######OpenITI#
#META# 000.SortField :: Shia_004525
#META# 000.BookURI :: AFTER1900
#META# 010.AuthorAKA :: NODATA
#META# 010.AuthorNAME :: الشيخ علي البحراني
#META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN
#META# 011.AuthorDIED :: 1340
#META# 019.AuthorDIED :: NODATA
#META# 020.BookTITLE :: منار الهدى في النص على إمامة الإثني عشر (ع)
#META# 020.BookTITLESUB :: NODATA
#META# 021.BookSUBJ :: ردود علماء المسلمين على الوهابية والمخالفين
#META# 022.BookVOLS :: 1
#META# 025.BookLANG :: NODATA
#META# 029.BookTITLEalt :: NODATA
#META# 030.LibURI :: Shia_004525
#META# 030.LibURIextra :: NODATA
#META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/4525_منار-الهدى-في-النص-على-إمامة-الإثني-عشر-(ع)-الشيخ-علي-البحراني
#META# 031.LibURL :: NODATA
#META# 031.LibURLFILE :: NODATA
#META# 031.LibURLextra :: NODATA
#META# 040.EdALL :: NODATA
#META# 040.EdEDITOR :: تنقيح وتحقيق وتعليق : السيد عبد الزهراء الخطيب
#META# 041.EdNUMBER :: الأولى
#META# 041.EdNumber :: NODATA
#META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA
#META# 044.EdPLACE :: NODATA
#META# 045.EdYEAR :: 1405 - 1985 م
#META# 049.EdISBN :: NODATA
#META# 049.EdPAGES :: NODATA
#META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA
#META# 049.EdVOLUME :: NODATA
#META# 090.RecMISC :: NODATA
#META# 999.MiscINFO :: NODATA
#####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY#
#META#Header#End#
# بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الغني لذاته، والمتوحد بصفاته،
~~والمتفرد في أفعاله الذي لم يشاركه أحد في صنع مخلوقاته، ولم يوازره وزير
~~في إنشاء برياته، الذي لم يخلق الخلق عبثا، ولا فطر السماوات والأرض وما
~~بينهما باطلا {ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار} (1) الذي لم
~~يكلف عباده شططا، ولم يتركهم سدى، ولم يعذب أحدا من خلقه حتى يبعث إليهم
~~رسلا يدلونهم على طريق الهدى ويصدونهم عن سبيل الردى تقوم له بهم على
~~العباد الحجة، وتستبين بهم المحجة لئلا تكون للناس على الله حجة بعد الرسل،
~~والصلاة والسلام على من ختمت به النبوة وكملت به الرسالة ووضحت به الدلالة،
~~وقامت به الحجة وتمت به النعمة واجتمعت به الكلمة وحصلت به الألفة، وائتلفت
~~به القلوب المختلفة، وانتظمت به أمور الناس بعد المباينة والفرقة، واتفقت
~~به الأهواء المتشتتة، والآراء المتشعبة، ولم الله به الشعث وشعب به الصدع،
~~وآمن به السبل، وصدق به الرسل، وفضله على جميع من خلق ونسخ بشرعه أديان من
~~سبق وأنزل عليه قرآنا مجيدا وفرقانا حميدا، أقام به الأود (2) وهدى به إلى
~~الراشد وسوى به العوج، وفك به من الرنج (3) إمام المتقين
# PageV00P013
# وسيد المرسلين وشفيع يوم الدين سيدنا ونبينا محمد بن عبد الله النبي
~~الأمي، وعلى آله البررة الأخيار الناسجين على منواله، والمقتفين أثره في
~~أفعاله وأقواله، حجج الله على بريته، وخلفاء رسوله على أمته الحافظين
~~لكتابه وسنته والعاملين بأحكام شريعته والمطهرين من مقارفة معصيته،
~~والمنزهين عن ارتكاب مخالفته الذين ماز (1) الله بولايتهم الخبيث من الطيب
~~ببديع حكمته كما قال في محكم كتابه {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم
~~عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب..} (2) ففرض
~~ولاءهم على لسان نبيه الكريم الأمين فامتاز به الغث من السمين، وأبى عن
~~حمله من خبثت طينته من الأشقياء وسارع لحمله وقبوله من سبقت له من الله
~~الحسنى، وعلى أصحابه المنتهين إلى أمره والمنزجرين بزجره ما هدل الحمام (3)
~~وهطل الغمام.
# أما بعد: ms001
# فيقول المفتقر إلى فيض ربه السبحاني علي بن عبد الله بن علي البحراني
~~ألهمه الله تقواه وأتاه هداه: إن أمر الإمامة والإمام، مما شاع فيه بين
~~الأمة الجدال والخصام، وطال فيه البحث والكلام، وبذل كل فريق جهدهم في
~~إثبات ما ذهبوا إليه، وأجهد كل قوم أنفسهم في تقوية ما اعتمدوا عليه، فكم
~~جمع أصحابنا المتقدمون فيه من مصنف فائق، وكم حرر أسلافنا الصالحون فيه من
~~مؤلف رائق أقاموا في تلك الصحف والمصنفات على صحة مذهبهم الأدلة الواضحة،
~~وأظهروا عليها البراهين اللائحة، التي انجلى غبارها وسطع منارها مما فيه
~~كفاية كل طالب ومنتهى رغبة كل راغب بحيث لم تبق لقائل مقالة ولا لمتعلل علة
~~ولا لخصم
# PageV00P014
# عذر إلا مكابرا مال عن التحقيق وتنكب قصد الطريق بالشبهة وحاد بسوء النظر
~~عن سواء المحجة فتاه في فيافي الضلالة، وارتكس في غمرات الفتنة ممن جعل
~~شهوة نفسه أمام عقله، وصير الخطأ صوابا بجهله واقتصر من الدليل على حقية
~~مذهبه وتصحيح طريقته على تقليد الأسلاف وحسن الظن فيمن تحقق منهم لله
~~ولرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) الخلاف، ممن حقت عليهم كلمة العذاب
~~بتركاضهم (1) في مهاوي الشك والارتياب وتهافتهم على الدنيا تهافت الفراش
~~والذباب، فخالف الرشاد على عمد وسلك فج الهلاك مقدرا للسلامة والنجاة، وليس
~~إعراض المعاند عن الهدى بناقض للحق ولا حجاج المكابر بمبطل للصدق ولا إنكار
~~الجاحد بموهن لما أقامه أصحابنا من الدليل ولا بمبهم لما أوضحوه في تلك
~~الزبر من نهج السبيل، بل كان ما زبروه كافيا وما رقموه شافيا، وإنما أنكره
~~من انحرف فهمه كما ينكر الماء العذب من انحرف مزاجه والداء إنما هو منه لا
~~من الماء، فشكر الله مساعيهم الجميلة وضاعف مثوباتهم الجزيلة، وجعلنا من
~~المنتظمين في سلك عقدهم والواردين صافي وردهم، بيد (2) أن التصنيف الحادث
~~لا يفقد فائدة اهملها الأولون والتأليف الجديد لا يعدم التنبيه على دقيقة
~~أغفلها السابقون، لاستغنائهم عن إيرادها في ذلك الزمان وتجدد الحاجة إليها
~~في هذه الأزمان، فلذا تجشمت هذه الخطة وخضت هذه اللجة ms002 وولجت هذه الغمرة، مع
~~قلة البضاعة وكثرة الإضاعة، ومكابدة المحن ومعاناة صروف الزمن وتوارد
~~الهموم وتتالى الغموم وغربة
# PageV00P015
# الديار والابتلاء بمعاشرة الأغمار (1) ومصاحبه الأغيار وكثرة الحساد
~~ومقاساة الأمور الشداد، فصنفت هذا الكتاب المحتوي على إثبات النص على
~~مولانا أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب وأولاده الأحد عشر
~~المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين بالإمامة، معتصما بالله ومتوكلا عليه في
~~الاسعاف، والإعانة على ما طلبت والتسديد والارشاد إلى ما قصدت، فلا حول ولا
~~قوة إلا به، ولا انتصار إلا بنصره، ولا التجاء إلا إلى منيع عزه، ولا
~~استمداد إلا من إلهامه ولا استعانة على أمر إلا بمعونته وتوفيقه، ورغبت
~~إليه أن يجعله للمسترشدين مرشدا وللسائلين، منجحا، وللسالكين سبيل الانصاف
~~هاديا، وأن يجعله لي في القيامة ذخرا، وإليه مقربا وأن يجعلني لثوابه
~~مستحقا، ويجعل لي به عند النبي (صلى الله عليه وآله) وسيلة وقربا، ويزرع لي
~~به في قلوب المؤمنين ودا أنه مجيب الدعوات ومعطي الأمنيات، واقتصرت في مقام
~~الحجة على ذكر ما صح عند الخصوم من دليل عقل معروف عدله، أو آية محكمة فيها
~~بيان الأمر وفصله، أو خبر ثبت في صحاح أخبارهم والمعول عليه من كتبهم، مما
~~وضح معناه ودليله وبان جده وزال هزله، ولم أذكر في خلال المباحث حديثا من
~~طرقنا خاصة إلا لمرام آخر كالبيان لأصحابنا ما يدل على قولنا من أحاديث
~~أئمتنا (عليه السلام) لتزداد بصيرتهم كما ذهبت حيرتهم لا لاحتج به على
~~الخصم فإنه لا يجوز الاحتجاج على أحد إلا بما يعتقد صحته ويسلم حجيته، وذلك
~~سبيل الانصاف وصراط من جانب الزيغ والاعتساف، (2) وقد بذلت فيه جهدي وأتعبت
~~فيه كدي وجريت فيه إلى غاية مقدرتي، طلبا لمرضاة الله وتقربا به إلى رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) ونصرا لدين الله عز وجل ووسمته إذ سميته
# PageV00P016
# ب (منار الهدى في إثبات النص على الأئمة الاثني عشر النجباء) ورتبته على
~~مقدمة وفصلين مستعينا على تحقيقه وتنميقه برب الثقلين.
# اللهم افتح لي أبواب فضلك وانشر علي من خزائن ms003 علمك، اللهم زدني علما
~~وفهما واشرح لي صدري ويسر لي أمري، وثبت قدمي واعصم من الزلل والخطل قلبي،
~~(1) واجر الحق على لساني إنك ذو الفضل العظيم، بحق نبيك الكريم وآله
~~الأبرار أولي الشرف القديم وبحق من عظمت قدره من خلقك يا رب العالمين.
# PageV00P017
# المبحث الأول في بيان معنى الإمامة في بيان معنى الإمامة، قد عرفها
~~المتكلمون وحدوها: بأنها رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا لشخص إنساني
~~خلافة عن النبي، فخرج بقيد العموم مثل رئاسة القاضي وأمير الحاج وأمير
~~الجيش وأمير بلاد وناحية ورئاسة من جعله الإمام نائبا عنه مطلقا لأنها لا
~~تعم الإمام، وفي الدين والدنيا متعلق تلك الرئاسة، والمراد بالدنيا هنا ما
~~يتعلق بأمر المعاش من إصلاح البلاد وإزالة الفساد وأخذ الحقوق وغير ذلك،
~~وبقيد الشخصية تعدد الإمام في العصر الواحد، فلا يكون مستحق الإمامة في عصر
~~واحد أكثر من إمام واحد إذ لا يجوز في عصر واحد إمامان لاستلزامه التكليف.
~~بالمحال، وبيان ذلك: أن الإمام واجب الطاعة على المكلفين البتة، فلو كانا
~~اثنين في عصر واحد فأمر أحدهما بأمر ونهى الآخر عنه فإنه يجب بحكم الطاعة
~~لهما فعل ذلك المأمور به وتركه في حال واحدة وظاهر أن ذلك محال، وما يستلزم
~~المحال محال، ثم يلزم أما ترك طاعتهما معا فيخرجان عن كونهما واجبي الطاعة
~~وامتثال قول أحدهما دون الآخر وحينئذ إما أن يكون بغير مرجح والترجيح بغير
~~مرجح قبيح عقلا فهو غير جائز، وإما أن يكون لمرجح فكان واجب الطاعة بالمرجح
~~هو الإمام البتة (1)، وخرج الآخر عن كونه إماما وهو المطلوب،
# PageV00P019
# وبعبارة أخرى: لو كان في عصر واحد إمامان واجبا الطاعة فأمر أحدهما بشئ
~~ونهى الآخر عنه فإما أن يجب امتثال أمرهما معا فيجب فعل ذلك الشئ وتركه في
~~حال واحدة وذلك ممتنع لامتناع اجتماع الضدين، أو عدم امتثال أمرهما معا
~~فيكون من هو واجب الطاعة محرمة طاعته في حال واحدة هذا خلف أو ترجيح قول
~~أحدهما بغير مرجح وهو قبيح أو تقديم قول أحدهما لمرجح فيكون هو ms004 الإمام
~~ويخرج الآخر عن الإمامة لعدم وجوب طاعته فلما كان في اجتماع إمامين في عصر
~~واحد لزوم المحال أو خلاف المفروض من طاعة الإمام والترجيح بدون المرجح وجب
~~وحدة الإمام في الزمان الواحد، ولذا ورد عن مولانا أبي عبد الله جعفر بن
~~محمد (عليه السلام) أنه سئل:
# أيكون إمامان في عصر واحد؟ قال: (لا إلا وأحدهما صامت) (1) ومن هذا بطل
~~ما ينقل عن الزيدية من جواز نصب إمامين في عصر واحد كل واحد في ناحية (2)،
~~وهذا لا يرفع التناقض ولا يزيل المحذور إن لم يزده لو فرض صدور أمر كل
~~منهما إلى أهل ناحية الآخر بشئ وصدر من الآخر نهي أهل ناحيته عنه تقدير
~~طاعة أهل الناحيتين لكلا الإمامين واستشراء الفساد بعصيان كل من أهل
~~الناحيتين لإمام الأخرى عند طلبه منهم الطاعة فيحدث القتال ويشيع الجدال،
~~ومن هذا علم بطلان ما قيل: إن غاية الأمر أنه لا بد في كل اجتماع من رئيس
~~مطاع منوط به النظام والانتظام، لكن من أين يلزم عموم رئاسته جميع الناس
~~وشمولهما أمر الدين والدنيا على ما هو المعتبر في الإمام؟ مع أنه أجاب عنه
~~أهل الاختيار: بأنا نعلم أن انتظام أمر الدين والدنيا على جهة العموم على
~~وجه يؤدي إلى الصلاح فيهما مفتقر إلى رياسة عامة لأنه لو تعدد الرؤساء في
~~الأصقاع والبقاع لأدى إلى منازعات ومخاصمات
# PageV00P020
# تؤدي إلى اختلال النظام، ولو كانت الرئاسة مقصودة على الدنيا لفات انتظام
~~أمر الدين الذي هو المقصد الأهم من الإمامة انتهى.
# فإن قيل: نفرض اتفاق الأئمة في الأمر والنهي فيزول المحذور، قلنا: أنتم
~~تجعلون الإمام كواحد من المجتهدين فهذا الفرض غير ممكن الحصول على قولكم
~~لأن اتفاق المجتهدين في جميع أحكام الدين وأمور الدنيا مما لم يقع ولا يقع
~~أبدا على أن التزام هذا الفرض يقتضي الحكم بوحدة الإمام، لأن الآمر والناهي
~~على قولكم واحد والباقين موافقون له في الحالين تابعون لأمره ونهيه فيكون
~~هو الإمام وأولئك أتباعا له فهم من جملة الرعية المطيعين فلا تعدد على ms005 هذا
~~في الإمام إذ لا رئاسة لمن لا يأمر ولا ينهى إلا تبعا لغيره، وبالجملة
~~فالمعتمد هو وجوب وحدة الإمام في العصر واستقلاله بالنهي والأمر وعموم
~~رئاسة على جميع المكلفين.
# وبقيد الإنسان يخرج الملك وغيره فلا يكون الملك إماما قال الله تعالى:
# {ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون} (1) وورد عن أبي
~~جعفر الباقر (عليه السلام): (إن لله لم ينزل ملائكة يجعلهم في الأرض حكاما
~~وإنما جعل ذلك من البشر، قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي
~~إليهم من أهل القرى} (2) وإذ امتنع أن يكون الرسول ملكا امتنع أن يكون
~~الإمام كذلك للأولوية أو للاشتراك في العلة وهي عدم قيام الحجة على
~~المكلفين بإتيان الملك بما هو خارق للعادة لعدم ثبوت كونه معجزا لاحتمال
~~أنه من قدرة الملك لا من فعل الله لتصديقه في دعواه الرسالة لأن قدرة البشر
~~تعجز عن قليل من قدرة الملك فلم يكن في إتيانه بما يعجز عنه البشر معجزة
~~تقوم بها الحجة على صحة رسالته وغير ذلك من العلل ليس هنا
# PageV00P021
# مقام بيانها ومحله مبحث النبوة، وهذا يتمشى على قواعدنا من اشتراط
~~المعجزة في الإمام كالنبي، وعلى قواعد غيرنا للسمع والأولوية، أو لأنه نائب
~~عن النبي فيجب أن يكون من نوعه أو علة أخرى.
# وبقيد الخلافة خرجت النبوة، وفي بعض الحدود نيابة عن النبي والمعنى واحد،
~~ونقل عن بعض الفضلاء أنه عرف الإمامة بأنها رئاسة عامة في أمور الدين
~~والدنيا لشخص إنساني بحق الأصالة، قيل: واحترز به عن نائب يفوض إليه الإمام
~~عموم الولاية فإن رئاسته عامة لكن ليست بالأصالة، وأجيب بأن النائب المذكور
~~لا رئاسة له على إمامه فليست رئاسته بعامة فتخرج بقيد العموم ولا يحتاج في
~~إخراجها من الإمامة إلى ذكر الأصالة، وجعل بعض الأفاضل موضع خلافة عن النبي
~~في الحد لفظ بحق النيابة عن النبي أو بواسطة بشر وكلاهما يؤدي مؤدى لفظ
~~الخلافة عن النبي إلا أن الأول يزيد عليه بالتصريح بإخراج الإمامة
~~بالاختيار من الحد حيث أخذ ms006 حق النيابة قيدا للرئاسة ولا يعلم أن النائب تحق
~~له النيابة عن النبي إلا بنصه عليه، وظني أن هذا التقييد زائد عن مفهوم
~~الإمامة من حيث هي هي، فإن كون الإمامة مشروطة صحتها بالنص أم تصح
~~بالاختيار أمر آخر وراء مفهومها وحقيقتها.
# وأما الثاني: وهو قوله بواسطة أحد من البشر فلا يقتضي أكثر من كون الإمام
~~منصوبا من قبل أحد من البشر وهذا لا ينفي الاختيار في الإمامة فيرجع في
~~نفسه فيها إلى أمر آخر وهو ما سنذكره من الأدلة على بطلان الاختيار، على أن
~~كلا من لفظ الخلافة والنيابة يقتضي النص عندنا لزوما لأن مرادنا من الإمامة
~~الصحيحة ولا تكون كذلك إلا باستخلاف النبي واستنابته ولا يكون ذلك إلا بنصه
~~فيكون بحق في قوله بحق النيابة مستغني عنه لأنه مؤكد لا مؤسس. PageV00P022
# ثم إن الإمامة تجامع النبوة فإن كل نبي إمام، وقد تكون مجردة عن النبوة
~~كإمامة الأئمة في هذه الأمة لختم النبوة بنبينا (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~فلا نبي بعده، والإمامة في النبي من حيث النبوة غير الإمامة من حيث النيابة
~~عن النبي لثبوت الأولى بثبوت النبوة وعدم احتياجها إلى أمر آخر واحتياج
~~الثانية إلى نصب النبي إذ ليس كل نبي نائبا عن الذي قبله وإلا لتعددت
~~النواب لكثرة الأنبياء في الأمم السالفة والمعلوم خلافه، فإن موسى ما كان
~~وصيه إلا يوشع بن نون وداود لم يكن وصيه إلا ابنه سليمان وكذا غيرهما من
~~الأنبياء كل نبي يوصي إلى واحد بعينه فيكون خليفته مع تعدد الأنبياء في تلك
~~الأزمان وإن جميعهم أئمة من حيث النبوة لأن كل نبي إمام وليس كل إمام من
~~حيث النيابة نبيا وإلا لامتنعت الإمامة في نواب نبينا (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) لامتناع النبوة فيهم ولذا احتاج موسى في استخلافه أخاه هارون إلى نصه
~~عليه بقوله: ﴿اخلفني في قومي﴾
~~(1) ولم يكف في نيابته عنه كونه نبيا مرسلا معه، فظهر أن الإمامة من حيث
~~النيابة عن الأنبياء منفكة ms007 عن الإمامة من حيث النبوة وبالعكس، وأن حيثية
~~أحدهما غير حيثية الأخرى واختلاف الحيثيات كاف في اختلاف الحقائق وتغاير
~~المفهومات وإن اجتمعتا في الوجود في شخص واحد كاجتماعهما في هارون وأشباهه
~~من الأنبياء الذين كانوا نوابا عمن كان قبلهم من الأنبياء بنصبهم لهم
~~واستخلافهم إياهم على أممهم في إنفاذ الأحكام وإقامة أمر الدين كشيث وسام
~~وإسماعيل وإسحاق وغيرهم، وبين الإمامتين عموم وخصوص من وجه.
# وأيضا للإمامة مفهومان آخران قال الشيخ أبو علي في مجمع البيان:
# " المستفاد من لفظ الإمام أمران أحدهما أنه المقتدى به في أفعاله
~~وأقواله، والثاني: أنه الذي يقوم بتدبير الأمة وسياستها والقيام بأمورها
# PageV00P023
# وتأديب جناتها وتولية ولاتها وإقامة الحدود على مستحقيها ومحاربة من
~~يكيدها ويعاديها، فعلى الوجه الأول لا يكون نبي من الأنبياء إلا وهو إمام،
~~وعلى الوجه الثاني لا يجب في كل نبي أن يكون إماما إذ يجوز ألا يكون مأمورا
~~بتأديب الجناة ومحاربة العداة والدفاع عن حوزة الدين ومجاهدة الكافرين "
~~انتهى (1)، وأنت خبير بأن الإمامة المذكورة في الحد شاملة للوجهين
~~المذكورين لأنها رئاسة في الدين والدنيا فتخرج النبوة بقيد الخلافة أو
~~النيابة، ثم إن الإمامة على ما هي مذكورة في الحد هي الملك العظيم المذكور
~~في قوله تعالى:
# {فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما} (2) فالكتاب
~~النبوة، والحكمة العلم والملك العظيم الإمامة وهي عبارة عن فرض الطاعة على
~~المكلفين وهو معنى الرئاسة العامة وفي قوله تعالى في شأن داود: {وآتاه الله
~~الملك والحكمة} (3) جمع الله له النبوة والرئاسة العامة كما جمعهما من قبله
~~لموسى (عليه السلام) ومن بعده لابنه سليمان كما جمعا لنبينا (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) واختص نوابه بالثاني لأن النبوة قد ختمت به والرسالة قد كملت
~~برسالته فلا نبي بعده ولا شريعة بعد شريعته، وقد أنكر تقسيم الشيخ أبي علي
~~(رحمه الله) في زماننا هذا من لم يعرف معنى الإمامة وزعم أن النبي لا يلزم
~~أن يكون إماما مطلقا وهو مع ذلك يدعي أنه من العارفين لكنه جاهل جهله ولا ms008
~~عبرة بمثله.
# ثم اعلم أيضا أن للإمام تقسيما آخر وهو إما أن يكون الإمام إماما ليس
~~عليه إمام أو يكون إماما وعليه إمام.
# والأول: يختص باهل الشرائع الست وهم آدم ونوح وإبراهيم وموسى
# PageV00P024
# وعيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله) لأنهم أئمة الأمم وليس على واحد منهم
~~إمام يأتم به.
# والثاني: يشتمل على ما سواهم من الأنبياء والأئمة لرجوع الجميع منهم إلى
~~شرائع الستة المذكورين فقد حصل الاتفاق على انحصار الشرائع المبتدأة
~~والناسخة في تلك الست وأن لا شريعة غيرها، روى الشيخ الجليل ثقة الإسلام
~~أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني بالسند عن ابن أبي يعفور (1) قال سمعت أبا
~~عبد الله (عليه السلام) يقول: (سادة النبيين والمرسلين خمسة وهم أولوا
~~العزم من الرسل وعليهم دارت الوحي نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله
~~عليهم وعلى جميع الأنبياء) (2). وروي بسنده عن درست بن أبي منصور (3) قال:
~~قال أبو عبد الله (عليه السلام): (الأنبياء والمرسلون على أربع طبقات فنبي
~~منبأ في نفسه لا يعدو غيرها، ونبي يرى في النوم ويسمع الصوت ولا يعاينه في
~~اليقظة ولم يبعث إلى أحد وعليه إمام مثلما كان إبراهيم على لوط، ونبي يرى
~~في منامه ويسمع الصوت ويعاين الملك وقد أرسل إلى طائفة قلوا أو كثروا كيونس
~~قال الله تعالى ليونس {وأرسلناه إلى مائة ألف
# PageV00P025
# أو يزيدون} (1) قال يزيدون ثلاثين ألفا وعليه إمام، والذي يرى في نومه
~~ويعاين في اليقظة وهو إمام مثل أولي العزم.. الخبر ((2) والأخبار عن
~~ساداتنا في هذا المعنى كثيرة مودعة في محالها ولا حاجة إلى التطويل بنقلها
~~لوضوح المقام عند أولي الأفهام وغير خفي عليك أن الإمام المبحوث عنه هنا من
~~القسم الثاني لكون إمامته خلافة عن النبي.
# PageV00P026
# المبحث الثاني:
# في نصب الإمام هل هو واجب أم لا؟ وعلى تقدير وجوبه فهل هو واجب على الله
~~أو على المكلفين؟ وهل هو من جهة العقل أو السمع، وقد اختلف الناس في ذلك
~~فذهب الأشاعرة والمعتزلة والزيدية إلى وجوبه على الخلق ثم اختلفوا فقال:
# الأولون سمعا، ms009 وقالت المعتزلة والزيدية: عقلا، وقال الحرورية: إنه غير
~~واجب مطلقا (1) وقال أبو بكر الأصم (2) من المعتزلة أنه يجب مع الخوف وظهور
~~الفتن ولا يجب مع الآمن لعدم الحاجة إليه وقال الفوطي (3) وأتباعه: يجب مع
~~الآمن لإظهار شعائر الشرع ولا يجب عند ظهور الفتن لأن الظلمة ربما لم
# PageV00P027
# يطيعوه وصار سببا لزيادة الفتن (1) وذهب أصحابنا الإمامية إلى أنه واجب
~~على الله عقلا وهو المعتمد وعليه المعول، ولنا في ذلك وجوه:
# الأول: إن كل ما دل على وجوب النبوة من الفوائد التي من جملتها معاضدة
~~النقل فيما يدل عليه العقل، واستفادة الحسن والقبح في الأفعال التي لا
~~يهتدي العقل إلى مواقعها وحفظ النوع الإنساني وتكميل أشخاصه وتعليم الأخلاق
~~الفاضلة والسياسات الكاملة ورفع الاختلاف عنهم في أمر دينهم ودنياهم،
~~وغيرها مما ذكر هناك فهو دال على وجوب الإمامة لأنها خلافة عنها والإمام
~~خليفة النبي في جميع منازله إلا في تلقي الوحي بلا واسطة أحد من البشر فإن
~~ذلك مخصوص بالنبي، ولو لم تجب الإمامة بعد النبوة لزالت فائدة البعثة لأن
~~النبي إذا ارتحل من الدنيا إلى جوار الملك الأعلى ولم يجعل الله له خلفا
~~يقوم بتلك المصالح ويقرر تلك الفوائد ويجمع الأمة عن شتات الكلمة رجع الناس
~~بعد النبي إلى الاختلاف واستعمال الآراء المؤدي إلى الخلط في الدين، وذهاب
~~الألفة وتشتيت الكلمة لاستغناء كل برأيه واتباع كل مريد شئ هواه، فيرجع
~~الأمر من الصلاح إلى الفساد، وتضعف قواعد شريعة النبي لكثرة الاختلاف فيها
~~وتذل تلك الملة لافتراق أهلها وعدم تناصرهم كما نشاهده في هذا الزمان الذي
~~منع الناس فيه أنفسهم اللطف بإخافة الإمام من استيلاء الكفرة اللئام على
~~أهل الإسلام وإبطالهم أحكام شريعة سيد الأنام وقعود المسلمين عن جهادهم
~~لعدم اجتماعهم وتعاونهم وما ذاك إلا لعدم رجوعهم إلى رئيس مطاع مأمون على
~~الدين، ومعلوم على هذا أن فوائد البعثة مع عدم نصب إمام لا تبقى بل تزول
~~وتفنى فوجب على الله في حكمته نصب الإمام لإبقاء فوائد النبوة كما وجب في
~~الحكمة إحداث ms010 النبوة لحصول تلك الفوائد والعقلاء يجزمون بأن ما وجب إحداثه
~~لإدراك مصلحة يجب إبقاؤه
# PageV00P028
# أو إحداث ما يقوم مقامه لاستبقاء تلك المصلحة.
# الثاني: إن الإمام لطف من الله في حق عبادة لأنه يقرب إلى الطاعة ويبعد
~~عن المعصية، وبيانه إلى الناس إذا كان لهم رئيس مطاع يمنعهم من المحظورات
~~ويحثهم على الطاعات كانوا معه إلى الطاعة أقرب ومن المعصية أبعد منهم بدونه
~~وذلك هو الإمام فيكون لطفا واللطف واجب على الله تعالى، والمعتزلة يوافقونا
~~في وجوب اللطف على الله والأشاعرة ينفونه بناء على أصلهم من نفي الحسن
~~والقبح العقليين وقد أبطل أصحابنا هذا الأصل وهدموه بما لا مزيد عليه من
~~القول في مبحث العدل، وليس هذا الموضع محل ذكره فليطلب من موضعه، على أنه
~~يكفي في بطلان قولهم قوله تعالى:
# {ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا
~~فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى} (1) فإنه واضح في وجوب اللطف على الله
~~تعالى، واعترض مخالفونا على هذا الدليل بأن الإمام إنما يكون لطفا إذا خلا
~~عن المفاسد كلها وهو ممنوع، لأن أداء الواجبات وترك الحرام مع عدم الإمام
~~أكثر ثوابا لكونهما أقرب إلى الإخلاص لانتفاء كونهما من خوف الإمام والجواب
~~من وجوه.
# الأول: القدح في العلة فإن أداء الواجب على وجهه وترك الحرام من جميع
~~جهاته لا يحصل بدون الإمام.
# الثاني: منع أكثرية الثواب في أداء الواجب وترك الحرام بدون الإمام لقربه
~~إلى الإخلاص لاحتمال إرادة الرياء أو خوف المسلمين أن يسقطوا منزلته لا
~~سيما إذا كان الشخص من أولي المناصب فليس عدم الإمام بكاف في قرب العمل إلى
~~الإخلاص.
# PageV00P029
# الثالث: إنه لو كان احتمال الخوف من الإمام في أداء الواجب وترك الحرام
~~مفسدة توجب خروجه عن كونه لطفا لكان احتمال الخوف من النبي في إظهار كلمة
~~الإسلام وفعل الواجب وترك الحرام مفسدة توجب خروجه عن كون بعثته لطفا
~~لاشتراك العلة فيهما فيجب ألا يبعث نبي واللازم باطل بالاتفاق فالملزوم
~~مثله، على أن اللطف كما علمت ms011 هو ما يحصل به الحث على الطاعة والردع عن
~~المعصية ولا يبلغ إلى حد الإلجاء فالخوف منه في أداء الواجب وترك الحرام هو
~~نفس كونه لطفا فكيف يكون مخرجا له عن اللطف؟
# فحاصل هذا الاعتراض أن اللطف ليس بلطف ولا خفاء في تناقضه فالاعتراض به
~~باطل من أصله غير محتاج إلى الجواب عنه، والعجب من القوشجي (1) كيف اعترض
~~به على الدليل ثم عقبه بقوله: ولو سلم فإنما يجب لو لم يقم لطف آخر مقامه
~~كالعصمة مثلا لم لا يجوز أن يكون زمان يكون الناس فيه معصومين مستغنين عن
~~الإمام، والجواب أن هذا الفرض معلوم الاستحالة كما نعلم استحالة أن يكون
~~زمان يكون الناس جميعهم في مؤيدين بالوحي السماوي والإلهام الإلهي والعصمة
~~فيكونون مستغنين عن النبي لوجهين:
# الأول: إن النفوس البشرية ليست بجملتها ذوات ذكاء وفطنة بحيث تكون قابلة
~~للهداية بدون واسطة ولا ذوات قوة ونباهة بحيث يشرق عليها نور العرفان
~~فتستغني به في ترك القبيح عن مؤدب كما هو المشاهد في الأمصار والأعصار، بل
~~كثير من النفوس كالحشرات لا تقبل التعليم ولا التأديب كما قال تعالى: [إن
~~هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا] (2) فأين الجميع من
# PageV00P030
# العصمة بل من العدالة!.
# الثاني: ما ورد في الكتاب العزيز من الأخبار عن أكثر الناس بعدم الإيمان
~~تارة وعدم العلم أخرى وعدم الفقه ثالثة وتخصيص الشاكرين بالأقل مطلق غير
~~مقيد بوقت مثل قوله: [ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ولكن أكثرهم لا يعلمون
~~وأكثرهم الفاسقون وقليل من عبادي الشكور وقليل ما هم] (1) إلى غير ذلك من
~~الآيات الموجبة للقطع بامتناع هذا الفرض بل بامتناع حصول العدالة لجميع
~~الناس فيكون ما فرضه غير واقع دائما، ثم لو سلمنا إمكان وقوع الفرض عقلا
~~لرددناه بمقتضى العادة المستمرة المفيدة لليقين، وبيان ذلك أنا إنما نتكلم
~~على ما جرت به العادة الموجبة للقطع بأن ذلك الفرض وهو عصمة جميع الناس لم
~~يحصل فيما مضى من الأزمنة ولا يحصل فيما يأتي لتساوي الأزمان وإشخاص النوع
~~الإنساني وحذو هذه الأمة ms012 حذو من سبقها من الأمم كما أفصح عنه قول النبي
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فيما صح من الأخبار (2)، فكان العلم بامتناع
~~عصمة جميع الناس من جهة العادة جاريا مجرى العلم بامتناع عصمة جميع الناس
~~من جهة العادة جاريا مجرى العلم بامتناع انقلاب أواني الجمادات وصيرورتها
~~جالا كاملين علماء ومشائخ مهذبين فضلاء من جهتها، وإن كان غير ممتنع ذلك في
~~قدرة الله تعالى فعلم أنه لا لطف يقوم مقام الإمام، بل تعين انحصار اللطف
~~فيه، فوجب في حكمة الله نصبه لأن الاخلال بما وجب في الحكمة قبيح لا يصدر
~~من الحكيم، فإن حصل زمان تنخرق فيه العادة ويعصم الناس فيه عن آخرهم حكمنا
~~باستغنائهم عن الإمام من هذا الوجه لا من جميع الوجوه لكن
# PageV00P031
# ذلك لا يحصل أبدا فالحاجة إلى الإمام حاصلة دائما، هذا كله مع أن العلم
~~بالتجاء العقلاء في جميع الأعصار والأمصار إلى نصب الرؤساء في حفظ نظامهم
~~وضبط أحوالهم دال على انتقاء طريق سوى الإمامة وعدم قيام غير الإمام مقامه،
~~وإلا لكانوا يلتجئون إليه ويتمسكون به، ومن هذا يعلم انحصار اللطف عند
~~العقلاء في الإمام فيتعين وجوبه، وعلم من جميع ما ذكرنا امتناع الفرض
~~المذكور عقلا وسمعا وعادة، ومنه يتضح صحة ما قاله رئيس المحققين نصير الدين
~~(1) في التجريد من معلومية انتفاء المفاسد وانحصار اللطف في الإمام للعقلاء
~~(2)، وقول القوشجي إنهما مجرد دعوى فاسدناش؟؟ عن غير تأمل وقال أيضا في
~~الاعتراض على دليلنا: " وأيضا إنما يكون لطفا إذا كان الإمام ظاهرا قاهرا
~~زاجرا عن القبائح قادرا على تنفيذ الأحكام وإعلاء لواء الإسلام، وهذا ليس
~~بلازم عندكم فالإمام الذي ادعيتم وجوبه ليس بلطف والذي هو لطف ليس بواجب "
~~والجواب المعارضة بالأنبياء فإن النبي لطف ولم يشترط في كونه لطفا قدرته
~~على الزجر عن القبائح وقهره على الطاعة ولم تبطل نبوته وإمامته بعصيان
~~العصاة، فإنا نعلم بأخبار الكتاب العزيز أن نوحا. وهودا ولوطا (عليهم
~~السلام) عصاهم قومهم ولم يقدروا على الزجر عن القبائح وإنفاذ الأحكام، وأن
~~إبراهيم خليل الرحمن ms013 ألقاه قومه في النار ليحرقوه، وأن هارون عصاه بنو
~~إسرائيل وعكفوا على عبادة العجل
# PageV00P032
# ولم يستطع كفهم عن ذلك، وموسى طلبه فرعون ليقتله ومن معه ولم يقدر على
~~مدافعة فرعون واضطر إلى عبور البحر، وأن عيسى بن مريم أراد اليهود قتله
~~فرفعه الله، وغيرهم من الأنبياء الذين أوذوا وقتلوا وكلهم لم يكونوا
~~متمكنين مما ذكره من القهر والزجر والقدرة على تنفيذ الأحكام وإعلاء لواء
~~الإسلام (1) إما دائما أو في أكثر الأحوال ومع هذا لم تبطل نبوتهم وإمامتهم
~~في حال من الأحوال ولا كان عدم تمكنهم واقتدارهم على ما ذكره وسطره مخرجا
~~لهم عن كونهم ألطافا ولا مقتضيا للقدح في إمامتهم، وإذا لم يكن عدم القدرة
~~على إنفاذ الأحكام وإعلاء لواء الدين موجبا لخروج النبي عن كونه لطفا من
~~الله في خلقه لم يكن ذلك مبطلا للطفية خليفته لتساويهما في كونهما معا
~~منصوبين من قبل الله تعالى فلا يخرجان عن الإمامة بعصيان الخلق، وقد علمت
~~أن نبينا محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) قد كذبه قومه كأبي جهل وأبي لهب
~~وأبي سفيان وأضرابهم من رؤساء قريش وأرادوا قتله وأخافوا سبيله وجهدوا
~~أنفسهم في ذلك حتى ألجئوه تارة إلى الحصار وأخرى إلى الغار والهجرة عن
~~الوطن إلى الدار (2) ورمته العرب عن قوس واحدة وبذلوا جهدهم في قتله وقتل
~~من معه افترى أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) حين كان غير متمكن من الزجر عن
~~القبائح ولا من إعلاء لواء الإسلام وغير قاهر أولي العصيان ليس بنبي ولا
~~إمام وليس بلطف من الله في الأنام فيكون قد بطلت بذلك نبوته وزالت إمامته
~~ولطفيته؟ ما أراك تقول ذلك ولا ترضى به، بل تقول نبوته (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) لم يبطلها تكذيب المكذبين وإمامته (صلى الله عليه وآله وسلم) لم
~~يفسدها عصيان العاصين، وكونه
# PageV00P033
# لطفا لم يزله عناد المعاندين، وإذا لم تقل بأن عدم التمكن والقهر في
~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قادح في صحة نبوته ولا مبطل لفرض إمامته
~~ولا مخرج له ms014 عن اللطف لزمك القول بأن عدم التمكن مما ذكرته أيضا غير قادح
~~في إمامة وصيه ولا مزيل للطفية خليفته لاتحاد العلة، ثم إنا نعلم أن
~~التكليف لطف لأنه زاجر عن القبيح وحاث على الطاعة، وهو عبارة عن أمر ونهي
~~وأنه لا يخرجه عن اللطفية عدم عمل المكلفين بمقتضاه، وخروجهم من حدوده، ومن
~~ذا يتبين أن عمل أناس بمقتضى اللطف وإجابتهم إياه ليس بشرط في كون اللطف
~~لطفا؟ فعدم حصوله لا يبطل لطفية اللطف فالإمام لا يبطل لطفيته عدم تمكنه من
~~الأمور التي ذكرها المعترض لعصيان الرعية، فما ادعينا وجوبه لطف فيكون
~~واجبا، وهذا الجواب هو الحاصل من كلام جماعة من قدماء أصحابنا كالصدوق (1)
~~وابن قبة (2) في إبطال تلك الشبهة وأجاب أصحابنا المتأخرون كنصير الدين
~~الطوسي وجمال الدين الحلي (رضي الله عنه) (3) عنها بأن وجود الإمام لطف
~~تصرف أو لم يتصرف لقيام حجة الله
# PageV00P034
# على عباده به ولأن المكلف إذا علم بوجود إمام في العالم يجوز ظهوره
~~وتسلطه على الرعية فيعاقب العصاة ويؤدب الجناة كان إلى فعل الطاعة
~~والانزجار عن المعصية أقرب منه إذا علم انتفاء وجوده فيحصل من وجوده اللطف
~~وإن لم يتصرف، وتصرفه الظاهر لطفا آخر لا يفوت الأول بفواته وعدمه إنما جاء
~~من قبل المكلفين وسوء اختيارهم حيث أخافوا الإمام وتركوا نصرته ففوتوا
~~أنفسهم مصلحة تصرفه في إنفاذ الأحكام وإقامة الحدود وأخذ الحقوق وإعزاز
~~الدين وحماية الإسلام والمسلمين حتى ألجئوه إلى الاستتار والغيبة.
# وحاصل هذا الوجه أن الواجب على الله في الحكمة إيجاد الإمام ودلالة
~~العباد عليه وليس يجب على الله تصيير العباد منقادين لحكم الإمام ومطيعين
~~لأمره، بل الواجب في حكمة الله أمرهم بطاعته والواجب عليهم الانقياد له
~~والتسليم لأمره والرضا بحكمه ونصرته على من ناواه، وقد قال تعالى لنبيه:
# [فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيها شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم
~~حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما] (1) والله سبحانه قد فعل ما وجب في حكمته
~~فأوجد الإمام ودل عليه وأمر بطاعته بقوله: [أطيعوا الله وأطيعوا ms015 الرسول
~~وأولي الأمر منكم] (2) والعباد لم يفعلوا ما وجب عليهم من الطاعة للإمام
~~فكان فوات اللطف الظاهر وهو تصرف الإمام منهم ولذا قال بعض المحققين: "
~~التحقيق أن اللطف في أمر الإمامة يتم بأمور منها ما يجب على الله تعالى وهو
~~خلق الإمام وتمكينه من القدرة والعلم والنص عليه باسمه ونسبه وهذا قد فعله
~~الله تعالى، ومنها ما يجب على الإمام وهو تحمله الإمامة
# PageV00P035
# وقبوله لها وهذا قد فعله الإمام، ومنها ما يجب على الرعية وهو المساعدة
~~والنصرة له وقبول أوامره وامتثال قوله وهذا لم يفعله الرعية، فكان اللطف
~~الكامل منهم لا من الله تعالى ولا من الإمام " انتهى فتبين أن وجود الإمام
~~لطف على الاستقلال غير متوقف على التصرف فبطل بذلك ما قال القوشجي: " بأنا
~~لا نسلم أن وجوده بدون التصرف لطف " لأنا قد بينا أن مسارعة العبد إلى
~~الطاعة وانزجاره عن القبيح بسبب علمه بوجوده وإمكان تصرفه أقرب منه إذا علم
~~عدمه لأنه إذا اعتقد وجوده كان دائما يخاف ظهوره ويترقب تصرفه فيمتنع من
~~القبائح، وذلك هو اللطف.
# وأما قوله: " بأن مجرد الحكم بخلقه وإيجاده في وقت ما كاف في هذا المعنى
~~فإن ساكن القرية إذا انزجر عن القبيح خوفا من حاكم من قبل السلطان مختف في
~~القرية لا أثر له كذلك ينزجر خوفا من حاكم علم أن السلطان يرسله إليها متى
~~شاء " ففاسد لأن محصله أن علم المكلف بقدرة الله تعالى على إيجاد إمام في
~~وقت من الأوقات وتمكينه من التصرف قائم مقام وجوده في حصول الخوف للمكلف
~~فيحصل به اللطف ولا يحتاج في ذلك إلى كون الإمام موجودا، وفساده من وجوه.
# الأول: إن ما فرضه خوف من المعدوم ولا خفاء أن الخوف من المعدوم غير حاصل
~~للعقلاء بخلاف الخوف من الموجود المترقب ظهوره فإن الخوف منه حاصل فكان
~~لطفا دون الأول، فقوله بعد: " وليس هذا خوفا من المعدوم بل موجود مترقب "
~~عدول عما فرضه ومغالطة في القول فإن الفرض أنه ليس بموجود لكن يمكن وجوده
~~وأما إذا ms016 كان موجودا كان هو عين ما فرضناه لا ما فرضه.
# الثاني: إن المكلف لو علم أن في القرية حاكما مختفيا من جهة السلطان
~~سيظهر ويعاقب على فعل القبيح يكون دائما خائفا من اطلاعه عليه إذا فعل
~~PageV00P036
# قبيحا لعلمه بوجوده وعدم معرفته بعينه وتصوره أن إنكاره فعل القبيح لا
~~ينفعه إذا ظهر ذلك الحاكم لاطلاعه عليه بخلاف ما إذا علم خلو القرية منه
~~ولم يبق إلا علمه بإمكان وجوده فيما بعد فإنه لا يرتدع عن القبيح لذلك
~~لتمكنه من الانكار عند وجود ذلك الحاكم وهذا ظاهر عند العقلاء فاللطف يحصل
~~بما فرضناه دون ما فرضه للفرق الظاهر بين الحالين.
# الثالث: إن ما ذكره لا يتمشى على قواعدهم لأن نصب الإمام عندهم ليس من
~~الله بل من المكلفين فلا إمام على قولهم يترقب نصبه من الله فلا لطف حاصل
~~بالمرة، وقد علم من هذا أن اللطف منحصر في وجود الإمام وأن العلم بإمكان
~~إيجاده لا يقوم مقام وجوده فثبت أن وجوده لطف فهو واجب في حكمة الله ووضح
~~سلامة الدليل من الخدش فيه، كل هذا مع ما في كلامه من التدافع فإنه فيما مر
~~عليك من قوله أبطل لطفية الإمام بخوف المكلف منه في أداء الطاعة فمقتضى
~~كلامه هناك أن الإمام لا يكون لطفا إذا كان متمكنا من ردع العاصين ومعاقبة
~~الجانين فيكون لطفية مشروطة بعدم تصرفه ثم هو هنا يقول أن الإمام لا يكون
~~لطفا إلا إذا كان متصرفا قاهرا زاجرا عن القبيح، فما جعله هنا شرطا في كون
~~الإمام لطفا جعل ضده هناك شرطا في ذلك، وهذا تناقض واضح فيكفي في بطلان
~~قوليه تضادهما وتنافيهما.
# الثالث (1): من أدلتنا أنه لا شك أن الله تعالى أنظر لخلقه منهم لأنفسهم
~~وارأف بهم وأرحم بهم منهم على أنفسهم، وليس من نظر الله لهم ورأفته عليهم
~~ورحمته بهم أن يتركهم هملا ويهملهم سدى كالغنم لا راعي لها بل مقتضى الرحمة
~~والرأفة بهم يوجب في حكمة الله أن ينصب لهم من يقيم أودهم (2) ويجمع كلمتهم ms017
~~ويهتدون إلى سبيل النجاة بضياء علمه وينزجرون
# PageV00P037
# عن القبيح بنافذ حكمة ويقتدون في أمر دينهم ودنياهم بقوله وفعله وذلك هو
~~الإمام، فنصب الإمام واجب في الحكمة بمقتضى نظر الله لخلقه ورأفته بهم وهو
~~المطلوب، وهذا الوجه لبعض متكلمينا من أصحاب أبي عبد الله الصادق (عليه
~~السلام) (1) ولا قدح باحتمال قيام إيجاب الله على العباد نصب الإمام لحصول
~~الفوائد المذكورة مقام نصبه لهم إماما في حصول الرأفة بهم لأن ذلك مناف
~~للرأفة للعلم بأن تفويض الأمر إلى الخلق مما يوجب لهم الاختلاف والنزاع
~~المؤدي إلى الفساد واختلال النظام لاختلاف الآراء وميل الأهواء فيميل كل
~~قوم إلى شخص غير الذي اختاره غيرهم فيقع الخصام ويشيع الجدال فيما بينهم
~~فلا يتم الغرض المطلوب بل تصير الرحمة بذلك نقمة وهو خلاف المراد.
# احتج القائلون بوجوب نصب الإمام على العباد عقلا بأن في نصب الرئيس دفعا
~~للضرر عن أنفس الخلق ودفع الضرر واجب عقلا أما الأولى فظاهرة لأن الخلق إذا
~~لم يكن لهم رئيس يحسم مادة النزاع فيما بينهم ويأخذ للضعيف من القوي انتشر
~~أمرهم وفشا الفساد فيهم، وأما الكبرى فمعلومة والجواب أنه لا نزاع في كون
~~الإمامة دافعة للضرر وكون دفع الضرر واجبا إنما النزاع في تفويض الأمر إلى
~~اختيار الخلق فإنا لا نسلم كون الإمامة على هذا الوجه دافعة للضرر لاختلاف
~~الخلق في تعيين الإمام فيؤدي إلى الضرر المطلوب زواله كما قدمناه فالواجب
~~جعل ذلك إلى الله تعالى على أن الاختيار في الإمامة سنبطله إن شاء الله
~~تعالى في محل الكلام عليه بأدلة واضحة.
# واحتج القوشجي للأشاعرة بوجوه قال:
# الأول: وهو العمدة إجماع الصحابة حتى جعلوا ذلك أهم الواجبات
# PageV00P038
# واشتغلوا به عن دفن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وكذا عقيب موت كل
~~إمام، روي أنه لما توفي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خطب أبو بكر فقال:
~~" يا أيها الناس من كان يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد رب
~~محمد فإنه حي لا يموت، لا بد لهذا الأمر ممن ms018 يقوم به فانظروا وهاتوا آراءكم
~~رحمكم الله ".
# وهذه الحجة فاسدة من وجوه.
# الأول: إن دعوى الإجماع من الصحابة على المبادرة إلى تعيين الإمام ونصبه
~~خطأ فاحش فقد صح في روايات قومه وأهل مذهبه أن الذين بادروا إلى ذلك
~~الأنصار وثلاثة من المهاجرين أبو بكر وعمر وأبو عبيدة ومضوا ينازعون
~~الأنصار في سقيفة بني ساعدة حتى غلبوا عليهم وجميع المهاجرين غيرهم لم
~~يحضروا ذلك الأمر ولا بادروا إليه وهم وجوه الصحابة وأعلم الصحابة علي
~~(عليه السلام) وهو وجميع بني هاشم وأشياعهم يشتغلون بجهاز النبي (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) ودفنه عن ذلك الأمر، فأين إجماع الصحابة على المبادرة إلى
~~نصب الإمام واشتغال جميعهم به عن دفن الرسول كما ادعاه؟ فلو كان نصب الإمام
~~على الرعية واجبا لكان أحق الناس بالمبادرة إليه علي بن أبي طالب وشيعته
~~مثل عمه العباس، وسلمان وأبي ذر والمقداد وأضرابهم، ولو كان مبادرة الثلاثة
~~والأنصار إلى المنازعة في الخلافة حقا لما تأخر علي (عليه السلام) وشيعته
~~لأنه مع الحق والحق معه ولما قعد عنه أكابر الصحابة عندهم كعبد الرحمن بن
~~عوف وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وعثمان بن عفان
~~وأشباههم فلا إجماع منهم على ما ذكره المحتج.
# الثاني: إن الذين بادروا إلى عقد الإمامة من الصحابة الذين ذكرناهم لم
~~يكن غرضهم ما ذكره من تعيين الإمام لكونه واجبا وإنما كان غرضهم أمرا
~~PageV00P039
# دنيويا، أما الأنصار فسارعوا إلى ذلك خوفا من أن تلي الخلافة قريش
~~فيأخذوا منهم ثار من قتله الأنصار من رجال قريش في حروب النبي (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) وأما الثلاثة المذكورين فبادروا إلى ذلك خوفا من خروج
~~الأمر من أيديهم وولاية الأنصار عليهم، ولم يكن أحد الفريقين طلب بما أراد
~~أمرا دينيا ولا وجها شرعيا كما ادعاه في الحجة، وقد روى ما ذكرناه جميع من
~~روى أخبار الصحابة كأبي بكر الجوهري (1) ومحمد بن جرير الطبري (2) ويحيى بن
~~جابر البلاذري (3) وغيرهم من رجال العامة وثقاة محدثيهم وها نحن نذكر ms019 بعض
~~ما رواه مما يصرح بما قلناه وينطق بما إليهم نسبناه، قال أبو بكر الجوهري:
~~أخبرنا أحمد بن إسحاق بن صالح، قال: حدثنا عبد الله بن عمر عن حماد بن زيد
~~عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد قال: لما توفي النبي (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة فأتاهم أبو بكر وعمر وأبو
~~عبيدة فقال الحباب بن المنذر: منا أمير ومنكم أمير والله ما ننفس هذا الأمر
~~عليكم أيها الرهط ولكنا نخاف أن يليه بعدكم من
# PageV00P040
# قتلنا أبناءهم وآباءهم وإخوانهم فقال عمر بن الخطاب: إذا كان ذلك قمت إن
~~استطعت، فتكلم أبو بكر فقال: نحن الأمراء وأنتم الوزراء والأمر بيننا نصفان
~~كشق الأبلمة (1) فبويع (2).
# وروى الطبري في التاريخ حديثا طويلا فيه ذكر السقيفة وذكر الفلتة من كلام
~~عمر وفيه حكاية عمر قول أبي بكر للأنصار: يا معشر الأنصار إنكم لا تذكرون
~~فضلا إلا وأنتم له أهل، وإن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لقريش أوسط العرب
~~دارا ونسبا وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين يعني عمر وأبا عبيدة - إلى أن
~~قال -: فلما قضى أبو بكر كلامه قام رجل من الأنصار فقال:
# " أنا جذيلها المحكك: وعذيقها المرجب (3) منا أمير ومنكم أمير " وارتفعت
~~الأصوات واللغط فلما خفت الاختلاف قلت لأبي بكر: أبسط يدك أبايعك فبسط يده
~~فبايعته وبايعه الناس ثم نزونا على سعد بن عبادة فقال قائلهم قتلتم سعدا
~~فقلت: اقتلوه قتله الله إلى أن قال: خشيت إن فارقت القوم ولم يكن بيعة أن
~~يحدثوا بعدنا بيعة فإما أن نبايعهم على ما لا نرضى أو نخالفهم فيلوث فيكون
~~فسادا (4) وفي رواية أبي بكر الجوهري من حديث أحمد بن إسحاق عن أحمد بن
~~سيار عن سعيد بن كثير الأنصاري بعد كلام أبي بكر للأنصار فقال الأنصار: ما
~~نحسدكم على خير ساقه الله إليكم، ولا أحد
# PageV00P041
# أحب إلينا ولا أرضى عندنا منكم، ولكنا نشفق فيما بعد هذا اليوم ونحذر أن
~~يغلب على هذا الأمر من ليس منا ولا ms020 منكم (1) إلى آخر ما ذكر، فهذه الأخبار
~~وغيرها من أحاديثهم ناصة على أن غرض المسارعين إلى عقد الإمامة ليس ما ذكره
~~المحتج من أداء الواجب الذي هو تعيين الإمام، وإنما كان غرضهم ما ذكرناه
~~عنهم من الأمور الدنيوية، وتنطق بأن الثلاثة الذين حضروا مع الأنصار من
~~المهاجرين كان مطلبهم ألا يلي الأمر غيرهم وليسوا قاصدين أمرا وراء هذا من
~~الأمور الراجعة إلى الدين فقط كما قال، وأيضا لو كان غرض من سارع إلى عقد
~~الإمامة أمرا دينيا لم يكن لإعراضهم عن المجلس الذي اجتمع فيه الناس لتجهيز
~~الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وجه إذ جلوسهم في ذلك المجلس لم يكن
~~مانعا لهم من إجالة الرأي وإدارة المشورة فيما بينهم في تعيين الإمام وعقد
~~البيعة له هناك على برد ورضا فتركهم ذلك المجلس ومخاصمتهم في السقيفة وما
~~جرى لهم من النزاع فيها المؤدي إلى قول عمر: اقتلوا سعدا قتله الله وقول
~~الحباب بن المنذر: إن شئتم لنعيدنها جذعة (2) وقوله: والله لا يرد على أحد
~~ما أقول إلا حطمت أنفه وغير ذلك من الأقوال الغليظة المذكورة في الأحاديث
~~التي نقلنا منها ما تقدم وغيرها دليل على أن القوم قصد كل منهم المغالبة
~~والاستبداد بالأمر وأنهم سارعوا إليه قبل أن يعقد لغيرهم فيفوتهم ما طلبوا
~~من الرئاسة لأداء ما وجب عليهم من تعيين من يصلح للإمامة وكل هذا ظاهر لمن
~~نظر في الأخبار نظر متأمل، فإذا كان أغراض القوم هي ما عرفت من المطالب
~~النفسية والشهوات الدنيوية كيف يكون فعلهم أصلا يبني عليه القواعد الشرعية،
~~وحجة يعتمد عليها في الأصول الدينية؟ هذا بعيد من التحقيق وناء عن نظر أهل
~~النظر بواد سحيق.
# PageV00P042
# الثالث: إن الكلام الذي ذكره من قول أبي بكر وجواب الصحابة له على الوجه
~~المذكور مما لا أصل له ولا ورد في شئ من أخبارهم على هذا النهج (1) بل
~~أخبارهم ناطقة بأن بيعة أبي بكر لم تكن عن مشاورة ومناظرة وإنما كانت
~~مغالبة ووقعت فلتة وإجماع الناس على ذلك وما ms021 تقدم من الأخبار شاهد به
~~ويكفيك من ذلك قول عمر على صهوة المنبر: إن بيعة أبي بكر فلتة (2) وغيرها
~~من الأخبار روى الجوهري في خبر سعيد بن كثير قال: لما قبض النبي (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة، ثم ذكر كلام سعد وما
~~ردوا عليه من الإجابة إلى توليته وما ترادوه بينهم من الكلام إلى أن قال:
~~فأتى الخبر عمر فأتى منزل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فوجد أبا
~~بكر في الدار وعليا في جهاز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) وكان الذي
~~أتاه معن بن عدي (3) فأخذ بيد عمر وقال: قم فقال عمر أني عنك مشغول فقال
~~إنه لا بد من قيام فقام معه فقال له: إن هذا الحي من الأنصار قد اجتمعوا في
~~سقيفة بني ساعدة معهم سعد بن عبادة يدورون حوله أنت المرجى ونجلك المرجى
~~وثم أناس من أشرافهم وقد خشيت الفتنة فانظر يا عمر ماذا ترى واذكر لأخوتك
~~واحتالوا لأنفسكم فأتى انظر إلى باب فتنة قد فتح الساعة إلا أن يغلقه الله،
~~ففزع عمر أشد الفزع حتى أتى أبا بكر
# PageV00P043
# مع عمر فحدثه الحديث ففزع أبو بكر أشد الفزع وخرجا مسرعين إلى سقيفة بني
~~ساعدة، وساق الكلام الواقع في السقيفة من خصام أبي بكر وصاحبيه للأنصار
~~(1).
# وقال أبو بكر الجوهري: سمعت أبا زيد عمر بن شبة يحدث رجلا بحديث لم أحفظ
~~إسناده قال: مر المغيرة بن شعبة بابي بكر وعمر وهما جالسان على باب النبي
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) حين قبض فقال ما يقعد كما قالا: ننتظر هذا الرجل
~~يخرج فنبايعه يعنيان عليا (عليه السلام) فقال أتريدون أن تنتظروا خيل
~~الحلبة (2) من هذا البيت وسعوها في قريش تتسع (3) قال فقاما إلى سقيفة بني
~~ساعدة أو كلاما هذا معناه وغير ذلك من أخبارهم المصرحة بخلاف ما ذكره هذا
~~المحتج والناطقة بمغايرته، على أن جميع أصحاب السيرة رووا كلام أبي بكر بعد
~~قول عمر: إن رسول الله لم يمت ms022 ولا يموت حتى يظهره الله على دينه قالوا
~~جميعا: فجاء أبو بكر وكشف عن وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~وقال: بأبي وأمي طبت حيا وميتا والله لا يذيقك الله الموتتين ثم جزع والناس
~~حول عمر وهو يقول لهم: إنه لم يمت ويحلف فقال: أيها الحالف على رسلك ثم
~~قال: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا
~~يموت قال الله تعالى: [إنك ميت وإنهم ميتون] (4) وقال:
# [أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم] (5) هذا كلامه الذي نقله جميع
# PageV00P044
# أهل السيرة من أوليائه (1) وليس فيه مما ذكره القوشجي من طلب أبي بكر من
~~الصحابة تعيين الإمام وإجابتهم له بما ذكره هناك حرف واحد وما ذكرناه دليل
~~واضح على أن القول المذكور لم يقع وأنه شئ افتعله القوشجي من نفسه أو غيره
~~من متكلميهم ليصلحوا به أمرهم، ويقووا به مذهبهم، فلا حجة فيما ذكر إذ لم
~~يرد به خبر، ولا وجد له في كتب الأخبار أثر، والكذب لا تقوم به الحجة
~~الشرعية عند أولي الألباب، ومما بيناه استبان أنه لا استشارة ولا جواب فضلا
~~عن أن يكون وقع اتفاق من الصحابة على تعيين الإمام، وحصول الإجماع.
# الرابع: إن خبره لو صح لكان مناقضا لغرضه ومعاندا لمطلبه لأن فيه بعد
~~كلام أبي بكر وطلبه من القوم تعيين الإمام قالوا: صدقت لكنا ننظر في هذا
~~الأمر، وهذا القول دال على التأني والمهلة لا على المسارعة والعجلة كما لا
~~يخفى على من له اطلاع وممارسة بكلام العرب ومحاوراتهم، فما احتج به الرجل
~~على مراده مخالف له فلا يصح له الاحتجاج به لو صح وروده فكيف ودون ذلك
~~أهوال؟ ومما ذكرنا من الوجوه يعلم يقينا اجتثاث أصل هذا الدليل وانقلاع
~~أساسه وانطماس رسومه واعتفاء أثره مع أنه العمدة عندهم فزال عمادهم وبطل
~~إليه استنادهم.
# الثاني: (2) من أدلته أن الشارع أمر بإقامة الحدود، وسد الثغور، وتجهيز
~~الجيوش، للجهاد وكثير من الأمور المتعلقة بحفظ النظام وحماية بيضة ms023 الإسلام
~~مما لا يتم إلا بالإمام وما لم يتم الواجب المطلق إلا به وكان مقدورا فهو
~~واجب على ما مر.
# الجواب من وجهين (3).
# PageV00P045
# الأول: منع توجه الخطاب بذلك لعامة المكلفين ابتداء بل الخطاب متوجه به
~~كذلك إلى الأئمة والمكلفون مأمورون بطاعتهم ومعاونتهم عليه ومنهيون عن
~~التخلف عن أمرهم فالخطاب به توجه إليهم بواسطة وجوب مؤازرة الأئمة عليهم في
~~ذلك كله فهو خطاب ثانوي وقوله تعالى: [فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك
~~وحرض المؤمنين على القتال] (1). وقوله تعالى: [يا أيها النبي جاهد الكفار
~~والمنافقين واغلظ عليهم] (2) وقوله تعالى: [ما كان لأهل المدينة ومن حولهم
~~من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه] (3) وقوله
~~تعالى: [فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم]
~~(4). وغيرها من الآيات الجارية هذا المجرى وقول النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) فيما استفاض: (لي عليكم أن لا تأمروني ولا أن تنهوني وإنما عليكم أن
~~تسمعوا وتطيعوا) شواهد صدق على ما قلناه، إذا الإمام في ذلك كله كالنبي
~~لأنه خليفته فليس على المكلفين تعيين من يتوجه له الخطاب من الشارع بذلك
~~كما أنه ليس عليهم أن يعينوا شارعا يتوجه له الأمر من الله به، بل على
~~الشارع تعيين شخص لذلك كما كان على الله تعالى أن يبعث شارعا بما يريد من
~~الشرع واستقلال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته بتأمير الأمراء
~~دليل على أن تعيين الأمير العام من بعده له وعليه لا للرعية ولا عليهم وإلا
~~لفوض لهم ذلك في حياته فتبين أن عامة الناس ليسوا بمأمورين بتلك الأمور
~~المذكورة على الإطلاق وبذلك بطل الدليل.
# الثاني: إن التكليف بذي المقدمة بواسطة التكليف بذيها مشروط بقدرة
# PageV00P046
# المكلف عليهما كما ذكره في دليله وأما إذا لم يكن المكلف قادرا عليها
~~كالوقت للصلاة والاستطاعة للحج والنصاب للزكاة لم يكلف بها ولا بذيها، بل
~~يكلف به إذا حصلت وتحصيل الإمام غير مقدور للمكلفين من جهتين.
# الأولى: إنه يشترط في الإمام ms024 المنصوب أن يكون مرضيا عند الله للإمامة
~~ومعرفة المرضي عند الله لذلك من دون نص عليه متعذرة على سائر المكلفين لعدم
~~اطلاعهم على الغيب وانقطاع الوحي بموت النبي وعدم المؤيد على قول المستدل
~~بالهام من الله وتفهيم وكون الظن لا يغني من الحق شيئا ولأن الظاهر قد
~~يخالفه الباطن فربما يختار المكلفون من يؤدي نصبه إلى الفساد المطلوب
~~إزالته من نصب الإمام وهم يظنون أنه صالح فلا يكون لله رضا وحيث كان معرفة
~~من يصلح للإمامة عند الله ويكون نصبه لله رضا غير مقدور للرعية لم يجز أن
~~يكونوا مأمورين به فبطل الدليل، اللهم إلا أن يقولوا إن الإمام لا يلزم أن
~~يكون مرضيا عند الله ولا موسوما بالصلاح للإمامة لديه فحينئذ نجيبهم ونقول:
~~فما الفرق بين هذا الإمام وبين الملوك المتغلبين على العباد بالقهر والجبر،
~~وأي فائدة في نصب هذا الإمام للدين، وأي مصلحة في حكومته للمسلمين، وكيف
~~يجوز طاعة من لم يكن مرضيا عند الله للأمر والنهي؟ على أنه لا يتم به
~~الواجب المطلق لعدم قيامه بجميع الوظائف الشرعية ولسنا نتكلم في مثل هذا
~~ولا موضع للقول فيه ولا اعتناء لنا بشأنه ولا حاجة لنا في ذكره إلا بما
~~يذكر أمثاله كنمرود وفرعون.
# الثانية: إن الإمام المرضي عند جميع المسلمين يستحيل أن يكون واحدا بعينه
~~باتفاق لاختلاف الآراء وتشعب الأهواء وميل كل فرقة إلى اختيار شخص لا سيما
~~عند كثرة المسلمين وانتشارهم في البلاد وقبح الجبر فيما سبيله الاختيار
~~وعدم جواز ترجيح اختيار البعض على البعض الآخر لفقد المرجح فأين قدرة
~~المكلفين على تعيين واحد بعينه وما يختاره قوم يأباه قوم آخرون؟
# وحديث أبي بكر مع الأنصار في السقيفة وما جرى بينه وأصحابه وبين علي
~~PageV00P047
# (عليه السلام) والزبير ومن معهما وحديث غضب طلحة وتابعيه لنص أبي بكر على
~~عمر وعدم رضا علي (عليه السلام) والزبير ومن معهما أو حديث غضب طلحة
~~وتابعيه لنص أبي بكر على عمر وعدم رضا علي (عليه السلام) وجملة من الصحابة
~~كعمار والمقداد وأمثالهما ms025 ببيعة عثمان وعدم انقياد جماعة كثيرة لعلي (ع)
~~ظنا منهم أن إمامته ببيعة من بايعه كالأولين دليل واضح وبرهان لائح على أنه
~~لم يل الخلافة من رضي به جميع أهل الحل والعقد من المسلمين ولا أمكن لأحد
~~تحصيل رضاهم بإمامته فكيف يكلفون بما لا يمكن حصوله أو يكلف أحدهم بما لا
~~يمكن له تحصيله وهو رضا غيره باختياره فيقال له صير غيرك راضيا بما تختار
~~ثم يكلف ذلك الغير بتصيير الأول راضيا بما يختار والأمران متقابلان
~~والتكليفان متعاندان ولا يحصل بالقطع واليقين إلا بالإكراه وتحكيم حد
~~الحسام وأعمال ماض السنان في الرؤس والأجسام، وأين هذا من الرضا المطلوب
~~والاختيار المقصود؟ فبان أن نصب الإمام على وجه لا يستلزم شيئا من المفاسد
~~غير مقدور للأنام فبطل تكليفهم به المدعى.
# الثالث: من أدلتهم أن في نصب الإمام الاستجلاب منافع لا تحصى واستدفاع
~~مضار لا تخفى وكل ما هو كذلك فهو واجب أما الصغرى فتكاد أن تكون من
~~الضروريات بل من المشاهدات وتعد من العيان الذي لا يحتاج إلى البيان وذلك
~~لأن الاجتماع المؤدي إلى صلاح المعاش والمعاد لا يتم بدون سلطان قاهر يدرأ
~~المفاسد ويحفظ المصالح ويمنع ما تتسارع إليه الطباع وتتنازع إليه الأطماع،
~~وكفاك شاهدا ما يشاهد من استيلاء الفتن والابتلاء بالمحن بمجرد هلاك من
~~يقوم بحماية الحوزة ورعاية البيضة وإن لم يكن على ما ينبغي من الصلاح
~~والسداد ولم يخل عن شائبة شر وفساد، ولهذا لا ينتظم أمر أدنى اجتماع كرفقة
~~طريق بدون رئيس لا يصدرون إلا عن رأيه ومقتضى أمره ونهيه، بل ربما يجري مثل
~~هذا فيما بين الحيوانات العجم كالنحل لهم عظيم يقوم مقام الرئيس ينتظم به
~~أمرها ما دام فيها وإذا هلك انتشرت الأفراد PageV00P048
# انتشار الجراد وشاع فيما بينهم الهلاك والفساد، وأما الكبرى فبالإجماع.
# والجواب أما المنافع الكثيرة في نصب الإمام فأمر معلوم وكذلك أن حفظ
~~النظام منوط به وبدونه يختل أمر الدين وليس هذا محل النزاع، وأما دعوى
~~تفويض الله نصبه إلى الأمة الذي هو موضع ms026 النزاع فغير مسلمة على أنها هي
~~مطلوبهم والدليل غير ناهض بها ولا واف بإثباتها وإنما غايته الدلالة على
~~وجوب نصب إمام يحصل به النفع ويدفع به الضرر، وعلى هذا يكون لطفا فيكون
~~واجبا على الله تعالى: ولم تكن فيه دلالة على جعل ذلك للعباد، وهذا المعنى
~~هو المتنازع فيه وأيضا دل الدليل على وجوب نصب الإمام لاستجلاب المنافع
~~ودفع المضار والمفاسد، وفي تفويضه إلى المكلفين عكس ذلك المراد ونقيض الوجه
~~المطلوب لما ذكرنا سابقا من اختلاف الآراء في الاختيار وميل كل طائفة من
~~الناس إلى شخص بعينه غير من مالت إليه الطائفة الأخرى فيقع بين العباد
~~الجدال والخصام ويختل به النظام المطلوب التئامه من نصب الإمام وميل كل من
~~الناس إلى هواه وأخذ كل منهم برأيه ومشتهاه، لا سيما إذا كان له الخيرة في
~~ذلك وهذا أمر مشاهد بالعيان المستغني عن البيان وحصول الفساد بذلك أمر
~~معلوم باللزوم وتسليم الخصوم وقد منعوا به من نصب إمامين في زمان واحد، ومن
~~المعلوم لدى كل فاهم أن الاختلاف والفتنة اللذين نشأ منهما الفساد في هذه
~~الأمة فسفكت الدماء وعطلت الحدود وغيرت الأحكام واختل نظام دين الإسلام
~~إنما كانا من جعلهم نصب الإمام إلى الخلق واختلافهم في الاختيار (1) فتبين
~~أن في جعل تعيين الإمام إلى الرعية لزوم مفسدة تزول بها المصلحة التي وجب
~~لأجلها نصب الإمام وذلك غير جائز على الحكيم، فالواجب لدفع المفسدة التي لا
~~تحصل المصلحة إلا به أن يكون الإمام منصوبا من قبل من لا يجوز لأحد من
~~الرعية مخالفته ولا
# PageV00P049
# تسوغ لأحد من الناس معصيته ليكون ذلك حاسما للنزاع وقاطعا لطريق ذوي
~~الأطماع، وليس كذلك إلا من هو منصوب من الله تعالى، فنصب الإمام لذلك يكون
~~واجبا عليه فالدليل إن لم يكن لنا لم يكن علينا.
# وأما ما ذهب إليه الخوارج وما قال به أبو بكر الأصم وما ذهب إليه الفوطي
~~وأتباعه (1) فهو مع كونه فاسدا بما دل من الأدلة على وجوب الإمام مطلقا
~~مبني على جعل تعيين الإمام ms027 موكولا إلى العباد وقد أقمنا البرهان على بطلانه
~~وزيفنا أدلته وهدمنا رفيع بنيانه، وإذا بطل الأصل تبعه في البطلان فرعه لا
~~سيما وحجة الخوارج موجبة لبطلان الاختيار حيث قالوا: " إن في نصب الإمام
~~إثارة للفتن لأن الآراء مختلفة والأهواء متباينة فيميل كل حزب إلى أحد
~~فتهيج الفتن وتقوم الحروب وما هذا شأنه لا يجب بل كان ينبغي أن لا يجوز إلا
~~أن احتمال الاتفاق على الواحد أو تعينه وتقرره باستجماع الشرائط وترجيحه من
~~بعض الجهات منع الامتناع وأوجب الجواز " وأنت خبير بأن ما احتملوه غير حاصل
~~ولا حصل فيما مضى فلم يبق إلا أن يكون نصب الإمام محرما وهو فاسد باتفاق
~~المسلمين وواجبا على الله دون الرعية لإزالة الخوف مما ذكروه من هيجان
~~الفتن وقيام الحروب وهو المطلوب وحجة أبي بكر الأصم مبنية أيضا على أن
~~مصلحة نصب الإمام مقصورة على إزالة الخوف وتأمين سبل المسلمين وليس بصحيح
~~فإن للإمام مصالح كثيرة غير ذلك قد مر ذكرها وسيأتي وحجة الفوطي منقوضة بأن
~~من جملة المصالح التي لأجلها نصب الإمام إزالة البدع وإذهاب الفتن وإماطة
~~الاختلاف وردع أهل المعاصي عنها فلا يكون وجودها مانعا من وجوب نصبه والأمر
~~في ذلك ظاهر.
# (فائدة جليلة) هي فرع ما أصلناه ونتيجة ما أبرمناه، إعلم أرشدنا الله
~~وإياك إلى الحق
# PageV00P050
# أن أصحابنا الإمامية وبعض فرق الشيعة قالوا إنه لا يجوز خلو زمان التكليف
~~من إمام معصوم تقوم به الحجة لله على خلقه وتزاح به علتهم، وتجتمع به
~~كلمتهم، وتحصل به ألفتهم، ويدلهم على مراشدهم ويهديهم إلى سبيل نجاتهم،
~~ويبين لهم ما اختلفوا فيه من أمر دينهم وينتظم به أمر دنياهم، وتنجح به
~~مطالبهم ومصالحهم في معاشهم ومعادهم، ويزول به الشك ويتضح به الحق وترتفع
~~به الحيرة ويقمع به الباطل ويقام به الأود ويثقف به العوج، ويستبين بنوره
~~طريق الهدى ويستضيئون بضياء علمه في حنادس الجهل وغياهب الظلماء، ولا يشترط
~~تمكنه ولا على الله تمكينه من إقامة عمود الدين وإعزاز دولة الإسلام بنفسه،
~~بل يجب عليه ms028 القيام بذلك مع وجود المعين والناصر وبذل الطاعة ممن يحصل به
~~النصرة والانتصار على الأعداء، وخالفنا في ذلك مخالفونا القائلون بأن نصب
~~الإمام من قبل الرعية من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم، فجوزوا خلو العصر من
~~إمام بتلك المثابة على أن مقتضى أدلة الطائفتين كما عرفت وجوب نصب الإمام
~~عل العباد في كل زمان وإن تركه إخلال بالواجب عقلا كما عن المعتزلة أو شرعا
~~كما عن الأشاعرة، ولازم ذلك ارتكاب الجميع منهم العصيان بتركهم نصب الإمام
~~الذي تحصل به حماية حوزة الإسلام ويدفع به الضرر عن المكلفين في جميع
~~الأزمان، إذ لا نراهم فعلوا ما أوجبوه على أنفسهم والتزموا به في مذهبهم من
~~قديم الأعصار فدخلوا بإخلالهم بالواجب عندهم في زمرة العاصين وكانوا بتركهم
~~إياه في عداد الفاسقين، وحسبك بلزوم الفسق لهم وتوازرهم عليه لإهمالهم ما
~~وجب عليهم بحكمهم دليلا على فساد قولهم وبطلان مذهبهم، ومن ثم كان الصحيح
~~ما عليه أصحابنا، ولنا على ذلك مضافا إلى الأصل أدلة كثيرة من العقل
~~والنقل.
# الأول: إنا بينا أن الإمام لطف وأن اللطف منحصر فيه، واللطف واجب على
~~الله تعالى والأزمان متساوية والمكلفون متماثلون، فليس زمان PageV00P051
# أولى باللطف من زمان ولا مكلف أحق به من مكلف آخر وليس يجوز في حكمة الله
~~منع بعض المكلفين اللطف، فوجب إذن كون الإمام موجودا في جميع أزمنة التكليف
~~فلا يجوز على الله تعالى بمقتضى حكمة إخلاء زمان من أزمنة التكليف من إمام
~~بالمعنى المذكور وذلك بخلاف النبي فإنه وإن كان لطفا إلا أن اللطف غير
~~منحصر فيه لقيام الإمام مقامه فيما بعث له من المصالح والفوائد فلذا جاز
~~خلو الزمان من رسول حي ولم يجز خلوه من إمام ولذا قال العلامة جمال الدين
~~الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي عطر الله مرقده في بعض كتبه.
# " الإمامة لطف عام والنبوة لطف خاص لإمكان خلو الزمان من النبي الحي
~~بخلاف الإمام " انتهى وللشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن علي بن بابويه في هذا
~~المقام كلام طويل لا بأس بنقل ms029 جملة منه لما فيه من الفوائد الجليلة قال روح
~~الله روحه ونور ضريحه: " والفترات بين الرسل (عليهم السلام) كانت جائزة لأن
~~الرسل مبعوثة بشرائع الملة وتجديدها ونسخ بعضها بعضا وليس الأنبياء والأئمة
~~(عليهم السلام) كذلك، ولا لهم ذلك لأنه لا ينسخ بهم شريعة ولا تجدد بهم
~~ملة، وقد علمنا أن بين نوح وإبراهيم وبين إبراهيم وموسى وبين موسى وعيسى
~~وبين عيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله وعليهم) أنبياء وأوصياء يكثر عددهم،
~~وإنما كانوا مذكرين لأمر الله مستحفظين مستودعين لما جعل الله تعالى عندهم
~~من الوصايا والكتب والعلوم، وما جاءت به الرسل عن الله عز وجل إلى أممهم،
~~وكان لكل نبي منهم مذكر عنه ووصي ومودع استحفظ من علومه ووصاياه، فلما ختم
~~الله عز وجل الرسالة بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يجز أن تخلو الأرض
~~من وصي هاد مذكر يقوم بأمره ويؤدي عنه ما استودعه، حافظا لما ائتمنه عليه
~~من دين الله عزو جل فجعل الله ذلك سببا لإمامة منسوقة منظومة متصلة لما
~~اتصل أمر الله عز وجل لأنه لا يجوز أن تتدارس آثار الأنبياء والرسل
~~PageV00P052
# وأعلام محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وملته وشريعته وفرائضه وسنته
~~وأحكامه، أو تنسخ وتخفى عليها آثار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~وشرائعه إذ لا رسول بعده، ولا نبي والإمام ليس برسول ولا نبي ولا داع إلى
~~شريعة ولا ملة غير شريعة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وملته فلا يجوز
~~بين الإمام والإمام الذي بعده فترة والفترات بين الرسل جائزة فلذلك وجب أن
~~لا بد من إمام محجوج به، ولا بد أيضا أن يكون بين الرسول والرسول وإن كان
~~بينهما فترة إمام وصي يلزم الخلق حجته ويؤدي عن الرسل ما جاءوا به عن الله
~~تعالى وينبه عباده على ما أغفلوا يبين لهم ما جهلوا ليعلموا أن الله عز وجل
~~لم يتركهم سدى ولم يضرب عنهم الذكر صفحا ولم يدعهم من دينهم في شبهة ولا من
~~فرائضه التي وظفها عليهم في ms030 حيرة، والنبوة والرسالة سنة من الله جل جلاله
~~والإمامة فريضة والسنن تنقطع ويجوز تركها في حالات والفرائض لا تزول ولا
~~تنقطع بعد محمد (صلوات الله عليهم) وأجل الفرائض وأعظمها خطرا الإمامة التي
~~تؤدي بها الفرائض والسنن وبها كمال الدين وتمام النعمة فالأئمة من آل محمد
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) لأنه لا نبي بعده يحملون العباد على محجة دينهم
~~ويلزمونهم سبل نجاتهم ويجنبونهم موارد هلكتهم، ويبينون لهم من فرائض الله
~~عز وجل ما سد عن أفهامهم ويهدونهم بكتاب الله عز وجل إلى مراشد أمورهم
~~فيكون الدين بهم محفوظا لا يعترض فيه الفسقة وفرائض الله عز وجل مؤداة لا
~~يدخلها ذلل وأحكام الله خالصة لا يلحقها تبديل ولا يزيلها تغيير، فالرسالة
~~والنبوة سنن والإمامة فرائض الله الجارية بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~لازمة لنا ثابتة علينا لا تنقطع إلى يوم القيامة مع إنا لا ندفع الأخبار
~~التي رويت أنه كان بين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وعيسى (عليه السلام)
~~فترة لم يكن فيها نبي ولا وصي ولا ننكرها ونقول إنها أخبار صحيحة ولكن
~~تأويلها غير ما ذهب إليه مخالفونا من انقطاع الأنبياء والأئمة PageV00P053
# الرسل (عليهم السلام) وإنما معنى الفترة أنه لم يكن بينهما رسول ولا نبي
~~ولا وصي ظاهر مشهور كمن كان قبله وعلى ذلك دل الكتاب المنزل أن الله عز وجل
~~بعث محمدا على حين فترة من الرسل لا من الأنبياء والأوصياء ولكن قد كان
~~بينه (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين عيسى أنبياء وأئمة مستورون خائفون
~~منهم خالد بن سنان العبسي نبي لا يدفعه دافع ولا ينكره منكر لتواطؤ الأخبار
~~به بذلك عن الخاص والعام وشهرتها عندهم وأن ابنته أدركت رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله وسلم) ودخلت عليه فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):
~~(هذه ابنة نبي ضيعه قومه خالد بن سنان العبسي) (1) وكان بين مبعثه وبين
~~نبينا صلوات الله عليه وآله خمسون سنة، وهو خالد بن سنان بن بعيث بن مريطة
~~بن مخزوم بن ms031 مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس حدثني بذلك جماعة من أهل الفقه
~~والعلم " إلى أن قال: " وبعد فلولا الكتاب المنزل وما خبرنا الله عز وجل
~~على لسان نبينا المرسل (صلى الله عليه وآله وسلم) وما اجتمعت عليه الأمة من
~~النقل عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) في الخبر الموافق للكتاب أنه لا نبي
~~بعده لكان الواجب للحكمة أنه لا يجوز أن تخلو العباد من رسول منذر ما دام
~~التكليف لازما لهم، وأن يكون الرسل متواترة إليهم على ما قال الله عز وجل:
~~[ثم أرسلنا رسلنا تترى كلما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا] (2)
~~فلما أخبر الله عز وجل
# PageV00P054
# أنه قد ختم رسله وأنبيائه بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) سلمنا ذلك
~~وأيقنا أنه لا رسول بعده وأنه لا بد لنا ممن يقوم مقامه وتلزمنا حجة الله
~~عز وجل به " إلى أن قال: " فالرسل والأنبياء والأوصياء لم تخل الأرض منهم
~~وقد كانت لهم فترات من خوف وأسباب لا يظهرون فيها دعوة ولا يبدون أمرهم إلا
~~لمن أمنوه حتى بعث الله محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) فكان آخر أوصياء
~~عيسى (عليه السلام) رجلا يقال له أبي ويالط وروى في ذلك أخبارا جمة " إلى
~~آخر ما قال. (1) ولنقتصر مع ما ذكرناه في صدر الاستدلال في هذا الوجه على
~~كلامه فقد بلغ منه المرام فجزاه الله خيرا عن المسلمين والإسلام.
# الثاني: (2) إن الحجة لا تقوم لله تعالى على خلقه بدون مرشد مأمون يبين
~~للناس أمر الدين وتزاح به علة المكلفين ويهدي العباد إلى طريق الصواب ويرفع
~~عنهم الاختلاف والحيرة ويؤيده قوله تعالى: [إنما أنت منذر ولكل قوم هاد]
~~(3) الدال على أن كل قوم لا بد لهم من هاد يهديهم إلى سبل الحق واعلم أن
~~مبنى هذا الدليل على خمس مقدمات.
# الأولى: إن الله سبحانه وتعالى في كل واقعة حكما معينا لا يختلف باختلاف
~~المجتهدين ويدل على هذه المقدمة آيات كثيرة مثل قوله تعالى:
# [وإن من شئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله ms032 إلا بقدر معلوم] (4) وقوله تعالى:
# [وكل شئ أحصيناه في إمام مبين] (5) وقوله تعالى:: [ما فرطنا في
# PageV00P055
# الكتاب من شئ] (1) وما أشبهها من الآيات وكلها ظاهرة غاية الظهور في أن
~~لكل أمر وفعل حدا وحكما عند الله تعالى وليس شئ عنده مهملا غير محدود بحد
~~ولا محكوم عليه بحكم، وقد استفاض في الروايات عن النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) من طرق أصحابنا أن الله جعل لكل شئ حدا وجعل لمن يتعدى ذلك الحد حدا،
~~وأما ما يحتج به للمخالفين النافين تعيين حكم الله تعالى في كل واقعة من
~~قوله تعالى: [يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت
~~رسالته] (2) وقوله تعالى: [وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما أنزل إليهم]
~~(3) فضعيف وتقرير حجتهم أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مأمور بتبليغ
~~الأمة ما أنزل إليه من ربه وبيانه لهم، ومن المعلوم أنه لم يخالف الأمر فقد
~~بلغ ما أنزل الله إليه وبينه وما بلغه الأمة وبينه لهم لم يف ببيان جميع
~~الأحكام فلو كان لله تعالى في كل واقعة حكم لأنزله إلى نبيه ولو أنزله إليه
~~لبلغه وبينه لأنه مأمور بذلك ولو بلغة وبينه لنقل إلينا وحيث لم ينقل إلينا
~~مع توفر الدواعي على نقله من حكم الشريعة إلا ما نقل علمنا أنه لم ينزل
~~عليه شيئا غيره فلم يكن لله في ذلك الغير حكم وكان الحكم فيه الاجتهاد فما
~~أدى إليه نظر المجتهد في الواقعة الغير المبنية فهو حكم الله في حقه وحق
~~مقلديه وهذه الحجة هي العمدة في احتجاجهم وليس لهم غيرها ما يعتنى به أو
~~يحتاج إلى الجواب عنه وهذه حجة منقوضة وشبهة مردودة بوجوه:
# الأول: منع العموم في آية التبليغ وإرادة الخصوص منها كما يشير إليه قوله
~~تعالى فيها: [وإن لم تفعل فما بلغت رسالته] (4) فإنه لا يستقيم إلا بجعل
~~مسمي رسالته المفعول لبلغت مغايرا لمصداق [ما أنزل إليك]
# PageV00P056
# ليكون المعنى بلغ هذا الأمر الخاص فإن لم تبلغه كنت بمنزلة ms033 من لم يبلغ ما
~~سبق من الرسالة التي بلغتها ولو كان المراد العموم فيما أنزل إليك لم يكن
~~لقوله تعالى: [فإن لم تفعل] الخ موقع لأن معناه يكون على هذا بلغ جميع ما
~~أنزل إليك وإن لم تبلغ جميع ما أنزل إليك لم تبلغ جميع ما أنزل إليك فوازنه
~~وزان اضرب زيدا فإنك إن لم تضربه لم تضربه ومن البين لدى أولي الفطنة أن
~~الكلام على هذا التقدير غير مفيد لأن الجزاء هو عين الشرط فلم يحصل جزاء
~~إذا لا بد في إفادة الجملة الشرطية من تغاير الشرط والجزاء، فعلى المعنى
~~المذكور من العموم يجب أن يكون الجزاء كلاما آخر مثل أسقطنا أجرك وعاقبناك
~~وما جرى هذا المجرى وأقل ما فيه أن تكون الآية على هذا الوجه خارجة عن
~~قانون البلاغة والفصاحة التي نزل بهما القرآن فيكون مرغوبا عنه ومما يقوي
~~ما ذكرناه من إرادة الخصوص من الآية بل يعينه أنها نزلت بعد نزول أكثر
~~القرآن وبعد تبليغ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كثيرا من الفرائض
~~والأحكام في أصول الدين وفروعه فيكون المقصود من الجملة أنك إن لم تبلغ ما
~~أنزل إليك من ربك في هذا الأمر الخاص كنت كأنك لم تبلغ ما بلغت سابقا من
~~رسالة ربك لكتمانك هذا الأمر، وفائدتها الحث والتأكيد على المسارعة إلى
~~تبليغ ذلك الأمر الخاص وهذا واضح لمن تأمل وذلك الأمر المذكور وهو تبليغ
~~الناس أمر ولاية أمير المؤمنين علي (عليه السلام) لا جميع الأحكام أي بلغ
~~ما أنزل إليك من ربك في ولاية علي (عليه السلام) وهو المروي عن ابن عباس
~~وجابر بن عبد الله من طريق الكلبي عن أبي صالح رواه الحاكم أبو القاسم
~~الحسكاني أبو إسحق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي في تفسيره (1) وقال
~~بمضمونه ومن أصحابنا رواه من الطريق المذكور
# PageV00P057
# العياشي في تفسيره (1) وهو المتفق عليه في الرواية عن أئمتنا (عليهم
~~السلام) بين أهل النقل عنهم، وهو الأصح أو أن الله بعث النبي (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) ms034 برسالة ضاق بها ذرعا وهاب قريشا فأنزل الله عليه الآية
~~لإزالة تلك الهيبة وهو المروي عن الحسن البصري (2) وليس فيه ظهور مخالفة
~~للقول الأول لاحتمال إرادته من الرسالة الوجه الأول وهو تبليغ ولاية علي
~~(عليه السلام) ويومي إليه قوله وهاب قريشا إذ لم يرد أن النبي (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) هاب قومه في تبليغ أمر إلا ولاية علي فإنه خاف منهم أن
~~يكذبوه فيها وينسبوه إلى المحاباة كما جاء في الرواية عن ابن عباس وجابر بن
~~عبد الله الأنصاري برواية الحسكاني والثعلبي، أو المراد بلغ ما أنزل إليك
~~من آيات القرآن وهو مروي عن ابن عباس أيضا وهو محتمل منها ويدخل الأول فيه
~~بالعموم لأن ولاية علي منزلة في الآيات وبالجملة فكافة المفسرين قائلون بأن
~~المراد من (ما أنزل) إليك الخصوص ولم ينقل أنها نزلت في الأمر بتبليغ جميع
~~الوحي إلا عن عائشة وليس قولها مما يعارض ما ذكرناه مع أن في تصديق روايتها
~~لو خلت عن معارض غاية الإشكال فكيف وقد خالفت جميع الأقوال التي كلها متفقة
~~على أن المراد من الآية الخصوص لا العموم المؤيدة بظهور الآية بل صراحتها
~~في ذلك على أن قولها لا يستلزم العموم لأن المروي عنها أن النبي (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) لم يكتم شيئا من الوحي للتقية ونحن نقول بذلك ونعتقد أن
~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكتم للتقية شيئا من الوحي وإنما كتمه
~~لمصلحة أخرى لأجلها أمر بكتمانه كعدم حاجة الناس إليه في زمانه (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) فلم يبينه لجميعهم أو غير ذلك من المصالح وكلامها لا ينفي
~~ما أثبتناه فانتفى الخلاف عما نقول وآية التبيين يحتمل فيها ما ذكر عن ابن
~~عباس أخيرا في آية التبليغ هو تبيين آيات القرآن أو تبيين
# PageV00P058
# الشرائع والدلائل على توحيد الله تعالى، ويحتمل أن يكون المبلغ والمبين
~~بفتح اللام والياء في الآيتين الفرائض الدينية والأحكام الكلية والحدود
~~الشرعية لا جميع الأحكام حتى الجزئية في الوقائع المتجددة ولا جميع الوحي، ms035
~~وهذا الوجه وإن لم يذكره أحد من المفسرين إلا أنه قريب من مفهوم الآيتين
~~وإذا لم يكن المبلغ والمبين في الآيتين عامين سقط احتجاج الخصوم بهما على
~~مطلبهم، إذ لا دليل لهم فيهما إلا على تقدير عموم المبلغ والمبين وشمولهما
~~لجميع الأحكام كما هو ظاهر.
# الثاني: سلمنا أن مفاد الآيتين ظاهر العموم ولكن قد عارضتهما آيات أخر
~~دالة على أن لله في كل واقعة حكما معينا وأن لكل شئ عنده حدا مثل الآيات
~~المتقدمة ومثل قوله جل وعلا: [وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه إلى الله ذلكم
~~الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب] (1) فإنها ظاهرة بل صريحة في أن كل ما حصل
~~فيه اختلاف بين الأمة فلله فيه حكم معين ولم يكن مهملا عند الله تعالى
~~والمنصوص لا يكون فيه اختلاف ومثل آيات الرد عند الشارع إلى الله وإلى
~~الرسول وإلى أولي الأمر، وبيان توجيهها أن الرد إلى الله وإلى الرسول وإلى
~~أولي الأمر عند التنازع في الحكم إما أن يكون لبيان الحكم ورفع الاختلاف
~~فيه في تلك الواقعة أولا والثاني باطل قطعا وعلى الأول إما أن يكون لله
~~تعالى في تلك الواقعة حكم معين بينه لرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~وبينه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لولي الأمر أولا فإن كان الثاني
~~فلا فائدة عليه في الرد عند التنازع إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~إذ الاختلاف على هذا لا يرتفع بالرد إليه لأن جوابه على هذا الوجه
~~للمختلفين إذا رجعوا إليه أنه ليس لله فيما اختلفتم فيه حكم معين بينه لي
~~وانتظر بيانه لي حتى أخبركم به فيزول الاختلاف عنكم بل الحكم في واقعتكم
# PageV00P059
# هذه دائر مدار الاجتهاد فما أدى إليه اجتهاد أحدكم فهو حكمه فليعمل عليه
~~وهكذا يكون الجواب من ولي الأمر بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن
~~الله أيضا فأي فائدة على هذا في الرد إليهم عند التنازع إذا لم يكن
~~الاختلاف مرتفعا به، بل يكون عبثا والله لا يأمر به ms036 فيثبت الأول وهو كون
~~الرد إليهم لبيان الحكم المعين في الواقعة ورفع الاختلاف فيها بالبيان
~~للمختلفين ذلك الحكم ومنه يثبت أن لله فيها حكما معينا وهو المطلوب، ومثل
~~ذلك آيات أخر سيأتي ذكرها، وحيث حصل التعارض وجب الجمع بحمل الآيتين على
~~إرادة تبليغ أحكام خاصة وتبيينها لا على جميع الأحكام وقول النبي (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) للمظاهرة (وما أظنك إلا وقد حرمت عليه) بعد قوله (لم ينزل
~~على فيك قرآن) (1) شاهد بأن كل واقعة تقع فلله فيها حكم معين وأن النبي
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) ينتظر الحكم فيها من الله تعالى حتى يحكم به.
# الثالث: سلمنا عموم الآيتين وشمولهما لجميع الأحكام وعدم تخصيصهما من
~~الوجه السابق لكن لا نسلم وجوب التبليغ والتبيين لجميع المكلفين لم لا يجوز
~~أن يكون تبليغ جميع الأحكام وتبيينه للبعض من المكلفين وهم أولوا الأمر وبه
~~يحصل امتثال الأمر وآية الرد إليهم عند الاختلاف شاهدة بذلك بما مر من
~~التقريب وما سيأتي، ولا ينافيه لفظ الناس وفي آية التبيين الظاهر في الجميع
~~لإطلاق الناس في القرآن العزيز على الواحد وعلى الجماعة قلوا أو
# PageV00P060
# كثروا قال الله تعالى: [الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم
~~فاخشوهم] (1) وقال: [ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس] (2) وقال عز وجل: [أم
~~يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله] (3) ومثله كثير يطول به الكلام
~~والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد بلغ جميع الوحي والأحكام وبينها
~~لخلفائه الكرام فحصل المطلوب.
# الرابع: سلمنا العموم في الوجهين المبلغ والمبلغين والمبين والمبينين لهم
~~لكن لا نسلم أن المراد تبيين جميع الوحي والأحكام لجميع الناس وتبليغهم
~~إياها تفصيلا، لم لا يجوز أن الأمر بالتبليغ والتبيين لبعضهم تفصيلا في
~~جميعها وللباقين تفصيلا وإجمالا، وإحالتهم على من فصل له الجميع فيما لم
~~يبينه لهم مفصلا؟ فيكون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على هذا الوجه قد
~~بلغ جميع الأحكام وبينها لجميع الناس وسينكشف لك هذا الوجه في المقدمة
~~الآتية والنبي (صلى الله عليه ms037 وآله وسلم) قد فعل ذلك فبين للأمة مفصلا ما
~~بين من الفرائض وحدودها والمحرمات ومواضعها ودلهم على من يرجعون إليه في
~~بيان ما لم يبينه لهم فقال: (إني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب
~~الله وعترتي) (4) وقال في شأن عترته (تعلموا منهم ولا تعلموهم فإنهم أعلم
~~منكم) (5) وقال: (أقضاكم علي) (6) يعني أعلمكم بالقضاء وقال لعلي
# PageV00P061
# (عليه السلام) فيما رواه أبو نعيم عن أنس: (أنت تؤدي عني وتبين لهم ما
~~اختلفوا فيه بعدي) (1) إلى غير ذلك مما سيأتي مشروحا عند ذكر النصوص على
~~أمير المؤمنين (عليه السلام) إن شاء الله تعالى وكله مصحح عند الخصوم، على
~~أنهم حيث اعترض جماعة من محققي الإمامية على رواية أبي بكر عن النبي (صلى
~~الله عليه وآله وسلم): (نحن معاشر الأنبياء لا نورث) (2) فقالوا كيف يبين
~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك لأبي بكر ولم يبين لأهل الميراث
~~أجابوهم بأنه إذ بين المولى من بعده فقد بين للأمة مع حكمهم بأن ولاية
~~المذكور ليست من قبل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنما هي من وجه
~~اختيار قوم من الصحابة وهذا لازم فيما ذكرناه في الوجه الثالث وهنا من أن
~~البيان للعترة بيان لجميع الناس لا سيما وولايتهم (عليهم السلام) كانت بنصه
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) عليهم ودلالته وإشارته إليهم بصريح القول وواضح
~~المعنى، وقد علم من جملة ما ذكرناه بطلان ما ادعوه من أنه ليس لله في غير
~~ما نص عليه في الكتاب والسنة من الأحكام حكم معين في الوقائع وسلمت مقدمتنا
~~الحاكمة بنقيض دعواهم من الايراد، ومن ذلك يتضح بطلان ما حكموا به من
~~الاستغناء بالاجتهاد في غير المنصوص من الوقائع عن الرجوع إلى مستحفظ
~~الأحكام ومستودع الوحي والمخصوص بعلم التأويل من النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) ومن يحل محله من أطائب ذريته المخصوصين من الله بالتفهيم والإلهام
~~لبطلان ما بنوا عليه ذلك الحكم المردود من انتفاء حكم الله في جميع الوقائع
~~والحوادث، وبعد فكيف يجوز عاقل ms038 على ربه الحكيم العليم عدم علمه بكثير من
~~الأمور وأنه لا يدري أهي
# PageV00P062
# داخلة في حيز التحليل والتحريم حتى يحكم فيها ربيعة الرأي (1) وسالم بن
~~أبي حفصة (2). والأوزاعي (3) وأبو حنيفة (4) وأضرابهم فهنالك يحدث له العلم
~~بحكمها وتتجدد له المعرفة بحدها ورسمها فلا يزال على هذا يخرج من جهل إلى
~~علم باستمداده من أهل الرأي والقياس واستفادته من اجتهادهم المقرون بالشك
~~والالتباس كما هو لازم قولهم الذي دلهم عليه الوسواس الخناس أعوذ بالله من
~~هذه الجرأة العظيمة المستلزمة لنسبة الجهل للخالق الحكيم الخبير كأنهم لم
~~يسمعوا قوله تعالى: [والله بكل شئ عليم، أليس الله بأحكم الحاكمين، إن
~~الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين] (5) وغيرها من الآيات الكثيرة في
~~الذكر الحكيم، على أن صحة ما قلناه وبطلان قول الخصوم لا يحتاج من الدليل
~~إلى أكثر مما ذكرناه من استلزام قولنا تنزيه البارئ تعالى عن النقص
~~واستلزام قولهم نسبة الجهل إلى الحي القيوم وتحصيله العلم ومعرفته الحكم في
~~خلقه وبريته وأفعالهم من اجتهاد المجتهدين فلقد وقع الحق وبطل ما كانوا
~~يعملون.
# PageV00P063
# المقدمة الثانية (1):
# إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يبين جميع الأحكام مفصلة لكل
~~الأمة بل بين لجميعهم بعضا تفصيلا وبعضا إجمالا وبين الكل لخلفائه مفصلا
~~وأمر الأمة: بالأخذ عنهم والتعلم منهم والأدلة على هذه المقدمة ظاهرة
~~متكثرة.
# الأول: إن الأمة قد اختلفوا في الأحكام اختلافا شديدا ولو بين النبي (صلى
~~الله عليه وآله) لجميعهم كل الأحكام مفصلة لما اختلفوا أما الأولى فمن
~~المشاهدات، وأما الثانية فلأن اختلافهم في الحكم بعد بيان الرسول (صلى الله
~~عليه وآله) أما لتعمدهم مخالفته وميلهم إلى الهوى وترك النص إلى الرأي أو
~~لنسيان الجميع بيان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وكل منهما غير جائز
~~عند مخالفينا لأنهم لا يجوزون على الصحابة الخطأ ولا مخالفة نص النبي (صلى
~~الله عليه وآله) بل يحكمون بأنهم متبعون له في أفعاله وأقواله وأن إجماعهم
~~حجة فلا سبيل إلى الحكم عليهم في اختلافهم بتعمد مخالفة بيان النبي ms039 (صلى
~~الله عليه وآله) ولا نسيانه إذ ذاك يخرج إجماعهم عن الحجية فلم يبق إلا
~~الحكم على أن اختلافهم لعدم البيان إليهم على التفصيل وهو المطلوب، وأما
~~نحن فلا ننكر تعمد البعض لمخالفة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في بعض
~~الأحكام وتركهم نصه (2) وحصول الشبهة لبعض آخر بذلك حتى يخرج النص في نظره
~~عن النصية فيحمله على أبعد محامل التأويل لكن نمنع ذلك عن الكل في جميع
~~الأحكام لو كانت كلها مبينة بالتفصيل لا عن البعض في البعض ولا من جهة
# PageV00P064
# الشبهة، ولذا إنا نمنع اجتماع الأمة على الخطأ في مثل وجوب الصلوات الخمس
~~وعدد ركعاتها ومقادير نصب الزكاة وكيفية الحج ومواقفه وغير ذلك من
~~الضروريات لأن الإمام في جملتهم يقينا وهو لا يجوز عليه الخطأ، فإن قيل فمن
~~أين جاء الاختلاف وأنتم قلتم: إن النبي (صلى الله عليه وآله) قد بلغ الأمة
~~جميع الأحكام بعضها تفصيلا وبعضها إجمالا ودل العباد على من يرجعون إليه في
~~بيان ما لم يفصله؟ قلنا: جاء الاختلاف من مخالفتهم أمر النبي (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) بالرجوع إلى من أمرهم بالأخذ عنه والتمسك به في رفع ذلك
~~عنهم وعدولهم عنه إلى آرائهم واجتهادهم إلا قليلا من الصحابة، فإن قيل: من
~~هذا الرجل الذي أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الناس بالرجوع إليه
~~لرفع الاختلاف ببيان الحكم فعدلوا عنه إلى ما ذكرتم؟ قلنا: ذلك علي بن أبي
~~طالب (عليه السلام) وقد سبق ذكر يسير من الأدلة الواردة في أمر النبي (صلى
~~الله عليه وآله وسلم) بالتمسك به والأخذ عنه وسيأتي الكثير منه في موضعه إن
~~شاء الله ومن بعده للطيبين من ولده (عليهم السلام) فإن قيل: فأنتم لم
~~اختلفتم مع رجوعكم إلى من بين له النبي (صلى الله عليه وآله) جميع الأحكام
~~مفصلة على قولكم ولم لم يرفع الاختلاف عنكم ببيان الحق قلنا: إنا لا ننكر
~~الاختلاف بيننا في مسائل الفقه وإنما نشأ ذلك من جهة عدم تمكن الحجة (عليه
~~السلام) من بيان ms040 الحق للخوف على شيعته من الطواغيت وذلك أنه قد ثبت
~~بالتواتر شدة الخوف على الإمامية في زمن ظلمة من بني أمية وبني العباس حتى
~~آل الأمر إلى استحلالهم دم من يتهم بتشيع أو يذكر أهل البيت بخير فكان
~~الإمام (عليه السلام) يفتي بعض شيعته بمر الحق ويفتي آخر بما يحتمل التأويل
~~والوجوه ويفتي آخرين بما يوافق أقوال العامة لئلا تجتمع شيعته على أمر واحد
~~فيعرفوا فيؤخذ برقابهم وليس مزج الحق بغيره أو إخفائه في حكم أو أحكام في
~~الفتوى للخوف على النفس من الإزهاق بأعظم من إظهار الكفر وسب الرسول (صلى
~~الله عليه PageV00P065
# وآله وسلم) الذي جاز لعمار بن ياسر (رضي الله عنه) وغيره من المؤمنين
~~لدفع القتل عن نفوسهم حتى أنزل الله عذره وعذر غيره في الكتاب بقوله عز
~~وجل: [إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان] (1) وقوله تعالى: [إلا أن تتقوا
~~منهم تقية] (2) وقوله تعالى في رجال ونساء من أهل مكة آمنوا أظهروا الكفر
~~خوفا من أهاليهم فلم يكونوا معروفين بالإيمان ولأجل أن لا يصيبهم ضرر من
~~المسلمين وهم لا يعلمون بهم صار صلح الحديبية [ولولا رجال مؤمنون ونساء
~~مؤمنات أن تطؤهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا
~~منهم عذابا أليما] (3) بل كان دفع الضرر عنهم سببا لدفع القتل عن الكفار
~~فمن هذا جاء الاختلاف بيننا وقد صح في الرواية عن أمير المؤمنين (عليه
~~السلام) من الطريقين أنه لما استشاره قضاته فقالوا بم نقضي بين الناس؟ قال:
~~(اقضوا كما كنتم تقضون حتى يكون للناس جماعة) (4) وهذا القول تصريح منه بأن
~~قضاءهم السابق غير مرضي عنده، ولو كان عنده مرضيا لما علق الرخصة فيه إلى
~~غاية يمكن حصولها وتبيين منه بأنه لم يتمكن في تلك الحال من بيان الحق،
~~وحمل الناس عليه لعدم إذعانهم له بالطاعة التامة، وعدم تسليمهم إليه
~~المقادة واختلافهم عليه وعصيانهم أمره، هذا وهو خليفة في الناس فما ظنك به
~~في زمان تغلب من قبله وما ظنك بالأئمة من ذريته في حال تغلب ms041 الظلمة
~~والطواغيت عليهم وعلى تابعيهم وما
# PageV00P066
# زال الخوف على الشيعة موجودا في وقت ظهور أئمتهم ولم يذهب شدة الخوف عنهم
~~ويحصل لهم بعض الأمن في الجملة إلا من بعد اختفاء الحجة (عليه السلام)
~~واستتاره حيث أخاف الطواغيت سبيله وعلم الظلمة أن لا إمام ظاهر للشيعة
~~فهناك حصل الاختلاف لهم لعدم الوصلة إلى الإمام الذي يزول الاختلاف ببيانه
~~ولم يبق إلا الأخذ بما روي عن آبائه وهو على ما وصفنا لما ذكرنا فبقي
~~الاختلاف الأول قائما كما هو، ومع هذا فإنا نقطع بأن كل مسألة اختلفنا فيها
~~أن أحد الأقوال فيها هو حكم الله إلا أنا لا نعلمه بعينه فليس اختلافنا
~~كسبيل اختلاف الخصوم لأن خلافهم واختلافهم حصل من اعرضاهم عن قول الحجة،
~~واختلافنا مسبب عنه لحسن نظره إلينا، وأقوالنا لا تخلو من الحق وأقوالهم
~~تخالفه دواما أو غالبا فافترقت الحال بيننا وبينهم وحصل العذر لنا ولم يحصل
~~لهم فإن قالوا: إنكم وافقتمونا في زمان غيبة إمامكم في الاجتهاد فأنتم
~~مثلنا قلنا لهم: ولا سواء فإن اجتهادنا باستعمال قوانين نصبها لنا الحجة
~~(عليه السلام) في تميز الحق من الباطل بقدر وسعنا وطاقتنا واجتهادكم
~~باستعمال الأقيسة التي اخترعها إبليس واحتج بها على جواز ترك السجود لآدم
~~والآراء التي نصبها لرد أمر الله تعالى وبين الوجهتين غاية البعد، وأيضا أن
~~اجتهادنا في تحصيل حكم الله ممن قوله الحجة فنعذر بعد بذل الجهد إن أخطأنا
~~واجتهادكم أنتم في تحصيل غير حكم الله إذ لا حكم له في تلك الواقعة عندكم
~~فاجتهادكم لا لإحداث حكم لا يعرفه الله قبل ذلك بزعمكم ليحكم به عليكم وهو
~~مع ما فيه من الزلل العظيم تصرف في ملك الغير بغير إذنه، وإيجاب ما لم
~~يوجبه الله أو تحريم ما لم يحرمه، فالخطأ لازم له على كل حال، والمعذورية
~~مرتفعة على جميع الأحوال لأن حكم ما لم يحرمه الله ولم يوجبه الإباحة البتة
~~فإيجابه أو تحريمه خلاف حكم الله فكان اجتهادنا غير اجتهادكم فاجتهادنا
~~مقدمة للواجب وهو تحصيل حكم الله ms042 في الواقعة واجتهادكم لإخراج المباح عن
~~الإباحة والتكليف بما لم يكلف الله به PageV00P067
# بزعمكم فزال اعتراضكم واندفع إيرادكم.
# الثاني: قوله تعالى: [ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه
~~الذين يستنبطونه منهم] (1) وتوضيح ذلك أن الرد إلى أولي الأمر عند الاختلاف
~~إما لجهل المختلفين الحكم أو لا فإن كان الأول ثبت أن النبي (صلى الله عليه
~~وآله) لم يبين لجميع الأمة كل الأحكام بالتفصيل بل بينها جميعها كذلك إلى
~~أولياء الأمر بعده فيثبت المطلوب وإن كان الثاني كان التكليف بالرد إلى
~~أولي الأمر تحصيلا للحاصل وهو ممتنع، فالتكليف به قبيح لا يكلف الله به على
~~أنه لا فائدة في الرد إلى ولاة الأمر مع العلم بالحكم من بيان النبي (صلى
~~الله عليه وآله) فالأمر به عبث، هذا كله مع ظهور الآية من قوله تعالى:
~~[لعلمه الذين يستنبطونه منهم] في الأول وهو كون الفائدة في الرد إلى أولي
~~الأمر حصول علم للمستنبطين كانوا قبل الرد إلى أولي الأمر يجهلونه لكون هذا
~~الجملة جواب الشرط في قوله [ولو ردوه] وحصول الجواب متوقف على حصول الشرط
~~ومفقود قبله فعلم المختلفين بالحكم قبل الرد إلى أولي الأمر مفقود وإذا فقد
~~العلم ثبت ضده وهو الجهل فاتضح من هذا أن المختلفين قبل ردهم ما اختلفوا
~~فيه إلى أولي الأمر واستعلامهم الحال منهم غير عالمين بحكم الله الواقعي في
~~تلك الواقعة وما ذاك إلا لعدم التفصيلي لهم من النبي (صلى الله عليه وآله)
~~وهو المراد.
# الثالث: ما ثبت عند الخصوم من أن عند بعض الصحابة من القرآن ما ليس عند
~~البعض الآخر وأنه قتل من الصحابة في حرب مسيلمة (2) قوم
# PageV00P068
# يقرؤون من القرآن شيئا لم يكن عند باقي الصحابة ولهذا لما أراد أبو بكر
~~وعمر جمع القرآن كان من جاءهم بشئ منه وأقام عليه بينة قبلوه منه ومن لم
~~يقم بينة على ما أتاهم به منه ردوه واتفق الخصوم على أنه لم يكن يحفظ
~~القرآن جميعه في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) من الصحابة ms043 إلا علي بن أبي
~~طالب (عليه السلام) وهذا أوضح دليل على أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~لم يبين جميع لفظ القرآن لكل الصحابة بل يقرأ ما ينزل عليه منه على من حضره
~~منهم فما ظنك بمعانيه وبباقي الأحكام وقد روى مخالفونا أن زيد بن ثابت (1)
~~لما أنكر عليه عمر في دعواه شيئا سمعه من رسول الله (صلى الله
# PageV00P069
# عليه وآله وسلم) من جهة أن المنكر لم يسمعه جبهه بكلام قال فيه: لقد علمت
~~أنه يؤذن لي وادخل وأنت تمنع في كلام آخر وصريحه دعوى زيد أنه سمع من النبي
~~(صلى الله عليه وآله) ما لم يسمع عمر ولا من كان في طبقته وقد صدق عمر في
~~دعواه في روايتهم تلك وادعى عبد الله بن مسعود (1) علم ما لم يعلمه زيد بن
~~ثابت المذكور إلى غير ذلك مما هو مزبور في التواريخ والسير مما يعطي أن
~~الصحابة كانوا مقرين بأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بين لبعضهم ما لم
~~يبين لبعض آخر وكفى بذلك شاهدا على ما ندعيه.
# الرابع: إنه قد صح أن النبي (صلى الله عليه وآله) خص بعض الصحابة من
~~العلوم بما لم يخص به سائرهم فأفضى من العلوم والأسرار والأحكام لعلي (عليه
~~السلام) بما لم يفض بجزء منه إلى جميع الصحابة ثم بين لهم ذلك بقوله (صلى
~~الله عليه وآله وسلم) " أنا مدينة الحكمة وعلي بابها فمن أراد الحكمة
~~فليأتها من بابها) (2) وقال فيه (علي خازن علمي وعيبة علمي) (4) وما أشبه
~~ذلك من الأقوال ولهذا قال علي (عليه السلام) على المنبر
# PageV00P070
# وقد وضع يديه على بطنه (هذا سفط العلم هذا لعاب رسول الله هذا ما زقني
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) زقا أيها الناس سلوني قبل أن تفقدوني
~~فوالله لو سألتموني عن فئة تضل مائة وتهدي مائة لأخبرتكم بقائدها وسائقها
~~إلى يوم القيامة وما من آية من كتاب الله نزلت في ليل أو نهار أو سهل أو
~~جبل أو حضر أو سفر مكيها ومدنيها ms044 إلا وأنا عالم بتفسيرها وتأويلها وناسخها
~~ومنسوخها) (1) وفيمن نزلت وقال لكميل بن زياد (2) (يا كميل إن هنا - وأشار
~~إلى صدره - لعلما جما لو أصبت له حملة) وكثيرا ما يقول ما يضارع هذه
~~المقالات ولما خطب يوما وذكر كلاما يخبر فيه عن قوم من الأتراك وما يفعلون
~~في بلاد الإسلام من الفساد وقت خروجهم قال بعض أصحابه وكان كلبيا لقد أعطيت
~~يا أمير المؤمنين علم الغيب، فضحك (عليه السلام) وقال للرجل (يا أخا كلب
~~ليس هو بعلم غيب وإنما هو تعلم من ذي علم وإنما علم الغيب علم الساعة وما
~~عدده الله سبحانه إذ يقول: [إن الله عنده علم الساعة] (3) الآية، فهذا علم
~~الغيب لا يعلمه أحد إلا الله وما سوى ذلك فعلم علمه الله نبيه (صلى الله
~~عليه وآله) فعلمنيه ودعا بأن يعيه صدري وأن تضطم عليه جوانحي) إلى غير ذلك
~~وكذلك خص النبي (صلى الله عليه وآله
# PageV00P071
# وسلم) حذيفة بن اليمان (1) من أحوال المنافقين وفسر له من أسمائهم ما لم
~~يفسر بعضه لكثير من الصحابة حتى أن عمر احتاج أن يسأله عن نفسه أهو من
~~المنافقين أم لا كما رواه مخالفونا وأسر لسلمان أشياء كثيرة لم يظهرها
~~لغيره من أصحابه وهكذا مما يطول ذكره.
# الخامس: أنه لو لم يكن النبي (صلى الله عليه وآله) بين لقوم ما لم يبين
~~لغيرهم ولشخص ما لم يبينه لآخر من الأحكام لسقطت أخبار الآحاد وحرم العمل
~~بها، وبيانه أن مضمون خبر الواحد لم يطلع عليه إلا راويه ولم يسمعه من
~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا هو والمفروض أن النبي (صلى الله عليه
~~وآله) لم يخص أحدا ببيان حكم دون أحد وأنه بين جميع الأحكام لكافة الصحابة
~~فما هو من بيان النبي فهو معلوم لجميعهم وما ليس معلوما لجميعهم فهو ليس من
~~بيانه (صلى الله عليه وآله وسلم) وخبر الواحد غير معلوم لكافتهم فيجب أن لا
~~يكون من بيان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيكون مكذوبا ومخالفونا لا
~~يرضون بذلك ولا ms045 يجوز عندهم إسقاط أخبار آحاد الصحابة وكيف يرضون به وهو
~~مبنى صحة مذهبهم ولولا العمل بها لزال أساس أئمتهم كما لا يخفى على العارف
~~بالحال ومنه يثبت المدعى.
# السادس: أنه قد صح عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال:
# PageV00P072
# (أمرنا معاشر الأنبياء أن نكلم الناس على قدر عقولهم) (1) ومن المعلوم
~~أنه ليس في وسع جميع الصحابة معرفة جميع الأحكام الإلهية ولا في قدرة
~~كافتهم حمل كلها وحفظ عامتها فوجب بمقتضى ذلك أن يخص بعضهم دون بعض بقدر ما
~~يحتمله من العلم وقد روي عن عبد الله بن مسعود قال: " ما حدثت رجلا حديثا
~~لا يبلغه عقله إلا كان له فتنة " ويروى مثله عن ابن عباس، والعقل السليم
~~يحكم بصدق مضمونه، وقد صح عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: (إن
~~أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله إلا عبد امتحن الله قلبه للإيمان ولا يعي
~~حديثنا إلا صدور أمينة وأحلام رزينة) (2) وكل ذا مروي عند مخالفينا في بعض
~~كتبهم ويشير إليه من التنزيل قوله تعالى: [لا يكلف الله نفسا إلا وسعها]
~~(3) وما أشبهه، وكل هذه الأدلة سالمة من القدح فيها يثبت المطلوب.
# المقدمة الثالثة إن الله سبحانه وتعالى أراد من العباد العمل في كل واقعة
~~بما هو حكمها عنده لا بما أدى إليه نظرهم واجتهادهم، يدل على ذلك آيات
~~كثيرة من القرآن كقوله تعالى: [ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم
~~الكافرون] (4) وفي أخرى [فأولئك هم الظالمون] وفي ثالثة [فأولئك
# PageV00P073
# هم الفاسقون] وقوله تعالى: [إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين]
~~(1) وقوله سبحانه: [ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام]
~~(2) وهذه الآية والتي قبلها وما أشبههما من أوضح الأدلة على بطلان الاجتهاد
~~لنفيه في الأولى حكم من سواه ونهيه في الثانية عن القول بالتحليل والتحريم
~~بدون دلالة من قوله وكل ذلك ينافي بصريحه الرخصة في الاجتهاد كما ترى،
~~وقوله عز وجل: [فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا
~~في أنفسهم ms046 حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما] (3) علق حصول الإيمان من المكلفين
~~على تحكيمهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما اختلفوا فيه ورضاهم
~~بحكمه وتسليمهم لقضائه وهو يناقض رضاه منهم بالاجتهاد ومثلها قوله تعالى:
~~[ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهيكم عنه فانتهوا] (4) وقوله تعالى: [أفحكم
~~الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون] (5) والآيات الدالة على
~~هذا المطلب كثيرة جدا.
# ومنها آيات الرد إلى الله وإلى الرسول وإلى أولي الأمر فإنها صريحة فيه،
~~إذ لو رضي الله من المجتهدين بالعمل باجتهادهم، لم يكن في الرد إليه وإلى
~~رسوله (صلى الله عليه وآله) وإلى ولاة الأمر عند التنازع والاختلاف فائدة،
~~بل يكون عبثا لا يأمر به الحكيم فيجب أن يكون الرد المذكور لطلبه منهم
~~العمل بحكمه المعين في الواقعة لا بما أدى إليه نظرهم وحصل من اجتهادهم وهو
~~واضح لا يحتاج إلى زيادة البيان، والآيات الناهية عن اتباع
# PageV00P074
# الظن وعن القول على الله بغير علم مثل قوله تعالى: [ولا تقف ما ليس لك به
~~علم] (1) وغيرها والآيات الواردة في ذم المقلدين لأسلافهم كلها على كثرتها
~~صريحة فيه، وتعدادها يوجب التطويل فلنكتف بالإشارة إليها مع ما ذكرناه، فإن
~~قال قائل: فإنكم اختلفتم في كثير من المسائل الشرعية أفترى أن الله أراد
~~منكم الاختلاف ولم يرد منكم العمل بالحكم المعين في تلك المسائل فإن قلتم:
~~نعم، قال: خصومكم فنحن مثلكم قد أراد منا الاختلاف دون الحكم المعين وبطلت
~~مقدمتكم، وإن قلتم لا، ناقضتم أنفسكم وأثبتم مخالفتكم لمراد ربكم وعلى كلا
~~الوجهين لا يصح قولكم؟ قلنا أما نحن فإن الله تعالى رخص لنا في الاختلاف
~~فيما اختلفنا فيه من المسائل الشرعية ولم يرد منا الاجتماع على الحكم
~~المعين فيه في زمان تغلب الظلمة على الأئمة الحق ومنعهم إياهم من التصرف،
~~والدليل على ذلك ما ثبت في الشريعة المطهرة من اختلاف الأحكام باختلاف
~~الأحوال والأشخاص، فإنا نعلم يقينا أن الله عز وجل أراد من مكلف في مسألة
~~حكما معينا في حال وأراد منه في حال ms047 أخرى حكما آخر وأراد من بعض أفراد
~~المكلفين حكما في شئ وأراد فيه حكما آخر من آخرين فقد علمنا أن الله تعالى
~~أوجب على واجد الماء الوضوء للصلاة أو الغسل وأوجب على فاقده التيمم، وأوجب
~~على المرأة في حال خلوها من الحيض والنفاس الصلاة والصيام وأوجب تركهما
~~عليها في وقتهما، وأوجب على الآمن الحاضر إتمام الصلاة وأوجب على الخائف
~~مطلقا وعلى المسافر قصر الصلاة الرباعية، وأوجب الجمعة على الحر الصحيح
~~الحاضر الذي بينه وبين محلتها أقل من فرسخين وأسقطها عن العبد والمرأة
~~والمريض والمسافر ومن هو بعيد عنها بأكثر من فرسخين، وأوجب الزكاة على من
~~ملك النصاب ولم يوجبها على من لم يملكه والحج على المستطيع
# PageV00P075
# وأسقطه عن غير المستطيع، وحرم الميتة والدم ولحم الخنزير على العباد وأحل
~~ذلك للمضطر غير الباغي والعادي، وحرم قتل المسلم وأحل قتل الباغي والعادي
~~وقاطع الطريق، وحرم الكفر وأحل إظهاره عند الاكراه والخوف على النفس وعدم
~~القدرة على دفع العدو عنها كما مر ذكره في قضية عمار إلى غير ذلك مما ورد
~~في الشريعة الاختلاف فيه، ولا يخفى على ذوي الخبرة مواضعه.
# وبالجملة أن الممنوع اختلاف حكم الله باختلاف المجتهدين ورضاه بالاجتهاد
~~في دينه لا تغيير الله حكم المكلف بتغير أحواله وإذا أثبت اختلاف حكم الله
~~على المكلفين باختلاف أحوالهم فيما ذكرناه وفي غيره مما يطول المقام بنقله
~~صح أن يرخص الله للإمام بل يريد منه في حال عدم تمكنه من تشخيص الحكم
~~المعين في الواقعة لاتباعه وعدم تمكنهم من العمل به على التعيين لخوفه
~~الضرر على نفسه في بيانه وعليهم في العمل به إلقاء الخلاف بينهم وخلط الحق
~~بغيره في كثير من المسائل وأن يريد من كل واحد من شيعة الإمام العمل بما
~~ألقى إليه الإمام من الحكم وما فهمه من قول الحجة لأن في ذلك دفع ضرر عن
~~النفس ودفع الضرر عنها واجب، وكل ما توقف عليه الواجب وكان مقدورا فهو واجب
~~عقلا وسمعا فإذا حصل الأمن وذهب الخوف عنا زالت الرخصة ms048 في الاختلاف وتعين
~~على الإمام تعيين الحكم المعين لرعيته وعليهم العمل به، نسأل الله تعجيل
~~الفرج.
# وأما خصومنا فإن الله أراد منهم ما أراد منا من الإقرار للإمام بالإمامة
~~والانقياد لطاعته والتسليم لأمره، والأخذ عنه والرجوع إليه في الأحكام، ولو
~~أنهم فعلوا ذلك إذن لزال الخوف عن الإمام في بيان الحق لاتباعه إذ لا مخالف
~~له وعنهم في العمل به لأن المسلمين على هذا كلهم يكونون أتباع الإمام فلا
~~خوف لأحد منهم على أحد، لكن الخصوم لم يفعلوا شيئا من ذلك فلم يؤدوا ما
~~أراد الله منهم من طاعة الإمام، بل أنكروا إمامته وخالفوه PageV00P076
# ومنعوه وأتباعه من مخالفتهم وألزموه وإياهم بموافقتهم، وتوعدوه بالقتل إن
~~لم يفعل وقتلوا من الأئمة من لم يقبل ما طلبوا منه من موافقتهم، ومن اتهموه
~~بتبعية الإمام من المسلمين، فكان اختلافهم في الشرعيات ناشئا عن مخالفتهم
~~ما أراد الله من طاعة الإمام وفرعا على معصيته في حكمه المعين عليهم من
~~تحري مخالفة الإمام فلم يكن الله ليريد منهم الاختلاف المسبب عن مخالفتهم
~~مراده ولا ليرخص لهم فيه لأن أصل اختلافهم في أحكامه خروجهم عن طاعته في
~~أمره وردهم عليه حكمه، والله تعالى لا يرخص لأحد من الخلق في معصيته ورد
~~أمره ولا في أصل ذلك وفرعه، فكانت حالنا غير حالهم ولم يكونوا مثلنا لأنا
~~غير قادرين على إزالة المانع من إظهار الحق وهم متمكنون من إزالته ببذل
~~الطاعة للإمام فافترقت الحال بيننا وبينهم، فإن قالوا: فما منع الإمام من
~~جهاد العدو ودفعهم ليتمكن من بيان الحق وما منع أتباعه من معونته على ذلك؟
~~قلنا: المانع للجميع عن الأمرين كون أتباع الإمام في جميع الأوقات لقلتهم
~~بالإضافة إلى مخالفيهم غير متمكنين من نصرة الإمام إلى حد يبلغ به الغلبة
~~على أعدائه ودفعه الضرر عن نفوس أوليائه ليحصل له الإمكان من تعيين الحكم
~~الواقعي فكان حكم الله في حقه وحقهم السكوت والكف فسبيلهم في هذه الحال
~~سبيل المسلمين في مكة قبل الهجرة فإن الله أوجب عليهم الكف وترك ms049 الجهاد
~~وأخبر عن ذلك عز وجل: [ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا
~~الصلاة الآية] (1) وذلك لضعف المسلمين يومئذ عن مدافعة المشركين ولزوم
~~إتيان المشركين عليهم لو جاهدوهم لكثرتهم، وقد علم جميع الناس أن من جاهد
~~من أئمة الحق لإحياء الدين قهر وقتل أفظع قتلة، وذلك لقلة ناصريه وسالم من
~~قبله لكثرة خاذليه ولم يبلغ سيد أئمة الهدى مطلبه ولم يدرك مأربه من إقامة
~~عمود الدين،
# PageV00P077
# وإظهار الحق ونشر الأحكام لقصور أهل طاعته عن مقاومة مناويه وقلة مواليه
~~عن عدد معاديه، فمن أين تحصل قدرة الباقين على ذلك مع تفاقم الخطب واشتداد
~~شوكة الظالمين وتشييد أركان دولة الفاسقين واحتياج الإمام في إزاحة الظلم
~~والعدوان إلى اشتباك الحروب واستمرار القتل واستعار نار الوغا وإزهاق
~~النفوس وليس معه من يقوم ببعض ذلك ويصبر عليه؟، فانزاح الاعتراض واتضح من
~~جملة ما قلناه دفع الايراد وثبوت المراد بتوفيق من بيده التوفيق للسداد.
# المقدمة الرابعة إنه لا يجوز أن يكلف الله العباد بما لا سبيل لهم إلى
~~معرفته ولا طريق لهم إلى استعلامه لأنه تكليف ما لا يطاق، والله تعالى منزه
~~عن التكليف به، وهذه المقدمة قد دل عليها العقل والنقل، فأما العقل فإن
~~العقلاء يستقبحون مؤاخذة الغافل ومعاقبة من لم يعلم قبل التنبيه والإعلام
~~حتى شاع عند أولي الألباب أنه لا تكليف إلا بالبيان، وأما النقل فالآيات
~~كثيرة مثل قوله تعالى:
# [ذلك إن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون] (1) وقوله تعالى:
# [وما كنا مهلكي القرى حتى نبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا] (2)
~~وقوله: [وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا] (3) وقوله: [لئلا يكون للناس على
~~الله حجة بعد الرسل] (4) وقوله تعالى: [ولو إنا أهلكناهم بعذاب من قبله
~~وقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك
# PageV00P078
# من قبل أن نذل ونخزى] (1) وقوله تعالى: [لا يكلف الله نفسا إلا وسعها]
~~(2) [لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها] (3) وقوله تعالى: [ما جعل عليكم في
~~الدين من حرج] (4) وأي حرج أعظم من تكليف الإنسان ms050 بما لا يعلمه ولا دليل له
~~عليه فيكون منفيا بعموم الآية؟، والآيات الدالة على هذا المعنى بالصريح غير
~~ما ذكرناه كثيرة لا نطيل بذكرها القول، ومن السنة قول النبي (صلى الله عليه
~~وآله) المستفيض [لا ضرر ولا ضرار في الدين] وتكليف الإنسان بما لا يعلم ضرر
~~عليه ظاهر، وكثير من السنة صريح في المعنى مما لا حاجة إلى ذكره، ولا يخفى
~~على الفطن الخبير على أن ذلك هو المعروف من سيرة النبي (صلى الله عليه
~~وآله) فإنه ما قاتل أحدا من المشركين إلا بعد الإنذار والإعذار إليه وإقامة
~~الحجة إن طلبها منه، وهذه كانت سيرة أمير المؤمنين (عليه السلام) وبالجملة
~~فالأمر في هذا واضح ومنكر ذلك مكابر لا يلتفت إليه لأنه قائل بوقوع المحال
~~وهو محال وأولئك بعض حشوية العامة وبعض أهل الضلال الناسبين إلى الله تعالى
~~القبيح قبحهم الله وأعمى بصائرهم وأعاذنا من مقالتهم.
# المقدمة الخامسة إنه لا طريق إلى معرفة الحكم المعين عند الله في الواقعة
~~إلا من بيان خليفة الرسول (صلوات الله عليه)، والدليل على ذلك أن نصوص
~~الكتاب والسنة لا تفي إلا بيسير من الأحكام الشرعية، وظواهرهما لا تفيد
~~اليقين
# PageV00P079
# لكثرة الاختلاف فيهما واحتمالها الوجوه المتعددة، وباطن الكتاب لا تبلغه
~~عقول الرجال ولا أفهام الناس كيف والله تعالى يقول: [وما يعلمه إلا الله
~~والراسخون في العلم يقولون آمنا به] (1) وليس الراسخ في العلم إلا الإمام
~~المؤيد من الله بالإلهام كما سيأتي فيه البيان التام، وأخبار الآحاد لا
~~تفيد إلا ظنا مع أن كلا من ظواهر الكتاب والسنة النبوية المتواترة وأخبار
~~الآحاد، لا تستوعب الأحكام والوقائع، والإجماع الضروري لم يحصل إلا في قليل
~~من أحكام الشرايع، وما ليس بضروري لا يفيد العلم مع أن حجيته بدون دخول من
~~لا يجوز الخطأ عليه في الأحكام في جملة المجمعين غير ثابتة لجواز الخطأ على
~~الآحاد فيجوز على الجملة، ولا قدح في ذلك بالأخبار المتواترة لأنها إخبار
~~عن محسوس والإجماع إخبار عن أمر نظري، وليس يتطرق إلى المحسوسات من الخفاء ms051
~~والاشتباه ما يتطرق للأمور النظرية غير اليقينية فلذلك امتنع الاشتباه في
~~المحسوسات على الخلق الكثير عادة دون النظريات وحصل القطع بأخبار جماعة
~~كثيرة لا يحتمل تواطئهم على الكذب فيها دون النظريات والمعاني المعقولة فإن
~~احتمال اتفاق الأفهام على الخطأ فيها قائم فتبين الفرق وزال القدح، والقياس
~~لا يفيد إلا وهما غير معتبر في الشرع، لأن المطلوب معرفة الحكم باليقين لا
~~بالوهم، على أن أصحابنا أبطلوه من الأصل واحتج لإبطاله شارح الباب الحادي
~~عشر بأن مبنى شرعنا على اختلاف المتفقات كوجوب الصوم آخر رمضان وتحريمه أول
~~شوال، واتفاق المختلفات كوجوب الوضوء من البول والغائط، واتفاق القتل خطأ
~~والظهار في الكفارة، هذا مع أن الشارع قطع سارق القليل دون غاصب الكثير،
~~وجلد بقذف الزنا وأوجب فيه أربع شهادات دون الكفر وذلك كله ينافي القياس،
~~وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (تعمل هذه الأمة برهة بالكتاب
~~وبرهة
# PageV00P080
# بالسنة وبرهة بالقياس فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا وأضلوا) (1) انتهى قلت:
# والأدلة على بطلان القياس كثيرة قد تكفلت ببيانها كتب أصحابنا في الأصول
~~وليس الغرض هنا التنصيص على بطلان القياس حتى نستزيد من الأدلة على فساده
~~وإنما الغرض نفي كونه طريقا إلى تحصيل الحكم التكليفي وهو حاصل بما ذكرناه،
~~وأما الرجوع إلى البراءة الأصلية فظاهر أنه مستلزم لرفع أحكام كثيرة لأنها
~~عبادة عن أصالة براءة الذمة من الوجوب والتحريم فليست بطريق لبيان الأحكام
~~فتبين أن لا طريق لمعرفة جميع أحكام الله المطلوبة من المكلفين إلا بيان
~~الإمام لأن بيان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يحصل في الجميع لكافة
~~الناس كما مر بيانه ووضح برهانه فلا بد من قائم مقامه في ذلك وهو خليفته
~~والوارث منزلته ليبين للأمة ما احتاجوا إليه، وحيث سلمت هذه المقدمات وصحت
~~ثبت منها أن الحجة لله لا تقوم على العباد والعلة لا تزاح عنهم في جميع
~~أزمنة التكليف إلا بهاد يهديهم إلى الحق ومرشد يرشدهم إلى الصواب ودليل
~~يدلهم على طريق الهدى وعالم لا يتغير علمه يبين لهم ms052 ما اختلفوا فيه من أمر
~~الدين ويقيم لهم الكتاب ويوضح لهم متشابهات الآيات ويفصل لهم مجملات السنة
~~ويفسر لهم ما جهلوه من حدود الملة وذلك هو الإمام، فإذن يجب في حكمة الله
~~تعالى لذلك نصب إمام يحصل به المطلوب في كل أزمنة التكليف ولا يجوز أن يخلو
~~عصر من أعصار التكليف ولا وقت من أوقاته عمن يحصل به الغرض المذكور وتكون
~~له تلك المرتبة الشريفة.
# الثالث (2): من الكتاب المجيد وهو قوله تعالى: [يوم ندع كل أناس
# PageV00P081
# بإمامهم] (1) فإنه صريح في أن لكل أناس إماما، وإضافته إلى ضميرهم يدل
~~على تغيره بتغيرهم فيكون لكل عصر إمام، وقد قال المفسرون في معنى الآية أنه
~~ينادى في الموقف يا أتباع فلان ويا أصحاب فلان فينادى كل قوم باسم إمامهم،
~~وهو نص فيما قلناه من أنه لا بد في كل عصر من إمام، وأنه شخص إنساني لا
~~القرآن إذ لا يتغير بتغير الأزمان ولا يكنى عنه بفلان، وقوله تعالى: [إنما
~~أنت منذر ولكل قوم هاد] (2) وهو أيضا نص في أن كل قوم لا بد أن يكون فيهم
~~هاد يهديهم إلى حكم الله ويدلهم على ما يقربهم إليه وليس عصر من الأعصار
~~إلا وفيه من هو كذلك، فإذن وجود الإمام واجب في كل أعصار التكليف، وجملة من
~~الآيات المتقدمة تومي إليه وكذا غيرها وإن لم تكن صريحة فيه.
# الرابع: الأخبار الدالة على عدم خلو العصر من حجة لله على خلقه عالم لا
~~يتغير علمه فمنها الخبر المشهور وهو قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):
~~(من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية) (3) وفي لفظ عبد الله بن عمر كما رواه
~~الإسكافي (4) (من مات ولا إمام له مات ميتة جاهلية) ولفظ الصدوق
# PageV00P082
# منا: (من مات وليس له إمام..) إلى آخره وذكر بهاء الدين الشيخ الجليل
~~محمد بن حسين بن عبد الصمد العاملي في شرح الأربعين لفظ الحديثين هكذا (من
~~مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية) (1) مشعرا بالاتفاق عليه وعلى كل
~~حال فالخبر دال على ms053 أنه في كل زمان إمام تجب معرفته على المكلفين ولا يجوز
~~لأحد جهله وأن من مات من المسلمين ولم يأتم به مات ميتة كفر ولم ينفعه
~~إسلامه ولا ما عمله من افعال الخير، ولما قلناه طرق عبد الله بن عمر بن
~~الخطاب على الحجاج بابه ليلا ليبايعه لعبد الملك بن مروان فقال الحجاج
~~لحاجبه: قل له يأتي الصبح فأبى أن ينصرف قبل المبايعة وذكر الحديث (2)
~~مستدلا به وأنه خاف أن يطرقه الموت في تلك الليلة فيموت ولا إمام له كما
~~رواه العامة من أمره وفعله ولا يجوز أن يكون المراد بالإمام في الحديث
~~المذكور القرآن كما زعم بعض أهل الخلاف لوجوه.
# الأول: إن القرآن لا يجهله أحد من المسلمين ولا يزعم مخالفته أحد،
~~والإمام المذكور في الخبر مما تقع عليه الخفية وتعرض للناس فيه الجهالة،
~~وإنهم يكونون بين عارف به وجاهل ومؤمن به وتارك فيكون غير القرآن.
# الثاني: إن الإمام المذكور في الخبر مما يتغير بتغير الأزمنة وتغير
~~المكلفين ولو لم يكن كذلك لم يعرض للناس عدم معرفته فيموت منهم من ليس
~~عارفا به ولا معتقدا إمامته والقرآن لا يتغير بتغير الزمان فيكون الإمام
~~المذكور غير القرآن.
# الثالث: إن لفظ الإمام ظاهر في شخص إنساني له رتبة الإمامة لأنه هو
~~المتبادر منه عند الإطلاق ويرشد إليه أن الإمام في الخبر لو كان المراد به
~~القرآن
# PageV00P083
# لكان المراد إما معرفة أحكامه أو العمل به أو معرفة أنه كتاب الله وأن ما
~~فيه من الأحكام عن الله وهو التصديق به المعبر عنه بالمعرفة الإجمالية، لا
~~شئ غير هذه الثلاثة فإن كان المراد الأول فأكثر المسلمين غير عارفين بأحكام
~~القرآن وإنما يعرفه الأوحدي من العلماء والمقلد لا يطلق عليه لفظ المعرفة
~~في العرف القديم ولا باعتبار اللغة العربية فيجب حينئذ أن يكون جميع الناس
~~مكلفين بمعرفة أحكام القرآن ومعانيه عن نظر واجتهاد ومن قصر عن ذلك من
~~المسلمين مات كافرا وهذا مخالف لاتفاق الأمة إذ لا يشترط أحد من أهل العلم
~~ذلك في ms054 صحة الإيمان ثم كيف تحصل لأحد من العلماء معرفة معاني القرآن
~~والإحاطة بما فيه من الأحكام على التمام مع اشتماله على المتشابه والمجمل
~~والخاص والعام والناسخ والمنسوخ وغير ذلك من الوجوه، وعلى هذا لا يموت أحد
~~من الناس إلا كافرا لتعذر الإحاطة بمعرفة القرآن عليه ولا شك في بطلان هذا
~~الوجه وملزومه، وإن كان الثاني فأكثر الناس غير عاملين بالقرآن بل نبذوا
~~أحكامه وتركوا أوامره وعصوا زواجره ولم يعمل به ولا يخالفه في جميع الأحكام
~~إلا يسير بل أيسر من اليسير ومن عمل من الناس به لم يعمل من أحكامه إلا
~~بالقليل فيجب على هذا أن من مات وهو عاص فقد مات كافرا لعدم امتثاله لبعض
~~أحكام القرآن على أن ذلك لازم في أكثر الناس لما أخبر الله سبحانه في
~~القرآن عن عصيان أكثر الناس بقوله: [وقليل من عبادي الشكور] (1) وقوله
~~تعالى:: [ولا تجد أكثرهم شاكرين] (2) وبطلان هذا واضح كالأول لا سيما عند
~~الخصوم، وإن كان الثالث فذاك لا يجهله مسلم ولا ينكره مقر بنبوة نبينا محمد
~~(صلى الله عليه وآله) فلا معرض للجهالة فيه فلا معنى لتقسيم الناس بين ميت
~~على معرفته وميت على الجهل به كما هو مفاد الخبر فظهر من ذلك أن المراد
~~بالإمام فيه غير القرآن، ولا يجوز
# PageV00P084
# أن يراد منه إمام المذهب مطلقا - كما أنه ربما يقول به متعصب من القوم
~~المخالفين لوجوه.
# الأول: إن المتبادر من لفظ الإمام في المقام - بل إذا أطلق مطلق - الرئيس
~~العام المنصوب من قبل الملك العلام لا فقيه قلده في فتاواه جملة من الرعاع
~~وحثالة من الناس والتبادر أمارة الحقيقة.
# الثاني: إن تسمية الفقيه الذي قلده قوم على ما ذكرناه بالامام إنما هو شئ
~~طار من متأخري مخالفينا واصطلاح جديد منهم ولم يكن معروفا في القديم ولا
~~يعرفه الصحابة ولا التابعون ولا من بعدهم بطبقات متعددة وإنما يعرفون من
~~الإمام الرئيس العام، فيلزم أن جعلنا لفظ الإمام في الخبر واقعا على فقيه
~~مقلد لقوم أن يكون النبي (صلى الله ms055 عليه وآله وسلم) خاطب أصحابه بما لا
~~يعرفونه وكلفهم بما لا يفهمونه وذلك غير جائز.
# الثالث: إن الإمام في الخبر لو كان كما يظن من أنه الفقيه المذكور لوجب
~~أن يكون الناس قبل اختراع المذاهب الأربعة ماتوا على الكفر حتى الأئمة
~~الأربعة لأنهم ماتوا ولم يعرفوا أنهم بالمنزلة التي جعلها لهم أكثر العامة
~~ولا دخل في خلدهم ذلك ولا ظنوا أنهم يكونون أئمة لا يجوز مخالفتهم وقتا ما،
~~ويكون الصحابة ومن بعدهم ماتوا كفارا لأنهم لم يعرفوا أن أئمة المذاب
~~ويكونون فلانا وفلانا إلى آخرهم، وهذا ما لا يقول به مميز ولا المراد
~~السلطان المتغلب الجائر كما ذكره بعض العامة إذ لا تجوز ولايته ولا الركون
~~إليه بنص القرآن في قوله تعالى: [ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار]
~~(1) فكيف يكفر من مات جاهلا به وغير معتقد إمامته، وهذا لا يرتاب فيه ذو
~~فهم ولقد رووا عن إمامهم أبي حنيفة أنه قال: " لو دعاني اللص
# PageV00P085
# الدوانيقي إلى حمل آجرة إلى بناء مسجد ما أطعته " (1) وإذا بطل ما
~~احتملوه من الاحتمالات في الخبر في معنى الإمام تعين أن يكون المراد منه ما
~~ذكرناه وهو الرئيس العام المنصوب من الله لهداية الناس وحماية حريم
~~الإسلام، والظاهر من ابن أبي الحديد (2) ظهورا يقرب إلى التصريح أن المراد
~~بالامام في الخبر الأئمة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأن من مات
~~وهو عارف بهم كان مؤمنا ومن مات ولم يعرفهم مات فاسقا وخلد في النار وأراد
~~بهم الخلفاء الأربعة ومن صحت إمامته بعدهم عند أصحابه، وليس المراد من
~~الإمام من هو في زمان المكلف الميت، وجوابه معلوم مما ذكرناه في أول الكلام
~~على معنى الخبر ويؤيده ما رووه وهو أيضا من الراوين لفعل عبد الله بن عمر
~~مع الحجاج وقد مر ذكره فإنه مصرح بأنه فهم من الإمام المذكور في الخبر إمام
~~زمان المكلف لا الإمام الذي مضى زمانه وانقضى دوره، وإن كان قصر في النظر
~~حيث جعل إمام الفساق الذي تجب عداوته ms056 كإمام الحق الذي تجب معرفته، بل رجح
~~الأول على الثاني فقعد عن بيعة أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وخذله مع
~~الخاذلين وفعل ما سمعت في بيعة عبد الملك ولقد أزرى عليه الحجاج بذلك
~~واستحقره حتى أنه لم يجلس له ولم يعطه يده بل أخرج إحدى رجليه من اللحاف
~~وهو نائم وقال بايعها فإن يدي عنك مشغولة (3) وهذا من فرط جهله أو شدة
~~عداوته لأمير المؤمنين (عليه السلام) يرثها لا عن كلالة، والحاصل أن الخبر
~~واضح في أن لكل زمان إماما تجب معرفته على المكلفين ولا يسعهم جهله لا سيما
~~على ما ذكره البهائي في لفظ الحديث، والاحتمالات مزيفة وهو المطلوب روى ثقة
~~الإسلام محمد بن يعقوب
# PageV00P086
# الكليني بسنده عن بريد قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول في قول الله
~~تبارك وتعالى: [أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس]
~~(1) فقال: (ميت لا يعرف شيئا ونورا يمشي به في الناس إماما يأتم به، كمن
~~مثله في الظلمات ليس بخارج منها قال: الذي لا يعرف الإمام) (2):
# وعن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله تعالى: [ومن يؤت
~~الحكمة فقد أوتي خير كثيرا] (3) قال: طاعة الله ومعرفة الإمام (4) انتهى.
# ومنها: قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث الثقلين (لم يفترقا
~~حتى يردا على الحوض) فبين بذلك أنه لا بد من متمسك به مع القرآن من عترته
~~في كل زمان لا ينقطع في وقت ما دام التكليف باقيا حتى يردا عليه الحوض وهو
~~وقت انقطاع التكليف وذلك المتمسك به الذي هو قرين القرآن هو الإمام المدعى
~~إذ لا يجوز أن يكون غيره فيكون باقيا ما بقي التكليف كبقاء القرآن فيجب أن
~~يكون في كل عصر من هو كذلك حتى تصدق القضية التي لا يجوز عليها الكذب.
# ومنها: ما رواه الحاكم وصححه على شرط الشيخين من قول النبي (صلى الله
~~عليه وآله): (النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق وأهل بيتي أمان لأهل الأرض
~~من ms057 الاختلاف) (5) وروى أحمد بن حنبل عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):
~~(إذا ذهب النجوم ذهب أهل السماء وإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض) (6) وروى
~~جماعة من محدثيهم عن النبي (صلى الله عليه
# PageV00P087
# وآله وسلم) قال: (النجوم أمان لأهل السماء وأهل بيتي أمان لأمتي) (1) وفي
~~رواية أخرى (أهل بيتي أمان لأهل الأرض فإذا هلك أهل بيتي جاء أهل الأرض من
~~الآيات من كانوا يوعدون) (2) قال في إسعاف الراغبين وهو من أشد المخالفين
~~بعد نقل هذه الأخبار وقد يشير إلى هذا المعنى قوله تعالى: [وما كان الله
~~ليعذبهم وأنت فيهم] (3) قيام أهل بيته مقامه في الأمان لأنهم منه وهو منهم
~~كما ورد في بعض الطرق انتهى (4).
# أقول وهذه الأخبار صريحة في أنه ما دام التكليف باقيا فلا بد من شخص من
~~العترة يؤمن به أهل الأرض من الاختلاف وأن الأرض لا يمكن خلوها من شخص بهذه
~~المثابة ولو خلت منه لهلك أهلها وذهبوا، فهم أمان لأهل الأرض من الهلاك
~~والاختلاف، وليس كذلك إلا من ذكرناه وهو الإمام المنصوب من قبل الله لبيان
~~الأحكام ورفع الاختلاف وإزالة الاشتباه عن المكلفين في الحلال والحرام لا
~~مع جميع قرابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ ليس كلهم ممن يرضى مذهبه
~~ويحمد طريقه.
# وبالجملة أنه لا يصلح لرفع الاختلاف ويكون أمانا منه ومن الهلاك للعباد
~~إلا من هو مؤيد من الله بالإلهام ومخصوص من النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) بالاعلام لا يتغير علمه ولا يتبدل حكمه وما سواه لا يكون كذلك كما هو
~~ظاهر، وهذا تصديق ما روي عن أئمتنا (عليهم السلام) في هذا المعنى روى الشيخ
~~الجليل محمد بن يعقوب الكليني عن علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى بن يونس
~~عن ابن مسكان عن أبي بصير عن أحدهما
# PageV00P088
# (عليهما السلام) قال: (قال: إن الله لم يدع الأرض بغير عالم ولولا ذلك لم
~~يعرف الحق من الباطل) وعن علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن محمد بن
~~الفضيل عن أبي ms058 حمزة قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): تبقى الأرض بغير
~~إمام؟ قال: (لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت) وعن علي بن إبراهيم عن محمد بن
~~عيسى عن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: قلت له:
~~أتبقى الأرض بغير إمام؟ قال: (لا) قلت: فإنا نروي عن أبي عبد الله (عليه
~~السلام) إنها لا تبقى بغير إمام إلا أن يسخط الله على أهل الأرض أو على
~~العباد فقال: (لا تبقى إذا لساخت) (1) وعن علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى
~~عن أبي عبد الله المؤمن عن أبي هراسة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (لو
~~أن الإمام رفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله) وعن
~~الحسين بن محمد عن معلى بن محمد عن بعض أصحابنا عن أبي علي بن راشد قال:
~~قال أبو الحسن (عليه السلام): (إن الأرض لا تخلو من حجة وأنا والله ذلك
~~الحجة) (1) إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة التي يضيق بنقل بعضها المقام.
# ومما يدل على المطلب من كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام) وأقواله الذي
~~ثبت عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حقه (إنه مع الحق والحق معه)
~~كثير نذكر منه شيئا.
# فمنها: قوله لكميل بن زياد في كلام طويل (اللهم بلى لا تخلو الأرض من
~~قائم لله بحجة إما ظاهرا مشهورا وإما خائفا مغمور لئلا تبطل حجج الله
~~وبيناته وكم ذا وأين؟ أولئك والله الأقلون عددا الأعظمون عند الله قدرا
~~يحفظ الله حججه وبيناته حتى يودعوها نظراءهم ويزرعوها في قلوب أشباههم هجم
~~بهم العلم على حقيقة البصيرة وباشروا روح اليقين واستلانوا ما
# PageV00P089
# استوعره المترفون وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بأبدان
~~أرواحها معلقة بالمحل الأعلى أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إلى دينه،
~~آه آه شوقا إلى رؤيتهم) (1) وهذا الكلام نص صريح في وجوب دوام الحجة وبقاء
~~الخليفة في الأرض ما دام التكليف باق لا يموت واحد حتى يخلفه من يقوم مقامه
~~وحمل ابن أبي الحديد ms059 هذا الكلام على الأبدال السائحين (2) في الأرض فاسد
~~يرد قوله (عليهم السلام): (وخائفا مغمورا) فإن الأبدال الذين عناهم ابن أبي
~~الحديد لا خوف عليهم من أحد ثم إنه من أين يكون لأحد هذا المقام الذي ذكره
~~أمير المؤمنين (عليه السلام) وهذه الأوصاف غير الأئمة بالمعنى الذي قدمناه
~~خصوصا قوله (عليه السلام): (لئلا تبطل حجج الله وبيناته " وقوله: " هجم بهم
~~العلم على حقيقة البصيرة " إلى آخر الأوصاف إذ من المعلوم البتة أنه ليس
~~أحد من المقلد الذين لا يعرفون الحلال والحرام إلا من فتوى إلى أبي حنيفة
~~ومالك والشافعي وأضرابهم الذين يقيسون الدين برأيهم بقائم لله بالحجة وهو
~~مقلد لمن لم يقم بها فمن أين هجم العلم بهؤلاء على حقيقة البصيرة؟ بل من
~~أين حصلت لهم البصيرة هم مقلدون لمشايخهم، وهم مختلفون؟ والخارج عن تقليد
~~المشائخ الأربعة غير صحيح العبادة عند المعتزلي فمن أين يكون قائما بحجة
~~الله إلى آخر الأوصاف؟ ومن أرادهم بقوله لم ينالوا من البصيرة ما يبل صدى
~~الظمئان؟ على إنا لا نعرف الأبدال السائحين في الأرض ولم ندرك منهم من هو
~~مصداق هذه الأوصاف حتى نجعل من لم نره منهم بحكمه كما رأينا الإمام الظاهر
~~وجعلنا الغائب بحكمه بل إنا لا نعرف السائحين إلا القوم الذين يقال لهم
~~الكلندرية والعامة يسمونهم أولياء ويطلق عليهم الناس لفظ الدراويش وهؤلاء
~~قوم لا يصلون فضلا عن أن يكونوا يحسنون الصلاة افترى هؤلاء الذين عناهم
~~أمير المؤمنين بأن باشروا
# PageV00P090
# روح اليقين أو أنهم خلفاء الله في أرضه والدعاة إلى دينه؟ وسائحا غير
~~هؤلاء لا نعرفه، إن صريح كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) أن القوم الذين
~~وصفهم منهم ظاهر ومنهم مستور وكلام المعتزلي مصرح بأن جميع السائحين
~~مستورون لا يعرفون، فلا يطابق كلامه لفظ الخبر ومعناه فلا يصلح أن يحمل
~~عليه، وبالجملة أن كلام المعتزلي لا معنى له وإنما هو من ضيق الخناق فيتعلل
~~بما لا يجدي نفعا والله الهادي.
# ومنها: قوله (عليه السلام) في خطبة له (والهجرة قائمة على حدها الأول ms060 ما
~~كان لله في أهل الأرض حاجة من مستسر الأمة ومعلنها لا يقع اسم الهجرة على
~~أحد إلا بمعرفة الحجة في الأرض فمن عرفها وأقر بها فهو مهاجر ولا يقع اسم
~~الاستضعاف على من بلغته الحجة فسمعتها أذنه ووعاها قلبه) (1) وهذا الكلام
~~من أصرح الصريح في أن الأرض لا تخلو من إمام تجب معرفته وإن من عرفه صح
~~عليه اسم الهجرة فسمي مهاجرا وإن من لم يعرفه سمي مستضعفا لا دين له وهو
~~قوله (عليه السلام)، لا يقع اسم الهجرة على أحد إلا بمعرفة الحجة في الأرض
~~ولا يقع اسم الاستضعاف إلى آخره وأن ذلك باق ما دام التكليف موجودا وهو
~~قوله (عليه السلام) " ما كان لله في أهل الأرض حاجة " وقد اعترف المعتزلي
~~بذلك فإنه لما ذكر الفرق بين هذه الهجرة التي ذكرها أمير المؤمنين وبين
~~الهجرة التي ذكرها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: (لا هجرة بعد
~~الفتح) وخص الأولى بالهجرة إلى الإمام قال: ثم ذكر يعني أمير المؤمنين أنه
~~لا يصح أن يعد الإنسان من المهاجرين إلا بمعرفة إمام زمانه وهو معنى قوله:
~~(إلا بمعرفة الحجة في الأرض) قال: فمن عرف الإمام وأقر به فهو مهاجر قال:
~~ولا يجوز أن يسمى من عرف الإمام مستضعفا - إلى أن قال -: وشيعة الإمام ليست
~~الهجرة بالبدن مفروضة عليهم بل تكفي معرفتهم به وإقرارهم بإمامته فلا يقع
~~اسم الاستضعاف
# PageV00P091
# عليهم (1) انتهى قوله: ولازم قوله أنه من المستضعفين لأنه لا إمام له على
~~طبق مذهبه والخلفاء الفساق الذين في زمانه من بني العباس لا يصلحون للإمامة
~~على الوجه المذكور في قول أصحابه، وإمامنا المستور عن أهل الغرور لا يثبت
~~هو وجوده بل ينفيه في مواضع كثيرة بالصريح من كلامه فبقي حينئذ بلا إمام
~~عدل فهو من المستضعفين لا محالة، والعجب منه في هذا الموضع أنه لم يذكر أن
~~الإمام الذي معرفته تكون هجرة هو القطب الذي كان يدعيه في شرح كثير من خطب
~~أمير المؤمنين المشابهة في المعنى لهذه الخطبة، وأظنه ms061 هنا نسي ذلك و لم
~~يتصور أن الكلام نص في مذهب الإمامية ليتصدى لدفعه ولو بالراح ولستره ولو
~~بالزجاج، وأنت خبير بأن الكلام المذكور صريح وأي صريح فيما ندعيه.
# واعلم أن أمير المؤمنين (عليه السلام) أراد بالمهاجر والمستضعف في قوله
~~المذكور وأشار به إلى ما في قوله تعالى: [إن الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي
~~أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله
~~واسعة فتهاجروا فيها] (2) الآية فمن عرف الإمام في زمانه كان مهاجرا في
~~الأرض وإن لم يخرج من منزله ومن جهل إمام زمانه فهو مستضعف وإن جاب
~~الأقطار.
# ومنها: قوله في خطبة (وإنما الأئمة قوام الله على خلقه وعرفاؤه على عباده
~~ولا يدخل الجنة إلا من عرفهم وعرفوه ولا يدخل النار إلا من أنكرهم وأنكروه)
~~(3) الخطبة، وهي وفق المدعى لأن قوله (عليه السلام): " الأئمة قوام الله
~~على خلقه " صريح في دوام وجود الإمام واستمراره باستمرار زمان التكليف، لأن
~~القائم على الخلق والعريف عليهم يستحيل أن يكون غير موجود ولا حي ولا عارف
~~بأحوالهم، وقوله (عليه السلام): " لا يدخل الجنة "
# PageV00P092
# الخ. معناه أنه لا يدخل الجنة إلا من عرفهم بالإمامة وأقر لهم بها وعرفوه
~~بالاقرار لهم بذلك فيجب حينئذ أن يكون في كل عصر إمام قائم لله على خلقه
~~وعريف عليهم يدخل الجنة من أقر له بالإمامة ويدخل النار من أنكر إمامته
~~ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وهو المطلوب، والكلام ظاهر في
~~سعة علم الإمام لتمكنه من معرفة عارفية ومنكريه مع بعد ديارهم وكثرتهم، وهو
~~تصديق ما ورد من طرقنا عن أهل البيت أن الإمام يعرف أولياءه وأعداءه في
~~أقاصي الأرض وأدانيها، وأن الدنيا عند الإمام بمنزلة الدرهم في كف الإنسان
~~يقلبه يعلم أعلاها وأسفلها كما رواه المشائخ الكبار مثل محمد بن الحسن
~~الصفار ومحمد بن يعقوب وابن بابويه وغيرهم من أكابر محدثينا في كتبهم، وليس
~~المراد أن الأئمة يعرفون أولياءهم يوم القيامة خاصة كما ذكره ابن أبي
~~الحديد في ms062 شرح الخطبة (1) لأن الذين لا يعرفون أولياءهم إلا في الآخرة لا
~~يسمون عرفاء الله على خلقه في الدنيا لأن العريف النقيب والرئيس، على أن
~~معرفة الولي والعدو في الآخرة لا يختص بالأئمة بل الخلق كلهم ينكشف لهم
~~حينئذ الغطاء فيعرف أهل الجنة أولياءهم ويكونوا (إخوانا على سرر متقابلين)،
~~ويعرف أهل النار أولياءهم (كلما دخلت أمة لعنت أختها) ويعرف المظلوم ظالمه
~~وإن كان بعد موته بذكر سئ ويعرف المحسن من أحسن إليه كذلك كما هو معلوم لدى
~~العارفين فلا فضل للأئمة في هذا يوم القيامة على غيرهم ثم إن المتبادر من
~~قوله: " لا يدخل الجنة " الخ. إنه لا يدخل الجنة إلا من عرفهم في الدنيا
~~بالإمامة وعرفوه في الدنيا بالاقرار لهم بها ولا يدخل النار إلا من أنكر
~~إمامتهم في الدنيا وأنكروه، أي لم يعرفوه في الدنيا بالاقرار لهم بالإمامة
~~وهو يؤيد المطلب ويوضحه، وكلام أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا المعنى
~~كثير وسيأتي بعض منه في آخر الكتاب في موضع يشبه هذا الموضع أو هو فرعه إن
~~شاء الله تعالى.
# PageV00P093
# احتج قوم من الخصوم على جواز خلو العصر من إمام بقوله تعالى:
# [لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك] (1) وبقوله تعالى: [وما آتيناهم
~~من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير] (2) وأجاب أصحابنا عنه بأن
~~الآيتين نفي للرسول لأن النذير هو الرسول كما يدل عليه قوله في الآية
~~الثانية [ما أرسلنا] وقوله تعالى: [وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جائهم
~~نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم] (3) وكثير من الآيات وليس في الآيتين نفي
~~الأنبياء والأوصياء الهادين إلى الله تعالى والأول نقول به فإنا نجوز خلو
~~العصر من رسول مبعوث بل من نبي ولا نجوز خلوه من وصي هاد تقوم به الحجة لله
~~على العباد والآيتان لا تنفيانه فلا حجة لكم فيهما على ما ادعيتم أقول أما
~~قوله تعالى في الأولى: [ما آتاهم من نذير من قبلك] (1) وفي الثانية: [وما
~~أرسلنا إليهم قبلك من نذير] (2) فمحتمل لأن يكون الله تعالى ms063 أخبر أنه لم
~~يرسل في قريش رسولا منهم قبل النبي (صلى الله عليه وآله) وإن كان أرسل فيهم
~~من غيرهم وبلغتهم دعوة الرسل (عليه السلام) إلى توحيد الله تعالى فليس في
~~الآيتين دلالة على انتفاء الرسل مطلقا وإنما أقصى دلالتهما على انتفاء رسول
~~إلى قريش عن أنفسهم قبل النبي (صلى الله عليه وآله) ويؤيد ما قلناه قوله
~~تعالى: [وإن من أمة إلا خلا فيها نذير] (4) فإنها ناصة على أنه لا تخلو أمة
~~من الأمم من رسول إليهم منذر يخوفهم من العقاب وقد اعترف بذلك شيخ المعتزلة
~~أبو علي الجبائي (5) فقال وفي هذا دلالة على أنه لا
# PageV00P094
# أحد من المكلفين إلا وقد بعث إليهم الرسول وأنه سبحانه أقام الحجة على
~~جميع الأمم انتهى ومثل ما قلناه في الآيتين قال به الحسن البصري في قوله
~~تعالى:
# [لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون] (1) فقال: (لم يأتهم نذير من
~~أنفسهم وقومهم وإن جائهم من غيرهم) ويحتمل أيضا أن المراد ما أتاهم من نذير
~~من قبلك على حسب ما جئت به وكذلك في الآية الثانية وهذا كما قاله قوم في
~~[لتنذر قوما] الآية فتبين أن الآيتين اللتين احتج بهما الخصم لا تدلان على
~~خلو العصر من الرسل فضلا عن أن تدلا على خلوه من الأوصياء الهادين فسقط
~~الاحتجاج بهما رأسا، وأما الآية الثالثة وهي قوله تعالى: [لتنذر قوما ما
~~أنذر آباؤهم] فقد عرفت ما قيل فيهما مما لا ينفي وجود الرسل إلى قريش من
~~غيرهم، على أن المروي عن عكرمة (2) في معناها لتنذر قوما كما أنذر آباؤهم
~~بجعل ما مصدرية لا نافية وحرف التشبيه محذوف كما حذف في قوله تعالى: [وهي
~~تمر مر السحاب] (3) وهذا القول أدل على المطلوب من الأول ويعضده آيات كثيرة
~~[وإن من أمة] الآية، وآيات نفي الحجة للناس على الله بعد الرسل وقوله
~~تعالى: [ثم أرسلنا رسلنا تترى كلما جاء أمة رسولها كذبوه] (4) وقوله تعالى:
~~[قل قد جائكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم
~~صادقين] (5) جوابا ms064 لقولهم
# PageV00P095
# [لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك] (1) الآية كما قاله بعض الأفاضل
~~وأما في الظاهر فهي جواب لقول اليهود [لن نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان
~~تأكله النار] (2) كما قصه الله من قولهم فلا حجة فيها على المقصود فهذه
~~الآيات دالة على أن الله عز وجل لم يترك أمة بغير رسول تقوم به الحجة عليهم
~~وقال الشيخ الصدوق: " إن معنى الآية الأولى وهي قوله تعالى: [لتنذر قوما ما
~~أتاهم من نذير من قبلك] (3) أي ما جاءهم رسول بتبديل شريعة ولا نسخ ملة ولم
~~ينف الهداة الدعاة من الأوصياء " (4) انتهى وهو محتمل أيضا.
# أما قوله: تعالى: [وما آتيناهم من كتب يدرسونها] (5) فلا دلالة فيه على
~~نفي الرسول وإنما غاية دلالته على أنه لم ينزل الله على قريش كتبا من
~~السماء بلسانهم قبل القرآن وهذا ما لا ينكره أحد ولا ينفع الخصم إذ لا يجب
~~في كل رسول أن يكون معه كتاب وله شريعة بل يجوز إرسال الرسل يدعون إلى
~~شريعة واحدة ولتأكيد ما في العقول كما ذهب إليه الإمامية وأبو علي الجبائي
~~وأتباعه من المعتزلة، ودل على الأول الاتفاق على أن لا شريعة لأحد من
~~الأنبياء إلا لآدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) وأن كل الرسل غيرهم يدعون إلى الشرائع السابقة على شريعتنا، والحاصل
~~أن الآيات لا تدل على نفي الرسل مطلقا بوجه من الوجوه، ولو نزلنا للخضم عن
~~الحجة وقلنا بدلالتها على ذلك لم تكن دالة على نفي إمام هاد تقوم به الحجة
~~لله على العباد كما عرفت من البيان، وقد وضح من ذلك سلامة أدلتنا الدالة
~~على وجوب وجود إمام في كل زمان من أزمنة التكليف عن
# PageV00P096
# معارض فتعين القول به والمصير إليه، ولا بأس بنقل بعض الأخبار عن أئمتنا
~~(عليهم السلام) في هذا المعنى روى ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني بسنده
~~عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): [إنما أنت منذر ولكل
~~قوم هاد] فقال: رسول الله (صلى الله عليه ms065 وآله) المنذر وعلي الهادي، يا أبا
~~محمد هل من هاد اليوم؟ قلت: بلى جعلت فداك ما زال منكم هاد بعد هاد حتى
~~دفعت إليك فقال: (رحمك الله يا أبا محمد لو كان إذا نزلت آية على رجل ثم
~~مات ذلك الرجل ماتت الآية مات الكتاب ولكنه؟؟
# يجري فيمن بقي كما جرى فيمن مضى) (1).
# وروى الصدوق رئيس المحدثين بسنده عن أبي الصباح عن أبي عبد الله (عليه
~~السلام) قال: (إن الله تبارك وتعالى لم يدع الأرض إلا وفيها عالم يعلم
~~الزيادة والنقصان فإذا زاد المؤمنون ردهم وإذا نقصوا شيئا أكمله لهم ولولا
~~ذلك لالتبست على المؤمنين أمورهم).
