######OpenITI# #META# URI: 1340FarahAntun.FalsafatIbnRushd.Hindawi13939717 #META# Tags: philosophy #META# ID: 13939717 #META# Title: فَلسَفَةُ ابنِ رُشْد #META# AuthorID: 62629517 #META# Author: فرح أنطون #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # في فلسفة ابن رشد‏ # شرح الفقرات السابقة‏ # الفلسفة الرشدية عند اليهود‏ # الفلسفة الرشدية وتاريخها في أوروبا‏ # ناشرو الفلسفة الرشدية في أوروبا ومعارضوها‏ # القديس توما‏ # الرهبان الفرنسيسكان‏ # انتصار الفلسفة الرشدية‏ # الفلسفة اليونانية‏ # الفلسفة الحديثة‏ # في فلسفة ابن رشد‏ # شرح الفقرات السابقة‏ # الفلسفة الرشدية عند اليهود‏ # الفلسفة الرشدية وتاريخها في أوروبا‏ # ناشرو الفلسفة الرشدية في أوروبا ومعارضوها‏ # القديس توما‏ # الرهبان الفرنسيسكان‏ # انتصار الفلسفة الرشدية‏ # الفلسفة اليونانية‏ # الفلسفة الحديثة‏ # | فلسفة ابن رشد # | فلسفة ابن رشد # تأليف # فرح أنطون # | في فلسفة ابن رشد # (وفيها أهم آرائه وتعاليمه، وبيان مذهبه المبني على مذهب أرسطو) # قبل الدخول في فلسفة ابن رشد لبسط مبادئها وقواعدها بسطا وافيا كافيا، نرى من الواجب ~~أن ننشر هنا الخلاصة الوجيزة التي نشرناها في الجامعة عن فلسفته في أثناء ترجمته، وكانت ~~السبب في رد الأستاذ، ومتى فرغنا منها هنا عدنا إلى الإسهاب في كل فقرة منها لإيضاحها ~~إيضاحا لا يبقى معه مجال للإشكال إن شاء الله. وبذلك نكون قد شرحنا فلسفة الفيلسوف شرحا ~~مسهبا. وهذا نص هذه الخلاصة بحسب ترتيبها في الجامعة # الفقرة (1) فلسفة المتكلمين # قبل إيضاح # 1 # فلسفة ابن رشد نأتي على آراء المتكلمين «الذين عارضوها» إذ في هذه المقابلة ~~تمام الفائدة ~~«إن المتكلمين - أي علماء الكلام - في الدين الإسلامي (وهم الذين يدافعون عن ~~الإسلام بموجب شريعته) قد وضعوا فلسفة خاصة بهم. وربما لم يكن من الصواب أن ~~تدعى تعاليمهم فلسفة؛ لأنها عبارة عن مباحث دينية محضة، ولكن كل ما جرى فيه ~~كلام عن الخالق عز وجل، وعالم الغيب وما وراء الطبيعة؛ فهو فلسفة. ومن المعلوم ~~أن كلمة فلسفة يونانية الأصل وهي مشتقة من كلمتين: (فيلوس) ومعناها (محبة) ~~وسوفيا ومعناها (الحكمة)، فالفلسفة معناها إذن (محبة الحكمة). وهل في عالم ~~الفكر - الذي هو أشرف العوالم شيء - يستحق أن يسمى حكمة غير البحث في أصل ~~الحكمة ومصدرها الأعلى.» # ففلسفة المتكلمين هذه مبنية على أمرين: الأول حدوث المادة في الكون أي وجودها بخلق ~~خالق. والثاني وجود خالق مطلق التصرف في الكون ومنفصل عنه ومدبر ms01 له . وبما أن الخالق ~~مطلق التصرف في كونه فلا تسأل إذن عن السبب، إذا حدث في الكون شيء؛ لأن الخالق نفسه هو ~~السبب وليس من سبب سواه. إذن فلا يلزم عن ذلك قطعيا أن يكون بين حوادث الكون روابط ~~وعلائق، وكان ينتج بعضها عن بعض؛ لأن هذه الحوادث قد تحدث بأمر الخالق وحده. وفي ~~الإمكان أن يكون العالم بصورة غير الصورة المصور بها الآن، وذلك بقدرة هذا الخالق. # الفقرة (2) رأي ابن رشد في المادة وخلق العالم # أما فلسفة ابن رشد فإنها تناقض الفلسفة التي تقدمت وإليك خلاصة منها ~~«إن أعظم المسائل التي شغلت حكيم قرطبة مسألة أصل الكائنات. وهو يرى في ذلك ~~رأي أرسطو. فيقول: إن كل فعل يفضي إلى خلق شيء إنما هو عبارة عن حركة. والحركة ~~تقتضي شيئا لتحركه ويتم فيه بواسطتها فعل الخلق. وهذا الشيء هو في رأيه المادة ~~الأصلية التي صنعت الكائنات منها، ولكن ما هي هذه المادة؟ هل شيء قابل للانفعال ~~ولا حد له ولا اسم ولا وصف. «بل هي ضرب من الافتراض لا بد منه ولا غنى عنه». ~~وبناء عليه يكون كل جسم أبديا بسبب مادته، أي أنه لا يتلاشى أبدا، لأن مادته ~~لا تتلاشى أبدا. وكل أمر يمكن انتقاله من حيز القوة إلى حيز العمل لا بد له من ~~هذا الانتقال، وإلا حدث فراغ ووقوف في الكون. وعلى ذلك تكون الحركة مستمرة في ~~العالم، ولولا هذه الحركة المستمرة، لما حدثت التحولات المتتالية الواجبة لخلق ~~العالم، بل لما حدث شيء قط. وبناء عليه، فالمحرك الأول الذي هو مصدر القوة ~~والفعل «أي الخالق سبحانه وتعالى» يكون غير مختار في فعله.» # الفقرة (3) اتصال الكون بالخالق # هذا فيما يختص بخلق العالم وهو مذهب قريب جدا من مذاهب الماديين كما ترى، ولكن كيف ~~يستولي المحرك الأول على الكون ويدبره. # لابن رشد في ذلك تمثيل يدل على حقيقة مذهبه في هذه المسألة الخطيرة. فإنه يشبه حكومة ~~الكون أي تدبيره بحكومة المدينة. فإنه كما أن كل شئون المدينة تتفرق وتتجه ms02 إلى نقطة ~~واحدة وهي نقطة الحاكم العام فيها فيكون هذا الحاكم مصدرا لكل شئون الحكومة، ولو لم ~~تكن له يد في كل شأن من هذه الشئون. كذلك الخالق في الأكوان فإنه نقطة دائرتها ومصدر ~~القوات التي تدبرها، وإن لم يكن له دخل مباشرة في كل جزء من هذه القوات. فبناء على ذلك ~~لا يكون للكون «اتصال» بالخالق مباشرة، وإنما هذا الاتصال يكون للعقل الأول وحده. وهذا ~~العقل الأول هو عبارة عن المصدر الذي تصدر عنه القوة للكواكب. وعلى ذلك فالسماء في رأي ~~فيلسوف قرطبة كون حي بل أشرف الأحياء والكائنات. وهي مؤلفة في رأيه من عدة دوائر ~~يعتبرها أعضاء أصلية للحياة. والنجوم والكواكب تدور في هذه الدوائر. أما العقل الأول ~~الذي منه قوتها وحياتها؛ فهو في قلب هذه الدوائر. ولكل دائرة منها عقل أي قوة تعرف بها ~~طريقها، كما أن للإنسان عقلا يعرف به طريقه. وهذه العقول الكثيرة المرتبطة بعضها ببعض ~~والتي تلي بعضها بعضا محكومة بعضها ببعض، إنما هي عبارة عن سلسلة من مصادر القوة التي ~~تحدث الحركة من الطبقة الأولى في السماء إلى أرضنا هذه. وهي عالمة بنفسها وبما يجري في ~~الدوائر السفلى البعيدة عنها. وبناء على ذلك يكون للعقل الأول، الذي هو مصدر كل هذه ~~الحركات علم بكل ما يحدث في العالم. # الفقرة (4) الاتصال # وإن قيل ما هي علاقة الإنسان بالخالق..؟ فالجواب عن ذلك يأخذه ابن رشد - أيضا - عن ~~أرسطو من الفصل الثالث من كتابه «النفس». وخلاصة ذلك أن في الكون عقلا فاعلا وعقلا ~~منفعلا. فالعقل الفاعل هو عقل عام مستقل عن جسم الإنسان وغير قابل للامتزاج بالمادة. ~~وأما العقل المنفعل؛ فهو عقل خاص قابل للفناء والتلاشي مثل باقي قوى النفس. وإنما يقع ~~العلم والمعرفة باتحاد هذين العقلين. ذلك أن العقل المنفعل يميل دائما للاتحاد بالعقل ~~الفاعل، كما أن القوة تقتضي مادة تنفذ فيها والمادة تقتضي شكلا توضع به. وأول نتيجة ~~تحل من هذا الاتحاد تدعى العقل المكتسب، ولكن قد تتحد النفس البشرية بالعقل العام ~~اتحادا أشد ms03 من هذا، فيكون هذا الاتحاد عبارة عن امتزاجها جد الامتزاج بالعقل القديم ~~الأزلي. ولا يتم هذا الاتحاد بواسطة العقل الاكتسابي الذي تقدم ذكره، فإنما وظيفة العقل ~~الاكتسابي إيصاله إلى حرم الخالق الأزلي دون أن يدغمه به. وأما إدغامه واتصاله به فذلك ~~أمر لا يتم إلا بطريق «العلم». فالعلم إذن هو سبب «الاتصال» بين الخالق والمخلوق. ولا ~~طريق غير هذا الطريق. ومتى اتصل الإنسان بالله يتصل الإنسان بالله؟ يتصل به بأن ينقطع ~~إلى الدرس والبحث والتنقيب، ويخرق بنظره حجب الأسرار التي تكتنف الكون، فإنه متى خرق ~~هذا الحجاب ووقف على كنه الأمور، وجد نفسه وجها لوجه أمام الحقيقة الأبدية. # أما المتصوفة فإنهم يقولون إن «الاتصال» يتم بواسطة الصلاة والتأمل والتجرد، وليس ~~العلم ضروريا له. # وبناء على ذلك تكون فلسفة صاحب الترجمة عبارة عن مذهب مادي قاعدته العلم. والكون في ~~رأيه كما مر بك إنما صنع بقوة مبادئ قديمة مستقلة محكومة بعضها ببعض، وكلها مرتبطة ~~ارتباطا مبهما بقوة عليا. ومن هذه المبادئ شيء يستولي على العالم، ويضع فيه العقل؛ ~~فهو عقل الإنسانية، وهذا الشيء الذي يسميه عقلا - أيضا - هو عقل ثابت لا يتغير أي أنه ~~لا يتقدم ولا يتأخر، لا يزيد ولا ينقص. والناس يشتركون فيه، ويستمدون منه بكميات ~~متباينة. على أن من كان منهم أكثر استمدادا منه كان أقرب إلى الكمال والسعادة. # الفقرة (5) الخلود # ولكن هل إن نفس الإنسان خالدة أم لا في هذا المذهب؟ وهل كان ابن رشد يعتقد بحياة ~~ثانية؟ # ربما كان لابن رشد جوابان على هذه المسألة الخطيرة التي هي الآن دعامة عظيمة من دعائم ~~الإنسانية. فإنما في أثناء مطالعاتنا لبعض كتبه قبل الإقدام على ترجمته، رأينا له في ~~عدة مواضع كلاما يدل أصرح دلالة على اعتقاده بالحياة الثانية حتى بالعقاب والثواب - ~~أيضا - فعجبنا كل العجب من تكفير الناس رجلا يرى هذا الرأي، ولكننا لما وصلنا إلى ~~مذهبه الفلسفي، ورأينا متابعته لأرسطو فيما يختص باعتقاده بالنفس وخلق الكون تغير وجه ~~المسألة. ذلك أن ابن رشد كان يكتب هنالك ms04 كرجل مؤمن خاضع لتقاليد آبائه وأجداده؛ فهو ~~يكتب بقلبه لا بعقله. أما عند بحثه بالعقل عن مصدر العقل وعلة العلل؛ فقد كان يكتب ~~كفيلسوف يدخل بجرأة الأسد إلى كهف الحقيقة المحجبة ولا يبالي. ولذلك قلنا إنه ربما كان ~~له في ذلك جوابان: # أما الجواب الأول فيما يختص بالعقاب والثواب؛ فهو قول مشهور، وإنما يزيد عليه ~~ابن رشد وجوب التأويل. وأما جوابه الثاني أي الجواب الفلسفي الذي طلبه بالعقل ~~دون سواه فإليك خلاصته: # قال: «إن العقل الفاعل العام الذي تقدم ذكره من صفاته أنه مستقل ~~ومنفصل عن المادة، وغير قابل للفناء والملاشاة. والعقل الخاص المنفعل ~~من صفاته الفناء مع جسم الإنسان. وبناء عليه يكون العقل العام الفاعل ~~خالدا والعقل المنفعل فانيا، ولكن ما هو العقل الفاعل العام، الذي هو ~~خالد في رأي ابن رشد؟ إن هذا العقل الخالد هو العقل المشترك بين ~~الإنسانية. فالإنسانية إذن هي خالدة وحدها دون سواها. وبناء على ذلك ~~لا يكون بعد الموت حياة فردية، ولا شيء مما يقوله العامة عن الحياة ~~الثانية.» # الفقرة (6) فلسفته الأدبية # أما الفلسفة الأدبية فلم تشغل سوى حيز صغير في مذهب هذا الفيلسوف بإزاء فلسفته ~~المادية. وقد صرف همه في تلك الفلسفة إلى نقض مذهب «المتكلمين» الذين يقولون: إن الخير ~~في يد الله، وأنه يصنعه بالبشر حينما يشاء وكيفما يشاء، وبقدر ما يشاء من غير علة ولا ~~سبب، بل لأن إرادته تقتضي ذلك. فمن رأي ابن رشد في ذلك أن هذا المبدأ ينقض كل مبادئ ~~العدل والحق؛ لأن ذلك يجعل حكومة العالم فوضى، ربما شقي فيها الحكيم الفاضل وسعد الشرير ~~اللئيم. # أما حرية الإنسان؛ فهو يذهب فيها مذهبا معتدلا. فإنه يقول إن الإنسان غير مطلق ~~الحرية تماما ولا مقيدها تماما. وذلك إذا نظر إليه من جهة نفسه وباطنه؛ فهو حر مطلق؛ ~~لأن نفسه مطلقة الحرية في جسمه، ولكن إذا نظر إليه من جهة حوادث الحياة الخارجية، كان ~~مقيدا بها لما لها من التأثير على أعماله. # | شرح الفقرات السابقة # (لإيضاح معانيها وبذلك تنجلي ms05 فلسفة ابن رشد انجلاء تاما) # ذلك ما نشرناه في الجامعة عن ابن رشد. والآن إليك شرحه # الفقرة (1) فلسفة المتكلمين # كل الفلاسفة والعلماء من حين نشأة الفلسفة والعلم إلى اليوم، تنحصر آراؤهم عن الخالق ~~والخالق في رأيين: الأول؛ «وجود خالق حر مختار في أعماله، يهب متى شاء ويمنع متى شاء. ~~وله عناية إلهية تدبر العالم. وهو سبب قوى الطبيعة، أي أن هذه القوى موجودة فيه لا ~~فيها. ووجود نفس بشرية جوهرها خالد لا يفنى». # والرأي الثاني؛ «إن المادة أزلية، أي لا بداية لها. ونشأة الكون، إنما هي من تحول ~~دقائق هذه المادة بقوتها الخاصة تحولا ترتقي به من حالة إلى حالة أسمى. وذلك يقتضي ~~وجود طبيعة ثابتة، ونواميس ووجوب الوجود، وعقل تبنى عليه النواميس، وفناء الإنسان في ~~الكل الذي أخذ منه مع الاعتقاد بوجود خالق، ولكن اعتقادا مبهما». هذان هما الحزبان ~~اللذان تنازعا ويتنازعان العلم والدين. # ومما لا يحتاج إلى بيان أن أنصار جميع الأديان موجودون في كل مكان حتى الأديان ~~الوثنية نفسها من الحزب الأول، لأن كل صفحة من صفحات كتبهم تدل على تلك المبادئ. كما ~~أنه لا يحتاج إلى بيان - أيضا - أن فلسفة أرسطو من الحزب الثاني؛ لأن كل صفحة في كتبه ~~تدل عليها. وقد تابعه في ذلك فلاسفة العرب كابن سينا والكندي والفارابي وابن رشد، ~~فكانوا من الحزب الثاني. # فبعد هذا البيان لا نظن أحدا يلوم الجامعة على وضعها المتكلمين (من المسلمين أو من ~~المسيحيين) في الحزب الأول. ونحن على يقين أن علماء الدين في المذهبين «الإسلامي ~~والمسيحي» لا يرون في ذلك شيئا يسوءهم، ما داموا يطلبون البقاء على المبادئ الإسلامية ~~والمسيحية التي ربوا فيها. ولكن إذا أريد التوفيق بين هذين المبدأين لجعل مذهب المتكلم ~~واللاهوتي موافقا لمذهب الفيلسوف، وذلك بواسطة التأويل فإن المسألة تتخذ وجها آخر. ~~ذلك أن مريدي التوفيق يضطرون حينئذ إلى إهمال كل ما كان في الكتب المنزلة مخالفا ~~لمذهبهم والتفتيش بالفتيلة والسراج، كما يقول العامة، على كل ما يوافقه. فحينئذ ينفتح ~~باب واسع هائل. ms06 وهذا الباب هو تفسير الكتب والآيات كما يشاء المؤول. ومتى ابتدأ الإنسان ~~بالتأويل، فإنه لا يعلم إلى أين ينتهي. وهذا أبلغ سلاح كان في أيدي مناظري ابن رشد. فإن ~~هذا الفيلسوف كان يوجب التأويل للتوفيق بين الدين والفلسفة، وأما هم فإنهم كانوا ~~يقولون: إن تأويلك هذا يخرج الدين عن شرعه ويبدله بدين آخر لا نعرفه. ومما كان يزيد ~~حجتهم قوة ما قرأوه في كتابات الإمام الغزالي من الرد على تلك الفلسفة اليونانية، التي ~~كان ابن رشد يدافع عنا ويدعو إليها. فكانوا يكرهون التوفيق بين الشريعة الإسلامية ~~وفلسفة مردودة منقوصة لم تثبت صحتها. ولو قاموا اليوم من قبورهم الأبدية وسمعوا ما ~~يكتبه الإفرنج من الاستهزاء بفلسفة أرسطو وتلامذته، لأغرقوا في الضحك وعادوا إلى راحتهم ~~الأبدية بنفوس مستريحة؛ لأنها لم تحارب حقا ثابتا. # ففلسفة المتكلمين كما ذكرناها مبنية على قاعدتين: الأولى؛ تنزيه الخالق عن كل قيد. ~~والثانية؛ حفظ الدين من حدوث خرق فيه بواسطة التأويل وتطبيقه على العلم، لاسيما وأن ذلك ~~العلم لم يثبت ثبوتا لا يقبل الجدال. وحسبنا دليلا على ذلك ما ذكره العارف الواحد ~~الصمداني الشيخ محيي الدين بن عربي في كتاب له إلى الإمام فخر الدين الرازي قال: «إن كل ~~موجود عند سبب ذلك السبب محدث مثله، فإن له وجهين وجه ينظر به على سببه، ووجه ينظر به ~~إلى موجده وهو الله تعالى. فالناس كلهم ناظرون إلى وجوه أسبابهم والحكماء والفلاسفة ~~كلهم وغيرهم، إلا المحققين من أهل الله تعالى كالأنبياء والأولياء والملائكة عليهم ~~الصلاة والسلام، فإنهم مع معرفتهم بالسبب ناظرون من الوجه الآخر إلى موجدهم. ومنهم من ~~نظر على ربه من وجه سببه لا وجهه، فقال: حدثني قلبي عن ربي. وقال الآخر وهو «الكامل»: ~~حدثني ربي إذ ما كان وجوده مستفادا من غيره، فإن حكمه عندنا لا شيء، أي أن الأسباب ~~ليست بشيء تذكر؛ لأن وجودها مستفاد من الله. انتهى بحرفه نقلا عن بهاء الدين العاملي. # فمن ذلك يتضح أن قول المتكلمين # 1 ~~(في الإسلام والمسيحية) بأن المادة حديثة ms07 (أي غير أزلية تعني مخلوقة بخلق ~~خالق) وأن الخالق متصرف في الكون مختار في تصرفه، وأن الأسباب موجودة فيه لا في ~~الطبيعة، وأنه متى حدث حادث فلا يلزم عن حدوثه أن يكون ناشئا عن حادث سبقه؛ لأن الله ~~يخلق ما يشاء، وأن العالم قد يكون بصورة أخرى غير الصورة المصور بها الآن، إن