ولم تنزل بالتصريح بمدحه آية والحق لا يخفى. # ووجه آخر وهو أنه قد صح في رواية الخصوم من غير خلاف أن المشركين كانوا ~~يرجمون عليا بالحجارة تلك الليلة حتى أثر في جسده، وهذا لا شك مكروه وصل ~~إليه من المشركين، ولو كان النبي (صلى الله عليه وآله) أخبره بعدم وصول ~~مكروه إليه منهم إذن ما وصل إليه من ذلك شئ، إذ لا تجوز المخالفة في أخبار ~~النبي (صلى الله عليه وآله) فبطل ما قاله # PageV00P383 # الأصم وتابعوه وبالله التوفيق. # وروى البيهقي أن عليا (عليه السلام) ظهر من البعد فقال النبي: # (هذا سيد العرب) فقالت عائشة ألست سيد العرب؟ فقال: (أنا سيد العالمين ~~وهذا سيد العرب) ورواه الحاكم عن ابن عباس بلفظ: (أنا سيد ولد آدم وعلي سيد ~~العرب) (1). # وروى الترمذي والحاكم وصححه عن بريدة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله): (إن الله أمرني بحب أربعة وأخبرني أنه يحبهم) قيل: يا رسول الله ~~سمهم لنا قال: (علي منهم) يقول ذلك ثلاثا (وأبو ذر والمقداد وسلمان) (2). # أقول: هؤلاء محبوا علي (عليه السلام) حقا ومحب علي يحبه الله ويأمر ~~بمحبته. # وأخرج أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة عن حبيش بن جنادة قال: # قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (علي مني وأنا من علي ولا يؤدي عني ~~إلا علي) (3). # روى الطبراني والحاكم وصححه عن أم سلمة (رضي الله عنها) قالت: # كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا غضب لم يجترء أن يكلمه إلا علي ~~(4). # PageV00P384 # وأخرجا بإسناد حسن عن ابن مسعود أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ~~(النظر إلى وجه ms285 علي عبادة) (1). # وروى أبو يعلى والبزاز عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله: # (من آذى عليا فقد آذاني) (2). # وروى الطبراني بسند حسن عن أم سلمة (رضي الله عنها) عن رسول الله قال: ~~(من أحب عليا فقد أحبني ومن أحبني فقد أحب الله ومن أبغض عليا فقد أبغضني ~~ومن أبغضني فقد أبغض الله) (3). # وروى أحمد والحاكم وصححه عنها (رضي الله عنها) قالت: سمعت رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) يقول: (من سب عليا فقد سبني) (4). # وأخرج الملا في سيرته أنه (صلى الله عليه وآله) أرسل أبا ذر ينادي فرأى ~~رحى تطحن في بيته وليس معها أحد فأخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~بذلك فقال: (يا أبا ذر أما علمت أن لله ملائكة سياحين في الأرض قد وكلوا ~~بمعاونة آل محمد) (5). # أقول هذه المنقبة إن لم تكن من المعاجز كرد الشمس وما أشبهها فهي من ~~الكرامات العظيمة الدالة على فضل لا يدرك كنهه وهل سمعت بولي من أولياء ~~الله البررة وأنبيائه الكرام تطحن الملائكة بره وتخدمه في مؤنة طعامه # PageV00P385 # غير علي (عليه السلام). # وأخرج الطبراني في الأوسط عن أم سلمة قالت سمعت رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) يقول: (علي مع القرآن والقرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا على ~~الحوض) (1). # قال في الإسعاف وقد روي من طرق عديدة منها صحيح وحسن أن النبي (صلى الله ~~عليه وآله) قال لعلي (عليه السلام): (أشقى الناس رجلان الذي عقر الناقة ~~والذي يضربك على هذه) وأشار إلى يافوخه حتى تبتل منه هذه وأشار إلى لحيته ~~(2). # وروى البيهقي والديلمي عن أنس أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ~~(علي يزهر في الجنة ككوكب الصبح لأهل الدنيا) (3). # أقول: وظني أن القوم لمعارضته هذا الخبر وضعوا حديث (سراج أهل الجنة عمر) ~~(4). # وروى الديلمي عن ابن عباس أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (علي ~~مني بمنزلة رأسي من بدني) (5). # أقول لينظر الناظر في هذا المقام العلي الذي ثبت لمولانا علي من ms286 النبي ~~(صلى الله عليه وآله) حيث جعله بمنزلة الجزء من بدنه، ثم لم يرض # PageV00P386 # له إلا بأشرف الأعضاء كلها أفترى أن هذا الكلام ليس بنص على إمامته، ولا ~~حث على تقديمه في خلافته! بل والله هو من أصرح النصوص على ذلك وأوضحها، إذ ~~لا يعقل أن النبي (صلى الله عليه وآله) يرضى بتقدم أحد من الناس على من كان ~~منه بمنزلة الرأس من البدن، وهذا ظاهر لمن وعى قال أبو علي: صح عن النبي ~~(صلى الله عليه وآله) أنه سئل عن بعض أصحابه فقال قائل: فعلي فقال: (إنما ~~سألتني عن الناس ولم تسألني عن نفسي) (1). # وروى الترمذي والحاكم أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: # (إن الجنة لتشتاق إلى ثلاثة علي وعمار وسلمان) (2). # وروى البخاري ومسلم أن النبي (صلى الله عليه وآله) وجد عليا مضطجعا في ~~المسجد وقط سقط رداؤه عن شقه فأصابه تراب فجعل النبي (صلى الله عليه وآله) ~~يمسحه عنه ويقول: (قم أبا تراب قم أبا تراب) فكانت هذه الكنية أحب الكنى ~~إليه لأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كناه بها (3) وروى أحمد في المناقب عن ~~علي (عليه السلام) قال: جلس النبي (صلى الله عليه وآله) في حائط فضربني ~~برجله فقال: (قم فوالله لأرضينك أنت أخي وأبوك والدي قاتل على سنتي، من مات ~~على عهدي فهو في كنز الجنة، ومن مات على # PageV00P387 # عهدك فقد قضى نحبه، ومن مات يحبك بعد موتك ختم الله له بالأمن والإيمان ~~ما طلعت شمس أو غربت) (1). # وروى الطبراني أن عليا (عليه السلام) قال: إن خليلي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) قال: (يا علي إنك ستقدم على الله أنت وشيعتك راضيين ومرضيين ويقدم ~~أعداؤك غضابا مقمحين) (2). # وروى الحاكم أبو القاسم الحسكاني في كتاب شواهد التنزيل لقواعد التفضيل ~~بإسناده عن سليم بن قيس الهلالي عن علي (عليه السلام) أنه قال: إن الله ~~تعالى إيانا عني بقوله: [لتكونوا شهداء على الناس] (3) فرسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) شاهد علينا ونحن شهداء الله على خلقه وحجته في ms287 أرضه ونحن ~~الذين قال تعالى: [وكذلك جعلناكم أمة وسطا]. # وروى أبو علي (رضي الله عنه) عن أبي الحمد مهدي بن نزار الحسيني قال: ~~حدثنا أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله الحسكاني قال: أخبرنا أبو عبد الله ~~الشيرازي قال: أخبرنا أبو بكر الجرجاني قال: حدثنا أبو أحمد البصري قال: ~~حدثنا أحمد بن عمار بن خالد قال: حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني قال: ~~حدثنا قيس بن الربيع عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) لما نزلت [اليوم أكملت لكم دينكم] الآية قال: (الله ~~أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضا الرب برسالتي وولاية علي بن أبي ~~طالب من بعدي) وقال: # (من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم والله من والاه وعاد من عاداه وانصر من # PageV00P388 # نصره واخذل من خذله) قال الربيع بن أنس: نزلت الآية في المسير في حجة ~~الوداع (1) قال علي بن إبراهيم من أصحابنا: كان نزولها بكراع الغميم ~~فأقامها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالجحفة (2). # وروى الثعلبي في تفسيره بإسناده مرفوعا إلى ابن عباس قال: نزلت هذه ~~الآية: [يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك] في علي (عليه السلام) أمر ~~النبي (صلى الله عليه وآله) أن يبلغ فيه فأخذ رسول الله بيد علي (عليه ~~السلام) فقال: (من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وآل من والاه وعاد من عاداه) ~~(3). # وروى الحاكم أبو القاسم الحسكاني بإسناده عن ابن عباس وجابر بن عبد الله ~~الأنصاري قالا: أمر الله محمدا أن ينصب عليا للناس ويخبرهم بولايته فتخوف ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يقولوا حابى ابن عمه وأن يطعنوا في ذلك ~~عليه فأوحى الله إليه هذه الآية فقام بولايته يوم غدير خم (4). # وروى الواحدي في كتابه المسمى بأسباب النزول عن أبي سعيد الخدري قال: ~~نزلت هذه الآية: [يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك] يوم غدير خم قال ~~بعض الشافعية هكذا ذكره الشيخ محيي الدين النووي (5) انتهى. # PageV00P389 # وروى أبو ms288 طالب الهروي بإسناده عن علقمة والأسود عن أبي أيوب الأنصاري أن ~~النبي (صلى الله عليه وآله) قال لعمار: (يا عمار سيكون بعدي هنات حتى يختلف ~~وله السيف فيما بينهم وحتى يقتل بعضهم بعضا وحتى يبرء بعضهم من بعض فإذا ~~رأيت ذلك فعليك بهذا الأصلع عن يميني علي بن أبي طالب فإن سلك الناس كلهم ~~واديا وسلك علي واديا فاسلك وادي علي وخل عن الناس يا عمار أن عليا لا يردك ~~عن هدى ولا يدلك على ردى يا عمار طاعة علي طاعتي وطاعتي طاعة الله) (1). # وروى الحاكم أبو القاسم الحسكاني قال: حدثني محمد بن القاسم بن أحمد قال: ~~حدثنا أبو سعيد محمد بن الفضيل بن محمد قال: حدثنا محمد بن صالح العرزمي ~~قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: حدثنا أبو سعيد الأشجع عن أبي خلف ~~الأحمر عن إبراهيم بن طهمان عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن ~~المسيب عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: # [واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة] (2) قال النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): (من ظلم عليا مقعدي هذا بعد وفاتي فكأنما جحد نبوتي ونبوة ~~الأنبياء قبلي) (3). # أقول وهذا الحديث نص في المطلب وصريح في المقصد قد دل بصراحته على أن من ~~تقدم على علي (عليه السلام) في خلافة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو ~~بمنزلة من جحد نبوته ونبوة من قبله من الأنبياء كما أسلفنا بيانه ويأتي ما ~~هو واضح فيه إن شاء الله ودعوى الخصوم رضاه معلومة البطلان بالبيان ~~والبرهان. # PageV00P390 # وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: ﴿كونوا مع الصادقين﴾ (1) مع علي (عليه السلام) ~~وأصحابه (2). # روى مشهورا في قوله تعالى: [رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى ~~نحبه] (3) أنه يعني حمزة بن عبد المطلب وجعفر بن أبي طالب: # [ومنهم من ينتظر] أنه يعني علي بن أبي طالب وفي رواية بزيادة عبيدة بن ~~الحارث بن المطلب شهيد بدر ms289 (4). # واتفق المفسرون أن عليا (عليه السلام) هو المؤمن في قوله تعالى: [أفمن ~~كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون] (5) فأمير المؤمنين (عليه السلام) هو ~~الصادق على الإطلاق وهو وأصحابه الثلاثة هم الصادقون بما عاهدوا الله عليه ~~[وما بدلوا تبديلا] كغيرهم وهو المؤمن وهو البر في قوله تعالى: # [إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا] (6) وهو [الذي عنده علم ~~الكتاب] في قوله تعالى: [قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم ~~الكتاب] (7). كما عن ابن مسعود وأبي عبد الرحمن السلمي ويشهد لذلك ما روي ~~عن علي (عليه السلام) أنه قال: (والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيمن نزلت ~~وأين نزلت وعلى من أنزلت إن ربي وهب لي قلبا # PageV00P391 # عقولا ولسانا ناطقا)، رواه ابن سعد (1) وروى هو وغيره عن أبي الطفيل قال: ~~ل علي (عليه السلام): (سلوني عن كتاب الله فإنه ليس من آية إلا وقد عرفت ~~بليل نزلت أم بنهار أم في سهل أم في جبل) (2). # أقول أنى يداني هذا من يقول أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا قلت في كتاب ~~الله بالرأي فيخبر عن نفسه أنه لم يعرف معاني الكتاب ولم يستعلم أحكامه من ~~النبي (صلى الله عليه وآله) ثم هو يتقدم على عالم الكتاب في إنفاذ أحكامه ~~فيالله للعجب العجاب قال في المناقب سأل معاوية خالد بن يعمر فقال له علام ~~أحببت عليا فقال على ثلاث خصال على حلمه إذا غضب وعلى صدقه إذا قال وعلى ~~عدله إذا حكم (3). # وروي مشهورا أن معاوية قال لضرار بن ضمرة، صف لي عليا فقال: # اعفني فقال: أقسمت عليك لتصفه، قال: أما إذا كان كلا ولا بد فإنه والله ~~كان بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، يتفجر العلم من ~~جوانبه، وتنطق الحكمة من لسانه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس بالليل ~~ووحشته، وكان غزير الدمعة، طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما خشن، ومن ~~الطعام ما جشب، وكان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألناه، ويأتينا إذا دعوناه، ~~ونحن والله مع ms290 تقريبه لنا وقربه منا لا نكاد نكلمه هيبة له، يعظم أهل ~~الدين، ويقرب المساكين، لا يطمع القوى في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، ~~وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، قابضا ~~على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، ويقول: يا دنيا غري ~~غيري، أبي تعرضت # PageV00P392 # أم إلي تشوقت، هيهات هيهات قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها، فعمرك قصير، ~~وخطرك يسير، وعيشك حقير، آه من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق، فبكى ~~معاوية وقال: رحم الله أبا الحسن كان والله كذلك فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ ~~فقال: حزن من ذبح ولدها في حجرها فهي لا يرقى دمعها ولا يخفى فجعها (1). # وفي مختصر (2) مناقب البلخي الشافعي لبعض الشافعية قال روي عن علي أنه ~~قال في مجلسه العام: (سلوني قبل أن تفقدوني، سلوني عن علم السماء فإني ~~أعلمها زقاقا زقاقا وملكا ملكا) فقال رجل من الحاضرين: حيث أدعيت ذلك يا ~~ابن أبي طالب ابن جبرئيل هذه الساعة فغطس قليلا وتفكر في الأسرار ثم رفع ~~رأسه قائلا إني طفت السماوات السبع فلم أجد جبرئيل وأظنه أنت أيها السائل ~~فقال السائل: بخ بخ من مثلك يا ابن أبي طالب وربك يباهي بك الملائكة ثم سجى ~~عن الحاضرين (2). # أقول ويصدق هذا الخبر قول أمير المؤمنين في بعض خطبه " إني بطرق السماء ~~أعلم مني بطرق الأرض (3) " ويزيل استبعاد النفوس الضعيفة عنه ما أوضحناه في ~~مسألة توقف الإمامة على النص حيث أقمنا هناك أدلة الحكمة والشرع على جواز ~~الالهام لأولياء الله. # PageV00P393 # وروي مستفيضا أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان جالسا في المسجد وعنده ~~أناس من الصحابة إذا جاء رجلان يختصمان فقال أحدهما يا رسول الله إن لي ~~حمارا ولهذا بقرة وإن بقرته نطحت حماري فقتلته فبدر رجل من الحاضرين فقال ~~لا ضمان على البهائم فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (اقض ~~بينهما يا علي) فقال علي (عليه السلام): كان الحمار والبقرة موثقين أم كانا ~~مرسلين أم أحدهما موثقا ms291 والآخر مرسلا فقال لا كان الحمار موثقا والبقرة ~~مرسلة وصاحبها معها فقال علي (عليه السلام) على صاحب البقرة الضمان وذلك ~~بحضرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقرر حكمه وأمضى قضاءه (1) قال بعض ~~العامة: هناك قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأصحابه: (أقضاكم علي) ~~(2). # قلت: ما أشبه هذه الواقعة بواقعة الحرث والغنم، وما أشبه حكم أمير ~~المؤمنين فيها بحكم سليمان بن داود، وله (عليه السلام) مثل ذلك ما تضيق ~~صدور الأرقام عن سطره وتعيى رؤوس الأقلام عن نقله ونظمه ونثره، وتكل الألسن ~~عن ذكره ونشره، وقد ذكرنا جملة من الأخبار التي تدخل في سلك هذا الباب في ~~رد احتجاج القوشجي على أفضلية الثلاثة وجميع ما أثبتناه من الأحاديث ~~والآيات هنا بين ناص على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد النبي (صلى ~~الله عليه وآله) ومصرح بخلافته، وبين ظاهر فيها ومشير إليها، وكلها تصرح ~~بأفضليته وتنطق بعلو شأنه وجلالته، فهي لما ذكرناه من النصوص المرتبة في ~~الفصول السابقة معاضدة # PageV00P394 # ولما حررناه من أدلة الإشارات والظواهر مساعدة، وكلها أو جلها مأخوذ من ~~الكتب التي يقر بصحتها خصمنا المعتزلي كما يعترف بثبوتها الأشعري تكون حجة ~~على كل منهما فيما ندعيه من النص الجلي، على مولانا أمير المؤمنين (عليه ~~السلام)، ومن يهدي الله فهو المهتدي. # احتج ابن أبي الحديد على فقدان النص بحديث السقيفة وأن عليا (عليه إسلام) ~~لم يحتج إذ ذاك بالنص ونقل الخبر من كتاب الجوهري وكان يثنى عليه بأنه من ~~الثقات المأمونين، قال: ونحن نذكر خبر السقيفة روى أبو بكر أحمد بن عبد ~~العزيز الجوهري في كتاب السقيفة قال: أخبرنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أحمد ~~بن سيار قال حدثنا سعيد بن كثير [بن عفير] (1) الأنصاري: أن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) لما قبض اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة فقالوا إن ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد قبض، وساق الرواية وهي طويلة فذكر ~~فيها قول سعد بن عبادة للأنصار وإجابتهم إلى توليته، ثم اختلافهم عليه في ms292 ~~الاستبداد بالأمر واختيارهم لأن يكون منهم أمير ومن قريش أمير، ومضي أبي ~~بكر وعمر وأبي عبيدة إلى السقيفة واحتجاجهم على الأنصار بقرابتهم من الرسول ~~(صلى الله عليه وآله وسلم)، وعرض أبي بكر على عمر وأبي عبيدة المبايعة ~~لواحد منهما وإبائهما التقدم عليه لأنه ثاني اثنين في الغار ولأن رسول الله ~~أمره بالصلاة وكلام الأنصار، ومخاصمتهم لأبي بكر وصاحبيه، ورضا عمر وأبي ~~عبيدة بخلافة أبي بكر، وموافقة بشير بن سعد الخزرجي، وكان من سادات الخزرج ~~لهما حسدا لابن عمه سعد بن عبادة - وموافقة أسيد بن حضير رئيس الأوس لهم ~~حسدا لسعد أيضا ومنافسة له أن يلي الأمر، وأن الأوس كلهم بايعوا أبا بكر ~~لما تابعه رئيسهم، وحمل سعد بن عبادة وهو مريض إلى منزله # PageV00P395 # وامتناعه من بيعة أبي بكر، واجتماع بني هاشم ومعهم الزبير إلى علي بن أبي ~~طالب، واجتماع بني أمية إلى عثمان، وبني زهرة إلى سعد وعبد الرحمن بن عوف، ~~وقول عمر لهم لما أقبل من السقيفة مع أبي بكر ومن بايعه هناك: # مالي أراكم حلقا (1) قوموا فبايعوا أبا بكر فقد بايعه الناس وبايعه ~~الأنصار! # فقام عثمان ومن معه وسعد وعبد الرحمن ومن معهما فبايعوا أبا بكر، قال: # وذهب عمرو معه عصابة إلى بيت فاطمة معهم أسيد بن حضير وسلم بن أسلم فقال ~~لهم: انطلقوا فبايعوا فأبوا عليه وخرج الزبير بسيفه فقال عمر: # عليكم الكلب، فوثب عليه سلم بن أسلم فأخذ السيف من يده فضرب به الجدار، ~~ثم انطلقوا به وبعلي ومعهما بنوا هاشم وعلي يقول: (أنا عبد الله وأخو رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) حتى انتهوا به إلى أبي بكر فقيل له: # بايع، فقال: أنا أحق بهذا الأمر منكم لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي ~~أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فأعطوكم المقادة، وسلموا إليكم الإمارة، وأنا أحتج ~~عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار فأنصفونا إن كنتم تخافون الله من ~~أنفسكم، واعرفوا لنا من الأمر مثلما ms293 عرفته الأنصار لكم وإلا فبوؤا با لظلم ~~وأنتم تعلمون، فقال عمر: إنك لست متروكا حتى تبايع، فقال له علي (عليه ~~السلام): أحلب يا عمر حلبا لك شطرة، اشدد له اليوم أمره ليرده عليك غدا لا ~~والله لا أقبل قولك ولا أبايعه فقال له أبو بكر: فإن لم تبايعني لم أكرهك، ~~فقال له أبو عبيدة: يا أبا الحسن إنك حدث السن (2) وهؤلاء مشيخة قريش ليس ~~لك تجربتهم ومعرفتهم بالأمور، ولا أرى أبا بكر إلا أقوى على هذا الأمر منك ~~وأشد احتمالا له واضطلاعا به، فسلم له هذا الأمر وارض به، فإنك إن تعش ويطل ~~عمرك فأنت بهذا الأمر خليق، وبه # PageV00P396 # حقيق في فضلك وقرابتك وسابقتك وجهادك، فقال علي: يا معشر المهاجرين الله ~~الله لا تخرجوا سلطان محمد عن داره وبيته إلى بيوتكم ودوركم، ولا تدفعوا ~~أهله عن مقامه في الناس وحقه، فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أهل البيت أحق ~~بهذا الأمر منكم، أما كان منا القارئ كتاب الله، الفقيه في دين الله، ~~العالم بالسنة المضطلع بأمر الرعية، والله إنه لفينا فلا تتبعوا الهوى ~~فتزدادوا عن الحق بعدا فقال بشير بن سعد: لو كان هذا الكلام سمعته منك ~~الأنصار يا علي قبل بيعتهم لأبي بكر ما اختلف عليك اثنان ولكنهم قد بايعوا، ~~وانصرف علي إلى منزله ولم يبايع ولزم بيته حتى ماتت فاطمة فبايع (1). # أقول: وهذه الرواية قد رويت من طرقنا بزيادات من جملتها ذكر علي (عليه ~~السلام) بعض ما قيل فيه من النصوص وأن بشيرا قال ما قال بعد سماعه من علي ~~(عليه السلام) ذكر النص عليه من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأن أبا ~~بكر جاء في تلك الحال برواية (لم يكن الله ليجمع لنا بين النبوة والخلافة) ~~وصدقه من أصحابه من هو على مثل رأيه إلى آخره ما هناك ولا أشك في أن تلك ~~الأمور أسقطها محدثوا القوم من الخبر لتصريحها بمذهب الإمامية كما هي ~~عادتهم، ويشهد لذلك ما أسلفناه في حديث أحمد بن أبي طاهر عن ابن ms294 عباس حين ~~قال له عمر وهو يسأل عن علي (عليه السلام): هل بقي في نفسه شئ من أمر ~~الخلافة؟ قال ابن عباس: قلت: # نعم قال: أيزعم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نص عليه؟ # قلت: نعم وأزيدك أني سألت أبي عما يدعيه فقال: صدق فقد بينا صراحة هذا ~~الكلام في أن عليا (عليه السلام) ما زال طالبا للخلافة محتجا عليها بالنص ~~من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عليه وأن العباس قد شهد # PageV00P397 # له بالنص عليه، وأن ابن عباس قد علم ذلك وسمعه، وأن عمر قد علم ذلك ولم ~~يخف عليه، ولا يجوز أن يكون غيرهم من الصحابة غير عالم بذلك، لأن الكلام ~~يدل على أن أمير المؤمنين كان يجهر بذلك ولا يخفيه في جميع أوقاته، ومن ~~البين أن أولى الأوقات بذكره هذا الوقت المذكور الذي كشف فيه عن مقصدهم ~~بالتغلب عليه وبين لهم استحقاقه للأمر دونهم بالدليل، وليس من الجائز أن ~~يتركه في هذا الحين ويذكره بعد ذلك بسنين، فمن اليقين أنه دونهم بالدليل، ~~وليس من الجائز أن يتركه في هذا الحين ويذكره بعد ذلك بسنين، فمن اليقين ~~أنه ذكره في وقته ذاك لكن القوم كتموه وستروه، والمحدثين من الخبر أسقطوه، ~~ولا ضير علينا في ذلك فقد بقي في الرواية ما يرمي الخصوم بسهام نافذة، ~~ويضربهم بسيوف شحيذة، وسنبينه إن شاء الله تعالى. # قال ابن أبي الحديد بعد انتهاء الرواية: قلت: هذا الحديث يدل على بطلان ~~ما تدعي الإمامية (1) من النص على أمير المؤمنين وغيره لأنه لو كان هناك نص ~~صريح لاحتج به، ولم يجر للنص ذكر وإنما كان الاحتجاج منه ومن أبي بكر ومن ~~الأنصار بالسوابق والفضائل والقرب، فلو كان هناك نص على أمير المؤمنين أو ~~على أبي بكر لاحتج به أبو بكر على الأنصار ولأحتج به أمير المؤمنين على أبي ~~بكر، فإن هذا الخبر وغيره من الأخبار المستفيضة يدل على أنه قد كان كاشفهم، ~~وهتك القناع بينه وبينهم. ألا تراه كيف نسبهم إلى التعدي عليه وظلمه، ms295 وتمنع ~~من طاعتهم، وأسمعهم من الكلام أشده وأغلظه، فلو كان هناك نص لذكره أو ذكره ~~من كان من شيعته وحزبه، لأنه (لا عطر بعد عروس) وهذا أيضا يدل على أن الخبر ~~الذي في أبي بكر في صحيح البخاري # PageV00P398 # ومسلم غير صحيح، وهو ما روي من قوله (صلى الله عليه وآله) لعائشة: (ادعي ~~لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابا فإني أخاف أن يقول قائل أو يتمنى ~~متمن ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر) وهذا هو نص مذهب المعتزلة (1) ~~انتهى. # وها نحن ذا نبدأ بذكر ما يخالف مذهبه من صريح الخبر ثم نعود إلى الجواب ~~عن قوله، لنعلمك أن الحجة التي بها علينا يصول عليه لا له وذلك من وجهين: # الأول اشتمال الخبر عن منازعة أمير المؤمنين (عليه السلام) القوم ~~ومكاشفته إياهم، ونسبتهم إلى الظلم والتعدي، والتظاهر على أهل البيت بأخذ ~~مقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإخراجهم سلطانه من داره إلى دورهم، ~~ورميهم بالمواطأة على ذلك بقوله لعمر: (أشدد له اليوم أمره ليرده عليك ~~غدا)، ونحو ذلك مما اشتمل عليه الخبر، ولقد صدق فيما قال ولم يزل صادقا فإن ~~أبا بكر أوصى بالأمر إلى عمر وعمر تحسر على فقد أبي عبيدة وسالم مولى أبي ~~حذيفة حين طعن، وقال لو كان أحدهما حيا لم يتخالجه الشك فيه وذلك يصرح بما ~~تدعيه الإمامية من معاقدة الجماعة على ابتزاز الأمر وإخراج الخلافة عن أهل ~~بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد وفاته، وأن الأمر لأبي بكر ~~وبعده لعمر وبعده لأحد الرجلين المذكورين فصرح الخبر تصريح الليل عن صبحه ~~بأن أمير المؤمنين (عليه السلام) طاعن في خلافة من تقدم عليه، ويعضد ذلك ما ~~في آخر الخبر من تركه (عليه السلام) مبايعة أبي بكر وملازمته منزله، ولو لم ~~يكن ساخطا ولايته ما ترك بيعته ولا تقاعد عنها لأن الراضي بشئ لا يتركه لا ~~سيما وهو من الأمور الواجبة لوجوب طاعة الإمام ومساعدته وهذا خلاف ما يدعيه ~~ابن # PageV00P399 # أبي الحديد وأصحابه من ms296 رضى أمير المؤمنين بخلافتهم، وعدم منازعته إياهم، ~~وأنه لم يطعن عليهم بظلم، ولا باتباع هوى، ولا بتظاهر على منعه حقا له، ~~وكان الخصم قد ملأ كتابه من ذكر هذه الدعوى، والتظاهر بها على الإمامية، ~~والخبر المذكور الذي به يصول ويجول يخدش هذه الدعوى ويبطلها كما اعترف هو ~~به في كلامه المنقول فتبين أنه فيما يدعيه من رضا أمير المؤمنين بخلافة من ~~تقدم عليه غير مصيب، وأن الإمامية في إنكارهم رضاه (عليه السلام) بها على ~~الحق والهدى والصواب والمحجة البيضاء وهذا هو المراد والمطلوب. # الثاني إن الخبر قد صرح بأنهم قد سلكوا طريق العناد والعصبية، ولم يسلكوا ~~مسلك الرشاد والحق، وذلك أنهم احتجوا على الأنصار بالقرابة من الرسول (صلى ~~الله عليه وآله) وأخرجوهم من الأمر بهذه الحجة فلما احتج أمير المؤمنين ~~عليهم بها أعرضوا عن قبولها، وأبوا العمل بموجبها، وضربوا عنها صفحا حيث ~~كانت في هذا المقام مفسدة لما يريدون من الاستبداد بالأمر، واغتصاب علي ~~(عليه السلام) حقه فأجاب بعضهم: بأنك لست متروكا حتى تبايع، فأظهر ما في ~~نفسه من حمية الجاهلية وبعض أجاب: بانا لا نكرهك، وبعض أجاب: بأنك حدث ~~السن، وبعض: بانا لم نسمع هذا الكلام منك قبل، وأي شئ في هذا كله من الجواب ~~عما احتج به أمير المؤمنين (عليه السلام) أما الأول والثاني فظاهر، وأما ~~الثالث فيقال له: # أولا إنكم لم تحتجوا على الأنصار بشيخوخة أبي بكر بل احتججتم بقربه من ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فهذا علي يحتج عليكم بهذه الحجة، فإن ~~كانت عندكم حقا وجب عليكم تسليم الأمر إليه، وأن كانت عندكم باطلا فلا يجوز ~~لكم أن تدفعوا الأنصار عن الأمر بشئ باطل، وحجة فاسدة عندكم، ويقال له ~~ثانيا أين كبر السن يوم المؤاخاة بين الصحابة لم لا أستحق بها أخوة رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله)، ما نرى استحق أخوة PageV00P400 # الرسول (صلى الله عليه وآله) إلا حدث السن أفتعجز شيبة أبي بكر عن ~~استحقاقه بها أخوة النبي (صلى الله عليه وآله) في حياته ms297 ويستحق بها خلافته ~~بعد وفاته أهذا من الحق والإنصاف؟ وأين التقدم بالسن يوم براءة كيف ما ~~استحق بها التبليغ عن النبي (صلى الله عليه وآله) وأين كانت ذلك يوم عمرو ~~بن عبد ود؟ وأين كانت يوم مرحب وغيرها من الأيام التي يطول بعدها المقام؟ ~~ما نرى كانت كلها إلا لذلك الحدث السن فما يمنعه من الخلافة وهو الشجاع ~~العالم التقي الناصر للإسلام، والمحامي عن الدين الفائز بالجهاد والسبق ~~والقرابة بقولك ويقال له: أيضا أي أمر من الأمور له فيه تجربة تزيد على ~~تجربة علي (عليه السلام) أفي حرب أم في سلم أم في سياسة أم في حكم؟ وأين ~~كانت هذه التجربة له في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم لا استحق ~~بها عنده التقدم في قيادة الجيوش، وسياسة الأمور؟ ما رأينا استحق ذلك إلا ~~ذلك الحدث السن الذي ادعيت أنه قليل التجربة ومن لم يكن له من التجربة ما ~~يستحق بها أن يكون أمير سرية يسوس أمرها أيستحق بتجربته ولاية الأمة؟! ثم ~~يقال له: إن كان المعتمد عندكم في الخلافة كبر السن والتجربة فالعباس عم ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أسن من أبي بكر لا خلاف بين أهل ~~التاريخ في ذلك، وهو كثير التجربة ثاقب الروية زين العقل عظيم الحلم على ~~ذلك اتفق الناس من أهل الرواية والسيرة والمعرفة بأحوال السلف مع قربه من ~~رسول الله فهو على هذا أحق بالأمر على قولكم فلن تعدوا عن أن تكونوا ظلمتم ~~عليا (عليه السلام) إلا أن تكونوا ظلمتم العباس فالظلم لكم لازم على كل ~~حال. # ويقال للرابع وهل يخفى عليك قرب علي (عليه السلام) من رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وأنه أقرب الخلق منه فما منعك حين احتج أبو بكر ~~وصاحباه على قومك بقرابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتركت نصرة قومك ~~PageV00P401 # لصحة هذه الحجة عندك من أن تقول لهم صدقتم الأقرب إلى الرسول أحق بمقامه ~~وعلي أقرب إليه منكم فهو الأحق بمقامه من كل ms298 أحد فامضوا بنا إليه جميعا ~~لنبايعه ونسلم إليه خلافة ابن عمه ثم يقال له هب إنك لا تدري أولا بقرابة ~~علي (عليه السلام) من رسول الله، أو نسيت ذلك ثم علمت الآن أن الأمر حق ~~لعلي (عليه السلام) بمقتضى حجة أبي بكر على قومك أليس من الواجب عليك إذ ~~كنت قادرا انتزاع الحق من غير أهله وإيصاله إلى ربه ومستحقه ومساعدته على ~~ذلك، وهل ذلك إلا بمنزلة شئ تداعاه اثنان فأقام أحدهما بنية على استحقاقه ~~إياه فحكم له به، ثم جاء ثالث فاستشهد لك البينة فشهدت له بأنه حق فإن ينزع ~~من يد الأول ويدفع إلى هذا أفليس في إعراضهم عن قبول الحجة التي دفعوا بها ~~خصومهم على أنفسهم إذا احتج بها أمير المؤمنين (عليه السلام) عليهم دليل ~~واضح وبرهان راجح وعلم لائح، على أنهم مجانبون للحق ومتعمدون على إنكار ~~الحجة التي يوردها أمير المؤمنين عليهم كائنة ما كانت نصا أو الزاما لا ~~يخفى ذلك من أمرهم على ذي فطنة وكل هذا نص مذهب أصحابنا الإمامية ومخالف ~~لمذهب أصحاب ابن أبي الحديد المعتزلة ومناقض لأقوالهم من أن الجماعة لم ~~يرتكبوا منكرا ولم يأتوا بباطل، ولم يردوا حجة صحيحة على أمير المؤمنين، ~~ولم يفعلوا ما يجوز نسبتهم لأجله إلى الظلم والتعدي، وأنهم كانوا على غاية ~~من الديانة والصلاح ومنزلة رفيعة من العدل والانصاف، وإنما غاية أمرهم أنهم ~~فعلوا غير الأولى، وهذا أمير المؤمنين (عليه السلام) قد رماهم بجميع ما ~~برئتموهم منه بموجب روايتكم، ونسبهم إلى ارتكاب المعصية ورد الحجة وعدم ~~الخوف من الله، فما أدري أتكذبون روايتكم التي بها تحتجون، أم تفسقون من ~~تعدلون، أم تطعنون في صدق أمير المؤمنين (عليه السلام) لنسبته الظلم إليهم، ~~وهو الصديق الأمين لا محيص لكم عن اختيار واحد من هذه الوجوه الثلاثة ~~فاختاروا منها - أكرمكم الله - ما شئتم يكن فيه قطع حجتكم واستئصال أصل ~~PageV00P402 # مذهبكم، على أن في قولهم: إن القوم بولاية أبي بكر وتركهم عليا (عليه ~~السلام) تركوا الأولى وقولهم إن الصحابة فعلوا ما ms299 هو الأصلح للإسلام ~~والمسلمين إذ ولوا أبا بكر تناقضا بينا لأن فعل الأصلح واجب، فكيف يكون ~~خلاف الأولى والتخالف في أقوالهم كثير، هذا كله على تقدير تسليم قول ~~المعتزلي أن الرواة لم يذكروا لأمير المؤمنين (عليه السلام) فيها نصا، وليس ~~الأمر كما ذكر بل الرواية مذكور فيها بعض ذلك صريحا كقوله (عليه السلام) ~~فيها: (وأخو رسول الله) (صلى الله عليه وآله) فإنا قد بينا أن الأخوة تقتضي ~~المماثلة وهي نص في الإمامة، واحتج بالأعلمية عليهم، في قوله: # (أما كان منا القارئ لكتاب الله الفقيه في دين الله) وقد قدمنا أن الإمام ~~يشترط أن يكون أعلم أهل زمانه، فهذا من النصوص، واحتج بالقرابة وهي من شروط ~~الإمام أيضا، وقد ذكرنا أن المنصوص عليه بالأقربية كالمنصوص عليه بالإمامة، ~~فهذه من جملة النصوص والقوم لم يقبلوها منه، ولم يجيبوه عنها بشئ من الحجة، ~~واحتجاج أبي بكر على علي (عليه السلام) بالسابقة غير ذلك كما يوهمه كلام ~~المعتزلي لا أثر له في الخبر، نعم النص الذي يريده ابن أبي الحديد من علي ~~(عليه السلام) أن يذكره وهو إنزال كتاب من السماء لم يأت به أمير المؤمنين ~~ثم إن في قوله (عليه السلام) (نحن أهل البيت أحق بمقامه) إشارة إلى النص ~~لأن الأحقية في الخلافة لا تكون بدون تعيين من الرسول (صلى الله عليه ~~وآله)، وليس من مذهب علي (عليه السلام) الاجتهاد في الأحكام، والقول ~~بالرأي، بل طريقته الوقوف عند النص والاقتصار على السماع من الكتاب والسنة، ~~وقد شهد بذلك ابن أبي الحديد في مواضع من كتابه، فإذن دعوى على الأحقية ~~بمقام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بدون نص منه عليه ممتنعة لكنه ادعى ~~ذلك فالنص عليه موجود فتبصر، مما يحسن نقله هنا من تظلمات أهل البيت من ~~أئمة المعتزلي ودعواهم النص من رسول الله (صلى الله عليه وآله) PageV00P403 # عليهم ما ذكره من كلام أبي جعفر الباقر مرارا قال في موضع منها وقد روي ~~أن أبا جعفر محمد بن علي الباقر قال لبعض أصحابه: ms300 " يا فلان ما لقينا من ~~ظلم قريش إيانا وتظاهرهم علينا وما لقي شيعتنا ومحبونا من الناس، إن رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قبض وقد أخبر إنا أولى الناس بالناس ~~فتمالأت علينا قريش حتى أخرجت الأمر من معدنه، واحتجت على الأنصار بحقنا ~~وحجتنا، ثم تداولتها قريش واحدا بعد واحد حتى رجعت إلينا، فنكثت بيعتنا ~~ونصبت الحرب لنا، ولم يزل صاحب الأمر في صعود كؤد حتى قتل فبويع ابنه الحسن ~~وعوهد ثم غدر به وأسلم، ووثب عليه أهل العراق حتى طعن بخنجر في جنبه وانتهب ~~عسكره، وأولجت خلاخيل أمهات أولاده، فوادع معاوية وحقن دمه ودم أهل بيته ~~وهم قليل حق قليل، ثم بايع الحسين (عليه السلام) من أهل العراق عشرون ألفا ~~ثم غدروا به، وخرجوا عليه وبيعته في أعناقهم، ثم لم نزل أهل البيت نستذل ~~ونستضام ونقصي ونمتهن ونحرم ونقتل ونخاف، ولا نأمن على دمائنا ودماء ~~أوليائنا، ووجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعا يتقربون به إلى ~~أوليائهم، وقضاة السوء وعمال السوء في كل بلدة فحدثوهم بالأحاديث الموضوعة ~~المكذوبة، ورووا عنا ما لم نقله ولم نفعله ليبغضونا إلى الناس، وكان عظم ~~ذلك وكبره زمن معاوية بعد موت الحسن (عليه السلام)، فقتلت شيعتنا بكل بلدة، ~~وقطعت الأيدي والأرجل على الظنة، وكان من يذكر بحبنا والانقطاع إلينا سجن ~~أو نهب ماله أو هدمت داره، ثم لم يزل البلاء يشتد ويزداد إلى زمن عبيد الله ~~بن زياد قاتل الحسين (عليه السلام)، ثم جاء الحجاج فقتلهم كل قتله، وأخذهم ~~بكل ظنة وتهمة حتى أن الرجل ليقال له زنديق أو كافر أحب إليه من أن يقال ~~شيعة علي (عليه السلام) وحتى صار الرجل الذي يذكر بالخير ولعله يكون ورعا ~~صدوقا يحدث بأحاديث عظيمة عجيبة من تفضيل بعض من سلف من الولاة، ولم يخلق ~~الله تعالى PageV00P404 # شيئا منها ولا كانت ولا وقعت، وهو يحسب أنها حق لكثرة من قد رواها ممن لم ~~يعرف بكذب ولا بقلة ورع " (1) انتهى. وقد صرح صدر الرواية بأن رسول الله ~~(صلى الله ms301 عليه وآله وسلم) أخبر الناس أن أهل بيته أولى بالناس من أنفسهم، ~~وهذا هو النص عليهم ثم قوله (عليه السلام): (فتمالأت علينا قريش حتى أخرجت ~~الأمر من معدنه) صريح في نسبة الظلم إلى المتقدمين، وقوله: (واحتجت على ~~الأنصار بحقنا وحجتنا) واضح في أن القرابة من الرسول (صلى الله عليه وآله) ~~أمر يستحق به الخلافة، وأن ذلك الأمر حقهم وحجتهم، أخذها غيرهم واحتج بها ~~على الأنصار، والواجب عليه أن يسلم لهم الحق والحجة لأنها لهم دونه، ~~والباقي من الخبر ظاهر وآخره يصرح بوضع القوم واتباعهم الأحاديث المكذوبة ~~على ما يشتهون ويدعون، وأن أكثر ذلك كان في زمان معاوية، وقد أوضحنا هذا ~~المطلب فيما مر فقد بان من جميع ما ذكرنا واتضح أن الخبر الذي استند إليه ~~ابن أبي الحديد وعليه اعتمد في إبطال النص عاد بالآخرة دليلا لنا ومستندا ~~لقولنا فاندفع لوم اللائمين وعذل العادلين، وتبين الغث من السمين، والحمد ~~لله رب العالمين. # ثم نشرع الآن في الجواب عن شبهته والكلام على دفع ريبته، وإن كان فيما ~~ذكرناه كفاية في إبطال حجته، لكن لا ندع الازدياد من الخير وكثرة الاستظهار ~~بالحجج بعون الله فنقول: من تأمل وتبصره وتدبر وتفكر، ونظر في الأخبار ~~والآثار نظر من أنصف واعتبر علم يقينا أن القوم إذ ارتكبوا من أخذ الخلافة ~~ما ارتكبوا، وحين انتهزوا ما انتهزوا من الفرصة في إدراك الرئاسة، قد عضوا ~~عليها بأسنانهم وقبضوا عليها بأناملهم، لا يرجعون عنها بنص ولا ينتظرون ~~فيها مشاورة ذي فضل، ولا ينزلون عنها بحجة، ولا يبالون فيها من غضب ولا ~~عدول لهم عنها إلا بالسيف لو حصل قد سلكوا فيها مسلك # PageV00P405 # الجبرية والقهر، يلزمون من رأوه ببيعتهم ولا يعذرونه عنها بعذر ولا ~~يقبلون منه عدلا ولا صرفا، حتى استتم لهم ما أرادوا واستتب لهم ما طلبوا، ~~ألا ترى لعمر كيف قال في السقيفة حين تم له ما أراد: اقتلوا سعدا قتل الله ~~سعدا وكيف قال للزبير: عليكم الكلب إذا خرج يدافعهم عن الهجوم على بيت ~~فاطمة كما ms302 ذكر في الحديث المذكور، فهم معرضون عن كل حجة ترد عليهم من كل ~~محتج لا يلتفتون إليها ولا يبالون بمن أوردها عليهم، وأنهم مصرون على إنكار ~~النص إن أورده مورد، ومصمموا العزم عليه ومهيئون من الشبه إلى ما لا يسعهم ~~إنكاره، ولا يمكنهم ستره وكتمانه ما يدفعون به عند العامة سورة المحتج به ~~عليهم، ولم يكونوا في أمرهم مراعين لحجة ولا ناظرين لدليل ولا راجعين عما ~~دخلوا فيه لبرهان مبين والذي يدل على ذلك وجوه. # الأول: ما مر في الخبر من إعراضهم عن قبول الحجة بالقرابة من النبي (صلى ~~الله عليه وآله) حين احتج بها عليهم أمير المؤمنين (عليه السلام)، وروى ابن ~~أبي الحديد: في موضع آخر أنه (عليه السلام) إذ ذاك خاطب أبا بكر في معرض ~~الحجة بهذين البيتين. # فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم * فكيف بهذا والمشيرون غيب وإن كنت بالقربى ~~حججت خصيمهم * فغيرك أولى بالنبي وأقرب (1) وهي كانت حجتهم العظمى التي ~~أبطلوا بها دعوى الأنصار وغلبوهم وفلجوا بها عليهم، لا السابقة والفضل كما ~~ذكر المعتزلي، وإن كان ذلك مخالفا لمذهبه إذ لا يجب عنده تقديم الأفضل فلما ~~احتج بها عليهم من هو أولى بها منهم أعرضوا عنها كأن لم يسمعوها ولم يصغ ~~واحد منهم إلى قبولها ولا # PageV00P406 # التفت إليها، بل جنحوا إلى إفسادها وإبطالها بالشبهات، فمال بعضهم إلى ~~التعلل بحداثة السن وآخر إلى عدم سماعها قبل بيعته لأبي بكر فصرح أنه لا ~~يقبل حجة بعد البيعة مع كونها عنده صحيحه، وما النص إلا حجة وقد صرحوا أنهم ~~لا يقبلون الحجة من أمير المؤمنين (عليه السلام) لحداثة سنه ولسبق بيعة أبي ~~بكر على احتجاجه، فمن بلغ أمرهم إلى هذا المقدار من ترك الإصغاء إلى سماع ~~الحجة والعمل بها وهي الحجة التي يحتجون بها على خصومهم كيف يمتنع منهم ~~إنكار النص لو أورد عليهم ويبعد عليهم رده لو احتج عليهم؟ # الثاني: إن أمير المؤمنين (عليه السلام) احتج عليهم غير القرابة بأشياء ~~أخر كأخوة الرسول (صلى الله عليه وآله)، والعلم بكتاب ms303 الله، والفقه في دين ~~الله وغير ذلك مما اشتمل عليه الخبر، فلم يعرجوا ولا واحد منهم على قبول ~~ذلك منه وكأنهم لم يسمعوا ما قال وهم في السقيفة يحتجون على أحقية أبي بكر ~~بالخلافة بفضيلته بصحبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الغار، فلما ~~احتج أمير المؤمنين (عليه السلام) لنفسه عليهم بالفضل الفائق أعرضوا عنه ~~ورفضوه فمن لم يقبل حجته لنفسه على نفسه كيف يقبل غيرها من الحجج أو يلتزم ~~بها. # الثالث: اقتحامهم على بيت فاطمة وإخراجهم عليا ومن معه يسوقونهم سوقا ~~عنيفا بعد التهديد بإحراق البيت عليهم إن لم يفتحوا الباب وتسمية الزبير ~~كلبا كما مر ذكره في الخبر وغيره من الأخبار، وقد ذكر الخصم من ذلك في ~~كتابه الكثير الواسع وذلك كله من دون أن يقيموا عليه حجة أو يوردوا عليه ~~دليلا، ولو لم يكن من ذلك كله إلا قول عمر له (عليه السلام): # لست متروكا حتى تبايع، لكفى في الدلالة على ما نسبناه إلى القوم من عدم ~~استماعهم للحجة وقبولهم للعذر أو وقوفهم عند النص. PageV00P407 # الرابع: إن العباس بن عبد المطلب لما احتج على أبي بكر بمحضر جماعة من ~~أصحابه كعمر وأبي عبيدة كما في رواية طويلة ذكرها الخصم من كتاب الجوهري عن ~~البراء بن عازب حيث قال له: فإن كنت برسول الله طلبت فحقنا أخذت، وإن كنت ~~بالمؤمنين فنحن منهم ما تقدمنا في أمركم فرطا، ولا حللنا وسطا ولا نزحنا ~~سخطا فإن كان هذا الأمر يجب لك بالمؤمنين فما وجب إذ كنا كارهين، وما أبعد ~~قولك: إنهم طعنوا فيك من قولك إنهم مالوا إليك إلى أن قال: وأما قولك: إن ~~رسول الله منا ومنكم فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) من شجرة نحن ~~أغصانها وأنتم جيرانها، وأما قولك يا عمر إنك تخاف الناس علينا فهذا الذي ~~قدمتموه أول ذلك وبالله المستعان (1)، لم يجبه هو ولا أصحابه بشئ بل تركوا ~~الحجة وأعرضوا عنها كأنهم لم يفهموها، وكانوا في أول الكلام يحتجون بها على ~~العباس ويقرعونه ms304 بها فلما أوردها عليهم وعرفوا أنها له ولأهل بيته دونهم ~~ضربوا عنها صفحا ولم ينقادوا لها ولا نزعوا عما هم فيه لأجلها ولاحتجوا إلى ~~العمل بها، ومن يعرض عن قبول حجته التي يجادل بها على نفسه فهو بعدم قبول ~~غيرها من الحجج أخلق، وإلى الإعراض عن النص ورده أقرب، وهذه المجادلة وقعت ~~بعد بيعة أبي بكر بيومين والرواية صريحة في أن بني هاشم كانوا كارهين إمارة ~~الرجل ومكرهين على بيعته، فأين الرضا بخلافته وأين رجوعه وأصحابه إلى الحجة ~~والعمل بمقتضاها حتى يستنكر منهم كتمان النص ودفعه لو أورد عليهم؟ # الخامس: ما رواه ابن أبي الحديد عن أبي بكر الجوهري قال: حدثني المغيرة ~~بن محمد المهلبي من حفظه وعمر بن شبة من كتابه بإسناد رفعه إلى أبي سعيد ~~الخدري قال: سمعت البراء بن عازب يقول: لم أزل لبني هاشم محبا # PageV00P408 # فلما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) خفت أن تتمالأ قريش على إخراج ~~هذا الأمر عنهم فأخذني ما يأخذ الوالهة العجول مع ما في نفسه من الحزن ~~لوفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فكنت أتردد إلى بني هاشم وهم عند ~~النبي (صلى الله عليه وآله) في الحجرة، وأتفقد وجوه قريش إذ فقدت أبا بكر ~~وعمر وإذا قائل يقول: # القوم في سقيفة بني ساعدة - وإذا قائل آخر يقول: # قد بويع أبو بكر: فلم البث وإذا أنا بأبي بكر قد أقبل ومعه عمر وأبو ~~عبيدة وجماعة من أصحاب السقيفة وهم محتجزون بالأزر الصنعانية لا يمرون بأحد ~~إلا خبطوه وقدموه فمدوا يده فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه شاء ذلك أو أبى، ~~فأنكرت عقلي وخرجت اشتد حتى انتهيت إلى بني هاشم والباب مغلق فضربت عليهم ~~الباب ضربا عنيفا وقلت: قد بايع الناس لأبي بكر بن أبي قحافة، فقال العباس: ~~تربت أيديكم إلى آخر الدهر أما إني أمرتكم فعصيتموني، فمكثت أكابد ما في ~~نفسي، ورأيت في الليل المقداد وسلمان وأبا ذر وعبادة بن الصامت وأبا الهيثم ~~بن التيهان وحذيفة وعمارا وهم يريدون أن ms305 يعيدوا الأمر شورى بين المهاجرين، ~~إلى آخر ما قال من إخبار حذيفة الجماعة بما علمه من أمر القوم ومسير ~~المذكورين إلى أبي بن كعب للمساعدة وطلبهم منه فتح بابه وقوله لهم وبالله ~~ما يفتح علي بابي حتى تجري على ما هي عليه جارية ولما يأتي بعدها شر منها ~~وإلى الله المشتكى (1)، وقد دل الخبر على أمور. # منها أن الناس يعلمون بغض قريش لبني هاشم في حياة النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) ولذا خاف البراء من تمالئهم على إخراج الخلافة عن بني هاشم ~~ولولا ذلك ما كان للخوف معنى. # PageV00P409 # ومنها أن الناس يعلمون أن خلافة النبي (صلى الله عليه وآله) لبني هاشم ~~إما من جهة النص وإما من جهة القرابة، وأن إخراجها عنهم ولا يكون إلا ~~بتمالئ قريش عليهم. # ومنها أن بيعة الناس لأبي بكر لم تكن برضى واختيار. # ومنها أن أبا بكر وأصحابه لم يسمعوا لأحد حجة ولا يحتجوا عليه بدليل ولا ~~يقيموا على مدعاهم بينة، بل يلزمون الناس بالبيعة قهرا ويصرح بهذين الأمرين ~~من الخبر قوله: لا يمرون بأحد إلا خبطوه إلى آخر الجملة، وذلك كله عين ما ~~نسبناه إليهم من دون زيادة ولا نقص، فمن كانت حالهم هذه كيف يرجعون عما ~~ملكوه بحجة أو يسلموا ما في أيديهم إلى صاحبه ومالكه بنص وبينة؟ # ومنها أن جماعة من خيار الصحابة كسلمان ومن معه كانوا رادين بيعة أبي بكر ~~ومنكرين خلافته، وكانوا يسعون في خلعه وإخراجه عن الإمارة جهدهم فما ~~استطاعوا، فأين الإجماع والرضا؟ # ومنها أن علماء الصحابة كحذيفة وأبي يرون أن تلك البيعة كانت شرا وما ~~بعدها شر منها وذلك نص ما نقول، فهذه الوجوه كلها شواهد حق وأدلة صدق على ~~ما ادعيناه، وما إلى القوم عزوناه من دخولهم في الأمر دخول مشاغبة وتغطرس ~~واستكبار عن استماع الحجة، لا دخول متبصر منصف يميل مع الدليل حيثما مال ~~ويقف مع النص أينما وقف، وينضاف إلى ذلك ما كان القوم عليه من الرأي ~~والطريقة فإنه كان من هديهم وسجيتهم رد ms306 النصوص بالرأي وتخصيصها بالاستحسان، ~~لا سيما فيما يوطد أساس الإمارة، ويقرر قاعدة الرئاسة وقد وصف ابن أبي ~~الحديد ذلك قاطعا وجازما به في كلام له في سياسة علي وعمرو أن عمر كان مدار ~~سياسته على ما يراه ما حكم به الشرع قال: ولسنا بهذا القول زارين على عمر ~~بن الخطاب ولا PageV00P410 # ناسبين له ما هو منزه عنه، ولكنه كان مجتهدا يعمل بالقياس والاستحسان ~~والمصالح المرسلة، ويرى تخصيص عمومات النص بالآراء بالاستنباط من أصول ~~تقتضي خلاف ما يقتضيه عموم النصوص، ويكيد خصمه ويأمر أمراءه بالكيد والحيلة ~~ويؤدب بالدرة والسوط من يغلب على ظنه أنه يستوجب ذلك، ويصفح عن آخرين قد ~~اجترموا ما يستحقون به التأديب كل ذلك بقوة اجتهاده وما يؤدي إليه نظره، ~~ولم يكن أمير المؤمنين يرى ذلك وكان يقف مع النصوص والظواهر ولا يتعداها ~~إلى الاجتهاد والأقيسة، ويطبق أمور الدنيا على أمور الدين ويسوق الكل مساقا ~~واحدا ولا يضع ولا يرفع إلا بالكتاب والنص (1) انتهى وهو صريح فيما ذكرنا ~~سابقا من أن عليا (عليه السلام) لو لم يكن منصوصا عليه لما ادعى أنه أولى ~~بالخلافة من غيره وأحق بمقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دون من سواه ~~لأنه لا يرفع ولا يضع إلا بالكتاب والنص، واعتراف من المعتزلي بأن عمر ~~وأصحابه كان دأبهم الاعتماد على آرائهم ورد النصوص بها وعدم التفاتهم إلى ~~حكم الشرع إذا خالف ما يريدون، وإذا كان القوم على هذه لحال فما يمنعهم من ~~مخالفة النص على علي (عليه السلام) وماذا يصدهم عن كتمانه ورده؟ وأي مجال ~~يبقى لاستبعاد ذلك منهم. وديدنهم رد النصوص إذا خالفت اجتهاداتهم؟ وهل يخفى ~~على أحد من أهل الروية مخالفة النص على أمير المؤمنين (عليه السلام) لرأي ~~عمرو اجتهاده؟ فهو إذن يرى رد النص على علي (عليه السلام) ومخالفته واجبا ~~وليس يجوز لأحد من أتباعه أن يستنكروا منه فعل الواجب عليه باجتهاده، بل ~~يجب عليهم الحكم بأنه يفعله وما يهمله ولازم ذلك أنه أنكر النص على علي ~~(عليه السلام) البتة ms307 وهو عين ما ندعي، ولعمري لو لم يكن لنا إلا هذا الوجه ~~لكفانا في الدلالة على مدعانا فكيف والوجوه كثيرة كما # PageV00P411 # ترى، ومن البين الذي لا شك فيه أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان عالما ~~بذلك من شأنهم ومطلعا عليه، وكيف يخفى عليه من أمرهم مع المعاشرة المطلعة ~~على الحال، ورؤيته منهم ما رأى سابقا، وفي ذلك الوقت ما علمه ابن أبي ~~الحديد من أمرهم من جهة الرواية مع بعد المدة وتطاول الزمان، فكان (عليه ~~السلام) قاطعا بإنكارهم النص لو احتج به ابتداء وصرح لهم به، أو إلقائهم ~~بعض الشبه عليه كشبهة النسخ بأمر أبي بكر بالصلاة كما زعموا فلم يكن لذكر ~~النص والحال هذه فائدة، ولم تكن في احتجاجه به عليهم مصلحة إذ لا تقوم به ~~عندهم له حجة لو ذكره ولو شهد به من هناك من شيعته كسلمان وأبي ذر والمقداد ~~وأمثالهم إن جوزنا قدرتهم في تلك الحال على الشهادة لم يقبل القوم شهادتهم ~~ولم يلتفتوا إليها لمخالفتها غرضهم، وما أدتهم إليه آراؤهم، فكان مقتضى ~~الحكمة وموجب معرفة قواعد الخصوم ترك التعرض للنص لعدم الانتفاع به في ~~المقام لإنكار الخصم إياه، والاتيان بحجة لا يستطيع الخصم إنكارها ولا ~~الطعن فيها، فلذا عدل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الاحتجاج عليهم بالنص ~~واحتج تارة بأخوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأخرى بالأعلمية، ~~وكلاهما مما لا يمكنهم التشبيه فيه، واحتج عليهم بالقرابة التي لا يسعهم ~~إنكارها ولا القدح فيها لأنها حجتهم التي دفعوا بها الأنصار عن الأمر ~~وأبطلوا بها دعواهم من حيث كانت هي النافعة له في المقام، فما مثله في ذلك ~~إلا كرجل يدعي قبل آخر شيئا له على دعواه حجتان كل منهما تثبت دعواه منفردة ~~وتوجب له ما ادعاه إلا أنه يقطع بإنكار الخصم واحدة من الحجتين لو أوردها ~~عليه، أو أن يلقي عليها شبهة تدفع عنه الاحتجاج عليها بها والأخرى يأمن ~~عليها من ذلك كله فإن الواجب العدول عن تلك الحجة التي يخاف عليها ذلك ~~المحذور وإن ms308 كانت أقوى إلى ذكر الحجة الأخرى التي لا يخشى عليها محذورا، ~~فالمانع لأمير المؤمنين من ذكر النص عليه خوفه إنكار القوم إياه لعلمه ذلك ~~منهم يقينا لا PageV00P412 # عدم وجوده، وهو مانع قوي وصارف جلي، وكيف لا يكون النص موجودا وهو بعد ~~ذلك يدعيه ويشهد له عمه العباس به، ويعترف سعد بن عبادة بسماعه، ويشهد له ~~ابن عباس بادعائه إياه، وعمر بن الخطاب كذلك كما مر فيما مضى ذكره، فعدوله ~~عن النص والاحتجاج عليهم في موقفه ذاك بالقرابة من الرسول (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) مع أنها من جملة أسباب استحقاق الخلافة، بل من شروطه كما ذكرناه ~~في موضعه ومع عدم قدرة الخصم على إنكارها وردها والقدح فيها بوجه من الوجوه ~~هو عين الحكمة وحقيقة المعرفة وقوة نفاذ البصيرة في قطع الخصومة، فإن الحجة ~~المذكورة كافية له فيما طلب وافية له بصحة ما ادعا وإثبات ما رام لو قبلوها ~~منه كما قبلتها الأنصار منهم، أو أذعنوا لها كما أذعن لها خصمهم، وكيف ~~يقبلونها ويذعنون لها وهم مصرون على العناد متواطئون على ابتزاز الأمر من ~~صاحبه كما سمعت في الخبر من تعللاتهم العليلة ومما يؤيد ذلك ويوضحه ويكشف ~~عن سره تدافعهم الخلافة في السقيفة وتراميهم بها بعد أن غلبوا الأنصار ~~عليها بين ثلاثة فأشار بها أبو بكر إلى عمر أو أبي عبيدة وعرضها أبو عبيدة ~~على عمر وردها عمر إلى أبي بكر، ولم يشيروا ولا واحد منهم إلى أحد من بني ~~هاشم ولا ذكروهم في الأمر ولا في المشورة مع تحقق قرابتهم من الرسول (صلى ~~الله عليه وآله وسلم)، وظهور شرفهم وفضلهم، خصوصا علي بن أبي طالب الذي ~~شاعت مناقبه واشتهرت سوابقه، وما اختفى على أحد علمه وفضله، فإعراضهم عن ~~ذكره وذكر بني أبيه دليل صريح على تواطئهم على سلب بني هاشم خلافة الرسول ~~(صلى الله عليه وآله وسلم)، وابتزازهم سلطانه ودفعهم عن مقامه، ولازم ذلك ~~تواطئهم على إنكار النص على أهل البيت ولم يكن علي (عليه السلام) ليجهل ذلك ~~منهم. # ووجه ms309 آخر وهو أن مقصد القوم من العدول عن أهل بيت النبي (صلى PageV00P413 # الله عليه وآله وسلم) إلى أبي بكر اتساع أمر الخلافة في قريش لتنال كل ~~بطن منهم وتكون دولة بينهم يرجوها كل قوم كما رواه ابن أبي الحديد عن ~~الجوهري من قول المغيرة بن شعبة لأبي بكر وعمر: أتريدون أن تنتظروا خيل ~~الحلبة من أهل هذا البيت وسعوها في قريش تتسع (1)، فقاما إلى السقيفة وقد ~~مر الحديث بتمامه، وكذلك ذكر أمير المؤمنين (عليه السلام) أن مقصدهم ذلك في ~~حديث رواه ابن أبي الحديد عنه، وصرح بعض المحققين من غير أصحابنا من جهة ~~الاستنباط أن مقصد القوم ما ذكرناه نقله عنه المعتزلي المذكور (2) ومن ~~الواضح، أن هذا مقتض قوي لإنكار جميعهم النص على أمير المؤمنين، ومظاهرتهم ~~أبا بكر وعمر عليه وتظاهرهم على جملة بني هاشم لعلمهم أنها إذا صارت لهم ~~واستقرت فيهم لا تخرج عنهم إلى سائر بطون # PageV00P414 # قريش أبدا بخلاف باقي قريش فإنها تنتقل فيهم، فربما يقدم أحدهم صاحبه ~~لغرض وليردها عليه عند موته كما فعل الثلاثة في السقيفة، فلذلك استقر رأيهم ~~على منع أهل البيت ميراثهم من الرسول (صلى الله عليه وآله)، ودفعهم عن ~~حقهم، ولأجل هذا كله عدل أمير المؤمنين عن ذكر النص واستغنى عنه! في ~~مخاصمتهم بالقرابة وغيرها مما ذكره من حيث لا محيص لهم عن الاعتراف به، ~~فحاله (عليه السلام) في ذلك الموقف غير حال أبي بكر في السقيفة، فإن عمر ~~وأبا عبيدة كانا له ظهيرا، وعويم بن ساعدة ومعن بن عدي الأنصاريين كانا له ~~ردءا، وهما على ما روى خصومنا اللذان استنهضاه على حضور السقيفة، واستحثاه ~~على المبادرة إلى طلب الخلافة، وجشماه الدخول في هذه الورطة، مخالفة منهما ~~لقومهما الأنصار، وأن بشير بن سعد وكان من رؤوساء الخزرج كان له سندا يخاصم ~~عنه قومه، وأسيد بن حضير رئيس الأوس كان إليه مائلا، وكلهم طالبون منه ~~الازدياد من الحجة، ومتعطشون إلى تظاهره على دفع الأنصار بالبينة، والباقون ~~مصغون إلى ذكر الحجج غير مستنكفين عن قبولها ms310 منه، فلا مانع له من ذكر نص ~~عليه لو كان موجودا ولا صارف له عن الاتيان بقول من النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) يوجب له الفضيلة لو كان حاصلا، ومع هذا لم نره ذكر نصا عليه ولا ~~قولا من النبي (صلى الله عليه وآله) يوجب المدح له، ولا حجة يختص بها تثبت ~~له دعواه، ولا ذكر له صاحباه شيئا من ذلك، بل رأيناه وصاحبيه ذكروا حجة ~~كانت برمتها لغيره، وكانت يده منها خلوا وهي القرابة، وأشياء لا توجب شيئا ~~من مطلبه ولا تقضي بصحة مأربه وهي الصحبة في الغار والأمر بالصلاة كما زعم، ~~وكل ذلك لا يفيده شيئا مما أراد لو كان للخصومة معه مجال، ولم يكن أمره ~~مبنيا على التغلب لأن كون الحجة الأولى لعلي (عليه السلام) مما لا غباوة ~~فيه. # والثانية أيضا لأن لقائل أن يقول: إن كان اختصاص النبي (صلى الله ~~PageV00P415 # عليه وآله وسلم) بأبي بكر وخلوته معه في الغار مما يوجب له خلافته فعلي ~~أولى منه بذلك لأن النبي (صلى الله عليه وآله) اختص به مرة وخلا معه وقتا ~~واحدا واختص بعلي مرات كثيرة وخلا معه خلوات متعددة في أوقات لا تحصى، ودع ~~ما لعلي (عليه السلام) ليلة الغار مما لا يوازنه فضل وهو مبيته على الفراش ~~فكانت هذه أيضا كالقرابة. # والثالثة يقال: لهم إنا لا نسلم أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمره ~~بالصلاة، وإن صح أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أمره بالصلاة ~~فقد عزله عنها إذ خرج ونحاه عن المحراب لا سيما والتقدم في الصلاة لا يوجب ~~العدالة على مذهبكم فضلا عن الفضل فأي حجة في الصلاة على ما ادعي فإذن ليس ~~له حجة على ما طلب وأراد فعدوله وصاحبيه عن ذكر نص عليه من الرسول (صلى ~~الله عليه وآله) أو قول منه في مدحه وفضله مع احتياجه إليهما وعدم المانع ~~من ذكرهما وانتفاء الصارف عن إيرادهما إلى ذكر حجة هي لغيره لا له وأخرى ~~قريبة منها وثالثة ms311 لا توجب عدالته إن سلمت له فضلا عن إيجابها خلافته دليل ~~صريح على أنه لم يكن مما ذكروه من النص عليه شئ موجود، ولا مما رووه في ~~فضله بعد من الأحاديث عن النبي (صلى الله عليه وآله) حديث معروف، ولا من ~~ذاك عين ولا أثر ولم يطلع هو ولا أصحابه على شئ من ذلك إلى آخر أيامهم، ولو ~~كان في يدهم شئ من ذلك وعندهم منه خبر لأوردوه للحاجة إليه خصوصا لما نسبهم ~~أمير المؤمنين إلى الظلم والتظاهر عليه وعدم الخوف من الله وغير ذلك مما في ~~الخبر، فلم لادرؤا عنهم قوله فيهم بخبر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~في فضل أبي بكر وأي موضع أولى بذكره من ذلك الموضع، ثم في أيام مقاولة ~~المهاجرين والأنصار وما شاع بينهم من الخصام والجدال بعد بيعة أبي بكر مدة ~~وشاعت فيما بينهم في ذلك الخطب والأشعار حتى قال في ذلك PageV00P416 # النعمان بن عجلان الأنصاري وكان من سادات الأنصار يخاطب أصحاب أبي بكر: # وقلتم حرام نصب سعد ونصبكم * عتيق بن عثمان حلال أبا بكر وليس أبو بكر ~~لها خير قائم * وأن عليا كان أخلق بالأمر وكان هوانا في علي وأنه * لأهل ~~لها يا عمرو من حيث لا تدري في أبيات كثيرة (1) ومثله قال غيره من الأنصار ~~وما احتج عليهم أبو بكر ولا أحد من أعوانه بخبر عن النبي (صلى الله عليه ~~وآله) في الشيخ يقتضي استحقاقه الخلافة مع اقتضاء الحاجة إلى ذكره، وعدم ~~الصارف عنه وانتفاء الموانع من إيراده، وغاية ما عندهم في المدافعة ما ~~تشبثوا به في السقيفة من قضية الغار والصلاة فعلم من ذلك أنه ليس لهم في ~~فضل الرجل في ذلك الوقت حديث ولا خبر وإنما أولياؤه بعد ذلك فيه زوروا ما ~~أرادوه فتبين أنه ليس حال أبي بكر في عدم إيراد نص عليه كحال أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) في تركه إيراد النص لوجود الداعي إلى تركه هنا ووجود المانع ~~من إيراده وهو تحققه منهم إنكاره ورده مع ms312 قيام ما ذكره بثبوت حقه لو أنصفوه ~~وعدم حصول شئ من ذلك في أبي بكر، فهذا فرق ما بين الحالين وتمييز ما بين ~~الأمرين، ويزيد ما بيناه توضيحا وصراحة ما جرى يوم الشورى أن عليا (عليه ~~السلام) ذكر له جملة من النصوص عليه من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وطائفة من مناقبه، وناشدهم ذلك كحديث براءة والآخاء وما شابههما، وخبر ~~الغدير والمنزلة وما ضارعهما، التي عددناها في ذكر النصوص كل ذلك يقرون به ~~ولا ينكرون منه شيئا، والقصة مشهورة عند الخصوم، وقد أقر بها القوشجي وابن ~~أبي الحديد وذكر أنها مشتهرة لكنه اقتصر # PageV00P417 # في نقلها على ذكر جملة مما ذكره أمير المؤمنين من النصوص عليه محتجا به ~~على القوم، وهم مع تصديقهم إياه واعترافهم بصحة نصوصه لم ينصرفوا بها عن ~~صرف الخلافة عنه إلى غيره، بل بايعوا عثمان وتركوه ولم يعتنوا بتلك النصوص ~~والمناقب وهددوه إن لم يبايع عثمان أن يقتلوه أو يقاتلوه، وعثمان لم يذكر ~~لنفسه فضلا ولا أورد في استحقاقه الخلافة خبرا، وإنما وعدهم بأن يسير فيهم ~~بسيرة الشيخين، وما الأولون بدونهم في رد نصوص النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، ومخالفة أقواله لأنهم أتباعهم ومقلدوهم، وهذا من أعدل شاهد على ما ~~قلناه من عدم اعتناء القوم بنصوص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حق ~~علي (عليه السلام) طلبا للدنيا وحبا للرئاسة فترك ذكره أمير المؤمنين لهذا. # ووجه آخر: وهو أن عليا (عليه السلام) في ذلك الوقت غير محتاج إلى إيراد ~~النص إن سلمنا أنه لم يورده، لأن إيراده إنما هو لإثبات أنه المستحق لمقام ~~الرسول (صلى الله عليه وآله) دون خصمه، وأبو بكر وأصحابه مقرون له بذلك ~~لأنهم قد أثبتوا استحقاق الخلافة بقرابة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، ~~ودفعوا الأنصار عن طلبها وخصموهم بها عن المطالبة فيها، فكان ذلك إقرارا ~~منهم لعلي (عليه السلام) بالحق لأن قرابته من الرسول (صلى الله عليه وآله) ~~وأقربيته من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) معلومة غير مجهولة، ms313 ومعروفة ~~غير منكورة، فلذا قال لهم كما في الخبر: (إني أحتج عليكم بما احتججتم به ~~على الأنصار، فإن كانت الخلافة بالقرابة فأنا أحق الناس بها لأني أقربهم من ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (1) فلم ينكر منهم أحد ذلك، بل أقروا ~~به لكنهم أصروا على منعه حقه وقالوا له: لا نسلم لك هذا الحق لأنك صغير ~~السن، فأي حاجة بعد هذا # PageV00P418 # لذكر النص؟ وأي فائدة في إيراده وتعداده؟ وهل هو في ذلك إلا كرجل يدعى ~~قبل آخر حقا وله على صحة دعواه بينة عادلة لكن المدعى عليه في حال المخاصمة ~~أقر له بحقه وقال لا أدفعه إليك ولا أسلمه، فهل ترى يحتاج المدعي في إثبات ~~حقه بعد إقرار خصمه به إلى إحضار بينته، أو يحكم عليه حاكم عادل بلزوم ~~إحضارها في ثبوت حقه مع أن البينة لا يصار إليها إلا إذا لم يقر المدعى ~~عليه بصحته دعوى المدعي؟ وإذا حصل الإقرار من المدعى عليه فلا حاجة إلى ~~البينة، أفليس لا يبقى للمدعي بعد إقرار المدعى عليه له بحقه وإصراره على ~~منعه إلا إجباره على تسليم الحق وأخذه منه قهرا؟ وإذا لم يجد المدعي من ~~يأخذ له بحقه أو يعينه على استخراجه من خصمه ويخاف من مطالبته به وصول ~~الضرر إليه لا يبقى له إلا الكف والسكوت إلى وقت التمكن، وكذا أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) فعل ما يلزم فعله في الشرع والعقل فإنه قرر خصومه ~~بالحجة فأقروا له بالحق لقضية القرابة وأصروا على ترك تسليم حقه إليه، فلم ~~يبق عليه بعد هذا إلا استخلاص حقه منهم بالجبر، واستخراجه من أيديهم ~~بالقهر، فطلب الأعوان على ذلك وطاف على دور أهل السوابق من الصحابة مركبا ~~فاطمة على حمار آخذا بيد الحسن والحسين يدعو الناس إلى معاونته على استيفاء ~~حقه بالسيف إذ لم يبق غيره، فكان يبايعه بالليل أربعون رجلا على ذلك ويعدهم ~~أن يوافوه صبحا فإذا أصبح لم يوافه إلا أربعة أو خمسة، حتى فعل ذلك ثلاث ~~ليال وهذه حالهم معه كما ms314 صح عند خصومنا واشتهر بينهم، فلما تبين له الخذلان ~~من الناس سكت وكف على ما في صدره من المضض وفي قلبه من الألم، إذ لم يبق ~~بعد فقد الناصر وعدم المعين على أخذ الحق من الممتنع عن تسليمه إلا الكف ~~والسكوت، لا سيما إذا كان الضرر في ترك الكف عنه مظنونا وصوله إلى صاحب ~~الحق من ذلك الظالم أو من تابعيه، فليس لذكر علي (عليه السلام) النص في ~~المقام موضع، ولا لإيراده موقع، وهو واضح لإخفاء فيه ومكشوف PageV00P419 # لا سترة عليه وهذا بخلاف أبي بكر وأصحابه فإنهم في تمام الحاجة إلى ذكر ~~نص عليه أو خبر في مدحه، لأن أمير المؤمنين (عليه السلام) يرميهم جميعا ~~بالظلم والعدوان واغتصاب حقه والعباس بن عبد المطلب كذلك وجماعة من الأنصار ~~وهكذا، فلو كان ثمة له دليل من النصوص لأورده ومنع به خصمه عن نفسه، أو حجة ~~من قول النبي (صلى الله عليه وآله) لناضل بها منازعه، لكنه وصحبه لم يذكروا ~~من ذلك شيئا مع دعاء الحاجة إليه فعلم أنه لا شئ منه بموجود فافترق ~~الأمران، وبالله المستعان، وقد وضح من هذا كله بطلان ما أورده ابن أبي ~~الحديد في المقام وما شنع به على أصحابنا في موضع آخر حين قال: فإن قالت ~~الإمامية: كان يخاف القتل لو ذكر ذلك يعني النص، قيل لهم: فهلا خاف القتل ~~وهو يعتل ويدفع ليبايع وهو يستصرخ تارة بقبر رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) وتارة بعمه حمزة وأخيه جعفر وهما ميتان، وتارة بالأنصار، وتارة ببني ~~عبد مناف، ويجمع الجموع في داره ويبث الرسل والدعاة ليلا ونهارا إلى الناس ~~يذكرهم فضله وقرابته، ويقول للمهاجرين خصمتم الأنصار بكونكم أقرب إلى رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنا أخصمكم بما خصمتم به الأنصار لأن ~~القرابة إن كانت هي المعتبرة فأنا أقرب منكم؟ وهلا خاف من هذا الامتناع ومن ~~هذا الاحتجاج ومن الخلف في داره بأصحابه ومن تنفير الناس عن البيعة التي ~~عقدت حينئذ لمن عقدت له (1) " انتهى وفيه مع ms315 اندفاعه بما مضى من البيان ~~فساد واضح من وجهين. # الأول: دعواه أن الإمامية يقولون خاف علي (عليه السلام) من ذكر النص ~~والحال أنه ولا واحده من الإمامية بقائل إن أمير المؤمنين (عليه السلام) لم ~~يذكر النص، بل كلهم متفقون على أنه (عليه السلام) ذكر # PageV00P420 # النص للقوم وذاكرهم لما ساموه البيعة لأبي بكر وخاصمهم به أشد خصام، فلم ~~يقبلوا منه فعدل إلى القرابة التي احتجوا بها على الأنصار فتعللوا عليه كما ~~رويتم فلم يجد شيئا يكفهم به عن ظلمه وينتزع به من أيديهم حقه إلا السيف، ~~فصمم العزم على مناجزتهم فلم يجد ناصرا طلب أربعين رجلا ذوي عزم فلم يوافقه ~~ولم يجبه إلا أربعة أو خمسة فكف وسكت، وهذا المشنع ذكر ذلك مرارا في كتابه ~~وصححه واعترف به هنا كما ترى، فليس أحد من الإمامية يقول: إن عليا (عليه ~~السلام) لم يذكر النص عليه، بل يقطعون بأنه ذكره ويجزمون بأن القوم ردوه ~~ولم ينقادوا له، ورواياتهم بذلك ناطقة ومصنفاتهم بذلك مصرحة. # الثاني قوله: إنه خاف القتل، فإن الإمامية إن قالوا خاف القتل فإنهم ~~يريدون أنه (عليه السلام) خاف القتل من استمراره على ترك بيعتهم فضرع لها ~~وأجاب دفعا للقتل عن نفسه إذ لا معين له وهو قد صرح بهذا المعنى في كثير من ~~خطبه كالشقشقية وغيرها وقد ذكرنا شطرا من كلامه في هذا المعنى فيما تقدم ~~وسيأتي منه الكثير إن شاء الله لا إنه خاف القتل من ذكر النص فإنه لا قائل ~~به من الإمامية، فإن كان صادقا فليدلنا على هذا القائل، نعم إن قال أحد ~~منهم أنه خاف من ذكر النص مجاراة للخصم فإنه يريد أنه خاف منهم إنكاره ورده ~~وذلك صحيح وقد أوضحناه وبيناه فزال تشنيعه على أصحابنا بقوله هلا خاف من ~~كذا وهلا خاف من كذا هذا كله مع ما يعود عليه في هذا التشنيع من بطلان ~~مذهبه وفساد عقيدته وذلك من وجهين. # الأول: إنه ملأ كتابه من الدعوى برضا علي (عليه السلام) بخلافة أبي بكر ~~وروى في ms316 ذلك أحاديث كثيرة عن أسلافه، وأن عليا (عليه السلام) لم يدع أحدا ~~إلى نقض بيعة أبي بكر ولا استصرخ الناس لحربه ولا نازعه وأصحابه، وقد قدمنا ~~بعضا من كلامه في هذا في فصل أحاديث لفظ الإمام PageV00P421 # ثم هو الآن يقول: إنه استصرخ الناس لحرب أبي بكر وكاشف ونازع وعتل ودفع ~~وبث الرسل والدعاة يدعون الناس إلى نقض بيعة الشيخ ومحاربته، فانظر إلى هذ ~~التناقض العظيم في أقواله والتعارض الشديد في كلامه. # الثاني: إنه شحن الكتاب أيضا من قوله أن عليا (عليه السلام) لو كاشف ~~القوم ونازعهم وسخط إمارتهم ولم يرضها فضلا عن أن يكون شهر السيف عليهم ~~لحكمنا بضلالهم وهلاكهم كما حكمنا بهذا كله على من خالفه أيام خلافته لأنه ~~على الحق دائما ونقل ذلك أيضا عن مشائخه البغداديين ثم هو هنا وغير هنا ~~يذكر أنه (عليه السلام) خالفهم ونازعهم واستصرخ الناس عليهم، ودعا الناس ~~إلى قتالهم، وجمع الجموع في داره لذلك واستغاث منهم بالأموات والأحياء ~~فلازم ذلك عليه أن يحكم عليهم بالضلال ومخالفة الحق وهو لا يحكم عليهم، بل ~~يصرح في مواضع من كتابه بأنهم من الدين والإيمان وصحة اليقين بمكان مكين ~~وغير ذلك من الأوصاف الجميلة التي تزيد على الوصف، وكان اللازم من هذا عليه ~~تكذيبه في معتقده، أو افتراؤه في أخباره، أو حكمه بضلال أئمته فما كان ~~أغناه عن كشف هذه القبائح، وبيان الفضائح، ونشر هذه المعايب وهذا يصرح لك ~~عن هذا الرجل بأنه نهج منهج الخلط والتخبيط، يقول الشئ وضده ويأتي بالأمر ~~ونقيضه ويعتقد مذهبا ومنافيه كل ذلك عنده صحيح وفي خياله رجيح لا يقف على ~~حد محدود ولا يقتصر على مذهب معلوم أعاذنا الله والمؤمنين من المضلات ومن ~~الانغماس في الجهالات. # واحتج القوشجي على فقد النص مطلقا على أمير المؤمنين وخصوصا قول النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): (سلموا على علي بإمرة المؤمنين) وقوله (صلى ~~الله عليه وآله) لعلي: (أنت الخليفة بعدي) وقوله (صلى الله PageV00P422 # عليه وآله وسلم) مشيرا إليه (هذا خليفتي فيكم فاسمعوا له ms317 وأطيعوا) وقوله ~~(صلى الله عليه آله وسلم) حين جمع بني عبد المطلب (أيكم يبايعني ويوازرني ~~يكون أخي ووصيي وخليفتي من بعدي) (1) فبايعه علي (عليه السلام) وهي التي ~~استدل بها سلطان الحكماء والمتكلمين نصير الملة والحق والدين بأن هذه ~~النصوص لم تثبت من يوثق به من المحدثين مع شدة محبتهم لأمير المؤمنين (عليه ~~السلام) ونقلهم الأحاديث الكثيرة في مناقبه وكمالاته في أمر الدنيا والدين، ~~ولم ينقل عنه في خطبه ورسائله ومفاخراته ومخاصماته وعندنا تأخره عن البيعة ~~إشارة إلى تلك النصوص وجعل عمر الخلافة شورى بين ستة ودخل علي في الشورى، ~~وقال عباس لعلي: امدد يدك أبايعك حتى يقول الناس هذا عم رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) بايع ابن عمه فلا يختلف فيك اثنان، وقال أبو بكر وددت أني ~~سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن هذا الأمر فيمن هو وكنا لا ~~ننازعه، وحاج علي (عليه السلام) معاوية ببيعة الناس لا بنص من النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) (2) انتهى. كلامه. # والجواب أما قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (سلموا على علي بإمرة ~~المؤمنين) و (أنت الخليفة بعدي) فمتواتر عند الشيعة فضلا عن كونه مرويا ~~وليس التواتر عند الشيعة على كثرتهم يقصر في الخبر عن كونه خبرا صحيحا لا ~~سيما إذا لم يكن له مناقض يعتد به وكان له معاضد من الأدلة # PageV00P423 # الصحيحة، وقد ذكرنا في النصوص ما يصرح به عن محدثيهم. # وأما قول النبي (صلى الله عليه وآله) (هذا خليفتي فيكم) الخ. # وقوله: (يا بني عبد المطلب أيكم يبايعني ويوازرني) الخ فكلاهما في حديث ~~الوزارة حين جمع النبي (صلى الله عليه وآله) بني عبد المطلب بعد نزول قوله ~~تعالى: [وأنذر عشيرتك الأقربين] وقد رواه الثقاة من محدثي العامة واستدل به ~~متكلموهم كابن إسحاق وابن جرير الطبري وأبي جعفر الإسكافي وغيرهم فلا معنى ~~لقول المعترض: إن هذه النصوص لم تثبت عمن يوثق به من المحدثين، وأما خطب ~~أمير المؤمنين (عليه السلام) وكلماته فهي مشتملة على ذكر النص عليه ms318 كثيرا ~~مثل قوله: (وإني لأولى الناس بالناس وإني وارث رسول الله وإني وصي رسول ~~الله وإن رسول الله عهد إلي) ومعناه باليقين استخلفني وكلامه لمن سأله بم ~~ورثت ابن عمك دون عمك وغير ذلك مما مضى ويأتي، ومخاصماته بالنصوص مشهورة ~~فإنه كان دائما يدعي النص عليه من النبي (صلى الله عليه وآله) كما مر في ~~حديث ابن عباس مع عمر بن الخطاب ومخاصمته أهل الشورى بالنصوص أمر معلوم قد ~~اعترف به هذا المعترض وغيره، وبالجملة فدعوى علي (عليه السلام) النص عليه ~~من النبي (صلى الله عليه وآله) واضحة كالشمس الضاحية لا يجهله إلا جاهل ~~محض، ولا ينكره إلا معاند صرف، فلا معنى لقول المعترض أنه لم ينقل في كلامه ~~إشارة إلى تلك النصوص لأنه قد اشتهر بها التصريح في كلامه دون الإشارة. # وأما دخوله في الشورى فلوجهين. # الأول: إنه خاف القتل في امتناعه من الدخول في الشورى بعد ما عينه عمر ~~لأن امتناعه صريح في الخروج عن طاعته ورد إمامته فلا يأمن أن يأمر بقتله ~~فيقتل وعمر مطاع في أصحابه، وأكثرهم مبغضون لعلي (عليه PageV00P424 # السلام)، وكيف يحاذر من قتل علي (عليه السلام) لو خالف أمره وقد أوصى ~~بقتل من يخالف عبد الرحمن بن عوف من أهل الشورى، وبقتل ستتهم إن مضت ثلاثة ~~أيام ولم يتفقوا على واحد منهم وعلي فيهم، فأطيع في ذلك كله، وأخذ الستة ~~بذلك من أبي طلحة الأنصاري وصي عمر على إنفاذ هذه الوصية، ولو لم يفعلوا ~~كما قال لقتلوا جميعا كما صح في روايات القصة عند الخاصة والعامة (1)، وهذا ~~أمر ظاهر لا ينبغي التشكيك فيه، وأقل الأمور أنه (عليه السلام) يظن الضرر ~~لو امتنع من إنفاذ قول عمر ودفع الضرر المظنون واجب عقلا وشرعا. # الثاني: إنه من الجائز أن أمير المؤمنين دخل في الشورى ليتمكن من ~~المطالبة بحقه والإدلاء بحجته على ذلك وإذا لم يدخل فيها لم يتمكن من ذلك، ~~ولذا أنه خاصم القوم وحاجهم بالنصوص عليه لا بغيرها، وقال هناك (إن لنا حقا ~~أن نعطه ms319 نأخذه وأن نمنعه نركب إعجاز الإبل وإن طال السرى) (2) وعرض عليه ~~ابن عوف المبايعة على سيرة الشيخين فأبى إلا على كتاب الله وسنة رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وكان ذلك إما لاحتماله قبول القوم قول النبي ~~(صلى الله عليه وآله) وإما لإلقاء الحجة لئلا يقول قائل من القوم لا أدري ~~أو نسيت فلم يذكرني أحد، وقد أرسل الله موسى إلى فرعون وهو يعلم أنه لا ~~يؤمن فليس من المقطوع به أن يكون دخول أمير المؤمنين (عليه السلام) في ~~الشورى لرضاه بها وجواز الإمامة عنده بالاختيار، بل ولا من المظنون مع قيام ~~الاحتمالين القويين، # PageV00P425 # وإذا لم يكن رضاه بالشورى معلوما من دخوله فيها سقط الاحتجاج بها على ~~مراد القوشجي، وهنا وجه ثالث ذكره أصحابنا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~أنه إنما دخل في الشورى للرد على عمر وصاحبه في روايتهما عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) (ولم يكن الله ليجمع لنا أهل البيت بين النبوة ~~والخلافة) وهو وجه ظاهر الصحة، وأما قول العباس امدد يدك أبايعك ففيه ثلاثة ~~وجوه. # الأول: إنها رواية يختص الخصم بنقلها فلا حجة فيها مع أنهم رووا ما ~~يعارضها وهو الخبر المتقدم المشتمل على شهادة العباس لعلي (عليه السلام) ~~بالنص عليه من النبي (صلى الله عليه وآله)، وإبلاغ ابن عباس عمر ذلك عنه ~~وإقرار عمر ببعض ذلك، بل بكله والترجيح لهذا الخبر لأنه أوضح دلالة ~~ولاعتضاده بالأخبار الصريحة في النص على علي (عليه السلام). # الثاني: إن الرواية لا تدل على نفي النص بحال لأن قوله: امدد يدك أبايعك ~~الخ ليس فيه ما يدل على عدم النص لا بالمطابقة ولا بالتضمن وهما ظاهران، ~~ولا بالالتزام إذ لا ملازمة في العقل بين البيعة لئلا يختلف الناس وبين عدم ~~النص إلا بالجزم بعدم مخالفة القوم لنص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لو ~~كان موجودا، والمقطوع به من حالهم خلاف ذلك، نعم هناك ظاهر ضعيف وهو لا ~~يعارض القاطع. # الثالث: إنه من الجائز أن يكون العباس دعا ms320 عليا (عليه السلام) إلى ~~المبايعة لا لفقد النص عليه، بل دعاه إلى ذلك خوفا اختلاف الناس عليه لعمله ~~منهم ذلك كما أشار إليه بقوله: حتى يقول الناس هذا عم رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) بايع ابن عمه فلا يختلفون فيك (1) فدعاه إلى # PageV00P426 # المبايعة لدفع اختلاف الناس عليه لا لإحداث إمامته بالبيعة، بل ظاهر ~~الحال أن إمامة علي (عليه السلام) كانت معلومة عند العباس وأراد بالبيعة ~~توكيدها ودفع الاختلاف فيها، أو لأنه خاف أن يسبق سابق بالبيعة لعلمه أن ~~القوم لا يقفون مع قول النبي (صلى الله عليه وآله) في علي ونصه عليه لما ~~ظهر له من الأمارات الواضحة وقرائن الأحوال فأراد السبق بمبايعة علي (عليه ~~السلام) ليستقر أمره فلا تفيد بيعة غيره بعد ذلك في النقض عليه ويزول ~~الاختلاف، وإذا جاز ذلك بطل الاستدلال بالخبر إن صح إذ لا حجة فيه حتى يحصل ~~العلم بأن دعاء العباس عليا (عليه السلام) للبيعة لفقد النص عليه لا لفائدة ~~أخرى، وليس ذلك بحاصل ولا ظاهر إن لم يكن الظاهر من ذلك خلافة، لأن تقديم ~~العباس عليا على نفسه في خلافة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع كونه أسن ~~منه يظهر منه أنه كان لسماع العباس من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ~~عليا هو خليفته والأحق بمقامه، فكان الخبر لنا لا علينا. # وأما قول أبي بكر وددت أني سألت النبي (صلى الله عليه وآله) الخ فإنه قال ~~ذلك تقريرا لإنكار النص على علي (عليه السلام) وتصنعا منه وتشبيها على من ~~لم يعلم بأنه ما ظلم واحدا بعينه في تقدمه، ولا في استخلافه عمر من بعده ~~ليكون قوله هذا معارضا لدعوى علي (عليه السلام) النص عليه ويستتم له ما ~~أراد من حرمان أهل البيت حقهم من خلافة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في ~~ظاهر الأمر عند عامة الناس في جميع الأزمنة لما يعلم من أن أهل البيت إن ~~تمكنوا من الخلافة وقتا من الأوقات واستقرت قدمهم فيها ظهر من ظلمه ms321 لهم ما ~~كان مستورا عند العامة، وزال الوثوق به عندهم، وفسد ما دبره ولولا ما ألقاه ~~من الشبه هو وموازروه بالقول والفعل لما خفي على عوام الناس النص على علي ~~(عليه السلام)، ولا أنكره أحد لوضوحه فضلا عن أن يكون خفيا على المجيب ~~وأمثاله من المحققين حتى جادلوا فيه أتم الجدال، وبلغوا في إنكاره إلى ~~الجمع بين الأمور المتناقضة PageV00P427 # والمذاهب المتخالفة، فلذلك قال الرجل ما قال ليشبه على الجهال فنال ما ~~طلب ولو أنه صرح بما علمه من النص على علي (عليه السلام) لطعن فيه العامة ~~لتقدمه على من نص عليه النبي (صلى الله عليه وآله)، وقدحوا في استخلافه ~~صاحبه وهو لم يترأس ليكون مطعونا عليه عند العوام، وإنما فعل ذلك ليكون ~~عندهم موثقا مطاعا في الحياة والممات ليتم مقصده المذكور وتصريحه بالنص ~~يزيل ذلك كله عند سائر الناس وهو خلاف مطلبه، فليس في قوله حجة على فقدان ~~النص لأن له في إخفائه غرضا قويا، ثم إن استدلال القوشجي بكلام أبي بكر على ~~انتفاء النص مطلقا على واحد معين يعود عليه بالنقض في دعواه إجماع أصحابه ~~على استخلاف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا بكر ويرد حديث عائشة الذي ~~هو الدليل عندهم على ذلك: # (وهو ادعى أباك وأخاك) المتقدم ذكره، ويبطل روايته في أبي بكر وهو قول ~~النبي (صلى الله عليه وآله) فيه: (وخليفتي في أمتي) وهذا دأبه (1) - متناقض ~~الأقوال مختل الكلام. # وأما محاجة علي (عليه السلام) معاوية ببيعة الناس له بنص فهي إن سلمت مثل ~~محاجته للصدر الأول بالقرابة، وذلك أن النصوص الواردة من النبي (صلى الله ~~عليه وآله) على علي (عليه السلام) وإن كانت صريحة واضحة ومعاوية يعلمها ولا ~~يجهلها ويعرفها باطنا ولا ينكرها لكن وهن دلالتها وشبه صراحتها على تابعي ~~معاوية من أهل الشام وأكثر تابعي علي (عليه السلام)، إذ جل من معه يرون أن ~~إمامته بالبيعة لا بالنص عليه ويثبتون تقدم الثلاثة عليه في الخلافة فكان ~~الفريقان يذهبان إلى أن الإمامة بالاختيار لا بالنص وأن ms322 النبي (صلى الله ~~عليه وآله) لم ينص على واحد بعينه، ولو احتج أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~بالنص على معاوية لم يسلمه له في الظاهر وإن كان يعلم صحته كما لم يسلم له ~~الأولون إذا ذكره، ولم # PageV00P428 # يلتفت إليه أهل الشورى إذ أورده، ولا رآهم الناس من العامة خالفوا النبي ~~(صلى الله عليه وآله) إذ ردوا نصه لتلك الشبهة المرتكزة في نفوسهم وكان ~~يتجه لمعاوية عند أهل الشام وأكثر أهل العراق أن يجيبه بأن يقول: إذا كنت ~~أنت المنصوص عليك بهذه النصوص فلم تقدم عليك فلان وفلان ولم قرن عمر بك في ~~الشورى فلانا وفلانا إلى آخره ولم قدم عليك أهل الشورى فلانا وهؤلاء خيار ~~الصحابة؟ أفتقول إنهم ظلموك وانتهبوا حقك، فإن صرح بما لا يحتمل التأويل ~~بأنهم ظلموه وغصبوه حقه وخالفوا نص رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~عليه، وقوله فيه وتقدموا عليه عدوانا كانت هذه هي الطامة الكبرى التي ود ~~معاوية لو تكلم أمير المؤمنين (عليه السلام) بكلمة تدل عليها ليجعلها من ~~أعظم الموجبات لمخالفته وقتاله، فما رضاه بقتل عثمان الذي اقتضى لزوم خلافه ~~ووجوب حربه عند أهل الشام إلا دونها بمراتب، فيزدادون بها ضلالا وعتوا عليه ~~ويتفاقم خطبهم ويزيد فسادهم، وهو (عليه السلام) يريد اصلاحهم، ثم ليست هذه ~~مقصورة على فساد أهل الشام خاصة بل يتمشى الأمر بها إلى فساد أكثر جند أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) عليه، لأن عامتهم يرون في الإمامة ما يرى أهل الشام ~~ويصححون خلافة الثلاثة، ويوثقونهم ومن معهم من الموازرين لهم فيما فعلوه، ~~ويناقضون عليا (عليه السلام) في مخالفته فتاوى الشيخين كما هو معلوم فكيف ~~يتبعونه إذا صرح بأنهما من الظالمين الغاصبين؟ وقد علم كافة أولي الألباب ~~أن الحجة إذا لم يسلمها الخصم ولا تابعوه لم يكن في الاحتجاج بها عليه ~~فائدة وإن كانت صحيحة، وأنه يجب العدول عنها إلى حجة لا يقدر الخصم على ~~دفعها ولا يجد سبيلا لي منعها إذا كانت موجودة، هذا كله إذا لم يجر ~~الاحتجاج بها على المحتج ms323 ضررا فكيف إذا كان ذلك يجر الدواهي الدهم عليه ~~ويكون موجبا لفساد أصحابه، وزيادة ضلال أصحاب الخصم وغوايتهم؟ ومع هذا لا ~~يؤمن على معاوية أن يقيم شهودا عند أهل الشام PageV00P429 # مثل ابن العاص وأبي هريرة وحبيب بن مسلمة الفهري والضحاك بن قيس وأضرابهم ~~يكذبون عليا (عليه السلام) في دعواه النص، وأن المنصوص عليه فلان وفلان إلى ~~آخر من يريد معاوية والكذب عند هؤلاء على الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) ~~أهون من شرب الماء البارد على الظمآن، وخصوصا فيما يعيبون به على أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) وأهل الشام يصدقونهم في جميع ما قالوا لظنهم فيهم ~~الخير فتبطل الحجة عند أهل الشام مع حصول الضرر، فلهذا كله عدل أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) عن ذكر النص إلى الاحتجاج ببيعة المهاجرين والأنصار ~~له إذ كانت هي النافعة في المقام والمعتبرة عند العوام، وأن معاوية لا ~~يستطيع إنكارها ولا يسعه الطعن فيها ولا يتيسر له إنكار ثبوت الإمامة، لأنه ~~هو وجميع من معه والجم الغفير من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~يجعلونها هي الطريق للإمامة ويثبتون بها إمامة المتقدمين، وبها يتعلق ~~معاوية دعواه الطلب بدم عثمان كما زعم وذلك لتقوم بها عليه الحجة ظاهرا ولا ~~يمكنه المدافعة والممانعة ولا يقبل قوله في علي (عليه السلام) أنه يبرء من ~~الشيخين ويفسقهما، كما أكثر من ذلك في كتبه إلى علي (عليه السلام) وهذه عند ~~أهل الذكي من أعظم الأدلة على بلوغ أمير المؤمنين (عليه السلام) في الحكم ~~ومعرفة سياسة الأمور الغاية القصوى، ولو جرى على من تقدمه من رعيته ما جرى ~~عليه إذن ما استقر في الإمارة شهرا ولذا لم يتمكن معاوية ابتداء من التخلف ~~عن بيعته (عليه السلام) عند أهل الشام إلا بطلب قتلة عثمان منه، وأنه إذا ~~دفعهم إليه كان أسرع الناس إلى طاعته فتعلق أولا بأمر مقبول عند أهل الشام ~~غير ثبوت إمامة علي (عليه السلام) ونفيها لعلمه أن أهل الشام لا يقبلون منه ~~ابتداء إبطال بيعة الصحابة لمن بايعوه وببطلان ما دعاهم ms324 إليه من الطلب بدم ~~عثمان لو صرح أول الأمر بذلك وتيقنه أن عليا (عليه السلام) لا يجيبه إلى ما ~~طلبه على الوجه الذي أراد، لأنه غير جائز شرعا من وجوه لا يحسن هنا بيانها ~~فتتم PageV00P430 # له الحيلة المقصودة له في باطن أمره بهذه الشبهة، فلما تمكن ارتفع عن ذلك ~~إلى القدح في بيعة علي بأنه قتل عثمان ظلما بزعمه أو راض بقتله، ولا تصح ~~الخلافة لقاتل خليفة مظلوم لا لأن بيعة الصحابة لا توجب الإمامة وكانت هذه ~~أيضا شبهة مقبولة عند اتباعه ثم كان كلما تمكن من أمر ارتفع إليه حتى تم له ~~جميع ما حاول وطلب من أمر الدنيا فكان تعلله إذ لم يتمكن من القدح في أول ~~الأمر في إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) ببيعة المهاجرين والأنصار له ~~بما تعلل به شبيها بتعلل الأولين بحداثة السن إذا أعيتهم الحيلة في دفع ~~حجته، فليس ترك أمير المؤمنين (عليه السلام) مخاصمة معاوية بالنص لكونه ~~مفقودا بل لكونه غير نافع بل مقتضيا للضرر يقينا، وترك ما يوجب الضرر واجب ~~قطعا ولأن مراد أمير المؤمنين (عليه السلام) مطالبة معاوية وأصحابه بالبيعة ~~وذلك متوقف على ثبوت الإمامة على ما يرون ولا يكون إلا بالبيعة فخاصمهم ~~ليكون قد أتاهم بما يعرفون ولا ينكرون ليستحقوا على العصيان من المطيعين ~~القتال ومن الله المقت والنكال، وهذا في الحقيقة لا يجهله محصل ولا يرتاب ~~فيه محقق وبأقل مما بيناه يتضح وجهه، فبطل إيراد القوشجي كله وانزاح تعلله ~~بعون الله ومنه، وقد نتج من كلامنا من أوله إلى هنا دعويان. # الأول: إن القوم كانوا يخالفون نصوص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~ويردونها بالرأي. # الثانية: إن النص موجود على أمير المؤمنين (عليه السلام) من النبي (صلى ~~الله عليه وآله) فكتمه القوم وأعرضوا عنه ونبذوه وراء ظهورهم. # أما الأولى: فدليلنا عليها مع ما بيناه وأوضحناه حتى من شهادة أوليائهم ~~عليهم ما شاع من صدور مخالفة بعض الصحابة للنبي (صلى الله عليه وآله ~~PageV00P431 # وسلم) في حياته وما تواتر من مخالفتهم ms325 إياه بعد وفاته، منها ما صدرت من ~~شخص معين، ومنها ما صدرت من أشخاص معينين، ومنها ما هو منسوب إلى جملة من ~~القوم من غير تعيين، ونبدأ من القسم الأول بذكر أبي بكر وعمر فإنهما رأس ~~هذا الأمر وسنامه، وجميع البحث في الإمامة يدور عليهما فنقول إن مخالفتهما ~~للنص (صلى الله عليه وآله) جاءت منهما تارة على الإجماع وأخرى على الانفراد ~~فمما اجتمعنا فيه مخالفتهما للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في التخلف عن ~~جيش أسامة مع حث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على تنفيذه مرارا. # قال ابن أبي الحديد قال أبو بكر (1) وحدثنا أحمد بن سيار عن سعيد بن ~~الكثير الأنصاري عن عبد الله بن عبد الله بن عبد الرحمن: إن رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) في مرض موته أمر أسامة بن زيد على جيش فيه جلة المهاجرين ~~والأنصار منهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح وعبد الرحمن بن عوف وطلحة ~~والزبير، وأمره أن يعبر على مؤتة حيث قتل أبوه زيد، وأن يغزو وادي فلسطين، ~~فتثاقل أسامة وتثاقل الجيش بتثاقله، وجعل رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) يثقل ويخف ويؤكد القول في تنفيذ ذلك البعث حتى قال له أسامة: بأبي ~~أنت وأمي أتأذن لي أن أمكث أياما حتى يشفيك الله فقال: (اخرج وسر على بركة ~~الله) فقال: يا رسول الله إني إن خرجت وأنت على هذه الحالة خرجت وفي قلبي ~~قرحة منك فقال: # (سر على النصر والعافية) فقال: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) إني ~~أكره أن أسئل عنك الركبان، فقال: (أنفذ لما أمرتك به) ثم أغمي على رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله)، وقام أسامة فجهز للخروج، فلما أفاق رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) سأل عن أسامة والبعث فأخبر # PageV00P432 # أنهم يتجهزون فجعل يقول: (أنفدوا بعث أسامة لعن الله من تخلف عنه) ويكرر ~~ذلك الخبر، (1) ومع هذا الحث الأكيد قد تخلف من تخلف عن البعث المذكور ردا ~~لنص الرسول (صلى الله عليه وآله) ms326 بالرأي فإن أحدهما تخلف لطلب الخلافة ~~والثاني لمعاونته ولم ينكر عليهما منكر لأن المتمكن من الإنكار عليهما في ~~تلك الحال يرى رأيهما، والمؤمنون وهم أقل قليل مغلوب عليهم، فإذا كان هذان ~~الرجلان قد تخلفا عن جيش أسامة مخالفة للنبي (صلى الله عليه وآله) ولم تمض ~~من المدة ما يحتمل فيه شبهة كنسخ وغيره، وكل ذلك لغرض الإمرة وطلب الرئاسة ~~فكيف يستنكر منهما ويستبعد مخالفة نص الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) على ~~علي وإنكاره ذلك الغرض المذكور؟ مع أن مخالفة النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) في الإمامة ورد نصه فيها على مذهب الجماعة أهون من رد نصه في الجهاد ~~لأنهم جعلوا الخلافة من الأمور الدنيوية ولم يجعلوها من الفروض الدينية، ~~والأحكام الشرعية، ألا ترى قول عمر لأبي بكر في السقيفة وأمرك رسول الله ~~بالصلاة رضيك رسول الله لديننا أفلا نرضاك لدنيانا (2)، فجعل الصلاة من ~~الدين والإمامة من أمر الدنيا، ولازم ذلك جعل نص الرسول (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فيها كرأي واحد منهم! فكما يجوز مخالفة ذلك الواحد يجوز مخالفة ~~النبي (صلى الله عليه وآله) والرجوع إلى ما يؤدي إليه الرأي، وإذا كانوا قد ~~خالفوا النبي (صلى الله عليه وآله) وردوا نصه في الأمور الدينية فأحر بهم ~~أن يخالفوا النبي (صلى الله عليه وآله) فيما زعموا أنه من الأمور الدنيوية ~~لا من الأوامر الشرعية، فتبين هنا أن قول بعضهم: إن رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) لم يوص ولو أوصى ما تأمر أبو بكر # PageV00P433 # على وصيه باطل، لأن أبا بكر قد تآمر في هذه الواقعة على من أمره رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) عليه والحال في الأمرين واحدة، ومتى رأينا أبا ~~بكر وصاحبه وقفا مع النص فيما يخالف غرضهما حتى نستبعد منهما مخالفة النص ~~في الإمامة مع ظهور مخالفته لمطلوبهما ومنعه إياهما من التوصل إلى محبوبهما ~~ما هذا إلا تمحل المحال. # ومن ذلك مخالفتهما أمره (صلى الله عليه وآله) بقتل ذي الخويصرة التميمي ~~(1) قال ابن أبي الحديد: وفي ms327 الصحاح المتفق عليها أن رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) بينا هو يقسم قسما جاء رجل من بني تميم يدعى ذي الخويصرة، فقال: ~~اعدل يا محمد فقال: (قد عدلت) فقال ثانية: اعدل يا محمد فإنك لم تعدل فقال ~~(صلى الله عليه وآله): # (ويلك ومن يعدل إذا لم اعدل)؟ قال: وفي بعض الصحاح أن رسول الله قال لأبي ~~بكر وقد غاب الرجل عن عينه: قم إلى هذا فاقتله فقام ثم عاد فقال: وجدته ~~يصلي، فقال لعمر مثل ذلك فعاد وقال: وجدته يصلي فقال لعلي (عليه السلام) ~~مثل ذلك فعاد وقال: لم أجده، فقال رسول الله: # (صلى الله عليه وآله) (لو قتل هذا لكان أول فتنة وآخرها) (2) الحديث ~~فانظر إلى ترك الشيخين قتل الرجل لأنه يصلي فإنك تجده صريحا في ردهما أمر ~~النبي (صلى الله عليه وآله) بالرأي وتخصيصهما عمومه بالاستحسان؟ هذا والنبي ~~(صلى الله عليه وآله) حي نافذ الحكم شديد السلطان، فإذا تحقق ردا مرة ~~بالرأي في حال حياته وعلو كلمته ولم # PageV00P434 # يحذرا من عقوبته فكيف يستنكر منهما مخالفته نصه في إمامة علي (عليه ~~السلام) بعد وفاته وعلمهما أنه قد فارق الدنيا وأنه لا يأمر بعد ذلك ولا ~~ينهى، أفيرتاب عاقل عالم قد علم بمخالفتهما الرسول (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فيما ذكرناه في جواز أن يخالفا نصه في الإمامة مع ارتكاب خطر العقوبة ~~في الأول والأمن منها في الثاني؟ وهل يصفهما ذو عقل صحيح وذوق رجيح بعدم ~~إمكان المخالفة كما فعل ابن أبي الحديد فواعجبا من قوم هم من ذووي التحقيق ~~يروون شيئا ويحققونه ثم يزعمون عدم إمكان واستحالة وقوعه [فليحذر الذين ~~يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم] (1) ولعمري لقد ~~أصابتهم الفتنة من غير شك ولا شبهة وبالله المستعان. # وفي حديث: أم سلمة المتقدم مع عائشة قالت: وأذكرك أيضا كنت أنا وأنت مع ~~رسول الله في سفر له وكان علي (عليه السلام) يتعاهد نعلي رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فيخصفها، ويتعاهد أثوابه فيغسلها، فنقبت ms328 له نعل ~~فأخذها يومئذ يخصفها وقعد في ظل سمرة، وجاء أبوك ومعه عمر فاستأذنا عليه، ~~فقمنا إلى الحجاب، فدخلا عليه فحادثاه فيما أراد، ثم قالا: يا رسول الله ~~إنا لا ندري قدر ما تصحبنا فلو أعلمتنا من تستخلف علينا ليكون لنا بعدك ~~مفزعا، فقال لها: (أما إني قد أرى مكانه ولو فعلت لتفرقتم عنه كما تفرقت ~~بنوا إسرائيل عن هارون بن عمران) فسكتا ثم خرجا، فلما خرجنا إلى رسول الله ~~(عليه السلام) قلت له وكنت أجرأ عليه منا: من كنت يا رسول الله مستخلفا ~~عليهم؟ فقال: (خاصف النعل) فنزلنا فلم نر أحدا إلا عليا، فقلت: يا رسول ~~الله ما أرى إلا عليا فقال: # (هو ذاك) فقالت عائشة: نعم أذكر ذلك، فقالت: فأي خروج تخرجين # PageV00P435 # بعد هذا (1) وهو صريح في إخبار النبي (صلى الله عليه وآله) لهما بأنهما ~~يخالفان نصه، ولا يطيعان من يستخلفه، وسكوتهما من دون أن يعتذرا للنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) أو يعطياه من العهود بالطاعة فيمن يستخلفه عليهم ما ~~يحصل الوثوق ظاهرا بمثله شاهد صدق على أن ما نسبه النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) إليهما وإلى أمثالهما من التفرق عن خليفته كان ذلك الوقت مضمرا ~~في قلوبهما، وكانا قد عرفا إشارة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ما ~~أضمراه من مخالفة النبي (صلى الله عليه وآله) إن استخلف عليا، وقد فهما إلى ~~من يشير النبي (صلى الله عليه وآله) بالاستخلاف فسكتا على ما أضمرا، فأي ~~شاهد عدل من هذا يراد منا على هذه الدعوى؟ # ومما اختص به أبو بكر في مخالفة النبي (صلى الله عليه وآله) وكان عمر له ~~تابعا أخذه فدك من فاطمة (عليه السلام) لروايته التي خالفها بتركه ما ترك ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند علي (عليه السلام) كالسيف والدرع ~~والبغلة والعمامة وشبه ذلك وترك حجرات النبي (صلى الله عليه وآله) عند ~~أزواجه (عليه السلام) وتوضيح ذلك أن فدك كانت من الأنفال كما صح عند خصومنا ~~رواه ابن أبي الحديد ms329 عن الطبري وغيره (2) وليست فيئا للمسلمين وأن فاطمة ~~(عليه السلام) أتت تطلبها بالميراث من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~بادئ بدء فمنعها أبو بكر وروى أنه قد سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) يقول: # (نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة) (3) وأنه بعد ذلك ترك # PageV00P436 # المذكورات عند علي (عليه السلام) ولم يتصدق به وترك الحجرات عند الأزواج، ~~فكيف تترك تلك وتؤخذ هذه؟ والاعتذار بأنه لعله تصدق بأثمانها لا يدفع ~~الايراد ولا يجدي نفعا لوجهين. # الأول: إنه منع فاطمة الميراث بما زعمه من الرواية على رؤوس الاشهاد ~~وكانت فاطمة وعلي (عليه السلام) وشيعتهما ينسبونه في ذلك إلى الظلم وافتعال ~~الرواية وكل هذا مصحح عند الخصم فكان تركه المتروكات موجبا لصدق اتهامه ~~بالرواية والظلم والتصدق باطنا بالأثمان لا يرفع عنه التهمة ولا يوجب براءة ~~ساحته لأن منعه فاطمة الميراث لروايته أمر متعالم معروف فالواجب عليه أو ~~يقابله بما يزيل عنه التهمة ويبرئ ساحته من الطعن عليه بافتراء الرواية ~~بأمر مثله معلوم معروف بأن يحضر جماعة من الصحابة ويحضر ذوي عدل يقومون تلك ~~الأشياء بقيمة عادلة فيحضر من ماله قدر ذلك فيتصدق به علانية في ذلك المشهد ~~لأن المعلوم لا يرفعه إلا معلوم مثله وما نراه فعل شيئا من ذلك ولا نقله ~~عنه من أوليائه ناقل ولو فعله لصنفت فيه الكتب وكثرت فيه الأسانيد وكل هذا ~~لم يكن وهو دليل على أنه لم يكن في السر شئ منه وهم لا يدعون له العصمة حتى ~~يقطع على باطنه كما يقطع على ظاهره الثاني إنا لو جوزنا تصدقه سرا فمن أين ~~نقول إنه تصدق بأثمان تلك المتروكات فإن كان من ماله فهو باطل لأنه إذ ولى ~~الخلافة واشتغل بها عن التجارة لم يجد نفقة له ولعياله حتى جعل له المسلمون ~~قسمة من بيت المال المال كل يوم ثلاثة دراهم كما صح عند الخصوم ونقله ابن ~~أبي الحديد عن أبي جعفر الإسكافي (1) فأين له مال يتصدق منه بأثمان ~~المتروكات وإن كان من ms330 بيت المال فذلك غير جائز لأن بيت المال حق للمسلمين ~~فليس له أن يؤدي # PageV00P437 # عن ذمته من مالهم شيئا بغير إذنهم ولم ينقل أنه استأذنهم في ذلك فأذنوا ~~له ففعل ثم على تقدير جواز ذلك كله لا ترتفع المخالفة لأن الصدقة في حديثه ~~متعلقة بأعيان تلك الأشياء لأنه قال ما تركناه صدقة فالواجب دفع أعيان تلك ~~المتروكات في الصدقة ولا يجزي دفع أثمانها وما هو إلا كرجل نذر الصدقة ~~بدينار معين فلا يجزيه التصدق بغيره بلا خلاف وقد ترك تلك الأشياء على ~~حالها بيد من هي تحت يده فثبتت مخالفته لما رواه ثم هنا وجه آخر من ~~المخالفة لا يدفع وذلك أن لفظ حديثه (ما تركناه صدقة) ومن البين أن الصدقة ~~للفقراء والمساكين لا لعامة المسلمين ولا في وجوه الجهاد كالكراع والسلاح ~~لم ينقل أحد من مواليه أنه كان يقسم غلة فدك في الفقراء والمساكين بل صح ~~عندهم أنه يجعله في بيت المال ويصرفه في أمر الجهاد كما زعم ففعله مخالف ~~لروايته من هذه الجملة قد بان أن الرواية إنما افتعلت افتعالا في ذلك الوقت ~~ليدفع بها قول فاطمة (عليها السلام) ويسكتها عن مطالبتها الميراث لئلا تدعى ~~بعد ذلك ميراث الخلافة لابن عمها علي (عليه السلام) من رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) فقطع بهذا الخبر المادة التي حذر منها وكان ذا مكنة على أمثال ~~هذا فلما اندفعت فاطمة عن مطالبة الميراث ترك ما يلزمه من مضمون روايته. # وقد نقل ابن أبي الحديد أن عثمان كذب هذه الرواية إذ جائته عائشة في أيام ~~خلافته تطلب ميراث النبي (صلى الله عليه وآله) وطعن عليها ولا أدري كيف ~~طلبها ميراث النبي (صلى الله عليه وآله) والرواية أنه لا يورث أفيكون ~~للزوجة ميراث ولا ميراث للبنت. # ومن ذلك إسقاطه سهم ذوي القربى من الخمس والأنفال وجعلهم كعامة المسلمين ~~فيه وقد خص الله ورسوله ذوي القربى منهما بسهم لا يشركهم PageV00P438 # فيه غيرهم بنص الكتاب العزيز (1). # ومن ذلك درؤه الحد عن خالد بن الوليد إذ ms331 قتل مالك بن نويرة وزنى بامرأته ~~وعذره لعمر لما طلب أن يقوده بمالك لأنه مسلم ما هو بأول من تأول وأخطأ ~~فاكفف يدك، وارفع لسانك عنه (2) إلى غير ذلك من الاجتهادات في مقابلة النص، ~~والعمل بالرأي دون الرواية. # وأما ما يختص به عمر فمنه مخالفته لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~حين قال (ائتوني بدواة وصحيفة اكتب لكم كتابا لا تضلون بعدي) ولم يكفه ~~المخالفة للأمر دون أن قال إنه ليهجر استفهموه حسبنا كتاب الله # PageV00P439 # مراغمة لقول الله تعالى: [وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى] ثم ~~افترق الحاضرون فمن قائل القول ما قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ومن قائل القول ما قاله عمر ذكر هذه الرواية ابن أبي الحديد مرارا ~~وهي في صحاح كتبهم كالبخاري وغيره على اختلاف في الألفاظ وقد مضى هذا ~~الكلام محقق بينا فيه بيانا وافيا وقررنا فيه تقريرا شافيا وإذا صدرت من ~~عمر مخالفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ظاهرا مع قوته ونفاذ أمره كيف ~~يبعد منه مخالفته في نصه على أمير المؤمنين وهو إنما قال ما قال لأنه فهم ~~أن مقصد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الكتاب تجديد النص على علي ~~(عليه السلام) وإشهاد الحاضرين فلما رأى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~الاختلاف من الحاضرين حتى أنهم جعلوه ندا له في القول فجعلوهما كالمجتهدين ~~المختلفين يذهب إلى قول كل منهما فريق عرف أنهم لا يجيبونه إذا نص ولا ~~يعتنون بكتابه إذا كتب، فقال: (قوموا فاخرجوا عني فإنه لا ينبغي عند نبي ~~تنازع) كما هو تمام الخبر وهذا أعجب الأمور وأغربها حيث يجعلون قوله: ندا ~~لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويترددون في أيهما أصح وأيهما الأحق ~~بأن يتبع حتى يترجح عند قوم منهم أن الصحة في جانب قول عمر وأن قول رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) ليس بصحيح وكيف لا يجترئ بعد ذلك على إنكار النص ~~على علي (عليه السلام) وإبطاله لو ms332 أورده ومن تراه ينكر عليه اليوم وهم ~~بالأمس صيرورة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ندا وقوله لقوله ضدا ~~بل رجحوا قوله على قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا طائفة من ~~المؤمنين وقليل ما هم فيا له من عجب عجيب، لا ينقضي التعجب منه أبدا وهذا ~~يرشدك إلى صدق ما ندعيه الإمامية من التواطئ على إنكار النص، ودفع صاحبه. # ومنه رد عمر قول النبي (صلى الله عليه وآله) يوم الحديبية حين صالح قريشا ~~فقال على م نعطي الدنية في ديننا وهذا رد على الله وعلى رسوله (صلى ~~PageV00P440 # الله عليه وآله) بالرأي وهل ترى يعتقد في نفسه أنه أوثق في دين الله من ~~النبي (صلى الله عليه وآله) وهو صاحب الدعوة ومقيم الملة وشارع الشريعة ~~والمؤتمن على الوحي؟ فإن كان يعتقد ذلك فما قولك فيه، وإن كان يظن أن رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) أخطأ في الحكم حين صالح قريشا فماذا تجيب عنه؟ ~~والنبي (صلى الله عليه وآله) لا ينطق في الأحكام عن الهوى إن هو إلا وحي ~~يوحى، ولا يتقول على الله تعالى ولا أدري كيف يوجه هذا؟ وكيف يجاب عنه، ~~ويعتذر منه. وإن كان يعلم أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو المصيب ~~وأنه هو المخطئ فهو الرد على الله وعلى رسوله (صلى الله عليه وآله) وفي ~~أدنى هذه المراتب ثبوت ما ندعيه من مخالفته النبي (صلى الله عليه وآله) ~~(1). # ومنه: مخالفته النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما ذكره الخصوم عن أبي ~~هريرة في قصة النعلين (2). # ومنه: مخالفته النبي (صلى الله عليه وآله) في وضع الدواوين والتفضيل في ~~القسمة والعطاء. # PageV00P441 # ومنه: مخالفته النبي (صلى الله عليه وآله) في حكم البلاد المفتوحة عنوة ~~وتفصيل ذلك مذكور في كتب المطاعن وكل ذلك برأيه. # ومنه: مخالفته النبي (صلى الله عليه وآله) في تحريم المتعتين (1) وإسقاطه ~~من الآذان حي على خير العمل قال القوشجي صعد يعني عمر المنبر وقال أيها ~~الناس ثلاث كن على عهد رسول الله ms333 (صلى الله عليه وآله) أنا أنهى عنهن ~~وأحرمهن وأعاقب عليهن وهي متعة النساء ومتعة الحج وحي على خير العمل ثم قال ~~وأجيب بأن ذلك مما لا يوجب قدحا فيه فإن مخالفة المجتهد لغيره في المسائل ~~الاجتهادية ليس ببدع (2). # أقول: هذا الكلام من أقبح القبائح وأفضح المفاضح وأوهن المغالطات وأسمجها ~~وهو مناقض لما رد به النصوص على أمير المؤمنين (عليه السلام) وهي التي ~~ذكرناها في مناقضته حيث قال: " لو كان في مثل هذا الأمر الخطير المتعلق ~~بأمر الدين والدنيا مثل هذه النصوص الجلية لتواتر نقله بين الصحابة ولم ~~يتوقفوا في العمل بموجبه ولم يترددوا حين اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة ~~لتعيين الإمام وأنه كيف يزعم ذو مسكة أن الصحابة مع بذلهم مهجهم وذخائرهم ~~وقتلهم أقاربهم وعشائرهم في نصرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~خالفوه قبل أن يدفنوه مع وجود هذه النصوص القطعية الظاهرة الدالة على ~~المراد " (3) فإنه جعل علة الرد لتلك النصوص وإنكار ورودها عدم # PageV00P442 # تجويزه على الصحابة مخالفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو استبعاده ~~ذلك منهم وهنا أثبت لعمر مخالفة النبي (صلى الله عليه وآله) وجعل العلة في ~~جوازها الاجتهاد مع أن رأس القوم الذين خالفوا تلك النصوص هو عمر الذي أخبر ~~عن نفسه أنه خالف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وحرم ما حلله بقطع وجزم ~~وأطاعه من أطاعه من الصحابة فكيف يجوز القوشجي لعمر ومتابعيه مخالفة النبي ~~(صلى الله عليه وآله) في تحريم المتعتين وحي على خير العمل وإعطاء أزواج ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والاقراض ومنع فاطمة وأهل البيت خمسهم ~~والتفضيل في القسمة بالاجتهاد ولا يستبعد ذلك منهم ولا ينكره ويستنكف ~~ويستنكر من مخالفتهم النبي (صلى الله عليه وآله) في نصه على علي (عليه ~~السلام) ويمنع من جوازها عليهم بالاجتهاد وما الأمران إلا سواء في أن كلا ~~منهما رد لنص النبي (صلى الله عليه وآله) وإبطال لحكمه بل حصوله منهم في ~~هذا أقرب لتعلق الأغراض الدنيوية والشهوات النفسية كحب الرياسة وبغض علي ms334 ~~(عليه السلام) وإرادة أن تتسع الخلافة في قريش وغيرها به كما أوضحنا ذلك في ~~مواضع دون الأول إذ لا يتعلق به شئ من هذه الأغراض إلا في الخمس ولم يكن ~~تواتر هذه الأحكام عن النبي (صلى الله عليه وآله) مانعا لعمر وتابعيه عن ~~المخالفة فيها حتى يكون تواتر النصوص على علي (عليه السلام) مانعا لهم من ~~مخالفتها ولم يتوقفوا في موافقة عمر في خلاف النبي في تلك الأشياء حتى ~~يتوقفوا في موافقته يوم السقيفة في مخالفة النص الجلي على علي (عليه ~~السلام) من النبي (صلى الله عليه وآله) فما أدري في أي شئ من القولين يصدق ~~القوشجي أفي تجويزه للصحابة الاجتهاد في إبطال حكم الرسول (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) في الأحكام الشرعية أم في استبعاده منهم مخالفة نصه في الإمامة ~~مع أنها عندهم ليست من الأمور الدينية والمخالفة عندهم فيها سهلة وما أدري ~~على أي PageV00P443 # القولين يعتمد وإلى أيهما يرجع أو أنه مخلط لا يقف على حد ولا يرجع إلى ~~قول معين يقول في كل موضع ما يدفع به خصمه وإن خالف مذهبه وعاند قوله الآخر ~~وهذا هو المحقق من سيرته والمعروف من طريقته وهو غاية الوهن وضعف الرأي ~~ونهاية الاعوجاج في الطريقة بل العدل والانصاف أن يحكم بأحد الأمرين. # إما أن الصحابة يخالفون النبي (صلى الله عليه وآله) مطلقا بآرائهم فلا ~~يجوز له حينئذ الاستبعاد عليهم رد نصه على أمير المؤمنين بالإمامة وإما أن ~~يمنع من صدور المخالفة منهم للنبي (صلى الله عليه وآله) مطلقا فيكذب ~~الروايات المشهورة والأخبار المتواترة بمخالفتهم حكم الرسول (صلى الله عليه ~~وآله) كما أنكر نصوص الإمامة والوصية، [أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض] ~~(1) وإلا فهو تحكم لا يشبهه إلا النسئ الذي كان الكفار من أهل الجاهلية ~~[يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله ~~زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين] (2) أو متحد به في ~~الطريق وحسبك به نقصا وخروجا عن سواء السبيل وأيضا إذا كان القوشجي ms335 قد جوز ~~لعمر ومن يرى رأيه مخالفة النبي (صلى الله عليه وآله) في الأحكام بالاجتهاد ~~فما الداعي إلى تحمله ما تحمل في إنكار مخالفتهم النبي (صلى الله عليه ~~وآله) في نص الإمامة ويكفيه أن يقول النص موجود ولكن الصحابة خالفوه ~~بالاجتهاد ومخالفة المجتهد لغيره ليس ببدع كما قال هنا، وما يرد عليه في ~~هذا يرد عليه في ذاك من دون فرق؟ فإنا معاشر الإمامية نقلوا أن القوم ~~خالفوا نص النبي (صلى الله عليه وآله) في الإمامة كما خالفوه في غيرها كل ~~ذلك # PageV00P444 # باجتهادهم، لكن الاجتهاد في مقابلة النص في جميع الأمور غير مقبول، لكن ~~الأشعري المذكور يقبله منهم في كل الأمور فلتكن الإمامة من جملتها فلا حاجة ~~له إلى الاعتذار عنهم بإنكار النص الواضح وتكلف الدليل عليه وهو يكفيه أن ~~ينسبه إلى الاجتهاد كغيره. # ثم اعلم أن صريح كلام القوشجي أنه وجزبه جعلوا النبي كواحد من المجتهدين ~~فجوزوا لعمر مخالفته بالاجتهاد فأسقطوا بذلك وجوب اتباع النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) ولزوم طاعته، فكأنهم نسوا آيات الكتاب الناصة على المنع من ~~مخالفته كقوله تعالى: [وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا] (1) ~~وقوله تعالى: [فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب ~~أليم] (2) وقوله تعالى: [ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ~~أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعصي الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا] (3) ~~والآيات الدالة نصا على أن حكمه هو حكم الله، وأنه معصوم عن الحكم بالنظر ~~والاجتهاد مثل قوله تعالى: [وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى] (4) ~~وقوله تعالى: # [ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين] ~~(5) وقوله تعالى: [قل إن أتبع إلا ما يوحى إلي من ربي] (6) وغير ذلك من ~~الآيات على كفر مخالفه وسلوكه طريق الضلال وأنه لا # PageV00P445 # حلال إلا ما حلله ولا حرام إلا ما نهى عنه وأبطله (1) وليس بعده نبي ولا ~~ينسخ بعده حكم وما ورد من الأخبار في ذلك ms336 مثل قوله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): (أيها الناس لا نبي بعدي ولا سنة بعد سنتي) والمراد أنه لا نسخ لما ~~ثبت حكمه في سنته بعد وفاته، وخالفوا إجماع المسلمين قاطبة على ذلك حتى ~~جعلوا صاحب الشريعة ومهبط الوحي ونبي الرحمة كعمر وأن اجتهاده كقول النبي ~~(صلى الله عليه وآله) الذي هو عين حكم الله ومع ذلك لم يتفطنوا إلى أن هذا ~~القول يوجب هدم الشريعة، وإبطال الأحكام النبوية، لأنه إذا جاز مخالفة ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالاجتهاد في تحريم حلال وتحليل حرام جاز ~~لكل مجتهد مخالفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في إثبات فريضة لم ~~يفرضها، وإسقاط فريضة فرضها، وجاز زيادة ركعة في صلاة ونقص ركعة من أخرى، ~~وغير ذلك من الأحكام، إذ لا فرق بين عمر وغيره من المجتهدين في ذلك ولا بين ~~المذكورات وغيرها من الأحكام، ويتمشى ذلك إلى قلع أساس الشريعة المحمدية ~~فأين إذن وجوب الاتباع ولزوم القبول من النبي (صلى الله عليه وآله) ~~والاستماع وتحريم التشريع في الدين والابتداع؟ على أن ذلك لو صح لانجر إلى ~~جواز الاجتهاد في ترك العبادات إذ لا فرق بين كل ذلك فيبلغ الأمر إلى الكفر ~~فلا لوم بعد ذلك على الكفار الذين أداهم اجتهادهم إلى تكذيب النبي المختار ~~فقد جوز القوشجي وأصحابه لعمر مخالفة النبي (صلى الله عليه وآله) باجتهاده، ~~وإذا جاز ذلك لعمر فلا مانع من جوازه لغيره إذ لا فصل بين الأمرين ولا فارق ~~بين الوجهين، ومن أعجب العجائب أنهم جوزوا الاجتهاد لعمر في مخالفة الرسول ~~(صلى الله عليه وآله) ولم يجوزوا لأحد الاجتهاد في مخالفة عمر فتراهم ~~ينكرون على من أحل المتعة إنكارا بليغا يعدل # PageV00P446 # الانكار على من أحل الزنا أو يربى عليه حتى قال بعض فقهائهم (1) لأبي ~~جعفر محمد بن علي الباقر منكرا عليه تحليله المتعة إني أعيدك بالله يا أبا ~~جعفر إن تحلل شيئا حرمه عمر، فأجابه الإمام بما أسكته وفي هذا دلالة بينة ~~على أن القوم جعلوا لعمر رتبة زائدة ms337 على رتبة النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ومنزلة تفوق منزلته لتجويزهم مخالفته بالاجتهاد ومنعهم به من مخالفة ~~وذلك من أعظم الفساد وأشد الالحاد، ومن أعظم الخطوب في الدين المقتضية لمحو ~~شريعة سيد المرسلين، وكان الواجب على القوشجي وأهل مذهبه إذ جوزوا لعمر ~~الاجتهاد في مخالفة النبي (صلى الله عليه وآله) أن يجوزوا ذلك لغيره، ~~ويجوزوا للغير مخالفته لأن مخالفة المجتهد لغيره ليست ببدع كما هو علة ~~تجويزهم، وإما أن يمنعوا من مخالفة النبي مطلقا فيحكموا بفسق من خالفه من ~~الصحابة، وغيرهم، ثم الواجب عليهم أيضا إذا أثبتوا لعمر خلاف النبي (صلى ~~الله عليه وآله) وجوزوه له ألا يمتعظوا من قولنا أن عمر قد خالفه في نص ~~الإمامة على علي (عليه السلام) لتساوي تلك الأمور، ثم انظر إلى قول ~~القوشجي: ولم يترددوا حين اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة لتعيين الإمام، فإنك ~~تجده صريحا في أن أبا بكر ليس بمنصوص عليه من النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، فأين دعواه الإجماع على أن النبي (صلى لله عليه وآله وسلم) قد ~~استخلفه؟ وأين رواية البخاري ومسلم (ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر) (2) ~~وروايته قول النبي (صلى الله عليه وآله) # PageV00P447 # في أبي بكر (وخليفتي في أمتي) أليس قد كذب الكل بقوله المذكور، وما زال ~~هكذا بعض كلامه يكذب بعضا وقد بينا ذلك من أقواله مرارا لبيان تعصبه ~~وعناده، واعتذر ابن أبي الحديد عن عمر في ذلك وفي قوله أن النبي: يهجر بأنه ~~أخرج هذه الكلمات على مقتضى جبلته الخشنة وموجب طبعه الجاسي، وما هو عليه ~~من الجفاء والغلظة (1) وهذا الاعتذار عنه إثبات لقصوره عن المرتبة التي ~~أحلوه فيها لأنه إذا كان مجبولا على الجفوة والخشونة ومطبوعا على عدم ~~الروية والفطنة كما يقول ابن أبي الحديد لم يجز أن يكون خليفة للنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) يبلغ عنه إلى الأمة الأوامر والنواهي ويسوس الرعية ~~ويؤدبهم وهو في تلك الحال محتاج إلى سائس ومؤدب، ومفهم ومقوم، وقد قال ابن ~~أبي الحديد في موضع من ms338 كتابه أن الخلافة نبوة مختصرة (2) والأمر كما # PageV00P448 # قال أفيجوز في العقل والشرع أن يكون في موضع النبوة المختصرة ومن وصفه ~~هذا القائل بتلك الأوصاف القبيحة المنفرة، لعمرك إن هذا التلاعب في الدين ~~موجب للخسران المبين، ثم إذا حكم عبد الحميد بأن منعه للنبي وقوله ذلك ~~القول فيه كان بموجب ما فيه من الجفاء والجسوة فليحكم عليه بأنه خالف النبي ~~(صلى الله عليه وآله) في نصه على أمير المؤمنين (عليه السلام) لذلك ولا ~~يستبعد عليه إنكار النص ورده لأن هذا إن لم يكن أسهل من الأول فهما ~~متساويان، فإذا ثبت صدور أحدهما لا يستنكر منه الآخر فما باله يغضب من قول ~~الإمامية أنهم سمعوا النص على علي (عليه السلام) من النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فخالفوه وأنكروه وهو ينسب عمر إلى أعظم من ذلك فحشا وأشد قبحا، ~~ثم إنا قد ذكرنا من كلامه سابقا ما أثبت مخالفة عمر للنصوص بالرأي فما باله ~~يجيز المخالفة هناك ويتكلف الاعتذار هنا! نعوذ بالله من مناواة الحق ~~ومتابعة الهوى وليس الغرض هنا ذكر جميع الأحداث لأن ذلك كله يحتاج ذكره ~~وبيانه إلى كتاب مفرد، وإنما الغرض هنا ذكر جملة من ذلك لإثبات ما ندعيه ~~عليهم من ردهم نصوص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولدفع استبعاد من ~~استبعد عليهم مخالفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في علي (عليه السلام) ~~ورد نصه عليه ولنوضح أن خلافهم للنبي (صلى الله عليه وآله) في هذا أسوة ~~لباقي مخالفاتهم إياه في غيره، فلذا نقتصر على ما ذكرناه لحصول الغرض به. ~~PageV00P449 # وأما ما صدر من غيرهما من مخالفات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فنحن ~~نشير إلى جملة منه. # فمنهم عثمان فإنه رد عمه الحكم بن أبي العاص إلى المدينة وقد حرم رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) عليه سكناها بعد ما طرده عنها وحمى الحمى لنفسه ~~ولبني أبيه وولي مروان أمر الخلافة يفعل ما يشاء وهو فاسق ظالم وأحرق ~~المصاحف بالنار ونفى أبا ذر إلى الربذة وآثر ms339 أهل بيته بأموال الفئ ومنع ~~خيار الصحابة منها إلى غير ذلك من مخالفاته وفعلاته مما يزيد على فعل ~~الرجلين مراتب وتفصيله في كتب المطاعن كنهج الحق لجمال الدين الحلي والشافي ~~للمرتضى علم الهدى وغيرهما من الكتب (1) ولا عذر للقوم عنه في أكثرها إلا ~~بالاجتهاد وهو إثبات لدعوانا لا نقض علينا. # ومنهم عائشة أنكرت الوصية من النبي (صلى الله عليه وآله) إلى أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) مع أنها قد حضرت ذلك (2) كما قال خزيمة بن ثابت ذو ~~الشهادتين في شعره المتقدم. # وصي رسول الله من دون أهله * وأنت على ما كان من ذاك شاهده ثم لم يكفها ~~ذلك دون أن خرجت عليه تقاتله وتجمع الجموع # PageV00P450 # إلى حربه وتدعو إلى نكث بيعته مع سماعها قول النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): (ستقاتلينه يوما وأنت ظالمة له وتنبحك في طريقك كلاب الحوئب) ومع ~~روايتها ما روت فيه أنه أحب الرجال إلى رسول لله، وما ذكرتها أم سلمة (رضي ~~الله عنها) مما اعترفت به من أقوال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه ~~وأفعاله، وقد مر هذا كله وسماعها قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~لأزواجه: (أيتكن صاحبة الجمل الأزب تنبحها كلاب الحوئب يقتل حولها قتلى ~~كثير كلهم في النار وتنجو بعد ما كادت) (1) رواه ابن أبي الحديد عن ~~المحدثين وقد صححوه وأثبتوه وقد قدمنا في هذا المقام من القول ما يبل ~~الغليل. # ومنهم الزبير يصلت سيفه لقتال أبي بكر يوم بويع له ويقول لا أحد أحق ~~بالخلافة من علي (2) (عليه السلام) ثم هو بعد ذلك يدعو إلى نكث بيعته ويؤلب ~~الناس على حربه وما أبعد ما بين الأمرين وقد سمع قول النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) في علي (عليه السلام): (ستقاتله يوما وأنت له ظالم) (3) كل ذلك ~~لأغراض الدنيا واتباع الهوى. # ومنهم سعد بن أبي وقاص فإنه رد حكم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ ~~قسم غنائم بدر فساوى بين الناس فقال: أتعطي فارس القوم الذي يحميهم كما ~~تعطي الضعيف ms340 فقال النبي (صلى الله عليه وآله) وهو غضبان: (ثكلتك أمك إنما ~~تنصرون بضعفائكم) ثم هو يوم الشورى يطعن على علي (عليه السلام) بالحرص على ~~الخلافة مع روايته فيه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (أنت مني ~~بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا # PageV00P451 # نبي بعدي) ولذا تعجب منه ابن أبي الحديد (1) ولعمري أنه تعجب من غير عجب ~~فإن ديدن القوم مخالفة الرسول (صلى الله عليه وآله) فيما يشتهون لكن تعجبه ~~بمقتضى ما يدعيه فيهم من الديانة. # ومنهم طلحة وخبره مشهور ورده على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~مذكور لما نزلت آية الحجاب ولقد قال له عمر بن الخطاب بعد ما أدخله في ~~الشورى: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مات وهو ساخط عليك للكلمة التي ~~قلتها لما نزلت آية الحجاب (2). # أقول وهذا القول من عمر قد صدر بعد قوله: إن رسول الله مات وهو راض عن ~~الستة جميعا، وهذا مثل قوله يوم السقيفة إن رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) قال: (الأئمة من قريش) ثم هو لما طعن تحسر على سالم مولى أبي حذيفة ~~لينصبه إماما وليس هو بقرشي فما ندري في أي رواية نصدق عمر من رواياته وفي ~~أي قول من أقواله يصيب أو أنه يقول في كل وقت ما يقتضيه ويروي في كل حال ما ~~يناسبه وهذا معلوم من سيرته. # ومنهم: سعد بن عبادة فإنه قد سمع حديث الولاية لعلي (عليه السلام) من ~~النبي (صلى الله عليه وآله) فخالفه وكتمه # PageV00P452 # لطلب الرياسة فلما فاته ما رجاه ذكره وصرح به فقال له ابنه قيس ما قال ~~وقد مضى ذكر خبره. # ومنهم أنس بن مالك فإن أمير المؤمنين (صلى الله عليه وآله وسلم) حين ~~استنشد الناس في الرحبة أيهم سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول ~~يوم غدير خم من كنت مولاه فعلي مولاه فليشهد فشهد من شهد ولم يشهد أنس فقال ~~له أمير المؤمنين (عليه السلام) إنك قد حضرتها يا أنس فقم ms341 واشهد فتعلل ~~بالنسيان لكبر سنه ونكل عن الشهادة وليس بناس فقال له أمير المؤمنين إن كنت ~~كاذبا فرماك الله بها بيضاء لا تواريها العمامة فأصابه الوضح فسئل عن سببه ~~بعد فقال ذاك دعوة العبد الصالح علي بن أبي طالب، ثم ذكر للسائل الحديث ~~واعتذاره عن ترك الشهادة بالنسيان، وأنه غير ناس وسئل مرة عن علي (عليه ~~السلام) فقال: إني آليت ألا أكتم شيئا سمعته من رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فيه بعد يوم الرحبة، ذاك رأس المتقين، سمعته من نبيكم (1) أفليس ~~هذا صريحا في أنه قبل أن أصابه الوضح بدعاء علي (عليه السلام) كان يكتم ما ~~سمعه من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه، وأن نص الغدير من جملة ~~المكتوم، وهل أوقع الناس في الفتنة وصيرهم في الحيرة إلا كتمان قول النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) في علي (عليه السلام) قبل يوم الرحبة وإخفاء نصه ~~عليه قبل ذلك حتى كان ذكره، بعد ذلك غير مجد في رفع الحيرة عن العامة، ~~والتصريح به غير مزيل للفتنة لما الفه الناس من الشبهة. # ومنهم أبو هريرة: كان يروي قول النبي (صلى الله عليه وآله) كان يروي قول ~~النبي في علي (عليه السلام): (اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من ~~نصره واخذل من خذله) # PageV00P453 # وهو مع ذلك مجمع على حربه وقتاله مع معاوية، ولم يكفه ذلك دون أن روى ~~الأحاديث المفتعلة في ذمه وتوصل إلى لعنه (1) ودع عنك مثل خالد بن الوليد ~~ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وأمثالهم من الجبابرة وتابعيهم من ~~المبغضين لعلي (عليه السلام) كأبي موسى الأشعري والمغيرة بن شعبة وعبد الله ~~بن عمر وعبد الله بن الزبير في أضرابهم وأشباههم. # وأما ما نسب من مخالفة النبي (صلى الله عليه وآله) إلى جماعة من الصحابة ~~معينين أو غير معينين. # فمنه مخالفة قوم للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الخروج إلى أحد وقد ~~اختار (صلى الله عليه وآله) أن يقيم بالمدينة ثم مخالفة ms342 الرماة الذين ~~أقامهم على الثنية وأمرهم ألا يبرحوا عن مكانهم، وأخبرهم إنا لا نزال بخير ~~ما دمتم في موضعكم، فردوا نصه بالرأي وانصرفوا من مركزهم وبه جرى على ~~المسلمين ما جرى، وجرح النبي (صلى الله عليه وآله) جروحا كثيرة، وعانى مشقة ~~شديدة (2). # ومنه إنكار جملة من الأنصار علي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فعله في ~~قسمة غنائم هوازن حتى بلغه ذلك منهم فأمر سعد بن عبادة أن يجمعهم له في ~~موضع فقام فيهم خطيبا وأنبهم على ذلك ولامهم وأبان لهم حسن ما فعله (3). # ومنه مخالفة قوم للنبي (صلى الله عليه وآله) حين قال في مرضه (هلم اكتب ~~لكم كتابا لا تضلون بعدي) فلم يقربوا إليه الدواة والبياض # PageV00P454 # ليكتب لهم ذلك الكتاب وقالوا مع العصيان القول ما قاله عمر حيث نسب رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) إلى الهجر. # ومنه ما قال قوم إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) غل لما افتقدوا ~~قطيفة من غنيمة بدر فأنزل الله تعالى: [وما كان لنبي أن يغل] (١) الآية. # ومنه قول قوم منهم أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أذن يعيبونه بذلك ~~يعني يصدق كل من أخبره بشئ فأنزل الله تعالى: [قل أذن خير لكم] (٢) الآية. # ومنهم الذين قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا ~~أرادوا قتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) في العقبة عند منصرفة من تبوك ~~ودحرجوا الدباب لناقته لتنفر به وكان معه عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان ~~رضي الله عنهما أحدهما يسوق الناقة والآخر يقودها وكانوا اثني عشر رجلا ~~ثمانية من قريش وأربعة من العرب (٣). # ومنهم اللامزون النبي ﴿صلى الله عليه ~~وآله وسلم) " في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم ~~يسخطون﴾ (4) إلى غير ذلك من مخالفاتهم لله ولرسوله (صلى الله عليه ~~وآله) مما صرح به القرآن الكريم، وجائت به الأخبار، واحتوت عليه كتب السير ~~والمغازي والتواريخ والتفاسير، وفرارهم عن النبي (صلى الله عليه ms343 وآله) ~~وإسلامهم إياه إلى الأعداء مشهور في كثير من المشاهد قد بين في القرآن منها ~~ما بين، # PageV00P455 # وأوضح منها ما أوضح، ولولا أن شرحه يطول لشرحناه وذكرنا جميع ذلك من ~~خلافهم. # ومنهم من طعن على النبي (صلى الله عليه وآله) في تأميره زيد بن حارثة ثم ~~طعنهم عليه بعد ذلك في تأميره أسامة بن زيد حتى قام خطيبا ولا مهم وردعهم، ~~ودع عنك البانين [مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين] (١) والفرحين ~~بمقعدهم خلاف رسول الله ﴿صلى الله عليه ~~وآله وسلم﴾ ﴿٢) والقائلين لا تنفروا ~~في الحر﴾ (3) ومن قال: اعدل يا محمد فإنك لم تعدل، ومن قال يخاطب النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) رادا عليه فعله. # أتجعل نهبي ونهب العبيد * بين عيينة والأقرع فما كان بدر ولا حابس * ~~يفوقان مرداس في مجمع ولست بدون امرء منهما * ومن تخفض اليوم لا يرفع وهو ~~العباس بن مرداس السلمي (4) وغير ذلك مما يطول تعداده فما ظنك بشرحه وكله ~~مشروح في كتب الخصوم وقد ذكرنا من قبل رد الصحابة على النبي (صلى الله عليه ~~وآله) انتجاءه عليا يوم الطائف دونهم وقولهم السئ فيه إذ ترك باب علي (عليه ~~السلام) شارعا إلى المسجد حين سد أبوابهم حتى أخبرهم إنما فعله عن الله لا ~~عن نفسه وبالجملة إن تهمتهم للنبي # PageV00P456 # (صلى الله عليه وآله وسلم) ومخالفتهم إياه كثيرة لا تحصى وكل ذلك بآرائهم ~~وما أدتهم إليه أنظارهم فكيف يستبعد من هؤلاء إنكار النص على أمير المؤمنين ~~وهذه حالهم وهي كاشفة عن بذلهم الجهد وتحملهم المشاق في إخفاء فضائل أمير ~~المؤمنين وستر مناقبه وطلب التدليس فيها وتلبيسها على الناس بإلقاء الشبه ~~عليها وقصدهم إلى توهينها وتهجينها خصوصا الصدر الأول وقد اعترف بذلك ابن ~~أبي الحديد في صريح كلامه فإنه لما نقل حديث ذو الكلاع الحميري حين سأل أبا ~~نوح الحميري في صفين عن عمار بن ياسر أهو مع أصحاب علي (عليه السلام) وقال ~~له: إن عمرو ms344 بن العاص حدثنا أنه سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~قال: (يلتقي أهل الشام وأهل العراق وفي إحدى الكتيبتين الحق وإمام الهدى ~~ومعه عمار بن ياسر) فقال له أبو نوح: نعم إنه لفينا، قال قلت: واعجباه من ~~قوم يعتريهم الشك في أمرهم لمكان عمار ولا يعتريهم الشك لمكان علي (عليه ~~السلام) ويستدلون على أن الحق مع أهل العراق لكون عمار بين أظهرهم ولا ~~يعبأون بمكان علي (عليه السلام) ويحذرون من قول النبي (صلى الله عليه ~~وآله): (تقتلك الفئة الباغية) ويرتاعون لذلك ولا يرتاعون لقوله (صلى الله ~~عليه وآله): (اللهم وآل من والاه وعاد من عاداه) ولا لقوله (صلى الله عليه ~~وآله): (لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق) وهذا يدلك على أن عليا ~~(عليه السلام) اجتهدت قريش كلها من مبدأ الأمر في إخمال ذكره وستر فضائله ~~وتغطية خصائصه حتى محى فضله ومرتبته من صدور الناس إلا قليلا انتهى كلامه ~~(1) وهو صريح في أن أئمته وتابعيهم من قريش كلها اجتهدوا في ستر فضائل أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) وإخفاء مناقبه، ولعمري إن النص بالإمامة عليه من ~~جملة ذلك.، وإن الذي دعاهم إلى ستر مناقبه وخصائصه هو # PageV00P457 # بنفسه الداعي لهم إلى ستر النص عليه وتغطيته لما ذكره في كلامه وهو ~~انمحاء فضل علي (عليه السلام) ومرتبته من صدور الناس حتى لا يقول قائل ~~ظلموه إذ تقدموا عليه أو قدموا غيره، وهذا فضله وهذه مناقبه، وهذا النص من ~~النبي (صلى الله عليه وآله) عليه، فما بال ابن أبي الحديد يثبت على القوم ~~ستر ما لأمير المؤمنين (عليه السلام) من المناقب وبذل الجهد في تغطية ما له ~~من الخصائص ويأبى عن نسبة إنكار النص عليه بالإمامة إليهم وإخفائه من أن ~~العلة في كتمان النص أقوى، والداعي إلى ستره أشد، والمقتضى للتغطية عليه في ~~أمرهم أتم فنسبته إخفاء النص إليهم على ابن أبي الحديد من ذاك ألزم لكنه ~~يقتدي في العناد بأئمته وفي ستر الحق بسادته كما هو الجاري في طبيعته ولما ~~بيناه ms345 من فعل القوم بفضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) لولا شيوعها ~~وانتشارها، وكثرتها واشتهارها، وعناية الله بصاحبها لانطمست أعلامها، وعفت ~~آثارها، وذهبت نضارتها، وخبت نارها لكنها بحمد الله لم تزدد على الإخفاء ~~إلا ظهورا، وعلى الستر إلا بروزا، وعلى التهجين إلا علوا، وعلى التغطية إلا ~~بهجة وسفورا، وعلى الإخماد إلا توقدا ونورا، فجاء الأمر على خلاف ما ~~حاولوا، واقتضت الحال عكس ما راموا، فلما أعجزهم إعفاء رسوم تلك الفضائل، ~~وأعياهم إطفاء أنوار تلك المناقب، قصدوا إلى عيب المخصوص بها ونقصه، ونسبته ~~إلى ما يشينه بما زوروه وافتعلوه من تلقاء أنفسهم، فمرة رموه بالدعابة، ~~ومرة بالتيه، وتارة بالزهو، وأخرى بالتكبر، وغير ذلك من أنواع النقص مما ~~صرحت العبر ببراءة ساحته منه، ولم يزده في قلوب أهل الإيمان إلا جلالة قدر، ~~ورفعة شأن، وكل ما ذكرناه عن القوم وأضعافه مروي في كتاب خصمنا وكتب أصحابه ~~ومشبهيه مما لولا طول المقام بذكره والخروج عن المرام بسطره لرسمناه ~~وشرحناه، ومن أراده مبينا فليطلبه من الكتاب المشار إليه (1) وهذا الذي ~~قالوه . # PageV00P458 # إذا تأمله الفطن الأريب وجده خارجا من مكنون بغض عظيم، وبارزا من مخزون ~~حقد جسيم، وعلم أنه ناش من لهب نار حسد قديم، ومتولد من أصل وجد مقيم فكان ~~الأمر كما قال أبو تمام حبيب بن أوس الطائي. # وإذا أراد الله نشر فضيلة * يوما أتاح لها لسان حسود (1) وقد صح من هذه ~~الجملة أن القوم ما كانوا يتقيدون بنصوص النبي (صلى الله عليه وآله) فيما ~~يخالف أغراضهم، ولا يعتنون بها فيما يضاد مطالبهم، ولا يقدمون من قدمه ~~ويؤخرون من أخره ولا يفضلون من فضله، ويسودون من سوده، بل يقدمون من أحبوا ~~تقديمه ويفضلون من شاؤوا تفضيله، ويؤخرون من أحبوا تأخيره ويذمون من مدحه ~~الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، كل ذلك برأي منهم، وميل من نفوسهم، ~~لا بدليل شرعي، ولا بحكم إلهي والسبب في ذلك أنهم كانوا يؤثرون اتباع ~~أهوائهم على أوامر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ونواهيه، ويقدمون طاعة ~~شهواتهم على طاعته ms346 وترك معاصيه، ويجعلون قضاء أوطارهم أولى من استماع دعوته ~~وإجابة مناديه، خصوصا في عترته وذوي قرابته ومواليه، فاندفع الايراد، وثبت ~~المراد، وهذا كله يرشد المتأمل إلى الحكم بصحة ما قيل: إن في القوم من لم ~~يدخلوا في دين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دخول إيمان ويقين، ولم ~~يتبعوه لطلب مرضاة الله، وإنما كان ذلك لأغراض دنيوية، ومقاصد نفسية، ولذا ~~تراهم لا يلتفتون من أقواله إلى ما لا يوافق آراءهم، ولا يطابق مشتهاهم، بل ~~يجعلون أمره كأمر واحد منهم فيرتكبون خلافه بغير تجرح ولا تأثم، وقد أفصح ~~بذلك القرآن الكريم والفرقان العظيم حيث يقول تعالى: [لا تجعلوا دعاء ~~الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا # PageV00P459 # قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا] (1) الآية وقوله تعالى: [يمنون ~~عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هديكم ~~للإيمان إن كنتم صادقين] (2) فقد روى صحيحا أنها نزلت في رجل من الصحابة ~~لأمر جرى بينه وبين عمار بن ياسر في بناء مسجد النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وهي قصة معروفة (3) إلى غير واحدة من الآيات الواضحات في هذا المعنى، ~~وهذا ينادي بأنهم لولا ما رأوا في الإسلام من العزة والسلطان وانقياد الناس ~~لهم واتساق الأمور لرفضوه، واتبعوا دين آبائهم وطريقة أسلافهم، لكنهم رأوا ~~في إظهار هذه الدعوة والتمسك بهذه الملة عظيم الملك والمنعة وشديد القوة ~~والغلبة، ومسارعة الناس لهم بالطاعة، وإنفاذ الأوامر والنواهي، وانضم إلى ~~ذلك انفتاح ممالك القياصرة والأكاسرة والفراعنة والأتراك وغيرهم عليهم ~~وتملكهم تلك الممالك العظام، فنالوا بذلك من الرفعة والرئاسة ما لم ينله ~~ملك قاهر، ولم يدركه سلطان ظاهر، وعلموا أن في رفضهم هذا الدين ورجوعهم إلى ~~دين آبائهم الماضين زوال هذه الرئاسة الجليلة، وفوات هذه المنزلة النبيلة، ~~وصيرورتهم أذلاء أذنابا تابعين غير متبوعين، كما كانوا عليه في زمان ~~الجاهلية، فلذا داموا على إظهار الدعوة وتمسكوا ظاهرا بعرى الملة، وواظبوا ~~على الإتيان من وظائف الإسلام بما يزيد الناس فيهم وثوقا ولا يخالف لهم مما ~~أرادوه غرضا كالصلاة ms347 والصيام والحج وترك المستلذات من المأكل والمشارب ~~والملابس كما قيل: # لئن صبرت عن لذة العيش أنفس * فما صبرت عن لذة النهي والأمر وحثوا منها ~~على ما يشدد لهم الأبهة ويقرر لهم قاعدة الإمارة كالجهاد # PageV00P460 # وإقامة الحدود بمقتضى مرادهم، وجباية الأموال وإيثار من ميله إليهم يقوى ~~أمره ويشدده بها، والقلوب على ما انطوت عليه من أراده الدنيا، وطلب ~~العاجلة، وعدم الالتفات إلى العقبى وثواب الآجلة، فانتشر صيت الإسلام وكثر ~~الداخلون فيه، ورغبوا في التدين به، وضرب بجبرانه وشدت قواعد أركانه، ولولا ~~ذلك كله لأعفوا رسومه وطمسوا معالمه، وكان ذلك لإنجاز ما وعد الله رسوله أن ~~يظهر دينه ويفلج حجته وتصديق ما قاله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما ~~رواه الخصم وغيره (إن الله يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم في الآخرة) ~~أو قال: (عند الله يوم القيامة) وفي رواية (بالرجل الفاجر) (1) ومع ذلك فقد ~~غيروا من أحكام الشريعة ما قدروا على تغييره وفعلوا ما أوجبه اختلاف الأمة ~~إلى آخر الدهر وهو إزاحتهم وصي الرسول عن مقعده وبالله المستعان. # فإن قال قائل: فلم لم يضرب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أعناقهم لما ~~ردوا عليه حكمه وقوله لأن رد قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كفر، ~~وإذا لم يكن ذلك صادر ألزم إما أنهم لم يخالفوه أو أن مخالفته بالرأي جائزة ~~إذ لا مانع له في سلطانه من قتل من خالفه. # قلنا: هذه الشبهة هي التي جرأت القوم على خلاف النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) في حياته، وجسرتهم على رد نصوصه، حتى أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~أمر في حجة الوداع من لم يسق هديا بالإحلال وأن يجعلها عمرة يتمتع بها إلى ~~الحج وحث على ذلك غاية الحث وقال: (لو استقبلت من أمري ما استبدرت ما سقت ~~هديا) فعصاه كثير منهم ولم يحلوا وقالوا # PageV00P461 # نخرج إلى الحج تقطر مذاكيرنا من المني كما في صحيح مسلم (1) وهذا عصيان ~~واستهزاء ولم يكونوا ساقوا هديا وسافر رسول الله (صلى الله ms348 عليه وآله وسلم) ~~في شهر رمضان فأفطر ولم يفطر جماعة ممن معه من الصحابة فقال: # (أولئك العصاة) يكررها ثلاثا رواه مسلم في صحيحه أيضا (2) وكثير من ذلك ~~وكما جرأت أولئك على خلاف النبي (صلى الله عليه وآله) أوهمت أولياءهم أن ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) سوغهم ذلك حيث لم يعاقبهم على ردهم قوله ~~وحكمه بما يقتضي ردعهم، وهذه شبهة ضعيفة جوابها في كتاب الله تعالى وهو ~~قوله: [ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واصفح] (3) الآية ~~فإن الله سبحانه وتعالى أمره بالكف عنهم والعفو والصفح عن زلاتهم لئلا ~~يتفرقوا عنه ويخذلوه فلا يبقى معه إلا القليل: كما أمره الله تعالى بالكف ~~عن المنافقين ودعائهم إلى حرب المشركين وإعطائهم من الغنائم يؤلفهم بها ~~ويستميلهم بذلك إلى قتال العدو لتظهر كلمة الإسلام وتنتشر دعوته في الآفاق ~~مع علمه (صلى الله عليه وآله وسلم) بنفاق المنافقين، وشك المؤلفة قلوبهم ~~فأجرى أولئك مجرى هؤلاء على أنهم لم يظهروا جحود ربوبية الله ووحدانيته، ~~ولا إنكار نبوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنما كانت مخالفتهم في ~~أمور أخر من الأحكام وكان يردعهم على مخالفتهم إياه بأخشن الكلام كما قال ~~لهم يوم الحديبية إذ قال عمر فلم نعطي الدنية في ديننا؟