# وبسنده عن عبد الأعلى بن أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) قال سمعته يقول
~~(ما تترك الأرض بغير عالم ينقص ما زادوا ويزيد ما نقصوا ولولا ذلك لاختلطت
~~على الناس أمورهم) (2).
# وعن سليمان الأعمش عن الصادق جعفر بن محمد في حديث قال:
# (ولم تخل الأرض منذ خلق الله الخلق من حجة الله فيها ظاهر مشهور أو غائب
~~مستور ولا تخلو حتى تقوم الساعة من حجة لله فيها ولولا ذلك ولم يعبد الله)
~~قال سليمان فقلت للصادق فكيف ينتفع الناس بالحجة الغائب المستور؟ قال: (كما
~~ينتفعون بالشمس إذا سترها سحاب) (1) اللهم ثبتنا على
# PageV00P097
# الحق وموالاة الحجة إنك تثبت الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا
~~وفي الآخرة.
# PageV00P098
# [الفصل الأول في شروط الإمام وهو يشتمل على مسائل:] PageV00P099
# المسألة الأولى:
# في عصمة الإمام وينبغي أولا بيان معنى العصمة، فقد اختلف فيها المتكلمون
~~بعد الاتفاق على أنها في اللغة المنع ومنه قوله تعالى: [والله يعصمك من
~~الناس] (1) وقوله تعالى [لا عاصم اليوم من أمر الله] (2) فذكر أصحابنا أن
~~العصمة لطف خفي يفعله الله تعالى بالمكلف بحيث لا يكون له داع إلى ترك
~~الطاعة وارتكاب المعصية مع قدرته على ذلك، وفسرها بأنها الأمر الذي يفعله
~~الله من الألطاف المقربة إلى الطاعات التي يعلم معها أنه لا يقدم على
~~المعصية بشرط لا ينتهي ذلك الأمر إلى الإلجاء، وفسرها بعض آخر ms066 بأنها ملكة
~~نفسانية لا تصدر عن صاحبها المعاصي، وكل هؤلاء متفقون على أن العصمة لا
~~يشترط فيها سلب القدرة على المعصية، وذهب قوم إلى اشتراط سلب القدرة على
~~المعصية في العصمة، ثم اختلفوا في معناها فقال قوم: إن المعصوم مختص في
~~بدنه وفي نفسه بأمر يقتضي امتناع إقدامه على المعصية فالعصمة على هذا هي
~~ذلك الأمر المذكور، وقال بعض: إن العصمة هي القدرة على الطاعة وعدم القدرة
~~على المعصية، وهو قول أبي
# PageV00P101
# الحسين البصري، (1) وأصحابنا رضوان الله عليهم لا يختلفون في قدرة
~~المعصوم على المعصية لكنه لا يفعلها، ولا يصح نسبتها إليه، بل ينبغي أن
~~يقال: إنه لا يشترط في العصمة ألا تخطر المعصية بباله إذ لولا ذلك لكان
~~مسلوب القدرة، وإلا صح ما قاله أصحابنا: إن المعصوم لو لم يكن قادرا على
~~فعل المعصية لما كان مكلفا بتركها إذ شرط التكليف بالشئ القدرة على فعله
~~وتركه إذ لا يصح أن يقال إن الإنسان مكلف بترك الطيران إلى السماء كما أنه
~~لا يجوز أن يكلف بالطيران إليها لعدم الاستطاعة إلى ذلك والتالي باطل فقد
~~علمنا بتوجه الأمر والنية إلى المعصومين من الأنبياء والأوصياء وإذا بطل
~~التالي بطل المقدم، وأيضا لو كان المعصوم غير قادر على فعل المعصية لما
~~استحق على تركها ثوابا ولا مدحا لأنه في تركها مجبور على الترك وملجأ إلى
~~الاجتناب، ولا مدح لمجبور ولا ثواب لملجأ كما لا يخفى والكل باطل بالاتفاق
~~إذ لا نزاع في استحقاق المعصوم على ترك المعصية المدح والثواب والكتاب دال
~~عليه فالمقدم باطل أيضا، إذا عرفت هذا فاعلم أن الناس قد اختلفوا في أن
~~الإمام يجب أن يكون معصوما أم لا؟ فذهب أصحابنا الإمامية ووافقهم
~~الإسماعيلية إلى أن الإمام يجب أن يكون معصوما من أول عمره إلى آخره عن
~~ارتكاب المعاصي كبائرها وصغائرها وعن الخطأ في الأحكام، وقال باقي الفرق لا
~~يجب في الإمام العصمة بل تكفي العدالة، والأصح هو مذهب أصحابنا ولنا على
~~ذلك وجوه من الأدلة عقلا وسمعا.
# الأول: إن ms067 المحوج إلى الإمام هو جواز الخطأ على الأمة في العلم والعمل
~~فلو جاز الخطأ على الإمام فيهما لوجب له إمام آخر وذلك الإمام أيضا إن كان
~~معصوما ثبت المطلوب وإلا احتاج إلى إمام آخر فيتسلسل إلى غير النهاية
# PageV00P102
# والتسلسل باطل فوجب أن يكون الإمام معصوما دفعا للزوم التسلسل لولاه،
~~وأجاب القوشجي عن هذا الدليل بأن للأشاعرة أن يقولوا لا نسلم أن الحاجة إلى
~~الإمام لما ذكرتم، بل لما ذكرنا في وجوب نصب الإمام ولا يلزم أن يكون
~~معصوما.
# أقول: وجوابه قد عرفته فيما سبق عند إيراد ما احتج به على وجوب نصب
~~الإمام سمعا فإنا بينا هناك بطلان ما قال وبينا أن الحاجة إلى الإمام هو ما
~~ذكرناه لا ما ذكره خاصة بما لا مزيد عليه.
# الثاني: إن الإمام حافظ للشرع فلو جاز الخطأ لم يكن حافظا له هذا خلف إما
~~أنه حافظ للشرع فلما نبينه وما بيناه في المقدمة، وإما أن المخطئ غير حافظ
~~للشرع فظاهر لا يحتاج إلى بيان فوجب أن يكون الإمام معصوما.
# وأجاب القوشجي عنه بأن الإمام ليس بحافظ للشرع بذاته بل بالكتاب والسنة
~~واجتهاده الصحيح فإن أخطأ في اجتهاده فالمجتهدون يردون والآمرون بالمعروف
~~يصدون وإن لم يفعلوا أيضا فلا نقص للشريعة القويمة.
# أقول: هذا الجواب فاسد أما قوله: ليس حافظا للشرع بذاته، فما أدري ما عنى
~~به؟ فإن كان يعني أن الإمام علمه ذاتي كعلم البارئ تعالى لا يحتاج إلى
~~التعلم فذلك ما لا يدعيه أحد من الناس، وإنما المدعي كونه معلما من الرسول
~~(صلى الله عليه وآله) جميع ما يحتاج إليه الناس في أمور دينهم ودنياهم
~~ومفهما من الله علم التأويل بحيث لا يشذ عنه حكم واقعة من الوقائع ولا يسئل
~~عن شئ إلا وهو يعلمه من كتاب الله علما لا تغير فيه ولا تبديل ولا اختلاف
~~وليس علما اجتهاديا وحكما نظريا يختلف باختلاف النظر ويتغير بتغير
~~الاجتهاد، وإن عنى بقوله بذاته هذا المعنى المدعى فليس هذا علما ذاتيا
~~وإنما هو علم من الكتاب ms068 والسنة وليس بخارج عنهما لكنه علم يقيني لا يتطرق
~~PageV00P103
# عليه التبدل والاختلاف بتبدل الأنظار واختلاف الاعتبار فيخطي تارة وطورا
~~يصيب كحال أئمة المجيب، وأما قوله واجتهاده الصحيح فهو مناقض لقوله فإن
~~أخطأ في اجتهاده فأين الصحة مع الخطأ، وقد تقدم منا تحقيق بطلان الاجتهاد
~~الذي عناه الذي هو ملازم لمخالفة الحق دائما وأنه ليس طريقا لبيان أحكام
~~الله ولم يتعبد الله عباده به في المقدمات الخمس وأوضحناه أتم الإيضاح
~~وسيأتي له مزيد بيان.
# وبالجملة إنا أثبتنا أن الإمام حجة الله على خلقه والحجة لا تقوم
~~بالمجتهد لجواز الخطأ عليه كما اعترف به المجيب في كلامه، وقوله:
~~فالمجتهدون يردون فيه الحكم بانقلاب المحجوج حجة والمأمور الذي تجب عليه
~~الطاعة أميرا واجب الطاعة وهذا إخراج للإمام عن الإمامة لما علمت أنها
~~رئاسة عامة في الدين والدنيا والمردود عن اجتهاده مرؤوس لا رئيس ومحكوم
~~عليه لا حاكم، وقوله: والآمرون بالمعروف يصدون، أظهر قبحا فإن المصدود
~~الممنوع من إمضاء الحكم من سائر الرعية وأداني الناس ليس له رئاسة على أحد،
~~وليت شعري أي إمامة ورئاسة تبقى لذلك الإمام الذي لا يؤمن عليه الخطأ في
~~الأحكام مع رد الرعية اجتهاده وإبطالهم قوله ومنعهم إياه من إمضاء الحكم
~~الذي اجتهد فيه؟ وهل هذا على ما ذكر إلا مأمور منهي يساس ويؤدب من رعيته
~~الذي نصب لسياستهم وتأديبهم فلا يكون على هذه الحالة إماما البتة مع ما
~~يلزم من وجوب طاعة مجتهد ومخالفة آخر وذلك أن الإمام إذا اجتهد في حكم
~~فخالف فيه اجتهاد قوم مجتهدين قد اختلفوا؟ أيضا على قولين أو ثلاثة، لما
~~علمت من أن الاجتهاد غير منضبط فحينئذ كل فريق يخطئون الإمام ويأمرونه
~~بالرجوع إلى قولهم فليخبرنا القوشجي عن إمامه ذلك عن رأي أي الفرق يصدر
~~وبقول أيهم يأخذ ولأمر أيهم يطيع مع لزوم الترجيح من دون مرجح في تقديم
~~تقليده لكل واحدة من الفرق على الأخرى والاقتداء بها دون أختها، فهو مرتهن
~~دائما بعصيان فرقة لطاعته الأخرى PageV00P104
# ومصدود عن الأمر دائما لدوام اختلاف ms069 المجتهدين؟ افترى هذا إماما أم هو
~~أذل المأمومين؟ وبعد فمن أين توجه عليه الخطأ في الاجتهاد عند القوشجي
~~وأصحابه واحتيج إلى الانكار عليه من المجتهدين مع حكمهم بأن كل مجتهد مصيب؟
~~وهل يبقى على هذا القول فضل لمجتهد على مجتهد آخر حتى يكون أحدهما يرد
~~الآخر عن اجتهاده ويصده عن حكمه؟ ثم لو قلنا بعدم الإصابة في الاجتهاد الذي
~~هو مخالف لقول المجيب فمن أين علم أن المخطئ هو الإمام وأن المصيب غيره؟
~~وهل يعلم ذلك إلا من هو مطلع على باطن حكم الله في الواقع؟ وإذا وجد هذا
~~فهو الإمام لا محالة، لا ذلك المجتهد المخطئ والمجيب ينفيه فيلزم حينئذ عدم
~~جواز رد مجتهد من الناس اجتهاد غيره الإمام ومن سواه لتساويهم في عدم العلم
~~بالإصابة أو الخطأ على القول بالتخطئة وفي الإصابة معا على القول بالتصويب،
~~فلا يكون لواحد رياسة على الآخر فلا إمام ولا مأموم إلا الرعاع والأوباش
~~فإن إمامهم من يقلدونه، فما أكثر الأئمة على هذا القول لو كان قائلوه
~~يشعرون ولما قالوه يفهمون، وقوله: فإن لم يفعلوه الخ فهو أفحش من الجميع
~~لأنه إخراج للأمر بالمعروف الواجب عن الوجوب ولا يخفى ما فيه من المناقضة،
~~وقوله فلا نقص للشريعة القويمة، إن أراد أن عصيان المجتهدين بترك رد إمامهم
~~المخطئ وترك الانكار عليه لا يغير حكم الله ولا يبدل فرضه فلا ينقلب به
~~الحرام حلالا ولا الحلال حراما بل يلزم العاصي الإثم على المعصية فذلك صحيح
~~عندنا لكنه لا يرضى به لاستلزامه اتفاق الأمة على الخطأ وهو خلاف مذهبه،
~~وإن أراد أن عصيان المجتهدين في تركهم النكير على إمامهم الخاطئ لا يوجب
~~الإثم لهم ولا يخرجهم من حيز العدالة وعصيان الإمام وخطؤه لا يبطل إمامته
~~فذلك باطل باتفاق الأمة والنص من الكتاب والسنة، ومن المحال أن يكون كف
~~الناس عن إنكار المنكر مسقطا عنهم الإثم ومجوزا لفاعل المنكر فعله، والحاصل
~~أن هذا الكلام تدليس وتلبيس لا معنى له ولا فائدة فيه وأنت بعد الإحاطة بما
~~PageV00P105
# قررناه ms070 لا ترتاب في بطلانه وبذلك يسلم دليلنا من الايراد ويتم به المراد.
# الثالث (1): إن الإمام لو أقدم على المعصية لوجب الانكار عليه وهو مضاد
~~لوجوب إطاعته الثابت بقوله تعالى: [أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر
~~منكم] (2) ومفوت للغرض من نصبه وهو امتثال أوامره واجتناب مناهيه واتباعه
~~فيما يفعله فيكون من تجب طاعته والاقتداء به في القول والفعل يجب الانكار
~~عليه والبراءة من فعله، أو يلزم الإثم بترك النكير عليه، أو يخرج الأمر
~~بالمعروف والنهي عن المنكر عن كونهما واجبين، وكله باطل فوجب أن يكون
~~الإمام معصوما لدفع هذه المحذورات، وأجاب عنه القوشجي بأن وجوب الإطاعة
~~إنما هو فيما لا يخالف الشرع، وأما فيما يخالفه فالرد والانكار فإن لم
~~يتيسر فسكوت عن اضطرار أقول: وهذا ليس بجواب عن الدليل بالمرة، وإنما هو
~~تدليس وتشبيه على غير ذي الروية، لأن قوله: إن وجوب الإطاعة إنما هو فيما
~~لا يخالف الشرع مسلم لا ينكره أحد ولا ندعي خلافه وكذلك قوله وأما فيما
~~يخالفه فالرد والانكار صحيح مسلم وهو خلاف المدعي، فإن المدعي أن الإمام لا
~~يجوز عليه الخطأ وارتكاب المعصية، ولو جاز عليه ذلك فحين يواقع الخطيئة إن
~~وجب الانكار عليه خرج عن كونه واجب الطاعة وهو واجب الطاعة بالنص والاجماع،
~~وإن لم يجب الانكار عليه خرج الواجب عن كونه واجبا وهو كذلك باطل فحينئذ
~~وجب كونه معصوما لا يواقع معصية ولا يحتاج إلى الانكار عليه ويكون الراد
~~عليه عليه قوله رادا على الله ورسوله، وليس المدعي أن الإمام يخالف الشرع
~~فتجب إطاعته في مخالفة الشرع ولا يجوز الانكار عليه وجوابه إنما يتوجه
~~علينا لو كان هذا مدعانا وليس هذا هو فسقط الجواب من أصله ولا يتوجه له
~~الجواب إلا بإقامة حجة على منع اللوازم الباطلة مثل أن يمنع وجوب الانكار
~~على الإمام إذا عصى
# PageV00P106
# ويقيم عليه دليلا وغير ذلك من اللوازم المذكورة في الدليل مع مباشرة
~~الإمام المعصية وهو لم يقم على منع شئ منها حجة بالمرة، فليس إيراده بوارد
~~علينا بل ms071 هو مما نقول به ونجعله جزءا من الدليل كما ترى، وقوله: فإن لم
~~يتيسر فسكوت عن اضطرار واه جدا، لأنه يستلزم أمرين قبيحين: أما كون ذلك
~~الإمام العاصي متظاهرا بالمعصية ومتغلبا على الأمة بمن يوافقه من العاصين
~~بحيث يبلغ تغلبه إلى خوف أهل العلم والفضل من الانكار عليه إذا عصى ولا
~~يقدرون على إظهار النكير عليه لتجبره وتكبره عن قبول الحق والعمل به ومعلوم
~~أن هذا ليس بإمام مرشد ولا رئيس عادل، بل هو ظالم جائر وجبار فاسق ولا يصلح
~~أن يكون إماما إلا للقوشجي وأمثاله وليس كلامنا في مثل هذا العنيد المريد،
~~ولا يجوز للقوشجي أن يناضل ويخاصم عن مثل هذا الإمام الفاجر الذي يدعو إلى
~~النار ويتكلف لنصرته كلاما مسجعا لا حقيقة له يشبه سجع الكهان، وليس هذا
~~بإمام أصلا حتى نحتاج إلى البحث عنه، وهذا المعنى هو الأقرب والأنسب بعدم
~~تيسر الانكار والسكوت عن اضطرار في كلامه، أي إن الناس يضطرون إلى السكوت
~~عن ذلك الإمام فلا ينكرون عليه لخوفهم من شره وطغيانه، وأما كون الأمة
~~موافقين له على المعصية فاضطروا إلى السكوت لاتفاق الجميع على العصيان وهذا
~~كما ترى مستلزم لإجماع الأمة على الخطأ واتفاقهم على الباطل وإلا كيف يتصور
~~عجز كافتهم وعدم قدرة جميعهم عن الانكار على ذلك الفاسق لولا مواطاتهم معه
~~على الخطيئة وهو باطل عنده فبطل جوابه من جميع وجوهه وصح دليلنا، اللهم إلا
~~أن يقول إن الإمام لا يشترط فيه العدالة أيضا كما يفهم من كلام جماعة من
~~قدماء العامة وحينئذ يلزمه الائتمام بمن وجبت منه البراءة بقوله تعالى:
~~[ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار] (1) فيستحق ما وعد الله من
~~العذاب والخزي على ولاية الظالمين ومعونتهم وبئس هذا المذهب مذهبا.
# PageV00P107
# الرابع (1): إن الإمام لو أقدم على المعصية للزم من ذلك انحطاط درجته عن
~~أقل العوام لأنه أعرف بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات فصدور المعصية منه
~~أقبح من صدورها من العوام وذلك ينافي علوه وأبهة رياسته ويكون أنزل درجة من
~~العوام ورعاع الناس ms072 فوجب أن يكون معصوما، ولا قدح للقوشجي فيه وكأنه لا
~~يمنع كون الإمام ناقص الدرجة عن عوام الناس كما يظهر من كلاميه المتقدمين.
# الخامس (2): إن الإمام أمين المسلمين على دينهم وخازنهم على أموالهم فلو
~~لم يكن معصوما لم يؤمن عليه من تغيير الأحكام والمحاباة في القضاء بين
~~المسلمين والايثار بالمال لرغبة أو رهبة كما وقع لأئمة القوم فيجئ الفساد
~~من حيث طلب الصلاح، والعدالة لا تكفي لجواز ارتفاعها عند عروض الأسباب
~~الداعية إلى ما ذكرنا إذ ليست من الصفات اللازمة فلا يحصل بها الأمن
~~اليقيني من تغيير الأحكام والإيثار بالمال فلا تنحسم بها مادة التهمة
~~المثيرة للخلاف والفتنة فوجب كون الإمام معصوما لحسم تلك المواد المنافية
~~للغرض من نصب الإمام الذي من جملته حصول الألفة به.
# السادس (3): إنه لو لم يكن في الأمة معصوم يجوز عليه الخطأ في الأحكام لم
~~يكن إجماعهم حجة لجواز الخطأ على كل الأفراد فيجوز على الجملة كما بيناه
~~أولا ويشير إليه قوله تعالى: [أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم] (4)
~~وقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (ألا لا ترجعن بعدي كفارا يضرب
~~بعضكم رقاب بعض بالسيف) (5) فإن هذا الخطاب لا
# PageV00P108
# يوجه إلا لمن يجوز عليه الخطأ وهو كما ترى موجه إلى الجملة فيخرج الإجماع
~~عن الحجية لكنه حجة عند الخصوم فيجب أن يكون في المجمعين من لا يخطئ في
~~الحكم لتثبت بوجوده في المجمعين حجية الإجماع ويجب أن يكون ذلك هو الإمام
~~لأنه أولى الناس بهذه المنزلة فالإمام معصوم.
# السابع: إنه قد حصل الاتفاق في النقل عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~أنه قال: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى تقوم الساعة) (1) وحينئذ إن
~~كانت تلك الطائفة فيهم معصوم من الخطأ يرجعون إلى قوله ويأخذون بحكمه
~~ويعتمدون في الدين على بيانه فذلك المراد ويكون ذلك هو الإمام لما ذكرنا من
~~قريب، وإن لم يكن فيهم معصوم بتلك المثابة وجب أن يكونوا كغيرهم من الطوائف
~~يخطئون ويصيبون فلم يكونوا على الحق أبدا ms073 إذ لا خصوصية لهم على غيرهم من
~~الفرق وعلى هذا توجب لهم دوام الإصابة ولا مانع لهم عليه من الخطأ، فمن أي
~~وجه كانوا ملازمين للصواب مستمرين على الحق على أن لازم ذلك كون الطائفة
~~بأسرهم معصومين ولا قائل به بل هو خلاف ما قاله خصومنا من انتفاء معصوم في
~~الأمة فيجب أن يكون الأول هو المقصود، وهو أن تلك الطائفة فيهم من لا يجوز
~~عليه الخطأ في الأحكام وهم تابعوه في أقواله وأفعاله فكانوا بتبعية المعصوم
~~معصومين من الخطأ وذلك المعصوم هو الإمام وهو المطلوب ولو قلنا بأن الطائفة
~~التي لا تزال على الحق
# PageV00P109
# هم الأئمة إمام بعد إمام لكان ذلك أدل على المراد من إثبات عصمة الإمام
~~من الأول فتأمل.
# الثامن: قوله عز وجل: [وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني
~~جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين] (1) وجه
~~الدلالة أن الآية تضمنت سؤال إبراهيم الخليل ربه القاهر الجليل أن يجعل من
~~ذريته إماما فأجابه الله تعالى بأن الإمامة وهو قوله [عهدي] لا تنال
~~الظالمين فلا يكون من جرى عليه اسم الظلم لها أهلا ولا لمقامها مستحقا إذ
~~من المعلوم ضرورة أن الخليل (عليه إسلام) لم يسأل الإمامة لظالم في حال
~~ظلمه ولا لعاص في وقت عصيانه، وإنما سألها لمن كان من ذريته في حال
~~استقامته وصلاحه، فأخرج الله منها الظالم فيلزم أن يكون المراد بالظالم من
~~جرى عليه اسم الظلم وقتا ما فيجب من ذلك أن يكون مستحق الإمامة من لم يجر
~~عليه اسم الظلم من أول عمره إلى آخره وذلك معنى العصمة، ثم إن الظلم يطلق
~~على الشرك والكفر وسائر المعاصي فمن إطلاقه على الشرك قوله تقدس وتعالى:
~~[إن الشرك لظلم عظيم] (2) ومن إطلاقه على الكفر قوله تعالى: [والكافرون هم
~~الظالمون] (3) ومن إطلاقه على سائر المعاصي قوله تعالى: [لكم رؤس أموالكم
~~لا تظلمون ولا تظلمون] (4) فسمى أخذ الربا ظلما ونقص الغريم رأس مال معامله
~~ظلما وليس واحد منهما بكفر اتفاقا وقوله ms074 تعالى: [لا يحب الله الجهر بالسوء
~~من القول إلا من ظلم] (5) معلوم أن المراد من عدم محبة الله الجهر بالسوء
~~من القول في المسلمين لا في الكفار إذ لا
# PageV00P110
# حرمة لهم في الإسلام بالاجماع فكان معنى الآية أن من ظلم مسلما في ماله
~~أو عرضه أو بدنه من المسلمين جاز للمظلوم أن يذكره بسوء ما صنعه، وليس غصب
~~مال مسلم أو شتمه مثلا أو ضربه بغير حق كفرا وقد سماه الله ظلما، وقوله
~~تعالى: [فمن قتل مظلوما] الآية (1) وإذا كان المقتول مظلوما فالقاتل ظالم
~~البتة وليس القتل بكفر وقد سماه الله ظلما وقوله تعالى: [إن عدة الشهور عند
~~الله اثنى عشر شهرا - إلى قوله - منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا
~~تظلموا فيهن أنفسكم] (2) فسمى القتال في الأشهر الحرم ظلما وهو ليس بكفر
~~وقوله عز وجل: [قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين] (3) فجعل حرمان الفقراء
~~والمساكين من حصتهم وهو حقهم عند صرام أصحاب الجنة جنتهم ظلما وهو ليس بكفر
~~إلى غير ذلك من الآيات التي يطول تعدادها، فحينئذ وجب في الإمام العصمة من
~~جميع الذنوب التي يصدق عليها اسم الظلم والكفر وغيره من المعاصي من أول
~~عمره إلى آخره لئلا يكون اسم الظلم جاريا عليه في بعض أحواله وأطواره فيخرج
~~عن استحقاق الإمامة التي هي عهد الله ويسقط حظه عن نيلها لاشتراط كون
~~الإمام غير ظالم في صريح الآية، فالآية المذكورة ولله الحمد صريحة في وجوب
~~عصمة الإمام غاية الصراحة لا تقبل التأويل وقد اعترف الفخر الرازي وهو من
~~أعاظم المخالفين بدلالتها على ذلك في تفسيره وصرح بأنهم تركوا العمل
~~بمضمونها على عمد قال: " أما الشيعة فإنهم يستدلون بها على صحة قولهم في
~~وجوب العصمة ظاهرا وباطنا، وأما نحن فنقول مقتضى الآية ذلك إلا أنا تركنا
~~الباطن فتبقى العدالة معتبرة " (4) انتهى فانظر لكلامه وتصريحه بمخالفتهم
~~مقتضى الآية من
# PageV00P111
# غير حجة لتتضح لك حالهم في تعمدهم مخالفة الحق وارتكاب الباطل على علم
~~ويقين، ومنها علم أن من أسلم عن كفر لا ms075 يصلح للإمامة لفوات العصمة وما أجاب
~~به القوشجي عن الآية بأن غاية الأمر ثبوت التنافي بين الظلم والإمامة ولا
~~محذور إذا لم يجتمعا باطل بما سبق من البيان من أن المسؤول له الإمامة ليس
~~الظالم في حال ظلمه ولا ذلك بمقام خليل الرحمن ولا يجوز عاقل يخاف الله
~~نسبة ذلك إليه بل لمن كان في حال الصلاح أعم من أن يكون ممن يجري منه الظلم
~~أو غيره، وحيث كان الجواب واردا بإخراج الظالم من استحقاق الإمامة التي هي
~~عهد الله تعين أن يكون المراد به من جاز صدور الظلم منه أو صدر منه الظلم
~~اناما؟؟ لا الظالم وقت ظلمه إذ ليس مسؤولا له الإمامة فلو كان هو المراد من
~~الجواب لم ينطبق على السؤال ولكان السؤال باقيا بغير جواب وهو خلاف المعلوم
~~المتفق عليه من كون هذا الجواب لذلك السؤال، وأيضا إن الظالمين اسم فاعل
~~وال موصولة واسم الفاعل إذا كان صلة الأل تعين كونه للماضي فإذا قيل جاء
~~القائم كان المراد به الذي قام فمعنى الظالمين بحسب اللغة العربية الذين
~~ظلموا قبل لا ينالهم عهد الإمامة وإن صلحوا لا الظالمين في الحال لأنه خلاف
~~العربية فكانت الآية صريحة في وجوب عصمة الإمام قبل الإمامة وفي أن نيل
~~الإمامة مشروط بسبق العصمة فيجب حصولها أيضا في الحال وفي المآل في الإمام
~~لأنها شرط لنيل الإمامة وإذا زال الشرط زال المشروط فزال اعتراض المعترض
~~وذهب إيراده فليتأمل المقام فإنه حقيق بالتأمل، ومما يضحك الحزين غفلته (1)
~~عن معنى قوله أن غاية الأمر ثبوت التنافي بين الظلم والإمامة، فإنه يتضمن
~~أن الإمام كلما ظلم زالت إمامته، وعلى هذا لو نصب إمام فظلم بعد نصبه بلا
~~فصل وجب عزله لتنافي الإمامة والظلم باعترافه فيظلم كذلك فتكون حاله حال
~~الأول وهكذا فجاز أن ينصب في يوم واحد عشرة أئمة وأكثر ويعزلوا لأن الفرض
# PageV00P112
# أن الإمام ليس بمعصوم وصدور الظلم منه جائز فأي شئ على هذا أضيع من هذه
~~الإمامة؟ وأي ذليل وناقص أذل وانقص من ms076 هذا الإمام الذي ينصب ويعزل في ساعة
~~واحدة؟ وهل بمثله يعز الدين وتقوى شوكة المسلمين، أوليس أنه لا مخرج من هذا
~~المحذور الذي يتضمنه كلام المجيب إلا باشتراط العصمة في الإمام أو لا يدري
~~أنا لم نشترط العصمة في الإمام إلا من جهة ما ذكره من تنافي الظلم والإمامة
~~فما جعله ردا علينا هو الدليل لنا وهل زادنا به إلا تقوية لو كان يشعر، ولو
~~أن اعترافه بما اعترف به شيخه الرازي من تركهم العمل بمقتضى الآية كما مر
~~عليك من كلامه لكان أولى به وأليق بمذهبه، والحمد لله على إظهار الحق
~~لأهله.
# التاسع: قوله تعالى: [أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم] (1)
~~وجه الدلالة أنه تعالى أمر بإطاعته على الإطلاق لأنه المالك للعباد والأمر
~~والنهي ولا يأمر ولا ينهى إلا بمقتضى حكمته ولا يسأل عما يفعل وعباده
~~يسألون وأمر بطاعة الرسول على الإطلاق أيضا فعرفنا من ذلك أن الرسول (صلى
~~الله عليه وآله) لا يأمر إلا بحق ولا ينهى إلا عن باطل فهو معصوم من الخطأ
~~والزلل بعصمة الله له وتثبيته إياه على نهج الصواب، ولولا ذلك لما أطلق
~~وجوب إطاعته ثم أطلق الأمر بطاعة أولي الأمر كما أطلقه في طاعة نفسه وطاعة
~~رسوله (صلى الله عليه وآله) ولم يقيده بقيد ولم يشترط فيه شرطا فعلمنا من
~~ذلك أيضا أن أولي الأمر معصومون من الخطأ مطهرون من العصيان ملازمون
~~للصواب، لا يأمرون إلا بمعروف ولا ينهون إلا عن منكر، إذ لا يجوز أن يأمر
~~الله على الإطلاق بطاعة من يجوز منه الخطأ في الأحكام ومقارفة الذنوب
~~العظام بل يجب في الحكمة أن يكون الأمر بالطاعة له مشروطا بموافقة طاعة
~~الله وموافقة الحق لا مطلقا كما أنا رأينا
# PageV00P113
# البارئ تعالى اشترط في مواضع كثيرة وقيد الوعد والمدح بلزوم التقوى
~~والاستمرار على الوفاء حيث كان الممدوح والموعود ممن يجوز عليه الخطأ
~~والمخالفة مثل قوله تعالى: [يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن]
~~(1) وقوله تعالى: [إن الذين يبايعونك إنما يبايعون ms077 الله يد الله فوق أيديهم
~~فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسنؤتيه أجرا
~~عظيما] (2) وقوله تعالى: [يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم
~~فرقانا ويغفر لكم] (3) وغير ذلك من الآيات الكثيرة، وحيث لم يشترط في طاعة
~~أولي الأمر شيئا لزم أن يكونوا ملازمين لطاعته لا يخرجون منها إلى معصية
~~وأولوا الأمر هم الأئمة، فالإمام معصوم، فمن كان من أولي الأمر فهو معصوم
~~ومن ليس بمعصوم فليس من أولي الأمر، ولا يعارض ما ذكرناه قوله تعالى: [ولقد
~~أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك] الآية (4) وما جرى
~~مجراها من الآيات لأنها أدب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتهديد لغيره
~~لأن الله قد عصمه من الشرك ومداهنة الكفار فلم يكن الشرط في الحقيقة متوجها
~~إليه بل إلى الأمة وكان الله تعالى كثيرا ما يخاطب النبي (صلى لله عليه
~~وآله وسلم) في القرآن وهو يريد الأمة كقوله تعالى: [يا أيها النبي إذا
~~طلقتم النساء] (5) وغير ذلك، حتى قيل نزل القرآن بإياك أعني واسمعي يا
~~جارة، والفائدة في توجيه الخطاب ظاهرا إلى النبي (صلى الله عليه وآله) في
~~الآية المذكورة ومشابهاتها تهويل أمر الشرك وتعظيمه وقطع أطماع الطامعين من
~~الناس في المغفرة مع الاشراك بعد الإيمان
# PageV00P114
# لأنهم إذا سمعوا أن الله توعد نبيه الكريم مع ما نوه باسمه في القرآن
~~الحكيم بإحباط عمله إن أشرك علموا أنه لا رجاء لغيره في عفو الله عنه إذ
~~أشرك فيحذرون غاية الحذر من الشرك، وليس حال من علمت عصمته بالأدلة القاطعة
~~مثل النبي (صلى الله عليه وآله) كحال غيره ممن علمت عدم عصمته حتى يرتكب في
~~أمره من التأويل ما يرتكب في معلوم العصمة للزوم الجمع بين الأدلة القطعية
~~فتبصر فاندفع إيراد الخصوم بعون الحي القيوم وثبت من الآية ما ندعيه من
~~عصمة الإمام.
# العاشر (1): إن الإمام منصوب لردع العصاة وتأديب الجناة وإقامة الحدود
~~وإذا لم يكن معصوما من مباشرة القبائح كان في نهيه عن ms078 المنكر داخلا في زمرة
~~المذمومين وحاصلا في حيز الملامين الذين قال الله في أمثالهم [أتأمرون
~~الناس بالبر وتنسون أنفسكم] (2) فأي إمامة لمن كان مذموما معاتبا يأمر
~~بالمعروف ويتركه وينهى عن المنكر ويرتكبه وكيف يكون مثل هذا القيم لله على
~~عباده والصادع بدينه والذاب عن حريم الحق وهو يهتكه ويوهنه بعصيانه، حاشى
~~لله أن يكون مثل هذا خليفة الله في أرضه وحجته على خلقه ودليله في عباده
~~وأمينه في بلاده على حلاله وحرامه وحدوده وأحكامه وهو من جملة العاصين ومن
~~القوم المذنبين، وأي عاقل يتصور أن يكون العاصي أهلا لخلافة الله ومستوجبا
~~لنيل عهد الله ومستحقا للنيابة عن أنبياء الله؟ فإن هذه الأوصاف الثابتة
~~للإمام لا يجوزها العقل السليم إلا لمن كان معصوما ولم يكن بشئ من الذنوب
~~موصوما، على أنا لم نر خليفة لنبي فيما مضى إلا مطهرا من الذنوب مبرئا من
~~العيوب ونبينا سيد الأنبياء أفيجوز أن يكون خليفته من العصاة والخائضين في
~~الجهالات؟ إن في هذا لافتراء عظيما على رب الأرضين والسماوات، فيجب أن يكون
~~الإمام معصوما من مواقعة الخطيئات، وأنت ما
# PageV00P115
# أظنك تشك في ذلك بعد الإحاطة بما بيناه والتأمل فيما قررناه.
# احتج ابن أبي الحديد على عدم اشتراط العصمة في الإمام بقول أمير المؤمنين
~~في وصيته لابنه الحسن (عليهما السلام) أو محمد بن الحنفية (1) (أي بني إنه
~~لما رأيتني بلغت سنا ورأيتني أزداد وهنا بادرت بوصيتي إليك وأوردت خصالا
~~منها قبل أن يعجل بي أجلي دون أن أفضي إليك بما في نفسي وأن أنقص في رأيي
~~كما نقصت في جسمي، أو يسبقني إليك بعض غلبات الهوى وفتن الدنيا فتكون
~~كالصعب النفور، وإنما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقى فيها من شئ قبلته،
~~فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبك) هذا آخر ما يمكن تعلقه به من
~~الكلام قال: قوله (عليه السلام): " أو أن أنقض في رأيي " هذا يدل على بطلان
~~قول من قال: إنه لا يجوز أن ينقص في رأيه وأن الإمام معصوم عن أمثال ms079 ذلك
~~وكذلك قوله للحسن " أو يسبقني إليك بعض غلبات الهوى وفتن الدنيا " يدل على
~~أن الإمام لا يجب أن يعصم من غلبات الهوى وفتن الدنيا (2) أقول ليس في هذا
~~حجة ولا تحصل به معارضة بل ينبغي أن يحمل في أمير المؤمنين وفي ابنه إن كان
~~هو الحسن على
# PageV00P116
# أنه خرج مخرج ما جرت به العادة في البشر من حيث الجملة من تقلب أحوالهم
~~وتصرف الأمور بهم وحصول التغيير لهم في الأجسام والآراء وغلبة النفس والهوى
~~على عقولهم لا خصوص الموصي والموصى لأنه (عليه السلام) هنا في مقام التأديب
~~والموعظة وإرادة المبادرة بها وقصد تعجيلها إلى ابنه ومقتضى الحال أن يذكر
~~الداعي إلى ذلك والمسبب إليه في الواعظ والموعوظ ولا شئ أنسب في ذلك مما
~~ذكره ولا أدخل في المقام مما زبره، ولو أنه قال أنا لا أخاف على رأيي نقصا
~~ولا على جسمي وهنا ولا أتخوف عليك من حدوث أمر يصدك عن الاقبال على حمل
~~الموعظة ولا أحاذر عليك من عروض عارض يمنعك من العمل بموجبها لم يكن
~~لموعظته موقع ولم يبق لتعجيلها والمبادرة بها سبب ولا داع فذكر ما ذكر
~~ليحسن منه المسارعة إلى الوعظ ويحمد منه التعجيل فيه إلى ابنه وليس الغرض
~~بيان أنه يجوز حصول ما خافه على نفسه وعلى ابنه لهما، وإذا كان للكلام
~~فائدة أخرى لم يتعين حمله على أحد الفائدتين إلا بقرينة ولا قرينة تعين
~~حمله على ما قاله ابن أبي الحديد بل القرنية تعين حمله على ما قلناه لقيام
~~الأدلة التي سلفت على وجوب عصمة الإمام وما قاله أمير المؤمنين (عليه
~~السلام) في تلك الوصية قبيل هذا الكلام وهو قوله (عليه السلام): (غير أني
~~حيث تفرد بي دون هموم الناس هم نفسي فصدقني رأيي وصرفني عن هواي وصرح لي
~~محض أمري فأفضى إلى جد لا يكون فيه لعب وصدق لا يشوبه كذب) (1) فإنه يدل
~~على عصمته من تغيير ما هو عليه من الرأي لقوله فأفضى إلى جد لا يكون فيه
~~لعب الخ. فلما ms080 حصلت المعارضة في كلامه وجب حمل أحدهما على ما لا يخالف
~~الأدلة الخارجية للتوفيق بين الكلامين ولا يكون ذلك إلا بما قلناه، على أنا
~~نعلم يقينا أنه ليس كلما يفرض الواعظ وقوعه من الموعوظ حتى يتوجه له النهي
~~عنه مما يجب أن يكون صدوره من الموعوظ جائزا عند الواعظ، ولا كلما يفرض
# PageV00P117
# الواعظ صدوره من نفسه يعتقد جواز صدوره منه، فإنا سمعنا الله يقول لنبيه
~~(صلى الله عليها وآله وسلم) [يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين
~~والمنافقين] (1) وقال تعالى: [لا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم
~~ملوما مدحورا] (2) وقال تعالى: [قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم أليم]
~~(3) من المعلوم أن الله عز وجل يعلم أن نبيه محمدا (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) لا يطيع الكافرين والمنافقين ولا يجعل معه إلها آخر ولا يعصيه فيعذبه
~~لأنه قد عصمه وسدده في القرآن من هذا كثير، وقال النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) (أنا سيد الأنبياء ولا فخر ولو عصيت لهويت) (4) وهو يعلم أنه لا يعصي
~~لعلمه بأن الله قد أيده وعصمه وهداه واجتباه، وأخبر عنه إنه لا ينطق عن
~~الهوى لكنه (صلى الله عليه وآله) ذكر ذلك في مقام الوعظ والتحذير من
~~العصيان كما وردت به الرواية فليكن كلام أمير المؤمنين جاريا هذا المجرى بل
~~الواجب حمله عليه، وكيف لا وأمير المؤمنين (عليه السلام) قد علم من أخبار
~~الله في آية التطهير وأخبار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في كثير من
~~أقواله الصريحة الآتية إن شاء الله تعالى أنه لا يصيبه تغير في رأي ولا زلل
~~في قول، وقد أخبر (عليه السلام) بذلك عن نفسه بما ذكرناه مرارا فقال (والله
~~ما ظللت ولا ضل بي ولا زللت ولا زل بي وما زلت على السبيل الواضح ألفظه
~~لفظا) (5) إلى غير ذلك من أقواله المصرحة بأنه ليس
# PageV00P118
# بشاك في نفسه ولا متخوف عروض نقص في رأيه وقد ملئ بها نهج البلاغة وغيره
~~مما لا مجال إلى إنكاره ms081 ولا سبيل إلى دفعه.
# والحاصل أن ما استدل به المعتزلي على مطلبه ليس بدليل بعد ما سمعت فيه من
~~الكلام ولا يعارض على ما فيه من الاجمال والاشتباه الأدلة الصريحة الدالة
~~على وجوب عصمة الإمام كما لا يخفى على ذي حجى، وأن الاستناد إلى مثل هذه
~~الأقوال المجملة القابلة للتأويل والمعارضة الأدلة الصراح بها تشبث بما لا
~~يجدي نفعا ولا يغني من الحق شيئا.
# واعلم أنه كما يجب عصمة الإمام عن ارتكاب الآثام والخطأ في الأحكام كذلك
~~يجب عصمته عن الغلط والسهو والنسيان لأنه قدوة الأنام ومعتمد أهل الإسلام،
~~فلو جاز عليه ذلك لم يحصل الوثوق التام بقوله ولا تطمئن النفوس في الاقتداء
~~بفعله لتجويزها صدور الفعل منه إذ ذاك على جهة الغلط أو السهو أو النسيان
~~وذلك كما علمت مناف لمنصب الإمام ومناقض للغرض من نصبه فوجب أن يكون معصوما
~~مما ينافيه.
# وأجاز الصدوق محمد بن علي بن بابويه وشيخه محمد بن الحسن بن الوليد (1)
~~وقوع السهو والنسيان من الإمام في غير تبليغ الأحكام لكنه من فعل الله به
~~لا من فعل الشيطان ولا من ضعف قوته الحافظة بناء على جواز صدور
# PageV00P119
# السهو من الأنبياء على الوجه المذكور، حتى قال محمد بن الحسن أن أول درجة
~~في الغلو نفي السهو عن الأنبياء واستندا في إجازتهما ذلك إلى أخبار وردت
~~بنسيان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الصلاة وأنه سلم على نقص ساهيا،
~~وأن الله سبحانه وتعالى أنساه كخبر ذي اليدين (1) وما شابهه وهو مستند ضعيف
~~إذ مثل هذه الأخبار الآحاد لا يعارض بها الأدلة القطيعة من العقل والنقل،
~~بل السبيل فيها الرد أو الحمل على أنها خرجت مخرج التقية لأن ذلك مذهب جميع
~~مخالفينا فيجب إرجاعها إلى قولهم، لا سيما وقد وردت أخبار أخر بإزائها تنفي
~~ما اشتملت عليه وتنقض ما تضمنته، ومنها الخبر الذي ورد عن الرضا (عليه
~~السلام) في صفات الإمام (2) فيتعين فيها ما ذكرناه " وأقل الأمور تساقط
~~الأخبار من الطرفين والرجوع إلى الأدلة الثابتة والأخذ ms082 بها وهي تثبت عصمة
~~الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) من جميع ما ينفر منه الطبع ويحصل منه عدم
~~الوثوق والاطمئنان بهم في القول والفعل فيثبت المطلوب على أن اتفاق
~~الإمامية على ذلك حاصل أو هو الحجة، وخلاف الشيخين المذكورين غير قادح فيه
~~لمعلومية نسبهما ومن ذلك يعلم أن نسبة السهو إلى الأنبياء تقصير ونفيه عنهم
~~حق وصواب والله الهادي.
# وقد تبين مما حررناه وجوب كون الإمام منزها عن الخصال الدنية
# PageV00P120
# والآفات الردية والخلائق الغير المرضية، كالبخل والجبن والغلظة والفظاظة
~~والبرص والجذام والعنن وغيرها من الأمراض المنفرة والمسقطة لمحل الإمام من
~~القلوب كل ذلك لمنافاتها منصبه واحتمال وقوعه في المعصية لو كان بخيلا أو
~~جبانا باستئثاره بمال أو منعه حقا أو فراره من زحف، ويكون أيضا منزها عن
~~الطعن في نسبه وقد ذكر في أخبارنا وذكره أيضا بعض أصحابنا أنه يشترط في
~~الإمام أن يكون مسلما لا عن كفر استناد إلى آية الخليل، وقد علمت أن
~~اشتراطنا العصمة في جميع العمر يكفي عنه لدخوله فيه وقد قال النبي (صلى
~~الله عليه وآله وسلم): (من عبد صنما ووثنا لا يكون إماما).
# المسألة الثانية (١):
# يجب أن يكون الإمام أفضل أهل زمانه ولنذكر أولا معنى الفضل فنقول الفضل
~~على معنيين أحدهما كثرة الثواب فيقال: زيد مثلا أفضل من عمرو أي أكثر ثوابا
~~منه، والثاني الجمع للخصال الحميدة من العلم والحلم والعبادة والسخاوة
~~والشجاعة وغير ذلك كما يقال فلان أفضل من فلان أي أجمع منه لخصال الخير
~~وأرجح منه فيها، ومن المعنى الأول قوله تعالى: [وفضل الله المجاهدين على
~~القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا
~~عظيما] (٢) أي جعل له ثوابا زائدا على القاعدين، ومنه ما ورد في الحديث ﴿ركعتان يصليهما متزوج أفضل من سبعين
~~ركعة يصليها اعزب﴾ (3) وما ورد (أن العالم أفضل من سبعين عابدا) (4)
~~وما أشبه ذلك ومن المعنى الثاني قوله تعالى: [ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم
~~في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم ms083 على كثير مما خلقنا تفضيلا)
~~(5) يريد أنه
# PageV00P121
# جمع لهم خصالا زائدة على خصال كثير من خلقه وليس يريد الثواب لدخول
~~الكفار في الآية والكافر لا ثواب له يقينا، وقوله تعالى: [ونفضل بعضها على
~~بعض في الأكل] (1) وقوله تعالى: [تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من
~~كلم الله ورفع بعضهم فوق بعض درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه
~~بروح القدس] (2) يحتمل المعنيين وهو في لفظ التفضيل والايتاء أقرب إلى
~~الثاني كما أن لفظ ورفع إلى درجات يختص بالأول وقوله تعالى: [ولقد فضلنا
~~بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا] (3) يحتمل الوجهين أيضا، إذا تبينت
~~ذلك فاعلم أن أصحابنا الإمامية قد اتفقوا على أنه يشترط في الإمام أن يكون
~~أفضل أهل زمانه من رعيته بالمعنيين جميعا وهذا القول هو المعتمد ولنا على
~~صحته وجهان من الدليل أحدهما خاص والثاني عام.
# فالأول: في المعنى الأول أن الإمام متحمل أعباء الخلافة وقائم بإرشاد
~~الأمة ومقيم للوظائف الشرعية مجرد نفسه لسياسة الرعية وحماية حوزة الدين
~~ولم شعث المسلمين مكاشف للأباعد والأقارب في إمضاء الأحكام وإقامة الحدود
~~على جميع أهل الإسلام فكان تكليفه أشق من غيره فوجب أن يكون ثوابه أكثر لأن
~~كثرة المشقة في التكليف توجب الأكثرية في الثواب، ولأن الإمام متبوع ومن
~~سواه من الرعية تابع له ومقتد به والمتبوع يجب أن يكون أكثر ثوابا من
~~التابع كما يرشد إليه حديث (من سن سنة كان له أجرها وأجر العامل بها إلى
~~يوم القيامة من غير أن ينتقص من أجورهم شئ) (4) ولذا
# PageV00P122
# كان صلحاء الصحابة أفضل من صلحاء من بعدهم لأنهم السابقون إلى الدين
~~ومتبوعون فيه وغيرهم تابع لهم.
# وفي المعنى الثاني: أما اشتراط كون الإمام أعلم من كل رعيته فلأنه مقتدى
~~الأمة فلو كان فيهم من هو أعلم منه لوجب عليه الاقتداء بذلك الغير فخرج
~~الإمام عن كونه مقتدى الأمة فلم يكن إماما، ولأنه الذي ترد إليه الأمة
~~الأمر عند التنازع فيرفع عنهم الاختلاف بيانه كما دلت عليه آية:
# [ولو ردوه إلى ms084 الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم]
~~(1) على ما مر من توضيحها، وإذا كان في المختلفين من هو أعلم منه لم يرتفع
~~الخلاف ببيانه بل احتاج هو إلى بيان ذلك الأعلم فلم يحصل بالرد إليه الغرض
~~من رفع الاختلاف وإزالة الشبه وذلك خلاف المراد من الرد فوجب أن يكون هو
~~الأعلم وأن علمه لا يتغير ولا يختلف كما مر عليك بيانه في المقدمة وبعضه في
~~المسألة الأولى.
# وأما اشتراط كونه أسخى فلأنه ولي أموال المسلمين وخازنها فإذا لم يكن
~~سخيا تاقت نفسه إلى جمع المال وادخاره فساءت حاله عند أصحابه وسقطت من
~~القلوب منزلته، إذ من المعلوم أن السخي الباذل تكون له جلالة عظيمة في
~~النفوس وقبول عند الناس ومحبة أكيدة وموقع في القلوب، والإمام أولى بذلك
~~كله من غيره وأحوج إلى أن تقع جلالته في النفوس فيحصل المسارعة إلى إنفاذ
~~أوامره ونواهيه، ويكون مرجوا سيبه (2) ممدودة إليه أعناق الرجال، وهكذا يجب
~~أن يكون الإمام، وأن البخيل الشحيح لا جلالة له في النفوس ولا تعظيم ولا
~~محبة ولا قبول، بل يكون ثقيلا على القلوب محقرا عند العباد، والإمام يجب أن
~~يكون منزها عن ذلك لأنه ينافي ما يجب من ولايته، ولأجل
# PageV00P123
# ما ذكرنا يجب أن يكون الإمام أزهد أهل زمانه وأورعهم وأتقاهم وأكثرهم على
~~المندوبات مواظبة وللمكروهات الشرعية اجتنابا ليكون أعبد الناس وأبعدهم عن
~~همز هامز ولمز لامز.
# وأما اشتراط كونه أحلم الناس فللعلة التي ذكرها الله تعالى في كتابه
~~لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) [ولو كنت فظا غليظ القلب لا نفضوا من
~~حولك] (1) وإذا كانت الغلظة في النبي (صلى الله عليه وآله) وهو صاحب
~~الشريعة موجبة لانفضاض الناس عنه فهم إلى الانفضاض عن الإمام بها أقرب،
~~ولأنه لو كان في الرعية من هو أحلم من الإمام لكان عند الناس أكمل وكانت
~~القلوب إليه أميل والإمام أحق بهذه المرتبة فوجب أن يكون أحلم من رعيته
~~ليعظم قدره في النفوس وتأتلف له القلوب، ومن هنا يجب أن يكون ms085 خاليا من
~~العجلة والطيش والتضجر والتبرم في مقام الحكم والفتوى وقسمة الفئ والأموال،
~~متأنيا في الأمر وفيما يرد عليه من الوقائع والحوادث ومحاورة الخصوم لأنه
~~الحاكم بين المسلمين والقاسم لفيئهم وأموالهم من الصدقات والغنائم وغير ذلك
~~من الحقوق وليتمكن سائله من طلب التفهم والخصم عنده من بيان حجته والشاهد
~~من أن يتتعتع في شهادته إلى غير ذلك من المصالح التي يتوقف عليها حصول
~~ميزان العدل والانصاف الذي يقوم به الإمام.
# وأما اشتراط كونه أشجع فلأن الإمام الفئة التي يرجع إليها المسلمون في
~~القتال فإذا لم يكن أثبت منهم قلبا وأمضى منهم في جهاد العدو فإذا ما حاد
~~كما يحيدون (2) وفر كما يفرون فلأي فئة حينئذ يرجعون، ومن هذا يشترط أن
~~يكون الإمام أقوى أهل زمانه في أمر الله تعالى لأنه المتولي لإنفاذ الأحكام
# PageV00P124
# وإقامة الحدود وأخذ القصاص وتجهيز الجيوش وسد الثغور، وإذا لم يكن أقوى
~~الأمة في ذلك قصر عما لا يقصر عنه غيره وذهب بقصوره جملة من مصالح نصبه،
~~ومن ذلك يجب أن يكون أسد الناس رأيا وأحسنهم للأمور تدبيرا فيما لا يخالف
~~الشرع، وأصبرهم على احتمال المكاره وتحمل الشدائد في جنب الله ليكون القدوة
~~للرعية في الصبر والاحتمال، وقد أشار إلى ذلك كله أمير المؤمنين (عليه
~~السلام) في خطبة له قال فيها (أيها الناس إن أحق الناس بهذا الأمر أقواهم
~~عليه وأعلمهم بأمر الله فيه) (1) وقال في أخرى: (إن أولى الناس بالأنبياء
~~أعلمهم بما جاؤوا به) قال المعتزلي الرواية أعلمهم والصحيح أعملهم (2) أقول
~~ولا مناقشة معه في ذلك لأن الكلام على كلا الوجهين دال على قولنا بأوضح
~~دلالة وقال (عليه السلام): (إن العجلة والطيش لا تقوم بهما حجج الله
~~وبيناته) إلى غير ذلك من أقواله.
# والثاني (3) من وجوه الأول العقل وبيانه أن تقديم المفضول على الأفضل
~~قبيح عقلا، وتقديم المساوي ترجيح بدون مرجح، وهو أيضا قبيح فإنا نقطع بذم
~~العقلاء رجلا أراد سلوك طريق لحاجته إليه وقد أخبره رجل ثقة عالم بتلك
~~الطريق مجرب لها مطلع على أخبارها ms086 بأنها طريق حزنة (4) لا يمكن السلوك فيها
~~إلا بشدة المشقة فترك سلوكها وفوت نفسه الحاجة ترجيحا لقول هذا الجاهل غير
~~الثقة على
# PageV00P125
# قول ذلك العالم الثقة المجرب، ونجزم بتوجه العقل إلى تجهيله في ذلك ولومه
~~وعذله على ترجيحه خبر ذلك الجاهل على خبر ذلك المطلع الثقة وتفويته حاجته
~~لذلك، وهذا أمر وجداني لا شك فيه، وما ذاك إلا لما ارتكز في العقول السليمة
~~من قبح تقديم المفضول على الأفضل ولزوم العكس، وأيضا إن المقطوع به من سيرة
~~الناس في الأعصار والأمصار من المسلمين والكفار استقباح تقديم أهل الغباوة
~~والحمق في جميع الأمور التي لها شأن وخطر على ذوي الفطنة والذكاء، وتقديم
~~المتهورين على ذوي الآراء السديدة في المشورة وإجالة الرأي في عقد أو حل،
~~وتقديم من ليس كاملا ومتقنا في الصناعات والحرف على أولى الكمال والاتقان
~~فيها، وما ذاك إلا لاستقباح العقول تأخير الأفضل وتقديم المفضول، فيثبت ذلك
~~في الشرع إذ لا تخالف بين العقل والشرع في المعلومات والمعتزلة يسلمون ذلك
~~فيثبت المطلوب.
# الثاني النقل من الكتاب والسنة فمن الكتاب قوله تعالى [وكونوا مع
~~الصادقين] (1) فأوجب الكون مع الصادق، ولا يتم إلا بترك الكون مع غير
~~الصادق مع فرض اختلافهما فتكون الآية نصا في وجوب تقديم الأفضل على
~~المفضول، وقوله تعالى [أفمن يهدي للحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى
~~فما لكم كيف تحكمون] (2) وهذه الآية صريحة في أن الهادي إلى الحق بعلمه أحق
~~بالاتباع ممن يحتاج في الاهتداء إلى من يهديه والأحق بالشئ من ليس لغيره
~~فيه حق معه فالآية ناصة كالأولى على وجوب اتباع الأفضل وترك المفضول، وحاثة
~~على ذلك بأشد ما يكون من الحث، ومهددة على المخالفة كما هو صريح قوله تعالى
~~[فما لكم كيف تحكمون] فثبت من صريحها وجوب تقديم الأفضل على المفضول على أن
~~ابن أبي الحديد قد
# PageV00P126
# استدل بها على تحريم القول بأفضلية غير علي (عليه السلام) وسماه منكرا،
~~وحكم أن الآية ناهية عنه، وإذا استدل بها على تحريم تفضيل غير ms087 علي (عليه
~~السلام) عليه لفضله الظاهر وجب أن يحرم اتباع غيره لذلك لأنها في النهي عن
~~اتباع المفضول وترك الأفضل نص، وفيما ذكره باللزوم وقوله عز من قائل [هل
~~يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب] (1) فبين
~~عز وجل أنه لا تجوز التسوية بين العالم وبين غير العالم فمن قدم غير العالم
~~على العالم واقتدى به وترك العالم فقد رجح غير العالم على العالم، وإذا
~~كانت التسوية بينهما غير جائزة بصريح الآية فكيف يجوز تقويم المرجوح منهما
~~على الراجح؟ فالآية ظاهرة ظهورا بينا في لزوم تقديم الأفضل على المفضول،
~~وغير ذلك من الآيات التي يطلع عليها من طلب علم القرآن وتأمل دلالاته.
# ومن السنة كثير فمنها ما رواه ابن أبي الحديد عن أحمد بن حنبل في كتاب
~~الفضائل قال خطب رسول الله (صلى الله عليه وآله) الناس يوم الجمعة فقال:
# (قدموا قريشا ولا تقدموها وتعلموا منها ولا تعلموها، قوة رجل من قريش
~~تعدل قوة رجلين من غيرهم، وأمانة رجل من قريش تعدل أمانة رجلين من غيرهم،
~~أيها الناس أوصيكم بحب ذي قرباها أخي وابن عمي علي بن أبي طالب (عليه
~~السلام) (2) الخبر وهو صريح في وجوب تقديم قريش لفضلها على الناس، وتقديم
~~علي لفضله عليها فدل على ما قلناه ومما يرشد إلى ذلك مما لا ينكر من فعل
~~النبي (صلى الله عليه وآله) أنه لم يؤمر على علي (عليه السلام) أحدا من
~~الصحابة وأمر على من سواه الأمراء وأمره هو على كل من كان من الصحابة في
~~مواضع كثيرة وما ذاك إلا لأن عليا (عليه
# PageV00P127
# السلام) أفضل الصحابة وأنه لا يجوز تقديم المفضول على الأفضل وهذا الوجه
~~بعينه استدل به أبو سعيد الحسن البصري (1) على أفضلية علي (عليه السلام)
~~على جميع الصحابة وقد رواه عنه ابن أبي الحديد وصححه عنه (2) ومنه يستفاد
~~وجوب تقديم الأفضل، ولولا ذلك لأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~على علي (عليه السلام) من الصحابة في وقت من الأوقات، بل لو ms088 كان ذلك جائزا
~~لوجب على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يفعله وقتا ما ليبين للناس
~~الجواز، فإن قيل: إنما لم يأمر النبي (صلى الله عليه وآله) على علي (عليه
~~السلام) غيره لأنه أشجع من غيره وأعرف بقيادة الجيوش، قلنا: فهذا اعتراف
~~منك بأن الأفضل مقدم على المفضول، وهو عين مدعانا لأنا ندعي أنه لا يجوز
~~تقديم أحد في أمر على من هو أفضل منه فيه، وأنت باعتراضك اعترفت لنا بما
~~ندعي.
# ومنها ما صح روايته عند الخصوم واشتهر بينهم أنه لما طعن الصحابة على
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في تأميرة أسامة بن زيد (3) على جلة
# PageV00P128
# المهاجرين والأنصار وقالوا يؤمر هذا الغلام الحدث على جلة المهاجرين
~~والأنصار قام خطيبا فقال فيما أجابهم به: (لأن طعنتم على في تأميري أسامة
~~فقد طعنتم في تأميري أباه من قبله وأيم الله إنه كان لخليقا بالإمارة وابنه
~~من بعده لخليق بها وإنهما لمن أحب الناس إلي) إلى قوله (فإنه من خياركم (1)
~~فما نرى الصحابة رجعوا في إنكارهم إلا إلى قبح تقديم المفضول على الأفضل
~~لزعمهم أن في القوم الذي أمر عليهم أسامة من هو أفضل منه وما نرى النبي
~~(صلى الله عليه وآله) أجاب عن إنكارهم إلا بأن أسامة خليق بالإمارة لأنه من
~~خيارهم ولم يجبهم بأنه لا بأس بتقديمه لأن المفضول يجوز تقديمه على الأفضل
~~ومن هذا الخبر يعلم أن الصحابة لا يجوزون تقديم المفضول على الأفضل وإن
~~غلطوا في التفضيل وأنهم إن قدموا المفضول فهو خلاف مذهبهم أو لتوهمهم
~~أفضليته غلطا.
# ومنها ما رووه وصححوه من قول النبي (صلى الله عليه وآله) لأبي الدرداء
~~(2) حين كان يمشي أمام أبي بكر (أتمشي أمام من هو خير منك!) وهذه الرواية
~~(3) وإن لم تكن عندنا بشئ لكنا نحتج بها على مخالفينا من باب إلزام الخصم
~~بما ألزم به نفسه وهي صريحة تمام الصراحة في قبح تقدم المفضول على الأفضل
~~في المشي فما ظنك في تقدمه عليه في الإمامة والأمر والنهي والحكم ms089 والصلاة
~~وغير ذلك من المناصب الشرعية، وهل تجويز ذلك إلا مخالفة لما صح عندهم عن
~~الرسول (صلى الله عليه وآله) على عمد.
# PageV00P129
# ومنها ما استفاض من طرقنا عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال (من أم
~~قوما وفيهم من هو أفضل منه لم يزل أمرهم في سفال إلى يوم القيامة) (1) وفي
~~رواية أخرى (من تقدم قوما وفيهم من هو أعلم منه كبه الله على منخريه في
~~النار) وهما صريحتان في المدعي وليس للخصوم أن يقدحوا فيهما بعد ما رووا عن
~~النبي (صلى الله عليه وآله) ما يوافق مضمونهما مما مر ذكره وغيره، وما يفهم
~~من مذهب الصحابة مما مضى بيانه ويأتي عن قريب وقد تبين من جملة ما حررناه
~~وجوب أفضلية الإمام على رعيته، وأنه لا يجوز أن يكون في رعية الإمام من هو
~~أفضل منه بوجه من الوجوه، وخالفنا في ذلك أكثر العامة من الأشاعرة وغيرهم
~~فجوزوا إمامة المفضول، وبالغ في ذلك المعتزلة غاية المبالغة فصححوا إمامة
~~الخلفاء الثلاثة مع ذهاب المعظم من محققيهم كمعتزلة بغداد قاطبة وجماعة
~~كثيرة من معتزلة البصرة إلى تفضيل علي (عليه السلام) على جميع الصحابة
~~بالمعنيين من التفضيل وصرح عز الدين عبد الحميد بن أبي الحديد المدائني وهو
~~من أعاظم المعتزلة في شرح نهج البلاغة تمام التصريح (2) به قال وهو يخبر عن
~~الله بزعمه: وقدم المفضول على الأفضل لمصلحة اقتضاها التكليف (3) والمقصود
~~من هذه العبارة أن الله أوجب الاقتداء بالمفضول واتباعه وترك اتباع الأفضل
~~للمصلحة المذكورة وفي كتابه عنه ونقلا عن أصحابه مثل هذا كثير.
# أقول وهذه الدعوى مع ما فيها من الافتراء على الله قد كذبتها مضافا
# PageV00P130
# إلى ما مضى من الأدلة سيرة أئمة المعتزلي وما صح نقله عنده من طريقهم
~~وذلك من وجوه.
# الأول إن أبا بكر لما قال لأصحاب السقيفة " هذان عمر وأبو عبيدة فبايعوا
~~أحدهما " قال له عمر " كيف أتقدم عليك وأنت أقدم مني إسلاما وأنت صاحب رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) وثاني اثنين في الغار، وقدمك رسول ms090 الله (صلى
~~الله عليه وآله) في الصلاة رضيك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~لديننا أفلا نرضاك لدنيانا "؟ وقال للناس " أيكم يطيب نفسا أن يتقدم قدمين
~~قدمهما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الصلاة " (1) فنرى عمر لم
~~يجوز لنفسه ولا لغيره التقدم على أبي بكر لأفضلية أبي بكر عليه وعلى غيره
~~في الخصال التي ذكرها بزعمه لا لشئ آخر وما نراه قال لأبي بكر نعم أنا أفضل
~~منك أوهنا من هو أفضل منك، ولكن المصلحة التي اقتضاها التكليف تقديمك على
~~من هو أفضل منك كما ادعاه المعتزلي.
# الثاني: إن أبا بكر لما استخلف عمر قال له طلحة: " ماذا أنت قائل لربك
~~إذا قدمت عليه وقد وليت علينا فظا غليظا " فغضب أبو بكر وقال لطلحة "
~~أبالله تخوفني إذا لقيت ربي فسألني قلت خلفت عليهم خير أهلك " فقال طلحة "
~~أعمر خير الناس يا خليفة رسول الله " فاشتد غضبه فقال " أي والله هو خيرهم
~~وأنت شرهم " (2) فما نرى أبا بكر احتج على تقديمه عمر على الناس إلا
~~لأفضليته عليهم عنده، وما نرى طلحة أنكر على أبي بكر تقديمه عمر إلا
~~لمفضوليته عنده وكونه على صفة لا يصلح صاحبها للإمامة، وهي كونه فظا غليظا
~~كما صرح به، وما أجاب أبو بكر طلحة عن ذلك ولا اعتذر
# PageV00P131
# له بما قال المعتزلة بأن عمر ليس أفضل عندي منكم ولكن جاز تقديمه عليكم
~~لمصلحة اقتضاها التكليف بل أجابه بأنه خيرهم كما سمعت.
# الثالث أن عمرو بن العاص لما كلم عمر وطلب منه أن يكلم أبا بكر أن يجعله
~~أميرا على جيوش المسلمين بالشام ويعزل أبا عبيدة ويجعله تحت أمره أجابه عمر
~~بأن أبا عبيدة عندنا خير منك وقد سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~يقول: أبو عبيدة أمين هذه الأمة) فامتنع أبو بكر وعمر من تقديم ابن العاص
~~على أبي عبيدة لأفضلية أبي عبيده عليه (1) عندهما كما ترى لا لما ذكره
~~المعتزلي وقبيله إلى غير ذلك مما رووه من أقوال أئمتهم وأفعالهم ms091 مما هو
~~مماثل في المعنى لما ذكرناه وكل ذلك رواه ابن أبي الحديد وصححه وهو صريح في
~~مخالفة قوله ومناقضة دعواه، فاتضح منه أن المعتزلة والأشاعرة وغيرهم قد
~~خالفوا أئمتهم وتركوا قول من جعلوا دعواهم وسيلة لتقديمهم وكفى بقولهم
~~بطلانا مخالفته لحكم من يقتدون به والذي يمكن تمسك المعتزلة به في قولهم
~~ذلك وجهان يظهران من مطاوي كلام ابن أبي الحديد.
# الأول إن النبي (صلى الله عليه وآله) أمر على أبي بكر وعمر وعثمان أبا
~~عبيدة بن الجراح مرة وأمر عليهم عمرو بن العاص تارة وخالد بن الوليد أخرى
~~وأسامة بن زيد رابعة (2) وأبو بكر وعمر وعثمان أفضل من هؤلاء المؤمرين
~~عليهم بالإجماع فيعلم من ذلك جواز تقديم المفضول على الأفضل، والجواب أنه
~~إن أراد إجماع الصحابة فقد عرفت أنه قائم على قبح
# PageV00P132
# تقديم المفضول على الأفضل ولذا أنكروا على النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) تأمير أسامة بن زيد زعما منهم أن أسامة مفضول بالنسبة إلى المؤمر
~~عليهم ولم ينكروا تأمير أبي عبيدة وعمرو وخالد على أبي بكر وعمر وعثمان فدل
~~ذلك من فعلهم وقولهم على أنهم لا يرون لهم فضلا على الأمراء المذكورين في
~~ذلك الزمان وإن قال به البعض بعد ما صار الثلاثة خلفاء فهو قول متجدد، وقد
~~فضل الأنصار سعد بن عبادة على أبي بكر وقدموه عليه لولا ما رواه عمر من قول
~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (الأئمة من قريش) وادعاء أبي بكر وصاحبيه
~~القرابة من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وميل بعض الأنصار لقريش حسدا
~~لسعد وطعن سعد المذكور على أبي بكر وعمر بالمعصية في قوله: لو اجتمع
~~الثقلان ما بايعتكما أيها الغاصبان، وطعن الحباب بن المنذر على عمر بالجهل
~~وطعن طلحة عليه بالفظاظة والغلظة وأنكر على أبي بكر قوله فيه " إنه خير
~~الناس "، وكل ذلك محقق عندهم فأين الإجماع من الصحابة على فضلهم فضلا عن
~~أفضليتهم؟ على إن هذا الإجماع المدعي لو تحقق منهم لكان مناقضا لقول النبي
~~(صلى الله عليه ms092 وآله وسلم) في حديث تأمير أسامة وإذا كان الإجماع مناقضا
~~لقول النبي (صلى الله عليه وآله) كان باطلا والحق أن أفضلية الثلاثة لم تكن
~~معروفة في زمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بين الصحابة وأنها بعده من
~~المختلف فيه بينهم وإن أراد إجماع الأشاعرة فهو لا يرضى به فإنهم وإن لم
~~يستقبحوا تقديم المفضول على الأفضل بناء على أصلهم من نفي الحسن والقبح
~~العقليين لكنهم يفضلون الثلاثة على علي (عليه السلام) في معنى كثرة الثواب،
~~وهو يبطل ذلك كله وإن أراد إجماع أصحابه المعتزلة فهو معارض بإجماع الشيعة
~~على تفضيل أسامة على أبي بكر وعمر وعثمان وأن الباقين أحسن حالا منهم لا
~~سيما في كثرة الجهاد، والشيعة أكثر من المعتزلة فيحتاج في ترجيح أحد
~~الإجماعين على الآخر إلى مرجح من الأدلة فإن احتج بالسبق PageV00P133
# إلى الإسلام أجيب بأن السبق على أبي عبيدة ممنوع في عمر فإن أبا عبيدة
~~أسلم قبله وعثمان أيضا غير متحقق إسلامه قبل أبي عبيدة وخاصية السبق على
~~أسامة منتفية لتولده في دعوة الإسلام وعدم سبق الكفر منه، ثم إن السبق إلى
~~الإسلام لا يصلح بنفسه خاصة أن يكون موجبا للأفضلية إذا عارضه ما هو مثله
~~أو أقوى منه من الصفات الموجبة للتفضيل ما لم ينضم إليه المساواة في باقي
~~الصفات الحميدة ليكون للسابق الزيادة على الآخر المساوي في الصفات بالسبق
~~فيفضله به وذلك بأن نفرض شخصين تساويا في الخصال المحمودة لكن أحدهما أسبق
~~في الإسلام من صاحبه فالسابق أفضل بالسبق من اللاحق أما إذا كان اللاحق قد
~~أدرك من صفات الخير مثل العلم والسخاوة وكثرة الجهاد وغير ذلك مما يقابل
~~السبق ويربو عليه ولم يكن للسابق من ذلك شئ أو لم يكن فيه توغل كاللاحق لم
~~يكن السابق أفضل من المسبوق، وآية [لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح
~~وقاتل] (1) الآية ظاهرة في المعنى الأول بل لا تحتمل غيره وقوله تعالى [إن
~~الله لا يضيع عمل عامل منكم من ذكر وأنثى] (2) شاهد للمعنى الثاني ms093 فغير
~~ممتنع أن يكون لعمرو بن العاص وخالد بن الوليد بعد دخولهما في الإسلام
~~خصائص تقابل سبق الثلاثة وتربو عليه وبذلك قدمهما رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) عليهم، هذا كله إذا أريد من الأفضلية كثرة الثواب، وأما إذا أريد
~~الجمع للخصال الحميدة كان استحقاق عمرو وخالد التقدم في الإمارة على
~~الثلاثة أوضح من أن يوضح لحصول الشجاعة والثبات في الجهاد فيهما دونهم، ولو
~~احتج بالأحاديث المروية في فضل الثلاثة أجيب بوجهين:
# الأول إنها مفتعلة موضوعة كما دل عليه احتجاج أبي بكر وعمر على
# PageV00P134
# المنازعين لهما في أمور كثيرة قد مر بعضها لخلوه عن ذكر شئ منها مع
~~احتياجهم إليها لأن حديثا منها أوضح من جميع ما احتجوا به على مطالبهم مما
~~لا يغني شيئا ولا يجدي نفعا، ولم لا احتج أبو بكر أو احتج عمر له على
~~الأنصار بما يروي بعد من قول النبي (صلى الله عليه وآله): (لا ينبغي لقوم
~~فيهم أبو بكر أن يتقدم عليه غيره) واحتج أبو بكر على طلحة في تفضيل عمر
~~الذي ادعاه بقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (ضرب الحق على لسان عمر
~~(1) لو كان شئ من ذلك موجودا فعدم تعرضهم لها مع الحاجة إليها وارتفاع
~~المانع من ذكرها دليل على عدم وجودها عندهم وإذا لم تكن موجودة عندهم كانت
~~لا محالة موضوعة، والأمر في عثمان أوضح لأن حاجته كانت إلى الحجة الصحيحة
~~أشد، وتلك الأخبار في حقه لو كانت موجودة لكان الاحتجاج بها أنفع له مما
~~ذكره من كل غث وسمين مما لم يدفع عنه حجة خصومه، على إن بعض العامة طعن
~~فيها بالوضع لما ذكرناه، وطعن الشيعة فيها لذا وغيره معلوم مشهور فتكون
~~باطلة لا تقوم بها حجة وسيأتي لهذا زيادة توضيح في موضع هو أملك به من هذا
~~الموضع.
# PageV00P135
# الثاني (1) إنها معارضة بما روي من مدح المأمرين المذكورين وقد رواه من
~~روى مدح الثلاثة من المحدثين مثل (أبي عبيدة أمين هذه الأمة) و (عمرو بن
~~العاص أحب الناس إلي) ms094 و (خالد سيف الله) والتأمير يكون قرينة الترجيح فإن
~~رد الجميع بالوضع فلا احتجاج بالكل فتأمل الوجه الثاني (2) إن علي بن أبي
~~طالب (عليه السلام) رضي بتقديم أبي بكر وعمر وعثمان عليه في الخلافة وهو
~~عند نفسه أفضل منهم وعندنا كذلك، ولو لم يجز تقديم المفضول على الأفضل عنده
~~لما رضي بتقدمهم عليه، وهذه الحجة مع إنها معتمدهم واهية جدا والجواب عنها
~~يمنع المقدمة الأولى فإن عدم رضى أمير المؤمنين بتقدم أبي بكر عليه أظهر من
~~الشمس الضاحية، وقد روى هذا المحتج فيما صح عنده من الروايات امتناع علي
~~(عليه السلام) عن بيعة أبي بكر مع جملة من أصحابه وهم خيار الصحابة
~~وصلحاؤهم، وتألمه من تقدم أبي بكر عليه حتى أخرج إلى البيعة بالقهر والغلبة
~~على أوعر وجه وأشد هوان هو ومن معه وروى أيضا أن عليا استنصر الناس على أبي
~~بكر، كان يركب فاطمة على حمار ويأخذ معه الحسن والحسين ويمضي إلى دور
~~المهاجرين والأنصار يطلب منهم النصرة على أبي بكر وتطلب فاطمة (عليها
~~السلام) منهم له الانتصار على أبي بكر فلم يجبه إلا أربعة أو خمسة (3) وقد
~~عيره معاوية بذلك في مراسلاته وبأنه قيد إلى البيعة كما يقاد البعير
~~المخشوش (4) فما أنكر شيئا من ذلك بل كان من جوابه لمعاوية (وقلت: إني أقاد
~~كما يقاد البعير
# PageV00P136
# المخشوش فلعمري لقد أردت أن تذم فمدحت وإن تفضح فافتضحت وما على المؤمن
~~من غضاضة إذا كان مغلوبا عليه ما لم يكن شاكا في دينه أو مرتابا في يقينه
~~(1)) كل ذلك رواه (2) وروى أيضا أن عليا (عليه السلام) كان يقول (لو وجدت
~~أربعين ذوي عزم لنا هضت القوم) (3) يعني أبا بكر وأصحابه فأين رضاه بتقدم
~~أبي بكر على هذا وما سيأتي بعده من البيان في مواضعه؟ فالمعلوم من ذلك أن
~~عليا (عليه السلام) ما ترك مناجزتهم إلا لعدم وجوده الناصر وأمور أخرى يأتي
~~إيضاحها إن شاء الله فإذا بطل رضاه بتقدم الأول بطل رضاه بتقدم الأخيرين
~~البتة، وتظلمه (عليه السلام) منهم في ms095 زمان خلافته في كلماته وخطبه مشهور
~~معلوم، وقوله في بعض خطبه في أيام الجمل (فوالله ما زلت مدفوعا عن حقي
~~مستأثرا علي منذ قبض الله نبيه حتى يوم الناس هذا) (4) معروف غير منكور قد
~~رواه المحدثون وصححه ابن أبي الحديد (5) ولو عمدنا إلى ذكر ما ورد في
~~الروايات المصححة عند الخصم من تظلمه (عليه السلام) وتألمه وتشكيه من تقدم
~~الثلاثة عليه إذن لاحتاج إلى كتاب مفرد، وليس المقصود هنا إلا بيان عدم
~~رضاه بتولي القوم عليه وهو حاصل ببعض ما ذكرناه، ومنه صح أن يدعى رضى أمير
~~المؤمنين (عليه السلام) بتقدم من تقدم عليه مبطل في دعواه فبطل ما بنى عليه
~~من القول بجواز تقديم المفضول على الأفضل على أن المعتزلي قد ذكر في موضع
~~من كلامه ما حاصله أن الناس الذين لم يشاهدوا النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) ولم يسمعوا منه ما قال في حق علي (عليه السلام) من
# PageV00P137
# الأقوال الجميلة إنما دعاهم إلى القول بأفضلية المتقدمين عليه في الخلافة
~~تقديمهم عليه فيها لاعتقادهم أن الأفضلية هي سبب التقديم وهذا الكلام مؤيد
~~لما قلناه من أنه قد ارتكز في العقول قبح تأخير الأفضل عن المفضول وذلك
~~مبطل لما يقول ولهذا كان من قدم الثلاثة على أمير المؤمنين (عليه السلام)
~~مع اشتهار فضائله وشياع مناقبه ووفور مآثره وتواتر أقوال النبي (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) في تفضيله وتبجيله اعتمادا على فعل قوم من الناس ظهرت منهم
~~مخالفة النبي (صلى الله عليه وآله) في مواضع كثيرة مخالفا لمذهبه ومكابرا
~~لمقتضى عقله فلا عذر له عند الله يوم المئاب ولا حجة له عند الحساب
~~لاكتفائه بالتقليد عن النظر مع وضوح الأمر وصراحته.
# ثم ما أدري أي مصلحة في التكليف اقتضت تقديم المفضول على الأفضل (1)
~~والتكليف دائر مدار المصلحة وهي عندنا وعنده عقلية والعقل ينكر تقديم
~~المفضول ويقبحه؟ فأين هذه المصحلة؟ ما هذا إلا تناقض في القول وتشبث بما لا
~~يسمن ولا يغني من جوع فبطل ما قال وصح ما قلنا من ms096 وجوب تقديم الأفضل على
~~المفضول.
# وبعد فأي عاقل يجوز لنفسه ترك الأخذ بقول رجل فاضل متقن للأحكام محرز
~~لأدلة المسائل العلمية والعملية ويأخذ بقول رجل قاصر العلم ضعيف الاتقان؟
~~أو يقدم لقيادة الجيوش رجلا خوارا لا يصبر عند اللقاء ولا يثبت عند منازلة
~~الأعداء؟ بل يفر ويولي الدبر ويؤخر عن ذلك رجلا مقداما صبورا عند الهزاهز
~~وقورا عند الشدائد قويا على محاولة الشجعان بصيرا في مطاعنة الاقران عارفا
~~بقيادة الجيوش وسياسة الأمور كرارا غير فرار ويقدم في المشورة في الأمور
~~المهمة رجلا جامدا القريحة متردد الذهن ضعيف العزم على
# PageV00P138
# رجل ثاقب الرأي ماضي العزيمة صرام للأمور نافذ البصيرة عارف بأنواع
~~المصالح والمفاسد، أو يقدم في الأمانة رجلا غير تام الوثاق ولا مستكمل
~~الديانة على رجل آخر معروف بالعفاف والأمانة وكمال الديانة مقطوع بصلاحه
~~مشهورة ثقته إلى غير ذلك من الأوصاف المتقابلة التي لا يرتاب عاقل غير
~~معاند ولا مكابر في استقباح تقديم القاصر فيها على الكامل؟!! ولكن القوم
~~(1) خالفوا عقولهم وناقضوا أحلامهم فسفهوها بقبح أقوالهم وكل ذلك إرادة
~~منهم لتصحيح إمامة القاصرين من المتقدمين، وقد بان مما حررناه بطلان ما
~~أثبتوه والله المستعان.
# المسألة الثالثة (1) يشترط في الإمام أن يكون قريبا من النبي (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) في النسب بل يجب أن يكون أقرب الناس إليه، أما القرابة في
~~الجملة فظاهر الصحابة والتابعين بل جميع المسلمين عليها، ولذا احتج بها أبو
~~بكر وصاحباه في السقيفة على الأنصار عند رومهم مبايعة سعد بن عبادة، وروى
~~لهم عمر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (أن الأئمة من قريش (2) واحتج
~~لقريش على الأنصار جماعة منهم فانصرفوا بها عن مبايعة سعد واحتج أمير
~~المؤمنين (عليه السلام) بها على أبي بكر وأصحابه في استحقاق
# PageV00P139
# الإمامة دونهم، فما أنكر الاحتجاج بها على أولويته بالخلافة منهم أحد بل
~~اعتذر منهم من اعتذر بأمور أخرى كما سيأتي مشروحا ولم يخالف في ذلك ممن
~~ينتحل الإسلام إلا الخوارج (1) ولا عبرة بهم لخرقهم إجماع المسلمين، نعم
~~ربما يتصور ms097 الخلاف في اشتراط الأقربية من النبي (صلى الله عليه وآله) في
~~الإمامة فإن أكثر المخالفين لم يشترطوها وأصحابنا جميعا على الاشتراط،
~~والعباسية كذلك وهذا هو الأصح وعليه المعتمد لنا قوله تعالى [وأولوا
~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله] (2) في الأنفال وفي الأحزاب [وأولوا
~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين] (3) وهما
~~شاملتان للمال والمنزلة بل هما للمنزلة أقرب وفيها أظهر لأن سياق الآيتين
~~في معنى الولاية لا سيما الثانية فإنها في مساق ولاية النبي (صلى الله عليه
~~وآله) وهو قوله تعالى: [النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم
~~وأولوا الأرحام] الآية وذلك مرجح ليس له معارض، وقوله تعالى في إبراهيم
~~(عليه السلام) [وجعلها كلمة باقية في عقبه] (4) والكلمة الإمامة وهو إشارة
~~إلى قوله تعالى عز وجل [إني جاعلك للناس إماما] (5) وبه قال جماعة من
~~المفسرين وهو عند أصحابنا متفق عليه فالآية صريحة في المطلوب وقوله جل وعلا
~~[إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها
~~من بعض] (6) يومي إلى ذلك بل يصرح به قول النبي (صلى الله عليه وآله) (لا
~~يؤدي عني إلا أنا
# PageV00P140
# ورجل مني) (1) لعموم اللفظ ولأنه إذا لم يجز أن يؤدي عن النبي (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) بعض الأمور من هو بعيد عنه في النسب فكيف يجوز أن يؤدي عنه
~~إلى جميع الأمة جميع الأحكام الشريعة في الدين والدنيا فدل ذلك على اشتراط
~~الأقربية من النبي (صلى الله عليه وآله) في الإمام فإن قيل:
# إذا حكمتم بأن الإمام يجب أن يكون أقرب الناس إلى النبي (صلى الله عليه
~~وآله وسلم لزمكم القول بأن العباس بن عبد المطلب هو الإمام بعد رسول الله
~~كما قاله العباسية لأنه العم والعم أقرب من ابن العم وأنتم لا تقولون بذلك،
~~قلنا لهذا جوابان عندنا معروفان وآخران مذكوران.
# الأول وأن ابن العم للأبوين أقرب عندنا من العم للأب فيجوز الميراث دونه
~~ويحجبه، وهذا مذهب أمير المؤمنين (عليه السلام) ومن المحقق أنه لا ms098 يقول إلا
~~الحق وقد قال به قوم من الفقهاء كنوح بن دراج (2) وأبي بكر بن عياش (3)
~~وغيرهما وعلي (عليه السلام) ابن عم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأبويه
~~فإن أم عبد الله وأبي طالب جميعا فاطمة بنت عمرو المخزومية وأم العباس أخرى
~~غيرها فهو عم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأبيه خاصة فيكون علي (عليه
~~السلام) أقرب منه إلى النبي (صلى الله عليه
# PageV00P141
# وآله وسلم).
# الثاني أن القرابة بمفردها غير كافية في استحقاق منزلة النبي صلى الله
~~عليه وآله بل تحتاج إلى أن ينضم إليها باقي الشروط من العصمة والأفضلية
~~والعباس غير معصوم وعلي أفضل منه بالإجماع فكان أحق بمقام النبي (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) منه، ومن هذا الوجه قدمنا عليا (عليه السلام) على أخيه
~~عقيل مع تساوي نسبهما الصوري إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وكون قرابتهما
~~منه واحدة وأما الوجهان الآخران.
# فأحدهما ما ذكره علي (عليه السلام) وسيأتي ذكره مشروحا في إيراد النصوص
~~عليه وهو مبايعته النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حين جمع بني عبد المطلب
~~ودعاهم إلى مبايعته على أن من بايعه يكون أخاه ووزيره ووارثه وخليفته
~~فبايعه علي (عليه السلام) دونهم (1).
# والثاني مروي عن أبي الحسن موسى بن جعفر إنه ذكره للرشيد (2) واحتج به
~~عليه مع أول الوجهين الأولين حين ناظره في استحقاق علي (عليه السلام ميراث
~~النبي (صلى الله عليه وآله) دون العباس وهو أن عليا أسلم وهاجر فكانت له
~~ولاية النبي (صلى الله عليه وآله) والعباس تأخرا إسلامه ولما أسلم لم يهاجر
~~فلم يكن له من ولاية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الميراث شئ لقوله
~~تعالى: [والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا]
~~(3) فلذلك لم يكن للعباس (رضي الله عنه)
# PageV00P142
# مقام النبي (صلى الله عليه وآله) ولقد أخرجه عمر من الشورى لذلك وادخل
~~عليا دونه، وذلك حجة على المعترض فبطل اعتراضه كما بطل اعتراض هارون الرشيد
~~على أبي الحسن لما ذكر له الوجه ms099 المذكور وبما ذكرنا من الوجوه بطل قول قوم
~~رعف بهم الزمان يسمون العباسية قالوا: بأن الإمامة بعد النبي (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) لعمه العباس لأنه الأقرب فادعوا له ما لم يدعه لنفسه وما
~~ذكره أيضا بعض جهلة العامة ردا على الشيعة من أن الإمامة إن كانت بالقرابة
~~وجب أن يكون العباس هو الإمام بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) لأنه العم
~~وهو أقرب من ابن العم وعلي (عليه السلام) ابن العم فلا يكون له مقام النبي
~~(صلى الله عليه وآله) مع وجود عمه العباس لما علمت من أن الإمامية لم
~~يسلموا أقربية العباس للنبي (صلى الله عليه وآله) من علي (عليه السلام) وقد
~~ذكرنا دليل المنع ووافقهم عليه من وافقهم من غيرهم مثل نوح بن دراج وهو من
~~قضاة هارون الرشيد وأبي بكر بن عياش وهو من الأجلاء عند العامة ولم يجعلوا
~~القرابة بمفردها مقتضية لاستحقاق الخلافة بدون حصول باقي الشروط فاندفع
~~الاعتراض عنهم وزال من أصله وثبت المدعي من اشتراط الأقربية من النبي (صلى
~~الله عليه وآله) في الإمام وأما الحسن والحسين فاستحقا الإمامة لتساويها في
~~قرابة النبي (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) فلم يكن ولد الحسن
~~يستحقونها مع الحسين (عليه السلام) وهو الأقرب إلى النبي (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) وعلي، ثم هي بعد الحسين لمن كان أقرب إلى الإمام الذي قبله مع
~~جمعه باقي الشروط ولذا صارت بعد الحسين في ولده خاصة ولم تصر في ولد الحسن
~~لتساوي الجميع في القرب من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي (عليه
~~السلام)، لأن ولد الحسين (عليه السلام)
# PageV00P143
# اختصوا بالقرابة من الحسين وهو الإمام بعد الحسن دون ولد الحسن.
# فكان ولد الإمام أولى به بمفاد الآيتين فلم يكن ميراث الحسين (عليه
~~السلام) من جده وأبيه يعود بعده إلى ولد أخيه دون ولده ولا يشتركون فيه،
~~ومن هذا بطل قول من قال من الزيدية وغيرهم بأن الإمامة بعد الحسين جائزة
~~لذريته وذرية أخيه الحسن لتساوي قرابة الكل ms100 منهم إلى رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) وإلى أمير المؤمنين، ومنه أيضا يفسد قول الكيسانية بانتقال
~~الإمامة بعد الحسين إلى أخيه محمد بن علي وهو ابن الحنفية ثم من بعده لولده
~~وأنه هو القائم المنتظر إلى غير ذلك من خرافاتهم واختلافاتهم، لأن علي بن
~~الحسين أقرب إلى أبيه وإلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من عمه محمد
~~(رض)، وبطل قول الإسماعيلية لأن موسى (عليه السلام) أقرب إلى أبيه أبي عبد
~~الله، من ولد أخيه إسماعيل إذ لا خلاف في أن الولد أقرب من ولد الولد وليست
~~لإسماعيل إمامة في حياة أبيه إذ لا إمامة للاحق إلا بعد مضي السابق
~~وإسماعيل مات قبل أبي عبد الله (عليه السلام)، وبطل قول الفطحية بإمامة عبد
~~الله بن جعفر (1) لعدم العدالة فيه دون العصمة والعلم وباقي الشروط وبهذا
~~أيضا يبطل جميع ما ذكرناه من الأقوال وغيرها من خرافات فرق الشيعة غير
~~الإمامية وغيرهم من فرق الناس والله الموفق للصواب.
# PageV00P144
# المسألة الرابعة (1) في طريق الإمامة وقد اختلف الناس في ذلك فذهب
~~أصحابنا الإمامية إلى أن الإمام يجب أن يكون منصوصا عليه من النبي (صلى
~~الله عليه وآله وسلم) أو مدلولا عليه من الإمام الذي قبله، أو يدعي الإمامة
~~فيقيم معجزا يدل على صدقه، ولا خلاف بين الأمة في أن النص والتعيين من
~~النبي (صلى الله عليه وآله) أمر مستقل تثبت به الإمامة، وإنما الخلاف في
~~كون النص شرطا فلا تثبت الإمامة بدونه ودون الوجه الثاني، وهذا مذهب
~~أصحابنا (رضي الله عنهم) وهو الحق المتبع، وذهب العامة وغيرهم من الفرق إلى
~~أن الإمامة تصح بالاختيار وتثبت ببيعة أهل الحل والعقد كما تثبت بالنص،
~~وذهب الزيدية إلى أن كل فاطمي عالم زاهد خرج بالسيف وادعى الإمامة فهو
~~إمام، وهذا المذهب مشارك لما قبله في الضعف والوهن، وستسمع الحجة على
~~إبطالهما وذهب العباسية إلى أن تعيين الإمام يكون بالنص والميراث ومرادهم
~~الأقربية، ولا نزاع بيننا وبينهم إلا في تعيين الأقرب الوارث وقد مر بيان
~~ذلك ms101 من قريب، فإن قيل إنكم قلتم: إن نصب الإمام واجب على الله فيكون منصوبا
~~من قبله ثم قلتم هنا: إن الإمامة تحتاج في ثبوتها إلى نص من الرسول (صلى
~~الله عليه وآله) فلا اعتراض فيه لأنه يوحي إليه فيعرفه الله الإمام من بعده
~~ويأمره بنصبه فيكون منصوبا من الله على لسان الرسول (صلى الله عليه وآله)
~~لكن الإمام من أين تحصل له معرفة من نصبه الله بعده في الإمامة حتى يدل
~~عليه والوحي قد انقطع وليس الإمام عندكم يوحي إليه فلا محالة يكون المدلول
~~عليه مختار الإمام الذي قبله لا منصوبا من الله فرجع قولكم في الإمامة إلى
~~الاختيار أيضا قلنا: ليس الأمر كما ادعيت بل لنا في الجواب عن هذا الايراد
~~وجوه.
# الأول أن الوحي وإن كان قد انقطع فما انقطعت الإلهامات فجائز أن
# PageV00P145
# يلهم الإمام ويفهم من الله معرفة الإمام الذي اختاره للإمامة من بعد كما
~~يلهم غير ذلك من الأمور فيدل الأمة على الإمام بعده وينص عليه بدلالة الله
~~إياه عليه من طريق الالهام، وليس القول بالإلهام مما نختص به نحن بل جملة
~~من خصومنا يثبتونه لكافة أهل العرفان المسلمين عندهم باهل الله من إمام
~~غيره، وقد صرح ابن عربي محيي الدين عند الخصوم بأن المهدي إذا خرج يلهم
~~الشريعة ويحكم بما القي إليه ملك الالهام منها (1) وصرح الحافظ جلال الدين
~~السيوطي في الكشف بأن عيسى إذا نزل يفهم جميع أحكام الشريعة المحمدية من
~~القرآن من غير احتياج إلى الحديث كما فهمها منه نبينا (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) لانطوائه على جميعها وإن قصرت أفهام الأمة عن فهم ما يفهمه صاحب
~~النبوة (2) وقال بعضهم أظنه أبا حامد الغزالي كلاما في هذا المعنى طويلا
~~ومن جملته قوله " فالنبوة والرسالة من حيث عينها وحكمها ما انقطعت وما نسخت
~~وإنما انقطع الوحي الخاص بالرسول والنبي من نزول الملك على أذنه وقلبه "
~~وكان قبل هذا الكلام قال " إن النبوة والرسالة انقطعت من الوجه الخاص ثم
~~بقي منها المبشرات " ثم قال بعد ms102 ذلك:
# " وأما الأولياء فلهم في هذه النبوة مشرب عظيم " إلى آخر كلامه في هذا
~~الشأن، وقد ذكر الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا في النمط العاشر في أسرار
~~الآيات من كتاب الإشارات صحة الالهام والعلم بالغائبات للأولياء من جهة
~~استكمال النفس الإنسانية القوة التي هي مبدأ الأفعال الغريبة، قال في موضع
~~" إذا قلت الشواغل الحسية وبقيت شواغل أقل لم يبعد أن يكون للنفس فلتات
~~تخلص عن شغل التخيل إلى جانب القدس فانتقش فيها نقش من الغيب فساح إلى عالم
~~التخيل وانتقش في الحس المشترك وهذا في حال النوم أو
# PageV00P146
# في حال مرض ما، يشغل الحس ويوهن التخيل " (1) ثم ذكر علل ذلك وقال بعدها:
~~" فإذا كانت النفس قوية الجوهر تسع للجوانب المتجاذبة لم يبعد أن يقع لها
~~هذا الخلس والانتهاز في حال اليقظة " (1) وقال في موضع آخر مشيرا إلى هذه
~~القوة: " هذه القوة ربما كانت للنفس بحسب المزاج الأصلي لما يفيده من هيئة
~~نفسانية تصير للنفس الشخصية تشخصها وقد تحصل المزاج وقد يحصل بضرب من الكسب
~~يجعل النفس كالمجردة لشدة الذكاء كما يحصل لأولياء الله الأبرار " وقال في
~~موضع " إذا بلغك أن عارفا حدث عن غيب فأصاب متقدما ببشرى أو نذير فصدق ولا
~~يتعسرن عليك الإيمان به فإن لذلك في مذاهب الطبيعية أسبابا معلومة (1) "
~~إلى غير ذلك من كلماته المصرحة بهذا المعنى، وإذا سلم الخصوم صحة الالهام
~~للأولياء من جهة الشرع والحكمة ثبت جوازه وحصوله للإمام لأنه على ما نقول
~~ولي الأولياء وعماد الأصفياء الذي لا يشوب عمله شائبة التغير ولا يخاط حكمه
~~شئ من التبديل فوجب أن يكون ملهما مفهما.
# الثاني أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد بين للإمام بعده جميع ما علمه
~~الله من العلوم والأسرار كما ذكرنا فيما مر ومن المعلوم أن الله تعالى أخبر
~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعدد أوصيائه وأسمائهم وصفاتهم فكان من
~~جملة ما بينه لخليفته ثم بينه الخليفة إلى من يكون بعده وهكذا وبهذا صرحت
~~جملة من الآثار.
# الثالث أنه لا ms103 يبعد أن النبي (صلى الله عليه وآله) يخبر كل إمام زمان بمن
~~يكون الإمام بعده مشافهة أو في المنام وليس في ذلك مانع فقد ذكر مخالفونا
~~ذلك وجوزوه في الأولياء بزعمهم، قال ابن عربي " جزم بعض
# PageV00P147
# المحققين القياس على جميع أهل الله لكون رسول الله (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) مشهودا لهم فإذا شكوا في صحة حديث أو حكم رجعوا إليه في ذلك فأخبرهم
~~بالأمر الحق يقظة ومشافهة " انتهى (1) وقال السيوطي: " إن عيسى إذا أنزل
~~يجتمع به يعني نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا مانع من أن يأخذ عنه ما
~~يحتاج إليه من أحكام شريعته وكم من ولي ثبت أنه اجتمع به يقظة وأخذ عنه
~~فعيسى أولى " (2) انتهى وأمثال ذلك من كلامهم كثيرا مثلما ذكره الواقدي في
~~فتوح الشام من أخبار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأبي عبيدة بأمور
~~كثيرة مما يدور بين النصارى من الكلام والتدبير والمشورة في المنام (3)
~~فإذا صح مشاهدة النبي (صلى الله عليه وآله) عندهم للأولياء وأخذهم عنه
~~وإخباره إياهم في النوم بأمور من الغيب فالإمام أولى لأنه سيد الأولياء،
~~وهذا الوجه وارد في أخبارنا أيضا فاندفع الايراد وانزاح الإشكال، وإذا
~~تحققت ما رسمناه فاعلم أن لنا على ما ذهبنا إليه وجوها من الأدلة.
# الأول إنا بينا أن الإمام يجب أن يكون معصوما، والعصمة أمر خفي لا يطلع
~~عليها في أي شخص هي إلا علام الغيوب الذي أيد ذلك الشخص بها فلا يعرف
~~صاحبها إلا من قبله إما بالنص عليه أو إظهار المعجزة على يديه، أما وجوب
~~عصمة الإمام فقد أثبتناه بالأدلة القاطعة، وأما إن العصمة أمر خفي فلما
~~علمت من معناها، ولأنه ليس في خلق الإنسان ما يدل على أنه معصوم أو غير
~~معصوم، وأما ما كان خفيا فلا يعرف إلا من جهة الله تعالى
# PageV00P148
# بأحد الوجهين المذكورين فأمر ظاهر لا يحتاج إلى البيان فيثبت المطلوب.
# الثاني أن سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) تقتضي التنصيص على الإمام
~~وذلك أنه أشفق على الأمة ms104 من الوالدة على ولدها حريص على إرشادهم وهدايتهم
~~ولهذا علمهم الأمور الجزئية حتى ما يتعلق بقضاء الحاجة والاستنجاء وما شاكل
~~ذلك، وقد وصفه الله بالرأفة بالمؤمنين والحرص على إرشادهم في الكتاب
~~المبين، في قوله تعالى: [لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز علي ما عنتم حريص
~~عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم] (1) فمن كان بهذه المثابة من الشفقة على الأمة
~~والرأفة بهم لا يجوز في العقل أن يتركهم من غير أن يبين لهم مفزعهم ومن
~~يرجعون إليه في أمور دينهم ودنياهم فتحصل لهم بترك بيانه في دينهم الحيرة
~~وتعتريهم في أمورهم الجهالة والشبهة، كلا إن العقل يحيل ذلك عن النبي الرؤف
~~الرحيم بالأمة، الذي اعتنى ببيان أمور لا نسبة لها بالإمامة ولا تعد شيئا
~~بالنسبة إلى الخلافة فكيف يهمل الأمر الأهم من لم يهمل الأمور الجزئية من
~~المستحبات والمكروهات، على أن أبا بكر ما جوز لنفسه ترك بيان خليفته، وعمر
~~بين أن الخلافة بعده جائزة لستة وجعل الرأي لواحد منهم ولم يجوز لنفسه ترك
~~بيان من يصلح بعده للخلافة، أفترى النبي (صلى الله عليه وآله) يقصر في
~~إصلاح الأمة عن الرجلين وهو على ما علم من حاله في الشفقة بالأمة ومن منصبه
~~في إبلاغ الفرائض التي أعظمها وأجلها الإمامة إليهم؟ وحيث أن سيرة النبي
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) تقتضي التنصيص وجب أن يكون الإمام منصوصا عليه.
# الثالث أن الاختيار يؤدي إلى التنازع ويفضي إلى التجاذب لاحتمال أن يختار
~~كل فرقة من الناس رجلا للإمامة فتقوم الفتنة بين الأئمة وأصحابهم على
# PageV00P149
# ساق، وكذلك في الفاطميين على ما قاله الزيدية، إذ لا مانع من قيام
~~فاطميين أو أكثر بالسيف يدعون إلى أنفسهم كل منهم عالم زاهد فيحصل من ذلك
~~النزاع الشديد والخصام اللديد، فيجب أن يكون الإمام منصوصا عليه لدفع هذه
~~المحذورات المنافية للمطلوب من نصب الإمام، وأنت خبير بأن الفساد الذي شاع
~~في هذه الأمة من الحروب وسفك الدماء وانتهاك المحارم في الصحابة وغيرهم على
~~ما هو مذكور ومسطور كله ناش من الاختيار ms105 في الإمامة (1) والعدول عن النص
~~ومتفرع عليه، ولا مدفع له إلا بالتزام النص على الإمام، وقد تقدم في
~~المقدمة تحقيق في هذا المطلب ما لا يزيد عليه.
# الرابع فحوى بعض الآيات وصراحة بعضها في كون الإمامة موقوفة على النص من
~~الله تعالى.
# فمنها قوله عز من قائل: [وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني
~~جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين] (2) والدلالة
~~من وجهين.
# الأول إن إبراهيم (عليه السلام) لما شرفه الله تعالى بجعله يعني نصبه
~~إماما طلب من الله عز وجل اسمه أن يجعل في ذريته أيضا إماما وقد علمت فيما
~~مر من الكلام أن الإمامة تجامع الرسالة وتجامع النبوة وتخلو منهما والخليل
~~(عليه السلام) سأل الأعم ولم يخصص المسألة بالإمامة المجامعة لأحد الأمرين،
~~فلو كانت الإمامة بجميع مراتبها تصح بالاختيار لما سأل إبراهيم ربه أن يجعل
~~من ذريته إماما، بل كان يختار من يشاء من ذريته وينصبه إماما، وحيث سأل
~~الله ذلك وطلبه علمنا أن الخليل كان يعلم من إعلام الله
# PageV00P150
# له أن الإمامة موقوفة على اختيار الله لا اختيار البشر، وإذا لم يكن
~~للخليل اختيار في نصب الإمام فكيف يكون ذلك لسائر الناس؟ وبما ذكرناه يبطل
~~ما احتمله الرازي في تفسيره (1) من كون الإمامة المطلوبة لإبراهيم النبوة
~~ولا ينالها من عبد صنما وقتا ما على أنه قد أبطل قوله هذا بما ذكرناه عنه
~~في مسألة العصمة من جعله الآية دالة على عصمة الإمام ظاهرا وباطنا وأن
~~أصحابه تركوا دلالتها على ذلك واكتفوا بالعدالة في الإمام وجعلوها دليلا
~~على اشتراط العدالة في الإمام ولا يكون هذا المعنى إلا في الإمامة المجردة
~~عن النبوة فثبت أنه مقر بأن الإمام بالمعنى الأعم هو المطلوب ثم يقول في
~~هذا المقام: " إن مطلوب إبراهيم الإمامة بالنبوة والنبوة عنده لا تكفي فيها
~~العدالة لقوله ولا ينالها من عبد صنما وقتا ما فكان بعض كلامه مناقضا لبعض
~~وهذا دأب القوم وديدنهم في مذاهبهم وأقوالهم لضيق مسلكهم.
# الثاني إن الله ms106 تعالى أجاب إبراهيم بقوله [لا ينال عهدي الظالمين] فسمى
~~الإمامة عهده، ومن المعلوم أن عهد الله لا ينال إلا من قبله وليس للخلق في
~~جعله لانسان معين صنع، ولو كانت الإمامة تجوز عند الله باختيار الخلق وترام
~~بذلك لقال لإبراهيم أن الإمامة ليست موقوفة على نصبي ونصي بل جعلت الاختيار
~~في تعيين الإمام لخلقي فاختر أنت من ذريتك من تشاء أو من عرفته في نظرك
~~صالحا لها فأنصبه إماما، ولما لم يجب الله إبراهيم (عليه السلام) بذلك بل
~~أجابه بما سمعت علمنا أن الإمامة لا تكون إلا بنص من الله تعالى وهو
~~المطلوب.
# ومنها قوله تعالى [ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا
~~لنبي لهم ابعث لنا ملكا تقاتل في سبيل الله] إلى أن قال تعالى: [وقال
# PageV00P151
# لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أني يكون له الملك علينا
~~ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده
~~بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم وقال لهم
~~نبيهم أن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل
~~موسى وآل هارون تحمله الملائكة] (1) الآية والملك في بني إسرائيل بمعنى
~~الإمام في هذه الأمة، لأنه منصوب، لإقامة الحدود وإمضاء الأحكام وأخذ
~~القصاص وتجهيز الجيوش وقتال أهل الشرك، ودلالة الآية على المطلوب من جهات.
# الأولى: إن بني إسرائيل لما أرادوا ملكا يقيم فيهم الأحكام ويقاتل بهم
~~العدو في سبيل الملك العلام طلبوا من نبيهم أن ينصب لهم ملكا لذلك المرام،
~~ولو كانت الإمامة جائزة بالاختيار لما احتاجوا في نصب الإمام إلى تعيين
~~النبي وقالوا [ابعث لنا ملكا] يعني انصب بل كانوا يختارون لأنفسهم من شاؤوا
~~فيجعلونه عليهم ملكا، ولما كانوا سألوا نبيهم نصب واحد من قبله فتوقفهم عن
~~نصب الملك وطلبهم إياه من نبيهم دليل على أن ليس لهم في الإمامة اختيار.
# الثانية قول نبيهم: [إن الله قد بعث ms107 لكم طالوت ملكا] ولم يقل إني بعثت
~~لكم فدل ذلك على أن النبي ليس له اختيار في تعيين من شاء للإمامة وإنما له
~~أن يخبر الأمة عن الله بأن فلانا المخصوص قد جعله الله لكم إماما فالامامة
~~إذن بالنص لا بالاختيار.
# الثالثة: إنهم لما أبوا إمامة طالوت وأرادوا نصب من يختارون بقولهم [أنى
# PageV00P152
# يكون له الملك علينا] الخ رد الله قولهم وأبطل اختيارهم بقوله تعالى [إن
~~الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم] فأبان بذلك بطلان الاختيار
~~في الإمامة وعدم ثبوتها به وجعلها موقوفة على اصطفائه وهو اختيار الله عز
~~وجل من يختار لها من خلقه لا من يختاره لها، وبالزيادة في العلم والجسم
~~يعني الشجاعة ومن المعلوم أن من يختار الله لا يعلم إلا من قبله فوجب من
~~صريح الآية أن يكون الإمام منصوصا عليه من الله تعالى على لسان النبي أو
~~الوصي وأن يكون أعلم أهل زمانه وأشجعهم، ولو لم يكن ذلك شرطا لم يكن لذكره
~~معنى وحمل هذه الآية على بطلان الاختيار بعد النصر لا قبله كما قاله بعضهم
~~فاسد مردود بالجهتين الأوليين، وبأنهم لم يطلبوا الاستقلال بالاختيار وإنما
~~طلبوا أن ينصب لهم من يكون لهم رضا بمعنى أن يكون من يختاره الله للملك
~~يوافق اختيارهم ويطابق غرضهم فهم من أول أمرهم على هذا، وقد أبطل الله
~~اختيارهم من أصله ورد عليهم ما اقترحوه ولم يجعل لهم في الاختيار مطلقا
~~نصيبا فيدل ذلك بصريحه على أن الإمامة ليس للخلق فيها اختيار لا على جهة
~~الاستقلال ولا على الاشتراك فيثبت المطلوب على أنه لا فرق بين الحالين في
~~الحقيقة، بل إذا لم يجز الاختيار بعد النص لم يجز قبله إذ ليس لأحد أن يحكم
~~بدون حكم الله قبل الحكم وبعده.
# الرابعة: قوله [والله يؤتي ملكه من يشاء] دل الكلام صريحا على أن الإمامة
~~ملك الله يؤتيها من يشاء إتيانه إياها لا من يشاء خلقه فدل ذلك بأوضح دلالة
~~على أن الخلق ليس لهم اختيار ولا مدخل في ms108 اختيار الإمام أصلا وأنها موقوفة
~~على اختيار الخالق مطلقا قبل النص وبعده بمعنى أنه ليس لأحد أن يرد النص
~~على واحد بعينه من الله تعالى بنظر واجتهاد ولا أن ينصب إماما من دون نصب
~~الله إياه فأزال بذلك الفرقان بين الحالين الذي ادعاه ذلك الجهول، وهو أيضا
~~وجه رابع في رد قوله وفساد دعواه. PageV00P153
# الخامسة: قوله تعالى: [إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت] (1) الخ فإنه نص
~~في أن الإمامة تحتاج في ثبوتها إلى دليل وبرهان وهو المعجز وليست مما تثبت
~~لمدعيها بدون حجة ودليل ولا بقول أحد من الناس وتسميته ذلك المدعى إماما
~~وتصديقه في دعواه الإمامة، وهذا هو نص مذهب الإمامية وهو أوضح دليل على
~~بطلان الاختيار في الإمامة كما ترى، والآية محكمة ومضمونها جار في هذه
~~الأمة ولم يرد عن أحد من المفسرين السابقين من العامة والخاصة أنها منسوخة
~~الحكم أو أن حكمها مخصوص ببني إسرائيل دون هذه الأمة فلا يجوز لهم الاختيار
~~في الإمامة خاصة دوننا بل عامة لهذه الأمة أنزلها الله لبيان سنته في الذين
~~خلوا ولن تجد لسنة الله تبديلا فتكون حجة على من قال بالاختيار في الإمامة،
~~فما قاله جاهل من حشوية العامة (2) بأن مضمون الآية مخصوص بالأمم السالفة
~~دون هذه الأمة زور وبهتان وظلم وعدوان وذلك مبلغه من العلم، وليس دعوى
~~النسخ مما ثبت باللسان من دون حجة ولا بيان ولا حجة على النسخ إلا العصبية
~~والعناد والميل إلى شهوة النفس وردها الحق لتصحيح ما فعله الأسلاف، وهذا
~~مما لا يعبأ به عند المناظرة والحجاج ولا تقوم به حجة ولا يصح به حكم، على
~~أن هذا الحكم مما لا تختلف فيه المصالح بحسب الأزمان والأشخاص حتى يعرض له
~~النسخ والتخصيص بل حال كحال النبوة التي لا تصح أو المعجزة لأنها خلافة عن
~~النبوة فسبيلها في جميع الأمم واحدة.
# ومنها قوله تعالى: [وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة] (3)
# PageV00P154
# دلت الآية على نفي الخيرة للخلق مطلقا في الخلق والحكم فليس لهم أن ms109
~~يثبتوا حكما ولا ينفوا حكما من قبل أنفسهم ولا أن يختاروا أحدا فيقدموه في
~~منزلة ويأخروا غيره عنها بل الحكم في ذلك كله لله تعالى، فكانت الآية ناصة
~~على أنه لا يجوز لأحد أن يختار إماما فينصبه في الإمامة بعد نص الله وقبله
~~كما هو مفادها إذ لو صح ذلك لكان مناقضا لمدلول الآية وحيث بطل الاختيار في
~~كل شئ بطل الاختيار للناس في الإمامة فوجب أن يكون الإمام منصوصا عليه.
# ومنها قوله تقدس وتعالى: [وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله
~~أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم] الآية (1) وهي وإن كانت ظاهرة في نفي
~~الاختيار بعد النص لا قبله إلا أنا قد بينا أنه لا فرق بين الأمرين وأنه
~~ليس لأحد أن يوجب حكما أو ينفي واجبا من دون إيجاب الله ونفيه ولا أن يعطي
~~أحدا منزلة ويثبت له مقاما لم يعطه الله إياه ولم يثبته له وقد كان ذلك
~~فيما قضاه الله وأنزله في كتابه حيث يقول [إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو
~~خير الفاصلين] (2) وغيرها من الآيات فلا يجوز لأحد أن يختار شيئا ويوجبه لم
~~يختره الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) ولم يحكما به.
# ومنها قوله تعالى: [إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على
~~العالمين] (3) ومن البين أن في آل إبراهيم أنبياء وأئمة بإمامة مجردة من
~~النبوة كالملوك المنصوبين من قبل الله في بني إسرائيل والاصطفاء واقع على
# PageV00P155
# الجميع فتكون الإمامة باصطفاء الله كالنبوة، إذ لا تخصيص في الآية
~~بالنبوة وإذا كانت الإمامة باصطفاء الله بطل أن تكون ثابتة باختيار الناس.
# ومنها قوله تعالى: [أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا
~~آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما] (1) والملك العظيم هو
~~الإمامة، وهو حاصل بإيتاء الله وإذا كانت الإمامة لا تكون إلا بإيتاء الله
~~بطل أن تكون باختيار من الناس وثبت من مدلول هذه الآيات الظاهرات توقف
~~الإمامة على النص وعدم صحتها بالاختيار، ولعمري أن ms110 الاحتجاج بها على المطلب
~~كاف لأولي الأنظار المجانبين لطريق الاستكبار والله الهادي.
# الخامس إن الإمامة خلافة الله في أرضه لا ينكر ذلك أحد من أهل العلم
~~والمعرفة وقد صرح بذلك الخلفاء حتى الذين كانت خلافتهم بالاختيار فكانوا
~~يسمون أنفسهم خلفاء الله كما لا يخفى على من قرء السير والأخبار والتواريخ
~~والآثار، وما زال الناس من ذوي الفضل يقولون في الإمامة أنها خلافة الله في
~~إني جاعل في الأرض خليفة] (2) وقال تعالى: [يا داود إنا جعلناك خليفة في
~~الأرض فاحكم بين الناس بالحق] (3) وقال تعالى: [وقال موسى لأخيه هارون
~~اخلفني في قومي] (4) ومن المعلوم الذي لا يشك فيه أحد عاقل أن خلافة الله
~~لا تنال إلا من قبله ولا تثبت لأحد إلا بنصبه ونصه ولا تعلم إلا من قوله لا
~~من قول الناس، وأنت خبير بأن خلافة أحد من البشر فيما له
# PageV00P156
# الولاية عليه لا تصح لأحد من الناس إلا باستخلافه ونصه عليه ولا تعلم إلا
~~من قبله ولا تصح بنصب غيره أفترى أن خلافة الله تصح بدون إذنه وتثبت لأحد
~~من الناس بنصب الخلق إياه فتقصر حرمة الخالق عن حرمة المخلوق، وإذا كان
~~خلافة الله لا تحصل إلا من قوله تعالى كما هو معلوم وجب أن يكون الإمام
~~منصوصا عليه لأنه خليفة الله.
# السادس وهو مؤلف من مقدمتين الأولى أنه لا يجوز لأحد من الناس أن يوجب
~~شيئا أو يحرم شيئا بهواه ورأيه من تلقاء نفسه من غير دليل من كتاب الله أو
~~سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإن من أوجب شيئا أو حرمه سئل من أين
~~أخذه فإن أقام عليه شاهدا من كتاب أو دليلا ثابتا من سنة قبل منه وإلا رد
~~عليه وأبطل قوله وأدخل في جملة القائلين على الله بغير علم والمفترين على
~~الله الكذب، وهذه المقدمة مما صح عليها اتفاق المسلمين قولا فإنك لا تجد
~~أحدا من الناس يقول إنه يجوز الحكم في إيجاب أو تحريم بدون حكم الله ولا
~~أنه يجوز مخالفة الله ms111 في حكمه وقد ورد القرآن الكريم بالنهي عن القول على
~~الله بغير علم ولعن الكذبة المفترين وورد مثله في سنة سيد المرسلين بما لا
~~يحصى كثرة من الآيات والروايات مثل قوله تعالى [ولا تقف ما ليس لك به علم
~~وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا
~~حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا
~~يفلحون فجعلتم منه حراما وحلالا قل الله أذن لكم أم على الله تفترون] (1)
~~وغير ذلك من الآيات وقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما تواتر
~~واستفاض عنه (كثرت على الكذابة فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)
~~(2) فمن المتيقن أن الموجب والمحرم
# PageV00P157
# بغير حجة من الله كاذب على الله وعلى رسوله ومفتر عليهما الكذب فيكون
~~مستحقا للعن ومستوجبا للبعد من رحمة الله لأن الله يقول [فنجعل لعنة الله
~~على الكاذبين] (1) ويكون الحاكم بدون دليل من الشرع الشريف حاكما بخلاف ما
~~أنزل الله فيدخل في عموم قوله تعالى [ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم
~~الكافرون] (2) ثم كيف يجوز لأحد من الناس الإيجاب والتحريم والتحليل بدون
~~قول الله تعالى والنبي الذي هو سيد الرسل لم يكن له ذلك بل هو مأمور بأن
~~يحكم بحكم الله ولا يتعداه ولا يعمل بسواه قال الله تعالى خطابا له [اتبع
~~ما أوحي إليك من ربك] (3) وقال [واستقم كما أمرت] (4) وقال [إنا أنزلنا
~~إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله] (5) ولم يقل له احكم بما
~~تراه أنت وما تشتهيه، ومعنى أراك أعلمك وقال [ليس لك من الأمر شئ] (6) وقال
~~تعالى [ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه
~~الوتين] (7) وغير ذلك من الآيات في هذا المعنى وإذا كان الرسول (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) منهيا عن الحكم برأيه مع أنه أسد البرية رأيا افترى يجوز
~~الله الحكم بالرأي لسائر الناس؟ وإذا لم يجعل الله للنبي (صلى الله عليه
~~وآله) أمر التحليل ms112 والايجاب والتحريم أفيجوز أن يجعل ذلك لغيره؟ فثبت من
~~ذلك كله أن الموجب والمحرم بدون حجة من الله من كتاب أو سنة متعمد للكذب
~~على الله
# PageV00P158
# ومفتر عليه، ومتعمد الكذب على الله كافر مستحق اللعن والعذاب والطرد من
~~رحمة الله والإبعاد كما عرفت أولا.
# الثانية: إن الإمام هو الرئيس الذي تجب على المسلمين طاعته وتحرم على
~~المكلفين معصيته وتجب موالاته ومعاداة أعدائه، والنصيحة له ولزوم جماعته
~~وهذا أمر متفق عليه لا يحتاج إلى الإطالة فيه بنقل الأدلة، ويكفيك منه ما
~~بين في المقدمة مما أوضحناه هناك فحينئذ نقول لأهل الاختيار إذا بدر جماعة
~~من الناس قلوا أو كثروا بعد موت النبي فبايعوا رجلا ونصبوه إماما فإنهم لا
~~محالة أوجبوا بذلك على المكلفين طاعته وحرموا عليهم معصيته فهل أوجبوا ما
~~أوجبوه لذلك الرجل من الطاعة وحرموا ما حرموه له من المعصية وسموه إماما
~~بنص من الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) عليه بالخصوص ليكونوا قد أوجبوا
~~وحرموا بحكم الله؟ أم بهوى أنفسهم وميل شهوتهم؟ فإن كان الأول فذلك خارج عن
~~معنى الاختيار ومطابق لقولنا أن الإمامة لا تكون إلا بنص من الله ورسوله
~~(صلى الله عليه وآله) فلا اختيار على هذا، وإن كان الثاني كانوا بإيجابهم
~~ما لم يوجبه الله وتحريمهم ما لم يحرم داخلين في زمرة المفترين على الله
~~الكذب والقائلين عليه بغير علم، إذ قد علمت من صريح الآيات أن الله تعالى
~~لم يفوض إلى أحد أن يحكم بما أراد في دينه من وجوب وتحريم عموما ولا خصوصا،
~~ومن ادعا ذلك فعليه البيان وإقامة البرهان وأنى له بذاك، فبطل بذلك
~~الاختيار في الإمامة لاستلزامه كذب المختارين على الله، ولو كلفهم الله
~~باختيار الإمام لاغتفر لهم القول عليه بغير علم لكنه تعالى لم يغتفر ذلك
~~لأحد، اللهم إلا أن يقولوا إن الإمام على وجه الاختيار لا تجب طاعته، وإنما
~~هو كالملوك الجائرين فحينئذ يخرج من معنى الإمامة الشرعية ونستريح من كلفة
~~تصحيح إمامته وإبطالها، ومن هذا يعلم أنه لا تثبت ms113 الإمامة إلا بالنص وليس
~~الاختيار بطريق لها. PageV00P159
# السابع إنه لا شك أن الإمام يجب أن يكون مصلحا لأمر الرعية مع صلاحه في
~~نفسه في الدين والدنيا ويجب أن يكون عادلا في الأحكام الشرعية جميعا فلو
~~تعدى حكم الله في شئ من الأحكام لكان مفسدا مبتدعا مفتريا للكذب على الله
~~مستحقا لاسم الظلم والكفر لحكمه بخلاف حكم الله وليس مثل هذا بإمام قطعا
~~عند أهل الدين، فنقول حينئذ لأصحاب الاختيار إذا قلتم بأن الإمامة تثبت
~~بالاختيار فأخبرونا عنكم تريدون إماما مصلحا أم مفسدا؟ لا سبيل لهم إلى
~~الثاني بل لا بد من أن يقولوا نريد إماما مصلحا، فيقال لهم: فهل يجوز أن
~~تقع خيرتكم على الأفسد وأنتم تظنون أنه الأصلح أم تقولون إن خيرتكم لا بد
~~أن تقع على الأصلح وتوافق خيرة الله في باطن الأمر؟ فإن قالوا: بالأول
~~قلنا: فقد بطل بهذا صحة الإمامة بالاختيار لاحتمال كون المختار مفسدا وعدم
~~القطع بكونه مصلحا فلا يكون مقطوعا بصلاحه للإمامة لعدم الجزم بحصول ما هو
~~شرط في الإمام فيه وهو الصلاح، لأن المفروض هو كون الاختيار غير مقتض
~~لصلاحه ولا موجب لإصلاحه فبطلت إمامته لبطلان شرطها، وإن قالوا بالثاني
~~قلنا لهم فيلزم من ذلك دعواكم علم الغيب ومعرفة العواقب ويلزم أن تكونوا
~~أسد رأيا من أعاظم الأنبياء المرسلين فإنا وجدنا منهم من اختار في أمور ليس
~~لها خطر الإمامة أحد يظن أنه صالح لما اختاره فبان أنه غير صالح لذلك في
~~باطن الغيب فلم توافق خيرته خيرة الله.
# هذا موسى بن عمران الذي كلمه الله تكليما واصطفاه برسالاته وفرق له البحر
~~وأنزل عليه التوراة وظلله وقومه بالغمام إلى غير ذلك مما أعطاه اختار من
~~قومه وهم ألوف سبعين رجلا لميقات ربه ليكونوا شهودا له عند قومه على خطاب
~~الله تعالى إياه وهو يظن أنهم صالحون فكفروا كما حكى الله تعالى من خطابهم
~~لنبيهم موسى بقوله عز وجل وقالوا [لن نؤمن لك حتى نرى الله PageV00P160
# جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم] (1) فوقعت خيرته على الأفسد ms114 وهو يظن أنه
~~الأصلح.
# وهذا نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو سيد الرسل وأفضل الخلق
~~أجمعين قد اختار أبا بكر لتبليغ آيات من سورة براءة إلى أهل مكة ويقرؤها في
~~الموسم بناء على صلاحيته لذلك في الظاهر فلم تكن خيرته مطابقة لخيرة الله
~~في باطن الغيب فأتاه جبرائيل (عليه السلام) عن الله تعالى يقول " لا يبلغ
~~عنك إلا أنت أو رجل منك " فأعطاها عليا (عليه السلام) وعزل عنها أبا بكر
~~والقصة مشهورة كالشمس وفيها سر عجيب وإشارة لطيفة ليس هنا مقام بيانها،
~~فإذا كان الكليم والحبيب من أولي العزم من الرسل وناهيك بهما لما اختارا من
~~دون وحي وقعت خيرتهما على غير الأصلح لما اختاراه ولم توافق خيرتهما خيرة
~~الله فكيف يدعي أحد من الناس أو يدعى له أن رأيه لا يخطئ الواقع وأن خيرته
~~من قبل نفسه ملازمة لإصابة خيرة الله حتى يكون الذي ينصبه من تلقاء نفسه
~~وميل قلبه لله رضا وأنه مختار الله؟ وأي شئ أعظم فرية على الله وأشد كفرا
~~من دعوى أن أحدا من الناس أسد رأيا وأجود إصابة من الأنبياء المرسلين بحيث
~~أن خيرته تلازم إصابة الواقع وتوافق خيرة الله دون الأنبياء من أولي العزم؟
~~ما أظن أحدا من المسلمين عاقلا يسوغ لنفسه ذلك، ولا يتجاسر على هذه الدعوى،
~~فإذن خيرة الناس لا يلزم منها إصابة الواقع فليس لهم أن يختاروا إماما لأنا
~~بينا أن شرط صحة الاختيار علم المختار بصلاحيته من اختاره لما اختاره في
~~باطن الأمر عند الله تعالى وقد أخبر الله تعالى عن ذلك بقوله [ولقد
~~اخترناهم على علم على العالمين] (2) فليس للجاهل بما هو صالح عند الله أن
~~يختار عليه ويفرض إمامة من لم يفرض الله
# PageV00P161
# إمامته، فتبين من جميع ذلك أن الاختيار في الإمامة لا عبرة به ولا تأثير
~~له ولا تعويل عليه والإمام به ليس بإمام حق تجب طاعته ولا بدليل هدى يتحتم
~~الاقتداء به، ومن أنصف عرف ذلك وتحققه، وإذا بطل كون الإمامة بالاختيار وجب ms115
~~أن تكون بالنص أو المعجز إذ لا طريق غير ذلك لها فثبت ما قلناه والله
~~الهادي.
# واعلم أنه ليس لمخالفينا على ما ادعوا من صحة الإمامة بالاختيار حجة من
~~آية أو رواية، ولا عثرنا لهم في كتبهم على ذلك بمتمسك يتمسكون به، ولا
~~ذكروا له دليلا سوى ما حدث من بعض الصحابة حيث بايعوا أبا بكر ونصبوه إماما
~~ولم يكن منصوصا عليه، فلولا أن الاختيار طريق للإمامة لم تكن إمامة أبي بكر
~~صحيحة لكنها صحيحة لإجماع الصحابة عليها فيكون الاختيار مثبتا للإمامة لم
~~نجد لهم سوى هذه الشبهة الواهية وفسادها ظاهر لأهل النظر، بل ليست مما
~~ينبغي أن يذكرا وذلك من وجوه.
# الأول أنها مصادرة على المطلوب إذ لا تصح إمامة المذكور إلا بعد جواز
~~الاختيار والاختيار باطل بالأدلة، والباطل لا يثبت شيئا ولا يصححه، فكان
~~الواجب أولا أن يصححوا الاختيار بدليل حتى يثبتوا به إمامة الرجل، وهم إنما
~~صححوا الاختيار بإمامته التي لا تصح إلا بالاختيار فيلزم من ذلك الدور وهو
~~باطل.
# الثاني منع الإجماع فإن المعروف من معنى الإجماع عند الخصوم كما ذكروه في
~~كتبهم الأصولية أنه عبارة من اتفاق أهل الحل والعقد، ومعلوم أن اتفاق أهل
~~الحل والعقد لم يحصل على إمامة أبي بكر بالرضا والاختيار، بل كان الناس بعد
~~النبي (صلى الله عليه وآله) على ثلاث فرق، فرقة مالوا إلى علي (عليه
~~السلام) وأخرى إلى سعد بن عبادة، وأخرى إلى أبي بكر، وما زال الاختلاف
~~باقيا إلى يومنا هذا ولقد أجاد من قال. PageV00P162
# وكيف صيرتم الإجماع حجتكم * والناس ما اتفقوا يوما ولا اجتمعوا أمر علي
~~بعيد عن مشورته * مستكره فيه والعباس ممتنع وليس يخفي على ذي اطلاع ما وقع
~~بين الصحابة في خلافة أبي بكر من الخصام والنزاع، وإن أكثر من بايعه ليس
~~على وجه الرضا، وسيأتي جملة من بيان ذلك وقد مضى شئ منه إشارة فلا إجماع
~~ولا اتفاق، وإن كان الإجماع اتفاق جماعة ولو كانوا اثنين أو ثلاثة فذلك
~~مخالف لما ذكروه من معنى ms116 الإجماع، بل ليس إجماعا قطعا وجزما إذ لو كان كذلك
~~لكان كل قول اتفق عليه ثلاثة مثلا كان إجماعا فإذن كثرت الإجماعات وتعارضت
~~وفساد هذه الدعوى بين لا يحتاج إلى البيان الذي فهم.
# الثالث منع حجية الإجماع المدعى، وذلك أنا بينا فيما مر أن الإجماع لا
~~يكون حجة إلا بدخول من لا يجوز عليه الخطأ في جملة المجمعين، ومن المتفق
~~عليه بين المسلمين أنه لا معصوم من الداعين إلى بيعة أبي بكر ولا من
~~المبايعين، بل لم تدع العصمة لرجل من الصحابة إذ ذاك إلا لعلي (1) (عليه
~~السلام) وقد صح عند كل الأمة أن عليا لم يدخل في بيعة أبي بكر وأبي خلافته
~~وأنكرها وما زال منكرا لها حتى أكره على البيعة وقد روى البخاري ومسلم في
~~صحيحهما (2) أن عليا (عليه السلام) امتنع من بيعة أبي بكر مدة حياة فاطمة
~~وقد عاشت بعد أبيها ستة أشهر فلما توفيت فاطمة انصرفت وجوه الناس عن علي
~~(عليه السلام) فضرع إلى مبايعة أبي بكر، ومن اليقين أن البيعة لو كانت حقا
~~لما قعد عنها علي (عليه السلام) (وهو مع الحق والحق
# PageV00P163
# معه) (1).
# وليس بعد الحق إلا الضلال بنص الكتاب.
# وأما مبايعته أبا بكر بعد انصراف وجوه الناس عنه فأمر اضطراري إذ لا يسعه
~~الانفراد بنفسه، على أن الأمر خلاف هذا وإنما ذكرنا الرواية حجة على الخصم،
~~وإذا لم يكن على الذي هو ثابت العصمة مع المجمعين فلا عبرة بالاجماع لو كان
~~قد حصل، والحاصل أن مبني هذه الشبهة على الوثوق بجملة الصحابة والحكم عليهم
~~بأنهم لا يتعمدون مخالفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهذا المبني
~~متهدم وسيتضح لك فساده تمام الاتضاح في الفصل الثاني إن شاء الله، وأنت بعد
~~تأمل الأدلة المتقدمة وما حررناه هنا لا تشك في بطلان هذه الشبهة
~~واندفاعها.
# الرابع إن الإمامة لو كانت بالاختيار لم تكن أئمتهم أئمة لأن معنى اختيار
~~المسلمين هو اختيار أهل العلم والرأي منهم في جميع بلاد الإسلام، وأقل ما
~~يفهم من الاختيار اختيار ms117 أهل الفضل والعلم من بلد الإمام بأن يجتمعوا بعد
~~موته ويتشاوروا فيما بينهم ويجيلوا الرأي حتى تتفق كلمتهم على واحد معين
~~وتظهر لهم جلية الحال فيه، فإذا اجتمع رأيهم عليه بعد المشاورة والنظر
~~بايعوه لا معنى للاختيار غير هذا ولا ريب أن البيعة لواحد إذا وقعت على غير
~~هذا الوجه لم تكن واقعة باختيار المسلمين فتقع باطلة لبطلان شرطها وهو
~~اختيار المسلمين، ومن يدعي للاختيار معنى غير هذا فهو مكابر جاحد أو جاهل
~~معاند، ومعلوم أن واحدا من أئمتهم لم تقع إمامته على هذا الوجه، هذا أبو
~~بكر وهو رئيس أئمتهم لم تقع بيعته إلا باختيار رجلين عمر بن
# PageV00P164
# الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح لم يحضرها من المهاجرين غيرهما وحضرها
~~المغيرة بن شعبة وهو إذ ذاك ليس من أهل الشورى عند القوم وجميع أهل الفضل
~~من المهاجرين غير حاضرين لم يشاوروا فيها ولم يناظروا، والأنصار وهم
~~المعتمد في نصرة الإسلام نازعوا فيها وخاصموا فأخرجهم عمر بن الخطاب من
~~الشورى بما روى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن الأئمة من قريش)
~~فلم يجعل لهم في الإمامة اختيارا وكانوا قد اختاروا سيدهم سعد بن عبادة
~~الخزرجي وأقعدوه في سقيفة بني ساعدة ليبايعوه فأبطل عمر وصاحباه أمرهم
~~بالرواية المذكورة تارة وبغيرها أخرى وأخرجوهم من هذا الأمر بالمرة، وحسبك
~~من ذلك قول عمر " كانت بيعة أبي بكر فلتة " (1) يعني بغير مشورة كما قاله
~~تابعوه في معناها، وإلا فالكلمة أعظم من ذلك كما يصرح به قوله بعد " وقي
~~الله المسلمين شرها فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه " والكل مذكور مبين في
~~مواضعه فأين اختيار المسلمين في هذا الأمر وأين مشاورتهم في هذه البيعة؟
~~وليس لأحد أن يدعي خلاف ذلك لأنه يدخل حينئذ في حيز العناد البحت والجهل
~~الصرف بما وقع عليه أمر بيعة الرجل فلم تكن بيعة أبي بكر واقعة باختيار
~~المسلمين بالقطع واليقين، وإنما هي باختيار عمر وأبي عبيدة خاصة، فإن قال
~~قائل: إن اختيار الرجلين المذكورين ماض على جميع المسلمين فليس لهم ms118 بعد
~~اختيارهما اختيار قلنا له: أولا هذا رجوع عن القول بالاختيار ومناقض له
~~وعدول إلى القول بالاختصاص ولا بد من إبطالك أحد المتناقضين، فأبطل ما شئت
~~منهما تخصم، ويقال له ثانيا: فيلزمك الحكم بفسق من تخلف من عظماء الصحابة
~~عن بيعة أبي بكر ولم يعتد باختيار الرجلين ولا جعله مؤثرا شيئا حتى ألزم
~~قوم منهم بالمبايعة عل غير وجه جميل
# PageV00P165
# كعلي (عليه السلام) ومن معه مثل العباس وبني هاشم والزبير وسلمان
~~والمقداد وأبي ذر وعمار وبقي جماعة على الآباء والامتناع كسعد بن عبادة
~~وتابعيه من حيث أنهم لم يجعلوا اختيار عمر وأبي عبيدة ماضيا عليهم ولم
~~يرضوا بمن اختاراه، قل ما شئت تخصم نفسك وتبطل مذهبك إن قلت: إن اختيار
~~الرجلين غير ماض على المسلمين أبطلت تلك البيعة وطعنت في صحتها وعاقديها،
~~وإن قلت أن اختيار الرجلين ماض على المسلمين طعنت فيمن رده وأبطله وجعل
~~وجوده كعدمه، فاختر - أعزك الله - من هذين الوجهين ما تريد يكن فيه إبطال
~~مذهبك وتكذيب دعواك هذه الحال في بيعة أبي بكر.
# وأما خلافة عمر فإنها صدرت باختيار أبي بكر خاصته ولم تكن بمشاورة غيره،
~~وطلب فيها طلحة الشورى وأباها هو وقوم معه أشد الآباء وأزرى على أبي بكر
~~استخلافه عمر وخوفه من الله في ذلك، فجبهه أبو بكر وتنقصه بأن قال له " عمر
~~خير الناس وأنت شرهم (1) " وتهدده وتوعده بما هو عند مخالفينا مذكور وفي
~~كتبهم مسطور وقد مر عليك ذكره، فأين اختيار المسلمين في هذه البيعة،؟ بل هي
~~أعظم من سابقتها اختصاصا ومن أين جاز لأبي بكر أن يجعل لعمر الخلافة من غير
~~مشاورة المسلمين من أهل السابقة والعلم والدين من الصحابة وهو يعلم أنها لا
~~تصح إلا باختيارهم كما قلتم؟ وكيف زاد على ما فعل بإجبار من أبي عن بيعة
~~عمر مع سبقه عليه اسلاما وكونه أكثر منه جهادا على طاعته؟ وكيف استحل عمر
~~الولاية من جهة أبي بكر خاصة مع عدم رضا جماعة من أعيان المسلمين وهو
~~القائل لأبي بكر حين ms119 اقطع عينيه بن حصين والأقرع بن حابس (2) أرضا بعد ما
~~استشار من حوله من المسلمين
# PageV00P166
# " أخبرني عن هذه الأرض التي أقطعتها هذين الرجلين أهي لك خاصة أم بين
~~المسلمين؟ قال: بين المسلمين، قال: فما حملك أن تخص بها هذين دون جماعة
~~المسلمين قال: استشرت الذين حولي، فأشاروا بذلك، فقال: أفكل المسلمين
~~أوسعتهم مشورة ورضا " فقال " أبو بكر " فقد كنت قلت لك إنك أقوى على هذا
~~الأمر مني لكنك غلبتني " وقد كان قبل أن يأتي أبا بكر ويسأله بما سمعت أخذ
~~كتاب الإقطاع من الرجلين ثم تفل فيه فمحاه كما رواه أولياؤه من فعله (3)
~~فواعجباه من عمر يرد اقطاع أبي بكر لعيينة والأقرع أرضا خربة مع رضا كثير
~~من المسلمين بذلك لعدم رضا جميعهم ثم يتولى الخلافة بقول أبي بكر وعهده
~~إليه مع عدم رضا جماعة من المسلمين مثل طلحة وأضرابه ولم يقل لأبي بكر لا
~~أتولى بقولك حتى توسع كل المسلمين عذرا ومشورة؟ وأين هو إذ ذاك عن كلامه
~~الأول وهو يعلم أن الخلافة باختيار المسلمين فأين الاختيار وأين المشورة في
~~خلافته وهل هي إلا فلتة كالأولى؟! ثم البيعة الثالثة لعثمان مثلها فإن عمر
~~قصر الاختيار فيها في ستة أخرج جميع المسلمين منها ومن المشورة فيها ثم
~~أخرج منها خمسة وقصرها على رأي واحد وهو عبد الرحمن بن عوف وأبطل اختيار
~~الباقين، وأمر بقتل من خالف عبد الرحمن من الخمسة وغيرهم وبقتل الستة جميعا
~~إن مضت ثلاثة أيام ولم يبايعوا الواحد منهم، فأين اختيار المسلمين في ذلك؟
~~وأين وقوع هذه PageV00P167
# البيعة باختيارهم؟ وإنما وقعت بخيرة عبد الرحمن خاصة وكان جماعة من خيار
~~الصحابة كعمار بن ياسر والمقداد بن الأسود وأمثال هذين وسعد بن أبي وقاص في
~~رواية كلهم أشاروا على عبد الرحمن بمبايعة علي بن أبي طالب (عليه السلام)
~~وترك مبايعة عثمان فلم يلتفت إلى قولهم ولم يشر بمبايعة عثمان إلا رجل طليق
~~من بني مخزوم ممن لا تجوز مشاورة مثله في تمرة من بيت مال المسلمين (1)
~~فضلا عن الرئاسة ms120 العامة على الأمة فأين اختيار أهل الفضل من الصحابة لهذه
~~البيعة؟ وكل هذه الأمور معلومة لا يستطيع أحد إلى إنكارها سبيلا فاللازم
~~على الخصوم إما القول ببطلان اختيار المسلمين في الإمامة وأنها كالملك
~~الجبري تكون لمن غلب كما هي حالها بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~وإما القول ببطلان إمامة الثلاثة لعدم وقوعها باختيار المسلمين كما عرفت أو
~~الحكم بفسق كثير من الصحابة الطاعنين في تلك المبايعات والرادين لها كما مر
~~عليك بيانه مشروحا في المقام وإن كان مختصرا وكل ذلك لا يقول به الخصوم فما
~~أدري ماذا يقولون؟ وبماذا يجيبون في هذه الإمامة التي يقولون إنها باختيار
~~المسلمين ثم يعقدها لواحد آخر على رغم إناف المسلمين، فما أشد مناقضة هذا
~~الفعل لذلك القول، ومن هذا يعلم أن الإمامة لا تصح بالاختيار، وأنها لم
~~يلها أحد باختيار المسلمين من أئمة القوم بالمرة فلا بد في صحتها وثبوتها
~~من النص وقد تبين غاية التبين من جميع ما ذكرناه أن كل من ادعى الإمامة أو
~~ادعيت له بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما خلا عليا (عليه السلام)
~~ليست إمامته صحيحة لفقدانهم الشروط الواجبة في الإمام بأدلة القاطعة
~~والبراهين النيرة اللامعة من العصمة والقرابة والنص عليهم من الرسول (صلى
~~الله عليه وآله وسلم) والفضل لا سيما بالمعنى الثاني من معنييه وهو الجمع
~~للصفات الحميدة
# PageV00P168
# لقصورهم عن كثير من الصحابة في ذلك فضلا عن أن يوازنوا فيها أمير
~~المؤمنين، ولم يكن أحد منهم إماما بالنص عليه من الرسول (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) باتفاق الأمة وإقرار الخصوم، وإذا بطلت إمامة الكل ما خلا
~~إمامنا عليا (عليه السلام) تعين أن يكون هو الإمام بالضرورة لعدم جواز
~~إمامته غيره، وعدم جواز خلو الأرض من إمام وذلك هو المطلوب والمراد، ولنختم
~~هذا الفصل بإيراد حديث شريف في هذا المعنى رواه الشيخان الجليلان محمد بن
~~يعقوب الكليني، ومحمد بن علي بن بابويه القمي واللفظ هنا لمحمد بن يعقوب
~~قال قدس الله نفسه وطهر رمسه أبو ms121 محمد القاسم بن العلا رحمه الله رفعه عن
~~عبد العزيز بن مسلم قال كنا مع الرضا بمرو فاجتمعنا في الجامع يوم الجمعة
~~في بدء مقدمنا فأداروا أمر الإمامة وذكروا اختلاف الناس فيها فدخلت على
~~سيدي (عليه السلام) - يعني الرضا - فأعلمته خوض الناس فيه فتبسم ثم قال:
~~(يا عبد العزيز جهل القوم وخدعوا عن آرائهم إن الله عز وجل لم يقبض نبيه
~~(صلى الله عليه وآله) حتى أكمل له الدين وأنزل عليه القرآن فيه تبيان كل شئ
~~بين فيه الحلال والحرام والحدود والأحكام وجميع ما يحتاج إليه الناس كملا،
~~فقال الله عز وجل [ما فرطنا في الكتاب من شئ] (1) وأنزل في حجة الوداع وهي
~~آخر عمره (صلى الله عليه وآله) [اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي
~~ورضيت لكم الإسلام دينا] (2) وأمر الإمامة من تمام الدين ولم يمض (صلى الله
~~عليه وآله) حتى بين لأمته معالم دينهم وأوضح لهم سبيلهم وتركهم على قصد
~~سبيل الحق وأقام لهم عليا (عليه السلام) علما وإماما وما ترك شيئا تحتاج
~~إليه الأمة إلا بينه فمن زعم أن الله عز وجل لم يكمل دينه فقد رد كتاب الله
~~ومن رد كتاب الله فهو كافر، هل يعرفون قدر الإمامة ومحلها من الأمة فيجوز
~~فيها
# PageV00P169
# اختيارهم، إن الإمامة أجل قدرا وأعظم شأنا وأعلا مكانا وأمنع جانبا وأبعد
~~غورا من أن يبلغها الناس بعقولهم أو ينالوها بآرائهم أو يقيموا إماما
~~باختيارهم، إن الإمامة خص الله عز وجل بها إبراهيم الخليل بعد النبوة
~~والخلة مرتبة ثالثة وفضيلة شرفه بها وأشار بها ذكره فقال: [إني جاعلك للناس
~~إماما] فقال الخليل (عليه السلام) سرورا بها [ومن ذريتي] قال الله تبارك
~~وتعالى: [لا ينال عهدي الظالمين] (1) فأبطلت هذه الآية إمامة كل ظالم إلى
~~يوم القيامة وصارت في الصفوة، ثم أكرمه الله تعالى بأن جعلها في ذرية أهل
~~الصفوة والطهارة فقال: [ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين
~~وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء
~~الزكاة وكانوا لنا عابدين] ms122 (2) فلم تزل في ذريته يرثها بعض عن بعض قرنا
~~فقرنا حتى ورثها الله عز وجل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال جل
~~وتعالى [إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا
~~والله ولي المؤمنين] (3) فكانت له خاصة فقلدها (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~عليا (عليه السلام) بأمر الله عز وجل على رسم ما فرض الله فصارت في ذريته
~~الأصفياء الذين آتاهم الله العلم والإيمان بقوله جل وعلا [وقال الذين أوتوا
~~العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث] (4) فهي في ولد علي
~~(عليه السلام) خاصة إلى يوم القيامة إذ لا نبي بعد محمد (صلى الله عليه
~~وآله) فمن أين يختار هؤلاء؟!.
# إن الإمامة هي منزلة الأنبياء ووراثة الأوصياء.
# PageV00P170
# إن الإمامة خلافة الله وخلافة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ومقام
~~أمير المؤمنين وميراث الحسن والحسين (عليهما السلام).
# إن الإمامة زمام الدين ونظام المسلمين وصلاح الدنيا وعز المؤمنين.
# إن الإمامة أس الإسلام النامي وفرعه السامي، بالامام تمام الصلاة والزكاة
~~والصيام والحج والجهاد وتوفير الفئ والصدقات وإمضاء الحدود والأحكام ومنع
~~الثغور والأطراف.
# الإمام يحل حلال الله ويحرم حرام الله، ويقيم حدود الله ويذب عن دين الله
~~ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة والحجة البالغة.
# الإمام كالشمس الطالعة المجللة بنورها للعالم وهي في الأفق بحيث لا
~~تنالها الأيدي والأبصار.
# الإمام البدر المنير والسراج الزاهر والنور الساطع والنجم الهادي في
~~غياهب الدجى وإجواز البلدان والقفار ولجج البحار.
# الإمام الماء العذب على الظمأ والدال على الهدى والمنجي من الردى.
# الإمام النار على اليفاع الحار لمن اصطلى به والدليل في المهالك من فارقه
~~فهالك.
# الإمام السحاب الماطر والغيث الهاطل والشمس المضيئة والسماء الظليلة
~~والأرض البسيطة والعين الغزيرة والغدير والروضة.
# الإمام الأنيس الرفيق والوالد الشفيق والأخ الشقيق والأم البرة بالولد
~~الصغير ومفزع العباد في الداهية النئاد.
# الإمام أمين الله على خلقه وحجته على عباده وخليفته في بلاده والداعي إلى
~~الله والذاب عن حرم الله. PageV00P171
# الإمام المطهر من الذنوب والمبرأ من العيوب ms123 المخصوص بالعلم الموسوم
~~بالحلم نظام الدين وعز المسلمين وغيظ المنافقين وبوار الكافرين.
# الإمام واحد دهره لا يدانيه أحد ولا يعادله عالم ولا يوجد منه بدل ولا له
~~مثل ولا نظير مخصوص بالفضل كله من غير طلب منه له ولا اكتساب بل اختصاص من
~~المفضل الوهاب، فمن ذا الذي يبلغ معرفة الإمام أو يمكنه اختياره، هيهات
~~هيهات ضلت العقول وتاهت الحلوم وحارت الألباب وخسئت العيون وتصاغرت العظماء
~~وتحيرت الحكماء وتقاصرت الحلماء وحصرت الخطباء وجهلت الألباء وكلت الشعراء
~~وعجزت الأدباء وعييت البلغاء عن وصف شأن من شأنه وفضيلة من فضائله وأقرت
~~بالعجز والتقصير، وكيف يوصف بكله أو ينعت بكنهه، أو يفهم شئ من أمره أو
~~يوجد من يقوم مقامه ويغني غناه لا كيف وإني وهو بحيث النجم من يد
~~المتناولين ووصف الواصفين؟ فأين الاختيار من هذا وأين العقول عن هذا وأين
~~يوجد مثل هذا؟ يظنون أن ذلك يوجد في غير آل الرسول محمد (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) كذبتهم والله أنفسهم ومنتهم الأباطيل فارتقوا مرتقا صعبا دحضا
~~تزل عنه إلى الحضيض أقدامهم راموا إقامة الإمام بعقول حائرة بائرة ناقصة
~~وآراء مضلة فلم يزدادوا منه إلا بعدا قاتلهم الله أنى يؤفكون ولقد راموا
~~صعبا وقالوا إفكا وضلوا ضلالا بعيدا ووقعوا في الحيرة إذ تركوا الإمام عن
~~بصيرة وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين رغبوا عن
~~اختيار الله واختيار رسوله (صلى الله عليه وآله) إلى اختيارهم والقرآن
~~يناديهم [وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله عما
~~يشركون] (1) وقال عز وجل [وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله
# PageV00P172
# ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم] (1) الآية وقال [ما لكم كيف
~~تحكمون أم لكم كتاب فيه تدرسون أم لكم فيه لما تخيرون أم لكم أيمان علينا
~~بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون سلهم أيهم بذلك زعيم أم لهم شركاء
~~فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين] (2) وقال عز وجل [أفلا يتدبرون القرآن
~~أم على قلوب أقفالها أم ms124 طبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون أم قالوا سمعنا
~~وهم لا يسمعون إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ولو علم
~~الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون أم قالوا سمعنا
~~وعصينا بل هو فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم] فكيف لهم
~~باختيار الإمام والإمام عالم لا يجهل وراع لا ينكل معدن القدس والطهارة
~~والنسك والزهادة والعلم والعبادة مخصوص بدعوة الرسول (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) ونسل المطهرة البتول لا مغمز فيه في نسب ولا يدانيه ذو حسب في البيت
~~من قريش والذروة من هاشم والعترة من الرسول (صلى الله عليه وآله) والرضا من
~~الله عز وجل، شرف الأشراف والفرع من عبد مناف نامي العلم كامل الحلم مضطلع
~~بالإمامة عالم بالسياسة مفروض الطاعة قائم بأمر الله عز وجل ناصح لعباد
~~الله حافظ لدين الله إن الأنبياء والأئمة يوفقهم الله ويؤتيهم من مخزون
~~علمه وحكمه ما لا يؤتيه غيرهم فيكون علمهم فوق علم أهل زمانهم في قوله جل
~~وتعالى [أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدي فما لكم
~~كيف تحكمون] (3) وقوله تبارك وتعالى [ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا]
~~(4) وقوله في طالوت [إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم
# PageV00P173
# والجسم والله يؤت ملكه من يشاء والله واسع عليم] (1) وقال لنبيه (صلى
~~الله عليه وآله وسلم) [أنزل عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان
~~فضل الله عليك عظيما] (2) وقال في الأئمة من أهل بيت نبيه وعترته وذريته
~~[أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب
~~والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفي بجهنم
~~سعيرا] (3) وأن العبد إذا اختاره الله عز وجل لأمور عباده شرح صدره لذلك
~~وأودع قلبه ينابيع الحكمة وألهمه العلم إلهاما فلم يعي بعده بجواب ولا يحير
~~فيه عن الصواب فهو معصوم مؤيد موفق مسدد قد آمن من الخطأ ms125 والزلل والعثار،
~~يخصه الله بذلك ليكون حجته على عباده وشاهده على خلقه و [ذلك فضل الله
~~يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم] (4) فهل يقدرون على مثل هذا
~~فيختارونه، أو يكون مختارهم بهذه الصفة فيقدمونه تعدوا وبيت الله - الحق
~~ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، وفي كتاب الله الهدى
~~والشفاء فنبذوه واتبعوا أهواءهم فذمهم الله ومقتهم وأنفسهم فقال جل وتعالى
~~[ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين]
~~(5) قال [فتعسا لهم وأضل أعمالهم] (6) وقال [كبر مقتا عند الله وعند الذين
~~آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار] (7) وصلى الله على النبي محمد
~~وآله وسلم تسليما كثيرا تمام
# PageV00P174
# الخبر (1). وهو كما ترى قد اشتمل على المطالب الجليلة وصرح بالفوائد
~~الجزيلة نسأل الله التوفيق لفهم معانيه والعمل على ما فيه إنه خير مسؤول
~~وأكرم مأمول.
# PageV00P175
# الفصل الثاني في ذكر النصوص على أمير المؤمنين والأئمة (عليهم السلام)
~~وهو يشتمل على مسائل: PageV00P177
# المسألة الأولى: في إيراد النصوص على سيدنا ومولانا أمير المؤمنين علي بن
~~أبي طالب (عليه السلام) بالإمامة، واعلم أن لأصحابنا في إثبات الإمامة
~~لأمير المؤمنين (عليه السلام) بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بلا
~~فصل ثلاثة طرق.
# الأول: إبطال إمامة غيره ممن ادعيت له الإمامة بعد رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) لتثبت له الإمامة بالضرورة.
# الثاني: النصوص الواردة في إمامته من الكتاب والسنة النبوية.
# الثالث: ظهور المعجز على يده مع دعواه الإمامة.
# أما الطريق الأول فقد بيناه في آخر الفصل الأول بما يكفي في البيان لأولي
~~الأذهان وسيأتي في مطاوي هذا الفصل له مزيد تبيان إن شاء الله.
# وأما الطريق الثاني: فنقول إن الإمامية وجملة من فرق الشيعة متفقون على
~~أن المنصوص عليه من الله ومن الرسول (صلى الله عليه وآله) بالإمامة بعد
~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو علي بن أبي طالب (عليه السلام) فيكون
~~هو الإمام بعده (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ لا ms126 نص على غيره باتفاق الأمة،
~~وزعم ابن أبي الحديد وشيوخه المعتزلة كالأشاعرة أنه لا PageV00P179
# نص على علي (عليه السلام) بالإمامة صريحا يقطع العذر ويقيم الحجة وإنما
~~كان هناك تلويح لا تصريح وتعريض لا توضيح لا تثبت به الحجة القاطعة
~~للمنازعة وإنما طلبها بالأفضلية والقرابة من الرسول (صلى الله عليه وآله
~~وسلم)، والأشاعرة قالوا بعدم النص على علي (عليه السلام) وأن أبا بكر أحق
~~منه بالخلافة لأنه أفضل، وغير ذلك. مما تصدى قوم من أصحابنا لإبطاله
~~وأبطلوه، وستسمع في كلامنا إفساده بحول الله وقوته، فلنجعل أصل المناظرة
~~هنا مع ابن أبي الحديد ونقتصر من النصوص على جملة مما رواه هو وصححه، أو ما
~~روى في الكتب الصحيحة بزعمه وقبل ذكر النصوص لا بد من بيان معنى النص في
~~هذا المقام فنقول: المراد بالنص في هذا الموضع الأمر الدال على الإمامة
~~بالصريح من فعل وقول، فالفعل مثل تأهيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~رجلا لإمرة لا يصلح ذلك الفعل إلا له (صلى الله عليه وآله وسلم)، مثل أن
~~يعلم من قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه لا يبلغ عنه الأمر
~~الفلاني مثلا إلا من كان صالحا لأن يقوم مقامه فيبعث رجلا للتبليغ عنه فإنه
~~يعلم بهذا الفعل أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أهله لمقامه من بعده ورشحه
~~لخلافته ويكون المخالف له رادا للنص وطاعنا فيه، والقول ما أفاد معنى
~~الإمامة إما بلفظها أو ما يقاربه في المعنى كلفظ الإمرة والإمارة وما
~~شاكلهما، أو بلفظ الوصي والخليفة والوزير وشبهه، أو بلفظ الطاعة مثل أن
~~يقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلان إمام بعدي أو أميركم وشبههما،
~~أو هو وصيي وخليفتي أو طاعته طاعتي، أو هو وزيري، أو أن يقول هو مثلي أو
~~تمسكوا به من بعدي، أو هو وليكم، أو منزلته مني منزلة فلان من فلان ويشير
~~إلى خليفة نبي فهذه الألفاظ كلها دالة على الإمامة فهي نصوص صريحة فيها من
~~غير ضم شئ إليها داخلي أو خارجي، ms127 ومثلها فلان وارثي فلان أحق بمقامي أولى
~~بي فلان المختار بعدي فلان سيد أمتي، وقد يفيدها ألفاظ أخر كقول النبي (صلى
~~الله PageV00P180
# عليه وآله وسلم) فلان أحبكم إلى الله فلان أعلمكم فلان أقربكم إلى فلان
~~أشدكم جهادا أو أكثركم فلان لا يزال على الحق فلان خير أمتي، فهذه الألفاظ
~~تدل على الإمامة بضم اشتراط العصمة والأفضلية والأعلمية والأقربية إلى
~~الرسول (صلى الله عليه وآله) في الإمام ولا يعرف في النص على الإمامة أوضح
~~من هذه المذكورات، ومن طلب لذلك لفظا أوضح منها أو مثلها في هذا الباب لم
~~يجده، ومن شك فقد نازع مقتضى عقله وأخرج اللفظ عن معناه وصرفه في غير
~~مؤداه، وهذا لا يعجز عنه أحد من العارفين بفنون الكلام حتى في كلمتي
~~الشهادتين (لا إله إلا الله محمد رسول الله) لكنه بدون قرينة صارفة عن
~~الحقيقة عين العناد ومنه يجئ الباطل والفساد، والمعاند لا يلتفت إليه، وكيف
~~يستفاد نص أبي بكر على عمر بالخلافة من قوله إني عهدت إلى عمر بن الخطاب
~~ويعرف منه استخلافه ولا يعرف من قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لرجل
~~مخصوص هو وصيي النص عليه بالاستخلاف وكلا اللفظين بمعنى واحد؟ فإن عهدت إلى
~~فلان بمعنى أوصيت إليه كما نص عليه أهل اللغة فما ظنك بغيره من الألفاظ
~~التي ذكرت مما هو أصرح منه وهل يجوز لعاقل أن يقول أنا أفهم من قول أبي بكر
~~إني عهدت إلى عمر أنه استخلفه ولا أفهم من قول رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) (علي وصيي) أنه استخلفه؟ فكيف بقوله: (علي إمامكم بعدي علي
~~خليفتي على أمتي) (1) إلى غير ذلك من الألفاظ الصريحة؟ وهل يرتاب عاقل في
~~إفادتها النص بالخلافة وهو قد قطع بنص أبي بكر على عمر باللفظ المذكور إلا
~~أن يسلك مسلك العناد الذي لا دواء له، نعوذ بالله من طاعة الهوى،
# PageV00P181
# فإذا تقرر ذلك وانتقش معناه في صحيفة قلبك فاعلم أنه قد ورد عن النبي
~~(صلى الله عليه وآله) النص على ms128 أمير المؤمنين بالإمامة بالفعل والقول بتلك
~~الألفاظ وما أدى معناها وغيرها مما يدركه المتتبع لكتب الأخبار وكتب
~~الاستدلال في الإمامة، فالفعل الصريح في النص.
# منه: أخذ النبي (صلى الله عليه وآله) سورة براءة من أبي بكر وعزله عنها
~~بعد أن بعثة بها ليقرأها في الموسوم وينفذ حكمها نيابة عن الرسول (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) وبعثه عليا (عليه السلام) بها لذلك مع قوله لأبي بكر لما
~~سأله أنزل في شئ قال: (لا، لكن لا يبلغ إلا أنا أو رجل مني) (1) والقضية
~~معلومة لا شك فيها عند الأمة وهي كما كانت دالة على إمامة علي (عليه
~~السلام) لأنه المبلغ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى الأمة كذلك هي
~~دالة على نفي صلاحية غيره للإمامة لأنها ناصة على أنه لا يصلح أن يبلغ عن
~~النبي (صلى الله عليه وآله) بعض آيات من سورة
# PageV00P182
# براءة إلى أهل مكة ولم يرتضه الله لذلك ولم يجعله له أهلا، فكيف يرتضيه
~~الله للرئاسة العامة وهي التبليغ عن النبي (صلى الله عليه وآله) للأمة جميع
~~أحكام شريعته في الدماء والأموال والفروج وإنفاذها فيهم؟ لأن الإمام هو
~~المبلغ عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أحكام الشريعة إلى أمته
~~والقائم بتنفيذها فيهم لا معنى للإمامة غير هذا يقينا، ومن لم يرتضه الله
~~لتبليغ بعض الأحكام القليلة لأناس من الأمة عن النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) فبالأولى أن الله لا يرتضيه لتلك الرئاسة العامة والمنزلة الجليلة،
~~ولما كان علي (عليه السلام) هو المرتضى للتبليغ عن النبي (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) من دون تخصيص وأن حاله في ذلك كحال الرسول (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) فهو القائم مقامه في التبليغ إلى الأمة، كان هو الإمام المرتضى لتلك
~~الرئاسة الكبرى والأمر في ذلك واضح لا يخفى على ذي حجي فكيف على خصومنا وهم
~~من الفضلاء لولا ما وقع على أفهامهم من ظلمات الشبهات فحالت بينها وبين
~~إبصار الأمور الظاهرة والحق الواضح.
# ثم أن قول النبي (صلى الله ms129 عليه وآله) (أو رجل مني) إما أنه يريد أنه منه
~~في قرابة النسب فيكون ذلك حجة لنا على ما نقول من أن الإمام يجب أن يكون من
~~ذوي قربى الرسول (صلى الله عليه وآله) ومن لم يكن من ذوي قرابته لا يصلح
~~لخلافته أو أنه بالاتباع كقوله تعالى حكاية عن إبراهيم الخليل (عليه
~~السلام): [فمن تبعني فإنه مني] (1) وقد قال الله سبحانه وتعالى [قل إن كنتم
~~تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله] (2) ومحبة الله سبحانه وتعالى لعلي (عليه
~~الصلاة والسلام) ومحبته لله تعالى ثابتة بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~يوم خيبر: (يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله)
# PageV00P183
# وقرابته لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثابتة بالنسب واتباعه له
~~مما لا يختلف فيه اثنان ولذا كان المخصوص بتبعية الرسول (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) وبمحبة الله تعالى فهو الإمام المرتضى بنص الله، القاطع ونص
~~رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) المثبت للحجة والمزيل للأعذار الواهية،
~~فإنه على كلا التقديرين في معنى " مني " يوجب خروج غيره عن صلاحيته للإمامة
~~كما سمعت، فأي نص يريد ابن أبي الحديد على إمامة علي (عليه السلام) أصرح من
~~هذا النص الصريح. ولعمري أن هذه القصة المتفق عليها (1) كافية في النص على
~~إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) ونفي إمامة غيره عند أولي الألباب، ولا
~~يحتاجون في ذلك إلى غيرها وإن كان موجودا قد طبق الآفاق والاعتذار في هذا
~~بأن عادة العرب إذا عقدوا بينهم عقدا وعهدا لا يقوم بتبليغه إلى المعاهدين
~~إلا العاقد أو من هو قريب منه في النسب كالأخ وابن العم فجرى الأمر في
~~براءة على قاعدة العرب فلم يكن فيه دلالة على إثبات مقام النبي (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) لعلي مطلقا ونفي أبي بكر عن صلاحيته له مطلقا كما قاله
~~المعتزلة والأشاعرة اعتذار واهن وتعلق بما لا ينفع كتعلق الغريق بالحشيش
~~ودفع للنص بالشبهات الركيكة، لأنا نقول لهم: أولا إنكم علمتم أن النبي (صلى
~~الله عليه وآله) لا يعمل في أمر الدين ms130 والدنيا وتقديم أحد أو
# PageV00P184
# تأخيره بعادات العرب أهل الجاهلية ولا يعتمد عليها ولم يأمره الله بذلك
~~بل نهاه في كثير من الآيات عن ذلك مثل قوله تعالى [ولا تطع من أغفلنا قلبه
~~عن ذكرنا] (1) وقوله: [ولا تتبع أهواء الذين لا يؤمنون] (2) وغير ذلك،
~~وإنما اعتماده في كل الأشياء على قواعد دين الله دون قواعد الجاهلية
~~وعاداتها كيف لا والله تعالى يقول في حقه [وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي
~~يوحى] (3) فأبطلت هذه الآية وما قبلها ما ادعاه الخصوم من كون عزله عن
~~براءة وبعث علي (عليه السلام) بها جاريا على عادات العرب وأثبتت أنه لبيان
~~استحقاق مقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعدم استحقاقه على أبين وجه،
~~وأيضا لو كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك مراعيا لعادات العرب
~~لبعث ببراءة من أول الأمر رجلا من أقاربه كعلي (عليه السلام) أو عمه العباس
~~أو عقيل أو غيرهم من بني هاشم فإنهم كانوا معه في المدينة، وهو (صلى الله
~~عليه وآله) عالم بعادات العرب ولم يبعث أبا بكر بها ثم كيف يعقل أن الله
~~يأمر نبيه (صلى الله عليه وآله) وسلم بأن يجري على عادات أهل الجاهلية وهو
~~قد بعثه لإزالتها وإماتتها بدين حنيفي وملة إسلامية لا يقبل الله سواها،
~~وقد قال (صلى الله عليه وآله) (إن الله أذهب بالإسلام نخوة الجاهلية
~~وتفاخرها بأنسابها) (4) وهو معلوم من قوله (صلى الله عليه وآله) لا ريبة
~~فيه وقال الله وجل وعلا مخاطبا له [اتبع ما أوحي إليك من ربك] (5) ولم يقل
~~اتبع عادات العرب وبعد فأي نبي بعثه
# PageV00P185
# الله باتباع عادات الكفرة وأهل الجاهلية حتى يكون سيد الرسل (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) كذلك فنسبه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى العمل
~~بعادات أهل الجاهلية، ونسبة الله إلى أمره نبيه بذلك نسبة قبيحة مخالفة
~~للعقل والنقل من الكتاب والسنة توجب الخروج من الدين والبعد من الملة
~~الإسلامية لا يجوز لمسلم أن يدعيها ولا يجترئ مؤمن على اعتقادها ms131 لمخالفتها
~~الكتاب والسنة وضرورة العقل لكن ذلك ليس بكثير على الخصوم، وحيث بطل ما
~~ادعوا صح أن القصة دالة على ما ذكرناه من بيان مستحق مقام النبي (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) ومن لا يستحق دون ما ذكروه لبطلانه بالأدلة القطعية ونقول
~~لهم ثانيا إذا كان بعث النبي (صلى الله عليه وآله) عليا (عليه السلام)
~~ببراءة وعزله أبا بكر عنها كان جاريا على عادة العرب لأن عادتهم جرت بأن
~~إبلاغ العهود لا يكون إلا للعاقد أو أحد من أقاربه كما قلتم وجب أن تجري
~~الإمامة ذلك المجرى فإن العرب قد جرت عادتهم واستقرت بأن مقام الرجل الشريف
~~من بعد موته يكون لا قرب الناس إليه لا سيما من يقوم مقامه في حياته من ذوي
~~قرابته، ولم تجر عادتهم بإعطاء مقامه الأباعد فوجب أن يكون الإمام بعد
~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا (عليه السلام) دون غيره على عادة
~~العرب لأنه أقامه مقامه في حياته وهو أقرب الناس إليه ويجب لذلك أن يكون
~~تخصيص الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا بتبليغ براءة نصا منهما
~~على أن عليا (عليه السلام) هو القائم مقام النبي (صلى الله عليه وآله) بعد
~~وفاته دون باقي أقاربه لإقامته إياه مقامه في حياته فلا ينازعه أحدا من
~~أقارب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في مقام النبي (صلى الله عليه
~~وآله)، وأما أبو بكر فإنه خارج بعادة العرب عن خلاقة النبي (صلى الله عليه
~~وآله) على كل حال فما خرجت القصة على دعواكم عن كونها نصا على استخلاف أمير
~~المؤمنين (عليه السلام) بعد النبي (صلى الله عليه وآله) بلا فصل،
~~PageV00P186
# وعدم صلاحيته لذلك المنصب وليس في ذلك خفاء، ودعوى القوشجي في شرح
~~التجريد أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يدفع براءة إلى أبي بكر ثم عزله
~~عنها بعلي (عليه السلام) وإنما بعثه أميرا على الموسم وأردفه بعلي عليه
~~السلام) ليقرأ براءة، مخالف لما شاع وذاع وتواتر في القصة بين المفسرين
~~وأهل السيرة واستفاض ms132 في روايات محدثيهم، ولسنا نشك أنه كلام مختلق موضوع
~~ويدل على ذلك مضافا إلى شهرة القصة ما سيأتي من احتجاج عبد الله بن عباس
~~على عمر بن الخطاب في تفضيل علي (عليه السلام) على أبي بكر بعزله عن براءة
~~بعلي (عليه السلام) فلم ينكره عمر ولا ادعا خلافه، على أن ذلك لا يدفع
~~حجتنا لأنا نقول على هذه الدعوى أن غيره لا يصلح للتبليغ عن النبي (صلى
~~الله عليه وآله) في شئ من الأحكام ولو صلح لذلك لاعطاه براءة وأمره
~~بتبليغها وإذا لم يصلح لأن يبلغ عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته
~~بعض الأحكام إلى قوم خاصين من الأمة لم يصلح بالضرورة للقيام مقام النبي
~~(صلى الله عليه وآله) بعد وفاته في تبليغ جميع الأحكام لكل الأمة فلا فرق
~~في ذلك بين عدم تأميره عليها من أول الأمر وبين عدم إقراره عليها بعد
~~التأمير لإفادة الأمرين معنى واحدا كما عرفت، وما توهمه القوشجي من الفرق
~~بين الحالين تجاهل وتغافل.