هذا القول ~~كله إنما قيل لتقديس ذات الخالق وتنزيهه عن كل قيد، وجعله كلي القدرة في الكون. وكل قول ~~يخالف هذا القول يميل بحكم الضرورة إلى المبدأ الآخر والحزب الآخر الذي تقدم ذكره في ~~صدر الكلام ومفاده تقييد الخالق بنواميس ونظام وطبيعة وسنن. ونحن لا نظن أن جميع رجال ~~الدين يقبلون هذا التقييد، لما وراءه من الأمور التي تنزل المعتقد بها في أحدور هائل لا ~~نذكر شيئا عنه الآن. ولذلك استغربنا أشد استغراب أن يكون بين رجال الدين (مسيحيين أو ~~مسلمين) من يرضى بتقييد الخالق ذلك التقييد، ويحاول إثبات أن المتكلمين لا ينكرون ~~الأسباب، مع أنهم يفتخرون بإنكارها ويرون فيه «الكمال»، كما ورد آنفا في كلام العارف ~~بالله محيي الدين بن عربي. # وبناء على ذلك لا يكون كلامنا هناك عن حدوث المادة وحرية الخالق، ووجود الأسباب فيه ~~وحده مقصورا على رجال الدين الإسلامي، بل هو يشمل جميع رجال الأديان؛ لأنهم كلهم ~~يعتقدون ذلك الاعتقاد - وإن كانوا فيه درجات - وبما أننا سنعود إلى هذا الموضوع في الرد ~~الأول على مقالة الأستاذ الأولى في الباب الثالث؛ فإننا ننتقل منه إلى الفقرة الثانية، ~~ونحن واثقون بأننا شرحنا هذه النقطة في هذه الفقرة شرحا أزال الإشكال فيها. # الفقرة (2) المادة وخلق العالم # كل من طالع شيئا من كتب ابن رشد الفلسفية أو وقف على ما كتبه الفلاسفة عنه، علم أن ~~فلسفته مبنية على أمرين: الأول؛ اعتقاده بقدم المادة، أي أزليتها. والثاني؛ مسألة ~~العقول ووحدانيتها. # أما الأمر الأول وهو (أزلية المادة) فهو مسألة من أهم المسائل التي شغلت أفكار ~~المفكرين. ولذلك وجه الأمير يوسف إلى ابن رشد أول مقابلته له السؤال الذي نشرناه ms08 في ~~الصفحة (13) عنها. ومقتضى هذا الاعتقاد أن المادة الأولى التي صنع الكون منها كانت ~~موجودة بذاتها منذ الأزل أي بدون ابتداء، وإلا وجب أن يقال بأن العالم صنع من العدم، ~~وهذا قول لا يقبله العلم. ولذلك كان ابن رشد يفترض وجود هذه المادة افتراضا، إذ ليس في ~~الإمكان إقامة الدليل على وجودها. وقد وقع ابن سينا قبله في هذه المشكلة أي العجز عن ~~إقامة الدليل على وجود المادة قبل خلق الكون، ولكنه تخلص منها بقسمته العالم إلى قسمين: ~~قسم ممكن وقسم واجب. فالقسم الممكن ما كان حدوثه ممكنا إذا افترض حدوثه، والقسم الواجب ~~ما كان حدوثه واجبا بنفسه ولا يحول شيء دونه. وقد وضعت مادة الكون في القسم الممكن. ~~ولذلك لما كان ابن رشد يبني فلسفته على أزلية المادة، ويعلل الخلق بها كان المتكلمون ~~الذين يناظرونه يهدمون ذلك البناء بكلمة واحدة، وهي قولهم له أنك تبني على افتراض لا ~~على برهان. ومع ذلك فإن ذلك الافتراض لا بد منه. وقد مر الآن على فلسفة اليونان والعرب ~~عشرات القرون، ولا يزال الفلاسفة والعلماء يعتمدون على هذا الافتراض، حتى في هذا العصر ~~لتعليل خلق الكون؛ لأن هذا الافتراض أقرب إلى العقل من قول القائلين بأن الكون مخلوق من ~~العدم. # وقد كان ابن رشد يحج مناظرته في هذا الموضوع بقوله: «إن ظاهر الآيات الواردة في ~~القرآن عن إيجاد العالم تثبت برأيه. فإن قوله تعالى: # وهو ~~الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه ~~على الماء # يقتضي بظاهره وجودا قبل هذا الوجود، وهو العرش والماء، ~~وزمانا قبل هذا الزمان، أعني المقترن بصورة هذا الوجود الذي هو عدد حركة الفلك. وقوله ~~تعالى: # يوم تبدل الأرض غير الأرض ~~والسماوات # يقتضي - أيضا - بظاهره وجودا ثانيا بعد هذا الوجود. ~~وقوله تعالى: # ثم استوى إلى السماء وهي ~~دخان # يقتضي بظاهره أن السماوات خلقت من شيء. انتهى ملخصا من كتابه (فصل ~~المقال). وقد قال الكواكبي رحمه الله في كتابه (طبائع الاستبداد) الذي نشر منذ عامين في ~~تأويل بعض آيات ms09 القرآن تأويلا ينطبق على أقوال العلماء المعاصرين في خلق الكون، ~~والاكتشافات العلمية الحديثة قد اكتشفوا أن مادة الكون هي الأثير، وقد وصف القرآن بدء ~~التكوين فقال: # ثم استوى إلى السماء وهي ~~دخان # نقول ولعل المرحوم الكواكبي أخذ هذا التطبيق الجميل من ابن رشد ~~نفسه. # بقي علينا أن نذكر رأيه في نشأة الكون من تلك المادة الأزلية، وهنا ننقل ما كتبه عن ~~ذلك في الفصل الثاني عشر من كتابه (ما وراء الطبيعة). وقد قال الفيلسوف رنان أن هذا ~~القول أهم الأقوال التي رد بها ابن رشد على مناظريه من المتكلمين في هذا الموضوع. وهذه ~~خلاصته، قال: # في خلق الكون رأيان متناقضان وبينهما عدة آراء. فالرأيان المتناقضان؛ قول بعضهم أن ~~الكون نشأ بالنمو الطبيعي، وقول البعض الآخر أنه خلق خلقا أي أوجد من العدم. أما ~~أنصار النمو الطبيعي فعندهم أن الخلق إنما هو عبارة عن تولد الكائنات، وخروجها بعضها من ~~بعض. والفاعل في ذلك عندهم لا وظيفة له غير تسهيل هذا الخروج والتوليد؛ فهو إذن بمثابة ~~محرك لا غير. وأما أنصار الخلق فعندهم أن الفاعل يوجد الشيء من لا شيء أي من غير أن ~~يحتاج إلى مادة ولا إلى نمو. وهذا الرأي هو رأي المتكلمين في ديانتنا ورأي النصارى - ~~أيضا - خصوصا يوحنا النصراني (يوحنا فيلو بون) الذي يعتقد بأن قوة الخلق والإيجاد ~~موجودة في الفاعل لا في المادة. بقيت الآراء التي هي بين هذين الرأيين المتناقضين، وهي ~~تنحصر في رأيين - أيضا - الرأي الأول؛ مفاده أن قوة الإيجاد والخلق موجودة في الفاعل، ~~ولكن لا يمكن خلق الشيء إلا من شيء. فوظيفة الفاعل هنا إيجاد الهيئة أو الصورة التي يجب ~~أن تخلق المادة بها، ولذلك يدعونه «واهب الصورة» - وهذا مذهب ابن سينا. والرأي الثاني؛ ~~مفاده أن الفاعل في الخلق أو الموجد تارة يكون متصلا بالمادة، وتارة يكون منفصلا ~~عنها. فالمتصل بها كالنار التي تولد النار على سبيل الاتصال. والمنفصل عنها كالنبات ~~والحيوان. وهذا مذهب تميثوس وربما كان مذهب أبي نصر الفارابي أيضا. بقي هنالك ms10 مذهب ~~ثالث وهو مذهب أرسطو. ومفاد هذا المذهب أن الفاعل الموجد يوجد جملة المادة وصورتها ~~معا، وذلك بتحريكها تحريكا يسهل لها الخروج من حيز القوة إلى حيز الوجود. وليست وظيفة ~~الفاعل في هذا المذهب سوى مسهل لها ذلك الخروج وعامل على الاتصال بين المادة والصورة. ~~فكل خلق إذن إنما هو عبارة عن حركة سببها الحرارة، وهذه الحرارة متى انتشرت في الماء ~~والتراب تولدت منها الحيوانات والنباتات التي تتولد من غير لقاح # 2 # والطبيعة تخلق هذا الخلق بهذا الترتيب البديع، كما لو كانت مسوقة إليه بعقل ~~رفيع، مع أنها خالية من هذا العقل. وتلك القوات التي يتم بها الخلق والإيجاد والتي هي ~~ناشئة عن حركة الشمس والكواكب، وتأثيرها في العناصر هي ما كان أفلاطون يسميه «العقول» - ~~ومن رأي أرسطو في هذا المذهب أن الفاعل لا يخلق الصورة خلقا؛ لأنه لو كان ذلك صحيحا ~~لصح خلق الشيء من لا شيء. وإنما الذي جعل بعض الفلاسفة يقعون في هذا الخطأ ويسمون ~~الفاعل «واهب الصورة» توهمهم أن الصورة شيء حقيقي لا صورة. وهذا ما جعل علماء الديانات ~~الثلاث الموجودة في هذا الزمان، يعتقدون بأن الشيء قد يخلق من العدم أي من لا شيء. ~~وبناء على هذا الاعتقاد قال المتكلمون من مذهبنا (الإسلام) بأن الفاعل يوجد الكائنات ~~بلا واسطة، وبذلك يكون كمن يعمل في وقت واحد عملا واحدا جامعا لعدة أعمال متناقضة ~~متقابلة، ولكن هذا المذهب يقتضي أن كل شيء في الكون مفتقر على مداخلة الخالق، فالنار لا ~~تحرق والماء لا تجري مثلا، إلا بخلق خاص وهلم جرا. وفوق ذلك فإنهم يعتقدون بأن ~~الإنسان متى رمى حجرا فإن القوة التي رمى بها ليست بقوته، ولكنها قوة الفاعل العام ~~أي الله. وهكذا يفنون نشاط الإنسان وقوته. # ولكن (هوذا) مذهب أغرب مما تقدم وهو: كما أن الله يخرج شيئا من لا شيء؛ فهو يجعل ~~- أيضا - الشيء لا شيء. وبناء على ذلك يكون الإعدام عملا من أعمال الله كما أن ~~الإيجاد من أعماله. فالموت إذن من أعمال الله. ms11 وأما نحن فإننا نعتقد ما يخالف ذلك. ~~نعتقد بأن الإعدام عمل كالإيجاد أي أنه يتبع نظاما مثله، ذلك أن كل شيء وجد إنما هو ~~مستعد بطبيعته للفناء. فالفاعل سواء كان ذلك في حالة الإيجاد أو حالة الفناء لا وظيفة ~~له غير تسهيل خروج، وذلك الاستعداد من حيز القوة إلى حيز الفعل. فالعمدة إذن في ~~الحالتين إنما هي على الفاعل وعلى القوة الكامنة في المادة معا. وينبغي أن لا يفصل ~~بينهما. وإذا وجد أحدهما ولم يوجد الآخر، فلا يحدث خلق ولا يتم شيء. انتهى مذهب ابن رشد ~~في خلق الكون وهو منقول هنا بمعناه لا بحرفه؛ لأننا لخصناه تلخيصا من الصفحة 108 ~~فصاعدا من كتاب رنان في فلسفة صاحب الترجمة وذلك؛ لأن يدنا لم تصل من سوء الحظ إلى ~~النص العربي. فهل يقبل المتكلمون اليوم هذا المذهب. # والذي يتضح مما تقدم أن الخلق إنما هو عبارة عن حركة. وإن كل حركة تستدعي حركة قبلها، ~~وأخرى بعدها ليتم فعل الخلق. # وإن كل ما هو مستعد للوجود يجب أن يخرج من حيز القوة والاستعداد إلى حيز الفعل، وإلا ~~صار في الكون شيء من الوقوف والفراغ. وبما أن الحركة هي سبب هذا الخروج فلولاها لم يحدث ~~شيء في العالم. وقد استشهد رنان على صحة كل ذلك (فوق الشذرة التي عربناها) بالفصل ~~الثامن من كتاب ابن رشد في الطبيعيات الشذرة 176 و184 و155 و157 والفصل الثالث من ~~الشذرة 47 والفصل الرابع منه - أيضا - الشذرة 82. # الفقرة (3) اتصال الكون بالخالق # أما رأي ابن رشد في اتصال الكون بالخالق فينطوي تحته أمران: الأول؛ «أن السماء حيوان ~~مطيع لله تعالى بحركته الدورية»، كما قال في كتابه (تهافت التهافت). والثاني؛ «أن الله ~~يعلم أنواع الأشياء في العالم لا مفرداتها». وتحت هذين الأمرين تنطوي مسألة الاختيار ~~التي هي من أهم مسائل الفلسفة. # أما قوله: إن السماء حيوان حي مطيع لله بحركته الدورية؛ فقد تقدم تفسيره في الفقرة ~~الثالثة. ومنه يظهر أن العالم إنما هو عبارة عن أجرام تدور في الفضاء في ms12 أفلاك خصوصية ~~وحركات دورية. وبما أن هذه الحركات الدورية لا تنشأ إلا عن نفس تحركها وتديرها، وإلا ~~كانت الحركة أفقية أو عمودية؛ فقد وجب أن يكون هنالك نفس محركة، ولكن ما هي هذه النفس ~~المحركة. هل هي الله نفسه سبحانه وتعالى.؟ كلا.. لأن الله منزه عن الاتصال بالكون. ~~وإنما هذه النفس هي ما يسمونه العقل الأول. فالعقل الأول هو محرك العالم وأول ما خلقه ~~الله في العالم. وقد استشهد ابن رشد على ذلك بما جاء في القرآن، من أن الروح هي أول ~~مخلوقات الله. وقال: إن هذه الروح هي العقل الأول، ومن هذا العقل تفرعت العوالم. وهذا ~~العقل متصل بها يصدر القوة والحركة إليها. فالكون إذن متصل به لا بالله. وإنما المتصل ~~بالله العقل الأول الذي يستمد القوة منه. فالله يقبض عليه وهو يقبض عليها. # وبناء على ذلك لا يكون لله علم بالجزئيات التي تحدث في العالم، وإنما يكون له علم ~~بكلياته أي إجمال الأشياء وأنواعها لا مفرداتها. بل إن الله يعلم الجزئيات، ولكنه ~~يعلمها «بعلم غير مجانس لعلمنا بها»، كما قال في كتابه (فصل المقال). وذلك؛ لأن «علمنا ~~معلول للمعلوم به؛ فهو محدث بحدوثه ومتغير بتغيره وعلم الله بالوجود على مقابل هذا فإنه ~~علة للمعلوم الذي هو الموجود. فمن شبه العلمين أحدهما بالآخر فقد جعل ذوات المتقابلات ~~وخواصها واحدة، وذلك غاية الجهل». انتهى قوله في (فصل المقال). ومفاد ذلك أن الفيلسوف ~~لا يعتقد في علم الله بالجزئيات ما يعتقده جميع الناس اليوم. # وإذا كان الله تعالى لا يعلم الجزئيات إلا بعلم غير مجانس لعلمنا فذلك دليل على أنه ~~لا يدبر العالم مباشرة. فشأنه في ذلك شأن حاكم المدينة، فإنه مصدر النظام فيها، ولكن ~~ليس له مداخلة في كل شأن من شئونها مباشرة. ولو كان الله سبحانه وتعالى يدبر العالم ~~مباشرة أي يدير بنفسه كل حركة من حركاته الجزئية والكلية، فإن الشر في العالم يكون ~~صادرا عنه (تعالى الله عن ذلك). فأعظم إكرام وتقديس لله تعالى هو إذن اعتبار عنايته ms13 ~~بالكائنات من قبيل الناموس الثابت الموضوع لها. ففي هذا الافتراض يكون كل خير في العالم ~~صادرا عن الله؛ لأنه أراده وسن السنن الطبيعية له. وكل شر في العالم يكون صادرا ~~عن المادة التي خالفت سننه، أو الإنسان الذي عصاها. # وهذا الفكر الأخير هو لباب فكر أرسطو. # الفقرة (4) الاتصال # إن موضوع الاتصال أي اتصال الإنسان بالباري مسألة من أهم المسائل التي دارت عليها ~~فلسفة ابن رشد والمتكلمين. وهي تقسم إلى مسألتين: المسألة الأولى؛ اتصال الإنسان ~~بالعقل الفاعل بطريق الفكر. والمسألة الثانية؛ اتصاله به بطريق الحواس. # وإيضاحا لهاتين المسألتين نذكر رأي موتك ورنان فيهما، هو مستخلص من كتاب ابن رشد (في ~~ما وراء الطبيعة). # قال ابن رشد: في الكون مادة وعقل: «والعقل نوعان نوع فاعل عام ونوع منفعل. فالعقل ~~الفاعل العام جوهر منفصل عن الإنسان، وهو غير قابل للفناء ولا الامتزاج بالمادة. بل هو ~~الشمس الذي تستمد منه كل العقول. والعقل المنفعل هو عقل في الإنسان مستمد من العقل ~~العام الفاعل الذي تقدم ذكره. وبما أن العقل المنفعل مستمد من العقل الفاعل؛ فهو ~~ميال دائما «للاتصال» به والانضمام إليه. ولذلك تنزع نفس الإنسان إلى الباري، ولكن ~~ميل العقل المنفعل (أي الإنسان) على الاتصال بالعقل العام لا يكفي وحده لحدوث هذا ~~الاتصال. فإن العقل المنفعل لا يتصل بذلك العقل العام بمجرد قواه الطبيعية، بل يجب ~~تعليمه طريق هذا الاتصال. نعم إن العقل المنفعل يصل على العقل العام، وهو ما يسمونه ~~العقل المكتسب أو المستفاد، ولولاه لما قدر الإنسان أن يعلم شيئا، ولكن هذا العقل ~~المكتسب ليس سوى نتيجة ميل العقل المنفعل على العقل العام، ونزوعه إلى الامتزاج به. ~~وإنما الطريق الذي يستطيع به العقل العام ونزوعه إلى الامتزاج به. وإنما الطريق الذي ~~يستطيع به العقل المنفعل الوصول إلى العقل العام والاتحاد به أي معرفته حق معرفته - ~~العلم وحده # 3 ~~. فبالعلم يقف الإنسان على كل شيء، ويصير عارفا كالباري بكل شيء. فطريق ~~الاتصال بالله إذن وطريق السعادة في هذه الحياة إنما هو العلم والدرس. ms14 وما غرض الحياة ~~في هذه الدنيا سوى تغليب الفكر والعقل على الحواس والأهواء والشهوات. ومتى استطاع ~~الإنسان هذا الأمر الصعب؛ فقد أدرك السعادة والجنة في هذه الأرض أيا كان مذهبه ودينه، ~~ولكن هذه السعادة لا يدركها إلا أعاظم الرجال. وهم يدركونها في الشيخوخة بواسطة رياضة ~~العقل والنفس والاكتفاء بما يسد الحاجة أي ترك الفضلات وعدم الافتقار إلى الضروري. ~~وكثيرون منهم لا يدركونها إلا عند وفاتهم وهم على فراش الموت. ذلك لأن هذا الكمال ~~النفساني مناقض للكمال الجسدي. وقد كان أبو نصر الفارابي ينتظر مجيء هذه الساعة في آخر ~~عمره، وإذا لم تأت قال عنها وهو على فراش الموت أنها حديث خرافة، ولكن ما كل الناس ~~مستعدون لقبولها، ولذلك لا يدركها إلا المختارون.» # هذه هي خلاصة فلسفة ابن رشد في المسألة الأولى من مسألتي الاتصال. # وأما المتصوفة؛ فإنهم يقولون: «إن تلك السعادة إنما تدرك بالصلاة والتأمل والتجرد من ~~الجسد لا بالعلم». وعندهم طرق وشرائط لإفناء الإنسان ذاتيته، توصلا إلى الفناء بالله ~~وحينئذ يجوز له أن يقول: أنا الله. وقد قال أحد مؤلفيهم ما خلاصته: «لا تذهب لتسأل ابن ~~سينا عن هذا الحب الإلهي؛ فإنه لا يعرف شيئا من أصول هذا الفن، بل عليك أن تنبذ كل ~~الكتب الفلسفية إذا كان أفلاطون الحقيقي (يعني الله) يدرس في مدرستك». ومما يجب ذكره في ~~هذا المقام أن هذه المبادئ هي في الأصل فارسية وهندية لا إسلامية، وقد ذكرناها هنا ~~لعلاقتها بفلسفة ابن رشد. # أما مسألة الاتصال بالثانية فهي أهم من المسألة الأولى. # ومدار هذه المسألة على هذا الأمر. هل الإنسان يستطيع معرفة العقول والأجرام المفارقة ~~له؛ أي البعيدة عنه في أقاصي الفضاء السماوي # 4 # وهو ما سماه ابن رشد (اتصال الإنسان بالعقل المفارق)، وقد كتب كتابا في ~~هذا الموضوع وتحت هذا العنوان. ومن رأيه أن العقل المنفعل أي الإنسان يستطيع ذلك ~~لسببين: الأول؛ أن العقول والأجرام البعيدة لم يوجدها الباري إلا وأوجد عقولا تدركها ~~وتعرفها، إذ من المحال أن يخلق الباري معقولا دون أن ms15 يوجد عقلا يعقله. والسبب ~~الثاني؛ أن القول بأن العقل لا يعقل الأجرام المفارقة له، إنما قول يحط من قدر العقل ~~البشري ويجعله أدنى من الحواس؛ لأن للحواس محسوسات تحس بها، وما كان للحواس يجب أن يكون ~~للعقل؛ لأنه أرقى منها. ومن ذلك يظهر أن غرض الفيلسوف من هذا الرأي صيانة كرامة العقل ~~ورفع تهمة العجز عنه. وهو رأي ينطبق على لباب فلسفته ومؤيد لها. ولعل هذا المذهب قريب ~~مما ذكره برناردين دي سان بيير في كتابه (الكوخ الهندي) عن علاقة الإنسان بالأجرام ~~السماوية البعيدة؛ فقد قال بلسان الرجل الخارجي ما نصه: «وكنت ألبث ساعات متجها نحو ~~المشرق وعيناي تتأملان في النجوم والكواكب العديدة الطالعة منه. ومع أنني كنت أجهل مصير ~~هذه الأجرام ومبدأها؛ فقد كنت أشعر بأنها مرتبطة بالإنسان، وأحس بأن الطبيعة التي خلقت ~~لنفع البشر بأشياء كثيرة لا تقع تحت نظرهم، يجب أن تكون قد أناطت لهم على الأقل تلك ~~الأشياء التي تحت نظرهم. فكانت نفسي لدى هذه التأملات ترتفع إلى العلا مع الكواكب ~~والنجوم» (الكوخ الهندي) الصفحة 61. # ومهما يكن من القول في مسألتي الاتصال اللتين تقدم ذكرهما، فمما لا ريب فيه أنهما ~~خارجتان عن فلسفة أرسطو لا منها. نعم إن أرسطو وصف في الفصل التاسع من كتابه الأدب ~~السعادة بالعقل في هذه الأرض، ولكنه عاد فقال: «ولكن حياة بالسعادة كهذه الحياة ربما ~~كانت فوق احتمال الإنسانية؛ لأننا لا نجد هذه السعادة بما فينا من البشرية، بل بما فينا ~~من الروح الإلهية» وبذلك راعى حدود الطبيعة البشرية مراعاة تامة. # هذا فيما يختص بالمسألة الأولى. أما رأي أرسطو في المسألة الثانية (أي اتصال العقل ~~المفارق بالإنسان) فلا يعرف الباحثون منه إلا عبارة واحدة، وهي قول أرسطو بعدما تقدم: ~~«وسنبحث في فرصة أخرى إذا كان العقل البشري يستطيع أن يعقل الأشياء البعيدة عنه مع ما ~~بينهما من المسافة أو لا يستطيع ذلك». هذا كل ما كتبه أرسطو في هذا الموضوع، إذ لم ~~يعثر الفلاسفة المعاصرون على قول آخر له فيه. فالظاهر ms16 أن ابن رشد أراد أن يتولى إنجاز ~~الوعد من أستاذه أرسطو فوضع رأيه الذي بسطناه في هذه المادة. فكان شأن هذه العبارة التي ~~بنى عليها ابن رشد مذهبه في اتصال الإنسان بالعقل المفارق، شأن العبارة التي بنى عليها ~~فلاسفة العرب مذهبهم في العقول، مما سنفصله في الباب الثالث. # الفقرة (5) الخلود # وصلنا الآن إلى مسألة المسائل، وأهم المواضيع وهي مسألة الخلود. ويسوؤنا أن كلامنا ~~هناك في هذه المسألة قد حمل على غير محمله. ولعل السبب في ذلك أنه كان مختصرا فصار ~~بالاختصار غامضا، ولذلك نشرحه هنا شرحا يزيل ذلك الغموض. # وقبل الشروع في ذلك نعيد هنا ما ذكرناه في مقدمة تلك الفقرة، وهذا نصه: «إننا في ~~أثناء مطالعتنا لبعض كتبه (ابن رشد) قبل الإقدام على ترجمته، رأينا له في عدة مواضع ~~كلاما يدل أصرح دلالة على اعتقاده بالحياة الثانية حتى بالعقاب والثواب أيضا. نقول: ~~وقد قلنا ذلك ونحن نفكر في ما ذكره ابن رشيد في كتابه (فصل المقال) فيما بين الشريعة ~~والحكمة من الاتصال وهذا نصه: «ولكن إذا كان التأويل واجبا (أي تأويل الآيات الدينية) ~~فهو لا يكون في الأصول مثل الإقرار بالله تبارك وتعالى وبالنبوات وبالسعادة الأخروية ~~والشقاء الأخروي، بل يكون في الفروع. وإن كان في الأصول فالمتأول له كافر، مثل من ~~يعتقد أنه لا سعادة أخروية هاهنا ولا شقاء، وإنه إنما قصد بهذا القول أن يسلم الناس ~~بعضهم من بعض في أبدانهم وحواسهم، وإنها حيلة وإنه لا غاية للإنسان إلا وجوده المحسوس ~~فقط». نقول: ولا ريب أن نشرنا هذه الشذرة في الصفحة 534 من ترجمته في الجزء الثامن يدل ~~على إعطائنا الفيلسوف حقه من نشر ما له وما عليه. # بقي علينا الآن بسط فلسفته في مسألة الخلود فنقول: # يؤخذ من فلسفة أرسطو التي شرحها الفيلسوف رنان في كتابه ابن رشد (الصفحة 123) أن أرسطو ~~يوضح في الفصل الثالث من كتابه في «النفس» أن العقل نوعان: نوع فاعل ونوع منفعل، ولكن ~~النوع الفاعل هو النوع الأصلي؛ لأن المنفعل أو المفعول مستمد ms17 منه. فالفاعل إذن أرقى من ~~المفعول. والفاعل هو عقل بريء من المادة وغير قابل للامتزاج بها ولا للفناء. وأما العقل ~~المنفعل؛ فهو قابل للفناء. انتهى ملخصنا عن رنان من الصفحة 123 التي شرح المؤلف فيها ~~فلسفة أرسطو مستشهدا بألفاظه اليونانية نفسها. # فبعد هذا ينبغي أن نعلم ما هو العقل الفاعل الذي تقدم ذكره، وما هو العقل المنفعل. ~~فنقول: إنه قد ظهر مما تقدم من كلام ابن رشد أنه يريد بالعقل الفاعل ما أراد به أرسطو ~~أي المصدر الذي يستمد منه العالم، القوة والحركة يعني العقل الأول الذي هو مصدرهما. ~~فالعقل الأول البريء من المادة والمفارق للإنسان أبدي خالد لا يفنى. وهذا قول لا خلاف ~~فيه، ولكن ما هو العقل المنفعل؟ هو كما تقدم الكلام عليه الإنسان نفسه أو العقل الذي في ~~الإنسان. فهذا العقل غير خالد خلودا منفردا بنفسه، وإن كان خالدا خلودا بجوهره. # وبيان هذه المسألة الغامضة التي نرويها من قبيل الرواية لا التقرير، أن العقل الذي ~~استمده الإنسان من واهب العقل لا يعيش بعد الموت مستقلا وحده، كما يعتقد العامة، بل له ~~حياة أخرى مجهولة. ذلك؛ لأن العقل الفاعل لا يفنى من حيث نوعه؛ لأن جوهره خالد أبدي، ~~وإن كان فانيا من حيث الإنسان الذي أودع فيه، ولكن ما هي الحياة التي تكون له بعد ~~الموت؟ أهي فناء في الكل الأبدي الذي أخذ منه فيكون موجودا أو فانيا في وقت واحد. أم ~~هي شيء آخر؟ الله أعلم. # ولسنا نزعم أن هذا المذهب هو مذهب ابن رشد وأرسطو حرفيا؛ فإن أقوال المفسرين متضاربة ~~في هذا الموضوع وكل واحد منهم يفسره كما يشاء. فبعضهم يقول: إن أرسطو قد صرح بأن العقل ~~المنفعل أو المفعول فان، وهو تصريح كاف للدلالة على فكره. وبعضهم يقول: بل إن روح ~~فلسفته تدل على خلاف هذا القول. وكذلك قولهم في رأي ابن رشد في هذا الشأن لا يخلو من ~~نظر. فمنهم من يرى أن ابن رشد يكرر مرارا أن العقل المنفعل غير مفارق للإنسان ولا ms18 هو ~~خالد. ولذلك؛ فإنه يعتقد بأنه فان مع المادة. ويستشهدون على ذلك بقوله في بعض المواضع: ~~«إن العناية الإلهية منحت الحي الفاني المقدرة على التوالد لتخليد نوعه، وتعزيته بهذا ~~الخلود النوعي عن الفناء».. (ابن رشد تأليف رنان الصفحة 153.) # ومعنى هذه العبارة واضح عند بعضهم وغامض عند البعض الآخر. أما الأولون؛ فإنهم ~~يفسرونها بقولهم: إن لابن رشد مذهبا خاصا في وحدة العقل في العالم. وبيانه أنه يعتقد ~~أن كل عقل في كل إنسان مصدره واحد، ومأخوذ من نبع واحد، وهو العقل الأول العام الذي ~~تقدم ذكره. فالعقل الذي في كل إنسان إذن هو واحد. وقد كان هذا المذهب من أضعف الجوانب ~~في الفلسفة الرشدية، ولذلك سهل على أعدائه نقضه في أوروبا. وقد كان القديس توما يصيح ~~بأنصار ابن رشد: هل تزعمون أن العقل الذي كان في أفلاطون وأرسطو، والعقل الذي في قطاع ~~الطرق واللصوص هو واحد. # فهذا المذهب يجعل للإنسانية عقلا واحدا وهو ما سميناه عقل الإنسانية، وبحسب رأي ابن ~~رشد فيه يكون هذا العقل خالدا في الأرض دون سواه. أي أن الإنسانية تبقى في الكون ~~متعاقبة قرونا بعد قرون، وأجيالا بعد أجيال، إلى ما شاء الله. فهي خالدة بالحياة لا ~~بالموت. # ولكن إذا نظر إلى تعليم ابن رشد من وجه آخر استطاع الناظر أن يستخرج منه رأيا آخر. ~~مثال ذلك أن ابن رشد يقول إن الحس والذاكرة والحب والبغض مفارقة لعقل الإنسان بعد ~~الموت، فالنفس التي فيه تتجرد منها، ولكن يبقى لها العقل أي أنها لا تفنى. وهذا القول ~~استخرجه من فلسفة أرسطو الباحثون فيها بحثا، يقصدون به تطبيقها على الدين كالقديس توما ~~وألبر. ومن ذلك يظهر أن النص في هذه المسائل حكمه حكم لا شيء، وإنما العمدة على التأويل ~~والتفسير والتأويل حياة وروحا يوافقان مذهبه. وهذا هو السبب في اختلاف الفلاسفة في ~~تفسير فلسفة أرسطو وجميع الكتب الشرائعية العليا، التي يرجع إليها البشر في شئونهم ~~الروحية كالقرآن والإنجيل والتلمود وغيرها. # فمن كل ذلك يظهر أن في فلسفة ابن رشد ms19 شيئا من التناقض. ولعله معذور فيه. وأشد ذلك ~~التناقض ظهورا إنما كان في قوله: إن سبب ضعف بصر الشيخ ضعف عينه الباصرة لا ضعف قوة ~~البصر فيه. فلو كان للشيخ باصرة الفتى لاستطاع النظر كما ينظر الفتى. ثم يقول: إن ~~الرقاد خير دليل على بقاء النفس؛ فإنه بينما تكون كل آلات النفس في النوم هامدة ساكنة ~~كأنها معطلة تكون النفس مستمرة الفعل في الجسم. ذلك لأن العقل أو النفس غير مرتبطة بشيء ~~من أعضاء الجسم، ولذلك تبقى منفردة مستقلة فاعلة مع سبات تلك الأعضاء. وهكذا يصل ~~الفيلسوف إلى الاعتقاد ببقاء النفس (أي الخلود) اعتقاد العامة به. # نقول: فهذا قول يدل أصرح دلالة على اعتقاد ابن رشد ببقاء النفس لو لم يردفه ببحث آخر ~~فيها ما خلاصته: إن العقل لا يتجزأ على عدد الأفراد، وأنه واحد في سقراط وأفلاطون، وبما ~~أنه لا شخصية له فالشخصية ناشئة عن الحواس. فالإنسان شخص مفرد من حيث الحواس لا من حيث ~~العقل؛ لأن العقل لا يتجزأ، ومن ذلك تنشأ مبادئ مخالفة للمبدأ السابق (راجع ابن رشد ~~تأليف رنان الصفحة 154 و155). # هذه هي آراؤه المتناقضة في هذا الموضوع. فلا ريب أنك بعد اطلاعك عليها تذكر قولنا ~~في الفقرة الخامسة التي فيها الخلاف «رأينا له في عدة مواضع كلاما يدل أصرح دلالة على ~~اعتقاده بالحياة الثانية حتى بالعقاب والثواب - أيضا - ذلك أن ابن رشد كان يكتب هنالك ~~كرجل مؤمن خاضع لتقاليد آبائه وأجداده؛ فهو يكتب بقلبه لا بعقله. أما عند بحثه بالعقل ~~عن مصدر العقل وعلة العلل؛ فقد كان يكتب كفيلسوف يدخل بجرأة الأسد إلى كهف الحقيقة ~~المحجبة ولا يبالي». نقول: وقد كان في ذلك إشارة إلى تلك المتناقضات. # بقي ما جاء في ختام الفقرة وهذا نصه: وبناء على ذلك لا يكون بعد الموت حياة فردية، ~~ولا شيء مما يقوله العامة عن الحياة الثانية. وإليك تفسير هذا القول الغامض. # إن المقصود بذلك إن الفيلسوف لا يعتقد بحشر الأجساد اعتقادا صريحا. أي أنه لا يعتقد ~~بأن الإنسان ms20 يكون في الحياة الأخرى فردا ناطقا آكلا شاربا متزوجا كما يقول العامة. ~~بل هو لا يعتقد - أيضا - بوجوب الثواب والعقاب اعتقادا صريحا. وإليك ما قاله في ~~تلخيصه كتاب لأفلاطون، من الأوهام المضرة اعتبار الناس الفضيلة والخير واسطة للوصول إلى ~~السعادة؛ فإن الفضيلة إذا أنزلت في هذه المنزلة لم تعد فضيلة. ذلك أن الإنسان لا يحرم ~~نفسه الملاذ إلا وهو يؤمل أن يعوض عليه مثلها وزيادة. والشجاع لا يطلب الموت في ~~الحرب إلا فرارا من شر أعظم من شر الحرب. # والحكيم لا يحترم مال غيره إلا لينال بعد ذلك مضاعف ذلك المال (راجع رنان الصفحة ~~156) وفي موضع آخر يعنف أفلاطون تعنيفا شديدا؛ لأنه وصف في أحد كتبه حالة النفوس في ~~الآخرة فقال في تعنيفه: «إن هذه الخرافات لا تفيد شيئا بل هي تفسد عقول العامة، ~~وخصوصا الأولاد دون أن تعود عليهم بنفع ما. وإنني أعرف أناسا ينبذون كل هذه الأوهام، ~~ومع ذلك فإنهم لا ينقصون فضلا وفضيلة عن الذين يعتقدون بها» (راجع رنان الصفحة ~~157). # فمن هذا القول الأخير يظهر أن لابن رشد في هذه المسألة هما غير هم البحث العلمي. ولا ~~غرابة في ذلك؛ فإن جميع الفلاسفة العقلاء الذين تخيفهم سطوة المبادئ المادية الدنيئة ~~على العالم لخنق ما فيه من الخير بقوة الشراهة والأثرة يهتمون به أشد اهتمام. ولذلك لم ~~يكن يجادل مناظريه في حقيقة هذا الاعتقاد ولكن في صفته. فقد كان يقول إن الاعتقاد بمعاد ~~الأجسام قد نصت عليه الشرائع، فلا يجب أن يتعرض له بقوة مثبت أو مبطل، ولكن يجب أن يقال ~~أن الأجسام التي تعود بعد الموت «لا تعود بالشخص، بل تعود أمثال هذه الأمثال؛ لأن ~~المعدوم لا يعود بالشخص - كما قال أرسطو - في كتابه الكون والفساد. وإنما يعود الوجود ~~لمثل ما عدم لا لعين ما عدم». ومعنى هذا أن النفس تتخذ جسما آخر غير جسمها الحالي؛ لأن ~~هذا الجسم يفنى بالتراب ولا يعود من غير أسباب. أما الإمام الغزالي فقد كان يقول: «في ~~خزانة المقدورات عجائب وغرائب ms21 لم يطلع عليها ينكرها من يظن أن لا وجود إلا لما ~~شاهده. ولم يبعد أن يكون في أحياء الأبدان منهاج غير ما شاهده. وقد ورد في بعض الأخبار ~~أنه يغمر الأرض في وقت البعث مطر قطراته تشبه النطف ويختلط بالتراب. فأي بعد في أن ~~يكون في الأسباب الإلهية أمر يشبه ذلك، ويقتضي انبعاث الأجساد واستعدادها لقبول النفوس ~~المحشورة» (راجع تهافت الفلاسفة للإمام الغزالي). # ربما أننا ذكرنا هنا هذه المسألة، فجدير بنا أن ننقل الفقرة الجميلة التي كتبها ابن ~~رشد في هذا الموضوع؛ فإنها كلها فوائد فرائد فرائد وهذا نصها بالحرف الواحد نقلا عن ~~كتابه تهافت التهافت، الذي رد به على الإمام الغزالي. قال رحمه الله تعالى: ~~«ولما فرغ (أبو حامد الغزالي) من هذه المسألة أخذ يزعم أن الفلاسفة ينكرون ~~حشر الأجساد، وهذا شيء ما وجد لواحد ممن تقدم فيه قول. والقول بحشر الأجساد ~~أقل ما له منتشرا في الشرائع ألف سنة (كذا) والذين تأدت إلينا عنهم الفلسفة ~~دون هذا العدد من السنين (كذا) وذلك أن أول من قال بحشر الأجساد هم أنبياء بني ~~إسرائيل الذين أتوا بعد موسى عليه السلام، وذلك بين من الزبور ومن كثير من ~~الصحف المنسوبة لبني إسرائيل. وثبت - أيضا - ذلك في الإنجيل، وتواتر القول به ~~عن عيسى عليه السلام وهو قول الصابئة. وهذه الشريعة (الصابئة) قال أبو محمد بن ~~حزم أنها أقدم الشرائع. بل القوم يظهر من أمرهم أنهم أشد الناس تعظيما لها (أي ~~شريعة بعث الأجساد) وإيمانا بها، والسبب في ذلك أنهم يرون أنها تنحو نحو تدبير ~~الناس الذي به وجود الإنسان بما هو إنسان، وبلوغه سعادته الخاصة به، وذلك أنها ~~ضرورية في وجود الفضائل الخلقية للإنسان والفضائل النظرية والصنائع العملية. ~~وذلك أنهم يرون أن الإنسان لا حياة له في هذه الدار إلا بالصنائع العملية، ولا ~~حياة له في هذه الدار ولا في الدار الآخرة إلا بالفضائل النظرية. وإنه ولا واحد ~~من هذين يتم ولا يبلغ إليه إلا بالفضائل الخلقية. وإن الفضائل الخلقية لا ~~تمكن ms22 إلا بمعرفة الله تعالى وتعظيمه بالعبادات المشروعة لها في ملة ملة مثل ~~القرابين والصلوات والأدعية ، وما يشبه ذلك من الأقاويل التي تقال في الثناء على ~~الله تعالى وعلى الملائكة والنبيين. ويرون بالجملة أن الشرائع هي الصنائع ~~الضرورية المدنية التي تؤخذ مباديها من العقل