######OpenITI# #META# URI: 1342CafifaKaram.BadicaWaFuad.Hindawi59138396 #META# Tags: novels #META# ID: 59138396 #META# Title: بديعة وفؤاد #META# AuthorID: 26029280 #META# Author: عفيفة كرم #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # كلمة في الرواية‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # الفصل السادس والعشرون‏ # الفصل السابع والعشرون‏ # الفصل الثامن والعشرون‏ # الفصل التاسع والعشرون‏ # الفصل الثلاثون‏ # الفصل الحادي والثلاثون‏ # الفصل الثاني والثلاثون‏ # الفصل الثالث والثلاثون‏ # الفصل الرابع والثلاثون‏ # الفصل الخامس والثلاثون‏ # الفصل السادس والثلاثون‏ # الفصل السابع والثلاثون‏ # الفصل الثامن والثلاثون‏ # الفصل التاسع والثلاثون‏ # الفصل الأربعون‏ # الفصل الحادي والأربعون‏ # الفصل الثاني والأربعون‏ # الفصل الثالث والأربعون‏ # الفصل الرابع والأربعون‏ # الفصل الخامس والأربعون‏ # الفصل السادس والأربعون‏ # كلمة في الرواية‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # الفصل السادس والعشرون‏ # الفصل السابع والعشرون‏ # الفصل الثامن والعشرون‏ # الفصل التاسع والعشرون‏ # الفصل الثلاثون‏ # الفصل الحادي والثلاثون‏ # الفصل الثاني والثلاثون‏ # الفصل الثالث والثلاثون‏ # الفصل الرابع والثلاثون‏ # الفصل الخامس والثلاثون‏ # الفصل السادس والثلاثون‏ # الفصل السابع والثلاثون‏ # الفصل الثامن والثلاثون‏ # الفصل التاسع والثلاثون‏ # الفصل الأربعون‏ # الفصل الحادي والأربعون‏ # الفصل الثاني والأربعون‏ # الفصل الثالث والأربعون‏ # الفصل الرابع والأربعون‏ # الفصل الخامس والأربعون‏ # الفصل السادس والأربعون‏ # | بديعة وفؤاد # | بديعة وفؤاد # تأليف # عفيفة كرم # | كلمة في الرواية # بعد حمد الله تعالى الذي هو في بدء ومنتهى كل عمل، أقول: إن انقطاعي عن الكتابة ~~ومناجاة إخواني السوريين وأخواتي السوريات - ولا سيما المهاجرات منهن - على صفحات «الهدى»، ~~كان مني تفرغا لتأليف رواية نسائية ms001 أدبية غرامية، سبكت فيها بعض أفكاري لسببين؛ الأول: ~~لأن للسيدات ولعا شديدا بقراءة الروايات، فهن يطالعنها بصبر وجلادة لا يكونان منهن في ~~مطالعة سائر الكتب، وذلك ما يساعد مبادئ الرواية والأفكار المبثوثة فيها على دخول عقولهن ~~وقلوبهن مصحوبة بالتفكهة والفائدة. فالكتابات - وأخصها الروايات - «نار ونور» كما ~~يقولون، وتكون بحسب مبادئها إما محرقة وإما مضيئة. والثاني: لأن الأفكار متى جمعت ونسقت ~~بقالب رواية تصبح كالسلسلة المتصلة الحلقات، فتفيد القارئ وتكون أشد تأثيرا وأحسن وقعا ~~عليه من سواها، فضلا عن أنها تحفظ في البيت كما تحفظ في الذاكرة زمانا طويلا، وتقرأ ~~بلذة ورغبة، بخلاف المقالات والفصول المتقطعة. # ومعلوم أن الروايات إنما هي المرايا تنعكس عليها صور أعمال وحوادث كل إنسان تقريبا، ~~فيقرأ من بين تضاعيف سطورها وخلال حوادثها ما يمثل له نفسه في بعض الأحيان، فيتأثر مما هو ~~مؤثر أو يبكي ويفرح لما يكون مبكيا ومفرحا، ويطلب فوق ذلك لنفسه الدواء الناجع الذي ~~يصفه المؤلف لغيره، وتلك هي أجل منافع الروايات المفيدة التي لا تستفاد إلا منها ومن ~~أمثالها من الكتب. # إني في هذه الرواية أخالف عادة بعض الكتاب في ثلاثة أمور، وهي أولا: أنني لا أقدمها ~~لشخص وفرت أمواله، فرجي نواله وخيف انتقامه فأجل مقامه. والرواية عمومية لا نصيب لأحد دون ~~محبي العموم والإنسانية فيها، فهي تهدى ولكن إلى المفضلين أدبيا علي، وأخص منهم بالذكر ~~صاحب جريدة «الهدى» اليومية الذي نشطني وساعدني على بث آرائي وإبداء أفكاري، كما ساعد ~~الكثيرين والكثيرات غيري مساعدته لي، حتى عرفت جريدته بالمنشطة للآداب والتهذيب والنافخة ~~لروحهما بين جاليتنا السورية الأمريكية. وأقدمها ثانيا للأديبات والأدباء من قراء ~~جريدة «الهدى» الكرام، الذين كان اعتبارهم الماضي لمقالاتي ورضاهم عنها من أكبر المساعدات ~~لي على استطراد السير في طريق الإصلاح الوعرة، بالرغم عما اعترضني فيها من المصاعب التي ~~عوضا عن أن تثبط عزيمتي كانت منشطة لي، فوجب علي أن أذكر هذه الفئة الكريمة بالشكر ~~والثناء، وأجعل لها من اعتباري بإشراكها في تقديم الرواية لها نصيبا وافرا. وأضم إلى ما ms002 ~~مر آنفا كلاما قاله أحد المؤلفين الأمريكيين في صدر كتابه، أقتبسه عنه وأراجعه بلسان ~~الوطنية قائلة: إنني أشرك في تقديم هذه الرواية الذين عملوا لأجلنا كثيرا، والذين نرجو أن ~~نعمل لأجلهم شيئا في المستقبل، وهم: # أولا: # أمهاتنا اللواتي «بنين» البيوت التي استقبلتنا أول دخولنا هذا ~~العالم. # ثانيا: # زوجاتنا اللواتي «يبنين» لنا البيوت التي نسكنها الآن. # ثالثا: # بناتنا المزمعات أن «يبنين» البيوت للذين يأتون بعدنا. # رابعا: # القراء الذين تلطفوا باعتبار كتاباتنا الماضية، وهم غير متحولين عما ~~تفضلوا علينا به من قبل إن شاء الله. # خامسا: # الذين لهم بيوت سعيدة والذين يحتاجون إليها. # ولا أحب الاعتذار الكثير عن الخلل ولا الترجي بالتجاوز عنه، بل أقول بكل بساطة وحرية: ~~إنني علقت في هذه