# وأما ابن أبي الحديد فعنده كغيره منهم إن عزل أبي بكر عن براءة ثابت
~~كالشمس المنيرة صرح به في كتبه وأشعاره (1) وعلى كل حال يكون إعطاء النبي
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) عليا (عليه السلام) براءة إن كان من أول الأمر
~~وإن كان بعد عزل أبي بكر عنها إعلاما للناس وإفهاما لهم إنه لا
# PageV00P187
# يصلح للتبليغ عنه أحكام الشريعة وعهود المعاهدين غيره فهو القائم مقامه
~~في حياته فيجب أن يكون خليفته بعده والمؤدي عنه لأمته وهو المطلوب، وهذا
~~بحمد الله واضح لكن المتجاهل عن الحق والمقلد لأسلافه لا حيلة فيه.
# ومن الفعل: الصريح الناص على إمامة أمير المؤمنين وأنه لا يجوز أن يتقدم
~~عليه في الإمامة أحد بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن النبي (صلى
~~الله عليه وآله) أمر الأمراء من أصحابه على غير علي (عليه السلام) ولم يؤمر
~~عليه أحدا فما خرج أمير المؤمنين (عليه السلام) في جيش ورسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) ليس في ms133 ذلك الجيش إلا وعلي (عليه السلام) هو الأمير على
~~الجيش، ولا بعثه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى بلد إلا وهو أمير على
~~من بها من الصحابة وغيرهم، ولا خلفه في المدينة إلا وهو خليفته فيها، وهذا
~~أمر معلوم لا يشك فيه عاقل، وقد روى ابن أبي الحديد عن الواقدي قال سئل
~~الحسن - يعني البصري عن علي (عليه السلام) وكان يظن به الانحراف عنه ولم
~~يكن كما يظن فقال: " ما أقول فيمن جمع الخصال الأربع، ائتمانه على براءة،
~~وما قال له في غزاة تبوك فلو كان غير النبوة شئ لاستثناه، وقول النبي (صلى
~~الله عليه وآله) الثقلان كتاب الله وعترتي، وأنه لم يؤمر عليه أمير قط
~~وأمرت الأمراء على غيره " (1) انتهى ومن هذا يعلم أن دعوى القوشجي تأمير
~~أبي بكر على علي (عليه السلام) يوم بعثه ببراءة باطلة كسائر دعاويه
~~المزخرفة الفاسدة التي لا تحتاج في بطلانها إلى إكثار القول ونقل الحجج،
~~ويعلم منه أيضا بطلان دعوى ابن أبي الحديد أنه لم يرو عزل أبي بكر عن إمارة
~~الموسم إلا الشيعة، فإن روايته المذكورة عن الواقدي عن الحسن مصرحة بأن
~~عليا (عليه السلام) لم يؤمر عليه أحد قط فلو كان أبو بكر أمير الموسم وعلي
~~فيه لكان أبو بكر أميرا
# PageV00P188
# عليه وحصل التناقض في القول، وابن أبي الحديد مصدق لقول الحسن غير طاعن
~~فيه، فإثباته لرواية محدثيهم زعم إمارة أبي بكر على الموسم وطعنه في رواية
~~عزله عنه ونسبتها إلى الشيعة خاصة مناقضة في قوليه إما لجهل أو تجاهل، وعل
~~هذا فتكون رواية الشيعة أرجح لأن مثل الحسن والواقدي وأمثالهما من العامة
~~قد وافقهم، والثانية باطلة مردودة لاختصاص جماعة منهم بها، وصح من كل ذلك
~~أن عليا (عليه السلام) لم يؤمر عليه أحد من الصحابة في حال من الأحوال،
~~وتقرير النص من هذا الفعل: أن النبي (صلى الله عليه وآله) حيث لم يؤمر على
~~علي (عليه السلام) أحد دل ذلك من فعله أنه لا يجوز أن يتأمر على علي ms134 (عليه
~~السلام) أحد من الصحابة وأن يجوز له التأمر عليهم، وإذا لم يصح ان يتأمر
~~عليه أحد من الأمة في زمان النبي (صلى الله عليه وآله) لم يصح ذلك لأحد بعد
~~موت النبي (صلى الله عليه وآله) إذ لا فرق بين الحالين، وإذا لم يجز لأحد
~~التأمر على علي (عليه السلام) في حال من الأحوال وجب أن يكون هو أمير الأمة
~~بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) فهو الإمام لا محالة بعده ولا يجوز لأحد
~~التقدم عليه إذ ليس إلا أمير مطاع أو مأمور مطيع كما رووه عنه وما سواهما
~~خارج من الملة، ولما كان غيره كأبي بكر وعمرو وعثمان وأبي عبيدة وأضرابهم،
~~ممن أمر عليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) غيرهم كان ذلك دالا على
~~جواز تقدم الغير عليهم فلا يكونون أئمة، وهذا الفعل كسابقة نص على إمامة
~~علي (عليه السلام) كما هو نص على صلاحية غيره للإمامة لدلالته على عدم جواز
~~تقدم الغير عليه ففيه وفي سابقة الكفاية في النص لابن أبي الحديد لو كان
~~ينصف، اللهم إلا أن يريد منا نصا مثل النص الذي أراده أهل مكة من النبي
~~(صلى الله عليه وآله) في قولهم: [أو تأتي بالله والملائكة قبيلا] (1) فيقول
~~لنا جيئونا بالنبي (صلى
# PageV00P189
# الله عليه وآله وسلم) لنشاهده ويقول لنا أنا فعلت ذلك لأعلم الناس أن
~~عليا (عليه السلام) هو الإمام بعدي والقائم مقامي وأن الإمامة لا تجوز
~~لغيره وإني بذلك الفعل قد نصصت عليه فحينئذ نقر بالعجز عن هذا ونقول إنما
~~علينا أن نأتيكم من فعل النبي (صلى الله عليه وآله) بدليل وشاهد ونقيم
~~عليكم حجة من قول النبي (صلى الله عليه وآله) ويكون جوابنا هنا لهم شبيها
~~بجواب النبي (صلى الله عليه وآله) لأولئك المقترحين عليه وهو قوله تعالى:
~~[قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا] (1) وليت شعري كيف يفهم عويم بن
~~ساعدة الأنصاري الأوسي استخلاف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأبي
~~بكر من أمره له بالصلاة كما ms135 ذكره عنه ابن أبي الحديد (2) وغيره ويفهم عمر
~~رضا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأبي بكر لديهم وتقديمه عليهم من
~~ذلك كما هو مشهور من قوله ولا يفهم من ذينك الفعلين الواضحين إرادة الله
~~ورسوله استخلاف علي (عليه السلام) وتقديمه، ما هذا إلا تحير في المعلومات
~~وشك في الواضحات وذلك من أعظم الغفلات نسأل الله العصمة عن طاعة الهوى، على
~~أن الصلاة لا يشترط عندهم في إمامها العدالة فضلا عن الأفضلية فلو صح أن
~~النبي (صلى الله عليه وآله) أمره بالصلاة ولم يفد على قولهم عدالته فكيف
~~يفيد أفضليته وخلافته، وأنى ودون صحته خرط القتاد وكيف يصح وأمير المؤمنين
~~ينكره ويقول إن الأمر صدر من عائشة كما رواه ابن أبي الحديد (3) وقد صح
~~عنده (أن عليا مع الحق والحق معه) (4) فما ينكره علي لا يكون إلا
# PageV00P190
# حقا فأمر أبي بكر بالصلاة غير صادر عن النبي (صلى الله عليه وآله) قطعا
~~بخلاف الأمرين المذكورين الثابتين من فعل رسول الله (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) بعلي (عليه السلام) لأنهما لا يحتملان إلا إرادة التقديم على الغير
~~والاستخلاف كما بيناه ودفعنا به تعليلات القوم العليلة.
# وأما القول: فالوارد منه بلفظ الإمامة جملة من الأخبار عن النبي (صلى
~~الله عليه وآله) منه قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) (علي إمام البررة
~~وقاتل الكفرة منصور من نصره مخذول من خذله) رواه الحاكم بسنده عن جابر بن
~~عبد الله الأنصاري (1) وهو ممن لا يقدح الخصوم في روايته لأنه من أكابر
~~محدثيهم.
# ومنه ما رواه ابن أبي الحديد عن أبي نعيم الحافظ الاصفهاني في حلية
~~الأولياء عن أنس بن مالك في حديث قال فيه له رسول الله (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) (أول من يدخل عليك من هذا الباب إمام المتقين وسيد المسلمين ويعسوب
~~الدين وخاتم الوصيين وقائد الغر المحجلين) قال أنس فقلت اللهم اجعله رجلا
~~من الأنصار وكتمت دعوتي فجاء علي (عليه السلام) فقال (صلى الله عليه وآله)
~~(من جاء يا أنس)؟ فقلت علي ms136 (عليه السلام) فقام إليه مستبشرا فاعتنقه ثم جعل
~~يمسح عرق وجهه فقال علي (عليه السلام) يا رسول الله لقد رأيت منك اليوم
~~تصنع بي شيئا ما صنعته قبل قال (صلى الله عليه وآله) (وما يمنعني وأنت تؤدي
~~عني وتسمعهم صوتي وتبين لهم ما اختلفوا فيه بعدي) (2) وهذا الحديث دال على
~~أن المؤدي عن النبي (صلى الله عليه وآله) المبين للأمة ما اختلفوا فيه
# PageV00P191
# من بعده هو صاحب الأوصاف المتقدمة في صدر الحديث من كونه إمام المتقين
~~إلى آخرها وهو المستحق لها دون من سواه ممن لا يصلح للأداء عن النبي (صلى
~~الله عليه وآله) تسع آيات من سورة براءة.
# ومنه: ما رواه عنه في الكتاب المذكور عن أبي بردة الأسلمي أن رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) قال: (إن الله عهد إلي في علي عهدا فقلت: يا رب بينه
~~لي قال: اسمع إن عليا راية الهدى وإمام أوليائي ونور من أطاعني وهو الكلمة
~~التي ألزمتها المتقين من أحبه فقد أحبني ومن أطاعه فقد أطاعني فبشره بذلك
~~فقلت بشرته يا رب فقال: أنا عبد الله وفي قبضته فإن يعذبني فبذنوبي لم يظلم
~~شيئا أن يتم لي ما وعدني فهو أولى وقد دعوت له فقلت: اللهم اجل قلبه واجعل
~~ربيعه الإيمان بك قال: قد فعلت ذلك غير أني مختصة بشئ من البلاء لم أختص به
~~أحدا من أوليائي فقلت رب أخي وصاحبي قال: إنه سبق في علمي أنه لمبتل ومبتلى
~~به) (1).
# وبإسناد آخر بلفظ آخر في الكتاب المذكور عن أنس بن مالك عن النبي (صلى
~~الله عليه وآله): (إن رب العالمين عهد إلي في علي عهدا أنه راية الهدى
~~ومنار الإيمان وإمام أوليائي ونور جميع من أطاعني إن عليا أميني غدا يوم
~~القيامة فصاحب رايتي، بيد علي مفاتيح خزائن رحمة ربي).
# وفي الكتاب المذكور قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (مرحبا بسيد
~~المؤمنين وإمام المتقين) فقيل لعلي (عليه السلام) كيف شكرك؟ فقال أحمد الله
~~على ما أتاني وأسأله الشكر على ما ms137 أولاني وأن يزيدني مما
# PageV00P192
# أعطاني) (1).
# وقال ابن أبي الحديد: روى ابن ديزيل، قال: حدثنا زكريا بن يحيى قال:
# حدثنا علي بن القاسم عن سعيد بن طارق عن عثمان بن القاسم عن زيد بن أرقم
~~قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (ألا أدلكم على ما إن
~~تسالمتم عليه لم تهلكوا إن وليكم الله وإمامكم علي بن أبي طالب فناصحوه
~~وصدقوه فإن جبرائيل أخبرني بذلك) فهذه الأحاديث الصحيحة عند الخصم كلها
~~ناصة على علي (عليه السلام) بالإمامة ومصرحة بأنه إمام البررة وإمام
~~المتقين وإمام الأولياء وإمام الصحابة كما هو نص حديث زيد بن أرقم وصريحها
~~أن من كان من المتقين البررة وأولياء الله وأصحاب الرسول (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) فإمامه علي (عليه السلام) ومن لم يكن إمامه عليا (عليه السلام)
~~فليس من المتقين البررة ولا من الأولياء ولا من الصحابة بل هو خارج عن هذه
~~المراتب الشريفة وداخل في أضدادها فكيف تجوز لهم الإمامة وقد جعلهم الله
~~ورسوله (صلى الله عليه وآله) مأمومين فأي نص أوضح من هذه النصوص على ما
~~ندعيه من إمامة أمير المؤمنين علي (عليه السلام) من بعد النبي (صلى الله
~~عليه وآله) وأي صريح أصرح منها في ذلك؟ ويعجبني من ابن أبي الحديد قوله بعد
~~نقله حديث زيد بن أرقم: " فإن قلت: هذا نص صريح في الإمامة فما الذي تصنع
~~المعتزلة بذلك؟ قلت: يجوز أن يريد به أنه إمامهم في الفتاوى والأحكام
~~الشرعية لا في الخلافة " (2) انتهى وهذا الجواب مع أنه حرف اللفظ عن معناه
~~وعدول به عن نصه من غير سبب داع إلى ذلك كما هي عادة هؤلاء القوم فيكون
~~فاسدا لا يدفع ما نقوله ولا يرد ما ندعيه لأن دعوانا إنما هو وجود النص من
~~الله ومن
# PageV00P193
# الرسول (صلى الله عليه وآله) على علي (عليه السلام) بالإمامة الذي كان
~~ابن أبي الحديد وأصحابه ينكره وكذلك إخوانهم من الأشاعرة ومضاهوهم ينكرون
~~وها هو موجود كما ندعي فثبت مدعانا وبطل إنكارهم، ولسنا ندعي عليه ms138 وعلى
~~أصحابه وأمثالهم أنهم يقفون على النص ولا يتعدونه ولا يخرجونه عن معناه
~~بآرائهم ولسنا ننكر منه تحريفهم الكلم عن مواضعه، بل نقر لهم بأن المعروف
~~من سيرتهم والمعلوم من طريقتهم لكنه عين العصبية والعناد المنهي عنه في
~~الدين.
# ثم يقال لابن أبي الحديد: جميع أهل العلم لا يعرفون من معنى الإمام
~~الشرعي إلا الرئيس العام على الأمة في إنفاذ الأحكام الشرعية، ولا يعرف
~~الصحابة من لفظ الإمام إذا أطلق إلا هذا المعنى كما بيناه سابقا، وهذا هو
~~الخليفة البتة وليسوا يعرفون من معنى الإمامة الشرعية إلا الرئاسة العامة
~~في أحكام الدين على سائر المكلفين وتلك هي الخلافة عن الرسول (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) لا محالة، وتسمية المفتي إماما إنما هو اصطلاح حدث بعد مضي
~~أكثر من خمسمائة سنة من الهجرة بسبب ذكره بعض الشافعية في كلام طويل ولم
~~يكن قبل ذلك معروفا فلا يصح حمل الإمام في الأحاديث النبوية عليه يقينا،
~~وقد أوضحنا فيما سبق أن الإمام العام هو العالم بأحكام الدين وموضحها
~~للمكلفين ومن سواه ليس بإمام عام، على أن لفظ الخبر وهو قوله: (صلى الله
~~عليه وآله): (ما إن تسالمتم عليه لم تهلكوا) أي توافقتم ثم إتيانه بلفظ
~~الإمام بعد قوله: (إن وليكم الله) لا يحتمل إلا إرادة الرئيس العام لا
~~غيره، ويزيده وضوحا قوله: (صلى الله عليه وآله) : (فناصحوه وصدقوه) إذ
~~المناصحة لا محصل لها ولا موقع خصوصا إذا كانت مطلوبة من جميع الناس كما هو
~~صريح اللفظ إلا للإمام العام الذي هو الخليفة، ويؤكده زيادة أيضا قوله (صلى
~~الله عليه وآله): (فإن جبرائيل أخبرني بذلك) فإنه (صلى الله عليه وآله) قصد
~~بهذا القول PageV00P194
# إخبارهم بأن نصه على علي (عليه السلام) بالإمامة بوحي من الله إليه لا من
~~قبل نفسه وليس يحتاج إلى بيان هذا إلا إذا كان المقصود من الإمامة المعنى
~~المطلق لا معنى خاصا وهذا ظاهر لكل ذي فهم، وأما الإمامة بمعنى الرئاسة في
~~غير الأحكام الشرعية التي هي أحكام الدين فغير معروفة ms139 عند أحد من الصحابة
~~ولا من الفقهاء والمتكلمين بأنها إمامة شرعية وأنها خلافة الرسول (صلى الله
~~عليه وآله وسلم)، وإنما تعرف بأنها ملك جبري وسلطان جوري، فإذا أقررت بأن
~~عليا هو الإمام في أحكام الدين بنص الخبر لزمك الإقرار بأنه خليفة الرسول
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) إذ لا خلافة في الشرع غير الإمامة في أحكام
~~الدين، ولزمك إذا جعلت غيره خليفة في غير الأحكام الشرعية الإقرار بأنه ليس
~~بإمام من أئمة الدين فهو غير واجب الطاعة على المكلفين ولا لازم المناصحة
~~على المؤمنين فليس بإمام شرعي فلا يكون خليفة الرسول، لأن الخلافة هي
~~الإمامة العامة في الدين والأحكام الشرعية، بل هو سلطان جائر دنيوي فما زدت
~~بجوابك على أن أثبت إمامة صاحبنا وأوضحت النص عليها وأخرجت غيره من الإمامة
~~الشرعية وأدخلته في الرئاسة الدنيوية لا الدينية وذلك هو مطلبنا الأهم
~~وغرضنا المقدم، والذي كنا نناضل الفرق المخالفة عليه، إذ لسنا نزيد في
~~القول على أن من عداه ليس بإمام في أحكام الدين تجب طاعته والاقتداء به
~~فيها، وأن الإمام في ذلك كله هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه
~~السلام) وأنه ظلم واغتصب حقه وصريح قولك الاعتراف بدلالة الخبر على قولنا
~~وذلك هو المراد، فكأنك بما قلت قد قلدت جيد مذهبنا قلائد النور وخلعت على
~~قولنا خلع السرور، ثم يقال له أيضا: ألست حكمت بما قلت: بأن عليا (عليه
~~السلام) إمام أبي بكر في الأحكام الشرعية كما هو إمام غيره من الصحابة
~~فيها، وأن أبا بكر إمام علي (عليه السلام) لأنه الخليفة فحينئذ يكون كل من
~~علي وأبي بكر إماما ومأموما في حال واحدة كل PageV00P195
# منهما واجب الطاعة على الثاني، وهل سمعت ورأيت رجلا إماما لغيره في حال
~~وذلك الغير إمام لذلك الرجل في تلك الحال؟ وهل وجد ذلك في شرائع النبيين؟
~~أو عقل عند ذوي العقول المنصفين؟ كلا بل هذا تناقض لا تجوز العقول حصوله،
~~وتضاد لا تحتمل جمعيه لأن اجتماع المتضادين واتلاف المتناقضين مما يمتنع في ms140
~~العقل ولا يعرفه أهل العلم والفضل، فيكون القول المستلزم له باطلا فيجب أن
~~يكون الإمام في الأحكام الشرعية لجميع المسلمين وهو الخليفة للرسول (صلى
~~الله عليه وآله وسلم) لئلا يلزم التناقض والتضاد اللذان لا يجوزان عقلا ولا
~~شرعا، ثم نقول له أيضا إنك حيث قلت أن عليا إمام الصحابة في الفتاوى
~~والأحكام الشرعية والإمام هو الذي يجب على المأمومين الاقتداء به ولا يجوز
~~لهم مخالفته فأخبرنا عن إمامك أبي بكر هل أخذ في إبطال دعوى فاطمة بنت رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في فدك بفتوى إمامه علي (عليه السلام) في
~~الأحكام؟ أم بخلاف فتواه؟ وكذلك في رده شهادته لفاطمة (عليه السلام) وفي
~~منعها ميراثها؟ وفي درءه الحد عن خالد بن الوليد لما قتل مالك بن نويرة
~~وزنى بامرأته؟ وإحراقه الفجاءة السلمي وإسقاطه سهم أولي القربى من الخمس؟
~~وتخلفه عن جيش أسامة، ورده عمر من الجيش؟ وغير ذلك من الأفعال (1) هل أخذ
~~بفتوى إمامه علي (عليه السلام) في جميعها أم بغير فتواه؟ فإن قال أخذ في
~~ذلك كله بفتوى علي (عليه السلام) فقد أبطل وأحال وادعى ما لا يعرف وما
~~يكذبه فيه كل أحد، وإن قال أخذ في ذلك وغيره بغير فتوى علي (عليه السلام)
~~بل بضدها كما هو المعلوم بين الأمة فيلزمه أحد الأمرين: إما إثبات المعصية
~~لأبي بكر لمخالفته فتوى إمامه في الفتوى، أو إخراج علي (عليه السلام) من
~~الإمامة في الفتاوى والأحكام الشرعية التي اعترف بصراحة الخبر فيها فيكون
# PageV00P196
# قد كذب الخبر الصحيح عنده وأبطل ما حكم به، فليختر عز الدين عبد الحميد
~~من هذين الوجهين ما يريد يكفه في مناقضته نفسه وإبطال مذهبه وجرائته على
~~أئمته، فتبين لك من هذه الجملة الوافرة عصمة تلك الأخبار الصريحة عن
~~التأويل، وامتناعها عن القال فيها والقيل، وبها يتحقق النص على إمامة أمير
~~المؤمنين علي (عليه السلام)، ويبطل ما قاله ابن أبي الحديد، وأعجب من قوله
~~الأول قوله بعده: " وأيضا فإنا قد شرحنا من قول شيوخنا البغداديين ما
~~محصوله ms141 أن الإمامة كانت لعلي (عليه السلام) إن رغب فيها ونازع عليها، وإن
~~أقرها في غيره وسكت عنها تولينا ذلك الغير وقلنا بصحة خلافته، وأمير
~~المؤمنين لم ينازع الأئمة الثلاثة ولا جرد السيف ولا استنجد الناس عليهم "
~~(1) إلى آخر ما قال مما معناه إن أمير المؤمنين (عليه السلام) فعل ذلك لحكم
~~هو وأصحابه على المتقدمين عليه بالهلاك " (2) وفي هذا الكلام من الوهن ما
~~لا يخفي وهو من وجوه:.
# الأول: حكمه عليهم بالهلاك لو نازعهم علي (عليه السلام) وهذا يناقض القول
~~بصحة إمامتهم بعد البيعة لهم كما يقوله هو وأصحابه لأن إمام الحق لا يجوز
~~قتاله ولا منازعته ولا تجريد السيف في وجهه، بل لا تجوز مخالفته في أمره
~~ونهيه، وإذا كانت إمامتهم صحتها موقوفة على رضاه لم يجز لهم عقدها قبل
~~حضوره ومشاورته فإن رغب فيها سلموها له وإن رضي بغيره عقدوها لذلك الغير
~~وشئ من ذلك لم يكن، فإنه (عليه السلام) لم يشاور في واحدة من بيعات الثلاثة
~~البتة بالاتفاق، وتصحيح هذا الخصم فإن عمر قد عقدها لأبي بكر في السقيفة
~~وعلي غير حاضر ولا مشاور ولازم قول المعتزلي أن بيعة أبي بكر في السقيفة
~~غير صحيحة لعدم مشاورة أمير المؤمنين
# PageV00P197
# فإلزامه الناس بمبايعته بعد خروجه من السقيفة ظلم وعدوان، وعقدها أبو بكر
~~لعمر ولم يشاور عليا (عليه السلام) وعقدها عبد الرحمن بن عوف لعثمان بوصية
~~من عمر وعلي (عليه السلام) كاره، وكل ذلك معلوم لا نزاع فيه فتقع إمامتهم
~~على ما قال باطلة يصححها، ولازم قوله فسادها.
# الثاني: قوله إن أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يستنجد الناس عليهم فإنه
~~دفع للمعلوم باللسان، فقد روي أن عليا أركب فاطمة على حمار وأخذ الحسن
~~والحسين، فما ترك أحدا من أهل السابقة إلا مضى إليه وذكر له حقه ودعاه إلى
~~نصرته على أبي بكر وأصحابه فعل ذلك ثلاث ليال في كلها لم يجبه إلا أربعة أو
~~خمسة (1) فمن فعل ذلك كيف يقال فيه أنه لم يستنجد الناس وأنه سكت عن طلب
~~الخلافة ms142 ورضي بخلافة غيره؟
# الثالث: إنه " قوله (عليه السلام) ما جرد السيف " وهذا باطل فإنه قد روي
~~أن الزبير جرد السيف بأمره (عليه السلام) وخرج شاهرا سيفه حين أتى عمر
~~وأصحابه بأمر أبي بكر واقتحموا على علي (عليه السلام) وأصحابه البيت
~~ليجالدهم بذلك السيف فأخذ من عنده، ونادى أبو بكر بأخذه اضرب به الحجر
~~ففعل، وساقوا عليا وأصحابه بالعنف الشديد، ومن المعلوم أن هذا تجريد للسيف
~~لكنه لم يجد على ذلك ناصرا ولا معينا فلا يجوز أن يقال فيه أنه ما جرد
~~السيف.
# الرابع: قوله " ولم ينازعهم " فإن هذه دعوى كاذبة كذبا صراحا، وأي منازعة
~~أعظم مما جرى منه معهم وتخلفه عنهم معلوم واحتجاجه عليهم مشهور وطعنه فيهم
~~مواجهة بتظاهرهم على أخذ حقه مذكور وفي كتاب خصمنا وغيره مسطور؟ وسيأتي
~~بعضه في نقل حجته على ما يدعى من عدم النص إن شاء
# PageV00P198
# الله تعالى ونذكر هنا قطعة صالحة من ذلك مما نبطل به دعواه فنقول قال في
~~كتابه (1) قال أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري، وأخبرنا أبو زيد عمر بن
~~شبة قال حدثنا إبراهيم بن المنذر عن ابن وهب عن أبي لهيعة عن أبي الأسود
~~قال غضب رجال من المهاجرين في بيعة أبي بكر وغضب علي والزبير فدخلا بيت
~~فاطمة معهما السلاح فجاء عمر في عصابة منهم أسيد بن حضير وسلمة بن سلامة بن
~~وقش (2) وهما من بني عبد الأشهل فصاحت فاطمة (عليها السلام) وناشدتهم
~~فأخذوا سيفي علي والزبير فضربوا بهما الجدار حتى كسروهما ثم أخرجهما عمر،
~~يسوقهما حتى بايعا وقال خصمنا (3) ابن أبي الحديد أيضا، " قال أبو بكر
~~وحدثنا أبو زيد عمر بن شبه وساق السند إلى سلمة بن عبد الرحمن قال: لما
~~أجلس أبو بكر على المنبر كان علي والزبير وناس من بني هاشم في بيت فاطمة
~~فجاء عمر إليهم وقال والذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقن البيت
~~عليكم فخرج الزبير مصلتا سيفه فاعتنقه رجل من الأنصار وزياد بن لبيد فدق به
~~فندر (4) السيف فصاح أبو ms143 بكر وهو على المنبر " اضرب به الحجر " (5) قال أبو
~~بكر الجوهري " وقد روي في رواية أخرى أن سعد بن أبي وقاص كان معهم في بيت
~~فاطمة والمقداد بن الأسود أيضا وأنهم اجتمعوا (عليه السلام) أن يبايعوا
~~عليا (عليه السلام) فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت فخرج إليه الزبير بالسيف
~~وخرجت فاطمة (عليها السلام) تبكي وتصيح " (6).
# PageV00P199
# قال المعتزلي، وقال أحمد بن عبد العزيز الجوهري أيضا:
# " وحدثنا ابن غفير قال: حدثنا أبو عون عبد الله بن عبد الرحمن عن أبي
~~جعفر محمد بن علي أن عليا (عليه السلام) حمل فاطمة على حمار وسار بها ليلا
~~إلى بيوت الأنصار يسألهم النصرة وتسألهم فاطمة الانتصار فكانوا يقولون: يا
~~بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد مضت بيعتنا لهذا الرجل لو كان ابن
~~عمك سبق إلينا أبا بكر ما عدلنا به، فقال علي (عليه السلام): أكنت أترك
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) ميتا في بيته لا أجهزه وأخرج إلى الناس
~~أنازعهم في سلطانه " (1).
# قال وقال أبو بكر: " حدثنا أبو سعيد عبد الرحمن بن محمد وساق السند عن
~~الليث بن سعد قال: تخلف علي عن بيعة أبي بكر فأخرج ملببا (2) يمضي به رقصا
~~(3) وهو يقول معاشر المسلمين علام يضرب عنق رجل من المسلمين لم يتخلف لخلاف
~~" (4).
# PageV00P200
# وهذه الأخبار وأضعافها مما رواه ابن أبي الحديد عن الثقاة عنده، وسيأتي
~~أيضا جملة أخرى منها إن شاء الله تعالى كلها دالة بأوضح دلالة على أن عليا
~~(عليه السلام) رغب في الخلافة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وطلبها
~~وطلبها له جماعة من أعيان الصحابة وحضروا ليبايعوه وجمعوا السلاح لولا أنهم
~~عوجلوا وغلب على أمرهم، وأنه (عليه السلام) نازع في خلافة أبي بكر أشد
~~المنازعة وجرد أصحابه السيف بأمره لقتال أتباعه، واستنجد الناس عليه ودعاهم
~~إلى حربه وإعانته على ذلك فاطمة بنت رسول الله (صلوات الله عليها) فلم يجد
~~منجدا ولا معينا، وأنه غير راض بخلافة أبي بكر ومصرحة بذلك أتم تصريح وأنه
~~ما سكت وكف، بل غلب ms144 وقهر وأخرج ملببا وأوعد بإحراق منزله وهو بيت النبوة،
~~وواضحة في أنه (عليه السلام) ما غمد السيف وترك المناهضة لأبي بكر واتباعه
~~إلا بعد أن تحقق عنده عدم الناصر له، فهو سكوت عن اضطرار لا عن رضا
~~واختيار، ولو لم توجد هذه الأخبار وأمثالها الدالة على ما ذكرناه لكان في
~~قوله (عليه السلام) المشهور عنه في خطبة النهج (فنظرت فإذا ليس لي معين إلا
~~أهل بيتي فضننت بهم عن الموت واغضيت على القذى وشربت على الشجى وصبرت على
~~أخذ الكظم وعلى أمر من طعم العلقم) (1) كفاية في الدلالة على أن علة سكوته
~~وكفه عن جهادهم فقده الناصر والمعين وليس عن رضا نفس، وأنه تجرع في صبره عن
~~ذلك ما هو أمر من العلقم فمن يقول هذا القول وأشباهه وهو كثير كيف يعقل أنه
~~كف عن رضا وسكت عن اختيار؟ ما هذا إلا تجاهل وتغافل؟ وقد وضح من هذه
~~الأخبار بطلان ما قاله ابن أبي الحديد أن عليا (عليه السلام) ما نازع
~~الثلاثة ولا طلب في أيامهم الخلافة واقض عجبا منه ومن أغاليظه حيث يروي هذه
~~الأخبار
# PageV00P201
# وأمثالها مع كونها نصا في طلب أمير المؤمنين الخلافة وعدم رضاه بخلافة
~~الرجل وأنه أخرج من بيته مقهورا وطلب ناصرا فلم يجد، ثم يقول إن عليا (عليه
~~السلام) ما نازع أبا بكر ولا طلب الخلافة لنفسه في زمانه ولا جرد السيف ولا
~~استنجد الناس ولا ولا، فليختر ابن أبي الحديد الآن أحد وجهين لا محيص له عن
~~واحد منهما إما تكذيب هذه الأخبار التي صححها، أو تكذيب علي (عليه السلام)
~~فيما أخبر به عن نفسه من عدم الرضا بخلافة من تقدم عليه وأنه لم يكف عن
~~منابذتهم ومناجزتهم إلا لعدم المعين وفقدان الناصر فيكون قد كذب من هو مع
~~الحق والحق معه بروايته، وكذب ثقات المحدثين عنده، وإما أن يحكم ببطلان
~~خلافة من تقدم عليه ويجزم بخروجهم من الإمامة لعدم شرط صحتها عنده وهو عدم
~~رضا أمير المؤمنين (عليه السلام) بها كما تقدم في ms145 قوله، لأنا قد أقمنا
~~الأدلة الصحيحة لديه على عدم رضا علي (عليه السلام) بها بتمام التحقيق، وأي
~~الوجهين اختاره ابن أبي الحديد فقد أمكن الرأي من ثغرة نحره وذبح نفسه
~~بخنجره فليكن ذلك محققا.
# وأما ما ورد بلفظ: الإمارة والإمرة فلم يورده ابن أبي الحديد ولكنه أورد
~~ما هو بمعناه وزيادة، ومن المعلوم أنه لا فرق بين أن يذكر الشئ أو يذكر
~~مرادفه فليس بين قولك جاءني بشر وجاءني إنسان أو حيوان ناطق فرق في إفادة
~~المعنى المقصود فها نحن نذكر ذلك عنه قال في أوائل شرح النهج: " وتزعم
~~الشيعة أن يعني عليا (عليه السلام) خوطب في حياة رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) بأمير المؤمنين خاطبه بذلك جملة المهاجرين والأنصار ولم يثبت
~~ذلك في أخبار المحدثين (1) إلا أنهم قد رووا ما يعطي هذا المعنى وإن لم يكن
~~اللفظ بعينه وهو قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) له (أنت يعسوب الدين
~~والمال يعسوب الظلمة)، وفي رواية أخرى (هذا يعسوب المؤمنين وقائد الغر
# PageV00P202
# المحجلين) واليعسوب ذكر النحل وأميرها، روى هاتين الروايتين أبو عبد الله
~~أحمد بن حنبل الشيباني في المسند وفي كتابه في فضائل الصحابة ورواهما أبو
~~نعيم الحافظ في حلية الأولياء انتهى (1).
# أقول: وقد مر ذكر هذه اللفظة في الأحاديث المذكورة أولا فراجع وفي رواية
~~أبي رافع عن أبي ذر من قول الرسول (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام)
~~(وأنت يعسوب المؤمنين والمال يعسوب الكافرين) وستأتي بتمامها إن شاء الله
~~وقد اعترف ابن أبي الحديد كما سمعت في كلامه بأن معنى اليعسوب الأمير فثبت
~~من ذلك أن عليا (عليه السلام) أمير المؤمنين على لسان النبي (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) إذ لا فرق بين اللفظ ومرادفه عند جميع العقلاء فيثبت أنه إمامهم
~~لأن معنى أمير المؤمنين إمامهم بغير اختلاف فهي نص على إمامته بلا ريب، فمن
~~كان من المؤمنين وأهل الدين فعلى أميره ومن لم يكن على أميره فليس من
~~المؤمنين ولا من أهل الدين، فما أنكر ms146 ابن أبي الحديد أن يكون جملة من
~~المهاجرين والأنصار خاطبوا عليا (عليه السلام) بأمير المؤمنين في حياة رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم (1) ثم أنكروا ذلك بعد وأخفوه كسائر ما
~~أنكروا من فضائله وأخفوا من مناقبه، فإنه قد تواتر عن النبي (صلى الله عليه
~~وآله) أنه قال: (سلموا على علي بإمرة المؤمنين)، فأخفى القوم ذلك وستروه
~~فصار مجهولا عند العامة ومعلوما عند الخاصة وسيأتي اعتراف المعتزلي بأن
~~القوم قد فعلوا بفضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) ما ذكرناه وبه يزول ما
~~استنكر منه هنا مع اعترافه بورود مماثلة في المعنى وكل ذلك من استحكام
~~الشبه في أوهام القوم.
# وأما ما ورد بلفظ: الوصي فكثير منها ما رواه ابن أبي الحديد عن صاحب كتاب
~~الفردوس وأكثره عنه وعن أحمد بن حنبل عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال
# PageV00P203
# (كنت أنا وعلي نورا بين يدي الله عز وجل قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف
~~عام فلما خلق آدم قسم ذلك النور وجعله جزئين فجزء أنا وجزء على ثم انتقلنا
~~حتى صرنا في عبد المطلب فكان لي النبوة ولعلي (عليه السلام) الوصية) (1).
# وفي حديث أنس المتقدم قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) في علي (عليه
~~السلام): (وخاتم الوصيين وقائد الغر المحجلين) وروى ابن أبي الحديد في شرح
~~النهج عن علي (عليه السلام) أنه قال: (أنا خاتم الوصيين وأن رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله وسلم) عهد إلي وأني وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما
~~يعطي هذا المعنى في كثير من كلامه.
# وروي عن أبي مخنف أنه لما بلغ حذيفة بن اليمان أن عليا (عليه السلام) قد
~~قدم ذا قار واستنفر الناس دعا أصحابه فوعظهم وذكرهم الله وزهدهم في الدنيا
~~ورغبهم في الآخرة، وقال لهم " الحقوا بأمير المؤمنين ووصي سيد المرسلين فإن
~~من الحق أن تنصروه " (2).
# ومن أشعار الصحابة والتابعين المتضمنة أنه وصي رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) كثير لا يحصى وقد رواه المحدثون الموثقون عند الخصوم كأبي ms147 مخنف
~~لوط بن يحيى الأزدي وإبراهيم بن ديزيل الهمداني ونصر بن مزاحم المنقري
~~وغيرهم من أهل التواريخ والسير كل روى منه شيئا.
# وذكر ابن أبي الحديد منه طائفة ونحن هنا نذكر منه نبذة يسيرة تبركا
~~وتيمنا بمدحه (عليه السلام) فمن ذلك قول أبي الهيثم بن التيهان (3) وكان
# PageV00P204
# بدريا.
# قل للزبير وقل لطلحة إننا * نحن الذين شعارنا الأنصار نحن الذين رأت قريش
~~فعلنا * يوم القليب (1) أولئك الكفار كنا شعار نبينا ودثاره * تفديه منا
~~الروح والأبصار إن الوصي إمامنا وولينا * برح الخفاء وباحت الأسرار (2)
~~أقول قوله (رضي الله عنه): إن الوصي إمامنا إلى آخر البيت، إخبار عن نفسه
~~وعن أمثاله من قومه وهم صلحاء الأنصار بأنه كان يعتقده وإياهم إمامة أمير
~~المؤمنين سابقا ويخفونه في نفوسهم في زمان الثلاثة ويسرون عن الناس قد
~~أظهروه اليوم وباحوا به حيث ارتفع الخوف وزال المانع من إظهاره بوجود
~~الناصر والمعين عليه، ففيه دليل ظاهر على أن أبا الهيثم وأشباهه لم يكونوا
~~معتقدين إمامة غيره، وإنما الإمام عندهم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) أمير المؤمنين علي (عليه السلام) لأنه وصيه ولكنهم يجمجمون (3) ذلك
~~في الصدور ويخفونه حتى تمكنوا من إظهاره فأظهروه، ونحن على ما هم عليه إن
~~شاء الله.
# وقال خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين (4) وكان بدريا أيضا يوم الجمل.
# أعايش خلى عن علي وعيبه * بما ليس فيه إنما أنت والده وصي رسول الله من
~~دون أهله * وأنت على ما كان من ذاك شاهده
# PageV00P205
# وحسبك منه بعض ما تعلمينه * ويكفيك لو لم تعلمي غير واحده إذا قيل ماذا
~~عبت منه رميته * بقتل ابن عفان وما تلك أيده وليس سماء الله قاطرة دما لذلك
~~* ولا الأرض الفضاء بمائده (1) والأخير من الأبيات يومي إلى أنه غير آمر
~~بما جرى لعثمان.
# وقال النعمان بن العجلان الأنصاري (2):
# كيف التفرق والوصي إمامنا * لا كيف إلا حيرة وتخاذلا لا تغبنن عقولكم لا
~~خير في * من لم يكن عند البلابل عاقلا وذروا معاوية الغوى وتابعوا * دين
~~الوصي لتحمدوه اجلا (3) وقال ms148 عبد الله بن العباس بن عبد المطلب:
# وصي رسول الله من دون أهله * وفارسه إن قيل هل من منازل فدونك إن كنت
~~تبغي مهاجرا * أشم كنصل السيف غير حلاحل (4) وقال حسان بن ثابت في جملة
~~أبيات أيام المخاصمة بين المهاجرين والأنصار بعد موت النبي (صلى الله عليه
~~وآله):
# جزى الله عنا والجزاء بفضله * أبا حسن خيرا ومن كأبي حسن سبقت قريشا
~~بالذي أنت أهله * فصدرك مشروح وقلبك ممتحن تمنت رجال من قريش أعزة * مقامك
~~هيهات الهزال من السمن حفظت رسول الله فينا وعهده * إليك ومن أولى به منك
~~من ومن ألست أخاه في الهدى ووصيه * وأعلم منهم بالكتاب وبالسنن فحقك ما
~~دامت بنجد وشجة * عظيم علينا ثم بعد على اليمن (5)
# PageV00P206
# إلى ذلك من الأشعار من محبيه ومبغضيه مما لا يسع المقام عشر عشيرها مما
~~تضمن لفظ الوصي والولي فقد صح أن عليا (عليه السلام) وصى رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله وسلم) ومنه يعلم أن ما ذكره ابن أبي الحديد عن عائشة وبعض
~~تابعيها من أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يوص (1) باطل بلا شبهة
~~لمعارضته لشهادة خيار الصحابة لعلي (عليه السلام) بأنه وصي رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله وسلم) ودلالة الأخبار على ذلك، وعائشة متهمة في علي (عليه
~~السلام) وكيف تقر له بالوصية وهي تعيبه وتذمه وهي في الغاية القصوى من
~~البغض له، وإلا فهي شاهدة وصية الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إليه ونصه
~~عليه كما هو صريح شعر خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين الذي ذكرناه وأيضا أن
~~شهادة عائشة وتابعيها على النفي وشهادة الجماعة لعلي (عليه السلام) على
~~الاثبات وشهادة الاثبات مقدمة على الشهادة على النفي إجماعا من أهل العلم.
# ثم إن المعروف من معنى الوصي على جهة الإطلاق هو القائم مقام الموصي في
~~جميع ما للموصي الولاية فيه وعليه.
# ومن معنى الوصية إقامة الموصي الوصي مقامه في جميع ما له التصرف فيه
~~والولاية عليه ولا معنى للوصي والوصية عند العلماء غير هذا والمعروف ms149 من
# PageV00P207
# معنى وصي النبي هو القائم مقامه في الأمر والنهي بعهد من النبي إليه،
~~وإذا كان علي (عليه السلام) هو الوصي لرسول الله (صلى الله عليه وآله) كان
~~هو القائم مقامه في تنفيذ الأحكام وسياسة الأمة وغير ذلك من ولايات النبي
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فيكون هو خليفته والإمام بعده، إذ لا معنى
~~لخلافته إلا القيام مقامه ولا معنى لوصيه إلا القائم مقامه بنصبه إياه، ولا
~~معنى للإمامة إلا هذا ولا يعرف لها معنى غيره، وهذا بحمد الله واضح.
# قال ابن أبي الحديد " وأما الوصية فلا ريب عندنا أن عليا (عليه السلام)
~~كان وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإن خالف في ذلك من هو منسوب عندنا
~~إلى العناد ولسنا نعني بالوصية النص والخلافة لكن أمورا لعلها إذا لمحت
~~أشرف وأجل " (1) انتهى.
# قول إخراج اللفظ عن صريح معناه تشهيا من دون حجة بينة ولا سبب داع هو
~~ديدن ابن أبي الحديد وأصحابه وأمثالهم، وليس النزاع بيننا وبينهم في هذا
~~كما علمت أولا فإنا مقرون لهم بأنهم يحرفون الكلم من بعد مواضعه ويدفعون
~~النصوص بالشبهات ويصرفون الألفاظ الصريحة عن معانيها بمجرد الشهوات هذه
~~عادتهم المعروفة وسجيتهم المألوفة، وإنما النزاع بيننا وبينهم أنا ندعي
~~النص من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) على علي (عليه السلام) بالإمامة
~~والقائم مقامه فعلينا أن نأتي من أقوال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~بما هو صريح في المعنى ونص في المطلب مثل لفظ الإمام والأمير والوصي وما
~~أشبهها مما سنورده، وقد أتينا منه بما يقرون به ولا ينكرونه وما نسبوا
~~جاحده إلى العناد مع أن ذلك الجاحد أم المؤمنين عائشة
# PageV00P208
# وبعض من الناس كما قدمنا، وليس علينا أن نحبس ألسنتهم عن التأويلات
~~الفاسدة والتمحلات الممتنعة التي لو صدرت عن غيرهم لحملوه على عدم الفهم
~~وحكموا عليه بالبلادة والعصبية والعناد، فلا ذنب لنا ولا إبطال لدعوانا
~~بسبب تأويلاتهم الركيكة الباطلة بل حجتنا واضحة وحجتهم داحضة.
# فما ذنبنا إن جاش بحر بفضلنا * وبحرك ساج لا ms150 يوارى الدعا مصا (1) وما
~~قدمنا من بيان معنى الوصي متكفل بإبطال دعوى ابن أبي الحديد بأن الوصية في
~~غير الخلافة ولأنه يدعي التقييد في المطلق فعليه أن يأتي بالمقيد، وأنى له
~~به؟ ولنا على إبطال قوله مضافا إلى ما ذكرنا وجوه أخر.
# الأول: أن الوصية لا تثبت بغير النص من الموصي على الوصي يقينا وإذا سلم
~~الخصم أن عليا (عليه السلام) وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وذلك
~~ما ندعي، فقوله ولسنا نعني بالوصية النص كلام لا معنى له.
# الثاني: إن أهل العقول من جميع المسلمين لا يعلمون منزلة بعد النبوة أشرف
~~وأجل من الإمامة حتى تنصرف وصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى علي
~~(عليه السلام) إليها كما ادعاه فعليه وعلى من يدعي دعواه تبيين تلك المنزلة
~~حتى نعرفها، ثم لو كانت ثمة منزلة أعلا وأجل من الإمامة كما ذكر لكانت أيضا
~~منضمة إليها وداخلة معها علوم الوصية فتتناول جميع المنازل حتى يثبت المخصص
~~وليس ثمة مخصص، فقوله: " لعلها إذا لمحت أشرف وأجل " دعوى مستحيلة، ولو
~~أمكنت لكانت مع الإمامة مندرجة في
# PageV00P209
# الوصية، الثالث: إن المسلمين من أولي العلم كافة يعلمون أن النبي (صلى
~~الله عليه وآله وسلم) لم يترك أموالا كثيرة ولا خلف أطفالا صغارا يحتاج إلى
~~الإيصاء في حفظ أموالهم والقيام بمصالحهم إلى وصي يقوم بذلك وليس له حاجة
~~في الوصية إلا في القيام مقامه بمصالح الأمة وحماية الملة وإنفاذ الأحكام
~~وجهاد المشركين ودعوتهم إلى دين الإسلام لا غير ذلك، فوصيه هو المنصوص عليه
~~منه بذلك والمنصوب منه له وتلك هي الإمامة بلا ريبة ولا يشك في ذلك عاقل
~~غير معاند.
# الرابع: إن الأخبار المذكورة والأشعار الواردة التي قدمناها وغيرها
~~يتبادر من لفظ الوصي فيها بل لا يفهم من معناها إلا كون أمير المؤمنين وصي
~~رسول الله على ما هو المعنى المعروف من أوصياء الأنبياء وهو الخلافة بعدهم
~~لا شئ آخر، فإن قول النبي (صلى الله عليه وآله): (لي النبوة ولعلي الوصية)
~~وقوله: (صلى ms151 الله عليه وآله وسلم) (خاتم الوصيين) (1) لا يعقل منه إلا أن
~~لعلي خلافة الأنبياء، وأنه خاتم خلفاء النبيين، لأن النبي (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) خاتم الأنبياء فلا نبي بعده فلا خليفة نبي بعد علي (عليه
~~السلام) بدون واسطة خليفة غيره، لأن الوصية المقابلة للنبوة هي الخلافة من
~~غير شبهة، والوصي المقابل للنبي هو الخليفة بعده لا يتصور منه غير هذا
~~المعنى ولا يراد به غيره عند الإطلاق ببديهة العقل، وليس يعقل منها الفطن
~~اللبيب إن لعلي الوصية المقابلة للنبوة في أمر مخصوص، أو أنه خاتم الوصيين
~~في أمور أخر غير الخلافة كمال أو حكم خاص أو سر في معنى خاص ولا يحملها على
~~هذا المعنى إلا معوج الفهم بسبب استيلاء الشبه على عقله ومما زجتها للبه،
~~فيجعل عقله تبعا لمشتهاه، وسالكا في أثر تقليده ومما
# PageV00P210
# يزيد المعنى وضوحا في أن المراد بالوصي هو القائم مقام النبي (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) في جميع أمره ما رواه ابن أبي الحديد قال: قال: نصر يعني
~~ابن مزاحم المنقري وحدثنا عبد العزيز بن سياه قال حدثنا حبيب بن أبي ثابت
~~قال: حدثنا سعيد التيمي المعروف بعقيصا قال: كنا مع علي (عليه السلام) في
~~مسيره إلى الشام حتى إذا كنا بظهر الكوفة من جانب هذا السواد عطش الناس
~~واحتاجوا إلى الماء، فانطلق بنا علي (عليه السلام) حتى أتى إلى صخرة ضرس
~~(1) في الأرض كأنها ربضة عنز (2) فأمرنا فاقتلعناها فخرج لنا تحتها ماء
~~فشرب الناس وارتووا ثم أمرنا فأكفاناها حتى إذا مضى قليلا، قال: أمنكم أحد
~~يعلم مكان هذا الماء الذي شربتم منه؟ قالوا: نعم يا أمير المؤمنين قال:
~~فانطلقوا إليه، فانطلق هنا رجال ركبانا ومشاة فاقتصصنا الطريق إليه حتى
~~انتهينا إلى المكان الذي نرى أنه فيه فطلبناه فلم نقدر على شئ، حتى إذا عيل
~~علينا انطلقنا إلى دير قريب منا فسألناهم أين هذا الماء الذي عندكم؟ قالوا:
~~ليس قربنا ماء، فقلنا: بلى إنا شربنا منه، قالوا:
# أنتم شربتم منه؟ قلنا: نعم، فقال صاحب ms152 الدير: والله ما بني هذا الدير إلا
~~لذلك الماء وما استخرجه إلا نبي أو وصي نبي " (3) ومن المعلوم أنه لا يريد
~~بوصي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هنا إلا الخليفة بعده لا ما يقوله
~~ابن أبي الحديد وأصحابه والأشاعرة.
# الخامس: إن إيصاء النبي (صلى الله عليه وآله) إلى رجل في أمر مخصوص أو
~~أمور مخصوصة لا يصيره وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على
~~الإطلاق، ولا يسمى عند أحد بوصي الرسول (صلى الله عليه
# PageV00P211
# وآله وسلم)، فقد روى ابن أبي الحديد وغيره أن أبا أيوب الأنصاري قال في
~~كلام أن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، " عهد إلينا أن نقاتل مع علي
~~(عليه السلام) الناكثين والقاسطين والمارقين " (1) ولا نجد أحدا قال إن أبا
~~أيوب وقومه أوصياء الله (صلى الله عليه وآله) ورووا أن أبا ذر قال " إن
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) عهد إلي أنه يلي غسلي وتجهيزي قوم من
~~المؤمنين " (2) في حديث طويل ولم يقل أحد من الصحابة وغيرهم أن أبا ذر وصي
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورووا أن عمار بن ياسر قال: يوم صفين في
~~كلام " عهد إلي رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه يكون آخر زادي من
~~الدنيا ضياحا من لبن " (3) ورووا عن كثير من الصحابة مثل هذا ولم يسم أحد
~~منهم بوصي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لذلك الأمر الذي عهد إليه رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) فيه والأمور المخصوصة وهذا مما يدل صريحا على
~~أنه لا يسمى رجل وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله) على الإطلاق إلا
~~المنصوص عليه بخلافته والموصى إليه منه بالقيام مقامه، فأمير المؤمنين وصي
~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا المعنى لا غيره فهو الإمام بعده لا
~~محالة وقد اتضح الأمر وزال تشبيه المعتزلي وثبت المراد والله ولي التوفيق
~~إلى السداد.
# PageV00P212
# وأما ما ورد بلفظ الخليفة: فهو الخبر الصحيح عند القوم كافة قال ابن أبي
~~الحديد " وأما خبر الوزارة فقد ms153 ذكره الطبري في تاريخه عن عبد الله بن عباس
~~عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: لما أنزلت هذه الآية [وأنذر عشيرتك
~~الأقربين] (1) على رسول الله (صلى الله عليه وآله) دعاني فقال: يا علي إن
~~الله أمرني أن انذر عشيرتك الأقربين فضقت بذلك ذرعا وساق الرواية - إلى أن
~~قال - ثم تكلم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا بني عبد
~~المطلب إني والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني
~~قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم
~~يوازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟ فأحجم القوم
~~عنها جميعا فقلت: أنا وإني لأحدثهم سنا وأرمصهم عينا وأعظمهم بطنا وأحمشهم
~~ساقا: أنا يا رسول الله أكون وزيرك عليه، وأعاد القول فأمسكوا واعدت ما
~~قلت، فأخذ برقبتي ثم قال لهم:
# هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا إليه وأطيعوا، فقام القوم يضحكون
~~ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع " (2) وهذه الرواية مع
~~صحتها عند الخصوم نص صريح في أن عليا (عليه السلام) خليفة رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله وسلم) على من يطيعه، وأنه وصيه ووزيره فأي نص على الخلافة
~~أصرح من هذا؟ ولشهرة هذه الرواية احتج بها أبو جعفر الإسكافي في نقضه على
~~الجاحظ (3) وما أدري ماذا يقول ابن أبي
# PageV00P213
# الحديد في ذلك فإنه لم يتعرض فيها بتأويل؟ وأظنه لعجزه عنه، ولو أدرك
~~إليه منفذا لسارع عليه ولعله يرى أن أمير المؤمنين خليفة رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله وسلم) في أمور أخرى كما قال في الوصية فيكون جوابه، هنا مثل
~~جوابه هناك.
# وأما ما ورد بلفظ الوزارة: فمنه حديث أبي ذر عن النبي (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) وفيه بعد ما ذكرنا في لفظ اليعسوب وأنت أخي ووزيري والحديث
~~المتقدم صريح، وقال ابن أبي الحديد بعد ذكره (ويدل على أنه (عليه السلام)
~~وزير رسول الله (صلى الله عليه وآله) من نص الكتاب والسنة ms154 قول الله تعالى
~~[واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري] (1) وقال
~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الخبر المجمع على روايته بين فرق
~~الإسلام: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) فأثبت له
~~جميع مراتب هارون ومنازله من موسى، فإذن هو وزير رسول الله) صلى الله عليه
~~وآله) وشاد أزره ولولا أنه خاتم النبيين لكان شريكا في أمره " (2)، انتهى.
# أقول: فإذا كان علي (عليه السلام) وزير رسول الله (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) والوزير هو المعين على الأمر فإذن علي (عليه السلام) هو معين رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) على إظهار دعوة الإسلام وإقامة أحكام النبوة
~~فيكون له مقامه في حياته وبعد وفاته والأمر ظاهر، ثم إن ابن أبي الحديد حيث
~~استفاد من هذا الحديث أنه نص في وزارة علي لرسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~لأنها من جملة منازل هارون من موسى بنص الكتاب وأن جميع منازل هارون من
~~موسى إلا النبوة ثبتت لعلي (عليه
# PageV00P214
# السلام) من رسول الله (عليه السلام)، فيلزمه على هذا الحكم أيضا بأن
~~الحديث نص في خلافة علي (عليه السلام) لرسول الله (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) لأن الخلافة ثابتة لهارون بنص الكتاب وهو قوله تعالى: [وقال موسى
~~لأخيه هارون اخلفني في قومي] (1) الآية ورسول الله (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) لم يستثنها مع النبوة فتكون خلافة رسول الله (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) ثابتة لعلي (عليه السلام) بنص الكتاب والسنة كما ثبتت الوزارة له
~~بنصهما على ما قررا أفأبلغ شاهد من هذا يريد عبد الحميد؟ وهل تراه يخفي
~~عليه مثل هذا المعنى الواضح كالشمس الصاحية؟ ولكن غلب عليه ألف المذهب
~~وتقليد الأسلاف كما غلبا على غيره فصاروا يرون الحق باطلا والنص الجلي
~~متشابها والمعنى الواضح خفيا والصواب خطأ فإذا ورد عليهم ما يوافق مذهبهم
~~من المشتبهات صيروه كالبدر الأتم وضوحا وصراحة، وإذا عثروا على ما يطابق
~~مشتهاهم من المزخرفات المضطربة الألفاظ تلقوه ms155 بالقبول الأعظم ووصفوه بغاية
~~الصحة ونهاية الفصاحة، أو جاءهم في ذلك شئ من الموهونات صيرورة كالطود
~~الأشم قوة ورجاحة، فنعوذ بالله من كتمان الحق للأغراض الدنيوية وترويج
~~الباطل للعناد والعصبية.
# وأما ما ورد بلفظ الطاعة: فمنه ما تقدم في حديث الخلافة والوزارة من قول
~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (اسمعوا له وأطيعوه) وقوله (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) في حديث أبي برزة المتقدم إخبارا عن الله تعالى في شأن علي
~~(عليه السلام) وهو الكلمة التي ألزمتها المتقين من أحبه فقد أحبني ومن
~~أطاعه فقد أطاعني) (2) وإذا كان علي (عليه السلام) طاعته طاعة الله وجب أن
~~يكون خليفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأن الذي طاعته طاعة
# PageV00P215
# الله هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لقوله تعالى: [من يطع الرسول
~~فقد أطاع الله] (1) ولا نبوة بعد نبينا (صلى الله عليه وآله) فتبقى
~~الخلافة، فالحديث نص على إمامته لوجوب طاعته ولا طاعة واجبة لغير الله
~~والنبي والإمام، وفي حديث أنس المتقدم: (وإمام أوليائي ونور جميع من
~~أطاعني) والمراد بنور من أطاعني قدوتهم الذي يقتدون به في الأحكام ويهتدون
~~به عن الضلال، وإذا كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر بالسمع
~~والطاعة لعلي وجعله الله قدوة المطيعين وهاديهم وجب أن يكون إماما، لأن غير
~~الإمام لا يجب له السمع والطاعة على المكلفين، وإنما ذلك لولي الأمر خاصة،
~~ويستفاد من الخبر أن من لم يقتد بعلي (عليه السلام) في دينه فليس مطيعا لله
~~لأنه لم يأتم بالنور الذي جعله لمن أطاعه ولم يستضئ بضياه فلم يكن من أهل
~~النور، فإذن ليس هو من أهل طاعة الله، وفي حديث عمار أن النبي (صلى الله
~~عليه وآله) قال: (يا عمار طاعة علي طاعتي وطاعتي طاعة الله) رواه كثير من
~~خصومنا (2).
# وأما ما ورد بالمثلية: فمن القرآن قوله تعالى: [وأنفسنا وأنفسكم] (3) ولم
~~يدع غير علي (عليه السلام) بالاجماع، فهو إذن نفس الرسول (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) وليس على جهة الاتحاد قطعا فيكون المراد ms156 به المثلية، وإذا كان
~~مثل الرسول (صلى الله عليه وآله) وجب أن يكون الإمام بعده إذ لا نبي بعد
~~محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).
# ومن السنة ما رواه ابن أبي الحديد عن أحمد بن حنبل أن النبي (صلى الله
~~عليه وآله) قال: (لتنتهن يا بني وليعة
# PageV00P216
# أو لأبعثن إليكم رجلا كنفسي يمضي فيكم أمري يقتل المقاتلة ويسبي الذرية)
~~قال أبو ذر فما راعني إلا برد كف عمر من حجزتي من خلفي يقول من تراه يعني؟
~~فقلت: إنه لا يعنيك وإنما يعني خاصف النعل وإنه (قال هو هذا) (1) قال: وقال
~~لوفد ثقيف (لتسلمن أو لأبعثن إليكم رجلا مني أو قال عديل نفسي فليضربن
~~أعناقكم وليسبين ذراريكم وليأخذن أموالكم) قال عمر ما تمنيت الإمارة إلا
~~يومئذ وجعلت انصب لها صدري رجاء أن يقول هو هذا فالتفت فأخذ بيد علي فقال:
~~(هو هذا مرتين) (2) وقول النبي (صلى الله عليه وآله) في حديث مشهور سيأتي
~~ذكره (إن عليا مني وأنا من علي) وإذا كان علي (عليه السلام) نفس الرسول
~~(صلى الله عليه وآله) وعديل نفسه، وأنه منه كان مماثلا له البتة، ولما كان
~~النبي (صلى الله عليه وآله) خاتم الأنبياء فلا نبوة بعده وجب أن يكون علي
~~(عليه السلام) الإمام بعده لقضية المماثلة وإلا فلا معنى للمماثلة قطعا،
~~ومثله قوله (صلى الله عليه وآله) (علي أخي) لأن الأخوة النسبية بينهما
~~معلومة الانتفاء فثبت أنه (صلى الله عليه وآله) يريد بها المماثلة، وليس
~~إلا في الصفات فما لرسول الله (صلى الله عليه وآله) من الصفات غير النبوة
~~فهو ثابت لعلي (عليه السلام) للمماثلة ومن جملة ذلك الإمامة، فهذا نص صريح
~~من الرسول (صلى الله عليه وآله) على استخلاف علي (عليه السلام) من غير شك
~~وفي قول (مني) معنى عميق وهو أنه مخلوق من نوره وأن ذلك النور كان في أول
~~الخلق شيئا واحدا ثم انقسم إلى قسمين أحدهما كان النبي (صلى الله عليه
~~وآله) والثاني عليا (عليه
# PageV00P217
# السلام) فكل واحد من الآخر، فعلي (عليه ms157 السلام) عديل نفس رسول الله
~~وكنفسه بعد الانقسام والعديل بمعنى المعادل، وهو أيضا نفس الرسول (صلى الله
~~عليه وآله) لأنهما في الأصل نور واحد يدل على ذلك صريحا حديث ابن أبي
~~الحديد عن مسند أحمد بن حنبل وكتابه في الفضائل وعن كتاب الفردوس من قول
~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (كنت أنا وعلي نورا بين يدي الله عز وجل
~~قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام فلما خلق آدم قسم ذلك النور فيه وجعله
~~جزئين فجزء أنا وجزء علي) (1)..
# الخبر وقد ذكرناه بتمامه في لفظ الوصية، ومثله في طرقنا وطرق غيرنا كثير
~~وهذا المعنى هو الذي يشير إليه أمير المؤمنين متبجحا به ومفتخرا بقوله في
~~مواضع كثيرة (وأنا من محمد كالضوء من الضوء) (2) وحق له أن يفتخر بذلك
~~ويتبجح به ويحتج على خصمه به فإنه لا فضل أعلا منه وإن علا ولا رفعة إلا
~~وهي دونه ولا شرف إلا وهو منحط عنه، فقد فاق به الأنبياء المرسلين رفعة
~~ومجدا وشرفا وفضلا ولقد أحسن الحسن البصري في قوله كما رواه عنه الخصم:
~~(ولقد آخا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين أصحابه فآخا بين علي وبين
~~نفسه فرسول الله خير الناس نفسا وخيرهم أخا) (3) انتهى. وإذا كان النبي
~~(صلى الله عليه وآله) قد صرح في علي (عليه السلام) بهذه المقالات بمحضر من
~~الصحابة فأي شئ تراه ترك بعد هذا المقال من النص على استخلافه عليا (عليه
~~السلام) حتى يقول ابن أبي الحديد وأشباهه: ليس هناك نص صريح وإنما هو تعريض
~~وتلويح، نسأل الله أن يوفقنا لإبطال الباطل وتصحيح الصحيح، وأي عاقل منصف
~~سلم
# PageV00P218
# من علة تقليد السلف وألف الشبه يشك في إمامة علي (عليه السلام) بعد رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) بعد أن سماه (صلى الله عليه وآله وسلم) (على
~~عديل نفسي ونفسي): ويرتاب في أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أراد بذلك
~~استخلافه؟ أو يجوز تقديم من ليس من النبي على من هو عديل نفسه في ms158 مقامه
~~(صلى الله عليه وآله) حاشا وكلام يأبى العقل الذكي ذلك إلا بعلة.
# وأما ما ورد بلفظ التمسك: به من بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وما
~~هو في معناه فكثير شئ منه بإفراده بنفسه وشئ منه بضمه إلى عترة النبي (صلى
~~الله عليه وآله) وشئ منه بضمه إلى الكتاب والعترة معا، ونحن نورده جميعا
~~فنقول:
# روى ابن أبي الحديد عن الحافظ أبي نعيم في حلية الأولياء وعن أحمد بن
~~حنبل في المسند وكتاب الفضائل عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال:
~~(من سره أن يحيى حياتي ويموت ميتتي ويتمسك بالقضيب من الياقوتة التي خلقها
~~الله تعالى بيده ثم قال لها كوني فكانت فليتمسك بولاء علي بن أبي طالب) (1)
~~وعن أبي نعيم عن النبي (صلى الله عليه وآله) في حديث سنذكر صدره فيما يأتي
~~إن شاء الله قال: فيه فلما جاء أرسل إلى الأنصار فأتوه فقال: (يا معشر
~~الأنصار ألا أدلكم على ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا) قالوا بلى يا رسول
~~الله قال: (هذا علي فأحبوه بحبي وأكرموه بكرامتي فإن جبرائيل أمرني بالذي
~~قلت لكم عن الله عز وجل) (2) وعن الحافظ أبي نعيم عن النبي (صلى الله عليه
~~وآله) أنه قال: (من سره أن يحيى
# PageV00P219
# حياتي ويموت مماتي ويسكن جنة عدن التي غرسها ربي فليوال عليا من بعدي
~~وليوال وليه وليقتد بالأئمة من بعدي فإنهم عترتي خلقوا من طينتي ورزقوا
~~فهما وعلما فويل للمكذبين من أمتي القاطعين فيهم صلتي لا أنالهم الله
~~شفاعتي) (1) والموالاة والاقتداء بمعنى المتابعة وهو معنى التمسك وهذه
~~الرواية كما أنها نص على إمامته علي (عليه السلام) كذلك هي نص على إمامة
~~الأئمة من عترة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونص في حرمان الشفاعة لمن
~~كذب بإمامتهم وقطع صلة النبي (صلى الله عليه وآله) فيهم فقد صرحت بحقيه
~~مذهب الإمامية الاثني عشرية بأتم تصريح وبينته بأوضح بيان.
# وروى ابن أبي الحديد عن أحمد بن حنبل في المسند وكتاب الفضائل عن النبي ms159
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) أنه خرج على الحجيج عشية عرفة فقال لهم: (إن
~~الله باهى بكم الملائكة عامة وغفر لكم عامة وباهى بعلي خاصة وغفر له خاصة
~~إني قائل لكم قولا غير محاب فيه لقرابتي، إن السعيد كل السعيد حق السعيد من
~~أحب عليا في حياته وبعد موته) (2) تمام الخبر والمحبة من لوازمها المتابعة
~~والطاعة ومن لم يطع أحدا فليس بمحب له وقد نطق بذلك الكتاب الإلهي في قوله
~~تعالى: [قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله] (3) من يتبع الرسول
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فهو غير محب لله وقال بعض الأبرار.
# تعصي الإله وأنت تزعم حبه * هذا كلام في المقال بديع لو كان قولك صادقا
~~لأطعته * إن المحب لمن يحب مطيع
# PageV00P220
# فمحبة علي (عليه السلام) طاعته ومتابعته وهذا معنى التمسك.
# واعلم أن في إخبار النبي (صلى الله عليه وآله) عن نفسه بعدم المحاباة
~~لقرابته فيما قال فيهم ظهورا أو إشعارا بعلمه (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~بأن جماعة من أصحابه يتهمونه بمحاباة قرابته فيما شرفهم به على غيرهم من
~~الأفعال والأقوال ولولا ذلك لكان قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الخبر
~~غير محاب فيه لقرابتي قليل الفائدة بل لا فائدة فيه أصلا، لأنه (صلى الله
~~عليه وآله) إذا كان عالما من جميع أصحابه عدم اتهامه بالمحاباة لقرابته
~~فيما يفضله به من قول وفعل كان إخباره بنفي ذلك عنه إخبار للعالمين به
~~ومعتقديه، ولا ريب أن إخبار العالم بنسبة الخبر أو معتقد حصولها عديم
~~الفائدة، وإنما يكون مفيدا إذا كان المخبر يجهل نسبة الخبر أو يعتقد نقيضها
~~ليفيد إعلامه بما جهل أورده عن الخطأ في الاعتقاد فتحقق من هذا أنه لا
~~تتحقق فائدة في ذلك الإخبار إلا مع علم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من
~~جماعة من أصحابه اتهامه بالمحاباة لقرابته عمدا منهم أو جهلا ليكون نفيه
~~المحاباة عن نفسه تكذيبا للمتعمد ورفعا لجهل الجاهل وإزالة لتجويز المجوز
~~فتحصل فائدة تامة فيظهر من البيان أن نسبة ms160 جماعة من الصحابة إلى النبي (صلى
~~الله عليه وآله) محاباة القرابة واقعة فمن العجب قول بعض الخصوم (1) (إن
~~الصحابة لو سمعوا من رسول الله (عليه السلام) نصا ما عدلوا عنه) لأن من
~~يتهمه كيف تبعد منه مخالفته، وقول بعضهم ما حاصله " إن رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) لم يوص ولو أوصى ما تأمر أبو بكر على وصي رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) وإن أبا بكر ود أنه سمع من رسول الله كلمة فتكون في أنفه
~~خزمة " وقول القوشجي محصوله: أنه لا يظن ذو مسكة أن الصحابة سمعوا
# PageV00P221
# النصوص الجلية على علي (عليه السلام) من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~فخالفوها، واستبعاد عبد الحميد المعتزلي صدور ذلك من الصحابة كما لما يصدر
~~منهم تغيير القبلة والصوم إلى آخر لغطهم فإن هذا الحديث الصحيح عندهم يبطل
~~دعاويهم ويذهب خرافاتهم، ومثله ما رواه المعتزلي وغيره عن علي (عليه
~~السلام) من قوله: (إنه لعهد النبي الأمي إلى أن الأمة ستغدر بك من بعدي)
~~(1) ويشير إلى ذلك أيضا ما قدمنا من حديث أبي نعيم في لفظ الإمام، وقول
~~النبي (صلى الله عليه وآله) فيه مخبرا عن الله في حق علي (غير أني مختصه
~~بشئ من البلاء لم أختص به أحدا من أوليائي إلى قوله إنه لمبتلى ومبتلى به)،
~~وإلا فأي نص وأي وصية أوضح وأصرح من هذه الأقوال المؤكدة والألفاظ الصريحة
~~والكلمات الظاهرة؟
# مثل: (إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا وليقتد بالأئمة من بعدي فليوال عليا من
~~بعدي (2)، مع تأكيد الجميع ببشارة المحبين وتوعد الغاصبين بما هو مذكور في
~~تلك الأخبار وهل فوق هذا في الوصية والنص مزيد؟ والحمد لله الحميد.
# ومن ذلك قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الحديث المشهور وقد رواه
~~ابن أبي الحديد: (إنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد الحكمة فليأتها من
~~بابها) (3) وهو صريح في أن من أراد علم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~فليأخذه عن علي (عليه السلام) فالتمسك به لازم لأنه ms161 باب العلم الذي يجب على
~~الناس أخذه والعمل به لقوله تعالى: [ما أتاكم الرسول
# PageV00P222
# فخذوه] (1) فثبت منه وجوب التمسك بعلي لمن أراد علم الرسول (صلى الله
~~عليه وآله وسلم)، ومن لم يرده فهو كافر مرتاب وفاجر كذاب.
# من ذلك ما رواه ابن أبي الحديد من قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):
~~(علي خازن علمي) قال: وقال فيه تارة أخرى (عيبة علمي) أقول:
# وهما مشهوران أيضا (2) واستفادة التمسك منهما بعلي (عليه السلام) بتقريب
~~ما ذكرناه في حديث (أنا مدينة العلم).
# وروى ابن أبي الحديد عن أبي نعيم في الحلية وأحمد بن حنبل في المسند عن
~~النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (يا علي إن الله قد زينك بزينة لم
~~يزين العباد بزينة أحب إليه منها هي زينة الأبرار عند الله تعالى الزاهد في
~~الدنيا جعلك لا ترزأ من الدنيا شيئا ولا ترزأ (3) منك شيئا ووهب لك حب
~~المساكين فجعلك ترضى بهم أتباعا ويرضون بك إماما فطوبى لمن أحبك وصدق فيك
~~وويل لمن أبغضك وكذب فيك) (4) والمتابعة له هي التمسك به وهي زينة الأبرار
~~التي ذكرها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نسأل الله أن يجعلنا من أولئك
~~المساكين الذين رضيهم أمير المؤمنين (عليه السلام) له أتباعا وبه متمسكين
~~ثم إن الخبر مصرح بالإمامة فهو من المعاضد للأخبار التي ذكرت في مقامها ومن
~~ذلك حديث الحافظ عن أنس وقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في علي
~~(عليه السلام): (إنه راية الهدى ومنار الإيمان)
# PageV00P223
# وقد ذكرناه ومن المعلوم أن راية الهدى يجب اتباعها، ومنار الإيمان يجب
~~الاقتباس منه والاقتداء به، وذلك معنى التمسك بلا ريب.
# ومن ذلك الحديث المتواتر في الجملة وهو حديث الثقلين وقد صححه ابن أبي
~~الحديد (1) وهو مروي بأسانيد كثيرة وألفاظ مختلفة بالزيادة والنقصان فمنها
~~(إني مخلف فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي) ومنها (إني
~~مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي كتاب الله الثقل الأكبر وعترتي الثقل
~~الأصغر فتمسكوا بهما فإن اللطيف ms162 الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا
~~علي الحوض) (2) وغير ذلك من الألفاظ والأسانيد وعلى كل حال فهو نص صريح في
~~وجوب التمسك بالعترة الذين أمير المؤمنين (عليه السلام) سيدهم وحاث على
~~لزوم متابعتهم، ومصرح بأن قولهم قول القرآن فالمخالف لهم مخالف للقرآن على
~~عمد فهو فاسق ظالم فالخبر ناص على إمامة العترة المحمدية بلا شك لأن واجب
~~المتابعة على الإطلاق هو الإمام لا غيره من الأمة، وعترة النبي (صلى الله
~~عليه وآله) هم الذي دعاهم للمباهلة يوم نصارى نجران وقال فيهم ذلك اليوم
~~(اللهم هؤلاء أهل بيتي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا) كما هو مشهور عند
~~المفسرين (3) ومعلوم عند المحدثين ولا شك أن المخاطبين بالتمسك بالثقلين
~~بالمشافهة هم الصحابة فهم مأمورون باتباع الكتاب والعترة وبه يبطل ما ادعا
~~خصومنا أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (أصحابي كالنجوم بأيهم
~~اقتديتم اهتديتم) (4) للتناقض
# PageV00P224
# الظاهر لكل ذي فهم إلا أن يحمل على إرادة العترة من لفظ الأصحاب كما قال
~~أمير المؤمنين في بعض خطب النهج مخبرا عن وبنيه (نحن الشعار والأصحاب
~~والخزنة والأبواب) الخطبة (1) وهو موافق لما روي من طريقنا أن النبي (صلى
~~الله عليه وآله) فسر الأصحاب الذين هم كالنجوم إذ سئل عنهم باهل بيته
~~وعترته، فما أدرى أهل السقيفة إذ قالوا ما قالوا وفعلوا ما فعلوا بالثقلين
~~تمسكوا أم بآرائهم أخذوا وما بعد عبادان قرية فليجبنا ابن أبي الحديد بحق
~~لا بما يختار ويريد، مما يربى على كلام المبرسمين (2) سماجة ويزيد فإن مثل
~~ذلك مما لا ينفع عند الخصام ولا يقنع به في الحجة ذوو الأفهام.
# وروى ابن أبي الحديد عن أحمد بن حنبل في كتاب الفضائل عن
# PageV00P225
# النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه خطب الناس يوم جمعة فقال: (أيها
~~الناس قدموا قريشا ولا تقدموها - إلى أن قال - أيها الناس أوصيكم بحب ذي
~~قرباها أخي وابن عمي علي بن أبي طالب) (1) الخبر والمحبة تستلزم المتابعة
~~كما ذكرنا من قبل بل إذا كانت مأمورا بها كما هنا كانت ms163 هي نفس المتابعة لا
~~غير، وسيأتي ما يوضح هذا المقام بأتم إيضاح فدلالة الخبر على وجوب التمسك
~~بعلي (عليه السلام) ظاهرة غاية الظهور، فهو الإمام الواجب اتباعه بعد
~~الرسول (صلى الله عليه وآله) وإلا فلا فائدة في التمسك به إذا كان المتبوع
~~في الأمر والنهي غيره بل لا تمسك به على هذا بالمرة وإنما المتمسك به ذلك
~~المطاع المتبع وهو غيره على قول الخصوم وهو (عليه السلام) مأمور عندهم
~~باتباع ذلك الغير فأين إذن وجوب التمسك بأمير المؤمنين (عليه السلام) بعد
~~النبي (صلى الله عليه وآله) الذي صرحت به أخبارهم ونصت عليه رواياتهم
~~الصحيحة مما ذكرناه هنا وغيره؟
# فلازمهم أما رد الأخبار وتكذيبها ولا سبيل لهم إلى ذلك، أو الإقرار بأنها
~~نص في إمامة علي (عليه السلام) من بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~وبطلان إمامة غيره؟ وهو المراد والتأويلات الفاسدة مردودة مع أنها في
~~المقام مفقودة.
# وأما ما ورد بلفظ الولي: فمن القرآن قوله: [إنما وليكم الله ورسوله
~~والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون] (2) وهي عند
~~المفسرين نازلة في أمير المؤمنين (عليه السلام) حين تصدق في ركوعه بخاتمة
~~على السائل، ورووا ذلك عن أبي ذر (رضي الله عنه) وعن عبد الله بن العباس
~~(رضي الله عنه) ورواه عنه المحدثون من الخصوم أيضا
# PageV00P226
# وصححوه (1) وبالجملة فالاتفاق حاصل عليه، والولي هنا هو الأولى بالتصرف
~~لقول الله تعالى: [النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم] وجملة [وهم راكعون] حال
~~من ضمير [ويؤتون الزكاة] أي يؤتون الزكاة في حال ركوعهم وإذا كان علي (عليه
~~السلام) هو الأولى بالناس بولاية الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) عليهم
~~كان هو الإمام إذ لا ولاية كذلك لغير الإمام ولا ولاية لغير علي (عليه
~~السلام) من الصحابة للحصر ب " إنما " فالآية نص في إمامة علي (عليه
~~السلام) وفي نفي إمامة غيره بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومتى قيل:
~~كيف جعل لفظ الجمع موضع المفرد وما الفائدة في ذلك إذا كان المراد الواحد
~~دون ms164 الجمع؟ قلنا: وضع الجمع موضع المفرد وارد في كلام العرب على كثرة إذا
~~قصدوا تعظيم ذلك الواحد وتفخيم شأنه، وفي القرآن الكريم من ذلك الكثير قال
~~الله تعالى: [والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون] (2) وقال تعالى: [إن
~~إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا] (3) والاستدلال على هذا المطلب مما لا
~~حاجة إليه لوضوحه وحمل الولاية في الآية على ما لا يرجع إلى فرض الطاعة
~~والإمامة مثل المعونة والنصرة كما قاله القوشجي وقبيله والمعتزلي وأصحابه
~~فاسد، لأنه يستلزم أن لا معين ولا ناصر للمؤمنين إلا الله تعالى والنبي
~~(صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) لدلالة الحصر بأنما على ذلك كما
~~ذكرنا فيجب ألا يكون بعض المؤمنين ناصرا ومعينا لبعض، وهو خلاف نص الله
~~تعالى بقوله:
# [والمؤمنون بعضهم أولياء بعض] (4) وما يخالف كتاب الله باطل مردود،
# PageV00P227
# على أنه يلزم على قوله أن لا يكون المتقدمون علي (عليه السلام) من أعوان
~~المؤمنين وأنصارهم لا في زمان النبي (ص) ولا بعده فلا يجوز جعلهم أئمة لأن
~~الإمام ناصر المؤمنين وهم أنصاره فيجب أن يكون علي (عليه السلام) هو الإمام
~~بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) لثبوت نصرة المؤمنين له مطلقا بالآية وهذا
~~لا يرضى به القوشجي وحزبه، فما ارتكبه من التأويل الفاسد لدفع حجتنا كان
~~لقولنا محققا ولمذهبه مبطلا وهو يقدر بجهله أنه أزال بتأويله استنادنا إلى
~~الآية في إثبات إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو ما زادنا إلا تقوية
~~وانتصارا بإخراجه أئمته من ولاية المؤمنين وحمل وهم راكعون على العطف
~~والاستيناف دون الحال كما ارتكبه هو أيضا وأشباهه فلا تكون الآية خاصة بعلي
~~(عليه السلام) مع ما فيه من المخالفة لقول المفسرين منهم والمحدثين من
~~اختصاص الآية بعلي (عليه السلام) كمجاهد (2) والسدي (1) وعطا (2) والثعلبي
~~(3) وأبي بكر الرازي (4)
# PageV00P228
# والرماني (1) والطبري (2) وغيرهم مستلزم لعطف الجملة الاسمية المحضة على
~~الجملة الفعلية المحضة وذلك مرغوب عنه في العربية ومرجوع عند أهل اللغة فلا
~~يحمل عليه القرآن الكريم الذي هو في أعلا طبقات البلاغة وأيضا مستلزم
~~للتكرير الغير المفيد ms165 لأن قوله عز وجل [يقيمون الصلاة] دخل فيه الركوع
~~فذكره ثانيا تكرير غير مفيد فيكون مرجوحا يصان عنه الكتاب العزيز، وجعل
~~الجملة المذكورة حالا مفيد فائدة قريبة فالحمل عليه أولى، بل هو الواجب
~~والاستئناف ممتنع لتلبس الجملة بضمير الذين يؤتون الزكاة ولأنه لم يبق لها
~~معنى محصل إذا قطعت عن ما قبلها ومع هذا كله إن قوله تعالى:
# [إنما وليكم الله] خطاب للمؤمنين كافة والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~داخل فيهم قطعا لأن الله وليه وقوله: [ورسوله] خارج من الخطاب وقوله:
~~[والذين آمنوا] لا بد فيه من أحد وجهين إما أن يكون إخراجا لواحد خاص فقد
~~تم المعنى وثبت أن ذلك الواحد هو الولي الذي تجب طاعته بطاعة الله ورسوله
~~(صلى الله عليه وآله) ولا قائل من العلماء على تقدير اختصاص الآية وكون
~~الولاية فيها بمعنى فرض الطاعة بأن المعنى بها غير علي (عليه السلام) فتثبت
~~إمامته بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ضرورة - وإما أن يكون إخراجا
~~لكل المؤمنين الذين يصلون ويزكون ويركعون كما هو مقتضى قول الخصم فحينئذ لم
~~يبق مخاطب بالآية وكان المضاف هو عين المضاف إليه وكان كل مؤمن هو ولي نفسه
~~وهو محال لأن الخطاب بالآية غير مرتفع بالاتفاق، والواجب في ذلك أن يكون من
~~جعلت له الولاية غير المخاطبين بالآية الذين جعلت عليهم الولاية حتى يكون
~~ولي ومولى عليه وليس على تأويل الخصم إلا الولي خاصة، فالخطاب إذن قد
# PageV00P229
# ارتفع وهو باطل بدون تأمل فبطل ما تأولوه من التأويلات الركيكة وانزاح ما
~~تمحلوه من التمحلات الممتنعة وتبين أن الآية نص في إمامة أمير المؤمنين بلا
~~ريب.
# ومن السنة خبر الغدير الذي ملأ الاسماع وطبق البقاع وذكر في إسعاف
~~الراغبين (1) أنه مروي عن ثلاثين رجلا من الصحابة وذكر غيره أن طرق هذا
~~الحديث تزيد على مائة طريق روى أحمد بن حنبل في مسنده عن البراء بن عازب
~~(رضي الله عنه) قال " كنا مع النبي (صلى الله عليه وآله) في سفر فنزلنا
~~بغدير خم ms166 فنودي فينا الصلاة جامعة وكسح لرسول الله (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) تحت شجرتين فصلى الظهر وأخذ بيد علي (عليه السلام) فقال (صلى الله
~~عليه وآله): ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم، قالوا: بلى، فقال
~~(صلى الله عليه وآله وسلم): (اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم فوال من
~~والاه وعاد من عاداه)، فلقيه عمر بن الخطاب بعد ذلك فقال له هنيئا لك يا بن
~~أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة (2) ورواه أحمد بن الحسين
~~البيهقي بهذا اللفظ أيضا مرفوعا إلى البراء بن عازب (3) في حديث الزهري في
~~ذكر خطبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بغدير خم ثم قال يعني النبي (صلى
~~الله عليه وآله وسلم) (أيها الناس من أولى الناس بالمؤمنين) قالوا الله
~~ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) أولى بالمؤمنين، يقول ذلك ثلاث مرات ثم
~~قال في الرابعة وأخذ بيد علي (عليه السلام) (اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه
~~اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) يقولها ثلاث مرات (ألا فليبلغ الشاهد
~~منكم الغائب).
# PageV00P230
# وفي رواية الحافظ أبو الفتوح أسعد بن أبي الفضائل بن خلف في كتابه الموجز
~~بسنده عن حذيفة بن أسيد الغفاري وعامر بن أبي ليلى بن ضمرة في ذكر الخطبة
~~أيضا ثم قال يعني النبي (صلى الله عليه وآله) (يا أيها الناس ألا تسمعون
~~ألا فإن الله مولاي، وأنا أولى بكم من أنفسكم ألا ومن كنت مولاه فعلي
~~مولاه) (1) وأخذ بيد علي (عليه السلام) فرفعها حتى نظرها القوم ثم قال:
~~(اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) (2) وبعض المحدثين رواه مختصرا بدون
~~المقدمة المذكورة وهي قوله (صلى الله عليه وآله) (ألستم تعلمون أني أولى
~~بالمؤمنين من أنفسهم) إما اختصارا أو تدليسا أو استغناءا بما بعدها في
~~إفادة المراد لا لأنها غير موجودة في أصل كلام النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) فقدح القوشجي في دلالة الخبر على المقصود بأن أكثر من رواه لم يرو
~~المقدمة المذكورة معه مقدوح أولا بوجودها في ms167 قول النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) برواية جملة من أكابر المحدثين كما سمعت فلا سبيل إلى إنكارها وثانيا
~~بأن الباقي كاف في الدلالة على المطلب لو لم تكن مذكورة قبله في أصل قول
~~النبي (صلى الله عليه وآله) وخطبته وهذا الخبر مما احتج به أمير المؤمنين
~~(عليه السلام) على أهل الشورى في جملة ما احتج به على أولويته بالإمامة فما
~~أنكره من القوم منكر ولا قدح فيه قادح، وقد صحح ذلك المعتزلي واعترف به
~~القوشجي (3) فقول بعض الخصوم أن الخبر غير متواتر
# PageV00P231
# تعصب محض وعناد صرف ومن هذا شأنه فهو ملئ بالجهالات ودفع الضرورات فلا
~~يلتفت إليه.
# وروى ابن أبي الحديد هذا الخبر في مواضع كثيرة من كتابه قال في موضع "
~~وروى عثمان بن سعيد عن شريك بن عبد الله (1) قال لما بلغ عليا (عليه
~~السلام) أن الناس يتهمونه فيما يذكره من تقديم النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) إياه وتفضيله على الناس، قال: أنشد الله من بقي ممن لقي رسول الله
~~وسمع مقاله في يوم غدير خم إلا قام فشهد بما سمع، فقام ستة ممن عن يمينه من
~~أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وستة ممن عن شماله من الصحابة
~~أيضا فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله يقول ذلك اليوم وهو رافع بيد علي: (من
~~كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره
~~واخذل من خذله وأحب من أحبه وأبغض من أبغضه (2) وذكر قول النبي (صلى الله
~~عليه وآله): (وأدر الحق معه حيث دار) في موضع آخر مفردا (3).
# والمولى هنا يراد به الأولى والأحق بالأمر مثله.
# في قوله تعالى: [مأواهم النار هي مولاهم] (4) وقوله تعالى:
# [ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون] (5) لأنه في الشرط مراد
~~به ذلك لثبوته للنبي (صلى الله عليه وآله) بالكتاب في قوله عز وجل:
# [النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم] (6) الآية والجزاء على منوال الشرط
~~وارد
# PageV00P232
# فيراد به ما يراد بشرطه فثبت أن عليا (عليه السلام) ms168 هو الأولى بالأمر
~~والأحق به، فيكون هو الإمام بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) لدخول من
~~سواه في ولايته بواسطة دخولهم في ولاية رسول الله (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) فلا يصلح أحد منهم للتقدم عليه في أمر من الأمور، كما لا يصلح لهم
~~التقدم على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يجوز حمل المولى في
~~الخبر على غير الأولى بالأمر من معانيه لامتناع المعتق والمعتق للفاعل
~~والمفعول وشبههما يقينا واتفاقا، وخروج الناصر والمعين وما آل إليهما
~~بالقرنية اللفظية والعقلية، أما اللفظية فقول النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) قبل ذلك: (أنا أولى بكم من أنفسكم) فإنها تعين أن المراد من قوله (من
~~كنت مولاه فعلي مولاه) من كنت أولى به من نفسه، وإلا فلا فائدة في هذا
~~الكلام في المحل ولا حاجة إلى أخذ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اعتراف
~~القوم به ثلاث مرات، كما في حديث الزهري، ومرة واحدة كما في غيره، فتكون
~~لغوا ولا يجوز أن يكون كذلك كلام الرسول (صلى الله عليه وآله) فتكون لما
~~ذكرناه من إرادة رفع الاشتراك عن لفظ المولى وتعيين معنى الأولى منه، وأما
~~العقلية فلأن مقتضى المقام ذلك لأن جميع الناس وأخبارهم في ذلك الوقت
~~الشديد الحر لا ينصرف ذهنا ولا يحتمل عقلا لأن يكون إخبارا بما كان معلوما
~~قبل ذلك للمخبرين، بل ينصرف عقلا إلى الإخبار بأمر غير معلوم لهم سابقا،
~~ليكون تأسيسا لحكم وكون علي (عليه السلام) ناصرا ومعينا لمن كان رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) وليه أمر معلوم لكل الحاضرين، فالإخبار به قليل
~~الفائدة، بل لا فائدة فيه وهل هو إلا تحصيل حاصل يصان فعل النبي (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) عن مثله، فلا بد أن يكون الإخبار عن ما ليس بمعلوم
~~للمخاطبين ليعلموه وما هو إلا إثبات ولاية النبي (صلى الله عليه وآله) على
~~المؤمنين لعلي (عليه السلام) والمشترك يرتفع اشتراكه بالقرينة المعينة
~~لإرادة أحد معانيه PageV00P233
# منه، وهي هنا موجودة على ما ms169 نقول كما ترى، فتعين أن المراد بلفظ مولى في
~~الخبر الأولى بالتصرف، وبه يثبت المطلوب.
# وبالجملة أن هذا الخبر نص صريح على أمير المؤمنين (عليه السلام) بالإمامة
~~يقينا لا ينبغي للخصوم الشك فيه، ولا التشكيك، لولا ما ارتكبوه فيه من
~~التأويلات البعيدة الباردة التي يحكم الذوق المستقيم باستحالتها للشبهة
~~التي اتخذوها حقا والبدعة التي جعلوها سنة، وكيف يصح أن يريد النبي (صلى
~~الله عليه وآله) هنا بالمولى الناصر والمعين وابن العم والحليف كما قالوه،
~~فيكون (صلى الله عليه وآله وسلم) قد قام في حر الظهيرة وجمع الناس في سعير
~~الهاجرة يخبرهم عن شئ علموه أولا على لسانه من القرآن الكريم في قوله
~~تعالى: [والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض وغيرها] (1) من الآيات
~~الكثيرة وعرفوه من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) مرات متعددة، وتيقنوه من
~~دون خبر إذ لا يجهل أحد أن عليا ابن عم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأن
~~من كان ابن عم أحدهما فهو ابن عم الآخر والحليف كذلك وينبئهم عن علي (عليه
~~السلام) بشئ لا يختص دون المؤمنين كافة، ولا دون سائر بني هاشم في ذلك
~~المقام الوعر، وهذا لو فعله سائر الناس أو صدر من بعض عامتهم لنسبه العقلاء
~~إلى ضعف العقل، وطعن فيه أهل الروية بقلة الرأي، فكيف يصدر مثله عمن لا
~~ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فيجب أن النبي (صلى الله عليه وآله)
~~إنما أخبرهم في ذلك المشهد بشئ من الولاية يختص به علي (عليه السلام) دون
~~سائر المؤمنين ودون باقي بني هاشم، وما هو إلا أنه ولي بولاية الرسول (صلى
~~الله عليه وآله) على المؤمنين وأولى بالتصرف فيهم من أنفسهم باليقين، فيكون
~~هو الإمام لا معنى للمولى هنا إلا
# PageV00P234
# هذا كما ذكرنا، ولا يشك في هذا إلا من خالطت العصبية لحمه ودمه، وأعرض عن
~~التأمل في دلالات الكلام والنظر في مقتضيات الأحوال فحاد عن قبول الحق،
~~واعتمد على ما ألفه من زخارف الأسلاف، أهل العصبية والاعتساف، وأما من وقف ms170
~~عند النص وتأمل مقتضى الحال، وترك التعلل بالشبهات الواهية، فإنه لا يرتاب
~~في أن الخبر نص واضح على أمير المؤمنين (عليه السلام) بالإمامة العامة،
~~ولذا قال أبو الهيثم فيما ذكرنا من شعره.
# إن الوصي إمامنا وولينا.. البيت.
# يريد أولى بنا كما لا يخفى على المتأمل في كلامه.
# وروى ابن أبي الحديد عن إبراهيم بن ديزيل (1) في كتاب صفين، قال حدثنا
~~يحيى بن سليمان، قال حدثنا ابن فضيل، قال حدثنا الحسن بن الحكم النخعي، عن
~~رياح بن الحارث النخعي، قال: كنت جالسا عند علي (عليه السلام) إذ قدم عليه
~~قوم متلثمون فقالوا السلام عليك يا مولانا، فقال لهم، (أو لستم قوما عربا)
~~قالوا بلى ولكنا سمعنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول يوم غدير
~~خم (من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من
~~نصره واخذل من خذله) فقال: لقد رأيت عليا ضحك حتى بدت نواجذه ثم قال اشهدوا
~~ثم إن القوم مضوا إلى رحالهم فتبعتهم، فقلت لرجل منهم، من القوم؟ قال: نحن
~~رهط من الأنصار وذاك يعنون - رجلا منهم - أبو أيوب صاحب منزل رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فصافحته (2) وهذا الخبر ظاهر أي الظهور في أن
~~القوم
# PageV00P235
# فهموا من لفظ المولى في كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إرادة
~~الأمير الذي هو الإمام فسلموا على علي بالموالاة بدل الإمارة لأنها عندهم
~~بمعناها فمرادهم بمولانا أميرنا ولو كان مرادهم المعونة والنصرة لم يكونوا
~~سلموا عليه بالإمرة لكنهم قصدوا من اللفظ المذكور التسليم عليه بها، ولولا
~~ذلك لما كان لضحك علي (عليه السلام) واستبشاره باستدلالهم على ذلك بالحديث
~~معنى ولا لقوله لأصحابه اشهدوا فائدة لأنهم لا يشكون قبل ذلك في أنه من
~~المؤمنين الذين صرح القرآن بأن بعضهم معين بعض وناصره بل لا يشكون في أنه
~~سيد المؤمنين وإمامهم في ذلك الوقت، ثم إن راوي الحديث يفهم منه أنه فهم من
~~قصد الأنصار الولاية العامة لا المعونة والنصرة فتأمل.
# قال ابن أبي ms171 الحديد وقال أبو بكر: وحدثني علي بن سليمان النوفلي قال سمعت
~~أبي يقول: ذكر سعد بن عبادة يوما عليا (عليه السلام) بعد يوم السقيفة فذكر
~~أمرا من أمره نسيه أبو الحسن يوجب ولايته فقال ابنه قيس بن سعد أنت سمعت
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول هذا في علي بن أبي طالب (عليه السلام)
~~ثم تطلب الخلافة ويقول أصحابك: منا أمير ومنكم أمير؟ لا كلمتك والله من
~~رأسي بعدها كلمة أبدا (1) انتهى.
# فهذا كما ترى دال على أن من طلب الخلافة بعد رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) من القوم ليس لعدم علمه بنص الغدير بولاية أمير المؤمنين (عليه
~~السلام) ولا لأن هذا اللفظ لا يوجب له الإمامة ولكن كان ذلك منهم حبا
~~للرئاسة وطلبا للإمرة وتعمدا لمخالفة نص الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~لذلك الغرض ولذا أنكر قيس على أبيه طلب الخلافة بعد سماع
# PageV00P236
# ذلك، وقال: ما سمعت ولولا علمه بأن الولاية لعلي (عليه السلام) في قول
~~النبي (صلى الله عليه وآله) يراد بها الإمامة والإمارة دون المعونة
~~والنصرة، وعلمه بأن أباه يعلم ذلك لما كان يتوجه له الانكار على أبيه بوجه
~~من الوجوه ولا صح له أن يتبرئ من مكالمته بحال من الأحوال، ولولا أن سعدا
~~فهم من الولاية ما فهمه ابنه منها لاعتذر إليه عن فعله ودفع عنه إنكاره بما
~~يعتذر به خصومنا اليوم من حمل الولاية على المعونة والنصرة، وأقول:
# سقيا لربع قيس في صدعة بالحق وعدم التفاته في القول به إلى القرابة
~~وإنكاره الباطل حتى على أبيه مع كونه سيد الأنصار، وهذه قاعدة طالب الحق
~~المنصف وطريقته لا يعاند إذا ظهر له الحق ولا يعدل عنه ويتعلل فيه لرضى
~~القرابة والعشيرة والشيوخ والاسلاف وحب الرئاسة والجاه، وقد وضح من جملة ما
~~حررناه أن الأنصار ومن سمع الخبر من منصفي التابعين قد عرفوا وحكموا أن
~~مراد النبي (صلى الله عليه وآله) (من كنت مولاه فعلي مولاه) الأولوية
~~بالأمر وهي الإمارة العامة والإمامة الكبرى ms172 والخلافة العظمى لا معنى غيرها
~~مما يذكره الخصوم، افترى خفي على المهاجرين مثل أبي بكر وعمر وعثمان وأبي
~~عبيدة وعبد الرحمن وأضرابهم مع شدة ملازمتهم للنبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) وقوة فهمهم وعلمهم على ما يدعى الخصم ما كان ظاهر للأنصار ظهور الشمس
~~في رابعة النهار؟ أم تعمدوا مخالفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) طلبا
~~للرئاسة وكتموا نص الرسول (عليه السلام) على علي (عليه السلام) طمعا في
~~الإمارة كما فعل سعد بن عبادة عند طلبه ذلك فلما فاته الأمر أظهر ما أخفاه
~~وأبرز ما كتمه؟ فانظر ما قلناه بعين التبصر والإنصاف فإنك لا تشك بعده في
~~صحة ما نذهب إليه، ومما يعين ما قلناه مضافا إلى ما ذكرناه قول النبي (صلى
~~الله عليه وآله) في آخر الخبر (اللهم وال من ولاه وعاد من عاداه وانصر من
~~نصره واخذل من خذله) فإن المراد من موالاة الله موالي علي (عليه السلام)
~~هدايته وإثابته إياه، ومن PageV00P237
# معاداته معادي علي (عليه السلام) إضلاله ومعاقبته، والمراد من موالاة علي
~~(عليه السلام) متابعته والاقتداء به، ومن معاداته مخالفته والعدول عنه إلى
~~غيره لا النصرة والحلف في الموضعين، ولا الخذلان والمحاربة في المقامين،
~~لأنه لو كان المراد ذلك لكان قول النبي (صلى الله عليه وآله) بعده (وانصر
~~من نصره واخذل من خذله) تكريرا عديم الفائدة، ولا يجوز حمل كلام النبي
~~المطهر على ذلك، وإذا استوضحت جهة استدلالنا بالخبر الشريف على قولنا وعرفت
~~صراحته في مذهبنا فاعلم أن الذي حاوله المخالفون فيه وزعموا أنه ناقص
~~لدلالته على ما ندعيه ومخرج له عن الحجية على ما نبتغيه وجوه أربعة.
# الأول: منع تواتره لأنه لم يروه البخاري ومسلم والواقدي كما قاله القوشجي
~~وغيره منهم فلا يكون حجة في المقام يعارض به الإجماع، وهذا الوجه وما بعده
~~من الوجوه التي يتعللون بها في دفع الحق الواضح قد اشتمل بياننا على
~~تزييفها وإبطالها على أوضح وجه، ولكنا هنا نذكرها مفصلة ونردف كل وجه بما
~~يبين فساده ويوضح بطلانه.
# فنقول في ms173 الجواب عن هذا أن الداعي لمن ذهب من الخصوم إلى منع تواتر الخبر
~~المذكور هو الشبهة الحاصلة من تقدم الثلاثة على علي (عليه السلام) وتركهم
~~وأصحابهم العمل به واستبعاد مخالفتهم للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~فيما كان معلوما وكل ذلك مردود أما تقدم الثلاثة فلا يكون معارضا للخبر حتى
~~يثبت أنه واقع على وجه شرعي وهذا هو موضع النزاع والخبر لا نزاع في صحته
~~وإن نوزع في تواتره فيكون أقوى من صحة تقدمهم والاستبعاد ليس بدليل حتى
~~يعارض به الأدلة لا سيما ومخالفة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من
~~القوم واقعة في حياته وبعد وفاته، وسيأتيك توضيحه في موضعه، فما هو بمقتض
~~عدم تواتر الخبر في نفسه لأن شرط PageV00P238
# التواتر وهو كونه خبر جماعة يفيد بنفسه القطع موجود فيه لكثرة طرقه
~~وإقرار الصحابة به من موافقي علي ومخالفيه كما علمت، وترك البخاري وصاحبيه
~~روايته لا يدل على عدم تواتره مع رواية من سواهم من المحدثين وأهل السيرة
~~له، وكم من حديث متواتر لم يذكره البخاري وصاحباه خصوصا إذا كان حجة عليهم،
~~ومتى قال مخالفونا إن تخلف علي ومن معه وسعد بن عبادة ومن اتبعه عن أبي بكر
~~وإنكارهم بيعة غير قادح في الإجماع على إمامته فلا ينبغي لهم أن يقدحوا في
~~الإجماع على الخبر المذكور بترك البخاري وصاحبيه روايته مع عدم تصريحهم
~~بإنكاره، فالاعتراض في الخبر من هذا الوجه مندفع.
# الثاني (1): عدم تعيين المولى فيه بمعنى الأولى واحتمال كونه لغيره من
~~المعاني كالناصر والحليف، وزاد الصبان الشافعي في كتابه إسعاف الراغبين (2)
~~على ذلك أنه لم يعهد كون المولى بمعنى الأولى لا شرعا وهو واضح، ولا لغة إذ
~~لم يذكر أحد من أئمة العربية أن مفعلا بمعنى أفعل والجواب عنه أن نقول لهم:
~~إنكم حكمتم على لفظ مولى في قوله تعالى: [مأواكم النار هي مولاكم] (3) وفي
~~قول النبي (صلى الله عليه وآله) (أيما امرأة نكحت بدون إذن مولاها) (4) إنه
~~بمعنى الأولى ومالك الأمر للقرينة الحالية والمقالية ونفيتم عنه ما ms174 سوى ذلك
~~من معانيه ولازم ذلك الحكم على مولى في الخبر بأنه بمعنى الأولى بالمؤمنين
~~لوجود القرينتين الحالية والمقالية على إرادته منه ونفى ما سواه من المعاني
~~كما ذكرنا أولا وهما دليلان يجب العمل بهما في المقام كما
# PageV00P239
# أوجبتم العمل بهما في غيره وترك العمل بالدليل للتشهي غير جائز شرعا.
# وأما الجواب عن زيادة الصبان وهذره فبأن مولى قد عهد كونه بمعنى الأولى
~~شرعا وعرفا ولغة فأما في الشرع فالرواية المتقدمة تشهد به فقد جمع أصحابه
~~وغيرهم على لفظ مولى فيها بمعنى الأولى شرعا، ومثله في الآيات كثير قال
~~الله تعالى: [ولكل جعلنا موالي مما ترك الولدان والأقربون] (1) أي أولى
~~بالميراث وقال تعالى: [وإني خفت الموالي من ورائي] (2) إلى الأولى بميراثه
~~من غيرهم، وكل هذا مما لا نزاع فيه، وأما في اللغة فبوجوه.
# الأول: إن أبا عبيدة معمر بن المثنى وهو إمام نقلة اللغة العربية قد ذكر:
~~أن مولى بمعنى الأولى ونص عليه وحمل عليه لفظ موالي في الآية المذكورة (3).
# وقال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد في كتابه المترجم بالعبارة في صفات
~~الله: أصل تأويل الولي الذي هو أولى أي أحق ومثله المولى، وقال بعد تأويل
~~ذلك بأن الله هو مولى الذين آمنوا والولي والمولى معناهما سواء وهو الحقيق
~~بخلقه المتولي لأمورهم، وقال في كتاب معاني القرآن: " الولي والمولى في
~~كلام العرب واحد " (4)، وقال: أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري في كتابه
~~المعروف بالمشكل " المولى الولي والمولى الأولى بالشئ " وذكره أيضا غيرهم
# PageV00P240
# من أئمة اللغة واعترف بثبوت ذلك وصحته القوشجي في شرح التجريد.
# الثاني: وروده في القرآن كما في الآيات المذكورة وغيرها، وفي السنة مثل
~~الرواية المتقدمة وغيرها وهما أفصح الكلام العربي.
# الثالث: وروده في أشعار العرب على كثرة.
# قال لبيد بن ربيعة العامري:
# فغدت كلا الفرجين تحسب أنها * مولى المخافة خلفها وأمامها (2) فالمولى
~~فيه بمعنى الأولى مثله في قوله تعالى: [مأويكم النار هي مولاكم] قاله ثعلب
~~النحوي وأبو عبيدة، وقال الشنفري جابر بن ثابت الأزدي.
# وإني لمولى الصبر ms175 أحباب بزة * على مثل قلب السمع والحزم أفعل أي إني أولى
~~بالصبر من غيري، وأنا مالك أمره، وذلك أنه يصف نفسه بكثرة الصبر زيادة على
~~غيره من ذوي الصبر فلا بد من معنى التفضيل.
# وقال عمرو بن البراقة الفهمي.
# إذا جر مولانا علينا جريرة * صبرنا لها إنا كرام دغاثم وننصر مولانا
~~ونعلم أنه * كما الناس مجروم عليه وجارم فمولانا في البيتين بمعنى سيدنا
~~قاله شراح الشواهد وهو بمعنى الأولى بنا والمالك لأمرنا.
# وقال الأخطل:
# فأصبحت مولانا من الناس بعده * وأحرى قريش أن تهاب وتحمدا
# PageV00P241
# وقال غيره:
# كانوا موالي حق يطلبون به * فأدركوه وما ملوا وما لعبوا والشواهد عليه
~~كثيرة، وإطلاق المولى في لسان العرب على مالك العبد معلوم غير مجهول، وبه
~~ورد الكتاب العزيز قال الله تعالى: [ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على
~~شئ وهو كل على مولاه] والمراد به الأولى به والمالك لأمره، أما في العرف
~~فلأن إطلاق لفظ " المولى " على من بيده أمر المرأة في النكاح وعلى مالك
~~العبد أمر شائع ذائع بين الفقهاء والمحدثين وعامة الناس في جميع الأقطار
~~بحيث لا ينكر ولا يدفع، فقد جاء مولى بمعنى الأولى بالشئ والأحق به شرعا
~~ولغة وعرفا، بل قال بعض المحققين من أهل الاطلاع على دقائق اللغة العربية:
~~إن الأصل في المولى الأولى بالشئ والأحق به وما سواه من معاني المولى راجع
~~إليه، فالمعتق مولى لأنه أولى بميراث المعتق وهذا مولى لأنه أولى بنصرة
~~المعتق من غيره، وابن العم لأنه أولى بنصرة ابن عمه لقرابته، والورثة موالي
~~لأنهم أولى بميراث الميت من غيرهم، والحليف لأنه أولى بأمر محالفه للمحالفة
~~التي جرت بينهما، والولي لأنه أولى بنصرة من يواليه، والسيد لأنه أولى
~~بتدبير من يسوده انتهى والصبان في غفلة عن هذا كله، والجواب عن قوله: أن
~~مفعلا لم يرد بمعنى أفعل، من وجهين.
# الأول: إنا قد أثبتنا بالأدلة الظاهرة والبراهين الزاهرة مجئ هذا الحرف
~~من مفعل بمعنى أفعل فلا يضرنا عدم مجئ غيره بمعناه لأنا لا ندعي العموم ms176
~~وإنما الدعوى في واحد وقد أثبتناها.
# الثاني: إنه ليس المدعى أن مولى صفة بمعنى الأولى حتى يرد قوله وإنما
~~المدعى أن مولى اسم للأولى وقد اعترف بذلك القوشجي وغيره من محققيهم
~~وبوروده كذلك في كلام العرب وأشعارهم فزال اعتراض الصبان. PageV00P242
# الثالث: (1) تسليم أنه بمعنى أولى لكن لا نسلم أنه أولى بالإمامة، بل
~~بالاتباع له والقرب منه كقوله تعالى: [إن أولى الناس بإبراهيم للذين
~~اتبعوه] (2) وقول التلاميذ: نحن أولى بأستاذنا مثل به في المقام القوشجي.
# والجواب إنا لا ندري ما مرادهم من هذا العبارة المضطربة الألفاظ الزائلة
~~المعنى ولا بد من أن يكونوا أرادوا أحد وجوه إما أنهم أرادوا أن معنى قول
~~النبي (صلى الله عليه وآله) " من كنت مولاه فعلي مولاه " من كان لي تابعا
~~فهو لعلي تابع فيكون حاصله أن من لم يكن تابعا لي فليس تابعا لعلي فمن لم
~~يكن تابعا لعلي (عليه السلام) فليس بتابع للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)،
~~فيقال لهم: على هذا فأبو بكر وأصحابه تابعون للنبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) أم غير تابعين له فإن كانوا له تابعين لزمهم أن يتبعوا عليا بعده،
~~والمتبوع هو الإمام وإن لم يكونوا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أتباعا
~~لم تجز لهم خلافته فدلالة الخبر على المدعى بحالها وإن أرادوا أن معناه من
~~كنت تابعه فهذا معنى قبيح لأن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يتبع أحدا من
~~الناس، بل هو الرئيس المتبوع، وإن أرادوا أن معناه من كان تابعا لي كان علي
~~تابعا له، فهو معنى مستهجن جدا لأن مراد النبي (صلى الله عليه وآله) من
~~الكلام مدح علي (عليه السلام) بالاتفاق، وعلى هذا المعنى يكون مدحا لواحد
~~غير معين ويكون علي (عليه السلام) ملزوما بتبعية ذلك الغير فلا مدح له وهو
~~خلاف المراد، ولا تنصرف عبارتهم إلى غير هذه المعاني الثلاثة، والأول لنا
~~لا علينا وإن كان من لفظ الخبر بعيدا، والأخيران مع ما فيهما مما سمعته
~~بعيدان عن حاق اللفظ فحمل كلام ms177 النبي (صلى الله عليه وآله) عليهما بين
~~الفساد، وأما الأولى في الآية
# PageV00P243
# فلولا القرنية الدالة من العقل على أن التابع لا يلي أمر المتبوع لدلت
~~على ولاية الأمر لكن القرنية صارفة عنه وهي دليل متبع، ومع هذا كله فإن
~~خروج أولى في الآية عن معنى الأحقية إلى معنى المتابعة غير مسلم لأنه على
~~قولهم بمعنى إن أتبع الناس لإبراهيم للذين اتبعوه وهذا ممتنع من جهة أن اسم
~~التفضيل يدل على المشاركة والزيادة ومن لم يتبع إبراهيم لم يشارك متبعيه في
~~متابعته وحيث لا مشاركة فلا تفضيل، وكذا لا مشاركة في الأقربية بين تابعيه
~~ومن لم يتبعه فينتفي التفضيل في الأقربية أيضا فكان لا محالة الأولى فيها
~~باقيا على معناه، والمراد أن الأولى بطريقة إبراهيم والأحق بدينه من جميع
~~الناس من كان تابعا له من الأنبياء والأوصياء وأتباعهم في الملة الحنيفية
~~بدليل قوله تعالى: بعد (وهذا النبي) فإن النبي (صلى الله عليه وآله) غير
~~تابع شريعة إبراهيم في التحليل والتحريم ليكون مؤتما به بالاجماع وإنما
~~تبعيته لإبراهيم كونه على الملة الحنيفية مثله والذين آمنوا بالنبي (صلى
~~الله عليه وآله) فالآية رد على اليهود والنصارى وغيرهم من الفرق المدعين
~~أنهم على دين إبراهيم وطريقته هذا ظاهرها وسرها أن الأولى بمقام إبراهيم
~~والأحق بإمامته المجعولة تابعوه من ذريته في الدين القويم الذين لم يجر
~~عليهم اسم ظلم طول أعمارهم، وهذا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والذين
~~آمنوا الذين لم يلبسوا إيمانهم بظلم، وهم علي (عليه السلام) وأطائب أولاده
~~فهي تشير إلى قوله تعالى: [وجعلها كلمة باقية] (1) في عقبه يعني الإمامة
~~وهذا الوجه هو الوارد عن علماء أهل البيت في معنى الآية (2) فهي دالة على
~~مطلبنا من جميع الجهات وبعيدة عن مطلبهم، وكذا مثال القوشجي فإن المراد منه
~~أن التلاميذ أحق بفوائد أستاذهم وعوائده من غيرهم وذلك موافق لنا لا له،
~~وليس
# PageV00P244
# المراد منه إنا أتبع لأستاذنا كما لا يخفي على المتدبر، ثم لو سلمنا حمل
~~الولاية في الآية والمثال على ما ذكروه ms178 لكن لا نسلم جواز حمل الخبر عليهما
~~لاختلاف التأليف المقتضي لاختلاف المعنى، فإن الأولى في الآية مسند إلى
~~التابعين وإبراهيم متعلق الولاية فجاز أن يكون المعنى إن أقرب الناس
~~لإبراهيم المتبعون له، وفي المثال كذلك وفي الخبر الولاية مسنده إلى النبي
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فلا يجوز أن يكون أراد النبي (صلى الله عليه
~~وآله) من كنت تابعا لامتناع ذلك، وعلى ما قالوه يكون المعنى هكذا نعم لو
~~قال (صلى الله عليه وآله وسلم) من كان مولاي فهو مولى علي لجاز حمله على ما
~~قالوه على ما فيه من القول الذي مر فتبين من هذا أن حمل الخبر على ما في
~~الآية مستحيل وليس ذلك بخفي على من له معرفة بعلم العربية ولا على مثل
~~القوشجي ولكن يلجئهم ضيق المسلك إلى ترك ما يعلمون، والله المسدد لمن طلب
~~السداد.
# الرابع: (1) تسليم أنه الأولى بالأمر لكن في المئال بعد الثلاثة لا بعد
~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا يدل على بطلان إمامة الثلاثة ونحن
~~نقول بذلك ونقر بأنه رابع الأئمة والجواب أن نقول لهم إذا قررتم بأن معنى "
~~من كنت مولاه فعلي مولاه " من كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به من نفسه
~~فلا بد لكم من التزام أحد أمرين لا محيص لكم عن اختيار واحد منهما، إما أن
~~تحكموا على المتقدمين عليه بأنهم من المؤمنين الذين كان النبي (صلى الله
~~عليه وآله) أولى منهم بأنفسهم في اعتقادهم أو بأنهم ليسوا منهم فإن أجبتم
~~بالأول فلازمه أن يكون علي (عليه السلام) أولى بهم من أنفسهم بعد النبي
~~(صلى الله عليه وآله)، لأن من كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أولى به
~~من نفسه فعلي أولى به من نفسه على جهة
# PageV00P245
# العموم في الشرط المقتضي لعموم الجزاء لتناول القضية جميع الأشخاص
~~والأوقات كما هو دأب الشرطية المطلقة العامة، فيجب أن يكون علي إمامهم إذ
~~كان أولى بهم من أنفسهم، ولا يجوز لهم أن يولوا عليه ولا على أنفسهم ms179 وقد
~~جعله رسول الله عليهم وليا وأولى بهم من أنفسهم فبطلت إمامتهم قطعا، وإن
~~أجبتم بالثاني فقد أخرجتموهم من حيز الإيمان ونفيتموهم من ملة الإسلام لأن
~~من لم يعتقد أن النبي (صلى الله عليه وآله) أولى به من نفسه فهو كافر
~~والكافر لا يجوز أن يكون إماما بالاجماع ونص الكتاب وهذا الوجه لا تجوزونه
~~بل تحكمون بكفر من نسب إلى الثلاثة الكفر فبقي الوجه الأول وهو يعين بطلان
~~إمامتهم فثبت المطلوب وصحت دلالة الحديث على إمامة علي (عليه السلام) بعد
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بلا فصل وعدم جواز إمامة غيره كائنا
~~من كان.
# وأما قول صاحب الإسعاف بأن تجويز النسيان على سائر الصحابة السامعين لهذا
~~الحديث مع قرب العهد في غاية البعد، (1) فباطل لأنا لم ندع نسيان الصحابة
~~للحديث، ولا جهالتهم بمراد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) منه، ولا عدم
~~معرفتهم دلالته على إمامة علي (عليه السلام) وعموم ولايته على الناس كافة
~~بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، وكيف وعمر بن الخطاب لما سمعه عرف جميع
~~ذلك منه وقال مخاطبا لعلي (عليه السلام): هنيئا لك يا بن أبي طالب أصبحت
~~وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة، كما قدمنا ذكره في رواية أحمد بن حنبل
~~والبيهقي عن البراء بن عازب (2)، أفترانا ندعى أن عمر كان شاكا في دلالة
~~الحديث على أن عليا أولى
# PageV00P246
# بكل المؤمنين والمؤمنات من أنفسهم بعد النبي (صلى الله عليه وآله) وهو
~~يقول ما سمعت ويصرح به؟ أو ترى أنه أراد تهنئته بأن ناصر المؤمنين الذي
~~يشاركه فيه جميعهم كما تدعون؟ بل هنأه بالخلافة والإمامة بلا ريبة، وهذا من
~~أقوى الأدلة على ما ذكرنا سابقا من أن الصحابة عرفوا من الحديث النص من
~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على علي (عليه السلام) بالإمامة، ولم يعرض
~~لهم نسيانه ولا ارتياب في معناه وذلك مدعانا عليهم ولذا لا نعذرهم فيما
~~فعلوا وقوله: وزعم أن الصحابة علموا هذا النص ولم ينقادوا له عناد باطل
~~مردود بما بيناه ms180 من قرب في تهنئة عمر لعلي (عليه السلام)، وما ذكرناه في
~~حديث سعد بن عبادة وابنه قيس، وحديث تسليم الأنصار على أمير المؤمنين (عليه
~~السلام) بالولاية، وغير ذلك، وليس الصحابة بمعصومين حتى يجب تنزيههم عن
~~الخطأ، في الأحكام وارتكاب العصيان وقد صدرت من بعضهم المخالفة للنبي (صلى
~~الله عليه وآله وسلم) في كثير من الأمور وفي كثير من القضايا والأحكام
~~وسنذكره مفصلا في محله إن شاء الله، فما ذكره من عدم انقياد القوم لنص
~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع علمهم به هو اليقين عندنا من فعلهم،
~~وليس فيه عناد أصلا بعد انتفاء عصمتهم بالاجماع، وثبوت المخالفة منهم
~~للرسول (صلى الله عليه وآله) بالتواتر، بل هو عمل بالدليل وإنما يكون عنادا
~~إذا ثبتت عصمتهم أو عدم مخالفتهم للنبي (صلى الله عليه وآله) في شئ من
~~الأمور دائما وكل ذلك لم يكن فلا سبيل إذن إلى رد الأدلة الصريحة حذرا من
~~تجويز المخالفة على الصحابة، ولسنا نحكم بذلك على جميع الصحابة فنعارض بما
~~روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) (لا تجتمع أمتي على ضلال) (1)، لأنا
# PageV00P247
# نقول إن عليا وأصحابه الأخيار ما زالوا على العمل بذلك النص في سرهم وإن
~~لم يتمكنوا من إظهاره في زمان تغلب الأولين، والحق معهم وحجة الله فيهم
~~والإمام بالحق على قولهم فهو الإجماع الصحيح فاندفع ما أورده الصبان بإذن
~~الواحد المنان، ثم إنه زاد في كتابه وجها خامسا في الايراد على الخبر لا
~~ينبغي أن يذكر لهجنته لولا أن الواجب على المناظر الاستظهار في الحجة
~~وإزالة جميع الشبه الواردة على دليله.
# قال (1): خامسها كيف يكون ذلك نصا في إمامة علي (عليه السلام) مع أن عليا
~~بنفسه صرح بأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم ينص عليه ولا على غيره كما في
~~البخاري وغيره انتهى (2).
# أقول: ما أضعف ما يتشبث به هؤلاء القوم في إخفاء الحق الزاهر، وما أوهن
~~ما يتعلقون به في إطفاء نور الهدى، وهل خفي على أحد من ذوي المعرفة ادعاء
~~أمير ms181 المؤمنين (عليه السلام) النص عليه من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~بهذا الخبر وغيره، واستشهاده من معه من الصحابة على ذلك وشهادة جماعة منهم
~~له به، وقد قدمنا ذكر شئ منه ويأتي غيره، ولا نعرف موضعا صرح (عليه السلام)
~~فيه بعدم النص عليه، وكيف يصرح بعدم النص عليه وهو ما زال يدعي النص
~~ويستشهد عليه وهل هذا إلا تناقض لا يجوز أن يقع من أدنى العقلاء فكيف يصدر
~~منه مع استكمال بصيرته ووفور علمه وحكمته! وذكر البخاري ذلك وأمثاله عنه
~~غير مقبول
# PageV00P248
# فإنه متهم في ذلك لموافقة غرضه ومطابقة مذهبه، وهل هو في ذلك إلا كثعالة
~~شاهده ذنبه، ومن روى له مثله، فليس بدليل أصلا لو لم يكن له معارض فكيف وقد
~~عارضه ما هو معلوم من تصريح علي (عليه السلام) بوجود النص عليه من النبي
~~(صلى الله عليه وآله) فمن المقطوع به أن ما ذكره البخاري منكر من القول
~~وزور فهو باطل يقينا هذا والناقل لم يذكر لفظ البخاري ليزيل عن نفسه تهمة
~~الكذب على شيخه والحوالة في مثل هذا المقام غير جائزة عند المناظرة، ولا
~~يثبت بها الاحتجاج، ولذا كان للخصم أن يقول لعلك تقولت على الشيخ أو لعله
~~من كلامه لا من روايته فلا يكون حجة أو لعلها رواية ليس صريحة كما يدعى
~~وتدعى والتأويل البعيد فيها ليس بمقبول منكم وإلا لقبلناه في حديث الغدير،
~~ولو ذكر اللفظ لم يتوجه عليه شئ من ذلك ولكان الاحتجاج فيه والايراد متوجها
~~على البخاري دونه.
# وأما الرواية التي نقلها أبو العباس الدمشقي في تاريخه عن ابن عساكر فلا
~~شك أنها مصنوعة مزورة فلا ريب في بطلانها لاشتمالها على اعتراف أمير
~~المؤمنين (عليه السلام) بما تواتر عنه القول بضده مثل عدم عهد النبي (صلى
~~الله عليه وآله) إليه في قتال أهل الجمل وإخوانهم من أهل الشام مع اشتهار
~~الرواية بوصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقتال الناكثين والقاسطين
~~والمارقين، وقوله (صلى الله عليه وآله) (إن فيكم من يقاتل على ms182 تأويل
~~القرآن) الخبر (1)، وقول أبي أيوب الأنصاري: عهد إلينا رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) أن نقاتل مع علي الناكثين والقاسطين والمارقين رواه ابن ديزيل:
~~ونصر بن مزاحم (2) وعلى أن خلافة
# PageV00P249
# الأولين بنص الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عليهما وقد حصل الاتفاق
~~على رده بيعة أبي بكر حتى أخرج إليها قهرا وقد شرحنا ذلك فيما مر فكيف
~~يعترف بالنص ويخالفه وهو منزه عن مخالفة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~في جميع الأمور، ولتضمنها نسبة أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى نفسه ما صح
~~عند المؤالف والمخالف أنه لم يفعله ومن جملته أنه يغزو إذا أغزاه أبو بكر
~~وعمر وعثمان وقد صح عند كل أهل الرواية أنه لم يخرج من المدنية غازيا في
~~زمان الثلاثة قط وامتناعه عن الخروج مع عمر إلى الشام حين دعاه إليه معروف
~~(1)، ومذاهبه المخالفة للثلاثة مشهورة، وفي كتب القوم مذكورة، وتصريحه
~~بدفعهم إياه وأخذهم حقه وغصبهم مقامه على ذروات المنابر معلوم، قد بيناه في
~~مواضع من هذا الكتاب يستغنى بشرحه فيها عن ذكره هنا، وكلما كان من الروايات
~~مخالف للمعلوم فالواجب رده والحكم عليه بالبطلان خصوصا إذا كان مما يختص به
~~المدعي ولم يروه خصمه كهذه الرواية، على أن هذا الرجل قد ذكر قبل الوجه
~~المذكور بقليل أن عليا قد احتج بالخبر على إمامته في خلافته فكيف يعتبر
~~باحتجاج علي (عليه السلام) على إمامته بالخبر ثم يقول ولم يطل الكلام أن
~~عليا قد اعترف بعدم النص عليه! فانظر إلى هذا التضاد الشديد البين في كلامه
~~فيا سبحان الله ما أبعد هؤلاء الجماعة عن التأمل فيما يقولون؟ وقد بينا
~~سابقا أن الحديث المذكور قد احتج به أمير المؤمنين (عليه السلام) على أهل
~~الشورى في اختصاصه بالإمامة دون غيره باعتراف الخصوم من معتزلة وأشاعرة فلا
~~وجه لتخصيص الصبان احتجاجه (عليه السلام) بالحديث بأيام خلافته، ثم يقال
~~له: إذا كان علي قد احتج به على إمامته في خلافته باعترافك فوجب أن يكون
~~حجة على ذلك أبدا إذ لا ms183 تخصيص فيه بوقت، بل هو صريح في تناول جميع
# PageV00P250
# الأوقات، وبذلك تبطل إمامة المتقدمين مع ما في اعترافك بهذا من إكذابك
~~نفسك في دعواك اعتراف أمير المؤمنين (عليه السلام) بعدم النص وتكذيبك
~~البخاري في ذكره ذلك كما قلت، فتأمل أيها المنصف في تناقض كلام هؤلاء القوم
~~لتعلم ﴿أي الفريقين أحق
~~بالأمن﴾ (1) وقد اتضح من جميع ما ذكرنا سلامة الخبر من الايرادات
~~وخلوصه من التشكيكات وعصمته من التمويهات، وثبت أنه نص على إمامة أمير
~~المؤمنين (عليه السلام) بعد سيد المرسلين (صلى الله عليه وآله وسلم) وذلك
~~المراد.
# ومنها: ما رواه ابن أبي الحديد عن أكثر المحدثين وعن أحمد بن حنبل في
~~المسند وكتاب الفضائل ولفظ الرواية بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) خالد بن الوليد في سرية وبعث عليا (عليه السلام) في سرية أخرى
~~وكلاهما إلى اليمن، وقال إن اجتمعتما فعلي على الناس وإن افترقتما فكل واحد
~~منكما على جنده، فاجتمعا وأغارا وسبيا نساء وأخذا أموالا وقتلا ناسا، وأخذ
~~علي (عليه السلام) جارية فاختصها لنفسه فقال خالد لأربعة من المسلمين منهم
~~بريدة الأسلمي اسبقوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فاذكروا له
~~كذا واذكروا له كذا لأمور عددها على علي (عليه السلام) فسبقوا إليه فجاء
~~واحد من جانبه فقال: إن عليا فعل كذا فأعرض عنه، فجاء الآخر فقال: إن عليا
~~فعل كذا فأعرض عنه، فجاء بريدة الأسلمي فقال:
# يا رسول الله إن عليا فعل كذا وأخذ جارية لنفسه فغضب (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) حتى احمر وجهه وقال: (دعوا لي عليا) يكررها (إن عليا مني وأنا من علي
~~وإن حظه في الخمس أكثر مما أخذ وهو ولي كل مؤمن من بعدي).
# PageV00P251
# قال ابن أبي الحديد: رواه أبو عبد الله أحمد في المسند غير مرة (1)
~~والمراد أنه رواه بطرق متعددة وروى الترمذي والحاكم عن عمران بن حصين أن
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: (ما تريدون من علي ما تريدون من ms184 علي
~~ما تريدون من علي إن عليا مني وأنا منه وهو ولي كل مؤمن بعدي) (2).
# أقول: وهو نص صريح غاية الصراحة في أن عليا (عليه السلام) ولي المؤمنين
~~بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولا معنى للولاية بعد النبي (صلى الله
~~عليه وآله) إلا الإمامة، ولا يجوز حملها على المعونة والنصرة لأنه يلزم من
~~ذلك أن عليا في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) غير ناصر للمؤمنين
~~ولا معين لهم وإنما يكون كذلك بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهذا
~~ظاهر البطلان بالبديهة، وهل نصر الإيمان والمؤمنين في حياة الرسول (صلى
~~الله عليه وآله) أحد كنصره أو ذب عن حريم الإسلام أحد كذبه فتعين أن المراد
~~الأول فهو النص الواضح الذي لا تدخله الشبه ولا يتطرق إليه فاسد التأويل
~~ولذا قال أمير المؤمنين في خطبة له: (فوالله إني لأولى الناس بالناس)،
~~رواها المعتزلي (3): المنكر النص عليه ومن هنا يعلم فساد ما قاله الصبان
~~حيث قال: والجواب عما يوهمه ظاهره يعني الخبر من تقديمه على غيره واستحقاقه
~~الإمامة عقب وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم) يؤخذ مما ذكرناه في حديث (من
~~كنت مولاه) وأنا أقول جواب هذا الكلام المتهافت يؤخذ مع ما ذكرناه هنا من
~~جوابنا عليه هناك وقد صرح
# PageV00P252
# الحديث كما ترى بأن القوم كانوا مبغضين لعلي (عليه السلام) في حياة النبي
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وأنهم مجهدون أنفسهم في عيبه ونقصه عند رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليغضب عليه لكنهم لم يجدوا إلى ذلك سبيلا
~~فما فاتهم منه في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) أدركوه منه بعد
~~وفاته فدفعوه عن مقامه وأخرجوه قهرا إلى من قدموه عليه.
# قال ابن أبي الحديد قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة عن رجاله
~~قال: جاء عمر إلى بيت فاطمة في رجال من الأنصار، ونفر قليل من المهاجرين
~~فقال: والذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقن البيت عليكم فخرج
~~الزبير مصلتا بالسيف ms185 فاعتنقه زياد بن لبيد الأنصاري ورجل آخر فندر (1)
~~السيف من يده فضرب به عمر الحجر فكسره، ثم أخرجهم بتلابيبهم يساقون سوقا
~~عنيفا حتى بايعوا أبا بكر (2)، ولا شك أن من سكن في قلبه ذلك البغض القديم
~~لعلي في حياة النبي (صلى الله عليه وآله) يحدث منه بعد وفاته (صلى الله
~~عليه وآله) في علي (عليه السلام) هذا الفعل الذميم، ويأتي لهذا زيادة تحقيق
~~في موضعه فترقب، ومن تبصر أدنى تبصر عرف يقينا أن القوم قد ارتكبوا من أمير
~~المؤمنين أمر عظيما، وأنهم تعمدوا إنكار فضله وإخفاء النص عليه من النبي
~~(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنهم قصدوا مخالفة النبي (صلى الله عليه وآله
~~في جميع ما عهد إليهم في حقه وما أوضحه لهم من علو شأنه، أو لا تراهم كيف
~~شاهدوا غضب النبي (صلى الله عليه وآله) عليهم من ذكرهم عليا (عليه السلام)
~~بشئ من سئ القول وإبدائهم الشكاية منه إليه! (3) ثم هم يعمدون بعد أيام إلى
~~حرق بيته ويخرجونه ملببا يسوقونه ومن معه سوقا عنيفا، فماذا
# PageV00P253
# تظن بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لو رآهم حين أخرجوا عليا (عليه
~~السلام) على تلك الحال في ذل وصغار؟!! وهل يجوز لعاقل لبيب أن يستبعد عليهم
~~مخالفة نص الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يرى منهم هذه المخالفات،
~~ويعلم من أفعالهم هذه المنكرات بعد مشاهدتهم من النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) ما سمعت من غضبه الشديد لقول في علي دون فعل فيقول (1) لو سمع
~~الصحابة نصا من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على علي (عليه السلام) لما
~~خالفوه! لأنا لا نظن عليهم مخالفته وهذان الحديثان قالعان لشبهتهم التي
~~إليها يستندون كما ترى وسيأتي من الأخبار ما هو أصرح في هذا المطلب ثم إن
~~الحديثين يدلان على أن ما يفعله علي (عليه السلام حق وصواب لأن النبي (صلى
~~الله عليه وآله) لم يسمع الشكاية فيه ولو جاز عليه الخطأ لم يكن يحابيه ولا
~~يراعيه فزالت بحمد الله كل شبهة وذلك ms186 من فضل الله وعونه.
# وأما ما ورد بلفظ المنزلة: فهو الحديث المتفق على روايته بين الأمة وهو
~~قول النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) يوم توجه إلى تبوك
~~واستخلفه على المدينة فقال علي (عليه السلام): خلفتني على النساء والصبيان
~~فقال: (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي)
~~هذه صورة الحديث عن سعد بن أبي وقاص (2) وصورته عن
# PageV00P254
# العباس بن عبد المطلب عن عمر بن الخطاب عن النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم): (وأنت مني بمنزلة هارون من موسى كذب من زعم أنه يحبني وهو يبغضك) في
~~خبر رواه في الخصائص (1) وكثير من الناس يرويه (أنت مني بمنزلة هارون) إلى
~~آخر ما مر عن سعد، وقد تقدم في حديث الوزارة ذكره وذكر معناه، وجملة الأمر
~~فيه أن لهارون من موسى منزلة الأخوة والوزارة وشد الأزر والشركة في الأمر
~~والخلافة عنه في قومه، فالوزارة تحمل الثقل عنه، وشد الأزر كونه ردأ له
~~يصدقه، والشركة في الأمر النبوة معه، فأثبت النبي (صلى الله عليه وآله)
~~لعلي (عليه السلام) منه جميع منازل هارون من موسى ولم يستثن إلا النبوة،
~~فعلي وزير رسول الله وشاد أزره وخليفته في قومه وأخوه وليس من النسب لكنه
~~من جهة المماثلة، ومؤاخاة النبي (صلى الله عليه وآله) متفق عليها، فمفهوم
~~الأخوة ثابت له من الحديث المذكور، وقد قال الحسن البصري فيما تقدم نقله
~~وقال له يوم تبوك ما قال، فلو كان ثمة شئ غير النبوة لاستثناه انتهى، فقدح
~~بعض الخصوم في عموم الخبر لكل المنازل بأن عليا ليس أخا النبي (صلى الله
~~عليه وآله
# PageV00P255
# وسلم) يقينا فلا يشمل جميع المنازل مندفع بما ذكرناه من ثبوت الأخوة له
~~إجماعا، وليس كونها من النسب بواجب في صدقها مطلقا حتى تكون خارجة، بل
~~الواجب دخولها في مفهوم الخبر لثبوتها من وجه آخر وصحة إطلاقها على علي (ع)
~~دائما فيقال هو أخو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو (صلى الله
~~عليه وآله) ms187 كثيرا ما يقول في علي (أخي وابن عمي وأخي وصاحبي)، فالأخوة من
~~هذا الوجه مرادة من الخبر يقينا ولم تستثن، فالخبر شامل لجميع المنازل إلا
~~النبوة لا تخصيص فيه بدونها، وإذا ثبت لعلي جميع تلك المنازل من النبي (صلى
~~الله عليه وآله) التي من جملتها أنه خليفته على الإطلاق ثبت كونه الإمام
~~بعده، فدلالة هذا الخبر المتواتر على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام)
~~دلالة نص صريح لا تخفى استفادتها منه إلا على جاهل صرف لا معرفة له بمعاني
~~الألفاظ، ولا علم له بتراكيب الكلام العربي، أو معاند يرتكب تغيير المعاني
~~ويتعسف طريق التأويل، ولسنا في ذلك نبحث ولا إنصافهم ندعي كما قدمنا القول
~~فيه، وقد تقدم عن ابن أبي الحديد اعترافه باستفادة ثبوت جميع منازل هارون
~~من موسى ومراتبه غير النبوة لعلي (عليه السلام) من رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) من هذا الحديث، والانكار غير مقبول بعد الإقرار، وما أورده
~~بعض الخصوم كالقوشجي وغيره على دلالة الخبر على المطلوب مضافا إلى ما سبق
~~تارة باحتمال كون هارون خليفة لموسى (عليهما السلام) في حياته خاصة لأنه
~~مات قبله، وتارة باحتمال أنه لو بقي بعد موسى أن تكون إمامته بالنبوة لا
~~بالخلافة عن موسى، فلا يلزم أن يكون علي إماما بعد النبي (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) لأنه ليس بنبي تشكيك في المعلومات، والجواب عن الأول بأنا إنما
~~نتكلم على دلالة الألفاظ دون ما يؤل إليه أمر الناس من سبق موت الخليفة على
~~من استخلفه، فإنا نعلم يقينا أن الرجل إذا أوصى إلى آخر دل على أنه النائب
~~عنه بعد موته بحيث إذا مات كان للوصي التصرف، ولو PageV00P256
# مات الوصي قبل الموصي تحقق بموته انفساخ وصيته لا بدلالة اللفظ، فقول
~~موسى (عليه السلام) لهارون (عليهما السلام) ﴿اخلفني في قومي﴾ (1) نص على استخلافه غير مقيد
~~بوقت، فلو فرض أن موسى (عليه السلام) توفاه الله في مسيره ذاك لكان هارون
~~خليفته بذلك الاستخلاف قطعا، وليس لأحد أن ms188 يقول إنه ينعزل بموت موسى (عليه
~~السلام) مع شمول اللفظ للحالين، ولا يقول بذلك نبيه، بل نقول إنه خليفة
~~موسى (عليه السلام) في غيبته وموته غيبة وإن لم يرج زوالها فالحال واحدة،
~~وكذا القول فيما لو رجع ومات بعد رجوعه ولم يصرح بعزل هارون فإنه يكون أيضا
~~خليفته بذلك الاستخلاف الأول، ولا يعترض الشك لعاقل فيه، وأما انفساخ
~~خلافته بموته قبل موسى فليس من جهة قصور الدلالة اللفظية في الاستخلاف، بل
~~من جهة استحالة نيابة الميت عن الحي، فكذا نقول في علي (عليه السلام ثبتت
~~له الخلافة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على سبيل العموم على ما ثبتت
~~لهارون ولم يعرض ما يفسخها من فعل أو قول فيجب بقاؤها له بعد موت النبي
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) بالضرورة وعن الثاني بأن القيام مقام النبي
~~الأول لا يكون بمجرد النبوة فيقوم من بعده من هو نبي مقامه مطلقا، بل لا بد
~~من استخلافه والوصية إليه وإلا لكان كل نبي يقوم مقام من قبله فيلزم تعدد
~~الخلفاء في زمان واحد، وهذا باطل بما صح بالاتفاق أن موسى (عليه السلام)
~~قام مقامه يوشع بوصيته إليه ولم يكن لأنبياء ذلك الزمان مع كثرتهم ذلك
~~المنصب بالنبوة، وكذلك بعد يوشع لوصيه وهكذا إلى طالوت وداود وإلى سليمان
~~وهلم جرا إلى أن جددت شريعة عيسى (عليه السلام) وكان الحال فيها كسابقتها
~~يقوم الثاني مقام الأول بوصية إليه لا بنبوة الثاني فقط، فهرون (عليه
~~السلام) لو بقي بعد موسى (عليه السلام) لكان خليفته بذلك الاستخلاف لا
~~بنبوته وإلا لكان خليفته في حياته بالنبوة ولم يحتج إلى
# PageV00P257
# استخلافه في ذلك فلا حاجة إلى قوله (اخلفني في قومي) وأيضا إن موسى (عليه
~~السلام) لو لم يستخلف هارون واستخلف غيره لوجب عليه الطاعة لذلك الغير ولم
~~تكن نبوته نافية عنه تبعية وصي أخيه موسى وخليفته فلا يكون أحد مطلقا خليفة
~~نبي إلا باستخلاف، وهذا ظاهر لكل ذي علم، فكذلك علي (عليه السلام) هو خليفة
~~رسول الله (صلى الله ms189 عليه وآله وسلم) بذلك الاستخلاف لأنه لم يعزله ولم يوص
~~إلى غيره بل أكد استخلافه والوصية إليه بخبر الغدير وغيره فثبت المراد وزال
~~الايراد.
# ومما يقرب شبها من هذا الحديث ما رواه ابن أبي الحديد عن الحافظ أبي نعيم
~~في الحلية من قول النبي (صلى الله عليه وآله) (أخصمك يا علي بالنبوة فلا
~~نبوة بعدي، وتخصم الناس بسبع لا يجاحد فيها أحد من قريش أنت أولهم إيمانا
~~بالله، وأوفاهم بعهد الله، وأقومهم بأمر الله، وأقسمهم بالسوية، واعد لهم
~~في الرعية، وأبصرهم بالقضية، وأعظمهم عند الله مزية) تمام الخبر (1) فالنبي
~~(صلى الله عليه وآله) لم يخرج من خصائصه ومراتبه عن علي (عليه السلام) إلا
~~النبوة ولوزامها؟؟ فتبقى له الخلافة والإمامة لأنها لم تنقطع بعد النبي
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) بالاتفاق، بل بالضرورة من الدين فهو قريب من
~~الخبر الأول في الدلالة فتأمل.
# وأما ما ورد بلفظ الوراثة: فمنه ما رواه ابن أبي الحديد عن أبي جعفر
~~الطبري في التاريخ أن رجلا قال لعلي (عليه السلام) يا أمير المؤمنين بم
~~ورثت ابن عمك دون عمك؟ فقال على هاؤم (2) ثلاث مرات حتى اشرأب الناس ونشروا
~~أذانهم، ثم قال: جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله
# PageV00P258
# وسلم) بني عبد المطلب بمكة وهم رهط كلهم يأكل الجذعة ويشرب الفرق (1)،
~~وصنع مدا من طعام (2) حتى أكلوا وشبعوا وبقي الطعام كما هو كأنه لم يمس، ثم
~~دعا بغمر (3) فشربوا ورووا، وبقي الشراب كأنه لم يشرب، ثم قال: (يا بني عبد
~~المطلب إني بعثت إليكم خاصة وإلى الناس عامة، فأيكم يبايعني على أن يكون
~~أخي وصاحبي ووارثي، فلم يقم إليه أحد فقمت إليه وكنت من أصغر القوم، فقال:
~~(اجلس) ثم قال ذلك ثلاث مرات، كل ذلك أقوم إليه فيقول (اجلس) حتى كان في
~~الثالثة فضرب بيده على يدي، فبذلك ورثت ابن عمي دون عمي (4)، وظاهر الحديث
~~بل صريحه أن الناس لا يشكون في أن عليا وارث رسول الله دون عمه العباس، بل
~~هو معلوم عندهم، وإنما يسألون ms190 عن السبب في ذلك.
# قال ابن أبي الحديد: وروى يعني أحمد بن حنبل - عن جعفر بن محمد الصادق
~~قال: كان علي (عليه السلام) يرى مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~قبل الرسالة الضوء، ويسمع الصوت، وقال له (صلى الله عليه وآله وسلم) (لولا
~~أني خاتم الأنبياء لكنت نبيا، فإن لا تكن نبيا فإنك وصي نبي ووارثه، بل أنت
~~سيد الأوصياء وإمام الأتقياء) (5) وهذا الحديث قد اشتمل أيضا على ذكر
~~الوصية والإمامة اللتين لا يحتملان إلا الخلافة العامة فهو كما قدمناه من
~~الأخبار في ذلك على ما قررناه هناك.
# PageV00P259
# وروى ابن أبي الحديد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال في خطبة: "
~~ورثت نبي الرحمة، ونكحت سيدة نساء هذه الأمة (1)، وأنا خاتم الوصيين "،
~~الخطبة إلى غير ذلك من الأخبار ووراثة علي (عليه السلام) لرسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) أما في المال وذلك غير صحيح عند أصحاب ابن أبي الحديد
~~وإخوانهم من الأشاعرة لوجهين.
# الأول حديث أبي بكر عن النبي (صلى الله عليه وآله) (نحن معاشر الأنبياء
~~لا نورث ما تركناه صدقة) (2).
# الثاني إن العباس عم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) موجود مع فاطمة بنت
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والعم عندهم يحجب ابنت العم مطلقا،
~~فلفاطمة نصف وللعباس نصف فلا ميراث لعلي (عليه السلام) من المال، وأما
~~عندنا فلأن ابن العم لا يرث مع الولد مطلقا ذكرا كان أو أنثى، وفاطمة
~~موجودة فالمال جميعه لها فليس لعلي (عليه السلام) ميراث من مال رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) إجماعا مع أنه وارثه بالنص الصريح، فحينئذ لم
~~يبق إلا المراتب والمنازل، والنبوة في علي (عليه السلام) منتفية لختمها
~~برسول الله (صلى الله عليه وآله) فيبقى الباقي من الفضل والعلم والإمامة
~~فعلي وارث النبي (صلى الله عليه وآله) فيها، فيكون هو الإمام والخليفة من
~~بعده لعموم الوراثة وبقاء ما لم يخرج بدليل قاطع تحت العموم، بل لو قلنا:
~~إن المراد من الوراثة في الأحاديث المذكورة وشبهها ms191 هو وراثة الإمامة
~~ولوازمها لا غير لم نبعد عن الصواب، فإن
# PageV00P260
# إمعان النظر فيها والتروي في معانيها يوصل إلى فهم ذلك منها، ومن هذا كله
~~يعلم بطلان ما قال ابن أبي الحديد: وأما الوراثة فالإمامية يحملونها على
~~ميراث المال أو الخلافة ونحن نحملها على وراثة العلم انتهى، وقد تحقق لك أن
~~الإمامية لا يحملونها على وراثة المال لإجماعهم على أن لا وارث مع ولد من
~~ذوي النسب إلا الأبوان، فكلام ابن أبي الحديد فرية عليهم، اللهم إلا بعد
~~وفاة فاطمة فميراث النبي (صلى الله عليه وآله) المالي بواسطتها ينتقل إلى
~~علي (عليه السلام) وولديها الحسن والحسين فيجتمع لهم هنالك المراتب والمال،
~~وأما قبل وفاتها فعلي (عليه السلام) وارث في الإمامة ولوازمها لا يحمل
~~الإمامية الوراثة هنا إلا على هذا وهي صريحة فيه، وأما تخصيصه إياها بوارثة
~~العلم فهو تخصيص للعام بالرأي، وتقييد للمطلق بالاستحسان، وذلك ميراثه
~~وأصحابه من أسلافهم كما سيأتي القول فيه، وليس ذاك بجائز إذ ليس عليه من
~~الشرع دليل فما إلى القول به سبيل مع أن قوله غير وارد علينا ولا مناقض
~~لنا، بل مواقف لما نقول، لأنا نذهب إلى أن وارث علم النبي (صلى الله عليه
~~وآله) يجب أن يكون هو الإمام بعده، ولا يجوز أن يتقدم عليه أحد من الناس
~~كما بيناه فيما سبق من المقدمة والفصل الأول من وجوب تقديم الأفضل على
~~المفضول، فقوله لنا لا علينا بل نزيد على ذلك ونقول إن العقل السليم يجزم
~~بأن وارث علم النبي هو الوارث مقامه وأنهما متلازمان لا ينفك أحدهما عن
~~الآخر عقلا، ووجهه يؤخذ مما أسلفنا من التحقيقات ومن تأمل وأنصف عرف صحة ما
~~نقول.
# وأما ما ورد بلفظ الأحقية والأولوية: فما رواه ابن أبي الحديد عن أبي
~~إسحاق الثعلبي في تفسيره عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما نزل [إذا
~~جاء نصر الله والفتح] بعد انصرافه (صلى الله عليه وآله وسلم) من غزاة حنين
~~جعل يكثر من سبحان الله استغفر الله ثم قال: ms192 (يا علي إنه قد جاء ما وعدت به
~~جاء الفتح ودخل الناس في دين الله أفواجا وإنه ليس أحد PageV00P261
# أحق منك بمقامي لقدمك في الإسلام، وقربك مني، وصهرك، وعندك سيدة نساء
~~العالمين، وقبل ذلك ما كان من بلاء أبي طالب عندي حين نزل القرآن فأنا حريص
~~أن أراعي ذلك لولده] (1) انتهى وهذا الحديث نص صريح في أن عليا (عليه
~~السلام) أحق بمقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من كل أحد للخصال
~~التي ذكرها (صلى الله عليه وآله) في علي، وهذه الخصال هي التي نقول إن
~~الموصوف بها على لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الإمام لأن من
~~شرط الإمام الاتصاف بها لاقتضائها الفضل، وهو دليل لنا على الوجهين.
# وبالجملة فالحديث المذكور نص من النبي (صلى الله عليه وآله) على علي
~~(عليه السلام) بالإمامة بعده لا يعتريه الريب، ولا يتطرق إليه العيب، ومن
~~الأولوية ما في بعض خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) من قوله: (لا يقاس بآل
~~محمد (صلى الله عليه وآله) من هذه الأمة أحد) إلى أن قال: (ولهم خصائص
~~الولاية) (2) وسنذكرها فيما بعد جميعها إن شاء الله فالمراد بالولاية هنا
~~أوليتهم بمقام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لأنه إذا كان لهم حق ولاية
~~الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا هم الأحق والأولى بمقامه.
# قال ابن أبي الحديد في شرح الخطبة: ثم ذكر (عليه السلام) خصائص حق
~~الولاية والولاية الإمرة، فأما الإمامية فتقول أراد نص النبي (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) عليه وعلى أولاده، ونحن نقول لهم خصائص حق ولاية الرسول
~~(صلى الله عليه وآله) على الخلق انتهى (3) أقول ما أرى ابن
# PageV00P262
# أبي الحديد في إيراده صنع شيئا، وإنما زاد المعنى إيضاحا وزاد الحجة
~~إثباتا، لأنه لو قيل له ما ولاية الرسول (صلى الله عليه وآله) على الخلق؟
# لكان يقول الإمرة عليهم، لا محيص له عن ذلك إذ لا معنى لها غيرها، فيقال
~~له: إذا أقررت أن لعلي (عليه السلام) وأولاده حق تلك الولاية ms193 كنت مقرا بأن
~~لهم الإمرة لأن الولاية المذكورة هي الإمرة بعينها، فلعلي (عليه السلام)
~~وأولاده الإمرة على الخلق وهو نص كلام الإمامية الذي أنكرته فإنهم لا
~~يزيدون على أن لعلي (عليه السلام) وأطهار ولده ولاية النبي (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) على الخلق، فنعوذ بالله من اللجاج بغير فائدة ما سوى التعصب
~~للمذاهب وقصد تصحيح قول الأسلاف بما لا يصح به، ومما يشير إلى معنى الأحقية
~~والأولوية أخبار فمنها أخبار المماثلة وقد تقدمت.
# ومنها ما رواه ابن أبي الحديد عن أحمد بن حنبل في المسند وفي كتاب فضائل
~~علي (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال:
# (أنا أول من يدعى به يوم القيمة فأقوم عن يمين العرش في ظله ثم أكسى حلة،
~~ثم يدعى بالنبيين بعضهم على إثر بعض فيقومون عن يمين العرش ويكسون حللا، ثم
~~يدعى بعلي بن أبي طالب (عليه السلام) لقرابته مني ومنزلته عندي ويدفع إليه
~~لوائي لواء الحمد آدم ومن دونه تحت ذلك اللواء) ثم قال لعلي (عليه السلام):
~~(ثم تسير به حتى تقف بيني وبين إبراهيم الخليل، ثم تكسى حلة وينادي مناد من
~~العرض نعم الأب أبوك إبراهيم ونعم الأخ أخوك علي، أبشر فإنك تدعى إذا دعيت
~~وتكسي إذا كسيت وتحبا إذا حبيت) (1) ودلالته على أولوية علي بالنبي (صلى
~~الله عليه وآله)
# PageV00P263
# ظاهرة من مواضع دعائه دون غيره مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيكون
~~أولى بالنبي (صلى الله عليه وآله) من غيره، وإلا لدعي ذلك الغير، والقرب
~~منه والمنزلة عنده، ولو كان أحد أولى منه لكان أقرب منه إلى النبي (صلى
~~الله عليه وآله) وكانت منزلته عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أرفع،
~~لكن ليس غيره كذلك فهو أولى، وإعطاؤه لواء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~فلو كان غيره أولى بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لكان له ذلك اللواء،
~~وقوله (صلى الله عليه وآله) في آخر الحديث: (إنك تدعى إذا دعيت) الخ تصريح
~~بالأولوية، وإذا كان أولى ms194 به في الآخرة فهو في الدنيا كذلك فيكون هو الأولى
~~بمقامه، فالحديث فيه إشارة إلى إمامته بعد الرسول (صلى الله عليه وآله).
# ومنها ما رواه عن أحمد في كتاب الفضائل عن النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم): (أعطيت في علي خمسا هن أحب إلي من الدنيا وما فيها، أما واحدة فهو
~~كأب بين يدي الله عز وجل حتى يفرغ من حساب الخلائق، وأما الثانية فلواء
~~الحمد بيده آدم ومن ولد تحته، وأما الثالثة فواقف على عقر حوضي (2) يسقي من
~~عرف من أمتي، وأما الرابعة فساتر عورتي ومسلمي إلى ربي، وأما الخامسة فإني
~~لست أخشى عليه أن يعود كافرا بعد إيمان، ولا زانيا بعد إحصان) (2) والأظهر
~~في الأولوية الرابعة ثم الثانية والثالثة، والتقرير كما في الأول.
# وأما ما ورد بلفظ المختار: فما رواه ابن أبي الحديد عن أحمد بن حنبل في
~~المسند قال قالت فاطمة: إنك والخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~زوجتني فقيرا لا مال له فقال: (زوجتك أقدمهم سلما، وأعظمهم
# PageV00P264
# حلما، وأكثرهم علما أما تعلمين أن الله اطلع إلى الأرض اطلاعة فاختار
~~منها بعلك) (1) أقول هذا الحديث نص واضح في إمامة علي (عليه السلام) بعد
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأن الله اختاره بعده فدخل في قوله تعالى:
~~[ولقد اخترناهم على علم على العالمين] (2) ولا يختار الله أحدا من الناس،
~~فيقال اختاره الله إلا نبيا أو خليفة نبي ولما كان نبينا (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) خاتم الأنبياء وجب أن يكون اختار الله عليا لخلافته، إذ لا معنى
~~لاختيار الله رجلا إلا نصبه نبيا أو إماما، وهذا ظاهر لا يحتاج إلى بيان.
# ومثله ما رواه ابن أبي الحديد عن محمد بن إسماعيل بن عمرو البجلي قال:
~~أخبرنا عمر بن موسى الوجيهي، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث،
~~قال: قال علي (عليه السلام) على المنبر (ما أحد جرت عليه المواسي إلا وقد
~~أنزل الله فيه قرآنا) فقام إليه رجل من مبغضيه فقال فما أنزل الله ms195 تعالى
~~فيك؟ فقام الناس إليه يضربونه، فقال (دعوه تقرأ سورة هود)؟ قال: نعم، قال
~~فقرأ (عليه السلام): [فمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه] (3) ثم
~~قال: (الذي كان على بينة من ربه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، والشاهد
~~الذي يتلوه أنا) (4) فدل الحديث بصراحته على أن عليا هو التالي للنبي (صلى
~~الله عليه وآله) في اختيار الله له فهو الإمام بعده بلا اشتباه، فما هما
~~إلا سابق ولاحق، ومجل ومصل (5)، فالنبي السابق وعلي اللاحق والنبي (صلى
~~الله عليه وآله)
# PageV00P265
# المجلى وعلي المصلى، فصلوات الله عليهما وآلهما.
# واعلم أن الحديثين خصوصا الأول كما يدلان بنصهما على إمامة أمير المؤمنين
~~(عليه السلام) بعد النبي (صلى الله عليه وآله) كذلك يدلان على أنه أفضل من
~~جميع الأنبياء، وذلك لأن سبق الاختيار من الله لأحد دليل على شدة اعتناء
~~الله تعالى بشأنه قطعا وشدة الاعتناء من الله يوجب الأفضلية للمعتنى بشأنه
~~على غيره، ولما كان المخصوص بسبق الاختيار هو النبي المختار كان أفضل
~~المخلوقين، ولما كان المثنى به في الاختيار هو حيدر الكرار كان أفضل البرية
~~بعد النبي الأمين، وهذا بحمد الله ظاهر المنار، ليس عليه غباوة ولا غبار،
~~وهو تصديق ما ورد في هذا المعنى من طرقنا من الأحاديث والأخبار، وبه يبطل
~~ما أبطله عز الدين ابن أبي الحديد من القول بأفضلية علي (عليه السلام) على
~~الأنبياء، واندفع بذلك تشنيعه على بعض أصحابنا في هذا القول بسبق الإجماع
~~من أصحابنا على خلافه، فإنه لا إجماع على خلاف هذا القول من أصحابنا إن لم
~~يكن إجماعهم عليه، والأخبار أدلة وشواهد على أن ابن أبي الحديد قال بعد
~~روايته جملة أحاديث هذا منها: إن من قيل فيه ما قيل لو رقى إلى السماء،
~~وعرج في الهوى، وفخر على الملائكة والأنبياء تعظما وتبجحا لم يكن ملوما، بل
~~كان بذلك جدير انتهى، وهو صريح فيما كان ينفيه ويشنع على قائليه من تفضيل
~~علي (عليه السلام) على الأنبياء والملائكة، فكان القوم سكارى عن النظر في ms196
~~تناقض أقوالهم، وواعجباه من فاضل محقق يروي مثل هذه الأحاديث وأضعافها
~~محتجا بها على مذاهبه ومصححا لها في مئاربه ثم يقول لا نص على علي (عليه
~~السلام بالإمامة، فكأنه لا يفهم معاني هذه الأخبار، ولا يدرك حقائق هذه
~~الآثار، قد أغشت الشبهة قلبه وأعمى التقليد للأسلاف عين بصيرته، فلم يهتد
~~للصواب. PageV00P266
# وأما ما ورد بلفظ السيادة: فكثير ومنه قول النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) فيما تقدم من حديث أنس (أول من يدخل عليك من هذا الباب إمام المتقين،
~~وسيد المسلمين) وفي الحديث الآخر المتقدم أيضا: (مرحبا بسيد المؤمنين،
~~وإمام المتقين) ومنه ما رواه ابن أبي الحديد عن الحافظ أبي نعيم في الحلية
~~من قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (ادعوا لي سيد العرب عليا) (عليه
~~السلام) فقالت عائشة: ألست سيد العرب؟ فقال:
# (أنا سيد ولد آدم، وعلي سيد العرب) فلما جاء أرسل إلى الأنصار فأتوه فقال
~~لهم: (يا معشر الأنصار، ألا أدلكم على ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا؟)
~~قالوا: بلى يا رسول الله قال: (هذا علي فأحبوه بحبي وأكرموه بكرامتي فإن
~~جبرئيل أمرني بالذي قلت لكم عن الله عز وجل) (1).
# وعن أحمد في المسند عن النبي (صلى الله عليه وآله) (النظر إلى وجهك يا
~~علي عبادة، أنت سيد في الدنيا وسيد في الآخرة، من أحبك أحبني وحبيبي حبيب
~~الله، وعدوك عدوي وعدوي عدو الله) (2) فعلي كما ترى تارة سيد المسلمين،
~~وأخرى سيد المؤمنين، وثالثة سيد العرب، ورابعة سيد في الدنيا وسيد في
~~الآخرة، والسيد هو الرئيس المطاع ومالك الأمر ولا سيادة بأحد هذين المعنيين
~~على المسلمين والمؤمنين والعرب في الدنيا غير النبوة والإمامة، ولا رئيس
~~بعد النبي (صلى الله عليه وآله) على المسلمين والمؤمنين إلا الإمام، ولا
~~رئيس على جميعهم سواه، فيكون علي (عليه السلام) هو الإمام، لأنه الرئيس
~~الواجب الطاعة على المسلمين، فهي نص في إمامته ومصرحة بخلافته لا يعترض
~~فيها بالشبه كما قاله في الاسعاف أن سيادته لهم من حيث النسب أو نحوه فلا ms197
~~يستلزم أفضليته على الخلفاء الثلاثة
# PageV00P267
# قبله (1) انتهى وعلى ما ذكره فتكون سيادة النبي (صلى الله عليه وآله) على
~~ولد آدم في النسب فلا يستلزم أفضليته على الأنبياء ولا على الثلاثة أيضا
~~والحاصل أن هذا كلام متجاهل متعصب لا يبالي بما قال فيما يوافق مشتهاه، ولو
~~كان له بعض التدبر لكفاه فهم عائشة من إرادة النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) بلفظ السيادة من التقدم والفضل، ولذا قالت له مستفهمة ألست سيد العرب
~~ولكن ديدن الرجل وأصحابه رد الحق النير بما لا يعقل ولا يمكن من القول كما
~~لا يخفى على الناظر في كلامهم، وذلك لا يغني من الحق شيئا.
# وأما ما ورد بلفظ المحبة: فمنه حديث الطائر المتواتر، وقد أشار إليه ابن
~~أبي الحديد مرارا، ورواه الحاكم في المستدرك، وقال بعض العامة أنه صح في
~~كتب النقل والأحاديث الصحيحة والأخبار الصريحة، عن أنس بن مالك قال: أهدي
~~إلى النبي (صلى الله عليه وآله) طير مشوي يسمى الحجل، وفي رواية ما أراه
~~إلا حباري (2) فقال: (اللهم اتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير)
~~فجاء علي فحجبته، وقلت: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مشغول رجاء أن
~~تكون الدعوة لرجل من قومي، ثم جاء على ثانية فحجبته، ثم الثالثة فقرع
~~الباب، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): أدخله فقد غيبته) فلما دخل قال له
~~النبي (صلى الله عليه وآله): (ما حبسك عنا يرحمك الله) قال: هذه آخر ثلاث
~~مرات وأنس يقول إنك مشغول فقال: (يا أنس ما حملك على ذلك) قلت: سمعت دعوتك
~~فأحببت أن تكون لرجل من قومي فقال (صلى الله
# PageV00P268
# عليه وآله وسلم): (لا يلام الرجل على حبه لقومه) رواه الترمذي (1) انتهى
~~ومنه حديث الراية بخيبر المتواتر وقد رواه جميع المحدثين كالبخاري ومسلم
~~والحاكم والترمذي وغيرهم (2) وذكره ابن أبي الحديد وأشار إليه مرارا وهو
~~قول النبي (صلى الله عليه وآله) (لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله
~~ويحبه الله ورسوله، كرارا غير فرار لا يرجع أو يفتح ms198 الله على يديه) فأعطاها
~~عليا وفتح الله خيبر على يديه، وفي حديث مسلم قال عمر بن الخطاب: فما أحببت
~~الإمارة إلا يومئذ.
# ورووا أن حسان بن ثابت قال يخبر عن ذلك:
# وكان علي أرمد العين يبتغي * دواء فلما لم يجد من مداويا شفاه رسول الله
~~منه بتفلة * فبورك مرقيا وبورك راقيا وقال سأعطي راية القوم فارسا * كميا
~~شجاعا في الحروب محاميا يحب إلها والإله يحبه * به يفتح الله الحصون
~~الأوابيا (3)
# PageV00P269
# فخص بها دون البرية كلهم * عليا وسماه الولي المواليا وكان ذلك القول من
~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في علي بعد رجوع الشيخين براية النبي (صلى
~~الله عليه وآله وسلم) منهزمين.
# ومنه الأخبار التي قدمناها المشتملة على (من أحب عليا فقد أحب الله ومن
~~أحبه أحب رسول الله) بألفاظ مختلفة ومعان متفقة والأحب إلى الله الأكثر
~~ثوابا عنده فيكون أفضل، وكذا الذي يحبه الله ورسوله (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) ومن محبته محبة الله ومحبة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، والمحب
~~لله ولرسوله (صلى الله عليه وآله) هو التابع لهما كما قدمنا بيانه في فصل
~~التمسك، وإذا كان علي (عليه السلام) هو المخصوص بمحبة الله ورسوله (صلى
~~الله عليه وآله)، وأحب الخلق لهما وجب أن يكون المقدم والرئيس على المسلمين
~~لأنه أفضلهم فيكون هو الإمام لقبح تقديم المفضول على الأفضل والشبهات
~~مندفعة.
# وأما ما ورد بلفظ الأعلمية وما يؤل إلى ذكر فكثير لا يحصى نذكر منه شيئا
~~يسيرا.
# فمنه: قول النبي (صلى الله عليه وآله) لفاطمة في حديث الاختيار المتقدم
~~(زوجتك أقدمهم سلما وأعظمهم حلما وأكثرهم علما) وقوله (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) لعلي في حديث خصمه بالنبوة وأبصرهم بالقضية وقدمنا ذكره في حديث
~~المنزلة والأبصر بالقضية هو الأعلم، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في
~~الحديث المشهور (أقضاكم علي) أشار إليه ابن أبي الحديد في مواضع ونقل عن
~~عمر أنه قال: علي أقضانا، والأقضى هو الأعلم بالقضاء.
# ومنه قول النبي (صلى الله عليه وآله): (خازن وعيبة علمي ms199 وأنا مدينة العلم
~~وعلي بابها) وقد مر ذكر ذلك كله مشروحا، على أنا لا نحتاج PageV00P270
# هنا إلى الأطناب في القول للاجماع على أن عليا أعلم الصحابة من جميع أهل
~~العلم، وابن أبي الحديد مقر بذلك ومطنب فيه حتى قال في كلام له يعدد فيه
~~خصائص علي (عليه السلام): والثانية علومه التي لولاها لحكم بغير الصواب في
~~كثير من الأحكام، وقد اعترف بذلك له، والخبر مشهور " لولا علي لهلك عمر "
~~(1) انتهى وإذا كان أعلم وجب أن يكون هو الإمام المتبع، والرئيس المقدم،
~~ولم يجز لمن ليس مثله في ذلك أن يتقدم عليه لقول الله تعالى: [أفمن يهدي
~~إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون] (2)
~~وغيرها من الآيات، بل بالعقل كما سبق ذكره وإذا كان الأعلم هو الأحق
~~بالاتباع والمتبع هو الإمام لا غيره فعلي (عليه السلام) هو الإمام لأنه
~~الأعلى وهو ظاهر.
# وأما ما ورد بلفظ الأقربية: فمنه ما رواه ابن أبي الحديد عن أحمد بن حنبل
~~في كتاب الفضائل عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه خطب الناس يوم جمعة
~~فقال: (أيها الناس قدموا قريشا ولا تقدموها، وتعلموا منها ولا تعلموها قوة
~~رجل من قريش تعدل قوة رجلين من غيرهم، وأمانة رجل منهم تعدل أمانة رجلين من
~~غيرهم، أيها الناس أوصيكم بحب ذي قرباها أخي وابن عمي علي بن أبي طالب
~~(عليه السلام) لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق، من أحبه فقد أحبني
~~ومن أبغضه فقد أبغضني، ومن أبغضني عذبه الله بالنار) (3) وهذا الخبر نص في
~~أن عليا (عليه السلام) هو
# PageV00P271
# ذو القربى من الرسول وهو المخصوص بها دون سائر قريش لتخصيص النبي (صلى
~~الله عليه وآله) إياه بذلك في قوله: (أوصيكم بحب ذي قرباها) ودليل على
~~إرادة تقديمه على كل الأمة وتوضيح ذلك أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~حث الناس أولا على تقديم قريش والتعلم منها فدخل علي بن أبي طالب (عليه
~~السلام) في ذلك لأنه ms200 من ذروتها، وأولى الجميع بالعلتين المذكورتين اللتين
~~لأجلهما أمر النبي (صلى الله عليه وآله) بتقديم قريش والتعلم منها، وهما
~~القوة والأمانة، ثم خصص عليا (عليه السلام) بالوصية بحبه ووصفه بصفة أراد
~~بها التعليل على تخصيصه دون قريش بوجوب الحب المراد منه المتابعة وهي صفة
~~خاصة به، فكان مفاد الحديث قدموا قريشا على كل الناس لقوتهم وأمانتهم
~~وقدموا عليا (عليه السلام) على قريش في المتابعة لأنه أقربهم إلي، ثم أكد
~~وجوب تقديمه بما ذكره من أنه (لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق)، إلى
~~آخر ما بينه من الأوصاف المؤكدة لوجوب تقديمه.