والشرع، ولاسيما ما كان منها ~~عاما لجميع الشرائع وإن اختلقت في ذلك بالأقل والأكثر. ويرون مع هذا أنه ينبغي ~~أن يتعرض بقول مثبت أو مبطل في مباديها العامة مثل هل يجب أن يعبد الله أو لا ~~يعبد. وأكثر من ذلك هل هو موجود أم ليس بموجود. وكذلك يرون في سائر مباديه مثل ~~القول في السعادة الأخيرة وفي كيفيتها؛ لأن الشرائع كلها اتفقت على وجود أخروي ~~بعد الموت وإن اختلفت في صفة ذلك الوجود، كما اتفقت على معرفة وجوده وصفاته ~~وأفعاله وإن اختلفت فيما تقوله في ذات المبدأ وأفعاله بالأقل والأكثر. ولذلك هي ~~متفقة في الأفعال التي توصل إلى السعادة التي في الدار الآخرة وإن اختلفت في ~~تقدير هذه الأفعال. فهي بالجملة لما كانت تنحو نحو الحكمة بطريق مشترك للجميع ~~كانت واجبة عندهم؛ لأن الفلسفة إنما تنحو نحو تعريف السعادة لبعض الناس العقلاء ~~وهو من شأنه أن يتعلم الحكمة. والشرائع تقصد تعليم الجمهور عامة، ومع هذا فلا ~~نجد شريعة من الشرائع إلا وقد نبهت بما يخص الحكماء، وعنيت بما يشترك فيه ~~الجمهور. ولما كان الصنف الخاص من الناس إنما يتم وجوده وتحصيل سعادته بمشاركة ~~الصنف العام، كان التعليم العام ضروريا في وجود الصنف الخاص وفي حياته. أما في ~~وقت صباه ومنشئه فلا يشك أحد في ذلك، وأما عند نقلته إلى ما يخص فمن ضرورته ~~ألا يستهين بما يشاغله، وأن يتأول لذلك أحسن تأويل، وأن يعلم أن المقصود بذلك ~~التعليم هو ما يعلم لا ما يخص وإنه إن صرح بشك في المبادئ الشرعية التي نشأ ~~عليها أو بتأويل أنه مناقض للأنبياء صلوات الله عليهم وصارف عن سبيلهم؛ فإنه ~~أحق الناس بأن ينطق عليه اسم الكفر، وتوجب له في الملة ms23 التي نشأ عليها عقوبة ~~الكفر. ويجب عليه مع ذلك أن يختار أفضلها في زمانه، وإن كانت كلها عنده حقا ~~وإن يعتقد أن الأفضل ينسخ بما هو أفضل منه. ولذلك أسلم الحكماء الذين كانوا ~~يعلمون الناس بالإسكندرية لما وصلتهم شريعة الإسلام وتنصر الحكماء الذين كانوا ~~ببلاد الروم لما وصلتهم شريعة عيسى عليه السلام. ولا يشك أحد أنه كان في بني ~~إسرائيل حكماء كثيرون، وذلك ظاهر من الكتب التي تلقى عند بني إسرائيل المنسوبة ~~إلى سليمان عليه السلام. ولم تزل الحكمة أمرا موجودا في أهل الوحي وهم ~~الأنبياء، ولذلك أصدق كل قضية هي أن كل نبي حكيم وليس كل حكيم نبيا، ولكنهم ~~العلماء الذين قيل فيهم أنهم ورثة الأنبياء. وإذا كانت الصنائع البرهانية في ~~مباديها للصادرات والأصول الموضوعة فبالحري يجب أن يكون ذلك في الشرائع ~~المأخوذة من الوحي والعقل. وكل شريعة كانت بالوحي فالعقل يخالطها. ومن سلم أنه ~~يمكن أن يكون هاهنا شريعة بالعقل فقط؛ فإنه يلزم أن يكون ضرورة أن تكون أنقص من ~~الشرائع التي استنبطت بالعقل والوحي. والجميع متفقون على أن مبادئ العمل يجب أن ~~تؤخذ تقليدا إذ كان لا سبيل إلى البرهان على وجوب العمل إلا بوجود الفضائل ~~الحاصلة عن الأعمال الخلقية والعملية. فقد تبين من هذا القول أن الحكماء ~~بأجمعهم يرون في الشرائع هذا الرأي، أعني أن يتقلد من الأنبياء والواضعين مبادئ ~~العمل والسنن المشروعة في ملة ملة. والممدوح عندهم من هذه المبادئ الضرورية ~~هو ما كان منها أحث للجمهور على الأعمال الفاضلة حتى يكون الناشئون عليها أتم ~~فضيلة من الناشئين على غيرها مثل كون الصلوات عندنا، فإنه لا يشك في أن الصلاة ~~تنهى عن الفحشاء والمنكر كما قال الله تعالى، وأن الصلاة الموضوعة في هذه ~~الشريعة يوجد فيها هذا الفعل أتم منه في سائر الصلوات الموضوعة في سائر ~~الشرائع، وذلك بما شرط في عددها وأوقاتها وأذكارها وسائر ما شرط فيها من ~~الطهارة ومن المتروك أعني ترك الأفعال والأقوال المفسدة لها. وكذلك الأمر فيما ~~قيل في المعاد فيها ms24 هو أحث على الأعمال الفاضلة مما قيل في غيرها. ولذلك كان ~~تمثيل المعاد لهم بالأمور الجسمانية أفضل من تمثيله بالأمور الروحانية كما قال ~~الله تعالى: # مثل الجنة التي وعد ~~المتقون تجري من تحتها الأنهار # وقال النبي عليه ~~السلام: (فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر). وقال ابن عباس ~~(رضى الله عنه): ليس في الدنيا من الآخرة إلا الأسماء. فدل على أن ذلك الوجود ~~نشأة أخرى أعلى من هذا الوجود، وطور آخر أفضل من هذا الطور. وليس ينبغي أن ينكر ~~ذلك من يعتقد أنا ندرك الموجود الواحد ينتقل من طور إلى طور مثل انتقال الصور ~~الجمادية إلى أن تصير مدركة ذواتها وهي الصور العقلية. والذين شكوا في هذه ~~الأشياء وتعرضوا وأفصحوا به، إنما هم الذين يقصدون إبطال الشرائع وإبطال ~~الفضائل، وهم الزنادقة الذين يرون أن لا غاية للإنسان إلا التمتع باللذات، هذا ~~مما لا يشك أحد فيه. ومن قدر عليه من هؤلاء فلا يشك أن أصحاب الشرائع والحكماء ~~بأجمعهم يقتلونه. ومن لم يقدر عليه؛ فإن أتم الأقاويل التي يحتج بها عليه وهي ~~الدلائل التي تضمنها الكتاب العزيز، وما قاله هذا الرجل (يعني الغزالي) في ~~معاندتهم هو جيد. ولا بد في معاندتهم أن توضع النفس غير ثابتة، كما دلت عليه ~~الدلائل العقلية والشرعية، وإن توضح أن التي تعود هي أمثال هذه الأمثال التي ~~كانت في هذه الدار لا هي بعينها؛ لأن المعدوم لا يعود بالشخص، وإنما يعود ~~الوجود لمثل ما عدم لا لعين ما عدم كما بين أبو حامد. ولذلك لا يصح القول ~~بالإعادة على مذهب من اعتقد من المتكلمين أن النفس عرض، وأن الأجسام التي تعاد ~~هي التي تعدم. وذلك أن ما عدم ثم وجد فإنه واحد بالنوع لا واحد بالعدد، بل ~~اثنان بالعدد، وبخاصة من يقول منهم أن الأعراض لا تبقى زمانين». انتهى كلام ~~ابن رشد في خاتمة كتابه (تهافت التهافت). # والجدير بالانتباه مما تقدم ثلاثة أمور ~~: # الأمر الأول: # اكتفاء الفيلسوف بالوحي في تلك ms25 المسألة ورغبته في عدم عرضها على ~~العقل مع تأويل صفتها تأويلا ينطبق على العقل. وهذه هي طريقته في كل ~~المسائل التي كان يحتك بها الدين بالعلم أو العلم بالدين. # والأمر الثاني: # تسامح ابن رشد وتساهله بشأن باقي الأديان. فإن قوله: إن الحكيم لا ~~يتعرض للشرائع بقول مثبت أو مبطل في مبادئها العامة، وإن الشرائع كلها ~~نبهت بما يجب تنبيه الخاصة والعامة إليه، وأنه لا يجوز الاستهانة بها ~~والتصريح بشك في مباديها، بل يجب تأويلها أحسن تأويل؛ لأنها كلها حق، ~~وإن الفضائل الخلقية لا تمكن إلا بالعبادات المشروعة للبشر في ملة ~~ملة (أي في كل الملل) مثل القرابين والصلوات وما يشبه ذلك، وإن الحكماء ~~يوجبون على الناس تقليد الأنبياء والواضعين «في كل ملة» لأن المبادئ ~~التي وضعوها لا يقصد بها إلا حث الجمهور على الأعمال الفاضلة. هذه ~~الأقوال ستبقى في كتاب (تهافت التهافت) دليلا على شرف نفس المؤلف ~~ونزاهته التامة وكماله الأدبي الذي لا تزحزحه أهواء الخاصة والعامة. ~~وكأنه رحمه الله قد رسم بهذين القولين طريق الألفة الحقيقية في الشرق ~~ودائرة الإخاء الممكنة. كأنه قال بهما: إن جميع الأديان صحيحة في حد ~~ذاتها إذا عمل الناس بفضائلها؛ لأنها كلها لا غرض لها سوى الترغيب في ~~الفضائل لإبلاغ الإنسان السعادة في الدارين. كأنه قال: إن الذي يطعن في ~~أحد الأديان ليثني على دين آخر سواء كان ذلك بحق أو من غير حق يكون كمن ~~يطعن على جميع المبادئ الدينية العامة المشتركة بين جميع الملل، وبذلك ~~يخرج عن دائرة الفضيلة الدينية والمبادئ الأدبية. فنحن ننحني هنا ~~باحترام أمام أبي الوليد لشكره على هذا القول الذي أظهر به نزاهته. ~~ونهديه هذا الشكر باسم النبت الجديد في الشرق، أي الناشئة الجديدة ~~المجتمعة على مبادئ الإخاء والإنسانية. # بقي الأمر الثالث: # وهو اهتمامه بأمر الزنادقة الذين يقصدون «إبطال الشرائع وإبطال ~~الفضائل» وإيجاب قتلهم على كل من يقدر عليهم. # فنقول في هذا بكل حرية أننا كنا ننتظر من أبي الوليد تساهلا أكثر من هذا التساهل، ~~لأن القتل في ms26 شريعة الإنسانية الحقيقية محرم أيا كان سببه، ولكن لا يجب أن ننسى أن أبا ~~الوليد رحمه الله إنما كان في هذا الكتاب (تهافت التهافت) يرد على الإمام الغزالي. ~~ولذلك كان فيه أقل جرأة مما كان في غيره. فلا غرابة بعد هذا أن يقصد تقوية حجته بشيء من ~~التطرف والشدة. # ومع ذلك فربما كان لأبي الوليد في هذه المسألة حجة أخرى. وهي رغبته في أن يتنصل من كل ~~شبهة كانت تقع على المشتغلين بالفلسفة في تلك الأزمان، بسبب بعض من أصحاب العقول الجافة ~~الذين يرون في الفلسفة ذرية إلى الانطلاق من كل قيد. # وتأييدا لهذا القول ننقل ما رواه رنان في الصفحة 171 من كتابه (ابن رشد) وهذا نصه ~~بحرفه: «كان خصوم الفلسفة يقولون إن هذه الصناعة تؤدي إلى الاعتقاد بقدم العالم ووجوب ~~وجوده وإنكار البعث والحساب، والمعيشة بلا قيد ولا شريعة جريا مع الشهوات. (قال ~~الغزالي): ومما لا بد من التصريح به أن العلم الطبيعي أدى أحيانا ببعض العلماء ~~المسلمين إلى شيء من المادية. فإن طائفة «الحشاشين» الذين كان الخلفاء والأمراء ~~يرتجلون منهم في قصورهم، إنما كانوا فلاسفة يقطعون أوقاتهم بتأليف كتب في الفلسفة. ولما ~~دخل جيش المغول إلى قصرهم في علموت ذلك القصر الذي كان بمثابة عش للعقبان، وجدوا فيه ~~مدرسة علمية كاملة ومكتبة واسعة وغرفة لدرس العلم الطبيعي بالتجربة والامتحان، ومرصدا ~~للفلك آلاته في غاية الإتقان. وفضلا عن ذلك؛ فإن الفلاسفة عند العرب كانوا على وجه ~~الإجمال قليلي الاهتمام بالعبادات. فإن (ابن سينا) كان يشرب الخمر ويحب الغناء ويعكف ~~على الملاذ ويفعل أفعال الجاهلية. وكثيرا ما كان يصرف الليالي مع تلامذته في هذه ~~الأمور. ولما قيل له مرة أن الخمر محرمة أجاب: «قد حرمت الخمر لأنها تثير الخصام ~~والعداء بين الشاربين. وبما أنني معصوم من ذلك بحكمتي؛ فإنني أتناولها لتنبيه فكري وحث ~~خاطري» (رواه الغزالي). وبذلك كان فلاسفة العرب معتبرين بين أبناء وطنهم بمنزلة ~~«الفجار» في القرن السابع عشر عندنا؛ لأنه يصعب التصديق بأن رجالا واسعي النظر كأولئك ms27 ~~الرجال لم يعلموا من قواعد الدين الرمزية فوق ما كان العامة يعلمونه. وقد قال الغزالي: ~~«وقد نجد أحدهم (أي أحد الفلاسفة) يقرأ القرآن ويحضر الحفلات الدينية والصلوات ويثني ~~على الدين من شفتيه، إذا سئل إذا كنت لا تعتقد بالنبوءات فلماذا تصلي.؟ فإنه يجيب: لأن ~~الصلاة عادة ووسيلة لإنقاذ حياتي من الموت. وهكذا لا يكف عن شرب الخمر وإتيان كل ضروب ~~الشناعات والكفر». انتهى نقلا عن رنان. # نقول: فإذا كان أبو الوليد قد عني بالزنادقة هؤلاء الذين لا يحترمون الفضائل الدينية ~~وينصبون أنفسهم مثالا رديئا للناس وغرضهم إبطال الشرائع والفضائل كما كان غرض ~~«الحشاشين» الذين كانوا بمنزلة الطوائف الفوضوية في هذا الزمان؛ فإن له شيئا من العذر ~~في ما قاله. ولا ريب أنه يكون قد قال ما قاله من صميم قلبه لأن أفعالا كهذه الأفعال ~~تهدم ما تبنيه الفلسفة، وتسد السبيل في وجهها، إذ تنفر العقول منها، ولكن إذا كان أبو ~~الوليد أطلق اسم «الزنادقة» على الباحثين بالعقل والمتطرفين في هذا البحث أكثر منه دون ~~أن ينشأ عنهم ضرر بالفضائل فليس له عذر غير عذر الاتقاء والاحتماء. # والحاصل من كل ما تقدم في هذا الموضوع أن الباحث في فلسفة ابن رشد بحثا عميقا ~~دقيقا يستخرج منها في هذه المسألة نتيجتين متناقضتين - كما تقدم - واحدة سلبية وواحدة ~~إيجابية. وفي هذا القدر كفاية. # ولكن قبل ختام هذا الفصل لا نرى بدا من نشر حكاية صغيرة مختصة بهذا الموضوع، وقد ~~رواها جمال الدين في كتابه (تاريخ الفلاسفة) وعنه نقلها أبو الفرج. ومنها يظهر رأي أحد ~~تلامذة ابن رشد في الموضوع الذي نحن في صدده. وهذا التلميذ هو يوسف بن يهوذا الطبيب ~~الإسرائيلي الذي كان تلميذا لابن رشد وموسى ميمون الفيلسوف المشهور. وقد تقدم أن ~~ميمون هذا هو أكبر دعاة فلسفة ابن رشد بعد وفاته. وقد كتب إليه تلميذه ابن يهوذا ~~المذكور كتابا يدل على ما كان لابن رشد من الشهرة لدى يهود أسبانيا حتى في حياته. وهذه ~~هي خلاصة هذا الكتاب: «لقد أعجبتني أمس ms28 ابنتك «الثريا» الجميلة فخطبتها مخلصا بحسب ~~الشريعة المعطاة لنا على جبل سيناء. ثم تزوجتها بثلاثة طرق : الأول إنني أمهرتها ذهب ~~الصداقة. والثاني أنني كتبت لها ميثاق حب؛ لأنني مولع بها. والثالث بضمها إلى صدري كما ~~يضم الفتى الفتاة العذراء. ثم أنني بعد الحصول عليها بهذه الأمور الثلاثة دعوتها إلى ~~فراش الزواج والحب، ولم أستعمل لذلك لا اللطف ولا العنف. فمنحتني حبها؛ لأنني كنت قد ~~منحتها حبي ومزجت نفسي بنفسها. وقد حدث ذلك كله أمام شاهدين مشهورين وهما الصديقان ابن ~~عبيد الله (أي موسى ميمون) وابن رشد، ولكن هذه الزوجة لم تستقر في فراش الزواج تحت ~~سلطتي حتى أخذت تشرد مني وتطلب عشاقا غيري». # انتهى كتاب ابن يهوذا. وهو يعني بهذه الفتاة «الفلسفة» التي تلقنها من أستاذيه ابن ~~رشد وموسى المذكور. والظاهر أنه لم يبرع فيها، ولم يكن على اتفاق معها حتى قال أنها ~~أخذت تشرد منه. # فابن يهوذا هذا روى عنه جمال الدين مؤلف كتاب (تاريخ الفلسفة) ما يلي. قال: «كنت ~~صديقا حميما لابن يهوذا. ففي ذات يوم قلت له إذا كان حقا أن النفس تحيا بعد مفارقة ~~الجسد وتبقى قادرة على معرفة الأشياء الخارجية؛ فعدني وعدا صادقا أنك إذا توفيت قبلي ~~تأتي وتخبرني بما هنالك، لأعدك بأنني إذا مت قبلك أفعل - أيضا - ذلك. فأجابني إلى هذا ~~السؤال وتواعدنا على هذا الأمر. ثم إنه توفي ومرت بضع سنوات دون أن يظهر لي، ولكنني ~~في ذات ليلة رأيته في الحلم فقلت له: أيها الطبيب. أما وعدتني بأن تأتي بعد الموت ~~وتطلعني على ما جرى لك. فضحك وأدار عني وجهه. فقبضت عليه حينئذ من يده وقلت له: «لا ~~أتركك حتى تخبرني كيف يكون الإنسان بعد الموت». فأجابني: إن العام عاد إلى العام والخاص ~~دخل في الخاص. ففهمت حينئذ كلامه الذي معناه أن النفس التي هي جوهر عام قد عادت إلى ~~الجوهر العام. والجسد الذي هو عنصر خاص قد عاد إلى الأرض مستقر العنصر الخاص. ثم انتبهت ~~وأنا أعجب برشاقة جوابه. # الفقرة (6) فلسفته ms29 الأدبية # مما هو جدير بالذكر أن العرب لم يهتموا بمؤلفات اليونان الأدبية اهتمامهم بمؤلفاتهم ~~الفلسفية والمنطقية والطبيعية. ولعل السبب في ذلك أن مؤلفاتهم الأدبية كانت مخصوصة بهم. ~~مثال ذلك الإلياذة والأوديسة وخطب ذيموستينوس وغيرها. فإن هذه الكتب الأدبية البديعة لا ~~ذكر فيها إلا للمسائل اليونانية الخصوصية التي قلما يهتم بها باقي الناس سوى طلاب ~~البلاغة، ولكن العرب الذين نبغ في لغتهم من عرفنا من الشعراء والخطباء في الجاهلية ~~وبعدها معذورون إذا لم يقتدوا بالإفرنج في طلب البلاغة من المؤلفات اليونانية. # ومع ذلك؛ فإننا نأسف أسفا شديدا لهذا النقص، لأنه لو أقبل العرب يومئذ على مؤلفات ~~اليونان الأدبية إقبالهم على غيرها من مؤلفاتهم، لأضافوا خزائن البلاغة اليونانية إلى ~~خزائن البلاغة العربية. # وقد تقدم في الفقرة السادسة أن فلسفة ابن رشد الأدبية لم تشغل سوى حيز صغير بإزاء ~~فلسفته الطبيعية. وقد كان الخلاف بينه وبين المتكلمين في الفلسفة الأدبية شبيها ~~بالخلاف بينه وبينهم في فلسفته الطبيعية. وسيرد معنا في الباب الثالث عند الكلام على ~~مسألة «الأسباب» أن هذه المسألة هي النقطة التي تدور عليها كل المسائل الفلسفية ~~والدينية بين ابن رشد