######OpenITI# #META# URI: 1340FarahAntun.DinWaCilmWaMal.Hindawi70246068 #META# Tags: novels #META# ID: 70246068 #META# Title: الدِّينُ والعِلمُ والمال #META# AuthorID: 62629517 #META# Author: فرح أنطون #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # 1 - حليم‏ # 2 - الحب‏ # 3 - المدن الثلاث‏ # 4 - الحديقة‏ # 5 - تمهيد الجلسات الثلاث‏ # 6 - الجلسة الأولى‏ # 7 - الجلسة الثانية‏ # 8 - الجلسة الثالثة‏ # 9 - وضع الجنون موضع العقل‏ # 10 - تحالف الأرض والسماء‏ # الخاتمة‏ # 1 - حليم‏ # 2 - الحب‏ # 3 - المدن الثلاث‏ # 4 - الحديقة‏ # 5 - تمهيد الجلسات الثلاث‏ # 6 - الجلسة الأولى‏ # 7 - الجلسة الثانية‏ # 8 - الجلسة الثالثة‏ # 9 - وضع الجنون موضع العقل‏ # 10 - تحالف الأرض والسماء‏ # الخاتمة‏ # | الدين والعلم والمال # | الدين والعلم والمال # | المدن الثلاث # تأليف # فرح أنطون # | المقدمة # بقلم فرح أنطون # الإسكندرية في 1 يوليو (تموز) سنة 1903 # من الروايات ما ينشأ للتفكهة والتسلية، ومنها ما ينشأ للإفادة ونشر المبادئ والأفكار، ~~والذين أنشئوا رواياتهم للإفادة في الغرب معدودون في مقدمة مشاهير المؤلفين كتولستوي وزولا ~~وكيبلنغ وغيرهم، فإن كل واحد من هؤلاء الكتاب لا يرى في وضع الروايات حطة وضعة، بل يعتبر ~~الرواية منبرا ينشر منه آراءه وأفكاره بطريقة تبلغها إلى أذهان القراء بسهولة، ونحن في ~~الشرق محرومون هذه الطريقة لعدم رواجها لأسباب لا محل لذكرها هنا؛ ولذلك كانت الروايات ~~التي تنشر عندنا لا غرض منها غير التفكهة إلا بعضها. # ولما وصلنا في إبراز مواد «الجامعة» إلى المواضيع المهمة التي تكمل مباحثها السابقة خطر ~~لنا أن نهجر أسلوب المقالات المتقطعة والفصول المتفرقة إلى أسلوب الرواية؛ لأنه أجمع وأوعى، ~~فضلا عن كونه أشد تأثيرا وأحسن وقعا، فعزمنا بحوله تعالى على إبراز عدة روايات كل واحدة ~~منها تبتدئ وتنتهي في جزء واحد تسهيلا لمطالعتها واستيعابها لأن الانتظار يقطع الرغبة فيها، وسيكون اهتمامنا فيها بالمبادئ والأفكار مقدما على الاهتمام بالحوادث ~~والأخبار، ولكن هذا لا يمنع من التزام ما تقتضيه الروايات من الوصف وتصوير العواطف والحوادث تصويرا طبيعيا، ~~لأن فن الروايات فن بسيكولوجي جماله وتأثيره متوقفان على حسن سبكه ولطف أسلوبه ودرس ~~باطن الإنسان وأخلاقه وبيئته درسا دقيقا. # وهذا الكتاب «الدين والعلم والمال» هو الرواية الأولى من هذه الروايات، وموضوعه معروف من ~~عنوانه، وقد سميناه هنا (رواية) على سبيل التساهل لأنه عبارة عن بحث فلسفي اجتماعي في ms01 علائق ~~المال والعلم والدين، وهو ما يسمونه في أوروبا «بالمسألة الاجتماعية» وهي عندهم في المنزلة ~~الأولى من الأهمية لأن مدنيتهم متوقفة عليها . # وربما قيل: إن هذا الموضوع غير لاصق بنا كل اللصوق لأن «المسألة الاجتماعية» لا تزال ~~صغيرة عندنا، فالجواب أن هذه المسائل هي مدخل للمباحث التالية في الكتب التالية؛ ذلك لأن ~~المباحث الاجتماعية والفلسفية مرتبطة في الحقيقة بعضها ببعض، فلا يمكن تحقيق أحدها دون ~~الغوص إلى أعماقها لمعرفة أساسها، وقد أظهرنا الأساس في هذا الكتاب، فعسى أن ينال من رضى ~~ساداتنا القراء والكتاب ما ينشطنا في خدمتنا. # الفصل الأول # | حليم # والمدن الثلاث التي كان يحج إليها الناس # فقال له الشيخ: وهل تقيم عندنا طويلا يا بني. # فأجاب الشاب: نعم يا عم فإنني جئت من أقاصي البلاد لأشاهد المدن الثلاث التي سار بذكرها ~~الركبان، وربما استغرقت إقامتي عندكم شهرا على الأقل، لأنني سأزورها واحدة واحدة وأبحث في ~~شؤونها بحث مؤرخ دارس لا بحث متفرج. # فتنفس الشيخ الصعداء وقال: أف أف، كم يزور الناس هذه المدن الثلاث، فهم يظنونها ~~عجيبة من عجائب الدنيا مع أننا نحن لا نراها إلا مدنا كباقي المدن، انظر إليها، أي فرق ~~بينها وبين باقي المدن سوى قيامها في هذا السهل الفسيح بشكل مثلث. # فنظر الحاضرون إلى حيث أشار الشيخ فشاهدوا أمامهم سهلا فسيحا لا يعرف الطرف آخره، وكان ~~في هذا السهل ثلاثة بلدان جميلة البنيان محاطة من كل جهة بالحدائق والبساتين والحقول ~~الصفراء من منظر الزرع تتخللها المواشي المختلفة وهي ترعى بحراسة فتيان وفتيات كانوا جالسين ~~أفرادا وأزواجا وجماعات تحت الأشجار المثمرة أو في ظل بعض السياجات. # فقال الشاب بعد أن سرح طرفه في هذا المنظر البري، حقا إنه منظر بديع. # وكان المكان الذي يقيم فيه الشاب والشيخ مع بعض من الزائرين منزلا صغيرا في قرية صغيرة ~~قريبة من «المدن الثلاث» وكانت هذه القرية في أول السهل على مقربة من النهر الجميل الذي كان ~~ينساب في السهل انسياب الأفعى ليسقي زروعه وأشجاره، وقد سمى الناس هذه ms02 القرية «الدخول» أو ~~قرية الدخول لأنها المدخل إلى المدن الثلاث، إلى تلك البقعة التي كان يحسبها الناس جنة الله ~~في أرضه. # فبعد أن أمعن الشاب النظر قليلا في المدن الثلاث التفت إلى الشيخ وقال: هل تعرف يا عم ~~تاريخ تأسيس هذه المدن بالتدقيق. # فأجاب الشيخ: كل الناس هنا يعرفون هذا التاريخ يا بني لأنهم لا ينسون ذكر ذلك الرجل ~~الكريم والإنسان الذي لا مثيل له بين البشر، مؤسس هذه المدن ومنشئها، انظر إلى تلك الحديقة ~~البعيدة الكائنة في وسط المدن الثلاث، هذه حديقته وقد أقام له فيها أهل هذه المدن تمثالا ~~عظيما يحتفلون بتذكاره مرة في كل عام. # فقال الشاب: إنك تتكلم عن المرحوم الشيخ سليمان فاحك لي قصته وقصة تأسيس هذه المدن من ~~أولها. # فسعل الشيخ قليلا وأصلح جلوسه فوق الوسادة ثم أخذ يقول: منذ نحو مائة سنة يا بني كان ~~الشيخ سليمان فتى فقيرا يتيما يتجول في المدن يطلب عملا، فذاق في صباه كل أنواع العذاب ~~في هذه الحياة، ومما كان يزيد عذابه نفسه الحساسة الكبيرة، طبقا لما قيل: # وأتعس الناس حالا من تكون له # نفس الملوك وحالات المساكين # ولكن يظهر أن العناية الإلهية يا بني لا تخص بعض هذه النفوس بالشقاء والنقم والعذاب ~~إلا لمقاصد سامية، فإنه إذا كانت المصائب تسحق النفوس الصغيرة وتفل عزائمها فإنها تشدد ~~عزائم النفوس الكبيرة لأنها تعلمها بالاختبار ما لا تتعلمه بسواه، فهي كالعود الطيب الذي ~~لا تنتشر رائحته إلا متى مسته النار، أو كالزيت الذي لا يضيء إلا بالاحتراق، وهذا ما جرى ~~للشيخ سليمان، فإنه بعد أن ذاق من مصائب الحياة ما ذاق في إبان الفقر والضيق لم تسمح له ~~طبيعته الكريمة أن ينسى ذلك في أيام الثروة والرخاء. # إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا # من كان يألفهم في ~~المنزل الخشن # ولذلك كان همه أول ما أثرى وجمع مالا طائلا أن يقوم بمشروع كانت تحدثه نفسه به منذ ~~صباه. # فإنه في ذات يوم أعلن في البلاد كلها إعلانا غريبا ألصقه في ms03 الشوارع وفرقه في الناس ~~وبعثره في الطرق والأسواق، ومحصل هذا الإعلان أن كل فتى وكل فتاة يجولان في الشوارع بلا شغل ~~ولا رزق إذا قصداه فإنه يعطيهما شغلا ورزقا واسعا، فلم يمض على هذا الإعلان أسبوع واحد ~~حتى بلغ عدد الفتيان الذين قصدوه 3245 فتى وعدد الفتيات 3120، فاشترى الشيخ سليمان هذا ~~السهل الواسع الذي أمامنا ومساحته 5000 فدان، وأسكن أولئك الفتيان والفتيات فيه وأحضر لهم ~~زراعا وصناعا يدربونهم على الزراعة والصناعة، وأقام منهم حكومة لهم، وسن لهذه الحكومة ~~قوانين وجعل فيها قضاة وجندا ورئيسا أعلى، نعم إن ذلك كان مضحكا في بدء الأمر ولكنه لم ~~يلبث أن صار جديا مهما، فإن أولئك الفتيان والفتيات الفقراء الذين اجتمعوا من كل الجهات ~~انتقلوا بهذه المعاملة من حالة إلى حالة، فبعد أن كانوا مثلا يجمعون أعقاب السكائر من ~~الشوارع والأسواق ليبيعوها إلى تجار الدخان، أو يطوفون المدينة بالنهار بأثواب بالية قذرة ~~يستعطون قوتهم أو يطلبونه من فضلات المنازل في المزابل، وفي الليل ينامون أكداسا أكداسا ~~في زوايا الطرق على البلاط البارد حتى في أشد ليالي الشتاء بردا كأنهم حيوانات لا بشر - ~~صاروا يشتغلون بشرف واجتهاد في أماكن معدة لذلك ويلبسون من أجرة شغلهم ثيابا نظيفة ويتغذون ~~بأطعمة مغذية، ولم تعد ترى في عيونهم ذلك القلق الشديد الذي كان فيها حين كانوا في تيار ~~تلك المعيشة الهائلة التي لا يكون فيها الإنسان على ثقة حتى من بلغة يسد بها رمقه في ~~المساء أو في الصباح لتدوم له حياته، بل حل محل ذلك القلق طمأنينة تامة لثقة ذلك العامل ~~الصغير بأن حياته صارت مضمونة، ولذلك صار يبتسم للحياة ابتسام الراحة والارتياح بعد أن لم ~~يكن يبتسم من قبل إلا ابتسام عدم المبالاة بشيء حتى بالحياة، ومما زاده راحة وسعادة حكومته ~~نفسه بنفسه تحت مراقبة الشيخ سليمان وصيته، فإنه لم يمر على هؤلاء الأولاد نحو سنة من ~~الزمان حتى صاروا يشعرون بالتبعة التي عليهم ولذلك صاروا يراعون الحدود في سلوكهم، ومن هذا ~~اليوم يبدأ تاريخ نهوضهم ms04 من عثرتهم. # فقطع الشاب كلام الشيخ وقال: إذا أجداد سكان هذه المدن الثلاث كانوا من فضلات الأزقة ~~والشوارع. # فقال: نعم يا بني ولكن تذكر أن الورد لا ينبت إلا من الشوك والنرجس لا يخرج إلا من بصل، ~~على أننا نحن سكان هذه القرية كنا نود لو اقتصر سكان هذه المدن الثلاث على المعيشة التي ~~عاشها أجدادهم أولئك الفتيان العاملون؛ لأن في ذلك راحتنا من الاضطرابات والفتن التي قام ~~قائمها بين السكان في الأزمنة الأخيرة، فأولئك الفتيان كان لا هم لهم غير زراعة أرضهم ~~وإتقان مصنوعاتهم والمعيشة بسلام بعضهم مع بعض، أما أصحابنا هؤلاء فإن دأبهم النزاع ~~والخصام، فنعم الآباء ولكن بئس ما ولدوا. # فقال الشاب: وما سبب نزاعهم وخصامهم؟ # فقال الشيخ: أنت ترى يا بني أن هذه المدن ثلاث، فإحداها تدعى مدينة المال لأن أهلها ~~كلهم يشتغلون بجمع المال، والثانية تدعى «مدينة العلم» لأن أهلها كلهم يشتغلون بالعلم، ~~والثالثة تدعى «مدينة الدين» لأن أهلها كلهم منقطعون إلى الدين، وقد حدث هذا الانقسام على ~~ما ترى منذ زمن بعيد، فإن أولئك الفتيان والفتيات الذين أسسوا هذه الجمهورية الصغيرة بعد ~~اشتغالهم بزراعة الأرض وإتقان المصنوعات أصابوا نصيبا من الثروة والسعة، فلما تزاوجوا ~~وتكاثروا جاء أبناؤهم أرقى منهم وأكثر ميلا إلى الشؤون النفيسة، فعكف بعضهم على التجارة ~~وبعضهم على العلم وبعضهم على الأدب وبعضهم على الدين، كل بحسب استعداد نفسه وقابليتها، فلم ~~يمر زمن طويل حتى قام النزاع بينهم على ساق وقدم، فارتأى بعض منهم زيادة في توسيع المعيشة ~~على السكان أن ينشئوا بلدتين أخريين قريبتين من البلدة الأصلية، ثم رغبة في حصر النزاع في ~~مكان واحد أو منعا للنزاع قرروا أن تسكن كل طبقة في بلدة، فطبقة المال تسكن في البلدة ~~الشرقية وطبقة العلم في البلدة الغربية وطبقة الدين في البلدة الجنوبية، ولكن هذا التدبير ~~قد ذهب سدى بلا جدوى لأن النزاع ما زال قائما بينهم. # الفصل الثاني # | الحب # في قلب لم يعرف الحب # وكان الشاب الذي ألقى على عمه الشيخ تلك ms05 الأسئلة في نحو الثلاثين من العمر وقد جاء سائحا ~~لمشاهدة هذه المدن الثلاث التي سمع بها من بلده، وكان رجلا قد درس علوم المتقدمين ~~والمتأخرين ووقف على المبادئ القديمة والحديثة وصار يطلب ضالته بينها على غير فائدة، فلا ~~المدنيات القديمة كانت تعجبه لأن حقوق الضعفاء كانت مهضومة فيها وبناءها قائم على القوة ~~والعنف، ولا المدنيات الحديثة كانت ترضيه لأنها جعلت الحياة عراكا هائلا وجهادا عظيما ~~بين الناس، وكان وهو في المدرسة قد لمح في ذهنه عصرا يسميه مؤرخو اليونان العصر الذهبي، ~~ويسميه كتاب المسيحية عصر الفردوس الأرضي، فبقي منه في فكره أثر كان يحضر فيه كلما رأى زحام ~~الحياة وجهادها بين أفرادها، فلما سمع بهذه المدن الثلاث ومعيشة سكانها في وسط الطبيعة ~~معيشة خالية من أدران الاجتماع ورذائله خيل له أنها بداية العصر الذهبي الموعود به الإنسان ~~في الأرض # 1 # فقال في نفسه: فلنذهبن لمشاهدة تلك البقعة التي ابتدأ بها العصر الذهبي فإنه قد ~~آن للإنسانية في الأرض أن تصل إليه وتجد شيئا من الراحة بعد جهاد القرون الماضية. # لكن لما سمع الشاب ما حدثه به الشيخ عن نزاع تلك المدن الثلاث سقط أمله وخاب ظنه، على ~~أنه كان من الذين يستفيدون من كل شيء، فقال في نفسه: إنني مولع بدرس كل ما له علاقة بتنازع ~~المال والعلم والدين، فربما قدرت في هذه المرة على اكتشاف أسرار جديدة بهذا الشأن، بل ربما ~~كان تنازع هذه المدن الثلاث المنصوبة إحداهما تجاه الأخرى كمنجانيق للحرب مؤديا إلى حل ~~لهذه المشكلة القديمة. # وبينما كان الشاب يفكر في هذه الأمور إذ سأله الشيخ: متى تدخل إلى هذه المدن يا ولدي ~~حليم؟ فأجاب الشاب: سأدخلها غدا، فقال الشيخ: وهل تعرف فيها أحدا يا بني؟ فتنهد حليم ~~وأجاب مبتسما: كلا، فقال الشيخ: لقد رابني في جوابك شيئان: تنهدك وابتسامك، فأصدقني، فزاد ~~حليم في الابتسام وقال: وما يمنع من أن أصدقك لو كنت أعرف فيها أحدا. # إلا أن حليما لبث بعد هذا الجواب مبهوتا، وقد تنهد هذه ms06 المرة تنهدا لم يدع عمه الشيخ ~~يشعر به وشخصت عيناه حينئذ إلى المدينة الشرقية، مدينة المال، ثم انتقلت من مدينة المال إلى ~~حديقة واقعة تجاه القرية على شاطئ النهر عند مدخل السهل، ولما وقع نظره عليها أغمض عينيه ~~كما يغمضهما من لا يريد أن ينظر ما أمامه أو من يريد أن ينظر في داخله صورة نفيسة مخبوءة ~~فيها، وكان غرض حليم الأمرين معا. # وكان مع حليم رفيق أكبر منه سنا وأضخم منه جسما، فلما شاهد حركاته هذه ابتسم له، ~~فتوردت وجنتا حليم لهذا الابتسام لأنه فهم معناه، فخشي رفيقه أن يكون قد أساء إليه بهذه ~~الإشارة فمال نحو أذنه وهمس فيها قائلا على سبيل المداعبة: أما تظن أن العصر الذهبي قد ~~ابتدأ. # فازدادت حمرة حليم وأجاب صديقه ضاحكا: مهما كان في عبارتك من التهكم فإنها مقبولة لأنها ~~اختراع حليم. # فقال له صديقه على سبيل المداعبة أيضا: أنت أجمل يا صاح، ولكن لا تله نفسك الآن بهذا ~~الكلام عن الأمور المهمة، ثم أشار نحو الطريق. # فلفت حليم نظره إلى حيث أشار صديقه فتمشى قلبه في صدره لمنظر رآه بعيدا، ذلك أنه شاهد ~~خمسة جياد عليهن خمس فتيات يركضن عليهن خببا، فطار نظره في الحال إلى التي تلبس ثوبا ~~أبيض بينهن، فرآها تسير في الوسط وهي أخفهن حركة وجوادها أسرع خطى، فلبث شاخصا نحوها، ~~أما صديقه فتركه في مناجاته ولم يزعجه هذه المرة بالمزاح الثقيل لأنه كان يعلم أن النفوس ~~الحساسة المخلصة لا تطيق المزاح أحيانا في بعض الأشياء، ذلك أن المزاح سهم يخدش دائما ~~وإن كان خدشه خفيفا، والرجل الكريم يغار على ما هو نفيس عنده ومحبوب أن يخدش حتى بوردة، ~~ومن الغريب أن سؤالا واحدا كان في تلك البرهة يشغل فكر حليم وفكر صديقه معا، وهذا السؤال ~~هو: هل تلتفت الفتاة إلى النافذة أم لا، إلا أن حليما كان يشك في التفاتها، وأما صديقه ~~فإنه كان على يقين منه، ذلك لأنه رأى منها في البستان الذي شاهداها فيه مع رفيقاتها ms07 قبل ~~وصولهما إلى هذه القرية ما لم يره حليم منها، وكانت عالمة أنهما سينزلان في ذلك المنزل، ~~ولكن مع ذلك صدق ظن حليم وخاب ظنه هو، فمرت الفتاة مع رفيقاتها في الطريق البعيدة دون أن ~~تلتفت إلى النافذة. # كان حليم شابا كريما، وكان قد صرف عمره في مطالعة الكتب وانتقاد أحوال الاجتماع، ومن ~~سوء حظه لم تعرض في طريقه فتاة تريه خطأ ذلك الانتقاد، ولذلك كان حليم إلى تلك الساعة بلا ~~حب، ولكن لا يجب أن يستدل بهذا القول على أن قلبه كان جامدا كالحجارة ولذلك لم يتحرك قبل ~~الآن، كلا، إن قلب حليم كان بسلاسة الماء ولطف النسيم ولين الشمع، ولكنه لم يكن يجد في ~~طريقه من تقدر أن تؤثر عليه وتحرك هذا القلب، فهل الذنب ذنبه في هذا الأمر أم ذنب الناس، ~~وكيف تريدون من النار أن تشتعل إذا لم يكن هنالك حرارة للإشعال، أو من الحديد أن يجذب إذا ~~لم يكن هنالك مغناطيس للجذب، وقد كان يقال له أحيانا: كيف يمكن أن تحب وتتزوج إذا بقيت ~~بعيدا عن الناس كما أنت، هل الحب هواء يطير ويدخل في الأجسام ليأتيك وأنت بعيد عنه بين ~~المحابر والألوان والأقلام، كلا، إذا فعاشر وساير إن رمت أن تحب، أما هو فقد كان يجيبهم ~~باسما: إنني من الذين يقرأون الرسالة من العنوان ويعرفون الشجرة من الثمرة، فأنا في واد ~~ونساؤكم وبناتكم في واد، على أنني لست ألوم النساء إذا لم يفهمن أخلاقي وعواطفي ما دام ~~الرجال أنفسهم لا يفهمونها، فالانفراد عن هذه الهيئة الباطلة الكاذبة التي نعيش فيها غير ~~مبالين بها ولا بمسراتها ولا بآمالها - لأنها تختلف عن مسراتنا وآمالنا - خير من الانضمام ~~إليها وسريان عدواها إلينا. # ولذلك كان حليم يقابل السيدات بلا مبالاة ولا مجاملة كما يقابل الرجال، وبينما كنت ترى ~~جميع الشبان في الحفلة يطوفون بكراسيهم أجمل السيدات والبنات ويبذلون جهدهم في خدمتهن ~~كأنهم كلاب صيد لا شأن لهم في الجلسة إلا إحضار ما يطلبنه أو ندامى لا غرض لهم ms08 إلا بسطهن ~~وتسليتهن - كنت ترى حليما جالسا في زاوية يضحك من أولئك وهؤلاء، ويتسلى بمراقبة الحركات ~~الباردة والكلمات الشاردة والنظرات المجاهدة، وعند كل واحدة منها كان يضحك في نفسه ويقول: ~~ما أكذبك أيها الإنسان. # ولكن لما قدم حليم في هذه المرة إلى هذه القرية قاصدا السياحة في المدن الثلاث ووجد في ~~طريقه قبل الوصول إلى القرية تلك الفتاة بين رفيقاتها، تغير وجه المسألة في نظره، والغريب ~~أن هذا الوجه قد تغير بلا سبب مغير أي من غير أن يحادث حليم هذه الفتاة ويختبر أخلاقها ~~ليعرف ما وراء جمالها وهل هي أرقى من بنات بلده حقيقة لتستحق ميله وحبه، فهل ترى كان ذلك ~~التغيير من تأثير السفر على الأخلاق لأنه يهيئها لقبول كل تأثير يعرض لها لأنها تكون في ~~حاجة إليه في غربتها؟ أم ذلك لميل النفوس دائما إلى البعيد ونبذها القريب المألوف طبقا ~~لقول العامة: «الدير القريب لا يشفي»؟ أم ذلك لأن عواطفه المضغوطة في قلبه قد وجدت هذه ~~المرة منفذا ففاضت رغما عنها إذ طال بها عهد انتظار الحب وهو لا يأتي؟ أم ذلك لأن علم ~~حليم بأن تلك الفتاة من إحدى المدن الثلاث قد جعل لها في نفسه مكانا سنيا في الحال فنظر ~~إليها بعين الكمال بعد أن كان ينظر إلى بنات جنسها بعين النقص؟ أم ذلك لأن كهربائية حليم ~~وكهربائية الفتاة قد اتحدتا لأول نظرة؛ لأنهما خلقا ليتحدا معا طبقا لاعتقاد بعض ~~المتقدمين بأن الله يصنع النفوس أنصافا أنصافا وأن الحب هو عبارة عن وجود النفس نصفها ~~الثاني المكمل لها؟ # الفصل الثالث # | المدن الثلاث # مدينة المال، مدينة العلم، مدينة الدين # وفي صباح اليوم الثاني استعد حليم ورفيقه صادق للدخول إلى المدن الثلاث، فنهض حليم إلى ~~ثيابه يصلحها بتأنق خلافا للعادة، فنظر إليه صديقه وابتسم، فعبس حليم قليلا وقال له: يظهر ~~أن صحبتك ستكون ثقيلة قليلا بعد الآن، فأجابه رفيقه: قل ما تشاء في ذمي ولومي ودعني أرى ~~فيك ما لم أره قبل الآن، وهو اهتمامك بظاهرك، فقال ms09 حليم: وقد رام تغيير الحديث: بأي مدينة ~~نبتدئ؟ فابتسم رفيقه وأجاب: هل من حاجة للسؤال فإننا سنبدأ بمدينة المال، ففهم حليم حينئذ ~~أنه انتقل من الرمضاء إلى النار فأجابه ضاحكا ومتوردا خجلا: حقا إنك لا تستطيع ترك ~~المزاح. # وما طلعت الشمس في ذلك النهار تبعث إلى الخليقة حرارتها المحيية ونورها المنعش حتى خرج ~~حليم وصادق من القرية وقصدا المدن الثلاث، فوجدا في الطريق الزراع خارجين إلى حقولهم ~~وبساتينهم، والرعاة يسوقون مواشيهم إلى مراعيها الخصيبة وفي مقدمتها ومؤخرتها الكلاب ~~لحراستها وهم سائرون وراءها في أيديهم قصب رخيم الصوت ينفخون به نفخا يذكر السامع نفخ ~~مزمار الرعاة في جبال لبنان وأوديته أو غناء الرعاة في عصر الإله أبولون لما نزل إلى الأرض ~~وجعل نفسه راعيا وعلم الرعاة أناشيد الآلهة، ثم سارا بضع خطى فوجدا أعمى يستعطي جالسا ~~تحت سياج بستان على الطريق ووراء السياج في داخل البستان رجل في يده كيس كبير يملأه من ~~الثمار، والقلق باد على وجهه مما يدل على أنه يسرق تلك الأثمار، ثم بعد برهة شاهدا صيادا ~~يطارد الطيور ليصطادها رغبة في لحمها ويترك بعد ذلك صغارها تنتظرها في أعشاشها حتى تموت ~~بردا وجوعا، وبعيدا في رأس شجرة منفردة صبي لا يتجاوز عمره عشر سنوات ينصب قضبان دبق ~~للطيور ليمسكها بها، وقريبا من هذه الشجرة رجلان كل منهما آخذ بخناق رفيقه وهما يتشاتمان ~~ويتضاربان بحدة وجنون كأنهما كلبان يقتتلان على عظمة، وفي الجانب الآخر وراء جذع شجرة فتى ~~يرافق فتاة لا هي أخته ولا هي نسيبته. # فلما شاهد حليم هذه المشاهد قال في نفسه باسما: نحن في واد والعصر الذهبي في واد، فإن ~~هذه المصائب والقبائح تدل على أننا قرب مدن كالمدن المألوفة الاعتيادية. # وبعد المسير نحو ساعة وصل الصديقان إلى مدينة المال، فدخلا إليها بلهفة وشوق ليروا ~~داخلها. # وكانت هذه المدينة أكبر المدن الثلاث وأوسعها، وكانت ممتازة عن المدينتين الأخريين ~~بقصورها الشاهقة ودورها الباذخة وجنائنها المحيطة بمنازلها، فلما أخذ حليم ورفيقه يجولان في ~~أسواقها وشوارعها لم يكونا ms10 يسمعان إلا نداء الباعة وأصوات التجار ورنين المال يدفع أو ~~يقبض ودوي أصوات البضائع تحمل أو تنزل، ونظر حليم إلى أهلها نظر منتقد فرآهم بأجسام ~~سمينة وعيون هائمة لا تستقر في مكان لألفتها النشاط والحدة والتفتيش، وثياب نظيفة مرتبة ~~تدل على سعتهم، فخيل له أنه بين قوم سعداء بمالهم أقوياء بنشاطهم وجدهم، لكنه كان من ~~الذين لا يكتفون بظواهر الأشياء للحكم عليها حكما سديدا، فقال في نفسه سنرى النتيجة بعد ~~زيارة المدينتين الأخريين. # ومما لا يحتاج إلى بيان أن حليما كان يفتش بعينيه كثيرا عن فتاته لعله يلمحها في نافذة ~~مفتوحة أو شرفة أو حديقة، ولكن تعبه ذهب بلا جدوى، فإنه كان يرى في النوافذ والشرفات ~~والحدائق والطرق كثيرات من الحسان وكلهن كأنهن أقمار فوق أغصان بان، إلا أنه لم يقف على ~~أثر لحسنائه، فكان كلما رأى حسناء وظنها إياها ثم ظهرت له خيبة ظنه يردد قول ~~الشاعر: # أليس عجيبا أن نكون ببلدة # كلانا بها ثاو ولا نتكلم # وبعد أن جال حليم وصديقه في مدينة المال ساعتين خرجا منها إلى مدينة العلم، فمرا في ~~طريقهما إليها بالحديقة العظيمة الواقعة بين هذه المدن الثلاث وهي ملتقى أهلها ومجمعهم ~~ومتنزههم، فشاهد فيها حليم ورفيقه رهبانا وقسسا وشيوخا وأئمة ورجالا وشبانا يحملون ~~بأيديهم كتبا وصحفا وهم تارة يقرأون فيها وطورا يتأملون وآونة يتذاكرون، فقال حليم ~~لرفيقه هذه طلائع مدينتي العلم والدين، ثم مرا قاصدين مدينة العلم دون أن ينتبه إليهما ~~المقيمون في الحديقة. # ولما وصل حليم ورفيقه إلى مدينة العلم وجدا السكون والهدوء مخيمين عليها حتى إنك لتسمع ~~حين مرورك في الشوارع طنين الذباب في طيرانها، وكانت منازلها صغيرة حقيرة وشوارعها ضيقة، ~~فارتاحت نفس حليم لما وجده من الهدوء فيها وقال: أين نحن من جلبة تلك المدينة. غير أن ~~البياض إذا اشتد صار برصا، ولذلك لم يوغل حليم في المدينة حتى صار ذلك الهدوء التام ~~ثقيلا على نفسه، فإنه لم يكن يسمع حركة ولا يرى شخصا في الشارع ولا يلمح يدا ولا وجها ms11 ~~في النافذة، فكان كأنه في مقبرة أو مدينة أموات لا أحياء، إلا أنه كان أحيانا في مروره ~~ببعض المنازل يرى شابا مستلقيا على سريره وكتابه في يده، أو رجلا يروح ويجيء في غرفته ~~وهو يفكر ويتأمل كأنه متجرد عن هذا العالم، أو قارئا كتابه في يده ولكن فكره يسبح بعيدا ~~في الفضاء الأبدي. # ولو لم يكن حليم ممن ألف هذه الحالات وأحبها لداخلته خشية منها وعراه نفور عنها، لأن هذا ~~الهدوء هدوء الأموات، وذلك الانقباض البادي في وجوه النفر الذي رآه لمما يبعث في النفس ~~شعورا رهيبا لمعرفتها أن ما يقع في ذلك الحين في وسط ذلك الهدوء الشديد مع ذلك الانقباض ~~الأليم يجب أن يكون أمرا رهيبا خطيرا تقف عنده النفوس رهبة وإجلالا، والنفس غير مخطئة ~~في شعورها هذا لأن ذلك الأمر هو عبارة عن عراك ونضال بين الأرض والسماء، والمعلوم ~~والمجهول، والمادة والروح، والمحدود وما لا حد له، ذلك أن الإنسان الترابي القاصر الضعيف ~~يطلب الوصول بفكره إلى الذي لا يصل إليه فكر، والعقل المحدود يروم الاستيلاء على العقل الذي ~~لا حد له. # وبعد ساعتين خرج حليم ورفيقه من مدينة العلم وقصدا مدينة الدين، وكان حليم يمشي وفكره ~~مشغول للعواطف التي قامت في نفسه حين مروره في مدينة العلم، فهناك تجددت هواجسه كلها وبلغ ~~اضطرابه معظمه، هناك كان ينتظر أن يرى العلم ضاحكا باشا لأنه وجد ضالته فإذا به يراه كما ~~عهده منقبضا مظلما يطلب ويفتش عبثا، فانقبض صدر حليم ونسي في هذه الدقيقة حسناءه ~~نسيانا حقيقيا، ومن هنا تقدر أن تستدل على أخلاق هذا الشاب استدلالا مهما وتعرف السبب ~~الذي جاء من أجله إلى هذه البلاد، فإن الناس يضعون عادة حبهم فوق كل أمر، وقد وضعه الملوك ~~مرات كثيرة فوق تيجانهم وعروشهم، أما حليم فلم يكن يعرف أحب إليه من أن يعرف. # 1 # ولكن لم يلبث حليم أن دنا من مدينة الدين، وكان يسير إليها وهو مطرق مفكر بكل ما في فكره ~~من القوة، ولكنه ما قرب ms12 من باب المدينة حتى سمع أصواتا شقت الفضاء وأناسا بأنغام رخيمة ~~يصيحون من أعالي المآذن: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، فالتفت حليم بغتة وقال: هل ~~وصلنا؟ ثم سرح بصره في المدينة التي أمامه، وكان حينئذ دخول الظهر والمؤذنون يدعون في ~~المآذن إلى الصلاة، فلبث حليم يتأمل فيهم من بعيد بلذة لا توصف وهو يتبع كل حركة من ~~حركاتهم، وما كاد ينتصف الأذان حتى علت أصوات الأجراس أيضا من قبب الكنائس، فامتزجت أصوات ~~الأذان بأصوات الأجراس تذكر البشر في الأرض بالخالق جل جلاله وتنبههم إلى واجباتهم ~~وتنذرهم بأنهم ضيوف في هذا العالم، أما رفيق حليم فإنه ضحك وقال: في بلادنا تستمر الصلاة ~~إلى الساعة الحادية عشرة قبل الظهر في يوم الأحد أما في هذه البلاد فالظاهر أنها تستمر إلى ~~الظهر، غير أن حليما لم تكن نفسه مستعدة للضحك في تلك الساعة لأنها كانت تفكر في موضوع ~~أرفع وأسمى، فسرح نظره في مدينة الدين بين أصوات المؤذنين الشجية ونغمات الأجراس الرخيمة ~~التي تناجي السماء فراقه جمال هذه المدينة بجوامعها النحيفة الجميلة ومآذنها الأنيقة ~~وكنائسها وقبابها المبنية أجمل بناء، وصار يقول في نفسه: هذه مدينة السلام لكثيرين من ~~الناس، هنا مستقر السعادة والراحة لملايين من البشر، هنا وطن الإخاء والحب والحرية ~~والسواء، هنا مدفن أحقاد الإنسانية ومصائبها ومتاعبها وصغائرها لو كانت تعلم. # ولما دخل حليم إلى مدينة الدين استغرب ما رآه فيها من آثار الثروة والنعمة والغنى، فإن ~~جوامعها وكنائسها - وكلها كانت كنائس وجوامع - كانت مبنية بإتقان وزخرف يستوقف النظر، وكانت ~~شوارعها فسيحة فيها الناس يروحون ويجيئون إلى الجوامع والكنائس ومنها، وهم بين رجال ونساء ~~بأفخر زينة. # فبعد أن جال حليم ورفيقه ساعة في المدينة وشاهدا ما فيها قال لرفيقه: لقد شاهدت الآن ما ~~أردت مشاهدته من هذه المدن فهلم بنا الآن نذهب إلى الحديقة التي هي مجمع أهلها ومتنزههم ~~فقد بقي علينا الوقوف على دخائلها بعد أن وقفنا على ظواهرها. # فقال صديقه: ولكن الحديقة تكون خالية في وقت الظهر ms13 فأجل إلى المساء دخولنا إليها وهلم ~~بنا الآن إلى فندق لنتغدى ونستريح فقد تعبنا. # الفصل الرابع # | الحديقة # والظاهر أن حليما ورفيقه قد ناما قليلا في الفندق بعد الغداء ولذلك لم يخرجا منه إلا ~~بعد العصر، فأقبلا نحو الحديقة وكانت غاصة بالناس من كل الطبقات. # وكان في الحديقة ثلاث قاعات كبرى كل واحدة منها قائمة في أحد جوانب الحديقة، فكان كل فريق ~~من سكان مدينة العلم والدين والمال يجتمع في إحدى هذه القاعات للبحث في شؤونهم وأحوالهم، ~~فكانت قاعة أهل المال عبارة عن بورصة صغيرة وقاعة أهل العلم عبارة عن مكتبة كبيرة، وقاعة ~~أهل الدين نصفها مكتبة ونصفها مجتمع للحديث. # فلما دخل حليم ورفيقه إلى الحديقة شاهدا الناس منتشرين في أطرافها بين أشجارها الجميلة ~~وأزهارها العطرية، وأكثرهم يتحادثون ويتجادلون بحدة، غير أن دخول هذين الزائرين الغريبين ~~إلى الحديقة نبه المتنزهين فيها إليهما فصاروا يقلبون أنظارهم في هيئتهما وملابسهما، فقال ~~حليم حينئذ لرفيقه: إن القوم قد التفتوا إلينا فإذا سألك أحد عن اسمي فقل له: إنني أدعى ~~حليما وصناعتي التجارة وقد جئنا نستبضع من مدينة المال، وإياك أن تذكر لأحد اسمي فإنني ~~أكره الرسميات