# ومنه قول النبي (صلى الله عليه وآله): (ثم يدعي بعلي لقرابته مني ومنزلته
~~عندي) (1).
# ومنه قوله (صلى الله عليه وآله): (وإنه ليس أحد أحق منك بمقامي لقدمك في
~~الإسلام وقربك مني) (2) فصرحت هذه الأحاديث بأن الوصية من النبي (صلى الله
~~عليه وآله) بحب علي (عليه السلام وتقديمه على قريش وتقديمه في الدعوة مع
~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على غيره، وإن أحقيته بمقام النبي (صلى
~~الله عليه وآله) دون غيره، كل ذلك لقرابته منه فكان ذلك دليلا على أن
~~الأقربية من الرسول (صلى الله
# PageV00P272
# عليه وآله وسلم) تقتضي التقديم والأحقية بمقامه، ويوازرها في هذه الدلالة
~~قوله تعالى: [وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله] (1) وإذا كان
~~علي (عليه السلام) هو الأقرب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأقرب
~~للنبي (صلى الله عليه وآله) هو الأحق بمقامه وأولى بالتقديم وجب أن يكون هو
~~المقدم بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والقائم مقامه، فهو إذن الإمام
~~وذلك كله مفاد الأحاديث كما سمعت قال ابن أبي الحديد روى أبو عمر بن عبد
~~البر المحدث في كتابه المعروف بالاستيعاب في معرفة الصحابة أن إنسانا سأل
~~الحسن - يعني البصري - عن علي (عليه السلام) فقال: كان والله سهما صائبا من
~~مرامي الله على عدوه، ورباني هذه الأمة، وذا فضلها وسابقتها، وذا قرابتها
~~من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم ms201 يكن بالنؤمة عن أمر الله ولا
~~بالملولة في دين الله، ولا بالسروقة لمال الله، أعطى القرآن عزائمه ففاز
~~منه برياض مونقة (2) انتهى.
# أقول وبما ذكرنا هنا يندفع ما أورده بعض الخصوم فيما ذكرناه في مسألة
~~الأقربية من النبي (صلى الله عليه وآله) من أنه لو كانت الإمامة تستحق
~~بالأقربية لكان العباس أحق بها من علي (عليه السلام)، فهذه الأخبار
~~والأقوال رادة لذلك ومثبتة أن عليا (عليه السلام) أقرب للنبي (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) من العباس وذلك لبعض ما ذكرناه من الوجوه هناك.
# وأما ما ورد أنه أشد جهادا: فإنه أمر متعارف متعالم وقد ذكره أهل المغازي
~~والسير وذكر ابن أبي الحديد في كتابه منه كثيرا ويكفيك في ذلك قول النبي
~~(صلى الله عليه وآله) في خبر الراية المتواتر: (كرارا غير فرار لا
# PageV00P273
# يرجع أو يفتح الله علي يديه) (1) وسنذكر جملة من هذا في ذكر شجاعته عند
~~ذكرنا جمعه للصفات الحميدة.
# قال ابن أبي الحديد في كلام: فإن قيل: لا ريب أن في كلامه - يعني عليا
~~(عليه السلام) تعريض بمن تقدم عليه، فأي نعمة له عليهم؟ قيل:
# نعمتان الأولى منهما جهاده وهم قاعدون فإن من أنصف علم أنه لولا سيف علي
~~(عليه السلام) لاصطلم المشركون من أشار إليه وغيرهم من المسلمين، وقد علمت
~~آثاره في بدر وأحد والخندق وخيبر وحنين، وأن الشرك فيها فغرفاه فلولا أنه
~~سده بسيفه لالتهم المسلمين كافة (2) انتهى وإذا كان علي (عليه السلام) هو
~~الأشد جهادا والأكثر عناء في نصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإعزاز
~~دينه ودفع بأس المشركين عن أهل ملته كان هو الأحق بمقامه، والأولى بالتقديم
~~على غيره، لأن تلك الصفات تقتضي تقديمه وتعظيمه ولا شئ من التقديم غير
~~الإمامة فيجب أن يكون هو الإمام بعد النبي (صلى الله عليه وآله).
# وأما ما ورد بأنه مع الحق دائما: فمنه ما رواه كثير من أهل الحديث قال
# PageV00P274
# ابن أبي الحديد في شأن علي (عليه السلام) وحكمه في ذلك حكم رسول الله
~~(صلى الله ms202 عليه وآله) لأنه قد ثبت عنه في الأخبار الصحيحة أنه قال:
# (علي مع الحق والحق مع علي يدور حيثما دار) وقال له غير مرة: (حربك حربي
~~وسلمك سلمي) (1) انتهى.
# ومنه قول النبي (صلى الله عليه وآله) في حديث الغدير (وأدر الحق معه حيث
~~دار) وقوله (صلى الله عليه وآله): (كتاب الله وعترتي لن يفترقا حتى يردا
~~على الحوض) (2) وما يعطي هذا المعنى من الأحاديث الكثيرة مثل أحاديث (إن
~~طاعته طاعة الله وطاعة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإن محبته محبة
~~الله) وأحاديث التمسك به والاقتداء وغير ذلك مما مضى ويأتي، وإذا كان علي
~~مع الحق لا يزال ولا يزول عنه كان واجب التقديم لا سيما أنه قد طلب
~~الخلافة، وأنف من تقدم غيره عليه وامتنع من بيعته حتى قهر عليها كما بيناه
~~سابقا، فوجب أن تكون إمامة غيره باطلة إذ ليس بعد الحق إلا الضلال فهذه
~~الأحاديث دالة على أن عليا (عليه السلام) هو الأولى بمقام الرسول (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) فهو الإمام بعده والله الهادي.
# وأما ما ورد بأنه خير الأمة وخير الخلق، وما أدى مؤداه: فكثير منه ما
~~رواه ابن أبي الحديد عن أحمد بن حنبل في المسند عن مسروق قال: قالت لي
~~عائشة إنك من ولدي ومن أحبهم إلي فهل عندك علم من المخدج؟ فقلت:
# نعم قتله علي بن أبي طالب على نهر يقال لأعلاه تامرا ولأسفله النهروان
~~بين لخافيق وطرفا (3) قالت: إبغني على ذلك بينة، فأقمت رجالا شهدوا عندها
# PageV00P275
# بذلك قال: فقلت لها سألتك بصاحب القبر ما الذي سمعت من رسول الله؟ فقالت
~~نعم سمعته يقول: (إنهم شر الخلق والخليقة يقتلهم خير الخلق والخليقة
~~وأقربهم عند الله وسيلة) (1) قال ابن أبي الحديد: وفي كتاب صفين أيضا
~~للمدائني عن مسروق أن عائشة قالت له لما عرفت أن عليا قتل ذا الثدية: لعن
~~الله عمرو بن العاص فإنه كتب إلي يخبرني أنه قتله بالإسكندرية، إلا أنه ليس
~~يمنعني ما في نفسي أن أقول ما سمعته من ms203 رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~سمعته يقول: (يقتله خير أمتي من بعدي) (2).
# وعن أبي جعفر الإسكافي بسنده عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه
~~عن جده أبي رافع قال: أتيت أبا ذر بالربذة أودعه فلما أردت الانصراف قال:
~~لي ولأناس معي ستكون فتنة فاتقوا الله وعليكم بالشيخ علي بن أبي طالب
~~فاتبعوه، فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول له:
# (أنت أول من آمن بي وأول من يصافحني يوم القيمة، وأنت الصديق الأكبر،
~~وأنت الفاروق الذي يفرق بين الحق والباطل، وأنت يعسوب المؤمنين، والمال
~~يعسوب الكافرين، وأنت أخي ووزيري وخير من أترك بعدي، تقضي ديني، وتنجز
~~موعودي) (3).
# وروى ابن أبي الحديد أيضا عن ابن الكلبي عن رجل من ولد عقيل بن أبي طالب
~~حكمه عمر بن عبد العزيز الأموي في قضية المرأة التي حلف زوجها أن علي بن
~~أبي طالب خير هذه الأمة وأولاها برسول الله، وإلا فامرأته طالق
# PageV00P276
# ثلاثا فقال العقيلي لعمر: نشدتك الله يا أمير المؤمنين ألم تعلم أن رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) قال لفاطمة وهو عندها في بيتها عائد لها يا
~~بنية: ما علتك؟ قالت: الوعك يا أبتاه، وكان علي غائبا في بعض حوائج النبي
~~(صلى الله عليه وآله) فقال لها: أتشتهين شيئا؟ قالت: أشتهي عنبا وأنا أعلم
~~أنه عزيز، وليس وقت عنب فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن الله قادر على
~~أن يجيئنا به) ثم قال: (اللهم ائتنا به مع أفضل أمتي عندك منزلة) فطرق على
~~الباب فدخل ومعه مكتل (1) قد ألقى عليه طرف ردائه، فقال له النبي (صلى الله
~~عليه وآله) ما هذا يا علي؟ قال عنب التمسته لفاطمة قال: (الله أكبر الله
~~أكبر اللهم كما سررتني بأن خصصت عليا بدعوتي فاجعل فيه شفاء ابنتي) ثم قال:
~~(كلي على اسم الله يا بنية) فأكلت وما خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~حتى استقلت وبرئت فقال عمر: صدقت وبررت أشهد لقد سمعته ووعيته، يا رجل خذ ms204
~~بيد امرأتك فإن عرض لك أبوها فاهشم أنفه ثم قال: يا بني عبد مناف وكان
~~المجلس جامعا لبني هاشم وبني أمية وأفخاذ قريش والله ما نجهل ما يعلم غيرنا
~~ولا بنا عمى في ديننا ولكنا كما قال الأول:
# تصيدت الدنيا رجالا بفخها * فلم يدركوا خيرا بل استحقبوا الشرا وأعماهم
~~حب الغنى وأصمهم * فلم يدركوا إلا الخسارة والوزرا قيل: فكأنما ألقم بني
~~أمية حجرا وكتب إلى عامله ميمون بن مهران الذي بعث بالمرأة وزوجها وأبيها
~~إليه ليحكم في أمرهم أن يستيقن ذلك الحكم ويعمل عليه (2)،
# PageV00P277
# قلت: وهذا الخبر الذي رواه العقيلي تدل القصة على أنه متواتر بين الناس
~~لا سبيل لأحد إلى إنكاره فلهذا لم ينكره من القوم منكر، ولا قال منهم قائل،
~~بل كلهم سلموا لراويه مع أنه جل من في ذلك المجلس مبغضون لأمير المؤمنين،
~~ولا مانع لهم من الطعن في الخبر لو لم يكن معلوما من تقية أو خوف لا سيما
~~عمر بن عبد العزيز فإنه السلطان القاهر إذ ذاك، وقد أقر بأنه روى الحديث
~~ووعاه، فلا شك إذن في صدق الحديث ومعلوميته وما مضى من أحاديث السيادة
~~والاختيار والمحبة ومماثلة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وما يأتي من
~~الأخبار مثل تشبيهه بالأنبياء وغير ذلك كلها تعضد هذه الأخبار المصرحة بأنه
~~خير الخلق وأفضل الأمة في دلالتها، ثم إن نصها على أفضلية علي (عليه
~~السلام) على الأمة، بل على الخلق كافة بمعنى كثرة الثواب وإطلاقها يدل على
~~أفضليته بمعنى الأجمع للخصال المحمودة لشمول الخيرية والأفضلية لذلك، مع أن
~~هذا المعنى لا ينازع فيه عاقل وسنوضحه إن شاء الله.
# وروى ابن أبي الحديد أن قيس بن سعد بن عبادة لما أتى مصر عاملا لعلي
~~(عليه السلام) قام خطيبا على المنبر وقال بعد الحمد لله والثناء عليه وما
~~أراد أن يذكره: أيها الناس إنا بايعنا خير من نعلم بعد نبينا يعني عليا
~~(عليه السلام) فقوموا فبايعوا على كتاب الله فإن نحن لم نعمل فيكم بكتاب
~~الله فليس لنا عليكم ms205 طاعة (1).
# وقال المعتزلي أيضا: وروى أبان بن أبي عياش قال: سألت الحسن البصري عن
~~علي (عليه السلام) فقال: ما أقول فيه كانت له السابقة والفضل والعلم
~~والحكمة والفقه والرأي والصحبة والنجدة والبلاء والزهد والقضاء والقرابة،
~~أن عليا كان في أمره عليا، رحم الله عليا وصلى عليه،
# PageV00P278
# فقلت يا أبا سعيد: أتقول صلى الله عليه لغير النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم)؟
# قال: ترحم على المؤمنين إذا ذكروا وصل على النبي وآله وعلي (عليه السلام)
~~خير آله قلت: أهو خير من حمزة وجعفر: قال: نعم، قلت: وخير من فاطمة وابنيها
~~قال: نعم والله إنه خير آل محمد كلهم، ومن يشك إنه خير منهم وقد قال رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله): (وأبوهما خير منهما) ولم يجر عليه اسم شرك ولا
~~شرب خمر، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (لفاطمة زوجتك خير
~~أمتي) فلو كان في أمته خير منه لاستثناه، ولقد آخى رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) بين أصحابه فآخى بين علي ونفسه، فرسول الله خير الناس نفسا
~~وخيرهم أخا فقلت: يا أبا سعيد فما هذا الذي يقال عنك إنك قلته في علي؟
~~فقال: يا بن أخي احقن دمي من هؤلاء الجبابرة لولا ذلك لسالت بي الخشب (1)
~~انتهى. وقد دل آخر الكلام على أن إخفاء الحسن القول بأفضلية علي (عليه
~~السلام) على جميع الأمة كما صرح به هنا وروى فيه الحديث عن النبي (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) إنما كان للخوف على نفسه من القتل، لأن بني أمية كانوا
~~يقتلون من ذكر أمير المؤمنين (عليه السلام) بخير فكيف من فضله على الأمة،
~~وهذا أمر شائع معلوم، على أن المعتزلي مقر بذلك وبه معترف حتى أنه قال في
~~دعوة علي (عليه السلام) للأشتر: إني لا أشك أن الأشتر يغفر الله له ويدخل
~~الجنة بهذه الدعوة فإنها لا فرق عندنا بينها وبين دعوة رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) (2) انتهى.
# ثم إن الأحاديث قد اشتملت تارة على أنه خير ms206 الأمة وخير من يترك النبي
# PageV00P279
# (صلى الله عليه وآله) بعده، وخير الخلق والخليقة، فيكون أفضل الخلق حتى
~~الأنبياء والملائكة لأنهم من جملة الخلق والخليقة الذين نص الخبر على أن
~~عليا (عليه السلام) خيرهم، فكونه (عليه السلام) أفضل الصحابة أمر واضح ومع
~~هذا إنا نعلم يقينا أن الخصال التي توجب الفضل والصفات التي تقتضي كثرة
~~الثواب كلها حصلت له دون غيره واجتمعت فيه دون من سواه وفاق في جميعها كل
~~الناس فيجب أن يكون أفضل بالضرورة وإلا لخرج المقتضى عن كونه مقتضيا وهو
~~باطل، وها نحن نذكر استكماله في خصال الخير مفصلا ونأتي به مشروحا.
# أما نسبه (عليه السلام): فهو النسب الجليل الذي لا يساجل (1)، والمجد
~~الأثيل الذي لا يطاول، فإنه من السرو (1) من قريش، والصريح المهذب من قصى،
~~والذروة من عبد مناف، والسلالة من هاشم، أبوه أبو طالب شريف قريش مانع
~~الجار وحامي الذمار أمنع الناس جانبا، وأبلغهم حجة، وأثبتهم قلبا، وأفصحهم
~~لسانا، وأوفاهم موعدا، وحمايته النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وغيرها
~~تشهد له بذلك، وقال معاوية بن أبي سفيان في أبيات يخاطب بها عمرو بن العاص
~~بعد قتل علي (عليه السلام).
# نجوت وقد بل المرادي سيفه * من ابن أبي شيخ الأباطح طالب (2).
# PageV00P280
# ابن عبد المطلب شيبة الحمد، وساقي الحجيج، سيد قريش كلها لا يدافع في ذلك
~~ولا ينازع، ابن هاشم عمرو العلا صاحب الايلاف، ومطعم الأضياف، وشمس بني عبد
~~مناف، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم فهو أول هاشمي ولد من هاشميين، وهو ابن
~~عم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأبيه وأمه.
# نسب كأن عليه من شمس الضحى نورا ومن فلق الصباح عمودا.
# آباؤه آباء رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأمهاته أمهات رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله وسلم)، فهو خير الناس نسبا، وأشرفهم حسبا، وأفضلهم
~~آباء وأمهات لما صح عن النبي (صلى الله عليه وآله) من قوله: (ما افترقت
~~فرقتان من لدن آدم إلا كنت في خيرهما) (1) وقوله (صلى الله عليه وآله
~~وسلم): (كنت ms207 أنا وعلي نورا واحدا فما زلنا ننتقل من صلب طاهر إلى رحم مطهر
~~حتى افترقنا في عبد الله وأبي طالب) (2) فعلي (عليه السلام) أفضل الصحابة
~~نسبا، وأجلهم أصلا وأكرمهم عنصرا.
# وأما إنه أعلم الصحابة: فلقوة حدسه وشدة ذكائه وكثرة ملازمته للرسول (صلى
~~الله عليه وآله) حتى قال: (علمني رسول الله (صلى
# PageV00P281
# الله عليه وآله وسلم) ألف باب من العلم فانفتح لي من كل باب ألف باب) (1)
~~ولحرص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على تعليمه وإرشاده وعظم شفقته
~~عليه، لما نزل قوله تعالى: [وتعيها أذن واعية] (2) قال:
# (اللهم اجعلها أذن علي) وقال علي (عليه السلام) (ما نسيت بعد ذلك شيئا)
~~(3) وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حين بعثه إلى اليمن قاضيا:
~~(اللهم اهد قلبه وثبت لسانه) قال: (فما شككت بعدها في قضاء بين اثنين) (4)
~~وقال (عليه السلام): (والله لو كسرت لي الوسادة لحكمت بين أهل التورية
~~بتوراتهم، وبين أهل الزبور بزبورهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم، وبين أهل
~~الفرقان بفرقانهم، والله ما نزلت من آية في بر أو بحر أو سهل أو جبل أو
~~سماء أو أرض أو ليل أو نهار إلا أنا أعلم فيمن نزلت، وفي أي شئ نزلت] (5)
~~وقضاياه معروفة مأثورة كحكمه في قضية الحمار والبقرة بين يدي رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) (6) وفتياه في الزانية
# PageV00P282
# الحامل (1)، وفي المرأة التي وضعت لستة أشهر (2) وحكمه في قضية الأرغفة
~~(3)، وفيمن حلف لا يحل قيد عبده (4) وفي مال الكعبة حين استشاره عمر فيه
~~(5)، وهو الذي اخترع علم النحو وبين أصوله (6) وينبغي إلحاق ذلك بالمعاجز
~~وغير ذلك مما لا يبلغ إليه فهم، ولا يحوم حوله
# PageV00P283
# عقل، وقد رجع إليه الصحابة في كثير من المسائل بعد غلطهم، واحتاجوا إلى
~~بيانه ولم يحتج هو في شئ من الأحكام إلى أحد من الناس، واعترف أكابر
~~الصحابة له بالأعلمية وقال عبد الله بن العباس لما سئل: أين علمك من علم
~~ابن عمك علي (عليه السلام)؟ قال: كالقطرة في المثعنجر يعني البحر المحيط
~~(1) وقال عبد ms208 الله بن مسعود ما معناه إن من أراد علم القرآن كما أنزله الله
~~فعليه بعلي بن أبي طالب، وقال عمر غير مرة: " لولا علي لهلك عمر " وقال: "
~~لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو الحسن " (2). حتى أن كل فرقة من أهل العلم
~~لتنتمي إليه، وكل ذي طريقة ليتجاذبه وينتهي إليه، فقه كل فقيه وعلم كل
~~عالم، ويكفي في ذلك ما صح في الروايات عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~من أنه أعلم الناس فلا شك أنه أعلم الصحابة في جميع العلوم فيكون أفضلهم
~~لقول الله تعالى: [قل هل يستوي الذين يعلمون والذي لا يعلمون إنما يتذكر
~~أولوا الألباب] (3). وقال: [إنما يخشى الله من عباده العلماء] (4).
# وأما إنه أحلمهم: فهو كضوء النهار حتى بلغ من حلمه أنه ترك عبد الرحمن بن
~~ملجم في دياره ويعطيه العطاء مع علمه به وقوله فيه مرارا (إنه
# PageV00P284
# قاتلي) (1) وعفا عن مروان يوم الجمل مع شدة عداوته له وقوله فيه: (ستلقى
~~الأمة منه ومن ولده يوما أحمر) (2) وعفى عن سعيد بن العاص وكان عدوا له في
~~غاية العداوة وعن عبد الله بن الزبير وكان يشتمه على رؤوس الاشهاد وأطلقه
~~وقال له: (اذهب فلا أرينك) لم يزده على ذلك (3) وحسبك بحلمه عفوه عن أهل
~~البصرة بعد ما هزمهم وكانوا قد ضربوا وجهه ووجوه بنيه وأصحابه بالسيوف،
~~ونكثوا بيعته ونصروا عدوه، وعفوه عن عائشة وهي السبب الأعظم في نكث بيعته
~~والإجلاب عليه ولو فعلت عشر ذلك بغيره ثم قدر عليها لمزق جلدها وقطعها إربا
~~إربا، ولما منعه وأصحابه معاوية الماء يوم صفين حين ملك أهل الشام الشريعة
~~فقاتلهم وهزمهم وأراد أصحابه منعهم من الماء قال: (أفرجوا لهم عن الشريعة
~~ففي حد السيف مغنى عن ذلك) وكان مع الحلم عظيم الرزانة لم ير طائشا قط،
~~وكان أطلق الصحابة وجها، وأحسنهم خلقا حتى نسبه أعداؤه كعمرو بن العاص إلى
~~الدعابة (4).
# وأما قدمه في الإسلام: فمعلوم لأنه لم يجر منه كفر قط وكان يصلي قبل
~~الناس مع رسول الله سبع سنين ms209 وقال رسول الله (أولكم اسلاما علي بن أبي
~~طالب) (5) وقال: (أقدمهم سلما) وكان علي (عليه السلام) يقول على
# PageV00P285
# المنابر: (أنا أول من صلى وأول من آمن بالله ورسوله، ولم يسبقني إلى
~~الصلاة إلا نبي الله) (1) ولم يرد عليه أحد قوله مع أنهم كانوا يردون عليه
~~في أقل شئ مما يمكنهم الرد فيه ولو من جهة الشبهة أو الجهالة بما يقول، وقد
~~استفاضت الروايات بذلك عن محدثي مخالفينا كالطبري والواقدي وابن عبد البر
~~وابن إسحاق وابن كعب القرظي وابن شهاب الزهري وعبد الله بن محمد بن عقيل
~~وقتادة وغيرهم ورووا ذلك عن عبد الله بن العباس، وسلمان وأبي ذر والمقداد
~~وخباب بن الأرت وأبي سعيد الخدري وزيد بن أسلم وعفيف الكندي والحسن البصري
~~(2)، وإلى هذا القول ذهب أكثر المخالفين، ولم يخالف فيه إلا شاذ لا يعبأ به
~~وأشعار الصحابة والتابعين فيه كثيرة ومن جملتها قول خزيمة بن ثابت ذي
~~الشهادتين:
# وصي رسول الله من دون أهله * وفارسه مذ كان في سالف الزمن وأول من صلى من
~~الناس كلهم * سوى خيرة النسوان والله ذو منن (3) وقول حسان بن ثابت:
# جزى الله عنا والجزاء بفضله * أبا حسن خيرا ومن كأبي حسن سبقت قريشا
~~بالذي أنت أهله * فصدرك مشروح وقلبك ممتحن (4)
# PageV00P286
# وقول عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب:
# وإن ولي الأمر بعد محمد * علي وفي كل المواطن صاحبه وصي رسول الله حقا
~~وصنوه * وأول من صلى ومن لان جانبه (3) وقول أبي سفيان بن حرب في رواية أبي
~~جعفر الإسكافي وفي رواية غيره قول بعض ولد أبي لهب:
# ما كنت أحسب أن الأمر منصرف * عن هاشم ثم منها عن أبي حسن أليس أول من
~~صلى لقبلتكم * وأعلم الناس بالأحكام والسنن وأقرب الناس عهدا بالنبي ومن *
~~جبريل عون له في الغسل والكفن (2) وقول هاشم بن عتبة المرقال في صفين:
# أعور يبغي أهله محلا * قد عالج الحياة حتى ملا أشلهم بذي الكعوب شلا * عن
~~ابن عم أحمد المعلا أول من صدقه وصلا (3) وقول ms210 شريح بن هاني الحارثي وهو من
~~التابعين:
# أبا موسى رميت بشر خصم * فلا تضع العراق فدتك نفسي فلا تجعل معاوية بن
~~حرب * كشيخ في الحوادث غير نكس هداه الله للإسلام فردا * سوى عرس النبي
~~وخير عرس (4) وقول سعيد بن قيس الهمداني:
# هذا علي وابن عم المصطفى * أول من أجابه فيما روى هو الإمام لا يبالي من
~~غوى (5)
# PageV00P287
# وقول أبي الأسود الدئلي يهدد طلحة والزبير يوم الجمل:
# وإن عليا لكم مصحر * يماثله الأسد الأسود أما إنه أول العابدين * بمكة
~~والله لا يعبد (1) وغير ذلك من الأشعار، ولو تعاطينا ذكر الأخبار ورواية
~~الأشعار في هذا الباب حتى نستوفي ما وجدناه من ذلك في كتب الخصوم لطال
~~الكتاب وبلغ إلى غاية الأطناب، وقول من قال: أول من أظهر الإيمان أبو بكر
~~مع شذوذه مردود بمعارضته لهذه الشهرة التي قربت من الإجماع بل كادت تكون
~~إجماعا، ولذا ادعى بعض العامة عليه الإجماع، على أن أبا جعفر الإسكافي قال
~~في كتاب نقض العثمانية: إن جمهور المحدثين لم يذكروا أن أبا بكرا أسلم إلا
~~بعد عدة من الرجال منهم علي بن أبي طالب (عليه السلام) وجعفر أخوه وزيد بن
~~حارثة وأبو ذر الغفاري وعمرو بن عنبسة السلمي وخالد بن سعيد بن العاص وخباب
~~بن الأرت انتهى (2) وقال ابن أبي الحديد أن المخالف في سبق إيمان علي (عليه
~~السلام) شاذ لا يعتد به (3) انتهى ولأجل اشتهار الأمر لم نحتج فيه إلى ذكر
~~ما رواه الخصوم جميعه بل اكتفينا بيسير منه وإذا كان علي (عليه السلام)
~~أسبق في الإيمان كان أفضل لقوله تعالى:
# [والسابقون السابقون أولئك المقربون] (4) والمقرب أكثر ثوابا البتة.
# وأما إنه أشجع الصحابة وأكثرهم جهادا: فأمر معلوم لا يشك فيه ذو فهم
~~وفطنة، بل كونه أشجع البشر أمر أوضح من ضوء النهار كما يشهد به مواقفه
~~المشهورة، ومشاهدة المأثورة في حروب النبي (صلى الله عليه وآله
# PageV00P288
# وسلم) وحروبه في أيام خلافته، وقد قال معاوية لعمرو بن العاص لما أشار
~~عليه بمبارزته: أتأمرني بمبارزة أبي الحسن وهو ms211 الشجاع المطرق أراك طمعت في
~~إمارة الشام بعدي، وكانت العرب تفتخر بوقوفها في الحرب في مقابلته كما
~~افتخر بذلك عبد الله بن الزبير على معاوية فقال له معاوية:
# لا جرم أنه قتلك وأباك بيسرى يديه وبقيت اليمنى فارغة يطلب من يقتله بها،
~~ويكفيك شاهدا على ذلك افتخار رهط قتلاه بأن قتلهم قالت أخت عمرو بن عبد ود:
# لو كان قاتل عمرو غير قاتله * بكيته أبدا ما دمت في الأبد لكن قاتله من
~~لا نظير له * وكان يدعى أبوه بيضة البلد (1) قال ابن أبي الحديد: أما
~~الشجاعة فإنه أنسى فيها ذكر من كان قبله ومحى اسم من يأتي بعده، ومقاماته
~~في الحرب مشهورة يضرب بها الأمثال، وهو الشجاع الذي ما فر قط ولا ارتاع من
~~كتيبة، ولا بارز أحدا إلا قتله، ولا ضرب ضربة قط فاحتاجت الأولى إلى ثانية،
~~انتهى. ولقد قتل صناديد المشركين، وقويت به شوكة الإسلام، واعتز به جانب
~~المسلمين، قتل في غزاة بدر أعيان الكفار وشجعانهم حتى قتل قريبا من نصف
~~القتلى وقتل باقي المسلمين والملائكة المسمون النصف الآخر (2)، قال القوشجي
~~ومع ذلك كانت الراية في يد علي (عليه السلام) في أحد وقد تفرق عن النبي
~~(صلى الله عليه وآله) أصحابه وانهزموا بعد إن قتل علي (عليه
# PageV00P289
# السلام) طلحة بن أبي طلحة وهو المسمى كبش الكتيبة وكان صاحب راية قريش
~~قتله مبارزة بعد أن تحاماه المسلمون وتأخروا عن البراز إليه، ثم أخذ الراية
~~غيره فقتله علي (عليه السلام) أيضا ولم يزل يقتل واحدا بعد واحد حتى قتل
~~تسعة نفر فانهزم المشركون، واشتغل المسلمون بالغنائم فحمل خالد بن الوليد
~~وضرار بن الخطاب الفهري وأصحابهما على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~فضربوه بالسيوف والرماح والحجارة وانهزم الناس عنه ما خلا عليا (عليه
~~السلام) فإنه ما زال يجالد عنه حتى رد عنه المشركين، وقتل جملة من فرسانهم
~~وكان قتلاه قريبا من نصف المقتولين وقتل كل المسلمين النصف الآخر قال
~~القوشجي: وجمع له الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بين اللواء ms212 والراية
~~انتهى ونادى جبريل ذلك اليوم: (لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي (1).
# وفي يوم الأحزاب حين ظن المسلمون بالله الظنون وزلزلوا زلزالا شديدا،
~~وأتى عمرو بن عبد ود يطلب المبارزة مرارا فأحجم عنه المسلمون وخافوا أشد
~~الخوف والنبي (صلى الله عليه وآله) يحض المسلمين على مقاتلته ويحرضهم على
~~منازلته ويعرض عليهم مبارزته فلم يجبه أحد منهم إلا علي فخرج إلى عمرو
~~فقتله وكفى الله المؤمنين القتال به وكان الفتح ذلك اليوم على يده وقال
~~النبي (صلى الله عليه وآله) (لضربة علي لعمرو خير من عبادة الثقلين) (2)
~~وقال حذيفة: والذي نفس حذيفة بيده
# PageV00P290
# لعمله - يعني عليا (عليه السلام) ذلك اليوم أعظم أجرا من عمل أصحاب محمد
~~(صلى الله عليه وآله) إلى يوم القيمة (1).
# وفي غزوة خيبر وقد أخذ الراية أبو بكر فرجع مع أصحابه منهزمين خائفين، ثم
~~أخذها عمر من الغد ففعل مثل ذلك، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~(لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله تعالى ورسوله ويحبه الله ورسوله كرار غير
~~فرار لا يرجع أو يفتح الله علي يديه) فدعا بعلي (عليه السلام) وهو أرمد
~~فأتي به فتفل في عينيه فبرأ من ساعته، وأعطاه الراية فمضى وقتل مرحبا
~~فانهزم أصحابه اليهود وغلقوا الأبواب فاقتلع علي الباب وجعله جسرا على
~~الخندق وأمسكه بيده حتى عبر عليه المسلمون فلما انصرفوا أخذه بيده ودحاه
~~أذرعا وكان يغلقه عشرون رجلا وعجز جماعة من المسلمين عن نقله حتى نقله
~~سبعون رجلا من أقويائهم وقال علي (عليه السلام) (ما قلعت باب خيبر بقوة
~~جسمانية ولكن قلعته بقوة ربانية) وكان الفتح على يده (2) وروى الحافظ ابن
~~عساكر الدمشقي أن عليا (عليه السلام) تترس باب الحصن عن نفسه فلم يزل في
~~يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه وهذه الرواية موافقة لرواية أصحابنا.
# وفي غزاة حنين وقد سار النبي (صلى الله عليه وآله) في اثني عشر
# PageV00P291
# ألف مقاتل فتعجب أبو بكر من كثرتهم وقال لن نغلب اليوم من قلة كما ذكره
~~القوشجي وغيره ms213 ونظمه ابن أبي الحديد في أشعاره (1) فانهزموا بأجمعهم ولم
~~يبق مع النبي (صلى الله عليه وآله) إلا تسعة من بني هاشم وأيمن بن أم أيمن
~~مولى النبي (صلى الله عليه وآله) يقدمهم علي (عليه السلام) فخرج أبو جرول
~~فقتله علي (عليه السلام) حتى قتل أربعين رجلا فانهزم المشركون وغنمهم
~~المسلمون (2).
# وفي غزوة بني المصطلق وغيرها من الوقائع المشهورة والغزوات المأثورة، قال
~~ابن أبي الحديد وهذا الفصل لا معنى للاطناب فيه لأنه من المعلومات الضرورية
~~كالعلم بوجود مكة ومصر ونحوهما وإذا كان علي (عليه السلام) أكثر الصحابة
~~جهادا كان أكثرهم أجرا لقوله تعالى: [وفضل الله المجاهدين على القاعدين
~~أجرا عظيما] (3) فهو أفضلهم.
# وأما إنه أسخى الناس: فيدل عليه إيثاره المحاويج على نفسه وأهل بيته حتى
~~جاد بقوته وقوت أهل بيته ثلاث ليال على يتيم ومسكين وأسير فأنزل الله فيه
~~وفي أهل بيته [ويطعمون الطعام على حبه] السورة بتمامها إلا آيات قليلة منها
~~وتصدق بخاتمة في الصلوات فأنزل الله في حقه: [إنما وليكم الله ورسوله
~~والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون] (4)، قال ابن
~~أبي الحديد: وروى المفسرون أنه لم يكن يملك إلا
# PageV00P292
# أربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا وبدرهم سرا وبدرهم علانية
~~فأنزل فيه: [الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية لهم أجرهم
~~عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون] (1) وكان (عليه السلام) يسقي بيده
~~لنخل قوم من يهود المدينة (2) حتى مجلت يده ويتصدق بالأجرة ويشد على بطنه
~~حجرا وقال الشعبي وقد ذكره: كان أسخى الناس على الخلق الذي يحبه الله ما
~~قال لا لسائل قط، وكان يكنس بيوت الأموال ويصلي فيها، وكان يقول: (يا صفراء
~~ويا بيضاء غري غيري) حتى إنه لم يخلف ميراثا ولقد قال عدوه ومبغضه معاوية
~~فيه: لو ملك بيتا من تبن وبيتا من تبر لأنفق تبره قبل تبنه، ويكفيك شاهدا
~~على أنه أسخى الصحابة وأجودهم آية النجوى التي لم يعمل بها غيره ولم يفز
~~بها سواه وهي قوله تعالى: [يا أيها الذين ms214 آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا
~~بين يدي نجويكم صدقة] (3) الآية فإن الصحابة جميعهم امتنعوا من مناجاة
~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد نزولها ولم يناجه إلا علي (عليه
~~السلام)، وقد روي أنه أعتق من كسب يده ألف مملوك. (4) وأما إنه أزهد الناس
~~فأمر ظاهر، فإنه (عليه السلام) كان سيد الزهاد وبدل الأبدال، ما شبع من
~~طعام قط وكان أخشن الناس مأكلا وملبسا، وقل أن يأتدم فإن فعل فبالملح أو
~~الخل، فإن ترقى فبنبات الأرض، فإن زاد فبلبن، وكان لا يأكل اللحم إلا
~~قليلا، ويقول: (لا تجعلوا بطونكم مقابر
# PageV00P293
# الحيوان)، وكان نعلاه من ليف وحمائل سيفه من ليف، وكان يرقع قميصه بجلد
~~تارة وبليف أخرى، وإذا اشترى قميصا ورأى كمه طويلا قطعه بالشفرة ولم يخطه
~~حتى يبقى متساقطا على يده، وقد تواترا إعراضه عن لذات الدنيا مع اقتداره
~~عليها لا تساع أبواب الدنيا عليه لأن الأموال كانت تجبى إليه، حتى قال: (يا
~~دنيا يا دنيا إليك عني أبي تعرضت أم إلي تشوقت لا حان حينك هيهات هيهات غري
~~غيري لا حاجة لي فيك وقد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها، فعيشك قصير، وخطرك
~~يسير، وملكك حقير) وقال: (والله لدنياكم هذه أهون في عيني من عراق خنزير في
~~يد مجذوم) (1) وقال عبد الله ابن أبي رافع دخلت عليه يوما فقدم جرابا
~~مختوما فوجدنا فيه خبز شعير يابسا مرضوضا فأكلنا منه، فقلت: يا أمير
~~المؤمنين لم ختمته فقال: (خفت هذين الولدين يلتانه بزيت أو سمن) (2)، قال
~~القوشجي: وهذا شئ اختص به علي (عليه السلام) ولم يشاركه فيه غيره، ولم ينل
~~أحد بعض درجته انتهى وأخبار زهده وسخائه كثيرة يضيق بها هذا الإملاء وتحتاج
~~إلى مصنف على حدة، والغرض هنا الإشارة إلى صفاته الحميدة.
# وأما إنه أعبد الناس فلما تواتر من كثرة صلاته وصيامه حتى كان يصلي كل
~~يوم وليلة ألف ركعة، وتعلم منه الناس صلاة الليل وملازمة الأوراد، ويشهد
~~بذلك ما في دعواته ومناجاته من تعظيم جلال الله والخضوع والخشوع له، قال
~~ابن ms215 أبي الحديد: وما ظنك برجل يبلغ من محافظته على ورده أن يبسط له نطع بين
~~الصفين ليلة الهرير فيصلي عليه ورده والسهام تقع بين يديه، وتمر على صماخيه
~~يمينا وشمالا فلا يرتاع لذلك ولا يقوم حتى يفرغ من وظيفته، وما ظنك برجل
~~كانت جبهته كثفنة البعير لطول سجوده (3) انتهى،
# PageV00P294
# وقيل لعلي بن الحسين مع أنه سيد العابدين: أين عبادتك من عبادة جدك،
~~فقال: (عبادتي عند عبادة جدي كعبادة جدي عند عبادة رسول الله (عليه
~~السلام).
# وأما إنه أحفظ الصحابة للقرآن فلما صح أنه (عليه السلام) كان يحفظه على
~~عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يكن غيره يحفظه، ثم هو أول من جمعه
~~ولم يحتج إلى ما عند أحد غيره منه في جمعه كما احتاج إلى ذلك أبو بكر وعمر
~~لما أرادا جمع القرآن فنادى مناديهما: من كان عنده شئ من القرآن فليأت به،
~~فدل على أنهما لم يعرفا من القرآن إلا يسيرا، وهذا كله صحيح عند الخصوم،
~~وكان أكثر القراء كأبي عمرو بن العلا وعاصم بن أبي النجود وغيرهما يسندون
~~قراءتهم إليه لأنهم تلامذة أبي عبد الرحمن السلمي وهو تلميذ أمير المؤمنين،
~~وعبد الله بن العباس رئيس المفسرين، وعنه يأخذون وإلى قوله يستندون، وهو
~~تلميذ أمير المؤمنين (عليه السلام) وما زال منقطعا إليه وعنه أخذ ومنه تعلم
~~(1).
# وأما إنه أفصح الناس لسانا فيدل عليه خطبه ومواعظه ورسائله، وما اشتملت
~~عليه من المطالب العالية، وعلوم التوحيد وكيفية السلوك، والأخبار عن أحوال
~~العالم العلوي وصفاته، وكيفية إنشاء الخلائق علويها وسفليها وجسمانيها
~~وروحانيها ماديها ومجردها مما لم يجر لأحد من الناس شبهه عشر العشر، بل لا
~~يعلم أحد من الصحابة شيئا منه، ولا يعرفون ما هو ولا يحسنون التعبير عنه،
~~وكل ذلك أورده في كلام عال لم يوازنه كلام أحد من البشر بعد كلام رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله وسلم)، وشرح فيه أحوال الدنيا والآخرة بعبارات تحير
~~عقول البلغاء في حسن نظمها ولطافة سبكها، ولم
# PageV00P295
# يدون لأحد من الناس عشر ms216 العشر مما دون له من الكلام (1) واستشهد القوشجي
~~على أنه أفصح الناس بكلامه المدون في نهج البلاغة وهو كما ذكر أوضح شاهد
~~وأدل دليل، وقال قال البلغاء إن كلامه تحت كلام الخالق وفوق كلام المخلوق،
~~ومنه تعلم الناس الخطابة والكتابة، وقال عدوه معاوية فيه حين قال له محفن
~~بن أبي محفن: جئتك من عند أعيا الناس: ويحك كيف يكون أعيا الناس فوالله ما
~~سن الفصاحة لقريش غيره (2)؟
# وأما إنه أسد الصحابة رأيا فلاحتياج جميعهم إلى رأيه في معظم الأمور
~~وبلوغهم المنى في أخذهم برأيه كما أشار على عمر في وقائع كثيرة وصل فيها
~~إلى مطلوبه إذ أخذ برأي علي (عليه السلام)، وأشار إلى عثمان ولو أطاعه لم
~~يجر عليه بعض ما جرى، ولم ينخدع قط ولم يتحير في أمر قط، وما عرض له أمر
~~إلا عرف مورده ومصدره، وقال لأصحابه لما رفع أهل الشام المصاحف بصفين:
~~(إنما رفعوها خدعة فناجزوهم) فكان الأمر كما قال، ولو أطاعوه لنجحوا، ولما
~~أراد أصحابه نصب أبي موسى حكما قال لهم: (إني أخاف عمروا أن يخدع يمنيكم
~~هذا ولكن ادفعوا في صدر عمرو بن العاص بعبد الله بن عباس) ولو أطاعوه
~~لأفلحوا ولما تمكن عمرو مما أبرمه لكن عصوه فكان الأمر كما قال من خدع ابن
~~العاص لأبي موسى وغير ذلك مما يطول
# PageV00P296
# تعداده، وإنما تفرق الناس عنه إلى أعدائه لاقتصاره على حكم الشريعة،
~~وتقيده بالسنة، وتركه العمل بالحيل الدنيوية وتدبير أمر الدنيا، وأخذه في
~~جميع أموره بما يقتضيه الشرع المحمدي، ولذا قال (عليه السلام): (لولا التقى
~~لكنت أدهى العرب) (1) وغيره دبر دنياه وترك آخرته فصار ممدوحا بالرأي عند
~~الجهال ورغب أهل الطمع إلى دنياه والناس عبيد الدنيا.
# وأما إنه أسوس الصحابة فذلك مما لا يحتاج إلى بيان فإنه ما حابى أحدا قط
~~ولا آثر قريبا على بعيد في حكم، وشدته على العصاة معلومة من سيرته وحربه
~~وكلينه لأهل الإيمان والطاعة.
# وأما إنه أعدل الصحابة في الرعية فلما علم من مساواته الناس في القسمة
~~والعطاء ms217 لم يؤثر أحدا من الناس على أحد، ولم يفضل قويا على ضعيف ولا شريفا
~~على دني، ولا ذا رحم على أجنبي، طلب إليه الزبير وطلحة أن يزيدهما في
~~القسمة فلم يفعل وكان يومئذ بمكان رفيع عند الناس (2) وطلب إليه ابن أخيه
~~عبد الله بن جعفر وكان يجريه مجرى ولده أن يعطيه زيادة فلم يفعل، وقال له:
~~(لا زيادة لك عندي على سهمك إلا أن تأمر عمك أن يسرق فيعطيك) (3) أو كلاما
~~ما هذا معناه وطلب منه أخوه عقيل مالا زيادة على نصيبه من بيت المال وألح
~~عليه في ذلك فوعده بالصبر إلى يوم الجمعة فلما خطب الناس يوم الجمعة التفت
~~إلى عقيل وقال: (ما تقول يا أبا يزيد فيمن خان هؤلاء جميعا في أموالهم)
~~فقال عقيل: بئس الرجل، فقال له: (فهذا أنت تأمرني بذلك) (4) فأسكته عن
# PageV00P297
# مطالبته وبعث إليه أسامة بن زيد أن ابعث لي بعطائي ثم لو دخلت فم الأسد
~~بعد ذلك لدخلت معك فكتب (عليه السلام) إليه: (إن هذا المال لمن جاهد عليه
~~ولكن لي مالا بالمدينة فأصب منه ما شئت) (1). وكان تسويته بين الناس أعظم
~~الأسباب في تفرق الناس عنه وتقاعدهم عن نصرته، بل في قتال من قاتله، بل هو
~~السبب في ذلك كله لا سبب غيره، فلم يبال (عليه السلام) بذلك ولا رأى صلاح
~~دنياه مقتضيا لمخالفة السنة في ترك المساواة بين الناس في القسمة، ولما
~~أشير عليه بتفضيل بعض الناس على بعض في ذلك لإصلاح أمر دنياه وتقوية سلطانه
~~أبى ذلك وقال: (إنه لو كان المال لي لساويت بينهم فكيف وإنما هو مالهم) (2)
~~والأخبار في هذا الباب أجل من أن تجمع في هذا المحل وغيره ولو أراد أثر
~~بالفئ وفضل في العطاء وأصلح بهما أمر دنياه.
# وأما إنه أحرص الصحابة على إقامة حدود الله فظاهر فإنه ما دافع عن أحد
~~أقيمت عليه شهادة في حد، ولا سلك مسلك التأويل والاستصلاح في إسقاط حد عن
~~أحد صديق أو عدو قريب أو بعيد كما كان يفعل غيره، ms218 ولا أغضى عن حق عند أحد
~~كائنا من كان، ولم يلتفت في إقامة حدود الله لغضب أحد من الناس ولا رضاه،
~~وسيرته في ذلك مذكورة في كتب الحديث والسير والتواريخ، فهذه الخصائص
~~والصفات المحمودة هو أبو عذرها وابن بجدتها والسابق في مضمارها قال ابن أبي
~~الحديد بعد تعدادها:
# وهذه خصائص البشر قد أوضحنا أنه فيها الإمام المتبع فعله والرئيس المقتفى
# PageV00P298
# أثره (1) انتهى.
# ولما أتى عبد الله بن العباس عائشة بعد هزيمتها يوم الجمل رسولا من علي
~~(عليه السلام) إليها في أمر فجعلت تعتل عليه وطفقت تفضل عمر بن الخطاب على
~~علي (عليه السلام) فقال لها ابن العباس في كلام يطرى فيه عليا (عليه
~~السلام): إنه والله أعلا منارا، وأحسن آثارا من أبيك ومن عمر (2)، فظهر من
~~ذلك كله أن أمير المؤمنين (عليه السلام) أفضل الصحابة وأكثرهم ثوابا
~~وأجمعهم لخصال الخير، وما ذكرناه قد أقر به الخصوم، ومن كتبهم أخذنا ما
~~ذكرنا.
# ومن جملة ما خصه الله به من المزية كون مولده في الكعبة الغراء على
~~الرخامة الحمراء فقد أجمع الشيعة على أن عليا (عليه السلام) ولد داخل
~~الكعبة كما وصفنا ونقلوه متواترا عن أهل بيت النبوة الذين هم مع القرآن لا
~~يفارقهم ولا يفارقونه ورواه من أهل السنة، أبو المعالي الفقيه المالكي في
~~كتاب المناقب عن علي بن الحسين قال كنا عند الحسين في بعض الأيام وإذا
~~بنسوة مجتمعات فأقبلت امرأة منهن علينا فقلنا من أنت رحمك الله قالت: أنا
~~زبدة ابنة العجلان من بني ساعدة، فقلت لها: هل عندك من شئ تحدثينا به؟
~~قالت: أي والله حدثتنا أم عمارة بنت عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان
~~الساعدي أنها كانت ذات يوم في نساء من العرب إذا قبل أبو طالب كئيبا حزينا،
~~فقلت له: ما شأنك؟ قال: إن فاطمة بنت أسد في شدة من الطلق، ثم أخذ بيدها
~~وجاء بها إلى الكعبة فدخل بها، وقال اجلسي على اسم الله فطلقت طلقة واحدة
~~فولدت غلاما نظيفا منظفا لم أر أحسن ms219 منه
# PageV00P299
# وجها فسماه أبو طالب عليا وقال.
# سميته بعلي كي يدوم له * عز العلو وفخر العز أدومه وجاء النبي (صلى الله
~~عليه وآله) فحمله معه إلى منزل، أمه قال علي بن الحسين: فوالله ما سمعت
~~شيئا حسنا إلا وهذا من أحسنه (1)، فلا التفات حينئذ لتوقف ابن أبي الحديد
~~في ذلك زاعما أن المحدثين لا يعترفون به ويزعمون أن المولود في الكعبة حكيم
~~بن حزام بن خويلد (2) إذ لا عبرة
# PageV00P300
# بزعمهم بعد ما سمعت فيه من الصحة، ولا ريب أن المحدثين زعموا هذه الفضيلة
~~لحكيم بن حزام ليناقضوا ما ورد لأمير المؤمنين (عليه السلام) كما هي عادتهم
~~والحق لا يزيد إلا علوا وظهورا، والصدق لا يزال يتوقد ضياء ونورا، وإذا ثبت
~~أن عليا (عليه السلام) أفضل الصحابة كما دلت عليه الأدلة ووافقنا عليه أكثر
~~المعتزلة وجب أن يكون هو المقدم والإمام بعد الرسول (صلى الله عليه وآله)،
~~ولا يجوز أن يقدم عليه غيره لأنا قد بينا امتناع تقديم المفضول على الأفضل
~~لقبحه عقلا والمنع منه شرعا وأقمنا عليه الأدلة الواضحة في موضعه وقد تقدم
~~وبذلك يثبت المطلوب، وزعم الأشاعرة أن الأفضل بمعنى الأكثر ثوابا بعد رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبو بكر ثم من بعده من الخلفاء مرتبا قال
~~القرماني في تاريخ الدول أجمع أهل السنة على أن الأفضل بعد رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله وسلم) أبو بكر ثم عثمان ثم علي (عليه السلام) ثم باقي
~~العشرة إلى آخر ما قال، وأهل السنة عندهم اسم لمن كانوا على مثل ما عليه
~~أبو الحسن الأشعري من نفي الحسن والقبح العقليين، ونفي الاستطاعة عن
~~المكلف، وغير ذلك من شبهاته الواهية، وهذا القول فاسد على تقديران للثلاثة
~~فضلا وما احتج به القوشجي على ذلك بعد اعترافه بما ذكرناه من مناقب أمير
~~المؤمنين على أفضلية أبي بكر وعمر عليه كله باطل مردود، ومزور ومختلق فمن
~~احتجاجه على ذلك الاتفاق الجاري مجرى الإجماع على أفضلية أبي بكر ثم عمر
~~زعم، وأقول ما أدري ms220 ما عني بالاتفاق إن كان اتفاق جماعة من أصحابه الأشاعرة
~~كما PageV00P301
# هو مفاد قول أبي العباس المتقدم فمسلم ولا حجة فيه، وغايته كونه قولا
~~لجماعة من الأمة يطلب عليهم في ثبوته وصحته الدليل فلا يكون هو نفسه دليلا
~~كما ادعى الرجل، وإن عنى اتفاق الصحابة فالمنقول عن أفاضلهم تفضيل علي
~~(عليه السلام) على جميع الناس بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مثل
~~العباس بن عبد المطلب وجملة بنيه، وبني هاشم كافة وبني المطلب كافة، وسلمان
~~وأبي ذر والمقداد وعمار وحذيفة بن اليمان وأبي بن كعب وجابر بن عبد الله
~~وخالد بن سعيد بن العاص الأموي وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين وزيد بن أسلم
~~وبريدة بن الحصيب وأبي الهيثم بن التيهان والبراء بن عازب وقيس بن سعد بن
~~عبادة وأبي سعيد الخدري وأبي أيوب الأنصاري وحجر بن عدي الكندي وزيد بن
~~أرقم وسهل بن حنيف وأخيه عثمان بن حنيف وعبادة بن الصامت وأبي الطفيل عامر
~~بن واثلة الكناني وعمرو بن الحمق الخزاعي في كثير من أمثالهم، ذكر ذلك
~~جماعة من أهل العلم بأقوال الناس كأبي عمر يوسف بن عبد البر المحدث في كتاب
~~الاستيعاب وأبي جعفر محمد بن عبد الله الإسكافي وعبد الحميد بن أبي الحديد
~~وغيرهم (1)، وكل منهم نقل ذلك عن جماعة من المذكورين، وكان الزبير أول
~~الأمر قائلا (2) به ومبالغا فيه حتى صرفه عنه ابنه عبد الله إلى عداوة أمير
~~المؤمنين (عليه السلام) والخروج عليه، وهؤلاء المذكورين هم خيار الصحابة
~~ومن أجمعت الأمة على وثاقتهم وصدقهم، واعتبار أقوالهم، وكلام جماعة منهم
~~الصريح في التفضيل قد تقدم، ولم يبق من الصحابة ممن صرح بتفضيل غيره إلا من
~~علم فسقه وثبت ضلاله بمحاربته عليا (عليه السلام) وبغضه، وقد صح أنه حربه
~~حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله)
# PageV00P302
# وبغضه بغضه، كمعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وعبد الله بن الزبير
~~وأبي هريرة والوليد بن عقبة بن أبي معيط في أضرابهم، أو من اختلفت الأمة في
~~وثاقته وقبول روايته ms221 فضلا عن اعتبار قوله، ومن لم يكن من الفريقين من باقي
~~الصحابة المسكوت عن حالهم لم يعرف لهم قول في المسألة فأين إجماع الصحابة
~~على ما يقول؟ بل أين الشهرة في ذلك بل الحق أن المشهور بين الصحابة عكس ما
~~قال، والتقدم في الخلافة لا يوجب التفضيل عنده وعند أصحابه على فرض أن
~~التقدم وقع برضى جميع الصحابة، وقد بينا استحالته مرارا فلا اتفاق من
~~الصحابة على ما قال القوشجي ولا اشتهار له فيما بينهم، وإن عنى اتفاق
~~التابعين فحالهم في ذلك كحال الصحابة فالكثير منهم يفضل عليا على جميع
~~الناس، منهم، أويس القرني، وزيد بن صوحان، وصعصعة بن صوحان، وجندب الخير،
~~وعبيدة السلماني، ومالك بن الحارث الأشتر، وكميل بن زياد، وسعيد بن قيس
~~الهمداني وخلق كثير لا يحصون (1)، وقد قدمنا تصريح الحسن البصري به، وتصريح
~~عمر بن عبد العزيز به أيضا والتابعين من بني هاشم كذلك، على أن أكثر الناس
~~من أهل العلم والورع لم يمنعهم من إظهار القول بتفضيل علي (عليه السلام)
~~على جميع الصحابة إلا الخوف من معاوية وأتباعه ومن تولى بعده من بني أمية
~~وأتباعهم، فإنهم كانوا يقتلون من ذكر عليا (عليه السلام) بخير أو روى عنه
~~حديثا فما ظنك بحال من يفضله؟ وقد مر في كلام الحسن البصري ما يدل عليه
~~ويأتي له زيادة استدلال، وإن عنى فرق الإسلام فالشيعة قاطبة يفضلون عليا
~~(عليه السلام) على جميع الناس وأكثر المعتزلة يوافقونهم على ذلك
~~فالبغداديون كافة قائلون به كأبي سهل بشر بن المعتمر، وأبي موسى بن صبيح
~~وأبي عبد الله جعفر بن مبشر، وأبي جعفر الإسكافي، وأبي الحسين الخياط، وأبي
~~القاسم البلخي وتلامذته، ومن البصريين أبو علي الجبائي في
# PageV00P303
# آخر عمره، وكان قبل من المتوقفين بين علي وأبي بكر خاصة، نقل ذلك عنه أبو
~~القاسم البلخي.
# ومنهم أبو عبد الله الحسين بن علي البصري،. وقاضي القضاة أبو الحسن عبد
~~الجبار بن أحمد، وقطع على ذلك بخبر المنزلة.
# ومنهم أبو محمد الحسن بن متوية، وسيأتي التصريح به ms222 عن أبي الهذيل العلاف،
~~ومال قوم منهم إلى التوقف في تفضيل علي (عليه السلام) على أبي بكر مع القطع
~~على تفضيله على عمر كواصل بن عطا وأبي هاشم وأبي الحسين البصري.
# ومنهم من قال بتفضيل الثلاثة كعمرو بن عبيد، وإبراهيم بن سيار النظام،
~~وعمرو بن بحر الجاحظ، وثمامة بن أشرس وهشام الفوطي، وأبي يعقوب الشحام، وكل
~~أهل قول يحذو حذوهم قوم منهم، وكتب المعتزلة في علم الكلام ناطقة بما قلناه
~~ومن نقلهم نقلنا ومن المحدثين من نسب إليه قوم من العامة في كتبهم
~~وتواريخهم القول بتفضيل علي صريحا كالكيا الهراسي وأمثاله وفي كلام قوم من
~~أعيانهم ما يصرح بالتفضيل قال أحمد بن حنبل: ما جاء لأحد من الفضائل ما جاء
~~لعلي (عليه السلام)، وقال: إن عليا لم تزنه الخلافة ولكنه زانها نقل هذا
~~الكلام ابن أبي الحديد عن ابن الجوزي في المنتظم عن أحمد بن حنبل وقال بعده
~~ما حاصله: أن هذا الكلام يعطي أن جميع من ولي الخلافة غير علي (عليه السلام
~~ذوو نقص ازدان بالخلافة وتم نقصه بها وأن الخلافة قبل ولاية علي (عليه
~~السلام) كانت ناقصة فأتمها بولايته إياها (1).
# أقول وهذا الكلام غاية التفضيل، ونهاية التعظيم والتبجيل، ولعمري
# PageV00P304
# أن الأمر كما قال وقال إسماعيل القاضي والنسائي وأبو علي النيسابوري: لم
~~يرد في حق أحد من الصحابة بالأسانيد الحسان أكثر مما جاء في علي، فهذه
~~شهادة مشائخهم فأين الاتفاق الذي ادعاه القوشجي علي تفضيل أبي بكر وعمر على
~~علي (عليه السلام)؟ وأين الشهرة بين الأمة؟
# وهل زاد الأمر على كون المسألة من المسائل الخلافية بين الناس؟ والواجب
~~فيها اتباع الدليل الصحيح كغيرها من مسائل الخلاف، ومن هنا تبين بطلان ما
~~ينسبه قوم من الأشعرية المتعصبين من الابتداع إلى من ذهب من المحدثين
~~والعلماء من متقدمي أصحابهم إلى تفضيل علي (عليه السلام) فيقولون:
# كان فلان عالما فاضلا وكذا وكذا لصفات من الخير ثم يقولون إلا أنه مال
~~إلى تفضيل علي (عليه السلام) أو قال به فيخرجونه من السنة إلى ms223 البدعة
~~بزعمهم لأنه قال بتفضيل علي (عليه السلام)، وذلك عندهم بدعة كما وجدناه في
~~تصانيف قوم منهم وتواريخهم، وكل هذا لتركهم النظر في الأقوال والأدلة
~~وتقليدهم من تقدم من مشائخهم وأساتيذهم على جهالة لا يعلمون وراء ما سمعوه
~~منهم مذهبا ولا يفهمون غير توجيههم في الأدلة توجيها وذلك لا يغني من الحق
~~شيئا.
# واحتج القوشجي ثانيا بقوله تعالى: [وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله
~~يتزكى] (1) مدعيا أن الآية نزلت في أبي بكر عند الجمهور، والأتقى هو الأفضل
~~لقوله تعالى: [إن أكرمكم عند الله أتقاكم] (2) وهذا الاحتجاج واه لأن الآية
~~مع احتمال كون الأتقى والأشقى بها بمعنى التقي والشقي كقوله تعالى: [الله
~~أعلم حيث يجعل رسالته] (3)
# PageV00P305
# أي عليم وقوله تعالى: [وهو أهون عليه] (1) يعني هين وقول طرفة:.
# تمنت رجال أن أموت وإن أمت * فتلك سبيل لست فيها بأوحد كما قاله بعض
~~المفسرين، ويشهد لذلك الاعتبار فإن صاحب النخلة المعني بالأشقى من المسلمين
~~ومن الصحابة المحكوم عليهم عند القوشجي وأصحابه بالجنة فلا يجوز أن يجعل
~~أشقى من أبي جهل وأبي لهب وأمثالهما من المشركين، فلا دليل فيها على
~~التفضيل مضافا إلى أنها نازلة عند أكثر المفسرين في أبي الدحداح، وهو
~~المروي عن ابن عباس رواه الواحدي وسببه قصة النخلة المشهورة (2)، وقال غيره
~~نزلت في مصعب بن عمير وذكر ذلك أبو جعفر الإسكافي، ولم يقل إنها نزلت في
~~أبي بكر إلا عروة بن الزبير (3) لأنه اشترى ست رقاب فأعتقها بلال وعامر بن
~~فهيرة وأربعة أخر، وحال ابن الزبير في الكذب معلوم، وميله إلى جده معروف،
~~وليس هذا منه بأعجب من روايته عن خالته عائشة عن النبي (صلى الله عليه
~~وآله): أن عليا والعباس بن عبد المطلب من أهل النار (4)، وكان سبابا لعلي
~~(عليه السلام) وكثير البغض له، ومن أفسق ممن يسب رجلا من سبه فقد سب رسول
~~الله
# PageV00P306
# (صلى الله عليه وآله) كما دلت عليه الأخبار الصحاح عند القوم، ومنها ما
~~رواه الإسكافي عن عثمان بن أبي شيبة، عن عبد الله بن موسى، عن ms224 قطر بن
~~خليفة، عن أبي عبد الله الجدلي قال: دخلت على أم سلمة رحمها الله فقالت: لي
~~أيسب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيكم وأنتم أحياء؟ قلت: وأنى يكون
~~هذا؟ قالت: أليس يسب علي (عليه السلام) ومن يحبه (1) وما رواه الحافظ أبو
~~عبد الله محمد بن يوسف البلخي الشافعي في كفاية الطالب عن ابن عباس أن رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعلي (من سبك فقد سبني ومن سبني فقد سب
~~الله، ومن سب الله فقد كبه الله على منخريه في النار) (2) وما قدمنا من
~~الأخبار عن أحمد بن حنبل وغيره من قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في
~~علي (عليه السلام): (لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق) (3) وقوله (صلى
~~الله عليه وآله وسلم): (عدوك عدوي وعدوي عدو الله) (4) فمن كان هذه حاله
~~كيف تقبل روايته فيمن يميل إليه بدون معارض فكيف إذا عارضها رواية الثقاة؟
~~على أن شراء أبي بكر بلالا وعامرا الذي هو سبب نزول الآية كما زعم فاسد لأن
~~محمد بن إسحاق والواقدي ذكر أن رسول الله هو الذي اعتقهما، (5) وبالجملة
~~فالاحتجاج بالآية ساقط، ودعوى قول الجمهور أنها نازلة في أبي بكر كما ترى
~~زور وبهتان كدعواه الاتفاق المتقدم واحتج أيضا بروايات مفتعلة:
# PageV00P307
# فمنها: (اقتدوا بالذين من بعدي أبا بكر وعمر) (1) دخل في الخطاب علي
~~فيكون مأمورا بالاقتداء بهما.
# أقول قد ذكر بعض أهل العلم والخبرة بالحديث أن هذه الرواية جميع من رواها
~~رواها الذين بصيغة الجمع، وأبا بكر وعمر بنصب أبا، والجواب عنها وعن غيرها
~~على جهة العموم من ثلاثة وجوه.
# الأول إنها مما اختص بروايتها الخصوم وليسوا عندنا من أهل الصدق فلا
~~يلزمنا قبول رواياتهم ولا تقوم لهم بها علينا حجة مع أنهم متهمون في ذلك.
# الثاني إنه قد طعن في مثل هذه الروايات قوم منهم كالفخر الرازي وحكم
~~بأنها من الموضوعات إذ لم يجر لشئ منها ذكر بين الصحابة والتابعين في مقام
~~الحجة والمناظرة، وطعن فيها سيدنا المرتضى ms225 ذو المجدين علم الهدى كذلك (2)
~~وغيره، وهو كما قال، فإن هذه الروايات إنما وضعت وافتعلت في أيام تغلب بني
~~أمية، روى ذلك أبو الحسن علي بن محمد بن أبي سيف المدائني في كتاب الأحداث
~~وابن عرفة نفطويه وهما من أكابر المحدثين قال المدائني في كلام طويل: وكتب
~~معاوية إلى عماله في جميع الآفاق لا يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته
~~شهادة، وكتب إليهم أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه وأهل ولايته
~~والذين يروون فضائله ومناقبه فأدنوا مجالسهم،
# PageV00P308
# وقربوهم وأكرموهم واكتبوا لي بما يرويه كل رجل منهم واسمه واسم أبيه
~~وعشيرته، ففعلوا ذلك حتى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه لما كان يبعثه
~~إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطائع، ويفيضه في العرب منهم
~~والموالي، فكثر ذلك في كل مصر، إلى أن قال: ثم كتب إلى عماله أن الحديث في
~~عثمان قد كثر وفشا في كل مصر وفي كل وجه وناحية فإذا جاءكم كتابي هذا
~~فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين، ولا تتركوا
~~خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا وآتوني بمناقض له في الصحابة
~~فإن هذا أحب إلي وأقر لعيني وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته وأشد عليهم من
~~مناقب عثمان وفضله، فقرئت كتبه على الناس فرويت أخبار كثيرة في مناقب
~~الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها، وجد الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتى
~~أشادوا بذكر ذلك على المنابر، وألقى إلى معلمي الكتاب فعلموا صبيانهم
~~وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتى رووه وتعلموه كما يتعلمون القرآن وحتى
~~علموه بناتهم ونسائهم وخدمهم وحشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء الله ثم كتب بعد
~~ذلك إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان، انظروا من قامت عليه البينة
~~أنه يحب عليا وأهل بيته فامحوه من الديوان وأسقطوا عطاءه ورزقه، وشفع ذلك
~~بنسخة أخرى، من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكلوا به واهدموا داره، فلم
~~يكن البلاء أشد ولا أكثر منه بالعراق، ولا سيما بالكوفة، حتى أن الرجل من
~~شيعة ms226 علي (عليه السلام) ليأتيه من يثق به فيدخل بيته فيلقي إليه سره ويخاف
~~من خادمه ومملوكه ولا يحدثه حتى يأخذ عليه الأيمان الغليظة ليكتمن عليه،
~~فظهر حديث كثير موضوع وبهتان منتشر، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة،
~~وكان أعظم الناس في ذلك بلية القراء المراؤون والمستضعفون الذين يظهرون
~~الخشوع والنسك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم، ويقربوا مجالسهم،
~~ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل، حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث
~~إلى أيدي PageV00P309
# الديانين الذين لا يستحلون الكذب والبهتان فقبلوها ورووها، وهم يظنون
~~أنها حق، ولو علموا أنها باطلة لما رووها ولا تدينوا بها، فلم يزل الأمر
~~كذلك حتى مات الحسن بن علي (عليه السلام) فازداد البلاء والفتنة (1) إلى
~~آخر ما قال من بيان ما فعله معاوية من قتل محبي أمير المؤمنين (عليه
~~السلام)، وما فعله من بعده في عشيرته من إظهار الفساد بقتل المؤمنين
~~الصادقين، وإكرام الكذابين الوضاعين مما يطول نقله ومثله، قال نفطويه،
~~وبهذا المضمون قال أبو جعفر الإسكافي، ويصدق ذلك (2) ما روي في نهج البلاغة
~~عن أمير المؤمنين من تقسيم المحدثين عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى
~~أربعة أحدهم، منافق يكذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يتحرج ولا
~~يتأثم من الكذب عليه (3) وما سيأتي بعد عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر
~~(عليه السلام) من ذكره مضمون ما قاله المدائني ونفطويه بالصريح، فهذه
~~الأخبار التي احتج بها القوشجي وغيره على أفضليته الرجلين على أمير
~~المؤمنين هي تلك الأخبار المزورة المختلقة طاعة لمعاوية وطلبا للدنيا
~~وإيثارا للعاجلة ما زالت تتداول عند قضاة السوء، والفقهاء المنافقين،
~~والقراء المرائين حتى تلقفها حشوية العامة كالبخاري ومسلم وابن مردويه
~~وأضرابهم وزبروها في كتب مع أمثالها إلا ما قل من الأحاديث وسموا تلك الكتب
~~الصحاح، وأقوى دليل على اختلاقها أن جلها ينتهي إسناده إلى من تظاهر بعداوة
~~أهل البيت كأبي هريرة وعمرو بن العاص وعروة بن الزبير وأشباههم، وأن كل
~~حديث منها
# PageV00P310
# مناقض لحديث أو أحاديث من المروي في فضل علي ms227 (عليه السلام) وولده وذلك
~~لموافقة غرض معاوية الذي مر في كلام المدائني، فما كان هذه حالة من
~~الأحاديث كيف يكون حجة ودليلا؟ هيهات هيهات ذلك عن التحقيق وناء عن طريق
~~أهل النظر الدقيق.
# الثالث إن هذه الأخبار على قلتها وشذوذها قد عارضتها الأدلة الواردة في
~~تفضيل علي (عليه السلام) من الكتاب والسنة الكثيرة التي أجمع الخاصة
~~والعامة على نقلها وصحتها، ومن جملتها ما تلوناه عليك مما تضمن مماثلة علي
~~(عليه السلام) لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومماثلته للأنبياء، وما دل
~~على أنه إمام المتقين وأنه سيد المسلمين، وولي كل مؤمن بعد رسول الله،
~~ومولى من كان رسول الله مولاه، وأنه كلمة الله التي ألزمها المتقين، وأن
~~بيده مفاتيح خزائن الله، وأنه حامل لواء الحمد يوم القيمة، وأنه خير الخلق
~~والخليقة، وغير ذلك مما عددناه نوعا نوعا، وصنفا صنفا، وما سنتلوه عليك في
~~هذا المقام وفيما بعد إن شاء الله تعالى وعارضتها أيضا أدلة العقل
~~والاعتبار، ولا شك أنه عند التعارض يجب الأخذ بالمتفق عليه والمعاضد
~~بالدلالة الخارجية وترك المختلف فيه والمعاند للدلالة الخارجية، فما ظنك
~~بالمطعون في سنده ومتنه مع مخالفته لكتاب الله عز وجل وقد صح عن النبي (صلى
~~الله عليه وآله وسلم) أنه (إذا أتاكم الخبر عني فاعرضوه على كتاب الله.
# ما وافق كتاب الله فاعملوا به وما خالف فاضربوا به عرض الحائط) بعد
~~إخباره (صلى الله عليه وآله) في أول الكلام بكثرة الكذابة عليه فإذا جاء في
~~الكتاب العزيز أن عليا (عليه السلام) نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) كما في آية المباهلة، وجاء أنه ولي الأمة مثل ولاية الله إياهم
~~ورسوله كما في آية الولاية، ولا شك أن نفس الرسول خير الأنفس، وأن
~~PageV00P311
# ولي المؤمنين خيرهم، ثم أتى عن النبي (صلى الله عليه وآله) أن أبا بكر
~~خير من علي (عليه السلام) فقد حصلت المخالفة الصريحة والمعارضة الظاهرة بين
~~هذا الخبر وبين كتاب الله فوجب بمقتضى أمر الرسول (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) ms228 رد ذلك الخبر، وضرب الحائط به، وأخبار بهذه المثابة يجب ردها
~~وإسقاطها، ويلزم تكذيبها وإبطالها، ولا يجوز التدين بها ولا التعويل عليها.
# وأما الجواب الخاص عن الخبر المذكور فبأنه معارض لحديث التمسك بالثقلين
~~كتاب الله والعترة، وحديث الاقتداء بالأئمة من أهل البيت، وحديث: (أهل بيتي
~~كسفينة نوح من ركبها نجى ومن تخلف عنها غرق)، وما جرى هذا المجرى مما
~~رسمناه فيكون مفتعلا لمناقضتها كما مر بيانه فهو باطل، ولو صح لوجب تأويله
~~إلى ما يوافق تلك الأدلة الصحيحة بجعل التقدير اقتدوا بالذين من بعدي من
~~الأئمة يا أبا بكر وعمر، فأبو بكر وعمر مأموران بالاقتداء وليس تقدير الفعل
~~الناصب لأبا بكر بأولى من تقدير حرف الندا بل هذا أولى للتوفيق بين
~~الدليلين وقد جاء حذف حرف النداء من المنادى المعلوم كثيرا نحو قوله تعالى:
~~[يوسف أعرض عن هذا] (1) وقول الشاعر.
# أبا حكم هل أنت عم مجالد * وسيد أهل الأبطح المتناحر وقول الآخر:
# حمامة بطن الواديين ترنمي * سقاك من الغر الغوادي مطيرها وقول الآخر (2):
# PageV00P312
# تعدون عقر النيب أفضل مجدكم * بنى الضوطرى لولا الكمي المقنعا وهذا أمر
~~معروف لا يحتاج إلى الإكثار من شواهده فيكون الخبر حجة لنا لا علينا.
# ومنها في أبي بكر وعمرهما (سيدا كهول أهل الجنة ما خلا النبيين
~~والمرسلين) (1) والجواب عنه بالخصوص أنه معارض بقول النبي (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) في الحسن والحسين: هما (سيدا شباب أهل الجنة) (2) وبقوله (صلى
~~الله عليه وآله): (سادات أهل الدنيا هم سادات أهل الآخرة أنا وعلي والحسن
~~والحسين وحمزة وجعفر) (3) وقوله لعلي (عليه السلام): (أنت سيد في الدنيا
~~والآخرة) (4) وقوله (عليه السلام) فيه:
# PageV00P313
# (هو سيد المؤمنين وسيد المسلمين) (1) فيكون مختلقا لمناقضة هذه الأخبار
~~وشبهها فهو باطل هذا في سنده وفي متنه بمخالفته للكتاب في قوله تعالى:
# [إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا أترابا] (2) وقد صح عن النبي
~~(صلى الله عليه وآله): إن الجنة لا يدخلها شيخ ولا عجوز ولا كهل وإن أهلها
~~جرد مرد على صفة الشباب) (3).
# ومنها (خير أمتي أبو ms229 بكر ثم عمرو) والجواب عنه أنه معارض لقول النبي (صلى
~~الله عليه وآله وسلم) في علي (عليه السلام) والخوارج:
# (يقتلهم خير الخلق والخليقة) (4) وقوله (صلى الله عليه وآله): (خير الناس
~~حمزة وجعفر وعلي) (5) وما شابه ذلك مما شاع وذاع بين الفريقين فهو مصنوع
~~للمناقضة فيكون باطلا.
# ومنها: (ما ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يتقدم عليه غيره) وكيف يكون كذلك
~~وقد عارضه ما تواتر من فعل النبي (صلى الله عليه وآله) فإنه أمر على أبي
~~بكر أبا عبيدة بن الجراح مرة ومرة عمرو بن العاص وأخرى خالد بن الوليد ومرة
~~أسامة بن زيد، وأمر عليه عليا مرارا وما نرى النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) امتنع من تقديم غير أبي بكر من الصحابة عليه فكيف يعقل أن النبي (صلى
~~الله عليه وآله وسلم) يقول قولا معناه النهي عن تقدم أحد من الصحابة على
~~أبي بكر ثم يقدم عليه جماعة منهم مرة بعد أخرى
# PageV00P314
# فينقض قوله بفعله وهو الذي لا ينطق عن الهوى؟ اللهم إلا في مقام النسخ
~~وإذا كان هذا القول منسوخا فلا حجة فيه وآخر عمر النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) وأبو بكر تحت راية أسامة، والحاصل أن الخبر إذا كان مناقضا لما علم
~~من فعل النبي (صلى الله عليه وآله) كان باطلا بالضرورة، والحديث المذكور
~~هذا شأنه مع معارضته لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للأنصار: (هذا
~~علي فأحبوه بحبي وأكرموه بكرامتي) (1)، وقوله (صلى الله عليه وآله):
~~(أوصيكم بحب ذي قرباها (2) أخي وابن عمي علي بن أبي طالب) وحديث المنزلة
~~وغير ذلك من الأحاديث الصريحة في لزوم تقديم علي (عليه السلام) فهو مصنوع
~~لمعارضتها، على أن المروي في بعض تواريخ القوم أن هذا القول من كلام عمر
~~نفسه ولم ينسبه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وذلك في كلام طويل خطب
~~به يذكر فيه حديث السقيفة أورده الطبري في تاريخه (3)، وكذلك هو الحاصل من
~~كلام عمر يوم السقيفة حيث قال: كيف أتقدم قدمين قدمها رسول ms230 الله (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) للصلاة، فأخذه القوشجي وأمثاله وصيروه حديثا ينسبونه إلى
~~النبي (صلى الله عليه وآله) جهلا أو تعمدا ليقووا به شبهتهم، وأنى والأمر
~~أظهر من أن يخفى! ومع هذا كله إنه لو صح لم يقتض التفضيل لأن مذهب
# PageV00P315
# القوم جواز تقديم المفضول، ولو اقتضى لكان دليلهم مخالفا لمذهبهم فيكون
~~عليهم لآلهم.
# ومنها (لو كنت متخذا خليلا دون ربي لاتخذت أبا بكر خليلا لكن هو شريكي في
~~ديني وصاحبي الذي أوجبت له صحبتي في الغار وخليفتي في أمتي) (1) وهذا قريب
~~من الأول.
# والجواب عنه أنه لو صح امتناع اتخاذ النبي (صلى الله عليه وآله) أبا بكر
~~خليلا لم يمتنع اتخاذه إياه أخا وما نراه اتخذه أخا يوم المؤاخاة بل جعله
~~أخا لعمر واتخذ هو (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا أخا فلو صلح أبو بكر
~~لخلة النبي (صلى الله عليه وآله) لصلح لأخوته لكنه لم يصلح وإلا لأخاه أو
~~أخا بينه وبين علي (عليه السلام)، هذا على تقدير كون الخلة أعلا شأنا وأقرب
~~مماثلة بين الاثنين من الإخوة كما هو مرام المستدل والأمر بعكس ما رام، فإن
~~الأخوة أدخل في المشابهة وأقرب إلى المماثلة من الخلة، ولذا جاز أن يكون
~~لله خليل ولم يجز أن يكون لله أخ لأن الأخ هو العدل المماثل وليس لله مثيل،
~~والخليل هو المخلص في المودة والاخلاص في محبة الله مطلوب فإذا امتنع أن
~~يكون أبو بكر مخلصا في محبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا فضيلة له
~~البتة وإذا كان علي (عليه السلام) هو الصالح لمماثلة النبي (صلى الله عليه
~~وآله) كان هو الأفضل لا محالة ثم أي مانع من اتخاذ النبي (صلى الله عليه
~~وآله) أبا بكر خليلا من جهة الشرع والخليل على ما سمعت من معناه، فالكلام
~~جزما لو صح لكان قدحا فيه ولم يكن مدحا لتضمنه لعدم صلاحيته لمودة النبي
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) والأمر في ذلك واضح وقوله: (شريكي في ديني) فاسد
~~لأنه لو صح ms231 أنه
# PageV00P316
# شريك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في دينه بالمعنى الخاص يعني في قوة
~~الإيمان واليقين كما كان لعلي (عليه السلام) لكان له أخا وكان أعلا مرتبة
~~من الخليل، ولزم تناقض الكلام ويكون معناه إنه لا يصلح لي أن أتخذه خليلا
~~لكنه ارفع من ذلك منزلة وأجل منه قدرا، فالمراد من الاستدراك إثبات منزلة
~~لأبي بكر أدنى من الخلة والكلام يعطي إثبات منزلة له ارفع منها وكلام النبي
~~(صلى الله عليه وآله) مصون عن التناقض وإن كان المراد من شركة أبي بكر
~~للنبي (صلى الله عليه وآله) في دينه المعنى العام يعني الإقرار بالعقائد
~~وأداء الفرائض فالمسلمون كلهم على هذا المنوال فلا أفضلية له على أحد عنهم
~~في ذلك فلا معنى لمدحه وتفضيله على غيره بما يشاركه ذلك الغير فيه.
# وأما حديث الغار فنحن في غناء عن ذكره إذ لا دلالة فيه على الفضل بوجه من
~~الوجوه بل دلالته على العكس واضحة من قوله: [لا تحزن] وقوله: [وأنزل
~~السكينة عليه] ولم يقل عليهما والذي أنزلت عليه السكينة هو المؤيد بالجنود
~~وهو النبي (صلى الله عليه وآله) بلا ريب ولماذا لم يشركه الله في السكينة
~~مع النبي (صلى الله عليه وآله) كما أشرك المؤمنين في حنين معه (صلى الله
~~عليه وآله) فيها فقال: [ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين] (1)
~~وكانوا تسعة من بني هاشم يقدمهم علي بن أبي طالب (عليه السلام) وعاشرهم
~~أيمن بن أم أيمن بإجماع المفسرين وأهل المغازي وأهل التواريخ والسيرة (2)
~~ومن وجوه أخر لا حاجة إلى ذكرها
# PageV00P317
# وتطويل المقال بها.
# وأما قوله: (وخليفتي في أمتي) فباطل بالإجماع لأن الأمة أجمعت على أن
~~خلافة أبي بكر ليست من جهة النص، ولو صح هذا القول عن النبي (صلى الله عليه
~~وآله) لكان نصا صريحا ولكان احتجاج أبي بكر وعمر به على الأنصار أولى من
~~احتجاجهم بما ذكروه من القرابة والصلاة لأنه نص قاطع للعذر، ولكان
~~احتجاجهما به على علي (عليه السلام) وأصحابه إذ امتنعوا من بيعة أبي ms232 بكر
~~أولى لهما من تهددهم بحرق البيت عليهم لصراحته في الحجة، لكنه في ذلك
~~الزمان غير موجود وإنما صنع بعد ذلك الوقت لمعارضة مؤاخاة النبي (صلى الله
~~عليه وآله) لعلي (عليه السلام) ولحديث (من منكم يبايعني فيكون أخي ووزيري
~~ووارثي وخليفتي على أمتي).
# فبايعه علي (عليه السلام) وغيرهما من الأحاديث من أشباههما فهو باطل.
# ومنها (وأين مثل أبي بكر كذبني الناس وهو صدقني، وآمن بي وزوجني ابنته،
~~وجهزني بماله وواساني بنفسه وجاهد معي ساعة الخوف) (1) وهذا الحديث طريف
~~ينبغي الجواب عنه مقولة مقولة ومنقلة بعد منقلة، فنقول أما
# PageV00P318
# تصديقه للنبي (صلى الله عليه وآله) فقد بينا أنه أسلم بعد جماعة من الناس
~~فلم يكن صدقة في حال تكذيب جميع الناس له لتكون القضية كلية، وإذا لم يكن
~~كذلك سقط التمدح بسبق التصديق فلم يبق للكلام موقع في المدح لسقوط الكلية
~~التي بنى المدح على صدقها، وإن كانت مهملة وحملت على الأكثرية أي كذبني
~~أكثر الناس فجميع من صدق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في مكة، بل وفي
~~المدينة في أول الهجرة صدقه وكذبه أكثر الناس فلا اختصاص له بذلك فلا مدح
~~فيه يوجب فضلا على سائر الصحابة.
# وأما تزويج النبي (عليه السلام) ابنته فما أدري لأيهما الفضل على الآخر
~~النبي (صلى الله عليه وآله) حين قبلها أم لأبي بكر حين زوجه إياها؟
# وبعد فأي رجل من الناس يخطب إليه النبي (صلى الله عليه وآله) ابنته فلا
~~يزوجه إياها حتى يكون تزويج أبي بكر ابنته إياه منة عليه يستحق بها ثناء من
~~النبي (صلى الله عليه وآله) وثوابا كثيرا من الله كما هو مدعى المستدل فلو
~~خطب (صلى الله عليه وآله) إلى الأكاسرة والقياصرة والتبابعة لعدو خطبته
~~بناتهم من أجل النعم الواصلة إليهم فكيف بغيرهم.
# وأما تجهيزه النبي (صلى الله عليه وآله) بماله فمتى كان ذلك أفي مكة أم
~~في المدينة فإن كان في مكة فكل عالم يعلم أن النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) كان إذ ذاك غنيا بمال ms233 خديجة (رضي الله عنها) وكان ينفق منه على من
~~شاء في أول النبوة ولم يجهز جيشا ولا قاتل عدوا مدة بقائه (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) في مكة حتى يحتاج في ذلك إلى معونة أحد، ثم إنا نعلم أن النبي
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) أحوج ما يكون للتجهيز حين أراد الهجرة من الغار
~~إلى المدينة، وقد روى جميع المحدثين أن أبا بكر باع النبي (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) بعيرين وأخذ منه ثمنهما في تلك الحال فأين التجهيز PageV00P319
# بالمال بعد قبض ثمن البعيرين؟ وأين موضع هذا التجهيز ومحله؟ ثم من أين له
~~المال الذي يجهز به رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد صحح عندكم أنه
~~احتاج إلى سفرة في وقت سفره معه (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة فلم
~~يجدها وثمنها درهم فقطعت ابنته أسماء نطاقها نصفين فأعطته نصفا ليكون له
~~سفرة فسميت لذلك ذات النطاقين (1)، وإن قلتم في المدينة فقد أحلتم فإن أبا
~~بكر كان فقيرا وكان هو وغيره من المهاجرين عيالا على الأنصار، والقرآن ناطق
~~بذلك، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ ذاك قد أغناه الله بالغنائم
~~والأنفال، فأخبرونا عن تجهيزه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) متى كان وفي
~~أي سفر وأي غزوة؟! دلونا عليه حتى نعلم موضعه ونعرف محله، هذا وقد علم كافة
~~أهل الأثر أنه ترك مناجاة النبي (صلى الله عليه وآله) فيمن تركها لما نزلت
~~آية المناجاة عن أن يتصدق لأجلها ولو بشئ يسير فكيف يجهز رسول الله بماله
~~من ترك مناجاته عجزا من الصدقة ولو كان قادرا لكان ذلك ذنبا احتاج هو وغيره
~~فيه إلى عفو الله عنهم، أفيفعل الندب ويرتكب الذنب ما لكم كيف تحكمون؟
# وأيضا أنه قد صح أن عليا (عليه السلام) تصدق بخاتمه (2)، وتصدق
# PageV00P320
# بأربعة دراهم ليلا ونهارا وسرا وعلانية (1) وجاد بقوته وقوت عياله ثلاث
~~ليال (2) فأنزل الله في كل من ذلك قرآنا يتلى بمدحه، ويكشف عن إخلاص عمله،
~~ويعرب عن صدق نيته، مثل قوله تعالى: [إنما ms234 نطعمكم لوجه الله] (3) فما بال
~~غيره لم ينزل في تجهيزه النبي (صلى الله عليه وآله) آية تتلى ولا كلمة
~~تقرى، أفترون أن الله عز وجل أضاع عمله وهو لا يضيع عمل عامل أم لم يقبله
~~منه فترك ذكره وأهمله، أم لم يكن شئ مما ادعيتم يحتاج إلى أن يبينه الله
~~تعالى فيما أنزله؟! هذا كله مضافا إلى ما صح من فقر أبي بكر حتى احتاج في
~~أيام خلافته إلى أن يجعل له المسلمون قسمة من سهامهم من بيت المال لكل يوم
~~شئ يسير كما صح في سير القوم وتواريخهم فمن هذه حاله من أين له المال حتى
~~يجهز به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
# وأما المواساة بنفسه فمتى كان ذلك أفي الشعب حين أجمعت قريش على حصر رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) فأبو بكر ليس من المحصورين، أم في إيذاء قريش
~~للنبي (صلى الله عليه وآله) فأبو بكر ليس من المحامين بل القائم بحماية
~~النبي (صلى الله عليه وآله) والمواسي له بنفسه والذاب عنه في ذلك كله من لا
~~يهاب الرجال ولا تروعه الأبطال أبو طالب وبنوه ورهطه وأبو بكر في معزل عن
~~ذلك كله فما نعلم الموضع الذي اختص فيه بمواساة النبي (صلى الله عليه وآله)
~~دون غيره إلا أن يدعو حديث الغار وفيه ما فيه - كما تقدم - وأين هو في ذلك
~~ممن بات يفدي النبي (صلى الله عليه وآله) بنفسه ويتوقع الموت في الذب عنه
~~صابرا محتسبا، وأما المجاهدة ساعة الخوف فما علمنا لأبي بكر قتالا ولا
~~سمعنا أنه في
# PageV00P321
# موقف بارز قرنا ولا سفك دما فضلا عن أن يكون اختص بجهاد مع النبي (صلى
~~الله عليه وآله وسلم) دون غيره، بل المعلوم ضرورة خلاف ذلك فإنه في بدر كان
~~بالعريش ولم ير القتال بوجهه فضلا عن أن يكون قاتل وكان رسول الله لا يكلفه
~~حربا ولا قتالا فإنه لما خرج ابنه عبد الرحمن يوم أحد من عسكر المشركين
~~يدعو المسلمين للمبارزة وينادي هل من مبارز ms235 أنا عبد الرحمن بن عتيق فغضب
~~أبوه من قوله وقام مصلتا سيفه يريد مبارزته فنظر إليه النبي (صلى الله عليه
~~وآله) وقال: (يا أبا بكر شم سيفك وأمتعنا بنفسك) (1) ثم لم يلبث بعد ذلك
~~حتى فر مع الفارين، وفاز بالمواساة والجهاد غيره وهو علي الذي لم يزل فائزا
~~بذلك حتى نزل جبرئيل على النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا محمد قد عجبت
~~الملائكة من صبر هذا الفتى إنها لهي المواساة فقال: (يا جبرئيل إنه مني
~~وأنا منه (فقال جبرئيل (ع): وأنا منكما (2)، ولا شك أن حديثهم الذي افتعلوه
~~ليناقضوا به هذا الحديث الصحيح وما جرى مجراه، ثم في يوم الأحزاب عجز هو
~~وغيره عن مبارزة عمرو وفاز بالحظ الجزيل من مبارزة الشرك كله وقتله غيره.
# وفي خيبر رجع منهزما براية النبي (صلى الله عليه وآله) ومن الغد فعل مثل
~~ذلك صاحبه وأدرك الفضيلة السابق إلى الفضائل ابن عم المصطفى.
# وفي حنين ولى مدبرا مع المدبرين فأين جهاده مع النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) ساعة الخوف؟ وفي أي موضع حصل وفي أي موقف صدر؟
# فليدلنا القوشجي وحزبه عليه حتى نعرفه وهل بلغ من الجهاد مع النبي
# PageV00P322
# (صلى الله عليه وآله) ما بلغه أدنى المسلمين من الصحابة حتى يفضل بجهاده
~~على جملتهم، وإذا تأملت الأمر عرفت أن مضمون الخبر كذب كله وليس من قول
~~النبي (صلى الله عليه وآله) لأنه لا يقول إلا حقا ولا يمدح أحدا إلا بما
~~فيه من الخير وبما عمل من الأعمال الصالحة وإنما وضعه القوم ليناقضوا به
~~أقوال النبي (صلى الله عليه وآله) في علي (عليه السلام) المشهورة بين الناس
~~مثل قوله (صلى الله عليه وآله): (هو أول من آمن بي وصدقني) وقوله (صلى الله
~~عليه وآله) فيه (أولهم سلما) وليعارضوا به ما شاع لأمير المؤمنين (عليه
~~السلام) من إنفاقه في سبيل الله ما يملكه ولا يجد سواه وما تواتر وعلم من
~~مواساته النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بنفسه وبذله مهجته دونه في ساعات ms236
~~الخوف، ومجالدته الأقران عنه في أوقات الروع، وذبه عنه بحسامه عند التحام
~~القتال ومنازلته الأبطال ليغطوا على التحقيق بالشبهات وأنى لهم بذاك.
# ومنها: والخطاب لأبي ادرداء؟؟ حين مشى أمام أبي بكر: (أتمشي أمام من هو
~~خير منك والله ما طلعت شمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أحد أفضل من
~~أبي بكر (1) والجواب عنه أنه معارض لكثير من الأخبار الصحيحة الواردة في
~~فضل علي (عليه السلام) مثل قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (الصديقون
~~ثلاثة حبيب النجار، ومؤمن آل فرعون، وعلي بن أبي طالب (عليه السلام) وهو
~~أفضلهم) (2) وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه: (سيد المسلمين ويعسوب
~~المؤمنين وأعظمهم عند الله مزية) (3) ومساواته للأنبياء وغيرها مما مر ذكره
~~وما يأتي فهو مما افتعل
# PageV00P323
# للمناقضة فيكون فاسدا ولو صح هذا ومثله لما قال أبو بكر " وليتكم ولست
~~بخيركم " (1) والقول بأنه أراد كسر نفسه باطل لأن الأفضلية حكم من الأحكام
~~لا يجوز إخفاؤه، ونعمة من نعم الله يجب إظهارها ولا يجوز الإخبار بضد الحكم
~~وكتمان نعمة الله، ولهذا قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (أنا سيد
~~المرسلين ولا فخر)، وقال علي (عليه السلام) على المنبر: (أنا الصديق الأكبر
~~وأنا الفاروق الأعظم، آمنت قبل إيمان أبي بكر) (2) وأيضا إن المقام مقام
~~إظهار الحجة لأنه إذ ذاك في مخاصمة الأنصار ومخاصمة علي (عليه السلام) في
~~أمر الخلافة وطلبه منه ومن أصحابه البيعة له فلا موضع لكسر النفس وهضمها في
~~ذلك الوقت وهو يطلب طاعة الأشراف لها واتباع أولي الفضل إياها، هذا لو
~~سلمنا عدم قبح إخفاء الحق لهضم النفس مطلقا فكيف ودون تسليم الأقوال
~~البليغة ومن جملته بل زبدته ما أشرنا إليه في أول هذا الكلام، بل إن الشيخ
~~لم يعلم بهذا الحديث الجديد ولا سمعته أذناه ولا أحد من الصحابة في وقته،
~~ولا علم أنه أفضل الصحابة عند أنفسهم ولذا لم يجيبوه ولا واحد منهم بأنك
~~خيرنا، بل مبلغ علمه أنه عند نفسه وعند الناس من جملة الصحابة فأخبر عن ms237
~~نفسه بما هو عليه، وإنما حدث له التفضيل العام فيما بعد من أعداء أهل بيت
~~النبوة كما أوضحناه في أول الأجوبة على هذه الأخبار ثم أين عمر عن هذا
~~الحديث حين ذهب في السقيفة يحتج لأبي بكر بصحبته النبي (صلى الله عليه
~~وآله) في الغار
# PageV00P324
# وتقديم قدميه في الصلاة مما لا يستدل به على أفضليته، فلم ترك مثل هذا
~~الحديث الصريح في الأفضلية وعدل عنه إلى ما لا حجة فيه.
# ومنها قال عمرو بن العاص: قلت لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أي
~~الناس أحب إليك؟ قال: عائشة قلت من الرجال: قال:
# أبوها قلت: ثم من قال: عمر (1) والجواب عن هذا اللغو مستغنى عنه في
~~الحقيقة لأن كذبه بين، وراويه ابن الشانئ الأبتر الملعون على لسان النبي
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) لكنا نجري على العادة في أمثاله فنقول بيان
~~بطلانه من وجهين.
# الأول: إن هذا الكلام قطعه من كلام الفه ابن العاص يوم صفين يحرض به أهل
~~الشام على قتال أمير المؤمنين، وسيد الموحدين، وخليفة رسول رب العالمين كما
~~ذكره جامعوا أخبار الوقعة، وقبله ما مضمونه أمرني، رسول الله على أبي بكر
~~وعمر فظننت أن ذلك لفضل لي عليهما فلما رجعت قلت لرسول الله (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) الكلام المذكور بتمامه، وهذا علي فعل بعائشة كذا وكذا لكلام
~~ذكره يعيب عليا (صلوات الله عليه وسلامه) به، ولا شك لأحد أن هذا القول
~~اختلقه ابن العاص وافترعه ليحض أهل الشام على قتال أمير المؤمنين ليجدوا في
~~ذلك ويبذلوا جهدهم كما اختلق (إن آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء إنما وليي
~~الله وصالح المؤمنين) (2)
# PageV00P325
# وغير ذلك مما قوي به قلوب أهل الشام، وشحذ به عزائمهم على الضلال، وكان
~~على الكذب مقتدرا وبتصنيع الكلام وتزوير البهتان بصيرا، وأي جهل أعظم من
~~جهل من يجعل رواية ابن العاص المعروف بالفسق والكذب دليلا يعارض به الكتاب
~~وصحاح الأخبار مع أن مقام إيرادها مصرح باختلاقها، ومجموع ألفاظها واضح في
~~اصطناعها لكن القوم يأخذون ms238 ما يسمعون في الشيخين ويتلقونه بالقبول ولا
~~ينظرون في سنده ولا في متنه، ولا في مقام إيراده، بعكس ما يرد عليهم من
~~أحاديث فضل أمير المؤمنين (عليه السلام) فإنهم يبذلون الجهد في تهجينها
~~سندا مع وثاقة رواتها، ومتنا مع صراحتها واستقامة معانيها كما فعلوا في خبر
~~الغدير وغيره ولو بالتأويلات التي لا معنى لها في العقول، وهذا نتيجة ما في
~~قلوبهم من العصبية.
# الثاني إنه معارض لما صح نقله من الأحاديث المشهورة في محبة النبي (صلى
~~الله عليه وآله) لعلي وفاطمة والحسن والحسين ومن ذلك ما رواه الترمذي عن
~~عائشة قالت: كانت فاطمة أحب النساء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) وزوجها علي أحب الرجال (2) إليه وقال
# PageV00P326
# الإسكافي ولما سئلت عائشة من كان أحب الناس إلى رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) قالت: أما من الرجال فعلي وأما من النساء ففاطمة.
# وروى أبو داود والطبراني والحاكم والترمذي وحسنه عن أسامة بن زيدان رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (أحب أهلي إلي فاطمة) (1) وقول النبي
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) (لأبعثن إليكم رجلا عديل نفسي) وغير ذلك مما
~~اشتمل عليه هذا الكتاب فيكون باطلا كإخوانه.
# ومنها (لو كان بعدي نبي لكان عمر) (2) والجواب عنه من وجهين.
# الأول: إن من شروط النبي العصمة عن الشرك عندنا وعندهم وعمر كان مشركا
~~يعبد الأصنام دهرا ومن كان كذلك لا يكون نبيا البتة بنص الكتاب فيجب أن لو
~~كان بعد نبينا نبي أن يكون غير عمر لعدم جواز النبوة له لسبق الكفر منه
~~فمتن الخبر كذب محض.
# الثاني: معارضته لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي (عليه
~~السلام) (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) (3) وقوله
~~(صلى الله عليه وآله) له أيضا (إنك ترى ما أرى وتسمع ما أسمع إلا أنك لست
~~بنبي (4) فهو مما افتعل للمناقضة فيكون باطلا.
# ومنها في أبي بكر وعمر: (هذان السمع والبصر) (5) والجواب إن هذا
# PageV00P327
# القول لو صح لم تثبت ms239 به أفضلية فقد صح عن النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) أنه قال: (عمار جلدة بين عيني والمقداد قدمنا قدا) ولم يفضلهما أحد
~~بهذا على علي (عليه السلام) فكيف وإنما جئ به لمناقضة قول النبي (صلى الله
~~عليه وآله): (علي مني بمنزلة رأسي من بدني) (1) رواه الديلمي عن ابن عباس
~~وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (كنت أنا وعلي نورا واحدا) (2) وما شابه
~~هذا من الأقوال الصحيحة فيكون فاسدا ولو حملناه على قوله تعالى: [إن السمع
~~والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا] (3) كما ورد عندنا في تأويله لصح
~~وانقلب عليهما لا لهما لكن ذلك مما نختص بروايته فلا نحتج به على الخصوم.
# ومنها قول ابن عمر: كنا نقول ورسول الله حاضر حي أفضل أمة النبي (صلى
~~الله عليه وآله) بعده أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، أقول لا أشك إن هذا القول
~~كان مفتعلا على ابن عمر كما كان مفتعلا على النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) وذلك أن ابن عمر من جملة من روى حديث مؤاخاة النبي (صلى الله عليه
~~وآله) عليا (عليه السلام) حين آخا بين أصحابه وقال سمعت رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) يقول لعلي (عليه السلام) (أنت أخي في الدنيا والآخرة) (4)
~~وهل يرتاب أحد في أن النبي (صلى الله
# PageV00P328
# عليه وآله وسلم) أراد من هذه مؤاخاة إثبات المماثلة بين كل رجلين آخا
~~بينهما في الصفات العلمية والمشابهة بينهما في الفضل، وإن تخصيصه عليا
~~(عليه السلام) بأخوته قصدا لإبانته بالشرف من بين الصحابة، وإظهارا لتفضيله
~~عليهم، اللهم إلا أن يكون خليا من أدنى فهم وأقل تمييز، ثم إنه (صلى الله
~~عليه وآله) أكد المعنى الظاهر بما أردفه من الأقوال الصريحة في تفضيل علي
~~(عليه السلام) مثل (ادعو لي سيد العرب عليا) و (أنت مني بمنزلة هارون من
~~موسى) (1) وقوله (صلى الله عليه وآله): لعلي لما نزلت هذه الآية [إن الذين
~~آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية] (2):
# (هو أنت وشيعتك تأتي يوم القيمة أنت وهم ms240 راضيين مرضيين، ويأتي أعدائك
~~غضابا مقمحين) (3) رواه الطبراني عن ابن عباس، ورواه خطيب خوارزم، ورواه
~~بعضهم عن علي (عليه السلام) وغير ذلك من الأقوال المنتشرة بين الصحابة التي
~~بسببها ذهب إلى تفضيله من ذهب من خيارهم، افتراه بعد ذلك ينقض قوله وفعله
~~فيقول لأصحابه قولوا أفضل أمتي بعدي أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ويقررهم على
~~هذا القول، أفيعقل عاقل هذا من فعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم كيف
~~يكون القول بتفضيل أبي بكر وعمر وعثمان في زمن النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) وحضوره مشهورا بين الصحابة معروفا عندهم ويذهب من ذكرناهم الصحابة
~~وكثير ممن لم نذكرهم إلى تفضيل علي (عليه السلام) على جميع الناس؟ أفتراهم
~~تعمدوا مخالفة الرسول (صلى الله عليه وآله)؟ فإن قال قائل بجواز ذلك
# PageV00P329
# عليهم، قلنا له: إن ذلك يخالف قولك فإنك تذهب إلى أن الصحابة لا يجوز
~~نسبتهم إلى مخالفة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإذا سلمنا لك الجواز
~~بناء على مذهبنا عارضناك بأن الجواز لا يستلزم الوقوع فدلنا على أمر خالف
~~أولئك القوم فيه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عمدا بقطع ويقين حتى نلحق
~~ذاك بهذا، كما نثبت نحن لك مثل ذلك على أئمتك وأعوانهم لكنك لا تجد سبيلا
~~إلى مثل ذاك من أصحابنا فبطلت حجتك، وإن قلت: لا يجوز عليهم تعمد مخالفة
~~الرسول (صلى الله عليه وآله) بطل حديثك وذلك هو المراد وأيضا فقد روى صاحب
~~كتاب الخصائص فيه عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله يقول في علي (عليه السلام) ثلاث خصال وددت لو أن لي واحدة منهن وذكرهن
~~وسنذكر الخبر بتمامه بعد إن شاء الله ومعلوم أن المقصود من كلام عمران
~~الثلاث الخصال اللاتي سمعهن من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في علي
~~(عليه السلام) يوجبن التفضيل له على كل أحد فود أن تكون له واحدة منهن
~~ليتفضل بها على سائر الصحابة وينال بها الشرف العظيم بين الناس، وإذا ms241 كان
~~عمر يعلم أنه أفضل أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد أبي بكر وأنه
~~أفضل من علي (عليه السلام) فأي حاجة له إلى خصلة من الخصال التي قالها رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) في علي (عليه السلام) لينال بها تفضيلا؟ وأي
~~فائدة في تحسره على حصول خصلة واحدة من تلك الخصال لعلمه أنه لا يدرك
~~الجميع يقينا هل ذلك إلا طلب تحصيل الحاصل ولا معنى له عند العقلاء، أو
~~تقول أن عمر لم يعلم بحديث ابنه فتكون قد طعنت في عمر بعدم العلم
~~بالمشهورات وذلك أمر يعود عليك بالنقص والنقض، أو تطعن في حديثك وتخرجه من
~~الصدق إلى الكذب لمخالفته الأدلة الصادقة - فاختر ما شئت تخصم، وقد وضح من
~~ذلك كله أن الحديث باطل بلا ريب وأنه موضوع ليقابلوا به الأقوال التي
~~ذكرناها PageV00P330
# عن النبي (صلى الله عليه وآله) وغيرها من الوارد في تفضيل علي (عليه
~~السلام) صريحا.
# ومنها عن محمد بن الحنفية قلت لأبي: أي الناس أفضل بعد النبي (صلى الله
~~عليه وآله)؟ قال: أبو بكر قلت: ثم من قال: عمر، وخشيت أن أقول ثم من فيقول:
~~عثمان قلت ثم أنت قال ما أنا إلا رجل من المسلمين (1).
# ومنها عن علي (عليه السلام): خير الناس بعد النبيين أبو بكر وعمر ثم الله
~~أعلم.
# ومنها عن علي (عليه السلام) لما قيل له: أما توصي فقال (عليه السلام): ما
~~أوصى رسول الله (عليه السلام) حتى أوصي ولكن إن أراد الله بالناس خيرا
~~جمعهم على خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم (2) - والجواب إن هذا
~~الأحاديث الثلاثة المفتراة تبطل بما بطل به ما قبلها، وبما صح عن علي (عليه
~~السلام) في رواية الخصوم كالجوهري وغيره حين قال عثمان له: إن أبا بكر وعمر
~~خير منك، فقال علي (عليه السلام):
# (كذبت أنا خير منك ومنهما) (3) وما كان يقوله على رؤوس الاشهاد وصهوات
~~المنابر (أنا الصديق الأكبر وأنا الفاروق الأعظم آمنت قبل إيمان أبي بكر)
~~(4) الخبر الذي مر ولا ريب أن ms242 مراده من هذا الكلام تفضيل نفسه على أبي بكر
~~لا يشك في ذلك ذو فهم، وبما صح عنه (عليه السلام) من نسبة المذكورين إلى
~~ظلمه واغتصاب حقه كما أوضحناه أتم إيضاح فيما مضى ويأتي فكيف
# PageV00P331
# ينسبهما إلى ذلك ثم يقول هما خير الناس فيكون خير الناس عنده الظالم
~~الغاصب هذا من المحال ثم كيف يصرح على المنابر بأنه الصديق الأكبر، وأنه
~~أولى الناس بالناس، وأنه وارث رسول الله ووصيه، وخازن علمه كما مر عليك
~~بيان جميعه ثم يقول: ما أنا إلا رجل من المسلمين الذي يعطي بواسطة المقام
~~أنه لا فضل له على أحد من الناس فأين إذن دعوى الوصية والوراثة للرسول (صلى
~~الله عليه وآله) ودعوى الأولوية بالناس ثم كيف يقول: أنا وصي رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) (1) ثم يقول: إن رسول الله لم يوص؟ وهذا تناقض عظيم
~~في الأقوال لا يصدر مثله من عاقل فكيف يصدر من باب مدينة العلم والحكمة
~~ومستودع أسرار النبوة، وكيف يدعون على محمد بن الحنفية ما سمعت والمروي عنه
~~خلاف ذلك؟ ومن جملته ما رواه جامعوا أخبار صفين من محدثيهم ما مضمونه أن
~~عبيد الله بن عمر بن الخطاب خرج يوما يطلب المبارزة فأراد محمد بن الحنيفة
~~مبارزته فمنعه أبوه من ذلك، ومضى هو بنفسه إلى عبيد الله فلما رأى عبيد
~~الله عليا (عليه السلام) قد أتاه رجع عن المبارزة إلى صفه، فرجع أمير
~~المؤمنين فقال محمد له يا أمير المؤمنين إني لأرغب بك عن مبارزة أبيه إلى
~~آخر الخبر (2)، وهذا صريح في تفضيل محمد أباه على عمر فكيف يسمع محمد من
~~أبيه أن عمر خير الناس ثم يقول إني لأرغب بك عن مبارزته، ومن ذا يرغب بنفسه
~~أو بأبيه عن مبارزة خير الناس؟ وإنما يرغب أشراف الناس عن مبارزة غير
~~الكفوء وخير الناس فوق الكفاءة فمن المعلوم أن أحاديثهم الثلاثة اختلقوها
~~ليضاهوا ما ذكرناه من أقوال أمير المؤمنين (عليه السلام) من بيان
# PageV00P332
# تفضيل نفسه وظلم حقه وغير ذلك فتكون باطلة، ومع ms243 هذا كله يلزم عليهم في
~~الحديث الآخر محذوران لو صح.
# الأول: مخالفة أبي بكر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث أن النبي
~~(صلى الله عليه وآله) لم يوص إلى أحد وأبو بكر أوصى إلى عمر ومتابعة الرسول
~~(صلى الله عليه وآله) واجبة وأبو بكر قد خالف الواجب ويكون الحديث مناقضا
~~أيضا لما مر في أحاديثهم من دعواهم قول النبي (صلى الله عليه وآله) لأبي
~~بكر: (وخليفتي على أمتي) فإن هذا القول وصية بالخلافة ونص صريح ومناقضا
~~لقول القوشجي أيضا أن النبي (صلى الله عليه وآله) أوصى إجماعا أما عند
~~الشيعة فلعلي (عليه السلام) وأما عند الأشاعرة فلأبي بكر، ومناقضا أيضا لما
~~رواه البخاري من قول النبي (صلى الله عليه وآله): (ويأبى الله إلا أبا
~~بكر)، وهذا القول وصية ظاهرة فما أدري بهؤلاء القوم على أي أخبارهم يعولون،
~~وإلى أي أدلتهم يستندون؟ ما تراهم إلا يستدلون في كل باب بما يناقض دليلهم
~~في باب آخر ويعانده، هذا القوشجي يستدل بهذا الحديث المصرح بأن رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) لم يوص على أفضلية أبي بكر وهو قبل يورد الحديث
~~المصرح بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أوصى إلى أبي بكر
~~بالخلافة، ثم هو يرد على الإمامية في مسألة إنكارهم على أبي بكر مخالفة
~~النبي (صلى الله عليه وآله) في الوصية بما ذكرناه من أن رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) أوصى إجماعا ويحتج على ذلك بخبر البخاري ومع ذلك كله يروون
~~عن أبي بكر أنه قال في حديث طويل: وددت أني سألت رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) عن صاحب هذا الأمر من هو حتى لا ننازعه (1) هذا ودعواه الإجماع على
~~استخلاف النبي (صلى الله عليه
# PageV00P333
# وآله وسلم) منافية لدعواه الإجماع في مسألة نصب الإمام علي أن إمامة أبي
~~بكر برأي الصحابة لا بالنص ولاستدلاله هناك بقول أبي بكر في خطبته لا بد
~~لهذا الأمر ممن يقوم به فانظروا وهاتوا آراءكم، وإذا كان النبي (صلى الله
~~عليه وآله ms244 وسلم) قد استخلف رجلا بعينه فما حاجة خليفته في نظر الصحابة في
~~ذلك وآرائهم، فانظر إلى هذا التناقض العظيم، وما ذاك إلا لخروج القوم عن
~~الصراط المستقيم، وعدولهم عن الحق القويم، فأي حجة لهم في أخبار متعارضة
~~متناقضة يكذب بعضها بعضا ويدفع بعضها الآخر؟ وكفى بذلك فيها بطلانا، فكيف
~~تقاوم الأدلة الصحاح المتوافقة المتطابقة على أفضلية أمير المؤمنين بعد
~~النبي (صلى الله عليه وآله) على الخلق أجمعين هذا لا يعقل ولا يحمل.
# الثاني: إنه يلزم أن معاوية الباغي بنص رسول الله الملعون على لسانه
~~بقوله لعمار: (تقتلك الفئة الباغية تدعوهم إلى الجنة ويدعونك إلى النار)
~~(1) وقوله صلى الله عليه وآله) في أبي سفيان وابنيه أحدهما معاوية:
# (لعن الله الراكب القائد والسائق) (2) وقوله (صلى الله عليه وآله):
# PageV00P334
# (إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه فإن لم تفعلوا لن تفلحوا) (1) وغير
~~ذلك من الأقوال الشديدة فيه مما صح نقله عند مشايخ القوشجي وكان أمير
~~المؤمنين (عليه السلام) يقنت بلعنه ولعن جماعة من أصحابه في الصلاة يكون
~~خير الأمة لأن الله جمع الناس عليه فدانت له الناس بالقهر والغلبة، فيكون
~~أفضل من سعد بن أبي وقاص وهو أحد العشرة المبشرة بالجنة والذي اختاره عمر
~~بن الخطاب للخلافة وجعله من أصحاب الشورى، وأفضل من الحسن والحسين اللذين
~~هما سيدا شباب أهل الجنة، وأفضل من باقي المهاجرين والأنصار الذين كانوا في
~~ذلك الزمان، وهذا من أبطل ما يكون بغير ريبة، أو إن الله لم يرد بالناس
~~خيرا حين جمعهم على معاوية بل أراد بهم شرا، وهذا لا يرضى به القوشجي
~~وأصحابه لاستلزامه بطلان إجماعاتهم التي يحتجون بها على أقوالهم المتناقضة،
~~ومذاهبهم المتنافية، والحاصل أن من نظر فيما حررناه، وتبصر فيما رسمناه لا
~~يكاد يتوقف في بطلان أحاديثهم هذه وما شاكلها، ولا يرتاب في اختلاقها
~~وافتعالها إن كان ذا روية وإنصاف، وإذا بطل ما استند إليه القوشجي من
~~الأخبار وانهدم ما اعتمد عليه من الآثار فلا حاجة إلى التعرض لما ذكره من
~~الأمارات الدالة بزعمه على تفضيل ms245 الثلاثة على معدن الفضل أمير المؤمنين من
~~كثرة الفتوح والغنائم وغير ذلك مما سنوضح طرقه ونذكر أسبابه، وأغرب ما في
~~كلامه جعله جمع عثمان الناس على مصحف واحد يعني قراءة زيد بن ثابت وإسقاطه
~~جميع القراءات المروية عن النبي (صلى الله عليه وآله) بطرق ثقات الصحابة
~~كعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وشبههما وحرقه المصاحف من الأمارات الدالة
~~على فضله وأفضليته وهذا مما يقضي بالعجب العجاب
# PageV00P335
# حيث يكون ذلك سببا لأفضليته مع أنه من جملة ما نقم عليه وسبب عليه وسببت
~~قتله، مع ما يلزم أيضا من مخالفة القوشجي مذهبه لأن ما ذكره إن كان يقتضي
~~تفضيل عثمان على علي (عليه السلام) كما هو زعمه ومرامه فيجب أن يقتضي
~~تفضيله أيضا على أبي بكر وعمر لأنهما لم يفوزا بهذه المنقبة إذ لم ينقل
~~ناقل عنهما أنهما أحرقا المصاحف ولا أسقطا القراءات المروية عن النبي (صلى
~~الله عليه وآله) برواية الثقات والقوشجي لا يسلم ذلك ولا يذعن به فأمارته
~~باطلة من الرأس ولا حول ولا قوة إلا بالله وليت شعري أين هم لو سلموا من
~~الطعن وبرئت ساحتهم من الظلم، وأين غيرهم من أخ الرسول (صلى الله عليه
~~وآله) وخليفته ووزيره ومعينه وسيد المؤمنين به وساقي عطاشى أمته من حوضه
~~يوم الورود على الله، وأين يقع فضل الفضلاء من فضله وهو منبع الفضائل ومعدن
~~المفاخر والوسائل، وهل سبقه إلى الفضل إلا السابق لكل خير رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) وأتى بعده مصليا ليكون ذلك المنذر ويكون هو الهادي كما صح
~~في روايات غير لشيعة فقد أخرج الطبراني وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال ما
~~أنزل الله:
# [يا أيها الذين آمنوا] إلا وعلي أميرها وشريفها، ولقد عاتب الله أصحاب
~~محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في غير مكان وما ذكر عليا (عليه السلام)
~~إلا بخير (1) وأخرج ابن عساكر عنه قال ما نزل في أحد من كتاب الله تعالى ما
~~نزل في علي (2)، وأخرج عنه أيضا قال: نزل في علي ms246 (عليه السلام) ثلاثمائة
~~آية (3) وأخرج الطبراني عنه قال: كانت لعلي (عليه السلام) ثمانية عشر منقبة
~~ما كانت لأحد من هذه الأمة (4) وأخرج ابن عساكر عن ابن
# PageV00P336
# مسعود قال أفرض أهل المدينة وأقضاها علي (عليه السلام) (1) وروى الطبراني
~~عن ابن عباس قال لما أنزل قوله تعالى: [إنما أنت منذر ولكل قوم هاد] (2)
~~قال (صلى الله عليه وآله) (أنا المنذر وعلي الهادي وبك يا علي يهتدي
~~المهتدون) (3)، وروى أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره عن أبي ذر (رضي الله عنه)
~~في حديث قال فيه: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (اللهم إني محمد
~~نبيك وصفيك، اللهم فاشرح لي صدري، ويسر لي أمري واجعل لي وزيرا من أهلي
~~عليا اشدد به ظهري) قال أبو ذر:
# فما استتم دعاؤه حتى نزل عليه جبرئيل من عند الله عز وجل وقال قرأ:
# [إنما وليكم الله ورسوله الذين آمنوا] (4) الآية وروى أبو المؤيد في
~~مناقبه عن أبي بردة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ونحن
~~جلوس ذات يوم: (والذي نفسي بيده لا يزال قدم عن قدم يوم القيمة حتى يسأل
~~الله تعالى الرجل عن أربع عن عمره فيم أفناه، وعن جسده فيم أبلاه، وعن ماله
~~مما كسبه وفيم أنفقه، وعن حبنا أهل البيت) فقال له عمر: ما آية حبكم فوضع
~~يده على رأس علي (عليه السلام) وهو جالس إلى جانبه وقال: (آية حبي حب هذا
~~من بعدي) (5).
# وروى الواحدي في أسباب النزول عن الحسن والثعلبي والقرطبي قالوا:
# إن عليا (عليه السلام) وطلحة بن شيبة والعباس افتخروا فقال طلحة: أنا
~~صاحب البيت مفتاحه بيدي ولو شئت كنت فيه، فقال العباس: وأنا صاحب السقاية
~~والقائم عليها، فقال علي (عليه السلام): (لا أدري لقد صليت
# PageV00P337
# ستة أشهر قبل الناس وأنا صاحب الجهاد) فأنزل الله تعالى: [أجعلتم سقاية
~~الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله
~~لا يستوون عند الله] إلى قوله: [الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله
~~بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة ms247 عند الله وأولئك هم الفائزون] (1).
# وروى في الإسعاف عن ابن السماك أن أبا بكر قال: سمعت النبي (صلى الله
~~عليه وآله) يقول: (لا يجوز على الصراط إلا من كتب له علي الجواز) (2) فهذا
~~من جملة ما ورد فيه صلوات الله عليه في حديثهم من المحامد العظام فأنى
~~يجازيه من لم يفز بشئ من تلك الأوصاف، وكيف يوازنه من لم ينل واحدة من هذه
~~الخصال، وكيف يدرك شأوه من لم يحرز فعلا واحدا مما له من محمود الفعال،
~~فوضح من جميع ما بيناه أن عليا (عليه السلام) هو الأفضل للأدلة السالمة من
~~القدح، والأحاديث البعيدة عن الطعن، ووضوح بطلان ما عارضها مما تعلق به
~~الخصم، فهو الإمام بعد الرسول إذ لا يقدم على الأفضل المفضول، وهذه الأدلة
~~المذكورة في الفصول كلها نصوص صريحة في إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام)
~~واضحة في استخلافه وبها يبطل ما أنكره ابن أبي الحديد من النص على إمامته
~~حيث قال بعد ذكر جملة من أخبار السقيفة وإخراج أمير المؤمنين من بيته على
~~أصعب وجه: واعلم أن الآثار والأخبار في هذا الباب كثيرة جدا ومن تأملها
~~وأنصف علم أنه لم يكن هناك نص صريح مقطوع به لا تختلجه الشكوك، ولا تتطرق
~~إليه الاحتمالات كما تزعم الإمامية، فإنهم يقولون إن الرسول (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) نص على أمير المؤمنين نصا صريحا جليا ليس بنص يوم
# PageV00P338
# الغدير، ولا خبر المنزلة ولا ما شابههما من الأخبار الواردة من طرق
~~العامة وغيرها، بل نص عليه بالخلافة وبأمرة المؤمنين وأمر المسلمين أن
~~يسلموا عليه بذلك فسلموا عليه بها، وصرح لهم في كثير من المقامات بأنه
~~خليفة عليهم من بعده، وأمرهم بالسمع والطاعة ولا ريب أن المنصف إذا سمع ما
~~جرى لهم بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يعلم قطعا أنه لم
~~يكن هذا النص، ولكن قد يسبق إلى النفوس والعقول أنه قد كان هناك تعريض
~~وتلويح وكناية وقول غير صريح، وحكم غير مبتوت، ولعله يصده عن التصريح بذلك ms248
~~أمر يعلمه ومصلحة يراعيها، ووقوف مع إذن الله تعالى في ذلك (1) انتهى.
# أقول: إن العارف المنصف إذا نظر هذا الكلام ووقف على ما ذكره قائله من
~~النصوص المتقدمة يعلم قطعا أن قائل هذا القول قد سلك مسلك العناد، وخاض بحر
~~العصبية واللداد، وأي نص لم يصرح به الرسول مما يدل على استخلافه عليا حتى
~~يقال: يصده عن ذاك أمر يعلمه ومصلحة يراعيها، وأي لفظ مما ذكره هذا المورد
~~وأقر بأنه موجب للنص على الإمامة وأكثر منه لم يرد عن رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) في حق علي (عليه السلام) قال فيه: (إمام المتقين) (2) وقال فيه:
~~(سيد المسلمين) (3) وقال فيه: (هو ولي كل مؤمن من بعدي) (4) وقال فيه:
# (خليفتي) (5) في حديث الموازرة وقال (اسمعوا
# PageV00P339
# له وأطيعوا) (1) وقال فيه: (وصيي ووزيري وأحق بمقامي بعدي واختاره الله
~~بعدي) (2) وغير ذلك مما سمعت مفصلا فأي نص يريد ابن أبي الحديد أجلى وأوضح
~~من هذه النصوص، وأي لفظ يطلبه للدلالة على الإمامة أصرح من تلك الألفاظ،
~~وهل يرتاب عاقل أو يختلجه شك في أن قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):
~~(علي (عليه السلام) إمام أوليائي، وإمام المتقين، وإمامكم من بعدي) يريد به
~~الإمامة المعروفة ذلك الوقت وما بعده، وهل يوجد لفظ أجلى في الإمامة من هذا
~~اللفظ، أليس بقبيح من عاقل أن يقول:
# ما أراد النبي (صلى الله عليه وآله) بلفظ امام الإمام؟؟ ولا عنى الإمامة،
~~أوليس يقال: لو أراد النبي (صلى الله عليه وآله) أن ينص على علي (عليه
~~السلام) بالإمامة ما ذا كان يقول أيحتاج في ذلك إلى أكثر من قوله: (علي
~~الإمام بعدي) أو (إمامكم بعدي) فإنه لا يجد سبيلا عن أن يقول بلى يكفيه هذا
~~اللفظ ولا يحتاج في ذلك إلى أكثر منه، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) ذلك مرارا فيما روى الرجل ودع عنك ما رواه غيره زيادة عليه، فهو
~~النص الصريح، ولو تمحل ابن أبي الحديد وقال: لا يكفي في ذلك إلا ما ms249 نسبنا
~~إلى الإمامية ادعاءه في كلامنا قلنا له إنك قد رويت ذلك كله فيما رويت عن
~~النبي (صلى الله عليه وآله) بلفظه أو بمرادفه، ولم يبق إلا أمره بالتسليم
~~على علي (عليه السلام) بالإمرة، فإنه وإن كان صحيحا لكنك لم تروه (3) وليس
~~هذا مما يتوقف النص الصريح عليه حتى تحتج على عدم النص بعدمه فإنك تسلم أن
~~أبا بكر نص على عمر نصا صريحا باستخلافه بمجرد قوله: إني عهدت إلى عمر بن
~~الخطاب ولم تحتج أنت ولا غيرك في نصبه عليه إلى إمرة المسلمين أن يسلموا
~~عليه بالخلافة، فليس
# PageV00P340
# لك أن تلزمنا بما لم تلزم به نفسك ولم نلتزم به نحن، فإنا نقول: إنه وقع
~~ولسنا نقول أن النص على علي (عليه السلام) من الرسول (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) لا يصح إلا به فإن ادعيت ذلك فأثبته علينا وحينئذ قد حصل النص الذي
~~لا تختلجه الشكوك من قولك وروايتك، على أن الإمامية لا يحتاجون في إثبات
~~النص على أمير المؤمنين إلى أكثر من خبر الغدير وخبر المنزلة كما زعمت
~~لصراحتهما في ذلك، وهل أبقيا شيئا من معنى الإمامة والخلافة حتى يحتاج
~~الإمامية في إثباته إلى دليل غيرهما لو كنت تنصف، وهل مشابههما وغيره من
~~الأخبار إلا مؤكد لهما، ومقو لدلالتهما، ومضاعف لصراحتهما أضعافا مضاعفة،
~~فسبحان الله ما هذا النص الصريح بعد ما طلبت واقترحت؟ ألا تدلنا عليه ما هو
~~وما صفته وما لفظه وما معناه حتى نعلمه ونقف عنده؟ فليس بيننا وبين الحق
~~عداوة، ولم يكن قدمنا عليا على غيره من الصحابة في الفضل والإمامة طمعا في
~~دنيا نصيبها، ولا رغبة في ثروة ننالها، فإنا نعلم وأنتم تعلمون أن الرئاسة
~~في الدنيا قديما وحديثا لمن ناواه، والمال والثروة والغلبة فيها لمن عاداه،
~~وإن أولياءه ومحبيه ما زالوا مقهورين مغلوبين خائفين، وإنما صرنا إلى ما
~~صرنا إليه لما ساقنا إليه الدليل الواضح، والبرهان المبين الذي أقررتم
~~بصحته، فدلونا على ما ينقضه مما اجتمعنا نحن وإياكم على صحته وسلامته من
~~مناقضة ms250 بعضه بعضا حتى نعدل إليه، وأما التأويلات الركيكة والاستبعادات
~~الواهنة والتمحلات (1) الممتنعة والتعللات الباردة فليست مما يجوز أن يترك
~~لها الدليل، ولا أن يعدل بها عنه، وبالجملة فما أدري ما هذه النصوص التي
~~تدل على الإمامة عند ابن أبي الحديد وأصحابه التي لا يختلجها الشك ولا تطرق
~~إليها الاحتمالات، وما تلك الألفاظ الصريحة فيها غير تلك الألفاظ المذكورة
~~حتى نعرفها، فإنا لا
# PageV00P341
# نفهم لفظا في الإمامة والخلافة أصرح من لفظ الإمام والخليفة وما رادفهما
~~مما رقمناه ورسمناه حتى نأتيهم به، والصريح جئناهم به من حديثهم فما أذعنوا
~~به، وما ذلك إلا تعللات عن قبول الحق ومدافعة للحجة بالراح، وما أظن القوم
~~إلا أنهم يريدون منا أن نرقى في السماء ثم نأتيهم بكتاب من الله تعالى
~~يقرءونه وفيه إلى عبادي المعتزلة فلان وفلان بأسمائهم أما بعد فإن رسولي
~~محمد بن عبد الله قد نص على علي بالإمامة والخلافة وقد صدق الإمامية فيما
~~قالوا فيكون حينئذ عند القوم نصا، وهذا شئ تعذر على الأنبياء والأوصياء
~~فكيف يمكن مثله لرواة أخبارهم ونقله آثارهم والمقتبسين من شعاع أنوارهم،
~~وأظن أنه لو تيسر ذلك لم يقبلوه ولم يصدقوه ولتأولوه ودافعوا فيه، وإلا
~~لصدقوا ما رووه وصححوه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) من ذلك، وكأنهم
~~اقتدوا بأم المؤمنين عائشة لروايتهم في شأنها (خذوا نصف دينكم من الحميراء)
~~(1) قد روت في حق علي (ع) ما سمعته قريبا وحضرت وصية النبي (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) إليه كما قاله خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين في شعره الذي مر
~~عليك، وقد خرجت تحاربه مع أنها سمعت رسول الله يقول لها في حق علي (عليه
~~السلام) (ستقاتلينه يوما وأنت ظالمة له وتنبحك في طريقك كلاب الحوئب) فلما
~~سارت إلى البصرة ووصلت ذلك الماء نبحتها كلابه فسألت عن اسمه فقيل ماء
~~الحوئب فقالت: ردوني فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول كذا
~~وكذا وذكرت الحديث، فلفق لها طلحة والزبير رجالا من الأعراب وقد جعلوا لهم
~~جعلا
# PageV00P342
# ورشوة ms251 فشهدوا عندها أنه ليس بماء الحوئب فقبلت الإنكار بعد الإقرار وصدقت
~~شهادة الأعراب كأن رسول الله لم يخبرها بذلك، والعجيب أنها بعد ذلك كتبت
~~إلى حفصة تبشرها أن عليا لما بلغه كثرة جمعنا بقي متحيرا وصار كالفرس
~~الأشقر إن تقدم عقر وإن تأخر نحر حتى قال في ذلك كله سهل بن حنيف الأنصاري
~~رحمه الله عذرنا الرجال بحرب الرجال * فما للنساء وما للسباب أما حسبنا ما
~~أتينا به * لك الخير من هتك ذاك الحجاب ومخرجها اليوم من بيتها * يعرفها
~~الذنب نبح الكلاب إلى أن أتانا كتاب لها * مشوم بأقبح ذاك الكتاب وكل هذا
~~ذكره ابن أبي الحديد ورواه غيره من أهل السير فروايته وأصحابه شيئا والقول
~~بخلافه شئ آخر: ولا أدري كيف قال:
# ليس على علي بالإمامة نص صريح وإنما هو تعريض وتلويح بعد روايته لحديث
~~الغدير وقول عمر لعلي (عليه السلام) ذلك اليوم: هنيئا لك يا بن أبي طالب
~~أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة (1) كما روى أيضا عن ابن عباس قال دخلت على عمر
~~في أول خلافته وقد ألقى له صاع من تمر على خصفة فدعاني إلى الأكل فأكلت
~~تمرة واحدة وأقبل يأكل حتى أتى عليه ثم شرب من جر كان عنده، واستلقى على
~~مرفقة له وطفق يحمد الله يكرر ذلك، ثم قال: من أين جئت يا عبد الله قلت: من
~~المسجد قال: كيف خلفت ابن عمك فظننته يعني عبد الله بن جعفر فقلت خلفته
~~يلعب مع أتراب له، فقال: لم أعن
# PageV00P343
# ذلك وإنما عنيت عظيمكم أهل البيت، قلت: خلفته يمتح بالغرب (1) على نخيلات
~~بني فلان وهو يقرأ القرآن، قال: يا عبد الله عليك دماء البدن إن كتمتنيها
~~هل بقي في نفسه شئ من أمر الخلافة؟ قلت: نعم قال: أيزعم أن رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) نص عليه، قلت: نعم وأزيدك أني سألت أبي عما يدعيه فقال:
~~صدق، فقال عمر: لقد كان من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في أمره
~~ذرو (2) من القول لا يثبت حجة ms252 ولا يقطع عذرا، ولقد كان يربع (3) في أمره
~~وقتا ولقد أراد في مرضه أن يصرح باسمه فمنعت من ذلك إشفاقا وحيطة على
~~الإسلام، لا ورب هذه البنية لا تجتمع عليه قريش أبدا، ولو وليها لانتقضت
~~عليه العرب من أقطارها، فعلم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إني علمت
~~ما في نفسه فأمسك، وأبى الله إلا إمضاء ما حتم (4).
# قال ابن أبي الحديد: ذكر هذا الخبر أحمد بن أبي طاهر صاحب كتاب تاريخ
~~بغداد في كتابه مسندا (5) انتهى فانظر إلى قولهم أنه ليس على إمامة علي
~~(عليه السلام) نص صريح وإنما هو تعريض وتلويح فإنه مأخوذ من قوله هنا: لقد
~~كان من رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أمره ذرو من القول لا يثبت حجة،
~~ولا يقطع عذرا، وقوله: فمنعت من ذلك، لا يريد به الحقيقة بمعنى أنه قال
~~للنبي (صلى الله عليه وآله) لا تفعل لعدم قدرته على ذلك في ذلك الوقت، لكنه
~~أراد أني قلت قولا علم من رسول الله (صلى الله عليه وآله) إنا نخالفه لو
~~صرح باسم علي (عليه السلام) فترك ذلك لعدم الفائدة، وأشار بهذا إلى قصة
~~الكتاب حيث قال النبي
# PageV00P344
# (صلى الله عليه وآله) للحاضرين عنده: (هلم اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده
~~أبدا) فقال عمر: اهجر استفهموه، فاختلف الحاضرون، فقالت طائفة: قربوا إليه
~~يكتب لكم، وقالت طائفة أخرى: القول ما قاله عمر، فغضب النبي (صلى الله عليه
~~وآله) وقال: (قوموا عني فلا ينبغي عند نبي تنازع) وهذا الحديث مروي في صحاح
~~القوم كصحيح البخاري وصحيح مسلم وغيرهما وهو بالغ حد التواتر في الجملة،
~~وألفاظه مختلفة بالزيادة والنقص، وصورة ما ذكرناه متفق عليها وذكره ابن أبي
~~الحديد بلفظه مرة وأشار إليه مرارا.
# ثم يقال لابن أبي الحديد: أليس دل هذا الحديث على النص من قول علي (عليه
~~السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نص عليه وقوله حق عندك لأنه مع
~~الحق، ومن شهادة عمه العباس له بذلك، فأين قولك، أنه لا ms253 نص هناك وإنكارك
~~على الإمامية دعواه؟ أولست بإنكارك النص كذبت عليا، ورددت شهادة العباس ولم
~~تكن كذبت الإمامية خاصة؟ وأين قولك في كثير من المواضع: إن عليا لم يحتج
~~على الصحابة بالنص، وهذا الخبر ينص على ذلك من قول عمر: أيزعم أن رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) نص عليه، ومن قول ابن عباس: نعم، أفما في هذا دلالة
~~صريحة على أن عليا (عليه السلام) كان طالبا للخلافة محتجا على ذلك بنص
~~الرسول (صلى الله عليه وآله) وأن عمر قد علم ذلك وسمعه، وأن ابن عباس كذلك
~~وأن العباس سمعه وشهد له، افترى باقي الصحابة لم يسمعوا ذلك! ولا ضير أيضا
~~لو لم يسمعوا إذا كان الخصم قد سمع الدعوى والحجة عليها.
# ثم يقال له أيضا أليس في كلام عمر تناقض بين لأنه أنكر النص أو لا وذكر
~~أنه لا نص وإنما هو شئ من القول لا تقوم به الحجة ولا يقطع العذر
~~PageV00P345
# ثم قال ولقد أراد رسول الله في مرضه أن يصرح باسمه، أفليس يدل هذا القول
~~على أن عمر قطع أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يريد التصريح باسم علي
~~(عليه السلام) وتعيينه للخلافة فأخبر أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~نص عليه بهذه الإرادة، وإذا علم ذلك فلا يحتاج إلى اللفظ لأن الحاجة إلى
~~اللفظ إنما هي لإبراز ما في الضمير، وإذا كان القصد معلوما من الإشارة فلا
~~حاجة إلى اللفظ، وإذا علم عمر من إشارة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~إلى الكتاب إرادته النص على علي (عليه السلام) فقد علم النص عليه، فكيف
~~يقول لا نص؟ فدل قوله على أنه رد على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~قضاءه ومنعه من إنفاذ حكمه.
# ثم يقال له أيضا: أي ضرر على الإسلام إذا ولى الأمة أعلمهم بالكتاب
~~والسنة وأشجعهم وأتقاهم وأقربهم إلى الرسول قرابة حتى يشفق على الإسلام من
~~ولايته وهو الذي شيد الإسلام بسيفه ومهد قواعده بجهاده؟ وكيف لا تجتمع عليه
~~قريش ms254 بعد نص النبي (صلى الله عليه وآله) عليه وأنت تزعم أن الصحابة لا
~~يخالفون نص النبي (صلى الله عليه وآله)؟
# وكيف تنتقض عليه العرب مع النص عليه من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~أليس هذا إخبارا صريحا من عمر عن تعمد قريش لمعصية الرسول (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) ومخالفته وعدم اعتنائهم بنصه فأين زعمك أن الصحابة لو سمعوا نصا
~~من النبي (صلى الله عليه وآله) لما خالفوه، وهذا عمر يخبر عنهم وهو منهم
~~أنهم ملتزمون بمخالفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في علي (عليه
~~السلام) إذا نص عليه وصرح باسمه، فحديثك كله نص فيما نقول وشاهد على ما
~~ندعي، فبطل إنكارك ما قلناه، وكل ما أوردناه على ابن أبي الحديد وارد عن
~~عمر حرفا بحرف، ثم يقال له أيضا:
# هب أن قريشا تخالف نص الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وتعصيه لم ابتدأت
~~أنت بذلك وبادرت إلى المخالفة ومنعته من التصريح باسم علي PageV00P346
# (عليه السلام)، وتحملت مخالفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وابتدعتها
~~لقريش وجرأتهم عليها وطرقتها لهم والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حي، ولم
~~وافقتهم وشاركتهم في مخالفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومعصيته بعد
~~وفاته في عدولهم عن وصيه إلى غيره وكنت أنت المتقدم لهم في ذلك وأول
~~الساعين فيه وأعظم المساعدين عليه؟ وهلا كنت مساعدا لمن نص عليه النبي (صلى
~~الله عليه وآله) كما ساعدت غيره؟ وكيف تركت من قصد النبي (صلى الله عليه
~~وآله) توليته وعدلت عنه وبادرت إلى بزه خلافته وسارعت إلى نصب من لم يشر
~~إليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا الأمر وادعيت أن رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) رضيه للدين فرضيته للدنيا؟ وهلا عدلت عن ذلك كله
~~إلى طاعة الرسول حيا وميتا ولا يضرك عصيان من عصى؟ فما أدري ماذا تصنع
~~المعتزلة أيكذبون هذه الأحاديث المروية من الكتب الصحيحة عندهم؟ أم يكذبون
~~عليا (عليه السلام) في دعواه نص الرسول (صلى الله عليه ms255 وآله) عليه ويردون
~~شهادة العباس بذلك له؟ أم يكذبون عمر الذي افتعلوا في شأنه (إن الملك ينطق
~~على لسانه) في إخباره عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه أشار إلى علي
~~(عليه السلام) بالخلافة في أيام حياته وقصد التصريح به في مرضه وأن المنع
~~من التصريح باسمه إنما جاء من قبله مع أن ذلك معاندة لرسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) وردا لأمره وجرأة على الله في مخالفته، وليت شعري كيف يتابع
~~هؤلاء القوم من يحرم الحلال ويحلل الحرام ويقبلون قوله ويقدمونه على نص
~~الكتاب والسنة، فإذا أخبر عن نفسه بأنه عصى وخالف الرسول (صلى الله عليه
~~وآله) كذبوه، وهذا يدلك على أنهم قد تحيلوا على التقليد المحض في مذهبهم
~~والتصديق الصرف لأسلافهم، فهم مذعنون لهم فيما قالوه وإن خالف ما رووه
~~وصححوه وجملة الأمران الأولين قصدوا إلى إنكار النصوص الواردة عن النبي
~~(صلى الله عليه PageV00P347
# وآله وسلم) على علي (عليه السلام) وإخفائها وسترها ما استطاعوا قولا
~~وفعلا والآخرون من معتزلة وأشاعرة ورعاع الناس وأهل الأطماع في الدنيا
~~قلدوهم في ذلك واتبعوهم على غير بصيرة، فتراهم يروون النص الصريح ويقولون
~~ليس هذا بنص صريح، والمنصف المتأمل في أمرهم إذا نظر إلى أقوالهم لا يختلجه
~~الشك ولا يدخله الريب في أن هذه طريقتهم ودأبهم، وليتهم إذا أخفوا نصوص
~~إمامة علي (عليه السلام) اقتصروا على ذلك ولم يتعدوا عنه إلى تزويرهم
~~الأخبار في ذمه واختلاقهم الأحاديث في فضائل المتقدمين عليه ليعارضوا بها
~~ما لم يجدوا إلى إخفائه وستره سبيلا من مناقبه مثل خطبة ابنة أبي جهل وأن
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) غضب عليه لذلك وأنه قال: (إن آل أبي
~~طالب ليسوا لي بأولياء) إلى غير ذلك مما ذكروا من الأكاذيب وسيأتي لهذا
~~المبحث كشف وبيان في موضع هو أخلق بذكره من هنا فترقب والحاصل أنه لولا فعل
~~الشيخين بأمير المؤمنين وتهجينهما أمره وتصغيرهما قدره لكانت النصوص
~~المذكورة على إمامته زاهرة أقمارها، مشرقة شموسها، مضيئة أنوارها تملأ عين
~~كل ms256 ناظر وتقرع سمع كل باد وحاضر، لكنهما أطفئا تلك الأنوار الظاهرة وأخفيا
~~تلك الشموس الزاهرة ولولاهما لم يخالف أمير المؤمنين (عليه السلام) أحد من
~~الناس ولكان أجل قدرا من أن يضام ويجترئ أحد من الناس على منازعته ولقد صرح
~~بهذا معاوية بن أبي سفيان في كتابه إلى محمد بن أبي بكر وهو غير متهم على
~~الشيخين قال في ذلك الكتاب (فقد كنا وأبوك معنا في حياة نبينا نرى حق ابن
~~أبي طالب لازما لنا، وفضله مبرزا علينا، فلما اختار الله لنبيه ما عنده،
~~وأتم له ما وعده، وأظهر دعوته وأفلج حجته قبضه الله إليه فكان أبوك وفاروقه
~~أول من ابتزه وخالفه، على ذلك اتفقا واتسقا إلى آخر ما قال من شبه هذا فلقد
~~صدق وليس بصدوق روى هذا الكتاب ابن أبي الحديد عن نصر بن PageV00P348
# مزاحم المنقري وكان عند ابن أبي الحديد ثقة ثبتا في الحديث (1) فأعطى قول
~~معاوية أن مخالفته لعلي (عليه السلام) ومناوأته له إنما كانت لما فعلاه من
~~ابتزاز حقه في أول الأمر فكان ذلك مطمعا لمعاوية في نيل الرئاسة ومجسرا له
~~على المخالفة، ولم يكن ذلك منه لعدم علمه بفضل علي (عليه السلام) ولا
~~لجهالته بعدم لزوم حقه على الناس في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~وما ذاك إلا لما بينه النبي (صلى الله عليه وآله) من فضله وما ألزمه الناس
~~من حقه بالقول والفعل، ولا يكون ذلك إلا بنص عليه، فلعمري أن في قول معاوية
~~إقرارا بالنص من جهة اللزوم وتصريحا بمخالفة الشيخين له وذلك هو ما نقول،
~~وهو أعظم حجة على معاوية حيث صرح بتعمده مخالفة الرسول (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) في خلعه ما لزمه من حق علي (عليه السلام) تقليدا لفلان وفلان فقد ظهر
~~الحق وتوجه النقض على ابن أبي الحديد وأصحابه وبطل ما كانوا يعملون.
# فإن قيل: كيف قبحتم على المعتزلة صرف ألفاظ الأخبار عن نصوصها والعدول
~~بها عن ظواهرها مع أنهم قصدوا بذلك التوفيق بينها وبين فعل الصحابة ms257 وأنتم
~~جوزتم لأنفسكم صرف ألفاظ القرآن الدالة على صدور المعصية من الأنبياء مثل
~~[وعصى آدم ربه فغوى] (2) وغيرها عن نصوصها وظواهرها إلى مجازات بعيدة كترك
~~الأولى وفعل المرجوح وغير ذلك، فكيف جاز لكم صرف اللفظ عن صريحه إلى بعض
~~محتملاته البعيدة ولم يجز للمعتزلة ذلك؟ قلنا: هذه الحجة هي التي ركن إليها
~~ابن أبي الحديد وقوم من أصحابه واستطاعوا على الإمامية بها وهي أوهن من بيت
~~العنكبوت، والجواب عنها أن نقول: إنا إنما صرنا إلى ما صرنا إليه من صرف
~~الألفاظ
# PageV00P349
# القرآنية الدالة على صدور المعاصي من الأنبياء عن ظواهرها إلى المجازات
~~مثل ترك الأولى وفعل المرجوح لما ثبت من وجوب عصمة الأنبياء عليهما السلام
~~عن مواقعة الذنوب والخطايا كبائرها وصغائرها بالدليل القاطع من العقل
~~والنقل، فلذلك حملنا الألفاظ الواردة في صدور المعاصي منهم على ترك الأولى
~~وفعل المرجوح وما أشبه ذلك، وعدلنا بها عن مفادها ظاهرا إلى مجازات بعيدة
~~طلبا للتوفيق بين الدليلين المعلومين، وهربا من تناقض الأمرين القطعيين،
~~ولولا ما قام من الدليل المقطوع به من العقل والنقل على نزاهة الأنبياء من
~~مباشرة الذنوب وطهارتهم من مقارفة المعاصي والعيوب لتركنا الألفاظ على
~~حالها، وأبقيناها على مفادها، ولم نحتج إلى تكلف التأويلات، على أن
~~المعتزلة قد شاركونا في تأويلها ووافقونا على صرفها في غير معانيها لوجوب
~~عصمة الأنبياء عندهم، غاية الأمر أنهم حملوها على الصغائر المكفرة لوجوب
~~عصمة الأنبياء عندهم عن الكبائر خاصة، أما التأويل فعليه الاتفاق بيننا
~~وبينهم وليس الأمر في الصحابة كذلك فإنهم غير معصومين باتفاق الأمة ولم يكن
~~منهم من قيل بعصمته إلا صاحبنا الذي نحن بصدد إثبات النص عليه، فلما كان
~~الصحابة غير معصومين قطعا لم يجز صرف الألفاظ الصريحة عن معانيها إذا خالفت
~~أفعالهم ولم يسغ رد نصوص الكلمات الصحيحة إذا ناقضت سيرتهم إذ لا داعي إلى
~~ذلك بعد انتفاء عصمتهم وجواز وقوع المعصية منهم والسهو والغلط عليهم، فهذا
~~فصل ما بين الأمرين والفارق ما بين الحالين فما ظنك بعد هذا بما إذا كان ms258
~~وقوع العصيان منهم معلوما وصدور المخالفة لله ورسوله منهم متحققا، أفيجوز
~~تخلية اليد من نص اللفظ المعلوم الصدور ممن قوله حجة وتركه والعدول به إلى
~~غير معناه لتصحيح أفعالهم الباطلة في نفسها فنكون قد تركنا المعلوم
~~للموهوم؟ حاشا ما يقول بذا ذو عقل فضلا عن ذي فضل فثبت المراد واندفع
~~الايراد.
# وأما الأمور الصادرة من النبي (صلى الله عليه وآله) في شأن أمير المؤمنين
~~PageV00P350
# من افعال وأقوال تنبئ عن عظيم منزلته وجلالته قدره ورفعة شأنه، وتدل على
~~إبانته إياه على غيره، وتومي إلى إرادة رئاسته وتشير إلى قصد النبي (صلى
~~الله عليه وآله) إظهار إمامته فهي كثيرة.
# فأما الأفعال فمنها مؤاخاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا (عليه
~~السلام) فإنه قد اتفق الناس على أن النبي (عليه السلام) حين آخى بين أصحابه
~~آخى بين علي ونفسه، وصفة المؤاخاة رووها عن عبد الله بن عمرو عن عبد الله
~~بن العباس، قال ابن عمر: لما آخى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بين
~~صحابته جاءه علي بن أبي طالب (عليه السلام) وعيناه تدمعان فقال: يا رسول
~~الله آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد فسمعت رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) يقول: (أنت أخي في الدنيا والآخرة) (1).
# وفي حديث ابن عباس قال: لما آخى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بين
~~أصحابه من المهاجرين والأنصار وهو أنه (صلى الله عليه وآله وسلم (آخى بين
~~أبي سكر وعمر وآخى بين عثمان بن عفان وبين عبد الرحمن بن عوف وآخى بين طلحة
~~والزبير وآخى بين أبي ذر والمقداد ولم يؤاخ بين علي بن أبي طالب وبين أحد
~~منهم خرج علي مغضبا إلى أن قال:
# (أغضبت حين آخيت بين المهاجرين والأنصار ولم أؤاخ بينك وبين أحد منهم؟
~~أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي إلا من
~~أحبك فقد حف بالأمن والإيمان ومن أبغضك أماته الله ميتة
# PageV00P351
# جاهلية) (1).
# وأما قول النبي (صلى الله عليه وآله) ms259 لعلي أخي فهو كثير في الأحاديث
~~المتقدمة والآتية وغيرها، وهذا الفعل من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~بعلي (عليه السلام) يدل على أمرين.
# أحدهما: إن عليا (عليه السلام) لا يماثله أحد من الصحابة ولو كان له مثيل
~~أو شبيه منهم لآخاه.
# والثاني: إن عليا (عليه السلام) مماثل لرسول الله (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) في صفاته إلا ما خرج بدليل قاطع لأن حقيقة الأخوة رجوع شيئين أو أكثر
~~إلى أصل واحد فهي إذن مماثلة بين اثنين في صفة أو صفات، فمن النسب مماثلة
~~شخصين في التولد من أبوين معا أو من أحدهما، وبين المؤمنين مماثلتهم في
~~الإيمان، وأخوة علي (عليه السلام) للرسول (عليه السلام مماثلة في صفاته،
~~ولما كانت غير معينة في شئ ولا مخصوصة بصفة كانت عامة لكل الصفات إلا ما
~~علم انتفاؤه كالتولد من أبوين أو من أحدهما للعلم بانتفاء ذلك، ومثل النبوة
~~لختمها بالنبي (صلى الله عليه وآله) كما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع
~~الأمة، فبقي ما سواهما من الصفات داخلا في عموم المماثلة مثل العلم والعصمة
~~والأفضلية على الخلق والإمامة كما قال الحسن البصري فرسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) خير الناس نفسا وخيرهم أخا، فمؤاخاة النبي (صلى الله عليه وآله)
~~لعلي دالة على أن عليا هو الصالح لمماثلته في صفاته والقيام مقامه بعد
~~وفاته، لأن من جملة ما ماثله فيه الإمامة فهو الإمام بعده وأن من سواه غير
~~صالح لمماثلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإلا لآخاه، ولا مستحقا
~~لمشاكلة علي (عليه السلام
# PageV00P352
# وإلا لآخى بينه وبينه، فمفاده أنه لا يصلح أحد من الصحابة غير علي (عليه
~~السلام) للقيام مقام النبي (صلى الله عليه وآله) في دينه وأمته من بعده،
~~فهذا الفعل يكاد يلحق بالنصوص الصريحة على إمامة أمير المؤمنين (عليه
~~السلام) إن لم يكن من أدلها وأوضحها عند إعطاء التأمل حقه وليس من أدلة
~~الإشارات والأمارات كما ترى، والعجب كيف تقتضي صحبه أبي بكر لرسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) في الغار ms260 عند أبي عبيدة وعمر إرادة رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) تقديمه عليهما بزعمهما فيمتنعان من التقدم عليه يوم
~~السقيفة كما رواه ابن أبي الحديد (1) وغيره من قولهما مع ما في أمر صحبته
~~الغار من الايراد وعدم تحقق السلامة من الطعن كما سلف منا إشارة إليه ولا
~~تقتضي مؤاخاة النبي (صلى الله عليه وآله) عليا عندهما إرادة تقديمه على
~~الناس كافة مع ما فيها من التشريف الظاهر، والتفضيل البين، والتنويه الواضح
~~بشأن أمير المؤمنين (عليه السلام) مع ما يشاركه من الأفعال والأقوال،
~~والمدح العظيم والثناء الجسيم من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليه ما
~~هذا إلا عناد وإنكار صريح الفضل أمير المؤمنين (عليه السلام)؟ فأعاذنا الله
~~تعالى من الغفلات وقد تقدم هذا كلام في موضع دعت الحاجة إلى ذكره فيها
~~وأوضحنا هناك فيه ما ينتفع به ههنا.
# ومنها إباتة النبي (عليه السلام) عليا (عليه السلام) على فراشه لما أراد
~~مشركوا قريش قتله في داره، ونحن نذكر من ذلك ما ذكره ابن أبي الحديد عن
~~شيخه أبي جعفر الإسكافي المعتزلي في نقضه على الجاحظ، ونكتفي به فإنه قد
~~أتى من ذلك بما لا ينبغي الزيادة عليه، قال في جواب الجاحظ: (ثم يقال له:
~~ما بالك أهملت أمر مبيت علي (عليه السلام) على الفراش بمكة ليلة الهجرة هل
~~نسيته أم تناسيته؟ فإنها المحنة العظيمة والفضيلة الشريفة التي
# PageV00P353
# إذا امتحنها الناظر وأجال فكره فيها رأى تحتها فضائل متفرقة ومناقب
~~متفاوتة وذلك أنه لما استقر الخبر عند المشركين أن رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) مجمع على الخروج من بينهم والهجرة إلى غيرهم قصدوا إلى
~~معاجلته وتعاقدوا على أن يبيتوه في فراشه وأن يضربوه بأسياف كثيرة بيد كل
~~صاحب قبيلة من قريش سيف منها ليضيع دمه بين الشعوب ويتفرق بين القبائل ولا
~~يطلب بنوا هاشم بدمه قبيلة واحدة بعينها من بطون قريش وتحالفوا على تلك
~~الليلة واجتمعوا عليها فلما علم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذلك من
~~أمرهم دعا أوثق الناس ms261 عنده وأمثلهم في نفسه وأبذلهم في ذات الله لمهجته
~~وأسرعهم إجابة إلى طاعته فقال له: (إن قريشا قد تحالفت على أن تبيتني هذه
~~الليلة فامض إلى فراشي ونم في مضجعي والتف في بردي الحضرمي ليروا أني لم
~~أخرج وإني خارج إن شاء الله تعالى) فمنعه أولا من التحرز وأعمال الحيلة
~~وصده عن الاستظهار لنفسه بنوع من أنواع المكايد والجهات التي يحتاط بها
~~الناس لنفوسهم والجأه إلى أن يعرض نفسه لظبات السيوف الشحيذة من أرباب
~~الحنق والغيظة فأجاب إلى ذلك سامعا مطيعا طيبة بها نفسه ونام على فراشه
~~صابرا محتسبا واقيا له بمهجته ينتظر القتل ولا نعلم فوق بذل النفس درجة
~~يلتسمها صابر ولا يبلغها طالب (والجود بالنفس أقصى غاية الجود) ولولا أن
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) علم أنه أهل لذلك لما أهله ولو كان
~~عنده نقص في صبره أو في شجاعته أو في مناصحته لابن عمه واختير لذلك لكان من
~~اختاره (صلى الله عليه وآله) منقوصا في رأيه مقصرا في اختياره ولا يجوز أن
~~يقول هذا أحد من أهل الإسلام وكلهم يجمعون على أن الرسول (صلى الله عليه
~~وآله) عمل بالصواب وأحسن في الاختيار ثم في ذلك إذا تأمله المتأمل وجوه من
~~الفضل منها أنه وإن كان عنده في موضع الثقة فإنه غير مأمون عليه ألا يضبط
~~السر فيفسد التدبير بإفشائه تلك الليلة إلى من يلقيه إلى الأعداء ومنها أنه
~~وإن كان ضابطا للسر ثقة عند من اختاره PageV00P354
# فغير مأمون عليه الجبن عند مفاجأة المكروه ومباشرة الأهوال فيفر من
~~الفراش فيفطن لموضع الحيلة ويطلب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيظفر به
~~ومنها أنه وإن كان ثقة ضابطا للسر شجاعا نجدا فلعله غير محتمل للمبيت على
~~الفراش لأن هذا خارج عن الشجاعة إذ قد أقامه مقام المكتوف الممنوع، بل هو
~~أشد مشقة من المكتوف الممنوع، لأن المكتوف الممنوع يعلم من نفسه أنه لا
~~سبيل إلى الهرب وهذا يجد السبيل إلى الهرب وإلى الدفع عن نفسه ولا يهرب ms262 ولا
~~يدافع، ومنها أنه وإن كان ثقة ضابطا للسر شجاعا محتملا للمبيت على لفراش
~~فإنه غير مأمون أن يذهب صبره عند العقوبة الواقعة والعذاب النازل بساحته
~~حتى يبوح بما عنده ويصير إلى الإقرار بما يعلمه وهو أنه أخذ طريق كذا فيطلب
~~فيؤخذ فلهذا قال علماء المسلمين: إن فضيلة علي (عليه السلام) تلك الليلة لا
~~نعلم أحدا من البشر نال مثلها إلا ما كان من إسحاق وإبراهيم عند استسلامه
~~للذبح ولولا أن الأنبياء لا يفضلهم غيرهم لقلنا إن محنة علي أعظم لأنه قد
~~روي أن إسحاق تلكأ لما أمره أن يضطجع وبكى على نفسه وقد كان أبوه يعلم أن
~~عنده في ذلك وقفة ولذلك قال له [انظر ماذا ترى] (1) وحال علي (عليه إسلام)
~~بخلاف ذلك فإنه ما تلكأ ولا تعتع ولا تغير لونه ولا اضطربت أعضاؤه " - أن
~~قال -: " وذلك لعلم كل واحد منهما أن أحدا لا يصبر على ثقل هذه المحنة ولا
~~يتورط هذه الهلكة إلا من خصه الله بالصبر على مشقتها والفوز بفضيلتها وله
~~من جنس ذلك افعال كثيرة " ثم قال: " إنه قد ثبت بالتواتر حديث الفراش "
~~قال: " وقال أهل التفسير أن قوله تعالى: [ويمكرون ويمكر الله والله خير
~~الماكرين] (2) كناية عن علي (عليه السلام) ثم ذكر إن مكرهم توزيع السيوف
~~على بطون قريش ومكر الله هو منام علي على الفراش " قال: " وقد روى المفسرون
~~كلهم أن قول الله
# PageV00P355
# تعالى: [ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله] (1) أنزلت في علي
~~(عليه السلام ليلة المبيت على الفراش " ثم ذكر جوابه عن دعوى الجاحظ أن
~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعلي ليلة المبيت (نم فلن يخلص إليك
~~شئ تكرهه) فقال قال شيخنا أبو جعفر: هذا هو الكذب الصراح والتحريف والادخال
~~في الرواية ما ليس منها والمعروف المنقول أنه قال له ثم أورد الرواية وقال:
~~ولم ينقل ما ذكره الجاحظ وإنما ولده أبو بكر الأصم وأخذه الجاحظ ولا أصل
~~له، ولو كان هذا صحيحا لم يصل إليه مكروه وقد وقع ms263 الاتفاق أنه ضرب ورمي
~~بالحجارة إلى آخر ما قال (2).
# أقول وهذا الأمر إذا تدبره منصف عرف يقينا أن النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) ما كان يؤهل للأمور العظائم إلا أخاه عليا فيشير إلى أن عليا هو الذي
~~يقوم مقام النبي (صلى الله عليه وآله) في عظام الأمور فهو خليفته في أمره
~~حيا وميتا فأين عمرو (3) عن هذا فإذا ذكر لصاحبه الغار لم يذكر لصاحبنا
~~الفراش أليس في تركه ذكر ذلك والإعراض عنه دليل واضح على أن قصد القوم صرف
~~الأمر منه إلى غيره وإخفاء ماله من الفضل فكيف يستبعد منهم كتمان النص
~~ومخالفته وهذا ظاهر لكل فاهم.
# ومنها إبقاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا بمكة بعد خروجه لأداء
~~أماناته قال ابن أبي الحديد: قال شيخنا أبو جعفر: والمعروف المنقول أنه قال
~~له: (اذهب فاضطجع في مضجعي وتغش ببردي الحضرمي فإن القوم سيفقدوني ولا
~~يشهدون مضجعي فلعلهم إذا رأوك يسكنهم ذلك حتى يصبحوا فإذا أصبحت فلتقم في
~~أداء أمانتي).
# PageV00P356
# وقال ابن أبي الحديد قال محمد بن إسحاق في كتاب المغازي لم يعلم رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أحدا من المسلمين ما كان عزم عليه من
~~الهجرة إلا علي بن أبي طالب وأبا بكر بن أبي قحافة أما علي (عليه السلام)
~~فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أخبره بخروجه وأمره أن يبيت على
~~فراشه يخادع المشركين عنه ليروا أنه لم يبرح فلا يطلبوه حتى تبعد المسافة
~~بينهم وبينه وأن يتخلف بعده بمكة حتى يؤدي عن رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) الودائع التي عنده للناس وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) استودعه رجال من مكة ودائع لهم لما يعرفونه من أمانته وأما أبو بكر
~~فخرج معه (1) انتهى. وهذا الفعل من النبي (صلى الله عليه وآله سلم) فيه
~~إشارة ظاهرة إلى أن عليا (عليه السلام) هو القائم مقامه فيما ينوبه والمؤدي
~~عنه إذا غاب ما يلزم عليه أداؤه في حضوره فهو خليفته في ms264 جميع الأمور وأين
~~غيره من هذين الأمرين وأين يقعون في منزلة هذين الموضعين كلا بل ليس لهما
~~إلا أبو حسن على صلوات الله وسلامه عليه.
# ومن الأفعال التي أبان بها الرسول (صلى الله عليه وآله) عليا (عليه
~~السلام) وأظهره بفضل لا يدانيه فيه أحد تركه بابه مفتوحا إلى المسجد حين سد
~~أبواب الصحابة مع إخباره أن ذلك عن أمر الله تعالى والأمر فيه مشهور (2).
# قال ابن أبي الحديد الحديث العشرون كانت لجماعة من الصحابة أبواب
# PageV00P357
# شارعة في مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) فقال يوما سدوا كل باب في
~~المسجد إلا باب علي فسدت فقال في ذلك قوم حتى بلغ ذلك رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) فقام فيهم فقال إن قوما قالوا في سد الأبواب وتركي باب علي
~~(عليه السلام) إني ما سددت ولا فتحت ولكني أمرت بأمر فاتبعته رواه أحمد في
~~المسند مرارا وفي كتاب الفضائل (1).
# قلت: في هذا ما لا يخفى على عارف منصف من الإشارة البينة إلى إمامة أمير
~~المؤمنين لأن الله حيث لم يجز لأحد من الصحابة مساواته في فتح باب إلى
~~المسجد ولم يرض بمشاركتهم إياه في ذلك، بل جعله في ذلك شريكا للرسول (صلى
~~الله عليه وآله وسلم) ومثيلا فيرضى بعد ذلك لهم أن يتقدموه إلى مقام النبي
~~(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو يجوز أن يكون أبو بكر وعمر و عثمان أمراء
~~عليه وحكاما وأئمة له كما يزعم الخصم وهؤلاء هم الذين لم يرض الله بالأمس
~~بمساواتهم إياه في باب شارع إلى المسجد، أترى يعقل ذلك عاقل ويعتقده رشيد،
~~وفي الحديث أيضا دلالة على أن بعض الصحابة كانوا يتهمون النبي (صلى الله
~~عليه وآله) في علي (عليه السلام) ولا يسلمون له فيه ما فعل به وما قال،
~~ويطلبون مخالفته في ذلك ما استطاعوا ولذلك قالوا فيه ما أوجب أن يقوم فيهم
~~ويخبرهم أن ما فعل بعلي (عليه السلام) من التشريف عليهم عن الله لا عن نفسه
~~وذلك في حياته وسلطانه فما ظنك ms265 بعد وفاته.
# ومنها مناجاة النبي (صلى الله عليه وآله) عليا (عليه السلام) يوم الطائف
~~روى ابن أبي الحديد عن أحمد بن حنبل في المسند أن النبي (صلى الله عليه
~~وآله) دعا عليا (عليه السلام) في غزاة الطائف فانتجاه وأطال نجواه حتى كره
~~قوم من الصحابة ذلك، فقال قائل منهم:
# PageV00P358
# لقد أطال اليوم نجوى ابن عمه فبلغه (صلى الله عليه وآله) ذلك فجمع منهم
~~قوما ثم قال: (إن قائلا قال لقد أطال اليوم نجوى ابن عمه، أما إني ما
~~انتجيته ولكن الله انتجاه) (1) فانظر إلى ما تضمنه هذا الفعل من الرفعة
~~لعلي (عليه السلام) وعلو المنزلة التي تقصر عن تناول أدناها يد المتناول،
~~أوليس صريحا في أن عليا (عليه السلام) هو المخصوص بالعناية الإلهية بعد
~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤهل من الله تعالى:
# للفيوضات القدسية؟ أفليس في هذا إشارة بينة إلى أنه (عليه السلام) هو
~~التالي للنبي (صلى الله عليه وآله) في الدرجة والمرشح من الله من بعده
~~للرئاسة فهو الإمام بعده والخليفة؟ ثم إن هذا الحديث كسابقة في الدلالة على
~~أن بعض الصحابة يسؤهم ما كان يفعله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعلي
~~(عليه السلام) من التشريف والتفضيل، وينكرون عليه ما يميزه به من التعظيم
~~والتبجيل، ويتهمونه في ذلك بأنه لحجبه إياه وميله إليه لا لأمر الله إياه
~~بذلك ولذا قال في جوابهم: (ما انتجيته ولكن الله انتجاه) والمراد أن الله
~~أمرني بنجواه وأن الله لا ينتجي أحدا ولا يخلو بأحد وإذا كانوا ينكرون على
~~النبي (صلى الله عليه وآله) فعله وقوله في علي (عليه السلام) وهو حي فهم
~~إلى إنكار فعله به بعد وفاته أقرب ولمخالفة قوله فيه إذ ذاك أشد لزوال ما
~~كانوا يحذرونه من عقوبته لقهره عليهم وقوته ويرشدك إلى هذا ترك عمر وأصحابه
~~يوم السقيفة ذكر ما كان النبي (صلى الله عليه وآله) خص به عليا (عليه
~~السلام) من هذا الفعل وشبهه مما هو معلوم عند كل الصحابة بل تركهم ذكر علي
~~بالمرة ms266 وإكثارهم من ذكر الغار والاحتجاج به لأبي بكر فمن كان هذا شأنهم لا
~~يبعد منهم إنكار النص على علي (عليه السلام) إذ ليس ذلك إلا كإنكارهم
~~مناقبه ذلك اليوم وقد حصل منهم كما ترى فأين
# PageV00P359
# المستبعدون عليهم مخالفة نص النبي (صلى الله عليه وآله) على علي (عليه
~~السلام) عن هذا وشبهه مما تقدم ويأتي؟ وهل بقي للاستبعاد بعد ذلك مجال
~~فتأمل.
# ومنها اختصاص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا (عليه السلام) في
~~أسفاره وحضره ومشاركته له في أموره من حله وارتحاله ومسيره ونزوله، وأنه
~~صاحب رحله في سفره والملاصق له وقت سيره، ومستودع سره في كل أحواله
~~وأوقاته، وكل ذلك مذكور مشهور وفي التواريخ والسير مسطور بحيث لا ينكره إلا
~~جاهل أو متجاهل ولقد ذكر (عليه السلام) من ذلك ما روي في النهج قال (عليه
~~السلام) وهو يخبر عن حاله مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (وقد علمتم
~~موضعي من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالقرابة القريبة، والمنزلة
~~الخصيصة، وضعني في حجره وأنا وليد يضمني إلى صدره، ويكنفني في فراشه ويمسني
~~جسده، ويشمني عرفه، وكان يمضغ الشئ ثم يلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول،
~~ولا خطلة في فعل) إلى أن قال: (ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل إثر أمه، يرفع
~~لي كل يوم علما من أخلاقه، ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاور في كل سنة
~~بحراء فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) وخديجة وأنا ثالثهما أرى نور الوحي والرسالة،
~~وأشم ريح النبوة، ولقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه، فقلت: يا رسول
~~الله ما هذه الرنة؟ فقال: (هذا الشيطان قد أيس من عبادته إنك تسمع ما أسمع
~~وترى ما أرى إلا أنك لست بنبي ولكنك لوزير وإنك لعلى خير) (1).
# قال ابن أبي الحديد روى الفضل بن العباس قال: سألت أبي عن ولد
# PageV00P360
# رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذكور أيهم كان رسول الله ms267 (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) له أشد حبا فقال: علي بن أبي طالب فقلت سألتك عن بنيه،
~~فقال: إنه كان أحب إليه من بنيه جميعا وأرأف ما رأيناه زايله (1) يوما من
~~الدهر منذ كان طفلا إلا أن يكون في سفر لخديجة، وما رأينا أبا أبر بابن منه
~~بعلي ولا ابنا أطوع لأب من علي له (2).