ومناظريه. فإن مناظري ابن رشد من المتكلمين كانوا يقولون إن الله ~~يصنع الخير؛ لأنه يشاء صنعه. وهو يشاء صنعه لا لسبب داخلي لازم وسابق لإرادته؛ بل عبارة ~~عن إرادة مطلقة غير مقيدة بسنن ونواميس. ولذلك قال لهم ابن رشد في شرحه كتاب أفلاطون في ~~الجمهورية أن مذهبا كمذهبهم ينقض كل مبادئ العدل والحق، ويهدم كل قواعد الدين التي ~~يقولون إنهم يدافعون عنها. وأما حرية الإنسان؛ فهو يقول فيها ما خلاصته: «إن الإنسان ~~غير مطلق الحرية تماما ولا مقيدها تماما، وذلك أنه إذا نظر إليه من جهة نفسه ~~وباطنه؛ فهو حر مطلق؛ لأن نفسه مطلقة الحرية في جسمه، ولكن إذا نظر إليه من جهة حوادث ~~الحياة الخارجية كان مقيدا بها لما لها من التأثير على أعماله». وهو يقول: إن هذا هو ~~السر في أن القرآن يجعل الإنسان تارة مختارا وتارة مقيدا. وهذا ms30 المذهب وسط بين ~~الجبرية والقدرية. وقد شرحه أبو الوليد في كتاب له في إظهار طرق العقائد الدينية. وقال ~~في كتابه في الطبيعيات إنه كما أن المادة الأولى التي صنع العالم منها كانت قابلة لكل ~~الانفعالات التي تحدث فيها بصور مختلفة متقابلة، كذلك نفس الإنسان قابلة لهذه ~~الانفعالات المتقابلة المختلفة، ولها المقدرة على اختيار بعضها دون بعض. # رأيه في السياسة وفي النساء - أما فلسفة ابن رشد السياسية فهي مبنية على فلسفة ~~أفلاطون وقد بسطها في شرحه «جمهورية» هذا الفيلسوف. وخلاصتها أنه يجب إلقاء زمام ~~الأحكام إلى الشيوخ والفلاسفة ليديروها بقسط وعدل. ويجب حث الناس على الفضائل بتعليمهم ~~البيان والعلوم التي تثقف العقل. أما الشعر وخصوصا الشعر العربي؛ فإنه مضر. ولعله ~~رأى أن الشعر العربي مضر لما يكون فيه أحيانا من الغزل الذي يجر إلى التهتك ورغبته ~~في إفناء روح الجاهلية. ومما يقال في هذا المقام أن أبا الوليد كان لا يكره الشعر ~~العربي في حد ذاته، لأنه كان يحفظ شعر حبيب والمتنبي ويكثر التمثيل بهما في مجلسه ويورد ~~ذلك أحسن إيراد «كما قال ابن العبار، ولكن طبيعته لم تكن شعرية. أي أن العقل كان فيه ~~أقوى من القلب، ولذلك كان تحمسه نادرا خلافا للإمام الغزالي. وهذا أمر ظاهر في ~~كتاباته كل الظهور؛ فإنك تراها ثابتة ثقيلة الخطى كأن ألفاظها جبال تتدحرج بعضها وراء ~~بعض بلا وثبة ولا حركة شديدة خلافا لكتابات الغزالي التي يخيل لك أنها مكتوبة بقلم من ~~نار، ولكنك في مقابل ذلك تجد في كتابات أبي الوليد ذلك العقل الرزين المقنع الثابت ~~الجأش الذي يلبث في تلك الجبال المتدحرجة روحا حية تتضوع منها ريح النزاهة والاعتدال. # قال رنان: ويؤخذ من رأي ابن رشد في المملكة أن استغناءها عن القضاة والأطباء كان عنده ~~خير دليل على انتظام شئونها، أما الجيش فلا وظيفة له غير حماية الشعب وحفظه. ولذلك فقد ~~كان يكره الاستبداد العسكري والإقطاعات العسكرية. # أما رأيه في النساء؛ فهو منطبق كل الانطباق على رأي جناب قاسم بك أمين مؤلف ms31 كتاب ~~(تحرير المرأة والمرأة الجديدة)؛ فإنه يرى أن الاختلاف الذي بين النساء والرجال إنما هو ~~اختلاف في الكم لا في الطبع. أي أن النساء طبيعتهن شبيهة بطبيعة الرجال، ولكنهن أضعف ~~منهم في الأعمال. والدليل على ذلك مقدرتهن على جميع أعمال الرجال كالحرب والفلسفة ~~وغيرهما، ولكنهن أضعف من الرجال فيها. على أنهن قد يفقن الرجال في بعض الأمور كفن ~~الموسيقى مثلا، ولذلك كان الفيلسوف يرى أن كمال هذا الفن في أن يكون الواضع أو المؤلف ~~رجلا والموقع أو المنشد امرأة. وقد دلت حالة بعض البلاد في المغرب (أفريقيا) على أن ~~النساء قادرات كل القدرة على الحرب ولذلك لا خوف على المملكة من قبضهن على أزمة ~~الأحكام فيها. # 5 # وقد كان ابن رشد يستشهد على صحة قوله هذا بإناث الكلاب التي تحرس الغنم حراسة شديدة. ~~كحراسة الذكور. وهو يقول في هذه المسألة الخطيرة ما خلاصته: «إن معيشتنا الاجتماعية ~~الحاضرة لا تدعنا ننظر ما في النساء من القوى الكامنة. فهي عندنا كأنها لم تخلق إلا ~~للولادة وإرضاع الأطفال، ولذلك تنفي هذه العبودية كل ما فيها من القوة على الأعمال ~~العظيمة. وهذا هو السبب في عدم وجود نساء رفيعات الشأن عندنا. وفضلا عن ذلك؛ فإن ~~حياتهن أشبه بحياة النبات وهن عالة على رجالهن، ولذلك كان الفقر عظيما في مدننا؛ لأن ~~عدد النساء فيها مضاعف عدد الرجال وهن عاجزات عن كسب رزقهن الضروري. # ومن رأي ابن رشد أن الحاكم الظالم هو ذلك الذي يحكم الشعب من أجل نفسه لا من أجل ~~الشعب. وإن شر الظلم ظلم رجال الدين. وإن أحوال العرب في عهد الخلفاء الراشدين كانت على ~~غاية من الصلاح. فكأنما وصف أفلاطون حكومتهم لما وصف في «جمهوريته» الحكومة الجمهورية ~~الصحيحة التي يجب أن تكون مثالا لجميع الحكومات، ولكن معاوية هدم ذلك البناء الجليل ~~القديم، وأقام مكانه دولة بني أمية وسلطانها الشديد. ففتح بذلك بابا للفتن التي لا ~~تزال إلى الآن قائمة قاعدة حتى في بلادنا هذه (الأندلس). # خاتمة الكلام في فلسفته (ونسبتها إلى فلسفة ms32 أرسطو) # هذا ما رأينا ذكره في هذا الباب بشأن فلسفة ابن رشد. وقد تناولنا كل فقرة من الفقرات ~~المنشورة في صدر هذا الباب نقلا عن «الجامعة» وشرحناها شرحا وافيا. فإذا أخذت الآن ~~كل فقرة منها وعرضتها على الفقرة التي شرحناها فيها؛ اتضحت لك صحة كل ما نشرناه أول مرة ~~عن فلسفة هذا الفيلسوف. # بقي علينا أن نظهر ما في فلسفة ابن رشد من الموافقة لفلسفة أرسطو، وما فيها من ~~المخالفة التي نشأت عن الزيادة عليها فنقول. # إن فلسفة العرب في مسألة «العقول» تنقسم إلى خمسة ~~أقسام ~~: # القسم الأول: # الاعتقاد بوجود عقلين هما في الأصل واحد؛ الأول عقل عام فاعل بريء من ~~المادة، وهو صادر عن المبدأ الأول أي الخالق. والثاني عقل منفعل أو ~~مفعول وهو القوى الإنسانية أو الحيوانية القابلة للانفعال من العقل ~~الأول. # والقسم الثاني: # أن العقل العام الفاعل البريء من المادة عقل خالد لا يقبل الفناء. ~~والعقل المنفعل أو المفعول أي القابل للانفعال يقبل الفناء. # القسم الثالث: # إن العقل العام الفاعل هو بمثابة شمس للعقول تستمد كلها نورها منه. # القسم الرابع: # وحدة هذا العقل الفاعل؛ لأنه لا يتجزأ ولا ينقسم. # القسم الخامس: # اتصال العقل الفاعل بالعقل المنفعل الإنساني حتى بالعقل الحيواني؛ ~~لأنه متى عقل صورة صار هو إياها. # فمما لا ريب فيه قطعيا أن القسم الأول والثاني يدخلان في فلسفة أرسطو؛ لأنه أثبتهما ~~في كتبه. والقسم الثالث يمكن إثباته من كتبه، ولكن بعض الفلاسفة المعاصرين ينكرون ذلك ~~وينقضونه. # بقي القسم الرابع والخامس وهما من موضوعات فلاسفة العرب الذين أدخلوا هذه الزيادات ~~على فلسفة أرسطو، حين شرحهم لها وهم يحسبون أنهم يكملونها ويهذبونها. # | الفلسفة الرشدية عند اليهود # بقي علينا بعدما تقدم من بسط فلسفة ابن رشد أن نذكر تاريخها في ~~أوروبا فنقول: # إن البحث في هذا الموضوع يستغرق كتابا مفردا على حدة؛ لأن ~~تاريخ الفلسفة الرشدية في أوروبا إنما هو تاريخ الفلسفة اليهودية والفلسفة الأوروبية، ~~ولذلك نلتزم الاختصار بقدر الإمكان لئلا يطول هذا الكتاب أكثر مما يجب. # من المعلوم ms33 أنه بعد وفاة ابن رشد كان الفاعل الكبير في إذاعة فلسفته بين اليهود - ~~وبالتالي في أوروبا - عالم يهودي كبير يسميه علماء اليهود «موسى الثاني»، وهو المعروف عند ~~العرب بابن عبيد الله، والمعروف عند اليهود بموسى ميمون الذي تقدم ذكره. # 1 # وقد روى بعض المؤرخين أن موسى هذا كان من تلامذة ابن رشد. وقد أقام ضيفا في منزله في ~~قرطبة إلى يوم اضطهاده ونفيه منها، ولكن بعضهم أثبت أن موسى برح الأندلس قبل نفي ابن رشد ~~بثلاثين سنة، فرارا من الاضطهاد الذي كان يصيب المشتغلين بالفلسفة في بعض الأزمان. ومع ~~ذلك؛ فإن موسى يقول في أحد مؤلفاته إنه كان تلميذا لأحد تلامذة ابن بجا. غير أنه لا يسمى ~~ابن رشد. وأول مرة سماه فيها كانت في كتاب كتبه في سنة 1191 للميلاد من القاهرة ملجئه إلى ~~تلميذه يوسف بن يهوذا الذي تقدم ذكره. وهذا نص هذا الكتاب: «لقد وصلني في المدة الأخيرة كل ~~ما ألفه ابن رشد في تلاخيص أرسطو لكتابه (الحس والمحسوس). وقد ظهر لي أنه قد أصاب كل ~~الإصابة، ولكني لم أتمكن إلى الآن من البحث في مؤلفاته بحثا وافيا». # ومنذ هذا الحين أخذ موسى يدرس فلسفة ابن رشد، ويقابلها بفلسفة أرسطو الأصلية. ثم استخرج ~~من الفلسفتين فلسفة رام تطبيقها على الشريعة اليهودية. فقال: إن العالم غير قديم، أي أن ~~المادة غير أزلية كما يقول الفلاسفة، ولكن ما ذكر في سفر التكوين من خلق العالم لم يقصد به ~~موسى سوى وصف ترتيب الكائنات بعد تكوينها، لا في بدء تكوينها. ومع ذلك؛ فإنه لا يعتقد بأن ~~القول يقدم العالم كفر؛ لأن ذلك يمكن تطبيقه على الشريعة. وهو يعتقد في شخصية العقل أي ~~انقسامه في الإنسان حتى يصير كل عقل فيه نفسا قائمة بذاتها، ما يخالف اعتقاد ابن رشد في ~~هذا الموضوع من بعض الوجوه. وسبب هذه المخالفة رغبته في التسوية بين حزب الفلسفة وحزب الدين ~~الإسرائيلي. وهذه الرغبة جعلته يؤول مسألة البعث وحشر الأجساد تأويلا ظهر فيه ارتباكه ~~واضطرابه. وخوفا ms34 من أن يقع في شيء شبيه بتعليم المسيحيين بشأن الألوهية لم يجسر أن ينسب ~~إلى الله تعالى صفات خصوصية كالوجود والوحدة والأزلية؛ لأن هذه الصفات تجر إلى غيرها وهذه ~~إلى غيرها وهلم جرا. ولذلك قال المقريزي المؤرخ العربي المشهور أن موسى هذا كان يعلم ~~أبناء وطنه الكفر والتعطيل. وقال غيليوم دوفرن طاعنا على الفلسفة، ومستنكرا إقبال اليهود ~~عليها. إن جميع اليهود الخاضعين للعرب في أسبانيا تركوا شريعة إبراهيم وتمذهبوا بمذهب ~~العرب والفلاسفة. # أما رأي موسى في العلم والنبوءة فهو أن العلم ضروري للإنسان إذ به كماله وتمامه. والعالم ~~تبدأ جنته وسعادته في هذه الدنيا، ولكن العلم لا يدركه إلا الخواص، ولذلك لا بد من النبوءة ~~للعوام. وهذا هو السبب في إنزال الله الوحي على الأنبياء. وما الوحي إلا حالة كمال طبيعي ~~يبلغه بعض البشر المختارين، لذلك فهو بمنزلة فيض العقل الفاعل على الإنسان المختار فيضانا ~~مستمرا. # ومما لا يحتاج إلى بيان أن الأكليروس اليهودي قاوم تلك الأصول الفلسفية كما قاومها ~~أكليروس باقي الأديان في كل مكان. وسيرد تفصيل ذلك في موضع آخر، ولكن حزب الفلسفة تغلب على ~~حزب التقليد الديني في بدء الأمر، فاستمر الباحثون اليهود في أبحاثهم الفلسفية إلى أجل ~~مسمى. # ولما هجر اليهود الأندلس إلى بروفنسيا والأقاليم المتاخمة لجبال البيرينة فرارا من ~~الاضطهاد وخالطوا جماعات الإفرنج في بلادهم هجروا اللغة العربية التي كانوا يكتبون ويؤلفون ~~بها، وشعروا بالحاجة إلى ترجمة كتبهم الفلسفية السابقة إلى اللغة العبرانية. فأخذوا منذ ذلك ~~الحين في هذا العمل. وأول من شرع منهم فيه أسرة تدعى أسرة طيبون، أصلها من الأندلس، وقد ~~هاجرت منها إلى لونل في فرنسا. فترجم اثنان من رجالها وهما موسى بن طيبون وصموئيل بن ~~طيبون بعض تلاخيص ابن رشد في فلسفة أرسطو. فكانا أول مترجمي فلسفة ابن رشد إلى لغة أجنبية. ~~وكان الإمبراطور فردريك الثاني - إمبراطور ألمانيا - من محبي نشر الفلسفة ومحالفي الإسلام ~~والمسلمين على الأكليروس المسيحي، كما سيرد تفصيل ذلك، فعهد إلى كثيرين من كتبة اليهود ~~في إخراج فلسفة ms35 العرب إلى اللغة العبرانية واللغة اللاتينية. وكان يهوذا بن سليمان كوهين ~~الطليطلي من مقربيه؛ فألف له في سنة 1247م كتابا سماه (طلب الحكمة) واعتمد فيه على ~~ابن رشد. فكان هذا الكتاب في مقدمة كتب ابن رشد التي صدرت باللغة العبرانية. # ومن الكتاب الذين عهد إليهم الإمبراطور فردريك ترجمة فلسفة العرب، مؤلف يهودي من ~~بروفنسيا كان مقيما في نابولي، وهو يدعى يعقوب بن أبي مريم بن أبي شمشون أنتولي. وكان هذا ~~الكاتب صهرا لعائلة طيبون التي تقدم ذكرها. فترجم للإمبراطور في حوالي سنة 1232 عدة كتب ~~من تأليف ابن رشد، وقد أثنى في خاتمة أحدها ثناء عظيما على الإمبراطور، وتمنى لو يظهر ~~المسيح (أي المسيح الذي ينتظره اليهود) في عهده. ذلك لأن هذا الإمبراطور كان مقاوما ~~للأكليروس المسيحي كما تقدم. # ثم قام بعد ذلك كالونيم بن كالونيم بن مير من مدينة أرل الذي ولد في سنة 1287 وأخذ يترجم ~~كتب ابن رشد إلى اللغة العبرانية. وقد كان هذا الكاتب يعرف اللغة اللاتينية؛ فترجم إليها ~~كتاب (تهافت التهافت) في عام 1328 ثم قام بعده عدة مترجمين. # وهكذا لم يأت القرن الرابع عشر حتى بلغت فلسفة ابن رشد عند اليهود أعلى منزلة. ومما زاد ~~في رفعة سلطانها قيام فيلسوف يهودي يدعى «لاوي بن جرشون» من مدينة بانيول، وهو معروف عند ~~الإفرنج باسم «لاون الأفريقي» فهذا الفيلسوف كان أكبر فلاسفة اليهود في عصره، وقد صنع ~~بفلسفة ابن رشد ما صنعه ابن رشد بفلسفة أرسطو. أي أنه شرح فلسفة ابن رشد شرحا تاما، حتى ~~صار شرحه هذا قرينا لفلسفة ابن رشد، كما كان شرح ابن رشد قرينا لفلسفة أرسطو. وذلك يدل ~~على أن العصور الماضية كانت تؤثر التلخيص على التطويل. ولا غرابة في ذلك؛ فإن الملخص الماهر ~~إنما هو بمثابة الغائص على الدرر واللآلئ، يلتقط الأنفس فالأنفس، ويترك الحشو الممل، ~~الذي كان ضروريا في زمنه، وليس بضروري في كل زمان. # وكان هذا الفيلسوف (لاون) أجرأ فلاسفة اليهود الذين تقدموه. فأقدم على ما أحجم عنه موسى ms36 ~~ميمون (زعيم فلسفة ابن رشد) فقال بقدم العالم وأزلية المادة وباستحالة إمكان الخلق من لا ~~شيء وبأن النبوءة قوة من القوة الإنسانية الطبيعية . وبذلك لوى قواعد الشريعة اليهودية ~~ليطبقها على العلم وجعلها تابعة له. وكان موسى نربون في ذلك الزمن يفعل فعل لاوي جرشون في ~~الفلسفة. # ولكن لم يأت القرن الخامس عشر حتى ضعفت الفلسفة اليهودية وذهب دور الجرأة والجسارة في ~~العلم والفلسفة. وكان آخر فلاسفة اليهود المشهورين إلياس دل مديجو الذي كان أستاذا في كلية ~~بادو. وكانت كلية بادو تدرس يومئذ فلسفة أرسطو، فامتزجت يومئذ فلسفة اليهود الرشدية ~~بفلسفة بادو المبنية على المبادئ العربية. قال رنان: وقد تحققت إن هذه المدرسة تدرس إلى هذا ~~الزمن كتابا لابن رشد في مختصر المنطق نشر في ريفادي ترنتو باللغة اللاتينية في عام 1560. # وفي أوائل القرن السادس عشر انتبه حزب التقاليد الدينية اليهودية من سباته، وأعاد الكرة ~~على الفلسفة. فنشر أحد رجاله وهو ربي موسى المشنيو كتاب (تهافت الفلاسفة) للإمام الغزالي، ~~وذلك حوالي عام 1538 ردا على فلاسفة اليهود الذين كانوا يؤيدون فلسفة ابن رشد وأرسطو. ثم ~~ضعفت هذه الفلسفة شيئا فشيئا بإزاء الفلسفة الحديثة التي أخذت تحل محلها. فمن ذلك يظهر أن ~~الفلسفة الرشدية لولا اليهود لانطفأ نورها في العالم كما انطفأ في الأندلس ولم تصل إلى ~~الأمم الأوروبية. ولذلك كان لليهود فضل على الفلسفة لا ينكر. وكان شأنهم بين العرب وأوروبا ~~شأن النساطرة والسريان بين اليونان والعرب. فكأن العرب أخذوا من اليونان بأيد سريانية ~~نسطورية، وأعطوا أوروبا بأيد يهودية. # | الفلسفة الرشدية وتاريخها في أوروبا # (تمهيد في ترجمة الإفرنج الكتب العربية) # قد يؤخذ من الأسطر السابقة أنه لولا اليهود لما انتشرت فلسفة ابن رشد في أوروبا. والحقيقة ~~أن هذا الانقطاع والاختصاص لا وجود لهما في الطبيعة. فإن فكر البشر بمثابة فضاء لا