في سياحتي هذه. # وبينما كان حليم يوصي رفيقه بهذا الأمر على مقربة من قاعة أهل العلم كان ثلاثة شبان ~~وقوفا قرب هذه القاعة وهم يتفرسون بهما جيدا، ثم سمع أحدهم يقول: لا شك أنه هو لأنني ~~شاهدت صورته قبل اليوم في إحدى مجلاتنا، فقال الآخر: لا يبعد أن يكون هو بعينه فإن منظره ~~اللطيف الهادئ لا يكذب شهرته الواسعة. وحينئذ انفرد المتكلم الأول عن رفيقيه وسار نحو ~~حليم وصديقه بخطى واسعة وهو يبتسم. # فلما رآه حليم قادما بهذه الهيئة لم يشك في كونه قادما لمخاطبته فتشاغل عنه بمحادثة ~~رفيقه، أما الشاب القادم فإنه لما صار على مقربة منه مد يده إليه مسلما وقال باحترام ~~وبشاشة: أرجو أن تسمح لي بسؤال يا سيدي، هل تريد أن تشرفني بمعرفتك، فتلعثم حليم قليلا ~~لأنه كره الكذب ثم أجاب: نحن ضيوف يا ms14 سيدي في المدن الثلاث الجميلة وقد جئنا لمشاهدتها ~~والاستفادة من أهلها الكرام، فقال الشاب: نعم، لا ريب عندي في أنكم ضيوف، ولكني أول ما وقع ~~نظري على جنابك تذكرت أنني شاهدت هذا الوجه قبل الآن في إحدى مجلاتنا، ألست جنابك ~~الخواجا حليم المصور الطائر الصيت. # فلما رأى حليم أنهم عرفوه ضحك وأجاب: إن ذكاءكم في هذه البلاد غريب يا سيدي فإنكم تعرفون ~~الرجل من غير أن تعرفوه. # فلم يتمالك الشاب أن عاد وثبا إلى رفيقيه وأخبرهم أن ذلك الضيف هو المصور حليم نفسه، ~~فانتشر هذا الخبر بسرعة البرق في الحديقة كلها، فصار الناس يتداعون لمشاهدة الرسام الطائر ~~الصيت الذي بارى في هذا الفن أشهر الرسامين وطارت شهرته في جميع أقطار العالم، ولم تمض ~~دقيقتان حتى اجتمع كل من في الحديقة من أهل العلم والمال والدين حول حليم ورفيقه وصارت ~~الأعناق تتطاول إليهما من كل صوب، فازداد الورد في وجنتي حليم خجلا من ذلك لأنه كان كثير ~~التواضع قليل الجرأة على مقابلة آلهة الشهرة، ولكنه لم يكن ضعيفا إلى حد الجبن، ولذلك رفع ~~رأسه بعد ذلك الحياء بجرأة وبشاشة وحيا بهز رأسه باسما، وكان الجمع الذي حوله في حركة ~~في ذلك الحين ثم انفرد منهم خمسة بينهم رجال من أهل المال والعلم والدين وتقدموا نحوه، ~~فتبعهم باقي الجمع زاحفين نحو حليم كالجند وهم كالبناء المرصوص، فخطا حينئذ حليم نحوهم بخطى ~~واسعة وهز الأيدي التي كانت تمد إليه من كل جانب كأنها أغصان مشتبكة. # ومنذ هذا الحين فقد حليم نصف لذة السفر لأنه صار مقيدا بعد أن كان مطلقا يروح ويجيء ~~كما يشاء، إلا أن خسارته هذه لا تعادل الفائدة التي استفادها في ساعة واحدة بعد أن عرفه ~~أهل هذه البلاد، فإنه صار دفعة واحدة في وسطهم فأصبح قادرا على الوقوف على كل ما أراد ~~الوقوف عليه منهم. # وبعد أن جلس حليم واستراح برهة حدثهم في أثنائها عن سفره وما شاهده في المدن الثلاث هم ~~بالاستئذان فدنا منه الشاب الذي كان أول ms15 من عرفه وقال: لي على جميع أخواني حق التقدم لأنني ~~كنت أول من تشرف بمعرفتك، فأنا أرجو أن تتخذني صديقا ورفيقا لك في هذه الديار لأدلك في ~~سياحتك، فشكر له حليم لطفه وأدبه، ثم نهض يطلب الخروج من الحديقة وكل جوارحه تتمناه، فهمس ~~ذلك الشاب في أذنه قائلا: ألا تحضر الاجتماع الليلة في الحديقة، فقال حليم: وأي اجتماع؟ ~~فقال الشاب: إن الليالي الثلاث القادمة ليالي في غاية الأهمية، فإن السكان عزموا على ~~الاجتماع فيها ثلاث مرات لحل بعض المشاكل التي بينهم والتي هي سبب النزاع والخلاف بين ~~طبقاتهم، ولا ريب أن خراب مدننا الثلاث وعمرانها يتوقفان على نتيجة هذه الاجتماعات، ~~والليلة الأولى مخصوصة بالمال، والليلة الثانية بالعلم، والليلة الثالثة بالدين. فقال حليم: ~~سأحضر هذه الاجتماعات لا محالة، ثم ودع وخرج مع رفيقيه وهو يقول في نفسه: إنه قد جاء في ~~أحسن الأوقات وأهمها. # الفصل الخامس # | تمهيد الجلسات الثلاث # رجاء الشيخ الرئيس وشكاوى أهل العلم والدين والمال # وفي المساء برزت الحديقة بالأنوار الساطعة وأقبل الناس عليها من الجهات الثلاث وأكثرهم ~~سكوت كأنهم يفكرون في أمر عظيم، وكانت أشكال ملابسهم تدل على أنهم من طبقات مختلفة بين تجار ~~وعمال وأهل علم وأهل دين، وكان كل فريق مشغولا عن الفريق الآخر بمناجاة حزبه همسا ~~استعدادا للجدال العلني الشديد، وما دخلت الساعة التاسعة مساء حتى غصت الحديقة بالناس على ~~اتساعها وجلسوا ينتظرون، وكان حليم ورفيقه قد اختارا مقعدا في زاوية مظلمة قريبة من دكة ~~الرئيس فكانا يشاهدان الحاضرين دون أن يشاهدهما أحد. # وفي الساعة التاسعة والدقيقة الأولى جلس رئيس ذلك الاجتماع على كرسيه، وهو رئيس جمهورية ~~المدن الثلاث، وكان شيخا جليلا في نحو الثمانين من العمر وهو بقية الشيوخ الذين عاصروا ~~الشيخ سليمان مؤسس هذه المدن، فلما سكنت الضوضاء أخذ يقول: # أيها الأبناء الأعزاء: # قد عزمتم على عقد ثلاثة اجتماعات كبرى لتتباحثوا في مسائلكم المهمة والمشاكل التي ~~نغصت عيشكم وعطلت أشغالكم وقسمت قلوبكم وعيالكم، فيسرني أنا حاكمكم وأبوكم أن ~~تؤدي هذه الاجتماعات إلى قطع ms16 كل ما بينكم من أسباب النزاع والخلاف حرصا على ~~سعادتكم وعلى عمران مدننا الثلاث التي تعبنا في إنشائها وترقية شؤونها، إنما قبل ~~الشروع في المباحثة أتمنى من صميم قلبي أمرا، وهو أن يجتنب كل فريق منكم في أثناء ~~كلامه كل قول يسوء الآخر فإن الإنسان يستطيع أن يصرح بأدب ولطف بكل ما توجب عليه ~~مصلحته التصريح به، ولا يجدي العدوان والشدة نفعا، وإنني أسأل الله أن يوفق ~~أعمالكم ويسدد آراءكم وينير عقولكم. # فهنا حصلت ضجة بين بعض من أهل العلم، فانتصب رجل من فريق الدين وقال بصوت جهوري: ماذا؟ هل ~~صرتم تكرهون أن تسمعوا اسم الله أيضا، فصرخ خمسون عاملا من العملة كانوا جالسين قرب فريق ~~أهل العلم: كذاب كذاب. فانتصب حينئذ أحد هؤلاء وكان أقربهم إلى العملة وقال مخاطبا فريق ~~أهل الدين: لا تبدأوا بالعدوان إذا كنتم مخلصين في طلب المسالمة. فقال الشيخ الرئيس حينئذ: ~~لست أجهل سبب الضجة التي حصلت بين بعض من الأبناء، فإنهم لا يزالون يطلبون ترك المسائل ~~الدينية للجوامع والكنائس ولذلك لا يجيزون لحاكمهم أن يلفظ عبارة دينية في منصبه الرسمي، ~~وأنا على ثقة من أن ذلك لم يكن منهم عن إنكار للمسائل الدينية بل عن رغبة في الفصل بين ~~شؤون المذاهب المختلفة، ولكني أظن أنهم يجيزون لشيخ بسني صار قريبا من القبر أن يستسلم ~~لعواطفه أحيانا. # ثم قال الرئيس: أما الآن فإننا نسمع الشكاوى التي اجتمعنا للنظر فيها بصدق وحسن نية، ~~ولنعلمن قبل نوعها وتفصيلها. # فنهض حينئذ زعيم العملة وقال: إن شكوى العمال من طمع أرباب الأموال، فالعمال يتعبون ~~ويجنون وأرباب الأموال يتمتعون بتعبهم ويتلذذون، فمن العدل أن يشارك أولئك هؤلاء في كل ~~الأشياء. # فنهض النائب عن أرباب الأموال وقال: إن شكوى أرباب الأموال لم تكن من العملة أنفسهم فإننا ~~نحب عمالنا كما نحب أولادنا، كيف لا وهم رفقاؤنا وشركاؤنا في أعمالنا، وإنما شكوانا من ~~بعض الطامعين الذين يثيرون خواطرهم علينا ويحرضون طبقتهم على طبقتنا، فلتفصل الحكومة ~~العمال عن هؤلاء المحرضين فيستتب السلام بين ms17 الجميع. # فنهض رجل من فريق العلم وقال: إذا صح أنه متى رفعت يد الذين يسمونهم «محرضين» من بين ~~العمال وأصحاب الأموال فإن السلام يستتب في الحال فقد زال نصف شكوى أهل العلم، وإنما يبقى ~~عليهم في هذا الموضوع أن يبحثوا هل يرافق السلام الذي يحصل حينئذ هناء العمال وراحتهم ~~وسعادتهم أم يبقى سلامهم موتا أدبيا وماديا كسلام أهل القبور، وإننا معشر أهل العلم ~~نفتخر في هذا العصر بأننا حللنا في هذه المسألة محل أهل الأديان وصار همنا الأول التفكير ~~بإنهاض الشعوب وترقيتها بينما نرى أهل الأديان يسلمون الشعوب بأيديهم إلى الأطماع المختلفة، ~~فكان مثلهم مثل ملوك يخلعون أنفسهم بأنفسهم، ولذلك تراهم يكثرون من التزلف للأغنياء ~~وأرباب الأموال ويجارونهم في كل شيء حتى في ما يخالف مبادئهم الدينية وينقض أساسها ويلهون ~~الشعب في أثناء ذلك بالتدجيل عليه ليشغلوه بالأوهام والأحلام عن مصالحه الحقيقية، فغرض ~~العلم في هذا الزمان تفتيح عيني الشعب وترقية أحواله والضرب على أيدي المدجلين، وشكواه من ~~كل من يحاول منعه من الوصول إلى هذا الغرض الشريف. # فهمس حينئذ واحد من أهل العلم كان قريبا من الخطيب في أذن جاره قائلا: ليت أصحابنا ~~أنابوا عنهم خطيبا أكثر اعتدالا من هذا الخطيب فإن مقاما كهذا المقام لا يفيد فيه غير ~~التأني والاعتدال، أما رأيت السياسة التي اتخذها نائب أرباب الأموال. # وكان قد نهض نائب فريق الدين فقال: أما شكوانا نحن خدمة الله تعالى فمن أولئك الكفرة ~~الجاحدين الذين يبثون روح ضلالهم وكفرهم في النفوس، فإننا والحق يقال لولاهم لكنا كلنا في ~~ألف نعمة من الله تعالى، فإنهم بدأوا ضلالهم بيننا بتعليم أولادنا مبادئهم الطبيعية ~~الممقوتة والعياذ بالله، ثم تدرجوا منها إلى إنكار المذاهب المختلفة فالوحي وجحود الخالق ~~سبحانه وتعالى، فما دام هؤلاء المفسدون يفسدون عقول الناس فلا سلام ولا راحة عندنا. # فقال الشيخ الرئيس حينئذ: نعم هذه هي الشكاوى المختلفة التي مر علي عشرات السنوات ~~وأنا أسمعها، فأستحلفكم بكل ما هو عزيز مقدس لديكم، أستحلفكم بالشيخ الجليل المحسن إلى هذه ms18 ~~المدن والواقف الآن بيننا في وسط الحديقة على تمثاله الرخامي يسمع كلامنا وينظر إلينا، أن ~~تكسروا حدتكم قليلا وتتباحثوا في مشاكلكم بسلام وأدب، فإننا كلنا يا أبنائي إخوان، وكلنا ~~في هذه الأرض ضيوف وغرباء. # أجارتنا إنا غريبان ها هنا # وكل غريب للغريب قريب # وأنتم تعلمون أن الإنسان لا يعيش في الأرض عمرين وأن أيامه فيها معدودة، فلماذا لا يصرف ~~هذه الأيام بما يدعو إلى الراحة بدل أن يصرفها في خصام صبياني، هل أن حطام الدنيا وخيراتها ~~الزائلة ومسراتها الفانية تستحق هذا الاقتتال الشديد عليها، أما سمعتم ذلك القول البديع ~~المنسوب لحكيم عظيم: # 1 # أخي خل حيز ذي باطل # وكن للحقائق في حيز # فما الدار دار مقام لنا # وما المرء في الأرض بالمعجز # ينافس هذا لهذا على # أقل من الكلم الموجز # وهل نحن إلا خطوط وقع # ن على نقطة وقع مستوفز # محيط السماوات أولى بنا # فماذا التنافس في مركز # فتباحثوا الآن في مسائلكم واذكروا أن عمران مدننا وخرابها متوقفان على نتيجة بحثكم، ~~ولنبدأ أولا بمشكلة العمال وأرباب الأموال وإن كانت هذه المسائل كلها مرتبطة بعضها ~~ببعض. # الفصل السادس # | الجلسة الأولى # المال ومشاكله # فساد حينئذ في الحديقة سكوت تام لم يسمع في أثنائه سوى حفيف الأوراق وهمس بعض السيدات ~~اللواتي كن جالسات على مقعد في زاوية مقابلة للزاوية التي جلس فيها حليم ورفيقه، وكان حليم ~~قد بدأ يرمي ببصره إلى هؤلاء السيدات منذ لمح وجودهن هناك لعله يجد ضالته بينهن. # دعوى زعيم العمال # وبعد دقيقة تقدم زعيم من زعماء حزب العمال وقال مفتتحا البحث: # لقد أحسنتم في تخصيصكم الجلسة الأولى بمشاكل العمال وأصحاب الأعمال لأن هذه ~~أكبر المشاكل في الحقيقة، ومتى حللناها حللنا معها سواها، ولكن لا سبيل إلى ~~حلها إلا بطريقة واحدة، وهي إشراك العمال في ربح الأعمال؛ فإننا الآن نخدم ~~أصحاب الأعمال كما يخدم العبد سيده، وأسعدنا حظا وأعظمنا قدرا يتناول في ~~الشهر مائة فرنك، أي يأخذ في السنة أجرة لعمله 1200 فرنك، فإذا افترضنا أن ~~عددنا في العمل 30 ms19 عاملا كان مجموع ربحنا جميعا في العام 36 ألف فرنك، على ~~حين أن ذلك العمل يربح في كل عام مليون فرنك ربحا مجردا، وكل هذه القيمة تذهب ~~وتنصب في صندوق صاحب العمل مع أننا نحن السبب في ربحها، فأية عدالة عند الله ~~والناس تجيز هذا الأمر، وأي دين يرضى بأن يسعى مائة وواحد يأكل. # ولكن فلنترك مسألة الربح جانبا ولننظر إلى مسألة أخرى، وهي أن بين العمال ~~المستخدمين قوما لا يتناولون في اليوم أكثر من فرنك واحد أجرة لهم، فكيف يمكن ~~أن يكفيهم هذا الفرنك خصوصا إذا كان لهم أولاد عليهم القيام بأودهم، أليس ذلك ~~عبارة عن ضرب الشقاء والذلة عليهم مدى العمر. # ثم إن العامل قد يمرض وقد يعجز وقد يموت، فماذا يحل به وبعائلته إذا كان قد ~~صرف حياته كلها في خدمة صاحب العمل ولم يعد قادرا في مرضه وفي آخر عمره أن ~~يكسب رزقه بعرق جبينه، أيموت جوعا هو وعائلته، أم يدور في المدينة ~~يستعطي. # لذلك نطلب منكم نحن العمال باسم الإنسانية والإخاء البشري أن تنصفونا فإننا ~~نحن الأكثرية في البلاد، وبدوننا لا تقدرون أن تصنعوا شيئا، فنحن نحارب لرد ~~غارة العدو، ونحن نفلح الأرض لنخرج منها القوت والغذاء، ونحن نخدم في دوائر ~~الحكومة والمحال العمومية والخصوصية، ونحن ندير المصانع لصنع المصنوعات ونسج ~~الأنسجة، فحرام أن نصنع كل شيء وعلى ظهورنا تلقى كل الأحمال ثم تترك الحكومة ~~فريقا قليلا من أصحاب الأموال يحتكر منافع البلاد وفوائدها وخيراتها ويسخر ~~لنفسه الأمة كلها. # فصاح به حينئذ صائح من فريق المال: ولكن ماذا تريدون أن تصنع الحكومة، هل من حقها أن ~~تتداخل بينكم لتجبر أرباب الأعمال على زيادة أجوركم أو مقاسمتكم أرباحهم، ألا تعلمون أن ~~لأصحاب الأموال الحق المطلق في التصرف في أموالهم وأملاكهم كما يريدون، وأن الحكومة لا ~~يمكنها التعرض لحق الملكية لأنه من الحقوق الطبيعية التي لا تنقض. # فأجاب الخطيب زعيم العمال: هذه شنشنة عرفتها من أخزم، فكأنكم نسيتم أن هنالك مذهبين ~~متناقضين واحد معكم وواحد عليكم، ومما ms20 يحق لنا الفخر به نحن العمال الصغار أن مذهبنا في ~~هذه المعضلة موافق لمذهب جميع شارعي الأديان من موسى إلى يسوع إلى محمد، فإن هؤلاء ~~الكواكب الثلاثة الذين أناروا سماء الشرق والعالم قاطبة لو عادوا اليوم إلينا لكانوا من ~~حزبنا، ذلك لأنهم يعلمون أن كل هيئة اجتماعية تبنى على ظلم الفئة الكبرى وراحة الفئة ~~الصغرى هيئة فاسدة ستسقط لا محالة، فإذا كان في حزبكم فلاسفة كبار وعلماء أعلام ففي ~~حزبنا من هم فوق العلماء والفلاسفة، ثم هل تريدون منا فلاسفة فاسمعوا رأي الفيلسوف كارل ~~ماكس. # فضحك هنا بعض فريق المال وقال أحدهم: ما شاء الله، تستشهدون بأشد أنصاركم ~~غلوا. # فقال الزعيم: لا، بل نستشهد بفيلسوف من الفلاسفة رأيه يناقض رأيكم في الملكية، فإنكم ~~تقولون: إن أرباب الأموال مطلقو التصرف