# وروى ابن أبي الحديد عن أبي مخنف قال جاءت عائشة إلى أم سلمة تخادعها على
~~الخروج للطلب بدم عثمان فقالت لها: يا بنت أبي أمية أنت أول مهاجرة في
~~أزواج رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأنت كبيرة أمهات المؤمنين، وكان
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقسم لنا من بيتك، وكان جبرئيل (عليه
~~السلام) أكثر ما يكون في منزلك، فقالت أم سلمة: لأمر ما قلت هذه المقالة،
~~فقالت عائشة: إن عبد الله أخبرني أن القوم استتابوا عثمان فلما تاب قتلوه
~~صائما في شهر حرام، وقد عزمت على الخروج إلى البصرة ومعي الزبير وطلحة
~~فاخرجي معنا لعل الله يصلح هذا الأمر على أيدينا وبنا، فقالت أم سلمة، إنك
~~بالأمس تحرضين على عثمان وتقولين فيه أخبث القول، وما كان اسمه عندك إلا
~~نعثلا، وإنك لتعرفين منزلة علي بن أبي طالب أي منزلة كانت عند رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله وسلم)، فأذكرك؟ قالت: نعم، أتذكرين يوم أقبل (عليه
~~السلام) ونحن معه حتى إذا هبط من قديد (3) ذات الشمال خلا بعلي (عليه
~~السلام) يناجيه فأطال فأردت أن تهجمي عليهما فنهيتك فعصيتني فهجمت عليهما،
~~فما لبثت أن رجعت باكية فقلت: ما شأنك فقلت إني هجمت عليهما وهما يتناجيان
# PageV00P361
# فقلت لعلي: ليس لي من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا يوم من
~~تسعة أيام أفما تدعني يا ابن أبي طالب ويومي؟ فأقبل رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) علي وهو غضبان محمر الوجه، فقال: (ارجعي وراءك والله لا
~~يبغضه أحد من أهل بيتي ولا من غيرهم من الناس إلا وهو خارج من الإيمان)
~~فرجعت نادمة ساقطة؟ ms268 فقالت عائشة: نعم أذكر ذلك، ثم ذكرتها أيضا حديث:
~~(أيتكن صاحبة الجمل الأزب تنبحها كلاب الحوئب) (1) وقول النبي (صلى الله
~~عليه وآله) لها: (إياك أن تكونيها يا حميراء) قالت عائشة: نعم أذكر هذا
~~فهذا الخبر يدل على اختصاص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وخلواته بعلي
~~(عليه السلام) دون جميع أصحابه وأكثر من خلواته بأزواجه، ويصرح بأن مبغض
~~علي (عليه السلام) كائنا من كان خارج من الإيمان، وأن عائشة كانت منطوية
~~على بغضه من ذلك الزمان، وبالجملة فشدة تقريب النبي (صلى الله عليه وآله)
~~عليا وإدنائه منه وتخصيصه إياه بالخلوات دون الأباعد والأقارب أمر معلوم لا
~~يحتاج إلى كثرة الاستدلال عليه، ولصوق علي (عليه السلام) بالنبي (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) من حين كان طفلا إلى أن اختار الله لنبيه دار البقاء
~~معروف، قال أبو جعفر الإسكافي في ذكر إسلام علي (عليه السلام): " وما بال
~~هذا الطفل لم يأنس بأقرانه " إلى أن قال: " بل ما رأيناه إلا ماضيا على
~~إسلامه مصمما في أمره محققا لقوله بفعله، قد صدق إسلامه بعفافه وزهده ولصق
~~برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من بين جميع من بحضرته، فهو أمينه
~~وأليفه في دنياه وآخرته، فإسلامه هو السبيل الذي لم يسلم عليه أحد غيره،
~~وما سبيله في ذلك إلا كسبيل الأنبياء ليعلم أن منزلته من النبي (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) كمنزلة هارون من موسى، وأنه وإن لم يكن نبيا فقد كان في
~~سبيل
# PageV00P362
# الأنبياء سالكا، ولمنهاجهم متبعا، وكانت حاله كحال إبراهيم (عليه السلام)
~~إلى آخر ما قال (1)، ولقد أجاد وأتى من فضل أمير المؤمنين ببعض ما يجب أن
~~يقال فيه، ومن ألطف الأشياء وأطرفها معتزلي يقول في علي هذا القول حتى يبلغ
~~به إلى مساواته لإبراهيم الخليل، وهذا من عظيم نعمة الله على أمير المؤمنين
~~بأن أظهر فضله على لسان كل ناطق من أهل ولايته وأهل ولاية غيره، وهذه
~~الأفعال كلها مشيرة إلى تقديم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا (عليه
~~السلام) على ms269 جميع الصحابة من الأقارب والأجانب، فهو المخصوص بالتعظيم
~~والتفخيم والمقصود بالرئاسة والتقديم، مع ما يضاف إلى ذلك من مواقفه
~~المشهودة ومشاهده المحمودة، افترى يحق مقام الرسول (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) لغيره؟ وهل تظن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يحل محله سواه؟
~~كلا ورب الراقصات (2) إن هذا ما لا يذهب إليه وهم عاقل لبيب ولا يظنه فطن
~~أريب.
# وأما الأقوال المشيرة إلى إمامة أمير المؤمنين:
# فمنها: ما رواه ابن أبي الحديد عن أحمد بن حنبل في مسنده وأحمد البيهقي
~~في صحيحه عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (من أراد أن ينظر إلى نوح
~~في عزمه، وإلى آدم في علمه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في فطنته،
~~وإلى عيسى في زهده، فلينظر إلى علي بن أبي طالب) (3) وهذا الحديث دال
~~بظاهره على أفضلية علي (عليه السلام) على
# PageV00P363
# الأنبياء لأنه إذا جمع خصال الكل كان أفضل من كل واحد البتة، وهو يكاد
~~يصرح بالنص إذ المقصد من تشبيه علي (عليه السلام) بالأنبياء إظهار ماله من
~~الفضل الفائق على جميع الورى وإرادة تعظيمه من الأمة وتقديمه على من لم يكن
~~فيه خصلة من تلك الخصال، وهذا ينافي ما قاله ابن أبي الحديد من جواز جعله
~~سوقة يحكم عليه من لا يساويه ولا يدانيه في فضله فسبحان الله ما أوهن هذا
~~المقال.
# ومنها قول النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي: (والذي نفسي بيده لولا أن
~~تقول طوائف من أمتي فيك ما قالت النصارى في ابن مريم لقلت اليوم فيك مقالا
~~لا تمر بملأ من المسلمين إلا أخذوا التراب من تحت قدميك للبركة) رواه ابن
~~الحديد عن أحمد بن حنبل في المسند (1).
# أقول: انظر أيها الناظر المتقن إلى ما احتوى عليه هذا الحديث من الفضل
~~الذي لا يدرك العقل معناه ولا يبلغ الادراك إلى الإحاطة بأدناه، حيث دل على
~~أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد خاف من إظهار ذلك المقال في علي
~~(عليه السلام) ذهاب طوائف من الأمة ms270 إلى القول بربوبيته، والمصير إلى اعتقاد
~~إلهيته، كما قالت النصارى في ابن مريم، مع أنه قال فيه من الأقوال الجليلة
~~ما شاع ذكره في الآفاق، ورواه على كثرته كل قوم على اختلاف
# PageV00P364
# مذاهبهم، فصرح الحديث أن قدر علي (عليه السلام) فوق ما ظهر له من الفضل،
~~وأن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يقل فيه مقدار ما هو حقه من المنزلة
~~الرفيعة عند الله تعالى: ولم يبين من كراماته حقيقة ما له من الفضيلة
~~الجليلة، بل بقي بعد ذكر تلك الفضائل العظام، وبيان تلك المناقب الجسام، ما
~~لو قاله فيه لذهب أكثر الأمة فيه إلى الغلو، فليت شعري ما هذا المقال بعد
~~تلك الأقوال، ثم أعظم من ذا أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يقل إن ذلك
~~المقال الذي أخفاه في علي (عليه السلام) هو منتهى فضله ولا غاية مجده فيكون
~~له في فوق ذلك المقال أقوال، وعلى ذلك الفضل أفضال، فأين مبلغ العقول من
~~معرفة حقيقة هذا النور القدسي؟
# وأين محل الادراك من الإحاطة بكنه هذا الجوهر العلوي؟ أفيسوغ لعاقل يروي
~~هذا الخبر ويدريه أدنى دراية أن يشك في أن المراد منه الإشارة إلى نصب علي
~~إماما، وأنه لا يجوز لأحد أن يتقدمه بعد الرسول ولا يخالفه فيما يقول؟ ولا
~~شك أن من رواه ولم يقل ما قلناه، وما عرف معناه ولا دراه ولا فهم إشارته
~~ولا معزاه كابن أبي الحديد وأصحابه والقوشجي وقبيله وغيرهم فجوزوا أن يتقدم
~~على المنصوص عليه بهذا التبجيل من يقول (وليتكم ولست بخيركم وعلي فيكم
~~فأقيلوني) (1) وتارة يقول (إن لي شيطانا يعتريني فإذا
# PageV00P365
# زغت فقوموني) (1) ويترأس عليه من يقول: (كل الناس أفقه من عمر حتى ربات
~~الحجال) (2 وكل ذا رواه المذكور ولا شك أن الشبهات أغشت أفهامهم، الفتنة
~~أعمت قلوبهم كما قيل: الفتنة إذا أقبلت أعمت عين البصير، فإن قيل: إن
~~الحديث دال على أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أخفى ذلك القول في علي
~~خوفا من القول بالغلو فيه مع ms271 أن هذا القول بالغلو فيه قد حصل، فذهب قوم إلى
~~القول بربوبيته وهم الغلاة عليهم لعاين الله وقريب منهم المفوضة، فما خاف
~~منه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد وقع؟:
# قلت: إن الحديث دال على أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يخف من
~~إبداء ذلك المقال في علي (عليه السلام) ذهاب قوم قليلين من الأمة إلى الغلو
~~فيه، وإنما خاف من ذهاب معظم الأمة إلى ذلك ألا تراه يقول: (لولا أن تقول
~~طوائف من أمتي) ولم يقل طائفة ولا قوم، ومن البين أن الغلاة أقل طوائف
~~الأمة فما وقع لم يخفه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وما خافه وأخفى
~~لخوفه ذلك المقال لم يقع، وكيف يريد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الخوف
~~من حدوث هذا القول مطلقا وهو يقول لعلي (عليه السلام): (يهلك فيك اثنان محب
~~غال وعدو قال (3) وغيره مما يشبهه فأخبر أن قوما يغلون فيه، كما أخبر أن
~~قوما سيعادونه، فمراد النبي (صلى الله
# PageV00P366
# عليه وآله وسلم) ما ذكرناه فلا تناقض ولله الحمد.
# ومنها ما رواه ابن أبي الحديد عن أحمد بن حنبل في كتاب الفضائل عن أنس بن
~~مالك أنه لما كانت ليلة بدر قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (من
~~يستقي لنا ماء؟) فأحجم الناس فقام علي (عليه السلام) فاحتضن قربة ثم أتى
~~بئرا بعيدة القعر مظلمة فانحدر فيها فأوحى الله إلى جبرئيل وميكائيل
~~وإسرافيل أن تأهبوا لنصر محمد وأخيه وحزبه، فهبطوا من السماء لهم لغط يذعر
~~من يسمعه، فلما حاذوا البئر سلموا عليه من عند آخرهم إكراما له وإجلالا،
~~فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله):
# (لتؤتين يا علي يوم القيامة بناقة من نوق الجنة فتركبها وركبتك مع ركبتي
~~حتى تدخل الجنة) (1).
# قلت: ولهذا قال عبد الله بن العباس لما سئل عن علي (عليه السلام): ما
~~أقول في رجل كانت له في ليلة واحدة ثلاثة آلاف منقبة، أو قال: فضيلة، (2)
~~أراد بذلك تسليم الملائكة عليه تلك الليلة ms272 وهم كانوا ثلاثة آلاف ملك بنص
~~القرآن، وتسليم كل ملك عليه منقبة فلله در ابن عباس في فطنته ومعرفته
~~بالتأويل، ويا له فضلا حازه أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يسبقه فيه سابق
~~ولا يلحقه لاحق وهو به لحقيق وبنيله لخليق فهو المؤهل من الله للإمارة كما
~~يشير إليه تسليم الملائكة عليه لا من قال فيه ابن أبي الحديد الذي هو من
~~شيعته ومواليه حيث قال مشيرا إلى علي (عليه السلام) وإليه.
# ولا كان يوم الغار يهفو جنانه * حذارا ولا يوم العريش تسترا (3)
# PageV00P367
# ومنها ما رواه ابن أبي الحديد عن أحمد بن حنبل في كتاب الفضائل عن النبي
~~(صلى الله عليه وآله) أنه قال: (الصديقون ثلاثة، حبيب النجار الذي جاء من
~~أقصى المدينة يسعى، مؤمن آل فرعون الذي كان يكتم إيمانه، وعلي بن أبي طالب
~~(عليه السلام) وهو أفضلهم) (1) وهذا الحديث يصدق ما قاله أمير المؤمنين
~~(عليه السلام): (أنا الصديق الأكبر وأنا الفاروق الأعظم) ويبطل ما قاله
~~القوم في تسمية غيره بالصديق ولو كان ما قالوه حقا لقال النبي (صلى الله
~~عليه وآله) الصديقون أربعة وعده منهم.
# ومنها ما رواه ابن أبي الحديد عن أبي جعفر الإسكافي قال: روى أبو صادق عن
~~ربيعة بن ناجذ عن علي (عليه السلام) قال: قال لي رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله وسلم): إن فيك لشبها من عيسى بن مريم أحبته النصارى حتى أنزلته
~~بالمنزلة التي ليست له وأبغضته اليهود حتى بهتت أمه) (2).
# ومنها ما قال ابن أبي الحديد: روى الناس كافة أن رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) قال لعلي (عليه السلام): (هذا وليي وأنا وليه عاديت من
~~عاداه وسالمت من سالمه) (3) ونحو هذا اللفظ وهو يدل على أن موالاته هي
~~الإيمان ولذا قال أبو سعيد الخدري فيما رواه ابن أبي الحديد عن إبراهيم بن
~~هلال الثقفي في كتاب الغارات، كنا نبور أبناءنا بحب علي ابن أبي طالب
# PageV00P368
# (عليه السلام) فمن أحبه عرفنا أنه منا، وعن علي في ذلك الكتاب (لا يحبني
~~كافر ms273 ولا ولد زنا) (1).
# ومنها ما رواه ابن أبي الحديد عن إبراهيم بن ديزيل في كتاب صفين مسند عن
~~أبي سعيد الخدري، قال: كنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فانقطع
~~شسع نعله فألقاها إلى علي (عليه السلام) يصلحها ثم قال: (إن منكم من يقاتل
~~على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله) فقال أبو بكر أنا هو يا رسول الله؟
~~فقال: لا، فقال عمر بن الخطاب: أنا هو يا رسول الله؟ قال: (لا ولكنه ذاكم
~~خاصف النعل) ويد علي (عليه السلام) على نعل النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) يصلحها، قال أبو سعيد: فأتيت عليا فبشرته بذلك فلم يحفل به كأنه شئ
~~قد كان علمه من قبل (2)، وهذا الحديث مشهور وهو ظاهر أي ظهور في النص على
~~إمامة علي (عليه السلام) لأن النبي (صلى الله عليه وآله) جعله التالي له في
~~المنزلة، وذلك لأن المنازل ثلاث منزلة النبوة وهو مقام الوحي، ومنزلة
~~الإمامة وهي مقام التأدية عن الرسول (صلى الله عليه وآله) وتبليغ أحكام
~~الكتاب إلى الأمة ومنزلة القبول والطاعة وهي منزلة الرعية فبين النبي (صلى
~~الله عليه وآله) إن منزلة التأدية عنه، والتبليغ وتبيين معاني الكتاب لعلي
~~(عليه السلام) فهو الإمام بعده المبلغ أمته أحكام التنزيل، والمفصل لهم
~~مجملات الوحي، وهو المقاتل الناس على قبولهم تأويل القرآن منه، وتصديقهم ما
~~يقول عنه، كما أن النبي (صلى الله عليه وآله) قاتل الناس ليقروا بأن القرآن
~~منزل من الله تعالى عليه ويصدقوا بأنه كلام الله ليس بمختلق ولا مكذوب،
~~فرسول الله (صلى الله عليه وآله) مؤسس
# PageV00P369
# الملة وعلي (عليه السلام) موضح أحكام الشريعة، ومبين تأويل الكتاب
~~والسنة، فهو الخليفة بعده على الأمة، فأين يذهب بابن أبي الحديد عن هذا
~~ولقد فهم شيخاه ما أشار إليه النبي (صلى الله عليه وآله) في هذا الحديث من
~~الإمامة؟ فكل تمناها وطلبها ولو لم يعقلوا ذلك من قصد النبي (صلى الله عليه
~~وآله) ما تطاول كل واحد منهما إلى ذلك، وسأل:
# النبي (صلى الله ms274 عليه وآله) أنا هو يا رسول الله فواعجباه كيف كان
~~الشيخان افهم من هذا المعتزلي الجدلي المحقق والخبر رواه أكثر المحدثين.
# ومنها ما رواه ابن أبي الحديد من قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~(إن الملائكة صلت علي وعلى علي سبع سنين ولم تصل على أحد من الناس) (1)
~~وذلك أنهما كانا يعبدان الله ولم يكن على وجه الأرض من يصلي لله غيرهما
~~فشريك النبي (صلى الله عليه وآله) في صلاة الملائكة عليه هو الأحق بمقامه.
# ومنها ما رواه ابن أبي الحديد عن أبي عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد، وعن
~~محمد بن حبيب في أماليه وقال بعد نقله: روى هذا الخبر جماعة من المحدثين
~~وهو من الأخبار المشهورة، وأنه وجده في بعض نسخ مغازي محمد بن إسحاق، قال:
~~وسألت شيخي عبد الله بن سكينة عن هذا الخبر فقال: خبر صحيح (2) وهو أنه لما
~~انهزم الناس عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم أحد وأفردوه فوقاه
~~علي بنفسه وفداه بمهجته وجالد الكتائب دونه حتى قتل من قتل منهم ورجعوا
~~ناكصين، فقال جبرئيل لرسول
# PageV00P370
# الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن هذه المواساة عجبت الملائكة من
~~مواساة هذا الفتى) فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (وما يمنعه وهو
~~مني وأنا منه) فقال جبرئيل (عليه السلام): (وأنا منكما) فانظر إلى هذا
~~المقام وعظم هذا المرام بحيث أن الملائكة الكرام عجبت من صبره وبلائه
~~ومواساته النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك الموقف المهول الذي ذهلت
~~فيه العقول، وأن جبرئيل سيد الملائكة يطلب الإضافة إليه كما يطلب ذلك من
~~النبي (صلى الله عليه وآله)، ويعد ذلك من جملة مفاخره وقول النبي (صلى الله
~~عليه وآله) (هو مني وأنا منه) أليس في هذا كله ما يدل أو يشير إلى أن عليا
~~هو المستحق لمقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأولى به دون كل أحد
~~(1).
# ومنها ما في الخبر المذكور أيضا قال وسمع ذلك اليوم صوت من قبل السماء لا ms275
~~يرى شخص الصارخ به ينادي مرارا (لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي
~~(عليه السلام) فسئل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عنه فقال (هذا جبرئيل)
~~(2) فانظر أيضا إلى هذه المنقبة الجليلة التي لا يشك من سمعها أن عليا هو
~~المخصوص بعناية الله بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والمستحق
~~لمنزلته دون غيره من الصحابة، وكيف يتوهم رشيد أن الرجل الذي كان بالأمس
~~نوه الله بذكره، وأمر الملائكة أن تعلن بمدحه لمشاركته الرسول (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) في صعاب الأمور، وخوضه دونه غمرات الحروب والذي لا فتى في
~~نصرة الدين وجهاد المشركين وإعزاز الإسلام وحماية الرسول (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) وطاعة الله مثله، ولا سيف في كل ذلك كسيفه، والمخصوص من الرسول
~~(صلى الله عليه وآله
# PageV00P371
# وسلم) بالتقديم في كل شأنه، والتفضيل على أقاربه وأعوانه، والمعدود عنده
~~للنوائب والمدخر لكشف الشدائد يكون بعده مؤخرا عن مقامه، ومباعدا عن محله
~~يحكم البعداء عليه في ماله ودمه أو يتصوران الله بذلك راض ورسوله!
# حاشا وكلا، بل كل ما ذكرناه من تنويه الله ورسوله (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) باسم علي (عليه السلام) وإعلان الملائكة بمدحه لبيان أنه خليفة
~~الرسول (صلى الله عليه وآله) بعده في أمته، كما أنه الباذل نفسه في حياته
~~في طاعة الله وطاعته، والصابر المجاهد في إعلاء كلمته، وهذا ظاهر لمن كان
~~له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وهذا الحديث وما قبله يبطلان ما رواه بعض
~~الخصوم من أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بكت (1) عليا (عليه السلام)
~~ذلك اليوم حين قال لفاطمة: أمسكي هذا السيف غير ذميم فنظر إليه رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) مختضبا بالدم فقال: (لئن كنت أحسنت القتال اليوم فلقد
~~أحسن عاصم بن ثابت، والحارث بن الصمة، وسهل بن حنيف، وسيف أبي دجانة غير
~~ذميم) (2) فإن هؤلاء وإن كانوا ثبتوا ولم يفروا كما فر غيرهم لكن ليس
~~جهادهم في ذلك اليوم وغيره يشبه جهاد أمير المؤمنين أو ms276 يدانيه كما علمت من
~~قول جبرئيل (عليه السلام) في أمر المواساة حتى يقول النبي (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) لعلي إن كنت فعلت كذا فلقد فعل فلان وفلان مثل فعلك، ومن هذا
~~الوجه يضعف حمل الخبر على إرادة إظهار فضل المذكورين دون تبكيت علي (عليه
~~السلام) ليرتفع التعارض اللهم إلا على وجه بعيد والله أعلم.
# ومنها قول النبي (صلى الله عليه وآله) في علي (عليه السلام) يوم برز
~~لعمرو بن عبد ود (برز الإيمان كل إلى الكفر كله) رواه ابن أبي
# PageV00P372
# الحديد وهو خبر مشهور بل متواتر وما ظهر من شدة حب النبي (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) لعلي (عليه السلام) فقد روى ابن أبي الحديد (1) وغيره أن رسول
~~الله إذ ذاك ما زال رافعا يديه مقمحا رأسه نحو السماء داعيا ربه قائلا:
~~(اللهم إنك أخذت مني عبيدة يوم بدر وحمزة يوم أحد فاحفظ على اليوم عليا
~~(عليه السلام) رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين) قال ابن أبي الحديد:
~~قال شيخنا أبو الهذيل وقد سأله سائل: أيما أعظم منزلة عند الله علي أم أبو
~~بكر، فقال: يا بن أخي والله لمبارزة علي (عليه السلام) عمرا يوم الخندق
~~تعدل أعمال المهاجرين والأنصار وطاعاتهم كلها وتربى عليها فضلا عن أبي بكر
~~وحده، قال: وروى قيس بن الربيع عن أبي هارون العبدي عن ربيعة بن مالك
~~السعدي قال: أتيت حذيفة بن اليمان فقلت:
# يا أبا عبد الله إن الناس ليتحدثون عن علي بن أبي طالب ومناقبه فيقول لهم
~~أهل البصيرة: إنكم لتفرطون في تقريظ هذا الرجل فهل أنت محدثي بحديث عنه
~~أذكره للناس؟ فقال: يا ربيعة وما الذي تسألني عن علي وما الذي أحدثك عنه،
~~والذي نفس حذيفة بيده لو وضع جميع أعمال أمة محمد (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) في كفة الميزان منذ بعث الله محمدا إلى يوم الناس هذا ووضع عمل واحد
~~من أعمال علي (عليه السلام) في الكفة الأخرى لرجح على أعمالهم كلها، فقال
~~ربيعة: هذا المدح الذي لا ms277 يقام له ولا يقعد ولا يحمل إني لأظنه إسرافا يا
~~أبا عبد الله، فقال حذيفة، يا لكع وكيف لا يحمل وأين كان المسلمون يوم
~~الخندق وقد عبر إليهم عمرو وأصحابه فملكهم الهلع والجزع، ودعا إلى المبارزة
~~فأحجموا عنه حتى برز إليه علي فقتله؟ والذي نفس حذيفة بيده لعمله ذلك اليوم
~~أعظم أجرا من أعمال أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى هذا اليوم وإلى
~~أن تقوم القيامة (2) انتهى.
# PageV00P373
# أقول وفي هذه القصة وقول النبي (صلى الله عليه وآله): (برز الإيمان
~~كله..) (1) من الإشارة إلى تقديمه على القوم ما لا يخفى علي ذي حجى، ولا
~~يحتاج إلى تبيين وتوضيح، وهل كان شبه علي (عليه السلام) وعمر وذلك اليوم
~~إلا داود وجالوت كما قاله جابر بن عبد الله أو غيره من الصحابة، فهذه
~~الأفعال والأقوال كلها شواهد حق على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام)،
~~وأدلة صدق على أنه خليفة رب العالمين، لا يكاد يرتاب فيها إلا من جانب
~~الانصاف، وسلك فج الاعتساف.
# ومما يقوى ما ندعيه ما رواه ابن أبي الحديد عن نصر بن مزاحم في كتاب صفين
~~عن عمر بن سعد (2) عن مسلم الأعور عن حبة العرني، ورواه أيضا عن إبراهيم بن
~~ديزيل الهمداني في كتاب صفين، بهذا الإسناد أيضا عن حبة العرني قال نصر:
~~فروى حبة أن عليا لما نزل على الرقة نزل بموضع يقال له البلخ (3) على جانب
~~الفرات فنزل راهب هناك من صومعته فقال لعلي (عليه
# PageV00P374
# السلام): إن عندنا كتابا توارثناه من آبائنا كتبه أصحاب عيسى بن مريم
~~أعرضه عليك فقرأ الراهب الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم الذي قضى فيما قضى
~~وسطر فيما كتب أنه باعث في الأميين رسولا منهم يعلهم الكتاب والحكمة ويدلهم
~~على سبيل الله، لا فظا ولا غليظا ولا صخابا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة
~~السيئة، بل يعفو ويصفح أمته الحمادون الذين يحمدون الله على كل نشز وفي كل
~~صعود وهبوط تدل ألسنتهم بالتكبير والتهليل والتسبيح، وينصره الله على من
~~ناواه فإذا توفاه الله ms278 اختلفت أمته من بعده ثم اجتمعت فلبثت ما شاء الله ثم
~~اختلفت فيمر رجل من أمته على شاطئ الفرات يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر،
~~ويقضي بالحق ولا يركس (1) الحكم، الدنيا أهون عليه من الرماد في يوم عصفت
~~به الريح، والموت عنده أهون من شرب الماء على الظمآن، يخاف الله في السر
~~وينصح له في العلانية، لا يخاف في الله لومة لائم، فمن أدرك ذلك النبي من
~~أهل هذه البلاد فآمن به كان ثوابه رضواني والجنة، ومن أدرك ذلك العبد
~~الصالح فلينصره، فإن القتل معه شهادة ثم قال: أنا مصاحبك فلا أفارقك حتى
~~يصيبني ما أصابك، فبكى (عليه السلام) ثم قال: (الحمد لله الذي لم أكن عنده
~~منسيا، الحمد لله الذي ذكرني عنده في كتب الأبرار) فمضى الراهب معه ثم ذكر
~~أنه أصيب بصفين، وأن عليا (عليه السلام) صلى عليه ودفنه، وقال: (هذا منا
~~أهل البيت) واستغفر له مرارا (2)، فهذا الحديث مصرح بأن عليا (عليه السلام)
~~هو المخصوص بالذكر بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بتعيينه في كتب
~~الله السابقة المنزلة على الأنبياء فيكون هو الخليفة من بعده، لأن ذكره معه
~~يشير إلى أنه وصيه والقائم مقامه من بعده، ثم انظر
# PageV00P375
# إلى ما وصفه الله به في هذا الكتاب مما لا يوازن به وصف ولا يبلغه إلا
~~الأنبياء المرسلون، وهو أدل دليل على كون المراد من الكتاب بيان أنه (عليه
~~السلام) خليفة النبي (صلى الله عليه وآله) ووصيه إذ لم يذكر غيره على
~~الخصوص بشئ مما يشير إلى معنى الإمامة بالمرة، فليسوا عند الله بخلفاء
~~النبي (صلى الله عليه وآله) يقينا، وأنت إذا نظرت ما رسمناه وتدبرت في جميع
~~ما حررناه نظر متأمل متبصر قطعت وجزمت بأنها نصوص صراح متضحة أي اتضاح في
~~إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام)، وعلمت يقينا أن إنكار النص عليه ممن
~~روى تلك الروايات أو اطلع عليها في الكتب الصحيحة عنده ناش عن رأي غير
~~سديد، وعقل غير رشيد، كما صدر من أمثال ابن أبي الحديد ms279 ونحن نسأل الله
~~التوفيق إلى ولاية مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) ونرغب إلى الله في
~~التسديد.
# فإن قيل: إنكم رويتم هذه الأحاديث من كتب خصومكم واعتمدتم عليها في
~~مطلبكم، فإن يكن ذلك لوثاقتهم عندكم فيلزمكم قبول روايتهم في أئمتهم، وإن
~~لم يكونوا عندكم موثوقا بهم فليس لكم أن تعتمدوا على شئ مما رووه، وليس لكم
~~أن تأخذوا من روايتهم ما يوافق مطلوبكم دون ما يخالفه لأن ترجيح بلا مرجح،
~~ومن قبلته لك لا بد أن تقبله عليك.
# قلنا: أما اعتمادنا على الروايات المروية في كتب خصومنا الواردة في مناقب
~~أئمتنا عليهم السلام فليس لأنهم عندنا ثقات، ولا أن روايتهم مقبولة، ولا
~~لأنها موافقة لمطلوبنا، بل لأنها مذكورة بألفاظها ومعانيها وأمثال أمثالها
~~مما لا يحصى كثرة في كتب أصحابنا المعتبرة من الطرق الموثوق بها، والأسانيد
~~الموثوق برجالها، ولو لم تكن موجودة عندنا، ومروية من طرقنا، ومثبتة في
~~صحاح أخبارنا، وكثير منها منقول بالتواتر لضربنا عنها الذكر صفحا، ولما
~~عرجنا عليها، ولا التفتنا إليها، وهذا بخلاف روايتهم في PageV00P376
# أئمتهم فإنهم يختصون بنقلها، وليس في رواية أصحابنا منها عين ولا أثر،
~~فلذا نحن لا نقبلها لعلمنا بعدم وثاقه ناقليها، بل علمنا باصطناعهم إياها،
~~على أن أكثرها أو جميعها ينتهي إسناده إلى من علمت منهم العداوة لأمير
~~المؤمنين (عليه السلام) وأولاده وذويه، وتزويره الأحاديث في عيبهم وذمهم،
~~فهو يضيف إليها اختلاق أخبار في فضائل المتقدمين عليهم لتكون معارضة
~~لروايات فضائلهم ومناقبهم، ليبلغ غرضه من تهجينها عند الرعاع والغوغاء
~~وينال بذلك الإنعام الوافر عند أعدائهم كأبي هريرة والمغيرة بن شعبة وعمرو
~~بن العاص وابن عمر وعروة بن الزبير وسمرة بن جندب وأضرابهم وكل هؤلاء
~~مصرحون ببغض أمير المؤمنين (عليه السلام) والانحراف عنه، وقد ذكر ابن أبي
~~الحديد في بيان المنحرفين عن علي (عليه السلام) هؤلاء وجماعة كثيرة من
~~أمثالهم وذكر أقوالهم الشنيعة فيه كل ذلك في شرح النهج (1) وذكر تفصيل ذلك
~~وبيانه قبله أبو جعفر الإسكافي (2)، ومنها ما اصطنعه أتباعهم من القراء
~~والفقهاء والمحدثين لمثل ms280 أغراضهم كما أسلفنا بيانه في رد حجة القوشجي، فمن
~~هذه حالهم كيف يصح الثقة برواياتهم؟ على أن كثيرا منها مدخول فيه، وكثير
~~منها لائح عليه آثار الوضع، وجلها مخالف لصريح القرآن، وقد أمرنا من النبي
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) برد ما خالف القرآن من الأخبار المروية عنه، وقد
~~طعن فيها جماعة من الخصوم بالوضع بعضهم صريحا وبعضهم لزوما من حيث لا
~~يشعرون، وطعن ابن أبي الحديد في بعضها صريحا، والكلام في هذا قدمنا منه ما
~~فيه الكفاية في إبطال احتجاج القوشجي بجملة منها، فهذا هو الفارق بين
~~قبولنا رواية الخصوم في فضائل أئمتنا (عليه السلام) دون روايتهم في فضائل
~~أصحابهم وهو المرجح للقبول
# PageV00P377
# والرد، وأما ذكرنا إياها من كتبهم فلأنا في مقام خصام والحجة ما لم يعترف
~~بصحتها الخصم لا تثبت بها الدعوى ولا يقطع بها العذر، فلذا اخترنا نقلها من
~~كتبهم من باب إلزام كل إنسان بما التزم به، ولعدم قدرتهم على إنكارها إذ لا
~~سبيل لهم إليه إلا بإنكار تلك الكتب، وفي إنكارها إبطال مذهبهم واستئصال
~~طريقتهم، ونقض حجتهم، وذلك هو المطلوب فاندفع الاعتراض بعون الله.
~~PageV00P378
# تتميم وتكميل وإذا قد انتهينا إلى هنا فلنذكر طائفة من الأحاديث والأخبار
~~الدالة على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) والمشيرة إلى ذلك والمصرحة
~~بفضله مما لم يذكره ابن أبي الحديد ولا أشار إليه، وننقلها من كتب
~~الموافقين له في إنكار النص على أمير المؤمنين والمشاركين له في تقديم غيره
~~عليه ومن رواياتهم لأنا التزمنا في أول إيراد النصوص أن لا نورد منها إلا
~~ما رواه المعتزلي المذكور بلفظه وبمعناه ومضمونه أو أشار إليه فلذا لم نذكر
~~في تلك المباحث إلا ما كان كذلك على أنا لم نقطع بأنا قد استقصينا جميع ما
~~ذكره المشار إليه في كتابه مما يدخل في تلك الأبواب، ولم نجزم بأن ما
~~ذكرناه وما سنذكره إن شاء الله تعالى - في مواضعه الآتية جميع ذلك لطول
~~الكتاب وتفرقها فيه فلعلنا أغفلنا ذكر شئ منه إن نسينا وقت جمع ms281 هذا الكتاب
~~موضعه، لكني أرجو أن ما نذكره إن كان لا يكون خارجا عن حدود الأنواع
~~المذكورة فنذكر هنا ما أشرنا إليه.
# فمن ذلك ما رواه الطبراني سليمان بن أحمد بسنده عن عبد الله بن حكيم
~~الجهني قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (إن الله تبارك وتعالى
~~أوحى لي في علي ثلاثة أشياء ليلة أسرى بي بأنه سيد المؤمنين، وإمام
~~المتقين، وقائد الغر المحجلين (1).
# PageV00P379
# وروى أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره في حديث طويل عن أبي ذر أنه قال: أيها
~~الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أبو ذر الغفاري، سمعت رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) بهاتين وإلا صمتا يقول في علي بن أبي طالب:
~~(قائد البررة، قاتل الكفرة، منصور من نصره مخذول من خذله) (1).
# وروى الترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري قال: ما كنا نعرف المنافقين
~~على عهد رسول الله إلا ببغضهم عليا (2) (عليه السلام).
# وفي كتاب الخصائص عن العباس بن عبد المطلب، قال: سمعت عمر بن الخطاب وهو
~~يقول: كفوا عن ذكر علي بن أبي طالب إلا بخير فإني سمعت رسول الله يقول في
~~علي ثلاثة خصال وددت لو إن لي واحدة منها كل واحدة منهن أحب إلي مما طلعت
~~عليه الشمس، وذاك أني كنت أنا وأبو بكر وأبو عبيدة بن الجراح ونفر من أصحاب
~~رسول الله إذ ضرب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على كف علي بن أبي طالب
~~وقال: (يا علي أنت أول المسلمين اسلاما وأنت أول المؤمنين إيمانا، وأنت مني
~~بمنزلة هارون من موسى، كذب من زعم أنه يحبني وهو يبغضك، يا علي من أحبك فقد
~~أحبني، ومن أحبني أحبه الله تعالى، ومن أحبه الله تعالى أدخله الجنة، ومن
~~أبغضك فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغضه الله تعالى وأدخله النار) (3).
# أقول غير خفي على من له اطلاع أن الراوي من القسم الثاني وبيان ذلك
# PageV00P380
# مضى منه شئ ويأتي منه شطر.
# وروى ابن خالويه في كتاب الآل عن أبي سعيد الخدري ms282 قال: قال رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) لعلي: (حبك إيمان وبغضك نفاق، وأول من يدخل الجنة
~~محبك، وأول من يدخل النار مبغضك) (1).
# وعن ابن عباس أن النبي (صلى الله عليه وآله) نظر إلى علي بن أبي طالب
~~فقال له: (أنت سيد في الدنيا، سيد في الآخرة، من أحبك فقد أحبني ومن أبغضك
~~فقد أبغضني وبغضك يغضب الله تعالى فالويل كل الويل لمن أبغضك) (2).
# روى الثعلبي في تفسيره أن سفيان بن عيينة سئل عن قول الله عز وجل (سأل
~~سائل بعذاب واقع) فيمن نزلت فقالت للسائل لقد سألتني عن مسألة ما سألني أحد
~~عنها حدثني أبي عن جعفر بن محمد عن آبائه أن رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) لما كان بغدير خم نادى الناس فاجتمعوا فأخذ بيد علي (عليه السلام)
~~وقال: (من كنت مولاه فعلي مولاه) فشاع ذلك فطار في البلاد وبلغ ذلك الحارث
~~بن النعمان الفهري فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على ناقة له
~~فأناخ راحلته ونزل عنها وقال: يا محمد أمرتنا عن الله عز وجل أن نشهد ألا
~~إله إلا الله وأنك رسول الله فقبلناه منك، وأمرتنا أن نصلي خمسا فقبلناه
~~منك، وأمرتنا بالزكاة فقبلناه منك، وأمرتنا أن نصوم فقبلناه، وأمرتنا بالحج
~~فقبلناه، ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعي ابن عمك تفضله علينا فقلت: (من كنت
~~مولاه فعلي مولاه) فهذا شئ منك أم من عند الله عز وجل؟ فقال النبي (صلى
~~الله عليه وآله وسلم): (والذي لا إله إلا هو أن هذا من عند الله عز وجل)
# PageV00P381
# فولى الحارث بن النعمان يريد راحلته وهو يقول: اللهم إن كان ما يقول محمد
~~حقا فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فما وصل إلى راحلته
~~حتى رماه الله عز وجل بحجر سقط على هامته فخرج من دبره فقتله، فأنزل الله
~~عز وجل: [سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع من الله ذي المعارج]
~~(1).
# قال في المناقب مختصر مناقب الحافظ أبي عبد الله ms283 البلخي الشافعي وهو يذكر
~~حديث مبيت علي (عليه السلام) على فراش النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~ليلة الغار: وقال بعض أصحاب الحديث: وأوحى الله تعالى إلى جبرئيل وميكائيل
~~أن انزلا إلى علي (عليه السلام) واحرساه في هذه الليلة إلى الصباح، فنزلا
~~إليه وهما يقولان بخ بخ من مثلك يا علي قد باهى الله بك ملائكته (2).
# قال: ونقل الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في كتابه إحياء علوم
~~الدين أن ليلة بات علي بن أبي طالب على فراش رسول الله (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) أوحى الله إلى جبرئيل وميكائيل: إني آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما
~~أطول من الآخر فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة فاختار كل منهما الحياة فأوحى
~~إليهما: أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب آخيت بينه وبين محمد فبات على
~~فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة فاهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه، فكان
~~جبرئيل عند رأسه وميكائيل عند رجليه ينادي فيقول: بخ بخ من مثلك يا بن أبي
~~طالب يباهي الله بك الملائكة فأنزل الله عز وجل: [ومن
# PageV00P382
# الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد] (1) انتهى
~~(2).
# أقول وهذا الخبر كما ترى يدل على فضل لا يعلم منتهاه ولا يعرف لأحد من
~~أولياء الله مثل هذه الفضيلة وهو يكذب ما ولده أبو بكر الأصم في حديث
~~المبيت من أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لعلي (عليه السلام): (لن
~~يصل إليك منهم أمر تكرهه) إذ لو كان الأمر هكذا لم يكن علي (عليه السلام)
~~فدى النبي (صلى الله عليه وآله) بنفسه ولا آثره بالحياة ولم يكن شرى نفسه
~~ابتغاء مرضاة الله إذ لا يكون ذلك إلا إذا كان يجوز القتل على نفسه في
~~مبيته بل يظنه فيكون قد سخى بنفسه في فداء النبي (صلى الله عليه وآله)، أما
~~إذا كان قاطعا بالسلامة لإخبار النبي (صلى الله عليه وآله) إياه بعدم وصول
~~مكروه من المشركين إليه فلا شئ من ذلك بحاصل لأنه إذ ذاك لم يقدم على ms284 مخوف،
~~ولا وطن نفسه على ملاقاة المكروه، فلا مشقة عليه في ذلك التكليف ومن كان
~~هذا شأنه لا يستحق شيئا من المدح فكيف يباهي الله به سادات الملائكة ويفضله
~~عليهم كما ترى؟ فدل المدح من الله تعالى لعلي (عليه السلام) على أن تلك
~~الزيادة مكذوبة لتهجين هذه الفضيلة حيث لم يكن لغيره ما يدانيها تلك الليلة
~~فلم يباه الله به ملكا ولم تنزل بالتصريح بمدحه آية والحق لا يخفى.
# ووجه آخر وهو أنه قد صح في رواية الخصوم من غير خلاف أن المشركين كانوا
~~يرجمون عليا بالحجارة تلك الليلة حتى أثر في جسده، وهذا لا شك مكروه وصل
~~إليه من المشركين، ولو كان النبي (صلى الله عليه وآله) أخبره بعدم وصول
~~مكروه إليه منهم إذن ما وصل إليه من ذلك شئ، إذ لا تجوز المخالفة في أخبار
~~النبي (صلى الله عليه وآله) فبطل ما قاله
# PageV00P383
# الأصم وتابعوه وبالله التوفيق.
# وروى البيهقي أن عليا (عليه السلام) ظهر من البعد فقال النبي:
# (هذا سيد العرب) فقالت عائشة ألست سيد العرب؟ فقال: (أنا سيد العالمين
~~وهذا سيد العرب) ورواه الحاكم عن ابن عباس بلفظ: (أنا سيد ولد آدم وعلي سيد
~~العرب) (1).
# وروى الترمذي والحاكم وصححه عن بريدة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله): (إن الله أمرني بحب أربعة وأخبرني أنه يحبهم) قيل: يا رسول الله
~~سمهم لنا قال: (علي منهم) يقول ذلك ثلاثا (وأبو ذر والمقداد وسلمان) (2).
# أقول: هؤلاء محبوا علي (عليه السلام) حقا ومحب علي يحبه الله ويأمر
~~بمحبته.
# وأخرج أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة عن حبيش بن جنادة قال:
# قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (علي مني وأنا من علي ولا يؤدي عني
~~إلا علي) (3).
# روى الطبراني والحاكم وصححه عن أم سلمة (رضي الله عنها) قالت:
# كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا غضب لم يجترء أن يكلمه إلا علي
~~(4).
# PageV00P384
# وأخرجا بإسناد حسن عن ابن مسعود أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال:
~~(النظر إلى وجه ms285 علي عبادة) (1).
# وروى أبو يعلى والبزاز عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله:
# (من آذى عليا فقد آذاني) (2).
# وروى الطبراني بسند حسن عن أم سلمة (رضي الله عنها) عن رسول الله قال:
~~(من أحب عليا فقد أحبني ومن أحبني فقد أحب الله ومن أبغض عليا فقد أبغضني
~~ومن أبغضني فقد أبغض الله) (3).
# وروى أحمد والحاكم وصححه عنها (رضي الله عنها) قالت: سمعت رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله وسلم) يقول: (من سب عليا فقد سبني) (4).
# وأخرج الملا في سيرته أنه (صلى الله عليه وآله) أرسل أبا ذر ينادي فرأى
~~رحى تطحن في بيته وليس معها أحد فأخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~بذلك فقال: (يا أبا ذر أما علمت أن لله ملائكة سياحين في الأرض قد وكلوا
~~بمعاونة آل محمد) (5).
# أقول هذه المنقبة إن لم تكن من المعاجز كرد الشمس وما أشبهها فهي من
~~الكرامات العظيمة الدالة على فضل لا يدرك كنهه وهل سمعت بولي من أولياء
~~الله البررة وأنبيائه الكرام تطحن الملائكة بره وتخدمه في مؤنة طعامه
# PageV00P385
# غير علي (عليه السلام).
# وأخرج الطبراني في الأوسط عن أم سلمة قالت سمعت رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) يقول: (علي مع القرآن والقرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا على
~~الحوض) (1).
# قال في الإسعاف وقد روي من طرق عديدة منها صحيح وحسن أن النبي (صلى الله
~~عليه وآله) قال لعلي (عليه السلام): (أشقى الناس رجلان الذي عقر الناقة
~~والذي يضربك على هذه) وأشار إلى يافوخه حتى تبتل منه هذه وأشار إلى لحيته
~~(2).
# وروى البيهقي والديلمي عن أنس أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال:
~~(علي يزهر في الجنة ككوكب الصبح لأهل الدنيا) (3).
# أقول: وظني أن القوم لمعارضته هذا الخبر وضعوا حديث (سراج أهل الجنة عمر)
~~(4).
# وروى الديلمي عن ابن عباس أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (علي
~~مني بمنزلة رأسي من بدني) (5).
# أقول لينظر الناظر في هذا المقام العلي الذي ثبت لمولانا علي من ms286 النبي
~~(صلى الله عليه وآله) حيث جعله بمنزلة الجزء من بدنه، ثم لم يرض
# PageV00P386
# له إلا بأشرف الأعضاء كلها أفترى أن هذا الكلام ليس بنص على إمامته، ولا
~~حث على تقديمه في خلافته! بل والله هو من أصرح النصوص على ذلك وأوضحها، إذ
~~لا يعقل أن النبي (صلى الله عليه وآله) يرضى بتقدم أحد من الناس على من كان
~~منه بمنزلة الرأس من البدن، وهذا ظاهر لمن وعى قال أبو علي: صح عن النبي
~~(صلى الله عليه وآله) أنه سئل عن بعض أصحابه فقال قائل: فعلي فقال: (إنما
~~سألتني عن الناس ولم تسألني عن نفسي) (1).
# وروى الترمذي والحاكم أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال:
# (إن الجنة لتشتاق إلى ثلاثة علي وعمار وسلمان) (2).
# وروى البخاري ومسلم أن النبي (صلى الله عليه وآله) وجد عليا مضطجعا في
~~المسجد وقط سقط رداؤه عن شقه فأصابه تراب فجعل النبي (صلى الله عليه وآله)
~~يمسحه عنه ويقول: (قم أبا تراب قم أبا تراب) فكانت هذه الكنية أحب الكنى
~~إليه لأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كناه بها (3) وروى أحمد في المناقب عن
~~علي (عليه السلام) قال: جلس النبي (صلى الله عليه وآله) في حائط فضربني
~~برجله فقال: (قم فوالله لأرضينك أنت أخي وأبوك والدي قاتل على سنتي، من مات
~~على عهدي فهو في كنز الجنة، ومن مات على
# PageV00P387
# عهدك فقد قضى نحبه، ومن مات يحبك بعد موتك ختم الله له بالأمن والإيمان
~~ما طلعت شمس أو غربت) (1).
# وروى الطبراني أن عليا (عليه السلام) قال: إن خليلي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) قال: (يا علي إنك ستقدم على الله أنت وشيعتك راضيين ومرضيين ويقدم
~~أعداؤك غضابا مقمحين) (2).
# وروى الحاكم أبو القاسم الحسكاني في كتاب شواهد التنزيل لقواعد التفضيل
~~بإسناده عن سليم بن قيس الهلالي عن علي (عليه السلام) أنه قال: إن الله
~~تعالى إيانا عني بقوله: [لتكونوا شهداء على الناس] (3) فرسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) شاهد علينا ونحن شهداء الله على خلقه وحجته في ms287 أرضه ونحن
~~الذين قال تعالى: [وكذلك جعلناكم أمة وسطا].
# وروى أبو علي (رضي الله عنه) عن أبي الحمد مهدي بن نزار الحسيني قال:
~~حدثنا أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله الحسكاني قال: أخبرنا أبو عبد الله
~~الشيرازي قال: أخبرنا أبو بكر الجرجاني قال: حدثنا أبو أحمد البصري قال:
~~حدثنا أحمد بن عمار بن خالد قال: حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني قال:
~~حدثنا قيس بن الربيع عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) لما نزلت [اليوم أكملت لكم دينكم] الآية قال: (الله
~~أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضا الرب برسالتي وولاية علي بن أبي
~~طالب من بعدي) وقال:
# (من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم والله من والاه وعاد من عاداه وانصر من
# PageV00P388
# نصره واخذل من خذله) قال الربيع بن أنس: نزلت الآية في المسير في حجة
~~الوداع (1) قال علي بن إبراهيم من أصحابنا: كان نزولها بكراع الغميم
~~فأقامها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالجحفة (2).
# وروى الثعلبي في تفسيره بإسناده مرفوعا إلى ابن عباس قال: نزلت هذه
~~الآية: [يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك] في علي (عليه السلام) أمر
~~النبي (صلى الله عليه وآله) أن يبلغ فيه فأخذ رسول الله بيد علي (عليه
~~السلام) فقال: (من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وآل من والاه وعاد من عاداه)
~~(3).
# وروى الحاكم أبو القاسم الحسكاني بإسناده عن ابن عباس وجابر بن عبد الله
~~الأنصاري قالا: أمر الله محمدا أن ينصب عليا للناس ويخبرهم بولايته فتخوف
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يقولوا حابى ابن عمه وأن يطعنوا في ذلك
~~عليه فأوحى الله إليه هذه الآية فقام بولايته يوم غدير خم (4).
# وروى الواحدي في كتابه المسمى بأسباب النزول عن أبي سعيد الخدري قال:
~~نزلت هذه الآية: [يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك] يوم غدير خم قال
~~بعض الشافعية هكذا ذكره الشيخ محيي الدين النووي (5) انتهى.
# PageV00P389
# وروى أبو ms288 طالب الهروي بإسناده عن علقمة والأسود عن أبي أيوب الأنصاري أن
~~النبي (صلى الله عليه وآله) قال لعمار: (يا عمار سيكون بعدي هنات حتى يختلف
~~وله السيف فيما بينهم وحتى يقتل بعضهم بعضا وحتى يبرء بعضهم من بعض فإذا
~~رأيت ذلك فعليك بهذا الأصلع عن يميني علي بن أبي طالب فإن سلك الناس كلهم
~~واديا وسلك علي واديا فاسلك وادي علي وخل عن الناس يا عمار أن عليا لا يردك
~~عن هدى ولا يدلك على ردى يا عمار طاعة علي طاعتي وطاعتي طاعة الله) (1).
# وروى الحاكم أبو القاسم الحسكاني قال: حدثني محمد بن القاسم بن أحمد قال:
~~حدثنا أبو سعيد محمد بن الفضيل بن محمد قال: حدثنا محمد بن صالح العرزمي
~~قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: حدثنا أبو سعيد الأشجع عن أبي خلف
~~الأحمر عن إبراهيم بن طهمان عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن
~~المسيب عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية:
# [واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة] (2) قال النبي (صلى الله
~~عليه وآله وسلم): (من ظلم عليا مقعدي هذا بعد وفاتي فكأنما جحد نبوتي ونبوة
~~الأنبياء قبلي) (3).
# أقول وهذا الحديث نص في المطلب وصريح في المقصد قد دل بصراحته على أن من
~~تقدم على علي (عليه السلام) في خلافة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو
~~بمنزلة من جحد نبوته ونبوة من قبله من الأنبياء كما أسلفنا بيانه ويأتي ما
~~هو واضح فيه إن شاء الله ودعوى الخصوم رضاه معلومة البطلان بالبيان
~~والبرهان.
# PageV00P390
# وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: ﴿كونوا مع الصادقين﴾ (1) مع علي (عليه السلام)
~~وأصحابه (2).
# روى مشهورا في قوله تعالى: [رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى
~~نحبه] (3) أنه يعني حمزة بن عبد المطلب وجعفر بن أبي طالب:
# [ومنهم من ينتظر] أنه يعني علي بن أبي طالب وفي رواية بزيادة عبيدة بن
~~الحارث بن المطلب شهيد بدر ms289 (4).
# واتفق المفسرون أن عليا (عليه السلام) هو المؤمن في قوله تعالى: [أفمن
~~كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون] (5) فأمير المؤمنين (عليه السلام) هو
~~الصادق على الإطلاق وهو وأصحابه الثلاثة هم الصادقون بما عاهدوا الله عليه
~~[وما بدلوا تبديلا] كغيرهم وهو المؤمن وهو البر في قوله تعالى:
# [إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا] (6) وهو [الذي عنده علم
~~الكتاب] في قوله تعالى: [قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم
~~الكتاب] (7). كما عن ابن مسعود وأبي عبد الرحمن السلمي ويشهد لذلك ما روي
~~عن علي (عليه السلام) أنه قال: (والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيمن نزلت
~~وأين نزلت وعلى من أنزلت إن ربي وهب لي قلبا
# PageV00P391
# عقولا ولسانا ناطقا)، رواه ابن سعد (1) وروى هو وغيره عن أبي الطفيل قال:
~~ل علي (عليه السلام): (سلوني عن كتاب الله فإنه ليس من آية إلا وقد عرفت
~~بليل نزلت أم بنهار أم في سهل أم في جبل) (2).
# أقول أنى يداني هذا من يقول أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا قلت في كتاب
~~الله بالرأي فيخبر عن نفسه أنه لم يعرف معاني الكتاب ولم يستعلم أحكامه من
~~النبي (صلى الله عليه وآله) ثم هو يتقدم على عالم الكتاب في إنفاذ أحكامه
~~فيالله للعجب العجاب قال في المناقب سأل معاوية خالد بن يعمر فقال له علام
~~أحببت عليا فقال على ثلاث خصال على حلمه إذا غضب وعلى صدقه إذا قال وعلى
~~عدله إذا حكم (3).
# وروي مشهورا أن معاوية قال لضرار بن ضمرة، صف لي عليا فقال:
# اعفني فقال: أقسمت عليك لتصفه، قال: أما إذا كان كلا ولا بد فإنه والله
~~كان بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، يتفجر العلم من
~~جوانبه، وتنطق الحكمة من لسانه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس بالليل
~~ووحشته، وكان غزير الدمعة، طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما خشن، ومن
~~الطعام ما جشب، وكان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألناه، ويأتينا إذا دعوناه،
~~ونحن والله مع ms290 تقريبه لنا وقربه منا لا نكاد نكلمه هيبة له، يعظم أهل
~~الدين، ويقرب المساكين، لا يطمع القوى في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله،
~~وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، قابضا
~~على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، ويقول: يا دنيا غري
~~غيري، أبي تعرضت
# PageV00P392
# أم إلي تشوقت، هيهات هيهات قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها، فعمرك قصير،
~~وخطرك يسير، وعيشك حقير، آه من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق، فبكى
~~معاوية وقال: رحم الله أبا الحسن كان والله كذلك فكيف حزنك عليه يا ضرار؟
~~فقال: حزن من ذبح ولدها في حجرها فهي لا يرقى دمعها ولا يخفى فجعها (1).
# وفي مختصر (2) مناقب البلخي الشافعي لبعض الشافعية قال روي عن علي أنه
~~قال في مجلسه العام: (سلوني قبل أن تفقدوني، سلوني عن علم السماء فإني
~~أعلمها زقاقا زقاقا وملكا ملكا) فقال رجل من الحاضرين: حيث أدعيت ذلك يا
~~ابن أبي طالب ابن جبرئيل هذه الساعة فغطس قليلا وتفكر في الأسرار ثم رفع
~~رأسه قائلا إني طفت السماوات السبع فلم أجد جبرئيل وأظنه أنت أيها السائل
~~فقال السائل: بخ بخ من مثلك يا ابن أبي طالب وربك يباهي بك الملائكة ثم سجى
~~عن الحاضرين (2).
# أقول ويصدق هذا الخبر قول أمير المؤمنين في بعض خطبه " إني بطرق السماء
~~أعلم مني بطرق الأرض (3) " ويزيل استبعاد النفوس الضعيفة عنه ما أوضحناه في
~~مسألة توقف الإمامة على النص حيث أقمنا هناك أدلة الحكمة والشرع على جواز
~~الالهام لأولياء الله.
# PageV00P393
# وروي مستفيضا أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان جالسا في المسجد وعنده
~~أناس من الصحابة إذا جاء رجلان يختصمان فقال أحدهما يا رسول الله إن لي
~~حمارا ولهذا بقرة وإن بقرته نطحت حماري فقتلته فبدر رجل من الحاضرين فقال
~~لا ضمان على البهائم فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (اقض
~~بينهما يا علي) فقال علي (عليه السلام): كان الحمار والبقرة موثقين أم كانا
~~مرسلين أم أحدهما موثقا ms291 والآخر مرسلا فقال لا كان الحمار موثقا والبقرة
~~مرسلة وصاحبها معها فقال علي (عليه السلام) على صاحب البقرة الضمان وذلك
~~بحضرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقرر حكمه وأمضى قضاءه (1) قال بعض
~~العامة: هناك قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأصحابه: (أقضاكم علي)
~~(2).
# قلت: ما أشبه هذه الواقعة بواقعة الحرث والغنم، وما أشبه حكم أمير
~~المؤمنين فيها بحكم سليمان بن داود، وله (عليه السلام) مثل ذلك ما تضيق
~~صدور الأرقام عن سطره وتعيى رؤوس الأقلام عن نقله ونظمه ونثره، وتكل الألسن
~~عن ذكره ونشره، وقد ذكرنا جملة من الأخبار التي تدخل في سلك هذا الباب في
~~رد احتجاج القوشجي على أفضلية الثلاثة وجميع ما أثبتناه من الأحاديث
~~والآيات هنا بين ناص على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد النبي (صلى
~~الله عليه وآله) ومصرح بخلافته، وبين ظاهر فيها ومشير إليها، وكلها تصرح
~~بأفضليته وتنطق بعلو شأنه وجلالته، فهي لما ذكرناه من النصوص المرتبة في
~~الفصول السابقة معاضدة
# PageV00P394
# ولما حررناه من أدلة الإشارات والظواهر مساعدة، وكلها أو جلها مأخوذ من
~~الكتب التي يقر بصحتها خصمنا المعتزلي كما يعترف بثبوتها الأشعري تكون حجة
~~على كل منهما فيما ندعيه من النص الجلي، على مولانا أمير المؤمنين (عليه
~~السلام)، ومن يهدي الله فهو المهتدي.
# احتج ابن أبي الحديد على فقدان النص بحديث السقيفة وأن عليا (عليه إسلام)
~~لم يحتج إذ ذاك بالنص ونقل الخبر من كتاب الجوهري وكان يثنى عليه بأنه من
~~الثقات المأمونين، قال: ونحن نذكر خبر السقيفة روى أبو بكر أحمد بن عبد
~~العزيز الجوهري في كتاب السقيفة قال: أخبرنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أحمد
~~بن سيار قال حدثنا سعيد بن كثير [بن عفير] (1) الأنصاري: أن النبي (صلى
~~الله عليه وآله وسلم) لما قبض اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة فقالوا إن
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد قبض، وساق الرواية وهي طويلة فذكر
~~فيها قول سعد بن عبادة للأنصار وإجابتهم إلى توليته، ثم اختلافهم عليه في ms292
~~الاستبداد بالأمر واختيارهم لأن يكون منهم أمير ومن قريش أمير، ومضي أبي
~~بكر وعمر وأبي عبيدة إلى السقيفة واحتجاجهم على الأنصار بقرابتهم من الرسول
~~(صلى الله عليه وآله وسلم)، وعرض أبي بكر على عمر وأبي عبيدة المبايعة
~~لواحد منهما وإبائهما التقدم عليه لأنه ثاني اثنين في الغار ولأن رسول الله
~~أمره بالصلاة وكلام الأنصار، ومخاصمتهم لأبي بكر وصاحبيه، ورضا عمر وأبي
~~عبيدة بخلافة أبي بكر، وموافقة بشير بن سعد الخزرجي، وكان من سادات الخزرج
~~لهما حسدا لابن عمه سعد بن عبادة - وموافقة أسيد بن حضير رئيس الأوس لهم
~~حسدا لسعد أيضا ومنافسة له أن يلي الأمر، وأن الأوس كلهم بايعوا أبا بكر
~~لما تابعه رئيسهم، وحمل سعد بن عبادة وهو مريض إلى منزله
# PageV00P395
# وامتناعه من بيعة أبي بكر، واجتماع بني هاشم ومعهم الزبير إلى علي بن أبي
~~طالب، واجتماع بني أمية إلى عثمان، وبني زهرة إلى سعد وعبد الرحمن بن عوف،
~~وقول عمر لهم لما أقبل من السقيفة مع أبي بكر ومن بايعه هناك:
# مالي أراكم حلقا (1) قوموا فبايعوا أبا بكر فقد بايعه الناس وبايعه
~~الأنصار!
# فقام عثمان ومن معه وسعد وعبد الرحمن ومن معهما فبايعوا أبا بكر، قال:
# وذهب عمرو معه عصابة إلى بيت فاطمة معهم أسيد بن حضير وسلم بن أسلم فقال
~~لهم: انطلقوا فبايعوا فأبوا عليه وخرج الزبير بسيفه فقال عمر:
# عليكم الكلب، فوثب عليه سلم بن أسلم فأخذ السيف من يده فضرب به الجدار،
~~ثم انطلقوا به وبعلي ومعهما بنوا هاشم وعلي يقول: (أنا عبد الله وأخو رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) حتى انتهوا به إلى أبي بكر فقيل له:
# بايع، فقال: أنا أحق بهذا الأمر منكم لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي
~~أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله وسلم) فأعطوكم المقادة، وسلموا إليكم الإمارة، وأنا أحتج
~~عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار فأنصفونا إن كنتم تخافون الله من
~~أنفسكم، واعرفوا لنا من الأمر مثلما ms293 عرفته الأنصار لكم وإلا فبوؤا با لظلم
~~وأنتم تعلمون، فقال عمر: إنك لست متروكا حتى تبايع، فقال له علي (عليه
~~السلام): أحلب يا عمر حلبا لك شطرة، اشدد له اليوم أمره ليرده عليك غدا لا
~~والله لا أقبل قولك ولا أبايعه فقال له أبو بكر: فإن لم تبايعني لم أكرهك،
~~فقال له أبو عبيدة: يا أبا الحسن إنك حدث السن (2) وهؤلاء مشيخة قريش ليس
~~لك تجربتهم ومعرفتهم بالأمور، ولا أرى أبا بكر إلا أقوى على هذا الأمر منك
~~وأشد احتمالا له واضطلاعا به، فسلم له هذا الأمر وارض به، فإنك إن تعش ويطل
~~عمرك فأنت بهذا الأمر خليق، وبه
# PageV00P396
# حقيق في فضلك وقرابتك وسابقتك وجهادك، فقال علي: يا معشر المهاجرين الله
~~الله لا تخرجوا سلطان محمد عن داره وبيته إلى بيوتكم ودوركم، ولا تدفعوا
~~أهله عن مقامه في الناس وحقه، فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أهل البيت أحق
~~بهذا الأمر منكم، أما كان منا القارئ كتاب الله، الفقيه في دين الله،
~~العالم بالسنة المضطلع بأمر الرعية، والله إنه لفينا فلا تتبعوا الهوى
~~فتزدادوا عن الحق بعدا فقال بشير بن سعد: لو كان هذا الكلام سمعته منك
~~الأنصار يا علي قبل بيعتهم لأبي بكر ما اختلف عليك اثنان ولكنهم قد بايعوا،
~~وانصرف علي إلى منزله ولم يبايع ولزم بيته حتى ماتت فاطمة فبايع (1).
# أقول: وهذه الرواية قد رويت من طرقنا بزيادات من جملتها ذكر علي (عليه
~~السلام) بعض ما قيل فيه من النصوص وأن بشيرا قال ما قال بعد سماعه من علي
~~(عليه السلام) ذكر النص عليه من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأن أبا
~~بكر جاء في تلك الحال برواية (لم يكن الله ليجمع لنا بين النبوة والخلافة)
~~وصدقه من أصحابه من هو على مثل رأيه إلى آخره ما هناك ولا أشك في أن تلك
~~الأمور أسقطها محدثوا القوم من الخبر لتصريحها بمذهب الإمامية كما هي
~~عادتهم، ويشهد لذلك ما أسلفناه في حديث أحمد بن أبي طاهر عن ابن ms294 عباس حين
~~قال له عمر وهو يسأل عن علي (عليه السلام): هل بقي في نفسه شئ من أمر
~~الخلافة؟ قال ابن عباس: قلت:
# نعم قال: أيزعم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نص عليه؟
# قلت: نعم وأزيدك أني سألت أبي عما يدعيه فقال: صدق فقد بينا صراحة هذا
~~الكلام في أن عليا (عليه السلام) ما زال طالبا للخلافة محتجا عليها بالنص
~~من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عليه وأن العباس قد شهد
# PageV00P397
# له بالنص عليه، وأن ابن عباس قد علم ذلك وسمعه، وأن عمر قد علم ذلك ولم
~~يخف عليه، ولا يجوز أن يكون غيرهم من الصحابة غير عالم بذلك، لأن الكلام
~~يدل على أن أمير المؤمنين كان يجهر بذلك ولا يخفيه في جميع أوقاته، ومن
~~البين أن أولى الأوقات بذكره هذا الوقت المذكور الذي كشف فيه عن مقصدهم
~~بالتغلب عليه وبين لهم استحقاقه للأمر دونهم بالدليل، وليس من الجائز أن
~~يتركه في هذا الحين ويذكره بعد ذلك بسنين، فمن اليقين أنه دونهم بالدليل،
~~وليس من الجائز أن يتركه في هذا الحين ويذكره بعد ذلك بسنين، فمن اليقين
~~أنه ذكره في وقته ذاك لكن القوم كتموه وستروه، والمحدثين من الخبر أسقطوه،
~~ولا ضير علينا في ذلك فقد بقي في الرواية ما يرمي الخصوم بسهام نافذة،
~~ويضربهم بسيوف شحيذة، وسنبينه إن شاء الله تعالى.
# قال ابن أبي الحديد بعد انتهاء الرواية: قلت: هذا الحديث يدل على بطلان
~~ما تدعي الإمامية (1) من النص على أمير المؤمنين وغيره لأنه لو كان هناك نص
~~صريح لاحتج به، ولم يجر للنص ذكر وإنما كان الاحتجاج منه ومن أبي بكر ومن
~~الأنصار بالسوابق والفضائل والقرب، فلو كان هناك نص على أمير المؤمنين أو
~~على أبي بكر لاحتج به أبو بكر على الأنصار ولأحتج به أمير المؤمنين على أبي
~~بكر، فإن هذا الخبر وغيره من الأخبار المستفيضة يدل على أنه قد كان كاشفهم،
~~وهتك القناع بينه وبينهم. ألا تراه كيف نسبهم إلى التعدي عليه وظلمه، ms295 وتمنع
~~من طاعتهم، وأسمعهم من الكلام أشده وأغلظه، فلو كان هناك نص لذكره أو ذكره
~~من كان من شيعته وحزبه، لأنه (لا عطر بعد عروس) وهذا أيضا يدل على أن الخبر
~~الذي في أبي بكر في صحيح البخاري
# PageV00P398
# ومسلم غير صحيح، وهو ما روي من قوله (صلى الله عليه وآله) لعائشة: (ادعي
~~لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابا فإني أخاف أن يقول قائل أو يتمنى
~~متمن ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر) وهذا هو نص مذهب المعتزلة (1)
~~انتهى.
# وها نحن ذا نبدأ بذكر ما يخالف مذهبه من صريح الخبر ثم نعود إلى الجواب
~~عن قوله، لنعلمك أن الحجة التي بها علينا يصول عليه لا له وذلك من وجهين:
# الأول اشتمال الخبر عن منازعة أمير المؤمنين (عليه السلام) القوم
~~ومكاشفته إياهم، ونسبتهم إلى الظلم والتعدي، والتظاهر على أهل البيت بأخذ
~~مقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإخراجهم سلطانه من داره إلى دورهم،
~~ورميهم بالمواطأة على ذلك بقوله لعمر: (أشدد له اليوم أمره ليرده عليك
~~غدا)، ونحو ذلك مما اشتمل عليه الخبر، ولقد صدق فيما قال ولم يزل صادقا فإن
~~أبا بكر أوصى بالأمر إلى عمر وعمر تحسر على فقد أبي عبيدة وسالم مولى أبي
~~حذيفة حين طعن، وقال لو كان أحدهما حيا لم يتخالجه الشك فيه وذلك يصرح بما
~~تدعيه الإمامية من معاقدة الجماعة على ابتزاز الأمر وإخراج الخلافة عن أهل
~~بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد وفاته، وأن الأمر لأبي بكر
~~وبعده لعمر وبعده لأحد الرجلين المذكورين فصرح الخبر تصريح الليل عن صبحه
~~بأن أمير المؤمنين (عليه السلام) طاعن في خلافة من تقدم عليه، ويعضد ذلك ما
~~في آخر الخبر من تركه (عليه السلام) مبايعة أبي بكر وملازمته منزله، ولو لم
~~يكن ساخطا ولايته ما ترك بيعته ولا تقاعد عنها لأن الراضي بشئ لا يتركه لا
~~سيما وهو من الأمور الواجبة لوجوب طاعة الإمام ومساعدته وهذا خلاف ما يدعيه
~~ابن
# PageV00P399
# أبي الحديد وأصحابه من ms296 رضى أمير المؤمنين بخلافتهم، وعدم منازعته إياهم،
~~وأنه لم يطعن عليهم بظلم، ولا باتباع هوى، ولا بتظاهر على منعه حقا له،
~~وكان الخصم قد ملأ كتابه من ذكر هذه الدعوى، والتظاهر بها على الإمامية،
~~والخبر المذكور الذي به يصول ويجول يخدش هذه الدعوى ويبطلها كما اعترف هو
~~به في كلامه المنقول فتبين أنه فيما يدعيه من رضا أمير المؤمنين بخلافة من
~~تقدم عليه غير مصيب، وأن الإمامية في إنكارهم رضاه (عليه السلام) بها على
~~الحق والهدى والصواب والمحجة البيضاء وهذا هو المراد والمطلوب.
# الثاني إن الخبر قد صرح بأنهم قد سلكوا طريق العناد والعصبية، ولم يسلكوا
~~مسلك الرشاد والحق، وذلك أنهم احتجوا على الأنصار بالقرابة من الرسول (صلى
~~الله عليه وآله) وأخرجوهم من الأمر بهذه الحجة فلما احتج أمير المؤمنين
~~عليهم بها أعرضوا عن قبولها، وأبوا العمل بموجبها، وضربوا عنها صفحا حيث
~~كانت في هذا المقام مفسدة لما يريدون من الاستبداد بالأمر، واغتصاب علي
~~(عليه السلام) حقه فأجاب بعضهم: بأنك لست متروكا حتى تبايع، فأظهر ما في
~~نفسه من حمية الجاهلية وبعض أجاب: بانا لا نكرهك، وبعض أجاب: بأنك حدث
~~السن، وبعض: بانا لم نسمع هذا الكلام منك قبل، وأي شئ في هذا كله من الجواب
~~عما احتج به أمير المؤمنين (عليه السلام) أما الأول والثاني فظاهر، وأما
~~الثالث فيقال له:
# أولا إنكم لم تحتجوا على الأنصار بشيخوخة أبي بكر بل احتججتم بقربه من
~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فهذا علي يحتج عليكم بهذه الحجة، فإن
~~كانت عندكم حقا وجب عليكم تسليم الأمر إليه، وأن كانت عندكم باطلا فلا يجوز
~~لكم أن تدفعوا الأنصار عن الأمر بشئ باطل، وحجة فاسدة عندكم، ويقال له
~~ثانيا أين كبر السن يوم المؤاخاة بين الصحابة لم لا أستحق بها أخوة رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله)، ما نرى استحق أخوة PageV00P400
# الرسول (صلى الله عليه وآله) إلا حدث السن أفتعجز شيبة أبي بكر عن
~~استحقاقه بها أخوة النبي (صلى الله عليه وآله) في حياته ms297 ويستحق بها خلافته
~~بعد وفاته أهذا من الحق والإنصاف؟ وأين التقدم بالسن يوم براءة كيف ما
~~استحق بها التبليغ عن النبي (صلى الله عليه وآله) وأين كانت ذلك يوم عمرو
~~بن عبد ود؟ وأين كانت يوم مرحب وغيرها من الأيام التي يطول بعدها المقام؟
~~ما نرى كانت كلها إلا لذلك الحدث السن فما يمنعه من الخلافة وهو الشجاع
~~العالم التقي الناصر للإسلام، والمحامي عن الدين الفائز بالجهاد والسبق
~~والقرابة بقولك ويقال له: أيضا أي أمر من الأمور له فيه تجربة تزيد على
~~تجربة علي (عليه السلام) أفي حرب أم في سلم أم في سياسة أم في حكم؟ وأين
~~كانت هذه التجربة له في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم لا استحق
~~بها عنده التقدم في قيادة الجيوش، وسياسة الأمور؟ ما رأينا استحق ذلك إلا
~~ذلك الحدث السن الذي ادعيت أنه قليل التجربة ومن لم يكن له من التجربة ما
~~يستحق بها أن يكون أمير سرية يسوس أمرها أيستحق بتجربته ولاية الأمة؟! ثم
~~يقال له: إن كان المعتمد عندكم في الخلافة كبر السن والتجربة فالعباس عم
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أسن من أبي بكر لا خلاف بين أهل
~~التاريخ في ذلك، وهو كثير التجربة ثاقب الروية زين العقل عظيم الحلم على
~~ذلك اتفق الناس من أهل الرواية والسيرة والمعرفة بأحوال السلف مع قربه من
~~رسول الله فهو على هذا أحق بالأمر على قولكم فلن تعدوا عن أن تكونوا ظلمتم
~~عليا (عليه السلام) إلا أن تكونوا ظلمتم العباس فالظلم لكم لازم على كل
~~حال.
# ويقال للرابع وهل يخفى عليك قرب علي (عليه السلام) من رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله وسلم) وأنه أقرب الخلق منه فما منعك حين احتج أبو بكر
~~وصاحباه على قومك بقرابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتركت نصرة قومك
~~PageV00P401
# لصحة هذه الحجة عندك من أن تقول لهم صدقتم الأقرب إلى الرسول أحق بمقامه
~~وعلي أقرب إليه منكم فهو الأحق بمقامه من كل ms298 أحد فامضوا بنا إليه جميعا
~~لنبايعه ونسلم إليه خلافة ابن عمه ثم يقال له هب إنك لا تدري أولا بقرابة
~~علي (عليه السلام) من رسول الله، أو نسيت ذلك ثم علمت الآن أن الأمر حق
~~لعلي (عليه السلام) بمقتضى حجة أبي بكر على قومك أليس من الواجب عليك إذ
~~كنت قادرا انتزاع الحق من غير أهله وإيصاله إلى ربه ومستحقه ومساعدته على
~~ذلك، وهل ذلك إلا بمنزلة شئ تداعاه اثنان فأقام أحدهما بنية على استحقاقه
~~إياه فحكم له به، ثم جاء ثالث فاستشهد لك البينة فشهدت له بأنه حق فإن ينزع
~~من يد الأول ويدفع إلى هذا أفليس في إعراضهم عن قبول الحجة التي دفعوا بها
~~خصومهم على أنفسهم إذا احتج بها أمير المؤمنين (عليه السلام) عليهم دليل
~~واضح وبرهان راجح وعلم لائح، على أنهم مجانبون للحق ومتعمدون على إنكار
~~الحجة التي يوردها أمير المؤمنين عليهم كائنة ما كانت نصا أو الزاما لا
~~يخفى ذلك من أمرهم على ذي فطنة وكل هذا نص مذهب أصحابنا الإمامية ومخالف
~~لمذهب أصحاب ابن أبي الحديد المعتزلة ومناقض لأقوالهم من أن الجماعة لم
~~يرتكبوا منكرا ولم يأتوا بباطل، ولم يردوا حجة صحيحة على أمير المؤمنين،
~~ولم يفعلوا ما يجوز نسبتهم لأجله إلى الظلم والتعدي، وأنهم كانوا على غاية
~~من الديانة والصلاح ومنزلة رفيعة من العدل والانصاف، وإنما غاية أمرهم أنهم
~~فعلوا غير الأولى، وهذا أمير المؤمنين (عليه السلام) قد رماهم بجميع ما
~~برئتموهم منه بموجب روايتكم، ونسبهم إلى ارتكاب المعصية ورد الحجة وعدم
~~الخوف من الله، فما أدري أتكذبون روايتكم التي بها تحتجون، أم تفسقون من
~~تعدلون، أم تطعنون في صدق أمير المؤمنين (عليه السلام) لنسبته الظلم إليهم،
~~وهو الصديق الأمين لا محيص لكم عن اختيار واحد من هذه الوجوه الثلاثة
~~فاختاروا منها - أكرمكم الله - ما شئتم يكن فيه قطع حجتكم واستئصال أصل
~~PageV00P402
# مذهبكم، على أن في قولهم: إن القوم بولاية أبي بكر وتركهم عليا (عليه
~~السلام) تركوا الأولى وقولهم إن الصحابة فعلوا ما ms299 هو الأصلح للإسلام
~~والمسلمين إذ ولوا أبا بكر تناقضا بينا لأن فعل الأصلح واجب، فكيف يكون
~~خلاف الأولى والتخالف في أقوالهم كثير، هذا كله على تقدير تسليم قول
~~المعتزلي أن الرواة لم يذكروا لأمير المؤمنين (عليه السلام) فيها نصا، وليس
~~الأمر كما ذكر بل الرواية مذكور فيها بعض ذلك صريحا كقوله (عليه السلام)
~~فيها: (وأخو رسول الله) (صلى الله عليه وآله) فإنا قد بينا أن الأخوة تقتضي
~~المماثلة وهي نص في الإمامة، واحتج بالأعلمية عليهم، في قوله:
# (أما كان منا القارئ لكتاب الله الفقيه في دين الله) وقد قدمنا أن الإمام
~~يشترط أن يكون أعلم أهل زمانه، فهذا من النصوص، واحتج بالقرابة وهي من شروط
~~الإمام أيضا، وقد ذكرنا أن المنصوص عليه بالأقربية كالمنصوص عليه بالإمامة،
~~فهذه من جملة النصوص والقوم لم يقبلوها منه، ولم يجيبوه عنها بشئ من الحجة،
~~واحتجاج أبي بكر على علي (عليه السلام) بالسابقة غير ذلك كما يوهمه كلام
~~المعتزلي لا أثر له في الخبر، نعم النص الذي يريده ابن أبي الحديد من علي
~~(عليه السلام) أن يذكره وهو إنزال كتاب من السماء لم يأت به أمير المؤمنين
~~ثم إن في قوله (عليه السلام) (نحن أهل البيت أحق بمقامه) إشارة إلى النص
~~لأن الأحقية في الخلافة لا تكون بدون تعيين من الرسول (صلى الله عليه
~~وآله)، وليس من مذهب علي (عليه السلام) الاجتهاد في الأحكام، والقول
~~بالرأي، بل طريقته الوقوف عند النص والاقتصار على السماع من الكتاب والسنة،
~~وقد شهد بذلك ابن أبي الحديد في مواضع من كتابه، فإذن دعوى على الأحقية
~~بمقام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بدون نص منه عليه ممتنعة لكنه ادعى
~~ذلك فالنص عليه موجود فتبصر، مما يحسن نقله هنا من تظلمات أهل البيت من
~~أئمة المعتزلي ودعواهم النص من رسول الله (صلى الله عليه وآله) PageV00P403
# عليهم ما ذكره من كلام أبي جعفر الباقر مرارا قال في موضع منها وقد روي
~~أن أبا جعفر محمد بن علي الباقر قال لبعض أصحابه: ms300 " يا فلان ما لقينا من
~~ظلم قريش إيانا وتظاهرهم علينا وما لقي شيعتنا ومحبونا من الناس، إن رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قبض وقد أخبر إنا أولى الناس بالناس
~~فتمالأت علينا قريش حتى أخرجت الأمر من معدنه، واحتجت على الأنصار بحقنا
~~وحجتنا، ثم تداولتها قريش واحدا بعد واحد حتى رجعت إلينا، فنكثت بيعتنا
~~ونصبت الحرب لنا، ولم يزل صاحب الأمر في صعود كؤد حتى قتل فبويع ابنه الحسن
~~وعوهد ثم غدر به وأسلم، ووثب عليه أهل العراق حتى طعن بخنجر في جنبه وانتهب
~~عسكره، وأولجت خلاخيل أمهات أولاده، فوادع معاوية وحقن دمه ودم أهل بيته
~~وهم قليل حق قليل، ثم بايع الحسين (عليه السلام) من أهل العراق عشرون ألفا
~~ثم غدروا به، وخرجوا عليه وبيعته في أعناقهم، ثم لم نزل أهل البيت نستذل
~~ونستضام ونقصي ونمتهن ونحرم ونقتل ونخاف، ولا نأمن على دمائنا ودماء
~~أوليائنا، ووجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعا يتقربون به إلى
~~أوليائهم، وقضاة السوء وعمال السوء في كل بلدة فحدثوهم بالأحاديث الموضوعة
~~المكذوبة، ورووا عنا ما لم نقله ولم نفعله ليبغضونا إلى الناس، وكان عظم
~~ذلك وكبره زمن معاوية بعد موت الحسن (عليه السلام)، فقتلت شيعتنا بكل بلدة،
~~وقطعت الأيدي والأرجل على الظنة، وكان من يذكر بحبنا والانقطاع إلينا سجن
~~أو نهب ماله أو هدمت داره، ثم لم يزل البلاء يشتد ويزداد إلى زمن عبيد الله
~~بن زياد قاتل الحسين (عليه السلام)، ثم جاء الحجاج فقتلهم كل قتله، وأخذهم
~~بكل ظنة وتهمة حتى أن الرجل ليقال له زنديق أو كافر أحب إليه من أن يقال
~~شيعة علي (عليه السلام) وحتى صار الرجل الذي يذكر بالخير ولعله يكون ورعا
~~صدوقا يحدث بأحاديث عظيمة عجيبة من تفضيل بعض من سلف من الولاة، ولم يخلق
~~الله تعالى PageV00P404
# شيئا منها ولا كانت ولا وقعت، وهو يحسب أنها حق لكثرة من قد رواها ممن لم
~~يعرف بكذب ولا بقلة ورع " (1) انتهى. وقد صرح صدر الرواية بأن رسول الله
~~(صلى الله ms301 عليه وآله وسلم) أخبر الناس أن أهل بيته أولى بالناس من أنفسهم،
~~وهذا هو النص عليهم ثم قوله (عليه السلام): (فتمالأت علينا قريش حتى أخرجت
~~الأمر من معدنه) صريح في نسبة الظلم إلى المتقدمين، وقوله: (واحتجت على
~~الأنصار بحقنا وحجتنا) واضح في أن القرابة من الرسول (صلى الله عليه وآله)
~~أمر يستحق به الخلافة، وأن ذلك الأمر حقهم وحجتهم، أخذها غيرهم واحتج بها
~~على الأنصار، والواجب عليه أن يسلم لهم الحق والحجة لأنها لهم دونه،
~~والباقي من الخبر ظاهر وآخره يصرح بوضع القوم واتباعهم الأحاديث المكذوبة
~~على ما يشتهون ويدعون، وأن أكثر ذلك كان في زمان معاوية، وقد أوضحنا هذا
~~المطلب فيما مر فقد بان من جميع ما ذكرنا واتضح أن الخبر الذي استند إليه
~~ابن أبي الحديد وعليه اعتمد في إبطال النص عاد بالآخرة دليلا لنا ومستندا
~~لقولنا فاندفع لوم اللائمين وعذل العادلين، وتبين الغث من السمين، والحمد
~~لله رب العالمين.
# ثم نشرع الآن في الجواب عن شبهته والكلام على دفع ريبته، وإن كان فيما
~~ذكرناه كفاية في إبطال حجته، لكن لا ندع الازدياد من الخير وكثرة الاستظهار
~~بالحجج بعون الله فنقول: من تأمل وتبصره وتدبر وتفكر، ونظر في الأخبار
~~والآثار نظر من أنصف واعتبر علم يقينا أن القوم إذ ارتكبوا من أخذ الخلافة
~~ما ارتكبوا، وحين انتهزوا ما انتهزوا من الفرصة في إدراك الرئاسة، قد عضوا
~~عليها بأسنانهم وقبضوا عليها بأناملهم، لا يرجعون عنها بنص ولا ينتظرون
~~فيها مشاورة ذي فضل، ولا ينزلون عنها بحجة، ولا يبالون فيها من غضب ولا
~~عدول لهم عنها إلا بالسيف لو حصل قد سلكوا فيها مسلك
# PageV00P405
# الجبرية والقهر، يلزمون من رأوه ببيعتهم ولا يعذرونه عنها بعذر ولا
~~يقبلون منه عدلا ولا صرفا، حتى استتم لهم ما أرادوا واستتب لهم ما طلبوا،
~~ألا ترى لعمر كيف قال في السقيفة حين تم له ما أراد: اقتلوا سعدا قتل الله
~~سعدا وكيف قال للزبير: عليكم الكلب إذا خرج يدافعهم عن الهجوم على بيت
~~فاطمة كما ms302 ذكر في الحديث المذكور، فهم معرضون عن كل حجة ترد عليهم من كل
~~محتج لا يلتفتون إليها ولا يبالون بمن أوردها عليهم، وأنهم مصرون على إنكار
~~النص إن أورده مورد، ومصمموا العزم عليه ومهيئون من الشبه إلى ما لا يسعهم
~~إنكاره، ولا يمكنهم ستره وكتمانه ما يدفعون به عند العامة سورة المحتج به
~~عليهم، ولم يكونوا في أمرهم مراعين لحجة ولا ناظرين لدليل ولا راجعين عما
~~دخلوا فيه لبرهان مبين والذي يدل على ذلك وجوه.
# الأول: ما مر في الخبر من إعراضهم عن قبول الحجة بالقرابة من النبي (صلى
~~الله عليه وآله) حين احتج بها عليهم أمير المؤمنين (عليه السلام)، وروى ابن
~~أبي الحديد: في موضع آخر أنه (عليه السلام) إذ ذاك خاطب أبا بكر في معرض
~~الحجة بهذين البيتين.
# فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم * فكيف بهذا والمشيرون غيب وإن كنت بالقربى
~~حججت خصيمهم * فغيرك أولى بالنبي وأقرب (1) وهي كانت حجتهم العظمى التي
~~أبطلوا بها دعوى الأنصار وغلبوهم وفلجوا بها عليهم، لا السابقة والفضل كما
~~ذكر المعتزلي، وإن كان ذلك مخالفا لمذهبه إذ لا يجب عنده تقديم الأفضل فلما
~~احتج بها عليهم من هو أولى بها منهم أعرضوا عنها كأن لم يسمعوها ولم يصغ
~~واحد منهم إلى قبولها ولا
# PageV00P406
# التفت إليها، بل جنحوا إلى إفسادها وإبطالها بالشبهات، فمال بعضهم إلى
~~التعلل بحداثة السن وآخر إلى عدم سماعها قبل بيعته لأبي بكر فصرح أنه لا
~~يقبل حجة بعد البيعة مع كونها عنده صحيحه، وما النص إلا حجة وقد صرحوا أنهم
~~لا يقبلون الحجة من أمير المؤمنين (عليه السلام) لحداثة سنه ولسبق بيعة أبي
~~بكر على احتجاجه، فمن بلغ أمرهم إلى هذا المقدار من ترك الإصغاء إلى سماع
~~الحجة والعمل بها وهي الحجة التي يحتجون بها على خصومهم كيف يمتنع منهم
~~إنكار النص لو أورد عليهم ويبعد عليهم رده لو احتج عليهم؟
# الثاني: إن أمير المؤمنين (عليه السلام) احتج عليهم غير القرابة بأشياء
~~أخر كأخوة الرسول (صلى الله عليه وآله)، والعلم بكتاب ms303 الله، والفقه في دين
~~الله وغير ذلك مما اشتمل عليه الخبر، فلم يعرجوا ولا واحد منهم على قبول
~~ذلك منه وكأنهم لم يسمعوا ما قال وهم في السقيفة يحتجون على أحقية أبي بكر
~~بالخلافة بفضيلته بصحبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الغار، فلما
~~احتج أمير المؤمنين (عليه السلام) لنفسه عليهم بالفضل الفائق أعرضوا عنه
~~ورفضوه فمن لم يقبل حجته لنفسه على نفسه كيف يقبل غيرها من الحجج أو يلتزم
~~بها.
# الثالث: اقتحامهم على بيت فاطمة وإخراجهم عليا ومن معه يسوقونهم سوقا
~~عنيفا بعد التهديد بإحراق البيت عليهم إن لم يفتحوا الباب وتسمية الزبير
~~كلبا كما مر ذكره في الخبر وغيره من الأخبار، وقد ذكر الخصم من ذلك في
~~كتابه الكثير الواسع وذلك كله من دون أن يقيموا عليه حجة أو يوردوا عليه
~~دليلا، ولو لم يكن من ذلك كله إلا قول عمر له (عليه السلام):
# لست متروكا حتى تبايع، لكفى في الدلالة على ما نسبناه إلى القوم من عدم
~~استماعهم للحجة وقبولهم للعذر أو وقوفهم عند النص. PageV00P407
# الرابع: إن العباس بن عبد المطلب لما احتج على أبي بكر بمحضر جماعة من
~~أصحابه كعمر وأبي عبيدة كما في رواية طويلة ذكرها الخصم من كتاب الجوهري عن
~~البراء بن عازب حيث قال له: فإن كنت برسول الله طلبت فحقنا أخذت، وإن كنت
~~بالمؤمنين فنحن منهم ما تقدمنا في أمركم فرطا، ولا حللنا وسطا ولا نزحنا
~~سخطا فإن كان هذا الأمر يجب لك بالمؤمنين فما وجب إذ كنا كارهين، وما أبعد
~~قولك: إنهم طعنوا فيك من قولك إنهم مالوا إليك إلى أن قال: وأما قولك: إن
~~رسول الله منا ومنكم فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) من شجرة نحن
~~أغصانها وأنتم جيرانها، وأما قولك يا عمر إنك تخاف الناس علينا فهذا الذي
~~قدمتموه أول ذلك وبالله المستعان (1)، لم يجبه هو ولا أصحابه بشئ بل تركوا
~~الحجة وأعرضوا عنها كأنهم لم يفهموها، وكانوا في أول الكلام يحتجون بها على
~~العباس ويقرعونه ms304 بها فلما أوردها عليهم وعرفوا أنها له ولأهل بيته دونهم
~~ضربوا عنها صفحا ولم ينقادوا لها ولا نزعوا عما هم فيه لأجلها ولاحتجوا إلى
~~العمل بها، ومن يعرض عن قبول حجته التي يجادل بها على نفسه فهو بعدم قبول
~~غيرها من الحجج أخلق، وإلى الإعراض عن النص ورده أقرب، وهذه المجادلة وقعت
~~بعد بيعة أبي بكر بيومين والرواية صريحة في أن بني هاشم كانوا كارهين إمارة
~~الرجل ومكرهين على بيعته، فأين الرضا بخلافته وأين رجوعه وأصحابه إلى الحجة
~~والعمل بمقتضاها حتى يستنكر منهم كتمان النص ودفعه لو أورد عليهم؟
# الخامس: ما رواه ابن أبي الحديد عن أبي بكر الجوهري قال: حدثني المغيرة
~~بن محمد المهلبي من حفظه وعمر بن شبة من كتابه بإسناد رفعه إلى أبي سعيد
~~الخدري قال: سمعت البراء بن عازب يقول: لم أزل لبني هاشم محبا
# PageV00P408
# فلما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) خفت أن تتمالأ قريش على إخراج
~~هذا الأمر عنهم فأخذني ما يأخذ الوالهة العجول مع ما في نفسه من الحزن
~~لوفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فكنت أتردد إلى بني هاشم وهم عند
~~النبي (صلى الله عليه وآله) في الحجرة، وأتفقد وجوه قريش إذ فقدت أبا بكر
~~وعمر وإذا قائل يقول:
# القوم في سقيفة بني ساعدة - وإذا قائل آخر يقول:
# قد بويع أبو بكر: فلم البث وإذا أنا بأبي بكر قد أقبل ومعه عمر وأبو
~~عبيدة وجماعة من أصحاب السقيفة وهم محتجزون بالأزر الصنعانية لا يمرون بأحد
~~إلا خبطوه وقدموه فمدوا يده فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه شاء ذلك أو أبى،
~~فأنكرت عقلي وخرجت اشتد حتى انتهيت إلى بني هاشم والباب مغلق فضربت عليهم
~~الباب ضربا عنيفا وقلت: قد بايع الناس لأبي بكر بن أبي قحافة، فقال العباس:
~~تربت أيديكم إلى آخر الدهر أما إني أمرتكم فعصيتموني، فمكثت أكابد ما في
~~نفسي، ورأيت في الليل المقداد وسلمان وأبا ذر وعبادة بن الصامت وأبا الهيثم
~~بن التيهان وحذيفة وعمارا وهم يريدون أن ms305 يعيدوا الأمر شورى بين المهاجرين،
~~إلى آخر ما قال من إخبار حذيفة الجماعة بما علمه من أمر القوم ومسير
~~المذكورين إلى أبي بن كعب للمساعدة وطلبهم منه فتح بابه وقوله لهم وبالله
~~ما يفتح علي بابي حتى تجري على ما هي عليه جارية ولما يأتي بعدها شر منها
~~وإلى الله المشتكى (1)، وقد دل الخبر على أمور.
# منها أن الناس يعلمون بغض قريش لبني هاشم في حياة النبي (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) ولذا خاف البراء من تمالئهم على إخراج الخلافة عن بني هاشم
~~ولولا ذلك ما كان للخوف معنى.
# PageV00P409
# ومنها أن الناس يعلمون أن خلافة النبي (صلى الله عليه وآله) لبني هاشم
~~إما من جهة النص وإما من جهة القرابة، وأن إخراجها عنهم ولا يكون إلا
~~بتمالئ قريش عليهم.
# ومنها أن بيعة الناس لأبي بكر لم تكن برضى واختيار.
# ومنها أن أبا بكر وأصحابه لم يسمعوا لأحد حجة ولا يحتجوا عليه بدليل ولا
~~يقيموا على مدعاهم بينة، بل يلزمون الناس بالبيعة قهرا ويصرح بهذين الأمرين
~~من الخبر قوله: لا يمرون بأحد إلا خبطوه إلى آخر الجملة، وذلك كله عين ما
~~نسبناه إليهم من دون زيادة ولا نقص، فمن كانت حالهم هذه كيف يرجعون عما
~~ملكوه بحجة أو يسلموا ما في أيديهم إلى صاحبه ومالكه بنص وبينة؟
# ومنها أن جماعة من خيار الصحابة كسلمان ومن معه كانوا رادين بيعة أبي بكر
~~ومنكرين خلافته، وكانوا يسعون في خلعه وإخراجه عن الإمارة جهدهم فما
~~استطاعوا، فأين الإجماع والرضا؟
# ومنها أن علماء الصحابة كحذيفة وأبي يرون أن تلك البيعة كانت شرا وما
~~بعدها شر منها وذلك نص ما نقول، فهذه الوجوه كلها شواهد حق وأدلة صدق على
~~ما ادعيناه، وما إلى القوم عزوناه من دخولهم في الأمر دخول مشاغبة وتغطرس
~~واستكبار عن استماع الحجة، لا دخول متبصر منصف يميل مع الدليل حيثما مال
~~ويقف مع النص أينما وقف، وينضاف إلى ذلك ما كان القوم عليه من الرأي
~~والطريقة فإنه كان من هديهم وسجيتهم رد ms306 النصوص بالرأي وتخصيصها بالاستحسان،
~~لا سيما فيما يوطد أساس الإمارة، ويقرر قاعدة الرئاسة وقد وصف ابن أبي
~~الحديد ذلك قاطعا وجازما به في كلام له في سياسة علي وعمرو أن عمر كان مدار
~~سياسته على ما يراه ما حكم به الشرع قال: ولسنا بهذا القول زارين على عمر
~~بن الخطاب ولا PageV00P410
# ناسبين له ما هو منزه عنه، ولكنه كان مجتهدا يعمل بالقياس والاستحسان
~~والمصالح المرسلة، ويرى تخصيص عمومات النص بالآراء بالاستنباط من أصول
~~تقتضي خلاف ما يقتضيه عموم النصوص، ويكيد خصمه ويأمر أمراءه بالكيد والحيلة
~~ويؤدب بالدرة والسوط من يغلب على ظنه أنه يستوجب ذلك، ويصفح عن آخرين قد
~~اجترموا ما يستحقون به التأديب كل ذلك بقوة اجتهاده وما يؤدي إليه نظره،
~~ولم يكن أمير المؤمنين يرى ذلك وكان يقف مع النصوص والظواهر ولا يتعداها
~~إلى الاجتهاد والأقيسة، ويطبق أمور الدنيا على أمور الدين ويسوق الكل مساقا
~~واحدا ولا يضع ولا يرفع إلا بالكتاب والنص (1) انتهى وهو صريح فيما ذكرنا
~~سابقا من أن عليا (عليه السلام) لو لم يكن منصوصا عليه لما ادعى أنه أولى
~~بالخلافة من غيره وأحق بمقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دون من سواه
~~لأنه لا يرفع ولا يضع إلا بالكتاب والنص، واعتراف من المعتزلي بأن عمر
~~وأصحابه كان دأبهم الاعتماد على آرائهم ورد النصوص بها وعدم التفاتهم إلى
~~حكم الشرع إذا خالف ما يريدون، وإذا كان القوم على هذه لحال فما يمنعهم من
~~مخالفة النص على علي (عليه السلام) وماذا يصدهم عن كتمانه ورده؟ وأي مجال
~~يبقى لاستبعاد ذلك منهم. وديدنهم رد النصوص إذا خالفت اجتهاداتهم؟ وهل يخفى
~~على أحد من أهل الروية مخالفة النص على أمير المؤمنين (عليه السلام) لرأي
~~عمرو اجتهاده؟ فهو إذن يرى رد النص على علي (عليه السلام) ومخالفته واجبا
~~وليس يجوز لأحد من أتباعه أن يستنكروا منه فعل الواجب عليه باجتهاده، بل
~~يجب عليهم الحكم بأنه يفعله وما يهمله ولازم ذلك أنه أنكر النص على علي
~~(عليه السلام) البتة ms307 وهو عين ما ندعي، ولعمري لو لم يكن لنا إلا هذا الوجه
~~لكفانا في الدلالة على مدعانا فكيف والوجوه كثيرة كما
# PageV00P411
# ترى، ومن البين الذي لا شك فيه أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان عالما
~~بذلك من شأنهم ومطلعا عليه، وكيف يخفى عليه من أمرهم مع المعاشرة المطلعة
~~على الحال، ورؤيته منهم ما رأى سابقا، وفي ذلك الوقت ما علمه ابن أبي
~~الحديد من أمرهم من جهة الرواية مع بعد المدة وتطاول الزمان، فكان (عليه
~~السلام) قاطعا بإنكارهم النص لو احتج به ابتداء وصرح لهم به، أو إلقائهم
~~بعض الشبه عليه كشبهة النسخ بأمر أبي بكر بالصلاة كما زعموا فلم يكن لذكر
~~النص والحال هذه فائدة، ولم تكن في احتجاجه به عليهم مصلحة إذ لا تقوم به
~~عندهم له حجة لو ذكره ولو شهد به من هناك من شيعته كسلمان وأبي ذر والمقداد
~~وأمثالهم إن جوزنا قدرتهم في تلك الحال على الشهادة لم يقبل القوم شهادتهم
~~ولم يلتفتوا إليها لمخالفتها غرضهم، وما أدتهم إليه آراؤهم، فكان مقتضى
~~الحكمة وموجب معرفة قواعد الخصوم ترك التعرض للنص لعدم الانتفاع به في
~~المقام لإنكار الخصم إياه، والاتيان بحجة لا يستطيع الخصم إنكارها ولا
~~الطعن فيها، فلذا عدل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الاحتجاج عليهم بالنص
~~واحتج تارة بأخوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأخرى بالأعلمية،
~~وكلاهما مما لا يمكنهم التشبيه فيه، واحتج عليهم بالقرابة التي لا يسعهم
~~إنكارها ولا القدح فيها لأنها حجتهم التي دفعوا بها الأنصار عن الأمر
~~وأبطلوا بها دعواهم من حيث كانت هي النافعة له في المقام، فما مثله في ذلك
~~إلا كرجل يدعي قبل آخر شيئا له على دعواه حجتان كل منهما تثبت دعواه منفردة
~~وتوجب له ما ادعاه إلا أنه يقطع بإنكار الخصم واحدة من الحجتين لو أوردها
~~عليه، أو أن يلقي عليها شبهة تدفع عنه الاحتجاج عليها بها والأخرى يأمن
~~عليها من ذلك كله فإن الواجب العدول عن تلك الحجة التي يخاف عليها ذلك
~~المحذور وإن ms308 كانت أقوى إلى ذكر الحجة الأخرى التي لا يخشى عليها محذورا،
~~فالمانع لأمير المؤمنين من ذكر النص عليه خوفه إنكار القوم إياه لعلمه ذلك
~~منهم يقينا لا PageV00P412
# عدم وجوده، وهو مانع قوي وصارف جلي، وكيف لا يكون النص موجودا وهو بعد
~~ذلك يدعيه ويشهد له عمه العباس به، ويعترف سعد بن عبادة بسماعه، ويشهد له
~~ابن عباس بادعائه إياه، وعمر بن الخطاب كذلك كما مر فيما مضى ذكره، فعدوله
~~عن النص والاحتجاج عليهم في موقفه ذاك بالقرابة من الرسول (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) مع أنها من جملة أسباب استحقاق الخلافة، بل من شروطه كما ذكرناه
~~في موضعه ومع عدم قدرة الخصم على إنكارها وردها والقدح فيها بوجه من الوجوه
~~هو عين الحكمة وحقيقة المعرفة وقوة نفاذ البصيرة في قطع الخصومة، فإن الحجة
~~المذكورة كافية له فيما طلب وافية له بصحة ما ادعا وإثبات ما رام لو قبلوها
~~منه كما قبلتها الأنصار منهم، أو أذعنوا لها كما أذعن لها خصمهم، وكيف
~~يقبلونها ويذعنون لها وهم مصرون على العناد متواطئون على ابتزاز الأمر من
~~صاحبه كما سمعت في الخبر من تعللاتهم العليلة ومما يؤيد ذلك ويوضحه ويكشف
~~عن سره تدافعهم الخلافة في السقيفة وتراميهم بها بعد أن غلبوا الأنصار
~~عليها بين ثلاثة فأشار بها أبو بكر إلى عمر أو أبي عبيدة وعرضها أبو عبيدة
~~على عمر وردها عمر إلى أبي بكر، ولم يشيروا ولا واحد منهم إلى أحد من بني
~~هاشم ولا ذكروهم في الأمر ولا في المشورة مع تحقق قرابتهم من الرسول (صلى
~~الله عليه وآله وسلم)، وظهور شرفهم وفضلهم، خصوصا علي بن أبي طالب الذي
~~شاعت مناقبه واشتهرت سوابقه، وما اختفى على أحد علمه وفضله، فإعراضهم عن
~~ذكره وذكر بني أبيه دليل صريح على تواطئهم على سلب بني هاشم خلافة الرسول
~~(صلى الله عليه وآله وسلم)، وابتزازهم سلطانه ودفعهم عن مقامه، ولازم ذلك
~~تواطئهم على إنكار النص على أهل البيت ولم يكن علي (عليه السلام) ليجهل ذلك
~~منهم.
# ووجه ms309 آخر وهو أن مقصد القوم من العدول عن أهل بيت النبي (صلى PageV00P413
# الله عليه وآله وسلم) إلى أبي بكر اتساع أمر الخلافة في قريش لتنال كل
~~بطن منهم وتكون دولة بينهم يرجوها كل قوم كما رواه ابن أبي الحديد عن
~~الجوهري من قول المغيرة بن شعبة لأبي بكر وعمر: أتريدون أن تنتظروا خيل
~~الحلبة من أهل هذا البيت وسعوها في قريش تتسع (1)، فقاما إلى السقيفة وقد
~~مر الحديث بتمامه، وكذلك ذكر أمير المؤمنين (عليه السلام) أن مقصدهم ذلك في
~~حديث رواه ابن أبي الحديد عنه، وصرح بعض المحققين من غير أصحابنا من جهة
~~الاستنباط أن مقصد القوم ما ذكرناه نقله عنه المعتزلي المذكور (2) ومن
~~الواضح، أن هذا مقتض قوي لإنكار جميعهم النص على أمير المؤمنين، ومظاهرتهم
~~أبا بكر وعمر عليه وتظاهرهم على جملة بني هاشم لعلمهم أنها إذا صارت لهم
~~واستقرت فيهم لا تخرج عنهم إلى سائر بطون
# PageV00P414
# قريش أبدا بخلاف باقي قريش فإنها تنتقل فيهم، فربما يقدم أحدهم صاحبه
~~لغرض وليردها عليه عند موته كما فعل الثلاثة في السقيفة، فلذلك استقر رأيهم
~~على منع أهل البيت ميراثهم من الرسول (صلى الله عليه وآله)، ودفعهم عن
~~حقهم، ولأجل هذا كله عدل أمير المؤمنين عن ذكر النص واستغنى عنه! في
~~مخاصمتهم بالقرابة وغيرها مما ذكره من حيث لا محيص لهم عن الاعتراف به،
~~فحاله (عليه السلام) في ذلك الموقف غير حال أبي بكر في السقيفة، فإن عمر
~~وأبا عبيدة كانا له ظهيرا، وعويم بن ساعدة ومعن بن عدي الأنصاريين كانا له
~~ردءا، وهما على ما روى خصومنا اللذان استنهضاه على حضور السقيفة، واستحثاه
~~على المبادرة إلى طلب الخلافة، وجشماه الدخول في هذه الورطة، مخالفة منهما
~~لقومهما الأنصار، وأن بشير بن سعد وكان من رؤوساء الخزرج كان له سندا يخاصم
~~عنه قومه، وأسيد بن حضير رئيس الأوس كان إليه مائلا، وكلهم طالبون منه
~~الازدياد من الحجة، ومتعطشون إلى تظاهره على دفع الأنصار بالبينة، والباقون
~~مصغون إلى ذكر الحجج غير مستنكفين عن قبولها ms310 منه، فلا مانع له من ذكر نص
~~عليه لو كان موجودا ولا صارف له عن الاتيان بقول من النبي (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) يوجب له الفضيلة لو كان حاصلا، ومع هذا لم نره ذكر نصا عليه ولا
~~قولا من النبي (صلى الله عليه وآله) يوجب المدح له، ولا حجة يختص بها تثبت
~~له دعواه، ولا ذكر له صاحباه شيئا من ذلك، بل رأيناه وصاحبيه ذكروا حجة
~~كانت برمتها لغيره، وكانت يده منها خلوا وهي القرابة، وأشياء لا توجب شيئا
~~من مطلبه ولا تقضي بصحة مأربه وهي الصحبة في الغار والأمر بالصلاة كما زعم،
~~وكل ذلك لا يفيده شيئا مما أراد لو كان للخصومة معه مجال، ولم يكن أمره
~~مبنيا على التغلب لأن كون الحجة الأولى لعلي (عليه السلام) مما لا غباوة
~~فيه.
# والثانية أيضا لأن لقائل أن يقول: إن كان اختصاص النبي (صلى الله
~~PageV00P415
# عليه وآله وسلم) بأبي بكر وخلوته معه في الغار مما يوجب له خلافته فعلي
~~أولى منه بذلك لأن النبي (صلى الله عليه وآله) اختص به مرة وخلا معه وقتا
~~واحدا واختص بعلي مرات كثيرة وخلا معه خلوات متعددة في أوقات لا تحصى، ودع
~~ما لعلي (عليه السلام) ليلة الغار مما لا يوازنه فضل وهو مبيته على الفراش
~~فكانت هذه أيضا كالقرابة.
# والثالثة يقال: لهم إنا لا نسلم أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمره
~~بالصلاة، وإن صح أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أمره بالصلاة
~~فقد عزله عنها إذ خرج ونحاه عن المحراب لا سيما والتقدم في الصلاة لا يوجب
~~العدالة على مذهبكم فضلا عن الفضل فأي حجة في الصلاة على ما ادعي فإذن ليس
~~له حجة على ما طلب وأراد فعدوله وصاحبيه عن ذكر نص عليه من الرسول (صلى
~~الله عليه وآله) أو قول منه في مدحه وفضله مع احتياجه إليهما وعدم المانع
~~من ذكرهما وانتفاء الصارف عن إيرادهما إلى ذكر حجة هي لغيره لا له وأخرى
~~قريبة منها وثالثة ms311 لا توجب عدالته إن سلمت له فضلا عن إيجابها خلافته دليل
~~صريح على أنه لم يكن مما ذكروه من النص عليه شئ موجود، ولا مما رووه في
~~فضله بعد من الأحاديث عن النبي (صلى الله عليه وآله) حديث معروف، ولا من
~~ذاك عين ولا أثر ولم يطلع هو ولا أصحابه على شئ من ذلك إلى آخر أيامهم، ولو
~~كان في يدهم شئ من ذلك وعندهم منه خبر لأوردوه للحاجة إليه خصوصا لما نسبهم
~~أمير المؤمنين إلى الظلم والتظاهر عليه وعدم الخوف من الله وغير ذلك مما في
~~الخبر، فلم لادرؤا عنهم قوله فيهم بخبر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~في فضل أبي بكر وأي موضع أولى بذكره من ذلك الموضع، ثم في أيام مقاولة
~~المهاجرين والأنصار وما شاع بينهم من الخصام والجدال بعد بيعة أبي بكر مدة
~~وشاعت فيما بينهم في ذلك الخطب والأشعار حتى قال في ذلك PageV00P416
# النعمان بن عجلان الأنصاري وكان من سادات الأنصار يخاطب أصحاب أبي بكر:
# وقلتم حرام نصب سعد ونصبكم * عتيق بن عثمان حلال أبا بكر وليس أبو بكر
~~لها خير قائم * وأن عليا كان أخلق بالأمر وكان هوانا في علي وأنه * لأهل
~~لها يا عمرو من حيث لا تدري في أبيات كثيرة (1) ومثله قال غيره من الأنصار
~~وما احتج عليهم أبو بكر ولا أحد من أعوانه بخبر عن النبي (صلى الله عليه
~~وآله) في الشيخ يقتضي استحقاقه الخلافة مع اقتضاء الحاجة إلى ذكره، وعدم
~~الصارف عنه وانتفاء الموانع من إيراده، وغاية ما عندهم في المدافعة ما
~~تشبثوا به في السقيفة من قضية الغار والصلاة فعلم من ذلك أنه ليس لهم في
~~فضل الرجل في ذلك الوقت حديث ولا خبر وإنما أولياؤه بعد ذلك فيه زوروا ما
~~أرادوه فتبين أنه ليس حال أبي بكر في عدم إيراد نص عليه كحال أمير المؤمنين
~~(عليه السلام) في تركه إيراد النص لوجود الداعي إلى تركه هنا ووجود المانع
~~من إيراده وهو تحققه منهم إنكاره ورده مع ms312 قيام ما ذكره بثبوت حقه لو أنصفوه
~~وعدم حصول شئ من ذلك في أبي بكر، فهذا فرق ما بين الحالين وتمييز ما بين
~~الأمرين، ويزيد ما بيناه توضيحا وصراحة ما جرى يوم الشورى أن عليا (عليه
~~السلام) ذكر له جملة من النصوص عليه من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~وطائفة من مناقبه، وناشدهم ذلك كحديث براءة والآخاء وما شابههما، وخبر
~~الغدير والمنزلة وما ضارعهما، التي عددناها في ذكر النصوص كل ذلك يقرون به
~~ولا ينكرون منه شيئا، والقصة مشهورة عند الخصوم، وقد أقر بها القوشجي وابن
~~أبي الحديد وذكر أنها مشتهرة لكنه اقتصر
# PageV00P417
# في نقلها على ذكر جملة مما ذكره أمير المؤمنين من النصوص عليه محتجا به
~~على القوم، وهم مع تصديقهم إياه واعترافهم بصحة نصوصه لم ينصرفوا بها عن
~~صرف الخلافة عنه إلى غيره، بل بايعوا عثمان وتركوه ولم يعتنوا بتلك النصوص
~~والمناقب وهددوه إن لم يبايع عثمان أن يقتلوه أو يقاتلوه، وعثمان لم يذكر
~~لنفسه فضلا ولا أورد في استحقاقه الخلافة خبرا، وإنما وعدهم بأن يسير فيهم
~~بسيرة الشيخين، وما الأولون بدونهم في رد نصوص النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم)، ومخالفة أقواله لأنهم أتباعهم ومقلدوهم، وهذا من أعدل شاهد على ما
~~قلناه من عدم اعتناء القوم بنصوص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حق
~~علي (عليه السلام) طلبا للدنيا وحبا للرئاسة فترك ذكره أمير المؤمنين لهذا.
# ووجه آخر: وهو أن عليا (عليه السلام) في ذلك الوقت غير محتاج إلى إيراد
~~النص إن سلمنا أنه لم يورده، لأن إيراده إنما هو لإثبات أنه المستحق لمقام
~~الرسول (صلى الله عليه وآله) دون خصمه، وأبو بكر وأصحابه مقرون له بذلك
~~لأنهم قد أثبتوا استحقاق الخلافة بقرابة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)،
~~ودفعوا الأنصار عن طلبها وخصموهم بها عن المطالبة فيها، فكان ذلك إقرارا
~~منهم لعلي (عليه السلام) بالحق لأن قرابته من الرسول (صلى الله عليه وآله)
~~وأقربيته من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) معلومة غير مجهولة، ms313 ومعروفة
~~غير منكورة، فلذا قال لهم كما في الخبر: (إني أحتج عليكم بما احتججتم به
~~على الأنصار، فإن كانت الخلافة بالقرابة فأنا أحق الناس بها لأني أقربهم من
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (1) فلم ينكر منهم أحد ذلك، بل أقروا
~~به لكنهم أصروا على منعه حقه وقالوا له: لا نسلم لك هذا الحق لأنك صغير
~~السن، فأي حاجة بعد هذا
# PageV00P418
# لذكر النص؟ وأي فائدة في إيراده وتعداده؟ وهل هو في ذلك إلا كرجل يدعى
~~قبل آخر حقا وله على صحة دعواه بينة عادلة لكن المدعى عليه في حال المخاصمة
~~أقر له بحقه وقال لا أدفعه إليك ولا أسلمه، فهل ترى يحتاج المدعي في إثبات
~~حقه بعد إقرار خصمه به إلى إحضار بينته، أو يحكم عليه حاكم عادل بلزوم
~~إحضارها في ثبوت حقه مع أن البينة لا يصار إليها إلا إذا لم يقر المدعى
~~عليه بصحته دعوى المدعي؟ وإذا حصل الإقرار من المدعى عليه فلا حاجة إلى
~~البينة، أفليس لا يبقى للمدعي بعد إقرار المدعى عليه له بحقه وإصراره على
~~منعه إلا إجباره على تسليم الحق وأخذه منه قهرا؟ وإذا لم يجد المدعي من
~~يأخذ له بحقه أو يعينه على استخراجه من خصمه ويخاف من مطالبته به وصول
~~الضرر إليه لا يبقى له إلا الكف والسكوت إلى وقت التمكن، وكذا أمير
~~المؤمنين (عليه السلام) فعل ما يلزم فعله في الشرع والعقل فإنه قرر خصومه
~~بالحجة فأقروا له بالحق لقضية القرابة وأصروا على ترك تسليم حقه إليه، فلم
~~يبق عليه بعد هذا إلا استخلاص حقه منهم بالجبر، واستخراجه من أيديهم
~~بالقهر، فطلب الأعوان على ذلك وطاف على دور أهل السوابق من الصحابة مركبا
~~فاطمة على حمار آخذا بيد الحسن والحسين يدعو الناس إلى معاونته على استيفاء
~~حقه بالسيف إذ لم يبق غيره، فكان يبايعه بالليل أربعون رجلا على ذلك ويعدهم
~~أن يوافوه صبحا فإذا أصبح لم يوافه إلا أربعة أو خمسة، حتى فعل ذلك ثلاث
~~ليال وهذه حالهم معه كما ms314 صح عند خصومنا واشتهر بينهم، فلما تبين له الخذلان
~~من الناس سكت وكف على ما في صدره من المضض وفي قلبه من الألم، إذ لم يبق
~~بعد فقد الناصر وعدم المعين على أخذ الحق من الممتنع عن تسليمه إلا الكف
~~والسكوت، لا سيما إذا كان الضرر في ترك الكف عنه مظنونا وصوله إلى صاحب
~~الحق من ذلك الظالم أو من تابعيه، فليس لذكر علي (عليه السلام) النص في
~~المقام موضع، ولا لإيراده موقع، وهو واضح لإخفاء فيه ومكشوف PageV00P419
# لا سترة عليه وهذا بخلاف أبي بكر وأصحابه فإنهم في تمام الحاجة إلى ذكر
~~نص عليه أو خبر في مدحه، لأن أمير المؤمنين (عليه السلام) يرميهم جميعا
~~بالظلم والعدوان واغتصاب حقه والعباس بن عبد المطلب كذلك وجماعة من الأنصار
~~وهكذا، فلو كان ثمة له دليل من النصوص لأورده ومنع به خصمه عن نفسه، أو حجة
~~من قول النبي (صلى الله عليه وآله) لناضل بها منازعه، لكنه وصحبه لم يذكروا
~~من ذلك شيئا مع دعاء الحاجة إليه فعلم أنه لا شئ منه بموجود فافترق
~~الأمران، وبالله المستعان، وقد وضح من هذا كله بطلان ما أورده ابن أبي
~~الحديد في المقام وما شنع به على أصحابنا في موضع آخر حين قال: فإن قالت
~~الإمامية: كان يخاف القتل لو ذكر ذلك يعني النص، قيل لهم: فهلا خاف القتل
~~وهو يعتل ويدفع ليبايع وهو يستصرخ تارة بقبر رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) وتارة بعمه حمزة وأخيه جعفر وهما ميتان، وتارة بالأنصار، وتارة ببني
~~عبد مناف، ويجمع الجموع في داره ويبث الرسل والدعاة ليلا ونهارا إلى الناس
~~يذكرهم فضله وقرابته، ويقول للمهاجرين خصمتم الأنصار بكونكم أقرب إلى رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنا أخصمكم بما خصمتم به الأنصار لأن
~~القرابة إن كانت هي المعتبرة فأنا أقرب منكم؟ وهلا خاف من هذا الامتناع ومن
~~هذا الاحتجاج ومن الخلف في داره بأصحابه ومن تنفير الناس عن البيعة التي
~~عقدت حينئذ لمن عقدت له (1) " انتهى وفيه مع ms315 اندفاعه بما مضى من البيان
~~فساد واضح من وجهين.
# الأول: دعواه أن الإمامية يقولون خاف علي (عليه السلام) من ذكر النص
~~والحال أنه ولا واحده من الإمامية بقائل إن أمير المؤمنين (عليه السلام) لم
~~يذكر النص، بل كلهم متفقون على أنه (عليه السلام) ذكر
# PageV00P420
# النص للقوم وذاكرهم لما ساموه البيعة لأبي بكر وخاصمهم به أشد خصام، فلم
~~يقبلوا منه فعدل إلى القرابة التي احتجوا بها على الأنصار فتعللوا عليه كما
~~رويتم فلم يجد شيئا يكفهم به عن ظلمه وينتزع به من أيديهم حقه إلا السيف،
~~فصمم العزم على مناجزتهم فلم يجد ناصرا طلب أربعين رجلا ذوي عزم فلم يوافقه
~~ولم يجبه إلا أربعة أو خمسة فكف وسكت، وهذا المشنع ذكر ذلك مرارا في كتابه
~~وصححه واعترف به هنا كما ترى، فليس أحد من الإمامية يقول: إن عليا (عليه
~~السلام) لم يذكر النص عليه، بل يقطعون بأنه ذكره ويجزمون بأن القوم ردوه
~~ولم ينقادوا له، ورواياتهم بذلك ناطقة ومصنفاتهم بذلك مصرحة.
# الثاني قوله: إنه خاف القتل، فإن الإمامية إن قالوا خاف القتل فإنهم
~~يريدون أنه (عليه السلام) خاف القتل من استمراره على ترك بيعتهم فضرع لها
~~وأجاب دفعا للقتل عن نفسه إذ لا معين له وهو قد صرح بهذا المعنى في كثير من
~~خطبه كالشقشقية وغيرها وقد ذكرنا شطرا من كلامه في هذا المعنى فيما تقدم
~~وسيأتي منه الكثير إن شاء الله لا إنه خاف القتل من ذكر النص فإنه لا قائل
~~به من الإمامية، فإن كان صادقا فليدلنا على هذا القائل، نعم إن قال أحد
~~منهم أنه خاف من ذكر النص مجاراة للخصم فإنه يريد أنه خاف منهم إنكاره ورده
~~وذلك صحيح وقد أوضحناه وبيناه فزال تشنيعه على أصحابنا بقوله هلا خاف من
~~كذا وهلا خاف من كذا هذا كله مع ما يعود عليه في هذا التشنيع من بطلان
~~مذهبه وفساد عقيدته وذلك من وجهين.
# الأول: إنه ملأ كتابه من الدعوى برضا علي (عليه السلام) بخلافة أبي بكر
~~وروى في ms316 ذلك أحاديث كثيرة عن أسلافه، وأن عليا (عليه السلام) لم يدع أحدا
~~إلى نقض بيعة أبي بكر ولا استصرخ الناس لحربه ولا نازعه وأصحابه، وقد قدمنا
~~بعضا من كلامه في هذا في فصل أحاديث لفظ الإمام PageV00P421
# ثم هو الآن يقول: إنه استصرخ الناس لحرب أبي بكر وكاشف ونازع وعتل ودفع
~~وبث الرسل والدعاة يدعون الناس إلى نقض بيعة الشيخ ومحاربته، فانظر إلى هذ
~~التناقض العظيم في أقواله والتعارض الشديد في كلامه.
# الثاني: إنه شحن الكتاب أيضا من قوله أن عليا (عليه السلام) لو كاشف
~~القوم ونازعهم وسخط إمارتهم ولم يرضها فضلا عن أن يكون شهر السيف عليهم
~~لحكمنا بضلالهم وهلاكهم كما حكمنا بهذا كله على من خالفه أيام خلافته لأنه
~~على الحق دائما ونقل ذلك أيضا عن مشائخه البغداديين ثم هو هنا وغير هنا
~~يذكر أنه (عليه السلام) خالفهم ونازعهم واستصرخ الناس عليهم، ودعا الناس
~~إلى قتالهم، وجمع الجموع في داره لذلك واستغاث منهم بالأموات والأحياء
~~فلازم ذلك عليه أن يحكم عليهم بالضلال ومخالفة الحق وهو لا يحكم عليهم، بل
~~يصرح في مواضع من كتابه بأنهم من الدين والإيمان وصحة اليقين بمكان مكين
~~وغير ذلك من الأوصاف الجميلة التي تزيد على الوصف، وكان اللازم من هذا عليه
~~تكذيبه في معتقده، أو افتراؤه في أخباره، أو حكمه بضلال أئمته فما كان
~~أغناه عن كشف هذه القبائح، وبيان الفضائح، ونشر هذه المعايب وهذا يصرح لك
~~عن هذا الرجل بأنه نهج منهج الخلط والتخبيط، يقول الشئ وضده ويأتي بالأمر
~~ونقيضه ويعتقد مذهبا ومنافيه كل ذلك عنده صحيح وفي خياله رجيح لا يقف على
~~حد محدود ولا يقتصر على مذهب معلوم أعاذنا الله والمؤمنين من المضلات ومن
~~الانغماس في الجهالات.
# واحتج القوشجي على فقد النص مطلقا على أمير المؤمنين وخصوصا قول النبي
~~(صلى الله عليه وآله وسلم): (سلموا على علي بإمرة المؤمنين) وقوله (صلى
~~الله عليه وآله) لعلي: (أنت الخليفة بعدي) وقوله (صلى الله PageV00P422
# عليه وآله وسلم) مشيرا إليه (هذا خليفتي فيكم فاسمعوا له ms317 وأطيعوا) وقوله
~~(صلى الله عليه آله وسلم) حين جمع بني عبد المطلب (أيكم يبايعني ويوازرني
~~يكون أخي ووصيي وخليفتي من بعدي) (1) فبايعه علي (عليه السلام) وهي التي
~~استدل بها سلطان الحكماء والمتكلمين نصير الملة والحق والدين بأن هذه
~~النصوص لم تثبت من يوثق به من المحدثين مع شدة محبتهم لأمير المؤمنين (عليه
~~السلام) ونقلهم الأحاديث الكثيرة في مناقبه وكمالاته في أمر الدنيا والدين،
~~ولم ينقل عنه في خطبه ورسائله ومفاخراته ومخاصماته وعندنا تأخره عن البيعة
~~إشارة إلى تلك النصوص وجعل عمر الخلافة شورى بين ستة ودخل علي في الشورى،
~~وقال عباس لعلي: امدد يدك أبايعك حتى يقول الناس هذا عم رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) بايع ابن عمه فلا يختلف فيك اثنان، وقال أبو بكر وددت أني
~~سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن هذا الأمر فيمن هو وكنا لا
~~ننازعه، وحاج علي (عليه السلام) معاوية ببيعة الناس لا بنص من النبي (صلى
~~الله عليه وآله وسلم) (2) انتهى. كلامه.
# والجواب أما قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (سلموا على علي بإمرة
~~المؤمنين) و (أنت الخليفة بعدي) فمتواتر عند الشيعة فضلا عن كونه مرويا
~~وليس التواتر عند الشيعة على كثرتهم يقصر في الخبر عن كونه خبرا صحيحا لا
~~سيما إذا لم يكن له مناقض يعتد به وكان له معاضد من الأدلة
# PageV00P423
# الصحيحة، وقد ذكرنا في النصوص ما يصرح به عن محدثيهم.
# وأما قول النبي (صلى الله عليه وآله) (هذا خليفتي فيكم) الخ.
# وقوله: (يا بني عبد المطلب أيكم يبايعني ويوازرني) الخ فكلاهما في حديث
~~الوزارة حين جمع النبي (صلى الله عليه وآله) بني عبد المطلب بعد نزول قوله
~~تعالى: [وأنذر عشيرتك الأقربين] وقد رواه الثقاة من محدثي العامة واستدل به
~~متكلموهم كابن إسحاق وابن جرير الطبري وأبي جعفر الإسكافي وغيرهم فلا معنى
~~لقول المعترض: إن هذه النصوص لم تثبت عمن يوثق به من المحدثين، وأما خطب
~~أمير المؤمنين (عليه السلام) وكلماته فهي مشتملة على ذكر النص عليه ms318 كثيرا
~~مثل قوله: (وإني لأولى الناس بالناس وإني وارث رسول الله وإني وصي رسول
~~الله وإن رسول الله عهد إلي) ومعناه باليقين استخلفني وكلامه لمن سأله بم
~~ورثت ابن عمك دون عمك وغير ذلك مما مضى ويأتي، ومخاصماته بالنصوص مشهورة
~~فإنه كان دائما يدعي النص عليه من النبي (صلى الله عليه وآله) كما مر في
~~حديث ابن عباس مع عمر بن الخطاب ومخاصمته أهل الشورى بالنصوص أمر معلوم قد
~~اعترف به هذا المعترض وغيره، وبالجملة فدعوى علي (عليه السلام) النص عليه
~~من النبي (صلى الله عليه وآله) واضحة كالشمس الضاحية لا يجهله إلا جاهل
~~محض، ولا ينكره إلا معاند صرف، فلا معنى لقول المعترض أنه لم ينقل في كلامه
~~إشارة إلى تلك النصوص لأنه قد اشتهر بها التصريح في كلامه دون الإشارة.
# وأما دخوله في الشورى فلوجهين.
# الأول: إنه خاف القتل في امتناعه من الدخول في الشورى بعد ما عينه عمر
~~لأن امتناعه صريح في الخروج عن طاعته ورد إمامته فلا يأمن أن يأمر بقتله
~~فيقتل وعمر مطاع في أصحابه، وأكثرهم مبغضون لعلي (عليه PageV00P424
# السلام)، وكيف يحاذر من قتل علي (عليه السلام) لو خالف أمره وقد أوصى
~~بقتل من يخالف عبد الرحمن بن عوف من أهل الشورى، وبقتل ستتهم إن مضت ثلاثة
~~أيام ولم يتفقوا على واحد منهم وعلي فيهم، فأطيع في ذلك كله، وأخذ الستة
~~بذلك من أبي طلحة الأنصاري وصي عمر على إنفاذ هذه الوصية، ولو لم يفعلوا
~~كما قال لقتلوا جميعا كما صح في روايات القصة عند الخاصة والعامة (1)، وهذا
~~أمر ظاهر لا ينبغي التشكيك فيه، وأقل الأمور أنه (عليه السلام) يظن الضرر
~~لو امتنع من إنفاذ قول عمر ودفع الضرر المظنون واجب عقلا وشرعا.
# الثاني: إنه من الجائز أن أمير المؤمنين دخل في الشورى ليتمكن من
~~المطالبة بحقه والإدلاء بحجته على ذلك وإذا لم يدخل فيها لم يتمكن من ذلك،
~~ولذا أنه خاصم القوم وحاجهم بالنصوص عليه لا بغيرها، وقال هناك (إن لنا حقا
~~أن نعطه ms319 نأخذه وأن نمنعه نركب إعجاز الإبل وإن طال السرى) (2) وعرض عليه
~~ابن عوف المبايعة على سيرة الشيخين فأبى إلا على كتاب الله وسنة رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وكان ذلك إما لاحتماله قبول القوم قول النبي
~~(صلى الله عليه وآله) وإما لإلقاء الحجة لئلا يقول قائل من القوم لا أدري
~~أو نسيت فلم يذكرني أحد، وقد أرسل الله موسى إلى فرعون وهو يعلم أنه لا
~~يؤمن فليس من المقطوع به أن يكون دخول أمير المؤمنين (عليه السلام) في
~~الشورى لرضاه بها وجواز الإمامة عنده بالاختيار، بل ولا من المظنون مع قيام
~~الاحتمالين القويين،
# PageV00P425
# وإذا لم يكن رضاه بالشورى معلوما من دخوله فيها سقط الاحتجاج بها على
~~مراد القوشجي، وهنا وجه ثالث ذكره أصحابنا عن أمير المؤمنين (عليه السلام)
~~أنه إنما دخل في الشورى للرد على عمر وصاحبه في روايتهما عن النبي (صلى
~~الله عليه وآله وسلم) (ولم يكن الله ليجمع لنا أهل البيت بين النبوة
~~والخلافة) وهو وجه ظاهر الصحة، وأما قول العباس امدد يدك أبايعك ففيه ثلاثة
~~وجوه.
# الأول: إنها رواية يختص الخصم بنقلها فلا حجة فيها مع أنهم رووا ما
~~يعارضها وهو الخبر المتقدم المشتمل على شهادة العباس لعلي (عليه السلام)
~~بالنص عليه من النبي (صلى الله عليه وآله)، وإبلاغ ابن عباس عمر ذلك عنه
~~وإقرار عمر ببعض ذلك، بل بكله والترجيح لهذا الخبر لأنه أوضح دلالة
~~ولاعتضاده بالأخبار الصريحة في النص على علي (عليه السلام).
# الثاني: إن الرواية لا تدل على نفي النص بحال لأن قوله: امدد يدك أبايعك
~~الخ ليس فيه ما يدل على عدم النص لا بالمطابقة ولا بالتضمن وهما ظاهران،
~~ولا بالالتزام إذ لا ملازمة في العقل بين البيعة لئلا يختلف الناس وبين عدم
~~النص إلا بالجزم بعدم مخالفة القوم لنص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لو
~~كان موجودا، والمقطوع به من حالهم خلاف ذلك، نعم هناك ظاهر ضعيف وهو لا
~~يعارض القاطع.
# الثالث: إنه من الجائز أن يكون العباس دعا ms320 عليا (عليه السلام) إلى
~~المبايعة لا لفقد النص عليه، بل دعاه إلى ذلك خوفا اختلاف الناس عليه لعمله
~~منهم ذلك كما أشار إليه بقوله: حتى يقول الناس هذا عم رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) بايع ابن عمه فلا يختلفون فيك (1) فدعاه إلى
# PageV00P426
# المبايعة لدفع اختلاف الناس عليه لا لإحداث إمامته بالبيعة، بل ظاهر
~~الحال أن إمامة علي (عليه السلام) كانت معلومة عند العباس وأراد بالبيعة
~~توكيدها ودفع الاختلاف فيها، أو لأنه خاف أن يسبق سابق بالبيعة لعلمه أن
~~القوم لا يقفون مع قول النبي (صلى الله عليه وآله) في علي ونصه عليه لما
~~ظهر له من الأمارات الواضحة وقرائن الأحوال فأراد السبق بمبايعة علي (عليه
~~السلام) ليستقر أمره فلا تفيد بيعة غيره بعد ذلك في النقض عليه ويزول
~~الاختلاف، وإذا جاز ذلك بطل الاستدلال بالخبر إن صح إذ لا حجة فيه حتى يحصل
~~العلم بأن دعاء العباس عليا (عليه السلام) للبيعة لفقد النص عليه لا لفائدة
~~أخرى، وليس ذلك بحاصل ولا ظاهر إن لم يكن الظاهر من ذلك خلافة، لأن تقديم
~~العباس عليا على نفسه في خلافة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع كونه أسن
~~منه يظهر منه أنه كان لسماع العباس من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن
~~عليا هو خليفته والأحق بمقامه، فكان الخبر لنا لا علينا.
# وأما قول أبي بكر وددت أني سألت النبي (صلى الله عليه وآله) الخ فإنه قال
~~ذلك تقريرا لإنكار النص على علي (عليه السلام) وتصنعا منه وتشبيها على من
~~لم يعلم بأنه ما ظلم واحدا بعينه في تقدمه، ولا في استخلافه عمر من بعده
~~ليكون قوله هذا معارضا لدعوى علي (عليه السلام) النص عليه ويستتم له ما
~~أراد من حرمان أهل البيت حقهم من خلافة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في
~~ظاهر الأمر عند عامة الناس في جميع الأزمنة لما يعلم من أن أهل البيت إن
~~تمكنوا من الخلافة وقتا من الأوقات واستقرت قدمهم فيها ظهر من ظلمه ms321 لهم ما
~~كان مستورا عند العامة، وزال الوثوق به عندهم، وفسد ما دبره ولولا ما ألقاه
~~من الشبه هو وموازروه بالقول والفعل لما خفي على عوام الناس النص على علي
~~(عليه السلام)، ولا أنكره أحد لوضوحه فضلا عن أن يكون خفيا على المجيب
~~وأمثاله من المحققين حتى جادلوا فيه أتم الجدال، وبلغوا في إنكاره إلى
~~الجمع بين الأمور المتناقضة PageV00P427
# والمذاهب المتخالفة، فلذلك قال الرجل ما قال ليشبه على الجهال فنال ما
~~طلب ولو أنه صرح بما علمه من النص على علي (عليه السلام) لطعن فيه العامة
~~لتقدمه على من نص عليه النبي (صلى الله عليه وآله)، وقدحوا في استخلافه
~~صاحبه وهو لم يترأس ليكون مطعونا عليه عند العوام، وإنما فعل ذلك ليكون
~~عندهم موثقا مطاعا في الحياة والممات ليتم مقصده المذكور وتصريحه بالنص
~~يزيل ذلك كله عند سائر الناس وهو خلاف مطلبه، فليس في قوله حجة على فقدان
~~النص لأن له في إخفائه غرضا قويا، ثم إن استدلال القوشجي بكلام أبي بكر على
~~انتفاء النص مطلقا على واحد معين يعود عليه بالنقض في دعواه إجماع أصحابه
~~على استخلاف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا بكر ويرد حديث عائشة الذي
~~هو الدليل عندهم على ذلك:
# (وهو ادعى أباك وأخاك) المتقدم ذكره، ويبطل روايته في أبي بكر وهو قول
~~النبي (صلى الله عليه وآله) فيه: (وخليفتي في أمتي) وهذا دأبه (1) - متناقض
~~الأقوال مختل الكلام.
# وأما محاجة علي (عليه السلام) معاوية ببيعة الناس له بنص فهي إن سلمت مثل
~~محاجته للصدر الأول بالقرابة، وذلك أن النصوص الواردة من النبي (صلى الله
~~عليه وآله) على علي (عليه السلام) وإن كانت صريحة واضحة ومعاوية يعلمها ولا
~~يجهلها ويعرفها باطنا ولا ينكرها لكن وهن دلالتها وشبه صراحتها على تابعي
~~معاوية من أهل الشام وأكثر تابعي علي (عليه السلام)، إذ جل من معه يرون أن
~~إمامته بالبيعة لا بالنص عليه ويثبتون تقدم الثلاثة عليه في الخلافة فكان
~~الفريقان يذهبان إلى أن الإمامة بالاختيار لا بالنص وأن ms322 النبي (صلى الله
~~عليه وآله) لم ينص على واحد بعينه، ولو احتج أمير المؤمنين (عليه السلام)
~~بالنص على معاوية لم يسلمه له في الظاهر وإن كان يعلم صحته كما لم يسلم له
~~الأولون إذا ذكره، ولم
# PageV00P428
# يلتفت إليه أهل الشورى إذ أورده، ولا رآهم الناس من العامة خالفوا النبي
~~(صلى الله عليه وآله) إذ ردوا نصه لتلك الشبهة المرتكزة في نفوسهم وكان
~~يتجه لمعاوية عند أهل الشام وأكثر أهل العراق أن يجيبه بأن يقول: إذا كنت
~~أنت المنصوص عليك بهذه النصوص فلم تقدم عليك فلان وفلان ولم قرن عمر بك في
~~الشورى فلانا وفلانا إلى آخره ولم قدم عليك أهل الشورى فلانا وهؤلاء خيار
~~الصحابة؟ أفتقول إنهم ظلموك وانتهبوا حقك، فإن صرح بما لا يحتمل التأويل
~~بأنهم ظلموه وغصبوه حقه وخالفوا نص رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~عليه، وقوله فيه وتقدموا عليه عدوانا كانت هذه هي الطامة الكبرى التي ود
~~معاوية لو تكلم أمير المؤمنين (عليه السلام) بكلمة تدل عليها ليجعلها من
~~أعظم الموجبات لمخالفته وقتاله، فما رضاه بقتل عثمان الذي اقتضى لزوم خلافه
~~ووجوب حربه عند أهل الشام إلا دونها بمراتب، فيزدادون بها ضلالا وعتوا عليه
~~ويتفاقم خطبهم ويزيد فسادهم، وهو (عليه السلام) يريد اصلاحهم، ثم ليست هذه
~~مقصورة على فساد أهل الشام خاصة بل يتمشى الأمر بها إلى فساد أكثر جند أمير
~~المؤمنين (عليه السلام) عليه، لأن عامتهم يرون في الإمامة ما يرى أهل الشام
~~ويصححون خلافة الثلاثة، ويوثقونهم ومن معهم من الموازرين لهم فيما فعلوه،
~~ويناقضون عليا (عليه السلام) في مخالفته فتاوى الشيخين كما هو معلوم فكيف
~~يتبعونه إذا صرح بأنهما من الظالمين الغاصبين؟ وقد علم كافة أولي الألباب
~~أن الحجة إذا لم يسلمها الخصم ولا تابعوه لم يكن في الاحتجاج بها عليه
~~فائدة وإن كانت صحيحة، وأنه يجب العدول عنها إلى حجة لا يقدر الخصم على
~~دفعها ولا يجد سبيلا لي منعها إذا كانت موجودة، هذا كله إذا لم يجر
~~الاحتجاج بها على المحتج ms323 ضررا فكيف إذا كان ذلك يجر الدواهي الدهم عليه
~~ويكون موجبا لفساد أصحابه، وزيادة ضلال أصحاب الخصم وغوايتهم؟ ومع هذا لا
~~يؤمن على معاوية أن يقيم شهودا عند أهل الشام PageV00P429
# مثل ابن العاص وأبي هريرة وحبيب بن مسلمة الفهري والضحاك بن قيس وأضرابهم
~~يكذبون عليا (عليه السلام) في دعواه النص، وأن المنصوص عليه فلان وفلان إلى
~~آخر من يريد معاوية والكذب عند هؤلاء على الله ورسوله (صلى الله عليه وآله)
~~أهون من شرب الماء البارد على الظمآن، وخصوصا فيما يعيبون به على أمير
~~المؤمنين (عليه السلام) وأهل الشام يصدقونهم في جميع ما قالوا لظنهم فيهم
~~الخير فتبطل الحجة عند أهل الشام مع حصول الضرر، فلهذا كله عدل أمير
~~المؤمنين (عليه السلام) عن ذكر النص إلى الاحتجاج ببيعة المهاجرين والأنصار
~~له إذ كانت هي النافعة في المقام والمعتبرة عند العوام، وأن معاوية لا
~~يستطيع إنكارها ولا يسعه الطعن فيها ولا يتيسر له إنكار ثبوت الإمامة، لأنه
~~هو وجميع من معه والجم الغفير من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام)
~~يجعلونها هي الطريق للإمامة ويثبتون بها إمامة المتقدمين، وبها يتعلق
~~معاوية دعواه الطلب بدم عثمان كما زعم وذلك لتقوم بها عليه الحجة ظاهرا ولا
~~يمكنه المدافعة والممانعة ولا يقبل قوله في علي (عليه السلام) أنه يبرء من
~~الشيخين ويفسقهما، كما أكثر من ذلك في كتبه إلى علي (عليه السلام) وهذه عند
~~أهل الذكي من أعظم الأدلة على بلوغ أمير المؤمنين (عليه السلام) في الحكم
~~ومعرفة سياسة الأمور الغاية القصوى، ولو جرى على من تقدمه من رعيته ما جرى
~~عليه إذن ما استقر في الإمارة شهرا ولذا لم يتمكن معاوية ابتداء من التخلف
~~عن بيعته (عليه السلام) عند أهل الشام إلا بطلب قتلة عثمان منه، وأنه إذا
~~دفعهم إليه كان أسرع الناس إلى طاعته فتعلق أولا بأمر مقبول عند أهل الشام
~~غير ثبوت إمامة علي (عليه السلام) ونفيها لعلمه أن أهل الشام لا يقبلون منه
~~ابتداء إبطال بيعة الصحابة لمن بايعوه وببطلان ما دعاهم ms324 إليه من الطلب بدم
~~عثمان لو صرح أول الأمر بذلك وتيقنه أن عليا (عليه السلام) لا يجيبه إلى ما
~~طلبه على الوجه الذي أراد، لأنه غير جائز شرعا من وجوه لا يحسن هنا بيانها
~~فتتم PageV00P430
# له الحيلة المقصودة له في باطن أمره بهذه الشبهة، فلما تمكن ارتفع عن ذلك
~~إلى القدح في بيعة علي بأنه قتل عثمان ظلما بزعمه أو راض بقتله، ولا تصح
~~الخلافة لقاتل خليفة مظلوم لا لأن بيعة الصحابة لا توجب الإمامة وكانت هذه
~~أيضا شبهة مقبولة عند اتباعه ثم كان كلما تمكن من أمر ارتفع إليه حتى تم له
~~جميع ما حاول وطلب من أمر الدنيا فكان تعلله إذ لم يتمكن من القدح في أول
~~الأمر في إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) ببيعة المهاجرين والأنصار له
~~بما تعلل به شبيها بتعلل الأولين بحداثة السن إذا أعيتهم الحيلة في دفع
~~حجته، فليس ترك أمير المؤمنين (عليه السلام) مخاصمة معاوية بالنص لكونه
~~مفقودا بل لكونه غير نافع بل مقتضيا للضرر يقينا، وترك ما يوجب الضرر واجب
~~قطعا ولأن مراد أمير المؤمنين (عليه السلام) مطالبة معاوية وأصحابه بالبيعة
~~وذلك متوقف على ثبوت الإمامة على ما يرون ولا يكون إلا بالبيعة فخاصمهم
~~ليكون قد أتاهم بما يعرفون ولا ينكرون ليستحقوا على العصيان من المطيعين
~~القتال ومن الله المقت والنكال، وهذا في الحقيقة لا يجهله محصل ولا يرتاب
~~فيه محقق وبأقل مما بيناه يتضح وجهه، فبطل إيراد القوشجي كله وانزاح تعلله
~~بعون الله ومنه، وقد نتج من كلامنا من أوله إلى هنا دعويان.
# الأول: إن القوم كانوا يخالفون نصوص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~ويردونها بالرأي.
# الثانية: إن النص موجود على أمير المؤمنين (عليه السلام) من النبي (صلى
~~الله عليه وآله) فكتمه القوم وأعرضوا عنه ونبذوه وراء ظهورهم.
# أما الأولى: فدليلنا عليها مع ما بيناه وأوضحناه حتى من شهادة أوليائهم
~~عليهم ما شاع من صدور مخالفة بعض الصحابة للنبي (صلى الله عليه وآله
~~PageV00P431
# وسلم) في حياته وما تواتر من مخالفتهم ms325 إياه بعد وفاته، منها ما صدرت من
~~شخص معين، ومنها ما صدرت من أشخاص معينين، ومنها ما هو منسوب إلى جملة من
~~القوم من غير تعيين، ونبدأ من القسم الأول بذكر أبي بكر وعمر فإنهما رأس
~~هذا الأمر وسنامه، وجميع البحث في الإمامة يدور عليهما فنقول إن مخالفتهما
~~للنص (صلى الله عليه وآله) جاءت منهما تارة على الإجماع وأخرى على الانفراد
~~فمما اجتمعنا فيه مخالفتهما للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في التخلف عن
~~جيش أسامة مع حث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على تنفيذه مرارا.
# قال ابن أبي الحديد قال أبو بكر (1) وحدثنا أحمد بن سيار عن سعيد بن
~~الكثير الأنصاري عن عبد الله بن عبد الله بن عبد الرحمن: إن رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) في مرض موته أمر أسامة بن زيد على جيش فيه جلة المهاجرين
~~والأنصار منهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح وعبد الرحمن بن عوف وطلحة
~~والزبير، وأمره أن يعبر على مؤتة حيث قتل أبوه زيد، وأن يغزو وادي فلسطين،
~~فتثاقل أسامة وتثاقل الجيش بتثاقله، وجعل رسول الله (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) يثقل ويخف ويؤكد القول في تنفيذ ذلك البعث حتى قال له أسامة: بأبي
~~أنت وأمي أتأذن لي أن أمكث أياما حتى يشفيك الله فقال: (اخرج وسر على بركة
~~الله) فقال: يا رسول الله إني إن خرجت وأنت على هذه الحالة خرجت وفي قلبي
~~قرحة منك فقال:
# (سر على النصر والعافية) فقال: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) إني
~~أكره أن أسئل عنك الركبان، فقال: (أنفذ لما أمرتك به) ثم أغمي على رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله)، وقام أسامة فجهز للخروج، فلما أفاق رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) سأل عن أسامة والبعث فأخبر
# PageV00P432
# أنهم يتجهزون فجعل يقول: (أنفدوا بعث أسامة لعن الله من تخلف عنه) ويكرر
~~ذلك الخبر، (1) ومع هذا الحث الأكيد قد تخلف من تخلف عن البعث المذكور ردا
~~لنص الرسول (صلى الله عليه وآله) ms326 بالرأي فإن أحدهما تخلف لطلب الخلافة
~~والثاني لمعاونته ولم ينكر عليهما منكر لأن المتمكن من الإنكار عليهما في
~~تلك الحال يرى رأيهما، والمؤمنون وهم أقل قليل مغلوب عليهم، فإذا كان هذان
~~الرجلان قد تخلفا عن جيش أسامة مخالفة للنبي (صلى الله عليه وآله) ولم تمض
~~من المدة ما يحتمل فيه شبهة كنسخ وغيره، وكل ذلك لغرض الإمرة وطلب الرئاسة
~~فكيف يستنكر منهما ويستبعد مخالفة نص الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) على
~~علي وإنكاره ذلك الغرض المذكور؟ مع أن مخالفة النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) في الإمامة ورد نصه فيها على مذهب الجماعة أهون من رد نصه في الجهاد
~~لأنهم جعلوا الخلافة من الأمور الدنيوية ولم يجعلوها من الفروض الدينية،
~~والأحكام الشرعية، ألا ترى قول عمر لأبي بكر في السقيفة وأمرك رسول الله
~~بالصلاة رضيك رسول الله لديننا أفلا نرضاك لدنيانا (2)، فجعل الصلاة من
~~الدين والإمامة من أمر الدنيا، ولازم ذلك جعل نص الرسول (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) فيها كرأي واحد منهم! فكما يجوز مخالفة ذلك الواحد يجوز مخالفة
~~النبي (صلى الله عليه وآله) والرجوع إلى ما يؤدي إليه الرأي، وإذا كانوا قد
~~خالفوا النبي (صلى الله عليه وآله) وردوا نصه في الأمور الدينية فأحر بهم
~~أن يخالفوا النبي (صلى الله عليه وآله) فيما زعموا أنه من الأمور الدنيوية
~~لا من الأوامر الشرعية، فتبين هنا أن قول بعضهم: إن رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) لم يوص ولو أوصى ما تأمر أبو بكر
# PageV00P433
# على وصيه باطل، لأن أبا بكر قد تآمر في هذه الواقعة على من أمره رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) عليه والحال في الأمرين واحدة، ومتى رأينا أبا
~~بكر وصاحبه وقفا مع النص فيما يخالف غرضهما حتى نستبعد منهما مخالفة النص
~~في الإمامة مع ظهور مخالفته لمطلوبهما ومنعه إياهما من التوصل إلى محبوبهما
~~ما هذا إلا تمحل المحال.
# ومن ذلك مخالفتهما أمره (صلى الله عليه وآله) بقتل ذي الخويصرة التميمي
~~(1) قال ابن أبي الحديد: وفي ms327 الصحاح المتفق عليها أن رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) بينا هو يقسم قسما جاء رجل من بني تميم يدعى ذي الخويصرة، فقال:
~~اعدل يا محمد فقال: (قد عدلت) فقال ثانية: اعدل يا محمد فإنك لم تعدل فقال
~~(صلى الله عليه وآله):
# (ويلك ومن يعدل إذا لم اعدل)؟ قال: وفي بعض الصحاح أن رسول الله قال لأبي
~~بكر وقد غاب الرجل عن عينه: قم إلى هذا فاقتله فقام ثم عاد فقال: وجدته
~~يصلي، فقال لعمر مثل ذلك فعاد وقال: وجدته يصلي فقال لعلي (عليه السلام)
~~مثل ذلك فعاد وقال: لم أجده، فقال رسول الله:
# (صلى الله عليه وآله) (لو قتل هذا لكان أول فتنة وآخرها) (2) الحديث
~~فانظر إلى ترك الشيخين قتل الرجل لأنه يصلي فإنك تجده صريحا في ردهما أمر
~~النبي (صلى الله عليه وآله) بالرأي وتخصيصهما عمومه بالاستحسان؟ هذا والنبي
~~(صلى الله عليه وآله) حي نافذ الحكم شديد السلطان، فإذا تحقق ردا مرة
~~بالرأي في حال حياته وعلو كلمته ولم
# PageV00P434
# يحذرا من عقوبته فكيف يستنكر منهما مخالفته نصه في إمامة علي (عليه
~~السلام) بعد وفاته وعلمهما أنه قد فارق الدنيا وأنه لا يأمر بعد ذلك ولا
~~ينهى، أفيرتاب عاقل عالم قد علم بمخالفتهما الرسول (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) فيما ذكرناه في جواز أن يخالفا نصه في الإمامة مع ارتكاب خطر العقوبة
~~في الأول والأمن منها في الثاني؟ وهل يصفهما ذو عقل صحيح وذوق رجيح بعدم
~~إمكان المخالفة كما فعل ابن أبي الحديد فواعجبا من قوم هم من ذووي التحقيق
~~يروون شيئا ويحققونه ثم يزعمون عدم إمكان واستحالة وقوعه [فليحذر الذين
~~يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم] (1) ولعمري لقد
~~أصابتهم الفتنة من غير شك ولا شبهة وبالله المستعان.
# وفي حديث: أم سلمة المتقدم مع عائشة قالت: وأذكرك أيضا كنت أنا وأنت مع
~~رسول الله في سفر له وكان علي (عليه السلام) يتعاهد نعلي رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله وسلم) فيخصفها، ويتعاهد أثوابه فيغسلها، فنقبت ms328 له نعل
~~فأخذها يومئذ يخصفها وقعد في ظل سمرة، وجاء أبوك ومعه عمر فاستأذنا عليه،
~~فقمنا إلى الحجاب، فدخلا عليه فحادثاه فيما أراد، ثم قالا: يا رسول الله
~~إنا لا ندري قدر ما تصحبنا فلو أعلمتنا من تستخلف علينا ليكون لنا بعدك
~~مفزعا، فقال لها: (أما إني قد أرى مكانه ولو فعلت لتفرقتم عنه كما تفرقت
~~بنوا إسرائيل عن هارون بن عمران) فسكتا ثم خرجا، فلما خرجنا إلى رسول الله
~~(عليه السلام) قلت له وكنت أجرأ عليه منا: من كنت يا رسول الله مستخلفا
~~عليهم؟ فقال: (خاصف النعل) فنزلنا فلم نر أحدا إلا عليا، فقلت: يا رسول
~~الله ما أرى إلا عليا فقال:
# (هو ذاك) فقالت عائشة: نعم أذكر ذلك، فقالت: فأي خروج تخرجين
# PageV00P435
# بعد هذا (1) وهو صريح في إخبار النبي (صلى الله عليه وآله) لهما بأنهما
~~يخالفان نصه، ولا يطيعان من يستخلفه، وسكوتهما من دون أن يعتذرا للنبي (صلى
~~الله عليه وآله وسلم) أو يعطياه من العهود بالطاعة فيمن يستخلفه عليهم ما
~~يحصل الوثوق ظاهرا بمثله شاهد صدق على أن ما نسبه النبي (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) إليهما وإلى أمثالهما من التفرق عن خليفته كان ذلك الوقت مضمرا
~~في قلوبهما، وكانا قد عرفا إشارة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ما
~~أضمراه من مخالفة النبي (صلى الله عليه وآله) إن استخلف عليا، وقد فهما إلى
~~من يشير النبي (صلى الله عليه وآله) بالاستخلاف فسكتا على ما أضمرا، فأي
~~شاهد عدل من هذا يراد منا على هذه الدعوى؟
# ومما اختص به أبو بكر في مخالفة النبي (صلى الله عليه وآله) وكان عمر له
~~تابعا أخذه فدك من فاطمة (عليه السلام) لروايته التي خالفها بتركه ما ترك
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند علي (عليه السلام) كالسيف والدرع
~~والبغلة والعمامة وشبه ذلك وترك حجرات النبي (صلى الله عليه وآله) عند
~~أزواجه (عليه السلام) وتوضيح ذلك أن فدك كانت من الأنفال كما صح عند خصومنا
~~رواه ابن أبي الحديد ms329 عن الطبري وغيره (2) وليست فيئا للمسلمين وأن فاطمة
~~(عليه السلام) أتت تطلبها بالميراث من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~بادئ بدء فمنعها أبو بكر وروى أنه قد سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) يقول:
# (نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة) (3) وأنه بعد ذلك ترك
# PageV00P436
# المذكورات عند علي (عليه السلام) ولم يتصدق به وترك الحجرات عند الأزواج،
~~فكيف تترك تلك وتؤخذ هذه؟ والاعتذار بأنه لعله تصدق بأثمانها لا يدفع
~~الايراد ولا يجدي نفعا لوجهين.
# الأول: إنه منع فاطمة الميراث بما زعمه من الرواية على رؤوس الاشهاد
~~وكانت فاطمة وعلي (عليه السلام) وشيعتهما ينسبونه في ذلك إلى الظلم وافتعال
~~الرواية وكل هذا مصحح عند الخصم فكان تركه المتروكات موجبا لصدق اتهامه
~~بالرواية والظلم والتصدق باطنا بالأثمان لا يرفع عنه التهمة ولا يوجب براءة
~~ساحته لأن منعه فاطمة الميراث لروايته أمر متعالم معروف فالواجب عليه أو
~~يقابله بما يزيل عنه التهمة ويبرئ ساحته من الطعن عليه بافتراء الرواية
~~بأمر مثله معلوم معروف بأن يحضر جماعة من الصحابة ويحضر ذوي عدل يقومون تلك
~~الأشياء بقيمة عادلة فيحضر من ماله قدر ذلك فيتصدق به علانية في ذلك المشهد
~~لأن المعلوم لا يرفعه إلا معلوم مثله وما نراه فعل شيئا من ذلك ولا نقله
~~عنه من أوليائه ناقل ولو فعله لصنفت فيه الكتب وكثرت فيه الأسانيد وكل هذا
~~لم يكن وهو دليل على أنه لم يكن في السر شئ منه وهم لا يدعون له العصمة حتى
~~يقطع على باطنه كما يقطع على ظاهره الثاني إنا لو جوزنا تصدقه سرا فمن أين
~~نقول إنه تصدق بأثمان تلك المتروكات فإن كان من ماله فهو باطل لأنه إذ ولى
~~الخلافة واشتغل بها عن التجارة لم يجد نفقة له ولعياله حتى جعل له المسلمون
~~قسمة من بيت المال المال كل يوم ثلاثة دراهم كما صح عند الخصوم ونقله ابن
~~أبي الحديد عن أبي جعفر الإسكافي (1) فأين له مال يتصدق منه بأثمان
~~المتروكات وإن كان من ms330 بيت المال فذلك غير جائز لأن بيت المال حق للمسلمين
~~فليس له أن يؤدي
# PageV00P437
# عن ذمته من مالهم شيئا بغير إذنهم ولم ينقل أنه استأذنهم في ذلك فأذنوا
~~له ففعل ثم على تقدير جواز ذلك كله لا ترتفع المخالفة لأن الصدقة في حديثه
~~متعلقة بأعيان تلك الأشياء لأنه قال ما تركناه صدقة فالواجب دفع أعيان تلك
~~المتروكات في الصدقة ولا يجزي دفع أثمانها وما هو إلا كرجل نذر الصدقة
~~بدينار معين فلا يجزيه التصدق بغيره بلا خلاف وقد ترك تلك الأشياء على
~~حالها بيد من هي تحت يده فثبتت مخالفته لما رواه ثم هنا وجه آخر من
~~المخالفة لا يدفع وذلك أن لفظ حديثه (ما تركناه صدقة) ومن البين أن الصدقة
~~للفقراء والمساكين لا لعامة المسلمين ولا في وجوه الجهاد كالكراع والسلاح
~~لم ينقل أحد من مواليه أنه كان يقسم غلة فدك في الفقراء والمساكين بل صح
~~عندهم أنه يجعله في بيت المال ويصرفه في أمر الجهاد كما زعم ففعله مخالف
~~لروايته من هذه الجملة قد بان أن الرواية إنما افتعلت افتعالا في ذلك الوقت
~~ليدفع بها قول فاطمة (عليها السلام) ويسكتها عن مطالبتها الميراث لئلا تدعى
~~بعد ذلك ميراث الخلافة لابن عمها علي (عليه السلام) من رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) فقطع بهذا الخبر المادة التي حذر منها وكان ذا مكنة على أمثال
~~هذا فلما اندفعت فاطمة عن مطالبة الميراث ترك ما يلزمه من مضمون روايته.
# وقد نقل ابن أبي الحديد أن عثمان كذب هذه الرواية إذ جائته عائشة في أيام
~~خلافته تطلب ميراث النبي (صلى الله عليه وآله) وطعن عليها ولا أدري كيف
~~طلبها ميراث النبي (صلى الله عليه وآله) والرواية أنه لا يورث أفيكون
~~للزوجة ميراث ولا ميراث للبنت.
# ومن ذلك إسقاطه سهم ذوي القربى من الخمس والأنفال وجعلهم كعامة المسلمين
~~فيه وقد خص الله ورسوله ذوي القربى منهما بسهم لا يشركهم PageV00P438
# فيه غيرهم بنص الكتاب العزيز (1).
# ومن ذلك درؤه الحد عن خالد بن الوليد إذ ms331 قتل مالك بن نويرة وزنى بامرأته
~~وعذره لعمر لما طلب أن يقوده بمالك لأنه مسلم ما هو بأول من تأول وأخطأ
~~فاكفف يدك، وارفع لسانك عنه (2) إلى غير ذلك من الاجتهادات في مقابلة النص،
~~والعمل بالرأي دون الرواية.
# وأما ما يختص به عمر فمنه مخالفته لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~حين قال (ائتوني بدواة وصحيفة اكتب لكم كتابا لا تضلون بعدي) ولم يكفه
~~المخالفة للأمر دون أن قال إنه ليهجر استفهموه حسبنا كتاب الله
# PageV00P439
# مراغمة لقول الله تعالى: [وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى] ثم
~~افترق الحاضرون فمن قائل القول ما قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) ومن قائل القول ما قاله عمر ذكر هذه الرواية ابن أبي الحديد مرارا
~~وهي في صحاح كتبهم كالبخاري وغيره على اختلاف في الألفاظ وقد مضى هذا
~~الكلام محقق بينا فيه بيانا وافيا وقررنا فيه تقريرا شافيا وإذا صدرت من
~~عمر مخالفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ظاهرا مع قوته ونفاذ أمره كيف
~~يبعد منه مخالفته في نصه على أمير المؤمنين وهو إنما قال ما قال لأنه فهم
~~أن مقصد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الكتاب تجديد النص على علي
~~(عليه السلام) وإشهاد الحاضرين فلما رأى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~الاختلاف من الحاضرين حتى أنهم جعلوه ندا له في القول فجعلوهما كالمجتهدين
~~المختلفين يذهب إلى قول كل منهما فريق عرف أنهم لا يجيبونه إذا نص ولا
~~يعتنون بكتابه إذا كتب، فقال: (قوموا فاخرجوا عني فإنه لا ينبغي عند نبي
~~تنازع) كما هو تمام الخبر وهذا أعجب الأمور وأغربها حيث يجعلون قوله: ندا
~~لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويترددون في أيهما أصح وأيهما الأحق
~~بأن يتبع حتى يترجح عند قوم منهم أن الصحة في جانب قول عمر وأن قول رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) ليس بصحيح وكيف لا يجترئ بعد ذلك على إنكار النص
~~على علي (عليه السلام) وإبطاله لو ms332 أورده ومن تراه ينكر عليه اليوم وهم
~~بالأمس صيرورة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ندا وقوله لقوله ضدا
~~بل رجحوا قوله على قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا طائفة من
~~المؤمنين وقليل ما هم فيا له من عجب عجيب، لا ينقضي التعجب منه أبدا وهذا
~~يرشدك إلى صدق ما ندعيه الإمامية من التواطئ على إنكار النص، ودفع صاحبه.
# ومنه رد عمر قول النبي (صلى الله عليه وآله) يوم الحديبية حين صالح قريشا
~~فقال على م نعطي الدنية في ديننا وهذا رد على الله وعلى رسوله (صلى
~~PageV00P440
# الله عليه وآله) بالرأي وهل ترى يعتقد في نفسه أنه أوثق في دين الله من
~~النبي (صلى الله عليه وآله) وهو صاحب الدعوة ومقيم الملة وشارع الشريعة
~~والمؤتمن على الوحي؟ فإن كان يعتقد ذلك فما قولك فيه، وإن كان يظن أن رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) أخطأ في الحكم حين صالح قريشا فماذا تجيب عنه؟
~~والنبي (صلى الله عليه وآله) لا ينطق في الأحكام عن الهوى إن هو إلا وحي
~~يوحى، ولا يتقول على الله تعالى ولا أدري كيف يوجه هذا؟ وكيف يجاب عنه،
~~ويعتذر منه. وإن كان يعلم أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو المصيب
~~وأنه هو المخطئ فهو الرد على الله وعلى رسوله (صلى الله عليه وآله) وفي
~~أدنى هذه المراتب ثبوت ما ندعيه من مخالفته النبي (صلى الله عليه وآله)
~~(1).
# ومنه: مخالفته النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما ذكره الخصوم عن أبي
~~هريرة في قصة النعلين (2).
# ومنه: مخالفته النبي (صلى الله عليه وآله) في وضع الدواوين والتفضيل في
~~القسمة والعطاء.
# PageV00P441
# ومنه: مخالفته النبي (صلى الله عليه وآله) في حكم البلاد المفتوحة عنوة
~~وتفصيل ذلك مذكور في كتب المطاعن وكل ذلك برأيه.
# ومنه: مخالفته النبي (صلى الله عليه وآله) في تحريم المتعتين (1) وإسقاطه
~~من الآذان حي على خير العمل قال القوشجي صعد يعني عمر المنبر وقال أيها
~~الناس ثلاث كن على عهد رسول الله ms333 (صلى الله عليه وآله) أنا أنهى عنهن
~~وأحرمهن وأعاقب عليهن وهي متعة النساء ومتعة الحج وحي على خير العمل ثم قال
~~وأجيب بأن ذلك مما لا يوجب قدحا فيه فإن مخالفة المجتهد لغيره في المسائل
~~الاجتهادية ليس ببدع (2).
# أقول: هذا الكلام من أقبح القبائح وأفضح المفاضح وأوهن المغالطات وأسمجها
~~وهو مناقض لما رد به النصوص على أمير المؤمنين (عليه السلام) وهي التي
~~ذكرناها في مناقضته حيث قال: " لو كان في مثل هذا الأمر الخطير المتعلق
~~بأمر الدين والدنيا مثل هذه النصوص الجلية لتواتر نقله بين الصحابة ولم
~~يتوقفوا في العمل بموجبه ولم يترددوا حين اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة
~~لتعيين الإمام وأنه كيف يزعم ذو مسكة أن الصحابة مع بذلهم مهجهم وذخائرهم
~~وقتلهم أقاربهم وعشائرهم في نصرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~خالفوه قبل أن يدفنوه مع وجود هذه النصوص القطعية الظاهرة الدالة على
~~المراد " (3) فإنه جعل علة الرد لتلك النصوص وإنكار ورودها عدم
# PageV00P442
# تجويزه على الصحابة مخالفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو استبعاده
~~ذلك منهم وهنا أثبت لعمر مخالفة النبي (صلى الله عليه وآله) وجعل العلة في
~~جوازها الاجتهاد مع أن رأس القوم الذين خالفوا تلك النصوص هو عمر الذي أخبر
~~عن نفسه أنه خالف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وحرم ما حلله بقطع وجزم
~~وأطاعه من أطاعه من الصحابة فكيف يجوز القوشجي لعمر ومتابعيه مخالفة النبي
~~(صلى الله عليه وآله) في تحريم المتعتين وحي على خير العمل وإعطاء أزواج
~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والاقراض ومنع فاطمة وأهل البيت خمسهم
~~والتفضيل في القسمة بالاجتهاد ولا يستبعد ذلك منهم ولا ينكره ويستنكف
~~ويستنكر من مخالفتهم النبي (صلى الله عليه وآله) في نصه على علي (عليه
~~السلام) ويمنع من جوازها عليهم بالاجتهاد وما الأمران إلا سواء في أن كلا
~~منهما رد لنص النبي (صلى الله عليه وآله) وإبطال لحكمه بل حصوله منهم في
~~هذا أقرب لتعلق الأغراض الدنيوية والشهوات النفسية كحب الرياسة وبغض علي ms334
~~(عليه السلام) وإرادة أن تتسع الخلافة في قريش وغيرها به كما أوضحنا ذلك في
~~مواضع دون الأول إذ لا يتعلق به شئ من هذه الأغراض إلا في الخمس ولم يكن
~~تواتر هذه الأحكام عن النبي (صلى الله عليه وآله) مانعا لعمر وتابعيه عن
~~المخالفة فيها حتى يكون تواتر النصوص على علي (عليه السلام) مانعا لهم من
~~مخالفتها ولم يتوقفوا في موافقة عمر في خلاف النبي في تلك الأشياء حتى
~~يتوقفوا في موافقته يوم السقيفة في مخالفة النص الجلي على علي (عليه
~~السلام) من النبي (صلى الله عليه وآله) فما أدري في أي شئ من القولين يصدق
~~القوشجي أفي تجويزه للصحابة الاجتهاد في إبطال حكم الرسول (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) في الأحكام الشرعية أم في استبعاده منهم مخالفة نصه في الإمامة
~~مع أنها عندهم ليست من الأمور الدينية والمخالفة عندهم فيها سهلة وما أدري
~~على أي PageV00P443
# القولين يعتمد وإلى أيهما يرجع أو أنه مخلط لا يقف على حد ولا يرجع إلى
~~قول معين يقول في كل موضع ما يدفع به خصمه وإن خالف مذهبه وعاند قوله الآخر
~~وهذا هو المحقق من سيرته والمعروف من طريقته وهو غاية الوهن وضعف الرأي
~~ونهاية الاعوجاج في الطريقة بل العدل والانصاف أن يحكم بأحد الأمرين.