نهاية ~~له، تتراوح فيه كل النسمات التي تحرك أمواج هوائه. فإذا لم تصل هذه الأمواج بهذه الواسطة ~~وصلت بتلك، إذ ليس في استطاعة أحد أن يوقف وصولها إلى الحد الذي ms37 رسمته لها اليد الأزلية ~~بالأسباب الأزلية التي تدير النظام الأزلي. فلو لم يقم اليهود بنقل فلسفة ابن رشد إلى ~~أوروبا لقام غيرهم، أي الذين يكونون في مكانهم؛ لأن الفراغ مستحيل في النواميس الطبيعية. # ولقد كان في العصور الوسطى دليل على هذا النظام الذي يحكم العالم الأدبي كما يحكم العالم ~~المادي، أي نظام تبادل الأفكار في العالم وامتزاج الأشياء بعضها ببعض. وهذا أمر يذكرنا وا ~~أسفاه بانقلاب الحال وتبدل الزمان؛ فإنه ما كما أن الكتب العلمية والأدبية والفلسفية ~~الجديدة التي تنشر في جميع أقطار أوروبا اليوم لا تصدر حتى ترسل إلى المكاتب الإفرنجية ~~القائمة في شارع شريف باشا والإسماعيلية في مصر، وتعرض في بيوتها الزجاجية على الناس، هكذا ~~كانت الكتب العربية ترسل حال صدورها من القاهرة وبلاد المغرب والعراق إلى مكاتب باريز ~~وكولونيا وغيرها. وربما كانت هذه الكتب أسرع في الانتقال من الكتب الإفرنجية التي تنقل ~~اليوم إلينا؛ لأنها كانت مطلوبة في أوروبا طلبا، وهذه معروضة على الشرق عرضا. # ذلك أن الغرب كان يومئذ مغرما بمعارف الشرق. ولم يكن مغرما بها لذاتها فقط، بل لأنه رأى ~~أن ذلك التمدن الإسلامي العظيم الذي قام بجانبه وفي بلاده، لم يقم إلا بها ولم يبن إلا ~~عليها. ولذلك لم ينكر أخذ العلم عن الأجانب عنه ولم يكره التشبه بهم في فضائلهم وحسناتهم؛ ~~لأنه كان يعلم أن التشبه بالكرام فلاح، وأنه لم يكن يحذو حذوهم ويتلو تلوهم إلا لمحاربتهم ~~بعد ذلك بنفس سلاحهم. وهذا مطابق لما جاء في القول الجليل: «اطلبوا العلم ولو في الصين». # ولقد كان الفضل في الشروع في ترجمة كتب الفلسفة العربية في أوربا إلى اللغة اللاتينية ~~لرئيس أساقفة طليطلة مونستيور دريموند؛ فإن هذا الأسقف أنشأ في طليطلة من سنة 1130 إلى سنة ~~1150 دائرة لترجمة الكتب العربية الفلسفية، أخصها كتب ابن سينا، إذ لم تكن كتب ابن رشد ~~اشتهرت بعد. أما الكتب العربية الطبية والفلكية والرياضية؛ فقد كان سبقه إليها كثيرون مثل ~~قسطنطين الأفريقي وجربرت وأفلاطون دي تريغولي. وقد جعل هذا ms38 الأسقف الأرشيديا كردومينيك ~~كونديسالفي رئيسا لدائرة الترجمة. وكانت هذه الدائرة مؤلفة من مترجمين من اليهود أشهرهم ~~يوحنا الأشبيلي. فأخرجت إلى اللغة اللاتينية كثيرا من مؤلفات ابن سينا. وبعد بضع سنوات ~~ترجم جراردي كريمون وألفريد دي لولاي بعض كتب لأبي نصر الفارابي والكندي. وبذلك كانت أوروبا ~~مديونة لأسقف طليطلة بإدخال فلسفة العرب إليها. ومن الغريب أن الفلسفة التي صنعت في أوروبا ~~بعد ذلك ما صنعته بالدين إذ كان دخوله إليها على يد واحد من أكابر رجال الدين. # وكان عالم الأدب الأوروبي متصلا يومئذ بالعالم من جهتين. الأولى من جهة الأندلس وعلى ~~الخصوص طليطلة التي تقدم ذكرها. والثانية من جهة صقلية ومملكة نابولي. وكان المترجمون ~~يترجمون الكتب العربية في هاتين الجهتين. وكانت دائرة الترجمة مؤلفة دائما من اليهود ~~وأحيانا من بعض المسلمين الأندلسيين المنضمين إلى الأوروبيين، وفيها الرئيس من الرهبان ~~لمراقبة صحة الألفاظ اللاتينية. وكانوا في القرن الثاني عشر والثالث عشر يترجمون من العربية ~~إلى اللاتينية مباشرة، إلا أنهم بعد هذا الزمن صاروا يترجمون الكتب العربية من العبرانية. # ولا يسعنا في ختام هذا الفصل إلا مقابلة حالة الغرب الماضية بحالة الشرق الحاضرة. فنقول: ~~إنه إذا كان مبلغ نهضة الأمم يقاس باهتمامها بالمعارف، فجدير بنا أن نقول بعدما تقدم بيانه ~~أن نهضة الشرق بعد كبوته لا تزال في طفولية مؤلمة؛ لأنه إلى الآن لم تتألف فيه دائرة لترجمة ~~نفائس الكتب الأوروبية، فضلا عن إحياء الكتب العربية القديمة. # فعسى أن يعين الله «الجامعة» على عجزها وضعفها للقيام بشيء يسير من ذلك الواجب المقدس، ~~وينبه الشرق من سباته بواسطة نبهائه وفضلائه لطلب المبادئ والحقائق لا التجارة الكتبية ~~والصحافية. # | ناشرو الفلسفة الرشدية في أوروبا ومعارضوها # قبل انتشار فلسفة ابن رشد في أوروبا كانت الفلسفة فيها عبارة عن تعاليم لاهوتية مجموعة من ~~عدة كتب مختلفة مما كتبه أصحاب المذاهب اللاتينية. فلما دخلت فلسفة العرب إلى أوروبا، حصلت ~~أوروبا بذلك على مجمل فلسفة أرسطو أي مجمل دائرة المعارف القديمة. # وقد ذكرنا أن أول من أدخل فلسفة العرب إلى ms39 أوروبا رئيس أساقفة طليطلة بالأندلس، وذلك ~~بترجمته كتب ابن سينا. أما أول من أدخل فلسفة ابن رشد إليها؛ فهو ميخائيل سكوت وذلك في عام ~~1230 في طليطلة - أيضا - وذلك دعوة مؤسس الفلسفة الرشدية في أوروبا. # وكان ميخائيل سكوت من المقربين إلى بلاط ألمانيا، وقد عهد إليه الإمبراطور فردريك الثاني ~~الذي كان يكره رجال الدين بترجمة فلسفة أرسطو عن العرب. وسيرد معنا في موضع آخر أن هذا ~~الإمبراطور هو السبب الحقيقي في جرأة الفلاسفة والمترجمين على ترجمة الكتب الفلسفية. # وبعد ميخائيل سكوت قام هرمان الألماني فحذا حذوه محميا من الإمبراطور - أيضا - والأرجح ~~أنه اعتمد في ترجمة كتبه على بعض عرب الأندلس العارفين باللغة العربية الفلسفية. # وقد ذكرنا في أثناء الكلام على تاريخ الفلسفة الرشدية عند اليهود المترجمين الذين حماهم ~~هذا الإمبراطور لترجمة فلسفة ابن رشد. وقد استمر المترجمون بعد ذلك يستغلون تحت حماية هذا ~~الإمبراطور. # 1 # حتى أنه ما انتصف القرن الثالث عشر حتى كانت جميع كتب ابن رشد المهمة قد ترجمت إلى اللغة ~~اللاتينية. أما كتبه الطبية؛ فإنها لم تنشر إلا بعد كتبه الفلسفية. # ولما نفذت فلسفة العرب إلى أوروبا، وانتشرت بين أيدي الناس في الكليات والمدارس والمكاتب ~~والجمعيات، وذلك قبل بلوغ فلسفة ابن رشد فيها أوج النفوذ والسلطان، اشتغل الأكليروس الأوربي ~~بمقاومتها؛ لأن أصولها مخالفة لقواعد الأديان الموجودة. وأول مقاومة حدثت في وجهها كانت في ~~المجمع الأكليريكي الذي عقد في باريز في عام 1209؛ فإن هذا المجمع حكم على المشتغلين بها ~~وهم أموري ودفيد دي دنيان وتلامذتهما وشجب «تعليم أرسطو الطبيعي وشروحه» وربما كان في هذه ~~الكلمة «الشروح» إشارة إلى شروح ابن رشد؛ لأن كلمة «الشارح» على الإطلاق لا تطلق على سواه. ~~ومهما يكن من هذا الأمر؛ فإن هذا المجمع إنما كان غرضه ضرب أرسطو الداخل إلى بلادهم بواسطة ~~العرب، مترجما عن العرب ومشروحا من العرب. # وفي عام 1215 حرم الأكليروس تعليم أرسطو - أيضا - خصوصا (تلاخيص ابن سينا). وفي عام ~~1231 أصدر البابا غريغوريوس التاسع حرما بمنع درس فلسفة العرب. ms40 # وكان السبب الذي جعل الأكليروس يقومون على فلسفة العرب نفس السبب الذي جعل المسلمين ~~واليهود يقومون عليها قبل ذلك. فإن هذه الفلسفة تجعل للعالم نواميس طبيعية ومن عقائدها أن ~~العالم قديم أزلي غير مخلوق منذ بعضة آلاف من السنين فقط وإن الخالق لا يصنع شيئا في الكون ~~إلا بسبب «لازم». وكان رجل الدين يومئذ لم يتعودوا سماع هذه النغمة؛ لأن العلم الطبيعي لم ~~يكن قد رفع الغطاء عن النواميس الطبيعية. ولذلك؛ فقد كانوا يومئذ معذورين في إنكارها. وإنما ~~ذنبهم الوحيد الاضطهاد لا الإنكار. أي الرغبة في خنق الفكر؛ لأنه يعتقد اعتقادا مخالفا ~~لمعتقدهم. # ولكن من حسن حظ أوربا أنها لم تصر على هذا الخطأ الفاضح؛ فإن اللاهوتيين فيها اضطروا بحكم ~~الضرورة إلى تغيير سياستهم في مقاومة الفلسفة مقاومة عمياء، وصاروا يتخذون منها سلاحا ~~لمحاربتها به. فقام غيليوم دوفرن وحمل على فلسفة العرب خصوصا ابن سينا حملة شديدة، فسماه: ~~«المجدف القاذف»، ولكنه كان يقول عن ابن رشد: «إنه فيلسوف رزين عاقل وإنما سوء فهم ~~تلامذته شوه تعليمه». وكان هذا الرجل (غيليوم دوفرن) أول اللاهوتيين الذين يجوز أن يقال ~~فيهم أنهم كانوا يعرفون فلسفة ابن رشد، ومع ذلك فقد كان أشد أعداء هذه الفلسفة مع كثرة ~~ثنائه على صاحبها؛ لأنه كان من أشد أعداء الفلسفة العربية. # وبعد غيليوم دوفرن قام اللاهوتي ألبير الكبير، وكان من محبي ابن سينا وكان يعتبره أستاذا ~~له. وأما ابن رشد؛ فإنه لم يكن يعبأ به، وإذا اتفق وذكره في كتاباته؛ فإنه لا يذكره إلا ~~لتعنيفه على اجترائه على مخالفة الأستاذ الرئيس (ابن سينا) وقد رد ألبير الكبير على فلسفة ~~العرب ردودا كثيرة. وبعد ألبير الكبير قام القديس توما الذي هو أكبر الخصوم الذين وجدتهم ~~فلسفة ابن رشد في طريقها. # | القديس توما # (رده على فلسفة ابن رشد وصورته معه) # وقد قلنا إن القديس توما كان أكبر خصوم فلسفة ابن رشد. ولم نرد بذلك أنه كان أشدهم ~~تطرفا وغلوا في الطعن على حكيم قرطبة، بل نعني أنه كان أقواهم ms41 حجة وأقدرهم على نقد ~~فلسفته. أما المتطرفون في الطعن على ابن الوليد فسيرد ذكرهم. ولقد كان القديس توما يعتبر ~~ابن رشد حكيما من الحكماء الأجانب. قال رنان: وفي الإمكان أن نقول إن القديس توما كان أكبر ~~تلامذة ابن رشد؛ فإنه بصفته فيلسوفا فهو مديون بكل شيء للشارح العربي (ابن رشد). # ومما استدل به رنان على أن القديس توما كان تلميذا لابن رشد (أي آخذا عنه) شرحه أرسطو ~~على الطريقة التي شرحه بها ابن رشد، ونقله من فلسفته أقوالا مطابقة لكتابات أبي الوليد. # وكان القديس توما أعظم فلاسفة اللاهوت في العصور المتوسطة، بل هو أعظم حكيم قام في ~~الكنيسة الغربية. # أما نقضه الفلسفة العربية والرشدية فلم يتكلف له عناء شديدا على ما يظهر؛ لأن الهدم ~~سهل. وقد صرف همه في هذا الرد إلى المسائل العليا المبنية عليها الفلسفة العربية. وهي أولا ~~أزلية المادة وعدم المقدرة على وصف حقيقتها. ثانيا ارتباط المبادئ الأولى التي صدر العالم ~~عنها بعضها ببعض. ثالثا كون العقل الأول الذي صدر عن المبدأ الأول أي الخالق عز وجل واسطة ~~بينه وبين العالم الذي صدر عنه أي عن العقل. ووحدة هذا العقل. رابعا إنكار العناية الإلهية ~~كما يتصورها العامة. خامسا استحالة الخلق أي الإيجاد من العدم بلا واسطة التولد والنمو. # ومما هو جدير بالذكر أن القديس توما لم يعتمد على الفلسفة اللاهوتية القديمة في الرد على ~~فلسفة ابن رشد، بل أخذ من المبادئ الأرسطوطاليسية سلاحا لمحاربة هذه الفلسفة. وأول شيء ~~وضعه أن أرسطو أخطأ في شيء، والعرب الذين جاءوا بعده زادوا على فلسفته أشياء، فازداد الخطأ ~~بذلك، ولكن لباب فلسفة أرسطو صحيح. وقد قال القديس توما بصحتها؛ لأنه استطاع أن يستخرج ~~منها مسألة خلود النفس التي هي مسألة المسائل. وذلك أنه أثبت من كتب أرسطو أن هذا المعلم ~~كان يعتقد بأن النفس جوهر قائم بذاته. # أما رد القديس توما على فلسفة ابن رشد في خلق العالم؛ فقد كان بمثابة تخلص لا يرده العقل؛ ~~فإنه قال: إن خلق العالم لم ms42 يكن عبارة عن حركة - كما يقول ابن رشد وأرسطو - وأن هذه الحركة ~~تقتضي شيئا تحركه، بل كان عبارة عن صدور وفيضان، ولكن لا يجب أن نعتبر أن أرسطو وابن رشد ~~قد خدشا الإيمان بهذا القول؛ فإنه قول صحيح بالنظر إلى الحالة الحاضرة. ذلك أنه لا يحدث ~~الآن شيء جديد في العالم بدون حركة ومادة، ولكن في بدء الخلق كانت الحالة على غير ما هي ~~عليه اليوم. أي أن وجود الشيء كان عبارة عن صدور وفيضان بلا احتياج إلى مادة يصنع منها. ~~ولقد أخطأ أرسطو خطأ شديدا بقوله بأزلية الزمان والحركة، ولكن لم يكن يجوز لابن رشد أن ~~يستنتج من هذا الخطأ القول باستحالة الخلق. # أما في مسألة وحدة العقل؛ فقد كان الحكيم توما يتحمس أكثر من تحمسه في مسألة الخلق. فقد ~~كان يقول إن القول بوحدة العقل في الإنسانية خطأ عظيم؛ لأنه يفضي إلى الاعتقاد بأن ~~القديسين والأبرار لا فرق بينهم وبين باقي الناس. ورغبة في نقض هذا الجانب الضعيف في ~~فلسفة ابن رشد نقضا تاما، رجع القديس توما إلى حكماء المتقدمين من يونان وعرب فقال: إن ~~هذه المسألة لم يقل بها أحد لا أرسطو ولا اسكندر دفروزياس شارحه اليوناني ولا ابن سينا ولا ~~الغزالي ولا ثيوفراستوس ولا ثميستيوس؛ فإن جميع هؤلاء الحكماء كانوا يعتبرون العقل قابلا ~~للانقسام في البشر. وتوصلا لتأييد هذا القول أثبت القديس توما أن مبدأ الشخصية هو عبارة ~~عن مادة موجودة خلافا لقول ابن رشد أن الشخصية هي صورة لا غير. # وقد قال رنان: لا ريب أن القديس توما مصيب في إثباته شخصية الإنسان وإنكار كونها صورة؛ ~~فإن العقل يقول «أنا» ويعرف أنه موجود مستقل، ولكن أرسطو لا يقول إن الشخصية هي عبارة عن ~~صورة بل يقول إنها عبارة عن صورة وهيولى. ولو كان لكل إنسان عقل مخصوص لوجب أن يكون في ~~الكون عدة أنواع من العقل، وتحتم أن يخلق الله عقولا في كل يوم إلى ما لا نهاية له. ~~فالأبسط من ذلك كله أن يقال ms43 أن عقل الإنسان ينمو بنمو جسمه، وشأنه في ذلك شأن باقي الأعضاء. # وقد رد القديس توما على ابن رشد قوله في مسألة اتصال العقل الفاعل بالعقل المنفعل، واتصال ~~العقل المفارق بالإنسان. فقال إننا لا نرى شيئا ولا نفهم شيئا، بل انعكاس صورته عن ذهننا. ~~ولذلك يستحيل على المادة إدراك العقل المفارق لها، ولكن أحد تلامذة القديس توما وهو ~~بييردوفرن لم يتابع معمله فأيد بناء على تعليم القديس دنيس الأربو باجيثي أن العقل ~~الإنساني يمكنه أن يرى الخالق. ورأيه في ذلك موافق لرأي ابن رشد. # وما من أحد يجهل أنه من السهل على الخصم أن ينقض حجج خصمه بعد وفاته. ولذلك سهل على ~~القديس توما أن ينقض فلسفة ابن رشد ويظهر ما فيها من المخالفة لفلسفة أرسطو. فأجله ~~معاصروه أعظم إجلال. وبعد وفاته صوروه في عدة صور تدل على انتصاره على جميع فلاسفة ~~المتقدمين. منها صورة في كنيسة القديسة كاترين في بيزه # 1 # موضوعة بجانب المنبر الذي يقال أن ذلك المعلم العظيم قد علم الناس منه. وهذه ~~الصورة هي من تصوير فرنسيسكو تريني أحد مشاهير المصورين في القرن الرابع عشر، وقد صورها في ~~سنة 1340 على الأرجح. وهي تمثل في أعلاها العزة الإلهية تحيط بها الملائكة، ومنها يصدر ~~النور إلى موسى والإنجيليين الأربعة والرسول بولس، وجميعهم واقفون في السحاب. وتحت السحاب ~~صورة القديس توما تنعكس على وجهه تلك الأنوار، فضلا عن ثلاثة أشعة خصوصية صادرة إليه من ~~العزة الإلهية نفسها. وفي جانبي الصورة على موازاة كتف الحكيم توما أي في مكان أدنى من ~~مكانه قليلا شخصان يمثلان أرسطو وأفلاطون. وفي يد كل واحد منهما كتاب من كتبهما. ومن كل ~~كتاب من هذين الكتابين يصعد خيط من النور نحو رأس القديس توما، ويمتزجان بالنور الإلهي ~~النازل من فوق. أما القديس توما؛ فهو جالس في الصورة في كرسيه وفي يده الكتاب المقدس ~~مفتوحا عند هذه العبارة: ~~«إن فمي يحدث بالحق وشفتاي تبغضان الضلال» # وحول كرسي القديس توما تحت قدميه أي على مزاراتهما علماء ms44 الكنيسة الذين سبقوه وأشعة النور ~~منتشرة عليهم من مؤلفاته العديدة الموضوعة على ركبتيه. ومن هذه الأشعة شعاع يصيب شخصا ~~ساقطا على الأرض في جانب الرسم مع كثيرين غيره من الفلاسفة المخالفين. وهذا الشخص هو شخص ~~ابن رشد دلالة على انتصار توما عليه. # أما هذه الصور هي تدعى «مجادلات القديس توما». # وقد صور القديس توما عدة صور بهذا المعنى للدلالة على أنه نقض فلسفة ابن رشد، وأقام ~~مكانها فلسفة أرسطو الحقيقية. ولعل الآباء الدومينيكيين معذورون