: (ألستم أصحابي يوم ~~أحد إذ تصعدون # PageV00P462 # ولا تلوون على أحد، ألستم أصحابي يوم كذا؟) يقرعهم بذلك ويبكتهم (1) ~~وإظهاره الغضب حين أراد أن يكتب الكتاب في رزية يوم الخميس فقال من قال: ~~إنه ليهجر وقوله: (قوموا عني فإنه لا ينبغي عند نبي تنازع) (2) وقوله لسعد ~~بن أبي وقاص: (ثكلتك أمك إنما تنصرون بضعفائكم) وهكذا كان يردعهم بالكلام ~~الغليظ ويعفو عما زاد عليه، والسر في ذلك ألا يتوهم الناس أنه ملك جبار لا ~~نبي حليم متواضع، ولو كان نبيا لما قتل قوما دعاهم إلى دينه فأجابوه وانتصر ~~بهم على عدوه بمجرد زلة أو خطيئة أو مخالفة له في حكم، وهذا ليس من خلق ~~الأنبياء بل من خلق الأنبياء التأني وغفران الزلة وتوضيح الحكم ms349 عند ~~المخالفة، وليس من خلقهم قتل أصحابهم في مثل ذلك، فإن موسى قال له قومه: ~~[أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا] وهذا الكلام فيه تشاؤم من موسى ~~(عليه السلام) وتضجر فأجابهم بما قصه الله تعالى: [عسى ربكم أن يهلك عدوكم] ~~(3) الآية وقالوا له: [اجعل لنا إلها كما لهم آلهة] (4) حين مروا بعد ~~خروجهم من البحر بقوم يعبدون شجرة، فأجابهم [إنكم قوم تجهلون] وهذه من أعظم ~~الجرائم لأنهم أرادوا منه أن يصيرهم مشركين وقالوا له: [اذهب أنت وربك ~~فقاتلا إنا ههنا قاعدون] (5) بعد امتناعهم عن دخول الأرض المقدسة، وقولهم: ~~[لن ندخلها أبدا ما داموا فيها] (6) وغير ذلك ومع هذه المخالفات العظيمة من ~~بني إسرائيل لموسى (عليه السلام) مما قصه الله في القرآن لم # PageV00P463 # يقتل موسى منهم أحدا ولا دعا عليه بالهلاك، وحال النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) في الرأفة والحلم أعظم من موسى، ألا تراه في أحد حين أصابه ~~الجراح والمشقة جعل يقول: (اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون) (1) وجعل ~~الدعاء لهم محل الدعاء عليهم، فكيف يقتل قوما مقرين بدينه بصدور مخالفة ~~منهم في قول أو فعل، وإنما يكون القتل والتأديب بارتكاب ما يوجب الحدود، ~~فكان النبي (صلى الله عليه وآله) يعمل معهم كعمل الأنبياء مع أصحابهم وذلك ~~من أوضح الأدلة على نبوته، فكان يعفو ويصفح عن قتل من خالفه، وإن كان يجوز ~~قتله لدفع توهم الناس أنه ليس بنبي، ولو كان كذلك لسار في أصحابه سيرة ~~الأنبياء في أصحابهم فتركه إياهم وصفحه عنهم من جملة ما يثبت نبوته عند ~~الناس، وقد عفى عن أهل مكة وكانوا مستحقين للقتل وقال: (اذهبوا فأنتم ~~الطلقاء) (2) وكم عفى عن مستحق للقتل لكنه مع ذلك كله يردعهم باللسان ~~وإظهار الغضب على الجرأة والمخالفة، فلو كان خلافهم له جائزا لم يردعهم ~~لكنه جمع بين الأمرين فزالت الشبهة بعون الله، وكيف يجوز رد أمر النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) والله تعالى يقول: # [فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم ms350 عذاب أليم] ~~ويقول: [فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في ~~أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما] ويقول: [يا أيها الذين آمنوا لا ~~ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن ~~تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون] (3) وغيرها من الآيات الواضحات في عدم جواز ~~مخالفة الرسول (صلى الله عليه وآله) والقرآن مملوء بها. # PageV00P464 # وأما الدعوى الثانية: أعني أن هناك نصا من النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) على علي (عليه السلام) وقد خالفه القوم فلنا عليها وجوه من الأدلة. # الأول: دلالة الأخبار الصحاح عند الخصم على المدعي. # فمنها: قول النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) (إن الأمة ~~ستغدر بك من بعدي) فقد رواه ابن أبي الحديد عن أكثر المحدثين ورواه غيره ~~أيضا (1)، وهذا الحديث نص صريح في أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عهد ~~إليهم في علي (عليه السلام) عهدا وأنهم نقضوا عهده فيه، لأنه لا يخفى على ~~من له أدنى معرفة بأساليب كلام العرب فضلا عن فاضل مدقق أن لفظ الغدر لا ~~يستعمل إلا في نقض عهد متقدم، وقد صرح بذلك الشهاب الفيومي في المصباح ~~المنير وغيره من أهل اللغة، فلا يقال: غدر فلان إلا إذا نقض عهدا معهودا، ~~وأبطل عقدا معقودا يلزمه الوفاء به، كما أن الوفاء الذي هو ضد الغدر معناه ~~البقاء على مقتضى العهد المتقدم، والاستمرار على موجب العقد السابق، فإذن ~~ثبت من هذا القول أن النبي (صلى الله عليه وآله) عهد إلى أصحابه عهدا ~~فنقضوه بعد وفاته، ولا عهد نقض في ذلك غير العهد بالخلافة، إذ لم يأخذ ~~الصحابة من على غيرها، ولم يناقضوه في سواها فصح أنه منصوص عليه وأن القوم ~~خالفوا النص بتعمد فكانوا غادرين وهو عين مدعانا، ولا يجوز أن يحمل ذلك على ~~ما وقع في أيام خلافة علي (عليه السلام) خاصة لوجوه ثلاثة. # الأول: إن الغدر منسوب إلى الأمة، والأمة في ذلك الوقت على الحقيقة # PageV00P465 # هم الصحابة ومن سواهم ms351 تبع لهم، فالغدر لا محالة صادر عنهم وواقع منهم إذ ~~لا مخالفة من غيرهم من جميع الناس إلا بسببهم ودعائهم، أو دعاء أحد منهم ~~إلى المخالفة كما هو معلوم عند أولي العقل والفطنة، فوجب أن يكونوا هم ~~المعينين بالغدر ورؤساء الجمل وصفين من جملتهم، اللهم إلا أن يتمحل متمحل ~~فيقول إن الصدر الأول من الصحابة ليسوا من الأمة فحينئذ يقال له فهم إذن ~~غير مسلمين لأن أمة النبي (صلى الله عليه وآله) من أقر بالشهادتين وإذا لم ~~يكونوا من الأمة كانوا من الكفار. # الثاني: إن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (بعدي) فجعل ما بعده من ~~الزمان الذي أوله وقت وفاته ظرفا لغدرهم فيعم جميع الأوقات، والتخصيص بوقت ~~يتوقف على المخصص ولا مخصص في المقام إلا رأي الخصم وليس الرأي بمقبول. # الثالث: إنا إنما نتكلم على معنى الحديث وهو مفيد لثبوت العهد من النبي ~~(صلى الله عليه وآله) في علي (عليه السلام) إليهم لثبوت الغدر منهم، وحيث ~~ثبت الغدر ثبت لتوقفه عليه وذلك هو النص بالإمامة ومن ادعى غيره فعليه ~~البيان فتثبت الإمامة له في جميع الأوقات فمن زحزحه عنها أو حال بينه ~~وبينهما فهو غادر وقد وضح الأمر إلا أن يكذب ابن أبي الحديد وأصحابه رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) فيكفروا، وليس ذلك بكثير عليهم في محبة أئمتهم. # ومنها ما رواه ابن أبي الحديد عن يونس بن حبيب (1) عن أنس بن مالك قال: ~~كنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي بن أبي طالب (عليه السلام) ~~معنا فمرر بحديقة فقال علي يا رسول الله ألا ترى ما # PageV00P466 # أحسن هذه الحديقة؟ فقال: (إن حديقتك في الجنة أحسن منها) حتى مررنا بسبع ~~حدائق يقول على ما قاله ويجيبه رسول الله بما أجابه، ثم إن رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وقف فوقفنا فوضع رأسه على رأس علي فبكى فقال علي ~~(عليه السلام): ما يبكيك يا رسول الله؟ قال: (ضغائن في صدور قوم لا يبدونها ~~لك حين يفقدوني) فقال: ms352 يا رسول الله أفلا أضع سيفي على عاتقي فأبيد ~~خضراءهم؟ قال: (بل تصبر) قال: فإن صبرت؟ # قال: (تلاقي جهدا) قال: أفي سلامة من ديني؟ قال: (نعم) قال إذن لا أبالي ~~(1) وهذا الحديث نص في أن القوم كانت في صدور بعضهم ضغائن على علي (عليه ~~السلام) أخفوها في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنهم يبدونها له ~~بعد فقدهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وليس ما أبدوه بعد النبي ~~(صلى الله عليه وآله) إلا منعه من الخلافة وجحدهم النص عليه وإخراجهم إياه ~~ملببا ليدخل في بيعتهم، فبين رسول الله (صلى الله عليه وآله) إن ذلك من ~~فعلهم وقع لحقد وضغن في قلوبهم على علي (عليه السلام)، فحينئذ إن كانوا ~~علموا أنه الأحق بمقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من جهة نصه عليه ~~فهو ما نقول من أنهم لم يتقدموا على علي (عليه السلام) لجهل منهم باستحقاقه ~~التقدم، ولا لعدم اطلاع على النص عليه من النبي (صلى الله عليه وآله)، ~~وإنما فعلوا ذلك حسدا له وبغضا وهو المطلوب وإن كانوا لم يعلموا بشئ من ذلك ~~ولا وقع شئ منه وإنهم علموا أن الأمر بين المهاجرين شرع فلا يجوز نسبة ~~الضغن إليهم ورميهم بكتمان الحقد، وملاقاة أمير المؤمنين الجهد في صبره على ~~فعلهم، لكن ذلك كله ثابت لهم بأخبار الصادق الأمين فوجب أن يكونوا جاحدين ~~النص ولا يجوز أن يحمل الخبر على ما كان من أصحاب # PageV00P467 # الجمل وصفين والنهروان لأن عليا (عليه السلام) إذ ذاك لم يوص بالصبر ولم ~~يصبر، بل أمر بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين بصريح النصوص، ومنها ما ~~سبق ذكره فوضع السيف في نحورهم، وترك للسيدان لحومهم وجرعهم كؤس المنية ~~بحدود المشرفية، وإنما أمر بالصبر وصبر في تغلب الثلاثة على الأمر فهم ~~المعينون بالضغن بلا مرية. # ومنها ما رواه عن أبي جعفر الإسكافي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~دخل على فاطمة فوجد عليا نائما فذهبت تنبه فقال: (دعيه فرب سهر له بعدي ~~طويل ورب جفوة ms353 لأهل بيتي من أجله شديدة) فبكت فقال: (لا تبكي فإنكما معي ~~وفي موقف الكرامة عندي) (1) والتقرير قريب مما مر ولقد صح ما أخبر به النبي ~~(صلى الله عليه وآله) من حصول الجفوة لأهل البيت في تأمر الثلاثة فإنهم لم ~~يدعوا طليقا كيزيد بن أبي سفيان ومعاوية وابن أبي سرح، ولا متهما ولا ظنينا ~~كالوليد بن عقبة وسعيد بن العاص ومروان بن الحكم وأشباه هؤلاء وأضرابهم، ~~ولا متهتكا في دينه معروفا بالهزل في الإسلام كأبي هريرة والمغيرة بن شعبة ~~وأمثالها إلا ولوه ولاية ونال من جهتهم إمارة جيش أو بلد وجباية، ولم يولوا ~~أحدا من بني هاشم شيئا من ذلك بل ما زالوا يبعدونهم، ويقصونهم ليكونوا ~~محقورين ويهون أمرهم على الناس، ويكونوا في زاوية الخمول فيصيروا منسيين ~~غير مذكورين، ومخفيين غير مشهورين، كل ذلك ليخفى فضل علي (عليه السلام) لأن ~~أهل البيت لو ظهروا لأظهروا فضله، ونشروا مناقبه، فمالت الناس إليه، ورغب ~~أهل الدين فيه، فانعكس على القوم ما أرادوا واختل عليهم ما دبروا فلذا ~~جفوهم وأقصوهم فكان ذلك من أجله، وهذا يرشدك إلى بطلان ما اعتذر به ابن أبي ~~الحديد وغيره تبعا لأسلافهم فقالوا: إن عليا # PageV00P468 # (عليه السلام) لو ولى الخلافة لانتقضت عليه العرب واختل أمر الملة، فإن ~~العرب لم يكونوا ليجتروا على خلافه إذا كان المهاجرون والأنصار في طاعته مع ~~ما تمكن في قلوب الناس من هيبته واشتهر فيما بين العرب من شجاعته وبراعته ~~وكيف تنقاد العرب لمن تقدم عليه وهم دونه في الحسب والنسب بسبب طاعة ~~الصحابة لهم ولا تنقاد لعلي (عليه السلام) لذلك مع جلالة قدره وعظيم ~~منزلته، وشدة موقعه من قلوب الناس، وعلو شأنه بشرف النسب وكرم الحسب، وكونه ~~من لب بيت السيادة ومخ بيضة الرئاسة من آباؤه أولياء حرم الله، والذين هم ~~أصحاب وقادة حجاج بيت الله، وأهل السقاية والكرم، وإطعام الطعام، وأهل ~~الرحلتين وأهل الحكومة بين العرب قال الوليد الطائي في صفين. # شدوا فداء لكم أمي وأبي * فإنما الأمر غدا لمن غلب هذا ابن ms354 عم المصطفى ~~والمنتجب * تنمية للعلياء سادات العرب (1) وكم مثل هذا قيل فيهم من الولي ~~والعدو وفي الإسلام والجاهلية، هذا مع السبق إلى الدين والقرابة القريبة من ~~النبي (صلى الله عليه وآله)، والشجاعة الفائقة، والجهاد العظيم، والعلم ~~الغزير، والجود والسماحة، والزهد والقناعة، وبالله أقسم قسما بارا أنه لو ~~ولى الأمر بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يخالفوا عليه وسلموا له ~~الأمر، وألقوا إليه أزمة الرئاسة لانساقت العرب إلى إجابته طوعا، ومشوا في ~~طاعته ولو حبوا لكانت إمارته عندهم نعمة مشكورة فضلا عن أن تكون إمرة ~~مبرورة، ولكثر الشعر في مدحه واسفر ليل سرورهم بولايته عن صبحه، ولم يتخلف ~~أحد من العرب عن طاعته، ولم يختلف اثنان منهم في إمامته، وقد ظهر من فرح ~~المسلمين # PageV00P469 # ببيعته يوم بويع بعد قتل عثمان ما تواتر في الكتب نقله، وقيلت الأشعار ~~الكثيرة في السرور ببيعته، بل هو بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وقد لقي ما لقي والمدائح تقال فيه والألسن تلهج به، والأيدي تشير إليه ~~ويؤنب الجماعة على عدولهم عنه ففي قول النعمان بن عجلان الأنصاري. # وليس أبو بكر لها خير قائم * وإن عليا كان أخلق بالأمر (1) وفي قول أبي ~~سفيان بن حرب بني هاشم لا يطمع الناس فيكم * ولا سيما تيم بن مرة أو عدي ~~وما الأمر إلا فيكم وإليكم * وليس لها إلا أبو حسن علي أبا حسن فاشدد بها ~~كف حازم * فإنك بالأمر الذي تبتغي ملي (2) وقول آخر (3): # ما كنت أحسب أن الأمر منصرف * عن هاشم ثم منها عن أبي حسن أليس أول من ~~صلى لقبلتكم * وأعلم الناس بالآيات والسنن وأقرب الناس عهدا بالنبي ومن * ~~جبريل عون له في الغسل والكفن من فيه ما في جميع الناس كلهم * وليس في ~~الناس ما فيه من الحسن ماذا الذي صدكم عنه فنعرفه * ها أن بيعتكم غبن من ~~الغبن (3) # PageV00P470 # إلى غير ذلك مما لا يسع المقام نقله وهو مذكور في كتاب خصمنا وغيره، فأنى ~~تنتقض العرب على هذا لولا ما جرى ms355 عليه، وقد صرح هو (عليه السلام) بهذا ~~المعنى وبنينه فيما - رواه ابن أبي الحديد عن عوانة عن يزيد بن جرير عن ~~الشعبي عن شقيق بن سلمة أن عليا (عليه السلام) لما انصرف إلى رحله بعد ~~مبايعة عبد الرحمن لعثمان قال لبني أبيه: (يا بني عبد المطلب إن قومكم ~~عادوكم بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) كعداوتهم النبي (صلى الله عليه ~~وآله) في حياته، وإن يطع قومكم لا تؤمروا أبدا، ووالله لا ينيب هؤلاء إلى ~~الحق إلا بالسيف) وعبد الله بن عمر داخل عليهم قد سمع الكلام كله فدخل ~~وقال: يا أبا الحسن أتريد أن تضرب بعضهم ببعض فقال: (اسكت ويحك لولا أبوك ~~وما ركب مني قديما وحديثا ما نازعني ابن عفان ولا ابن عوف) (1)، الخبر وهو ~~مصرح بما قلناه أن جرأة المتأخرين عليه إنما كانت بسبب الرجلين السابقين ~~وما فعلاه من إخراجه عن مقامه وسترهما فضائله ومزاياه، ولولا جرأتهما عليه ~~وتقدمهما قبله لم يخالفه أحد من الناس، ولا جسر على مقامه واحد من ~~المسلمين، ولا رام التقدم عليه في الأمر ابن حرة أبدا وقد تقدم قبل هذا من ~~كلام معاوية في كتابه جوابا لمحمد بن أبي بكر (رحمه الله) ما يصرح بهذا ~~المعنى، وبعد فهل رأيت أحدا من العرب خالفه حين بويع من تلقاء نفسه بدون ~~تسويل أحد من الصحابة وإملائهم لهم، وتزيينهم لهم فرقته ومخالفته حتى ~~يخالفه من تلقاء نفسه لو ولى الأمر عفوا بعد النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، هؤلاء أهل البصرة قد انقادوا إلى طاعته ورضوا ببيعته، وأطاعوا عما ~~له، ونفذت فيهم أحكامه وأوامره ونواهيه، ولم يسخط أحد إمارته، ولا # PageV00P471 # رد واحد منهم بيعته إلى أن جاءتهم عائشة وطلحة والزبير فتنوهم عن دينهم ~~وأدخلوهم في الضلالة وزينوا لهم الفرقة وشق العصا بالشبه والخدع فلولا مجئ ~~عائشة والزبير وطلحة وتحميلهم إياهم على نكث البيعة وخلع الطاعة لكانوا ~~ماضين عليها، ومستمرين على العمل بموجبها ومتحققين بها غير مستنكفين عنها ~~ولا مرتابين فيها، وأولئك أهل الشام لو لم ms356 يزين لهم معاوية الشقاق ويعينه ~~على ذلك عمرو بن العاص علم النفاق فيدعوهم إلى الخلاف ويحملاهم على عدم ~~الوفاق ويغمساهم في غمرات الغواية، ويسدا عليهم طريق الهداية بما ألقيا في ~~قلوبهم من التشبيهات والتسويلات وملأا به أسماعهم من الأباطيل والأضاليل، ~~وقرعا به آذانهم من الأقاويل الملفقة والأكاذيب ما نازعه منهم منازع ولا ~~صرفهم عن المسارعة إليه صارف، ولا منعهم عن بيعته والقيام بواجب طاعته ~~مانع، بل لو خيروا ابتداء قبل الشبه عليهم لما اختاروا غيره ولا عدلوا به ~~سواه، ولولا صفين لما كانت النهروان ولا ما بعدها من الحروب، فالاختلاف على ~~أمير المؤمنين إنما جاء من قبل أولئك ولولاهم لأدت الناس جميعا إليه ~~الطاعة، واستقاموا له غاية الاستقامة، وبذلوا له الجهد في النصيحة، ثم لا ~~تمضي برهة من الزمان حتى يتبين للناس في أمر الإمامة الرغوة من الصريح، ~~ويتضح لهم الظالم والمظلوم، ولكن أولئك أفسدوا الأمر عليه ومنعوا العرب ~~الثواب الجزيل في الاجتماع عليه، والطاعة لأمره، وأدخلوهم في العقاب الأليم ~~الطويل بالتفرق عنه ومعصيته، وسبب ذلك كله الأولون كما سمعت وبذلك يصرح ~~قوله في الخبر: (وإن يطع قومكم لا تؤمروا أبدا) وذلك لصرف أولئك الأصحاب ~~وجوه من أطاعهم من الناس عن مودة أهل البيت وولايتهم، وذلك لشدة بغضهم ~~لأمير المؤمنين، فما زال أهل البيت في جفوة من القوم لأجله كما هو صريح قول ~~النبي (صلى الله عليه وآله) فاعتذارهم عن تقدمهم عليه بانتقاض العرب عليه ~~لو ولى الأمر بعد النبي (صلى الله عليه وآله) عذر باطل PageV00P472 # وقول زائف لا يخفى وهنه وفساده، وبطلانه وكساده على أهل الفضل والنهي، ~~ولنقتصر في هذا المطلب هنا على هذا القدر من الكلام فإن فيه الكفاية لذوي ~~الانصاف والغنية لمن حاد عن مزلة الإسراف. # ومنها ما رواه عن كثير من المحدثين عن علي (عليه السلام) أن رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) قال له: (إن الله قد كتب عليك جهاد المفتونين كما كتب ~~على جهاد المشركين) قال: فقلت: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله ms357 وسلم) ما ~~هذه الفتنة التي كتب علي فيها الجهاد؟ قال: (قوم يشهدون أن لا إله إلا الله ~~وأني رسول الله وهم مخالفون السنة) فقلت: يا رسول الله فعلام أقاتلهم وهم ~~يشهدون كما أشهد؟ قال: (على الأحداث في الدين ومخالفة الأمر) فقلت: يا رسول ~~الله إنك كنت وعدتني الشهادة فاسأل الله أن يعجلها لي بين يديك قال: (فمن ~~يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين أما إني وعدتك الشهادة وستستشهد تضرب ~~على هذا فتخضب هذه فكيف صبرك إذن)؟ قلت: يا رسول الله أليس ذا بموطن شكر ~~قال: (أجل أصبت فأعد للخصومة فإنك مخاصم) فقلت: يا رسول الله لو بينت لي ~~قليلا، فقال: (إن أمتي ستفتن من بعدي فتتأول القرآن، وتعمل بالرأي وتستحل ~~الخمر بالنبيذ، والسحت بالهدية، والربا بالبيع، وتحرف الكتاب عن مواضعه، ~~وتغلب كلمة الضلال، فكن جليس بيتك حتى تقلدها فإذا قلدتها جاشت عليك ~~الصدور، وقلبت لك الأمور تقاتل حينئذ على تأويل القرآن كما قاتلت على ~~تنزيله، فليست حالهم الثانية بدون حالهم الأولى) فقلت: يا رسول الله فبأي ~~المنازل أنزل هؤلاء المفتونين من بعدك أبمنزلة فتنة أم بمنزلة ردة؟ فقال: ~~(بمنزلة فتنة يعمهون فيها حتى يدركهم العدل) فقلت: يا رسول الله أيدركهم ~~العدل منا أم غيرنا قال: (بل منا بنا فتح الله وبنا يختم وبنا ألف بين ~~القلوب بعد الشرك، وبنا يؤلف بين القلوب بعد الفتنة) PageV00P473 # فقلت: (الحمد لله على ما وهب لنا من فضله) (1) وهذا الحديث صريح في إن ~~القوم افتتنوا بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وضلوا وعملوا ~~بالرأي وحرفوا الكتاب، وفعلوا جميع ما ذكره النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) من استحلال المحرمات بالشبهات وهذا كله قبل تقلد علي الخلافة، وإنه ~~مأمور بالجلوس في بيته وترك نزاعهم حتى يتقلد الأمر فحينئذ يقاتل ولا فتنة ~~ولا ضلال بعد موت النبي (صلى الله عليه وآله) إلى تخلف أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) إلا بتأخيره عن الخلافة وتقدم غيره عليه، فإذا لم يكن عليه نص ~~خالفوه، فمن أين جاءهم الضلال ووقعوا في الفتنة ms358 وعملوا بالرأي وفعلوا ما ~~ذكر في الخبر، فهو أصرح من الشمس الضاحية في رابعة النهار فيما قاله ~~الإمامية من ضلالتهم وذا مصداق قوله تعالى: [ألم أحسب الناس أن يتركوا أن ~~يقولوا آمنا وهم لا يفتنون] (2) ومن أعجب العجب قول ابن أبي الحديد ودعواه ~~بعد نقل هذا الخبر صراحته في مذهب المعتزلة ظنا منه أن النبي (صلى الله ~~عليه وآله) إنما عنى أهل الجمل وصفين (3) وذلك من جملة غفلاته أو تغافله، ~~ولو فكر لوجد الخبر واضحا في إبطال مذهبه وفساد معتقده والله الهادي. # ومنها: ما رواه عن سدير الصيرفي عن أبي جعفر محمد بن علي قال اشتكى على ~~شكاة فعاده أبو بكر وعمرو خرجا من عنده فأتيا النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فسألهما من أين جئتما قالا: عدنا عليا قال: (كيف رأيتماه) قالا: ~~رأينا لما به فقال: (كلا، إنه لن يموت حتى يوسع غدرا # PageV00P474 # وبغيا وليكونن في هذه الأمة عبرة يعتبر به الناس من بعده) (1) وهذا الخبر ~~صريح في حصول الغدر بأمير المؤمنين (عليه السلام) من الأمة، وقد علمت أن ~~الغدر لا يكون إلا بنقض عهد سابق ويثبت المطلوب بمثلما تقرر في الحديث ~~الأول، ثم إنه (صلى الله عليه وآله) ذكر الغدر والبغي فيكون الغدر إشارة ~~إلى ما فعله به القوم بعد النبي (صلى الله عليه وآله) من تقدمهم عليه في ~~الخلافة والبغي إشارة إلى ما فعله تابعوهم من خلافه وحربه بعد بيعة الناس ~~له. # ومنها: ما رواه عن جابر الجعفي عن محمد بن علي قال: قال علي (عليه ~~السلام): (ما رأيت منذ بعث الله محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) رخاء لقد ~~أخافتني قريش صغيرا وأنصبتني كبيرا حتى قبض الله رسوله (صلى الله عليه ~~وآله) فكانت الطامة الكبرى، والله المستعان على ما يصفون) (2) فلو قال قائل ~~لابن أبي الحديد: أخبرنا عن هذه الطامة بعد موت النبي (صلى الله عليه وآله) ~~التي جعلها علي (عليه السلام) أكبر من إخافة المشركين إياه وحربهم إياه في ~~حياة رسول الله (صلى الله عليه ms359 وآله وسلم) ما هي، أهي ترك الأولى كما ذكرت ~~وليس كما ذكرت، فترك الأولى لا يساوي بحرب النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، وحرب ناصره لأن ذا كفر، وترك الأولى غير حرام، فكيف يساوي الجائز ~~بالكفر؟ فما ظنك إذا زيد عليه وقيل إنه أكبر من الكفر، هذا ما لا يجوز ~~اعتقاده، أم هي إنكار القوم النص على علي (عليه السلام) من الرسول (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وحجده ومخالفته كما نقول، وهو كما نقول، فيثبت النص ~~وضلال القوم بخلافه فما نره يجيب عن هذا السؤال فالعجب كل العجب منه إذ # PageV00P475 # يقول: لا نص على علي (عليه السلام) بالإمامة، مع نقله مثل هذه الروايات ~~وتصحيحه إياها، وجميعها يحمله على إرادة أهل الجمل وصفين وهي تأبى هذا ~~المحمل إباء ظاهرا وترده ردا بينا كما لا يخفى على ذي دربة بأساليب الكلام، ~~نعم بعضها يتضمن مع الأولين أهل الجمل وصفين. # ومنه ما رواه عن جعفر بن سليمان الضبيعي عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد ~~الخدري قال: ذكر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي (عليه السلام) ~~ما يلقى بعده من العنت فأطال، فقال له علي: أنشدك الله والرحم يا رسول الله ~~لما دعوت الله أن يقبضني إليه قبلك قال: (كيف أسأله في أجل مؤجل) قال: يا ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فعلام أقاتل من أمرتني بقتاله؟ قال: ~~(على الحدث في الدين) (2) وصدر الخبر وهو قوله: ما يلقى بعده من العنت، ~~صريح أو ظاهر ظهورا بينا في إرادة ما جرى عليه من القوم بعد النبي (صلى ~~الله عليه وآله) من إزاحته عن مقامه وإخراجهم الأمر عنه إلى غيره، ويؤكده ~~قوله (عليه السلام): لما دعوت الله أن يقبضني إليه قبلك، فإنه يعطي أن رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعده بملاقاة العنت بعد موته بلا فصل، فسأل ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يدعو الله يقبضه إليه في حياته لئلا ~~يصيبه ذلك العنت، فأخبره النبي (صلى الله عليه وآله) ms360 إنه لا سبيل إلى ما ~~طلب وإذا لم يستحق ذلك المقام بنص الرسول (صلى الله عليه وآله) فلا عنت ~~عليه في التأخير عنه، ولا يعارض ذلك آخر الخبر وهو قوله: فعلام أقاتل الخ ~~لظهوره في إرادة من خالفه بعد البيعة له لأن الأولين لم يؤمر بقتالهم ولو ~~أمر فعل، فلا يكون العنت المذكور أصابه في أيامهم، لأنا نقول هو (عليه ~~السلام) مأمور بقتال الجميع الأولين والآخرين إذا وجد أعوانا لأن الجميع # PageV00P476 # قد حصل منهم الحدث في الدين، والأصل في الحدث الأولون والآخرون تابعوهم ~~عليه والعنت أصاب أمير المؤمنين (عليه السلام) في الزمانين، ولذا طلب ~~الأعوان على حربهم من أول الأمر فلم يجد فكف عن الحرب لفقد شرط تنجز الأمر ~~لا لأنه غير مأمور بحربهم، إذ لو كان كذلك لما طلب الأعوان على ذلك وقاتل ~~الآخرين لوجود الأعوان له على قتالهم فكانت دلالة الخبر ظاهرة أي الظهور ~~فما ذكرناه فثبت مرامنا وصح قولنا أن هناك نصا معروفا عند أكثر الصحابة من ~~النبي (صلى الله عليه وآله) على علي (عليه السلام)، وأنهم كتموه وخالفوه ~~على عمد والأخبار التي تشير إلى هذا المعنى كثيرة في كتاب الخصم لكنا نذكر ~~الصريح فيه والقريب من الصريح، وسيأتي ذكر شئ من هذا الباب عند ذكر النص ~~على العترة إن شاء الله تعالى. # الوجه الثاني مما يدل على وجود النص وأن القوم خالفوه ما تواتر من تظلمات ~~أمير المؤمنين (عليه السلام) وشكاياته من القوم بالتصريح، ورميه إياهم بغصب ~~حقه ونهب تراثه، وما ضارع هذا المعنى مما لا يجوز حمله على أنه غير منصوص ~~عليه مثل ترك الأولى وشبهه كما قال ابن أبي الحديد وأصحابه وهي كثيرة جدا، ~~نذكر منها قطعة صالحة نكتفي بها في المطلب. # فمنها قوله (عليه السلام) في الخطبة الموسومة بالشقشقية: " أما والله لقد ~~تقمصها ابن أبي قحافة وأنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى ينحدر ~~عني السيل ولا يرقى إلي الطير " إلى أن قال: - " فصبرت وفي العين قذى وفي ~~الحلق شجى أرى ms361 تراثي نهبا " الخطبة ودلالتها على المدعى من وجهين. # الأول: قول علي (عليه السلام) أنه يعلم أن الخلافة حق له وأنه حين تقمصها ~~عالم بأنها حق علي (عليه السلام) وليس له فيها حق فيقال حينئذ من أين علم ~~أن خلافة النبي (صلى الله عليه وآله) حق لعلي (عليه PageV00P477 # السلام) إن كان علم ذلك من الكتاب والسنة فهو النص الذي ندعيه وإن كان من ~~غيرهما فلا طريق لمعرفة ذلك سواهما، والعقل لا يستقل بمعرفة هذا بتمامه، ~~ولو فرض علمه به من جهة الدلالة العقلية كان ذلك نصا لأنها كالدلالة ~~الشرعية، ونص العقل كنص الشرع، والعلم من أينما حصل وجب العمل به والتعويل ~~عليه، ولا يختص وجوب الاعتماد عليه بحصوله من طريق خاصة دون أخرى كما حقق ~~في الأصول، ولا يدفع هذا السؤال حمل الكلام على علمه بذلك من جهة الأفضلية ~~لبقائه قائما كما هو، فيقال إن كان علم أن عليا (عليه السلام) أفضل منه وأن ~~الإمامة حق للأفضل من الكتاب والسنة فذلك هو النص وثبت مطلوبنا، وإن كان ~~ذلك من غيرهما فالغير ليس بطريق إلى علم هذا أن مقتضى الكلام نفى استحقاقه ~~للخلافة بالمرة. # الثاني: قوله (عليه السلام) " أرى تراثي نهبا " فأثبت أن الخلافة ميراثه ~~من النبي (صلى الله عليه وآله) وأنه نهب، وأنه صبر على ذلك على مضض عظيم ~~ولم شديد، وهذا كالأول فإنه يقال من أين علم علي (عليه السلام) أن خلافة ~~النبي (صلى الله عليه وآله) تراث له لا حق فيها لغيره، إن كان ذلك من قول ~~النبي (صلى الله عليه وآله) أو من الكتاب العزيز فهذا هو النص المدعى وإن ~~كان من غيرهما فليس ذلك الغير بطرق إلى معرفة ذلك وهو عندنا وعندكم لا يقول ~~إلا عن الله ورسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يتقول عليهما بالرأي ~~وشبهه، فثبت أنه علم ذلك من النص عليه وهو واضح، فبطل ما ذكره ابن أبي ~~الحديد من حمله على خلاف الأولى وفسد جميع ما قرره في ذلك، وقوله: إنه ليس ms362 ~~بأبعد من تأويل الإمامية قوله تعالى: [وعصى آدم ربه فغوى] (1) بالعدول عن ~~الأولى (2) # PageV00P478 # إذ لا شباهة لهذا بما ذكرناه ولوجود العصمة في آدم دون أبي بكر وقد مضى ~~بيانه، ومن هذا يظهر أن قول أبي بكر: # وددت أني سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيمن هذا الأمر فكنا لا ~~ننازعه أهله تمويه. # ومنها قوله: (عليه السلام) فيها بعد أن ذكر عمر وإدلاء أبي بكر بالخلافة ~~إليه: - فصبرت على طول طول المدة وشدة المحنة) ومن المعلوم أنه لا محنة ~~عليه إذا لم يكن مظلوما في أخذ الخلافة منه، ولا يكون مظلوما إذا لم يكن ~~منصوصا عليه فخولف النص، وليس في ترك الأولى ما يبلغ إلى المحنة ولا لشئ ~~مما ذكره هناك. # ومنها قوله: لعبد الرحمن بن عوف لما بايع عثمان وعدل عنه: " ليس هذا بأول ~~يوم تظاهرتم فيه علينا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون " (1) ~~والتظاهر معناه المعاونة على الظلم ولا يكون ذلك بترك الأولى وإنما يكون ~~بمخالفة النص. # ومنها قوله: في خطبة عند توجهه لحرب أهل البصرة: (فوالله ما زلت مدفوعا ~~عن حقي مستأثرا علي منذ قبض الله نبيه (صلى الله عليه وآله) حتى يوم الناس ~~هذا " (2) فهي صريحة في دفع القوم إياه عن حقه من بعد أن قبض النبي (صلى ~~الله عليه وآله) بغير فصل ومنها قوله: (عليه السلام) في خطبة له: " زرعوا ~~الفجور وسقوه الغرور وحصدوا الثبور " إلى أن قال: " الآن إذ رجع الحق إلى ~~أهله ونقل إلى منتقله " (3) فانظروا إلى قوله زرعوا إلى آخره، فإنه صريح في ~~نسبتهم إلى الضلالة ولا يختص # PageV00P479 # بمعاوية وغيره من أهل الخلاف عليه أيام خلافته كما زعم ابن أبي الحديد ~~لعدم المخصص إذ ليس معه إلا الرجم بالغيب من مكان بعيد وقوله (عليه السلام) ~~(الآن) الخ مصرح بأن الحق كان عند غير أهله ومنها قوله (عليه السلام) في ~~خطبة: " ألا إن الشيطان قد ذمر حزبه واستجلب خيله ليعود الجور إلى أوطانه ~~ويرجع الباطل إلى نصابه " (1) وهو صريح في أن إمرة ms363 السابقين عليه جور وباطل ~~ومنها قوله (عليه السلام): في خطبة رواها ابن أبي الحديد عن أبي الحسن ~~المدايني عن عبد الله بن جنادة: (أما بعد فإنه لما قبض الله نبيه (صلى الله ~~عليه وآله) قلنا نحن أهله وورثته وعترته وأولياؤه دون الناس لا ينازعنا ~~سلطانه أحد ولا يطمع في حقنا طامع إذ انبرى لنا قومنا فغصبونا سلطان نبينا ~~فصارت الإمرة لغيرنا وصرنا سوقة يطمع فيها الضعيف ويتعزز علينا الذليل فبكت ~~الأعين منا لذلك وخشنت الصدور وجزعت النفوس " (2) الخطبة وهي مصرحة بأن ~~عليا (عليه السلام) وارث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دون الناس ووليه ~~وأن سلطان النبي قد غصبه القوم منه، وأن أعين عترة الرسول (صلى الله عليه ~~وآله) لم تزل لذلك باكية وصدورهم ما زالت خشنة ونفوسهم جازعة، أفيكون هذا ~~كله لترك الأولى كما يدعيه الخصم أو يكون تارك الأولى غاصبا كلا ما هو إلا ~~لفعل محرم وارتكاب محظور وما ذاك إلا لمخالفة نص معلوم. # ومنها قوله (عليه السلام): في خطبة مثلها رواها المعتزلي عن الكلبي: (إن ~~الله لما قبض نبيه (صلى الله عليه وآله) استأثرت علينا قريش بالأمر ودفعتنا ~~عن حق نحن أحق به من الناس كافة) (3). # PageV00P480 # ومنها قوله في خطبة يذكر فيها أمر السقيفة (فنظرت فإذا ليس لي معين إلا ~~أهل بيتي فضننت بهم عن الموت، وأغضيت على القذى، وشربت على الشجى، وصبرت ~~على أخذ الكظم، وعلى أمر من طعم العلقم) ومثل ذلك قوله (عليه السلام): (لو ~~جدت أربعين ذوي عزم) أفيجوز أن يكون هذا كله لترك القوم الأولى وهل يطلب ~~مؤمن رجالا ذوي عزم ولو أربعين ليقاتل رجلا مسلما ترك الأولى أو يفعل هذا ~~عاقل متدين؟ فكيف من هو مع الحق والحق معه؟ أليس ذلك القول منه صريحا في ~~استحقاق المتقدمين عليه القتال؟ وهل يستحق القتل والقتال إلا من هو ظالم ~~غاصب،؟ ولا يكون كذلك إلا أن يكون على صاحب الأمر بنص النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم)، وأما إذا لم يكن كذلك بل كان الأمر ms364 جائزا له ولغيره وأن الراجح ~~في الحكم أن يكون هو ولي الأمر وولاية غيره مرجوحة لم يجز له ما طلبه لأن ~~فاعل المرجوح لم يستحق شيئا من اللوم فكيف يستحق أن يقاتل ويقتل؟ وأمير ~~المؤمنين لا يفعل الحرام ولا يطلبه فننتج من ذلك أن من طلب قتالهم كانوا ~~مستحقين، وأن ذلك لارتكابهم أمرا عظيما حلت به دماؤهم وما هو إلا رد النص ~~ومخالفة الرسول (صلى الله عليه وآله) إذ لا غيره هناك فتأمل. # ومنها قوله (عليه السلام): في كتاب كتبه لأخيه عقيل رواه ابن أبي الحديد ~~عن إبراهيم بن سعيد بن هلال الثقفي في كتاب الغارات: (اللهم فاجز قريشا عني ~~الجوازي فقد قطعت رحمي، وتظاهرت علي، ودفعتني عن حقي، وسلبتني سلطان ابن ~~أمي، وسلمت ذلك إلى من ليس مثلي في قرابتي من الرسول (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وسابقتي في الإسلام إلا أن يدعي مدع ما لا أعرفه ولا أظن الله يعرفه، ~~والحمد لله على كل حال) (1) وقوله # PageV00P481 # (عليه السلام): (إلا أن يدعي مدع) الخ مشير إلى بطلان ما أثبته العامة ~~للثلاثة من الفضل في كل وقت، بل صريح في نفيه بشديد المبالغة لقوله: # (ولا أظن الله يعرفه) يعني أنه لم يكن في علم الله لهم فضل يماثلون به ~~عليا (عليه السلام) فضلا عن أن يكون برز ذلك للناس وظهر وصار معروفا، فمن ~~ادعى لهم ذلك فقد ادعى ما لا أعرفه لهم ولا يعرفه لهم فدعواه لهم مماثلتي ~~باطلة، ومنه يعلم أن الأخبار التي رواها الخصوم في التفضيل كلها باطلة ~~مزورة، وهذا ينضاف إلى ما بيناه أولا من الاستدلال على بطلانها فأين يذهب ~~بالقوشجي في قوله إن عليا (عليه السلام) قال: خير الناس أبو بكر ثم عمر، ~~كما مر أفلا يسمع هنا كيف نفى عنهم الفضل بالمرة، وبالغ في تأكيد نفيه أشد ~~المبالغة، وهو تصديق ما قلناه هناك. # ومنها قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما رواه الخصم عن أبي جعفر ~~الإسكافي عن جابر عن أبي الطفيل قال: سمعت عليا ms365 (عليه السلام يقول: (اللهم ~~إني أستعديك على قريش فأنهم قطعوا رحمي، وغصبوني حقي، وأجمعوا على منازعتي ~~أمرا كنت أولى به، ثم قالوا: إن من الحق أن نأخذه ومن الحق أن نتركه) (1) ~~فقد صرح في القول بغصب أقوم حقه وبخطئهم في قولهم إن أخذهم الأمر حق وتركه ~~له كذلك، ومعناه أنه ليس من الحق أن يأخذوه كما قالوا، وإذا لم يكن أخذهم ~~إياه حقا كان باطلا وباقي الكلام كالأول. # ومنها ما رواه عن أبي القاسم البلخي عن سلمة بن كهيل عن المسيب بن نجبة ~~قال: بينا علي (عليه السلام) يخطب إذ قام أعرابي فصاح: وامظلمتاه فاستدناه ~~علي (عليه السلام) فلما دنا قال له: (إنما لك # PageV00P482 # مظلمة واحدة وأنا قد ظلمت عدد المدر والوبر) (1). # ومنها مناشدته القوم يوم الشورى النصوص عليه من النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وتصديق القوم إياه كخبر الغدير وخبر المنزلة وقصة براءة وغير ~~ذلك مما ذكرناه أولا، فقطع عبد الرحمن بن عوف كلامه ولم يلتفت إلى تلك ~~النصوص، ولم يعدل بها عن بيعة عثمان، وأضاف إلى ذلك تهديده بالقتل إن لم ~~يترك الاحتجاج، وينفذ لبيعة عثمان، وقد ذكر ابن أبي الحديد أن ذلك مما ~~استفاض في الروايات، وهذا من أدل الأدلة على ما ذكرناه من أن القوم لم ~~يعتنوا بنص النبي (صلى الله عليه وآله) وخالفوه تعمدا، ويقوي قولنا إن الذي ~~منعه من ذكر النص في يوم أبي بكر إن صح أنه لم يذكره علمه بأنهم ينكرونه أو ~~لا يلتفتون إليه، وربما يؤدي الأمر إلى قتله إن أطال الخصام بالنصوص، وما ~~ابن عوف باشد من عمر ولا عثمان بأرغب في الخلافة من أبي بكر ولا بأقوى على ~~ذلك منه، والأمر واضح، فبطل ما قال ابن أبي الحديد من أن ذكر النص كان أسهل ~~عليه حين ساموه البيعة من التظلم والاستصراخ بالأحياء والأموات، وتبين أن ~~تركه ذكر النص إن كان أسلم له من كثير من الضرر. # ومنها قوله (عليه السلام): (حين أتوا به إلى أبي بكر ليبايع وهو ms366 ينظر إلى ~~قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (ابن أم إن القوم استضعفوني ~~وكادوا يقتلونني) (2) فجعل نفسه بمنزلة هارون وجعلهم بمنزلة عبدة العجل، ~~وكفى بهذا وضوحا في تضليله إياهم، وقد روى الخصم هذا الكلام (3) وهو صريح ~~أيضا في أنه (عليه السلام) كان مجبورا على بيعة أبي بكر مهددا بالقتل # PageV00P483 # إن لم يبايع وهذا نص قول الإمامية. # ومنها قوله (عليه السلام) في خطبة: (حتى إذا اقبض الله رسوله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) رجع قوم على الأعقاب، وغالتهم السبل، واتكلوا على الولائج، ~~ووصلوا غير الرحم، وهجروا السبب الذي أمروا بمودته، ونقلوا البناء عن رص ~~أساسه فبنوه في غير موضعه، معادن كل خطيئة، وأبواب كل ضارب في غمرة قد ~~ماروا في الحيرة وذهلوا في السكرة، على سنة من آل فرعون من منقطع إلى ~~الدنيا راكن أو مفارق للدين مباين) (1) وهذا الكلام من أصرح الصريح في ~~إرادة الأول واتباعه ووصلهم غير الرحم تقديمهم غيره في مقام النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) ومنعهم عليا (عليه السلام) من ذلك المقام، وهو الأقرب ~~إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وهجرهم السبب المأمورين بمودته تركهم ~~قربى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد قال الله تعالى: [قل لا أسألكم ~~عليه أجرا إلا المودة والقربى] (2) ونقل البناء عن رص أساسه جعلهم الخلافة ~~في غير موضعها، ولا يجوز حمله على معاوية وأصحابه كما قاله ابن أبي الحديد ~~لأن الرجوع على الأعقاب متعقب في الكلام لقبض النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) لا فاصل بينهما إذ هو جواب الشرط فهو متصل به، وواقع بوقوعه، ومعاوية ~~قد تأخر أمره عن وقت قبض النبي (صلى الله عليه وآله) بسنين، ومقتضى الجملة ~~حصول الرجوع على الأعقاب بحصول موت النبي (صلى الله عليه وآله) بلا فصل، ~~فجعل الكلام لمعاوية وأصحابه ممتنع من جهة الدلالة اللفظية إلا أن يدعي مدع ~~ما لم يكن معروفا في العربية، ولا مستعملا عند أهل اللسان، وأيضا قوله: ~~(معادن كل خطيئة وأبواب كل # PageV00P484 # ضارب في غمرة) ms367 يبين أن الأولين هم المرادون لا معاوية لأن معاوية من جملة ~~الضاربين في الغمرات فهم بابه إذ لولاهم ما ولى معاوية الشام ولا تأمر ~~عثمان على المسلمين، ولولا قضية عثمان ما قوي معاوية على الخلاف والنزاع ~~وإيقاع الفتن، لكن ابن أبي الحديد يصرف القول عن معناه ويحرف الكلم عن ~~مواضعه محاماة على المشايخ وأنى له بذاك وقد لاح الصباح؟ فانظر أيجوز أن ~~يوصف بالرجوع عن الدين على الأعقاب وأنه معدن كل خطيئة، وباب كل ضارب في ~~غمرة المشبه لآل فرعون في ضلالهم مع باقي الأوصاف من ترك الأولى وفعل ~~المرجوح ولم يخالف نصا ولا غصب حقا ولا نهب ميراثا ثابتا بكتاب الله وسنة ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله)، كلا ما يجوز ذلك إلا لمن تعمد خلاف الرسول ~~(صلى الله عليه وآله)، وإنكار نصه ونهب ميراثه من مستحقه على معرفة ويقين ~~وذلك ما نقول. # ومنها قوله (عليه السلام): وقد سأله رجل من بني أسد: كيف دفعكم قومكم عن ~~هذا المقام وأنتم أحق به فقال للسائل: (قد استعلمت فاعلم، أما الاستبداد ~~علينا بهذا المقام ونحن الأعلون نسبا، والأشدون بالنبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) نوطا، فإنها كانت إثرة شحت بها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس آخرين، ~~والحكم الله والمعود إليه) (1) وهذا الكلام في غاية الوضوح في إرادة ~~الأولين سؤالا وجوابا، لأن من البين أن مراد السائل استعلام السبب الذي ~~لأجله منعت قريش أهل البيت من مقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد ~~وفاته مع أنهم أحق به في جميع الأحوال من كل أحد من الناس وأقامت في ذلك ~~المقام غيرهم، والاستخبار عن علة ذلك والدفع المسؤول عنه هو ما كان بعد قبض ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأنه هو الفعل الحادث الذي تعلق السؤال ~~بسبب حدوثه من القوم وما بعده # PageV00P485 # إنما هو استمراره، وليس المقصود أولا وبالذات السؤال عن استمرار ذلك ~~الفعل إلا أن يدخل من جهة اللزوم فأتى الجواب على طبق السؤال بأنهم لم ~~يدفعونا عن هذا المقام ms368 ويستبدوا علينا به لسبب أوجب ذلك، ولا لعلة اقتضته ~~من طريق الشرع، وإنما كان ذلك لشح نفوسهم عن تسليم حقنا إلينا، وقصدهم ~~الاستيثار به علينا، وهذا القول من جملة مبطلات ما تعلل به قوم من أن ~~الأولين إنما عدلوا بالأمر عن أمير المؤمنين خوفا من انتقاض العرب عليه، إذ ~~لو كان ذلك من قصدهم فضلا عن أن يكون صحيحا موجبا لما فعلوا لذكره (عليه ~~السلام) فيما دعاهم إلى دفعه عن مقام أخيه وابن عمه (صلى الله عليه وآله)، ~~وإن خطأهم بعد فيه لكن ذلك لم يكن، وقد عرفت ما قررناه أن الكلام سؤالا ~~وجوابا لا يختص بيوم الشورى كما ادعاه ابن أبي الحديد، بل لا يتوجه السؤال ~~إليه إلا تابعا للأمر الأول ولا الجواب إلا كذلك، على أنه لا يندفع عن ~~المعتزلي المعاند الوهن في مذهبه بما ادعاه لأنه إذا ثبت ظلم أهل الشورى ~~عليا (عليه السلام) من جهة تقديمهم في مقام النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) غيره لأنه الأحق به من غيره ثبت أن أهل السقيفة ظلموه لذلك بالاجماع ~~إذ لا قول بالفصل بين عثمان ومن قبله فكل من صحح بيعة عثمان صحح بيعة ~~الشيخين وكل من أبطل بيعته أبطل بيعتهما وبالعكس، فعلى صحة دعواه لا يصح ~~مذهبه كما ترى. # ونحن نذكر هنا ما حكاه من سؤاله النقيب أبا جعفر العلوي وإجابة النقيب ~~إياه فإنه كلام جيد، وجواب متين، ونكتفي به في تمام تقرير الخبر قال ~~المعتزلي: وسألت أبا جعفر يحيى بن محمد العلوي نقيب البصرة وقت قرائتي عليه ~~عن هذا الكلام وكان (رحمه الله) على ما يذهب إليه من مذهب العلوية منصفا ~~وافر العقل، فقلت له: من يعني (عليه السلام) بقوله: (كانت إثرة شحت عليها ~~نفوس قوم وسخت عنها نفوس آخرين)؟ ومن القوم الذين عناهم الأسدي بقوله: كيف ~~دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحق به؟ PageV00P486 # هل المراد به يوم السقيفة أو يوم الشورى؟ فقال: يوم السقيفة، فقلت: إن ~~نفسي لا تسامحني أن أنسب إلى الصحابة عصيان ms369 الرسول (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ودفع النص، فقال: وأنا فلا تسامحني أيضا نفسي أن أنسب الرسول (صلى ~~الله عليه وآله) إلى إهمال أمر الإمامة، وأن يترك الناس فوضى سدى مهملين، ~~وقد كان لا يغيب عن المدينة إلا ويؤمر عليها أميرا وهو حي ليس بالبعيد ~~عنها. فكيف لا يؤمر وهو ميت لا يقدر على استدراك ما يحدث، ثم قال: ليس يشك ~~أحد من الناس أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان عاقلا كامل ~~العقل، أما المسلمون فاعتقادهم فيه معلوم، وأما اليهود والنصارى والفلاسفة ~~فيزعمون أنه حكيم تام الحكمة، سديد الرأي، أقام ملة وشرع شريعة، فاستجد ~~ملكا عظيما بعقله وتدبيره، وهذا الرجل العاقل الكامل يعرف طباع العرب ~~وغرائزهم، وطلبهم بالثارات الدخول (1) ولو بعد الأزمان المتطاولة، ويقتل ~~الرجل من القبيلة رجلا من بيت آخر فلا يزال أهل ذلك المقتول وأقاربه يطلبون ~~القاتل ليقتلوه حتى يدركوا ثأرهم منه، فإن لم يظفروا به، قتلوا بعض أقاربه ~~وأهله، فإن لم يظفروا بأحدهم قتلوا واحدا أو جماعة من تلك القبيلة، وإن لم ~~يكونوا رهطه الأدنين، والإسلام لم يحل طباعهم ولا غير هذه السجية المركوزة ~~في أخلاقهم، والغرائز بحالها فكيف يتوهم لبيب أن هذا العاقل وتر العرب وعلى ~~الخصوص قريشا وساعده على سفك الدماء وإزهاق الأنفس وتقلد الضغائن ابن عمه ~~الأدنى وصهره، وهو يعلم أنه سيموت كما يموت الناس ويتركه بعده وعنده ابنته ~~وعنده منها ابنان يجريان منه مجرى ابنين من ظهره حنوا عليهما، ومحبة لهما، ~~ويعدل عنه في الإمرة بعده ولا ينص عليه ولا يستخلفه فيحقن دمه ودم بنيه ~~وأهله باستخلافه؟ ألا يعلم هذا العاقل الكامل أنه إذا # PageV00P487 # تركه وترك بنيه وأهله سوقة ورعية فقد عرض دماءهم للاراقة بعده، بل يكون ~~هو الذي قتلهم وأشاط بدمائهم، لأنهم لا يعتصمون بعده بأمر يحميهم، وإنما ~~يكونون مضغة للأكل وفريسة للمفترس، يتخطفهم الناس، ويبلغ فيهم الأغراض، ~~فأما إذا جعل السلطان فيهم والأمر إليهم فإنه يكون قد عصمهم، وحقن دماءهم ~~بالرئاسة التي يصولون بها، ويرتدع الناس عنهم لأجلها، ms370 ومثل هذا معلوم ~~بالتجربة، ثم ذكر لهذا مثالا وقال بعده: أفترى ذهب عن رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) هذا المعنى أم أحب أن يستأصل أهله وذريته من بعده؟ وأين موضع ~~الشفقة على فاطمة العزيزة عنده الحبيبة إلى قلبه؟، أتقول إنه أحب أن يجعلها ~~كواحدة من فقراء المدينة تتكفف الناس، وأن يجعل عليا المكرم المعظم عنده ~~الذي كانت حاله عنده معلومة كأبي هريرة الدوسي وأنس بن مالك الأنصاري يحكم ~~الأمراء في دمه وعرضه ونفسه وولده فلا يستطيع الامتناع وعلى رأسه مائة ألف ~~سيف تتلظى أكباد أصحابها عليه؟ قد قتل أبناءهم وإخوانهم وآباءهم وأعمامهم ~~(1) انتهى المراد من كلامه. # أقول لم يكن لابن أبي الحديد من دفع إرادة أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~ومن سأله يوم السقيفة إلا استبعاده صدور العصيان من الصحابة، وهذا وإن كان ~~في نفسه ليس بدليل معتمد، لأن الصحابة ليسوا بمعصومين عنده، بل عند جميع ~~الأمة، فقد عارضه استبعاد النقيب من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إهمال ~~أمر الأمة وتركه دم عترته قريبا من السفك، وبعيدا من الصيانة، وكل الشيعة ~~على هذا الوجه يعولون، وهذا أقوى وأرجح وأقرب إلى العقل السليم من الأول، ~~وإن شئت قلت إن العقل لا يجوز صدور خلافه عن النبي (صلى الله عليه وآله)، ~~فهو على كل حال مقدم عليه، ومن ذلك يثبت النص فافهم على أن استبعاد ~~المعتزلي إرادة الأولين من # PageV00P488 # الكلام لما ذكره من السبب يستلزم استبعاده من إرادة أهل الشورى، لأنهم ~~منهم ومن أعوانهم ما خلا الزبير، وأيضا الشورى كانت بأمر من عقد الأمر لأبي ~~بكر في السقيفة ودفع عليا (عليه السلام) عنه، وهو عمر بن الخطاب وهو الذي ~~جعل أمر الشورى كله لعبد الرحمن بن عوف وما فعله ابن عوف كله برأيه وعن ~~أمره،، فالدافع عليا يوم الشورى عن مقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~هو بنفسه دافعه عنه يوم السقيفة، فإن لم يكن هو ومن وازره على ذلك ~~المقصودين من السؤال والجواب لم يبق أحد يقصد منهما ولا ms371 يعني بهما فلزم أن ~~يكون السؤال وقع لا عن أحد والجواب مثله، وهذا محال، ولم يبق لأحد تشبث ~~بقصد معاوية وأصحابه من القول، لأن أمير المؤمنين (عليه السلام) ذكر حالهم ~~بعد جوابه المذكور للأسدي بما هو نص في أن الأسدي لم يقصدهم بسؤاله، وأن ~~عليا (عليه السلام) لم يقصدهم بجوابه، والخصم مقر بذلك، وإنما تردده بين ~~إرادة الأولين وتابعيهم جميعا ومنهم أهل الشورى وبين اختصاصه بأهلها كما ~~سمعت في سؤاله هذا كله، مضافا إلى ما ذكرناه من عدم اندفاع المحذور، لو صح ~~ما قال. # ومنها الشعر المنسوب إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) بالاشتهار روى منه ~~ابن أبي الحديد أبياتا، (1) كذلك وذكره بعض الخصوم بتمامه، ونحن نذكره كذلك ~~وسببه على ما روى أن معاوية كتب إلى علي (عليه السلام) يفتخر بأشياء يزعم ~~أن فيها مفخرا فغضب علي (عليه السلام) وقال أيفتخر علي ابن اكلة الأكباد ~~اكتب إليه يا غلام: # محمد النبي أخي وصنوي * وحمزة سيد الشهداء عمي # PageV00P489 # وجعفر الذي يضحي ويمسي * يطير مع الملائكة ابن أمي وبنت محمد سكنى وعرسي ~~* منوط لحمها بدمي ولحمي وسبطا أحمد ولداي منها * فأيكم له سهم كسهمي ~~سبقتكم إلى الإسلام طرا * غلاما ما بلغت أوان حلمي وصليت الصلاة وكنت طفلا ~~* مقرا بالنبي في بطن أمي وأوجب لي ولايته عليكم * رسول الله يوم غدير خم ~~فويل ثم ويل ثم ويل * لمن يلقى الإله غدا بظلمي أنا البطل الذي لا تنكروه * ~~بيوم كريهة وبيوم سلم فقد صرح بقوله: وأوجب لي ولايته البيت، بدعوى النص ~~عليه يوم الغدير لأن ولاية النبي (صلى الله عليه وآله) الإمامة، وهذه ~~الأقوال المذكورة ومثلها من أقواله مما لم نذكره مصرحة بدعوى النص عليه ~~وبظلم من تقدمه في الخلافة، ونسبتهم إلى منع الحق وغصب الأمر ونهب الميراث ~~وغير ذلك، وهو عندنا وعند المعتزلة صادق لا يكذب، ولا يجوز الشك في صحة ~~قوله، ولا أظن الأشاعرة يجوزون تكذيبه وإن جوزوا مخالفته، وجلها قيل في ~~أيام خلافته حين كان له بعض القدرة على الإخبار عما في ms372 نفسه على الأولين، ~~وصار للسانه بعض الانبساط في التعبير عما في ضميره منهم، وهو دليل ظاهر ~~وشاهد عادل على بقاء اعتقاده فيهم الظلم، وأنه لم يكن لهم عاذرا، وأن ذلك ~~ليس من ترك الأولى في شئ، وهذا يبطل ما ذكره ابن أبي الحديد من أن أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) كان في مبدأ الأمر يظن أن العقد لغيره كان لغير نظر ~~في المصلحة، وأنه لم يقصد به إلا صرف الأمر عنه والاستيثار عليه فظهر منه ~~ما ظهر من الامتناع والقعود في بيته إلى أن صح عنده وثبت في نفسه أنهم ~~أصابوا فيما فعلوه، وأنهم لم يميلوا إلى هوى، ولا أرادوا الدنيا، وإنما ~~فعلوا الأصلح في ظنونهم، وأنه لو ولى الأمر لفتقت عليه العرب فتقا يكون فيه ~~استئصال شافة الإسلام، وهدم أركانه، فأذعن PageV00P490 # بالبيعة، وجنح إلى الطاعة، وأمسك عن طلب الإمرة، وإن كان على مضض ورمض ~~إلى آخر ما أتى به من الكلمات الواهنة. # وأقول هذا الرجل وإن كان أبطل ما دبر ونقض ما أبرم، وكفانا مؤنة الجواب ~~عما موه به من الزبرج في القول، بقوله: إن إمساك أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) عن طلب الإمرة كان على مضض ورمض (1)، إذ لو كان ثبت عنده أنهم ~~أصابوا الحق لكان المضض والرمض منهم خطأ منه، وكيف يحترق قلبه ويتألم من ~~فعل قوم أصابوا الحق، وعملوا بالصواب وحفظوا الدين عن صولة الكفار، وكلمة ~~المسلمين عن الانتشار، ليس هذا من سجية المؤمنين، ولا من خلق الصالحين، ~~فكيف يصدر من سيدهم ومقتداهم ومن هو أكثرهم عناء في إظهار الدين ونصر ~~الإسلام والمسلمين، ونكاية المشركين؟ بل الواجب لمثله (عليه الصلاة ~~والسلام) أن يسر ويفرح بما فعلوه إذ كان موافقا لغرضه، ويثني عليهم إذ كان ~~ما دبروه مطابقا لمقصده والمعروف من حاله (عليه السلام) إنه لا يحزن للدنيا ~~ولا يفرح لها ولا نظر له فيها وإنما حزنه وسروره للدين، ونظره الحق أين كان ~~وكيف كان، فمضضه ورمضه فيما فعلوه من تقديم الأول عليه لا بد أن يكونا ~~راجعين إلى ms373 أمر الدين، وما ذلك إلا لارتكابهم قبيحا لا حسن فيه، وفعلهم خطأ ~~لا صواب يلم به ويدانيه، فقد قضى ببقائهما المعتزلي على أئمته إذ أقر بمضض ~~علي (عليه السلام) ورمضه منهم وهذا كاف في إثبات دعوانا عدم رضاه عنهم، وأن ~~أمرهم غير صحيح عنده ولا جائز لديه، فيكون كفه لعدم القدرة على انتزاع حقه ~~منهم كما بينا مرارا، إلا أنا نتعرض لذكر ما يرد على جمل كلماته فنقول: أما ~~قوله: إن أمير المؤمنين كان يظن أن عقد الأمر لغيره لم يقصد منه إلا صرف ~~الأمر عنه الخ فجوابه إن أمير # PageV00P491 # المؤمنين ما كان يظن ذلك بل يتيقنه ويعلمه ويعتقده إلى أن انتقل إلى جوار ~~ابن عمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مقعد صدق عند مليك مقتد، ألا ~~تراه يقول لعمر حين ألزمه ببيعة أبي بكر: اشدد له اليوم أمره ليرده عليك ~~غدا، وقوله لعبد الرحمن بن عوف حين عدل عنه بالبيعة لعثمان: ما هو بأول يوم ~~تظاهرتم فيه علينا، وقوله للأسدي في الخبر المذكور من قريب: إنها إثرة شحت ~~بها نفوس قوم، وغير ذلك من كلماته وقد سبق ذكر جملة منها، وكيف يجهل ذلك أو ~~يرتاب فيه وقد أخبره الصادق الأمين به وعهد إليه بغدر القوم به، وما ~~يرتكبون منه، وفصل له الأمر تفصيلا، وأزاح عنه فيه غبار الظنة وأوصله فيه ~~إلى درجة اليقين، وقد سبق بيان هذا في الأخبار المتقدمة. # وأما قوله إلى أن صح عنده وثبت في نفسه أنهم أصابوا فيما فعلوه الخ ~~فجوابه أن يقال له: متى كان هذا في حياتهم أم بعد هلاكهم وهو في الحالين ~~يشكو ظلمهم ويحكم بغصبهم حقه ونهبهم تراثه، أفيجوز أن يقال في ميت مضى على ~~إصابة الحق وإحراز الدين أنه ظالم غاصب ناهب الميراث وما شاكل هذه الكلمات ~~لا يكون ذلك إلا ويكون القائل ظالما قد قال زورا وافترى إفكا، وأنت تنزهه ~~عن الظلم والكذب فصح أن الثابت عنده والمستقر في نفسه أنهم أخطئوا فيما ~~فعلوه ومالوا إلى الهوى ms374 وأرادوا الدنيا وأنه ما صوبهم يوما من الدهر. # وأما قوله لو ولى الأمر لفتقت عليه العرب فتقا الخ فكلام مأخوذ عن عمر ~~ولقد أطال المعتزلي وأسهب في ذكره بما لا حاجة إليه من شرح أمر حرب الجمل ~~وصفين، وهذا القول قد عرفت جوابه فيما سبق بأحسن البيان وسيأتي منه ذكر ~~أيضا، ونقول هنا أخبرنا أي العرب أنف من إمرة علي (عليه السلام)، واستنكف ~~عنها؟ ألست رويت عن أبي بكر الجوهري أن الأنصار PageV00P492 # لما فاتهم الأمر في السقيفة قالوا وقال أكثرهم: لا نبايع إلا عليا ورويت ~~من أشعارهم في ذلك الكثير الواسع مثل قول النعمان بن عجلان وكان من ~~أشرافهم. # وكان هوانا في علي وأنه * لأهل لها يا عمرو من حيث لا تدري (1) ومثل: قول ~~حسان بن ثابت في علي (عليه السلام): # سبقت قريشا بالذي أنت أهله * فصدرك مشروح وقلبك ممتحن تمنت رجال من قريش ~~أعزه * مقامك هيهات الهزال من السمن (2) وغير ذلك مما ذكرناه فيما مضى، ~~ورويت أن جماعة من الأنصار سعوا في نقض بيعة أبي بكر ليبايعوا عليا ومعهم ~~جماعة من المهاجرين، وقد مرت الرواية والأنصار في ذلك الوقت هم ركن ~~الإسلام، وبهم قامت الدعوة، وحصلت للنبي (صلى الله عليه وآله) النصرة، وتم ~~له بهم على العرب الانتصار، ولما هدده عامر بن الطفيل بعسكره قال (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) في جوابه: (يكفي الله منك وبنوا قيلة) (3) فمن يأنف من ~~سائر العرب ذلك الوقت ممن قدمه هؤلاء عليهم مع شهرته في الحسب والنسب عند ~~جميع العرب، ألست رويت أن العباس بن عبد المطلب وأبا سفيان بن حرب عرضا على ~~علي البيعة ورضيا له عليهما بالإمرة وهما إذ ذاك شيخا بني عبد مناف ألست ~~رويت أن خالد بن سعيد بن العاص طلب الإمرة لعلي (عليه السلام) ورضي بإمرته ~~عليه وهو من عمال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمراء أجناده، ومن أهل ~~السبق إلى الإسلام، ومن أشراف بني عبد # PageV00P493 # شمس؟ إلى غير ذلك مما يطول عده فمن هؤلاء العرب الذين ms375 أبوا ولاية علي ~~عليهم بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، دلنا عليهم حتى نعرفهم فإنا ما ~~رأينا أحدا من الناس استكبر عن ولاية علي (عليه السلام) عليه بعد النبي ~~(صلى الله عليه وآله) إلا أصحاب السقيفة ومن انضم إليهم، وأهل الإحن والحقد ~~على علي (عليه السلام) من قريش وأضرابهم، وداهنهم قوم آخرون ممن حليت ~~الدنيا في أعينهم طمعوا في أمور منتهم بها أنفسهم. # واتبعهم غوغاء الناس والعامة فحصلت لهم بذلك الغلبة ووهن الراغبون في علي ~~(عليه السلام) عن النصرة تواكلا وتخاذلا، ولولا هؤلاء: لم يختلف على علي ~~(عليه السلام) أحد ممن ذكرناهم فما ظنك بسائر العرب الذين ليس لهم في أمر ~~الخلافة حل ولا عقد، وأحب الأمراء إليهم من كان بهم ارفق، أفرأيت لو أن ~~هؤلاء بايعوا بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا وبايعه بنو هاشم ~~وشيعتهم، وبايعه جماعة الأنصار يتخلف عن بيعته طلحة وعثمان وابن عوف وابن ~~أبي وقاص وأشباههم، وإذا بايعه كل هؤلاء يأبى من بيعته ابن العاص وابن ~~الوليد وابن أبي معيط إذن لضربت أعناقهم قبل أن يرتد إليهم طرفهم، وتأبى عن ~~طاعته العرب من الأعراب وغيرهم، أو يفتقوا عليه مقدار خرق إبرة وقد سارت ~~تحت راياته فرسان المسلمين من المهاجرين والأنصار، فمن أولئك العرب الذين ~~ينطقون في النقض عليه بعد هذا بكلمة فضلا عن أن يفتقوا عليه فتقا يكون فيه ~~استئصال شافة الإسلام وكذا وكذا مما ذكره المعتزلي؟ ومن يستطيع منهم ذلك ~~وهم لا يستطيعوا منه شيئا في ولاية أبي بكر حيث نفذ حكمه من المهاجرين ~~والأنصار أفعلي (عليه السلام) عند العرب أدنى من أبي بكر نسبا وحسبا أم أبو ~~بكر أنبه من علي (عليه السلام) عند العرب ذكرا أم أشد بأسا وأقوى قلبا؟ فما ~~هذا الكلام الذي لا يتصوره عاقل ولا يتفوه به لبيب. # وأما قوله: جنح إلى الطاعة الخ فهو صحيح لكن على ما ذكره وأثبته من ~~PageV00P494 # المضض والرمض وذلك خارج عن قانون الرضا ولا شك عندنا أنه (عليه السلام) ~~أذعن ms376 بطاعتهم، وانقاد لأمرهم فيما يتعلق بأمور الإمارة حقنا لدمه ودماء أهل ~~بيته حيث لم يجد معينا يعينه ولا ناصرا ينصره، فلو امتنع بعد ذلك عن بيعتهم ~~لا هريق دمه كما فعل بابنه الحسين حذو النعل بالنعل فكان تسليمه لهم وكفه ~~عنهم كرها لا اختيارا، وليس النزاع في أنه سلم وكف ظاهرا عن طلب الأمر، ~~وإنما النزاع في أنه رضي طوعا لا جبرا فقد سلم الحسن لمعاوية وكف الحسين عن ~~منازعته بعد الحسن والمقطوع به أنهما ليسا راضيين بخلافته وأمثال هذا كثير، ~~ومما يؤكد أن القوم غير مصيبين عنده امتناعه يوم الشورى على عبد الرحمن بن ~~عوف عن المبايعة على سيرة الشيخين، وقوله: بل على كتاب الله وسنة رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وفي هذا إشارة بينة إلى أن في سيرتهما ما يخالف ~~الكتاب والسنة وذلك السر في امتناعه لا ما فهمه ابن أبي الحديد، وفي الكلام ~~دلالة على أن عبد الرحمن بن عوف ومن معه لا يريدون من يسير فيهم بكتاب الله ~~وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله)، بل غرضهم فيمن يعمل فيهم بالرأي ويؤثرهم ~~بالمال، ويستشيرهم في الأحكام، وصريح هذا المعنى عدول القوم عن نصوص الكتاب ~~والسنة إلى ما يشتهون، وأوضح من ذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في ~~خطبة يحرض فيها أصحابه على قتال معاوية وأصحابه: (سيروا إلى بقية الأحزاب، ~~سيروا إلى نبذة الكتاب، سيروا إلى قتال من يقاتل على دم حمال الخطايا) (1)، ~~والمراد ببقية الأحزاب معاوية ومن معه من قريش وبحمال الخطايا عثمان لا ~~معاوية كما قال ابن أبي الحديد لأن معاوية بزعمه يقاتل على دمه، وليس يقاتل ~~أحد في صفين على دم معاوية لأنه حي بين ظهرانيهم، وهو الذي أغواهم وساقهم ~~بخدعه إلى الضلال وقادهم # PageV00P495 # إلى قتال إمامهم، فدعوى أن عليا (عليه السلام) صوب القوم في فعلهم يوما ~~ما من باب تقريب البعيد، وترويج الزيف وستر الظاهر المكشوف وإن شئت قلت ~~إنها من باب تجويز الممتنع وهو من فعل ابن أبي الحديد غير مستنكر ms377 ولا بعيد، ~~فما زال يدفع عنهم بالراح، ويبطل لأجلهم الحجج الصحاح، ويرد للحماية عليهم ~~دلالة الأدلة الصراح، وليس ذا من عمله بمجد للمتأمل ولا بنافع عند ~~المتبصرة، ولا بكاف في الذب عنهم لدى المنصف المتدبر، فما أبين الصبح لذي ~~عينين وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر. # ومما يدل على أن بعض الصحابة قد أحدثوا في الدين وغيروا أحكام الكتاب ~~وخالفوا السنة وخرجوا من العدالة دلالة صريحة ما صح في روايات الخصوم من ~~أخبار النبي (صلى الله عليه وآله) بدخول جماعة من أصحابه النار لأنهم ~~أحدثوا بعده ما أوجب لهم دخولها وهي كثيرة نذكر منها بعضا تحصل به الحجة. # فمنها ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين بالسند عن سهل بن سعد من ~~المتفق عليه قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: (أنا فرطكم ~~على الحوض من ورد شرب ومن شرب لم يظمأ أبدا وليردن علي أقوام أعرفهم ~~ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم) قال أبو حازم فسمع النعمان بن أبي العباس ~~وأنا أحدثهم هذا الحديث فقال: هكذا سمعت سهلا يقول قلت: نعم: قال: أشهد على ~~أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد (وأقول إنهم من أمتي فيقال إنك لا تدري ما ~~أحدثوا بعدك فأقول سحقا فسحقا لمن بدل بعدي). # PageV00P496 # وعنه من المتفق عليه بالسند عن ابن عباس قال: إن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) قال: (ألا وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول ~~يا رب أصحابي، فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد ~~الصالح، [وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم ~~وأنت على كل شئ شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك] (1) قال فيقال لي: إنهم لم ~~يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم) (2). # وعنه من المتفق عليه بالسند عن أنس بن مالك قال: إن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) قال: (ليردن على الحوض رجال ممن صاحبني حتى إذا رأيتهم ورفعوا ~~إلي رؤوسهم اختلجوا فلأقولن أي رب أصحابي أصحابي فليقال ms378 إنك لا تدري ما ~~أحدثوا بعدك) (3). # وعنه في أفراد مسلم بالسند عن ابن عمر قال إن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) قال: (إذا فتحت عليكم خزائن فارس والروم أي قوم أنتم) قال عبد ~~الرحمن: نكون كما أمرنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله): (تتنافسون وتتحاسدون ثم تدابرون ثم تتباغضون ~~وتنطلقون إلى مساكن المهاجرين فتحملون بعضهم على رقاب بعض) (4). # وفي صحيح البخاري (لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي ما أخذ القرون # PageV00P497 # قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع) وفي غيره: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا) ~~الخ (؟). # وفي صحيح الترمذي عن النبي (صلى الله عليه وآله): (لتركبن سنن من كان ~~قبلكم) (1). # وفي جامع العلوم لقدوة الحفاظ أبي عبد الله محمد بن معمر عن أبي بن كعب ~~قال: والله ما زالت هذه الأمة مكبوبة على وجهها منذ قبض رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم). هذه الأحاديث وأمثالها صريحة في أن القوم بعد النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) رجعوا عن الدين على أعقابهم القهقري وما نرى ~~شيئا فعلوه بعد النبي (صلى الله عليه وآله) في الدين أعظم من أخذ الخلافة ~~من أهلها ومستحقيها ولو لم يكن هناك نص على واحد بعينه وقد خالفوه واغتصبوا ~~من ذي الحق حقه لما استوجبوا كل ذلك، وفي هذه الأخبار تكذيب الأشاعرة في ~~قولهم بنجاة كل صحابي وإن فعل ما فعل من المعاصي، ودلت أيضا على صحة تظلم ~~أمير المؤمنين (عليه السلام) من القوم السابقين في محله وموضعه، فما ~~ادعيناه عليهم قد وضح بيانه وسطع برهانه والحمد لله على إنعامه بالهداية. # الوجه الثالث: مما يدل على وجود النص على أمير المؤمنين ما يخطر من فلتات ~~عمر فتارة يعترف بأن عليا مظلوم، وتارة بأنه منصوص عليه لكن خولف النص ~~لمصلحة، وتارة بأنه أولى بالأمر إلى غير ذلك. # فمنها ما رواه ابن أبي الحديد عن الزبير بن بكار الزبيري في كتاب ~~الموفقيات عن عبد الله بن عباس قال إني لأماشي عمر بن ms379 الخطاب في سكة من سكك ~~المدينة إذ قال لي: يا بن عباس ما أرى (2) صاحبك إلا مظلوما، # PageV00P498 # فقلت في نفسي: والله لا يسبقني بها فقلت: يا أمير المؤمنين فاردد إليه ~~ظلامته، فانتزع يده من يدي ومضى (١) يهمهم ساعة ثم وقف، فلحقته فقال: يا بن ~~عباس ما أظنهم منعهم [من صاحبك] (٢) إلا أنه استصغره قومه، فقلت في نفسي ~~هذه شر من الأولى، فقلت: والله ما استصغره الله ورسوله إذ أمره أن يأخذ ~~براءة من صاحبك (٣)، فأعرض عني وأسرع فرجعت عنه (٤). # قلت: فما أدري ما يصنع ابن أبي الحديد بهذا الاعتراف، ثم انظر إلى عذر ~~عمر الذي أخذه من أبي عبيدة بأنه استصغره قومه، وهل في صغر السن من نقص إذا ~~كان العقل كاملا وقد قال الله تعالى في يحيى: ﴿وآتيناه الحكم صبيا﴾ (5) وقال حكاية عن عيسى (عليه ~~السلام) وهو في المهد (إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا) (6) فلم يكن ~~الصغر فيهما مانعا من الكمال، ولذا ولياه على تبليغ براءة وائتمناه عليها ~~وعزل أبي بكر من تبليغها ولم يكن كبر السن نافعا، ولا صغره مانعا ولله در ~~ابن عباس ما أوضح حجته، وأقوى برهانه! ومنها ما رواه عن عبد الله بن عمر ~~قال: كنت عند أبي وعنده نفر من الناس فجرى ذكر الشعر فقال: من أشعر العرب ~~فقالوا فلان وفلان فطلع ابن عباس فقال عمر قد جاء الخبير، من أشعر العرب يا ~~عبد الله؟ # قال: زهير بن أبي سلمى، قال: فأنشدني ما تستجيده له، فقال: يا أمير # PageV00P499 # المؤمنين أنه مدح قوما من غطفان يقال لهم بنو سنان فقال: # لو كان يقعد فوق الشمس من كرم * قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا قوم أبوهم ~~سنان حين تنسبهم * طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا إنس إذا أمنوا جن إذا ~~فزعوا * مرزؤن بها ليل إذا جهدوا محسدون على ما كان من نعم * لا ينزع الله ~~عنهم ماله حسدوا فقال عمر: قاتله الله لقد أحسن، ولا أرى هذا المدح يصلح ~~إلا ms380 لهذا البيت من هاشم لقرابتهم من رسول الله، فقال: ابن عباس وفقك الله ~~يا أمير المؤمنين فلم تزل موفقا، قال: يا بن عباس أتدري ما منع الناس منكم؟ ~~قال: لا يا أمير المؤمنين، قال: لكني أدري، قال: ما هو؟ # قال: كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوة والخلافة فتجحفوا الناس جحفا، فنظرت ~~قريش لأنفسها فاختارت ووفقت فأصابت فقال ابن عباس: أيميط أمير المؤمنين عني ~~غضبه فيسمع قال: قل ما تشاء، قال: أما قول أمير المؤمنين بأن قريشا كرهت ~~فإن الله قال لقوم: [ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم] (1) وأما ~~قولك: إنا كنا نحجف فلو خجفنا بالخلافة خجفنا (2) بالقرابة ولكنا قوم ~~أخلاقنا مشتقة من خلق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي قال الله ~~تعالى فيه: [وإنك لعلى خلق عظيم] (2) وقال له: [واخفض جناحك لمن اتبعك من ~~المؤمنين] (3). وأما قولك: إن قريشا اختارت فإن الله تعالى يقول: [وربك ~~يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة] (4) وقد علمت يا أمير المؤمنين أن ~~الله اختار من خلقه لذلك من # PageV00P500 # اختار، فلو نظرت قريش من حيث نظر الله لها لوفقت وأصابت، فقال عمر: على ~~رسلك يا بن عباس أبت قلوبكم يا بني هاشم إلا غشا في أمر قريش لا يزول، ~~وحقدا عليها لا يحول، فقال ابن عباس: مهلا يا أمير المؤمنين لا تنسب قلوب ~~بني هاشم إلى الغش فإن قلوبهم من قلب رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي ~~طهره الله وزكاه، وهم أهل البيت الذين قال الله تعالى: (إنما يريد الله ~~ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا] (1) وأما قولك: حقدا فكيف لا ~~يحقد من غصب شيئه ويراه في يد غيره، فقال عمر: أما أنت يا عبد الله فقد ~~بلغني عنك كلام أكره أن أخبرك به فتزول منزلتك به عندي، قال: ما هو يا أمير ~~المؤمنين أخبرني به فإن يكن باطلا فمثلي أماط الباطل عن نفسه وإن يك حقا ~~فإن منزلتي عندك لا تزول به؟ قال: بلغني أنك لا تزال ms381 تقول أخذ هذا الأمر ~~منا حسدا وظلما قال: أما قولك حسدا - إلى أن قال -: وأما قولك ظلما فأمير ~~المؤمنين يعلم صاحب الحق من هو، ثم قال يا أمير المؤمنين ألم تحتج العرب ~~على العجم بحق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) واحتجت قريش على سائر ~~العرب بحق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فنحن أحق برسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) من سائر قريش، فقال عمر: قم الآن فارجع إلى منزلك فقام ~~الخبر (2). # قلت والشاهد على المدعي في مواضع من الخبر. # الأول قول ابن عباس: إن الله اختار من خلقه لذلك من اختار، فإنه صريح في ~~أن هناك منصوصا عليه بالإمامة، معينا لها من الله ورسوله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) إذ لا علم لعمر ولا ابن عباس بأن الله اختار لهذا الأمر # PageV00P501 # واحدا معينا إلا من إخبار الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وذلك هو ~~النص، وابن عباس لم يقصر علم ذلك على نفسه، بل قال لعمر: وقد علمت ذلك، ~~فأتى بقد المفيدة لتحقق الفعل ولا منصوص عليه إلا علي (عليه السلام)، وما ~~يريد ابن عباس بما ذكر أحدا غيره. # الثاني قوله: فكيف لا يحقد من غصب شيئه ويراه في يد غيره، فإنه صريح في ~~أن الخلافة حق أهل البيت وقد أخذت منهم غصبا، وإذا لم يكن هناك نص على واحد ~~معين منهم بأن الخلافة له كيف يتحقق الغصب. # الثالث قوله: أخذ منا هذا الأمر حسدا وظلما، وتقريره كسابقه. # الرابع قوله: أمير المؤمنين يعلم صاحب الحق من هو، فإن علم عمر بصاحب ~~الحق ومن له الأمر بالتعيين بدون نص من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~غير ممكن كما لا يخفى، فيجب أن يكون علمه بذلك من طريق النص وذلك هو ~~المطلوب ثم إن عمر لن ينكر شيئا مما ادعا ابن عباس عليه علمه به فدل على ~~أنه كان عالما به لكنه لما عرف العجز من نفسه عن جواب حجة عبد الله بن ~~العباس أمره بالرجوع إلى ms382 منزله حذرا منه أن يظهر من فساد أمرهم أكثر مما ~~أظهر، ثم إن في قول عمر: كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوة والخلافة، ما يشير ~~إلى وجود النص لأنه يومي إلى أن قريشا علمت بأن الخلافة في بني هاشم بأخبار ~~النبي (صلى الله عليه وآله) فصرفوها عنهم إلى من أرادوا مخالفة للنبي (صلى ~~الله عليه وآله) هذا ما يتعلق بالدلالة على مدعانا. # وأما ما يدل على بطلان كلام ابن أبي الحديد ورد دعواه من الخبر فهو في ~~مواضع. # الأول قول عمر: كرهت قريش إلى تمام الجملة، فإن صريحه ينطق بأن ~~PageV00P502 # قريشا لم تعدل بالخلافة عن بني هاشم لخوف أمر يحدث في الدين، ولا لحذر ~~ثلم يكون في الإسلام، وإنما كان ذلك لكراهة تأمير قرابة النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وتشريفهم، وهو عين العداوة لهم. # الثاني قوله: فنظرت قريش لأنفسها، فإنه صريح في أن القوم لم يصرفوا ~~الخلافة عن بني هاشم نظرا منهم للدين، وحماية منهم على الإسلام، وإنما ~~فعلوا ذلك نظرا لأنفسهم في أمر دنياهم ليتشرفوا بالإمارة، وهذا كما ترى ~~مناقض لما تقدم من قول المعتزلي: إن القوم أرادوا بما فعلوا الدين لا ~~الدنيا ولم يميلوا إلى هوى، وأنهم نظروا في ذلك إلى مصلحة الإسلام، فقد كذب ~~قوله، والكلامان منافيان أيضا لما قاله المتكلم في الخبر السابق من أن ~~المانع لقريش من مبايعة علي (عليه السلام) استصغارها سنة، وعنه أخذ أتباعه ~~التنافي والتناقض في أقوالهم. # الثالث قوله: أبت قلوبكم يا بني هاشم إلا غشا في أمر قريش الخ. # فإنه صريح في أن عمر كان مطلعا على كراهة بني هاشم لخلافته وخلافة صاحبه، ~~ومن استخلفهما ورضي بخلافتهما، وبقاء حقدهم عليهم. # الرابع قول ابن عباس، فكيف لا يحقد من غصب شيئه فإنه صريح في حقد بني ~~هاشم على من تولى الأمر دونهم وأخذ ذلك الشئ منهم وهذا كله مضاد لقول ابن ~~أبي الحديد: إن عليا (عليه السلام) رضي بخلافة الرجلين، ورآها صلاحا أفيرضى ~~علي (عليه السلام) ويحقد ابن عباس وباقي بني ms383 هاشم وهم ذلك الوقت لا يطلبون ~~الخلافة إلا له وليس فيهم من يجيز لنفسه التقدم عليه في أقل الأمور. # الخامس قوله: أخذ منا هذا الأمر حسدا وظلما، وهو كسابقه في المعنى وهذا ~~الخبر مضمونه نص مذهب الإمامية فليصدق ابن أبي الحديد حديثه أو يكذبه ففي ~~كلا الأمرين لمنا عليه الفلج. PageV00P503 # ومنها: ما رواه ابن عباس أيضا قال: خرجت مع عمر إلى الشام في إحدى خرجاته ~~فانفرد يوما يسير على بعيره فاتبعته، فقال: يا بن عباس أشكو إليك ابن عمك ~~سألته أن يخرج معي فلم يفعل ولا أزال أراه واجدا أفيم تظن موجدته؟ قلت: يا ~~أمير المؤمنين إنك لتعلم، قال: أظنه لا يزال كئيبا لفوت الخلافة، قلت: هو ~~ذاك إنه يزعم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أراد الأمر له، فقال: ~~يا بن عباس وأراد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الأمر له فكان ماذا ~~إذا لم يرد الله تعالى ذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أراد أمرا ~~وأراد الله غيره فنفذ مراد الله ولم ينفذ مراد رسوله، أو كلما أراده رسول ~~الله كان إنه أراد إسلام عمه (1) ولم يرده الله فلم يسلم (2). # أقول غير خفي على ذوي الفطن أن معنى قول عبد الله بن عباس: إن رسول الله ~~أراد الأمر له أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) عين عليا (عليه السلام) ~~للخلافة وقصرها عليه من بعده، وهذا هو النص المدعي ودل الخبر على أن عليا ~~(عليه السلام) لا يزال واجدا على عمر وأن موجدته عليه لأنه خالف أمر رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) فيه ونصه عليه وعمر قد أقر بجميع ذلك في الخبر ~~مرتين صريحا. # والثالثة إشارة وادعاء مع ذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~أراد غير ما أراد الله ولا أدري كيف ينسب إلى رسول الله (صلى الله # PageV00P504 # عليه وآله وسلم) إرادة ما لم يرده الله وهو الذي يقول الله فيه: [وما ~~ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى] ms384 (1) ويقول فيه: [ولو تقول علينا بعض ~~الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين] (2) ويقول فيه: [قل ~~إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي] (3) وغير ذلك ولا أدري أم أيريد بقوله ذلك ~~أن يقول بالجبر في الأفعال أو أنه لا يدري ما معنى الإرادة فيذهب إلى أن ~~كلما وقع فهو مراد الله فكفر أبي جهل عنده مراد الله ومخالف لإرادة رسوله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكذلك كفر أبي لهب وأن عدم إسلامه مراد الله ~~ومخالف لمراد رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) فخلافة أبي بكر وخلافته ~~أرادها الله ولم يردها رسوله (صلى الله عليه وآله)!! وها نحن نبين معنى ~~الإرادة ونشرح مفهومها فنقول: للإرادة في الكتاب والسنة معان ثلاثة. # الأول الإرادة الأمرية الصادر عنها التكاليف فهي الأمر بالشئ من حيث ~~المحبوبية وتقابلها الكراهة وهي النهي عن الشئ من حيث المبغوضية، وعليها ~~تدور الطاعة والمعصية والمخالفة والموافقة، وعليها يترتب الثواب والعقاب، ~~ومن الإرادة بهذا المعنى قوله تعالى: [يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم ~~العسر] (4) وقوله تعالى: [والله يريد أن يتوب عليكم] (5) وقوله تعالى: ~~[يريد الله أن يخفف عنكم] (6) على احتمال هذه الإرادة مخالفتها ممكنة غير ~~ممتنعة وضدها كذلك إذ لا جبر في التكليف على المكلفين، والنبي (صلى الله ~~عليه وآله) لا يخالف هذه الإرادة أبدا لأن مخالفتها # PageV00P505 # معصية وهو معصوم عن العصيان، بل أرادته (صلى الله عليه وآله) دائما تابعة ~~لإرادة الله لا يعصي لله أمرا، فلما كان (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أراد ~~عليا (عليه السلام) للأمر علمنا الله سبحانه وتعالى أراده له بمعنى أمر ~~نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بنصبه فنصبه رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) كما تضمنه الخبر، وقول الشيخ مستلزم لأن رسول الله قد خالف إرادة ~~الله وعصى أمره لأن الله أمر بنصب أبي بكر وهو عين عليا (عليه السلام) ~~ونسبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى مخالفة أمر الله كفر بما ~~أنزل الله تعالى في محكم كتابه. # الثاني ms385 الإرادة الفعلية وهي عبارة عن إيجاد الشئ ومنه قوله تعالى: # [إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون] (1) ولا تعلق لهذه ~~الإرادة بأمر التكليف، ولا يستطيع أحد ردها ولا مخالفتها لأنها فعل من ~~افعال الله تعالى القادر على ما يشاء، ولا يجوز أن ينسب أحد إلى مخالفة هذه ~~الإرادة إذ لا قدرة لأحد على ذلك، حتى يقال: إن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) أراد ما لم يرده الله. # الثالث الإرادة العلمية ومعناها علم الله بما يصدر من المكلف طاعة أو ~~معصية، ووقت ذلك ومكانه ومتعلقه لا بمعنى المحبوبية والمبغوضية وعليها يحمل ~~قوله تعالى: [فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله ~~يجعل صدره ضيقا حرجا] (2) وقوله تعالى: [فمن يرد الله فتنته فلن تملك له من ~~الله شيئا] (3) وهي قد توافق الإرادة الأمرية كما في المطيع، # PageV00P506 # وقد تخالفها إذ لا ملازمة بينهما كما في العاصي، وبهذا البيان يرتفع ~~الجبر في الأفعال، وهذه الإرادة هي التي كانت متعلقة بهم فإن الله علم أنهم ~~يخرجون بسوء اختيارهم عن الطاعة وقبول الأمر الصادر من الله ومن رسوله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) بالائتمام بعلي (عليه السلام) والانقياد لطاعته بعد ~~النبي (صلى الله عليه وآله) فهم قد خالفوا إرادة الله الأمرية وإرادة رسوله ~~كذلك في أمر الإمامة، ووافقوا إرادة الله العلمية بأنهم يكونون عاصين فإذا ~~كان أراد من قوله في الخبر أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أراد أمرا ~~وأراد الله غيره أن الرسول (صلى الله عليه وآله) أمر عن أمر الله بطاعة علي ~~(عليه السلام) من بعده وعلم الله إنا لا نطيعه في أمره فقد صدق لكن ذلك لا ~~ينفعه ولا يجدي له عند الله عذرا، وقد وضح لك أن الخبر المذكور ناطق بصدور ~~النص من النبي (صلى الله عليه وآله) على علي (عليه السلام) وأن القوم قد ~~خالفوه إحالة على المقادير، وبئست تلك المعاذير، ومثل هذا الحديث ما قدمناه ~~أولا من قول عمر في ms386 حديث ابن أبي طاهر: ولقد أراد رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) أن يصرح به في مرض موته فمنعته وقد مر عليك مبينا بأوضح بيان فراجعه. # ومنها ما رواه عن أبي بكر الجوهري مسندا عن ابن عباس قال مر عمر بعلي ~~(عليه السلام) وعنده ابن عباس بفناء داره فسلم فسألناه أين تريد؟ # فقال: مالي بينبع، فقال علي (عليه السلام): أفلا نصل جناحك ونقوم معك؟ ~~قال: بلى؟ فقال لابن عباس: قم معه، قال: فشبك أصابعه في أصابعي ومضى حتى ~~إذا خلفنا البقيع، قال: يا بن عباس أما والله إن كان صاحبك هذا لأولى الناس ~~بالأمر بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا أنا خفناه على ~~اثنتين، قال ابن عباس: فجاء بمنطق لم أجد بدا معه من مسألته عنه، فقلت: يا ~~أمير المؤمنين ما هما؟ قال: خشيناه على PageV00P507 # حداثة السن وحبه بني عبد المطلب (1) وهو صريح في المطلوب لأن أولوية ~~(عليه السلام) بالأمر لا يعلم إلا من جهة النص، ثم إن الخبر متضمن لأمرين ~~مخالفين لقول الخصوم. # الأول إن القوم لم يكونوا ناظرين إذ منعوا عليا (عليه السلام) من خلافة ~~الرسول (صلى الله عليه وآله) إلى مصلحة تعود إلى الدين وإنما هو لأمر راجع ~~إلى هوى النفس وهو كون علي صغير السن، ومحبا لبني عبد المطلب، وإن الأولى ~~بالخلافة من يكون كبير السن ويكون مبغضا لبني عبد المطلب، وأي مصلحة للدين ~~في هذا. # الثاني إن القوم كانوا مبغضين لقرابة النبي (صلى الله عليه وآله) بغضا ~~شديدا حتى جعلوا بغضهم شرطا في الإمام وهذا يقتضي أنهم لم يقدموا من قدموه ~~إلا لعلمهم بشدة بغضه لقرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا ~~عين ما تقوله الإمامية لا يزيدون عليه حرفا، فأين قول ابن أبي الحديد ~~وأمثاله: إن القوم لم يفعلوا ما فعلوا إلا النظر للدين؟ وما باله يروي هذا ~~الكلام ويغضي عن معناه كأنه لا يفهمه وهو أصرح من أن يخفى على مثله؟ فالحمد ~~لله الذي أظهر الحق لأهله. ms387 # ومنها ما رواه عن أبي بكر الجوهري قال: وحدثني أبو زيد قال: حدثنا هارون ~~بن عمر بإسناد رفعه إلى ابن عباس قال: تفرق الناس ليلة الجابية عن عمر فسار ~~كل واحد مع ألفه، ثم صادفت عمر تلك الليلة في مسيرنا فحادثته فشكى إلي تخلف ~~علي عنه، فقلت: لم يعتذر إليك؟ قال: بلى، فقلت: هو ما اعتذر به، قال: يا بن ~~عباس إن أول من ريثكم عن هذا الأمر أبو بكر إن قومكم كرهوا أن يجمعوا لكم ~~الخلافة والنبوة، قلت: لم # PageV00P508 # ذاك يا أمير المؤمنين ألم ننلهم خيرا؟ قال: بلى ولكنهم لو فعلوا لكنتم ~~عليهم خجفا خجفا (1). # أقول: ما في هذا الخبر قد تضمنه حديث ابن عمر المتقدم وتوضيحه يعرف مما ~~ذيلنا به ذلك الخبر. # ومنها ما رواه أن عمر قال لعبد الله بن عباس يوما: ما منع قومكم منكم، ~~قلت: لا أعلم يا أمير المؤمنين، قال، اللهم غفرا إن قومكم كرهوا أن تجتمع ~~لكم النبوة والخلافة فتذهبوا في السماء بذخا وشمخا، لعلكم تقولون: إن أبا ~~بكر أراد الإمرة عليكم وهضمكم كلا، لكنه حضره أمر لم يكن عنده أحزم مما فعل ~~ولولا رأي أبي بكر في بعد موته لأعاد أمركم إليكم، ولو فعل ما هناكم مع ~~قومكم إنهم لينظرون إليكم نظر الثور إلى جازره (2) أقول أي مصلحة للدين وأي ~~صلاح للمسلمين في عدم اجتماع النبوة والخلافة في بيت واحد؟ وأي مفسدة للدين ~~وأهله في اجتماعهما في ذلك البيت؟ وكيف تكره قريش ما أحبه الله من اجتماع ~~النبوة والخلافة في بيت واحد؟ ومتى وجدنا أحدا من أهل بيت النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) تكبر وتجبر وخرج عن قانون التواضع وحيز الرزانة حتى ينسبهم ~~إلى ما لا يجوز أن ينسب إلى سائر المؤمنين! أليس هذا كله تصريحا بمخالفة ~~الله ورسوله (صلى الله عليه وآله)، وكاشفا عن بغض شديد لبني هاشم، ثم إن ~~الخبر مصرح بوجود النص على علي (عليه السلام)، وأن أبا بكر إذ عهد إلى عمر ~~إنما هو لهوى له فيه ms388 لا بجهله بصاحب الأمر من هو وذلك في قوله: ولولا رأي ~~أبي بكر في لأعاد إليكم أمركم، لأن الإضافة هنا إما للملك أو للاختصاص، ~~وعلى كلا الوجهين يفيد الكلام أن الأمر يعني # PageV00P509 # الخلافة حق لأهل البيت وليس لغيرهم فيها نصيب، وكونها حقا لهم لا يعلم ~~إلا من النص ولا منصوص عليه منهم بعد النبي (صلى الله عليه وآله) إلا علي ~~(عليه السلام)، فتبين من القول أن أبا بكر إذ تأمر على أهل البيت يعلم أن ~~الحق لهم وكذلك من ولي الأمر بعده وقوله: ولو فعل ما هناكم مع قومكم إلى ~~آخره نص في أن أولئك الصحابة من المهاجرين كانوا معتمدين مخالفة علي (عليه ~~السلام) ومخالفة الرسول (صلى الله عليه وآله) فيه، ومنطوين على عدم إطاعته ~~إن ولي الأمر كائنا ما كان لبغض مقيم عليه في قلوبهم، وحسد قديم له لا ~~لصلاح الدين ولا لخوف انتقاض العرب، ولا لغير ذلك مما قاله في بعض كلامه، ~~وهذا القول منه من شواهد مدعانا عليهم، فقد تبين صدق قولنا من قول عمر وثبت ~~ما نقول إن القوم أخذوا الخلافة وهم يعلمون أنها حق علي (عليه السلام) بنص ~~الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم). # ومنها ما قال ابن أبي الحديد: حدثني الحسين بن محمد الشني قال: # قرأت على ظهر كتاب أن عمر نزلت به نازلة فقام لها وقعد وترنح لها وتقطر، ~~وقال لمن عنده معشر الحاضرين ما تقولون في هذا الأمر، فقالوا يا أمير ~~المؤمنين أنت المفزع والمنزع، فغضب وقال: [يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وقولوا قولا سديدا] (1) ثم قال: أما والله إني وإياكم لنعلم ابن بجدتها (2) ~~والخبير بها قالوا: كأنك أردت ابن أبي طالب: قال: وأنى يعدل بي عنه، وهل ~~طفحت حرة بمثله، قالوا: فلو دعوت به يا أمير المؤمنين، قال: # هيهات إن هناك شمخا من هاشم، وإثرة من علم ولحمة من رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) يؤتى ولا يأتي فامضوا بنا إليه، فأقصفوا نحوه # PageV00P510 # وأفضوا إليه، فألفوه في حائط له عليه ms389 تبان وهو يتركل على مسحاته ويقرأ: # [أيحسب الإنسان أن يترك سدى] (1) إلى آخر السورة، ودموعه تهمى على خديه، ~~فأجهش الناس لبكائه فبكوا ثم سكت وسكتوا فسأله عمر عن تلك الواقعة فأصدر ~~جوابها فقال عمر: أما والله لقد أرادك الحق ولكن أبى قومك، فقال: يا أبا ~~حفص خفض عليك من هنا وهنا: [إن يوم الفصل كان ميقاتا] (2) فوضع عمر إحدى ~~يديه على الأخرى وأطرق إلى الأرض وخرج كأنما ينظر في رماد. # وهذا الخبر كما ترى مصرح بأن أمير المؤمنين كان ينسب القوم في تقدمهم ~~عليه إلى الظلم، ويعدهم بالمطالبة يوم الفصل، وحسبنا ذلك فيما ندعي، وإنكار ~~ابن أبي الحديد للخبر لأن عليا (عليه السلام) كنى عمر ولم يسمه بالإمرة، ~~ولأن عمر مضى إلى علي (عليه السلام) والعادة أن يرسل إليه إنكار فاسد لأن ~~العادة قد تختلف وينبغي أن يجعل هذا من جملة تواضع عمر الذي كانوا يصفونه ~~به، والخليفة قد يكنى خصوصا في مقام الحجة على أن ما ادعاه من أن عليا ~~(عليه السلام) ما كنى عمر في خلافته أبدا وإنما يدعوه بإمرة المؤمنين دعوى ~~ما أتى عليها بشهود وأحالها على السير والتوايخ، ولم يذكر حديثا على ما ~~ادعى، ولا ذكر في كتابه على كثرة ما ذكره من الأخبار موضعا دعا فيه علي ~~(عليه السلام) عمر بإمرة المؤمنين قط، وذلك أدحض لحجته، مع أنه روى أن ~~الزبير قد أدمى أنف آذن عمر لما حجبه عنه فلما لامه عمر جعل يمطمط في كلامه ~~يحكي كلام عمر أتفعل هكذا يا زبير! وقال مغضبا: أتحتجب يا بن الخطاب (3) ~~فلم يكنه فضلا عن أن يقول أمير المؤمنين # PageV00P511 # ولم نره طعن في صحة الرواية بمخالفة العادة، وبما فيها من الجرأة العظيمة ~~على عمر. # وروي أيضا أن عمر لما أراد أن يوصي بالشورى واحضر الستة وقال في كل واحد ~~ما قال إنه نظر إلى طلحة فقال: أقول أم أسكت؟ قال له طلحة: # قل فإنك لا تقول من الخير شيئا (1) ولم يستبعد ذلك بمخالفته العادة ولم ~~ينكر الرواية ms390 لتضمنها جرأة طلحة على عمر بهذا القول الغليظ، وليس علي (عليه ~~السلام) عند عمر وعند الناس بدون الزبير وطلحة حتى يحتمل عمر منهما الجرأة ~~الشديدة ولا يحتمل من علي (عليه السلام) في وقت من الأوقات أن يكنيه ولا ~~يدعوه بإمرة المؤمنين مع أن ذلك حال عن أدنى جرأة، فسبحان الله لا يكون ~~الرد بخلاف العادة إلا لما وافق قولنا من أخبارهم، فهذا دليل عنادهم فقد ~~بطل إنكاره. # ومنها ما رواه مرفوعا إلى ابن عباس قال: دخلت على عمر يوما فقال: # يا بن العباس لقد أجهد هذا الرجل نفسه في العبادة حتى نحلته رياء، قلت: ~~من هو، قال: هذا ابن عمك، يعني عليا (عليه السلام)، قلت: وما يقصد بالرياء ~~يا أمير المؤمنين؟ قال: يرشح نفسه بين الناس للخلافة، قلت: وما يصنع ~~بالترشيح قد رشحه لها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فصرفت عنه، قال: ~~إنه كان شابا فاستصغرت العرب سنه وقد كمل الآن، ألم تعلم أن الله لم يبعث ~~نبيا إلا بعد الأربعين، قلت: # يا أمير المؤمنين أما أهل الحجي والنهي فإنهم ما زالوا يعدونه كاملا منذ ~~رفع الله منار الإسلام، ولكنهم يعدونه محروما مجذوذا، فقال: ما إنه سيليها ~~بعد هياط ومياط (2) ثم تزل فيها قدمه، ولا يقضي منها إربه، ولتكونن شاهدا # PageV00P512 # ذلك يا عبد الله ثم يبين الصبح لذي عينين، وتعلم العرب صحة رأي المهاجرين ~~الأولين الذين صرفوها عنه بادئ بدء، فليتني أراكم بعدي يا عبد الله، إن ~~الحرص محرمة وإن دنياك كظلك كلما هممت به ازداد عنك بعدا. # قال ابن أبي الحديد: نقلت هذا الخبر من أمالي أبي جعفر محمد بن حبيب (1). # قلت: وقد أعرب هذا عما في قلبه لأمير المؤمنين (عليه السلام) حتى رام ~~إبطال عباداته بنسبتها إلى الرياء ليحط قدره، ويزيل من القلوب منزلته، ~~ويسقط منها رتبته، ومع ذلك فقد أقر بالنص من الرسول على علي (عليه السلام) ~~حيث أنه اعترف بدعوى ابن عباس أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد رشح ~~عليا (عليه السلام) ms391 للخلافة، والترشيح للشئ التأهيل له وهو تعيينه لها، ~~وذلك النص، بأنها قد صرفت عنه بعد نص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~عليه، وأن أهل العقل والرأي الصحيح يعدونه محروما مجذوذا من حقه، ولم ينكر ~~من ذلك شيئا وذهب يتعلل في مخالفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما لم ~~يزل يتعلل به من صغر السن وخوف العرب، وما أدري ما يقول ابن أبي الحديد ومن ~~على شاكلته إذا سئلوا أهم أعرف بالمصالح وكمال الناس أم رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) حيث أهل عليا (عليه السلام) للخلافة وهو صغير السن، ~~أفيقولون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أهله بغير أمر الله فأخطأ ~~وأنهم أصابوا حيث صرفوا الأمر إلى من هو أكبر منه سنا، أم يقولون إن رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يعلم سن علي (عليه السلام)؟ أفليس في ~~قوله هذا تصريح بأنهم خالفوا نص رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على ~~علي # PageV00P513 # (عليه السلام) بآرائهم، وما أبعد قوله: فاستصغرت العرب سنة من قوله، ~~وتعلم العرب صحة رأي المهاجرين إلى آخره، فإن الأول يدل على أن العرب هم ~~الذين صرفوا الأمر عن علي لصغر سنه، والثاني يدل على أن العرب قد أنكرت على ~~المهاجرين صرف الأمر واعتقدوا بطلان رأيهم، وأنه لا يبين للعرب صحة رأي ~~المهاجرين الأولين، ويعلمونه إلا إذا تولى علي (عليه السلام) الأمر وحاربه ~~من يحاربه من بقية أولئك المهاجرين ومن يتبعهم من الطلقاء وأبناء الطلقاء، ~~والحاصل أن هذا الخبر مصرح بما نقول به من وجود النص على علي (عليه السلام، ~~فهو شاهد بدعوانا وكاشف عن صحة مذهبنا بأوضح كشف وأصرح بيان. # ثم إن في قول عبد الله لعمر: أما أهل الحجي والنهي فما زالوا يعدونه ~~كاملا الخ إشارة ظاهرة إلى أن الذين قدحوا في كمال علي (عليه السلام بصغر ~~السن ليسوا من أهل العقل والتمييز، لأن أهل ذلك ما زالوا حاكمين بكمال علي ~~(عليه السلام) فلو كان هؤلاء القوم منهم لحكموا بحكمهم، ms392 والأمر كما قال عبد ~~الله بن العباس. # وأما قول عمر: إنه سيليها ثم تزل فيها قدمه الخ فلا يصح لأنه إن أراد ~~بزلة قدمه عدم طاعة أهل الضلال له فليس عليه في ذلك بأس عند الله ولا تزل ~~قدمه إذا كان على الحق بل زلت قدم من خالفه، فقد قاتل الكفار رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) فلم يضره في دينه ونبوته خلافهم له وقتالهم إياه، ~~وكذلك أمير المؤمنين لم تزل قدمه بقتال الضالين المكذبين، بل كانوا هم ~~الذين زلت أقدامهم عن الحق وكان هو الثابت القدم على الصراط القويم والهدى ~~الواضح، لأنه يقاتل على تأويل القرآن كما قاتل النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) على تنزيله، وإن أراد بزلة قدمه خروجه عن الحق فهو يعلم أنه مع الحق ~~وأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمره بقتال PageV00P514 # أولئك الأقوام ووعده أنه مع الحق حتى تمنى الشيخان تلك المنزلة وسألاها ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فما أدركاها، وقد مضى بيان ذلك ومن هذا ~~فهم عمر سيقاتلون عليا (عليه السلام) فقال ما قال. # وأما قضاء الإرب من الخلافة فإن كان يريد إرب الدنيا فليس لعلي (عليه ~~السلام) في الدنيا من إرب، وإن أراد عدم تمكنه من إقامة عمود الحق لمخالفة ~~الفجرة أمره فليس ذلك بضائر في دينه ولا بناقص ليقينه، والدبرة على الضالين ~~المكذبين ظفروا أو ظفر بهم. # وأما وعظه لابن عباس وهو يريد غيره فليته وعظ من خالف نص الرسول على علي ~~كما اعترف به. # ومنها ما رواه عن أبي بكر الأنباري في أماليه: إن عليا (عليه السلام) جلس ~~إلى عمر في المسجد وعنده قوم فلما قام عرض واحد بذكره ونسبه إلى التيه ~~والعجب، فقال عمر: حق لمثله أن يتيه، والله لولا سيفه لما قام عمود ~~الإسلام، وهو بعد اقضي الأمة وذو سابقتها وذو شرفها، فقال له ذلك القائل: ~~فما منعكم يا أمير المؤمنين عنه؟ قال: كرهناه على حداثة السن وحبه بني عبد ~~المطلب (1). # قلت وما رواه ابن أبي ms393 الحديد من طرق العامة مما يعطي هذا المعنى كثير ~~فلنقتصر على ذكر ما أوردناه لحصول الكفاية. # ثم الآن نتكلم على جملة أخبار هذا الوجه بكلام عام فنقول لمنكري النص من ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على علي (عليه السلام): قد اشتملت هذه ~~الأخبار على الإقرار بالنص تارة على علي (عليه السلام) وبأنه أولى الناس ~~بهذا الأمر وأحقهم به أخرى، وثالثة على أنه مظلوم والمظلوم لا # PageV00P515 # يكون إلا بأخذ حق له يختص به فيكون الخلافة على هذا حقه وأن المتقدم عليه ~~فيها ظالم له غاصب حقه، وأخرى بأنه محروم وهو مثل السابق، وأخرى بأن الأمر ~~له، وأخرى بأن شيئه قد غصب، فحينئذ إن كان عمر علم بأن الخلافة حق لعلي ~~(عليه السلام) وأنه صاحبها وأولى الناس وأحقهم بها حتى يكون من اختزلها عنه ~~غاصبا وظالما من نص الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عليه بذلك، إما ~~بالتعيين لها كما نقول، وكما تضمنته جملة من أخبار هذا الباب من قول ابن ~~عباس وعمر، أو بما استوضحه الرجل من قصد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~في إشاراته إليه، أو من جهة جمعه للخصال الحميدة كالقرابة من النبي (صلى ~~الله عليه وآله)، والعلم والشجاعة والسبق إلى الدين وكثرة الجهاد، وعلم من ~~قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إن صاحب هذه الصفات هو الأولى بمقامه، ~~فذلك هو النص من الرسول على علي (عليه السلام) وثبت مدعانا وثبت مخالفتهم ~~لنص النبي (صلى الله عليه وآله) في توثبهم لأخذ الخلافة ومبادرتهم إلى ~~تحصيل الإمارة من مهاجرين وأنصار، وثبت رجوعهم على الأعقاب ما خلا من كان ~~مع أمير المؤمنين (عليه السلام)، وجاء تصديق قوله تعالى: # [أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم] (1) وصح ما نسبه عمر إليهم من ~~ظلمهم عليا وغصبهم حقه، وذلك هو مطلوبنا ومرادنا لا نزيد في القول على هذا، ~~وإن كان عمر علم ذلك من غير نص الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فليس غير ~~النص بطريق يعلم منه هذا فكيف ينسب ms394 إليهم الظلم والغصب فيظلمهم بهذا ~~النسبة، فأي الأمرين تختارون! # وأما اعتذاره عن مخالفة النص على علي (عليه السلام) بحداثة السن فقد أجاب ~~عنه ابن عباس وأجبنا عنه فيما تقدم، ونقول هنا: إن مقصودنا # PageV00P516 # من إيراد أقوال عمر بيان أنهم خالفوا نص النبي (صلى الله عليه وآله) على ~~علي (عليه السلام) بآرائهم وأهوائهم وذلك إقرار منه بالمقصود واعتراف ~~بالمطلوب، فما زاد في عذره على أن أثبت حجتنا عليهم. # وأما اعتذاره بخوف انتقاض العرب فقد أجبنا عنه مرارا بأوضح بيان، ونزيد ~~في هذا المقام فنقول له: أخبرنا أي العرب وأي الناس استشيروا في بيعة علي ~~(عليه السلام) فأبوها؟ أم أي العشائر والقبائل بلغهم أن المهاجرين والأنصار ~~بايعوا عليا (عليه السلام) فردوا بيعته ولم يقبلوها؟ وهل جاء منعه عن ~~الخلافة إلا ممن حضر السقيفة، وهل وهن أمره عند الناس إلا منهم، وما آفته ~~غيرهم، فكيف ينسبون فعلهم إلى سواهم، ويحملونه غيرهم، ثم لو سلمنا لك ما ~~تدعي لأجبناك بأن اللازم عليكم طاعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~ومراعاة أمره وليس عليكم أن تضل العرب أو تهتدي، والله سبحانه يقول: [يا ~~أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم] (1) فلم لا ~~بايعتم عليا وأطعتم الله ورسوله فيه وقاتلتم من خالفه حتى تذللوا له العرب ~~فتستقيم له الأمور وتجتمع عليه الكلمة كما فعلتم ذلك حين بايعتم غيره؟ وما ~~لكم عصيتم وبدأتم بالمخالفة لتوهمكم أن غيركم ربما بعصي؟ هذا كله مع ما في ~~فعلكم من مخالفة قول النبي وحكمه باجتهادكم ومن جوز لكم ذلك وسوغكموه ~~[أألله أذن لكم أم على الله تفترون] (2). # وأما اعتذاره بحب بني عبد المطلب فهو أوهن الأعذار وأوهاها، فإنه لم يقل ~~أحد بأنه يشترط في الإمام أن يبغض قرابته ويكره عشيرته، فليس حب الإمام ذوي ~~قرابته قادحا في صحة إمامته حتى يكون ضده شرطا لها، ولو كان ذلك قادحا في ~~إمامة علي (عليه الصلاة والسلام) لوجب أن يكون قادحا في نبوة # PageV00P517 # النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأن ms395 حبه لبني عبد المطلب متعالم مشهور، ~~وحثه الناس على إكرامهم تارة بالتخصيص وتارة بالتعميم، وشدة حنوه عليهم أمر ~~ظاهر معروف ومذكور لا يجوز أن يجهله سائر الناس فضلا عن عمر بن الخطاب ~~وعناية الله ببني عبد المطلب إكراما للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واضحة ~~مكشوفة حيث أمره الله أن يبدأ بإنذارهم، ويفتتح دعوة الإسلام بدعائهم فقال: ~~[وأنذر عشيرتك الأقربين] (1) وأوجب لهم حقا عليه فقال: [وات ذا القربى حقه] ~~(2) ثم أوجب لهم المودة على الأمة إعظاما لهم وإجلالا، كل ذلك لتكريم النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وتفخيمه، ولقد احتج ابن عباس على عمر بذلك فما ~~استطاع إنكاره في حديث عبد الله بن عمر السابق أن ابن عباس لما قام بعد قول ~~عمر: قم الآن فارجع إلى منزلك هتف به عمر لما انصرف: أيها المنصرف إني على ~~ما كان منك لراع حقك، فالتفت ابن عباس فقال: إن لي عليك يا أمير المؤمنين ~~وعلى كل المسلمين حقا برسول الله (صلى الله عليه وآله)، فمن حفظه فحق نفسه ~~حفظ، ومن أضاعه فحق نفسه أضاع، ثم مضى فقال عمر لجلسائه، واها لابن عباس ما ~~رأيته لاحى أحدا قط إلا خصمه، فمن كان هذا شأنهم يجب أن يكون حبهم شرطا في ~~الإمام لا مبطلا لإمامته، وجعل بغضهم شرطا في صحة الإمامة مخالفة لله وردا ~~لكتابه ومراغمة لرسول الله (صلى الله عليه وآله). # وبعد فما يكون في حب الرجل عشيرته من النقص لمرتبته عن الإمامة إذا لم ~~يخف منه لذلك جور في حكم، ولا إيثار بمال، ولا حيف في قسمه، وأمير المؤمنين ~~بمعزل عن هذه التهمة، أو لم يأن لعمر بن الخطاب أن يعلم بطول # PageV00P518 # المعاشرة لعلي (عليه السلام) ما هو عليه من قوة الذين، وما هو فيه من صحة ~~اليقين، فيعلم بذلك أن حبه لبني أبيه لا يكون له صارفا عن اتباع الحق، ولا ~~مقتضيا له للميل والهوى، ولا داعيا للجور والحيف في شئ من الأحكام، ودع ذا ~~أليس قد علم من قول النبي ms396 (صلى الله عليه وآله وسلم): (علي مع الحق والحق ~~مع علي يدور معه حيثما دار) وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (وأدر الحق ~~معه حيث ما دار) (1) وقوله في قصة ما عز (أما لو كان فيكم أبو الحسن ما ~~أخطأتم) (2) وأمثالها أن عليا لا يعدل عن الحق لقرابة، ولا يميل للباطل لحب ~~أحد ولا لبغض أحد، فيكون إذن أجهل الناس حيث يجهل ما كان ظاهرا كلا بل علم ~~ذلك وتيقنه، وكيف لا وهو يقول لا بن عباس في حديث رواه ابن أبي الحديد ~~ينساق مساق ما ذكرناه في المقام من الأخبار تركنا نقله بعد أن عاب عليا ~~(عليه السلام) وانتقصه بالدعابة، وجعلها مانعة من استحقاقه الإمامة وعاب ~~غيره بما عابه قال: إن أحراهم إن وليها أن يحملهم على كتاب ربهم وسنة نبيهم ~~لصاحبك، أما إن ولي الأمر حلمهم على المحجة البيضاء والصراط المستقيم، ~~فانظر إلى التناقض في هذه الأقوال. # ثم نجيب عن هذه الوجوه الثلاثة فنقول: إن الله حين أمر رسوله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) بنصب علي خليفة من بعده كان عالما بحداثة سنه، وانتقاض ~~العرب عليه إذا ولي الأمر لو انتقضوا وبحبه بني عبد المطلب، وهو أعلم ~~بالصلاح والفساد، فلو علم سبحانه بعدم صلاحيته للإمامة لتلك # PageV00P519 # الأمور لما أمر نبيه بنصبه [والله أعلم حيث يجعل رسالته]، فوضح من جملة ~~ما ذكرناه إن الاعتذار بحداثة السن، وانتقاض العرب، وحب بني عبد المطلب ~~اعتذار مضمحل فاسد لا عذر به في مخالفة النص. # وأما الاعتذار بالدعابة فهو باطل بالجواب العام عن الوجوه السابقة، لأنه ~~كما ترى شامل له، وما هو إلا اقتراح على الله وتطلب عليه، ولعمري إن كانت ~~طلاقة الوجه، وبشاشة اللسان، وسجاحة الأخلاق، وظهور البشر للمؤمنين، وكثرة ~~الحلم عيبا مانعا من الإمامة فيجب أن يكون الأنبياء ظاهري الغضب، ذوي غلظة ~~وفظاظة لا رفق فيهم لأن الإمامة منصبهم بالأصالة، وذاك خلاف ما وصف الله به ~~أنبياءه من الحلم والرأفة فقال في إبراهيم (عليه السلام): (إن إبراهيم ~~لحليم أواه منيب] (1) وقال ms397 في حق نبينا (صلى الله عليه وآله): (بالمؤمنين ~~رؤوف رحيم] (2) وقال في حق قوم مدحهم: [أشداء على الكفار رحماء بينهم] (3) ~~وقال: [أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين] (4) وهذه صفة أمير المؤمنين ~~فيجب أن تكون شرطا في الإمام لوجودها في النبي الذي انتقلت الإمامة منه إلى ~~الإمام، ولو كانت الغلظة والشدة وصفا حسنا فضلا عن أن تكون شرطا للإمام لما ~~نهى الله نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) عنها وجردها عنه في قوله تعالى: ~~[ولو كنت فظا غليظ القلب لا نفضوا من حولك فاعف عنهم] الآية (5). وعذر ابن ~~أبي الحديد عنه في أمر الدعاية ونسبة أمير المؤمنين إليها بأنه خشن الطبع، ~~وأن الكلمات القبيحة تخرج منه على مقتضى جبلته # PageV00P520 # كالكلمة التي قالها في مرض رسول الله (صلى الله عليه وآله) (1) يعني بها ~~قوله: " إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليهجر " وكقوله: # " متعتان كانتا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حلال أنا ~~محرمهما ومعاقب عليهما متعة الحج ومتعة النساء " (2) وإنه لم يقصد بها ~~ظواهرها ولا يستطيع إلا إخراجها كما هي، فلم يكن قاصدا عيب علي بالدعابة ~~وغير ذلك من الأعذار الركيكة التي أطالها في مواضع من كتابه ليس بشئ وإن ~~أراد بالدعابة التي نسبها إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) المزاح الموجب ~~للخفة كما نسبه عمرو بن العاص ومعاوية إليه (3) فقد أبطل في دعواه بإجماع ~~مواليه ومعاديه، وإن عليا (عليه السلام): برئ من ذلك كبيرا وشابا وطفلا، ~~وما زال عليه بهاء الإيمان، وهيبة التقوى، ونضارة الورع، وخشونة الدين، ~~وذلة التواضع، وعزة الكمال، وخشوع الزهد، ورزانة العقل، ورصانة الحلم، ونور ~~العرفان، ورونق الحكمة، وضياء العلم، وجمال العفة، وقميص الأمانة، ودرع ~~الصيانة، وجلباب الديانة، وكمال البصيرة، وهيئة الزعامة، ودلائل الشهامة، ~~وأبهة الرئاسة، وجلالة السيادة، بعيد الهمة عن همز كل هامز، ورفيع القدر عن ~~لمز كل لامز، قال صعصعة بن صوحان (4) في وصفه: كان فينا كأحدنا لين جانب ~~وشدة # PageV00P521 # تواضع وكنا نهابه مهابة الأسير المربوط للسياف الواقف على رأسه ولما قال ~~معاوية ms398 لقيس بن سعد بن عبادة: رحم الله أبا الحسن فلقد كان هشا بشا ذا ~~فكاهة، قال قيس: نعم كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يمزح ويبسم إلى ~~أصحابه، وأراك تسر حسوا في ارتغاء وتعيبه بذلك، أما والله لقد كان مع تلك ~~الفكاهة والطلاقة أهيب من ذي لبدتين، قد مسه الطوى، وتلك هيبة التقوى، ليس ~~كما يهابك طغام أهل الشام، إلى غير ذلك مما وصف به من الهيبة والوقار، روى ~~ذلك ابن أبي الحديد وغيره من معتزلة وأشاعرة، فليس مما نسبه عمر إليه في ~~شئ، كما أن قول ابن العاص بهت منه وزور وافتراء، والله ولي الجزاء، ودع ذا ~~كله أليس في اعتذار عمر عن تقدمه وتقدم صاحبه على أمير المؤمنين في الخلافة ~~بما ذكره من الأعذار بعد شهادته بأنها حقه وأنه أولى الناس بها دليل ظاهر ~~على أنه كان رادا لنص الرسول (صلى الله عليه وآله) بالرأي؟ وذلك هو المقصد. ~~والمراد وهو المدعى الذي نحن بصدد إثباته والله الهادي إلى الصواب. # قال ابن أبي الحديد بعد روايته الأخبار التي ذكرناها وغيرها مما أورده ~~هناك في المعنى: سألت النقيب أبا جعفر يحيى بن محمد بن أبي زيد وقد قرأت ~~عليه هذه الأخبار، فقلت له: ما أراها إلا تكاد تكون دالة على النص، ولكني ~~استبعد أن تجتمع الصحابة على دفع نص رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~على شخص بعينه كما استبعد من الصحابة رد نصه على الكعبة وشهر رمضان وغيرهما ~~من معالم الدين، قال: فقال: أبيت إلا ميلا إلى PageV00P522 # المعتزلة، وذكر عن النقيب المذكور أجوبة طويلة في دفع استبعاده من ~~الصحابة مخالفة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وذكر أن ذلك خلاصة ما ~~حفظه من كلام النقيب، ونحن نستخلص من تلك الخلاصة زبدة فنوردها وحاصل ذلك: ~~أن القوم لم يذهبوا إلى أن الإمامة من معالم الدين كالصلاة والصيام والحج ~~وإنما كانوا يجرونها مجرى الأمور الدنيوية كتأمير الأمراء وسياسة الرعية، ~~وما كانوا يرون بأسا بمخالفة رسول الله (صلى الله عليه ms399 وآله وسلم) في أمثال ~~ذلك إذا رأوا مصلحة في المخالفة، كما أن رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) نص على إخراج أبي بكر وعمر في جيش أسامة فلم يخرجا لما رأياه من ~~المصلحة في التأخير، وأسقطوا سهم ذوي القربى من الخمس وسهم المؤلفة قلوبهم ~~بالرأي، وهما أدخل في باب الدين منهما في أبواب الدنيا، وأن القوم كانوا ~~يخالفون النبي (صلى الله عليه وآله) وهو حي في أمثال ذلك، ولقد أوصاهم في ~~مرضه (أن أخرجوا النصارى من جزيرة العرب) فلم يخرجوهم حتى مضى صدر من خلافة ~~عمر، وعملوا في زمن أبي بكر برأيهم، وهم الذين هدموا المسجد بالمدينة، ~~وحولوا المقام بمكة عما وضعه فيه إبراهيم الخليل ونبينا (صلى الله عليه ~~وآله) إلى ما وضعته الجاهلية. # قلت: وكان المحول له عمر. # قال: ولم يقفوا على موارد النصوص، واقتدى بهم الفقهاء فرجح الكثير منهم ~~القياس على النص فاستحالت الشريعة إلى شريعة جديدة على ما أدى إليه القياس، ~~وأكثر ما كانوا يعملون بآرائهم فيما يجري مجرى الولايات والتأمير وتقرير ~~قواعد الدولة ولا يقفون مع نصوص الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وتدبيراته إذا رأوا المصحلة في خلافة كأنهم يقيدون إطلاق نصوصه بقيد غير ~~مذكور لفظا، وليس ذلك يمكن بهم فيما هو جار مجرى PageV00P523 # محض الدين كالصلاة والوضوء، مثل أن يقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~الوضوء شرط في الصلاة فيجمعوا على خلافه، وكذا في الصوم والحج إذ لا غرض ~~لهم فيه ولا يقدرون على إظهار مصلحة كانت خفيت على النبي (صلى الله عليه ~~وآله) بزعمهم كما أمكنهم إظهار ذلك في إمامة علي (عليه السلام) من كراهية ~~العرب له إما للوتر والثأر، وإما لمحض الحسد والبغض، وإما لصغر السن وغير ~~ذلك مما زعموه، وأسكتوا به من يخاطبهم ويذاكرهم بنص الرسول (صلى الله عليه ~~وآله) عليه، وتعللوا مع إقرارهم بالنص في المبادرة إلى عقد الأمر لأبي بكر ~~بخوف الفتنة، ورجاء تداول الخلافة في بطون قريش فلا يختص بها قوم دون قوم ~~إلى غير ذلك ms400 من الزخارف التي ذكروها، وكان عمر جريا على مخالفة الرسول (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) في زمانه كما خالفه في وقت مرضه لما أمر بإحضار ~~الدواة وقال: (هلم اكتب لكم كتابا لا تضلون بعدي أبدا) فقال: إنه ليهجر ~~حسبنا كتاب الله، وإن الحاضرين افترقوا فصوب رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فريق، وصوب عمر فريق، وهذا من اغرب الأمور، فمن بلغت همته إلى مثل ~~هذا كيف يبعد عليه رد نص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد موته على علي ~~(عليه السلام) بالخلافة؟ ومن كان ينكر عليه ذلك؟ مع أن ذاك أشد من مخالفة ~~النص في الخلافة وأفضع، على أن الرجل ما أهمل نفسه، بل أعد لذلك أعذارا ~~وذلك أنه قال لقوم عرضوا له بحديث النص: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~رجع عن ذلك بأمره أبا بكر بالصلاة وأوهمهم أن ذلك يجري مجرى النص عليه ~~بالخلافة، وقال يوم السقيفة: رضيك رسول الله لديننا أفلا نرضاك لدنيانا؟ ~~وأعانه على مثل ذلك قوم افتعلوا كذبا كافتعاله وجعلوه كالناسخ لقول النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) (من كنت مولاه فهذا علي مولاه) فكان حال الصلاة ~~والكعبة والصوم والحج غير حال الخلافة. PageV00P524 # قال ابن أبي الحديد بعد سرد كلام النقيب جميعه: إن النقيب لم يكن إمامي ~~المذهب، ولا كان يبرء من السلف، ولا يرتضي قول المسرفين من الشيعة، ولكنه ~~كلام أجراه على لسانه البحث والجدل بيني وبينه انتهى (1). # قلت: وأكثره وإن كان على قواعد القوم منطبقا وإنه كلام من يحملهم على ~~الخير لكنه كاف في دفع الاستبعاد واف بالمراد، وإلا فالوجه في مثل هذا ما ~~قدمناه من أن القوم كانوا يخالفون النبي (صلى الله عليه وآله) فيما يحصل ~~لهم فيه غرض دنيوي، لأنهم طلبوا الدنيا دون محض الدين وإقامتهم على دعوة ~~الإسلام إنما هي لحصول الغرض الأعظم هي الرئاسة الكبرى فما كان يخرجهم في ~~ظاهر الحال عند عامة المسلمين من الإسلام كترك الصلاة، وتغيير القبلة، ~~وأشباه ذلك لا يردون نص الرسول ms401 (صلى الله عليه وآله وسلم) عليه حفظا ~~لأنفسهم من أن ينسبوا إلى الردة فترضخ رؤوسهم بالجندل، أو يرجعوا أذنابا ~~ويملكهم غيرهم، إن وافقهم الناس على تغيير الشريعة، وما لم يكن بهذه ~~المنزلة من الأمور الدينية والدنيوية فكثيرا ما غيروه وبدلوه وادخلوا فيه ~~ما ليس منه كالوضوء وما ادخلوا فيه من غسل الرجلين والمسح على الخفين وغير ~~ذلك، وكما أسقطوا من الأذان ما أسقطوا وزادوا فيه ما زادوا أو كتحريم ~~المتعتين وتجويز صوم شهر رمضان للمسافر وغير ذلك من الأحكام التي غيروها في ~~أبواب العبادات والمعاملات والمواريث والسياسات مما يطول بذكره الكلام، ومن ~~نظر كتب الفقه والحديث اطلع على ذلك، ثم إن الأولين كانا بمكان مكين من ~~البصيرة في الأمور الدنيوية فلازما مع ذلك كله ما يصلحهما عند العامة، ~~وواظبا على ما يوجب لهما صرف قلوب الخاصة، فظلفا أنفسهما عن الملاذ ~~الظاهرية، وعن الرغبة في المال وسلكا مسلك الزهد # PageV00P525 # والقناعة، وأظهرا الخشوع والورع، وعمدا إلى من تقبل قوله العامة ومن ~~ينتصرون به إن خاصمهم مخاصم في أمر الخلافة فحملوهم على الرقاب، وولوهم ~~الولايات والأعمال، ووفروهم في العطاء، وحثوا لهم الأموال حثوا، وأغمضوا ~~عنهم في الحدود، وأسقطوا عنهم عقوبات الجنايات بالمدافعة والرأي، فلذا ~~أطيعا وبجلا في الحياة والممات، ولم يكن الثالث كذلك، بل أراد أن يسلك مسلك ~~الملوك مع ادعائه أنه في مقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فجرى عليه ~~ما جرى ولو أنهما فعلا مثل فعله لأصابهما مثل ما أصابه، فليسا بأعز ناصرا ~~منه، ولا أكثر نفرا، ولو فعل مثلما فعلا لنال من طاعة العامة ما نالا، ~~ولماذا لم يفرق ابن أبي الحديد بين أمر الخلافة وما يتعلق بها من الأغراض ~~الدنيوية، والشهوات النفسية، ولم يستلزم مخالفة النص فيها الخروج عن الملة ~~سند جمهور الصحابة، بل تزيد تقوية في الدين عندهم وبين تغيير الكعبة وشهر ~~رمضان الذي يوجب عند كافة المسلمين الارتداد والخروج من دين الإسلام مع أنه ~~لا يتعلق لهم به غرض، ولا يوجب لهم صلاح أمر لو سلموا ms402 من الضرر إذا فعلوه، ~~ألا تراهم إذا أمنوا في تحويل المقام عن موضعه حولوه فاستبعد منهم تغيير ~~النص في الخلافة كما استبعد منهم تغيير الكعبة التي كان أهل الجاهلية ~~يعظمونها ويهدون الهدي إليها فضلا عن المسلمين، وشهر رمضان الذي هو عند أهل ~~الإسلام بمنزلة الصلاة تارك صومه كافر وأين هذا من ذاك؟ وهل يرتاب لبيب في ~~الفرق بين الأمرين أو يشك فطن في أن ما يتعلق بالخلافة من الأغراض غير ما ~~يتعلق بالكعبة وشهر رمضان؟ ثم اترك ذا جانبا واقض عجبا من ابن أبي الحديد ~~فإنه يسمع من يقول إنا ظلمنا عليا وغصبنا حقه لأنه صغير السن أو كذا مما ~~ذكر فيجيبه بنفي هذا الاعتراف ويقول: أنا استبعد منك ذلك كما استبعد منك أن ~~تترك الصلاة والصوم، أو تصلي لغير الكعبة، وهذه الشبهة الضئيلة المتهافتة ~~هي أيضا معتمد الأشاعرة في إنكار النص كما هي معتمد المعتزلة، وفي بعض ~~PageV00P526 # كلام القوشجي الذي نقلناه عنه سابقا إليها إشارة بينة، وهذا معتمد ضعيف ~~ومستند واه، لأن الاستبعاد ليس دليلا في نفسه فكيف يعارض به الدليل القاطع ~~بل يرجح عليه ولو عارضنا بالاستبعاد والاستغراب الأدلة الشرعية لارتفع أكثر ~~الشريعة لغرابته مثل الطواف والاحرام والسعي والهرولة، ورمي الجمار، ولذا ~~أنكره الزنادقة بأن الحكيم لا يأمر بمثل هذه الأفعال، والسجود في الصلاة ~~والوضوء لها ولذا أنكرها المشركون لاشتمالها على السجود وفيه اعتلاء الأست ~~على الرأس، وهو مستغرب وغير ذلك مما يعرفه المتتبع مما لا يسع المقام ذكره، ~~فبطل ما اعتمدوا عليه في إنكار النص من الاستبعاد وثبت وجود النص من النبي ~~(صلى الله عليه وآله) على علي (عليه السلام) بالإمامة صريحا، وإنهم قد ~~خالفوه وهو المراد وهذا آخر الطريق الثاني. # وأما الطريق الثالث: وهو ظهور المعجز على يد علي (عليه السلام) فمعروف ~~مشهور ومعاجزة كثيرة. # فمنها: قلع باب خيبر وعجز عن حمله سبعون رجلا من الأقوياء. (1). # ومنها مخاطبة الثعبان على منبر الكوفة فسأل عنه فقال: إنه من حكام الجن ~~أشكل عليه مسألة فأجبته عنها (2). # PageV00P527 # ومنها رفع ms403 الصخرة العظيمة عن القليب وذلك أنه لما توجه إلى صفين مع ~~أصحابه أصابهم عطش عظيم، فأمرهم أن يحفروا بقرب دير فوجدوا صخرة عظيمة ~~عجزوا عن نقلها فنزل علي (عليه السلام) فاقتلعها ورمى بها مسافة بعيدة فظهر ~~قليب فيه ماء فشربوا، ثم أعادها ولما رأى ذلك صاحب الدير أسلم (1). # ومنها محاربة الجن فقد روي أن جماعة من الجن أرادوا وقوع الضرر بالنبي ~~(صلى الله عليه وآله) حين مسيره إلى بني المصطلق فرد علي (عليه السلام) ~~كيدهم بما آتاه الله سبحانه (2). # ومنها رد الشمس له لما كان رأس النبي (صلى الله عليه وآله) في حجره ~~والوحي ينزل عليه وعلي لم يصل العصر، فما سرى عن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) إلا وقد غربت الشمس فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (اللهم إنه كان ~~في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس) فطلعت الشمس بعد ما غربت فصلى ~~العصر، قال في إسعاف الراغبين: # وحديث ردها صححه الطحاوي والقاضي في الشفاء، وحسنه شيخ الإسلام أبو زرعة ~~وتبعه غيره، وردوا على جمع قالوا إنه موضوع، وزعم فوات الوقت بغروبها فلا ~~فائدة لردها في محل المنع لعود الوقت بعودها كما ذكره ابن العماد واعتمده ~~غيره إلى أن قال: وعلى تسليم عدم عود الوقت نقول: كما أن # PageV00P528 # ردها خصوصية كذلك إدراك العصر أداء له خصوصية (1) انتهى. # أقول واعترف بحديث رد الشمس ابن أبي الحديد حتى نظمه في أشعاره في مدح ~~أمير المؤمنين (2) واعترف به القوشجي وبجميع ما ذكرناه وما نذكره من ~~المعاجز، وقول بعض العامة: لو كانت الشمس طلعت بعد ما غابت لكان ذلك معلوما ~~لكل الناس يشبه قول منكري انشقاق القمر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~بأنه لو وقع لعلمه كل الناس، وما يجيبون به عن هذا هو جوابنا عن ذاك. # ومنها اقتلاعه هبل من أعلا الكعبة ورميه به إلى الأرض قال ابن أبي ~~الحديد: وكان عظيما جدا (3). # ومنها إخباره بالمغيبات وذلك كثير حصره مفصلا يحتاج إلى كتاب مفرد ~~كإخباره عن قاتله ووقت قتله، وإخباره ms404 عن قتل الحسين (عليه السلام) في ~~كربلاء (4) وقوله في الخوارج: (إن مناياهم دون النهر والله لا يفلت منهم ~~عشرة ولا يقتل منا عشرة) وكإخباره عن ملك بني أمية، وإن له مدة يسيرة (5) ~~وعن ملك بني العباس (6) وإخباره جماعة من أصحابه بما يصيب كل واحد منهم، ~~وبأي قتلة يقتل كعمرو بن الحمق الخزاعي (7) وحجر بن عدي # PageV00P529 # الكندي (1) ورشيد الهجري (2) وجورية بن مسهر العبدي (3) وميثم التمار (4) ~~ومزرع (5) وقنبر (6) وغيرهم، وكإخباره عن الحجاج وما يعمل في الكوفة (7) ~~وإخباره أنه يضرب عنق أعشى باهلة (8) وإخباره عن خراب البصرة على يد الزنج ~~(9). وعن غرقها إلا الجامع، وعن واقعة الترك (10) وسلامة أهل العراق منهم، ~~وعن القرامطة، وأخذهم الحجر الأسود من الكعبة (11) وعن ملك بني بويه وأنه ~~مائة سنة (12) وغير ذلك من الملاحم والوقائع والحوادث المتفرقة مما يطول ~~تعداده وقد اشتملت كتب المناقب والسير والتواريخ عليه واشتمل كلامه المجموع ~~في نهج البلاغة على كثير منه، ولنذكر طرفا من الأخبار الواردة في هذا الباب ~~لنزيد بها شرف هذا الكتاب المحتوي على إثبات إمامة أهل بيت النبي الأنجاب، ~~فنقول: # PageV00P530 # قال ابن أبي الحديد: ذكر المدائني في كتاب الخوارج قال: لما خرج علي ~~(عليه السلام) إلى أهل النهر أقبل رجل من أصحابه ممن كان على مقدمته يركض ~~حتى انتهى إلى علي (عليه السلام)، فقال: البشرى يا أمير المؤمنين، قال: ما ~~بشراك؟ قال: إن القوم عبروا النهر لما بلغهم وصولك فأبشر فقد منحك الله ~~أكتافهم، فقال له: الله أنت رأيتهم قد عبروا؟ # قال: نعم، فأحلفه ثلاث مرات في كلها يقول: نعم، فقال علي (عليه السلام): ~~(والله ما عبروه ولن يعبروه وإن مصارعهم لدون النطفة، والذي فلق الحبة وبرأ ~~النسمة لن يبلغوا إلا ثلاث ولا قصر بوران حتى يقتلهم الله، وقد خاب من ~~افترى) قال: ثم أقبل فارس آخر يركض فقال كقول الأول، فلم يكترث علي (عليه ~~السلام) بقوله، وجاءت الفرسان تركض كلها تقول مثل ذلك، فقام علي فجال في ~~متن فرسه قال: فيقول شاب من الناس والله لأكونن قريبا منه فإن ms405 كانوا عبروا ~~النهر لأجعلن سنان هذا الرمح في عينيه، أيدعي علم الغيب؟ فلما انتهى (عليه ~~السلام) إلى النهر وجد القوم قد كسروا جفون سيوفهم، وعرقبوا خيلهم، وجثوا ~~على ركبهم، وحكموا تحكيمة واحدة بصوت عظيم له زجل، فنزل ذلك الشاب فقال: يا ~~أمير المؤمنين إني كنت شككت فيك آنفا، وإني تائب إلى الله وإليك فاغفر لي، ~~فقال علي (عليه السلام): (إن الله هو الذي يغفر الذنوب فاستغفره) (1) وقال ~~المعتزلي: وروى جميع أهل السيرة أن عليا (عليه السلام) لما طحن القوم طلب ~~ذا الثدية طلبا شديدا وقلب القتلى ظهرا لبطن فلم يقدر عليه، فساءه ذلك، ~~وجعل يقول: (والله ما كذبت ولا كذبت اطلبوا الرجل وإنه لفي القوم) فلم يزل ~~يتطلبه حتى وجده. # قال: وروى إبراهيم بن ديزيل في كتاب صفين عن الأعمش عن # PageV00P531 # زيد بن وهب قال لما شجرهم علي (عليه السلام) بالرماح قال: (اطلبوا ذا ~~الثدية) فطلبوه طلبا شديدا حتى وجده في وهدة من الأرض تحت ناس من القتلى ~~فأتى به، فإذا رجل على ثدية مثل سبلات السنور، فكبر علي (عليه السلام) وكبر ~~الناس معه سرورا بذلك. # وروي في صفة استخراجه غير ذلك روى العوام بن حوشب عن أبيه عن جده يزيد بن ~~رويم قال: قال علي (عليه السلام): (يقتل اليوم أربعة آلاف من الخوارج أحدهم ~~ذو الثدية فاتبعه) فلما طحن القوم ورام استخراج ذي الثدية فاتبعه أمرني أن ~~اقطع له أربعة آلاف قصبة، وركب بغلة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: ~~(اطرح على كل قتيل منهم قصبة) فلم أزل كذلك وأنا بين يديه وهو راكب خلفي ~~والناس يتبعونه حتى بقيت في يدي واحدة فنظرت إليه فإذا وجهه أربد وإذا هو ~~يقول: (والله ما كذبت ولا كذبت) فإذا خرير ماء عند موضع دالية (1) فقال: ~~فتش هذا ففتشته، فإذا قتيل قد صار في الماء وإذا رجله في يدي فجذبتها وقلت: ~~هذه رجل إنسان فنزل عن البغلة مسرعا فجذب الرجل الأخرى وجررناه حتى صار على ~~التراب فإذا هو المخدج فكبر علي (عليه ms406 السلام) بأعلا صوته ثم سجد، فكبر ~~الناس كلهم (2). # وروي أيضا في استخراجه غير ذلك. # قال وروى ابن هلال الثقفي في كتاب الغارات عن زكريا بن يحيى العطار عن ~~فضيل عن محمد بن علي قال قال لما قال: علي (عليه السلام): # (سلوني قبل أن تفقدوني فوالله لا تسئلوني عن فئة تضل مائة وتهدي مائة ما # PageV00P532 # إلا أنبأتكم بناعقها وسائقها) فقام إليه رجل فقال: أخبرني كم في رأسي ~~ولحيتي من طاقة شعر فقال له علي (عليه السلام). لقد حدثني خليلي إن على كل ~~طاقة شعر من رأسك ملكا يلعنك وإن على كل طاقة من شعر من لحيتك شيطانا ~~يغويك، وإن في بيتك سخلا يقتل ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وكان ابنه قاتل الحسين يومئذ طفلا يحبو وهو سنان بن أنس النخعي (1). # وروى الحسن بن محبوب عن ثابت الثمالي عن سويد بن غفلة أن عليا (عليه ~~السلام) خطب ذات يوم فقام رجل من تحت منبره فقال يا أمير المؤمنين إني مررت ~~بوادي القرى فوجدت خالد بن عرفطة قد مات فاستغفر له فقال (عليه السلام) ~~والله ما مات ولا يموت حتى يقود جيش ضلالة صاحب لوائه حبيب بن حمار فقام ~~رجل آخر من تحت المنبر فقال يا أمير المؤمنين أنا حبيب بن حمار وإني لك ~~شيعة ومحب فقال أنت حبيب بن حمار قال نعم فقال له ثانية والله إنك لحبيب بن ~~حمار فقال إي والله قال أما والله إنك لحاملها ولتحملنها ولتدخلن بها من ~~هذا الباب وأشار إلى باب الفيل بمسجد الكوفة قال ثابت فوالله ما مت حتى ~~رأيت ابن زياد وقد بعث عمر بن سعد إلى الحسين بن علي (عليه السلام) وجعل ~~خالد بن عرفطة على مقدمته وحبيب بن حمار صاحب رايته فدخل بها من باب الفيل ~~(2). # وروى محمد بن جبلة الخياط عن عكرمة عن زيد الأحمسي أن عليا (عليه السلام) ~~كان جالسا في مسجد الكوفة بين يديه قوم منهم عمرو بن حريث إذ أقبلت امرأة ~~مختمرة لا تعرف فوقفت ms407 فقالت لعلي (عليه السلام) يا من قتل الرجال وسفك ~~الدماء وأيتم الصبيان وأرمل النساء فقال (عليه السلام) وإنها # PageV00P533 # لهي هذه السلقلق الجلعة المجعة (1). وإنها لهي هذه شبيهة الرجال والنساء ~~التي ما رأت دما قط قال فولت هاربة منكسة رأسها فتبعها عمرو بن حريث. # فلما صارت بالرحبة قال لها والله لقد سررت بما كان منك اليوم إلى هذا ~~الرجل فادخلي منزلي حتى أهب لك وأكسوك فلما دخلت منزلة أمر جواريه بتفتيشها ~~وكشفها ونزع ثيابها لينظر صدقه فيما قاله عنها فبكت وسألته أن لا يكشفها ~~وقالت أنا والله كما قال لي ركب النساء وأنثيان كأنثي الرجال وما رأيت دما ~~قط فتركها وأخرجها ثم جاء إلى علي (عليه السلام) فأخبره فقال إن خليلي رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) أخبرني بالمتمردين علي من الرجال والمتمردات من ~~النساء إلى أن تقوم الساعة. # وروى عثمان بن سعيد عن يحيى التيمي عن الأعمش عن إسماعيل بن رجا قال قام ~~أعشى باهلة وهو غلام يومئذ حدث إلى علي (عليه السلام) وهو يخطب ويذكر ~~الملاحم، فقال: يا أمير المؤمنين ما أشبه هذا الحديث بحديث خرافة فقال ~~(عليه السلام) إن كنت آثما فيما قلت يا غلام فرماك الله بغلام ثقيف، ثم ~~سكت، فقام رجال وقالوا: ومن غلام ثقيف يا أمير المؤمنين؟ قال: # غلام يملك بلدتكم هذه لا يترك لله حرمة إلا انتهكها، يضرب عنق هذا الغلام ~~بسيفه، فقالوا: كم يملك يا أمير المؤمنين؟ قال: عشرين إن بلغها، قالوا: ~~فيقتل قتلا أم يموت موتا؟ قال: بل يموت حتف أنفه بداء البطن يثقب سريره ~~لكثرة ما يخرج من جوفه، قال إسماعيل بن رجا: فوالله لقد رأيت بعيني أعشى ~~باهلة وقد أحضر في جملة الأسرى الذين أسروا من جيش عبد الرحمن بن محمد بن ~~الأشعث بين يدي الحجاج، فقرعه ووبخه، واستنشده شعره الذي يحرض فيه عبد ~~الرحمن على الحرب، ثم ضرب عنقه # PageV00P534 # في ذلك المجلس (1). # روى محمد بن علي الصواف عن الحسين بن سفيان عن أبيه عن شهر بن سدير ~~الأزدي قال: ms408 قال علي لعمرو بن الحمق الخزاعي: أين نزلت يا عمرو؟ قال: في ~~قومي قال: لا تنزلن فيهم، قال: فأنزل في بني كنانة جيراننا، قال: لا قال: ~~فأنزل في ثقيف، قال: فما تصنع بالمعرة والمجرة قال: وما هما؟ قال: عنقان من ~~نار يخرجان من ظهر الكوفة يأتي أحدهما على تميم وبكر بن وائل، فقل ما يفلت ~~منه أحد، ويأتي العنق الآخر فيأخذ على الجانب الآخر من الكوفة فقل من يصيب ~~منهم، إنما تدخل النار فتحرق البيت والبيتين قال: فأين أنزل؟ قال: انزل في ~~بني عمرو بن عامر من الأزد، قال: فقال قوم حضروا هذا الكلام: ما نراه إلا ~~كاهنا يتحدث بحديث الكهنة، فقال: يا عمرو إنك لمقتول بعدي وإن رأسك لمنقول ~~وهو أول رأس نقل في الإسلام، والويل لقاتلك، أما إنك لا تنزل بقوم إلا ~~أسلموك برمتك إلا هذا الحي من بني عمر بن عامر من الأزد فإنهم لن يسلموك ~~ولن يخذلوك، قال: فوالله ما مضت الأيام حتى تنقل عمرو بن الحمق في خلافة ~~معاوية في بعض أحياء العرب خائفا مذعورا حتى نزل في قومه من بني خزاعة ~~فأسلموه فقتل، وحمل رأسه من العراق إلى معاوية بالشام وهو أول رأس حمل في ~~الإسلام من بلد إلى بلد (2). # وروى إبراهيم بن ميمون الأزدي عن حبة العرني قال: كان جويرية بن مصهر ~~العبدي صالحا، وكان لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) صديقا، وكان علي يحبه، ~~ونظر يوما إليه وهو يسير فناداه: يا جويرية الحق بي فإني إذا رأيتك هويتك، ~~قال إسماعيل بن أبان فحدثني الصباح عن مسلم العرني قال: # PageV00P535 # سرنا مع علي (عليه السلام) يوما فالتفت فإذا جويرية خلفه فناداه: يا ~~جويرية الحق بي لا أبا لك ألا تعلم أني أهواك وأحبك؟ قال: فركض نحوه فقال ~~له: إني محدثك بأمور فاحفظها، ثم اشتركا في الحديث سرا فقال له جويرية: يا ~~أمير المؤمنين إني رجل نسي فقال: أنا أعيد عليك الحديث لتحفظه، ثم قال له ~~في آخر ما حدثه إيه: يا جويرية أحب حبيبنا ms409 ما أحبنا فإذا أبغضنا فأبغضه، ~~وأبغض بغيضنا ما أبغضنا فإذا أحبنا فأحبه، قال: # فكان ناس ممن يشك في أمر علي (عليه السلام) يقولون: أتراه جعل جويرية ~~وصيه كما يدعي هو من وصية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: يقولون ~~ذلك لشدة اختصاصه به حتى دخل على علي (عليه السلام) يوما وهو مضطجع وعنده ~~قوم من أصحابه فناداه جويرية: أيها النائم استيقظ فلتضربن على رأسك ضربة ~~تخضب منها لحيتك، قال: فتبسم أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: وأحدثك يا ~~جويرية بأمرك، أما والذي نفسي بيده لتقبلن إلى العتل الزنيم فليقطعن يدك ~~ورجلك وليصلبنك تحت جذع كافر قال: فوالله ما مضت الأيام على ذلك حتى أخذ ~~زياد جويرية فقطع يده ورجله وصلبه إلى جانب جذع بن مكعبر، وكان جذعا طويلا ~~فصلبه على جذع قصير إلى جانبه (1). # وروى إبراهيم في كتاب الغارات عن أحمد بن الحسن الميثمي قال: كان ميثم ~~التمار مولى علي بن أبي طالب عبدا لامرأة من بني أسد فاشتراه علي (عليه ~~السلام) منها وأعتقه، وقال له: ما اسمك؟ فقال: سالم، فقال: # إن رسول الله أخبرني أن اسمك الذي سماك به أبوك في العجم ميثم، فقال: صدق ~~الله ورسوله وصدقت يا أمير المؤمنين فهو والله اسمي، قال: # فارجع إلى اسمك ودع سالما فنحن نكنيك به، فكناه أبا سالم قال: وقد كان # PageV00P536 # قد اطلعه علي (عليه السلام) على علم كثير وأسرار خفية من أسرار الوصية، ~~فكان ميثم يحدث ببعض ذلك فيشك فيه قوم من أهل الكوفة وينسبون عليا (عليه ~~السلام) في ذلك إلى المخرفة والايهام والتدليس، حتى قال له يوما بمحضر من ~~خلق كثير من أصحابه وفيهم الشاك والمخلص: يا ميثم إنك تؤخذ بعدي وتصلب فإذا ~~كان اليوم الثاني ابتدر منخراك وفمك دما حتى يخضب لحيتك فإذا كان اليوم ~~الثالث طعنت بحربة يقضي عليك فانتظر ذلك والموضع الذي تصلب على باب دار ~~عمرو بن حريث إنك لعاشر عشرة أنت أقصرهم خشبة وأقربهم من المطهرة يعني ~~الأرض ولأرينك النخلة التي تصلب على ms410 جذعها ثم أراه إياها بعد ذلك بيومين، ~~وكان ميثم يأتيها فيصلي عندها ويقول: بوركت من نخلة لك خلقت ولي نبت، فلم ~~يزل يتعاهدها بعد قتل علي (عليه السلام) حتى قطعت فكان يرصد جذعها ويتعاهده ~~ويتردد إليه ويبصره، وكان يلقي عمرو بن حريث فيقول له: إني مجاورك فأحسن ~~جواري، فلم يعلم عمرو ما يريد فيقول له: أتريد أن تشتري دار ابن مسعود أم ~~دار ابن حكيم؟ قال: وحج في السنة التي قتل فيها فدخل على أم سلمة (رضي الله ~~عنها) فقالت له: من أنت قال: عراقي، فاستنسبته فذكر لها أنه مولى علي بن ~~أبي طالب (عليه السلام) فقالت: أنت هيثم قال: بل أنا ميثم، فقالت: سبحان ~~الله، والله لربما سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوصي بك عليا (عليه ~~السلام)، في جوف الليل فسألها عن الحسين بن علي (عليه السلام)، فقالت: هو ~~في حائط له، قال: أخبريه أني قد أحببت السلام عليه ونحن ملتقون عند رب ~~العالمين إن شاء الله ولا أقدر اليوم على لقائه وأريد الرجوع، فدعت بطيب ~~فطيبت لحيته، فقال لها: أما إنها ستخضب بدم، فقالت: من أنبأك هذا؟ قال: # أنبأني سيدي، فبكت أم سلمة وقالت له: إنه ليس بسيدك وحدك وهو سيدي وسيد ~~المسلمين، ثم ودعته، فقدم الكوفة فأخذ وأدخل على PageV00P537 # عبيد الله بن زياد، وقيل له: هذا كان من آثر الناس عند أبي تراب، قال: ~~ويحكم هذا الأعجمي، قالوا: نعم، قال له عبيد الله: أين ربك، قال: بالمرصاد، ~~قال: قد بلغني اختصاص أبي تراب بك، قال: قد كان بعض ذلك فما تريد؟ قال: ~~وإنه ليقال إنه قد أخبرك بما سيلقاك، قال: # نعم إنه أخبرني، قال: ما الذي أخبرك إني صانع بك؟ قال: أخبرني إنك تصلبني ~~عاشر عشرة وأنا أقصرهم خشبة وأقربهم من المطهرة، قال: # لأخالفنه، قال: ويحك كيف تخالفه إنما أخبر عن رسول الله، وأخبر رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) عن جبرئيل، وأخبر جبرئيل عن الله، فكيف تخالف هؤلاء؟ ~~أما والله لقد عرفت الموضع الذي ms411 أصلب فيه أين هو من الكوفة، وإني لأول خلق ~~الله ألجم في الإسلام بلجام كما تلجم الخيل، فحبسه وحبس معه المختار بن أبي ~~عبيدة الثقفي، فقال ميثم للمختار وهما في حبس ابن زياد: إنك تفلت وتخرج ~~ثائرا بدم الحسين (عليه السلام) فتقتل هذا الجبار الذي نحن في حبسه، وتطأ ~~بقدمك هذا على جبهته وخديه، فلما أمر عبيد الله بن زياد بالمختار ليقتله ~~طلع البريد بكتاب يزيد بن معاوية إلى عبيد الله بن زياد يأمره بتخلية ~~سبيله، وذاك أن أخته كانت تحت عبد الله بن عمر بن الخطاب فسألت بعلها أن ~~يشفع فيه إلى يزيد فشفع، فأمضى شفاعته وكتب بتخلية سبيل المختار على البريد ~~وقد أخرج لتضرب عنقه فأطلق، وأما ميثم فأخرج بعده ليصلب، وقال عبيد الله: # لأمضين حكم أبي تراب فيه، فلقيه رجل فقال له ما كان أغناك عن هذا يا ميثم ~~فتبسم، وقال لها خلقت ولي غذيت فلما رفع على الخشبة اجتمع الناس حوله على ~~باب عمرو بن حريث، فقال عمر: ولقد كان يقول لي إني مجاورك فكان يأمر جاريته ~~كل عشية أن تكنس تحت خشبة وترشه وتجمر بالمجمر تحته، فجعل ميثم يحدث بفضائل ~~بني هاشم ومخازي بني أمية وهو مصلوب على الخشبة، فقيل لابن زياد: قد فضحكم ~~هذا العبد، فقال: الجموه، PageV00P538 # فكان أول خلق الله الجم في الإسلام، فلما كان في اليوم الثاني فاضت ~~منخراه وفمه دما، فلما كان في اليوم الثالث طعن بحربة فمات، وكان قتل ميثم ~~قبل قدوم الحسين (عليه السلام) العراق بعشرة أيام (1). # قال إبراهيم: # وحدثني إبراهيم بن العباس النهدي قال حدثني مبارك البجلي عن أبي بكر بن ~~عياش قال: حدثني مجالد عن الشعبي عن زياد بن النضر الحارثي قال: كنت عند ~~زياد وقد أتي برشيد الهجري وكان من خواص أصحاب علي (عليه السلام) فقال له ~~زياد: ما قال خليلك لك إنا فاعلون بك؟ قال: # تقطعون يدي ورجلي وتصلبونني، فقال زياد: أما والله لأكذبن حديثه، خلوا ~~سبيله، فلما أراد أن يخرج قال ردوه لا نجد ms412 شيئا أصلح مما قال لك صاحبك إنك ~~لا تزال تبغي لنا سوءا إن بقيت اقطعوا يديه ورجليه، فقطعوا يديه ورجليه وهو ~~يتكلم فقال: اصلبوه خنقا في عنقه، فقال رشيد: قد بقي لي عندكم شئ ما أراكم ~~فعلتموه، فقال زياد: اقطعوا لسانه فلما أخرجوا لسانه ليقطع قال: نفسوا عني ~~أتكلم كلمة واحدة فنفسوا عنه، فقال هذا والله تصديق خبر أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) أخبرني بقطع لساني فقطعوا لسانه وصلبوه (2). # وروى أبو داود الطيالسي عن سليمان بن زريق عن عبد العزيز بن صهيب قال ~~حدثني أبو العالية قال: حدثني مزرع صاحب علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنه ~~قال: ليقبلن جيش حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم، قال أبو العالية: فقلت له ~~إنك لتحدثني بالغيب! فقال: احفظ ما أقوله لك فإنما حدثني به الثقة علي بن ~~أبي طالب (عليه السلام) وحدثني أيضا شيئا # PageV00P539 # آخر: (ليؤخذن رجل فليقتلن وليصلبن بين شرفتين من شرف المسجد) فقلت: إنك ~~لتحدثني بالغيب! فقال: احفظ ما أقول لك، قال أبو العالية: فوالله ما أتت ~~علينا جمعة حتى أخذ مزرع فقتل وصلب بين شرفتين من شرف المسجد (1). # وروى محمد بن موسى العنزي قال: كان مالك بن ضمرة الرواسي من أصحاب علي ~~(عليه السلام) وممن استبطن من جهته علما كثيرا وكان أيضا قد صحب أبا ذر ~~فأخذ من علمه وكان يقول في أيام بني أمية: اللهم لا تجعلني أشقى الثلاثة، ~~فيقال له: وما الثلاثة فيقول رجل يرمي من فوق طمار، ورجل تقطع يداه ورجلاه ~~ولسانه ويصلب، ورجل يموت على فراشه، فكان من الناس من يهزأ به ويقول: هذا ~~من أكاذيب أبي تراب قال: وكان الذي رمى به من طمار هاني بن عروة، والذي قطع ~~وصلب رشيد الهجري، ومات مالك على فراشه (2). # وقال نصر بن مزاحم: وحدثنا منصور بن سلام التميمي عن أبي عبيدة عن هرثمة ~~بن سليم، قال: غزونا مع علي (عليه السلام) صفين فلما نزل بكربلاء صلى بنا ~~فلما سلم رفع إليه من تربتها فشمها ثم قال: واها لك ms413 يا تربة ليحشرن منك قوم ~~يدخلون الجنة بغير حساب، قال: فلما رجع هرثمة من غزاته إلى امرأته جرداء ~~بنت شمير وكانت من شيعة علي (عليه السلام) حدثها هرثمة فيما حدث فقال لها: ~~ألا أعجبك من صديقك أبي حسن لما نزلنا كربلاء وقد أخذ حفنة من ترابها فشمها ~~وقال: واها لك أيتها التربة ليحشرن منك قوم يدخلون الجنة بغير حساب وما ~~علمه بالغيب فقالت المرأة له: دعنا منك أيها الرجل إن أمير المؤمنين لم يقل ~~إلا حقا، قال: فلما بعث # PageV00P540 # عبيد الله بن زياد البعث الذي بعثه إلى الحسين (عليه السلام) كنت في ~~الخيل الذي بعث إليهم، فلما انتهيت إلى الحسين وأصحابه عرفت المنزل الذي ~~نزلنا فيه مع علي (عليه السلام) والبقعة التي رفع إليه من تربتها والقول ~~الذي قاله فكرهت مسيري، فأقبلت على فرسي حتى وقفت على الحسين (عليه السلام) ~~فسلمت عليه وحدثته بالذي سمعت من أبيه في هذا المنزل، فقال الحسين (عليه ~~السلام) أمعنا أم علينا؟ فقلت: يا بن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~لا معك ولا عليك تركت ولدي وعيالي أخاف عليهم من ابن زياد؟ فقال الحسين: ~~فول هربا حتى لا ترى مقتلنا فوالذي نفس حسين بيده لا يرى اليوم مقتلنا أحد ~~ثم لا يعيننا إلا دخل النار، قال: فأقبلت في الأرض اشتد هربا حتى خفي على ~~مقتلهم (1). # قال نصر: وحدثنا سعيد بن حكيم العبسي عن الحسن بن بكير عن أبيه: إن عليا ~~(عليه السلام) أتى كربلاء فوقف بها فقيل له: يا أمير المؤمنين هذه كربلاء، ~~فقال: ذات كرب وبلاء، ثم أومى بيده إلى مكان فقال: ها هنا موضع رحالهم، ~~ومناخ ركابهم، ثم أومى بيده إلى مكان آخر فقال ها هنا مراق دمائهم ثم مضى ~~إلى ساباط (2). # وروى قيس بن الربيع عن يحيى بن هاني المرادي عن رجل من قومه يقال له: ~~زياد بن فلان، قال: كنا في بيت مع علي نحن وشيعته وخواصه فالتفت فلم ينكر ~~منا أحدا، فقال: إن هؤلاء القوم سيظهرون عليكم فيقطعون ms414 أيديكم، ويسملون ~~أعينكم، فقال له رجل منا: وأنت حي يا أمير المؤمنين، قال: أعاذني الله من ~~ذلك، فالتفت فإذا واحد يبكي فقال له: يا بن الحمقاء أتريد اللذات في الدنيا ~~والدرجات في الآخرة إنما وعد الله # PageV00P541 # الصابرين جميع ذلك ذكره ابن أبي الحديد في كتابه (1) وذكر غيره من هذا ~~الباب أضعافه فلنقتصر على ما ذكرناه لحصول الغرض به إذ لا منكر لهذا الأمر ~~من مطلعي الخصوم، وإذا كان علي (عليه السلام) ادعى الإمامة وظهر المعجز على ~~يديه وجب أن يكون إماما، لأنا قدمنا أن الإمامة تثبت بالمعجز كما تثبت به ~~النبوة. # وأجاب القوشجي عن هذا بعد اعترافه بصحته: بأنا لا نسلم أنه ادعى الإمامة ~~قبل أبي بكر ولو سلم فلا نسلم ظهور تلك الأمور في مقام التحدي. # أقول هذا الجواب تشبيه على الواضحات وتغطية للظاهرات فإن ادعاء علي (عليه ~~السلام) الإمامة بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واحتجاجه على الصحابة ~~وتظلمه منهم إذ منعوه عن الخلافة بين مشهور، وظاهر غير مستور، بل من ~~متواترات الأمور، وقد سبق بيانه وسطع في كلامنا المتقدم برهانه، وأشرقت ~~شموسه وزهر تبيانه بحيث لا ينكره إلا جاهل جاحد أو متعصب معاند. # وأما معجزاته، فمنها ما هو جار على سبيل الارهاص وهي التي في زمان النبي ~~(صلى الله عليه وآله) وأكثرها واقع بعد دعواه الإمامة فيكون مقرونا ~~بالتحدي، وكم كان يستدل على إمامته بذلك مثل قوله: (سلوني قبل أن تفقدوني) ~~(2) وقوله وهو شابك يديه على بطنه: (هذا سفط العلم # PageV00P542 # هذا لعاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقوله (عليه السلام) أحق الناس ~~بهذا الأمر أقواهم عليه وأعلمهم بأمر الله فيه) وقوله ما مضمونه إن الله ~~تعالى قال في طالوت: [إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم] ~~(1) فأوجب له التقدم عليهم بذلك، فهل ترون لمعاوية زيادة على علي في العلم ~~والجسم، ويكفي في ذلك قوله لأبي بكر وأصحابه: (فوالله يا معشر المهاجرين ~~لنحن أهل البيت أحق بهذا الأمر منكم أما كان منا القارئ لكتاب ms415 الله، الفقيه ~~في دين الله، العالم بالسنة، المطلع بأمر الرعية، والله إنه لفينا) أفليس ~~هذا القول منه صريحا في دعواه الإمامة دون كل الناس وتحديهم بالعلم وغيره، ~~لكن الإعراض عن الحق والانصراف عن الحجة داء لا دواء له، والله المستعان ~~على ما يصفون، فظهر لك صحته ما قلناه واندفاع جوابه، وأنت أيها الناظر ~~المنصف إذا تأملت فيما حررناه وتبصرت فيما سطرناه تبين لك أن مذهب الإمامية ~~هو الحق الذي يحق اتباعه، قد أيدته الآيات القرآنية، ونصرته الأخبار ~~النبوية، وعضدته الأدلة الاعتبارية؟ # وساعدته البراهين العقلية، والحمد لله على هدايته إيانا للحق الواضح ~~والطريق القويم وتوفيقه إيانا لنهج الصواب. # PageV00P543 # سؤال وجواب إن قال قائل: إنكم حكمتم بأن عليا (عليه السلام) هو إمام الحق ~~بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بنصه عليه وأنهم قد ظلموه وردوا نص ~~النبي (صلى الله عليه وآله) عليه بغير حجة ولا برهان، وهذا عندكم رجوع على ~~الأعقاب وخروج من الحق إلى الضلال، فما الذي منع أمير المؤمنين من قتلهم ~~وقتالهم مع أنه عندكم أشجع الخلق، وغيركم أيضا مقر بشجاعته وأنتم تقولون لو ~~قاتله أهل الأرض كلهم لغلبهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب؟ فإذ ~~حكمتم بضلالهم لزمكم الحكم بخطأ علي (عليه السلام) في ترك جهادهم، وعدوله ~~عن قتالهم كما فعل بالناكثين والقاسطين والمارقين، والحكم بصحة ما فعلوه ~~قلنا له، لهذا السؤال وجوه متعددة من الأجوبة كل منها كاف في دفعه وشاف في ~~رفعه. # الأول أن عليا (عليه السلام) عندنا كما ذكرت من الشجاعة إلا أنه مع ذلك ~~لا يمكنه الجهاد بنفسه ولا القتال بمفرده لأنه بشر مكلف، وله شواغل من ~~الضروريات البدنية كالنوم والأكل والشرب وغيرها وله شواغل من لوازم التكليف ~~كالصلاة والصوم وغيرهما، ويشغله شأن عن شأن والنوم والصلاة والأكل والشرب ~~من الضروريات واللوازم الدائمة المستمرة على الإنسان لا يخلو منها في اليوم ~~والليلة أبدا، فليس بمنكر من القوم لو قاتلهم بنفسه أن PageV00P545 # يفروا عنه في وقت تجرده لجلادهم ولا يلاقوه في معركة النزال ويتربصوا به ms416 ~~ساعة شغله ووقت تلبسه بما يمنعه من مدافعة خصمه وكف عدوه كالصلاة والنوم ~~فينتهزوا فيه الفرصة ويدركوا من قتله الإرب لعلمهم أنه واحد لا حارس له ولا ~~ممانع عنه، وقد علمت أن عبد الرحمن بن ملجم قتله في صلاته مع علو كلمته ~~واستمداد سلطنته، وانقياد جيوش المسلمين إلى أمره، ووقوفهم على حدود طاعته، ~~لا سيما في مثل تلك الأيام من زمان خلافته فإنه اجتمعت إليه كلمة أصحابه ~~واستقام له أودهم، فجمع الجموع وعقد الرايات ليسير بهم إلى حرب معاوية ولم ~~تكن بسطة يده وكثرة جنده مانعة من قتله في وقت اشتغاله بصلاته، فكيف وهو ~~واحد متفرد بنفسه وليس ابن ملجم بأجرأ عليه من خالد بن الوليد والوليد بن ~~عقبة وطلحة وعمرو بن العاص وأسيد بن حضير وسالم مولى أبي حذيفة وأضرابهم ~~وأشباههم ولا بأشجع من أحدهم، ولا أشد بغضا لعلي (عليه السلام) وحقدا عليه ~~من واحد منهم، فلا امتناع من اقتحام بعض هؤلاء أو غيرهم أو جماعة منهم عليه ~~وقت نومه أو صلاته فيقتل حينئذ ولا مانع من أن ينازلوه أيضا فتلاقيه منهم ~~شرذمة وتأتي من ورائه طائفة وقوم عن يمينه وآخرون عن شماله فيبلغون فيه ~~الغرض، وهو مشغول بجلاد الفرقة التي هي أمامه وجائز أيضا أن يلجئوا عند ~~حملته عليهم إلى الدور، ويغلقوا الأبواب فيرمونه من أعلا السطوح بالسهام ~~والحجارة من كل الجوانب فيصيبوه قبل أن يصل إليهم، وكل هذا ممكن غير ممتنع ~~وقريب غير بعيد، فعلى هذا يكون قتاله إياهم منفردا تغريرا بنفسه وإلقاء ~~بيده إلى التهلكة، وذلك غير جائز شرعا ومن المعلوم المقرر عند أهل العلم أن ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واسترجاع المظلمة من الظالم يسقط وجوبه ~~عند حصول الظن القوي بوصول الضرر إلى النفس فكيف مع تيقنه؟ فلذلك لم يجز ~~لأمير المؤمنين (عليه السلام) أن يقاتل القوم وهو واحد، بل الواجب عليه ~~الكف حتى يحصل التمكن ففعل ما وجب عليه؟؟ PageV00P546 # الثاني إنا وإن قلنا في علي (عليه السلام) من الشجاعة ما قلنا إلا أنه لم ms417 ~~يقل منا أحد بأنه أقوى بأسا من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا ~~أمضى منه عزيمة في إنفاذ أمر الله، وقد علمت أن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) قد بقي في مكة ثلاث عشرة سنة من بعد المبعث وهو يؤذي ويشتم ويكذب ~~ويرتكب منه القبيح ويطلب قتله مع وجود جماعة عنده قد اتبعوه ومنهم علي ~~(عليه السلام) لكن لا يقومون بقتال أعدائه فلم يكلفه الله بجهاد ولا أمره ~~بقتال، بل أمره بالكف وذم من أراد فتح باب الحرب هناك من أصحابه بقوله ~~تعالى: [ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة فلما كتب ~~عليهم القتال تولوا] (1) الآية فلما وجد الأعوان وحصل الناصر بعد الهجرة ~~أمره الله بقتالهم، فرسول الله (صلى الله عليه وآله) أسوة (2) لأمير ~~المؤمنين (عليه السلام) يجب عليه الكف عند عدم الناصر والجهاد في طلب حقه ~~عند وجود المعاون، لم يكن الله ليكلفه بما لم يكلف به النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فيوجب عليه القتال بنفسه منفردا، ولو جاز ذلك لوجب أن يكون أفضل ~~من النبي (صلى الله عليه وآله) لأن شدة المشقة في التكليف توجب زيادة ~~الثواب وهذا باطل عندنا، واعتقاده كفر صريح، بل المحقق أن النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) أفضل المخلوقات، وأن تكليفه أشد مشقة من تكليف علي كوجوب ~~المجاهرة بالحق، ورفع التقية، ووجوب صلاة الليل عليه، وغير ذلك من خصائصه ~~المذكورة في كتب الفقه قال علي (عليه السلام) (إنما أنا عبد لمحمد) لما قال ~~له يهودي أنبي أنت؟ وعلي (عليه السلام) لم يقعد عما وجب عليه فإنه طلب ~~الناصر على ظالميه واستصرخ الناس للمعونة على # PageV00P547 # غاصبيه كما صح باتفاق النقل من طريق الرواية فلما لم يجد معينا يعينه، ~~ولم يظفر بمساعد يساعده كف متأسفا وأغضى حزينا، ألا تراه كيف يقول: # (فنظرت فإذا ليس لي معين إلا أهل بيتي، فضننت بهم عن الموت، وأغضيت على ~~القذى وشربت على الشجى (1) وأقواله في هذا المعنى كثيرة قد تقدم جملة منها، ms418 ~~فلم يزل كافا وهو يتجرع الغيظ والغصص كما كف النبي (صلى الله عليه وآله) عن ~~قتال أهل مكة قبل الهجرة إلى أن وجد الأعوان على الحق بعد قتل عثمان فبادر ~~إلى قتال من أراد إحياء الضلال، واتخاذ دين الله عوجا، مشمر الذيل ماضي ~~العزيمة، كادحا نفسه في إعلاء كلمة الله، باذلا جهده في إقامة عمود الدين، ~~مستفرغا وسعه في إزالة الفساد من الأرض، ألا تسمع قوله: (والله لا أكون ~~كالضبع تنام على اللدم حتى يصل إليها طالبها ويختلها راصدها، ولكني أضرب ~~بالمقبل إلى الحق المدبر عنه، وبالسامع المطيع العاصي المريب أبدا حتى يأتي ~~علي يومي) (2) فكفه أولا ليس إلا لعدم وجود الناصر، وقتاله أخيرا لم يكن ~~إلا لوجوده المعين، وما كان كفه عن قتال الأولين تصويبا لهم فيما ارتكبوه، ~~ولا تصحيحا لما فعلوه، ومما يوضح هذا المعنى ويؤكده أن عليا (عليه السلام) ~~مع مضي عزيمته وإجماعه على قتال معاوية كف عن قتاله بعد رفع المصاحف في ~~صفين مع علمه وتصريحه لصحبه أن معاوية وأهل الشام لم يريدوا حكمها وإنما ~~رفعوها خديعة وذلك لمخالفة جماعة كثيرة من أصحابه أمره بالمضي في الجهاد ~~وطلبهم الموادعة، وميلهم إلى المحاكمة، وما ذاك إلا لأن من بقي على طاعته ~~من أصحابه لا يقوم في ذلك الوقت بقتال الخارجين منهم عن الطاعة، وقتال أهل ~~الشام، ثم كفه بعد تحكيم الحكمين عن قتال معاوية ومعاوية يغزوا أطرافه، ~~ويشن الغارات على أعماله، ويتغلب على بعض بلاده كمصر # PageV00P548 # وغيرها لم يكن عدولا عن نيته في قتاله، ولا رجوعا عن إيثار قتاله، ولا ~~ترددا في عزمه المصمم على حربه، ولكن لانتكاث عزم أصحابه، وتكاسلهم عن ~~إجابته، وتثاقلهم عن الخروج معه إلى حرب معاوية، لأنه كان يحثهم على ~~الشخوص، ويوبخهم على القعود عن الجهاد، ويقرعهم أشد التقريع كقوله لهم: (يا ~~أشباه الرجال ولستم بالرجال) (1) وقوله: (وددت أن أصارف بكم معاوية أهل ~~الشام مصارفة الدينار بالدرهم العشرة بواحد) (2) وقوله (عليه السلام): (إذا ~~دعوتكم إلى الجهاد في الصيف قلتم يمنعنا الحر، وإذا دعوتكم ms419 في الشتاء قلتم ~~يمنعنا القر، فإذا كنتم من الحر والقر تفرون فأنتم من السيف أفر (3) وغير ~~ذلك من شديد أقواله فيهم، إلى أن أجابوه وأصفقوا إصفاقا واحدا على طاعته ~~فعقد الرايات وصمم العزم على مناهضة معاوية بعد شهر رمضان فاغتاله ابن ملجم ~~فتفرق الجمع، وتشتت الكلمة، ولله أمر هو بالغه فما حاله في أمره الأول ~~والآخر إلا واحدة يجاهد الظلمة عند وجود الناصر، ويكف عنهم عند عدمه لا فرق ~~بين حاليه ولقد كشف عن هذا المعنى قوله في خطبه الشقشقية: (أما والذي فلق ~~الحبة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر وما أخذ الله ~~على العلماء ألا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها على ~~غاربها ولسقيت آخرها بكأس أولها) (4) يقول لولا قيام الحجة على من الله ~~بوجود الناصر على إقامة الحق وإني مكلف بها عند القدرة لتركت قتال الناكثين ~~والقاسطين والمارقين كما تركت جهاد أئمتهم السابقين. # الثالث إن عليا (عليه السلام) وإن كان على ما هو عليه من الشجاعة # PageV00P549 # لكن لم يكن عليه القتال مفروضا بعد موت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~إلا وهو أمير متبع ورئيس مطاع، ولم يجز أن يكلف بالقتال منفردا، والسر في ~~ذلك أنه لو قاتل وحده لكان السامع بأمره من الناس يجريه مجرى اللص المحارب ~~أو المفسد المشاغب ولم يكن أحد يتوهم أنه مصيب في فعله، ولا يذهب ذاهب إلى ~~رشده في علمه، مع اتفاق الصحابة على التقاعد عن نصرته، وخلود جملتهم إلى ~~خذلانه، ولم يكن الله ليكلف وصي نبيه بما تتسرع العقول لأجله إلى الحكم ~~بخطئه، وتعجل الأفهام بسببه إلى نسبته لارتكاب ما لا يحل له، بخلاف ما إذا ~~نهض لجهاد القوم ومعه جماعة معروفون بالخير والصلاح من خيارا لصحابة يمنعون ~~حوزته، ويجالدون بين يديه، فإن العقول تتسرع إلى اعتقاد إصابته الحق لقيام ~~أولئك الرهط الأخيار دونه وبذلهم الجهد في طاعته وقتال مخالفه، وينضاف إلى ~~ذلك ما يعلمونه من قربه من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وما ms420 طرق ~~أذانهم من أقواله الجميلة فيه، فينشط إلى نصرته من يطلب الحق، ويدنو من ~~إجابته من يحب الصدق، وأقل الأمور أن يكون الناس بين مصوب له وواقف متردد ~~بين الأمرين، إلا أن الأكثر يكونون على تصويبه كما جرى له في أيام خلافته ~~ليسرع إلى نصرته من صوبه، ويقف عن قتاله من تردد في أمره وهو (عليه السلام) ~~طلب الناصر والمعين من ذوي السابقة فما أجابه إلا أربعة أو خمسة مما لا ~~تحصل بهم الكفاية ويقتلون في أول المنازلة، فكان يقول: (لو وجدت أربعين ذوي ~~عزم لناهضت القوم) وهذا هو السر في عدم إصغائه إلى قول أبي سفيان بن حرب إذ ~~عرض عليه نصرته لعلمه بأن الغرض لا يحصل بمثله، وهذه الوجوه الثلاثة من ~~جملة الأسرار التي لأجلها أوصاه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالكف ~~والصبر حتى يجد أربعين رجلا فصاعدا لا أقل من الأربعين، وتخصيص الأقل ~~بالأربعين من الأسرار الغيبية لم أجد إلى معرفتها سبيلا إلا بالظن ~~والتخمين، فعلمه مردود إلى أهله، فليس أمير المؤمنين PageV00P550 # (عليه السلام) إذ لم يقاتل القوم بنفسه حين لم يجد الناصر مصوبا لهم ولا ~~مرتكبا للمحظور بترك الانكار لما بيناه من لزوم القبح في تكليفه بالقتال ~~منفردا فكان الواجب عليه إذ ذاك أن يصبر ويكف ففعل ما وجب عليه كما هو ~~شأنه. # الرابع إنه (عليه السلام) خاف من قتالهم بنفسه انمحاء دعوة الإسلام، ~~وارتداد العرب وذلك أن الناس حديثو عهد بجاهلية، ولم يرسخ الإسلام في ~~قلوبهم، على أن أكثرهم إنما أسلموا كرها وأنهم إذ جاءهم خبر وفاة رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) أظهر قوم الفرح، وارتدوا، وآخرون انتظروا حال أهل ~~المدينة من الصحابة هل يكون فيهم بعد النبي (صلى الله عليه وآله) من يقوم ~~بهذه الدعوة ويكون مطاعا متبوعا أم لا؟ فإن لم يصر أحد بهذه المثابة ارتدوا ~~ظاهرا، والأقل منهم من هو متمسك بالاسلام بنية صحيحة إلا أن دوامها لا يكون ~~إلا باستمرار الدين عند أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله)، ولا ms421 شك أن ~~الجماعة الذين توثبوا على أخذ حق أمير المؤمنين (عليه السلام) قد صحت ~~عزائمهم في قتاله إن نازعهم في الأمر ولم يسالمهم، فيلزم حينئذ من قتالهم ~~بنفسه إما قتله (عليه السلام) كما وجهناه في أول الوجوه، أو أن يبيدهم من ~~جديد الأرض فتجد العرب إلى ارتدادها سبيلا وتتخذ هذا الأمر على بطلان هذا ~~الدين حجة ودليلا ويعود الأمر إلى الجاهلية الأولى، ويفسد ما أصلحه النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم)، وينهدم ما بناه في ثلاث وعشرين سنة في ساعة ~~واحدة، وقد دل على ذلك ما رواه ابن أبي الحديد من أن فاطمة (عليه السلام) ~~حرضت أمير المؤمنين (عليه السلام) يوما على النهوض والوثوب فسمع صوت المؤذن ~~أشهد أن محمدا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال لها: أيسرك زوال ~~هذا النداء من الأرض؟ قالت: لا قال: فإنه ما PageV00P551 # أقول لك (1) وقد ذكر (عليه السلام) ذلك كثيرا واعتذر لا عن تركه مناهضة ~~القوم بخوف أن تقع ثلمة في الإسلام لا تلتئم في جملة من خطبه وكلماته كما ~~هو مذكور في نهج البلاغة وغيره، ويكفي من ذلك هنا قوله في الخطبة التي ~~رواها أبو الحسن المدائني عن عبد الله بن جنادة وهو: (أما بعد، فإنه لما ~~قبض الله نبيه (صلى الله عليه وآله) قلنا، نحن أهله وورثته وعترته وأولياؤه ~~دون الناس لا ينازعنا سلطانه أحد، ولا يطمع في حقنا طامع، إذ انبرى لنا ~~قومنا فغصبونا سلطان نبينا (صلى الله عليه وآله) فصارت الإمرة لغيرنا، ~~وصرنا سوقة يطمع فينا الضعيف، ويتعزز علينا الذليل، فبكت الأعين منا لذلك، ~~وخشنت الصدور، وجزعت النفوس، وأيم الله لولا مخافة الفرقة بين المسلمين وأن ~~يعود الكفر، ويبور الدين لكنا على غير ما كنا لهم) (2) الخطبة. # وفي أخرى رواها الكلبي: (إن الله لما قبض نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~استأثرت علينا قريش بالأمر، ودفعتنا عن حق نحن أحق به من الناس كافة، فرأيت ~~أن الصبر على ذلك أفضل من تفريق كلمة المسلمين، وسفك دمائهم، والناس حديثو ms422 ~~عهد بالاسلام، والدين يمخض مخض الوطب يفسده أدنى وهن يعكسه أقل خلق) (3) ~~الخطبة.. ذكرهما جميعا ابن أبي الحديد في شرحه وهما صريحتان فيما نقول من ~~اغتصاب القوم حقه وميراثه، وإنه ترك قتالهم حذرا من زوال كلمة الإسلام، ~~وعود الأمر إلى إنكار الربوبية والرسالة، ومن المتيقن أن إنكار الإمام مع ~~الإقرار بالله وبالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإن أوجب الضلال إلا أنه ~~أقل قبحا وأهون # PageV00P552 # ضررا من إنكار الجميع، فهو قد ترك قتالهم ارتكابا لأقل الضررين في الدين ~~كما هو الواجب فيما إذا تعارض الضرران أن يرتكب أقلهما قبحا فأمير المؤمنين ~~فعل ما هو تكليفه في ذلك الوقت بخلاف حاله في زمان خلافته، فإنه ليس هناك ~~إلا إنكار الإمام والضرر الأعظم مأمون من وقوعه، فقاتل لرفع ذلك الضرر عن ~~الدين، وهذا كله بخلاف ما لو وجد في أول الأمر أعوانا وأنصارا فإن كثيرا من ~~الناس إذا رأوا انتصاره ينحازون إليه، ويكثرون عنده لأن الناس مع الظاهر ~~الغالب ومن في نفسه شك أو ريبة تزول فتبقى الدعوة قائمة مستمرة، ومن ارتد ~~من العرب بعث إليه من يقاتله من جنود المسلمين فيستقيم أمر الملة، ولا يحصل ~~الضرر بزوال كلمة الإسلام، لكنه لم يجد الأنصار إذ طلبهم فكف وسكت حذرا من ~~لزوم ذلك اللازم الأعظم ضررا على الدين. # الخامس ما روي عن سيدنا أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) ~~من طرقنا حين سأل ألم يكن علي (عليه السلام) قويا في بدنه قويا في أمر ~~الله؟ فقال: بلى قيل: ما منعه أن يدفع أو يمتنع قال سألت فافهم الجواب، منع ~~عليا (عليه السلام) من ذلك آية من كتاب الله فقيل وأية آية فقرأ: [لو ~~تزيلوا] (1) الآية إنه كان لله تعالى ودائع مؤمنون في أصلاب قوم كافرين ~~ومنافقين، فلم يكن علي (عليه السلام) ليقتل الآباء حتى تخرج الودائع فلما ~~خرجت ظهر على من ظهر وقتله وكذلك قائمنا أهل البيت لن يظهر أبدا حتى تخرج ~~ودائع الله، فإذا خرجت يظهر على من يظهر ms423 فيقتله (2) وفي هذا إشارة صريحة ~~إلى أن عناية الله تعالى بإخراج المؤمن من حيز العدم إلى عالم الوجود ~~التكليفي أشد من عنايته بقتل الكافر وإزالة كفره، كما أن عنايته # PageV00P553 # بحفظ المؤمن وحقن دمه أشد من عنايته بقتل الكافر، ولذا كف الله أيدي ~~المسلمين من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن قتال أهل مكة، وأمره ~~بالصلح لوجود رجال مؤمنين ونساء مؤمنات قد أخفوا إيمانهم فلم يتميزوا من ~~الكفار، فلو كان ثم قتال لقتلوا وأصاب السبي النساء، فكان لآية المؤمنين ~~والمؤمنات عن القتل والسبي أثر عند الله تعالى من قتل الكافرين، وسبي ~~الكفارات فقال تعالى: [وهو الذي كف أيديهم عنكم] إلى قوله: [ولولا رجال ~~مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل ~~الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما] (1) ~~وإذا جاز النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ترك قتال الكفار لحفظ دم بعض ~~المؤمنين، وصيانة بعض المؤمنات عن السبي، فأولى بأن يجوز لعلي (عليه ~~السلام) ترك القتال لخروج تلك الذرية المؤمنين من أصلابهم، وهكذا لم تزل ~~أفعاله (عليه السلام) تابعة لأفعال رسول الله في كل الأحوال، وهذا بحمد ~~الله ظاهر بين، فزال بهذه الوجوه الإشكال وسقط السؤال، وذهب الإعضال، وتبين ~~صدق مقالنا وحقية مذهبنا، وسلامة طريقتنا من التعسف والميل عن الصواب، ~~والانحراف عن الصراط، وذلك بنعمة الله وفضله. # فائدة مهمة في بيان بطلان دعوى القوم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) أمر أبا بكر بالصلاة وذلك من ثلاث جهات. # الأولى ما أشرنا إليه في مطاوي هذا الكتاب من إنكار أمير المؤمنين ذلك ~~ونسبته صدور الأمر بالصلاة إلى عائشة من تلقاء نفسها من غير رضا من النبي ~~(صلى الله عليه وآله) وقد روى الخصم (2) عن جملة من أصحابه ذلك # PageV00P554 # عن أمير المؤمنين وصححوه عنه ورووا عنه أيضا أن قول رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): (إنكن كصويحبات يوسف) في عائشة وحفصة حيث أمرت كل واحدة ~~منهما بلالا ms424 أن يأمر أباها أن يصلي بالناس، يعني إن صويحبات يوسف كذبن عليه ~~في رميهن له بإرادة الفاحشة وإن المرأتين كذبتا على رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) في تأمير أبويهما بالصلاة فإذا صح عندهم النقل بهذا كله عن أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) كما هو عندنا وجب أن تكون دعوى أمر رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) أبا بكر بالصلاة كاذبة لأن عليا (عليه السلام) ينكرها وهو ~~لا ينكر حقا ولا يكذب صدقا لأنه مع الحق دائما بنص الرسول (صلى الله عليه ~~وآله) لا ينكر ذلك ولا يرتاب فيه إلا من ليس بمؤمن ولا مسلم وحيث أن عليا ~~أنكر صدور الأمر من رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأبي بكر بالصلاة وجب ~~أن يكون غير صادر ولا واقع وصح أن مدعيه مبطل. # الثانية إنهم اتفقوا على أن أبا بكر وعمر وأبا عبيدة كانوا في بعث أسامة ~~إلا ما كان من شاذ متعصب من الرواة لا يعبأ به وقد اتفقت رواياتهم على أن ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد حثهم على المسير ونهاهم عن التأخير ~~كما قدمنا رواية ذلك، وهذا يدل على عدم جواز الأمر من النبي (صلى الله عليه ~~وآله) لأبي بكر بالصلاة وذلك إن أمر الحاضرين بالصلاة خلف رجل يقتضي يقينا ~~كونه حاضر البلد متمكنا شرعا وعقلا من حضور المسجد غير ممنوع بشئ من ~~الموانع، وليس يجوز ولا يعقل أن يأمر الحاضرون بالصلاة خلف رجل غير حاضر ~~البلد، ولا متمكن من الحضور حالة الأمر في المسجد، لأنه قد وجب عليه السفر ~~شرعا فهو ممنوع من حضور المسجد، فلو ترك الرحيل وحضر البلد لكان عاصيا وإذا ~~كان النبي (صلى PageV00P555 # الله عليه وآله وسلم) قد أمر أبا بكر بالنفوذ كغيره في جيش أسامة ونهاهم ~~عن تأخير المسير، وحثهم على تعجيل الرحيل، ولعن المتخلف من المأمورين عن ~~الجيش، وعلم أنهم خرجوا من المدينة فكيف يجوز أن يصدر منه الأمر بصلاة ~~حاضري البلد خلف ذلك الرجل المسافر الذي أوجب عليه في تلك ms425 الحال مفارقة ~~البلد والبعد عنها وأي عاقل يخفي عليه التناقض الشديد والتمانع البعيد بين ~~الأمرين، وأي فطن يجوز صدور مثل هذا التناقض من عاقل فكيف يصدر عن سيد ~~المرسلين وأفضل المخلوقين حيث يقول لحاضري المدينة صلوا في مسجدي خلف فلان ~~الذي أوجبت عليه المسير حالة الصلاة إلى الشام ونهيته عن اللبث في المدينة ~~أو يقول للرجل الذي هذا حاله أحضر وقت الصلاة في المسجد وصل بالناس وقد ~~حرمت عليك في ذلك الوقت دخول المدينة مضافا إلى أن رواياتهم مصرحة بأن أبا ~~بكر وعمر كانا خارج المدينة في الوقت الذي ادعوا أن رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) أمر أبا بكر بالصلاة فيه ففي الرواية التي قدمناها بعد قول ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (نفذوا بعث أسامة لعن الله من تخلف عنه) ~~ويكرر ذلك ما نصه فخرج أسامة واللواء على رأسه والصحابة بين يديه حتى إذا ~~كان بالجرف (1) نزل ومعه أبو بكر وعمر وأكثر المهاجرين ومن الأنصار أسيد بن ~~حضير (2) وبشير بن سعد وغيرهم من الوجوه فجاءه رسول أم أيمن يقول له ادخل ~~فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يموت فقام من فوره فدخل المدينة # PageV00P556 # واللواء معه، فجاء به حتى ركزه بباب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~ورسول الله قد مات في تلك الساعة، فما كان أبو بكر وعمر يخاطبان أسامة إلى ~~أن ماتا بالأمير (1) وفي رواية أخرى رواها ابن أبي الحديد أيضا وفيها بعد ~~ذكر طعن القوم على النبي (صلى الله عليه وآله) في تأمير أسامة على جلة ~~الصحابة وخروج النبي (صلى الله عليه وآله) بعد أن بلغه ذلك عنهم وخطبته ~~فيهم وما قال فيها: (لأن طعنتم في تأميري أسامة فقط طعنتم في تأميري أباه ~~من قبل) (2) في كلام مر في أبحاث هذا الكتاب ما هذا لفظه: وجاء المسلمون ~~يودعون رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويمضون إلى عسكر أسامة بالجرف، وثقل ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) واشتد ما يجده فأرسل بعض نسائه إلى ms426 ~~أسامة وبعض من كان معه يعلمونهم ذلك، فدخل أسامة من معسكره والنبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) مغمور وهو اليوم الذي لدوه فيه فتطأطأ أسامة عليه ~~فقبله ورسول الله (صلى الله عليه وآله) قد اسكت فهو لا يتكلم فجعل يرفع ~~يديه إلى السماء ويضعهما على أسامة كالداعي له، ثم أشار إليه بالرجوع إلى ~~عسكره والتوجه لما بعثه فيه فرجع أسامة إلى عسكره، ثم أرسل نساء رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أسامة يأمرنه بالدخول ويقلن إن رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) قد أصبح بارئا، فدخل أسامة من معسكره يوم ~~الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول فوجد رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) مفيقا فأمره بالخروج، وتعجيل النفوذ، وقال: (اغد علي بركة الله) وجعل ~~يقول: (أنفذوا بعث أسامة) ويكرر ذلك فودع رسول الله وخرج ومعه أبو بكر ~~وعمر، فلما ركب جاء رسول أم أيمن فقال إن رسول الله # PageV00P557 # (صلى الله عليه وآله) يموت فأقبل ومعه أبو بكر وعمر وأبو عبيدة فانتهوا ~~إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين زالت الشمس من هذا اليوم وهو ~~الاثنين وقد مات واللواء مع بريدة بن الحصيب (1) فدخل باللواء فركزه عند ~~باب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو مغلق، وعلي (عليه السلام) وبعض بني ~~هاشم مشتغلون بإعداد جهازه (2)، وذكر في آخر الخبر إقعاد الأنصار سعدا في ~~السقيفة للبيعة، وسبق أبي بكر إياهم (3) بها، وهذان الخبران مشهوران ~~معلومان خصوصا عند الخصوم، وهما كما ترى مصرحان بأن أبا بكر أقبل قبل أن ~~يثقل مرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي حال ثقله وحال موته كان خارج ~~المدينة، وأنه لا يدخل إلا أحيانا مع أسامة بن زيد ويخرج معه فكيف يأمره ~~النبي (صلى الله عليه وآله) أن يصلي بالناس في المسجد وهو قد أمره أن يأتم ~~بأسامة خارج المدينة، وفي الطريق التي أمرهم بسلوكهم ذهابا وإيابا أفيأمره ~~بذا في حالة أمره بأن يؤم الناس في المسجد، وهل يسع أن يقع ms427 مثل هذا التضاد ~~والتعاند في أوامر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الحكيم مع استلزامه ~~تكليف ما لا يطاق، وكل ذلك لا يجري على مذهب المعتزلة ولا يتمشى على ~~قواعدهم وهذا يدل صريحا على بطلان ما ادعاه ابن أبي الحديد من أن أبا بكر ~~كان يصلي بالناس # PageV00P558 # في مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~مريض يومين حتى قبض (صلى الله عليه وآله) (1)، ولم يكن صلى إلا صلاة واحدة ~~فقط ولا أدري متى صدر الأمر من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على أنه ~~وقت الأمر المدعى غير حاضر المسجد ولا هو داخل المدينة! وإنما هو خارج منها ~~ونازل بالجرف ملزوم بالصلاة خلف أسامة، ولا أدري من أخذوه ويعلم من هذا ~~بطلان ما ذكره بعض محدثيهم من أن أبا بكر ليس في جيش أسامة لأن تلك الرواية ~~مع معارضتها ما صح عند أكثرهم كما سمعته قد تضمنت أن أبا بكر كان معروفا ~~بأنه خليفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل موته وأنه بويع والنبي ~~(صلى الله عليه وآله) حي وهذا مخالف لما صح عليه الاتفاق من الأمة أن بيعة ~~أبي بكر إنما وقعت في السقيفة بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~فكيف تصح الرواية المخالفة لاتفاق الأمة، ويبطل أيضا ما ذكره قاضي القضاة ~~من استدلاله على أن أبا بكر ليس في جيش أسامة بأن النبي (صلى الله عليه ~~وآله) أمره بالصلاة وهو رد للروايات الصحيحة بالمشكوك فيه واستدلال ~~بالموهوم على بطلان المعلوم، وليس الاستدلال على أن أبا بكر ليس في بعث ~~أسامة بأن رسول الله أمره بالصلاة بأولى من الاستدلال على أن رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يأمره بها بأنه في ذلك البعث إن لم يكن هذا ~~أولى، ثم واعجباه من عبد الحميد المعتزلي في عدم اكتفائه لأبي بكر بصلاة ~~واحدة كغيره من الأقوام حتى ادعا له ما سمعت بعد روايته لذينك الخبرين فما ~~أكذب دعواه وما أشد تلبيسه، ms428 وأعظم تدليسه وما أكثر تلاعبه بدينه وحمايته ~~على باطله، وما أمضى عزيمته في تصحيح الأباطيل والأضاليل، وليس هذا بأغرب ~~من دعواه أن روح الله عيسى بن مريم (عليه السلام) كان يشرب الخمر، وكم له ~~مثل هذه الدعاوى. # PageV00P559 # ومما يعجبني من كلامه في هذا المقام ما أورده في موضع من كتابه بعد نقل ~~رواية رواها هناك، وأنا أذكرها وأذكر كلامه بعدها في مطلبنا هذا ليتضح ~~للناظر صحة ما قلناه من أن هذا الرجل يعدل عن الحق على عمد وينصرف عن ~~الصواب على معرفة ويدخل في الباطل بغير شبهة. # قال روى الأرقم بن شرحبيل قال سألت ابن عباس: هل أوصى رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله)؟ قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال في ~~مرضه: (ابعثوا إلى علي فادعوه) فقالت عائشة: لو بعثت إلى أبي بكر، وقالت ~~حفصة: لو بعثت إلى عمر فاجتمعوا عنده جميعا هكذا لفظ الخبر على ما أورده ~~الطبري في التاريخ (1) ولم يقل فبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~إليهما قال ابن عباس: فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (انصرفوا ~~فإن تكن لي حاجة أبعث إليكم) فانصرفوا، وقيل لرسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) الصلاة فقال: (مروا أبا بكر أن يصلي بالناس) فقالت عائشة إن أبا بكر ~~رجل رقيق فمر عمر، فقال مروا عمر فقال عمر ما كنت لأتقدم وأبو بكر شاهد، ~~فتقدم أبو بكر فوجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خفا فخرج فلما سمع ~~أبو بكر حركته تأخر فجذب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثوبه فأقامه ~~مكانه وقعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقرأ حيث انتهى أبو بكر قلت (2) ~~عندي في هذه الواقعة كلام ويعترضني فيها شكوك واشتباه إذا كان قد أراد أن ~~يبعث إلى علي عليه السلام) ليوصي إليه فنفست عائشة فسألت أن يحضر أبوها، ~~ونفست حفصة فسألت أن يحضر أبوها ثم حضرا ولم يطلبا فلا شبهة أن # PageV00P560 # ابنتيهما طلبتاهما، هذا هو الظاهر، وقول رسول ms429 الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وقد اجتمعوا كلهم عنده: (انصرفوا فإن تكن لي حاجة بعثت إليكم) قول من ~~عنده ضجر وغضب باطن لحضورهما وتهمة للنساء في استدعائهما فكيف يطابق هذا ~~الفعل وهذا القول ما روي أن عائشة قالت: لما عين أبوها للصلاة إن أبي رجل ~~رقيق فمر عمر وأين ذلك الحرص من هذا الاستعفاء والاستقالة؟ وهذا يوهم صحة ~~ما تقوله الشيعة من أن صلاة أبي بكر كانت عن أمر عائشة وإن كنت لا أقول ~~بذلك ولا أذهب إليه، إلا أن تأمل هذا الخبر ولمح مضمونه يوهم ذلك هذا كلامه ~~وهو مصرح بإرادة النبي (صلى الله عليه وآله) الوصية إلى علي (عليه السلام) ~~وباستفادته من الخبر مع ذلك صحة ما تقوله الشيعة من أن صلاة أبي بكر كانت ~~عن أمر عائشة، ثم يقول: أن لا يقول بذلك ولا يذهب إليه، وانظر إلى قوله: إن ~~قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) (انصرفوا) إلى أن قال: قول من عنده ضجر ~~وغضب باطن لحضورهما وتهمة للنساء في استدعائهم، ثم هو يقول برضا رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) بخلافتهما ورضاه عن بنتيهما ومن يضجر رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) ويغضب من حضوره لئلا يسمع وصيته على شخص آخر ويتهم من ~~أحضره كيف يأمره بالصلاة بالناس وكيف يرض بتخلفه من بعده على أمته، وكيف ~~يكون راضيا على من أحضره، وهذا يدلك على أن هذا الرجل وأشباهه يتركون العمل ~~بأخبارهم إذا وافقت أقوال أئمتنا (عليهم السلام) ومذاهب أصحابنا، ويضربون ~~عنها صفحا، ولولا ذلك لما قال بعد فهمه صحة قولنا من الخبر أنه لا يقول به ~~ولا يذهب إليه وهذه الطريقة بعينها هي التي أنكروا بها النص على أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) مع روايتهم الكثير الوافر منه، وهي عين العصبية ~~وإذا روي لهم ما يخالف مذهبنا وإن كان عمن يحكمون بفسقه تلقوه بالقبول، ~~وأذعنوا له تمام الاذعان، ورضوا به غاية PageV00P561 # الرضا، وذلك دليل ما نسبناه إليهم من تعمدهم ارتكاب الخطأ وترك الصواب، ~~ولو ms430 أنهم تركوا التعصب والعناد وعملوا بما دل من أخبارهم على صحة قولنا إذن ~~لارتفع الخلاف، وحصل الائتلاف فإنها كثيرة ومخالفها ضعيف، ولو لم يكن من ~~ضعفه إلا الخلاف في صحته بيننا وبينهم بل بينهم في بعضها والاتفاق على صحة ~~الموافق منا ومنهم لكفى، فإن الاجتماع أقوى أسباب الترجيح وأوثق المرجحات ~~عند جميع الأصوليين، بل عند جميع الأمة لا يشك فيه أحد لكنهم ارتكبوا خلاف ~~التحقيق، وأخلدوا إلى الشك، ونبذوا اليقين فقامت منهم سوق الخلاف على ساق ~~فالحاكم الله بيننا وبينهم يوم فصل القضاء. # الثالثة اختلاف رواياتهم الواردة في أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) أبا بكر بالصلاة لفظا ومضمونا بما يدل على كذبها وبطلانها واصطناعها ~~ووجوب رفع اليد عنها، ففي رواية ابن أبي مليكة عن عائشة: أن بلالا لما نادى ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالصلاة قال قولوا له: (فليقل لأبي ~~بكر يصلي بالناس) وأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد خرج يتهادى بين ~~علي (عليه السلام) والفضل بن العباس وأن أبا بكر أراد التنحي عن مقامه لما ~~أحس برسول الله (صلى الله عليه وآله) فدفعه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~فأقامه مقامه، وقعد إلى جانبه فجعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) يكبر ~~والناس يكبرون بتكبير أبي بكر، قالت: فصلى رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بالناس (1). # وفي الحديث المتقدم عن الأرقم عن ابن عباس أن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) أمر أبا بكر ثم عمر بمشورة عائشة، وأن رسول الله خرج فصلى ~~بالناس، وفيه تصريح بمخالفة عمر لرسول الله (صلى الله عليه وآله # PageV00P562 # وسلم) حيث أمره بالتقدم فلم يتقدم وقدم أبا بكر، وأن أبا بكر تقدم بعد ~~نسخ أمره بالصلاة بأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) عمر بها فكانت صلاته ~~بأمر عمر لا بأمر النبي (صلى الله عليه وآله) وهذا المعنى مما لم يلتفت ~~إليه ابن أبي الحديد ولا لحظه، إما لعدم تفطن أو لإخفاء وكلا الخبرين دال ms431 ~~على أن النبي (صلى الله عليه وآله) عزله من إمامة الصلاة وجعله مسمعا الناس ~~التكبير، وهذا يدل على أنه لو أمر أبا بكر بالصلاة لما جاز عزله عنها لأنه ~~يكون نسخا للأمر قبل تقضي زمان العلم به وهو غير مجوز عند العدلية منا ومن ~~المعتزلة، فآخر الحديثين يعارض أولهما وكل منهما مخالف للآخر في كيفية صدور ~~الأمر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالصلاة خلف الرجل مع ما في حديث ~~الأرقم من النقص العظيم على الشيخين الذي بينه ابن أبي الحديد وأوضحناه نحن ~~وهو دليل واضح على كذب الخبرين. # وفي الخبر الذي رواه الخصم بإسناده عن الزهري عن أنس بن مالك قال: لما ~~مرض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مرضه الذي مات فيه أتاه بلال ~~يؤذنه بالصلاة فقال بعد مرتين: (يا بلال قد أبلغت فمن شاء فليصل بالناس ومن ~~شاء فليدع) قال: ورفعت الستور عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~فنظرنا إليه كأنه ورقة بيضاء عليه خميصة له فرجع إليه بلال فقال: (مروا أبا ~~بكر فليصل بالناس) قال: رأيناه بعد ذلك (1) مخالفة للأولين في كيفية صدور ~~الأمر وفي عدم خروج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإن أبا بكر أتم ~~الصلاة بالناس، فإن صح الأولان بطل هذا، وإن صح هذا بطل الأولان لا محالة. # وفي حديث عبد الله بن عمر أنه جاء ابن أم مكتوم فأذن النبي (صلى الله # PageV00P563 # عليه وآله وسلم) في مرضه الذي مات فيه بالصلاة الأولى فلم يستطع أن يقوم ~~من شدة المرض فقال له: (قل لأبي بكر يقيم للناس صلاتهم) وإن عائشة طلبت من ~~النبي (صلى الله عليه وآله) إقالة أبيها من ذلك، وإن ابن أم مكتوم انتظر ما ~~يكون من جواب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له: (مر أبا بكر أن ~~يقيم للناس صلواتهم) ولم يجب عائشة بشئ فنظرت عائشة إلى حفصة وأشارت إليها ~~أن تسأله أن يأمر أباها فقالت: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله ms432 وسلم) لو ~~أمرت عمر فصفق رسول الله بيده وقال: (إنكن صويحبات يوسف) (1) مخالفة للجميع ~~في أن المؤذن للنبي (صلى الله عليه وآله) هو عبد الله بن أم مكتوم، وفي ~~كيفية صدور الأمر ومخالفة المرأتين رسول الله حتى أغضبتاه وهذا الخبر أكذب ~~الأخبار في هذا الباب ومن أشد مخالفته للأخبار الأول قوله في آخره: فكان ~~أبو بكر يقيم الناس صلاتهم أياما حتى قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، ووجه المخالفة اشتمال تلك الأخبار على أن الأمر كان في آخر مرض ~~النبي (صلى الله عليه وآله)، وأنه إنما ثقل عن الصلاة في آخر مرضه، واشتمال ~~هذا على وقوع الأمر أوساط مرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأن النبي ~~(صلى الله عليه وآله)، قد ثقل عن الصلاة في المسجد قبل موته بأيام، وجهة ~~أخرى وهي عدم ذكره خروج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعزله أبا بكر في ~~شئ من الصلاة واشتمال السابقة على ذلك. # وفي حديث الزهري إن أول شكوى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في بيت ~~ميمونة وإنه قال لعبد الله بن عتبة: (قل للناس فليصلوا) فلقي عمر فقال: صل ~~بالناس فتقدم عمر فسمع النبي (صلى الله عليه وآله # PageV00P564 # وسلم) فقال: (أليس هذا صوت عمر) قالوا نعم قال: (يأبى الله ذلك والمسلمون ~~فليصل بالناس أبو بكر) وفيه أن عائشة طلبت منه إقالة أبيها وراجعته في ذلك ~~مرتين أو ثلاثا فقال: (ليصل بالناس أبو بكر فإنكن صويحبات يوسف) (1) وهو ~~مخالف لجميع ما تقدم في جميع الوجوه فمن تأمل هذه الأخبار واختلافاتها، وما ~~فيها من التعارض والتدافع القاضيين عليها باختلاق علم أنها مزورة مصنوعة، ~~وتأكد عنده أن الصحيح ما رواه أصحابنا مما مضمونه أن عائشة وحفصة لما ثقل ~~مرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أرسلتا إلى أبويهما تخبرانهما بذلك ~~وهما خارج المدينة في جيش أسامة فدخلا المدينة ليلا ومعهما أبو عبيدة بعد ~~أن ذكروا لأسامة ما أذن لهم لأجله أن يدخلوا وأمرهم أن يخفوا أنفسهم لئلا ~~يرجع ms433 غيرهم من الجيش، وأنهم إن عوفي النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم رجعوا ~~إلى معسكرهم وإن حدث به حدث عرفوه حتى يدخل فيما يدخل فيه الناس، فلما كان ~~وقت الصلاة أرسلت عائشة إلى أبيها تأمره أن يتقدم إلى المحراب وأنها تأمر ~~بلالا أن يأمر الناس بالصلاة خلفه لتوهم الناس أن ذلك عن أمر رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فيتم ما دبروا من الحيلة، وأن بلالا لما أتى ~~يؤذن النبي (صلى الله عليه وآله) بالصلاة قالت: لبلال إن رسول الله قد ثقل ~~ورأسه في حجر علي (عليه السلام) فمر أبا بكر ليصلي بالناس فلما رأت حفصة ~~ذلك قالت: مر عمر ليصلي بالناس، فسمع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك ~~منهما فقال: (إنكن كصويحبات يوسف) فأغمي عليه فخرج بلال وهو يظن أن قول ~~عائشة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: للناس صلوا خلف أبي ~~بكر فتمت الشبهة، فلما أفاق النبي (صلى الله عليه وآله) وسمع تكبير أبي بكر ~~خرج متحاملا يتهادى بين # PageV00P565 # علي والفضل بن العباس لتلافي الأمر وإزالة الشبهة فعزل أبا بكر ونحاه ~~قصدا لذلك فما زالت الشبهة ولا ذهبت. # وقد ذكر ابن أبي الحديد عن بعض أصحابه وهو شيخه أبو يعقوب يوسف بن ~~إسماعيل اللمعاني أن رجوع أبي بكر من جيش أسامة كان بإرسال عائشة إليه بأن ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) يموت وأن خروج النبي (صلى الله عليه وآله) ~~في تلك الحال لما ذكرناه من قصده عزل أبي بكر عن الصلاة لئلا تكون شبهة له ~~في دعوى الخلافة فما تم له ما أراد، ويصدق ذلك ما ورد في رواياتهم المتقدمة ~~لقد أقر الرجل المزبور بأن جملة من محدثيهم قائلون أن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) نحى أبا بكر وصلى بالناس، وقال في موضع من كتابه: ثم جرى حديث ~~صلاة أبي بكر بالناس فتزعم الشيعة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم ~~يأمر بذلك، وأنه إنما صلى بالناس عن أمر عائشة ms434 ابنته، وأن رسول الله خرج ~~متحاملا وهو مثقل فنحاه عن المحراب وزعم معظم المحدثين أن ذلك كان عن أمر ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقوله، ثم اختلفوا فمنهم من قال نحاه ~~وصلى هو بالناس، ومنهم من قال: بل ائتم بأبي بكر كسائر الناس، ومنهم من قال ~~كان الناس يصلون بصلاة أبي بكر وأبو بكر يصلي بصلاة رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) (1) انتهى. # قلت أما القول الأول فهو موافق لقول الشيعة ومن المحال أن يأمر النبي ~~(صلى الله عليه وآله) أبا بكر بالصلاة ثم يخرج متحاملا لينحيه ويعزله بل ~~المعروف أن فعله هذا يدل على أن صلاة أبي بكر ليست عن أمره، وأنه إنما خرج ~~على تلك الحال لإزالة الشبهة كما ذكرناه أولا، ويدل خروجه أيضا # PageV00P566 # على الحال المذكورة على أن في نفسه غضبا شديدا من فعل الرجل ومن أمره ~~لتقدم. # وأما الثالث فهو أيضا موافق لنا في عزل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~أبا بكر عن الإمامة وجعله مبلغا يبلغ الناس التكبير للركوع والسجود، إذ لا ~~يجوز أن يكون في الصلاة إمامان، فهو راجع إلى القول الأول فلم يبق إلا ~~الثاني وهو مع ضعفه لمخالفته اتفاق معظم الأمة وقلة القائل به لا يوافق ~~شيئا من رواياتهم، فكيف يصح الاعتماد على هذه الروايات والأقوال مع ما ~~سمعته فيها من الاختلاف؟ ومن أين يحصل الظن فضلا عن القطع بصحة دعوى القوم ~~أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر أبا بكر بالصلاة وحال رواياتهم ~~التي استندوا إليها فيها وأقوالهم ما رأيت؟ # فلا شك أنها بملاحظة الجهات الثلاث المذكورة تكون واضحة البطلان، منهدمة ~~الأركان، على أن بعض المصنفين قد نقل عن كثير من أهل الرواية علماء ~~المعتزلة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما ثقل جاء بلال ليؤذنه ~~بالصلاة فقالت عائشة: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثقيل قد أغمي عليه ~~فلا تؤذه، وقل لأبي بكر فليصل بالناس فخرج إليه فأخبره، فتقدم فسمع النبي ~~(صلى الله ms435 عليه وآله) صوته فقال: (ما هذا) فقالت عائشة أنا أمرت أبا بكر أن ~~يصلي بالناس، فقال: (إنكن صويحبات يوسف) وأخذ بيد علي يتوكأ عليه فخرج ~~وأخرج أبا بكر من الصلاة وصلى بالناس ومات من يومه وهذه الرواية توافق ~~مضمون القصة وتطابق خروج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) متحاملا في حال ~~شدة المرض، وهي مبطلة لدعواهم ويشهد لصحتها ما رواه ابن أبي الحديد عن شيخه ~~من أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما روى قال: (ليصل بهم أحدهم) ولم ~~يعين وكانت صلاة الصبح فخرج رسول الله (صلى الله عليه PageV00P567 # وآله وسلم) وهو في آخر رمق يتهادى بين علي والفضل بن العباس حتى قام في ~~المحرب كما ورد في الخبر ثم دخل فمات ارتفاع الضحى هذا كلامه، وقد سمعت ~~السابق منه وقد ذكر ابن أبي الحديد أن هذا الشيخ كان شديد الاعتزال ولم يكن ~~يتشيع (1) وهذا القول دال أيضا على بطلان ما قاله: إن أبا بكر صلى بالناس ~~قبل موت النبي (صلى الله عليه وآله) بيومين، فهذا حال صلاته وقد سمعت ما ~~فيها من الكلام وبلغت إن شاء الله تعالى في إبطالها غاية المرام. # واعلم أنه ليس مرادنا من إقامة الدليل على بطلان ما ادعوا من كون صلاة ~~الرجل عن أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنها لو صحت أنها بأمر رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) لأوجب ذلك الإمامة أو كانت معارضة للنصوص ~~الواردة على إمامة علي (عليه السلام)، وإنما مرادنا توضيح بطلان تلك الدعوى ~~بالدليل، وبيان أن من تمسكوا بها واعتمدوا عليها تمسكوا بغير متمسك ~~واعتمدوا على غير معتمد لكنهم شبهوا بها على ضعفاء العقول، وناقصي الروية، ~~وشيدها من نصب العداوة لأهل البيت، ورام التوصل إلى اغتصاب مقامهم، ولو أن ~~ذلك كان صحيحا لم يقتض نصا على إمامة الرجل لأن النبي (صلى الله عليه وآله) ~~أمر جماعة كثيرة من أصحابه يصلون بالناس فأمر تارة على المشايخ الثلاثة ~~وغيرهم أبا عبيدة، وأخرى عمرو بن العاص، وخالد بن الوليد ms436 وتارة عليهم وعلى ~~أبي عبيدة معهم أسامة بن زيد وصلوا خلفهم، واستخلف على المدينة في غزواته ~~وسفره رجالا من أصحابه كابن أم مكتوم وغيره، واستخلف في غزوة تبوك عليها ~~أمير المؤمنين، واستخلف على مكة عتاب بن أسيد الأموي يصلي بالناس، وغير ~~هؤلاء ممن استعملهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) على # PageV00P568 # السرايا وعلى البلدان ولم يجعل أحد من مخالفينا صلاة أحد من أولئك بالناس ~~نصا على إمامته ولا مومية إليها، بل ولا يجعلون لواحد منهم فضلا بها ولا ~~يذكرونه بها في مدح ولا تشريف، فما الفارق بين صلاة أبي بكر بالناس لو صح ~~أنها بأمر الرسول (صلى الله عليه وآله) وبين صلاة أولئك المذكورين، على أن ~~الخصوم قد رووا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) صلى خلف عبد الرحمن ~~بن عوف حيث انتهى (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى محل، وعبد الرحمن يصلي ~~بقوم هناك (1) وهذا أعظم منزلة من صلاة أبي بكر بالناس بأمره (صلى الله ~~عليه وآله) وما رأينا عمر ولا غيره جعلوا لعبد الرحمن خلافة بهذا فكيف ~~أوجبت صلاة الإشارة إلى أبي بكر بالخلافة فإن تقع من النصوص الواردة في ~~استخلاف أمير المؤمنين (عليه السلام)؟ ومن أي وجه تقوى على معارضتها؟ هذا ~~كله مع جواز أن يكون التقدم لأبي بكر ما لم يكن على حاضرا أو متمكنا من ~~الحضور، ومن المتفق عليه أن عليا (عليه السلام) لم يكن حاضر المسجد وكان ~~مشغولا بتمريض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يفارقه، خصوصا في ~~ذلك الوقت الذي ثقل فيه حاله كما يدل عليه ما في الروايات من أن النبي (صلى ~~الله عليه وآله) خرج يتوكأ عليه وعلى الفضل بن العباس، فصرحت الروايات لو ~~صحت بأن أبا بكر لم يأمر بالتقدم على علي (عليه السلام) لأنه مع النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) فيختص جواز تقديمه بما إذا لم يكن علي (عليه السلام) ~~حاضرا كما أن تأمير النبي (صلى الله عليه وآله) الأمراء على الجيوش إذا لم ms437 ~~يكن علي (عليه السلام) معهم فإذا كان معهم كان هو الأمير من قبله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) على الكل، وهذا على مجاراة الخصم وجه جامع تزول به ~~المعارضة بين النصين لو صحت المعارضة، والكل - بعون الله وتسديده - # PageV00P569 # ظاهر واضح والشك فيه زائل، والحمد لله على سلوك طريق الصواب. # المسألة الثانية (1) في النص على إمامة العترة المحمدية وينبغي أولا بيان ~~معنى العترة ومن يطلق عليه هذا اللفظ من هذه الأمة على الحقيقة فنقول: قال ~~الشهاب الفيومي في المصباح المنير: العترة نسل الإنسان، قال الأزهري: # وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: إن العترة ولد الرجل وذريته وعقبه من صلبه ~~ولا تعرف العرب من العترة غير ذلك، ويقال: رهطه الأدنون ويقال: # أقرباؤه وعليه قول ابن السكيت: العترة والرهط بمعنى ورهط الرجل قومه ~~وقبيلته الأقربون انتهى وقد اختلفوا في عدد الرهط فقال الأكثر: هو ما دون ~~عشرة من الرجال ليس فيهم امرأة وهو قول أبي زيد، وقيل: من سبعة إلى عشرة ~~وقيل ما فوق العشرة إلى الأربعين وهو قول الأصمعي ونقله ابن فارس، وقيل: هو ~~بمعنى العشيرة وهو المنقول عن ابن السكيت وقريب منه على تأويل قول ثعلب ذكر ~~هذه الأقوال جميعها في المصباح (2) فعلى ما قال الأزهري وابن الأعرابي في ~~معنى العترة فالأمر ظاهر أن عترة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذريته من ~~فاطمة (عليها السلام) وعلى ما قيل أن العترة هي الرهط فعلى جميع الأقوال في ~~معنى الرهط تختص العترة ببني هاشم حتى على قول ابن السكيت، لأن أقرب الناس ~~إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بنو هاشم فهم قومه وعشيرته الأقربون ~~على الحقيقة دون باقي بطون قريش فما سواهم، إنما يقال له عترة النبي (صلى ~~الله عليه وآله) على طريق المجاز والتوسع في الألفاظ أو بالنسبة إلى الأبعد ~~كالقرشي بالنسبة إلى باقي بطون مضر، وكالمضري بالنسبة إلى الربيعي ~~والأيادي، وكالنزاري بالنسبة إلى القحطاني، وقد قال المعتزلي ذلك واعترف به ~~قال: وعترة النبي (صلى # PageV00P570 # الله عليه وآله وسلم) أهله الأدنون ms438 ونسله، وليس بصحيح قول من قال إنهم ~~رهطه وإن بعدوا، وإنما قال أبو بكر يوم السقيفة أو بعده: نحن عترة رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) وبيضته التي تفقأت عنه، على طريق المجاز لأنهم ~~بالنسبة إلى الأنصار عترة له لا في الحقيقة، ألا ترى أن العدناني يفاخر ~~القحطاني، فيقول أنا ابن عم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليس يعني أنه ~~ابن عمه على الحقيقة وإنما هو بالإضافة إلى القحطاني ابن عمه (1) انتهى. # وحكى أحمد بن يحيى الشيباني عن محمد بن عبد الجبار عن أبي العباس ثعلب عن ~~ابن الأعرابي: إن العترة ولد الضب وذريته من صلبه ولذلك سميت ذرية محمد ~~(صلى الله عليه وآله) من علي وفاطمة (عليهم السلام) عترة محمد قال ثعلب: ~~فقلت لابن الأعرابي: فما معنى قول أبي بكر في السقيفة: نحن عترة رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) قال: فإن قال أراد بلدته وبيضته وعترة محمد (صلى الله ~~عليه وآله) ولد فاطمة (2) انتهى. # قلت: ويؤيد ذلك أن عليا (عليه السلام) لما احتج على أبي بكر وأصحابه ~~بالقرابة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) حيث احتجوا هم بها على الأنصار ~~لم يجيبوه بأنا وإياك جمعيا عترة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا ~~مزية لك علينا في ذلك بل سلموا له القرابة دونهم وأجابوه بغير ذلك من ~~الأعذار كحداثة السن وغير ذلك مما تقدم في الرواية، وهو ظاهر إن لم يكن ~~صريحا في أن المعروف عند العرب بحيث لا ينكر أن العترة هم الأدنون من الرجل ~~نسبا والأشدون به نوطا دون الأباعد في النسب وإن كانوا من القبيلة ~~والعشيرة، وأن إطلاق لفظ العترة على غيرهم إنما هو على # PageV00P571 # ضرب من المجاز فعترة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هم الأقربون منه ~~وشيجة، والأدنون منه نسبا، من بني هاشم دون غيرهم من قريش، هذا باعتبار ~~اللغة العربية، وأما باعتبار العرف الشرعي فإن العترة هم أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) وفاطمة وولداهما الحسن والحسين والأئمة من ذرية الحسين ~~(عليهم ms439 السلام) قال ابن أبي الحديد: وقد بين رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) عترته من هي لما قال: (إني تارك فيكم الثقلين) فقال: # (عترتي أهل بيتي) وبين من أهل بيته حين طرح عليهم كساء وقال حين نزلت: ~~[إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس]: (اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب الرجس ~~عنهم) فإن قلت: فمن هي العترة التي عناها أمير المؤمنين بهذا الكلام قلت: ~~نفسه ووالده والأصل في الحقيقة نفسه، لأن ولديه تابعان له ونسبتهما إليه ~~نسبة الكواكب المضيئة مع طلوع الشمس المشرقة، وقد نبه النبي (صلى الله عليه ~~وآله) على ذلك بقوله: (وأبوهما خير منهما) (1) انتهى. # قلت عني المعتزلي بالكلام قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في الخطبة ~~التي هذا الكلام من جملة شرحها: (وكيف تعمهون وفيكم عترة نبيكم) وأما البيت ~~فسيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى. # وقال في الصواعق: المراد باهل البيت والآل وذوي القربى في كل ما جاء في ~~فضلهم مؤمنو بني هاشم والمطلب وكان الثلاثة العترة فالألفاظ الأربعة بمعنى ~~واحد. # قلت لعمري إن الألفاظ الأربعة بمعنى واحد، لكن ليس المراد منها إلا عليا ~~وفاطمة وابنيهما كما قال به أكثر القوم من المتقدمين والمتأخرين كأبي عامر # PageV00P572 # الشعبي ويحيى بن يعمر وابن الأعرابي ومحمد بن طلحة الشافعي وظاهر الحسن ~~البصري، ويشهد لذلك ما روى أهل الصحاح ممن لا ينكر روايتهم معتزلي ولا ~~أشعري وهم الطبراني وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو الحسن البغوي في تفسيره ~~عن ابن عباس أنه لما نزلت: [قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى] ~~(1) قالوا: يا رسول الله من قرابتك الذين نزلت فيهم الآية قال: # (علي وفاطمة وابناهما) ولفظ البغوي من هؤلاء الذين أمرنا الله بمودتهم ~~قال: # (علي الخ) وغيره سيأتي على كثرته وهو مبطل لما قاله ابن حجر وما قال غيره ~~مما يخالف ما ذكرناه. # وروى الديلمي عن ابن أبي سعيد أنه يعني النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~قال: (اشتد غضب الله على من آذاني في عترتي) (2) وروى أبو داود ms440 الطيالسي عن ~~عبد الرحمن بن عوف (وأوصيكم بعترتي خيرا وأن موعدكم الحوض) فالمعنى بهذا ~~علي (عليه السلام) وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)، وقد صح في ~~أخبارهم أن الحسن والحسين ذرية رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبنوه لصلبه ~~وقد تقدم أن العترة ذرية الرجل وعقبه من صلب. # فمن ذلك ما رواه الطبراني مرفوعا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ~~(إن الله جعل ذرية كل نبي من صلبه وجعل ذريتي في صلب علي بن أبي طالب) (3) ~~وأخرج الطبراني وغيره أنه (صلى الله عليه وآله # PageV00P573 # وسلم) قال: (كل بني أم ينتمون إلى عصبتهم إلا ولد فاطمة فأنا وليهم وأنا ~~عصبتهم) (1). # قال محمد الصبان الشافعي في إسعاف الراغبين وفي رواية صحيحة (كل بني أنثى ~~عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة فإني أنا أبوهم وعصبتهم) (2) إلى غير ذلك ~~ومما يدل على أن ذرية الحسين عترة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما ~~أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة والبيهقي وآخرون عنه (صلى الله ~~عليه وآله) (المهدي من عترتي) (3) وما أخرج أحمد والترمذي وأبو داود وابن ~~ماجة عن النبي (صلى الله عليه وآله): (لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث ~~الله فيه رجلا من عترتي يملأها عدلا كما ملئت جورا) (4) وأخرج الحاكم في ~~صحيحه عنه (صلى الله عليه وآله): # (يحل بأمتي في آخر الزمان بلاء شديد من سلطانهم لم يسمع ببلاء أشد منه ~~حتى لا يجد الرجل ملجأ فيبعث الله رجلا من عترتي أهل بيتي يملأ الأرض قسطا ~~وعدلا) (5) الخبر. # وأخرج أبو نعيم عنه (صلى الله عليه وآله): (ليبعثن الله رجلا من عترتي ~~أفرق الثنايا أجلا الجبهة يملأ الأرض عدلا يفيض المال فيضا) (6). # PageV00P574 # وأخرج أحمد والماوردي أنه (صلى الله عليه وآله) قال: (أبشروا بالمهدي رجل ~~من قريش من عترتي يخرج في اختلاف من الناس وزلزال فيملأ الأرض عدلا وقسطا) ~~(1) الخبر إلى غير ذلك وكل هذه الأخبار مصرحة بأن المهدي من عترة رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) والمهدي من ذرية الحسين (عليه ms441 السلام) كما سنبينه، ~~فيكون ذرية الحسين من عترة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وذوي قرباه وأهل ~~بيته وآله، وبهذا يبطل ما ذكره المعتزلي من اختصاص العترة بعلي (عليه ~~السلام) والحسن والحسين، نعم إن أريد أنهم الأصل في العترة والأئمة بعدهم ~~تابعون لهم في ذلك كان صحيحا لا إشكال فيه، لأن وصلتهم بالنبي (صلى الله ~~عليه وآله) بسبب أولئك الكرام صلوات الله عليهم أجمعين. # والإمامة يختص بها العترة بهذا المعنى الخاص لا بما يفيده أصل اللغة ~~العربية فيختص بها أطائب عترة