######OpenITI# #META# URI: 1340FarahAntun.WahshWahshWahsh.Hindawi36950604 #META# Tags: novels #META# ID: 36950604 #META# Title: الوحش . الوحش . الوحش #META# AuthorID: 62629517 #META# Author: فرح أنطون #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # 1 - على طريق الجبل‏ # 2 - كلام عن الدير أمام دير‏ # 3 - عين السنديانة‏ # 4 - الحدث‏ # 5 - قصة مجنون ليلى‏ # 6 - حديث في حرش صغير‏ # 7 - لا تريد المرور على بيروت‏ # 8 - الفلسفة والمكاري بطرس‏ # 9 - أرز لبنان‏ # 10 - ليلة باردة تحت أشجاره «بلا فراش ولا غطاء»‏ # 11 - الوحش . الوحش . الوحش‏ # 12 - الجميع في الأرز‏ # 13 - كيف يكون غضب النساء؟‏ # 14 - مجنون ليلى وملك رأس القضيب‏ # 15 - ذئب لدى لبوة‏ # 16 - صوت الابنة الكريمة‏ # 17 - حب المجانين‏ # 1 - على طريق الجبل‏ # 2 - كلام عن الدير أمام دير‏ # 3 - عين السنديانة‏ # 4 - الحدث‏ # 5 - قصة مجنون ليلى‏ # 6 - حديث في حرش صغير‏ # 7 - لا تريد المرور على بيروت‏ # 8 - الفلسفة والمكاري بطرس‏ # 9 - أرز لبنان‏ # 10 - ليلة باردة تحت أشجاره «بلا فراش ولا غطاء»‏ # 11 - الوحش . الوحش . الوحش‏ # 12 - الجميع في الأرز‏ # 13 - كيف يكون غضب النساء؟‏ # 14 - مجنون ليلى وملك رأس القضيب‏ # 15 - ذئب لدى لبوة‏ # 16 - صوت الابنة الكريمة‏ # 17 - حب المجانين‏ # | الوحش . الوحش . الوحش # | الوحش . الوحش . الوحش # تأليف # فرح أنطون # الفصل الأول # | على طريق الجبل # أشهر الطرق من البحر إلى (أرز لبنان) طريقان: واحدة عن طريق أهدن فبشري، أو الحدث فحصرون ~~فبشري - وهي من أمام الأرز. وواحدة عن طريق بعلبك من وراء الجبال الشامخة المحيطة بهذا ~~الحرش، والطريق الأولى طريق الثغور من طرابلس حتى البترون، والطريق الثانية طريق السياح ~~الذين يصعدون من بيروت إلى بعلبك لمشاهدة آثارها، ثم يعطفون منها إلى الأرز لمشاهدة آثاره ~~الجميلة الطبيعية بعد مشاهدة آثار بعلبك الصناعية. # ففي ليلة 8 أغسطس من السنة التي نكتب تاريخ حوادثها هنا قرع مكار في آخر الليل باب غرفة ~~عالية كائنة في غربي قرية قلحات فوق طرابلس الشام، وهو ينادي: يا خواجه كليم، يا خواجه ~~كليم. فدوى صوته في القرية في صفاء ذلك الليل دويا هرت له الكلاب التي كانت راقدة في ~~الشارع قرب تلك الغرفة، فساعد هريرها على تنبيه النائمين فيها؛ ولذلك لم يلبث أن فتح الباب ~~وأطل ms01 منه الخواجه كليم وهو يفرك عينيه ويقول: هل ظهر نجم الصباح يا بطرس؟ فأجابه المكاري: ~~أظنه سيظهر بعد نصف ساعة على الكثير، والأرجح أن الشمس تشرق لنا عند بطرام، فلنعجل إذن؛ ~~فإننا نروم الوصول إلى الجبل قبل اضطرام وطيسها فرارا من الحر. # وحينئذ التفت كليم لينبه رفيقا له كان نائما معه في الغرفة فوجده واقفا وراءه، فقال ~~له: هلم نركب يا سليم؛ فإن مطيتينا حاضرتان، ولنلبس ملابسنا أولا. # وبعد ثلث ساعة كان كليم وسليم على جوادين قويين سائرين في صفاء الليل تحت أشعة النجوم ~~الضئيلة، ولا أنيس لهما غير المكاري يسير وراءهما، وهو تارة يحدو فرسيه بكلام مشجع، وتارة ~~يزجرهما لصدمهما حجرا في طريقهما. # ولم يكن يسمع في ذلك الهدوء، ما عدا وقع حوافر الجوادين وصوت المكاري، سوى أصوات ~~الحشرات الصغيرة التي تنتشر في لبنان على أشجار الزيتون والتوت، وتنشد في الليل والنهار ~~أناشيد متصلة. # ويظهر أن جفون كليم وسليم كانت لا تزال مثقلة بالنعاس؛ لأنهما كانا يتثاءبان من حين إلى ~~حين. فرغبة في طرد النعاس ابتدأ كليم قائلا: اسمع يا صاح أصوات هذه الحشرات الصغيرة التي ~~تهكم عليها لافونتين تهكما شديدا # 1 # حقا إنه ظلمها بهذا التهكم، ترى ما عساها كانت تجيبه لو درت ~~بتهكمه؟ # فتثاءب سليم وقال: لا ريب أنها كانت تجيبه جوابا جميلا، فإنها تقول له: «ليس بالخبز ~~وحده تحيا الكائنات الحية، بل الحياة الحقيقية هي الحياة الروحية.» وحياة الروح عند هذه ~~الحشرات نشيدها المستمر الدال على أنها في حالة الانبساط والراحة، ولو خيرت في أيهما ~~أحب إليها: فقدانها هذه الحياة الروحية التي هي فطرتها وطبيعتها، أم فقدانها الخبز اليومي ~~الذي هو حياتها البدنية؛ فإنها - لا شك - تختار فقدان هذه الحياة على تلك. وما الذنب في ذلك ~~ذنبها؛ لأنها هكذا صنعت وهكذا فطرت. ومع ذلك فإن لافونتين لم يقدر على قهرها بتهكمه في ~~ذلك المثل إلا لأنه قاس معيشتها على معيشة البشر، وبذلك جاءت حجته قوية، ولكنه لو أمعن ~~النظر لرأى أن هذا الحيوان الصغير لا يحتاج ms02 إلى القوت بعد مرور أيام الحصاد، حتى في أشد ~~أوقات الشتاء؛ فإن قطرة من قطرات المطر كافية لشربه، وورقة واحدة من أوراق الشجر كافية ~~لإيوائه وتدفئته، وأقل حشرة صغيرة أو دودة حقيرة كافية لتغذيته، ولو عقل هذا الحيوان لأجاب ~~ذلك الشاعر: عندنا في الطبيعة ليس من حيوان ولا نبات يحتاج إلى قوت ويبيت بلا غذاء، فإن ~~فظائع كهذه الفظائع لا تحدث إلا بين البشر في الاجتماع. نعم، نحن نأكل بعضنا بعضا أحيانا، ~~ولكنا نفعل ذلك حين الحاجة فقط قياما بسد عوزنا، أما أنتم فمع كونكم ذوي عقول تعقل ونفوس ~~تدرك، فإنكم تأكلون بعضكم بعضا بحاجة ومن غير حاجة، وكثيرا ما يكون ذلك إرضاء لكبريائكم ~~فقط لا لضرورة؛ ولذلك قال أحد حكمائكم: # 2 ~~«يا وحوش البر وأفاعي الغابات، خذيني إليك آكل من طعامك، وأشرب من مائك؛ لأخلص ~~من صحبة الإنسان.» # فقهقه كليم هنا وقال: نعم، هذا خير ما يعتذر به عن طياشة ذلك الطوير المطرب. # وكأن المكاري ضجر من هذه اللغة التي لم يكن يفهم منها شيئا، فتحول ضجره إلى غضب على ~~جواده فصاح به بأعلى صوته: «ديه سوق ...»، وهم بإتمام عبارته، فصاح به كليم: إياك أن تكملها ~~يا جرجس! فقال جرجس: وما هذا يا معلمي؟ فقال كليم: أنت فهمت كلامي بلا تفسير. # فسأل سليم كليم: وما معنى كلامك؟ فأجاب كليم باللغة الإنكليزية: هي نادرة مضحكة تحدث بين ~~بعض هؤلاء المكارين والعائلات المدنية التي تصيف في قراهم؛ فإنهم يسمون هذه العائلات ~~«سوقة»، وحينما يرومون التهكم عليهم في الطريق يقول أحدهم لرفيقه: «سوق يا أخي، سوق يلعن ~~هالسوقة.» يظهر أنه غير راض عن سير الدواب، والحقيقة أن مراده «سب السوقة» في وجوههم ~~دون أن يدروا بذلك. # فضحك سليم وقال: يظهر أن صاحبنا غير راض عنا حتى رام إهانتنا، والذنب في ذلك ذنبنا؛ ~~لأننا لم نهتم بملاطفته لنستميله إلينا، ثم التفت سليم إلى جرجس ليفاتحه بالحديث فقال: ~~لماذا سرت بنا يا جرجس على هذه الطريق من الوادي؟ خذنا من فوق عن طريق «فيع». ms03 # فقال جرجس: لا يا معلمي، لا نستطيع الآن المرور عن طريق فيع لحدوث خصام شديد بين قريتنا ~~وأهالي تلك القرية منذ يومين. # فقال سليم: نعم، سمعنا بهذا الخصام، ويقال أن قد جرح رجلان وأسقطت امراة في أثنائه ، ~~فما سببه؟ # فقال جرجس: سببه يا معلمي خصام بين أولاد فيع وأولاد قلحات؛ فقد كان خمسة أولاد من أولاد ~~فيع يلعبون بإزاء حقول العنب الكائنة بين القريتين، ~~ويأكلون من العنب بلا حق، فأسرع إليهم ثلاثة من أولادنا لردعهم عن الاعتداء على رزقنا، ففر ~~أولاد فيع ووقفوا بعيدا، فصار أولادنا يتغنون بغناء قديم عندهم وهو: # يا رايح إلى فيع # دبدب لا تضيع # يا بسين قلحات # أحسن من شيخ فيع # وكان بين أولاد فيع ابن شيخ فيع نفسه فاغتاظ لإهانة أبيه، فركض إلى شجرة توت قريبة ~~فتسلقها وقصف منها غصنا ثم اندفع نحو أولادنا، بينما كان رفاقه يتغنون بغنائهم: # يا رايح إلى قلحات # تمتلي منها ... # يا بسين فيع # أحسن من شيخ قلحات # ولما وصل ابن شيخ فيع إلى أولادنا أمسكوه (ونزلوا فيه) ضربا؛ فأسرع رفاقه إلى نجدته فدار ~~الضرب بين الفريقين فجرح منهما بضعة أولاد. # فركض حينئذ أحد أولادنا، ووقف فوق القرية وصاح أن أهل فيع قتلوا أولادنا، فهب كثيرون ~~من الرجال إلى محل الحادثة، وكذلك ركض أحد أولاد فيع وأبلغ أهلها مثل ذلك الخبر، فأسرع بعض ~~رجالها أيضا، ولما التقى الفريقان في محل الحادثة دار الضرب بين الكبار بعد أن كان بين ~~الصغار، ولو لم يحضر «الآغا» مع نفرين لاشتبك القتال بين أهل القريتين جميعا؛ ولذلك لا ~~نقدر أن نمر الآن بجانب فيع لئلا يتحرشوا بنا، كما أنهم هم أيضا لا ينفردون للمرور بجانب ~~قريتنا. # وكان الجوادان قد صعدا في ذلك الحين من وادي قلحات وجانبا قرية فيع، ذلك أن قرية ~~قلحات كائنة على أكمة منخفضة بين واديين من أشجار السنديان: واحد من جهة الشرق، وواحد من ~~جهة الغرب. وهي على مسافة ربع ساعة من دير البلمند المشهور المشرف من جبله العالي على ~~مدينة ms04 طرابلس الشام، وهواء هذه القرية جاف نقي؛ لأنها واقعة بين حرشين من السنديان كما ~~تقدم. # وقطع سليم وكليم الطريق حتى فوق فيع دون أن يطلع نجم الصباح الذي وعدا بطلوعه قريبا، ~~فقال كليم لجرجس: لم تطلع نجمة الصبح بعد يا جرجس. فأجاب جرجس: ستطلع قريبا. فضحك كليم ~~وقال لرفيقه: يظهر أن صاحبنا «عملها معنا». فقال سليم: وأي شيء عمل؟ فقال كليم: للمكارين ~~عادة وهي أنك إذا طلبت من أحدهم السفر في الغد قبل طلوع نجم الصبح بنصف ساعة يجيئك قبل ~~طلوعها بساعتين ويقول لك إنها ستطلع بعد ربع ساعة. وهكذا تركب معه في ظلمة الليل وتقطع ~~الطريق كلها، وتصل إلى مكان قصدك قبل أن تطلع نجمة الصبح، وبذلك يكفي نفسه ودابته عذاب الحر ~~في أثناء الطريق؛ فالظاهر أنه صنع معنا ما يصنعه غيره مع غيرنا، وربما وصلنا إلى ~~الجبل قبل أن تطلع الشمس مع أن بيننا وبينه نحو خمس ساعات. # فتثاءب سليم وقال: أف! لأجل هذا أشعر بنعاس شديد، وأكاد أنام على ظهر الجواد. # ولما رأى صاحبنا جرجس أن الحديث لا يطول بينه وبين رفيقه، بل هما يتحادثان معا لوحدهما، ~~رأى أن يسلي نفسه بنفسه، وكان الجو صافيا كأنه مرآة الغريبة، والنجوم تسطع فيه كمصابيح ~~بعيدة معلقة في قبة الفلك، فلا تكاد تنير طريق الجوادين في سيرهما. # ولكن الجوادين كانا قد اعتادا السير في ظلام الليل؛ ولذلك كانا يبصران الطريق المخططة ~~كأنهما في نهار، وهذا ما جعل الفارسين يعجبان له، وكان الهواء يهب في خلال نور النجوم ~~الضئيل باردا ضعيفا، فيشرح الصدر وينعش الفؤاد، وتلك الطبيعة القروية الساذجة كانت ~~ساكنة هادئة كأنها تستريح تحت جنح الليل من عناء النهار. فأثار هذا المنظر الجميل في نفس ~~جرجس عاطفة الجمال الكامنة فيها، فاندفع ينشد الأناشيد التي يعرفها؛ فهل درى حينئذ ذلك ~~القروي الجاهل الساذج أنه بعمله دل على أن نفسه كانت في تلك البرهة أرقى من نفسي رفيقيه ~~الحضريين؟! # إن نفسه لدى مناظر الليل البهية ثارت على غير علم منها، واندفعت تترجم ms05 بالغناء ~~والنشيد عما كان يختلج فيها حينئذ من عاطفة الجمال بسبب تلك المناظر، وأما نفسا رفيقيه ~~الحضريين فقد كانتا مشغولتين بالتثاؤب والنعاس عن الجمال الذي كان يحيط بهما، فلا ريب ~~أن ذلك كان من أفضل الأدلة على أن النفس الأولى ربيت في أحضان الطبيعة قليلة الحاجات ~~قوية على كل متاعب الحياة، والنفسان الأخريان ربيتا ضعيفتين بين جدران المدن لا ~~تستطيعان مقاومة سلطان ضعيف كسلطان النعاس الذي هو - لمن نام ساعتين أو ثلاثا - أخف ~~الحاجات الطبيعية. # ولما أخذ جرجس في الإنشاد أصغى إليه كليم وسليم. وقال كليم: اسمع أغاني الجبل. وكان ~~جرجس ينشد: # حنيانا يا حنيانا يا حنيانا # يا قمر سلم على غيابنا # فضحك كليم وقال: من سوء الحظ أن القمر غائب أيضا. فضحك سليم لهذه الحاشية، أما ~~جرجس فإنه كان مستمرا في الإنشاد: # يا ظريف الطول وقف تقولك # رايح عالغربه وبلادك أحسن لك # خايف يا محبوب تروح وتتملك # بتعاشر الغير وتنساني أنا # فهنا التفت سليم إلى جرجس وصاح به: ما هذا! ما هذا الغناء؟ أعده. فأعاده جرجس، فتنهد ~~سليم وقال: لله در قائل هذين البيتين، فكأنه خرق بنظره حجاب الغيب وتنبأ عما يكون من ~~المهاجرة إلى أميركا - (خايف يا محبوب تروح وتتملك) نعم قد راح المحبوبون وتملكوا هناك. ~~(بتعاشر الغير وتنساني أنا) نعم قد عاشروا الأميركيين وامتزجوا بهم، وكثيرون منهم نسوا ~~بلادهم وتجنسوا بغير جنسيتهم، فيا أيها الشاعر العامي الذي كشف له الغطاء عن ~~المستقبل قبل وقوعه، إنك شاعر عظيم، وإن كنت لا تعرف القراءة والكتابة. # وبعد سكوت خمس دقائق التفت كليم إلى سليم وسأله: على أي شيء عزمنا الآن في سفرنا هذا؟ هل ~~نذهب إلى أهدن لمشاهدة أصحابنا فيها أم لا؟ فقال سليم: الأمر إليك. فقال كليم: بما أننا ~~ذاهبون الآن إلى الأرز عن طريق الحدث، وهي الطريق الغربية، فإننا نعود منه عن الطريق ~~الشرقية طريق أهدن. فسأل سليم: إذن لا نعود إلى الحدث بعد مبارحتها؟ فقال كليم: كلا، فإن ~~طريق أهدن مقابلة لطريق الحدث. فقال سليم: إذن يجب ms06 أن نقيم عشرة أيام في الحدث بدل الخمسة ~~التي اتفقنا عليها؛ وذلك إكراما لصاحبنا فيها. فقال كليم: سنرى ذلك بعد ~~وصولنا. # وبعد نصف ساعة انقضى في سكوت تام؛ لأن كل واحد من الرفقاء الثلاثة كان يناجي نفسه ، ~~وإذا بجرجس يصيح ملء صوته: الحمد لله! فقال كليم: ماذا؟ فقال جرجس: طلعت النجمة. # فالتفت كليم وسليم إلى جهة الشرق، وكانت أمامهما فأبصرا «الزهرة» في طرف المشرق من وراء ~~الجبال تتهادى بجمالها الفتان ونورها الباهر تتيه به على جميع النجوم الزواهر التي كانت ~~تزين حينئذ قبة الفلك الدائر، فصاح كليم وسليم لدى هذا المنظر الفخيم: تبارك الخالق، ~~تبارك الخالق! أما جرجس فإنه رفع يديه نحو رفيقته في أسفاره وقال: هلك ومستهلك جعلك ~~علينا يوما مباركا. فنسي لفرحه أن هذا الكلام يقال للهلال حين ظهوره في أول الشهر لا ~~لنجم الصباح، ولكن ما الذي يمنع جرجس أن يقول لرفيقته المحبوبة ما يقال للهلال عادة؟ هل هو ~~أفضل منها؟ كلا؛ لأنها تهدي في آخر الليل كما يهدي الهلال في أوله، وإذا كان لأحدهما مزية ~~على الآخر فالمزية (للنجمة) الجميلة؛ ذلك لأن صحبة الهلال تنتهي بالاستياء منه لأفوله، ~~ويبقى المسافر حزينا بعده لما يجده من الوحشة، أما صحبة (الزهرة) فتنتهي بالسرور؛ لأنها ~~رسول الصباح ومقدمة النور، وكل الذين عانوا مشاق السفر في الظلام في ليالي البرد ~~والمطر والريح وأخطار الطريق يعرفون قدر (الزهرة)، متى طلعت تبشر بدنو الشمس التي تنعش ~~وتدفئ والنهار الذي يبعد الأخطار، فهي عندهم رسول الأمل وابتسامة الطمأنينة، وعهد من الخالق ~~على نفسه أن لا يجعل ظلام الليل ظلاما أبديا، فهي إذن عندهم حاجة وضرورة لا مسرة ~~يلهى بها وتفرج النفس بمشاهدتها؛ ولذلك كانت حياتهم ومعيشتهم مرتبطة بحياتها، وهذا هو ~~السبب في أنه بينما كان سليم وكليم يخاطبانها بقولهم: «يا إلاهة الجمال التي عبدها ~~الأقدمون، يا عروس كواكب السماء، يا مضيعة ابن رشد» # 3 ~~- كان المكاري جرجس ينظر إلى دليلته السماوية نظر المرؤوس إلى رئيس له تربطه به ~~مصالح ومنافع متبادلة، لا لمجرد ms07 الاستحسان فقط. # ولو مثلت الزهرة حينئذ فتاة - كما كان يمثلها المتقدمون - لشوهدت تبتسم للمكاري ~~جرجس، وتهتم به أشد من اهتمامها برفيقيه الحضريين الظريفين. # | هوامش # الفصل الثاني # | كلام عن الدير أمام دير # وبعد برهة أخذت ذرات الفجر تنتشر في الفضاء، وصارت نجوم السماء تبهت خجلا من سلطانة ~~النهار القادمة على هودجها الناري ببهائها العادي، وقد طلعت الشمس لأصحابنا الثلاثة عند ~~قرية كسبا حين دخولهم بين الجبلين في الطريق المؤدية إلى أعالي لبنان، # 1 # وإن من لم تطلع عليه الشمس في ذلك المكان بعد السير أربع ساعات في ظلمة الليل ~~لا يدرك اللذة التي شعر بها سليم وكليم حين استقبالهما تلك الطريق الصاعدة؛ فقد كان عن ~~يمينهما جبل عال يمران بجانبه، وعن يسارهما جبل آخر عال بعيد عنهما، وعلى قمة هذا الجبل ~~الشمالي بناء حوله أشجار باسقة، ولكنها تظهر صغيرة لبعد المسافة. # والبناء بينها كأنه عش طائر بني هناك في مأمن من الزوابع والعواصف، وفي الحقيقة إنه ~~كان عشا بني للأمن من العواصف، ولكنه عش إنساني بناه البشر الذين يحبون الانفراد عن ~~معارك الاجتماع وعواطفه، وهو الدير المعروف بدير (حنطورة)، وعلى موازاة الطريق إلى اليسار ~~تحت الدير يسمع الراكب هديرا شديدا ناشئا عن مرور نهر أبي علي في واديه المقدس منحدرا ~~إلى طرابلس. # وكلما صعد الراكب بين ذينك الجبلين على ألحان النهر بين نسمات الصباح التي تداعب وجهه ~~باردة أكثر من هواء السهل، يشعر أن جبل لبنان الحقيقي إنما يبتدئ من ههنا، وحينئذ يخطر في ~~باله أن سكان هذا القسم من الجبل كانوا في كل الأزمنة والعصور قذى في عيون الفاتحين؛ ~~فإن جبالهم كانت تحميهم أكثر من كل الحصون والمدافع؛ ولذلك كانت تلك الأرض عبارة عن ~~حرم الحرية المقدس. نعم إن هذا الحرم قد فتح ولطخ مرارا، ولكن الغلبة كانت دائما ~~للمدافعين عنه؛ ذلك لأن الطبيعة نفسها كانت تحارب معهم بين صفوفهم، ورب مائة رجل من ~~أهله فقط لقوا بين تلك الآكام والوهاد عشرة آلاف جندي بمدافعهم دون أن يتركوا لهم سبيلا ms08 ~~إليهم. فثارت عواطف سليم وكليم وتصوراتهما لدى هذه الأفكار وهذه المناظر الجميلة، فأحسا ~~أنهما صاعدان إلى عالم آخر غير هذا العالم، ويظهر أن نفسهما قد خفت حينئذ ونشطت عما كانت ~~فيه أولا، فنزلا عن جواديهما ليتلذذا بالسير على أقدامهما فوق تلك الأرض الجديدة، وكان ~~سرورهما بالمشي في تلك الساعة على تلك الأرض المؤدية إلى الأماكن التي تنطح السحاب ~~ويعممها الضباب دائما - يعادل سرور الأولاد حين انصرافهم من المدرسة إلى نزهة ~~خصوصية. # وبعد ربع ساعة كثرت العقبات في الطريق، فعاد كليم وسليم إلى جواديهما، فنبههما جرجس أن ~~ينحرفا عن ظهر الجواد قليلا إلى أمام في عقبة الصعود، وينحرفا قليلا إلى وراء في عقبة ~~النزول؛ فضحك سليم وقال: هذا درس في «طريقة الركوب في العقبات». ثم أخذ الرفيقان يتحادثان ~~لقطع الوقت بعد أن وجدا في المشي شيئا من الراحة، ولا عجب؛ فكما أن السكوت بعد الحركة ~~فيه راحة، كذلك الحركة بعد السكون. # فقال سليم: ما رأيك أيها الصديق في الإقامة طول العمر في هذا الدير الجميل الذي شاهدناه؟ ~~هل تعرف مكانا أجمل من هذا المكان للراحة والسعادة؟ # فقال كليم: سؤالك هذا يذكرني سؤالا آخر، يقول كتاب العرب: إن الحواريين «الرسل» سألوا ~~المسيح: «من أفضل منا؟ إذا شئنا أطعمتنا وسقيتنا.» فأجاب: «أفضل منكم من يأكل من كسب يده.» ~~فالأفضل والأجمل من الإقامة في هذا الدير الدخول في العالم والأكل من كسب اليد؛ لأن خبز ~~الإحسان خبز دنيء كما قال روسو. # فثار هنا جرجس وقال: أرجوك يا معلمي أن لا تجدف على الدير والرهبان؛ فإننا في طريق، ~~وأخاف على أفراسي لا على نفسي، وبالأمس كان جارنا أبو يعقوب سائرا قرب البلمند قادما من ~~المدينة (يعني طرابلس)، وكان الراكب على حمارته واحدا من (السوقة) لا يحب الرهبان، وكان ~~يتهكم عليهم؛ فبركت الحمارة في الأرض قرب الدير، ولم تنهض حتى نذر أبو يعقوب للدير نصف ~~الأجرة التي يأخذها من الراكب. # فصاح كليم بصاحبه: أسمعت قول الرجل؟! هذه هي المبادئ التي يعلمها للشعب الرهبان ~~الذين نسلمهم أرزاقنا ms09 وننفق على تسمينهم كالعجول. # فقال سليم: هذه مسألة أخرى غير تلك؛ فإننا لا نبحث الآن في «هل هم قائمون بوظيفتهم التي ~~وجدوا لها»، ولكني أسألك: هل تحب المعيشة في الدير إذا كان الدير قائما بحسب النظام الذي ~~وضع له للغرض الحقيقي الذي يجب أن يوضع له؟ فأجبتني أنك تفضل على هذه المعيشة معيشة ~~الإنسان الذي يأكل من كسب يده. # فقال كليم: نعم هذا هو رأيي؛ لأني أكره الكسل والبطالة، ولا أستطيع أن أتصور أناسا ~~يعلقون على جسم الهيئة الاجتماعية ليمتصوا دماءها وهم قاعدون بلا عمل بحجة أنهم يخلصون ~~أنفسهم ويصلون لغيرهم. # فسكت سليم برهة يفتكر ثم قال: كل من يسمع هذا الكلام يوافقك عليه لأول وهلة، ولكن لدى ~~التأمل يظهر أنك ظلمت المعيشة الديرية بهذا الوصف الذي لا ينطبق عليها إلا إذا كانت بلا عمل ~~أرضي ينفع كما قلت. قلت (أرضي) لأن (السماوي) ليس من بحثنا الآن، وعندي أن معيشة ~~الدير لها صورتان، كل واحدة منها جميلة بحد ذاتها، ويطيب لي الآن في هذه الأرض - أرض ~~الأديرة والرهبان - أن أرسم معك هاتين الصورتين، وإذا كان في الهواء الذي يحيط بنا آذان ~~خفية تسمع ورامت إيقاف صوتنا فنحن باسم إله الحرية الساكن في هذه الجبال نقوى عليها؛ ذلك ~~لأنها لا تستطيع إنكار إله الحرية؛ إذ طالما استنجدت به في هذه الجبال، وبما أن الحرية ~~واحدة لا تتجزأ ولا تنقسم - سواء أكانت في الفعل أو في القول - فمن الحق والعدل أن تخضع ~~لهذا الإله بعد أن أخضعت له غيرها. # فالصورة الأولى للمعيشة الديرية هي ما ذكرت، بشر ضعفاء من طبقات لا تقدر على كسب ~~رزقها ينسد في وجهها باب الرزق في العالم، وترهب معارك الحياة وتنازع البقاء فتطلب ~~مكانا تلتجئ إليه وتعيش فيه بأمان، وهي للحصول على هذه المعيشة تتنازل عن أشرف وأثمن ما ~~لدى الإنسان؛ أريد حريته الشخصية، فتصبح آلة في يد الرئيس لا إرادة لها ولا قوة، ذلك ~~أنها تنذر أول كل شيء الطاعة العمياء، ثم الفقر، ثم ترك الزواج. ms10 وبهذه النذور الثلاثة ~~المشهورة تحرم الهيئة الاجتماعية قوات ضرورية. # فبنذر الطاعة تضع ضميرها بين يدي الرئيس، وما أدراك ما هو التنازل عن الضمير! فإن ذلك ~~يفني شخصية الإنسان، ويحقر الإنسانية، ويجعل تحت سلطة ذلك الرئيس جيشا كثيفا مطيعا ~~يؤثر أشد تأثير على الهيئة المدنية لفائدة الهيئة الدينية. وبنذر الفقر يحرم الإنسان ~~نفسه وغيره تعبه من خيرات الأرض التي حلل له التمتع بها؛ فيعيش ذليلا وضعيفا. وبنذر ترك ~~الزواج يجني على أمته؛ لأن الأمة يهمها تكثير النسل، وهي لا تألو جهدا في الحث عليه ~~بالطرق المحللة؛ فالنذور الثلاثة إذن تعارض المدنية الحاضرة وتعاكسها، لا سيما وأن هذه ~~المدنية جلبت معها مبادئ جديدة مناقضة لمبادئ الهيئة الدينية كل المناقضة في كثير من ~~شؤونها الأساسية. # والصورة الثانية للمعيشة الديرية: أن ينقطع بعض البشر عن البشر لنفع روحي ومادي: أما ~~النفع الروحي فلا يدركه حق الإدراك إلا كل من رمته عواصف الدهر بين معارك ~~الحياة اليومية، ورأى ما في هذه المعارك من الهمجية والخشونة والفظاعة، فهناك - وا أسفاه - ~~يكون البشر حيوانات وحشية لا بشرا، هناك الظفر والغلبة لا يكون بالاستقامة والفضل وشرف ~~المبادئ والأخلاق؛ فإن هذه الفضائل التي هي جميلة في المجتمعات الرسمية والنوادي ~~الأدبية تكون سببا لضعف صاحبها في وسط تلك المعارك لا لقوته، وإنما يكون الظفر والغلبة ~~للأكثر وقاحة والأكثر ظلما والأكثر اعتداء والأكثر خداعا؛ ولذلك قال رنان: إن الإنسان ~~لا يكون قويا في الحياة إلا متى كان يظهر دائما أنه كان مغشوشا في ما صنعه من الخطأ، ~~مع أنه كان غاشا. # فماذا تصنع النفوس الحساسة اللطيفة التي جبلها الله لا تحب الغش والظلم والاعتداء حين ~~وجودها في هذا الوسط الهائل؟ هل تسلم سلاحها خافضة جنح الفضيلة أمام وقاحة الرذيلة وتقع ~~في ميدان العراك في جملة الأسرى والقتلى؟ أم تخلع عنها ثوب الفضائل السماوي الذي ألبستها ~~إياه اليد الجميلة الأبدية لترتدي بدله بثوب الظلم والاعتداء والغش والنهب والسلب، وتصنع ما ~~يصنعه غيرها؟ وهل يجوز أن تبخل عليها الأرض والسماء حينئذ بزاوية صغيرة ms11 في إحدى زوايا ~~الأرض لتعيش فيها بأمن وسلام دون أن تضطر إلى ذلك الانتحار وهذه الجناية؟! # إن هذه الزاوية هي الدير؛ فالدير وجد لسد فراغ في نفوس فريق في البشر في الأرض، وهو ~~موجود قبل الديانة المسيحية بقرون عديدة ؛ لأن انفراد بوذه وأنصاره في جبال الهند نوع من ~~المعيشة الديرية، وستبقى هذه الحاجة لازمة في الأمم ما دام فيها نفوس تتألم وجهاد في تحصيل ~~الرزق، والطمع يحكي جهاد الفاتحين. وقد احترم صاحب الشريعة الإسلامية هذه الحاجة؛ لأنه أوصى ~~بالصوامع والرهبان خيرا، وكذلك الخلفاء الراشدون. فضلا عن أن التكايا التي أنشئت بعد ~~ذلك في أنحاء العالم الإسلامي إنما هي نوع من المعيشة الديرية أيضا، وهذا يدل على أن هذه ~~المعيشة الاشتراكية للزهد والانقطاع إلى الله كانت حاجة من حاجات النفوس في كل ~~زمان. # أما النفع المادي فهو اعتبار الدير عبارة عن قوة ممدنة تستعمر الجهات التي يكون الدير ~~قائما فيها. والديور إنما تقام عادة في القفار والجبال والقرى البعيدة؛ أي في الأماكن ~~المحتاجة أشد احتياج إلى تعمير وإحياء. # فتأمل مقدار الخير الذي يستطيع ذلك الدير صنعه في تلك الجهات إذا جعل نفسه عبارة عن شركة ~~عظيمة يجتمع حولها أهل القرى ليتلقوا منها طريقة زراعة الأرض ويتعلموا صناعات جديدة، ~~ويعتمدوا عليها في جميع شؤونهم العملية اعتمادا متبادل النفع بين الفريقين؛ فإن الدير ~~يصير في هذه الحالة عبارة عن مركز أعمال القرويين ومستشارهم في جميع أشغالهم. وكيف لا يحلو ~~للمتأمل أن ينظر ذلك الراهب الذي كان يصلي إلى الله منذ مدة يأخذ معوله وفأسه ويقصد ~~إلى حقول القرية؛ حيث يقابله أهلها كرسول العلم والثروة والمدنية بينهم، ويسترشدون ~~بإرشاداته التي اكتسبها بالدرس والاختبار، والتي لا تصل إلى هؤلاء القرويين بدونه؟! # لا ريب أن هذا الأمر يساوي عندي - على الأقل - خروجه من الدير وبيده الإنجيل لعيادة ~~مريض في القرية أو تسلية حزين، ولست أعرف شيئا في هذا العالم يعادل نفعه نفع هذه الديور ~~في التمدين والتعمير إذا سلكت بإخلاص ونزاهة في هذا السبيل. # هذا فيما ms12 يختص بالاشتراك الخارجي بين أهل الدير وأهل القرى في تعمير الأراضي ونشر الخير ~~والثروة حولهم، بقي هناك اشتراك آخر داخلي؛ وهو تعاون الأفراد المجتمعين في ذلك الدير على ~~جعل معيشتهم فيه عبارة عن مثال لأرقى حكومة في الأرض، فإن أهل الدير قد ارتفع عنهم عند ~~دخولهم إليه هم تحصيل الرزق، والطمع والجهاد في سبيله، وذلك مما يسكن النفس وينقي ~~قواها. # ثم أضف إلى ذلك الانفراد عن معارك الحياة، تجد أن النفس تصفو في ذلك الانفراد عن ~~كدوراتها اليومية، وتتملص من كل أهوائها الفاسدة التي كانت تضغط عليها وتعذبها في حالة ~~الاجتماع، وهكذا يصبح أهل الدير عبارة عن بشر فوق البشر؛ لأنهم خرجوا من دائرة البشر، ~~ويصير البشر في الاجتماع ينظرون إليهم نظرهم إلى معلمين مرشدين موضوعين فوقهم، فكأن ~~الإنسانية في هؤلاء المنفردين قد تكررت وصفت وصارت إنسانية جديدة لا هم لها في الأرض ~~غير فعل الخير ومساعدة الضعفاء. # وهذه الحالة تسوقهم بالطبع إلى الاشتغال بالعلم والأدب، وهنا مسألة المسائل الجديرة بكل ~~اهتمام، هنا مفتاح ترقية العلوم والفنون والصناعات المختلفة؛ إذ ماذا يصنع الرهبان في كل ~~أوقاتهم الطويلة؟ وبأي شيء يقطعونها؟ هل من شيء يقطع به الوقت (ما عدا فعل الخير) أنفس من ~~الاشتغال بالعلم والأدب؟! وبذلك يكمل الرهبان المنفردون في أديرتهم الجميلة نقصا ظاهرا ~~اليوم في هيئتنا الاجتماعية. # انظر إلى الحركة العلمية والأدبية عندنا، ~~تجد أنها مطلوبة للمال لا لذاتها، وبما أن طالبي العلم والأدب يهتمون بالمال أكثر من ~~اهتمامهم بالعلم؛ فالعلم يبقى بيننا قاصرا؛ ذلك لأن العلم لا يتقدم ولا يترقى إلا إذا ~~أمكن للمشتغلين به الانقطاع إليه انقطاعا لا دخل لشهوة المال فيه. وهذا أمر بعيد الحصول ~~عندنا ما دام أصحاب الثروة لا يشتغلون بالعلم. # فالرهبان إذن عليهم سد هذا الفراغ؛ لأنهم قادرون على الانقطاع إليه أتم الانقطاع؛ ~~إذ كل حاجاتهم مضمونة عندهم، وفي وسع كل واحد منهم أن ينقطع إلى علم أو فن عشرين سنة أو ~~أربعين، فيرقيه أتم ترقية عندنا دون أن يحتاج شيئا، وحينئذ تصبح ms13 الديور مصدرا لنهضة ~~علمية جليلة، ويصير كل واحد منهم عبارة عن أكاديمية كبيرة كل عضو من أعضائها عالم في فن وفي ~~علم. # ومجموع الأعضاء يتألف من مجموع المعارف البشرية، والاختراعات والاكتشافات تتتابع من هذه ~~الأكاديميات الجديدة لنشر الخيرات في الأمة وتحسين شؤونها. فتكون هذه الديور مثالا ~~(للعلم) كما كانت مثالا (للصلاح) في ما تقدم. وهي ما عدا ذلك تكون أيضا مثالا (للنظام) ~~المطلق؛ فإن معيشتها اشتراكية محضة، الكل إخوة متساوون قولا وفعلا، وليس أحد فيهم ~~يقول: هذا لي؛ لأن كل شيء يكون بينهم مشتركا، ولكنهم مع تساويهم هذا خاضعون لسلطة عليا ~~خضوعا تاما بلا مراجعة ولا تردد؛ لعلمهم أنها لا تأمرهم إلا بالخير وما فيه خير؛ ~~ولذلك ترى أكبرهم وأصغرهم يعفران رأسيهما بابتهاج وسرور تحت قدمي هذا النظام الذي أنقذهما ~~وأعطاهما هذا الوسط الهادئ النقي، وهكذا، بينما تكون الدنيا قائمة قاعدة بالاضطرابات ~~والفتن والثورات بين كل الطبقات، بينما ترى روح الاستفراد العصري الذي ضربه رنان بسوطه ~~ضربات شديدة # 2 # يبذر بذور الشقاق في العالم حتى بين الأب وابنه والمرأة وزوجها لرغبة كل إنسان ~~في أن يعيش حرا على هواه، ترى الهدوء والنظام والخير عامة شاملة في الدير وما حوله من ~~القرى، كأنه صار قطعة من الجنان. # وهنا سكت سليم وأخذ يمسح العرق عن جبينه؛ لأنه قد تحمس في أثناء وصفه؛ فصاح جرجس ~~مسرورا: عافاك، عافاك يا معلمي، هكذا يجب الكلام عن آبائنا الرهبان. أما كليم فإنه قهقه ~~شديدا وقال لرفيقه: كفى تحلم، كفى تحلم؛ فهم في واد وأنت في واد، ومن كلامك يظهر أنك ~~لا تعرف ما هو الغرض من الدير، فمسكين أنت أيها الجاهل! معنى الدير عندهم اليوم أن يقيم فيه ~~الرهبان يكررون صلوات مألوفة، ويجمعون من الناس بحجة هذه الصلوات ما أمكنهم جمعه من ~~المال، سواء كان نقودا أو أوقافا ذات دخل عظيم، والسذج يبذلون بسخاء في هذا السبيل ~~ابتغاء للثواب على ما يقولون. وهكذا بدل أن تكون هذه الديور ناشرة للثروة والخير في ما ~~حولها من القرى ms14 صارت ممصا للثروة نفسها، وقد قلت إن أهل العلم عندنا مضطرون إلى التفكير ~~بالمال قبل العلم وإلا تعذر عليهم الاشتغال به، فأنا أخبرك أن أهل الدين - الذين وظيفتهم ~~نذر الفقر كما ذكرت - صاروا أيضا يفكرون بالمال قبل الدير. # قال سليم : لا لست أحلم، بل أنا أنظر إلى الدير كما يجب أن يكون، وأنت تنظر إليه كما جعلوه ~~اليوم، وهذا أوضح دليل على أن كل شيء إنما يصلح ويفسد تبعا للطرق التي يستعمل بها ~~والأشخاص الذين يتولون استعمالها. وهذه مسألة المسائل في كل الشؤون حتى سياسة الأمم، ولست ~~أظنك تزعم أن الديور كانت في القديم (وأعني القرون الأولى لا القرون المتوسطة) على حالتها ~~الحاضرة اليوم؛ فإنها لو كانت كذلك لما قام لديانتها قائمة، وإنما كانت الديور يومئذ ~~عبارة عن انقطاع حقيقي إلى الله للخلاص من حياة الاجتماع التي تجر الإنسان أحيانا إلى ما ~~لا يهواه. # ولا عتب في ذلك على أولئك المتقدمين؛ لأنهم كانوا يومئذ في الطور الذي يسمى «طور ~~الإيمان الحار»؛ ولذلك يجب أن لا نلومهم لانقطاعهم عن الناس بقولنا إنهم فعلوا ذلك ~~مدفوعين بعامل الأثرة وحب الذات؛ فإن الرغبة في معيشة الانفراد الاشتراكية كائنة في ~~طبيعة البشر؛ خصوصا الضعفاء منهم، ولكننا إذا كنا لا نلومهم اليوم؛ فإننا لا نحث الديور في ~~هذا الزمن على أن تنسج على منوالهم، بل نطلب إدخال تغيير على حالة الأديرة طبقا للوصف ~~الذي ذكرته آنفا؛ فإن الهيئة الاجتماعية قد تغيرت، والنفوس الدينية صارت كما يظهر من قولك ~~لا تكتفي (بالإيمان الحار)، فبناء عليه بطلت وظيفة الدير الأولى التي هي البعد عن البشر ~~والانقطاع إلى الله انقطاعا حقيقيا، وصار من الواجب أن يحل محل هذه الوظيفة وظيفة ~~مساعدة الناس ماديا وأدبيا كما وصفت ذلك آنفا، وإلا فلا معنى لوجود الدير في هذا ~~العصر، وأنا على يقين أن هذا التغيير أمر سهل، وكثيرون من رجال الدين يرضون به؛ لأنه يحيي ~~البلاد والعباد بثروات الأديرة والأوقاف الدينية. إنما يشترط فيه وجود رؤساء كرام يفهمونه ~~وينبذون الأطماع جانبا. ms15 # فلماذا لا يقوم أكابر الطوائف وأفاضلها لمراقبة أوقاف الأديرة والأملاك الدينية مراقبة ~~شديدة بواسطة مجالس دائمة خصوصية تنشأ لهذا الغرض لإنفاق دخلها الطائل في وجوه نافعة لمجموع ~~الأمة؟ # | هوامش # الفصل الثالث # | عين السنديانة # مجنون ليلى # وبقي سليم وكليم يتحادثان في هذا الموضوع، حتى وصلا إلى عين السنديانة، وهي محطة يستريح ~~فيها المسافرون في طريقهم إلى أعالي الجبل. # والمكان مؤلف من منزل اتخذه مستأجره حانوتا يبيع فيه مواد الغذاء للمسافرين، وأمامه دكة ~~عالية قليلا، يجلس المسافرون عليها، وبجانبها عين ينبع منها ماء بارد يشربه المسافرون بظمأ ~~ولذة بعد تعب الطريق وحرها. # فنزل كليم وسليم للراحة وتناول الطعام، وبعد حين طلبا بيضا مقليا وجبنا وعنبا وجلسا ~~يأكلان، وإذا برجل قد دنا من أحد الفرسين، ومد يده إلى الخرج الذي كان عليه، وأخرج منه ~~جريدة إنكليزية، فقال كليم لرفيقه: ما شاء الله! إن صاحبنا يفعل بخرجنا ما يشاء (بدون ~~تكليف). ثم نهض ودنا من الرجل وسأله: ماذا تريد؟ فعبس الرجل وقال: لا أريد شيئا، ولكني أحب ~~أن أقرأ. # ثم إنه أدار ظهره لكليم وجلس على طرف الدكة، ونشر الجريدة الإنكليزية وصار يقرأ ~~فيها. # فاستغرب سليم وكليم أمر هذا الرجل، وكانت هيئته وثيابه مما يزيد الاستغراب؛ فإنه كان في ~~نحو الأربعين من عمره بلحية كثة وخطها الشيب، وشعر وافر في رأسه يتدلى من تحت ~~طربوشه القذر، وكان طويل القامة عريض العضل يلبس ثيابا قديمة قذرة ويمشي بحذاء ممزق، إلا ~~أن سحنته كانت تدل على الهدوء واللطف والسكينة. # وبعد أن قرأ هذا الرجل بضعة أسطر في الجريدة رفع رأسه، وضحك ضحكا شديدا، ثم قال: كلهن ~~سواء، ثم التفت إلى كليم وقال: أليس حقا ما أقول؟ فقال كليم: عن أي شيء تتكلم؟ فضحك الرجل ~~ضحكا أشد من ضحكته الأولى وقال وهو يهز رأسه طربا: # جننا بليلى وهي جنت بغيرنا # وأخرى بنا مجنونة لا نريدها # ثم وقع على الأرض وأغمي عليه. # فذعر حينئذ كليم وسليم، أما صاحب المحل فإنه ركض مسرعا وهو يضحك، فنضح وجه ذلك ~~الرجل ms16 المسكين وصدره بالماء، ثم التفت إلى سليم وكليم وقال: لا تخافا؛ فإن هذا ~~الرجل مجنون، بل هو نصف مجنون، وهو يصاب بهذه النوبة مرة كل يوم أو كل يومين. فاشتد ~~حزن كليم وسليم على حالة الرجل حينئذ، وبادرا إليه يسعفانه بالمعالجة، وبينما كانا يفركان ~~يديه بأيديهما سألا صاحب المحل: وما قصته؟ وأين بلاده؟ فإنه غريب عن لبنان على ما ~~يظهر. # فأجاب صاحب المحل: الذي سمعته أنه غريب عن لبنان، ويقال إن سبب جنونه حبه فتاة رام ~~الاقتران بها فرفضت وهجرته، وهو من ذلك الحين يطوف البلاد على قدميه يأكل إذا وجد طعاما ~~ويصوم إذا لم يجد، وأحيانا ينام تحت سقف منزل، وأحيانا تحت قبة السماء، فهو شبيه برجل ~~تائه على وجهه في البلاد، وكل الأهالي يعرفونه. # فلما سمع كليم وسليم هذه القصة تأثرا تأثرا شديدا، ومما زاد تأثرهما امتزاج تعاسة ~~الرجل بشيء غزلي جميل؛ لأنه جن بسبب الحب كما سمعا. # فقال سليم لرفيقه: حقا إنني لما كنت أسمع كلام صاحب المحل خيل لي وأنا أفرك يد هذا ~~المريض أن يدي تمس الآن يد مجنون ليلى أو غيره من عشاق العرب المشهورين، ومن العجب أن ~~يبقى اليوم في الأرض أناس رقاق الشعور شديدو الانجذاب النفسي؛ حتى إنهم يجنون بسبب الحب ~~مع ما هو معروف في هذا العصر من اندفاع تيار الشهوات الحيوانية التي تقتل ذلك الشعور ~~الدقيق. # فسأل كليم صاحب المحل: وما اسم هذا الرجل التعيس؟ فأجاب: إن الناس يسمونه مخلوف. # وفي هذه البرهة اختلج مخلوف اختلاجا شديدا وصار يصرخ صراخا هائلا ويخبط بيديه ورجليه؛ ~~فأمسكه بها الثلاثة الحاضرون لئلا يؤذي نفسه. وكان قد اجتمع عليهم بعض الأولاد وهم يعجبون ~~من دنو سليم وكليم منه؛ لأن أكثر العامة في أقطار الشام يخافون كثيرا ممن يغمى عليه ذلك ~~الإغماء؛ لاعتقادهم أن فيه شيطانا يسبب ذلك الاضطراب، وهم يسمون المغمى عليه «واقع ~~في الساعة». # وبعد حين ارتخت أعضاء مخلوف وتنهد ~~تنهدا عميقا، ثم فتح عينيه وصار يضحك لمن حوله ضحكا لطيفا كضحك الأولاد؛ ms17 فقال له ~~كليم: كيف حالك الآن يا مسيو مخلوف؟ فأجاب مخلوف: حالي كما ترى. فقال سليم: هذا أمر بسيط، ~~وكثيرا ما يقع فيه الناس، إما بسبب الحر أو ضيق الصدر أو التعب. فجلس مخلوف حينئذ وقد ~~ظهر الغضب في وجهه وصاح: لم يؤثر في الحر ولا ضيق الصدر ولا التعب، وإنما هذه الجريدة ~~الملعونة، فكيف تجيز لها السماء والأرض أن تتركه وتذهب، هو يحبها كما يحب إلهه، هو يطرح تحت ~~قدميها اسمه وميراثه وشرفه لتتنازل وتأخذها وترضى فقط بالابتسامة له، ومع ذلك فإنها ترد ~~هذه الهبات بقدمها وتفر منه كالبرق وتختفي، فما هو جزاؤها يا ترى؟ أليس القتل، والخنق، ~~والحرق، والشنق، والدوس بالأقدام، والتقطيع قطعة قطعة؟! # وكان مخلوف قد بلغ به الغضب عند هذه الكلمات مبلغا عظيما؛ فجحظت عيناه، وانتفخت ~~أوداجه، وصعد الدم إلى رأسه فكاد يخنقه، وبدا الزبد على فمه كالجمل الهائج، فهال منظره ~~سليم وكليم، وعلما حينئذ أنه قرأ في الجريدة الإنكليزية هذه الحادثة فأذكرته حادثته. # فتلافى سليم الأمر رغبة في تسكينه وتعزيته، وقال: لقد نطقت بالحق؛ فإن تلك الفتاة تستحق ~~أكثر مما ذكرت، ولكن هل قرأت تتمة حادثة مس (لنهيم) التي تشير إليها؟ فأجاب مخلوف وهو يلهث ~~تعبا من أثر الهياج: لا، فماذا جرى لهذه الخبيثة بعد تركها حبيبها؟ فقال سليم: لقد لقيت ~~عقابها. فصاح مخلوف حينئذ وشرر الجنون واليأس تتطاير من عينيه: هل ماتت؟! فارتعدت فرائص ~~سليم وكليم لذلك الصوت الذي حكى صوت وحش جرح برصاصة، وأجاب سليم: كلا كلا؛ فإنه لا يموت ~~أحد الحبيبين إذا افترقا، وخصوصا إذا كان أحدهما مظلوما إلا بعد اجتماعهما. # فبهت مخلوف يتأمل قليلا ثم قال: وكيف ~~ذلك؟ فقال سليم: روى فرفوريوس عن نيقوديموس عن أفلاطون عن أرسطاطاليس أن كل نفس مظلومة ~~لحبها نفسا أخرى - لا تموت إذا ثبتت في حبها، وصدقت قبل أن ترى النفس المحبوبة. ولذلك فكل ~~فتاة تهجر فتى يحبها، ويثبت الفتى على حبه لها تعود إليه ذليلة من تلقاء نفسها بعد ذلك ~~وتستغفره عن ذنبها، وتطلب إليه ms18 أن يشاركها في حياتها، وهكذا جرى لمس لنهيم التي قرأت في ~~الجريدة حادثتها، فإنها عادت بعد مدة ذليلة واستصفحت خطيبها. # فهنا استوى مخلوف جاثيا على ركبتيه، وأبرقت عيناه برقا غريبا، وقال: وإذا كان قد انقضى ~~على غيبتها عدة سنوات؟ # فأدرك كليم في الحال ما قام في نفس ذلك المجنون التعيس، فهمس في أذن رفيقه: إنك تحاول ~~نفعه بالأمل ولكنك ستضره. فأجاب سليم: وهل بعد الجنون من ضرر؟! فإنني الآن أجرب طريقة ~~لإصلاح شأنه، وتسكين جهازه العصبي إلى حين. # ولما سأله مخلوف السؤال الذي تقدم أجابه سليم بقوله: سواء كان الوقت قصيرا أو طويلا ~~فإنها تعود رغما عن أنفها، ولكني لم أذكر لك الطريقة التي استعاد بها المستر (أرثور) ~~حبيبته المذكورة، فإنه قبل كل شيء ثبت على حبها ثبات الأبطال، فكان لا يذكرها بكلمة سوء ولا ~~يحكي قصتها لأحد، ثم كان يتظاهر باللطف والبشاشة دائما ولا يضر أحدا من الناس، وينفعهم ~~بقدر استطاعته، وكان على الخصوص يعتني بنفسه، فيأكل من الطعام ما يكفيه، ولا يتعب كثيرا ~~بالطواف في البلاد، ويداري صحته ما أمكنه، وبهذه الطرق صار رجلا جميل المنظر لطيفا ~~محبوبا من الناس، فما لبثت حبيبته أن عادت إليه تطلب منه الصفح عن هجرها إياه. # وكان سليم يتكلم ومخلوف يفتكر، وقد أخذ العرق يقطر من جبينه؛ فدل ذلك على أن نفسه كانت ~~حينئذ في صراع شديد مع نفسها، ولما أتى سليم على آخر كلامه انهملت دموع مخلوف على خديه؛ ~~فوضع رأسه بين يديه وصار يبكي بكاء شديدا؛ فاغرورقت حينئذ بالدمع عينا سليم وكليم، ~~وازدادت دهشتهما من أن يوجد اليوم في الأرض إخلاص كإخلاص هذا العاشق المجنون التعيس. # ولما استغرق مخلوف في البكاء رام كليم ~~تسليته من وجه آخر، فقال له: أنت مصيب في بكائك يا مسيو مخلوف، فبارك الله في عواطفك ~~الرقيقة وقلبك الحساس؛ إنك - ولا شك - تبكي على الزوج المسكين الذي يتزوج ويرزق أولادا من ~~زوجته ومع ذلك يرى عين امرأته ناظرة إلى سواه، إلى شاب أغض منه شبابا؛ فتجعل ms19 حياته جحيما ~~دائما، إنك تبكي على الزوج الذي يتزوج اليوم ثم تموت زوجته الفتاة الرطبة الجميلة بعد ~~سنتين تاركة على ذراعيه طفلين يصيحان دائما «يا أماه»، بينما قلبه يصيح معهما «يا حبيبتي»، ~~إنك تبكي الزوج الذي يموت بعد زواجه بسنتين تاركا أرملة فتاة وصغيرين لا معين لهما غير ~~الله، إنك تبكي الزوج الذي يرى عائلته تكبر شيئا فشيئا - كل سنة ولد - ويرى باب رزقه ~~ضيقا؛ فهذه الأحوال الاجتماعية جديرة يا مسيو مخلوف بدموعك، وإذا كنت لم تتزوج بعد فاشكر ~~الله لأنك لم تقع في أحدها. # ولكن يظهر أن المسكين مخلوف لم يفهم معنى هذا الكلام، أو كأنه لم يسمعه لاشتغاله عنه ~~بما كان يجول حينئذ في ضميره، فلما سكت كليم تحفز للنهوض، فأمسك به سليم وكليم ليشاركهما ~~في الطعام، فاعتذر ونهض، فحاولا إقناعه بالسفر معهما إلى الحدث ومنها إلى الأرز؛ فلما سمع ~~كلمة الأرز قال لهما بهيئة جدية يضحك منها من يعرف جنونه إنه مسافر بعد مدة للأرز للسياحة ~~هناك، وإنه سيقابلهما فيه. ثم تخلص منهما وودعهما بإحناء رأسه، وسار في سبيله. # كأنما هو في حل ومرتحل # موكل بفضاء الله يذرعه # ولما غاب عن بصرهما في منعطف المكان التفت سليم إلى رفيقه وقال: حقا إن حالته حالة ~~مؤثرة. وبعد أن تناولا الطعام واستراحا قليلا ركبا وسارا في طريقهما مع جرجس، وكان كل واحد ~~منهم يفكر في مخلوف، وبعد برهة دار بينهما الحديث على الطريق؛ لأن الطريق خير محرك ~~للحديث. # فقال سليم: هذه أول مرة أرى فيها محبا جن من حبه؛ فما أحسن هذه الأخلاق الدمثة اللطيفة ~~مع الجنون! فقال كليم: أما أنا فقد شاهدت مجانين عشاقا قبل اليوم، وعندي قصة أشد ~~تأثيرا من قصتنا هذه، فإنني منذ سنتين زرت في طريقي مع بعض الأصحاب دير قزحيا حيث يعزل ~~بعض المجانين؛ فلما أشرفنا على مكانهم وجدنا أحدهم منفردا عن الباقين وهو جالس حزينا ملوي ~~الرأس، فقلنا: (إن كان فهذا. فوقفنا به فسلمنا عليه فرد السلام. فقلنا له: ما تجد؟ فأنشأ ~~يقول: ms20 # الله يعلم أنني كمد # لا أستطيع أبث ما أجد # نفسان لي: نفس تضمنها # بلد، وأخرى حازها بلد # وأرى القيامة ليس ينفعها # صبر وليس يفوقها جلد # وأظن غائبتي كشاهدتي # فكأنها تجد الذي أجد # فقلت له: أحسنت والله! فأومأ إلى شيء ليرمينا به وقال: أمثلي يقال له أحسنت؟! فولينا عنه ~~هاربين، فقال: أسألكم بالله أما رجعتم حتى أنشدكم، فإن أحسنت قلتم لي: أحسنت، وإن أسأت ~~قلتم لي: أسأت. فرجعنا وقلنا له: قل. فأنشأ يقول: # لما أناخوا قبيل الصبح عيسهم # ورحلوها وسارت بالدمى الإبل # وقلبت من خلال السجف ناظرها # ترنو إلي ودمع العين منهمل # وودعت ببنان عقده عنم # ناديت لا حملت رجلاك يا جمل # ويلي من البين ماذا حل بي وبها # من نازل البين حل البين وارتحلوا # يا راحل العيس عرج كي أودعهم # يا راحل العيس في ترحالك الأجل # إني على العهد لم أنقض مودتهم # يا ليت شعري بطول العهد ما فعلوا # فقلت له: ماتوا. فصاح وقال: ماتوا، وأنا والله أموت. ثم تربع وتمدد فمات لساعته، فما ~~برحنا حتى دفناه.) # فقال سليم: يا للعجب! وهل روحه في يده حتى يطلقها حين يريد؟! فقال كليم: هذه قصة محزنة عن ~~المجانين، وقد شهدت أيضا حادثة أخرى ولكنها مضحكة، إلا أنها تدل أيضا على ذكاء هذه ~~الطبقة التي إذا طمس الجنون عقلها فإنه يبقي على نباهتها وحدة ذهنها. # وتفصيل الخبر أنني كنت ذات يوم مارا بقرية القلمون الإسلامية الكائنة على شاطئ البحر ~~تحت دير البلمند وقلحات، فرأيت اجتماعا عظيما خارج القرية فسألت: ما الخبر؟ فعلمت أن ~~هنالك معتوها يضحك الأهالي منه، ويجوزون له ما لا يجوزونه لسواه، وكان هذا المعتوه (يجد ~~ليجد السبيل إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكان يركب قصبة في كل جمعة يومي الاثنين ~~والخميس، فإذا ركب في هذين اليومين فليس لمعلم على صبيانه حكم ولا طاعة، فيخرج ويخرج معه ~~الرجال والنساء والصبيان فيصعد تلا وينادي بأعلى صوته: ما فعل النبيون والمرسلون؟ أليسوا ~~في أعلى عليين؟ فيقولون: نعم. قال: هاتوا أبا بكر الصديق. ms21 فأخذ غلام فأجلس بين يديه، ~~فيقول: جزاك الله خيرا أبا بكر عن الرعية؛ فقد عدلت وقمت بالقسط وخلفت محمدا - عليه ~~الصلاة والسلام - في حسن الخلافة، ووصلت حبل الدين بعد حل وتنازع، وفرغت منه إلى أوثق ~~عروة وأحسن ثقة. اذهبوا به إلى أعلى عليين. ثم ينادي: هاتوا عمر. فأجلس بين يديه غلام فقال: ~~جزاك الله خيرا أبا حفص عن الإسلام؛ فقد فتحت الفتوح ووسعت الفيء وسلكت سبيل الصالحين ~~وعدلت في الرعية. اذهبوا به إلى أعلى عليين بحذاء أبي بكر. ثم يقول: هاتوا عثمان. فأتي ~~بغلام فأجلس بين يديه فيقول: خلطت في تلك السنين ولكن الله تعالى يقول: # خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب ~~عليهم ~~، ثم يقول: اذهبوا به إلى صاحبيه في أعلى عليين. # ثم يقول: هاتوا علي بن أبي طالب. فأجلس ~~غلام بين يديه، فيقول: جزاك الله عن الأمة خيرا أبا الحسن؛ فأنت الوصي وولي النبي، بسطت ~~العدل وزهدت في الدنيا، واعتزلت الفيء فلم تخمش فيه بناب ولا ظفر، وأنت أبو الذرية ~~المباركة وزوج الزكية الطاهرة. اذهبوا به إلى أعلى عليين الفردوس. # ثم يقول: هاتوا معاوية. فأجلس بين يديه صبي، فقال له: أنت قاتل عمار بن ياسر، وخزيمة بن ~~ثابت ذا الشهادتين، وحجر بن الأدبر الكندي الذي أخلقت وجهه العبادة، وأنت الذي جعل ~~الخلافة ملكا واستأثر بالفيء وحكم بالهوى واستبطر بالنعمة، وأنت أول من غير سنة رسول ~~الله ونقض أحكامه وقام بالبغي. اذهبوا به فأوقفوه مع الظلمة. # ثم قال: يزيد. فأجلس بين يديه غلام فقال له: أنت الذي قتلت أهل الحرة، وأبحت المدينة ~~ثلاثة أيام، وانتهكت حرم رسول الله، وآويت الملحدين، وبؤت باللعنة على لسان رسول الله، ~~وتمثلت بشعر الجاهلية. # ليت أشياخي ببدر شهدوا # جزع الخزرج من وقع الأسل # وقتلت حسينا، وحملت بنات رسول الله سبايا على حقائب الإبل. اذهبوا به إلى الدرك الأسفل ~~من النار. # ولا يزال يذكر واليا بعد وال حتى بلغ إلى عمر بن عبد العزيز، فقال: هاتوا عمر. فأتي ~~بغلام فأجلس بين يديه، فقال: ms22 جزاك الله خيرا عن الإسلام؛ فقد أحييت العدل بعد موته، ~~وألنت القلوب القاسية، وقام بك عمود الدين على ساق بعد شقاق ونفاق، اذهبوا به فألحقوه ~~بالصديقين. # ثم ذكر من كان بعده من الخلفاء إلى أن بلغ دولة بني العباس فسكت ، فقيل له: هذا أبو العباس ~~أمير المؤمنين. قال: فبلغ أمرنا إلى بني هاشم. ارفعوا حساب هؤلاء جملة واقذفوا بهم في النار ~~جميعا). # فقيل له: وبعد؟ فقال: أين أمويو الأندلس؟ فرفع إليه غلام، فقال له: إيه عبد الرحمن ~~الداخل، ذهبت تخرق خرقا في الإسلام، وتنشئ خلافة جديدة وسلطنة كبيرة لم تحسن أنت وقومك ~~الدفاع عنها. اذهبوا به إلى النار. ثم قال: أين الفاطميون؟ فرفع إليه غلام فقال: لقد ~~ألهتم أمراءكم، وأضعفتم الإسلام بشقه شطرين. خذوهم. فقيل له: وبعد؟ فقال: بعد ماذا؟ ~~فقيل: آل عثمان. فالتفت يمنة ويسرة ومد لسانه وحك رأسه وهم بالكلام، فصاح به صائح: باب ~~السجن مفتوح. فضحك المعتوه وقال: أما بنو عثمان فإننا نؤجل الحكم عليهم. فضحك الجميع ~~وانصرفوا. # فقال سليم: حقا إن هذا الرجل غريب؛ فإنه مع جنونه يصف كل أمير الوصف الذي ينطبق عليه ~~كأنه من أبصر الناس بالتاريخ، أما صاحبنا مخلوف، فإنني أرى من القسوة أن نتركه في هذه ~~الحالة؛ ولذلك عزمت على معالجته لعلي أرد عليه صوابه. # الفصل الرابع # | الحدث # أحد أغنياء أميركا العظام فيها # وطوى الفارسان بالحديث المسافة بين عين السنديانة والحدث، ولما وصلا إلى هذه القرية دخلا ~~إليها منقبضي الصدر؛ لأنهما كان يعللان النفس بأن يشاهدا في أعالي الجبل مناظر أبهى ~~وأجمل، وهذا شأن كل من يتصور شيئا جميلا قبل معرفته؛ فإنه قلما تكون صورته الحقيقية ~~مساوية لصورته الخيالية، خصوصا إذا كان المتصور شديد الخيال، وأشد الناس خيالا وأرقاهم ~~تصورا، وأسلمهم ذوقا من لا يرى في صور الموجودات - مهما كانت عظيمة نفيسة - صورة تفوق أو ~~تساوي صورتها التي ارتسمت في خياله قبل أن يراها. # وفي الحقيقة إن جمال الحدث لا يظهر للداخل إليها لأول مرة، بل تجب الإقامة فيها يومين ~~أو ثلاثة ms23 لإدراك محاسنها؛ فهي قرية صغيرة قائمة على أكمة في جبة بشري، مطلقة للهواء والنور ~~من جهاتها الأربع؛ فيظهر أن الذين بنوها لم يرهبوا الزوابع والرياح والثلوج في تلك الأعالي؛ ~~ولذلك لم يخفوا قريتهم في ظل أكمة مرتفعة كقرية (قنات) القريبة منها إلى الجنوب الغربي، ولا ~~بنوها في سفح جبل كأهدن التي تقابلها في الشمال، ولا في قلب واد كحصرون في الشرق، بل هم ~~قصدوا بها - على ما يظهر - مصادمة تلك العناصر الطبيعية في تلك الأعالي التي يعممها ~~الثلج، ويغطيها الضباب نصف سنة تقريبا، وهذا ما جعل هواءها أجود الأهوية وأجفها، واجتذب ~~إليها المرضى للاستشفاء فصاروا يفضلونها على سواها. # ولما دخل سليم وكليم إلى القرية كان أهلها في هياج واضطراب، وبعضهم يتراكضون إلى منزل ~~قائم فوق حرش صغير بجانب القرية إلى الجنوب الغربي. فقال كليم: يا جرجس، استخبر لنا الخبر. ~~فسأل جرجس أحد الأهالي، فأخبره أن بعض الأميركان يرومون استئجار بيت في القرية، ولكن في ~~الأهالي فريقا لا يريد تأجيرهم؛ لأنهم بروتستنت يحثون الناس على ترك مذهبهم إلى المذهب ~~البروتستنتي. # فضحك سليم لما علم بسب هذا الاضطراب، وقال ~~لرفيقه: إن هذه الاختلافات في المذاهب والأديان تتبعنا حتى أقاصي البلدان، ثم سأل سليم ~~جرجس: ما رأيك يا جرجس في هذا؟ هل يجوز لهم ذلك أم لا يجوز؟ فأجاب جرجس: الحق أقول لك يا ~~معلمي، إن الأهالي لا يريدون تغيير مذهبهم الذي ربي عليه آباؤهم وأجدادهم، وهم يفدونه ~~بدمائهم، سواء كانوا في الكورة بناحيتنا أو في الجبة بهذه الجهات. فأجاب سليم مازحا: ولكن ~~لماذا لا تصنعون أنتم في نواحي الكورة ما يصنعه أهالي الجبة من طرد الأميركان؟ فإنكم ~~قبلتموهم وقد فتحوا عندكم بضع مدارس. فاحتار جرجس في الجواب، فضحك سليم وكليم؛ لأنهما أدركا ~~معنى سكوت جرجس، وقال: أنا سليم ماروني يا جرجس، وكن على ثقة أنني أكره الإساءة حتى للمجوس، ~~ولكنك قد جهلت السبب الحقيقي، فاعلم أن لذلك أربعة أسباب: الأول: أن أهل الجبة أحرص من أهل ~~الكورة على استقلالهم، وأرسخ منهم قدما ms24 في الدفاع عن حريتهم، وما برح أهل الجبال أشد ~~استمساكا بحريتهم المطلقة من أهل السهول، وهم يعتبرون مذهبهم الديني من جملة عواملهم ~~وحاجاتهم الوطنية. والثاني: أن لرجال الدين عليهم سلطة عظمى، خلافا لرجال الدين في ~~الكورة، وذلك لما للهيئة البطريركية الدينية من النفوذ الخصوصي في سياسة الجبل. والثالث: أن ~~فرنسا التي تحمي هذه السلطة الدينية يطيب لها أن تبعد - ما أمكنها - كل أجنبي يروم ~~مخالطة الأهالي واستمالتهم، وعلى الخصوص البعثات الدينية الغير الفرنسوية. والرابع: أن ~~الكورة تابعة لأسقفية طرابلس دينيا، والروم والأميركان في طرابلس على شيء من الاتفاق؛ ~~فكيف يستطيع أهل الكورة أن يعاندوا الأميركان ما دامت هيئتهم الدينية في طرابلس مسالمة ~~لهم؟! # فقال كليم حينئذ - وقد ضجر من هذا الكلام: لله ما أصبرك على البحث في هذه الهنات! # وفي هذا الحين وصل الجوادان إلى المنزل الذي كانا يقصدانه في القرية، وهو أعلى المنازل في ~~الجنوب وآخرها. وكان أهل المنزل في النوافذ ينتظرون الضيفين، ويشاهدون اضطراب الأهالي ~~وصياحهم حول المنزل الذي تقدم ذكره. # وكانت العائلة المصيفة في هذا المنزل عائلة صديق لسليم وكليم يدعى الخواجه أمين، وكان ~~مريضا بعلة الصدر المشهورة التي كثرت في سوريا ولبنان في هذا الزمن، وهو شاب في الخامسة ~~والعشرين من العمر، انقضى عليه ثلاث سنوات بهذه العلة؛ فلم تنجع بها دواء، ولم يبق لها ~~علاج عند الأطباء غير الإقامة في الهواء النقي الجاف في أعالي الجبال، وكان أمين وحيد ~~والديه الشيخين وقبلة آمالهما، ولكن المرض لا يعرف رحمة ولا يرعى حرمة، وكان أبواه في ~~يأس شديد من حالته يبكيان الليل والنهار على وحيدهما الشاب الذاهب عنهما تاركا إياهما في ~~آخر العمر فريدين وحيدين في هذه الحياة. # إلا أنهما مع حزنهما المتصل في السر كانا يظهران أمام المريض كل سرور وبشاشة، وكذلك كان ~~المريض أمامهما، فإنه كان عالما بعلته التي كانت تجره إلى الموت شيئا فشيئا؛ ولكنه كان ~~يحتملها بلا ضجر ولا شكوى؛ لئلا يزيد في عذاب الشيخين اللذين كانا يعتنيان به؛ ولم ير ~~أحد قط ms25 صبرا على مرض كصبر هذا المريض الكريم وممرضيه الشيخين. # ولما دخل سليم وكليم عليه كان أمين ممددا في سريره لا يقوى على النهوض، فابتسم لهما ~~مسلما، أما هما فلم يقنعا بهذا الابتسام بل تقدما منه ليصافحاه بهز اليد، فلما رآهما ~~يمدان يديهما نحوه سحب يده وأخفاها تحت اللحاف، وقال لهما بدمع في عينيه: لا تتعباني ~~بالسلام عليكما؛ فإنني في غاية الضعف. فنفرت الدموع حالا إلى عيني سليم وكليم؛ لعلمهما ~~أن ذلك المريض العزيز لم يخف يده إلا فرارا من أن يعديهما من دائه. # فيا أيها المرضى الذين يشكون من فرار الناس منهم خوفا من العدوى، ويا أيها المصابون ~~بأمراض مزمنة يقضون أوقاتهم بالتضجر والتألم والتحسر، تعلموا هذا الشعور اللطيف والصبر ~~الجميل من هذا المريض. # وما جلس سليم وكليم يستريحان بعد تعب الطريق حتى اشتدت الضوضاء في القرية، وعلا الصياح ~~فهرع كلاهما إلى النافذة وأطلا منها، ثم قال كليم لأمين: لم نفهم جيدا سبب هذا الاضطراب. ~~وإذا بصاحب المنزل داخل، فسأله أمين: كيف انتهت المسألة يا أبا مرعب؟ فقال أبو مرعب: حقا ~~إنهم تجاوزوا الحدود، وقد عزمت أن أذهب وأدعو أولئك الضيوف إلى منزلي هذا وأدعهم يقيمون في ~~الجانب الآخر، فما قولكم؟ فقال له أمين: أحسنت يا أبا مرعب، وهكذا فلتكن الشهامة. فقال: ~~ولكنني أريد ترجمانا بيني وبين الخواجات. فهب سليم وكليم وقالا: نحن نرافقك. # وبعد خمس دقائق وصل أبو مرعب مع سليم وكليم إلى المنزل الذي كان النزاع عليه، فوجدوا حوله ~~عشرين رجلا من أهل القرية وبضع نساء وعدة أولاد، وأمام المنزل ثلاثة بغال عليها حوائج ~~السفر وبجانبها ثلاثة من الأميركان وترجمان وخادم. # وكان أبو مرعب في نحو الخمسين من العمر، وهو رجل كبير الجسم، كثير السمن، قوي العزم، ~~لا يهاب الموت إذا تمثل له في شخص إنسان، وكان مشهورا عنه أنه حارب مع يوسف بك كرم، ~~وكان من أشد أعوانه، حتى إن يوسف بك سماه (كرة مدفع) إشارة إلى استدارة جسمه وقوته. # فلما وصل أبو مرعب إلى المتجمهرين دخل ms26 بينهم مع رفيقه، واستفهم منهم عن سبب الاضطراب ~~والصياح، فعلم منهم أن ذلك الجمهور كان مقسوما قسمين: ففريق كان يقول: ليس من آداب الضيافة ~~أن نمنع الأجانب من الإقامة في قريتنا، وإلا سبنا الناس حتى أهل القرى المجاورة. وكان في ~~هذا الفريق صاحب المنزل نفسه. # وفريق آخر كان يقول: نحن لا نبعد هؤلاء الضيوف لأنهم بروتستنت فقط، بل لأن فيهم رجلا ~~مسلولا؛ إذ نخاف على قريتنا من العدوى. # فرفع حينئذ أبو مرعب صوته وقال مخاطبا الفريق الذي كان يقاوم: يا شباب، هل هذا المنزل ~~منزلكم؟ فأجابوا: كلا. فقال: وهل لصاحبه الحق في إقفاله أو هدمه أو تلعيب القرود فيه أم لا؟ ~~فأجاب أحدهم وكان أجرأهم: نعم له الحق في ذلك، ولكن ليس له الحق في أن يضع فيه شيئا يضر ~~بأهل القرية كلهم. فقال أبو مرعب وقد بدا الغضب في وجهه: وما هو هذا الشيء يا ابن طنوس؟ ~~فقال: «المرض!» # 1 # فصاح به الشهم أبو مرعب: هل أنت بدون دين يا ابن طنوس حتى تضطهد وتطرد المرضى ~~والضعفاء الذين أوصت ديانتنا بمساعدتهم وزيارتهم؟ ولماذا لا تطرد القرية أباك لما مات منذ ~~سنتين بعلة الجذام؟! # فسكت ابن طنوس، ولكن شابا بجانبه أجاب: هل الغريب كالقريب يا أبا مرعب؟ فقال أبو مرعب: ~~عافاك الله يا ابن سركيس فإنك نطقت بالحق، فأنتم إذن تريدون اضطهاد هؤلاء الضيوف لأنهم ~~أجانب وبروتستنت لا لحفظ صحة القرية، فأنا أخبركم أنني الآن آخذهم إلى بيتي، وكل من تحدثه ~~نفسه بمنعي فليتبعني. # ثم اندفع أبو مرعب إلى البغال فأخذ بأحدها ومشى في المقدمة يتبعه المسافرون، وبجانبه ~~كليم وسليم يعجبان من كرم أخلاق هذا القروي. # أما المسافرون الأميركان، فإنهم كانوا في أثناء ذلك يضحكون وقد أفهمهم ترجمانهم كل ما ~~جرى، فأجابوا: يس يس؛ أي إنهم رضوا بالإقامة في منزل أبي مرعب، إلا أنهم لم يشكروه على ذلك ~~شكرا خصوصيا. # ولما استقر بهم المقام في بيت أبي مرعب نادى سليم وكليم ترجمانهم، وكان من تراجمة بيروت ~~قدم معهم لهذا الغرض، ms27 وبعد أن تعرفوا به سألوه عن رفاقه وقصتهم، فأخبرهم أن هؤلاء الثلاثة ~~الأميركان هم من حواشي أميركي كبير قادم للسياحة في جهات الأرز، فسأله سليم: وما اسمه؟ ~~فأجاب الترجمان: اسمه (مستر كلدن). فصاح سليم: مستر كلدن أحد أغنياء أميركا العظام؟ # فقال الترجمان: نعم فإن زوجته مريضة، وقد حضر معها للسياحة في أعالي لبنان، وقد أشار ~~عليهم أطباء بيروت أن يتخذوا الحدث محطة لهم إذا أعجبتهم؛ لأن هواءها أجف الأهوية، ومنها ~~يزورون الأماكن الجميلة التي بجوارها، وهذا ما جعلنا نتقدمهم وننتظرهم. # فقال كليم: إذن لستم مرسلين أميركيين كما ظن أهل القرية. فضحك الترجمان وقال: كلا. فقال ~~كليم: ومن من رفاقك المصاب بداء الصدر؟ فضحك الترجمان أيضا وقال: لا أعرف أحدا مصدورا ~~بينهم، ولكن لون أحدهم ضارب إلى الاصفرار فحسبوه مصابا، أو أنهم ادعوا ذلك تأييدا ~~لحجتهم. فضحك سليم وقال: لا بأس، نحن نحمد هذه الصدفة التي جعلتهم قريبين منا؛ لأننا ~~سنتعرف بالمستر (كلدن) ولا شك. فقال الترجمان: وهل تحبون التعرف برجال بطانته؟ فأجاب سليم: ~~ذلك ما نتمناه. # وفي المساء زار سليم وكليم المسافرين الأميركان فأحسنوا استقبالهم، وقد سروا لمصادفتهم ~~أديبين مطلعين يحادثانهم بلغتهم حديثا مفيدا عن المكان والسكان. # وفي أثناء الحديث سأل سليم أحدهم: بلغنا من الترجمان أن مسز (كلدن) مريضة، وهذا سبب ~~سياحتها مع زوجها المكرم، ولكن ما مرضها؟ فضحك المخاطب وأجاب: «مرض الوطن.» فاستغرب سليم ~~وكليم ذلك، فقال صاحبهما: نعم، أنا أخبركم الآن شيئا جديدا، وهو يسركما ولا شك، فإن مسز ~~كلدن أصلها من بر الشام، ولم تنفك عن الاشتياق إلى وطنها الأول، فجاء بها المستر كلدن في ~~هذا العام لعل صحتها تعود إليها في هذه السياحة التي هي متعبة، وإن كانت جميلة. # | هوامش # الفصل الخامس # | قصة مجنون ليلى # هل أخطأت حبيبته أم أصابت في سفرها؟ # وفي ذلك الليل نام كليم وسليم نوم الهناء بعد تعب السفر، ونهضا في صباح اليوم التالي ~~نشيطين مسرورين، إلا أنهما شعرا قبل شروق الشمس بشيء من البرودة لم يتعوداه في آب لقياسهما ~~الجبل ms28 على السهل. لكن ما طلعت الشمس وامتزجت ذرات نورها الحار بذرات الهواء البارد حتى ~~شعرا بارتياح شديد لم يشعرا بمثله في حياتهما كلها، ومنذ هذه الساعة بدأت الحدث تكون جميلة ~~في عيونهما. # ولما تعالت الشمس فوق المشرق، واشتدت حرارتها قليلا، انتبه أمين من النوم، وأوعز إلى ~~أبويه أن يستعدا للذهاب إلى حرش الصنوبر القريب من القرية؛ ليتناولوا طعام الصباح هناك مع ~~ضيفيهما. فبعد نصف ساعة سار سليم وكليم نحو الحرش وركب أمين حمارا؛ لأنه كان عاجزا عن ~~المشي لضعفه، وسار أبواه وراءه، والمسافة بين القرية والحرش نحو 4 أو 5 دقائق، وهذا الحرش ~~قائم بين القرية القديمة وبضعة منازل جديدة بنيت وراءه إلى الجنوب، وهو مغروس فوق أودية ~~مختلفة تنفرج من الحدث إلى السهل، فيرى من ورائه بحر الكورة والبترون وما وراءه من ~~الأفق. # فجلس الرفاق هناك في أجمل مجلس وتناولوا طعام الصباح، وقد جعل أمين مجلسه بعيدا عن ~~مجلس صديقيه وفصل طعامه عن طعامهما، فكان هذا الشعور اللطيف منه يزيد صديقيه رغبة في محو ~~ذلك الأثر من نفسه، ولكن - وا أسفاه - ما الفائدة من محو ذلك الأثر من النفس ما دام باديا ~~في الوجه؟! فإن أمين كان في تلك الجمعية التي كانت تتمتع بالصحة والعافية في ذلك المكان ~~المشرف على مناظر الجبال والمعطر الهواء برائحة الصنوبر الطيبة - عبارة عن شبح وخيال، فإن ~~العلة الهائلة أكلت وشربت لحمه ودمه، والهزال أفنى قواه وأخمد نار عينيه وصبغ وجهه اللطيف ~~بلون الموت، ولم يبق من قوة لتلك الروح الصبورة في ذلك الجسم النحيف الذي صار كأجسام ~~الأولاد سوى قوة الابتسام بشفتيه الرقيقتين تحت شاربيه الأشقرين الدقيقين اللذين صارا لا ~~يظهران كثيرا لامتزاج لونهما بلون الوجه. # فبالابتسام فقط كانت تظهر حياة أمين وعواطفه وإرادته، وكان يجود بالابتسام دائما ~~إظهارا للقوة وإيناسا لجلاسه، فهنا نقول مرة ثانية أيضا: ما رأى الممرضون قط مريضا ~~شجاعا مثل الفتى أمين، والعجب من نفس قوية صبورة كهذه النفس، كيف استطاعت العلة أن تقوى ~~عليها؟! # وكان لا ينغص عيش ms29 سليم وكليم شيء في ذلك المكان الجميل سوى هذه الأفكار التي تتردد ~~عليهما، ورغبة في طردها وتسلية المريض دخلا في الحديث معه، فقال كليم: ألا تذهب معنا إلى ~~الأرز أيها الصديق؟ فضحك أمين وقال: أنت ترى أنني لا أقدر على الركوب من القرية إلى هنا. ~~فقال سليم: لا تبالغ، فإنك بخير والحمد لله، وإنك تستطيع الذهاب معنا إلى الأرز إذا أردته، ~~ولك علينا إذا سرت معنا نريك (فرجة) لم ترها في حياتك. فقال أمين: وما هي؟ فقال سليم: نريك ~~مجنون ليلى. فقال أمين: ومن هو مجنون ليلى؟ فقال سليم: هو رجل جن من الحب. فصاح أمين: ~~لعلك تريد بهذا الرجل المسيو مخلوف، فدهش سليم وكليم وقالا: هل تعرفه؟! فقال أمين: هذا أمر ~~بسيط؛ فإن كل الناس هنا يعرفونه ويعرفون قصته. فقال سليم: وهل تعرفها بالتفصيل؟ فقال: ~~نعم، ولكن أين شاهدتموه؟ # فقص عليه سليم كيف شاهدا مخلوف في عين السنديانة وما جرى له، وكيف وعدهما بأن يقابلهما في ~~الأرز، فقال أمين: أظن هذا كل ما تعرفانه عنه، أما أنا فإنني أقص عليكما قصته من أولها إلى ~~آخرها كما سمعتها من عارفيه، وإليكما تفصيلها: # إن اسم مخلوف الأصلي (يعقوب درمان)، وهو شاب أديب من بلدة صور، وكان منذ عشر سنوات مكبا ~~على الدرس استعدادا لفن المحاماة؛ فبينما كان ذات يوم يطالع بعض دروسه على شاطئ البحر، ~~وإذا به يسمع صراخا وعويلا، فركض فأبصر خادمة تنادي على سيدة لها بين الأمواج تكاد تغرق، ~~فألقى نفسه حالا بأثوابه في البحر وأنقذ السيدة، وكانت هذه السيدة فتاة في نحو الثامنة ~~عشرة من العمر، وهي كريمة تاجر كبير في صور، وقد رامت الانتحار غرقا لأسباب مجهولة، فلما ~~أنقذها يعقوب أرسلها إلى بيتها وكانت مغشيا عليها، فكاد أبوها يموت من حزنه، ولكن الحياة ~~عادت إليها، ومنذ ذلك اليوم أحبها يعقوب درمان حبا شديدا يقرب من العبادة، ومالت الفتاة ~~إليه؛ لأنه أنقذ حياتها، لكن الأقدار عاكستهما بعد ذلك؛ فإن أباها - على ما يقال - توفي في ~~ذلك العام وقد ms30 خسر جميع أمواله، وانحطت كرامته بين قومه بعد أن كان عزيزا بينهم، وبذلك ~~بقيت ابنته وحدها؛ إذ لم يكن في البيت غيرها لوفاة أمها. # وكان يعقوب درمان فقير الحال أيضا؛ فرأت الفتاة أنها إذا اقترنت به ازدادت سوء حال على ~~سوء حال، وكانت عزيزة النفس شديدة الأنفة؛ لأنها نشأت في الترف والغنى والدلال، فكرهت أن ~~تقيم ذليلة فقيرة في بلدة كانت فيها العزيزة المبجلة؛ فغافلت حبيبها يعقوب وفرت مسافرة مع ~~إحدى البواخر التي تمر على صيدا، وتركت له ورقة تقول له فيها: «انسني واسلني بعد الآن.» ~~ويظهر أن دماغ يعقوب ضعيف من فطرته؛ فلم يقو على تحمل هذه الصدمة فجن من ~~يومها. # فقال سليم: ولكن كيف سافرت الفتاة وحدها إلى بلاد لا تعرفها؟ فأجاب أمين: لا تسل عن ~~ذلك؛ فإنها نشأت في مدارس الأميركان، وأنت تعلم أنهم يربون البنات في مدارسهم على الجرأة ~~والإقدام والاستقلال، وهو أمر أحيانا يكون نافعا وأحيانا يكون ضارا. # فضحك كليم وقال: لا ريب أننا إذا رأيناه نحن في هذه الحادثة نافعا؛ فإن الخواجه مخلوف ~~يراه مضرا جدا؛ لأنه فقد به حبيبته وعقله. # فقال كليم: ولكن عندي أن الفتاة لم تخطئ؛ إذ لا أصعب من معيشة الإنسان محتاجا إلى ~~الناس في بلدة كان فيها من قبل غنيا عنهم؛ فإن دناءة الشامتين ولؤم المنتقمين ووقاحة ~~حديثي النعمة الذين يحلون محل ذلك الإنسان بعد سقوطه أمور لا تحتملها النفوس. # فقال أمين بهدوء ورزانة: ما للإنسان وكلام الناس! إنما عليه أن يعيش بهدوء مستورا، وإذا ~~كان في الناس قوم (أردياء) يشمتون وينتقمون، ففيهم قوم (طيبون) يواسون ويعزون، فقد كان ~~على الفتاة أن تبقى ولا تسافر بهذه الصورة الشنيعة. # فقال كليم ضاحكا: لو سمعك مخلوف الآن لأعطاك طربوشه من فرحه. # فقال أمين ضاحكا: وما نفعي منه! فإن طربوشه قذر. فضحك الجميع لهذا الجواب. # الفصل السادس # | حديث في حرش صغير # وقد طابت الإقامة لسليم وكليم في هذا الحرش الصغير، فصارا كل يوم يقصدانه مرة أو مرتين ~~للاستظلال به من حر الشمس؛ ms31 ولكنهما لم يكونا يجلسان في الظل ربع ساعة حتى يبردا فينهضا إلى ~~الشمس فيسخنا فينهضا إلى الظل، وهكذا على التتابع، وكانا يصرفان الوقت هناك بالحديث ~~ومطالعة أطايب الكتب. # فبعد أن مضى عليهما بضعة أيام في هذه المعيشة نظرا إلى نفسيهما ذات يوم، وهما في ذلك ~~المكان، فإذا بهما قد صار جسمهما ممتلئا قوة وصحة، وتوردت وجناتهما، واكتسبا من هواء ~~الجبال ثوبا زاهيا غطى ثوب الاصفرار والضعف الذي كستهما به المعيشة المدنية، وكانا ينظران ~~إلى نفسيهما في المرآة ولا يصدقان؛ فالتفت سليم إلى كليم وقال: إن الذين يعيشون في السهول ~~والمدن في الشام وغيرها يخطئون أشد خطأ إذا كانوا لا يصعدون مرة في العام إلى جبال كهذه ~~الجبال لتجديد قواهم ودمائهم. # فأجاب كليم: أنا موافق على رأيك بعد ما شاهدته في ~~صحتي من التحسن، تالله إنني أحسب نفسي أنني كنت ميتا وبعثت، فإنني آكل ولا أشبع، وأشرب ~~ولا أروى، وأمشي ولا أتعب، وأحيانا أخشى لنشاطي وخفة جسمي أن أطير في الهواء. فضحك سليم ~~وقال: ما رأيك بأصحابنا في الشام ومصر الذين يقصدون جبال سويسرة وبلاد أوروبا في الصيف، ~~ويتركون هذه الجبال التي فيها المعيشة أرخص ما يكون؟ فقال كليم: من جهل شيئا لا يحفل به، ~~فهم يجهلون فضائل هذه الجبال، هذا عدا عن أن طريقها وعرة. # 1 # وفي هذا الحين وصل إلى الحرش شابان، فصاح كليم بهما: أهلا بالخواجه فاضل والخواجه ~~حنانيا. ثم جلس الشابان بإزاء رفيقيهما وأخذا في الحديث معهما، وكانا من رفاق كليم وأبناء ~~وطنه، وهما مصيفان في القرية. # وكان حنانيا شابا تدل هيئته على (البساطة) ولكن في الزوايا خبايا، وكان بلحية ضاربة إلى ~~الشقرة، وهو كثير التنحنح كلما فاه بعبارة، وكان رفيقه فاضل يكثر من ممازحته ومداعبته ~~وكذلك كليم، وقد كان حنانيا يسر بهذه المداعبة على ما يظهر؛ لأنه لم يكن يستاء منها ولو ~~جرحته أحيانا، وكثيرون - وفي جملتهم المؤلف - كانوا يعتبرون أن هذا الأمر ناشئ بالأكثر عن ~~(طيبة) قلبه. # أما فاضل فقد كان شابا هادئا يحب الجد ms32 كما يحب المزاح، وقد كان في عينيه ما يدل على ~~صفاء قلبه، وفي أساليبه وكلامه وسكوته ما يدل على أنه ربي في عائلة ذات نعمة، وكان من ~~المشهور عنه أنه شديد الإخلاص والرغبة في نفع غيره، فلم يكن أحد يسأله شيئا في طاقته ويقعد ~~عنه. # ولما دار الحديث بين الرفاق الأربعة قال فاضل: إن رفيقنا حنانيا ابتاع اليوم كرما، فقال ~~سليم: وكيف ذلك؟ فقال فاضل: جرت عادته أنه كلما رام أن يأكل عنبا يقصد هذه الكروم الممتدة ~~أمامنا من القرية إلى حرش الأرز الصغير المشرف عليها، وكلما شاهد عنقودا جميلا جلس ~~كالثعلب بجانبه، وتناول منه أنضج حبوبه وأكبرها، ولا يزال يفعل ذلك حتى يشبع، ففي هذا ~~الصباح بينما كان (يفطر) بهذه الطريقة نظره (ناطور) الكرم فصاح به وأسرع إليه، فأجابه ~~صاحبنا بكل (برودة) قلب: ماذا تريد؟ فقال له (الناطور): اخرج من الكرم. فقال له بغضب: ~~ولماذا؟ هل هو كرمك؟ قال: بلا شك. فقال له صاحبنا: أرني (الحجة) التي بيدك لأتحقق ذلك، ~~ولعمري إن هذه خير الطرق للشبع من العنب بدون دفع بارة واحدة. # فقال كليم: إذن لا يظلم أهل القرية كثيرا ضيوفهم بمعاندتهم والرغبة في التخلص منهم إذا ~~كانوا كلهم (على نسق) صاحبنا حنانيا. # فقال حنانيا: أنا لست سلا ولا بروتستنت ليستطيعوا طردي، فإنني قاعد هنا على صدورهم إلى ~~أن يحلو لي السفر، ثم فلنترك الآن المزاح. هل بلغكم عزم أهل القرية على التجمهر لإخراج ~~المرضى من قريتهم؟ # فقال سليم: وما قولكم في قصدهم هذا؟ ألا ترون فيه شيئا من الحق؟ # فأجاب فاضل بحدة: عفوا عفوا، إن لأهل القرية الحق في إبعاد المرضى عنهم، كما أن للمرضى؛ ~~وخصوصا المصدورين، الحق في اختيار الحدث للإقامة فيها؛ لأن هواءها أجف الأهوية، والأطباء ~~يأمرونهم بأن يسكنوها، ومن الخشونة والهمجية أن يداس حق الضعفاء إرضاء للأقوياء. # فقال سليم: فما الحيلة لإرضاء الفريقين؟ أليس هناك يا ترى طريقة جامعة؟ # فقال فاضل: كنت أفكر منذ مدة في هذا الأمر حين سماعي ذلك الخبر، فحللت هذه المشكلة، ms33 وذلك ~~أن يبنى فوق القرية تحت الأرزات التي هناك (مستشفى للمرضى) مؤلف من عشرين أو ثلاثين غرفة ~~جامعة لكل الشروط الصحية على نسق المستشفيات الصحية للمسلولين في أوروبا (سانتوريوم)، ~~وحينئذ يجتمع المرضى من تلقاء أنفسهم في هذا المستشفى بدل أن ينتشروا في منازل القرية ، ~~ويخاصموا الأهالي لاستئجارها. # 2 # فقال كليم: لقد أصبت؛ فإن هذا خير حل، وحينئذ يكون من حق الأهالي إجبار المرضى على ~~الانفراد بذلك المستشفى، وإلا فكل مقاومة منهم تعد خشونة وقسوة؛ إذ الأرض ليست أرضهم ولا ~~الهواء هواءهم، بل هما لله؛ أي إنهما مشتركان بين جميع البشر، وإذا لم يقم أحد لبناء هذا ~~المكان الصحي، فإنني أؤكد أن الحدث لا يقصدها في المستقبل غير المرضي فتخسر خسارة غير ~~قليلة. # فقال سليم: نعم، إن السل آفة هائلة، والناس يرهبونه كما يرهبون نيران جهنم. # فقال حنانيا: ولكن من أين تنشأ هذه الآفة المهلكة التي كثرت في بلادنا؟ ثم أليس من دواء ~~لها؟ # فقال سليم: لقد اطلعت منذ أسبوعين على آخر الأبحاث والآراء في هذه الآفة، ومنها يظهر أن ~~السل يصاب به نصف البشر على الأقل، فبعضهم يشفى منه دون أن يدري به # 3 # وبعضهم يموت؛ ولذلك سموه (داء الإنسانية)، وفي فرنسا وحدها فقط يموت به في كل ~~عام 150 ألف شخص، أما سبب هذه الآفة فهو الإفراط في كل شيء، الإفراط في السكر، الإفراط في ~~الزواج، الإفراط في التعب والهم، الإفراط في السهر، وسوء المعيشة وقلة الغذاء وفساد الهواء ~~... إلخ. ويقولون إنه ينتقل بالوراثة، وهذا رأي ضعيف، وكأن آفة السل تمثال أسود للشقاء ~~والعذاب منصوب في ساحة تؤدي إليها كل طرق الشقاء والغلو والإفراط والفساد. # أما دواء هذا الداء فبسيط جدا، وأنا أحب أن ينادى على السطوح على مسمع من جميع المرضى ~~المساكين أن داءهم قابل للشفاء خلافا لما بلغهم، بل إن شفاءه أسهل من شفاء الحمى ~~التيفوئيدية والجدري وغيرهما، ولكن على شرط أن يتدارك من أول ظهوره، فقولوا للمرضى به: لا ~~تحزنوا ولا تخافوا، إن داءكم بسيط إذا ms34 أحسنتم مداواته، ولكن إذا أهملتموه قضي عليكم لا ~~محالة. # وإن قيل: كيف تحسن مداواته؟ فالجواب: لا دواء له غير شيء واحد، وهو (الهواء النقي والغذاء ~~الكافي)، أما ما يقال عن العلاجات والأدوية فهو كله تدجيل في تدجيل، وكثيرا ما تناول ~~المصدورون أدوية فنفعتهم شهرا أو شهرين ثم انتكسوا بعد ذلك من فعل الأدوية، وانتهى ~~أجلهم. # 4 # فترك الدواء إذا هو كل الدواء، ومعرفة وقت ابتداء الداء هي السر الوحيد في ~~الشفاء. # ولا ينبغي للمسلول أن ييأس من شفائه أبدا؛ فإن بعض الأطباء داوى بعض المرضى بالسل 20 ~~سنة، وكانوا ينفثون الدم مع البلغم، ومع ذلك رزقوا أولادا وعاشوا عمرا طويلا، ولكن ~~المسلول العازب عليه أن لا يتزوج، وإن تزوج ولم يكن (حكيما) غلبه داؤه. # أما النساء المسلولات فالحبل فقط يضرهن ضررا شديدا ويغلب داءهن عليهن، ومن ذلك كله ~~يظهر أن الاعتدال وحسن المعيشة في الهواء النقي الجاف في الجبال مع قليل من الرياضة الخفيفة ~~هي الدواء الوحيد الشافي من هذا الداء. # وما أتى سليم على هذا الكلام حتى نظر أبو مرعب راكضا نحو الحرش ينهب الأرض نهبا؛ ~~فاشرأبت إليه الأعناق وقال كليم: خير إن شاء الله ما وراء أبي مرعب! ولما وصل أبو مرعب صاح ~~وهو يلهث تعبا: هل بلغكم الخبر؟ فقالوا: ماذا؟ فقال: قد وجدنا كنزا. فقال سليم: وما هذا ~~الكنز؟ فقال أبو مرعب لاهثا: كنز عظيم. فقال كليم: فأخبرنا ما هذا الكنز؟ فجلس أبو مرعب ~~وقص عليهم ما يلي: # كنت الآن هناك مع ترجمان الجماعة، وإذ كنت أسأله عن المستر كدن، نكدن، كيف يلفظ اسمه؟ ~~فأجاب كليم: (كلدن). فقال: تمام (كلدن)، فأجابني الترجمان أنه غني عظيم تقدر ثروته بخمسين ~~مليون ليرة، وإذ كنت أسأله عن أخلاقه وصفاته أخبرني خبرا غريبا، فقال لي: إن هذا الرجل ~~يخرج في السنة مرة من بيته في شيكاغو إلى المدينة وجيوبه ممتلئة بأوراق البنك، ولا يزال ~~يوزع منها على الذين يجدهم في طريقه حتى تنفد، فربما وزع مليون فرنك في ذلك النهار؛ ولذلك ms35 ~~يسميه الناس نهار كدن ... نكدن، كيف اسمه؟ فقال سليم ضاحكا: (كلدن). فقال أبو مرعب: نعم نعم ~~(نهار كلدن)، وقد أخبرني الترجمان أن الذي ابتكر هذه الطريقة وحثه عليها شاب مستخدم في محله ~~يدعى (المستر كرنيجي)، وكثيرا ما يرافقه في ذلك النهار، فما قولكم إذا جاء صاحب الملايين ~~غدا وعلم بأنني أنقذت رجال حاشيته، ألا (يفتح يده) ويرينا جوده وكرمه؟ # فضحك الحاضرون، وقال سليم: أشير عليك يا عمي أبا مرعب أن تطلب منه أن يصنع (نهار كلدن) ~~مرة في الحدث. فقال أبو مرعب: والله هذا رأي في غاية الصواب، وسنطلب ذلك منه كلنا. ثم نهض ~~أبو مرعب وأسرع ليجتمع ببعض رفاقه من أهل القرية ويتفق معهم على هذا الطلب. # فلما غاب عن أصحابنا التفت كليم إلى حنانيا وقال: ماذا تفعل يا حنانيا إذا صنع المستر ~~كلدن (نهاره) في الحدث؟ # فأجاب فاضل عن حنانيا: أعوذ بالله! إن صاحبنا حنانيا يقطع نفسه عشرين قطعة في ذلك ~~اليوم ليصادفه صاحب الملايين عشرين مرة. # وكان حنانيا يضحك في أثناء ذلك وهو ساكت. # ولما عاد الأصحاب الأربعة من الحرش وجدوا خمسين قرويا جالسين حول أبي مرعب تحت بيته وهم ~~يبحثون في طريقة يقنعون بها المستر أن يصنع (نهاره) في الحدث، وقد أخذوا منذ تلك الساعة ~~يلاطفون رجال حاشيته ويكرمونهم أحسن إكرام، وما برحت المصالح تغير قلوب الناس في كل زمان ~~ومكان. # | هوامش # الفصل السابع # | لا تريد المرور على بيروت # وفي هذه الأثناء كان المستر كلدن وزوجته وابنتان لهما وحاشيتهما الكثيرة صاعدة على الطريق ~~عند دير حنطورة الموصلة إلى عين السنديانة. # وكانت الابنتان في مقدمة الركب وكل واحدة منهما على جواد، ووراءهما أمهما على جواد أيضا، ~~يليها الأب على فرسه وبجانبه وكيل أشغاله، ووراءهم الحاشية والخيام والبغال تحمل ~~الأثقال. # وكان المستر كلدن كهلا في الخمسين من العمر، وهو جميل الوجه، طويل القامة، أحمر اللون، ~~أشقر الشعر، متقد العينين بالذكاء الأميركي المعروف، وفي كل حركة من حركاته وكل كلمة من ~~كلماته شيء يدل على النشاط والحدة. # أما زوجته ms36 فقد كانت في نحو الثلاثين من العمر، وكانت بيضاء الوجه كالثلج المعمم قمم ~~لبنان، سوداء الشعر والعينين، رشيقة القوام كغصن البان، خفيفة الحركة فوق جوادها الرشيق ~~كأنها غزال على غزال. # فكان هذا الزوج وزوجته يمثلان ضربي الحسن في العالم: الحسن الأميركي الأشقر والحسن ~~الشرقي الجامع بين اللون الأبيض الناصع واللون الأسود الفاحم. # والغريب أن ابنتيهما جاءتا واحدة على شكل أمها وواحدة على شكل أبيها، وكانت إحداهما في ~~التاسعة من العمر والأخرى في السابعة، وكانتا ثابتتين على ظهر جواديهما ثبات الفوارس، ولا ~~عجب في ذلك؛ لأنهما ربيتا تربية أميركية. # ولما حاذى الركب دير حنطورة كان المستر كلدن في حديث مع امرأته، وقد تنحى عنه وكيل ~~أشغاله، وكان يقول لها: لماذا تكرهين بيروت يا إميليا إلى هذا الحد؟ حقا إنني صرت أخجل من ~~قومي فيها لعدم استقبالنا إياهم. فأجابت زوجته والحزن باد في وجهها: حقا إنني ندمت يا ~~جورج على سياحتنا هذه. فقهقه المستر كلدن وقال: كيف تندمين الآن بعد أن بكيت سنتين على هذه ~~الزيارة، وفي كل يوم كنت تتنهدين وتقولين: هل أرى بلادي مرة قبل أن أموت؟ فقالت إميليا ~~والدموع في عينيها: لا تمزح يا صديقي في مسألة كهذه المسألة؛ فإن قلبي في غاية الألم. نعم ~~كنت أشتاق في بلادنا إلى البلاد التي ربيت فيها، ولكني أول ما وصلت إليها تغير قلبي ~~فعلمت حينئذ أنه قد كتب لي التعاسة على هذه الأرض؛ فإنني إذا أقمت في بلادنا أميركا شعرت ~~أنني غريبة فيها، وإذا جئت بلادي الأصلية شعرت أيضا أنني غريبة، فشأني شأن طائر نسفت ~~الزوابع عشه واستأصلت الشجرة التي كان يأوي إليها، فلم يبق له أمل في الراحة وإن وجد عشا ~~أحسن من عشه الأول، وشجرة أفضل من شجرته الأولى، وليس معنى كلامي هذا أنني غير راضية بحالتي ~~الحاضرة، فإنني من فضلك ونعمتك في ألف فضل وألف نعمة، ولكن ماضي شديد الضغط على ~~نفسي. # وهنا انحدرت الدموع من عيني إميليا، فصاحت بها ابنتها الأولى: عدنا إلى البكاء يا ماما، ~~إذا ms37 لم تسكتي فإنني أبكي أيضا. وقال لها زوجها: الحق أقول لك يا عزيزتي، إنني لا أعرف ~~سببا لهذا الحزن واليأس، فإنك تعلمين أننا صنعنا كل ما في إمكاننا فلم نعثر على أثر لأبيك، ~~وقد عرضت عليك ألف مرة أن ننتقم من أعدائه فكان جوابك: ما الفائدة من الانتقام؟ # فهنا أغرقت إميليا في البكاء وقالت: نعم، ما الفائدة من الانتقام؟ فإنه لا يرد لي أبي، ~~ولو عثرت على أبي فربما كنت طاوعتك على الانتقام إرضاء له؛ لأنه تعذب كثيرا في أثناء ~~حياته، ومن العدل أن يعذب معذبوه، وإن كنت لا أحب عدلا كهذا العدل، ولكن ماذا كان ~~جواب الباحثين عنه في جبهات البرازيل؟ # قال: لم يجدوا له أثرا، وأنت تعلمين أنني نشرت منشورا في جميع أقطار الأرض في الشام ~~ومصر وأوروبا وآسيا وأفريقيا، ووعدت بدفع مائتي ألف ريال جائزة للذي يجد (الخواجه متى ~~حاروم) ويدلنا عليه، وها قد مر على هذا المنشور سنوات، وألوف من الناس يبحثون عبثا؛ طمعا ~~في الجائزة، فاعتقدي يا حبيبتي بعد الآن أن أباك الكريم قد توفي إلى رحمة الله وسبقنا إلى ~~الآخرة؛ لأنه من المحال أن يكون حيا ولا نعثر عليه بعد هذا التفتيش، ولا تنسي أننا كلنا ~~ضيوف في هذه الأرض، وأن وطننا الحقيقي فوق، فتعزي ولا تحزني حزن الذين لا رجاء ~~لهم. # فأطرقت إميليا برهة تبكي بسكوت، ثم قالت: ليس بكائي للموت، بل بكائي للغلطة العظيمة التي ~~ارتكبتها، وهذا ما يعذبني ويضغط على نفسي وضميري؛ فإنني تركت أبي في أشد الأوقات عليه، ~~حين تخلت عنه الأرض والسماء، وابتعد عنه الأقربون والأبعدون، فكنت أقساهم عليه وأجحدهم ~~لجميله؛ لأنني كنت أقربهم إليه، وإنني أخشى أن يكون قد مات في الشيخوخة والضعف والفقر ~~والوحدة وهو يلعنني. # فهنا رام كلدن أن يصرف فكر زوجته عن هذه التذكارات المحزنة، فقال ضاحكا: أما أنا فلا ~~أعتبر سفرك من بلادك إلى أميركا غلطة يا إميليا؛ لأنني لولا هذا السفر لما التقيت بك ~~واقتنصتك، فأنا أشكرك لتلك الحدة التي حملتك على السفر، ms38 ولا يزال يحلو لي أن أتذكر معك ~~اليوم الذي لقيتك فيه في واشنطن. # فقالت إميليا مبتسمة: دعنا من هذه الذكرى. ~~فقال: لا، بل دعيني أتكلم بحياتك، فقد خرجت في ذلك اليوم لأعمل (نهار كلدن) ومعي المستر ~~كرنيجي كاتم أسراري، فبعد أن ذهب نصف ما في جيوبي من الأوراق وصلت إلى الساحة القريبة من ~~دار الحكومة، فوجدتك سائرة في طريقك مع إحدى بنات جنسك، فمددت يدي إليك بورقة قيمتها ~~خمسمائة دولار، وقد فعلت في عيناك ما لا يفعله السحر؛ ذلك أنكم أنتم الشرقيين لا تعرفون ~~مبلغ التأثير الذي يؤثره فينا الجمال الشرقي الخاص بكم، فكان جوابك أنك رفعت يدك ~~ولطمتني على وجهي لطمة أرتني (نجوم الظهر) كما يقولون في لغتك؛ لأنك ظننت أنني رجل بذيء ~~يقصد إغواءك بماله؛ فكبر قدرك منذ ذلك الحين في عيني، وأريتني بهذا الفعل جمالك الأدبي ~~بعد أن رأيت في وجهك جمالك الأنثوي، وأنت تعرفين التتمة، فبالله خبريني كيف اجترأت على ~~لطم رجل قوي مثلي قادر على سحقك بقبضة واحدة؟ # فقالت إميليا: تعلمت ذلك من معلمتي في المدرسة، فإنها قصت علينا يوما أن أحد الوقحين عرض ~~عليها في سوق نيويورك مالا فجاوبته بلطمة على وجهه ففر كالهر المطرود. فقال كلدن حينئذ ~~رافعا رأسه افتخارا: هل من ينكر بعد هذا فضل مدارسنا في الشرق؟! # وقد سر المستر كلدن من أجوبة زوجته؛ لأنه قدر بذلك على صرف أفكارها عن موضوعها الأول، ~~ولم يعد يسألها لماذا كانت تكره الإقامة في بيروت والسفر إلى صور وصيدا. # الفصل الثامن # | الفلسفة والمكاري بطرس # قصة أمين # وبينما كان كلدن وزوجته صاعدين مع حاشيتهما إلى الحدث كان سليم وكليم يتأهبان للسفر ~~منها إلى الأرز؛ لأن أصدقاءهما في أهدن سافروا إلى الأرز وبعثوا يستعجلونهما، فقال لرفيقه: ~~سنتعرف بالمستر كلدن بالأرز، فهلم بنا نسافر؛ لأن الإقامة هناك تحت ظل الأرز العظيم أفضل ~~من الإقامة هنا. # ولما دخل سليم وكليم لتوديع صديقهما أمين ظهر الحزن في وجهه، وكان قد ازداد ضعفا ~~وهزالا، فودعهما وهو يقول: أظن هذا الوداع ms39 هو الوداع الأخير. فقال كليم متأثرا: لم نعهد ~~قلبك ضعيفا أيها الصديق، فعلام الخوف وأنت متقدم إلى الصحة إن شاء الله؟! فهز أمين رأسه ~~وقال: هل تظن أنني أخاف الموت؟ كلا، فإن الموت راحة لمن كان مثلي، وإنما أتأسف لأمر واحد. ~~قال ذلك وانحدرت الدموع من عينيه، فترقرق الدمع في عيني سليم وكليم، وقال كليم: ما هو هذا ~~الشيء؟ فقال أمين: هو أن أخرج من هذه الحياة قبل أن أنتقم من الظالمين. # ففهم كليم مراد أمين في الحال وأجابه: كن على ثقة أيها الصديق أنك ستشفى وتنتقم لنفسك، ~~فإن الله أعدل من أن يسحق المظلومين ويرفع الظالمين، وإذا افترضنا المحال وقويت عليك ~~علتك لعدم مداراتك نفسك، فاعلم أن الظالم سيسقط من نفسه؛ لأن كل ما يبنى على الظلم فهو ~~مهدوم، والبغي مصرعه وخيم. # فهز أمين رأسه وقال: وا أسفاه! إنني لا أرى هذا الأمر واضحا كل الوضوح في الحوادث ~~البشرية. ثم انطرح على فراشه يفكر والدموع ملء عينيه، وكان منظره حينئذ كمنظر جندي سقط ~~قتيلا في ساحة العراك في آخر النهار. # أما سليم وكليم فإنهما ركبا بغلين قويين وانحدرا من الحدث قاصدين وادي حصرون، وكانا هذه ~~المرة ساكتين يفكران بكلام الصديق أمين، فسأل سليم رفيقه: هل من مانع يمنعك عن إطلاعي على ~~مراد أمين بكلامه الأخير؟ فقال كليم: كلا، ولكن ليست هذه القصة جديدة في الأرض، فإنها قصة ~~كل المغلوبين والمقهورين والمظلومين فيها، إنها قصة العراك الأبدي الذي بين الناس، وهو ما ~~يسمونه (تنازع البقاء)، فإن أمين كان من موظفي الحكومة، وكان محبوبا مسموع الكلمة لذكائه ~~وعقله، وكان على وشك الاقتران بفتاة يحبها وهي ذات دوطة طائلة، وكان أحد تجاركم في بيروت ~~يطمع في دوطتها، ليصلح بها أحوال محله التجاري المتضعضع، فوشى لدى الحكومة سرا بأن أمين ~~يعاون حزب تركيا الفتاة ويراسله، فعزل وسجن وأهين، ولم يطلق سراحه حتى ظهر مرضه، أما ~~الواشي فلم يتمكن من الاقتران بخطيبته؛ لأنها تركت الاثنين معا. # فقال سليم: ومن هو ذلك الواشي؟ فقال كليم: ms40 هو (الخواجه لوقا طمعون). فقال سليم: هذا تاجر ~~أصله من صيدا لا من بيروت، وقد سمعت الناس يذمونه كثيرا لسوء أخلاقه. # وكان مع الرفيقين في هذه المرة مكار من الحدث، وهو شاب قوي البنية ربعة الجسم يدعى ~~(بطرس)، فسأل رفيقه: هل تمرون على الديمان في طريقكم يا خواجات؟ فسأله كليم: هل اليوم غبطة ~~البطريرك في مصيفه هذا؟ فأجاب بطرس: كلا، بل هو غائب. فقال كليم: فلنمض إذن في ~~سبيلنا. # وكانت يومئذ الدار البطريركية في الديمان دارا يدل ظاهرها على البساطة والقدم، أما اليوم ~~فقد أقيم هنالك قصر فخيم على الطراز الحديث للسلطة البطريركية. # وكأن سليم وكليم راما طرد الأفكار السوداء ~~التي كانت تتردد على ذهنيهما من كلام أمين ووداعه، فقال الثاني للأول: لقد سلانا المكاري ~~جرجس قليلا من قلحات إلى الحدث، فبماذا يسلينا بطرس؟ فقال سليم: اسمع. ثم التفت إلى بطرس ~~وقال له: يا بطرس، لماذا تنادينا خواجات؟ فأجاب بطرس بوجل: إذا كنتم بكوات يا معلمي فأرجو ~~السماح. فقال سليم: ولا بكوات، بل نحن بشر مثلك، فإذا كنا خواجات فأنت خواجه أيضا؛ لأن كل ~~البشر إخوان. فتنهد بطرس وقال: هذا في القول يا معلمي فقط، وما أبعد القول من الفعل! ألا ~~ترى أنكم راكبون وأنني ماش؟! وهذا أول فرق بيننا. فضحك سليم وكليم، وقال سليم لرفيقه: ~~حقا إن مكارينا نبيه. ثم التفت إليه وقال: ما عنيت هذا بقولي، وإنما عنيت أننا وإياك ~~متساوون لدى الحكومة ولدى الله، وإن كان البشر يعطون بعضنا امتيازات دون بعض، فأنت لست ~~بمديون لي بشيء سوى ما تقبض أجرته مني، وأنا كذلك، فالآن أنا راكب وأنت ماش باختيارك وطوعك ~~حسب الاتفاق الذي عقدناه على أن أعطيك أجرة تعبك، فلست إذن أمتاز عنك بشيء سوى أنني تعبت ~~وحصلت مالا أقدر به على أن أريح نفسي من المشي، وبئست هذه الراحة؛ لأنني أفضل أن أتعب ~~مثلك وأكون بصحة كصحتك. # وكان سليم يتكلم وبطرس يظهر الدهشة والاستغراب، ثم أجاب: حقا قلت الصواب يا معلمي. ~~فصاح سليم: رجعنا إلى ms41 (معلمي)! أما أنا بشر مثلك، بل أنت الآن معلمي؛ لأنك أقوى مني ~~ونفعتني ببغلك أكثر مما نفعتك. فضحك بطرس وقال: حقا قلت الصواب فيما يختص بالأجرة ~~والركوب، ولكن قولك يا معلمي إننا كلنا متساوون لدى الحكومة والله فيه نظر، فإنني أصدق كل ~~شيء إلا هذا، أما المساواة عند الله فلندعها جانبا؛ لأننا متى وصلنا إلى هناك نبقى نتكلم ~~عنها، وأما المساواة لدى الحكومة فأحب أن تدخل على سعادة القائمقام حين يصيف في ~~الحدث # 1 # وترى الناس كيف يجلسون في حضرته، وبعد ذلك تبقى تتكلم عن المساواة لدى ~~الحكومة. # فقال سليم: هذا ليس ببرهان؛ لأن الناس كثيرا ما يسيئون في تنفيذ الشرائع، فلا تلصق ~~الإساءة بالشرائع نفسها بل بمنفذيها. # فقال كليم لرفيقه: لا بأس بهذا الحديث إذا كان لا يحدث منه ضرر، ولكني كنت أتمنى أن لا ~~تكون هذه التجربة فينا؛ لئلا نكون أول من يجني ثمارها. # ثم استمر الرفاق الثلاثة سائرين، فقطعوا الديمان وهبطوا في وادي حصرون، وكان بطرس في ~~أثناء ذلك يفتكر في كلام سليم وهو يقول في نفسه: حقا ما أجهلنا نحن سكان القرى! صحيح! ما ~~الفرق بيننا وبين الخواجات والبكاوات والحكام؟! نحن نأكل وهم يأكلون، ونشرب كما يشربون، ~~ونمشي كما يمشون، ونفتكر كما يفتكرون، وندفع ما علينا للحكومة كما يدفعون؛ فلماذا يكون كل ~~الإكرام لهم وعلينا الخدمة والطاعة والذل؟! والله لما أعود إلى القرية ويقول لي البك اعمل ~~هذا أو لا تعمل هذا، فكل جوابي يكون أنني أدير له ظهري، وأهز رأسي، وأمشي في سبيلي. # وفي هذا الحين كان الرفاق الثلاثة قد قطعوا حصرون، ووصلوا إلى نبع ماء على الطريق، ماؤه ~~كالفضة الجارية صفاء والثلج الذائب برودة، فصاح سليم: يا بطرس، ناولنا ماء لنشرب. وكان ~~بطرس يفكر كما تقدم في عبارته الأخيرة، فكان جوابه لسليم أن هز رأسه وأدار ظهره ~~وسار في سبيله. # فقهقه كليم حتى كاد يقع عن ظهر البغل، وقال لسليم: تفضل يا صاحبنا وانظر نتيجة ~~مبادئك. # أما سليم، فإنه غضب وصاح ببطرس: قلت لك ms42 ناولني ماء لأشرب. فأجاب بطرس: ولماذا لا تشرب ~~أنت؟ فقال: لأن كأس الماء بعيدة ولا أستطيع الدنو من النبع وأنا راكب. فقال بطرس: هذا أمر ~~سهل، فانزل واشرب. فقال سليم: أنا لا أمزح، وأسالك للمرة الأخيرة أتناولني الماء أم لا؟ ~~فقال بطرس: وأنا لا أمزح؛ لأن مناولتك الماء لم تدخل في الاتفاق الذي ذكرته، فإذا شئت الشرب ~~فانزل واشرب. # وكان كليم في أثناء ذلك لا يزال يضحك، فرغبة في إنهاء هذه المسألة قال لبطرس: طيب هذا ~~الأمر لم يدخل في الاتفاق كما ذكرت، فناولنا الماء ونحن في مقابلة ذلك نسقيك (خمسينية) من ~~عرق بشري. # فضحك بطرس حينئذ وقال: الآن تم الاتفاق. ثم دنا وناولهما الماء. # وبعد الشرب قال كليم لرفيقه وهما سائران: أرأيت نتيجة الحرية والاستقلال والمساواة ~~والإخاء إذا بذرت بذورها قبل أوانها بين طبقات لم تستعد لها؟! # فأجاب سليم: ولكن مع غضبي من صنعه أفضل هذه الحرية التي هي في غير محلها على العبودية ~~والذل والموت المعنوي، ولولا أنني كنت شديد الظمأ، وغلبني غضبي لما لمته، بل كنت أقول له: ~~برافو يا خواجه بطرس، فإن أمثولتنا أثمرت فيك في ساعة واحدة. # فقال كليم: ولكن هنا مذهبان: واحد معك وواحد عليك. # فقال سليم: ولكن مذهبي هو المذهب الصحيح الأبدي الذي انتصر مع الثورة الفرنسوية، هو مذهب ~~الحياة والنور والحرية للطبقات الضعيفة التي تئن تحت نير الطبقات القوية. # | هوامش # الفصل التاسع # | أرز لبنان # ثم جد الرفاق الثلاثة في السير فبلغوا بشري فابتاع منها بطرس (خمسينية عرق) على حساب ~~رفيقه حسب الوعد، ثم تسلقوا منها العقبة المؤدية إلى جبل الأرز العظيم. # ولما قطعوا تلك العقبات الطويلة التي يلي بعضها بعضا، وصعدوا إلى مساواة الحرش، بان ~~لهم الأرز من بعيد، فأشرق وجه سليم وكليم ابتهاجا وسرورا، وصارا ينظران إلى الأرض التي ~~تطؤها حوافر بغليهما نظرهما إلى أشياء مقدسة. # وكان وصول سليم وكليم إلى الأرز عند غروب الشمس، وكانت الطيور تتوافد من جميع الجهات ~~الجرداء إلى أشجار الأرز لتبيت فيها، وكانت الغربان أشدها ظهورا، ms43 فكان يسمع صوتها ~~الناعب من حين إلى حين كأنه صوت الزمان ينعي الأجيال والقرون الماضية. # والأرز عبارة عن حرش متسع عظيم قائم على آكام متعددة تحيط به نصف دائرة من الجبال ~~الشامخة، وأشجاره شديدة الاشتباك، حتى إن الشمس تكاد لا تعرف أرضه، وفي هذه الأشجار ما هو ~~صغير وفيها ما هو ضخم كبير سامق إلى السماء، ويكاد عشرة رجال لا يحيطون بجذعه إذا مدوا ~~أذرعهم حوله، وهم يقولون: إن هذه الأشجار الضخمة الهائلة ترتقي إلى زمن الملك سليمان الذي ~~بنى منها هيكله المشهور في أورشليم، وزمن أفسس التي بنيت من خشبها بعض أماكنها اليونانية ~~القديمة. ولكن هذا زعم لا يؤيده دليل، بل إن علم النبات ينقضه، إلا أنه من المحتمل أن أولئك ~~المتقدمين قطعوا أخشابا من هذا الحرش، وقامت الأشجار الحاضرة على آثار الأشجار المقطوعة ~~أو أشجار تلتها. # أما صفة الأرز فهي كما ترى في الرسم، فإنه عبارة عن جذع شامخ يتوارى عنك رأسه في الفضاء ~~لعلوه، ومن هذا الجذع تتفرع أغصان بخط أفقي كما ترى في الرسم، ويبلغ طول هذه الأغصان ~~أحيانا عدة أمتار، وهي تحمل أكوازا خضراء حرشوفية كرؤوس الصنوبر، بعضها ذكور وبعضها إناث، ~~ثم تنقلب عند البلوغ فتصير حمراء، ولها رائحة طيبة ترتاح إليها النفس فتعطر بطيبها ونشرها ~~هواء على الأرز النقي، ويكون في عقبها بذرتان لحفظ نوعها متى بلغت وسقطت الأرض، والأرز عدة ~~فصائل وأنواع، وهو ينمو في جبال سوريا وجبل حملايا في الهند وجبل الأطلس في أفريقيا، وجبل ~~طوروس في آسيا وفي غيرها من الجبال، ولكن أرز لبنان أشهرها كلها. # والمقرر أن القطع في الحرش ممنوع اليوم قطعيا بأمر من حكومة الجبل، حتى إن الزائر لا ~~يستطيع أن يقصف غصنا ليأخذه تذكارا من الأرز إلا في السر أو بمبلغ يدفعه إلى الحارس، ولقد ~~أحسنت الحكومة في هذا المنع حفظا لهذا الأثر الجليل، ومما يذكر لها بالشكر أيضا أنها ~~سورت الحرش كله بسور من الحجارة والطين لمنع الدواب من الدخول إليه، ولكنها مع ذلك تدخله، ~~وهذا ms44 السور صار اليوم متهدما، وهو لانخفاضه يتسلقه الولد بسهولة؛ لأنه لا يعلو عن متر ~~واحد. # ومن الأسف أن الحكومة لا تزرع في هذا الحرش ~~الكبير أرزا جديدا ليقوم مقام الأرز القديم متى شاخ وانقرض في القرون القادمة، والأشجار ~~التي تنبت من نفسها في الحرش قليلة جدا، ولكن في جهات أخرى فوق الحدث في واد إلى ~~الجنوب، وفي أماكن أخرى في أعالي لبنان أحراشا واسعة مؤلفة من أرز صغير آخذ في النمو، فلا ~~ريب أنه سيقوم مقام الأرز الكبير في القرون القادمة. وربما وقف سائح بعد 500 أو 800 سنة في ~~الحرش الذي وراء الحدث في الوادي، وصار يتساءل ويستنطق التوراة وكتب التاريخ؛ ليعلم هل قطع ~~سليمان الخشب لهيكله من ذلك الحرش أم من سواه؟ # وسواء قطع سليمان الخشب من الحرش الكبير أو من سواه، فإن السياح الإفرنج من أمراء وعظماء ~~وعلماء يتقاطرون على هذا الحرش ويزورونه باحترام عظيم، والغريب أنهم يفدون لهذا الغرض من ~~أقصى الأقطار، مع أن جيران الأرز في الشام ومصر لا يعرفونه. ورجال الدين منهم يصلون هناك ~~بخشوع، ويعتبرون أجر الصلاة فيه مضاعفا، وجميعهم ينقشون أسماءهم أو بعض حروفها على جذوع ~~أشجاره، فغطوا بها كثيرا منها، حتى صدر الأمر بمنع ذلك حفظا للأشجار، والزائر يشاهد ~~إحداها مكشوطة القشرة بفأس أو سكين على قدر شبر أو أكثر وفيها اسم منقوش، فلا نعلم كيف أن ~~ذلك القاسي البارد ناقش هذا الاسم طاوعته يده على طعن تلك الأرزة المقدسة الجميلة هذه ~~الطعنة في صدرها! # الفصل العاشر # | ليلة باردة تحت أشجاره «بلا فراش ولا غطاء» # فدخل سليم وكليم إلى دائرة الأرز مشيا على الأقدام، وتبعهما بطرس مع بغليه، فربطهما وراء ~~غرفة صغيرة مبنية على انفراد بإزاء الكنيسة القديمة القائمة في شمالي الأرز. # وقد افتقد سليم وكليم أصحابهما الذين بعثوا في طلبهما فلم يجدا لهم أثرا فاستغربا ذلك، ~~وكان في الغرفة التي أشرنا إليها عائلة مؤلفة من امرأتين وبضعة أولاد، ولم يكن في الأرز ~~غيرهم، فسألاها فأجابتهما أن قوما كانوا نازلين في ms45 الأرز قوضوا خيامهم في ذلك الصباح ~~وساروا في جهة الجنوب؛ ليقيموا هناك يوما أو يومين. # فاستاء الرفيقان من ذلك؛ لأنهما لم يجلبا غطاء ولا فراشا، ولكنهما تذكرا الكنيسة؛ لأن ~~المسافرين ينامون فيها، فقيل لهما إن أمين مفاتيحها غائب ولا يعود إلا في اليوم ~~التالي. # وكان قد أمسى المساء وهبط الظلام، وبرد ~~الهواء بردا قارصا، فصار كليم وسليم يضحكان من نفسهما؛ لأنهما سيضطران إلى النوم على أديم ~~الأرض تحت السماء! # 1 # ولكن جوعهما ذكرهما بالطعام قبل الرقاد، فاختارا أرزة عظيمة قائمة بجانب ~~الغرفة المذكورة إلى الشمال، فبسطا تحت جذعها بساطا كان معهما، وتناولا طعامهما من الخرج ~~وجلسا، فجلس بطرس بجانبهما يأكل معهما، وكانت السيدتان صاحبتي ذوق فأحضرت إحداهما قشا ~~وحطبا، وأشعلته بجانب كليم وسليم لطرد البرد والظلام. # أما بطرس ففي أثناء ذلك كان يقول للسيدتين وفمه ممتلئ بالطعام: عافاكم عافاكم. كأن السيدة ~~صنعت ذلك إكراما له. # ولما حان وقت الرقاد بسط الرفيقان بساطهما بجانب جذع الأرزة؛ ليتقيا به الريح الباردة ~~التي كانت تهب من المشرق واردة من قمم رأس القضيب وفم الميزاب، ووضع كل واحد منهما كيسي ~~الخرج تحت رأسه وتغطيا بغطاء خفيف كان معهما اتفاقا. # ويظهر أن غربان الأرز كانت تنظر إليهما حينئذ من أعلى الأشجار؛ لأن اثنين منهما أخذا ~~ينعقان، فخيل للرفيقين أن صوتهما عبارة عن قهقهة وضحك من نومهما على هذا الفراش. # ولما درت السيدتان أن الرفيقين سينامان تلك (النومة المكربة)، خرجتا إليهما ودعتاهما إلى ~~النوم في الغرفة خوفا عليهما من البرد، فامتنع سليم وكليم عن ذلك تأدبا؛ إذ لم يكن مع ~~السيدتين رجال، ولكن صاحبنا بطرس دب حينئذ في جسمه برد شديد، وصار لا يطيق النوم في ~~الخلاء، فقال: أنا أقبل دعوتكما بشكر. ثم حمل غطاءه واتجه نحو الغرفة، فصاح به سليم وكليم: ~~يا بطرس، كيف تترك بغليك خارجا؟ ألا تخاف عليهما من ذئب أو ضبع؟ فأجاب: لا؛ فإنكما على ~~مقربة منهما ... # فقال سليم حينئذ: كثر الله خيرك. أما كليم فإنه كان يقهقه ويقول لرفيقه: ضبط إذا ms46 ~~كنت تقدر على مبادئ الديموقراطية التي تدعو إليها. # وهكذا نام بطرس في الغرفة مع السيدتين وبقي سليم وكليم في البرد والظلام يحرسان نفسيهما ~~والبغلين. # وفي الحقيقة إن الرفيقين لم يناما في تلك الليلة نوما هنيئا، فكانا كالأسد ينامان بعين ~~ويسهران بعين خوفا من الطوارئ، وكان ذلك السكون التام في هدوء الليل وسط جبال شاهقة وأحراش ~~متسعة وجهات مقفرة؛ مما تجعل نفس أقوى الأقوياء في حذر دائم، سواء كان ذلك من اللصوص أو ~~الوحوش. # ويظهر أن خوف سليم وكليم كان في محله، فإنه لم تدخل الساعة الثالثة بعد نصف ~~الليل حتى انتبه سليم على صوت فرقعة، فرفع رأسه قليلا فلم ير شيئا، ولكنه سمع صوتا ~~كصوت كلب يقضم عظما، ثم تلا ذلك صوت البغلين يرفسان ويجفلان، وقد قطعا قيادهما وأخذا ~~يهيمان بين أشجار الأرز، فحينئذ انتبه بطرس وخرج من الغرفة وصاح: ذئب! ذئب! فهب الرفيقان ~~مذعورين؛ إذ لم يكن في يدهما سلاح حتى ولا سكين تجرح، ولكن من حسن الحظ كان لدى السيدتين ~~بندقيتان لرجلهما الذي كان قد سافر إلى بشري في ذلك اليوم، فتسلح سليم وكليم بالبندقيتين، ~~وبذلك عادت إليهما قوة الأبطال. # ولما لم ير للذئب أثر قضى الجماعة بقية الليل في السهر خوفا من غدره، فلم يلبث الصباح ~~أن ذر قرنه وهبت نسماته أبرد من الثلج، وانتبهت الطيور في أعالي الأشجار تستقبل الفجر ~~بأصواتها المختلفة، فقال سليم لرفيقه: لا أعلم كيف تطلع علينا شمس الغد؟ فإننا تعبنا وسهرنا ~~ونمنا في البرد. ولكن لما أصبح الصباح وتعارفت الوجوه هب سليم وكليم يمشيان بقوة ونشاط فوق ~~العادة، فاستغربا ذلك، وعجبا من جودة ذلك الهواء النقي الخارج من يد الله كما صنعه الله، ~~يجدد القوى ويملأ النفس نشاطا وارتياحا. # وبعد أن غسل الرفيقان وجهيهما بماء يستقى من نبع قريب من الأرز قال سليم: إن هذا الذئب ~~قد أخافنا في الليل وأنا من المغرمين بالصيد، فهلم بنا نأخذ البندقيتين وشيئا من الرصاص، ~~ونصعد إلى الجبال التي فوقنا، فإننا نصطاد فيها ونتفرج بمشاهدتها، ونروض ms47 أجسامنا باجتيازها، ~~ونتغذى من لبان المواشي التي ترعى بها، وإذا وجدنا الذئب في طريقنا فالويل له. # فطاوعه كليم على ذلك فأخذا البندقيتين وسارا وقد تركا بطرس في الأرز في أحسن رفقة على أن ~~يعودا في المساء، وكان اتجاههما إلى جهة الشرق نحو رأس القضيب وراء الأرز، وهو جبل مشرف ~~عليه، وعلوه نحو 9 آلاف متر عن سطح البحر. وهو مقابل «لفم الميزاب» الذي يعلوه ألف ~~قدم. # | هوامش # الفصل الحادي عشر # | الوحش . الوحش . الوحش # ملك رأس القضيب وفم الميزاب # وقطع الرفيقان المسافة بين الأرز وسفح الجبل يصطادان ما يجدانه، فأصابا غرابين وثعلبا، ~~وبينما كانا واقفين على أحد الرعاة يحلب لهما لبنا، وإذا بالراعي صفر صفيرا شديدا، ~~فهبت كلابه كالبرق الخاطف، ثم أشار الراعي إلى سفح الجبل، وقال: أنظرتم ذلك الذئب؟ # فأبصر الرفيقان حينئذ شبحا بعيدا هيئته كهيئة الكلب يثب من صخرة إلى صخرة في سفح ~~الجبل. # فشرب سليم وكليم لبن الشاة على عجل ثم اتجها نحو الذئب. # وكانت الشمس قد ظهرت حينئذ من وراء الجبال العالية فصار الجبل (يدخن) من تأثير حرارتها، ~~فضحك كليم وقال: اصعد فهذا طور سيناء يعممه الضباب. فقال سليم: لا تشغلنا بالمزاح الآن ~~وإلا فاتنا الذئب. ويظهر أن الذئب قد رآهما؛ لأنه أخذ يعدو عدوا سريعا موغلا في ~~الجبل. # فجد سليم وكليم في طلبه، وهو تارة يظهر وطورا يغيب، واستمر على ذلك نحو نصف ساعة حتى ~~كلت قواهما، وكان الذئب يتلفت ثم يجد في العدو فيخيل لهما حين لفتته أنه يضحك ~~منهما، ويقول لهما: «أراه غباري ثم قال لها الحق.» # ولكن هذا الطراد لم يستمر وقتا طويلا، فإن الضباب كان قد تكاثف على الجبال المجاورة، ~~وصارت الريح تسفيه نحو سليم وكليم، ولم يمض ربع ساعة حتى أقبل عليهما مسرعا، وغطى الجبل ~~وأحاط بهما من كل جانب، فلم يعودا يعرفان الطريق، # 1 # وكانا قد قطعا ثلثي الجبل والذئب أمامهما، ولا تخلو تلك الأماكن المقفرة من ~~غيره من الوحوش، فصارا يسيران رجوعا على غير هدى راضيين من الغنيمة بالإياب، ms48 سالمين من ~~مفاجأة الوحوش والذئاب؛ لأنهما كانا لا ينظران شيئا أبعد من عشرين قدما، فأشبها في هذه ~~الحالة رجلين مكتوفين ملقيين لسباع البر؛ لأن سلاحهما وأيديهما التي كانا يعتمدان عليها لم ~~تعد تجديهما نفعا. # وكانا من حين إلى حين يطلقان بندقيتهما في الفضاء إرهابا وإبعادا للوحوش عنهما. # وبينما هما سائران كعميان يتلمسون الطريق، وقد تكاثف الضباب فيها حتى لم يعد يرى أحدهما ~~موضع قدمه، وإذ هوت أقدامهما في واد صغير فسقطا، وانطلقت البندقيتان في سقوطهما، ولولا ~~رحمة الله لقتلتهما، ولكنهما لم يكادا ينهضان مترضضين حتى سمعا طلقا ناريا قريبا منهما ~~في بطن الوادي وصائح يصيح بصوت أجش: الوحش الوحش الوحش. # فانقطعت حينئذ أنفاسهما وجمدا في مكانهما يتوقعان أمرا جديدا. # فلم يلبث أن لاحت لهما من خلال الضباب المتكاثف على قيد ذراعين منهما صورة هائلة. # فإن وحشا هائل الجثة منتصبا على قدميه مغطى جسمه بالشعر، وله وجه كوجوه البشر حوله شعر ~~كثيف طويل ولحية مخيفة، كان واقفا أمامهما وقفة الأسد ينتظر فريسته. # فكاد دمهما حينئذ يجمد في عروقهما خوفا وجزعا، ومد سليم يده إلى بندقيته، ولكنه تذكر ~~أنها كانت فارغة. # أما ذلك الشخص الهائل، فكأنه فهم فكر سليم، فرفع بندقيته في الفضاء كتهديد وإنذار، وصاح ~~بصوته الأجش: الوحش الوحش الوحش، فعجب حينئذ سليم وكليم من أن ذلك المخلوق الغريب قادر على ~~النطق كالبشر، فرأيا حينئذ وجوب المجاملة، فأخفيا جزعهما وابتسما، وقال كليم: العوافي ~~يا عم. # فأجاب ذلك المخلوق الهائل: الله يعافيك، ماذا تفعلون هنا؟ # فثاب الرشد حينئذ إلى سليم وكليم وتحركت نفسهما للدخول في الحديث معه، فأجابا: نحن نتصيد ~~وقد فاجأنا الضباب وأدركنا الجوع، فهل لديك طعام؟ # فقال الرجل: عندي طعام، ولكن لماذا دخلتم إلى هنا من غير إذن مني؟ # فقال سليم: كنا قادمين لاستئذانك، فالحمد لله أننا لقيناك هنا. # فقال الرجل: فإياكم مرة أخرى أن تدخلوا هذا المكان من غير إذني. # فأجاب سليم وكليم: أمرك يا عم. # وفي هذا الحين هبت ريح شديدة من جهة الشرق، فكنست الضباب عن الجبل ms49 ودفعته إلى جهة ~~الأرز، فانجلى المكان للأنظار، فوجد سليم وكليم نفسيهما في واد صغير واسع الأديم، وعليه في ~~جانبه العالي كوخ صغير مستور عن الأنظار لأنه على مساواة الجبل. # فمشى الرجل الهائل نحو الكوخ قائلا: تعالوا لأطعمكم. فخيل لسليم أنه قال: تعالوا ~~لأكلمكم. لأنه خاف عاقبة السير معه إلى حيث يقصد، وذكر في تلك اللحظة حكايات الغول والجن ~~التي سمعها في صغره من العجائز والشيوخ، وكيف أنها تأكل الناس، فقال لرفيقه مازحا في إبان ~~الخطر إظهارا للقوة: ما جئنا نسمن أجسامنا في الأرز لكي نجعلها طعاما لوحش كهذا ~~الوحش. # وكان الرجل الهائل قد بلغ كوخه في طرف الوادي ودخله، ثم خرج ومعه بيضتان وكسرتا خبز، ~~فوضعهما على حجرين بإزاء الكوخ، وأومأ إلى الرفيقين قائلا: تعالوا كلوا. # وكان سليم وكليم لا يزالان جامدين في مكانهما يتشاغلان بإصلاح ملابسهما، فلم يريا مناصا ~~من إجابة الرجل إلى دعوته، فتقدما نحو الحجرين بجانب الكوخ وجلسا، أما الرجل فإنه جلس ~~بإزائهما بعيدا عنهما نحو ثلاثة أمتار. # فحدق به الرفيقان هذه المرة جيدا فذهب عنهما حينئذ شيء من الجزع والخوف، فإن ذلك الرجل ~~كان إنسانا لا يختلف عن باقي البشر، إلا بكونه يلبس رداء مصنوعا من جلود الغنم إلى ~~ركبتيه، وليس على جسمه لباس غيره، وكان وجهه محاطا بشعر كثيف طويل شاب أكثره، ولكن في ~~عينيه وملامحه دلائل الهدوء والتأمل والانكسار. وما هذه بعلامات الوحوش أو قطاع السبيل؛ ~~فسكن حينئذ بال الرفيقين، وقال سليم لكليم: هلم ندخل معه في الحديث، فإنني أرى لهذا ~~الرجل شأنا يذكر. # فالتفت إليه كليم وقال: هل مضى عليك وقت طويل في هذا المكان يا عم؟ وكان الرجل حينئذ ~~مطرقا إلى الأرض يتأمل ويفكر بما قام في نفسه لدى مشاهدته هؤلاء البشر القادمين من المدن، ~~فرفع رأسه لسؤال كليم وأدار فيه عينين متحمستين وأجاب: أقيم هنا من حينما جئت إلى هنا. ~~فقال سليم: ومتى جئت إلى هنا؟ فتنهد الرجل وأجاب: من حين تكوين العالم. # فنظر سليم إلى رفيقه بدهشة، فقال الرجل: ما ms50 لك لا تصدقني؟ قلت لك إنني هنا من حين تكوين ~~العالم، فإذا كنت نبيها فافهم، وإلا فاسكت وأرحني. # فقال كليم: عفوا يا عم واسمح لي أن أكلمك بحرية، إننا حين نظرناك أول مرة دهشنا لإقامتك ~~منفردا في هذا المكان، أما الآن فيظهر لنا من كلامك أنك في شأن عظيم، فهل تكرم علينا ~~وتفيدنا شيئا؟ # فلما سمع الشيخ هذا الكلام اللين أطرق إلى الأرض بانكسار وصار يفكر، ثم رفع رأسه وقال: ~~إنني مسرور من لطفك ولين كلامك، وهذه أول مرة في حياتي أرى رجلا عاقلا، ولكن اعذرني فإن ~~سري هائل. # فازداد سليم وكليم رغبة في الوقوف على خبر هذا الرجل الغريب، فقال سليم: نحن أولادك يا عم ~~فلا تحذر منا. # فلما سمع الشيخ كلمة (أولادك) أجفل ونهض كأن أفعى لسعته، وبدا الغضب في وجهه فقال: لا ~~لا، ليس لي أولاد ولا أريد أن يكون لي أولاد. # فقال كليم لرفيقه: لقد هدمت ما بنيناه. ثم التفت إلى الشيخ، وقال: الحق أقوله لك يا ~~عم، إنني لا أستطيع كتمان ما في نفسي، فلا تغضب علينا ودعنا نستفيد منك، إنني أرى في أمرك ~~شيئا مدهشا، ويخيل لي أنني أقرأه في عينيك، فأستحلفك باسم الله أن لا تحرمنا من ~~الفائدة. # فلما فاه كليم بكلمة (الله) أحنى الشيخ عنقه، وجثا على الأرض وعفر خده بالتراب وهو مطبق ~~العينين. # فقال كليم لرفيقه همسا: لقد قبضنا على شيء. ثم قال للشيخ: فالله - سبحانه وتعالى - قد ~~هيأ لنا اليوم فرصة لقياك، ولا ريب أن ذلك بتدبير منه وعناية خصوصية، فهل لك أن تطلعنا ~~على سبب إقامتك هنا إنفاذا لإرادة الله؟ # فرفع الشيخ رأسه واستوى جالسا، ثم قال: نعم، ربما كان لله إرادة بهذا الأمر، ولا أخفي ~~عنكم أنني في الليالي الأخيرة سمعت مرارا صائحا يصيح: قد انتهى قد انتهى. # أجل يا إخوان، لقد انتهى ملك الشر والظلم والكذب والرياء والاعتداء في العالم الفاسد، إن ~~الفأس قد وضعت على أصل الشجرة، فكل شجرة لا تثمر ثمرا صالحا تقطع وتلقى في ms51 النار. # انظروا هذه المملكة الواسعة التي أمامنا، هذه هي العالم الحقيقي؛ ولذلك قلت لكم إنني ههنا ~~منذ تكوين العالم، فأنا الآن هنا أكون العالم الحقيقي الذي يسود فيه الخير والصلاح، وقد ~~مرت علي سنوات عديدة أهذبه وأؤدبه، فتم لي ذلك بمعونة الله تعالى، وإذا فتشتم هذه ~~الأقطار كلها لا تجدون فيها بين سكانها أثرا لفظائع العالم وشروره الهائلة. # فقال سليم همسا: نعم، لا نجد فيه شيئا حتى ولا سكان. فأجاب كليم همسا أيضا: يظهر أن ~~صاحبنا مجنون. # ثم التفت كليم إلى الشيخ وقال: إنني أعجب يا عم كيف استطعت تهذيب هذه المملكة مع أن ~~الملوك عجزوا حتى الآن عن تهذيب ممالكهم؟ # فصاح الشيخ حينئذ بغضب: ويل للملوك ولترتجف عروشهم من غضب الله، ولو كان أصغر الملوك ~~يصنع بمملكته ما صنعته بمملكتي لما بقي فيها شر، فإنني سألت نفسي حين تسلمت هذه ~~المملكة: ما هو أصل الشر؟ فرأيت أن (أصله الوحش الذي في الإنسان)، فإنكم تعلمون أن في ~~الإنسان شيئين: الوحش والإنسان، فالوحش يطلب كل شيء لنفسه ولو مات غيره، والإنسان يشفق على ~~نفسه وعلى غيره أيضا؛ فقلت إن رأس واجباتي كملك لهذه الديار قتل الوحوش لاستئصال الشر، ~~فاقتنيت هذه البندقية، وقد اشتريتها بجلود عشرين ذئبا وأسدين وخمسين ثعلبا وعشر ضباع، ~~وكنت أجلس على هذه الرابية، وكلما رأيت أحدا يعتدي على غيره - أي كلما رأيت الوحش يطمع في ~~ما هو لغيره - قتلته برصاصة واحدة، ففي بدء الأمر قتلت مئات ثم عشرات، أما الآن فقد تناقص ~~الشر، وقلما أقتل في الشهر واحدا. # فارتعدت حينئذ فرائص سليم وكليم، وتحققا جنون ذلك الشيخ التعيس، وصار همهما إظهار التقوى ~~والصلاح والقداسة؛ لئلا يلحقهما بمن فتك بهم جنونه من قبل، أما الشيخ فكان في هذا الحين ~~يسرح نظره في مملكته الواسعة، وإذا به قد صرخ بغتة بصوت كصوت الوحش: الوحش الوحش الوحش، ~~وقام يعدو وبندقيته في يده، فالتفت كليم وسليم وهما مدهوشان إلى الجهة التي سار فيها، فنظرا ~~على أكمة قريبة ذئبين يتقاتلان، فلما خرج الشيخ ms52 من واديه أطلق على الذئبين طلقين فصرعهما ~~بالحال، ثم أسرع إليهما فأجهز عليهما وجرهما إلى كوخه وطرحهما أمام سليم وكليم وهو يضحك ~~لفوزه ويقول: كلاهما معتد فأرحنا المملكة منهما. # فتنفس حينئذ سليم وكليم الصعداء؛ لأنهما علما أنه إنما كان يقصد بكلامه الحيوانات لا ~~البشر، وقال كليم حينئذ للشيخ الذي كان يحشو بندقيته: لقد أدهشتنا يا عم بقوتك ونشاطك ~~وصلاحك، فلماذا لا تذهب معنا إلى المدن لمحاربة الشر هناك وتكوين العالم الحقيقي فيها؟ إن ~~مدننا الفظيعة القبيحة محتاجة إلى الإصلاح، فلماذا تحرمها من مساعدتك؟ # فعبس الشيخ حينئذ وقال وشرر الغضب تتطاير من عينيه: المدن! ويل للمدن! وويل لي إذا ~~دخلت المدن! فإنني لا أقدر على جمع الوحوش التي فيها؛ إذ ليس لي غير يدين، ولا أقدر أن أمسك ~~بهما أكثر من بندقية واحدة، وبندقية واحدة لا تكفي لإخضاع الوحوش الذين فيها، آه من المدن ~~ومن العذاب الذي ذقته في المدن! لا تصدقوا أنني ولدت هنا، بل إنني ولدت في المدن، وعشت في ~~المدن. ولكن الوحوش فيها أكلتني وطحنتني ففررت منها، كلا يا إخوان، إن صحبة الذئاب والضباع ~~والنمورة في البر أفضل من صحبة الإنسان في المدن، ولكن لا بأس ستأتي نوبة المدن، وحينئذ ~~أدخل إليها - بإذن الله - دخول المنتقم لله من وحوشها الضارية. # فقال سليم: ومتى يكون ذلك يا عماه؟ فقال الشيخ: أما سمعت ما قلته من أن الأمر قد ~~انتهى. # فمنذ هذا الحين وقف سليم وكليم على حقيقة ذلك التعيس، فعلما أنه رجل أضاع صوابه لظلم ~~أصابه، فبرح بلدته وأقام في تلك الجهات المقفرة، وهو يعتقد أن الله ولاه عليها لمحق الظلم ~~والشر ثم يملكه المدن لاستئصالهما منها أيضا. # وقد افتقد سليم وكليم كوخه ومعيشته فوجدا أنه يعيش في أشد الحالات، ورب يوم لا يتناول ~~فيه غير كسرة خبز أسود يصنعه من دقيق يعجنه، ويشويه على النار، أو قطعة من لحم الوحوش ~~(المعتدية) التي يصطادها، وكان يمر عليه في زمن الثلج والشتاء عدة أيام مخبوءا في كوخه ~~الحقير لا يخرج ms53 منه لتراكم الثلج عليه في ذلك الجبل، وكان قد تعود احتمال البرد ~~كالحيوانات، فإذا ذاب الثلج قليلا زحف من كوخه وخرج على الثلوج يسير عليها زلقا لا مشيا، ~~كأنه سائح فوق ثلوج القطبين. # فأشفق كليم وسليم أشد إشفاق على ذلك الرجل الذي يعيش في شيخوخته هذه المعيشة القاسية، ~~فصارا يفكران في سبيل لنفعه، وقبل توديعه عرضا عليه نقودا وسألاه ماذا يتمنى، فرد ~~النقود بعظمة ضاحكا، وقال: ماذا أفعل هنا بالمال؟! أما حاجتي فهي أن لا تطلقا النار في ~~مملكتي على أحد إلا إذا كان ظالما معتديا، وإلا اضطررت إلى تأديبكما. # فأخبره حينئذ سليم وهو يضحك في نفسه أنهما لم يطاردا الذئب إلا لأنه هجم عليهما تلك ~~الليلة في الأرز. فقال له الشيخ: إنني أعرف هذا الوحش وهو يسمى (أبا اليد الحمراء) فسأؤدبه ~~قريبا. # | هوامش # الفصل الثاني عشر # | الجميع في الأرز # ونزل سليم وكليم من رأس القضيب بعد أن وعدا ذلك الشيخ التعيس بأن يعودا إليه لزيارته ما ~~داما مقيمين في الأرز. # وفيما هما منحدران أخذا يتحدثان في أمر هذا الرجل، فقال سليم: لم تبق لدينا شبهة في أنه ~~مجنون، ولكن هل رأيت كيف أن جنونه منصرف إلى أهم مسألة؟ فقال: أي مسألة تعني؟ فقال: مسألة ~~رفع الظلم والضغط عن الناس، فهو يسمي (الوحش) كل عاطفة رديئة تحمل الحي على إضرار حي آخر، ~~والاعتداء عليه طمعا في الفائدة لنفسه، فيا للحكمة والفلسفة في أفواه المجانين! وعندي أن ~~هذا الرجل لم يدرك هذه الحقيقة إلا بالاختبار والمصائب، فيظهر أنه كان تعيسا جدا في ~~حياته، في وطنه كما قال، حتى انصرف جنونه إلى هذه الجهة. فقال كليم: سننبش ذلك في زيارتنا ~~الثانية. # وما قرب الرفيقان من حرش الأرز حتى سمعا ضجة شديدة، وأبصرا الناس جماهير جماهير حول ~~الحرش وداخله، وكانوا بين فتيان وفتيات ورجال ونساء، وهم يبلغون نحو ألف شخص. # فعجب الرفيقان من ذلك، ولما وصلا إلى الحرش دخلا بين الناس، واستخبرا الخبر فعلما ما ~~يلي: # لما وصل الخواجه كلدن وزوجته إلى الحدث ms54 لم يعجب المكان السيدة إميليا؛ لأنها كانت مضطربة ~~النفس في سياحتها لا يعجبها شيء، فتضجرت وقالت: إن جبال كاليفورنيا أجمل من هذه الجبال. ~~فأمر زوجها رجاله بالمبيت في الحدث تلك الليلة للراحة فقط، وبالسفر إلى الأرز في اليوم ~~التالي؛ لأنه كان على ثقة من رضى إميليا عن الأرز أكثر من الحدث. # وفي المساء بلغ إميليا رغبة بعض الأهالي في أن يصنع زوجها (نهاره) عندهم فضحكت، وأبلغت ~~زوجها هذا الخبر، وكان كلدن يعلم أن ذلك يسر زوجته جدا لميلها بالطبع إلى الشرقيين ~~أبناء وطنها، فأمر وكيله أن يعد له ريالات عثمانية بقيمة ألف جنيه، وقال لأبي مرعب ~~وقومه: «يس يس سنامل يووم كلدن في الهرز.» يعني: سنعمل يوم كلدن في الأرز. # ولم ينتصف الليل حتى صار عدد المتوافدين على الأرز نحو ألفي شخص، فلما رآهم سليم وكليم ~~يتمددون على الأرض للرقاد بدون غطاء ولا فراش قال سليم لكليم: نحن ظننا أننا صنعنا أمس صنع ~~الأبطال بنومنا تحت الأشجار على خرج تحت غطاء خفيف، فانظر إلى أصحابنا القرويين، فإنهم ~~ينامون بلا خرج ولا غطاء كأن الأمر عندهم في غاية البساطة. # فأجاب كليم: هذا مصداق لقول روسو: يجب أن لا يربى الإنسان كشجرة تعيش في هذا الإقليم ولا ~~تعيش في ذاك، بل يجب أن يجعل قادرا على المعيشة في كل الأقاليم، فحيثما ألقيته جاء ~~واقفا على قدميه نشيطا قويا قادرا على احتمال كل تقلبات الحياة. # الفصل الثالث عشر # | كيف يكون غضب النساء؟ # وفي الصباح انتبه المستر كلدن مع غربان الأرز؛ لأنه - كجميع الرجال النشيطين - اعتاد ~~التبكير، ولما نهض استدعى كاتم أسراره المستر كرنيجي وسأله: هل انتبهت لادي كلدن؟ فأجاب: ~~كلا. فقال كلدن: خذ كرسيا يا مستر كرنيجي واجلس، هل ورد البريد الأخير؟ فأجاب كاتم ~~الأسرار: نعم يا سر، قد أخذناه في الحدث، وهذه بضع رسائل تقتضي الجواب. فتناولها المستر ~~كلدن بنشاط وأجال نظره فيها. # وبعد حين سأله: من هو كاتب هذا الكتاب؟ فأجاب كرنيجي: هو تاجر مشهور في بيروت، وهو يقول ~~في ختامه ms55 إنه قادم لمقابلتكم للترحيب بكم والاتفاق معكم على الشروط. فقال كلدن: وما رأيك في ~~طلبه؟ فقال كرنيجي: بما أنكم عزمتم على احتكار الشرانق والحرير في العالم، فمن الصواب أن ~~تجعلوا لكم وكيلا وطنيا في سوريا ولبنان لابتياع الموسم. # فقال كلدن: وهل هذا الرجل مشهود بأمانته واستقامته؟ فضحك كرنيجي وقال: لقد أرسل مع كتابه ~~شهادات من أعظم الرؤساء الدينيين والمدنيين حتى من بعض قناصلنا. وهذه الشهادات. # ثم إن كاتم الأسرار ألقاها على مائدة في وسط الخيمة. # وكانت هذه الخيمة منصوبة بجانب خيمة لادي كلدن وابنتيها، فيظهر أن حديث الرجلين نبه ~~اللادي من نومها. فإنها في ذلك الحين أزاحت باب الخيمة، وظهرت بثوب النوم باسمة مسرورة ~~موردة الخدين، كأنها وردة رطيبة برزت من وراء غصنها، فقام إليها المستر كلدن مسرورا ~~لسرورها، فقبلها قبلة شهية في الصباح وأدخلها خيمته؛ لأن البرد كان قارصا في الخارج، ~~فخرج حينئذ كرنيجي من الخيمة، فسألها كلدن: كيف ترين الأرز؟ فأجابت: هذه أول مرة سررت فيها ~~بسياحتنا، ولولا هذا المكان الجليل الجميل لأسفت على انتقالنا من أميركا. فقال كلدن: الحمد ~~لله، الحمد الله، وهل ذهبت الأفكار السوداء؟ فعبست إميليا وقالت: بحياتك لا تذكرني بها، ~~آه لو تعلم الحلم الجميل الذي رأيته في هذا الليل. فقال: ماذا رأيت؟ فقالت وقد بدت الدموع ~~في عينيها: رأيته في السماء لابسا ملابس الملائكة وهو يبتسم لي ويقول: رضي الله عنك، رضي ~~الله عنك. لا تحزني فإنني استرحت هنا بعد عذابي في الأرض. # وهنا أغرقت إميليا في البكاء، فأكبت على المائدة التي في وسط الخيمة، وصارت تذرف الدموع، ~~فلام المستر كلدن نفسه لأنه فتح هذا الباب، ورغبة في صرفها عنه مال إليها ملاطفا ومتوجعا ~~وهو يقول: بحياة عينيك يا حبيبتي لا تنغصي عيشنا في هذا اليوم الجميل، ولا تهيجي عينيك ~~بالبكاء، فعليك مقابلة الناس. فرفعت رأسها وقالت: أي ناس؟ فقال: إنك ستصنعين يوم (كلدن) ~~بيدك، فتكون الهبة أكثر قيمة وأشد تأثيرا؛ إذ شتان بين يدك البيضاء الجميلة ويدي الخشنة، ~~وفضلا عن ذلك فإن ms56 تاجرا مشهورا من أبناء وطنك سيزورنا اليوم. فقالت بدهشة: أي تاجر؟ ~~فقال: هو تاجر من بيروت يطلب أن يكون وكيل أشغالنا التجارية في الشرق كله، وهذا كتابه ~~وشهاداته أمامك على المائدة. # فمدت إميليا يدها إلى الأوراق وأدارتها لترى التوقيع الذي على الكتاب، وحينئذ صاحت صيحة ~~من أعماق قلبها، ووثبت مجفلة كأن حية لسعتها، فأجفل المستر كلدن وعرته دهشة عظيمة فصاح: ~~ما بك؟ ما بك؟ # أما إميليا فكانت منتصبة بهياج شديد وراء المائدة ووجهها كوجوه الأموات لاصفراره، فهال ~~منظرها المستر كلدن وحسب أنها جنت، فصاح: بحياتك إميليا قولي ما بك. # فصاحت حينئذ إميليا بصوت كصوت لبوة هوجمت أشبالها: من أوصل هذه الأوراق إلى هنا؟ فقال ~~كلدن: هل تعرفين صاحبها؟ فصاحت إميليا: يسألني هل أعرفه! ومن ذا الذي لا يعرف الذئاب ~~والوحوش الضارية؟! ماذا يريد هذا الرجل منا؟! أما كفاه أنه سمم أول حياتي فجاء الآن يسمم ~~آخرها؟! # ففهم كلدن حينئذ أن في المسألة سرا، فقال لها بلطف: عفوا يا إميليا هدئي بالك ~~واجلسي لنتحادث في هذا الشأن بهدوء، ولا يكون إلا ما تحبين. # فقالت إميليا: لا لا. لا أريد أن أتكلم عن هذا الرجل، ولا أن أسمع اسمه، ولا أن أرى وجهه. ~~حبيبي جورج، اقتلني ولا تجعل له في حياتي ذكرا بعد اليوم؛ لأنه يسمم حياتي، إنني أرى ~~دهشتك الآن وأعلم ماذا تقول في نفسك، إنك تقول: لم أعهد إميليا رديئة القلب إلى هذا الحد، ~~فإنها من الذين يصفحون ويحلمون ويحبون أعداءهم ويباركون مبغضيهم، فما بالها الآن عمدت إلى ~~الرداءة والخبث؟! لا لا يا حبيبي، لست رديئة ولا خبيثة، وإنما أنا فتاة ذاقت من هذا الرجل ~~ما لم تذقه الفرائس من الوحوش، فأنا أغتفر كل الذنوب والآثام، وأصفح عن الإساءات إلا عن ~~إساءة هذا الوحش، وإذا كان الله يكتب علي هذه العاطفة الرديئة، فإنني أفضل دخول جهنم على ~~الصفح عن هذا الرجل. # وكانت إميليا حينئذ في حالة لو رآها رافاييل لعض أصابعه تحسرا على أنه لم يظفر بمثلها ~~في حياته ليصور ms57 بتصويرها أجمل سيدة في أجمل غضب. ولو سمعها الناصري لعلم مبلغ ظلامتها من ~~مبلغ تأثرها، وحينئذ يقول لها: أيتها المرأة، مغفورة لك خطيئتك. # أما كلدن فإنه صار يضحك بعد وقوفه على حقيقة المسألة فقال لها: أنا لا أسيء الظن بك؛ ~~لأنني أعرف قلبك. فاجلسي وقصي علي القصة من أولها، ثم إن غضبك في غير محله ؛ فإن الغضب ~~يكون عادة سلاح الضعفاء المغلوبين لا الأقوياء، وهو الآن ضعيف بالنسبة إلينا؛ لأنه جاء يرجو ~~منا لنجعله وكيل أشغالنا. فصاحت إميليا: كما كان وكيل أشغالنا. فقال كلدن: إذن فاضحكي يا ~~عزيزتي ضحك القوي الواثق بقوته وبحقه، المنتصر على خصمه، بدل أن تغضبي غضب الخوف والاهتمام ~~بما لا يستحق الاهتمام. # فسكن حينئذ جأش إميليا شيئا فشيئا، وجلست تقص عليه قصتها، فعلم كلدن أن الخواجه لوقا ~~طمعون هو الرجل الذي كان سبب مصابها ومصاب أهلها؛ فإنه كان أولا من أصدقاء أبيها، وكان ~~يتزلف إليه ويتقرب منه طمعا في الفائدة، وكان يتظاهر بأنه يريد الاقتران بابنته، فاصطفاه ~~أبوها وأطلعه على أشغاله وأسراره، وصار يعول على نصائحه وآرائه، ويمده بمساعدته نفعا له ~~وترويجا لأعماله، فاغتنم لوقا هذه الفرصة وغدر بالرجل ليبني أشغاله على أنقاض أشغاله، ويحل ~~محله في بلده، ويجمع لنفسه رأسمالا من رأسماله؛ فأدت دسائس لوقا لأبيها إلى خسارة أبيها ~~أمواله كلها وخراب محله وسقوط منزلته، فماتت أمها قهرا من هذه الحالة، وهي نفسها عزمت ~~يوما على الانتحار تخلصا من الفقر والضيق والجوع، فألقت نفسها في البحر، ولكنها أخرجت ~~قبل فراق الروح، فعدلت حينئذ عن الانتحار، وعزمت على الفرار من بلدها، ففرت وتركت أباها ~~وحيدا فريدا. # وهذا ما كان يطير صوابها، إلا أنها كانت تؤمل أن أباها يقدر أن يعيش براحة وحده في ~~منزله، فخاب أملها من سوء الحظ ونكد الطالع؛ لأن أصحاب الديون - بتحريض لوقا - استولوا على ~~المنزل وباعوه وطردوا الرجل منه. # وكان قصد لوقا من ذلك محو كل أثر لهذه العائلة وأثرها القديم؛ لأنها تذكره بحالته ~~القديمة، ومنذ هذا الحين لم تعد الفتاة تسمع ms58 شيئا عن أبيها، فكيف تستطيع الآن أن ترى وجه ~~ذلك الرجل الذي كان سببا في كل هذه الفظائع والمصائب؟! # ولكن ما أتت إميليا على آخر الكلام حتى علت في الأرز جلبة شديدة، وكثر الصياح والصراخ، ~~فخرج المستر كلدن من خيمته ليعلم السبب، فلقي سكرتيره المستر كرنيجي داخلا فسأله: ما ~~الخبر؟ فأجابه: قوم يتخاصمون ويتضاربون. # الفصل الرابع عشر # | مجنون ليلى وملك رأس القضيب # اجتماع جنونهما على واحد # وكان لتلك الجلبة والصياح سبب في غاية الأهمية، وإليك بيانه: # كان الخواجه لوقا طمعون المذكور آنفا تاجرا صغيرا في صيدا يرتزق من معاملة كبار ~~التجار، ولكن لم تمض عليه عدة سنوات حتى انتقل إلى بيروت؛ لأن صيدا ساقية لا تحمل سفينة ~~كبيرة، فوسع أشغاله في بيروت ما شاء التوسيع، ولكن دولاب حظه كان واقفا في تجارته مع ~~ذكائه ومهارته، ولولا اعتماده على أهل له في بيروت لما قامت له قائمة ولا قدر على أن يعمل ~~شيئا، فلما سمع بمجيء المستر كلدن الغني الأميركي المشهور الذي يملك الملايين، وعزمه على ~~إقامة وكيل له في الشرق للاعتماد عليه في تجارته الأميركية صادرا وواردا، علم أنه إذا نال ~~هذه الوكالة كانت له غنيمة عظيمة، فلم يدخر وسعا في ذلك، ولا ترك واسطة إلا استعملها، ولكن ~~لما قدم كلدن إلى بيروت لم يستطع لوقا مقابلته؛ لأن لادي كلدن أبت استقبال أحد في بيروت ~~كما تقدم، وسافرت منها في الحال، فعلم الخواجه لوقا أن صاحبه مسافر إلى الحدث، فركب مركبة ~~من بيروت قاصدا البترون، ومنها امتطى فرسا إلى الحدث، فلما وصل إليها قيل له إن الأميركي ~~سافر إلى الأرز فتبعه على الأثر. # وكان الخواجه لوقا كهلا في نحو الأربعين من العمر، وهو بدن ذو جسم قوي ولسان طلق، وكان ~~جريئا مع الضعفاء، ولكنه ضعيف مع الأقوياء، شأن أهل السياسة والدهاء، إلا أنه مع ضعفه مع ~~الأقوياء كان قادرا على مقابلة رجل كالمستر كلدن واستمالته وإرضائه. # وكان وصوله إلى الأرز قبل بزوغ الشمس، وكان كليم وسليم وأمين جالسين عندئذ على ms59 أكمة ~~صغيرة مشرفة على الطريق خارج الأرز. # فلما ظهر الخواجه لوقا في الطريق ارتجف أمين وقال لكليم: لا حول ولا قوة إلا بالله! ~~إن هذا الرجل الذي قطع حبل حياتي يتبعني أينما ذهبت. # وكان مخلوف المجنون قادما من الأرز في هذه الساعة نحو الرفاق الثلاثة، فلما وصل إليهم ~~كان الخواجه لوقا قد صار على مقربة منهم. # فالتفت مخلوف إلى القادم وهو ينشد حسب عادته: # جننا بليلى وهي جنت بغيرنا # وأخرى بنا مجنونة لا نريدها # ولكن ما وقع نظره على القادم حتى جمد في مكانه كأنه صنم أصم، ولولا تقليبه عينيه في ~~الرجل القادم لظن رفاقه أنه فارق الحياة وهو قائم على قدميه. # وبعد هذا الجمود برهة أسرع مخلوف وعينه تستطير شررا، فنزل عن الأكمة ووقف على الطريق، ~~فلما وصل إليه الراكب صاح مخلوف صيحة كعواء الكلاب والذئاب، وقال: هذا هو! ثم أطبق على ~~لوقا، فأخذ به وشده، فألقاه عن جواده على الأرض كالجذع الممدود، وجثم فوقه. # فهجم حينئذ المكاري وسليم وكليم ليرجعوه عنه، فكان مخلوف يصيح كالوحوش والزبد على شدقيه: ~~لا يرجعني عنه أحد غير الله ... قد أهلكني ... قد حرمني حياتي ... لولاه لما فرت حبيبتي ... ~~الانتقام ... الانتقام. # وكان عند كل كلمة من كلامه يضرب لوقا بقبضته ضربا شديدا، وهو كالجمل الهائج، وناهيك ~~بغضب المجانين! فأسرع الناس من جهات الأرز على صوته عشرات عشرات ومئات مئات، فتكاثروا عليه ~~وأنهضوه عن خصمه بعد جهد شديد، فانقلب مخلوف من الغضب على خصمه إلى الغضب على نفسه، وهو في ~~أشد حالات الجنون، فتناول حجرا وصار يضرب به نفسه ويلقي نفسه على الأرض ويقوم وهو يهذي ~~بهذا الكلام: مسكتك يا ظالم ... دعوني معه لأحاسبه ... مضت سنوات وأنا أفتش عليه ... هل يموت حق ~~حبيبتي ... ابعدوا وإلا قتلتكم كلكم ... اليوم يوم الثأر ... يا إلهي أرسل الآن صواعقك إذا كنت ~~عادلا ... صاعقة واحدة فقط ... تقتلني وتقتله. # وكأن الله أجابه إلى طلبه في هذه الساعة؛ فإن الناس الذين كانوا يمنعون عنه فريسته ~~تركوها، وأجفلوا راجعين القهقرى إجفال العصافير حين ms60 ظهور الباشق؛ ذلك أنهم شهدوا أمامهم ~~مشهدا مريعا، فإن وحشا بريا هائل المنظر كان قادما نحوهم وفي يده بندقية. # فالتفت سليم وكليم وصاحا: هذا صاحبنا، ما جاء به؟! أما مخلوف فإنه لم يهمه شيء من كل ذلك، ~~بل إنه لما رأى الجموع قد فرت من وجهه، وتركت الخواجه لوقا مشغولا بإصلاح ملابسه، هجم ~~عليه كالذئب وأخد بخناقه. # فحينئذ خرج من فم الوحش البشري القادم وفي يده بندقية - صوت أجش سمعه القارئ قبل الآن في ~~رأس القضيب، وهو صراخه: الوحش الوحش الوحش، ثم سدد بندقيته نحو مخلوف ليطلقها عليه. # فعلم سليم وكليم أن صاحبهما ملك رأس القضيب سيقتل مخلوف ولوقا معا إذا لم يدخلا بينهم ~~لاعتباره أن مخلوف ظالم عاد، كما كان يقتل الحيوانات التي تعتدي على رفاقها، فدخل سليم ~~وكليم حينئذ بين الفريقين، وواريا مخلوف ولوقا وراءهما، وصاح كليم: يا عم! دعه فنحن نؤدبه ~~ونأتيك به. # وكان مخلوف وخصمه يتصارعان حينئذ بقوة هائلة، والناس لا يجترئون على الدنو منهما ~~للدخول بينهما، ولكن حانت من مخلوف التفاتة، فأبصر ذلك الوحش البشري ينظر إليه وبندقيته ~~مسددة نحوه، فانتبهت فيه عاطفة الحرص على البقاء، فترك خصمه وخطا خطوتين نحو الشيخ الهائل ~~غضوبا، فتبعه سليم وكليم لئلا يقتله الشيخ. # ولكن ما تقدم مخلوف بضعة أمتار حتى وقف مدهوشا هذه المرة أيضا، وصرخ صرخة دوت لها ~~الجبال، ثم هجم على الشيخ صائحا: متى حاروم، حنا حاروم ... جئت في وقتك ... وفي يدك ~~بندقيتك ... انظر صاحبك لوقا طمعون ... # فلما سمع الشيخ الهائل اسم (لوقا طمعون) ظهرت الرعدة في جسمه، وجحظت عيناه واصطكت ركبتاه، ~~فهجم كالذئب نحو لوقا، وإذ عرفه زمجر كالأسد صائحا: يا لعيني إميليا ... حقا لقد انتهى. ~~ثم سدد البندقية نحو لوقا وأطلق النار عليه. # وكان أمين في تلك الساعة قريبا من لوقا، فلما أبصر الشيخ يسدد بندقيته إليه ويطلقها عليه ~~صاح من صميم قلبه: آه، لست أرضى عن انتقام كهذا. ثم سقط على الأرض مغمى عليه. # فصاح سليم وكليم وحارا فيما يفعلان، ~~أيسرعان لإغاثة أمين؟ ms61 أم لإنقاذ لوقا؟ فانفرد سليم وهرع نحو أمين، وأسرع كليم إلى الشيخ، ~~وكانت البندقية لم تنطلق من حسن الحظ؛ لأن الضباب كان قد رطب بيت البارود. # وكان الشيخ حين رأى أن بندقيته لم تنطلق قد هجم على لوقا طمعون، فتبعه مخلوف هاجما ~~لهجومه. # فكل من رأى ذئابا تهجم وأسودا تثب وضباعا تغضب يمكنه أن يتصور هجوم هذين التعيسين على ~~ذلك التعيس. # فصاح كليم بالجموع التي كانت تنظر إليهم من بعيد: إلينا يا شباب وساعدونا، فهذا وقت ~~المروءة. فهجم الناس لمساعدتهما، ولكنهم لم يستطيعوا الفصل بين المجنونين وفريستهما إلا ~~بجهد شديد، فذهب لوقا طمعون نحو خيام المستر كلدن والدماء تسيل من وجهه، والجماهير تتبعه ~~ليغسل جروحه، أما مخلوف والشيخ فقد أدركتهما نوبة الجنون حنقا لعجزهما عن خنق خصمهما، ~~فسقطا على الأرض مصروعين بلا حراك، فقيدهما كليم لئلا يضرا نفسيهما، ثم نقلهما إلى ~~الغرفة المقابلة للكنيسة، وأقفل الباب. # أما سليم فكان مشغولا في ذلك الحين بمعالجة أمين وتنبيهه من إغمائه، وإذ لم ينتبه نقله ~~سليم والمكاري إلى خيمة كانت لبعض المسافرين هناك، وقد تجمهر عليهم الناس يسألون: ماذا وقع ~~للمريض؟ # هذه هي الحادثة التي كانت سببا في الجلبة التي سمعها المستر كلدن، بينما كان يحادث ~~امرأته. # الفصل الخامس عشر # | ذئب لدى لبوة # موقف حرج # فهنا - وا أسفاه - لم تبق حاجة إلى شرح الحادثة التي تقدمت؛ لأن القارئ اللبيب فهم كل ~~تفاصيلها وروابطها وأسبابها، وعرف مبلغ تعاسة إميليا. # وما استقر المستر كرنيجي برهة في الخيمة مع المستر كلدن وزوجته حين دخوله عليهما - كما ~~تقدم - حتى دخل الترجمان يقول: إن رجلا يدعى الخواجه لوقا طمعون قد حضر من بيروت للسلام ~~على المستر كلدن. فعاد الاضطراب حينئذ إلى إميليا، ونهضت لتخرج إلى خيمتها، فأومأ إليها ~~المستر كلدن أن تبقى لتلتذ بمشاهدة خصمها، ثم همس بضع كلمات في أذن سكرتيره ليطلعه على ~~طرف من المسألة، وبعد ذلك قال للترجمان: قل للرجل أن يدخل. # فدخل لوقا طمعون باشا ضاحكا كأنه لم يصب بمكروه، فحيا أجمل تحية، فجاوبه ms62 المستر ~~كرنيجي، أما المستر كلدن فقد كان يتشاغل بتقليب الأوراق على المائدة، وأما إميليا فقد أدارت ~~ظهرها، وانحرفت نحو الظل وهي ترتجف من الغضب والحقد. # فساء لوقا هذا الاستقبال البارد فجلس منقبضا، وبعد أن دام السكوت دقيقة قال المستر كلدن ~~بنزق، وهو ينظر في الأوراق لا في وجه ضيفه: ماذا تريد حضرتك؟ فأجاب لوقا: لقد كتبت لجناب ~~السر أعرض عليه خدمتي في كل ما يريده في الشرق؛ إذ بلغني أنه يطلب وكيلا. فقال كلدن: ~~وكيف تريد أن أتخذك وكيلا من غير أن أعرف أمانتك واستقامتك؟ # فجرح هنا لوقا في صميم شرفه التجاري والأدبي، فصعد الدم إلى رأسه وأجاب: لقد قدمت ~~لحضرتك الشهادات الكافية، وفي جملتها شهادة رئيس ديني كبير. # فقهقه حينئذ كلدن بصوت عال وقال: شهادات؟! هل تريد أن أجعل أحد خدامي يجلب مثل هذه ~~الشهادات بعشرة ريالات فقط؟ ثم التفت إلى إميليا وقال: ما قولك مسز؟ هل تقبل منه هذه ~~الشهادات؟ # فلم تجاوب إميليا؛ لأنها كانت غير قادرة على الكلام، أما لوقا فعدل حينئذ عن مطلبه، فقال ~~بشيء من عزة النفس: عفوا يا سر، أنا سألت حضرتك سؤالا فإذا قبلتموه شكرتكم، وإذا رفضتموه ~~عدت من حيث أتيت مسرورا بأني تشرفت بمعرفتكم. # فحينئذ دبت الحماسة في صدر إميليا؛ لأنها شعرت بأن الخصم لا تزال له قوته التي سحقتها في ~~ما مضى، فعزمت على سحق هذه القوة للانتقام منها، فجمعت قواها كلها وقالت: إن طلب ~~المستر كلدن حق؛ إذ بلغته أعمالك في صيدا. # فقال لوقا في نفسه: الآن علمت سر المسألة، فإن أعدائي ومزاحمي سعوا بي لدى هؤلاء ~~الكرام؛ ولذلك أساؤوا استقبالي. ثم أجاب مبغوتا ومظهرا الدهشة: عفوا يا سيدتي الكريمة، ~~أية أعمال تعنين؟ إن جميع أهل صيدا يشهدون لي بحسن السيرة والسريرة والشرف، وإذا تفضلت ~~وأطلعت خادمك الأمين على الأقوال التي بلغتكم من حسادي وأعدائي، فإنني أنقضها كلها قولا ~~قولا. # فأجاب المستر كلدن حينئذ بحدة: أنا لا أحب كثرة الكلام يا مستر لوقا، فإذا شئت أن تكون ~~وكيلا لأشغالنا فجئنا ms63 بشهادة شرف واستقامة من الخواجه متى حاروم في صيدا. # فلو أن الصاعقة وقعت تحت قدمي لوقا لما أثرت فيه تأثير هذا الكلام، فنهض بحدة وصاح: لا ~~تصدق يا سيدي، لا تصدق كل ما سمعته، فإن هذا الرجل جاهل سيئ التدبير فخرب نفسه و... # فهنا لم تعد إميليا تستطيع السكوت، فقطعت كلامه وصاحت بحدة رغما عنها : لا تهن الناس يا ~~خواجه، بل أجب. أتأتي بالشهادة المطلوبة أم لا؟ # فقال لوقا في نفسه حينئذ: إنني إذا ذكرت لهم أن متى حاروم موجود الآن في الأرز بحالة ~~الجنون والهول، وقد كاد يفتك بي فتلك أقبح شهادة، فإنهم يسألونه ويعلمون منه ما يريدون ~~علمه، فأجاب: إن متى حاروم يا سيدتي لم يوقف له على أثر منذ عشر سنوات. # فقالت إميليا والدموع ملء عينيها: ومنزله؟ فقال: قد بيع. قالت: وأهله؟ قال: كان له زوجة ~~فتوفيت، وابنة طائشة فرت وتركته. # فحينئذ وثبت إميليا كمن لسعته أفعى في صميم قلبه وصاحت بأعلى صوتها: يا ظالم، تخرب بيته ~~وتميت زوجته وتهرب ابنته وتبيع منزله وتمحو أثره، ثم لا تكتفي بكل ذلك بل لا تزال تطارده ~~بحقدك وبغضك فتهينه وتهين ابنته أمامنا الآن! # فغضب لوقا عند هذا الكلام، وقال: الوداع يا سادتي. وهم بالخروج، فوثب إليه كلدن وثبة ~~الأسد، فأخذ بذراعه وقال بحدة: مستر لوقا، قبل أن تخرج من هنا، اجث واطلب الصفح من مسز ~~كلدن ابنة الخواجه متى حاروم. # وإن القلم ليعجز عن وصف ما جرى حينئذ، وكيف استقبل لوقا هذه الصاعقة التي انقضت على ~~رأسه. # ولكن لما انقضت دهشة لوقا وعلم خطارة موقفه وهوله جمع قواه وكبرياءه التي كانت قد ~~فارقته، وبعد السكوت برهة قال: الآن فهمت يا سيدتي سبب ما جرى، فصار يجب علي تبرئة ~~نفسي، لا للحصول على وكالة أشغال، بل حفظا لكرامتي لديك، فكل ما بلغك عني يا سيدتي كان ~~معكوسا أو مبالغا فيه؛ إذ أي عمل عملته في معاملتي أباك ولا يعمله جميع الناس اليوم؟ ~~والمستر كلدن زوجك المحترم لا يستطيع تكذيب كلامي، ms64 سليه إذا شئت كيف جمع ثروته الطائلة ~~وملايينه العديدة، أما أفلست بنوك خصومه وقامت بنوكه؟! أما امتصت سككه الحديدية ثروة سكك ~~أعدائه؟! أما خربت في الاحتكارات التي احتكرها ألوف من المحلات وأفلس في مضارباته ألوف من ~~المضاربين؟! فما الحيلة إذا كانت هذه طبيعة التجارة نفسها؟ وكيف نستطيع جمع الثروة لننفع ~~بها الناس إذا كنا نحذر من ضرر هذا ونخاف مزاحمة ذاك؟ فهذه سنة العالم، وقد قال جوت: «إلى ~~الأمام إلى الأمام ولو فوق الجثث.» # فدهش المستر كلدن لثبات جأش الرجل بعد تضعضعه، وللطريقة التي حول بها الموضوع عن محوره، ~~أما إميليا فقد خلعت عن نفسها - لدى هذا الكلام - ثوب الحاضر، وارتدت بثوب الماضي وأجابت ~~بحدة: كل هذا الكلام يا سيدي لا يبرئ السرقة والاحتيال والدسائس والسلب والنهب، تقول: ~~التجارة والأصول التجارية، ولكن أي تاجر شريف يزعم أن إله التجارة يطلب دائما ضحايا بشرية ~~ودماء بشرية؟! أي تاجر خال من عواطف الشرف والإنسانية يرضى بأن يجمع ثروة من طعام الأطفال ~~ودموع البنات وموت الأولاد وخراب البيوت؟! إذا وجد في العالم هذا التاجر فلا أسميه تاجرا، ~~بل لصا وقاطع طريق، بل هو أدنى من اللصوص؛ لأن اللصوص يهاجمون الإنسان من وجهه، أما هو ~~فإنه يغدر به، لأنه يباغته من وراء ويغمد خنجره في ظهره، كلا يا سيدي، ليست التجارة هي ~~التي دفعتك إلى صنع ما صنعت، بل طمعك ورغبتك في الثروة بأية طريق كانت، وأنا الآن لست ~~آسفة على ما ضاع من الأموال والأرزاق؛ لأن الله عوضني خيرا منها، وإنما أسفي على شيء واحد ~~لا يعوض وهو فقد أبي. # وهنا ترقرق الدمع في عيني إميليا، فتأثر لوقا لهذه الدموع وهذا الكلام - وإن كان فيه ~~إهانة له - لأنه رآه ممزوجا بشيء من العقل واللطف، لا سيما وأنه كان ينتظر أشد منه، ففكر ~~قليلا ثم قال باسما: سيدتي، إنني أعرف مكان أبيك، وسأجيئك منه بالشهادة المطلوبة. # فرفعت إميليا حينئذ يديها وعينيها إلى السماء وصاحت بجنون: ماذا تقول؟ فقال الرجل: نعم، ~~إنني أعرف مكان أبيك. ms65 فنهض حينئذ المستر كلدن مدهوشا وصاحت إميليا: أين؟ أين؟ فأملأ فاك ~~درا، رده إلي فأنسى كل إساءاتك، وا أبتاه! وا أبتاه! أصحيح ما تقول؟ قل قل، ما لك لا ~~تتكلم؟! متى نظرته؟ فأجاب لوقا: اليوم. فصاحت إميليا: اليوم؟! وأين ذلك؟ أين؟ فقال لوقا: ~~هنا في الأرز. # الفصل السادس عشر # | صوت الابنة الكريمة # يحيي العظام الرميمة # فحينئذ ذهلت إميليا عن نفسها وعن زوجها وعن مقامها، ووثبت خارج الخيمة كالبرق الخاطف وهي ~~تصيح: أين؟ أين؟ # فتبعها المستر كلدن وسكرتيره ولوقا، وحينئذ عرف المستر كلدن من لوقا تفصيل ما جرى، فرام ~~كلدن تسكين جأش زوجته وإقناعها بالانتظار إلى أن يصلحوا ملابس الشيخ ويحسنوا حالته، وينقلوه ~~من تلك الغرفة، أما إميليا فلم تصغ لأحد، بل مرقت كالسهم قاصدة الغرفة. # فلم يكن لوقا ولا كلدن يعرفان - وا أسفاه - أنه مجنون. ~~••• # فلما وصلت إميليا إلى باب الغرفة دفعته وهي ترتجف، ودخلت فأبصرت على الأرض شخصين مقيدين ~~راقدين، والحقيقة أنهما كانا في نوبة الصرع كما تقدم. # فصرخت إميليا صرخة الجنون واليأس حين وقع نظرها على أبيها بتلك الحالة، ورجعت القهقرى ~~خوفا، ولكنها كالبرق عادت إليه وأكبت عليه. # وكان الناس قد اجتمعوا في الخارج، فنادى كرنيجي اثنين منهم وحملهما مخلوف فنقلاه إلى ~~الكنيسة فبقيت إميليا مع أبيها. # فانحنت الابنة حينئذ تقبل قدميه ويديه. وكانت تبكي وتناديه بصوتها اللطيف: أبتاه، ~~أبتاه، انتبه فقد جاءت إميليا ... أبتاه، افتح عينيك وانظر إلي ... لقد جئتك بحفيدتين معي، قم ~~وانظر إليهما فإنهما تذكرانك إميليا صغيرة ... أبي، هل غضبت علي ولعنتني لما تركتك؟ ... هل ~~خطر في بالك أنني فررت من خدمتك؟ ... قم وأخبرني أنك لم تسئ الظن في ... إن ضربا من الجنون ~~استولى علي ودفعني إلى السفر ... فلعل الله هو الذي أراد ذلك لأعود إليك بالخير والغنيمة ~~والظفر ... أبي، ما لك لا تجيبني؟! ... ما هذا الرباط الذي في يديك ورجليك؟! ... ما هذا الجلد ~~الخشن الذي يستر جسمك مع أنه كان يلبس الملابس الناعمة؟! ... # ما هذا الشعر الهائل الذي يغطي جبينك ~~الذي كان صافيا هادئا؟! ms66 وما هذه القوة التي في قدميك؟! ... آه لقد تعذبت في شيخوختك كما ~~تعذبت في صباي، ولكنا استرحنا الآن، فقم وعانقني، أبتاه، أبتاه، ما لك لا تجيب؟! # فيا لتأثير الحنان البنوي! يا لفعل القلب في القلب! يا للعدالة الأبدية التي لا تسمح بموت ~~«الحق» في العالم! # فإن الشيخ الهائل لم يلبث أن تحرك لذلك الصوت الملائكي اللطيف، وانتفض وفتح عينيه، فجمدت ~~إميليا في مكانها جمود الصنم، فأدار الشيخ نظره في المكان متحيرا كأن على عينيه غشاوة، ثم ~~صاح: ماذا تريدون؟ فغصت إميليا بدمعها وأجابت: أبي، هل انتبهت؟ فبهت الشيخ وقال متحيرا: من ~~أنت؟ فقالت: أنا إميليا، أنا إميليا. # فحينئذ جلس الشيخ متثاقلا وصاح غاصا بدموعه: إميليا! متى جئت يا حبيبتي؟ فانطرحت ~~الفتاة بين ذراعيه وصارا يبكيان بكاء اللقاء بعد طول الفراق. # ولم يدون علم الطب قط في تاريخه حادثة ~~شفاء من الجنون كهذه الحادثة الغريبة، وكل من سمع بها رجح أن الشفاء كان من فراغ جنون ~~الشيخ في تهيجه الأخير على لوقا، وإن كان لصوت ابنته دخل في ذلك أيضا. # وإذ سألت إميليا أباها عن حالته وسبب وجوده هناك، ولبسه تلك الملابس، وجدته أشد منها ~~عجبا ودهشة من ذلك؛ لأنه بعد رجوع عقله إليه نسي كل ما كان. ~~••• # وبعد ساعة ونصف حضر «مزين» من بشري، فأصلح شعر الخواجه متى، وألبس ملابس نظيفة، ~~ونقل إلى صدر خيمة إميليا، وكان الناس في الخارج قد ضجروا وهم ينتظرون «يوم كلدن»، فلما ~~بلغ ضجرهم إلى المستر كلدن قال لإميليا باسما: لا أنا ولا أنت، بل إن أباك هو الذي سيعمل ~~يوم كلدن. # فجيء بكيس كبير من ريالات بقيمة ألف جنيه فحمل مفتوحا على بغل، وسار وراءه الخواجه متى ~~بملابسه النظيفة المرتبة وشعره المصقول، وصار يفرق في الجماهير الحاضرة ريالا ريالا لكل ~~واحد من الأولاد وريالين ريالين لغيرهم. وكانت الجماهير تزحمه من كل جانب. # فلما أبصر سليم وكليم صاحبهما «ملك رأس القضيب» بتلك الحالة الجديدة اعتراهما العجب ~~الشديد، فكانا يدنوان منه ويتأملان فيه، أما هو فلم ms67 يعرفهما، ولم تفارقهما الدهشة حتى ~~أطلعهما الترجمان على تفصيل الحادثة. ~~••• # وفي المساء عزم كلدن وزوجته على السفر من الأرز للرجوع إلى أميركا بعد وجودهما ضالتهما ~~المنشودة، فقوضا الخيام وعزما على الركوب، وكان لوقا طمعون قد انفرد عنهما بعد الحادثة ولم ~~يلتق بمتى، فقبل السفر قصد إميليا وسألها ضاحكا أتسمح له الآن بوكالة الأشغال التي ~~طلبها ؟ وكان كلدن حاضرا، فأجابه: هذه المسألة صارت متوقفة على رضى الخواجه متى. # وإذ قصت هذه القصة على الخواجه متى وطلب رأيه فيها ضحك أولا، ثم أطرق مفكرا، وبعد ~~ذلك قال: رأيي أن الصفح أولى؛ فإن الوحش الذي في الإنسان لا تذلله المقاومة والعناد، بل ~~الحلم والصفح؛ ولذلك يكون الأقل حيوانية والأكبر عقلا أكثر صفحا وحلما. # فلو سمع سليم وكليم هذا الجواب لقالا: إن فلسفة صاحبنا في «الوحشية» وهو مجنون مخالفة - ~~من حسن الحظ - لفلسفته فيها وهو عاقل. ~~••• # وقبل السفر استدعى كلدن سكرتيره وقال له وهو يطوف معه بين أشجار الأرز: مستر كرنيجي، أما ~~تعلمت شيئا من هذه الحادثة؟ فأجاب كرنيجي: تعلمت وجوب الرحمة للضعفاء الذين يسقطون في جهاد ~~الحياة، وإلا لم يكن هنالك فرق بين البشر وبين الحيوانات. فقال: صدقت يا صديقي؛ إذن خصص في ~~كل عام مليون فرنك لمساعدة العيال التي تسقط، واكتب لمحلنا أن يقرض مليون دولار لمحل خصمنا ~~«أرميس» الذي أفلس من مزاحمتنا، ومليونا آخر لمحل «ودن» الذي خسر ثروته في احتكاراتنا، ~~فإنني بعد الآن صرت أرى أن البشر لا يكونون بشرا إذا كانوا يصرفون كل ما أعطاهم الله من ~~النباهة والعقل والقوة في مجاهدة بعضهم بعضا ليستأثر أقوياؤهم بالمنافع والخيرات دون ~~الضعفاء، ويدوسوهم كما يدوسون الحيوانات الدنيئة. # 1 # وكان سليم وكليم في أثناء ذلك يعنيان بأمر أمين، وقد فحص حالته طبيب كان بين زائري ~~الأرز، فأخبر أن أجله قريب، وأشار بعودته إلى أهله في الحدث، فصنعوا له محملا وحملوه عليه، ~~وأعادوه إلى أهله في الحدث، وشيعه سليم وكليم بالأسف والحزن الشديد لعدم مقدرتهما على ~~مرافقته لنيتهما العودة إلى أشغالهما في طرابلس، ms68 لكنهما استأجرا رجلين لمرافقته مع ~~المكاري. # وقبل سفر أمين التفت فأبصر خصمه لوقا بجانب متى وكلدن، والثلاثة يتحادثون ويضحكون، فبكى ~~وقال: أين العدالة في العالم؟! فإنني أرى الباطل يعلو والحق يعلى عليه. فتنهد سليم ~~وأجابه: العدالة يا صاح موجودة، ولكن المهم الجد والانتظار والثبات، ألم تنظر كيف انتصرت ~~إميليا ولوقا بهذه الصفات؟ فلا تجدف على النواميس الأبدية؛ فإنه ليس بالإمكان أبدع مما ~~كان، وكل ظلامة مهما كانت عظيمة تكشف عن صاحبها إذا تسلح بهذه الفضائل، فإن الله أعدل من ~~أن يخذل الحق، وهو لنصرته لا يطلب من البشر غير الصبر والجد والانتظار. # فقال أمين متأوها: وما الحيلة بمن لا يستطيع الانتظار لأن أيامه معدودة؟ فأجابه سليم: ~~هذا وهم يا صاح، وعلى افتراض صحته، فإن المظلوم يكون أقرب إلى الله في الآخرة مما لو أنصفه ~~الله هنا. # فهز أمين رأسه وقال: كلام حلو للتعزية. كلام حلو للتعزية. # وقد توفي أمين في الحدث بعد انقضاء أسبوع على وصوله إليها. # | هوامش # الفصل السابع عشر # | حب المجانين # لوقا يأكل الحصرم ومخلوف يضرس # وفي المساء ركب المستر كلدن ورفاقه يقصدون بيروت عن طريق بعلبك، فسار سليم وكليم إلى أكمة ~~على جانب الطريق ليشاهدوهم منها. # وكانت هذه الأكمة قريبة من الكنيسة، فلما صاروا عليها سمعوا صراخا عظيما فيها، ففطنوا ~~حينئذ إلى مخلوف الذي سجن فيها، فنهض سليم ليراه، ولكنه لم يخط خطوتين حتى كان مخلوف قد ~~كسر الباب وخرج منها وعينه تستطير شررا، فلما رأى سليم صاح به: أين متى حاروم، ولوقا ~~طمعون؟ فأجابه سليم: قد رحلا. فوثب حينئذ مخلوف راكضا إلى الطريق ليتبعهما، وإذا به يرى ~~الدواب والأحمال أمامه؛ لأنها لم تكن قد بعدت بعد، فأطلق ساقيه للريح وراءها، فسار سليم ~~وكليم وراءه أيضا، فوصل مخلوف إلى المسافرين وصار يقلب نظره فيهم، فلما وقع نظره على ~~إميليا صاح صيحة دوت لها الجبال، وانطرح على الأرض صارخا: لقد صدق سليم. عادت ~~إميليا. # فضحك كلدن وقال: لم نخلص من الأسرار بعد. فأخبره حينئذ متى أنه شاب مجنون ms69 أنقذ في زمانه ~~حياة إميليا، فمد كلدن يده إلى جيبه وأخرج منها ورقة بخمسمائة دولار وأومأ بها إلى مخلوف ~~قائلا: خذ هذا تذكارا من إميليا، فصاح به: ومن أنت؟ فقال كلدن ضاحكا: أنا زوجها. # فيا ليتك يا مستر كلدن لم تلفظ هذه الكلمة، فإن مخلوف ازدوج حينئذ جنونه؛ فصار يضرب الأرض ~~بيديه ورجليه ورأسه ويصيح: زوجها ؟! زوجها؟! وأنا إذن من أنا؟! من أذنك أن تتزوجها؟ كيف ~~تسلبني حقي ومالي؟ ها ها متى حاروم، ما شالله ما شالله، ثياب جديدة وشعر مصقول، وراكب على ~~بغل، قه قه قه، بغل على بغل، لو لم تكن بغلا لما زوجت ابنتك هذا النغل وتركت رجلا مثلي، ~~ولكن أظنكم تضحكون، إميليا إميليا، أنسيت يعقوب؟ # فقال كلدن حينئذ لزوجته: مسز، سوقي جوادك إلى الأمام واتركينا. فوثب حينئذ مخلوف وثبة ~~الذئب وصاح: بل أنت تتركها. ثم مد يده إلى جيبه، وأخرج منها سكينا وهجم على كلدن، فلم يكن ~~كلمح البصر حتى أطبق عليه سليم وكليم من وراء وقبضا على يده، فأسرع البغالون وشدوا وثاقه ~~بحبل غليظ، فانكسرت حدة مخلوف حينئذ فصار ينوح ويصيح متذللا باكيا: إميليا إميليا، ~~بحياتك لا تتركيني، ماذا صنعت لك حتى تعذبيني؟ أما أنقذتك من الموت؟ هل أنقذتك لغيري؟ أما ~~أحببتك عشر سنوات دون أن أنساك؟ إميليا إميليا، يقولون إنه زوجك، فلا بأس، هو زوجك فخذيني ~~أنا خادما لك، إنني أتبعك ماشيا لا راكبا، لا أكلمك ولا أدنو منك، وإنما أحرسك وأخدمك ~~وأقبل قدمك، إميليا إميليا، انظري أنا صديقك تعيس الآن ولوقا طمعون عدوك سعيد، يا لنكران ~~الجميل! يا للظلم! هو يركب بجانبك مسرورا وأنا يشدونني بالحبال ويعذبونني! إميليا إميليا، ~~خذيني معك، لا تقتلي نفسا بريئة فإن الله يحاسبك. # فأثرت هذه الكلمات في نفس إميليا حتى ذابت لها شفقة على ذلك التعيس، فخاطبت زوجها ~~مستأذنة في أمر ثم وجهت جوادها نحو مخلوف، فدنت منه وهو مشدود الوثاق، فكأن روحه عادت ~~إليه، فمدت يدها البيضاء اللطيفة ووضعتها على كتفه وقالت له بنغمتها الساحرة: عزيزي مستر ms70 ~~يعقوب. فصاح مخلوف: بلا مستر بلا مستر، بحياتك قولي: عزيزي يعقوب كما كنت تقولين. فقالت: ~~عزيزي يعقوب، لا أقدر أن آخذك الآن معي، ولكني أعدك أنني سأطلبك. فصاح مخلوف: متى يكون ذلك؟ ~~فقالت: حين وصولي إلى بلادي. فبكى مخلوف وصاح: بلادك! ولكن بلادك هنا. فقالت: بل بلادي ~~أميركا يا عزيزي مستر يعقوب، فعش هذه المدة مسرورا راضيا بغيابي؛ لأنني سأتذكرك دائما ~~وأرسل إليك كل ما تحب إلى أن يتيسر لي استدعاؤك. # وهكذا هدأ ذلك المجنون العاشق التعيس بشيء من اللطف والوعود، ولكن هدوءه كان وقتيا؛ ~~فإنه ما إن تحرك الركب وسار حتى اشتد به الجنون وشرست أخلاقه، فاضطروا إلى شد وثاقه وأرسلوه ~~إلى دير قزحيا، ولا يزال في الدير إلى اليوم ينشد الأشعار ويترنم بذكر حبيبته ~~إميليا. # فمسكين أنت يا مخلوف، تخاصم البحر والريح فكان الصلح عليك، ولكن أما سمعت ما قال سليم؟! ~~إن العبرة بالانتظار والثبات، وأنت لم تقدر على الانتظار؛ لأن عقلك رحل عند أول صعوبة، على ~~أنك لو انتظرت وكنت الآن عاقلا، فربما كنت نلت الآن أسمى منزلة عند إميليا بعد منزلة ~~زوجها. ~~••• # أما سليم وكليم فقد أقاما في الأرز يوما، ثم تخلصا من مكاريهما بطرس الثقيل وعادا إلى ~~طرابلس، وحين عودتهما من الأرز ممتلئين صحة وقوة كان سليم يقول لكليم كلما مرا ~~بالأديرة: أما اقتنعت الآن بعد ما رأينا من تقلبات حوادث الحياة وقصصها المضحكة المبكية أنه ~~خير للإنسان الذي يريد الراحة أن يعيش منفردا عن العالم في دير أو في نفق؟ # فتنهد كليم وقال: ليس الانفراد عن الناس هو الذي يريح الإنسان، فإن مخلوف منفرد الآن عنهم ~~في دير ولكنه تعيس جدا، فراحة الإنسان وسعادته في داخله؛ أي في نفسه، فلا يبحث عنهما ~~خارجا عنها، والنفوس القوية العادلة المستقيمة تقدر أن تكون مستريحة سعيدة حتى في وسط ~~تقلبات الحياة. ms71