######OpenITI# #META# URI: 1340FarahAntun.UrashalimJadida.Hindawi73918028 #META# Tags: novels #META# ID: 73918028 #META# Title: أورشليم الجديدة #META# AuthorID: 62629517 #META# Author: فرح أنطون #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # المقدمة‏ # مدخل‏ # 1 - عيد الميلاد في بيت لحم سنة 636‏ # 2 - يهودي ... يهودي‏ # 3 - على الطريق‏ # 4 - البطريرك صفرونيوس‏ # 5 - النبي أرميا ومشروعه العظيم‏ # 6 - أمام دير العذراء‏ # 7 - العرب في بيت المقدس‏ # 8 - تاريخ حياة إيليا‏ # 9 - عقل الشيخ ينبه ضمير الشاب‏ # 10 - أنا أعرف الله‏ # 11 - الصليب أهون من هذا‏ # 12 - بين مسيحي ويهودية‏ # 13 - حلم أستير‏ # 14 - الكتاب‏ # 15 - حصر بيت المقدس‏ # 16 - بين أستير وأرميا وإيليا‏ # 17 - مخابرات الصلح‏ # 18 - الخليفة عمر بن الخطاب‏ # 19 - بين الإمام عمر والبطريرك صفرونيوس‏ # 20 - في حيز هيكل سليمان القديم‏ # 21 - في قبر المسيح‏ # 22 - حديث سياسي للشيخ سليمان‏ # 23 - أستير في البيت الأحمر‏ # 24 - الخاتمة‏ # المقدمة‏ # مدخل‏ # 1 - عيد الميلاد في بيت لحم سنة 636‏ # 2 - يهودي ... يهودي‏ # 3 - على الطريق‏ # 4 - البطريرك صفرونيوس‏ # 5 - النبي أرميا ومشروعه العظيم‏ # 6 - أمام دير العذراء‏ # 7 - العرب في بيت المقدس‏ # 8 - تاريخ حياة إيليا‏ # 9 - عقل الشيخ ينبه ضمير الشاب‏ # 10 - أنا أعرف الله‏ # 11 - الصليب أهون من هذا‏ # 12 - بين مسيحي ويهودية‏ # 13 - حلم أستير‏ # 14 - الكتاب‏ # 15 - حصر بيت المقدس‏ # 16 - بين أستير وأرميا وإيليا‏ # 17 - مخابرات الصلح‏ # 18 - الخليفة عمر بن الخطاب‏ # 19 - بين الإمام عمر والبطريرك صفرونيوس‏ # 20 - في حيز هيكل سليمان القديم‏ # 21 - في قبر المسيح‏ # 22 - حديث سياسي للشيخ سليمان‏ # 23 - أستير في البيت الأحمر‏ # 24 - الخاتمة‏ # | أورشليم الجديدة # | أورشليم الجديدة # تأليف # فرح أنطون # | المقدمة # أهم أنواع الروايات ثلاثة (الأول) الروايات الاجتماعية والأخلاقية وهي أفضلها؛ لأنها تبحث ~~في إصلاح أخلاق الأمة وتكوينها، وتنبيه نفسها إلى ما فيه منفعتها، (والثاني) الروايات ~~التاريخية؛ وغرضها بسط تاريخ الأمم، أي ذكر أسبابه ومسبباته لاستخلاص النتائج منها بحرية ~~تامة بلا تزلف ولا تحامل للوقوف على الفواعل في تقدم الأمم وتأخرها، (والثالث) الروايات ~~البسيكولوجية؛ وتدخل فيها الروايات الحبية التي يصور فيها احتكاك العواطف وتنازع القلوب ~~والأهواء. # على أن هنالك نوعا آخر من الروايات أفضل من هذه الأنواع الثلاثة وهو الذي جمع بينها في ms001 ~~سياق واحد؛ فيكون تاريخيا لمحبي التاريخ، فلسفيا اجتماعيا لمحبي الفلسفة والاجتماع، ~~أدبيا حبيا لمحبي الأدب والعواطف الحبية الطاهرة المنزهة عن الخلاعة والغرام البارد، ~~ومن هذا النوع أشهر الروايات الخطيرة التي كان ظهورها عبارة عن حادثة وطنية كبرى؛ لأنها ~~رفعت مبادئ وخفضت مبادئ «كالميزارابل» لفيكتور هيغو و«الجحيم» لدانتي وغيرهما. # ولقد سلكت «الجامعة» هذا المسلك في روايتها الجديدة «أورشليم الجديدة» فجمعت فيها بين ~~الفلسفة والاجتماع والتاريخ والحب والأدب، وفوق ذلك ضمت إليها «الدين» لأن العصر الذي نبحث ~~هنا في شئونه عصر ديني محض، سواء كان ذلك عند المسيحيين أو عند المسلمين. فالكلام عنه يشمل ~~الدين بالطبع والضرورة، وبدونه يكون الكلام ناقصا أهم وجوهه. # وهي على يقين من أن أبناء العصر وكتابه الأفاضل الذين يرومون تنبيه الشرق من سباته، وأن ~~يمحوا عنه عار الاستسلام للسلطات المضرة، ويطلبون الحقيقة أينما وجدوها سينظرون إلى هذا ~~الكتاب نظرا ينسي مؤلفه شيئا من التعب الذي عاناه في تأليفه؛ لأنه لو لم يكن على ثقة من ~~رضاهم وتنشيطهم قياسا على ما مضى، لما وجد في نفسه القوة اللازمة للإقدام على كتاب كهذا ~~الكتاب مع ما هو معروف في بلادنا عن بضاعة العلم والأدب، وما هو مشهور من تهشيم حرية الفكر ~~ونزاهة النشر؛ تزلفا للسذج وذوي المصالح، خصوصا في الشئون الوطنية والمسائل ~~الشرقية. # والمؤلف لا يدعي في هذا الكتاب فضلا أو مزية، ولكنه يصرح بأنه بذل جهده للجهر - بحرية ~~تامة - بكل ما يجب الجهر به عند الاشتغال بمسائل مهمة خطيرة كالمسائل التي في هذا الكتاب، ~~وطلب الحقيقة بين كل الأحزاب باستقلال تام كأن الكاتب غير منسوب إلى أحدها. فإذا كان ~~إخواننا الرصفاء والقراء الكرام يرون بعد مطالعة هذه الرواية أن المؤلف قد قام بهذه ~~الوظيفة، فهذا خير جزاء يريده منهم، وأفضل ثناء يقبله على الطريقة التي أقدم عليها مع ~~معرفته صعوبتها في بدء الأمر في بلادنا الشرقية التي فيها سلطان الجبن والذل والمصلحة، أقوى ~~من سلطان عزة النفس، وحرية الفكر، وجرأة المبدأ. ~~••• # ويجدر بنا في هذه المقدمة أن ننبه ms002 القارئ الكريم إلى أمرين: (الأول) الطريقة الإنشائية ~~التي اعتمدنا عليها في هذا الكتاب. فإننا عنينا هنا بما يسميه الإفرنج «جمال التأليف» عناية ~~خاصة؛ لأن المجال في هذا الكتاب واسع لفكر المؤلف وقلمه ولا قيد يقيدهما ألبتة، وهذا الذي ~~يسمونه «جمال التأليف» عليه المعول في كل الكتب الجليلة التي هزت نفوس البشر في الأرض ~~ورقتها وأمالتها نحو الخير والكمال، وبدونه لا يكون للكتابة أثر في النفوس، ولا جاذبية ~~تجتذب القراء للإقبال عليها، وتأليف جمهور مفكر يميز غث الأمور من سمينها وجميلها من ~~دميمها، وهو ما يعبرون عنه بالرأي العام، وهذا الأسلوب الذي اعتمدنا عليه هنا يعتمد على ~~عاطفة الجمال التي في نفس الإنسان، والتي بها يميز عن الحيوان حتى عرفوا الإنسان «بأنه ~~حيوان يعرف الجمال ويشعر به»، ويقول كثيرون من علماء العمران: إن «الجمال» في الفنون ~~والصنائع الجميلة «وصناعة القلم في جملتها» هو أساس نهضة أوروبا. فإن ارتقاء هذه الفنون ~~الجميلة في إيطاليا كان ناشئا عن ارتقاء عاطفة «الجمال» فيها، وهذا الارتقاء لطف الأذواق ~~ورفع النفوس وكبرها، ومن هنا نشأ الميل للحرية والارتقاء فسرى إلى أوروبا كلها، وبناء على ~~أهمية عاطفة الجمال هذه ترى الناس يبتاعون صورة من صور المصور رفائيل مثلا بملايين فرنكات. ~~فهم يبتاعون بابتياعها ثمار أرقى نفس؛ لأن عاطفة الجمال بلغت فيها أقصى درجات الارتقاء ~~الممكن في الأرض. فإذا قابلنا بين هذه العناية «بالجميل» في بلاد المتمدنين، وبين اعتبار ~~بعضهم عندنا الجمال في الكتابة وغيرها شيئا ثانويا، بل تخيلات وتصورات وأدبيات جاز لنا ~~أن نأسف؛ لأننا في الشرق لم ندرك بعد ماهية الارتقاء الحقيقي لكوننا لا نزال نذم الورد على ~~أسلوب ذلك الشاعر العربي الذي شبهه ذلك التشبيه المشهور. # 1 # ولكن من حسن الحظ أن عاطفة الجمال الطبيعية الموجودة في نفوس الناس في الأرض أقوى من أن ~~تخنق إذا لم يفهمها بعض الناس، ولذلك ترى (جمال صناعة القلم) يؤثر في الناس في الشرق من ~~غير أن يدروا به، وهذا سبب نهضة الشرقيين إلى الكتابة والمطالعة وتعلقهم بهما، وكلما ms003 ارتقت ~~فيهم عاطفة الجمال، أي كلما ارتقت «نفسهم نفسها» ارتقى فيهم الميل إلى هذه الصناعة، وجميع ~~الصنائع الجميلة على نسبة واحدة. فمقياس ارتقاء الأمم إذن إنما يكون بالنظر إلى ما تقدر على ~~إبرازه من عاطفة الجمال هذه مقرونة بشقيقتها عاطفة الخير «لأن الجمال الحقيقي لا ينفصل عن ~~الخير مطلقا» لا بالنظر إلى ما تقدر على تقليده من شئون غيرها، والفلاسفة يضيفون إلى ~~«عاطفتي الجمال والخير» «عاطفة الحق» التي مقتضاها الجهر بالحقيقة، وطلبها باستقلال تام ~~ونزاهة عن كل مواربة وجبن، ويقولون: إن هذه الثلاثة هي أغراض العلم العليا ومواضيع الفلسفة ~~السامية، وهو قول حق؛ ولذلك نتمنى أن يكثر في بلادنا العزيزة كل ما ينمي هذه العواطف ~~الثلاث؛ لأنها أساس كل ارتقاء ونزاهة وفضيلة، ومصدر كل شيء عظيم، والأمم التي لا تؤسس على ~~هذا الأساس المثلث تتعب وتبني عبثا؛ لأنها لا تبني إلا على المصالح المادية والقابلية ~~الحيوانية. ~~(والأمر الثاني) الذي أحببنا التنبيه عليه أن الروايات التاريخية لا يقصد بها سرد وقائع ~~التاريخ وأرقامه. فإن طالب هذه الوقائع والأرقام يلتمسها في كتب التاريخ حيث تكون قريبة ~~المنال؛ لتجردها عما ليس منها لا في الروايات المطولة التي تشتبك وقائعها الخيالية بها، ولا ~~يصبر طالب التاريخ البحت على مطالعتها، وإنما المقصود من الروايات التاريخية (فوق سرد ~~الوقائع والأرقام، وتصوير الوسط المراد تصويره، وإبراز العواطف والأفكار التي كانت تختلج في ~~هذا الوسط) تكميل التاريخ في جوانبه الناقصة. # ونعني هنا «بتكميل التاريخ» أن يضع المؤلف نفسه موضع الأشخاص التاريخيين الذين يتكلم ~~عنهم، ويعبر عن أفكارهم وآرائهم في المواقف التي يصورها لهم، والتي لا أثر لها في التاريخ ~~مستدلا على ذلك بما يعرفه عنهم، وهذا الأمر في روايات «ديماس» المشهور كان أهم الأمور. ~~فكأنه به يحيي الأبطال الذين يتكلم عنهم، ويجعلهم يشعرون بالأمور التي كانت تنطبق على ~~تاريخهم ومقاصدهم، ويكشف لك خبايا كانت مدفونة في صدورهم، ولقد سلكنا هذا المسلك أيضا في ~~هذه الرواية. غير أننا خشينا أن يختلط التاريخ بما ليس هو في شيء منه فيضل ms004 القارئ، سيما ~~القليل الاطلاع، فوضعنا علامات للتفريق بين التاريخ وبين التصنيف والاستدلال، وإليك هذه ~~العلامات: «هذه العلامة * (أي النجمة) تدل على أن ذلك القول وارد في التاريخ، ~~والعلامة (- تدل على عكسه أي أنه تصنيف أو استدلال من المؤلف لا أثر له في التاريخ، والكلام ~~الموضوع بين قوسين هكذا « » أو ( ) أو فاصلتين ،، ،، ومعه نجمة * هو نص تاريخي ~~بحرفه، وأما إذا كان الكلام بين هذه الأقواس بلا نجمة أو كان بلا أقواس ولا نجمة فليس هو من ~~التاريخ في شيء، خصوصا إذا كان بين أشخاص الرواية الخياليين - هذا إلا إذا نبه عليه في ~~الحاشية». # وسنتابع هذه الاصطلاحات في كل رواياتنا التاريخية؛ ليتسع لنا مجال الاستنباط والاستدلال ~~التاريخي في أمثال هذه المسائل. إذ بدون هذه الاصطلاحات يشوه الكاتب التاريخ إذا حرص على ~~الاستنباط والاستدلال، ويهمل أهم ما في التاريخ الروائي إذا أهملهما، والقراء في الشرق على ~~الخصوص يعرفون أن الكاتب في شئون المسلمين والمسيحيين في بلادهم لا غنى له عن هذا الاحتياط؛ ~~لحرج الموقف، وصعوبة الطريق. # أما المصادر التي اعتمدنا عليها في هذا الكتاب فهي عدة لمؤلفي العرب والإفرنج، وقد رجعنا ~~في شئون العرب إلى كتب العرب، وفي شئون الروم إلى كتب الإفرنج كما يجب أن يكون ذلك؛ لأن كل ~~قوم أدرى بتاريخهم، ولقد أشرنا في الحواشي إلى أكثر تلك المصادر. # هذا ما قصدنا ذكره في هذه المقدمة، والآن نأخذ بيدي القارئ الكريم؛ لنسيح معه في هذا ~~الكتاب سياحة طويلة. # | مدخل # | على الأرض السلام # على جبل الزيتون فوق بيت المقدس كان في سنة 636 قبل عيد الميلاد بثلاثة أيام طيف يتمشى ~~متأملا في المدينة تحته وهو يقول كأنه يخطب في الدنيا كلها: منذ نحو ألفي سنة رن في فضاء ~~هذه الأرض التعيسة صوت خارج من جهات مجهولة يقول: «المجد لله في العلى، وعلى الأرض السلام، ~~وفي الناس المسرة». # ومنذ ألفي سنة والبشر بشر، السلام على شفاههم لا في القلوب. ~~••• # منذ ألفي سنة هجمت المادة الترابية في عالمنا الدنيء للاتحاد بالجوهر الإلهي. فقبضت يومئذ ms005 ~~الأرض على قسم من السماء، ولكن السماء عادت فأفلتت منها فعاد إلى الأرض ما هو من الأرض، ~~وإلى السماء ما هو من السماء، واختفى عنا ذلك النور الذي أضاء تاركا البشر في ظلمة ~~ليلاء. ~~••• # منذ نحو ألفي سنة ثارت بين أسوارك يا «ابنة صهيون» # 1 # الحرب الأبدية بين الحق وبين التقليد الذي يضع نفسه موضع الحق. بين المبادئ ~~وبين المصالح. بين الفكر وبين المادة. بين القديم الذي يظن نفسه قويا راسخا أبديا لا ~~يزعزعه شيء، وبين الجديد الضعيف المسلح بمعول العقل والفكر ولا سلاح له سواه. فزلزلت ~~الجبال، واندكت الأسوار، ونسف الفكر معالم التقليد والمصالح والمادة نسفا، فقلب عالما ~~وأقام عالما. # ولكن ماذا جرى بعد ذلك؟ هل حفظ الغالب السلاح الذي تغلب به؟ أخبرونا يا رجال صهيون ~~الجديدة يا جند إسرائيل الجديد، وا أسفاه إن الغالب عاد إلى عادات المغلوب. إن المادة قويت ~~على الروح، والمصالح على المبادئ، والتقليد على الفكر والعقل. فهاتوا لنا معولا آخر للهدم ~~مرة ثانية. إلينا يا ملائكة السماء بجراح جديد لمداواة هذه الحسناء المريضة، ولكن رحماكم ~~فلتكن سكين هذا الجراح نحيفة. إننا نشفق على جسمها النحيل، وقلبها الرقيق، وجمالها ~~الساحر، ونفوس الملايين العديدة المتعلقة بها. هات روحك يا بوذه لنعلمها الصبر والقناعة. ~~هات فكرك يا كونفوشيوس لنعلمها الحكمة. هات بلاغتك الإلهية يا أفلاطون؛ لندخل إلى عروقها دم ~~الفلسفة ممزوجة بالأنوار السماوية. هات عقلك يا أرسطو لتقوية عقلها. هاتوا يا حكماء منفيس ~~والإسكندرية وأثينا وبيناريس ورومة كل حكمتكم وفلسفتكم لعلها تشفى بها، وإياكم أن تقولوا ~~إنها في غنى عن كل ذلك بما لديها من المبادئ الفطرية الساذجة؛ فإنها نسيت ما لديها ونسيت ~~الفطرة والسذاجة. نعم، إن فاها لا يزال يردده، ويترنم بألفاظه، ولكن يا للأسف إن قلبها لم ~~يعد يفهمه ولا يقنع به، ولذلك ذهبت منها صحتها وجمالها. أجل يا بيت الحكمة الفطرية الساذجة. ~~يا قدس الأقداس القديم. يا مأوى الفكر الحر المطلق والروح المجرد. إن حمامة الروح السماوية ~~قد طارت من بين جدرانك، وهذا هو ms006 سبب مرضك. فهلا استعدت روحك لتحيي بها نفسك ويؤهل منزلك. ~~هلا نظرت بإخلاص ونزاهة إلى مرضك؟ # إنك لم تريدي ذلك يا ابنة صهيون فهوذا جراح وخصم شديد قادم نحوك، ولكن وا أسفاه؛ إن ~~سكينه ليست بنحيفة كما طلبت، بل هي عبارة عن سيف قوي، ومع السيف رمح ونبلة وترس وجواد عربي. ~~إن رمال قفار العرب قد تحركت يا ابنة صهيون. زحفت نحوك قاصدة الدنيا كلها. فأوسعوا أوسعوا ~~المكان في الأرض لأمة جديدة عظيمة ومدنية جديدة. إن الدنيا تتمخض الآن بدين جديد وسلطنة ~~جديدة. إن أبناء إسماعيل الأقوياء خرجوا من قفارهم الجدباء لملاقاة أبناء إسحق الظرفاء، ~~ولكن يا للأخوة يا لحرمة النسب؛ إن ملاقاتهم كانت للاقتتال على سلطنة الأرض، كأن هذه الدنيا ~~الواسعة تضيق عن أخوين كريمين. فسدوا آذانكم يا أيها البشر؛ فإن أرضكم ستصير ميدانا واسعا ~~للحروب والمجازر المختلفة. ناموا أيها الموتى الشرقيون بأمان، واحمدوا الله؛ لأنكم قضيتم ~~قبل العصر الذي تزحف فيه الأمم والقارات بعضها على بعض ليفني بعضها بعضا، ويا سلطنة بزنطية ~~التي ملأت الدنيا أبهة وسطوة وجلالا استعدي فقد دنت آخرتك، ولا تلومي أحدا غير نفسك. ~~لماذا أهملت شعبك لتشتغلي بالمجادلات الدينية العقيمة؟ لماذا جهلت أن كل بناء لا يبنى على ~~«إصلاح أحوال الشعب» بناء ضعيف يتداعى في مدة قصيرة؟ لماذا حصرت كل قواك في الاختلافات على ~~خلافة الملك وانتقال السلطنة؟ لماذا رمت الاستيلاء على الدنيا كلها بدل إصلاح شئونك ~~الداخلية فجزأت قواك بتجزئة اهتمامك على غير فائدة؟ لماذا هجرت الروح والفكر الذي يجعل ~~الأفراد أقوياء والشعوب منيعي الجانب سعداء. إن الشعب الشاب الحديث الخارج من رمال بلاد ~~العرب قد استولى على ذلك الفكر الذي هجرتيه، وهجم عليك بسلاحك بريئا في أول نشأته من تلك ~~النقائص التي أودت بك. لقد زحف يمثل الوحدة والعصبية والإصلاحات الشعبية والحياة الروحية ~~والمعيشة الطبيعية والمساواة والإخاء والحرية، ومن فرط ثقته من نفسه ومن مبدئه يظن أنه وحده ~~يمثل الوحدانية، وبهذه المناقب سيستولي يوما على الكرة الأرضية، وسيبقى له هذا الملك حتى ms007 ~~تفارقه المناقب كما فارقتك فيصيبه حينئذ ما أصابك، وفي ذلك الوقت تنطرحان كلاكما على الأرض ~~أخوين في المصاب تنظران إلى الأمم والمبادئ الأخرى التي تجيء بعدكم وتقوم على ~~آثاركم. # فيا أيتها الأمم المختلفة التي تقوم وتسقط وتتطاحن كحبوب الحنطة تحت الرحى لك أن تقولي ~~«المجد لله في العلى» لأن الله خالقنا عظيم، ولكن لا تقولي «في الأرض السلام، وفي الناس ~~المسرة» فإن الأرض ليس فيها اليوم شيء غير السيف والنار، وليس بين البشر شيء يسر، بل ~~السائد بينهم الفساد والاضطراب والبغض والشقاء والدمار. # الفصل الأول # | عيد الميلاد في بيت لحم سنة 636 # حالة الإمبراطور هرقل والسلطنة البيزنطية في صدر الإسلام «البيت الأحمر». ~~*** # بيت لحم في يوم عيد الميلاد المسيحي كعبة يحج إليها المسيحيون من كل أقطار العالم، كما ~~يحجون إلى كنيسة القيامة الكبرى في القدس في عيد الفصح الذي هو عيد القيامة. ففي سنة 636 ~~للميلاد المسيحي ليلة عيد الميلاد خلت القدس من أهلها ومن الحجاج لزحفهم إلى بيت لحم لحضور ~~العيد، وقد بدءوا بالسفر إلى بيت لحم منذ يومين رجالا ونساء وأولادا؛ بعضهم يقيمون عند ~~أقاربهم ومعارفهم، وبعضهم يستأجرون غرفا خصوصية لذلك. فامتلأت بلدة بيت لحم على صغرها ~~بأجناس القادمين إليها من نواحي فلسطين، والثغور، وسوريا، ومصر، والأناضول، والقسطنطينية، ~~وقبرص، ورودس، وغيرها، وكان اختلاف أزيائهم ووجوههم مما يروق النظر فيخيل للناظر أن أجناس ~~البشر كلها تعرض له في تلك البلدة الصغيرة. # وكانت كنيسة المغارة التي هي عند الناس مكان ولادة المسيح قائمة في وسط البلدة، وكانت ~~مؤلفة من قسمين: فقسم هو كنيسة المهد نفسه * وهي عبارة عن مغارة منقورة في الصخر ~~مكسوة الجدران بالأغطية الثمينة المزركشة والمزينة أفخر زينة، وفي سقفها عدة مصابيح بعضها ~~يضيء ليلا ونهارا، وقسم هو كنيسة فاخرة كبرى قائمة فوق تلك الكنيسة الصغرى لاجتماع الناس ~~فيها، وقد بنتها هيلانه أم الإمبراطور قسطنطين الكبير # 1 # وكانت الكنيستان منارتين في تلك الليلة بالمصابيح والشموع المتعددة، وروائح ~~البخور تنبعث عن المباخر، والناس داخلون إلى الكنيسة الكبرى وخارجون منها ms008 ولوائح السرور على ~~وجوههم. # فلنترك الناس خارجين وداخلين، ولنذهب بالقارئ إلى منزل كبير قائم تجاه الكنيسة في الجهة ~~الغربية، وهو مدهون بلون أحمر؛ ولذلك يسمونه: «البيت الأحمر»، وقبل الدخول إلى هذا البيت ~~نقرأ على خشبة مسمرة فوق بابه هذه الكتابة باللغة اليونانية: «لا شراب رديء يزعج معدتك، ~~ولا رفيق السوء يزعج نفسك» ذلك أن هذا البيت كان معدا لنزول الضيوف في الأعياد والمواسم ~~والاحتفالات المختلفة. # فإذا دخلنا هذا الفندق وجدناه قسمين: فقسم للرجال؛ وكان يجتمع فيه ضيوف من بيت المقدس ~~وغيره، وقسم للسيدات؛ وكان يجتمع فيه أجمل وأذكى سيدات أورشليم # 2 # وكان أمام القسمين حديقة واسعة الجوانب مزروعة بالنباتات والأزهار والشجيرات ~~المختلفة، وفي وسطها قاعة المائدة، وهي قسمان أيضا: واحد للرجال، وواحد للنساء. # وكان البرد في ذلك اليوم شديدا، والغيوم متلبدة في السماء تنذر بالمطر، والهواء يهب من ~~الجهة الجنوبية الغربية هبوبا عنيفا، ومع ذلك فقد كان في الحديقة في جهة قسم الرجال رجل ~~يتمشى وفي يده كتاب خطي، وهو تارة يقرأ وطورا يتأمل، وربما يظن القارئ أن ذلك الكتاب كان ~~نسخة من كتاب ديني، ولكن إذا دنونا من الرجل وجدنا على غلاف كتابه هذه الكلمات: «كتاب في ~~النفس - تأليف أرسطو». # وكان الوقت مساء، وصاحب الكتاب يقرأ في كتابه على ذرات ضوء النهار الأخيرة بين مداعبة ~~الريح وقرص البرد وقهقهة الرجال والنساء خارجة من داخل الفندق، بينما صراخ الناس في الشوارع ~~أمام الكنيسة، وأصوات الباعة وضوضاء المغنيين تصم الآذان، وكان هذا الرجل القارئ كلما زادت ~~تلك القهقهة والضوضاء الداخلية والخارجية ينظر باشمئزاز وأنفة إلى الجانب التي خرجت منه، ~~ويقرن اشمئزازه بابتسام الاحتقار. إلا أنه في ذات مرة اشتدت القهقهة والصياح من داخل ومن ~~خارج، فمد يده إلى جيبه وتناول دفترا، وكتب فيه ما يأتي: # الطبقات العالية لا هم لها إلا ملاذها. فهي تفرح وتطرب لأن الإمبراطور يترك لها ~~حرية التمتع بها. فكأن الدنيا كلها عندها أكل وشرب ولذة، والطبقات الواطئة ترضى ~~بأقل شيء، ولذلك يلهونها بأصغر الأمور، ويعملون على ظهرها ms009 كل الأعمال. فهل تنفتح ~~عيونها يا ترى يوما من الأيام؟ # وما أتى صاحب الكتاب على هذه العبارة حتى اندفع من قسم النساء في الفندق نحو عشرين سيدة ~~ضاحكات مقهقهات وتفرقن في الحديقة. فألقى صاحب الكتاب إليهن نظرة، ثم عاد إلى كتابه بأنفة ~~وكبرياء. أما السيدات: فلم يصرفن أنظارهن عنه، بل أخذن يتأملن فيه. فقالت إحداهن: من هو هذا ~~البارد الذي يقرأ في هذا الظلام والبرد يا أخواتي؟ أظنه راهبا من رهبان دير إيليا. فضحكت ~~رفيقاتها، وأجابت سيدة أخرى: وحياة العذراء يا أخواتي إنني نظرت هذا الرجل قبل اليوم. فإنه ~~في كل مساء يخرج من باب يافا وفي يده كتاب فينحدر إلى الوادي ويغيب فيه. # فرسمت إحداهن علامة الصليب على صدرها، وقالت: «كيريالايسون» (يارب ارحم) أظنه يختلي ~~ببعلزبول. فصاحت بعض رفيقاتها: باسم الصليب الكريم يا تيوفانا إنك تذكرين بعلزبول دائما، ~~فيظهر أنه بينك وبينه شيء من الصحبة. فضحكت السيدات، وأما تيوفانا فإنها رسمت علامة الصليب ~~على صدرها وبصقت على الأرض موجهة هذه البصقة إلى بعلزبول. # أما صاحب الكتاب فإنه لم يسمع من حديث السيدات سوى هذه الكلمة «دير إيليا» فظن أنهن يقلن ~~«اسمه إيليا» فقال في نفسه: من أين يعرفنني هؤلاء السيدات؟ # ومن البديهي أنه لا يخرج النساء إلى الحديقة، ويبقى الرجال في الداخل. فخرج الرجال على ~~صوت النساء، وتفرقوا في الحديقة محيين السيدات برءوسهم، وما زالوا يتمشون حتى التقت طلائع ~~الفريقين فتبادلوا التحيات والابتسامات، وتداعوا إلى الجلوس على مقاعد الحديقة مع شدة ~~البرد. فجلس النساء فى صفوف والرجال في صفوف، ودار الحديث بين الفريقين، وصاحب الكتاب في ~~زاوية يصغي ويعي. # فقالت إحدى السيدات: متى يصل مولانا البطريرك؟ فأجابها أحدهم: سيصل في الليل. فقالت أخرى: ~~الظاهر أن هذا العيد سيكون بهيجا؛ لكثرة الحجاج والوافدين. فهز أحد الرجال رأسه وقال: إن ~~أكثر هذه الجماهير فروا من وجه العرب * ولم يقدموا للعيد. فقالت تيوفانا: إذا قصدتم ~~الكلام في السياسة فاخفضوا أصواتكم وانظروا إلى ما حولكم. فرفع حينئذ أحد الرجال صوته وصاح: ~~مم نخاف ms010 لقد أضاعوا الإمبراطورية بطياشتهم، وها إن العرب قد صاروا على أبواب المدينة ~~* فبغتت النساء، وصاحت تيوفانا: وهل انكسر مانويلس، فهز الرجل رأسه، وقال: إن ~~قائدنا مانويلس الظريف قد انكسر في «اليرموك» شر كسرة * وهذه الواقعة فتحت سوريا ~~كلها للعرب، كما فتحت لهم واقعة القادسية بلاد الفرس * ومن ذلك يظهر أن الإمبراطور ~~كان مصيبا في ما فعل. قال الرجل ذلك، ثم نظر إلى ما حوله. فقالت إحدى السيدات: ولكن يظهر ~~أن مولانا البطريرك مستاء جدا من صنعه هذا. فقال ذلك الرجل: ولكن ما الحيلة، إنه لم يكن ~~يستطيع أن يعمل غير ما عمل. فإنه بعد أن فتح العرب دمشق لانكسار أخيه تيودوروس أمامهم في أجنادين # 3 # لم يبق له إلا ترك سوريا وشأنها تدافع عن نفسها بنفسها للعودة إلى القسطنطينية ~~قاعدة مملكته؛ لأن المغول والسلافيين وفيهم البلغار والسرب كانوا يتهددون حياة السلطنة، وقد ~~كسر السلافيون جنده وراء القسطنطينية شر كسرة * وقد بلغني أنه لما خرج من سوريا ~~قادما إلى هنا لأخذ الصليب المقدس من الجلجلة إلى القسطنطينية خوفا * من أن يأخذه ~~العرب كما أخذه الفرس لما فتحوا مدينتنا # 4 # وقف على نشز في حدود سوريا مودعا وقال: «السلام عليك يا سوريا سلام لا اجتماع بعده» # 5 # ذلك لأنه علم أنه لا قبل له على حفظ سوريا ووراءه من ذكرنا من أعدائه، ومما زاد ~~الطين بلة أيضا أن الجيش تمرد * وأعلن خلعه. فكيف يبقى في هذه البلاد؛ ليدافع عنها ~~بنفسه، وتلك حال سلطنته وعاصمته؟ إن البطريرك مخطئ في استيائه. # فقال رجل آخر: وهناك سبب آخر يوجب على البطريرك أن لا يستاء من ترك الإمبراطور سوريا ~~وفلسطين وشأنهما تعتمدان على قواتهما الداخلية فقط، وهو اعتلال صحته واضطراب عقله. فإنني ~~شاهدت الإمبراطور مرتين: المرة الأولى منذ ثماني سنوات لما عاد إلينا من حرب الفرس ظافرا ~~منصورا بعد أن سحق سلطنة كسرى الكبير، وهدم معابد النيران، واسترد الصليب، وجاء لإعادته ~~إلى الجلجلة * فإنه كان يومئذ في أوج عزه وعظمته، وكانت الإمبراطورية كلها تتحدث ~~يومئذ بسطوته، ms011 وشاعره «الراهب جاورجيوس بيسيديس» الذي هو معلم اعترافه أيضا ينشر فيه ~~القصائد الرنانة التي تثير الأفكار ويشبهه بالبطل أشيل وقسطنطين الكبير * فيومئذ ~~كان الإمبراطور معبودا عند شعبه، وكانت لوائح السعادة تظهر على وجهه، ولست أنسى في حياتي ~~منظره لما حمل في كنيسة الجلجلة في مدينتنا الصليب بنفسه، وصعد به وحده إلى موضعه في ~~الجلجلة لنصبه بيده * فقد كانت لوائح القوة والصحة ظاهرة عليه. أما المرة الثانية ~~التي شاهدته فيها فهي منذ مدة لما عاد إلينا من أنطاكية بعد استيلاء العرب على دمشق؛ ليأخذ ~~الصليب إلى القسطنطينية، وينصبه في كنيسة هاجيا صوفيا * ففي هذه المرة كان الاضطراب ~~والضعف باديين في وجهه، وصحته كانت في أسوأ حال، وهذا ما منعه من قيادة جيوشه بنفسه ~~* للدفاع عن دمشق، وإلقائه عهدة ذلك إلى أخيه ثيودوروس الذي أساء في الدفاع فناله ~~غضب الإمبراطور * ثم نظر المتكلم إلى ما حوله كأنه خائف أن يسمعه أحد، وقال: وهناك ~~أخبار جديدة وردت في هذا الأسبوع من القسطنطينية تثبت أن الإمبراطور أصبح في حالة صعبة لطف ~~الله به. فإن عقله صار مضطربا * لكثرة مشاكل السلطنة، ويخشى أن يفقد صوابه ~~* وقد علمت عن ثقة أنه لما وصل إلى قصره في القسطنطينية اضطر رجاله أن يبنوا له على ~~البوسفور أمام قصره حواجز خشبية على صفين من الجسور وتغطية هذه الحواجز بالخضرة والنباتات ~~* لإخفاء منظر البحر عنه؛ لأنه أصبح يخاف خوفا شديدا لمجرد وقوع نظره على البحر ~~* فهل من حق البطريرك أن يلوم رجلا هذه حالته العقلية والصحية؟ # وكان بين الرجال رجل يتشاغل عن هذا الحديث بفرك يديه ووجهه من البرد، فلما فرغ المتكلم من ~~كلامه التفت إلى الحاضرين وقال: هل تعتقدون أن البطريرك مستاء من الإمبراطور من أجل مسألة ~~الدفاع عن سوريا وفلسطين فقط. كلا فإن الاستياء بينهما قديم. # فقال الرجل الذي تكلم سابقا: نعم، نحن لا نجهل ما قام بينهما من الخلاف في المسألة ~~الدينية * ولكن ما هذا وقته الآن. فإن الواجب علينا لوطننا وديانتنا ومملكتنا أن ~~نكون كلنا يدا ms012 واحدة ونفسا واحدة أمام العدو، وإلا كانت العاقبة وخيمة علينا. # فانبرت هنا إحدى السيدات وصاحت: يا لله إننا قدرنا على سلطنة عظمى كسلطنة الفرس فسحقناها ~~واحتللنا عاصمتها * وقبائل بدو ضعاف حفاة كقبائل العرب لا نقدر عليها. # فساد السكوت حينئذ بين الحاضرين؛ لأن هذا السؤال البسيط نقل الحديث إلى أهم المواضيع، أي ~~إلى أسباب ضعف الإمبراطورية يومئذ مع قوتها في ما سبق. فنظر الحاضرون بعضهم إلى بعض ~~وابتسموا، وكان فيهم السوريون واليونان بين شرقيين وغربيين * فكأنهم أرادوا ~~بابتسامهم أن يقولوا إن ذلك العيد يوم فرح وسرور لا يوم مناقشات ومخاصمات في أمور سياسية ~~دينية جنسية * فقد كفى الناس مخاصماتهم في هذه الأمور في باقي أيام الأسبوع. ~~* # الفصل الثاني # | يهودي ... يهودي # في أن العامة في كل مكان تصدر أحكامها بلا تحقيق ولا محاكمة. ~~*** # أما إيليا فإنه كان يضحك من زاويته؛ لترك الرجال سؤال السيدة بلا جواب، وكأن السيدات ~~شعرن حينئذ بقرص البرد لانقطاع الحديث، فنهضن مبتسمات مرتجفات من القر، وأسرعن إلى داخل ~~الفندق، وكان صاحبنا إيليا قد مد يده إلى جيبه؛ ليتناول دفتره، ويجاوب فيه عن ذلك السؤال، ~~وإذا بصيحة شديدة علت في الشارع، وصار الناس يصرخون ويجلبون. فهرع الرجال إلى الباب، وفي ~~مقدمتهم صاحب الكتاب، وجمدت السيدات في مكانهن مرعيات السمع؛ لمعرفة سبب ذلك الصياح. فسمعن ~~العامة يصيحون: «غضب الله غضب الله» «يهودي يهودي في المدينة» فلما سمع صاحب الكتاب، وقد ~~عرفنا أن اسمه إيليا، كلمة «يهودي» وثب إلى الشارع، وهو يقول في نفسه: «هذه رواية جديدة لم ~~نمثلها منذ زمان» فوجد الناس في هياج شديد لا مزيد عليه، وهم يروحون ويجيئون باحثين مفتشين ~~عبثا. فهذا يقول: «رأيته مر من هنا وهو بلحية طولها كالذراع، ووجه أصفر كوجه الأموات» وآخر ~~يقول: «لا بل هو بلا لحية، ولكن قامته بطول أربعة أذرع، ورأسه صغير صغير كالرمانة» وذاك ~~يقول: «لا لا لم أره هكذا، وإنما رأيته قصيرا لا يتجاوز الذراع، ولحيته تكنس الأرض من ~~قصره» فضحك إيليا من هذه الأقوال المتناقضة، واستوقف أحد ms013 الصارخين، وكان من أكثرهم تحمسا، ~~وقال له: أخبرني أيها الرفيق، ما سبب هذا الاضطراب؟ فأجاب الرجل وهو يلهث من تعبه في ~~الصراخ: ألا تعلم السبب؟ إن يهوديا اجترأ ودخل بيت لحم ليلة العيد، فيجب أن نمسكه ونصلبه. ~~فقال إيليا وقد ارتعدت فرائصه من ذكر الصلب: ومن أين علمتم ذلك إذا كنتم لم تمسكوه بعد؟ ~~فأجاب الرجل: علمنا ذلك بأعجوبة سماوية. فإن المصباح في مغارة المهد انطفأ من تلقاء نفسه، ~~وكلما راموا إشعاله لا يشتعل، وهذه علامة قطعية على وجود يهودي في المدينة يغضب وجوده أهل ~~المقام. # فهز إيليا رأسه وقال في نفسه: الويل للبريء الذي يشتبه به العامة، ويقبضون عليه بدعوى أنه ~~يهودي، فإنه يذوق العذاب والإهانة قبل أن يستطيع أن يثبت أنه ليس بيهودي. ثم قال للرجل: ~~أتريد أن أبرهن لك أنه لا يهودي في بيت لحم الآن. فقال الرجل محملقا: وما برهانك؟ فقال ~~إيليا: اذهب معي إلى مغارة المهد، وهناك أصب أمام عينيك شيئا من الزيت في المصباح الذي ~~انطفأ من تلقاء نفسه، فتعلم حينئذ أنه لم ينطفئ إلا من نفاد زيته. # فرسم الرجل حينئذ علامة الصليب على صدره صائحا «باسم الصليب الكريم» ثم صرخ مشيرا إلى ~~إيليا «هذا هو اليهودي فإنه ينكر العجيبة» (أي المعجزة). # فلم يكن كلمح البصر حتى تألب حول إيليا جمهور من العامة، وأخذوا بثيابه ويديه وعنقه، وكان ~~أحدهم يلطمه في كتفه، وآخر يدفعه في صدره، وثالث يصفعه على قفاه، وهم يصيحون بأعلى أصواتهم ~~«مسكناه مسكناه، يهودي يهودي» وكان إيليا في أثناء ذلك يتملص منهم، ولكن على غير فائدة، وما ~~زالوا يجرونه ويدفعونه والجماهير تزداد التفافا حوله حتى وصلوا به إلى باب الكنيسة أمام ~~البيت الأحمر، وكان الضيوف في البيت الأحمر قد خرجوا إلى الشارع حين سماعهم تلك الجلبة، ~~والسيدات وقفن في الباب ينظرن إلى هذا الاضطراب. فلما وقعت أنظارهن على إيليا بين تلك ~~الجماهير في تلك الحالة شهقن شهقة واحدة من الاستغراب والدهشة، وصاحت تلك التي قالت في ما ~~تقدم إنها كانت تنظره ms014 يخرج من باب يافا: وحياة العذراء مريم إن هؤلاء الناس معتدون على هذا ~~الرجل. فإنني متحققة أنه ليس بيهودي؛ لأنني نظرته مرارا ينحني أمام الصلبان والرهبان حين ~~دخولهم في بعض الاحتفالات من باب يافا، وأنا أنظره في المدينة منذ سنوات. فازدادت النساء ~~حنانا وشفقة على الرجل، وقد قالت تلك السيدة هذا القول دون أن تخشى لائمة فيه مع معرفتها ~~أنه يحتمل التأويل عليها، ولكن قلبها كان في تلك الساعة كبيرا؛ لرغبتها في إنقاذ رجل بريء ~~فافتكرت بغيرها لا بنفسها. # وبينما كانت هؤلاء السيدات مشتغلات بالأسف والكلام كانت واحدة منهن، وهي تيوفانا التي ~~تقدم ذكرها، قد ركضت إلى داخل الفندق أول ما وقع نظرها على إيليا بين الجموع، وبعد بضع ~~دقائق عادت ووراءها رجل غريب المنظر، وهو يفرك عينيه من النعاس، كأنه كان نائما وأيقظته، ~~وكان هذا الرجل كبير الهامة عريض الأكتاف طويل القامة شعره منتشر على كتفيه كشعر الرهبان، ~~وفي عينيه لوائح الغلظة والحدة والذكاء. فلما رأته السيدات صرخن: «أهلا وسهلا بالنبي ~~أرميا» وقالت له تيوفانا مشيرة إلى إيليا بين الجموع «انظر إلى هذا المسكين فاذهب ~~وخلصه». # ولكن ما وقع نظر النبي أرميا على إيليا حتى أسرع إليه متفرسا فيه من بعيد. ثم صاح بأعلى ~~صوته «النبي إيليا» فالتفت حينئذ إيليا وإذ أبصر الرجل القادم صاح به: «إلي يا صديق» فهجم ~~النبي أرميا على الجموع صائحا: إليكم عنه إليكم عنه. فانزاحت الجموع من طريق الرجل القادم، ~~وهم يصيحون مسرورين «أهلا بالنبي أرميا. سلموه اليهودي ليصلبه» فسلمه العامة إيليا وهم ~~يحومون حوله، وإيليا يلهث من التعب والألم لا من الخوف. فأخذه إيليا من يده، ودنا منه فقبله ~~أمام الحاضرين، ثم قال على مسمع منهم: «إذا كنت أنا يهوديا فهذا الرجل يهودي» فدهش ~~الحاضرون حينئذ، وأخذوا يتفرقون عن إيليا، وهم نادمون لإساءتهم إليه. أما إيليا فأخذ يصلح ~~ملابسه، ثم إنه شكر للنبي أرميا مساعدته، وأوصاه أن يبلغ السيدات شكره، وبعد ذلك استأذن ~~أرميا بمفارقته للتفتيش على الرجل الذي كان السبب في الإساءة ms015 إليه، وعاهده على أن يلاقيه في ~~المكان الذي اعتاد ملاقاته فيه. # وبينما كان إيليا يفتش في ذلك الشارع عن الرجل الذي حرض الناس عليه، وهو لا يزال في أشد ~~هياج، كان العامة قد عادوا إلى الاضطراب والحركة، وأخذوا يتصايحون قائلين: «فتشوا على ~~اليهودي، وإلا لم يقم عيد ولا احتفال؛ لأن المصابيح «تأبى» الاشتعال، هل وجدتم اليهودي؟ هل ~~بحثتم في ذلك الشارع؟ هل قلبتم الحجارة في الطريق لعله مختبئ تحت أحدها». # فمن هذا المزاح يظهر أن العامة كانت بذلك تقصد الهزل على الأكثر؛ إذ لم يكن لديها شيء ~~يلهيها، وهذا ما يحدث في أكثر الفتن والاضطهادات. فإن المضطهد (بكسر الهاء) والمضطهد ~~(بفتحها) كثيرا ما يكونان كالهر والفأر؛ الأول يلعب، والثاني يتعذب. # وكان إيليا قد بلغ حينئذ طرف الشارع دون أن يجد الرجل الذي كان يبحث عنه، وكان ذلك الجانب ~~يكاد يكون خاليا من الناس لبعده عن الكنيسة. فلما وصل إلى منعطفه هم أن يقفل راجعا، وإذا ~~به يسمع هامسا يقول: «أسرعي يا أستير». # فلما سمع إيليا اسم «أستير» حتى أجفل وهرع نحو الصوت. فشاهد شبحي رجل وامرأة يسيران في ~~الشارع الثاني. فوقف مبهوتا ينظر إليهما، وقد اشتبه في أمرهما من اسم «أستير» اليهودي. ~~فقال في نفسه: ترى هل صدق ظن العامة ودخل بعض الإسرائيليين إلى هذه البلدة في ليلة العيد ~~لمشاهدته مع ما هو مشهور من تحريم الدخول عليهم إلى أورشليم ونواحيها، ولما كاد الشبحان ~~يتواريان أسرع إيليا فقطع عليهما الطريق من شارع الكنيسة، ثم عطف على الشارع المقابل ~~لشارعهما فصار أمامهما. فسمع الرجل يقول للمرأة باللغة العبرانية همسا «لا تخافي لا تخافي» ~~فتحقق إيليا حينئذ أن الرجل والمرأة إسرائيليان لا شك فيهما. فاضطرب لذلك اضطرابا شديدا ... ~~ووقف في زاوية ينتظر مرورهما عليه في ذلك الشارع الخالي، وكان سبب اضطراب هذا الشاب يدل على ~~أخلاقه. فإنه لم يضطرب لمنظر الدم الذي سفك دما زكيا عنده. فإن نفسه كانت أرقى من نفوس ~~العامة بكثير؛ بل كان اضطرابه لعلمه أن العامة إذا ظفروا ms016 بهذا الرجل ورفيقته فإنهم يقيمون ~~الدنيا ويقعدونها عليهما لمخالفتهما أمر الحكومة بمنع دخول الإسرائيليين إلى بيت المقدس ~~ونواحيه، وربما لقيا من الحكومة أشد عقاب من أجل أمر صغير كهذا الأمر. # وبعد دقيقة وصل الرجل والمرأة إلى محاذاة إيليا فأمعن إيليا من زاويته النظر فيهما فإذا ~~به يرى رجلا في نحو الستين أو السبعين من العمر وفتاة في نحو العشرين، وكانت ملابسهما ~~كملابس رجال وسيدات أورشليم، وكان الخوف باديا على وجهيهما، إلا أن خوف الفتاة كان يطبع ~~على وجهها جمالا سماويا ساحرا، وكانت الزفرات تتصاعد من صدرها وهي سائرة فتخنقها، ~~ولكنها تتمالك نفسها رغما عنها لئلا يسمع صوتها في هدوء ذلك الليل. # فلما لمح إيليا في ذلك الليل هذا الجمال الخائف، وطرقت أذنه تلك الزفرات المتصاعدة عن قلب ~~مضطرب متألم من عدوان البشر شعر الشعور الذي يشعر به كل رجل كريم يعرف واجباته الإنسانية في ~~حال كهذه الحال. فقال في نفسه: إنني سأكون ألزم لهذين الخائفين من ظلهما. فسأتبعهما ~~وأحرسهما من بعيد، وإذا طرأ عليهما سوء وقيتهما منه بنفسي - وعلى ذلك أخذ يسير ~~وراءهما. # أما الشيخ والفتاة فإنهما ما قطعا البلدة حتى وصلا إلى الطريق العمومية الموصلة إلى القدس ~~فهناك تنفسا الصعداء قليلا، وكان في ذلك المكان محطة للخيل والبغال، فاستأجرا بغلين إلى ~~القدس، وركبا قاصدين المدينة. فجاء إيليا بعدهما واستأجر جوادا وسار وراءهما. # الفصل الثالث # | على الطريق # في أن الفتاة قد تكون أشد تمسكا بمبدئها من الشيخ لأن نفسها عذراء لم يلوثها ~~الخوف والجبن ورجاء الفائدة. ~~*** # وكان الناس لا يزالون يفدون على بيت لحم من القدس، وهم منتشرون على طول الطريق بين مشاة ~~وركاب، وفيهم المغنون والعازفون بالآلات الموسيقية. فلما رأى الشيخ والفتاة ذلك علما أنهما ~~ما زالا في خطر، وفي الحقيقة أن الناس كانوا ينظرون إليهما حين المرور بهما نظر الاستغراب؛ ~~لعودتهما في تلك الساعة من بيت لحم مع أن جميع الناس كانوا حينئذ ذاهبين إليها. # ولم يصل الشيخ والفتاة إلى محاذاة المكان المعروف بقبر راحيل حتى سمع للفتاة ms017 شهيق وزفير ~~ضعيف. فصاح بها الشيخ هامسا: إياك والبكاء يا أستير وإلا تفضحينا. فقالت الفتاة: لست أبكي ~~على راحيل، بل على أنفسنا وعلى حياتنا التعيسة. # 1 # ولقد أحسنت الفتاة بترك البكاء في ذلك الحين؛ إذ بعد دقيقة سمع على الطريق أمامهما جلبة ~~شديدة، وكان السبب في ذلك قدوم شرذمة من الجنود الفرسان مسرعة من القدس؛ لأن والي المدينة ~~بلغه خبر الاضطراب في بيت لحم وهياج الشعب لظنهم أن في المدينة رجلا إسرائيليا فرأى ~~زيادة الجند هناك. فلما نظرت الفتاة لمعان السلاح في الليل وسمعت ضوضاء الخيل ارتعدت ~~فرائصها وغار الدم إلى قلبها. فشجعها رفيقها بكلام رقيق تظهر فيه القوة مع أنه كان خائفا ~~مثلها. أما الجند فمرت خببا بانتظام جميل. فتنفس الصعداء، وكان إيليا قد دنا منهما أكثر ~~حين سماعه تلك الحركة. # فلما مرت الجنود صار الناس يتساءلون عن سبب إرسالها بسرعة كهذه السرعة، ولما عرفوا السبب ~~انتشر بينهم بسرعة البرق فضحك منه الراكبون لعدم تصديقهم إياه، وأما المشاة فإنهم جدوا في ~~السير لمشاهدة المصابيح التي أبت أن تشتعل واليهودي الذي أمسكه الناس، وكانوا في أثناء ~~سيرهم يتهددون ويتوعدون ذلك اليهودي الذي كدر صفوهم في ذلك العيد. فلما وصلت طلائع هذه ~~الجماعات إلى الشيخ والفتاة وسمعا حديثهم عراهما حينئذ خوف شديد. أما الناس فلما أبصروا ~~الشيخ والفتاة أخذوا يحدقون فيهما ويعجبون بعودتهما في تلك الساعة قبل الاحتفال بالعيد، ~~وكانت تصوراتهم ملتهبة للقصة التي سمعوها عن بيت لحم فأخذوا يقتربون من البغلين ويتفرسون في ~~صاحبيهما وهم سائرون. فأصاب الفتاة ضعف شديد فمدت يدها وغطت بها وجهها؛ لتخفي لوائح ~~الاضطراب والاصفرار، وفي الوقت ذاته بدرت منها زفرة رغما عنها؛ لأن صدرها ضاق بما كانت ~~تجده من الاضطراب. فازدادت شبهة الناس فيهما، وصاروا يلتفتون نحوهما من كل جانب. ثم قوي قلب ~~بضعة من المتحمسين منهم فاتجهوا نحو البغلين وأمسكوهما ليسألوا الراكبين عن حادثة بيت لحم ~~وبذلك ينبشون حقيقة أمرهما. # فلما رأت الفتاة ذلك لم تتمالك أن أجهشت بالبكاء، وأطلقت لزفراتها العنان. أما الشيخ ms018 فقد ~~صار وجهه كوجوه الموتى من الاصفرار؛ لأنه تحقق الخطر، وأما إيليا فإنه أعمل المهماز في ~~شاكلة الجواد، وبوثبتين صار بجانب البغلين. # وكان الناس قد تألبوا حول الشيخ والفتاة من كل صوب حتى سدت الطريق، وصار كل قادم ينضم ~~إليهم مستخبرا مستعلما، وكان هذا يقول: إنهم قد ألقوا القبض على اليهودي الذي فر من بيت ~~لحم، وذاك يقول : بل هذا رفيقه لا هو نفسه؛ لأن ذاك مسجون في بيت لحم الى أن يحضر البطريرك، ~~وهكذا شبهات العامة وتصوراتها أحيانا تكون مصيبة وأحيانا مخطئة. فإذا أصابت اكتشفت ما لا ~~يستطيع أحد غيرها اكتشافه؛ لأن اكتشافه إنما يكون بالشبهة والتهمة أي بالصدفة، وإذا أخطأت ~~فالويل للبريء الذي ينشب فيه سهم خطأها. # فلما وصل إيليا إلى الجموع المتألبة صاح بها بلغة يونانية فصيحة: أفسحوا الطريق يا إخوان، ~~فإننا نريد المرور. فقال له أحدهم: ولماذا تركتم بيت لحم في هذه الساعة هل تكرهون حضور ~~العيد والقداس في الصباح؟ فقال إيليا: أنا سائر إلى المدينة في شأن خصوصي، وسأعود قبل الفجر ~~لحضور القداس معكم # 2 # فسأله الحاضرون: ورفيقاك هذان؟ فأجاب: أنا سائر وحدي، ومن هما هذان المسافران؟ ~~ثم التفت إلى الشيخ وسأله: أيها الأخ، هل أنت ذاهب مثلي إلى المدينة لتعود قبل الفجر؟ فقال ~~الشيخ حينئذ بلغة يونانية عامية: نعم أيها الأخ الكريم. فقال إيليا: أنت أكرم يا أخي، فهلم ~~بنا نسير معا. فأفسحوا الطريق يا إخوان، ولتهنئوا بالعيد المجيد. # ولكن الجمهور لم يتفرق بل كانت أنظاره متجهة إلى تلك الفتاة الحسناء التي بكت منذ حين ~~بكاء يدل على الخوف. فقال أحدهم: ولكن لم تخبرونا شيئا عن اليهودي الذي قبضوا عليه في بيت ~~لحم، فماذا صنعوا به؟ فهنا ظهر الارتعاد على الفتاة رغما عنها، وما الحيلة بأعصاب النساء ~~فإنها ضعيفة. فازدادت شبهة المتحمسين، وصاح أحدهم: الحق نقول لكم إننا لا نترككم تمرون إلا ~~إذا وجدنا بيننا من يعرفكم وقد رآكم في المدينة. فهلموا بنا إلى دير مار إلياس القريب على ~~الطريق * وهناك نراكم على النور. ms019 # فهنا علم إيليا أن الجبانة مضرة، ولا يفيد شيء مثل الجرأة والشجاعة. فقال بنزق وحدة لا ~~سيما وأنه كان يعلم تأثير بعض الألفاظ على أذهان العامة: ألا تخجلون أيها الإخوة من إلقاء ~~الشبهة على مسيحيين مثلكم «باسم الأب والابن والروح القدس» قال ذلك ورسم علامة الصليب على ~~صدره. ثم قال للشيخ والفتاة: برهنا لهم على أنكم مسيحيون أيضا. # فعند هذا الكلام اتجهت جميع الأنظار إلى الشيخ والفتاة. أما الشيخ: فإنه مد يده بكل تأن ~~ورسم علامة الصليب على صدره كما رسمها إيليا، وأما الفتاة: فإن يدها لم تتحرك بل عاودها ~~البكاء. # فهنا علم إيليا الخطأ العظيم الذي حدث، وزاده علما به تهيج العامة حينئذ ونداؤهم ~~«فلتصلب الفتاة فلتصلب الفتاة» أي فلترسم إشارة الصليب على صدرها. فرأى الشيخ حينئذ أن ~~الخطر قد وقع ولا سبيل لرده. فقال بصوت يرتجف من التأثر والانفعال: نعم، هي تصلب يا ~~إخوان، صلبي يا بنية، واسألي إلهنا أن يعينك على المرض الذي تبكين منه. # فشعر إيليا بما في هذا الكلام من المعنى، وحدق في يد الفتاة ليرى أتخلص نفسها ورفيقها ~~أم لا. فإذا بيد الفتاة قد بقيت جامدة وزاد بكاؤها. # فهنا اشتد اللغط والهياج بين العامة، وصار المتحمسون منهم يصيحون: «يهودية يهودية» وسرى ~~كالبرق بين القادمين والحاضرين أنهم مسكوا يهوديا ويهودية. فاشرأبت الأعناق وتطاول الناس ~~لرؤيتهما، وفي هذه الأثناء دنا إيليا من الشيخ وحدثه مليا والناس لا يسمعون حديثهما، وبعد ~~حين التفت إيليا إليهم وقد عدل عن الخطة الأولى إلى خطة جديدة، فقال ضاحكا مخاطبا الجمع: ~~الآن أيها الإخوان عرفت حقيقة المسألة، ويكفي أن أقول لكم: إن هذه الفتاة الصغيرة السن قد ~~قدمت منذ أسبوعين من بصرى. # 3 # فصاح الجمع حينئذ بأصوات متقطعة متتابعة «بصرى بصرى، ها ها فهي إذن وثنية، بصرى بصرى، ~~صحيح صحيح. لذلك هي بهذا الجمال. إن «باكوس» الملعون قد كساها كل جماله، كيريالايسون ~~كيريالايسون، هلموا بنا إلى بيت لحم لتعميدها في هذه الليلة ليلة العيد». # ثم صاح أحدهم: ورفيقها هذا أهو من ms020 بصرى أيضا؟ فأجاب إيليا: لا بل هو من المدينة، ولكنه ~~جاء بها لإرشادها وتعميدها. # هذه هي الحيلة التي دبرها إيليا لإنقاذ الفتاة. فإنه كان يعلم أن العامة يتساهلون مع ~~الوثنية أكثر من اليهودية؛ إذ ليس بين المسيحية والوثنية دم زكي وثأر عظيم فضلا عن أن ~~الأولى كانت على ثقة من أن مصير الثانية إليها، ولم يكن محرما على الوثنيين دخول أورشليم، ~~ومن جهة أخرى: فقد كان يعلم أيضا بناء على ما ظهر له أن تلك الفتاة قد تفضل اسم «وثنية» ~~على اسم «مسيحية». # وبينما كان الناس يتحدثون ويلغطون مسرورين بأنهم سيعيدون في تلك الليلة عيدين؛ عيد ~~الميلاد وعيد هداية نفس بشرية، وإذا بالمشاعل والمصابيح قد ظهرت في الطريق من جهة القدس. ~~فعلم الناس حينئذ أن البطريرك قادم بموكبه إلى بيت لحم استعدادا لصلاة العيد. فسر ~~الحاضرون بذلك لرغبتهم في أن يدفعوا إلى البطريرك الفتاة الوثنية يدا بيد، ولذلك انتظروا ~~جميعا وصول الموكب. أما إيليا فقد لبث واقفا بجانب الشيخ والفتاة يفكر في طريقة لحل هذه ~~المشكلة، وقلبه يتفطر شفقة على تلك الفتاة كلما وقع نظرها الفاتر الكسير على نظره، ولكن ~~الحق يقال: إن عاطفة الشفقة هذه كانت ممزوجة بعاطفة أخرى أيضا ... # الفصل الرابع # | البطريرك صفرونيوس # الذي فتح العرب بيت المقدس في زمنه # وبعد عشر دقائق وصل البطريرك. # وكان جالسا في مركبة خصوصية له تتقدمه المشاعل والمصابيح وشرذمة من الجند وراء المركبة ~~وأمامها، ووراء الجند حاشية من الرهبان يركبون جيادا كريمة، وكان الجميع سكوتا كأن على ~~رءوسهم الطير إلا جماعة الرهبان في المؤخرة فإنهم كانوا يتحدثون همسا؛ إذ من طبعهم أنهم لا ~~يستطيعون السكوت. # ولما ظهرت مركبة البطريرك للجموع تتقدمها الأنوار أخذ الحاضرون يستقبلونه متغنين بهذا ~~النشيد الذي هو نشيد عيد الميلاد: «المجد لله في العلى، وعلى الأرض السلام، وفي الناس ~~المسرة» وكانوا في أشد حالات الهياج من التحمس الديني، وكان بعضهم سكارى؛ لأن يوم العيد يوم ~~فرح وشراب عند العامة. فقال إيليا حين سماعه ذلك النشيد الجميل: «نعم، السلام في ms021 الأرض لقسم ~~من سكان الأرض. أما هذا الشيخ والفتاة فأين السلام منهما الآن». # ولما وصل البطريرك كان النشيد والهتاف متصلين فمد يده وبارك الحاضرين في الجانبين، أي أنه ~~رسم بيده علامة الصليب في الهواء بجهة الحاضرين. ثم وقفت المركبة واستفهم البطريرك عن سبب ~~ذلك الاجتماع والضوضاء، فأبلغه أحد الرهبان السبب. فطلب أن يرى الفتاة فقدموها إليه ووراءها ~~الشيخ وإيليا. فأجال فيها البطريرك نظره بدون اهتمام، ثم أمر بأن تعاد إلى بيت لحم حيث هم ~~ذاهبون وهناك يرى رأيه. # فلما سمع إيليا ذلك رأى أن الخطر قد ازداد شدة. فإن البطريرك إذا دخل في موكبه مع تلك ~~الفتاة إلى بيت لحم في تلك الليلة فإن المتحمسين يقيمون الدنيا ويقعدونها بتحمسهم وتجمهرهم، ~~وإذا عرفوا الحقيقة بعد ذلك فالله يعلم العاقبة. فخطر له أن يجرب تجربة لعله ينجح فيها. ~~فانفرد عن الناس، وكشف رأسه، وانحنى للأرض أمام البطريرك، ثم تناول يده فلثمها، وقال ~~بيونانية سليمة من كل شائبة: هل تسمحون غبطتكم لابنكم المطيع بأن يحدثكم على انفراد؟ # وكانت على وجه البطريرك لوائح الضجر واشتغال البال، ومع ذلك أشار بيده إشارة فانزاح ~~الحاضرون عنه وبقي منفردا مع إيليا. # فقال له إيليا: مولاي إن الهياج شديد في بيت لحم كما بلغكم ولا شك، والشعب كاد يفتك بي ~~أنا ابنكم بمجرد الشبهة. فكيف يكون حاله إذا دخلتم بهذه الجماهير مع الفتاة الغريبة وهو لم ~~ينس بعد ما لقيه المسيحيون من إمبراطرة رومة أنصار الآلهة. # فأجاب البطريرك وهو يفرك أنفه بمنديل أسود لتدفئته: أيها الشاب، إن إرسال الفتاة إلى بيت ~~لحم حيث نحن موجودون أصون لها من إرسالها إلى المدينة وحدها. # فعلم إيليا أن حيلته لم تجد نفعا، فلم يبق له إلا مصارعة الحقيقة وجها لوجه. فقال ~~للبطريرك بصوت يرتجف: وإن ظهر هناك للشعب يا مولاي أن الابنة ليست بوثنية؟ # فأجاب البطريرك متضجرا: فلتكن مسيحية فإن هذا يسر كل واحد منا. # فقال إيليا: وإن لم تكن مسيحية؟ # فهنا بهت البطريرك وحدق في إيليا. ثم راجع نفسه فتظاهر ms022 بأنه لم يفهم كلام إيليا. فقال ~~له: اركب يا ولدي اركب، وسنتباحث في هذه الأمور هناك. # فحينئذ تنفس إيليا الصعداء، ورجع باسما نحو الشيخ والفتاة؛ لأنه قرأ في عيني البطريرك ما ~~يريد معرفته. # وفي ذلك الحين تحرك الموكب تتقدمه وتتلوه الجموع والجنود والمصابيح والرهبان، وإيليا ~~والشيخ والفتاة على مطاياهم في المقدمة، والناس ينشدون حولهم نشيد العماد المشهور مشيرين ~~إلى الفتاة وطالبين تعميدها: # باعتمادك يا رب في نهر الأردن، ظهرت السجدة للثالوث، وصوت الآب تقدم لك بالشهادة ~~مناديا إياك ابنا محبوبا، والروح كهيئة حمامة يؤكد تجسيد الكلمة، فيا من أنقذت ~~العالم من الخطيئة يا رب المجد لك. # وما زالوا بهذا النشيد والهتاف والضحك حتى وصلوا إلى بيت لحم فدوت البلدة من جهاتها ~~الأربع، وانضم المجتمعون فيها إلى القادمين، ودخلوا بالبطريرك وإيليا والشيخ والفتاة على ~~نغم هذا النشيد المشهور: # أوصنا في الأعالي. مبارك الآتي باسم الرب. أوصنا في الأعالي. # وكان للبطريرك قصر رحب قائم وراء الكنيسة يقيم فيه مع حاشيته كلما قدم إلى بيت لحم. فبعد ~~أن استراح فيه هنيهة أمر بأن يستدعوا إليه الشاب إيليا. أما الشيخ والفتاة فإنهما أدخلا إلى ~~إحدى غرف القصر وأقفل عليهما الباب. # فلما مثل إيليا بين يدي البطريرك أمره بالجلوس بإزائه فجلس إيليا محتشما. # وكان البطريرك صفرونيوس مهيب المنظر جميل الهيئة، وهو في نحو السبعين من العمر، وكان شعره ~~الأبيض يكلل هامته العالية، ووجهه الناصع البياض الشديد الحمرة تلمع فيه عينيان زرقاوان ~~حادتان لم تكسر السنون قوتهما، وكان له فوق هاتين العينين القويتين حاجبان كثيفان واسعان ~~كأنهما حرشان مشتبكان فإذا قطبهما خلت أن العينين صارتا بركانين يقذفان نار الغضب والحدة، ~~وكان بدنا ممتلئ الجسم، وعليه ثوبه الكهنوتي الحريري الأسود يعاكس لون وجهه الأبيض فيزيده ~~جمالا وجلالا. # فلما جلس إيليا سأله البطريرك أن يقص عليه القصة من أولها، وأن لا يكتمه شيئا. فقص عليه ~~إيليا حادثته، وكيف خلصه النبي أرميا. فابتسم البطريرك لذكر النبي أرميا لأنه كان مشهورا. ~~ثم استطرد إيليا من ذلك إلى حادثة الشيخ والفتاة ms023 لحين وصول البطريرك. فأصغى إليه البطريرك ~~ساكتا، وبعد أن تأمل قليلا سأله: وما هو غرضك يا بني من المداخلة في هذا الأمر؟ فأجاب ~~إيليا مضطربا: لي غرضان؛ واحد للدفاع عن النفوس البشرية التي حرم الله أذيتها، وواحد ~~للدفاع عن ديانتنا. # ولكن من يعرف أسرار إيليا فإنه لا يشك في أنه يكتم غرضا ثالثا، وهو الميل الذي بدأ يشعر ~~به نحو تلك الفتاة الحسناء. # فحدق البطريرك في وجه الشاب مدهوشا، وقال: فسر كلامك يا بني. # فقال إيليا، وقد بدأ يتحمس: يظهر أن غبطتكم يسركم أن تسمعوا من فمي ذلك، وإلا لاكتفيتم ~~بما تعرفونه من هذا القبيل، وحسبي ما فهمته منكم على الطريق، فإنه من المشهور يا مولاي أن ~~الخصم لا يستمال بالعنف والشدة والبغض. فإذا وقع بين أيدينا كان حكمه علينا تابعا ~~لمعاملتنا له. فإذا أحسنا معاملته وأغضينا عن إساءته قال إننا قوم كرام متمدنون، وربما ~~عاد وانقلب فصار ميالا إلينا، وإن عاملناه بالعكس قال بالعكس، وازداد بغضا لنا. فيجب ~~علينا في رأيي أن نحسن معاملة غيرنا لنثبت له فضل مبدئنا، وإلا كان محقا في كرهه لنا ~~ولمبدئنا. # فأطرق البطريرك يفكر. ثم سأل الشاب هل اسمك الخواجا إيليا يا بني؟ فقال الشاب مدهوشا من ~~نقل الحديث، ومعرفة البطريرك اسمه: نعم يا مولاي. # فقال له: وهل أنت الذي يراك رهباني هائما على وجهك في جبل الزيتون، ووادي سدرون، وحول ~~المدينة المقدسة؟ فقال الشاب وقد زادت دهشته: تلك طريقي يا مولاي إلى المزرعة التي أنا ~~مستخدم فيها. فقال البطريرك وقد هز رأسه: إنك تعني مزرعة الشيخ سليمان الذي حرم على ~~الكهنة الدخول إليها وجعلك «كاهنا عاميا» لها، ولذلك يسميها «أورشليم الجديدة» بدل ~~أورشليم مدينتنا. فأطرق الشاب هنا خجلا واستحياء من شيخوخة البطريرك ورقته. فقال ~~البطريرك مظهرا الاستياء: لا بأس لا بأس، ولكنني أنصحك يا بني أن تخفف على نفسك فلقد نظرتك ~~أمس من نافذة قصري في المدينة تنظر إلى القصر وسكانه بهيئة الازدراء والاحتقار، وكنت في تلك ~~الساعة أقرأ تقريرا فيك مقدما من ms024 أحد عارفيك. فما لنا يا بني والاهتمام بما لا يعنينا. ~~إنما علينا أن نعيش بحب وسلام مع جميع الناس. فإن الصغار أخوة لنا كالكبار، وكلنا عائلة ~~واحدة بالرب، وأنت لا تزال شابا، ولذلك يغلي دمك في عروقك، وحسبي دليلا على ذلك اللهجة ~~التي سمعتها منك الآن. فإن غيري لو كان في مكاني لما قبلها منك. فهل تعدني أنك تعدل عما ~~مضى، وتترك ما لا يعنيك. # فلما سمع إيليا هذه العظة الصغيرة التي لم يكن يتوقعها أسقط في يده، واحتار في الجواب. ~~فأدرك البطريرك اضطرابه فمد يده وأمرها على رأس الشاب تحببا، وقال: حسن حسن ستترك كل ما ~~مضى ولا شك. فلنعد إلى أمر الشيخ والفتاة. هل تعرف منزلهما؟ فأجاب الشاب: كلا يا مولاي، ~~فقال: ومن أين قدما؟ قال: لا أعلم. فقال: وما سبب مجيئهما إلى هنا مع معرفتهما أن الدخول ~~إلى المدينة المقدسة محرم قطعيا على اليهود؟ فقال: لا أعلم يا مولاي، فقطب البطريرك ~~حينئذ حاجبيه، وقال: إنك لا تعلم شيئا من أمرهما ومع ذلك تتوسط لهما بالعفو بحجة الرفق ~~والرحمة. فالرفق والرحمة يا بني فضيلتان واجبتان، ولكن يجب أن نبحث هل وراء هذين الشخصين ~~دسيسة لنا أم لا؟ # فضحك إيليا في نفسه من هذا الفكر، ونظر إلى البطريرك مبهوتا. فقال له البطريرك: لعلك لم ~~تفهم كلامي بعد، إنني أريد قبل كل شيء أن أعلم هل الشيخ والفتاة هما جاسوسان للعرب أو الفرس ~~أم لا؟ # فلما لفظ البطريرك هذه الكلمة استنار عقل إيليا بغتة فرأى أن صاحبيه قد وقعا في ورطة ~~جديدة أشد من الأولى. فأصغى قليلا ثم أجاب: لم أفطن إلى هذا قبل الآن، وإلا فإنني ما كنت ~~أتوسط في إطلاق سراحهما قبل تحقيق أمرهما. إلا أنني أستأذن مولاي البطريرك في إبداء ملاحظة ~~صغيرة، وهي أن الفرس مشتغلون عنا الآن بمصائبهم مع العرب الذي يفتحون بلادهم * ~~وفضلا عن ذلك فإنهم علموا من حروبنا معهم منذ بضع سنوات وهدمنا مملكتهم أنه لا قبل لهم بنا ~~* وحسبهم عدوا واحدا الآن، ولذلك ms025 لست أظنهم يتحرشون بنا بالتجسس علينا، وأما ~~العرب فإن اليهود غضابى عليهم؛ لأن أول عمل عمله أميرهم عمر بن الخطاب بعد وفاة أميرهم أبي ~~بكر هو إجلاؤه اليهود والمسيحيين عن نجران وسائر بلاد العرب * لكي لا يبقى فيها إلا ~~دين واحد، وغبطتكم تعلمون أن بعض النجرانيين المسيحيين قد لجئوا إلى مدينتنا هذه. فكيف يمكن ~~بعد هذا أن يأتمن العرب يهوديا على أسرارهم مع معرفتهم استياء اليهود منهم. # فهنا تنفس صفرونيوس الصعداء، وقال: هذا برهان ضعيف، فإن اليهود كانوا أكبر أعوان الفرس ~~والعرب علينا في جميع حروبنا معهم * وقد بلغت بهم الجرأة أن ثاروا بأنطاكية، وقتلوا ~~بطريركها كما تذكر * وثاروا أيضا بصور ليغتالوا المسيحيين ليلا * فرد ~~الله كيدهم في نحورهم، ولا يزالون يتآمرون سرا في فلسطين مع يهود سوريا للثورة علينا ~~* وأعظم من ذلك كله أنهم اشتروا من الفرس عشرات ألوف من أسرانا وذبحوهم انتقاما ~~منا * فبغض كهذا البغض يا بني لا يحول ولا يزول، ولذلك أعتقد أن اليهود يحالفون ~~علينا كل الأمم التي تقوم لانتزاع البلاد من قبضتنا؛ لأنهم لا يزالون يحلمون بإعادة ~~مملكتهم، وما أدرانا أن العرب لم يعدوهم بمساعدتهم على ذلك إذا هم ساعدوهم علينا. # فهم إيليا بأن يجيب البطريرك بأن اليهود ما تطرفوا هذا التطرف القبيح إلا لظلم ~~المسيحيين لهم واضطهادهم إياهم، ولكنه رأى الاختصار أولى في هذا المقام فأجاب: إن مولانا ~~البطريرك أدرى منا بهذه الشئون، وله رأيه الموفق. إنما ما زلت أرى أن هذا الرجل لا يمكن أن ~~يكون جاسوسا؛ لأنه لو كان كذلك لما جاء بابنته معه ليلقيها بهذه النار إذا كشف ~~أمره. # فابتسم البطريرك وقال: إن الجواسيس لا تكمل جاسوسيتهم إلا بالنساء. خصوصا النساء ~~الحسان. # فاجتهد إيليا حينئذ في أن يقنع البطريرك بإطلاق سراح الفتاة على الأقل، ويبقي الشيخ لديه ~~ليفحص أمره، فرفض البطريرك ذلك رفضا قطعيا؛ لأن الشعب كان يطلب تعميد الفتاة في حفلة ~~عمومية، وقد قال البطريرك للشاب في هذا الشأن كلمة جميلة وهي: «إيليا إيليا إنك ملق بنفسك ~~في مضيق ms026 لا مخرج منه. فدع الفتاة وشأنها فإن بينك وبينها هاوية عظيمة، ثم ألا تعلم أنني ~~الآن مسئول لدى الله ولدى ضميري عن هذه الفتاة وإن كانت يهودية، فكيف تريد أن أطردها وحدها ~~إلى معترك العالم، وأسجن عندي حارسها وسندها؟» # لكن يظهر أن البطريرك كان يرغب في استمالة إيليا إليه لمآرب له فرضي أن يطلق سراح الشيخ، ~~ويبقي الفتاة في دير الراهبات في جبل الزيتون حتى يسكت الشعب عنها، وتنتفي الشبهة عن أبيها، ~~وقد قال لإيليا: إن هذا كل ما يمكنه صنعه، وبعد ذلك بعث يسأل في «البيت الأحمر» عن السيدة ~~تيوفانا المشهورة في القدس برقة عواطفها وخدمة الأديرة وقد تقدم ذكرها، وإذ وجدوها وكل ~~إليها البطريرك أن تأخذ في صباح الغد تلك الفتاة إلى دير العذراء في جبل الزيتون، وتوصي بها ~~الراهبات خيرا. # فلما بلغ الفتاة أنها ستنفصل عن أبيها، وتقيم بين راهبات مسيحيات في دير مسيحي أخذت تبكي ~~وتنوح، ولكن أباها أقنعها بأن أسرها لا يتجاوز الأسبوعين، وأنه لا سبيل إلى غير ذلك نظرا ~~لهياج الشعب بشأنها وطلبه تعميدها. فسكنت الفتاة، ونامت مع أبيها في إحدى غرف القصر في تلك ~~الليلة؛ لتذهب في صباح اليوم الثاني معه إلى دير الراهبات في جبل الزيتون، وقد صرف أبو ~~الفتاة نصف الليل وهو يوصيها بما أراد أن يوصيها به؛ لتتمكن من اجتياز المصاعب التي كانت ~~أمامها. # ولما خرج إيليا من لدن البطريرك وجد في الباب راهبا ووراءه رجل يروم الدخول على ~~البطريرك. فدهش إيليا حين مشاهدة الراهب ووقف حائرا لظنه أنه يعرفه. أما الراهب فابتسم ~~ابتسام الازدراء؛ لأنه عرف إيليا، وصار يقلب فيه نظره بجسارة وتهكم. فقال إيليا في نفسه وهو ~~خارج: لا ريب في أن هذا هو أخو الراهب متى؛ لأن فيه ملامح منه، وهو سكرتير البطريرك على ~~ما أعلم. فلو كان الشيخ سليمان مكاني لأراه عاقبة مقاومته لأخيه. # وكان الرجل الذي وراء الراهب رسولا قادما من أجنادين حيث يقيم قائد الروم * وهو ~~يحمل كتابا منه إلى البطريرك. فلما رآه البطريرك ms027 عبس؛ لأنه تشاءم من إرسال الرسول في أسبوع ~~العيد، ولكنه تناول الكتاب باهتمام لا مزيد عليه، وصار يقرأه بعينين متقدتين غيظا وأملا، ~~وما أتى عليه حتى صار يرتجف من الغضب، فألقاه بنزق إلى المقعد، وأشار إلى الرسول أن يخرج. ~~فجثا الرسول ثلاثا، ودنا فلثم ذيل البطريرك، ثم خرج باحترام ظهره إلى الباب ووجهه إلى ~~البطريرك، وهو يمشي القهقرى. فلما خرج صاح البطريرك بالراهب بغضب: مرهم أن يعجلوا في صلاة ~~العيد؛ لنعود إلى المدينة، وإلا خفنا أن يباغتنا العرب هنا وإن كانوا لا يزالون بعيدين عنا. ~~ثم أطرق البطريرك يفكر، وبعد حين صاح: إن الله سينتقم منهم لتركهم مدينتنا المقدسة بلا مدد ~~جديد لتعزيز حاميتنا، فانحنى الراهب باحترام موافقة على كلام رئيسه. # وفي أثناء ذلك كان الشعب في الأسواق لا يزال يضج ويلعب، ويطلب تعميد الفتاة، فأبلغوه أنهم ~~قرروا إرسالها إلى الدير، وبعد ذلك يرون رأيهم فيها. # الفصل الخامس # | النبي أرميا ومشروعه العظيم # في السبب الذي لأجله أحب إيليا حبا فجائيا. ~~*** # وانقضى ذلك العيد في بيت لحم بفرح وسرور بين طبقات الشعب، إلا أن البطريرك صفرونيوس وقائد ~~الحامية في القدس وواليها كانوا في شغل شاغل وهم شديد، وفي يوم العيد بينما كان الناس ~~منتشرين على طريق بيت لحم عائدين إلى القدس كان إيليا على طريق جبل الزيتون فوق القدس ~~صاعدا إلى الجبل بخطى ثقيلة ورأسه إلى الأرض كأنه يعد خطاه أو يفتش عن شيء أمامه، ~~والحقيقة أنه كان يتأمل ويتفكر. # وإنما كان إيليا يفتكر بحوادث أمس، وسوء حظ تلك الفتاة اليهودية، وكان إيليا كلما افتكر ~~بها شعر بذوبان في قلبه وشفقة لا حد لها، وقد يستغرب القارئ أن يحب هذا الشاب الفتاة من أول ~~نظرة، ويخاطر بنفسه وبراحته في سبيلها، ونحن نشاركه في هذا الاستغراب لو لم يكن هنالك سر ~~صغير بث في دمه سم الحب بقوة الصاعقة وسرعتها، وإليك هذا السر الصغير الحقيقي الذي لم يطلع ~~عليه أحد قبل الآن. # منذ عشر سنوات كان إيليا في يافا لحاجة له، ولما ms028 قصد العودة منها إلى القدس ركب في قافلة ~~وسار معها، ولكنه قبل المسير رأى في المحطة قافلة أخرى تستعد للمسير وراء قافلته وفيها رجل ~~يهودي ومعه فتاة في نحو العشرين من العمر، وكان إيليا يومئذ في السادسة عشرة من العمر، وكان ~~هوائيا شديد التصورات والانفعالات، وقد قرأ بإمعان التوراة وتاريخ يوسيفوس في حروب اليهود ~~وأخبارهم، فصار يرى في اليهود معاصريه بقايا أمة عظيمة، ~~ومما كان يفتنه منها على الخصوص قوة نفوس نسائها وجمالهن الذي حل في التاريخ مشاكل كثيرة، ~~فخيل له أن للمرأة الإسرائيلية نفسا خصوصية جاذبيتها أشد من كل جاذبية. فما وقع نظره على ~~تلك الفتاة التي هي من ذلك الدم القديم حتى شعر بانجذاب شديد إليها، وكان جمال الفتاة ولطف ~~عينيها الهادئتين الصافيتين مما ساعد على أسر ذلك الفتى الصغير، وكان على جبينها عصابة ~~بيضاء مزركشه تزيد وجهها بياضا وجمالا. فسار الفتى إيليا في قافلته تاركا قلبه الصغير ~~لدى تلك الفتاة الكبيرة، وكان كلما نزلت القافلة على الطريق يشخص في أنوار القافلة القادمة ~~بعدها، ويود لو تصل إلى قافلته لتسيرا معا، وكان يخيل له حين رؤية أشباح تلك القافلة في ~~الظلام من بعيد أنه يرى تلك العصابة البيضاء ذات الزركشة اللامعة وتحتها العين اللامعة، ~~وبالحقيقة أنه كان يراها بعين بصيرته، ولما سمع أن أحد اللصوص هاجم على القوافل افتكر إيليا ~~الصغير بذات العصابة البيضاء قبل افتكاره بنفسه، وعلى ذلك كان حب ذلك الفتى الصغير حبا ~~حقيقيا؛ لأن هذا هو مقياس الحب الحقيقي، وقد بقي إيليا على هذه الحال وبهذه الأماني حتى ~~غابت القافلة، ولم يعد يرى لها أثرا، فعلم أنها حادت عن طريق القدس إلى بلدة غيرها. فأطرق ~~الصغير حينئذ يتأمل في ذهاب حبه سدى، فكان ذلك أول هم دخل قلبه الخلي. فيا حب الملائكة إنك ~~لا تكون أبدا أطهر من هذا الحب ولا أثبت منه؛ لأن إيليا الصغير بقي يتذكر حتى في أحلامه ~~تلك الرؤيا التي مرت أمام عينيه كشهاب أضاء فكان نوره أول نور دخل إلى ms029 قلبه. # ولكن بعد عشر سنوات لما وقع نظر إيليا في بيت لحم على الفتاة أستير في ظلمة الليل وهي ~~مضطربة خائفة، وعلم أنها من دم تلك الفتاة التي أحبها في أحلامه في صغره ثارت نفسه دفعة ~~واحدة، وأحبها من أول نظرة، وخيل له أنه يحب في هذه الفتاة حبيبين: الحبيب الحاضر الذي ~~يستحق كل حب، والحبيب الغائب الذي ذهب في أوقيانوس العالم ذهاب حجر في البحر فلم يعد يظهر ~~له أثر، وكأن إله الحب قصد إيليا بسوء فأرسل إليه أستير شبيهة بفتاته الأولى في كثير من ~~ملامحها وسنها وقوامها، ولم تكن تنقصها وا أسفاه غير العصابة البيضاء المزركشة ... # فصعد إيليا الجبل وهو يفتكر بالفتاتين معا، ولكن ~~أستير - وهي الحاضرة - بدأت تحتل محل الخيالية الغائبة، وكان يتساءل كثيرا عن سبب وجودها ~~مع أبيها في بيت لحم في تلك الليلة، ويعد نفسه بلقاء أبيها في ذلك اليوم للوقوف على سر هذه ~~المسألة. # وما زال إيليا صاعدا حتى انتهى إلى أعلى الجبل فقصد أرزة كانت قائمة هناك كملجأ لطيور ~~السماء في ذلك المكان الجاف # 1 # ولما وصل إليها عطف إلى جهتها الشرقية حيث بني كوخ صغير مستند إلى جذعها، وكان ~~في الكوخ رجل جالس ورأسه بين يديه متأملا متفكرا وأمامه كتاب مفتوح. فلما تحقق إيليا وجود ~~الرجل صاح: السلام على النبي أرميا، فنهض الرجل، وقال: أهلا بكيريه إيليا، هل تذهب مرة ~~ثانية إلى بيت لحم؟ فضحك إيليا لهذا السؤال، وقال: جئت أشكرك يا صديقي لأنك أنقذتني أمس، ما ~~لك جالس هنا وظهرك إلى المدينة المقدسة؟ # فتنفس أرميا الصعداء وخرج من كوخه إلى مقابلة أورشليم، وبعد أن ألقى إليها نظرة قال: إذا ~~كان الله قد غضب عليها أفلا أغضب عليها أنا أيضا، إنني صرت أكره النظر إليها، ولذلك نقلت ~~كوخي من أمامها إلى جهة الشرق. نعم، لقد صرت مجوسيا أستقبل الشمس بدل مدينة داود. # فضحك إيليا، وقال له: ماذا، هل جد شيء؟ فقال أرميا متعاظما: ماذا تريد أكثر من ضياع ~~بلادنا وخراب مملكتنا كما ms030 خربت مملكة اليهود قبلنا، فها العرب زاحفون إلينا ليأخذوا ~~أملاكنا، وها المسيح الدجال يتركنا ويذهب كأنه يسر بسقوط مدينتنا وديانتنا. فقال إيليا ~~مدهوشا: ومن تعني بالمسيح الدجال؟ فصاح أرميا والجنون ظاهر في عينيه: الإمبراطور. فصرخ ~~إيليا: اسكت. اخفض صوتك يا أرميا وإلا ألحقوك بسميك القديم. فهنا بلغ الغضب من أرميا ~~مبلغه، فصاح ونار الجنون تستطير من عينيه: دجال وألف دجال. فإن سقوط ديننا ومملكتنا سيكون ~~على يده، وهل تريد دليلا على أنه المسيح الدجال أعظم من مقاومته بطريركنا صفرونيوس حتى في ~~المسائل الدينية التي لا يفهم هو منها شيئا، إن بطريرك أورشليم يجب أن يكون أرفع البطاركة ~~كلمة، وأصدقهم رأيا؛ لأنه قريب من المهد والقبر والجلجلة - تلك الأماكن التي توحي إلى ~~النفس الحقيقة والحكمة، ولذلك يجب أن لا يتبع رأي غير رأيه، وأما صاحبنا الإمبراطور فإنه ~~استمال إليه بطاركة القسطنطينية وأنطاكية والإسكندرية وكذلك أسقف رومة، وقرروا مسألة ~~الطبيعتين والمشيئة الواحدة * وأنا أقول الآن لك ولهم وللأرض والسماء أنهم مخطئون ~~جانون على الكنيسة، والحق مع البطريرك صفرونيوس الذي يعلمنا أن المسيح بطبيعتين ~~ومشيئتين. * # فهنا تنفس إيليا الصعداء وقال: رجعنا يا أرميا إلى المجادلات الدينية، بالله دعنا منها ~~فقد عافتها نفسي. # فابتسم النبي أرميا ابتسام الاحتقار، وقال: هل تظن إذا تركناها أنها تتركنا هي؟ هيهات ~~هيهات. فإنها قابضة علينا وعلى روح مملكتنا بمقبض من حديد، فإما أن نحلها أو تحلنا؛ فضحك ~~إيليا لهذه التورية في كلام المعتوه، وقال له: إنك اليوم بليغ يا أرميا فما سبب بلاغتك؟ ~~يظهر أنك لا تزال صائما؛ لأنك ذكرت لي يوما أنك لا تكون حسن البلاغة إلا إذا كنت صائما. ~~فقال أرميا: نعم، ما زلت صائما ولم أتناول طعام العيد بعد، ولكنني أهزأ بطعام العيد وبكل ~~طعام. ألا يكفينا خبز الروح الذي هو غذاء النفس. نعم، هو يكفي كل رجل صالح، وأما الأشرار ~~والخنازير البشرية الذين آلهتهم بطونهم فلا يكفيهم خبز الروح، ولكن لا تنقل الحديث الأول ~~فإنني أريد إتمامه لأبلغك أمرا مهما، هل تريد أن تسعى ms031 معي سعيا عظيما؟ # فحدق إيليا في المعتوه، وقال: ما هذا السعي؟ أخبرني عنه وأنبئني أولا هل حديثك طويل فإن ~~لي حديثا مهما معك. # فضرب أرميا يده في الهواء وقال: لا حديث أهم من الحديث الذي أروم الدخول معك فيه فتعال ~~نجلس في الشمس أمام الكوخ، وهناك أطلعك على مشروعي. # فقال إيليا وهو يضحك في نفسه من مشروعات أرميا: بل دعنا نجلس هنا أمام المدينة المقدسة ~~فإن المنظر في غاية الجمال. # وفي الحقيقة إن منظر القدس تحتهما كان مما يروق النظر في تلك الساعة؛ فإن الشمس أطلت ~~على المدينة في صبيحة عيد الميلاد من وراء غيومها السوداء تنثر على أرض القدس نورها الذهبي، ~~وكانت المدينة تحت الضباب الرقيق المخيم عليها بين أسوارها السمراء الشاهقة المحيطة بها ~~تشبه حمامة بيضاء في قفص مكمد اللون عليها غلالة من القطن المندوف، وكان الناس في سفح الجبل ~~على الطريق يسيرون ذهابا إلى المدينة وإيابا منها، وهم كلما التقوا صافحوا بعضهم بعضا ~~تقبيلا، وتبادلوا التهنئة بالعيد، وكان منظر الأفق وراء المدينة وإلى جوانبها متسعا ~~للجالسين على الجبل فكان إيليا يسرح طرفه مبتهجا، وأما أرميا المسكين فإن نفسه كانت لا ~~تشعر بذلك الجمال الطبيعي ولا تلتفت إليه. # ولما جلس الاثنان تجاه المدينة كان أرميا يفكر باهتمام. فقال له إيليا باسما: هات الآن ~~ماعندك، واختصر بقدر الإمكان. # فقال أرميا بجد ورزانة: إن العلة متى استعصت صار شفاؤها متعذرا إلا بعملية جراحية ~~كبيرة أو بعناية إلهية. أما العناية الإلهية فيظهر أنها غضبى منا؛ لأنها لا تساعدنا في شيء ~~فيجب أن نستعمل العملية الجراحية. فأنا قد بدا لي أمر عظيم، فإنك تعلم أن الإمبراطور قد أيد ~~الطبيعتين والمشيئة الواحدة * وهو يتداخل في شئون الكنيسة * مع أن ذلك ليس ~~من وظيفته. فقال هنا إيليا: إنك تتكلم الآن يا أرميا كلام عقلاء. فقال أرميا: لا تقطع حديثي ~~واسمع التتمة، وأنا متحقق أن البطريرك صفرونيوس مستاء من مداخلات الإمبراطور هذه، والكلام ~~بيني وبينك أن هذه المسألة ليست بمسألة دينية فقط فإنها مسألة جنسية ms032 أيضا * فإننا ~~نحن السوريين قد سئمنا النير اليوناني * وقد مضت علينا عشرة قرون واليونان متحكمون ~~فينا منذ فتح الإسكندر بلادنا * فلماذا لا نكون أمة مستقلة وحكومة مستقلة. إن نفسي ~~تحدثني الآن بهذا الأمر، وها العرب قد كادوا يملكون فلسطين، وغدا يصلون إلى مدينتنا. ففي ~~نفسي متى وصل ملكهم إلى أسوارنا أن أذهب إليه، وأعرض عليه أن نتفق معه، ونكون من حزبه على ~~شرط أن يحمي بطريركنا ويجعله ملكا مستقلا في سوريا كالإمبراطور، وحينئذ يمكن البطريرك أن ~~يقاوم الإمبراطور، ويؤيد مذهبه في الطبيعتين والمشيئتين، ولا ريب عندي في أنه سينتصر عليه ~~انتصارا عظيما، ويتبعه كل أصحاب العقول في الأمة، وأول انتصاراته تكون في مصر؛ لأن ~~الأقباط فيها مثلنا يئنون تحت نير اليونان * وقد اغتنموا فرصة القول بالطبيعتين ~~والمشيئة الواحدة للانفصال عن الكرسي الإسكندري والقسطنطيني * والمقوقس كبيرهم ~~وواليهم يجامل العرب الآن نكاية بالإمبراطورية # 2 ~~* فما قولك في هذا المشروع العظيم؟ # فعجب إيليا من هذا الرأي الذي ارتآه معتوه كأرميا. فسأله: وهل أظهرت رأيك هذا لأحد قبل ~~الآن؟ فقال أرميا: نعم، لواحد فقط. فقال إيليا مستغربا: ومن هو؟ فقال أرميا: الله. فضحك ~~إيليا بعد اهتمامه وقال: إنك تحسن صنعا بإبقائه بينك وبينه، وإلا أخذوك يا أرميا إلى ~~القسطنطينية، وألقوك للأسود لتلغ بدمائك. فقال أرميا مزمجرا: وهل مثلي يرهب الموت؟ فإنهم ~~يقتلون جسدي، وأما نفسي فلا يقدرون عليها، وحسبي فخرا أن أموت في سبيل رفع شأن المملكة ~~وإنقاذها من الهلاك. فضحك إيليا وقال: أؤكد لك يا صاحبي أنه إذا اجتمع أهل الأرض طرا لرفع ~~شأن المملكة من الطريق التي تذكرها فإنهم يخيبون سعيا ويضلون سبيلا، وسأطلعك في فرصة ~~أخرى على الطريقة الحقيقية لرفع شأن المملكة. فاكتم مشروعك هذا لئلا يضرك إفشاؤه، وأصغ ~~إلي الآن لأحدثك في الأمر الذي جئت إليك من أجله. فقال أرميا وهو غير راض عن جواب إيليا: ~~وما ذاك؟ فقال إيليا: هل بلغك خبر الفتاة الوثنية التي وجدوها أمس على طريق بيت لحم؟ فقال ~~أرميا ضاحكا: نعم نعم، فقد شاهدتها اليوم ms033 هنا في الجبل حين مجيئهم بها إلى دير العذراء ~~لإدخالها فيه هداية لها، وكان معها سيدة وشيخ وراهبان، ولكن يا لله ما أجملها. حقا لا ~~أعلم لماذا تكون الوثنيات جميلات هكذا. فقال له إيليا: فاسمع الآن لأذكر لك ما أطلبه ~~منك. # ثم دنا إيليا من أرميا، وانحنى نحوه، وصار يحادثه همسا حديثا سريا. فلم يكن يسمع من ~~حديثه سوى كلمات متقطعه مثل : أبواها وثنيان ... إيصال رسائلهما إليها ... جائزة سنية لك ... هل ~~يمكن دخول الرجال إلى الدير ... هل ترضى بأن تصير مسيحية أم ترفض ... أية راهبة هي أشد الراهبات ~~تقوى وأطلاهن حديثا ... وكان أرميا يجاوب باهتمام شديد، وإيليا مرتاح إلى أجوبته، وعلى وجهه ~~لوائح الرضى. # الفصل السادس # | أمام دير العذراء # في أن الحب ليس بنبتة تغرس طوعا وتقلع طوعا. ~~*** # ولما فرغ إيليا من مسارة أرميا نهض وودعه، وانصرف فبقي أرميا وحده مفكرا تحت الأرزة، ~~وسار إيليا في طريقه يقصد دير العذراء القائم على مقربة من الأرزة في جهة الشمال على منبسط ~~من الأرض فوق الجبل، وكان هذا الدير مبنيا هناك لتنقطع الراهبات فيه إلى الله، وهو أكرم ~~أديار أورشليم لقيامه على جبل الزيتون المشهور في تاريخ المسيحية في عصر المسيح، وكان ~~محظورا على الرجال أيا كانوا الدخول إليه قطعيا لاختصاصه بالنساء. # 1 # فلما وصل إيليا إلى الدير أخذ يقلب طرفه في جدرانه البيضاء الشاهقة، ويسترق النظر من ثقب ~~الباب الكبير، ثم قصد الحديقة الممتدة وراء الدير والمسورة بسور عال، فصعد إلى أكمة تقابلها ~~من بعيد، وألقى نظرة على نوافذ الدير الخارجية التي تطل على الحديقة فلم ير أحدا. فتنهد ~~ونزل عن الأكمة، وصار يدور حول الدير، وكأن لسان حاله ينشد: # أمر على الأبواب من غير حاجة # لعلي أراكم أو أرى من يراكم # وبعد برهة سمع صرير قفل الباب فالتفت نحوه فأبصر سيدة خارجة منه، ووراءها مكار معه حمار. ~~فتأمل إيليا فيها جيدا، ولكن أول ما وقع نظره عليها عرفها فخطا نحوها مسرعا بهيئة جدية، ~~وكانت السيدة قد عرفته أيضا فوقفت له ms034 مبتسمة. فلما وصل إيليا إليها قال: سلام على السيدة ~~الشريفة، وكل عام وهي بخير وعافية. فقالت السيدة: وكل عام وجنابك بخير أيها الرجل الكريم. ~~أرجو أن لا تكون الغوغاء قد أساءت إليك ليلة أمس في بيت لحم. فضحك إيليا، وقال إنني أول ما ~~نظرتك أيتها السيدة الكريمة أسرعت لأهديك شكري على مساعدتك لي أمس بواسطة أرميا فإنني لولا ~~هذه المساعدة لأصابني ما لا أحب. فقالت السيدة وقد نظرت إليه بعينين براقتين لهما حديث سري: ~~اشكر مريم العذراء التي أنقذتك من أيديهم. # فلا ريب في أن القارئ عرف السيدة تيوفانا التي كانت في البيت الأحمر ليلة أمس، وعهد إليها ~~البطريرك أن توصل الفتاة اليهودية إلى هذا الدير، وكانت تيوفانا في نحو الثلاثين من العمر، ~~وهو عمر النساء الكامل الذي تصبح فيه السيدة سيدة تامة لامتلاكها عقلها وعواطفها، ومعرفتها ~~طرق السيادة على قلوب الرجال وعقولهم، وكان كل شيء في وجهها يدل على أنها يونانية عريقة في ~~اليونانية. فإنها كانت حنطية اللون مذهبته من فعل شمس الشرق الكاوية. بعينين زرقاوين نافذتي ~~السهام فيهما الابتسام دائم، وشفتين رقيقتين وراءهما لؤلؤ الأسنان لا يختفي أبدا لاشتراك ~~الشفتين مع العينين في ذلك الابتسام المستمر، كأن النفس التي توحي إليهما ذلك الارتياح ~~الباطني نفس طفل لا تعرف الهم والغم؛ بل هي في ربيع أبدي، وتحت ذلك عنق لو نظره العربي لشبه ~~أعناق الغزلان به بدل أن يشبهه بأعناق الغزلان. # والحق يقال: إن إيليا لم ينتبه كثير إلى هذا الجمال الفتان، ولا إلى تلك الابتسامات ~~الجذابة؛ لأن الفتاة اليهودية - الموجودة والخيالية - كانت قد ملكت زمام قلبه، والقلب النقي ~~الذي يعرف الحب الحقيقي لا يسع اثنتين. فرام سؤال تيوفانا عنها؛ لعلمه أنها هي التي أتت بها ~~إلى هذا الدير. فسألها: هل أرسلوا الفتاة الوثنية إلى هذا الدير أيتها السيدة؟ فقالت ~~تيوفانا وقد غضت من طرفها بدلال: نعم أيها الأخ المحبوب بالرب، وهل رأيتها قبل أن جئنا ~~بها؟ # وكان سؤال تيوفانا هذا سؤالا جديرا بأن يصدر عن امرأة في شأن ms035 امرأة أخرى يسأل أحد ~~الرجال عنها، ولا ريب في أنه كان فيه شيء من الحسد والاستفحاص؛ لأن المرأة لا تقدر أن تسمع ~~رجلا يسأل عن امرأة أخرى باهتمام إلا وتحب أن تعرف سبب ذلك السؤال وذلك الاهتمام. فأجابها ~~إيليا أنه هو الذي توسط لها لدى البطريرك؛ ليحسنوا معاملتها، ولا يسيئوا إليها. فضحكت ~~تيوفانا، وقالت: فإذن أنت تعرفها. ثم قالت متهكمة: فيا ليتك تستعمل معرفتك لها لإقناعها ~~بترك العناد والشراسة. فحملق إيليا، وقال: وماذا صنعت؟ فضحكت تيوفانا في نفسها وقالت: لما ~~وصلنا إلى هذا المكان مع الشيخ والراهبتين صارت الفتاة تبكي ورفضت الدخول. فخرجت إليها ~~الرئيسة ولاطفتها وأدخلتها بعد أن أجبرتها على ترك الشيخ. فعاد الشيخ والراهبان إذ لا يسمح ~~للرجال بالدخول إلى الدير، وكان الشيخ يبكي أيضا حين فراقه لها مع أنهم قالوا إنه غريب ~~عنها. فلما دخلنا ذهبت بها الرئيسة وحولها الراهبات بالشموع والزينات إلى كنيسة الدير، ~~وكانت الفتاة تظن أنهن ذاهبات بها إلى إحدى الغرف. فلما دخلت باب الكنيسة كان أول ما وقع ~~عليه نظرها رسم سيدنا المسيح مصلوبا على صليب صغير معلق في صدر المكان اتجاه الباب. فصاحت ~~صياحا هائلا، وسقطت على الأرض مغشيا عليها. فأسرعنا ونضحنا وجهها بالماء، ونحن مسرورات ~~بإغمائها؛ لظننا أن الشيطان الذي فيها قد صرع ومات أول ما وقع نظره على الصليب، ولكنها لما ~~انتبهت زاد بكاؤها وزفيرها، وصارت أحيانا تلطم نفسها، وتهم أن تنطرح من النافذة كأنها ~~تريد أن تنتحر، وقد رفضت الأكل والشرب رفضا قطعيا. فباسم الصليب الكريم أيها الأخ بالرب ~~إنني ما رأيت في حياتي وثنية شرسة متعصبة كهذه الفتاة، وقد قالت لي الرئيسة أنها تشك في ~~اهتدائها ونزول السلام المسيحي والوداعة المسيحية عليها بعد ما ظهر من عنادها ~~وشراستها. # وقد ظنت تيوفانا أنها بهذا الذم والتنديد تجعل الشاب يزدري الفتاة، وتبعد قلبه عنها، وما ~~درت أنها بهذا الوصف الذي آلم قلب إيليا قد زادته تعلقا بالفتاة وشفقة عليها. فأطرق يفكر، ~~ثم قال للسيدة جوابا على سؤالها الأول: نعم، إنني ms036 أبذل جهدي لمساعدة الرئيسة على تسكين ~~هياج هذه الفتاة التعيسة إذا شاءت وأذنت لي بالدخول؛ لأنني كنت من مساعدي البطريرك على ذلك. ~~فضحكت تيوفانا ضحكة معناها «لست ساذجة إلى هذا الحد لأسعى لك في ذلك» ثم قالت: ولكن يا ~~للأسف إن دخول الرجال إلى الدير ممنوع قطعيا. # ولكن ما أتت تيوفانا على هذه الكلمات حتى سمع صوت بعيد ينادي نداء شديدا. فالتفت إيليا ~~وتيوفانا فإذا برجل يعدو كالبرق من جهة الأرزة، وهو يخبط الهواء بيديه، ويصيح بجنون - ~~إيليا. إيليا. العرب العرب! لقد وصلوا إلى المدينة. # فصاحت تيوفانا: هذا أرميا ماذا جرى له. أما إيليا فهرع نحوه وسأله: ما بالك؟ فصاح أرميا ~~وشعره منتشر على كتفيه ونار الجنون تتقد في عينيه: لقد وصل العرب. لقد وصل العرب. فذعرت ~~تيوفانا عند اسم العرب، وصاحت بخوف متراجعة نحو باب الدير. # وفي هذه الأثناء كانت الضجة والجلبة حول أسوار أورشليم، وكانت جنود العرب تهتف هتافا طبق ~~السماء «الله أكبر. الله أكبر. لا إله إلا الله» * وكثيرون من أهل المدينة حول ~~الأسوار * يشاهدون القبائل البدوية الهاجمة عليهم، وبعضهم يضحكون، وبعضهم يتأملون - ~~وما دروا أن كثيرا من الضحك عاقبته البكاء. # الفصل السابع # | العرب في بيت المقدس # وفي تلك الساعة كان البطريرك ووالي المدينة وقائد الحامية فيها منفردين في إحدى قاعات ~~المقام البطريركي بجانب كنيسة القيامة في القدس، وكانت لوائح الغضب بادية في وجه البطريرك، ~~وهو مطرق يفكر، ويده تعبث بلحيته البيضاء الطويلة المنتشرة على صدره، وكان الوالي وقائد ~~الحامية يتحادثان همسا احتراما له. # وكان الوالي يقول للقائد: هل إذا هاجمونا وعدتهم مائة ألف يقدرون على أخذ مدينتنا؟ فأجاب ~~القائد: إن القدس لا تفتح أبدا إلا صلحا خصوصا في هذا الفصل فصل الثلج والبرد والمطر. ~~فقال الوالي: قد قيل لي: إن العرب حفاة، فلنطاولهم ما استطعنا فإن البرد يهرأ أقدامهم فتسقط ~~أصابعهم. فهز القائد رأسه وقال: أما هذا فلا سبيل إليه؛ لأن أصابع رجالنا مع احتذائهم تسقط ~~من البرد، وأصابعهم هم لا يصيبها أذى؛ لألفة أجسامهم المشقة ms037 وشظف العيش * فقال ~~الوالي: لا شك أن ذلك كان من أسباب قوتهم. # وبينما هما يتناجيان وإذا براهب قد دخل مسرعا، وقال للبطريرك: إن الرسول في الباب. فأمر ~~البطريرك بإدخاله على عاجل. فأدخل عليه بدوي بملابس العرب وهيئتهم. فسأله البطريرك ~~باليونانية: هل عرفت ما نريد معرفته يا يوحنا. فأجاب البدوي باليونانية أيضا: نعم يا ~~مولاي. فقال البطريرك: اجلس وقص علينا كل أخبارك. # ولا ريب أن القارئ قد أدرك أن هذا البدوي العربي الذي يتكلم باللغة اليونانية واسمه يوحنا ~~إنما كان من الغسانيين وهم عرب الشام النصارى * الذين كانوا يعاونون الروم على ~~المسلمين والفرس في حروبهم معهم * وقد حاربوا في اليرموك في جيش الروم حربا شديدة. ~~* # فجلس البدوي يوحنا على مقعد بعيد، وكان قد تزيا بزي البدو؛ ليسهل له الاختلاط بالعرب ~~إخوانه بالنسب والجنس تنسما لأخبارهم، ثم أخذ يقول: لما توفي نبي المسلمين وخلفه أبو بكر ~~أنفذ الخليفة وصية النبي في استعمال أسامة بن زيد على جيش وإرساله لفتح الشام * ~~وكان العرب قد أخذت ترتد عن الدين الإسلامي لموت النبي * فلما رأت مسير الجيش للشام ~~هابوا الخلافة وقالوا *: «لو لم يكن بهم قوة لما أرسلوا هذا الجيش، فكفوا عن كثير ~~مما كانوا يريدون أن يفعلوه». # 1 # فكأن جيش الشام كان عونا شديدا للعرب في الداخل، وبعد إخضاع المرتدين من ~~العرب أبلغ أبو بكر عدد هذا الجيش إلى 124 ألف مقاتل * وقد قسمه إلى جيشين: جيش ~~لمقاتلة الفرس، وجيش لمقاتلتنا * ومن فرط دهائه أوصى الجيشين بأن يلبثا دائما ~~أحدهما على مقربة من الآخر؛ ليتمكنا من الاتحاد في ساعة الخطر * وقد فتح جيشهم في ~~الفرس بلاد بابل كلها ودعوها العراق العربي * وكان قائدهم فيها خالد بن الوليد الذي ~~يلقبونه «سيف الله» * وهو الذي وثب بعد ذلك بأمر أبي بكر من العراق إلى الشام ففتح ~~غزة، وكتب إلى الإمبراطور يطلب منه أن يسلم إليه دمشق، فأجابه الإمبراطور بهذا الجواب «ملكك ~~القفر فعد إليه» * ولكن لما توفي أبو بكر بعد أن استخلف عمر بن الخطاب عزل ms038 عمر ~~خالدا، وولى الشام أبا عبيدة الملقب بأمين الأمة * ويظهر أن أبا عبيدة يقصد دولتنا ~~أكثر من دولة الفرس * لأنه بعد إسقاطنا دولة الفرس يعلم أنه إذا أسقط مملكتنا لا ~~سمح الله استولى على الكرة الأرضية كلها، وهذا ما سمعته من أحد رجاله، ولذلك يريد الاستيلاء ~~على مدينة القدس عاصمة المسيحية بعد استيلائه على دمشق عاصمة سوريا. # وقد تحققت أن العرب سلموا من الاضطرابات والفتن الداخلية التي كانت تتهددهم، وذلك ~~بأمرين: الأول: شدة أميرهم عمر وحزمه وعدله، والثاني: انصرافهم إلى فتح الشام وفارس، وهذا ~~ما كان من أكبر أسباب اتحادهم وقوتهم؛ لأنهم لو أقاموا في بلادهم، ولم يشتغلوا بمقاتلتنا ~~لانصرفوا إلى مقاتلة بعضهم بعضا كما كانوا من قبل، وهذا من دهاء أبي بكر وعمر بن الخطاب ~~وسياسته. * # فهز البطريرك هنا رأسه، وكان الوالي والقائد مصغيين كثيرا، فأردف الرسول بقوله: أما ما ~~علمته عن زحفهم إلينا فهذا: # 2 # بعد أن فتح أبو عبيدة دمشق، وأقام فيها شهرا يتمتع فيها مع جنده بمناظرها ~~الجميلة، ويستريح بعد عناء القتال جمع إليه أمراء المسلمين، وقال لهم: «أشيروا علي بما ~~أصنع وأين أتوجه» فاتفق رأي المسلمين إما إلى قيسارية (قيصرية) وإما إلى بيت المقدس. # 3 # فقال معاذ بن جبل: «اكتب إلى أمير المؤمنين، فحيث أمرك فسر، واستعن بالله» ~~فقال: «أصبت الرأي يا معاذ» فكتب كتابا إلى الأمير، وأرسل الكتاب مع عرفجة بن ناصح ~~النخعي. فلما قرأ أميرهم الكتاب جمع إليه أعوانه ومشيريه فاستشارهم في ذلك. فقال له علي بن ~~أبي طالب: «يا أمير المؤمنين، مر صاحبك أن يسير إلى بيت المقدس فيحدقوا بها ويقاتلوا أهلها ~~فهو خير الرأي وأكبره، وإذا فتحت بيت المقدس فاصرف جيشه إلى قيسارية فإنها تفتح بعدها إن ~~شاء الله تعالى. كذا أخبرني رسول الله» * فقال له الأمير: «صدقت يا أبا الحسن» ~~* فإننا إذا ملكنا بيت المقدس خارت عزائم الجند والشعب، وفتحها يعدل فتح ~~القسطنطينية من هذا الوجه. ~~(- وكان عثمان بن عفان حاضرا فقال: (- رأي الأمير صائب وموفق إن شاء الله. إلا ms039 أنني أخشى ~~أمرا. فقال الأمير: (- وما هو أيها الناصح النصوح؟ فقال: إن الروم لم تدب فيهم الحماسة ~~وينهضوا على مملكة الفرس نهضة واحدة إلا لأخذ الفرس صليبهم من بيت المقدس وإحراقهم كنيسة ~~القيامة * فأخشى أن نثير حميتهم التي خمدت إذا أخذنا بيت المقدس، فنكون كأننا ~~أضرمنا النار بيدنا (- فقال علي: (- والله إنني لا أرى مناسبة بيننا وبين الفرس؛ فإن الفرس ~~يدخلون المدن هادمين مخربين منتقمين، وأما نحن فندخل مسالمين مصلحين. # فقال الأمير: (- أجل إن الفرس هجموا على الشام لسحق الرؤساء والشعوب معا، أما نحن فندخل ~~الشام للإنصاف بين الشعب والرؤساء، فدخولنا نعمة للشعب لا نقمة. ثم تناول الأمير حينئذ ~~رقا وقلما، وكتب إلى أبي عبيدة يقول: * «بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله ~~عمر بن الخطاب إلى عامله بالشام أبي عبيدة. أما بعد؛ فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو ~~وأصلي على نبيه، وقد ورد علي كتابك وفيه تستشيرني في أي ناحية تتوجه إليها، وقد أشار ~~ابن عم رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بالسير إلى بيت المقدس؛ فإن الله - سبحانه وتعالى - يفتحها على ~~يديك، والسلام عليك». # فلما عاد الرسول بهذا الكتاب إلى أبي عبيدة وجده في الجابية * فقرأه أبو عبيدة ~~على المسلمين؛ فهللوا وكبروا، وفرحوا بمسيرهم إلى بيت المقدس * ثم «دعا أبو عبيدة ~~بيزيد بن أبي سفيان # 4 # وعقد له راية على خمسة آلاف، وأمره أن يزحف إلى بيت المقدس وفلسطين، وقال له: ~~يا بن أبي سفيان ماعلمتك إلا ناصحا. فإذا أشرفت على بلد إيلياء (أي بيت المقدس) فارفعوا ~~أصواتكم بالتهليل والتكبير، واسألوا الله بجاه نبيه ومن سكنها من الأنبياء والصالحين أن ~~يسهل فتحها على أيدي المسلمين. فأخذ يزيد الراية وسار. ثم دعا أبو عبيدة شرحبيل بن حسنة ~~الذي كان كاتب وحي نبيهم، وعقد له راية، وضم إليه خمسة آلاف فارس من أهل اليمن، وقال له: سر ~~بمن معك حتى تقدم بيت المقدس، وانزل بعسكرك عليها، ولا تختلط بعسكر من تقدم قبلك. ثم دعا ~~بالمرقال بن هشام بن ms040 عتبة بن أبي وقاص، وضم إليه خمسة آلاف فارس مع جمع من المسلمين، وسرحه ~~على أثر شرحبيل بن حسنة، وقال له: انزل على حصنها، وأنت بمعزل عن أصحابك. ثم عقد راية رابعة ~~فسلمها للمشيب بن نجية الفزاري، وأمره أن يلحق بأصحابه، وضم إليه خمسة آلاف فارس من النخع ~~وغيرهم من القبائل، وعقد راية خامسة وسلمها إلى قيس بن هبيرة المرادي، وضم إليه خمسة آلاف ~~فارس، وسيره وراءه. ثم عقد راية سادسة وسلمها إلى عروة بن المهلهل بن زيد الخيل، وضم إليه ~~خمسة آلاف فارس، وسيره وراءهم - فكان جملة من سرحه أبو عبيدة إلى هذه المدينة خمسة ~~وثلاثين ألفا» وقصده بذلك إرهابنا بنزول أمير علينا في كل يوم، وهذه مقدمة جيشهم، وقد سمعت ~~واحدا منهم يقول بعد وصولهم: «ما نزلنا ببلد من بلاد الشام فرأينا أكثر زينة ولا أحسن عدة ~~من بيت المقدس، وما نزلنا بقوم إلا وتضعضعوا لنا وداخلهم الهلع وأخذتهم الهيبة إلا أهل بيت ~~المقدس فلا يكلمنا منهم أحد ولا ينطقون غير أن حارسهم شديد وعدتهم كاملة». # 5 # فهنا ضحك الوالي، ونظر إلى القائد، فابتسم القائد افتخارا بشهادة العدو بثبات جأش الجند ~~والأمة. فقال الوالي ليوحنا: وماذا سمعت عن باقي مدن فلسطين؟ فقال الرسول: إن جند العرب ~~تفرقوا فيها، وهاجموها من كل صوب؛ فبيسان وطبرية واللد والرملة ويافا وقيسارية (قيصرية) ~~وغزة ونابلس وعمواس وبيت جبرين وأجنادين - بعضها وقع وبعضها سيقع في قبضتهم. فقال القائد: ~~وهل سمعت شيئا عن الشام؟ فقال الرسول: إن أبا عبيدة قصد حمص من دمشق بعد إرساله الجند إلى ~~فلسطين. فلما علم جيشنا بذلك ظن أنه قادر على استرداد دمشق فزحف إليها، فعاد أبو عبيدة ~~وخالد بجندهما، ولاقياه في مرج الروم قرب دمشق فكانت الغلبة لجيش العرب أيضا * ~~ويقال: إن قائد العرب أبا عبيدة سيقصدنا في وقت قريب. # وما أتى الرسول على هذا الكلام حتى دخل راهب، وأخبر البطريرك أن في الباب سيدة وشيخا ~~يستأذنان بالدخول، وكانت السيدة هي أم تيوفانا قدمت وهي تبكي خوفا من ms041 العرب على ابنتها ~~التي ذهبت لتوصل الفتاة الوثنية إلى دير العذراء، وأما الشيخ فهو أبو أستير وقد جاء خائفا ~~على ابنته أيضا؛ ليلتمس من البطريرك الإذن له بالذهاب إلى الدير لافتقاد ابنته. فضجر ~~البطريرك من مقابلتهما، وأمر الراهب أن يبلغهما أن العذراء تحمي ديرها، وتسهر عليه. ثم أردف ~~بقوله: إن العرب ليسوا كالفرس؛ بل هم يعبدون الله مثلنا، ولذلك يحترمون المنقطعين إليه تعالى # 6 # فلا تخافوا منهم على الدير. # الفصل الثامن # | تاريخ حياة إيليا # قبل الحوادث التي تقدمت # ولما رجعت تيوفانا القهقرى إلى الدير عند ذكر العرب جرت معها إيليا بيدها، وهي تقول: ~~هلم بنا إلى الدير يا كيريه إيليا فإننا نخشى أن يقصد أحد منهم هذا المكان، ولكن رئيسة ~~الدير لما سمعت من تيوفانا خبر وصول العرب هزت كتفيها غير مبالية، وقالت بتسليم ملائكي: ~~لدينا جيش أقوى من جيش الروم والعرب وهو حماية الله، ثم رفضت قبول إيليا وأرميا رفضا ~~قطعيا، وأدخلت إلى الدير تيوفانا وحدها. # فبعد إقفال باب الدير قال إيليا لأرميا: هل تذهب معي إلى المزرعة يا كيريه أرميا أم تبقى ~~هنا للسعي كما ذكرت لك؟ # فقال أرميا: كنت في هذا الصباح في المزرعة فلست أعود إليها، وقد سمعت فيها أن الجميع ~~كانوا ينتظرونك؛ لتتناول معهم طعام العيد في الصباح، ولكن بعيشك قل لي ماذا يصنع كيريه ~~سليمان إذا وصل العرب إلى مزرعته؟ فقال إيليا: سأسأله عن ذلك الآن. أما أنت فدبر شغلك كما ~~أخبرتك. # ثم إن إيليا ودع أرميا، وأخذ في الانحدار عن الجبل لا من جهة المدينة، بل من جهة طريق ~~وراء الجبل تؤدي إلى مزرعة كانت قائمة في الجهة الشرقية. # وبينما إيليا سائر نحو المزرعة يحسن بنا الآن أن نذكر شيئا من تاريخ حياته فقد آن ذلك، ~~لا سيما وأن ما يلي متعلق بما تقدم. ~~••• # كان إيليا ابن فلاح من الناصرة يكسب رزقه من حراثة الأرض، فربي إيليا بين النباتات ~~والأزهار والحقول، وكانت أمه قد نذرته للعذراء، ورغبة منها في أن تخصه العذراء بعنايتها ms042 ~~كانت في كل مساء يوم أحد تأخذه إلى البيت الذي قيل إنه كان منزل العذراء في الناصرة، والذي ~~كان قد أقيم عليه كنيسة احتراما له، وهناك تجعله يفرق بين الفقراء المجتمعين حول الكنيسة ~~أرغفة خبز تصنعها له أمه خاصة لهذا اليوم، وكان كلما ناول الصغير إيليا أحد الفقراء رغيفا ~~وهو يبتسم ضاحكا بفمه الوردي كانت أمه تقول للفقير: «ادع لإيليا» فيقول الفقير متحمسا ~~بالدعاء لذلك الولد اللطيف: «إن شاء الله سيصير بطريرك القدس» فكان إيليا يقرع كفا بكف من ~~فرحه، والدموع تترقرق في عيني الأم من حنانها وتأثرها، وفي ذات يوم قدم الناصرة عالم عظيم ~~من القسطنطينية؛ ليزور الأماكن المقدسة. فلما شاهد إيليا يفرق أرغفته الأسبوعية، وسمع ~~دعاء الفقراء له أخذ العالم رأس الصبي بين يديه، وقال: «نعم يا بني، ستكون بطريرك أورشليم ~~الجديدة». # وكان الناس في فلسطين يتزاحمون على هذا العالم من كل صوب؛ لأنه كان منجما عظيما، وكان ~~تلميذ أسطفانوس الإسكندري الذي كان يلقب «معلم المسكونة» * والذي أقامه الإمبراطور ~~في قصره في القسطنطينية مع اثني عشر عالما من العلماء؛ لتعليم الفلسفة والطب والموسيقى ~~والهندسة وباقي فروع العلوم # 1 ~~* فلما سمعت أم إيليا نبوءة العالم وتنجيمه زاد اعتقادها بعظمة مستقبل ~~صغيرها. فصرفته عن الأمور المعاشية إلى الوظيفة الدينية التي تجتمع فيها أعظم الأشياء ~~وأشقها، أي الرئاسة والخدمة. # أما العالم القسطنطيني فإنه لم يتنبأ تلك النبوءة للصغير إيليا عبثا؛ بل كان له منها غرض ~~أسمى من الغرض الذي فهمته أمه. فإنه كما تقدم الكلام كان قادما من القسطنطينية، وكان لا ~~يزال يدوي في أذنيه ما رآه وسمعه فيها من المجادلات الدينية الفارغة والانقسامات السياسية ~~وضوضاء المدنية البالغة حدود التهتك والإفراط، فلما رأى ذلك الصغير الناصري على أبواب ~~الكنيسة يوزع الخبز على الفقراء مع أنه يكاد يكون فقيرا مثلهم شعر حينئذ بعظمة التدين ~~الحقيقي؛ فقال في نفسه: إن هذا الطفل وأمه أقرب إلى الله من كل أصحاب تلك المجادلات ~~والمشاحنات التي يدعون بها التقرب من الله، وأعجب بصدق العواطف الدينية في ms043 الشرق وبساطتها ~~بإزاء القسطنطينية التي صارت فيها العواطف الدينية آلات للسياسة والرئاسة والربح. فقال ~~حينئذ لإيليا ما قاله مشيرا إلى أن صنع الخير المجرد عن كل مصلحة خصوصية ونقاء العواطف ~~وصدق الضمير وسذاجة القلب هذه هي المبادئ التي ستكون في المستقبل أساس أورشليم الجديدة، ~~وإلا فلا يكون هنالك أورشليم. # أما أم إيليا فإنها لما بدأت تدفع ابنها في الطريق الإكليريكية صارت تجلب له الكتب ~~لمطالعتها، فكانت لا تلقى رجلا من رجال الدين حتى تطلب منه كتابا، وكان إيليا يقرأ كل ذلك ~~بلذة وصبر عجيب، وكانت أمه أمية لا تحسن القراءة، ففي ذات يوم لقيت في كنيسة الناصرة راهبا ~~غريبا فطلبت منه كتابا لابنها، وأخبرته أنها ستدخله دير القدس. فقال لها الراهب: سأعطيه ~~كتابا يعلمه، ويجعله أكبر من أكبر بطريرك. ففرحت الأم وقويت ثقتها بابنها، وكان عنوان ~~الكتاب الذي أخذته من هذا الراهب الغريب: «ثلاثة في المسيح» فدفعته إلى ابنها دون أن تعلم ~~بموضوعه، وكان ذلك الراهب نسطوريا، وموضوع هذا الكتاب تعاليم نسطوريوس وأوتيشيوس وآريوس ~~الذين مذاهبهم في المسيح أقلقت الكنيسة وضعضعت المعتقدات فاضطر الإمبراطرة أن يجمعوا ~~المجامع للحكم فيها تسكيتا للاضطراب الذي حدث في المملكة. # فلما وقع هذا الكتاب في يد إيليا هم أن يصيح بموضوعه أمام أمه، ولكنه كتم الأمر إلى ما ~~بعد الاطلاع عليه، وكان إيليا يومئذ في التاسعة عشرة من العمر، وكان قد أصبح فتى قوي البنية ~~رقيق العود طويل القامة أبيض اللون أسود العينين جميل الهيئة قليل الحركات كثير السكنات، ~~وكان يلذ له الصعود إلى الجبال التي فوق الناصرة للتأمل فيها. حتى إنه لو كان رنان في عصره ~~ونظره يتأمل من تلك الجبال في المناظر الشائقة التي تحت قدميه؛ لظن أن الناصري عاد إلى ~~الأرض مرة أخرى فولد من عذراء وشب حتى صار فتى، وجلس على تلك الجبال التي كان يلذ له ~~الجلوس عليها؛ للتفكير بإنقاذ العالم مرة أخرى. # فقرأ إيليا هذا الكتاب، وأكثر كتبه الأخرى هناك في ذلك المكان البديع، وما فرغ من كتابه ~~حتى ms044 تغير رأيه في الثلاثة الذين تقدم ذكرهم. فإنه كان قبل قراءة الكتاب يبغض اثنين منهما ~~بغض الشيطان لما قرأه وسمعه حتى إنه كان يرى الناس إذا ذكروا أمامه أحدهما فإنهم كانوا ~~يصلبون استعاذة منه بالله، وأما الآن بعد قراءة تاريخ حياتهم فقد ذهب بغضه لهم؛ لأنه لم ~~يرهم سودا كما وصفوا له؛ بل إنه أعجب بجرأتهم على الجهر بما اعتقدوه حقا، وذكر لهم فضل ~~العمل والصدق في الفكر والقول، ولكنه لم يقتنع بمذهبهم؛ لأن أمه أرضعته مع اللبن حب كنيسته ~~وأمه الحنون التي سيندمج في سلك أبنائها بعد حين، ولذلك أطبق الكتاب بعد الفراغ منه، وتنهد ~~قائلا: «لا تدينوا لكي لا تدانوا» إلا أنه بقي في ذهن الفتى برق من هذه المطالعة السرية ~~وهو حب البحث وحرية القول والفكر. # وفي العام التالي أخذته أمه إلى القدس؛ ليندمج في السلك الإكليريكي. فذهب إليها إيليا ~~بسرور وشوق كما يذهب إلى الفردوس الأرضي لو علم بمكانه، ودخلها كملاك خلقا وخلقا، وقلبه ~~يرقص طربا؛ لأنه سيكون في المستقبل من أولئك الرجال الضعفاء الذين تحنى أمامهم رءوس ~~القياصرة والملوك والكبراء، ولا سلاح لهم غير ثوبهم الأسود. # ففي القدس لقيت أم إيليا في كنيسة القيامة الراهب النسطوري الذي أعطاها الكتاب الذي تقدم ~~ذكره؛ فقدمت إليه ابنها المحبوب، وأطلعته على نيتها، وكان ذلك الراهب يدعى «ميخائيل» وهو ~~شيخ في الخمسين من العمر أصله من بلاد الكلدان، ولكنه يقيم في بيت المقدس. فلما وقع نظره ~~على الفتى وآنس في وجهه الروح الملائكي الذي تقرأ النفوس الكبيرة آياته في عيون النفوس ~~الكبيرة التي لا تزال صغيرة قرع ظهره بيده تحببا، وقال: «فلتكن روح سيدنا المسيح معك يا ~~بني، إنني أرى نورا إلهيا في وجهك، ولو لم ينقض عصر الأنبياء لقلت إنك ستكون النبي الذي ~~تنتظره المسيحية». # فبكت أم إيليا من هذا القول المؤثر، ولم يبق لديها شك في أن ابنها فوق البشر تقريبا، ولا ~~نكتم القارئ أنها فتشت في السر كثيرا في التوراة والإنجيل؛ لتعلم هل هنالك نبوءات عن ms045 ظهور ~~نبي جديد من الناصرة أم لا، ولولا مجيء ابن الإنسان منذ نحو 628 عاما، فربما كان حنانها ~~الوالدي أطلق على صغيرها النبوءات الواردة في التوراة بشأن مجيئه. # وكان الراهب ميخائيل قد اهتم بإيليا اهتماما شديدا؛ فلزمه إيليا، وصار يزور الآثار ~~المقدسة معه، وفي عيد الإمبراطور في ذلك العام أقيم قداس حافل أمام القبر، فذهب إيليا ~~والراهب لحضور هذه الصلاة، وكانت هذه أول مرة يحضر بها إيليا صلاة هيئة دينية كبيرة، وكان ~~أسقف بيت لحم هو المتولي رئاسة القداس، وحوله الكهنة والشمامسة والرهبان صفوفا صفوفا، ~~وكلهم متجهون إلى القبر المقدس، وحولهم الجموع. فلما حان وقت تلاوة الإنجيل مد الأسقف يديه ~~ليتناول الكتاب المقدس. فتقدم شماس ليفك أزرار كمه فاضطرب وأبطأ، فغضب المطران ولطمه على ~~وجهه بيده اليمنى الممدودة، ويظهر أن الشماس الذي ذهب ليأتي بالإنجيل أبطأ أيضا، واضطر ~~الأسقف أن ينتظر قليلا، فلما جاءه بالإنجيل لطم بيده اليسرى ذلك الشماس؛ لئلا تغار من ~~اليمنى، وهو يقول له باليونانية كأسد يزمجر «دياولي». # 2 # فلما رأى إيليا ذلك المشهد الغريب ارتعدت فرائصه، وصبغ الدم وجهه حتى كاد يخنقه. ثم نظر ~~إلى الأسقف ليرى هل يجترئ بعد صنعه هذا على مس الإنجيل بيده الضاربة؛ فوجد أنه تناول بها ~~الكتاب بكل قوة - ذلك الكتاب الذي يحرم عليه الصلاة بعد ذلك إن لم يستغفر أخاه الشماس ~~الذي أساء إليه - وصار يتلوه بصوت جهوري. # أما الراهب ميخائيل فإنه لما نظر تأثر إيليا ابتسم ابتسامة هو وحده يعرف معناها. # ولما انتهى القداس وخرج الناس نظر إيليا إلى صفوف الرهبان الخارجين فوجدهم وقد تفرقوا ~~شتاتا في فناء الكنيسة كأنهم أسرى وأطلق سراحهم، وكانوا يضاحكون بعضهم بعضا وهم خارجون، ~~ويثبون وثبا كأنهم مبتهجون بانطلاقهم من قيد النظام الذي كان يجعلهم أمام رؤسائهم كأصنام جامدة. # 3 # فزاد استغراب إيليا؛ لأنه كان يظن أن ذلك الهدوء والرزانة والمعيشة الجديدة ~~والاحتشام حلفاء لهم في غيبة رؤسائهم وفي محضرهم. # فخرج إيليا من أول حفلة حضرها، ونفسه الدينية قد جرحت جرحا أليما، وفي خروجه ms046 استوقفه ~~على الباب صراخ كاهن يبكي ويصيح عند مرور الأسقف، وبعد الاستخبار ظهر له أن هذا الكاهن كان ~~من القائلين بالطبيعتين والمشيئة الواحدة، وقد أغضب البطريرك صفرونيوس بشدة مقاومته فعاقبه ~~البطريرك بأن «ربطه» أي قضى عليه بالامتناع عن إقامة القداديس والصلاة فوق المذبح. فتأمل ~~إيليا في الكاهن وهو خارج، ورثى لحاله؛ لأن ذلك الضغط لا يقطع رزقه فقط بل يلقي عليه وعلى ~~اسمه شبهة عدم الاستقامة في الإيمان ويقيد حريته. # وكان كثيرون من أكابر القدس قد حضروا هذه الحفلة؛ فأخذ إيليا والراهب ميخائيل يتأملان في ~~سيدات أورشليم الجميلات الخارجات من القداس، وشبانها الذين كانوا في الظرف واللطف والكياسه ~~أشبه بالسيدات، وكانت الأطالس والأثواب الحريرية والتيجان اللؤلؤية التي تكلل شعور السيدات ~~في شبكة خصوصية * والروائح العطرية التي تفوح من تلك الملابس الجميلة والغضاضة ~~البادية في الأجسام البضة النقية التي تحتها - كل ذلك يدل على أمة سعيدة في الظاهر غنية ~~متمتعة بالملاذ والأطايب. إلا أن الفقراء الذين كانوا صفوفا صفوفا تجاه الكنيسة وحول ~~بابها وجدرانها، وهم بحالة يرثى لها من الشقاء والضعف والفقر، كانت حالتهم تدل إيليا الفتى ~~الساذج على أن في تلك المدينة العامرة بغناها وأبهتها إنسانيتين؛ واحدة سعيدة وواحدة تعيسة، ~~والمضحك أنه ظن لسذاجته أن الأولى مسيحية والثانية غير مسيحية؛ لأنها لو كانت مسيحية لشاركت ~~إخوتها المسيحيين السعداء في خيرات الأرض ونعمها، وكانت مساوية لهم في المملكة. # فبقي إيليا مفكرا بعد كل هذه المناظرة المختلفة يمشي بجانب الراهب ميخائيل الذي كان يفكر ~~مثله أيضا، وكان يقول في نفسه، وهو ماش مفتكرا بضرب الأسقف الشماس: ماذا أصنع بعد ما ~~رأيته؟ هل أدخل تحت يد هذه السلطة التي لا تخجل من الإساءة إلي وإهانتي حتى أمام الناس مع ~~أنني في دخولي تحت يدها أتنازل لها عن أثمن شيء عندي، وأعطيها أكثر مما تعطيني. هل أرضى ~~لنفسي أن تكون في المستقبل في منزلة ذلك الكاهن المسكين الذي أهانوا إيمانه، وقيدوا حريته ~~من أجل شيء صغير. لا لا. إنني أحب الرهبانية. أحب معيشتها الهادئة ms047 الاشتراكية. أحب الأناشيد ~~جماعات جماعات تحت سقوف الكنائس الكبرى والأديرة العميقة حيث تتجاوب الأصداء فيها كأن الجو ~~مأهول بملائكة تردد أصوات النشيد والصلاة مع المنشدين والمصلين - ولكنني أحب قبل كل شيء ~~حريتي، وشرف نفسي؛ فإنني ربيت في الحقول بين الأزهار والطيور حرا مطلقا مثلها؛ فإذا ~~قيدت نفسي الآن هذا التقييد الذي يجعلني رمة هامدة حرمت نفسي أعظم نعم الله وأكبر اللذات ~~الروحية، وأعني بها الحرية. فماذا أصنع يا ترى؟ ماذا أصنع؟ أأترك هذه أم أترك ذاك؟ وإذا ~~تركت الرهبانية فماذا أصنع في العالم؟ ومن أين أعيش؟ وأين أذهب في معترك هذه الحياة؟ # ولما علم الراهب ميخائيل باضطراب نفس ذلك الفتى في هذا الشأن أشفق عليه إشفاق من سبقه إلى ~~هذه الأفكار في صباه، وإذ سأله الفتى الإرشاد والنصح تردد الراهب وبقي ساكتا. فبكى الفتى، ~~وقال: إنني وحيد فريد في الدنيا، وقد جعلك الله في طريقي؛ لتكون لي مرشدا، فلماذا تضن ~~علي بثمرة اختبارك. أما أنت إنسان ومسيحي مثلي؟ أنسيت قول الإنجيل: من طلب منك فأعطه ومن ~~سألك فلا ترده. إنني لا أطلب منك ذهبا ولا فضة ولا أكلفك عناء، وإنما أطلب رأيك. فقل لي ~~ماذا أصنع في هذه الحياة التي تركني الله فيها وحدي؟ # فاغرورقت حينئذ عينا الشيخ ميخائيل بالدمع؛ فقرع كتف الفتى بيده تحببا إليه، وأجاب: هل ~~تحب أن نشهد معا بزوغ الشمس غدا يا بني؟ فأجاب إيليا: نعم، أحب ذلك. فقال الراهب: وافني ~~غدا بعد الفجر إلى جبل الزيتون، وهنالك نشهد بزوغ الشمس، ونتحادث على انفراد في الموضوع ~~الذي طلبت رأيي فيه. # الخطبة على الجبل # وفي فجر اليوم التالى بكر إيليا إلى جبل الزيتون؛ لأنه لم ينم في الليل إلا قليلا. ~~فوجد الراهب الشيخ ينتظره تحت أرزة هناك، وكانت الشمس لا تزال بعيدة، وجيش النجوم في ~~السماء الصافية آخذ في الفرار أمام عروس النور، وكان البرد قارصا، وريح الصباح تهب ~~شديدة على الأرزة فتئن أغصانها لذلك أنينا شديدا. # 4 # فأشار الراهب الشيخ إلى الفتى بجد ورزانة أن يجلس ms048 بجانبه، وإذ جلس أخذ الشيخ يقول، ~~والطبيعة كلها في أواخر ذلك الليل مصغية مع الفتى إلى كلامه اللطيف: - يا بني: لا تزال ~~الشمس بعيدة، فلنتحادث قليلا قبل أن تشرق. فإننا لا نحتاج إلى نورها لبث الحرارة في ~~نفوسنا، فإن الروح الإلهية التي أودعها الله في داخلنا كافية لذلك، ولقد سرت أمس حرارة ~~نفسك إلى نفسي فرأيت أن أحادثك هذا الحديث بعد ما شهدته أمس من اضطرابك وبكائك. # يا بني، نعم إنك لم تطلب مني فضة ولا ذهبا، ولم تكلفني عناء، ولكن فاعلم أنك طلبت ~~مني ما هو عندي أهم من الفضة والذهب، لقد طلبت مني أمرين عظيمين: الأول أن أمد يدي إلى ~~ضميرك في باطن نفسك، وأديره إلى حيث أشاء، والثاني أن أحكم لك على هيئتنا ومعيشتنا ~~الحاضرة الحكم الذي أراه. # هذا ما يجب أن يدور عليه محور جوابي إذا أجبتك على سؤالك، ولذلك رأيتني ترددت أولا ~~عن تحمل هذه التبعة العظمى، ولكن دموعك واضطرابك غلبتني فجئت معك إلى هنا على هذا الجبل ~~المقدس الذي دوت في فضائه تعاليم إلهية؛ لأذكر لك فيه ثمرة اختباراتي في هذه الحياة كما ~~طلبت مني. # يا بني، إنك تسألني بعد ما شاهدته في المدينة وفي القداس أمام القبر المقدس، هل تنخرط ~~في سلك الخدمة الدينية كما كنت تنوي أم تعدل عن ذلك إلى خدمة أخرى؟ وما هي الخدمة التي ~~تليق بك؟ فأجيبك أنك أخطأت في تركك تلك الأمور الجزئية تؤثر على عقلك، والأرجح أن سبب ~~خطئك توقعك من لبس الثوب الأسود الوصول إلى الراحة والهناء والسعادة في هذه الأرض، ~~ولذلك أجفلت لما رأيت الأسقف يلطم شماسه أمام الناس، والكاهن يبكي وينوح؛ لأنهم قطعوا ~~رزقه وضغطوا على حريته، ولكن فاعلم يا بني أنني لا أحثك على ترك الثوب الأسود للفرار من ~~الأذى والإهانة والضغط والاضطهاد؛ لأن هذا الثوب ما خلق إلا ليتحمل هذه كلها، فإذا كنت ~~تشعر في نفسك بالقوة على تحملها والترفع عن الاهتمام لها فأقدم عليه، وإلا إذا كنت تطلب ~~به الراحة والهناء ms049 فاتركه؛ لأنك تكون ضعيفا يجب أن يخدمك الناس لا أن تخدم ~~الناس. # نعم يا بني، لا تدع فساد أعمال الرؤساء يمنعنا من صنع الخير والقيام بواجباتنا في هذه ~~الحياة، وهل الأرض للرؤساء لنتركها لهم حالما يظهر لنا أنهم عادون عليها وعلينا؟ كلا، ~~إن كل إساءاتهم وظلمهم وسوء تدبيرهم وعماهم واضطهادهم وعدوانهم لا ينبغي أن تمنعنا من ~~إتمام ما علينا للبشر الذين يعيشون معنا. فنحن نكون خدمة لله والناس حتى بالرغم عنهم، ~~وإذا أصابنا في حياتنا إبان الخدمة ما أصاب ذلك الشماس من رئيسه أمام القبر، فإننا نقبل ~~اللطمة ونتعزى بأننا أقرب إلى المسيحية وكتابها من ذلك الرئيس اللاطم، وحينئذ يرى الله ~~والناس أننا نحن الصغار المساكين إنما نحن الرؤساء الحقيقيون بالفعل؛ إذ في نفوسنا قوة ~~الرئاسة التي هي قوة المبادئ والعمل بها، على حين أنه لا يكون من الرئاسة لذلك الأسقف ~~الرئيس وأمثاله غير ملابسها المزخرفة. # أجل يا بني، إنني لا أرى في تلك الصغائر ما يمنعك من الخدمة؛ لأنني أهمل إساءات الناس ~~وأعتبرها كأنها غير موجودة، ولكنك هنا تسألني ولا شك، إذن أنت تشير علي بالإقدام على ~~الخدمة، ونبذ الهواجس من نفسي؟ # يا ولدي العزيز، هنا وصلت إلى موقف صعب، أنا فيه بين نارين؛ فمن جهة يعز علي أن ~~أجهر بما في ضميري لأنه مؤلم، ومن جهة أخرى يعز علي أن أكذب وأخادعك، ولكن الحقيقة هي ~~عندي يا بني أثمن من كل شيء، ولذلك أنا أصرح لك بها. # نعم، إنني لا أخشى عليك من إساءات الرؤساء وظلمهم، فإن نفسك القوية لا تبالي بهم؛ ~~لأنك لا تخدمهم، وإنما تخدم الناس تحت رئاستهم، وإنما أخاف عليك شيئا آخر. # أنظرت يا بني تينك الإنسانيتين اللتين التقتا بعد الفراغ من القداس أمام باب ~~الكنيسة؟ هناك رأيت ولا شك إنسانية سعيدة وإنسانية تعيسة؛ هناك بشر يلبسون الحرير ~~والديباج، ويتحلون بالجواهر، ويسكنون القصور، ويشربون الخمور، ويحشون بطونهم حتى ~~حيواناتهم بكل ما في الأرض من أطايب وملاذ، وهناك إنسانية أخرى تعيسة شقية تطلب خبزا ~~لتأكل فلا ms050 تجد فتنام على الطوى بلا أكل، وتطلب ملجأ تأوي إليه فلا تجد فترقد على تراب ~~الأسواق والشوارع تحت قبة السماء، وتسأل ثوبا يقيها البرد ويستر أجسامها الهزيلة ~~الصفراء من المرض والحاجة فلا تجد أيضا فتعيش عارية الأجسام كالحيوانات. يا بني، هنا ~~أعيد عليك قولي السابق: إنني لا أخاف عليك من إساءات الرؤساء وظلمهم إذا صرت خادما ~~للأرواح: وإنما أخاف عليك من الله والناس أن تمد يدك يوما إلى تلك الإنسانية السعيدة ~~وتباركها فتبارك بذلك الظلم الاجتماعي الذي يسبب هذا الفساد. # أجل يا بني، إننا عدنا إلى الحالة التي حاربها المسيح منذ ستمائة سنة، وبذل دمه ~~لهدمها. إنه جاء ليعلمنا الرفق والمحبة والمساواة، ويجعل الجميع إخوة. مبطلا قسمة ~~الناس إلى قسمين: أسياد، وعبيد. كبار، وصغار. أغنياء، وفقراء. أقوياء، وضعفاء: وهو ذا ~~نحن اليوم كما كان اليهود لما صلبوه. - إنه جاء لمحاربة الفريسيين الذين يعرضون ~~أكمامهم، ويشمخون بأنوفهم، ويحبون المتكئات الأولى في المجامع، وأن يناديهم الناس سيدي ~~سيدي، ويتخذون وظيفتهم الكهنوتية آلة لكسب المال من الأغنياء والأقوياء مهملين الفقراء ~~والضعفاء؛ إذ لا يرجى منهم نفع ولا ربح: وهو ذا الفريسيون عائشون في هذا العصر أيضا ~~ولم ينقرضوا بانقراض أولئك. - إنه جاء لمحاربة الدين الذي يدعم بالمصلحة والمادة ~~وعبادة المحسوسات، وصرع رجاله المرائين الذي يصلون بشفاههم صلاة لا تصدقها قلوبهم، ~~ومقاومة جعل الكنيسة إدارة واسعة فيها رئاسة ضاغطة وكهنة خصوصيون يرتزقون من وظيفتهم؛ ~~لأن كل إنسان يجب أن يكون كاهن نفسه، ومعارضة الذين يقيدون الله بالهياكل فلا يعتبرون ~~الصلاة في غيرها صلاة حقيقية: وها نحن يا بني نكاد نعود إلى هذه كلها، ولو عاد الآن ~~السيد المسيح الذي لبسنا من حبنا له هذا الثوب الأسود المتعب لاضطر أن يصلب نفسه على ~~يدهم مرة أخرى للدفاع عن المبادئ التي دافع عنها في المرة الأولى. # يا بني، عفوا إذا وجدت في كلامي شيئا من الحدة؛ إذ كيف تريد أن أكون هادئا رزينا ~~حين تذكري هذه الأمور كلها. إنني كاهن ويحق لي أن أستشيط غضبا لإلقاء ms051 جوهرتنا في وحل ~~العالم، وقد غضب يوما سيدنا مع كثرة صبره وحلمه فحمل السوط وطرد الباعة والصيارفة من ~~الهيكل. فلي أسوة به إذا غضبت وأرسلت سوط الكلام إلى ظهور باعتنا وصيارفتنا ... # إنك ربما تستغرب كلامي هذا يا أيها الفتى الساذج النقي؛ لأنك لم تعرف شيئا من فساد ~~العالم، ولم تر قبل الآن بلدا غير الناصرة وطن سيدنا، ولكن فاعلم الآن - ولا استغراب ~~- أن كل الناس يعرفون هذه الحقائق التي ذكرتها لك ولا يجهلونها، وكم من مرة سمعت بعضهم ~~يقول على نغم رنين النقود في الكنيسة وباقي المظاهر اليهودية القديمة: إن المسيح لو جاء ~~الآن لما دخل علينا إلا وهو حامل سوطا. أجل يا بني، إننا كلنا لا نجهل هذه الحقائق، ~~ولكن ما الحيلة؟ فإننا سائرون بالرغم عنا إلى طور الهرم ... وهذه سنة كونية لا تردها ~~إلا سنة مثلها، وفعلها عام على كل المذاهب والأديان في كل زمان ومكان لا علينا ~~وحدنا. # اسمع يا بني لأخبرك خبرا مهما؛ إنك سمعت ولا شك شيئا عن العرب، فهذه القبائل ~~البدوية قام فيها رجل همام يدعوها إلى ترك الأصنام، وعبادة الله تعالى، والأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، وإيتاء الزكاة ... وهو النبي العربي الذي شاع خبره، وقد تمكن هذا النبي ~~من التغلب على القبائل المشركة بقوة السيف المؤيدة بقوة الاعتقاد والثقة من أفضلية ~~المبدأ، فجمعها كلها تحت لوائه استعدادا لغزو العالم وفتحه بها، وقد كنت منذ مدة في ~~تلك البلاد؛ لأننا نحن النساطرة لنا حظوة عند النبي العربي ورجاله، وقد عرف بضعة منا ~~وحادثهم * فلما شاهدت النبي وسمعت ما سمعته عنه من الحلم والشجاعة والعدل ~~والرفق والمساواة والعناية بالضعفاء قبل الأقوياء عرفت السر في تأييد العناية الإلهية ~~له في نهوضه، وسررت سرور الطفل؛ لأنني عاصرت زمنا عظيما وعصرا ذهبيا. أجل يا بني، ~~إن عصر الأنبياء عصر ذهبي؛ لأن الشرائع التي يضعونها تكون عذراء طاهرة لم توضع عليها يد ~~غير اليد الكريمة التي وضعتها، ولكن لا بد بعد واضعيها أن يأتي المفسرون والمؤولون ~~والرواة والناقلون، وليس ms052 ذلك فقط؛ بل إن الطبيعة نفسها تبدأ بفعلها الأبدي. فإن الليل ~~والنهار يتعاقبان، والقرون والأجيال تمر. فالأمم والمذاهب التي تكون أطفالا في البداءة ~~تشب وتنمو وتتغير أحوالها فلا تعود تكفيها شرائعها الفطرية الأولى - وهذا ما حدث لنا، ~~وسيحدث لغيرنا بعدنا. # ولما كنت في بلاد النبي العربي يا بني، وقفت في ذات يوم خارج «المدينة» وكانت خيام ~~جمهور من الحجاج مضروبة في الخلاء، والنبي يتفقد الحجاج ويلاطفهم ويزودهم رضاه، وهم ~~أمامه خشع خضع احتراما وإكراما. فسرحت نظري في حالتهم البدوية الجميلة، وأعجبت ~~بالفطرة الإنسانية التي يكون فيها البشر بلا هم ولا حزن غير الاهتمام بمعتقدهم. فتذكرت ~~حينئذ منظرا آخر. تذكرت سيدنا المسيح وتلامذته حول بحيرة طبريا في حقول الجليل الجميلة ~~يتمشون بين الأزهار وسنابل الحنطة وهم منقطعون عن هموم الدنيا. فأطبقت حينئذ عيني من ~~لذة الذكرى لتتمتع كل حواسي بها، وصرت أقول في نفسي لدى هذين المنظرين: هذه هي فطرة ~~الإنسانية. هذه هي المعيشة الهادئة التي تنطبق على الحياة الروحية. ثم تساءلت: أي أفضل: ~~أن تبقى الإنسانية هكذا طفلة صغيرة تعيش في وسط الطبيعة والنباتات والأزهار والأطيار ~~وهي محافظة على أصول شرائعها الساذجة الأولى، أم تصير أمة عظمى فتبني المدن وتجمع ~~الخيرات والثروات وتحيي الفنون والعلوم وتشيد الدول والممالك وإن تركت تلك الشرائع ~~الساذجة الجميلة؟ وا أسفاه إننا جربنا ورأينا؛ رأينا أن الإنسانية متى خرجت عن طور ~~الفطرة والطفولية صارت رجلا خشنا يهتم بمعدته أكثر من نفسه، رأينا أن مبادئ الدين إذا ~~غلبت بعد الانغلاب وصارت سائدة بعد أن كانت مسودة تسلحت بالقوة وعاملت من لم يكن منها ~~كما كانوا يعاملونها لما كانت ضعيفة، ولذلك يا أيتها الفطرة الضعيفة الصغيرة إنما يتحرك ~~قلبي حنينا إليك، وأفضلك على كل المدنيات الكبيرة والممالك الواسعة؛ لأن هذه إنما هي ~~عبارة عن «كرش» واسع فيه أقذار الهضم مقدمة على كل شيء. # يا بني، عذرا لتحمسي هذا. فإنني صرفت شيخوختي في التفكير في هذا الموضوع، وقد وصلت ~~إلى آخر العمر، وأنا أعتقد اعتقادا هدم آمالي كلها، ms053 وهذا الاعتقاد هو أننا في الهيئة ~~الاجتماعية الحاضرة لا يمكن الإصلاح بواسطة الدين إلا إذا كانت الإنسانية تعود إلى ~~طفوليتها وفطرتها الأولى، فإن الدنيا قد زحفت وتغيرت، وصار يلزم نبي جديد للإنسانية ~~الجديدة. # يا صديقي الصغير، لا تستغرب هذا الكلام الذي أقوله لك وأنا كاهن؛ فإنني تعودت أن أقول ~~الحق ولو كان على نفسي وأعز شيء عندي. إن الدين لم يقدر على إصلاح الفساد الاجتماعي ~~الذي وصفته لك في مقدمة الكلام، ولا يزال يباركه منذ مئات سنين بركة لا أحب لك أن تشترك ~~فيها. نعم، إنه يشجب الرذائل والشهوات، ويحتقر المال ويسميه إلها مبالغة في إذلاله ~~وتنفير الناس منه لئلا يشركوا بالله، ويوجب المساواة بين جميع طبقات البشر، ويدعو إلى ~~الفضيلة والصدق والرفق والمحبة والتواضع والإخاء، ولكن يا صديقي أي تأثير لهذه الألفاظ ~~في النفوس إذا لم تعمل بها؟ إنها تبقى ألفاظا فارغة من المعنى كالبندق الفارغ، ويكون ~~أصحابها الذين يقولون بها ولا يعملون بما يقولونه مؤمنين في الظاهر وثنيين في الباطل، ~~وكثيرون منهم يزعمون أنهم معذورون لاقتصارهم على القول دون الفعل. فإنهم يقولون مثلا: ~~كيف نستطيع القيام بما يفرضه الدين علينا قبل أن تعد لنا لوازم حياتنا. كيف نكون ~~أمناء مع الفقر والحاجة، وصادقين مع الضغط والظلم، ومحبين صافحين مع الحقد والبغض، ~~وهادئين مطمئنين مع زوابع الحياة التي تعبث بنا من كل جانب. أفلا يجب على الأقل ضمانة ~~معيشتنا اليومية لنا لنتمكن من التزام الحدود وقتل صل الطمع والحيوانية في داخلنا، ~~فلتضمن لنا الهيئة الاجتماعية رزقنا اليومي، وترى بعد ذلك هل يخف الشقاء والفساد في ~~الأرض أم لا. # وا أسفاه يا بني، إن في هذا الكلام شيئا كثيرا من الحقيقة كما فيه أيضا شيء كثير ~~من الباطل فإنه يجب علينا أن نطلب الفضيلة لذاتها بالرغم عن فقرنا وحاجتنا وضعفنا، وإلا ~~فإن الفضيلة لا تكون فضيلة ولا يكون لنا فضل فيها. # 5 # ولكن الباطل الذي في هذا الاعتراض لا ينبغي أن يستر ما فيه من الحق: فإنه على الهيئة ~~الاجتماعية ms054 أن تهتم بكل واحد من الناس؛ لتضمن رزق من لا رزق له، وبذلك تكون عملت على ~~تخفيف الشقاء والفساد، وهنا الخطأ العظيم الذي وقعت فيه الكنيسة. فإنها ماذا تعلمنا اليوم؟ # 6 # تعلمنا أن الفقراء والجياع والعطاش والمرضى والمتعبين والضعفاء والمحتاجين، ~~يجب أن يكتفوا في هذه الحياة بالشكر على بلواهم؛ لأنهم أهل ملكوت الله. فكل المساعدة ~~التي تمدهم الكنيسة بها قاصرة على تقوية نفوسهم لتتحمل مصائبها، وليس هذا حقهم وحده؛ بل ~~هم كبشر من مخلوقات الله لهم هنالك حق آخر. # أجل يا أخي الصغير، إن لهؤلاء البشر حق المساعدة والإسعاف على الهيئة الاجتماعية؛ ~~لأنهم إخواننا في الإنسانية، وهذا دين لهم علينا، ولا تقل إن الكنيسة والهيئة توصياننا ~~بالإحسان إليهم؛ فإن هذه الكلمة المهينة «الإحسان» يجب أن تمحى من قاموس البشر، ويحل ~~محلها في هذا الباب كلمة «دين» لأن جميع البشر يجب أن يكونوا متضامنين متكافلين. إذن ~~فالأقوياء والأصحاء والأغنياء والكبراء مدينون للضعفاء والفقراء والمرضى والعاجزين ~~دينا اجتماعيا؛ لأن هؤلاء هم عملتهم وأعوانهم في جميع مشروعاتهم، ولولاهم لما ~~استطاع أولئك أن يعملوا شيئا. فنحن نطلب قوة عادلة تستوفي هذا الدين من الأقوياء ~~للضعفاء، وفوق ذلك تضمن لهولاء رزقهم الذي تقدم ذكره؛ لتهدأ زوابع الحياة وعواصفها ~~المهلكة. # ولكن ترى ما هي هذه القوة المطلوب منها ضمانة رزق الضعفاء في الأرض، وهم سواد الأمم ~~تقريبا؟ ومن أين الأعمال والأموال لإتمام ذلك في ملايين البشر العديدة؟ أيها الشاب إنك ~~لا تزال فتى صغيرا، ولكنك غدا ستشب وتكون رجلا كبيرا، وكذلك العلم الذي خلقه الله ~~حياة ونورا للإنسانية: إن العلم لا يزال في الأرض طفلا صغيرا يا بني، ولكن سيأتي يوم ~~يسود فيه هذا الصغير الدنيا كلها. إن إمبراطورنا يشتغل اليوم بالعلم؛ لأنه يظن أنه ~~يمكنه به قلب المعدن الدنيء معدنا كريما * أما نحن معاشر الناس الذين ننظر ~~إلى المستقبل ونتطلع إلى ما وراء الفضة والذهب فإننا ننتظر من العلم أن يقلب الإنسانية ~~التعيسة إنسانية سعيدة، وكأن غطاء المستقبل يكشف الآن عن عيني، وأرى الإنسانية ~~الآتية ms055 الجديدة؛ أرى الإنسان يسير في البر والبحر والهواء بسرعة الطير، ويحمل المصنوعات ~~والمزروعات لأمم بعيدة. أرى البشر يتخاطبون من قارة إلى قارة كأنهم في غرفة واحدة. أرى ~~الشعب يرتقي باختراع الآلة الميكانيكية؛ لأن المصنوعات لا غنى لها عنه وعنها فيصير ~~شريكا لصاحب العمل فيها، وبذلك ترتقي طبقته وتملأ الهاوية التي بينه وبين سيده صاحب العمل # 7 # أرى العملة الضعفاء الفقراء يصيرون قادة الممالك بالانتخاب العمومي وتقديس ~~الإنسانية، أي اعتبار كل فرد من البشر مساويا لأي فرد كان في الحقوق والواجبات ~~العمومية لدى الهيئة الاجتماعية. أرى الحكومات تخجل أمام الله والناس من ترك الكبار على ~~الصغار والأقوياء على الضعفاء بحجة أن البشر أحرار يصنعون في معاملاتهم ما يريدون صنعه، ~~ولذلك توجب على نفسها المداخلة بين الفريقين لضمانة حقوقهما # 8 # أرى ملاجئ الشيوخ والمرضى والعاجزين والمستشفيات المختلفة عامة في كل بلدة ~~لإيواء الضعفاء وسد حاجاتهم، وأكابر الأمم يتفاخرون بزيارتها وصنع الخير فيها. أرى كل ~~شبر في الأرض يحرث ويزرع وينبت خيرات لسكان الأرض، ولذلك تكسر السيوف والرماح ~~والتروس، وتصب محاريث ومعاول. أرى الضغائن والأحقاد بين عناصر البشر المختلفة تهمد ~~وتخمد بهذا التداخل العظيم بعضهم في بعض، وبتحققهم أنهم إنما كانوا يتحاربون على لا ~~شيء. أرى الطب يطيل عمر الإنسان إلى ما بعد المائتين # 9 # ويتغلب على الأمراض والشيخوخة فإذا جاء الموت كان نوما لطيفا هادئا. أرى ~~الرزق الذي يقتتل عليه الناس اقتتال الحيوانات الضارية قد رخص وخف فصار الرجل الواحد ~~يحمل منه في علبة في جيبه ما يكفيه أياما # 10 # ويأخذه من البيئة الاجتماعية مجانا. أرى أجناس البشر في الشرق والغرب ~~فرسا ويونانيين ورومانيين وسوريين ومصريين ويهودا وسلافيين ولومبارديين وفنداليين ~~ومغوليين وأتراكا وهونيين وقوطا وفرنكا وهنودا وصينيين # 11 # وبرابرة مختلفة تتكرر فيهم الإنسانية على ممر القرون والأجيال وتنقى من ~~الحيوانية والجهالة والشهوات المفسدة فيمدون أيديهم بعضهم إلى بعض متصافحين متصالحين ~~بعد طول الشقاق والنزاع، ويعيشون في الأرض بسلام وأمن وسعة وفضيلة تامة كأنهم إخوة في ~~عائلة واحدة. - يا بني، هذا ما أراه ms056 في أحلامي وأوهامي منذ الآن، ولذلك قلت لك إن إصلاح ~~الأرض مسألة علمية لا مسألة دينية، وأورشليم القديمة يجب أن تفسح مجالا لأورشليم ~~الجديدة. فيا أيتها الأحلام الذهبية والأوهام الخيالية أتكونين يوما حقيقة مجسمة؟ يا ~~أيتها الإنسانية التعيسة أتبلغين يوما طور الكمال هذا أم تبقين إلى الأبد في اضطراب ~~وبغض وفساد وحروب وشقاء كما أنت الآن؟ ويا أورشليم الجديدة أتصنعين يوما ما عجزت عنه ~~أورشليم القديمة؟ # الله يعلم ذلك يا بني ولا يعلمه أحد غيره، ولذلك لا أذكر لك ما ذكرته كحقيقة مطلقة؛ ~~بل كرأي لي لك أن تبحث فيه وترى فيه رأيك. فيا ولدي العزيز، كلنا في هذه الأرض عرضة ~~للخطأ وهدف للضلال، وربما أثبت المستقبل بعد مليون سنة مثلا أو نصف مليون أن هذا القصر ~~العلمي الذي رسمته معك الآن إنما هو قصر في الهواء، وأن الحقيقة الحقيقية هي ما نودي به ~~في حقول الجليل على شواطئ بحيرة طبرية منذ ستمائة سنة من أن المعيشة في الطبيعة بلا هم ~~ولا غم هي المعيشة الإنسانية الحقيقية، وأن البعد عن صل المال وأفاعي الجاه والعالم لهو ~~الخير المطلق، وهذا ما يصبو إليه قلبي كما ذكرت لك آنفا، وإن كان عقلي متعلقا بذاك. ~~أجل ياصديقي، إن هذه الصورة الجليلية لهي الصورة السماوية التي تقبض على نفسي بمقابض من ~~حديد بالرغم عنها، وكل ما حاولت أن أقول إن ذلك في من تأثير العادة والتربية ينادي ~~منادي الطبيعة في داخلي هذا النداء الطويل: كلا كلا. هذه هي الطريقة المستقيمة. هذا هو ~~سبيل السعادة الممكنة. اخرجوا اخرجوا إلى الطبيعة يا أبناءها، وعيشوا فيها بعيدين عن ~~مفاسد الثروات والمدنيات. كونوا كطيور السماء وزنابق الحقل لا تهتم بشيء؛ لأنها تجد في ~~الطبيعة كل شيء. اهدموا القصور حيث تعشش الرذائل المختلفة. أخربوا المدن حيث تسود ~~الشرور. مزقوا الكتب وانبذوا العلوم والفنون فإنه يكفينا منها كلها علم النفس الذي يشعر ~~به كل واحد منا، ولا تطمعوا في السعادة والراحة والكمال والإصلاح من طريق الدنيا، فإنها ~~كالماء المالح كلما ms057 شرب منه الإنسان ازداد عطشا - وعلى هذا يخيل لي عند سماعي هذا ~~الصوت الهائل أن العالم الآن خارج عن محوره شاذ عن طريقه فترتعد فرائصي لذلك، وأهم بأن ~~أفر منه إلى البرية لأعيش هادئا سعيدا مطمئنا، وأعرف من ذلك الصوت السري الخارج من ~~دمي السبب الذي من أجله كان واضعو الشرائع الدينية يحرمون على الإنسان التمتع ~~بالدنيا. # فيا صديقي العزيز، هذان طرفان لا اتفاق بينهما إلا في النهاية؛ أحدهما: يمثل أورشليم ~~الجديدة، والآخر يمثل أورشليم القديمة، ونفسي تتردد بينهما متألمة منذ تحرر عقلي، وحصلت ~~على قوة الفكر. فلما سألتني عن رأيي في دخولك إلى أورشليم القديمة أثرت الاضطراب في ~~نفسي؛ لأنك ذكرتني مصارعاتي الباطنية بيني وبين عقلي. فاضطررتني إلى الجهر بكل ما في ~~ضميري بالرغم عني. # ولقد أطلت عليك الكلام يا بني، ولكن شجعني على ذلك إصغاؤك إلي بكليتك. أما الآن فقد ~~فرغت تقريبا. فلك الخيار بعد كل ما ذكرته لك أن تكون من جنود أورشليم القديمة أو جنود ~~أورشليم الجديدة. إنما بقي علي بعد كل ما ذكرته لك وما رأيته في الصلاة أمس أمام ~~القبر وعلى باب الكنيسة أن أكمل هذه الملاحظات بما يوجب ضميري علي ذكره لفتى مثلك ~~تحدثه نفسه بالانتظام في سلك الخدمة الدينية. # قصة الشيخ الراهب # يا بني، إنك ولا ريب تحب أن تعرف شيئا من تاريخ حياتي. فإنك ترى أنني شيخ بيضت ~~السنون شعره، ومن كان بسني هذا وهو يعتقد بما بسطته لك آنفا فإنه يدل بذلك على أنه لقي ~~في زمانه اضطهادا شديدا من البشر، وهذا شأن المصائب يا بني، فإنها أعلى المدارس ~~وأسماها؛ لأنها هي التي تشحذ همم النفوس، وتقطعها عن صغائر هذه الدنيا، وتصرفها إلى ~~المعيشة الجدية التي يكون فيها للإنسان غرض شريف عمومي يسعى إليه. ففي السن الذي أنت ~~فيه الآن تقريبا كنت مثلك يا بني وحيدا فريدا في هذه الحياة؛ بل إنك أنت الآن أسعد ~~مني لما كنت في سنك إذ لك أم تضمك وتدفئك تحت جنحي حنانها، وأما أنا ms058 فقد كنت بلا أم ولا ~~نسيب ولا صديق، فكأنني خرجت من الأرض أو نحت من صخورها، ولكن مع انفرادي هذا في ~~الحياة يا بني لم أجبن ولم أشك؛ لأنني أعرف مراحم العناية الإلهية التي لا تترك من يجعل ~~نفسه أهلا لمساعدتها وحمايتها، ولم أسب البشر الذين تركوني من كل صوب؛ لأن سذاجتي ~~كانت ترى حينئذ أنني لم أعمل بعد عملا يستحق اهتمامهم والتفاتهم، فإذا أهملت فالذنب لي ~~وحدي لا لهم، ولذلك عزمت على أن أعمل ما يستوجب اهتمامهم بي ويرفعني من وهدتي ، ولكنني ~~قلت في نفسي ماذا أعمل؟ هنا كنت في حيرة كحيرتك الآن؛ هل أجعل غرضي الوحيد نفسي فقط ~~فأتاجر وأزرع وأصنع، أم أجعل غرضي في الحياة محبة الناس ونفعهم فأضحي حياتي كلها من ~~أجلهم؟ وا أسفاه يا بني، إنني كنت أجهل يومئذ ما أعلمه الآن من أن للخير أبوابا عديدة. ~~كنت أجهل أن الذي يخرج من الأرض قبضة من الحنطة مثلا أو يصنع للناس آلة يحتاجون ~~إليها، إنما ينفع الناس كما ينفعهم الذي ينقطع إلى إرشادهم وتعليمهم، وهذا ما جعلني ~~أختار الخدمة الروحية؛ فدخلت أحد الأديرة في بلادي، بلاد الكلدان، ونفسي تتلهب شوقا ~~للعمل ونفع الناس، وكنت قد رأيت ما في الهيئة الاجتماعية من الفساد والظلم؛ لاستئثار ~~فئة من الناس بكل خيرات الأرض وقوى البشر، فعزمت أن أكون سيفا ذا حدين؛ فكنت أذهب ~~حافيا مكشوف الرأس بحالة يرثى لها إلى منازل الأغنياء وقصور الكبراء، وهناك مثل يوحنا ~~المعمدان، كنت أقرعهم بسوط التأديب، وآخذ منهم مالا لإخوانهم الفقراء، وكان الذي يتمنع ~~منهم عن إعطائي أنادي باسمه على السطوح إنه ليس بمسيحي، ولذلك كانوا يعطونني خوفا ~~ورهبة لا سخاء، وكنت بعد جمع ما أجمعه كل يوم أنطلق إلى الأحراش والطرق وأكواخ ~~المساكين، وهناك أوزعه على مستحقيه، وقلبي في غبطة وسعادة من صنعي هذا. # يا بني، إن من لم يعط شيئا في زمانه لا يعلم لذة العطاء. نعم، إنني كنت لما آخذ ~~الشيء أتلذذ بأخذه؛ لأنني لا آخذه لنفسي، ولكني كنت ms059 أجد أن لذة العطاء أضعاف لذة الأخذ؛ ~~ذلك أن العطاء فعل من أفعال العناية الإلهية لأنها مصدر كل عطاء، فالذي يعطي يكون ~~نائبا عنها ورسولا من قبلها، وهذا سبب لذته العظمى، ولذلك لا نجد في الكون كله شيئا ~~أجف وأثقل من قلوب الذين لم يتعودوا العطاء، ولنشفق على هؤلاء المساكين يا بني؛ لأن ~~العناية الإلهية لم تجدهم أهلا لأن يكونوا من رسلها، وكنت قد عاهدت نفسي على أن لا ~~أترك الشمس تغيب على قطعة نقود في جيبي، فلما كنت أعود من سياحاتي اليومية في الأحراش ~~والطرق والأكواخ وجيبي فارغ كنت أشعر بلذة الذي قضى واجبه وفرغ جيبه ليملأ قلبه، ولكن ~~لما كان يبقى في جيبي ولو فلس واحد كنت أشعر أنه نار يحرقني؛ لأنني كنت أعتبر أنني سرقت ~~ما ليس لي. يا بني، هنا أحد مصادر الفساد ومنابع الشرور، فإن اليوم الذي نرى فيه نحن ~~خدمة الله تعالى أن كل فلس يدخل في يدنا إنما هو ملك للفقير لا ملكنا، ونعطيه إياه ~~بأمانة وشرف بدل جمعه في صناديقنا، فذلك اليوم يوم ملكوت الله المنتظر في عالمنا هذا؛ ~~لأننا يومئذ نكون من حزب الضعفاء والفقراء لا هم لنا إلا إسعاد شعبنا بدل التزلف ~~للكبراء والأغنياء مشاركة لهم في الأموال التي يستقطرونها من دماء الأمة. # فلما مضت علي بضع سنوات في هذه الحالة تضجر الأغنياء مني، وسخط رفاقي ورؤسائي ~~علي، وكان ضجر أولئك لأنني كنت أنغص عيشهم وأذكرهم بالموت الذي نسوه في اندفاعهم في ~~هذه الدنيا، وأنبه نفوس الصغار عليهم، وكان سخط هؤلاء لكراهتهم صنع الخير على غير ~~أيديهم؛ فلم يلبث أن انتشر بين الناس أن الراهب ميخائيل يجمع المال من الناس بحجة ~~الفقراء ويخبئه في الأحراش، ففي شيخوخته سيجتمع لديه ثروة عظيمة. يا بني، إنني لما سمعت ~~هذه التهمة لأول مرة سقطت على الأرض جاثيا باكيا، وسألت الله أن يقويني على احتمالها ~~ولا يعاقب أصحابها، وبعد التفكر مليا وجدت أن الناس معذورون بتصديق هذه التهمة ~~لقياسهم عملي على أعمال باقي الناس. ms060 فلم أعد أقدر أن أصنع شيئا مما كنت أصنعه قبلا؛ ~~فعدلت عن جمع المال من الأغنياء للفقراء، ولم أستأ من عدولي هذا لتركي فقط مساعدة ~~المساكين الذين تعودوا مساعدتي؛ بل أيضا لتخلص الأغنياء من سوط الحق الذي كنت أقرعهم ~~به، وأجبرهم على وفاء ديونهم لبني جنسهم. # 12 # يا بني، إن البغض قديم بيننا وبين أهل المال، وأساسه ليس في الإنجيل فقط؛ ~~بل في قلب الإنسان. لماذا نبغض الحاكم المستبد والظالم المعتدي واللص والفاجر والشره ~~والحسود؛ إنما نبغضه لأن غرضه الأول إشباع «أنانيته» أي تسخير كل ما في الوجود «للأنا» ~~التي فيه. «فالأنا» هذه هي عنده كل شيء في كل شيء، ومن طبع البشر أن لا يتحملوا «أنا» ~~كبيرة إلا إذا كانت في مصلحتهم العمومية. # 13 # فبعد تركي يا بني مساعدة إخواني الضعفاء والفقراء بجمع المال لهم انفتح أمامي باب ~~آخر، وخيل لي حينئذ أن العناية الإلهية هي التي أغلقت في وجهي ذلك الباب لتفتح لي هذا. ~~فإنني رأيت أن المساعدة التي كنت أقوم بها ليست مساعدة حقيقية؛ لأن المساعدة الحقيقية ~~تقوم بانتشال المحتاج من وهدته وإيجاد عمل دائم له، وأي فائدة في جمع المال لمن ينفقه ~~في يومه، ويبقى بعده محتاجا ضعيفا كما كان قبله. فخطر لي أن أبني بناء أرسخ من هذا ~~وأعظم، ولكن إياك يا بني بعد قولي هذا أن تقع في الخطأ العظيم الذي يقع فيه غيرك من ~~اعتبار العطاء مضعفا لقوى المعطى له ومعوده الكسل والبطالة. لا لا، انبذ هذا القول ~~نبذا. فإنه إنما هو ستار خشن يقصد به تغطية أنانية الإنسان وقسوته وبخله، ومن حق ~~الإنسانية الضعيفة أن تطلب من الإنسانية القوية عذرا للبخل والقسوة غير هذا العذر؛ لأن ~~هذه إذا رامت ترك العطاء لأنه ليس بمساعدة حقيقية لزمها إذن المساعدة الحقيقية. لأن ~~الذي لا يريد إعطاء الغريق خشبة ليبقى عائما عليها في البحر بدل أن يغرق يلزمه أن يرسل ~~إليه زورقا ينتشله وينقذه، وإلا فإذا تركه يغرق دون هذا ولا ذاك لم يكن ~~إنسانا. ms061 # وعلى ذلك حملت معولا يا بني بدل الفضة والذهب، وسرت إلى الأحراش والطرق والأكواخ، ~~وكان كل من رآني بهذه الحالة يضحك ويظنني راهبا معتوها، ولما شاهدني من بعيد أصحابي ~~الذي ألفوني هرعوا إلي كالعادة؛ فخرج الأطفال من أكواخهم لاستقبالي وهم يتسابقون إلي، ~~وزحف المرضى والشيوخ والعجزة لملاقاتي، وتحرك الفقراء الجالسون في الطرق تحت السياجات ~~ماشين نحوي؛ فصرت حينئذ أبكي لأنني ما كنت أحمل لهم هذه المرة ما اعتدت حمله، ولما ~~وصلوا إلي وقفت والدموع في عيني وقلت لهم: يا إخوتي وأبنائي، إن خبث البشر قضى ~~بحرمانكم من مساعدتكم الماضية، ولكن الله أرسلني إليكم بمساعدة جديدة. إن خبز البطالة ~~خبز مالح مر يا أولادي، فهلموا إلى العمل رجالا ونساء وأولادا. إن العاجزين والشيوخ ~~يعملون في الأكواخ عمل النساء، والنساء تنزل مع الرجال الأقوياء للعمل في الحقول، والله ~~يبارك ثمرة أتعابنا جميعا؛ لأنه إله الجد والنشاط والعمل. # ومنذ هذا الحين انصببنا على الفلاحة والزراعة؛ فقلعنا الصخور، ومهدنا الآكام، ~~وعزقنا الحجارة، وأزلنا الأحراش، وحرثنا الأرض على مسافات بعيدة. فلم يلبث أن قام في ~~وسط مزارعنا قرى صغيرة عديدة يعيش أهلها في وسط الطبيعة وهم يتغذون من نباتات الأرض ~~التي يزرعونها وألبان المواشي التي يربونها، وكانت أمور هذه القرى يدبرها عدة من الشيوخ ~~معي؛ إذ بعثت كل قرية شيخا من قبلها ينوب عنها وينظر في حاجاتها وتوزيع الأرزاق ~~والبذور عليها، وكان أكثر شغلي وشغلهم مصروفا إلى زيارة الأكواخ حيث كانت تقيم فيها ~~تلك الإنسانية الصغيرة في أحضان الطبيعة الجميلة تحت حماية الله. يا بني، وكنت أدخل هذه ~~الأكواخ النظيفة المرتبة التي كانت تخرقها الشمس طول النهار فتطهرها من مواد العفن برأس ~~شامخ وسرور في القلب لا على الشفتين فقط؛ ذلك لأنني داخل لأعطي لا لآخذ، ولم يكن عطائي ~~يومئذ فضة ولا ذهبا؛ بل ما هو أثمن وأجمل من الفضة والذهب. إنني يا بني كنت أعطي إخلاص ~~قلبي وصدق ضميري وصحة اشتراكي. فإذا دخلت وكان في الكوخ ولد يبكي أو أم منزعجة لهموم ~~منزلها أو ms062 شيخ عاجز مريض يئن من مرضه وعجزه فإنني كنت أبكي لبكائهم، وأتوجع لتوجعهم، ~~وأقول لهم: يا أولادي فلنشكر الله؛ لأن مصائبنا أصغر من مصائب غيرنا، انظروا إلى العالم ~~فيزداد بكاؤكم ولكن لا على أنفسكم بل على أهله. ففي هذه الساعة التي أخاطبكم بها كم من ~~أم وأب وأخت وأخ يبكون وييأسون في العالم؛ إما من ضيق رزقهم أو فقد أعزائهم أو اضطهاد ~~الأشرار لهم أو لأمراض هائلة يقعون فيها لسوء تدبيرهم أو لوراثتهم إياها من أهلهم أو ~~لوقوع الأقدار عليهم. يا أولادي، فلنصل إلى الله من أجل هؤلاء التعساء ولنحمده؛ لأن ~~تعاستنا لا تذكر بإزاء تعاستهم لأنها لم تنشأ إلا عن الضجر وضيق الخلق، ثم إننا كنا يا ~~بني نرفع أيدينا وعيوننا إلى السماء ونصلي «أبانا» فقط. فلا نفرغ منها إلا والأمل قد ~~عاد إلى نفس الشيخ، والأم ضحكت ونسيت انزعاجها وتعبها، والولد صار يضحك ويغرد كأنه هزار ~~في بستان. # ولما كنت أخرج من هذا الكوخ بعد تحويل الضعف والضجر فيه إلى قوة وسرور، كانت نفسي في ~~حالة لا أقدر على وصفها لك، إنما يكفي أن أقول لك: إنني كنت حينئذ سعيدا سعيدا إذا ~~كان في هذه الأرض سعادة. فكنت أذهب مشروح الصدر إلى كوخ آخر، وهناك أسمع قهقهة الضحك ~~والسرور من الباب، وبعد دخولي كنت أجد الأم والجدة والجد مثلا حول موقد النار وأمامهم ~~طفل لهم يلاعبونه ويداعبونه وهموم العالم في معزل عنهم. فكنت أدخل ضاحكا باشا فآخذ ~~الطفل بين ذراعي وأجلس مخاطبا الطفل وأهله بقولي: أسأل الله يا ولدي أن يبقي لك ولأهلك ~~هذه البشاشة وهذا السرور، فإنها غنى النفس الحقيقي وثروتها العظمى وقوة هذه الحياة. أجل ~~يا أولادي، إن البشاشة قوة إلهية إذا كانت ناشئة عن الرضى بأحكام الله والتسليم إلى ~~إرادة الله، ولكن فلنذكر الذين يحزنون ويهتمون ويتعبون، ولنفتكر بهم، ولنصل إلى الله ~~من أجلهم. إن الإنسان الكريم في هذه الحياة يخجل أن يكون سعيدا بإزاء تعاسة باقي الناس # 14 # فليكن من الكرام يا أولادي، لنشكر ms063 الله لإعطائه إيانا قوة البشاشة والصبر ~~والمسرة، ولنسأله أن يقينا من طوارئ المستقبل، ويقوينا على احتمالها حين وقوعها علينا؛ ~~إذ لا بد منها يوما من الأيام - فبعد هذه الكلمات يا بني كنت أرى أولئك السعداء قد ~~هدأت نفوسهم بعد خفتها وترقرقت عيونهم بدموع ذكراهم تعاستهم الماضية والآتية، ولم أكن ~~لآسف على هذا لأنني إنما كنت أقصده؛ لأن غرضي كان في كوخ التعيس تذكيره بشقاء الناس ~~لتخف عليه تعاسته وأريه أنها سنة على الجميع، وفي كوخ السعيد أذكره بالتعاسة ~~والمصائب لئلا يقسو قلبه وتبطره النعمة فيشرس ويخشن وينسى الله والناس، وهكذا كنت ~~بيسير من العناية والتدريب والإخلاص أجعل أولئك التعساء والسعداء بشرا هادئين راضين ~~باشين مسلمين أمورهم إلى باريهم لا تبطرهم نعمة، ولا تسحقهم نقمة، ولا غرض لهم غير ~~مساعدة بعضهم بعضا على عبور نهر هذه الحياة. # يا بني، هنا وصلت إلى ما لا يزال تذكاره مزعجا لنفسي، ولكن لا بد من إتمام حديثي. ~~فبعد مدة انتشر خبر مزارعنا في البلاد كلها؛ فكان الفلاحون والناس يفدون علينا من كل ~~جانب للانضمام إلينا، فكأن قرانا الهادئة اللطيفة ومعيشتنا الطبيعية الإنجيلية ~~الاشتراكية كانت مغناطيسا يجذب النفوس إلينا في وسط هذا العالم المضطرب، ولكن وا أسفاه ~~يا بني، إن شيطان الحسد والطمع والبغض كان يترصدنا، وهذا من أقبح مفاسد الحياة. فإنه لا ~~يكفي الإنسان أن يخلص في عمله ويفرغ جهده ويشق نفسه ليتقنه ويقوم بواجباته؛ بل عليه ~~أيضا أن يفكر في أن يصرف عنه حسد الناس حين نجاحه، وإلا أودى هذا الحسد به وبعمله، ~~وهذا ما حدث لنا، فإنه لم يلبث أن انتشر عنا في المدن والقرى أخبار هائلة؛ فقوم قالوا: ~~إننا كنا نؤلف جمعيات سرية غرضها محالفة الفرس لطرد اليونان من سوريا، وقوم قالوا: إننا ~~أردنا أن نبرز «جمهورية أفلاطون» من حيز القوة إلى حيز الفعل فننشئ هيئة اجتماعية لا ~~تتألف من العائلة، ولا يعرف الأولاد أنسابهم فيها # 15 # وبعضهم قالوا: إننا نادينا برفع سلطة الكنيسة وقررنا اتباع آريوس. # يا بني، إنك لا ms064 تتصور ما كان من التأثير لهذه التهم الهائلة على أناس سذج فضلاء مثل ~~فلاحينا خصوصا التهمة الثانية والثالثة؛ فقد بقي النساء يبكين أسبوعين من تأثير التهمة ~~الثانية، وقد صلينا مرارا إلى الله أن ينير عقول بني عصرنا، وينبذ من صدورهم ذلك ~~الخبث الذي راموا محاربتنا به. أواه يا بني، إن بني عصرنا كانوا أبرياء من ذلك الخبث ~~وإن كانوا شركاء فيه؛ إذ لا ذنب لهم غير تصديق تلك الإشاعات، وإنما كان مصدر الخبث حسد ~~رفاقي ورؤسائي الذين كانوا يغضبون من مشروعي؛ لأنه جعل رعيتهم تطالبهم بمثله ، وكثيرون ~~منها هاجروا إلينا، وهكذا أجبرني خبث البشر مرة ثانية على أن أترك ما تعبت ببنائه؛ فصدر ~~إلي أمر رئيسي أن ألزم الدير، وأن أقتصر على الوعظ في الكنائس. فعدت إلى الدير بنفس ~~مسحوقة وظهر مقصوم وقلب متفطر، ويا أيتها السماء يا ظلمات الليل يا كواكب الفلك - أنت ~~وحدك كنت تشهدين على ما قاسيته في ذلك الزمن في ليالي المظلمة الطويلة، ولكن الله كان ~~معي يا بني، وهو يكون دائما مع جميع الذين يضطهدهم البشر ظلما وعدوانا، ولذلك شعرت ~~بعد مدة بعودة الثقة والأمل والقوة إلى نفسي، وفي ذات ليلة وأنا على سطح الدير أنظر ~~البدر يطلع تماما من وراء الجبال البعيدة، وأشاهد بعضا من رؤسائي ورفاقي يتمازحون ~~ويتضاحكون في حديقة الدير وهم يتغنون بأناشيد روحية استغرقت في بحار التأمل والتفكير، ~~وأخذت أخاطب نفسي قائلا: لماذا أيتها النفس لا تصنعين صنع هؤلاء؟ لماذا لا تكتفين ~~بغذائهم ومشاغلهم وأحوالهم؟ ما هذه النار الدائمة التي تحرقك فلا تدعك تستريحين أبدا؟ ~~افرحي وكلي واشربي وانعمي بالرئاسة والكرامة والجاه مثل غيرك. إنني آسف عليك وعلى جهدك. ~~آسف لأنك تتعذبين والأشرار ينعمون. آسف لأنك تسهرين وتقلقين وترزحين والأردياء ينامون ~~ملء الجفون. فخففي عنك وأريحي نفسك. يا بني، ولكنني سمعت تلك النفس التي كنت أتهكم ~~عليها حينئذ بهذا القول كأنها تناديني في هدوء ذلك الليل، وتقول: يا رفيقي الحيوان في ~~باطن هذا الإنسان، ما لك رفعت رأسك وانتبهت بعد طول ms065 رقادك؟ إنني كنت أظنك قد مت وقضي ~~عليك. ألا فاعلم الآن أنني لا أصغي إليك أبدا. نعم، أنت تتحكم في غيري فتجعل همهم ~~الأول في هذه الأرض الأكل والشرب واللذة، أما أنا فقد أسرتك وكبحت جماحك من زمن بعيد، ~~وكن على ثقة من أنني سأخنقك ولو خنقت نفسي. فأنا في هذه الأرض كذلك اليهودي الذي تمنع ~~عن حمل صليب المسيح فبات يتيه في الأرض ويمشي فيها إلى الأبد. نعم نعم، إلى الأبد إلى ~~الأبد أنا أعمل. إلى الأبد إلى الأبد سأخدم بني جنسي. إلى الأبد سأضحي نفسي من أجل ~~غيري، وهذه هي لذتي. تقول: إنني لا أنفع شيئا، وإن جهدي ذاهب أدراج الرياح بدليل تخريب ~~البشر عملي مرتين، ولكن يا رفيقي الحيوان الجاهل، إنني لا أدع النملة تكون أفضل مني؛ ~~فإنك إذا خربت بيتها مرتين أو عشرات مرات فإنها تعود إلى بنائه بصبر أشد وجلد أقوى، ~~فدعني إذن وشأني. إنني أبذر بذور الحقيقة والفضيلة والعمل ومحبة الله والناس في أرضنا ~~الشرقية الخصيبة، فإذا لم تنبت هذه البذور في حياتي فلا بد أن يأتي بعدي من يعتني بها ~~ويفتقدها، وكن على ثقة من أنه ليس تحت قبة السماء قوة قادرة على منعي من بذرها. لا تقل ~~الاضطهاد والفقر والطعن والشتم والتهمة، فإنني أبارك هذه الأمور وأضحك منها؛ لأنها ~~تزيدني قوة، وتضاعف صبري وشوقي إلى العمل. فهي كالحطب تلقى على النار المتقدة في باطني ~~فتزيدها اضطراما، ولست أخاف إلا من شيء وهو إجبارهم إياي على الخروج عن الحدود التي ~~أريد التزامها. # يا بني، ومنذ تلك الليلة شعرت بقوة جديدة، وكان اليوم التالى يوم أحد، وكثيرون من أهل ~~القرى قدموا إلى كنيسة الدير للصلاة فيها. فصعدت إلى كرسي الوعظ ووعظت عظة موضوعها: ~~«أحبوا أعداءكم باركوا مبغضيكم» ولكن لم ينقض ذلك اليوم حتى صار الدير كله مع ما حوله ~~من القرى في اضطراب شديد بسبب هذه العظة، وتتالت الرسل من الدير وإليه بشأنها. # ولماذا كل هذه الضوضاء يا بني، هل علمت سببها؟ سببها تهمة ms066 وفرية أخرى وهي أن الراهب ~~ميخائيل جحد في الكنيسة لاهوت المسيح. # فيا بني، لا تصدق هذا القول القبيح. فإنني لست ساذجا إلى هذا الحد لأبحث في أمر يجب ~~علي التسليم به، أو أنسى راحة نفوس المؤمنين، أو أعطي من نفسي حجة علي للخصوم؛ بل كن ~~على ثقة من أنني لم أبحث بالعقل في هذه المادة، ولا أبحث فيها أبدا. فهي موضوعة عندي ~~خارج دائرة البحث والعقل قطعيا، وهبني بحثت فيها عقليا فهل يقدر العقل أن يدرك ~~كنهها؟ فما الفائدة إذن في البحث فيها؟ ثم هل تظن كل من يبحث في لاهوت المسيح جاحدا ~~له؟ كلا يا بني، فإن هنالك من يقول باللاهوت ولكنه يقول بانفصاله عن الناسوت ولكل منهما ~~مشيئة خاصة، ومنهم من يقول بروح الله وكلمته ... وغير ذلك. فهل يكفر أصحاب هذه الآراء ~~مع اعتقادهم باللاهوت تصريحا أو تلميحا. أما أنا يا بني فإنني أكتفي من مسألة اللاهوت ~~بالتعاليم السامية التي تتعلق بها وتدل عليها، وهذا سبب بلواي في هذه المرة. فإنني بعد ~~الخطبة التي ذكرتها لك جاءني بعض السامعين، وقالوا: قلت أيها الأخ في خطبتك أنه يجب ~~علينا أن نحب جميع الناس؛ لأنهم إخوتنا، ولذلك يجب أن لا نضطهد اليهود في سوريا ~~وفلسطين، وقلت: إن تكفيرنا بعضنا بعضا من أجل معتقداتنا مخالف لروح الإنجيل الذي يقول: ~~«لا تدينوا لكي لا تدانوا» فماذا تقول في رجل يجحد لاهوت المسيح ولكنه يعمل بوصاياه، ~~ورجل يعتقد به ولكنه لا يعمل بوصاياه بل يعتبرها مبادئ جميلة لا تخرج عن دائرة الكتب. ~~هل تبارك الأول أم الثاني؟ ففكرت هنيهة ثم أجبتهم: أبارك الأول والثاني يا أولادي؛ ~~لأنني بمباركتي الأول أبارك الفعل دون القول، وبمباركتي الثاني أبارك القول دون الفعل. # 16 # فهذا القول وحده كان كافيا يا بني لاتهامي بجحود سيدي. فيا لظلم البشر! يا لرغبتهم ~~في اتخاذ المعتقدات الدينية تروسا يتسترون وراءها لمحاربة من يريدون محاربته! يقولون ~~لاهوت المسيح ويخالفون أشرف ما في اللاهوت وهو فضيلة المحبة. يقولون لاهوت المسيح ~~ويراءون ويفترون. لاهوت ms067 المسيح ويبغضون ويشرهون. لاهوت المسيح ويظلمون ويعتدون. لاهوت ~~المسيح ويسبون ويشتمون. فيا أيتها السماء الأورشليمية الصافية التي ظللت «الكلمة» ~~أزمانا هل يوجد اللاهوت ليتستر وراءه كل صغار الأرض الذين لا يقدرون على الارتفاع إليك ~~بنفوسهم الإلهية، أو الذين يرومون التسلط على الضمائر والعقول بحجة نفعها والغرض نفعهم ~~الخصوصي، وا أسفاه يا بني هذه علتنا الكبرى وآفتنا الهائلة. نحن نتمسك بالألفاظ ونترك ~~المعنى. نطلب القشور ولا نسأل عن اللباب. نقول لاهوت المسيح ولكن لا نعمل بوصايا المسيح ~~التي هي أول شروط لاهوته، وهكذا لا يكون عندنا من المسيحية - وا أسفاه - إلا ظواهرها، ~~ويكون عملنا هذا مشجعا لكل ذي فكر جامد يكتفي من الدين بالاعتقاد بهذه المادة بشفتيه ~~وقلبه بعيد عنه وعنها بعدا شديدا. # كلا ثم كلا. إننا لا نبحث يا بني ولا نجادل قطعيا في أصل من أصول الدين ولا في فرع ~~من فروعه. فإن الباحث بعقله في الأديان لإثبات هذا الأصل أو ذاك الفرع كالباحث على ~~صفحات الماء، ولذلك نحن نحترم كل أصل وكل فرع احتراما مطلقا ونسلم به، ونجثو بخشوع ~~مع باقي أجزاء الإنسانية على تراب الاتضاع والخضوع أمام المواد والأشياء التي جعلها ~~البشر مذكرة باللانهاية. إننا لا نطفئ شمعة من الشموع الموقدة أمام الأيقونات والتماثيل ~~ولا نرفع إكليلا من الأكاليل الموضوعة عليها. إننا نجيز القداس بالخمير والفطير معا، ~~والعماد رشا أو تغطيسا، والصوم وعدم الصوم، والاستحالة حقيقية أو رمزية، ووحدة ~~الرئاسة وتعددها، والعصمة وعدم العصمة، والصلاة وقوفا أو سجودا أو قعودا، والاعتراف ~~وعدم الاعتراف، وتفسير كل واحد الكتاب المقدس بعقله أو رجوعه فيه إلى الرئاسة الدينية؛ ~~لاعتقاده أن لها وحدها حق تفسيره # 17 # نعم، نحن يا صديقي وصغيري نجيز كل ذلك ولا ننكره ولكن على شرط واحد وهو أن ~~فعل هذه الأمور يقرن دائما بإخلاص القلب إخلاصا حقيقيا، وطلب الخير والعبادة ~~النقية طلبا مجردا؛ ذلك أنني أعتقد يا بني أنه متى أريد طلب الخير والعبادة الحقيقية ~~النقية، فكل الطرق المؤدية إليها حسنة متى كان القلب مخلصا نقيا، ولست ms068 ممن يضيقون ~~عقولهم وقلوبهم إلى حد أن يعتقدوا أن الله يقبل العبادة مثلا بهذا الشكل ولا يقبلها ~~بذاك. فإن الذين يضعون هذه الأقوال يقصدون بها تأييد مصالح لا تأييد مبادئ، أي مصالحهم ~~السياسية والقومية، أو مصالح رئاستهم؛ لرغبتهم في الاستئثار بالسلطة والسيادة، وهذا هو ~~السبب في تكفير الطوائف بعضها بعضا، وقيامها بعضها على بعض، وتشعب المسيحية # 18 # فالإخلاص الإخلاص يا بني، الطهارة الطهارة، الخير الخير: هذه هي آلات ~~العبادة الحقيقية، وبدونها لا تجدي العبادة شيئا ولا يغني الاعتقاد باللاهوت ~~فتيلا. # يا بني، لقد وصلت بك إلى منتهى عملي. فإن تلك التهمة أجهزت وا أسفاه على قواي؛ لأن ~~أعدائي اغتنموا هذه الفرصة، وطردوني من سلك الرهبانية. فرحت يا بني في الدنيا هائما ~~على وجهي أبكي وأنوح؛ لإساءة الناس الظن بي، وإهانتهم لي، وقطعهم رزقي، ومما كان يفتت ~~كبدي فرار أحبائي وأبنائي القدماء مني. فكأنني أصبحت وحشا ضاريا لا يقربني أحد، وكان ~~الفقراء والضعفاء الذين كنت أساعدهم من قبل إذا شهدوني قادما حادوا عن طريقي واختبئوا ~~مني. يا ولدي وصغيري، إن من لم يقع في زمانه في حالة كحالتي لا يعرف مبلغ الشقاء الذي ~~عانيته، وإن فرائصي كلها لترتعد الآن لمجرد ذكره. ماذا؟ هو ذا رجل باع نفسه من بني جنسه ~~فتنازل عن راحته ووقته وقواه ووقفها كلها عليهم، وصار يخدمهم بعينيه وكل نفسه مشاركا ~~لهم في السراء والضراء مدبرا لأقويائهم مساعدا لضعفائهم مرشدا لأولادهم معزيا ~~لمرضاهم، ومع كل ذلك يكون هذا جزاؤه من الله والناس. يا بني، لا أكتمك أن عقلي وايماني ~~قد اضطربا في ذلك الزمن الهائل، فصرت أخشى من النظر إلى السماء لئلا تبدر مني عاطفة أو ~~كلمة تورثني الندم في باقي حياتي. أما البشر فإذا وقع نظري على أحدهم اتفاقا فإنني كنت ~~أراه وحشا أسود ضاريا، ولولا بقية من روح سيدي في نفسي لهجمت عليه وعضضت عنقه لأمتص ~~دماءه انتقاما من الإنسانية. أواه يا بني صفحا عن هذه الأفكار الوحشية التي كانت ~~تتردد يومئذ في ذهني، فإنني أؤكد ms069 لك أنها لم تصحبني أكثر من أسبوع واحد، فإن الله لم ~~يتخل عني؛ لأنه كما قلت لك يكون دائما مع المظلومين المضطهدين في هذه الحياة، ولذلك ~~أرسل إلي رجلا أنساني كل مصائبي. # ففي ذلك العام يا بني هاجم إمبراطورنا مملكة الفرس؛ لاستخلاص الصليب المقدس منها، ~~وسحق قوتها لكي لا تعود إلى مهاجمتنا مرة أخرى. فوصل الجيش الإمبراطوري إلى بلادنا ~~الكلدانية ومر بها. ففي ذات يوم وأنا أبكي من ظلم الناس تحت شجرة في الحرش حيث كنت أنام ~~مع حيوانات البر وآكل من البلوط لسد جوعي، وإذا بفارس طلع علي ومعه شرذمة من الجند. ~~فخيل لي أنه قادم بأمر من الحكومة للتفتيش علي. فلما رأيته ثار دمي كله غضبا على ~~البشر الذين يطاردونني حتى في وسط الأحراش فهجمت عليه كالذئب الكاسر وأنا بحالة الجنون ~~أصيح وأزمجر بلا وعي. فأمر الفارس رجاله بالاحتيال للقبض علي من غير أذيتي؛ لأنه ظنني ~~مجنونا آوي إلى الأحراش، فتكاثروا علي وقيدوني وأنا أكاد أقتلهم وأقتل نفسي، ولكن ~~بعد برهة أخذ الفارس يلاطفني ويجاملني، وسألني عن خبري؛ فقصصت عليه قصتي من أولها إلى ~~آخرها وأنا أبكي. فما سمع شيئا منها حتى هجم علي فقطع وثاقي وصافحني وأقبل علي ~~يسألني التتمة، ومنذ هذه الساعة بدأت أصعد من الهاوية التي ألقاني البشر فيها. فإن هذا ~~الفارس كان قائد مائة وهو من هذه المدينة، وقد تطوع في الجيش لمقاتلة الفرس انتقاما ~~منهم؛ لأنهم حين استيلائهم على القدس وطنه قتلوا ابنه. فأخذني هذا الفارس وقدمني ~~للإمبراطور وقص عليه قصتي، فهز الإمبراطور رأسه وقال: هذا شأن السوريين فإنهم متى حكموا ~~في أنفسهم كانوا أقرب إلى الجور منهم إلى العدل؛ لكثرة تحاسدهم وتنافسهم، ولعدم وجود ~~جامعة قوية عادلة تساعد الجيد فيهم وتخذل الرديء. # فصحبت يا بني جيشنا في فتوحاته في بلاد الفرس جيراننا، ولم أكن راضيا عن هذه الحرب، ~~وإن كنا فيها مدافعين لا مهاجمين؛ لأنني أكره الحرب أيا كان سببها حتى مع المجوس، ذلك ~~لأن الدم الذي يسيل فيها يا بني هو ms070 دم بشري مقدس سواء كان صاحبه مسيحيا أو وثنيا ~~أبيض أو أسود يونانيا أو سوريا أو فارسيا، فإننا كلنا أخوة في الأرض، ومن الفظاعة ~~أن يقتل الأخ أخاه، إلا أنني لا أكتمك أنني كنت رغما عني مسرورا؛ لفرار كسرى أبرويز ~~من وجه إمبراطورنا من مدينة إلى مدينة حتى من عاصمته فرار العصفور من وجه النسر ~~* ذلك لأنني كنت أعلمه معتديا؛ لأنه هو الذي كان البادئ بمهاجمتنا، ومهما كان ~~الإنسان ميالا للسلم والصفح والحلم فإنه يطرب عندما يرى المعتدي مغلوبا مخذولا على ~~شرط أن لا يتجاوز الغالب حدود الدفاع، ويجعل نفسه عاديا ظالما. # ولما انتهت الحرب أتى بي ذلك الفارس الكريم إلى هذه المدينة، ووضع بين يدي مالا ~~طائلا، وابتاع مزرعة وراء هذا الجبل، وقال لي: اصنع فيها ما صنعته في مزارعك القديمة؛ ~~فأعدت في هذه المزرعة يا بني ما كنت أصنعه هناك تحت حماية هذا الشهم، فجمعنا فيها نحو ~~مائة عائلة كبارا وصغارا، وصرنا نعيش على زراعة الأرض بأمن وسلام، ولم يكن ينغص عيشي ~~شيء سوى تذكري الشقاء الذي حل بين أحبائي في بلادي بعد سقوطي ورحيلي عنها، ولذلك كنت ~~أرحل في كل سنتين مرة إليها وجيوبي مملوءة لمساعدة أبناء وطني، وأنا الآن أقيم تارة في ~~المزرعة هنا، وطورا في بلادي مسرورا بأن الله أوجد لي في آخر عمري عشا آوي إليه، ~~وأقدر على صنع الخير فيه بمساعدة إنسان فاضل يستحق أن يسمى إنسانا، ولقد سكنت نفسي ~~وهدأت بعد ذلك الاضطراب؛ فندمت على أنني أبغضت البشر يوما وعاديت أعدائي. يا بني، إن ~~القلوب الطيبة يجب أن لا تعرف العداء وأن تتركه للقلوب الرديئة، وعلى القلوب الطيبة أن ~~تصلي دائما إلى الله من أجل القلوب الرديئة؛ ليرحمها وينبذ الرداءة منها. # والحق أقول لك يا بني، إنني بعد أن شبت وأدبتني المصائب وعاشرت البشر زمنا طويلا، ~~علمني الاختبار أن الخير الذي كنت أطلبه متشعب الطرق صعب من عدة وجوه، ولذلك ندمت على ~~إطلاقي لنفسي العنان في مقاومة رؤسائي ورفاقي دون ترو ولا ms071 إمعان. نعم، يجب علينا ~~محاربة كل شيء في الأرض لصنع الخير وقتل الشر، ولكن يجب أن لا نتعامى عن المصاعب ~~والعثرات التي في طريق من نحاربهم، وأول هذه المصاعب شراهة نفوسهم التي تطلب كل شيء لها ~~تحت ستار الغيرية. نعم، إن هذا ليس بعذر مقبول، ولكن ما الحيلة بالنفس الصغيرة المقيدة ~~بأهوائها ولا تستطيع الانطلاق منها؟ لا حيلة في إطلاقها يا بني غير الصلاة إلى الله من ~~أجلها ليغسلها وينقبها ويطلقها، وثاني هذه المصاعب: رسوخ بعض المبادئ والآراء والأوهام ~~في نفوس العوام، ولذلك يضطر الرؤساء رغما عنهم إلى مداراتها ، وإذا لم يداروها لم ~~يعدموا من قومهم ومرءوسيهم من يقوم وينادي بكفرهم لخروجهم في زعمهم عن الشريعة الدينية؛ ~~لأن كل متعصب لرأيه لا يعدم أن يجد في من تحته أو فوقه من هو أكثر تعصبا منه، لا سيما ~~وأن المصالح والأهواء تتخذ في أكثر الاحيان هذه الأمور ذرائع تدعم نفسها بها. إذن فلنغض ~~الطرف قليلا يا بني عن تلك المداراة؛ لأن أصحابها قد يكونون معذورين فيها، وإذا لمناهم ~~فليكن لومنا لهم ببشاشة واعتدال وحلم؛ لأن تدبير النفوس وظيفة صعبة لا يعرفها إلا من ~~عاناها، ولو كان بعضهم يسمعني الآن معك لاستصفحت منهم عن الحدة التي ظهرت رغما عني في ~~بدء كلامي؛ لأنني كنت متحمسا لذكري مصائبي الماضية. # يا بني، لا تدع عقلك يضل كما ضل كثيرون من أبناء هذا العصر * لسآمتهم ~~الخلافات الدينية، فإن فوق هذه الخلافات كلها حقيقة يجب أن تكون أساس كل هيئة اجتماعية، ~~وهي أن الحقائق الدينية راسخة في الأرض إلى الأبد؛ لأنها عبارة عن نزوع الإنسان إلى ~~المنزل الأول ومصدره الأعلى، وأي شيء غير الدين يضع أسمى آيات الفلسفة والعلم والأدب في ~~أفواه وقلوب السذج والمساكين. أنت وأنا مثلا لا نسأل عن أديان البشر؛ لأن في باطننا ~~الديانة المطلقة النقية التي هي ديانة القلب ومحبة الله والناس والتسليم إليه تعالى في ~~كل شيء، ولكن هل يفهم العوام هذه الأمور؟ هذا أمر بعيد، ولكن مع ذلك علينا أن ms072 نحذر من ~~جعل هذا الأمر يولد داء قاتلا؛ فإن الظواهر الدينية التي يزين الدين الحقيقي بها ~~ليصير مفهوما من العوام لا يجب أن تكون مخنقا له، والجاني على الدين والإنسانية في ~~الأرض إنما هو ذلك الذي يوجد التضامن والتكافل بين تلك الظواهر، وما تحتها من البواطن ~~الصحيحة، وحينئذ لا يجب أن يلوم أحدا غير نفسه؛ لأن العقل إذا احترم الحقيقة فهيهات أن ~~يحترم لباسها. خصوصا إذا كان هذا اللباس مما يمنع وصول نور الحقيقة إلى الناس، ويكون ~~عثرة في سبيل خير الإنسانية واتفاقها وتقدمها. # لقد فرغت الآن يا بني ، وآن أن أريحك وأستريح من هذا الكلام الطويل، ولكنني إذا أعدت ~~في ذهني كل ما قلته لك أرى أن كلامي لا يزال ناقصا أمرا مهما لا يحسن أن يختتم ~~بدونه، وبعبارة أخرى أقول: إنه ناقص التاج الذي يجب أن يتوج به. أجل يا بني، إن أول ~~وآخر دعامة من دعائم الفلسفة والدين والفضيلة والأدب والحكمة هي هذا التاج البديع وهو ~~«الرفق والمحبة والصفح» للجميع. فديانة الرفق والمحبة: هذه هي الديانة التي سيجتمع ~~عليها البشر في مستقبل الزمان. الرفق والمحبة لجميع مخلوقات الله حتى الحيوانات. الرفق ~~والمحبة لجميع البشر حتى الوثنيين والأردياء والأشرار واللصوص في السجون؛ لأنه إذا كان ~~يجب علينا احتقار ضلالهم وشرورهم فيجب علينا أيضا محبة الإنسانية فيهم والشفقة عليهم. ~~يا بني، أذكر أن سيدنا غسل ليلة تسليمه للصلب قدمي يهوذا الذي أسلمه مع معرفته أنه عدوه ~~ومسلمه وجاحده. أذكر أنه قال للذين جاءوا إليه بالخاطئة: «من كان منكم بلا خطيئة ~~فليرمها بحجر»، وبعد هذه الذكرى أخبرني إذا كنت تجد في العالم أحدا يسمح لك قلبك ~~بإخراجه من ناموس الرفق والمحبة. # فيا ولدي العزيز، ضع هذا الناموس نصب عينيك. احي فيه ومن أجله. اجعله القاعدة الكبرى ~~لأعمالك وأفكارك. اعتبر كل تعاليم تخالفه تعاليم باطلة أيا كان مصدرها، واعلم أنه ليس ~~في الهيئة الاجتماعية كلها شيء أرقى وأعظم منه، وإذا سلكت طريقه في حياتك كلها أمكنك أن ~~تموت في آخر العمر ms073 موتا هنيئا هادئا؛ لأنك تكون قد قمت بواجباتك للإنسانية في هذه ~~الحياة، وعشت إنسانا كريما محبا ومحبوبا. # يا صديقي وأخي الصغير، هذا ما أردت إطلاعك عليه من تاريخ حياتي لعلك تجد فيه فائدة ~~لنفسك. فاختر الآن ما يحلو لك، واعلم أن أبواب مزرعتنا مفتوحة لشاب عامل نشيط مثلك إذا ~~كنت تشرفنا بالانضمام إلينا. # طلوع الشمس # وهنا سكت الراهب الشيخ بعد كلامه الطويل، وكان قد طلع الصباح وفر جيش الظلام، ومن ~~غرائب الاتفاق أن الشمس أطلعت قرنها في هذه اللحظة حين سكوت الراهب. فوثب الراهب وقال: ~~هلم هلم نشهد طلوع الشمس. تبارك الخالق تبارك الخالق. فنهض الفتى إيليا لنهوض الشيخ وهو ~~مبهوت مذهول، ولكن إيليا بعد نهوضه لا ينظر إلى الشمس بل إلى الفضاء وهو مبهوت جامد ~~النظر كمن لا ينظر إلى شيء، وفي الواقع أنه كان ينظر إلى داخله لا إلى خارجه؛ ذلك لأنه ~~كان ينظر إلى الشمس الأدبية الجديدة التي أطلعها الراهب الشيخ بخطبته هذه في داخل نفسه، ~~وكان يخيل له بعد كل ما سمعه أنه في حلم لا في يقظة، فإن عالما جديدا انفتح أمام ~~عينيه، واتسعت دائرة فكره اتساعا لا حد له، وفي هذه البرهة بلغ التأثر من الراهب مبلغه ~~لدى منظر قرص الشمس البارز للخليقة يحييها بنوره وحرارته المنعشة. فجثا على الأرض ~~جارا الفتى معه أيضا، وبعد أن سجد وقبل الثرى رفع يديه إلى السماء صائحا من أعماق ~~قلبه: اللهم شكرا للنور بعد الظلام. اللهم شكرا للحرارة بعد البرد. اللهم شكرا ~~لعنايتك الكاملة الكريمة التي ترسل نعمها وخيراتها إلى الصالحين والأشرار معا لتعلم ~~الإنسان الاقتداء بها. أما الفتى إيليا فقد رفع يديه إلى السماء كما رفعهما الشيخ، ~~واشترك في هذه الصلاة، ولكنه لم يكن حينئذ يصلي شكرا للشمس الطبيعية التي كان قرصها ~~الجميل أمامه؛ بل كان يصلي شكرا للشمس التي طلعت في باطنه، وهكذا كان ذلك المنظر في ~~غاية البهاء والجلال. فإنه كان على قمة جبل الزيتون في صبيحة ذلك اليوم شيخ هادئ مطمئن ~~في آخر ms074 العمر يشكر الله؛ لأنه يدفئ شيخوخته الباردة بوافر نعمه، وفتى في أول عمره قلقا ~~مضطربا يشكر الله؛ لأنه أنار نفسه، وأراه طريقه في أول حياته. # فيا أيها الفكر الحر المطلق الذي يقوده العلم، وتسنده الفضيلة، إنك كالطبيعة العظيمة ~~تخلق نورا وتطلع شموسا. # المزرعة # وفي مساء ذلك اليوم نظر الراهب ميخائيل سائرا بالفتى إيليا إلى المزرعة التي ذكرها، ~~وكانت قائمة وراء جبل الزيتون على مسافة بعيدة عدة أميال فرحب صاحب المزرعة الشيخ ~~سليمان بالفتى لما توسمه في وجهه من الذكاء والنباهة، واستقبله كما يستقبل ابنا له، ~~وأخبره أنه سيكون وارث الراهب ميخائيل في «أورشليم الجديدة» أي في مزرعته، وبما أن ~~الرجل كان يعلم أن الزراعة لا تترقى إلا بالاختبارت الزراعية والدروس الطبيعية جاءه ~~بكتب بلينيوس العالم الطبيعي الروماني؛ ليستخرج منها كل ما يختص بالشئون النباتية والزراعية # 19 # فأكب إيليا على درس هذه الكتب، ثم استطرد منها إلى مؤلفات أرسطو في الطبيعة ~~وفي النفس. فكان هو يفتكر ويدرس ويطالع لأهل المزرعة، وأهل المزرعة يعملون بأيديهم ~~بجد ونشاط، فكملت بذلك الحركة التي يخرج منها الارتقاء والمدنية وهي «الفكر والعمل». # 20 # وكأن المصائب التي وقع فيها الراهب ميخائيل في كهولته قصرت أجله مع قوة بنيته، فبعد ~~بضعة أعوام رزح وعجز عن العمل والمشي، فلما رأى صاحب المزرعة ذلك هز رأسه وقال: قد دنا ~~أجل أخينا ميخائيل. ثم أردف ذلك بقوله: إن هذا الرجل قديس فإنه لم يمت حتى جاءنا بشخص ~~نافع مثله يقوم مقامه. - ثم قصد الرجل إيليا وقال له قارعا ظهره بيده: تأهب يا بني ~~لخلافة أخينا ميخائيل فإنك ستكون كاهننا دينا وعلما أي مرشد معاولنا ونفوسنا ~~معا. # وفي الواقع توفي الراهب ميخائيل بعد خمسة أيام فحزنت عليه المزرعة كلها، وكان إيليا ~~تلميذه أشدهم حزنا وبكاء، وقد اجتمع رأيهم على دفنه في وسط المزرعة بين الحقول ~~والأشجار فأقاموا له هناك قبرا بسيطا، وكان إيليا في كل صباح يأتي بشيء من الزهر ~~الطيب الرائحة وينثره عليه باحترام وخشوع، ويقبل بلاط القبر بدموع، وقد نقش ms075 إيليا على ~~قبره أستاذه الراهب الشيخ هذه الكلمات: «السلام على رسول الرفق والخير، وحبيب الله ~~والناس». # وقد فاتنا أن نقول: إن أم إيليا توفيت في ذات العام الذي دخل فيه ابنها إلى المزرعة ~~فدفنت في مقبرتها، ولكن حزن إيليا على الراهب مرشده لم يكن بأخف من حزنه على أمه ~~الحنون. # وبعد وفاة الراهب ميخائيل رفض الشيخ سليمان قطعيا إدخال أحد من رجال الدين إلى ~~المزرعة؛ لأنه لم يجد راهبا فاضلا كالأخ ميخائيل ليسلمه المزرعة ونفوس أهلها. إلا أن ~~أكثر أهل المزرعة استاءوا من ذلك وخصوصا النساء، فكان الشيخ سليمان يقول لهم : لكي يكون ~~الكاهن فاضلا، ويستطيع القيام بواجباته يجب أمران؛ الأول: ضمانة رزقه وحسن معيشته، ~~والثاني: حسن أخلاقه وكمال استعداده النفسي؛ ليتخذ وظيفته سبيلا لنفع غيره لا نفع ~~نفسه، ولا يفسد السلك الإكليريكي في بلاد إلا بفساد هذين الشرطين. فنحن نقدر على ضمانة ~~الأول ولكن من يضمن لنا الثاني. فلديكم يا أولادي التوراة والإنجيل، ولكم عقول خلقها ~~الله لتعقل فاقرءوا كتبكم في اجتماعاتكم، وطهروا قلوبكم، وأحسنوا صنعكم فالله يقبل منكم ~~هذه العبادة؛ لأن كل إنسان يمكنه أن يكون كاهن نفسه طبقا لدعوة الإنجيل، ولكن أهل ~~المزرعة كانوا يسكتونه بهذا الجواب: وما الحيلة بالعماد والإكليل والوفاة. # وفي ذات اليوم ألحوا عليه في ذلك بالتماس ورجاء، فقال الشيخ سليمان في نفسه: لماذا لا ~~نسيم لهم إيليا كاهنا؛ فإنه جامع للشرطين المتقدمين. # وكان إيليا لا يزال مشتغلا بخدمة المزرعة بعقله ويده إلا أن همته كانت قد ضعفت ~~كثيرا. ففي ذات يوم قصده الشيخ سليمان في حرش من الصنوبر في المزرعة، وأخبره بإلحاح ~~أهل المزرعة في شأن الكاهن، وأنه يود لو يقبل هذه الوظيفة. فدهش إيليا أولا. ثم أجاب ~~بما خلاصته: كانت لي في صباي هذه الأحلام الجميلة. أما الآن فقد تغير فكري. نعم، إنني ~~لا «أطفئ شمعة من الشموع الموقدة، ولا أرفع إكليلا من الأكاليل» كما علمني أستاذي ~~الراهب ميخائيل، إلا أن نفسي صارت تطلب شيئا فوق هذا، وهي إذا جثت مع جمهور ms076 الجاثين ~~على تراب الخضوع للمواثيق البشرية والعادات الأرضية فإن روحها ترفرف فوق الجموع الجاثية ~~- في أعالي لا تصل هذه الجموع إليها. # فترك الشيخ سليمان إيليا بعد هذا الجواب، ولم يعد يخاطبه بهذا الشأن، ولا بحث فيه مع ~~أنه كان في نزاع دائم مع بعض الكهنة الذين كانوا يرومون الدخول إلى المزرعة رغما عنه، ~~وفي جملتهم أخو سكرتير البطريرك الراهب متى. # ولكن ما هذه الأعالي التي ذكرها إيليا في جوابه، وكانت سببا في رفضه أن يكون كاهنا ~~للمزرعة؟ هي السم الجديد الذي دخل إلى نفسه بعد خطبة أستاذه الراهب ميخائيل على الجبل ، ~~واطلاعه على كتب أرسطو وأفلاطون وبلينيوس، هو الإنسانية الجديدة التي تكونت في باطنه ~~بعد أن رفع الغطاء عن عينيه في هذه المطالعات المختلفة، وهذا هو السبب في الضعف الذي ~~حدث في نفسه بعد بضعة أعوام من دخوله إلى المزرعة، وانكبابه على هذه المطالعة. فإنه صار ~~أميل إلى الانفراد منه إلى الاجتماع، ولم يعد يلذ له مرافقة الفلاحين في حقولهم ~~ومساعدتهم على حرثها؛ بل كان يلذ له بالأكثر الاستلقاء بكسل على ظهره تحت شجرة والتأمل ~~في الفضاء الذي أمامه، وقلما كان يرى ضاحكا في هذا الطور بعد أن كان عصفور المزرعة ~~وابتسامتها. أما صحته فتبعت أفكاره أيضا. فإنه صار نحيلا أصفر الوجه قليل الكلام كثير ~~الضجر، فكأن النار التي كانت تتقد في نفسه لمصارعته مع مبدأ الكمال الخيالي والحقيقة ~~المحجبة قد جففت ما كان فيها من ماء القوة والعافية، وهكذا تغير إيليا في بضع سنوات ~~تغيرا كليا. # وكان كثيرا ما يقول في نفسه وهو سائر بين الحقول وأشجار المزرعة: ما هذه الحياة ~~الباردة والوجود المضجر؟ لماذا خلق الإنسان في الأرض؟ وما هي الحكمة من خلقه جاهلا ~~قاصرا محدود العقل كما هو الآن؟ إنني لما جئت من الناصرة إلى المدينة لأدخل في الخدمة ~~الدينية كنت أسعد مني الآن؛ لأنني كنت قادما وأنا معتقد أنني سأقبض بيدي على الحقيقة ~~والراحة والسعادة، ولكن الخطبة على الجبل غيرت فكري. فطلبت بعدها الحقيقة والراحة في ms077 ~~العمل والكتب، وها قد مر علي بضع سنوات، وكلما تقدمت ازدادت الحقيقة بعدا عني ~~وازددت بعدا عنها، ولقد صرت أرى كل شيء في الحياة أسود ثقيلا باردا. فالبشر ~~بأجسادهم الضخمة الغليظة وعقولهم الجامدة وقلوبهم القاسية وأفواههم وأجوافهم المملوءة ~~أقذارا مختلفة لا يختلفون كثيرا عن وحوش البرية، وكل ما في الأرض من مناظر طبيعية ~~وألوان مختلفة وأشكال منتظمة لا يساوي جماله جمال حلم واحد من الأحلام الوهمية. نعم، لا ~~أنكر جمال صنع الخير كما وصفه أستاذي الراهب، ولكن ماذا يقدر شاب ضعيف مثلي في وسط ~~أوقيانوس العالم المضطرب. هو ذا أننا نصنع الخير الآن في هذه المزرعة وكل أهلها آمنون ~~على رزقهم وراحتهم، ولكن ألا يوجد بشر أشقياء تعساء خارج المزرعة؟ لا ريب في ذلك؛ لأن ~~الأرض كلها خارج هذه الدائرة في شقاء وعذاب ونزاع وخصام. فماذا تنفع حياتنا إذا كانت ~~عاجزة عن إبطال كل ذلك، وما قيمة المعيشة التي يتنعم فيها عشرة ويشقى ألوف. حقا إن ~~الحياة لا تسوى ما فيها من الهم والعناء والتعب، والسعداء أنفسهم لا يجدون فيها ما يروي ~~غليلهم ويشفي نفوسهم. فالموت خير منها؛ لأنه راحة الراحات. # وهكذا تدرج إيليا في دركات الملل واليأس في مدة قصيرة، وصار يرى الخدمة الروحية ~~والعملية عبثا ولغوا؛ لأن الفائدة التي تخرج منهما لا تساوي القوة التي تبذل فيهما، ~~ولو كان غيره في مكانه لأفضى به هذا الأمر إلى تنبيه أنانيته، وأدى به إلى الاقتصار بعد ~~ذلك على خدمة مصلحته الخصوصية ما دام لا شيء في الحياة يستحق أن يضحى له شيء من الذات، ~~ولكن من احتقر الحياة والدنيا بنفس كنفس إيليا فإنه يبدأ باحتقار المصلحة الخصوصية قبل ~~المصلحة العمومية. # ولذلك كان الشيخ سليمان كلما شاهد إيليا بحالة التأمل والانقباض بعد نشاطه السابق ~~يقول مع باقي أهل المزرعة: ماذا أصاب صديقنا إيليا. # وا أسفاه إن إيليا كان مريضا مرضا روحيا. إن إيليا كان ينقصه الزحام والعراك في ~~الحياة؛ لتتنبه همته بالمقاومة، وتشتغل بتنازع البقاء والحركة إلى العلاء بدل الاشتغال ~~في ms078 نفسها بنفسها. إن إيليا كان ينقصه الغذاء القلبي الذي يريه محاسن الحياة ويزينها له. ~~كان ينقصه ابتسامات كابتسامات الفتاة اليهودية التي رآها على طريق يافا منذ سنوات، ~~وكانت صورتها تتردد عليه في أحلامه المضطربة. ~~••• # هذا هو تاريخ حياة إيليا قبل أن عرفناه، وهكذا كانت حالة نفسه لما لقيناه في بيت لحم ~~ليلة أمس. فلنعد الآن إليه بعد مفارقته أرميا وتيوفانا أمام دير العذراء. # الفصل التاسع # | عقل الشيخ ينبه ضمير الشاب # عود إلى أستير # وانحدر إيليا من أمام دير العذراء نحو المزرعة، وهو يتفكر بثلاثة أمور: الأول: حصر العرب ~~مدينة القدس، والثاني : سجن أستير في الدير، والثالث: ما وجده من رقة البطريرك وعقله خلافا ~~لما كان يعتقده. # ولا ريب أن إيليا كان شديد الاهتمام بحصر العرب مدينة القدس، ولكنه كان قد ألف انكسارات ~~قومه أمام جيوشهم، وكعارف للداء الذي كان يودي بالمملكة لم يكن يدهش منه كثيرا فضلا عن أن ~~تعدد حروب الفرس قبل ذلك عود الناس اعتبار الحرب أمرا مألوفا فيوم معهم ويوم عليهم، ~~ولذلك كان كل اشتغال إيليا بحبيبته أستير المسجونة التي جاءته وهو في ضجر من الحياة لتلقي ~~في نفسه شيئا من شعاع الأمل والسرور. # ولما وصل إيليا إلى المزرعة هرعت إليه كلابها تهز أذنابها، وكانت المزرعة منبسطة في سفح ~~الجبل بين آكام وسهول على مسافة عدة أميال، وكان فيها الكرمة والتين والزيتون والحبوب ~~والبقول المختلفة، ويظهر لكل من تأمل الأرض الجبلية القاحلة الجافة في النواحي أن صاحب ~~المزرعة قد أتى ضروب المعجزات؛ ليجعل تلك الأرض صالحة للزراعة. # وكان أهل المزرعة في ذلك اليوم في زينة وابتهاج؛ لأنه يوم عيد الميلاد كما تقدم، فحيا ~~إيليا الذين وجدهم في طريقه منهم، وعايدهم، ثم دخل. # ولما وقع نظر الشيخ سليمان على وجه إيليا من بعيد صاح به: أهلا وسهلا بمعلمنا حاج بيت ~~لحم. إنني أرى في وجهك شيئا جديدا. # فأجاب إيليا: نعم يا أبت، فقد وصل العرب إلى المدينة. # فعبس الشيخ سليمان، وقال: كنت أنتظر هذا الأمر بعد فتح دمشق ms079 فليكن الله معنا، وإلا ذهبت ~~مملكتنا بسوء تدبير رجالنا، ثم ابتسم الشيخ قليلا متناسيا ذلك الحديث المزعج، وقال: إلا ~~أنني لا أظن هذا سبب خفة حركاتك، وبرق عينيك في هذا الصباح، فإنك ذهبت كسولا فاترا ضعيفا ~~حسب عادتك في المدة الأخيرة وعدت نشيطا فائرا قويا، فأخبرني ماذا جرى لك. # فابتسم إيليا ابتسامة معناها أنت مصيب في ظنك، ثم أخذ يد الشيخ ودخل به إلى منزله، وجلس ~~يقص عليه كل ما جرى له. # وكان الشيخ سليمان في سن الستين تقريبا بلحية بيضاء منتشرة على صدره الواسع، وجسمه ~~الكبير الظاهر عليه لوائح القوة والصحة يحمل رأسا كبيرا فيه عينان كبيرتان كسرت السنون ~~حدتهما، وكان لون وجهه الأسمر الذي لفحه حر الشمس والقوة التي تبدو منه مع شيخوخته في كل ~~حركة من حركاته يدلان على أن هذا الرجل قد عارك الدهر في حياته عراكا شديدا. # ولما كان الشيخ يسمع قصة إيليا من حين قبض عليه العامة في بيت لحم إلى مفارقته تيوفانا ~~أمام الدير كان تارة يضحك وطورا يعبس وآونة يقوم ويقعد، ولما استوفى إيليا قصته بهت الشيخ ~~وبقي مبهوتا، وكان إيليا يقرأ حينئذ في هيئته وعينيه دلائل التأثر الشديد، ويرى في نظره ~~بروقا ورعودا، وبعد برهة وثب الشيخ سليمان، وصار يتمشى بغضب في الغرقة. ثم صاح على حين ~~بغتة: يا ولدي إيليا، لقد أخطأت خطأ عظيما. # فدهش إيليا وأجاب: وما ذنبي، فإنني بذلت جهدي لإقناع البطريرك بإطلاق سراح الفتاة فرفض ~~ذلك؛ لأن الشعب كان يطلب تعميدها. # فهز الشيخ سليمان رأسه وصاح: هذه إحدى آفاتنا يا ولدي. الشعب الشعب الشعب. إنهم يأتون كل ~~ضروب الظلم والاضطهاد والرياء بحجة الشعب، كما كان يقول أخونا ميخائيل، فإذا رام أحد فهم ~~أصول دينه بعقله لا بعقل غيره # 1 # صاحوا عليه صياحا شديدا خوفا على ايمان الشعب. إذا اعترض أحد على الجزئيات ~~الدينية التي ليست في شيء من جوهر الدين أقاموا القيامة عليه بحجة لزوم ذلك للشعب. إذا أثنى ~~أحد على دين غير ديننا قاموا وقعدوا بحجة ms080 أن ذلك يضعضع إيمان الشعب. إذا وقع في يدنا مثلا ~~فتاة ضعيفة وطلب الشعب تعميدها رغما عنها جاروه على هواه وأهانوا الإنسانية في تلك الفتاة ~~إرضاء للشعب، وعلى هذا القياس يا ولدي تؤتى ضروب الظلم والافتئات والشرور والفساد صيانة ~~لأوهام الشعب، ويكون أجهل رجل في الشعب أقدر من رئيسه وأقوى سلطة منه في كرسيه؛ لأنه يحرك ~~الشعب عليه كلما رام تحريكه، وهكذا يكون الشعب محسوبا عندهم عبارة عن ولد جاهل أبله يدرءون ~~جهله وشهواته وأوهامه، ولو أدى ذلك إلى الشر والفساد، وخنق كل ذكاء ونباهة وإصلاح في الأمة، ~~ومن هذا الضلال والضعف يا بني يخرج التأخر للأمم؛ لأنك لم تنس أن الرهبان في مملكتنا كانوا ~~في أكثر الأحيان أقوى من رؤسائهم؛ لتحريكهم الشعب عليهم * وكم حالوا دون إصلاحات ~~مهمة بهذا السبب الصغير. # 2 ~~* # ثم سكت الشيخ. فقال إيليا بعد أن تأمل قليلا: ولكن ماذا كنت تريد أن يصنع البطريرك يا ~~أبت؟ فهنا لطم الشيخ الجدار بقبضته لطمة شديدة وصاح: كنت أريد أن يكون رئيس الشعب لا ~~مرءوسه. قائده لا تابعه. فإننا نريد رؤساء يواجهون الشر والفساد وجها لوجه بلا خوف ولا ~~رياء، ويضربونه ضربة قاتلة بدل ستره وإخفائه جبنا وضعفا. إننا نريد رؤساء يربون الشعب ~~تربية جديدة أساسها العدل والحق والصدق ومكافأة أصحاب الكفاءة الشخصية؛ لكي يتقدم القادرون ~~العادلون الصادقون النافعون، وينزوي العاجزون والمتزلفون، ولا تقل: إن الشعب يسخط ويغضب من ~~الضغط عليه، فإن هذا ليس بضغط؛ بل هو تدريب وتربية، وإذا كان الطفل يغضب من أبويه لتأديبهما ~~إياه في صغره فإنه متى كبر وصار رجلا عاقلا يجثو باحترام أمام أبويه شكرا لهما؛ لأنهما ~~درباه على الرجولية ولم يتركاه طفلا جاهلا. فلو كنت مكان البطريرك لقاومت العامة وفحصت ~~أمر الشيخ والفتاة. فإذا وجدته جاسوسا عاقبته وأطلقت فتاته، وإذا وجدته بريئا أطلقتهما ~~معا انتصارا للعدالة والحق ولو قامت علي الدنيا كلها؛ إذ بدون هذا لا يتم إصلاح في ~~الأمة. # وكان الشيخ سليمان قد تحمس عند هذا الكلام تحمسا شديدا. فسكت هنيهة. ms081 ثم صاح ثانية: وهل ~~تظن يا إيليا أنك غير مشترك في الذنب الذي حصل. ألا تعلم أن شاهد الشر شريك فيه إذا لم يبذل ~~جهده لإزالته. فهل صنعت حتى الآن شيئا لإخراج الفتاة من سجنها حيث تتعذب عذابا شديدا. يا ~~أيها الشاب، إن ضميرا بشريا يتألم الآن في دير العذراء؛ لأنهم يضغطون عليه. إن نفسا ~~بشرية تطلب الآن الموت ولا تجده فرارا من تغيير معتقدها المجبول بلحمها وعظامها. إن صوتا ~~يستغيث الآن بالله ولا مغيث له، وأنت من أسباب هذا كله. فضع نفسك يا إيليا مكان هذه النفس؛ ~~افترض أن اليهود سجنوك في هيكل لهم ليجبروك على جحود دينك ومسيحك، ويعلموك أن مبادئ المشنا ~~والتلمود والتوراة أسمى من مبادئ الإنجيل؛ لأنها مصدره، ويكرهوك على ترك المبدأ السامي ~~الذي تتمسك وتحيا به نفسك. فماذا كنت تصنع؟ أما كنت تقتل نفسك أو تقتل سجانك إذا لم تجد في ~~وجهك غير هذا الوجه؟ وإذا سمعت أن أحدا هجم على الهيكل لإنقاذك ألا تراه عادلا ذا حق ~~بذلك، بل من واجباته ذلك؛ لأنه يرفع الاضطهاد عن ضمير بشري. # وكان الشيخ يتكلم وإيليا ينتفض من التأثر. فلما أتى الشيخ على كلامه ضاق الشاب ذرعا، ~~وكاد يخنقه غيظه وانفعاله، فوثب وخرج من الغرفة كالسهم المارق. ثم اتجه نحو باب المزرعة، ~~وخرج منه عائدا إلى جبل الزيتون، وهو شارد الفكر لا يعي على شيء، ويظهر أن ضميره انتبه بعد ~~كلام الشيخ انتباها شديدا، ولذلك كان يعض أصابعه وهو سائر في طريقه ندما على أنه لم يأخذ ~~على البطريرك عهدا أن يوصي الراهبات بأن لا يتعرضن لمعتقد الفتاة. # وهكذا بقي إيليا في ذلك النهار يتيه في جبل الزيتون من مكان إلى مكان حائما حول الدير ~~ومستنقطا نوافذه وجدرانه طالبا أرميا؛ ليسأله ماذا صنع؟ متسائلا ماذا يصنع؟ ولما خيم ~~الظلام اشتد وخز ضميره وجزعه لعناء حبيبته وخيل له أنه يسمع بكاءها وصوتها يستغيث على ما ~~ذكرته له تيوفانا. فجلس الشاب في الظلام والبرد الشديد على أكمة تجاه الدير، ولبث ms082 هناك ~~شاخصا في نوافذه المشرفة على الحديقة، ولكنه قبيل منتصف الليل بعد التفكير طويلا نهض على ~~حين بغتة، وتسلل نحو الدير، فتسلق جدار الحديقة، وهبط إلى الداخل، ونفسه في أشد حالات ~~الاضطراب والانفعال. # الفصل العاشر # | أنا أعرف الله # وفي تلك الدقيقة برز القمر من وراء الأفق يعمم نوره الأبيض اللطيف سطوح الدير، فاستاء ~~إيليا من ذلك؛ لأن النور فضاح. إلا أنه رأى في ظل الأشجار التي كانت مغروسة بجانب نوافذ ~~الدير في الحديقة مخبأ حسنا. # فانسل إيليا نحو تلك الأشجار، وأخذ يصغي بكل جوانحه لعله يسمع شيئا في داخل الدير. فلم ~~تمض عليه دقيقة حتى ارتعدت فرائصه لأصوات هائلة بعيدة كانت واردة من جهة المدينة. فخشي أن ~~يكون العرب هاجمين حينئذ على الدير، ولكن الحقيقة كانت أن جيشا ثانيا وصل إلى المدينة بعد ~~الجيش الأول، وكان صراخه هذا لإرهاب أهل المدينة كما أوصاه أبو عبيدة. # وبعد انقضاء دقيقة أخرى لم يسمع إيليا في أثنائها شيئا انتقل متسللا متنصتا كلصوص ~~الليل من نافذة إلى نافذة، وكانت كل النوافذ مغلقة لفصل الشتاء، وما زال سائرا حتى وصل إلى ~~آخر نافذة فسمع فيها صوتا ضعيفا كزفير وبكاء. # فهنا جمد إيليا في مكانه، وصار كله آذانا تصغي. فبعد حين سمع في الغرفة بابا يفتح وصوت ~~أقدام. ثم سمع قائلا يقول باللغة اليونانية: - يا أختي المحبوبة، خففي عنك فقد أزعجت ضميري ~~ببكائك وجزعك، ولذلك لم أقدر على الرقاد حتى الآن، فبحياة أهلك إذا كان لك أهل، ووطنك إذا ~~كان لك وطن أن تريحي نفسك وتريحينا. انظري إننا هنا كلنا أخواتك، وكل ما تحتاجين إليه يقضى ~~في الحال؛ فتعيشين معنا بهناء وسرور لا ينقصك شيء ولا يزعجك شيء، ولا نطلب منك في مقابل ~~ذلك إلا شيئا واحدا. # ثم سكت الصوت فلم يجاوبه أحد بل اشتد صوت الزفير قليلا. فاستأنف ذلك الصوت الكلام قائلا ~~- ما بالك لا تجاوبين يا أختي، إننا لم نطلب منك إلا ما فيه خلاص نفسك، وهل مثلك تدنس نفسها ~~بعبادة باكوس وجوبيتير وجينون ms083 وتترك الإله الواحد الذي لا إله إلا هو، ألا تخجلين يا أختي ~~من عبادة الأصنام والتماثيل الحجرية التي يكسرها أضعف إنسان بيده. # ولكن هذا الصوت لم يأت على هذا الكلام حتى أجاب صوت آخر صارخا بحدة وبكاء: - أنا أعرف ~~الله أكثر منكم. # فصاح الصوت الأول بابتهاج قائلا - شكرا لله شكرا لله. فلقد أنار عقلك، وياما أحيلى اسم ~~«الله» في شفتيك يا أختي المحبوبة، الآن أرحت بالي، وعلمت أن النور قد بدأ يدخل إلى نفسك، ~~ولكن من أي ساعة بدأت تعرفين الله يا أختي المحبوبة؟ # فأجاب أيضا الصوت الثاني بنزق وحدة وبكاء - عرفته منذ ولادتي. فهو إلهي وإله آبائي ~~وأجدادي. هو الذي أخرجنا من مصر، ووهبنا هذه الأرض أرض الميعاد، وحمانا في خلال القرون ~~والأجيال، ولولانا لما عرفتموه، وهو لم يسمح لكم أن تستولوا على هذه الأرض حينا إلا عقابا ~~لنا كما سمح بذلك للبابليين من قبل، ولكن كما حدث للبابليين سيحدث لكم أيضا فيعيد إلينا ~~إلهنا مملكتنا، ويخذل أعداءنا. # وكان إيليا يصغي إلى المتخاطبتين بانتباه شديد؛ لأنه من بدء الحديث فهم أن الصوت الأول ~~صوت إحدى الراهبات ولعلها الرئيسة، والصوت الثاني صوت أستير حبيبته. فازداد قلبه نبضا ~~للجرأة والتهور اللذين ظهرا من الفتاة، وقال في نفسه: إنها لو فاهت بهذا الكلام أمام أحد من ~~العامة لما بقيت حية زمنا طويلا. # أما الراهبة فإنها لما علمت أن الفتاة لم تكن وثنية بل إسرائيلية قالت بلطف مساو للطفها ~~الأول - يا أختي سواء كنت يهودية أم وثنية فإن ضميري يوجب علي أن أسعى لهدايتك، ولكن ~~لماذا لم تخبرينا من قبل بذلك؟ إنني الآن عرفت سبب إغمائك حينما وقع نظرك في الصباح على ~~صليب المخلص في الكنيسة. فيا بنية ارقدي الليلة بهدوء وسلام، وغدا سنتباحث في شأنك. ~~ألا تريدين أن تأكلي شيئا فإنك لا تزالين صائمة منذ الصباح؟ # فبكت الفتاة وصاحت: لا أنام ولا آكل قبل أن ترفعوا هذا من هنا فإنه لا يدعني أستريح ~~أبدا. # ثم أشارت بيدها إلى زاوية فيها صليب صغير ms084 عليه السيد المسيح مصلوب، وذلك دون أن تنظر ~~نحوها. # فلما سمعت الراهبة ذلك حمقت، وكادت تستشيط غضبا لهذا الكلام الذي جرح صميم قلبها، ولكنها ~~كانت طويلة البال كثيرة الحلم فأجابت وقلبها يقطر دما من كلام الفتاة - يا أختي، هذا البيت ~~بيتنا، ونظامنا أن نضع في كل غرفة فيه صليب مخلصنا، فلا تتحكمي فينا في بيتنا، لماذا تغلقين ~~قلبك إلى هذا الحد يا بنية. انظري إلى المصلوب فهو يمد يديه نحوك. انظري ألا يخيل لك أنه ~~يبتسم استقبالا لك. إنه حنون صفوح فلا تخافي أن يذكر لك جناية آبائك. اسمعي اسمعي. فإنه ~~يخاطبك بلساني قائلا: إذا كان التبن الذي يذر في الريح العاصفة يعود ويجتمع فمملكتك ~~تعود وتجتمع. لقد تشتتت أورشليم القديمة، وقامت مكانها بأمر الله يا أختي أورشليم الجديدة، ~~ونحن بنات إسرائيل الجديد نستقبل فيك الآن بنت إسرائيل القديم. فيا له من يوم جميل يوم تضعن ~~أيديكن بأيدينا لنمجد كلنا معا أختنا الأم العذراء التي اختارها الله ونفخ روحه في ~~أحشائها. نامي نامي يا بنية هذه الليلة على تذكار هذه الآمال الجميلة، وغدا سنتباحث مليا ~~في أمرك، وليكن الله معك. # وهنا انقطع الصوت وسمع صوت الباب يغلق، ولكن ما أغلق الباب حتى علا صوت الفتاة بالنحيب ~~والزفير، وقد اشتد جزعها حينئذ؛ لأنها صار يخيل لها أن تينك اليدين الكريمتين الممدوتين ~~اللتين ذكرتهما الراهبة إنما هما ممدوتان إليها. فكادت تجن من الخوف. فقصدت النافذة وهي ~~تبكي وتطلب منفذا لخوفها وفتحتها بعنف؛ فلطمت النافذة رأس إيليا فأدمته، ولكن إيليا لم ~~يبال حينئذ برأسه الدامي؛ بل دنا من النافذة وقلبه يخفق خفقانا شديدا، وقال باللغة ~~العبرانية همسا - أنا آت من قبل أبيك أيتها السيدة. # وقد نطق إيليا بالعبرانية، وذكر للفتاة أباها؛ لكي يطمئن قلبها عند سماع كلامه، ولا ~~يهولها منظره في ذلك الليل على حين فجأة. # فلما سمعت أستير لغتها واسم أبيها تركت البكاء بالحال وأصغت. ثم دنت من النافذة وقلبها ~~يخفق خفقانا شديدا فوقع نظرها على إيليا؛ فعرفته من أول نظرة. فدنا ms085 إيليا وقلبه يكاد يفجر ~~صدره من شدة خفقانه، وهمس قائلا - أيتها السيدة. أنا منتظر هنا، فبعد ساعتين ينام الجميع، ~~فاخرجي بتأن من باب الحديقة أو من إحدى النوافذ. # فهنا تنفست أستير الصعداء؛ لتحققها الخلاص من أسرها والانضمام إلى أبيها، ولم تعد تخشى من ~~اليدين الممدوتين لعلمها أن رجلا بجانبها. فبعد ساعتين تقريبا قرعت على النافذة مرتين ~~دلالة على استعدادها للخروج، ثم خرجت تتسلل كأنها طيف، وبعد خمس دقائق ظهر شبحها في ~~الحديقة. # فهرع إيليا حينئذ مضطربا ومسرورا معا. فقال لها: اتبعيني، ثم اتجه نحو جدار الحديقة. ~~فلما وصل إليه خالج ذهنه وذهن أستير فكر واحد: وهو كيف تتسلق أستير ذلك الجدار. فارتعدت ~~لهذا الفكر فرائص الفتاة وبقي الفتى مبهوتا. ذلك أن أستير لا يمكنها تسلق الجدار بدون ~~مساعدة إيليا كحمله لها أو إنهاضها، وكيف يجوز ليهودية أن يمسها مسيحي خصوصا إذا كان ذلك ~~في ظلمة الليل على انفراد. إلا أن إيليا انتبه بسرعة إلى حل لهذا المشكل، فإنه شاهد على أحد ~~الأشجار في طريقه سلما صغيرا. فركض مسرعا إلى السلم فحمله وتسلقا الجدار عليه دون أن ~~يشعر أحد من أهل الدير بخروجهما منه. # الفصل الحادي عشر # | الصليب أهون من هذا # قصة أستير # ولما خرج الاثنان من الحديقة كان قلب الفتاة يرقص مسرة بالنجاة، وقلب إيليا يرقص اضطرابا ~~لعاقبة صنعه هذا، وفرحا بإنقاذ فتاته، وإراحة ضميره. لكن ما خطت أستير بضع خطوات حتى سألت ~~إيليا بصوتها اللطيف: أين أبي؟ # فتلجلج إيليا وأجاب: ستلقينه غدا أيتها السيدة. # فلما سمعت أستير هذا الجواب أجفلت ووقفت. ثم تأملت في الهدوء الشامل حولها في ظلمة ذلك ~~الليل في ذلك الجبل المقفر، فخارت قواها وهلع قلبها؛ لأنها كانت تظن أن أباها ينتظرها ~~بالخارج، ولولا ذلك لما رضيت بالانفراد مع شاب في ذلك الليل. ثم تذكرت أن ذلك المسيحي قال ~~لها على النافذة: إنه قادم من قبل أبيها فخيل إليها حينئذ أنه احتال عليها بذلك لإخراجها. ~~فرجعت القهقرى صائحة: أنا عائدة إلى الدير. فالصليب أهون من هذا. ms086 # فصعق إيليا لهذا الجواب، وأسرع وراء أستير، فجاءها من أمامها، وقال بأدب وجد: يا أيتها ~~السيدة. إنك لا تجهلين أنني خاطرت ليلة أمس بنفسي في سبيل إنقاذك مع أبيك من أيدي العامة. ~~فأي غرض كان لي حينئذ مع أنني لا أعرفكما من قبل، ولقد خاطرت بنفسي أيضا الليلة لإنقاذك، ~~ولا غرض لي غير راحتك وراحة ضميري؛ لأنني عجزت أمس عن إنقاذك. فهل من العدل أن تجزيني على ~~هذا الصنع بسوء الظن والإهانة إلى هذا الحد. # فسكتت أستير حينئذ تفكر بنفسها وتتساءل: هل هذا المسيحي صادق في ما يقول؟ ثم أجابت: وأين ~~تذهب بي الآن؟ فأجاب إيليا: إلى مزرعة قريبة في سفح الجبل حيث تنتظرك كثيرات من الفتيات ~~مثلك، وغدا يلاقيك أبوك إليها. فقالت: ولماذا لا نذهب إلى المدينة؟ فأجاب إيليا: لأن جيوش ~~العرب تحصرها فضلا عن أن الأبواب لا تفتح في الليل؛ فتنهدت الفتاة وسكتت، ولكنها بقيت ~~ترتعد من انفرادها بالفتى في ذلك المكان. # وكان القمر في تلك الساعة ملتحفا بالغيوم السوداء المنذرة بالمطر، والريح تهب باردة ~~بردا يدل على قرب مطر مثلج، ولكن كأن القمر كان له غرض في الأرض في تلك البرهة فأطل من ~~وراء الغيوم ينظر بعينه البيضاء الواسعة إلى الجبل والشخصين الواقفين عليه، وكان وجه أستير ~~مستقبلا القمر، فلما وقع عليه أول شعاعه ورأى إيليا برقة في عينيها سرت في جسمه كهربائية ~~فتاته الغائبة التي أحبها عشر سنوات متوالية، وكانت هذه أول مرة وقع فيها نظر إيليا على نظر ~~أستير وجها لوجه؛ فذابت حشاشة إيليا لقسوة قلب أستير وعدم فهمها عواطفه، وعلم حينئذ أن ~~أصعب شيء على القلوب الكريمة التي تستحق الحب الصادق لشرفها وصدقها وكرامتها، هو أن تحب ~~ويبقى المحبوب جاهلا أو متجاهلا حبها وكرامتها لا يثق بشيء لها حتى ولا بإخلاصها. # لكن يظهر أن أستير بعد أن فكرت مليا اقتنعت بالذهاب مع الشاب؛ لأنه أهون الشرين. فقالت ~~له: وهل المزرعة بعيدة من هنا فإنني أخشى المطر والبرد. فتنفس إيليا الصعداء حينئذ وقال: ~~نعم أيتها ms087 السيدة، إن المزرعة بعيدة، ولكننا سنصل إليها في ساعة بعون الله. # ثم إنه سار أمامها يدلها على الطريق، وسارت وراءه بخطى سريعة. # ولكن يظهر أن السماء رامت الانتقام من أستير؛ لأنها أساءت الظن بإيليا. فهبت على الجبل في ~~تلك اللحظة زوبعة شديدة تمازجها رعود وبروق وثلج ومطر شديد كأفواه القرب، وكانت أستير بثياب ~~النوم. فجزع إيليا لهذا المصاب الجديد، فخلع عنه رداء شتويا كان عليه وألقاه على جسمها. ~~إلا أن ذلك لم يجدها نفعا فإن المطر بلل جميع ثيابها، والبرد قلص وجهها وأطرافها، والتعب ~~أفنى قوتها فسقطت على الأرض ضعيفة واهية القوى؛ فجزع إيليا جزعا شديدا لذلك فدنا من ~~أستير، وقال: أيتها السيدة استندي إلى ذراعي لأحمل عنك شيئا من مشقة السير فنصل في وقت ~~قريب. فترددت أستير أولا إذ كيف يجوز أن تمس يدها يد مسيحي، ولكنها رأت أنها بدون ذلك لا ~~تستطيع السير، فنهضت وهي ترتعد من الخوف وأسنانها تصطك من البرد. فوضعت ذراعها اليسرى في ~~ذراع إيليا اليمنى، أي أخذ إيليا جانب قلبها ثم سار بها. فشعر إيليا حينئذ بسرعة نبض ذلك ~~القلب اللطيف لخوفه وتعبه فازداد نبض قلبه أيضا، كأنما سرى بين القلبين نوع من ~~الكهرباء. # ولكن الفتاة لم تخطو خطوتين حتى سقطت لعدم استطاعتها الوقوف. فازداد قلق إيليا فدنا منها ~~ثانية بوجل، وقال: هل تسمحين لي أن أحملك؟ # فعند هذا السؤال نفرت أستير بأنفة، وأشارت برأسها إشارة سلبية، وكان قلبها يقول حينئذ: ~~الموت بردا أسهل من أن يخالط جسمي جسم رجل خصوصا إذا كان مسيحيا. # وفي هذه الدقيقة سمع على الطريق من جهة المزرعة صوت أقدام تعدو بسرعة شديدة فخاف إيليا، ~~ولكنه لما ظهر صاحب الصوت صاح به - أرميا أرميا أسرع إلي. فأجاب أرميا: كيريه إيليا ماذا ~~تصنع هنا؟ ولما وصل أرميا وشاهد أستير فهم سر المسألة. فوقف مبهوتا يتأمل، ولكن إيليا لم ~~يطل وقفته؛ بل إنه صنع من بعض ثيابه وثياب أرميا ملفا فلف به جسم أستير دون رأسها، ثم ~~حملاها كل واحد منهما ms088 من طرف، وكانت المسافة بينهم وبين المزرعة ساعة، والمسافة بينهم وبين ~~كوخ أرميا تحت الأرزة عشر دقائق فقط، ولذلك أسرعا بها إلى هذا الكوخ؛ لاتقاء المطر ~~والبرد. # وعند وصولهم أدخلت إليه أستير، وأغلق عليها الباب، وبقي إيليا وأرميا خارجا يوقدان ~~النار؛ لتدفئة الفتاة، وتجفيف ملابسها، وبعد حين كتب إيليا ورقة وأعطاها إلى أرميا؛ ليوصلها ~~إلى المزرعة، ويعود منها بملابس جافة وفرس للركوب. # فسار أرميا وهو يلتفت إلى الكوخ ليرى هل يبقى إيليا خارجا أم يدخل إليه، وفي طريقه كان ~~يردد في نفسه قوله السابق لإيليا تحت الأرزة: يا لله ما أجملها. حقا لا أعلم لماذا تكون ~~الوثنيات جميلات هكذا. # وكان المطر لا يزال شديدا في الخارج وإيليا لاجئ منه تحت الأرزة؛ لأن أستير لم تدعه ~~ليدخل احتماء منه في الكوخ، وإيليا لا يمكن أن يدخل بدون إذنها. فازداد استياء إيليا لإساءة ~~الفتاة ظنها به، ولكن مع ازدياد استيائه هذا ازداد حبه لها؛ إذ لا شيء يزيد الحب مثل التمنع ~~والجفاء. # ويظهر أن أستير قد شعرت بخشونتها؛ لأنها لم تلبث أن أخرجت رأسها من باب الكوخ، وفتحت ~~الحديث بقولها: هل الفجر بعيد يا كيريه إيليا. # فتنهد إيليا ودنا نحو الكوخ وأجاب: أظن أيتها السيدة أنه لم يبق من الليل سوى أربع ساعات. ~~فقالت: ولمن هذه المزرعة التي سنذهب إليها؟ فأجاب: هي لرجل كريم يدعى الشيخ سليمان، وهو ~~الذي ساءه خبر سجنك في هذا الدير. ثم قص عليها شيئا مما جرى له معه. # فعجبت أستير من ذلك في نفسها؛ لأنها بناء على ما سمعته من قومها، وما رأته من هيجان ~~العامة أمس في طريق بيت لحم لم تكن تعهد أن يوجد بين المسيحيين رجلان كإيليا والشيخ سليمان ~~يساعدان المظلوم وإن كان من غير دينهما ولا يعرفان عنه شيئا. # وهذا وا أسفاه داء من أدواء البشر فإن كل فريق منهم يخص قومه بالفضائل دون سواهم. # ثم دار الحديث بين إيليا والفتاة. وكان أول ما سألها عنه سبب وجودها مع أبيها في بيت لحم ms089 ~~في ليلة أمس. فعلم منها إيليا قصتها وهي: كانت أستير من عائلة إسرائيلية مقيمة في مصر، وقد ~~شاع يومئذ في المملكة البيزنطية كلها أن المنجمين قالوا: إن السلطنة ستصير إلى قوم مختونين # 1 ~~* فثارت تصورات بعض الإسرائيليين، وانتشر بينهم أن المسيح أي المسيح ~~الذي لا يزال اليهود ينتظرونه قادم لإعادة مملكتهم والاستيلاء على العالم، وفي ذات يوم ورد ~~على أبي أستير كتاب من بلاد العرب مع رسول من أبناء جنسه، فتأهب بعد هذا الكتاب للسفر إلى ~~فلسطين مع زوجته وابنته، وكانت زوجته في نحو السبعين من العمر وهي مقعدة لمرض عضال أصابها، ~~وكانت أقصى أمانيها أن تموت في أورشليم، وتطلق روحها في فضائها بجانب هيكل سليمان، ولذلك ~~فرحت فرحا شديدا بسفرهم إلى فلسطين، وقد شاركتها ابنتها أستير في هذا الفرح؛ لأنهم قالوا ~~لها: إن المسيح سيظهر في ذلك العام في فلسطين. فجاءوا إلى أورشليم متخفين متنكرين؛ لينتظروا ~~المسيح فيها، ويكونوا أول من يستقبله من أبناء إسرائيل، وقد استأجروا في القدس منزلا ~~صغيرا بإزاء الجدار الذي كان المسيحيون يلقون عليه فضلات منازلهم، # 2 # وكان الثلاثة كثيرا ما يخرجون في ظلمة الليل سرا، ويقفون هناك ويصلون ~~باكين الصلاة التي يصليها بنو إسرائيل دائما أمام جدار هيكلهم القديم في أورشليم، وهي: ~~(يقول واحد) من أجل الهيكل المقدس العظيم (فيرد الجماعة) نقف بذلة وننوح. ~~(يقول واحد) من أجل أسوار هذه المدينة الساقطة (فيرد الجماعة) نقف بذلة وننوح. ~~(يقول واحد) من أجل مملكتنا التي بادت (فيرد الجماعة) نقف بذلة وننوح. ~~(يقول واحد) من أجل رؤسائنا الذين ماتوا (فيرد الجماعة) نقف بذلة وننوح. ~~(يقول واحد) آه تحنن على صهيون (فيرد الجماعة) واجمع شتات أورشليم. ~~(يقول واحد) أعد سابق مجدك لصهيون (فيرد الجماعة) وانظر مترحما إليها ... إلخ. # وقد مرت عليهم ثلاثة أشهر على هذه الحال، وفي كل يوم كان يذهب أبو أستير لمشاهدة آثار ~~المدينة، ويختلط بأهلها متزييا بزي اليونانيين والسوريين. أما أستير فإنها كانت تخرج ~~أحيانا من المدينة مع أبيها، وتجلس على رابية عالية لترى منها ms090 هل المسيح آت أم لا؟ وفي ~~أكثر الأحيان كانت تلازم أمها العجوز المقعدة في البيت وتخدمها. ففي ليلة أمس اشتهت أستير ~~أن تشاهد عيد المسيحيين في بيت لحم فغضبت أمها من ذلك، ولكن أباها رضي بأخذها إلى بيت لحم، ~~فذهبا للتفرج فيها فجرى لهما ما جرى. # فلما سمع إيليا هذه القصة صار يسأل نفسه، هل هذه العائلة ساذجة إلى هذا الحد حتى خاطرت ~~بنفسها في القدس من أجل هذه المسألة، أم هنالك أمر آخر كتمته عنه أستير أو كتمه أهلها عنها، ~~ولم يظهروا لها منه غير المسألة الدينية. إلا أنه كان يظهر في كلام أستير أنها مخلصة في ~~قولها كل الإخلاص، ولذلك رجح إيليا السذاجة على السياسة. # وبعد السكوت حينا ابتدر إيليا الكلام، فقال: فأمك إذن الآن في المدينة يا أختي. # فلما سمعت أستير كلمة «أختي» من فم الشاب حصل ارتياح في نفسها لازدياد طمأنينتها. إنما ~~تساءلت في نفسها: هل يجوز لمسيحي أن يدعوها أخته؟ ثم أجابت والدموع في عينيها لذكر أمها: ~~نعم يا كيريه إيليا، وهي مقعدة لمرضها. # وكأن أستير بعد هذا الحديث رأت أنها فعلت ما كان عليها، ولذلك انزوت في إحدى الزوايا ~~بداخل الكوخ. فعاد إيليا عن الباب متنهدا، وبقي الاثنان بعد ذلك ساكتين، ولكن «الهوى» في ~~قلبه و«الهواء» في الخارج على أغصان الأرزة كانا يتكلمان ويزئران زئيرا شديدا. # وبعد نصف ساعة سمع صوت حوافر جواد ينهب الأرض نهبا، فنهض إيليا لعلمه أن أرميا قد عاد ~~من المزرعة، ولكنه عجب من هذه السرعة؛ لأنه لم يكن يدري أن أرميا سار في ذهابه بسرعة ~~الجواد، وعاد بسرعة الجواد؛ لكي لا يترك أستير مع إيليا وقتا طويلا. # وكانت أستير قد دفئت قليلا في داخل الكوخ، فغيرت ملابسها بالملابس الجافة التي جاءها بها ~~أرميا، ثم ركبت الجواد وهمت بالمسير. فقال إيليا لأرميا: خذ بقياد الفرس يا أرميا وسر سيرا ~~سريعا. فحك أرميا رأسه وأجاب: بل دعني أسير على مهل وراءه يا كيريه إيليا لأنني تعبت. فأخذ ~~إيليا بقيادة الفرس، وسار ms091 أمامه دون أن يدري بالسبب الذي من أجله طلب أرميا أن يكون وراء، ~~وهكذا سار الثلاثة بين العواصف والقواصف؛ إيليا أمام، وأستير في الوسط على ظهر الفرس، ~~وأرميا وراء، وكان أرميا لا يرفع نظره منها. # ولما وصلوا إلى المزرعة كان الشيخ سليمان ينتظرهم فدنا وقبل رأس إيليا سرورا بفعله، ثم ~~دفع أستير إلى بناته فاستقبلنها استقبال أخت وصديقة قديمة، وقد خصصن بها غرفة بجانب غرفتهن، ~~فنامت أستير بقية الليل نوما هنيئا بعد أن عجبت كثيرا من هؤلاء المسيحيين. # الفصل الثاني عشر # | بين مسيحي ويهودية # وفي فجر اليوم التالى قبل أن تتعارف الوجوه تقريبا كان على قبر الراهب ميخائيل الكائن في ~~وسط المزرعة كما تقدم شخص جالس يتأمل والبرد قارص والريح شديدة، وكان هذا الشخص إيليا؛ لأنه ~~لم ينم بقية ذلك الليل، وكان يقول وهو جالس على القبر: يا أستاذي ميخائيل، إن خطبتك على ~~الجبل كانت حدا فاصلا وطورا جديدا في حياتي، وها أنا الآن قد وصلت إلى طور جديد آخر، ~~إنني لم أكن أفهم لذة الوجود وبهجة الدنيا، ولذلك سئمتها وضجرت منها. أما الآن فصرت أفهمها. ~~إنما أرجو من روحك الكريمة التي ترفرف في فضاء هذه المزرعة دائما أن تمس قلب أستير، ~~وتجعلها تشعر شعوري. # ولما طلع الصباح، وانتبه أهل المزرعة عاد إيليا إليها فوجد بنات الشيخ سليمان عند أستير ~~يلاطفنها، ويتناولن طعام الصباح معها، وكانت هذه أول مرة يرى فيها إيليا أستير وجها لوجه ~~على ضوء النهار. # فرأى إيليا أستير فتاة في نحو العشرين من العمر، وكانت بقد رشيق طويل كأنه غصن بان، ووجه ~~ممتلئ ناصع البياض كالثلج تخالط بياضه حمرة الصحة والعافية كأنما اجتمع فيه كل ما في الورد ~~من اللون الزاهر، وفوق وجهها التفاحي الجميل شعر أبنوسي يؤلف سواده الفاحم مع ذلك البياض ~~وتلك الحمرة منظرا عجيبا. أما العينان: فقد انفردتا بلون رابع وهو اللون الأزرق الصافي ~~صفاء بديعا وهو ما يندر تحت الشعر الأسود. فكأن هذا الرأس الملائكي الجميل آلى خالقه على ~~نفسه أن يجمع فيه ms092 كل بياض الزنبق وحمرة الورد وسواد المسك وزرقة السماء بأشد جمالها ~~ومعانيها؛ ليكون مثالا للجمال الذي يمكن أن تدركه عين بشرية. # فلما شاهد إيليا في ذلك الصباح وجه أستير على نور الشمس سجد قلبه في صدره لصانع هذا ~~الحسن، وأدار نظره إلى السماء من النافذة ليرى أيهما أعمق وأجمل؛ زرقة عيني أستير أم ~~زرقتها. # وبعد الطعام طلبت أستير محادثة إيليا فهرع الشاب إليها، وخرج معها إلى الحقول. فلما رآهما ~~الشيخ سليمان سائرين قال: لقد آن أن يكون لإيليا شمس تبدد همومه الدائمة. فأظن أن أستير ~~ستكون من بنات المزرعة بعد الآن. # ولما انفردت أستير بإيليا ابتدرت الكلام قائلة: ماذا نصنع الآن يا كيريه إيليا هل أذهب ~~إلى المدينة أم يأتي أبي إلى هنا لأخذي؟ فتنهد إيليا وأجاب: يظهر أيتها السيدة أنك غير ~~مسرورة بالإقامة هنا، ولكن ما الحيلة إنك لا تقدرين على الذهاب إلى المدينة؛ لأن جيوش العرب ~~تحصرها كما ذكرت لك، وأبوك لا يقدر أن يأتي إلينا؛ لأنه لا يستطيع ترك أمك وحدها. # فاغرورقت هنا عينا أستير بالدمع لدى ذكر أمها، وتنهدت بكآبة وحزن. فكاد قلب إيليا يتفطر ~~لعنائها، وبعد السكوت برهة قالت أستير: وإلى كم يطول حصار المدينة؟ فأجاب إيليا: لا أعلم ~~فعلينا أن ننتظر منتهى هذه الحادثة. # وفي هذا الحين التفت إيليا نحو المزرعة فأبصر أرميا راكضا نحوه، ولما وصل إليهما ~~حياهما ببشاشة، وأخبر إيليا أن أهل دير العذراء دروا في الصباح بفرار الفتاة، فاضطربوا ~~وكاتبوا البطريرك، وأرسلوا يسألون أرميا هل رآها؟ فأجابهم أرميا أنه ما رأى أحدا. # وفي الحقيقة أن جواب أرميا لهم كان أن شابا يدعى إيليا في مزرعة الشيخ سليمان هو الذي ~~اختطفها. # وبعد وصول أرميا إلى إيليا وأستير لزمهما ولم يعد يفارقهما، وكان كثير المراقبة لأستير ~~على الخصوص. فلاحظ منه إيليا هذه المرة ما لم يلاحظه من قبل. فاستاء في نفسه وعاد بالفتاة ~~إلى المزرعة. # وبقيت أستير كئيبة حزينة طول النهار، فحاول الشيخ سليمان كثيرا أن يزيل كآبتها فلم يقدر ~~فأحال عليها إيليا ms093 قائلا: هل أنت جماد لا تتحرك. فكيف تترك هذه الفتاة تذوب كآبة لفراق ~~أهلها، ولا تحاول تعزيتها. # فوا أسفاه إن الشيخ سليمان لم يكن يدري أيضا ما كان في نفس إيليا. # مجيء المسيح وصلبه # وفي ذلك المساء قبل غروب الشمس بساعتين عرض إيليا على الفتاة أن يذهب بها ليريها ~~الحقول والبساتين في المزرعة. فرضيت الفتاة بذلك، وذهبا يتنقلان بين تلك الطبيعة ~~الجميلة التي زادتها عناية يد الإنسان ثمارا وجمالا. # وما زالا سائرين حتى بلغا قبر الراهب ميخائيل، وكان إيليا قد نثر الزهر في الصباح على ~~القبر حسب العادة، وكان حول القبر عدة مقاعد من حجر فجلس على أحدها وجلست الفتاة بعيدة ~~عنه، وبعد أن جلست سألت إيليا عن صاحب ذلك القبر. فلما سمعت اسم «راهب» أجفلت ونهضت. ~~فاستاء إيليا في نفسه لهذه الإهانة لأستاذه، ولكنه أظهر الابتسام والضحك، فقال: اجلسي ~~اجلسي يا أختي، لنتحادث في موضوع نفورك، وأرجو أن تسمحي لي بذلك فإن هذا الأمر قام في ~~نفسي منذ رأيتك على الطريق تمتنعين عن إنقاذ نفسك وأبيك بعلامة ترسمينها على ~~صدرك. # فهنا جزعت أستير جزعا شديدا، وصبغ الاصفرار وجهها من شدة الجزع. فثارت نفس إيليا ~~لذلك، وصاح: يا أختي، أقسم لك بخالق السماء والأرض إلهكم وإلهنا، إنني لا أقصد الإساءة ~~إليك أو إلى معتقدك بشيء. فإنني من الذين يحرمون الضغط حتى على ضمير النملة إذا كان ~~لها ضمير. فعلام هذا الجزع والخوف من لا شيء. # فدمعت عينا أستير، وأجابت باضطراب شديد: لا أريد أن أباحث أحدا في هذه المواضيع، ~~فإنني رأيت أسلوبكم في البحث أول أمس في طريق بيت لحم وأمس في الدير. # فهنا ابتسم إيليا وأجاب: اسمعي أيتها الفتاة الكريمة لأزيل سوء ظنك وإهانتك بكلمتين: ~~إنك تقيسينني أيتها السيدة على العوام الذين شاهدناهم في طريق بيت لحم وعلى الراهبات ~~اللواتي رمن اجتذابك في دير العذراء، ولكنك تخطئين بهذا القياس؛ فإن العامة أناس لا رأي ~~لهم غير ما تلقنوه، وهم لا يفتكرون بعقولهم بل بعقول غيرهم، والراهبات وغيرهن من ~~المنقطعين ms094 إلى الله في الأديرة وغيرها لا يلامون إذا تمسكوا بمعتقدهم تمسكهم بالحقيقة ~~المطلقة؛ لأنهم لو لم يكونوا يعتبرون أنه الحقيقة المطلقة لما انقطعوا إليه عن كل ملاذ ~~الدنيا. أما نحن باقي البشر الذين لنا عقول نعقل بها وعلينا أن نعيش مع عناصر مختلفة في ~~الأرض فإن حالنا غير حال أولئك. فإننا إنما نحن تلامذة البحث والتنقيب والأخذ والرد. ثم ~~ابتسم إيليا وقال: فابحثي معي يا أيتها السيدة، ولا تخافي إذ ما أدراك أنك لم ترسلي من ~~السماء لهدايتي، ما أدراك أن العناية الإلهية لم ترسلك إلي لإعطائي ما ينقصني إلى ~~الآن. # فابتسمت أستير لهذا الكلام اللطيف، وظنت أن إيليا يريد به الجهة الدينية. وفي الحقيقة ~~أنه كان يريد به الجهة القلبية؛ إذ ما كان ينقصه معلوم مما تقدم. # ثم إن إيليا أردف كلامه السابق بقوله: ومصداقا لقولي أيتها السيدة الكريمة، أذكر لك ~~شيئا عن صاحب هذا القبر الكريم الذي أجفلت منه لمجرد معرفتك أنه راهب. هل سمعت يا ~~سيدتي بمبادئ وأخلاق الراهب ميخائيل؟ هذا الراهب صرف كهولته في جمع المال من أهل المال، ~~ولكنه توفي ولا فلس في صندوقه؛ لأنه كان يوزعها كلها على الفقراء والمساكين، وكان عنده ~~جميع الفقراء على السواء مسيحيين ويهودا ومجوسا؛ لأنهم كلهم عيال الله كما كان يقول. ~~هذا الراهب اضطهده بعض الناس حسدا وبغضا، وأساءوا إليه، وقطعوا رزقه، ولكنه كان ~~يباركهم إلى آخر نسمة من حياته، وفي ساعة موته أشار إلي فدنوت منه، فقال لي وهو يجود ~~بنفسه: إذا سافرت إلى بلادي يوما ورأيت أحدا منهم فقل لهم إنه يقرئكم السلام، ويطلب ~~أن تصلوا من أجله. هذا الراهب طرد من سلك الرهبانية؛ لأنه خطب خطبة لام فيها الحكومة ~~ورجال الدين؛ لاضطهادهم اليهود في سوريا وفلسطين، وكان كلما مر في طريقه بيهودي فإذا ~~كان فقيرا يحسن إليه بشيء من المال وإذا كان غير فقير استوقفه وحادثه وآنسه وذلك على ~~سبيل الاحتجاج على اضطهاد الحكومة لبني جنسه، وقد قلت لك إنه كان «يحسن» إلى الفقير، ~~والصحيح كما ms095 كان يقول إنه كان يفي له «الدين» الذي عليه. هذا الراهب عاش في هذه ~~المزرعة عشرين سنة، وليس بين الناس هنا وفي القدس واحد يقول إنه أساء إليه بشيء ما طول ~~حياته حتى ولا الكهنة الذين كانوا في خلاف معه. هذا الراهب إذا جادل الناس بعضهم بعضا ~~أمامه في الدين كان يعبس ويقطع حديثهم بقوله: فلنبحث يا أولادي في ما نعلمه ونفهمه من ~~شئون الأرض أما شئون السماء فإننا لا نعلمها، وحسبنا أن نكون صالحين طاهري القلوب ~~مسلمين أمورنا إلى الله تعالى فنعيش كلنا في الأرض إخوانا في إخوان مهما اختلفت ~~مذاهبنا. - هذا أيتها السيدة هو الراهب الذي أجفلت من ذكر اسمه. أفكنت ترفضين مباحثته ~~كما رفضت مباحثتي لو كان حيا؟ # وكانت أستير مصغية إلى إيليا أشد اصغاء. فلما فرغ من كلامه قالت: إذن لم يكن هذا ~~الراهب مسيحيا؟ # فقهقه إيليا قهقهة تكاد تسمع من المزرعة وأجاب: بل كان مسيحيا يا أختي؛ لأن هذه هي ~~المسيحية الحقيقية. # فسكتت أستير هنيهة، ثم أجابت: حقا هذه أول مرة أسمع بها مثل هذا الكلام عن مسيحي، ~~ولكن كيف كان إيمانه به؟ # وقد نطقت أستير بهذا الكلام على غير وعي تقريبا. فترك إيليا حينئذ الضحك، وصار يفكر ~~بجد واهتمام في الجواب الذي يجيبها به؛ ذلك لأنها إنما قصدت بسؤالها السؤال عن إيمان ~~الراهب ميخائيل بالمسيح، والبحث في ذلك معها صعب لعدة أسباب منها رغبته في أن تكون ~~مسيحية، وإلا فلا يمكنه الاقتران بها، وهذا يقتضي مباحثتها في ذلك بحثا دينيا لا ~~بحثا عقليا. فشرع أولا في البحث الديني فأجاب: يا سيدتي، تسألينني سؤالا غريبا؛ ~~إذ كيف يكون الإنسان مسيحيا ولا يؤمن بالمسيح؟ # وكانت أستير قد تحمست من كلام إيليا الذي قال لها فيه إنه يحتمل أن تكون مرسلة إليه ~~من العناية الإلهية لهدايته. فجمعت قواها كلها لمباحثته في أمر كانت قد سمعت كثيرا من ~~المباحثات فيه لعلها تهديه، ويا للغرابة. إن هذه هي أول مرة بدأت بها تميل إلى إيليا، ~~ولكن لا لا. لا ms096 غرابة في ذلك؛ لأن هذه هي أول مرة بدأت بها تهدم الحاجز الاجتماعي الذي ~~كان بينها وبينه، ومتى انهدم هذا الحاجز مست نفسها نفسه بحكم الطبع فتتآخيان بأمن ~~وسلام. # أما نفس إيليا فإنها لم تكن محتاجة هذا الهدم ليحصل التآخي بينها وبين نفس أستير؛ لأن ~~هذا التآخي حصل لها من النظرة الأولى. # فلما سمعت أستير جواب إيليا ابتسمت وقالت: وأنت يا كيريه إيليا اصدقني. أتؤمن به ~~أيضا؟ فأجاب إيليا برزانة: بلا شك أيتها السيدة، وإنني آسف لأنك لا تؤمنين أنت به ~~أيضا. فابتسمت أستير وأجابت: هل تغضب إذا جهرت بكل رأيي كما يغضب أبناء مذهبك أو تريد ~~أن أسكت؟ فقال: لا لا تكلمي يا سيدتي، فقالت أستير: إنني أؤمن بالمسيح يا كيريه إيليا، ~~ولكنني أؤمن بالمسيح الحقيقي الذي لم يأت بعد، ولا بد أن يأتي. # فنظر إيليا حينئذ ضاحكا إلى تينك الشفتين الورديتين اللتين كان يخرج منهما هذا ~~التجديف على الاسم الذي يفديه بدمه، وقال في نفسه: لو خرج هذا التجديف من شفتين غير ~~هاتين الشفتين لعضضتهما وقطعتهما بأسناني؛ لأنني إذا كنت أبحث في الكائنات والفلسفات ~~بحثا عقليا مجردا عن كل تقليد فإنني أضع دائما فوق كل بحث وكل علم اسم الذي مس ~~يوما بأصبعه الإلهية صورة الكمال السماوية فكان مثالا لها في هذه الحياة المملوءة ~~بالصغائر والنقائص والشرور. # فبعد أن فكر إيليا هنيهة أجاب: يا أيتها السيدة أأنت إسرائيلية أم لا؟ فقالت أستير: ~~نعم إسرائيلية. فقال: ألا تعتقدين بصحة التوراة؟ فأجابت أستير: بلا شك أعتقد بها. فقال ~~إيليا: فالتوراة كتابك المقدس يشهد أن المسيح قد أتى. # فهمت أستير أن تجاوبه فابتدرها إيليا بقوله: دعيني أكمل أولا، وبعد ذلك قولي ما ~~تشائين. اسمعي يا أستير، هل قرأت الإصحاح التاسع والأربعين من سفر التكوين. اسمعي ماذا ~~يتنبأ يعقوب لابنه يهوذا. قال «يهوذا إياك يحمد أخوتك. يدك على قفا أعدائك. يسجد لك بنو ~~أبيك - لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون» أي المسيح؛ لأن هذا ~~أحد أسمائه. ms097 فيا أستير إن قضيب الملك قد زال من يهوذا وتفرقت مملكته أيدي سبأ، وهذا يدل ~~على أن «شيلون» قد أتى. # فهمت أستير أن تجاوبه ثانية فصاح إيليا: دعيني أكمل أولا. ما قولك يا أستير بنبوءة ~~أشعيا في إصحاحه السابع؟ اسمعي ماذا يقول: «يعطيكم السيد نفسه آية. ها العذراء تحبل ~~وتلد ابنا، وتدعو اسمه عمانوئيل (الذي تفسيره: الله معنا)» فيا أستير إن العذراء قد ~~حبلت وولدت في بيت لحم الصبي المنتظر طبقا لقول ميخا النبي في الإصحاح الخامس حيث ~~يقول: «أما أنت يا بيت لحم فأنت صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا؛ فمنك يخرج لي الذي ~~يكون متسلطا على إسرائيل، ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل» فيا أختي أستير، هل من ~~شهادة أفصح وأبلغ من هذه الشهادات؟ # وكانت أستير قد بدأت ترتعد من غضبها وتأثرها خصوصا لأن إيليا لم يكن يترك لها سبيلا ~~للجواب. فتأثر إيليا أشد تأثر لذلك، فقال: يا أختي، سكني روعك، ولا تخافي من الحقيقة ~~إذا لمستها أصبعك، ولا يسوءنك تأثرك الآن؛ إذ ما هذا العناء بالقياس على العذاب الذي ~~لقيه غيرك. اسمعي ماذا قال أشعيا في الإصحاح الثالث والخمسين عن عذاب «شيلون»: «محتقر ~~ومخذول من الناس. رجل أوجاع ومختبر الحزن وكمستر عنه وجوهنا. محتقر فلم نعتد به» ألم ~~يكن يسوع هكذا يا أختي؟ ثم إنه يقول: «ليس مبغضي تعظم علي فأختبئ منه بل أنت إنسان ~~عديلي. إلفي وصديقي الذي معه كانت تحلو لنا العشرة» فلماذا يا أختي صنع قومك هكذا مع ~~صديقه وصديقه. اسمعي أيضا نبوءة النبي داود في مزموره الثاني والعشرين «أحاطت بي ... ~~(عذرا فلا أذكر هنا الكلمة يا أختي لئلا تسوءك) جماعة من الأشرار اكتنفتني. ثقبوا ~~يدي ورجلي. أحصي كل عظامي، وهم ينظرون ويتفرسون في. يقسمون ثيابي بينهم وعلى ~~لباسي يقترعون» - أفما تم كل هذا يا أختي بصلب شيلون، وكيف نستطيع إنكار مجيئه بدون ~~مناقضة التوراة وكتابك. # وكانت أستير تبكي في أثناء هذا الكلام، وتعض شفتيها من شدة تأثرها. فلما فرغ إيليا من ~~كلامه صاحت ms098 من صميم قلبها: يا كيريه إيليا لقد ظلمتني، فإنك أنت تقول كل شيء وأنا لا ~~أقدر أن أقول كل شيء، وهذا سبب شدة تأثري وبكائي. فأنا أكتفي إذن بشيء واحد. إنكم تظنون ~~أن نبوءات التوراة تنطبق على يسوع الناصري ولكن رجال ديننا يقولون: إنها لا تنطبق عليه، ~~وحسبي أن أذكر لك نبوءة واحدة دليلها في الآن. إن رئيسنا وملكنا داود قال في مزموره ~~الثاني والسبعين متنبئا عن زمن المسيح: «يشرق في أيامه الصديق وكثرة السلامة إلى أن ~~يضمحل القمر» أي نهاية العالم. فهل الصديق هو المنتصر في العالم الآن، وأين هذه ~~السلامة الموعودة؟ انظر فإنني أنا أبكي أمامك الآن، وأضطراب كريشة في مهب الريح. ثم إن ~~يوئيل النبي يقول في إصحاحه الثاني: «ويكون بعد ذلك - أي بعد سعادة إسرائيل بمسيحه - ~~أني أسكب روحي على كل بشر» فهل روح الله الآن في أولئك الذين يضطهدون ويظلمون ويملئون ~~الدنيا بالشرور، وقال ميخا في إصحاحه الرابع مشيرا إلى المسيح: «يقضي بين شعوب كثيرين. ~~ينصف لأمم قوية بعيدة فيطبعون سيوفهم سككا ورماحهم مناجل. لا ترفع أمة على أمة سيفا، ~~ولا يتعلمون الحرب فيما بعد». فيا صديقي إيليا، هل جرى شيء من هذا إلى الآن لتقول بمجيء ~~المسيح؟ انظر إن السيف والنار يأكلان العباد والبلاد في كل الجهات، وهو ذا أورشليم ~~نفسها محصورة الآن بنطاق من الرماح والسيوف، وقال أشعيا في الإصحاح الستين والخامس ~~والستين مخاطبا أورشليم بعد مجيء مسيحها: «لا يسمع بعد ظلم في أرضك، ولا خراب أو ~~سحق في تخومك؛ بل تسمين أسوارك خلاصا وأبوابك تسبيحا - الذئب والحمل يرعيان معا، ~~والأسد يأكل التبن كالبقر. أما الحية فالتراب طعامها. لا يؤذون ولا يهلكون في كل جبل ~~قدسي» - فيا أخي إيليا هل تم هذا كله؟ هل ساد السلام في الأرض بين البشر والحيوانات كما ~~تنبأ أشعيا ليجوز لك أن تقول بمجيء ملك السلام. ماذا تجيب عن هذا؟ # فعجب إيليا في نفسه من إخراج أستير الموضوع عن محوره الأول، ومهاجمتها له بدل الدفاع. ~~فتأمل هنيهة ثم ms099 أجاب: إذن أنت لست بإسرائيلية يا أختي؟ فصاحت أستير وقد تركت البكاء: ~~كيف ذلك؟ فقال إيليا لأنك لو كنت إسرائيلية لكنت تؤمنين بالله تعالى خالق هذا الكون ~~ومدبره. فصاحت أستير كلبوة جرحت: بلا شك أنا أؤمن بإلهنا وإله آبائنا وأجدادنا. ~~فقال إيليا حينئذ: فكيف تؤمنين بوجود الله يا أختي ولا تؤمنين بأعماله. أتظنين أنه يقوم ~~شيء في الأرض ويعم الدنيا كلها بدون إرادته. دعينا من النظر في الكتب فإن كل فريق منا ~~يئولها تأويلا ينطبق على مذهبه ومصلحته، ولننظر في الأشياء بعقولنا فقط. ألا يجب ~~أن تعتبري انتصار المسيحية في الأرض وتغلبها على الأديان القديمة وعقول ملايين البشر ~~دليلا على أنها من أفعال الله تعالى، فهذا برهان واقعي بسيط على أن تأويلي للتوراة أصح ~~من تأويلك، ولا ينقص هذا البرهان إلا القول بأن الله لا يدبر شئون الكون بل ليس هو ~~بموجود أصلا، وهذا الأمر أجلك عن أن تقولي به أو تفكري فيه. يا أختي كلنا عباد الله ~~ولا تسقط شعرة في نظام الكون ومسير الدنيا بدون إرادته، ومتى اعتقدنا هذا الاعتقاد ثبت ~~لنا أن انهدام أورشليمكم القديمة وقيام أورشليمنا الجديدة كان بإرادة الله وفعله؛ لأنه ~~رأى ذلك أفضل لنظام الدنيا. فيجب علينا إذن أن نسلم لإرادة الله ونعترف بأفعاله، ولا ~~نعارض في أحكامه. # فعند هذا الكلام تحول ضعف أستير إلى قوة وغيظ، فنظرت إلى إيليا بعينين ثائرتين، ~~وصاحت: يا كيريه إيليا لا تتهددونا بإلهنا وربنا. فإنه لم يسقطنا إلا لينهضنا. اسمع ~~قول هوشع النبي في إصحاحه الثالث: «لأن بني إسرائيل سيقعدون أياما كثيرة بلا ملك وبلا ~~رئيس وبلا ذبيحة وبلا تمثال وبلا أفود وترافيم، وبعد ذلك يعود بنو إسرائيل ويطلبون الرب ~~إلههم وداود ملكهم ويفزعون إلى الرب وإلى وجوده في آخر الأيام» ونحن الآن بلا ملك لأن ~~مملكتنا زالت وبلا ذبيحة لأن هيلكنا قد هدم ولكن سنعيد مملكتنا وهيلكنا طبقا لوعد ~~إلهنا. نعم، إن الله يستحيل أن يترك شعبه، وإذا تركه حينا فما ذلك إلا لتأديبه، وقد ~~كفانا يا ms100 إلهنا هذا التأديب الهائل. لقد أخذوا بلادنا وسلبونا إرثنا واقتسموا كل مالنا. ~~حتى أنت نفسك صاروا يدعونك إلههم لا إلهنا، وبذلك أصبحنا غرباء ضعفاء في الأرض التي ~~عاهدت نفسك على إعطائنا إياها لنا ولأولادنا. انظر إلينا إننا متشتتون في جميع أقطارها ~~كالسلك المنشور. أولادنا يبكون وآباؤنا يحزنون وبناتنا يلبسن السواد؛ لأنك نصرت الأعداء ~~علينا، ولا نكاد نجد لدى هذه الأمم القاسية ملجأ نأوي إليه براحة وسلام مع عيالنا، ولا ~~حجرا نضع عليه رءوسنا. اسمع كيف يتهكمون علينا ويضحكون منا. يقولون: إنك أقمت إسرائيل ~~جديدا بدل إسرائيل القديم، ولكن هل أنت قاس إلى هذا الحد لتهمل القديم بعد إقامتك ~~الجديد. لماذا لم ترشد القديم إلى هذا الجديد إذا كانوا صادقين في ما يقولون، وبناء على ~~هذا أرد إليك يا أيها الفتى إيليا الكريم سهام برهانك قائلة: لا يمكن أن يكون الله هو ~~الذي هداكم؛ لأنه لا يمكن أن يضلنا. # أما إيليا فلما سمع هذا الكلام أثر فيه أشد تأثير وخيل له أنه يسمع صوت أمة بأسرها ~~ينادي هذا النداء. فعلم أنه يستحيل عليه بعد كل ما بذله من الجهد أن يقنع الفتاة من ~~طريق الكتب والدين ما دام كل واحد يرى الأمور بعين تختلف عن عين الآخر. فترك إيليا ~~الكتب والدين جانبا ورام البحث من وجه آخر، وقد قال في نفسه إن أستير إذا تحركت ~~أحشاؤها وتأثرت من هذا الوجه فإنها تكون كأنها صعدت أول درجة من درجات الإيمان، ولذلك ~~قال للفتاة وهي في أشد اضطراب: يا أختي أستير، إنني أندب معك حالة قومك، وآسف للاضطهاد ~~الجائر الذي يصيبهم من عدوان الناس وبغضهم، وكوني على ثقة من أن المسيحيين الذين يصنعون ~~هذا يخرجون عن حدود المسيحية؛ لأن المسيحية إنما هي حب الأعداء ومباركة المبغضين، ولكن ~~اشتراكي هذا معك لا يمنعني يا أختي من تذكيرك بأمر جدير بالذكر في هذا الموضوع، وهو أن ~~الذي داس الحق في زمانه لا تؤثر كثيرا في النفوس شكواه من دوس الناس حقه، ولنضرب لذلك ~~مثلا: لنفترض ms101 أن العامة في ليلة عيد الميلاد في بيت لحم وجدت فتاة يهودية تدعى أستير ~~فثارت تصوراتها وطلبت إما تنصير الفتاة أو قتلها؛ لأنها خالفت أوامر الحكومة بالدخول ~~إلى بيت المقدس. فأرسلت الفتاة إلى دير على جبل الزيتون لإقناعها بجحود دينها. فرفضت ~~ذلك رفضا قطعيا، وفضلت الموت على ترك دين آبائها. فقام أولو الأمر وصلبوها على خشبة ~~وأهانوها وقتلوها. ثم بعد ألوف السنين صارت أورشليم إلى اليهود، وقام محل الدير المسيحي ~~في جبل الزيتون معبد يهودي كان اليهود يصلبون فيه الفتيات المسيحيات اللواتي يأبين جحود ~~ديانتهن. فأي تأثير يكون في النفوس لكلام المسيحيين إذا كانوا يقولون يومئذ إن اليهود ~~برابرة؛ لأنهم يصلبون الفتيات المسيحيات. ألا يرد حينئذ اليهود عليهم بقولهم: إننا ~~تعلمنا هذه البربرة منكم. # فهمت أستير أن تجاوب إيليا فصاح إيليا: دعيني أكمل أولا، وبعد ذلك تقولين ما ~~تشائين. فيا أستير لو صلبوك - لا سمح الله - في دير العذراء، فماذا كان يقول أهلك ~~وقومك؟ انظري إنني لا أبحث هنا في مسألتنا من وجه ديني قطعيا بل إنني أضع الدين ~~والتوراة والإنجيل جانبا، وأسألك كفتاة رقيقة القلب تبغض الشر والقسوة والظلم. ~~فأجيبيني. أي ذنب جناه المصلوب الذي سفك دمه أجدادك، اسمعي ولا تقطعي حديثي فإنني أعرف ~~اعتراضاتك. إنك تقولين إنه خان وطنك وجدف على دينك ورام هدم هيكلك، ولكن كل هذا لا ~~أبالي به ولا يلتفت إليه اليوم أحد، وإنما يجب أن نسأل من كان المحق والمحقوق في تلك ~~الحادثة الهائلة، فصاحب الحق وحده هو الذي يجب أن يعطى الحق بقطع النظر عن كل ~~شيء. # واسمعي من كان صاحب الحق في هذه الحادثة - ماذا كان يقول المصلوب؟ - إليك خلاصة ~~مطاليبه يا أختي بصرف النظر عن المسألة الدينية فإنني لا أنظر معك هنا الآن إلا في ~~ناسوته نظرا بشريا. # جاء ابن الإنسان يا أختي من دم يهودي. فنظر قومه وشعبه شاردين عن كتابكم التوراة يا ~~أختي مفعم بمبادئ العدالة والرفق والصدق والمساواة والحكمة، ولكن هذه المبادئ كانت لا ~~تتعدى الكتاب. أي إنه ms102 لم يكن منها شيء في النفوس. فالكهنة ألفوا في الأمة طبقة ممتازة ~~لها السيادة والقوة والثروة والجاه، وكان الشعب تحتهم يئن من الفقر والذل والضيق، وهو ~~ينظر شزرا الاغنياء والعظماء؛ لأن غناهم وعظمتهم مخالفان لمبادئ المساواة الاجتماعية ~~المعلنة في التوراة، وكأن هذا الخلل الاجتماعي لم يكن كافيا وحده لعذاب الشعب المسكين ~~فجاء مقرونا بخلل ديني أيضا فوضعوا أن العبادة الحقيقية لا تكون إلا في هيكل أورشليم. ~~أي إنهم جعلوا بين نفوس البشر وبين خالقها تعالى حاجزا عظيما لا يرفعه إلا الكهنة ~~خدمة ذلك الهيكل، ولا عجب في ذلك؛ لأن دخل الهيكل كان المورد العظيم لرزقهم وثروتهم. ~~ثم استطردوا من تقييد الدين بالمكان إلى تقييده بالجنس، فقالوا: إن كل الأمم كلاب ولا ~~إنسانية إلا في شعب إسرائيل، ولذلك كانوا يعتبرون باقي الناس نجسين لا يجوز لليهود ~~معاشرتهم ولا الإحسان إليهم، وبما أن العبادة قد تقيدت بالمكان والجنس لزم أن يجر هذا ~~القيد قيودا أخرى، ومن هنا بدءوا يدخلون على دين موسى ما ليس منه في شيء، فأصبحت ~~الظواهر الدينية الذي يسهل العمل بها مقدمة على البواطن لصعوبة العمل بها؛ فصار مثلا ~~الفريسي يمشي في الشوارع مغمض العينين لئلا يرى الشر والنساء * ومع ذلك فإنه ~~كان يأتي في السر أكثر ضروب الشر، وإذا كانت جبهته تدمى أحيانا من لطمه جدارا في ~~طريقه * لمشيه مطبق العينين فإن كثيرين من الناس كانت قلوبهم دامية من إساءاته ~~وقسوة قلبه وسوء معاملته، وهكذا الصائم أيضا؛ فإنه كان إذا صام عد عمله فضيلة وإن كان ~~ينقض بأفعاله معاملاته كل أصول الفضائل، وهكذا حافظ السبت ... وهلم جرا. # فماذا فعل ابن الإنسان يا أختي لدى هذه الأمور ~~الجافة الباردة. هل اعترض على الدين. كلا. إنه قال: «ما جئت لأنقض بل لأكمل» وإنما ~~نفسه اللطيفة كانت لا تستطيع قبول هذا الخروج عن الشرائع الإلهية الأبدية؛ لذلك نادى أن ~~العشار الغريب المنبوذ أفضل من الكاهن الفريسي إذا هو استقبل الله بقلب نقي، والسامري ~~المضطهد المحتقر أفضل من اليهودي إذا هو أغاث ms103 غريبا جريحا على طريق أريحا ولم يغثه ~~اليهودي، وبذلك وضع أساس الإخاء والمحبة بين جميع أجناس البشر على الإطلاق هادما ~~الحواجز الاجتماعية الموضوعة بينهم وجاعلا مقياس الفضل والصلاح ومحبة القريب صنع الخير ~~المجرد لأي إنسان كان، ولما قالت المرأة السامرية على بئر شكيم (نابلس) إن اليهود ~~يقولون إن الصلاة لا تجوز إلا في أورشليم صاح بها قائلا: «أيتها المرأة قد جاءت الساعة ~~التي فيها يعبد الله في كل مكان بالحق والروح» أي إن كل إنسان يجب أن يكون كاهن نفسه، ~~وعبادته يجب أن تكون في كل مكان «بالحق والروح» أي بطهارة القلب دون شعوذة لربح المال ~~ودون ظواهر مادية محسوسة. فيا أختي إن هذه العبارة وحدها هدمت العالم لتنشئ عالما ~~جديدا، ووا أسفاه ليت العالم الجديد يبقى متمسكا بها. # فمن ذلك يا أختي أستير تفهمين السبب العظيم الذي من أجله ثار قومك على ابن الإنسان؛ ~~فإن البشر لا يؤلمهم شيء مثل التعرض لمصالحهم وكبريائهم للإضرار بها، وهم أول ما يشعرون ~~بالضرر والألم يتسترون بالدين، وينادون بأن تلك المبادئ التي تضر مصالحهم تضر الدين ~~وتهدمه، وهذا ما جرى يومئذ. فإنه لما قويت سلطة ابن الإنسان على الشعب ورأى الكهنة ~~والفريسيون أن تلك المبادئ الجديدة ستهدم مبادئهم ومصالحهم إذا استمروا ساكتين عنها ~~قاموا يفترون على صاحبها بخيانة الملة والأمة والتجديف على الدين، ولكي يتمكنوا من بلوغ ~~أربهم منه كذبوا عليه لدى والي الرومان بيلاطس بأنه يقول إنه «ملك اليهود وهم لا يريدون ~~ملكا غير قيصر» فيا أختي، هل رأيت في زمانك قط ظلما كهذا الظلم ورياء كهذا الرياء؟ إن ~~قومك كانوا يكرهون الرومان وقيصر كل الكراهة، ويطلبون إلى الله أن يخلع عنهم نيره، ومع ~~ذلك لم يأنفوا من تسليم واحد منهم للصلب بحجة أنه يقاوم قيصر مع أنه هو القائل لمن ~~استفتاه في طاعة قيصر: «أعطوا ما لله لله وما لقيصر لقيصر». # وماذا فعل ابن الإنسان يا أختي عندما رأى كل هذا الافتراء والظلم والرياء، اسمعي ماذا ~~فعل. إنه لم يغضب ولم ms104 يحقد، وفي ليلة صلبه جمع تلامذته وودعهم وغسل أقدامهم وفي جملتها ~~قدما جاحده وعدوه يهوذا الذي أسلمه، ولما قبضوا عليه للصلب لطموه على خده وبصقوا في ~~وجهه ووقفوا حوله يعرضونه للناس ويستهزئون به، ومع كل ذلك بقي ساكتا هادئا، ثم أخذوه ~~خارج المدينة، وهناك صلبوه بين لصين فسمروا يديه ورجليه واقتسموا ثيابه واجتمعوا حوله ~~يضحكون منه، وكان قد تركه كل الناس حتى تلامذته إلا النساء يا أختي فإنهن مثال الرقة ~~والحنان ومعرفة الجميل، ومع هذا وهذا بقي المصلوب يا أختي ساكتا هادئا، وهل تعلمين يا ~~أختي أول كلمة قالها على الصليب بعد ذلك؟ هي هذه مخاطبا الخالق «يا أبتاه اغفر لهم ~~لأنهم لا يعلمون ماذا يصنعون» يا أختي انظري إلى دموعي. فلقد مضت على هذه الحادثة أكثر ~~من ستمائة سنة وقرأتها أكثر من ستمائة مرة ومع ذلك فإنني أبكي لدى ذكرها لك الآن بكاء ~~يفتت كبدي، ويا ما أرق قلبك يا أختي وأشرف عواطفك. إنني أجثو الآن باحترام لدى هذه ~~الدموع التي أراها نازلة من عينيك؛ لأنها دليل على طهارة الإنسانية في داخلك. نعم يا ~~أختي، إن كل إنسان فيه ذرة من طينة الإنسانية الطاهرة يتألم لهذه الحادثة التي انتصر ~~فيها الباطل وخذل الحق بصرف النظر عن كل مسألة دينية، والإنسان الذي يتألم لها لا ~~يتألم فقط شفقة على عذاب الصديق، بل لمصلحة نفسه أيضا. إننا في الأرض يا أختي كلنا ~~عرضة لاعتداء الظالمين والأشرار والمفترين. فواجب علينا أن يكون لنا مبدأ يحمينا من ~~الظلم والافتراء؛ لنتمسك به في ظلمات هذه الحياة تمسك الغريق بخشبة في البحر، وهذا ~~المبدأ هو (العدالة) - العدالة المطلقة لكل إنسان كبيرا أو صغيرا قويا أو ضعيفا ~~مؤمنا أو وثنيا؛ إذ بفقدان العدالة المطلقة تفقد الحياة أساسها وأثمن ما فيها: وكل ~~واحد من الناس يصير حينئذ في خوف على نفسه؛ لئلا تجعله التقادير المظلوم الذي لا بد من ~~ظلمه لمصلحة طائفة أو أمة أو دولة، وهذا ما يسمونه: «بمصلحة الدولة» # 1 # وبهذا المبدأ يا أختي صلب ms105 الصديق؛ إذ قال قومك في مجمعهم يوم قرروا صلبه: ~~«خير أن يموت واحد من أن تموت الأمة». # فيا أختي فلننبذن هذه القاعدة القبيحة التي تحتج بها كل أمة أو حكومة تريد الخروج ~~عن جادة الحق، ولنتمسك بالعدالة المطلقة كما تقدم. فإن التمسك بالعدالة المطلقة هو الذي ~~يجيز الآن مثلا لك ولقومك أن تحتجوا على ظلم المسيحيين لكم حتى لو كان في هذا الظلم ~~مصلحة كل الأمم المسيحية، ولكن هذا التمسك بالعدالة المطلقة يوجب يا أختي الاعتراف ~~بالجناية الهائلة التي حصلت على الجلجلة، وبدونه يكون كل تظلم رياء وكلاما فارغا ~~ذاهبا في الهواء. فإن الحق حق لا يتجزأ، وسواء في ذلك لدى العدالة المطلقة حق فرد أو ~~حق أمة. فيا أختي فلنعترف بالجناية الهائلة التي حصلت. لنبحث كلنا معا أمام الصليب؛ ~~لأنه رمز أبدي لا يفنى إلى «الحق» الذي يجب أن لا يداس في العالم وإذا داسه أحد فإنه ~~ينتصر أبدا. لنضع شفاهنا على نقط الدم التي جرت عليه لنمحوها بالقبلات والدموع. لنبك ~~بحزن وألم أمام الذي تحمل الآلام بصبر إلهي بلا ضعف ولا شكوى، ولذلك قيل فيه: «إذا ~~كان موت سقراط موت رجل حكيم فموت يسوع كان موت إله» # 2 # وفي الحقيقة يا أختي أي بشر يستطيع تحمل ما تحمله يسوع بقوة كقوته. أي ~~إنسان وصلت فيه الإنسانية إلى هذا الحد من الكمال الإلهي. أستير أستير. هنا أرى يد الله ~~ظاهرة كالشمس. هنا أرى الأرض تتوارى مدهوشة؛ لأن أشياءها وأشخاصها لا تستطيع أن تصل إلى ~~هذا الحد من الكمال. فإذا أنكرنا هذا المثال الإلهي الذي شاء الله إعطاءه للأرض الناقصة ~~التعيسة زعزعنا الكرة الأرضية كلها؛ لأنه بنفس العقل الذي ينكر به هذا المثال ينكر ~~كل ما في الأرض من السماء. تنكر التوراة حينئذ، ويقال عنها إنها أساطير قديمة جمعت في ~~أزمنة مختلفة بناء على شريعة منسوبة لموسى مع أن موسى لم يكن له وجود في العالم كما ~~يقول كثيرون من أكابر العلماء # 3 # تنكر نبوءات أشعيا ودانيال وغيرهما في مجيء ms106 المسيح؛ لأنهم يقولون إنها ~~صنفت تصنيفا لعدم وجود رجلين باسم أشعيا ودانيال في الأرض قط، وإن تلك النبوءات ليست ~~إلا هذر وهذيان شيوخ كانوا مغتاظين من البابليين الذين أسروهم وسبوهم إلى بابل، ولذلك ~~كانوا يعللون نفوسهم في أحلامهم وضيقهم بمنقذ يعيد مملكتهم إليهم. تنكر أيضا حينئذ كل ~~ما في الأرض من آثار العناية الإلهية يا أستير، ونصير كلنا في ظلام أبدي. فما الداعي ~~إلى كل هذه الخسارة يا أختي؟ وماذا نربح في مقابلتها؟ لا شيء. # إذن فلنعترف بقدرة الله على كل شيء. فلنعترف بأفعاله الظاهرة في مخلوقاته. فليعترف كل ~~فريق منا بفضائل ومزايا الفريق الآخر. إنني يا أختي أحب قومك حبا شديدا، وأعرف فضلهم ~~على العالم. فهم الذين كانوا مهد الدين والوحدانية. هم الذين كانوا أول من بذروا في ~~الأرض مبادئ المساواة الاجتماعية والعدل والعبادة النقية المنزهة عن عبادة الأمور ~~الحسية، وتاريخهم تاريخ الصلة الأولى بين الله والناس، ولكن هذا الاعتراف يا أستير يجب ~~أن يكون كاملا، وكماله أن نعترف أيضا بالسيئات بعد اعترافنا بالحسنات؛ فنقول: إن ~~شريعة قومك بعد التحول الجديد الذي طرأ عليها كما وصفته لك لم تعد بكافية للإنسانية؛ ~~لأن ارتقاء الإنسانية كان يستوجب شريعة أرقى منها، ولذلك جاءت الشريعة المسيحية بآدابها ~~النقية وقداستها السماوية. فتشي وابحثي يا أختي أين تجدين في الكتب القديمة مبادئ ~~كالمبادئ الإنجيلية. انظري ياعزيزتي، إن المعطلين والوثنيين أنفسهم ينحنون باحترام أمام ~~هذه المبادئ بصرف النظر عن المسائل الدينية؛ لأنها أرقى صورة للكمال في هذا العالم، ~~وكثيرون من قومك العقلاء المنصفين يعترفون بذلك، وأؤكد لك أنني سمعت ذلك منهم بأذني، ~~ولا تقولي إن تلك المبادئ مستمدة من التوراة فإن المنصفين # 4 # الذين يطلبون الحقيقة المجردة دون انتصار لحزب دون حزب يثبتون أنها منقطعة ~~عما قبلها انقطاعا حقيقيا، ومتى ثبت هذا فقد ثبت الحق في جانب واضعها والمحقوقية في ~~جانب الذين اضطهدوه من أجلها. # فيا أختي أستير، فلنضع كل جدال ديني جانبا. لنترك المماحكات التي لا فائدة فيها لبشر ~~بعقول قاصرة محدودة كعقولنا. أنت ms107 يهودية وأنا مسيحي، ولكن لا أنت يمنعك دينك أن تعترفي ~~بالحق ولا أنا يمنعني ديني أن أعترف به، وإلا فإن الأديان تكون أديان فساد لا أديان ~~صلاح وصدق وإخاء ومساواة. فأنا أعجب بتاريخكم وبشعبكم وبحكمائكم وبقوة نفوس أمتكم، ولكن ~~إعجابي هذا سابق لصلب الصديق، وأما ما بعده فإنني آسف؛ لأنكم لم تجدوا في نفوسكم ~~وحبكم القديم للصدق والحق والعدل من القوة ما يمكنكم من الاعتراف بالخطأ الهائل الذي ~~حدث على يدكم. # فيا أستير أخبريني، أيطاوعك قلبك اللطيف الرقيق بعد الآن أن تخافي من الصليب الذي هو ~~رمز انتصار الحق وانكار الذات والآلام والمصائب الأرضية. بالله قولي. ماذا طلبوا منك ~~على الطريق لكي تظهري كل ذلك النفار والإباء من طلبهم. طلبوا منك أن ترسمي في الهواء ~~على صدرك بإشارة يدك شكلا كشكل هذا الرمز. فلو رسمت هذا الشكل لما كان لذلك من معنى ~~لديك سوى هذا «إنني أذكر بهذه الإشارة أن الحق لا يداس في الأرض بل ينتصر أبدا» ثم هل ~~علمت معنى اليدين الممدودتين اللتين خفت منهما في الدير؟ معناهما: «يا أختي يا بنت دمي ~~ولحمي، إنني مت وأنا أغفر لكم فإذا لم تشائي الإيمان بي فلا أقل من التألم لحادثتي» - ~~فيا أستير مدي يدك بجرأة إلى هاتين اليدين وخذي بهما ولا يروعنك أمرهما. هو ذا انظري. ~~منذ طفولتي اعتادت أمي أن تعلق في عنقي صليبا صغيرا علق أياما على الصليب الكبير ~~القائم في الجلجلة، والذي لا يزال حتى اليوم بختمه كما ختمته الملكة هيلانه أم قسطنطين # 5 ~~* فإليك هذا الصليب الصغير لنرى ألا تزالين تخافين منه. خذيه في ~~يدك. نعم هكذا، انظري إليه بحنو لا بخشونة، لماذا تبكين يا أختي؟ هل هذه الدموع للغيظ ~~أم للحنان. إذا كانت للغيظ فرديه إلي، وإذا كانت للحنان فبالله ضعيه على شفتيك، آه ما ~~أشد حنان قلبك وأرق عواطفك، اسمحي لي الآن بعد وضعه على شفتيك أن أقبله أنا أيضا، ~~وبذلك لا أقبله فقط بل أقبل أيضا شفتيك. أستير أستير إنني الآن في ms108 أشد حالات الهياج، ~~ولم أعد قادرا على ضبط نفسي. فأنا أصيح على مسمع منك، والله يسمع كلامي، ويشهد علي: ~~إنني أحبك أحبك، بحياتك لا تنفري واسمعي، إنني منذ وقع نظري على نظرك سرت في نفسي ~~كهربائية نفسك، قد كنت مللت هذه الحياة الباردة الجافة، وسئمت كل ما فيها؛ لأن كل ما ~~فيها صغير دميم خشن دنيء، أما الآن بعد أن عرفتك فقد صرت أراها جميلة مثلك. نعم، ما ~~أطيب العيش وما أرغد الحياة معك. إن كل الأشياء فيها تستمد حينئذ بهاءها من بهائك، وكل ~~ألوانها تصبح حمراء زرقاء بيضاء بلون خدك وعينك وعنقك، وأما لون شعرك فلا تستمد منه ~~أيامي شيئا معك. فيا جميلتي، إن الله أرسلك إلي كما أرسلني إليك. فلا تتركي الحواجز ~~الصناعية التي يضعها البشر تحول بيني وبينك. يا أستير، لا تظني أنني قدمت لك كل تلك ~~المقدمة الطويلة لأحولك عن مذهبك. كلا يا أختي، إنني أحترم مذهبك، وكل مذهب يجد فيه ~~صاحبه راحة وسلاما وحقا وفضيلة، وإنما قصدت أن أعلمك احترام مذاهب غيرك. # قصدت أن أريك أنه من المضحك في الحياة أن يأكل الرؤساء الحصرم والمرءوسون يضرسون. ~~فالرؤساء يضعون الترتيبات والنظامات التي تفرق بين البشر، والبشر يتبعونهم مغمضي العيون ~~كعميان يقادون إلى حيث لا يعلمون. فما لنا ولهم يا أستير، فلندعهم في أعمالهم ومصالحهم، ~~ولنعمل نحن أيضا ما فيه مصلحتنا. لنضع أديان البشر جانبا في مكان مقدس محترم، ولنجتمع ~~على دين جديد يقبل كل الأديان الفاضلة ولا يرفض أحدها، وهذا الدين هو دين العدالة التي ~~تقدم ذكرها والحق والمحبة والصفح للجميع، # 6 # ونحن الصغار المرءوسون المظلومون بهذه الحياة في أشد حاجة إلى إقامة «الحق ~~والعدالة والمحبة» مقام كل شيء. فيا أستير ضعي يدي في يدك لنعيش بسلام في هذه الأرض على ~~هذا الدين الجديد الذي تحترم فيه كل الأديان. فأنت تحترمين مذهبي كما أحترم أنا مذهبك ~~ونترك الزمان يفعل فعله، وإذا اقتضت الحال عرض مسألتنا على البطريرك فلا أطلب منك شيئا ~~أكثر من تقبيل هذا الصليب ms109 الصغير أمامه كما قبلته الآن أمامي». # هذا ما خاطب به إيليا أستير لدى قبر الراهب ميخائيل، وكانت أستير مصغية إليه أشد ~~إصغاء في أثناء كلامه، وإن القلم ليعجز عن وصف ما قام حينئذ في نفسها. # الفصل الثالث عشر # | حلم أستير # في أن للمجاذيب قلوبا تتحرك أيضا ~~*** # ولما رجعت أستير من سياحتها في المزرعة مع إيليا كانت صفراء اللون بعد الاحمرار مبهوتة ~~تفكر كثيرا وتتنهد كثيرا، وفي تلك الليلة لم تتناول طعاما ولا نطقت بكلمة، وكان الشيخ ~~سليمان يعجب من هذه الحالة، ولكن إيليا كان يراقبها مراقبة شديدة ليعلم ما وراءها؛ لأنه كان ~~على ثقة من أنها نتيجة حديثه معها. # فكأن هذا الحديث هدم الحواجز التي كانت في نفسها، فاشتغلت هذه النفس بالخرائب التي حصلت ~~فيها، وهذا شأن الهدم إذا لم يقرن بالبناء، وقلما يبنى على أنقاض الأخربة ~~المهدومة. # ولما هبط الظلام استأذنت أستير في الدخول إلى غرفتها للنوم طلبا للراحة، وقبل أن دخلت ~~إليها ألقت في خلال كآبتها وانقباضها نظرة إلى إيليا وابتسمت له. فطار صواب إيليا لهذا ~~الابتسام الملائكي، وقال في نفسه: لعله جواب إيجابي عما تقدم. # واتفق أن غرفة إيليا كانت بجانب غرفة أستير فلما مضى الهزيع الأول من الليل دخل إيليا إلى ~~غرفته أيضا، وبعد أن خلع ملابسه ورقد في فراشه سمع تقلب أستير في فراشها في غرفتها. فعلم ~~أنها لم ترقد بعد. فبقي إيليا ساهرا في فراشه لا يزور الكرى جفنيه حتى سكنت حركات أستير ~~ورقدت، وكان ذلك بعد منتصف الليل. فألوى إيليا حينئذ رأسه على وسادته وتنهد تنهدا من صميم ~~قلبه، ثم استلسم إلى الكرى فطارت روحه إلى عالم الأحلام لتلتقي بروح أستير التي سبقتها ~~إليه. # وكانت عين إيليا آخر عين رقدت في المزرعة في تلك الليلة. # إلا أن عينا أخرى من غير المزرعة كانت حينئذ في ظلمة الليل ترصد المزرعة من خارج، وتحوم ~~حولها كما يحوم النسر على الفريسة، ولذلك لم تمر نصف ساعة بعد منتصف الليل حتى كان شبح ~~يتسلق جدار المزرعة ويهبط ms110 إليها. # وكأن هذا الشبح كان يطلب في المزرعة غرضا معلوما؛ لأنه لم يهبط إلى أرضها حتى سار ~~متلصصا نحو غرفة أستير ووقف على نافذتها المشرفة على فناء المزرعة. # وهناك بقي جامدا هامدا يصغي بكل جوانحه. # لكن هذا الشبح لم يكد يستقر في مكانه وراء النافذة حتى علا من غرفة أستير صراخ وبكاء. ~~فأجفل الشبح وصار ينظر حوله خوفا من أن يفاجئه أحد. ثم اشتد البكاء مقرونا بزفير وشهيق ~~متصلين. فيظهر أن إيليا انتبه على صوت بكاء أستير فهب من رقاده مهرولا، وخرج من باب غرف ~~المزرعة قاصدا نافذة أستير الخارجية ليتنصت عليها. فما كاد يصل إلى النافذة حتى لمح الشبح ~~الأول الذي كان واقفا هناك. # وكانت زوبعة أمس قد سكنت والريح هادئة والظلام دامس. فهجم إيليا بشجاعة نحو الشبح ولا ~~سلاح في يده غير قبضته، ولما وصل إليه أخذ بيديه أخذا شديدا وصاح به: من أنت # 1 # فضحك حينئذ الشبح ضحكا شديدا، وأجاب: أما عرفتني يا كيريه إيليا؟ فحينئذ عبس ~~إيليا وأجاب: وماذا تصنع هنا يا أرميا؟ # أما أرميا وهو عين الشبح المذكور فإنه زاد ضحكا وأجاب: أنا أصنع كما تصنع أنت. فغضب ~~إيليا حينئذ وقال: يا أرميا إن نزولك إلى المزرعة تحت جنح الدجى أمر غير حسن. ثم تركه إيليا ~~ودخل فأيقظ الشيخ سليمان، وأخبره ببكاء أستير في الليل، ووجود أرميا في المزرعة. # أما الشيخ سليمان فلم يبال بهبوط أرميا إلى المزرعة في تلك الليلة؛ لأن إيليا لم يوقفه ~~على سبب ذلك، ولهذا لم يهتم إلا بأمر أستير. فذهب في الحال ونبه بناته، وبعد ثلاث دقائق ~~اجتمعن في عرفة أستير يؤانسونها. # أما أستير فإنها لما وقع نظرها على إيليا زاد بكاؤها حتى كاد يغمى عليها، وكان أرميا من ~~خارج يسمع صوتها. فقال في نفسه: إذا لم يكن ذلك الليلة فغدا. # ولما سألت البنات أستير عن سبب بكائها أجابتهن أنه حلم مريع، ولكنها لم تقص لهن شيئا من ~~هذا الحلم، وفي الحقيقة أنه كان مؤثرا. فإن أستير لم تكد ترقد ms111 حتى رأت نفسها في كنيسة ~~جاثية أمام الصليب وهي تقول: «إنني أكفر يا سيدي عن جناية أمتي» لكنها لم تلبث أن رأت ~~أمها العجوز المقعدة قد دخلت إلى الكنيسة ركضا؛ لأنها كانت تفتش عنها، وإذ أبصرتها صاحت ~~بها «أهكذا تتركينا يا أستير، أهذه ثمرة أتعابنا فيك». فانتبهت أستير مذعورة مرتعدة، ~~واندفعت تبكي بكاء شديدا دون أن تتمالك نفسها كما يحدث كثيرا للذين يرون أحلاما ~~مؤلمة. # وكانت حينئذ قد دخلت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، وبينما كان الفتيات يسكن روع ~~أستير في داخل الغرفة جاء أرميا وطلب الانفراد بإيليا. فخرج إليه إيليا عابسا. فأخذه أرميا ~~إلى جانب في ساحة المزرعة، وابتدأ الحديث بقوله: يا كيريه إيليا على أي شيء عزمت الآن؟ فدهش ~~إيليا وأجاب: أي شيء تريد؟ فقال أرميا المعتوه: أنت تعلم أن الصيد لمن صاده، وأنا وأنت قد ~~اصطدنا صيدا فلماذا تنفرد به أنت وحدك؟ فحملق إيليا وصاح به: ما معنى كلامك هذا؟ فضحك ~~أرميا ضحكة شديدة وأجاب: أنظرت يا كيريه إيليا. إنه لا يغضب إلا المخطئ، وأما الذي يكون ذا ~~حق مثلي فإنه يكون هادئا دائما، واسمع لأفسر لك كلامي. يا كيريه إيليا، ضع يدك على صدري ~~فتعلم أن لي قلبا مثل قلبك، وهو يتحرك أيضا كما يتحرك قلبك. فأنا أحب كما أنت تحب، وأول ~~ما وقع نظري على هذه الفتاة الوثنية أحببتها من صميم قلبي، وصرت أرى من واجباتي هدايتها إلى ~~الإيمان الحقيقي. ثم لما اصطدناها معا على الطريق ليلة أمس صار لي الحق فيها، وأنت أيضا ~~لك فيها حق لا ينكر. فماذا تريد الآن هل تبيعني حقك أم تشتري حقي؟ # فعند هذا الكلام تحول غضب إيليا إلى ضحك رغما عنه، ولكنه بقي يظهر الجد، فقال: ومن أخبرك ~~أنني أحبها، ثم ما هي طريقة هذا البيع والشراء؟ # فقهقه أرميا وأجاب: أما حبك فقد عرفته، وأما البيع والشراء فله ثلاث طرق: الأولى: أن ~~نقترع على الفتاة فالذي يربحها تكون له، والثانية: أن نتناظر في الدين فالذي يغلب رفيقه ~~تكون ms112 من نصيبه، والثالثة: أن تكون الفتاة للذي يتنازل للثاني عن وظيفته. فأنا وظيفتي حراسة ~~ورثاء أورشليم على الجبل وأنت وظيفتك رئاسة هذه المزرعة. فإما أن تبقى في وظيفتك وتكون ~~الفتاة لي أو تأخذ وظيفتي على الجبل تاركا المزرعة لي فتكون الفتاة لك. # فهز إيليا حينئذ رأسه وعجب من نفسه لإصغائه لكلام هذا المعتوه. فأجابه باستخفاف ظاهر في ~~وجهه: سنتباحث في هذا أيها النبي أرميا. ثم تركه وعاد إلى منازل المزرعة. # أما أرميا فإنه تأمل فيه وهو عائد عنه، وقال في نفسه: إنك تضحك مني، ولكني أقسم بالله ~~أنني سأحرمك إياها. # وكان الهدوء قد عاد إلى المزرعة، ودخل كل واحد إلى غرفته للرقاد بقية الليل، وكذلك أرميا ~~دخل إلى إحدى الغرف لينام، ولكنه كان ينام بعين ويسهر بالأخرى، وهو يقول في نفسه ضاحكا ضحك ~~المجاذيب: «إن إيليا سيخسر الفتاة من ذات الباب الذي ربحها منه». # الفصل الرابع عشر # | الكتاب # في أن عواطف المرأة قد تنقلب بغتة وتفيض دفعة واحدة. ~~*** # وفي صبيحة اليوم التالى استغرق إيليا في الرقاد ولم ينهض باكرا. إلا أنه وهو في الفراش ~~سمع ضوضاء شديدة وحركة اجتماع. فنهض من فراشه ليستخبر الخبر. فعلم حينئذ ما جمد دمه في ~~عروقه، وجعله يثب عن الأرض ذراعا، وهو أن أستير قد فرت من المزرعة في الليل، وتركت له على ~~مائدتها كتابا بخط يدها. فصاح إيليا في الحال مناديا: أرميا. فقيل له: إنه لم يطلع عليه ~~الصباح في المزرعة. فصاح إيليا حينئذ: لقد فر بها ابن اللئام. ثم عمد إلى كتاب أستير ففتحه ~~بيد مرتجفة وقلب ملتهب، وقرأ فيه ما يأتي: # يا صديقي إيليا # أرجو منك أن تسامحني لتركي المزرعة بدون علمك، واشفق علي؛ لأنني في غاية ~~التعاسة. إنني لم أعد أطيق الإقامة في المكان الذي تقيم فيه يا إيليا، ولذلك أفر ~~منك. فانسني ولا تتذكرني بعد الآن، ولا تحاول كشف مكاني فإنك لا تعلم به أبدا. إن ~~بيني وبينك هاوية عظيمة. فإذا قطعتها إليك صرت تعيسة لفراقي دين آبائي وأجدادي، ~~وإذا ms113 بقيت بجانبك بعيدة عنك كنت أشد تعاسة وعذابا؛ لأنني أخاف ضعفي. فيا صديقي ~~ساعدني على نسيانك وبعدي عنك بنسياني وبعدك عني، وبحياة عينيك يا إيليا لا تخالف ~~إرادتي هذه. أنا أعلم ما تعانيه لاتباعها، ولكن كن على ثقة من أن كل عنائك لا يساوي ~~شيئا من العناء والعذاب الذي وجدته حين فراقي هذا المكان. فإنني خرجت منه باكية، ~~وهو ذا يدي ترتجف وأنا أكتب لك، وكن مطمئنا من نحوي، فإنني لم أذهب وحدي، بل إن ~~صاحبك الذي تسميه «أرميا» يصحبني، وسيوصلني إلى حيث أشاء. الوداع إلى الأبد. كن ~~سعيدا بعدي يا إيليا وحب غيري. أما أنا فسأذكرك ما عشت. لم أكن لأظن قبل معرفتك ~~أنه يوجد بين البشر الغير إسرائيليين قوم بأخلاقك وأفكارك، وثق يا إيليا أن سلوكك ~~معي أثر في أكثر من خطبتك. نعم، صرت أعلم أننا نحن البشر كلنا إخوان، ولكن ما ~~الحيلة بالعادات والتقاليد. ربما كان لي قوة على خرقها لو استسلمت إلى نفسي، ولكني ~~إذا خرقتها قتلت أبي وأمي. فإن روح أمي تجلت لي بالحلم يا إيليا وأرجعتني بكلمة ~~واحدة إلى الطريق التي حدت عنها، وأنا لا أخالف أمي ولو جنيت على نفسي، ولا ريب ~~عندي أنك بعد هذا القول تثني علي بدل أن تلومني. # يا إيليا إن أمهاتنا هي أرواحنا الحقيقية التي خرجنا منها، وقد كوننا وربيننا ~~بالدماء والدموع. فمهما صنعنا ومهما أنكرنا ذواتنا من أجلهن، فإننا لا نفيهن ~~الدين الذي لهن علينا، وفضلا عن ذلك يا إيليا فإنك تعلم أن المعتقدات المجبولة ~~بلحم الإنسان وعظامه لا تتغير بالوعظ والكلام. فإن معتقدي يبقى قائما في وجه ~~معتقدك إلى الأبد. فيكون تنغيص عيشك على يدي بدل مسرتك. فدعني إذن وشأني، اعتبرني ~~كحلم ذهبي مر في مخيلتك في إحدى ليالي الصيف المضطربة التي يشتد فيها اضطراب ~~المنفردين. احسبني كعروس الجن التي تظهر لبعض البشر في الليالى لتعذيبهم بالشوق ~~والوجد، ولكن يا إيليا اغفر لي فإنني لم أرد تعذيبك عمدا، والدليل على ذلك أنني ~~شريكتك في هذا العذاب. ms114 # انظر إلى هذا السطر فإنك تجد فيه أثر دمعة نزلت من عيني وأنا أكتب إليك، وكفى ذلك ~~برهانا على صدق عواطفي من نحوك. نعم يا عزيزي إيليا إنني صرت أميل إليك كما ملت ~~لي، وأخجل أن أقول أحبك؛ لأن هذه الكلمة تحرق يدي وفمي، ويخيل لي أنني إذا سطرتها ~~على الورق فإنه يلتهب بها أيضا، ولكن يا عزيزي ما قيمة الحب والميل إذا كان ~~الإنسان يضحي من أجلهما الواجب والضمير. إنه حينئذ يشتري راحة صغيرة بتعب كبير، ~~ولذة خفيفة بألم شديد. فيا إيليا أنت تحبني ولكن كن متيقنا أنك إذا تركتني وحدت من ~~طريقي تحسن إلي وإلى نفسك أضعاف حبك لي . فإنه حينئذ يجوز لضميرك أن يقول إنك لم ~~تكن لي عذابا واضطهادا ونقمة دائمة، وإذا كانت المسيحية هي ترك الإساءة كما قلت. ~~فبالله اذكر الآن أنك مسيحي، إيليا إيليا. إنني أردت أن أطلعك على حقيقة نفسي في ~~هذا الكتاب؛ لتعلم أنني لست بدون قلب، ولا أنا بجاحدة للجميل فعذرا عما أصرح لك به ~~هنا. اسمع. إنني أكاد أندم لطلبي منك أن تحيد من طريقي، وها إنني أكاد أمزق هذا ~~الكتاب وأبقى هنا في المزرعة بجانبك إلى ما شاء الله، ولكن صوت دمي وصوت أمي يصيحان ~~دائما في أذني، ويخيل لي أنني أرى في هذا الظلام الدامس يد أمي تشير إلى باب ~~المزرعة تدلني على طريقي. فيا إيليا صفحا وحلما ولا تتبعني، وإن تبعتني فإنك تقتل ~~نفسك وتقتلني. ذلك أني لا أستطيع أن أراك بعد الآن إلا وأنطرح بين يديك، ولكن ثق ~~أنني بعد هذا الانطراح أموت في لحظة واحدة. آه إنك لم تعرف حب بنات اليهود ولا قوة ~~نفوسهن. فهنيئا لك لأنك لا تبلى بهذه النار الآكلة. فاختر الآن يا عزيزي بين حياتي ~~بعيدة عنك وبين موتي معك، وإذا مت أنا فلا أسف علي؛ لأنني لست إلا فتاة مسكينة ~~خانها دهرها، وربط نفسها بنفس لا سبيل لها للاقتران بها. أما أنت فاحرص على حياتك؛ ~~لأنها ثمينة لقومك، وكن في ms115 بلادنا التعيسة رسول المبادئ والأفكار المعتدلة التي ~~بسطتها فإنه متى سادت هذه المبادئ بين قومي وقومك لم يبق سبيل لشقاء نفسين ~~كنفسينا. # ياعزيزي إيليا، لا أوصيك إلا بشيء واحد وهو أن تذكرني ببشاشة وسرور أمام المرأة ~~السعيدة التي ستكون شريكتك في مستقبل حياتك، ومتى أتاك طفل فوصيتي أمام الله والناس ~~وصية أطالبك بها في اليوم الأخير أن يكون أول ما تعلمه إياه النطق باسمي، بل اسمع ~~ياعزيزي، سم باسم «أستير» أول ابنة يرزقك الله إياها، وإذا وضعت ذلك نصب عينيك، ~~فلا ريب عندي في أن الابنة تجيء مثلي، ومن يعلم المستقبل يا عزيزي، فإنني ربما أكون ~~مت في ذلك الزمان، وحينئذ يكون ألذ وأشهى شيء عند روحي الاتحاد بشيء منك والسكنى ~~في جسم ابنتك. # ياعزيزي إيليا، انسني ما استطعت، ولكن إذا كنت سائرا بين البساتين في مزرعتك ~~ورأيت يمامة قادمة ترفرف حولك فاعلم أنها رسول من قبلي يحمل إليك تحيتي، وإذا نفر ~~من أمامك في أحد الحقول عصفور جميل وحلق في الجو مغردا فاعلم أنه رقيب مني عليك ~~أرسلته ليجيئني بأخبارك، وإذا داعبت الريح شعرك في مرورها عليك مطيبة فلا تظن أن ~~طيبها مأخوذ من شذا الأزهار؛ بل هو مرسل معها إليك من أستير عزيزتك، وإذا رفت ~~عينك يوما فاعلم أن عيني تنظر إليك مع غيبتك، وإذا طنت أذنك يوما فاعلم أنني ~~أتحدث عنك وأناجي نفسي بذكرك. # وهذا وحده يدلك يا إيليا على أنني لا أنساك أبدا ما بقي لي من الحياة بقية. ~~فتعز يا عزيزي عن فقدي بصدق وثبات عواطفي، واندب معي مسرات البشر وآمالهم ~~الحلوة التي يجترفها تيار الحياة بلا شفقة على الأحياء ولا مبالاة بعذاباتهم ~~ليحملها إلى هاوية النسيان الهائلة. # أستير # حاشية: أرجو منك أن تنثر من قبلي في كل يوم شيئا من الزهر على قبر الراهب ~~ميخائيل. # فليتصور القارئ حالة إيليا بعد قراءته هذا الكتاب. أما نحن فنضرب صفحا عن وصفها. # وبعد أن ثاب إيليا إلى رشده كان أول ما طلبه فرسا مسرجا. فلما درى بذلك ms116 الشيخ سليمان ~~جاءه مستخبرا فأخبره إيليا أن أرميا اختطف الفتاة وذهب بها. فأطرق الشيخ سليمان، ثم قال: ~~اذهب واخطف روحه، وإذا لم تجده تحت الأرزة ولا في الدير فابحث عنه في بيت لحم ومغارة الرعاة ~~القريبة منها * فإنه يتردد كثيرا إلى هناك. # فركب إيليا وسار ينشد ضالته، وكان إذا مر بالطرق التي وقف فيها مع أستير أول أمس يقف ~~عليها مبهوتا متذكرا، وما زال سائرا حتى أشرف على كوخ أرميا تحت الأرزة فلم يجد فيه ~~أحدا. فقصد دير العذراء وسأل خدمته عن أرميا وفتاة معه فأجابوه أنهم لم يروا أحدا، وكان ~~إيليا يرى من قمة الجبل حركات العرب حول سور المدينة فوقف متحيرا في ماذا يصنع. هل يهبط ~~إلى المدينة ويستأذن العرب في الدخول إليها لمقابلة أبي أستير وأمها وسؤالهما عنها أم يذهب ~~إلى بيت لحم. لا سيما وأنه كان خائفا على الفتاة من جنون أرميا، ولكنه بينما كان يفكر في ~~هذين الأمرين، وإذا بشرذمة من فرسان العرب هاجمة على الجبل لارتياد ضواحي المدينة وطلب ~~الزاد والميرة منها. فلما أبصرهم إيليا اصفر لونه وجمد على فرسه في مكانه ... أما الفرسان ~~فلما رأوا ذلك الفارس على الجبل قصدوه جميعا. فشاهدهم إيليا يهجمون عليه دون أن يفر من ~~وجوههم فرارا من عار الفرار. فقبض عليه فرسان العرب وأرسلوه أسيرا إلى قائدهم؛ لظنهم أنه ~~رسول أو جاسوس، وهكذا أصبح إيليا المسكين في همين؛ هم أستير وهم نفسه. # الفصل الخامس عشر # | حصر بيت المقدس # فلنترك إيليا الآن أسيرا في خيام العرب، ولنعد إلى المدينة وحاصريها لنرى ماذا حدث ~~فيها. ~~«أقام جند العرب على بيت المقدس ثلاثة أيام لا يبارزهم حرب، ولا ينظرون رسولا يأتي ~~إليهم، ولا يكلمهم أحد من أهلها. إلا أن أهل بيت المقدس حصنوا أسوارها بالمجانيق والطوارق ~~والسيوف والدرق والجواشن والزرد الفاخر.» # 1 ~~* ~~«فلما كان اليوم الرابع قال رجل من البادية لشرحبيل بن حسنة: # 2 # أيها الأمير، كأن هؤلاء القوم صم فلا يسمعون أو بكم فلا ينطقون أو عمي فلا ~~يبصرون. ازحفوا ms117 بنا إليهم. فلما كان اليوم الخامس وقد صلى المسلمون صلاة الفجر كان أول من ~~ركب من المسلمين من الأمراء لسؤال أهل بيت المقدس يزيد بن أبي سفيان # 3 # فشهر سلاحه، وجعل يدنو من سور المدينة، وقد أخذ معه ترجمانا (يعرف اليونانية ~~والعربية) ليبلغه عنهم ما يقولون. فوقف بإزاء السور بحيث يسمعون خطابه وهم صامتون وقال ~~لترجمانه: «قل لهم أمير العرب يقول لكم: ماذا تقولون في إجابة الدعوة إلى الإسلام والحق ~~وكلمة الإخلاص وهي كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله، حتى يغفر لكم ربنا ما سلف من ~~ذنوبكم وتحقنون بها دماءكم، وإن أبيتم ولم تجيبونا فصالحوا عن بلدكم كما يصالح غيركم ممن هو ~~أعظم منكم عدة وأشد منكم، وإن أبيتم هاتين الحالتين حل بكم البوار وكان مصيركم إلى النار.» ~~* فتقدم الترجمان إليهم وسألهم من المخاطب عنكم * فكلمه قس عليه مدراع ~~الشعر * وقال: ماذا تريد؟ فأبلغهم الترجمان أن أمير العرب يدعوهم إلى إحدى هذه ~~الخصال الثلاث: إما الدخول في الإسلام أو أداء الجزية وإما السيف. فبلغ القس من وراءه ما ~~قال الترجمان، وكان فوق السور جمع غفير من الروم، ووراءهم والي المدينة، وقائد الحامية، ~~والبطريرك. فضحك بعضهم، ثم عادوا إليه بالجواب أنهم يختارون السيف؛ لأنه خير الحاكمين ~~* فعاد يزيد بن أبي سفيان إلى معسكر العرب، وأخبر الأمراء بجوابهم. ثم قيل لهم: «ما ~~انتظاركم بهم. فقالوا: إن الأمير أبا عبيدة ما أمرنا بالقتال ولا بحرب القوم بل بالنزول ~~عليهم، ولكن نكتب إلى أمين الأمة (يعني أبا عبيدة) فإن أمرنا بالزحف زحفنا. فكتب يزيد بن ~~أبي سفيان إلى أبي عبيدة يعلمه بما كان من جواب القوم فما الذي تأمر». * # وفي ليلة إرسال هذا الكتاب كان بين خيام جند يزيد بن أبي سفيان خيمة غاصة بنساء العرب وهن ~~مجتمعات حول فتاة غريبة في نحو العشرين من العمر، وكانت أسيرة في الخيمة، وكان النساء ~~يخاطبنها بالعربية وهي لا تفهم لغتهن. فلما أعياهن أمرها قالت إحداهن وكانت هي خولة بنت ~~الأزور الفارسة المشهورة أخت ضرار ms118 بن الأزور الفارس المعروف: هل ترين يا أخواتي أن أبا ~~عبيدة ينهانا عن قتال أهل بيت المقدس حرمة للمكان، والله إنني لأود أن أكون أول المقاتلين ~~والداخلين إلى بلد الأنبياء. فقالت خولة بنت ثعلبة الأنصارية: هل نظرت قبل اليوم صخرة بيت ~~المقدس يا خولة؟ فأجابت خولة: وهل دخلنا بيت المقدس قبل اليوم. فقالت كعوب ابنة مالك بن ~~عاصم: وهل سمعت بصفتها؟ فأجابت خولة: «كانت صخرة بيت المقدس في السماء اثني عشر ميلا، ~~وكان أهل أريحا يستظلون بظلها وأهل عمواس مثل ذلك، وكان عليها ياقوتة حمراء تضيء لأهل ~~البلقاء، وكان يغزل في ضوئها أهل البلقاء.» # 4 # فدهش النساء من ذلك وقالت لبني ابنة جرير الحميرية: وهل إذا دخلنا المدينة غدا ~~نرى المسجد ومربط البراق؟ فأجابت خولة: مرب البراق تحت ركن المسجد # 5 # أما المسجد فخرب، وسنأخذ المدينة بحول الله وقوته، ونعيد بناءه وإن غاظ ذلك ~~الروم واليهود. فلما لفظت كلمة «اليهود» ظهرت البغتة على وجه الفتاة كأنها كانت تفهم كلمة ~~«يهود» العربية، ولكن النساء لم يلتفتن إليها. # فسألت امرأة أخرى وهي سلمى ابنة هاشم: # 6 # أصحيح يا خولة أن كل الناس سيبعثون في بيت المقدس؟ فأجابت خولة: أجل يا سلمى ~~«ينصب الصراط ببيت المقدس، ويؤتى بجهنم نعوذ بالله منها إلى بيت المقدس، وتزف الجنة يوم ~~القيامة مثل العروس إلى بيت المقدس، وتزف الكعبة فيجاء بها إلى بيت المقدس، ويقال لها: ~~مرحبا بالزائرة والمزورة، ويزف الحجر الأسود إلى بيت المقدس، والحجر يومئذ أعظم من جبل ~~أبي قبيس.» # 7 # فقالت نعم ابنة فياض: يا أخواتي فما أفضل بيت المقدس. فقالت خولة: أجل يا نعم، ~~ولها فضائل أخرى أيضا «منها: أن الله رفع نبيه إلى السماء من بيت المقدس، ورفع عيسى من بيت ~~المقدس، ويغلب المسيح الدجال على الأرض كلها إلا بيت المقدس، والأنبياء كلهم من بيت المقدس، ~~والأبدال كلهم من بيت المقدس، وأوصى آدم وموسى ويوسف وجميع أنبياء بني إسرائيل أن يدفنوا ~~في بيت المقدس.» # 8 # وهكذا لم يكن للمسلمين والمسلمات من حديث ms119 في تلك الليلة غير التشوق لفتح بيت المقدس ~~والتحدث بآثارها. # فبعد مدة وردهم جواب أبي عبيدة «يأمرهم بالزحف، وأنه واصل في أثر الكتاب.» * ~~فأشرقت وجوههم * وقد باتوا تلك الليلة كأنهم ينتظرون قادما يقدم عليهم من شدة ~~فرحهم بقتال أهل بيت المقدس، وكل أمير يريد أن يفتح على يديه فيتمتع بالصلاة فيه، والنظر ~~إلى آثار الآنبياء. فلما أضاء الفجر أذن وصلت الناس صلاة الفجر فقرأ يزيد لأصحابه: # يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب ~~الله لكم ولا ترتدوا ~~* (الآية)، ومن غرائب الاتفاق أن باقي ~~أمراء الجند قرءوا في جندهم هذه الآية أيضا كأنهم كانوا على ميعاد واحد # 9 # وبعد ذلك نادوا «النفير النفير يا خيل الله اركبي.» * وبرزوا ~~للقتال. # وكان أهل بيت المقدس قد استخفوا بالعرب ونبالهم، ولذلك كانوا يتعرضون لها في بادئ الأمر ~~* وكان أول من برز للقتال حمير ونبالة اليمن * فأخذ الروم يرشقونهم بالنشاب ~~من على الأسوار فتفتك بهم والنبالة ترشق الروم بالنبال. فلما رأى الروم أن النبال كانت تصيب ~~رجالهم «فيتهافتون من سورهم كالغنم احترزوا منه بعد إهمالهم أمره، وستروا السور بالجحف ~~والجلود وبما يرد النبل.» * إلا أن حامية المدينة كانت مع ذلك تحارب بجرأة وشجاعة ~~وبشاشة، وهكذا مر اليوم الأول من القتال على غير طائل. ~~«ولما غربت الشمس رجع الناس، وصلى المسلمون فرضهم، وأخذوا في إصلاح شأنهم وعشائهم. فلما ~~فرغوا من ذلك أوقدوا النيران، واستكثروا منها؛ لأن الحطب كان عندهم كثيرا. فبقي قوم يصلون، ~~وقوم يقرءون، وقوم يتضرعون، وقوم نائمون مما لحقهم من التعب والقتل.» * وفي اليوم ~~التالي برزوا للقتال أيضا وحامية المدينة يظهرون الفرح ويضحكون، فمر هذا اليوم كاليوم ~~الأول، وهكذا إلى اليوم العاشر * على غير طائل. # وفي اليوم الحادي عشر أشرقت على بيت المقدس راية أبي عبيدة يحملها غلامه سالم ومن ورائها ~~الفرسان، وقد أحدقوا بأميرهم أبي عبيدة وخالد بن الوليد عن يمينه وعبد الرحمن بن أبي بكر عن ~~يساره، وجاءت النساء والأموال، وضج الناس ضجة واحدة بالتهليل والتكبير، فأجابتهم القبائل، ~~وارتجت المدينة لهذا الاستقبال ms120 الحافل * فضعفت قلوب المحصورين وقويت قلوب الحاصرين ~~بهذا المدد العظيم الجديد. فذهب وجوه الجند والمدينة إلى مقام البطريرك قرب كنيسة القيامة # 10 # ليتشاوروا في أمرهم، ويبلغوه مقدم أمير العرب. فلما سمع البطريرك بهذا بغت ~~بغتة شديدة؛ لأنه حسب أن الأمير الذي قدم هو الخليفة عمر بن الخطاب، وكان يعلم أن الخليفة ~~لا يقصد فتح بلد حتى يكون كل العرب وراءه، ولكنه لما علم أن الذي قدم هو أبو عبيدة عامل ~~الشام سكن خاطر الناس، وشجع قلوبهم بقرب وصول المدد إليهم، فعادوا إلى الحرب بالجرأة اللازمة. # 11 # الفصل السادس عشر # | بين أستير وأرميا وإيليا # في أثناء الحصار # فأقام أبو عبيدة نحو أربعة أشهر * على حصر بيت المقدس على هذا المنوال، وكان جنده ~~لانكشافهم أمام أسوار عدوهم يلاقون بلاء أشد من بلاء المحصورين، ولم تغن عنهم درفهم شيئا، ~~وكان الوقت وقت مطر وبرد وثلج فعانى الفريقان من ذلك ما عانياه حتى سئما الحرب والقتال. ~~* # وفي ذات يوم بينما كان أبو عبيدة في مضربه، ورحى القتال دائرة حول المدينة، وإذا برجل ~~يقصده ويسأل الناس عنه، وكان وراءه عجوز على حمار. فلما وصل إلى مضرب الأمير أنزل العجوز ~~إلى الأرض وفرش لها رداء لتجلس عليه، ثم دخل على الأمير فسلم وناوله كتابا صغيرا كان ~~مخبوءا في ثيابه. فلما قرأه أبو عبيدة بغت وصاح به: أنت يوسف؟ فقال الرجل: نعم أيها ~~الأمير، فقال: اجلس وقص علي ما تعلم فقد كتب إلي في شأنك منذ أشهر، ولماذا لم تفد ~~علينا قبل الآن؟ فأجاب الرجل: لأنني لم أجد قبل الآن عذرا يمكنني من الخروج من المدينة ~~لملاقاتكم؛ لأن الروم دروا بأمري. فقال أبو عبيدة ضاحكا: وهل قبضوا عليك؟ فغص الرجل بدمعه، ~~وقال: قبضوا علي وعلى ابنتي، فأطلقوني وأسروا ابنتي في دير لهم. وأمس زرت هذا الدير بأمر ~~بطريركهم، فعلمت منه أن ابنتي فرت من الدير ولم يوقف لها أثر. فقال أبو عبيدة: وكيف تركوك ~~تخرج الآن من المدينة؟ فقال الرجل: إن قائد الجند دعاني إليه بأمر البطريرك ms121 وإشارته فأظهر ~~لي اللطف والمجاملة، ثم عهد إلي أن أجيئكم، وأظهر أنني فار منهم إليكم، وبعد ذلك أخبركم ~~بقوتهم وعزمهم على القتال، وقرب وصول المدد إليهم حتى أوهن عزائمكم، فتبدءوا بطلب الصلح ~~منهم، ويظهر لي أن غرضهم من ذلك هو الصلح ليأس البطريرك من ورود مدد إلى المدينة من ~~ملكهم. # فأطرق أبو عبيدة يفكر ثم سأله: لقد مر على قتالنا لهم بضعة أشهر بدون جدوى فما ظنك لو ~~حاربناهم شهرين أيضا. فتأمل الرجل هنيهة ثم أجاب: هؤلاء النصارى لا يؤثر فيهم شيء مثل ~~الضغط عليهم. فشد عليهم الوثاق أيها الأمير، ولا تقبل منهم الصلح؛ إذ أية فائدة لكم فيه. ~~أما إذا أخذتم المدينة فتحا بالسيف فإنكم تغنمون كنوزهم وأموالهم. # فنظر حينئذ أبو عبيدة إلى ذلك الرجل، وقال في نفسه: إن البغض بين هذين الفريقين من أهل ~~الكتاب - اليهود والنصارى - لا يزول أبدا، وكان ضرار بن الأزور عائدا حينئذ من ساحة ~~القتال لحاجة فناداه الأمير، وقال له: خذ هذا الرجل إلى خيمتك وأصلح حاله في هذا الشتاء. ~~فسار الرجل والعجوز وراء ضرار إلى خيمته. # وما كاد الثلاثة يصلون إلى خيمة ضرار حتى سمعوا من الخيمة بكاء فقال ضرار لرفيقه: أتعرف ~~لغة الروم يا رجل؟ فأجاب الرجل بالعربية، وكان يعرفها كما تقدم: نعم أعرفها أيها الفارس ~~الهمام فأي أمر تريد؟ فقال ضرار عندي فتاة من الروم أسرتها منذ مدة على طريق مهد عيسى # 1 # مع رومي مجنون، وهي لا تزال تبكي ليلا ونهارا، وقد أحبتها أختي خولة، وعزمت ~~على إدخالها في الإسلام؛ لتكون لي زوجا، ولكنها لا تستطيع مخاطبتها؛ لأن الفتاة لا تفهم ~~لغتنا. # فقال الرجل مفكرا: سأراها الساعة. ثم بدأ يرطن بلغته مع العجوز فاستوت العجوز حينئذ على ~~حمارها، وقد أبرقت عيناها دهشة، وسار الجميع بخطى واسعة إلى الخيمة والعجوز تتطاول ~~نحوها. # ولكن ما كاد الثلاثة يشرفون على الخيمة ويلقون نظرة إلى داخلها حتى صاحت العجوز صيحة أجفل ~~لها النساء والأولاد الذي كانوا في الخيام القريبة، وهرع الرجل والعجوز نحو الفتاة ms122 الأسيرة ~~في الخيمة يقبلانها وتقبلهما باكين جميعا. # فعلم ضرار حينئذ أن هذه الفتاة نسيبة للشيخ والعجوز. # أما القارئ فإنه ولا شك علم أن الفتاة هي أستير والرجل أبوها والعجوز أمها. # أما ضرار فإنه لما علم من الشيخ أبي أستير أن الفتاة ابنته أسقط في يده؛ لأنه كان يطمع ~~نفسه فيها. إلا أنه صار أكثر إكراما للشيخ مما كان قبل علمه بذلك. # وقد قصت أستير على أبيها وأمها كل ما جرى لها، وكيف أنقذها شاب من مزرعة تحت جبل الزيتون، ~~ثم فرت منها فأسرها العرب على طريق بيت لحم. إلا أنها لم تذكر لها شيئا مما حدث لها مع ~~إيليا، وقد غصت بدمعها مرارا وهي تحكي لهما قصتها من ذكرى ذلك الشاب الكريم الذي فارقته ~~رغما عنها. # ومنذ هذا الحين أصبحت أستير طليقة في حي العرب مع أبيها وأمها. # وكان أول شيء فكرت فيه أستير بعد إطلاق سراحها إنقاذ أرميا الذي أحسن معاملتها وأسر ~~معها. فسأل أبوها ضرارا عنه فأخبره أنه أسير عند رجل من البادية لم يقدر أحد غيره على كبح ~~جماحه. فسارت أستير مع أبيها وضرار إلى خيمة الرجل. فلما أطلوا عليها أبصروا في إحدى ~~زواياها رجلا مطروحا كالجذع الممدود وهو موثق اليدين والرجلين بحبال ثخينة. فلما سمع هذا ~~الرجل صوت حركة وراء الخيمة انتفض انتفاضا شديدا، وأخذ يصيح ملء فيه - يا قتلة الأنبياء ~~وآسري المرسلين. أهكذا تصنعون بي؟ كفى الأرض ما فيها من الظلم فلا تزيدوا ظلما جديدا ~~فيها. أتظنون أنها تفتح لكم بالاضطهاد والأسر والقسوة. لا لا. فإنكم إذا لم تعدلوا لم ~~تسودوا، وإذا كانت هذه فاتحة أعمالكم فخاتمتها بلاء وعذاب. تأسرون الأنبياء وتطرحونهم على ~~الأرض كالكلاب. تأسرون الفتيات الضعيفات وتسيئون إليهن. أخذوها أخذوها، وحرموني إياها. ~~إيليا إيليا. أظن هذا عقابا لي لأنني خنتك، وهذه عاقبة الخائن دائما، وأنتم أيضا ~~تخونونني فستكون عاقبتكم كذلك. # ولما ترجم الشيخ أبو أستير لضرار هذا الكلام ضحك منه حتى استلقى؛ لأنه علم من أستير ~~وأبيها أن الرجل معتوه. ثم دخل وحده ms123 على أرميا. فلما رآه أرميا هاج كالجمل الثائر وصاح: أنت ~~كبيرهم. أنت ظالمهم. أين الفتاة؟ أما تخافون الله ويوم الحساب؟ # فدنا حينئذ ضرار منه وفي يده سيفه، فلما رأى أرميا السيف قامت قيامته، وصار يعوي عواء ~~الكلاب والذئاب خوفا من القتل. فعلم ضرار خطأه، فدعا الشيخ أبا أستير فدخل وحده. فقال ~~الشيخ لأرميا بعد أن أسكته إن ضرارا لا يقصد إلا قطع وثاقه بالسيف. فلم يطمئن أرميا بل عاد ~~العواء والصراخ، وصار يدفع ضرارا رفسا برجليه وبصقا بفيه كأنه حسب البصاق حجارة مقلاع ~~تدفع عنه، وكان ضرار في أثناء ذلك يضحك ضحكا شديدا. فلما رأى الشيخ خوف أرميا من ضرار أخذ ~~السيف بيده ودنا من أرميا فعاد أرميا إلى العواء والصراخ والرفس والبصق . فيظهر أن أستير ~~علمت وهي تراقب هذا المشهد من خارج الخيمة أنه لا يحل هذه المشكلة غيرها فدخلت باسمة تختال ~~بحلل الجمال والدلال. # فلما وقع نظر أرميا على أستير دهش وصاح متنهدا من أعماق قلبه قائلا: من أنقذك؟ هاها، ~~ما أقوى النساء الجميلات. فإنهن ينقذن أنفسهن دائما، أعطوها السيف أعطوها السيف. فإنني لا ~~أأتمن غيرها على روحي. ياعزيزتي، اذكري أنني خلصتك فخلصيني. # فأخذت أستير السيف بيدها البيضاء الجميلة، ودنت من أرميا وهو ممدد، فصار أرميا يضحك لها. ~~فقطعت أستير بالسيف الحبال التي كانت توثق يديه ورجليه، فنهض أرميا، وصار يتمطى كنمر كان ~~مقيدا وأطلق من قيده. # وبعدما أصلح أرميا شأنه وملابسه دنا من أستير باهتمام وقال لها: لقد أطلقونا الآن فهلمي ~~بنا. فضحكت أستير وأجابت: إلى أين؟ فصاح أرميا: كل الأماكن خير من هذا المكان. هلمي يا أختي ~~لنعيش بالبرية معا كالرعاة. فعبس أبوها وهز رأسه، وهو يقول في نفسه: إنه صار يجب عليه إنقاذ ~~الفتاة لا من ضرار فقط بل من أرميا المعتوه أيضا، ومنذ هذا الحين عرف صعوبة موقف الرجل بين ~~بعض الرجال إذا كان يصحب فتاة متناهية في الجمال. # أما ضرار فإنه لما علم بمطلب أرميا هز سيفه حتى دب الموت بإفرنده وقال له: ms124 والله إذا ذكرت ~~الرحيل مرة أخرى لأجعلنك مرتعا له. - فابتعد عنه أرميا دون أن يفهم كلامه، وهو يدير فيه ~~عينين مذعورتين، ويبحث بهما في الأرض عن حجارة أو أخشاب يدفع بها عن نفسه إذا هاجمه صاحب ~~السيف. # أما الشيخ أبو أستير فإنه خلا بأرميا وأخبره أن أمير العرب أسرهم، ولا يأذن لهم بالرحيل، ~~ولكنه أذن لأرميا بذلك، وكان أرميا قد علم أن الشيخ هو أبو أستير فقال له: أنا مقيم معكم ~~حيثما تقيمون. # ومنذ هذا الحين صار أرميا يتجول في حي العرب بين الخيام؛ لمشاهدة تلك المنازل البدوية ~~الغريبة، وفي المساء يعود إلى خيمة ضرار وينام في الليل على بابها، وأستير في داخلها مع ~~أبيها كأنه حارس لها. # وفي ذات يوم بينما كان يدور بين الخيام متجنبا المضارب التي فيها نساء وأولاد وأصوات ~~القتال واردة من جهة بيت المقدس وإذا به قد بلغ خيمة رفيعة العمد عالية الأطناب، وكان حول ~~هذه الخيمة خيام كثيرة تحيط بها على مسافات مختلفة، والناظر إليها يعرف لأول نظرة أنها خيمة ~~زعيم قومه، وفي الحقيقة أنها كانت خيمة الفارس المغوار المشهور عمرو بن معدي كرب الزبيدي ~~الذي ترك بوادي اليمن، وجاء في رجاله لنصرة جند الشام مع مالك بن الأشتر النخعي في أواخر ~~خلافة أبي بكر. # 2 # فلما دنا أرميا من هذه الخيمة الشامخة سمع فيها صوتا يتكلم باللغة اليونانية، فعجب من ~~ذلك، وتقدم متلصصا، فلما أطل على الخيمة أبصر في إحدى زواياها ما أثار دهشته، فرجع القهقرى ~~مستغربا. # ذلك أنه أبصر في تلك الزاوية «إيليا» جالسا مشدود اليدين شدا خفيفا. # وكان إيليا يحادث رجلا آخر جالسا أمامه لكن هيئته كانت تدل على أنه ليس بعربي. # وحينما تحقق أرميا وجود إيليا هناك ابتعد عن الخيمة، وجلس يفكر مليا، ويظهر أنه قرر في ~~نفسه شيئا؛ لأنه أول ما أبصر رفيق إيليا قد خرج من الخيمة لحاجة له نهض مسرعا إليه، ولما ~~صار بجانبه خاطبه باليونانية قائلا: هل أنت عربي أيها الأخ؟ # فنظر إليه الرجل وقال: أخبرني ms125 أولا من أنت لأخبرك من أنا؟ فأجاب أرميا: ما قصدتك لهذا، ~~وإنما لأخبرك خبرا عظيما. أتحب ذلك؟ فأجاب الرجل وقد بدأ يتأمل في وجه أرميا: وما هو هذا ~~الخبر؟ فقال أرميا باهتمام شديد: أما عرفت هذا الرجل المقيم في هذه الخيمة مشدود اليدين؟ ~~فقال الرجل: وقد بدأ يهتم لحديث أرميا: لا ومن عساه يكون؟ فضحك أرميا وقال: أنتم تقبضون على ~~كنز ثمين بل على مفتاح المدينة دون أن تعلموا بذلك. فزاد اهتمام الرجل، وقال: ومن عساه ~~يكون؟ فقال أرميا: هذا الأسير ستفدون به عشرة آلاف أسير منكم إذا شئتم. فصاح الرجل وقد فرغ ~~صبره: ألا تقول من هو. فدنا أرميا حينئذ من الرجل وانحنى على أذنه وهمس فيها قائلا: هذا ~~ثيودوروس أخو الإمبراطور. # فدهش الرجل ورجع القهقرى عجبا. ثم سأل أرميا: ومن أين عرفته؟ فضحك المعتوه وقال: وهل أحد ~~منا يجهل أخ الإمبراطور؟ فاحرصوا عليه جيدا إذا شئتم فتح المدينة فإنه ربما افتداه ~~الإمبراطور منكم بالمدينة كلها. # فعاد الرجل نحو الخيمة التي كان إيليا فيها وهو يفكر كثيرا، أما أرميا فإنه عاد عنها نحو ~~خيمة ضرار، وصار يبذل جهده؛ ليمنع أستير وأباها من الذهاب نحو خيمة إيليا. # والعادة أن علو المقام يجر دائما زيادة الأتعاب والأثقال، ولذلك ما انتشر بين تلك ~~الخيام أن أخ الإمبراطور أسير في خيمة الأمير عمرو بن معدي كرب حتى تهافت الناس من كل جانب ~~لمشاهدته، وأدى هذا الأمر إلى التشديد في حراسته والتضييق عليه. # أما إيليا فلم يكن يفهم شيئا من ذلك الإكرام الجديد له والتألب عليه. حتى الترجمان نفسه ~~الذي كان يقصده ويحادثه في الخيمة صار لا يقترب منه إلا بإكرام خاص. # وكان غرض أرميا من صنع ما تقدم رغبته في أن يحول دون إطلاق سراح إيليا وإبقائه بعيدا عن ~~أستير إلى أن يتمكن من إخراجها من هذا المكان بالكلية، ولكنه ما درى أن هذه الحيلة ستؤدي ~~إلى عكس غرضه. فإنه لما فشا بين المسلمين أن أخ الإمبراطور وقع أسيرا في قبضة بعض من ms126 رجال ~~عمرو بن معدي كرب الذين ساروا لارتياد الضواحي وراء القدس، ووصل هذا الخبر إلى الأمير أبي ~~عبيدة القائد العام أمر أبو عبيدة في الحال بأن يؤتى إليه باليهودي يوسف؛ ليتحقق منه هذا ~~الأمر، وكان هذا الاسم اسم أبي أستير كما تقدم. فلما حضر الشيخ بين يدي أبي عبيدة صحبه أبو ~~عبيدة إلى خيمة عمرو بن معدي كرب وأراه إيليا؛ ليعلم أهو أخو الإمبراطور حقيقة لعله يعرفه، ~~ولكن ما وقع نظر الشيخ على إيليا حتى أسرع إليه صارخا: هذا إمبراطور لا أخو امبراطور؛ فإنه ~~إمبراطور الشهامة والرفق والمروءة. # ثم قص أبو أستير على أبي عبيدة ما صنعه إيليا معه ومع ابنته على طريق بيت لحم. فدنا حينئذ ~~أبو عبيدة الرجل الكريم المحب للكرام، وقطع وثاق إيليا بيده، وأطلق سراحه. # وقد جرى كل ذلك دون أن يدري به أرميا وأستير. فكأن أرميا نفع إيليا من حيث قصد مضرته، ~~وذلك مصداق لقول من قال: «من حفر حفرة لأخيه وقع فيها». # أما إيليا فإنه لما وقع نظره على أبي حبيبته خفق قلبه خفقانا شديدا، وكان أول سؤال وجهه ~~إليه بعد انطلاق سراحه هو هذا: هل وجدت السيدة أستير؟ فوضع الشيخ يده في يده، وأجاب: هلم ~~بنا إليها. # فيا أيها القارئ العزيز، هل أضعت يوما قلبا لك على شاطئ البحر بين رماله وحجارته ثم ~~وجدته محفوظا في إحدى أصدافه الجميلة كأنه در فيها مكنون. هل كنت في إحدى الليالى ~~مسافرا في ظلمة ليلاء، وأحاطت بك العواصف والأمطار والوحوش واللصوص، وانسدت الطريق في ~~وجهك، ثم بغتة طلع لك القمر أو الشمس تنير طريقك وتدفئ عظامك وتؤمن نفسك. هل كنت يوما ~~مريضا مشرفا على الهاوية وقد نضب ماء حياتك ورأيت الموت بعينيك ثم انتفضت وعادت إليك ~~قوتك وصحة شبابك الماضي، إذا كنت قد لقيت يوما شيئا من ذلك فإنك تعرف مبلغ السرور الذي ~~حاق بإيليا حينما قال له الشيخ عن أستير: «هلم بنا إليها». # ولما وصل الشيخ وإيليا إلى خيمة ضرار حيث كانت أستير كان قد ms127 أمسى المساء وأخذ العرب ~~يعودون عن أسوار المدينة، وكانوا يطيلون النظر إلى الاثنين في أثناء الطريق، ولكن لم يبالوا ~~بهما؛ لتعودهم مشاهدة التراجمة والعيون من اليهود وأحيانا من أذناب الروم في معسكراتهم، ~~وهذا أيضا هو السبب في تجوال أرميا بين المضارب قبل ذلك دون أن يتعرض أحد له. # وحين وصول إيليا مع الشيخ إلى خيمة ضرار كان ضرار قد عاد من ساحة القتال، وجلس في باب ~~الخيمة يطيل النظر إلى أستير، وأخته خولة تضحك من نظراته، وأستير مطرقة تتورد وجنتاها خجلا ~~وتذوب حياء. فصاح الشيخ حين وصوله: أستير أين أستير؟ فهبت أستير إلى باب الخيمة، ولكن ما ~~وقع نظرها على الشخص الذي يرافق أباها حتى صاحت صياحا شديدا، وتراجعت إلى الوراء، وقد ~~انقلب لونها الفضي الوردي إلى لون الزعفران، وصارت ترتجف؛ فأدرك ضرار بذكائه العربي الفطري ~~سر أستير في الحال فعبس وصار يقلب طرفه في إيليا. أما إيليا فكان يتقدم والابتسام على ~~شفتيه، ولكن الألم الشديد في قلبه، وكانت جبهته تتصبب عرقا مع شدة البرد ساعتئذ. فلما وصل ~~إلى أستير نظر إليها نظرة هي وحدها كانت تعرف معناها، وقال: الحمد لله أيتها السيدة على ~~أنني وجدتك بخير وسلامة، فإنني خفت عليك من المعتوه الذي رحلت معه، ولذلك ذهبت في ~~طلبك. # فأدركت أستير أن إيليا يريد بهذا الكلام تبرئة نفسه لديها عملا بوصيتها له أن لا يتبعها. ~~فحاولت الجواب فلم تستطع، ولكن عينيها جاوبتا عنها بدمعتين كلؤلؤتين ترقرقتا في ~~حدقتيها. # وفي هذه الدقيقة وصل أرميا؛ لأنه كان غائبا عن الخيمة. # فلما وقع نظر أرميا على إيليا من بعيد صلب على صدره ورجع القهقري قائلا: «كيريالايسون ~~كيريالايسون، أي شيطان جاء به إلى هنا؟» # ثم توارى؛ لأنه كان يخجل من مقابلة إيليا. أما إيليا فقد لمحه، ولكنه تركه وشأنه؛ لئلا ~~يفتح عليه باب جنونه فيفضح حبه. # ولم يكد إيليا يجلس في الخيمة حتى دخل بدوي، وسأل عن ضرار. ثم أبلغه أن الأمير أبا عبيدة ~~يطلب اليهودي يوسف. فاستاء أبو أستير من هذه الدعوة ms128 في تلك الساعة أمام إيليا. أما إيليا ~~فإنه لم يفهم شيئا. فقام أبو أستير وذهب إجابة للدعوة، فبقي في الخيمة إيليا وأستير وأمها ~~وضرار وخولة، وكان ضرار ينظر إلى أستير ويقول في نفسه: ما أجمل بنات الروم، وخولة تنظر إلى ~~إيليا، وتقول في نفسها: ما أضعف رجال الروم، وهكذا كان كل واحد منهما يقيس أمة بأسرها على ~~فرد منها وهو الخطأ الذي كثيرا ما يقع الناس فيه. # ولم يكد يخرج أبو أستير من الخيمة حتى سمع صوت من الخارج يقول: «السلام على أهل الإيمان» ~~فنهض ضرار وخولة على عجل، وصاح ضرار بعد رد السلام: أهلا بفارس العرب. فدخل حينئذ رجل معتقل ~~سيفه وفي يده رمحه وكان كبير الهامة شامخ الرأس تكفي هيئته للدلالة على نجابته وشجاعته، ~~وكان وراءه رجل غريب الزي. فقال الفارس القادم لضرار: أجاءكم أسيري يا ضرار؟ وكان إيليا قد ~~هب على صوت الفارس وقام إجلالا له. فلما رآه الفارس بش في وجهه والتفت إلى الرجل الذي كان ~~وراءه. فنطق حينئذ هذا الرجل باليونانية مخاطبا إيليا بقوله: إن فارس العرب عمرو بن معدي ~~كرب قد ساءه تركك خيمته، ولقد أذن بما أذن به أبو عبيدة من إطلاق سراحك، ولكنه يريد أن تقيم ~~عنده لا في مكان آخر؛ لسروره بحديثك وأخبارك. فاستاء إيليا في نفسه من هذا الاقتراح؛ لأنه ~~يفصله عن أستير، وإن كان قد سره كرم العربي ورحابة صدره فأجاب: هذا أحب شيء إلي فسأحظى في ~~كل مساء بالمثول في حضرة الأمير، وأما في النهار فإنني مضطر أن ألزم أصدقاء لي في هذه ~~الخيمة ما أقمت في هذا المعسكر. # فلما علم عمرو بن معدي كرب بجواب إيليا التفت ليرى الأصدقاء الذين أشار إليهم الشاب فوقع ~~نظره على أستير. فلاحظ ضرار تلك النظرة؛ لخوفه من عاقبتها أكثر من خوفه من عاقبة وداد ~~إيليا. # وكان أرميا حينئذ خارج الخيمة يتنصت ويتجسس، فلما رأى فارس العرب يقلب نظره في أستير ~~قال في نفسه: لقد صرنا أربعة. # أما عمرو بن معدي كرب: ms129 فإنه بعد أن أجال نظره في أستير مليا قال للترجمان: لماذا لا ~~يصطحب أصدقاءه إلى حيث يذهب. فغضب ضرار لهذا الجواب، وظهر الغضب في وجهه. أما إيليا فإنه ~~لما فهم جواب الأمير أبلغه أن رفيقه غائب وابنته هذه الفتاة لا تستطيع مفارقة أبيها. # فيظهر أن الامير انقلب غرضه من أخذ إيليا إلى أخذ أستير، ولذلك أجاب: سأعود غدا بعد عودة ~~رفيقك، فوالله يهمني أن تقص علي بقية قصة صاحبك ميكائيل. # وكان الأمير يعني «بميكائيل» الراهب ميخائيل أستاذ إيليا. # فلما انصرف الأمير وترجمانه صار إيليا يفكر في ماذا يصنع للخروج بأستير وأبيها من المعسكر ~~خصوصا بعد ما رآه من اهتمام ضرار وعمرو بن معدي كرب بها اهتماما خاصا، وبينما هو يتأمل ~~في ذلك وإذا بأرميا قد دخل على حين فجأة، ودنا من إيليا، وأسر إليه قوله: هل تريد يا ~~كيريه إيليا أن أحدثك على انفراد؟ فحول إيليا وجهه عن أرميا دون أن يجاوبه. فقال أرميا ~~همسا أيضا: لا تغضب يا كيريه إيليا فإنني فعلت ما فعلته بأمر أستير نفسها، وعندي الآن لك ~~حديث في غاية الأهمية فاسمعه مني وبعد ذلك اصنع ما تشاء. # فنهض إيليا وخرج من الخيمة، ولما صار خارجا صاح بأرميا: ماذا تقول للشيخ سليمان غدا يا ~~أرميا بعد خطفك الفتاة من مزرعته. فأجاب أرميا: لم أخطفها وإنما هي التي طلبت مني أن أذهب ~~بها من المزرعة لتلتقي بأبيها، ولكن دع عنك هذا فإنه ليس في شيء من الأهمية. أعرفت يا كيريه ~~إيليا أبا هذه الفتاة؟ # فأجاب إيليا: نعم عرفته. فقال أرميا مظهرا الاهتمام دائما: وهل عرفت ما بينه وبين ~~العرب؟ فقال إيليا: لا لم أسأله عن ذلك بعد. فلعلهم أسروه كما أسروكما وكما أسروني. فهز ~~أرميا حينئذ رأسه، وقال همسا: كلا كلا يا كيريه إيليا. فإنه جاسوس جاسوس. # فهنا خطا إيليا خطوة إلى الوراء لدهشته، وبقي مبهوتا، ولما رأى أرميا أن كلامه أثر في ~~نفس إيليا تأثيرا شديدا أردف بقوله: وهل علمت الآن أين ذهب الرجل حين فارقكم؟ ms130 إنه ذهب إلى ~~القائد العام؛ لأنه طلب مع بدوي مقابلته. فلعله يقصد سؤاله عن بعض الأمور، يا كيريه إيليا. ~~قد قيل لي: إنك أنقذته على طريق بيت لحم. فأنت إذن أنقذت جاسوسا على وطنك، وابنته أستير ~~الجميلة التي أنقذتها أنت مرة وأنا أنقذتها مرة هي ابنة جاسوس. يا كيريه إيليا، حقا ما ~~كنت أظن أننا ننزل إلى هذه الدركة من السفالة ونحب أنت وأنا ابنة جاسوس دنيء. # فعند هذا الكلام انكشف غطاء كثيف عن عيني إيليا فذكر أقوال البطريرك، وقصة أستير تحت ~~الأرزة، وذكر على الأخص استعانة أبي عبيدة بالشيخ أبي أستير لمعرفته قبل إطلاق سراحه، ~~وبإرسال أبي عبيدة الساعة في طلبه؛ فلم تبق لديه شبهة في أن الرجل جاسوس. فلما تحقق ذلك في ~~نفسه طارت نفسه شعاعا فترك أرميا بنزق، وأخذ يهيم على وجهه بين الخيام كأنه يطلب منقذا ~~ليأسه وانكسار قلبه. # أستير ابنة جاسوس؟ يا للهول. ذلك المثال البديع للجمال وأدب النفس قد خرج من دم التجسس ~~واللؤم؟ يا للهول. إذن أين يجد إيليا الطهارة والنقاء في العالم بعد اليوم؟ وما الذي ~~يسليه بعد ذلك عن هذه الخسارة التي فقد بها أحلامه وآماله في هذه الحياة؟ # إيليا خان وطنه وساعد الجواسيس عليه؟ يا للهول. نعم، إنه لم يكن شديد التعصب لوطنه ~~ومملكته؛ لأن اليونان كانوا العنصر السائد المستبد فيهما، ولذلك قد يمكن أن يكون هذا الفتح ~~مساعدا للأمة السورية المغلوبة على العنصر المستبد الغالب، ولكن من يضمن أن يكون العنصر ~~الفاتح الجديد أقل استبدادا وأكثر إنصافا للأمة المغلوبة من العنصر الفاتح القديم. لا ريب ~~في أن إيليا لم يكن يعتبر الدين جامعة قوية بل هو يضع فوقها الجامعة البشرية أي جامعة ~~«العدالة المطلقة والإنصاف المطلق» ولكن من يضمن له أنه لا يكون في هذا الاستبدال كالمستعين ~~من الرمضاء بالنار وكالمنتقل من نير إلى نير. # وقد بقي إيليا يفكر ساعة في موضوعه الجديد، وبعد أن برد هواء المساء جبهته التي كانت ~~متقدة بهذه الأفكار قر رأيه على السفر دون ms131 أن يشاهد أستير ولا أباها. فانحرف عن خيمة ضرار ~~وقصد خيمة الأمير عمرو بن معدي كرب؛ ليستأذن منه بالرحيل، ويسأله رجلا يرافقه إلى خارج ~~المعسكر، وكان غرضه من ذلك أيضا زيادة التقرب من هذا الأمير، لعله يستعين به على شيء يفيد ~~بني وطنه إذا وقعت المدينة في أيدي العرب. # ولما وصل إيليا إلى خيمة الأمير عمرو بن معدي كرب وجده راجعا من خيمة أبي عبيدة. ذلك أن ~~أبا عبيدة كان قد جمع أمراء الجيش ووجوه الجند؛ ليستشيرهم في طول الحرب، وما أصاب الجند من ~~التعب والشدة للمطر والثلج والبرد. # 3 # فأجمع رأيهم على أنه لا سبيل لأخذ المدينة إلا صلحا أو يبرز الروم من وراء ~~الأسوار للقتال وجها لوجه. لا سيما وأنه قد بلغهم أن الأرطبون مقدم الجند الذي فر من ~~أجنادين ولجأ إلى بيت المقدس في أثناء الحصار معارض في الصلح كل المعارضة. فلما علم الأمير ~~عمرو بن معدي كرب برغبة إيليا في الدخول إلى المدينة استغرب ذلك وسأله بواسطة الترجمان: أين ~~أصحابه؟ وقد عني بهم أستير وأباها. فارتعد إيليا لهذا السؤال. أولا: لأنه ذكره أمره، ~~وثانيا: لأنه تذكر أن أستير ستبقى بعده هدفا لميل ضرار وعمرو بن معدي كرب وأرميا. # ولما ودع إيليا الأمير قال له الأمير: سنلتقي في المدينة بعد بضعة أيام، فابتسم إيليا ~~وشكر للأمير ما لقيه عنده من الكرامة وحسن الضيافة مدة الأسر. ثم سأله نصيحة لقومه يكون ~~فيها فائدة للفريقين؛ فأطرق الأمير يفكر، ويظهر أنه بدا له أمر مهم ولذلك أشرق وجهه. فقال ~~لإيليا: لقد استنصحتني أيها الشاب، وأنا أصدقك النصيحة. إن هذا الجيش إذا فتح مدينتكم هذه ~~سيكون شديد الوطأة عليها؛ لأنه عانى في هذه الحرب مشقة شديدة، وها قد مرت أربعة أشهر والقتل ~~فيه كل يوم، ولو كان المدد سيصلكم لوصلكم في أثناء هذه المدة الطويلة. فحرض قومك على ~~الصلح إذا كنت نافذ الرأي عندهم وكنتم تحبون سلامة مدينتكم، ولكي تعلم صدق نصيحتي أوصيك أن ~~لا تقبلوا بالصلح إلا على يد خليفتنا ms132 عمر بن الخطاب فإنه هو الذي يقدر وحده على كبح جماح ~~هذا الجيش بعد عقد الصلح إذا رام الجيش انتقاما أو اغتناما. # وكان الأمير صادقا في هذه النصيحة، وإن كان قد قصد بها تعجيل الصلح لمنفعة قومه. فشكره ~~إيليا وكرر توديعه وانصرف قاصدا أسوار المدينة، ومعه رجل من رجال الأمير ليوصله ~~إليها. # وكان إيليا وهو سائر يتلفت نحو خيمة ضرار، ويتنهد كلما التفت إليها كما تنهد آدم ~~وتلفت إلى الفردوس عند خروجه منه. # إلا أن ترك آدم فردوسه كان بكرهه، وترك إيليا فردوسه كان بطوعه اتباعا لصوت ضميره ~~وكبريائه. # والغريب أن إيليا لم يعاوده اليأس القديم بعد يأسه من هذا الحب الذي كان بنى عليه كل ~~آماله في الحياة. فكأن ما شاهده في هذه الحرب من آثار القتل والعذاب والشقاء البشري والعناء ~~قد أذكره أن الحياة ليست بلعبة يتلهى بها؛ بل هي واجب عظيم يجب القيام به بأحسن ما يكون، ~~ومعالجة كل ما يعترضه من المصاعب والمتاعب والمصائب، ولذلك صار همه مصروفا إلى نفع بني ~~وطنه المحصورين؛ لتخفيف شيء من مصائبهم، ومنع الفتك فيهم إذا فتح العرب مدينتهم، وبذلك وجدت ~~نفسه شاغلا يشغلها عن نفسها. # وقد أذن حراس أسوار المدينة لإيليا بالدخول إليها، ولكنهم أخذوه توا إلى البطريرك، وهذا ~~ما كان إيليا يطلبه. فاختلى إيليا بالبطريرك ساعتين تقريبا. # وفي أثناء ذلك كانت أستير في خيمة ضرار تنتظر إيليا ... # الفصل السابع عشر # | مخابرات الصلح # وكان أهل المدينة يومئذ في ضجر وملل من تأخر المدد عنهم وطول حصرهم. وكأنهم يئسوا من ~~المدد بعد طول الحصار أربعة أشهر، فاجتمع وجوههم عند البطريرك، وقالوا له: «يا أبانا قد دار ~~علينا حصار هؤلاء العرب، ورجونا أن يأتينا مدد من قبل الملك، ولا شك أنه اشتغل عنا بنفسه، ~~وأنهم أشهى منا للقتال، وأنهم من يوم نزلوا علينا لم نخاطبهم بكلمة واحدة ولم نجبهم ~~احتقارا منا لهم، والآن قد عظم علينا الأمر، وإنا نريد منك أن تشرف على هؤلاء العرب، وتنظر ~~ما الذي يريدون منا. فإن كان ms133 أمرهم قريبا أجبنا إلى ما يريدون ويطلبون، وإن كان صعبا ~~فتحنا الأبواب، وخرجنا إليهم؛ فإما أن نقتل عن آخرنا وإما نهزمهم عنا.» # 1 # وكان البطريرك قد بدأ يرى رأيهم ليأسه من المدد خصوصا بعد اختلائه بإيليا، ~~وسماعه رأي الأمير عمرو بن معدي كرب. # 2 # فأجابهم إلى هذا الطلب «فاشتمل بلباسه، وصعد معهم على السور، وحمل الصليب بين ~~يديه، واجتمع القسس والرهبان حوله وبأيديهم الأناجيل مفتحة والمباخر حتى أشرف على المكان ~~الذي فيه أبو عبيدة.» * «فنادى منهم رجل بلسان فصيح العربية: يا معشر العرب، إن ~~عمدة دين النصرانية وصاحب شريعتها قد أقبل يخاطبكم فليدن منا أميركم.» * فأخبروا ~~أبا عبيدة فجاء أبو عبيدة «وجماعة من الأمراء والصحابة ومعه ترجمان.» * فلما التقى ~~الفريقان تكلم البطريرك فقال: «ما الذي تريدون منا ؟» * فانبرى أبو عبيدة وقال: ~~«خصلة من ثلاث: أولها أن تقولوا لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله. ~~فإن أجبتم إلى هذه الكلمة كان لكم ما لنا وعليكم ما علينا.» * «فقال البطريرك: # 3 # إنها كلمة عظيمة ونحن قائلوها. إلا أن نبيكم محمدا ما نقول إنه رسول، فهذه ~~خصلة لا نجيبكم إليها» * فعرض أبو عبيدة الخصلة الثانية وهي «تأدية الجزية عن يد ~~وهم صاغرون» * فقال البطريرك: «ما كنا بالذي يدخل تحت الذل والصغار أبدا» ~~* فقال أبو عبيدة: إذن نقاتلكم حتى نفتح مدينتكم ونستعبدكم ونغنم أموالكم * ~~فأجاب البطريرك بغضب: لو أقمتم على قتالنا عشرين عاما لما فتحت المدينة لكم، وأنا الآن ~~أقول لكم كلمة واحدة، وهي أن المدينة لا تفتح إلا لأميركم عمر بن الخطاب. فابعثوا في طلبه ~~لأقابله، وألقي إليه مفاتيحها إذا رمتم صلحا حقيقيا فيه شرف لنا ولكم. # فأطرق أبو عبيدة يفكر مليا، وكان راغبا في الصلح حقنا لدماء رجاله. فقال: «إني أبعث ~~إليه بأن يقدم علينا. أفتحبون القتال أم نكف عنكم؟» * وقد قال أبو عبيدة هذا ~~القول؛ ليظهر للبطريرك أن قومه لا يبالون بالحرب. فأجاب البطريرك: «معاشر العرب ألا تدعون ~~بغيكم. أنطلب حقن الدماء وأنتم تأبون إلا القتال؟» ms134 * فأمر أبو عبيدة حينئذ بالكف عن ~~القتال، وانصرف البطريرك وحاشيته. # وبعد ذلك اجتمع امراء المسلمين؛ فأبلغهم أبو عبيدة طلب البطريرك «فرفعوا أصواتهم بالتهليل ~~والتكبير.» * فرحا بقرب انتهاء الحرب ودخولهم بيت المقدس. «وقالوا: افعل أيها ~~الأمير، واكتب إلى أمير المؤمنين بذلك فلعله يسير إلينا ويفتح هذا البلد علينا.» * ~~وكان شرحبيل بن حسنة حاضرا، فقال: إن هذا الأمر يطول «فاصبر حتى نقول لهم: إن الخليفة معنا ~~ويتقدم خالد إليهم فإذا نظروا إليه فتحوا الباب وكفينا التعب.» * «وكان خالد بن ~~الوليد أشبه الناس بعمر بن الخطاب.» * ففعلوا ذلك، ولكن البطريرك وأهل المدينة لم ~~تنطل عليهم هذه الحيلة. فقال البطريرك: «يا فتيان العرب كم يكون هذا الخداع فيكم، وحق ~~المسيح لئن لم نر الرجل الموصوف ما نفتح لكم، ولا يرجع أحد منا يكلمكم ولو أقمتم علينا ~~عشرين سنة. ثم ولى ولم يتكلم». * # فعند ذلك كتب أبو عبيدة إلى الإمام عمر الكتاب التالي: # باسم الله الرحمن الرحيم. إلى عبد الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من عامله أبي ~~عبيدة عامر بن الجراح. أما بعد؛ السلام عليك، فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو، ~~وأصلي على نبيه محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، واعلم يا أمير المؤمنين أنا منازلون لأهل مدينة ~~إيلياء نقاتلهم أربعة أشهر؛ كل يوم نقاتلهم ويقاتلوننا، ولقد لقي المسلمون مشقة ~~عظيمة من الثلج والبرد والأمطار. إلا أنهم صابرون على ذلك، ويرجون الله ربهم. فلما ~~كان اليوم الذي كتبت إليك الكتاب فيه أشرف علينا بتركهم الذي يعظمونه، وقال: إنهم ~~يجدون في كتبهم أنه لا يفتح بلدهم إلا صاحب نبينا واسمه عمر، وأنه يعرف صفته ونعته ~~وهو عندهم في كتبهم، وقد سألنا حقن الدماء. فسر إلينا بنفسك، وانجدنا؛ لعل الله ~~يفتح هذه البلدة علينا على يديك. * # ثم إنه طوى الكتاب وختمه * وسأل المسلمين من ينطلق به. فأسرع بالإجابة ميسرة بن ~~مسروق العبسي * فامتطى ناقة له كوماء، وسار يقصد «المدينة» في بلاد العرب وهي كرسي ~~الخلافة الإسلامية يومئذ ومقر السلطنة العربية. # الفصل الثامن عشر # | الخليفة عمر ms135 بن الخطاب # وسفره إلى الشام # وطوى الرسول عدة ليال لم يذق فيها طعم الكرى * وكان وصوله إلى «المدينة» ليلا ~~* فكره أن ينزل عند أحد من الناس فأناخ ناقته على باب المسجد وعقلها، ودخل المسجد ~~فسلم على القبر النبوي وقبر أبي بكر، ثم أتى مكانا في المسجد ونام فيه نوما عميقا ~~* فلم يستيقظ إلا على صوت عمر يؤذن، وكان يغلس في الأذان * ثم دخل الإمام ~~إلى المسجد وهو يقول «الصلاة رحمكم الله» * فنهض الرسول في من نهض، وتوضأ وصلى خلف ~~عمر صلاة الفجر، وبعد الصلاة انحرف عمر عن محرابه، فقام الرسول إليه وسلم عليه. فلما نظر ~~عمر إليه صافحه واستبشر، وقال «ميسرة ورب الكعبة. ما وراءك يا ابن مسروق.» * فدفع ~~إليه الرسول الكتاب. فقرأه الإمام على المسلمين الحاضرين في المسجد وفيهم الأمراء والصحابة ~~يتقدمهم علي وعثمان بن عفان * فاستبشر الجميع به؛ لقرب وقوع عاصمة الروم الدينية ~~وبلد الأنبياء في أيديهم. فقال عمر يستشيرهم في الرحيل أو الإقامة: «ما ترون رحمكم الله ~~فيما كتب أبو عبيدة.» * وكان أول من تكلم عثمان بن عفان * فقال: «يا أمير ~~المؤمنين، إن الله قد أذل الروم، وأخرجهم من الشام، ونصر المسلمين عليهم، وقد حاصر ~~أصحابنا مدينة إيلياء وضيقوا عليهم، وهم في كل يوم يزدادون ذلا وضعفا ورعبا. فإن أنت ~~أقمت ولم تسر إليهم رأوا أنك بأمرهم مستخف، ولقتالهم مستحقر، فلا يلبثون إلا اليسير حتى ~~ينزلوا على الصغار ويعطوا الجزية.» * فقال عمر: «جزاك الله خيرا» * ثم ~~التفت إلى باقي المشيرين، وقال: «هل عند أحد منكم رأي غير هذا؟» * فيظهر أن ~~المنافسة كانت موجودة بين علي وعثمان قبل وصول عثمان إلى الخلافة، ولذلك كان علي يتعرض ~~أحيانا لعثمان كما تقدم. فأجاب «نعم، عندي غير هذا الرأي، وأنا أبديه لك رحمك الله.» ~~* فقال عمر: «ما هو يا أبا الحسن؟» * فأجاب علي: «إن القوم قد سألوك، وفي ~~سؤالهم ذلك فتح للمسلمين، وقد أصاب المسلمين جهد عظيم من البرد والقتال وطول المقام، وإني ~~أرى أنك إن سرت إليهم فتح الله هذه ms136 المدينة على يديك، وكان في مسيرك الأجر العظيم في كل ظمأ ~~ومخمصة وفي قطع كل واد وصعود كل جبل حتى تقدم عليهم. فإذا أنت قدمت كان لك وللمسلمين الأمن ~~والعافية والصلاح والفتح، ولست آمن أن يبأسوا (أي الروم) منك ومن الصلح، ويملكوا حصنهم، ~~ويأتيهم المدد من بلادهم، فيدخل على المسلمين من ذلك الهم والبلاء. لا سيما بيت المقدس ~~عندهم وهو معظم وإليه يحجون فلا يتخلفون عنه، والصواب أن تسير إليهم إن شاء الله تعالى.» # 1 ~~* فقال عمر حينئذ: «لقد أحسن عثمان النظر في المكيدة للعدو وأحسن علي ~~المشورة للمسلمين فجزاهما الله خيرا، ولست آخذ إلا بمشورة علي.» * ثم أمر الناس ~~بالاستعداد للمسير معه. # فيا له من زمن صغير كبير ذلك الزمن الذي كانت فيه ملوك الأمم وقوادها يرجعون إلى رجال ~~العقل والفكر في سياسة ممالكهم، ويفصلون في الأمور السياسية الجسام التي عليها تتوقف حياة ~~ممالك ودول عظيمة في مسجد صغير ساذج في مدينة صغيرة ساذجة بدون كلفة بين أفراد من الأصحاب ~~والأصدقاء كأنهم عائلة واحدة. # على طريق الشام # ولما فشا الخبر أن عمر مسافر إلى الشام خرج الناس في المدينة؛ لتوديعه وتشييعه ~~* فأتى عمر المسجد فصلى فيه أربع ركعات، ثم قام إلى القبر النبوي فسلم عليه ~~وعلى قبر أبي بكر * واستخلف على المدينة علي بن أبي طالب * ثم خرج «على بعير # 2 # له أحمر وعليه غرارتان؛ في إحداهما سويق، وفي الأخرى تمر، وبين يديه قربة ~~مملوءة ماء، وخلفه جفنة للزاد.» * وكان مرتديا «بمرقعة من صوف وفيها أربع عشرة ~~رقعة بعضها من أدم.» * «وعلى رأسه قطعة عباءة قطوانية وقد عصب بها رأسه». ~~* # هكذا كان لباس الأمير العظيم الذي فتحت له كنوز قيصر وكسرى. # وكان معه جماعة من الصحابة ممن شهدوا واقعة اليرموك، وعادوا إلى المدينة بعدها في ~~جملتهم الزبير وعبادة بن الصامت. * # وانطلق بعير عمر ووراءه مطايا أصحابه في رمال بلاد العرب، وقفارها وسهولها وجبالها ~~يقصد بيت المقدس، وكان عمر إذا نزل منزلا لا يبرح منه حتى يصلي الصبح. فإذا انفتل ms137 من ~~الصلاة أقبل على المسلمين وخطب فيهم يحضهم على الاتحاد * وشكر الله على نعمه ~~«ثم يأخذ الجفنة فيملأها سويقا ويصف التمر ويقرب للمسلمين، ويقول: كلو هنيئا ~~مريئا. فيأكل ويأكل المسلمون معه». * # هذه كانت مائدة صاحب السلطنة العربية التي كانت آخذة بالامتداد من شاطئ البحر الأحمر ~~إلى ما وراء الفرات. فلا طباخ ولا تأنق ولا تمتع، وإنما الطعام طبيعي وبسيط يأكله ~~الإنسان ليعيش، بدل أن يعيش ليأكل ويفعم جوفه بالأطعمة المختلفة التي تفسد صحة النفس ~~والبدن. # وبعد مدة وصل الإمام إلى ماء لجذام يدعى «ذات المنار» * وكان هنالك طائفة من ~~عرب جذام. فنزل الأمير على الماء. فبعد حين جاء قوم منهم وقالوا: «يا أمير المؤمنين، إن ~~عندنا رجلا له امرأتان وهما أختان لأب وأم. فغضب عمر وقال علي به. فأتي بالرجل إليه. ~~فقال له عمر: ما هاتان المرأتان؟ فقال الرجل: زوجتاي. قال: فهل بينهما قرابة؟ قال: نعم ~~هما أختان. قال عمر: فما دينك. ألست مسلما؟ قال: بلى. قال عمر: أوما علمت أن هذا حرام ~~عليك، والله يقول في كتابه: # وأن تجمعوا بين الأختين ~~إلا ما قد سلف ~~. فقال الرجل: ما علمت، وما هما علي حرام. فغضب ~~عمر وقال: كذبت والله إنه لحرام عليك، ولتخلين سبيل إحداهما وإلا ضربت عنقك. قال ~~الرجل: أفتحكم علي؟ قال: إي والله الذي لا إله إلا هو. فقال الرجل: إن هذا الدين ما ~~أصبنا فيه خيرا ولقد كنت غنيا عن أن أدخل فيه. قال عمر: ادن مني. فدنا منه. فخفق ~~رأسه بالدرة (السوط) خفقتين وقال له: أتتشاءم بالإسلام يا عدو الله وعدو نفسه. خل يا ~~ويلك سبيل إحداهما وإلا جلدتك جلدة المفتري. فقال الرجل: كيف أصنع بهما وأنا أحبهما، ~~ولكن أقرع بينهما فمن خرجت القرعة عليها كنت لها وهي لي وإن كنت لهما جميعا محبا. ~~فأمر عمر فاقترع. فوقعت القرعة على إحداهما فأمسكها وطلق الثانية. ثم أقبل عليه عمر ~~وقال له: اسمع يا ذا الرجل، وع ما أقول لك: إنه من دخل في ديننا ثم رجع عنه ms138 قتلناه. ~~فإياك أن تفارق الإسلام، وإياك يبلغني أنك قد أصبت أخت امرأتك التي فارقتها فإنك إن ~~فعلت ذلك رجمتك.» # 3 ~~* # ثم انطلق عمر فمر في طريقه بحي من بني مرة «فإذا بقوم قد أقيموا في الشمس يعذبون. ~~فقال لهم عمر: ما بال هؤلاء يعذبون؟ فقيل: عليهم خراج. قال: فما يقولون؟ قال: يقولون: ~~ما نجد ما نؤدي. فقال عمر: دعوهم ولا تكلفوهم ما لا يطيقون.» * فخلوا ~~سبيلهم. # ثم سار «حتى إذا كان بوادي القرى أخبروه أن شيخا على الماء، وله صديق يوده فقال له ~~صديقه: هل لك أن تجعل لي في زوجتك نصيبا وأكفيك رعي إبلك والقيام عليها؟ قال له الشيخ: ~~قد فعلت. فلما أخبر عمر بذلك أمر بهما فأحضرا فقال: ويلكما ما دينكما؟ قالا: الإسلام. ~~قال عمر: فما الذي بلغني عنكما ، أما علمتما أن ذلك حرام في دين الإسلام؟ قالا: لا والله ~~ما علمنا ذلك. فقال عمر للشاب: إن بلغني عنك شيء من ذلك بعد ضربت عنقك». ~~* # وكان عمر قد كتب إلى أمراء الجند في بيت المقدس أن يلاقوه بالجابية # 4 # ليوم سماه لهم. فلما بلغ جند الشام خبر قدومه «ارتج الناس وهموا أن ~~يركبوا لاستقباله بأجمعهم. فقال لهم أبو عبيدة: «عزيمة على كل رجل أن لا يخرج من ~~مركزه.» * ثم سار أبو عبيدة في أناس من المهاجرين والأنصار. فلما وصل عمر إلى ~~الجابية كان أول من لقيه يزيد بن أبي سفيان، وأبو عبيدة، ثم خالد بن الوليد، وهم على ~~الخيول وعليهم الديباج والحرير * فنزل عمر وأخذ الحجارة ورماهم بها للبسهم ~~ملابس الروم، وقال: «ما أسرع ما رجعتم عن رأيكم. إياي تستقبلون في هذا الزي، وإنما ~~شبعتم منذ سنتين؟ وبالله لو فعلتم هذا على رأس المائتين لاستبدلت بكم غيركم.» # 5 # فقالوا: «يا أمير المؤمنين إنها يلامعة» أي (سلاح يلمع) قال: «فنعم إذن» # 6 # ثم ركب حتى دخل الجابية. # وما استقر المقام بعمر في الجابية ليستريح من وعثاء السفر حتى تقدم إليه رجل غريب ~~الزي وقال: «يا أمير المؤمنين، إنك لا ms139 ترجع إلى بلادك حتى يفتح الله عليك إيلياء # 7 # فالتفت عمر إلى أبي عبيدة وسأله: من هذا الرجل؟ (- فأجاب أبو عبيدة: هو ~~يوسف اليهودي الذي طلب أن يتقدمنا إلى بيت المقدس. فلم يلتفت عمر إليه، وعند الفجر صلى ~~عمر بالمسلمين صلاة الفجر، ثم خطب فيهم خطبة حسنة حض فيها الحاضرين على الاتحاد وشكر ~~الله وقرأ الآية: # من يهد الله فهو المهتد ومن ~~يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ~~* وكان قس من ~~المسيحيين حاضرا فقال: «إن الله لا يضل أحدا.» # 8 ~~* فلما كرر القس هذا القول قال عمر: «إن عاد إلى قوله فاضربوا ~~عنقه.» * فسكت القس * وحينئذ همس أبو عبيدة (- في أذن الأمير عمر: حيا ~~الله الأمير وبياه فإنه كره العقاب إلا بعد الإنذار مع أن الرجل عاد علينا. فلا عجب ~~في أن يحبنا مخالفونا؛ لتساهلنا إلى هذا الحد. # ثم أخذ أبو عبيدة يحدث عمر بما لقي الجند من الروم، وعمر باهت؛ فتارة يبكي وتارة ~~يهدأ. فلم يزل كذلك إلى أن حضرت صلاة الظهر. فقال الناس: يا أمير المؤمنين، اسأل بلالا ~~أن يؤذن لنا * وبلال هو العبد الذي كان مؤذن النبي، وكان قد حضر إلى بيت المقدس ~~اغتناما لأجر القتال في سبيل فتحها. فقال عمر لبلال: «يا بلال، إن أصحاب رسول الله ~~يسألون أن تؤذن لهم وتذكرهم أوقات نبيهم.» * «فقال بلال: نعم.» ثم أخذ يؤذن ~~الظهر. «فلما قال: الله أكبر خشعت جلودهم واقشعرت أبدانهم. فلما قال: أشهد أن لا إله ~~إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله بكى الناس بكاء شديدا حتى كادت قلوبهم تتصدع عند ~~ذكر الله ورسوله». * # ويظهر أن بلالا رأى في جند المسلمين شيئا جديدا لم يره من قبل، وفي الحقيقة أن هذا ~~الشيء ليس بالجديد فإنه أزلي لوجوده منذ وجود الإنسان تقريبا، وهو أن أكابر المسلمين ~~وأجناد الشام كانوا «يأكلون لحوم الطيور والخبز النقي.» * والضعفاء كثيرا ما ~~كانوا لا ينالون شيئا، وبما أن بلالا قد نشأ في أحضان النبوة فقد رأى لنفسه حق الشكوى ~~من هذه الحالة ms140 الجديدة. فشكى ذلك بعد الأذان إلى الإمام عمر * مختتما قوله ~~بهذه العبارة: «الكل يفنى، ومآله إلى التراب، ومصيرنا إليه.» * فأجابه يزيد بن ~~أبي سفيان «إنا لنصيب ما قاله بلال ها هنا مثل ما كنا نقوت به أنفسنا مدة من الزمان ~~في الحجاز؛ لأن الأسعار رخيصة في بلادنا هذه.» * فقال عمر: «إن الأمر كما ذكرت ~~فكلوا هنيئا مريئا» * ولكنه أردف ذلك بقوله: إنه سيفرض لكل أهل بيت ما يكفيهم ~~من البر والشعير والعسل والزيت وما يحتاجون إليه. # فنحن إذا رمنا أن نسمي هذا الأمر باسمه العلمي المألوف اليوم فإننا نقول: إن الإمام ~~باهتمامه هذا كان يهتم بالمسألة الاجتماعية العظمى، وغني عن البيان أن المبدأ المسيحي ~~والمبدأ الإسلامي في هذه المسألة مناقضان لمبدأ المدنية الحاضرة القائمة على مبدأ تنازع ~~البقاء وبقاء الأفضل، ولكن المدنية الحاضرة بدأت تعود إلى المبدأ المسيحي والمبدأ ~~الإسلامي من حيث اهتمام الهيئة الاجتماعية بجميع الأفراد، وهو مبدأ الاشتراكية الجديد ~~الذي قد طما سيله على أوروبا، ولا يعرف مستقبله الآن معرفة جلية. # ولما سمع أبو عبيدة جواب يزيد وحكم عمر انحرف نحو الأمير، وقال: «لقد أحسن أمير ~~المؤمنين، ورأيه الموفق إن شاء الله في إسعاد أحوال فقراء المسلمين. فإن المسلمين إخوة ~~وهم بعضهم لبعض كالبناء المرصوص، لا كالروم الذين يتمتع أغنياؤهم بملاذ الدنيا ويتركون ~~فقراءهم كالكلاب». # ولكن أبا عبيدة كان يجهل ويا للأسف أن ما حل بالروم في مدينتهم الواسعة سيحل ~~بالمسلمين أيضا عند اتساع مدينتهم ويقوم يومئذ «حق الملكية # 9 # المطلق» الذي عليه مدار المعاملات في هذا العصر مقام كل شيء. # ولما هم عمر بالرحيل إلى معسكر المسلمين قرب بيت المقدس، وهو على بعيره وعليه مرقعته، ~~قال له بعض الأمراء: «يا أمير المؤمنين، لو ركبت بدل بعيرك جوادا ولبست ثيابا ~~بيضا.» * لاستقبال الروم بها. فأجابهم عمر إلى ذلك: «فلبس ثيابا مصنوعة في ~~مصر تساوي خمسة عشر درهما # 10 # وطرح على عاتقه منديلا من كتان ليس جديدا ولا بالخلق دفعه إليه أبو ~~عبيدة، وقدم إليه برذون أشهب من براذين ms141 الروم.» * فلما صار عمر على ظهر البرذون ~~يهملج به ويتجلجل ويختال. فأسرع عمر إلى النزول عنه وضرب وجه البرذون وقال: «لا أعلم من ~~علمك هذه الخيلاء» # 11 # ثم التفت إلى أصحابه وقال: «أقيلوا عثرتي أقال الله عثرتكم يوم القيامة فقد ~~كاد أميركم أن يهلك بما دخل قلبي من العجب والكبر، وإني سمعت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: ~~«لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من الكبر» ولقد كاد أن يهلكني ثوبكم الأبيض ~~وبرذونكم المهملج.» * ثم إن عمر خلع الثوب الأبيض وعاد إلى مرقعته ~~وبعيره. # فيا لجمال هذه الحركة التي نبذ بها عمر الثوب المصري الأبيض؛ ليعود إلى لبس المرقعة ~~الصوفية، وأبعد الفرس المختال؛ ليعود إلى البعير الذلول المتضع، وربما يظهر ذلك لأبناء ~~هذا العصر حتى المسلمين أنفسهم أمرا غريبا صغيرا، ولكن الذين يعرفون سر فعل عمر لا ~~يستغربون صنعه. نعم، إن كل ما في الأرض من شقاء وشرور وفساد مصدره شيء واحد وهو «كبرياء ~~الإنسان» فالإنسان لا يحلل كل المحرمات في سبيل جمع المال وإنماء الثروة إلا إرضاء ~~لكبريائه. لا يسطو فرد على فرد أو شعب على شعب لإذلاله وسلب ما في يده إلا لإرضاء ~~كبريائه. لا يرى الإنسان متصدرا مختالا فخورا كأنه مفرد في الدنيا كلها وكأن الدنيا ~~كلها ملك يده مع أنه أصغر من فيها، إلا إرضاء لكبريائه. لا تسخر الألوف من البشر في ~~بناء المدن والقصور وصنع الزخارف وحشد الجنود وإقامة المعامل التي تشقى فيها فئة من ~~البشر لتستعد بها فئة أخرى، إلا إرضاء لكبريائه. فمتى محيت هذه الكلمة «الكبرياء» من ~~قواميس البشر ومن نفوسهم فحينئذ تصبح الأرض مكانا طيبا ويبطل أصل الفساد فيها. حينئذ ~~لا يعود فيها سيد ومسود، وعبد وحر، وكبير وصغير، وغني وفقير. بل يكون الجميع أخوة في ~~الاتضاع والدعة والسذاجة ومكارم الأخلاق كما يكون الأولاد في طور سذاجتهم، فلنخفضن ~~هنا رءوسنا احتراما للإمام الجليل الذي رام بتلك الحركة الجميلة سحق أفعى الكبرياء في ~~نفسه ونفس أمته، ولنؤاخين بين هذه الحركة ms142 الجميلة وقول كتاب المسيحيين: «إن لم ترجعوا ~~وتصيروا كالأولاد فلا تدخلوا ملكوت السموات» - فإن هذه بمعنى تلك وتلك بمعنى ~~هذه. # الفصل التاسع عشر # | بين الإمام عمر والبطريرك صفرونيوس # فتح المدينة صلحا # ثم سار عمر من الجابية وحوله أمراء المسلمين، وما زال سائرا حتى أشرف على معسكر الجند ~~وبيت المقدس. فلما ظهرت له المدينة صاح: «الله أكبر، اللهم افتح لنا فتحا يسيرا، واجعل ~~لنا من لدنك سلطانا نصيرا.» * وما أشرف عمر بموكبه على المعسكر حتى قامت العشائر ~~والقبائل على ساق وقدم، وهرعت لاستقباله بالتهليل والتكبير * فارتجت الأرض، وأشرف ~~أهل المدينة من على الأسوار؛ ليعلموا سبب تلك الضجة الهائلة، ولما علموا بمقدم عمر ذهب ~~أحدهم وأخبر البطريرك: «فأطرق البطريرك ولم يتكلم.» * أما عمر فإنه نزل في خيمة من ~~شعر * ضربت له بجانب خيمة أبي عبيدة * «فجلس فيها هناك على التراب. ثم قام ~~يصلي أربع ركعات». * # وبات العرب تلك الليلة فرحين بمقدم أميرهم وخليفتهم. فلما كان الغد وصلى عمر صلاة الفجر ~~قال لأبي عبيدة: «يا عامر تقدم إلى القوم وأعلمهم أني قد أتيت.» * فذهب أبو عبيدة، ~~وأبلغ الواقفين على الأسوار هذا الخبر. فذهبوا وأعلموا البطريرك «فخرج البطريرك من كنيسته ~~وعليه المسوح، وترجل الرهبان والقسس والأساقفة معه، وقد حمل بين يديه صليب لا يخرجونه إلا ~~في عيدهم، وسار معه والي المدينة وهو يقول للبطريرك: يا أبانا إن كنت تعرفه معرفة حقيقية ~~وإلا فلا تفتح له، ودعنا وهؤلاء العرب؛ فإما نبيدهم وإما أن يبيدونا.» * فأجابه ~~البطريرك (- يا ولدي، إن ولدنا إيليا الذي تعرفه كان يطوف أمس على الأسوار فأبصر الفارس ~~الذي ذكره لنا، وهو ابن معدي كرب، فأرسل إليه هذا الفارس نبلة وقد ربط بها كتابا فيه ثلاث ~~كلمات باللغة اليونانية، وهي هذه: «لقد وفد عمر» ولست أشك في صدق هذا الرجل بعد ما بلغني ~~عنه، وفضلا عن ذلك فإن ولدنا يوحنا الغساني يعرف الأمير؛ لأن بعض عرب المدينة وصفوه له. ~~فقال الوالي: وما صفته؟ فقال البطريرك: هو في الخامسة والخمسين من العمر # 1 # أصلع ms143 طويل يظهر لطوله كأنه راكب. أبيض أشيب أبهق (أي شديد البياض) تعلوه حمرة، ~~وهو يصفر لحيته، ويرجل رأسه». # 2 # فلما أشرف البطريرك ورجاله على أبي عبيدة من عن السور قال البطريرك: «ما تشاء أيها الشيخ ~~الباهي» * فأجاب أبو عبيدة: «هذا أمير المؤمنين عمر، وليس عليه أمير، قد أتى ~~فاخرجوا إليه، واعقدوا معه الأمان» * فقال البطريرك: «يا ذا الرجل، إن كان صاحبك ~~الذي ليس عليه أمير قد أتى فدعه يدنو منا.» * وأقرئه عني السلام (- وقل له: إنني ~~أحب مقابلته، فاستغرب أبو عبيدة هذه اللهجة الودادية الجديدة. فعاد إلى عمر وأبلغه جواب ~~البطريرك، ولكنه لم يبلغه سلامه إلا همسا في إذنه. فأطرق عمر ثم هم بالقيام * ~~«فقال له أصحابه: يا أمير المؤمنين، أتخرج إليهم منفردا وليس عليك آلة حرب غير هذه ~~المرقعة، وإنا نخشى عليك منهم غدرا أو مكرا فينالون منك.» * فلم يجب عمر، ولكنه ~~قرأ الآية: * # قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله ~~لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون # ثم ~~استوى على بعيره وعليه مرقعته «وعلى رأسه قطعة عباءة قطوانية وقد عصب بها رأسه، وليس معه ~~إلا أبو عبيدة وهو سائر بين يديه حتى قرب من السور، ووقف بإزاء السور والبطريرك والوالي». ~~* # وكان يوحنا الغساني الذي تقدم ذكره واقفا وراءهما. # فلما دنا عمر من السور، ووقع نظر يوحنا عليه همس يوحنا في أذن البطريرك والوالى قائلا: ~~وحياة العذراء مريم هذا هو. # فأحنى البطريرك رأسه مسلما، ونادى من أعلى السور: افتحوا الباب للأمير. # فلم يفهم عمر كلام البطريرك، ولكنه لم يلبث أن أبصر الباب يفتح في وجهه، وخرج الناس منه ~~* «فتواضع عمر حينئذ لله وخر ساجدا على قنب بعيره.» * ثم نزل لملاقاة ~~البطريرك؛ إذ أعلموه أنه قادم لاستقباله. # وبعد دقيقتين ظهر البطريرك صفرونيوس في الباب، ومعه قس من أخصائه يعرف العربية ليترجم له. ~~فلما رآه عمر وأبو عبيدة تقدم الأول وتنحى الثاني. # وكانت الأسوار حينئذ غاصة بالناس، وهم يتطالون ليشاهدوا ملتقى عميدي المسيحية والإسلام، ~~وكأن على رءوسهم الطير. # أما قبائل العرب ms144 من بعيد فإنها كانت تهلل وتكبر ابتهاجا بفتح بلد عيسى وموطن ~~الأنبياء. # ولما دنا عمر من البطريرك مد البطريرك إليه يده مصافحا فمد عمر يده إليه، وكان البطريرك ~~ينظر في وجه عمر وعمر ينظر في وجه البطريرك. فيظهر أن نفسيهما اتفقتا لأول نظرة؛ لأن النفوس ~~الكبيرة تتعارف حين التقائها بالنظر كما يتعارف باقي الناس بالكلام. فابتدأ البطريرك الحديث ~~بقوله: لقد طلبت أن يكون الأمير الكريم متولي عقد الصلح بيننا؛ لأنني إذا وضعت هذه ~~المدينة المقدسة في عهده وذمته خاصة أكون في أمن عليها وعلى أهلها من كل وجه، وأنا الآن ~~ألقي مفاتيحها إليه. # فلما ترجم الترجمان هذا الكلام لعمر أشار عمر برأسه موافقا على كلام البطريرك، وأجاب: ~~المسلم من حفظ العهد ورعى الود، ونحن جميعا عباد الله فعلينا أن نكفل بعضنا بعضا. # فسر البطريرك بهذا الجواب، وعلم أنه وضع ثقته في من هو أهل لكل ثقة. فطلب من الأمير أن ~~يدخل معه إلى غرفة قرب باب السور؛ ليخلو به فيها بضع دقائق. فلم يتردد الأمير في الدخول بل ~~مد رجله وتخطى عتبة الباب. فلما رآه أبو عبيدة يضع قدمه في تلك المدينة المدججة بالسلاح ~~ليدخل إليها وحده اصفر وجهه خوفا عليه، وكأن البطريرك قد تنبه لذلك من تلقاء نفسه. فإنه ~~لما رأى اصفرار وجه أبي عبيدة تألم من سوء الظن ووقف ممتنعا عن الدخول بالأمير. ففهم حينئذ ~~عمر ذلك فنظر إلى أبي عبيدة، وابتسم ابتسامة تأنيب، ثم دخل مع البطريرك. # يروى في التاريخ القديم: أن إسكندر الكبير كان يثق بطبيب له كل الثقة. ففي ذات يوم ورده ~~كتاب فحواه أن هذا الطبيب عازم على تسميمه، واتفق أن الإسكندر فرغ من تلاوة هذا الكتاب حين ~~دخول طبيبه عليه يحمل له كأس دواء. فتناول الإسكندر الكأس في يد وناوله الكتاب في يد أخرى. ~~ثم شرب الكأس قبل أن يقرأ طبيبه ذلك الكتاب * فالمؤرخون والكتاب يهتفون هتاف ~~الدهشة حين وقوفهم على هذا الأمر إعجابا بثقة الإسكندر وشجاعته، ويقولون: إنه لا يصدر إلا ~~عن ms145 نفس عظيمة كنفس الإسكندر. قلنا: ولكن صنع عمر هذا ليس بأقل من صنع الإسكندر. # وكانت الغرفة التي اجتمع فيها عمر والبطريرك بجانب باب السور، ولم يكن معهما غير القس ~~ترجمان البطريرك. # فقال الأمير بعد جلوسه موجها السؤال إلى الترجمان: ماذا يريد البترك؟ # فأجاب البطريرك: أريد قبل كل شيء صداقة أمير مثلك. فإننا نحن معاشر رؤساء الأمم تجمعنا ~~جامعة الرئاسة وإن فرقت بيننا المذاهب، وكلنا نعبد إلها واحدا لا إله إلا هو ولا شريك ~~له، وعلينا تدبير نفوس رعايانا لإبقائها في سبيل الفضيلة والخير. فإذا اختلفنا في الجزئيات ~~والظواهر فنحن متفقون في الكليات والبواطن. فعلينا إذن أن ننظر إلى ما يجمعنا لا إلى ما ~~يفرقنا، ولذلك أطلب من الأمير ثلاثة أمور: الأول؛ أن يكتب لنا عهدا بالصلح نحفظه عندنا ~~للمستقبل، والثاني؛ أن يوصي رجاله بأن لا يتعرضوا لأحد منا في دينه، والثالث ؛ أن لا يصلي ~~بجانب قبر المسيح في كنيستنا الكبرى؛ لأنه يعلم أنه إذا صلى هناك طلب المسلمون جعل المكان ~~مسجدا. # فلما ترجم هذا الكلام للأمير أطرق، ثم قال: أهذا كل ما يريده البترك. فقيل له: نعم. فنهض ~~عمر ووضع يده في يد البطريك، وقال: نحن كما قلت. أما العهد فسأكتبه الساعة وأرسله إليك، ~~ولولا رغبتي في أن يشهد عليه شهود من المسلمين لئلا يشتبه به في ما يأتي من الزمن لكتبته ~~الآن، وأما الوصية: فوالله الذي نفس عمر في يده إنكم لا تجدون أحدا منا يعتدي على أحد منكم ~~بغيا وظلما، وعندنا: # لا إكراه في الدين ~~، وأما ~~الصلاة بجانب قبر عيسى - عليه السلام - فسأفعل ما ذكرت؛ لأنني أشد رغبة منكم في اجتناب ~~النزاع على قبر عيسى في مستقبل الزمان، وأنتم أحق منا به. # ثم هم الأمير بالخروج فمد البطريرك حينئذ يده إلى جيبه وتناول منها رقا مطويا. ثم ~~ناوله للأمير يدا بيد، وقال للترجمان: أخبره أن هذا الرق مكتوب بلغتنا، وفيه أمر سري لا ~~أحب أن يعلم أحد أنني صاحبه. فليمعن فيه النظر ثم يعيده إلي غدا أو بعده. ms146 # فأخذ الإمام عمر الرق، ووضعه في ثيابه، ثم خرج مودعا، ولما ظهر الإمام لأبي عبيدة من ~~الباب تنفس أبو عبيدة الصعداء، وحمد الله على سلامته. ثم سارا معا عائدين إلى معسكر ~~المسلمين. فاستقبلهما المسلمون بهتاف طبق السماء ابتهاجا بفتح المدينة، وقبل الظهر كتب ~~الإمام عمر عهد الصلح، وأرسله مع أحد رجاله إلى البطريرك وهذه صورته: # 3 # بسم الله الرحمن الرحيم # هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان؛ أعطاهم أمانا ~~لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها أنه لا تسكن ~~كنائسهم ولا تهدم ولا ينقص منها ولا من حيزها ولا من حليهم ولا من شيء من أموالهم، ~~ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود، ~~وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن، وعليهم أن يخرجوا منها الروم # 4 # واللصوص؛ فمن خرج منهم فهو آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن ~~كان بها من أهل الأرض قبل مقتل فلان (كذا) فمن شاء منهم قعد وعليه مثل ما على أهل ~~إيلياء من الجزية، ومن شاء سار مع الروم، ومن شاء رجع إلى أهله. فإنه لا يؤخذ منهم ~~شيء حتى يحصد حصادهم، وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء ~~وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية. شهد على ذلك خالد بن الوليد، وعمرو ~~بن العاص، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان. وكتب وحضر سنة 15. # فيا أورشليم استعدي فهذا عنصر جديد قد انضم إلى عناصرك. وكل محب للشرق يتمنى لو لم يكن ~~هذا الانضمام؛ لأنه سيجر على الشرق كله ويلات هائلة. # 5 # سيأتي يوم يا أورشليم الجميلة ينسى فيه هذا العهد العمري فتشتد دواعي الجهل ~~والبغض بين عناصرك، وحينئذ يختل ميزان العدل بين الناس، ويفشو الاضطهاد، فيتخذ الغرب هذا ~~الأمر حجة للزحف على شرقك رغبة في استخلاصك. حينئذ تقوم حرب هائلة بين الشرق والغرب، وهي ~~الحروب التي سيسمونها حروبا صليبية، وستجني ms147 هذه الحروب يا أورشليم على الشرق جناية هائلة؛ ~~لأنها ستكون من أسباب زوال مدينته العظمى، وانتقالها إلى الأمم الغربية، وزيادة الأحقاد بين ~~العناصر البشرية زيادة تشوه، وا أسفاه، وجه الإنسانية. # الفصل العشرون # | في حيز هيكل سليمان القديم # المسجد الأقصى - عود إلى أستير # وبينما كان البطريرك يتلو صورة العهد الذي أرسله عمر إليه، ويتأمل فيه وفي قوله: «أن ~~يخرجوا الروم» كان عمر منفردا بأبي عبيدة يسأله ترجمانا لترجمة ما في الرق الذي دفعه ~~البطريرك إليه. فقال أبو عبيدة: العجب من أنه لم يعهد البترك إلى ترجمانه ترجمته لأمير ~~المؤمنين. فقال عمر: لعله يا عامر يكره أن يعلم به أحد من قومه فهات من يترجمه لنا. # فبعث أبو عبيدة في طلب اليهودي يوسف. # فلما وفد الشيخ أبو أستير كان مضطربا دامع العين، فسأله أبو عبيدة عن سبب بكائه، فاشتد ~~بكاؤه وأجاب أنه رام الرحيل بعيلته منذ مدة لمعالجة اعتلال ألم بابنته فحالوا دون سفره، ~~فسأله أبو عبيدة: ومن حال دون سفرك؟ فسكت يوسف. # وكان الإمام عمر يسمع الحديث فقال دون أن يلتفت إلى يوسف: يا ذا الرجل قل من حال دون ~~سفرك؟ # فأجاب الشيخ: ضرار وابن معدي كرب. # فأصلح عمر جلوسه في مقعده وقال: مأرب لا حفاوة، ثم قال مخاطبا أبا عبيدة: يا عامر انظر ~~في أمر الرجل فإنني أرى هنا ظلامة. # فانفرد أبو عبيدة بالشيخ واستخبره الخبر. فعلم منه أن ضرارا وعمر بن معدي كرب قد ~~تبارزا في ذلك الصباح، وكاد يجري دم أحدهما لولا دخول بعض المسلمين بينهما، وسبب ذلك: أن ~~عمر بن معدي كرب كان يطلب نقل الشيخ أبي أستير إلى خيمته من خيمة ضرار وضرار يأبى ذلك. ~~فسأل أبو عبيدة الشيخ: وأنت في أي الخيمتين تريد الإقامة؟ فأجاب الشيخ مضطربا: أما أنا ~~فإنني أستأذن في السفر أيها الأمير، فإن ابنتي في اعتلال شديد، وقد سهرت طول الليلة عليها. ~~فقال أبو عبيدة: متى شئت فارحل، وإذا منعك أحد فأخبرني لكن قبل رحيلك ينبغي أن تدخل معنا ~~غدا إلى بيت ms148 المقدس؛ لتكون دليلنا فيها. # ثم ذهب أبو عبيدة وهمس بضع كلمات في أذن عمر. فأنغض الإمام رأسه وقال: «إنهن فتنة ~~للعالمين» وبعد ذلك دفع أبو عبيدة «الرق السري» إلى الشيخ وقال له: ترجم لنا هذا الرق، ~~واكتب ترجمته على رق آخر، وادفعهما إلينا ثم عد من حيث أتيت. # فأطاع الشيخ وفعل ذلك، ثم عاد مسرورا بأنه سينقذ ابنته من مخلبي أسدين. # ولكن الشيخ كان يتساءل وهو خارج من خيمة الإمام بقوله: ترى من هو صاحب هذا الاقتراح ~~الغريب الذي يسقط آمالنا في مملكتنا، وبقي يفكر في ذلك طول الطريق. # أما عمر فبعد خروج الشيخ تناول ترجمة الرق باهتمام وصار يتلوها، وكان تارة يبتسم في أثناء ~~تلاوتها وطورا يعبس، ولما أتى عليها أعاد النظر فيها، ثم بعد فراغه منها ألقاها إلى أبي ~~عبيدة وهو يبتسم فتلاها أبو عبيدة، ثم نظر إلى عمر مدهوشا. فضحك عمر ، وقال: مزق الترجمة يا ~~عامر، وسأرد الأصل إلى صاحبه. ~~••• # وبما أننا قد عدنا إلى أستير بعد التفاصيل الطويلة التي تقدمت، فيجب أن نذكر ما جرى لها ~~بعد دخول إيليا إلى المدينة. # بقيت أستير تنتظر إيليا في ذلك النهار حتى جن الليل، ولما أبطأ ظنت أنه ذهب إلى خيمة ~~الأمير عمرو بن معدي كرب حسبما طلب الأمير. فنامت تلك الليلة مضطربة، وقد رأت في الحلم في ~~تلك الليلة أن إيليا جاث أمامها يعيد لها التصريح بحبه. فانتبهت في الصباح وقد زاد حبها ~~له. # لكن في الصباح لم يأت إيليا. # فلما تعالت الشمس ولم يأت إيليا أيضا ازداد قلق أستير، وكان أرميا يكثر التردد عليها ~~وينظر إليها نظرات خصوصية لم تفهم معناها، وكان كأنه يقول لها بتلك النظرات: «لقد أبعدته ~~عنك إلى الأبد». فلما انتصف النهار ولم يأت إيليا أيضا قالت أستير لأرميا: يا كيريه أرميا ~~أين ذهب كيريه إيليا هل بات الليلة عند عمرو بن معدي كرب؟ فابتسم حينئذ أرميا ابتسامة ~~شيطانية، وقال: كلا أيتها السيدة. إن كيريه إيليا قد رحل إلى المدينة. # فأجفلت أستير لهذا الكلام، ms149 وشعر أرميا ببغتتها، فقال ليجهز على آمالها: والأرجح عندي ~~أيتها السيدة أنه لا يعود؛ لأنه ودعني وداع فراق طويل. # فصاحت أستير: ولماذا لم تخبرني بذلك قبل الآن؟ فأجاب أرميا وقد استشاط غضبا: لأنك لم ~~تسأليني عنه، وما أهمية رحيله، فإن الأرض لا تزال أرضا. # نعم يا أرميا، إن الأرض عندك لا تزال أرضا لم تتغير ولم تتبدل، ولكن قلب أستير كان قد ~~تغير وتبدل، وليس شيء كالجفاء يغير قلوب النساء. فإن أستير مع حبها لإيليا في ما سبق قد ~~قدرت على فراقه في المزرعة فرارا منه، وقد شعرت يومئذ أنها بفعلها هذا قد فعلت فعلا ~~جميلا ساميا؛ لأن ذكر «واجباتها لدين آبائها ولأمها» كان يعزيها عن كل شيء، ولكن لما ~~تركها إيليا وذهب عنها تغير وجه المسألة عندها. فإن هذا الجفاء منه أحدث في نفسها حدثين ~~عظيمين: الأول أنه زاد حبها له وهذا شأن الجفاء على الدوام، والثاني أنه جرح كبرياءها ~~وأنانيتها جرحا بليغا، ولهذين السببين صارت أستير لا تطيق ترك إيليا قبل معرفة سبب جفائه ~~هذا. # ومنذ هذا اليوم بدأت أستير تنحل وتذبل كزهرة انقطعت عنها مادة حياتها، وصارت تذهب في كل ~~يوم إلى طريق المدينة مع أبيها؛ لعلها تجد إيليا راجعا، وكان يذهب أكثر الليل وهي قاعدة ~~على فراشها، وإذا نامت قبيل الصباح قليلا فإن صورة إيليا كانت تطاردها في رقادها، وكان ~~يتمثل لها إيليا في أحلامها هذه غاضبا عليها معرضا عنها، فتنتبه باكية مذعورة، وتبقى ~~النهار كله مفكرة متألمة. # فلما مضت على أستير بضعة أيام على هذا المنوال هزلت، وانقلب لونها الوردي إلى الاصفرار، ~~وقل طعامها. فجزع عليها أبوها وأمها جزعا شديدا، ولكنهما لم يقفا على سبب علتها؛ لأن ~~الآباء والأمهات قلما يقفون على أمثال هذه العلل. # وفي أثناء ذلك اشتد التحاسد عليها بين ضرار وعمرو بن معدي كرب، واغتاظت أستير من تعرضهما ~~لها، فعزم أبوها على الرحيل بها عن معسكر العرب. إلا أن أستير رفضت السفر لغير المدينة ~~المقدسة، وأقنعت أمها العجوز المتدينة بالإقامة لحضور الحفلة ms150 الكبرى التي سيقيمها العرب؛ ~~لإعادة بناء هيكل اليهود القديم. فتمسكت العجوز بهذا المطلب؛ لأنه كان من أقصى أمانيها كما ~~تقدم. # وكان اليوم الذي تم فيه عقد الصلح يوم أحد من شهر آذار * ففي مساء اليوم التالى ~~وهو يوم الإثنين عزم الإمام عمر على دخول المدينة؛ ~~لتخطيط مسجد فيها * فركب في نخبة من أمراء المسلمين وأعيانهم، ودخل إلى المدينة ~~ليلا. فاضطربت المدينة لدخولهم، وصار الناس يسترقون النظر إليهم من النوافذ، وكان الشيخ ~~أبو أستير معهم في دخولهم؛ ليدلهم فيها، وأمامه حمار عليه زوجته العجوز وابنته أستير وهي ~~تكاد لا تستطيع الاستواء على مطيتها من الضعف والاعتلال. # ومما لا يحتاج إلى بيان أن أرميا كان وراء مطيتها بجانب أبيها. # ولما صار عمر ورجاله في المدينة أخذهم الشيخ إلى دائرة الحرم الحالية. فلما أشرفوا على ~~هذا المكان الذي فيه المسجد الأقصى وبيت المقدس هللوا وكبروا، وكان بيت المقدس # 1 # مدفونا بالتراب وفضلات المنازل، ولم يكن ظاهرا منه غير الجدار الذي في زاوية ~~سور الحرم إلى الجنوب الغربي، وهو من آثار هيرودوس الكبير * ولا يزال إلى اليوم ~~مناحة الإسرائيليين كما تقدم في موضع آخر. # فترجل عمر ورجاله ودخلوا دائرة بيت المقدس * ولم يلبث أن بزغ الفجر، فصلوا فيها ~~صلاة الفجر. * # وما كاد عمر يصلي صلاة الفجر حتى قيل له: إن رجلا من أعيان الإسرائيليين قد وفد من أحد ~~بلدان فلسطين يريد لقاء الإمام * ثم أدخل عليه كعب الأحبار * فسلم كعب ~~* فرد عمر السلام، وقال له: «من أنت؟» فأجاب الرجل: «أنا كعب الأحبار، وإنني جئت ~~أريد الإسلام، والدخول فيه.» * فقال عمر: «أحقا ما تقول يا كعب؟» قال: «الله يسمع ~~ما أقول، ويعلم ما تخفي الصدور. لكن يا أمير المؤمنين هل ورد في كتابكم الذي أنزل عليكم في ~~أمر دينكم ذكر إبراهيم؟» فقال عمر: نعم، وقرأ له الآيات التي ذكر فيها إبراهيم. منها: # أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ ~~قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله ~~آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها ms151 واحدا ونحن له ~~مسلمون # فأسلم حينئذ كعب وفرح المسلمون بإسلامه. * # أما أبو أستير فإنه اضطرب لإسلام كعب، وقال في نفسه: إننا لا نستفيد شيئا إذا كانت أمتنا ~~ستضيع في الإسلام كما تضيع جرة ماء في البحر، وهيكلنا سينتقل من يد عدو قديم إلى يد عدو ~~جديد. # ولما أشرقت الشمس سأل عمر عن «بيت المقدس» # 2 # وذهب إليه مع كعب الأحبار وجمهور المسلمين، وفي دخوله إلى ذلك المكان قال: ~~«ارقبوا لي كعبا» * ثم قال: «أيها الناس اصنعوا كما أصنع» *، وبعد ذلك جثا ~~الإمام على تراب الأرض، وأخذ فرجا من فروج قبائه، ووضع فيه التراب لينقله، ويكشف عن آثار ~~المكان * وإذا به يسمع تكبير أصحابه وراءه * فقال: ما هذا؟ فقالوا: كبر ~~كعب وكبر الناس بتكبيره * فطلب كعبا فأتي به فسأله عن سبب تكبيره. فأجاب أن أحد ~~أنبياء بني إسرائيل تنبأ منذ عدة قرون بما يفعله الأمير الآن من إكرام هذا المكان بعد ~~إهانته، وكان عمر قد قصد بكشف التراب تخطيط جامع هناك فوق الصخرة # 3 # وهو المعروف اليوم بجامعه * فسأل كعبا: «أين ترى أن نجعل المصلى؟» ~~فأجاب كعب «إلى الصخرة» فقال عمر: «ضاهيت والله اليهودية يا كعب، وقد رأيتك وخلعك نعليك؟» ~~فأجاب: «أحببت أن أباشره بقدمي» فقال عمر: قد رأيتك. بل نجعل قبلته صدره كما جعل رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # قبلة مساجدنا صدورها. اذهب فإنا لم نؤمر بالصخرة، ولكن أمرنا بالكعبة. ~~* # ومنذ هذا اليوم ارتفعت تحت سماء أورشليم جدران هيكل سليمان القديم الذي هدمته المسيحية؛ ~~لأنه كان السبب في صلب صاحب شريعتها. # وقد أقام عمر في بيت المقدس من يوم الإثنين إلى يوم الجمعة * فلما كان يوم الجمعة ~~كان عمر قد فرغ من تخطيط مسجده، وعزم على الصلاة فيه بالمسلمين * فيظهر أن الروم ~~بعد أن شاهدوا العرب من قريب ازدروا بهم واستضعفوهم، وندموا على مصالحتهم، فتآمر بعض غلاتهم ~~على نقض الصلح، والهجوم على أمراء المسلمين في يوم الجمعة في المدينة، فإذا قبضوا عليهم أو ~~قتلوهم بقي المسلمون بلا قواد؛ فيضعف ms152 أمرهم وتتفرق كلمتهم # 4 # فلما علم البطريرك بهذه المؤامرة غضب، وبعث ينذر المحرضين عليها بسوء المنقلب ~~إذا خانوا العهد. فبدا لهؤلاء المحرضين أمر آخر وهو أنهم أوعزوا إلى فريق من أهل المدينة أن ~~يبدوا زيناتهم وأموالهم، ويخرجوا الحسان إلى الأسواق والشوارع لعل العرب يمدون أيديهم إلى ~~تلك الأموال والنفائس؛ فيكون لأهل المدينة عذر في نقض الصلح. فبينما كان عمر يستعد لصلاة ~~الظهر في يوم الجمعة وإذ قد وفد عليه رسول من قبل البطريرك ومعه القس الترجمان فأدخلوهما ~~على عمر، وكان الشيخ أبو أستير واقفا مع أستير في ذلك الحين بعيدا عن مضرب الأمير في ~~دائرة الحرم يريها حدود هيكلهم القديم. فلما مر الرسول والترجمان من أمامهما صاحت أستير، ~~وامتقع لونها. ذلك لأن هذا الرسول كان إيليا. # ولكن إيليا لم ينتبه للفتاة وأبيها، فبقي داخلا مع الترجمان على الأمير عمر، ولما مثل ~~بين يديه أخبره من قبل البطريرك بما قصده بعض متحمسي العوام، وسأله أن يوصي قومه بأن لا ~~يدعوا لهم سبيلا إلى ما يريدونه. فسر عمر بصدق نصيحة البطريرك، وأوصى المسلمين في صلاة ~~الجمعة بما أوصى، وبعد الصلاة ذهب أبو عبيدة يتجول بنفسه في الأسواق مع بعض رجاله، وكلما ~~وقعت أنظارهم على الحلي والنفائس والنساء الحسان كانوا يقولون: «الحمد لله الذي أورثنا ديار ~~قوم لهم مثل هذا» *، وهكذا لم يلمس أحد من المسلمين متاعا لأحد من أهل المدينة. ~~فلما سمع البطريرك بذلك قال: «لا يقوى أحد على هؤلاء ما داموا على ما هم عليه من التزام الحق». # 5 # وبعد أن أبلغ إيليا الإمام عمر هذه الرسالة بقيت عليه رسالة أخرى تقتضي مقابلة الأمير ~~وحده. فاستأذن إيليا منه بالإنفراد به فأذن عمر في ذلك. فلما صار إيليا أمام الأمير وحده ~~قال له بلسان رفيقه الترجمان: «أنا موفد أيضا من قبل البطريرك لأسأل الأمير ماذا فعل بالرق ~~الذي دفعه إليه» - فلما سمع عمر ذلك مد يده إلى ثيابه، وأخرج الرق وقال: «أقرئ البترك ~~السلام، وقل له: إن هذا ما أتى أوانه بعد، ms153 وربما عدنا إليه» فتناول إيليا الرق مختوما، ~~ووضعه في جيبه. # ولما هم إيليا بالخروج من لدن الأمير ليعود بالرق والجواب إلى البطريرك قال له عمر: صبرا ~~أيها الشاب فإن لي إليك حاجة. فقال إيليا: أنا طوع لأمر الأمير، فقال له الأمير: تربص هنا ~~إلى ما بعد الصلاة فأخبرك عن حاجتي. # فامتثل إيليا أمر عمر، وخرج لينتظره خارج الخيمة. # ولكن كان خارج الخيمة شخصان ينتظران إيليا أيضا، وهما أستير وأبوها. # فلما وقع نظر إيليا على أستير من بعيد سرت في جسمه كهربائيته القديمة. فتضعضعت حواسه، ~~واتقدت النار في صدره ودماغه. # فتقدم أبوها مسرعا إلى الشاب، وسلم عليه ببشاشة. فرد إيليا سلامه بعبوسة؛ لأنه لم ينس ~~أنه كان جاسوسا وخدعه، وفي هذا الحين سمع أبو أستير صياحا، فعلم أنه صوت زوجته العجوز ~~المقعدة، وكانت تتألم من مرضها فأسرع إليها. فبقيت أستير مع إيليا وجها لوجه. # فتقدمت أستير حينئذ نحو إيليا ببطء مترددة، ولما صارت قريبة منه مدت إليه يدها، وقالت: هل ~~يسمح لي كيريه إيليا أن أصافحه كما يتصافح العرب؟ # فرام إيليا الجواب، ولكنه لم يقدر؛ لشدة تأثره خصوصا لما رآه على وجه أستير من آثار ~~الضعف والاصفرار والاعتلال، ولكنه جمع قواه بعد ذلك، وصاح: ما بك يا سيدتي؟ فابتسمت أستير ~~ابتسامة يسميها كتاب الإفرنج «صفراوية» وقالت بين شفتيها بصوت منخفض «يسألني ما بي، كأنه ~~لا يعلم ما بي» ثم أجابت إيليا: «طرأ اعتلال على صحتي يا كيريه إيليا، وأنت كيف أنت، إنني ~~أراك في صحة وعافية، فيظهر أن هواء المدينة وافق مزاجك». # وقد قالت أستير هذا القول متهكمة؛ لأنها كانت ترى نحول إيليا واصفرار وجهه. فابتسم إيليا ~~لهذا التهكم من أستير، وأجاب: «أشفقي علي أيتها السيدة؛ لأنني أشد اعتلالا منك». # فسكتت أستير وأطرقت، وبعد حين قالت بغتة: «يا كيريه إيليا، لماذا ذهبت دون أن ~~تودعنا؟» # فسكت إيليا. # فقالت أستير: «كيف طاوعتك نفسك يا إيليا على تركي وحدي بين هؤلاء الأقوام بعد ذهابك من ~~المزرعة في طلبي؟ وماذا طرأ عليك فغير عواطفك ms154 هذا التغيير؟» # فسكت إيليا أيضا. # غير أنه رأى أنه لا بد من الكلام، ففكر في ماذا يقول، وإذ وجد ضالته أجاب متلجلجا: يا ~~سيدتي، إنني بعد أن اطمأن قلبي ووجدتك سالمة في حي العرب ذهب خوفي عليك، وأعدت قراءة ~~كتابك الذي تعرفينه فرأيت من واجباتي الابتعاد عنك امتثالا لإرادتك. # ولكن إيليا لم ينطق بهذا الكلام حتى سمع صائحا يصيح من وراء خيمة كانت قريبة منه، ويقول ~~بغضب: «هذا كذب محض فلماذا لا تقول الصدق؟» # فالتفت إيليا وأستير فأبصرا أرميا. # ذلك أن المعتوه كان مختبئا وراء تلك الخيمة يسمع حديثهما. فلما رأى أن إيليا وأستير ~~يتدرجان في حديث لطيف إلى عواطفهما القديمة خاف أن يعود إيليا إلى أستير، ويضرب صفحا عن ~~حالة أبيها، ولذلك ثار من مكمنه كذئب كاسر وقطع حديثهما. # فلما رآه إيليا، وسمع قوله، ازداد وجهه اصفرارا، فغضب وصاح به: «ما شأنك يا أبله؟ اذهب ~~في سبيلك». # فبهذا أخطأ إيليا خطأ عظيما؛ لأنه زاد رغبة المعتوه في الانتقام منه وإيذائه إبعادا له ~~عن أستير. فصاح أرميا بغضب شديد: إذا كنت أنا أبله فأنت كاذب لئيم لا تستحق شعرة من رأس هذه ~~الفتاة. اسمعي يا أستير لأخبرك الحقيقة. إن هذا الشاب يحتقرك، وقد تركك لاعتقاده بأنك ابنة ~~جاسوس دنيء باع شرفه للعرب، وهذا ما فهمته منه يوم تركه معسكر العرب ودخوله إلى ~~المدينة. # فلما سمعت أستير هذا الكلام صاحت صيحة من أعماق صدرها، وسقطت مغشيا عليها. # فخرج الناس من خيامهم لهذا الصراخ، وأسرع أبو الفتاة على صوتها، ولما رأوها في تلك الحالة ~~نقلوها إلى خيمة قريبة لمعالجتها، وأبوها يبكي، ويسأل ماذا أصابها؟ # أما إيليا فإنه كان في أشد حالات الاضطراب، فطلب من رفيقه القس الترجمان أن يقبض على ~~أرميا؛ لمعاقبته على افترائه عليه. فتملص أرميا من القس، وصار يضربه، ويهجم على الاثنين ~~صائحا بجنون: أنا لست منكم، أنا عرب عرب، لقد صرت مسلما، دعوني وشأني؛ فإنني لا ~~أعرفكم. # ومن ذلك يظهر أنه من أول يوم من أيام الفتح الإسلامي بدأ ms155 في جسم السلطة المسيحية في الشرق ~~نوع جديد من الانحلال فيها كان يلجأ إليه كل مستاء منها. وكان هذا الالتجاء أحيانا ~~للانتصاف من ظلم، وأحيانا للفرار من حق كما صنع أرميا هنا. # الفصل الحادي والعشرون # | في قبر المسيح # وبعد صلاة الظهر استدعى الإمام عمر رسول البطريرك. فأتي إليه بإيليا، وكان إيليا حينئذ ~~كاسف البال لحادثة أستير. فقال له عمر: يا ذا الشاب، دلنا على قبر عيسى - عليه السلام - ~~وادخل معنا إليه؛ لتكون دليلنا فيه. فامتثل إيليا لأمر أمير العرب، وسار به وبنخبة من رجاله ~~قاصدا كنيسة القيامة. # ولما بلغوا باب الكنيسة، وقف عمر، وقال: الفاتحة أيها المؤمنون على ذكر سيدنا عيسى. فخشع ~~المسلمون ووقفوا يقرءون الفاتحة قبل دخولهم الباب. فعجب إيليا والقس رفيقه من ذلك الخشوع في ~~صلاتهم. # ثم دخلوا الكنيسة حتى أتوا قبر المسيح. # فلما وقف عمر أمام القبر جمد في مكانه، وجمد المسلمون وراءه، وأخذوا يحدقون بالغرفة ~~المحيطة بالقبر. ثم طلب عمر الدخول إلى الغرفة للتسليم على«روح الله» فدخل إليها مع رجاله، ~~ولما صار رئيس الإسلام المنظور في ذلك المكان الهادئ الكريم المحاط بالإكرام من كل جانب؛ ~~لأنه ضم يوما جسم رئيس المسيحية الغير المنظور دبت قشعريرة شديدة في نفوس الحاضرين، وتحركت ~~قلوبهم للصلاة في ذلك المكان، ولما فطن عمر إلى غرضهم تذكر طلب البطريرك فأسرع وقال: ~~الفاتحة أيها المؤمنون، فقرءوا الفاتحة ثانية على قبر المسيح بدل الصلاة، وبعد ذلك استلم # 1 # كل واحد منهم البلاط الرخامي الذي على القبر ومسح وجهه وخرجوا، ولما صاروا ~~بجانب باب الكنيسة الخارجي طاوع الإمام نفسه حينئذ على الصلاة، فقال: الصلاة أيها المؤمنون؛ ~~ففرشوا أرديتهم على الأرض، وركعوا وراء الإمام، وصلوا هناك صلاة طويلة بخشوع يحق لجميع ~~الأمم أن يحسدهم عليه. وهذا المكان هو الذي أقام فيه المسلمون بعد ذلك مسجدا تذكارا لصلاة ~~الإمام هذه * وبذلك سوى الإمام العادل بين الفريقين. # 2 # ولما خرج الإمام والمسلمون من كنيسة القيامة. قال الإمام لإيليا: ما اسمك أيها الشاب؟ ~~فأجاب إيليا: إيليا أيها الأمير. فقال ms156 الإمام: اسم مبارك. يا إيليا ولئن أبطأت على سيدك ~~البترك دلنا على المكان الذي رفع منه عيسى عليه السلام. فقال إيليا: هو على جبل الزيتون ~~خارج المدينة أيها الأمير. فقال الأمير لرجاله: هلموا بنا إلى جبل الزيتون. # واجتاز الإمام المدينة بموكبه مع إيليا قاصدين جبل الزيتون، وكان الأمير في طريقه يمعن ~~النظر في ما يبدو على المدينة وأهلها ومنازلها من آثار البذخ والترف والجاه والثروة. فلما ~~صار خارج المدينة قال لإيليا: يا إيليا هل لك أن تقص علينا شيئا من أخبار مملكتكم وقومكم ~~خصوصا حروبكم مع الفرس التي سمعت بعضها؟ فإنني أرى عندكم مملكة عظيمة وأمما عديدة وجندا ~~كثيفا ومدنية واسعة، فماذا صنع ولاتكم الروم حتى تقلص هذا الظل ودالت هذه الدولة؟ # فسكت إيليا ولم يجب أولا؛ لأنه وجد أنه لا يليق به الكلام بهذه الشئون الداخلية مع أمير ~~أجنبي لا يزال في حرب مع مملكته في جهات أخرى، ولكن لما آنسه لدى الأمير من رقة الجانب ~~والرفق ومكارم الأخلاق فضلا عن معرفته أن هذا الفاتح الجديد قد حل محل الفاتح القديم، قد ~~رأى أنه لا يخطئ إذا اغتنم هذه الفرصة لخطبة وداد رئيس الفتح الجديد، وجر النفع لصاحبه ~~الشيخ سليمان صاحب المزرعة. فأجاب الأمير قائلا: إذا شاء الأمير دللته على شيخ جليل شهد ~~حرب الفرس بنفسه، وزار القسطنطينية، ووقف على كل أخبارها فيستخبر الأمير منه ما يروم الوقوف ~~عليه. فصاح الإمام عمر: أحسنت يا إيليا. جئني بهذا الشيخ الذي شهد حروب الفرس فإننا ممن ~~يكرمون الشيوخ وهو خير المخبرين. # الفصل الثاني والعشرون # | حديث سياسي للشيخ سليمان # الإمام عمر يصغي إلى ترجمة الإمبراطور هرقل وحروبه الكبرى مع الفرس، وأسباب ضعف ~~سلطنة القسطنطينية (بزنطية أو الروم). ~~*** # فاستنأذن إيليا حينئذ، وأعمل المهماز في شاكلة جواده قاصدا المزرعة وراء جبل الزيتون بعد ~~أن تواعدوا على الالتقاء تحت الأرزة التي على الجبل. # ولا يقدر القلم على وصف السرور الذي حاق بالشيخ سليمان وأهل المزرعة حين عودة إيليا إليهم ~~بعد أن يئسوا من عودته كل ms157 تلك المدة الطويلة، ولم يقفوا له على أثر مع كل بحثهم ~~وتفتيشهم. # وقد قص إيليا على الشيخ سليمان كل ما جرى له منذ وقوعه أسيرا في أيدي العرب والتقائه ~~بأستير وأبيها، وتركه إياها وشأنها بعد التقائها بأبيها، وفتح المدينة، وطلب رئيس الفتح ~~الشيخ سليمان؛ ليسمع منه أخبار المملكة، وتفاصيل الحرب الكبرى التي قامت بين الإمبراطور ~~والفرس، وأن هذه خير فرصة تغتنم للتقرب من هؤلاء الفاتحين. # فركب الشيخ سليمان مع إيليا، وقصدا الجبل، فوجدا الإمام عمر والمسلمين ينتظرونهما تحت ~~الأرزة. # ولما وصل إيليا والشيخ سلم الشيخ باحترام على الأمير فرد عليه الأمير السلام، وحادثه ~~هنيهة، ثم طلب أن يرى المكان الذي رفع منه عيسى، فذهب إيليا به وبحاشيته إلى هذا المكان، ~~وبعد أن شاهدوه عادوا وجلسوا تحت الأرزة. # ولما أخذ كل واحد منهم مكانه قال الإمام: أيها الشيخ، قص علينا ما رأيته في تلك الحروب ~~الشديدة، وقبل ذلك أخبرنا عن أصل ملككم هرقل # 1 # فإنني سمعت أنه لم يكن ابن ملك. # فقال الشيخ: بل هو ابن أمير أيها الأمير، وقد نال المملكة بهمته، وتفصيل ذلك # 2 # أنه في زمن الإمبراطور موريس حدثت ثورة في بلاد الفرس اضطرت ملكها هرمز إلى ~~الفرار منها والالتجاء إلى القسطنطينية. فأكرمه سلطانها موريس، وأمده بالجنود، فعاد هرمز ~~إلى كرسيه، وملك باسم كسرى برويز # 3 # وكانت الحروب يومئذ قائمة بين الإمبراطور موريس والتتر، وكان لدى ملك التتر ~~ألوف من أسرى الروم. فطلب ملك التتر نصف دينار فدية كل أسير، وكان الإمبراطور موريس مشهورا ~~بالبخل مع شدة بأسه فأبى دفع هذا المبلغ، فقتل حينئذ ملك التتر أولئك الأسرى نكاية له. فلما ~~علم الشعب في القسطنطينية بذلك ثاروا على الإمبراطور وخلعوه، وولوا مكانه أحد قواد الجند، ~~ويدعى (فوكاس) # 4 # فقبض فوكاس على موريس وأبنائه وقتلهم. فلما بلغ هذا الأمر إلى مسامع ملك الفرس ~~غضب ونهض لمحاربة فوكاس، وذلك لسببين: الأول: الانتقام منه لموريس الذي أحسن إليه، والثاني: ~~لاغتنام هذه الفرصة وتوسيع أملاكه. فدخل جيش الفرس يومئذ إلى سوريا فاتحا، ms158 وفي أثناء ذلك ~~ظهر ضعف فوكاس، وسخط عليه الناس، فكاتبوا رجلا من أكابر قواد الجيش كان والي أفريقيا ويدعى ~~«هراقليوس» أن يأتي إليهم ليخلعوا فوكاس ويولوه، وكان لهذا الوالي ابن يدعى أيضا ~~هراقليوس وابن أخ يدعى نيستاس. فجهز هراقليوس الابن أسطولا عظيما وحشد نيستاس جيشا ~~كثيفا، واتفقا على الزحف إلى القسطنطينية لإسقاط فوكاس. الأول بحرا والثاني برا عن طريق ~~مصر وسوريا، وتعاهدا على أن الذي يسبق إلى العاصمة تكون المملكة له. فسبق إليها هراقليوس ~~الابن بأسطوله فخلع فوكاس أعداؤه وقتلوه، وولوا هراقليوس مكانه، وهو الإمبراطور ~~الحاضر. # وما مرت أربع سنوات على ملك الإمبراطور حتى فتح الفرس سوريا ومصر، واستولى قائدهم شهرباز ~~الملقب «بالجاموس الملكي» على هذه المدينة (القدس) فأحرق كنيسة القيامة، وأخذ منها الصليب الحقيقي. # 5 # ثم اشتد الاضطراب في السلطنة، وقام أنصار فوكاس يطلبون ثأره، وتوفيت زوجة ~~الإمبراطور فتزوج ثانية بأخت زوجته خلافا لنظام الكنيسة، وكان الإمبراطور فقيرا لا يملك ~~مالا ينظم به أمور ملكه. فيئس من هذه المصاعب، وعزم على الالتجاء إلى قرطجنة (تونس اليوم) ~~ليتخذها قادة ملكه بدل القسطنطينية استراحة من الفتن، ولكن البطريرك سرجيوس شدد عزائمه، ~~وأخذه إلى كنيسة آجيا صوفيا، وأجبره فيها على أن يقسم بأنه لا يترك العاصمة. فقوي عزم ~~الإمبراطور، وبعث برسالة خصوصية إلى ملك الفرس يجامله فيها، ويطلب منه الصليب، ويسأله عقد ~~الصلح. فأجابه كسرى برويز جوابا مهينا ثارت له الأمة كلها. ففتح البطريرك سرجيوس خزائن ~~الكنيسة، وأخرج منها للإمبراطور الأموال اللازمة؛ لحشد الجند، وتهافت الناس من كل صوب على ~~التطوع في سبيل استرداد الصليب، وفي ثاني يوم من عيد الفصح سنة 622 تناول الإمبراطور سر ~~القربان في حفلة رسمية حافلة، وخرج من القسطنطينية بجيشه يطلب بلاد الفرس والحماس شديد في ~~الأمة، وقد نزل بأسطوله وجيشه في عرصوص (قرب الإسكندرونة) وهو المكان الذي نزل فيه قبلا ~~إسكندر الكبير لما قصده داريوس، وقد أحسن الإمبراطور بهذا الاختيار؛ لأن المقاتل يستطيع من ~~ذلك المكان إصابة سلطنة الفرس في قلبها. # وكنت يومئذ أيها الأمير الجليل ms159 قائد مائة في هذا الجيش. فأجبرنا الفرس على الانسحاب من ~~مصر وسوريا، وأخذنا نطاردهم من مكان إلى مكان والنصر حليفنا، وكانت الإمبراطورة معنا ترافق ~~الإمبراطور لرغبتها في أن تكون أول من يسترد الصليب، وكان كسرى برويز قد نزل في فنزكا من ~~أعمال أتروباتينا # 6 # بأربعين ألف مقاتل، وجعل باقي جنده تحت قيادة قائده الكبير سايس. فهاجمهما ~~الإمبراطور وهو في طريقه يخرب المدن والقرى ويحرقها، ولما بلغ فنزكا فر كسرى من وجهه فدخلها ~~الإمبراطور، وهدم هيكل الشمس المشهور الذي كان فيها، وحطم آلات صناعية كانت فيه تمثل ~~انقضاض، الصاعقة ونزول المطر # 7 # ولما خاف انضمام الأتراك إلى الفرس تقرب إلى«زبيل» زعيم الترك، فقابله في ~~تفليس، ووعده بأن يزوجه ابنته، وبذلك جعل الأتراك من حزبه، وبعد ست سنوات من سفره أي في سنة ~~628 وصل دستجرد عاصمة الفرس، ففر كسرى منها أيضا، فدخلها الإمبراطور، وأحرق تلك العاصمة ~~الفاخرة، وبذلك تضعضعت مملكة الفرس فدبت بين أهلها عقارب الانحلال والفتنة، وأصيب كسرى بمرض ~~عضال فأوصى بالملك لأحد أبنائه فقام عليه ابن آخر، فاستأثر بالأمر، وسجن أباه وعذبه حتى ~~مات، وكتب هذا الابن فصالح الإمبراطور، ومن ذلك الحين اشتغلت مملكة الفرس بفتنها، ~~واضطراباتها الداخلية. # أما الصليب فقد كان مخبوءا في فنزكا عاصمة عبادة النار، وقد دل عليه القائد شهرباز. فلما ~~وجده الإمبراطور، ودخل به إلى القسطنطينية ظافرا ارتجت السلطنة من جهاتها الأربع. ثم جاء ~~به بنفسه ونصبه هنا في الجلجلة بيده. # وكان الشيخ يتكلم، والترجمان يترجم كلامه، والحاضرون مصغون كأن على رءوسهم الطير، وكان ~~خالد بن الوليد أشدهم اهتماما بهذا الحديث؛ لأنه دخل بلاد الفرس، وفتح كثيرا من بلدانها ~~كما تقدم. فلما فرغ الشيخ من كلامه، ووقف يستريح، انحنى خالد نحو أبي عبيدة، وقال له: كان ~~مثل الروم مثل كلاب الصيد فإنها اصطادت لنا لا لها؛ إذ بسحقها سلطنة كسرى سهلت علينا ~~الاستيلاء على بلاد فارس، ولولا ذلك فربما تعذر علينا فتحها. # فالتفت حينئذ الإمام عمر إلى خالد، وقال: لقد سمعتك يا خالد فاتق الله ms160 فإنه لا معين ~~سواه. # فسكت خالد، ولم يبد جوابا. # ثم التفت عمر إلى الترجمان، وقال: سل الشيخ. فإذا كانت هذه قوة الملك وجنده يومئذ، فما حل ~~بتلك القوة؟ ولقد سمعت أن الملك احتاج المال فأين ذهب بالغنائم التي غنمها جيشه من الفرس، ~~وهم مشهورون بالغنى والكنوز؟ # فأجاب الشيخ: أما الكنوز التي عاد بها من بلاد الفرس فإنه دفعها كلها إلى بطريرك ~~القسطنطينية وفاء للأموال التي أخذها منه لتعبئة الجيش والإنفاق على الحرب كما تقدم، وهذا ~~ما أسخط الجند والأمة، وقد قال بعضهم: إن ذلك حق؛ لأنه وفى دينا عليه، ولكن البعض الآخر ~~يقول: إن أملاك وأموال الإكليروس إنما جمعت من الأمة فإذا أنفقت في سبيل الأمة كان إنفاقها ~~في خير الوجوه. فبدل إعادة تلك الأموال إلى خزائن الإكليروس وحبسها فيها كان يجب إصلاح ~~أحوال الأمة بها. # فقال عمر: أحسنت أيها الشيخ البهي. # فأردف الشيخ بقوله: أما ضعف المملكة بعد تلك القوة فله أسباب عديدة، وإذا شئتم بسطت لكم ~~تلك الأسباب كلها. # فأجاب عمر: تكلم أيها الشيخ. # فقال الشيخ بعد أن تنحنح، وألقى نظرة إلى إيليا: لما تغلب قسطنطين الكبير على رومة نقل ~~كرسي الملك إلى بزنطية # 8 # فانشقت الإمبراطورية الرومانية إلى شطرين: شرقي وهو هذا، وغربي وهو شطر رومة، ~~وبما إن العنصر اليوناني كان حفظ نفسه في المستعمرات الرومانية أثناء الحكم الروماني فقد ~~نمت إمبراطوريته الشرقية نموا سريعا، وكان سلاطين هذه الإمبراطورية يسمون أنفسهم: ~~«إمبراطرة الرومان»، ويجعلون اللغة اللاتينية لغة رسمية إلا أن السلطنة مع ذلك كانت يونانية ~~الباطن، وهذا ما كان من أسباب قوتها، وهكذا بينما كانت رومة والأمم التابعة لها تخضع لملك ~~القوط، وتصير أمما بربرية كانت سلطنة الشرق بمركزها البزنطي الجامع بين يونان الغرب ويونان ~~الشرق زاهية زاهرة لا سلطة لأحد عليها. # ولكن في مقابلة ذلك كان بين كنيستي رومة والقسطنطينية فرق كلي. فإن الأولى كانت تهتم ~~بالمسائل العملية المفيدة فائدة اجتماعية، وتطبق عليها المبادئ الدينية، وأما الثانية: ~~فإنها انصرفت من سوء الحظ إلى مجادلات عقيمة في ms161 لاهوت المسيح # 9 # كما سيجيء. # ولما قام الإمبراطور جوستنيانوس المشهور عدل عن السياسة اليونانية إلى سياسة عمومية. ~~فبدل أن يهتم ببلاده وأهلها اليونان، فيقويها ويقويهم، ويصلح شئونها وشئونهم، انصرف إلى ~~إعادة السلطنة الرومانية إلى ما كانت عليه من الاتساع. فبعث لاسترداد أفريقيا من أيدي ~~الفنداليين الذين أنشئوا فيها مملكة واسعة، وناصب القوطيين الحرب في إيطاليا حتى مزقهم ~~تمزيقا، وكان ساعده في ذلك القائد بليزار المشهور بأنيبال العصر الجديد، ولكن الإمبراطور ~~لم يستفد من ذلك كثيرا؛ لأن السلطنة كانت تعجز عن حكم بلاد واسعة الأطراف إلى هذا الحد، ~~فكان كأنه أفنى قواه في الغرب، وأهمل الشرق مع أن فيه حياة سلطنته، ولذلك كان يترضى الفرس ~~بما يسكتهم ويلهيهم عنه بينما البرابرة في شمال القارة الغربية يخربون الولايات والهونيون ~~يبلغون حتى أسوار القسطنطينية. # 10 # هذا من جهة الخارج، أما جهة الداخل فإنه اضطهد العنصر اليوناني الذي هو قوة الإمبراطورية ~~وعضدها؛ فقاوم المشتغلين بالعلوم القديمة، وحذف درس الفلسفة والحقوق في آثينا، وأوجب اتخاذ ~~اللغة اللاتينية لغة رسمية. هذا فضلا عن تضحيته لكنيسة رومة الاستقلال الذي كان يطلبه ~~بطاركة الشرق منذ القرن الرابع. # 11 # وبعد وفاته ثار مغاربة أفريقيا، واستولى اللومبارديون على شمالي إيطاليا، واستمروا ~~يحاربونها للاستيلاء على شبه الجزيرة كلها. ثم تحرك الفرس يتهددون حياة المملكة في آسيا، ~~والسلافيون يتهددون حياتها في أوروبا. فلما قام الإمبراطور هراقليوس كما تقدم الكلام وجد ~~المملكة بين هذه الأمم التي كانت تنازعها البقاء نزاعا شديدا، وقد فصلت لكم ماذا فعل ~~بالفرس وكيف سحق سلطنتهم. أما السلافيون فإنهم لا يزالون يهاجمون سلطنته. # فمن كل ما تقدم يظهر سببان عظيمان من أسباب ضعف السلطنة. «الأول» رغبتها في أن تحكم ~~العالم أجمع، ولذلك تفني قواها عبثا ولا تحسن حكم نفسها. «والثاني» أعداؤها المحيطون بها ~~ينازعونها الحياة دائما. # ولكن هنالك سبب ثالث ربما كان أصل الأسباب كلها وهو المسألة الدينية، وأريد بها مداخلة ~~الدنيا بالدين والدين بالدنيا. # وأصل البلاء في هذه المسألة: مداخلة الإمبراطرة في شئون الكنيسة؛ لأن ذلك جر بحكم ms162 الطبع ~~مداخلة الكنيسة في شئون الإمبراطورية، وفي ذات يوم قال أحد الإمبراطرة لأحد البطاركة: دبر ~~أنت الكنيسة ودعني أدبر سلطنتي. فأجابه البطريرك: هذا قول لم يسمع بمثله فإنه بمثابة قول ~~الجسد للنفس دعيني وشأني فإنني غير محتاج إلى مساعدتك. # 12 # فنشأ عن هذا سعي البطاركة والإمبراطرة في وضع العقول كلها في قالب واحد؛ ~~ليجعلوها تعتقد اعتقادا واحدا، وبما أن السلطنة كانت مؤلفة من عدة عناصر مختلفة الآراء ~~والمشارب والمصالح فقد تحتم حدوث الشقاق فيها. # فيومئذ قام آريوس يجحد لاهوت الكلمة، والمكدونيون يجحدون لاهوت الروح القدس، وقام ~~النساطرة ينكرون اتحاد الطبيعتين في المسيح وأوتيشيوس ينكر الطبيعة البشرية في المسيح بعد ~~التجسد، والقائلون بالمشيئة الواحدة ينكرون المشيئة البشرية مع اعترافهم بالطبيعتين. فجمع ~~الإمبراطرة المجامع للفصل في هذه المعتقدات؛ فحكمت المجامع برفضها ونبذ أصحابها، ولكن بعض ~~الإمبراطرة كانوا يعودون إلى بعضها فتعتقد رعيتهم فيهم الكفر فيقومون إلى خلعهم، ولما كان ~~يثور الشعب عليهم كان الإمبراطرة يلجئون إلى الكنيسة، والمقرر أنه في هذه الحالة من حق ~~البطريرك الإذن في تسليمهم للشعب أو حمايتهم منه، وعلى ذلك كان الإمبراطرة تحت سلطة البطاركة. # 13 # وكما كان الاضطراب من حيث الإمبراطرة فقد كان من حيث البطاركة. فقد كان للبطريركية ~~الواحدة ثلاثة بطاركة (الأول) البطريرك الذي يعزل لمقاومته الإمبراطرة أو الشعب. (والثاني) ~~البطريرك الذي عين مكانه (والثالث) البطريرك الذي يرشح نفسه لأن يكون بطريركا، ولكن لكل ~~واحد من هؤلاء الثلاثة أعوان وأنصار متحمسون، ولكل فريق منهم آراء ومصالح وأهواء. فكانوا في ~~اضطراب دائم، واضطرابهم هذا كان يقلق كل السلطنة لما بين السلطتين من الاتصال # 14 # كما تقدم. # ومما لا يحتاج إلى بيان: أن الرغبة في توحيد المعتقد تؤدي إلى اضطهاد المخالف في المعتقد، ~~وهذا ما جعل بعض الإمبراطرة يضطهدون الطوائف المخالفة لهم، والتي عاشت قبل ذلك في ظل ~~الرومان بكل حرية كالسامريين واليهود والمانيشيين والسبتيين والمونتانيين والوثنيين الذين ~~كانوا كثيرين في داخلية البلاد خصوصا بين أهل الزراعة؛ لإصرارهم على دينهم القديم، ولقد ~~كنت أحب أن يكون الإمبراطور جوستنيانوس ms163 حيا الآن ليرى الخطأ الذي ارتكبه في فناء ~~السامريين في هذه البلاد (فلسطين) واضطهاده اليهود فيها اضطهادا جعلهم أعداء لمملكته وأضعف ~~منها هذا الجانب الذي دخلتم منه إلى الشام وفلسطين مع أنه كان من المصلحة تقويته. # 15 # فإنه حينئذ كان يعلم أنه لم يكن بذلك الاضطهاد والقتل يزيد عدد المؤمنين بل كان ~~ينقص عدد الرجال اللازم بقاؤهم، واستمالتهم للدفاع عن السلطنة، ويربي في قلب السلطنة عدوا ~~شديدا لها. وهذا الأمر لازم دائما عن المظالم والاضطهادات الدينية. # ولو كان الخطب من هذا الوجه فقط لكان هينا؛ بل كان هناك خطب أشد. فإن الأديرة غصت ~~بالرهبان والشبان الهاربين من تنازع الحياة؛ لأن الرهبانية تضمن رزق الراهب وتعطيه السيادة ~~بثمن بخس، ولرغبة الرهبانيات في السيادة المطلقة كانت تتخذ السياسة الدينية آلة لمحاربة ~~البطاركة والإمبراطرة، والذي جعل لهم هذه القوة صرفهم الشعب إلى ظاهر الدين عن باطنه ~~وتحريضه على عبادة الصور والأيقونات # 16 # فشغف الشعب بهذه العبادة شغفا ما بعده شغف، وكلما قويت شهوته هذه زادت سلطة ~~الرهبان عليه، وسواء كانت هذه العبادة عبادة أو إكراما فإن الشعب انصرف إليها عن باطن ~~الدين، وصار عنده الفضل في تقديس الأيقونات لا في فضائل النفس ومكارم الأخلاق، والذي زاد ~~تمسك الشعب بهذا النوع من الظواهر الدينية انطباع البشر على حب الفنون، وتمثيل هذه الفنون ~~لهم الأشخاص والرجال الكرام الذين يحبونهم. فلما قام بعض الإمبراطرة لمقاومة الأيقونات ~~والصور اعتبر الرومان أن هذه المقاومة موجهة إليهم، # 17 # وكان الإمبراطرة ينسبون أولئك الرهبان إلى «الوثنية» وأولئك الرهبان ينسبون ~~الإمبراطرة إلى السحر، وكانوا يشيرون إلى الكنائس التي أزال منها الإمبراطرة الصور ~~والأيقوات، ويقولون لهم: إن حكامهم لم يفعلوا بها هكذا إلا لكي يعبدوا فيها الشيطان # 18 # فكان الشعب يهيج لذلك أشد هياج، ويعتقد أن من واجباته خلع حكامه، ولم يكن هناك ~~ملوك يتخذون الطريق الوسط، ويسكنونه بتخفيف استعمال الصور والأيقونات بدل حذفها وإظهار ~~الغرض الحقيقي منها، ولذلك كان النزاع الشديد مستمرا بين الفريقين، وكثيرون من البطاركة ~~والأساقفة انتصروا للإمبراطرة على ms164 الرهبان؛ لأن الرهبان كانوا ينازعونهم كل سلطة وسيادة، ~~وكان هؤلاء يغتنمون كل الفرص لرفع شأنهم لدى الشعب بالتزلف إليه وإسقاط مزاحميهم، ولما كانت ~~تعاد الصور والأيقونات إلى الكنائس كان شأنهم يرتفع عند الشعب ارتفاعا عظيما، وهكذا ~~بلغوا بسذاجة الشعب أسمى درجات السلطة، وطردوا باقي الإكليروس منها، وصاروا مملكة في ~~المملكة حتى إن الإمبراطرة كانوا يضطرون للدفاع عنهم. # 19 # فماذا كانت نتيجة هذه التربية الرهبانية في المملكة؟ # إنكم تستغربون ولا شك إذا علمتم أن قائدا من قواد السلطنة رفع الحصار عن مدينة كان ~~يحصرها في مقابلة أثر ديني أعطوه إياه. # 20 # ولا ريب أنكم تدهشون أيضا إذا أخبرتكم أن أحد قواد الإمبراطور موريس لما كان يوما على ~~وشك الدخول في قتال مع عدو له قبل المعركة أخذ يبكي حزنا على الدم الذي سيسفك فيها # 21 # ولست أجهل أن دموع القائد جميلة للغاية؛ لحبه الخير والسلام وكراهته للآثام، ~~ولكن ما الحيلة؟ إن هذه العواطف لا تستحسن إلا في الأديرة والمجالس الأدبية؛ لأنه يجب على ~~الجندي المدافع عن وطنه أن يحسن وظيفته، أي يجب أن يحسن أن يكون شديدا قاسيا غليظ القلب ~~والحسام، وبدون ذلك لا تثبت المملكة إذا كان أمامها أعداء أقوياء. # ونهاية العجب والاستغراب أن إمبراطورا # 22 # أهمل قواه البحرية؛ لأنهم أخبروه أن الله راض عنه كل الرضى لغيرته على ~~الكنيسة، ولذلك فهو لا يسمح لأحد بمهاجمة مملكته، وهذا الإمبراطور نفسه كان يقول: إنه يخشى ~~أن يناقشه الله الحساب عن الزمن الذي يصرفه في تدبير سلطنته؛ إذ يجب عليه صرف جميع أوقاته ~~في الاهتمام بالشئون الروحية. # 23 # هكذا كانت نتيجة السياسة حين مداخلتها في الدين. «فكان من أعظم أسباب مصائب اليونان جهلهم ~~الحدود التي بين السلطة الإكليريكية والسلطة المدنية، ولذلك وقع الفريقان في أغلاط متواصلة، ~~والفصل بين هاتين السلطتين الذي عليه تبنى دعائم راحة الشعوب ليس أساسه الدين فقط ولكن ~~أساسه أيضا العقل والطبيعة. فإنهما يقضيان بأن الاشياء التي من طبيعتها الانفصال والتباعد ~~والتي لا يمكن أن توجد معا إلا منفصلة ms165 متباعدة بعضها عن بعض - يجب أن لا تمتزج أبدا، وهذا ~~الفصل كان معروفا عند قدماء الرومان أكثر مما كان في القسطنطينية، ولئن كان إكليروسهم ~~الوثني غير منفصل عن طبقات الهيئة الحاكمة. فإنه لما وقف الإمبراطور كلوديوس منزل «شيشرون» ~~للحرية بعد نفيه وعاد شيشرون من منفاه طلب استرداد منزله؛ فحكم رؤساء الكهنة بأنه يمكن رد ~~منزله إليه دون أن يكون في ذلك إهانة للدين إذا كان المنزل قد وقف بلا أمر خصوصي من الشعب. ~~قال شيشرون: وقد قالوا إنهم ينظرون في صحة الوقف لا في صحة الشريعة التي سنها الشعب، وإنهم ~~إذا كانوا نظروا في القضية الأولى كرؤساء كهنة فإنهم ينظرون في هذه القضية كأعضاء مجلس الشيوخ». # 24 # هذا هو أعظم الأسباب في ضعف سلطنة بزنطية، وإنما يستمد هذا السبب أهميته الخصوصية من صرفه ~~فكر الحكومة والأمة عن الإصلاحات الاجتماعية والحوادث الخطيرة، وشغلها بالمجادلات الدينية ~~العقيمة. # انظروا أيها السادة لأعطيكم برهانا صغيرا يدلكم علينا أحسن دلالة. قبل أن تصلوا إلى هذه ~~المدينة بيوم واحد لتحصروها كان شعبها يملأ الدنيا ضجيجا على طريق بيت لحم طلبا لتعميد ~~فتاة يهودية وجدها في طريقه، وكان يهتم بهذه الفتاة أكثر من اهتمامه بجنودكم الزاحفة ~~إلينا. # ومن هنا تعلمون مبلغ ضعف تربيته السياسية وعواطفه الوطنية. أستغفر الله فإنه يجب علي أن ~~لا أذكر «الوطن» بشفتي إذ الوطن عندنا الدين؛ بل الدين عندنا فوق الوطن وفوق كل ~~شيء. # وهكذا بدل أن يقوم الشعب، ويطلب إصلاحات اجتماعية كإنشاء جمعيات لمساعدة الزراع والصناع ~~والعمال، وفتح الترع لجر المياه للحقول، وأنشاء المدارس لتعليم أبناء الأمة، ووضع نظامات ~~جديدة لتقوية العائلة والسلطة الحاكمة ضد الرهبان الذين تقدم ذكرهم، ونقل معامل الفرس إلى ~~السلطنة أو إنشاء مثلها فيها - نراه إذا قالوا له مثلا هذه قطعة من حذاء بولس أو بطرس أو ~~هذا أثر من مريم المجدلية فإنه ينسى كل تلك الإصلاحات ويبيعها كلها بهذا الأثر. # فما أسهل إرضاء الشعب الديني أيها السادة. # ولكني إذا كنت ألوم الإمبراطور لإهماله شعبه إلى ذلك الحد ms166 فأنا أشفق عليه. فإن السلطة ~~متعددة الأحزاب الآن، وهذا من أسباب ضعفها أيضا. فإن الأحزاب في البلاد الجمهورية تنفع ~~الأمة لظهور الحقائق بالبحث واحتكاك الأفكار، ولكنها في البلاد الملكية المطلقة تكون سبب ~~ضعف لها؛ لأن كل حزب منها يقدر أن يستبد بالحزب الآخر فيقوم هذا إلى الثأر منه، وهكذا ~~دواليك إلى ما شاء الله، وأهم أحزابنا الآن «الخضر» و«الزرق» وأصل تسميتهم هكذا أن ساقة ~~المركبات الذين كانوا يتسابقون إلى الجوائز في حلبة السباق كان فريق منهم يلبسون ثيابا ~~زرقاء وفريق ثيابا خضراء. فكان الحاضرون يتحزبون لهم حزبين يسمون «الخضر» و«الزرق» # 25 # وقد انتشرت هذه القسمة في كل مدن الإمبراطورية، وصارت قسمة سياسية، ولما قام ~~جوستنيانوس انتصر «للزرق» وظلم «الخضر» فقوي الزرق حتى صاروا يدوسون نظامات المملكة، وكذلك ~~الخضر عبثوا بالنظامات؛ لأنهم رأوا رفاقهم الزرق لا يحترمونها، وكان كل قاتل وشرير في ذلك ~~الزمن من حزب الزرق، وكل مقتول من حزب الخضر. # 26 # فسادت الفوضى بين الناس، وانتهكت حرمة النسب والصداقة والواجبات ومعرفة الجميل ~~بقيام الناس والعائلات بعضهم على بعض يفنون بعضهم بعضا. # ومما زاد الاضطراب واختلال الأمن اعتقاد شاع في المملكة وهو «أنه من المحرم سفك الدم المسيحي» # 27 # فكانت كل الجنايات والجرائم التي لا تتعلق بالدين يعاقب صاحبها عقابا خفيفا. # 28 # وبما أن أمراض العقل تتحول ولا تزول فقد اتخذ التنجيم والتنبؤ صورة غير الصورة القديمة. ~~فقد كان الوثنيون من اليونان والرومان يستطلعون البخت ويرون الغيب بنظرهم في أحشاء الذبيحة ~~أو مراقبتهم طير الطيور يمينا أو يسارا. فحل عند المسيحيين محل هذه الطريقة استطلاع ~~البخت والغيب بالنظر إلى أشياء توضع في حوض ماء. # 29 # وكانت حوادث المملكة السياسية تضرم نار الطمع في النفوس، حتى إنه لم يكن في السلطنة رجل ~~عظيم إلا وقد تنبئ له بأنه سيتولى الإمبراطورية، وكانت الثورات والفتن في الإمبراطورية ~~تتوالى بلا انقطاع، وبما أن الأسر المتنازعة على الملك كانت تمر على العرش بسرعة فلم يكن ~~الناس مخلصين لواحدة منها، وكانوا يتخذون كل الطرق للوصول إلى ms167 العرش. فتارة بالجند، وطورا ~~بالإكليروس، وآونة بشعب القسطنطينية، وأخرى بشعب باقي المدن. # 30 # ولما تكاثرت الفتن والثورات، وحلت بالمملكة المصائب في الخارج صار الناس ينسبون كل ذلك ~~إلى سوء تدبير ملوكهم فازدادت الفتن والمصائب بهذا الاعتقاد، وهكذا أنتجت الثورات ثورات، ~~وصارت النتيجة سببا. # 31 # وما كان يزيد ضعف الحكومة يومئذ انقيادها إلى آراء النساء. فإنه كان من المقرر في الشرق ~~اتخاذ عدة نساء إضعافا للسلطة العظيمة التي تكون للمرأة الواحدة على الرجل في هواء الشرق ~~الحار. أما في عرش القسطنطينية فقد كانت المرأة واحدة تبعا لنظام المسيحية، وهذا الأمر كان ~~من أسباب ضعف الحكومة أحيانا. # 32 # وبما أن الجيش كان له يد ورأي في السياسة فقد أفضى هذا الأمر إلى تمرده أحيانا، وبذلك ~~ضعف نظام الجندية، وقد كان القائد بليزار يقول لجنوده في ساحة الحرب: «إن جنود الفرس لا ~~يفضلونكم في الشجاعة، ولكنهم يفضلونكم في الطاعة لقوادهم» وفضلا عن ذلك فإن الترف والمدنية ~~أضعفا نفوس الأمة وميلها إلى الحروب في حين أن باقي الأمم التي تحيط بها لم يكن لها شغل غير ~~الحرب، وبذلك وهن عزمها أمام أعدائها، وصار لا يجدد قواها ونشاطها إلا التحريض الديني ~~كالحث مثلا على استخلاص الصليب كما حدث في حروب الفرس. # هذه أيها السادة أهم الأسباب التي أضعفت السلطنة، وقد فصلتها لكم باختصار. فلو تداركها ~~اليونان لكان عندهم أجمل وأقوى وأعمر سلطنة في الأرض، ولما تمكن أحد غيرهم من منازعتهم في ~~شيء. # لماذا بقيت سلطنة بزنطية (القسطنطينية) قرونا طوالا بعد ~~مصائبها وأمراضها المذكورة آنفا؟ # وهنا سكت الشيخ ليستريح من تعب الكلام، وكان الحاضرون في أثناء كلامه يتحادثون همسا، ~~ويتبادلون أفكارهم وهم تارة يبتسمون وطورا ينقبضون. أما الإمام عمر فإنه كان بينهم ~~كالجبل الراسخ لا يحركه شيء، ولا تبدو على وجهه دلالة. # ولكن لما سكت الشيخ همس الإمام كلمتين في أذن أبي عبيدة. فقال أبو عبيدة للشيخ: أيها ~~الشيخ لقد أحسنت الحديث. إنما يؤخذ من حديثك هذا أن المملكة متهدمة فهل يظن أنه قد دنت ~~آخرتها ms168 على يدنا؟ # فأطرق الشيخ سليمان مليا، ثم قال: إنني أرى أنكم لا تقدرون على هذه المملكة العظيمة ~~في الغرب وإن قدرتم عليها في آسيا، وذلك لعدة أسباب أولا: أنكم فتحتم بلاد الفرس ~~وستملكونها وتسقطون دولتها. فهذا الفتح سيقوي الإمبراطورية؛ لأنها ستسترد كل جنودها ~~القائمين على حدود الفرس، وهم خيرة جنودها؛ لتدافع بهم عن نفسها دفاعا شديدا. ثانيا: ~~أنكم بعد فتح الشام وفارس لا بد أن تفعل فيكم مدنيتهما وتجتذبكم إلى الترف والتمتع، ~~وتثير الطمع والحسد في نفوس حكامكم لاتساع ملككم فتنقسم كلمتكم ويتنافس أمراؤكم فتقفون ~~عن الفتح حيث أنتم. # فهنا نظر الأمراء بعضهم إلى بعض وضحكوا من حرية فكر هذا الشيخ. أما الشيخ فأردف ~~بقوله: ثالثا: أن القسطنطينية لا تفتح إلا بالأساطيل البحرية، والإمبراطور لديه ما ~~يدفع أساطيلكم إذا كان لكم أساطيل. فإن سوريا ~~يدعى «كالينيكشوس» اخترع له سيالا إذا وضع في أسطوانات ونفخ على السفن أحرقها ولم ~~يدعها تدنو من الشاطئ، وتركيب هذه النار محسوب في جملة الأسرار الإمبراطورية، واليونان ~~يحرقون بها كل الأساطيل التي تدنو من بلادهم. # رابعا: أن معامل الفرس الصناعية ستنتقل ولا شك إلى الإمبراطورية بعد فتحكم بلاد ~~الفرس؛ لأنني أظن أنكم في هذا الطور من الفتح لا تهتمون كثيرا بالمعامل والصنائع؛ إذ ~~كفاكم منها ما لدى الشعوب المغلوبة التي تدخل تحت يدكم، وفضلا عن ذلك فإن اليونان هم ~~سلاطين البحار الآن، وتجارتهم أوسع التجارات، فلهذا كله سيبقى في مملكتهم من القوة ~~الحيوية ما يمكنها من المقاومة والبقاء دهرا طويلا. # خامسا: أن القبائل الذين أضعفوا السلطنة بحروبهم على شواطىء الدانوب قد أخذوا ~~يتمدنون. أي أخذوا ببناء المدن على شواطىء هذا النهر. فدخولهم في طور الإقامة بعد طور ~~الارتحال سيقوي السلطنة؛ لأنه يجعلهم بمثابة سور لها مانعا عنها كل غارة جديدة. # 33 # فالذي أراه أن هذه الأسباب ستتغلب عليكم إذا لم تتغلبوا عليها. # فانبرى حينئذ خالد بن الوليد، وصاح: والله إنني لأخوض الآن بجوادي البحر إلى ~~القسطنطينية إذا أذن لي أمير المؤمنين. فابتسم عمر لشجاعة خالد، ولكن ms169 الشيخ وإيليا ~~ابتسما أيضا. # النبوءة # 34 # عن مصير سلطنة بزنطية (القسطنطينية) # دمعتا الإمام عمر # وكان أبو عبيدة في أثناء ذلك مصغيا. فقال حينئذ: أيها الشيخ أنت قلت: إن التنجيم ~~والرجم بالغيب كثير في بلادكم. أفلم يتنبأ أحد عن مصير هذه السلطنة؟ # فابتسم الشيخ وأجاب: بلى إن النبوءات كثيرة، وها إنني أذكر لكم إحداها. # قال المنجم: إن السلطنة ستصير إلى قوم مختونين، وهذه الولايات السورية التي هي أكثر ~~الولايات عمرانا وفيها اليونان أقوى منهم في سواها ستدخل تحت حكمكم، وأحد قوادكم # 35 # سيصل في سنة 669 حتى أسوار العاصمة (القسطنطينية) ويحصرها، ولكنه يرتد ~~عنها، وسيعبر البلغار أحد فروع السلافيين نهر الدانوب، ويؤسسون في ولايات الشمال مملكة ~~قوية تنمو مدة ثلاثة قرون. ثم ينتشر السلافيون في أبيروس والتراس # 36 # ومكدونيا وتساليا والأتيك والمورة نفسها حتى سالونيك. فيقوم النزاع العظيم ~~في الغرب بين العناصر السلافية والعنصر اليوناني، ومن سنة 716 إلى سنة 842 يقوم ~~إمبراطرة مصلحون # 37 # فيفرغون جهدهم في إضعاف نفوذ الإكليروس وعلى الخصوص الرهبان وتنقية ~~العبادات وتقوية السلطة المدنية وسلطة الإمبراطرة، ومن الأسف أنهم سيضطرون بحماسة ~~النزاع إلى بعض الاضطهادات، ولكنهم مع ذلك يصلحون إصلاحات عديدة؛ فيحسنون أحوال ~~الفلاحين والزراع ، ويلغون الرقيق، ويصلحون نظامات العائلة، وسيكون لهم أعوان ومساعدون ~~من جميع الطبقات المستنيرة من الأمة ومن عقلاء الإكليروس أيضا # 38 # وهذه الإصلاحات السياسية والدينية يتقبلها الناس بهدوء ولا يثورون ضدها إلا ~~في إحدى الجزر. # 39 # وفي زمن أحد الإمبراطرة # 40 # يجتمع مجمع مؤلف من 348 أسقفا ويقررون إبطال الصور والأيقونات، فتكون ~~نتيجة هذا القرار سلخ إيطاليا والكنيسة الغربية عن السلطنة الشرقية؛ لأنه حين وصول خبر ~~إبطال الأيقونات إلى إيطاليا يقوم في نفس الشعب ميل للانفصال عن سلطة القسطنطينية، وطلب ~~الاستقلال، ويساعدهم على ذلك رئيس كنيسة رومة مقاومة لقرار المجمع وسلطة الإمبراطور، ~~ويومئذ يكون اللومبارديون مهددين إيطاليا والإيطاليون يخضعون لرئيس كنيستهم أكثر من ~~خضوعهم للإمبراطور. فلما يرى رئيس الكنيسة الغربية أنه لا يرجى من الإمبراطور مساعدة ~~على اللومبارديين يستعين بالفرنك عليهم فتسقط ms170 سلطة الإمبراطور عن إيطاليا سقوطا ~~تاما، وتنضم إيطاليا إلى أملاك ملكين عظيمين للفرنك # 41 # ثم إن رئيس الكنيسة الغربية رغبة في تقوية نفوذه وسلطته يمنح أعظم هذين الملكين # 42 # لقب «إمبراطور» ويتوجه في سنة 800. فيستاء من ذلك إمبراطرة السلطنة ~~الشرقية، ولا يعترفون له بهذا اللقب. ثم إن «الإمبراطور الغربي الجديد» تحدثه نفسه ~~بتوحيد الإمبراطوريتين؛ ليكون «سلطان العالم» فينوي الزواج بإمبراطورة تكون على عرش ~~السلطنة الشرقية # 43 # ثم يقوم أحد الإمبراطرة # 44 # ويعترف له بلقبه، وإن كان باقي الإمبراطرة بعده ينكرونه عليه، وفي سنة 842 ~~يجتمع مجمع في القسطنطيية ويقرر إعادة الصور. # وفي ختام القرن التاسع والعاشر تبلغ المملكة من السعة والقوة مبلغا لم تدركه قبل ~~ذلك. حتى إن أحد ملوكها # 45 # يدحر السلافيين في بلاد الروس، ويملي عليهم شروط الصلح، ويصل إلى ما وراء ~~نهر الفرات، ولكن هذا العدو الهائل - الروس وفرعهم من البلغار والسرب - يبقى في وجه ~~السلطنة كجبار رابض على صدرها. إلا أن هذا الجبار يتلطف يوما وينجذب إلى المدنية ~~اليونانية. فتأتي في سنة 957 أرملة الملك الذي هاجم القسطنطينية # 46 # إلى هذه العاصمة وتعمد فيها، وفي سنة 988 يتزوج أحد ملوك الروس # 47 # بأخت إمبراطور # 48 # ويدخل إلى بلاده الدين المسيحي والمدنية اليونانية. فتصير مدينة كييف ~~ثانية القسطنطينية من حيث نمو العمران والحضارة والمدنية، ولكن إمبراطورية اليونان تربي ~~لنفسها في هذا الشعب الهائل الجديد الآخذ في التمدن عدوا لدودا و«وارثا» لقوتها ~~وسلطنتها، وكأن الله يختار هذا الشعب الجديد لهذه الوظيفة؛ لأن الشعب اليوناني القديم ~~يعجز عن إتمام وظيفته إلى النهاية للأمراض التي طرأت عليه، ومما يزيد أعداءه وأمراضه ~~حروب يسمونها يومئذ حروبا صليبية. فإن المنجم يقول: إن امراء الغرب سيتحدون يوما على ~~الشرق بتحريض رجال الدين، ويكون لهم يومئذ من هذا التحريض غرضان؛ الأول: إسقاط سلطنة ~~اليونان لما بين الفريقين من الخلافات الدينية، والثاني: إفناء سلطة الإسلام واستخلاص ~~القبر المقدس منها، وستكون هذه الحروب من أعظم الوسائل إلى تمدين الغرب؛ لأن الصليبيين ~~يجدون في القسطنطينية والشرق من ms171 آثار العمران والعلوم والفنون والحكمة والعظمة ما يبهر ~~عقولهم فيتهافتون على اقتباسه، ولكنهم يجزون هذه الأمم الممدنة في مقابلة ذلك شر ~~جزاء؛ لأنهم يضعفونها بحروبهم، ويفرغون جهدهم في إسقاطها، ويستولون مدة على القسطنطينية ~~منصرفين إليها عن الشرق وعن الإسلام. مع أنه لو يتحد الفريقان يومئذ؛ لتغير وجه الكرة ~~الأرضية، ولكن إذا كان يمكن اتحاد الماء بالنار يمكن اتحاد اليوناني باللاتيني؛ لتخالف ~~مصالحهما السياسية والدينية معا، ولما يظن أحد الإمبراطرة # 49 # أن النزاع بين السلطنتين وارد من جهة الاختلاف في الدين فقط يتقرب من كنيسة ~~رومة لإزالة الخلاف. فيرسل نوابا من قبله إلى مجمع ليون (سنة 1274) ولكن الشرق ~~وكنيسته يرفضون الاتفاق. فكأن هذا الإمبراطور يجهل ما يعرفه الجميع من أن كل أمة تحب أن ~~تعيش حرة في بلادها، وتفهم دينها بعقول أبنائها لا بعقول غيرهم. ثم تصبح الحالة في ~~القسطنطينية فوضى، ويكون للإيطاليين فيها محاكم خصوصية وقناصل يحكمون بينهم كأنهم مملكة ~~في المملكة، وتثور حرب أهلية بين شيخ وحفيده # 50 # فيقوم خادم للشيخ # 51 # ويغتصب الملك منهما، ويحالف الأتراك عليهما (سنة 1347-1355) ويكون ملك هذا ~~الخادم مقصورا على النزاع على الملك بينه وبين الوارث الشرعي من آل الشيخ # 52 # ولما يعود الملك إلى الوارث الحقيقي يقوم عليه ابنه، وسيبذل البندقيون ~~والجنويون والأتراك جهدهم للاستفادة من هذه الفتن الداخلية ويوسعونها ، وحينئذ تبدأ سلطة ~~عظيمة في الانتشار. # فإن الأتراك بعد الاضطرابات التي ستسقط خلافة بغداد (سنة 1258) تشتد شوكتهم فينتشرون ~~من شرقي جبال الأوليمب في وادي سنغاريوس حيث يقيمون ويزحفون إلى القارة الغربية، ~~ويساعدهم على انتشارهم هذا أن الأسرة المالكة # 53 # بعد أن تترك القسطنطينية لعدوها الداخلي الذي قام عليها، وتتخذ نيقية عاصمة ~~لها حيث تقدر منها على مراقبة الأتراك والحرص على ولاياتها الآسيوية التي كانت كل قوة ~~الإمبراطورية منها - تعود فتترك نيقية لاستردادها القسطنطينية. فيخلو الجو حينئذ ~~للأتراك ويثبون على البلاد، وبدل أن يتحد السلافيون واليونان واللاتين عليهم يستعين بهم ~~الإمبراطرة على سحق المملكة السربية التي أقامها السربيون. فيهدم سلطان تركي # 54 # مملكة ms172 السرب (سنة 1389) وبذلك تقوى سلطة الأتراك قوة عظيمة. أما سلطنة ~~بزنطية فإنها تصبح يومئذ عبارة عن بقايا ولايات منقطعة عن رأسها، ولكن بقاءها حينئذ ~~إنما يكون مسببا عن تعدد سلاطين الأتراك وانقسام قواتهم. فلما يقوم فيها سلطان قوي # 55 # ويوحد قوتهم وسلطتهم بإخضاعهم لسلطانه يهاجم القسطنطينية ويحصرها (1397) ~~ولكن انتصار سلطان المغول # 56 # على جنوده قرب أنقرة يرده عن هذه العاصمة. فيقوم بعده «التركي الفاتح» الذي ~~كتب للقسطنطينية أن تفتح له # 57 # فيحصرها ويفتحها (سنة 1453) ويجلس على عرش القياصرة العظام، بينما آخر إمبراطراتها # 58 # يموت بين جنوده موت الأبطال دفاعا عن عاصمته وعرشه، وحينئذ تقوم في ~~القسطنطينية الجديدة سلطنة جديدة عظيمة تبلغ من بسطة الجاه والعظمة أن تصل جنودها إلى ~~قلب الغرب، وأساطيلها تستهزئ بشواطئه. # فلما انتهى الشيخ إلى هنا سكت، ونظر إلى إيليا فوجده مشغولا عنه بالتأمل، وعلى وجهه ~~دلائل التألم من شيء يفكر فيه. أما أمراء العرب فقد ساءهم ختام نبوءة الشيخ، وكان ~~الزبير حاضرا بينهم فانبرى، وقال: إن صاحبك المنجم يظن أننا سنصنع صنع الروم أي نشتغل ~~لغيرنا. فوالله الذي لا إله إلا هو إننا سنملك القسطنطينية كما ملكنا بيت المقدس، ولو ~~توارت عنا في السحاب. # فقال الشيخ وقد رام تخفيف غضب الزبير وغيره: أيها الفارس الشجاع، لا تغضب لنبوءة ~~المنجم فإنه يتكهن على غير هدى. أما نحن معاشر السوريين فسيان عندنا ملكتم السلطنة أنتم ~~أو ملكها غيركم؛ لأننا لا نطلب من ملكها غير العدل والحرية. # فابتسم أبو عبيدة وسأل الشيخ: وهل فرغت نبوءة المنجم؟ أم بقي منها شيء لعل نوبتنا ~~تأتي بعدها. فأجاب الشيخ: بل بقي منها شيء، وهي أن الذين رشحوا أنفسهم لوراثة سلطنة ~~بزنطية كما تقدم الكلام يغضبون لانتقال هذا الإرث من يد اليونان إلى يد أمة «الفاتح» ~~كما غضبتم الآن أنتم من ذلك. فيقومون إلى طلب هذا الإرث. # فقال أبو عبيدة: وبعد؟ # فأجاب الشيخ: هنا سكت المنجم، ولم يعد يذكر شيئا جليا، وإنما يقول: إنه بعد ~~اضطرابات وحروب شديدة يظهر فيها كل واحد من ms173 الفريقين منتهى البسالة والقوة تتحول سياسة ~~العالم عن مجراها الأول. فإنه بعد أن يكون كل الخلاف والنزاع محصورا في سلطنة عظمى ~~ينازعها جيرانها البقاء ويطمعون فيها تقوم سلطنات عظيمة أخرى على أنقاض إيطاليا القديمة ~~والسلطنة الغربية، فتنصرف الأهمية السياسية عن بزنطية إلى عواصم سلطنات الغرب الجديدة، ~~وبدل أن يكون حينئذ هم «الوارث» مصروفا إلى منازعة «الفاتح» لطلب إرثه يكون مصروفا ~~إلى مقاومة تلك السلطنات القوية الجديدة؛ ليحفظ نفسه منها، وإلى زيادة مستعمراته في ~~جهات أخرى؛ لأن سياسة المستقبل سياسة فتوح استعمارية لا سياسة فتوح حربية وأطماع فارغة؛ ~~بل إن «الوارث» و«الفاتح» سيتفقان بإزاء الخطر الجديد الوارد من باقي السلطنات الكبرى ~~والصغرى، ويعيشان جنبا إلى جنب بسلام وأمان كجارين كريمين، فإن الأرض واسعة لا تضيق عن ~~الناس الكرام. # فقال أبو عبيدة: ولكن ألم يخبر المنجم شيئا عن «الأصيل» صاحب الملك الأول. فأين ~~يذهب؟ # فأجاب الشيخ: نعم، أخبر عنه. فإنه يقول: إن هذا «الأصيل» يصغر بعد الكبر؛ لأنه لم ~~يقدر على حفظ نفسه، وينحصر في شبه جزيرة صغيرة قرب القسطنطينية، ومن هناك يبقى متطالا ~~دائما إلى عاصمته القديمة مفكرا فيها ومراقبا «الوارث» عدوه القديم لئلا يسطو ~~عليها. # فقال خالد ضاحكا: والعجب من تعادي «الأصيل» و«الوارث» مع أنهما من دين واحد. # فضحك الشيخ وأجاب: إن المنجم يقول: إن «الأصيل» سيتفق يوما مع «الفاتح» على «الوارث » وعناصره # 59 # حفظا لمصالحه؛ لأن السياسة مبنية على المصالح لا على الأديان، والقرون ~~القادمة سيكون الدين فيها أضعف العلائق بين الناس. # ويظهر أن الإمام عمر ضجر من هذا الحديث فظهرت دلائل الملل في وجهه فقال: لا عرافة ولا ~~تنجيم في الإسلام، والله لم يدهشني شيء كغضب الزبير من تخرصات المنجم. فدعونا من هذه ~~الأوهام. أيها الشيخ شكرا؛ لأنك أوقفتنا على بعض أخبار المملكة. اتبعنا يا ~~إيليا. # ثم نهض عمر فنهض الجميع لنهوضه عائدين إلى بيت المقدس، وعمر كثير التفكير ~~والاهتمام. # وكان أبو عبيدة يسير إلى جانب الإمام عمر في مسيره وهو يفكر أيضا، وبعد حين قال: ما ~~قول ms174 أمير المؤمنين في أسباب سقوط دولة الروم؟ والله إن نفسي في أثناء كلام الشيخ كانت ~~تنتفض خوفا من أن يصيبنا يوما ما أصابهم. # فسمع خالد كلام أبي عبيدة فدنا منه وقال: أيها الأمير نحن بعيدون عن كل ما أودى ~~بالروم بعد الأرض عن السماء. فلا رهبانية في الإسلام؛ لنخشى منها على ديننا وشعبنا، ~~ولا تجبر ولا تكبر عندنا؛ لنترك ضعفاءنا يموتون جوعا وضعفا وأقوياءنا يحشدون ~~الأموال ويسخرون لأنفسهم باقي الناس بأجور قليلة، وخليفتنا إنما يهتم بصلاح حال الشعب ~~قبل اهتمامه بفسه وبأمراء أمته، وكل واحد منا أحب شيء إليه الموت في ساحة القتال طلبا ~~للجهاد؛ لأنه مروض على الحرب منذ نعومة أظفاره، وقبائلنا ملأ الله قلوبها بروح الإسلام، ~~وغسلها من أدران الجاهلية؛ فهي متحدة على إعلاء كلمة الله اتحادا لا انفصام بعده. ~~فماذا نخاف بعد هذا؟ # فسكت عمر ولم يجب، ولكنه بعد حين قال لأبي عبيدة: ادع لي إيليا. فأسرع إيليا ووراءه ~~الترجمان. فسأله عمر: يا إيليا هل ورد للرهبان والصور ذكر في إنجيلكم؟ فأجاب إيليا: كلا ~~أيها الأمير، فقال عمر: هل يعلمكم إنجيلكم التجبر والتكبر ويقسم أمتكم قسمين: سائدين ~~ومسودين؟ فقال إيليا: معاذ الله أيها الأمير، فإنه يعلمنا أن الكبير فينا صغير ~~والصغير فينا كبير، وأن رئيسنا يغسل قدمي كل واحد منا دلالة على اتضاعه واهتمامه ~~بأمته. # فقال خالد: سبحان الله. # فقال عمر وقد هز رأسه: وهل يحضكم إنجيلكم على إدخار الأموال والاستئثار بها وإنفاقها ~~في سبيل الشهوات والملاذ؟ فقال إيليا: أيها الأمير إن سيدنا المسيح كان يشترط على كل ~~رجل يتبعه أن يبيع أملاكه، ويجيء بثمنها إلى صندوق الطائفة وهو «كبيت المال» ~~عندكم. # فقال خالد أيضا: سبحان الله. # فقال عمر: وهل يحضكم إنجيلكم على التنافس والتباغض، وقيام أفرادكم بعضهم على بعض، ~~وشعوبكم بعضها على بعض؟ فقال إيليا: أيها الأمير إن إنجيلنا يقول: «لا تقاوموا الشر ~~بالشر؛ بل من ضربكم على خدكم الأيمن فحولوا له الأيسر، وأحبوا أعداءكم وباركوا ~~مبغضيكم؛ لأنكم إذا لم تحبوا غير محبيكم فأي أجر لكم». ms175 # فصاح خالد هذه المرة بصوت أقوى مستغربا: يا سبحان الله. # أما عمر فإنه أنفض رأسه وسكت، وبقي يسير بجانب أبي عبيدة وخالد متنح عنهما، وبعد برهة ~~رفع الإمام الجليل كمه إلى عينيه فنظر أبو عبيدة في وجهه فرأى دمعتين جميلتين تسطعان ~~كلؤلؤتين في حدقتي الإمام. فصاح أبو عبيدة: ما أبكى أمير المؤمنين؟ فازداد عمر بكاء ~~وقال: يا عامر إنني أبكي على أمتي؛ لأنني لا أعلم ما يحل بها بعدي. يا عامر، إنك تعلم ~~أنني لم أرع العرب وأجمعهم بعد تفرق كلمتهم إلا بعصا من حديد، فأخشى أن تدب عقارب ~~الشقاق بينهم بعدي. يا عامر قد سمعت من الشاب إيليا ما هي شريعة الروم، وسمعت من الشيخ ~~كيف خرجوا عنها، فأنا أخشى أن نخرج عن شريعتنا في مستقبل الزمان كما خرج الروم عن ~~شريعتهم فيصيبنا ما أصابهم. يا عامر، إن بلاد الله وعباد الله لا تساس إلا بالعدل ~~والصدق والحق وإطلاق الحرية للغير؛ لأن لكل فرد وكل شعب حيزا لا غنى له عن التحرك ~~ضمنه، وإنصاف الناس حتى أصغرهم وأحقرهم، والاهتمام بالشعب قبل كل اهتمام، وتنزيه الدين ~~عن اتخاذه دعامة للمصالح وللسياسة وآلة للبغض والشقاق، واعتبار الأمم التي تقبلنا وندخل ~~بلادها أنسباء لنا. لها ما لنا وعليها ما علينا؛ لأنها في ذمة الله وذمتنا. فأنا أخشى ~~يا عامر أن نغير ما بأنفسنا من هذا يوما كما غير الروم؛ فيغير الله نعمته علينا، ~~وتنتقض أعمالنا. # فيا تربة جبل الزيتون التي شربت تينك الدمعتين الجميلتين اللتين جرتا من عيني الإمام ~~العادل العظيم هل حفظتهما في صدفة نفيسة كما يحفظ الدر النفيس. يا طيف الكمال الذي ~~يسكن جو ذلك الجبل الكريم منذ دوت في فضائه خطب ابن الناصرة الإلهية ألم ترفرف حيئذ ~~حمامتك السماوية على رأس ابن الخطاب حين لفظ هذا الكلام الجميل، ويا أيها المسلمون ~~والمسيحيون في مشارق الأرض ومغاربها خصوصا يا إخواننا الشرقيين ألا تنتفض عظامنا كلنا ~~- انتفاض العصفور بلله القطر - بعد وقوفنا على أسباب سقوط سلطنة بزنطية، وتأملنا في ~~التي خلفتها، ms176 وسماعنا الإمام عمر بعد وقوفه على هذه الأسباب يقول ما قاله. # الفصل الثالث والعشرون # | أستير في البيت الأحمر # ولم يكد عمر يبلغ بركبه سفح الجبل حتى ظهر لهم من بعيد رجل يركض ركضا شديدا. فلما وقع ~~نظر إيليا على هذا الرجل عرف أنه أرميا فقال في نفسه: قبحا لمنظر هذا الثقيل ~~ولملقاه. # وكان الشيخ سليمان قد عاد إلى المزرعة بعد أن ودع عمر، وإيليا يسير وراء الأمراء منفردا؛ ~~لأن رفيقه القس الترجمان قد عاد إلى البطريرك قبل قصدهم جبل الزيتون؛ ليطلعه على نتيجة مهمة ~~إيليا، ويبلغه أن الأمير أمسك إيليا عنده. # وكان إيليا يسير وفكره شارد عند أستير وأبيها، ولذلك استعاذ بالله لما نظر أرميا قادما. ~~فنوى أن لا يلتفت إليه، فأطرق إلى الأرض وبقي سائرا في طريقه. # أما أرميا فإنه ما اقترب من الركب ولمح إيليا من بعيد حتى صاح بأقوى صوته: كيريه إيليا ~~كيريه إيليا. تعال تعال إلي. # فالتفت نحوه إيليا لفتة، ثم صرف وجهه عنه، وسار في طريقه. # وقد عجب الأمراء من حالة هذا الرجل وصرف إيليا وجهه عنه، ولكن أبا عبيدة أخبر الأمير أنه ~~معتوه فحل الابتسام محل العجب عندهم. # أما أرميا فإنه هجم كالذئب الكاسر على إيليا وأخذ به. ثم جثا على الأرض صارخا بكل قواه: ~~كيريه إيليا كيريه إيليا. رحماك خلصنا. صديقي. أخي. حبيبي. لا تتركنا. # فدهش إيليا من هذه اللهجة الجديدة فلم ير بدا من سؤال أرميا عن مراده وقصده، فصاح أرميا ~~والجنون يقصف ويعصف في عينيه: - إيليا. إيليا. إذا تركت أستير فإنني أقتلك ... ها ها ... هلم ~~معي إليها ... هي تنتظرك ... هي تنادي إيليا إيليا ولا أحد يجاوبها ... اسمع اسمع. إن البطريرك ~~أرسلني إليك ... وأبوها عنده الآن ... وهو يطلب أن يراك ... ففتشت عليك المدينة كلها فلم أظفر بك ~~إلا هنا ... إيليا إيليا ... لا تستغرب كلامي ... لا تظنني مجنونا فأنا أقول لك الحق ... نعم، قد ~~دخل الشيطان منذ مدة إلى قلبي فصنعت ما صنعته معك ... ولكن ما كنت أظن أنها تحبك إلى هذا الحد ms177 ~~... فاسمع يا صاحبي ... يا أخي في المسيح. الله يبارك لك فيها ... انظر ... ها إنني أنفض يدي ~~أمامك منها ... خذها وحدك ... لك وحدك يا إيليا ... ولا آخذ منها أنا غير خصلة من شعرها ... ولكن ~~خلصها ... آه لو كنت علمت أنه سيحدث ما حدث لما كنت صنعت شيئا ... ولكن ما جرى جرى ... ولا ~~نعود إليه ... هلم معي يا عزيزي لنخلصها. # فلما سمع إيليا هذا الكلام ونظر إلى حالة أرميا اشتد جزعه على أستير، فأنهض المعتوه ~~وسكن باله واستخبره الخبر، ولما علم منه كل شيء طارت نفسه شعاعا، فاستأذن الأمير، وسار ~~مسرعا إلى المدينة قاصدا المقام البطريركي. # ولما دخل إيليا على البطريرك وجده جالسا على مقعد وهو مطرق يفكر، ويظهر أن الأشهر التي ~~مرت في اثناء الحصار وما تلا ذلك من فتح المدينة قد أثر في نفس البطريرك تأثيرا شديدا، ~~ولذلك كان لونه الناصع الوردي الاعتيادي مشوبا بالاصفرار، وجسمه قد نحل قليلا، ولما وقع ~~نظر البطريرك على إيليا صاح البطريرك: بم أجاب الأمير يا ولدي، فمد إيليا يده إلى جيبه وهي ~~ترتجف، وأخرج له الرق السري، وأبلغه جواب الأمير. فتناول البطريرك الرق بيده وهي ترتجف ~~أيضا، وقال بنزق: من أين وصل هذا الرق إلى يد ذلك اليهودي؟ فدهش إيليا وقال: أي يهودي يا ~~مولاي؟ فقال البطريرك: أبو الفتاة التي قبض عليها الشعب في طريق بيت لحم ، ولذلك بعثت في ~~طلبك مع أرميا لتدبر هذه المسألة. فازدادت دهشة إيليا، وظن أن أرميا كاذب بما قاله عن ~~أستير. فقال: وما شأن هذا اليهودي؟ فقال البطريرك: اجلس يا إيليا. # ثم إن البطريرك أخذ يقص على إيليا ما حدث. فعلم إيليا أن أبا أستير جاء البطريرك باكيا ~~منتحبا، فانطرح على قدميه، وأخبره أن إيليا أساء إلى ابنته، وقد أشرفت على الموت، ولذلك ~~فهو يسأله أن يرسل إليها إيليا؛ ليظهر لها الرضى ويعزيها حتى إذا شفيت من علتها وعاودتها ~~صحتها سافر بها أبوها. فدهش البطريرك من هذا الاقتراح البارد ورد الشيخ بخشونة. فذهب الشيخ ~~باكيا، وأرسل إليه مع ms178 أحد الشمامسة ورقة مختومة فيها هذه العبارة: «إذا لم يفعل البطريرك ~~ما ذكرته له، وماتت ابنتي، فإنني أنتقم لنفسي بأن أكتب للإمبراطور، وأطلعه على مسألة الرق ~~السري الذي دفعه إلى أمير العرب». # فلما قرأ البطريرك هذه الورقة أسقط في يده، وأرسل يسترجع الشيخ. فرجع الشيخ، وعلم منه ~~البطريرك ما يريد علمه عن أستير وإيليا، وكانت السيدة تيوفانا التي ذهبت بأستير إلى دير ~~العذراء على جبل الزيتون قد عادت من الدير بعد فتح المدينة، فاستدعاها البطريرك، وطلب منها ~~أن تنقل أستير من خيام العرب في حيز بيت المقدس إلى منزل موافق لصحتها وتحسن مداراتها. ~~فاختارت تيوفانا «فندق البيت الأحمر» في بيت لحم فذهبت مع أبي الفتاة ونقلت أستير إليه، وقد ~~وعد البطريرك الشيخ بأن يبعث إليه إيليا في المساء. # وكان أرميا قد جاء مع الشيخ إلى المقام البطريركي، فأرسله البطريرك في طلب إيليا، فذهب ~~أرميا وجرى له مع إيليا ما جرى. # فلما وقف إيليا على هذه التفاصيل خيل له أن الأرض أخذت تميد به، وسمع صوت أستير في باطنه ~~يناديه: إيليا إيليا. فما فرغ البطريرك من كلامه حتى وثب إيليا، وقال: أنا سائر إلى البيت ~~الأحمر يا مولاي حسب أمركم. # فقال البطريرك مبستما مع اشتغال باله وكثرة همومه: لا بأس يا بني، فإن إنقاذ روح محبة من ~~الموت كإنقاذ نفس ضالة من جحيم الضلال . # وبعد خمس دقائق كان إيليا على جواد يعدو على طريق بيت لحم، ووراءه أرميا يركض كالكلب وراء ~~صاحبه. # ولما وصل إيليا إلى «البيت الأحمر» نظر في الباب من بعيد أبا أستير واقفا ينتظره طبقا ~~لوعد البطريرك، وما وقع عليه نظر الشيخ حتى أسرع إليه والدموع في عينيه. فدخل إيليا إلى ~~الفندق مع الشيخ. أما أرميا فاهتم بتدبير مربط للجواد. # وما صار الشيخ وإيليا وحدهما في الحديقة التي أمام الفندق حتى انطرح الشيخ على يد الفتى ~~ليقبلها. فأجفل إيليا ورجع القهقرى. فقال الشيخ باكيا: يا كيريه إيليا، لقد أنقذتني مرة ~~فأنقذني مرة أخرى. # فقال إيليا بجد وهدوء: ماذا ms179 جرى؟ # فقال الشيخ: جرى ما سيقتلني ويقتل أمها إذا ماتت. فإذا كنت أنا مذنبا فما ذنبها هي؟ يا ~~كيريه إيليا، لقد علمت كل شيء. فإنها ذكرت أثناء هذيانها وذهولها كل ما حدث لك معها في ~~المزرعة، ووقفت من أرميا على سبب إغمائها ونفورك منها. فلنتحادث في ذلك الآن بهدوء يا ~~كيريه. أي جناية ارتكبت لأستحق احتقارك؟ نحن وأنتم قوم نتنازع على هذه الأرض، وكل منا ~~يحارب خصمه بكل سلاح يقع في يده. فلقد هدمتم هيكلنا وحرمتم علينا الدنو من بيت مقدسنا ~~وسفكتم دماءنا وجعلتمونا نهيم على وجوهنا في الأرض كحيوانات سائمة. فهل ينكر علينا بعد كل ~~ذلك أن نحالف عليكم من يقوم لاستخلاص البلاد منكم؟ ولو كنتم في مكاننا وكنا في مكانكم أفما ~~كنتم تفعلون ما نفعله نحن الآن؟ بل إنكم الآن تفعلون مثله مع أعدائكم العرب؛ لأنكم تبعثون ~~إليهم من يتجسس أحوالهم ويتنسم أخبارهم. فلماذا تحملني وحدي يا إيليا عار الجاسوسية ما ~~دامت هذه الوظيفة القبيحة من لوازم الحروب والاضطرابات. # أما إيليا فلم يلتفت كثيرا لهذا الكلام، ولا جاوب عنه؛ بل سأل الشيخ دون أن ينظر إليه: ~~أين السيدة أستير أيها الشيخ، فإنني أحب أن أراها لأثبت لها أنني ما زلت أحترمها كما كنت، ~~وأن ما بلغها عني خطأ محض. # فأشرق وجه الشيخ وأكب ثانية على يد إيليا صارخا بدموع: بارك الله في شهامتك يا أيها ~~الرجل الكريم. نعم يا ولدي، قل لها: إنك لا تحتقرها، وأنا على ثقة من شفائها. # انظر يا بني، إنها منذ الصباح لا تفارقها نوبة إلا وتقع في نوبة، وكلما تكاد تصحو يشتد ~~هياجها فتلطم وجهها وتقطع شعرها، وفي إحدى المرات عرفتني فصاحت صياحا شديدا، وصرفت عني ~~وجهها نائحة معولة، وهي في أثناء كل ذلك تنادي «إيليا إيليا» وتقص على غير وعي كل ما جرى ~~لك معها. فيخيل لسامعها والناظر إليها أنها فقدت عقلها. فيا ولدي الكريم، ليس لي ولأمها في ~~الأرض أحد نهتم به ويهتم بنا غير هذه الفتاة. فهي شمس آمالنا وعصا ms180 شيخوختنا. فساعدنا على ~~تسكين أعصابها ورد عقلها إليها يكن لك الأجر والثواب عند الله والناس. # وإن القلم ليعجز عن وصف ما قام في نفس إيليا في أثناء هذا الكلام. فمد يده وأخذ بيد ~~الشيخ، وقال: هلم بنا إليها. # فدخل الشيخ وإيليا إلى الفندق يقصدان غرفة أستير. # ولم يفتحا باب الغرفة ليدخلا منه حتى انتصب في وجهيهما شبح امرأة وضعت أصبعها على شفتيها ~~وأشارت إليهما بالرجوع. فوقف إيليا والشيخ في مكانهما ولم يدخلا، وصاح إيليا بدهشة: السيدة ~~تيوفانا. # فخرجت تيوفانا وأغلقت الباب، ثم سلمت على إيليا، وقالت: يا كيريه إيليا، لا يمكن أن أتركك ~~تدخل على الفتاة الآن؛ لأنني أخشى عليها من البغتة، وفضلا عن ذلك فهي الآن راقدة، وهذه أول ~~مرة رقدت فيها واستراحت منذ إغمائها. # فشعر إيليا بأن كلام تيوفانا هذا لا يخلو من تهكم المرأة التي يلذ لها عذاب رجل وإبعاده ~~عن حبيبة له في قبضتها غيرة منها. # وفي هذا الحين وصل أرميا إلى باب غرفة أستير عائدا من الإسطبل. فلما سمع كلام تيوفانا عن ~~راحة أستير صلب وقال في نفسه: «كيريالايسون. إن أستير بمجرد دخول إيليا إلى الفندق بدأت ~~تستريح. فكأنها مسحورة منه». # وكاد إيليا يمتثل لأمر تيوفانا وحيلتها فينتظر إلى ما بعد انتباه أستير من رقادها لا سيما ~~وأنه سر بهذا الرقاد؛ لأنه يدل على تحسن صحتها، ولكنه لم يخط خطوة عائدا عن الباب حتى سمع ~~من الغرفة صوتا يصيح بذعر ويأس: إيليا إيليا. # وكانت أستير هي التي صاحت من الغرفة هذا الصياح في الحلم، ولكنها لم تلبث أن انتبهت ~~مرتعدة لصياحها، وأخذت تبكي. # فارتعد إيليا لهذا الصوت، وبقي جامدا في مكانه، ولما سمع بعده بكاءها تقطعت أحشاؤه فدفع ~~باب الغرفة ودخل إليها. # فلما سمعت أستير صوت حركة الباب رفعت رأسها عن وسادتها، والتفتت نحوه بعينين ثائرتين ~~منتفختين. # وكانت العجوز أمها بجانبها، فلما رأتها تنتبه إلى صوت الباب وتنظر بعينين واعيتين عرتها ~~الدهشة إذ كانت هذه أول مرة انتبهت فيها أستير هذا الانتباه. # وقد دخل إيليا ms181 إلى الغرفة وحده، وبقي الشيخ وأرميا وتيوفانا خارجا. # فلما وقع نظر إيليا على أستير ابتسم لها ابتسامة كابتسامته القديمة، وتقدم نحو ~~فراشها. # أما أستير فإنها ألوت رأسها الأصفر النحيف، وعادت إلى وسادتها وهي تتلفظ بين شفتيها بكلام ~~لم يسمعه أحد. # فدنا إيليا منها والابتسام لا يزال في شفتيه. ثم أخذ يدها ليجس نبضها. # فلما التقت يده بيدها ارتعشتا معا كما يرتعش سلكان كهربائيان مختلفان حين ~~التقائهما. # وكانت أستير حينئذ بلون الأموات نحيلة كالخيال ضعيفة القوى كالطفل، وكانت تغض من طرفها، ~~وتحاول ستر وجهها من إيليا بيدها. فأثر ذلك في نفس إيليا تأثيرا بلل عينيه بالدمع. فقال ~~لها: كيف حال السيدة أستير، وهل ذهب ألمها؟ # فأجابت أستير برزانة وجد وصوتها في منتهى الضعف: نعم، قد ذهب كل شيء. # ففهم إيليا معنى كلامها فابتسم إخفاء لتألمه، وقال: فلماذا تبكين إذا كان الألم قد ~~ذهب؟ # فأظهرت أستير الدهشة، وقال: أنا أبكي؟ معاذ الله، وإنما تهيجت عيناي مما أصابني، ثم تنهدت ~~وقالت: أف أف فلقد كنت متوقعة ذلك منذ الصباح. فإني انتبهت من النوم ورأسي مثقل وصدري ضيق. ~~فلعل ذلك من عدم تعودي الرقاد في خيام العرب في ليالي البرد. # فعجب إيليا حينئذ من أنفة أستير ورشاقة حيلتها في نسبة علتها إلى غير سببها، وكان أبوها ~~يسمع كلامها من وراء باب الغرفة فسر بجوابها الدال على عزة نفسها. أما أمها فكانت بجانبها ~~تنظر شزرا إلى ذلك الشاب المسيحي. # غير أن إيليا رأى أن كتمان الداء لا يشفيه؛ بل ربما زاده استفحالا، فعزم على مصادمته ~~وجها لوجه. فانحنى نحو أستير، وقال: هل تستاء فتاة عاقلة مثلك من كلام رجل معتوه كأرميا؟ ~~فهنا غضت أستير من نظرها وترقرق الدمع في عينيها. فقال إيليا: فلو كنت مكانك لضحكت من كلامه ~~بدل أن أتأثر به. فإنه مجنون ولا عتب على المجانين، وإذا شئت برهانا على كذبه فإنني أقول ~~لك: إنه جاءني اليوم بعد الظهر، واعتذر مني عن كذبه وافترائه، وهو حاضر خارجا يشهد على ~~ذلك. هل تريدين أن ms182 أدعوه لك؟ # فلم رأت أستير أن إيليا دخل في الموضوع الذي كرهت الدخول فيه صيانة لكرامتها وشرفها تحول ~~لونها بغتة من الاصفرار إلى الاحمرار، وبدت الدموع في عينيها، وإذ رأى إيليا أنها لم تجاوب ~~عن سؤاله، وكان يعلم أن السكوت في معرض الحاجة بيان نادى بأعلى صوته - أرميا أرميا. ادخل ~~بأمر السيدة أستير. # وكان أرميا قد سمع من وراء الباب حديث إيليا مع أستير، وكلما كان إيليا يذكر عن أرميا أنه ~~معتوه أو مجنون كان أرميا يحرق الأرم ويعض شفتيه من الحنق، ويثور كالجمل قائلا في نفسه - ~~لقد سمحت له أن يأخذها، ولكني لم أسمح له أن يهينني لديها. فلما سمع صوت إيليا يناديه دخل ~~ونزق الجنون في عينيه، ولكنه ما وقع عليه نظر أستير من وراء طرفها الكسير حتى تحول نزقه ~~إلى هدوء. فأحنى عنقه أمام إيليا كالأولاد، وقال: ماذا يا كيريه إيليا؟ # فقال إيليا: يا أرميا أما جئتني اليوم، واعتذرت إلي عما فرط منك؟ فقال أرميا: نعم، يا ~~كيريه إيليا. فقال إيليا: أما ذكرت لي أيضا أنك لما كذبت كذبتك على مسمع من السيدة أستير ~~كنت مضطرب العقل. فتردد أرميا في الجواب، ثم قال: نعم نعم قد قلت لك ذلك، وأنت قلت لي إنك ~~... فهنا خاف إيليا من فلتات أرميا فقطع كلامه قائلا: أنا لا أسألك عما قلت لك؛ بل أسأل عما ~~قلت لي. فاخرج الآن مشكورا على إخلاصك. # فأحنى أرميا المسكين عنقه أيضا، وخرج طائعا كولد صغير، وبهذه الكذبة وهذه الطاعة في حال ~~كهذه الحال لغرض كالغرض الذي اتفق عليه مع إيليا محا أرميا كل خشونته السابقة، وأظهر أن ~~نفسه نفس رجل كريم؛ بل إنه بهذا الأمر الذي أنكر فيه ذاته إلى هذا الحد ارتقى بجنونه إلى ما ~~فوق العقل، وفاق حبه حب إيليا. # أما أستير فإنها كانت في أثناء ذلك ساكنة هادئة لا تظهر على وجهها دلائل الرضى ولا دلائل ~~السخط، وقد ظن إيليا أنه أقنعها بهذه البراهين، وزاد عليها أنه ذكر لها سببا سياسيا ~~لرحيله ms183 بسرعة من معسكر العرب كنصيحة عمرو بن معدي كرب، ودعوة البطريرك له، فضلا عن اتباع ~~ما ذكرته له في كتابها، ولكن أستير كانت تفكر في شيء آخر. # وفي ذلك المساء تعشى إيليا في الفندق وتعشت أستير براحة، وبعد العشاء خرج إيليا إلى ~~الحديقة مسرورا بأن أستير أخذت تتقدم من الصحة، فوجد في الحديقة أرميا جالسا إلى مقعد ~~بعيد وهو حزين يتأمل ورأسه بين يديه. فعاد إيليا من حيث أتى اجتنابا لملقى أرميا، ولما علم ~~أن أستير نامت مستريحة بعد العشاء اطمأن باله فطلب فرسه ليعود إلى القدس على أن يعود في ~~الغد، وقبل رحيله اختلى بأبي أستير، وحادثه بما حادثه بشأن الرق السري، ثم ركب وعاد إلى ~~القدس. # ولم يكد إيليا يصل إلى منتصف الطريق حتى لقي شرذمة من أمراء العرب قادمين إلى بيت لحم مع ~~الإمام عمر؛ لأنه رام مشاهدة المكان الذي ولد فيه المسيح كما شاهد قبره ومصعده. فاستأذن ~~إيليا الإمام بإتمام سيره ليعود إلى البطريرك بمهمة أرسله فيها، فأذن الإمام له. # وفي اليوم التالى عاد إيليا إلى البيت الأحمر فوجد أستير على ما كانت عليه أمس، وقد ~~ابتسمت له هذه المرة، وحادثته وضاحكته. # وفي اليوم الثالث أصبحت تقعد، وتطلب دفاترها؛ لتكتب فيها. # وقد عجب إيليا من أن أستير صارت في مرضها أكثر جمالا مما كانت، ولكن إيليا نسي المبدأ ~~المشهور : «إن الجمال في عين الرائي» ولذلك لم يعلم أن ذلك الجمال الجديد الذي أصبح يجده لها ~~كان في نفسه فقط، وذلك من قبيل الشفقة على نحولها وضعفها والخوف على حياتها. # وأقامت أستير خمسة أيام متتالية، وعليها ظواهر الصحة مع صداع في رأسها، وكان إيليا كلما ~~زارها وجدها مشغولة بالكتابة في دفتر تضعه تحت وسادتها، وحين دخوله كانت تطوي هذا الدفتر ~~مبتسمة، وتدسه في قميصها. # وفي اليوم السادس لما زارها إيليا طلبت أن تحمل إلى الحديقة لتجلس ساعة فيها، وكان الوقت ~~قبل منتصف النهار، والشمس تكسر شوكة البرد بحرارتها المحيية. فأخرجوها إلى مقعد تحت شجرة ~~ظليلة، فجلست هناك ms184 قريبة من أمها ومن إيليا. # وكانت هذه أول مرة تخرج فيها أستير إلى النور، وتتنشق هواء السماء النقي بعد مرضها. ~~فانشرح صدرها للذة الحياة وأبرقت عيناها، ولكنها لم تلبث أن تغيرت فانقبضت، وسطع في عينيها ~~دمعتان جميلتان كنقط المطر الصافية التي كانت لا تزال على أغصان الأشجار تترقرق في نور ~~الشمس الذهبي كأحجار ماسية معلقة بها. # فانتبه إيليا إلى انقباضها هذا بعد الانشراح، ولكنه لم يعلم له سببا. # أما أستير فإنها أسندت رأسها اللطيف إلى يدها النحيفة، وصارت تنظر بحزن إلى ما حولها من ~~جمال السماء والأرض. # وبينما هي في تأملها هذا سقطت نقطتان من نقط المطر التي على الشجرة كأن أحد العصافير قصد ~~مداعبة أستير فرشقها بهما. فوقعت إحدى النقطتين على يد أستير والأخرى على التراب ~~أمامها. # فحينئذ ابتسمت أستير ونظرت إلى إيليا وقالت: هل نظرت ما نظرت؟ فأجاب إيليا: نعم نظرت. ~~فقالت أستير: فبماذا تشبههما؟ فقال إيليا: أشبههما بمذهبي الجاحد والمؤمن. فحملقت أستير ~~وأشارت بعينها إلى أمها كأنها ترجو منه أن لا يبحث في أمر ديني على مسمع منها، وإن كانت لا ~~تحسن اليونانية. فعلم إيليا أنها لم تفهم كلامه فال: نعم أشبههما بمذهبي الجاحد والمؤمن. ~~فإن النقطة التي وقعت على الأرض وصارت وحلا دنيئا رمز إلى مذهب الأول في مصير الإنسان، ~~والنقطة التي وقعت على يدك وبقيت ماسة صافية جميلة رمز إلى مذهب الثاني. # فبهتت أستير وسكتت تفتكر. فراب إيليا سكوتها، فقال لها: وأنت بم تشبهينهما؟ # فرفعت أستير رأسها، وابتسمت، ولم تزد على الابتسام. # وفي هذا الحين وصل الشيخ أبوها، فلما رآها جالسة في الحديقة، وهي تكاد ترتعد من البرد ~~أسرع إليها وأعادها إلى فراشها رغما عنها، ويظهر أن هذه النزهة كان لها تأثير شديد على ~~مرضها. # فإنه قبل دخول الليل اشتد صداعها، وعاودها إغماؤها وهذيانها، وكثر اضطرابها. # ولم يدن الفجر حتى وصل أرميا إلى مزرعة الشيخ سليمان مذعورا وهو يلهث من التعب. فقرع ~~باب غرفة إيليا حتى كاد يكسره فانتبه إيليا مبغوتا، فأخبره أرميا باكيا أن ms185 أستير في ~~خطر. # فطار إيليا إلى بيت لحم. فوجد أستير بلا حراك في فراشها، وحولها أمها وأبوها يبكيان بدمع ~~سخين. # وكان وجه الفتاة في سكونها هذا وجه ملاك عابس وممدد في فراش كولد صغير. # فعجب إيليا من هذا الانقلاب، وسأل أباها وأمها عن سببه فلم يستفد شيئا. # ذلك وا أسفاه أن الجميع كانوا يجهلون علتها. # ولذلك كانت العلة كل الأيام الماضية متمكنة منها، ولم يشعروا بها. # ولكن ما هي هذه العلة؟ الحب؟ # هذه علة قديمة فيها، ولكن هنالك علة جديدة. # وما هي؟ # هي سم ينتشر في دم الإنسان بهدوء وبطء، فيسممه ويفني قواه وحياته، هو الداء الذي ما عرفوا ~~اسمه وميكروبه إلا منذ زمن. هو الآفة التي ترتعد منها فرائص الأمهات والآباء؛ إذ كم اختطفت ~~منهم عزيزات وأعزاء. # هي الحمى التيفوئيدية. # فيا أيها الميكروب القاتل الذي دخلت جسم أستير النحيل، وتمكنت منه دون أن يدري بك أحد إنك ~~ستجري دموعا وتكسر قلوبا. # وقرب الظهر فتحت أستير عينيها. فلم تعرف إيليا بل ظنته أباها. فقالت بصوت متقطع: أبتاه ~~أما جاء كيريه إيليا؟ # فوضع إيليا يده على عينيه ليمسح دموعه. # فأردفت أستير بقولها: إنني راحلة يا أبتاه، وقد شعرت بدنو أجلي، فأرجو منك أن تدعوه لي ~~لأراه المرة الأخيرة ... أما أنت يا أماه فصلي من أجلي. # فمسح أبوها دموعه، وأخبرها أن إيليا قد أتى وهو واقف أمامها. فابتسمت أستير ابتسامة جرت ~~عادة ملاك الموت أن يجعلها في منتهى الجمال والحلاوة على شفاه الراحلين. ثم مدت يدها إلى ~~إيليا فأخذت يده، وقالت بصوت متقطع: يا كيريه إيليا شكرا لك. ثم خنقتها العبرات، وعاودتها ~~النوبة. # وكأن أستير شعرت حينئذ أنها شرعت في الدخول في دار الأبدية فاستجمعت قواها كلها، ومدت ~~يدها إلى قميصها فأخرجت منها دفترا مطويا ثم دفعته نحو إيليا قائلة بصوت ضعيف متقطع لا ~~يفهم كلامه إلا بصعوبة: هدية إلى إيليا من عزيزته. فتناول إيليا الدفتر بيمناه بينما كان ~~يمسح دموعه بيسراه، ويظهر أن الفتاة المسكينة قد رأت وهي في حشرجة النزع ms186 دموع إيليا، ~~فابتسمت سرورا بأن إيليا يبكي من أجلها. ثم أشارت إليه إشارة أن يتقدم منها. فتقدم إيليا. ~~فاستجمعت أستير قواها وهي على أبواب الموت فقدرت أن تنطق بهذا الكلام: صل من أجلي بدل ~~البكاء ... ادفنوني في المزرعة ... قرب القبر ... لكي أبقى قريبة منك أبدا ... # وهنا أطبقت الفتاة جفنيها، وأعادت روحها إلى باريها. # فيا أيها القارئ الكريم، نرجو منك أن تعفينا من وصف حالة إيليا وأرميا والشيخ والعجوز لما ~~رأوا أمامهم أستير المسكينة جثة هامدة. فإن هذا الوصف يزيد أشجانك وأشجاننا، ويجفف ينابيع ~~الدموع في عيوننا. # ولقد أنفذ الشيخ والعجوز وصية ابنتهما. فأذنا في دفنها في مزرعة الشيخ سليمان بجانب قبر ~~الراهب ميخائيل، وقد صلى عليها أبوها، واشترك أهل المزرعة جميعا في جنازتها، والبكاء ~~عليها؛ لأنهم عرفوها كما تقدم. # أما إيليا فسار في الجنازة كموجود غير حاضر، وقد نفد الدمع من جفنيه، وبقي طول ذلك النهار ~~كمن مسه خبل في عقله، ولما غيب التراب في المساء جسم عزيزته أستير عاد إلى غرفته فأقفل ~~الباب ثم انطرح على وجهه يتذكر ماضي أستير وتقلبات حياته، وبينما هو يتأمل في ذلك تذكر ~~الهدية. فارتعد وجلس ليراها. فلما فتح الدفتر وتصفحه وجد أنه عبارة عن «يومية» كانت أستير ~~تسطر فيه عواطفها كل يوم. فوضع إيليا شفتيه على الدفتر حيث كان خط أستير وعواطفها، وقبله ~~مرارا وهو يبكي بكاء الأطفال. ثم ترك البكاء، وشرع في القراءة، فقرأ أولا ما يلي: # يوم الأربعاء # خرجت اليوم معه إلى الحديقة. فرأيته في النور أجمل منه في الظل، وشعرت بلذة ~~الحياة في هذا العالم ... ولكن أواه إننى لم أولد لأعيش فيه ... وهذا شأن البشر الذين ~~يعطيهم الله نفوسا حساسة أكثر مما يجب ... يا إلهي لا أعارض في أحكامك وحمدا لك ... ~~لما تأملت اليوم في جمال الكون ولذة الحياة أسفت لأنني سأفارق الدنيا ... خصوصا ~~بالطريقة الشنيعة التي عزمت عليها ... آه عفوك يا إلهي مقدما ... وإذا صدق الحلم الذي ~~رأيته في هذا الليل اعتبرته نعمة منك ... فإنني رأيت رسولك جبرائيل هبط ms187 إلي وقال: ~~أيها الفتاة إن الله تحنن عليك ورأف بك، ولذلك سيغنيك عن جناية الانتحار، وقد ~~أرسلنى أستدعيك إليه في زمن قصير ... فانتبهت من النوم مذعورة، ولكنني سررت؛ لأنني ~~سأموت موتا لا انتحارا، ولكن أصحيح هذا ... ~~••• # يا لله يظهر أن الحلم سيصدق. فماذا حدث لي يا إلهي. نعم، كنت أشعر في الأيام ~~الماضية بضعف وصداع وارتخاء في كل جسمي، ولكنني كنت أقدر على الجلوس والوقوف. أما ~~الآن بعد عودتي من الحديقة فقد صرت عاجزة عن امتلاك حواسي. فهل هذا بدء الرحيل ... هل ~~اقترب الملاك جبرائيل؟ # إيليا إيليا. لقد شعرت الآن أنني منحدرة إلى هوة الموت ... آه، إنني أخافه ~~وأتمناه. أخافه لأنه سيبعدني عنك، وأتمناه لأنني لم أعد أقدر أن أعيش بدونك ... ولا ~~تقل احيي لأكون لك فإنني ذكرت لك في مقدمة هذا الدفتر الأسباب التي تحول دون ذلك. ~~فأشفق علي وصل من أجلي. ~~(فهنا مسح إيليا دموعه؛ لأنها صارت تستر سطور الدفتر عنه، وطلب المقدمة فقرأ فيها): # يوم السبت # أول ما فتحت عيني أمس وجدته أمامي باسما، ولكنه كان أشد اصفرارا مما عهدته. ~~فدنا مني وأخذ يدي ... آه، إنني شعرت حينئذ بنار تحرق كبدي ... ولقد سألني هل ذهب الألم ~~فقلت له قد ذهب كل شيء ... نعم، قد ذهب كل شيء ... وعبثا يحاول تعزيتي وتخفيف مصيبتي ~~فإنني شعرت بأنه لم يبق لي صبر على الحياة ... فقد أضيف إلى الأسوار التي بيني ~~وبينه سور جديد لا يهدم أبدا. هو مسيحي وأنا إسرائيلية فأمته عدوة أمتي خصوصا في ~~هذا العصر الذي كثرت فيه الدماء بينهما. فاقتراني به يكون عارا علي عند قومي. بل ~~أنا نفسي لا أرضاه لنفسي؛ لأنني لا أقدر أن أنسى مصائب أمتي وأحالف أعداءها عليها، ~~وفضلا عن هذا فمن يعقد عقد القران؟ فلا أهله وكهنته يتركون يد كاهن يهودي ترتفع ~~على رأسه، ولا أهلي وكهنتي يتركون يد كاهن مسيحي توضع على رأسي، وأولادنا ماذا ~~يكونون؟ وأي عار يلحقهم حتى ذريتهم كلما قيل لهم عند اليهود إن أباكم مسيحي وعن ~~المسيحيين ms188 إن أمكم يهودية، أف ما أشد طياشتي. لقد وصلت في الفكر إلى ~~الأولاد. # ثم ماذا يحل بأمي متى علمت بفعلي. إنني أعرف غضبها ولا أقدر على احتمال سخط عجوز ~~ضعيفة على شفا القبر، وقد سمعتها مرة تقول: خير لها أن تموت من أن ينقذها ~~مسيحي. # ولكن كل هذا يا إيليا شيء يسير بالقياس على السر الجيد الذي فضحه أرميا على مسمع ~~مني. أنا ابنة جاسوس؟ أنا يتجر بي للوصول إلى أسرار الناس وخفاياهم؟ تقول: إنك لم ~~تصدق ذلك، ولم تعبأ به، وتستشهد بأرميا على قولك هذا، ولكن أنا أنا ماذا أفعل ~~بضميري. ماذا أفعل باعتقادي بنفسي ... آه آه. إن هذه الضربة قطعت حبل آمالى في هذه ~~الحياة، ومنذ إصابتي لم تبق لي قوة على النظر إليك. لما فررت منك من المزرعة يا ~~إيليا فررت وأنا شامخة الرأس؛ لأنني علمت أنك تفهم قصدي هذا، وتثني عليه، ويزداد ~~إكرامك لذكري. أما الآن فإنني صرت أشعر بكل جوانحي أنني صرت صغيرة ذليلة في نظرك ~~وفي نظر نفسي، وإذا كنت أنت شهما كريما تتجاهل ذلك وتتناساه إكراما لي فأنا لا ~~يمكن أن أنساه أبدا، إنني كلما وقع نظري عليك أقول في نفسي: «إنه الآن يتذكر أنني ~~كنت من بنات الجاسوسية، وقد اتجرت بجمال وجهي». فيا إيليا سامحني على الأمر الذي ~~عزمت عليه. لقد عزمت على الفرار منك ثانية، ولكنني هذه المرة سأرحل إلى مكان لا ~~تستطيع أن تتبعني إليه. # آه يا إيليا، إنني هذه المرة سأفارقك إلى الأبد فراقا حقيقيا. ~~••• # قلت آنفا: إن فراقنا إلى الأبد. فعفوك يا إلهي. إنني كفرت بنعمك ولم أدر. ليس ~~فراقنا إلى الأبد يا عزيزي إيليا بل إلى الملتقى. نعم، إلى الملتقى هناك فوق يا ~~إيليا حيث لا مسيحي ولا يهودي ولا وثني، بل كلنا بشر متساوون نستريح أو نتعب تبعا ~~لأعمالنا الصالحة أو السيئة في هذه الحياة. اضحك معي هنا من أنني صرت فيلسوفة مثلك. ~~آه إنني لا أنسى حتى في الدار الأخرى خطبتك بجانب قبر الراهب ميخائيل، ms189 وإن يدي ~~لترتجف إذا رمت أن أسطر لك الآن رأيي فيها، ولقد تأملت كثيرا في موضوعها بعد ~~رحيلي من المزرعة فوجدت أنني لو بقيت فيها لما كتبت لك الكتاب الذي كتبته. # نعم، إلى الملتقى يا صديقي، وهذا هو الأمر الذي يقويني على فعلي؛ لأنني لو كنت ~~أعتقد أنه لا ملتقى لنا بعد فراقي هذه الدنيا لارتعدت فرائصي، وأحجمت عن الأمر الذي ~~عزمت عليه؛ إذ أين أجد حينئذ القوة على فراقه فراقا لا لقاء بعده؟ أما الآن فإنني ~~قوية على ذلك راغبة فيه؛ لأنني أعلم أن دمي سيغسلني في نظره ونظر نفسي، وإذا حال ~~هذا الدم دون سعادتنا هنا فسيجعلني قادرة أن أكون سعيدة معه هناك، وأعيش بجانبه دون ~~أن أخجل منه أو يستحي بي، ولا ريب أن الله يسامحني على فعلي. # يوم الأحد # بما أنني عازمة على فراقه فقد صرت أجد في نفسي قوة على محادثته ومضاحكته، ولقد ~~دخل علي اليوم ضاحكا مسرورا فاستقبلته ضاحكة مسرورة أيضا. لماذا أجلب له ~~الكآبة والحزن منذ الآن. أما يكفيه منهما ما سيصيبه بعدي ... آه. إيليا إيليا، إن كل ~~دمعة تنحدر من عينيك على قبري ستبرد بها عظمي ... إيليا إيليا، إن كل مرة تراني فيها ~~في أحلامك فإنني أرسل إليك بدلها بركة سماوية من منزلي الأبدي. فبحياة عينيك لا ~~تنسني. إنني أعرف قلوب الرجال، فهم يقولون: إنهم يحبون إلى الأبد، ولا تمر عليهم ~~سنة أو شهر حتى ينسوا حبهم وعهدهم. آه يا إيليا لا أطلب منك كل يوم إلا زهرة واحدة ~~على قبري. ~~••• # يا إيليا، أين تدفنونني؟ آه إنني أشعر منذ الآن ببرودة وثقل التراب الذي سينهال ~~على جسمي النحيف، أف لقد ضاق صدري، وأوشك أن يغمى علي، آه يا إلهي ارحمني، لكن وا ~~فرجاه وا فرجاه، إن صدري يتسع ونفسي ترتفع حينما أذكر في موقف كهذا الموقف كلمة ~~«إلهي» آه ما أحلى هذه الكلمة يا إيليا في أفواهنا وقلوبنا في حال كحالتي. اسمع ها ~~إنني بعد أن تلفظت بها وأحضرتها في فكري وقلبي ms190 صرت قادرة على سحق الموت بقدمي. ~~فتعال أيها الموت، إنني لا أخشاك؛ لأن نفسي الخالدة أقوى منك. تعال أيها التراب ~~البارد الثقيل فإنك لست بأبرد ولا أثقل من جسدي، ولكن ... لكن يا إيليا أين ~~تدفنونني؟ # هل تدفنوني خارج المدينة في مكان مهمل مجهول؟ لا لا إنني أرتعد من وحشة القفر ~~ويخيفني رقص الذئاب والضباع فوق قبري في ظلام الليالى المدلهة. هل تدفنوني في ~~«طبريا» حيث يولد المسيح وفي «صفد» حيث يقام عرشه # 1 # لا لا إنني لا أريد الابتعاد عن إيليا مسيحي. فادفنونني في مزرعته ~~بجانب قبر الراهب ميخائيل. هناك يراني إيليا في كل يوم ويسلم علي في كل صباح ~~ومساء، وإنني إذا كنت قريبة منه هكذا فلا أكون وحدي؛ بل يكون لي بجانبي مؤنس إذا مر ~~قرب قبري دفأت عظامي بحرراة أنفاسه، وهشت له حجارة قبري. ~~(وكان إيليا في أثناء هذه القراءة يجهش في البكاء عند كل سطر أو سطرين كأن ~~عينيه وجدتا نبعا جديدا من الدمع. فلما انتهى إلى هنا عاد إلى خاتمة الدفتر؛ ليقف على آخر ~~عواطف أستير بعد وقوفه على الأسباب التي ذكرتها، فقرأ في الصفحتين الأخيرتين ما يلي): # نعم نعم، إنني أرى الموت آتيا. حمدا لك يا إلهي فإنك أنقذتني من جناية الانتحار ~~وقتل النفس، بل إنك يا إلهي أنقذتني من الحياة نفسها؛ لأنني لم أكن على ثقة من ~~مقدرتي على الانتحار، فكنت أخشى أن أجبن حين الشروع فيه أو تعود إلي غريزة الحياة ~~بعد تمام عافيتي فأعود إلى التمسك بها، أما الآن فلا جبن ولا ضعف ولا خوف، غدا ~~ستطلع الشمس ولكن تكون أستير غائبة. غدا يناديها أمها وأبوها فتكون جثة باردة ~~و«هو» ماذا يصنع حينئذ؟ وما يقول؟ وبم يفتكر؟ آه إنني لم أعد أقدر على لفظ اسمه ~~بفمي، يا إلهي احرسه بعدي، أواه هل يكون سعيدا أو تعيسا في مستقبل حياته؟ وا ~~أسفاه إنني اختبرت الحياة ورأيت ما فيها من الشناعة والقبح والدناءة، فمن الصعب ~~فيها على محبي الجمال المطلق والنقاء وطهارة الأخلاق ms191 أن يعيشوا مسرورين مرتاحين. ~~أف إنني لا أزال أذكر ما رأيته من أفعال الناس في حياتي. لا أزال أذكر الوحوش ~~البشرية الشرهة المرتدية بملابس جميلة تحيط بي وتصرف أنظارها إلي كأنها تريد ~~ابتلاعي. لا أزال أذكر تنازع هذه النفوس الصغيرة واقتتالها على الأمور الأرضية ~~التافهة اقتتالا يسقط فيه الخجول الظريف اللطيف العفيف، ويقوم الخشن الغليظ الوحشي ~~الكثيف. لا لا. ما أحلاك أيها الموت فتعال وأرحني من هذه الحياة الدنيئة. إن حفرتك ~~الهادئة الجميلة هي ملجأ أمين من كل فظائع وشرور هذه الحياة. هي مكان الراحة الأبدي ~~الذي يرفرف عليه ملاك الجمال جمال الهدوء والسكون والسلام بعد شناعة القلق ~~والاضطراب. فما أحلى وأطيب الرقاد في ذلك المكان، ولكن يا للذة العظمى والحلاوة ~~الكبرى لو كان «هو» معي. ~~(فمسح إيليا دموعه هذه المرة أيضا وهو يشهق شهيقا شديدا، وكان قد أتى على ~~آخر الدفتر، ولم يبق في الصفحة الأخيرة غير عبارة واحدة مسطرة بحروف مضطربة؛ لأن اليد ~~التي كتبتها كانت ترتجف من دبيب الحمى والموت. فقرأها إيليا فكانت كما يلي): # الوداع ... صرت عاجزة عن الكتابة ... فاقرأ من قبيل الوداع الفقرات الثلاث الأخيرة من ~~كتابي إليك لما كنت في المزرعة. # فتذكر حينئذ إيليا هذا الكتاب فأخرجه من جيبه، وأخذ يتلوه ويقبله باكيا، ولما لم يعد ~~قادرا على إتمام تلاوة الدفتر لشدة تأثره طواه ووضعه في جيبه وهو يبكي بكاء الأولاد، ثم ~~خرج مسرعا من الغرفة يقصد قبر أستير، ولكنه لم يصل إليه حتى وجد هناك فوق التراب الذي لم ~~تكن مرت بعد ساعتان على انهياله على نعش الفتاة - رجلا ممددا على الأرض بطول القبر وهو ~~يبكي. فعرف إيليا أرميا لأول نظرة، ولما وقعت عين أحدهما على الآخر أجهشا كلاهما في ~~البكاء. # فمن يعلم أن أستير لم يسرها وهي تحت التراب هذا الإخلاص من محب عاقل ومحب مجنون. # الفصل الرابع والعشرون # | الخاتمة # هكذا كانت نهاية هذه القصة المؤلمة التي مزج فيها المؤلف دموعه بدموع إيليا، وربما بدموع ~~القارئ أيضا. # وفي تلك الليلة لم يزر ms192 الكرى جفن إيليا، ولما أصبح الصباح لزم فراشه لاعتلال طرأ عليه، ~~ومنذ هذا اليوم عاوده ضجره القديم فصار سكوتا منقبضا لا يلتفت إلى شيء ولا يبالى بشيء، ~~ولما سمع الشيخ سليمان باعتلاله أسرع إليه شديد الاهتمام بأمره. # ذلك أن الشيخ سليمان كان كثير الخبرة في الحياة. # ذلك أنه كان يعلم تأثير بعض الأمراض. # فقد كان له في شبابه طفلان مات أحدهما بعلة سرية في الأسبوع الأول، وتبعه الثاني في ~~الأسبوع الثاني. # فيا أستير ليتك لم تهبي إيليا دفترك. فإنك وضعت له مع عواطفك ميكروبات مرضك. # ولما كان يقبل فيه عواطفك بشفتيه كان يلتقط بهما ميكروباتك. # فافتحوا يا أهل المزرعة قبرا ثالثا بجانب قبري أستير والراهب ميخائيل. # ويا أستير سري وافرحي أن عزيزك إيليا راحل إليك. # وهو أيضا كان مسرورا بذلك. # إنه قبل معرفتك ضجر من الحياة الباردة وسئم اهتماماتها الباطلة، فلما عرفك أصبح يراها ~~لذيذة جميلة. فهل من غرابة أن يكرهها بعدك كما كرهها قبلك؟ ~~••• # وفي اليوم الثالث من مرض إيليا بينما هو طريح الفراش يعاني الحمى التيفوئيدية ويهذي باسم ~~أستير ويراها في أحلامه، كان الإمام عمر يودع أمراء الجيش؛ ليعود إلى «المدينة» المنورة في ~~بلاد العرب حيث كان الناس قد استبطئوه، وظنوا أنه سيقيم في الشام؛ لكثرة خيرها، ورخص ~~أسعارها، وطيب فاكهتها، ولأنها بلد الأنبياء، ولذلك كانوا يخرجون إلى المدينة في كل يوم ~~لاستطلاع أخباره # 1 ~~* فركب الإمام عمر على بعيره وركب أمراء المسلمين معه، وضجت القبائل ~~بالتهليل والتكبير، ولما وصل عمر إلى الجابية أقام بها حينا فأخذ خمس الفيء # 2 # لبيت المال حسب العادة *، ولما رأى الإمام كثرة الأموال والخيرات التفت ~~إلى أبي عبيدة وقال: يا عامر لقد آن لنا أن ندون الدواوين، ونفرض الفروض والعطاء للمسلمين، ~~فإن الشام وفارس ملأت خزائننا بالمال. فسأل أبو عبيدة: وكيف يكون العطاء يا أمير المؤمنين؟ ~~فأجاب عمر: «على السابقة في الإسلام» ابتداء من المهاجرين والأنصار فمن بعدهم إلى اليوم. ~~فقال أبو عبيدة: والمساكين يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: سأجمع ستين مسكينا ms193 وأطعمهم الخبز، ~~ثم أحصي ما أكلوا، وأفرض لكل إنسان منهم ولعياله على هذا التقدير # 3 # فلا أدع في المسلمين محتاجا. # ثم إنه شرع في تسريح الجند لإتمام الفتح «وقسم الشام قسمين. فأعطى أبا عبيدة من حوران إلى ~~حلب وما يليها وأمره بالمسير إلى حلب وأن يقاتل أهلها، وأعطى أرض فلسطين وأرض القدس والساحل ~~ليزيد بن أبي سفيان وجعل أبا عبيدة واليا عليه، وأمر يزيد أن يحارب أهل قيسارية إلى أن ~~يفتحها الله على يديه، وسير عمر بن العاص إلى مصر» # 4 ~~«وجعل علقمة بن حكيم على نصف فلسطين وأسكنه الرملة، وجعل علقمة بن مجزر على ~~نصفها الآخر وأسكنه إيلياء». # 5 # ثم إن الإمام ودع الأمراء وأوصاهم بالاتحاد والنشاط، وعاد مع رجاله على بعيره ~~قافلا إلى «المدينة» عاصمته، وهو يحمد الله على الفتح، ومعه كعب الأحبار. * # فبتسيير الرجال هذا التسيير إلى أقطار الأرض لفتحها وتوحيدها أشبه الإمام عمر السيد ~~المسيح لما أرسل تلامذته إلى العالم؛ ليفتحوه ويوحدوه، وينشروا فيه الوداعة والمحبة والسلام ~~بقوة الكلام فقط، ولكن كأن الكلام لم يفعل في العالم الفعل المقصود ولذلك قام السيف الآن، ~~وإذا كان الكلام لم ينجع فالسيف لا ينجع أيضا. ~~••• # وفي أثناء ذلك بينما كانت فلسطين قائمة قاعدة لحركات الجند المختلفة فيها كان رجل جالسا ~~تحت الأرزة على جبل الزيتون وفي يده كتاب يقرأ فيه بصوت جهوري قراءة جدية وينظر إلى أورشليم ~~أمامه. # وكان هذا الرجل أرميا، والكتاب الذي في يده نسخة من التوراة. # وكان أرميا يقرأ فيها نبوءة (سميه) أرميا ورثاءه أورشليم. فكان صوته يدوي في جو المدينة ~~المقدسة كأنه بوق ينذر بسقوط المدينة العظيمة - وكان في فكره يرثي أورشليم وأستير ~~معا. # ويا للعجب العجاب إن كثيرا من تلك النبوءات كان كأنه كتب عن الأمة الفاتحة، وهذا بعض ما ~~كان يتلوه أرميا: # يا ليت رأسي ماء وعيني ينبوع دموع فأبكي نهارا وليلا قتلى بنت شعبي. # 6 # كيف جلست وحدها المدينة الكثيرة الشعب. كيف صارت كأرملة العظيمة في الأمم. كيف ~~صارت السيدة في البلدان ms194 تحت الجزية. # 7 # كيف غطى السيد بالظلام ابنة صهيون. كيف ألقى من السماء إلى الأرض فخر إسرائيل. # 8 # كيف أكدر الذهب وتغير الإبريز الجيد. # 9 # هكذا قال الرب. هو ذا شعب قادم من أرض الشمال، وأمة عظيمة تقوم من أقاصي الأرض. ~~تمسك القوس والرمح. هي قاسية لا ترحم. صوتها كالبحر يعج، وعلى خيل تركب. مصطفة ~~كإنسان لمحاربتك يا ابنة صهيون - أمة قوية أمة منذ القديم. أمة لا تعرف لسانها (يا ~~إسرائيل) ولا تفهم ما تتكلم. جعبتهم كقبر مفتوح. كلهم جبابرة - سمعنا خبرها فارتخت ~~أيدينا. أصابنا ضيق ووجع كالماخض. لا تخرجوا إلى أسفل وفي الطريق لا تمشوا؛ لأن سيف ~~العدو من كل جهة. # 10 # وخيله أسرع من النسور. # 11 # من صوت الفارس ورامي القوس كل المدينة هاربة. # 12 # ويل لنا لأننا قد هلكنا. اغسلي من الشر قلبك يا أورشليم لكي تخلصي. إلى متى تبقى ~~في باطنك أفكارك الباطلة. # 13 # طوفوا شوارع أورشيلم، وانظروا واعزقوا وفتشوا في ساحاتها هل تجدون إنسانا أو ~~يوجد فيها عامل بالعدل طالب الحق فاصفح عنها. # 14 # هم من صغيرهم إلى كبيرهم كل واحد مولع بالربح الحرام، ومن النبي إلى الكاهن كل ~~يعمل بالكذب. # بينهم منافقون يرصدون وهم كامنون كالصيادين، وقد نصبوا الفخ لاقتناص الناس. ~~بيوتهم امتلأت من الغش كالقفص المملوء طيورا، ولذلك عظموا واستغنوا. سمان لامعون ~~وهم يتعدون وصاياي شر تعد ولا يقضون بينهم دعوى اليتيم ولا يجرون حكم المساكين. ~~أعلى هذا لا أعاقبهم ؟ قد حدث في الأرض دهش فظيع: الأنبياء يتنبئون زورا، والكهنة ~~يتسلطون بأيديهم، وشعبي يحب مثل هذه الأمور. فكيف تكون الآخرة؟ # 15 # ويل لمن يبني بيته بغير عدل وقصوره بغير حق. # 16 # ويل للرعاة الذين يهلكون ويبددون غنم رعيتي. # 17 # يا رب اذكر ماذا صار لنا. أشرف وانظر إلى عارنا. قد صار ميراثنا للغرباء وبيوتنا ~~للأجانب. صرنا أيتاما بلا أب وأمهاتنا كأرامل. شربنا ماءنا بثمنه وأخذنا حطبنا ~~بثمنه. آباؤنا أخطئوا وذهبوا ونحن نحمل آثامهم. مضى فرح قلبنا. سقط إكليل رأسنا. ~~أعدنا يا رب إليك ms195 فنعود. جدد أيامنا كالقديم. # 18 # هكذا كان أرميا يخطب على جبل الزيتون، ويرثي أورشليم حين دخول حامية العرب إليها لتولي ~~شأنها، ولو سمعه حينئذ الإسرائيليون الذين كانوا يرافقون جيوش العرب لقالوا له إنه قد جاءت ~~نوبة قومه في هذا الرثاء بعد أن صرف قومهم فيه عدة قرون. ~~••• # ولم يكد أرميا يطوي الكتاب الذي بين يديه، ويترك الرثاء حزينا متألما حتى طلع عليه بعض ~~فرسان العرب. فعرف أرميا منهم عمر بن معدي كرب، وقد جاء بطلب إيليا لغرض له. فأخبره ~~أرميا عن مرض إيليا، ودله على المزرعة، ولما وصل الأمير إليها كان إيليا غائبا عن الرشد، ~~وهو على أهبة الرحيل. # ذلك أن الحمى التيفوئيدية فعلت فيه ما فعلته بأستير. # وكان الشيخ وأهل المزرعة حينئذ في منتهى الحزن والغم لحالة إيليا، وهم من ذلك في بكاء ~~مستديم. # ولما علم الأمير بموت أستير ومرض إيليا إلى هذا الحد حزن حزنا شديدا، وقبل عودته من ~~المزرعة سأل الشيخ سليمان أن يدله على قبر الراهب ميخائيل الذي كان إيليا قد أخبره خبره كما ~~تقدم. فذهب به الشيخ إليه، وقبل رحيل الأمير سأله الشيخ ماذا يريد من إيليا؛ ليبلغه إياه ~~بعد انتباهه من نوبته. فأجاب الأمير بلسان ترجمانه: هي مسألة كتاب سري بين خليفتنا عمر ~~وبترككم لم يدر بها أحد غير إيليا. فأحببت أن أقف منه على فحواه لأمر ما، وسأراه مرة ~~أخرى. # ولكن هذا السر بقي في صدر إيليا ومات بموته. لا سيما وأن أبا أستير الذي وقف عليه أيضا ~~قد توفي بعد شهر من وفاة ابنته. # وقد فاتنا أن نقول: إن زوجته العجوز توفيت في ذات الأسبوع الذي توفيت فيه أستير من حزنها ~~على ابنتها. # وقد دفنوا إيليا بين قبر أستير وقبر أستاذه الراهب ميخائيل، وكان يوم دفنه يوم عويل وحزن ~~عظيم عند أهل المزرعة كبارا وصغارا حتى الأولاد. # فيا أيتها القبور الثلاثة التي تعانقت رفاتها في جوف الأرض تعانق الأحباء، وضمت الحكمة ~~والجمال والشباب والعقل: سلام عليكم من كاتب قصتكم وقارئها. # سلام عليكم ms196 وهنيئا لكم؛ لأنكم رقدتم براحة وسلام قبل زمن الاضطرابات التالية. هنيئا لكم ~~لأنكم خلصتم من مشاهد الحياة الباردة، واهتماماتها الباطلة، وشهواتها الفارغة، واعتداءاتها ~~الوحشية. إنكم خلصتم من مشهد الصغير النفس يجر ذيل الكبر منتصرا، والدميم خلقا يتيه ~~دلالا، ويمشي اختيالا، والسالب يتمتع بما سلب مكرما محترما بين قومه؛ لأن الناس لم ~~يتعودوا شم رائحة الذهب قبل إكرام صاحبه ليعلموا هل كان كسبه حراما أو حلالا، والوقح يبلغ ~~مآربه بوقاحته ويزدري كل الفضائل والأخلاق اللطيفة؛ لأنها بين الحيوانات البشرية في الدنيا ~~لا تجر مغنما، ولا تدفع مغرما. # هنيئا لكم أيضا؛ لأنكم قضيتم قبل العصر الذي تزحف فيه الأمم والقارات بعضها إلى بعض ~~ليفني بعضها بعضا. إنكم يا أيتها الجواهر الثلاثة قد شهدتم سقوط أورشليم الجميلة عاصمة ~~العواصم وزينة الدنيا وعروس العالم، ولكن كل هذا ليس بالشيء الذي يذكر بإزاء الأهوال ~~الآتية. إن عنصرين جديدين من البشر سيشتبكان ويتخالطان ويتماسكان، وكل منهما يطلب إذلال ~~الآخر أو نبذه من الدنيا. فأشفقوا على إخوانكم الضعفاء الآتين بعدكم في هذا النزاع الهائل. ~~أشفقوا على الدماء التي ستسفك من الفريقين، والمظالم والفظائع والصبيانيات التي ستحدث في ~~الجانبين، وبما أنكم قد خرجتم عن دائرة النزاع والعراك في الحياة، وأصبحت نفوسكم نفوس ~~ملائكة لا نفوس حيوانات بشرية فأوحي إلى الشرقيين يا أيتها النفوس الكريمة المبادئ الجميلة ~~الشريفة التي تريهم أباطيل نزاعهم. ثم أرسلي إلى حكامهم روح العدل والحق والنزاهة والمحبة ~~والألفة والسلام؛ ليعيش الجميع في هذه الأرض التي أصبحت مشتركة بينهم والتي سقوها بالدماء ~~والدموع معيشة هادئة لا يسبون معها الأرض ولا يشكون من السماء. ms197