الرواية كل ما حضرني وخطر لي من الخواطر في بضعة الشهور التي انقطعت فيها ~~عن متابعة الكتابة في «الهدى» وهي ستة، وكان قصدي المساعدة على الخدمة والإصلاح بما في ~~الوسع وليس دون ذلك أم فوقه، ولم أكتب كلمة إلا رجوت من ورائها النفع العام لأبناء وبنات ~~جنسي، فإن كان الأمر ما حسبته فمكافأتي الوحيدة المبتغاة منهم هي تدبر كلامي والعمل بما ~~يرونه حسنا منه، أو انتقاده الذي هو عندي من خير المكافأة على أتعابي أيضا. # وأخالف عادة البعض ثالثا بأنني أشترط على القراء شروطا، منها: أن يتأكدوا بأنني لم أهتم ~~كثيرا في روايتي هذه بتنسيق الحوادث وسردها؛ إذ لكل قارئة وقارئ روايات مما يمر عليهما ~~ومعهما وأمامهما كل يوم، بل كانت غايتي التي أعتبرها أسمى من كل تنسيق وتنميق والتي وجهت ~~إليها أكثر عنايتي: «بث الأفكار الإصلاحية التهذيبية الانتقادية»، ومنها التوسل إلى أبناء ~~وطني أن يتناسوا بعض العوائد السورية، وألا يذكروا بأن المؤلفة امرأة سورية ولو عند ~~قراءة الرواية فقط؛ ذلك لأنني وأنا أكتب هذه السطور بأذن ضميري انتقادهم على المؤلفة لأنها ~~كتبت عن «الحب والزواج»، وأنظر بعين فكري «ازورار الأعين» وعض الشفاه، وأنا لا أبالي بكل ~~هذه العادات المذمومة التي هي من الحوائل في سبيل تقدم النساء وحرمان هذا ms003 الجنس من نصائح ~~بناته، بل إنني أخشى على ذهاب الفائدة مع القراء الذين يعتقدون بهذه الحشمة المضرة التي ~~توقف المرأة عن تقديم المفيد لبنات جنسها، ومعلوم أن الذي لا يعتقد بوجوب الشيء لا يستفيد ~~منه. # وأكرر توسلاتي القلبية إلى البعض من القراء، ولا سيما إلى النساء أن يترووا في ~~قراءة هذه الرواية الصغيرة، وألا يدنوا من الحقيقة حتى إذا كادت تصافحهم نفروا منها ~~سراعا إلى الوهم، أي أن يقرءوا بتمعن ويطرقوا بصبر الطريق الموصلة إلى الحوادث ~~المبثوثة بين الأفكار، بأن يعتبروا ما حل بفؤاد وما عملت بديعة وما لقيته لوسيا بعد ~~معيشتها المتطرفة. كل هذه أمور مشوقة، ولكن الأفكار التي قد يحسبونها «مملة» هي مفيدة، ~~والفرق بين الفائدة واللذة عظيم. # وفي الختام، أنبه القراء الكرام إلى أن روايتي هذه هي باكورة مؤلفاتي وأنها لامرأة سورية، ~~فانتقادها يأتي بالفائدة المطلوبة، وتقريظها قائم في «الرضى عنها». وهنا يجب أن أصرح بأمر ~~على غاية من الأهمية، هو أن الرواية كتبت بقصد الخدمة المجردة لا بقصد الأرباح ~~المادية. وأن ما يباع منها بعد أداء أجرة طبعها يكون للإحسان، وأن كل سيدة مشتركة في ~~«الهدى» لها حق بنسخة منها ترسل إليها مجانا، فإذا لم تصلها يجب أن تطلبها مني أو من ~~إدارة «الهدى». وما هذا إلا بعض الواجب علي من الخدمة العامة، وبعض الدليل على حسن القصد. ~~وأنا لكم سيداتي وسادتي القراء المخلصة في خدمة الوطنية والآداب. # عفيفة كرم # | الفصل الأول # الصيف # في إحدى ليالي الصيف المقمرة خرج سرب من فتيات إحدى قرى لبنان للاستملاء من عين القرية ~~الواقعة على نحو مسافة ميل من البيوت في قرار واد عميق، وكان بين هؤلاء الفتيات اثنتان ~~تفوقان أترابهما جمالا وتفضلانهن حسنا واكتمالا كما يفضل القمر والشمس الكواكب. وكانت ~~إحداهن في السابعة عشرة من عمرها، بيضاء اللون سوداء العينين والشعر والحاجبين، ذات لون ~~يكاد يبهر الناظر بنقائه وجماله تحت ذلك الليل الدامس من الشعر الطويل، وفوق ذلك الوجه ~~الناصع البياض والممتلئ رواء مما يندر وجوده في امرأة؛ لأن ms004 الشعر الفاحم والعينين ~~السوداوين من لوازم اللون الأسمر، كما أن العينين الزرقاوين والشعر الذهبي أو الأشقر من ~~خصائص اللون الأبيض. وكانت معتدلة القوام نحيلة الخصر صغيرة الثغر منتسقة الأسنان، وكانت ~~الأخرى في العشرين من عمرها تمثل نوع الجمال الحنطي ومكملاته من العينين الكستناويتين ~~والشعر المماثل لهما بلونه. # وكانت هؤلاء الفتيات ماشيات وجرارهن على أكتافهن فارغات لا يعيقهن شيء عن التقدم ~~بخفة ورشاقة في ذلك السهل الواسع قبل مشارفة الوادي، وكانت الواحدة منهن تثب ضاحكة ~~فتتبعها الأخرى هائلة مازحة اندفاعا بقوة الشباب وثمولا من خمرة الصبا، وما ترى كان ~~ليزعجهن في تلك الساعة وفي ذلك المكان والعمر! أما إن أيام الصبا تساعد على السعادة ~~الحقيقية؛ إذ تفتح العين على هناء الحياة وتغمضها عن شقائها، إلى أن يمر طور «البساطة ~~الطبيعية» وتنقضي ليالي الأحلام الذهبية ويأتي زمان الاختبار والجد، فيتنبه الإنسان لما ~~خسره في ذلك الشطر من العمر؛ إذ يرى غيره يسرح ويمرح تحت ظل سماء السعادة التي كانت ~~في تلك الليلة ضاحكة لهؤلاء الفتيات بوجه القمر المنير على ذلك السهل الواسع، وهن يركضن ~~بدون أن يشعرن بتعب من المشي أو يكترثن للأحمال الثقيلة التي كانت من نصيب أكتافهن عند ~~الرجوع. ولم يكن ينقص تلك الليلة القمراء وذلك المنظر الطبيعي الجميل اللذين يشابهان ~~بياض وجمال قلوبهن الطاهر، وذلك النسيم العليل البليل الذي كان يزيد وجوههن بهاء ورواء، ~~وأنفاسهن طيبا وحلاوة، وأصواتهن نعومة ورخامة، غير مصور يشعر بجمال ذلك المنظر ~~وقوته، فيرسم الطبيعة وبناتها الطبيعيات الطاهرات بشكل بقعة جميلة من الأرض مصونة بحائط نبت ~~فيها الكثير من الزنابق النضرة الجميلة المنظر الزكية الرائحة والمحتاجة إلى الري مع ~~تدفق المياه العذبة من حولها. بقعة جميلة هي لبنان العزيز وزنابق نضرة هي نساؤه الجميلات ~~الطاهرات. ولكن وا أسفاه، انظروا إليها كيف هي ذليلة لانحباس قطر التهذيب عنها، فليس لها ~~الرائحة التي كان يجب أن ترافقها، ولماذا؟ ذلك لأن الطبيعة مهما ساعدت على إيجاد المادة فلا ~~بد ليد الصقال من المرور عليها للتحسين ولا سيما في ms005 هذه الأيام. نساؤنا جميلات؟ نعم. ~~طاهرات؟ نعم. فاضلات وذكيات؟ نعم، وكأمهن الطبيعة. ولكن ما هو النفع من الآلة إذا كانت ~~بدون يد تديرها وتزيل صدأها؟ وهل تكفي المادة وحدها بدون صقل؟ كلا! لأن الفائدة لا تأتي ~~من صلابة فولاذ تلك الآلة ولا من جمال منظرها أو إتقان صنعتها، بل من العمل الذي تقوم به ~~متى أدبرت. وأما إذا تعطلت فكل جمال فيها لا يفيد شيئا إلا التحسر، على أن لا تكون ~~في حالتها اللائقة بها لتفيد. فجمال الوجه ونضارته وصحة الجسم وغضارته، أمور حسنة للمرأة، ~~ولكنها لا تبني البيت؛ لأن من وراء الوجه الجميل والجسم الحسن التركيب معملا للفضيلة ~~والفائدة البيتية والاجتماعية، وما دواليب ذلك المعمل وآلاته غير التهذيب والعلوم التي مع ~~ظهور نفعها ومع محبة اللبنانيين لها والشعور بوجوبها للصبي، ينكرونها على البنت ويساعدون ~~بذلك على قتل نصف المنفعة المتأتية للهيئة الاجتماعية من النساء لو كن متعلمات ومتهذبات ~~حقيقة؛ فالزنابق لا تعيش بدون ماء، وقليلا ما يوجد الماء لزنابق لبنان الجميلة، وإذا ~~وجد فهو غير كاف، فكيف تدعي إذن بأن زنابق الغرب أزكى رائحة وأجمل منظرا من زنابقنا ~~التي كان يجب أن تكون أبهى وأبهج؟ لأنها تنبت في أرض طيبة تساعدها على ذلك، ونحن نمنع الماء ~~عن تلك الزنابق فتجف وتذوي ثم تيبس من التهامل. # فتيات جميلات الوجوه، ولكن ينقصهن ما يجعل لذلك الحال رونقا ليضيء من وراء تلك الوجوه ~~الوسيمة، ويظهر واضحا كأحرف مكتوبة على زجاجة حمراء في ليل أليل، لا تقرأ ما لم يوضع ~~وراءها ضوء فتظهر بأجمل مظاهرها. صحيحات الأجسام، ولكن ينقصهن معرفة كيف تظهر هذه الصحة ~~وكيف تكسى تلك الأجسام الجميلة بملابس مرتبة جميلة مثلها. رشيقات القدود، ولكن تلك ~~القدود ينقصها هندام وعياقة. وكأن وجود «بديعة ولوسيا» تينك الفتاتين المهذبتين بين ~~رفيقاتهما مما يصح به قول القائل: «والضد يظهر حسنه الضد.» وكأنهما كانتا كقطعتي قماش ~~أخذتا من شقة واحدة فخيطتا وخرجتا وزخرفتا، وبإضافة صنعة يد الإنسان إلى ~~يد الله فيهما صار الناظر إليهما يظنهما من ms006 غير ذلك القماش وهما منه. هكذا كانت «بديعة ~~ولوسيا» اللتان أظهرتا للناظر جمالا مزدوجا أو جمالا تاما، وهو جمال النفس والجسد. ذلك ~~لأنهما كانتا متهذبتين ومتعلمتين، وهذا ما جعلهن كغادتين باريسيتين قد اختلطتا بأولئك ~~الفتيات الباقيات، ولو مر بهما رجل متهذب في ذلك الوقت لسأل نفسه متعجبا: هل هاتان ~~الفتاتان لا تزالان عزبتين بهذا العمر وهذا الجمال والتهذيب؟! فيجيبه صوت من وراء هاتين ~~النفسين الشريفتين متنهدا: «نعم.» نعم لا تزالان عزبتين؛ لأنه ما ترى يكون نصيب فقيرتين ~~يتيمتين في العالم قد تربتا بالعازارية، وهذه الأيام أيام «دوطة» ووجاهة ومال، لا أيام ~~تهذيب وأهلية. # ولما انتهت الفتيات من الوثوب والركض في ذلك السهل وأقبلن على شفا الوادي، انحدرن إلى ~~العين أو بالحري هبطن هبوط الملائكة وأجنحتهن السعادة الحقيقية والقلوب الطاهرة النقية، ~~فملأن جرارهن وجلسن للاستراحة قليلا يتجاذبن أطراف الأحاديث تحت سماء الله الصافية ~~كقلوبهن، حيث الطبيعة جميلة ورءوفة ولا رقيب أو عذول، وما عسى أن تكون تلك الأحاديث سوى ~~نتائج أفكارهن وقلوبهن الطاهرة؟ وكانت أول متكلمة منهن لوسيا، فقالت: ما أجمل هذه ~~الليلة التي ستكون آخر ليلة نقضيها في الوطن يا بديعة! # فلم تجبها بديعة بل أجابت فتاة أخرى قائلة: أفلا تذكريننا وتذكرينها يا لوسيا متى وصلت ~~إلى العشق، وهي آخر ليلة قضيناها سوية على هذه العين؟ # فصعدت إذ ذاك زفرة من صدر لوسيا وقالت: كيف لا وأنا مع سروري بالسفر أشعر بأسف على فراقكن ~~وفراق هذه العين المحبوبة؟ فجاوبها باقي الفتيات بزفرات حرى أيضا، وقالت واحدة منهن: هل ~~أنت سعيدة بالسفر يا ابنة عمتي؟ أجابت لوسيا: سعادتي لا مزيد عليها. # وكانت الفتاة الثانية رفيقة لوسيا متكئة على حجر بعيدة عن سائر الفتيات مقدار خمس ~~أقدام، وهي مصغية إلى نقيق الضفادع وناظرة إلى الوادي أمامها، وكأنها غير موجودة إلا بالجسد ~~بينهن؛ لأن فكرها كان بعيدا ولم تفهم من كلامهن كلمة حتى، ولم تشعر أنهن بجانبها ولم ~~تنتبه إلا ليد ألقيت على كتفها بلطف وصوت رقيق يكلمها قائلا: وهل أنت مسرورة أيضا ms007 ~~يا بديعة؟ # فبغتت الفتاة من هذا الصوت ونظرت إلى صاحبته بلهفة قائلة: «مسرورة من ماذا؟!» # فقالت الفتاة ولم تلحظ تشتت أفكارها، إما لأنها لم تكن دخلت بعد هذا الطور، وإما لأنها ~~غير ذات ذوق لطيف وذكاء غريب تقدر على قراءة أفكار الإنسان من منظره: مسرورة من سفرك إلى ~~أمريكا؟ # فتنهدت إذ ذاك بديعة وقالت: إن السرور يتأتى من الشيء الذي يفعله الإنسان برغبة وحب وليس ~~باضطرار وضغط ... # فأصاب سهم كلامها هذا كبد لوسيا وقالت بنزق: ومن ذا الذي اضطرك إلى السفر ضد إرادتك يا ~~بديعة؟! # فأجابت بديعة بصوتها الرزين مبتسمة: قولي «ما الذي» وليس «من الذي» يا عزيزتي؛ لأن ~~اضطراري إلى السفر هو من الظروف الحاكمة. ~~- ليس للظروف شأن بسفرنا ولا لحكمها يد به؛ لأن ذهابنا بملء إرادتنا وهو لأجل التقدم ~~والربح والرجوع بغنائم الكسب كما رجع غيرنا. ~~- إذن إن الظروف هي التي تحملنا على تحمل مشاق السفر والابتعاد عن أوطاننا وما فيها ~~من الأحباء، فلو كانت والدتك ووالدتي في قيد الحياة، أو لو كانت ظروفنا تساعدنا على ~~المعيشة براحة وعزة نفس؛ لما كنا نفضل التغرب على البقاء في الوطن الذي نحبه ونحب من فيه ~~يا لوسيا. ~~- هذا ما أسلم معك به، ولكن هل أنت تعيسة لسفرك وهو السعادة بعينها؟ ~~- ومن أين عرفت هذا؟ ~~- إن هذا معروف من الدلائل الظاهرة؛ فإن إبدال شيء قبيح بآخر حسن مما يسر لا ~~يحزن. ~~- وهل إبدال أمريكا بوطننا المحبوب من هذا القبيل؟ ~~- من وجه ما نعم؛ لأن الناس يقولون بأن أمريكا هي أم الحرية والإخاء والمساواة، ~~وأيامنا هذه أيام «مال»، فهو الكل في الكل، ومتى توفر للإنسان لا يعود يسأل عن الأصل ~~أو الأدب أو الشرف؛ لأنه هو ينوب عن كل هذه الأشياء. ~~- ما أوسع جنانك يا لوسيا وما أطلق لسانك! فإنك بالحقيقة خطيبة شهيرة، ولكن ليس هذا ~~مقامك بين الجرار، فدعينا من هذا كله، وقولي من أين عرفت كل هذا عن أمريكا وأنت بعيدة عنها ~~ألوف الأميال؟ # فتحمست لوسيا وقالت بشيء من الغيط ms008 والتشبث في الرأي: هلمي بنا نرجع الآن، ومتى ~~أقبلنا على القرية أريك بأن تهكمك خطأ يا بديعة؛ إذ تقرئين فضل أمريكا على وطننا ~~مكتوبا بأحرف من نور على جدران كل منزل من منازلها. # فقامت البنات - إذ سمعن كلام لوسيا - إلى جرارهن وحملنها وصعدن هذه المرة، وقد نابت ~~أفكارهن عن ألسنتهن فلم يثبن ولم يتكلمن كما في المرة الأولى؛ لأن مناكبهن كانت ~~مؤلمة تحت ثقل أحمالهن، وهل يقدر الإنسان أن يجود بغير ماله؟! وكانت الفتيات بين معجبة ~~بكلام لوسيا، ومشتاقة إلى مرأى أمريكا، وهازئة بهذه «الفلسفة»، ومفضلة الاستملاء من العين ~~في كل ليلة على ألف أمريكا. ومع أنهن اختلفن رأيا وفكرا، فقد تساوين بخلو الفكر ~~والقلب مما يزعجهما، ولم يكن منهن من تفتكر في أمر ذي بال غير لوسيا بسرورها بالسفر ~~إلى أمريكا وبديعة بما هو أعظم من هذا بكثير. # ولم تنس بديعة قول لوسيا الأخير لها، فلما أطلت على القرية وظهرت منها الأنوار ~~قالت للوسيا: يجب أن تقيمي بوعدك. فقالت لوسيا: هذا ما أفعله بسرور، فهل ترين تلك الأنوار ~~المضاءة بهذه الدور الثلاث أكثر من الجميع؟ أجابت بديعة: نعم. قالت: إنك تعرفين هذه الدور ~~لمن؟ ~~- إنها لثلاثة إخوة، بنوها من سنوات، هذا كل ما أعرفه عنها. ~~- وأنا أتمم لك ما بقي من تاريخها؛ فإن أبا هؤلاء الإخوة كان شريكا عند أحد الأغنياء ~~فتوفي مخلفا ثلاثة صبيان وبنتا وأرملة تعيسة، طردت بعد موته بأيام بدعوى أن ~~أولادها صغار ولا تقدر على العناية «بالرزق» والقيام به، فلم يكن من ملجأ لها غير الخدمة ~~ولا لأولادها غير التكفف، فاقتصدت من خدمتها وتكفف أولادها قيمة جواز السفر، فسافرت إلى ~~أمريكا تاركة أولادها على أبواب الناس. ولم تمض عليها سنة حتى أرسلت ستين ليرة «لمعلمها» ~~أو الرجل الذي كانت تشتغل في أرضه لكي يرسل إليها أولادها. فأرسلهم ومكثوا جميعا عشر سنوات ~~في أمريكا، ثم رجعوا وهم غير أولئك «الشحاذين»؛ لأنهم أتوا بمال كثير لم يعرف مبلغه، ~~فتزوجوا بأحسن بنات البلدة، وأحدهم اقترن بابنة معلم وصار ms009 الناس ينادونهم «خواجات» بعدما ~~كانوا أولئك «الشحاذين». وبنوا هذه الدور الثلاث التي هي أجمل دور البلدة. فهل يا ترى ~~كانت موجودة لولا أمريكا؟ وهل كان يتخطر أهلها بالملابس الفاخرة، ويجارون أعاظم الناس ~~بالتمدن والتفرنج وكل شيء لولا أمريكا؟ أو هل كان أضيف إلى الطبقة العالية في هذه القرية ~~ثلاث دور وثلاثة «وجهاء» لولا أمريكا؟ فهذه أمريكا «تعمل» الناس بمعمل المال والتمدن، ~~فيصبحون شيئا مذكورا بعد أن يكونوا نسيا منسيا. # ولما أنهت لوسيا كلامها الذي لفظته بحماسة زائدة صادق البنات كلهن عليه، إلا واحدة ~~منهن قالت: تحيرنا من سرور لوسيا وسعادتها بالسفر، فهي تؤمل أن تذهب إلى أمريكا ~~لترجع ظافرة بالمال الكثير وتتزوج أحسن عريس في البلد. # فأجابت لوسيا بقلة اكتراث: لا يا أختي، إن هذا ليس قصدي، بل إنني فتاة أحب التقدم المادي ~~والأدبي، ولا أرى شيئا صعبا على الوصول إلى غايتي ومطلبي. إذ ذاك تكلمت بديعة فقالت: «ما ~~أسهل القول قبل الفعل والعمل» يا لوسيا! فإن المستقبل لله، وما أدراك فلربما نلقى ~~التعاسة عوضا عن السعادة بسفرتنا هذه؛ لأنه قد قيل: # ما كل ما يتمنى المرء يدركه # تجري الرياح بما لا تشتهي السفن ~~- إن كلامك غير مقبول عندي يا بديعة؛ لأن السعادة بأمريكا أمر مقرر لوجود المال بكثرة، ~~وأما بيت المتنبي فلا أعتبره كثيرا؛ لأنه على رأي أحدهم قد نظمه في أيام كانت الريح ~~تقدم وتؤخر؛ إذ كانت المراكب شراعية، وأما في أيامنا هذه فهي بخارية. ~~- إذا كنت تحسبين يا أختي أن السعادة بالمال وحده، فأملي وطيد بأنك إن اجتهدت ~~تكونين سعيدة. وأما أنا فإني أعتقد بصوابية بيت المتنبي لا فض فوه؛ إذ إنني لا أحسب ~~السعادة بالمال حتى ولا هي بشيء آخر معلوم، بل هي بما يسر الإنسان. وقد تكون السعادة في ~~الفقر أحيانا. ثم تنهدت وهي تعرف ما تجهله لوسيا عن السعادة. ثم نظرت إلى لوسيا ضاحكة ~~وقالت: أظن أن رفيقاتنا ضجرن من حديثنا حتى ابتعدن عنا. # وهكذا كان لأن الفتيات ابتعدن عنهن وأخذن يغنين بأصوات رخيمة ms010 يحملها نسيم تلك الليلة إلى ~~حيث يشاركهن فيها الملائكة، ولما وصلن إلى «باب القرية» ذهبت كل واحدة منهن إلى بيتها. ~~وفي ثاني يوم اجتمعن ثانية في بيت لوسيا يودعنها ويودعن بديعة بعيون دامعات تقابلها عيون ~~الفتاتين المحمرة من البكاء أيضا، وكانت لوسيا تطمئن قلوب البنات قائلة: لا تبكين ~~يا عزيزاتي؛ فإننا نجتمع بعد سنتين إذا أراد الله. وهذه أفكار كل مهاجر يترك وطنه، ولكن ~~هيهات أن تتم! # | الفصل الثاني # من هما الفتاتان؟ # لندع الفتاتين الآن تجري بهما العربة إلى بيروت، يرافقهما والد لوسيا وأخوها من أبيها، ~~ومنها إلى ظهر الباخرة مساجري ماريتيم، ولنعرف القارئ بهما. # لم تكن تعرف بديعة عن تاريخ حياتها شيئا سوى أنها أفاقت لحالها فوجدت نفسها في ~~العازارية، وكانت لوسيا من أعز البنات إليها؛ لأنها كانت رفيقتها الخاصة، ومن مدة شهور ~~قليلة ذهب والد لوسيا إلى المدرسة وأخرج الفتاتين وأتى بهما إلى بيته. وقال لبديعة وهي في ~~الطريق معه بأنها بنت أخته وأن أبويها توفيا بالجدري حينما كانت بنت شهر فقط. أما ~~أم لوسيا فقد توفيت إذ كانت هذه بنت سنة، فوضعهما في العازارية حيث تربتا. ~~فاقتنعت الفتاتان بهذا القول ولم تستزيداه سؤالا. # ولما وصلتا إلى البيت كاد يغمى عليهما من مرآه واستنشاق الروائح الكريهة منه؛ لأنه كان ~~كالمأوى للإنسان والحيوان معا، فيه البقر وغيرها من الدواب من الجهة الواحدة، والناس من ~~الجهة الأخرى ينامون ويأكلون معا. فبكت الفتاتان وتذكرتا ذلك الدير الرحب النظيف الذي ~~ربيتا وخدمتا وعاشتا داخل جدرانه محبوبتين من كل من فيه. وزاد في تألم الفتاتين ~~أن والد لوسيا كان متزوجا بامرأة جاهلة ظالمة لا حنو ولا شفقة في قلبها عليهما؛ لظنها ~~أنهما جاءتا لتسابقا أولادها وتسلباهم طعامهم ولباسهم. # وكانت تحسدهما بجمالهما وتهذيبهما وتغار منهما، وهذا شأن كل خالة مع أولاد زوجها، إلا ~~إذا كانت عادلة فاضلة عاقلة. # فلم تطق بديعة هذا الضغط ولا هذه المعيشة، وفضلت أن تخدم عند أناس يفهمونها وتفهمهم، ~~حتى تزيل أتعابها القلبية والجسدية بما تراه من نظافة وترتيب بيوتهم ms011 ، وما تسمعه من أفواههم ~~من الكلام اللطيف، فرجعت بعد أسبوع إلى بيروت حيث توفقت لخدمة عائلة من أشهر عائلات تلك ~~المدينة الزاهرة. وأما لوسيا فإنها تحملت كل هذا؛ لأن والدها لم يسمح لها بترك البيت ووعدها ~~بإحسان معاملتها في المستقبل. وبالحقيقة إن معيشتها مع امرأة أبيها كانت خلاصة الحنظل؛ ~~لأنها كانت ذات كبرياء زائدة، فرأت برعاية «البقر» والاستملاء وتربية دود الحرير مذلة ~~وعارا. وكانت دائما تقول لأبيها: إننا يا أبي لا نفرق شيئا عن البهائم. نحن نكد ~~ونتعب، ونفلح ونزرع، ونحمل على ظهورنا الأحمال الثقيلة، وكل ما نكسبه من ثمرة أتعابنا هذه ~~هو «قوت يومنا»، كهذه الدواب التي تحمل الأحمال الثقيلة التي من ورائها غنى وسعادة ~~أصحابها، وهي لا تستفيد منها إلا مقدارا من العليق والعلف، فكأن الحياة كلها كناية عن أكل ~~ثلاث وجبات في النهار ونوم عشر ساعات في الليل. وكأننا قد خلقنا لنكون آلات يستعملنا ~~الأغنياء لبناء بيت مستقبلهم وقلعة سعادتهم. # أما بديعة فقد وجدت بعد ذهابها راحتها عند أسيادها؛ لأن سيدتها وسيدها كانا مسرورين ~~منها جدا؛ إذ إنها كانت تعلو منزلة وتسمو قدرا عن سائر الخدام والخادمات، وكأنها ~~بأعمالها وآدابها وأخلاقها خلقت لتكون «سيدة لا خادمة»، كما قالت سيدتها مرة. وكان في ~~بيت سيدها خدام كثيرون، أما هي فكانت أحسنهم. ولم تكن تعاشرهم ولا تخالطهم مطلقا؛ ~~لما رأته من انحطاط آدابهم وميلهم إلى اللهو والقصف، وعدم أمانتهم على البيت الذي ~~يعيشون فيه أو على من فيه. # ولكم من مرة مرت بديعة على غرفة الخدم، فوجدتهم بعد الانتهاء من أشغالهم جالسين ~~يدخنون ويسكرون ويهزءون بأسيادهم وبمن دخل ذلك البيت في ذلك النهار، كأنهم الجواسيس على ~~البيت وأصحابه وضيوفه. وفي ذات يوم سمعت بديعة صوت خادمة غريبة تنم بسيدتها لخادمة من ~~خادمات بيت الخواجة منصور، فأجابت تلك الخادمة: «كلنا بهذه المصيبة» لأن سيدتنا كسيدتك ~~وأمرها كيت وكيت. فزجرتها بديعة على عدم أمانتها وجحودها للجميل، وبطريق الصدفة كان كلامها ~~على مسمع من سيدتها. فطردت تلك الخادمة من دارها وأعلت قدر ms012 ومنزلة بديعة، حتى أصبحت نديمتها ~~وشريكتها وصديقتها في البيت أكثر مما هي خادمتها. # ولم يكن لبيت الخواجة منصور سوى ولد وحيد في الحادية والعشرين من عمره لم يزل في المدرسة، ~~مع