علي (عليه السلام) وأبرار ذريته، لأن هؤلاء ~~هم عترة النبي (صلى الله عليه وآله) شرعا كما ذكرناه، وقد أشار أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) إلى هذا في خطبة رواها المعتزلي عن شيخه الجاحظ عن ~~أبي عبيدة وهي طويلة ومحل الاستدلال منها قوله (عليه السلام): # (ألا إن أبرار عترتي، وأطائب أرومتي، أحلم الناس صغارا، وأعلم الناس ~~كبارا ألا وإنا أهل بيت من علم الله علمنا، وبحكم الله حكمنا، ومن قول صادق ~~سمعنا فإن تتبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا) الخطبة (2) حيث جعل الاقتداء بهم ~~كالاقتداء ورتب عليه الاهتداء، وهذا الكلام مشير إلى أهل الطهارة والعلم ~~الغزير والحلم الواسع من ذريته (عليه السلام)، ولم يكن # PageV00P575 # بهذا الوصف إلا أئمتنا المعروفون ذرية الحسين (عليهم السلام)، لأنهم ~~تميزوا عن جميع الذرية المحمدية والسلالة الحيدرية بغزارة العلم وسعة ~~الحلم، وصحة اليقين، وصدق النية، والزهد في الدنيا، شهد بذلك هم أولياؤهم ~~وأعداؤهم ومن قال بإمامتهم ومن لم يقل بها، هذا دليل واضح على صحة مذهب ~~الإمامية من أصحابنا ومبطل لما سواه من مذاهب فرق الشيعة وغيرهم، فالأئمة ~~الأحد عشر من ذرية أمير المؤمنين هم العترة بالمعنى الخاص، فما ورد من ~~النصوص الدالة على إمامة العترة فهو مختص بهم دون غيرهم من باقي الذرية، ~~وكما يختص بهم ما ورد من النص على العترة كذلك يختص بهم ما ورد من النص على ~~ذوي القربى وأهل البيت والآل بالمعنى الخاص لاتفاق الألفاظ الأربعة في ~~المعنى كما سمعت، والذي يدل على أن ms442 العترة بالمعنى الأخص مختص بالأئمة دون ~~سائر ذرية الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ما رواه ابن أبي الحديد عن ~~حلية الأولياء فيما تقدم من قول النبي (صلى الله عليه وآله) وليقتد بالأئمة ~~من بعدي فإنهم عترتي خلقوا من طينتي) الخبر فإنه صريح في أن العترة هم ~~الأئمة وأن الأئمة هم العترة، وأن من ليس من العترة ليس بإمام، ومن ليس ~~بإمام ليس من العترة لإفادة الحمل ذلك لأنه في القضية المذكورة بمعنى حمل ~~الشئ على الآخر على أنه هو هو لا الحمل المشهور ومثله قوله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) في حديث الثقلين (كتاب الله وعترتي أهل بيتي) لمعلومية أن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يأمر الأمة بالتمسك إلا بمن كان من الذرية ~~معروفا بالطهارة والعلم والزهد والورع، معلوما بملازمة القرآن، غير مخالف ~~لأحكامه ولا صادف عنه إلى غيره من رأي أو قياس أو غير ذلك، ولا يكون كذلك ~~إلا من اجتباه الله وهداه وسدده وأيده، وهذه صفة الإمام على ما يقول ~~أصحابنا، وليس كل الذرية الفاطمية على الوصف لأن منهم من قاصر العلم، ومنهم ~~من لا علم له، ومنهم من ليس مرضيا مذهبه ولا محمودا هديه، فليس يجوز أن ~~PageV00P576 # يأمر النبي (صلى الله عليه وآله) بالتمسك بمثل هؤلاء، ولما كان العترة ~~يختص بها من أمر النبي (صلى الله عليه وآله) بالتمسك به، وهو يختص بمن جمع ~~أوصاف الإمامة كان الأئمة هم العترة والعترة هم الأئمة، وهم أهل البيت ~~أيضا، ويدل عليه أيضا قول أمير المؤمنين في الخطبة التي قدمنا ذكرها: (فإنه ~~لما قبض الله نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) قلنا نحن أهله وورثته وعترته) ~~(1) لظهور أنه (عليه السلام) لا يريد باستحقاق الإمامة وخلافة النبي (صلى ~~الله عليه وآله) إلا نفسه وولديه دون باقي بني هاشم كأخيه عقيل وغيره، ~~وسيأتي في ذكر النصوص ما يعاضد هذا الدليل ويزيد هذا المعنى توضيحا وبيانا، ~~وقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في المهدي (رجلا من عترتي) يعني أنه ms443 ~~من الأئمة، لأنا نقول إنه خاتمهم وتمام عدتهم فلا نقض علينا به إذ ليس ~~يتعين أن المراد به رجلا من ذريتي، لأن المعنى الأول يقتضيه فصح من هذا أن ~~كلما ورد من النصوص القرآنية والنبوية الدالة على إمامة العترة أو ذوي ~~القربى أو أهل البيت أو الآل أو وجوب مودتهم أو التمسك بهم أو عصمتهم عن ~~مقارفة الذنوب فيراد بهم الأئمة (عليهم السلام) فهو شامل لهم بالتبعية وإن ~~كان موردها في أمير المؤمنين (عليه السلام) والحسنين بالأصالة للمماثلة ~~الحاصلة والمشابهة الصحيحة، وسيأتي للفظ ذوي القربى وأهل البيت والآل زيادة ~~توضيح وتصريح في ذكر الأدلة إن شاء الله بما يزيد شبهات المشبهين فترقب. # إذا تقرر هذا فلنذكر النصوص على العترة، واعلم أنها أنواع. # فمنها ما ورد بلفظ الإمامة وما ورد بلفظ التمسك ومنها ما ورد بلفظ ~~السيادة، ومنها ما ورد بلفظ المودة والمحبة وغير ذلك، وسنذكرها مفصلة. # PageV00P577 # فما ورد بلفظ الإمامة الحديث المتقدم عن الحلية وهو قول النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) (من سره أن يحيى حياتي ويموت مماتي ويسكن جنة عدن التي ~~غرسها ربي فليوال عليا من بعدي وليوال وليه وليقتد بالأئمة من بعدي فإنهم ~~عترتي، خلقوا من فاضل طينتي، ورزقوا فهما وعلما فويل للمكذبين من أمتي ~~القاطعين فيهم صلتي لا أنالهم الله شفاعتي وهذا الخبر صريح في النص على ~~إمامة العترة الطاهرة بما لا مزيد عليه من الصراحة وذلك من وجوه. # الأول إيجابه الاقتداء بهم ولا يجب الاقتداء عينا إلا بالإمام. # الثاني تسميتهم أئمة وهو أصرح الألفاظ في الإمامة العامة، إذ من المعلوم ~~أنه لا يريد هنا مطلق الأئمة كإمام الجماعة وإمام الحاج وأمراء البلدان ~~والجيوش والفقهاء ولا يحتمل كلامه ذلك لأن وصفهم بأنهم عترته وما بعده من ~~الأوصاف موجب لإخراج المذكورين منهم، ويخصص الأئمة بالخلفاء المستحقين ~~لمقامه. # الثالث خلقهم من فاضل طينته فإنه يدل على الوصلة التامة والمماثلة الخاصة ~~كما ذكرنا سابقا في خلق علي من نور النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وذلك ~~يقتضي كونهم قائمين ms444 مقامه وحالين في منزلته وحيث امتنعت فيهم النبوة لختمها ~~به فهم قائمون مقامه في الإمامة فيكونون خلفاءه على الأمة. # الرابع قوله: (رزقوا فهما وعلما) فإنه مصرح بأنهم كانوا مستحقين للإمامة ~~لأن الله اختصهم بالفهم والعلم فهم أحق بمنصب الرسول (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وأولى بخلافته ممن ليس له هذه الصفة وفيه إشارة إلى أنه لا يجوز لمن ~~يجهل شيئا من أمر الأمة في دينهم أن يكون إماما وهو حقيقة قول أصحابنا ~~ونصه. PageV00P578 # الخامس قوله: (فويل للمكذبين من أمتي) الخ فإنه صريح في أن من كذب ~~بإمامتهم فقد استحق الويل وقطع صلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان ~~أهلا لحرمان الشفاعة والخلود في الهاوية، فهو في مقابلة المقتدي فإنه مستحق ~~لأن يحيى حياة النبي (صلى الله عليه وآله) ويموت مماته ويدخل جنة عدن التي ~~غرسها ربه وأي نص أصرح من هذا النص في الإمامة لولا تنكب القوم الطريق ~~وسلوكهم في المضيق. # ومنه قول النبي (صلى الله عليه وآله) للحسن والحسين (عليهما السلام): ~~(أنتما الإمامان ولأمكما الشفاعة) في حديث رواه في المناقب مختصر مناقب ~~الحافظ أبي عبد الله محمد بن يوسف البلخي الشافعي نقلا من مسند أحمد بن ~~حنبل (1) وهو صريح في المطلوب لا يحتاج إلى بيان. # وما ورد بلفظ التمسك الخبر المتواتر وهو قول النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) في خطبته: (أيها الناس إنما أنا بشر مثلكم يوشك أن يأتيني رسول ربي ~~فأجيب، وإني تارك فيكم ثقلين كتاب الله فيه الهدى والنور فتمسكوا بكتاب ~~الله عز وجل وخذوا به وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في ~~أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي) وفي رواية: # (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي) والروايتان بهذا اللفظ لمسلم ~~بن الحجاج القشيري في صحيحه (2) وأما لفظ أحمد بن حنبل فهذا: (إني أوشك أن ~~أدعى فأجيب وإني تارك فيكم الثقلين كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى ~~الأرض، وعترتي أهل بيتي وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى ms445 يردا ~~على الحوض فانظروا بما تخلفوني فيهما) (3) ولفظ ابن أبي # PageV00P579 # الحديد: (خلفت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي حبلان ممدودان من ~~السماء إلى الأرض لا يفترقان حتى يردا على الحوض) وفي رواية: (قد خلفت فيكم ~~ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وأهل بيتي) إلى تمام الأول وفيه ~~زيادة (حوضي ما بين بصرى وصنعاء عدد آنيته عدد النجوم إن الله مسائلكم كيف ~~خلفتموني في كتابه وأهل بيتي) وهذا اللفظ للزهري وذكره في حديث الغدير وهذا ~~الخبر على اختلاف لفظ رواته صريح في النص على العترة بالإمامة وإنه (صلى ~~الله عليه وآله) عهد بذلك إلى الناس حين تحقق دنو انتقاله من الدنيا إلى ~~الرفيق الأعلى، ألا ترى إلى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) (يوشك أن ~~يأتيني رسول ربي) و (أوشك أن أدعى فأجيب) فإنه مشعر بذلك ومنبه لهم على قرب ~~رحيله عنهم، لأن أوشك فعل معناه المقاربة ومشارفة الأمر، وأصرح منه في ذلك ~~قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في رواية أبي الفتوح أسعد بن أبي الفضائل ~~في كتابه الموجز في فضل الخلفاء الأربعة: (أيها الناس إني قد نبأني اللطيف ~~الخبير أنه لن يعمر نبي إلا نصف عمر النبي الذي كان قبله، وإني لأظن بأني ~~أدعى فأجيب) الخبر (1) فأوصاهم بالتمسك بالكتاب والعترة، ولا معنى للتمسك ~~إلا الأخذ بأحكامهما والرجوع إليها عند الاختلاف، فهذا معنى الإمامة، ~~فالكتاب الإمام الصامت، والعترة الإمام الناطق، كل منهما يصدق صاحبه، فلا ~~يجوز لأحد مخالفة واحد منهما وبين (صلى الله عليه وآله) أن التمسك بهما ~~عاصم من الضلالة ومخالفتهما موجبة للهلاك، وصرح بأنهما حبلان ممدودان من ~~السماء إلى الأرض، فهما وصلة بين الله وبين خلقه، من اقتدى بهما توصل إلى ~~مرضاة الله، ومن تركهما باء بسخط من الله، إذ لا سبب إلى الله بعد # PageV00P580 # النبي (صلى الله عليه وآله) غيرهما، فأي دليل على الإمامة ووجوب الطاعة ~~وتحريم عصيان العترة أدل من هذا وبه يبطل قول من قال: إن النبي (صلى الله ~~عليه وآله) ms446 لم يوص، أفليست هذه وصية صريحة وإيجاب طاعة للعترة على الناس ~~ظاهرا، فأبلغ شاهد من هذا يريد منا الخصوم كابن أبي الحديد وأشباهه من ~~المنكرين النص وتأمل إلى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) (أذكركم الله في ~~أهل بيتي) ويكررها ثلاثا وقوله: (فانظروا كيف تخلفوني فيهما) وقوله: (إن ~~الله مسائلكم كيف خلفتموني في كتابه وأهل بيتي) فإنك تجده صريحا في التوصية ~~بطاعتهم، والانقياد لأمرهم، وتحريم مخالفتهم، والتوعد عليها بأعظم القول، ~~وأبلغ الوصية، افترى الوصية بالإمامة تحتاج إلى أكثر من هذا اللفظ أو تزيد ~~على هذا القول حتى يقال: إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يوص إلى ~~أحد بعينه بعد إقرارهم بصدور هذا الكلام عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ ~~وفي قوله: (صلى الله عليه وآله وسلم): (لا يفترقان حتى يراد علي الحوض) ~~إيماء بل دلالة على بقاء الإمامة واستمرارها إلى انقضاء زمان التكليف، ~~وإنها لا تنقطع وقد بين هذا في مقدمة الكتاب بأحسن بيان. # واعلم إنما أبطلت دلالة هذه الأدلة على الإمامة عند المخالفين، وقالوا: # لا وصية ولا نص من النبي (صلى الله عليه وآله) على أحد بعينه، مع وضوحها ~~وكونهم ذوي فطن شبهة خلافة الثلاثة وتقدمهم ووثوقهم في الصحابة على جهل ~~وتقليد واتباعهم السواد الأعظم فقابلوا الصريح في خلافهم بالأغراض ونظروا ~~إليه نظرا اغماض فقد لعمري تركوا الحق وسفهوا الهدى [ولو أنهم فعلوا ما ~~يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا]. # وما ورد بلفظ السيادة الحديث المتواتر وهو قول النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) للحسن والحسين: (هما سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير PageV00P581 # منهما) (1) وفي بعض الروايات بصورة الخطاب (أنتما سيدا شباب أهل الجنة ~~وأبوكما خير منكما) (2) ولفظ المسند لأحمد بن حنبل عن حذيفة بن اليمان: # (إن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وفاطمة سيدة نساء العالمين) (3) ~~فلفظ الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة متفق عليه وقد تقدم من البيان إن ~~السيادة بمعنى الرئاسة والطاعة كما يقال: فلان سيد بني فلان يعني رئيسهم ~~المطاع فيهم وأكرمهم، ms447 وأصل السيادة الملك، ومنه سمي مالك العبد سيده، وسمي ~~الزوج سيدا للمرأة لأنه يملك أمرها، ثم استعمل اللفظ في المجد والشرف، كل ~~ذا نص عليه أهل اللغة، وبالجملة فالسيد إذا أطلق في العرف العام من دون ~~قرنية دل على الرئاسة والمجد والشرف وإذا أطلق شرعا ولم تكن ثمة قرنية تعين ~~أحد معانيه فإنه يفهم منه مالك الأمر الذي تجب طاعته، فلما كان الحسن ~~والحسين سيدي شباب أهل الجنة كان معنى ذلك أنهما أشرف أهل الجنة، ولا يجوز ~~أن يكونا أشرف أهل الجنة وهما في الدنيا مشروفان، بل يجب أن يكونا في ~~الدنيا هما الرئيسان المطاعان ليحصل لهما الشرف العالي بعد أبويهما محمد ~~وعلي صلوات الله عليهما وآلهما، فهذا القول من النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فيهما إظهارا لإمامتهما إذ لا يكون سيد في الجنة إلا وهو السيد في ~~الدنيا ويشهد لذلك صريحا قول النبي (صلى الله عليه وآله) في حديث ذكره كثير ~~من المحدثين ورواه المعتزلي في شرحه (سادة أهل المحشر سادة أهل الدنيا أنا ~~وعلي وحسن وحسين وحمزة وجعفر) (4) فقد ثبت بهذا الحديث أن الحسن والحسين ~~سيدا أهل الدنيا كما # PageV00P582 # أنهما سيدا أهل الجنة فيكونان الرئيسين الذين تجب طاعتهما. # فإن قيل: لفظ السيادة لا يدل على ملك الأمر والرئاسة في هذا الحديث وإنما ~~يدل على المجد والشرف فيستفاد منه الأفضلية فقط، لأن حمزة وجعفر ليسا عندكم ~~بإمامين، وقد أثبت لهما النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) السيادة فلو كان ~~المراد بها هنا الإمامة لأخرجهما النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) منها ~~لأنه لازم على قولكم وحيث لم يخرجهما وجب أن يكون أراد (صلى الله عليه ~~وآله) بالسيادة هنا الأفضلية دون الرئاسة العامة. # قلنا: إنا قد بينا أن لفظ السيادة له معان متعددة وأن الأصل فيه ملك ~~الأمر، وأنه إذا أطلق بدون قرينة انصرف إلى هذا المعنى، وإن قامت قرينة على ~~بعض معانيه انصرف إليه بسببها، فالقرينة هنا في حمزة وجعفر المعينة لإرادة ~~المجد والشرف من سيادتهما قائمة وهي ms448 الاتفاق الحاصل من الأمة على أنهما ~~ليسا بإمامين فتنصرف السيادة المنسوبة إليهما إلى الأفضلية تقديما للدليل ~~القاطع على الظاهر وذلك بخلاف الحسن والحسين فإن جميع الشيعة يقولون ~~بإمامتهما من جهة النص وقوم من الصحابة والتابعين قائلون بها فلا قرينة ~~تصرف معنى السيادة فيهما إلى غير الرئاسة العامة التي هي بمعنى الإمامة. # وقولك: يلزم على قولكم أن السيادة بمعنى الإمامة إخراج حمزة وجعفر منها ~~لأنهما ليسا بإمامين عندكم. # قلنا لا يلزم ذلك فإنه غاية الأمر لزوم استعمال اللفظ المشترك في كلا ~~معنييه على قولنا ولا بأس به فقد أجازه جملة من الأصوليين ويشهد لصحته ~~وروده في القرآن الكريم قال الله تعالى: [هو الذي يصلي عليكم وملائكته] ~~قوله تعالى: [إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا ~~عليه PageV00P583 # وسلموا تسليما] (1) فجمع في اللفظ بين صلاة الله وهي الرحمة وبين صلاة ~~الملائكة وهي الاستغفار واستعمل اللفظ فيهما معا على اختلافهما فزال ~~الايراد ثم يقال ويلزم على قولك أيضا ما نريده لأنا نوجب الإمامة للأفضل ~~ويفهم من كلام قوم من العامة القرب إلى اختيار ذلك فإذا كان الحسنان أفضل ~~الناس وجبت لهما الإمامة وكان الخبر نصا على إمامتهما، وما ذكره المعتزلة ~~من جواز تقديم المفضول على الأفضل قد أبطلناه فيما سبق، ثم إن الخبر نص في ~~أفضلية أمير المؤمنين والحسنين وحمزة وجعفر على جميع الصحابة ومن بعدهم ~~وبذلك قال ابن أبي الحديد وجمع كثير من أصحابه والمعتزلة كجعفر بن مبشر ~~وبشر بن المعتمر وأبي موسى وسائر قد ماء البغداديين من المعتزلة، وأبي ~~القاسم البلخي وأبي الحسين الخياط وهو شيخ المتأخرين من معتزلة بغداد، وأبي ~~جعفر الإسكافي والتفضيل عندهم مرتب بين الخمسة فالأفضل علي ثم الحسن ثم ~~الحسين ثم حمزة ثم جعفر ثم بعده أبو بكر ثم عمر ثم عثمان (2). # قال أبو جعفر الإسكافي في هذا المقام: والمراد بالأفضل أكرمهم عند الله ، ~~وأكثرهم ثوابا، وأرفعهم في دار الجزاء منزلة (3). # وقال ابن أبي الحديد: أعجبني هذا المذهب وسررت بأن ذهب الكثير من شيوخنا ms449 ~~إليه. # قلت: ويدل على أفضلية حمزة وجعفر على ما سوى علي والحسنين من الصحابة قول ~~النبي (صلى الله عليه وآله) (خير الناس حمزة وجعفر) وعلى ما رواه أبو الفرج ~~الاصفهاني وغيره من محدثي القوم وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لجعفر: ~~(اشبهت خلقي وخلقي) ذكره ابن أبي الحديد # PageV00P584 # وغيره (1) وقوله (صلى الله عليه وآله): (حمزة سيد الشهداء) وهو خبر مشهور ~~بل متواتر وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لجعفر: (خلق الناس من أشجار شتى ~~وخلقت أنا وجعفر من شجرة واحدة) أو قال: # (طينة واحدة رواه أبو الفرج أيضا (2) وغيره. # ولما قدم جعفر من الحبشة وقد فتحت خيبر التزمه وجعل يقبل عينيه ويقول: ~~(ما أدري بأيهما أنا أشد فرحا بقدوم جعفر أم بفتح خيبر) ذكره جملة من ~~المحدثين (3) وما أولانا هنا بذكر أبيات في هذا المعنى لحسان بن ثابت من ~~قصيدة يرثي بها جعفر وأصحابه بمؤتة قال في جملتها: # رأيت خيار المسلمين تواردوا * شعوب وخلق بعدهم يتأخر غداة غدوا بالمؤمنين ~~يقودهم * إلى الموت ميمون النقيبة أزهر أغر كضوء البدر من آل هاشم * أبي ~~إذا سيم الظلامة أصعر وكنا نرى في جعفر من محمد * وقارا وأمرا حازما حين ~~يأمر وما زال في الإسلام من آل هاشم * دعائم صدق لا ترام ومفخر هم جبل ~~الإسلام والناس حولهم * رضام إلى طود يطول ويقهر بها ليل منهم جعفر وابن ~~أمه * علي ومنهم أحمد المتخير وحمزة والعباس منهم ومنهم * عقيل وماء العود ~~من حيث يعصر بهم تفرج الغماء في كل مأزق * عماس إذا ما ضاق بالناس مصدر هم ~~أولياء الله أنزل حكمه * عليهم وفيهم والكتاب المطهر # PageV00P585 # روى ذلك محمد بن إسحاق بن يسار في كتاب المغازي (1) وما أدري ما تصنع ~~الأشاعرة في هذا الحديث الذي صرح بأفضلية حمزة وجعفر على أئمتهم؟ وما ذا ~~يقولون فيه وقد رواه محدثوهم كالديلمي وغيره ولفظه في روايته (نحن بنو عبد ~~المطلب سادات أهل الجنة أنا وحمزة وجعفر والحسن والحسين والمهدي) مع أنهم ~~يقولون إن أفضل الصحابة أبو بكر ثم عمر ms450 ثم عثمان، ويبنون على ذلك ثبوت ~~إمامتهم وهذا الحديث وغيره يبطل ما زعموه، ولازم ذلك بطلان إمامة مشائخهم ~~كما ترى وما عسى أن أقول في الفريقين فإن كلا منهما فارق الصواب وتاه في ~~غمرات الشك والارتياب. # ثم نرجع إلى إتمام الكلام واستيفاء المرام في إثبات النص على السبطين ~~بالإمامة فنقول: ومما يصرح بما ذكرناه من ذهاب قوم من الصحابة إلى إمامة ~~الحسنين من جهة النص ما رواه ابن أبي الحديد قال: لما تقاعس محمد يوم الجمل ~~وحمل علي بالراية فضعضع أركان عسكر الجمل دفع إليه الراية وقال امح الأولى ~~بأخرى وهذه الأنصار معك وضم إليه خزيمة بن ثابت ذا الشهادتين في جمع من ~~الأنصار كثير منهم من أهل بدر فحمل حملات كثيرة أزال بها القوم عن مواقفهم ~~وابلا بلاء حسنا فقال خزيمة بن ثابت لعلي (عليه السلام) أما أنه لو كان غير ~~محمد اليوم لافتضح إلى أن قال وقالت الأنصار: # يا أمير المؤمنين لولا ما جعل الله للحسن والحسين ما قدمنا على محمد أحدا ~~من العرب، فقال علي (عليه السلام): " أين النجم من الشمس والقمر أما إنه قد ~~أغنى وابلا وله فضله " إلى أن قال: فقالوا: يا أمير المؤمنين إنا والله ما ~~نجعله كالحسن والحسين ولا نظلمهما له ولا نظلمه لفضلهما عليه # PageV00P586 # حقه قال: فقال خزيمة بن ثابت فيه: # محمد ما في عودك اليوم وصمة * ولا كنت في الحرب الضروس مغردا أبوك الذي ~~لم يركب الخيل مثله * على وسماك النبي محمدا وأنت بحمد الله أطول غالب * ~~لسانا وأنداها بما ملكت يدا وأقربها من كل خير تريده * قريش وأوفاها إذا ~~قال موعدا وأطعنهم صدر الكمي برمجه * وأكساهم للهام عضبا مهندا سوى أخويك ~~السيدين كلاهما * إمام الورى والداعيان إلى الهدى الأبيات.. (1) فأثبت ~~خزيمة (رحمه الله) لهما الإمامة بمحضر من الأنصار وغيرهم من الصحابة، ولا ~~يجوز ذلك لغير نص إذ على القول بأن الإمامة لا تثبت إلا باختيار المسلمين، ~~ولا يكون الإمام إماما إلا بالبيعة من نفر تثبت بمبايعتهم له الإمامة ~~والحسن والحسين ms451 إذ ذاك غير إمامين إذ لم تجر لهما بيعة ولا وقع للمسلمين ~~اختيار فيهما فيكون إثبات الإمامة لهما غير جائز، ولكان أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) والصحابة لا يقرون خزيمة على ذلك، لكنه أثبت لهما الإمامة ~~وهو ذو الشهادتين وقرره علي (عليه السلام) الذي لا يقرر على باطل قط وخيار ~~الصحابة فيجب أن يكون استفاد إمامتهما من النص وباقي الجماعة مطلعون على ~~ذلك فلنا ما قرروه على ما قال فيثبت المطلوب، وما ذلك النص إلى ما نذكره ها ~~هنا وأمثاله مما رواه الصحابة. # وروى ابن أبي الحديد أيضا عن نصر بن مزاحم في حديث قال: قام الأعور الشني ~~إلى علي (عليه السلام) في صفين فقال: يا أمير المؤمنين زاد الله في سرورك ~~وهداك، نظرت بنور الله فقدمت رجالا وأخرت رجالا عليك أن تقول وعلينا أن ~~نفعل أنت الإمام فإن هلكت فهذان يعني حسنا وحسينا # PageV00P587 # الحديث (1) والأمر فيه كالأول فإنه أثبت للحسن والحسين الإمامة، فإن كان ~~من حيث البيعة لهما فلم تجر لهما بيعة على الناس في ذلك الوقت، وإن كان لنص ~~معلوم عن النبي (صلى الله عليه وآله) بين الصحابة والتابعين، أو لأن ~~الإمامة ميراث النبي (صلى الله عليه وآله) فهي لأقرب الناس إليه وهما ~~الأقرب، فقد ثبت ما نقول وتقرير أمير المؤمنين (عليه السلام) إياه مع باقي ~~الجماعة الأخيار حجة ظاهرة في المقصود. # وما ورد بلفظ المودة فقوله تعالى: [قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في ~~القربى] (2) وينبغي أولا أن نذكر من المراد بالقربى ثم نبين بعد ذلك دلالة ~~الآية على الإمامة. # فنقول قد ذكرنا في بيان العترة ما يدل من الأخبار صريحا على أن القربى ~~علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) وابن أبي الحديد قد وافقنا على ~~ذلك وأثبت أن القربى في الآية هم العترة، وقد سمعتن النقل عنه هنالك أن ~~العترة مختصة بمن ذكرناهم دون باقي العشيرة وسائر الذرية، وتقدم عن ابن حجر ~~في الصواعق: إن القربى مؤمنو بني هاشم والمطلب، وقال صاحب المواهب: المراد ~~بالقربى من ms452 ينسب إلى جده الأقرب عبد المطلب، وقال ابن عطية: قريش كلها ~~قربى، وقال في إسعاف الراغبين: # وفي الآية تفسير آخر وهو أن المعنى ولكن أسألكم أن تودوني وتكفوا عني ~~أذاكم بسبب ما بيني وبينكم من القرابة انتهى (3) ولا ريب في بعد هذا المعنى ~~أو عدم كونه مقصودا من اللفظ، لأنه لو كان هذا هو المراد تعين أن تكون ~~الآية خاصة بقريش أو ببعضهم على ما يقتضيه معنى القرابة في اللغة فيكون # PageV00P588 # الخطاب لهم خاصة دون باقي الأمة فلا تجب عليهم مودة النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) من هذه الآية لفقدان سببها فيهم وهو القرابة بين النبي (صلى ~~الله عليه وآله) وبينهم، وهذا باطل قطعا والاتفاق على أن الخطاب في الآية ~~لجميع الأمة حاصل فالوجه المذكور فاسد باليقين. # وأخبرني بعض الإخوان عن بعض أهل التعصب أنه كان يقول: أن المراد بالقربى ~~العمل والمعنى قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة فيما يقربكم إلى الله وهو ~~أقرب إلى اللفظ من سابقه لكنه مقدوح فيه بما ذكره جماعة من أهل اللغة من أن ~~القربى لا يستعمل إلا في الزحم كالقرابة، والقرابة فيما يقرب إلى الله ~~تعالى ذكره في المصباح المنير وتبطل هذه الأقوال جميعها غير الأول بما ~~قدمنا في معنى العترة من قول النبي (صلى الله عليه وآله) لما نزلت الآية ~~فسئل من قرابتك الذين نزلت فيهم الآية؟ قال: (علي وفاطمة وابناهما) وما ~~رواه السدي عن أبي مالك عن ابن عباس في قوله تعالى: [ومن يقترف حسنة نزد له ~~فيها حسنا] (1) قال: " المودة لآل محمد " (2) ومما يدل صريحا على إخراج ~~قريش من القربى واختصاصها بمن ذكرنا ما رواه ابن أبي الحديد فيما قدمناه عن ~~أحمد بن حنبل من قول النبي (صلى الله عليه وآله): # (قدموا قريشا ولا تقدموها) قال: (أيها الناس أوصيكم بحب ذي قرباها أخي ~~وابن عمي علي بن أبي طالب) (3) فخصص (صلى الله عليه وآله وسلم) ذا القربى ~~بعلي (عليه السلام) وأخرج سائر قريش وبني هاشم منها. # PageV00P589 # أما فاطمة والحسن ms453 والحسين فهم مثل أمير المؤمنين لم يقل أحد باختصاصه ~~(عليه السلام) دونهم بالقرابة وما رواه أيضا عن أحمد بن حنبل من قول النبي ~~(صلى الله عليه وآله): (إني قائل لكم قولا غير محاب فيه لقرابتي إن السعيد ~~كل السعيد حق السعيد من أحب عليا في حياته وبعد موته) (1) فخص القرابة بعلي ~~(عليه السلام) كما ترى فصح من هذا كله أن المراد بالقربى علي وفاطمة والحسن ~~والحسين ومن حل محلهم من الأئمة كما ذكرناه في العترة، فمعنى القربى ذي ~~القربى ومعنى المودة المحبة، وقد ورد في لزوم محبة أهل البيت أحاديث كثيرة ~~بلغت حد التواتر فمنها ما تلوناه عليك فيما سبق. # ومنها ما رواه الترمذي والحاكم وصححه على شرط الشيخين عن ابن عباس قال ~~قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (أحبوا الله لما يغنيكم به وأحبوني ~~بحب الله وأحبوا أهل بيتي بحبي) (2). # وأخرج الحاكم عن أبي هريرة أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (خيركم ~~خيركم لأهلي من بعدي) (3) وأخرج ابن سعد والملا في سيرته أنه (صلى الله ~~عليه وآله) قال: (استوصوا بأهل بيتي خيرا فإني أخاصمكم عنهم غدا ومن أكن ~~خصمه أخصمه ومن أخصمه خصمه الله) (4) # PageV00P590 # وقال في إسعاف الراغبين: وروي أنه (صلى الله عليه وآله) قال: # (الزموا مودتنا أهل البيت فإنه من لقي الله عز وجل وهو يودنا دخل الجنة ~~بشفاعتنا والذي نفسي بيده لا ينفع عبدا عمله إلا بمعرفة حقنا) (1). # وروى الديلمي والطبراني والبيهقي وأبو الشيخ بن حيان مرفوعا أنه (صلى ~~الله عليه وآله) قال: (لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه وتكون عترتي ~~أحب إليه من عترته وأهلي أحب إليه من أهله وذاتي أحب إليه من ذاته) (2). # وفي الاسعاف وروى أبو الشيخ عن علي (عليه السلام) قال خرج رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) مغضبا حتى استوى على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ~~(ما بال رجال يؤذنني في أهل بيتي والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحبني ~~ولا يحبني حتى يحب ms454 ذريتي) (3). # وروى أحمد مرفوعا: (من أبغض أهل البيت فهو منافق). # وعن أبي سعيد أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (لا يبغضنا أهل البيت ~~أحد إلا أدخله الله النار) رواه الحاكم وصححه على شرط الشيخين (4). # وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة أنه (صلى الله عليه وآله) قال في حسن وحسين ~~(عليه السلام): (اللهم إني أحبهما وأحب من يحبهما) (5). # PageV00P591 # وروى الترمذي وأحمد عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): (من أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم ~~القيامة) (1) والأحاديث في هذا الباب لا تحصى كثرة وكلها مصرحة بوجوب حبهم ~~وتحريم بغضهم واستحقاق مبغضهم دخول النار. # قال الفخر الرازي: إن أهل بيته يعني النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~ساووه في خمسة أشياء إلى أن قال وفي المحبة قال الله تعالى: # [فاتبعوني يحببكم الله] (2) وقال تعالى: [قل لا أسألكم عليه أجرا إلا ~~المودة في القربى] (3). # واعلم أنه يفهم من هذه الأخبار أن المحبة واجبة لمن ذكرناهم دون قريش ~~وسائر بني هاشم وبعضها مصرح بذلك لتخصيص المحبة فيها بعلي وفاطمة والحسنين ~~فيحمل عليه غيره وأيضا لو وجبت المودة لقريش وبني هاشم كافة لوجبت معرفتهم ~~لأنها هنا مودة خاصة بمعنى المتابعة لهم ومخالفة من يخالفهم، وليست بمودة ~~عامة كمودة سائر المؤمنين بعضهم لبعض من حيث الإيمان والأخوة في الدين وإذا ~~كانت المودة هنا بمعنى المتابعة التامة كما سنبينه وحيث معرفة متعلقها لأن ~~من ليس بمعروف ليس بمتبوع فليس بمحبوب، بل مطلق المحبة إذا وجبت وجب أن ~~يعرف من وجبت له وليس تجب معرفة أحد من ذوي رحم النبي (صلى الله عليه وآله) ~~بالإجماع غير الأئمة وفاطمة (عليهم السلام) فيتعين أن يكونوا هم المعينين ~~بالمودة والمخصوصين بالقربى والمجتبين للمتابعة دون من سواهم، إذا تحققت ~~ذلك فاعلم أن الآية دالة # PageV00P592 # على إمامة ذوي القربى من جهة وجوب مودتهم ولزوم محبتهم، وحقيقة المحبة ~~الميل إلى المحبوب وإيثار مرضاته ومحبوباته على مرضاة النفس ومحبوباتها، ~~والتأدب بآداب المحبوب والتخلق بأخلاقه ms455 كما يشير إليه قوله تعالى: [قل إن ~~كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله] وهذه الحالة هي المتابعة أو أنها ~~تستلزمها، وقد قال الصبان الشافعي في معنى المحبة: إن المحبة المعتبرة ~~الممدوحة هي ما كانت مع اتباع سنة المحبوب (1) وبالجملة أن المحبة الحقيقية ~~إما أنها نفس المتابعة للمحبوب لأنها عبارة عن الميل إليه وانجذاب النفس ~~إلى طلب رضاه ومرجعها إلى طاعة المحب للمحبوب، وإما أنها مستلزمة للمتابعة ~~يجعلها حالة في النفس لأجلها يطلب مراضي المحبوب ويجتنب لها مسخوطاته إلا ~~أن الأول هو المراد من الآية لأنه تعالى أراد المودة الخاصة التي هي بمعنى ~~الموالاة لهم وقبول أقوالهم والأخذ بها ويوضح هذا المعنى أنه تعالى أوجب ~~مودة ذوي القربى على المكلفين ولا يكلف الله العباد ما لا يطيقون لأنه قبيح ~~عقلا ومنفي شرعا، ومن المتيقن أن المكلفين قادرون على المودة التي هي بمعنى ~~المتابعة وليسوا بقادرين على تحصيل تلك الحالة التي تدعوا إلى المتابعة ~~لأنها من فعل الله لا من فعل المكلف فلا يستطيع أحد أن يلقي في نفسه محبة ~~أحد ولا بغض أحد، وإنما تحدث المحبة بأسباب أخر خارجة عن نفس إرادة الإنسان ~~كما قال الله تعالى: [ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا ~~تميلوا كل الميل] (2) فلا تكون المحبة بهذا المعنى مطلوبة من المكلف لعدم ~~قدرته عليها وقبح تكليف الإنسان بما ليس في وسعه، والحاصل أن هذه المودة ~~قبل حصولها لا تطلب من المكلف لخروجها عن طاقته وبعد حصولها له لا معنى ~~لطلبها منه، لأنه تحصيل حاصل وهو ممتنع، ولأن المطلوبية تقتضي # PageV00P593 # التكليف وهو يستلزم المشقة ولا مشقة في المودة بعد حصولها، وإنما المشقة ~~في تركها فلا فائدة في التكليف بها حينئذ فيتعين أن المطلوب هو المودة ~~بالمعنى الأول، أعني المتابعة لأنها هي المقدور عليها والحصول المشقة فيها ~~وتعلق فائدة التكليف وهو بيان المطيع من العاصي بها، فالتكليف بها حسن ~~ويشير إلى ما ذكرنا قول النبي (صلى الله عليه وآله) فيما رواه ابن خالويه: ~~(من مات على حب ms456 آل محمد مات شهيدا ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمنا ~~ألا ومن مات على حب آل محمد يزف إلى الجنة كما تزف العروس إلى زوجها) (1) ~~لعدم حصول الإيمان وغيره من المذكورات بدون المتباعة في القول والعمل إذ لو ~~كان المراد غير المتابعة من المحبة في الخبر لاستحق ما ذكر الفساق بل ~~الكفار إذا حصل لهم حالة تقتضي الميل إلى آل محمد وهذا باطل البتة، فالمعنى ~~من مات على متابعة آل محمد مات شهيدا الخ نعم المودة بمعنى المتابعة يحصل ~~منها المعنى الآخر لأن متابعة شخص لآخر وقبول قوله ورضاه بحكمه مما يبعث ~~على زيادة الميل إليه والأخذ عنه واقتفاء آثاره في أفعاله فإذا تكررت صارت ~~صفة حاصلة في النفس حتى تصير ملكة كباقي الملكات لا ينكر هذا ذو روية، ومن ~~جملة ما حررناه تبين وتعين أن المراد بالمودة في القربى هي متابعتهم، وإذا ~~وجبت متابعتهم في الأقوال والأفعال وجب أن يكونوا هم الأئمة إذ لا مفروض ~~طاعته غير الإمام ولا يجب اتباعه على التعيين إلا الرئيس العام، على أن حمل ~~الآية على المعنى الثاني من المودة لا يضرنا في الاستدلال بها على المقصود، ~~لأن فرض المتابعة وفرض ما لأجله تحصل المتابعة سيان في # PageV00P594 # إفادة إيجاب الطاعة وإنما ذكرنا ما ذكرنا لبيان أن المودة في الآية لا ~~يصح جعلها بمعنى الحالة المستلزمة للمتابعة لمكان المطلوبية ولا يطلب غير ~~المقدور وإلا فالآية على الإطلاق تدل على مطلوبنا. # ومما يناسب المقام ما أخرجه السلفي عن محمد بن الحنفية في قوله عز وجل: ~~[إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا] (1) أنه قال: لا ~~يبقى مؤمن إلا وفي قلبه ود لعلي (عليه السلام) وأهل بيته، قال في الإسعاف: ~~وذكر النقاشي في تفسيره أنها نزلت في علي (2) (عليه السلام) فيكون المراد ~~أن محب علي وأهل بيته لا بد أن يكون مؤمنا، وأن المؤمن لا محالة يكون مودا ~~لهم ومبغضهم ليس بمؤمن البتة فصح أن الإيمان لا يتم إلا بمتابعتهم، وما لا ms457 ~~يتم الإيمان إلا بمتابعته فهو إمام بلا شك. # وما ورد بلفظ الاعتصام ما أخرجه الثعلبي في تفسير قوله تعالى: # [واعتصموا بحبل الله جميعا] عن جعفر الصادق أنه قال: (نحن حبل الله) وهو ~~مناسب لما تقدم من جعل النبي (صلى الله عليه وآله) الكتاب والعترة حبلين ~~ممدودين (3) وفي معناه ما رواه في الاسعاف عن جماعة من أصحاب السنن عن عدة ~~من الصحابة أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (مثل أهل بيتي فيكم ~~كسفينة نوح من ركبها نجئ ومن تخلف عنها هلك)، وفي رواية (غرق)، وفي أخرى ~~(زج في النار) قال: وفي أخرى عن أبي ذر زيادة وسمعته يقول: (اجعلوا أهل ~~بيتي منكم مكان # PageV00P595 # الرأس من الجسد ومكان العينين من الرأس ولا يهتدي الرأس إلا بالعينين). ~~(1) أقول: وهذه الأحاديث مصرحة بوجوب اتباع العترة والاقتداء بهم، ناصة على ~~نجاة متبعهم وهلاك مخالفهم، وأن الهداية لا تحصل إلا بهم، لأن الاعتصام ~~والركوب وجعلهم كالعينين من الرأس كله كناية عن متابعتهم وعبارة عن الأخذ ~~بقولهم لا معنى له غير ذلك، وهذه هي الإمامة بعينها إذ لا يجب على المكلفين ~~متابعة غير الإمام، فهذه من أوضح النصوص على إمامة العترة وبطلان أقوال ~~جميع من سواهم من الناس مما يخالف أقوالهم وفسادها، لأن من عمل بقول غيرهم ~~أو مخالفهم في قول أو عمل فقد ترك الاعتصام بحبل الله وتخلف عن سفينة ~~النجاة، وتبع العجز وترك الرأس ومن كان كذلك زج في النار فأين يذهب بابن ~~أبي الحديد وأصحابه والأشعري وفريقه ومن أعرض عن أهل البيت، وقدم عليهم ~~غيرهم، وفضله عليهم مع علمهم بورود هذه الأدلة أليسوا بذلك قد تعمدوا ~~الهلاك واقتحموا في غمرة الضلال فتراهم يكفرون من لعن أحدا من الصحابة ولا ~~يكفرون معاوية وتابعيه إذ لعنوا أمير المؤمنين (عليه السلام) وأولاده وهو ~~تاج الصحابة وسيد المسلمين مع اشتهار قول النبي (صلى الله عليه وآله) فيه ~~بينهم (من سبك فقد سبني ومن سبني فقد سب الله) (2) وهذا من أدل الأدلة على ~~تركهم العمل بمضمون ما ms458 رووه في حق أهل البيت (عليه السلام)، وإعراضهم عنه ~~على عمد، ومن أعجب الأمور إنكارهم النص عليهم والوصية من النبي (صلى الله ~~عليه وآله) وأي نص أصرح من هذه النصوص وأي وصية أبلغ من هذه الوصية؟ وما ~~أدري لو أراد أحد أن يوصي بمتابعة آخر عند هؤلاء ماذا يقول بأجلا من هذه ~~الأقوال ينطق كلا، ولكنهم مالوا عن الحق # PageV00P596 # وأعرضوا عنه صفحا. # ومما ورد في أن الولاية والوصية والوارثة في أهل البيت قول أمير المؤمنين ~~في بعض خطبه في النهج: (لا يقاس بال محمد من هذه الأمة أحد ولا يسوي بهم من ~~جرت نعمتهم عليه أبدا هم أساس الدين وعماد اليقين إليهم يفئ الغالي وبهم ~~يلحق التالي ولهم خصائص حق الولاية وفيهم الوصية والوراثة الآن إذ رجع الحق ~~إلى أهله ونقل إلى منتقله) (1) الخطبة والمراد بالولاية ولاية النبي (عليه ~~السلام) على الأمة بقوله تعالى: [النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم] (2) وهذه ~~هي الإمامة، والمراد بالوصية وصية النبي (عليه السلام) بمتابعتهم ونصه ~~عليهم بالإمامة، والمراد بالوراثة وراثة العلم والمنزلة وهي الإمامة إذ لا ~~نبوة بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، وليس كما ذكره ابن أبي الحديد من أن ~~الوصية ليست النص والخلافة، بل هي أمور أخر كما تقدم ذكره عنه إذ لا تمدح ~~ولا فضيلة في الوصية بدون الخلافة من الأمور التي عظمها هناك، وليس مقصود ~~أمير المؤمنين (عليه السلام) من الكلام كله إلا إظهار إمامة الآل وتقدمهم ~~على جميع الأمة بسبب ولاية الرسول (صلى الله عليه وآله) ووصيته إليهم ~~بالأمر، ولهم بالطاعة من الأمة والمتابعة، ولو كان غير ذلك لما كان فيه ~~عظيم خطر يوجب ألا يقاس بهم أحد، فقد أوصى النبي (صلى الله عليه وآله) إلى ~~كثير من أصحابه، في أمور عهد إليهم في أشياء كثيرة كسلمان وأبي ذر وحذيفة ~~وعمار حين قال له: (تقتلك الفئة الباغية) (3) وغيرهم من الصحابة يطول ~~تعدادهم وعهد إلى جملة من الأنصار أن يقاتلوا مع علي الناكثين والقاسطين # PageV00P597 # والمارقين كما روي عن أبي أيوب الأنصاري ms459 (1) وقد روى المعتزلي وغيره، ذلك ~~ولم يقل أحد أنهم أوصياء رسول الله (صلى الله عليه وآله) لذلك، وعهد إلى ~~عائشة والزبير (2) أنهما يخرجان إلى قتال علي (عليه السلام) وهما له ~~ظالمان، وأخبر عائشة أنها تركب الجمل الأزب وتنبحها كلاب الحوأب يقتل حولها ~~قتلى كثير كلهم في النار وتنجو بعد ما كادت رواه المعتزلي (3) وغيره، وأخبر ~~معاوية على ما رووا أنه يلي الأمة ويتخذ السنة بدعة والبدعة سنة (4) إلى ~~غير ذلك، ولم يصر أحد من هؤلاء وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~بذلك فليس المراد من الوصية إلا النص والخلافة، لأنهما هم المتبادران من ~~قولنا: فلان وصي النبي، وأيضا أن مقام المدح يقتضي اختصاص الممدوح بتلك ~~الصفة دون غيره، ومن المعلوم أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قصد اختصاص ~~أهل البيت بهذا الوصف # PageV00P598 # وأخويه دون من سواهم من الأمة كما يصرح بذلك قوله في أول الكلام: (لا ~~يقاس بآل محمد من هذه الأمة أحد ولا يسوي بهم من جرت نعمتهم عليه) ثم ذكر ~~ما لهم من الأوصاف التي اختصوا بها ولم تكن في غيرهم حتى يصح ما قاله من ~~عدم مقايسة غيرهم بهم وعدم تسويته بهم فقال: (هم أساس الدين) إلى آخر ~~الأوصاف التي من جملتها أن فيهم الوصية، ولو شاركهم غيرهم في هذه الصفات ~~إذن لارتفع المدح بزوال الاختصاص، ولم يقع الكلام موقعه والوصية ببعض ~~الأمور كما ذكر الخصم لا يختصون بها لما ذكرناه من إيصاء النبي (صلى الله ~~عليه وآله) بأمور مخصوصة لأناس كثير من أصحابه بالخصوص ولجملتهم بقوله: ~~(خلفت فيكم الثقلين) وقوله: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب حتى لا يبقى ~~فيها إلا مؤمن) أو قال: (مسلم موحد وأجيزوا الوفد بمثل ما أجيزه) وقوله: ~~(كفنوني في كذا وكذا وادخلوا علي فوجا فوجا للصلاة علي) ولقريش خاصة بقوله: ~~(أوصيكم بالأنصار خيرا فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم) (1) وكثير من ~~أمثال هذا، ولما كانت الوصية ببعض الأمور ليست مما تميزوا بها عن غيرهم ~~واختصوا بها دون من سواهم وجب حمل ms460 الوصية على ما لم يشاركهم فيه غيرهم، ~~وليس إلا النص والخلافة وثبت المطلوب وأما قول ابن أبي الحديد: لعلها أي ~~تلك الأمور إذا لمحت أشرف وأجل يعني من النص والخلافة، فهو باطل مخدوش إذ ~~لا منصب أجل من الإمامة، ولا منزلة أشرف من الخلافة، فإنها مقام الأنبياء ~~ومنزلته الأولياء الأصفياء قال الله تعالى لإبراهيم: [إني جاعلك للناس # PageV00P599 # إماما] (1) فمن عظمها عنده قال: [ومن ذريتي] يعني واجعل من ذريتي إماما ~~فكان فرحه بها أعظم من فرحه بالنبوة لسر لا يعلمه ابن أبي الحديد ولا ~~أصحابه وقال تعالى لداود: [يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض] (2) فأي ~~مقام أشرف وأعلا من مقام يمن الله على أنبيائه الكرام بجعلهم من أهله ~~وإعطائهم إياه، ولعمري ما عرف ابن أبي الحديد وأصحابه قدر الإمامة، بل ولا ~~فهموا معناها وإنما فهموا منها ما فهمه بعضهم حيث جعلها من أمور الدنيا ولم ~~يدر أنها الشرف الأسنى، والمقام الأعلى الذي لا يصلح له إلا الأنبياء وكرام ~~الأوصياء، وأن جميع الأمور الدينية والدنيوية تبع لها، والأعمال مشروطة بها ~~ومنوط صحتها بمعرفتها، وأن (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات جاهليا) ولو ~~عرف المعتزلي ذلك حق المعرفة لما تفوه بما قال ولما حكم بأن غير المنصب من ~~الله والمنصوص عليه من رسول الله أهل للإمامة، فقد لعمر الله جهل هو ~~وأصحابه مقامها، وصغر وأقدرها، وهونوا أمرها، وحقروا جلالتها، ووضعوا ~~شرفها، وجعلوا أمرها إليهم وزمامها بأيديهم، وهي التي جعلها الله لرسله ~~وأوصيائهم، واختص بها أنبيائه والأصفياء من أوليائهم فقال: [وجعلناهم أئمة ~~يهدون بأمرنا] وكذلك الوراثة كما ذكرنا ليس كما قال ابن أبي الحديد: إنها ~~وراثة العلم خاصة، لما بيناه في لفظ الوصية لأن الكلام يقتضي اختصاصهم ~~بالوراثة دون سائر الأمة وعدم مشاركة أحدهم فيها، إذ لولا ذلك لما كانوا هم ~~الوارثين خاصة، بل هم شركاء غيرهم وحملها على وراثة العلم يزيل الاختصاص ~~فإن كثير من الصحابة قد أخذوا عن النبي (صلى الله عليه وآله) علما ورواية ~~كعبد الله بن مسعود وسلمان ms461 وأبي ذر والمقداد وعمار وأبي بن كعب وجابر بن # PageV00P600 # عبد الله وزيد بن ثابت وعبد الله بن العباس في أضرابهم وأشباههم وقد روى ~~الخصم حديث: (العلماء ورثة الأنبياء) (1) فأي مزية لأهل بيت النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم)، وأية خصوصية لهم في شئ شاركهم فيه جمع كثير من الناس ~~وساهمهم فيه جم غفير من الأمة حتى يقال لهم وراثة النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) دون غيرهم، والحال إن غيرهم قد قاسمهم إياها وأخذ نصيبه منها، ~~فوجب لهذا حمل الوراثة على المنزلة والعلم معا ليثبت الاختصاص وعلى المال ~~أيضا لبطلان رواية (لا نورث) كما سبق بيانه فتبين أن منزلة النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) ميراث لهم كما أن جميع ماله وعلمه لهم فهم خلفاؤه وأولياؤه ~~وسفراؤه ويصدق هذا قول الله تعالى: [وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في ~~كتاب الله] (2) على أنا لو قبلنا قول ابن أبي الحديد لم يكن الكلام خارجا ~~عن الدلالة على ما نقول، لأن أهل البيت إذا كانوا وارثين على النبي (صلى ~~الله عليه وآله وسلم) وجب أن يكونوا خلفاؤه لوجوب الرجوع إليهم في الحلال ~~والحرام والقضايا والأحكام لأن علم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عندهم ~~وغيرهم خلو منه، وإذا وجب الاقتداء بهم في أحكام الدين وجب أن يكونوا هم ~~الأئمة لأن المقتدى به عندنا هو الإمام، ومن ليست له هذه المنزلة إذا ادعى ~~الإمامة فهو ظالم غاصب ومتقول كاذب ولاشتراط الأعلمية عندنا في الإمامة كما ~~بين من قبل ويثبت المقصود، وليس لأحد أن يترك الاقتداء بهم ويعدل عنهم إلى ~~غيرهم لأنه يكون تاركا للعمل بقول النبي (صلى الله عليه وآله) تعمدا لأن ~~علمه عندهم فمن أخذ يقول من خالفهم فقد خالف النبي (صلى الله عليه وآله) ~~يقينا، فتثبت لهم بذلك الإمامة قطعا والله الهادي وقوله (عليه السلام): ~~(الآن إذ # PageV00P601 # رجع الحق إلى أهله) الخ صريح في أن الخلافة قبل أن يملك هو أمرها ظاهرا ~~كانت في غير أهلها فهي مغصوبة منهوبة وهو نص مذهبنا ms462 وبالله المستعان. # ومما ورد في المعنى قول أمير المؤمنين في بعض خطبة في النهج: (نحن شجرة ~~النبوة، ومحط الرسالة، ومختلف الملائكة، ومعادن العلم، وينابيع الحكم، ~~ناصرنا ومحبنا ينتظر الرحمة، وعدونا ومبغضنا ينتظر السطوة) (1) وهذه الخطبة ~~ظاهرة في أن أهل البيت وارثو منزلة الرسول وعلمه وحكمه لأن قوله: (نحن شجرة ~~النبوة) يشير به إلى أن ميراث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد صار لهم ~~لأنه (صلى الله عليه وآله) منهم إذ ليس يجوز أن يريد أنهم أنبياء لأن ~~النبوة قد ختمت بنبينا (صلى الله عليه وآله) وكذلك قوله: (ومحط الرسالة) ~~فإن مقام رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) صار لهم فهم المؤدون عنه ~~إلى الأمة أحكام الدين التي بعث بها، والحافظون لها ألا تسمع إلى قول النبي ~~(صلى الله عليه وآله): (لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل مني) وفي حديث مضى قبل ~~أنه قال لعلي (عليه السلام: (وأنت تؤدي عني) وقوله في حديث رواه أحمد ~~والترمذي والنسائي وابن ماجة عن جيش بن جنادة قال قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم): (علي مني وأنا من علي ولا يؤدي عني إلا علي) (2) فهم ~~خلفاؤه وأمناؤه وخلصاؤه وسفراؤه وليس يريد أنهم رسل لأن الرسالة كملت ~~برسولنا محمد (صلى الله عليه وآله) وأما قوله: (ومختلف الملائكة) فلأن ~~الأئمة (عليه السلام) تنزل عليهم الملائكة وتخاطبهم وليس ذلك ببدع فقد ~~خاطبت الملائكة مريم بما حكاه الله تعالى: [يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك] ~~الآية وقول جبرئيل لها: [إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما # PageV00P602 # زكيا] (1) وخاطبت سارة بما قصه الله قالوا: [أتعجبين من أمر الله رحمة ~~الله وبركاته عليكم أهل البيت] (2) فلا يمتنع في خلفاء النبي (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) ما جاز في حق سارة ومريم، وقد قال النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) لعلي (عليه السلام) في حديث مر ذكره: (إنك ترى ما أرى وتسمع ما ~~أسمع إلا أنك لست بنبي) وهو صريح في المطلب ويدل عليه أيضا قوله تعالى: ms463 [إن ~~الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا ~~تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أوليائكم في الحياة الدنيا ~~والآخرة] (3) الآيتين فهم أولئك إذ لا غيرهم من الأمة هكذا، وباقي الخطبة ~~ظاهر المعنى وهو ينادي بنجاة متبعهم وهلاك معاديهم، ويصرح بأنهم وارثو ~~منازل الرسول ومراتبه وذلك هو المراد. # ومما ورد بأنهم أوتوا من فضل الله ما حسدهم الناس عليه قوله تعالى: # [أم يحسدون الناس على ما أتاهم الله من فضله] (4) فقد ذكر ابن أبي الحديد ~~إن الآية نزلت في علي (عليه السلام) (5) وذكر في إسعاف الراغبين عن بعضهم ~~في الآية عن الباقر أنه قال: (أهل البيت هم الناس) (6) وهذه الآية صريحة في ~~إمامة أهل البيت، وأنها هي الشئ الذي أتاهم الله إياه من فضله وحسدهم الناس ~~عليه، لأن الناس لم يحسدوهم على مال أوتوه ولا ثروة حصلوها ولا جواهر ~~اختزنوها، وإنما حسدوهم على الخلافة ونازعوهم في الإمامة، فالآية دالة على ~~أن الله آتاهم الإمامة وجعلها فيهم وذلك ظاهر. # PageV00P603 # وأما الأقوال والأفعال الدالة على تعظيم أهل البيت وجلالة شأنهم، ورفعة ~~قدرهم، والمشيرة إلى أنهم خلفاء النبي (صلى الله عليه وآله) الراشدون، ~~والمومية إلى أنهم الأئمة المرضيون، فكثيرة نذكر منها جملة وافرة. # فمنها قوله تعالى: [إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا] إلى ~~قوله تعالى: [إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا] (1) فقد صح في ~~الرواية أن هذه السورة نزلت في حق علي وفاطمة والحسن والحسين حين جادوا ~~بقوتهم ثلاث ليال على المسكين واليتيم والأسير وهم مع ذلك يصومون النهار، ~~قال ابن أبي الحديد مشيرا إلى علي (عليه السلام) وفيه أنزل قوله تعالى: ~~[ويطعمون الطعام على حبة مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا ~~نريد منكم جزاء ولا شكورا] (2) انتهى فانظر إلى ما وصفهم الله تعالى به في ~~هذه الآيات من الأوصاف الجليلة، وإلى ما مدحهم به من الخصال الجميلة من ~~كونهم أبرارا وأنهم يوفون بالنذر، ويخافون يوم القيامة وخوف الآخرة من وصف ~~أهل ms464 الإيمان الكامل كما أن عدم خوفها من وصف أهل الكفران قال تعالى: ~~[يستعجل بها الذين كفروا والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق] (3) ~~ووصفهم بالسخاء والجود وهو إطعام الطعام على حبه أي في وقت حاجتهم إليه ~~وذلك غاية الجود، ووصفهم بصفاء النية وصدق؟؟ وأنهم لم يقصدوا بفعلهم إلا ~~وجهه الكريم ورجاء ما عنده من الثواب الجسيم، ولم يريدوا بما فعلوا جزاء ~~ولا محمدة من المسكين والأسير واليتيم، ثم انظر إلى ما وعدهم الله من ~~الثواب الجزيل وما أعد لهم من العطاء العميم بقوله: [فوقاهم الله شر ذلك ~~اليوم ولقاهم نضرة # PageV00P604 # وسرورا وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا] (1) إلى آخر الآيات المشتملة على ~~ذكر ما أعد لهم من أفضل الهبات، فهل رأيت وليا من الأولياء غيرهم جمعت له ~~في القرآن هذه الصفات، أو صفيا من الأصفياء سواهم حين أعدت لهم هذه ~~العطيات، وهل هذه الأوصاف إلا أوصاف النبيين والمرسلين؟ فإنهم وإن لم ~~يكونوا أنبياء ورسلا فإنهم كانوا من سبلهم سالكين، ولمآثرهم ولمراتبهم ~~ومنازلهم وارثين أفليس في ذلك كله إشارة إلى إمامتهم، وإيماء إلى خلافتهم، ~~إن لم تكن دلالة واضحة وعلامة لائحة. # ومنها ما رواه ابن أبي الحديد عن ابن ديزيل في كتاب صفين عن بعل بن بعيد ~~الحنفي عن إسماعيل السدي عن زيد بن أرقم قال: كنا مع رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وهو في الحجرة يوحى إليه ونحن ننتظره حتى اشتد الحر فجاء ~~علي بن أبي طالب ومعه فاطمة والحسن والحسين (عليه السلام) فقعدوا في ظل ~~حائط ينتظرونه، فلما خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رآهم فأتاهم ~~ووقفنا نحن مكاننا ثم جاء إلينا وهو يظلهم بثوبه ممسكا بطرف الثوب وعلي ~~ممسك بطرفه الآخر، وهو يقول: # (اللهم إني أحبهم فأحبهم اللهم إني سلم لمن سالمهم وحرب لمن حاربهم) (2) ~~قال: فقال ذلك ثلاث مرات ورواه الحاكم في مستدركه أيضا وهو شاهد بأن مقام ~~الرسول لهم حيث جعل سلمهم سلمه وحربهم حربه. # ومنها ما رواه أحمد بن حنبل عن النبي ms465 (صلى الله عليه وآله): # (إذا ذهب النجوم ذهب أهل السماء وإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض) وفي ~~رواية صححها الحاكم على شرط الشيخين: (النجوم أمان لأهل الأرض # PageV00P605 # من الغرق وأهل بيتي أمان لأهل الأرض من الاختلاف). # وأخرج جماعة عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (النجوم أمان لأهل السماء ~~وأهل بيتي أمان لأمتي) وفي أخرى: ﴿أهل بيتي أمان لأهل الأرض فإذا هلك أهل بيتي جاء أهل ~~الأرض من الآيات ما كانوا يوعدون﴾ (2). # قال فسي الاسعاف: وقد يشير إلى هذا المعنى قوله تعالى: [وما كان الله ~~ليعذبهم وأنت فيهم] (2) أقيم أهل بيته مقامه في الأمان لأنهم منه وهو منهم ~~كما ورد في بعض الطرق انتهى (3) وهذا دال على أنهم خلفاؤه والقائمون مقامه ~~وتدل أيضا، على وجود إمام منهم في كل زمان قائم مقام النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) ليحصل به الأمان لأهل الأرض من الذهاب والاختلاف، وهو عين ما ~~نقول وقد تقدم ذكر هذه الأخبار وتمام تحقيقها في مقدمة الكتاب. # ومنها ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) أنه قال في حسن وحسين: (اللهم إني أحبهما وأحب من يحبهما) (4) وروى ~~الترمذي عن أسامة أنه (صلى الله عليه وآله) أجلس الحسن والحسين يوما على ~~فخذيه وقال: (هذان ابناي وابنا ابنتي اللهم إني أحبهما فأحبهما) (5) وروى ~~عن أنس بن مالك أن النبي (صلى الله عليه وآله # PageV00P606 # وسلم) سئل أي أهل بيتك أحب إليك؟ فقال: (الحسن والحسين) (1). # وروى الطبراني وابن أبي شيبة أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال فيهما: ~~(اللهم إني أحبهما فأحبهما وأبغض من أبغضهما) (2). # وروى ابن عساكر وابن مندة عن أنس أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~قال: (الحسن والحسين ريحانتاي من الدنيا) (3) ومثله في الصحيحين عن ابن ~~عمر، ومن هذا الباب كثير من الأحاديث المروية في صحاح القوم مما لا ينكر ~~روايتهم ابن أبي الحديد ولا غيره، ولا يرتاب فيها، وليسوا من الشيعة الذين ~~قال ms466 إنه لا يحفل بروايتهم ولا يلتفت إليها وكلها دالة على تفضيل الحسن ~~والحسين لأن محبة النبي (صلى الله عليه وآله) لهما يلزم منها محبة الله ~~لهما إذ لا يحب النبي (صلى الله عليه وآله) إلا من يحبه الله ومحبة الله ~~لهما يلزم منها كثرة ثوابهما، وذلك هو الفضل فيجب لهما الإمامة إذ لا يجوز ~~تقديم المفضول على الأفضل، وأيضا إن تلك الأقوال من النبي (صلى الله عليه ~~وآله) تقتضي وجوب محبتهما على الأمة وولايتهما وتشير إلى عدم رضاه بتقدم ~~غيرهما عليهما. # ومنها ما رواه ابن عساكر وابن مندة أن فاطمة أتت بابنيها فقالت: (يا رسول ~~الله هذان ابناك فورثهما شيئا) فقال: (أما حسن فله هيبتي وسؤددي وأما حسين ~~فله جرأتي وجودي) وفي رواته: (أما الحسن فقد نحلته حلمي وهيبتي وأما الحسين ~~فقد نحلته نجدتي وجودي) (4) فهذا الحديث يصرح بأن # PageV00P607 # الحسن والحسين قد ورثا خصال النبي الحميدة فيكونان وارثي مقامه كما ورثا ~~أخلاقه. # ومنها ما رواه ابن أبي شيبة وأحمد وجماعة من أصحاب الصحاح عن بريدة قال: ~~كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخطب إذ جاء الحسن والحسين عليهما ~~قميصان أحمران يمشيان ويعثران ويقومان فنزل (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وحملهما واحدا من ذا الشق وواحد من ذا الشق ثم صعد المنبر فقال: (صدق الله: ~~إنما أموالكم وأولادكم فتنة إني نظرت إلى هذين الغلامين يمشيان ويعثران فلم ~~أصبر فقطعت كلامي ونزلت إليهما) (1). # وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال أقبل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد ~~حمل الحسن على رقبته فلقيه رجل فقال: نعم المركب ركبت يا غلام، فقال النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم): (ونعم الراكب) (2). # وروى الترمذي عن يعلى بن مرة قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): (حسين مني وأنا من حسين أحب الله من أحب حسينا حسين سبط من الأسباط) ~~(3). # وعن زيد بن أبي زياد قال خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) من بيت ~~عائشة فمر على بيت فاطمة فسمع حسينا يبكي فقال: ms467 (ألم تعلمي # PageV00P608 # أن بكاءه يؤذيني) (1) عن البراء بن عازب قال رأيت رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) حامل الحسين على عاتقه وهو يقول: (اللهم إني أحبه فأحبه) ~~ومثل ذلك روي في الحسن (2). # وروى النسائي بسنده عن عبد الله بن شداد عن أبيه قال: خرج علينا رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) لصلاة العشاء وهو حامل الحسين فتقدم النبي (صلى ~~الله عليه وآله) للصلاة فوضعه ثم كبر وصلى فسجد بين ظهراني صلاته سجدة ~~فأطالها قال فرفعت رأسي فإذا الصبي على ظهر رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وهو ساجد فرجعت إلى سجودي فلما قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~صلاته قال: الناس يا رسول الله سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة أطلتها حتى ظننا ~~أنه قد حدث أمر، وأنه يوحى إليك فقال (صلى الله عليه وآله): (كل ذلك لم يكن ~~ولكني ارتحلني الحسن فكرهت أن أعجله حتى ينزل) (3) وقريب (4) منه رواه ابن ~~سعد عن عبد الله بن الزبير وزاد فيه ولقد رأيته يعني النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وهو راكع يفرج له يعني الحسن بين رجليه حتى يخرج من الجانب ~~الآخر (5) فانظر إلى هذا التعظيم الجليل من النبي (صلى الله عليه # PageV00P609 # وآله وسلم) للحسن والحسين، أتراه يرضى أن يكونا سوقه يتأمر عليهما غيرهما ~~أو ما في هذا التبجيل منه لهما إشعار بإرادته تقديمهما وتنبيه للأمة على ~~تعظيمهما وتفخيمهما وتسليم الأمر إليهما وانقياد الناس إلى حكمهما بلى ~~والله فيه دليل ظاهر وبيان واضح وزاهر. # ومنها ما رواه الثعلبي عن علي (عليه السلام) قال شكوت إلى رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) حسد الناس فقال لي: (أما ترضى أن تكون رابع أربعة أول من ~~يدخل الجنة أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا وذريتنا ~~خلف أزواجنا). # وروى الطبراني عن أبي رافع أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال لعلي: (أنا ~~أول أربعة يدخلون الجنة أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا خلف ذرياتنا). # وروى أيضا عن علي (عليه السلام) أن النبي ms468 (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ~~(أول من يرد على الحوض أهل بيتي ومن أحبني من أمتي) (1). # وروى الديلمي مرفوعا (من أراد التوسل وأن تكون له عندي يد أشفع له بها ~~يوم القيامة فليصل أهل بيتي ويدخل السرور عليهم) (2) وهذه الأحاديث كما ترى ~~ظاهرة في مشاركة أهل البيت للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في مزاياه ~~وصريحة في اتصالهم به في آخرته كما أنهم متصلون به في دنياه لا يزايلهم، ~~ولا يزايلونه ولا يفارقهم ولا يفارقونه فهم أول وارد عليه حوضه، وهم ~~الداخلون معه جنته، والراقون على إثره درجته، وإن من # PageV00P610 # وصلهم وادخل السرور عليهم كانت له يد على النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) يستحق بها شفاعته ويستوجب بها عنايته أفليس في هذا دلالة على أنهم ~~أولى بمقام الرسول (صلى الله عليه وآله) وإشارة إلى أنهم أحق بخلافته من كل ~~أحد والأحاديث في تبجيلهم وتفضيلهم كثيرة في كتب الخصوم استقصاؤها يوجب ~~الاطناب والملال وليس هذا بكتاب حديث وإنما هو كتاب استدلال فالاقتصار على ~~ما ذكرنا أولى وفيه كفاية للعقلاء وسيأتي جملة من النصوص نذكرها في مقامات ~~تليق بها فارتقب. PageV00P611 # تحقيق مقام وإيراد كلام لبلوغ مرام الأئمة اثنى عشر إماما لا يزيدون ولا ~~ينقصون لما استفاض عند الخصوم من قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (لا ~~يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنى عشر إماما كلهم من قريش) وما روي عن ~~عبد الله بن مسعود أنه قال إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عهد إلينا ~~أنه يكون بعده اثنى عشر خليفة (1) ولتواتر النقل عندنا في ذلك عن النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وعن علي (عليه السلام) ودعوى قوم من الخصوم أن ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ~~ملكا) (2) باطلة وكثير منهم يبطل هذا الحديث الذي لا شك في بطلانه، ~~والمعتزلة كافة يبطلون هذه الدعوى ولا ريب أن هذا حديث موضوع، ويكفي في رده ~~حديث: (من مات ولم يعرف إمام زمانه ms469 مات ميتة جاهلية) (3) وهو متفق # PageV00P613 # عليه وصريحة أن لكل زمان إماما تجب معرفته ولا تجب معرفة ملك جائر البتة ~~كما أوضحناه سابقا، والأحاديث المتفق عليها في المهدي وأنه خليفة رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) حقا، وبالجملة بطلان تلك الدعوى ظاهر لا يحتاج إلى ~~تطويل القول فيه ما بيناه في المقدمة من وجوب استمرار الإمامة وما أقمنا ~~عليه من الأدلة وأول الأئمة الاثني عشر وسيدهم أمير المؤمنين علي بن أبي ~~طالب (عليه السلام)، ثم ابنه الحسن، ثم أخوه الحسين، ثم ابنه علي بن الحسين ~~زين العابدين، ثم ابنه محمد بن علي الباقر ثم ابنه جعفر بن محمد الصادق، ثم ~~ابنه موسى بن جعفر الكاظم، ثم ابنه علي بن موسى الرضا، ثم ابنه محمد بن علي ~~الجواد المعروف بالتقي، ثم ابنه علي بن محمد الهادي الموصوف بالنقي، ثم ~~ابنه الحسن بن علي الزكي العسكري، ثم ابنه المنتظر المهدي سمي جده النبي ~~(صلى الله عليه وآله) وقد تواتر النقل عندنا عن النبي (صلى الله عليه وآله) ~~بأسمائهم وأنهم الأئمة من بعده، ووصفهم لجماعة من أصحابه منهم جابر بن عبد ~~الله الأنصاري، وأخبره أنه يدرك محمد بن علي الباقر وأمره أن يقرأه عنه ~~السلام ففعل (1) والقصة مشهورة عند مخالفينا، وفضل هؤلاء الأئمة عند خصومنا ~~مشهور، وفي مصنفاتهم مذكور، قد ذكرهم ابن أبي الحديد في ذكره مفاضلة هاشم ~~وعبد شمس بجميل الذكر وأثنى عليهم بأحسن الثناء وذكرهم أبو العباس الدمشقي ~~في تاريخه ووصفهم بالإمامة ومدحهم بالعلم والشهامة وذكر لهم جملة من ~~الكرامات والإخبار عن المغيبات والكلام على أسرار القلوب # PageV00P614 # المضمرات وصنف محمد بن طلحة الشامي كتاب مطالب السؤل في ذكرهم ونعتهم، ~~وصاحب كتاب الفصول المهمة صنفه في وجوب معرفتهم، وعلي بن عيسى الأربلي جمع ~~كتاب كشف الغمة في جمع مناقبهم وفضائلهم، وذكرهم محمد بن علي الصبان ~~الشافعي في إسعاف الراغبين، ووصفهم بالأوصاف الجليلة مع شدة عداوته للشيعة ~~وكثرة تعصبه عليهم كما يعرفه منه من رأى كتابه المشار إليه وذكرهم ابن ~~خلكان في تاريخه بجميل ms470 الذكر وكم فاضل من مخالفينا صنف في فضائلهم، وكم من ~~مؤلف من خصومنا ألف في جمع مناقبهم. # وأما أصحابنا فقد صنفوا في ذلك وجمعوا منه الكثير الواسع، وهذا يدلك على ~~عظيم عناية الله بأئمتنا الطاهرين، حيث أجرى مدحهم على السن أوليائهم ~~وأعدائهم، وهذا أدل دليل على إمامتهم، وأوضح برهان على رئاستهم، وأنها من ~~الله تعالى عند من تأمل وأنصف، وقد اشتهر من كراماتهم واستجابة دعائهم ~~ومعاجزهم، وعلمهم بالأسرار وإخبارهم عن المغيبات ما هو مذكور في كتب ~~التواريخ والسير وكتب الأخبار من الخاصة والعامة، وليس هذا الكتاب مصنفا ~~لذكر الفضائل ولا لجمع المناقب فمن أرادها فليطلبها من الكتب التي سميناها ~~وغيرها فإن هذا الكتاب إنما هو مصنف لإثبات النص عليهم بالإمامة وأردنا من ~~هذا الكلام بيان أنهم معروفون بالفضل والعلم موصوفون بالجود والحلم عند ~~الولي والخصم، فليس من أنكر إمامتهم أنكرها لجهل بفضلهم ولا لعدم معرفته ~~بشرفهم ومجدهم وقربهم من النبي (صلى الله عليه وآله) وطيب أصلهم، ولا لخفاء ~~خصالهم الحميدة وجمل فعلهم، وكيف يخفى فضل أهل البيت على القوم وهم قد رووا ~~في حقهم عن النبي (صلى الله عليه وآله) ما مر عليك في هذا المصنف من ~~الأخبار على كثرتها مع ما سيأتي ذكره منها، وهذا كله جزء مما رووه في ~~فضلهم، ولا بأس بذكر بعض الأحاديث في هذا المقام مما PageV00P615 # يستدل به على فضل أئمتنا الكرام. # روى ابن حجر في الصواعق أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (من أحب أن ~~ينسئ الله أجله وأن يمتع بما خوله فليخلفني في أهلي خلافة حسنة فمن لم ~~يخلفني فيهم بتر عمره وورد علي يوم القيامة مسودا وجهه) (1). # وروى أحمد بن حنبل عن العباس بن عبد المطلب أن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) صعد المنبر فقال: (من أنا) قالوا أنت رسول الله قال: # (أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب إن الله خلق الخلق فجعلني في خير ~~خلقه وجعلهم فرقتين فجعلني في خير فرقة وخلق القبائل فجعلني في خير قبيلة ms471 ~~وجعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا) (2) وروى أحمد والمحاملي عن عائشة أنها ~~قالت قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (قال جبرائيل قلبت مشارق الأرض ~~ومغاربها فلم أجد أفضل من محمد (صلى الله عليه وآله)، وقلبت مشارق الأرض ~~ومغاربها فلم أجد بني أب أفضل من بني هاشم) (3) فبنوا هاشم أفضل الناس ~~بمقتضى الخبر، والأئمة صفوتهم فإنهم أعلام بني هاشم، ونجوم بني عبد المطلب، ~~فلهم الشرف الأعظم والمجد الأقدم، ولقد أجاد أبو فراس الحمداني (4) حيث ~~يقول في خطاب بني العباس من قصيدة طويلة. # PageV00P616 # ليس الرشيد كموسى في القياس ولا * مأمونكم كالرضا إن أنصف الحكم ولما قال ~~معاوية لعبد الله بن العباس بعد موت الحسن إنك اليوم زعيم بني هاشم قال: ~~عبد الله أما والحسين فيهم فلا (1) ولما قال معاوية لعبد الله بن جعفر إنك ~~سيد بني هاشم، قال له عبد الله إن الحسن والحسين هما سيدا بني هاشم لا ~~يدافعان (2) وقال مرة وقد قال له معاوية كلاما يفضله فيه وأباه جعفرا على ~~الحسن والحسين وأبيهما: هما خير مني وأبوهما خير من أبي وأمهما خير من أمي. # وروى في إسعاف الراغبين أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: # (يرد علي الحوض أهل بيتي ومن أحبهم كهاتين) يعني السبابتين (3). # وروى الطبراني أن عليا (عليه السلام) قال لمعاوية: (إياك وبغضنا فإن رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لا يبغضنا ولا يحسدنا أحد إلا ذيد عن ~~الحوض يوم القيامة بسياط من نار) (4) قال: وقال في الاسعاف بعد ذكر جملة من ~~الأخبار في محبة أهل البيت: علم من الأحاديث السابقة وجوب محبة أهل البيت، ~~وتحريم بغضهم التحريم الغليظ، وبلزوم محبتهم صرح البيهقي والبغوي بل نص ~~عليه الشافعي في ما حكى من قوله: # PageV00P617 # يا آل بيت رسول الله حبكم * فرض من الله في القرآن أنزله يكفيكم من عظيم ~~الفخر أنكم * من لم يصل عليكم لا صلاة له (1) وقال الفخر الرازي: " إن أهل ~~بيته يعني النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ساووه في خمسة أشياء في ms472 الصلاة ~~عليه وعليهم في التشهد وفي السلام يقال في التشهد السلام عليك أيها النبي ~~وقال تعالى: [سلام على آل ياسين] (2) وفي الطهارة قال الله تعالى: [طه] أي ~~يا طاهر وقال تعالى: # [ويطهركم تطهيرا] (3) وفي تحريم الصدقة وفي المحبة قال تعالى: [فاتبعوني ~~يحببكم الله] (4) وقال تعالى [قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في ~~القربى] (5) انتهى (6). # وقال محيي الدين ابن عربي. # ولائي إليكم آل طه فريضة * على رغم أهل البعد يورثني القربا فما طلب ~~المبعوث أجرا على الهدى * بتبليغه إلا المودة في القربى رواه عنه في ~~الإسعاف (7)، فهذه شهادة الفضلاء من أهل السنة على فضل أئمتنا ووجوب ~~محبتهم، ومساواتهم النبي (صلى الله عليه وآله) في الخصائص والمزايا، وكفى ~~بذلك لنا تصديقا. # فإن قيل: لم قصرتم الإمامة في ذرية الحسين دون ذرية الحسن وهما جميعا # PageV00P618 # سبطا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم خصصتم بها من ذكرتم، دون باقي ~~ذرية الحسين. # قلنا: أما جعلنا الإمامة في ذرية الحسين دون ذرية الحسن وهما معا ابنا ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلنا عليه دليلان. # الأول إن الإمامة لا شك أنها منصب رسول الله ومقامه وميراثه فصارت بعده ~~لعلي (عليه السلام) بنصه عليه ثم صارت بعد علي للحسن والحسين (عليه السلام) ~~مشتركين فيها بنص رسول الله عليهما إلا أن التقدمة للحسن لأنه الأكبر سنا ~~ثم صارت بعده للحسين خالصة لا يشركه فيها غيره فوجب أن تكون بعده للأقرب ~~إليه لآية: [وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض] فمحال ترجع إلى ولد الحسن، ~~وهي ميراث الحسين، والإمام يجب أن يكون أقرب الناس إلى الإمام الذي قبله ~~ولولا وجود النص على الحسين من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن علي ~~(عليه السلام) لجعلناها بعد الحسن للأكبر من ولده ولم تصر للحسين ولا لأحد ~~من ذريته، ولكن النص عليه قد ورد فكان هو الإمام بعد الحسن، فالإمامة يجب ~~أن تكون في عقبة للآية. # الثاني تواتر الأخبار عندنا عن النبي (صلى الله عليه وآله) وعلي والحسن ~~والحسين (عليه ms473 السلام) إن الإمامة بعد الحسين تكون في ذريته وكتب أصحابنا ~~مملوءة من ذلك، وبهذين الدليلين يبطل مذهب الزيدية والكيسانية ومن شابههم. # وأما تخصيص الإمامة بمن ذكرناهم فلوجوه. # الأول تواتر الأخبار عندنا عن النبي (صلى الله عليه وآله) وعن علي ~~بأسمائهم وأنهم فلان بن فلان وفلان بن فلان إلى آخرهم، وتلك PageV00P619 # الأخبار مودعة في كتب أصحابنا فوجب اتباع ما قاله النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم). # الثاني تواتر النص عندنا عن كل سابق على لا حقه، وقد علمت أن الإمامة ~~عندنا دائرة مدار النص، وقد أوضحنا بطلان الاختيار فيها في أول الكتب فيجب ~~الحكم بإمامة من ذكرنا نص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليهم ونص بعضهم ~~على بعض. # الثالث إنك قد علمت فيما مضى إنا أقمنا الدليل على اشتراط الأعلمية في ~~الإمام وأنه لا يجوز أن يكون في رعيته من هو أعلم منه ولم نجد من ذرية ~~الحسين ولا من ذرية الحسن أعلم من هؤلاء القوم، فإنهم ما سألوا عن شئ إلا ~~أجابوا فيه، واستخرجوه من كتاب الله تعالى وبثوا من العلوم ما لم يحط به ~~أحد ومن أخبار الماضين ما لم يعلمه من قرأ كتب الأولين مع تصريحهم بأنهم لم ~~يجدوا لعلومهم حملة، فلو أنهم وجدوا من يحمل علومهم لبرز عنهم من العلم ما ~~يكون الظاهر الآن من علومهم على كثرته عشر عشر عشره واستغفر الله من ~~النقصان، فإن العبارة لا تؤدي عنه والعقول لا تحيط بكنهه، فقولنا على جهة ~~التقريب فقد قالوا لمن سألهم عن الألف باب التي علمها رسول الله أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) فانفتح من كل باب ألف باب (1) وإنها صارت إليكم فكم ~~نروي منها عنكم فقالوا: (إنكم ترون منها # PageV00P620 # عنا بابا أو بابين) وهم في كل ما قالوا وجميع ما بينوا من الأحكام في ~~الحلال والحرام والقصص والأخبار لم يكونوا ناقلين له عن أستاذ ولا محدث، بل ~~يلقيه كل سابق منهم إلى لاحقه إلى أن ينتهي إلى النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم)، لا يرجعون ms474 في علومهم إلا إليه لا إلى رأي ولا قياس كغيرهم من بني ~~أبيهم، ومن جملة الناس وقد أقر بأعلميتهم على من سواهم من إخوانهم وأعمامهم ~~جميع العلماء وصنفت الكتب في فضائلهم دون غيرهم من الذرية الحسينية ~~والحسنية من الخاصة والعامة فلا يذكر غيرهم من القبيلين إلا بالعرض ~~والاستطراد، وملئت التواريخ بذكر كراماتهم ووصف علومهم دون بني أبيهم كما ~~ذكرنا في أول الكلام، ومن أراد الاطلاع على ذلك فعليه بالكتب التي أشرنا ~~إليها وغيرها مما ذكر فيه أخبار الماضين، وحيث كانوا أعلم أهل أزمنتهم وجب ~~أن يكونوا هم الأئمة. # الرابع اجتماع الخصال الحميدة فيهم من الزهادة والعبادة والكرم والحلم ~~واستجابة الدعوة والعفة والصيانة مما لم يجتمع بعضها لأحد من الناس، قال ~~ابن أبي الحديد في مفاخرة هاشم وعبد شمس: " ومن الذي يعد من قريش أو من ~~غيرهم ما يعده الطالبيون عشرة في نسق كل واحد منهم عالم زاهد ناسك شجاع ~~جواد طاهر زاك، فمنهم خلفاء مرشحون ابن ابن ابن ابن هكذا إلى عشرة وهم ~~الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن ~~علي، وهذا لم يتفق لبيت من بيوت العرب ولا من بيوت العجم (1) وقال في موضع ~~آخر: وأين أنتم عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الذي يقال له: علي ~~الخير، وعلي الأغر، وعلي العابد، وما أقسم على الله بشئ إلا وأبر قسمه؟ ~~وأين أنتم عن موسى بن جعفر بن محمد، وأين أنتم عن علي بن محمد بن الرضا ~~لابس الصوف طول # PageV00P621 # عمره مع سعة أمواله وكثرة ضياعه وغلاته (1) وقال في موضع آخر: # وجعفر بن محمد الذي ملأ الدنيا علمه وفقهه ويقال إن أبا حنيفة كان من ~~تلامذته، وكذلك سفيان الثوري وحسبك بهما في هذا الباب إلى أن قال ومن مثل ~~علي بن الحسين زين العابدين، وقال الشافعي في الرسالة في إثبات خبر الواحد: ~~وجدت علي بن الحسين وهو أفقه أهل المدينة يعول على أخبار الآحاد (2) انتهى. ~~ما ms475 أردنا نقله من كلام المعتزلي وهو مصرح بما ذكرنا في أئمتنا ونسبناه ~~إليهم من الأوصاف، واجتماع الخصال الحميدة فيهم مما لم يتفق لغيرهم، وأعظم ~~الأمور أن محمد بن إدريس الشافعي يستند في صحة قوله إلى فعل إمامنا علي بن ~~الحسين ويجعله حجة. # وروى ابن خلكان في تاريخه عن أبي العباس محمد بن يزيد المبرد في كتاب ~~الكامل ما مثاله يروي عن رجل من قريش لم يسم لنا قال: كنت أجالس سعيد بن ~~المسيب فقال لي يوما: من أخوالك؟ فقلت: أمي فتاة، فكأني نقصت في عينه، وذكر ~~مجئ سالم بن عبد الله بن عمر ثم بعد قيامه إتيان القاسم بن محمد بن أبي بكر ~~إلى أن قال، فأمهلت شيئا حتى جاءه علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه ~~السلام) فسلم عليه ثم نهض قلت: يا عم من هذا فقال: هذا الذي لا يسع مسلما ~~أن يجهله هذا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) الخبر (2) ~~فانظر إلى قول سعيد في علي بن الحسين فإنك تجده يكاد أن يصرح بإمامته على ~~ما نقول بل هو مصرح بها لأن من لا يسع المسلمين جهله واجبة معرفته عليهم، ~~وليس تجب على المسلمين بعد معرفة الله ورسوله معرفة أحد إلا الإمام. # وقال في المناقب مختصر مناقب الحافظ أبي عبد الله محمد بن يوسف # PageV00P622 # البلخي الشافعي في ترجمة الحسين (عليه السلام) مشيرا إلى أئمتنا بعد أن ~~ذكرهم قال بعض أهل العلم: " علوم أهل البيت لا تتوقف على التكرار والدرس ~~ولا يزيد يومهم فيها على ما كان بالأمس لأنهم المخاطبون في أسرارهم ~~المحدثون في النفس فسماء معارفهم وعلومهم بعيدة عن الادراك واللمس، ومن ~~أراد سترها كان كمن أراد ستر وجه الشمس، وهذا مما يجب أن يكون ثابتا مقررا ~~في النفس، فهم يرون عالم الغيب في عالم الشهادة ويقفون على حقائق المعاني ~~في خلوات العبادة، وتناجيهم ثواقب أفكارهم في أوقات أذكارهم بما تسنموا به ~~غارب الشرف والسيادة، وحصلوا بتوجههم إلى جناب القدس ما ms476 بلغوا به منتهى ~~السؤال والإرادة، فهم كما في نفوس أوليائهم ومحبيهم وزيادة، فما تزيد ~~معارفهم في زمان الشيخوخة على معارفهم في زمن الولادة، وهذه أمور تثبت لهم ~~بالقياس والنظر، ومناقب واضحة الحجول والغرر، ومزايا تشرق إشراق الشمس ~~والقمر، وسجايا تزين عنوان التواريخ وعنوان الأثر فما سألهم مستفيد أو ~~ممتحن فوقفوا ولا أنكر منكر أمرا من الأمور إلا عرفوا، ولا جرى معهم غيرهم ~~في مضمار شرف إلا سبقوا، وقصر مجاريهم وتخلفوا، سنة جرى عليها الذين سلفوا ~~وأحسن اتباعها الذين خلفوا، وكم عاينوا في الجدال والجلاد أمور فتلقوها ~~بالرأي الأصيل والصبر الجميل، فما استكانوا وما ضعفوا فبهذا وأمثاله سموا ~~على الأمثال وشرفوا تعدم الشقاشق إذا هدرت شقاشقهم وتصغي الأسماع إذا قال ~~قائلهم، ونطق ناطقهم ويكثف الهواء إذا قيست به خلائقهم ويقف كل ساع عن ~~شأوهم، فلا يدرك فائتهم ولا تنال طرائقهم، سجايا منحهم بها خالقهم، وفاز ~~بها صادقهم فسر بها أولياؤهم وأصدقاؤهم وحزن لها مباينهم ومفارقهم انتهى ~~أقول والكلام في أوصافهم متسع قال فيه كل قائل بما أحسن، ونطق منه كل # PageV00P623 # ناطق بما أتقن، وقدرهم فوق ما قيل فيهم، وشأنهم فاق مدح مادحيهم، فلنكتف ~~من القول في ذلك بهذه الجملة ففيها ما يبل الغليل ويشفي العليل. # واعلم أنه ليس في الذرية النبوية من له جميع هذه الأوصاف غير من ذكرناهم ~~بالاتفاق، فوجب أن يختصوا بالإمامة دون غيرهم من إخوانهم وأعمامهم، وبهذا ~~كله يبطل مذهب الإسماعيلية والفطحية ومن ضارعهم مثل مذهب أصحاب جعفر الكذاب ~~بن علي الهادي وغيرهم. PageV00P624 # توضيح مقال لدفع إشكال المهدي هو ابن الحسن العسكري وهو مختف عن الناس لا ~~يعرفون شخصه وهو يعرفهم وأنه باق حتى يأذن الله له في الظهور والقيام ~~بالسيف فيطهر الله الأرض به من الفساد، ويملأها به قسطا وعدلا كما ملئت من ~~الظلمة ظلما وجورا كما تواترت به الأخبار النبوية، وينزل عيسى بن مريم إليه ~~ويصلي خلفه، ويملك سبع سنين كما وردت به الأخبار، ثم يكون بعده ما شاء الله ~~أن يكون من الكرة، وليس هذا ms477 موضع تفصيل تلك الأمور، وإنما هو مقام إثبات ~~الإمامة له، والبقاء بالدليل. # أما إنه ابن الحسن العسكري فبإجماع الإمامية وتواتر أخبارهم، أنه ابنه ~~وأن مولده قبل وفاة أبيه بأربع سنين وقد قال بذلك جماعة من مخالفينا كمحيي ~~الدين ابن عربي في فتوحاته وعبد الوهاب الشعراني في كتابه اليواقيت ~~والجواهر والشيخ حسن العراقي وعلي الخواص وأبي العباس الدمشقي وهؤلاء من ~~أكابر السنة والمذكورون قبل أبي العباس من أهل التصوف المعدودين عند خصومنا ~~من الأولياء. # قال الشعراني في الكتاب المذكور: المهدي من ولد الإمام الحسن العسكري ~~ومولده ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين وهو باق حتى يجتمع ~~بعيسى سن مريم، هكذا أخبرني الشيخ حسن العراقي المدفون PageV00P625 # فوق كوم الريش المطل على بركة الرطل بمصر المحروسة عن الإمام المهدي حين ~~اجتمع به ووافقه على ذلك سيدي على الخواص رحمهما الله تعالى انتهى. # وقال محيي الدين مسافر بن عربي: إنه لا بد من خروج المهدي (عليه السلام) ~~لكن لا يخرج حتى تمتلأ الأرض جورا وظلما فيملأها قسط وعدلا وهو من عترة ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) من ولد فاطمة جده الحسين بن علي بن أبي ~~طالب (عليه السلام) ووالده الإمام الحسن العسكري بن الإمام علي النقي ~~بالنون بن الإمام محمد التقي بالتاء بن الإمام على الرضا بن الإمام موسى ~~الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام زين ~~العابدين علي بن الإمام الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب يواطئ اسمه اسم ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يبايعه المسلمون بين الركن والمقام ~~إلى آخر (1) ما قال وقد نقل بعض أصحابنا عن # PageV00P626 # حجة الإسلام أبي حامد الغزالي في بعض كتبه أظنه المنخول مثل ذلك، لكن ~~الكتاب لا يحضرني لأنقل عبارته. # وقال أبو العباس الفصل الحادي عشر في ذكر الخلف الصالح الإمام أبي القاسم ~~محمد بن الحسن العسكري رضي الله عنه عند وفاة أبيه خمس سنين آتاه الله فيها ~~الحكمة كما أوتيها يحيى وكان مربوع القامة، حسن الوجه، ms478 والشعر، أقنى الأنف، ~~أجلا الجبهة إلى أن قال - واتفق العلماء على أن المهدي هو القائم في آخر ~~الوقت، وقد تعاضدت الأخبار على ظهوره وتظاهرت الروايات على إشراق نوره، ~~وستسفر ظلمة الأيام والليالي بسفوره، وينجلي برويته الظلم انجلاء الصبح عن ~~ديجوره، ويسير عدله في الآفاق فيكون أضوء من البدر المنير في مسيره انتهى ~~وكذلك ذكره جماعة من أهل التاريخ كشمس الدين ابن خلكان فقد ذكر أنه محمد بن ~~الحسن العسكري وأثبت مولده في التاريخ المتقدم، وذكر أنه الرجل الذي تدعي ~~الإمامية أنه إمامهم الثاني عشر وذكره ابن زولاق في تاريخه، هكذا إلا أنه ~~زعم أن مولده قبل التاريخ المذكور وكذلك غيرهما من أهل التواريخ والسير، ~~وقد تلخص من هذا كله إن ولادة المهدي الذي هو ابن الحسن العسكري وقعت يقينا ~~وحصلت جزما فلا التفات لمن أنكر ذلك عصبية وعنادا كابن أبي الحديد وأمثاله ~~من أصحابه وغيرهم، ومن هذا يعلم بطلان ما ذكره في إسعاف الراغبين من أن ~~المهدي من ذرية الحسن السبط بن أمير المؤمنين (عليه السلام) ويعلم منه أيضا ~~وهن قوله: إن رواية كونه من ذرية الحسين واهية (1) بل قوله هو الواهي ~~ولعلهم رأوا في رواية أنه من ولد الحسن يعني به العسكري فظنوه الحسن السبط ~~فأخطئوا فقد روى ابن قتيبة في كتاب غريب الحديث عن أمير المؤمنين (عليه ~~السلام): (إن المهدي من ذرية # PageV00P627 # الحسين) (1) ورواه أيضا قاضي القضاة عن كافي الكفاة إسماعيل بن عباد ~~بإسناد متصل به (عليه السلام) فلا محيص عن القول به. # وأما اختفاؤه فلخوفه من الطواغيت أن يفعلوا به كما فعل بآبائه وليخرج ~~وليس في عنقه بيعة لأحد من الظلمة. # وأما عدم معرفة الناس لشخصه ومكانه فلخوف الإذاعة فإذا عرف شخصه ومحله ~~قصد من الجائرين بالإيذاء. # وأما بقاؤه حتى يؤذن له في الظهور فلوجوه. # الأول اتفاق الإمامية عليه وموافقة جملة من المخالفين لهم على صحته كما ~~سمعت. # الثاني تواتر الأخبار عن النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة بعد ~~المفروغية من إثبات كون قولهم حجة باثبات إمامتهم ms479 بما ذكرناه من النصوص ~~المتقدمة، والوجوه المتعددة. # الثالث إنا قدمنا في أول الكتاب أنه لا يجوز خلو زمان من أزمنة التكليف ~~من إمام يكون حجة لله على خلقه، وبينا هنا أن الأئمة اثنى عشر، وأنه تمام ~~عدتهم فوجب الحكم ببقائه لئلا يكون زمان التكليف خاليا من الحجة لله على ~~خلقه، على إنا نقول لهم إن جماعة من مؤرخيكم قد أثبتوا ولادته كما قلنا ~~فنحن نطالبكم باثبات موته، وبالدلالة على موضع مدفنه، وليس لهم حجة على ذلك ~~إلا الشبهة التي تمسك بها منكروا ولادته أو بعضهم وهي مخالفة العادة ~~والطبع، فإن العادة قد قضت بأنه لا يعيش أحد هذا PageV00P628 # العمر الطويل والطبيعة الإنسانية لا يمكن بقاء شخص منها هذه المدة والعمر ~~الطبيعي مائة وعشرون سنة، وهذه الشبهة منقوضة عليهم ومقلوبة بما صح في ~~كتبهم وتواريخهم من بقاء خلق كثير أضعاف ما ذكروه للعمر الطبيعي، فقد ذكر ~~أن آدم (عليه السلام) عاش ستمائة سنة، وأن نوحا بنص القرآن لبث من قومه ألف ~~سنة إلا خمسين عاما، بعد مبعثه قبل الطوفان، وأنه بعث وله خمسون سنة وقيل ~~أربعمائة سنة، وعاش بعد الطوفان ثلاثمائة سنة فعمره يكون على الرواية ~~الأولى ألفا وثلاثمائة سنة، وعلى الثانية ألفا وستمائة وخمسين سنة، وأن عمر ~~سام ستمائة سنة، وعمر أرفخشد أربعمائة سنة وخمس وستون سنة، وأن عمر شالخ بن ~~أرفخشد أربعمائة وثلاثون سنة وأن كالب بن يوفنا عاش ألف سنة في بني إسرائيل ~~وأن انوش بن شيث عاش تسعمائة وخمسا وستين سنة، وابنه قينان عاش سبعمائة ~~وعشرين سنة وابنه مهلاييل عاش تسعمائة وخمسا وستين سنة، وإدريس رفع وهو ابن ~~ثلاثمائة وخمس وستين وبقي أبوه بعد رفعه خمسمائة وخمسا وثلاثين سنة، وعاش ~~متوشلخ بن إدريس تسعمائة واثنين وثمانين سنة وابنه لمك سبعمائة سنة، وذكر ~~في أنوار التنزيل أن لقمان الحكيم عاش ألف سنة، وصح أن لقمان بن عاد عاش ~~عمر سبعة أنسر. # قال القرماني أبو العباس في تاريخ الدول وقد اختلف الناس في عمر النسر ~~وعامتهم أنه يعيش خمسمائة ms480 سنة، فعلى هذا إن لقمان عاش ثلاثة آلاف وخمسمائة ~~سنة، قال: وقيل إنه عاش ثلاثة آلاف وثمانمائة سنة، لأنه قبل أن يأخذ النسور ~~له ثلاثمائة سنة انتهى أقول وقد ذكر شعراء العرب لقمان هذا إشارة وتصريحا ~~قال سالم بن عوانة الضبي في أبيات له. # لا تهزئي مني ربيب فما * في ذاك من عجب ولا سخر أولم ترى لقمان أهلكه * ~~ما اقتات من سنة ومن شهر PageV00P629 # وبقاء نسر كلما انقرضت * أيامه عادت إلى نسر ما طال من أمد على لبد * ~~رجعت محاربة إلى قصر وقال التابعة الذبياني: # أمست قفارا وأمسى أهلها احتملوا * أخنى عليها الذي أخنى على لبد يعني به ~~نسر لقمان وغير ذلك. # وذكر القرماني أيضا أن عوج بن عناق عاش مثل عمر لقمان بن عاد على الرواية ~~الأولى. # وكثير من العرب عاش عمرا طويلا فمنهم عبيد بن شريد الجرهمي عاش ثلاثمائة ~~وخمسين سنة، وروي عنه أنه رأى من عاش ألف سنة، وأن الربيع بن ضبيع الفزاري ~~عاش قريبا من أربعمائة سنة، وأن سويا الكاهن عاش ثلاثمائة سنة، وأن شداد بن ~~عاد عاش تسعمائة سنة، وعاش أكثم بن صيفي التميمي ثلاثمائة سنة، وعاش ~~المستوغر عمرو بن ربيعة أحد بني سعد بن زيد مناة التميمي ثلاثمائة وعشرين ~~سنة، وعاش الحارث بن كعب مائة وستين سنة، وعاش دريد بن زيد النهدي القضاعي ~~أربعمائة سنة وستا وخمسين سنة، وعاش زهير بن جناب العذري الكلبي مائتين ~~وعشرين سنة، وعاش ذو الإصبع حرثان بن محرث العدواني أحد بني قيس عيلان بن ~~مضر ثلاثمائة سنة، وعاش معدي كرب الحميري عمرا طويلا حتى قال. # أراني كلما أفنيت عمرا * أتاني بعده يوم جديد يعود بياضه في كل فجر * ~~ويأبى لي شبابي ما يعود وعاش أبو الطمحان القيني حنظلة بن الشرفي الكناني ~~مائتي سنة، وعاش عبد المسيح بن بقيلة الغساني ثلاثمائة وخمسين سنة، وعاش ~~النابغة الجعدي قيس بن كعب من بني عامر بن صعصعة مائة وثمانين سنة، على ~~رواية ابن الكلبي ومائتي سنة على رواية ابن دريد عن أبي ms481 حاتم، وغير هؤلاء ~~ممن عاش PageV00P630 # عمرا طويلا كثيرا لو أردنا ذكر جميع من يمكننا ذكره، وكل من انتهى إلينا ~~خبره لطال الكلام فأين العادة؟ وأين العمر الطبيعي؟ فإذا صح عند خصومنا ~~جواز الزيادة على العمر الطبيعي وخرق العادة فيمن ذكرناهم على كثرتهم ومن ~~تركنا ذكره أكثر كيف يمنعون ذلك في المهدي دون غيره لتلك العادة المنخرمة ~~المنخرفة؟ ما هو إلا تشبت بما لا يجدي نفعا ثم إنهم أثبتوا أن الخضر حي ~~موجود إلى أن يقوم المهدي (عليه السلام) وهو قبل النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بزمان طويل لأنه كان على مقدمة ذي القرنين الأكبر الذي كان في زمن ~~إبراهيم الخليل (عليه السلام) على رواية المسعودي في أخبار الزمان، وقيل هو ~~إيليا بن ملكا بن فالغ بن عابر، وقيل الخضر بن ميشا بن أفرائيم بن يوسف ~~الصديق، وعلى كل حال فهو قبل نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) بمدة طويلة ~~وصححوا أن معمر أبا الدنيا علي بن عثمان بن الخطاب الهمداني حي موجود من ~~زمان نبينا إلى أن يقوم المهدي وأثبتوا أن الدجال حي موجود إلى قيام ~~المهدي، ونزول عيسى من المساء فيقتلانه، وأن إلياس حي موجود في السحاب ~~فإثباتهم طول البقاء لهؤلاء وإنكارهم البقاء منهم للمهدي عناد صرف، وتعصب ~~محض لا حجة عليه، وبعد فما ينكرون من أن يكرم الله نبيه محمدا (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) فيما أكرمه بأن يعمر رجلا من عترته إلى وقت معلوم عنده كما ~~فعل بغيره؟ على أن لازم ما رووه عن النبي (صلى الله عليه وآله) من قوله: ~~(لتحذون حذو الأمم من قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة بالقدة) وقوله: ~~(ليكونن فيكم ما كان في الأمم قبلكم) أو ما أشبه هذا اللفظ أن يكون في ~~أولياء هذه الأمة معمرون كما كان في أولياء الأمم السالفة، وفي هذا كفاية ~~لصحة بقائه (عليه السلام) إلى وقت معلوم عجل الله فرجه وسهل مخرجه، وجعلنا ~~من أنصاره وأكرمنا بجواره. # وأما الشبهة في استتاره بأنه كيف يكون موجودا ولا ms482 يعرف بشخصه PageV00P631 # فمندفعه بأن الخضر موجود عندهم قطعا وهو لا يعرف بشخصه، وذكر شيخهم ~~الأكبر مسافر بن عربي أن إلياس يجتمع مع الخضر عند سد يأجوج ومأجوج وفي مكة ~~وعرفات، روى ذلك عنه القرماني في تاريخ الدول ومن المتفق عليه أنه لم يكن ~~أحد من الناس يعرف الخضر وإلياس بشخصيهما فما المانع أن يكون المهدي كذلك؟ ~~ثم من المتفق عليه أيضا أن الدجال موجود ولم يكن أحد يعرفه بشخصه ولا ادعى ~~أحد من الناس معرفته فكيف يجوز أن يخفى الخضر وإلياس والدجال على الناس ولا ~~يعرفون أشخاصهم ولا يجوز ذلك في غيرهم وهو المهدي لولا التعسف وتمحل ~~المحال، وقد ورد في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) ما يصرح بوجود هذا ~~الإمام المنتظر واستتاره عن البشر وأنه حجة الله على خلقه وخليفة أنبيائه. # فمنه ما في خطبة أومي فيها إلى الملاحم قال في جملتها: (هذا أبان ورود كل ~~موعود ودنو من طلعة ما لا تعرفونه، ألا وإن من أدركها منا يسرى فيها بسراج ~~منير، ويحذو فيها على مثال الصالحين ليحل فيها ربقا ويعتق فيها رقا ويصدع ~~شعبا ويشعب صدعا في سترة عن الناس لا يبصر القائف أثره، ولو تابع نظره، ثم ~~ليشحذن فيها قوم شحذ القين النصل يجلي بالتنزيل أبصارهم، ويرمي بالتفسير في ~~مسامعهم، ويغبقون كأس الحكمة بعد الصبوح) (1) انتهى. # فانظر إلى قوله (عليه السلام) بعد ذكر أوصاف القائم (في سترة من الناس لا ~~يبصر القائف أثره) فإنك تراه أصرح شئ في مدعانا وأوضح قول في مرامنا. # وأما قول ابن أبي الحديد بعد اعترافه بدلالة الكلام على استتار هذا # PageV00P632 # الإنسان المشار إليه: وليس ذلك بنافع للإمامية في مذهبهم، وإن ظنوا أن ~~ذلك تصريح بقولهم وذلك لأنه من الجائز أن يكون هذا الإمام يخلقه الله تعالى ~~في آخر الزمان ويكون مستترا وله دعاة يدعون إليه ويقررون أمره ثم يظهر بعد ~~ذلك الاستتار، ويملك الممالك ويقهر الدول ويمهد الأرض كما ورد في الخبر (1) ~~فباطل غاية البطلان والكلام نافع لنا في مذهبنا غاية النفع ms483 وجواز أن يكون ~~هذا الإمام يخلقه الله تعالى في آخر الزمان معارض بجواز أن يكون خلقه قبل ~~زمان ابن أبي الحديد، بما يربى على المئات من السنين ويزيد، وقد أقمنا ~~البرهان على وجوب وجوده في الأرض أثبتنا النقل على حصول ولادته منا ومن ~~الخصوم، ونحن لا ننكر ما أجازه لو كان الخلف لم يوجد، ولم يولد، ولا يضرنا ~~في الحجة نحن ندعي أنه (عليه السلام) خلق فكان على المعتزلي أن يقيم دليلا ~~على منع إيجاده، وإبطال ميلاده وأنى له بذاك؟ وإذا كان يجوز أن يكون ولد ~~والأخبار منا ومنهم وردت بوقوع ذلك الجائز الذي لم يقدر الخصم على منعه وجب ~~أن يكون استتار المنتظر من وقت ميلاده إلى وقت ظهوره في هذه الأزمان لا في ~~ذلك الزمان الذي ادعاه المعتزلي، على أنه لو كان كما ذكر لم يكن الإمام ~~مستترا عن الناس لأن من يبث الدعاة إلى الخلق يدعونهم إلى طاعته ومبايعته ~~ويطلبون منهم الانقياد إلى أمره والوثوب إلى نصرته ليس بمستتر عن الناس، بل ~~مظهر لهم نفسه مبدلهم أمره معرف لهم شأنه ملق إليهم خبره، ومن كان هذا شأنه ~~كيف لا يبصر القائف أثره ولو تابع نظره، ودعاته يشيرون إليه ويدلون الناس ~~عليه، وإنما يصح الاستتار الذي عناه أمير المؤمنين وصرح به في الوقت الذي ~~ليس لهذا الإمام ابن السادة الكرام داع يدعو الناس إلى مبايعته ولا مشير ~~يشير إليه ويدل عليه، فهو مخفى الأثر ولذلك أنكر وجوده من أنكر كهذا ~~القائل، وهذه الحال لم تكن إلا في هذه # PageV00P633 # الأزمان التي تغلب فيها على أهل الإيمان أهل البغي والعدوان، وذوو الكفر ~~وأولياء الشيطان لا الزمان الذي يدعى فيه لذلك الإمام، وينادى باسمه بين ~~الخاص والعام، فإن ذلك وقت أسفار العدل بسفوره، وظهور صبح الحق بظهور نوره، ~~وانهزام ليل الباطل وزوال ديجوره، بضياء نهار الهدى وسناء تنويره. # ذاك وقت أيامنا فيه بيض * والليالي غر كليل العروس وليت شعري كيف خفي على ~~المعتزلي هذا المعنى من الظهور والخفاء فلم يعرف الظاهر ms484 من المستور وأما ~~قوله كما ورد في الخبر، فهو متعلق بقوله: # تملك الممالك إلى آخر الكلام لا بقوله: يخلقه الله في آخر الزمان إذ لا ~~خبر بذلك عندهم، ولو كان ثمة خبر ولو من أضعف الأخبار لصال به علينا وجال ~~لكن لم يجد إلى ذلك سبيلا فرجع إلى الاستدلال بالإمكان، وترك ما حصل وكان. # ومنه قوله في خطبة أخرى يشير إلى الخلف الصالح: (قد لبس للحكمة جنتها ~~وأخذها بجميع أدبها، من الاقبال عليها والمعرفة بها والتفرغ لها فهي عند ~~نفسه ضالته التي يطلبها وحاجته التي يسأل عنها فهو مغترب إذا اغترب ~~الإسلام، وضرب بعسيب ذنبه وألصق الأرض بجرانه، بقية من بقايا حجته، خليفته ~~من خلائف أنبيائه) الخطبة (1) فقوله (عليه السلام): # (مغترب إذا اغترب الإسلام) دال على استتار ذلك الإمام إذا عاد الإسلام ~~غريبا كما بدأ غريبا دل عليه الحديث النبوي، وصار كالبعير البارك الذي يضرب ~~الأرض بأصل ذنبه وهو المراد بالعسيب، ويلصق الأرض بصدره وهو جرانة فلا يكون ~~له تصرف ولا نهوض، وكل ذا كناية عن عود الإسلام # PageV00P634 # مغلوبا مقهورا معطلة حدوده، مضيعة أحكامه، فيكون غريبا في الناس لا يعرف ~~لاستيلاء أهل الضلالة على ذوي الهدى، وغلبة الظلمة المغيرين لأحكام الشريعة ~~الغراء، والعالمين في الناس بالشهوات والأهواء فيغترب حينئذ الحجة الذي هو ~~بقية حجج الله وخليفة خلائف أنبيائه، فلا يعرف بشخصه ولا يدرى أين موضعه، ~~وهذا الكلام كما ترى صريح في وجود هذا الرجل واستتاره في زمان دولة أهل ~~الجور والفساد، وأنه حجة الله، وخليفة الخلفاء وهو عين ما قلناه من أنه ~~ختام الأئمة، فإن بقية الحجج، وخليفة الخلفاء آخرهم بلا خفاء. # وأما ما ذكره ابن أبي الحديد عن الصوفية أن المراد به ولي الله، فإن كان ~~مرادهم به الإمام لأنه عندنا حجة الله ووليه على عباده لا ولي على العباد ~~غيره فذلك قولنا، وإن أرادوا به غير الإمام وهو القطب عندهم الذي تدور عليه ~~الأوتاد والأبدال فذلك مما لا برهان عليه ولا دليل وهو من الخرافات التي ~~أحدثها الصوفية ms485 بآرائهم وأهوائهم، والحق أن القطب بالمعنى الذي ذكروه وهو ~~الخليفة الذي نحن نعنيه لا قطب غيره، فجعلهم إياه غيره من وساوس النفوس، ~~ولا يطلق لفظ الحجة في كلام أمير المؤمنين على الصوفي الكبير الذي سموه ~~قطبا حاش لله. # وأما ما نقله عن أصحابه أن المراد به العلماء الذي يتم الإجماع (1) وأن ~~أمير المؤمنين (عليه السلام) يشير إلى صفات كل واحد منهم، فبعيد ظاهر ~~الفساد، إذ من اليقين أنه لا يطلق لفظ الحجة والخليفة على غير الإمام العام ~~في كلام النبي (صلى الله عليه وآله) وعلي وأولاده، وعلى المدعي إثبات ذلك، ~~نعم ورد في كلامهم إطلاق لفظ العالم على الإمام، وهو عكس ما قاله المعتزلة ~~كما ورد عنهم (لا تخلوا الأرض من عالم)، و (لا تكون إلا وفيها # PageV00P635 # عالم) وهو في أحاديثنا كثير، ثم إن الكلام يعطي بصريحه أن المراد به شخص ~~واحد على الحقيقة لا جماعة واحدهم هكذا، ويعطي أيضا بالصريح أن ذلك الشخص ~~مغترب غير معروف بين الناس، وإذا كان مما لا يتم الإجماع بدونه عند الناس ~~لزم أن يكون معروفا عندهم غير مجهول فلم يكن مغتربا البتة، فأين إذن مصداق ~~قوله عليه السلام (مغترب) الخ. # وأما ما ذكره عن الفلاسفة من أن المراد بالحجة هو العارف عندهم، فذاك مما ~~لا يعرف ولا يلتفت إليه وهل يرضى عاقل أو يتصور فاهم أن يكون أراد أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) بحجة الله خليفة خلفاء أنبيائه مثل أبي نصر ~~الفارابي (1) وأبي علي بن سينا (2) وأبي البركات البغدادي (3) وشهاب الدين ~~يحيى السهروردي (4) وأشباههم من أكابر فلاسفة الإسلام الذين أكثر أقوالهم ~~مخالفة لنصوص الكتاب والسنة وإجماع المسلمين؟ فهؤلاء هم العارفون بالفلسفة، ~~ولو كان مثل هؤلاء هو المقصود لما صدق قوله (عليه # PageV00P636 # السلام): (مغترب) لأن هؤلاء وأمثالهم معروفون غير منكورين وظاهرون غير ~~مستورين ومعظمون عند العامة غير مغتربين وبهذا أيضا يبطل قول المعتزلة لأن ~~العلماء الذين ادعوا أن الإجماع لا يتم إلا بهم معلومين غير مجهولين إن ~~أرادوا مثل الجاحظ والجبائيين والقاضي عبد الجبار وأبي ms486 القاسم البلخي ~~وثمامة بن أشرس وأبي الهذيل العلاف وإبراهيم بن سيار النظام وواصل بن عطاء ~~وعمرو بن عبيد وأبي الحسين الخياط (1) وأمثالهم ممن يطول تعدادهم وكلهم ~~مذكورون في طبقاتهم، معروفون عند أصحابهم فأين هم والاغتراب؟ وهل يجوز أن ~~يكون مثل الجاحظ وهو المبغض لأمير المؤمنين (عليه السلام) حجة الله على ~~خلقه، وخليفة أنبيائه؟ أو يجوز أن يكون أمير المؤمنين (عليه السلام) أراد ~~بتلك الأوصاف مثله وأمثاله؟ ومن هذا بطل ما ادعاه المعتزلي من جواز إطلاق ~~الحجة والخليفة على العارف والولي عند الفلاسفة وأهل التصرف، وعلى العالم ~~مثل أبي الهذيل عند المعتزلة وتبين أن ذلك قول منهم بألسنتهم وهوى قلوبهم، ~~وأن كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يوافق قول أحد منهم، وإنما هو ~~يوافق ما نقول لا سيما والمنصف المتأمل إذا ضم كلام علي (عليه السلام) بعضه ~~إلى بعض علم أنه يريد بهذه الأوصاف رجلا من ذريته، وهو الذي عناه في كلامه ~~الأول بقوله: (ألا وإن من أدركها منا) إلى آخره وقد اعترف المعتزلي بذلك ~~حيث قال: وليس يبعد عندي أن يريد به القائم من آل محمد (صلى الله عليه ~~وآله) في آخر الوقت إذا خلقه الله تعالى وإن لم يكن الآن موجودا فإنه ليس ~~في الكلام ما يدل على وجوده الآن، وقد وقع اتفاق الفرق من المسلمين أجمعين ~~على أن الدنيا والتكليف لا ينقضي إلا عليه (2) انتهى وحيث أقر أن المراد هو ~~القائم من آل محمد (صلى الله عليه وآله) فلا يضرنا ما قال من أنه لم يكن ~~مخلوقا # PageV00P637 # لأن هذا القول قد دللنا قبل على إبطاله، وبينا في هذه الخطبة وجه الدلالة ~~على فساده واسترحنا من كلفة الجواب هنا على هذه الهينمة بما قدمناه فتذكر. # ومنه قوله (ع) في حديث كميل بن زياد: (اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم ~~لله بحجة إما ظاهرا مشهورا أو مستترا مغمورا لئلا تبطل حجج الله وبيناته) ~~(1) فهذا الكلام نص صريح في أن الإمام القائم لله بحجته لا تخلو الأرض منه، ~~وهو إما ms487 أن يكون ظاهرا مشهورا يعرفه الناس تشير إليه الأكف، وإما أن يكون ~~مستترا مغمورا لا يعرف بشخصه، وأن الإمامة لا تنقطع من الأرض إذ بانقطاعها ~~يجب بطلان حجج الله وبيناته، وذلك محال ممتنع، فانقطاع الإمامة مثله، وحيث ~~لا إمام ظاهر على الوجه المذكور في الكلام من بعد أبي محمد الحسن بن علي ~~العسكري وجب الحكم بوجود إمام مختف من بعده، وما هو إلا صاحبنا إذ لم يدع ~~أحد من الناس ذلك لغيره، فوجب أن يكون هو القائم بحجة الله المستتر، وفي ~~هذا كفاية لصحة قولنا، ومما يدل على عناد ابن أبي الحديد قوله في شرح هذا ~~الكلام: (وهذا يكاد يكون تصريحا بمذهب الإمامية إلا أن أصحابنا يحملونه على ~~أن المراد به الأبدال الذين وردت الأخبار النبوية عنهم أنهم في الأرض ~~سائحون إلى آخر كلامه) (2) وما أدري كيف قال هذا ولا نعرف الأبدال الذين ~~يقول بهم؟ وأن الكلام لا يشير إلى ما ذكره قطعا وجزما ولا شك أنه لا يدري ~~ما يقول وأنت خبير ببطلان كلامه بعد الإحاطة بما سبق من القول، وقد قررنا ~~في مسألة عدم جواز خلو الأرض من الإمام في جميع أزمنة التكليف تقريرا شافيا ~~في هذا الحديث ينفعك هنا فراجع. # ومنه قوله (ع) في خطبة له: (فانظروا أهل بيت نبيكم فإن لبدوا # PageV00P638 # فالبدوا، وإن استنصروكم فانصروهم، فليفرجن الله الفتنة برجل منا أهل ~~البيت بأبي ابن خيرة الإماء لا يعطيهم إلا السيف هرجا هرجا) موضوعا على ~~عاتقه ثمانية حتى تقول قريش لو كان هذا من ولد فاطمة لرحمنا يغريه الله ~~ببني أمية حتى يجعلهم حطاما ورفاتا: [ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا ~~تقتيلا سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا] الخطبة. # قال ابن أبي الحديد فإن قيل من هذا الرجل الموعود به الذي قال (عليه ~~السلام) (بأبي ابن خيرة الإماء) قيل: أما الإمامية فيزعمون أنه إمامهم ~~الثاني عشر وأنه ابن أمة اسمها نرجس، وأما أصحابنا فإنهم يزعمون أنه فاطمي ~~يولد في مستقبل الزمان لأم ms488 ولد، وليس بموجود الآن (1) انتهى. # قلت: نحن والحمد لله قاطعون بذلك غير زاعمين، قد وضحت به حجتنا وقامت ~~عليه أدلتنا كما ترى. # فإن قيل: لم استتر هذا الإمام من الظلمة ولم لا يظهر فيقاتلهم ويجالدهم. # قلنا: قد قدمنا من القول في جواب قعود أمير المؤمنين (عليه السلام) عن ~~القتال في زمن الثلاثة ما يكفي في الجواب هنا عن هذا الايراد ونزيد عليه في ~~هذا المقام فنقول: أخبرونا عن أنبياء الله ورسله حين عمل قومهم بالمعاصي ~~وكفروا بالله كقوم نوح وقوم إبراهيم وقوم لوط، وعن بني إسرائيل حين عبدوا ~~العجل بمشهد من هارون ولم يقاتلوهم وغير أولئك ممن عصوا الله وأفسدوا في ~~الأرض ولم تقاتلهم الأنبياء لم لا قاتلوهم وجالدوهم فما تجيب به عن هذا هو ~~جوابنا عن إيرادك فاختر من الجواب ما شئت فإن قيل: إنما وجب نصب الإمام ~~لإقامة الملة ومنع حوزة الإسلام، وأخذ الحقوق، وإقامة # PageV00P639 # الحدود، وجباية الفئ وجهاد المشركين، وقتال الباغين، وإرشاد العباد، ورفع ~~الفساد، ولا خفاء أن المستتر المتواري لا تحصل به هذا المصالح فأي فائدة في ~~إمام مستتر. # قلنا: صدقت في قولك: إن الإمام منصوب لهذه المصالح لكن لا يجب عليه ~~القيام بها إلا إذا سلمت له الرعية المقادة، وبسطت له يد الطاعة لو وجد ممن ~~يطيعه أعوانا ينتصر بهم على من يعصيه من الأمة، فأما إذا منعته الرعية ~~طاعتها ولم تلق له زمام قيادها، بل تركت نصرته وإخافته ولم يجد من أهل ~~طاعته من يقوم بنصرته على أهل المعصية فإنه لا يجب عليه القيام بجميع تلك ~~المصالح كما ذكرت، وجاء منع اللطف من قبل الرعية حيث فوتوا أنفسهم منه ~~بكفهم يد الإمام عن التصرف، ولم يلزم من ذلك بطلان إمامة الإمام المنصوب من ~~الله لأن سبيله سبيل النبي، فكما أن النبي (عليه السلام) مبعوث لتلك ~~المصالح وغيرها ولا تبطل نبوته بعدم القدرة على القيام بها لعدم طاعة ~~الرعية له كما ذكرنا في الكلام على الايراد الأول ولم يقتض ذلك عدم وجود ~~النبي (صلى الله ms489 عليه وآله وسلم) فكذلك لا تبطل إمامة الإمام إذ كانت من ~~الله بمنع الرعية إياه عن التصرف، ولا يلزم من ذلك عدمه لأن الإمامة خلافة ~~عن النبوة وما لا يبطل به الأصل لا يبطل به الفرع، وهذا كاف في الجواب عن ~~ترك أئمتنا (عليهم السلام) بعد الحسين القتال وقعودهم عن مجاهدة الظلمة، ~~وقولك أي فائدة في إمام مستتر؟ قلت: بلى فيه فائدة جليلة ولطف ظاهر وذلك أن ~~المكلفين إذا علموا أن في العالم إماما مختفيا وأنه سيظهر فينتصف للمظلوم ~~من الظالم ويرد الحقوق إلى أهلها ويعاقب العاصين وجوزوا ظهوره في كل وقت، ~~فإنهم يكونون إلى الصلاح أقرب ومن الفساد أبعد، فهذه فائدة من أعظم الفوائد ~~في وجود الإمام المستتر، وذلك بخلاف ما إذا علموا أن ليس في العالم إمام ~~بذلك الوصف فإنهم يكونون على طرف النقيض من الأول، والحاصل أن وجود الإمام ~~لطف PageV00P640 # وتصرفه لطف آخر وعدم حصول الثاني لمانع لا يقتضي عدم الأول، وهنا وجه آخر ~~وهو أن نقول أن الفائدة في نصب الإمام مطلقا قيام حجة الله به على المكلفين ~~بحيث لا يستطيع المكلف العاصي أن يقول لم أجد من يرشدني إلى الحق، فإنه ~~يقال لهم عن الله إني نصبت لكم من يرشدكم إلى سبيلي، ويوضح لكم ما اختلفتم ~~فيه من ديني، فلم عصيتموه وأخفتموه؟ ولم لا أطعتم أمره وقبلتم قوله ~~ووازرتموه؟ فلا تكون لهم على الله حجة وقد نصب لهم منهم من يهديهم إلى ~~مراشدهم وأزاح علتهم بتعيين من يدلهم على سبيل مراضيه، بل تكون لله عليهم ~~الحجة البالغة وإلى هذا يشير قوله تعالى: [فلله الحجة البالغة] (1) ويصرح ~~به قول أمير المؤمنين (عليه السلام) (اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم لله ~~بحجة) إلى قوله: (لئلا تبطل حجج الله وبيناته) (2) وهذه كما ترى فائدة ~~عظيمة فاندفع الايراد وزالت الشبهة وظهر الحق وبطل ما كانوا يعملون. # ولنذكر جملة من الأحاديث الواردة في حق الخلف المنتظر عجل الله فرجه من ~~طرق الخصوم زيادة على ما مضى. # أخرج الطبراني عن ms490 النبي (صلى الله عليه وآله): (المهدي منا يختم الدين به ~~كما فتح بنا). # وأخرج أحمد ومسلم عن النبي (صلى الله عليه وآله): (يكون في آخر الزمان ~~خليفة يحثوا المال حثوا) (3). # وأخرج الطبراني مرفوعا إليه (صلى الله عليه وآله) (يلتفت المهدي وقد نزل ~~عيسى (عليه السلام) كأنما يقطر من شعره الماء فيقول # PageV00P641 # المهدي تقدم فصل بالناس فيقول عيسى إنما أقيمت الصلاة لك فيصلي خلف رجل ~~من ولدي) (1) وفي صحيح ابن حبان في إمامة المهدي نحوه قال في إسعاف ~~الراغبين وصح مرفوعا: (ينزل عيسى بن مريم فيقول أميرهم المهدي تعال صل بنا ~~فيقول لا إنما بعضكم أئمة بعض تكرمة الله لهذه الأمة) (2) وهذا يبطل ما ~~قاله ابن عربي أن عيسى يتقدم فيصلي بالناس على سنة نبينا (صلى الله عليه ~~وآله وسلم). # وروى ابن ماجة عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (لو لم يبق من ~~الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يملك رجل من أهل بيتي يملك جبل ~~الديلم والقسطنطينية) (3) زاد في روايات (ورومية ومروية). # قلت: وهذه الأخبار وما قبلها تنطق نطقا فصيحا بأن المهدي من ولد رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) وعترته ومن ذريته ومن نسل فاطمة البتول وهي ~~كثيرة متظافرة، ومنها يعلم فساد ما افتعله بعض الخصوم أنه لا مهدي إلا ~~عيسى، وما زوره بعض آخر المهدي من ولد العباس عمي. # قال ابن حجر في الصواعق الأظهر أن خروج المهدي قبل نزول عيسى (عليه ~~السلام)، وقيل بعده وقد تواترت الروايات عن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) بخروجه وأنه من أهل بيته، وأنه يملأ الأرض عدلا وأنه يساعد عيسى على ~~قتل الدجال، بباب لد بأرض فلسطين، وأنه يؤم هذه الأمة، ويصلي عيسى خلفه، ~~وأكثر الروايات متفقه على تحقق ملكه سبع سنين إلى # PageV00P642 # أن قال: وإنه بعد أن تعقد له البيعة بمكة يسير منها إلى الكوفة، ثم يفرق ~~الجنود إلى الأمصار، وأن السنة من سنينه تكون مقدار عشر سنين وأنه يبلغ ~~سلطانه المشرق والمغرب وتظهر له الكنوز ms491 ولا يبقى في الأرض خراب إلا يعمره ~~(1). # قال مقاتل بن سليمان ومن تبعه من المفسرين في قوله تعالى: [وأنه لعلم ~~للساعة] (2): إنها نزلت في المهدي. # وقال ابن عربي بعد ذكر ما نقلناه أولا عنه في نسب المهدي وبيعة المسلمين ~~له بين الركن والمقام، قال: يشبه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في ~~الخلق بفتح الخاء وينزل عنه في الخلق بضمها إذ لا يكون أحد مثل رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) في أخلاقه أسعد الناس به أهل الكوفة، يقسم المال ~~بالسوية، ويعدل به في الرعية يمشي الخضر بين يديه، يعيش خمسا أو سبعا أو ~~تسعا يقفوا أثر رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يخطئ له ملك يسدده من ~~حيث لا يراه، يفتح المدينة الرومية بالتكبير مع سبعين ألفا من المسلمين، ~~يشهد الملحمة العظمى مأدبة الله بمرج عكا، يعز الله به الإسلام بعد ذله، ~~ويحييه بعد موته، ويضع الجزية ويدعو إلى الله بالسيف فمن أبى قتل، ومن ~~نازعه خذل، يحكم بالدين الخاص عن الرأي إلى أن قال: واعلم أن المهدي إذا ~~خرج يفرح به جميع المسلمين خاصتهم وعامتهم، وله رجال إلهيون يقيمون دعوته ~~وينصرونه هم الوزراء له، يتحملون أثقال المملكة عنه، ويعينونه على ما قلده ~~الله إلى آخر ما قال (3). # وقد ذكروا من علامات ظهوره انكساف القمر في أول ليلة من شهر # PageV00P643 # رمضان، والشمس يوم النصف منه، وقريب منه مروي من طرقنا عن أهل البيت (1). # ومن علامات ظهوره (عليه السلام) خروج الدجال والسفياني ولا يخفى عليك أن ~~أخبار ظهور المهدي وعلاماته وتفصيل الأمور التي تجري من حين ظهوره إلى حين ~~وفاته كثيرة، وهي مذكورة في محالها كغيبة الصدوق وغيبة النعماني وغيبة شيخ ~~الطائفة وغيرها من كتب أصحابنا المصنفة في هذا الشأن، من أرادها لم تفته ~~والغرض هنا إثبات إمامة الخلف المنتظر وتصحيح خروجه من روايات المخالفين ~~وأقوالهم، وقد أوردنا ما فيه بل في بعض الكفاية لمن تدبر وأنصف ولله الحمد ~~والمنة على التوفيق. # المسألة الثالثة في بيان ثبوت عصمة ms492 الأئمة (عليهم السلام) وقد علمت في ~~مسألة شروط الإمام معنى العصمة وأن حقيقتها لطف يفعله الله بالمكلف بحيث ~~يؤمن بسببه من ارتكاب الذنوب واقتراف المعاصي كبائرها وصغائرها، ومن الخطأ ~~في الأحكام عمدا وسهوا وتأويلا، ويحكم بإصابته الحق في جميع أفعاله ~~وأقواله، وأصحابنا جازمون بعصمة أئمتنا الاثني عشر (عليه السلام) كجزمهم ~~بعصمة الأنبياء، وأما المخالفون فمنهم من وافقنا على عصمة أمير المؤمنين ~~(عليه السلام)، وليس من حيث اشتراط العصمة في الإمام وهذا قول أبي محمد ~~الحسن بن متوية من المعتزلة قال ابن أبي الحديد: نص أبو محمد بن متوية في ~~كتاب الكفاية على أن عليا (عليه السلام) معصوم وإن لم يكن واجب العصمة، ولا ~~العصمة شرطا في الإمامة، لكن أدلة النصوص قد دلت على عصمته والقطع على ~~باطنه ومغيبه وأن ذلك أمر اختص هو به دون غيره من الصحابة انتهى (2) ~~ووافقنا على عصمة المهدي محيي الدين # PageV00P644 # مسافر بن عربي قال في الفتوحات المكية نقلا عنه: إنه يعني المهدي يحكم ~~بما ألقى إليه ملك الإلهام من الشريعة، وذلك أنه يلهم الشرع المحمدي فيحكم ~~به كما أشار إليه حديث (المهدي يقفوا أثري لا يخطئ) فأخبرنا (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) أنه متبع لا مبتدع، وأنه معصوم في حكمه فعلم أنه يحرم عليه ~~القياس مع وجود النصوص التي منحه الله إياها على لسان ملك الالهام، بل حرم ~~بعض المحققين القياس على جميع أهل الله لكون رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) مشهودا لهم فإذا شكوا في صحة حديث أو حكم رجعوا إليه في ذلك فأخبرهم ~~بالأمر الحق يقظة ومشافهة (1). # أقول وهذا الكلام يعطي عصمة باقي أئمتنا عنده أيضا، لأن أهل الله عنده ~~كما ترى معصومون عن الخطأ في الأحكام وهو يقر بأن أئمتنا من أفضل أهل الله ~~على الوجه الذي ينحو إليه بهذا اللفظ ويعلم ذلك من قوله في ذكر نسب المهدي: ~~إنه ابن الإمام الحسن العسكري بن الإمام علي النقي (2) الخ، وقد مر ذكره ~~وبعصمة الاثني عشر صرح حجة الإسلام الغزالي في بعض ms493 كتبه كما ذكره عنه بعض ~~أصحابنا من أهل الاطلاع والتثبت في النقل، وقد وضح من ذلك أن القول بعصمة ~~هؤلاء الأصفياء ليس مما اختص به أصحابنا، بل بعض مخالفينا يقول به وإن كان ~~لغير الوجه الذي يقول به أصحابنا، وأما سائرهم فينكرون عصمة أئمتنا الكرام، ~~والعجب من ابن أبي الحديد حيث أنكر عصمة أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال ~~في مواضع إنه عنه غير معصوم مع حكمه في كثير من المواضع بأن عليا (عليه ~~السلام) مع الحق (3) دائما، وهل العصمة إلا ذلك، وليس هذا التناقض # PageV00P645 # بغريب في كلامه فإنه قد اشتمل على الجم الغفير من ذلك، وقد نبهنا على ~~كثير منه سابقا. # إذا عرفت هذا فاعلم أن الدليل على عصمة أئمتنا (عليه السلام) من وجوه ~~ثلاثة. # الأول دليل اللزوم وبيانه إنا قد دللنا أولا في مسألة شروط الإمام على أن ~~العصمة شرط في الإمام، ودللنا في مسألتي النص على أن هؤلاء هم المنصوص ~~عليهم بالإمامة، فلزم من ذلك أن يكونوا معصومين إذ لا شئ من الإمام غير ~~معصوم، وهؤلاء أئمة بالنص فيكونون معصومين، وحاصل هذا الدليل أن العصمة شرط ~~في الإمام والاثني عشر المذكورون هم الأئمة بالنص فتجب لهم العصمة. # الثاني دليل الكتاب وهو قوله تعالى: [إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ~~أهل البيت ويطهركم تطهيرا] (1) والرجس هنا الذنب بالاتفاق ونحن نبين وجه ~~استفادة العصمة من الآية ثم نبين من المعنى بها أما الأول فلأن إرادة الله ~~إذهاب الرجس عن أهل البيت وتطهيرهم من الذنوب إما أن يكون المراد بها ~~الإرادة التي يتعقبها الفعل ويصدر عنها إذهاب الرجس والتطهير منه، وإما أن ~~يكون المراد إرادة الله منهم أن يطهروا أنفسهم من الرجس التي هي بمعنى ~~الأمر التكليفي، والثاني غير مراد من الآية لوجهين. # الأول إن المقصود من الآية كما هو ظاهر اختصاص أهل البيت بهذا الأمر دون ~~الناس وإذا كان المراد منها أمر لا بتطهير أنفسهم من الذنوب زال الاختصاص، ~~فإن اجتناب الذنوب مطلوب من جميع المكلفين فلا خصوصية في هذا ms494 لأهل البيت ~~فوجب لموضع الاختصاص أن يكون المراد هو الأول ومنه # PageV00P646 # تثبت العصمة. # الثاني إن الآية وردت مورد المدح ولا مدح في مطلوبية اجتناب الذنوب وإنما ~~المدح في إذهابها عن المكلف وتطهيره من مقارفتها وهو المعنى الأول فوجب أن ~~يكون هو المراد لئلا يخرج ما هو مدح عن كونه مدحا فيثبت بذلك العصمة لمن ~~عناهم الله بهذه الآية. # وأما أهل البيت المعنيون بهذه الآية فهم بالأصل النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) وعلي وفاطمة والحسن والحسين ويدخل باقي الأئمة فيهم بالتبعية ~~كما أرشدت إليه الأخبار الواردة في المهدي، وقول النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) فيه تارة (إنه من عترتي) وتارة (من أهل بيتي) إذ لا يصح أن يكون ~~المهدي من أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعترته وأبوه وآباؤه ~~ليسوا من العترة ولا من أهل البيت، ونسبه إنما اتصل بالنبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) من جهتهم، بل يجب أن يثبت لهم من قرب النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) ما ثبت له وزيادة لما لهم من قرب الولادة من الرسول (صلى الله عليه ~~وآله)، وأقل الأمور المساواة فصح من ذلك دخول الأئمة (عليهم السلام) في أهل ~~البيت المعنيين بهذه الآية ونزول الآية فيمن ذكرنا مما اشتهر بين أهل ~~العلم، وصح عند أعيان المفسرين، وشاع عند الأمة، وصرح به المعتزلي فيما ~~نقلناه عنه في بيان معنى العترة، وتظافرت به الروايات من الفريقين وتواترت ~~به الأخبار من الطرفين، ولم ينكره محقق ولا ارتاب فيه فاضل ولم يدخل معهم ~~غيرهم في هذه الآية إلا شاذ من متعصبي الخصوم، وهو ابن حجر في الصواعق حيث ~~زعم أن المراد بالبيت في الآية ما يشتمل بيت نسب النبي (صلى الله عليه ~~وآله) وبيت سكناه فتشمل الآية أزواجه، ونقل هذا بعضهم عن الزمخشري ~~والبيضاوي (1) وهو قول # PageV00P647 # فاسد من وجوه. # الأول مخالفته الشهرة العظيمة التي كادت تكون إجماعا من الأمة مع قلة ~~القائل به من ذوي التحقيق فيكون باطلا. # الثاني إن الآية صريحة في ms495 عصمة المعنيين بها كما قررناه واعترف به ~~الخصوم، ونقله في الاسعاف عن البيضاوي حيث قال المراد بالرجس الذنب، ~~وبالتطهير التطهير من المعاصي (1) ومن الواضح البين أنه لم يقل أحد من ~~الأمة بعصمة أزواج النبي (صلى الله عليه وآله) فيخرجن من مدلول الآية على ~~هذا الوجه بالاجماع حتى من القائل بدخولهن لاعترافه بدلالتها على العصمة ~~كما سمعت عن البيضاوي، وهذا من أبين الوجوه على خروج الأزواج من الآية وعدم ~~شمولها لهن. # الثالث أن المعروف من العرب الذين نزل القرآن بلسانهم أن مرادهم من قولهم ~~أهل بيت فلان قرابته النسبية لا من كان منه بسبب منقطع ووصلة مستعارة ~~كالزوجة والعبد والأمة، قال في المصباح المنير: والأهل أهل البيت والأصل ~~فيه القرابة انتهى ومن مارس كلام العرب عرف صحة ما قلناه فإن شواهده في ~~كلامهم كثير قال الفرزدق. # إن الذي سمك السماء بني لنا * بيتا دعائمه أعز وأطول بيت زرارة محتب ~~بفنائه * ومجاشع وأبو الفوارس نهشل لا يحتبى بفناء بيتك مثلهم * أبدا إذا ~~عد الفعال الأكمل ومن البين أنه لم يرد بيت السكنى وإنما أراد بيت النسب، ~~وقال بعض ولد أبي لهب. # PageV00P648 # وأنا الأخضر (1) من يعرفني * أخضر الجلدة في بيت العرب من يساجلني يساجل ~~ماجدا * يملأ الدلو إلى عقد الكرب برسول الله وابني بنته * وبعباس بن عبد ~~المطلب (2) ومن اليقين أنه لم يرد ببيت العرب بيت سكناهم وإنما أراد بيت ~~نسبهم، وقال لبيد العامري. # فبنى لنا بيتا رفيعا سمكه * فسما إليه كهلها وغلامها ولا شبهة في أنه لا ~~يريد بيت السكنى وإنما يريد بيت الشرف والحسب، وقال آخر. # ألا يا بيت بالعلياء بيت * ولولا حب أهلك ما أتيت ألا يا بيت أهله ~~واعدوني * كأني كل ذنبهم جنيت أراد بيت النسب كما ذكره بعض الأفاضل وقال ~~عبيد الله بن كثير السهمي. # لعن الله من يسب عليا * وحسينا من سوقة وإمام أيسب المطهرون جدودا * ~~وكرام الآباء والأعمام يأمن الطير والحمام ولا يأمن * آل الرسول عند المقام # PageV00P649 # طبت بيتا وطاب أهلك أهلا * أهل بيت النبي والإسلام ms496 رحمة الله والسلام ~~عليهم * كلما قام قائم بسلام (1) وهو مصرح بأن آل النبي وأهل بيته قرابته ~~النسبية وأن بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بيت نسبه لا بيت سكناه ~~وقال طارق بن عبد الله النهدي وهو يذكر عليا (عليه السلام) عند معاوية وكان ~~معاوية قد نال من علي (عليه السلام) عند دخول طارق هذا عليه فأجابه طارق ~~بكلام منه قوله: أما بعد فإن ما كان نوضع فيما أوضعنا فيه بين يدي إمام تقي ~~عادل، مع رجال من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) أتقياء مرشدين ما ~~زالوا منارا للهدى ومعالم للدين خلفا عن سلف، مهتدين أهل دين لا دنيا كل ~~الخير فيهم، واتبعهم من الناس ملوك وأقيال وأهل بيوتات وشرف ليسوا بناكثين ~~ولا قاسطين إلى آخر ما قال رواه في كتاب الغارات (2) فقوله أهل بيوتات، ~~يريد الأنساب الجليلة لا بيوت السكنى وهذا كثير في كلامهم شعرا ونثرا، فصح ~~منه أن أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قرابته لا أزواجه، نعم إنا ~~لا ننكر إطلاق لفظ الأهل على الأتباع فتدخل فيهم الأزواج والموالي على جهة ~~التجوز والقلة دون الحقيقة، لكن الأكثر والأصل ورود الأهل في القرابة ومنه ~~في القرآن كثير قال الله تعالى: # [فاحمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك] وزوجته ليست معهم لأنها من ~~المغرقين وقال تعالى حكاية عن نوح: [إن ابني من أهلي] (3) وهو صريح في ~~المدعى إذ ليس يجوز أن يكون المراد أن ابني من أزواجي أو مماليكي، بل # PageV00P650 # يتعين أن يكون المراد أن ابني من قرابتي وأولادي فيكون الأهل هم القرابة ~~التي أخصها الأولاد، وقوله تعالى في حق أيوب (عليه السلام): (وآتيناه أهله ~~ومثلهم معهم] (1) وفي آية أخرى [ووهبنا له أهله ومثلهم معهم] (2) نص في ~~المطلوب لأن المردود على أيوب أولاده لا زوجته باتفاق المفسرين وأهل السيرة ~~والتواريخ وأما قوله تعالى: [فأنجيناه وأهله إلا امرأته] (3) فلا حجة فيه ~~لجواز أن يكون الاستثناء فيه منقطعا مثله في [فسجد الملائكة كلهم أجمعون ~~إلا إبليس] (4) والزوجة ms497 داخلة في الأهل مجازا لعلاقة المجاورة كما يحتمل ~~أيضا في دخول إبليس في الملائكة وهذا ما لا ننكره لكن لا يحتمل عليه اللفظ ~~عند الإطلاق وعدم القرنية وأما قوله تعالى في حكاية خطاب الملائكة لسارة ~~[رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت] فلا حجة فيه أيضا لأن الخطاب ليس ~~لسارة وحدها بل المعني إبراهيم وأهل بيته ودخول سارة فيهم لم يكن من جهة ~~الزوجية خاصة بل جاز أن يكون دخولها فيهم من جهة النسب فإن سارة لها قرابة ~~قريبة بإبراهيم (عليه السلام) لأنها ابنة عمه وتذكير الضمير يدل على المدعى ~~فاتضح من هذا البيان أن الأزواج لسن داخلات في أهل البيت المذكورين في ~~الآية لاختصاصها ببيت النسب دون بيت السكنى. # الرابع تذكير الضمير العائد إلى أهل البيت في [عنكم] و [يطهركم] فإنه ~~قرينة على أن المراد أقرباء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دون أزواجه ~~وإلا لقال عليكن ويطهركن إجراء له مجرى سابقه من الكلام ولا حقه فإن ~~الضمائر فيه كلها مؤنثة وإذا لم يؤنث الضمير وجب أن يفصل الكلام عما قبله ~~وعما بعده ولا اعتراض علينا بقوله تعالى: [إذ رأى # PageV00P651 # نارا فقال لأهله امكثوا] (1) والخطاب لزوجته لأن ذلك تجوز محض من وجهين ~~الأول تذكير المؤنث الثاني خطاب الواحد بخطاب الجمع ولولا قيام القرنية على ~~إرادة المجاز دون الحقيقة لوجب حمل اللفظ على الجمع المذكر وصرفه إلى ~~الأقرباء لأنه المتبادر منه والتبادر علامة الحقيقة لكن صرفتنا عن ذلك ~~القرنية وهي اتفاق أهل التفسير وأهل السيرة والتاريخ على أنه لم يكن مع ~~موسى (عليه السلام) حين الخطاب إلا زوجته فتعين كون الخطاب لها وحمل على ~~المجاز لتعينه فيه من الوجهين المذكورين فأحرى أن يكون كذلك في الوجه ~~الثالث وليس الأمر في المقام كهذا فإن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حين ~~نزول الآية معه أقاربه وأزواجه واللفظ في الأول حقيقة وفي الآخر مجازا ولا ~~قرينة تعين المجاز فوجب صرفه إلى الحقيقة والسياق ليس بقرينة لمعارضته ~~بتذكير الضمير وهو من الأدلة الظاهرية وذاك ms498 ليس من الأدلة وإن كان فهو من ~~أدلة الإشارات ودلالة الظواهر أقوى فيجب تقديمها عليها باتفاق الأصوليين ~~وأيضا إن قوله تعالى: [إذ قال لأهله امكثوا] ليس فيه اشتباه لعدم تقدم مؤنث ~~في اللفظ وتأخر حتى يشتبه الحال في أن المراد بهذا المذكر هو ذلك المؤنث أم ~~غيره فجاز فيه التجوز لعدم الاشتباه وفي آية التطهير اشتباه لتقدم مؤنث ~~عليها وتأخره عنها، واحتمال اللفظ إذا ذكر لإرادة المتقدم وغيره فلو أراد ~~بها المتقدم لأنث الضمير لرفع الاشتباه ولم يأت بالمجاز، لأن التجوز لا ~~يجوز عند الاشتباه لعدم القرينة الصارفة عن الحقيقة لما فيه من التعمية ~~والاغراء بالجهل الممتنعين على الحكيم جلا وعلا وحيث ذكر والمقام يقتضي أن ~~لو أراد الأزواج لأنث عرفنا يقينا أنه لا يريدهن من الخطاب فخرجن من الآية ~~جزما وهذا مبطل للسياق الذي ادعوه وقالع لأساس التعلق به في المقام. # PageV00P652 # قال بعض أصحابنا: ومتى قيل إن صدر الآية وما بعدها في الأزواج فالقول فيه ~~أن هذا الأمر لا ينكره من عرف عادة الفصحاء في كلامهم فإنهم يذهبون من خطاب ~~إلى غيره ويعودون إليه والقرآن من ذلك مملوء وكذلك كلام العرب وأشعارهم. # أقول: ويدل عليه صريحا قوله تعالى في سورة لقمان: [وإذ قال لقمان لابنه ~~وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم] (1) ثم ذهب في الكلام ~~إلى معنى آخر فقال: [ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن] (2) ~~وساق القول إلى أن استوفى المراد منه ثم عاد إلى إتمام المعنى الأول وهو ~~موعظة لقمان لابنه فقال: [يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل] (3) إلى أن ~~أتى بتمام الكلام المطلوب، فتراه انتقل في القول من معنى إلى غيره ثم عاد ~~إلى الأول بعد استكمال الثاني فهو كالآية التي يتكلم في دلالتها، ومثل هذا ~~في القرآن موجود من تأمل فيه عرف مواضعه، وذكرنا منه هذا الموضع لرفع ~~استبعاد الجاهلين الذين يتعللون بسياق الآية وهم لا يفقهون ظواهر العربية ~~فضلا عن دقائقها وأسرارها. # الخامس وهو العمدة ms499 الروايات المتواترة من الفريقين على أن الآية نزلت في ~~النبي (صلى الله عليه وآله) وعلي وفاطمة والحسن والحسين، وفي بعضها ذكر ~~الأربعة خاصة ولا شك أن النبي (صلى الله عليه وآله) هو الأصل في ذلك ولأجله ~~شرف الأربعة وذريتهم، والروايات في هذا المرام متكثرة نحن نذكر منها جملة ~~يحصل بها اليقين للمتأمل المنصف. # روى جميع المفسرين وأهل السيرة أنه لما نزل قوله تعالى: [قل تعالوا ندع ~~أبنائنا وأبنائكم ونسائنا ونسائكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل] (4) الآية # PageV00P653 # فدعا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نصارى نجران إلى المباهلة فوعدوه ~~في غد فلما أصبحوا جاءوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وهو محتضن الحسين ~~آخذ بيد الحسن وفاطمة خلفه وعلي (عليه السلام) خلفهم وهو يقول: (اللهم ~~هؤلاء أهلي إذا أنا دعوت فأمنوا) قال جابر بن عبد الله (رضي الله عنه) ~~(أنفسنا) محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي (وأبنائنا) الحسن ~~والحسين و (نسائنا) فاطمة صلوات الله عليهم أجمعين (1) ورواه الحاكم في ~~مستدركه عن علي بن عيسى عن الشعبي مرسلا ورواه عن ابن عباس وقال: صحيح على ~~شرط مسلم، ورواه أبو داود الطيالسي عن شعبة عن الشعبي مرسلا (2). # وروى أحمد بن حنبل والطبراني والثعلبي عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله): (أنزلت هذه الآية في خمسة في وفي علي وحسن ~~وحسين وفاطمة) يريد آية التطهير وروى ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه ~~وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه، عن أنس أن رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) كان يمر ببيت فاطمة إذا خرج إلى صلاة الفجر يقول (الصلاة ~~أهل البيت إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) (3) ~~وروى ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري أن النبي (صلى الله عليه وآله) جاء ~~أربعين صباحا إلى باب فاطمة يقول: (السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله ~~وبركاته الصلاة يرحمكم الله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~ويطهركم تطهيرا) وفي # PageV00P654 # رواية له عن ابن عباس سبعة ms500 أشهر (1) وفي رواية لا بن جرير وابن المنذر ~~والطبراني ثمانية أشهر (2). # وروى ابن خالويه النحوي في كتاب الآل وأبو بكر الخوارزمي في كتاب المناقب ~~عن بلال بن حمامة قال: طلع علينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذات ~~يوم متبسما ضاحكا ووجهه مشرق كدارة القمر فقام إليه عبد الرحمن بن عوف ~~فقال: يا رسول الله ما هذا النور؟ قال: (بشارة أتتني من ربي في أخي وابن ~~عمي وابنتي، فإن الله زوج عليا فاطمة وأمر رضوان خازن الجنان فهز شجرة طوبى ~~فحملت رقاقا يعني صكاكا بعدد محبي أهل بيتي، وأنشأ تحتها ملائكة من نور ~~ودفع إلى كل ملك صكا فإذا استوت القيامة بأهلها نادت الملائكة بالخلائق فلا ~~يبقى محب لأهل البيت إلا دفعت إليه صكا فيه فكاكه من النار، فصار أخي وابن ~~عمي وابنتي فكاك رقاب رجال ونساء من أمتي) وجه الدلالة من الخبر تفسير ~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أهل البيت بعلي وفاطمة في آخر الحديث وهو ~~قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) (فصار أخي وابن عمي وابنتي) (3) الخ فكانا ~~هما المرادين بقوله (محبي أهل بيتي) وقوله (فلا يبقى محب لأهل البيت) ~~والأمر ظاهر. # وروى الحاكم عن ابن عباس قال سمعت رسول الله يقول بأذني وإلا صمتا: (أنا ~~شجرة وفاطمة حملها وعلي لقاحها والحسن والحسين ثمارها ومحبوا أهل البيت ~~ورقها وكلنا في الجنة حقا حقا) وجه الدلالة ظاهر وغني عن البيان # PageV00P655 # لصراحته أن أهل البيت هم أهل تلك الشجرة الزكية، وهذا الخبر ينصر ما ~~قلناه أولا أن المراد بأهل البيت أهل بيت النسب لا بيت السكنى فتأمل. # وروى الثعلبي في تفسيره بالإسناد عن أم سلمة أن النبي (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) كان في بيتها فأتته فاطمة ببرمة فيها خزيرة فقال لها (ادعي زوجك ~~وابنيك) فجاءت بهم فطعموا ثم ألقى عليهم كساء له خيبريا فقال: # (اللهم هؤلاء أهل بيتي وعترتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا) فأنزل ~~الله تعالى: [إنما يريد الله] الآية قالت: فأخذ فضل الكساء فغشاهم به، ms501 ثم ~~أخرج يده وألوى بها إلى السماء وقال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامتي فأذهب ~~عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا) فأدخلت رأسي البيت وقلت أنا معكم يا رسول الله ~~فقال إنك إلى خير إنك إلى خير (1). # وذكر أبو حمزة الثمالي في تفسيره حدثني شهر بن حوشب عن أم سلمة قالت جاءت ~~فاطمة إلى النبي (صلى الله عليه وآله) تحمل خزيرة لها فقال ادعي زوجك ~~وابنيك فجاءت بهم فطعموا ثم ألقى عليهم كساء له خيبريا وقال: (اللهم هؤلاء ~~أهل بيتي وعترتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا) فقلت يا رسول الله وأنا ~~معهم قال: (أنت إلى خير) (2). # وروى الثعلبي في تفسيره أيضا بإسناده عن مجمع قال دخلت مع أمي على عائشة ~~فسألتها أمي أرأيت خروجك يوم الجمل قالت: إنه كان قدرا من الله فسألتها عن ~~علي (عليه السلام) فقالت تسأليني عن أحب الناس كان إلى رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) لقد رأيت عليا وفاطمة وحسنا وحسينا وجمع رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) بثوب عليهم ثم قال: # PageV00P656 # (اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا) قالت ~~فقلت: يا رسول الله أنا من أهلك قال: (تنحي فإنك إلى خير) (1) قال أبو علي ~~الطبرسي: أخبرنا السيد أبو الحمد قال حدثنا الحاكم أبو القاسم الحسكاني قال ~~حدثونا عن أبي بكر السبيعي قال حدثنا أبو عروبة الحراني قال حدثنا ابن مصفى ~~قال حدثنا عبد الرحمن بن واقد عن أيوب بن سيار عن محمد بن المنكدر عن جابر ~~قال نزلت هذه الآية على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وليس في البيت إلا ~~فاطمة والحسن والحسين وعلي: [إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت] ~~فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (اللهم هؤلاء أهلي) قال وحدثنا ~~السيد أبو الحمد قال حدثنا الحاكم بقوله بإسناده عن زاذان عن الحسن بن علي ~~(عليه السلام) قال لما نزلت آية التطهير جمعنا رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) وإياه في كساء لأم سلمة خيبري ثم قال: (اللهم إن هؤلاء ms502 أهل بيتي ~~وعترتي) (2). # وعن أبي سعيد الخدري قال لما نزل قوله تعالى: [وأمر أهلك بالصلاة] الآية ~~كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يأتي باب فاطمة وعلي تسعة أشهر ~~عند كل صلاة فيقول: (الصلاة رحمكم الله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ~~أهل البيت ويطهركم تطهيرا) (3) ومثله روى عن أبي بردة وأبي رافع (4) وقال ~~في إسعاف الراغبين، روى من طرق عديدة صحيحة أن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) جاء ومعه علي وفاطمة وحسن وحسين قد أخذ كل واحد منهما بيده حتى دخل ~~فأدنى عليا وفاطمة وأجلسهما بين يديه # PageV00P657 # واجلس حسنا وحسينا كل واحد منهما على فخده ثم لف عليهم كساء ثم تلا هذه ~~الآية: [إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا] وقال: ~~(اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا] قال: وفي رواية: ~~(اللهم هؤلاء آل محمد فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد كما جعلتها على ~~إبراهيم إنك حميد مجيد) قال وفي رواية أم سلمة قالت فرفعت الكساء لأدخل ~~معهم فجذبه من يدي فقلت وأنا معكم يا رسول الله قال: (إنك من أزواج النبي ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) (1). # أقول هذه الرواية والرواية المتقدمة عن عائشة من أوضح الأدلة على خروج ~~الأزواج من الآية الشريفة بل من حقيقة مفهوم الأهل كما ترى وإن كان كل ~~الروايات المذكورة صريحة في ذلك وهي كثيرة وطرقها متعددة ويؤيدها قول أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) في حديث السقيفة: (يا معشر المهاجرين الله الله لا ~~تخرجوا سلطان محمد عن داره وبيته إلى بيوتكم ودوركم ولا تدفعوا أهله عن ~~مقامه في الناس فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أهل البيت أحق بهذا الأمر ~~منكم) الخبر وقد مر ولم يقل أحد من الصحابة لأمير المؤمنين (عليه السلام) ~~حين ادعا أن الخلافة إذا كانت له كانت في دار النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) وبيته وإذا خرجت عنه لم تكن في بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~ولا داره، وذكر أنه ومن يؤل ms503 إليه أهل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ~~وأنهم أهل البيت إن دارك غير دار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم ~~يجبه منهم مجيب بأن أهل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أزواجه وأن أهل ~~بيته نساؤه لا أنتم، بل سلموا له الدعوى # PageV00P658 # واعتذروا عن أخذ حقه بما اعتذروا مما هو مذكور هناك ومبين فيما مضى، ~~ويستفاد من هذا اتفاق الصحابة على أن أهل البيت في الآية المراد بهم النبي ~~(صلى الله عليه وآله) وعلي وفاطمة والحسن والحسين وأن البيت فيها بيت ~~النبوة والرسالة وأنها مختصة بهم لا يشاركهم فيها غيرهم، فبطل بذلك ما ~~ادعاه قوم من مشاركة الأزواج لهم (1) وفسد ما ادعاه عكرمة من اختصاص الآية ~~بالأزواج لمخالفته الإجماع (2) سابقا ولاحقا، وكذا ما ادعاه بعض الخصوم من ~~دخول أقارب النبي (صلى الله عليه وآله) وباقي بناته في الآية، وروايتهم في ~~العباس وبنيه لا تساعد على ذلك لأن فيها ستر العباس وبنيه بملاءة ودعا لهم ~~بالستر من النار (3) وهذا غير إذهاب الرجس والتطهير من الذنب وليست النجاة ~~من النار مختصة باهل آية التطهير حتى يدخل فيها من دعا له النبي (صلى الله ~~عليه وآله) بالستر من النار، وإنما اختصوا بالعصمة من الذنوب، فالرواية على ~~فرض صحتها لا تدل # PageV00P659 # بشئ من الدلالات على دخول العباس وبنيه في الآية، ولسنا نخرج العباس ~~وبنيه وباقي بني عبد المطلب من أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله) بالمعنى ~~العام، لأن قرابتهم إلى النبي ثابتة، وإنما نخرجهم من أهل البيت الذين نزلت ~~فيهم الآية، وقد تقدمت الرواية بهذا المضمون عن عبد الله بن العباس كما إنا ~~أخرجناهم من العترة بالمعنى الخاص كما شهدت به جملة من الأخبار المروية هنا ~~مثل حديث أم سلمة وخبر زاذان عن الحسن (عليه السلام) مضافا إلى ما سبق في ~~محله وكذلك نخرجهم من الآل على هذا المعنى أي من الآل المختصين بخلافة ~~النبي (صلى الله عليه وآله) والمشاركين له في خصائصه إلا ما يختص بالنبوة، ~~وعلى المعنى العام في ms504 أهل البيت يخرج قول زيد بن أرقم أهل البيت من حرم ~~الصدقة بعده يعني النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم آل علي وآل عقيل وآل ~~جعفر وآل عباس في رواية مسلم والنسائي إن صحت الرواية وإلا ففيها إشكال من ~~جهة أن من حرمت عليه الصدقة لا يختص بالمذكورين بل هو شامل لجميع بني هاشم ~~فيدخل بنوا الحارث بن عبد المطلب وبنوا أبي لهب إلا أن يريد بما ذكره ~~التمثيل، وعلى كل حال فلا معارضة بها لتلك الأخبار المتواترة فتعين ما قلنا ~~فيها واندفع جميع الايرادات وتبين صحة الوجه في اختصاص الآية بمن ذكرنا، ~~ويعضده أيضا ما رواه أبو بكر الجوهري في كتاب السقيفة بإسناده عن أبي كعب ~~الحارثي في خبر طويل يذكر فيه كلاما جرى بين علي وعمار وعائشة وحفصة وسعد ~~بن أبي وقاص وبين عثمان بن عفان وفيه فتقدم عثمان فصلى بهم فلما كبر قالت ~~امرأة من حجرتها: " يا أيها الناس " ثم تكلمت وذكرت رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) وما بعثه الله به ثم قالت: " تركتم أمر الله وخالفتم عهده " ~~ونحو هذا ثم صمتت، وتكلمت امرأة أخرى بمثل ذلك فإذا هما عائشة وحفصة، قال ~~فسلم عثمان ثم أقبل على الناس وقال: إن هاتين لفتانتان يحل لي سبهما، وأنا ~~بأصلهما عالم، فقال له سعد بن أبي وقاص: PageV00P660 # أتقول هذا لحبائب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (1) الخبر فانظر ~~إلى قول سعد في الرد على عثمان أتقول هذا لحبائب رسول الله فإنه قاض بأن ~~الأزواج لسن داخلات في آية التطهير عند جميع الصحابة، ولا كان دخولهن فيها ~~معروفا فيما بينهم، ولو كان ذلك كذلك لكان الواجب أن يحتج سعد على عثمان ~~بالآية ويقول له أتقول هذا لأهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم ~~تطهيرا فإنه أوضح في الحجة على عثمان حيث ادعا عليهما المعصية التي أحلت له ~~سبهما وعرض بأصلهما كأنه يريد الهجنة، أي إنهما ليستا من ذوات الشرف في ~~النسب أو غير ذلك، فكان الاحتجاج عليه ms505 في رد قوله بما يصرح بطهارتهما عن ~~الذنب ألزم فضلا عن أن يكون أولى من الاحتجاج بأنهما حبائب رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) فإن كونهما من الحبائب لا يمنع صدور الذنب منهما فإن عثمان ~~أيضا بزعم سعد من أحباء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يكن ذلك مانعا ~~من صدور الذنب منه عنده، وإلا لما أنكر عليه قوله على أن عثمان ما ادعا ~~عليهما إلا صدور العصيان منهما المجوز سبهما وعلمه بضعف أصلهما، فرد قوله ~~بشهادة الله لهما بالتطهير أصرح في قطع حجته وإبطال دعواه، فترك سعد ~~الاحتجاج بالآية لهما وتركهما الاحتجاج بها لأنفسهما مع شدة الاحتياج إلى ~~ذلك لكثرة ما شتمتا عثمان وشتمهما كما رواه الخصوم دليل صريح على أن ~~الأزواج غير داخلات فيها وكذا قول عمر لابن عباس، إنما عنيت عظيمكم أهل ~~البيت (2) وقول المغيرة بن شعبة أتنظران خيل الحلبة من أهل هذا البيت ~~وسعوها في قريش تتسع (3) دالان على أن أهل البيت قرابة النبي (صلى الله ~~عليه وآله) النسبية لا الأزواج، وأن ذلك هو المعروف بين أصحاب النبي (صلى ~~الله # PageV00P661 # عليه وآله وسلم)، ويزيد ذلك وضوحا ما جرى بين عائشة وعلي (عليه السلام) ~~يوم الجمل من المخاصمات وتصريحه للناس بارتكابها المعصية وما جرى بينهما ~~وبين عبد الله بن العباس من الملاحات حين دخل عليها بعد الهزيمة، وما جرى ~~بينها وبين عمار بن ياسر من المجادلة ونسبة الكل منهم إياها إلى ارتكاب ~~المعصية ولم تحتج على واحد منهم لبرائتها من المعصية بآية التطهير كما كان ~~دائما يحتج بها علي وولده، ويحتج لهم بها شيعتهم، ولو وجدت شبهة تتعلق بها ~~في دخولها في الآية وتصول بها على الطهارة لسارعت إليها وسبقت في انتهاز ~~فرصتها كل سابق ولا دلت بها إلى الناس، لكنها لم تجد إلى هذا سبيلا وشواهد ~~هذا كثيرة جدا وقد مر جملة منها متفرقا في الكتاب وفيما ذكرناه هنا كفاية ~~مقنع فقد أتينا فيه كما ترى بالفصل ليس بالهزل، وأوضحنا فيه نهج الحق، ~~وأزحنا تعللات ms506 أهل الشك، ومنه تعلم أنه ليس في الصحابة ولا في أزواج النبي ~~(صلى الله عليه وآله) من يدعي أن آية التطهير يدخل فيها الأزواج فضلا عن ~~كونهن مختصات بها كما قال عكرمة، وأن إدخالهن فيها إنما هو قول مولد من بعض ~~المتعصبين قصد به إبطال احتجاج أهل الحق على عصمة علي وفاطمة وأبيهما حتى ~~يساوي بينهم وبين من خالفهم وخاصمهم من أئمته ليحتمل الخطأ في كلا الطرفين ~~فيرجع حينئذ إلى. # ونسكت عن حرب الصحابة * فالذي جرى بينهم كان اجتهادا مجردا وهيهات هيهات ~~وأنى له بذاك وقد أسفر الصبح وصرح الحق عن النصح ومما يدل على عصمتهم من ~~الكتاب أيضا قوله تعالى: [سلام على آل ياسين] (1) فالمروي عن ابن عباس أن ~~المراد بهم آل محمد، وبه قال الفخر الرازي (2) وجماعة من مخالفينا: والآل ~~بالمعنى العام هم أهل الرجل وهم # PageV00P662 # ذووا قرابته كما ذكر في المصباح المنير وقد يطلق على المشايعين والأتباع، ~~وعليه جرى قوله تعالى: [ادخلوا آل فرعون أشد العذاب] (1) وأما الآل بالمعنى ~~الخاص فهم ذرية الرجل وولده وخاصته من أقاربه، قال الله تعالى: [فقد آتينا ~~آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما] (2) فالذين آتاهم الله ~~الكتاب والحكمة والملك العظيم من ذوي إبراهيم ولده وذريته وإن دخل فيهم ~~لوط، فذلك لأنه ابن أخيه كما رواه أبو علي الطبرسي عن ابن عباس وابن زيد ~~وجمهور المفسرين (3) لا جميع أقاربه بالاتفاق، وقال تعالى: [إن الله اصطفى ~~آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين] (4) والمصطفى من إبراهيم ~~ولده ومن عمران ولداه موسى وهارون لا الأقارب ولا الزوجات وقال تعالى: ~~[فلما جاء آل لوط المرسلون] (5) أتوا لوطا وخاصة أهله فهم آله وأما قوله ~~تعالى: [إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته] (6) فيحتمل انقطاع ~~الاستثناء أو دخول المرأة من حيث المجاورة أو إطلاقه هنا على الأتباع ~~والأشياع فتدخل الزوجة والمملوك لا المعنى الخاص، وبالجملة الآل كالأهل في ~~معاينه بل قال بعض إنه هو بنفسه أبدلت هاؤه ألفا وآل محمد (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) ms507 الذين شاركوه في الصلاة عليه وفي التسليم والطهارة ووجوب المودة ~~هم علي وفاطمة والحسن والحسين كما ذكرنا في بيان العترة وذوي القربى والأهل ~~ويدخل باقي الأئمة بالتبعية كما أوضحناه هناك، ويدل عليه صريحا ما مر من ~~قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في علي وفاطمة # PageV00P663 # والحسنين حين نزلت آية التطهير: (اللهم هؤلاء آل محمد فاجعل صلواتك ~~وبركاتك على آل محمد كما جعلتها على آل إبراهيم إنك حميد مجيد) (1) ~~واستفادة العصمة من الآية من جهة أن السلام بمعنى السلامة وهي البراءة من ~~العيوب والنجاة من الذنوب كما قال تعالى: [قيل يا نوح اهبط بسلام منا] (2) ~~وقال: [سلام على نوح (3) سلام على إبراهيم (4) سلام على موسى وهارون] (5) ~~فالمعنى سلامة لآل محمد أي سلموا من العيوب سلامة وبرئوا من الذنوب براءة ~~والسلامة من الذنوب هي العصمة. # ومما يدل عصمتهم من الكتاب أيضا قوله تعالى: [قل لا أسألكم عليه أجرا إلا ~~المودة في القربى] (6) فإنا قد بينا أولا إنها نازلة في أئمتنا وأمهم فاطمة ~~وأبيهم علي (عليه السلام) وبينا أيضا أن المودة هنا بمعنى المتابعة وأقمنا ~~على ذلك الأدلة هناك ويشهد للمعنين جميعا ما رواه الحاكم أبو القاسم ~~الحسكاني في كتاب شواهد التنزيل لقواعد التفصيل مرفوعا إلى أبي أمامة ~~الباهلي قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن الله خلق ~~الأنبياء من أشجار شتى وخلقت أنا وعلي من شجرة واحدة فأنا أصلها وعلي فرعها ~~وفاطمة لقاحها والحسن والحسين ثمارها وأشياعنا أوراقها فمن تعلق بغصن من ~~أغصانها نجى ومن زاغ عنها هوى ولو أن عبدا عبد الله بين الصفا والمروة ألف ~~عام ثم ألف عام ثم ألف عام حتى يصير كالشن البالي ثم لم يدرك محبتنا كبه ~~الله على منخريه في النار) ثم تلا: [قل لا أسألكم عليه # PageV00P664 # أجرا إلا المودة في القربى] (1) والتعلق بمعنى المتابعة البتة وإذا كانت ~~متابعتهم واجبة على الإطلاق من دون تقييد بحال دون حال وجب أن يكونوا ~~معصومين من الخطأ في جميع الأحوال، ومنزهين عن ارتكاب المعاصي ms508 بلا إشكال، ~~ولولا ذلك لوجب تقييد طاعتهم بما قيد به طاعة الأوبين بقوله تعالى: # [وإن جاهداك على أن تشرك بالله شيئا فلا تطعهما] (2) إذ لا يجوز إطاعة ~~المخطئ ولا متابعة العاصي بنص الكتاب، وحيث أطلق وجوب متابعتهم ولزوم ~~مودتهم دل على الشهادة لهم بالعصمة والطهارة من الأرجاس والأدناس والأمر ~~ظاهر. # وأما من السنة فالذي يدل على عصمة أئمتنا كثير منه ما يعم الجميع ومنه ما ~~يختص بأمير المؤمنين فأما الذي يختص به. # فمنه قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (علي مع الحق والحق مع علي ~~يدور معه حيثما دار) فإن هذا الحديث نص في عصمة علي (عليه السلام) إذ قد ~~علمت أن ليس العصمة إلا ملازمة الحق والصواب وعدم الخطأ في الأقوال ~~والأفعال فإذ شهد له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه على الحق في جميع ~~أحواله كانت تلك شهادة له بالعصمة عن الذنوب وعن الخطأ في الأحكام والقول ~~والفعل، لأن العاصي ليس على الحق والمخطي ليس معه وكان أمير المؤمنين مصيبا ~~للحق وملازما له كان معصوما بالضرورة. # فمنه قول النبي (صلى الله عليه وآله) فيه يوم غدير خم في الحديث المتواتر ~~الذي رواه خصومنا عن جملة من الصحابة: (اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ~~وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحق معه حيثما # PageV00P665 # دار) (1) فإنه صريح في عصمته لأن وجوب موالاته ونصرته على الإطلاق تستلزم ~~ملازمته للحق فهي شهادة له بالعصمة، ولو صحت منه المعصية لم تجب موالاته في ~~كل حال إذ لا يجوز موالاة العاصي ولا نصرته، بل الواجب الانكار عليه بالنص ~~والاجماع لكن موالاة علي (عليه السلام) واجبة مطلقا بصريح الخبر فوجب أن ~~يكون معصوما وإلا لوجب لو صدرت منه المعصية خذلانه ومعاداته في حال وجوب ~~نصرته وموالاته وهذا متناقض، وأما قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (وأدر ~~الحق معه حيثما دار) فدلالته على العصمة أوضح من الشمس في رابعة النهار ~~وتقريره كتقرير الحديث الأول. # ومنه قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ms509 فيما رواه الحافظ أبو نعيم ~~وأحمد بن حنبل: (من أحب أن يحيى حياتي ويموت ميتتي ويتمسك بالقضيب من ~~الياقوتة التي خلقها الله تعالى بيده ثم قال لها كوني فكانت فليتمسك بولاء ~~علي بن أبي طالب) ولفظ أحمد (من أحب أن يتمسك بالقضيب الأحمر الذي غرسه ~~الله في جنة عدن بيمينه فليتمسك بحب علي بن أبي طالب) (2) وفي حديث آخر ~~رواه الحافظ (من سره أن يحيى حياتي ويموت مماتي ويسكن جنة عدن التي غرسها ~~ربي فليوال عليا من بعدي وليوال وليه) (3) والتمسك والموالاة هي المتابعة ~~كما أوضحناه فيما مضى، وإذا كان متابعة علي (عليه السلام) واجبة على ~~الإطلاق وجب أن يكون ملازما للحق على كل حال وهي العصمة. # ومنه الأحاديث الواردة في وجوب محبته، وأن محبته محبة الله وطاعته طاعة. # الله، وفي بعضها أن محبه محب رسول الله وهي كثيرة، وقد تقدمت ونشير # PageV00P666 # هاهنا إلى بعض. # فمنها قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في رواية الحافظ عن أبي بردة ~~الأسلمي (إن الله قد عهد إلي في علي عهدا فقلت: يا رب بينه لي قال اسمع إن ~~عليا راية الهدى) إلى أن قال: (وهو الكلمة التي ألزمتها المتقين من أحبه ~~فقد أحبني ومن أطاعه أطاعني فبشره بذلك فقلت قد بشرته يا رب) إلى أن قال: ~~(وقد دعوت له فقلت اللهم أجل قلبه واجعل ربيعه الإيمان بك، قال قد فعلت) ~~الخبر (1) ومثله قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث أحمد في حق علي. ~~(وأما الخامسة فإني لست أخشى عليه أن يعود كافرا بعد إيمان ولا زانيا بعد ~~إحصان) (2) الخبر وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي (عليه السلام) في ~~حديث أحمد: (من أحبك أحبني وحبيبي حبيب الله وعدوك عدوي وعدوي عدو الله) ~~(3) وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث أحمد أيضا: (أوصيكم بحب ذي ~~قرباها أخي وابن عمي علي بن أبي طالب لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق ~~من أحبه أحبني) (4) الخبر وغير ذلك من الأخبار وهي ظاهرة ms510 في الشهادة بعصمته ~~وأظهرها في المطلب. # الأول لأنه إذا كان طاعة علي (عليه السلام) طاعة الله مطلقا وجب أن يكون ~~دائما على الحق والصواب في جميع الأمور لا يجوز عليه الخطأ في الحكم إذ لو ~~أخطأ في الحكم أو ارتكب معصية في قول أو فعل لم تكن طاعته طاعة الله، بل ~~الأمر يكون بالعكس لكن طاعته طاعة الله بنص الخبر فهو معصوم # PageV00P667 # من ارتكاب القبيح، ويدل أيضا على أنه لا يعمل بالاجتهاد كغيره لأن ~~المجتهد لا يصيب دائما وعلى مصيب دائما فهو ليس بمجتهد فيكون علمه نقلا من ~~الرسول (صلى الله عليه وآله) وإلهاما من الله تعالى، وأكثر أخبار الباب ~~مصرحة بهذا المعنى فلنستغن ببيانه هنا عن تكريره فتأمل، وقوله (صلى الله ~~عليه وآله) (واجعل ربيعه الإيمان) نص في العصمة على قول المعتزلة والربيع ~~هو الجدول، وهو النهر الصغير كأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) يريد واجعل ~~مشربه أو مورده الإيمان والإيمان عند المشار إليهم فعل الواجبات واجتناب ~~الكبائر والصغائر عندهم مكفرة لا تنافي العصمة لأنها لا توجب الذم، وإذا ~~كان علي (عليه السلام) بنص الخبر ملازما للإيمان كما يصرح به قوله بعد ~~الدعاء (قد فعلت) والإيمان عندهم لا يتم إلا باجتناب القبيح الذي يستحق ~~فاعله الذم وجب أن يكون معصوما منه، وإني لأعجب من ابن أبي الحديد حيث يروى ~~مثل هذا الخبر الواضح في عصمة علي (عليه السلام) ثم يقول في مواضع كثيرة من ~~كتابه: " إن عليا ليس بمعصوم " ويعدله بعمر تارة ويقول: " إن الرجلين ليس ~~ولا واحد منهما عندنا بمعصوم ولم يفرق بين من لم يعبد إلا الله، ولم يجر ~~عليه اسم فسق أبدا وبين من عبد الأوثان وجرى عليه اسم الكفر والعصيان، ~~وأخطأ في كثير من الأحكام فيا لله للمسلمين أيقاس هذا بذاك وهل تستوي ~~الظلمات والنور، لكن الرجل وامناله؟؟ تاهوا في أودية الجهل وسلكوا الطريق ~~الوعر وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا أعاذنا الله والمؤمنين من طاعة الهوى. # وأما لفظ المحبة الوارد في الأخبار المذكورة فهو مفيد ms511 للعصمة لما بيناه ~~مرارا من أن المحبة لعلي (عليه السلام) إذا وجبت على الإطلاق وكانت كمحبة ~~الله والرسول (صلى الله عليه وآله) وجب أن يكون منزها عن فعل القبيح إذا ~~العاصي لا تجب محبته البتة، وعلي (عليه السلام) تجب محبته مطلقا فهو لا ~~يعصي أبدا وهو المطلق. (*) PageV00P668 # ومنه قول النبي (صلى الله عليه وآله) في رواية الحافظ أبي نعيم: (يا معشر ~~الأنصار ألا أدلكم على ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا) قالوا: بلى يا رسول ~~الله، قال: (هذا علي فأحبوه بحبي وأكرموه بكرامتي) (1) الخبر، ومعنى ذلك ~~طاعته بطاعة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والخبر صريح في أن التمسك ~~بعلي (عليه السلام) عاصم من الضلال أبدا فوجب أن يكون معصوما إذ لو ارتكب ~~قبيحا لم يكن التمسك به عاصما من الضلال لكنه عاصم فليس بمرتكب قبيحا ومثله ~~قول النبي (صلى الله عليه وآله) في حديث أنس (أنه يعني عليا راية الهدى ~~ومنار الإيمان وإمام أوليائي ونور جميع من أطاعني) (2) وقوله في رواية أبي ~~بردة: (إن عليا راية الهدى) الخبر وتابع راية الهدى يجب أن يكون مهتديا ولو ~~كان علي (عليه السلام) ممن يعصون لم يكن راية الهدى ولم يكن اقتفاؤه عاصما ~~من الضلال لكنه راية الهدى بالنص فيجب أن يكون معصوما من الضلال. # ومنه الأخبار الواردة في أن عليا (عليه السلام) كنفس رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله وسلم) وأنه منه ومخلوق من نوره المعتضدة على كثرتها بنص القرآن ~~الحكيم مثل قوله (صلى الله عليه وآله) (لأبعثن إليكم رجلا كنفسي وفي رواية ~~عديل نفسي) وقوله (صلى الله عليه وآله) (إن عليا مني وأنا من علي) (3) ~~وقوله (صلى الله عليه وآله) (كنت أنا وعلي نورا بين يدي الله عز وجل) إلى ~~أن ذكر قسمة (4) ذلك النور فقال: (جزء أنا وجزء # PageV00P669 # علي (عليه السلام) (1) ومثل ذلك قوله (صلى الله عليه وآله) في تشبيه علي ~~بالأنبياء: (من أراد أن ينظر إلى نوح في عزمه) إلى آخر الخبر (2) والأخبار ~~في هذا المعنى ms512 كثيرة قد تقدمت وإذا كان علي (عليه السلام) من نور رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وعديل نفسه وشبيها بالأنبياء كان معصوما مثله ~~ومثلهم، إذ لم تخرج من مشابهة النبي (صلى الله عليه وآله) إلا النبوة فيبقى ~~الباقي حاصلا له ومن جملته العصمة فيكون علي معصوما ولذا قال (عليه ~~السلام): (والله ما ظللت ولا ضل بي ولا زللت ولا زل بي) وصدق وهو الأمين ~~المصدق فإنه ما زال على الحق ما حاد عنه ولا حال ولم يفارقه ولم يزايله ~~طرفة عين والأخبار الواردة في المعاني المذكورة والمشابهة لها والقريبة ~~منها متعددة واسعة، وقد ذكرنا جلها وما ذكرناه هنا من التقسيم أصل يرجع ~~إليه في ارجاع كل حديث مما لم نذكره هنا إلى بابه فلنقتصر على ما رسمناه ~~ففيه بلوغ المراد، وتحصيل المطلب، وكفاية المنصف، ومقنع المتدبر في هذا ~~الباب والمعاند لا دواء له من الحجة. # وأما ما يشتمل على جميع الأئمة من النصوص الشاهدة لهم بالعصمة. # فمنه الخبر المتواتر وهو حديث الثقلين وقول رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله وسلم) فيه: (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي ~~أهل بيتي فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) وهذا اللفظ في بعض طرق هذا ~~الحديث عن زيد بن أرقم وقد ذكرنا بعض طرقه وألفاظه فيما مضى وهذا الحديث ~~على جميع ألفاظه دال على عصمة العترة من وجهين. # الأول شهادة النبي (صلى الله عليه وآله) بعصمة المتمسك بهم # PageV00P670 # من الضلال دائما ولو جاز عليهم الخطأ وارتكاب المعاصي لما كان اتباعهم ~~عاصما من الضلالة مطلقا كما قررناه مرارا فوجب أن يكونوا مأمونين من الخطأ ~~منزهين عن مقارفة الخطايا وتلك هي العصمة. # الثاني شهادة النبي (صلى الله عليه وآله) لهم بأنهم مع القرآن لا ~~يفارقونه ولا يفارقهم (1)، والمراد من ذلك أنهم ملازمون لأحكامه، والقرآن ~~حق لا ريب فيه والملازم له دائما على الحق في كل أحواله لا يجوز عليه الخطأ ~~إذ لو جاز عليه الخطأ لم يكن ملازما ms513 للقرآن، ولزوم الصواب دائما هو العصمة، ~~ويلزم من ذلك علمهم بالقرآن من جهة التوقيف النبوي بنقل السابق إلى اللاحق، ~~أو الإلهام الإلهي ليكونوا مطلعين على مقاصد الله من جهة القطع والتنصيص لا ~~من جهة الاجتهاد والنظر والأخذ بالظواهر، فإن ذلك لا يوجب الإصابة بل خطؤه ~~أكثر من صوابه ولذا اشتهر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (إن من فسر ~~القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار) فلو أن أهل البيت يعلمون أحكام ~~القرآن من طريق الاجتهاد لم يكونوا ملازمين لحكم القرآن لجواز الخطأ في ~~الاجتهاد، وحيث كانوا ملازمين له بنص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وجب ~~أن يكون اطلاعهم به من طريق اليقين ومن الجهة التي لا تغير فيها ولا ~~اختلاف، فهذا الحديث شاهد على عصمتهم وعلمهم بحقيقة أحكام القرآن، وأنه لا ~~يخالفهم ولا يخالفونه، وأن علمهم لا يختلف ولا يزول، وكفى به دليلا على ~~المدعى، ولذا ورد عنهم صلوات الله عليهم: # (لا تقلبوا عنا ما يخالف القرآن وما خالف كتاب الله فإنا لم نقله) وفي ~~ذلك بطلان ما ادعته الغلاة والمفوضة وأهل المقالات الفاسدة ممن ينسب إلى ~~الشيعة # PageV00P671 # وتزييف ما أوردوه من الأحاديث المزورة التي يوهم ظواهرها ما ادعوا فيجب ~~لذلك ردها أو تأويلها بما يوافق القرآن فلا تغتر بما ينمقه أهل الجهالة مما ~~يخالف هذا، ويسطرونه من زخرف القول وسرابه يشبهون به على ضعفاء الشيعة ~~ويضلونهم عن طريق الهداية زين لهم سوء أعمالهم، ولنرجع إلى المطلب فنقول: ~~إن الحديث يدل على أن غير العترة غير ملازم للقرآن في جميع أحواله ولا ~~موافق له في جميع أموره، وأنه يصيب حكمه تارة ويخطئه تارات، وأن المخالف ~~لهم مخالف للقرآن لا محالة. # ومنه الأخبار الواردة في وجوب محبتهم ولزوم مودتهم، وتحريم بغضهم على جهة ~~الإطلاق والعموم، وقد قدمنا جملة منها مثل قول النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) في رواية الترمذي والحاكم عن ابن عباس: (أحبوا الله لما يغنيكم به، ~~وأحبوني بحب الله، وأحبوا أهل بيتي بحبي) (1) وقوله (صلى الله ms514 عليه وآله ~~وسلم) في رواية: (الزموا مودتنا أهل البيت فإنه من لقي الله عز وجل وهو ~~يودنا دخل الجنة) (2) الخبر وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في رواية أبي ~~الشيخ عن علي (عليه السلام): (والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحبني ولا ~~يحبني حتى يحب ذريتي) وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في رواية أحمد: (من ~~أبغض أهل البيت فهو منافق) (3) إلى غير ذلك مما يعطي هذا المعنى ويصرح؟ وهي ~~على كثرتها دالة على عصمتهم من جهة أن لزوم المحبة على الإطلاق ووجوب ~~المودة على العموم يقتضي كون المحبوب على الصواب في جميع الأحوال، إذ لا ~~تجوز محبة العاصي ولا مودة المخطئ # PageV00P672 # لأنهما بمعنى المتابعة كما مر عليك بيانه. # ومنها ما رواه جماعة من أصحاب الصحاح عن عدة من قول النبي (صلى الله عليه ~~وآله): (مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك) (1) وفي ~~رواية (غرق) وما شابهه من الأحاديث، والمراد منه إن من تابعهم نجا ومن ~~خالفهم أو سلك غير سبيلهم هلك، وإذا كانت متابعتهم موجبة للنجاة، ومخالفتهم ~~وسلوك غير سبيلهم موجبين للهلاك وجب أن يكونوا على الحق دائما وأن مخالفهم ~~على الباطل وكونهم على الحق والهدى لا يفارقونه هو العصمة فالخبر صريح في ~~الشهادة لهم بالعصمة، وكل هذه الأدلة تعطي أن علمهم لا يختلف، وأنه ليس من ~~طريق الاجتهاد وإلا لاختلف وحصل فيه الخطأ أحيانا فلم يكونوا على الحق ~~دائما، وما يعطي هذا المعنى من الأحاديث النبوية كثير من طرق الخصوم قد ~~ذكرنا كثيرا منه سابقا. # وأما ما يدل على عصمة العترة من كلام أمير المؤمنين فكثير. # فمنه قوله (عليه السلام) في خطبة له: (فأين يتاه بكم فكيف تعمهون وبينكم ~~عترة نبيكم وهم أزمة الحق والسنة الصدق فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن وردوهم ~~ورد الهيم العطاشى) الخطبة (2) وكل من قوله: (وهم أزمة الحق والسنة الصدق) ~~ظاهر في عصمة العترة، وقوله: (فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن) صريح فيها، ~~والتقرير في الجميع على سبيل ما تقدم. # ومنه ms515 قوله (عليه السلام) في خطبته: (نحن شجرة النبوة، ومحط # PageV00P673 # الرسالة، ومختلف الملائكة، ومعادن العلم، وينابيع الحكم ناصرنا ومحبنا ~~ينتظر الرحمة، وعدونا ومبغضنا ينتظر السطوة) (1) وهي صريحة في كونهم على ~~الحق دائما وهو المراد بالعصمة. # ومنه قوله (عليه السلام) في خطبته: (انكم لن تعرفوا الرشاد حتى تعرفوا ~~الذي نبذه) إلى أن قال: (والتمسوا ذلك من عند أهله، فإنهم عيش العلم، وموت ~~الجهل يخبركم حكمهم عن علمهم، وصمتهم عن منطقهم، وظاهرهم عن باطنهم، لا ~~يخالفون الدين، ولا يختلفون فيه، فهو بينهم شاهد صادق، وصامت ناطق) (2) ~~وهذا الكلام يشير به إلى نفسه وولده فإنه كثيرا ما يسلك هذا المسلك، وتارة ~~يصرح وهو دال على ما ذكرناه من وفور علمهم، وإنه ليس على جهة الاجتهاد، ~~وإلا لوقع بينهم الاختلاف كسائر المجتهدين، ودال على العصمة من الخطأ خصوصا ~~قوله: (لا يخالفون الدين) والتوجيه كما مر. # ومنه قوله (عليه السلام) في خطبته (ونشهد ألا إله غيره، وأن محمدا عبده ~~ورسوله أرسله بأمره صادعا) إلى قوله (عليه السلام): (ومضى رشيدا وخلف فينا ~~راية الحق، من تقدمها مرق، ومن تخلف عنها زهق ومن لزمها لحق، دليلها مكيث ~~الكلام بطي القيام، سريع إذا قام، فإذا ألنتم له رقابكم، وأشرتم إليه ~~بأصابعكم جاءه الموت فذهب به) إلى أن قال: # (ألا إن مثل آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) كمثل نجوم السماء إذا خوى ~~نجم طلع نجم) (3) الخطبة أراد براية الحق القرآن وبدليلها هو نفسه (عليه ~~السلام)، ودليل راية الحق لا يجوز أن يكون مخطئا للصواب، إذ لو # PageV00P674 # أخطأ لما كان دليلا لراية الحق، ثم صرح بأن هذا الأمر يصير من بعده لولده ~~واحدا بعد واحد بقوله: (ألا إن مثل آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) كمثل ~~نجوم السماء) الخ فبين أنه لا بد في كل زمان من دليل للقرآن من آل محمد ~~كلما مات إمام خلفه من ذريته إمام، وليست تنقطع دلالة القرآن منهم بموته، ~~وهم كالنجوم التي لا يزال منها غارب وشارق أبدا ما بقي الزمان، وفيه ms516 دليل ~~على علمهم بالقرآن من طريق اليقين لا النظر الذي تارة يخطئ وتارة يصيب، ~~وعلى بقاء الإمامة فيهم حتى ينقطع التكليف، وهذا صريح مذهب الإمامية، وهو ~~مضمون حديث الثقلين، ومثل هذا في كلامه الكثير الواسع من أراده لم يفته، ~~وقد تبين مما حررناه ووضح مما قررناه في هذا الكتاب صحة مذهب الإمامية ~~الاثني عشرية، وثبات أقدامهم على الصراط السوي، والمنهج الجلي لمتانة ~~أدلتهم، وقوة حجتهم واعتراف خصومهم بدليلهم، وثبت ضعف ما سواه من المذاهب ~~والأقاويل الفاسدة التي ليس عليها من دليل، ولا لأربابها في إثباتها بالحجة ~~الثابتة من سبيل، سوى زخارف ما أنزل بها من سلطان، وشبه من القول لا يحصل ~~بها وثوق ولا اطمئنان، فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون فالحمد لله الذي ~~هدانا لهذا المذهب الواضح، وألهمنا دليله وأسلكنا سبيله وعرفنا برهانه، ~~وأوضح لنا بيانه، وفهمنا عرفانه، وأرشدنا إلى التمسك بالعروة الوثقى التي ~~لا انفصام لها وهي ولاية أهل بيت الرسول المصطفى الذين أولهم أخوه وابن عمه ~~علي المرتضى وآخرهم الإمام المنتظر، والنور الأزهر، صاحب عصرنا وإمام ~~زماننا المهدي بن الحسن العسكري عجل الله فرجه، وجعلنا من الموالين ~~لأوليائهم، والمعادين لأعدائهم إلى يوم النشور، ونسأل الله بمنه ولطفه، أن ~~يثبتنا على هذا المسلك المنير، ويميتنا على هذا الطريق القويم، ولنختم ~~كتابنا هذا بذكر شئ من الأحاديث الواردة عن النبي (صلى الله عليه وآله ~~وسلم) من طريق أصحابنا في النص على الأئمة الاثني عشر ثم نعقب ذلك بنقل ~~PageV00P675 # خطبة من خطب أمير المؤمنين تحتوي على بيان جملة من المطالب التي خضنا ~~فيها وبالله الاستعانة. # روى الشيخ الصدوق رئيس المحدثين أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى ~~بن بابويه القمي في كتاب إثبات الغيبة ورفع الحيرة (1) قال: حدثنا محمد بن ~~علي ماجيلويه رضي الله عنه قال: حدثني عمي محمد بن أبي القاسم عن محمد بن ~~علي الكوفي عن محمد بن سنان عن المفضل بن عمر عن جابر بن يزيد الجعفي عن ~~سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن ms517 سمرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله): # (لعن المجادلون في دين الله على لسان سبعين نبيا ومن جادل في آيات الله ~~فقد كفر قال الله عز وجل: [ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا ~~يغررك تقلبهم في البلاد] (ومن فسر القرآن برأيه فقد افترى على الله الكذب، ~~ومن أفتى الناس بغير علم لعنته ملائكة السماء والأرض، وكل بدعة ضلالة ~~سبيلها إلى النار) وقال عبد الرحمن بن سمرة فقلت: يا رسول الله أرشدني إلى ~~النجاة، فقال: (يا بن سمرة إذا اختلفت الأهواء وتفرقت الآراء فعليك بعلي بن ~~أبي طالب، فإنه إمام أمتي وخليفتي عليهم من بعدي، وهو الفاروق الذي يميز ~~بين الحق والباطل، من سأله أجابه، ومن استرشده أرشده، ومن طلب الحق عنده ~~وجده، من التمس الهدى لديه صادفه ومن لجأ إليه أمنه، ومن استمسك به نجاه، ~~ومن اقتدى به هداه. # يا بن سمرة سلم منكم من سلم له ووالاه وهلك من رد عليه وعاداه. # يا بن سمرة إن عليا مني روحه من روحي وطينته من طينتي وهو أخي وأنا أخوه، ~~وهو زوج ابنتي فاطمة سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين # PageV00P676 # وإن منه إمامي أمتي وابني وسيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين وتسعة من ~~ولد الحسين تاسعهم قائم أمتي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا). # قال: الصدوق حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل (رحمه الله) قال: # حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي قال: حدثنا موسى بن عمران النخعي عن ~~عمه الحسين بن يزيد عن الحسن بن علي بن سالم عن أبيه عن أبي حمزة عن سعيد ~~بن جبير عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): (إن الله تبارك وتعالى اطلع على الأرض اطلاعة فاختارني منها فجعلني ~~نبيا، ثم اطلع الثانية فاختار منها عليا وجعله إماما، ثم أمرني أن اتخذه ~~أخا ووليا ووصيا وخليفة ووزيرا، فعلي مني وأنا من علي، وهو زوج ابنتي وأبو ~~سبطي الحسن والحسين أئمة ms518 يقومون بأمري، ألا وإن الله تبارك وتعالى جعلني ~~وإياهم حججا على عباده وجعل من صلب الحسين أئمة يقومون بأمري، ويحفظون ~~وصيتي التاسع منهم قائم أهل بيتي، ومهدي أمتي أشبه الناس بي في شمائله ~~وأقواله وأفعاله يظهر بعد غيبة طويلة، وحيرة مضلة فسيعلن أمر الله ويظهر ~~دين الله عز وجل يؤيد بنصر الله وينصر بملائكة الله ويملأ الأرض قسطا وعدلا ~~كما ملئت جورا وظلما) (1). # وقال: حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل قال: حدثني محمد بن أبي عبد الله ~~قال: حدثنا موسى بن عمران النخعي عن عمه الحسين بن يزيد عن علي بن بي حمزة ~~الثمالي عن أبيه عن الصادق جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) ~~قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (حدثني جبرئيل عن رب العزة ~~جل جلاله أنه قال: من علم أنه لا إله إلا أنا وحدي، وأن محمدا عبدي ورسولي، ~~وأن علي بن أبي طالب # PageV00P677 # خليفتي، وأن الأئمة من ولده حججي أدخلته الجنة برحمتي وأنجيته من النار ~~بعفوي و - بحت له جواري، له كرامتي وأتممت عليه نعمتي، وجعلته من خاصتي ~~وخالصتي، إن ناداني لبيته وإن سألني أعطيته، وإن سكت ابتدأته، وإن أساء ~~رحمته، وإن فر مني دعوته وإن رجع إلى قبلته، وإن قرع بابي فتحته ومن لم ~~يشهد ألا إله إلا أنا وحدي ولم يشهد أن محمدا عبدي ورسولي أو شهد بذلك ولم ~~يشهد أن علي بن أبي طالب خليفتي أو شهد بذلك ولم يشهد أن الأئمة من ولده ~~حججي فقد حجد نعمتي وصغر عظمتي وكفر بآياتي وكتبت إن قصدني حجبته وإن سألني ~~حرمته وإن ناداني لم أسمع ندائه وإن دعاني لم استجب دعاءه وإن رجاني خيبته ~~وذلك جزاؤه مني وما أنا بظلام للعبيد) فقام جابر بن عبد الله الأنصاري فقال ~~يا رسول الله ومن الأئمة من ولد علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: (الحسن ~~والحسين سيدا شباب أهل الجنة ثم سيد العابدين في زمانه علي بن الحسين ثم ~~الباقر محمد بن ms519 علي وستدركه يا جابر فإذا أدركته فاقرأه مني السلام، ثم ~~الصادق جعفر بن محمد، ثم الكاظم موسى بن جعفر، ثم الرضا علي بن موسى، ثم ~~التقي محمد بن علي، ثم النقي علي بن محمد، ثم الزكي الحسن بن علي، ثم ابنه ~~القائم بالحق المهدي، إنه الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، ~~هؤلاء يا جابر خلفائي وأوصيائي وأولادي وعترتي من أطاعهم فقد أطاعني ومن ~~عصاهم فقد عصاني ومن أنكرهم وأنكر واحدا منهم فقد أنكرني بهم يمسك الله عز ~~وجل السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه وبهم يحفظ الأرض أن تميد بأهلها). # وقال: حدثنا علي بن أحمد (رضي الله عنه) قال: حدثنا محمد بن أبي عبد الله ~~الكوفي عن موسى بن عمران عن عمه الحسين بن يزيد عن الحسن بن علي بن أبي ~~حمزة عن أبيه عن يحيى بن القاسم عن الصادق جعفر بن محمد عن أبيه عن جده ~~قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله PageV00P678 # وسلم): (الأئمة بعدي اثنى عشر أولهم علي بن أبي طالب وآخرهم القائم ~~المهدي هم خلفائي وأوصيائي وأوليائي وحجج الله على أمتي، المقر بهم مؤمن ~~والمنكر لهم كافر) (1). # وقال: حدثنا علي بن أحمد بن عبد الله بن أحمد بن أبي عبد الله البرقي عن ~~أبيه عن جده أحمد بن أبي عبد الله عن أبيه محمد بن خالد عن محمد بن داود عن ~~محمد بن الجارود العبدي عن اصبغ بن نباتة قال: خرج علينا أمير المؤمنين علي ~~بن أبي طالب ويده في يد ابنه الحسن وهو يقول: (خرج علينا رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) ذات يوم ويدي في يده هكذا وهو يقول: (خير الخلق بعدي ~~وسيدهم أخي هذا وهو إمام كل مسلم، ومولى كل مؤمن بعد وفاتي ألا وإني أقول ~~إن خير الخلق بعدي وسيدهم ابني هذا وهو إمام كل مؤمن، ومولى كل مسلم، بعد ~~وفاتي ألا وإنه سيظلم بعدي كما ظلمت بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~وخير الخلق وسيدهم ms520 بعد الحسن ابني أخوه الحسين المظلوم بعد أخيه المقتول في ~~أرض كربلاء، أما إنه وأصحابه من سادات الشهداء يوم القيامة ومن بعد الحسين ~~تسعة من صلبه خلفاء الله في أرضه وحججه على عباده، وأمناؤه على وحيه، وأئمة ~~المسلمين، وقادة المؤمنين، وسادة المتقين، وتاسعهم قائمهم الذي يملأ الله ~~به الأرض نورا بعد ظلمها وعدلا بعد جورها وعلما بعد جهلها، والذي بعث محمدا ~~أخي بالنبوة واختصني بالإمامة وقد نزل بذلك الوحي من السماء على لسان الروح ~~الأمين جبرئيل ولقد سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنا عنده عن ~~الأئمة بعده فقال للسائل: (والسماء ذات البروج إن عددهم بعدد البروج، ورب ~~الليالي والأيام والشهور، إن عدتهم بعدة الشهور) فقال السائل من هم يا رسول ~~الله فوضع رسول الله (صلى الله عليه # PageV00P679 # وآله وسلم) يده على رأسي فقال: (أولهم هذا وآخرهم المهدي من والاهم فقد ~~والاني، ومن عاداهم فقد عاداني، ومن أحبهم فقد أحبني، ومن أبغضهم فقد ~~أبغضني، ومن أنكرهم فقد أنكرني، ومن عرفهم فقد عرفني، بهم يحفظ الله دينه، ~~وبهم تعمر بلاده، وبهم ترزق عباده، وبهم ينزل القطر من السماء، وبهم تخرج ~~بركات الأرض، هؤلاء أصفيائي وخلفائي وأئمة المسلمين وموالي المؤمنين) (1). # وقال: حدثنا محمد بن علي ماجيلويه (رحمه الله) قال: حدثنا علي بن إبراهيم ~~عن أبيه عن علي بن معبد عن الحسين بن خالد عن علي بن موسى الرضا عن أبيه عن ~~آبائه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): # (من أحب أن يستمسك بديني ويركب سفينة النجاة بعدي فليقتد بعلي بن أبي ~~طالب، وليعاد عدوه وليوال وليه، فإنه وصيي وخليفتي على أمتي في حياتي وبعد ~~وفاتي، وهو أمير كل مسلم وأمير كل مؤمن بعدي، قوله قولي وأمره أمري ونهيه ~~نهيي وتابعه تابعي وناصره ناصري وخاذله خاذلي) ثم قال (صلى الله عليه وآله ~~وسلم): (من فارق عليا بعدي لم يرني ولم أره يوم القيامة، ومن خالف عليا حرم ~~الله عليه الجنة وجعل مأواه النار، ومن خذل عليا خذله الله ms521 يوم يعرض عليه، ~~ومن نصر عليا نصره الله يوم يلقاه ولقنه حجته عند المنازلة) ثم قال (صلى ~~الله عليه وآله): (والحسن والحسين إماما أمتي بعد أبيهما، وسيدا شباب أهل ~~الجنة، وأمهما سيدة نساء العالمين، وأبوهما سيد الوصيين، ومن ولد الحسين ~~تسعة أئمة تاسعهم القائم من ولدي، طاعتهم طاعتي ومعصيتهم معصيتي، إلى الله ~~أشكو المنكرين لفضلهم والمضيعين لحقهم بعدي وكفى بالله وليا وناصرا لعترتي ~~وأئمة أمتي # PageV00P680 # ومنتقما من الجاحدين لحقهم وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) (1). # وقال: حدثنا أحمد بن زياد قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه عن ~~علي بن معبد عن الحسين بن خالد عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا عن أبيه عن ~~آبائه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): # (أنا سيد من خلق الله وأنا خير من جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وحملة العرش ~~وجميع ملائكة الله المقربين وأنبياء الله المرسلين، وأنا صاحب الشفاعة ~~والحوض الشريف، وأنا وعلي أبوا هذه الأمة من عرفنا فقد عرف الله عز وجل ومن ~~أنكرنا فقد أنكر الله عز وجل، ومن علي سبطا أمتي وسيدا شباب أهل الجنة ~~الحسن والحسين، ومن ولد الحسين (عليه السلام) تسعة طاعتهم طاعتي ومعصيتهم ~~معصيتي تاسعهم قائمهم ومهديهم) (2). # وقال: حدثنا أبي (رضي الله عنه) قال: حدثنا سعد بن عبد الله قال: # حدثنا يعقوب بن يزيد عن حماد بن عيسى عن عبد الله بن مسكان عن أبان بن ~~خلف عن سليم بن قيس الهلالي عن سلمان الفارسي (رضي الله عنه) قال: دخلت على ~~النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم وإذا الحسين بن علي على فخذه وهو يقبل ~~عينيه ويلثم فاه ويقول: (أنت سيد ابن سيد أنت إمام ابن إمام أخو إمام أبو ~~أئمة، أنت حجة ابن حجة أبو حجج تسعة من صلبك تاسعهم قائمهم) (3). # ومثل هذه الأخبار من طرق أصحابنا ذكر جميعه يحتاج إلى كتاب مفرد أضعاف ~~كتابنا هذا، وكلها كما تصرح بإمامة أئمتنا الاثني عشر، وتنص على خلافتهم ~~وقصر الإمامة فيهم دون غيرهم، تنادي بعصمتهم ms522 عن الخطأ # PageV00P681 # ولزومهم الحق حيث نطقت بأن طاعتهم طاعة الله وطاعة رسوله، والتمسك بهم ~~موجب للنجاة وكل ذلك دال على العصمة كما قررنا سابقا. # وروى الصدوق أيضا من طريق الخصم ما يقارب هذا المعنى عن ابن مسعود وجابر ~~بن سمرة بطرق متعددة نحن نقتصر على ذكر بعض منها قال (رحمه الله) حدثنا ~~أحمد بن الحسن القطان قال: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن محمد بن إبراهيم بن ~~أبي الرجا (1) البغدادي قال: حدثنا محمد بن عبدوس الحراني قال: حدثنا عبد ~~الغفار بن الحكم قال: حدثنا منصور بن أبي الأسود عن مطرف عن الشعبي عن عمه ~~قيس بن عبيد قال: كنا جلوسا في حلقة فيها عبد الله بن مسعود فجاء أعرابي ~~فقال: أيكم عبد الله قال عبد الله بن مسعود: أنا عبد الله قال: هل حدثكم ~~نبيكم كم يكون بعده من خلفاء قال: نعم اثنى عشر عدة نقباء بني إسرائيل (2). # قال: (رحمه الله) حدثنا أبو علي أحمد بن الحسن بن علي عبدويه قال: # حدثنا أبو يزيد محمد بن يحيى بن خلف المروزي الرقي في شهر ربيع الأول سنة ~~الثانية والثلاثمائة قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي في سنة ثمان ~~وثلاثين ومائتين المعروف بإسحاق بن راهويه قال: حدثنا يحيى بن يحيى قال: ~~حدثنا هشام بن مجالد عن الشعبي عن مسروق قال: بينا نحن عند عبد الله بن ~~مسعود نعرض مصاحفنا عليه إذ يقول له شاب: هل عهد إليكم نبيكم كم يكون من ~~بعده خليفة قال: إنك لحدث السن وإن هذا ما سألني عنه أحد قبلك، نعم عهد ~~إلينا نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) إنه يكون من بعده اثنى عشر خليفة ~~بعدد نقباء بني إسرائيل (3). # PageV00P682 # وقال: حدثنا أحمد بن الحسن القطان قال: حدثنا أبو علي محمد بن علي بن ~~إسماعيل السكري المروزي قال: حدثنا سهل بن عمار النيسابوري قال: حدثنا عمرو ~~بن رزين بن عبد الله قال: حدثنا سفيان عن سعيد بن عمر عن الشعبي عن جابر بن ~~سمرة قال: جئت مع أبي ms523 إلى المسجد ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يخطب ~~فسمعته يقول: (يكون من بعدي اثنى عشر) يعني أميرا ثم خفض من صوته فلم أدر ~~ما يقول فقلت لأبي ما قال: قال قال: (كلهم من قريش) (1). # وقال (رحمه الله) حدثنا عبد الله بن محمد الصائغ قال: حدثني أبو الحسن ~~أحمد بن محمد بن يحيى القصراني قال: حدثني أبو علي بشر بن موسى بن صالح ~~قال: حدثنا أبو الوليد خلف بن الوليد البصري عن إسرائيل عن سماك قال: سمعت ~~جابر بن سمرة السوري يقول: سمعت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: ~~(يقوم من بعدي اثنى عشر أميرا) ثم تكلم بكلمة لم أفهمها فسألت القوم قالوا: ~~قد قال: (كلهم من قريش) (2) نحمد الله الذي سدد مذهبنا وأفلج حجتنا وأرشدنا ~~إلى سبيل الهدى. # وهذه خطبة أمير المؤمنين التي اشتملت على كثير من المطالب التي تكلمنا ~~فيها روى إبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال الثقفي في كتاب الغارات (3) عن ~~رجاله عن عبد الرحمن بن جندب عن أبيه قال خطب علي (عليه السلام) بعد فتح # PageV00P683 # مصر وقتل محمد بن أبي بكر فقال: (أما بعد فإن الله بعث محمدا نذيرا ~~للعالمين وأمينا على التنزيل شهيدا على هذه الأمة وأنتم معاشر العرب يومئذ ~~على شر دين، وفي شر دار، منيخون على حجارة خشنة، وحيات صم، وشوك مبثوث في ~~البلاد، وتشربون الماء الخبيث، وتأكلون الطعام الخبيث، تسفكون دماءكم، ~~وتقتلون أولادكم، وتقطعون أرحامكم، وتأكلون أموالكم بينكم بالباطل، سبلكم ~~خائفة، والأصنام فيكم منصوبة، ولا يؤمن أكثركم بالله إلا وهم مشركون، فمن ~~الله عز وجل عليكم بمحمد فبعثه الله إليكم رسولا من أنفسكم بلسانكم فعلمكم ~~الكتاب والحكمة والفرائض والسنة، وأمركم بصلة أرحامكم، وحقن دمائكم، وصلاح ~~ذات البين، وأن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وأن توفوا بالعهد ولا تنقضوا ~~الأيمان بعد توكيدها، وأن تعاطفوا وتباروا وتباذلوا وتراحموا، ونهاكم عن ~~التناهب والتظالم والتحاسد والتباغي والتقاذف، وعن شرب الحرام، وبخس ~~المكيال، ونقص الميزان، وتقدم إليكم ألا تزنوا ولا تربوا ولا تأكلوا أموال ~~اليتامى ظلما ms524 ولا تعثوا في الأرض مفسدين ولا تعتدوا إن الله لا يحب ~~المعتدين، وكل خير يدني إلى الجنة ويباعد من النار أمركم به، وكل شر يدني ~~إلى النار ويباعد من الجنة نهاكم عنه، فلما استكمل مدته توفاه الله سعيدا ~~حميدا فيا لها مصيبة خصت الأقربين، وعمت المسلمين، ما أصيبوا قبلها بمثلها ~~ولن يعاينوا بعدها أختها، فلما مضى لسبيله تنازع المسلمون الأمر بعده، ~~فوالله ما كان يلقى في روعي (1) ولا يخطر ببالي أن العرب تعدل هذا الأمر ~~بعد محمد عن أهل بيته، ولا أنهم منحوه عني، فما راعني (2) إلا انثيال الناس ~~على أبي بكر وأجفالهم (3) ليبايعوه، فأمسكت يدي (4) ورأيت أني أحق بمقام ~~محمد (صلى الله # PageV00P684 # عليه وآله وسلم) في الناس ممن تولى الأمر من بعده، فلبثت بذاك ما شاء ~~الله حتى رأيت راجعة من الناس رجعت عن الإسلام تدعوا إلى محق دين (1) الله، ~~وملة محمد (صلى الله عليه وآله) فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ~~ثلما وهدما يكون المصاب بهما علي أعظم من فوت ولاية أموركم التي إنما هي ~~متاع أيام قلائل ثم تزول وما كان منها كما يزول السراب، وكما ينقشع السحاب، ~~فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فبايعته ونهضت في تلك الأحداث حتى زاغ الباطل ~~وزهق وكانت كلمة الله هي العليا ولو كره الكافرون (2) فتولى أبو بكر تلك ~~الأمور وسدد وقارب واقتصد، وصحبته مناصحا وأطعته فيما أطاع الله فيه جاهدا، ~~وما طمعت أن لو حدث به حدث وأنا حي أن يرد إلى الأمر الذي بايعته فيه طمع ~~مستيقن، ولا يئست منه يأس من لا يرجوه، ولولا خاصة ما كان بينه وبين عمر ~~لظننت أنه لا يدفعها عني، فلما احتضر بعث إلى عمر فولاه فسمعنا وأطعنا ~~وناصحنا، وتولى عمر الأمر فكان مرضي السيرة، ميمون النقيبة، حتى إذا احتضر ~~قلت في نفسي، لن يعدلها عني وليس بدافعها لغيري فجعلني # PageV00P685 # سادس ستة فما كانوا لولاية واحد منهم أشد كراهية لولايتي عليهم، كانوا ~~يستمعون عند وفاة رسول الله (صلى الله عليه ms525 وآله وسلم) أحاج (1) أبا بكر ~~وأقول يا معشر قريش إنا أهل البيت أحق بهذا الأمر منكم أما كان فينا من ~~يقرأ القرآن ويعرف السنة ويدين يدين الحق فخشي القوم إن أنا وليت عليهم ألا ~~يكون لهم من نصيب ما بقوا فأجمعوا إجماعا واحدا فصرفوا الولاية إلى عثمان ~~وأخرجوني منها رجاء أن ينالوها ويتداولوها إذ يئسوا أن ينالوها من قبلي، ثم ~~قالوا هلم فبايع وإلا جاهدناك فبايعت مستكرها وصبرت محتسبا فقال قائلهم: يا ~~بن أبي طالب إنك على هذه الأمر لحريص فقلت: أنتم أحرص مني وأبعد أينا أحرص ~~أنا الذي طلبت تراثي وحقي الذي جعلني الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) ~~أولى به أم أنتم حين تضربون وجهي دونه وتحولون بيني وبينه، فبهتوا والله لا ~~يهدي القوم الظالمين، اللهم إني أستعينك (2) على قريش فإنهم قطعوا رحمي ~~وأكفؤا إنائي (3) وصغروا منزلتي وأجمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به منهم ~~فسلبونيه ثم قالوا ألا إن في الحق أن تأخذه وفي الحق أن تمنعه فاصبر كمدا ~~أو مت أسفا (4) فنظرت فإذا ليس معي رافد ولا ذاب ولا ناصر ولا مساعد إلا ~~أهل بيتي فضننت بهم عن المنية، فأغضيت على القذى وتجرعت ريقي على الشجى، ~~وصبرت من كظم الغيظ على أمر من العلقم، وألم للقلب من حز الشفار، حتى إذا ~~نقمتم على عثمان أتيتموه فقتلتموه، ثم جئتموني لتبايعوني فأبيت عليكم ~~وأمسكت يدي فنازعتموني وبسطتم يدي فكففتها، ومددتموها فقبضتها وازدحمتم علي ~~حتى ظننت أن بعضكم قاتل بعض، أو إنكم قاتلي، فقلتم بايعنا لا نجد # PageV00P686 # غيرك، ولا نرضى إلا بك بايعنا لا نفترق ولا نختلف فبايعتكم ودعوت الناس ~~إلى بيعتي، فمن بايع طوعا قبلته ومن أبى لم أكرهه وتركته، فبايعني فيمن ~~بايعني طلحة والزبير ولو أبيا ما أكرهتهما كما لم أكره غيرهما فما لبثا إلا ~~يسيرا حتى بلغني عنهما أنهما خرجا من مكة متوجهين إلى البصرة في جيش ما ~~منهم رجل إلا قد أعطاني الطاعة، وسمح لي بالبيعة، فقد ما على عاملي، وخزان ~~بيت مالي وعلى أهل ms526 مصري الذين كلهم على بيعتي وفي طاعتي فشتتوا كلمتهم ~~وأفسدوا جماعتهم، فقتلوا طائفة منهم غدرا وطائفة صبرا ومنهم طائفة غضبوا ~~لله فشهروا سيوفهم، وضربوا بها حتى لقوا الله عز وجل صادقين، والله لو لم ~~يصيبوا منهم إلا رجلا واحدا معتمدين لقتله لحل به قتل ذلك الجيش بأسره، فدع ~~ما أنهم قتلوا من المسلمين أكثر من العدة التي دخلوا بها عليهم وقد أدال ~~الله منهم فبعدا للقوم الظالمين، ثم إني نظرت في أمر أهل الشام فإذا اعراب ~~أحزاب وأهل طمع جفاة طغاة يجتمعون من كل أوب ممن كان ينبغي أن يؤدب وأن ~~يولي عليه، ويؤخذ علي يديه، ليسوا من المهاجرين ولا الأنصار ولا التابعين ~~بإحسان، فسرت إليهم فدعوتهم إلى الطاعة والجماعة فأبوا إلا شقاقا وفراقا، ~~ونهضوا في وجوه المسلمين ينظمونهم بالنبل، ويشجرونهم (1) بالرماح، فهناك ~~نهدت (2) إليهم بالمسلمين فقاتلتهم، فلما أعضهم السلاح ووجدوا ألم الجراح ~~رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها، فأنبئكم أنهم ليسوا بأهل دين ولا قرآن، ~~وأنهم رفعوها مكيدة وخديعة ووهنا وضعفا فامضوا على حقكم وقتالكم، فأبيتم ~~علي وقلتم: اقبل منهم فإن أجابوا إلى الكتاب جامعونا على ما نحن عليه من ~~الحق، وإن أبوا كان أعظم لحجتنا عليهم، فقبلت منهم، وكففت # PageV00P687 # عنهم، فكان الصلح بينكم وبينهم على رجلين يحييان ما أحيى القرآن، ويميتان ~~ما أمات القرآن، فاختلف رأيهما، وتفرق حكمهما ونبذا ما في القرآن، وخالفا ~~ما في الكتاب، فجنبهما الله السداد ودلاهما في الضلالة، فانحرفت فرقة منا ~~فتركناهم ما تركونا حتى إذا عاثوا في الأرض يقتلون ويفسدون أتيناهم فقلنا ~~ادفعوا إلينا قتلة إخواننا ثم كتاب الله بيننا وبينكم، قالوا: كلنا قتلهم، ~~وكلنا استحل دماءهم وشدت علينا خيلهم ورجالهم وصرعهم الله مصارع الظالمين، ~~فلما كان ذلك من شأنهم أمرتكم أن تمضوا من فوركم ذلك إلى عدوكم فقلتم: كلت ~~سيوفنا، ونفذت نبالنا، ونصلت أسنة رماحنا، وعاد أكثرها قصدا (1) فارجع بنا ~~إلى مصرنا لنستعد بأحسن عدتنا فإذا رجعت زدت في مقاتلنا بعدد من هلك منا ~~وفارقنا فإن ذلك أقوى لنا على عدونا فأقبلت ms527 بكم حتى إذا أظللتم على الكوفة ~~أمرتكم أن تنزلوا بالنخيلة، وأن تلزموا معسكركم، وأن تضموا قواصيكم، وأن ~~توطنوا على الجهاد أنفسكم، ولا تكثروا زيارة أبنائكم ونسائكم، فإن أهل ~~الحرب لمصابروها، وأهل التشمير فيها الذين لا يتفادون من سهر ليلهم، ولا ~~ظمأ نهارهم، ولا خمص بطونهم، ولا نصب أبدانهم، فنزلت طائفة منكم معي معذرة، ~~ودخلت طائفة منكم المصر عاصية فلا من بقي منكم صبر، وثبت ولا من دخل المصر ~~عاد ورجع، فنظرت إلى معسكري وليس فيه خمسون رجلا فلما رأيت ما أتيتم دخلت ~~إليكم، فلما أقدر على أن تخرجوا إلى يومنا هذا فما تنظرون؟ أما ترون ~~أطرافكم قد انتقصت وإلى مصركم قد فتحت؟ # وإلى شيعتي بها قد قتلت؟ وإلى مسالحكم تعرى؟ وإلى بلادكم تغزى؟ وأنتم ~~ذووا عدد كثير وشوكة وبأس شديد، فما بالكم يا لله أنتم فمن أين تؤتون! # وما لكم تؤفكون ولو إنكم عزمتم وأجمعتم لم تراموا، إلا أن القوم تراجعوا # PageV00P688 # وتناشبوا وتناصحوا وأنتم قد ونيتم وتغاششتم وافترقتم ما أنتم عندي على ~~هذا بسعداء فانتهوا وأجمعوا على حقكم وتجردوا لحرب عدوكم قد بدت الرغوة عن ~~الصريح وبين الصبح لذي عينين إنما تقاتلون الطلقاء وأبناء الطلقاء، وأولي ~~الجفاء من أسلم كرها وكان لرسول الله أنف (1) الإسلام كله حربا، أعداء الله ~~والسنة والقرآن، وأهل البدع والأحداث، ومن كان بوائقه تتقى وكان على ~~الإسلام مخوفا أكلة الرشا، وعبدة الدنيا لقد أنهى إلي أن ابن النابغة لم ~~يبايع معاوية حتى أعطاه وشرط له أتية هي أعظم مما في يده من سلطانه، ألا ~~صفرت يد هذا البائع دينه بالدنيا، وخزيت أمانة هذا المشتري نصرة فاسق غادر ~~بأموال المسلمين، وإن فيهم من شرب فيكم الخمر وجلد الحد، يعرف بالفساد في ~~الدين، وبالفعل السئ، وإن فيهم من لم يسلم حتى رضخ له رضيخة (2) فهؤلاء ~~قادة القوم ومن تركت ذكر مساويه من قادتهم مثل من ذكرت منهم، بل هو شر ويود ~~هؤلاء الذين ذكرت لو ولوا عليكم فأظهروا فيكم الكفر والفساد والفجور ~~والتسلط بجبرية، واتبعوا الهوى وحكموا بغير ms528 الحق، ولأنتم على ما كان فيكم ~~من تواكل وتخاذل خير منهم وأهدى سبيلا، فيكم العلماء والفقهاء والنجباء ~~والحكماء، وحملة الكتاب، والمتهجدون بالأسحار، وعمار المساجد بتلاوة ~~القرآن، أفلا تسخطون وتهتمون أن ينازعكم [الولاية عليكم سفهاؤكم، والأشرار ~~الأرذال منكم فاسمعوا قولي، وأطيعوا] (3) أمري فوالله لأن أطعتموه لا ~~تغووا، وإن عصيتموه لا ترشدوا خذوا للحرب إهبتها وأعدوا عدتها، فقد شبت ~~نارها، وعلا سناؤها، وتجرد لكم فيها الفاسقون كي يعذبوا عباد الله، ويطفئوا ~~نور الله، # PageV00P689 # إلا أنه ليس أولياء الشيطان من أهل الطمع والمكر والجفاء بأولي بالجد في ~~غيهم وضلالهم من أهل البر والزهادة والإخبات في حقهم وطاعة ربهم، والله لو ~~لقيتهم فردا وهم ملأ الأرض ما باليت، ولا استوحشت، وإني من ضلالتهم التي هم ~~فيها والهدى الذي نحن فيه لعلى ثقة وبينة ويقين وبصيرة وإني إلى لقاء ربي ~~لمشتاق، ولحسن ثوابه لمنتظر، ولكن أسفا يعتريني وحزنا أن يلي أمر هذه الأمة ~~سفهاؤها وفجارها فيتخذوا مال الله دولا وعبادة خولا، والفاسقين حزبا، وأيم ~~الله لولا ذلك لما أكثرت تأنيبكم (١)، وتحريضكم ولتركتكم إذ ونيتم ﴿٢) حتى ألقاهم بنفسي متى حم إلى ~~لقائهم، فوالله إني لعلى الحق، وإني للشهادة لمحب، فانفروا خفافا وثقالا ~~وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ ~~(3) ولا تثاقلوا إلى الأرض فتقروا (4) بالخسف (5) وتبوروا بالذل، ويكن ~~نصيبكم الأخسر أن أخا الحرب اليقظان، ومن ضعف اودي، ومن ترك الجهاد كان ~~كالمغبون المهين. # اللهم اجمعنا وإياهم على الهدى وزهدنا وإياهم في الدنيا، واجعل الآخرة ~~خيرا لنا ولهم من الأولى. # انتهت الخطبة الجليلة وأولها المشتمل على ذكر الثلاثة مصرح بنصب الله ~~ورسوله (صلى الله عليه وآله) أمير المؤمنين إماما وخليفة، وأن الخلافة # PageV00P690 # ميراثه من النبي (صلى الله عليه وآله)، وهو قوله (عليه السلام) (أنا الذي ~~طلبت تراثي وحقي الذي جعلني الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) أولى ~~به) وهو نص مذهب أصحابنا الإمامية وابن أبي الحديد يروي هذه الخطبة ويصححها ~~ويعدل عما اشتملت عليه فلا ms529 يعمل به، ولا يلتفت إليه كما هي عادته فيما يدل ~~على مذهب الحق ويهدي إلى سبيله، من الإعراض عنه، وترك دليله، وصرح أنه لم ~~يبايع أبا بكر إلا لخوفه على الإسلام من ارتداد من ارتد من العرب لا لأنه ~~صحيح الإمامة وإلا لبايعه قبل ذلك، وصرح بأن السبب الذي دعا القوم إلى منعه ~~من الخلافة علمهم أنه إذا وليها لن ينالوها أبدا، وإذا كانت في غيره رجوا ~~تداولها بينهم، وصرح أيضا بأنه بايع عثمان مستكرها حين قال له القوم: بايع ~~وإلا جاهدناك ولم يجد عليهم ناصرا، وصرح أن أولئك الجماعة من الظلمة حيث ~~قال بعد ذكر حديثهم معه فبهتوا والله لا يهدي القوم الظالمين، وهم في الحكم ~~عند الخصوم سواء وكذا عندنا. # وأما قوله في أبي بكر سدد وقارب واقتصد فنحن نقول بذلك فإن أبا بكر لم ~~يكن كثير الظلم للرعية ولسنا نقول إنه مثل عثمان في أحداثه ومعاوية في ظلم ~~الناس وإنما الداء الدوي فيه قعوده في منصب غيره بعلم منه وكذلك قوله (عليه ~~السلام) في عمر فكان مرضي السيرة ميمون النقيبة يريد أنه كان عند الناس ~~كذلك، وكان مراده من وصف الرجلين مقابلتهما بعثمان ليبين أن سيرتهما كانت ~~مرضية عند المخاطبين بخلاف عثمان فإنه كان غير مرضي السيرة وظهر منه ما ~~أوجب عند العامة قتله بما نقموه عليه من أفعاله مع ما في ذلك من التقية ~~واستصلاح العامة بمدح الرجلين وإبطال دعوى معاوية في زعمه الطلب بدم الثالث ~~لأن قتله إنما كان لما نقمه عليه الناس من مخالفة الشيخين في السيرة فليس ~~لمعاوية أن يطالب بدم رجل قتل بسبب أعدائه وهذا من أحسن الاستصلاح والطف ~~الاحتجاج. PageV00P691 # وأما قوله (عليه السلام) (والله لو لم يصيبوا منهم إلا رجلا واحدا ~~متعمدين لقتله لحل به قتل ذلك الجيش بأسره) فهو وإن كان في الظاهر مشكلا من ~~جهة جواز قتل الجماعة بالواحد من غير دية ما زاد عن واحد والمعروف في الحكم ~~أنه لو اشترك جماعة في قتل رجل كان لوليه أن ms530 يقتل واحدا من أولئك القوم ~~والباقون يدفعون إلى ورثته ما زاد من ديته على قدر ما عليه من دية المقتول ~~الأول أو يقتل القاتلين جميعا ويدفع إلى ورثة الجميع ما زاد عن دية الواحد ~~مقسطا عليهم لكنه في الحقيقة ظاهر ومطابق للشرع لأن مراده من التعمد ~~استحلال قتل المؤمن أو قتله لإيمانه ولا خلاف أن قاتل النفس على أحد هذين ~~الوجهين مستحق للخلود في النار لأنه يكون مرتدا فلا فرق حينئذ بين أن يكون ~~القاتل واحدا أو جماعة قلوا أو كثروا فهذا فقه كلامه (عليه السلام) وهو ~~الحق الذي لا مرية فيه وقوله (عليه السلام): (فما لكم تؤفكون) يعني تصرفون ~~عن الحق أو عن طاعة أمري، أو عن قتال عدوكم وحماية حوزتكم ونصر من كان على ~~ما أنتم عليه وحفظ البلاد التي في أيديكم لئلا يملكها عدوكم وهذا أنسب ~~بالسياق، والكلام تعجب من تقاعدهم عن الجهاد حتى طمع فيهم العدو وتجري على ~~أخذ أطرافهم وبلدانهم مع معرفتهم أنهم على الحق وأن عدوهم على الباطل وذلك ~~موضع العجب إذ يعجز أهل الحق عن القيام به والجهاد دونه ويقوم أهل الباطل ~~دون باطلهم يجالدون وقوله: (بدت الرغوة عن الصريح) مثل لزوال الشبهة ~~وانكشاف الحال عن فسق معاوية وتابعية ووجوب قتالهم لبغيهم وضلالهم وعدم ~~عملهم بالكتاب العزيز فلا حجة في ترك جهادهم والرغوة الزبد الذي يعلوا ~~اللبن ومثله قوله: (وبين الصبح لذي عينين) وهو كناية أيضا عن وضوح الأمر ~~وظهوره يقول بأن للبصير استحقاق معاوية وأصحابه القتل لنبذهم الحق ~~واقتحامهم في غمرة الباطل. # وقوله (ع): (ألا صفرت يد هذا البائع دينه) صفرت كتعبت خلت من PageV00P692 # ثمن ما باعه وهو إشارة إلى قصة عمرو بن العاص ومعاوية حيث شرط عمرو على ~~معاوية لما دعاه إلى معونته على حرب أمير المؤمنين أن يعطيه مصر طعمة له ~~ولولده فتبا له كأنه يظن أن معاوية لا يزول ملكه ولا يتغير أمره، ولقد لبث ~~عمرو قليلا فهلك ولم يف له معاوية بجميع ما شرط له ولم يعط ولده ms531 مصر بعد ~~ارتحاله إلى الجحيم والعذاب الأليم، وهكذا حال القوم سجيتهم الغدر وشيمتهم ~~المكر وبضاعتهم التي يبثونها في الناس الكذب يخدعون به الطغام، ويجلبون به ~~اللئام كجلب الأغنام، فبعدا لهم كما بعدت ثمود. # وقوله: (وخزيت أمانة هذا المشتري نصرة فاسق غادر بأموال المسلمين) خزيت ~~أي ذلت وهانت من باب تعب أيضا. # قوله: (حتى رضخت له رضيخة) رضخت مبينا للمفعول من رضخ كنفع والرضيخة ~~فعيلة بفتح الفاء مال ليس بالكثير أي لم يسلم حتى جعلت له عطية يسيرة أسلم ~~لأجلها لا رغبة في الإسلام وهو معاوية وقادة القوم رؤسائهم الذين رضخت لهم ~~الرضائخ على الإسلام جماعة منهم أبو سفيان وابناه معاوية ويزيد، وحكيم بن ~~حزام بن خويلد، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام بن المغيرة، وحويطب بن عبد ~~العزي، وصفوان بن أمية وعمير بن وهب الحميان، وعينة بن حصن الفزاري والأقرع ~~بن حابس التميمي وعباس بن مرداس السلمي، وجماعة غيرهم أيضا وهم المؤلفة ~~قلوبهم الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن الكريم وذكرهم أهل السير. # قوله: (تواكل وتخاذل) وهو اتكال القوم بعضهم على بعض وخذلان بعضهم بعضا ~~فتضيع بذلك أمورهم وتنتشر كلمتهم ويحصل فيهم الوهن والضعف عن مقاومة عدوهم، ~~ولم شعثهم وشعب صدعهم، والتهجد قراءة القرآن في جنح الليل في الصلوات، ~~والمنازعة كالمجاذبة وهي طلب كل واحد ما في يد آخر. PageV00P693 # وقوله: (فوالله لأن أطعتموه لا تغووا وإن عصيتموه لا ترشدوا) ضمير ~~المفعول في الفعلين يعود إلى قوله أمري وهو صريح في ملازمته الصواب في جميع ~~الأحوال ومصاحبته للرشد في جميع الأقوال، وإن من أطاع أمره هدى إلى الحق ~~ومن عصاه فارق الرشد، وهذه هي العصمة التي ندعيها له وللأئمة من ولده ~~وأقمنا عليها الشواهد الصحيحة وأثبتنا عليها الحجج القائمة ومثله قوله: ~~(فوالله إني لعلى الحق) والتأنيب التلويم على القعود عن الجهاد، والتحريض ~~دعاؤهم إلى الحرب وإغراؤهم بها، وونيتم من الونى أي ضعفتم وفترتم، والتثاقل ~~إلى الأرض كناية عن عدم النهوض إلى إصلاح أمرهم وجهاد عدوهم فتقروا بالخسف ~~أي بالهوان قال الشاعر. ms532 # ولا يقيم على ضيم يراد به * إلا الأذلان عير الحي والوتد هذا على الخسف ~~مربوط برمته * وذا يشج فلا يرثى له أحد وتبوءوا بالذل ترجعون ملابسين له، ~~واودي هلك أي من ضعف عن عدوه هلك لضعفه عن المدافعة والمغبون الخاسر، ~~والمهين الذليل المحتقر، والزهد ترك زهرة الدنيا وأدناه كما روي عن الصادق ~~(عليه السلام) (طلب الحلال) والزهد في الشئ الرغبة عنه، والميل إلى غيره، ~~وبقي في الخطبة أشياء قد نبهنا عليها فيما سبق من مباحث هذا الكتاب وإشارات ~~إلى أمور يطول شرحها وقد تكفلت ببيانها كتب السير والتواريخ فهي لا تخفى ~~على من له اطلاع بها وما رمنا إثباته هنا قد انتهى وبلغنا بحمد الله في ~~توضيحه إلى الغاية القصوى وفقنا الله للعمل بما يرضيه وعصمنا عن التهجم على ~~معاصيه وثبتنا على دينه القويم، وهدانا إلى صراطه المستقيم، ورزقنا صدق ~~النية وأعطانا خير الأمنية، وبصرنا سبيل الهدى ودلنا على سفينة النجاة التي ~~من ركبها نجى ومن تخلف عنها غرق وهوى، وختم لنا بالسعادة وأماتنا على الملة ~~وأحيانا حياة طيبة وجعلنا للصالحين رفيقا، ورفعنا عنده في الجنة درجة، ~~PageV00P694 # وأتانا من الخير نصيبا وقربنا إليه زلفى، ورزقنا شفاعة نبينا وسيدنا محمد ~~المصطفى وآله الكرام المشفعين في يوم الجزاء، وسقانا من حوضه بكأسه الأوفى ~~شربة لا ظمأ بعدها أبدا اللهم أجب دعوتنا، وانصر ملتنا وأفلج حجتنا وعجل ~~فرج ولينا وانصرنا به نصرا عزيزا، وافتح لنا به فتحا مبينا بحق نبيك وحبيبك ~~خاتم الأنبياء وآله النجباء، إنك على كل شئ قدير وبالإجابة جدير، وقد وقع ~~الفراغ من تأليف هذا الكتاب وجمعه وتحريره وزبره وتنميقه وسطره في اليوم ~~الحادي عشر من شهر ذي القعدة الحرام من سنة 1295 والحمد لله أولا وآخرا، ~~وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين إلى يوم الدين، ثم انتقل من السواد ~~إلى البياض بعد إمضاء العزيمة والانتهاض على يد مؤلفة الفقير إلى الله علي ~~بن عبد الله في اليوم 19 من شهر رجب الأصب سنة 1296 والحمد لله على نعمة ms533 ~~الختام والفوز بالكمال والتمام كما تم تنقيحه وتصحيحه، وتخريج مصادره، ~~والتعليق عليه على يد العبد الفقير إلى الله الغني عبد الزهراء الحسيني ~~الخطيب في أيام آخرها أول شعبان سنة 1402 أثناء إقامتي في قرية الدراز في ~~البحرين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. PageV00P695 # بسم الله الرحمن الرحيم هذه الأبيات لخادم مصنف الكتاب في تاريخه ومدح ~~المصنف قلتها بعد نسخ الكتاب وأنا الأقل خادم المصنف وتلميذ المؤلف تراب ~~أقدام العلماء أحمد بن محمد بن سرحان البحراني (1). # منار الهدى يهدي لمن هو يبصر * ويكمد أعداء إلى الحق ينكر عباراته در ~~تألق نورها * وألفاظه شهب لدى الدر تزهر معانيه أقمار تجاوب مثلها * ~~وأبوابه حاطت بها فهي تبهر أجل من الشافي (2) وإن كان سابقا * فكم حاز فضلا ~~لا حق متأخر مقدمة فيه حوت جل كنهه * وفصلان كالبدرين بل هما أنور به ذبلت ~~من دوحة الشرك أغصن * وحل بها جدب فها هي تحسر وقامت به للدين راية رفعة * ~~على شمس هذا الأفق تعلو وتفخر أقام لما قد كاد من دين أحمد * يمال ومن نص ~~الخلافة ينكر لقد أثبتت بالنص فيه إمامة * لخير الورى وهو الوصي المطهر ~~وعترته الهادين في كل ريبة * غيوث الورى شبه الأهلة نور # PageV00P697 # فيا قد رعاك الله لست بماين * ولا مدع ما ليس فيك فافخر رضعت ثدي العلم ~~مذ كنت يافعا * وجاريت فيه أهله لست تقصر حوى صدرك الواعي العلوم بأسرها * ~~فها هي في الآفاق تنمو وتنشر فيا لك من صدر حوى كل حكمة * وأسرار علم الله ~~فيه تستر فعلمك مشهور وفضلك ظاهر * وجاهك أجلى من سنى البدر أنور وربيت في ~~حجر البلاغة لم تزل * تجاوب فيها أهلها ثم تقهر فها أنت بحر العلم في العصر ~~كله * فليس سواك اليوم بالفضل يذكر وردت حياض المجد عند صفائها * فأرويت ~~منها صافيا لا يكدر منار الهدى ألفته طالبا به * نجاة من الباري فهيهات ~~تخسر لقد قلت فيه مادحا ومؤرخا * منار الهدى يشفي الصدور ويبهر 1295.# ~~PageV00P698 ms534