# إما أن الصحابة يخالفون النبي (صلى الله عليه وآله) مطلقا بآرائهم فلا
~~يجوز له حينئذ الاستبعاد عليهم رد نصه على أمير المؤمنين بالإمامة وإما أن
~~يمنع من صدور المخالفة منهم للنبي (صلى الله عليه وآله) مطلقا فيكذب
~~الروايات المشهورة والأخبار المتواترة بمخالفتهم حكم الرسول (صلى الله عليه
~~وآله) كما أنكر نصوص الإمامة والوصية، [أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض]
~~(1) وإلا فهو تحكم لا يشبهه إلا النسئ الذي كان الكفار من أهل الجاهلية
~~[يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله
~~زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين] (2) أو متحد به في
~~الطريق وحسبك به نقصا وخروجا عن سواء السبيل وأيضا إذا كان القوشجي ms335 قد جوز
~~لعمر ومن يرى رأيه مخالفة النبي (صلى الله عليه وآله) في الأحكام بالاجتهاد
~~فما الداعي إلى تحمله ما تحمل في إنكار مخالفتهم النبي (صلى الله عليه
~~وآله) في نص الإمامة ويكفيه أن يقول النص موجود ولكن الصحابة خالفوه
~~بالاجتهاد ومخالفة المجتهد لغيره ليس ببدع كما قال هنا، وما يرد عليه في
~~هذا يرد عليه في ذاك من دون فرق؟ فإنا معاشر الإمامية نقلوا أن القوم
~~خالفوا نص النبي (صلى الله عليه وآله) في الإمامة كما خالفوه في غيرها كل
~~ذلك
# PageV00P444
# باجتهادهم، لكن الاجتهاد في مقابلة النص في جميع الأمور غير مقبول، لكن
~~الأشعري المذكور يقبله منهم في كل الأمور فلتكن الإمامة من جملتها فلا حاجة
~~له إلى الاعتذار عنهم بإنكار النص الواضح وتكلف الدليل عليه وهو يكفيه أن
~~ينسبه إلى الاجتهاد كغيره.
# ثم اعلم أن صريح كلام القوشجي أنه وجزبه جعلوا النبي كواحد من المجتهدين
~~فجوزوا لعمر مخالفته بالاجتهاد فأسقطوا بذلك وجوب اتباع النبي (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) ولزوم طاعته، فكأنهم نسوا آيات الكتاب الناصة على المنع من
~~مخالفته كقوله تعالى: [وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا] (1)
~~وقوله تعالى: [فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب
~~أليم] (2) وقوله تعالى: [ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا
~~أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعصي الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا] (3)
~~والآيات الدالة نصا على أن حكمه هو حكم الله، وأنه معصوم عن الحكم بالنظر
~~والاجتهاد مثل قوله تعالى: [وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى] (4)
~~وقوله تعالى:
# [ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين]
~~(5) وقوله تعالى: [قل إن أتبع إلا ما يوحى إلي من ربي] (6) وغير ذلك من
~~الآيات على كفر مخالفه وسلوكه طريق الضلال وأنه لا
# PageV00P445
# حلال إلا ما حلله ولا حرام إلا ما نهى عنه وأبطله (1) وليس بعده نبي ولا
~~ينسخ بعده حكم وما ورد من الأخبار في ذلك ms336 مثل قوله (صلى الله عليه وآله
~~وسلم): (أيها الناس لا نبي بعدي ولا سنة بعد سنتي) والمراد أنه لا نسخ لما
~~ثبت حكمه في سنته بعد وفاته، وخالفوا إجماع المسلمين قاطبة على ذلك حتى
~~جعلوا صاحب الشريعة ومهبط الوحي ونبي الرحمة كعمر وأن اجتهاده كقول النبي
~~(صلى الله عليه وآله) الذي هو عين حكم الله ومع ذلك لم يتفطنوا إلى أن هذا
~~القول يوجب هدم الشريعة، وإبطال الأحكام النبوية، لأنه إذا جاز مخالفة
~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالاجتهاد في تحريم حلال وتحليل حرام جاز
~~لكل مجتهد مخالفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في إثبات فريضة لم
~~يفرضها، وإسقاط فريضة فرضها، وجاز زيادة ركعة في صلاة ونقص ركعة من أخرى،
~~وغير ذلك من الأحكام، إذ لا فرق بين عمر وغيره من المجتهدين في ذلك ولا بين
~~المذكورات وغيرها من الأحكام، ويتمشى ذلك إلى قلع أساس الشريعة المحمدية
~~فأين إذن وجوب الاتباع ولزوم القبول من النبي (صلى الله عليه وآله)
~~والاستماع وتحريم التشريع في الدين والابتداع؟ على أن ذلك لو صح لانجر إلى
~~جواز الاجتهاد في ترك العبادات إذ لا فرق بين كل ذلك فيبلغ الأمر إلى الكفر
~~فلا لوم بعد ذلك على الكفار الذين أداهم اجتهادهم إلى تكذيب النبي المختار
~~فقد جوز القوشجي وأصحابه لعمر مخالفة النبي (صلى الله عليه وآله) باجتهاده،
~~وإذا جاز ذلك لعمر فلا مانع من جوازه لغيره إذ لا فصل بين الأمرين ولا فارق
~~بين الوجهين، ومن أعجب العجائب أنهم جوزوا الاجتهاد لعمر في مخالفة الرسول
~~(صلى الله عليه وآله) ولم يجوزوا لأحد الاجتهاد في مخالفة عمر فتراهم
~~ينكرون على من أحل المتعة إنكارا بليغا يعدل
# PageV00P446
# الانكار على من أحل الزنا أو يربى عليه حتى قال بعض فقهائهم (1) لأبي
~~جعفر محمد بن علي الباقر منكرا عليه تحليله المتعة إني أعيدك بالله يا أبا
~~جعفر إن تحلل شيئا حرمه عمر، فأجابه الإمام بما أسكته وفي هذا دلالة بينة
~~على أن القوم جعلوا لعمر رتبة زائدة ms337 على رتبة النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) ومنزلة تفوق منزلته لتجويزهم مخالفته بالاجتهاد ومنعهم به من مخالفة
~~وذلك من أعظم الفساد وأشد الالحاد، ومن أعظم الخطوب في الدين المقتضية لمحو
~~شريعة سيد المرسلين، وكان الواجب على القوشجي وأهل مذهبه إذ جوزوا لعمر
~~الاجتهاد في مخالفة النبي (صلى الله عليه وآله) أن يجوزوا ذلك لغيره،
~~ويجوزوا للغير مخالفته لأن مخالفة المجتهد لغيره ليست ببدع كما هو علة
~~تجويزهم، وإما أن يمنعوا من مخالفة النبي مطلقا فيحكموا بفسق من خالفه من
~~الصحابة، وغيرهم، ثم الواجب عليهم أيضا إذا أثبتوا لعمر خلاف النبي (صلى
~~الله عليه وآله) وجوزوه له ألا يمتعظوا من قولنا أن عمر قد خالفه في نص
~~الإمامة على علي (عليه السلام) لتساوي تلك الأمور، ثم انظر إلى قول
~~القوشجي: ولم يترددوا حين اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة لتعيين الإمام، فإنك
~~تجده صريحا في أن أبا بكر ليس بمنصوص عليه من النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم)، فأين دعواه الإجماع على أن النبي (صلى لله عليه وآله وسلم) قد
~~استخلفه؟ وأين رواية البخاري ومسلم (ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر) (2)
~~وروايته قول النبي (صلى الله عليه وآله)
# PageV00P447
# في أبي بكر (وخليفتي في أمتي) أليس قد كذب الكل بقوله المذكور، وما زال
~~هكذا بعض كلامه يكذب بعضا وقد بينا ذلك من أقواله مرارا لبيان تعصبه
~~وعناده، واعتذر ابن أبي الحديد عن عمر في ذلك وفي قوله أن النبي: يهجر بأنه
~~أخرج هذه الكلمات على مقتضى جبلته الخشنة وموجب طبعه الجاسي، وما هو عليه
~~من الجفاء والغلظة (1) وهذا الاعتذار عنه إثبات لقصوره عن المرتبة التي
~~أحلوه فيها لأنه إذا كان مجبولا على الجفوة والخشونة ومطبوعا على عدم
~~الروية والفطنة كما يقول ابن أبي الحديد لم يجز أن يكون خليفة للنبي (صلى
~~الله عليه وآله وسلم) يبلغ عنه إلى الأمة الأوامر والنواهي ويسوس الرعية
~~ويؤدبهم وهو في تلك الحال محتاج إلى سائس ومؤدب، ومفهم ومقوم، وقد قال ابن
~~أبي الحديد في موضع من ms338 كتابه أن الخلافة نبوة مختصرة (2) والأمر كما
# PageV00P448
# قال أفيجوز في العقل والشرع أن يكون في موضع النبوة المختصرة ومن وصفه
~~هذا القائل بتلك الأوصاف القبيحة المنفرة، لعمرك إن هذا التلاعب في الدين
~~موجب للخسران المبين، ثم إذا حكم عبد الحميد بأن منعه للنبي وقوله ذلك
~~القول فيه كان بموجب ما فيه من الجفاء والجسوة فليحكم عليه بأنه خالف النبي
~~(صلى الله عليه وآله) في نصه على أمير المؤمنين (عليه السلام) لذلك ولا
~~يستبعد عليه إنكار النص ورده لأن هذا إن لم يكن أسهل من الأول فهما
~~متساويان، فإذا ثبت صدور أحدهما لا يستنكر منه الآخر فما باله يغضب من قول
~~الإمامية أنهم سمعوا النص على علي (عليه السلام) من النبي (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) فخالفوه وأنكروه وهو ينسب عمر إلى أعظم من ذلك فحشا وأشد قبحا،
~~ثم إنا قد ذكرنا من كلامه سابقا ما أثبت مخالفة عمر للنصوص بالرأي فما باله
~~يجيز المخالفة هناك ويتكلف الاعتذار هنا! نعوذ بالله من مناواة الحق
~~ومتابعة الهوى وليس الغرض هنا ذكر جميع الأحداث لأن ذلك كله يحتاج ذكره
~~وبيانه إلى كتاب مفرد، وإنما الغرض هنا ذكر جملة من ذلك لإثبات ما ندعيه
~~عليهم من ردهم نصوص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولدفع استبعاد من
~~استبعد عليهم مخالفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في علي (عليه السلام)
~~ورد نصه عليه ولنوضح أن خلافهم للنبي (صلى الله عليه وآله) في هذا أسوة
~~لباقي مخالفاتهم إياه في غيره، فلذا نقتصر على ما ذكرناه لحصول الغرض به.
~~PageV00P449
# وأما ما صدر من غيرهما من مخالفات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فنحن
~~نشير إلى جملة منه.
# فمنهم عثمان فإنه رد عمه الحكم بن أبي العاص إلى المدينة وقد حرم رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) عليه سكناها بعد ما طرده عنها وحمى الحمى لنفسه
~~ولبني أبيه وولي مروان أمر الخلافة يفعل ما يشاء وهو فاسق ظالم وأحرق
~~المصاحف بالنار ونفى أبا ذر إلى الربذة وآثر ms339 أهل بيته بأموال الفئ ومنع
~~خيار الصحابة منها إلى غير ذلك من مخالفاته وفعلاته مما يزيد على فعل
~~الرجلين مراتب وتفصيله في كتب المطاعن كنهج الحق لجمال الدين الحلي والشافي
~~للمرتضى علم الهدى وغيرهما من الكتب (1) ولا عذر للقوم عنه في أكثرها إلا
~~بالاجتهاد وهو إثبات لدعوانا لا نقض علينا.
# ومنهم عائشة أنكرت الوصية من النبي (صلى الله عليه وآله) إلى أمير
~~المؤمنين (عليه السلام) مع أنها قد حضرت ذلك (2) كما قال خزيمة بن ثابت ذو
~~الشهادتين في شعره المتقدم.
# وصي رسول الله من دون أهله * وأنت على ما كان من ذاك شاهده ثم لم يكفها
~~ذلك دون أن خرجت عليه تقاتله وتجمع الجموع
# PageV00P450
# إلى حربه وتدعو إلى نكث بيعته مع سماعها قول النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم): (ستقاتلينه يوما وأنت ظالمة له وتنبحك في طريقك كلاب الحوئب) ومع
~~روايتها ما روت فيه أنه أحب الرجال إلى رسول لله، وما ذكرتها أم سلمة (رضي
~~الله عنها) مما اعترفت به من أقوال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه
~~وأفعاله، وقد مر هذا كله وسماعها قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~لأزواجه: (أيتكن صاحبة الجمل الأزب تنبحها كلاب الحوئب يقتل حولها قتلى
~~كثير كلهم في النار وتنجو بعد ما كادت) (1) رواه ابن أبي الحديد عن
~~المحدثين وقد صححوه وأثبتوه وقد قدمنا في هذا المقام من القول ما يبل
~~الغليل.
# ومنهم الزبير يصلت سيفه لقتال أبي بكر يوم بويع له ويقول لا أحد أحق
~~بالخلافة من علي (2) (عليه السلام) ثم هو بعد ذلك يدعو إلى نكث بيعته ويؤلب
~~الناس على حربه وما أبعد ما بين الأمرين وقد سمع قول النبي (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) في علي (عليه السلام): (ستقاتله يوما وأنت له ظالم) (3) كل ذلك
~~لأغراض الدنيا واتباع الهوى.
# ومنهم سعد بن أبي وقاص فإنه رد حكم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ
~~قسم غنائم بدر فساوى بين الناس فقال: أتعطي فارس القوم الذي يحميهم كما
~~تعطي الضعيف ms340 فقال النبي (صلى الله عليه وآله) وهو غضبان: (ثكلتك أمك إنما
~~تنصرون بضعفائكم) ثم هو يوم الشورى يطعن على علي (عليه السلام) بالحرص على
~~الخلافة مع روايته فيه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (أنت مني
~~بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا
# PageV00P451
# نبي بعدي) ولذا تعجب منه ابن أبي الحديد (1) ولعمري أنه تعجب من غير عجب
~~فإن ديدن القوم مخالفة الرسول (صلى الله عليه وآله) فيما يشتهون لكن تعجبه
~~بمقتضى ما يدعيه فيهم من الديانة.
# ومنهم طلحة وخبره مشهور ورده على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~مذكور لما نزلت آية الحجاب ولقد قال له عمر بن الخطاب بعد ما أدخله في
~~الشورى: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مات وهو ساخط عليك للكلمة التي
~~قلتها لما نزلت آية الحجاب (2).
# أقول وهذا القول من عمر قد صدر بعد قوله: إن رسول الله مات وهو راض عن
~~الستة جميعا، وهذا مثل قوله يوم السقيفة إن رسول الله (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) قال: (الأئمة من قريش) ثم هو لما طعن تحسر على سالم مولى أبي حذيفة
~~لينصبه إماما وليس هو بقرشي فما ندري في أي رواية نصدق عمر من رواياته وفي
~~أي قول من أقواله يصيب أو أنه يقول في كل وقت ما يقتضيه ويروي في كل حال ما
~~يناسبه وهذا معلوم من سيرته.
# ومنهم: سعد بن عبادة فإنه قد سمع حديث الولاية لعلي (عليه السلام) من
~~النبي (صلى الله عليه وآله) فخالفه وكتمه
# PageV00P452
# لطلب الرياسة فلما فاته ما رجاه ذكره وصرح به فقال له ابنه قيس ما قال
~~وقد مضى ذكر خبره.
# ومنهم أنس بن مالك فإن أمير المؤمنين (صلى الله عليه وآله وسلم) حين
~~استنشد الناس في الرحبة أيهم سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول
~~يوم غدير خم من كنت مولاه فعلي مولاه فليشهد فشهد من شهد ولم يشهد أنس فقال
~~له أمير المؤمنين (عليه السلام) إنك قد حضرتها يا أنس فقم ms341 واشهد فتعلل
~~بالنسيان لكبر سنه ونكل عن الشهادة وليس بناس فقال له أمير المؤمنين إن كنت
~~كاذبا فرماك الله بها بيضاء لا تواريها العمامة فأصابه الوضح فسئل عن سببه
~~بعد فقال ذاك دعوة العبد الصالح علي بن أبي طالب، ثم ذكر للسائل الحديث
~~واعتذاره عن ترك الشهادة بالنسيان، وأنه غير ناس وسئل مرة عن علي (عليه
~~السلام) فقال: إني آليت ألا أكتم شيئا سمعته من رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) فيه بعد يوم الرحبة، ذاك رأس المتقين، سمعته من نبيكم (1) أفليس
~~هذا صريحا في أنه قبل أن أصابه الوضح بدعاء علي (عليه السلام) كان يكتم ما
~~سمعه من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه، وأن نص الغدير من جملة
~~المكتوم، وهل أوقع الناس في الفتنة وصيرهم في الحيرة إلا كتمان قول النبي
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) في علي (عليه السلام) قبل يوم الرحبة وإخفاء نصه
~~عليه قبل ذلك حتى كان ذكره، بعد ذلك غير مجد في رفع الحيرة عن العامة،
~~والتصريح به غير مزيل للفتنة لما الفه الناس من الشبهة.
# ومنهم أبو هريرة: كان يروي قول النبي (صلى الله عليه وآله) كان يروي قول
~~النبي في علي (عليه السلام): (اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من
~~نصره واخذل من خذله)
# PageV00P453
# وهو مع ذلك مجمع على حربه وقتاله مع معاوية، ولم يكفه ذلك دون أن روى
~~الأحاديث المفتعلة في ذمه وتوصل إلى لعنه (1) ودع عنك مثل خالد بن الوليد
~~ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وأمثالهم من الجبابرة وتابعيهم من
~~المبغضين لعلي (عليه السلام) كأبي موسى الأشعري والمغيرة بن شعبة وعبد الله
~~بن عمر وعبد الله بن الزبير في أضرابهم وأشباههم.
# وأما ما نسب من مخالفة النبي (صلى الله عليه وآله) إلى جماعة من الصحابة
~~معينين أو غير معينين.
# فمنه مخالفة قوم للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الخروج إلى أحد وقد
~~اختار (صلى الله عليه وآله) أن يقيم بالمدينة ثم مخالفة ms342 الرماة الذين
~~أقامهم على الثنية وأمرهم ألا يبرحوا عن مكانهم، وأخبرهم إنا لا نزال بخير
~~ما دمتم في موضعكم، فردوا نصه بالرأي وانصرفوا من مركزهم وبه جرى على
~~المسلمين ما جرى، وجرح النبي (صلى الله عليه وآله) جروحا كثيرة، وعانى مشقة
~~شديدة (2).
# ومنه إنكار جملة من الأنصار علي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فعله في
~~قسمة غنائم هوازن حتى بلغه ذلك منهم فأمر سعد بن عبادة أن يجمعهم له في
~~موضع فقام فيهم خطيبا وأنبهم على ذلك ولامهم وأبان لهم حسن ما فعله (3).
# ومنه مخالفة قوم للنبي (صلى الله عليه وآله) حين قال في مرضه (هلم اكتب
~~لكم كتابا لا تضلون بعدي) فلم يقربوا إليه الدواة والبياض
# PageV00P454
# ليكتب لهم ذلك الكتاب وقالوا مع العصيان القول ما قاله عمر حيث نسب رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) إلى الهجر.
# ومنه ما قال قوم إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) غل لما افتقدوا
~~قطيفة من غنيمة بدر فأنزل الله تعالى: [وما كان لنبي أن يغل] (١) الآية.
# ومنه قول قوم منهم أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أذن يعيبونه بذلك
~~يعني يصدق كل من أخبره بشئ فأنزل الله تعالى: [قل أذن خير لكم] (٢) الآية.
# ومنهم الذين قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا
~~أرادوا قتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) في العقبة عند منصرفة من تبوك
~~ودحرجوا الدباب لناقته لتنفر به وكان معه عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان
~~رضي الله عنهما أحدهما يسوق الناقة والآخر يقودها وكانوا اثني عشر رجلا
~~ثمانية من قريش وأربعة من العرب (٣).
# ومنهم اللامزون النبي ﴿صلى الله عليه
~~وآله وسلم) " في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم
~~يسخطون﴾ (4) إلى غير ذلك من مخالفاتهم لله ولرسوله (صلى الله عليه
~~وآله) مما صرح به القرآن الكريم، وجائت به الأخبار، واحتوت عليه كتب السير
~~والمغازي والتواريخ والتفاسير، وفرارهم عن النبي (صلى الله عليه ms343 وآله)
~~وإسلامهم إياه إلى الأعداء مشهور في كثير من المشاهد قد بين في القرآن منها
~~ما بين،
# PageV00P455
# وأوضح منها ما أوضح، ولولا أن شرحه يطول لشرحناه وذكرنا جميع ذلك من
~~خلافهم.
# ومنهم من طعن على النبي (صلى الله عليه وآله) في تأميره زيد بن حارثة ثم
~~طعنهم عليه بعد ذلك في تأميره أسامة بن زيد حتى قام خطيبا ولا مهم وردعهم،
~~ودع عنك البانين [مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين] (١) والفرحين
~~بمقعدهم خلاف رسول الله ﴿صلى الله عليه
~~وآله وسلم﴾ ﴿٢) والقائلين لا تنفروا
~~في الحر﴾ (3) ومن قال: اعدل يا محمد فإنك لم تعدل، ومن قال يخاطب النبي
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) رادا عليه فعله.
# أتجعل نهبي ونهب العبيد * بين عيينة والأقرع فما كان بدر ولا حابس *
~~يفوقان مرداس في مجمع ولست بدون امرء منهما * ومن تخفض اليوم لا يرفع وهو
~~العباس بن مرداس السلمي (4) وغير ذلك مما يطول تعداده فما ظنك بشرحه وكله
~~مشروح في كتب الخصوم وقد ذكرنا من قبل رد الصحابة على النبي (صلى الله عليه
~~وآله) انتجاءه عليا يوم الطائف دونهم وقولهم السئ فيه إذ ترك باب علي (عليه
~~السلام) شارعا إلى المسجد حين سد أبوابهم حتى أخبرهم إنما فعله عن الله لا
~~عن نفسه وبالجملة إن تهمتهم للنبي
# PageV00P456
# (صلى الله عليه وآله وسلم) ومخالفتهم إياه كثيرة لا تحصى وكل ذلك بآرائهم
~~وما أدتهم إليه أنظارهم فكيف يستبعد من هؤلاء إنكار النص على أمير المؤمنين
~~وهذه حالهم وهي كاشفة عن بذلهم الجهد وتحملهم المشاق في إخفاء فضائل أمير
~~المؤمنين وستر مناقبه وطلب التدليس فيها وتلبيسها على الناس بإلقاء الشبه
~~عليها وقصدهم إلى توهينها وتهجينها خصوصا الصدر الأول وقد اعترف بذلك ابن
~~أبي الحديد في صريح كلامه فإنه لما نقل حديث ذو الكلاع الحميري حين سأل أبا
~~نوح الحميري في صفين عن عمار بن ياسر أهو مع أصحاب علي (عليه السلام) وقال
~~له: إن عمرو ms344 بن العاص حدثنا أنه سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~قال: (يلتقي أهل الشام وأهل العراق وفي إحدى الكتيبتين الحق وإمام الهدى
~~ومعه عمار بن ياسر) فقال له أبو نوح: نعم إنه لفينا، قال قلت: واعجباه من
~~قوم يعتريهم الشك في أمرهم لمكان عمار ولا يعتريهم الشك لمكان علي (عليه
~~السلام) ويستدلون على أن الحق مع أهل العراق لكون عمار بين أظهرهم ولا
~~يعبأون بمكان علي (عليه السلام) ويحذرون من قول النبي (صلى الله عليه
~~وآله): (تقتلك الفئة الباغية) ويرتاعون لذلك ولا يرتاعون لقوله (صلى الله
~~عليه وآله): (اللهم وآل من والاه وعاد من عاداه) ولا لقوله (صلى الله عليه
~~وآله): (لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق) وهذا يدلك على أن عليا
~~(عليه السلام) اجتهدت قريش كلها من مبدأ الأمر في إخمال ذكره وستر فضائله
~~وتغطية خصائصه حتى محى فضله ومرتبته من صدور الناس إلا قليلا انتهى كلامه
~~(1) وهو صريح في أن أئمته وتابعيهم من قريش كلها اجتهدوا في ستر فضائل أمير
~~المؤمنين (عليه السلام) وإخفاء مناقبه، ولعمري إن النص بالإمامة عليه من
~~جملة ذلك.، وإن الذي دعاهم إلى ستر مناقبه وخصائصه هو
# PageV00P457
# بنفسه الداعي لهم إلى ستر النص عليه وتغطيته لما ذكره في كلامه وهو
~~انمحاء فضل علي (عليه السلام) ومرتبته من صدور الناس حتى لا يقول قائل
~~ظلموه إذ تقدموا عليه أو قدموا غيره، وهذا فضله وهذه مناقبه، وهذا النص من
~~النبي (صلى الله عليه وآله) عليه، فما بال ابن أبي الحديد يثبت على القوم
~~ستر ما لأمير المؤمنين (عليه السلام) من المناقب وبذل الجهد في تغطية ما له
~~من الخصائص ويأبى عن نسبة إنكار النص عليه بالإمامة إليهم وإخفائه من أن
~~العلة في كتمان النص أقوى، والداعي إلى ستره أشد، والمقتضى للتغطية عليه في
~~أمرهم أتم فنسبته إخفاء النص إليهم على ابن أبي الحديد من ذاك ألزم لكنه
~~يقتدي في العناد بأئمته وفي ستر الحق بسادته كما هو الجاري في طبيعته ولما
~~بيناه ms345 من فعل القوم بفضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) لولا شيوعها
~~وانتشارها، وكثرتها واشتهارها، وعناية الله بصاحبها لانطمست أعلامها، وعفت
~~آثارها، وذهبت نضارتها، وخبت نارها لكنها بحمد الله لم تزدد على الإخفاء
~~إلا ظهورا، وعلى الستر إلا بروزا، وعلى التهجين إلا علوا، وعلى التغطية إلا
~~بهجة وسفورا، وعلى الإخماد إلا توقدا ونورا، فجاء الأمر على خلاف ما
~~حاولوا، واقتضت الحال عكس ما راموا، فلما أعجزهم إعفاء رسوم تلك الفضائل،
~~وأعياهم إطفاء أنوار تلك المناقب، قصدوا إلى عيب المخصوص بها ونقصه، ونسبته
~~إلى ما يشينه بما زوروه وافتعلوه من تلقاء أنفسهم، فمرة رموه بالدعابة،
~~ومرة بالتيه، وتارة بالزهو، وأخرى بالتكبر، وغير ذلك من أنواع النقص مما
~~صرحت العبر ببراءة ساحته منه، ولم يزده في قلوب أهل الإيمان إلا جلالة قدر،
~~ورفعة شأن، وكل ما ذكرناه عن القوم وأضعافه مروي في كتاب خصمنا وكتب أصحابه
~~ومشبهيه مما لولا طول المقام بذكره والخروج عن المرام بسطره لرسمناه
~~وشرحناه، ومن أراده مبينا فليطلبه من الكتاب المشار إليه (1) وهذا الذي
~~قالوه .
# PageV00P458
# إذا تأمله الفطن الأريب وجده خارجا من مكنون بغض عظيم، وبارزا من مخزون
~~حقد جسيم، وعلم أنه ناش من لهب نار حسد قديم، ومتولد من أصل وجد مقيم فكان
~~الأمر كما قال أبو تمام حبيب بن أوس الطائي.
# وإذا أراد الله نشر فضيلة * يوما أتاح لها لسان حسود (1) وقد صح من هذه
~~الجملة أن القوم ما كانوا يتقيدون بنصوص النبي (صلى الله عليه وآله) فيما
~~يخالف أغراضهم، ولا يعتنون بها فيما يضاد مطالبهم، ولا يقدمون من قدمه
~~ويؤخرون من أخره ولا يفضلون من فضله، ويسودون من سوده، بل يقدمون من أحبوا
~~تقديمه ويفضلون من شاؤوا تفضيله، ويؤخرون من أحبوا تأخيره ويذمون من مدحه
~~الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، كل ذلك برأي منهم، وميل من نفوسهم،
~~لا بدليل شرعي، ولا بحكم إلهي والسبب في ذلك أنهم كانوا يؤثرون اتباع
~~أهوائهم على أوامر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ونواهيه، ويقدمون طاعة
~~شهواتهم على طاعته ms346 وترك معاصيه، ويجعلون قضاء أوطارهم أولى من استماع دعوته
~~وإجابة مناديه، خصوصا في عترته وذوي قرابته ومواليه، فاندفع الايراد، وثبت
~~المراد، وهذا كله يرشد المتأمل إلى الحكم بصحة ما قيل: إن في القوم من لم
~~يدخلوا في دين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دخول إيمان ويقين، ولم
~~يتبعوه لطلب مرضاة الله، وإنما كان ذلك لأغراض دنيوية، ومقاصد نفسية، ولذا
~~تراهم لا يلتفتون من أقواله إلى ما لا يوافق آراءهم، ولا يطابق مشتهاهم، بل
~~يجعلون أمره كأمر واحد منهم فيرتكبون خلافه بغير تجرح ولا تأثم، وقد أفصح
~~بذلك القرآن الكريم والفرقان العظيم حيث يقول تعالى: [لا تجعلوا دعاء
~~الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا
# PageV00P459
# قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا] (1) الآية وقوله تعالى: [يمنون
~~عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هديكم
~~للإيمان إن كنتم صادقين] (2) فقد روى صحيحا أنها نزلت في رجل من الصحابة
~~لأمر جرى بينه وبين عمار بن ياسر في بناء مسجد النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) وهي قصة معروفة (3) إلى غير واحدة من الآيات الواضحات في هذا المعنى،
~~وهذا ينادي بأنهم لولا ما رأوا في الإسلام من العزة والسلطان وانقياد الناس
~~لهم واتساق الأمور لرفضوه، واتبعوا دين آبائهم وطريقة أسلافهم، لكنهم رأوا
~~في إظهار هذه الدعوة والتمسك بهذه الملة عظيم الملك والمنعة وشديد القوة
~~والغلبة، ومسارعة الناس لهم بالطاعة، وإنفاذ الأوامر والنواهي، وانضم إلى
~~ذلك انفتاح ممالك القياصرة والأكاسرة والفراعنة والأتراك وغيرهم عليهم
~~وتملكهم تلك الممالك العظام، فنالوا بذلك من الرفعة والرئاسة ما لم ينله
~~ملك قاهر، ولم يدركه سلطان ظاهر، وعلموا أن في رفضهم هذا الدين ورجوعهم إلى
~~دين آبائهم الماضين زوال هذه الرئاسة الجليلة، وفوات هذه المنزلة النبيلة،
~~وصيرورتهم أذلاء أذنابا تابعين غير متبوعين، كما كانوا عليه في زمان
~~الجاهلية، فلذا داموا على إظهار الدعوة وتمسكوا ظاهرا بعرى الملة، وواظبوا
~~على الإتيان من وظائف الإسلام بما يزيد الناس فيهم وثوقا ولا يخالف لهم مما
~~أرادوه غرضا كالصلاة ms347 والصيام والحج وترك المستلذات من المأكل والمشارب
~~والملابس كما قيل:
# لئن صبرت عن لذة العيش أنفس * فما صبرت عن لذة النهي والأمر وحثوا منها
~~على ما يشدد لهم الأبهة ويقرر لهم قاعدة الإمارة كالجهاد
# PageV00P460
# وإقامة الحدود بمقتضى مرادهم، وجباية الأموال وإيثار من ميله إليهم يقوى
~~أمره ويشدده بها، والقلوب على ما انطوت عليه من أراده الدنيا، وطلب
~~العاجلة، وعدم الالتفات إلى العقبى وثواب الآجلة، فانتشر صيت الإسلام وكثر
~~الداخلون فيه، ورغبوا في التدين به، وضرب بجبرانه وشدت قواعد أركانه، ولولا
~~ذلك كله لأعفوا رسومه وطمسوا معالمه، وكان ذلك لإنجاز ما وعد الله رسوله أن
~~يظهر دينه ويفلج حجته وتصديق ما قاله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما
~~رواه الخصم وغيره (إن الله يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم في الآخرة)
~~أو قال: (عند الله يوم القيامة) وفي رواية (بالرجل الفاجر) (1) ومع ذلك فقد
~~غيروا من أحكام الشريعة ما قدروا على تغييره وفعلوا ما أوجبه اختلاف الأمة
~~إلى آخر الدهر وهو إزاحتهم وصي الرسول عن مقعده وبالله المستعان.
# فإن قال قائل: فلم لم يضرب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أعناقهم لما
~~ردوا عليه حكمه وقوله لأن رد قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كفر،
~~وإذا لم يكن ذلك صادر ألزم إما أنهم لم يخالفوه أو أن مخالفته بالرأي جائزة
~~إذ لا مانع له في سلطانه من قتل من خالفه.
# قلنا: هذه الشبهة هي التي جرأت القوم على خلاف النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) في حياته، وجسرتهم على رد نصوصه، حتى أنه (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~أمر في حجة الوداع من لم يسق هديا بالإحلال وأن يجعلها عمرة يتمتع بها إلى
~~الحج وحث على ذلك غاية الحث وقال: (لو استقبلت من أمري ما استبدرت ما سقت
~~هديا) فعصاه كثير منهم ولم يحلوا وقالوا
# PageV00P461
# نخرج إلى الحج تقطر مذاكيرنا من المني كما في صحيح مسلم (1) وهذا عصيان
~~واستهزاء ولم يكونوا ساقوا هديا وسافر رسول الله (صلى الله ms348 عليه وآله وسلم)
~~في شهر رمضان فأفطر ولم يفطر جماعة ممن معه من الصحابة فقال:
# (أولئك العصاة) يكررها ثلاثا رواه مسلم في صحيحه أيضا (2) وكثير من ذلك
~~وكما جرأت أولئك على خلاف النبي (صلى الله عليه وآله) أوهمت أولياءهم أن
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) سوغهم ذلك حيث لم يعاقبهم على ردهم قوله
~~وحكمه بما يقتضي ردعهم، وهذه شبهة ضعيفة جوابها في كتاب الله تعالى وهو
~~قوله: [ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واصفح] (3) الآية
~~فإن الله سبحانه وتعالى أمره بالكف عنهم والعفو والصفح عن زلاتهم لئلا
~~يتفرقوا عنه ويخذلوه فلا يبقى معه إلا القليل: كما أمره الله تعالى بالكف
~~عن المنافقين ودعائهم إلى حرب المشركين وإعطائهم من الغنائم يؤلفهم بها
~~ويستميلهم بذلك إلى قتال العدو لتظهر كلمة الإسلام وتنتشر دعوته في الآفاق
~~مع علمه (صلى الله عليه وآله وسلم) بنفاق المنافقين، وشك المؤلفة قلوبهم
~~فأجرى أولئك مجرى هؤلاء على أنهم لم يظهروا جحود ربوبية الله ووحدانيته،
~~ولا إنكار نبوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنما كانت مخالفتهم في
~~أمور أخر من الأحكام وكان يردعهم على مخالفتهم إياه بأخشن الكلام كما قال
~~لهم يوم الحديبية إذ قال عمر فلم نعطي الدنية في ديننا؟: (ألستم أصحابي يوم
~~أحد إذ تصعدون
# PageV00P462
# ولا تلوون على أحد، ألستم أصحابي يوم كذا؟) يقرعهم بذلك ويبكتهم (1)
~~وإظهاره الغضب حين أراد أن يكتب الكتاب في رزية يوم الخميس فقال من قال:
~~إنه ليهجر وقوله: (قوموا عني فإنه لا ينبغي عند نبي تنازع) (2) وقوله لسعد
~~بن أبي وقاص: (ثكلتك أمك إنما تنصرون بضعفائكم) وهكذا كان يردعهم بالكلام
~~الغليظ ويعفو عما زاد عليه، والسر في ذلك ألا يتوهم الناس أنه ملك جبار لا
~~نبي حليم متواضع، ولو كان نبيا لما قتل قوما دعاهم إلى دينه فأجابوه وانتصر
~~بهم على عدوه بمجرد زلة أو خطيئة أو مخالفة له في حكم، وهذا ليس من خلق
~~الأنبياء بل من خلق الأنبياء التأني وغفران الزلة وتوضيح الحكم ms349 عند
~~المخالفة، وليس من خلقهم قتل أصحابهم في مثل ذلك، فإن موسى قال له قومه:
~~[أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا] وهذا الكلام فيه تشاؤم من موسى
~~(عليه السلام) وتضجر فأجابهم بما قصه الله تعالى: [عسى ربكم أن يهلك عدوكم]
~~(3) الآية وقالوا له: [اجعل لنا إلها كما لهم آلهة] (4) حين مروا بعد
~~خروجهم من البحر بقوم يعبدون شجرة، فأجابهم [إنكم قوم تجهلون] وهذه من أعظم
~~الجرائم لأنهم أرادوا منه أن يصيرهم مشركين وقالوا له: [اذهب أنت وربك
~~فقاتلا إنا ههنا قاعدون] (5) بعد امتناعهم عن دخول الأرض المقدسة، وقولهم:
~~[لن ندخلها أبدا ما داموا فيها] (6) وغير ذلك ومع هذه المخالفات العظيمة من
~~بني إسرائيل لموسى (عليه السلام) مما قصه الله في القرآن لم
# PageV00P463
# يقتل موسى منهم أحدا ولا دعا عليه بالهلاك، وحال النبي (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) في الرأفة والحلم أعظم من موسى، ألا تراه في أحد حين أصابه
~~الجراح والمشقة جعل يقول: (اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون) (1) وجعل
~~الدعاء لهم محل الدعاء عليهم، فكيف يقتل قوما مقرين بدينه بصدور مخالفة
~~منهم في قول أو فعل، وإنما يكون القتل والتأديب بارتكاب ما يوجب الحدود،
~~فكان النبي (صلى الله عليه وآله) يعمل معهم كعمل الأنبياء مع أصحابهم وذلك
~~من أوضح الأدلة على نبوته، فكان يعفو ويصفح عن قتل من خالفه، وإن كان يجوز
~~قتله لدفع توهم الناس أنه ليس بنبي، ولو كان كذلك لسار في أصحابه سيرة
~~الأنبياء في أصحابهم فتركه إياهم وصفحه عنهم من جملة ما يثبت نبوته عند
~~الناس، وقد عفى عن أهل مكة وكانوا مستحقين للقتل وقال: (اذهبوا فأنتم
~~الطلقاء) (2) وكم عفى عن مستحق للقتل لكنه مع ذلك كله يردعهم باللسان
~~وإظهار الغضب على الجرأة والمخالفة، فلو كان خلافهم له جائزا لم يردعهم
~~لكنه جمع بين الأمرين فزالت الشبهة بعون الله، وكيف يجوز رد أمر النبي (صلى
~~الله عليه وآله وسلم) والله تعالى يقول:
# [فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم ms350 عذاب أليم]
~~ويقول: [فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في
~~أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما] ويقول: [يا أيها الذين آمنوا لا
~~ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن
~~تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون] (3) وغيرها من الآيات الواضحات في عدم جواز
~~مخالفة الرسول (صلى الله عليه وآله) والقرآن مملوء بها.
# PageV00P464
# وأما الدعوى الثانية: أعني أن هناك نصا من النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) على علي (عليه السلام) وقد خالفه القوم فلنا عليها وجوه من الأدلة.
# الأول: دلالة الأخبار الصحاح عند الخصم على المدعي.
# فمنها: قول النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) (إن الأمة
~~ستغدر بك من بعدي) فقد رواه ابن أبي الحديد عن أكثر المحدثين ورواه غيره
~~أيضا (1)، وهذا الحديث نص صريح في أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عهد
~~إليهم في علي (عليه السلام) عهدا وأنهم نقضوا عهده فيه، لأنه لا يخفى على
~~من له أدنى معرفة بأساليب كلام العرب فضلا عن فاضل مدقق أن لفظ الغدر لا
~~يستعمل إلا في نقض عهد متقدم، وقد صرح بذلك الشهاب الفيومي في المصباح
~~المنير وغيره من أهل اللغة، فلا يقال: غدر فلان إلا إذا نقض عهدا معهودا،
~~وأبطل عقدا معقودا يلزمه الوفاء به، كما أن الوفاء الذي هو ضد الغدر معناه
~~البقاء على مقتضى العهد المتقدم، والاستمرار على موجب العقد السابق، فإذن
~~ثبت من هذا القول أن النبي (صلى الله عليه وآله) عهد إلى أصحابه عهدا
~~فنقضوه بعد وفاته، ولا عهد نقض في ذلك غير العهد بالخلافة، إذ لم يأخذ
~~الصحابة من على غيرها، ولم يناقضوه في سواها فصح أنه منصوص عليه وأن القوم
~~خالفوا النص بتعمد فكانوا غادرين وهو عين مدعانا، ولا يجوز أن يحمل ذلك على
~~ما وقع في أيام خلافة علي (عليه السلام) خاصة لوجوه ثلاثة.
# الأول: إن الغدر منسوب إلى الأمة، والأمة في ذلك الوقت على الحقيقة
# PageV00P465
# هم الصحابة ومن سواهم ms351 تبع لهم، فالغدر لا محالة صادر عنهم وواقع منهم إذ
~~لا مخالفة من غيرهم من جميع الناس إلا بسببهم ودعائهم، أو دعاء أحد منهم
~~إلى المخالفة كما هو معلوم عند أولي العقل والفطنة، فوجب أن يكونوا هم
~~المعينين بالغدر ورؤساء الجمل وصفين من جملتهم، اللهم إلا أن يتمحل متمحل
~~فيقول إن الصدر الأول من الصحابة ليسوا من الأمة فحينئذ يقال له فهم إذن
~~غير مسلمين لأن أمة النبي (صلى الله عليه وآله) من أقر بالشهادتين وإذا لم
~~يكونوا من الأمة كانوا من الكفار.
# الثاني: إن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (بعدي) فجعل ما بعده من
~~الزمان الذي أوله وقت وفاته ظرفا لغدرهم فيعم جميع الأوقات، والتخصيص بوقت
~~يتوقف على المخصص ولا مخصص في المقام إلا رأي الخصم وليس الرأي بمقبول.
# الثالث: إنا إنما نتكلم على معنى الحديث وهو مفيد لثبوت العهد من النبي
~~(صلى الله عليه وآله) في علي (عليه السلام) إليهم لثبوت الغدر منهم، وحيث
~~ثبت الغدر ثبت لتوقفه عليه وذلك هو النص بالإمامة ومن ادعى غيره فعليه
~~البيان فتثبت الإمامة له في جميع الأوقات فمن زحزحه عنها أو حال بينه
~~وبينهما فهو غادر وقد وضح الأمر إلا أن يكذب ابن أبي الحديد وأصحابه رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) فيكفروا، وليس ذلك بكثير عليهم في محبة أئمتهم.
# ومنها ما رواه ابن أبي الحديد عن يونس بن حبيب (1) عن أنس بن مالك قال:
~~كنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي بن أبي طالب (عليه السلام)
~~معنا فمرر بحديقة فقال علي يا رسول الله ألا ترى ما
# PageV00P466
# أحسن هذه الحديقة؟ فقال: (إن حديقتك في الجنة أحسن منها) حتى مررنا بسبع
~~حدائق يقول على ما قاله ويجيبه رسول الله بما أجابه، ثم إن رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله وسلم) وقف فوقفنا فوضع رأسه على رأس علي فبكى فقال علي
~~(عليه السلام): ما يبكيك يا رسول الله؟ قال: (ضغائن في صدور قوم لا يبدونها
~~لك حين يفقدوني) فقال: ms352 يا رسول الله أفلا أضع سيفي على عاتقي فأبيد
~~خضراءهم؟ قال: (بل تصبر) قال: فإن صبرت؟
# قال: (تلاقي جهدا) قال: أفي سلامة من ديني؟ قال: (نعم) قال إذن لا أبالي
~~(1) وهذا الحديث نص في أن القوم كانت في صدور بعضهم ضغائن على علي (عليه
~~السلام) أخفوها في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنهم يبدونها له
~~بعد فقدهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وليس ما أبدوه بعد النبي
~~(صلى الله عليه وآله) إلا منعه من الخلافة وجحدهم النص عليه وإخراجهم إياه
~~ملببا ليدخل في بيعتهم، فبين رسول الله (صلى الله عليه وآله) إن ذلك من
~~فعلهم وقع لحقد وضغن في قلوبهم على علي (عليه السلام)، فحينئذ إن كانوا
~~علموا أنه الأحق بمقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من جهة نصه عليه
~~فهو ما نقول من أنهم لم يتقدموا على علي (عليه السلام) لجهل منهم باستحقاقه
~~التقدم، ولا لعدم اطلاع على النص عليه من النبي (صلى الله عليه وآله)،
~~وإنما فعلوا ذلك حسدا له وبغضا وهو المطلوب وإن كانوا لم يعلموا بشئ من ذلك
~~ولا وقع شئ منه وإنهم علموا أن الأمر بين المهاجرين شرع فلا يجوز نسبة
~~الضغن إليهم ورميهم بكتمان الحقد، وملاقاة أمير المؤمنين الجهد في صبره على
~~فعلهم، لكن ذلك كله ثابت لهم بأخبار الصادق الأمين فوجب أن يكونوا جاحدين
~~النص ولا يجوز أن يحمل الخبر على ما كان من أصحاب
# PageV00P467
# الجمل وصفين والنهروان لأن عليا (عليه السلام) إذ ذاك لم يوص بالصبر ولم
~~يصبر، بل أمر بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين بصريح النصوص، ومنها ما
~~سبق ذكره فوضع السيف في نحورهم، وترك للسيدان لحومهم وجرعهم كؤس المنية
~~بحدود المشرفية، وإنما أمر بالصبر وصبر في تغلب الثلاثة على الأمر فهم
~~المعينون بالضغن بلا مرية.
# ومنها ما رواه عن أبي جعفر الإسكافي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~دخل على فاطمة فوجد عليا نائما فذهبت تنبه فقال: (دعيه فرب سهر له بعدي
~~طويل ورب جفوة ms353 لأهل بيتي من أجله شديدة) فبكت فقال: (لا تبكي فإنكما معي
~~وفي موقف الكرامة عندي) (1) والتقرير قريب مما مر ولقد صح ما أخبر به النبي
~~(صلى الله عليه وآله) من حصول الجفوة لأهل البيت في تأمر الثلاثة فإنهم لم
~~يدعوا طليقا كيزيد بن أبي سفيان ومعاوية وابن أبي سرح، ولا متهما ولا ظنينا
~~كالوليد بن عقبة وسعيد بن العاص ومروان بن الحكم وأشباه هؤلاء وأضرابهم،
~~ولا متهتكا في دينه معروفا بالهزل في الإسلام كأبي هريرة والمغيرة بن شعبة
~~وأمثالها إلا ولوه ولاية ونال من جهتهم إمارة جيش أو بلد وجباية، ولم يولوا
~~أحدا من بني هاشم شيئا من ذلك بل ما زالوا يبعدونهم، ويقصونهم ليكونوا
~~محقورين ويهون أمرهم على الناس، ويكونوا في زاوية الخمول فيصيروا منسيين
~~غير مذكورين، ومخفيين غير مشهورين، كل ذلك ليخفى فضل علي (عليه السلام) لأن
~~أهل البيت لو ظهروا لأظهروا فضله، ونشروا مناقبه، فمالت الناس إليه، ورغب
~~أهل الدين فيه، فانعكس على القوم ما أرادوا واختل عليهم ما دبروا فلذا
~~جفوهم وأقصوهم فكان ذلك من أجله، وهذا يرشدك إلى بطلان ما اعتذر به ابن أبي
~~الحديد وغيره تبعا لأسلافهم فقالوا: إن عليا
# PageV00P468
# (عليه السلام) لو ولى الخلافة لانتقضت عليه العرب واختل أمر الملة، فإن
~~العرب لم يكونوا ليجتروا على خلافه إذا كان المهاجرون والأنصار في طاعته مع
~~ما تمكن في قلوب الناس من هيبته واشتهر فيما بين العرب من شجاعته وبراعته
~~وكيف تنقاد العرب لمن تقدم عليه وهم دونه في الحسب والنسب بسبب طاعة
~~الصحابة لهم ولا تنقاد لعلي (عليه السلام) لذلك مع جلالة قدره وعظيم
~~منزلته، وشدة موقعه من قلوب الناس، وعلو شأنه بشرف النسب وكرم الحسب، وكونه
~~من لب بيت السيادة ومخ بيضة الرئاسة من آباؤه أولياء حرم الله، والذين هم
~~أصحاب وقادة حجاج بيت الله، وأهل السقاية والكرم، وإطعام الطعام، وأهل
~~الرحلتين وأهل الحكومة بين العرب قال الوليد الطائي في صفين.
# شدوا فداء لكم أمي وأبي * فإنما الأمر غدا لمن غلب هذا ابن ms354 عم المصطفى
~~والمنتجب * تنمية للعلياء سادات العرب (1) وكم مثل هذا قيل فيهم من الولي
~~والعدو وفي الإسلام والجاهلية، هذا مع السبق إلى الدين والقرابة القريبة من
~~النبي (صلى الله عليه وآله)، والشجاعة الفائقة، والجهاد العظيم، والعلم
~~الغزير، والجود والسماحة، والزهد والقناعة، وبالله أقسم قسما بارا أنه لو
~~ولى الأمر بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يخالفوا عليه وسلموا له
~~الأمر، وألقوا إليه أزمة الرئاسة لانساقت العرب إلى إجابته طوعا، ومشوا في
~~طاعته ولو حبوا لكانت إمارته عندهم نعمة مشكورة فضلا عن أن تكون إمرة
~~مبرورة، ولكثر الشعر في مدحه واسفر ليل سرورهم بولايته عن صبحه، ولم يتخلف
~~أحد من العرب عن طاعته، ولم يختلف اثنان منهم في إمامته، وقد ظهر من فرح
~~المسلمين
# PageV00P469
# ببيعته يوم بويع بعد قتل عثمان ما تواتر في الكتب نقله، وقيلت الأشعار
~~الكثيرة في السرور ببيعته، بل هو بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~وقد لقي ما لقي والمدائح تقال فيه والألسن تلهج به، والأيدي تشير إليه
~~ويؤنب الجماعة على عدولهم عنه ففي قول النعمان بن عجلان الأنصاري.
# وليس أبو بكر لها خير قائم * وإن عليا كان أخلق بالأمر (1) وفي قول أبي
~~سفيان بن حرب بني هاشم لا يطمع الناس فيكم * ولا سيما تيم بن مرة أو عدي
~~وما الأمر إلا فيكم وإليكم * وليس لها إلا أبو حسن علي أبا حسن فاشدد بها
~~كف حازم * فإنك بالأمر الذي تبتغي ملي (2) وقول آخر (3):
# ما كنت أحسب أن الأمر منصرف * عن هاشم ثم منها عن أبي حسن أليس أول من
~~صلى لقبلتكم * وأعلم الناس بالآيات والسنن وأقرب الناس عهدا بالنبي ومن *
~~جبريل عون له في الغسل والكفن من فيه ما في جميع الناس كلهم * وليس في
~~الناس ما فيه من الحسن ماذا الذي صدكم عنه فنعرفه * ها أن بيعتكم غبن من
~~الغبن (3)
# PageV00P470
# إلى غير ذلك مما لا يسع المقام نقله وهو مذكور في كتاب خصمنا وغيره، فأنى
~~تنتقض العرب على هذا لولا ما جرى ms355 عليه، وقد صرح هو (عليه السلام) بهذا
~~المعنى وبنينه فيما - رواه ابن أبي الحديد عن عوانة عن يزيد بن جرير عن
~~الشعبي عن شقيق بن سلمة أن عليا (عليه السلام) لما انصرف إلى رحله بعد
~~مبايعة عبد الرحمن لعثمان قال لبني أبيه: (يا بني عبد المطلب إن قومكم
~~عادوكم بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) كعداوتهم النبي (صلى الله عليه
~~وآله) في حياته، وإن يطع قومكم لا تؤمروا أبدا، ووالله لا ينيب هؤلاء إلى
~~الحق إلا بالسيف) وعبد الله بن عمر داخل عليهم قد سمع الكلام كله فدخل
~~وقال: يا أبا الحسن أتريد أن تضرب بعضهم ببعض فقال: (اسكت ويحك لولا أبوك
~~وما ركب مني قديما وحديثا ما نازعني ابن عفان ولا ابن عوف) (1)، الخبر وهو
~~مصرح بما قلناه أن جرأة المتأخرين عليه إنما كانت بسبب الرجلين السابقين
~~وما فعلاه من إخراجه عن مقامه وسترهما فضائله ومزاياه، ولولا جرأتهما عليه
~~وتقدمهما قبله لم يخالفه أحد من الناس، ولا جسر على مقامه واحد من
~~المسلمين، ولا رام التقدم عليه في الأمر ابن حرة أبدا وقد تقدم قبل هذا من
~~كلام معاوية في كتابه جوابا لمحمد بن أبي بكر (رحمه الله) ما يصرح بهذا
~~المعنى، وبعد فهل رأيت أحدا من العرب خالفه حين بويع من تلقاء نفسه بدون
~~تسويل أحد من الصحابة وإملائهم لهم، وتزيينهم لهم فرقته ومخالفته حتى
~~يخالفه من تلقاء نفسه لو ولى الأمر عفوا بعد النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم)، هؤلاء أهل البصرة قد انقادوا إلى طاعته ورضوا ببيعته، وأطاعوا عما
~~له، ونفذت فيهم أحكامه وأوامره ونواهيه، ولم يسخط أحد إمارته، ولا
# PageV00P471
# رد واحد منهم بيعته إلى أن جاءتهم عائشة وطلحة والزبير فتنوهم عن دينهم
~~وأدخلوهم في الضلالة وزينوا لهم الفرقة وشق العصا بالشبه والخدع فلولا مجئ
~~عائشة والزبير وطلحة وتحميلهم إياهم على نكث البيعة وخلع الطاعة لكانوا
~~ماضين عليها، ومستمرين على العمل بموجبها ومتحققين بها غير مستنكفين عنها
~~ولا مرتابين فيها، وأولئك أهل الشام لو لم ms356 يزين لهم معاوية الشقاق ويعينه
~~على ذلك عمرو بن العاص علم النفاق فيدعوهم إلى الخلاف ويحملاهم على عدم
~~الوفاق ويغمساهم في غمرات الغواية، ويسدا عليهم طريق الهداية بما ألقيا في
~~قلوبهم من التشبيهات والتسويلات وملأا به أسماعهم من الأباطيل والأضاليل،
~~وقرعا به آذانهم من الأقاويل الملفقة والأكاذيب ما نازعه منهم منازع ولا
~~صرفهم عن المسارعة إليه صارف، ولا منعهم عن بيعته والقيام بواجب طاعته
~~مانع، بل لو خيروا ابتداء قبل الشبه عليهم لما اختاروا غيره ولا عدلوا به
~~سواه، ولولا صفين لما كانت النهروان ولا ما بعدها من الحروب، فالاختلاف على
~~أمير المؤمنين إنما جاء من قبل أولئك ولولاهم لأدت الناس جميعا إليه
~~الطاعة، واستقاموا له غاية الاستقامة، وبذلوا له الجهد في النصيحة، ثم لا
~~تمضي برهة من الزمان حتى يتبين للناس في أمر الإمامة الرغوة من الصريح،
~~ويتضح لهم الظالم والمظلوم، ولكن أولئك أفسدوا الأمر عليه ومنعوا العرب
~~الثواب الجزيل في الاجتماع عليه، والطاعة لأمره، وأدخلوهم في العقاب الأليم
~~الطويل بالتفرق عنه ومعصيته، وسبب ذلك كله الأولون كما سمعت وبذلك يصرح
~~قوله في الخبر: (وإن يطع قومكم لا تؤمروا أبدا) وذلك لصرف أولئك الأصحاب
~~وجوه من أطاعهم من الناس عن مودة أهل البيت وولايتهم، وذلك لشدة بغضهم
~~لأمير المؤمنين، فما زال أهل البيت في جفوة من القوم لأجله كما هو صريح قول
~~النبي (صلى الله عليه وآله) فاعتذارهم عن تقدمهم عليه بانتقاض العرب عليه
~~لو ولى الأمر بعد النبي (صلى الله عليه وآله) عذر باطل PageV00P472
# وقول زائف لا يخفى وهنه وفساده، وبطلانه وكساده على أهل الفضل والنهي،
~~ولنقتصر في هذا المطلب هنا على هذا القدر من الكلام فإن فيه الكفاية لذوي
~~الانصاف والغنية لمن حاد عن مزلة الإسراف.
# ومنها ما رواه عن كثير من المحدثين عن علي (عليه السلام) أن رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) قال له: (إن الله قد كتب عليك جهاد المفتونين كما كتب
~~على جهاد المشركين) قال: فقلت: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله ms357 وسلم) ما
~~هذه الفتنة التي كتب علي فيها الجهاد؟ قال: (قوم يشهدون أن لا إله إلا الله
~~وأني رسول الله وهم مخالفون السنة) فقلت: يا رسول الله فعلام أقاتلهم وهم
~~يشهدون كما أشهد؟ قال: (على الأحداث في الدين ومخالفة الأمر) فقلت: يا رسول
~~الله إنك كنت وعدتني الشهادة فاسأل الله أن يعجلها لي بين يديك قال: (فمن
~~يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين أما إني وعدتك الشهادة وستستشهد تضرب
~~على هذا فتخضب هذه فكيف صبرك إذن)؟ قلت: يا رسول الله أليس ذا بموطن شكر
~~قال: (أجل أصبت فأعد للخصومة فإنك مخاصم) فقلت: يا رسول الله لو بينت لي
~~قليلا، فقال: (إن أمتي ستفتن من بعدي فتتأول القرآن، وتعمل بالرأي وتستحل
~~الخمر بالنبيذ، والسحت بالهدية، والربا بالبيع، وتحرف الكتاب عن مواضعه،
~~وتغلب كلمة الضلال، فكن جليس بيتك حتى تقلدها فإذا قلدتها جاشت عليك
~~الصدور، وقلبت لك الأمور تقاتل حينئذ على تأويل القرآن كما قاتلت على
~~تنزيله، فليست حالهم الثانية بدون حالهم الأولى) فقلت: يا رسول الله فبأي
~~المنازل أنزل هؤلاء المفتونين من بعدك أبمنزلة فتنة أم بمنزلة ردة؟ فقال:
~~(بمنزلة فتنة يعمهون فيها حتى يدركهم العدل) فقلت: يا رسول الله أيدركهم
~~العدل منا أم غيرنا قال: (بل منا بنا فتح الله وبنا يختم وبنا ألف بين
~~القلوب بعد الشرك، وبنا يؤلف بين القلوب بعد الفتنة) PageV00P473
# فقلت: (الحمد لله على ما وهب لنا من فضله) (1) وهذا الحديث صريح في إن
~~القوم افتتنوا بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وضلوا وعملوا
~~بالرأي وحرفوا الكتاب، وفعلوا جميع ما ذكره النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) من استحلال المحرمات بالشبهات وهذا كله قبل تقلد علي الخلافة، وإنه
~~مأمور بالجلوس في بيته وترك نزاعهم حتى يتقلد الأمر فحينئذ يقاتل ولا فتنة
~~ولا ضلال بعد موت النبي (صلى الله عليه وآله) إلى تخلف أمير المؤمنين (عليه
~~السلام) إلا بتأخيره عن الخلافة وتقدم غيره عليه، فإذا لم يكن عليه نص
~~خالفوه، فمن أين جاءهم الضلال ووقعوا في الفتنة ms358 وعملوا بالرأي وفعلوا ما
~~ذكر في الخبر، فهو أصرح من الشمس الضاحية في رابعة النهار فيما قاله
~~الإمامية من ضلالتهم وذا مصداق قوله تعالى: [ألم أحسب الناس أن يتركوا أن
~~يقولوا آمنا وهم لا يفتنون] (2) ومن أعجب العجب قول ابن أبي الحديد ودعواه
~~بعد نقل هذا الخبر صراحته في مذهب المعتزلة ظنا منه أن النبي (صلى الله
~~عليه وآله) إنما عنى أهل الجمل وصفين (3) وذلك من جملة غفلاته أو تغافله،
~~ولو فكر لوجد الخبر واضحا في إبطال مذهبه وفساد معتقده والله الهادي.
# ومنها: ما رواه عن سدير الصيرفي عن أبي جعفر محمد بن علي قال اشتكى على
~~شكاة فعاده أبو بكر وعمرو خرجا من عنده فأتيا النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) فسألهما من أين جئتما قالا: عدنا عليا قال: (كيف رأيتماه) قالا:
~~رأينا لما به فقال: (كلا، إنه لن يموت حتى يوسع غدرا
# PageV00P474
# وبغيا وليكونن في هذه الأمة عبرة يعتبر به الناس من بعده) (1) وهذا الخبر
~~صريح في حصول الغدر بأمير المؤمنين (عليه السلام) من الأمة، وقد علمت أن
~~الغدر لا يكون إلا بنقض عهد سابق ويثبت المطلوب بمثلما تقرر في الحديث
~~الأول، ثم إنه (صلى الله عليه وآله) ذكر الغدر والبغي فيكون الغدر إشارة
~~إلى ما فعله به القوم بعد النبي (صلى الله عليه وآله) من تقدمهم عليه في
~~الخلافة والبغي إشارة إلى ما فعله تابعوهم من خلافه وحربه بعد بيعة الناس
~~له.
# ومنها: ما رواه عن جابر الجعفي عن محمد بن علي قال: قال علي (عليه
~~السلام): (ما رأيت منذ بعث الله محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) رخاء لقد
~~أخافتني قريش صغيرا وأنصبتني كبيرا حتى قبض الله رسوله (صلى الله عليه
~~وآله) فكانت الطامة الكبرى، والله المستعان على ما يصفون) (2) فلو قال قائل
~~لابن أبي الحديد: أخبرنا عن هذه الطامة بعد موت النبي (صلى الله عليه وآله)
~~التي جعلها علي (عليه السلام) أكبر من إخافة المشركين إياه وحربهم إياه في
~~حياة رسول الله (صلى الله عليه ms359 وآله وسلم) ما هي، أهي ترك الأولى كما ذكرت
~~وليس كما ذكرت، فترك الأولى لا يساوي بحرب النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم)، وحرب ناصره لأن ذا كفر، وترك الأولى غير حرام، فكيف يساوي الجائز
~~بالكفر؟ فما ظنك إذا زيد عليه وقيل إنه أكبر من الكفر، هذا ما لا يجوز
~~اعتقاده، أم هي إنكار القوم النص على علي (عليه السلام) من الرسول (صلى
~~الله عليه وآله وسلم) وحجده ومخالفته كما نقول، وهو كما نقول، فيثبت النص
~~وضلال القوم بخلافه فما نره يجيب عن هذا السؤال فالعجب كل العجب منه إذ
# PageV00P475
# يقول: لا نص على علي (عليه السلام) بالإمامة، مع نقله مثل هذه الروايات
~~وتصحيحه إياها، وجميعها يحمله على إرادة أهل الجمل وصفين وهي تأبى هذا
~~المحمل إباء ظاهرا وترده ردا بينا كما لا يخفى على ذي دربة بأساليب الكلام،
~~نعم بعضها يتضمن مع الأولين أهل الجمل وصفين.
# ومنه ما رواه عن جعفر بن سليمان الضبيعي عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد
~~الخدري قال: ذكر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي (عليه السلام)
~~ما يلقى بعده من العنت فأطال، فقال له علي: أنشدك الله والرحم يا رسول الله
~~لما دعوت الله أن يقبضني إليه قبلك قال: (كيف أسأله في أجل مؤجل) قال: يا
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فعلام أقاتل من أمرتني بقتاله؟ قال:
~~(على الحدث في الدين) (2) وصدر الخبر وهو قوله: ما يلقى بعده من العنت،
~~صريح أو ظاهر ظهورا بينا في إرادة ما جرى عليه من القوم بعد النبي (صلى
~~الله عليه وآله) من إزاحته عن مقامه وإخراجهم الأمر عنه إلى غيره، ويؤكده
~~قوله (عليه السلام): لما دعوت الله أن يقبضني إليه قبلك، فإنه يعطي أن رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعده بملاقاة العنت بعد موته بلا فصل، فسأل
~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يدعو الله يقبضه إليه في حياته لئلا
~~يصيبه ذلك العنت، فأخبره النبي (صلى الله عليه وآله) ms360 إنه لا سبيل إلى ما
~~طلب وإذا لم يستحق ذلك المقام بنص الرسول (صلى الله عليه وآله) فلا عنت
~~عليه في التأخير عنه، ولا يعارض ذلك آخر الخبر وهو قوله: فعلام أقاتل الخ
~~لظهوره في إرادة من خالفه بعد البيعة له لأن الأولين لم يؤمر بقتالهم ولو
~~أمر فعل، فلا يكون العنت المذكور أصابه في أيامهم، لأنا نقول هو (عليه
~~السلام) مأمور بقتال الجميع الأولين والآخرين إذا وجد أعوانا لأن الجميع
# PageV00P476
# قد حصل منهم الحدث في الدين، والأصل في الحدث الأولون والآخرون تابعوهم
~~عليه والعنت أصاب أمير المؤمنين (عليه السلام) في الزمانين، ولذا طلب
~~الأعوان على حربهم من أول الأمر فلم يجد فكف عن الحرب لفقد شرط تنجز الأمر
~~لا لأنه غير مأمور بحربهم، إذ لو كان كذلك لما طلب الأعوان على ذلك وقاتل
~~الآخرين لوجود الأعوان له على قتالهم فكانت دلالة الخبر ظاهرة أي الظهور
~~فما ذكرناه فثبت مرامنا وصح قولنا أن هناك نصا معروفا عند أكثر الصحابة من
~~النبي (صلى الله عليه وآله) على علي (عليه السلام)، وأنهم كتموه وخالفوه
~~على عمد والأخبار التي تشير إلى هذا المعنى كثيرة في كتاب الخصم لكنا نذكر
~~الصريح فيه والقريب من الصريح، وسيأتي ذكر شئ من هذا الباب عند ذكر النص
~~على العترة إن شاء الله تعالى.
# الوجه الثاني مما يدل على وجود النص وأن القوم خالفوه ما تواتر من تظلمات
~~أمير المؤمنين (عليه السلام) وشكاياته من القوم بالتصريح، ورميه إياهم بغصب
~~حقه ونهب تراثه، وما ضارع هذا المعنى مما لا يجوز حمله على أنه غير منصوص
~~عليه مثل ترك الأولى وشبهه كما قال ابن أبي الحديد وأصحابه وهي كثيرة جدا،
~~نذكر منها قطعة صالحة نكتفي بها في المطلب.
# فمنها قوله (عليه السلام) في الخطبة الموسومة بالشقشقية: " أما والله لقد
~~تقمصها ابن أبي قحافة وأنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى ينحدر
~~عني السيل ولا يرقى إلي الطير " إلى أن قال: - " فصبرت وفي العين قذى وفي
~~الحلق شجى أرى ms361 تراثي نهبا " الخطبة ودلالتها على المدعى من وجهين.
# الأول: قول علي (عليه السلام) أنه يعلم أن الخلافة حق له وأنه حين تقمصها
~~عالم بأنها حق علي (عليه السلام) وليس له فيها حق فيقال حينئذ من أين علم
~~أن خلافة النبي (صلى الله عليه وآله) حق لعلي (عليه PageV00P477
# السلام) إن كان علم ذلك من الكتاب والسنة فهو النص الذي ندعيه وإن كان من
~~غيرهما فلا طريق لمعرفة ذلك سواهما، والعقل لا يستقل بمعرفة هذا بتمامه،
~~ولو فرض علمه به من جهة الدلالة العقلية كان ذلك نصا لأنها كالدلالة
~~الشرعية، ونص العقل كنص الشرع، والعلم من أينما حصل وجب العمل به والتعويل
~~عليه، ولا يختص وجوب الاعتماد عليه بحصوله من طريق خاصة دون أخرى كما حقق
~~في الأصول، ولا يدفع هذا السؤال حمل الكلام على علمه بذلك من جهة الأفضلية
~~لبقائه قائما كما هو، فيقال إن كان علم أن عليا (عليه السلام) أفضل منه وأن
~~الإمامة حق للأفضل من الكتاب والسنة فذلك هو النص وثبت مطلوبنا، وإن كان
~~ذلك من غيرهما فالغير ليس بطريق إلى علم هذا أن مقتضى الكلام نفى استحقاقه
~~للخلافة بالمرة.
# الثاني: قوله (عليه السلام) " أرى تراثي نهبا " فأثبت أن الخلافة ميراثه
~~من النبي (صلى الله عليه وآله) وأنه نهب، وأنه صبر على ذلك على مضض عظيم
~~ولم شديد، وهذا كالأول فإنه يقال من أين علم علي (عليه السلام) أن خلافة
~~النبي (صلى الله عليه وآله) تراث له لا حق فيها لغيره، إن كان ذلك من قول
~~النبي (صلى الله عليه وآله) أو من الكتاب العزيز فهذا هو النص المدعى وإن
~~كان من غيرهما فليس ذلك الغير بطرق إلى معرفة ذلك وهو عندنا وعندكم لا يقول
~~إلا عن الله ورسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يتقول عليهما بالرأي
~~وشبهه، فثبت أنه علم ذلك من النص عليه وهو واضح، فبطل ما ذكره ابن أبي
~~الحديد من حمله على خلاف الأولى وفسد جميع ما قرره في ذلك، وقوله: إنه ليس ms362
~~بأبعد من تأويل الإمامية قوله تعالى: [وعصى آدم ربه فغوى] (1) بالعدول عن
~~الأولى (2)
# PageV00P478
# إذ لا شباهة لهذا بما ذكرناه ولوجود العصمة في آدم دون أبي بكر وقد مضى
~~بيانه، ومن هذا يظهر أن قول أبي بكر:
# وددت أني سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيمن هذا الأمر فكنا لا
~~ننازعه أهله تمويه.
# ومنها قوله: (عليه السلام) فيها بعد أن ذكر عمر وإدلاء أبي بكر بالخلافة
~~إليه: - فصبرت على طول طول المدة وشدة المحنة) ومن المعلوم أنه لا محنة
~~عليه إذا لم يكن مظلوما في أخذ الخلافة منه، ولا يكون مظلوما إذا لم يكن
~~منصوصا عليه فخولف النص، وليس في ترك الأولى ما يبلغ إلى المحنة ولا لشئ
~~مما ذكره هناك.
# ومنها قوله: لعبد الرحمن بن عوف لما بايع عثمان وعدل عنه: " ليس هذا بأول
~~يوم تظاهرتم فيه علينا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون " (1)
~~والتظاهر معناه المعاونة على الظلم ولا يكون ذلك بترك الأولى وإنما يكون
~~بمخالفة النص.
# ومنها قوله: في خطبة عند توجهه لحرب أهل البصرة: (فوالله ما زلت مدفوعا
~~عن حقي مستأثرا علي منذ قبض الله نبيه (صلى الله عليه وآله) حتى يوم الناس
~~هذا " (2) فهي صريحة في دفع القوم إياه عن حقه من بعد أن قبض النبي (صلى
~~الله عليه وآله) بغير فصل ومنها قوله: (عليه السلام) في خطبة له: " زرعوا
~~الفجور وسقوه الغرور وحصدوا الثبور " إلى أن قال: " الآن إذ رجع الحق إلى
~~أهله ونقل إلى منتقله " (3) فانظروا إلى قوله زرعوا إلى آخره، فإنه صريح في
~~نسبتهم إلى الضلالة ولا يختص
# PageV00P479
# بمعاوية وغيره من أهل الخلاف عليه أيام خلافته كما زعم ابن أبي الحديد
~~لعدم المخصص إذ ليس معه إلا الرجم بالغيب من مكان بعيد وقوله (عليه السلام)
~~(الآن) الخ مصرح بأن الحق كان عند غير أهله ومنها قوله (عليه السلام) في
~~خطبة: " ألا إن الشيطان قد ذمر حزبه واستجلب خيله ليعود الجور إلى أوطانه
~~ويرجع الباطل إلى نصابه " (1) وهو صريح في أن إمرة ms363 السابقين عليه جور وباطل
~~ومنها قوله (عليه السلام): في خطبة رواها ابن أبي الحديد عن أبي الحسن
~~المدايني عن عبد الله بن جنادة: (أما بعد فإنه لما قبض الله نبيه (صلى الله
~~عليه وآله) قلنا نحن أهله وورثته وعترته وأولياؤه دون الناس لا ينازعنا
~~سلطانه أحد ولا يطمع في حقنا طامع إذ انبرى لنا قومنا فغصبونا سلطان نبينا
~~فصارت الإمرة لغيرنا وصرنا سوقة يطمع فيها الضعيف ويتعزز علينا الذليل فبكت
~~الأعين منا لذلك وخشنت الصدور وجزعت النفوس " (2) الخطبة وهي مصرحة بأن
~~عليا (عليه السلام) وارث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دون الناس ووليه
~~وأن سلطان النبي قد غصبه القوم منه، وأن أعين عترة الرسول (صلى الله عليه
~~وآله) لم تزل لذلك باكية وصدورهم ما زالت خشنة ونفوسهم جازعة، أفيكون هذا
~~كله لترك الأولى كما يدعيه الخصم أو يكون تارك الأولى غاصبا كلا ما هو إلا
~~لفعل محرم وارتكاب محظور وما ذاك إلا لمخالفة نص معلوم.
# ومنها قوله (عليه السلام): في خطبة مثلها رواها المعتزلي عن الكلبي: (إن
~~الله لما قبض نبيه (صلى الله عليه وآله) استأثرت علينا قريش بالأمر ودفعتنا
~~عن حق نحن أحق به من الناس كافة) (3).
# PageV00P480
# ومنها قوله في خطبة يذكر فيها أمر السقيفة (فنظرت فإذا ليس لي معين إلا
~~أهل بيتي فضننت بهم عن الموت، وأغضيت على القذى، وشربت على الشجى، وصبرت
~~على أخذ الكظم، وعلى أمر من طعم العلقم) ومثل ذلك قوله (عليه السلام): (لو
~~جدت أربعين ذوي عزم) أفيجوز أن يكون هذا كله لترك القوم الأولى وهل يطلب
~~مؤمن رجالا ذوي عزم ولو أربعين ليقاتل رجلا مسلما ترك الأولى أو يفعل هذا
~~عاقل متدين؟ فكيف من هو مع الحق والحق معه؟ أليس ذلك القول منه صريحا في
~~استحقاق المتقدمين عليه القتال؟ وهل يستحق القتل والقتال إلا من هو ظالم
~~غاصب،؟ ولا يكون كذلك إلا أن يكون على صاحب الأمر بنص النبي (صلى الله عليه
~~وآله وسلم)، وأما إذا لم يكن كذلك بل كان الأمر ms364 جائزا له ولغيره وأن الراجح
~~في الحكم أن يكون هو ولي الأمر وولاية غيره مرجوحة لم يجز له ما طلبه لأن
~~فاعل المرجوح لم يستحق شيئا من اللوم فكيف يستحق أن يقاتل ويقتل؟ وأمير
~~المؤمنين لا يفعل الحرام ولا يطلبه فننتج من ذلك أن من طلب قتالهم كانوا
~~مستحقين، وأن ذلك لارتكابهم أمرا عظيما حلت به دماؤهم وما هو إلا رد النص
~~ومخالفة الرسول (صلى الله عليه وآله) إذ لا غيره هناك فتأمل.
# ومنها قوله (عليه السلام): في كتاب كتبه لأخيه عقيل رواه ابن أبي الحديد
~~عن إبراهيم بن سعيد بن هلال الثقفي في كتاب الغارات: (اللهم فاجز قريشا عني
~~الجوازي فقد قطعت رحمي، وتظاهرت علي، ودفعتني عن حقي، وسلبتني سلطان ابن
~~أمي، وسلمت ذلك إلى من ليس مثلي في قرابتي من الرسول (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) وسابقتي في الإسلام إلا أن يدعي مدع ما لا أعرفه ولا أظن الله يعرفه،
~~والحمد لله على كل حال) (1) وقوله
# PageV00P481
# (عليه السلام): (إلا أن يدعي مدع) الخ مشير إلى بطلان ما أثبته العامة
~~للثلاثة من الفضل في كل وقت، بل صريح في نفيه بشديد المبالغة لقوله:
# (ولا أظن الله يعرفه) يعني أنه لم يكن في علم الله لهم فضل يماثلون به
~~عليا (عليه السلام) فضلا عن أن يكون برز ذلك للناس وظهر وصار معروفا، فمن
~~ادعى لهم ذلك فقد ادعى ما لا أعرفه لهم ولا يعرفه لهم فدعواه لهم مماثلتي
~~باطلة، ومنه يعلم أن الأخبار التي رواها الخصوم في التفضيل كلها باطلة
~~مزورة، وهذا ينضاف إلى ما بيناه أولا من الاستدلال على بطلانها فأين يذهب
~~بالقوشجي في قوله إن عليا (عليه السلام) قال: خير الناس أبو بكر ثم عمر،
~~كما مر أفلا يسمع هنا كيف نفى عنهم الفضل بالمرة، وبالغ في تأكيد نفيه أشد
~~المبالغة، وهو تصديق ما قلناه هناك.
# ومنها قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما رواه الخصم عن أبي جعفر
~~الإسكافي عن جابر عن أبي الطفيل قال: سمعت عليا ms365 (عليه السلام يقول: (اللهم
~~إني أستعديك على قريش فأنهم قطعوا رحمي، وغصبوني حقي، وأجمعوا على منازعتي
~~أمرا كنت أولى به، ثم قالوا: إن من الحق أن نأخذه ومن الحق أن نتركه) (1)
~~فقد صرح في القول بغصب أقوم حقه وبخطئهم في قولهم إن أخذهم الأمر حق وتركه
~~له كذلك، ومعناه أنه ليس من الحق أن يأخذوه كما قالوا، وإذا لم يكن أخذهم
~~إياه حقا كان باطلا وباقي الكلام كالأول.
# ومنها ما رواه عن أبي القاسم البلخي عن سلمة بن كهيل عن المسيب بن نجبة
~~قال: بينا علي (عليه السلام) يخطب إذ قام أعرابي فصاح: وامظلمتاه فاستدناه
~~علي (عليه السلام) فلما دنا قال له: (إنما لك
# PageV00P482
# مظلمة واحدة وأنا قد ظلمت عدد المدر والوبر) (1).
# ومنها مناشدته القوم يوم الشورى النصوص عليه من النبي (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) وتصديق القوم إياه كخبر الغدير وخبر المنزلة وقصة براءة وغير
~~ذلك مما ذكرناه أولا، فقطع عبد الرحمن بن عوف كلامه ولم يلتفت إلى تلك
~~النصوص، ولم يعدل بها عن بيعة عثمان، وأضاف إلى ذلك تهديده بالقتل إن لم
~~يترك الاحتجاج، وينفذ لبيعة عثمان، وقد ذكر ابن أبي الحديد أن ذلك مما
~~استفاض في الروايات، وهذا من أدل الأدلة على ما ذكرناه من أن القوم لم
~~يعتنوا بنص النبي (صلى الله عليه وآله) وخالفوه تعمدا، ويقوي قولنا إن الذي
~~منعه من ذكر النص في يوم أبي بكر إن صح أنه لم يذكره علمه بأنهم ينكرونه أو
~~لا يلتفتون إليه، وربما يؤدي الأمر إلى قتله إن أطال الخصام بالنصوص، وما
~~ابن عوف باشد من عمر ولا عثمان بأرغب في الخلافة من أبي بكر ولا بأقوى على
~~ذلك منه، والأمر واضح، فبطل ما قال ابن أبي الحديد من أن ذكر النص كان أسهل
~~عليه حين ساموه البيعة من التظلم والاستصراخ بالأحياء والأموات، وتبين أن
~~تركه ذكر النص إن كان أسلم له من كثير من الضرر.
# ومنها قوله (عليه السلام): (حين أتوا به إلى أبي بكر ليبايع وهو ms366 ينظر إلى
~~قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (ابن أم إن القوم استضعفوني
~~وكادوا يقتلونني) (2) فجعل نفسه بمنزلة هارون وجعلهم بمنزلة عبدة العجل،
~~وكفى بهذا وضوحا في تضليله إياهم، وقد روى الخصم هذا الكلام (3) وهو صريح
~~أيضا في أنه (عليه السلام) كان مجبورا على بيعة أبي بكر مهددا بالقتل
# PageV00P483
# إن لم يبايع وهذا نص قول الإمامية.
# ومنها قوله (عليه السلام) في خطبة: (حتى إذا اقبض الله رسوله (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) رجع قوم على الأعقاب، وغالتهم السبل، واتكلوا على الولائج،
~~ووصلوا غير الرحم، وهجروا السبب الذي أمروا بمودته، ونقلوا البناء عن رص
~~أساسه فبنوه في غير موضعه، معادن كل خطيئة، وأبواب كل ضارب في غمرة قد
~~ماروا في الحيرة وذهلوا في السكرة، على سنة من آل فرعون من منقطع إلى
~~الدنيا راكن أو مفارق للدين مباين) (1) وهذا الكلام من أصرح الصريح في
~~إرادة الأول واتباعه ووصلهم غير الرحم تقديمهم غيره في مقام النبي (صلى
~~الله عليه وآله وسلم) ومنعهم عليا (عليه السلام) من ذلك المقام، وهو الأقرب
~~إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وهجرهم السبب المأمورين بمودته تركهم
~~قربى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد قال الله تعالى: [قل لا أسألكم
~~عليه أجرا إلا المودة والقربى] (2) ونقل البناء عن رص أساسه جعلهم الخلافة
~~في غير موضعها، ولا يجوز حمله على معاوية وأصحابه كما قاله ابن أبي الحديد
~~لأن الرجوع على الأعقاب متعقب في الكلام لقبض النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) لا فاصل بينهما إذ هو جواب الشرط فهو متصل به، وواقع بوقوعه، ومعاوية
~~قد تأخر أمره عن وقت قبض النبي (صلى الله عليه وآله) بسنين، ومقتضى الجملة
~~حصول الرجوع على الأعقاب بحصول موت النبي (صلى الله عليه وآله) بلا فصل،
~~فجعل الكلام لمعاوية وأصحابه ممتنع من جهة الدلالة اللفظية إلا أن يدعي مدع
~~ما لم يكن معروفا في العربية، ولا مستعملا عند أهل اللسان، وأيضا قوله:
~~(معادن كل خطيئة وأبواب كل
# PageV00P484
# ضارب في غمرة) ms367 يبين أن الأولين هم المرادون لا معاوية لأن معاوية من جملة
~~الضاربين في الغمرات فهم بابه إذ لولاهم ما ولى معاوية الشام ولا تأمر
~~عثمان على المسلمين، ولولا قضية عثمان ما قوي معاوية على الخلاف والنزاع
~~وإيقاع الفتن، لكن ابن أبي الحديد يصرف القول عن معناه ويحرف الكلم عن
~~مواضعه محاماة على المشايخ وأنى له بذاك وقد لاح الصباح؟ فانظر أيجوز أن
~~يوصف بالرجوع عن الدين على الأعقاب وأنه معدن كل خطيئة، وباب كل ضارب في
~~غمرة المشبه لآل فرعون في ضلالهم مع باقي الأوصاف من ترك الأولى وفعل
~~المرجوح ولم يخالف نصا ولا غصب حقا ولا نهب ميراثا ثابتا بكتاب الله وسنة
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله)، كلا ما يجوز ذلك إلا لمن تعمد خلاف الرسول
~~(صلى الله عليه وآله)، وإنكار نصه ونهب ميراثه من مستحقه على معرفة ويقين
~~وذلك ما نقول.
# ومنها قوله (عليه السلام): وقد سأله رجل من بني أسد: كيف دفعكم قومكم عن
~~هذا المقام وأنتم أحق به فقال للسائل: (قد استعلمت فاعلم، أما الاستبداد
~~علينا بهذا المقام ونحن الأعلون نسبا، والأشدون بالنبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) نوطا، فإنها كانت إثرة شحت بها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس آخرين،
~~والحكم الله والمعود إليه) (1) وهذا الكلام في غاية الوضوح في إرادة
~~الأولين سؤالا وجوابا، لأن من البين أن مراد السائل استعلام السبب الذي
~~لأجله منعت قريش أهل البيت من مقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد
~~وفاته مع أنهم أحق به في جميع الأحوال من كل أحد من الناس وأقامت في ذلك
~~المقام غيرهم، والاستخبار عن علة ذلك والدفع المسؤول عنه هو ما كان بعد قبض
~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأنه هو الفعل الحادث الذي تعلق السؤال
~~بسبب حدوثه من القوم وما بعده
# PageV00P485
# إنما هو استمراره، وليس المقصود أولا وبالذات السؤال عن استمرار ذلك
~~الفعل إلا أن يدخل من جهة اللزوم فأتى الجواب على طبق السؤال بأنهم لم
~~يدفعونا عن هذا المقام ms368 ويستبدوا علينا به لسبب أوجب ذلك، ولا لعلة اقتضته
~~من طريق الشرع، وإنما كان ذلك لشح نفوسهم عن تسليم حقنا إلينا، وقصدهم
~~الاستيثار به علينا، وهذا القول من جملة مبطلات ما تعلل به قوم من أن
~~الأولين إنما عدلوا بالأمر عن أمير المؤمنين خوفا من انتقاض العرب عليه، إذ
~~لو كان ذلك من قصدهم فضلا عن أن يكون صحيحا موجبا لما فعلوا لذكره (عليه
~~السلام) فيما دعاهم إلى دفعه عن مقام أخيه وابن عمه (صلى الله عليه وآله)،
~~وإن خطأهم بعد فيه لكن ذلك لم يكن، وقد عرفت ما قررناه أن الكلام سؤالا
~~وجوابا لا يختص بيوم الشورى كما ادعاه ابن أبي الحديد، بل لا يتوجه السؤال
~~إليه إلا تابعا للأمر الأول ولا الجواب إلا كذلك، على أنه لا يندفع عن
~~المعتزلي المعاند الوهن في مذهبه بما ادعاه لأنه إذا ثبت ظلم أهل الشورى
~~عليا (عليه السلام) من جهة تقديمهم في مقام النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) غيره لأنه الأحق به من غيره ثبت أن أهل السقيفة ظلموه لذلك بالاجماع
~~إذ لا قول بالفصل بين عثمان ومن قبله فكل من صحح بيعة عثمان صحح بيعة
~~الشيخين وكل من أبطل بيعته أبطل بيعتهما وبالعكس، فعلى صحة دعواه لا يصح
~~مذهبه كما ترى.
# ونحن نذكر هنا ما حكاه من سؤاله النقيب أبا جعفر العلوي وإجابة النقيب
~~إياه فإنه كلام جيد، وجواب متين، ونكتفي به في تمام تقرير الخبر قال
~~المعتزلي: وسألت أبا جعفر يحيى بن محمد العلوي نقيب البصرة وقت قرائتي عليه
~~عن هذا الكلام وكان (رحمه الله) على ما يذهب إليه من مذهب العلوية منصفا
~~وافر العقل، فقلت له: من يعني (عليه السلام) بقوله: (كانت إثرة شحت عليها
~~نفوس قوم وسخت عنها نفوس آخرين)؟ ومن القوم الذين عناهم الأسدي بقوله: كيف
~~دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحق به؟ PageV00P486
# هل المراد به يوم السقيفة أو يوم الشورى؟ فقال: يوم السقيفة، فقلت: إن
~~نفسي لا تسامحني أن أنسب إلى الصحابة عصيان ms369 الرسول (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) ودفع النص، فقال: وأنا فلا تسامحني أيضا نفسي أن أنسب الرسول (صلى
~~الله عليه وآله) إلى إهمال أمر الإمامة، وأن يترك الناس فوضى سدى مهملين،
~~وقد كان لا يغيب عن المدينة إلا ويؤمر عليها أميرا وهو حي ليس بالبعيد
~~عنها. فكيف لا يؤمر وهو ميت لا يقدر على استدراك ما يحدث، ثم قال: ليس يشك
~~أحد من الناس أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان عاقلا كامل
~~العقل، أما المسلمون فاعتقادهم فيه معلوم، وأما اليهود والنصارى والفلاسفة
~~فيزعمون أنه حكيم تام الحكمة، سديد الرأي، أقام ملة وشرع شريعة، فاستجد
~~ملكا عظيما بعقله وتدبيره، وهذا الرجل العاقل الكامل يعرف طباع العرب
~~وغرائزهم، وطلبهم بالثارات الدخول (1) ولو بعد الأزمان المتطاولة، ويقتل
~~الرجل من القبيلة رجلا من بيت آخر فلا يزال أهل ذلك المقتول وأقاربه يطلبون
~~القاتل ليقتلوه حتى يدركوا ثأرهم منه، فإن لم يظفروا به، قتلوا بعض أقاربه
~~وأهله، فإن لم يظفروا بأحدهم قتلوا واحدا أو جماعة من تلك القبيلة، وإن لم
~~يكونوا رهطه الأدنين، والإسلام لم يحل طباعهم ولا غير هذه السجية المركوزة
~~في أخلاقهم، والغرائز بحالها فكيف يتوهم لبيب أن هذا العاقل وتر العرب وعلى
~~الخصوص قريشا وساعده على سفك الدماء وإزهاق الأنفس وتقلد الضغائن ابن عمه
~~الأدنى وصهره، وهو يعلم أنه سيموت كما يموت الناس ويتركه بعده وعنده ابنته
~~وعنده منها ابنان يجريان منه مجرى ابنين من ظهره حنوا عليهما، ومحبة لهما،
~~ويعدل عنه في الإمرة بعده ولا ينص عليه ولا يستخلفه فيحقن دمه ودم بنيه
~~وأهله باستخلافه؟ ألا يعلم هذا العاقل الكامل أنه إذا
# PageV00P487
# تركه وترك بنيه وأهله سوقة ورعية فقد عرض دماءهم للاراقة بعده، بل يكون
~~هو الذي قتلهم وأشاط بدمائهم، لأنهم لا يعتصمون بعده بأمر يحميهم، وإنما
~~يكونون مضغة للأكل وفريسة للمفترس، يتخطفهم الناس، ويبلغ فيهم الأغراض،
~~فأما إذا جعل السلطان فيهم والأمر إليهم فإنه يكون قد عصمهم، وحقن دماءهم
~~بالرئاسة التي يصولون بها، ويرتدع الناس عنهم لأجلها، ms370 ومثل هذا معلوم
~~بالتجربة، ثم ذكر لهذا مثالا وقال بعده: أفترى ذهب عن رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) هذا المعنى أم أحب أن يستأصل أهله وذريته من بعده؟ وأين موضع
~~الشفقة على فاطمة العزيزة عنده الحبيبة إلى قلبه؟، أتقول إنه أحب أن يجعلها
~~كواحدة من فقراء المدينة تتكفف الناس، وأن يجعل عليا المكرم المعظم عنده
~~الذي كانت حاله عنده معلومة كأبي هريرة الدوسي وأنس بن مالك الأنصاري يحكم
~~الأمراء في دمه وعرضه ونفسه وولده فلا يستطيع الامتناع وعلى رأسه مائة ألف
~~سيف تتلظى أكباد أصحابها عليه؟ قد قتل أبناءهم وإخوانهم وآباءهم وأعمامهم
~~(1) انتهى المراد من كلامه.
# أقول لم يكن لابن أبي الحديد من دفع إرادة أمير المؤمنين (عليه السلام)
~~ومن سأله يوم السقيفة إلا استبعاده صدور العصيان من الصحابة، وهذا وإن كان
~~في نفسه ليس بدليل معتمد، لأن الصحابة ليسوا بمعصومين عنده، بل عند جميع
~~الأمة، فقد عارضه استبعاد النقيب من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إهمال
~~أمر الأمة وتركه دم عترته قريبا من السفك، وبعيدا من الصيانة، وكل الشيعة
~~على هذا الوجه يعولون، وهذا أقوى وأرجح وأقرب إلى العقل السليم من الأول،
~~وإن شئت قلت إن العقل لا يجوز صدور خلافه عن النبي (صلى الله عليه وآله)،
~~فهو على كل حال مقدم عليه، ومن ذلك يثبت النص فافهم على أن استبعاد
~~المعتزلي إرادة الأولين من
# PageV00P488
# الكلام لما ذكره من السبب يستلزم استبعاده من إرادة أهل الشورى، لأنهم
~~منهم ومن أعوانهم ما خلا الزبير، وأيضا الشورى كانت بأمر من عقد الأمر لأبي
~~بكر في السقيفة ودفع عليا (عليه السلام) عنه، وهو عمر بن الخطاب وهو الذي
~~جعل أمر الشورى كله لعبد الرحمن بن عوف وما فعله ابن عوف كله برأيه وعن
~~أمره،، فالدافع عليا يوم الشورى عن مقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~هو بنفسه دافعه عنه يوم السقيفة، فإن لم يكن هو ومن وازره على ذلك
~~المقصودين من السؤال والجواب لم يبق أحد يقصد منهما ولا ms371 يعني بهما فلزم أن
~~يكون السؤال وقع لا عن أحد والجواب مثله، وهذا محال، ولم يبق لأحد تشبث
~~بقصد معاوية وأصحابه من القول، لأن أمير المؤمنين (عليه السلام) ذكر حالهم
~~بعد جوابه المذكور للأسدي بما هو نص في أن الأسدي لم يقصدهم بسؤاله، وأن
~~عليا (عليه السلام) لم يقصدهم بجوابه، والخصم مقر بذلك، وإنما تردده بين
~~إرادة الأولين وتابعيهم جميعا ومنهم أهل الشورى وبين اختصاصه بأهلها كما
~~سمعت في سؤاله هذا كله، مضافا إلى ما ذكرناه من عدم اندفاع المحذور، لو صح
~~ما قال.
# ومنها الشعر المنسوب إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) بالاشتهار روى منه
~~ابن أبي الحديد أبياتا، (1) كذلك وذكره بعض الخصوم بتمامه، ونحن نذكره كذلك
~~وسببه على ما روى أن معاوية كتب إلى علي (عليه السلام) يفتخر بأشياء يزعم
~~أن فيها مفخرا فغضب علي (عليه السلام) وقال أيفتخر علي ابن اكلة الأكباد
~~اكتب إليه يا غلام:
# محمد النبي أخي وصنوي * وحمزة سيد الشهداء عمي
# PageV00P489
# وجعفر الذي يضحي ويمسي * يطير مع الملائكة ابن أمي وبنت محمد سكنى وعرسي
~~* منوط لحمها بدمي ولحمي وسبطا أحمد ولداي منها * فأيكم له سهم كسهمي
~~سبقتكم إلى الإسلام طرا * غلاما ما بلغت أوان حلمي وصليت الصلاة وكنت طفلا
~~* مقرا بالنبي في بطن أمي وأوجب لي ولايته عليكم * رسول الله يوم غدير خم
~~فويل ثم ويل ثم ويل * لمن يلقى الإله غدا بظلمي أنا البطل الذي لا تنكروه *
~~بيوم كريهة وبيوم سلم فقد صرح بقوله: وأوجب لي ولايته البيت، بدعوى النص
~~عليه يوم الغدير لأن ولاية النبي (صلى الله عليه وآله) الإمامة، وهذه
~~الأقوال المذكورة ومثلها من أقواله مما لم نذكره مصرحة بدعوى النص عليه
~~وبظلم من تقدمه في الخلافة، ونسبتهم إلى منع الحق وغصب الأمر ونهب الميراث
~~وغير ذلك، وهو عندنا وعند المعتزلة صادق لا يكذب، ولا يجوز الشك في صحة
~~قوله، ولا أظن الأشاعرة يجوزون تكذيبه وإن جوزوا مخالفته، وجلها قيل في
~~أيام خلافته حين كان له بعض القدرة على الإخبار عما في ms372 نفسه على الأولين،
~~وصار للسانه بعض الانبساط في التعبير عما في ضميره منهم، وهو دليل ظاهر
~~وشاهد عادل على بقاء اعتقاده فيهم الظلم، وأنه لم يكن لهم عاذرا، وأن ذلك
~~ليس من ترك الأولى في شئ، وهذا يبطل ما ذكره ابن أبي الحديد من أن أمير
~~المؤمنين (عليه السلام) كان في مبدأ الأمر يظن أن العقد لغيره كان لغير نظر
~~في المصلحة، وأنه لم يقصد به إلا صرف الأمر عنه والاستيثار عليه فظهر منه
~~ما ظهر من الامتناع والقعود في بيته إلى أن صح عنده وثبت في نفسه أنهم
~~أصابوا فيما فعلوه، وأنهم لم يميلوا إلى هوى، ولا أرادوا الدنيا، وإنما
~~فعلوا الأصلح في ظنونهم، وأنه لو ولى الأمر لفتقت عليه العرب فتقا يكون فيه
~~استئصال شافة الإسلام، وهدم أركانه، فأذعن PageV00P490
# بالبيعة، وجنح إلى الطاعة، وأمسك عن طلب الإمرة، وإن كان على مضض ورمض
~~إلى آخر ما أتى به من الكلمات الواهنة.
# وأقول هذا الرجل وإن كان أبطل ما دبر ونقض ما أبرم، وكفانا مؤنة الجواب
~~عما موه به من الزبرج في القول، بقوله: إن إمساك أمير المؤمنين (عليه
~~السلام) عن طلب الإمرة كان على مضض ورمض (1)، إذ لو كان ثبت عنده أنهم
~~أصابوا الحق لكان المضض والرمض منهم خطأ منه، وكيف يحترق قلبه ويتألم من
~~فعل قوم أصابوا الحق، وعملوا بالصواب وحفظوا الدين عن صولة الكفار، وكلمة
~~المسلمين عن الانتشار، ليس هذا من سجية المؤمنين، ولا من خلق الصالحين،
~~فكيف يصدر من سيدهم ومقتداهم ومن هو أكثرهم عناء في إظهار الدين ونصر
~~الإسلام والمسلمين، ونكاية المشركين؟ بل الواجب لمثله (عليه الصلاة
~~والسلام) أن يسر ويفرح بما فعلوه إذ كان موافقا لغرضه، ويثني عليهم إذ كان
~~ما دبروه مطابقا لمقصده والمعروف من حاله (عليه السلام) إنه لا يحزن للدنيا
~~ولا يفرح لها ولا نظر له فيها وإنما حزنه وسروره للدين، ونظره الحق أين كان
~~وكيف كان، فمضضه ورمضه فيما فعلوه من تقديم الأول عليه لا بد أن يكونا
~~راجعين إلى ms373 أمر الدين، وما ذلك إلا لارتكابهم قبيحا لا حسن فيه، وفعلهم خطأ
~~لا صواب يلم به ويدانيه، فقد قضى ببقائهما المعتزلي على أئمته إذ أقر بمضض
~~علي (عليه السلام) ورمضه منهم وهذا كاف في إثبات دعوانا عدم رضاه عنهم، وأن
~~أمرهم غير صحيح عنده ولا جائز لديه، فيكون كفه لعدم القدرة على انتزاع حقه
~~منهم كما بينا مرارا، إلا أنا نتعرض لذكر ما يرد على جمل كلماته فنقول: أما
~~قوله: إن أمير المؤمنين كان يظن أن عقد الأمر لغيره لم يقصد منه إلا صرف
~~الأمر عنه الخ فجوابه إن أمير
# PageV00P491
# المؤمنين ما كان يظن ذلك بل يتيقنه ويعلمه ويعتقده إلى أن انتقل إلى جوار
~~ابن عمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مقعد صدق عند مليك مقتد، ألا
~~تراه يقول لعمر حين ألزمه ببيعة أبي بكر: اشدد له اليوم أمره ليرده عليك
~~غدا، وقوله لعبد الرحمن بن عوف حين عدل عنه بالبيعة لعثمان: ما هو بأول يوم
~~تظاهرتم فيه علينا، وقوله للأسدي في الخبر المذكور من قريب: إنها إثرة شحت
~~بها نفوس قوم، وغير ذلك من كلماته وقد سبق ذكر جملة منها، وكيف يجهل ذلك أو
~~يرتاب فيه وقد أخبره الصادق الأمين به وعهد إليه بغدر القوم به، وما
~~يرتكبون منه، وفصل له الأمر تفصيلا، وأزاح عنه فيه غبار الظنة وأوصله فيه
~~إلى درجة اليقين، وقد سبق بيان هذا في الأخبار المتقدمة.
# وأما قوله إلى أن صح عنده وثبت في نفسه أنهم أصابوا فيما فعلوه الخ
~~فجوابه أن يقال له: متى كان هذا في حياتهم أم بعد هلاكهم وهو في الحالين
~~يشكو ظلمهم ويحكم بغصبهم حقه ونهبهم تراثه، أفيجوز أن يقال في ميت مضى على
~~إصابة الحق وإحراز الدين أنه ظالم غاصب ناهب الميراث وما شاكل هذه الكلمات
~~لا يكون ذلك إلا ويكون القائل ظالما قد قال زورا وافترى إفكا، وأنت تنزهه
~~عن الظلم والكذب فصح أن الثابت عنده والمستقر في نفسه أنهم أخطئوا فيما
~~فعلوه ومالوا إلى الهوى ms374 وأرادوا الدنيا وأنه ما صوبهم يوما من الدهر.
# وأما قوله لو ولى الأمر لفتقت عليه العرب فتقا الخ فكلام مأخوذ عن عمر
~~ولقد أطال المعتزلي وأسهب في ذكره بما لا حاجة إليه من شرح أمر حرب الجمل
~~وصفين، وهذا القول قد عرفت جوابه فيما سبق بأحسن البيان وسيأتي منه ذكر
~~أيضا، ونقول هنا أخبرنا أي العرب أنف من إمرة علي (عليه السلام)، واستنكف
~~عنها؟ ألست رويت عن أبي بكر الجوهري أن الأنصار PageV00P492
# لما فاتهم الأمر في السقيفة قالوا وقال أكثرهم: لا نبايع إلا عليا ورويت
~~من أشعارهم في ذلك الكثير الواسع مثل قول النعمان بن عجلان وكان من
~~أشرافهم.
# وكان هوانا في علي وأنه * لأهل لها يا عمرو من حيث لا تدري (1) ومثل: قول
~~حسان بن ثابت في علي (عليه السلام):
# سبقت قريشا بالذي أنت أهله * فصدرك مشروح وقلبك ممتحن تمنت رجال من قريش
~~أعزه * مقامك هيهات الهزال من السمن (2) وغير ذلك مما ذكرناه فيما مضى،
~~ورويت أن جماعة من الأنصار سعوا في نقض بيعة أبي بكر ليبايعوا عليا ومعهم
~~جماعة من المهاجرين، وقد مرت الرواية والأنصار في ذلك الوقت هم ركن
~~الإسلام، وبهم قامت الدعوة، وحصلت للنبي (صلى الله عليه وآله) النصرة، وتم
~~له بهم على العرب الانتصار، ولما هدده عامر بن الطفيل بعسكره قال (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) في جوابه: (يكفي الله منك وبنوا قيلة) (3) فمن يأنف من
~~سائر العرب ذلك الوقت ممن قدمه هؤلاء عليهم مع شهرته في الحسب والنسب عند
~~جميع العرب، ألست رويت أن العباس بن عبد المطلب وأبا سفيان بن حرب عرضا على
~~علي البيعة ورضيا له عليهما بالإمرة وهما إذ ذاك شيخا بني عبد مناف ألست
~~رويت أن خالد بن سعيد بن العاص طلب الإمرة لعلي (عليه السلام) ورضي بإمرته
~~عليه وهو من عمال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمراء أجناده، ومن أهل
~~السبق إلى الإسلام، ومن أشراف بني عبد
# PageV00P493
# شمس؟ إلى غير ذلك مما يطول عده فمن هؤلاء العرب الذين ms375 أبوا ولاية علي
~~عليهم بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، دلنا عليهم حتى نعرفهم فإنا ما
~~رأينا أحدا من الناس استكبر عن ولاية علي (عليه السلام) عليه بعد النبي
~~(صلى الله عليه وآله) إلا أصحاب السقيفة ومن انضم إليهم، وأهل الإحن والحقد
~~على علي (عليه السلام) من قريش وأضرابهم، وداهنهم قوم آخرون ممن حليت
~~الدنيا في أعينهم طمعوا في أمور منتهم بها أنفسهم.
# واتبعهم غوغاء الناس والعامة فحصلت لهم بذلك الغلبة ووهن الراغبون في علي
~~(عليه السلام) عن النصرة تواكلا وتخاذلا، ولولا هؤلاء: لم يختلف على علي
~~(عليه السلام) أحد ممن ذكرناهم فما ظنك بسائر العرب الذين ليس لهم في أمر
~~الخلافة حل ولا عقد، وأحب الأمراء إليهم من كان بهم ارفق، أفرأيت لو أن
~~هؤلاء بايعوا بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا وبايعه بنو هاشم
~~وشيعتهم، وبايعه جماعة الأنصار يتخلف عن بيعته طلحة وعثمان وابن عوف وابن
~~أبي وقاص وأشباههم، وإذا بايعه كل هؤلاء يأبى من بيعته ابن العاص وابن
~~الوليد وابن أبي معيط إذن لضربت أعناقهم قبل أن يرتد إليهم طرفهم، وتأبى عن
~~طاعته العرب من الأعراب وغيرهم، أو يفتقوا عليه مقدار خرق إبرة وقد سارت
~~تحت راياته فرسان المسلمين من المهاجرين والأنصار، فمن أولئك العرب الذين
~~ينطقون في النقض عليه بعد هذا بكلمة فضلا عن أن يفتقوا عليه فتقا يكون فيه
~~استئصال شافة الإسلام وكذا وكذا مما ذكره المعتزلي؟ ومن يستطيع منهم ذلك
~~وهم لا يستطيعوا منه شيئا في ولاية أبي بكر حيث نفذ حكمه من المهاجرين
~~والأنصار أفعلي (عليه السلام) عند العرب أدنى من أبي بكر نسبا وحسبا أم أبو
~~بكر أنبه من علي (عليه السلام) عند العرب ذكرا أم أشد بأسا وأقوى قلبا؟ فما
~~هذا الكلام الذي لا يتصوره عاقل ولا يتفوه به لبيب.
# وأما قوله: جنح إلى الطاعة الخ فهو صحيح لكن على ما ذكره وأثبته من
~~PageV00P494
# المضض والرمض وذلك خارج عن قانون الرضا ولا شك عندنا أنه (عليه السلام)
~~أذعن ms376 بطاعتهم، وانقاد لأمرهم فيما يتعلق بأمور الإمارة حقنا لدمه ودماء أهل
~~بيته حيث لم يجد معينا يعينه ولا ناصرا ينصره، فلو امتنع بعد ذلك عن بيعتهم
~~لا هريق دمه كما فعل بابنه الحسين حذو النعل بالنعل فكان تسليمه لهم وكفه
~~عنهم كرها لا اختيارا، وليس النزاع في أنه سلم وكف ظاهرا عن طلب الأمر،
~~وإنما النزاع في أنه رضي طوعا لا جبرا فقد سلم الحسن لمعاوية وكف الحسين عن
~~منازعته بعد الحسن والمقطوع به أنهما ليسا راضيين بخلافته وأمثال هذا كثير،
~~ومما يؤكد أن القوم غير مصيبين عنده امتناعه يوم الشورى على عبد الرحمن بن
~~عوف عن المبايعة على سيرة الشيخين، وقوله: بل على كتاب الله وسنة رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وفي هذا إشارة بينة إلى أن في سيرتهما ما يخالف
~~الكتاب والسنة وذلك السر في امتناعه لا ما فهمه ابن أبي الحديد، وفي الكلام
~~دلالة على أن عبد الرحمن بن عوف ومن معه لا يريدون من يسير فيهم بكتاب الله
~~وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله)، بل غرضهم فيمن يعمل فيهم بالرأي ويؤثرهم
~~بالمال، ويستشيرهم في الأحكام، وصريح هذا المعنى عدول القوم عن نصوص الكتاب
~~والسنة إلى ما يشتهون، وأوضح من ذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في
~~خطبة يحرض فيها أصحابه على قتال معاوية وأصحابه: (سيروا إلى بقية الأحزاب،
~~سيروا إلى نبذة الكتاب، سيروا إلى قتال من يقاتل على دم حمال الخطايا) (1)،
~~والمراد ببقية الأحزاب معاوية ومن معه من قريش وبحمال الخطايا عثمان لا
~~معاوية كما قال ابن أبي الحديد لأن معاوية بزعمه يقاتل على دمه، وليس يقاتل
~~أحد في صفين على دم معاوية لأنه حي بين ظهرانيهم، وهو الذي أغواهم وساقهم
~~بخدعه إلى الضلال وقادهم
# PageV00P495
# إلى قتال إمامهم، فدعوى أن عليا (عليه السلام) صوب القوم في فعلهم يوما
~~ما من باب تقريب البعيد، وترويج الزيف وستر الظاهر المكشوف وإن شئت قلت
~~إنها من باب تجويز الممتنع وهو من فعل ابن أبي الحديد غير مستنكر ms377 ولا بعيد،
~~فما زال يدفع عنهم بالراح، ويبطل لأجلهم الحجج الصحاح، ويرد للحماية عليهم
~~دلالة الأدلة الصراح، وليس ذا من عمله بمجد للمتأمل ولا بنافع عند
~~المتبصرة، ولا بكاف في الذب عنهم لدى المنصف المتدبر، فما أبين الصبح لذي
~~عينين وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر.
# ومما يدل على أن بعض الصحابة قد أحدثوا في الدين وغيروا أحكام الكتاب
~~وخالفوا السنة وخرجوا من العدالة دلالة صريحة ما صح في روايات الخصوم من
~~أخبار النبي (صلى الله عليه وآله) بدخول جماعة من أصحابه النار لأنهم
~~أحدثوا بعده ما أوجب لهم دخولها وهي كثيرة نذكر منها بعضا تحصل به الحجة.
# فمنها ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين بالسند عن سهل بن سعد من
~~المتفق عليه قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: (أنا فرطكم
~~على الحوض من ورد شرب ومن شرب لم يظمأ أبدا وليردن علي أقوام أعرفهم
~~ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم) قال أبو حازم فسمع النعمان بن أبي العباس
~~وأنا أحدثهم هذا الحديث فقال: هكذا سمعت سهلا يقول قلت: نعم: قال: أشهد على
~~أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد (وأقول إنهم من أمتي فيقال إنك لا تدري ما
~~أحدثوا بعدك فأقول سحقا فسحقا لمن بدل بعدي).
# PageV00P496
# وعنه من المتفق عليه بالسند عن ابن عباس قال: إن النبي (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) قال: (ألا وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول
~~يا رب أصحابي، فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد
~~الصالح، [وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم
~~وأنت على كل شئ شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك] (1) قال فيقال لي: إنهم لم
~~يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم) (2).
# وعنه من المتفق عليه بالسند عن أنس بن مالك قال: إن النبي (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) قال: (ليردن على الحوض رجال ممن صاحبني حتى إذا رأيتهم ورفعوا
~~إلي رؤوسهم اختلجوا فلأقولن أي رب أصحابي أصحابي فليقال ms378 إنك لا تدري ما
~~أحدثوا بعدك) (3).
# وعنه في أفراد مسلم بالسند عن ابن عمر قال إن النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) قال: (إذا فتحت عليكم خزائن فارس والروم أي قوم أنتم) قال عبد
~~الرحمن: نكون كما أمرنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله): (تتنافسون وتتحاسدون ثم تدابرون ثم تتباغضون
~~وتنطلقون إلى مساكن المهاجرين فتحملون بعضهم على رقاب بعض) (4).
# وفي صحيح البخاري (لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي ما أخذ القرون
# PageV00P497
# قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع) وفي غيره: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا)
~~الخ (؟).
# وفي صحيح الترمذي عن النبي (صلى الله عليه وآله): (لتركبن سنن من كان
~~قبلكم) (1).
# وفي جامع العلوم لقدوة الحفاظ أبي عبد الله محمد بن معمر عن أبي بن كعب
~~قال: والله ما زالت هذه الأمة مكبوبة على وجهها منذ قبض رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله وسلم). هذه الأحاديث وأمثالها صريحة في أن القوم بعد النبي
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) رجعوا عن الدين على أعقابهم القهقري وما نرى
~~شيئا فعلوه بعد النبي (صلى الله عليه وآله) في الدين أعظم من أخذ الخلافة
~~من أهلها ومستحقيها ولو لم يكن هناك نص على واحد بعينه وقد خالفوه واغتصبوا
~~من ذي الحق حقه لما استوجبوا كل ذلك، وفي هذه الأخبار تكذيب الأشاعرة في
~~قولهم بنجاة كل صحابي وإن فعل ما فعل من المعاصي، ودلت أيضا على صحة تظلم
~~أمير المؤمنين (عليه السلام) من القوم السابقين في محله وموضعه، فما
~~ادعيناه عليهم قد وضح بيانه وسطع برهانه والحمد لله على إنعامه بالهداية.
# الوجه الثالث: مما يدل على وجود النص على أمير المؤمنين ما يخطر من فلتات
~~عمر فتارة يعترف بأن عليا مظلوم، وتارة بأنه منصوص عليه لكن خولف النص
~~لمصلحة، وتارة بأنه أولى بالأمر إلى غير ذلك.
# فمنها ما رواه ابن أبي الحديد عن الزبير بن بكار الزبيري في كتاب
~~الموفقيات عن عبد الله بن عباس قال إني لأماشي عمر بن ms379 الخطاب في سكة من سكك
~~المدينة إذ قال لي: يا بن عباس ما أرى (2) صاحبك إلا مظلوما،
# PageV00P498
# فقلت في نفسي: والله لا يسبقني بها فقلت: يا أمير المؤمنين فاردد إليه
~~ظلامته، فانتزع يده من يدي ومضى (١) يهمهم ساعة ثم وقف، فلحقته فقال: يا بن
~~عباس ما أظنهم منعهم [من صاحبك] (٢) إلا أنه استصغره قومه، فقلت في نفسي
~~هذه شر من الأولى، فقلت: والله ما استصغره الله ورسوله إذ أمره أن يأخذ
~~براءة من صاحبك (٣)، فأعرض عني وأسرع فرجعت عنه (٤).
# قلت: فما أدري ما يصنع ابن أبي الحديد بهذا الاعتراف، ثم انظر إلى عذر
~~عمر الذي أخذه من أبي عبيدة بأنه استصغره قومه، وهل في صغر السن من نقص إذا
~~كان العقل كاملا وقد قال الله تعالى في يحيى: ﴿وآتيناه الحكم صبيا﴾ (5) وقال حكاية عن عيسى (عليه
~~السلام) وهو في المهد (إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا) (6) فلم يكن
~~الصغر فيهما مانعا من الكمال، ولذا ولياه على تبليغ براءة وائتمناه عليها
~~وعزل أبي بكر من تبليغها ولم يكن كبر السن نافعا، ولا صغره مانعا ولله در
~~ابن عباس ما أوضح حجته، وأقوى برهانه! ومنها ما رواه عن عبد الله بن عمر
~~قال: كنت عند أبي وعنده نفر من الناس فجرى ذكر الشعر فقال: من أشعر العرب
~~فقالوا فلان وفلان فطلع ابن عباس فقال عمر قد جاء الخبير، من أشعر العرب يا
~~عبد الله؟
# قال: زهير بن أبي سلمى، قال: فأنشدني ما تستجيده له، فقال: يا أمير
# PageV00P499
# المؤمنين أنه مدح قوما من غطفان يقال لهم بنو سنان فقال:
# لو كان يقعد فوق الشمس من كرم * قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا قوم أبوهم
~~سنان حين تنسبهم * طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا إنس إذا أمنوا جن إذا
~~فزعوا * مرزؤن بها ليل إذا جهدوا محسدون على ما كان من نعم * لا ينزع الله
~~عنهم ماله حسدوا فقال عمر: قاتله الله لقد أحسن، ولا أرى هذا المدح يصلح
~~إلا ms380 لهذا البيت من هاشم لقرابتهم من رسول الله، فقال: ابن عباس وفقك الله
~~يا أمير المؤمنين فلم تزل موفقا، قال: يا بن عباس أتدري ما منع الناس منكم؟
~~قال: لا يا أمير المؤمنين، قال: لكني أدري، قال: ما هو؟
# قال: كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوة والخلافة فتجحفوا الناس جحفا، فنظرت
~~قريش لأنفسها فاختارت ووفقت فأصابت فقال ابن عباس: أيميط أمير المؤمنين عني
~~غضبه فيسمع قال: قل ما تشاء، قال: أما قول أمير المؤمنين بأن قريشا كرهت
~~فإن الله قال لقوم: [ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم] (1) وأما
~~قولك: إنا كنا نحجف فلو خجفنا بالخلافة خجفنا (2) بالقرابة ولكنا قوم
~~أخلاقنا مشتقة من خلق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي قال الله
~~تعالى فيه: [وإنك لعلى خلق عظيم] (2) وقال له: [واخفض جناحك لمن اتبعك من
~~المؤمنين] (3). وأما قولك: إن قريشا اختارت فإن الله تعالى يقول: [وربك
~~يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة] (4) وقد علمت يا أمير المؤمنين أن
~~الله اختار من خلقه لذلك من
# PageV00P500
# اختار، فلو نظرت قريش من حيث نظر الله لها لوفقت وأصابت، فقال عمر: على
~~رسلك يا بن عباس أبت قلوبكم يا بني هاشم إلا غشا في أمر قريش لا يزول،
~~وحقدا عليها لا يحول، فقال ابن عباس: مهلا يا أمير المؤمنين لا تنسب قلوب
~~بني هاشم إلى الغش فإن قلوبهم من قلب رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي
~~طهره الله وزكاه، وهم أهل البيت الذين قال الله تعالى: (إنما يريد الله
~~ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا] (1) وأما قولك: حقدا فكيف لا
~~يحقد من غصب شيئه ويراه في يد غيره، فقال عمر: أما أنت يا عبد الله فقد
~~بلغني عنك كلام أكره أن أخبرك به فتزول منزلتك به عندي، قال: ما هو يا أمير
~~المؤمنين أخبرني به فإن يكن باطلا فمثلي أماط الباطل عن نفسه وإن يك حقا
~~فإن منزلتي عندك لا تزول به؟ قال: بلغني أنك لا تزال ms381 تقول أخذ هذا الأمر
~~منا حسدا وظلما قال: أما قولك حسدا - إلى أن قال -: وأما قولك ظلما فأمير
~~المؤمنين يعلم صاحب الحق من هو، ثم قال يا أمير المؤمنين ألم تحتج العرب
~~على العجم بحق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) واحتجت قريش على سائر
~~العرب بحق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فنحن أحق برسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) من سائر قريش، فقال عمر: قم الآن فارجع إلى منزلك فقام
~~الخبر (2).
# قلت والشاهد على المدعي في مواضع من الخبر.
# الأول قول ابن عباس: إن الله اختار من خلقه لذلك من اختار، فإنه صريح في
~~أن هناك منصوصا عليه بالإمامة، معينا لها من الله ورسوله (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) إذ لا علم لعمر ولا ابن عباس بأن الله اختار لهذا الأمر
# PageV00P501
# واحدا معينا إلا من إخبار الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وذلك هو
~~النص، وابن عباس لم يقصر علم ذلك على نفسه، بل قال لعمر: وقد علمت ذلك،
~~فأتى بقد المفيدة لتحقق الفعل ولا منصوص عليه إلا علي (عليه السلام)، وما
~~يريد ابن عباس بما ذكر أحدا غيره.
# الثاني قوله: فكيف لا يحقد من غصب شيئه ويراه في يد غيره، فإنه صريح في
~~أن الخلافة حق أهل البيت وقد أخذت منهم غصبا، وإذا لم يكن هناك نص على واحد
~~معين منهم بأن الخلافة له كيف يتحقق الغصب.
# الثالث قوله: أخذ منا هذا الأمر حسدا وظلما، وتقريره كسابقه.
# الرابع قوله: أمير المؤمنين يعلم صاحب الحق من هو، فإن علم عمر بصاحب
~~الحق ومن له الأمر بالتعيين بدون نص من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~غير ممكن كما لا يخفى، فيجب أن يكون علمه بذلك من طريق النص وذلك هو
~~المطلوب ثم إن عمر لن ينكر شيئا مما ادعا ابن عباس عليه علمه به فدل على
~~أنه كان عالما به لكنه لما عرف العجز من نفسه عن جواب حجة عبد الله بن
~~العباس أمره بالرجوع إلى ms382 منزله حذرا منه أن يظهر من فساد أمرهم أكثر مما
~~أظهر، ثم إن في قول عمر: كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوة والخلافة، ما يشير
~~إلى وجود النص لأنه يومي إلى أن قريشا علمت بأن الخلافة في بني هاشم بأخبار
~~النبي (صلى الله عليه وآله) فصرفوها عنهم إلى من أرادوا مخالفة للنبي (صلى
~~الله عليه وآله) هذا ما يتعلق بالدلالة على مدعانا.
# وأما ما يدل على بطلان كلام ابن أبي الحديد ورد دعواه من الخبر فهو في
~~مواضع.
# الأول قول عمر: كرهت قريش إلى تمام الجملة، فإن صريحه ينطق بأن
~~PageV00P502
# قريشا لم تعدل بالخلافة عن بني هاشم لخوف أمر يحدث في الدين، ولا لحذر
~~ثلم يكون في الإسلام، وإنما كان ذلك لكراهة تأمير قرابة النبي (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) وتشريفهم، وهو عين العداوة لهم.
# الثاني قوله: فنظرت قريش لأنفسها، فإنه صريح في أن القوم لم يصرفوا
~~الخلافة عن بني هاشم نظرا منهم للدين، وحماية منهم على الإسلام، وإنما
~~فعلوا ذلك نظرا لأنفسهم في أمر دنياهم ليتشرفوا بالإمارة، وهذا كما ترى
~~مناقض لما تقدم من قول المعتزلي: إن القوم أرادوا بما فعلوا الدين لا
~~الدنيا ولم يميلوا إلى هوى، وأنهم نظروا في ذلك إلى مصلحة الإسلام، فقد كذب
~~قوله، والكلامان منافيان أيضا لما قاله المتكلم في الخبر السابق من أن
~~المانع لقريش من مبايعة علي (عليه السلام) استصغارها سنة، وعنه أخذ أتباعه
~~التنافي والتناقض في أقوالهم.
# الثالث قوله: أبت قلوبكم يا بني هاشم إلا غشا في أمر قريش الخ.
# فإنه صريح في أن عمر كان مطلعا على كراهة بني هاشم لخلافته وخلافة صاحبه،
~~ومن استخلفهما ورضي بخلافتهما، وبقاء حقدهم عليهم.
# الرابع قول ابن عباس، فكيف لا يحقد من غصب شيئه فإنه صريح في حقد بني
~~هاشم على من تولى الأمر دونهم وأخذ ذلك الشئ منهم وهذا كله مضاد لقول ابن
~~أبي الحديد: إن عليا (عليه السلام) رضي بخلافة الرجلين، ورآها صلاحا أفيرضى
~~علي (عليه السلام) ويحقد ابن عباس وباقي بني ms383 هاشم وهم ذلك الوقت لا يطلبون
~~الخلافة إلا له وليس فيهم من يجيز لنفسه التقدم عليه في أقل الأمور.
# الخامس قوله: أخذ منا هذا الأمر حسدا وظلما، وهو كسابقه في المعنى وهذا
~~الخبر مضمونه نص مذهب الإمامية فليصدق ابن أبي الحديد حديثه أو يكذبه ففي
~~كلا الأمرين لمنا عليه الفلج. PageV00P503
# ومنها: ما رواه ابن عباس أيضا قال: خرجت مع عمر إلى الشام في إحدى خرجاته
~~فانفرد يوما يسير على بعيره فاتبعته، فقال: يا بن عباس أشكو إليك ابن عمك
~~سألته أن يخرج معي فلم يفعل ولا أزال أراه واجدا أفيم تظن موجدته؟ قلت: يا
~~أمير المؤمنين إنك لتعلم، قال: أظنه لا يزال كئيبا لفوت الخلافة، قلت: هو
~~ذاك إنه يزعم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أراد الأمر له، فقال:
~~يا بن عباس وأراد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الأمر له فكان ماذا
~~إذا لم يرد الله تعالى ذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أراد أمرا
~~وأراد الله غيره فنفذ مراد الله ولم ينفذ مراد رسوله، أو كلما أراده رسول
~~الله كان إنه أراد إسلام عمه (1) ولم يرده الله فلم يسلم (2).
# أقول غير خفي على ذوي الفطن أن معنى قول عبد الله بن عباس: إن رسول الله
~~أراد الأمر له أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) عين عليا (عليه السلام)
~~للخلافة وقصرها عليه من بعده، وهذا هو النص المدعي ودل الخبر على أن عليا
~~(عليه السلام) لا يزال واجدا على عمر وأن موجدته عليه لأنه خالف أمر رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) فيه ونصه عليه وعمر قد أقر بجميع ذلك في الخبر
~~مرتين صريحا.
# والثالثة إشارة وادعاء مع ذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~أراد غير ما أراد الله ولا أدري كيف ينسب إلى رسول الله (صلى الله
# PageV00P504
# عليه وآله وسلم) إرادة ما لم يرده الله وهو الذي يقول الله فيه: [وما
~~ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى] ms384 (1) ويقول فيه: [ولو تقول علينا بعض
~~الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين] (2) ويقول فيه: [قل
~~إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي] (3) وغير ذلك ولا أدري أم أيريد بقوله ذلك
~~أن يقول بالجبر في الأفعال أو أنه لا يدري ما معنى الإرادة فيذهب إلى أن
~~كلما وقع فهو مراد الله فكفر أبي جهل عنده مراد الله ومخالف لإرادة رسوله
~~(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكذلك كفر أبي لهب وأن عدم إسلامه مراد الله
~~ومخالف لمراد رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) فخلافة أبي بكر وخلافته
~~أرادها الله ولم يردها رسوله (صلى الله عليه وآله)!! وها نحن نبين معنى
~~الإرادة ونشرح مفهومها فنقول: للإرادة في الكتاب والسنة معان ثلاثة.
# الأول الإرادة الأمرية الصادر عنها التكاليف فهي الأمر بالشئ من حيث
~~المحبوبية وتقابلها الكراهة وهي النهي عن الشئ من حيث المبغوضية، وعليها
~~تدور الطاعة والمعصية والمخالفة والموافقة، وعليها يترتب الثواب والعقاب،
~~ومن الإرادة بهذا المعنى قوله تعالى: [يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم
~~العسر] (4) وقوله تعالى: [والله يريد أن يتوب عليكم] (5) وقوله تعالى:
~~[يريد الله أن يخفف عنكم] (6) على احتمال هذه الإرادة مخالفتها ممكنة غير
~~ممتنعة وضدها كذلك إذ لا جبر في التكليف على المكلفين، والنبي (صلى الله
~~عليه وآله) لا يخالف هذه الإرادة أبدا لأن مخالفتها
# PageV00P505
# معصية وهو معصوم عن العصيان، بل أرادته (صلى الله عليه وآله) دائما تابعة
~~لإرادة الله لا يعصي لله أمرا، فلما كان (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أراد
~~عليا (عليه السلام) للأمر علمنا الله سبحانه وتعالى أراده له بمعنى أمر
~~نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بنصبه فنصبه رسول الله (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) كما تضمنه الخبر، وقول الشيخ مستلزم لأن رسول الله قد خالف إرادة
~~الله وعصى أمره لأن الله أمر بنصب أبي بكر وهو عين عليا (عليه السلام)
~~ونسبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى مخالفة أمر الله كفر بما
~~أنزل الله تعالى في محكم كتابه.
# الثاني ms385 الإرادة الفعلية وهي عبارة عن إيجاد الشئ ومنه قوله تعالى:
# [إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون] (1) ولا تعلق لهذه
~~الإرادة بأمر التكليف، ولا يستطيع أحد ردها ولا مخالفتها لأنها فعل من
~~افعال الله تعالى القادر على ما يشاء، ولا يجوز أن ينسب أحد إلى مخالفة هذه
~~الإرادة إذ لا قدرة لأحد على ذلك، حتى يقال: إن رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) أراد ما لم يرده الله.
# الثالث الإرادة العلمية ومعناها علم الله بما يصدر من المكلف طاعة أو
~~معصية، ووقت ذلك ومكانه ومتعلقه لا بمعنى المحبوبية والمبغوضية وعليها يحمل
~~قوله تعالى: [فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله
~~يجعل صدره ضيقا حرجا] (2) وقوله تعالى: [فمن يرد الله فتنته فلن تملك له من
~~الله شيئا] (3) وهي قد توافق الإرادة الأمرية كما في المطيع،
# PageV00P506
# وقد تخالفها إذ لا ملازمة بينهما كما في العاصي، وبهذا البيان يرتفع
~~الجبر في الأفعال، وهذه الإرادة هي التي كانت متعلقة بهم فإن الله علم أنهم
~~يخرجون بسوء اختيارهم عن الطاعة وقبول الأمر الصادر من الله ومن رسوله (صلى
~~الله عليه وآله وسلم) بالائتمام بعلي (عليه السلام) والانقياد لطاعته بعد
~~النبي (صلى الله عليه وآله) فهم قد خالفوا إرادة الله الأمرية وإرادة رسوله
~~كذلك في أمر الإمامة، ووافقوا إرادة الله العلمية بأنهم يكونون عاصين فإذا
~~كان أراد من قوله في الخبر أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أراد أمرا
~~وأراد الله غيره أن الرسول (صلى الله عليه وآله) أمر عن أمر الله بطاعة علي
~~(عليه السلام) من بعده وعلم الله إنا لا نطيعه في أمره فقد صدق لكن ذلك لا
~~ينفعه ولا يجدي له عند الله عذرا، وقد وضح لك أن الخبر المذكور ناطق بصدور
~~النص من النبي (صلى الله عليه وآله) على علي (عليه السلام) وأن القوم قد
~~خالفوه إحالة على المقادير، وبئست تلك المعاذير، ومثل هذا الحديث ما قدمناه
~~أولا من قول عمر في ms386 حديث ابن أبي طاهر: ولقد أراد رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) أن يصرح به في مرض موته فمنعته وقد مر عليك مبينا بأوضح بيان فراجعه.
# ومنها ما رواه عن أبي بكر الجوهري مسندا عن ابن عباس قال مر عمر بعلي
~~(عليه السلام) وعنده ابن عباس بفناء داره فسلم فسألناه أين تريد؟
# فقال: مالي بينبع، فقال علي (عليه السلام): أفلا نصل جناحك ونقوم معك؟
~~قال: بلى؟ فقال لابن عباس: قم معه، قال: فشبك أصابعه في أصابعي ومضى حتى
~~إذا خلفنا البقيع، قال: يا بن عباس أما والله إن كان صاحبك هذا لأولى الناس
~~بالأمر بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا أنا خفناه على
~~اثنتين، قال ابن عباس: فجاء بمنطق لم أجد بدا معه من مسألته عنه، فقلت: يا
~~أمير المؤمنين ما هما؟ قال: خشيناه على PageV00P507
# حداثة السن وحبه بني عبد المطلب (1) وهو صريح في المطلوب لأن أولوية
~~(عليه السلام) بالأمر لا يعلم إلا من جهة النص، ثم إن الخبر متضمن لأمرين
~~مخالفين لقول الخصوم.
# الأول إن القوم لم يكونوا ناظرين إذ منعوا عليا (عليه السلام) من خلافة
~~الرسول (صلى الله عليه وآله) إلى مصلحة تعود إلى الدين وإنما هو لأمر راجع
~~إلى هوى النفس وهو كون علي صغير السن، ومحبا لبني عبد المطلب، وإن الأولى
~~بالخلافة من يكون كبير السن ويكون مبغضا لبني عبد المطلب، وأي مصلحة للدين
~~في هذا.
# الثاني إن القوم كانوا مبغضين لقرابة النبي (صلى الله عليه وآله) بغضا
~~شديدا حتى جعلوا بغضهم شرطا في الإمام وهذا يقتضي أنهم لم يقدموا من قدموه
~~إلا لعلمهم بشدة بغضه لقرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا
~~عين ما تقوله الإمامية لا يزيدون عليه حرفا، فأين قول ابن أبي الحديد
~~وأمثاله: إن القوم لم يفعلوا ما فعلوا إلا النظر للدين؟ وما باله يروي هذا
~~الكلام ويغضي عن معناه كأنه لا يفهمه وهو أصرح من أن يخفى على مثله؟ فالحمد
~~لله الذي أظهر الحق لأهله. ms387
# ومنها ما رواه عن أبي بكر الجوهري قال: وحدثني أبو زيد قال: حدثنا هارون
~~بن عمر بإسناد رفعه إلى ابن عباس قال: تفرق الناس ليلة الجابية عن عمر فسار
~~كل واحد مع ألفه، ثم صادفت عمر تلك الليلة في مسيرنا فحادثته فشكى إلي تخلف
~~علي عنه، فقلت: لم يعتذر إليك؟ قال: بلى، فقلت: هو ما اعتذر به، قال: يا بن
~~عباس إن أول من ريثكم عن هذا الأمر أبو بكر إن قومكم كرهوا أن يجمعوا لكم
~~الخلافة والنبوة، قلت: لم
# PageV00P508
# ذاك يا أمير المؤمنين ألم ننلهم خيرا؟ قال: بلى ولكنهم لو فعلوا لكنتم
~~عليهم خجفا خجفا (1).
# أقول: ما في هذا الخبر قد تضمنه حديث ابن عمر المتقدم وتوضيحه يعرف مما
~~ذيلنا به ذلك الخبر.
# ومنها ما رواه أن عمر قال لعبد الله بن عباس يوما: ما منع قومكم منكم،
~~قلت: لا أعلم يا أمير المؤمنين، قال، اللهم غفرا إن قومكم كرهوا أن تجتمع
~~لكم النبوة والخلافة فتذهبوا في السماء بذخا وشمخا، لعلكم تقولون: إن أبا
~~بكر أراد الإمرة عليكم وهضمكم كلا، لكنه حضره أمر لم يكن عنده أحزم مما فعل
~~ولولا رأي أبي بكر في بعد موته لأعاد أمركم إليكم، ولو فعل ما هناكم مع
~~قومكم إنهم لينظرون إليكم نظر الثور إلى جازره (2) أقول أي مصلحة للدين وأي
~~صلاح للمسلمين في عدم اجتماع النبوة والخلافة في بيت واحد؟ وأي مفسدة للدين
~~وأهله في اجتماعهما في ذلك البيت؟ وكيف تكره قريش ما أحبه الله من اجتماع
~~النبوة والخلافة في بيت واحد؟ ومتى وجدنا أحدا من أهل بيت النبي (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) تكبر وتجبر وخرج عن قانون التواضع وحيز الرزانة حتى ينسبهم
~~إلى ما لا يجوز أن ينسب إلى سائر المؤمنين! أليس هذا كله تصريحا بمخالفة
~~الله ورسوله (صلى الله عليه وآله)، وكاشفا عن بغض شديد لبني هاشم، ثم إن
~~الخبر مصرح بوجود النص على علي (عليه السلام)، وأن أبا بكر إذ عهد إلى عمر
~~إنما هو لهوى له فيه ms388 لا بجهله بصاحب الأمر من هو وذلك في قوله: ولولا رأي
~~أبي بكر في لأعاد إليكم أمركم، لأن الإضافة هنا إما للملك أو للاختصاص،
~~وعلى كلا الوجهين يفيد الكلام أن الأمر يعني
# PageV00P509
# الخلافة حق لأهل البيت وليس لغيرهم فيها نصيب، وكونها حقا لهم لا يعلم
~~إلا من النص ولا منصوص عليه منهم بعد النبي (صلى الله عليه وآله) إلا علي
~~(عليه السلام)، فتبين من القول أن أبا بكر إذ تأمر على أهل البيت يعلم أن
~~الحق لهم وكذلك من ولي الأمر بعده وقوله: ولو فعل ما هناكم مع قومكم إلى
~~آخره نص في أن أولئك الصحابة من المهاجرين كانوا معتمدين مخالفة علي (عليه
~~السلام) ومخالفة الرسول (صلى الله عليه وآله) فيه، ومنطوين على عدم إطاعته
~~إن ولي الأمر كائنا ما كان لبغض مقيم عليه في قلوبهم، وحسد قديم له لا
~~لصلاح الدين ولا لخوف انتقاض العرب، ولا لغير ذلك مما قاله في بعض كلامه،
~~وهذا القول منه من شواهد مدعانا عليهم، فقد تبين صدق قولنا من قول عمر وثبت
~~ما نقول إن القوم أخذوا الخلافة وهم يعلمون أنها حق علي (عليه السلام) بنص
~~الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
# ومنها ما قال ابن أبي الحديد: حدثني الحسين بن محمد الشني قال:
# قرأت على ظهر كتاب أن عمر نزلت به نازلة فقام لها وقعد وترنح لها وتقطر،
~~وقال لمن عنده معشر الحاضرين ما تقولون في هذا الأمر، فقالوا يا أمير
~~المؤمنين أنت المفزع والمنزع، فغضب وقال: [يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله
~~وقولوا قولا سديدا] (1) ثم قال: أما والله إني وإياكم لنعلم ابن بجدتها (2)
~~والخبير بها قالوا: كأنك أردت ابن أبي طالب: قال: وأنى يعدل بي عنه، وهل
~~طفحت حرة بمثله، قالوا: فلو دعوت به يا أمير المؤمنين، قال:
# هيهات إن هناك شمخا من هاشم، وإثرة من علم ولحمة من رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) يؤتى ولا يأتي فامضوا بنا إليه، فأقصفوا نحوه
# PageV00P510
# وأفضوا إليه، فألفوه في حائط له عليه ms389 تبان وهو يتركل على مسحاته ويقرأ:
# [أيحسب الإنسان أن يترك سدى] (1) إلى آخر السورة، ودموعه تهمى على خديه،
~~فأجهش الناس لبكائه فبكوا ثم سكت وسكتوا فسأله عمر عن تلك الواقعة فأصدر
~~جوابها فقال عمر: أما والله لقد أرادك الحق ولكن أبى قومك، فقال: يا أبا
~~حفص خفض عليك من هنا وهنا: [إن يوم الفصل كان ميقاتا] (2) فوضع عمر إحدى
~~يديه على الأخرى وأطرق إلى الأرض وخرج كأنما ينظر في رماد.
# وهذا الخبر كما ترى مصرح بأن أمير المؤمنين كان ينسب القوم في تقدمهم
~~عليه إلى الظلم، ويعدهم بالمطالبة يوم الفصل، وحسبنا ذلك فيما ندعي، وإنكار
~~ابن أبي الحديد للخبر لأن عليا (عليه السلام) كنى عمر ولم يسمه بالإمرة،
~~ولأن عمر مضى إلى علي (عليه السلام) والعادة أن يرسل إليه إنكار فاسد لأن
~~العادة قد تختلف وينبغي أن يجعل هذا من جملة تواضع عمر الذي كانوا يصفونه
~~به، والخليفة قد يكنى خصوصا في مقام الحجة على أن ما ادعاه من أن عليا
~~(عليه السلام) ما كنى عمر في خلافته أبدا وإنما يدعوه بإمرة المؤمنين دعوى
~~ما أتى عليها بشهود وأحالها على السير والتوايخ، ولم يذكر حديثا على ما
~~ادعى، ولا ذكر في كتابه على كثرة ما ذكره من الأخبار موضعا دعا فيه علي
~~(عليه السلام) عمر بإمرة المؤمنين قط، وذلك أدحض لحجته، مع أنه روى أن
~~الزبير قد أدمى أنف آذن عمر لما حجبه عنه فلما لامه عمر جعل يمطمط في كلامه
~~يحكي كلام عمر أتفعل هكذا يا زبير! وقال مغضبا: أتحتجب يا بن الخطاب (3)
~~فلم يكنه فضلا عن أن يقول أمير المؤمنين
# PageV00P511
# ولم نره طعن في صحة الرواية بمخالفة العادة، وبما فيها من الجرأة العظيمة
~~على عمر.
# وروي أيضا أن عمر لما أراد أن يوصي بالشورى واحضر الستة وقال في كل واحد
~~ما قال إنه نظر إلى طلحة فقال: أقول أم أسكت؟ قال له طلحة:
# قل فإنك لا تقول من الخير شيئا (1) ولم يستبعد ذلك بمخالفته العادة ولم
~~ينكر الرواية ms390 لتضمنها جرأة طلحة على عمر بهذا القول الغليظ، وليس علي (عليه
~~السلام) عند عمر وعند الناس بدون الزبير وطلحة حتى يحتمل عمر منهما الجرأة
~~الشديدة ولا يحتمل من علي (عليه السلام) في وقت من الأوقات أن يكنيه ولا
~~يدعوه بإمرة المؤمنين مع أن ذلك حال عن أدنى جرأة، فسبحان الله لا يكون
~~الرد بخلاف العادة إلا لما وافق قولنا من أخبارهم، فهذا دليل عنادهم فقد
~~بطل إنكاره.
# ومنها ما رواه مرفوعا إلى ابن عباس قال: دخلت على عمر يوما فقال:
# يا بن العباس لقد أجهد هذا الرجل نفسه في العبادة حتى نحلته رياء، قلت:
~~من هو، قال: هذا ابن عمك، يعني عليا (عليه السلام)، قلت: وما يقصد بالرياء
~~يا أمير المؤمنين؟ قال: يرشح نفسه بين الناس للخلافة، قلت: وما يصنع
~~بالترشيح قد رشحه لها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فصرفت عنه، قال:
~~إنه كان شابا فاستصغرت العرب سنه وقد كمل الآن، ألم تعلم أن الله لم يبعث
~~نبيا إلا بعد الأربعين، قلت:
# يا أمير المؤمنين أما أهل الحجي والنهي فإنهم ما زالوا يعدونه كاملا منذ
~~رفع الله منار الإسلام، ولكنهم يعدونه محروما مجذوذا، فقال: ما إنه سيليها
~~بعد هياط ومياط (2) ثم تزل فيها قدمه، ولا يقضي منها إربه، ولتكونن شاهدا
# PageV00P512
# ذلك يا عبد الله ثم يبين الصبح لذي عينين، وتعلم العرب صحة رأي المهاجرين
~~الأولين الذين صرفوها عنه بادئ بدء، فليتني أراكم بعدي يا عبد الله، إن
~~الحرص محرمة وإن دنياك كظلك كلما هممت به ازداد عنك بعدا.
# قال ابن أبي الحديد: نقلت هذا الخبر من أمالي أبي جعفر محمد بن حبيب (1).
# قلت: وقد أعرب هذا عما في قلبه لأمير المؤمنين (عليه السلام) حتى رام
~~إبطال عباداته بنسبتها إلى الرياء ليحط قدره، ويزيل من القلوب منزلته،
~~ويسقط منها رتبته، ومع ذلك فقد أقر بالنص من الرسول على علي (عليه السلام)
~~حيث أنه اعترف بدعوى ابن عباس أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد رشح
~~عليا (عليه السلام) ms391 للخلافة، والترشيح للشئ التأهيل له وهو تعيينه لها،
~~وذلك النص، بأنها قد صرفت عنه بعد نص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~عليه، وأن أهل العقل والرأي الصحيح يعدونه محروما مجذوذا من حقه، ولم ينكر
~~من ذلك شيئا وذهب يتعلل في مخالفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما لم
~~يزل يتعلل به من صغر السن وخوف العرب، وما أدري ما يقول ابن أبي الحديد ومن
~~على شاكلته إذا سئلوا أهم أعرف بالمصالح وكمال الناس أم رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) حيث أهل عليا (عليه السلام) للخلافة وهو صغير السن،
~~أفيقولون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أهله بغير أمر الله فأخطأ
~~وأنهم أصابوا حيث صرفوا الأمر إلى من هو أكبر منه سنا، أم يقولون إن رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يعلم سن علي (عليه السلام)؟ أفليس في
~~قوله هذا تصريح بأنهم خالفوا نص رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على
~~علي
# PageV00P513
# (عليه السلام) بآرائهم، وما أبعد قوله: فاستصغرت العرب سنة من قوله،
~~وتعلم العرب صحة رأي المهاجرين إلى آخره، فإن الأول يدل على أن العرب هم
~~الذين صرفوا الأمر عن علي لصغر سنه، والثاني يدل على أن العرب قد أنكرت على
~~المهاجرين صرف الأمر واعتقدوا بطلان رأيهم، وأنه لا يبين للعرب صحة رأي
~~المهاجرين الأولين، ويعلمونه إلا إذا تولى علي (عليه السلام) الأمر وحاربه
~~من يحاربه من بقية أولئك المهاجرين ومن يتبعهم من الطلقاء وأبناء الطلقاء،
~~والحاصل أن هذا الخبر مصرح بما نقول به من وجود النص على علي (عليه السلام،
~~فهو شاهد بدعوانا وكاشف عن صحة مذهبنا بأوضح كشف وأصرح بيان.
# ثم إن في قول عبد الله لعمر: أما أهل الحجي والنهي فما زالوا يعدونه
~~كاملا الخ إشارة ظاهرة إلى أن الذين قدحوا في كمال علي (عليه السلام بصغر
~~السن ليسوا من أهل العقل والتمييز، لأن أهل ذلك ما زالوا حاكمين بكمال علي
~~(عليه السلام) فلو كان هؤلاء القوم منهم لحكموا بحكمهم، ms392 والأمر كما قال عبد
~~الله بن العباس.
# وأما قول عمر: إنه سيليها ثم تزل فيها قدمه الخ فلا يصح لأنه إن أراد
~~بزلة قدمه عدم طاعة أهل الضلال له فليس عليه في ذلك بأس عند الله ولا تزل
~~قدمه إذا كان على الحق بل زلت قدم من خالفه، فقد قاتل الكفار رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) فلم يضره في دينه ونبوته خلافهم له وقتالهم إياه،
~~وكذلك أمير المؤمنين لم تزل قدمه بقتال الضالين المكذبين، بل كانوا هم
~~الذين زلت أقدامهم عن الحق وكان هو الثابت القدم على الصراط القويم والهدى
~~الواضح، لأنه يقاتل على تأويل القرآن كما قاتل النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) على تنزيله، وإن أراد بزلة قدمه خروجه عن الحق فهو يعلم أنه مع الحق
~~وأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمره بقتال PageV00P514
# أولئك الأقوام ووعده أنه مع الحق حتى تمنى الشيخان تلك المنزلة وسألاها
~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فما أدركاها، وقد مضى بيان ذلك ومن هذا
~~فهم عمر سيقاتلون عليا (عليه السلام) فقال ما قال.
# وأما قضاء الإرب من الخلافة فإن كان يريد إرب الدنيا فليس لعلي (عليه
~~السلام) في الدنيا من إرب، وإن أراد عدم تمكنه من إقامة عمود الحق لمخالفة
~~الفجرة أمره فليس ذلك بضائر في دينه ولا بناقص ليقينه، والدبرة على الضالين
~~المكذبين ظفروا أو ظفر بهم.
# وأما وعظه لابن عباس وهو يريد غيره فليته وعظ من خالف نص الرسول على علي
~~كما اعترف به.
# ومنها ما رواه عن أبي بكر الأنباري في أماليه: إن عليا (عليه السلام) جلس
~~إلى عمر في المسجد وعنده قوم فلما قام عرض واحد بذكره ونسبه إلى التيه
~~والعجب، فقال عمر: حق لمثله أن يتيه، والله لولا سيفه لما قام عمود
~~الإسلام، وهو بعد اقضي الأمة وذو سابقتها وذو شرفها، فقال له ذلك القائل:
~~فما منعكم يا أمير المؤمنين عنه؟ قال: كرهناه على حداثة السن وحبه بني عبد
~~المطلب (1).
# قلت وما رواه ابن أبي ms393 الحديد من طرق العامة مما يعطي هذا المعنى كثير
~~فلنقتصر على ذكر ما أوردناه لحصول الكفاية.
# ثم الآن نتكلم على جملة أخبار هذا الوجه بكلام عام فنقول لمنكري النص من
~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على علي (عليه السلام): قد اشتملت هذه
~~الأخبار على الإقرار بالنص تارة على علي (عليه السلام) وبأنه أولى الناس
~~بهذا الأمر وأحقهم به أخرى، وثالثة على أنه مظلوم والمظلوم لا
# PageV00P515
# يكون إلا بأخذ حق له يختص به فيكون الخلافة على هذا حقه وأن المتقدم عليه
~~فيها ظالم له غاصب حقه، وأخرى بأنه محروم وهو مثل السابق، وأخرى بأن الأمر
~~له، وأخرى بأن شيئه قد غصب، فحينئذ إن كان عمر علم بأن الخلافة حق لعلي
~~(عليه السلام) وأنه صاحبها وأولى الناس وأحقهم بها حتى يكون من اختزلها عنه
~~غاصبا وظالما من نص الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عليه بذلك، إما
~~بالتعيين لها كما نقول، وكما تضمنته جملة من أخبار هذا الباب من قول ابن
~~عباس وعمر، أو بما استوضحه الرجل من قصد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~في إشاراته إليه، أو من جهة جمعه للخصال الحميدة كالقرابة من النبي (صلى
~~الله عليه وآله)، والعلم والشجاعة والسبق إلى الدين وكثرة الجهاد، وعلم من
~~قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إن صاحب هذه الصفات هو الأولى بمقامه،
~~فذلك هو النص من الرسول على علي (عليه السلام) وثبت مدعانا وثبت مخالفتهم
~~لنص النبي (صلى الله عليه وآله) في توثبهم لأخذ الخلافة ومبادرتهم إلى
~~تحصيل الإمارة من مهاجرين وأنصار، وثبت رجوعهم على الأعقاب ما خلا من كان
~~مع أمير المؤمنين (عليه السلام)، وجاء تصديق قوله تعالى:
# [أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم] (1) وصح ما نسبه عمر إليهم من
~~ظلمهم عليا وغصبهم حقه، وذلك هو مطلوبنا ومرادنا لا نزيد في القول على هذا،
~~وإن كان عمر علم ذلك من غير نص الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فليس غير
~~النص بطريق يعلم منه هذا فكيف ينسب ms394 إليهم الظلم والغصب فيظلمهم بهذا
~~النسبة، فأي الأمرين تختارون!
# وأما اعتذاره عن مخالفة النص على علي (عليه السلام) بحداثة السن فقد أجاب
~~عنه ابن عباس وأجبنا عنه فيما تقدم، ونقول هنا: إن مقصودنا
# PageV00P516
# من إيراد أقوال عمر بيان أنهم خالفوا نص النبي (صلى الله عليه وآله) على
~~علي (عليه السلام) بآرائهم وأهوائهم وذلك إقرار منه بالمقصود واعتراف
~~بالمطلوب، فما زاد في عذره على أن أثبت حجتنا عليهم.
# وأما اعتذاره بخوف انتقاض العرب فقد أجبنا عنه مرارا بأوضح بيان، ونزيد
~~في هذا المقام فنقول له: أخبرنا أي العرب وأي الناس استشيروا في بيعة علي
~~(عليه السلام) فأبوها؟ أم أي العشائر والقبائل بلغهم أن المهاجرين والأنصار
~~بايعوا عليا (عليه السلام) فردوا بيعته ولم يقبلوها؟ وهل جاء منعه عن
~~الخلافة إلا ممن حضر السقيفة، وهل وهن أمره عند الناس إلا منهم، وما آفته
~~غيرهم، فكيف ينسبون فعلهم إلى سواهم، ويحملونه غيرهم، ثم لو سلمنا لك ما
~~تدعي لأجبناك بأن اللازم عليكم طاعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~ومراعاة أمره وليس عليكم أن تضل العرب أو تهتدي، والله سبحانه يقول: [يا
~~أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم] (1) فلم لا
~~بايعتم عليا وأطعتم الله ورسوله فيه وقاتلتم من خالفه حتى تذللوا له العرب
~~فتستقيم له الأمور وتجتمع عليه الكلمة كما فعلتم ذلك حين بايعتم غيره؟ وما
~~لكم عصيتم وبدأتم بالمخالفة لتوهمكم أن غيركم ربما بعصي؟ هذا كله مع ما في
~~فعلكم من مخالفة قول النبي وحكمه باجتهادكم ومن جوز لكم ذلك وسوغكموه
~~[أألله أذن لكم أم على الله تفترون] (2).
# وأما اعتذاره بحب بني عبد المطلب فهو أوهن الأعذار وأوهاها، فإنه لم يقل
~~أحد بأنه يشترط في الإمام أن يبغض قرابته ويكره عشيرته، فليس حب الإمام ذوي
~~قرابته قادحا في صحة إمامته حتى يكون ضده شرطا لها، ولو كان ذلك قادحا في
~~إمامة علي (عليه الصلاة والسلام) لوجب أن يكون قادحا في نبوة
# PageV00P517
# النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأن ms395 حبه لبني عبد المطلب متعالم مشهور،
~~وحثه الناس على إكرامهم تارة بالتخصيص وتارة بالتعميم، وشدة حنوه عليهم أمر
~~ظاهر معروف ومذكور لا يجوز أن يجهله سائر الناس فضلا عن عمر بن الخطاب
~~وعناية الله ببني عبد المطلب إكراما للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واضحة
~~مكشوفة حيث أمره الله أن يبدأ بإنذارهم، ويفتتح دعوة الإسلام بدعائهم فقال:
~~[وأنذر عشيرتك الأقربين] (1) وأوجب لهم حقا عليه فقال: [وات ذا القربى حقه]
~~(2) ثم أوجب لهم المودة على الأمة إعظاما لهم وإجلالا، كل ذلك لتكريم النبي
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وتفخيمه، ولقد احتج ابن عباس على عمر بذلك فما
~~استطاع إنكاره في حديث عبد الله بن عمر السابق أن ابن عباس لما قام بعد قول
~~عمر: قم الآن فارجع إلى منزلك هتف به عمر لما انصرف: أيها المنصرف إني على
~~ما كان منك لراع حقك، فالتفت ابن عباس فقال: إن لي عليك يا أمير المؤمنين
~~وعلى كل المسلمين حقا برسول الله (صلى الله عليه وآله)، فمن حفظه فحق نفسه
~~حفظ، ومن أضاعه فحق نفسه أضاع، ثم مضى فقال عمر لجلسائه، واها لابن عباس ما
~~رأيته لاحى أحدا قط إلا خصمه، فمن كان هذا شأنهم يجب أن يكون حبهم شرطا في
~~الإمام لا مبطلا لإمامته، وجعل بغضهم شرطا في صحة الإمامة مخالفة لله وردا
~~لكتابه ومراغمة لرسول الله (صلى الله عليه وآله).
# وبعد فما يكون في حب الرجل عشيرته من النقص لمرتبته عن الإمامة إذا لم
~~يخف منه لذلك جور في حكم، ولا إيثار بمال، ولا حيف في قسمه، وأمير المؤمنين
~~بمعزل عن هذه التهمة، أو لم يأن لعمر بن الخطاب أن يعلم بطول
# PageV00P518
# المعاشرة لعلي (عليه السلام) ما هو عليه من قوة الذين، وما هو فيه من صحة
~~اليقين، فيعلم بذلك أن حبه لبني أبيه لا يكون له صارفا عن اتباع الحق، ولا
~~مقتضيا له للميل والهوى، ولا داعيا للجور والحيف في شئ من الأحكام، ودع ذا
~~أليس قد علم من قول النبي ms396 (صلى الله عليه وآله وسلم): (علي مع الحق والحق
~~مع علي يدور معه حيثما دار) وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (وأدر الحق
~~معه حيث ما دار) (1) وقوله في قصة ما عز (أما لو كان فيكم أبو الحسن ما
~~أخطأتم) (2) وأمثالها أن عليا لا يعدل عن الحق لقرابة، ولا يميل للباطل لحب
~~أحد ولا لبغض أحد، فيكون إذن أجهل الناس حيث يجهل ما كان ظاهرا كلا بل علم
~~ذلك وتيقنه، وكيف لا وهو يقول لا بن عباس في حديث رواه ابن أبي الحديد
~~ينساق مساق ما ذكرناه في المقام من الأخبار تركنا نقله بعد أن عاب عليا
~~(عليه السلام) وانتقصه بالدعابة، وجعلها مانعة من استحقاقه الإمامة وعاب
~~غيره بما عابه قال: إن أحراهم إن وليها أن يحملهم على كتاب ربهم وسنة نبيهم
~~لصاحبك، أما إن ولي الأمر حلمهم على المحجة البيضاء والصراط المستقيم،
~~فانظر إلى التناقض في هذه الأقوال.
# ثم نجيب عن هذه الوجوه الثلاثة فنقول: إن الله حين أمر رسوله (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) بنصب علي خليفة من بعده كان عالما بحداثة سنه، وانتقاض
~~العرب عليه إذا ولي الأمر لو انتقضوا وبحبه بني عبد المطلب، وهو أعلم
~~بالصلاح والفساد، فلو علم سبحانه بعدم صلاحيته للإمامة لتلك
# PageV00P519
# الأمور لما أمر نبيه بنصبه [والله أعلم حيث يجعل رسالته]، فوضح من جملة
~~ما ذكرناه إن الاعتذار بحداثة السن، وانتقاض العرب، وحب بني عبد المطلب
~~اعتذار مضمحل فاسد لا عذر به في مخالفة النص.
# وأما الاعتذار بالدعابة فهو باطل بالجواب العام عن الوجوه السابقة، لأنه
~~كما ترى شامل له، وما هو إلا اقتراح على الله وتطلب عليه، ولعمري إن كانت
~~طلاقة الوجه، وبشاشة اللسان، وسجاحة الأخلاق، وظهور البشر للمؤمنين، وكثرة
~~الحلم عيبا مانعا من الإمامة فيجب أن يكون الأنبياء ظاهري الغضب، ذوي غلظة
~~وفظاظة لا رفق فيهم لأن الإمامة منصبهم بالأصالة، وذاك خلاف ما وصف الله به
~~أنبياءه من الحلم والرأفة فقال في إبراهيم (عليه السلام): (إن إبراهيم
~~لحليم أواه منيب] (1) وقال ms397 في حق نبينا (صلى الله عليه وآله): (بالمؤمنين
~~رؤوف رحيم] (2) وقال في حق قوم مدحهم: [أشداء على الكفار رحماء بينهم] (3)
~~وقال: [أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين] (4) وهذه صفة أمير المؤمنين
~~فيجب أن تكون شرطا في الإمام لوجودها في النبي الذي انتقلت الإمامة منه إلى
~~الإمام، ولو كانت الغلظة والشدة وصفا حسنا فضلا عن أن تكون شرطا للإمام لما
~~نهى الله نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) عنها وجردها عنه في قوله تعالى:
~~[ولو كنت فظا غليظ القلب لا نفضوا من حولك فاعف عنهم] الآية (5). وعذر ابن
~~أبي الحديد عنه في أمر الدعاية ونسبة أمير المؤمنين إليها بأنه خشن الطبع،
~~وأن الكلمات القبيحة تخرج منه على مقتضى جبلته
# PageV00P520
# كالكلمة التي قالها في مرض رسول الله (صلى الله عليه وآله) (1) يعني بها
~~قوله: " إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليهجر " وكقوله:
# " متعتان كانتا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حلال أنا
~~محرمهما ومعاقب عليهما متعة الحج ومتعة النساء " (2) وإنه لم يقصد بها
~~ظواهرها ولا يستطيع إلا إخراجها كما هي، فلم يكن قاصدا عيب علي بالدعابة
~~وغير ذلك من الأعذار الركيكة التي أطالها في مواضع من كتابه ليس بشئ وإن
~~أراد بالدعابة التي نسبها إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) المزاح الموجب
~~للخفة كما نسبه عمرو بن العاص ومعاوية إليه (3) فقد أبطل في دعواه بإجماع
~~مواليه ومعاديه، وإن عليا (عليه السلام): برئ من ذلك كبيرا وشابا وطفلا،
~~وما زال عليه بهاء الإيمان، وهيبة التقوى، ونضارة الورع، وخشونة الدين،
~~وذلة التواضع، وعزة الكمال، وخشوع الزهد، ورزانة العقل، ورصانة الحلم، ونور
~~العرفان، ورونق الحكمة، وضياء العلم، وجمال العفة، وقميص الأمانة، ودرع
~~الصيانة، وجلباب الديانة، وكمال البصيرة، وهيئة الزعامة، ودلائل الشهامة،
~~وأبهة الرئاسة، وجلالة السيادة، بعيد الهمة عن همز كل هامز، ورفيع القدر عن
~~لمز كل لامز، قال صعصعة بن صوحان (4) في وصفه: كان فينا كأحدنا لين جانب
~~وشدة
# PageV00P521
# تواضع وكنا نهابه مهابة الأسير المربوط للسياف الواقف على رأسه ولما قال
~~معاوية ms398 لقيس بن سعد بن عبادة: رحم الله أبا الحسن فلقد كان هشا بشا ذا
~~فكاهة، قال قيس: نعم كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يمزح ويبسم إلى
~~أصحابه، وأراك تسر حسوا في ارتغاء وتعيبه بذلك، أما والله لقد كان مع تلك
~~الفكاهة والطلاقة أهيب من ذي لبدتين، قد مسه الطوى، وتلك هيبة التقوى، ليس
~~كما يهابك طغام أهل الشام، إلى غير ذلك مما وصف به من الهيبة والوقار، روى
~~ذلك ابن أبي الحديد وغيره من معتزلة وأشاعرة، فليس مما نسبه عمر إليه في
~~شئ، كما أن قول ابن العاص بهت منه وزور وافتراء، والله ولي الجزاء، ودع ذا
~~كله أليس في اعتذار عمر عن تقدمه وتقدم صاحبه على أمير المؤمنين في الخلافة
~~بما ذكره من الأعذار بعد شهادته بأنها حقه وأنه أولى الناس بها دليل ظاهر
~~على أنه كان رادا لنص الرسول (صلى الله عليه وآله) بالرأي؟ وذلك هو المقصد.
~~والمراد وهو المدعى الذي نحن بصدد إثباته والله الهادي إلى الصواب.
# قال ابن أبي الحديد بعد روايته الأخبار التي ذكرناها وغيرها مما أورده
~~هناك في المعنى: سألت النقيب أبا جعفر يحيى بن محمد بن أبي زيد وقد قرأت
~~عليه هذه الأخبار، فقلت له: ما أراها إلا تكاد تكون دالة على النص، ولكني
~~استبعد أن تجتمع الصحابة على دفع نص رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~على شخص بعينه كما استبعد من الصحابة رد نصه على الكعبة وشهر رمضان وغيرهما
~~من معالم الدين، قال: فقال: أبيت إلا ميلا إلى PageV00P522
# المعتزلة، وذكر عن النقيب المذكور أجوبة طويلة في دفع استبعاده من
~~الصحابة مخالفة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وذكر أن ذلك خلاصة ما
~~حفظه من كلام النقيب، ونحن نستخلص من تلك الخلاصة زبدة فنوردها وحاصل ذلك:
~~أن القوم لم يذهبوا إلى أن الإمامة من معالم الدين كالصلاة والصيام والحج
~~وإنما كانوا يجرونها مجرى الأمور الدنيوية كتأمير الأمراء وسياسة الرعية،
~~وما كانوا يرون بأسا بمخالفة رسول الله (صلى الله عليه ms399 وآله وسلم) في أمثال
~~ذلك إذا رأوا مصلحة في المخالفة، كما أن رسول الله (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) نص على إخراج أبي بكر وعمر في جيش أسامة فلم يخرجا لما رأياه من
~~المصلحة في التأخير، وأسقطوا سهم ذوي القربى من الخمس وسهم المؤلفة قلوبهم
~~بالرأي، وهما أدخل في باب الدين منهما في أبواب الدنيا، وأن القوم كانوا
~~يخالفون النبي (صلى الله عليه وآله) وهو حي في أمثال ذلك، ولقد أوصاهم في
~~مرضه (أن أخرجوا النصارى من جزيرة العرب) فلم يخرجوهم حتى مضى صدر من خلافة
~~عمر، وعملوا في زمن أبي بكر برأيهم، وهم الذين هدموا المسجد بالمدينة،
~~وحولوا المقام بمكة عما وضعه فيه إبراهيم الخليل ونبينا (صلى الله عليه
~~وآله) إلى ما وضعته الجاهلية.
# قلت: وكان المحول له عمر.
# قال: ولم يقفوا على موارد النصوص، واقتدى بهم الفقهاء فرجح الكثير منهم
~~القياس على النص فاستحالت الشريعة إلى شريعة جديدة على ما أدى إليه القياس،
~~وأكثر ما كانوا يعملون بآرائهم فيما يجري مجرى الولايات والتأمير وتقرير
~~قواعد الدولة ولا يقفون مع نصوص الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~وتدبيراته إذا رأوا المصحلة في خلافة كأنهم يقيدون إطلاق نصوصه بقيد غير
~~مذكور لفظا، وليس ذلك يمكن بهم فيما هو جار مجرى PageV00P523
# محض الدين كالصلاة والوضوء، مثل أن يقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~الوضوء شرط في الصلاة فيجمعوا على خلافه، وكذا في الصوم والحج إذ لا غرض
~~لهم فيه ولا يقدرون على إظهار مصلحة كانت خفيت على النبي (صلى الله عليه
~~وآله) بزعمهم كما أمكنهم إظهار ذلك في إمامة علي (عليه السلام) من كراهية
~~العرب له إما للوتر والثأر، وإما لمحض الحسد والبغض، وإما لصغر السن وغير
~~ذلك مما زعموه، وأسكتوا به من يخاطبهم ويذاكرهم بنص الرسول (صلى الله عليه
~~وآله) عليه، وتعللوا مع إقرارهم بالنص في المبادرة إلى عقد الأمر لأبي بكر
~~بخوف الفتنة، ورجاء تداول الخلافة في بطون قريش فلا يختص بها قوم دون قوم
~~إلى غير ذلك ms400 من الزخارف التي ذكروها، وكان عمر جريا على مخالفة الرسول (صلى
~~الله عليه وآله وسلم) في زمانه كما خالفه في وقت مرضه لما أمر بإحضار
~~الدواة وقال: (هلم اكتب لكم كتابا لا تضلون بعدي أبدا) فقال: إنه ليهجر
~~حسبنا كتاب الله، وإن الحاضرين افترقوا فصوب رسول الله (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) فريق، وصوب عمر فريق، وهذا من اغرب الأمور، فمن بلغت همته إلى مثل
~~هذا كيف يبعد عليه رد نص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد موته على علي
~~(عليه السلام) بالخلافة؟ ومن كان ينكر عليه ذلك؟ مع أن ذاك أشد من مخالفة
~~النص في الخلافة وأفضع، على أن الرجل ما أهمل نفسه، بل أعد لذلك أعذارا
~~وذلك أنه قال لقوم عرضوا له بحديث النص: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~رجع عن ذلك بأمره أبا بكر بالصلاة وأوهمهم أن ذلك يجري مجرى النص عليه
~~بالخلافة، وقال يوم السقيفة: رضيك رسول الله لديننا أفلا نرضاك لدنيانا؟
~~وأعانه على مثل ذلك قوم افتعلوا كذبا كافتعاله وجعلوه كالناسخ لقول النبي
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) (من كنت مولاه فهذا علي مولاه) فكان حال الصلاة
~~والكعبة والصوم والحج غير حال الخلافة. PageV00P524
# قال ابن أبي الحديد بعد سرد كلام النقيب جميعه: إن النقيب لم يكن إمامي
~~المذهب، ولا كان يبرء من السلف، ولا يرتضي قول المسرفين من الشيعة، ولكنه
~~كلام أجراه على لسانه البحث والجدل بيني وبينه انتهى (1).
# قلت: وأكثره وإن كان على قواعد القوم منطبقا وإنه كلام من يحملهم على
~~الخير لكنه كاف في دفع الاستبعاد واف بالمراد، وإلا فالوجه في مثل هذا ما
~~قدمناه من أن القوم كانوا يخالفون النبي (صلى الله عليه وآله) فيما يحصل
~~لهم فيه غرض دنيوي، لأنهم طلبوا الدنيا دون محض الدين وإقامتهم على دعوة
~~الإسلام إنما هي لحصول الغرض الأعظم هي الرئاسة الكبرى فما كان يخرجهم في
~~ظاهر الحال عند عامة المسلمين من الإسلام كترك الصلاة، وتغيير القبلة،
~~وأشباه ذلك لا يردون نص الرسول ms401 (صلى الله عليه وآله وسلم) عليه حفظا
~~لأنفسهم من أن ينسبوا إلى الردة فترضخ رؤوسهم بالجندل، أو يرجعوا أذنابا
~~ويملكهم غيرهم، إن وافقهم الناس على تغيير الشريعة، وما لم يكن بهذه
~~المنزلة من الأمور الدينية والدنيوية فكثيرا ما غيروه وبدلوه وادخلوا فيه
~~ما ليس منه كالوضوء وما ادخلوا فيه من غسل الرجلين والمسح على الخفين وغير
~~ذلك، وكما أسقطوا من الأذان ما أسقطوا وزادوا فيه ما زادوا أو كتحريم
~~المتعتين وتجويز صوم شهر رمضان للمسافر وغير ذلك من الأحكام التي غيروها في
~~أبواب العبادات والمعاملات والمواريث والسياسات مما يطول بذكره الكلام، ومن
~~نظر كتب الفقه والحديث اطلع على ذلك، ثم إن الأولين كانا بمكان مكين من
~~البصيرة في الأمور الدنيوية فلازما مع ذلك كله ما يصلحهما عند العامة،
~~وواظبا على ما يوجب لهما صرف قلوب الخاصة، فظلفا أنفسهما عن الملاذ
~~الظاهرية، وعن الرغبة في المال وسلكا مسلك الزهد
# PageV00P525
# والقناعة، وأظهرا الخشوع والورع، وعمدا إلى من تقبل قوله العامة ومن
~~ينتصرون به إن خاصمهم مخاصم في أمر الخلافة فحملوهم على الرقاب، وولوهم
~~الولايات والأعمال، ووفروهم في العطاء، وحثوا لهم الأموال حثوا، وأغمضوا
~~عنهم في الحدود، وأسقطوا عنهم عقوبات الجنايات بالمدافعة والرأي، فلذا
~~أطيعا وبجلا في الحياة والممات، ولم يكن الثالث كذلك، بل أراد أن يسلك مسلك
~~الملوك مع ادعائه أنه في مقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فجرى عليه
~~ما جرى ولو أنهما فعلا مثل فعله لأصابهما مثل ما أصابه، فليسا بأعز ناصرا
~~منه، ولا أكثر نفرا، ولو فعل مثلما فعلا لنال من طاعة العامة ما نالا،
~~ولماذا لم يفرق ابن أبي الحديد بين أمر الخلافة وما يتعلق بها من الأغراض
~~الدنيوية، والشهوات النفسية، ولم يستلزم مخالفة النص فيها الخروج عن الملة
~~سند جمهور الصحابة، بل تزيد تقوية في الدين عندهم وبين تغيير الكعبة وشهر
~~رمضان الذي يوجب عند كافة المسلمين الارتداد والخروج من دين الإسلام مع أنه
~~لا يتعلق لهم به غرض، ولا يوجب لهم صلاح أمر لو سلموا ms402 من الضرر إذا فعلوه،
~~ألا تراهم إذا أمنوا في تحويل المقام عن موضعه حولوه فاستبعد منهم تغيير
~~النص في الخلافة كما استبعد منهم تغيير الكعبة التي كان أهل الجاهلية
~~يعظمونها ويهدون الهدي إليها فضلا عن المسلمين، وشهر رمضان الذي هو عند أهل
~~الإسلام بمنزلة الصلاة تارك صومه كافر وأين هذا من ذاك؟ وهل يرتاب لبيب في
~~الفرق بين الأمرين أو يشك فطن في أن ما يتعلق بالخلافة من الأغراض غير ما
~~يتعلق بالكعبة وشهر رمضان؟ ثم اترك ذا جانبا واقض عجبا من ابن أبي الحديد
~~فإنه يسمع من يقول إنا ظلمنا عليا وغصبنا حقه لأنه صغير السن أو كذا مما
~~ذكر فيجيبه بنفي هذا الاعتراف ويقول: أنا استبعد منك ذلك كما استبعد منك أن
~~تترك الصلاة والصوم، أو تصلي لغير الكعبة، وهذه الشبهة الضئيلة المتهافتة
~~هي أيضا معتمد الأشاعرة في إنكار النص كما هي معتمد المعتزلة، وفي بعض
~~PageV00P526
# كلام القوشجي الذي نقلناه عنه سابقا إليها إشارة بينة، وهذا معتمد ضعيف
~~ومستند واه، لأن الاستبعاد ليس دليلا في نفسه فكيف يعارض به الدليل القاطع
~~بل يرجح عليه ولو عارضنا بالاستبعاد والاستغراب الأدلة الشرعية لارتفع أكثر
~~الشريعة لغرابته مثل الطواف والاحرام والسعي والهرولة، ورمي الجمار، ولذا
~~أنكره الزنادقة بأن الحكيم لا يأمر بمثل هذه الأفعال، والسجود في الصلاة
~~والوضوء لها ولذا أنكرها المشركون لاشتمالها على السجود وفيه اعتلاء الأست
~~على الرأس، وهو مستغرب وغير ذلك مما يعرفه المتتبع مما لا يسع المقام ذكره،
~~فبطل ما اعتمدوا عليه في إنكار النص من الاستبعاد وثبت وجود النص من النبي
~~(صلى الله عليه وآله) على علي (عليه السلام) بالإمامة صريحا، وإنهم قد
~~خالفوه وهو المراد وهذا آخر الطريق الثاني.