في هذا التصوير الذي كانوا ~~يغرون به مشاهير مصوري تلك القرون لرغبتهم في تأييد حجتهم. ذلك أنهم كانوا يرومون إحياء ~~فلسفة أرسطو كما يفهمونها هم، لا كما فهمها العرب، وكان فلاسفة العرب بمثابة عثرة في ~~سبيلهم. ولذلك وجدوا أنفسهم في حاجة إلى إسقاط سلطة العرب لإقامة سلطتهم. ومع ذلك فهم لا ~~يلامون على أنهم حملوا تلك الحملة على الفلسفة العربية؛ لأنهم كانوا يحسبون أنهم يحسنون ~~صنعا في تأييد آرائهم، وإنما اللوم يقع عليهم لعدم احترامهم حكيما عظيما كابن رشد كان ~~يحترمه وصيفه وتلميذه القديس توما نفسه. ولو كان هذا القديس في قيد الحياة حينما صوروه تلك ~~الصور؛ لأنكر عليهم ولا شك ذلك التصوير لأن الرجل الكبير يحترم دائما الرجل الكبير. # ولما توفي القديس توما كانت الفلسفة اللاهوتية في غاية القوة، ولكن المبادئ العربية كانت ~~تتقدم - أيضا - فقام بعده ريمون مارتيني واعتمد في مقاومة أنصار المبادئ العربية على ~~الإمام الغزالي. وكان يقول: إنه من الأفضل الرد على الفلاسفة بفم فيلسوف. كأنه كان يعتبر ~~الغزالي من أنصار الفلسفة لا من خصومها. ثم قام بعده جيل دي ليسين وبرنار دي تربليا وهرفه ~~نديليك ودافعوا عن مذهب القديس توما - أيضا - وبعدهم قام دانتي الشاعر الإيطالي المشهور ~~وضرب - أيضا - ابن رشد في هذه الحرب الفلسفية، ولكن ضرباته كانت خفيفة. ولما كتب كتابه ~~المشهور «الجحيم» لم يضع فيه ابن رشد في أماكن الكفرة والملحدين بل وضعه في مكان خصوصي ~~احتراما لحكمته. وبعد ذلك قام جيل دي روم لمقاومة فلسفة العرب خصوصا فلسفة ms45 ابن رشد. فبلغ ~~في ذلك شيئا من الشهرة التي بلغها القديس توما وألبير الكبير. ثم خلفه تلميذه جيرار دي ~~سيسين في هذه المقاومة. # ولكن كل ما تقدم من المقاومة لمبادئ ابن رشد ليس بالشيء الذي يستحق الذكر بالقياس على ~~مقاومة ريمون لول لها. فإن هذا الرجل الطائش صرف عمره خصوصا من سنة 1310 على سنة 1312 في ~~الجولان بين باريز وفيينا ومونبليه وجنوي ونابولي وبيزه محرضا الناس على العرب وفلسفتهم ~~ومبادئهم. ولما اجتمع مجمع فيينا في سنة 1311 رفع على البابا أكليمنضس الخامس عريضة يطلب ~~فيها ثلاثة أمور. الأول إنشاء جمعية عسكرية كبرى للسعي في إسقاط الإسلام. والثاني إنشاء ~~كليات لدرس اللغة العربية. والثالث حرم المسيحيين الذين كانوا ينصرون مبادئ ابن رشد وتحريم ~~التعليم في كتبه في المدارس الأوربية، ولكن المجمع لم يهتم بهذه العريضة ولا بحث فيها. # | الرهبان الفرنسيسكان # (نصراء فلسفة ابن رشد ضد مذهب القديس توما) # فمما تقدم يتضح أنه كان يومئذ في أوروبا علماء أشداء ينصرون فلسفة العرب ومبادئ ابن رشد؛ ~~لأنه من الثابت أن المناظرات والمجادلات لا تكون عنيفة شديدة إلا إذا كانت قوة الجدال في ~~الجانبين. وكيف يقوم عالم كالقديس توما وتكون له تلك الأهمية الكبرى، أو يقوم رجل متطرف ~~مثل ريمون لول ويطلب حرم مبادئ العرب والمشتغلين بها، لو لم يكن هناك قوم أقوياء منصبون على ~~نصرة هذه المبادئ بقوة تعادل قوة الذين كانوا يحاربونها. # وقد أثبت رنان أن هؤلاء النصراء لمبادئ العرب كانوا من رهبان الفرنسيسكان ومن كلية باريز ~~الكبرى. # ذلك أن رهبنة الفرنسيسكان إنما هي في الأصل عبارة عن مسيحية جديدة في المسيحية؛ فإن أهلها ~~يعتبرون «فرنسواي داسيز» مؤسسها العظيم بمثابة مسيح ثان جاء إلى الأرض لتجديد الديانة ~~المسيحية وإصلاحها. ولذلك لم يكونوا يعبئون كثيرا بسلطة البابا المسيحية وإصلاحها. ولذلك ~~لم يكونوا يعبئون كثيرا بسلطة البابا ولا يعتبرون شيئا غير المبادئ المسيحية التي نشأوا ~~عليها. فنشأ عن ذلك بينهم وبين رهبنة الدومنيكيين نزاع شديد في المسائل الدينية، وذهب ~~فيها منهم كثيرون ضحية ms46 النار والتعصب. وقد نبغ منهم كثيرون من الرجال الواسعي الصدر ~~المتساهلين، الجريئين في القول والفعل مثل الأخ «إلياس» و«حنا دوليف» و«دون سكوت» و«أوكام» ~~و«مارسل دي بادو»، وكلهم كانوا مقاومين لسلطة روما : وكانوا يعتبرون مقاومتهم لها ولتعاليم ~~القديس توما اللاهوتية والفلسفية التي كادت تكون يومئذ تعاليم الكنيسة الغربية كلها بمثابة ~~بدء تحرير الفكر والانطلاق من الأسر. فكانوا بحكم الضرورة أعوانا للمبادئ العربية. # وأول علماء السكولاستيك (الفلسفة اللاهوتية) الذين قبلوا هذه المبادئ، ونشروا روحها بين ~~الناس، كان اسكندر دي زعيم المذهب الفرنسيسكاني. ثم خلفه جان دي لاروشل، فحذا حذوه في قبول ~~الفلسفة العربية وتعليمها، وقد اعتمد على ابن سينا في كل ما كتبه في علم النفس والأخلاق. ~~ومما هو مشهور أن جميع المبادئ التي تقرر نبذها في باريز في عام 1277 إنما كانت للآباء ~~الفرنسيسكان وتلامذتهم، وهي مأخوذة عن ابن سينا وابن رشد. وفي هذه السنة نفسها كان رئيس ~~أساقفة كنثر بري روبر دي كيلواردبي الدومينيكي يطعن في مجمع عقد في مدينة أكسفور التي كانت ~~مصدر التعاليم الفرنسيسكانية بمبادئ شبيهة بالمبادئ التي طعن فيها في باريز. فغير بعيد أن ~~يكون الفلاسفة الذين حاربهم غيليوم دوفرن وألبير الكبير والقديس توما من الفرنسيسكانيين. # وبناء على ذلك تكون الكنيسة يومئذ قد انقسمت قسمين. فقسم قبل المبادئ والفلسفة العربية، ~~وصار يدعو الناس إليها من بعض الوجوه، وقسم أنكرها وصار يحذر الناس منها. # ومما يثبت أن الفرنسيسكان كانوا في مقدمة أولئك المحامين ما كان في كتابات بعض علمائهم من ~~الاحترام لابن رشد وإن كان بعض منهم - أيضا - قد ردوا عليه ردا شديدا. فمن ذلك ما كتب ~~أحدهم وهو روجه باكون إذ قال: «إن ابن سينا هو أول من أوضح فلسفة أرسطو، ولكن الذين جاءوا ~~بعده أوسعوه ردا وتخطئة، منهم ابن رشد الذي كان أعظمهم بعده؛ فإنه خالفه في عدة أمور. وقد ~~أنكر مشاهير العلماء الذين تقدمونا فلسفة ابن رشد وأهملوها، ولكن الحكماء اليوم صاروا ~~يجلونها بالإجماع، وإن كانوا يعترضون على بعض مبادئها». وقال في موضع آخر: «بعد ms47 ابن سينا ~~قام ابن - رشد وهو رجل قوي الحجة أصيل الرأي - فهذب تعاليم الذين تقدموه، وإن كانت تعاليمه ~~نفسها محتاجة إلى التهذيب والتكميل في بعض المواضع». وكان روجه باكون هذا يعجب من عدم ترك ~~الخصوم الفلسفة الأوربية القديمة للإقبال على هذه الفلسفة العربية الجديدة. ذلك؛ لأنه كان ~~على ما يظهر يجهل السم الكامن للدين فيها. # وقد ظهر هذا السم في باريز بعد ذلك ظهورا واضحا؛ فإن مدرسة السروبون فيها كانت مدرسة ~~لاهوتية تعلم تعليم القديس توما، ولكن كلية باريز كانت على خلاف ذلك؛ فإن كثيرين من أساتذة ~~الفنون فيها كانوا من أنصار مذهب ابن رشد. وقد وجد في هذا العصر من آثار هذه الكلية تسعة ~~دفاتر محتوية على تعاليم هذا الفيلسوف، كانت تدرس في القرن الثالث عشر والرابع عشر. وبعضها ~~دلت حالته على أنه كان يستعمل في الدرس كل يوم. فاصطلت يومئذ - بين علماء الفلسفة العربية ~~في باريز وعلماء اللاهوت فيها - نار خلاف حامية كانت أشد من النار التي اصطلت منذ ثلاثة ~~أعوام في باريز، بشأن مسألة دريفوس والسلطة العسكرية. أما الدومينيكيون؛ فإنهم كانوا مع ~~علماء اللاهوت، وقد استصدروا من البابا اسكندر الرابع في مدة ست أو سبع سنوات 40 أمرا ~~بحرمان فلسفة العرب والمشتغلين بها، ولكن لم يكن غرضهم من ذلك دينيا فقط، بل كان في ذلك ~~للسياسة والحسد اليد الطولى. وإنما كان غرضهم أن يكونوا أصحاب النهي والأمر وحدهم في جميع ~~أجزاء الكنيسة الغربية. وقد جاء في شعر بعضهم أن هذه الحرب كانت بين أهل دومينيك. والذين ~~يقرءون «اللوجيك» أي المنطق. فهي إذن حرب سياسية. # وإليك بعض المبادئ التي قرر مجمع باريز اللاهوتي في سنة 1269 حرم المعتقد بها يومئذ، وهي ~~كلها مأخوذة من فلسفة ابن رشد كما ترى: ~~«إن المجمع يحرم كل من يعتقد أن العقل الإنساني واحد» ~~«في كل الناس - وإن العالم أزلي - وإنه لم يوجد قط» ~~«إنسان أول ولد البشر منه - وإن النفس التي هي» ~~«صورة للإنسان تفنى بفناء الجسد - وإن الله لا يعلم» ~~«الجزئيات ms48 التي تحدث في العالم - وإن العناية الإلهية» ~~«لا تؤثر في أفعال الإنسان ولا تديرها - وإن الله» ~~«لا يقدر أن يجعل الشيء القابل للموت والفناء (أي)» ~~«الإنسان وما سواه خالدا بقايا» # ولكن مع كون هذه الحرب سياسية؛ فإن الدين تأثر منها تأثرا بليغا. وتزعزعت دعامة الإيمان ~~في صدور الناس. فحدث يومئذ ما كان حدث في الأندلس لو سمع الأندلسيون لفلسفة ابن رشد ~~وقبلوها، ولكنا نرجع أن ابن رشد كان قادرا في حياته على صرف هذه الزوبعة عن نفوس أبناء ~~وطنه لو قبلوها بواسطة التأويل الذي لجأ إليه، والتأويل على ما هو معلوم باب واسع يسع كل ~~الآراء والتعاليم، ولكن ماذا يفيد التأويل إذا كان عرض هذه الفلسفة المساواة بين الناس ~~وتعليمهم أن جميع الأديان حق وهي متشابهة. # ما الفائدة من الدين إذا كان كل مؤمن يجب عليه أن يعتقد بموجب هذه الفلسفة أن دينه ودين ~~غيره على حد سواء. أليست التعزية الكبرى واللذة العظمى في الدين أن يعتقد المؤمن أن الحقيقة ~~في يده وحده وأن الله إله قومه لا إله أحد غيرهم. فوداعا إذن أيتها الآمال الحلوة التي كنت ~~أحسبك مختصة بي دون سواي. وداعا يا فردوسا سماويا ما كنت أظن دخولك ممكنا لمن يعتقد ~~اعتقادا يهين اعتقادي ويجرحه. وقبحا لهذه المساواة التي تحرمني أعظم اللذات. # واأسفاه. هكذا يقول المؤمن الضعيف الذي يقرأ الفلسفة. وهو يقول ذلك، ولا يعلم أن قوله هذا ~~أعظم إهانة للإخاء البشري والإنسانية. # | انتصار الفلسفة الرشدية # (وبلوغها في كلية بادق أوج العظمة) # فبناء على ما تقدم صار ابن رشد عبارة عن راية تتحارب حولها شعوب وأمم مختلفة في إيطاليا ~~وفرنسا وأسبانيا. وكان للفيلسوف العربي الجليل سمعتان, الأولى سمعة الفضل والعلم والنزاهة ~~وهي عند أساتذة المدارس الذين كانوا يرومون كسر النير القديم. والثانية سمعة الكفر وبغض ~~الدين وهي عند العامة والبسطاء والجهلاء. ولم يأت القرن الرابع عشر حتى صارت سلطة ابن رشد ~~في أوروبا فوق كل سلطة وتقدم على ابن سينا بعد أن كان محسوبا في القرن الثالث ms49 عشر دونه. ~~ولما أراد الملك لويس الحادي عشر ملك فرنسا إصلاح التعليم الفلسفي في سنة 1473 طلب من ~~أساتذة المدارس «تعليم فلسفة أرسطو وشرح ابن رشد عليها؛ لأنه ثبت أن هذا الشرح صحيح مفيد». # ولقد كان أنصار المبادئ الرشدية في القرن الثالث عشر غير معروفين، ولذلك يتعذر تسمية ~~أحد منهم. وإنما عرف وجودهم من حدة الذين كانوا يطعنون في المبادئ العربية كاريمون لول ~~وغيره كما تقدم. (أما في القرن الرابع عشر وما بعده؛ فقد تألف حزب عظيم لابن رشد وكان هذا ~~الحزب يدرس مبادئه جهرا. وبذلك انتصرت هذه المبادئ انتصارا عظيما). # وإن قيل ما سبب هذا الانتصار ولماذا لم تختنق بزور الفلسفة في تربة أوروبا. فالجواب عن ~~ذلك ينحصر في أربعة أمور. الأول أن جميع اللاهوتيين والفلاسفة كانوا مقرين لأرسطو ومعترفين ~~بفلسفته، ولذلك كان الخلاف على تفسيرها لا على حقيقتها. والثاني أن النسل الهندي الأوروبي ~~الذي تألفت منه أمم أوروبا نسل ذو مزية على باقي الشعور من حيث حب الفلسفة والعلم، كما أن ~~الساميين أي الشرقيين كانوا ممتازين بخروج الحرية والدين منهم. ولذلك نبغ في الأوربيين رجال ~~أصحاب جرأة على القول والعلم. والثالث قيام إمبراطور كبير كفردريك الثاني الذي حارب الدين ~~ورجاله في أوروبا محاربة شديدة، ونصر الفلسفة عليهم بالرغم عنهم كما سيرد التفصيل. والرابع ~~أن الدين المسيحي بمجاورته للدين الإسلامي والدين اليهودي في الغرب صار أكثر تساهلا مما ~~كان من قبل، بدلا من أن يزداد تعصبا. ومما زاد هذا التساهل الحملات الصليبية على الشرق ~~ومصادفة المسيحيين الأوروبيين سلطانا مسلما كصلاح الدين الأيوبي في غاية النزاهة والعدل ~~والصدق. فلا ريب أنه كان لهذا السلطان الجليل من التأثير على نصارى الغرب بواسطة أخلاقه ~~وصفاته ما لا يحدثه ألف كتاب في الفلسفة والحكمة. ذلك أنه كان كتابا في الحكمة حيا ناطقا ~~لا يحتاج إلى تفسير أو تأويل. # وكان بدء انتصار فلسفة ابن رشد في كلية بادو المشهورة في إيطاليا. وكانت الحركة الأوروبية ~~والفلسفية في بولونيا وفراري والبندقية تابعة لهذه الكلية. وقد بدأت ms50 فلسفة ابن رشد فيها ~~بتعليم كتبه الطبية، ثم تلتها كتبه الفلسفية. وأول مؤسسي تعاليم ابن رشد فيها بطرس داباتو ~~الذي أحرق ديوان التفتيش عظامه بعد موته عقابا له. # ولما انتشرت مبادئ العرب في بادو والبندقية شاعت على الخصوص بين الطبقات العليا. فصار ~~أهلها يفتخرون بأنهم من أنصار فلسفة ابن رشد. فكان هذه الفلسفة أصبحت «موضة» يتزيا بها كل ~~من يطلب استقلال الفكر، ولكنه من المعلوم أن استقلال الفكر الذي لا يضر ولا يؤذي أحدا ولا ~~مبدأ شيء، واستقلال الفكر الذي هو عبارة عن خشونة وغلاظة شيء آخر. ولذلك نشأ تحت راية فلسفة ~~العرب في ذلك الزمن البعيد جيل جديد كان يزدري الأديان، ويدعي العصمة ولا يقابل آراء غيره ~~إلا بكل وقاحة وخشونة. فقام يومئذ بترارك المشهور الذي كان من أشد أعداء فلسفة العرب ~~لمقاومة تلك الأفكار الجديدة. # وبترارك هذا هو أول فلاسفة الفلسفة الحديثة، وإن كان من فلاسفة الفلسفة القديمة. ذلك أنه ~~أول رجل دعا الناس إلى الرجوع لعلوم اليونان والرومان والقديمة. وكان شديد الكراهة لعلوم ~~العرب وعلى الخصوص ابن رشد. وله في ذلك أقوال تدل على حمق وإخلاص معا؛ فإنه كان يقول ~~لصديقه جان دوندي «أرجوك أن لا تخاطبني في شأن العرب؛ فإنني أكره هذا الجنس. وإنني لا أجهل ~~قدر أطباء اليونان، أما أطباء العرب فلا قدر لهم عندي. وأما شعراؤهم؛ فقد عرفتهم ولا شيء ~~أشد حدة ومضرة وركاكة من شعرهم (بخ بخ بخ؟؟) ولقد سمعت بعض أطبائنا يثني عليهم ويقول على ~~مسمع من رفاقه الذين كانوا يوافقونه: إنه لو وجد طبيبا في هذا العصر مساويا لأبوقراط ~~لما سمح له أن يكتب في فن الطب بعدما كتبه العرب فيه. فما هذا القول. كيف كان شيشيرون ~~خطيبا بعد ذيموستينوس، وفرجيل شاعرا بعد هوميروس، وتيت ليف وسالوستوس مؤرخين بعد هيرودوتس ~~وتوسيديدوس. ولا يجوز أن يكون أحد بعد العرب شيئا مذكورا. فقل لي كيف يجوز أننا نحن معاشر ~~الإيطاليين نساوي اليونان في أشياء ونفوقهم في أشياء، ونسبق كل الأمم إلا العرب. فهل ms51 قضي ~~على قريحة إيطاليا بالخمود والانطفاء. أم ذلك القول جنون وهوس. # وفي كتب بترارك كثير من هذه الأقوال التي تدل على كراهته للمبادئ العربية. منها أن أحد ~~أهالي البندقية المنتصرين لفلسفة ابن رشد زاره في ذات يوم في مكتبته فيها. وبينما هما في ~~الحديث استشهد بترارك بكلام للرسول بولس. فابتدره الزائر الرشدي بقوله دع كلام هذا المعلم ~~لك أما أنا فمعلمي يكفيني (يعني ابن رشد). فحاول بترارك الدفاع عن الرسول فأجاب الزائر ~~الرشدي ضاحكا: ابق أنت مسيحيا صادقا كما أنت أما أنا فإنني لا أعتقد بشيء من كل تلك ~~الخرافات. وما بولس وأسطينوس اللذان تذكرهما باللذين يستحقان الذكر؛ فإن ابن رشد أعظم منهما ~~بكثير. ويا ليتك تستطيع مطالعة فلسفته. فعند هذا الكلام نهض بترارك بغضب فقبض على رداء ~~زائره ودره من داره. # وبعد بترارك قام في كلية بادو جان دي جاندون، وكان من أعظم أنصار فلسفة ابن رشد حتى دعي ~~«سلطان الفلسفة وأمير الفلاسفة». ثم قام بعده بولس البندقي وكان من السالكين سبيله. وهكذا ~~لم ينتصف القرن الخامس عشر حتى صار ابن رشد صاحب السلطان المطلق في كلية بادو والمعلم ~~الأكبر الذي لا يعارض. ولو شئنا ذكر جميع الأساتذة والعلماء الذين شرحوا فلسفة فيلسوفنا ~~في كليتي بادو وبولونيا في خلال القرن الخامس عشر، لكتبنا بذلك صفحات كثيرة يضيق دونها هذا ~~الكتاب. وقد كان المعارضون لهذه الفلسفة في هذا الزمن ضعفاء الأصوات؛ لأنها كانت في أوج ~~العظمة والسلطان. # ولكن هذه العظمة لم تدم وقتا طويلا. فإن إيطاليا في آخر القرن الخامس عشر اهتمت ~~اهتماما شديدا بمسألة خلود النفس. فقام يومئذ بومبونا المشهور، وأحدث خرقا في تعلم ابن ~~رشد. ذلك أن أنصار الفلسفة الرشدية كانوا يقولون: إن النفس بعد الموت تعود إلى الله وتفنى ~~فيه أي تفقد شخصيتها. أما بومبونا الذي تقدم ذكره؛ فإنه أثبت من كتب اسكندر وفرويزياس ~~الفيلسوف اليوناني - الذي شرح أرسطو قبل ابن رشد والذي كان ابن رشد يعتمد أحيانا عليه - أن ~~الإنسان يفنى بعد الموت، وأنه لا خلود ms52 غير الخلود الإنساني النوعي الذي على الأرض. فانقسم ~~يومئذ المشتغلون بالمبادئ قسمين؛ قسم يعتمد على ابن رشد في إثبات الشخصية للإنسان، وقسم ~~يعتمد على اسكندر دفروديزياس. وعهد البابا لاون العاشر إلى العالم نيفوس بالرد على بومبونا. ~~وكان نيقوس من أنصار مذهب ابن رشد. وفي ذلك منتهى العجب؛ لأن مبادئ ابن رشد صارت يومئذ ~~بمثابة النصيرة للكنيسة على العدو الجديد الذي كان ينكر جميع أصول الدين بعد أن كانت عدوة ~~للكنيسة. وهكذا تكون المبادئ في كل زمان ومكان؛ فإنها تختلف باختلاف العقول التي تتصرف بها ~~والأحوال التي تنشأ فيها. # وكان الناس يومئذ يميلون كل الميل إلى هذه المباحثات. فكانوا يحرضون نيفوس للرد على ~~بومبونا ويطعنون في بومبونا، مع أنهم يؤيدونه في السر ويحثونه على الرد على خصمه. وكان ~~لبومبونا خصم آخر وهو أشيليني أحد زعماء مذهب ابن رشد. ومن المشهور - في كلية بادو حتى ~~اليوم - أن أعظم ما حدث فيها هو الجدال الشديد بين بومبونا وأشيليني. وكان أشيليني يتغلب ~~على خصمه في الظاهر إلا أن الجمهور كان يهرع إلى سماع دروس بومبونا ويفضلها على دروسه. ولعل ~~ذلك كان من قبيل الرغبة في سماع الجديد الغير مألوف. وكان بومبونا يقول: إن فلسفة ابن رشد ~~خالية من الأهمية ولا معنى لها، وهو يشك في أن مؤلفها كان يفهمها. # وكان حزب بومبونا يدعى (حزب الإسكندريين) وحزب الفلسفة العربية يدعى (حزب الرشديين) ~~ولم يأت أول القرن السادس عشر حتى صارت تلك المبادئ مبادئ إيطاليا كلها. فرغبة في إيقاف ~~إيطاليا عن نزول هذا الأحدور إلى النهاية انعقد مجمع لاتران وقرر حرم كل من يقول بأن النفس ~~غير خالدة، وبأنها واحدة في جميع الناس، ومحاكمة كل الذين ينشرون هذه المبادئ. وكان ذلك في ~~عام 1512. وقد روى المؤرخون أن بعض الحاضرين في المجمع أنفسهم قد تكلم مدافعا عن تلك ~~المبادئ. # | الفلسفة اليونانية # (وحلولها محل الفلسفة العربية) # وقد اتخذت كلية بادو في مدة القرن السادس عشر مبادئ نيفوس الرشدية شعارا لها؛ لأنه كان ~~يمكن تطبيقها على الدين. وأصبحت الكنيسة ms53 منذ ذلك العهد تستحسن فلسفة أرسطو أشد استحسان حتى ~~أن الكردينال بالافيسيني كان يقول: إنه لو لم يقم أرسطو في العالم لفقدت الكنيسة بعض ~~براهينها. وكانوا يومئذ مجمعين على أن ابن رشد أفضل شراح أرسطو . ولذلك بلغت مبادئ ابن ~~رشد في ذلك الزمن منتهى النفوذ والانتشار، واضطروا إلى مراجعة كتبه وإعادة ترجمتها وطبعها ~~إجابة للذين كانوا يطلبونها من كل صوب. # فأين كانت يومئذ عينا فيلسوف قرطبة ليرى ما صار له في ذلك الزمان من السلطان على تلامذته ~~الأوروبيين؟ أين كان حساده الذين كفروه ليروا كيف كان رجال الدين يجارون في أوروبا تيار ~~الفلسفة، ولا يقفون في وجهه لئلا يجرفهم؟ هل كانوا ينظرون ذلك من أعالي السماء في ذلك ~~الزمان؟ وإذا كان الخليفة يعقوب المنصور ينظر وهو في جملتهم فماذا عساه يقول بعد أن يرى ~~بعينيه التبعة الهائلة التي وقعت عليه بمجاراته الحساد والوشاة في خنق العلم والفلسفة في ~~أرض الأندلس. ألا يشعر حينئذ بزيادة ثقل تاج الخلافة على رأسه إذا كان بقى له هذا التاج ~~هناك؟ ألا يقطع الفضاء السماوي شرقا وغربا وشمالا وجنوبا للتفتيش عن روح أبي الوليد ~~لطلب الصفح والعفو منها. لا ريب أن أبا الوليد قد انتصر في أوروبا بعد موته انتصارا لائقا ~~بحكيم قرطبة وأعظم فلاسفة الإسلام. # ولكن كل شيء يفنى ويتغير في هذه الحياة ولا يدوم إلا وجه الله ذي الجلال. فإن سلطانا ~~فلسفيا كهذا السلطان لا يمكن أن يدوم وقتا طويلا، وهكذا جرى لابن رشد. ولبيان ذلك نقول: ~~كان الأساتذة في أوروبا يدرسون فلسفة أرسطو من قبل بموجب تلاخيص ابن رشد وابن سينا. فلما ~~قدم العهد بهذه التلاخيص صار الأساتذة يضعون شروحا عليها من عندهم ويتلونها على الطلبة. ~~فصارت فلسفة أرسطو تصل إلى الطلبة بعد مرورها في التلاخيص الرشدية والتلاخيص اللاتينية. ~~فكانت تخسر شيئا كثيرا من صفتها الأرسطوطاليسية. ولذلك كان لا بد من الرجوع إلى النص ~~اليوناني الحقيقي عاجلا أو آجلا. # ومن جهة أخرى؛ فقد تقدم أن أنصار الفلسفة في أوروبا انشقوا حزبين. فحزب ms54 مع ابن رشد ~~العربي. وحزب مع اسكندر اليوناني. وذلك مما أوجب - أيضا - الرجوع إلى النصوص اليونانية. # وفضلا عن ذلك؛ فإن علماء إيطاليا كانوا ميالين إلى آداب ذلك التمدن اليوناني القديم ~~الذي كان بمثابة شمس أضاءت حينا ثم خمدت. فأخذوا يعودون إليها. # فنشأ عن كل ذلك حرب جديد أخذ يشتغل بآداب اليونان وعلومهم دون أن يعتمد في ذلك على شيء ~~غير النصوص اليونانية نفسها. وكانوا يسمونهم الحزب الجديد. أم الحزب القديم؛ فهو حزب فلسفة ~~العرب ومبادئ ابن رشد. فبعد أن كان الخلاف بين «رشديين وإسكندريين» على التخصيص أصبح ~~الخلاف بين «رشديين ويونانيين» على الإطلاق. # وفي 4 أبريل من عام 1497 صعد الأستاذ نقولا ليونيكوس توموس إلى منبر التعليم في كلية ~~بادو، وأخذ يلقي فيها لأول مرة فلسفة أرسطو باللغة اليونانية. فنظم يومئذ في ذلك بعض ~~الشعراء أبياتا يقرظ بها هذا الأستاذ دلالة على أهمية هذه الحادثة. ومن ذلك الحين أخذت ~~النهضة اليونانية في إيطاليا بالنمو. فكما أن بادو والبندقية وشمال إيطاليا عادت كلها إلى ~~نص أرسطو الأصلي عادت فلورنسا إلى نص أفلاطون الأصلي - أيضا - فأصبحت البندقية وفلورنسا في ~~ذلك بمثابة قطبي الفلسفة. فإن الأولى كانت عقلا يمثل التحقيق في البحث، والثانية كانت ~~قلبا يمثل رقة الفلسفة وروحانيتها. # فاصطلت يومئذ نار الجدال بين «الرشديين» و«اليونانيين» فنشأ عن ذلك اختلاط غريب في ~~فلسفة العرب واليونان والأوروبيين، ولما قام المذهب البروتستنتي في أوروبا انضم إليه كثيرون ~~من أصحاب العقول المعتدلة الذين كانوا يخافون عافية التهور في مبادئ ابن رشد المادية، ~~وباتوا يحاربون هذه المبادئ. فكأن الإصلاح البروتستنتي كان وسطا بينها وبين المبادئ ~~اللاهوتية القديمة. ومنذ ذلك الحين ازداد فوز «اليونانيين». فلم تأت سنة 1631 - وهي السنة ~~التي توفي فيها قيصر كريمونيني - حتى زالت فلسفة ابن رشد من طريق الفلسفة الأوروبية ~~الحديثة، ودخلت في حيز التاريخ القديم. وكان كريمونيني هذا آخر زعيم لفلسفة ابن رشد في كلية ~~بادو. # | الفلسفة الحديثة # (وحلولها محل الفلسفة اليونانية) # وسبب زوال فلسفة ابن رشد والفلسفة اليونانية من طريق الفلسفة الحديثة ms55 يومئذ دخول هذه ~~الفلسفة في طريق جديدة؛ فإن فلسفة ابن رشد تحملت هجمات أنصار أفلاطون واللاهوتيين ومجمعي ~~لاتران وترانته، واضطهاد ديوان التفتيش وردت الجميع على أعقابهم خاسرين، ولكنها لم تستطع ~~التغلب على الفلسفة الحديثة الجديدة المبنية على التجربة والامتحان والمشاهدة. وقد كان ~~أبطال هذه الفلسفة ودعاتها المؤسسين ليوناردي فتسي وبروتو وساربي وأكونتريو وغاليله ~~المشهور،الذي غير وجه الأرض باكتشافه دوران الأرض، وديكارت ولوك ولبنز ونيوتن وفرنسيس ~~باكون. # وفرنسيس باكون هذا هو أول من بدأ بهدم الفلسفة اللاهوتية القديمة (السكولاستيك) لإقامة ~~صرح العلم الوضعي الجديد المبني على المشاهدة والتجربة والامتحان. وقد كان من البديهي قيام ~~قاعدة كهذه القاعدة بعد الاختلاط الغريب الذي كان في الفلسفة الأوروبية قبله؛ فإن علماء ~~السكولاستيك كانوا في فوضى، بعضهم يعتمد على أرسطو العربي وبعضهم على أرسطو اليوناني، ~~والاختلاف في التفسير والتأويل قائم بينهم على ساق وقدم. وكان مناظروهم من علماء الطبيعة في ~~نضال ونزاع معهم، ولكنهم كانوا محتاجين إلى بوق جهوري الصوت يترجم عما في نفوسهم ويغطي صوته ~~أصوات خصومهم. فكان فرنسيس باكون هذا البوق. بل كان الريح العاتية التي كنست الفلسفة ~~القديمة كنسا، وذهبت بتعاليمها الجدلية وتصوراتها الخيالية. # وإليك تاريخ هذه الحركة الفلسفية التي انتهت بالقضاء على الفلسفة القديمة. # كانت الفلسفة الأوروبية مبنية من قبل على الفلسفة اليونانية التي وضعها أرسطو ونقلها إلى ~~أوروبا ابن رشد وفلاسفة العرب. وكان يكفي أن يقال «قال أرسطو» لينحسم كل جدال. فكانت العقول ~~خاملة لا تتصرف بشيء ولا تجترئ أن تحدث شيئا حذرا من الخروج عن القواعد المقررة. وكان ~~رأس هذه القواعد «القياس» وهو المعروف «بإله أرسطو» أو ميزانه؛ لأن الحقائق لا تدرك بدونه. ~~مثال ذلك: إذا أخذت النار ووضعت فيها ماء فإن الماء يتبخر. فكرر هذه التجربة عدة مرات فإذا ~~تبخر الماء في كل مرة وجب أن تجزم بأن التبخر ناموس من نواميس الطبيعة. ثم أنك تقيس اللبن ~~على الماء فتقول: بما أن اللبن سائل كالماء؛ فهو يتبخر أيضا مثله. وبناء عليه تكون قد ~~عرفت طبيعة اللبن من قياسه ms56 على الماء، هذا هو القياس. # فلما جاء باكون ورأى ذلك الخمول الفلسفي رام إصلاحه. فكتب في ذلك عدة كتب منها كتابه ~~«القياس الجديد» و«الإصلاح العظيم» وهو أهم كتبه ولم يصدر منه سوى جزئين في عام 1597 - ~~وإليك خلاصة الآراء الفلسفية التي نشرها في كتبه. # رأيه في التمدن اليوناني وفلسفته - يحمل باكون في كتبه على الفلسفة السكولاستيك اليونانية ~~حملات شديدة. ومن اعتراضاته إن كل ما يدرسونه اليوم (أي في أيام باكون) يدرسونه بناء على ~~أقوال اليونان، ولاسيما أرسطو مع أن اليونان لم يعرفوا شيئا من نواميس الطبيعة، ولم يقرءوا ~~شيئا في كتابها السامي. # فكيف يريد الفلاسفة تقييد العقل البشري بمعارف اليونان إذا كان هؤلاء لم يدرسوا الطبيعة ~~نفسها. وفضلا عن ذلك؛ فإن اليونان أمة قديمة وقد كان البشر في عصرهم في دور الطفولية ونحن ~~الآن في دور الشيخوخة. فلمن نسمع؟ وممن نتعلم؟ من الأطفال أم من الشيوخ؟ فالواجب علينا إذن ~~أن نطلق العقول من قيود فلسفة اليونان ونترك كل واحد منا يمتحن الأمور بنفسه ويشاهد نواميس ~~الطبيعة بعينيه ويزن أحكامها بعقله. ومع ذلك؛ فإن الفلسفة اليونانية لم تثمر شيئا إلى الآن ~~ولم نحصل بواسطتها على فوائد ومنافع عملية. وكل ما استفدناه منها أنها تعلمنا طرقا ~~سفسطائية في الجدل تجعلنا لا نطلب الحقيقة في مباحثنا، ولكن حب الفوز والغلبة. فيجب تغيير ~~هذه القاعدة التي جعلها العلم دعامته، ووضع دعامة عملية جديدة له ليثمر ثمارا عملية. # ولكن قبل هدم القاعدة القديمة يجب إنشاء «ترتيب» جديد للعلم أصولا وفروعا، لوضع أصول كل ~~فرع منه على الترتيب. وبناء على ذلك وضع باكون «الترتيب» المنسوب إليه وعليه يعتمد ~~العلماء. # الترتيب المشهور بترتيب باكون: قسم باكون قوى نفس الإنسان في هذا الترتيب ثلاثة أقسام؛ ~~«الذاكرة. والتصور والعقل». وجعل أصول العلم وفروعه تتفرع من هذه الكلمات الثلاث. فمن ~~«الذاكرة» يشتق التاريخ، ومن «التصور» يشتق الشعر، ومن «العقل» تشتق الفلسفة. # ثم إن باكون يأخذ التاريخ. والشعر، والفلسفة، كلا بمفرده ويفرع منه فروعه. فالتاريخ ~~طبيعي وبشري. والطبيعي يشمل درس الطبيعة ms57 ما فوق وما تحت من علوم الهيئة (علم الفلك) ~~والجيولوجيا والجغرافيا الخ. والتاريخ البشري يشمل التاريخ الديني والتاريخ الاجتماعي ~~(الغير ديني) وتاريخ الأدب والفنون. وأما الشعر؛ فإنه يكتفي بقسيمه إلى ثلاثة أقسام وهي: ~~الشعر للوصف. والشعر للروايات. والشعر للأمثال. وأما الفلسفة فهي ثلاثة فنون؛ فن معرفة ~~الله. وفن معرفة نظام الطبيعة. وفن معرفة نظام الإنسان. ثم يفرغ باكون من كل واحد من هذه ~~الفروع فروعا عديدة يضيق المقام دونها. ولو أتينا عليها كلها لوجد القارئ أنه لا يبقى أصل ~~للعلم ولا فرع خارجا عن هذه الدائرة. # ميزان باكون ضد ميزان أرسطو: فبعد وضع باكون هذا الترتيب للعلم وشرحه كل أصوله وفروعه ~~شرحا كافيا وافيا، وجه همته إلى وضع قاعدة لبنائه. فقال بوجوب ترك قواعد اليونان ~~وأرسطو والاعتماد على العقل في ذلك البناء. وكانت قاعدة أرسطو توجب. كما تقدم أن كل أمر ~~يجرب عدة مرات ويفضي إلى نتيجة واحدة يجب أن يعد ناموسا طبيعيا. وقد ذكرنا مثال ذلك ف ~~تجربة تبخير الماء وقياس اللبن عليه. أما باكون؛ فإنه قال: إن التجربة عدة مرات لا تكفي بل ~~يجب معها أمران؛ الأول إعادة التجربة والامتحان في نفس المادة المطلوب فحصها إلى ما شاء ~~الله، حتى لا تبقى زيادة لمستزيد، واستئناف التجربة في كل جزء من أجزاء المادة ومطاردة ~~الأسرار الطبيعية إلى أبعد مكامنها. وثانيا عدم الاكتفاء بالامتحان الإيجابي بل إجراء ~~امتحان سلبي معه. مثال ذلك: بخر الماء بالنار يتبخر، فأعد التجربة عدة مرات تجده يتبخر ~~دائما. هذا هو الامتحان الإيجابي. أما الامتحان السلبي؛ فهو أن تأخذ بخار ذلك الماء ~~وتبرده، فإذا عاد ماء كان العمل صحيحا، وجاز لك أن تعد التبخر ناموسا طبيعيا. ولا يجوز ~~لك أن تقول: إن أرسطو أو أفلاطون أو أيا كان قد قال ذلك وأثبته، فعلينا أن نصدقه؛ فإننا ~~نريد أن نحكم في أمورنا عقولنا لا عقول الذين تقدمونا. أي أننا لا نصدق أحدا ولا نبني ~~حكما على حكم أحد ما لم تظهر لنا صحة قوله بالتجربة والامتحان والمشاهدة ms58 والبرهان - فبناء ~~على ذلك كنست جميع المبادئ القديمة والتعاليم التي من وراء العقل كنسا، وحل محلها علم ~~المحسوسات، أو ما يسمونه العلم الوضعي أو الامتحاني. وقد أطلق باكون وأنصاره بذلك عقول ~~العلماء والفلاسفة من قيود الماضي وأعدوا للعلم ميدانا فسيحا قرن فيه العلم بالعمل، فنشأت ~~عنه الاكتشافات والاختراعات التي عرفتها في عالم العلم والصناعة والزراعة. فكأنه روح الحرية ~~بث في العقل والعلم والعمل فأحياها معا. # ولكن فلنبحث الآن بعد مرور القرون الطوال وانتصار العلم والفلسفة في هذا العصر. هل قام ~~العلم بكل الوظيفة التي انتدبه العقل البشري لها؟ هل قدر إلى اليوم على استئصال كل الشقاء ~~والرذيلة من الأرض وإصلاح شأن البشر فيها إصلاحا تاما. هل استطاع إرواء ظمأ الإنسان إلى ~~ما وراء هذه الطبيعة التي هي عظيمة، ولكنها واأسفاه مادية جامدة. وبعبارة واحدة نقول: هل حل ~~العلم محل الدين حلولا نهائيا بعد تلك الحرب العقلية الكبرى، التي دارت رحاها في أوربا ~~بين أمم مختلفة وفلسفات مختلفة. # كلا.. لم يصنع العلم ذلك صنعا تاما بعد، وإن كان قد صنع شيئا كثيرا منه. ولسنا نعلم ~~السبب الحقيقي في هذا العجز. هل هو ضعف العلم نفسه عن إرضاء الإنسانية وتسكين تأثرها، أم هو ~~ضعف الإنسانية نفسها عن احتمال قوة العلم الهائلة. ms59