في معاملهم ومصانعهم ومتاجرهم، أما نحن فنقول ~~لكم مع هذا الفيلسوف: إنكم في خطأ عظيم، فإن معامل الأمة ومصانعها ومتاجرها وأراضيها هي ~~من مرافقها ومنافعها كالأنهر والأبحر والهواء، ولذلك لا يجوز أن تكون ملكا لفرد ~~أيا كان، بل هي ملك لجميع الأمة، فعلى الأمة إذا أن تتولى إدارتها بنفسها وتوزع ~~أرباحها بين أبنائها، أي أن الحكومة تجعل نفسها التاجر الكبير الوحيد الذي تنحصر في يده ~~تلك المتاجر والمصانع والمزارع وتستخدم فيها أفراد الأمة وتعطيهم أجرتهم من تلك البضائع ~~نفسها أي من عين المال، كلا بقدر حاجته وكفاءته، والعامل يستطيع أن يستبدل البضائع ~~التي تجتمع عنده بأي بضاعة احتاج إليها، هذا ما يراه بعضهم عدلا وإنصافا، ونحن لا ~~نطلب منكم كل هذا فإننا نترك لكم مصانعكم ومعاملكم ومتاجركم وأراضيكم، وإنما نطلب منكم ~~أن تعطوا نصف ربحها في كل عام للعمال والمستخدمين الذين تخدمونهم فيها وتبقوا النصف ~~الثاني لكم. # ولا تقولوا إننا قد طلبنا شيئا كثيرا فإننا لا نطلب إلا حقوقنا، لقد كرهت نفوسنا ~~الخدمة بالأجرة كالأجراء، لقد كرهنا هذه العبودية الجديدة التي اخترعها التمدن الجديد، ~~فإذا لم تنصفونا وتريحونا منها فاعلموا أننا نحذو حذو شمشون إذ نأخذ بأعمدة الهيئة ~~الاجتماعية ونشدها قائلين: ms21 «علينا وعلى الجميع يا رب»، فيسقط البناء علينا ~~وعليكم. # أيها الإخوة، إن نور الشمس ونسيم الصباح وحنان الأمهات ورغد العيش ومسرات الاجتماع ~~وراحة البال، كلها لم تخلق فقط لأرباب الأموال ، فإن الله العادل خلقها لجميع البشر على ~~السواء، ونحن معشر الفقراء المساكين من جملة البشر، فانظروا إلينا وارحمونا، صدقونا إن ~~لنا نفوسا كنفوسكم تتألم من المصائب والفقر والشقاء، وإن لنا أولادا كأولادكم ونساء ~~كنسائكم يجب علينا سد حاجاتهم، صدقونا إن الطبيعة - تلك الطبيعة القاسية الظالمة - لم ~~تخصنا بخواص الجماد، فإنها من - سوء حظنا - جعلت لنا معدا تتألم من الجوع، وقوى تخور ~~إذا لم تغذ، ونفسا تفضل الجحيم أحيانا على هذه الحياة، وهذا ما يدفعها مرارا إلى ~~أقصى حدود الوحشية: كالفوضوية وما أشبهها، ففي أيديكم الآن يا أبناء الوطن خراب بلادكم ~~أو عمرانها. # وما سكت زعيم العمال حتى قامت ضجة في صفوف أهل المال فصاح أحدهم: يتهددوننا بالفوضوية، ~~وصاح آخر: لا نخافهم فوراءنا جيش الحكومة، ولكن لم يلبث أن نهض زعيم أهل المال وأشار ~~إلى رفاقه بالسكوت ثم أخذ يقول: # دعوى أهل المال # أيها السادة: # مسألتنا مع عمالنا مسألة قديمة منذ وجود الإنسان في هذه الأرض، فمنذ وجد فيها رجل ~~نشيط قوي مدبر عامل ورجل ضعيف ساذج مهمل تسلط الأول على الثاني واستخدمه في ما فيه ~~مصلحتهما معا، وإن هذا الاتفاق بين القوي والضعيف - بين الرأس المدبر الآمر والجسد ~~المدار المأمور - بقي وثيقا وطيدا إلى ذلك اليوم الذي قام به الحسد والطمع يحرضان ~~الضعيف على القوي ويغريانه بأن يعطل أعماله إن لم يشاركه فيها، فالحسد والطمع سبب كل ~~هذا الخلاف. # ولقد كان العمال قبلا يشكون من أن أجورهم قليلة وشغلهم كثير، فإنهم كانوا يعملون من ~~شروق الشمس إلى ما بعد غروبها، وأسعدهم حظا كان يتناول فرنكين في النهار، فرأينا أن ~~نخفف عنهم فجعلنا أوقات عملهم 8 ساعات في النهار # 1 # وأبلغنا راتب الواحد منهم إلى مائة فرنك، ثم أنشأنا لهم منازل صحية رخيصة ~~الأجرة ليقيموا فيها، واعتنينا بنسائهم وأولادهم في أوقات ms22 الولادة والمرض، ولكن كل هذا ~~لم يقنعهم بل تدرجوا من طلب إلى طلب حتى وصلوا إلى طلب مشاركتنا في مصانعنا ومتاجرنا ~~ومزارعنا، فإذا أجبناهم اليوم إلى ذلك فإنهم لا يلبثون أن يطلبوا غدا طردنا منها ~~ليستولوا عليها من دوننا. # فاعلموا أيها السادة أنكم الآن بإزاء الطمع والحسد الاجتماعي لا بإزاء مظالم بشرية ~~كما يقولون، والويل لحكومتنا ولهيئتنا الاجتماعية إذا تركتموها تخضع للطمع والحسد، ولا ~~ريب عندنا أن حرصكم على مصلحة وطنكم المرتبطة بمصلحة أهل المال والأعمال أشد ارتباط ~~سيجعلكم تردون دعوى العمال لا محالة. # ذلك أنكم تذكرون ولا بد في هذا المقام أمورا عظيمة عليها تتوقف حياتنا وحياة بلادنا: # الأمر الأول: # منزلة أهل المال في الهيئة الاجتماعية، فإنكم تعلمون أيها السادة ~~أننا مصدر ثروة البلاد وحياتها، فبتدبيرنا وسعينا ننشئ المتاجر ~~الواسعة والمصانع العظيمة والمزارع الخصيبة، وندر على الأمة بها ~~أخلاف الثروة، ولو شئنا أن نحبس أموالنا ونقفل صناديقنا ونبطل سعينا ~~لماتت الأمة في سنة واحدة، والحكومة التي قراطيسها المالية في أيدينا ~~تعرف ذلك حق المعرفة، وإن قيل لكم: إن العملة وأهل العلم سبب هذه ~~الثروة فأجيبوهم: لماذا إذا لا يستغنون عنا ويتصرفون بهذه الثروة كما ~~يشاءون دون حاجة إلينا إذا كانوا صادقين، ولكنهم غير صادقين لأنهم ~~يبالغون في نسبة الفضل إليهم، فإنهم بينما يكون الواحد منهم غائصا في ~~أحلامه وأوهامه يكون فكر الواحد منا حائما حول متاجر الأرض ومصانعها ~~يفتش عن ثروة جديدة لبلاده، بينما يكون أحدهم منهمكا بكتابة مقالة على ~~مائدته (حبر على ورق) أو نظم شعر في غرقته (هباء في الهواء) فإن أحدنا ~~يسمع الأمة موسيقى أجمل من موسيقى الشعر ويريها جمالا أبهى من جمال ~~الأدب، أعني به جمال الذهب الذي ينساب من صناديقنا قناطير قناطير وينشر ~~الراحة والسعة والخيرات في طبقات الأمة كلها، فإذا كنتم أيها السادة في ~~غنى عن هذه القوة التي لا تعادلها في الوجود قوة فأخبرونا ذلك ولا ~~تخجلوا منا. # الأمر الثاني: # حفظ مركز الأمة الصناعي والتجاري والزراعي، فإنكم تعلمون أن ~~المزاحمات الصناعية والتجارية ms23 قائمة في الدنيا على ساق وقدم، والنصر ~~النصر في هذه المزاحمات لمن يصنع المصنوعات والبضائع بأرخص الأثمان، ~~فإذا حكمتم علينا بزيادة أجور العمال وتقليل مدة العمل أو إشراكهم فيه ~~كنتم كأنكم تحكمون بإقفال معاملنا ومتاجرنا لأننا بعد ذلك لا نستطيع ~~مزاحمة المعامل الأجنبية. # الأمر الثالث: # حفظ شرائعنا المقدسة حفظا مطلقا، فإن حق الملكية حق مقدس لا ~~يجوز للحكومة مسه، ونحن بموجب هذه الشرائع مطلقو التصرف في أملاكنا ~~ومزارعنا ومتاجرنا، فإذا رامت الحكومة الضغط على حرية الملك نقضت ~~الشريعة والنظام نقضا يخشى منه بعد ذلك على أساس هيئتنا ~~الاجتماعية. # الأمر الرابع: # إيقاف تيار الاشتراكية عند حده، فإن هذه الآفة الكبرى قد عظم خطبها ~~وجل أمرها، ولذلك طريقتان بسيطتان: (الأولى) امتناع الحكومة عن ~~المداخلة بين العمال وأصحاب الأعمال لأن ذلك ليس من وظيفتها، ~~(والثانية) إبطال الحكومة جمعيات العملة، أي عدم معرفتها إياها رسميا ~~ومنع مداخلتها بين العمال وأصحاب الأموال، فإن الشر كل الشر وارد من ~~هذه الجمعيات التي تحرض العملة وتغرر بهم بوعود باطلة، وهنا مهد ~~الاشتراكية، إذ متى فرقت الحكومة هذه الجمعيات استؤصلت جرثومة ~~الاشتراكية لسقوط نيرها عن أعناق العمال المساكين وصار أرباب الأعمال ~~يحلون مشاكلهم معهم بكل لطف وسلام. ~~(فقهقه هنا بعض في صفوف العمال وصاح أحدهم: هذا وعد الهرة للفأر أن لا تأكله) # فقال زعيم أهل المال من غير أن يجاوبه: # والأمر الخامس: # هدم التجارة والصناعة والزراعة متى صار صاحب العمل شريكا لعماله، ~~ذلك لأن هذه الفنون المتشعبة العظيمة تقتضي وحدة الإدارة وإطلاق ~~الإرادة، فمتى كان صاحب العمل مقيدا بآراء عماله فقد خرب العمل لا ~~محالة وخمدت نار النشاط والإقدام الشخصي على الأعمال؛ لأن الفرد لا ~~يعود يخاطر بماله ووقته وذكائه من أجل غيره. # والأمر السادس: # أن تذكروا أيها السادة أن حكومة بلاد كبلادنا لا يليق أن تبنى على ~~الأوهام والأحلام ويلقى زمامها إلى أصحاب التصورات والتخيلات، إن ~~المخلوقات كلها قد خلقها الله طبقات مختلفة، ففيها القوي والضعيف ~~والكبير والصغير والخامل والنبيه، وما الاشتراكية التي تحاول جعل جميع ~~الناس ms24 متساوين إلا وهم وخيال، فهي تطلب مثلا أن توزع ثروة الدنيا ~~وأراضيها على جميع البشر بالسواء حتى لا يكون فيهم فقير وغني بل يكونوا ~~كلهم في مرتبة واحدة، فهل سمعت خرافة كهذه الخرافة: وهب أننا وزعنا ~~أموال الدنيا وأراضيها بين الناس بالسواء فماذا تكون النتيجة؟ تكون ~~النتيجة أن الكسالى والجهلاء والضعفاء والخاملين والمسرفين ينفقون ~~أموالهم ويبيعون أراضيهم بعد مدة وجيزة، فيحصرها ويستولي عليها ~~المجتهدون والمقتصدون وأهل الذكاء والتدبير، وحينئذ تعود الحالة إلى ما ~~هي عليه اليوم ونرجع إلى ما نحن فيه، فهل تريدون ضعضعة أساس الهيئة ~~الاجتماعية من أجل تجربة كل التاريخ البشري في الأرض يشهد بفسادها، ~~كلا، لا تخالفوا نواميس الاجتماع والطبيعة نفسها، إن نواميس الطبيعة ~~الثابتة تثبت هذا الامتياز بين المخلوقات، ولذلك يأكل قوي الحيوانات ~~ضعيفها، أية قوة في العالم تقدر أن تساوي بين الذئب والحمل والهرة ~~والفأر والبازي والعصفور، أية قوة تقدر أن تنقض ناموس تنازع البقاء ~~وبقاء الأفضل في الأرض، إن هذا الناموس وحده كاف لنقض مذهب ~~الاشتراكية، ففي الحياة طبيعيا واجتماعيا وسياسيا القوي يقوم ~~والضعيف يسقط، وهذا سبب انقراض كثير من الأمم وقيام كثير من الشعوب، ~~فمن أراد جر القوي من طبقته وإنزاله ليساوي بينه وبين الضعيف كان كمن ~~يهدم قوة الهيئة الاجتماعية ويجعل جميع أفرادها ضعفاء خاملين بحجة ~~المساواة بينهم. # ولقد ختم نائب العمال كلامه بذكر كارل ماكس وبتهديده لنا، فنحن نشك في رضائكم عن ~~هذه المبادئ لأنكم تعلمون عقباها، إنكم لا تجهلون أن دعامة مذهب كارل ماكس اعتقاده بأن ~~الحكومات لا يمكن أن تهب الشعب والعمال من تلقاء نفسها حق الاستيلاء على مرافق الأمة ~~ومنافعها لأن رجال هذه الحكومات من أهل المال الذين هم في رأيه أعداء للعمال، ولذلك ~~يوجب على الشعب أن يغتنم إحدى الفرص ويهاجم الحكومة ويستولي عليها، وبعد ذلك يتصرف بها ~~طبقا لمصلحته من جعل المعامل والمتاجر والمصانع والمزارع ملكا للأمة نفسها وإعطاء ~~أصحابها تعويضا عنها، فإذا كانت هذه مبادئهم أيها السادة فما هذا التحكيم والرغبة في ~~المسالمة إلا رياء ms25 لا ينطلي محالة علينا. # فهم استحلفوكم أيها السادة باسم الإخاء الإنساني أن تجيبوهم إلى طلبهم أما نحن ~~فنستحلفكم باسم دستورنا وعمران بلادنا ومستقبل أمتنا وشرف صيت حكومتنا عند الأمم أن ~~تردوا هذا الطلب. # وما جلس زعيم أهل المال في مجلسه حتى اضطربت صفوف العمال وصفوف أهل العلم المجاورة ~~لها، ثم انفرد أحد رجال العلم وقام، فشخصت إليه جميع الأنظار وأشرقت وجوه العملة لأنه ~~كان معروفا عندهم، فابتدأ هذا الخطيب خطابه قائلا: # دعوى أهل العلم # أيها السادة: # كان في نيتي أن لا أتكلم اليوم بل غدا ولذلك سمعت كثيرا من الأقوال والمزاعم التي ~~تقتضي الرد دون أن تتحرك نفسي للرد عليها، غير أن كلمة واحدة لفظها خطيب إخواننا أهل ~~المال في آخر مقاله أثارت نفسي للكلام رغما عنها. # فهو أيها السادة استحلفكم في آخر خطابه «بمستقبل أمتنا» أن لا تجيبوا الشعب إلى ما ~~طلب من مشاركة أصحاب الأعمال في أعمالهم، فهذا الاستحلاف «بالمستقبل» أمر مدهش أيها ~~السادة في مسألة كهذه المسألة، المستقبل! بالله دعوا المستقبل لله، وهل تعتقدون حقيقة ~~أن الإنسانية ستكون في المستقبل على ما هي عليه اليوم من الشقاء، أتصدقون أن أكثرية ~~البشر سيبقون في المستقبل عبيدا وخداما للأقلية، أيدخل في تصديقكم أن الشعوب ستبقى ~~ضعيفة ضئيلة تحت نير الاجتماع، أقوياؤها يموتون ضنى وجهادا في هذه الحياة لأنهم لا ~~يكادون يقدرون على تحصيل رزقهم ورزق أولادهم، وضعفاؤها يموتون جوعا وبردا في الشوارع ~~والأسواق، وعاجزوها يعاملون معاملة الكلاب، بينما أفراد قليلون في المدينة يجمعون ~~قناطير الأموال. # إذا كنتم تعتقدون حقيقة بذلك فقد أنكرتم الله وجحدتم العدالة وقررتم الإباحة وبررتم ~~قول من يقول: بطون تدفع وأرض تبلع فلا نظام ولا ناموس. # فصاح حينئذ واحد من صفوف رجال الدين: هذا قول بارد، فإن الإنسان حر، وله أن يتصرف ~~بحريته كما يشاء، ولذلك كان مسئولا عن أعماله، وما الحيلة بسنة تنازع البقاء. # فاستشاط الخطيب حينئذ وصاح مخاطبا فريق الدين: لله ما أجهلكم. # فأجابه ذاك: لله ما أحمقكم. # فقال الخطيب: نعم نحن نحمق من ms26 جهلكم، ألا تعلمون أن سنة تنازع البقاء هذه سنة ~~وحشية تناقض كل سنة دينية، ألا تعلمون أن السنة الدينية ما وضعت إلا لمقاومتها، ألا ~~تعلمون أن رجال الدين إذا قالوا بها كانوا كأنهم ينتحرون وينحرون مبادئهم. # سنة تنازع البقاء معناها أن كل واحد من البشر يسعى لنفسه ويجاهد رفيقه ليستأثر ~~بالمنافع والخيرات دونه، وتكون خاتمة هذا الجهاد أن الأقوى يكون الفائز، والضعيف يغلب ~~ولا بأس أن يموت أيضا؛ لأن الهيئة الاجتماعية في غنى عنه، وبعض المتقدمين كانوا ~~يقتلون أطفالهم الضعفاء وفقا لناموس بقاء الأفضل، فهذه الحالة هي حالة الحيوانات ~~تماما أيها السادة، كذا تحيا وتعيش وتموت وتنمو أو تنقرض، فهل صار من فخرنا في تمدننا ~~هذا أن نقتدي بالحيوانات في معيشتها الدنيئة. # فمبدأ تنازع البقاء وبقاء الأفضل مبدأ فظيع وحشي يهدم كل ما بنته الأديان وكل ما ~~وضعه الفلاسفة وعلماء الآداب في الأرض، إذ ما الفائدة من مراعاة الآداب والفضائل ما ~~دامت الطبيعة تسن أن للقوي أن يتمتع بكل قواه، ولماذا توضع الحدود والشرائع لكف الناس ~~آذاهم بعضهم عن بعض ما دام القوي معذورا في اعتدائه لأنه يعمل وفقا للناموس الطبيعي، ~~ولماذا تكذب الأديان وتحثنا على الخير والبر والرفق والزهد والوئام والسلام ما دام كل ~~هذا مخالفا لناموس تنازع البقاء، والكلمة العليا هي لهذا الناموس دائما، أليس ذلك ~~بمثابة غش للضعفاء من أجل منفعة الأقوياء. # فرحماكم لا تخلطوا بين الحالة الطبيعية والحالة الاجتماعية، إن تنازع البقاء وبقاء ~~الأفضل أمران صحيحان في الحالة الطبيعية، وهنالك لا مرد لهذين الناموسين الهائلين، لذلك ~~يأكل القوي الضعيف ويسحق الكبير الصغير كما تصنع الحيوانات الوحشية، أما في الاجتماع ~~فإن الحالة تختلف كل الاختلاف، ذلك أن الحكومة قد أخذت على نفسها من حين عزم البشر على ~~الاجتماع والمعيشة معا في مدينة واحدة «أن ترفع ظلم القوي عن الضعيف وتمد الضعيف ~~بالقوة ليعيش بأمن وسلام»، وهذا ميثاق معقود بين الحكومة والناس، وبموجبه يعيش في المدن ~~جنبا إلى جنب الأقوياء والضعفاء، الأغنياء والفقراء، المرضى والأصحاء، فلزم عن ~~هذا ms27 إذا أن يكون للحكومة حق التداخل لرفع ظلم القوي عن عنق الضعيف كلما شكا الضعيف من ~~الظلم، أي أن وظيفة الحكومة الأصلية التي أعطت على نفسها بها عهدا إنما هي حماية ~~الضعفاء من الأقوياء، أي: مقاومة ناموس تنازع البقاء. # فعلى الحكومة إذا لا أن تنزل الأقوياء من طبقتهم لمساواتهم بالضعفاء بل أن ترفع ~~الضعفاء من طبقاتهم لمساواتهم بالأقوياء، وهذا أمر ممكن وذلك بالتعليم والتدريب ~~والمساعدة، ومتى حصل هذا وصار جميع أفراد الشعب أقوياء بتربيتهم العمومية سقطت حجة ~~الذين يقولون إن البشر نبيه وخامل، وإنه لا بد من تسلط الأول على الثاني كما قال ~~الخطيب. # هذا ما نسميه إصلاح ظلم الطبيعة، على أننا لو كنا حيوانات ضارية نعيش في واسع البر ~~لكان من المحتمل أن نترك الطبيعة تفعل فعلها الذي يحلو لها. # ولكنني أؤكد لكم أننا لو كنا نعيش في الطبيعة كالحيوانات لما عاش بيننا كثيرون مثل ~~نيوتن، فإن هذا النابغة كان ضعيفا في صباه إلى درجة الموت، ولم يعش إلا بعناية أمه ~~وعناية الله، ولو عاش بين الأسبرطيين مثلا لكانوا قتلوه لأنه ضعيف لا يجدي نفعا فذهب ~~ضحية ناموس بقاء الأفضل وتنازع البقاء، وأنتم تعلمون كيف قلب هذا الرجل العلم ~~باكتشافاته العظيمة، وذلك يثبت أن ناموس بقاء الأفضل وتنازع البقاء قد يكون ~~أحيانا ضد ناموس العمران. # 2 # بقي بعد هذا أن نسأل: ماذا يصنع الشعب بعد أن يقوى ويتعلم ويتدرب؟ هل يعود ~~للاستخدام كالرقيق أم يذهب ويستخدم هو نفسه بعضا من إخوانه بني الإنسان ويكون سيدا ~~عليهم فيعمل بذلك عملا كان هو نفسه يشكو منه؟ لا هذا ولا ذاك، بل على الحكومة حينئذ أن ~~تسلمه معامله ومصانعه ومتاجره ومزارعه، أي أن تشغله فيها تحت إدارتها هي ومراقبتها، ~~وتوزع أرباحها عليه، وفي شيخوخته تعين له راتبا صغيرا يكفيه حتى لا يموت جوعا: هذه ~~كل مطاليبهم أيها السادة، فإذا عرضنا هذه المطاليب على بدوي ساذج لم يدخل المدن قط ~~لاستغرب أن يوجد بين البشر قوم ينكرونها. # يقولون: إن حق الملكية لا ينقض، ms28 ولكن لماذا تنقضه الحكومة يوم تقرر نزع ملكية ~~الأراضي والأملاك التي تحتاج إليها في مقابلة تعويض تعطيه لأصحابها، فالمعامل والمصانع ~~والمتاجر والمزارع تنزع ملكيتها ويعطى أصحابها تعويضا عنها. # يقولون: إنه إذا قسمت الأموال والأملاك بين الناس على السواء فإنها تعود تجتمع في ~~أيدي المدبرين المقتصدين، نقول: ليس أحد يطلب قسمتها بالسواء فإن هذا وهم وافتراء ~~علينا وعلى العمال، وإنما نطلب وقف المصانع والمزارع والمتاجر والمعامل للأمة وقفا لا ~~يجوز بيعه وشراءه لأنه للجمهور، وليس يجوز للجمهور أن يتمتع بسوى ريعه، وتكون الحكومة ~~الوكيلة العظمى لهذا الوقف العظيم. # يقولون: إن ذلك يضعف الهيئة الاجتماعية لأنه يجعل الأقوياء ضعفاء، نقول: بل بالعكس ~~إنه يقوي الهيئة الاجتماعية لأنه يجعل الضعفاء أقوياء. # يقولون: إن ذلك يهدم التجارة والزراعة والصناعة من قلة الإقدام حينئذ عليها وتقييد ~~صاحب العمل بآراء عماله، نقول: إذا كيف تنجح المشروعات الكبرى التي تديرها الشركات ~~الكبرى، والحكومة أليست حاضرة للمساعدة، وهل نجحت الأعمال التجارية والصناعية والزراعية ~~من غير تنشيط الحكومات ومساعداتها. # يقولون: إن المتاجر تكسد لأنها لا تعود قادرة على مزاحمة البضائع الأجنبية الرخيصة، ~~نقول: إن بضائعنا ترخص أثمانها حينئذ بدل أن تغلو لأن الحكومة لا تطلب ربحا منها ~~تخزنه في صناديقها. # يقولون: إن ذلك يضر بالحالة الحاضرة، فنقول: ولكن هل تريدون أن نخون المستقبل ونؤخره ~~حفظا للحالة الحاضرة. # المستقبل، لقد عدنا للمستقبل، إننا نريد في المستقبل حياة أفضل من حياتنا الآن، فإن ~~أعصاب الإنسانية الآن كلها متوترة متهيجة، كل واحد لا يأتمن أخاه على أقل الأشياء، كل ~~واحد يحذر أخاه حذره من الذئاب الضارية، وما ذلك إلا لذلك المبدأ الملعون الذي انبث ~~في نفوسنا وهو مبدأ تنازع البقاء، مبدأ طلب الفائدة للذات بكل الطرق وإن أضر ذلك ~~بالغير ضررا عظيما، فنحن نريد بدل هذه الإنسانية المضطربة المتشنجة إنسانية هادئة ~~مطمئنة متمتعة بأمن وسلام بنعم الأرض والسماء، وهذا لا يتم مع النظام الحاضر والحالة ~~الحاضرة لأن الإنسان لا تهدأ نفسه ويسكن جأشه وتتلطف أخلاقه إلا إذا صار أمينا على ~~رزقه، ولا ms29 أمن على الرزق ما دام الأقوياء متروكين على الضعفاء يمتصون دماءهم والضعفاء ~~يزمجرون ويزبدون في سرهم حسدا وطلبا للنقمة. # ولقد سمعت الخطيب الثاني يتهكم على العلم وأهله ويقول: إن أهل المال هم المحسنون إلى ~~الهيئة الاجتماعية بقناطيرهم الذهبية، فهذه دعوى غريبة لأنني كنت أظن أن المال يسمم ~~الآن هيئتنا الاجتماعية تسميما. # وليس سبب هذا السم المال نفسه ولكن الطريقة التي يستعمل بها، فإن طلاب المال لا غرض ~~لهم في مصانعهم ومتاجرهم ومزارعهم سوى «ربح أكثر ما يمكن ربحه بكل الطرق» ولذلك نظلمهم ~~إذا أردنا وضع قواعد أدبية ورمنا منهم حفظها في معاملاتهم، إن طلب المال والأدب لا ~~يجتمعان، ولذلك قيل: «لا يعبد ربان: الله والمال»، وهذا بخلاف ما لو كانت تلك المصانع ~~والمزارع والمتاجر في أيدي الحكومة، فإنه لما كان أساس كل حكومة عادلة الفضيلة المطلقة، ~~وكان غرضها حماية الضعفاء لا جمع المال، فإنها تنبو بالطبع عن الروح التجاري الإفرادي ~~الذي يسمم الهيئة الاجتماعية اليوم ويبث فيها روح الفساد بدل روح الإصلاح والإحسان ~~الذي أشار الخطيب إليه. # وروح الفساد هذا ظاهر في كل مكان، فإن النفوس اليوم لم تعد تعرف نظاما غير الذهب، ~~ولا فضلا لغير الذهب، ولا قيمة لغير الذهب، انظروا إلى أعمالهم لا تجدوا لها غرضا غير ~~جمع الذهب والظمأ إلى الذهب، ولذلك صار كل شيء يشرى ويباع عندهم بالذهب، فالاستقامة ~~والأمانة: كلام فارغ لأن المقصود جمع الذهب. الآداب والفضائل: حلية العاجزين لأن الحلية ~~الحقيقة حلية الذهب، الضمير والذمة والشرف والمبادئ الأزلية والرفق بالناس ومحبة ~~القريب وصنع الخير والله: دعنا منها كلها فما هي إلا حبائل نصبها الساسة والشارعون ~~لإخضاع الشعوب، والحقيقة أن كل شيء دون الذهب. فما هذه الحالة الهائلة التي ترتعد منها ~~فرائص الإنسانية أيها السادة، هذه هي جهنم الحقيقية، هذه هي الهاوية السافلة التي يلقون ~~فيها كل ما هو محبوب وكل ما هو مقدس وكل ما هو جميل وكل ما هو عزيز عندنا، وهم يسمون ~~هذا الأمر سعة وثروة وخيرات ونعما، وأما أنا فأسميها فظاعة ms30 وجنونا وهوسا وشراهة ~~ونهما وقبضا على الهواء. # وقد قلت «قبضا على الهواء»؛ لأن طالب الذهب يرى وهو على فراش الموت في يومه الأخير ~~في ساعته الأخيرة أنه سعى وتعب وجد عبثا؛ إذ ماذا عمل؟ وأي فائدة له مما جناه؟ هل ~~كان يأكل كل يوم ألف كبش كما تهكم عليه اليازجي، أم كان يكتفي بكسرة من الخبز وقطعة من ~~اللحم كما كان يأكل جاره الفقير، وما يعمل أولاده بتلك القناطير المقنطرة التي تركها ~~لهم، هل ترى جمعها قطعة قطعة من كل طريق وبكل الوسائط ومن كل الجيوب لكي يرى عدم ~~فائدتها في ساعته الأخيرة وعجزه عن أخذ شيء منها معه، وحينئذ يتمثل له الأشخاص الذين ~~امتصها منهم في حياته، والدموع التي جرت من بعضهم، والغضب الذي ثار في بعضهم، والعرق ~~الذي انصب من بعضهم في سبيل خدمته، فيرى أن حياته كانت حملا ثقيلا على البشر، وفي هذه ~~اللحظة الأخيرة يفهم معنى قول المالي المشهور كارنجي غريبة الغرب: «سيأتي يوم يكون فيه ~~كل غني يموت دون أن يفرق أمواله موصوما عند الناس بوصمة العار»، فيغطي حينئذ عينيه ~~بيديه ويقول: لم يبق لي غير رحمة الله، ولكن الله لا يرحمه إلا إذا كان يهب في تلك ~~اللحظة نصف ماله للفقراء والمساكين: أي أن يعيد نصف ماله للأمة التي أخذه منها. وعلى ~~خلاف ذلك من لا يجعل غرضه في حياته مقصورا على جمع المال، بل يطلب غرضا أشرف ~~موافقا لمصلحته ومصلحة الهيئة التي يعيش فيها معا. # وهذا الغرض الأشرف هو حفظ النظام في الأرض والمساعدة على حفظه، فإن البشر لا يمكن أن ~~يعيشوا براحة في الأرض من غير شرائع تحكمهم، وهذه الشرائع منها سياسي وديني واجتماعي ~~وأدبي، ومجموعها نسميه «النظام» أي الشريعة المطلقة التي تدخل فيها كل الشرائع، وحفظ ~~النظام أول ما يجب على الإنسان الذي يستحق أن يسمى إنسانا، وكل من يخرق هذا النظام ~~يخرج عن حدود الإنسانية، ولكن كيف يخرق هذا النظام؟ يخرق بطرق عديدة، فالصانع الذي ~~يغش صناعته والزارع الذي يغش ms31 زراعته والتاجر الذي يغش تجارته إنما يخرقون ذلك النظام ~~لأنهم يخدعون إخوانهم بني البشر ليربحوا منهم أكثر مما اعتادوا ربحه، وصاحب العمل الذي ~~يستخدم العمال في عمله بأجرة قليلة بالنسبة إلى ربحه، وصاحب الأموال الذي يضايق ~~مديونيه، والسيد الذي يسيء في معاملة مسوده لأنه لا يعظمه بقدر ما يريد أن يعظم، كل ~~هؤلاء أيضا يخرقون حرمة النظام الاجتماعي لأن الرفق والرأفة أساس هذا النظام، فأنتم ~~ترون أن «حفظ النظام» و«جمع المال» نقيضان لا يجتمعان وضدان لا يأتلفان، فأين ما قاله ~~الخطيب من أن الهيئة الاجتماعية لا تستغني عن أهل المال. # كلا ثم كلا، إن الهيئة الاجتماعية تحتاج إلى المال لا إلى أهل المال، والمال متى عاد ~~إلى صندوقه الحقيقي انحصر في يد الحكومة، أما الذين لا يمكن للهيئة الاجتماعية أن ~~تستغني عنهم فهم أهل العلم، هم حفظة هذا النظام الذين نشير إليه، هم الذين يطرحون ~~أنفسهم بين الإنسانية المقتتلة على حطام الدنيا وخزعبلاتها ليسمعوها كلمة المحبة والرفق ~~والألفة، ويذكروها بزوال هذه الأباطيل، هم الذين يولدون فقراء ويعيشون فقراء مفتخرين ~~بفقرهم لأن قناطير الأموال التي تجمع في الصناديق إنما تجمع من دماء بني جنسهم، إما ~~من التسفل لأقويائهم أو الضغط على ضعفائهم، هم الذين تراهم مع فقرهم هذا مكتفين قنوعين ~~يستنشقون براحة وهناء هواء جوهم النقي من جراثيم الرذائل والفظائع التي تسمم جو غيرهم، ~~هم الذين يطبقون أعمالهم على أقوالهم فلا يظلمون ولا يخدعون ولا يتسفلون، فكأنهم ~~أعمدة شامخة نصبها الله بيده الأزلية في هذه الأرض ونقش عليها فضائل أديانه بكتابات ~~جديدة وطرق جديدة بعد أن فسدت الأعمدة الأولى التي نقشها عليها أولا بفساد قلوب الرجال ~~الذين كانوا يحرسونها. # هذا ما يقال في العلم حافظ «النظام المطلق» في الأرض، بقطع النظر عما كان له من ~~الفوائد العلمية كالاكتشافات والاختراعات التي أحيت التجارة والصناعة والزراعة ولولاه ~~لما كانت الآن على جزء من تقدمها الحاضر. # فمن الغريب أن يهاجمنا أهل المال وينكروا فضل العلم ونعمته بعد كل ما صنعه العلم ~~للهيئة الاجتماعية. # أما ms32 حكمكم في مشاكلنا هذه أيها السادة فليكن كما تشاءون ولكن علينا أن نذكركم بأن ~~الدنيا كلها تنتظر حكمكم بشوق شديد لترى إلى أي درجة وصل العدل في الكرة ~~الأرضية. # ولما جلس الخطيب تزحزح الشيخ الرئيس ونظر في ساعته ثم قال بصوت جهوري: إنني مسرور ~~لأننا سمعنا أقوال الخطباء الثلاثة بكل هدوء وسكينة، فهل ترون أن نتباحث الآن ~~فيها. # فنهض واحد من فريق رجال الدين وقال: بل أرجو أن نترك البحث في كل المشاكل إلى ما عبد ~~سماع أقوال باقي الخطباء. # فهز بعض من فريق العلم رؤوسهم لأنهم علموا أن هذه حيلة عليهم، وقال الشيخ الرئيس: ~~إذا نعقد غدا الجلسة الثانية. # الفصل السابع # | الجلسة الثانية # العلم ومشاكله # وفي الليلة التالية ازدحمت الحديقة بالأقدام ازدحاما شديدا، ذلك أن الخطب التي ألقيت ~~أمس حمست السكان ولم يكن في المدن الثلاث في ذلك النهار حديث في غيرها. وقد حدثت بعد ~~العصر عدة فتن في مدينة المال بين العمال وأصحاب الأعمال فاضطرت الجنود إلى المداخلة إعادة ~~للنظام، ولذلك كان عدد الجند حول الحديقة في هذه الليلة أكثر منه في العادة. # ولما انتظم عقد الاجتماع وجلس الشيخ الرئيس في كرسيه وعلى وجهه لوائح القلق واشتغال البال ~~أنصت الجميع، فقال الشيخ الرئيس: كملوا يا أولادي مباحثتكم في مصالحكم واذكروا وصيتي لكم ~~بالهدوء والسكينة. # وكانت هذه الجلسة مخصوصة بالعلم ورجاله، فنهض زعيم كبير من صفوف رجال الدين وابتدأ يخطب ~~في الجمع بصوت جهوري، فقال: # دعوى أهل الدين # أيها السادة: # لما كنت أصغي إلى الخطب الثلاث التي ألقيت أمس كنت أظنني في حلم؛ لأن الخطباء ~~الثلاثة بعد كل ما ذكروه في أثناء كلامهم لم يدخلوا في أساس الموضوع، فكل كلامهم كان ~~خارجا عن دائرة المسألة. # إن المسألة الكبرى التي هي مسألة المسائل في الهيئة الاجتماعية هي «كبح هوى الإنسان» ~~أي وضع شكيمة تضبط شهواته وأهواءه لأن الاجتماع مستحيل من غير هذه الشكيمة. وهذا هو ~~السبب في نزول الأديان وقيام المهذبين والمرشدين ليعلموا البشر أنهم لا يكونون بشرا ~~إلا إذا ms33 كسروا حدتهم وقللوا طمعهم وسكنوا أهواءهم وسامحوا المسيئين إليهم، إلى غير ~~ذلك، ولكن تعالوا وانظروا ماذا يصنع أهل الكفر والضلال. # فصاح صائح من بين صفوف أهل العلم: لم يصنعوا شيئا سوى أنهم نقلوا الجنة من السماء ~~إلى الأرض. # فأتم الخطيب كلامه دون أن ينتبه إليه قائلا: إنهم قاموا يعلمون الناس الانفكاك ~~من هذه القيود الأدبية الجميلة التي حفظت الهيئة الاجتماعية إلى اليوم، فإنهم يحرضون ~~الضعفاء على أن يتمتعوا بالحياة كالأقوياء، ويعلمونهم أن ذلك من حقهم لأنهم الأكثرية، ~~وأن اللذات الموعودين بها فوق، تعويضا لهم عما فاتهم منها هنا، إنما هي لذات وهمية، ~~وبهذا التعليم أيها السادة يهدمون نظام الاجتماع الذي يزعمون أنهم حفظوه ويثيرون كل ما ~~في نفس البشر من الأحقاد والضغائن والشهوات الحيوانية. # فصاح حينئذ صائح من صفوف العمال: كم أعطاك أهل المال لتقوم مدافعا عنهم؟ # وصاح صائح آخر منهم: لا عتب علينا نحن العوام إذا كنا نطلب التمتع بخيرات الأرض، ما ~~دام رجال الدين قد سبقونا إلى ذلك منذ أزمان. # فأتم الخطيب كلامه قائلا: فأهل الضلال هم السبب في كل هذه الفتن وهذه الاضطرابات، ~~ولست أسميهم «أهل العلم» لأن العلم الحقيقي براء منهم، وها في صفوفنا نحن كثيرون من ~~أهل العلم الحقيقي ينكرون تلك البدع المهلكة. # أيها السادة، إن بابل ونينوى وسدوم وعمورة إنما خربت وصب عليها غضب الله لأنها ~~أطلقت أهواءها وشهواتها من كل قيد، فهل ترومون أن يصيبنا ما أصابها. # هؤلاء المصلحون أصلحهم الله يريدون الاشتراكية، أي يريدون هيئة اجتماعية فيها الجميع ~~إخوة وتكون إدارتها تهتم بالجميع، فعافاكم الله أيها المقلدون الذين يسمون أنفسهم ~~مخترعين، ألا ترون أن هذه الهيئة هي هيئتنا نفسها، فتعالوا إذا إلينا، ولكنكم لا تأتون ~~لأن اشتراكيتنا نحن مبنية على المحبة والرفق لا على العنف والغصب، نحن نعتبر الكبير ~~فينا صغيرا والصغير فينا كبيرا، وأما أنتم فتريدون أن تكونوا كلكم كبراء، نحن نجامل ~~الجميع ونساوي بين الجميع لنرضي الجميع وأما أنتم فتريدون جعل الفقراء أغنياء ~~والأغنياء فقراء، نحن نطلب خيرات الدنيا لنفرقها ms34 على غيرنا وأما أنتم فتطلبونها ~~لتدفنوها في بطونكم. ~~«فالفرق بيننا وبينكم في المسألة الاقتصادية كالفرق بين الخير والشر والبياض ~~والسواد، أنتم تحرضون وتهيجون ونحن نسكن ونهمد، والله من أعالي السماء يعلم أينا ~~أنفع للهيئة الاجتماعية. # فصاح حينئذ صائح من بين العمال: هذا افتخار من يكبح جماح البقرة ويمسكها لمن ~~يريد حلبها. # وصاح صائح من فريق أهل العلم: نراكم صرتم تفتخرون بفوائد مبادئكم بدل الافتخار ~~بصحتها. # فأجاب الخطيب: إن المفيد يكون صحيحا دائما. # فصاح واحد آخر من فريق العلم: إن دين بوذه وكونفوشيوش وبرهما صحيح أيضا لأنه مفيد. ~~فاستشاط الخطيب غضبا حينئذ وصاح مخاطبا أهل العلم: كل المذاهب خير من مذهبكم، ونحن ~~سواء كنا مسيحيين أو مسلمين أو إسرائيليين أو بوذيين أو براهمة أو كونفوشيوشيين كلنا ~~على اتفاق ضد مبادئكم المهلكة. # فصاح صائح آخر من فريق العلم: هذا افتراء فظيع علينا فإننا نؤمن بالله مثلكم. # فاشتد غضب الخطيب فقال: نعم تؤمنون بالله لتتخذوا هذا الإيمان ستارا تنشرون وراءه ~~مبادئكم، وهل تحسبوننا بلها إلى هذا الحد حتى نكتفي منكم بالإيمان بالله، فإما أن ~~تؤمنوا كما نؤمن نحن أو تكونوا جاحدين، هل تؤمنون برسالات الرسل والأنبياء والأقانيم ~~الثلاثة وعلم الله بكل شيء ومقدرته على كل شيء والبعث والحساب في عالم آخر فيه جنة ~~وفيه نار، كلا إنكم لا تؤمنون بذلك، ومع ذلك تنادون: «أن علمكم موافق للدين»، وعلمكم لا ~~يكون موافقا للدين عندنا إلا متى أضاف إلى إيمانه بالله الإيمان بهذه الأمور لأنها هي ~~الدين، فتدجيلكم أجيزوه بعد الآن على السذج لا علينا. # فقطع كلامه أحد رجال العلم قائلا: هل تعلمون سياستكم هذه إلى أي هاوية تجركم؟ # فأجاب الخطيب: كل الهاويات عندنا مقبولة بالنسبة إلى هاويتكم، إنكم تهدمون ما بنيناه ~~في عدة قرون، إنكم تضعضعون الهيئة الاجتماعية من أساسها، فعلينا محاربتكم بكل ~~سلاح. ~~«ولكن خبرونا ماذا تريدون أن تضعوا بدل الشيء الذي تطلبون هدمه، لا ريب أنكم تعلمون ~~المبدأ القائل: «لا يمكن في الاجتماع هدم شيء إلا متى أمكن وضع شيء آخر مكانه ms35 يقوم ~~مقامه»، فماذا تضعون موضع الدين؟ أتضعون العلم؟ لله ما أسخف أحلامكم، اذهبوا وقولوا ~~للناس وخصوصا للشعب المسكين: يجب عليكم أن تحبوا قريبكم من أجل العلم، وتصنعوا الخبز ~~من أجل العلم وتعفوا عن مال غيركم إكراما للعلم، ولا تصنعوا شرا في السر ولا في ~~العلانية إكراما للعلم. وحينئذ تسمعون الجواب، ولكن ويل للهيئة الاجتماعية في ذلك ~~اليوم الذي تقطع بيدها الأثيمة قيود خوف الله ورهبة الدين لتجرب هذه التجربة ~~الهائلة. # فقطع هنا كلامه خطيب العلم السابق قائلا: هل تسمح لي أن أجيبك الآن عن هذا ~~الكلام؟ # فقال الخطيب: إذا كان جوابك وجيزا فلا بأس. # فقال المعترض: معاذ الله أن نروم هدم الدين كما تفترون علينا، وإنما نروم هدم الأوهام ~~والخزعبلات في الدين، فلماذا تجعلون هذه قسما منه، وأول هذه الخزعبلات قولكم إن ~~الإنسان لا يمكن أن يعبد الله ولا أن يفهم الكتب الدينية إلا بواسطة كاهن أو شيخ، وبذلك ~~تضعون أنفسكم بين الله وبين عباده رفعا لشأنكم وطلبا للفائدة لكم، وهذا ما جعل بعض ~~رجال الدين في بعض خطبه العمومية يفضل الذبيحة اليومية في الكنيسة على كل ما في الديانة ~~المسيحية من الفضائل وروح الكمال، فنحن إذا حاربناكم فإنما نحارب هذه السيطرة على عقول ~~الناس، أي نحارب اتخاذ المبدأ سبيلا للمصلحة. ~~«أما ماذا نضع موضع الدين؟ فهذه مسألة يجيبكم عنها علماء الفلسفة الوضعية أو الحسية، ~~فإنهم يقولون: إن للبشر ثلاثة أطوار: طور الطفولية وهو الاعتقاد بأن العالم محكوم ~~بالأرواح الآلهة، وطور الشباب وهو البحث في ما وراء الطبيعة، وطور الرجولية وهو طلب ~~الهيئة الاجتماعية «نفع الناس» بناء على «الواجب» ومحبة الناس والعقل والمصلحة ~~المتبادلة. وهم يقولون: إن البشر متى وصلوا إلى هذا الطور صاروا يعملون ما يجب عليهم ~~عمله من غير إرهاب ولا تشويق بل بسائق فطرتهم ومصالحهم المتبادلة المحصورة في هذه ~~العبارة «يجب أن لا أصنع بالناس إلا ما أريد أن يصنع الناس بي». # فصاح الخطيب: إذن تكون قصارى فلسفتهم أيها السادة أن يأكل الناس ويشربوا ويناموا ~~ويعيشوا معيشة ms36 الخنازير. هذه هي «المعيشة الوضعية» وكثيرون من البشر هذا شأنهم اليوم، ~~وهم يضيفون على ذلك التمتع بكل شهواتهم وأهوائهم الحيوانية، فهل يكون في المستقبل أيها ~~السادة هؤلاء الحيوانيون العابثون بكل شيء مصيبين والذين صرفوا حياتهم بالعفاف والزهد ~~والفضيلة والخير والصلاح مخطئين، هل المستقبل سيذبح الفضيلة هذه الذبحة الهائلة بأن ~~يثبت أن أولئك كانوا أقرب إلى الحقيقة من هؤلاء، إذن ما أفظع الحاضر وما أقبح المستقبل، ~~ويا هاويات الفناء، يا جحيم العدم، ابتلعينا منذ الآن وأريحينا من حاضر فظيع ومستقبل ~~قبيح. # ولكن لا لا، إن الله موجود أيها السادة «وكل ما في الطبيعة يدل عليه ويشير إليه، ولا ~~ينكره إلا الأشرار الذين يخافون عدله»، ونحن لا نعلم هل يوجد في العالم بشر تكفيهم تلك ~~المعيشة الخنزيرية المجردة عن كل عاطفة إنسانية كريمة وكل جنوح إلى ما وراء الطبيعة، ~~ولكننا على ثقة من أن في العالم قوما لا تكفيهم هذه المعيشة الحيوانية، بل إن نفوسهم ~~الشريفة وفطرتهم السامية تجنح دائما إلى خالق الطبيعة وواهبها قواها، إلى الآخرة التي ~~هي وطننا الحقيقي، إلى الحياة الروحية التي هي الحياة الحقيقية، وبناء على ذلك يكون ~~علمكم وفلسفتكم مما يرضي قسما من الإنسانية فقط، والقسم الثاني لا يستغني عن علمنا ~~وفلسفتنا، أي عن مبادئنا الدينية، ولذلك يكون الدين من حاجات قسم كبير من الناس لاختلاف ~~قلوب الناس باختلاف فطراتها ولأن أصوله مغروسة في النفوس لا في الكتب والأوراق. # فصاح به المعترض: ولكن هذا الفريق من الناس ينقرض متى دخلت الإنسانية في الطور الثالث ~~من أطوار الفلسفة الوضعية التي تقدم ذكرها. # فصاح الخطيب ضاحكا ومتهكما: انتظروا فإننا معكم منتظرون، ولكن على افتراض أن هذا ~~القول صحيح هل يجوز جرح عواطف النفس بمهاجمة معتقداتها قبل حصول هذا التغيير ودخول ~~الإنسانية في طور التحول عما بين يديها؟ # فأجاب المعترض: نحن نجاهد كالرسل والأنبياء، ولولا هذه المجاهدة لما تقدمت المبادئ، ~~وهل تظنون أن المسيحيين والمسلمين لو انتظروا حصول التغيير في الأرض من مجرد سير ~~المبادئ كانوا قد وصلوا إلى ما ms37 وصلوا إليه؟ # فصاح الخطيب وقد فرغ صبره: بئس هذا الجهاد الذي تقومون به، فإنكم تهدمون به كل شيء ~~محبوب إلينا. وأي شيء سلم من هدمكم، لقد هدمتم الدين وهدمتم الوطن وهدمتم الجيش وهدمتم ~~العائلة وهدمتم العادات الجميلة المقدسة. # فضحك هنا كثيرون من فريق العلم وقال أحدهم: إنك تتسلح بالمبادئ الوطنية وبالدفاع عن ~~الجيش تقوية لحجتك؟ # فقال الخطيب: وهل تنكرون أنكم أفسدتم الفكرة الوطنية وشوهتم مبادئها المقدسة، أما ~~نسمعكم دائما تعلمون الناس أن البشر إخوان وأن الحدود يجب أن تزال من بين بني ~~الإنسان، فما معنى هذا عندكم، أليس معناه تسليم الوطن للأجانب؟ ثم أما أنتم الذين تدعون ~~إلى نزع السلاح وقصدكم من ذلك إضعاف جيشنا لكي يصبح غير قادر على مقاومتكم يوم تريدون ~~إنفاذ أغراضكم، أما أنتم الذين تحرضون الجنود على الفرار من الخدمة العسكرية؛ لأنها ~~عار في مذهبكم لقيامها على حمل السلاح وسفك الدماء، وتنشرون المنشورات بين صغارهم ~~ليعصوا قوادهم ولا يكبحوا جماح العمال في أوقات الاعتصاب، أما أنتم الذين أدخلتم الطلاق ~~في العائلة فضعضعتم به أساسها وأساس الهيئة الاجتماعية ثم تريدون الآن توسيع نطاقه ~~بإعطاء كل واحد من الزوجين حق الطلاق حينما يطلب ذلك وإن لم يرض به الثاني، أما أنتم ~~الذين تدعون إلى إباحة الزواج من غير زواج والعياذ بالله، أي من غير عقد رسمي سوى رضي ~~الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل، ومتى شاءا يفترقان كما اجتمعا. # فصاح حينئذ كبير من فريق رجال العلم: يظهر أن هذا الكذب لا حد له عندكم فإنكم ~~تنسبون إلينا كل أعمال الاشتراكيين مع علمكم أننا براء منها. # فقال الخطيب: ولكن أليست هذه كلها نتائج مدنيتكم هذه، إنما أردنا أن نظهر للأمة ~~الهاوية التي تجرون البلاد إليها إذا بقيت لكم الحرية، فإنكم تعطلون عقائد الأمة بجرها ~~إلى الإلحاد، وتثيرون الحرب الأهلية بتحريضكم الصغار على الكبار والضعفاء على ~~الأقوياء، وتفرقون الجامعة الوطنية والدينية بدعوتكم إلى الإخاء والتعاون الإنساني، ~~وتضعفون قوة البلاد بمقاومة جيشها وإهانته في كل يوم، وتهدمون الهيئة الاجتماعية ~~والفضائل المدنية بمحاربتكم العائلة ms38 ووضعكم الفاحشة موضع الزواج المقدس اللطيف. # هذه ثمار أعمالهم أيها السادة، ومن ثمارهم تعرفونهم، فلا يفتخروا بعد الآن بأنهم حفظة ~~«النظام المطلق» مع أنهم مضعضعوه، إن النظام يقتضي قبل كل شيء «إنكار الذات» أي أن ~~يتنازل الإنسان عن شيء من حقوقه في سبيل المصلحة العمومية إكراما للذين يخدمون ~~وينفعون، فالرؤساء والحكام والأغنياء والكبراء يتفانون في الخدمة العمومية ونفع الأمة، ~~ولذلك يجب على أفراد الأمة أن ينكروا ذواتهم قليلا ويتركوا لهم شيئا من حقوقهم في ~~مقابلة متاعبهم ومسئوليتهم، ولذلك تكون المساواة المطلوبة بين هؤلاء وأفراد الأمة عبارة ~~عن وهم وخيال، أما المساواة الممكنة الحقيقية أيها السادة فهي تكون في السماء لدى الله ~~لا في الأرض بين الناس. # وهنا فرغ الخطيب من خطابه وجلس وهو يمسح العرق عن جبينه، ويظهر أن الغيظ الذي كان في ~~أثناء كلامه يجيش في صدور العمال والغلاة من أنصارهم قد طفح حين سكوت الخطيب، فهاجوا ~~وماجو وصرخوا صرخة واحدة قائلين: «فليسقط الظالمون»، وصاح أحدهم: «قلت إن المساواة وهم ~~وخيال فالوهم معتقدك والخيال في دماغك أما المساواة فسنحققها أو نموت»، وصاح آخر: «إن ~~قولك وهم وخيال ينقض كل الأديان ولكن لا يهمكم دينكم ما دامت مصلحتكم مصونة»، فرد ~~عليهم حينئذ فريق من رجال المال ورجال الدين، وعلت الضوضاء واحتدم الجدال وتماسك فريق ~~منهم بعضهم ببعض وتضاربوا فعمت الفتنة الحديقة كلها واضطرت الجنود إلى المداخلة حفظا ~~للأمن، ولكن الجنود لم تتمكن من ذلك إلا بشق النفس لعظم الاضطراب، ثم انجلت الفتنة عن ~~جريحين حملا إلى المستشفى بحالة النزع، وأخرجت الجنود الناس من الحديقة وفرقتهم في ~~المدن الثلاث لأن التحمس كان شديدا. # الفصل الثامن # | الجلسة الثالثة # الدين ومشاكله # وفي اليوم التالي انتبه السكان على أصوات جلبة العمال واجتماعهم في الشوارع والأسواق ~~أفواجا لاعتصابهم وتركهم العمل بتاتا في ذلك اليوم، فتفاقم الخطب وازداد الاضطراب، لكن ~~لما بلغ العمال أن شيخ أهل العلم سيخطب في تلك الليلة ردا على خصومهم خمدت قليلا نار ~~حدتهم، ولما أمسى المساء غصت الحديقة بالناس حتى لم ms39 يبق فيها مكان لموضع قدم، وكانت جميع ~~الأبصار حائمة على صفوف أهل العلم لتشاهد شيخهم الكبير الذي كان لا يخرج من خلوته في مدينة ~~العلم، ولا يحضر المجتمعات العمومية ليبدي رأيه فيها إلا في أشد الأوقات، وبينا هم ~~يتطاولون نحو صفوف العلم انفرد من هذه الصفوف شيخ مهيب جليل كلل الشيب رأسه وهو يناهز ~~السبعين، فجلس على كرسي منفرد كان موضوعا على دكة، وابتدأ خطبته والناس سكوت كأن على ~~رءوسهم الطير، وكان حليم جالسا مع رفيقه في الزاوية التي تقدم ذكرها قريبا من شيخ العلماء ~~والشيخ الرئيس، وقد صار شديد الاهتمام بما عليه أهل هذه المدن من الاختلاف بعدما سمعه في ~~الليلتين السابقتين. # أما شيخ العلماء فإنه أنشأ يقول: # خطبة شيخ العلماء # أيها الإخوان: # قرأت اليوم في الجرائد خطبة أخينا المدافع عن الدين الحامل على العلم حملة منكرة، ~~فخيل لي وأنا أقرأها أنني في مشهد صراع وأن الخطيب مصارع يطلب إعدام خصمه لا إقناعه، ~~فذكرت حينئذ مشهدا كهذا المشهد فيه فكاهة وعبرة معا، فإنني كنت أسمع مرة أحد ~~المتحمسين في الدين يدعو إلى دينه، فكان يتكلم بصوت كالرعد القاصف ويخبط الهواء بيديه ~~خبطا متواليا ويرفس الأرض بقدميه رفسا شديدا وينادي ملء فيه: إن البشر لا يستغنون ~~عن الدين، إن دينه خير الأديان كما ورد في كتابه، ثم أردف ذلك بأقوال عن العلة والمعلول ~~والفاعل والمفعول والواجب والممكن وغيرها، فلبثت في مكاني مبهوتا وأنا أقول: إن هذا ~~الرجل يطلب أن يدلنا على طريق السماء ومع ذلك فإنه يغطي وجهها بالغبار الذي تثيره حدته، ~~وبالسحب المتراكمة من أقواله الجافة الغامضة التي لا يفهم سامعوه لها معنى، والتفت ~~لأرى حالة سامعيه، فأبصرت في زاوية أمامي فتاة جاثية على بلاط الأرض ووجهها لاصق ~~بالثرى، وهي تصلي ولا تسمع شيئا من كلام ذلك المتحمس، فثارت نفسي لهذا المشهد وقلت إن ~~هذه الفتاة بلطفها وهدوئها وسكوتها تعرف طريق السماء وتؤثر في الإرشاد إليها أكثر من ~~ذلك الواعظ البليغ الفصيح. # وإن سألتم لماذا يكون تأثير هذه الفتاة ms40 مع سكوتها أوقع في النفوس من تأثير ذلك الواعظ ~~المتحمس مع كثرة كلامه؟ فأجيب: ذلك لأن هذه الفتاة تتمسك بأسمى مبادئ الدين ولا تلتفت ~~إلى ما بقي، وأسمى مبادئ الدين التسليم والاستسلام إلى الخالق، وترك الدنيا لطلب ما ~~وراءها لا للاستيلاء عليها وعلى عقول ساكنها، بماذا كبرت الأديان وشرفت وعظمت؟ هل كان ~~ذلك بالحروب والسيوف والمدافع؟ كلا وإنما كان ذلك بدم الشهداء، أي بتسليم الإنسان نفسه ~~إلى كبرياء المخلوق اعتمادا على عدل الخالق، وقد كان الخالق عادلا، فإن ذلك المسيحي ~~الذي كان يحتمل كل عذابات الموت بسكوت وفرح وشكر لله لأنه اختاره ووجده أهلا لأن ~~يتعذب من أجله، وذلك العربي الذي كان في واقعة اليرموك يهجم طالبا الموت مناديا «يا ~~محمد أمتك أمتك»، قد أسسا في العالم أديانا عظمى وممالك كبرى، فكان انتصارهما ~~عظيما. ~~«فدماء الشهداء أيها السادة وظلامات المظلومين هي التي نصرت الأديان وجعلت على هامة ~~الدين إكليلا من الجمال والسناء، فاحذروا أن ترفعوا هذا الإكليل عن هامة الدين، وإنكم ~~لترفعونه عنها وتضعونه على هامة قوم غيركم يوم يصير الشهداء في صفوف غير صفوفكم، فينتقل ~~يومئذ صولجان العظمة والجمال منكم إلى أولئك الذين تعادونهم وتعذبونهم، إذن لا تضطهدوا ~~العلم والعلماء، ولا تفتروا عليهم، ولا تقاوموا العمال المساكين انتصارا لأصحاب ~~الأعمال، فإن هؤلاء العمال هم شهداء العصر الحاضر، وارجعوا إلى الله في نفوسكم وإلى ~~مبادئكم الأساسية التي منها درجتم فتنكشف لكم الحقيقة التي ننشدها معكم. # ولا تخشوا أن أقع في الخطأ الذي يقع فيه الناس عند طلبي التساهل والاعتدال منكم، ~~فإنني أعلم أن التساهل الديني ليس سوى فرع من التساهل العمومي الواجب بين جميع الناس في ~~جميع المعاملات، إذ ماذا يفيدنا أن نطلب التساهل الديني فنحصل عليه ثم يبقى التعصب ~~والتصلب في باقي الأمور شديد البنيان راسخ الأركان، كلا، إننا نطلب التساهل المطلق، ~~التساهل بكل فروعه؛ لأن هذا التساهل العام هو وحده الضربة القاضية على الحيوانية ~~والأثرة البشرية، فالذي يفتخر بأنه متساهل في دينه لا يبغض غيره ولا يطلب ضرره ms41 بسبب ~~مذهبه، ثم تراه ظالما في معاملاته الخصوصية فسمه متعصبا لا متساهلا، وهكذا يكون صاحب ~~العمل الذي يظلم عامله متعصبا، والعالم الذي يتصلب برأيه ولا يحتمل رأي غيره متعصبا، ~~وهلم جرا، فاطمئنوا فإنكم لستم وحدكم مصدر التعصب لأن للتعصب أنواعا ~~متعددة. # ولكني أعتقد أنه يحسن بخدمة الله أن يكونوا البادئين بإقامة مملكة التساهل في الأرض ~~وقتل روح التعصب على أنواعه، فساعدونا أيها السادة على محاربة الأثرة البشرية وحب الذات ~~وإعادة الأمن والنظام إلى نصابه في البلاد. # وتوصلا لذلك علينا أن نبحث معكم في مسألتين: (الأولى) علاقة العمال بأرباب الأعمال، ~~(والثانية) علاقة العلم بالدين. # أما المسألة الأولى فقد قرأت أقوال الفريقين فيها، فرأيت الغلو في الجانبين، فلتكن ~~وظيفتنا أيها السادة التوفيق بين المصلحتين لا نصرة إحداهما على الأخرى. # وقد ألقيت إلى حضرة الرئيس حين دخولي إلى هذا المكان لائحة فيها عدة اقتراحات، أظنها ~~كافلة بهذا التوفيق. # أما المسألة الثانية فحلها أسهل من حل المسألة الأولى، فإن العلم والدين إذا اختلفا ~~في الطرق فإنهما يتفقان في الغرض، ذلك لأن غرض العلم والدين واحد وهو تحسين حالة ~~الإنسانية وترقية شئون البشر، فما الموجب لجعل الواحد يناقض الثاني ويحاربه. # لا موجب لذلك سوى الأهواء والمصالح أيها السادة. # فلننبذ الأهواء والمصالح ولنتمسك بالمبادئ، والمبادئ توفق بيننا وإن اختلفنا في تفسير ~~بعضها. # ولكن فاعلموا جيدا أيها السادة أنه لا سبيل للوفاق بين الفريقين إلا بتساهل ~~الاثنين، فعلى الدين قبل كل شيء أن يتذكر أن العالم قد تغير وتبدل، ولذلك يجب أن يغير ~~شيئا من مبادئه وقواعده القديمة، وعلى العلم أيضا أن يتذكر أن العالم قد تغير وتبدل ~~ولذلك يجب أن يغير شيئا من مبادئه وقواعده الماضية، ذلك أن العدو الحقيقي للدين والعلم ~~أيها السادة إنما هو الأثرة والشراهة والرغبة في الانفكاك من كل قيد، أو كما يقول بعضهم: ~~«إعطاء الفرد مداه لإشباع كل قواه»، وما نتيجة هذا الأمر إلا استعلاء ذوي الفطر ~~الدنيئة على ذوي الفطر السامية، أي تغلب صغار النفوس على كبارها لأن المواهب السامية ms42 ~~والعواطف الكريمة المودعة في النفوس الكبيرة لا تعود نافعة لشيء ما دام الغرض من الحياة ~~التمتع بما فيها من اللذات، وحينئذ يملك في الأرض أصاغر سكان الأرض، أعني الشرهين ~~والحمقى والوقحين والمعتدين والظالمين، وينزوي الأكابر الحقيقيون في زوايا الإهمال ~~يندبون سقوط كل ما هو جميل وجليل، ولا عزاء لهم حتى ولا بحياة أخرى، لأن أولئك يضحكون ~~منهم ويخبرونهم أنها حياة وهمية. # نعم أيها السادة إننا مثلكم نبكي حزنا وأسفا كلما رأينا العلم يؤدي ببعضهم إلى هذه ~~النتائج المكروهة، ولكن رحماكم! أنصفوا ولا تلقوا التبعة في ذلك على العلم، بل على ~~الذين أخرجوه هذا المخرج، أي على النفوس التي استنتجت منه هذه النتيجة القبيحة، إن ~~العلم «كندى السماء، ولا يبقى الندى نقيا إلا إذا وضع في إناء نقي»، فالنفوس التي ~~تخرج العلم المقدس ذلك المخرج ليست بنفوس نقية، ولذلك يفسد العلم فيها، فقبل لومكم ~~العلم لوموا الفطرة الطبيعية الدنيئة. # ثم هل تظنون أن العلم وحده ينتج نتائج كهذه النتائج. كلا، فإن تعليمكم الدين بالطريقة ~~التي تعلمونه بها ينتج مثلها أيضا، فإنكم تعلمون مبادئ وقواعد قديمة لم تعد العقول ~~تقبلها في عصر كهذا العصر، وتطلبون تدبير الحاضر بالماضي، وتقولون إن الناس لا يمكنهم ~~فهم الكتب إلا بواسطتكم؛ ولذلك تفسرونها وتضعون رأيكم في هذا التفسير في موضع الحقيقة ~~الثابتة التي لا يجوز مسها بدل أن تتركوا الناس يفهمونها كما تسوقهم فطرتهم، فكم من ~~نفس ساذجة كريمة تفهم مع سذاجتها تلك الكتب بالروح أكثر مما تفهمونها أنتم، بل هي ~~تصنع أفضل من هذا فإنها لا تفهمها فقط بل تعمل بها أيضا، وهذا فضل لها عظيم عليكم يا ~~من تكتفون بالقول دون الفعل، فلماذا تجعلون أنفسكم بين الله والناس في منزلة الوسيط ~~والمدافع عن الدين، أي عن الضمير البشري، من أقامكم وسطاء ومدافعين عن هذا الضمير، دعوا ~~البشر يعيشون بملء حريتهم الروحية، فإن كتبهم الدينية بين أيديهم، وضمائرهم إذا لم ~~تفسدوها بالجدل والمماحكة والأهواء فإنها لا تقرأ فيها إلا الحقائق الأزلية ومبادئ ~~الإخاء البشري، ولا ms43 تقولوا نحن نرشدهم، فإنكم بشر مثلهم، أي فيكم جميع أهواء البشر ~~الصالحة والفاسدة، وهذا الإرشاد لا يقبله البشر إلا من الملائكة، ويوم تصيرون ملائكة ~~مجردين من كل ضروب الشقاء البشري فاعلموا أننا نحن نسعى إليكم من غير أن تأتوا إلينا ~~ونطلب مساعدتكم، فدعونا ولا تقفوا بيننا وبين الله لتجبرونا على أن نفهم حياتنا وكتبنا ~~وإلهنا ومصالحنا كما تريدون أنتم؛ فإن ذلك الضغط يجرنا إلى الكفر بكل شيء. # ثم هل أنتم تكتفون بذلك؟ كلا، فإنكم لا تنفكون عن محاربة بعضكم بعضا، فهذا المذهب ~~يكفر ذاك وذاك هذا إلى ما شاء الله، والأقبح من ذلك الحرب بين الأديان، أي بين دين ~~ودين لا بين مذهب ومذهب فقط، فإن الذين مصلحتهم قائمة بتكدير الإخاء بين البشر وإثارة ~~التعصب في نفوس أهل السذاجة (ولولا ذلك لم يكن ثمت موجب لوجودهم ولا معنى له) لا ~~ينفكون عن النداء أن دين أولئك باطل لاحتوائه على كذا وكذا، فيجيبهم غلاة هذا الدين ~~بل دينكم الباطل لاحتوائه على كذا وكذا، وفي أثناء ذلك يكون رجل ثالث واقفا بعيدا عن ~~الفريقين يسمعهما، فلما يرى الفريقين في سكرة من الجنون والحماقة إلى هذا الحد، لما ~~يرى أنه لا غرض لهما من هذا الطعن غير التدجيل والشعوذة «لملء الخزانة وإشباع الحزانة» ~~كما قال الزمخشري في بعضهم، على افتراض أن هذا التدجيل يجوز على عقول أهل السذاجة، فإنه ~~حينئذ يهب من مكمنه ويقول للفريقين: إن رمتما الحق فكلاكما في ضلال، وليس هناك دين ~~صحيح غير ديني، فيسألانه: وما هو دينك؟ فيجيبهما: «ديني أن أفعل ما أريد كما أريد وقتما ~~أريد، وما بقي فأوهام وخزعبلات حاكتها التصورات والخيالات وهدمتها كل الفلسفات»، وهكذا ~~يكون تكفير الناس بعضهم بعضا في عصر كهذا العصر مؤديا على خط مستقيم إلى هدم جميع ~~الأديان على السواء، وليست التبعة في ذلك واقعة فقط على الغلاة من أهل العلم والفلسفة ~~بل هي واقعة أيضا على الغلاة من أهل الأديان في أي دين كان. # من أجل هذا طلبنا منكم التساهل والاعتدال ms44 وترك الصراع والنزاع، إن مبادئكم - كتلك ~~الفتاة التي كانت جاثية بخشوع على البلاط تصلي في أثناء هياج الخطيب المصارع - لا تؤثر ~~تأثيرا حقيقيا إلا بالتسليم لرحمة الله والهدوء والإقناع، فكونوا هادئين ومخلصين ~~مقنعين ومقتنعين ... واعلموا أن الوفاق في بلادنا بين عناصرنا لا يمكن إلا بمراعاة الوسط ~~الجديد الذي صرنا فيه؛ لأن الوسط الماضي قد تغير علميا ودينيا واجتماعيا ~~وسياسيا، وهذا الوسط لا بد أن تجتمع فيه جميع المذاهب والآراء والمبادئ والأفكار، ~~وبناء على ذلك لا سبيل لدوام الوفاق بين الجميع إلا بإطلاق الحرية المطلقة لجميع تلك ~~المذاهب والآراء والمبادئ والأفكار من أي نوع كانت، وهي من تلقاء نفسها متى تركت لذاتها ~~ولم يكن هنالك شهوة دنيئة تحركها تتفق وتتجه إلى غرض واحد وهو الخير، أي محاربة الرذيلة ~~والشناعة والفظاعة والشرور في الأرض من أي مصدر وردت وبأي صورة كانت، وبعد حين لا يبقى ~~منها إلا الأفضل «لأن الأفضل ينسخ بما هو أفضل منه» كما قال ابن رشد. ونحن نقبل هذا ~~الأفضل في أي جانب كان ومن أي مصدر كان. # ولا تقولوا إن أقوالي هذه تهدم آمالكم القديمة وأحلامكم الجميلة، كلا فإنه لا حلم ولا ~~أمل أجمل من رفع الجنس البشري وإنهاض الشعوب، فاصرفوا هممكم لا إلى تحريك التعصب في ~~صدور الشعوب ولا إلى طلب المستحيل بل إلى خدمة الشعب خدمة حقيقية، ويتم ذلك بإنارة عقول ~~أبنائه - دون سيطرة عليها - ومساعدتهم في حياتهم وتعزيتهم في مصائبهم وذلك بالفعل لا ~~بالقول فقط، فإن القول لم يعد يؤثر شيئا والقدوة خير المعلمين، فاحملوا إذن لواء الفقر ~~والرفق والمحبة والإيثار والزهد، وامشوا في طليعة جيش الشعب، فإنكم لهذا وجدتم، أما إذا ~~رمتم حمل لواء البذخ في صفوف الحكام والكبراء وأصحاب الأعمال فيكون حينئذ مثلكم مثل ~~ملوك يخلعون أنفسهم ويخونون وظيفتهم وينقضون مبادئهم. # ولما سكت الشيخ الخطيب علا من صفوف العمال شيء من الجلبة لعدم رضائهم عن هذه الخطبة ~~كل الرضى، وأما صفوف أهل المال وأهل الدين فإنهم صاروا أقل مقاومة مما كانوا، على أن ms45 ~~الجميع باتوا ينتظرون الاقتراحات التي أشار إليها الخطيب في أثناء كلامه ليروا منها هل ~~الاتفاق ممكن أم لا، فتناول الرئيس حينئذ ورقة ونشرها ثم قال يخاطب الجميع: # أيها الأبناء: # إليكم نص الاقتراحات التي يقترحها من احترامه واجب علينا جميعا، وذلك ~~حسما للنزاع والخلاف، وإنني أرجو أن تكون وسيلة لاتفاقكم: # المادة الأولى: # تزاد رواتب العمال والمستخدمين والموظفين 50 في المائة، ~~ولكن هذه آخر زيادة إلا للذين تجب مكافأتهم في المستقبل حين ~~الاقتضاء. # المادة الثانية: # لا يمكن استخدام أحد في أي عمل كان بأقل من مائة فرنك في ~~الشهر. # المادية الثالثة: # ساعات العمل في اليوم 8 فقط، 4 قبل الظهر و4 بعده. # المادة الرابعة: # أما الأولاد والنساء فإنهم يعملون 6 ساعات فقط؛ لأن كثرة ~~العمل تهدم بنية الولد وتمنع النساء من افتقاد ~~منازلهن. # المادة الخامسة: # ينشأ صندوق يدعى «صندوق تقاعد العمال» وكلما شاخ عامل أو عجز ~~عن العمل لمرض فإنه يتناول رزقه الضروري من هذا الصندوق طول ~~عمره. # المادة السادسة: # لا يجوز لأصحاب الأعمال أن يستغنوا عن أحد من المستخدمين ~~والعمال بحجة قلة العمل أو أن يخفضوا أجور بعضهم لأي سبب كان، ~~وعليهم أن يعتبروا جمعيات العملة نائبة عن هؤلاء في كل ~~مخابراتهم. # المادة السابعة: # توضع ضريبة على الإيراد مقدارها 10 في المائة، فمن كان ~~إيراده ألف جنيه في العام يدفع 100 جنيه ومن كان إيراده 10 ~~آلاف جنيه يدفع 1000 جنيه وهلم جرا، وذلك لتخفيف الرسوم ~~والضرائب عن عنق الشعب، ولكن كل من كان إيراده أقل من 200 جنيه ~~فإن ضريبته تكون 2 في المائة فقط ومن كان إيراده أقل من 100 ~~جنيه 1 في المائة، ومن كان إيراده 50 جنيها فلا يدفع ضريبة ~~ولا رسما على الإطلاق. # المادة الثامنة: # تتعهد الحكومة بأن تنشئ في البلاد من أموال الضريبة على ~~الإيراد التي تقدم ذكرها مزارع واسعة ومصانع عديدة تشغل بها كل ~~من كان بلا عمل، وبأن تبني في كل مدينة من المدن الثلاث ~~مستشفيين للمرضى وملجأين للشيوخ والعجزة ودارين للأيتام ودارا ms46 ~~للقطاء. # المادة التاسعة: # تتعهد الحكومة أيضا بأن تنشئ للشعب مدارس مجانية يكون فيها ~~التعليم إجباريا لكل أبناء الأمة، ولا يدرس في هذه المدارس ~~صغراها وكبراها من الأصول الدينية غير المبادئ العمومية التي ~~تقبلها جميع المذاهب. # تلك كانت اقتراحات شيخ العلماء، وقد تغامز أهل المال كثيرا بينما كان ~~الرئيس يتلوها، ويظهر أنه لم يسؤهم منها كثيرا غير وضع الضريبة على الإيراد ~~لأنها من أمهات المسائل، أما العمال وأهل العلم فصاروا يتناجون في السر ~~ويتساءلون عن النتيجة، وفي هذا الحين قال الشيخ الرئيس مخاطبا الجمهور: لا أرى ~~مانعا من فض هذا الاجتماع الآن للبحث في هذه الاقتراحات غدا لأنها تقتضي ~~الإمعان والمشاورة. # الفصل التاسع # | وضع الجنون موضع العقل # وخرج الجمع من الحديقة وهم يتباحثون في هذه الاقتراحات، وكان حليم في جملتهم يباحث فيها ~~رفيقه صادقا ويعرب له عن سروره بنيل الشعب ما لم ينله سواه في باقي البلاد. # وقد انقضت تلك الليلة بهدوء وسكينة، لكن لم يطلع الصباح حتى علت ضوضاء شديدة في ~~المدينة، فإن السكان انتبهوا على أصوات باعة الجرائد: «خيانة خيانة»، ففتحوا نوافذهم فوجدوا ~~على الجدران في كل مكان إعلانات حمراء طويلة عنوانها بأحرف غليظة: # الشعب المهذب يخون الشعب المسكين # وهذا نص ذلك الإعلان الغريب: # أيها الإخوة العمال والمستخدمون، لقد خانوكم وضحكوا عليكم، فلا تصدقوهم، ولا ~~ترضوا باقتراحاتهم؛ إذ لا غرض لهم من هذه الاقتراحات سوى إرجاعكم إلى العبودية ~~بالأجرة، وأنتم لا تطلبون الضريبة على الإيراد ولا زيادة رواتبكم، بل تطلبون مشاركة ~~أصحاب الأعمال في أعمالهم، فإذا رفضوا هذا الطلب فإن من حقوقكم الاستيلاء على ~~المعامل والمزارع والمتاجر والمصانع؛ لأنها ملك لكم بحكم الطبع وهو خير من حكم ~~الشرع، فاستولوا عليها ولا تخافوا فإن الجيش معكم. # أيها الأخوة، هل تعرفون الذين خانوكم؟ خانكم أولئك الذين يسمون أنفسهم علماء ~~معتدلين، وما دروا أن الاعتدال لا يحصل حقا ضائعا، يقولون إنهم أهل العلم وإنهم ~~خرجوا من أحشاء الشعب ولذلك يرومون خدمته، فأخبروهم أنكم في غنى عن خدمتهم إذا كانت ~~على هذا المثال، ms47 وخير لنا عداوتهم، إنهم اقتدوا برؤساء الدين ومالوا لأصحاب الأموال ~~ترويجا لمصالحهم وإشباعا لبطونهم، فقولوا لهم إن خيانتهم مزدوجة، أولا لأنهم ~~يفتخرون بكونهم خرجوا من الشعب، وثانيا لأنهم تهذبوا ولم يمنعهم تهذيبهم من ~~الخيانة، فما أحط ابن الشعب الذي حين ارتقائه لا يصرف همه إلا لخيانة أبيه الشعب ~~الفقير المسكين، وأنتم تفضلون ولا شك أرباب الأعمال المتغطرسين عليكم والمقاومين ~~لكم على هؤلاء الأخوة الكاذبين الخائنين. # أيها الأخوة، نحن في غنى عن الجميع، واعتمادنا على أنفسنا، فلنجتمع اليوم على ~~أبواب المصانع والمزارع والمتاجر لنناقش أصحابها الحساب ونريهم قوتنا ونبلغهم ~~نهائيا أننا نطلب الموت أو مشاركتهم في أرباح أعمالهم. # فلما نزل حليم من الفندق وقرأ هذا الإعلان في الشارع أحس بقشعريرة تدب في جسده، وقال ~~لرفيقه صادق: إن الموقف حرج والمصير سيئ، ثم ذهب يجول في أسواق المدينة وشوارعها فوجد ~~الاضطراب سائدا فيها، فإن أصحاب المعامل والمزارع والمتاجر بعثوا حين وقوفهم على ذلك ~~الإعلان يطلبون من الحكومة جندا لحراسة مخازنهم ومعاملهم، فجاء الجند وطوقوها تطويقا، ~~وكان العمال والمستخدمون يتوافدون عليها مئات مئات من كل صوب وهم يصيحون: «الاشتراك أو ~~الموت»، فلما قربوا منها وشاهدوا الجند حولها ازدادوا حدة وهياجا وصاروا يصيحون: «أيها ~~الجنود نحن وأنتم إخوان لأننا جميعا من أبناء الشعب، فلا تسيئوا إلينا»، وكانت الجنود ~~تسمعهم وتحول نظرها عنهم اتباعا لنظامها. # ولما حاول بعض العمال الدخول إلى المعامل والمخازن حال الجنود بينهم وبين الدخول، فحدثت ~~فتنة بين الفريقين، واتفق في هذا الحين أن أطلق واحد من العمال طلقا من مسدس كان معه ~~فأصاب كتف أحد الجنود، فعم الاضطراب في تلك الناحية، وصدر الأمر إلى الجنود بأن تجرد ~~السلاح وتهجم لتفرق العمال من غير سفك دم، فهجمت الجنود طاعة لرؤسائها هجمة واحدة، غير أن ~~صفا واحدا منها كان مؤلفا من 50 جنديا ألقى سلاحه وانضم إلى العملة، فصرخ العملة ~~حينئذ صراخ الابتهاج والفرح، أما رؤساء الجند فعلا وجوههم الاصفرار من هذا التمرد، وخافوا ~~أن يحذو باقي الجند حذو هؤلاء المتمردين فيصير الأمر ms48 للعمال، ويقضى على السلطة ~~القديمة. # لكن النظام العسكري كان متأصلا في نفوس أولئك الجنود بتربية عدة سنين، ولذلك كان أكثرهم ~~يسيرون كالعميان إلى حيث يقودهم رؤساؤهم، ولو كان ذلك ضد مصلحتهم، فتمكن الجند في ذلك ~~النهار من تفريق العمال وإعادة النظام، ومع ذلك لم يرض الشيخ الرئيس حاكم المدن الثلاث أن ~~يعقد جلسة في تلك الليلة في الحديقة لأن الأفكار كانت شديدة الحماسة. # الفصل العاشر # | تحالف الأرض والسماء # على تاركي مبدأ الرفق والإخاء # ولما أقبل المساء ساد على المدينة سكون تام، فتنفس الحكام وأصحاب الأعمال الصعداء واطمأنت ~~نفوسهم قليلا، وعاد لمدينة المال شيء من منظرها الاعتيادي بعد ذلك الاضطراب، فكان الناس ~~في القهاوي والساحات العمومية جالسين يستنشقون نسيم المساء وهم يتباحثون بهدوء في حوادث ~~النهار. # ثم انتصف الليل فأطفأت الأنوار في المدينة ونام جميع السكان، وساد سكوت تام حتى لم يسمع ~~فيها سوى خرير النهر الجاري يسقي المدن الثلاث وصوت الخفاش في طيرانه في الظلام ووقع أقدام ~~الجنود والحراس الذين كانوا يحرسون المدينة في الليل، وكان هؤلاء الحراس يسمعون حينا بعد ~~حين في ظلمة الليل صوت طائر بعيد فيقول بعضهم لرفاقه: إن عظامي تنتفض كلما سمعت هذا الصوت ~~في الليل في أحوال كهذه الأحوال. # ذلك أن ذلك الصوت كان صوت البوم المشهور بأنه نذير الخراب. # وبقيت المدينة نائمة بهدوء واطمئنان تحت جنح الدجى حتى الساعة الثالثة قبل الفجر، ففي هذه ~~الساعة انتشرت في أنحاء المدينة أنوار مختلفة في جوانبها الأربعة، ثم علا الصياح والصراخ، ~~ثم ارتفع الدخان فسد منافس الفضاء، وحينئذ حدث حادث ترتعد له الفرائص وترتجف القلوب، فإن ~~المدينة كلها هبت من الرقاد هبة مجنون، وصار الرجال يصرخون والنساء يولولن والأولاد يبكون ~~وينتحبون، ذلك أن لسان النار لعبت في أكثر منازل المدينة خصوصا في معاملها ومتاجرها ومنازل ~~أصحاب الأعمال فيها، وهجم عليها جماعات كأنهم أبالسة خرجوا من الجحيم فصاروا ينهبون ~~ويسلبون، وكان حليم ورفيقه نائمين في فندق من أشهر فنادق المدينة، فلما انتبها وشاهدا النار ~~تأكله أخذا الستائر والسجادات ms49 فعملا منها سلما وتدليا عليها إلى الأرض، ولما باتا في ~~الشوارع أبصرا فيها ما تتفطر له القلوب، أبصرا الإنسان بحالته الحيوانية الحقيقية، فإن ~~جماعات السلابين النهابين كانوا يهاجمون كوحوش ضارية ويكسرون المخازن والحوانيت ويحملون ما ~~فيها، وكانوا يصعدون إلى القصور الكبيرة والنار تضطرم فيها وبدل أن ينقذوا النساء والأولاد ~~الذين كانوا يختنقون فيها من الدخان أو يحترقون بلهيب النار كانوا يقتلون وينهبون كل ما ~~وصلت إليه أيديهم، أما الجند والمطافئ فماذا تقدر أن تصنع في ثورة عمومية كهذه الثورة، فإنه ~~لم يكن في المدينة سوى 10 مطافئ ومع ذلك فقد كانت النار مضطرمة في 500 منزل، وعن قريب ستصل ~~إلى باقي المنازل فتأكلها كلها. # وقد ظن حليم لأول وهلة أن هذا المصاب قد حل بمدينة المال وحدها ولكنه لم يلبث أن سمع ~~الصراخ من جهتي مدينة العلم والدين ورأى اللهيب يرتفع من جوانبهما، فقال لرفيقه: هذه مؤامرة ~~دبرها الغلاة المتطرفون ولا شك أنها نتيجة الإعلان الذي نشر أمس، فسأله رفيقه وما رأيك ~~فيها، فأجاب حليم لو كنت أملك الآن مسدسا ومائة خرطوشة لكنت أظهر لك رأيي فيها، فإنني كنت ~~أذهب وأحرق أدمغة كل من أراه في طريقي من هؤلاء الأبالسة الذين يقتلون وينهبون، ولا شك ~~عندي أن عقلاء العمال والاشتراكيين أنفسهم يأنفون من إنزال مبادئهم إلى هذه الحمأة من ~~اللصوصية والسفالة، فقال له رفيقه: ولكن ألا تظن أن هذا التطرف نتيجة لازمة عن تطرف الفريق ~~الثاني. # فهم حليم أن يجيبه بأنه لا يريد أن يعرف عذرا للسلب والقتل والنهب مهما كان سببه، وإذ ~~ارتفع في المدينة صراخ اليأس والاضطراب تمازجهما طلقات البارود، فأصغى حليم وسأل ما هذا؟ ثم ~~علم أن الجنود قد أخذوا كل ما في ثكناتهم من الرصاص وهجموا بقيادة رؤسائهم على جماعات ~~الثائرين يفتكون بهم فتكا ذريعا، فدارت بين الفريقين رحى حرب حقيقية سالت بها الدماء، ~~وكانت لتلك الدماء على أشعة النيران المتقدة حولها بين حشرجة القتلى وولولة النساء وصراخ ~~الرجال منظر مريع. # وكان حليم يسرح نظره من ms50 بعيد في المشاهد الفظيعة التي كان يراها أمامه وهو مشتغل البال ~~بها لا يقدر على رد شيء منها، ومضطرب الفكر لما عسى أن يكون قد جرى للفتاة العزيزة التي ~~شاهدها في البستان عند «قرية الدخول» وكان يفكر بها، لكنه بعد برهة سمع هديرا عظيما ~~قريبا فعلم أنه صوت انهدام القصور المحترقة، ثم سمع أصوات القتل والبنادق أقرب منه مما ~~كانت، فرأى أن يخرج من المدينة فرارا من البلاء ما دام لا يقدر أن يرده، فأخذ رفيقه وخرج ~~معه من المدينة بنفس متألمة أشد ألم، وقصدا أكمة قريبة مشرفة على المدن الثلاث وكانت مغروسة ~~أشجارا يتفيأ السكان ظلها في حر الهجير، فشاهدا منها مشهدا جميلا مريعا، فإن ألسنة ~~النار كانت تندلع في المدن الثلاث فتنير الأفق بنور تخالطه سحب من الدخان القاتم تحت سماء ~~مستترة بالغيوم السوداء، كأن السماء خجلت من أن تشاهد فظائع البشر في الأرض في تلك الساعة، ~~وكانت أصوات القتال ترد من المدن الثلاث في صفاء ذلك الليل فتزيد ذلك المنظر رهبة ~~وفظاعة. # ولكن يظهر أن السماء كرهت أن تبقى واقفة لدى هذه الفظائع الأرضية وقفة المتفرج المشاهد ~~زمنا طويلا، نعم إن صبرها طويل ولكن لكل شيء حدا، ولذلك تناول جوبيتير أقوى صواعقه ~~وأرسلها في الفضاء، فلعلع الرعد فوق تلك المدن الثلاث كإنذار وتهديد للأرض من السماء أن ~~تسكن وتهدأ وإلا أخربتها، ولكن أهل الأرض لم يسمعوا هذا الإنذار لأن أصوات البارود وصراخ ~~القاتلين والمقتولين كانت تصم آذانهم، فحدث حينئذ ما زاد تلك المناظر رهبة وفظاعة، فإن ~~زوبعة هائلة هبت على السهل الذي كانت فيه المدن الثلاث وصارت تكنس كل ما في طريقها، وزأرت ~~الريح وقصفت الرعود ومدت التنانين خراطيمها من السحاب وهطل المطر كأفواه القرب، وكأن الأرض ~~خشيت من السماء قبل البشر ولذلك اهتزت تحت المدن الثلاث بزلزلة شديدة، وهكذا تحالف على ~~المدن الثلاث التعيسة النار والقتل والصواعق والزوابع والزلازل، كأن السماء تخلت عنها وقضت ~~عليها قضاء نهائيا. # وكان حليم في ذلك الحين جالسا مع رفيقه تحت ms51 شجرة والمطر قد بلل ثيابهما، ومع ذلك فقد ~~كانا ينظران باهتمام إلى تلك المدن وينتظران طلوع الفجر، فلما طلع الفجر وصار في إمكانهما ~~أن يلمحا المدن لم يشاهدا فيها - وا أسفاه - سوى خرائب وأكوام سوداء ينبعث الدخان ~~عنها. # فصاح حليم حينئذ: وا حرباه، أهكذا خربت سدوم وعمورة وبابل ونينوي في القرون ~~الماضية؟ # ولما لفظ حليم هذه العبارة وقع نظره على فرسان قادمين من جهة مدينة المال، فلبث يحدق في ~~جهتهم حتى انكشفوا له وكان الفجر قد زاد إشراقا، فدبت حينئذ في نفس حليم قشعريرة شديدة، ~~ذلك أن هؤلاء الفرسان كانوا خمس فتيات، وهن هن اللواتي شاهدهن في البستان قرب قرية الدخول، ~~وكانت حسناؤه صاحبة الحلة البيضاء راكبة في وسطهن كما كانت هناك، فصاح حليم برفيقه: ماذا ~~نصنع الآن، أترى هؤلاء الفتيات بقية من بقي من سكان المدن الثلاث فجئن يلجأن إلى هذه الأكمة ~~فرارا من الزلازل والنار، عزيزي صادق ماذا نصنع، ألا تظن أنهن يجفلن ويخفن منا إذا ~~شاهدننا هنا. # وبعد برهة دنت الفتيات على أفراسهن، وكان في يد كل واحدة منهن منديل تمسح به دموعها من ~~حين إلى حين، وهن بلباس النوم، وكانت وجوههن صفراء كوجوه الموتى، فلما وقع نظر حليم على ~~هذه الوجوه وتلك الدموع لم يتمالك أن بكى ملء عينيه، وقال في نفسه، إن الأبالسة والشياطين ~~حين إتيانهم الشر في الأرض لا يفتكرون أن شرهم لا يقع أشد أذاه إلا على اللواتي هن أقل ~~تحملا له. # ولما صعدت الفتيات إلى الأكمة وشاهدن فيها بشرا أغرقن في البكاء، وصرن لا يرفعن مناديلهن ~~عن عيونهن إلا للنظر إلى المدن وما صارت إليه، فأين بكاء أرميا على أنقاض «ابنة صهيون» من ~~بكاء هؤلاء العذارى على وطنهن المحبوب، لقد فقدن - بفقده - كل شيء، لقد خرجن منه كما ~~يخرج السيف من غمده، فالأهل والمال والمنزل والصداقة ورغد العيش والوطن والعائلة والآمال، ~~كل هذه ذهبت في ليلة واحدة ولم يبق في مكانها غير أكوام الفحم والحجارة وأشلاء القتلى ~~ورائحة الدماء والدخان، فيا أيتها ms52 السماء لماذا كنت قاسية إلى هذا الحد، يا أيها الخالق ~~الحكيم ليتك كنت أكثر رحمة وأشد رأفة؛ لأنه إذا استأهل كل أولئك العتاة القساة عقابك فهؤلاء ~~الضعيفات الطاهرات الرقيقات - وألوف غيرهن - لا يستأهلنه. # وكان حليم في تلك الأثناء منزويا مع رفيقه وقلبه يتقطع حزنا وأسفا، وبعد برهة تقدم وهو ~~يبكي لبكاء الفتيات التعيسات وقال مخاطبا حسناءه وكان يظهر أنها أكبرهن سنا وأرشدهن ~~رأيا: هل تسمح سيدتي في حين كهذا الحين أن أعرض عليها وعلى رفيقاتها خدمتي؟ وكان حليم قد ~~خاطب حسناءه بقلب خلا في تلك الساعة من الحب لأن عاطفة الحب قد غرقت حينئذ في عاطفة الحزن ~~والشفقة والرأفة، وهذا شأن القلوب الكريمة؛ ذلك لأن عاطفة الحب أكثرها مصوغ من عاطفة محبة ~~الذات، وأما عاطفة الحزن والشفقة والرأفة فأكثرها مصوغ من محبة الغير، والقلب الكريم في ~~ساعة كهذه يفتكر بغيره لا بذاته. # فاشتد بكاء الفتيات عند سؤال حليم، وأجابته فتاته: عفوا يا سيدي، ماذا تقدر أن تعمل؟ ~~إن أبانا حاكم المدينة كان أول القتلى، ومنزلنا كان أول المنازل المحروقة، ولولا مساعدة ~~الجند الذين كانوا نياما في دارنا لما نجا منا أحد، بل كان حل بنا ما حل بباقي السكان ~~الذين مات نصفهم بالسيف والنار والرصاص ونصفهم بالزوابع والزلازل، فكل ما نطلبه منك هو أن ~~تصلي إلى الله معنا أن يرحمنا ويعزينا. # ورغبة من حليم في أن يروح هموم الفتاة قليلا ويشغل فكرها عنها ولو دقيقة سألها: ولكن ما ~~الذي دعا إلى هذه الفاجعة الهائلة يا سيدتي بعد ما رأيناه من سكينة الأحزاب؟ # فأجابت الفتاة والدموع ملء عينيها: إنني أنقل لك يا سيدي السبب الذي ذكره لي أبي أمس قبل ~~دخولي إلى غرفة النوم، فإنه أخذ يدي بين يديه وقال لي: أتعرفين سبب كل هذه القبائح يا بنية، ~~سببها الشراهة والأثرة والطمع، ولست أبرئ منها حزبا دون حزب، لأن التبعة واقعة على ~~الجميع، ولا أستغرب أن تخسف بنا الأرض أو تنقض علينا صواعق السماء ما دمنا بعيدين إلى هذا ~~الحد عن ms53 مبدأ الرفق والإخاء. # | الخاتمة # ومما لا يحتاج إلى بيان أن حليما استطاع بعد ذلك تعزية فتاته بعض التعزية، وبما أنها ~~كانت مع شقيقاتها وارثات المدن الثلاث وما يتبعها من السهول، فإنها تولت إعادة بناء هذه ~~المدن لتقيم فيها هيئة مبنية على «الرفق والإخاء» تكفيرا عن سيئات المعيشة القديمة، وقد ~~اختارت حليما زوجا لها وصادقا زوجا لإحدى شقيقاتها ثم زوجت شقيقاتها الثلاث الأخريات ~~ثلاثة شبان من أصدقاء حليم وعاشوا جميعا في تلك الأماكن مع نسلهم وعمالهم ونسل عمالهم ~~معيشة يحسدهم عليها أهل العصر الذهبي، ولا نعلم هل نتمكن يوما من الأيام من وصف هذه ~~المعيشة الفردوسية التي لم تر الأرض مثلها قبلها كما وصفنا معيشة المدن الثلاث القديمة؟ # أما الآن فنكتفي بأن نقول بأن حبيبة حليم لم تنس أن تقيم ثلاثة آثار في ثلاثة أماكن على ~~سبيل التذكار: المكان الأول البستان الذي شاهدت فيه حليما أول مرة عند قرية الدخول، ~~والمكان الثاني الأكمة التي وجدته عليها يوم خراب المدن الثلاث، والمكان الثالث الدار التي ~~قتل بها أبوها الشيخ الرئيس. ms54