شاب آخر هو ابن خالته التي ماتت هي وأبوه بشهر واحد، فأتت السيدة مريم بابن أختها ~~وربته، وإذ كان زوجها يحبها ويحترمها كثيرا أحب الغلام ورباه وعلمه العلوم التي علمها ~~لابنه. # ولم يمض وقت طويل على خدمة بديعة لذلك البيت حتى كان الخامس عشر من شهر تموز، وهو يوم ~~رجوع التلامذة من المدرسة لقضاء أيام العطلة في بيوتهم، وحسب العادة ذهبت والدة فؤاد السيدة ~~مريم ووالده الخواجة منصور لملاقاته ومرافقته للبيت مع ابن خالته نسيب؛ ذلك بعد أن أكملت ~~استعدادها لحفلة شائقة تقيمها في ذلك المساء إكراما لمجيء ولدها العزيز. وتركت بديعة في ~~البيت الذي أوكلت إليها أمره. # واستوحشت بديعة لغيابهما، فنزلت إلى الحديقة تتمشى، وفيما هي هناك سمعت ضجة الخدم يتكلمون ~~وواحدة منهم تقول: أنا أعلم حق العلم بأن سيدتي ستندم على إكرام هذه الفتاة المتكبرة؛ لأنها ~~قد أصبحت هي ربة البيت وسيدتنا الخادمة، وإذا تركتها على هذا الحال فإن وجهها هذا الجميل ~~الذي تحبها لأجله وتفضله علينا كلنا سيكون سبب تعاستها؛ إذ يأتي سيدنا فؤاد ويقع في شراك ~~هواها فتعرف إذ ذاك والدته الخطر من الوجوه الجميلة ... فأجابه صوت آخر وقال: اصبري قليلا ~~فتسمعي سيدتك تقول هذه الجملة: «ركبتها ورائي فمدت يدها إلى الخرج.» ومن يعش ير. # عند ذلك انقطع الصوت، فمشت بديعة تهز برأسها وجملة المرأة الأخيرة ترن بأذنيها، ولما ~~وصلت إلى ردهة الاستقبال جلست على مقعد من القطيفة الحمراء، وقالت: لا غرو إذا أبغضني ~~الخدم، فأنا أبغض أعمالهم ولا أجاريهم فيها، ولكن كلام تينك الخادمتين كلام حكمة بالرغم عن ~~صدوره منهما؛ فإن «الوجه الجميل خطر كبير» هذا حقيق، ولكن ليس مع من يكون عقلها أعظم من ~~جمالها وشرفها أعظم من الاثنين. فما أقل عقول أولئك الخدام الذين يظنونني أتاجر بجمالي ~~وأرمي شباك حسني إلى الشبان ms013 لأصطادهم بها. فأنا أعرف مقامي. وكفى بهذا لي رادعا عن ~~كل عمل لا يكون لي ولا للغير منه سعادة بل شقاء. فطمئنوا نفوسكم يا رفاقي الخدم، ~~واعلموا بأنني فتاة سوف لا أجعل سيدتكم تندم على استخدامي لثلاثة أمور؛ الأول: لأن التفاوت ~~بيني وبين سيدكم عظيم. والثاني: لأنني سوف أتسلط على إرادتي كما فعلت وأفعل بكل وقت. ~~والثالث: لأن لسيدتكم جميلا عظيما علي لا يكافأ بجرح قلبها هذا الجرح من اقتراني ~~بولدها. وبينما هي بهذه الأفكار سمعت خرير دواليب العربة، فأسرعت للباب لملاقاة القادمين ~~الذين نزلوا وذهبوا توا إلى ردهة الاستقبال، وذهبت هي إلى المطبخ لتعد لهم ~~المرطبات. # لم تدر بديعة أن تلك النظرة بفؤاد قد غرست بقلبه شجرة سيكون ثمرها التعاسة والشقاء؛ إذ ~~لو درت هذا لاقتلعتها حالا. ولكن هيهات أن تعود تقدر على ذلك؛ لأن غدف شجرة الحب تمتد ~~في أرض القلوب بسرعة عجيبة، وأول ما شعرت به بديعة من أمر الحب هو لما قالت لها سيدتها في ~~عصاري ذلك النهار بأنها تريد أن تعرفها بفؤاد ونسيب وتقدمها إليهما، وبدافع خفي لم ~~تعرفه رفضت هذا الأمر معتذرة، واضطرب قلبها عند ذكر هذين الاسمين. فذهبت السيدة مريم ~~من عندها وهي تقول: إذن لاحظي على الخدم في هذه الليلة يا عزيزتي، واستعدي للتعرف بهما ~~غدا صباحا، إذا كنت لا تريدين هذا الأمر الليلة. # | الفصل الثالث # الوليمة # عند الساعة السابعة إفرنجية - وكل شيء إفرنجي - ابتدأ توارد العربات البيتية الجميلة، ~~تجرها جياد الخيول العربية إلى دار الخواجة منصور، فمنها ما كان ينتظر في فسحة الدار ~~الخارجية، ومنها ما يتراجع بعد إيصال أصحابها. وكانت تلك الدار الرحيبة مضاءة بأجمل الأنوار ~~الملونة، تضحك وتبش في وجوه الزائرين نائبة عن أصحابها بمقابلة الضيوف. # وعند مدخلها كان يرى شاب واقفا يلاحظ بطرف عينه الداخلين كأنه يدرس أخلاقهم بوجوههم، ~~ولكن قل من اكترث له؛ لأن هؤلاء كانوا يدخلون وهم معرضون عن كل شيء حولهم، ومتشاغلون ~~إما بالكلام مع رفقائهم وإما بالإسراع إلى داخل الدار. وكأن ذلك الشاب ضجر ms014 وتعب من ~~الوقوف فجلس على مقعد قريب؛ لأنه عرف بأن مهمته لا تقضى بالقليل من الوقت. # وإذ ذاك تفرغ لمراقبة الناس المتقاطرة، فرأى ما كاد يضعضع فكره من اختلاف الأشياء، رأى ~~السيدات الشابات بأثوابهن الفاخرة وأزيائهن العجيبة، يجررن وراءهن الأذيال الطويلة ليطابق ~~قول القائل بأن المرأة كالطاوس، وعليهن الحلي النفيسة الموضوعة فوق صدور وأذرع مكشوفة ~~كالبلور، لا يعرف الناظر أكان منها أم من الجواهر انبعاث ذلك النور الباهر. وإلى جوانبهن ~~الشبان بملابسهم الإفرنجية على آخر زي، وقد بدا للكهولة والشيخوخة أثر ضعيف من النساء ~~والرجال الذين كانوا يقبلون بالملابس العربية الفاخرة، حتى يخيل للناظر أن الأولين ~~إفرنج والآخرين سوريون، ولا عجب إذا حكم الإنسان عليهم باختلاف الجنس، وكل فريق منهم يختلف ~~عن الثاني زيا ولغة، فبينما الأولون يتكلمون اللغات الفرنساوية والإنكليزية والتركية، كان ~~الآخرون يتكلمون لغتهم العربية فقط. ومن الغرابة أن بعض الشبان والشابات كانوا يشمئزون ~~من الشيوخ والكهول لمحافظتهم على لغتهم وزيهم العربيين، في حين أن هؤلاء ينظرون إليهم ~~بعيون ملؤها الرضى والسرور برؤية أولادهم وحفدتهم قادرين على تقليد الإفرنج، بينما هم ~~مقصرون عن ذلك لكبر سنهم. # وبقي ذلك الشاب منتظرا خارجا حتى دخل جميع المدعوين تقريبا، فقام من مكانه وهم ~~بالدخول أيضا؛ لأنه كان من جملة المدعوين. وكان يقول في نفسه: بعد مضي عشر سنين من ~~الآن نسبق الإفرنج. ولربما صرنا في ذلك الوقت ننظر إليهم كما كانوا ينظرون إلينا قبل عشرين ~~سنة. ولكن أهذا ما ندعوه تمدنا مفيدا أم مضرا؟ هذا هو السؤال السهل، ولكن الصعوبة في ~~الجواب. إن التمدن والترتيب مفيدان جدا ولا شيء مثلهما، ولكن بشرط أن يكونا في كل شيء. ~~والذي يستدعي الأسف أننا كدنا نسبق الإفرنج بتقليد العوائد المضرة فقط كعادة «الموضة» ~~بكل شيء حتى «بلعب القمار»؛ فإن الإفرنج قوم درسوا قواعد تمدنهم أجيالا، أما نحن فلم ~~نعرفه إلا من سنين. وقد كدنا نسبقهم بالتقليد. وهذه السرعة الغريبة تجعل الإنسان في ريب ~~من الأصالة، وتحمله على المناداة مع العقلاء القائلين: «إذا أردتم الفضل ms015 الحقيقي فجدوا في ~~طلبه من بيوت الفلاحين ومن الأكواخ المنفردة؛ لأنه هناك أبقى وأنظف مما هو في شوارع المدن ~~الكبرى وساحاتها العمومية.» فلو نظرنا في أمر واحد، وهو أن نبقي على الجيد الحسن من ~~عوائدنا، ونضيف إليه الجيد الحسن من عوائد الإفرنج عوضا عن الاندفاع التام وراء العوائد ~~الإفرنجية، مع غض النظر عن المضر والمفيد منها، وترك عوائدنا كلها وإن كان فيها ما هو ~~أفضل من عوائدهم بدعوى أن الأولى «موضة جديدة» وأن الثانية موضة قديمة، كأن الآداب ثوب ~~يطويه البلى؛ لما كنا على ما نحن عليه من سوء الحال والحاجة إلى الإصلاح. # ولما دخل ردهة الاستقبال رآها مضاءة من وجوه الحسان بأبهى ما هي مضاءة من الأنوار، ورأى ~~صاحبة المنزل قد جلست بقرب الباب لتكون منظورة من جميع ضيوفها عند وصولهم، فتوفر عليهم مشقة ~~التفتيش عليها. وقد لبست ثوبا أسود نفيس القماش بسيط التخريج لا زخرفة فيه، ظهر به قدها ~~الأهيف بأجمل مظهر، وتجلى فوقه وجهها الناصع البياض تحت شعر بلون ذلك الثوب كالقمر المنير ~~في الليلة الحالكة الظلام. فقال في نفسه: يظهر بأن لي من وجه هذه السيدة مجلدات للدرس؛ لأن ~~هيئتها تدل على أنها عارفة واجباتها، وستحسن تمثيل دور ربة بيت فاضلة. فلننظر لنرى إذا كان ~~الظن لا يخيب، وإذا كانت هذه المرأة كما يقولون: «ملكة عارفة بواجبات مملكتها الصغيرة التي ~~هي عائلتها.» وتقدر على القيام بمهام هذه المملكة الداخلية والخارجية خير قيام. # وبالحقيقة أن السيدة مريم هي كما ظنها ذلك الشاب؛ لأنها مع كثرة انشغالها وضيوفها في تلك ~~الليلة الحافلة، ومع سرورها بمجيء ولدها الذكي النجيب من المدرسة، وعلى رأسه أكاليل الفخر ~~والفوز، ومع أنها كانت تتبعه بنظرها كيفما ذهب وانتقل؛ كانت تظهر رزينة هادئة لا تضحك ولا ~~تتكلم بصوت عال ولا تضج ولا تركض، حتى إنها لم تظهر سرورا زائدا لئلا يقال عنها بأنها ~~خفيفة. ولم تظهر عدم اكتراث أو تهامل بالقيام بواجب إرضاء ومسرة ضيوفها، بل إن البساطة ~~الطبيعية كانت على وجهها والحرارة الودادية ms016 الإخلاصية كانت تطيب حديثها، وبالإجمال كانت ~~تظهر العظمة الزائدة والهدوء التام؛ مما يجعل الإنسان يظن أنها متكبرة، وهذه هي الحالة ~~الوحيدة التي تعاب عليها. # وكأن عيني ذلك الشاب أقسمتا أن لا تفارقا حركاتها فأحدقتا بها طول تلك السهرة، وأول شيء ~~قدر على استنتاجه - مما دل على معرفة تلك السيدة بأصول آداب السلوك - هو أنها نسيت نفسها ~~بالكلية، ولم تفتكر في غير مسرة ضيوفها الذين ضحت بسعادتها لأجل سعادتهم شأن المرأة ~~الفاضلة. ومما كان يزيد وجهها الوسيم جمالا هو استقبالها وبشاشتها للضيوف، ومخاطبتها كلا ~~منهم بالحديث الذي يناسب ذوقه وسنه ليكون مسرورا. ولم تظهر على وجهها لوائح الانشغال أو ~~القلق على الإطلاق، فكأن كل أفكارها كانت حائمة حول مسرة ضيوفها، ولا فكر يقلقها خارج ~~قاعة الاستقبال، مع أن واجباتها كانت كثيرة، ولكنها بتعقل ودراية رتبت كل الأمور على ما ~~يرام حتى تتفرغ للقيام بواجبات الضيوف. # وكانت تلاقي الداخلين إلى الباب إن كن نساء، وتنهض لهم فقط إن كانوا رجالا. ومما أعجب ~~الشاب المنتقد حذرها الزائد وملاحظتها الغريبة عند الكلام حتى لا يفرط منها ما تؤاخذ ~~عليه، ثم صبرها وجلادتها على تقديم وتعريف ضيوفها بعضهم ببعض، إن كان منهم من يجهل الآخر. ~~وكانت تلفظ اسم الشخص بهدوء وضبط وبصوت مسموع حتى لا يصير التباس بفهم الاسم، والذي جعله أن ~~يهز برأسه إعجابا هو استعدادها التام، حتى إنها لم تغفل عن وضع طاولة عليها كتب وجرائد ~~ومجلات وكتب وصور، حتى إذا ضجر الضيوف من الحديث يتسلون بسواه مما هو جائز في ~~الاجتماعات. # ولما اكتمل اجتماع المدعوين كانت مع زوجها الخواجة منصور يحدثانهم بأحاديث عمومية حتى ~~يكون التفاتهما شاملا الجميع على السواء، وحذرا من قصور يبدو من جانبهما أو عتب من جانب ~~المدعوين مما يجب منعه في الحفلات الكبيرة والصغيرة. # وسمع الشاب صوت السيدة مريم قد ارتفع نوعا وترحيبها قد زاد عما قبل، فنظر ليرى السبب ~~وإذا بعائلة متأخرة قد دخلت بعد الجميع، فلاقتها تلك