# وأما الطريق الثالث: وهو ظهور المعجز على يد علي (عليه السلام) فمعروف
~~مشهور ومعاجزة كثيرة.
# فمنها: قلع باب خيبر وعجز عن حمله سبعون رجلا من الأقوياء. (1).
# ومنها مخاطبة الثعبان على منبر الكوفة فسأل عنه فقال: إنه من حكام الجن
~~أشكل عليه مسألة فأجبته عنها (2).
# PageV00P527
# ومنها رفع ms403 الصخرة العظيمة عن القليب وذلك أنه لما توجه إلى صفين مع
~~أصحابه أصابهم عطش عظيم، فأمرهم أن يحفروا بقرب دير فوجدوا صخرة عظيمة
~~عجزوا عن نقلها فنزل علي (عليه السلام) فاقتلعها ورمى بها مسافة بعيدة فظهر
~~قليب فيه ماء فشربوا، ثم أعادها ولما رأى ذلك صاحب الدير أسلم (1).
# ومنها محاربة الجن فقد روي أن جماعة من الجن أرادوا وقوع الضرر بالنبي
~~(صلى الله عليه وآله) حين مسيره إلى بني المصطلق فرد علي (عليه السلام)
~~كيدهم بما آتاه الله سبحانه (2).
# ومنها رد الشمس له لما كان رأس النبي (صلى الله عليه وآله) في حجره
~~والوحي ينزل عليه وعلي لم يصل العصر، فما سرى عن النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) إلا وقد غربت الشمس فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (اللهم إنه كان
~~في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس) فطلعت الشمس بعد ما غربت فصلى
~~العصر، قال في إسعاف الراغبين:
# وحديث ردها صححه الطحاوي والقاضي في الشفاء، وحسنه شيخ الإسلام أبو زرعة
~~وتبعه غيره، وردوا على جمع قالوا إنه موضوع، وزعم فوات الوقت بغروبها فلا
~~فائدة لردها في محل المنع لعود الوقت بعودها كما ذكره ابن العماد واعتمده
~~غيره إلى أن قال: وعلى تسليم عدم عود الوقت نقول: كما أن
# PageV00P528
# ردها خصوصية كذلك إدراك العصر أداء له خصوصية (1) انتهى.
# أقول واعترف بحديث رد الشمس ابن أبي الحديد حتى نظمه في أشعاره في مدح
~~أمير المؤمنين (2) واعترف به القوشجي وبجميع ما ذكرناه وما نذكره من
~~المعاجز، وقول بعض العامة: لو كانت الشمس طلعت بعد ما غابت لكان ذلك معلوما
~~لكل الناس يشبه قول منكري انشقاق القمر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~بأنه لو وقع لعلمه كل الناس، وما يجيبون به عن هذا هو جوابنا عن ذاك.
# ومنها اقتلاعه هبل من أعلا الكعبة ورميه به إلى الأرض قال ابن أبي
~~الحديد: وكان عظيما جدا (3).
# ومنها إخباره بالمغيبات وذلك كثير حصره مفصلا يحتاج إلى كتاب مفرد
~~كإخباره عن قاتله ووقت قتله، وإخباره ms404 عن قتل الحسين (عليه السلام) في
~~كربلاء (4) وقوله في الخوارج: (إن مناياهم دون النهر والله لا يفلت منهم
~~عشرة ولا يقتل منا عشرة) وكإخباره عن ملك بني أمية، وإن له مدة يسيرة (5)
~~وعن ملك بني العباس (6) وإخباره جماعة من أصحابه بما يصيب كل واحد منهم،
~~وبأي قتلة يقتل كعمرو بن الحمق الخزاعي (7) وحجر بن عدي
# PageV00P529
# الكندي (1) ورشيد الهجري (2) وجورية بن مسهر العبدي (3) وميثم التمار (4)
~~ومزرع (5) وقنبر (6) وغيرهم، وكإخباره عن الحجاج وما يعمل في الكوفة (7)
~~وإخباره أنه يضرب عنق أعشى باهلة (8) وإخباره عن خراب البصرة على يد الزنج
~~(9). وعن غرقها إلا الجامع، وعن واقعة الترك (10) وسلامة أهل العراق منهم،
~~وعن القرامطة، وأخذهم الحجر الأسود من الكعبة (11) وعن ملك بني بويه وأنه
~~مائة سنة (12) وغير ذلك من الملاحم والوقائع والحوادث المتفرقة مما يطول
~~تعداده وقد اشتملت كتب المناقب والسير والتواريخ عليه واشتمل كلامه المجموع
~~في نهج البلاغة على كثير منه، ولنذكر طرفا من الأخبار الواردة في هذا الباب
~~لنزيد بها شرف هذا الكتاب المحتوي على إثبات إمامة أهل بيت النبي الأنجاب،
~~فنقول:
# PageV00P530
# قال ابن أبي الحديد: ذكر المدائني في كتاب الخوارج قال: لما خرج علي
~~(عليه السلام) إلى أهل النهر أقبل رجل من أصحابه ممن كان على مقدمته يركض
~~حتى انتهى إلى علي (عليه السلام)، فقال: البشرى يا أمير المؤمنين، قال: ما
~~بشراك؟ قال: إن القوم عبروا النهر لما بلغهم وصولك فأبشر فقد منحك الله
~~أكتافهم، فقال له: الله أنت رأيتهم قد عبروا؟
# قال: نعم، فأحلفه ثلاث مرات في كلها يقول: نعم، فقال علي (عليه السلام):
~~(والله ما عبروه ولن يعبروه وإن مصارعهم لدون النطفة، والذي فلق الحبة وبرأ
~~النسمة لن يبلغوا إلا ثلاث ولا قصر بوران حتى يقتلهم الله، وقد خاب من
~~افترى) قال: ثم أقبل فارس آخر يركض فقال كقول الأول، فلم يكترث علي (عليه
~~السلام) بقوله، وجاءت الفرسان تركض كلها تقول مثل ذلك، فقام علي فجال في
~~متن فرسه قال: فيقول شاب من الناس والله لأكونن قريبا منه فإن ms405 كانوا عبروا
~~النهر لأجعلن سنان هذا الرمح في عينيه، أيدعي علم الغيب؟ فلما انتهى (عليه
~~السلام) إلى النهر وجد القوم قد كسروا جفون سيوفهم، وعرقبوا خيلهم، وجثوا
~~على ركبهم، وحكموا تحكيمة واحدة بصوت عظيم له زجل، فنزل ذلك الشاب فقال: يا
~~أمير المؤمنين إني كنت شككت فيك آنفا، وإني تائب إلى الله وإليك فاغفر لي،
~~فقال علي (عليه السلام): (إن الله هو الذي يغفر الذنوب فاستغفره) (1) وقال
~~المعتزلي: وروى جميع أهل السيرة أن عليا (عليه السلام) لما طحن القوم طلب
~~ذا الثدية طلبا شديدا وقلب القتلى ظهرا لبطن فلم يقدر عليه، فساءه ذلك،
~~وجعل يقول: (والله ما كذبت ولا كذبت اطلبوا الرجل وإنه لفي القوم) فلم يزل
~~يتطلبه حتى وجده.
# قال: وروى إبراهيم بن ديزيل في كتاب صفين عن الأعمش عن
# PageV00P531
# زيد بن وهب قال لما شجرهم علي (عليه السلام) بالرماح قال: (اطلبوا ذا
~~الثدية) فطلبوه طلبا شديدا حتى وجده في وهدة من الأرض تحت ناس من القتلى
~~فأتى به، فإذا رجل على ثدية مثل سبلات السنور، فكبر علي (عليه السلام) وكبر
~~الناس معه سرورا بذلك.
# وروي في صفة استخراجه غير ذلك روى العوام بن حوشب عن أبيه عن جده يزيد بن
~~رويم قال: قال علي (عليه السلام): (يقتل اليوم أربعة آلاف من الخوارج أحدهم
~~ذو الثدية فاتبعه) فلما طحن القوم ورام استخراج ذي الثدية فاتبعه أمرني أن
~~اقطع له أربعة آلاف قصبة، وركب بغلة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال:
~~(اطرح على كل قتيل منهم قصبة) فلم أزل كذلك وأنا بين يديه وهو راكب خلفي
~~والناس يتبعونه حتى بقيت في يدي واحدة فنظرت إليه فإذا وجهه أربد وإذا هو
~~يقول: (والله ما كذبت ولا كذبت) فإذا خرير ماء عند موضع دالية (1) فقال:
~~فتش هذا ففتشته، فإذا قتيل قد صار في الماء وإذا رجله في يدي فجذبتها وقلت:
~~هذه رجل إنسان فنزل عن البغلة مسرعا فجذب الرجل الأخرى وجررناه حتى صار على
~~التراب فإذا هو المخدج فكبر علي (عليه ms406 السلام) بأعلا صوته ثم سجد، فكبر
~~الناس كلهم (2).
# وروي أيضا في استخراجه غير ذلك.
# قال وروى ابن هلال الثقفي في كتاب الغارات عن زكريا بن يحيى العطار عن
~~فضيل عن محمد بن علي قال قال لما قال: علي (عليه السلام):
# (سلوني قبل أن تفقدوني فوالله لا تسئلوني عن فئة تضل مائة وتهدي مائة ما
# PageV00P532
# إلا أنبأتكم بناعقها وسائقها) فقام إليه رجل فقال: أخبرني كم في رأسي
~~ولحيتي من طاقة شعر فقال له علي (عليه السلام). لقد حدثني خليلي إن على كل
~~طاقة شعر من رأسك ملكا يلعنك وإن على كل طاقة من شعر من لحيتك شيطانا
~~يغويك، وإن في بيتك سخلا يقتل ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~وكان ابنه قاتل الحسين يومئذ طفلا يحبو وهو سنان بن أنس النخعي (1).
# وروى الحسن بن محبوب عن ثابت الثمالي عن سويد بن غفلة أن عليا (عليه
~~السلام) خطب ذات يوم فقام رجل من تحت منبره فقال يا أمير المؤمنين إني مررت
~~بوادي القرى فوجدت خالد بن عرفطة قد مات فاستغفر له فقال (عليه السلام)
~~والله ما مات ولا يموت حتى يقود جيش ضلالة صاحب لوائه حبيب بن حمار فقام
~~رجل آخر من تحت المنبر فقال يا أمير المؤمنين أنا حبيب بن حمار وإني لك
~~شيعة ومحب فقال أنت حبيب بن حمار قال نعم فقال له ثانية والله إنك لحبيب بن
~~حمار فقال إي والله قال أما والله إنك لحاملها ولتحملنها ولتدخلن بها من
~~هذا الباب وأشار إلى باب الفيل بمسجد الكوفة قال ثابت فوالله ما مت حتى
~~رأيت ابن زياد وقد بعث عمر بن سعد إلى الحسين بن علي (عليه السلام) وجعل
~~خالد بن عرفطة على مقدمته وحبيب بن حمار صاحب رايته فدخل بها من باب الفيل
~~(2).
# وروى محمد بن جبلة الخياط عن عكرمة عن زيد الأحمسي أن عليا (عليه السلام)
~~كان جالسا في مسجد الكوفة بين يديه قوم منهم عمرو بن حريث إذ أقبلت امرأة
~~مختمرة لا تعرف فوقفت ms407 فقالت لعلي (عليه السلام) يا من قتل الرجال وسفك
~~الدماء وأيتم الصبيان وأرمل النساء فقال (عليه السلام) وإنها
# PageV00P533
# لهي هذه السلقلق الجلعة المجعة (1). وإنها لهي هذه شبيهة الرجال والنساء
~~التي ما رأت دما قط قال فولت هاربة منكسة رأسها فتبعها عمرو بن حريث.
# فلما صارت بالرحبة قال لها والله لقد سررت بما كان منك اليوم إلى هذا
~~الرجل فادخلي منزلي حتى أهب لك وأكسوك فلما دخلت منزلة أمر جواريه بتفتيشها
~~وكشفها ونزع ثيابها لينظر صدقه فيما قاله عنها فبكت وسألته أن لا يكشفها
~~وقالت أنا والله كما قال لي ركب النساء وأنثيان كأنثي الرجال وما رأيت دما
~~قط فتركها وأخرجها ثم جاء إلى علي (عليه السلام) فأخبره فقال إن خليلي رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) أخبرني بالمتمردين علي من الرجال والمتمردات من
~~النساء إلى أن تقوم الساعة.
# وروى عثمان بن سعيد عن يحيى التيمي عن الأعمش عن إسماعيل بن رجا قال قام
~~أعشى باهلة وهو غلام يومئذ حدث إلى علي (عليه السلام) وهو يخطب ويذكر
~~الملاحم، فقال: يا أمير المؤمنين ما أشبه هذا الحديث بحديث خرافة فقال
~~(عليه السلام) إن كنت آثما فيما قلت يا غلام فرماك الله بغلام ثقيف، ثم
~~سكت، فقام رجال وقالوا: ومن غلام ثقيف يا أمير المؤمنين؟ قال:
# غلام يملك بلدتكم هذه لا يترك لله حرمة إلا انتهكها، يضرب عنق هذا الغلام
~~بسيفه، فقالوا: كم يملك يا أمير المؤمنين؟ قال: عشرين إن بلغها، قالوا:
~~فيقتل قتلا أم يموت موتا؟ قال: بل يموت حتف أنفه بداء البطن يثقب سريره
~~لكثرة ما يخرج من جوفه، قال إسماعيل بن رجا: فوالله لقد رأيت بعيني أعشى
~~باهلة وقد أحضر في جملة الأسرى الذين أسروا من جيش عبد الرحمن بن محمد بن
~~الأشعث بين يدي الحجاج، فقرعه ووبخه، واستنشده شعره الذي يحرض فيه عبد
~~الرحمن على الحرب، ثم ضرب عنقه
# PageV00P534
# في ذلك المجلس (1).
# روى محمد بن علي الصواف عن الحسين بن سفيان عن أبيه عن شهر بن سدير
~~الأزدي قال: ms408 قال علي لعمرو بن الحمق الخزاعي: أين نزلت يا عمرو؟ قال: في
~~قومي قال: لا تنزلن فيهم، قال: فأنزل في بني كنانة جيراننا، قال: لا قال:
~~فأنزل في ثقيف، قال: فما تصنع بالمعرة والمجرة قال: وما هما؟ قال: عنقان من
~~نار يخرجان من ظهر الكوفة يأتي أحدهما على تميم وبكر بن وائل، فقل ما يفلت
~~منه أحد، ويأتي العنق الآخر فيأخذ على الجانب الآخر من الكوفة فقل من يصيب
~~منهم، إنما تدخل النار فتحرق البيت والبيتين قال: فأين أنزل؟ قال: انزل في
~~بني عمرو بن عامر من الأزد، قال: فقال قوم حضروا هذا الكلام: ما نراه إلا
~~كاهنا يتحدث بحديث الكهنة، فقال: يا عمرو إنك لمقتول بعدي وإن رأسك لمنقول
~~وهو أول رأس نقل في الإسلام، والويل لقاتلك، أما إنك لا تنزل بقوم إلا
~~أسلموك برمتك إلا هذا الحي من بني عمر بن عامر من الأزد فإنهم لن يسلموك
~~ولن يخذلوك، قال: فوالله ما مضت الأيام حتى تنقل عمرو بن الحمق في خلافة
~~معاوية في بعض أحياء العرب خائفا مذعورا حتى نزل في قومه من بني خزاعة
~~فأسلموه فقتل، وحمل رأسه من العراق إلى معاوية بالشام وهو أول رأس حمل في
~~الإسلام من بلد إلى بلد (2).
# وروى إبراهيم بن ميمون الأزدي عن حبة العرني قال: كان جويرية بن مصهر
~~العبدي صالحا، وكان لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) صديقا، وكان علي يحبه،
~~ونظر يوما إليه وهو يسير فناداه: يا جويرية الحق بي فإني إذا رأيتك هويتك،
~~قال إسماعيل بن أبان فحدثني الصباح عن مسلم العرني قال:
# PageV00P535
# سرنا مع علي (عليه السلام) يوما فالتفت فإذا جويرية خلفه فناداه: يا
~~جويرية الحق بي لا أبا لك ألا تعلم أني أهواك وأحبك؟ قال: فركض نحوه فقال
~~له: إني محدثك بأمور فاحفظها، ثم اشتركا في الحديث سرا فقال له جويرية: يا
~~أمير المؤمنين إني رجل نسي فقال: أنا أعيد عليك الحديث لتحفظه، ثم قال له
~~في آخر ما حدثه إيه: يا جويرية أحب حبيبنا ms409 ما أحبنا فإذا أبغضنا فأبغضه،
~~وأبغض بغيضنا ما أبغضنا فإذا أحبنا فأحبه، قال:
# فكان ناس ممن يشك في أمر علي (عليه السلام) يقولون: أتراه جعل جويرية
~~وصيه كما يدعي هو من وصية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: يقولون
~~ذلك لشدة اختصاصه به حتى دخل على علي (عليه السلام) يوما وهو مضطجع وعنده
~~قوم من أصحابه فناداه جويرية: أيها النائم استيقظ فلتضربن على رأسك ضربة
~~تخضب منها لحيتك، قال: فتبسم أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: وأحدثك يا
~~جويرية بأمرك، أما والذي نفسي بيده لتقبلن إلى العتل الزنيم فليقطعن يدك
~~ورجلك وليصلبنك تحت جذع كافر قال: فوالله ما مضت الأيام على ذلك حتى أخذ
~~زياد جويرية فقطع يده ورجله وصلبه إلى جانب جذع بن مكعبر، وكان جذعا طويلا
~~فصلبه على جذع قصير إلى جانبه (1).
# وروى إبراهيم في كتاب الغارات عن أحمد بن الحسن الميثمي قال: كان ميثم
~~التمار مولى علي بن أبي طالب عبدا لامرأة من بني أسد فاشتراه علي (عليه
~~السلام) منها وأعتقه، وقال له: ما اسمك؟ فقال: سالم، فقال:
# إن رسول الله أخبرني أن اسمك الذي سماك به أبوك في العجم ميثم، فقال: صدق
~~الله ورسوله وصدقت يا أمير المؤمنين فهو والله اسمي، قال:
# فارجع إلى اسمك ودع سالما فنحن نكنيك به، فكناه أبا سالم قال: وقد كان
# PageV00P536
# قد اطلعه علي (عليه السلام) على علم كثير وأسرار خفية من أسرار الوصية،
~~فكان ميثم يحدث ببعض ذلك فيشك فيه قوم من أهل الكوفة وينسبون عليا (عليه
~~السلام) في ذلك إلى المخرفة والايهام والتدليس، حتى قال له يوما بمحضر من
~~خلق كثير من أصحابه وفيهم الشاك والمخلص: يا ميثم إنك تؤخذ بعدي وتصلب فإذا
~~كان اليوم الثاني ابتدر منخراك وفمك دما حتى يخضب لحيتك فإذا كان اليوم
~~الثالث طعنت بحربة يقضي عليك فانتظر ذلك والموضع الذي تصلب على باب دار
~~عمرو بن حريث إنك لعاشر عشرة أنت أقصرهم خشبة وأقربهم من المطهرة يعني
~~الأرض ولأرينك النخلة التي تصلب على ms410 جذعها ثم أراه إياها بعد ذلك بيومين،
~~وكان ميثم يأتيها فيصلي عندها ويقول: بوركت من نخلة لك خلقت ولي نبت، فلم
~~يزل يتعاهدها بعد قتل علي (عليه السلام) حتى قطعت فكان يرصد جذعها ويتعاهده
~~ويتردد إليه ويبصره، وكان يلقي عمرو بن حريث فيقول له: إني مجاورك فأحسن
~~جواري، فلم يعلم عمرو ما يريد فيقول له: أتريد أن تشتري دار ابن مسعود أم
~~دار ابن حكيم؟ قال: وحج في السنة التي قتل فيها فدخل على أم سلمة (رضي الله
~~عنها) فقالت له: من أنت قال: عراقي، فاستنسبته فذكر لها أنه مولى علي بن
~~أبي طالب (عليه السلام) فقالت: أنت هيثم قال: بل أنا ميثم، فقالت: سبحان
~~الله، والله لربما سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوصي بك عليا (عليه
~~السلام)، في جوف الليل فسألها عن الحسين بن علي (عليه السلام)، فقالت: هو
~~في حائط له، قال: أخبريه أني قد أحببت السلام عليه ونحن ملتقون عند رب
~~العالمين إن شاء الله ولا أقدر اليوم على لقائه وأريد الرجوع، فدعت بطيب
~~فطيبت لحيته، فقال لها: أما إنها ستخضب بدم، فقالت: من أنبأك هذا؟ قال:
# أنبأني سيدي، فبكت أم سلمة وقالت له: إنه ليس بسيدك وحدك وهو سيدي وسيد
~~المسلمين، ثم ودعته، فقدم الكوفة فأخذ وأدخل على PageV00P537
# عبيد الله بن زياد، وقيل له: هذا كان من آثر الناس عند أبي تراب، قال:
~~ويحكم هذا الأعجمي، قالوا: نعم، قال له عبيد الله: أين ربك، قال: بالمرصاد،
~~قال: قد بلغني اختصاص أبي تراب بك، قال: قد كان بعض ذلك فما تريد؟ قال:
~~وإنه ليقال إنه قد أخبرك بما سيلقاك، قال:
# نعم إنه أخبرني، قال: ما الذي أخبرك إني صانع بك؟ قال: أخبرني إنك تصلبني
~~عاشر عشرة وأنا أقصرهم خشبة وأقربهم من المطهرة، قال:
# لأخالفنه، قال: ويحك كيف تخالفه إنما أخبر عن رسول الله، وأخبر رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) عن جبرئيل، وأخبر جبرئيل عن الله، فكيف تخالف هؤلاء؟
~~أما والله لقد عرفت الموضع الذي ms411 أصلب فيه أين هو من الكوفة، وإني لأول خلق
~~الله ألجم في الإسلام بلجام كما تلجم الخيل، فحبسه وحبس معه المختار بن أبي
~~عبيدة الثقفي، فقال ميثم للمختار وهما في حبس ابن زياد: إنك تفلت وتخرج
~~ثائرا بدم الحسين (عليه السلام) فتقتل هذا الجبار الذي نحن في حبسه، وتطأ
~~بقدمك هذا على جبهته وخديه، فلما أمر عبيد الله بن زياد بالمختار ليقتله
~~طلع البريد بكتاب يزيد بن معاوية إلى عبيد الله بن زياد يأمره بتخلية
~~سبيله، وذاك أن أخته كانت تحت عبد الله بن عمر بن الخطاب فسألت بعلها أن
~~يشفع فيه إلى يزيد فشفع، فأمضى شفاعته وكتب بتخلية سبيل المختار على البريد
~~وقد أخرج لتضرب عنقه فأطلق، وأما ميثم فأخرج بعده ليصلب، وقال عبيد الله:
# لأمضين حكم أبي تراب فيه، فلقيه رجل فقال له ما كان أغناك عن هذا يا ميثم
~~فتبسم، وقال لها خلقت ولي غذيت فلما رفع على الخشبة اجتمع الناس حوله على
~~باب عمرو بن حريث، فقال عمر: ولقد كان يقول لي إني مجاورك فكان يأمر جاريته
~~كل عشية أن تكنس تحت خشبة وترشه وتجمر بالمجمر تحته، فجعل ميثم يحدث بفضائل
~~بني هاشم ومخازي بني أمية وهو مصلوب على الخشبة، فقيل لابن زياد: قد فضحكم
~~هذا العبد، فقال: الجموه، PageV00P538
# فكان أول خلق الله الجم في الإسلام، فلما كان في اليوم الثاني فاضت
~~منخراه وفمه دما، فلما كان في اليوم الثالث طعن بحربة فمات، وكان قتل ميثم
~~قبل قدوم الحسين (عليه السلام) العراق بعشرة أيام (1).
# قال إبراهيم:
# وحدثني إبراهيم بن العباس النهدي قال حدثني مبارك البجلي عن أبي بكر بن
~~عياش قال: حدثني مجالد عن الشعبي عن زياد بن النضر الحارثي قال: كنت عند
~~زياد وقد أتي برشيد الهجري وكان من خواص أصحاب علي (عليه السلام) فقال له
~~زياد: ما قال خليلك لك إنا فاعلون بك؟ قال:
# تقطعون يدي ورجلي وتصلبونني، فقال زياد: أما والله لأكذبن حديثه، خلوا
~~سبيله، فلما أراد أن يخرج قال ردوه لا نجد ms412 شيئا أصلح مما قال لك صاحبك إنك
~~لا تزال تبغي لنا سوءا إن بقيت اقطعوا يديه ورجليه، فقطعوا يديه ورجليه وهو
~~يتكلم فقال: اصلبوه خنقا في عنقه، فقال رشيد: قد بقي لي عندكم شئ ما أراكم
~~فعلتموه، فقال زياد: اقطعوا لسانه فلما أخرجوا لسانه ليقطع قال: نفسوا عني
~~أتكلم كلمة واحدة فنفسوا عنه، فقال هذا والله تصديق خبر أمير المؤمنين
~~(عليه السلام) أخبرني بقطع لساني فقطعوا لسانه وصلبوه (2).
# وروى أبو داود الطيالسي عن سليمان بن زريق عن عبد العزيز بن صهيب قال
~~حدثني أبو العالية قال: حدثني مزرع صاحب علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنه
~~قال: ليقبلن جيش حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم، قال أبو العالية: فقلت له
~~إنك لتحدثني بالغيب! فقال: احفظ ما أقوله لك فإنما حدثني به الثقة علي بن
~~أبي طالب (عليه السلام) وحدثني أيضا شيئا
# PageV00P539
# آخر: (ليؤخذن رجل فليقتلن وليصلبن بين شرفتين من شرف المسجد) فقلت: إنك
~~لتحدثني بالغيب! فقال: احفظ ما أقول لك، قال أبو العالية: فوالله ما أتت
~~علينا جمعة حتى أخذ مزرع فقتل وصلب بين شرفتين من شرف المسجد (1).
# وروى محمد بن موسى العنزي قال: كان مالك بن ضمرة الرواسي من أصحاب علي
~~(عليه السلام) وممن استبطن من جهته علما كثيرا وكان أيضا قد صحب أبا ذر
~~فأخذ من علمه وكان يقول في أيام بني أمية: اللهم لا تجعلني أشقى الثلاثة،
~~فيقال له: وما الثلاثة فيقول رجل يرمي من فوق طمار، ورجل تقطع يداه ورجلاه
~~ولسانه ويصلب، ورجل يموت على فراشه، فكان من الناس من يهزأ به ويقول: هذا
~~من أكاذيب أبي تراب قال: وكان الذي رمى به من طمار هاني بن عروة، والذي قطع
~~وصلب رشيد الهجري، ومات مالك على فراشه (2).
# وقال نصر بن مزاحم: وحدثنا منصور بن سلام التميمي عن أبي عبيدة عن هرثمة
~~بن سليم، قال: غزونا مع علي (عليه السلام) صفين فلما نزل بكربلاء صلى بنا
~~فلما سلم رفع إليه من تربتها فشمها ثم قال: واها لك ms413 يا تربة ليحشرن منك قوم
~~يدخلون الجنة بغير حساب، قال: فلما رجع هرثمة من غزاته إلى امرأته جرداء
~~بنت شمير وكانت من شيعة علي (عليه السلام) حدثها هرثمة فيما حدث فقال لها:
~~ألا أعجبك من صديقك أبي حسن لما نزلنا كربلاء وقد أخذ حفنة من ترابها فشمها
~~وقال: واها لك أيتها التربة ليحشرن منك قوم يدخلون الجنة بغير حساب وما
~~علمه بالغيب فقالت المرأة له: دعنا منك أيها الرجل إن أمير المؤمنين لم يقل
~~إلا حقا، قال: فلما بعث
# PageV00P540
# عبيد الله بن زياد البعث الذي بعثه إلى الحسين (عليه السلام) كنت في
~~الخيل الذي بعث إليهم، فلما انتهيت إلى الحسين وأصحابه عرفت المنزل الذي
~~نزلنا فيه مع علي (عليه السلام) والبقعة التي رفع إليه من تربتها والقول
~~الذي قاله فكرهت مسيري، فأقبلت على فرسي حتى وقفت على الحسين (عليه السلام)
~~فسلمت عليه وحدثته بالذي سمعت من أبيه في هذا المنزل، فقال الحسين (عليه
~~السلام) أمعنا أم علينا؟ فقلت: يا بن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~لا معك ولا عليك تركت ولدي وعيالي أخاف عليهم من ابن زياد؟ فقال الحسين:
~~فول هربا حتى لا ترى مقتلنا فوالذي نفس حسين بيده لا يرى اليوم مقتلنا أحد
~~ثم لا يعيننا إلا دخل النار، قال: فأقبلت في الأرض اشتد هربا حتى خفي على
~~مقتلهم (1).
# قال نصر: وحدثنا سعيد بن حكيم العبسي عن الحسن بن بكير عن أبيه: إن عليا
~~(عليه السلام) أتى كربلاء فوقف بها فقيل له: يا أمير المؤمنين هذه كربلاء،
~~فقال: ذات كرب وبلاء، ثم أومى بيده إلى مكان فقال: ها هنا موضع رحالهم،
~~ومناخ ركابهم، ثم أومى بيده إلى مكان آخر فقال ها هنا مراق دمائهم ثم مضى
~~إلى ساباط (2).
# وروى قيس بن الربيع عن يحيى بن هاني المرادي عن رجل من قومه يقال له:
~~زياد بن فلان، قال: كنا في بيت مع علي نحن وشيعته وخواصه فالتفت فلم ينكر
~~منا أحدا، فقال: إن هؤلاء القوم سيظهرون عليكم فيقطعون ms414 أيديكم، ويسملون
~~أعينكم، فقال له رجل منا: وأنت حي يا أمير المؤمنين، قال: أعاذني الله من
~~ذلك، فالتفت فإذا واحد يبكي فقال له: يا بن الحمقاء أتريد اللذات في الدنيا
~~والدرجات في الآخرة إنما وعد الله
# PageV00P541
# الصابرين جميع ذلك ذكره ابن أبي الحديد في كتابه (1) وذكر غيره من هذا
~~الباب أضعافه فلنقتصر على ما ذكرناه لحصول الغرض به إذ لا منكر لهذا الأمر
~~من مطلعي الخصوم، وإذا كان علي (عليه السلام) ادعى الإمامة وظهر المعجز على
~~يديه وجب أن يكون إماما، لأنا قدمنا أن الإمامة تثبت بالمعجز كما تثبت به
~~النبوة.
# وأجاب القوشجي عن هذا بعد اعترافه بصحته: بأنا لا نسلم أنه ادعى الإمامة
~~قبل أبي بكر ولو سلم فلا نسلم ظهور تلك الأمور في مقام التحدي.
# أقول هذا الجواب تشبيه على الواضحات وتغطية للظاهرات فإن ادعاء علي (عليه
~~السلام) الإمامة بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واحتجاجه على الصحابة
~~وتظلمه منهم إذ منعوه عن الخلافة بين مشهور، وظاهر غير مستور، بل من
~~متواترات الأمور، وقد سبق بيانه وسطع في كلامنا المتقدم برهانه، وأشرقت
~~شموسه وزهر تبيانه بحيث لا ينكره إلا جاهل جاحد أو متعصب معاند.
# وأما معجزاته، فمنها ما هو جار على سبيل الارهاص وهي التي في زمان النبي
~~(صلى الله عليه وآله) وأكثرها واقع بعد دعواه الإمامة فيكون مقرونا
~~بالتحدي، وكم كان يستدل على إمامته بذلك مثل قوله: (سلوني قبل أن تفقدوني)
~~(2) وقوله وهو شابك يديه على بطنه: (هذا سفط العلم
# PageV00P542
# هذا لعاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقوله (عليه السلام) أحق الناس
~~بهذا الأمر أقواهم عليه وأعلمهم بأمر الله فيه) وقوله ما مضمونه إن الله
~~تعالى قال في طالوت: [إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم]
~~(1) فأوجب له التقدم عليهم بذلك، فهل ترون لمعاوية زيادة على علي في العلم
~~والجسم، ويكفي في ذلك قوله لأبي بكر وأصحابه: (فوالله يا معشر المهاجرين
~~لنحن أهل البيت أحق بهذا الأمر منكم أما كان منا القارئ لكتاب ms415 الله، الفقيه
~~في دين الله، العالم بالسنة، المطلع بأمر الرعية، والله إنه لفينا) أفليس
~~هذا القول منه صريحا في دعواه الإمامة دون كل الناس وتحديهم بالعلم وغيره،
~~لكن الإعراض عن الحق والانصراف عن الحجة داء لا دواء له، والله المستعان
~~على ما يصفون، فظهر لك صحته ما قلناه واندفاع جوابه، وأنت أيها الناظر
~~المنصف إذا تأملت فيما حررناه وتبصرت فيما سطرناه تبين لك أن مذهب الإمامية
~~هو الحق الذي يحق اتباعه، قد أيدته الآيات القرآنية، ونصرته الأخبار
~~النبوية، وعضدته الأدلة الاعتبارية؟
# وساعدته البراهين العقلية، والحمد لله على هدايته إيانا للحق الواضح
~~والطريق القويم وتوفيقه إيانا لنهج الصواب.
# PageV00P543
# سؤال وجواب إن قال قائل: إنكم حكمتم بأن عليا (عليه السلام) هو إمام الحق
~~بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بنصه عليه وأنهم قد ظلموه وردوا نص
~~النبي (صلى الله عليه وآله) عليه بغير حجة ولا برهان، وهذا عندكم رجوع على
~~الأعقاب وخروج من الحق إلى الضلال، فما الذي منع أمير المؤمنين من قتلهم
~~وقتالهم مع أنه عندكم أشجع الخلق، وغيركم أيضا مقر بشجاعته وأنتم تقولون لو
~~قاتله أهل الأرض كلهم لغلبهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب؟ فإذ
~~حكمتم بضلالهم لزمكم الحكم بخطأ علي (عليه السلام) في ترك جهادهم، وعدوله
~~عن قتالهم كما فعل بالناكثين والقاسطين والمارقين، والحكم بصحة ما فعلوه
~~قلنا له، لهذا السؤال وجوه متعددة من الأجوبة كل منها كاف في دفعه وشاف في
~~رفعه.
# الأول أن عليا (عليه السلام) عندنا كما ذكرت من الشجاعة إلا أنه مع ذلك
~~لا يمكنه الجهاد بنفسه ولا القتال بمفرده لأنه بشر مكلف، وله شواغل من
~~الضروريات البدنية كالنوم والأكل والشرب وغيرها وله شواغل من لوازم التكليف
~~كالصلاة والصوم وغيرهما، ويشغله شأن عن شأن والنوم والصلاة والأكل والشرب
~~من الضروريات واللوازم الدائمة المستمرة على الإنسان لا يخلو منها في اليوم
~~والليلة أبدا، فليس بمنكر من القوم لو قاتلهم بنفسه أن PageV00P545
# يفروا عنه في وقت تجرده لجلادهم ولا يلاقوه في معركة النزال ويتربصوا به ms416
~~ساعة شغله ووقت تلبسه بما يمنعه من مدافعة خصمه وكف عدوه كالصلاة والنوم
~~فينتهزوا فيه الفرصة ويدركوا من قتله الإرب لعلمهم أنه واحد لا حارس له ولا
~~ممانع عنه، وقد علمت أن عبد الرحمن بن ملجم قتله في صلاته مع علو كلمته
~~واستمداد سلطنته، وانقياد جيوش المسلمين إلى أمره، ووقوفهم على حدود طاعته،
~~لا سيما في مثل تلك الأيام من زمان خلافته فإنه اجتمعت إليه كلمة أصحابه
~~واستقام له أودهم، فجمع الجموع وعقد الرايات ليسير بهم إلى حرب معاوية ولم
~~تكن بسطة يده وكثرة جنده مانعة من قتله في وقت اشتغاله بصلاته، فكيف وهو
~~واحد متفرد بنفسه وليس ابن ملجم بأجرأ عليه من خالد بن الوليد والوليد بن
~~عقبة وطلحة وعمرو بن العاص وأسيد بن حضير وسالم مولى أبي حذيفة وأضرابهم
~~وأشباههم ولا بأشجع من أحدهم، ولا أشد بغضا لعلي (عليه السلام) وحقدا عليه
~~من واحد منهم، فلا امتناع من اقتحام بعض هؤلاء أو غيرهم أو جماعة منهم عليه
~~وقت نومه أو صلاته فيقتل حينئذ ولا مانع من أن ينازلوه أيضا فتلاقيه منهم
~~شرذمة وتأتي من ورائه طائفة وقوم عن يمينه وآخرون عن شماله فيبلغون فيه
~~الغرض، وهو مشغول بجلاد الفرقة التي هي أمامه وجائز أيضا أن يلجئوا عند
~~حملته عليهم إلى الدور، ويغلقوا الأبواب فيرمونه من أعلا السطوح بالسهام
~~والحجارة من كل الجوانب فيصيبوه قبل أن يصل إليهم، وكل هذا ممكن غير ممتنع
~~وقريب غير بعيد، فعلى هذا يكون قتاله إياهم منفردا تغريرا بنفسه وإلقاء
~~بيده إلى التهلكة، وذلك غير جائز شرعا ومن المعلوم المقرر عند أهل العلم أن
~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واسترجاع المظلمة من الظالم يسقط وجوبه
~~عند حصول الظن القوي بوصول الضرر إلى النفس فكيف مع تيقنه؟ فلذلك لم يجز
~~لأمير المؤمنين (عليه السلام) أن يقاتل القوم وهو واحد، بل الواجب عليه
~~الكف حتى يحصل التمكن ففعل ما وجب عليه؟؟ PageV00P546
# الثاني إنا وإن قلنا في علي (عليه السلام) من الشجاعة ما قلنا إلا أنه لم ms417
~~يقل منا أحد بأنه أقوى بأسا من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا
~~أمضى منه عزيمة في إنفاذ أمر الله، وقد علمت أن النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) قد بقي في مكة ثلاث عشرة سنة من بعد المبعث وهو يؤذي ويشتم ويكذب
~~ويرتكب منه القبيح ويطلب قتله مع وجود جماعة عنده قد اتبعوه ومنهم علي
~~(عليه السلام) لكن لا يقومون بقتال أعدائه فلم يكلفه الله بجهاد ولا أمره
~~بقتال، بل أمره بالكف وذم من أراد فتح باب الحرب هناك من أصحابه بقوله
~~تعالى: [ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة فلما كتب
~~عليهم القتال تولوا] (1) الآية فلما وجد الأعوان وحصل الناصر بعد الهجرة
~~أمره الله بقتالهم، فرسول الله (صلى الله عليه وآله) أسوة (2) لأمير
~~المؤمنين (عليه السلام) يجب عليه الكف عند عدم الناصر والجهاد في طلب حقه
~~عند وجود المعاون، لم يكن الله ليكلفه بما لم يكلف به النبي (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) فيوجب عليه القتال بنفسه منفردا، ولو جاز ذلك لوجب أن يكون أفضل
~~من النبي (صلى الله عليه وآله) لأن شدة المشقة في التكليف توجب زيادة
~~الثواب وهذا باطل عندنا، واعتقاده كفر صريح، بل المحقق أن النبي (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) أفضل المخلوقات، وأن تكليفه أشد مشقة من تكليف علي كوجوب
~~المجاهرة بالحق، ورفع التقية، ووجوب صلاة الليل عليه، وغير ذلك من خصائصه
~~المذكورة في كتب الفقه قال علي (عليه السلام) (إنما أنا عبد لمحمد) لما قال
~~له يهودي أنبي أنت؟ وعلي (عليه السلام) لم يقعد عما وجب عليه فإنه طلب
~~الناصر على ظالميه واستصرخ الناس للمعونة على
# PageV00P547
# غاصبيه كما صح باتفاق النقل من طريق الرواية فلما لم يجد معينا يعينه،
~~ولم يظفر بمساعد يساعده كف متأسفا وأغضى حزينا، ألا تراه كيف يقول:
# (فنظرت فإذا ليس لي معين إلا أهل بيتي، فضننت بهم عن الموت، وأغضيت على
~~القذى وشربت على الشجى (1) وأقواله في هذا المعنى كثيرة قد تقدم جملة منها، ms418
~~فلم يزل كافا وهو يتجرع الغيظ والغصص كما كف النبي (صلى الله عليه وآله) عن
~~قتال أهل مكة قبل الهجرة إلى أن وجد الأعوان على الحق بعد قتل عثمان فبادر
~~إلى قتال من أراد إحياء الضلال، واتخاذ دين الله عوجا، مشمر الذيل ماضي
~~العزيمة، كادحا نفسه في إعلاء كلمة الله، باذلا جهده في إقامة عمود الدين،
~~مستفرغا وسعه في إزالة الفساد من الأرض، ألا تسمع قوله: (والله لا أكون
~~كالضبع تنام على اللدم حتى يصل إليها طالبها ويختلها راصدها، ولكني أضرب
~~بالمقبل إلى الحق المدبر عنه، وبالسامع المطيع العاصي المريب أبدا حتى يأتي
~~علي يومي) (2) فكفه أولا ليس إلا لعدم وجود الناصر، وقتاله أخيرا لم يكن
~~إلا لوجوده المعين، وما كان كفه عن قتال الأولين تصويبا لهم فيما ارتكبوه،
~~ولا تصحيحا لما فعلوه، ومما يوضح هذا المعنى ويؤكده أن عليا (عليه السلام)
~~مع مضي عزيمته وإجماعه على قتال معاوية كف عن قتاله بعد رفع المصاحف في
~~صفين مع علمه وتصريحه لصحبه أن معاوية وأهل الشام لم يريدوا حكمها وإنما
~~رفعوها خديعة وذلك لمخالفة جماعة كثيرة من أصحابه أمره بالمضي في الجهاد
~~وطلبهم الموادعة، وميلهم إلى المحاكمة، وما ذاك إلا لأن من بقي على طاعته
~~من أصحابه لا يقوم في ذلك الوقت بقتال الخارجين منهم عن الطاعة، وقتال أهل
~~الشام، ثم كفه بعد تحكيم الحكمين عن قتال معاوية ومعاوية يغزوا أطرافه،
~~ويشن الغارات على أعماله، ويتغلب على بعض بلاده كمصر
# PageV00P548
# وغيرها لم يكن عدولا عن نيته في قتاله، ولا رجوعا عن إيثار قتاله، ولا
~~ترددا في عزمه المصمم على حربه، ولكن لانتكاث عزم أصحابه، وتكاسلهم عن
~~إجابته، وتثاقلهم عن الخروج معه إلى حرب معاوية، لأنه كان يحثهم على
~~الشخوص، ويوبخهم على القعود عن الجهاد، ويقرعهم أشد التقريع كقوله لهم: (يا
~~أشباه الرجال ولستم بالرجال) (1) وقوله: (وددت أن أصارف بكم معاوية أهل
~~الشام مصارفة الدينار بالدرهم العشرة بواحد) (2) وقوله (عليه السلام): (إذا
~~دعوتكم إلى الجهاد في الصيف قلتم يمنعنا الحر، وإذا دعوتكم ms419 في الشتاء قلتم
~~يمنعنا القر، فإذا كنتم من الحر والقر تفرون فأنتم من السيف أفر (3) وغير
~~ذلك من شديد أقواله فيهم، إلى أن أجابوه وأصفقوا إصفاقا واحدا على طاعته
~~فعقد الرايات وصمم العزم على مناهضة معاوية بعد شهر رمضان فاغتاله ابن ملجم
~~فتفرق الجمع، وتشتت الكلمة، ولله أمر هو بالغه فما حاله في أمره الأول
~~والآخر إلا واحدة يجاهد الظلمة عند وجود الناصر، ويكف عنهم عند عدمه لا فرق
~~بين حاليه ولقد كشف عن هذا المعنى قوله في خطبه الشقشقية: (أما والذي فلق
~~الحبة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر وما أخذ الله
~~على العلماء ألا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها على
~~غاربها ولسقيت آخرها بكأس أولها) (4) يقول لولا قيام الحجة على من الله
~~بوجود الناصر على إقامة الحق وإني مكلف بها عند القدرة لتركت قتال الناكثين
~~والقاسطين والمارقين كما تركت جهاد أئمتهم السابقين.
# الثالث إن عليا (عليه السلام) وإن كان على ما هو عليه من الشجاعة
# PageV00P549
# لكن لم يكن عليه القتال مفروضا بعد موت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~إلا وهو أمير متبع ورئيس مطاع، ولم يجز أن يكلف بالقتال منفردا، والسر في
~~ذلك أنه لو قاتل وحده لكان السامع بأمره من الناس يجريه مجرى اللص المحارب
~~أو المفسد المشاغب ولم يكن أحد يتوهم أنه مصيب في فعله، ولا يذهب ذاهب إلى
~~رشده في علمه، مع اتفاق الصحابة على التقاعد عن نصرته، وخلود جملتهم إلى
~~خذلانه، ولم يكن الله ليكلف وصي نبيه بما تتسرع العقول لأجله إلى الحكم
~~بخطئه، وتعجل الأفهام بسببه إلى نسبته لارتكاب ما لا يحل له، بخلاف ما إذا
~~نهض لجهاد القوم ومعه جماعة معروفون بالخير والصلاح من خيارا لصحابة يمنعون
~~حوزته، ويجالدون بين يديه، فإن العقول تتسرع إلى اعتقاد إصابته الحق لقيام
~~أولئك الرهط الأخيار دونه وبذلهم الجهد في طاعته وقتال مخالفه، وينضاف إلى
~~ذلك ما يعلمونه من قربه من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وما ms420 طرق
~~أذانهم من أقواله الجميلة فيه، فينشط إلى نصرته من يطلب الحق، ويدنو من
~~إجابته من يحب الصدق، وأقل الأمور أن يكون الناس بين مصوب له وواقف متردد
~~بين الأمرين، إلا أن الأكثر يكونون على تصويبه كما جرى له في أيام خلافته
~~ليسرع إلى نصرته من صوبه، ويقف عن قتاله من تردد في أمره وهو (عليه السلام)
~~طلب الناصر والمعين من ذوي السابقة فما أجابه إلا أربعة أو خمسة مما لا
~~تحصل بهم الكفاية ويقتلون في أول المنازلة، فكان يقول: (لو وجدت أربعين ذوي
~~عزم لناهضت القوم) وهذا هو السر في عدم إصغائه إلى قول أبي سفيان بن حرب إذ
~~عرض عليه نصرته لعلمه بأن الغرض لا يحصل بمثله، وهذه الوجوه الثلاثة من
~~جملة الأسرار التي لأجلها أوصاه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالكف
~~والصبر حتى يجد أربعين رجلا فصاعدا لا أقل من الأربعين، وتخصيص الأقل
~~بالأربعين من الأسرار الغيبية لم أجد إلى معرفتها سبيلا إلا بالظن
~~والتخمين، فعلمه مردود إلى أهله، فليس أمير المؤمنين PageV00P550
# (عليه السلام) إذ لم يقاتل القوم بنفسه حين لم يجد الناصر مصوبا لهم ولا
~~مرتكبا للمحظور بترك الانكار لما بيناه من لزوم القبح في تكليفه بالقتال
~~منفردا فكان الواجب عليه إذ ذاك أن يصبر ويكف ففعل ما وجب عليه كما هو
~~شأنه.
# الرابع إنه (عليه السلام) خاف من قتالهم بنفسه انمحاء دعوة الإسلام،
~~وارتداد العرب وذلك أن الناس حديثو عهد بجاهلية، ولم يرسخ الإسلام في
~~قلوبهم، على أن أكثرهم إنما أسلموا كرها وأنهم إذ جاءهم خبر وفاة رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) أظهر قوم الفرح، وارتدوا، وآخرون انتظروا حال أهل
~~المدينة من الصحابة هل يكون فيهم بعد النبي (صلى الله عليه وآله) من يقوم
~~بهذه الدعوة ويكون مطاعا متبوعا أم لا؟ فإن لم يصر أحد بهذه المثابة ارتدوا
~~ظاهرا، والأقل منهم من هو متمسك بالاسلام بنية صحيحة إلا أن دوامها لا يكون
~~إلا باستمرار الدين عند أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله)، ولا ms421 شك أن
~~الجماعة الذين توثبوا على أخذ حق أمير المؤمنين (عليه السلام) قد صحت
~~عزائمهم في قتاله إن نازعهم في الأمر ولم يسالمهم، فيلزم حينئذ من قتالهم
~~بنفسه إما قتله (عليه السلام) كما وجهناه في أول الوجوه، أو أن يبيدهم من
~~جديد الأرض فتجد العرب إلى ارتدادها سبيلا وتتخذ هذا الأمر على بطلان هذا
~~الدين حجة ودليلا ويعود الأمر إلى الجاهلية الأولى، ويفسد ما أصلحه النبي
~~(صلى الله عليه وآله وسلم)، وينهدم ما بناه في ثلاث وعشرين سنة في ساعة
~~واحدة، وقد دل على ذلك ما رواه ابن أبي الحديد من أن فاطمة (عليه السلام)
~~حرضت أمير المؤمنين (عليه السلام) يوما على النهوض والوثوب فسمع صوت المؤذن
~~أشهد أن محمدا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال لها: أيسرك زوال
~~هذا النداء من الأرض؟ قالت: لا قال: فإنه ما PageV00P551
# أقول لك (1) وقد ذكر (عليه السلام) ذلك كثيرا واعتذر لا عن تركه مناهضة
~~القوم بخوف أن تقع ثلمة في الإسلام لا تلتئم في جملة من خطبه وكلماته كما
~~هو مذكور في نهج البلاغة وغيره، ويكفي من ذلك هنا قوله في الخطبة التي
~~رواها أبو الحسن المدائني عن عبد الله بن جنادة وهو: (أما بعد، فإنه لما
~~قبض الله نبيه (صلى الله عليه وآله) قلنا، نحن أهله وورثته وعترته وأولياؤه
~~دون الناس لا ينازعنا سلطانه أحد، ولا يطمع في حقنا طامع، إذ انبرى لنا
~~قومنا فغصبونا سلطان نبينا (صلى الله عليه وآله) فصارت الإمرة لغيرنا،
~~وصرنا سوقة يطمع فينا الضعيف، ويتعزز علينا الذليل، فبكت الأعين منا لذلك،
~~وخشنت الصدور، وجزعت النفوس، وأيم الله لولا مخافة الفرقة بين المسلمين وأن
~~يعود الكفر، ويبور الدين لكنا على غير ما كنا لهم) (2) الخطبة.
# وفي أخرى رواها الكلبي: (إن الله لما قبض نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~استأثرت علينا قريش بالأمر، ودفعتنا عن حق نحن أحق به من الناس كافة، فرأيت
~~أن الصبر على ذلك أفضل من تفريق كلمة المسلمين، وسفك دمائهم، والناس حديثو ms422
~~عهد بالاسلام، والدين يمخض مخض الوطب يفسده أدنى وهن يعكسه أقل خلق) (3)
~~الخطبة.. ذكرهما جميعا ابن أبي الحديد في شرحه وهما صريحتان فيما نقول من
~~اغتصاب القوم حقه وميراثه، وإنه ترك قتالهم حذرا من زوال كلمة الإسلام،
~~وعود الأمر إلى إنكار الربوبية والرسالة، ومن المتيقن أن إنكار الإمام مع
~~الإقرار بالله وبالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإن أوجب الضلال إلا أنه
~~أقل قبحا وأهون
# PageV00P552
# ضررا من إنكار الجميع، فهو قد ترك قتالهم ارتكابا لأقل الضررين في الدين
~~كما هو الواجب فيما إذا تعارض الضرران أن يرتكب أقلهما قبحا فأمير المؤمنين
~~فعل ما هو تكليفه في ذلك الوقت بخلاف حاله في زمان خلافته، فإنه ليس هناك
~~إلا إنكار الإمام والضرر الأعظم مأمون من وقوعه، فقاتل لرفع ذلك الضرر عن
~~الدين، وهذا كله بخلاف ما لو وجد في أول الأمر أعوانا وأنصارا فإن كثيرا من
~~الناس إذا رأوا انتصاره ينحازون إليه، ويكثرون عنده لأن الناس مع الظاهر
~~الغالب ومن في نفسه شك أو ريبة تزول فتبقى الدعوة قائمة مستمرة، ومن ارتد
~~من العرب بعث إليه من يقاتله من جنود المسلمين فيستقيم أمر الملة، ولا يحصل
~~الضرر بزوال كلمة الإسلام، لكنه لم يجد الأنصار إذ طلبهم فكف وسكت حذرا من
~~لزوم ذلك اللازم الأعظم ضررا على الدين.
# الخامس ما روي عن سيدنا أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)
~~من طرقنا حين سأل ألم يكن علي (عليه السلام) قويا في بدنه قويا في أمر
~~الله؟ فقال: بلى قيل: ما منعه أن يدفع أو يمتنع قال سألت فافهم الجواب، منع
~~عليا (عليه السلام) من ذلك آية من كتاب الله فقيل وأية آية فقرأ: [لو
~~تزيلوا] (1) الآية إنه كان لله تعالى ودائع مؤمنون في أصلاب قوم كافرين
~~ومنافقين، فلم يكن علي (عليه السلام) ليقتل الآباء حتى تخرج الودائع فلما
~~خرجت ظهر على من ظهر وقتله وكذلك قائمنا أهل البيت لن يظهر أبدا حتى تخرج
~~ودائع الله، فإذا خرجت يظهر على من يظهر ms423 فيقتله (2) وفي هذا إشارة صريحة
~~إلى أن عناية الله تعالى بإخراج المؤمن من حيز العدم إلى عالم الوجود
~~التكليفي أشد من عنايته بقتل الكافر وإزالة كفره، كما أن عنايته
# PageV00P553
# بحفظ المؤمن وحقن دمه أشد من عنايته بقتل الكافر، ولذا كف الله أيدي
~~المسلمين من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن قتال أهل مكة، وأمره
~~بالصلح لوجود رجال مؤمنين ونساء مؤمنات قد أخفوا إيمانهم فلم يتميزوا من
~~الكفار، فلو كان ثم قتال لقتلوا وأصاب السبي النساء، فكان لآية المؤمنين
~~والمؤمنات عن القتل والسبي أثر عند الله تعالى من قتل الكافرين، وسبي
~~الكفارات فقال تعالى: [وهو الذي كف أيديهم عنكم] إلى قوله: [ولولا رجال
~~مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل
~~الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما] (1)
~~وإذا جاز النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ترك قتال الكفار لحفظ دم بعض
~~المؤمنين، وصيانة بعض المؤمنات عن السبي، فأولى بأن يجوز لعلي (عليه
~~السلام) ترك القتال لخروج تلك الذرية المؤمنين من أصلابهم، وهكذا لم تزل
~~أفعاله (عليه السلام) تابعة لأفعال رسول الله في كل الأحوال، وهذا بحمد
~~الله ظاهر بين، فزال بهذه الوجوه الإشكال وسقط السؤال، وذهب الإعضال، وتبين
~~صدق مقالنا وحقية مذهبنا، وسلامة طريقتنا من التعسف والميل عن الصواب،
~~والانحراف عن الصراط، وذلك بنعمة الله وفضله.
# فائدة مهمة في بيان بطلان دعوى القوم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) أمر أبا بكر بالصلاة وذلك من ثلاث جهات.
# الأولى ما أشرنا إليه في مطاوي هذا الكتاب من إنكار أمير المؤمنين ذلك
~~ونسبته صدور الأمر بالصلاة إلى عائشة من تلقاء نفسها من غير رضا من النبي
~~(صلى الله عليه وآله) وقد روى الخصم (2) عن جملة من أصحابه ذلك
# PageV00P554
# عن أمير المؤمنين وصححوه عنه ورووا عنه أيضا أن قول رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله وسلم): (إنكن كصويحبات يوسف) في عائشة وحفصة حيث أمرت كل واحدة
~~منهما بلالا ms424 أن يأمر أباها أن يصلي بالناس، يعني إن صويحبات يوسف كذبن عليه
~~في رميهن له بإرادة الفاحشة وإن المرأتين كذبتا على رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) في تأمير أبويهما بالصلاة فإذا صح عندهم النقل بهذا كله عن أمير
~~المؤمنين (عليه السلام) كما هو عندنا وجب أن تكون دعوى أمر رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) أبا بكر بالصلاة كاذبة لأن عليا (عليه السلام) ينكرها وهو
~~لا ينكر حقا ولا يكذب صدقا لأنه مع الحق دائما بنص الرسول (صلى الله عليه
~~وآله) لا ينكر ذلك ولا يرتاب فيه إلا من ليس بمؤمن ولا مسلم وحيث أن عليا
~~أنكر صدور الأمر من رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأبي بكر بالصلاة وجب
~~أن يكون غير صادر ولا واقع وصح أن مدعيه مبطل.
# الثانية إنهم اتفقوا على أن أبا بكر وعمر وأبا عبيدة كانوا في بعث أسامة
~~إلا ما كان من شاذ متعصب من الرواة لا يعبأ به وقد اتفقت رواياتهم على أن
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد حثهم على المسير ونهاهم عن التأخير
~~كما قدمنا رواية ذلك، وهذا يدل على عدم جواز الأمر من النبي (صلى الله عليه
~~وآله) لأبي بكر بالصلاة وذلك إن أمر الحاضرين بالصلاة خلف رجل يقتضي يقينا
~~كونه حاضر البلد متمكنا شرعا وعقلا من حضور المسجد غير ممنوع بشئ من
~~الموانع، وليس يجوز ولا يعقل أن يأمر الحاضرون بالصلاة خلف رجل غير حاضر
~~البلد، ولا متمكن من الحضور حالة الأمر في المسجد، لأنه قد وجب عليه السفر
~~شرعا فهو ممنوع من حضور المسجد، فلو ترك الرحيل وحضر البلد لكان عاصيا وإذا
~~كان النبي (صلى PageV00P555
# الله عليه وآله وسلم) قد أمر أبا بكر بالنفوذ كغيره في جيش أسامة ونهاهم
~~عن تأخير المسير، وحثهم على تعجيل الرحيل، ولعن المتخلف من المأمورين عن
~~الجيش، وعلم أنهم خرجوا من المدينة فكيف يجوز أن يصدر منه الأمر بصلاة
~~حاضري البلد خلف ذلك الرجل المسافر الذي أوجب عليه في تلك ms425 الحال مفارقة
~~البلد والبعد عنها وأي عاقل يخفي عليه التناقض الشديد والتمانع البعيد بين
~~الأمرين، وأي فطن يجوز صدور مثل هذا التناقض من عاقل فكيف يصدر عن سيد
~~المرسلين وأفضل المخلوقين حيث يقول لحاضري المدينة صلوا في مسجدي خلف فلان
~~الذي أوجبت عليه المسير حالة الصلاة إلى الشام ونهيته عن اللبث في المدينة
~~أو يقول للرجل الذي هذا حاله أحضر وقت الصلاة في المسجد وصل بالناس وقد
~~حرمت عليك في ذلك الوقت دخول المدينة مضافا إلى أن رواياتهم مصرحة بأن أبا
~~بكر وعمر كانا خارج المدينة في الوقت الذي ادعوا أن رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) أمر أبا بكر بالصلاة فيه ففي الرواية التي قدمناها بعد قول
~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (نفذوا بعث أسامة لعن الله من تخلف عنه)
~~ويكرر ذلك ما نصه فخرج أسامة واللواء على رأسه والصحابة بين يديه حتى إذا
~~كان بالجرف (1) نزل ومعه أبو بكر وعمر وأكثر المهاجرين ومن الأنصار أسيد بن
~~حضير (2) وبشير بن سعد وغيرهم من الوجوه فجاءه رسول أم أيمن يقول له ادخل
~~فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يموت فقام من فوره فدخل المدينة
# PageV00P556
# واللواء معه، فجاء به حتى ركزه بباب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~ورسول الله قد مات في تلك الساعة، فما كان أبو بكر وعمر يخاطبان أسامة إلى
~~أن ماتا بالأمير (1) وفي رواية أخرى رواها ابن أبي الحديد أيضا وفيها بعد
~~ذكر طعن القوم على النبي (صلى الله عليه وآله) في تأمير أسامة على جلة
~~الصحابة وخروج النبي (صلى الله عليه وآله) بعد أن بلغه ذلك عنهم وخطبته
~~فيهم وما قال فيها: (لأن طعنتم في تأميري أسامة فقط طعنتم في تأميري أباه
~~من قبل) (2) في كلام مر في أبحاث هذا الكتاب ما هذا لفظه: وجاء المسلمون
~~يودعون رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويمضون إلى عسكر أسامة بالجرف، وثقل
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) واشتد ما يجده فأرسل بعض نسائه إلى ms426
~~أسامة وبعض من كان معه يعلمونهم ذلك، فدخل أسامة من معسكره والنبي (صلى
~~الله عليه وآله وسلم) مغمور وهو اليوم الذي لدوه فيه فتطأطأ أسامة عليه
~~فقبله ورسول الله (صلى الله عليه وآله) قد اسكت فهو لا يتكلم فجعل يرفع
~~يديه إلى السماء ويضعهما على أسامة كالداعي له، ثم أشار إليه بالرجوع إلى
~~عسكره والتوجه لما بعثه فيه فرجع أسامة إلى عسكره، ثم أرسل نساء رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أسامة يأمرنه بالدخول ويقلن إن رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) قد أصبح بارئا، فدخل أسامة من معسكره يوم
~~الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول فوجد رسول الله (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) مفيقا فأمره بالخروج، وتعجيل النفوذ، وقال: (اغد علي بركة الله) وجعل
~~يقول: (أنفذوا بعث أسامة) ويكرر ذلك فودع رسول الله وخرج ومعه أبو بكر
~~وعمر، فلما ركب جاء رسول أم أيمن فقال إن رسول الله
# PageV00P557
# (صلى الله عليه وآله) يموت فأقبل ومعه أبو بكر وعمر وأبو عبيدة فانتهوا
~~إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين زالت الشمس من هذا اليوم وهو
~~الاثنين وقد مات واللواء مع بريدة بن الحصيب (1) فدخل باللواء فركزه عند
~~باب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو مغلق، وعلي (عليه السلام) وبعض بني
~~هاشم مشتغلون بإعداد جهازه (2)، وذكر في آخر الخبر إقعاد الأنصار سعدا في
~~السقيفة للبيعة، وسبق أبي بكر إياهم (3) بها، وهذان الخبران مشهوران
~~معلومان خصوصا عند الخصوم، وهما كما ترى مصرحان بأن أبا بكر أقبل قبل أن
~~يثقل مرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي حال ثقله وحال موته كان خارج
~~المدينة، وأنه لا يدخل إلا أحيانا مع أسامة بن زيد ويخرج معه فكيف يأمره
~~النبي (صلى الله عليه وآله) أن يصلي بالناس في المسجد وهو قد أمره أن يأتم
~~بأسامة خارج المدينة، وفي الطريق التي أمرهم بسلوكهم ذهابا وإيابا أفيأمره
~~بذا في حالة أمره بأن يؤم الناس في المسجد، وهل يسع أن يقع ms427 مثل هذا التضاد
~~والتعاند في أوامر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الحكيم مع استلزامه
~~تكليف ما لا يطاق، وكل ذلك لا يجري على مذهب المعتزلة ولا يتمشى على
~~قواعدهم وهذا يدل صريحا على بطلان ما ادعاه ابن أبي الحديد من أن أبا بكر
~~كان يصلي بالناس
# PageV00P558
# في مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~مريض يومين حتى قبض (صلى الله عليه وآله) (1)، ولم يكن صلى إلا صلاة واحدة
~~فقط ولا أدري متى صدر الأمر من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على أنه
~~وقت الأمر المدعى غير حاضر المسجد ولا هو داخل المدينة! وإنما هو خارج منها
~~ونازل بالجرف ملزوم بالصلاة خلف أسامة، ولا أدري من أخذوه ويعلم من هذا
~~بطلان ما ذكره بعض محدثيهم من أن أبا بكر ليس في جيش أسامة لأن تلك الرواية
~~مع معارضتها ما صح عند أكثرهم كما سمعته قد تضمنت أن أبا بكر كان معروفا
~~بأنه خليفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل موته وأنه بويع والنبي
~~(صلى الله عليه وآله) حي وهذا مخالف لما صح عليه الاتفاق من الأمة أن بيعة
~~أبي بكر إنما وقعت في السقيفة بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~فكيف تصح الرواية المخالفة لاتفاق الأمة، ويبطل أيضا ما ذكره قاضي القضاة
~~من استدلاله على أن أبا بكر ليس في جيش أسامة بأن النبي (صلى الله عليه
~~وآله) أمره بالصلاة وهو رد للروايات الصحيحة بالمشكوك فيه واستدلال
~~بالموهوم على بطلان المعلوم، وليس الاستدلال على أن أبا بكر ليس في بعث
~~أسامة بأن رسول الله أمره بالصلاة بأولى من الاستدلال على أن رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يأمره بها بأنه في ذلك البعث إن لم يكن هذا
~~أولى، ثم واعجباه من عبد الحميد المعتزلي في عدم اكتفائه لأبي بكر بصلاة
~~واحدة كغيره من الأقوام حتى ادعا له ما سمعت بعد روايته لذينك الخبرين فما
~~أكذب دعواه وما أشد تلبيسه، ms428 وأعظم تدليسه وما أكثر تلاعبه بدينه وحمايته
~~على باطله، وما أمضى عزيمته في تصحيح الأباطيل والأضاليل، وليس هذا بأغرب
~~من دعواه أن روح الله عيسى بن مريم (عليه السلام) كان يشرب الخمر، وكم له
~~مثل هذه الدعاوى.
# PageV00P559
# ومما يعجبني من كلامه في هذا المقام ما أورده في موضع من كتابه بعد نقل
~~رواية رواها هناك، وأنا أذكرها وأذكر كلامه بعدها في مطلبنا هذا ليتضح
~~للناظر صحة ما قلناه من أن هذا الرجل يعدل عن الحق على عمد وينصرف عن
~~الصواب على معرفة ويدخل في الباطل بغير شبهة.
# قال روى الأرقم بن شرحبيل قال سألت ابن عباس: هل أوصى رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله)؟ قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال في
~~مرضه: (ابعثوا إلى علي فادعوه) فقالت عائشة: لو بعثت إلى أبي بكر، وقالت
~~حفصة: لو بعثت إلى عمر فاجتمعوا عنده جميعا هكذا لفظ الخبر على ما أورده
~~الطبري في التاريخ (1) ولم يقل فبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~إليهما قال ابن عباس: فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (انصرفوا
~~فإن تكن لي حاجة أبعث إليكم) فانصرفوا، وقيل لرسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) الصلاة فقال: (مروا أبا بكر أن يصلي بالناس) فقالت عائشة إن أبا بكر
~~رجل رقيق فمر عمر، فقال مروا عمر فقال عمر ما كنت لأتقدم وأبو بكر شاهد،
~~فتقدم أبو بكر فوجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خفا فخرج فلما سمع
~~أبو بكر حركته تأخر فجذب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثوبه فأقامه
~~مكانه وقعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقرأ حيث انتهى أبو بكر قلت (2)
~~عندي في هذه الواقعة كلام ويعترضني فيها شكوك واشتباه إذا كان قد أراد أن
~~يبعث إلى علي عليه السلام) ليوصي إليه فنفست عائشة فسألت أن يحضر أبوها،
~~ونفست حفصة فسألت أن يحضر أبوها ثم حضرا ولم يطلبا فلا شبهة أن
# PageV00P560
# ابنتيهما طلبتاهما، هذا هو الظاهر، وقول رسول ms429 الله (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) وقد اجتمعوا كلهم عنده: (انصرفوا فإن تكن لي حاجة بعثت إليكم) قول من
~~عنده ضجر وغضب باطن لحضورهما وتهمة للنساء في استدعائهما فكيف يطابق هذا
~~الفعل وهذا القول ما روي أن عائشة قالت: لما عين أبوها للصلاة إن أبي رجل
~~رقيق فمر عمر وأين ذلك الحرص من هذا الاستعفاء والاستقالة؟ وهذا يوهم صحة
~~ما تقوله الشيعة من أن صلاة أبي بكر كانت عن أمر عائشة وإن كنت لا أقول
~~بذلك ولا أذهب إليه، إلا أن تأمل هذا الخبر ولمح مضمونه يوهم ذلك هذا كلامه
~~وهو مصرح بإرادة النبي (صلى الله عليه وآله) الوصية إلى علي (عليه السلام)
~~وباستفادته من الخبر مع ذلك صحة ما تقوله الشيعة من أن صلاة أبي بكر كانت
~~عن أمر عائشة، ثم يقول: أن لا يقول بذلك ولا يذهب إليه، وانظر إلى قوله: إن
~~قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) (انصرفوا) إلى أن قال: قول من عنده ضجر
~~وغضب باطن لحضورهما وتهمة للنساء في استدعائهم، ثم هو يقول برضا رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) بخلافتهما ورضاه عن بنتيهما ومن يضجر رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله وسلم) ويغضب من حضوره لئلا يسمع وصيته على شخص آخر ويتهم من
~~أحضره كيف يأمره بالصلاة بالناس وكيف يرض بتخلفه من بعده على أمته، وكيف
~~يكون راضيا على من أحضره، وهذا يدلك على أن هذا الرجل وأشباهه يتركون العمل
~~بأخبارهم إذا وافقت أقوال أئمتنا (عليهم السلام) ومذاهب أصحابنا، ويضربون
~~عنها صفحا، ولولا ذلك لما قال بعد فهمه صحة قولنا من الخبر أنه لا يقول به
~~ولا يذهب إليه وهذه الطريقة بعينها هي التي أنكروا بها النص على أمير
~~المؤمنين (عليه السلام) مع روايتهم الكثير الوافر منه، وهي عين العصبية
~~وإذا روي لهم ما يخالف مذهبنا وإن كان عمن يحكمون بفسقه تلقوه بالقبول،
~~وأذعنوا له تمام الاذعان، ورضوا به غاية PageV00P561
# الرضا، وذلك دليل ما نسبناه إليهم من تعمدهم ارتكاب الخطأ وترك الصواب،
~~ولو ms430 أنهم تركوا التعصب والعناد وعملوا بما دل من أخبارهم على صحة قولنا إذن
~~لارتفع الخلاف، وحصل الائتلاف فإنها كثيرة ومخالفها ضعيف، ولو لم يكن من
~~ضعفه إلا الخلاف في صحته بيننا وبينهم بل بينهم في بعضها والاتفاق على صحة
~~الموافق منا ومنهم لكفى، فإن الاجتماع أقوى أسباب الترجيح وأوثق المرجحات
~~عند جميع الأصوليين، بل عند جميع الأمة لا يشك فيه أحد لكنهم ارتكبوا خلاف
~~التحقيق، وأخلدوا إلى الشك، ونبذوا اليقين فقامت منهم سوق الخلاف على ساق
~~فالحاكم الله بيننا وبينهم يوم فصل القضاء.
# الثالثة اختلاف رواياتهم الواردة في أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) أبا بكر بالصلاة لفظا ومضمونا بما يدل على كذبها وبطلانها واصطناعها
~~ووجوب رفع اليد عنها، ففي رواية ابن أبي مليكة عن عائشة: أن بلالا لما نادى
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالصلاة قال قولوا له: (فليقل لأبي
~~بكر يصلي بالناس) وأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد خرج يتهادى بين
~~علي (عليه السلام) والفضل بن العباس وأن أبا بكر أراد التنحي عن مقامه لما
~~أحس برسول الله (صلى الله عليه وآله) فدفعه رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~فأقامه مقامه، وقعد إلى جانبه فجعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) يكبر
~~والناس يكبرون بتكبير أبي بكر، قالت: فصلى رسول الله (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) بالناس (1).
# وفي الحديث المتقدم عن الأرقم عن ابن عباس أن رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) أمر أبا بكر ثم عمر بمشورة عائشة، وأن رسول الله خرج فصلى
~~بالناس، وفيه تصريح بمخالفة عمر لرسول الله (صلى الله عليه وآله
# PageV00P562
# وسلم) حيث أمره بالتقدم فلم يتقدم وقدم أبا بكر، وأن أبا بكر تقدم بعد
~~نسخ أمره بالصلاة بأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) عمر بها فكانت صلاته
~~بأمر عمر لا بأمر النبي (صلى الله عليه وآله) وهذا المعنى مما لم يلتفت
~~إليه ابن أبي الحديد ولا لحظه، إما لعدم تفطن أو لإخفاء وكلا الخبرين دال ms431
~~على أن النبي (صلى الله عليه وآله) عزله من إمامة الصلاة وجعله مسمعا الناس
~~التكبير، وهذا يدل على أنه لو أمر أبا بكر بالصلاة لما جاز عزله عنها لأنه
~~يكون نسخا للأمر قبل تقضي زمان العلم به وهو غير مجوز عند العدلية منا ومن
~~المعتزلة، فآخر الحديثين يعارض أولهما وكل منهما مخالف للآخر في كيفية صدور
~~الأمر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالصلاة خلف الرجل مع ما في حديث
~~الأرقم من النقص العظيم على الشيخين الذي بينه ابن أبي الحديد وأوضحناه نحن
~~وهو دليل واضح على كذب الخبرين.
# وفي الخبر الذي رواه الخصم بإسناده عن الزهري عن أنس بن مالك قال: لما
~~مرض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مرضه الذي مات فيه أتاه بلال
~~يؤذنه بالصلاة فقال بعد مرتين: (يا بلال قد أبلغت فمن شاء فليصل بالناس ومن
~~شاء فليدع) قال: ورفعت الستور عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~فنظرنا إليه كأنه ورقة بيضاء عليه خميصة له فرجع إليه بلال فقال: (مروا أبا
~~بكر فليصل بالناس) قال: رأيناه بعد ذلك (1) مخالفة للأولين في كيفية صدور
~~الأمر وفي عدم خروج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإن أبا بكر أتم
~~الصلاة بالناس، فإن صح الأولان بطل هذا، وإن صح هذا بطل الأولان لا محالة.
# وفي حديث عبد الله بن عمر أنه جاء ابن أم مكتوم فأذن النبي (صلى الله
# PageV00P563
# عليه وآله وسلم) في مرضه الذي مات فيه بالصلاة الأولى فلم يستطع أن يقوم
~~من شدة المرض فقال له: (قل لأبي بكر يقيم للناس صلاتهم) وإن عائشة طلبت من
~~النبي (صلى الله عليه وآله) إقالة أبيها من ذلك، وإن ابن أم مكتوم انتظر ما
~~يكون من جواب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له: (مر أبا بكر أن
~~يقيم للناس صلواتهم) ولم يجب عائشة بشئ فنظرت عائشة إلى حفصة وأشارت إليها
~~أن تسأله أن يأمر أباها فقالت: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله ms432 وسلم) لو
~~أمرت عمر فصفق رسول الله بيده وقال: (إنكن صويحبات يوسف) (1) مخالفة للجميع
~~في أن المؤذن للنبي (صلى الله عليه وآله) هو عبد الله بن أم مكتوم، وفي
~~كيفية صدور الأمر ومخالفة المرأتين رسول الله حتى أغضبتاه وهذا الخبر أكذب
~~الأخبار في هذا الباب ومن أشد مخالفته للأخبار الأول قوله في آخره: فكان
~~أبو بكر يقيم الناس صلاتهم أياما حتى قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله
~~وسلم)، ووجه المخالفة اشتمال تلك الأخبار على أن الأمر كان في آخر مرض
~~النبي (صلى الله عليه وآله)، وأنه إنما ثقل عن الصلاة في آخر مرضه، واشتمال
~~هذا على وقوع الأمر أوساط مرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأن النبي
~~(صلى الله عليه وآله)، قد ثقل عن الصلاة في المسجد قبل موته بأيام، وجهة
~~أخرى وهي عدم ذكره خروج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعزله أبا بكر في
~~شئ من الصلاة واشتمال السابقة على ذلك.
# وفي حديث الزهري إن أول شكوى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في بيت
~~ميمونة وإنه قال لعبد الله بن عتبة: (قل للناس فليصلوا) فلقي عمر فقال: صل
~~بالناس فتقدم عمر فسمع النبي (صلى الله عليه وآله
# PageV00P564
# وسلم) فقال: (أليس هذا صوت عمر) قالوا نعم قال: (يأبى الله ذلك والمسلمون
~~فليصل بالناس أبو بكر) وفيه أن عائشة طلبت منه إقالة أبيها وراجعته في ذلك
~~مرتين أو ثلاثا فقال: (ليصل بالناس أبو بكر فإنكن صويحبات يوسف) (1) وهو
~~مخالف لجميع ما تقدم في جميع الوجوه فمن تأمل هذه الأخبار واختلافاتها، وما
~~فيها من التعارض والتدافع القاضيين عليها باختلاق علم أنها مزورة مصنوعة،
~~وتأكد عنده أن الصحيح ما رواه أصحابنا مما مضمونه أن عائشة وحفصة لما ثقل
~~مرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أرسلتا إلى أبويهما تخبرانهما بذلك
~~وهما خارج المدينة في جيش أسامة فدخلا المدينة ليلا ومعهما أبو عبيدة بعد
~~أن ذكروا لأسامة ما أذن لهم لأجله أن يدخلوا وأمرهم أن يخفوا أنفسهم لئلا
~~يرجع ms433 غيرهم من الجيش، وأنهم إن عوفي النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم رجعوا
~~إلى معسكرهم وإن حدث به حدث عرفوه حتى يدخل فيما يدخل فيه الناس، فلما كان
~~وقت الصلاة أرسلت عائشة إلى أبيها تأمره أن يتقدم إلى المحراب وأنها تأمر
~~بلالا أن يأمر الناس بالصلاة خلفه لتوهم الناس أن ذلك عن أمر رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) فيتم ما دبروا من الحيلة، وأن بلالا لما أتى
~~يؤذن النبي (صلى الله عليه وآله) بالصلاة قالت: لبلال إن رسول الله قد ثقل
~~ورأسه في حجر علي (عليه السلام) فمر أبا بكر ليصلي بالناس فلما رأت حفصة
~~ذلك قالت: مر عمر ليصلي بالناس، فسمع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك
~~منهما فقال: (إنكن كصويحبات يوسف) فأغمي عليه فخرج بلال وهو يظن أن قول
~~عائشة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: للناس صلوا خلف أبي
~~بكر فتمت الشبهة، فلما أفاق النبي (صلى الله عليه وآله) وسمع تكبير أبي بكر
~~خرج متحاملا يتهادى بين
# PageV00P565
# علي والفضل بن العباس لتلافي الأمر وإزالة الشبهة فعزل أبا بكر ونحاه
~~قصدا لذلك فما زالت الشبهة ولا ذهبت.
# وقد ذكر ابن أبي الحديد عن بعض أصحابه وهو شيخه أبو يعقوب يوسف بن
~~إسماعيل اللمعاني أن رجوع أبي بكر من جيش أسامة كان بإرسال عائشة إليه بأن
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) يموت وأن خروج النبي (صلى الله عليه وآله)
~~في تلك الحال لما ذكرناه من قصده عزل أبي بكر عن الصلاة لئلا تكون شبهة له
~~في دعوى الخلافة فما تم له ما أراد، ويصدق ذلك ما ورد في رواياتهم المتقدمة
~~لقد أقر الرجل المزبور بأن جملة من محدثيهم قائلون أن النبي (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) نحى أبا بكر وصلى بالناس، وقال في موضع من كتابه: ثم جرى حديث
~~صلاة أبي بكر بالناس فتزعم الشيعة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم
~~يأمر بذلك، وأنه إنما صلى بالناس عن أمر عائشة ms434 ابنته، وأن رسول الله خرج
~~متحاملا وهو مثقل فنحاه عن المحراب وزعم معظم المحدثين أن ذلك كان عن أمر
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقوله، ثم اختلفوا فمنهم من قال نحاه
~~وصلى هو بالناس، ومنهم من قال: بل ائتم بأبي بكر كسائر الناس، ومنهم من قال
~~كان الناس يصلون بصلاة أبي بكر وأبو بكر يصلي بصلاة رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) (1) انتهى.
# قلت أما القول الأول فهو موافق لقول الشيعة ومن المحال أن يأمر النبي
~~(صلى الله عليه وآله) أبا بكر بالصلاة ثم يخرج متحاملا لينحيه ويعزله بل
~~المعروف أن فعله هذا يدل على أن صلاة أبي بكر ليست عن أمره، وأنه إنما خرج
~~على تلك الحال لإزالة الشبهة كما ذكرناه أولا، ويدل خروجه أيضا
# PageV00P566
# على الحال المذكورة على أن في نفسه غضبا شديدا من فعل الرجل ومن أمره
~~لتقدم.
# وأما الثالث فهو أيضا موافق لنا في عزل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~أبا بكر عن الإمامة وجعله مبلغا يبلغ الناس التكبير للركوع والسجود، إذ لا
~~يجوز أن يكون في الصلاة إمامان، فهو راجع إلى القول الأول فلم يبق إلا
~~الثاني وهو مع ضعفه لمخالفته اتفاق معظم الأمة وقلة القائل به لا يوافق
~~شيئا من رواياتهم، فكيف يصح الاعتماد على هذه الروايات والأقوال مع ما
~~سمعته فيها من الاختلاف؟ ومن أين يحصل الظن فضلا عن القطع بصحة دعوى القوم
~~أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر أبا بكر بالصلاة وحال رواياتهم
~~التي استندوا إليها فيها وأقوالهم ما رأيت؟
# فلا شك أنها بملاحظة الجهات الثلاث المذكورة تكون واضحة البطلان، منهدمة
~~الأركان، على أن بعض المصنفين قد نقل عن كثير من أهل الرواية علماء
~~المعتزلة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما ثقل جاء بلال ليؤذنه
~~بالصلاة فقالت عائشة: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثقيل قد أغمي عليه
~~فلا تؤذه، وقل لأبي بكر فليصل بالناس فخرج إليه فأخبره، فتقدم فسمع النبي
~~(صلى الله ms435 عليه وآله) صوته فقال: (ما هذا) فقالت عائشة أنا أمرت أبا بكر أن
~~يصلي بالناس، فقال: (إنكن صويحبات يوسف) وأخذ بيد علي يتوكأ عليه فخرج
~~وأخرج أبا بكر من الصلاة وصلى بالناس ومات من يومه وهذه الرواية توافق
~~مضمون القصة وتطابق خروج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) متحاملا في حال
~~شدة المرض، وهي مبطلة لدعواهم ويشهد لصحتها ما رواه ابن أبي الحديد عن شيخه
~~من أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما روى قال: (ليصل بهم أحدهم) ولم
~~يعين وكانت صلاة الصبح فخرج رسول الله (صلى الله عليه PageV00P567
# وآله وسلم) وهو في آخر رمق يتهادى بين علي والفضل بن العباس حتى قام في
~~المحرب كما ورد في الخبر ثم دخل فمات ارتفاع الضحى هذا كلامه، وقد سمعت
~~السابق منه وقد ذكر ابن أبي الحديد أن هذا الشيخ كان شديد الاعتزال ولم يكن
~~يتشيع (1) وهذا القول دال أيضا على بطلان ما قاله: إن أبا بكر صلى بالناس
~~قبل موت النبي (صلى الله عليه وآله) بيومين، فهذا حال صلاته وقد سمعت ما
~~فيها من الكلام وبلغت إن شاء الله تعالى في إبطالها غاية المرام.
# واعلم أنه ليس مرادنا من إقامة الدليل على بطلان ما ادعوا من كون صلاة
~~الرجل عن أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنها لو صحت أنها بأمر رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) لأوجب ذلك الإمامة أو كانت معارضة للنصوص
~~الواردة على إمامة علي (عليه السلام)، وإنما مرادنا توضيح بطلان تلك الدعوى
~~بالدليل، وبيان أن من تمسكوا بها واعتمدوا عليها تمسكوا بغير متمسك
~~واعتمدوا على غير معتمد لكنهم شبهوا بها على ضعفاء العقول، وناقصي الروية،
~~وشيدها من نصب العداوة لأهل البيت، ورام التوصل إلى اغتصاب مقامهم، ولو أن
~~ذلك كان صحيحا لم يقتض نصا على إمامة الرجل لأن النبي (صلى الله عليه وآله)
~~أمر جماعة كثيرة من أصحابه يصلون بالناس فأمر تارة على المشايخ الثلاثة
~~وغيرهم أبا عبيدة، وأخرى عمرو بن العاص، وخالد بن الوليد ms436 وتارة عليهم وعلى
~~أبي عبيدة معهم أسامة بن زيد وصلوا خلفهم، واستخلف على المدينة في غزواته
~~وسفره رجالا من أصحابه كابن أم مكتوم وغيره، واستخلف في غزوة تبوك عليها
~~أمير المؤمنين، واستخلف على مكة عتاب بن أسيد الأموي يصلي بالناس، وغير
~~هؤلاء ممن استعملهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) على
# PageV00P568
# السرايا وعلى البلدان ولم يجعل أحد من مخالفينا صلاة أحد من أولئك بالناس
~~نصا على إمامته ولا مومية إليها، بل ولا يجعلون لواحد منهم فضلا بها ولا
~~يذكرونه بها في مدح ولا تشريف، فما الفارق بين صلاة أبي بكر بالناس لو صح
~~أنها بأمر الرسول (صلى الله عليه وآله) وبين صلاة أولئك المذكورين، على أن
~~الخصوم قد رووا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) صلى خلف عبد الرحمن
~~بن عوف حيث انتهى (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى محل، وعبد الرحمن يصلي
~~بقوم هناك (1) وهذا أعظم منزلة من صلاة أبي بكر بالناس بأمره (صلى الله
~~عليه وآله) وما رأينا عمر ولا غيره جعلوا لعبد الرحمن خلافة بهذا فكيف
~~أوجبت صلاة الإشارة إلى أبي بكر بالخلافة فإن تقع من النصوص الواردة في
~~استخلاف أمير المؤمنين (عليه السلام)؟ ومن أي وجه تقوى على معارضتها؟ هذا
~~كله مع جواز أن يكون التقدم لأبي بكر ما لم يكن على حاضرا أو متمكنا من
~~الحضور، ومن المتفق عليه أن عليا (عليه السلام) لم يكن حاضر المسجد وكان
~~مشغولا بتمريض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يفارقه، خصوصا في
~~ذلك الوقت الذي ثقل فيه حاله كما يدل عليه ما في الروايات من أن النبي (صلى
~~الله عليه وآله) خرج يتوكأ عليه وعلى الفضل بن العباس، فصرحت الروايات لو
~~صحت بأن أبا بكر لم يأمر بالتقدم على علي (عليه السلام) لأنه مع النبي (صلى
~~الله عليه وآله وسلم) فيختص جواز تقديمه بما إذا لم يكن علي (عليه السلام)
~~حاضرا كما أن تأمير النبي (صلى الله عليه وآله) الأمراء على الجيوش إذا لم ms437
~~يكن علي (عليه السلام) معهم فإذا كان معهم كان هو الأمير من قبله (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) على الكل، وهذا على مجاراة الخصم وجه جامع تزول به
~~المعارضة بين النصين لو صحت المعارضة، والكل - بعون الله وتسديده -
# PageV00P569
# ظاهر واضح والشك فيه زائل، والحمد لله على سلوك طريق الصواب.
# المسألة الثانية (1) في النص على إمامة العترة المحمدية وينبغي أولا بيان
~~معنى العترة ومن يطلق عليه هذا اللفظ من هذه الأمة على الحقيقة فنقول: قال
~~الشهاب الفيومي في المصباح المنير: العترة نسل الإنسان، قال الأزهري:
# وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: إن العترة ولد الرجل وذريته وعقبه من صلبه
~~ولا تعرف العرب من العترة غير ذلك، ويقال: رهطه الأدنون ويقال:
# أقرباؤه وعليه قول ابن السكيت: العترة والرهط بمعنى ورهط الرجل قومه
~~وقبيلته الأقربون انتهى وقد اختلفوا في عدد الرهط فقال الأكثر: هو ما دون
~~عشرة من الرجال ليس فيهم امرأة وهو قول أبي زيد، وقيل: من سبعة إلى عشرة
~~وقيل ما فوق العشرة إلى الأربعين وهو قول الأصمعي ونقله ابن فارس، وقيل: هو
~~بمعنى العشيرة وهو المنقول عن ابن السكيت وقريب منه على تأويل قول ثعلب ذكر
~~هذه الأقوال جميعها في المصباح (2) فعلى ما قال الأزهري وابن الأعرابي في
~~معنى العترة فالأمر ظاهر أن عترة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذريته من
~~فاطمة (عليها السلام) وعلى ما قيل أن العترة هي الرهط فعلى جميع الأقوال في
~~معنى الرهط تختص العترة ببني هاشم حتى على قول ابن السكيت، لأن أقرب الناس
~~إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بنو هاشم فهم قومه وعشيرته الأقربون
~~على الحقيقة دون باقي بطون قريش فما سواهم، إنما يقال له عترة النبي (صلى
~~الله عليه وآله) على طريق المجاز والتوسع في الألفاظ أو بالنسبة إلى الأبعد
~~كالقرشي بالنسبة إلى باقي بطون مضر، وكالمضري بالنسبة إلى الربيعي
~~والأيادي، وكالنزاري بالنسبة إلى القحطاني، وقد قال المعتزلي ذلك واعترف به
~~قال: وعترة النبي (صلى
# PageV00P570
# الله عليه وآله وسلم) أهله الأدنون ms438 ونسله، وليس بصحيح قول من قال إنهم
~~رهطه وإن بعدوا، وإنما قال أبو بكر يوم السقيفة أو بعده: نحن عترة رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) وبيضته التي تفقأت عنه، على طريق المجاز لأنهم
~~بالنسبة إلى الأنصار عترة له لا في الحقيقة، ألا ترى أن العدناني يفاخر
~~القحطاني، فيقول أنا ابن عم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليس يعني أنه
~~ابن عمه على الحقيقة وإنما هو بالإضافة إلى القحطاني ابن عمه (1) انتهى.
# وحكى أحمد بن يحيى الشيباني عن محمد بن عبد الجبار عن أبي العباس ثعلب عن
~~ابن الأعرابي: إن العترة ولد الضب وذريته من صلبه ولذلك سميت ذرية محمد
~~(صلى الله عليه وآله) من علي وفاطمة (عليهم السلام) عترة محمد قال ثعلب:
~~فقلت لابن الأعرابي: فما معنى قول أبي بكر في السقيفة: نحن عترة رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) قال: فإن قال أراد بلدته وبيضته وعترة محمد (صلى الله
~~عليه وآله) ولد فاطمة (2) انتهى.
# قلت: ويؤيد ذلك أن عليا (عليه السلام) لما احتج على أبي بكر وأصحابه
~~بالقرابة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) حيث احتجوا هم بها على الأنصار
~~لم يجيبوه بأنا وإياك جمعيا عترة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا
~~مزية لك علينا في ذلك بل سلموا له القرابة دونهم وأجابوه بغير ذلك من
~~الأعذار كحداثة السن وغير ذلك مما تقدم في الرواية، وهو ظاهر إن لم يكن
~~صريحا في أن المعروف عند العرب بحيث لا ينكر أن العترة هم الأدنون من الرجل
~~نسبا والأشدون به نوطا دون الأباعد في النسب وإن كانوا من القبيلة
~~والعشيرة، وأن إطلاق لفظ العترة على غيرهم إنما هو على
# PageV00P571
# ضرب من المجاز فعترة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هم الأقربون منه
~~وشيجة، والأدنون منه نسبا، من بني هاشم دون غيرهم من قريش، هذا باعتبار
~~اللغة العربية، وأما باعتبار العرف الشرعي فإن العترة هم أمير المؤمنين
~~(عليه السلام) وفاطمة وولداهما الحسن والحسين والأئمة من ذرية الحسين
~~(عليهم ms439 السلام) قال ابن أبي الحديد: وقد بين رسول الله (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) عترته من هي لما قال: (إني تارك فيكم الثقلين) فقال:
# (عترتي أهل بيتي) وبين من أهل بيته حين طرح عليهم كساء وقال حين نزلت:
~~[إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس]: (اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب الرجس
~~عنهم) فإن قلت: فمن هي العترة التي عناها أمير المؤمنين بهذا الكلام قلت:
~~نفسه ووالده والأصل في الحقيقة نفسه، لأن ولديه تابعان له ونسبتهما إليه
~~نسبة الكواكب المضيئة مع طلوع الشمس المشرقة، وقد نبه النبي (صلى الله عليه
~~وآله) على ذلك بقوله: (وأبوهما خير منهما) (1) انتهى.
# قلت عني المعتزلي بالكلام قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في الخطبة
~~التي هذا الكلام من جملة شرحها: (وكيف تعمهون وفيكم عترة نبيكم) وأما البيت
~~فسيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى.
# وقال في الصواعق: المراد باهل البيت والآل وذوي القربى في كل ما جاء في
~~فضلهم مؤمنو بني هاشم والمطلب وكان الثلاثة العترة فالألفاظ الأربعة بمعنى
~~واحد.
# قلت لعمري إن الألفاظ الأربعة بمعنى واحد، لكن ليس المراد منها إلا عليا
~~وفاطمة وابنيهما كما قال به أكثر القوم من المتقدمين والمتأخرين كأبي عامر
# PageV00P572
# الشعبي ويحيى بن يعمر وابن الأعرابي ومحمد بن طلحة الشافعي وظاهر الحسن
~~البصري، ويشهد لذلك ما روى أهل الصحاح ممن لا ينكر روايتهم معتزلي ولا
~~أشعري وهم الطبراني وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو الحسن البغوي في تفسيره
~~عن ابن عباس أنه لما نزلت: [قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى]
~~(1) قالوا: يا رسول الله من قرابتك الذين نزلت فيهم الآية قال:
# (علي وفاطمة وابناهما) ولفظ البغوي من هؤلاء الذين أمرنا الله بمودتهم
~~قال:
# (علي الخ) وغيره سيأتي على كثرته وهو مبطل لما قاله ابن حجر وما قال غيره
~~مما يخالف ما ذكرناه.
# وروى الديلمي عن ابن أبي سعيد أنه يعني النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~قال: (اشتد غضب الله على من آذاني في عترتي) (2) وروى أبو داود ms440 الطيالسي عن
~~عبد الرحمن بن عوف (وأوصيكم بعترتي خيرا وأن موعدكم الحوض) فالمعنى بهذا
~~علي (عليه السلام) وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)، وقد صح في
~~أخبارهم أن الحسن والحسين ذرية رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبنوه لصلبه
~~وقد تقدم أن العترة ذرية الرجل وعقبه من صلب.
# فمن ذلك ما رواه الطبراني مرفوعا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):
~~(إن الله جعل ذرية كل نبي من صلبه وجعل ذريتي في صلب علي بن أبي طالب) (3)
~~وأخرج الطبراني وغيره أنه (صلى الله عليه وآله
# PageV00P573
# وسلم) قال: (كل بني أم ينتمون إلى عصبتهم إلا ولد فاطمة فأنا وليهم وأنا
~~عصبتهم) (1).
# قال محمد الصبان الشافعي في إسعاف الراغبين وفي رواية صحيحة (كل بني أنثى
~~عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة فإني أنا أبوهم وعصبتهم) (2) إلى غير ذلك
~~ومما يدل على أن ذرية الحسين عترة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما
~~أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة والبيهقي وآخرون عنه (صلى الله
~~عليه وآله) (المهدي من عترتي) (3) وما أخرج أحمد والترمذي وأبو داود وابن
~~ماجة عن النبي (صلى الله عليه وآله): (لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث
~~الله فيه رجلا من عترتي يملأها عدلا كما ملئت جورا) (4) وأخرج الحاكم في
~~صحيحه عنه (صلى الله عليه وآله):
# (يحل بأمتي في آخر الزمان بلاء شديد من سلطانهم لم يسمع ببلاء أشد منه
~~حتى لا يجد الرجل ملجأ فيبعث الله رجلا من عترتي أهل بيتي يملأ الأرض قسطا
~~وعدلا) (5) الخبر.
# وأخرج أبو نعيم عنه (صلى الله عليه وآله): (ليبعثن الله رجلا من عترتي
~~أفرق الثنايا أجلا الجبهة يملأ الأرض عدلا يفيض المال فيضا) (6).
# PageV00P574
# وأخرج أحمد والماوردي أنه (صلى الله عليه وآله) قال: (أبشروا بالمهدي رجل
~~من قريش من عترتي يخرج في اختلاف من الناس وزلزال فيملأ الأرض عدلا وقسطا)
~~(1) الخبر إلى غير ذلك وكل هذه الأخبار مصرحة بأن المهدي من عترة رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) والمهدي من ذرية الحسين (عليه ms441 السلام) كما سنبينه،
~~فيكون ذرية الحسين من عترة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وذوي قرباه وأهل
~~بيته وآله، وبهذا يبطل ما ذكره المعتزلي من اختصاص العترة بعلي (عليه
~~السلام) والحسن والحسين، نعم إن أريد أنهم الأصل في العترة والأئمة بعدهم
~~تابعون لهم في ذلك كان صحيحا لا إشكال فيه، لأن وصلتهم بالنبي (صلى الله
~~عليه وآله) بسبب أولئك الكرام صلوات الله عليهم أجمعين.
# والإمامة يختص بها العترة بهذا المعنى الخاص لا بما يفيده أصل اللغة
~~العربية فيختص بها أطائب عترة علي (عليه السلام) وأبرار ذريته، لأن هؤلاء
~~هم عترة النبي (صلى الله عليه وآله) شرعا كما ذكرناه، وقد أشار أمير
~~المؤمنين (عليه السلام) إلى هذا في خطبة رواها المعتزلي عن شيخه الجاحظ عن
~~أبي عبيدة وهي طويلة ومحل الاستدلال منها قوله (عليه السلام):
# (ألا إن أبرار عترتي، وأطائب أرومتي، أحلم الناس صغارا، وأعلم الناس
~~كبارا ألا وإنا أهل بيت من علم الله علمنا، وبحكم الله حكمنا، ومن قول صادق
~~سمعنا فإن تتبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا) الخطبة (2) حيث جعل الاقتداء بهم
~~كالاقتداء ورتب عليه الاهتداء، وهذا الكلام مشير إلى أهل الطهارة والعلم
~~الغزير والحلم الواسع من ذريته (عليه السلام)، ولم يكن
# PageV00P575
# بهذا الوصف إلا أئمتنا المعروفون ذرية الحسين (عليهم السلام)، لأنهم
~~تميزوا عن جميع الذرية المحمدية والسلالة الحيدرية بغزارة العلم وسعة
~~الحلم، وصحة اليقين، وصدق النية، والزهد في الدنيا، شهد بذلك هم أولياؤهم
~~وأعداؤهم ومن قال بإمامتهم ومن لم يقل بها، هذا دليل واضح على صحة مذهب
~~الإمامية من أصحابنا ومبطل لما سواه من مذاهب فرق الشيعة وغيرهم، فالأئمة
~~الأحد عشر من ذرية أمير المؤمنين هم العترة بالمعنى الخاص، فما ورد من
~~النصوص الدالة على إمامة العترة فهو مختص بهم دون غيرهم من باقي الذرية،
~~وكما يختص بهم ما ورد من النص على العترة كذلك يختص بهم ما ورد من النص على
~~ذوي القربى وأهل البيت والآل بالمعنى الخاص لاتفاق الألفاظ الأربعة في
~~المعنى كما سمعت، والذي يدل على أن ms442 العترة بالمعنى الأخص مختص بالأئمة دون
~~سائر ذرية الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ما رواه ابن أبي الحديد عن
~~حلية الأولياء فيما تقدم من قول النبي (صلى الله عليه وآله) وليقتد بالأئمة
~~من بعدي فإنهم عترتي خلقوا من طينتي) الخبر فإنه صريح في أن العترة هم
~~الأئمة وأن الأئمة هم العترة، وأن من ليس من العترة ليس بإمام، ومن ليس
~~بإمام ليس من العترة لإفادة الحمل ذلك لأنه في القضية المذكورة بمعنى حمل
~~الشئ على الآخر على أنه هو هو لا الحمل المشهور ومثله قوله (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) في حديث الثقلين (كتاب الله وعترتي أهل بيتي) لمعلومية أن النبي
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يأمر الأمة بالتمسك إلا بمن كان من الذرية
~~معروفا بالطهارة والعلم والزهد والورع، معلوما بملازمة القرآن، غير مخالف
~~لأحكامه ولا صادف عنه إلى غيره من رأي أو قياس أو غير ذلك، ولا يكون كذلك
~~إلا من اجتباه الله وهداه وسدده وأيده، وهذه صفة الإمام على ما يقول
~~أصحابنا، وليس كل الذرية الفاطمية على الوصف لأن منهم من قاصر العلم، ومنهم
~~من لا علم له، ومنهم من ليس مرضيا مذهبه ولا محمودا هديه، فليس يجوز أن
~~PageV00P576
# يأمر النبي (صلى الله عليه وآله) بالتمسك بمثل هؤلاء، ولما كان العترة
~~يختص بها من أمر النبي (صلى الله عليه وآله) بالتمسك به، وهو يختص بمن جمع
~~أوصاف الإمامة كان الأئمة هم العترة والعترة هم الأئمة، وهم أهل البيت
~~أيضا، ويدل عليه أيضا قول أمير المؤمنين في الخطبة التي قدمنا ذكرها: (فإنه
~~لما قبض الله نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) قلنا نحن أهله وورثته وعترته)
~~(1) لظهور أنه (عليه السلام) لا يريد باستحقاق الإمامة وخلافة النبي (صلى
~~الله عليه وآله) إلا نفسه وولديه دون باقي بني هاشم كأخيه عقيل وغيره،
~~وسيأتي في ذكر النصوص ما يعاضد هذا الدليل ويزيد هذا المعنى توضيحا وبيانا،
~~وقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في المهدي (رجلا من عترتي) يعني أنه ms443
~~من الأئمة، لأنا نقول إنه خاتمهم وتمام عدتهم فلا نقض علينا به إذ ليس
~~يتعين أن المراد به رجلا من ذريتي، لأن المعنى الأول يقتضيه فصح من هذا أن
~~كلما ورد من النصوص القرآنية والنبوية الدالة على إمامة العترة أو ذوي
~~القربى أو أهل البيت أو الآل أو وجوب مودتهم أو التمسك بهم أو عصمتهم عن
~~مقارفة الذنوب فيراد بهم الأئمة (عليهم السلام) فهو شامل لهم بالتبعية وإن
~~كان موردها في أمير المؤمنين (عليه السلام) والحسنين بالأصالة للمماثلة
~~الحاصلة والمشابهة الصحيحة، وسيأتي للفظ ذوي القربى وأهل البيت والآل زيادة
~~توضيح وتصريح في ذكر الأدلة إن شاء الله بما يزيد شبهات المشبهين فترقب.
# إذا تقرر هذا فلنذكر النصوص على العترة، واعلم أنها أنواع.
# فمنها ما ورد بلفظ الإمامة وما ورد بلفظ التمسك ومنها ما ورد بلفظ
~~السيادة، ومنها ما ورد بلفظ المودة والمحبة وغير ذلك، وسنذكرها مفصلة.
# PageV00P577
# فما ورد بلفظ الإمامة الحديث المتقدم عن الحلية وهو قول النبي (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) (من سره أن يحيى حياتي ويموت مماتي ويسكن جنة عدن التي
~~غرسها ربي فليوال عليا من بعدي وليوال وليه وليقتد بالأئمة من بعدي فإنهم
~~عترتي، خلقوا من فاضل طينتي، ورزقوا فهما وعلما فويل للمكذبين من أمتي
~~القاطعين فيهم صلتي لا أنالهم الله شفاعتي وهذا الخبر صريح في النص على
~~إمامة العترة الطاهرة بما لا مزيد عليه من الصراحة وذلك من وجوه.
# الأول إيجابه الاقتداء بهم ولا يجب الاقتداء عينا إلا بالإمام.
# الثاني تسميتهم أئمة وهو أصرح الألفاظ في الإمامة العامة، إذ من المعلوم
~~أنه لا يريد هنا مطلق الأئمة كإمام الجماعة وإمام الحاج وأمراء البلدان
~~والجيوش والفقهاء ولا يحتمل كلامه ذلك لأن وصفهم بأنهم عترته وما بعده من
~~الأوصاف موجب لإخراج المذكورين منهم، ويخصص الأئمة بالخلفاء المستحقين
~~لمقامه.
# الثالث خلقهم من فاضل طينته فإنه يدل على الوصلة التامة والمماثلة الخاصة
~~كما ذكرنا سابقا في خلق علي من نور النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وذلك
~~يقتضي كونهم قائمين ms444 مقامه وحالين في منزلته وحيث امتنعت فيهم النبوة لختمها
~~به فهم قائمون مقامه في الإمامة فيكونون خلفاءه على الأمة.
# الرابع قوله: (رزقوا فهما وعلما) فإنه مصرح بأنهم كانوا مستحقين للإمامة
~~لأن الله اختصهم بالفهم والعلم فهم أحق بمنصب الرسول (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) وأولى بخلافته ممن ليس له هذه الصفة وفيه إشارة إلى أنه لا يجوز لمن
~~يجهل شيئا من أمر الأمة في دينهم أن يكون إماما وهو حقيقة قول أصحابنا
~~ونصه. PageV00P578
# الخامس قوله: (فويل للمكذبين من أمتي) الخ فإنه صريح في أن من كذب
~~بإمامتهم فقد استحق الويل وقطع صلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان
~~أهلا لحرمان الشفاعة والخلود في الهاوية، فهو في مقابلة المقتدي فإنه مستحق
~~لأن يحيى حياة النبي (صلى الله عليه وآله) ويموت مماته ويدخل جنة عدن التي
~~غرسها ربه وأي نص أصرح من هذا النص في الإمامة لولا تنكب القوم الطريق
~~وسلوكهم في المضيق.
# ومنه قول النبي (صلى الله عليه وآله) للحسن والحسين (عليهما السلام):
~~(أنتما الإمامان ولأمكما الشفاعة) في حديث رواه في المناقب مختصر مناقب
~~الحافظ أبي عبد الله محمد بن يوسف البلخي الشافعي نقلا من مسند أحمد بن
~~حنبل (1) وهو صريح في المطلوب لا يحتاج إلى بيان.
# وما ورد بلفظ التمسك الخبر المتواتر وهو قول النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) في خطبته: (أيها الناس إنما أنا بشر مثلكم يوشك أن يأتيني رسول ربي
~~فأجيب، وإني تارك فيكم ثقلين كتاب الله فيه الهدى والنور فتمسكوا بكتاب
~~الله عز وجل وخذوا به وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في
~~أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي) وفي رواية:
# (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي) والروايتان بهذا اللفظ لمسلم
~~بن الحجاج القشيري في صحيحه (2) وأما لفظ أحمد بن حنبل فهذا: (إني أوشك أن
~~أدعى فأجيب وإني تارك فيكم الثقلين كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى
~~الأرض، وعترتي أهل بيتي وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى ms445 يردا
~~على الحوض فانظروا بما تخلفوني فيهما) (3) ولفظ ابن أبي
# PageV00P579
# الحديد: (خلفت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي حبلان ممدودان من
~~السماء إلى الأرض لا يفترقان حتى يردا على الحوض) وفي رواية: (قد خلفت فيكم
~~ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وأهل بيتي) إلى تمام الأول وفيه
~~زيادة (حوضي ما بين بصرى وصنعاء عدد آنيته عدد النجوم إن الله مسائلكم كيف
~~خلفتموني في كتابه وأهل بيتي) وهذا اللفظ للزهري وذكره في حديث الغدير وهذا
~~الخبر على اختلاف لفظ رواته صريح في النص على العترة بالإمامة وإنه (صلى
~~الله عليه وآله) عهد بذلك إلى الناس حين تحقق دنو انتقاله من الدنيا إلى
~~الرفيق الأعلى، ألا ترى إلى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) (يوشك أن
~~يأتيني رسول ربي) و (أوشك أن أدعى فأجيب) فإنه مشعر بذلك ومنبه لهم على قرب
~~رحيله عنهم، لأن أوشك فعل معناه المقاربة ومشارفة الأمر، وأصرح منه في ذلك
~~قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في رواية أبي الفتوح أسعد بن أبي الفضائل
~~في كتابه الموجز في فضل الخلفاء الأربعة: (أيها الناس إني قد نبأني اللطيف
~~الخبير أنه لن يعمر نبي إلا نصف عمر النبي الذي كان قبله، وإني لأظن بأني
~~أدعى فأجيب) الخبر (1) فأوصاهم بالتمسك بالكتاب والعترة، ولا معنى للتمسك
~~إلا الأخذ بأحكامهما والرجوع إليها عند الاختلاف، فهذا معنى الإمامة،
~~فالكتاب الإمام الصامت، والعترة الإمام الناطق، كل منهما يصدق صاحبه، فلا
~~يجوز لأحد مخالفة واحد منهما وبين (صلى الله عليه وآله) أن التمسك بهما
~~عاصم من الضلالة ومخالفتهما موجبة للهلاك، وصرح بأنهما حبلان ممدودان من
~~السماء إلى الأرض، فهما وصلة بين الله وبين خلقه، من اقتدى بهما توصل إلى
~~مرضاة الله، ومن تركهما باء بسخط من الله، إذ لا سبب إلى الله بعد
# PageV00P580
# النبي (صلى الله عليه وآله) غيرهما، فأي دليل على الإمامة ووجوب الطاعة
~~وتحريم عصيان العترة أدل من هذا وبه يبطل قول من قال: إن النبي (صلى الله
~~عليه وآله) ms446 لم يوص، أفليست هذه وصية صريحة وإيجاب طاعة للعترة على الناس
~~ظاهرا، فأبلغ شاهد من هذا يريد منا الخصوم كابن أبي الحديد وأشباهه من
~~المنكرين النص وتأمل إلى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) (أذكركم الله في
~~أهل بيتي) ويكررها ثلاثا وقوله: (فانظروا كيف تخلفوني فيهما) وقوله: (إن
~~الله مسائلكم كيف خلفتموني في كتابه وأهل بيتي) فإنك تجده صريحا في التوصية
~~بطاعتهم، والانقياد لأمرهم، وتحريم مخالفتهم، والتوعد عليها بأعظم القول،
~~وأبلغ الوصية، افترى الوصية بالإمامة تحتاج إلى أكثر من هذا اللفظ أو تزيد
~~على هذا القول حتى يقال: إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يوص إلى
~~أحد بعينه بعد إقرارهم بصدور هذا الكلام عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)؟
~~وفي قوله: (صلى الله عليه وآله وسلم): (لا يفترقان حتى يراد علي الحوض)
~~إيماء بل دلالة على بقاء الإمامة واستمرارها إلى انقضاء زمان التكليف،
~~وإنها لا تنقطع وقد بين هذا في مقدمة الكتاب بأحسن بيان.
# واعلم إنما أبطلت دلالة هذه الأدلة على الإمامة عند المخالفين، وقالوا:
# لا وصية ولا نص من النبي (صلى الله عليه وآله) على أحد بعينه، مع وضوحها
~~وكونهم ذوي فطن شبهة خلافة الثلاثة وتقدمهم ووثوقهم في الصحابة على جهل
~~وتقليد واتباعهم السواد الأعظم فقابلوا الصريح في خلافهم بالأغراض ونظروا
~~إليه نظرا اغماض فقد لعمري تركوا الحق وسفهوا الهدى [ولو أنهم فعلوا ما
~~يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا].
# وما ورد بلفظ السيادة الحديث المتواتر وهو قول النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) للحسن والحسين: (هما سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير PageV00P581
# منهما) (1) وفي بعض الروايات بصورة الخطاب (أنتما سيدا شباب أهل الجنة
~~وأبوكما خير منكما) (2) ولفظ المسند لأحمد بن حنبل عن حذيفة بن اليمان:
# (إن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وفاطمة سيدة نساء العالمين) (3)
~~فلفظ الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة متفق عليه وقد تقدم من البيان إن
~~السيادة بمعنى الرئاسة والطاعة كما يقال: فلان سيد بني فلان يعني رئيسهم
~~المطاع فيهم وأكرمهم، ms447 وأصل السيادة الملك، ومنه سمي مالك العبد سيده، وسمي
~~الزوج سيدا للمرأة لأنه يملك أمرها، ثم استعمل اللفظ في المجد والشرف، كل
~~ذا نص عليه أهل اللغة، وبالجملة فالسيد إذا أطلق في العرف العام من دون
~~قرنية دل على الرئاسة والمجد والشرف وإذا أطلق شرعا ولم تكن ثمة قرنية تعين
~~أحد معانيه فإنه يفهم منه مالك الأمر الذي تجب طاعته، فلما كان الحسن
~~والحسين سيدي شباب أهل الجنة كان معنى ذلك أنهما أشرف أهل الجنة، ولا يجوز
~~أن يكونا أشرف أهل الجنة وهما في الدنيا مشروفان، بل يجب أن يكونا في
~~الدنيا هما الرئيسان المطاعان ليحصل لهما الشرف العالي بعد أبويهما محمد
~~وعلي صلوات الله عليهما وآلهما، فهذا القول من النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) فيهما إظهارا لإمامتهما إذ لا يكون سيد في الجنة إلا وهو السيد في
~~الدنيا ويشهد لذلك صريحا قول النبي (صلى الله عليه وآله) في حديث ذكره كثير
~~من المحدثين ورواه المعتزلي في شرحه (سادة أهل المحشر سادة أهل الدنيا أنا
~~وعلي وحسن وحسين وحمزة وجعفر) (4) فقد ثبت بهذا الحديث أن الحسن والحسين
~~سيدا أهل الدنيا كما
# PageV00P582
# أنهما سيدا أهل الجنة فيكونان الرئيسين الذين تجب طاعتهما.
# فإن قيل: لفظ السيادة لا يدل على ملك الأمر والرئاسة في هذا الحديث وإنما
~~يدل على المجد والشرف فيستفاد منه الأفضلية فقط، لأن حمزة وجعفر ليسا عندكم
~~بإمامين، وقد أثبت لهما النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) السيادة فلو كان
~~المراد بها هنا الإمامة لأخرجهما النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) منها
~~لأنه لازم على قولكم وحيث لم يخرجهما وجب أن يكون أراد (صلى الله عليه
~~وآله) بالسيادة هنا الأفضلية دون الرئاسة العامة.
# قلنا: إنا قد بينا أن لفظ السيادة له معان متعددة وأن الأصل فيه ملك
~~الأمر، وأنه إذا أطلق بدون قرينة انصرف إلى هذا المعنى، وإن قامت قرينة على
~~بعض معانيه انصرف إليه بسببها، فالقرينة هنا في حمزة وجعفر المعينة لإرادة
~~المجد والشرف من سيادتهما قائمة وهي ms448 الاتفاق الحاصل من الأمة على أنهما
~~ليسا بإمامين فتنصرف السيادة المنسوبة إليهما إلى الأفضلية تقديما للدليل
~~القاطع على الظاهر وذلك بخلاف الحسن والحسين فإن جميع الشيعة يقولون
~~بإمامتهما من جهة النص وقوم من الصحابة والتابعين قائلون بها فلا قرينة
~~تصرف معنى السيادة فيهما إلى غير الرئاسة العامة التي هي بمعنى الإمامة.
# وقولك: يلزم على قولكم أن السيادة بمعنى الإمامة إخراج حمزة وجعفر منها
~~لأنهما ليسا بإمامين عندكم.
# قلنا لا يلزم ذلك فإنه غاية الأمر لزوم استعمال اللفظ المشترك في كلا
~~معنييه على قولنا ولا بأس به فقد أجازه جملة من الأصوليين ويشهد لصحته
~~وروده في القرآن الكريم قال الله تعالى: [هو الذي يصلي عليكم وملائكته]
~~قوله تعالى: [إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا
~~عليه PageV00P583
# وسلموا تسليما] (1) فجمع في اللفظ بين صلاة الله وهي الرحمة وبين صلاة
~~الملائكة وهي الاستغفار واستعمل اللفظ فيهما معا على اختلافهما فزال
~~الايراد ثم يقال ويلزم على قولك أيضا ما نريده لأنا نوجب الإمامة للأفضل
~~ويفهم من كلام قوم من العامة القرب إلى اختيار ذلك فإذا كان الحسنان أفضل
~~الناس وجبت لهما الإمامة وكان الخبر نصا على إمامتهما، وما ذكره المعتزلة
~~من جواز تقديم المفضول على الأفضل قد أبطلناه فيما سبق، ثم إن الخبر نص في
~~أفضلية أمير المؤمنين والحسنين وحمزة وجعفر على جميع الصحابة ومن بعدهم
~~وبذلك قال ابن أبي الحديد وجمع كثير من أصحابه والمعتزلة كجعفر بن مبشر
~~وبشر بن المعتمر وأبي موسى وسائر قد ماء البغداديين من المعتزلة، وأبي
~~القاسم البلخي وأبي الحسين الخياط وهو شيخ المتأخرين من معتزلة بغداد، وأبي
~~جعفر الإسكافي والتفضيل عندهم مرتب بين الخمسة فالأفضل علي ثم الحسن ثم
~~الحسين ثم حمزة ثم جعفر ثم بعده أبو بكر ثم عمر ثم عثمان (2).
# قال أبو جعفر الإسكافي في هذا المقام: والمراد بالأفضل أكرمهم عند الله ،
~~وأكثرهم ثوابا، وأرفعهم في دار الجزاء منزلة (3).
# وقال ابن أبي الحديد: أعجبني هذا المذهب وسررت بأن ذهب الكثير من شيوخنا ms449
~~إليه.
# قلت: ويدل على أفضلية حمزة وجعفر على ما سوى علي والحسنين من الصحابة قول
~~النبي (صلى الله عليه وآله) (خير الناس حمزة وجعفر) وعلى ما رواه أبو الفرج
~~الاصفهاني وغيره من محدثي القوم وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لجعفر:
~~(اشبهت خلقي وخلقي) ذكره ابن أبي الحديد
# PageV00P584
# وغيره (1) وقوله (صلى الله عليه وآله): (حمزة سيد الشهداء) وهو خبر مشهور
~~بل متواتر وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لجعفر: (خلق الناس من أشجار شتى
~~وخلقت أنا وجعفر من شجرة واحدة) أو قال:
# (طينة واحدة رواه أبو الفرج أيضا (2) وغيره.
# ولما قدم جعفر من الحبشة وقد فتحت خيبر التزمه وجعل يقبل عينيه ويقول:
~~(ما أدري بأيهما أنا أشد فرحا بقدوم جعفر أم بفتح خيبر) ذكره جملة من
~~المحدثين (3) وما أولانا هنا بذكر أبيات في هذا المعنى لحسان بن ثابت من
~~قصيدة يرثي بها جعفر وأصحابه بمؤتة قال في جملتها:
# رأيت خيار المسلمين تواردوا * شعوب وخلق بعدهم يتأخر غداة غدوا بالمؤمنين
~~يقودهم * إلى الموت ميمون النقيبة أزهر أغر كضوء البدر من آل هاشم * أبي
~~إذا سيم الظلامة أصعر وكنا نرى في جعفر من محمد * وقارا وأمرا حازما حين
~~يأمر وما زال في الإسلام من آل هاشم * دعائم صدق لا ترام ومفخر هم جبل
~~الإسلام والناس حولهم * رضام إلى طود يطول ويقهر بها ليل منهم جعفر وابن
~~أمه * علي ومنهم أحمد المتخير وحمزة والعباس منهم ومنهم * عقيل وماء العود
~~من حيث يعصر بهم تفرج الغماء في كل مأزق * عماس إذا ما ضاق بالناس مصدر هم
~~أولياء الله أنزل حكمه * عليهم وفيهم والكتاب المطهر
# PageV00P585
# روى ذلك محمد بن إسحاق بن يسار في كتاب المغازي (1) وما أدري ما تصنع
~~الأشاعرة في هذا الحديث الذي صرح بأفضلية حمزة وجعفر على أئمتهم؟ وما ذا
~~يقولون فيه وقد رواه محدثوهم كالديلمي وغيره ولفظه في روايته (نحن بنو عبد
~~المطلب سادات أهل الجنة أنا وحمزة وجعفر والحسن والحسين والمهدي) مع أنهم
~~يقولون إن أفضل الصحابة أبو بكر ثم عمر ms450 ثم عثمان، ويبنون على ذلك ثبوت
~~إمامتهم وهذا الحديث وغيره يبطل ما زعموه، ولازم ذلك بطلان إمامة مشائخهم
~~كما ترى وما عسى أن أقول في الفريقين فإن كلا منهما فارق الصواب وتاه في
~~غمرات الشك والارتياب.
# ثم نرجع إلى إتمام الكلام واستيفاء المرام في إثبات النص على السبطين
~~بالإمامة فنقول: ومما يصرح بما ذكرناه من ذهاب قوم من الصحابة إلى إمامة
~~الحسنين من جهة النص ما رواه ابن أبي الحديد قال: لما تقاعس محمد يوم الجمل
~~وحمل علي بالراية فضعضع أركان عسكر الجمل دفع إليه الراية وقال امح الأولى
~~بأخرى وهذه الأنصار معك وضم إليه خزيمة بن ثابت ذا الشهادتين في جمع من
~~الأنصار كثير منهم من أهل بدر فحمل حملات كثيرة أزال بها القوم عن مواقفهم
~~وابلا بلاء حسنا فقال خزيمة بن ثابت لعلي (عليه السلام) أما أنه لو كان غير
~~محمد اليوم لافتضح إلى أن قال وقالت الأنصار:
# يا أمير المؤمنين لولا ما جعل الله للحسن والحسين ما قدمنا على محمد أحدا
~~من العرب، فقال علي (عليه السلام): " أين النجم من الشمس والقمر أما إنه قد
~~أغنى وابلا وله فضله " إلى أن قال: فقالوا: يا أمير المؤمنين إنا والله ما
~~نجعله كالحسن والحسين ولا نظلمهما له ولا نظلمه لفضلهما عليه
# PageV00P586
# حقه قال: فقال خزيمة بن ثابت فيه:
# محمد ما في عودك اليوم وصمة * ولا كنت في الحرب الضروس مغردا أبوك الذي
~~لم يركب الخيل مثله * على وسماك النبي محمدا وأنت بحمد الله أطول غالب *
~~لسانا وأنداها بما ملكت يدا وأقربها من كل خير تريده * قريش وأوفاها إذا
~~قال موعدا وأطعنهم صدر الكمي برمجه * وأكساهم للهام عضبا مهندا سوى أخويك
~~السيدين كلاهما * إمام الورى والداعيان إلى الهدى الأبيات.. (1) فأثبت
~~خزيمة (رحمه الله) لهما الإمامة بمحضر من الأنصار وغيرهم من الصحابة، ولا
~~يجوز ذلك لغير نص إذ على القول بأن الإمامة لا تثبت إلا باختيار المسلمين،
~~ولا يكون الإمام إماما إلا بالبيعة من نفر تثبت بمبايعتهم له الإمامة
~~والحسن والحسين ms451 إذ ذاك غير إمامين إذ لم تجر لهما بيعة ولا وقع للمسلمين
~~اختيار فيهما فيكون إثبات الإمامة لهما غير جائز، ولكان أمير المؤمنين
~~(عليه السلام) والصحابة لا يقرون خزيمة على ذلك، لكنه أثبت لهما الإمامة
~~وهو ذو الشهادتين وقرره علي (عليه السلام) الذي لا يقرر على باطل قط وخيار
~~الصحابة فيجب أن يكون استفاد إمامتهما من النص وباقي الجماعة مطلعون على
~~ذلك فلنا ما قرروه على ما قال فيثبت المطلوب، وما ذلك النص إلى ما نذكره ها
~~هنا وأمثاله مما رواه الصحابة.
# وروى ابن أبي الحديد أيضا عن نصر بن مزاحم في حديث قال: قام الأعور الشني
~~إلى علي (عليه السلام) في صفين فقال: يا أمير المؤمنين زاد الله في سرورك
~~وهداك، نظرت بنور الله فقدمت رجالا وأخرت رجالا عليك أن تقول وعلينا أن
~~نفعل أنت الإمام فإن هلكت فهذان يعني حسنا وحسينا
# PageV00P587
# الحديث (1) والأمر فيه كالأول فإنه أثبت للحسن والحسين الإمامة، فإن كان
~~من حيث البيعة لهما فلم تجر لهما بيعة على الناس في ذلك الوقت، وإن كان لنص
~~معلوم عن النبي (صلى الله عليه وآله) بين الصحابة والتابعين، أو لأن
~~الإمامة ميراث النبي (صلى الله عليه وآله) فهي لأقرب الناس إليه وهما
~~الأقرب، فقد ثبت ما نقول وتقرير أمير المؤمنين (عليه السلام) إياه مع باقي
~~الجماعة الأخيار حجة ظاهرة في المقصود.
# وما ورد بلفظ المودة فقوله تعالى: [قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في
~~القربى] (2) وينبغي أولا أن نذكر من المراد بالقربى ثم نبين بعد ذلك دلالة
~~الآية على الإمامة.
# فنقول قد ذكرنا في بيان العترة ما يدل من الأخبار صريحا على أن القربى
~~علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) وابن أبي الحديد قد وافقنا على
~~ذلك وأثبت أن القربى في الآية هم العترة، وقد سمعتن النقل عنه هنالك أن
~~العترة مختصة بمن ذكرناهم دون باقي العشيرة وسائر الذرية، وتقدم عن ابن حجر
~~في الصواعق: إن القربى مؤمنو بني هاشم والمطلب، وقال صاحب المواهب: المراد
~~بالقربى من ms452 ينسب إلى جده الأقرب عبد المطلب، وقال ابن عطية: قريش كلها
~~قربى، وقال في إسعاف الراغبين:
# وفي الآية تفسير آخر وهو أن المعنى ولكن أسألكم أن تودوني وتكفوا عني
~~أذاكم بسبب ما بيني وبينكم من القرابة انتهى (3) ولا ريب في بعد هذا المعنى
~~أو عدم كونه مقصودا من اللفظ، لأنه لو كان هذا هو المراد تعين أن تكون
~~الآية خاصة بقريش أو ببعضهم على ما يقتضيه معنى القرابة في اللغة فيكون
# PageV00P588
# الخطاب لهم خاصة دون باقي الأمة فلا تجب عليهم مودة النبي (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) من هذه الآية لفقدان سببها فيهم وهو القرابة بين النبي (صلى
~~الله عليه وآله) وبينهم، وهذا باطل قطعا والاتفاق على أن الخطاب في الآية
~~لجميع الأمة حاصل فالوجه المذكور فاسد باليقين.
# وأخبرني بعض الإخوان عن بعض أهل التعصب أنه كان يقول: أن المراد بالقربى
~~العمل والمعنى قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة فيما يقربكم إلى الله وهو
~~أقرب إلى اللفظ من سابقه لكنه مقدوح فيه بما ذكره جماعة من أهل اللغة من أن
~~القربى لا يستعمل إلا في الزحم كالقرابة، والقرابة فيما يقرب إلى الله
~~تعالى ذكره في المصباح المنير وتبطل هذه الأقوال جميعها غير الأول بما
~~قدمنا في معنى العترة من قول النبي (صلى الله عليه وآله) لما نزلت الآية
~~فسئل من قرابتك الذين نزلت فيهم الآية؟ قال: (علي وفاطمة وابناهما) وما
~~رواه السدي عن أبي مالك عن ابن عباس في قوله تعالى: [ومن يقترف حسنة نزد له
~~فيها حسنا] (1) قال: " المودة لآل محمد " (2) ومما يدل صريحا على إخراج
~~قريش من القربى واختصاصها بمن ذكرنا ما رواه ابن أبي الحديد فيما قدمناه عن
~~أحمد بن حنبل من قول النبي (صلى الله عليه وآله):
# (قدموا قريشا ولا تقدموها) قال: (أيها الناس أوصيكم بحب ذي قرباها أخي
~~وابن عمي علي بن أبي طالب) (3) فخصص (صلى الله عليه وآله وسلم) ذا القربى
~~بعلي (عليه السلام) وأخرج سائر قريش وبني هاشم منها.
# PageV00P589
# أما فاطمة والحسن ms453 والحسين فهم مثل أمير المؤمنين لم يقل أحد باختصاصه
~~(عليه السلام) دونهم بالقرابة وما رواه أيضا عن أحمد بن حنبل من قول النبي
~~(صلى الله عليه وآله): (إني قائل لكم قولا غير محاب فيه لقرابتي إن السعيد
~~كل السعيد حق السعيد من أحب عليا في حياته وبعد موته) (1) فخص القرابة بعلي
~~(عليه السلام) كما ترى فصح من هذا كله أن المراد بالقربى علي وفاطمة والحسن
~~والحسين ومن حل محلهم من الأئمة كما ذكرناه في العترة، فمعنى القربى ذي
~~القربى ومعنى المودة المحبة، وقد ورد في لزوم محبة أهل البيت أحاديث كثيرة
~~بلغت حد التواتر فمنها ما تلوناه عليك فيما سبق.
# ومنها ما رواه الترمذي والحاكم وصححه على شرط الشيخين عن ابن عباس قال
~~قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (أحبوا الله لما يغنيكم به وأحبوني
~~بحب الله وأحبوا أهل بيتي بحبي) (2).
# وأخرج الحاكم عن أبي هريرة أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (خيركم
~~خيركم لأهلي من بعدي) (3) وأخرج ابن سعد والملا في سيرته أنه (صلى الله
~~عليه وآله) قال: (استوصوا بأهل بيتي خيرا فإني أخاصمكم عنهم غدا ومن أكن
~~خصمه أخصمه ومن أخصمه خصمه الله) (4)
# PageV00P590
# وقال في إسعاف الراغبين: وروي أنه (صلى الله عليه وآله) قال:
# (الزموا مودتنا أهل البيت فإنه من لقي الله عز وجل وهو يودنا دخل الجنة
~~بشفاعتنا والذي نفسي بيده لا ينفع عبدا عمله إلا بمعرفة حقنا) (1).
# وروى الديلمي والطبراني والبيهقي وأبو الشيخ بن حيان مرفوعا أنه (صلى
~~الله عليه وآله) قال: (لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه وتكون عترتي
~~أحب إليه من عترته وأهلي أحب إليه من أهله وذاتي أحب إليه من ذاته) (2).
# وفي الاسعاف وروى أبو الشيخ عن علي (عليه السلام) قال خرج رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) مغضبا حتى استوى على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
~~(ما بال رجال يؤذنني في أهل بيتي والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحبني
~~ولا يحبني حتى يحب ms454 ذريتي) (3).
# وروى أحمد مرفوعا: (من أبغض أهل البيت فهو منافق).
# وعن أبي سعيد أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (لا يبغضنا أهل البيت
~~أحد إلا أدخله الله النار) رواه الحاكم وصححه على شرط الشيخين (4).
# وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة أنه (صلى الله عليه وآله) قال في حسن وحسين
~~(عليه السلام): (اللهم إني أحبهما وأحب من يحبهما) (5).
# PageV00P591
# وروى الترمذي وأحمد عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله وسلم): (من أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم
~~القيامة) (1) والأحاديث في هذا الباب لا تحصى كثرة وكلها مصرحة بوجوب حبهم
~~وتحريم بغضهم واستحقاق مبغضهم دخول النار.
# قال الفخر الرازي: إن أهل بيته يعني النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~ساووه في خمسة أشياء إلى أن قال وفي المحبة قال الله تعالى:
# [فاتبعوني يحببكم الله] (2) وقال تعالى: [قل لا أسألكم عليه أجرا إلا
~~المودة في القربى] (3).
# واعلم أنه يفهم من هذه الأخبار أن المحبة واجبة لمن ذكرناهم دون قريش
~~وسائر بني هاشم وبعضها مصرح بذلك لتخصيص المحبة فيها بعلي وفاطمة والحسنين
~~فيحمل عليه غيره وأيضا لو وجبت المودة لقريش وبني هاشم كافة لوجبت معرفتهم
~~لأنها هنا مودة خاصة بمعنى المتابعة لهم ومخالفة من يخالفهم، وليست بمودة
~~عامة كمودة سائر المؤمنين بعضهم لبعض من حيث الإيمان والأخوة في الدين وإذا
~~كانت المودة هنا بمعنى المتابعة التامة كما سنبينه وحيث معرفة متعلقها لأن
~~من ليس بمعروف ليس بمتبوع فليس بمحبوب، بل مطلق المحبة إذا وجبت وجب أن
~~يعرف من وجبت له وليس تجب معرفة أحد من ذوي رحم النبي (صلى الله عليه وآله)
~~بالإجماع غير الأئمة وفاطمة (عليهم السلام) فيتعين أن يكونوا هم المعينين
~~بالمودة والمخصوصين بالقربى والمجتبين للمتابعة دون من سواهم، إذا تحققت
~~ذلك فاعلم أن الآية دالة
# PageV00P592
# على إمامة ذوي القربى من جهة وجوب مودتهم ولزوم محبتهم، وحقيقة المحبة
~~الميل إلى المحبوب وإيثار مرضاته ومحبوباته على مرضاة النفس ومحبوباتها،
~~والتأدب بآداب المحبوب والتخلق بأخلاقه ms455 كما يشير إليه قوله تعالى: [قل إن
~~كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله] وهذه الحالة هي المتابعة أو أنها
~~تستلزمها، وقد قال الصبان الشافعي في معنى المحبة: إن المحبة المعتبرة
~~الممدوحة هي ما كانت مع اتباع سنة المحبوب (1) وبالجملة أن المحبة الحقيقية
~~إما أنها نفس المتابعة للمحبوب لأنها عبارة عن الميل إليه وانجذاب النفس
~~إلى طلب رضاه ومرجعها إلى طاعة المحب للمحبوب، وإما أنها مستلزمة للمتابعة
~~يجعلها حالة في النفس لأجلها يطلب مراضي المحبوب ويجتنب لها مسخوطاته إلا
~~أن الأول هو المراد من الآية لأنه تعالى أراد المودة الخاصة التي هي بمعنى
~~الموالاة لهم وقبول أقوالهم والأخذ بها ويوضح هذا المعنى أنه تعالى أوجب
~~مودة ذوي القربى على المكلفين ولا يكلف الله العباد ما لا يطيقون لأنه قبيح
~~عقلا ومنفي شرعا، ومن المتيقن أن المكلفين قادرون على المودة التي هي بمعنى
~~المتابعة وليسوا بقادرين على تحصيل تلك الحالة التي تدعوا إلى المتابعة
~~لأنها من فعل الله لا من فعل المكلف فلا يستطيع أحد أن يلقي في نفسه محبة
~~أحد ولا بغض أحد، وإنما تحدث المحبة بأسباب أخر خارجة عن نفس إرادة الإنسان
~~كما قال الله تعالى: [ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا
~~تميلوا كل الميل] (2) فلا تكون المحبة بهذا المعنى مطلوبة من المكلف لعدم
~~قدرته عليها وقبح تكليف الإنسان بما ليس في وسعه، والحاصل أن هذه المودة
~~قبل حصولها لا تطلب من المكلف لخروجها عن طاقته وبعد حصولها له لا معنى
~~لطلبها منه، لأنه تحصيل حاصل وهو ممتنع، ولأن المطلوبية تقتضي
# PageV00P593
# التكليف وهو يستلزم المشقة ولا مشقة في المودة بعد حصولها، وإنما المشقة
~~في تركها فلا فائدة في التكليف بها حينئذ فيتعين أن المطلوب هو المودة
~~بالمعنى الأول، أعني المتابعة لأنها هي المقدور عليها والحصول المشقة فيها
~~وتعلق فائدة التكليف وهو بيان المطيع من العاصي بها، فالتكليف بها حسن
~~ويشير إلى ما ذكرنا قول النبي (صلى الله عليه وآله) فيما رواه ابن خالويه:
~~(من مات على حب ms456 آل محمد مات شهيدا ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمنا
~~ألا ومن مات على حب آل محمد يزف إلى الجنة كما تزف العروس إلى زوجها) (1)
~~لعدم حصول الإيمان وغيره من المذكورات بدون المتباعة في القول والعمل إذ لو
~~كان المراد غير المتابعة من المحبة في الخبر لاستحق ما ذكر الفساق بل
~~الكفار إذا حصل لهم حالة تقتضي الميل إلى آل محمد وهذا باطل البتة، فالمعنى
~~من مات على متابعة آل محمد مات شهيدا الخ نعم المودة بمعنى المتابعة يحصل
~~منها المعنى الآخر لأن متابعة شخص لآخر وقبول قوله ورضاه بحكمه مما يبعث
~~على زيادة الميل إليه والأخذ عنه واقتفاء آثاره في أفعاله فإذا تكررت صارت
~~صفة حاصلة في النفس حتى تصير ملكة كباقي الملكات لا ينكر هذا ذو روية، ومن
~~جملة ما حررناه تبين وتعين أن المراد بالمودة في القربى هي متابعتهم، وإذا
~~وجبت متابعتهم في الأقوال والأفعال وجب أن يكونوا هم الأئمة إذ لا مفروض
~~طاعته غير الإمام ولا يجب اتباعه على التعيين إلا الرئيس العام، على أن حمل
~~الآية على المعنى الثاني من المودة لا يضرنا في الاستدلال بها على المقصود،
~~لأن فرض المتابعة وفرض ما لأجله تحصل المتابعة سيان في
# PageV00P594
# إفادة إيجاب الطاعة وإنما ذكرنا ما ذكرنا لبيان أن المودة في الآية لا
~~يصح جعلها بمعنى الحالة المستلزمة للمتابعة لمكان المطلوبية ولا يطلب غير
~~المقدور وإلا فالآية على الإطلاق تدل على مطلوبنا.
# ومما يناسب المقام ما أخرجه السلفي عن محمد بن الحنفية في قوله عز وجل:
~~[إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا] (1) أنه قال: لا
~~يبقى مؤمن إلا وفي قلبه ود لعلي (عليه السلام) وأهل بيته، قال في الإسعاف:
~~وذكر النقاشي في تفسيره أنها نزلت في علي (2) (عليه السلام) فيكون المراد
~~أن محب علي وأهل بيته لا بد أن يكون مؤمنا، وأن المؤمن لا محالة يكون مودا
~~لهم ومبغضهم ليس بمؤمن البتة فصح أن الإيمان لا يتم إلا بمتابعتهم، وما لا ms457
~~يتم الإيمان إلا بمتابعته فهو إمام بلا شك.
# وما ورد بلفظ الاعتصام ما أخرجه الثعلبي في تفسير قوله تعالى:
# [واعتصموا بحبل الله جميعا] عن جعفر الصادق أنه قال: (نحن حبل الله) وهو
~~مناسب لما تقدم من جعل النبي (صلى الله عليه وآله) الكتاب والعترة حبلين
~~ممدودين (3) وفي معناه ما رواه في الاسعاف عن جماعة من أصحاب السنن عن عدة
~~من الصحابة أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (مثل أهل بيتي فيكم
~~كسفينة نوح من ركبها نجئ ومن تخلف عنها هلك)، وفي رواية (غرق)، وفي أخرى
~~(زج في النار) قال: وفي أخرى عن أبي ذر زيادة وسمعته يقول: (اجعلوا أهل
~~بيتي منكم مكان
# PageV00P595
# الرأس من الجسد ومكان العينين من الرأس ولا يهتدي الرأس إلا بالعينين).
~~(1) أقول: وهذه الأحاديث مصرحة بوجوب اتباع العترة والاقتداء بهم، ناصة على
~~نجاة متبعهم وهلاك مخالفهم، وأن الهداية لا تحصل إلا بهم، لأن الاعتصام
~~والركوب وجعلهم كالعينين من الرأس كله كناية عن متابعتهم وعبارة عن الأخذ
~~بقولهم لا معنى له غير ذلك، وهذه هي الإمامة بعينها إذ لا يجب على المكلفين
~~متابعة غير الإمام، فهذه من أوضح النصوص على إمامة العترة وبطلان أقوال
~~جميع من سواهم من الناس مما يخالف أقوالهم وفسادها، لأن من عمل بقول غيرهم
~~أو مخالفهم في قول أو عمل فقد ترك الاعتصام بحبل الله وتخلف عن سفينة
~~النجاة، وتبع العجز وترك الرأس ومن كان كذلك زج في النار فأين يذهب بابن
~~أبي الحديد وأصحابه والأشعري وفريقه ومن أعرض عن أهل البيت، وقدم عليهم
~~غيرهم، وفضله عليهم مع علمهم بورود هذه الأدلة أليسوا بذلك قد تعمدوا
~~الهلاك واقتحموا في غمرة الضلال فتراهم يكفرون من لعن أحدا من الصحابة ولا
~~يكفرون معاوية وتابعيه إذ لعنوا أمير المؤمنين (عليه السلام) وأولاده وهو
~~تاج الصحابة وسيد المسلمين مع اشتهار قول النبي (صلى الله عليه وآله) فيه
~~بينهم (من سبك فقد سبني ومن سبني فقد سب الله) (2) وهذا من أدل الأدلة على
~~تركهم العمل بمضمون ما ms458 رووه في حق أهل البيت (عليه السلام)، وإعراضهم عنه
~~على عمد، ومن أعجب الأمور إنكارهم النص عليهم والوصية من النبي (صلى الله
~~عليه وآله) وأي نص أصرح من هذه النصوص وأي وصية أبلغ من هذه الوصية؟ وما
~~أدري لو أراد أحد أن يوصي بمتابعة آخر عند هؤلاء ماذا يقول بأجلا من هذه
~~الأقوال ينطق كلا، ولكنهم مالوا عن الحق
# PageV00P596
# وأعرضوا عنه صفحا.
# ومما ورد في أن الولاية والوصية والوارثة في أهل البيت قول أمير المؤمنين
~~في بعض خطبه في النهج: (لا يقاس بال محمد من هذه الأمة أحد ولا يسوي بهم من
~~جرت نعمتهم عليه أبدا هم أساس الدين وعماد اليقين إليهم يفئ الغالي وبهم
~~يلحق التالي ولهم خصائص حق الولاية وفيهم الوصية والوراثة الآن إذ رجع الحق
~~إلى أهله ونقل إلى منتقله) (1) الخطبة والمراد بالولاية ولاية النبي (عليه
~~السلام) على الأمة بقوله تعالى: [النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم] (2) وهذه
~~هي الإمامة، والمراد بالوصية وصية النبي (عليه السلام) بمتابعتهم ونصه
~~عليهم بالإمامة، والمراد بالوراثة وراثة العلم والمنزلة وهي الإمامة إذ لا
~~نبوة بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، وليس كما ذكره ابن أبي الحديد من أن
~~الوصية ليست النص والخلافة، بل هي أمور أخر كما تقدم ذكره عنه إذ لا تمدح
~~ولا فضيلة في الوصية بدون الخلافة من الأمور التي عظمها هناك، وليس مقصود
~~أمير المؤمنين (عليه السلام) من الكلام كله إلا إظهار إمامة الآل وتقدمهم
~~على جميع الأمة بسبب ولاية الرسول (صلى الله عليه وآله) ووصيته إليهم
~~بالأمر، ولهم بالطاعة من الأمة والمتابعة، ولو كان غير ذلك لما كان فيه
~~عظيم خطر يوجب ألا يقاس بهم أحد، فقد أوصى النبي (صلى الله عليه وآله) إلى
~~كثير من أصحابه، في أمور عهد إليهم في أشياء كثيرة كسلمان وأبي ذر وحذيفة
~~وعمار حين قال له: (تقتلك الفئة الباغية) (3) وغيرهم من الصحابة يطول
~~تعدادهم وعهد إلى جملة من الأنصار أن يقاتلوا مع علي الناكثين والقاسطين
# PageV00P597
# والمارقين كما روي عن أبي أيوب الأنصاري ms459 (1) وقد روى المعتزلي وغيره، ذلك
~~ولم يقل أحد أنهم أوصياء رسول الله (صلى الله عليه وآله) لذلك، وعهد إلى
~~عائشة والزبير (2) أنهما يخرجان إلى قتال علي (عليه السلام) وهما له
~~ظالمان، وأخبر عائشة أنها تركب الجمل الأزب وتنبحها كلاب الحوأب يقتل حولها
~~قتلى كثير كلهم في النار وتنجو بعد ما كادت رواه المعتزلي (3) وغيره، وأخبر
~~معاوية على ما رووا أنه يلي الأمة ويتخذ السنة بدعة والبدعة سنة (4) إلى
~~غير ذلك، ولم يصر أحد من هؤلاء وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~بذلك فليس المراد من الوصية إلا النص والخلافة، لأنهما هم المتبادران من
~~قولنا: فلان وصي النبي، وأيضا أن مقام المدح يقتضي اختصاص الممدوح بتلك
~~الصفة دون غيره، ومن المعلوم أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قصد اختصاص
~~أهل البيت بهذا الوصف
# PageV00P598
# وأخويه دون من سواهم من الأمة كما يصرح بذلك قوله في أول الكلام: (لا
~~يقاس بآل محمد من هذه الأمة أحد ولا يسوي بهم من جرت نعمتهم عليه) ثم ذكر
~~ما لهم من الأوصاف التي اختصوا بها ولم تكن في غيرهم حتى يصح ما قاله من
~~عدم مقايسة غيرهم بهم وعدم تسويته بهم فقال: (هم أساس الدين) إلى آخر
~~الأوصاف التي من جملتها أن فيهم الوصية، ولو شاركهم غيرهم في هذه الصفات
~~إذن لارتفع المدح بزوال الاختصاص، ولم يقع الكلام موقعه والوصية ببعض
~~الأمور كما ذكر الخصم لا يختصون بها لما ذكرناه من إيصاء النبي (صلى الله
~~عليه وآله) بأمور مخصوصة لأناس كثير من أصحابه بالخصوص ولجملتهم بقوله:
~~(خلفت فيكم الثقلين) وقوله: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب حتى لا يبقى
~~فيها إلا مؤمن) أو قال: (مسلم موحد وأجيزوا الوفد بمثل ما أجيزه) وقوله:
~~(كفنوني في كذا وكذا وادخلوا علي فوجا فوجا للصلاة علي) ولقريش خاصة بقوله:
~~(أوصيكم بالأنصار خيرا فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم) (1) وكثير من
~~أمثال هذا، ولما كانت الوصية ببعض الأمور ليست مما تميزوا بها عن غيرهم
~~واختصوا بها دون من سواهم وجب حمل ms460 الوصية على ما لم يشاركهم فيه غيرهم،
~~وليس إلا النص والخلافة وثبت المطلوب وأما قول ابن أبي الحديد: لعلها أي
~~تلك الأمور إذا لمحت أشرف وأجل يعني من النص والخلافة، فهو باطل مخدوش إذ
~~لا منصب أجل من الإمامة، ولا منزلة أشرف من الخلافة، فإنها مقام الأنبياء
~~ومنزلته الأولياء الأصفياء قال الله تعالى لإبراهيم: [إني جاعلك للناس
# PageV00P599
# إماما] (1) فمن عظمها عنده قال: [ومن ذريتي] يعني واجعل من ذريتي إماما
~~فكان فرحه بها أعظم من فرحه بالنبوة لسر لا يعلمه ابن أبي الحديد ولا
~~أصحابه وقال تعالى لداود: [يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض] (2) فأي
~~مقام أشرف وأعلا من مقام يمن الله على أنبيائه الكرام بجعلهم من أهله
~~وإعطائهم إياه، ولعمري ما عرف ابن أبي الحديد وأصحابه قدر الإمامة، بل ولا
~~فهموا معناها وإنما فهموا منها ما فهمه بعضهم حيث جعلها من أمور الدنيا ولم
~~يدر أنها الشرف الأسنى، والمقام الأعلى الذي لا يصلح له إلا الأنبياء وكرام
~~الأوصياء، وأن جميع الأمور الدينية والدنيوية تبع لها، والأعمال مشروطة بها
~~ومنوط صحتها بمعرفتها، وأن (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات جاهليا) ولو
~~عرف المعتزلي ذلك حق المعرفة لما تفوه بما قال ولما حكم بأن غير المنصب من
~~الله والمنصوص عليه من رسول الله أهل للإمامة، فقد لعمر الله جهل هو
~~وأصحابه مقامها، وصغر وأقدرها، وهونوا أمرها، وحقروا جلالتها، ووضعوا
~~شرفها، وجعلوا أمرها إليهم وزمامها بأيديهم، وهي التي جعلها الله لرسله
~~وأوصيائهم، واختص بها أنبيائه والأصفياء من أوليائهم فقال: [وجعلناهم أئمة
~~يهدون بأمرنا] وكذلك الوراثة كما ذكرنا ليس كما قال ابن أبي الحديد: إنها
~~وراثة العلم خاصة، لما بيناه في لفظ الوصية لأن الكلام يقتضي اختصاصهم
~~بالوراثة دون سائر الأمة وعدم مشاركة أحدهم فيها، إذ لولا ذلك لما كانوا هم
~~الوارثين خاصة، بل هم شركاء غيرهم وحملها على وراثة العلم يزيل الاختصاص
~~فإن كثير من الصحابة قد أخذوا عن النبي (صلى الله عليه وآله) علما ورواية
~~كعبد الله بن مسعود وسلمان ms461 وأبي ذر والمقداد وعمار وأبي بن كعب وجابر بن
# PageV00P600
# عبد الله وزيد بن ثابت وعبد الله بن العباس في أضرابهم وأشباههم وقد روى
~~الخصم حديث: (العلماء ورثة الأنبياء) (1) فأي مزية لأهل بيت النبي (صلى
~~الله عليه وآله وسلم)، وأية خصوصية لهم في شئ شاركهم فيه جمع كثير من الناس
~~وساهمهم فيه جم غفير من الأمة حتى يقال لهم وراثة النبي (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) دون غيرهم، والحال إن غيرهم قد قاسمهم إياها وأخذ نصيبه منها،
~~فوجب لهذا حمل الوراثة على المنزلة والعلم معا ليثبت الاختصاص وعلى المال
~~أيضا لبطلان رواية (لا نورث) كما سبق بيانه فتبين أن منزلة النبي (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) ميراث لهم كما أن جميع ماله وعلمه لهم فهم خلفاؤه وأولياؤه
~~وسفراؤه ويصدق هذا قول الله تعالى: [وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في
~~كتاب الله] (2) على أنا لو قبلنا قول ابن أبي الحديد لم يكن الكلام خارجا
~~عن الدلالة على ما نقول، لأن أهل البيت إذا كانوا وارثين على النبي (صلى
~~الله عليه وآله وسلم) وجب أن يكونوا خلفاؤه لوجوب الرجوع إليهم في الحلال
~~والحرام والقضايا والأحكام لأن علم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عندهم
~~وغيرهم خلو منه، وإذا وجب الاقتداء بهم في أحكام الدين وجب أن يكونوا هم
~~الأئمة لأن المقتدى به عندنا هو الإمام، ومن ليست له هذه المنزلة إذا ادعى
~~الإمامة فهو ظالم غاصب ومتقول كاذب ولاشتراط الأعلمية عندنا في الإمامة كما
~~بين من قبل ويثبت المقصود، وليس لأحد أن يترك الاقتداء بهم ويعدل عنهم إلى
~~غيرهم لأنه يكون تاركا للعمل بقول النبي (صلى الله عليه وآله) تعمدا لأن
~~علمه عندهم فمن أخذ يقول من خالفهم فقد خالف النبي (صلى الله عليه وآله)
~~يقينا، فتثبت لهم بذلك الإمامة قطعا والله الهادي وقوله (عليه السلام):
~~(الآن إذ
# PageV00P601
# رجع الحق إلى أهله) الخ صريح في أن الخلافة قبل أن يملك هو أمرها ظاهرا
~~كانت في غير أهلها فهي مغصوبة منهوبة وهو نص مذهبنا ms462 وبالله المستعان.
# ومما ورد في المعنى قول أمير المؤمنين في بعض خطبة في النهج: (نحن شجرة
~~النبوة، ومحط الرسالة، ومختلف الملائكة، ومعادن العلم، وينابيع الحكم،
~~ناصرنا ومحبنا ينتظر الرحمة، وعدونا ومبغضنا ينتظر السطوة) (1) وهذه الخطبة
~~ظاهرة في أن أهل البيت وارثو منزلة الرسول وعلمه وحكمه لأن قوله: (نحن شجرة
~~النبوة) يشير به إلى أن ميراث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد صار لهم
~~لأنه (صلى الله عليه وآله) منهم إذ ليس يجوز أن يريد أنهم أنبياء لأن
~~النبوة قد ختمت بنبينا (صلى الله عليه وآله) وكذلك قوله: (ومحط الرسالة)
~~فإن مقام رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) صار لهم فهم المؤدون عنه
~~إلى الأمة أحكام الدين التي بعث بها، والحافظون لها ألا تسمع إلى قول النبي
~~(صلى الله عليه وآله): (لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل مني) وفي حديث مضى قبل
~~أنه قال لعلي (عليه السلام: (وأنت تؤدي عني) وقوله في حديث رواه أحمد
~~والترمذي والنسائي وابن ماجة عن جيش بن جنادة قال قال رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله وسلم): (علي مني وأنا من علي ولا يؤدي عني إلا علي) (2) فهم
~~خلفاؤه وأمناؤه وخلصاؤه وسفراؤه وليس يريد أنهم رسل لأن الرسالة كملت
~~برسولنا محمد (صلى الله عليه وآله) وأما قوله: (ومختلف الملائكة) فلأن
~~الأئمة (عليه السلام) تنزل عليهم الملائكة وتخاطبهم وليس ذلك ببدع فقد
~~خاطبت الملائكة مريم بما حكاه الله تعالى: [يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك]
~~الآية وقول جبرئيل لها: [إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما
# PageV00P602
# زكيا] (1) وخاطبت سارة بما قصه الله قالوا: [أتعجبين من أمر الله رحمة
~~الله وبركاته عليكم أهل البيت] (2) فلا يمتنع في خلفاء النبي (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) ما جاز في حق سارة ومريم، وقد قال النبي (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) لعلي (عليه السلام) في حديث مر ذكره: (إنك ترى ما أرى وتسمع ما
~~أسمع إلا أنك لست بنبي) وهو صريح في المطلب ويدل عليه أيضا قوله تعالى: ms463 [إن
~~الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا
~~تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أوليائكم في الحياة الدنيا
~~والآخرة] (3) الآيتين فهم أولئك إذ لا غيرهم من الأمة هكذا، وباقي الخطبة
~~ظاهر المعنى وهو ينادي بنجاة متبعهم وهلاك معاديهم، ويصرح بأنهم وارثو
~~منازل الرسول ومراتبه وذلك هو المراد.
# ومما ورد بأنهم أوتوا من فضل الله ما حسدهم الناس عليه قوله تعالى:
# [أم يحسدون الناس على ما أتاهم الله من فضله] (4) فقد ذكر ابن أبي الحديد
~~إن الآية نزلت في علي (عليه السلام) (5) وذكر في إسعاف الراغبين عن بعضهم
~~في الآية عن الباقر أنه قال: (أهل البيت هم الناس) (6) وهذه الآية صريحة في
~~إمامة أهل البيت، وأنها هي الشئ الذي أتاهم الله إياه من فضله وحسدهم الناس
~~عليه، لأن الناس لم يحسدوهم على مال أوتوه ولا ثروة حصلوها ولا جواهر
~~اختزنوها، وإنما حسدوهم على الخلافة ونازعوهم في الإمامة، فالآية دالة على
~~أن الله آتاهم الإمامة وجعلها فيهم وذلك ظاهر.
# PageV00P603
# وأما الأقوال والأفعال الدالة على تعظيم أهل البيت وجلالة شأنهم، ورفعة
~~قدرهم، والمشيرة إلى أنهم خلفاء النبي (صلى الله عليه وآله) الراشدون،
~~والمومية إلى أنهم الأئمة المرضيون، فكثيرة نذكر منها جملة وافرة.
# فمنها قوله تعالى: [إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا] إلى
~~قوله تعالى: [إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا] (1) فقد صح في
~~الرواية أن هذه السورة نزلت في حق علي وفاطمة والحسن والحسين حين جادوا
~~بقوتهم ثلاث ليال على المسكين واليتيم والأسير وهم مع ذلك يصومون النهار،
~~قال ابن أبي الحديد مشيرا إلى علي (عليه السلام) وفيه أنزل قوله تعالى:
~~[ويطعمون الطعام على حبة مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا
~~نريد منكم جزاء ولا شكورا] (2) انتهى فانظر إلى ما وصفهم الله تعالى به في
~~هذه الآيات من الأوصاف الجليلة، وإلى ما مدحهم به من الخصال الجميلة من
~~كونهم أبرارا وأنهم يوفون بالنذر، ويخافون يوم القيامة وخوف الآخرة من وصف
~~أهل ms464 الإيمان الكامل كما أن عدم خوفها من وصف أهل الكفران قال تعالى:
~~[يستعجل بها الذين كفروا والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق] (3)
~~ووصفهم بالسخاء والجود وهو إطعام الطعام على حبه أي في وقت حاجتهم إليه
~~وذلك غاية الجود، ووصفهم بصفاء النية وصدق؟؟ وأنهم لم يقصدوا بفعلهم إلا
~~وجهه الكريم ورجاء ما عنده من الثواب الجسيم، ولم يريدوا بما فعلوا جزاء
~~ولا محمدة من المسكين والأسير واليتيم، ثم انظر إلى ما وعدهم الله من
~~الثواب الجزيل وما أعد لهم من العطاء العميم بقوله: [فوقاهم الله شر ذلك
~~اليوم ولقاهم نضرة
# PageV00P604
# وسرورا وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا] (1) إلى آخر الآيات المشتملة على
~~ذكر ما أعد لهم من أفضل الهبات، فهل رأيت وليا من الأولياء غيرهم جمعت له
~~في القرآن هذه الصفات، أو صفيا من الأصفياء سواهم حين أعدت لهم هذه
~~العطيات، وهل هذه الأوصاف إلا أوصاف النبيين والمرسلين؟ فإنهم وإن لم
~~يكونوا أنبياء ورسلا فإنهم كانوا من سبلهم سالكين، ولمآثرهم ولمراتبهم
~~ومنازلهم وارثين أفليس في ذلك كله إشارة إلى إمامتهم، وإيماء إلى خلافتهم،
~~إن لم تكن دلالة واضحة وعلامة لائحة.
# ومنها ما رواه ابن أبي الحديد عن ابن ديزيل في كتاب صفين عن بعل بن بعيد
~~الحنفي عن إسماعيل السدي عن زيد بن أرقم قال: كنا مع رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) وهو في الحجرة يوحى إليه ونحن ننتظره حتى اشتد الحر فجاء
~~علي بن أبي طالب ومعه فاطمة والحسن والحسين (عليه السلام) فقعدوا في ظل
~~حائط ينتظرونه، فلما خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رآهم فأتاهم
~~ووقفنا نحن مكاننا ثم جاء إلينا وهو يظلهم بثوبه ممسكا بطرف الثوب وعلي
~~ممسك بطرفه الآخر، وهو يقول:
# (اللهم إني أحبهم فأحبهم اللهم إني سلم لمن سالمهم وحرب لمن حاربهم) (2)
~~قال: فقال ذلك ثلاث مرات ورواه الحاكم في مستدركه أيضا وهو شاهد بأن مقام
~~الرسول لهم حيث جعل سلمهم سلمه وحربهم حربه.
# ومنها ما رواه أحمد بن حنبل عن النبي ms465 (صلى الله عليه وآله):
# (إذا ذهب النجوم ذهب أهل السماء وإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض) وفي
~~رواية صححها الحاكم على شرط الشيخين: (النجوم أمان لأهل الأرض
# PageV00P605
# من الغرق وأهل بيتي أمان لأهل الأرض من الاختلاف).
# وأخرج جماعة عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (النجوم أمان لأهل السماء
~~وأهل بيتي أمان لأمتي) وفي أخرى: ﴿أهل بيتي أمان لأهل الأرض فإذا هلك أهل بيتي جاء أهل
~~الأرض من الآيات ما كانوا يوعدون﴾ (2).
# قال فسي الاسعاف: وقد يشير إلى هذا المعنى قوله تعالى: [وما كان الله
~~ليعذبهم وأنت فيهم] (2) أقيم أهل بيته مقامه في الأمان لأنهم منه وهو منهم
~~كما ورد في بعض الطرق انتهى (3) وهذا دال على أنهم خلفاؤه والقائمون مقامه
~~وتدل أيضا، على وجود إمام منهم في كل زمان قائم مقام النبي (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) ليحصل به الأمان لأهل الأرض من الذهاب والاختلاف، وهو عين ما
~~نقول وقد تقدم ذكر هذه الأخبار وتمام تحقيقها في مقدمة الكتاب.
# ومنها ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) أنه قال في حسن وحسين: (اللهم إني أحبهما وأحب من يحبهما) (4) وروى
~~الترمذي عن أسامة أنه (صلى الله عليه وآله) أجلس الحسن والحسين يوما على
~~فخذيه وقال: (هذان ابناي وابنا ابنتي اللهم إني أحبهما فأحبهما) (5) وروى
~~عن أنس بن مالك أن النبي (صلى الله عليه وآله
# PageV00P606
# وسلم) سئل أي أهل بيتك أحب إليك؟ فقال: (الحسن والحسين) (1).
# وروى الطبراني وابن أبي شيبة أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال فيهما:
~~(اللهم إني أحبهما فأحبهما وأبغض من أبغضهما) (2).
# وروى ابن عساكر وابن مندة عن أنس أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~قال: (الحسن والحسين ريحانتاي من الدنيا) (3) ومثله في الصحيحين عن ابن
~~عمر، ومن هذا الباب كثير من الأحاديث المروية في صحاح القوم مما لا ينكر
~~روايتهم ابن أبي الحديد ولا غيره، ولا يرتاب فيها، وليسوا من الشيعة الذين
~~قال ms466 إنه لا يحفل بروايتهم ولا يلتفت إليها وكلها دالة على تفضيل الحسن
~~والحسين لأن محبة النبي (صلى الله عليه وآله) لهما يلزم منها محبة الله
~~لهما إذ لا يحب النبي (صلى الله عليه وآله) إلا من يحبه الله ومحبة الله
~~لهما يلزم منها كثرة ثوابهما، وذلك هو الفضل فيجب لهما الإمامة إذ لا يجوز
~~تقديم المفضول على الأفضل، وأيضا إن تلك الأقوال من النبي (صلى الله عليه
~~وآله) تقتضي وجوب محبتهما على الأمة وولايتهما وتشير إلى عدم رضاه بتقدم
~~غيرهما عليهما.
# ومنها ما رواه ابن عساكر وابن مندة أن فاطمة أتت بابنيها فقالت: (يا رسول
~~الله هذان ابناك فورثهما شيئا) فقال: (أما حسن فله هيبتي وسؤددي وأما حسين
~~فله جرأتي وجودي) وفي رواته: (أما الحسن فقد نحلته حلمي وهيبتي وأما الحسين
~~فقد نحلته نجدتي وجودي) (4) فهذا الحديث يصرح بأن
# PageV00P607
# الحسن والحسين قد ورثا خصال النبي الحميدة فيكونان وارثي مقامه كما ورثا
~~أخلاقه.
# ومنها ما رواه ابن أبي شيبة وأحمد وجماعة من أصحاب الصحاح عن بريدة قال:
~~كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخطب إذ جاء الحسن والحسين عليهما
~~قميصان أحمران يمشيان ويعثران ويقومان فنزل (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~وحملهما واحدا من ذا الشق وواحد من ذا الشق ثم صعد المنبر فقال: (صدق الله:
~~إنما أموالكم وأولادكم فتنة إني نظرت إلى هذين الغلامين يمشيان ويعثران فلم
~~أصبر فقطعت كلامي ونزلت إليهما) (1).
# وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال أقبل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد
~~حمل الحسن على رقبته فلقيه رجل فقال: نعم المركب ركبت يا غلام، فقال النبي
~~(صلى الله عليه وآله وسلم): (ونعم الراكب) (2).
# وروى الترمذي عن يعلى بن مرة قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله
~~وسلم): (حسين مني وأنا من حسين أحب الله من أحب حسينا حسين سبط من الأسباط)
~~(3).
# وعن زيد بن أبي زياد قال خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) من بيت
~~عائشة فمر على بيت فاطمة فسمع حسينا يبكي فقال: ms467 (ألم تعلمي
# PageV00P608
# أن بكاءه يؤذيني) (1) عن البراء بن عازب قال رأيت رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) حامل الحسين على عاتقه وهو يقول: (اللهم إني أحبه فأحبه)
~~ومثل ذلك روي في الحسن (2).
# وروى النسائي بسنده عن عبد الله بن شداد عن أبيه قال: خرج علينا رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) لصلاة العشاء وهو حامل الحسين فتقدم النبي (صلى
~~الله عليه وآله) للصلاة فوضعه ثم كبر وصلى فسجد بين ظهراني صلاته سجدة
~~فأطالها قال فرفعت رأسي فإذا الصبي على ظهر رسول الله (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) وهو ساجد فرجعت إلى سجودي فلما قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~صلاته قال: الناس يا رسول الله سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة أطلتها حتى ظننا
~~أنه قد حدث أمر، وأنه يوحى إليك فقال (صلى الله عليه وآله): (كل ذلك لم يكن
~~ولكني ارتحلني الحسن فكرهت أن أعجله حتى ينزل) (3) وقريب (4) منه رواه ابن
~~سعد عن عبد الله بن الزبير وزاد فيه ولقد رأيته يعني النبي (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) وهو راكع يفرج له يعني الحسن بين رجليه حتى يخرج من الجانب
~~الآخر (5) فانظر إلى هذا التعظيم الجليل من النبي (صلى الله عليه
# PageV00P609
# وآله وسلم) للحسن والحسين، أتراه يرضى أن يكونا سوقه يتأمر عليهما غيرهما
~~أو ما في هذا التبجيل منه لهما إشعار بإرادته تقديمهما وتنبيه للأمة على
~~تعظيمهما وتفخيمهما وتسليم الأمر إليهما وانقياد الناس إلى حكمهما بلى
~~والله فيه دليل ظاهر وبيان واضح وزاهر.
# ومنها ما رواه الثعلبي عن علي (عليه السلام) قال شكوت إلى رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) حسد الناس فقال لي: (أما ترضى أن تكون رابع أربعة أول من
~~يدخل الجنة أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا وذريتنا
~~خلف أزواجنا).
# وروى الطبراني عن أبي رافع أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال لعلي: (أنا
~~أول أربعة يدخلون الجنة أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا خلف ذرياتنا).
# وروى أيضا عن علي (عليه السلام) أن النبي ms468 (صلى الله عليه وآله وسلم) قال:
~~(أول من يرد على الحوض أهل بيتي ومن أحبني من أمتي) (1).
# وروى الديلمي مرفوعا (من أراد التوسل وأن تكون له عندي يد أشفع له بها
~~يوم القيامة فليصل أهل بيتي ويدخل السرور عليهم) (2) وهذه الأحاديث كما ترى
~~ظاهرة في مشاركة أهل البيت للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في مزاياه
~~وصريحة في اتصالهم به في آخرته كما أنهم متصلون به في دنياه لا يزايلهم،
~~ولا يزايلونه ولا يفارقهم ولا يفارقونه فهم أول وارد عليه حوضه، وهم
~~الداخلون معه جنته، والراقون على إثره درجته، وإن من
# PageV00P610
# وصلهم وادخل السرور عليهم كانت له يد على النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) يستحق بها شفاعته ويستوجب بها عنايته أفليس في هذا دلالة على أنهم
~~أولى بمقام الرسول (صلى الله عليه وآله) وإشارة إلى أنهم أحق بخلافته من كل
~~أحد والأحاديث في تبجيلهم وتفضيلهم كثيرة في كتب الخصوم استقصاؤها يوجب
~~الاطناب والملال وليس هذا بكتاب حديث وإنما هو كتاب استدلال فالاقتصار على
~~ما ذكرنا أولى وفيه كفاية للعقلاء وسيأتي جملة من النصوص نذكرها في مقامات
~~تليق بها فارتقب. PageV00P611
# تحقيق مقام وإيراد كلام لبلوغ مرام الأئمة اثنى عشر إماما لا يزيدون ولا
~~ينقصون لما استفاض عند الخصوم من قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (لا
~~يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنى عشر إماما كلهم من قريش) وما روي عن
~~عبد الله بن مسعود أنه قال إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عهد إلينا
~~أنه يكون بعده اثنى عشر خليفة (1) ولتواتر النقل عندنا في ذلك عن النبي
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وعن علي (عليه السلام) ودعوى قوم من الخصوم أن
~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون
~~ملكا) (2) باطلة وكثير منهم يبطل هذا الحديث الذي لا شك في بطلانه،
~~والمعتزلة كافة يبطلون هذه الدعوى ولا ريب أن هذا حديث موضوع، ويكفي في رده
~~حديث: (من مات ولم يعرف إمام زمانه ms469 مات ميتة جاهلية) (3) وهو متفق
# PageV00P613
# عليه وصريحة أن لكل زمان إماما تجب معرفته ولا تجب معرفة ملك جائر البتة
~~كما أوضحناه سابقا، والأحاديث المتفق عليها في المهدي وأنه خليفة رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) حقا، وبالجملة بطلان تلك الدعوى ظاهر لا يحتاج إلى
~~تطويل القول فيه ما بيناه في المقدمة من وجوب استمرار الإمامة وما أقمنا
~~عليه من الأدلة وأول الأئمة الاثني عشر وسيدهم أمير المؤمنين علي بن أبي
~~طالب (عليه السلام)، ثم ابنه الحسن، ثم أخوه الحسين، ثم ابنه علي بن الحسين
~~زين العابدين، ثم ابنه محمد بن علي الباقر ثم ابنه جعفر بن محمد الصادق، ثم
~~ابنه موسى بن جعفر الكاظم، ثم ابنه علي بن موسى الرضا، ثم ابنه محمد بن علي
~~الجواد المعروف بالتقي، ثم ابنه علي بن محمد الهادي الموصوف بالنقي، ثم
~~ابنه الحسن بن علي الزكي العسكري، ثم ابنه المنتظر المهدي سمي جده النبي
~~(صلى الله عليه وآله) وقد تواتر النقل عندنا عن النبي (صلى الله عليه وآله)
~~بأسمائهم وأنهم الأئمة من بعده، ووصفهم لجماعة من أصحابه منهم جابر بن عبد
~~الله الأنصاري، وأخبره أنه يدرك محمد بن علي الباقر وأمره أن يقرأه عنه
~~السلام ففعل (1) والقصة مشهورة عند مخالفينا، وفضل هؤلاء الأئمة عند خصومنا
~~مشهور، وفي مصنفاتهم مذكور، قد ذكرهم ابن أبي الحديد في ذكره مفاضلة هاشم
~~وعبد شمس بجميل الذكر وأثنى عليهم بأحسن الثناء وذكرهم أبو العباس الدمشقي
~~في تاريخه ووصفهم بالإمامة ومدحهم بالعلم والشهامة وذكر لهم جملة من
~~الكرامات والإخبار عن المغيبات والكلام على أسرار القلوب
# PageV00P614
# المضمرات وصنف محمد بن طلحة الشامي كتاب مطالب السؤل في ذكرهم ونعتهم،
~~وصاحب كتاب الفصول المهمة صنفه في وجوب معرفتهم، وعلي بن عيسى الأربلي جمع
~~كتاب كشف الغمة في جمع مناقبهم وفضائلهم، وذكرهم محمد بن علي الصبان
~~الشافعي في إسعاف الراغبين، ووصفهم بالأوصاف الجليلة مع شدة عداوته للشيعة
~~وكثرة تعصبه عليهم كما يعرفه منه من رأى كتابه المشار إليه وذكرهم ابن
~~خلكان في تاريخه بجميل ms470 الذكر وكم فاضل من مخالفينا صنف في فضائلهم، وكم من
~~مؤلف من خصومنا ألف في جمع مناقبهم.
# وأما أصحابنا فقد صنفوا في ذلك وجمعوا منه الكثير الواسع، وهذا يدلك على
~~عظيم عناية الله بأئمتنا الطاهرين، حيث أجرى مدحهم على السن أوليائهم
~~وأعدائهم، وهذا أدل دليل على إمامتهم، وأوضح برهان على رئاستهم، وأنها من
~~الله تعالى عند من تأمل وأنصف، وقد اشتهر من كراماتهم واستجابة دعائهم
~~ومعاجزهم، وعلمهم بالأسرار وإخبارهم عن المغيبات ما هو مذكور في كتب
~~التواريخ والسير وكتب الأخبار من الخاصة والعامة، وليس هذا الكتاب مصنفا
~~لذكر الفضائل ولا لجمع المناقب فمن أرادها فليطلبها من الكتب التي سميناها
~~وغيرها فإن هذا الكتاب إنما هو مصنف لإثبات النص عليهم بالإمامة وأردنا من
~~هذا الكلام بيان أنهم معروفون بالفضل والعلم موصوفون بالجود والحلم عند
~~الولي والخصم، فليس من أنكر إمامتهم أنكرها لجهل بفضلهم ولا لعدم معرفته
~~بشرفهم ومجدهم وقربهم من النبي (صلى الله عليه وآله) وطيب أصلهم، ولا لخفاء
~~خصالهم الحميدة وجمل فعلهم، وكيف يخفى فضل أهل البيت على القوم وهم قد رووا
~~في حقهم عن النبي (صلى الله عليه وآله) ما مر عليك في هذا المصنف من
~~الأخبار على كثرتها مع ما سيأتي ذكره منها، وهذا كله جزء مما رووه في
~~فضلهم، ولا بأس بذكر بعض الأحاديث في هذا المقام مما PageV00P615
# يستدل به على فضل أئمتنا الكرام.
# روى ابن حجر في الصواعق أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (من أحب أن
~~ينسئ الله أجله وأن يمتع بما خوله فليخلفني في أهلي خلافة حسنة فمن لم
~~يخلفني فيهم بتر عمره وورد علي يوم القيامة مسودا وجهه) (1).
# وروى أحمد بن حنبل عن العباس بن عبد المطلب أن النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) صعد المنبر فقال: (من أنا) قالوا أنت رسول الله قال:
# (أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب إن الله خلق الخلق فجعلني في خير
~~خلقه وجعلهم فرقتين فجعلني في خير فرقة وخلق القبائل فجعلني في خير قبيلة ms471
~~وجعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا) (2) وروى أحمد والمحاملي عن عائشة أنها
~~قالت قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (قال جبرائيل قلبت مشارق الأرض
~~ومغاربها فلم أجد أفضل من محمد (صلى الله عليه وآله)، وقلبت مشارق الأرض
~~ومغاربها فلم أجد بني أب أفضل من بني هاشم) (3) فبنوا هاشم أفضل الناس
~~بمقتضى الخبر، والأئمة صفوتهم فإنهم أعلام بني هاشم، ونجوم بني عبد المطلب،
~~فلهم الشرف الأعظم والمجد الأقدم، ولقد أجاد أبو فراس الحمداني (4) حيث
~~يقول في خطاب بني العباس من قصيدة طويلة.
# PageV00P616
# ليس الرشيد كموسى في القياس ولا * مأمونكم كالرضا إن أنصف الحكم ولما قال
~~معاوية لعبد الله بن العباس بعد موت الحسن إنك اليوم زعيم بني هاشم قال:
~~عبد الله أما والحسين فيهم فلا (1) ولما قال معاوية لعبد الله بن جعفر إنك
~~سيد بني هاشم، قال له عبد الله إن الحسن والحسين هما سيدا بني هاشم لا
~~يدافعان (2) وقال مرة وقد قال له معاوية كلاما يفضله فيه وأباه جعفرا على
~~الحسن والحسين وأبيهما: هما خير مني وأبوهما خير من أبي وأمهما خير من أمي.
# وروى في إسعاف الراغبين أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال:
# (يرد علي الحوض أهل بيتي ومن أحبهم كهاتين) يعني السبابتين (3).
# وروى الطبراني أن عليا (عليه السلام) قال لمعاوية: (إياك وبغضنا فإن رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لا يبغضنا ولا يحسدنا أحد إلا ذيد عن
~~الحوض يوم القيامة بسياط من نار) (4) قال: وقال في الاسعاف بعد ذكر جملة من
~~الأخبار في محبة أهل البيت: علم من الأحاديث السابقة وجوب محبة أهل البيت،
~~وتحريم بغضهم التحريم الغليظ، وبلزوم محبتهم صرح البيهقي والبغوي بل نص
~~عليه الشافعي في ما حكى من قوله:
# PageV00P617
# يا آل بيت رسول الله حبكم * فرض من الله في القرآن أنزله يكفيكم من عظيم
~~الفخر أنكم * من لم يصل عليكم لا صلاة له (1) وقال الفخر الرازي: " إن أهل
~~بيته يعني النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ساووه في خمسة أشياء في ms472 الصلاة
~~عليه وعليهم في التشهد وفي السلام يقال في التشهد السلام عليك أيها النبي
~~وقال تعالى: [سلام على آل ياسين] (2) وفي الطهارة قال الله تعالى: [طه] أي
~~يا طاهر وقال تعالى:
# [ويطهركم تطهيرا] (3) وفي تحريم الصدقة وفي المحبة قال تعالى: [فاتبعوني
~~يحببكم الله] (4) وقال تعالى [قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في
~~القربى] (5) انتهى (6).
# وقال محيي الدين ابن عربي.
# ولائي إليكم آل طه فريضة * على رغم أهل البعد يورثني القربا فما طلب
~~المبعوث أجرا على الهدى * بتبليغه إلا المودة في القربى رواه عنه في
~~الإسعاف (7)، فهذه شهادة الفضلاء من أهل السنة على فضل أئمتنا ووجوب
~~محبتهم، ومساواتهم النبي (صلى الله عليه وآله) في الخصائص والمزايا، وكفى
~~بذلك لنا تصديقا.
# فإن قيل: لم قصرتم الإمامة في ذرية الحسين دون ذرية الحسن وهما جميعا
# PageV00P618
# سبطا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم خصصتم بها من ذكرتم، دون باقي
~~ذرية الحسين.
# قلنا: أما جعلنا الإمامة في ذرية الحسين دون ذرية الحسن وهما معا ابنا
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلنا عليه دليلان.
# الأول إن الإمامة لا شك أنها منصب رسول الله ومقامه وميراثه فصارت بعده
~~لعلي (عليه السلام) بنصه عليه ثم صارت بعد علي للحسن والحسين (عليه السلام)
~~مشتركين فيها بنص رسول الله عليهما إلا أن التقدمة للحسن لأنه الأكبر سنا
~~ثم صارت بعده للحسين خالصة لا يشركه فيها غيره فوجب أن تكون بعده للأقرب
~~إليه لآية: [وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض] فمحال ترجع إلى ولد الحسن،
~~وهي ميراث الحسين، والإمام يجب أن يكون أقرب الناس إلى الإمام الذي قبله
~~ولولا وجود النص على الحسين من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن علي
~~(عليه السلام) لجعلناها بعد الحسن للأكبر من ولده ولم تصر للحسين ولا لأحد
~~من ذريته، ولكن النص عليه قد ورد فكان هو الإمام بعد الحسن، فالإمامة يجب
~~أن تكون في عقبة للآية.
# الثاني تواتر الأخبار عندنا عن النبي (صلى الله عليه وآله) وعلي والحسن
~~والحسين (عليه ms473 السلام) إن الإمامة بعد الحسين تكون في ذريته وكتب أصحابنا
~~مملوءة من ذلك، وبهذين الدليلين يبطل مذهب الزيدية والكيسانية ومن شابههم.
# وأما تخصيص الإمامة بمن ذكرناهم فلوجوه.
# الأول تواتر الأخبار عندنا عن النبي (صلى الله عليه وآله) وعن علي
~~بأسمائهم وأنهم فلان بن فلان وفلان بن فلان إلى آخرهم، وتلك PageV00P619
# الأخبار مودعة في كتب أصحابنا فوجب اتباع ما قاله النبي (صلى الله عليه
~~وآله وسلم).
# الثاني تواتر النص عندنا عن كل سابق على لا حقه، وقد علمت أن الإمامة
~~عندنا دائرة مدار النص، وقد أوضحنا بطلان الاختيار فيها في أول الكتب فيجب
~~الحكم بإمامة من ذكرنا نص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليهم ونص بعضهم
~~على بعض.
# الثالث إنك قد علمت فيما مضى إنا أقمنا الدليل على اشتراط الأعلمية في
~~الإمام وأنه لا يجوز أن يكون في رعيته من هو أعلم منه ولم نجد من ذرية
~~الحسين ولا من ذرية الحسن أعلم من هؤلاء القوم، فإنهم ما سألوا عن شئ إلا
~~أجابوا فيه، واستخرجوه من كتاب الله تعالى وبثوا من العلوم ما لم يحط به
~~أحد ومن أخبار الماضين ما لم يعلمه من قرأ كتب الأولين مع تصريحهم بأنهم لم
~~يجدوا لعلومهم حملة، فلو أنهم وجدوا من يحمل علومهم لبرز عنهم من العلم ما
~~يكون الظاهر الآن من علومهم على كثرته عشر عشر عشره واستغفر الله من
~~النقصان، فإن العبارة لا تؤدي عنه والعقول لا تحيط بكنهه، فقولنا على جهة
~~التقريب فقد قالوا لمن سألهم عن الألف باب التي علمها رسول الله أمير
~~المؤمنين (عليه السلام) فانفتح من كل باب ألف باب (1) وإنها صارت إليكم فكم
~~نروي منها عنكم فقالوا: (إنكم ترون منها
# PageV00P620
# عنا بابا أو بابين) وهم في كل ما قالوا وجميع ما بينوا من الأحكام في
~~الحلال والحرام والقصص والأخبار لم يكونوا ناقلين له عن أستاذ ولا محدث، بل
~~يلقيه كل سابق منهم إلى لاحقه إلى أن ينتهي إلى النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم)، لا يرجعون ms474 في علومهم إلا إليه لا إلى رأي ولا قياس كغيرهم من بني
~~أبيهم، ومن جملة الناس وقد أقر بأعلميتهم على من سواهم من إخوانهم وأعمامهم
~~جميع العلماء وصنفت الكتب في فضائلهم دون غيرهم من الذرية الحسينية
~~والحسنية من الخاصة والعامة فلا يذكر غيرهم من القبيلين إلا بالعرض
~~والاستطراد، وملئت التواريخ بذكر كراماتهم ووصف علومهم دون بني أبيهم كما
~~ذكرنا في أول الكلام، ومن أراد الاطلاع على ذلك فعليه بالكتب التي أشرنا
~~إليها وغيرها مما ذكر فيه أخبار الماضين، وحيث كانوا أعلم أهل أزمنتهم وجب
~~أن يكونوا هم الأئمة.
# الرابع اجتماع الخصال الحميدة فيهم من الزهادة والعبادة والكرم والحلم
~~واستجابة الدعوة والعفة والصيانة مما لم يجتمع بعضها لأحد من الناس، قال
~~ابن أبي الحديد في مفاخرة هاشم وعبد شمس: " ومن الذي يعد من قريش أو من
~~غيرهم ما يعده الطالبيون عشرة في نسق كل واحد منهم عالم زاهد ناسك شجاع
~~جواد طاهر زاك، فمنهم خلفاء مرشحون ابن ابن ابن ابن هكذا إلى عشرة وهم
~~الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن
~~علي، وهذا لم يتفق لبيت من بيوت العرب ولا من بيوت العجم (1) وقال في موضع
~~آخر: وأين أنتم عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الذي يقال له: علي
~~الخير، وعلي الأغر، وعلي العابد، وما أقسم على الله بشئ إلا وأبر قسمه؟
~~وأين أنتم عن موسى بن جعفر بن محمد، وأين أنتم عن علي بن محمد بن الرضا
~~لابس الصوف طول
# PageV00P621
# عمره مع سعة أمواله وكثرة ضياعه وغلاته (1) وقال في موضع آخر:
# وجعفر بن محمد الذي ملأ الدنيا علمه وفقهه ويقال إن أبا حنيفة كان من
~~تلامذته، وكذلك سفيان الثوري وحسبك بهما في هذا الباب إلى أن قال ومن مثل
~~علي بن الحسين زين العابدين، وقال الشافعي في الرسالة في إثبات خبر الواحد:
~~وجدت علي بن الحسين وهو أفقه أهل المدينة يعول على أخبار الآحاد (2) انتهى.
~~ما ms475 أردنا نقله من كلام المعتزلي وهو مصرح بما ذكرنا في أئمتنا ونسبناه
~~إليهم من الأوصاف، واجتماع الخصال الحميدة فيهم مما لم يتفق لغيرهم، وأعظم
~~الأمور أن محمد بن إدريس الشافعي يستند في صحة قوله إلى فعل إمامنا علي بن
~~الحسين ويجعله حجة.
# وروى ابن خلكان في تاريخه عن أبي العباس محمد بن يزيد المبرد في كتاب
~~الكامل ما مثاله يروي عن رجل من قريش لم يسم لنا قال: كنت أجالس سعيد بن
~~المسيب فقال لي يوما: من أخوالك؟ فقلت: أمي فتاة، فكأني نقصت في عينه، وذكر
~~مجئ سالم بن عبد الله بن عمر ثم بعد قيامه إتيان القاسم بن محمد بن أبي بكر
~~إلى أن قال، فأمهلت شيئا حتى جاءه علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه
~~السلام) فسلم عليه ثم نهض قلت: يا عم من هذا فقال: هذا الذي لا يسع مسلما
~~أن يجهله هذا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) الخبر (2)
~~فانظر إلى قول سعيد في علي بن الحسين فإنك تجده يكاد أن يصرح بإمامته على
~~ما نقول بل هو مصرح بها لأن من لا يسع المسلمين جهله واجبة معرفته عليهم،
~~وليس تجب على المسلمين بعد معرفة الله ورسوله معرفة أحد إلا الإمام.
# وقال في المناقب مختصر مناقب الحافظ أبي عبد الله محمد بن يوسف
# PageV00P622
# البلخي الشافعي في ترجمة الحسين (عليه السلام) مشيرا إلى أئمتنا بعد أن
~~ذكرهم قال بعض أهل العلم: " علوم أهل البيت لا تتوقف على التكرار والدرس
~~ولا يزيد يومهم فيها على ما كان بالأمس لأنهم المخاطبون في أسرارهم
~~المحدثون في النفس فسماء معارفهم وعلومهم بعيدة عن الادراك واللمس، ومن
~~أراد سترها كان كمن أراد ستر وجه الشمس، وهذا مما يجب أن يكون ثابتا مقررا
~~في النفس، فهم يرون عالم الغيب في عالم الشهادة ويقفون على حقائق المعاني
~~في خلوات العبادة، وتناجيهم ثواقب أفكارهم في أوقات أذكارهم بما تسنموا به
~~غارب الشرف والسيادة، وحصلوا بتوجههم إلى جناب القدس ما ms476 بلغوا به منتهى
~~السؤال والإرادة، فهم كما في نفوس أوليائهم ومحبيهم وزيادة، فما تزيد
~~معارفهم في زمان الشيخوخة على معارفهم في زمن الولادة، وهذه أمور تثبت لهم
~~بالقياس والنظر، ومناقب واضحة الحجول والغرر، ومزايا تشرق إشراق الشمس
~~والقمر، وسجايا تزين عنوان التواريخ وعنوان الأثر فما سألهم مستفيد أو
~~ممتحن فوقفوا ولا أنكر منكر أمرا من الأمور إلا عرفوا، ولا جرى معهم غيرهم
~~في مضمار شرف إلا سبقوا، وقصر مجاريهم وتخلفوا، سنة جرى عليها الذين سلفوا
~~وأحسن اتباعها الذين خلفوا، وكم عاينوا في الجدال والجلاد أمور فتلقوها
~~بالرأي الأصيل والصبر الجميل، فما استكانوا وما ضعفوا فبهذا وأمثاله سموا
~~على الأمثال وشرفوا تعدم الشقاشق إذا هدرت شقاشقهم وتصغي الأسماع إذا قال
~~قائلهم، ونطق ناطقهم ويكثف الهواء إذا قيست به خلائقهم ويقف كل ساع عن
~~شأوهم، فلا يدرك فائتهم ولا تنال طرائقهم، سجايا منحهم بها خالقهم، وفاز
~~بها صادقهم فسر بها أولياؤهم وأصدقاؤهم وحزن لها مباينهم ومفارقهم انتهى
~~أقول والكلام في أوصافهم متسع قال فيه كل قائل بما أحسن، ونطق منه كل
# PageV00P623
# ناطق بما أتقن، وقدرهم فوق ما قيل فيهم، وشأنهم فاق مدح مادحيهم، فلنكتف
~~من القول في ذلك بهذه الجملة ففيها ما يبل الغليل ويشفي العليل.
# واعلم أنه ليس في الذرية النبوية من له جميع هذه الأوصاف غير من ذكرناهم
~~بالاتفاق، فوجب أن يختصوا بالإمامة دون غيرهم من إخوانهم وأعمامهم، وبهذا
~~كله يبطل مذهب الإسماعيلية والفطحية ومن ضارعهم مثل مذهب أصحاب جعفر الكذاب
~~بن علي الهادي وغيرهم. PageV00P624
# توضيح مقال لدفع إشكال المهدي هو ابن الحسن العسكري وهو مختف عن الناس لا
~~يعرفون شخصه وهو يعرفهم وأنه باق حتى يأذن الله له في الظهور والقيام
~~بالسيف فيطهر الله الأرض به من الفساد، ويملأها به قسطا وعدلا كما ملئت من
~~الظلمة ظلما وجورا كما تواترت به الأخبار النبوية، وينزل عيسى بن مريم إليه
~~ويصلي خلفه، ويملك سبع سنين كما وردت به الأخبار، ثم يكون بعده ما شاء الله
~~أن يكون من الكرة، وليس هذا ms477 موضع تفصيل تلك الأمور، وإنما هو مقام إثبات
~~الإمامة له، والبقاء بالدليل.
# أما إنه ابن الحسن العسكري فبإجماع الإمامية وتواتر أخبارهم، أنه ابنه
~~وأن مولده قبل وفاة أبيه بأربع سنين وقد قال بذلك جماعة من مخالفينا كمحيي
~~الدين ابن عربي في فتوحاته وعبد الوهاب الشعراني في كتابه اليواقيت
~~والجواهر والشيخ حسن العراقي وعلي الخواص وأبي العباس الدمشقي وهؤلاء من
~~أكابر السنة والمذكورون قبل أبي العباس من أهل التصوف المعدودين عند خصومنا
~~من الأولياء.
# قال الشعراني في الكتاب المذكور: المهدي من ولد الإمام الحسن العسكري
~~ومولده ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين وهو باق حتى يجتمع
~~بعيسى سن مريم، هكذا أخبرني الشيخ حسن العراقي المدفون PageV00P625
# فوق كوم الريش المطل على بركة الرطل بمصر المحروسة عن الإمام المهدي حين
~~اجتمع به ووافقه على ذلك سيدي على الخواص رحمهما الله تعالى انتهى.
# وقال محيي الدين مسافر بن عربي: إنه لا بد من خروج المهدي (عليه السلام)
~~لكن لا يخرج حتى تمتلأ الأرض جورا وظلما فيملأها قسط وعدلا وهو من عترة
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) من ولد فاطمة جده الحسين بن علي بن أبي
~~طالب (عليه السلام) ووالده الإمام الحسن العسكري بن الإمام علي النقي
~~بالنون بن الإمام محمد التقي بالتاء بن الإمام على الرضا بن الإمام موسى
~~الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام زين
~~العابدين علي بن الإمام الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب يواطئ اسمه اسم
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يبايعه المسلمون بين الركن والمقام
~~إلى آخر (1) ما قال وقد نقل بعض أصحابنا عن
# PageV00P626
# حجة الإسلام أبي حامد الغزالي في بعض كتبه أظنه المنخول مثل ذلك، لكن
~~الكتاب لا يحضرني لأنقل عبارته.
# وقال أبو العباس الفصل الحادي عشر في ذكر الخلف الصالح الإمام أبي القاسم
~~محمد بن الحسن العسكري رضي الله عنه عند وفاة أبيه خمس سنين آتاه الله فيها
~~الحكمة كما أوتيها يحيى وكان مربوع القامة، حسن الوجه، ms478 والشعر، أقنى الأنف،
~~أجلا الجبهة إلى أن قال - واتفق العلماء على أن المهدي هو القائم في آخر
~~الوقت، وقد تعاضدت الأخبار على ظهوره وتظاهرت الروايات على إشراق نوره،
~~وستسفر ظلمة الأيام والليالي بسفوره، وينجلي برويته الظلم انجلاء الصبح عن
~~ديجوره، ويسير عدله في الآفاق فيكون أضوء من البدر المنير في مسيره انتهى
~~وكذلك ذكره جماعة من أهل التاريخ كشمس الدين ابن خلكان فقد ذكر أنه محمد بن
~~الحسن العسكري وأثبت مولده في التاريخ المتقدم، وذكر أنه الرجل الذي تدعي
~~الإمامية أنه إمامهم الثاني عشر وذكره ابن زولاق في تاريخه، هكذا إلا أنه
~~زعم أن مولده قبل التاريخ المذكور وكذلك غيرهما من أهل التواريخ والسير،
~~وقد تلخص من هذا كله إن ولادة المهدي الذي هو ابن الحسن العسكري وقعت يقينا
~~وحصلت جزما فلا التفات لمن أنكر ذلك عصبية وعنادا كابن أبي الحديد وأمثاله
~~من أصحابه وغيرهم، ومن هذا يعلم بطلان ما ذكره في إسعاف الراغبين من أن
~~المهدي من ذرية الحسن السبط بن أمير المؤمنين (عليه السلام) ويعلم منه أيضا
~~وهن قوله: إن رواية كونه من ذرية الحسين واهية (1) بل قوله هو الواهي
~~ولعلهم رأوا في رواية أنه من ولد الحسن يعني به العسكري فظنوه الحسن السبط
~~فأخطئوا فقد روى ابن قتيبة في كتاب غريب الحديث عن أمير المؤمنين (عليه
~~السلام): (إن المهدي من ذرية
# PageV00P627
# الحسين) (1) ورواه أيضا قاضي القضاة عن كافي الكفاة إسماعيل بن عباد
~~بإسناد متصل به (عليه السلام) فلا محيص عن القول به.
# وأما اختفاؤه فلخوفه من الطواغيت أن يفعلوا به كما فعل بآبائه وليخرج
~~وليس في عنقه بيعة لأحد من الظلمة.
# وأما عدم معرفة الناس لشخصه ومكانه فلخوف الإذاعة فإذا عرف شخصه ومحله
~~قصد من الجائرين بالإيذاء.
# وأما بقاؤه حتى يؤذن له في الظهور فلوجوه.
# الأول اتفاق الإمامية عليه وموافقة جملة من المخالفين لهم على صحته كما
~~سمعت.
# الثاني تواتر الأخبار عن النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة بعد
~~المفروغية من إثبات كون قولهم حجة باثبات إمامتهم ms479 بما ذكرناه من النصوص
~~المتقدمة، والوجوه المتعددة.
# الثالث إنا قدمنا في أول الكتاب أنه لا يجوز خلو زمان من أزمنة التكليف
~~من إمام يكون حجة لله على خلقه، وبينا هنا أن الأئمة اثنى عشر، وأنه تمام
~~عدتهم فوجب الحكم ببقائه لئلا يكون زمان التكليف خاليا من الحجة لله على
~~خلقه، على إنا نقول لهم إن جماعة من مؤرخيكم قد أثبتوا ولادته كما قلنا
~~فنحن نطالبكم باثبات موته، وبالدلالة على موضع مدفنه، وليس لهم حجة على ذلك
~~إلا الشبهة التي تمسك بها منكروا ولادته أو بعضهم وهي مخالفة العادة
~~والطبع، فإن العادة قد قضت بأنه لا يعيش أحد هذا PageV00P628
# العمر الطويل والطبيعة الإنسانية لا يمكن بقاء شخص منها هذه المدة والعمر
~~الطبيعي مائة وعشرون سنة، وهذه الشبهة منقوضة عليهم ومقلوبة بما صح في
~~كتبهم وتواريخهم من بقاء خلق كثير أضعاف ما ذكروه للعمر الطبيعي، فقد ذكر
~~أن آدم (عليه السلام) عاش ستمائة سنة، وأن نوحا بنص القرآن لبث من قومه ألف
~~سنة إلا خمسين عاما، بعد مبعثه قبل الطوفان، وأنه بعث وله خمسون سنة وقيل
~~أربعمائة سنة، وعاش بعد الطوفان ثلاثمائة سنة فعمره يكون على الرواية
~~الأولى ألفا وثلاثمائة سنة، وعلى الثانية ألفا وستمائة وخمسين سنة، وأن عمر
~~سام ستمائة سنة، وعمر أرفخشد أربعمائة سنة وخمس وستون سنة، وأن عمر شالخ بن
~~أرفخشد أربعمائة وثلاثون سنة وأن كالب بن يوفنا عاش ألف سنة في بني إسرائيل
~~وأن انوش بن شيث عاش تسعمائة وخمسا وستين سنة، وابنه قينان عاش سبعمائة
~~وعشرين سنة وابنه مهلاييل عاش تسعمائة وخمسا وستين سنة، وإدريس رفع وهو ابن
~~ثلاثمائة وخمس وستين وبقي أبوه بعد رفعه خمسمائة وخمسا وثلاثين سنة، وعاش
~~متوشلخ بن إدريس تسعمائة واثنين وثمانين سنة وابنه لمك سبعمائة سنة، وذكر
~~في أنوار التنزيل أن لقمان الحكيم عاش ألف سنة، وصح أن لقمان بن عاد عاش
~~عمر سبعة أنسر.
# قال القرماني أبو العباس في تاريخ الدول وقد اختلف الناس في عمر النسر
~~وعامتهم أنه يعيش خمسمائة ms480 سنة، فعلى هذا إن لقمان عاش ثلاثة آلاف وخمسمائة
~~سنة، قال: وقيل إنه عاش ثلاثة آلاف وثمانمائة سنة، لأنه قبل أن يأخذ النسور
~~له ثلاثمائة سنة انتهى أقول وقد ذكر شعراء العرب لقمان هذا إشارة وتصريحا
~~قال سالم بن عوانة الضبي في أبيات له.
# لا تهزئي مني ربيب فما * في ذاك من عجب ولا سخر أولم ترى لقمان أهلكه *
~~ما اقتات من سنة ومن شهر PageV00P629
# وبقاء نسر كلما انقرضت * أيامه عادت إلى نسر ما طال من أمد على لبد *
~~رجعت محاربة إلى قصر وقال التابعة الذبياني:
# أمست قفارا وأمسى أهلها احتملوا * أخنى عليها الذي أخنى على لبد يعني به
~~نسر لقمان وغير ذلك.
# وذكر القرماني أيضا أن عوج بن عناق عاش مثل عمر لقمان بن عاد على الرواية
~~الأولى.
# وكثير من العرب عاش عمرا طويلا فمنهم عبيد بن شريد الجرهمي عاش ثلاثمائة
~~وخمسين سنة، وروي عنه أنه رأى من عاش ألف سنة، وأن الربيع بن ضبيع الفزاري
~~عاش قريبا من أربعمائة سنة، وأن سويا الكاهن عاش ثلاثمائة سنة، وأن شداد بن
~~عاد عاش تسعمائة سنة، وعاش أكثم بن صيفي التميمي ثلاثمائة سنة، وعاش
~~المستوغر عمرو بن ربيعة أحد بني سعد بن زيد مناة التميمي ثلاثمائة وعشرين
~~سنة، وعاش الحارث بن كعب مائة وستين سنة، وعاش دريد بن زيد النهدي القضاعي
~~أربعمائة سنة وستا وخمسين سنة، وعاش زهير بن جناب العذري الكلبي مائتين
~~وعشرين سنة، وعاش ذو الإصبع حرثان بن محرث العدواني أحد بني قيس عيلان بن
~~مضر ثلاثمائة سنة، وعاش معدي كرب الحميري عمرا طويلا حتى قال.
# أراني كلما أفنيت عمرا * أتاني بعده يوم جديد يعود بياضه في كل فجر *
~~ويأبى لي شبابي ما يعود وعاش أبو الطمحان القيني حنظلة بن الشرفي الكناني
~~مائتي سنة، وعاش عبد المسيح بن بقيلة الغساني ثلاثمائة وخمسين سنة، وعاش
~~النابغة الجعدي قيس بن كعب من بني عامر بن صعصعة مائة وثمانين سنة، على
~~رواية ابن الكلبي ومائتي سنة على رواية ابن دريد عن أبي ms481 حاتم، وغير هؤلاء
~~ممن عاش PageV00P630
# عمرا طويلا كثيرا لو أردنا ذكر جميع من يمكننا ذكره، وكل من انتهى إلينا
~~خبره لطال الكلام فأين العادة؟ وأين العمر الطبيعي؟ فإذا صح عند خصومنا
~~جواز الزيادة على العمر الطبيعي وخرق العادة فيمن ذكرناهم على كثرتهم ومن
~~تركنا ذكره أكثر كيف يمنعون ذلك في المهدي دون غيره لتلك العادة المنخرمة
~~المنخرفة؟ ما هو إلا تشبت بما لا يجدي نفعا ثم إنهم أثبتوا أن الخضر حي
~~موجود إلى أن يقوم المهدي (عليه السلام) وهو قبل النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) بزمان طويل لأنه كان على مقدمة ذي القرنين الأكبر الذي كان في زمن
~~إبراهيم الخليل (عليه السلام) على رواية المسعودي في أخبار الزمان، وقيل هو
~~إيليا بن ملكا بن فالغ بن عابر، وقيل الخضر بن ميشا بن أفرائيم بن يوسف
~~الصديق، وعلى كل حال فهو قبل نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) بمدة طويلة
~~وصححوا أن معمر أبا الدنيا علي بن عثمان بن الخطاب الهمداني حي موجود من
~~زمان نبينا إلى أن يقوم المهدي وأثبتوا أن الدجال حي موجود إلى قيام
~~المهدي، ونزول عيسى من المساء فيقتلانه، وأن إلياس حي موجود في السحاب
~~فإثباتهم طول البقاء لهؤلاء وإنكارهم البقاء منهم للمهدي عناد صرف، وتعصب
~~محض لا حجة عليه، وبعد فما ينكرون من أن يكرم الله نبيه محمدا (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) فيما أكرمه بأن يعمر رجلا من عترته إلى وقت معلوم عنده كما
~~فعل بغيره؟ على أن لازم ما رووه عن النبي (صلى الله عليه وآله) من قوله:
~~(لتحذون حذو الأمم من قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة بالقدة) وقوله:
~~(ليكونن فيكم ما كان في الأمم قبلكم) أو ما أشبه هذا اللفظ أن يكون في
~~أولياء هذه الأمة معمرون كما كان في أولياء الأمم السالفة، وفي هذا كفاية
~~لصحة بقائه (عليه السلام) إلى وقت معلوم عجل الله فرجه وسهل مخرجه، وجعلنا
~~من أنصاره وأكرمنا بجواره.
# وأما الشبهة في استتاره بأنه كيف يكون موجودا ولا ms482 يعرف بشخصه PageV00P631
# فمندفعه بأن الخضر موجود عندهم قطعا وهو لا يعرف بشخصه، وذكر شيخهم
~~الأكبر مسافر بن عربي أن إلياس يجتمع مع الخضر عند سد يأجوج ومأجوج وفي مكة
~~وعرفات، روى ذلك عنه القرماني في تاريخ الدول ومن المتفق عليه أنه لم يكن
~~أحد من الناس يعرف الخضر وإلياس بشخصيهما فما المانع أن يكون المهدي كذلك؟
~~ثم من المتفق عليه أيضا أن الدجال موجود ولم يكن أحد يعرفه بشخصه ولا ادعى
~~أحد من الناس معرفته فكيف يجوز أن يخفى الخضر وإلياس والدجال على الناس ولا
~~يعرفون أشخاصهم ولا يجوز ذلك في غيرهم وهو المهدي لولا التعسف وتمحل
~~المحال، وقد ورد في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) ما يصرح بوجود هذا
~~الإمام المنتظر واستتاره عن البشر وأنه حجة الله على خلقه وخليفة أنبيائه.
# فمنه ما في خطبة أومي فيها إلى الملاحم قال في جملتها: (هذا أبان ورود كل
~~موعود ودنو من طلعة ما لا تعرفونه، ألا وإن من أدركها منا يسرى فيها بسراج
~~منير، ويحذو فيها على مثال الصالحين ليحل فيها ربقا ويعتق فيها رقا ويصدع
~~شعبا ويشعب صدعا في سترة عن الناس لا يبصر القائف أثره، ولو تابع نظره، ثم
~~ليشحذن فيها قوم شحذ القين النصل يجلي بالتنزيل أبصارهم، ويرمي بالتفسير في
~~مسامعهم، ويغبقون كأس الحكمة بعد الصبوح) (1) انتهى.
# فانظر إلى قوله (عليه السلام) بعد ذكر أوصاف القائم (في سترة من الناس لا
~~يبصر القائف أثره) فإنك تراه أصرح شئ في مدعانا وأوضح قول في مرامنا.
# وأما قول ابن أبي الحديد بعد اعترافه بدلالة الكلام على استتار هذا
# PageV00P632
# الإنسان المشار إليه: وليس ذلك بنافع للإمامية في مذهبهم، وإن ظنوا أن
~~ذلك تصريح بقولهم وذلك لأنه من الجائز أن يكون هذا الإمام يخلقه الله تعالى
~~في آخر الزمان ويكون مستترا وله دعاة يدعون إليه ويقررون أمره ثم يظهر بعد
~~ذلك الاستتار، ويملك الممالك ويقهر الدول ويمهد الأرض كما ورد في الخبر (1)
~~فباطل غاية البطلان والكلام نافع لنا في مذهبنا غاية النفع ms483 وجواز أن يكون
~~هذا الإمام يخلقه الله تعالى في آخر الزمان معارض بجواز أن يكون خلقه قبل
~~زمان ابن أبي الحديد، بما يربى على المئات من السنين ويزيد، وقد أقمنا
~~البرهان على وجوب وجوده في الأرض أثبتنا النقل على حصول ولادته منا ومن
~~الخصوم، ونحن لا ننكر ما أجازه لو كان الخلف لم يوجد، ولم يولد، ولا يضرنا
~~في الحجة نحن ندعي أنه (عليه السلام) خلق فكان على المعتزلي أن يقيم دليلا
~~على منع إيجاده، وإبطال ميلاده وأنى له بذاك؟ وإذا كان يجوز أن يكون ولد
~~والأخبار منا ومنهم وردت بوقوع ذلك الجائز الذي لم يقدر الخصم على منعه وجب
~~أن يكون استتار المنتظر من وقت ميلاده إلى وقت ظهوره في هذه الأزمان لا في
~~ذلك الزمان الذي ادعاه المعتزلي، على أنه لو كان كما ذكر لم يكن الإمام
~~مستترا عن الناس لأن من يبث الدعاة إلى الخلق يدعونهم إلى طاعته ومبايعته
~~ويطلبون منهم الانقياد إلى أمره والوثوب إلى نصرته ليس بمستتر عن الناس، بل
~~مظهر لهم نفسه مبدلهم أمره معرف لهم شأنه ملق إليهم خبره، ومن كان هذا شأنه
~~كيف لا يبصر القائف أثره ولو تابع نظره، ودعاته يشيرون إليه ويدلون الناس
~~عليه، وإنما يصح الاستتار الذي عناه أمير المؤمنين وصرح به في الوقت الذي
~~ليس لهذا الإمام ابن السادة الكرام داع يدعو الناس إلى مبايعته ولا مشير
~~يشير إليه ويدل عليه، فهو مخفى الأثر ولذلك أنكر وجوده من أنكر كهذا
~~القائل، وهذه الحال لم تكن إلا في هذه
# PageV00P633
# الأزمان التي تغلب فيها على أهل الإيمان أهل البغي والعدوان، وذوو الكفر
~~وأولياء الشيطان لا الزمان الذي يدعى فيه لذلك الإمام، وينادى باسمه بين
~~الخاص والعام، فإن ذلك وقت أسفار العدل بسفوره، وظهور صبح الحق بظهور نوره،
~~وانهزام ليل الباطل وزوال ديجوره، بضياء نهار الهدى وسناء تنويره.
# ذاك وقت أيامنا فيه بيض * والليالي غر كليل العروس وليت شعري كيف خفي على
~~المعتزلي هذا المعنى من الظهور والخفاء فلم يعرف الظاهر ms484 من المستور وأما
~~قوله كما ورد في الخبر، فهو متعلق بقوله:
# تملك الممالك إلى آخر الكلام لا بقوله: يخلقه الله في آخر الزمان إذ لا
~~خبر بذلك عندهم، ولو كان ثمة خبر ولو من أضعف الأخبار لصال به علينا وجال
~~لكن لم يجد إلى ذلك سبيلا فرجع إلى الاستدلال بالإمكان، وترك ما حصل وكان.
# ومنه قوله في خطبة أخرى يشير إلى الخلف الصالح: (قد لبس للحكمة جنتها
~~وأخذها بجميع أدبها، من الاقبال عليها والمعرفة بها والتفرغ لها فهي عند
~~نفسه ضالته التي يطلبها وحاجته التي يسأل عنها فهو مغترب إذا اغترب
~~الإسلام، وضرب بعسيب ذنبه وألصق الأرض بجرانه، بقية من بقايا حجته، خليفته
~~من خلائف أنبيائه) الخطبة (1) فقوله (عليه السلام):
# (مغترب إذا اغترب الإسلام) دال على استتار ذلك الإمام إذا عاد الإسلام
~~غريبا كما بدأ غريبا دل عليه الحديث النبوي، وصار كالبعير البارك الذي يضرب
~~الأرض بأصل ذنبه وهو المراد بالعسيب، ويلصق الأرض بصدره وهو جرانة فلا يكون
~~له تصرف ولا نهوض، وكل ذا كناية عن عود الإسلام
# PageV00P634
# مغلوبا مقهورا معطلة حدوده، مضيعة أحكامه، فيكون غريبا في الناس لا يعرف
~~لاستيلاء أهل الضلالة على ذوي الهدى، وغلبة الظلمة المغيرين لأحكام الشريعة
~~الغراء، والعالمين في الناس بالشهوات والأهواء فيغترب حينئذ الحجة الذي هو
~~بقية حجج الله وخليفة خلائف أنبيائه، فلا يعرف بشخصه ولا يدرى أين موضعه،
~~وهذا الكلام كما ترى صريح في وجود هذا الرجل واستتاره في زمان دولة أهل
~~الجور والفساد، وأنه حجة الله، وخليفة الخلفاء وهو عين ما قلناه من أنه
~~ختام الأئمة، فإن بقية الحجج، وخليفة الخلفاء آخرهم بلا خفاء.
# وأما ما ذكره ابن أبي الحديد عن الصوفية أن المراد به ولي الله، فإن كان
~~مرادهم به الإمام لأنه عندنا حجة الله ووليه على عباده لا ولي على العباد
~~غيره فذلك قولنا، وإن أرادوا به غير الإمام وهو القطب عندهم الذي تدور عليه
~~الأوتاد والأبدال فذلك مما لا برهان عليه ولا دليل وهو من الخرافات التي
~~أحدثها الصوفية ms485 بآرائهم وأهوائهم، والحق أن القطب بالمعنى الذي ذكروه وهو
~~الخليفة الذي نحن نعنيه لا قطب غيره، فجعلهم إياه غيره من وساوس النفوس،
~~ولا يطلق لفظ الحجة في كلام أمير المؤمنين على الصوفي الكبير الذي سموه
~~قطبا حاش لله.
# وأما ما نقله عن أصحابه أن المراد به العلماء الذي يتم الإجماع (1) وأن
~~أمير المؤمنين (عليه السلام) يشير إلى صفات كل واحد منهم، فبعيد ظاهر
~~الفساد، إذ من اليقين أنه لا يطلق لفظ الحجة والخليفة على غير الإمام العام
~~في كلام النبي (صلى الله عليه وآله) وعلي وأولاده، وعلى المدعي إثبات ذلك،
~~نعم ورد في كلامهم إطلاق لفظ العالم على الإمام، وهو عكس ما قاله المعتزلة
~~كما ورد عنهم (لا تخلوا الأرض من عالم)، و (لا تكون إلا وفيها
# PageV00P635
# عالم) وهو في أحاديثنا كثير، ثم إن الكلام يعطي بصريحه أن المراد به شخص
~~واحد على الحقيقة لا جماعة واحدهم هكذا، ويعطي أيضا بالصريح أن ذلك الشخص
~~مغترب غير معروف بين الناس، وإذا كان مما لا يتم الإجماع بدونه عند الناس
~~لزم أن يكون معروفا عندهم غير مجهول فلم يكن مغتربا البتة، فأين إذن مصداق
~~قوله عليه السلام (مغترب) الخ.
# وأما ما ذكره عن الفلاسفة من أن المراد بالحجة هو العارف عندهم، فذاك مما
~~لا يعرف ولا يلتفت إليه وهل يرضى عاقل أو يتصور فاهم أن يكون أراد أمير
~~المؤمنين (عليه السلام) بحجة الله خليفة خلفاء أنبيائه مثل أبي نصر
~~الفارابي (1) وأبي علي بن سينا (2) وأبي البركات البغدادي (3) وشهاب الدين
~~يحيى السهروردي (4) وأشباههم من أكابر فلاسفة الإسلام الذين أكثر أقوالهم
~~مخالفة لنصوص الكتاب والسنة وإجماع المسلمين؟ فهؤلاء هم العارفون بالفلسفة،
~~ولو كان مثل هؤلاء هو المقصود لما صدق قوله (عليه
# PageV00P636
# السلام): (مغترب) لأن هؤلاء وأمثالهم معروفون غير منكورين وظاهرون غير
~~مستورين ومعظمون عند العامة غير مغتربين وبهذا أيضا يبطل قول المعتزلة لأن
~~العلماء الذين ادعوا أن الإجماع لا يتم إلا بهم معلومين غير مجهولين إن
~~أرادوا مثل الجاحظ والجبائيين والقاضي عبد الجبار وأبي ms486 القاسم البلخي
~~وثمامة بن أشرس وأبي الهذيل العلاف وإبراهيم بن سيار النظام وواصل بن عطاء
~~وعمرو بن عبيد وأبي الحسين الخياط (1) وأمثالهم ممن يطول تعدادهم وكلهم
~~مذكورون في طبقاتهم، معروفون عند أصحابهم فأين هم والاغتراب؟ وهل يجوز أن
~~يكون مثل الجاحظ وهو المبغض لأمير المؤمنين (عليه السلام) حجة الله على
~~خلقه، وخليفة أنبيائه؟ أو يجوز أن يكون أمير المؤمنين (عليه السلام) أراد
~~بتلك الأوصاف مثله وأمثاله؟ ومن هذا بطل ما ادعاه المعتزلي من جواز إطلاق
~~الحجة والخليفة على العارف والولي عند الفلاسفة وأهل التصرف، وعلى العالم
~~مثل أبي الهذيل عند المعتزلة وتبين أن ذلك قول منهم بألسنتهم وهوى قلوبهم،
~~وأن كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يوافق قول أحد منهم، وإنما هو
~~يوافق ما نقول لا سيما والمنصف المتأمل إذا ضم كلام علي (عليه السلام) بعضه
~~إلى بعض علم أنه يريد بهذه الأوصاف رجلا من ذريته، وهو الذي عناه في كلامه
~~الأول بقوله: (ألا وإن من أدركها منا) إلى آخره وقد اعترف المعتزلي بذلك
~~حيث قال: وليس يبعد عندي أن يريد به القائم من آل محمد (صلى الله عليه
~~وآله) في آخر الوقت إذا خلقه الله تعالى وإن لم يكن الآن موجودا فإنه ليس
~~في الكلام ما يدل على وجوده الآن، وقد وقع اتفاق الفرق من المسلمين أجمعين
~~على أن الدنيا والتكليف لا ينقضي إلا عليه (2) انتهى وحيث أقر أن المراد هو
~~القائم من آل محمد (صلى الله عليه وآله) فلا يضرنا ما قال من أنه لم يكن
~~مخلوقا
# PageV00P637
# لأن هذا القول قد دللنا قبل على إبطاله، وبينا في هذه الخطبة وجه الدلالة
~~على فساده واسترحنا من كلفة الجواب هنا على هذه الهينمة بما قدمناه فتذكر.
# ومنه قوله (ع) في حديث كميل بن زياد: (اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم
~~لله بحجة إما ظاهرا مشهورا أو مستترا مغمورا لئلا تبطل حجج الله وبيناته)
~~(1) فهذا الكلام نص صريح في أن الإمام القائم لله بحجته لا تخلو الأرض منه،
~~وهو إما ms487 أن يكون ظاهرا مشهورا يعرفه الناس تشير إليه الأكف، وإما أن يكون
~~مستترا مغمورا لا يعرف بشخصه، وأن الإمامة لا تنقطع من الأرض إذ بانقطاعها
~~يجب بطلان حجج الله وبيناته، وذلك محال ممتنع، فانقطاع الإمامة مثله، وحيث
~~لا إمام ظاهر على الوجه المذكور في الكلام من بعد أبي محمد الحسن بن علي
~~العسكري وجب الحكم بوجود إمام مختف من بعده، وما هو إلا صاحبنا إذ لم يدع
~~أحد من الناس ذلك لغيره، فوجب أن يكون هو القائم بحجة الله المستتر، وفي
~~هذا كفاية لصحة قولنا، ومما يدل على عناد ابن أبي الحديد قوله في شرح هذا
~~الكلام: (وهذا يكاد يكون تصريحا بمذهب الإمامية إلا أن أصحابنا يحملونه على
~~أن المراد به الأبدال الذين وردت الأخبار النبوية عنهم أنهم في الأرض
~~سائحون إلى آخر كلامه) (2) وما أدري كيف قال هذا ولا نعرف الأبدال الذين
~~يقول بهم؟ وأن الكلام لا يشير إلى ما ذكره قطعا وجزما ولا شك أنه لا يدري
~~ما يقول وأنت خبير ببطلان كلامه بعد الإحاطة بما سبق من القول، وقد قررنا
~~في مسألة عدم جواز خلو الأرض من الإمام في جميع أزمنة التكليف تقريرا شافيا
~~في هذا الحديث ينفعك هنا فراجع.
# ومنه قوله (ع) في خطبة له: (فانظروا أهل بيت نبيكم فإن لبدوا
# PageV00P638
# فالبدوا، وإن استنصروكم فانصروهم، فليفرجن الله الفتنة برجل منا أهل
~~البيت بأبي ابن خيرة الإماء لا يعطيهم إلا السيف هرجا هرجا) موضوعا على
~~عاتقه ثمانية حتى تقول قريش لو كان هذا من ولد فاطمة لرحمنا يغريه الله
~~ببني أمية حتى يجعلهم حطاما ورفاتا: [ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا
~~تقتيلا سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا] الخطبة.
# قال ابن أبي الحديد فإن قيل من هذا الرجل الموعود به الذي قال (عليه
~~السلام) (بأبي ابن خيرة الإماء) قيل: أما الإمامية فيزعمون أنه إمامهم
~~الثاني عشر وأنه ابن أمة اسمها نرجس، وأما أصحابنا فإنهم يزعمون أنه فاطمي
~~يولد في مستقبل الزمان لأم ms488 ولد، وليس بموجود الآن (1) انتهى.
# قلت: نحن والحمد لله قاطعون بذلك غير زاعمين، قد وضحت به حجتنا وقامت
~~عليه أدلتنا كما ترى.
# فإن قيل: لم استتر هذا الإمام من الظلمة ولم لا يظهر فيقاتلهم ويجالدهم.
# قلنا: قد قدمنا من القول في جواب قعود أمير المؤمنين (عليه السلام) عن
~~القتال في زمن الثلاثة ما يكفي في الجواب هنا عن هذا الايراد ونزيد عليه في
~~هذا المقام فنقول: أخبرونا عن أنبياء الله ورسله حين عمل قومهم بالمعاصي
~~وكفروا بالله كقوم نوح وقوم إبراهيم وقوم لوط، وعن بني إسرائيل حين عبدوا
~~العجل بمشهد من هارون ولم يقاتلوهم وغير أولئك ممن عصوا الله وأفسدوا في
~~الأرض ولم تقاتلهم الأنبياء لم لا قاتلوهم وجالدوهم فما تجيب به عن هذا هو
~~جوابنا عن إيرادك فاختر من الجواب ما شئت فإن قيل: إنما وجب نصب الإمام
~~لإقامة الملة ومنع حوزة الإسلام، وأخذ الحقوق، وإقامة
# PageV00P639
# الحدود، وجباية الفئ وجهاد المشركين، وقتال الباغين، وإرشاد العباد، ورفع
~~الفساد، ولا خفاء أن المستتر المتواري لا تحصل به هذا المصالح فأي فائدة في
~~إمام مستتر.
# قلنا: صدقت في قولك: إن الإمام منصوب لهذه المصالح لكن لا يجب عليه
~~القيام بها إلا إذا سلمت له الرعية المقادة، وبسطت له يد الطاعة لو وجد ممن
~~يطيعه أعوانا ينتصر بهم على من يعصيه من الأمة، فأما إذا منعته الرعية
~~طاعتها ولم تلق له زمام قيادها، بل تركت نصرته وإخافته ولم يجد من أهل
~~طاعته من يقوم بنصرته على أهل المعصية فإنه لا يجب عليه القيام بجميع تلك
~~المصالح كما ذكرت، وجاء منع اللطف من قبل الرعية حيث فوتوا أنفسهم منه
~~بكفهم يد الإمام عن التصرف، ولم يلزم من ذلك بطلان إمامة الإمام المنصوب من
~~الله لأن سبيله سبيل النبي، فكما أن النبي (عليه السلام) مبعوث لتلك
~~المصالح وغيرها ولا تبطل نبوته بعدم القدرة على القيام بها لعدم طاعة
~~الرعية له كما ذكرنا في الكلام على الايراد الأول ولم يقتض ذلك عدم وجود
~~النبي (صلى الله ms489 عليه وآله وسلم) فكذلك لا تبطل إمامة الإمام إذ كانت من
~~الله بمنع الرعية إياه عن التصرف، ولا يلزم من ذلك عدمه لأن الإمامة خلافة
~~عن النبوة وما لا يبطل به الأصل لا يبطل به الفرع، وهذا كاف في الجواب عن
~~ترك أئمتنا (عليهم السلام) بعد الحسين القتال وقعودهم عن مجاهدة الظلمة،
~~وقولك أي فائدة في إمام مستتر؟ قلت: بلى فيه فائدة جليلة ولطف ظاهر وذلك أن
~~المكلفين إذا علموا أن في العالم إماما مختفيا وأنه سيظهر فينتصف للمظلوم
~~من الظالم ويرد الحقوق إلى أهلها ويعاقب العاصين وجوزوا ظهوره في كل وقت،
~~فإنهم يكونون إلى الصلاح أقرب ومن الفساد أبعد، فهذه فائدة من أعظم الفوائد
~~في وجود الإمام المستتر، وذلك بخلاف ما إذا علموا أن ليس في العالم إمام
~~بذلك الوصف فإنهم يكونون على طرف النقيض من الأول، والحاصل أن وجود الإمام
~~لطف PageV00P640
# وتصرفه لطف آخر وعدم حصول الثاني لمانع لا يقتضي عدم الأول، وهنا وجه آخر
~~وهو أن نقول أن الفائدة في نصب الإمام مطلقا قيام حجة الله به على المكلفين
~~بحيث لا يستطيع المكلف العاصي أن يقول لم أجد من يرشدني إلى الحق، فإنه
~~يقال لهم عن الله إني نصبت لكم من يرشدكم إلى سبيلي، ويوضح لكم ما اختلفتم
~~فيه من ديني، فلم عصيتموه وأخفتموه؟ ولم لا أطعتم أمره وقبلتم قوله
~~ووازرتموه؟ فلا تكون لهم على الله حجة وقد نصب لهم منهم من يهديهم إلى
~~مراشدهم وأزاح علتهم بتعيين من يدلهم على سبيل مراضيه، بل تكون لله عليهم
~~الحجة البالغة وإلى هذا يشير قوله تعالى: [فلله الحجة البالغة] (1) ويصرح
~~به قول أمير المؤمنين (عليه السلام) (اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم لله
~~بحجة) إلى قوله: (لئلا تبطل حجج الله وبيناته) (2) وهذه كما ترى فائدة
~~عظيمة فاندفع الايراد وزالت الشبهة وظهر الحق وبطل ما كانوا يعملون.
# ولنذكر جملة من الأحاديث الواردة في حق الخلف المنتظر عجل الله فرجه من
~~طرق الخصوم زيادة على ما مضى.
# أخرج الطبراني عن ms490 النبي (صلى الله عليه وآله): (المهدي منا يختم الدين به
~~كما فتح بنا).
# وأخرج أحمد ومسلم عن النبي (صلى الله عليه وآله): (يكون في آخر الزمان
~~خليفة يحثوا المال حثوا) (3).
# وأخرج الطبراني مرفوعا إليه (صلى الله عليه وآله) (يلتفت المهدي وقد نزل
~~عيسى (عليه السلام) كأنما يقطر من شعره الماء فيقول
# PageV00P641
# المهدي تقدم فصل بالناس فيقول عيسى إنما أقيمت الصلاة لك فيصلي خلف رجل
~~من ولدي) (1) وفي صحيح ابن حبان في إمامة المهدي نحوه قال في إسعاف
~~الراغبين وصح مرفوعا: (ينزل عيسى بن مريم فيقول أميرهم المهدي تعال صل بنا
~~فيقول لا إنما بعضكم أئمة بعض تكرمة الله لهذه الأمة) (2) وهذا يبطل ما
~~قاله ابن عربي أن عيسى يتقدم فيصلي بالناس على سنة نبينا (صلى الله عليه
~~وآله وسلم).
# وروى ابن ماجة عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (لو لم يبق من
~~الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يملك رجل من أهل بيتي يملك جبل
~~الديلم والقسطنطينية) (3) زاد في روايات (ورومية ومروية).
# قلت: وهذه الأخبار وما قبلها تنطق نطقا فصيحا بأن المهدي من ولد رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) وعترته ومن ذريته ومن نسل فاطمة البتول وهي
~~كثيرة متظافرة، ومنها يعلم فساد ما افتعله بعض الخصوم أنه لا مهدي إلا
~~عيسى، وما زوره بعض آخر المهدي من ولد العباس عمي.
# قال ابن حجر في الصواعق الأظهر أن خروج المهدي قبل نزول عيسى (عليه
~~السلام)، وقيل بعده وقد تواترت الروايات عن النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) بخروجه وأنه من أهل بيته، وأنه يملأ الأرض عدلا وأنه يساعد عيسى على
~~قتل الدجال، بباب لد بأرض فلسطين، وأنه يؤم هذه الأمة، ويصلي عيسى خلفه،
~~وأكثر الروايات متفقه على تحقق ملكه سبع سنين إلى
# PageV00P642
# أن قال: وإنه بعد أن تعقد له البيعة بمكة يسير منها إلى الكوفة، ثم يفرق
~~الجنود إلى الأمصار، وأن السنة من سنينه تكون مقدار عشر سنين وأنه يبلغ
~~سلطانه المشرق والمغرب وتظهر له الكنوز ms491 ولا يبقى في الأرض خراب إلا يعمره
~~(1).
# قال مقاتل بن سليمان ومن تبعه من المفسرين في قوله تعالى: [وأنه لعلم
~~للساعة] (2): إنها نزلت في المهدي.
# وقال ابن عربي بعد ذكر ما نقلناه أولا عنه في نسب المهدي وبيعة المسلمين
~~له بين الركن والمقام، قال: يشبه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في
~~الخلق بفتح الخاء وينزل عنه في الخلق بضمها إذ لا يكون أحد مثل رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) في أخلاقه أسعد الناس به أهل الكوفة، يقسم المال
~~بالسوية، ويعدل به في الرعية يمشي الخضر بين يديه، يعيش خمسا أو سبعا أو
~~تسعا يقفوا أثر رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يخطئ له ملك يسدده من
~~حيث لا يراه، يفتح المدينة الرومية بالتكبير مع سبعين ألفا من المسلمين،
~~يشهد الملحمة العظمى مأدبة الله بمرج عكا، يعز الله به الإسلام بعد ذله،
~~ويحييه بعد موته، ويضع الجزية ويدعو إلى الله بالسيف فمن أبى قتل، ومن
~~نازعه خذل، يحكم بالدين الخاص عن الرأي إلى أن قال: واعلم أن المهدي إذا
~~خرج يفرح به جميع المسلمين خاصتهم وعامتهم، وله رجال إلهيون يقيمون دعوته
~~وينصرونه هم الوزراء له، يتحملون أثقال المملكة عنه، ويعينونه على ما قلده
~~الله إلى آخر ما قال (3).
# وقد ذكروا من علامات ظهوره انكساف القمر في أول ليلة من شهر
# PageV00P643
# رمضان، والشمس يوم النصف منه، وقريب منه مروي من طرقنا عن أهل البيت (1).
# ومن علامات ظهوره (عليه السلام) خروج الدجال والسفياني ولا يخفى عليك أن
~~أخبار ظهور المهدي وعلاماته وتفصيل الأمور التي تجري من حين ظهوره إلى حين
~~وفاته كثيرة، وهي مذكورة في محالها كغيبة الصدوق وغيبة النعماني وغيبة شيخ
~~الطائفة وغيرها من كتب أصحابنا المصنفة في هذا الشأن، من أرادها لم تفته
~~والغرض هنا إثبات إمامة الخلف المنتظر وتصحيح خروجه من روايات المخالفين
~~وأقوالهم، وقد أوردنا ما فيه بل في بعض الكفاية لمن تدبر وأنصف ولله الحمد
~~والمنة على التوفيق.
# المسألة الثالثة في بيان ثبوت عصمة ms492 الأئمة (عليهم السلام) وقد علمت في
~~مسألة شروط الإمام معنى العصمة وأن حقيقتها لطف يفعله الله بالمكلف بحيث
~~يؤمن بسببه من ارتكاب الذنوب واقتراف المعاصي كبائرها وصغائرها، ومن الخطأ
~~في الأحكام عمدا وسهوا وتأويلا، ويحكم بإصابته الحق في جميع أفعاله
~~وأقواله، وأصحابنا جازمون بعصمة أئمتنا الاثني عشر (عليه السلام) كجزمهم
~~بعصمة الأنبياء، وأما المخالفون فمنهم من وافقنا على عصمة أمير المؤمنين
~~(عليه السلام)، وليس من حيث اشتراط العصمة في الإمام وهذا قول أبي محمد
~~الحسن بن متوية من المعتزلة قال ابن أبي الحديد: نص أبو محمد بن متوية في
~~كتاب الكفاية على أن عليا (عليه السلام) معصوم وإن لم يكن واجب العصمة، ولا
~~العصمة شرطا في الإمامة، لكن أدلة النصوص قد دلت على عصمته والقطع على
~~باطنه ومغيبه وأن ذلك أمر اختص هو به دون غيره من الصحابة انتهى (2)
~~ووافقنا على عصمة المهدي محيي الدين
# PageV00P644
# مسافر بن عربي قال في الفتوحات المكية نقلا عنه: إنه يعني المهدي يحكم
~~بما ألقى إليه ملك الإلهام من الشريعة، وذلك أنه يلهم الشرع المحمدي فيحكم
~~به كما أشار إليه حديث (المهدي يقفوا أثري لا يخطئ) فأخبرنا (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) أنه متبع لا مبتدع، وأنه معصوم في حكمه فعلم أنه يحرم عليه
~~القياس مع وجود النصوص التي منحه الله إياها على لسان ملك الالهام، بل حرم
~~بعض المحققين القياس على جميع أهل الله لكون رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) مشهودا لهم فإذا شكوا في صحة حديث أو حكم رجعوا إليه في ذلك فأخبرهم
~~بالأمر الحق يقظة ومشافهة (1).
# أقول وهذا الكلام يعطي عصمة باقي أئمتنا عنده أيضا، لأن أهل الله عنده
~~كما ترى معصومون عن الخطأ في الأحكام وهو يقر بأن أئمتنا من أفضل أهل الله
~~على الوجه الذي ينحو إليه بهذا اللفظ ويعلم ذلك من قوله في ذكر نسب المهدي:
~~إنه ابن الإمام الحسن العسكري بن الإمام علي النقي (2) الخ، وقد مر ذكره
~~وبعصمة الاثني عشر صرح حجة الإسلام الغزالي في بعض ms493 كتبه كما ذكره عنه بعض
~~أصحابنا من أهل الاطلاع والتثبت في النقل، وقد وضح من ذلك أن القول بعصمة
~~هؤلاء الأصفياء ليس مما اختص به أصحابنا، بل بعض مخالفينا يقول به وإن كان
~~لغير الوجه الذي يقول به أصحابنا، وأما سائرهم فينكرون عصمة أئمتنا الكرام،
~~والعجب من ابن أبي الحديد حيث أنكر عصمة أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال
~~في مواضع إنه عنه غير معصوم مع حكمه في كثير من المواضع بأن عليا (عليه
~~السلام) مع الحق (3) دائما، وهل العصمة إلا ذلك، وليس هذا التناقض
# PageV00P645
# بغريب في كلامه فإنه قد اشتمل على الجم الغفير من ذلك، وقد نبهنا على
~~كثير منه سابقا.
# إذا عرفت هذا فاعلم أن الدليل على عصمة أئمتنا (عليه السلام) من وجوه
~~ثلاثة.
# الأول دليل اللزوم وبيانه إنا قد دللنا أولا في مسألة شروط الإمام على أن
~~العصمة شرط في الإمام، ودللنا في مسألتي النص على أن هؤلاء هم المنصوص
~~عليهم بالإمامة، فلزم من ذلك أن يكونوا معصومين إذ لا شئ من الإمام غير
~~معصوم، وهؤلاء أئمة بالنص فيكونون معصومين، وحاصل هذا الدليل أن العصمة شرط
~~في الإمام والاثني عشر المذكورون هم الأئمة بالنص فتجب لهم العصمة.
# الثاني دليل الكتاب وهو قوله تعالى: [إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس
~~أهل البيت ويطهركم تطهيرا] (1) والرجس هنا الذنب بالاتفاق ونحن نبين وجه
~~استفادة العصمة من الآية ثم نبين من المعنى بها أما الأول فلأن إرادة الله
~~إذهاب الرجس عن أهل البيت وتطهيرهم من الذنوب إما أن يكون المراد بها
~~الإرادة التي يتعقبها الفعل ويصدر عنها إذهاب الرجس والتطهير منه، وإما أن
~~يكون المراد إرادة الله منهم أن يطهروا أنفسهم من الرجس التي هي بمعنى
~~الأمر التكليفي، والثاني غير مراد من الآية لوجهين.
# الأول إن المقصود من الآية كما هو ظاهر اختصاص أهل البيت بهذا الأمر دون
~~الناس وإذا كان المراد منها أمر لا بتطهير أنفسهم من الذنوب زال الاختصاص،
~~فإن اجتناب الذنوب مطلوب من جميع المكلفين فلا خصوصية في هذا ms494 لأهل البيت
~~فوجب لموضع الاختصاص أن يكون المراد هو الأول ومنه
# PageV00P646
# تثبت العصمة.
# الثاني إن الآية وردت مورد المدح ولا مدح في مطلوبية اجتناب الذنوب وإنما
~~المدح في إذهابها عن المكلف وتطهيره من مقارفتها وهو المعنى الأول فوجب أن
~~يكون هو المراد لئلا يخرج ما هو مدح عن كونه مدحا فيثبت بذلك العصمة لمن
~~عناهم الله بهذه الآية.
# وأما أهل البيت المعنيون بهذه الآية فهم بالأصل النبي (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) وعلي وفاطمة والحسن والحسين ويدخل باقي الأئمة فيهم بالتبعية
~~كما أرشدت إليه الأخبار الواردة في المهدي، وقول النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) فيه تارة (إنه من عترتي) وتارة (من أهل بيتي) إذ لا يصح أن يكون
~~المهدي من أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعترته وأبوه وآباؤه
~~ليسوا من العترة ولا من أهل البيت، ونسبه إنما اتصل بالنبي (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) من جهتهم، بل يجب أن يثبت لهم من قرب النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) ما ثبت له وزيادة لما لهم من قرب الولادة من الرسول (صلى الله عليه
~~وآله)، وأقل الأمور المساواة فصح من ذلك دخول الأئمة (عليهم السلام) في أهل
~~البيت المعنيين بهذه الآية ونزول الآية فيمن ذكرنا مما اشتهر بين أهل
~~العلم، وصح عند أعيان المفسرين، وشاع عند الأمة، وصرح به المعتزلي فيما
~~نقلناه عنه في بيان معنى العترة، وتظافرت به الروايات من الفريقين وتواترت
~~به الأخبار من الطرفين، ولم ينكره محقق ولا ارتاب فيه فاضل ولم يدخل معهم
~~غيرهم في هذه الآية إلا شاذ من متعصبي الخصوم، وهو ابن حجر في الصواعق حيث
~~زعم أن المراد بالبيت في الآية ما يشتمل بيت نسب النبي (صلى الله عليه
~~وآله) وبيت سكناه فتشمل الآية أزواجه، ونقل هذا بعضهم عن الزمخشري
~~والبيضاوي (1) وهو قول
# PageV00P647
# فاسد من وجوه.
# الأول مخالفته الشهرة العظيمة التي كادت تكون إجماعا من الأمة مع قلة
~~القائل به من ذوي التحقيق فيكون باطلا.
# الثاني إن الآية صريحة في ms495 عصمة المعنيين بها كما قررناه واعترف به
~~الخصوم، ونقله في الاسعاف عن البيضاوي حيث قال المراد بالرجس الذنب،
~~وبالتطهير التطهير من المعاصي (1) ومن الواضح البين أنه لم يقل أحد من
~~الأمة بعصمة أزواج النبي (صلى الله عليه وآله) فيخرجن من مدلول الآية على
~~هذا الوجه بالاجماع حتى من القائل بدخولهن لاعترافه بدلالتها على العصمة
~~كما سمعت عن البيضاوي، وهذا من أبين الوجوه على خروج الأزواج من الآية وعدم
~~شمولها لهن.
# الثالث أن المعروف من العرب الذين نزل القرآن بلسانهم أن مرادهم من قولهم
~~أهل بيت فلان قرابته النسبية لا من كان منه بسبب منقطع ووصلة مستعارة
~~كالزوجة والعبد والأمة، قال في المصباح المنير: والأهل أهل البيت والأصل
~~فيه القرابة انتهى ومن مارس كلام العرب عرف صحة ما قلناه فإن شواهده في
~~كلامهم كثير قال الفرزدق.
# إن الذي سمك السماء بني لنا * بيتا دعائمه أعز وأطول بيت زرارة محتب
~~بفنائه * ومجاشع وأبو الفوارس نهشل لا يحتبى بفناء بيتك مثلهم * أبدا إذا
~~عد الفعال الأكمل ومن البين أنه لم يرد بيت السكنى وإنما أراد بيت النسب،
~~وقال بعض ولد أبي لهب.
# PageV00P648
# وأنا الأخضر (1) من يعرفني * أخضر الجلدة في بيت العرب من يساجلني يساجل
~~ماجدا * يملأ الدلو إلى عقد الكرب برسول الله وابني بنته * وبعباس بن عبد
~~المطلب (2) ومن اليقين أنه لم يرد ببيت العرب بيت سكناهم وإنما أراد بيت
~~نسبهم، وقال لبيد العامري.
# فبنى لنا بيتا رفيعا سمكه * فسما إليه كهلها وغلامها ولا شبهة في أنه لا
~~يريد بيت السكنى وإنما يريد بيت الشرف والحسب، وقال آخر.
# ألا يا بيت بالعلياء بيت * ولولا حب أهلك ما أتيت ألا يا بيت أهله
~~واعدوني * كأني كل ذنبهم جنيت أراد بيت النسب كما ذكره بعض الأفاضل وقال
~~عبيد الله بن كثير السهمي.
# لعن الله من يسب عليا * وحسينا من سوقة وإمام أيسب المطهرون جدودا *
~~وكرام الآباء والأعمام يأمن الطير والحمام ولا يأمن * آل الرسول عند المقام
# PageV00P649
# طبت بيتا وطاب أهلك أهلا * أهل بيت النبي والإسلام ms496 رحمة الله والسلام
~~عليهم * كلما قام قائم بسلام (1) وهو مصرح بأن آل النبي وأهل بيته قرابته
~~النسبية وأن بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بيت نسبه لا بيت سكناه
~~وقال طارق بن عبد الله النهدي وهو يذكر عليا (عليه السلام) عند معاوية وكان
~~معاوية قد نال من علي (عليه السلام) عند دخول طارق هذا عليه فأجابه طارق
~~بكلام منه قوله: أما بعد فإن ما كان نوضع فيما أوضعنا فيه بين يدي إمام تقي
~~عادل، مع رجال من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) أتقياء مرشدين ما
~~زالوا منارا للهدى ومعالم للدين خلفا عن سلف، مهتدين أهل دين لا دنيا كل
~~الخير فيهم، واتبعهم من الناس ملوك وأقيال وأهل بيوتات وشرف ليسوا بناكثين
~~ولا قاسطين إلى آخر ما قال رواه في كتاب الغارات (2) فقوله أهل بيوتات،
~~يريد الأنساب الجليلة لا بيوت السكنى وهذا كثير في كلامهم شعرا ونثرا، فصح
~~منه أن أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قرابته لا أزواجه، نعم إنا
~~لا ننكر إطلاق لفظ الأهل على الأتباع فتدخل فيهم الأزواج والموالي على جهة
~~التجوز والقلة دون الحقيقة، لكن الأكثر والأصل ورود الأهل في القرابة ومنه
~~في القرآن كثير قال الله تعالى:
# [فاحمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك] وزوجته ليست معهم لأنها من
~~المغرقين وقال تعالى حكاية عن نوح: [إن ابني من أهلي] (3) وهو صريح في
~~المدعى إذ ليس يجوز أن يكون المراد أن ابني من أزواجي أو مماليكي، بل
# PageV00P650
# يتعين أن يكون المراد أن ابني من قرابتي وأولادي فيكون الأهل هم القرابة
~~التي أخصها الأولاد، وقوله تعالى في حق أيوب (عليه السلام): (وآتيناه أهله
~~ومثلهم معهم] (1) وفي آية أخرى [ووهبنا له أهله ومثلهم معهم] (2) نص في
~~المطلوب لأن المردود على أيوب أولاده لا زوجته باتفاق المفسرين وأهل السيرة
~~والتواريخ وأما قوله تعالى: [فأنجيناه وأهله إلا امرأته] (3) فلا حجة فيه
~~لجواز أن يكون الاستثناء فيه منقطعا مثله في [فسجد الملائكة كلهم أجمعون
~~إلا إبليس] (4) والزوجة ms497 داخلة في الأهل مجازا لعلاقة المجاورة كما يحتمل
~~أيضا في دخول إبليس في الملائكة وهذا ما لا ننكره لكن لا يحتمل عليه اللفظ
~~عند الإطلاق وعدم القرنية وأما قوله تعالى في حكاية خطاب الملائكة لسارة
~~[رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت] فلا حجة فيه أيضا لأن الخطاب ليس
~~لسارة وحدها بل المعني إبراهيم وأهل بيته ودخول سارة فيهم لم يكن من جهة
~~الزوجية خاصة بل جاز أن يكون دخولها فيهم من جهة النسب فإن سارة لها قرابة
~~قريبة بإبراهيم (عليه السلام) لأنها ابنة عمه وتذكير الضمير يدل على المدعى
~~فاتضح من هذا البيان أن الأزواج لسن داخلات في أهل البيت المذكورين في
~~الآية لاختصاصها ببيت النسب دون بيت السكنى.
# الرابع تذكير الضمير العائد إلى أهل البيت في [عنكم] و [يطهركم] فإنه
~~قرينة على أن المراد أقرباء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دون أزواجه
~~وإلا لقال عليكن ويطهركن إجراء له مجرى سابقه من الكلام ولا حقه فإن
~~الضمائر فيه كلها مؤنثة وإذا لم يؤنث الضمير وجب أن يفصل الكلام عما قبله
~~وعما بعده ولا اعتراض علينا بقوله تعالى: [إذ رأى
# PageV00P651
# نارا فقال لأهله امكثوا] (1) والخطاب لزوجته لأن ذلك تجوز محض من وجهين
~~الأول تذكير المؤنث الثاني خطاب الواحد بخطاب الجمع ولولا قيام القرنية على
~~إرادة المجاز دون الحقيقة لوجب حمل اللفظ على الجمع المذكر وصرفه إلى
~~الأقرباء لأنه المتبادر منه والتبادر علامة الحقيقة لكن صرفتنا عن ذلك
~~القرنية وهي اتفاق أهل التفسير وأهل السيرة والتاريخ على أنه لم يكن مع
~~موسى (عليه السلام) حين الخطاب إلا زوجته فتعين كون الخطاب لها وحمل على
~~المجاز لتعينه فيه من الوجهين المذكورين فأحرى أن يكون كذلك في الوجه
~~الثالث وليس الأمر في المقام كهذا فإن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حين
~~نزول الآية معه أقاربه وأزواجه واللفظ في الأول حقيقة وفي الآخر مجازا ولا
~~قرينة تعين المجاز فوجب صرفه إلى الحقيقة والسياق ليس بقرينة لمعارضته
~~بتذكير الضمير وهو من الأدلة الظاهرية وذاك ms498 ليس من الأدلة وإن كان فهو من
~~أدلة الإشارات ودلالة الظواهر أقوى فيجب تقديمها عليها باتفاق الأصوليين
~~وأيضا إن قوله تعالى: [إذ قال لأهله امكثوا] ليس فيه اشتباه لعدم تقدم مؤنث
~~في اللفظ وتأخر حتى يشتبه الحال في أن المراد بهذا المذكر هو ذلك المؤنث أم
~~غيره فجاز فيه التجوز لعدم الاشتباه وفي آية التطهير اشتباه لتقدم مؤنث
~~عليها وتأخره عنها، واحتمال اللفظ إذا ذكر لإرادة المتقدم وغيره فلو أراد
~~بها المتقدم لأنث الضمير لرفع الاشتباه ولم يأت بالمجاز، لأن التجوز لا
~~يجوز عند الاشتباه لعدم القرينة الصارفة عن الحقيقة لما فيه من التعمية
~~والاغراء بالجهل الممتنعين على الحكيم جلا وعلا وحيث ذكر والمقام يقتضي أن
~~لو أراد الأزواج لأنث عرفنا يقينا أنه لا يريدهن من الخطاب فخرجن من الآية
~~جزما وهذا مبطل للسياق الذي ادعوه وقالع لأساس التعلق به في المقام.
# PageV00P652
# قال بعض أصحابنا: ومتى قيل إن صدر الآية وما بعدها في الأزواج فالقول فيه
~~أن هذا الأمر لا ينكره من عرف عادة الفصحاء في كلامهم فإنهم يذهبون من خطاب
~~إلى غيره ويعودون إليه والقرآن من ذلك مملوء وكذلك كلام العرب وأشعارهم.
# أقول: ويدل عليه صريحا قوله تعالى في سورة لقمان: [وإذ قال لقمان لابنه
~~وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم] (1) ثم ذهب في الكلام
~~إلى معنى آخر فقال: [ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن] (2)
~~وساق القول إلى أن استوفى المراد منه ثم عاد إلى إتمام المعنى الأول وهو
~~موعظة لقمان لابنه فقال: [يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل] (3) إلى أن
~~أتى بتمام الكلام المطلوب، فتراه انتقل في القول من معنى إلى غيره ثم عاد
~~إلى الأول بعد استكمال الثاني فهو كالآية التي يتكلم في دلالتها، ومثل هذا
~~في القرآن موجود من تأمل فيه عرف مواضعه، وذكرنا منه هذا الموضع لرفع
~~استبعاد الجاهلين الذين يتعللون بسياق الآية وهم لا يفقهون ظواهر العربية
~~فضلا عن دقائقها وأسرارها.
# الخامس وهو العمدة ms499 الروايات المتواترة من الفريقين على أن الآية نزلت في
~~النبي (صلى الله عليه وآله) وعلي وفاطمة والحسن والحسين، وفي بعضها ذكر
~~الأربعة خاصة ولا شك أن النبي (صلى الله عليه وآله) هو الأصل في ذلك ولأجله
~~شرف الأربعة وذريتهم، والروايات في هذا المرام متكثرة نحن نذكر منها جملة
~~يحصل بها اليقين للمتأمل المنصف.
# روى جميع المفسرين وأهل السيرة أنه لما نزل قوله تعالى: [قل تعالوا ندع
~~أبنائنا وأبنائكم ونسائنا ونسائكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل] (4) الآية
# PageV00P653
# فدعا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نصارى نجران إلى المباهلة فوعدوه
~~في غد فلما أصبحوا جاءوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وهو محتضن الحسين
~~آخذ بيد الحسن وفاطمة خلفه وعلي (عليه السلام) خلفهم وهو يقول: (اللهم
~~هؤلاء أهلي إذا أنا دعوت فأمنوا) قال جابر بن عبد الله (رضي الله عنه)
~~(أنفسنا) محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي (وأبنائنا) الحسن
~~والحسين و (نسائنا) فاطمة صلوات الله عليهم أجمعين (1) ورواه الحاكم في
~~مستدركه عن علي بن عيسى عن الشعبي مرسلا ورواه عن ابن عباس وقال: صحيح على
~~شرط مسلم، ورواه أبو داود الطيالسي عن شعبة عن الشعبي مرسلا (2).
# وروى أحمد بن حنبل والطبراني والثعلبي عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله): (أنزلت هذه الآية في خمسة في وفي علي وحسن
~~وحسين وفاطمة) يريد آية التطهير وروى ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه
~~وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه، عن أنس أن رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) كان يمر ببيت فاطمة إذا خرج إلى صلاة الفجر يقول (الصلاة
~~أهل البيت إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) (3)
~~وروى ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري أن النبي (صلى الله عليه وآله) جاء
~~أربعين صباحا إلى باب فاطمة يقول: (السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله
~~وبركاته الصلاة يرحمكم الله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت
~~ويطهركم تطهيرا) وفي
# PageV00P654
# رواية له عن ابن عباس سبعة ms500 أشهر (1) وفي رواية لا بن جرير وابن المنذر
~~والطبراني ثمانية أشهر (2).
# وروى ابن خالويه النحوي في كتاب الآل وأبو بكر الخوارزمي في كتاب المناقب
~~عن بلال بن حمامة قال: طلع علينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذات
~~يوم متبسما ضاحكا ووجهه مشرق كدارة القمر فقام إليه عبد الرحمن بن عوف
~~فقال: يا رسول الله ما هذا النور؟ قال: (بشارة أتتني من ربي في أخي وابن
~~عمي وابنتي، فإن الله زوج عليا فاطمة وأمر رضوان خازن الجنان فهز شجرة طوبى
~~فحملت رقاقا يعني صكاكا بعدد محبي أهل بيتي، وأنشأ تحتها ملائكة من نور
~~ودفع إلى كل ملك صكا فإذا استوت القيامة بأهلها نادت الملائكة بالخلائق فلا
~~يبقى محب لأهل البيت إلا دفعت إليه صكا فيه فكاكه من النار، فصار أخي وابن
~~عمي وابنتي فكاك رقاب رجال ونساء من أمتي) وجه الدلالة من الخبر تفسير
~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أهل البيت بعلي وفاطمة في آخر الحديث وهو
~~قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) (فصار أخي وابن عمي وابنتي) (3) الخ فكانا
~~هما المرادين بقوله (محبي أهل بيتي) وقوله (فلا يبقى محب لأهل البيت)
~~والأمر ظاهر.
# وروى الحاكم عن ابن عباس قال سمعت رسول الله يقول بأذني وإلا صمتا: (أنا
~~شجرة وفاطمة حملها وعلي لقاحها والحسن والحسين ثمارها ومحبوا أهل البيت
~~ورقها وكلنا في الجنة حقا حقا) وجه الدلالة ظاهر وغني عن البيان
# PageV00P655
# لصراحته أن أهل البيت هم أهل تلك الشجرة الزكية، وهذا الخبر ينصر ما
~~قلناه أولا أن المراد بأهل البيت أهل بيت النسب لا بيت السكنى فتأمل.
# وروى الثعلبي في تفسيره بالإسناد عن أم سلمة أن النبي (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) كان في بيتها فأتته فاطمة ببرمة فيها خزيرة فقال لها (ادعي زوجك
~~وابنيك) فجاءت بهم فطعموا ثم ألقى عليهم كساء له خيبريا فقال:
# (اللهم هؤلاء أهل بيتي وعترتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا) فأنزل
~~الله تعالى: [إنما يريد الله] الآية قالت: فأخذ فضل الكساء فغشاهم به، ms501 ثم
~~أخرج يده وألوى بها إلى السماء وقال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامتي فأذهب
~~عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا) فأدخلت رأسي البيت وقلت أنا معكم يا رسول الله
~~فقال إنك إلى خير إنك إلى خير (1).
# وذكر أبو حمزة الثمالي في تفسيره حدثني شهر بن حوشب عن أم سلمة قالت جاءت
~~فاطمة إلى النبي (صلى الله عليه وآله) تحمل خزيرة لها فقال ادعي زوجك
~~وابنيك فجاءت بهم فطعموا ثم ألقى عليهم كساء له خيبريا وقال: (اللهم هؤلاء
~~أهل بيتي وعترتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا) فقلت يا رسول الله وأنا
~~معهم قال: (أنت إلى خير) (2).
# وروى الثعلبي في تفسيره أيضا بإسناده عن مجمع قال دخلت مع أمي على عائشة
~~فسألتها أمي أرأيت خروجك يوم الجمل قالت: إنه كان قدرا من الله فسألتها عن
~~علي (عليه السلام) فقالت تسأليني عن أحب الناس كان إلى رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) لقد رأيت عليا وفاطمة وحسنا وحسينا وجمع رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) بثوب عليهم ثم قال:
# PageV00P656
# (اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا) قالت
~~فقلت: يا رسول الله أنا من أهلك قال: (تنحي فإنك إلى خير) (1) قال أبو علي
~~الطبرسي: أخبرنا السيد أبو الحمد قال حدثنا الحاكم أبو القاسم الحسكاني قال
~~حدثونا عن أبي بكر السبيعي قال حدثنا أبو عروبة الحراني قال حدثنا ابن مصفى
~~قال حدثنا عبد الرحمن بن واقد عن أيوب بن سيار عن محمد بن المنكدر عن جابر
~~قال نزلت هذه الآية على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وليس في البيت إلا
~~فاطمة والحسن والحسين وعلي: [إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت]
~~فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (اللهم هؤلاء أهلي) قال وحدثنا
~~السيد أبو الحمد قال حدثنا الحاكم بقوله بإسناده عن زاذان عن الحسن بن علي
~~(عليه السلام) قال لما نزلت آية التطهير جمعنا رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) وإياه في كساء لأم سلمة خيبري ثم قال: (اللهم إن هؤلاء ms502 أهل بيتي
~~وعترتي) (2).
# وعن أبي سعيد الخدري قال لما نزل قوله تعالى: [وأمر أهلك بالصلاة] الآية
~~كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يأتي باب فاطمة وعلي تسعة أشهر
~~عند كل صلاة فيقول: (الصلاة رحمكم الله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس
~~أهل البيت ويطهركم تطهيرا) (3) ومثله روى عن أبي بردة وأبي رافع (4) وقال
~~في إسعاف الراغبين، روى من طرق عديدة صحيحة أن رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) جاء ومعه علي وفاطمة وحسن وحسين قد أخذ كل واحد منهما بيده حتى دخل
~~فأدنى عليا وفاطمة وأجلسهما بين يديه
# PageV00P657
# واجلس حسنا وحسينا كل واحد منهما على فخده ثم لف عليهم كساء ثم تلا هذه
~~الآية: [إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا] وقال:
~~(اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا] قال: وفي رواية:
~~(اللهم هؤلاء آل محمد فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد كما جعلتها على
~~إبراهيم إنك حميد مجيد) قال وفي رواية أم سلمة قالت فرفعت الكساء لأدخل
~~معهم فجذبه من يدي فقلت وأنا معكم يا رسول الله قال: (إنك من أزواج النبي
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) (1).
# أقول هذه الرواية والرواية المتقدمة عن عائشة من أوضح الأدلة على خروج
~~الأزواج من الآية الشريفة بل من حقيقة مفهوم الأهل كما ترى وإن كان كل
~~الروايات المذكورة صريحة في ذلك وهي كثيرة وطرقها متعددة ويؤيدها قول أمير
~~المؤمنين (عليه السلام) في حديث السقيفة: (يا معشر المهاجرين الله الله لا
~~تخرجوا سلطان محمد عن داره وبيته إلى بيوتكم ودوركم ولا تدفعوا أهله عن
~~مقامه في الناس فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أهل البيت أحق بهذا الأمر
~~منكم) الخبر وقد مر ولم يقل أحد من الصحابة لأمير المؤمنين (عليه السلام)
~~حين ادعا أن الخلافة إذا كانت له كانت في دار النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) وبيته وإذا خرجت عنه لم تكن في بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~ولا داره، وذكر أنه ومن يؤل ms503 إليه أهل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~وأنهم أهل البيت إن دارك غير دار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم
~~يجبه منهم مجيب بأن أهل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أزواجه وأن أهل
~~بيته نساؤه لا أنتم، بل سلموا له الدعوى
# PageV00P658
# واعتذروا عن أخذ حقه بما اعتذروا مما هو مذكور هناك ومبين فيما مضى،
~~ويستفاد من هذا اتفاق الصحابة على أن أهل البيت في الآية المراد بهم النبي
~~(صلى الله عليه وآله) وعلي وفاطمة والحسن والحسين وأن البيت فيها بيت
~~النبوة والرسالة وأنها مختصة بهم لا يشاركهم فيها غيرهم، فبطل بذلك ما
~~ادعاه قوم من مشاركة الأزواج لهم (1) وفسد ما ادعاه عكرمة من اختصاص الآية
~~بالأزواج لمخالفته الإجماع (2) سابقا ولاحقا، وكذا ما ادعاه بعض الخصوم من
~~دخول أقارب النبي (صلى الله عليه وآله) وباقي بناته في الآية، وروايتهم في
~~العباس وبنيه لا تساعد على ذلك لأن فيها ستر العباس وبنيه بملاءة ودعا لهم
~~بالستر من النار (3) وهذا غير إذهاب الرجس والتطهير من الذنب وليست النجاة
~~من النار مختصة باهل آية التطهير حتى يدخل فيها من دعا له النبي (صلى الله
~~عليه وآله) بالستر من النار، وإنما اختصوا بالعصمة من الذنوب، فالرواية على
~~فرض صحتها لا تدل
# PageV00P659
# بشئ من الدلالات على دخول العباس وبنيه في الآية، ولسنا نخرج العباس
~~وبنيه وباقي بني عبد المطلب من أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله) بالمعنى
~~العام، لأن قرابتهم إلى النبي ثابتة، وإنما نخرجهم من أهل البيت الذين نزلت
~~فيهم الآية، وقد تقدمت الرواية بهذا المضمون عن عبد الله بن العباس كما إنا
~~أخرجناهم من العترة بالمعنى الخاص كما شهدت به جملة من الأخبار المروية هنا
~~مثل حديث أم سلمة وخبر زاذان عن الحسن (عليه السلام) مضافا إلى ما سبق في
~~محله وكذلك نخرجهم من الآل على هذا المعنى أي من الآل المختصين بخلافة
~~النبي (صلى الله عليه وآله) والمشاركين له في خصائصه إلا ما يختص بالنبوة،
~~وعلى المعنى العام في ms504 أهل البيت يخرج قول زيد بن أرقم أهل البيت من حرم
~~الصدقة بعده يعني النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم آل علي وآل عقيل وآل
~~جعفر وآل عباس في رواية مسلم والنسائي إن صحت الرواية وإلا ففيها إشكال من
~~جهة أن من حرمت عليه الصدقة لا يختص بالمذكورين بل هو شامل لجميع بني هاشم
~~فيدخل بنوا الحارث بن عبد المطلب وبنوا أبي لهب إلا أن يريد بما ذكره
~~التمثيل، وعلى كل حال فلا معارضة بها لتلك الأخبار المتواترة فتعين ما قلنا
~~فيها واندفع جميع الايرادات وتبين صحة الوجه في اختصاص الآية بمن ذكرنا،
~~ويعضده أيضا ما رواه أبو بكر الجوهري في كتاب السقيفة بإسناده عن أبي كعب
~~الحارثي في خبر طويل يذكر فيه كلاما جرى بين علي وعمار وعائشة وحفصة وسعد
~~بن أبي وقاص وبين عثمان بن عفان وفيه فتقدم عثمان فصلى بهم فلما كبر قالت
~~امرأة من حجرتها: " يا أيها الناس " ثم تكلمت وذكرت رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) وما بعثه الله به ثم قالت: " تركتم أمر الله وخالفتم عهده "
~~ونحو هذا ثم صمتت، وتكلمت امرأة أخرى بمثل ذلك فإذا هما عائشة وحفصة، قال
~~فسلم عثمان ثم أقبل على الناس وقال: إن هاتين لفتانتان يحل لي سبهما، وأنا
~~بأصلهما عالم، فقال له سعد بن أبي وقاص: PageV00P660
# أتقول هذا لحبائب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (1) الخبر فانظر
~~إلى قول سعد في الرد على عثمان أتقول هذا لحبائب رسول الله فإنه قاض بأن
~~الأزواج لسن داخلات في آية التطهير عند جميع الصحابة، ولا كان دخولهن فيها
~~معروفا فيما بينهم، ولو كان ذلك كذلك لكان الواجب أن يحتج سعد على عثمان
~~بالآية ويقول له أتقول هذا لأهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم
~~تطهيرا فإنه أوضح في الحجة على عثمان حيث ادعا عليهما المعصية التي أحلت له
~~سبهما وعرض بأصلهما كأنه يريد الهجنة، أي إنهما ليستا من ذوات الشرف في
~~النسب أو غير ذلك، فكان الاحتجاج عليه ms505 في رد قوله بما يصرح بطهارتهما عن
~~الذنب ألزم فضلا عن أن يكون أولى من الاحتجاج بأنهما حبائب رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) فإن كونهما من الحبائب لا يمنع صدور الذنب منهما فإن عثمان
~~أيضا بزعم سعد من أحباء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يكن ذلك مانعا
~~من صدور الذنب منه عنده، وإلا لما أنكر عليه قوله على أن عثمان ما ادعا
~~عليهما إلا صدور العصيان منهما المجوز سبهما وعلمه بضعف أصلهما، فرد قوله
~~بشهادة الله لهما بالتطهير أصرح في قطع حجته وإبطال دعواه، فترك سعد
~~الاحتجاج بالآية لهما وتركهما الاحتجاج بها لأنفسهما مع شدة الاحتياج إلى
~~ذلك لكثرة ما شتمتا عثمان وشتمهما كما رواه الخصوم دليل صريح على أن
~~الأزواج غير داخلات فيها وكذا قول عمر لابن عباس، إنما عنيت عظيمكم أهل
~~البيت (2) وقول المغيرة بن شعبة أتنظران خيل الحلبة من أهل هذا البيت
~~وسعوها في قريش تتسع (3) دالان على أن أهل البيت قرابة النبي (صلى الله
~~عليه وآله) النسبية لا الأزواج، وأن ذلك هو المعروف بين أصحاب النبي (صلى
~~الله
# PageV00P661
# عليه وآله وسلم)، ويزيد ذلك وضوحا ما جرى بين عائشة وعلي (عليه السلام)
~~يوم الجمل من المخاصمات وتصريحه للناس بارتكابها المعصية وما جرى بينهما
~~وبين عبد الله بن العباس من الملاحات حين دخل عليها بعد الهزيمة، وما جرى
~~بينها وبين عمار بن ياسر من المجادلة ونسبة الكل منهم إياها إلى ارتكاب
~~المعصية ولم تحتج على واحد منهم لبرائتها من المعصية بآية التطهير كما كان
~~دائما يحتج بها علي وولده، ويحتج لهم بها شيعتهم، ولو وجدت شبهة تتعلق بها
~~في دخولها في الآية وتصول بها على الطهارة لسارعت إليها وسبقت في انتهاز
~~فرصتها كل سابق ولا دلت بها إلى الناس، لكنها لم تجد إلى هذا سبيلا وشواهد
~~هذا كثيرة جدا وقد مر جملة منها متفرقا في الكتاب وفيما ذكرناه هنا كفاية
~~مقنع فقد أتينا فيه كما ترى بالفصل ليس بالهزل، وأوضحنا فيه نهج الحق،
~~وأزحنا تعللات ms506 أهل الشك، ومنه تعلم أنه ليس في الصحابة ولا في أزواج النبي
~~(صلى الله عليه وآله) من يدعي أن آية التطهير يدخل فيها الأزواج فضلا عن
~~كونهن مختصات بها كما قال عكرمة، وأن إدخالهن فيها إنما هو قول مولد من بعض
~~المتعصبين قصد به إبطال احتجاج أهل الحق على عصمة علي وفاطمة وأبيهما حتى
~~يساوي بينهم وبين من خالفهم وخاصمهم من أئمته ليحتمل الخطأ في كلا الطرفين
~~فيرجع حينئذ إلى.
# ونسكت عن حرب الصحابة * فالذي جرى بينهم كان اجتهادا مجردا وهيهات هيهات
~~وأنى له بذاك وقد أسفر الصبح وصرح الحق عن النصح ومما يدل على عصمتهم من
~~الكتاب أيضا قوله تعالى: [سلام على آل ياسين] (1) فالمروي عن ابن عباس أن
~~المراد بهم آل محمد، وبه قال الفخر الرازي (2) وجماعة من مخالفينا: والآل
~~بالمعنى العام هم أهل الرجل وهم
# PageV00P662
# ذووا قرابته كما ذكر في المصباح المنير وقد يطلق على المشايعين والأتباع،
~~وعليه جرى قوله تعالى: [ادخلوا آل فرعون أشد العذاب] (1) وأما الآل بالمعنى
~~الخاص فهم ذرية الرجل وولده وخاصته من أقاربه، قال الله تعالى: [فقد آتينا
~~آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما] (2) فالذين آتاهم الله
~~الكتاب والحكمة والملك العظيم من ذوي إبراهيم ولده وذريته وإن دخل فيهم
~~لوط، فذلك لأنه ابن أخيه كما رواه أبو علي الطبرسي عن ابن عباس وابن زيد
~~وجمهور المفسرين (3) لا جميع أقاربه بالاتفاق، وقال تعالى: [إن الله اصطفى
~~آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين] (4) والمصطفى من إبراهيم
~~ولده ومن عمران ولداه موسى وهارون لا الأقارب ولا الزوجات وقال تعالى:
~~[فلما جاء آل لوط المرسلون] (5) أتوا لوطا وخاصة أهله فهم آله وأما قوله
~~تعالى: [إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته] (6) فيحتمل انقطاع
~~الاستثناء أو دخول المرأة من حيث المجاورة أو إطلاقه هنا على الأتباع
~~والأشياع فتدخل الزوجة والمملوك لا المعنى الخاص، وبالجملة الآل كالأهل في
~~معاينه بل قال بعض إنه هو بنفسه أبدلت هاؤه ألفا وآل محمد (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) ms507 الذين شاركوه في الصلاة عليه وفي التسليم والطهارة ووجوب المودة
~~هم علي وفاطمة والحسن والحسين كما ذكرنا في بيان العترة وذوي القربى والأهل
~~ويدخل باقي الأئمة بالتبعية كما أوضحناه هناك، ويدل عليه صريحا ما مر من
~~قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في علي وفاطمة
# PageV00P663
# والحسنين حين نزلت آية التطهير: (اللهم هؤلاء آل محمد فاجعل صلواتك
~~وبركاتك على آل محمد كما جعلتها على آل إبراهيم إنك حميد مجيد) (1)
~~واستفادة العصمة من الآية من جهة أن السلام بمعنى السلامة وهي البراءة من
~~العيوب والنجاة من الذنوب كما قال تعالى: [قيل يا نوح اهبط بسلام منا] (2)
~~وقال: [سلام على نوح (3) سلام على إبراهيم (4) سلام على موسى وهارون] (5)
~~فالمعنى سلامة لآل محمد أي سلموا من العيوب سلامة وبرئوا من الذنوب براءة
~~والسلامة من الذنوب هي العصمة.
# ومما يدل عصمتهم من الكتاب أيضا قوله تعالى: [قل لا أسألكم عليه أجرا إلا
~~المودة في القربى] (6) فإنا قد بينا أولا إنها نازلة في أئمتنا وأمهم فاطمة
~~وأبيهم علي (عليه السلام) وبينا أيضا أن المودة هنا بمعنى المتابعة وأقمنا
~~على ذلك الأدلة هناك ويشهد للمعنين جميعا ما رواه الحاكم أبو القاسم
~~الحسكاني في كتاب شواهد التنزيل لقواعد التفصيل مرفوعا إلى أبي أمامة
~~الباهلي قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن الله خلق
~~الأنبياء من أشجار شتى وخلقت أنا وعلي من شجرة واحدة فأنا أصلها وعلي فرعها
~~وفاطمة لقاحها والحسن والحسين ثمارها وأشياعنا أوراقها فمن تعلق بغصن من
~~أغصانها نجى ومن زاغ عنها هوى ولو أن عبدا عبد الله بين الصفا والمروة ألف
~~عام ثم ألف عام ثم ألف عام حتى يصير كالشن البالي ثم لم يدرك محبتنا كبه
~~الله على منخريه في النار) ثم تلا: [قل لا أسألكم عليه
# PageV00P664
# أجرا إلا المودة في القربى] (1) والتعلق بمعنى المتابعة البتة وإذا كانت
~~متابعتهم واجبة على الإطلاق من دون تقييد بحال دون حال وجب أن يكونوا
~~معصومين من الخطأ في جميع الأحوال، ومنزهين عن ارتكاب المعاصي ms508 بلا إشكال،
~~ولولا ذلك لوجب تقييد طاعتهم بما قيد به طاعة الأوبين بقوله تعالى:
# [وإن جاهداك على أن تشرك بالله شيئا فلا تطعهما] (2) إذ لا يجوز إطاعة
~~المخطئ ولا متابعة العاصي بنص الكتاب، وحيث أطلق وجوب متابعتهم ولزوم
~~مودتهم دل على الشهادة لهم بالعصمة والطهارة من الأرجاس والأدناس والأمر
~~ظاهر.
# وأما من السنة فالذي يدل على عصمة أئمتنا كثير منه ما يعم الجميع ومنه ما
~~يختص بأمير المؤمنين فأما الذي يختص به.
# فمنه قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (علي مع الحق والحق مع علي
~~يدور معه حيثما دار) فإن هذا الحديث نص في عصمة علي (عليه السلام) إذ قد
~~علمت أن ليس العصمة إلا ملازمة الحق والصواب وعدم الخطأ في الأقوال
~~والأفعال فإذ شهد له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه على الحق في جميع
~~أحواله كانت تلك شهادة له بالعصمة عن الذنوب وعن الخطأ في الأحكام والقول
~~والفعل، لأن العاصي ليس على الحق والمخطي ليس معه وكان أمير المؤمنين مصيبا
~~للحق وملازما له كان معصوما بالضرورة.
# فمنه قول النبي (صلى الله عليه وآله) فيه يوم غدير خم في الحديث المتواتر
~~الذي رواه خصومنا عن جملة من الصحابة: (اللهم وال من والاه وعاد من عاداه
~~وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحق معه حيثما
# PageV00P665
# دار) (1) فإنه صريح في عصمته لأن وجوب موالاته ونصرته على الإطلاق تستلزم
~~ملازمته للحق فهي شهادة له بالعصمة، ولو صحت منه المعصية لم تجب موالاته في
~~كل حال إذ لا يجوز موالاة العاصي ولا نصرته، بل الواجب الانكار عليه بالنص
~~والاجماع لكن موالاة علي (عليه السلام) واجبة مطلقا بصريح الخبر فوجب أن
~~يكون معصوما وإلا لوجب لو صدرت منه المعصية خذلانه ومعاداته في حال وجوب
~~نصرته وموالاته وهذا متناقض، وأما قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (وأدر
~~الحق معه حيثما دار) فدلالته على العصمة أوضح من الشمس في رابعة النهار
~~وتقريره كتقرير الحديث الأول.
# ومنه قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ms509 فيما رواه الحافظ أبو نعيم
~~وأحمد بن حنبل: (من أحب أن يحيى حياتي ويموت ميتتي ويتمسك بالقضيب من
~~الياقوتة التي خلقها الله تعالى بيده ثم قال لها كوني فكانت فليتمسك بولاء
~~علي بن أبي طالب) ولفظ أحمد (من أحب أن يتمسك بالقضيب الأحمر الذي غرسه
~~الله في جنة عدن بيمينه فليتمسك بحب علي بن أبي طالب) (2) وفي حديث آخر
~~رواه الحافظ (من سره أن يحيى حياتي ويموت مماتي ويسكن جنة عدن التي غرسها
~~ربي فليوال عليا من بعدي وليوال وليه) (3) والتمسك والموالاة هي المتابعة
~~كما أوضحناه فيما مضى، وإذا كان متابعة علي (عليه السلام) واجبة على
~~الإطلاق وجب أن يكون ملازما للحق على كل حال وهي العصمة.
# ومنه الأحاديث الواردة في وجوب محبته، وأن محبته محبة الله وطاعته طاعة.
# الله، وفي بعضها أن محبه محب رسول الله وهي كثيرة، وقد تقدمت ونشير
# PageV00P666
# هاهنا إلى بعض.
# فمنها قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في رواية الحافظ عن أبي بردة
~~الأسلمي (إن الله قد عهد إلي في علي عهدا فقلت: يا رب بينه لي قال اسمع إن
~~عليا راية الهدى) إلى أن قال: (وهو الكلمة التي ألزمتها المتقين من أحبه
~~فقد أحبني ومن أطاعه أطاعني فبشره بذلك فقلت قد بشرته يا رب) إلى أن قال:
~~(وقد دعوت له فقلت اللهم أجل قلبه واجعل ربيعه الإيمان بك، قال قد فعلت)
~~الخبر (1) ومثله قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث أحمد في حق علي.
~~(وأما الخامسة فإني لست أخشى عليه أن يعود كافرا بعد إيمان ولا زانيا بعد
~~إحصان) (2) الخبر وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي (عليه السلام) في
~~حديث أحمد: (من أحبك أحبني وحبيبي حبيب الله وعدوك عدوي وعدوي عدو الله)
~~(3) وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث أحمد أيضا: (أوصيكم بحب ذي
~~قرباها أخي وابن عمي علي بن أبي طالب لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق
~~من أحبه أحبني) (4) الخبر وغير ذلك من الأخبار وهي ظاهرة ms510 في الشهادة بعصمته
~~وأظهرها في المطلب.
# الأول لأنه إذا كان طاعة علي (عليه السلام) طاعة الله مطلقا وجب أن يكون
~~دائما على الحق والصواب في جميع الأمور لا يجوز عليه الخطأ في الحكم إذ لو
~~أخطأ في الحكم أو ارتكب معصية في قول أو فعل لم تكن طاعته طاعة الله، بل
~~الأمر يكون بالعكس لكن طاعته طاعة الله بنص الخبر فهو معصوم
# PageV00P667
# من ارتكاب القبيح، ويدل أيضا على أنه لا يعمل بالاجتهاد كغيره لأن
~~المجتهد لا يصيب دائما وعلى مصيب دائما فهو ليس بمجتهد فيكون علمه نقلا من
~~الرسول (صلى الله عليه وآله) وإلهاما من الله تعالى، وأكثر أخبار الباب
~~مصرحة بهذا المعنى فلنستغن ببيانه هنا عن تكريره فتأمل، وقوله (صلى الله
~~عليه وآله) (واجعل ربيعه الإيمان) نص في العصمة على قول المعتزلة والربيع
~~هو الجدول، وهو النهر الصغير كأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) يريد واجعل
~~مشربه أو مورده الإيمان والإيمان عند المشار إليهم فعل الواجبات واجتناب
~~الكبائر والصغائر عندهم مكفرة لا تنافي العصمة لأنها لا توجب الذم، وإذا
~~كان علي (عليه السلام) بنص الخبر ملازما للإيمان كما يصرح به قوله بعد
~~الدعاء (قد فعلت) والإيمان عندهم لا يتم إلا باجتناب القبيح الذي يستحق
~~فاعله الذم وجب أن يكون معصوما منه، وإني لأعجب من ابن أبي الحديد حيث يروى
~~مثل هذا الخبر الواضح في عصمة علي (عليه السلام) ثم يقول في مواضع كثيرة من
~~كتابه: " إن عليا ليس بمعصوم " ويعدله بعمر تارة ويقول: " إن الرجلين ليس
~~ولا واحد منهما عندنا بمعصوم ولم يفرق بين من لم يعبد إلا الله، ولم يجر
~~عليه اسم فسق أبدا وبين من عبد الأوثان وجرى عليه اسم الكفر والعصيان،
~~وأخطأ في كثير من الأحكام فيا لله للمسلمين أيقاس هذا بذاك وهل تستوي
~~الظلمات والنور، لكن الرجل وامناله؟؟ تاهوا في أودية الجهل وسلكوا الطريق
~~الوعر وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا أعاذنا الله والمؤمنين من طاعة الهوى.
# وأما لفظ المحبة الوارد في الأخبار المذكورة فهو مفيد ms511 للعصمة لما بيناه
~~مرارا من أن المحبة لعلي (عليه السلام) إذا وجبت على الإطلاق وكانت كمحبة
~~الله والرسول (صلى الله عليه وآله) وجب أن يكون منزها عن فعل القبيح إذا
~~العاصي لا تجب محبته البتة، وعلي (عليه السلام) تجب محبته مطلقا فهو لا
~~يعصي أبدا وهو المطلق. (*) PageV00P668
# ومنه قول النبي (صلى الله عليه وآله) في رواية الحافظ أبي نعيم: (يا معشر
~~الأنصار ألا أدلكم على ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا) قالوا: بلى يا رسول
~~الله، قال: (هذا علي فأحبوه بحبي وأكرموه بكرامتي) (1) الخبر، ومعنى ذلك
~~طاعته بطاعة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والخبر صريح في أن التمسك
~~بعلي (عليه السلام) عاصم من الضلال أبدا فوجب أن يكون معصوما إذ لو ارتكب
~~قبيحا لم يكن التمسك به عاصما من الضلال لكنه عاصم فليس بمرتكب قبيحا ومثله
~~قول النبي (صلى الله عليه وآله) في حديث أنس (أنه يعني عليا راية الهدى
~~ومنار الإيمان وإمام أوليائي ونور جميع من أطاعني) (2) وقوله في رواية أبي
~~بردة: (إن عليا راية الهدى) الخبر وتابع راية الهدى يجب أن يكون مهتديا ولو
~~كان علي (عليه السلام) ممن يعصون لم يكن راية الهدى ولم يكن اقتفاؤه عاصما
~~من الضلال لكنه راية الهدى بالنص فيجب أن يكون معصوما من الضلال.
# ومنه الأخبار الواردة في أن عليا (عليه السلام) كنفس رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) وأنه منه ومخلوق من نوره المعتضدة على كثرتها بنص القرآن
~~الحكيم مثل قوله (صلى الله عليه وآله) (لأبعثن إليكم رجلا كنفسي وفي رواية
~~عديل نفسي) وقوله (صلى الله عليه وآله) (إن عليا مني وأنا من علي) (3)
~~وقوله (صلى الله عليه وآله) (كنت أنا وعلي نورا بين يدي الله عز وجل) إلى
~~أن ذكر قسمة (4) ذلك النور فقال: (جزء أنا وجزء
# PageV00P669
# علي (عليه السلام) (1) ومثل ذلك قوله (صلى الله عليه وآله) في تشبيه علي
~~بالأنبياء: (من أراد أن ينظر إلى نوح في عزمه) إلى آخر الخبر (2) والأخبار
~~في هذا المعنى ms512 كثيرة قد تقدمت وإذا كان علي (عليه السلام) من نور رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) وعديل نفسه وشبيها بالأنبياء كان معصوما مثله
~~ومثلهم، إذ لم تخرج من مشابهة النبي (صلى الله عليه وآله) إلا النبوة فيبقى
~~الباقي حاصلا له ومن جملته العصمة فيكون علي معصوما ولذا قال (عليه
~~السلام): (والله ما ظللت ولا ضل بي ولا زللت ولا زل بي) وصدق وهو الأمين
~~المصدق فإنه ما زال على الحق ما حاد عنه ولا حال ولم يفارقه ولم يزايله
~~طرفة عين والأخبار الواردة في المعاني المذكورة والمشابهة لها والقريبة
~~منها متعددة واسعة، وقد ذكرنا جلها وما ذكرناه هنا من التقسيم أصل يرجع
~~إليه في ارجاع كل حديث مما لم نذكره هنا إلى بابه فلنقتصر على ما رسمناه
~~ففيه بلوغ المراد، وتحصيل المطلب، وكفاية المنصف، ومقنع المتدبر في هذا
~~الباب والمعاند لا دواء له من الحجة.
# وأما ما يشتمل على جميع الأئمة من النصوص الشاهدة لهم بالعصمة.
# فمنه الخبر المتواتر وهو حديث الثقلين وقول رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) فيه: (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي
~~أهل بيتي فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) وهذا اللفظ في بعض طرق هذا
~~الحديث عن زيد بن أرقم وقد ذكرنا بعض طرقه وألفاظه فيما مضى وهذا الحديث
~~على جميع ألفاظه دال على عصمة العترة من وجهين.
# الأول شهادة النبي (صلى الله عليه وآله) بعصمة المتمسك بهم
# PageV00P670
# من الضلال دائما ولو جاز عليهم الخطأ وارتكاب المعاصي لما كان اتباعهم
~~عاصما من الضلالة مطلقا كما قررناه مرارا فوجب أن يكونوا مأمونين من الخطأ
~~منزهين عن مقارفة الخطايا وتلك هي العصمة.
# الثاني شهادة النبي (صلى الله عليه وآله) لهم بأنهم مع القرآن لا
~~يفارقونه ولا يفارقهم (1)، والمراد من ذلك أنهم ملازمون لأحكامه، والقرآن
~~حق لا ريب فيه والملازم له دائما على الحق في كل أحواله لا يجوز عليه الخطأ
~~إذ لو جاز عليه الخطأ لم يكن ملازما ms513 للقرآن، ولزوم الصواب دائما هو العصمة،
~~ويلزم من ذلك علمهم بالقرآن من جهة التوقيف النبوي بنقل السابق إلى اللاحق،
~~أو الإلهام الإلهي ليكونوا مطلعين على مقاصد الله من جهة القطع والتنصيص لا
~~من جهة الاجتهاد والنظر والأخذ بالظواهر، فإن ذلك لا يوجب الإصابة بل خطؤه
~~أكثر من صوابه ولذا اشتهر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (إن من فسر
~~القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار) فلو أن أهل البيت يعلمون أحكام
~~القرآن من طريق الاجتهاد لم يكونوا ملازمين لحكم القرآن لجواز الخطأ في
~~الاجتهاد، وحيث كانوا ملازمين له بنص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وجب
~~أن يكون اطلاعهم به من طريق اليقين ومن الجهة التي لا تغير فيها ولا
~~اختلاف، فهذا الحديث شاهد على عصمتهم وعلمهم بحقيقة أحكام القرآن، وأنه لا
~~يخالفهم ولا يخالفونه، وأن علمهم لا يختلف ولا يزول، وكفى به دليلا على
~~المدعى، ولذا ورد عنهم صلوات الله عليهم:
# (لا تقلبوا عنا ما يخالف القرآن وما خالف كتاب الله فإنا لم نقله) وفي
~~ذلك بطلان ما ادعته الغلاة والمفوضة وأهل المقالات الفاسدة ممن ينسب إلى
~~الشيعة
# PageV00P671
# وتزييف ما أوردوه من الأحاديث المزورة التي يوهم ظواهرها ما ادعوا فيجب
~~لذلك ردها أو تأويلها بما يوافق القرآن فلا تغتر بما ينمقه أهل الجهالة مما
~~يخالف هذا، ويسطرونه من زخرف القول وسرابه يشبهون به على ضعفاء الشيعة
~~ويضلونهم عن طريق الهداية زين لهم سوء أعمالهم، ولنرجع إلى المطلب فنقول:
~~إن الحديث يدل على أن غير العترة غير ملازم للقرآن في جميع أحواله ولا
~~موافق له في جميع أموره، وأنه يصيب حكمه تارة ويخطئه تارات، وأن المخالف
~~لهم مخالف للقرآن لا محالة.
# ومنه الأخبار الواردة في وجوب محبتهم ولزوم مودتهم، وتحريم بغضهم على جهة
~~الإطلاق والعموم، وقد قدمنا جملة منها مثل قول النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) في رواية الترمذي والحاكم عن ابن عباس: (أحبوا الله لما يغنيكم به،
~~وأحبوني بحب الله، وأحبوا أهل بيتي بحبي) (1) وقوله (صلى الله ms514 عليه وآله
~~وسلم) في رواية: (الزموا مودتنا أهل البيت فإنه من لقي الله عز وجل وهو
~~يودنا دخل الجنة) (2) الخبر وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في رواية أبي
~~الشيخ عن علي (عليه السلام): (والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحبني ولا
~~يحبني حتى يحب ذريتي) وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في رواية أحمد: (من
~~أبغض أهل البيت فهو منافق) (3) إلى غير ذلك مما يعطي هذا المعنى ويصرح؟ وهي
~~على كثرتها دالة على عصمتهم من جهة أن لزوم المحبة على الإطلاق ووجوب
~~المودة على العموم يقتضي كون المحبوب على الصواب في جميع الأحوال، إذ لا
~~تجوز محبة العاصي ولا مودة المخطئ
# PageV00P672
# لأنهما بمعنى المتابعة كما مر عليك بيانه.
# ومنها ما رواه جماعة من أصحاب الصحاح عن عدة من قول النبي (صلى الله عليه
~~وآله): (مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك) (1) وفي
~~رواية (غرق) وما شابهه من الأحاديث، والمراد منه إن من تابعهم نجا ومن
~~خالفهم أو سلك غير سبيلهم هلك، وإذا كانت متابعتهم موجبة للنجاة، ومخالفتهم
~~وسلوك غير سبيلهم موجبين للهلاك وجب أن يكونوا على الحق دائما وأن مخالفهم
~~على الباطل وكونهم على الحق والهدى لا يفارقونه هو العصمة فالخبر صريح في
~~الشهادة لهم بالعصمة، وكل هذه الأدلة تعطي أن علمهم لا يختلف، وأنه ليس من
~~طريق الاجتهاد وإلا لاختلف وحصل فيه الخطأ أحيانا فلم يكونوا على الحق
~~دائما، وما يعطي هذا المعنى من الأحاديث النبوية كثير من طرق الخصوم قد
~~ذكرنا كثيرا منه سابقا.
# وأما ما يدل على عصمة العترة من كلام أمير المؤمنين فكثير.
# فمنه قوله (عليه السلام) في خطبة له: (فأين يتاه بكم فكيف تعمهون وبينكم
~~عترة نبيكم وهم أزمة الحق والسنة الصدق فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن وردوهم
~~ورد الهيم العطاشى) الخطبة (2) وكل من قوله: (وهم أزمة الحق والسنة الصدق)
~~ظاهر في عصمة العترة، وقوله: (فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن) صريح فيها،
~~والتقرير في الجميع على سبيل ما تقدم.
# ومنه ms515 قوله (عليه السلام) في خطبته: (نحن شجرة النبوة، ومحط
# PageV00P673
# الرسالة، ومختلف الملائكة، ومعادن العلم، وينابيع الحكم ناصرنا ومحبنا
~~ينتظر الرحمة، وعدونا ومبغضنا ينتظر السطوة) (1) وهي صريحة في كونهم على
~~الحق دائما وهو المراد بالعصمة.
# ومنه قوله (عليه السلام) في خطبته: (انكم لن تعرفوا الرشاد حتى تعرفوا
~~الذي نبذه) إلى أن قال: (والتمسوا ذلك من عند أهله، فإنهم عيش العلم، وموت
~~الجهل يخبركم حكمهم عن علمهم، وصمتهم عن منطقهم، وظاهرهم عن باطنهم، لا
~~يخالفون الدين، ولا يختلفون فيه، فهو بينهم شاهد صادق، وصامت ناطق) (2)
~~وهذا الكلام يشير به إلى نفسه وولده فإنه كثيرا ما يسلك هذا المسلك، وتارة
~~يصرح وهو دال على ما ذكرناه من وفور علمهم، وإنه ليس على جهة الاجتهاد،
~~وإلا لوقع بينهم الاختلاف كسائر المجتهدين، ودال على العصمة من الخطأ خصوصا
~~قوله: (لا يخالفون الدين) والتوجيه كما مر.
# ومنه قوله (عليه السلام) في خطبته (ونشهد ألا إله غيره، وأن محمدا عبده
~~ورسوله أرسله بأمره صادعا) إلى قوله (عليه السلام): (ومضى رشيدا وخلف فينا
~~راية الحق، من تقدمها مرق، ومن تخلف عنها زهق ومن لزمها لحق، دليلها مكيث
~~الكلام بطي القيام، سريع إذا قام، فإذا ألنتم له رقابكم، وأشرتم إليه
~~بأصابعكم جاءه الموت فذهب به) إلى أن قال:
# (ألا إن مثل آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) كمثل نجوم السماء إذا خوى
~~نجم طلع نجم) (3) الخطبة أراد براية الحق القرآن وبدليلها هو نفسه (عليه
~~السلام)، ودليل راية الحق لا يجوز أن يكون مخطئا للصواب، إذ لو
# PageV00P674
# أخطأ لما كان دليلا لراية الحق، ثم صرح بأن هذا الأمر يصير من بعده لولده
~~واحدا بعد واحد بقوله: (ألا إن مثل آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) كمثل
~~نجوم السماء) الخ فبين أنه لا بد في كل زمان من دليل للقرآن من آل محمد
~~كلما مات إمام خلفه من ذريته إمام، وليست تنقطع دلالة القرآن منهم بموته،
~~وهم كالنجوم التي لا يزال منها غارب وشارق أبدا ما بقي الزمان، وفيه ms516 دليل
~~على علمهم بالقرآن من طريق اليقين لا النظر الذي تارة يخطئ وتارة يصيب،
~~وعلى بقاء الإمامة فيهم حتى ينقطع التكليف، وهذا صريح مذهب الإمامية، وهو
~~مضمون حديث الثقلين، ومثل هذا في كلامه الكثير الواسع من أراده لم يفته،
~~وقد تبين مما حررناه ووضح مما قررناه في هذا الكتاب صحة مذهب الإمامية
~~الاثني عشرية، وثبات أقدامهم على الصراط السوي، والمنهج الجلي لمتانة
~~أدلتهم، وقوة حجتهم واعتراف خصومهم بدليلهم، وثبت ضعف ما سواه من المذاهب
~~والأقاويل الفاسدة التي ليس عليها من دليل، ولا لأربابها في إثباتها بالحجة
~~الثابتة من سبيل، سوى زخارف ما أنزل بها من سلطان، وشبه من القول لا يحصل
~~بها وثوق ولا اطمئنان، فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون فالحمد لله الذي
~~هدانا لهذا المذهب الواضح، وألهمنا دليله وأسلكنا سبيله وعرفنا برهانه،
~~وأوضح لنا بيانه، وفهمنا عرفانه، وأرشدنا إلى التمسك بالعروة الوثقى التي
~~لا انفصام لها وهي ولاية أهل بيت الرسول المصطفى الذين أولهم أخوه وابن عمه
~~علي المرتضى وآخرهم الإمام المنتظر، والنور الأزهر، صاحب عصرنا وإمام
~~زماننا المهدي بن الحسن العسكري عجل الله فرجه، وجعلنا من الموالين
~~لأوليائهم، والمعادين لأعدائهم إلى يوم النشور، ونسأل الله بمنه ولطفه، أن
~~يثبتنا على هذا المسلك المنير، ويميتنا على هذا الطريق القويم، ولنختم
~~كتابنا هذا بذكر شئ من الأحاديث الواردة عن النبي (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) من طريق أصحابنا في النص على الأئمة الاثني عشر ثم نعقب ذلك بنقل
~~PageV00P675
# خطبة من خطب أمير المؤمنين تحتوي على بيان جملة من المطالب التي خضنا
~~فيها وبالله الاستعانة.
# روى الشيخ الصدوق رئيس المحدثين أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى
~~بن بابويه القمي في كتاب إثبات الغيبة ورفع الحيرة (1) قال: حدثنا محمد بن
~~علي ماجيلويه رضي الله عنه قال: حدثني عمي محمد بن أبي القاسم عن محمد بن
~~علي الكوفي عن محمد بن سنان عن المفضل بن عمر عن جابر بن يزيد الجعفي عن
~~سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن ms517 سمرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله):
# (لعن المجادلون في دين الله على لسان سبعين نبيا ومن جادل في آيات الله
~~فقد كفر قال الله عز وجل: [ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا
~~يغررك تقلبهم في البلاد] (ومن فسر القرآن برأيه فقد افترى على الله الكذب،
~~ومن أفتى الناس بغير علم لعنته ملائكة السماء والأرض، وكل بدعة ضلالة
~~سبيلها إلى النار) وقال عبد الرحمن بن سمرة فقلت: يا رسول الله أرشدني إلى
~~النجاة، فقال: (يا بن سمرة إذا اختلفت الأهواء وتفرقت الآراء فعليك بعلي بن
~~أبي طالب، فإنه إمام أمتي وخليفتي عليهم من بعدي، وهو الفاروق الذي يميز
~~بين الحق والباطل، من سأله أجابه، ومن استرشده أرشده، ومن طلب الحق عنده
~~وجده، من التمس الهدى لديه صادفه ومن لجأ إليه أمنه، ومن استمسك به نجاه،
~~ومن اقتدى به هداه.
# يا بن سمرة سلم منكم من سلم له ووالاه وهلك من رد عليه وعاداه.
# يا بن سمرة إن عليا مني روحه من روحي وطينته من طينتي وهو أخي وأنا أخوه،
~~وهو زوج ابنتي فاطمة سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين
# PageV00P676
# وإن منه إمامي أمتي وابني وسيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين وتسعة من
~~ولد الحسين تاسعهم قائم أمتي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا).
# قال: الصدوق حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل (رحمه الله) قال:
# حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي قال: حدثنا موسى بن عمران النخعي عن
~~عمه الحسين بن يزيد عن الحسن بن علي بن سالم عن أبيه عن أبي حمزة عن سعيد
~~بن جبير عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله
~~وسلم): (إن الله تبارك وتعالى اطلع على الأرض اطلاعة فاختارني منها فجعلني
~~نبيا، ثم اطلع الثانية فاختار منها عليا وجعله إماما، ثم أمرني أن اتخذه
~~أخا ووليا ووصيا وخليفة ووزيرا، فعلي مني وأنا من علي، وهو زوج ابنتي وأبو
~~سبطي الحسن والحسين أئمة ms518 يقومون بأمري، ألا وإن الله تبارك وتعالى جعلني
~~وإياهم حججا على عباده وجعل من صلب الحسين أئمة يقومون بأمري، ويحفظون
~~وصيتي التاسع منهم قائم أهل بيتي، ومهدي أمتي أشبه الناس بي في شمائله
~~وأقواله وأفعاله يظهر بعد غيبة طويلة، وحيرة مضلة فسيعلن أمر الله ويظهر
~~دين الله عز وجل يؤيد بنصر الله وينصر بملائكة الله ويملأ الأرض قسطا وعدلا
~~كما ملئت جورا وظلما) (1).
# وقال: حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل قال: حدثني محمد بن أبي عبد الله
~~قال: حدثنا موسى بن عمران النخعي عن عمه الحسين بن يزيد عن علي بن بي حمزة
~~الثمالي عن أبيه عن الصادق جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام)
~~قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (حدثني جبرئيل عن رب العزة
~~جل جلاله أنه قال: من علم أنه لا إله إلا أنا وحدي، وأن محمدا عبدي ورسولي،
~~وأن علي بن أبي طالب
# PageV00P677
# خليفتي، وأن الأئمة من ولده حججي أدخلته الجنة برحمتي وأنجيته من النار
~~بعفوي و - بحت له جواري، له كرامتي وأتممت عليه نعمتي، وجعلته من خاصتي
~~وخالصتي، إن ناداني لبيته وإن سألني أعطيته، وإن سكت ابتدأته، وإن أساء
~~رحمته، وإن فر مني دعوته وإن رجع إلى قبلته، وإن قرع بابي فتحته ومن لم
~~يشهد ألا إله إلا أنا وحدي ولم يشهد أن محمدا عبدي ورسولي أو شهد بذلك ولم
~~يشهد أن علي بن أبي طالب خليفتي أو شهد بذلك ولم يشهد أن الأئمة من ولده
~~حججي فقد حجد نعمتي وصغر عظمتي وكفر بآياتي وكتبت إن قصدني حجبته وإن سألني
~~حرمته وإن ناداني لم أسمع ندائه وإن دعاني لم استجب دعاءه وإن رجاني خيبته
~~وذلك جزاؤه مني وما أنا بظلام للعبيد) فقام جابر بن عبد الله الأنصاري فقال
~~يا رسول الله ومن الأئمة من ولد علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: (الحسن
~~والحسين سيدا شباب أهل الجنة ثم سيد العابدين في زمانه علي بن الحسين ثم
~~الباقر محمد بن ms519 علي وستدركه يا جابر فإذا أدركته فاقرأه مني السلام، ثم
~~الصادق جعفر بن محمد، ثم الكاظم موسى بن جعفر، ثم الرضا علي بن موسى، ثم
~~التقي محمد بن علي، ثم النقي علي بن محمد، ثم الزكي الحسن بن علي، ثم ابنه
~~القائم بالحق المهدي، إنه الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما،
~~هؤلاء يا جابر خلفائي وأوصيائي وأولادي وعترتي من أطاعهم فقد أطاعني ومن
~~عصاهم فقد عصاني ومن أنكرهم وأنكر واحدا منهم فقد أنكرني بهم يمسك الله عز
~~وجل السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه وبهم يحفظ الأرض أن تميد بأهلها).
# وقال: حدثنا علي بن أحمد (رضي الله عنه) قال: حدثنا محمد بن أبي عبد الله
~~الكوفي عن موسى بن عمران عن عمه الحسين بن يزيد عن الحسن بن علي بن أبي
~~حمزة عن أبيه عن يحيى بن القاسم عن الصادق جعفر بن محمد عن أبيه عن جده
~~قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله PageV00P678
# وسلم): (الأئمة بعدي اثنى عشر أولهم علي بن أبي طالب وآخرهم القائم
~~المهدي هم خلفائي وأوصيائي وأوليائي وحجج الله على أمتي، المقر بهم مؤمن
~~والمنكر لهم كافر) (1).
# وقال: حدثنا علي بن أحمد بن عبد الله بن أحمد بن أبي عبد الله البرقي عن
~~أبيه عن جده أحمد بن أبي عبد الله عن أبيه محمد بن خالد عن محمد بن داود عن
~~محمد بن الجارود العبدي عن اصبغ بن نباتة قال: خرج علينا أمير المؤمنين علي
~~بن أبي طالب ويده في يد ابنه الحسن وهو يقول: (خرج علينا رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) ذات يوم ويدي في يده هكذا وهو يقول: (خير الخلق بعدي
~~وسيدهم أخي هذا وهو إمام كل مسلم، ومولى كل مؤمن بعد وفاتي ألا وإني أقول
~~إن خير الخلق بعدي وسيدهم ابني هذا وهو إمام كل مؤمن، ومولى كل مسلم، بعد
~~وفاتي ألا وإنه سيظلم بعدي كما ظلمت بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~وخير الخلق وسيدهم ms520 بعد الحسن ابني أخوه الحسين المظلوم بعد أخيه المقتول في
~~أرض كربلاء، أما إنه وأصحابه من سادات الشهداء يوم القيامة ومن بعد الحسين
~~تسعة من صلبه خلفاء الله في أرضه وحججه على عباده، وأمناؤه على وحيه، وأئمة
~~المسلمين، وقادة المؤمنين، وسادة المتقين، وتاسعهم قائمهم الذي يملأ الله
~~به الأرض نورا بعد ظلمها وعدلا بعد جورها وعلما بعد جهلها، والذي بعث محمدا
~~أخي بالنبوة واختصني بالإمامة وقد نزل بذلك الوحي من السماء على لسان الروح
~~الأمين جبرئيل ولقد سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنا عنده عن
~~الأئمة بعده فقال للسائل: (والسماء ذات البروج إن عددهم بعدد البروج، ورب
~~الليالي والأيام والشهور، إن عدتهم بعدة الشهور) فقال السائل من هم يا رسول
~~الله فوضع رسول الله (صلى الله عليه
# PageV00P679
# وآله وسلم) يده على رأسي فقال: (أولهم هذا وآخرهم المهدي من والاهم فقد
~~والاني، ومن عاداهم فقد عاداني، ومن أحبهم فقد أحبني، ومن أبغضهم فقد
~~أبغضني، ومن أنكرهم فقد أنكرني، ومن عرفهم فقد عرفني، بهم يحفظ الله دينه،
~~وبهم تعمر بلاده، وبهم ترزق عباده، وبهم ينزل القطر من السماء، وبهم تخرج
~~بركات الأرض، هؤلاء أصفيائي وخلفائي وأئمة المسلمين وموالي المؤمنين) (1).
# وقال: حدثنا محمد بن علي ماجيلويه (رحمه الله) قال: حدثنا علي بن إبراهيم
~~عن أبيه عن علي بن معبد عن الحسين بن خالد عن علي بن موسى الرضا عن أبيه عن
~~آبائه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):
# (من أحب أن يستمسك بديني ويركب سفينة النجاة بعدي فليقتد بعلي بن أبي
~~طالب، وليعاد عدوه وليوال وليه، فإنه وصيي وخليفتي على أمتي في حياتي وبعد
~~وفاتي، وهو أمير كل مسلم وأمير كل مؤمن بعدي، قوله قولي وأمره أمري ونهيه
~~نهيي وتابعه تابعي وناصره ناصري وخاذله خاذلي) ثم قال (صلى الله عليه وآله
~~وسلم): (من فارق عليا بعدي لم يرني ولم أره يوم القيامة، ومن خالف عليا حرم
~~الله عليه الجنة وجعل مأواه النار، ومن خذل عليا خذله الله ms521 يوم يعرض عليه،
~~ومن نصر عليا نصره الله يوم يلقاه ولقنه حجته عند المنازلة) ثم قال (صلى
~~الله عليه وآله): (والحسن والحسين إماما أمتي بعد أبيهما، وسيدا شباب أهل
~~الجنة، وأمهما سيدة نساء العالمين، وأبوهما سيد الوصيين، ومن ولد الحسين
~~تسعة أئمة تاسعهم القائم من ولدي، طاعتهم طاعتي ومعصيتهم معصيتي، إلى الله
~~أشكو المنكرين لفضلهم والمضيعين لحقهم بعدي وكفى بالله وليا وناصرا لعترتي
~~وأئمة أمتي
# PageV00P680
# ومنتقما من الجاحدين لحقهم وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) (1).
# وقال: حدثنا أحمد بن زياد قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه عن
~~علي بن معبد عن الحسين بن خالد عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا عن أبيه عن
~~آبائه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
# (أنا سيد من خلق الله وأنا خير من جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وحملة العرش
~~وجميع ملائكة الله المقربين وأنبياء الله المرسلين، وأنا صاحب الشفاعة
~~والحوض الشريف، وأنا وعلي أبوا هذه الأمة من عرفنا فقد عرف الله عز وجل ومن
~~أنكرنا فقد أنكر الله عز وجل، ومن علي سبطا أمتي وسيدا شباب أهل الجنة
~~الحسن والحسين، ومن ولد الحسين (عليه السلام) تسعة طاعتهم طاعتي ومعصيتهم
~~معصيتي تاسعهم قائمهم ومهديهم) (2).
# وقال: حدثنا أبي (رضي الله عنه) قال: حدثنا سعد بن عبد الله قال:
# حدثنا يعقوب بن يزيد عن حماد بن عيسى عن عبد الله بن مسكان عن أبان بن
~~خلف عن سليم بن قيس الهلالي عن سلمان الفارسي (رضي الله عنه) قال: دخلت على
~~النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم وإذا الحسين بن علي على فخذه وهو يقبل
~~عينيه ويلثم فاه ويقول: (أنت سيد ابن سيد أنت إمام ابن إمام أخو إمام أبو
~~أئمة، أنت حجة ابن حجة أبو حجج تسعة من صلبك تاسعهم قائمهم) (3).
# ومثل هذه الأخبار من طرق أصحابنا ذكر جميعه يحتاج إلى كتاب مفرد أضعاف
~~كتابنا هذا، وكلها كما تصرح بإمامة أئمتنا الاثني عشر، وتنص على خلافتهم
~~وقصر الإمامة فيهم دون غيرهم، تنادي بعصمتهم ms522 عن الخطأ
# PageV00P681
# ولزومهم الحق حيث نطقت بأن طاعتهم طاعة الله وطاعة رسوله، والتمسك بهم
~~موجب للنجاة وكل ذلك دال على العصمة كما قررنا سابقا.
# وروى الصدوق أيضا من طريق الخصم ما يقارب هذا المعنى عن ابن مسعود وجابر
~~بن سمرة بطرق متعددة نحن نقتصر على ذكر بعض منها قال (رحمه الله) حدثنا
~~أحمد بن الحسن القطان قال: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن محمد بن إبراهيم بن
~~أبي الرجا (1) البغدادي قال: حدثنا محمد بن عبدوس الحراني قال: حدثنا عبد
~~الغفار بن الحكم قال: حدثنا منصور بن أبي الأسود عن مطرف عن الشعبي عن عمه
~~قيس بن عبيد قال: كنا جلوسا في حلقة فيها عبد الله بن مسعود فجاء أعرابي
~~فقال: أيكم عبد الله قال عبد الله بن مسعود: أنا عبد الله قال: هل حدثكم
~~نبيكم كم يكون بعده من خلفاء قال: نعم اثنى عشر عدة نقباء بني إسرائيل (2).
# قال: (رحمه الله) حدثنا أبو علي أحمد بن الحسن بن علي عبدويه قال:
# حدثنا أبو يزيد محمد بن يحيى بن خلف المروزي الرقي في شهر ربيع الأول سنة
~~الثانية والثلاثمائة قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي في سنة ثمان
~~وثلاثين ومائتين المعروف بإسحاق بن راهويه قال: حدثنا يحيى بن يحيى قال:
~~حدثنا هشام بن مجالد عن الشعبي عن مسروق قال: بينا نحن عند عبد الله بن
~~مسعود نعرض مصاحفنا عليه إذ يقول له شاب: هل عهد إليكم نبيكم كم يكون من
~~بعده خليفة قال: إنك لحدث السن وإن هذا ما سألني عنه أحد قبلك، نعم عهد
~~إلينا نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) إنه يكون من بعده اثنى عشر خليفة
~~بعدد نقباء بني إسرائيل (3).
# PageV00P682
# وقال: حدثنا أحمد بن الحسن القطان قال: حدثنا أبو علي محمد بن علي بن
~~إسماعيل السكري المروزي قال: حدثنا سهل بن عمار النيسابوري قال: حدثنا عمرو
~~بن رزين بن عبد الله قال: حدثنا سفيان عن سعيد بن عمر عن الشعبي عن جابر بن
~~سمرة قال: جئت مع أبي ms523 إلى المسجد ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يخطب
~~فسمعته يقول: (يكون من بعدي اثنى عشر) يعني أميرا ثم خفض من صوته فلم أدر
~~ما يقول فقلت لأبي ما قال: قال قال: (كلهم من قريش) (1).
# وقال (رحمه الله) حدثنا عبد الله بن محمد الصائغ قال: حدثني أبو الحسن
~~أحمد بن محمد بن يحيى القصراني قال: حدثني أبو علي بشر بن موسى بن صالح
~~قال: حدثنا أبو الوليد خلف بن الوليد البصري عن إسرائيل عن سماك قال: سمعت
~~جابر بن سمرة السوري يقول: سمعت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول:
~~(يقوم من بعدي اثنى عشر أميرا) ثم تكلم بكلمة لم أفهمها فسألت القوم قالوا:
~~قد قال: (كلهم من قريش) (2) نحمد الله الذي سدد مذهبنا وأفلج حجتنا وأرشدنا
~~إلى سبيل الهدى.
# وهذه خطبة أمير المؤمنين التي اشتملت على كثير من المطالب التي تكلمنا
~~فيها روى إبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال الثقفي في كتاب الغارات (3) عن
~~رجاله عن عبد الرحمن بن جندب عن أبيه قال خطب علي (عليه السلام) بعد فتح
# PageV00P683
# مصر وقتل محمد بن أبي بكر فقال: (أما بعد فإن الله بعث محمدا نذيرا
~~للعالمين وأمينا على التنزيل شهيدا على هذه الأمة وأنتم معاشر العرب يومئذ
~~على شر دين، وفي شر دار، منيخون على حجارة خشنة، وحيات صم، وشوك مبثوث في
~~البلاد، وتشربون الماء الخبيث، وتأكلون الطعام الخبيث، تسفكون دماءكم،
~~وتقتلون أولادكم، وتقطعون أرحامكم، وتأكلون أموالكم بينكم بالباطل، سبلكم
~~خائفة، والأصنام فيكم منصوبة، ولا يؤمن أكثركم بالله إلا وهم مشركون، فمن
~~الله عز وجل عليكم بمحمد فبعثه الله إليكم رسولا من أنفسكم بلسانكم فعلمكم
~~الكتاب والحكمة والفرائض والسنة، وأمركم بصلة أرحامكم، وحقن دمائكم، وصلاح
~~ذات البين، وأن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وأن توفوا بالعهد ولا تنقضوا
~~الأيمان بعد توكيدها، وأن تعاطفوا وتباروا وتباذلوا وتراحموا، ونهاكم عن
~~التناهب والتظالم والتحاسد والتباغي والتقاذف، وعن شرب الحرام، وبخس
~~المكيال، ونقص الميزان، وتقدم إليكم ألا تزنوا ولا تربوا ولا تأكلوا أموال
~~اليتامى ظلما ms524 ولا تعثوا في الأرض مفسدين ولا تعتدوا إن الله لا يحب
~~المعتدين، وكل خير يدني إلى الجنة ويباعد من النار أمركم به، وكل شر يدني
~~إلى النار ويباعد من الجنة نهاكم عنه، فلما استكمل مدته توفاه الله سعيدا
~~حميدا فيا لها مصيبة خصت الأقربين، وعمت المسلمين، ما أصيبوا قبلها بمثلها
~~ولن يعاينوا بعدها أختها، فلما مضى لسبيله تنازع المسلمون الأمر بعده،
~~فوالله ما كان يلقى في روعي (1) ولا يخطر ببالي أن العرب تعدل هذا الأمر
~~بعد محمد عن أهل بيته، ولا أنهم منحوه عني، فما راعني (2) إلا انثيال الناس
~~على أبي بكر وأجفالهم (3) ليبايعوه، فأمسكت يدي (4) ورأيت أني أحق بمقام
~~محمد (صلى الله
# PageV00P684
# عليه وآله وسلم) في الناس ممن تولى الأمر من بعده، فلبثت بذاك ما شاء
~~الله حتى رأيت راجعة من الناس رجعت عن الإسلام تدعوا إلى محق دين (1) الله،
~~وملة محمد (صلى الله عليه وآله) فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه
~~ثلما وهدما يكون المصاب بهما علي أعظم من فوت ولاية أموركم التي إنما هي
~~متاع أيام قلائل ثم تزول وما كان منها كما يزول السراب، وكما ينقشع السحاب،
~~فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فبايعته ونهضت في تلك الأحداث حتى زاغ الباطل
~~وزهق وكانت كلمة الله هي العليا ولو كره الكافرون (2) فتولى أبو بكر تلك
~~الأمور وسدد وقارب واقتصد، وصحبته مناصحا وأطعته فيما أطاع الله فيه جاهدا،
~~وما طمعت أن لو حدث به حدث وأنا حي أن يرد إلى الأمر الذي بايعته فيه طمع
~~مستيقن، ولا يئست منه يأس من لا يرجوه، ولولا خاصة ما كان بينه وبين عمر
~~لظننت أنه لا يدفعها عني، فلما احتضر بعث إلى عمر فولاه فسمعنا وأطعنا
~~وناصحنا، وتولى عمر الأمر فكان مرضي السيرة، ميمون النقيبة، حتى إذا احتضر
~~قلت في نفسي، لن يعدلها عني وليس بدافعها لغيري فجعلني
# PageV00P685
# سادس ستة فما كانوا لولاية واحد منهم أشد كراهية لولايتي عليهم، كانوا
~~يستمعون عند وفاة رسول الله (صلى الله عليه ms525 وآله وسلم) أحاج (1) أبا بكر
~~وأقول يا معشر قريش إنا أهل البيت أحق بهذا الأمر منكم أما كان فينا من
~~يقرأ القرآن ويعرف السنة ويدين يدين الحق فخشي القوم إن أنا وليت عليهم ألا
~~يكون لهم من نصيب ما بقوا فأجمعوا إجماعا واحدا فصرفوا الولاية إلى عثمان
~~وأخرجوني منها رجاء أن ينالوها ويتداولوها إذ يئسوا أن ينالوها من قبلي، ثم
~~قالوا هلم فبايع وإلا جاهدناك فبايعت مستكرها وصبرت محتسبا فقال قائلهم: يا
~~بن أبي طالب إنك على هذه الأمر لحريص فقلت: أنتم أحرص مني وأبعد أينا أحرص
~~أنا الذي طلبت تراثي وحقي الذي جعلني الله ورسوله (صلى الله عليه وآله)
~~أولى به أم أنتم حين تضربون وجهي دونه وتحولون بيني وبينه، فبهتوا والله لا
~~يهدي القوم الظالمين، اللهم إني أستعينك (2) على قريش فإنهم قطعوا رحمي
~~وأكفؤا إنائي (3) وصغروا منزلتي وأجمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به منهم
~~فسلبونيه ثم قالوا ألا إن في الحق أن تأخذه وفي الحق أن تمنعه فاصبر كمدا
~~أو مت أسفا (4) فنظرت فإذا ليس معي رافد ولا ذاب ولا ناصر ولا مساعد إلا
~~أهل بيتي فضننت بهم عن المنية، فأغضيت على القذى وتجرعت ريقي على الشجى،
~~وصبرت من كظم الغيظ على أمر من العلقم، وألم للقلب من حز الشفار، حتى إذا
~~نقمتم على عثمان أتيتموه فقتلتموه، ثم جئتموني لتبايعوني فأبيت عليكم
~~وأمسكت يدي فنازعتموني وبسطتم يدي فكففتها، ومددتموها فقبضتها وازدحمتم علي
~~حتى ظننت أن بعضكم قاتل بعض، أو إنكم قاتلي، فقلتم بايعنا لا نجد
# PageV00P686
# غيرك، ولا نرضى إلا بك بايعنا لا نفترق ولا نختلف فبايعتكم ودعوت الناس
~~إلى بيعتي، فمن بايع طوعا قبلته ومن أبى لم أكرهه وتركته، فبايعني فيمن
~~بايعني طلحة والزبير ولو أبيا ما أكرهتهما كما لم أكره غيرهما فما لبثا إلا
~~يسيرا حتى بلغني عنهما أنهما خرجا من مكة متوجهين إلى البصرة في جيش ما
~~منهم رجل إلا قد أعطاني الطاعة، وسمح لي بالبيعة، فقد ما على عاملي، وخزان
~~بيت مالي وعلى أهل ms526 مصري الذين كلهم على بيعتي وفي طاعتي فشتتوا كلمتهم
~~وأفسدوا جماعتهم، فقتلوا طائفة منهم غدرا وطائفة صبرا ومنهم طائفة غضبوا
~~لله فشهروا سيوفهم، وضربوا بها حتى لقوا الله عز وجل صادقين، والله لو لم
~~يصيبوا منهم إلا رجلا واحدا معتمدين لقتله لحل به قتل ذلك الجيش بأسره، فدع
~~ما أنهم قتلوا من المسلمين أكثر من العدة التي دخلوا بها عليهم وقد أدال
~~الله منهم فبعدا للقوم الظالمين، ثم إني نظرت في أمر أهل الشام فإذا اعراب
~~أحزاب وأهل طمع جفاة طغاة يجتمعون من كل أوب ممن كان ينبغي أن يؤدب وأن
~~يولي عليه، ويؤخذ علي يديه، ليسوا من المهاجرين ولا الأنصار ولا التابعين
~~بإحسان، فسرت إليهم فدعوتهم إلى الطاعة والجماعة فأبوا إلا شقاقا وفراقا،
~~ونهضوا في وجوه المسلمين ينظمونهم بالنبل، ويشجرونهم (1) بالرماح، فهناك
~~نهدت (2) إليهم بالمسلمين فقاتلتهم، فلما أعضهم السلاح ووجدوا ألم الجراح
~~رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها، فأنبئكم أنهم ليسوا بأهل دين ولا قرآن،
~~وأنهم رفعوها مكيدة وخديعة ووهنا وضعفا فامضوا على حقكم وقتالكم، فأبيتم
~~علي وقلتم: اقبل منهم فإن أجابوا إلى الكتاب جامعونا على ما نحن عليه من
~~الحق، وإن أبوا كان أعظم لحجتنا عليهم، فقبلت منهم، وكففت
# PageV00P687
# عنهم، فكان الصلح بينكم وبينهم على رجلين يحييان ما أحيى القرآن، ويميتان
~~ما أمات القرآن، فاختلف رأيهما، وتفرق حكمهما ونبذا ما في القرآن، وخالفا
~~ما في الكتاب، فجنبهما الله السداد ودلاهما في الضلالة، فانحرفت فرقة منا
~~فتركناهم ما تركونا حتى إذا عاثوا في الأرض يقتلون ويفسدون أتيناهم فقلنا
~~ادفعوا إلينا قتلة إخواننا ثم كتاب الله بيننا وبينكم، قالوا: كلنا قتلهم،
~~وكلنا استحل دماءهم وشدت علينا خيلهم ورجالهم وصرعهم الله مصارع الظالمين،
~~فلما كان ذلك من شأنهم أمرتكم أن تمضوا من فوركم ذلك إلى عدوكم فقلتم: كلت
~~سيوفنا، ونفذت نبالنا، ونصلت أسنة رماحنا، وعاد أكثرها قصدا (1) فارجع بنا
~~إلى مصرنا لنستعد بأحسن عدتنا فإذا رجعت زدت في مقاتلنا بعدد من هلك منا
~~وفارقنا فإن ذلك أقوى لنا على عدونا فأقبلت ms527 بكم حتى إذا أظللتم على الكوفة
~~أمرتكم أن تنزلوا بالنخيلة، وأن تلزموا معسكركم، وأن تضموا قواصيكم، وأن
~~توطنوا على الجهاد أنفسكم، ولا تكثروا زيارة أبنائكم ونسائكم، فإن أهل
~~الحرب لمصابروها، وأهل التشمير فيها الذين لا يتفادون من سهر ليلهم، ولا
~~ظمأ نهارهم، ولا خمص بطونهم، ولا نصب أبدانهم، فنزلت طائفة منكم معي معذرة،
~~ودخلت طائفة منكم المصر عاصية فلا من بقي منكم صبر، وثبت ولا من دخل المصر
~~عاد ورجع، فنظرت إلى معسكري وليس فيه خمسون رجلا فلما رأيت ما أتيتم دخلت
~~إليكم، فلما أقدر على أن تخرجوا إلى يومنا هذا فما تنظرون؟ أما ترون
~~أطرافكم قد انتقصت وإلى مصركم قد فتحت؟
# وإلى شيعتي بها قد قتلت؟ وإلى مسالحكم تعرى؟ وإلى بلادكم تغزى؟ وأنتم
~~ذووا عدد كثير وشوكة وبأس شديد، فما بالكم يا لله أنتم فمن أين تؤتون!
# وما لكم تؤفكون ولو إنكم عزمتم وأجمعتم لم تراموا، إلا أن القوم تراجعوا
# PageV00P688
# وتناشبوا وتناصحوا وأنتم قد ونيتم وتغاششتم وافترقتم ما أنتم عندي على
~~هذا بسعداء فانتهوا وأجمعوا على حقكم وتجردوا لحرب عدوكم قد بدت الرغوة عن
~~الصريح وبين الصبح لذي عينين إنما تقاتلون الطلقاء وأبناء الطلقاء، وأولي
~~الجفاء من أسلم كرها وكان لرسول الله أنف (1) الإسلام كله حربا، أعداء الله
~~والسنة والقرآن، وأهل البدع والأحداث، ومن كان بوائقه تتقى وكان على
~~الإسلام مخوفا أكلة الرشا، وعبدة الدنيا لقد أنهى إلي أن ابن النابغة لم
~~يبايع معاوية حتى أعطاه وشرط له أتية هي أعظم مما في يده من سلطانه، ألا
~~صفرت يد هذا البائع دينه بالدنيا، وخزيت أمانة هذا المشتري نصرة فاسق غادر
~~بأموال المسلمين، وإن فيهم من شرب فيكم الخمر وجلد الحد، يعرف بالفساد في
~~الدين، وبالفعل السئ، وإن فيهم من لم يسلم حتى رضخ له رضيخة (2) فهؤلاء
~~قادة القوم ومن تركت ذكر مساويه من قادتهم مثل من ذكرت منهم، بل هو شر ويود
~~هؤلاء الذين ذكرت لو ولوا عليكم فأظهروا فيكم الكفر والفساد والفجور
~~والتسلط بجبرية، واتبعوا الهوى وحكموا بغير ms528 الحق، ولأنتم على ما كان فيكم
~~من تواكل وتخاذل خير منهم وأهدى سبيلا، فيكم العلماء والفقهاء والنجباء
~~والحكماء، وحملة الكتاب، والمتهجدون بالأسحار، وعمار المساجد بتلاوة
~~القرآن، أفلا تسخطون وتهتمون أن ينازعكم [الولاية عليكم سفهاؤكم، والأشرار
~~الأرذال منكم فاسمعوا قولي، وأطيعوا] (3) أمري فوالله لأن أطعتموه لا
~~تغووا، وإن عصيتموه لا ترشدوا خذوا للحرب إهبتها وأعدوا عدتها، فقد شبت
~~نارها، وعلا سناؤها، وتجرد لكم فيها الفاسقون كي يعذبوا عباد الله، ويطفئوا
~~نور الله،
# PageV00P689
# إلا أنه ليس أولياء الشيطان من أهل الطمع والمكر والجفاء بأولي بالجد في
~~غيهم وضلالهم من أهل البر والزهادة والإخبات في حقهم وطاعة ربهم، والله لو
~~لقيتهم فردا وهم ملأ الأرض ما باليت، ولا استوحشت، وإني من ضلالتهم التي هم
~~فيها والهدى الذي نحن فيه لعلى ثقة وبينة ويقين وبصيرة وإني إلى لقاء ربي
~~لمشتاق، ولحسن ثوابه لمنتظر، ولكن أسفا يعتريني وحزنا أن يلي أمر هذه الأمة
~~سفهاؤها وفجارها فيتخذوا مال الله دولا وعبادة خولا، والفاسقين حزبا، وأيم
~~الله لولا ذلك لما أكثرت تأنيبكم (١)، وتحريضكم ولتركتكم إذ ونيتم ﴿٢) حتى ألقاهم بنفسي متى حم إلى
~~لقائهم، فوالله إني لعلى الحق، وإني للشهادة لمحب، فانفروا خفافا وثقالا
~~وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾
~~(3) ولا تثاقلوا إلى الأرض فتقروا (4) بالخسف (5) وتبوروا بالذل، ويكن
~~نصيبكم الأخسر أن أخا الحرب اليقظان، ومن ضعف اودي، ومن ترك الجهاد كان
~~كالمغبون المهين.
# اللهم اجمعنا وإياهم على الهدى وزهدنا وإياهم في الدنيا، واجعل الآخرة
~~خيرا لنا ولهم من الأولى.
# انتهت الخطبة الجليلة وأولها المشتمل على ذكر الثلاثة مصرح بنصب الله
~~ورسوله (صلى الله عليه وآله) أمير المؤمنين إماما وخليفة، وأن الخلافة
# PageV00P690
# ميراثه من النبي (صلى الله عليه وآله)، وهو قوله (عليه السلام) (أنا الذي
~~طلبت تراثي وحقي الذي جعلني الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) أولى
~~به) وهو نص مذهب أصحابنا الإمامية وابن أبي الحديد يروي هذه الخطبة ويصححها
~~ويعدل عما اشتملت عليه فلا ms529 يعمل به، ولا يلتفت إليه كما هي عادته فيما يدل
~~على مذهب الحق ويهدي إلى سبيله، من الإعراض عنه، وترك دليله، وصرح أنه لم
~~يبايع أبا بكر إلا لخوفه على الإسلام من ارتداد من ارتد من العرب لا لأنه
~~صحيح الإمامة وإلا لبايعه قبل ذلك، وصرح بأن السبب الذي دعا القوم إلى منعه
~~من الخلافة علمهم أنه إذا وليها لن ينالوها أبدا، وإذا كانت في غيره رجوا
~~تداولها بينهم، وصرح أيضا بأنه بايع عثمان مستكرها حين قال له القوم: بايع
~~وإلا جاهدناك ولم يجد عليهم ناصرا، وصرح أن أولئك الجماعة من الظلمة حيث
~~قال بعد ذكر حديثهم معه فبهتوا والله لا يهدي القوم الظالمين، وهم في الحكم
~~عند الخصوم سواء وكذا عندنا.
# وأما قوله في أبي بكر سدد وقارب واقتصد فنحن نقول بذلك فإن أبا بكر لم
~~يكن كثير الظلم للرعية ولسنا نقول إنه مثل عثمان في أحداثه ومعاوية في ظلم
~~الناس وإنما الداء الدوي فيه قعوده في منصب غيره بعلم منه وكذلك قوله (عليه
~~السلام) في عمر فكان مرضي السيرة ميمون النقيبة يريد أنه كان عند الناس
~~كذلك، وكان مراده من وصف الرجلين مقابلتهما بعثمان ليبين أن سيرتهما كانت
~~مرضية عند المخاطبين بخلاف عثمان فإنه كان غير مرضي السيرة وظهر منه ما
~~أوجب عند العامة قتله بما نقموه عليه من أفعاله مع ما في ذلك من التقية
~~واستصلاح العامة بمدح الرجلين وإبطال دعوى معاوية في زعمه الطلب بدم الثالث
~~لأن قتله إنما كان لما نقمه عليه الناس من مخالفة الشيخين في السيرة فليس
~~لمعاوية أن يطالب بدم رجل قتل بسبب أعدائه وهذا من أحسن الاستصلاح والطف
~~الاحتجاج. PageV00P691
# وأما قوله (عليه السلام) (والله لو لم يصيبوا منهم إلا رجلا واحدا
~~متعمدين لقتله لحل به قتل ذلك الجيش بأسره) فهو وإن كان في الظاهر مشكلا من
~~جهة جواز قتل الجماعة بالواحد من غير دية ما زاد عن واحد والمعروف في الحكم
~~أنه لو اشترك جماعة في قتل رجل كان لوليه أن ms530 يقتل واحدا من أولئك القوم
~~والباقون يدفعون إلى ورثته ما زاد من ديته على قدر ما عليه من دية المقتول
~~الأول أو يقتل القاتلين جميعا ويدفع إلى ورثة الجميع ما زاد عن دية الواحد
~~مقسطا عليهم لكنه في الحقيقة ظاهر ومطابق للشرع لأن مراده من التعمد
~~استحلال قتل المؤمن أو قتله لإيمانه ولا خلاف أن قاتل النفس على أحد هذين
~~الوجهين مستحق للخلود في النار لأنه يكون مرتدا فلا فرق حينئذ بين أن يكون
~~القاتل واحدا أو جماعة قلوا أو كثروا فهذا فقه كلامه (عليه السلام) وهو
~~الحق الذي لا مرية فيه وقوله (عليه السلام): (فما لكم تؤفكون) يعني تصرفون
~~عن الحق أو عن طاعة أمري، أو عن قتال عدوكم وحماية حوزتكم ونصر من كان على
~~ما أنتم عليه وحفظ البلاد التي في أيديكم لئلا يملكها عدوكم وهذا أنسب
~~بالسياق، والكلام تعجب من تقاعدهم عن الجهاد حتى طمع فيهم العدو وتجري على
~~أخذ أطرافهم وبلدانهم مع معرفتهم أنهم على الحق وأن عدوهم على الباطل وذلك
~~موضع العجب إذ يعجز أهل الحق عن القيام به والجهاد دونه ويقوم أهل الباطل
~~دون باطلهم يجالدون وقوله: (بدت الرغوة عن الصريح) مثل لزوال الشبهة
~~وانكشاف الحال عن فسق معاوية وتابعية ووجوب قتالهم لبغيهم وضلالهم وعدم
~~عملهم بالكتاب العزيز فلا حجة في ترك جهادهم والرغوة الزبد الذي يعلوا
~~اللبن ومثله قوله: (وبين الصبح لذي عينين) وهو كناية أيضا عن وضوح الأمر
~~وظهوره يقول بأن للبصير استحقاق معاوية وأصحابه القتل لنبذهم الحق
~~واقتحامهم في غمرة الباطل.
# وقوله (ع): (ألا صفرت يد هذا البائع دينه) صفرت كتعبت خلت من PageV00P692
# ثمن ما باعه وهو إشارة إلى قصة عمرو بن العاص ومعاوية حيث شرط عمرو على
~~معاوية لما دعاه إلى معونته على حرب أمير المؤمنين أن يعطيه مصر طعمة له
~~ولولده فتبا له كأنه يظن أن معاوية لا يزول ملكه ولا يتغير أمره، ولقد لبث
~~عمرو قليلا فهلك ولم يف له معاوية بجميع ما شرط له ولم يعط ولده ms531 مصر بعد
~~ارتحاله إلى الجحيم والعذاب الأليم، وهكذا حال القوم سجيتهم الغدر وشيمتهم
~~المكر وبضاعتهم التي يبثونها في الناس الكذب يخدعون به الطغام، ويجلبون به
~~اللئام كجلب الأغنام، فبعدا لهم كما بعدت ثمود.
# وقوله: (وخزيت أمانة هذا المشتري نصرة فاسق غادر بأموال المسلمين) خزيت
~~أي ذلت وهانت من باب تعب أيضا.
# قوله: (حتى رضخت له رضيخة) رضخت مبينا للمفعول من رضخ كنفع والرضيخة
~~فعيلة بفتح الفاء مال ليس بالكثير أي لم يسلم حتى جعلت له عطية يسيرة أسلم
~~لأجلها لا رغبة في الإسلام وهو معاوية وقادة القوم رؤسائهم الذين رضخت لهم
~~الرضائخ على الإسلام جماعة منهم أبو سفيان وابناه معاوية ويزيد، وحكيم بن
~~حزام بن خويلد، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام بن المغيرة، وحويطب بن عبد
~~العزي، وصفوان بن أمية وعمير بن وهب الحميان، وعينة بن حصن الفزاري والأقرع
~~بن حابس التميمي وعباس بن مرداس السلمي، وجماعة غيرهم أيضا وهم المؤلفة
~~قلوبهم الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن الكريم وذكرهم أهل السير.
# قوله: (تواكل وتخاذل) وهو اتكال القوم بعضهم على بعض وخذلان بعضهم بعضا
~~فتضيع بذلك أمورهم وتنتشر كلمتهم ويحصل فيهم الوهن والضعف عن مقاومة عدوهم،
~~ولم شعثهم وشعب صدعهم، والتهجد قراءة القرآن في جنح الليل في الصلوات،
~~والمنازعة كالمجاذبة وهي طلب كل واحد ما في يد آخر. PageV00P693
# وقوله: (فوالله لأن أطعتموه لا تغووا وإن عصيتموه لا ترشدوا) ضمير
~~المفعول في الفعلين يعود إلى قوله أمري وهو صريح في ملازمته الصواب في جميع
~~الأحوال ومصاحبته للرشد في جميع الأقوال، وإن من أطاع أمره هدى إلى الحق
~~ومن عصاه فارق الرشد، وهذه هي العصمة التي ندعيها له وللأئمة من ولده
~~وأقمنا عليها الشواهد الصحيحة وأثبتنا عليها الحجج القائمة ومثله قوله:
~~(فوالله إني لعلى الحق) والتأنيب التلويم على القعود عن الجهاد، والتحريض
~~دعاؤهم إلى الحرب وإغراؤهم بها، وونيتم من الونى أي ضعفتم وفترتم، والتثاقل
~~إلى الأرض كناية عن عدم النهوض إلى إصلاح أمرهم وجهاد عدوهم فتقروا بالخسف
~~أي بالهوان قال الشاعر. ms532
# ولا يقيم على ضيم يراد به * إلا الأذلان عير الحي والوتد هذا على الخسف
~~مربوط برمته * وذا يشج فلا يرثى له أحد وتبوءوا بالذل ترجعون ملابسين له،
~~واودي هلك أي من ضعف عن عدوه هلك لضعفه عن المدافعة والمغبون الخاسر،
~~والمهين الذليل المحتقر، والزهد ترك زهرة الدنيا وأدناه كما روي عن الصادق
~~(عليه السلام) (طلب الحلال) والزهد في الشئ الرغبة عنه، والميل إلى غيره،
~~وبقي في الخطبة أشياء قد نبهنا عليها فيما سبق من مباحث هذا الكتاب وإشارات
~~إلى أمور يطول شرحها وقد تكفلت ببيانها كتب السير والتواريخ فهي لا تخفى
~~على من له اطلاع بها وما رمنا إثباته هنا قد انتهى وبلغنا بحمد الله في
~~توضيحه إلى الغاية القصوى وفقنا الله للعمل بما يرضيه وعصمنا عن التهجم على
~~معاصيه وثبتنا على دينه القويم، وهدانا إلى صراطه المستقيم، ورزقنا صدق
~~النية وأعطانا خير الأمنية، وبصرنا سبيل الهدى ودلنا على سفينة النجاة التي
~~من ركبها نجى ومن تخلف عنها غرق وهوى، وختم لنا بالسعادة وأماتنا على الملة
~~وأحيانا حياة طيبة وجعلنا للصالحين رفيقا، ورفعنا عنده في الجنة درجة،
~~PageV00P694
# وأتانا من الخير نصيبا وقربنا إليه زلفى، ورزقنا شفاعة نبينا وسيدنا محمد
~~المصطفى وآله الكرام المشفعين في يوم الجزاء، وسقانا من حوضه بكأسه الأوفى
~~شربة لا ظمأ بعدها أبدا اللهم أجب دعوتنا، وانصر ملتنا وأفلج حجتنا وعجل
~~فرج ولينا وانصرنا به نصرا عزيزا، وافتح لنا به فتحا مبينا بحق نبيك وحبيبك
~~خاتم الأنبياء وآله النجباء، إنك على كل شئ قدير وبالإجابة جدير، وقد وقع
~~الفراغ من تأليف هذا الكتاب وجمعه وتحريره وزبره وتنميقه وسطره في اليوم
~~الحادي عشر من شهر ذي القعدة الحرام من سنة 1295 والحمد لله أولا وآخرا،
~~وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين إلى يوم الدين، ثم انتقل من السواد
~~إلى البياض بعد إمضاء العزيمة والانتهاض على يد مؤلفة الفقير إلى الله علي
~~بن عبد الله في اليوم 19 من شهر رجب الأصب سنة 1296 والحمد لله على نعمة ms533
~~الختام والفوز بالكمال والتمام كما تم تنقيحه وتصحيحه، وتخريج مصادره،
~~والتعليق عليه على يد العبد الفقير إلى الله الغني عبد الزهراء الحسيني
~~الخطيب في أيام آخرها أول شعبان سنة 1402 أثناء إقامتي في قرية الدراز في
~~البحرين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. PageV00P695
# بسم الله الرحمن الرحيم هذه الأبيات لخادم مصنف الكتاب في تاريخه ومدح
~~المصنف قلتها بعد نسخ الكتاب وأنا الأقل خادم المصنف وتلميذ المؤلف تراب
~~أقدام العلماء أحمد بن محمد بن سرحان البحراني (1).
# منار الهدى يهدي لمن هو يبصر * ويكمد أعداء إلى الحق ينكر عباراته در
~~تألق نورها * وألفاظه شهب لدى الدر تزهر معانيه أقمار تجاوب مثلها *
~~وأبوابه حاطت بها فهي تبهر أجل من الشافي (2) وإن كان سابقا * فكم حاز فضلا
~~لا حق متأخر مقدمة فيه حوت جل كنهه * وفصلان كالبدرين بل هما أنور به ذبلت
~~من دوحة الشرك أغصن * وحل بها جدب فها هي تحسر وقامت به للدين راية رفعة *
~~على شمس هذا الأفق تعلو وتفخر أقام لما قد كاد من دين أحمد * يمال ومن نص
~~الخلافة ينكر لقد أثبتت بالنص فيه إمامة * لخير الورى وهو الوصي المطهر
~~وعترته الهادين في كل ريبة * غيوث الورى شبه الأهلة نور
# PageV00P697
# فيا قد رعاك الله لست بماين * ولا مدع ما ليس فيك فافخر رضعت ثدي العلم
~~مذ كنت يافعا * وجاريت فيه أهله لست تقصر حوى صدرك الواعي العلوم بأسرها *
~~فها هي في الآفاق تنمو وتنشر فيا لك من صدر حوى كل حكمة * وأسرار علم الله
~~فيه تستر فعلمك مشهور وفضلك ظاهر * وجاهك أجلى من سنى البدر أنور وربيت في
~~حجر البلاغة لم تزل * تجاوب فيها أهلها ثم تقهر فها أنت بحر العلم في العصر
~~كله * فليس سواك اليوم بالفضل يذكر وردت حياض المجد عند صفائها * فأرويت
~~منها صافيا لا يكدر منار الهدى ألفته طالبا به * نجاة من الباري فهيهات
~~تخسر لقد قلت فيه مادحا ومؤرخا * منار الهدى يشفي الصدور ويبهر 1295.#
~~PageV00P698 ms534