السيدة بترحيب زائد أزال خجلها من ~~التأخير عن الحضور ms017 ، فهز رأسه وقال: لو كان كل رجل وامرأة من بني وطننا يحسنان تقليد ~~الإفرنج والمحافظة على عوائدنا الحميدة كهذه السيدة، والجمع بين الحسنين ودرس فروعهما درسا ~~مدققا؛ لكان كل كاتب يستبدل لهجته الانتقادية على تمدننا وتقدمنا الأدبي بالاستحسان ~~لهما. # ولم يكن هذا الشاب المراقب محبا للانتقاد من طبعه لغير سبب، بل كان حاملا له عليه ما ~~رآه من بعض الضيوف مما لو قابله بصنيع السيدة مريم لظهر الفرق بين الحسن والقبيح جليا، ~~وهو أن بعض أولئك المدعوين من نساء ورجال كانوا يدخلون القاعة ويذهبون توا إلى المقاعد، ~~فيجلسون بدون أن يصافحوا يد ربة البيت أو أن يتكلموا معها برهة قبل كل شيء؛ لأن هذا من ~~أول الواجبات على الزائرين. وبعضهم كانوا يرجعون فيسلمون عليها بعد جلوسهم بدقائق وبعد أن ~~يكونوا قد سلموا على أصدقاء لهم في المجلس، وكثار من الشابات والشبان الذين كانوا يتكلمون ~~بلغات أجنبية عوضا عن لغتهم التي يجب أن تكون لغة المجلس؛ لأن الجميع يفهمها، ولأن التكلم ~~بلغة لا يفهمها الجميع محظور إلا في ظروف مخصوصة إذا لم يكن مفر من التكلم بلغة أجنبية لا ~~يفهم سواها. # وكانت السيدة مريم خبيرة بقواعد الحديث، وكأنها من حين قابلت أول ضيف في هذه الليلة وضعت ~~أمام عينها قول أحد الحكماء: «إن الحديث لذة المحدث لا المحدث.» فكانت تنتقي أكثر ~~الأحاديث ابتعادا عن الشخصيات أو ما يدنو منها، وتختار أقربها إلى الفائدة واللذة للجميع؛ ~~حتى لا تجرح عواطف أحد وتجلب الضجر عليه بكلامها. وعلى ذلك انقضى جزء من السهرة بدون أن ~~يشعر به الناس؛ لأن لطف وأدب أصحاب المنزل كانا قد أثملاهم فألهياهم عن معرفة الوقت الذي ~~مر بسرعة غريبة. # وآثرت السيدة مريم الطريقة الإفرنجية عند الدخول إلى غرفة المائدة، فأخذت بذراع أحد ~~ضيوفها الأفاضل ودخلت الغرفة التي كانت مرتبة أجمل ترتيب، وأنواع الزهور الجميلة في ~~كل مكان فيها تنبعث منها الروائح الزكية فتنعش القلوب، ولا غرو فإن غرفة المائدة يجب أن ~~يعتنى بها أكثر من كل غرفة في البيت ms018 ، حتى ومن ردهة الاستقبال في مثل هذه ~~الحفلات. # جلست السيدة مريم على كرسي في رأس المائدة وجلس إلى يمينها الرجل الذي رافقها إلى ~~المائدة، وكان الأكل عربيا وإفرنجيا أي «الجيد من النوعين». ولم تدل ضيوفها على ~~كراسيهم، بل تركت لهم الحرية المطلقة في ذلك. # وبالحقيقة أن ذلك الشاب الذي شبع من السرور بلطف وأدب سيدة البيت لم يأكل كثيرا؛ لأنه ~~عجز عن «حمل بطيختين بيد واحدة»، وكان يفضل الدرس على الأكل، فوجه كل اهتمامه إلى الأول ~~ولم يبال كثيرا بالثاني. # واستأنف بتدقيق مراقباته التي كان أكثرها موجها إلى ربة البيت التي كانت على مائدة ~~الطعام مثلها في ردهة الاستقبال، محافظة أتم المحافظة على آداب السلوك وواجبات التهذيب؛ ~~فإنها لم تتكلم بشأن المائدة والطعام ولم تشبع ضيوفها «أعذارا» من الغباوة عن تقصيرها؛ إذ ~~أي شيء يمنع المرأة عن القيام بواجباتها إذا كانت تعرف بأنه ينقصها شيء؟ أو أي عذر يقبل لها ~~متى كانت قادرة على عمل الشيء ولم تعمله؟ أو أي ذوق في الاعتذار عن أشياء فوق المقدرة، وليس ~~من الحكمة أن يعمل الإنسان ما هو ضد إرادته وفوق مقدرته؟ فالمرأة لا يجب أن تقصر إذا كانت ~~قادرة، ولا أن تعتذر إذا لم تكن قادرة؛ لأن الأمرين ممقوتان. ولم تكن السيدة مريم تلتفت إلى ~~الخدام ما بين الدقيقة والدقيقة، ولا تنظر إليهم بلهفة كأنها تخاف أن يأتوا عملا ~~مضرا، ولم تتبعهم بعينها أو تظهر القلق من عملهم، وأنهم لا يحسنونه وأشياء كثيرة أخرى ~~تدل على عدم وثوقها بهم؛ لأنها استدراكا لهذا كله كانت قد أعدت من تعتمد عليهم وباتت ~~مرتاحة الفكر بدون أن تضطرب وتجلب على نفسها المؤاخذة وعلى الخدم الخجل. وما جعل الشاب ~~مسرورا جدا هو تجنب تلك السيدة للعادة السورية المذمومة التي يأتيها الأغلب، وهي عادة ~~إجبار الضيوف على الشره والأكل من كل نوع، وملاحظة صحون الضيوف، ومعاتبتهم لأنهم لم يأكلوا ~~من لون الطعام هذا ولا من ذاك، وغير هذه أمور تزعج الضيوف لا تريحهم بل تجعلهم «غرباء»، ~~وتجعل ms019 عين صاحبة المنزل محدقة بهم كل دقيقة. فإنها عرفت ما عليها، وأكثرت من ألوان الطعام ~~الفاخرة والشهية المأكل ووضعتها أمام المدعوين، وما تبقى من الواجبات يكون على الضيوف الذين ~~يجب أن يستعملوا الحرية التامة؛ لأنهم إنما للانبساط دعوا. # وتولت السيدة مريم زعامة الحديث، فكان حديثها المستظرف يزيد الناس شهوة إلى الأكل، وكان ~~«حديث مائدة» أي عموميا ونقيا ومحدثا به بصوت مسموع حتى يحيط الجميع به فهما، وكان ~~هذا الحديث سلسلة متصلة الحلقات بين الآكلين. # ولما انتهى دور ربة البيت حول ذلك الشاب وجهه ونصف فكره إلى الضيوف، فرأى من البعض ما ~~يسره ومن البعض الآخر ما يسيئه. ومن أقبح ما رأى من بعض السيدات أنهن كن متكئات على ~~مائدة الطعام قبل الابتداء بالأكل كأن المائدة وسادة أمامهن ... والبعض الآخر كن بعيدات ~~عنها مسافة قدمين أو ثلاث، وغيرهن لم ينتبهن لوضع الفوط جيدا فسقطت على الأرض وسقط ~~مكانها الطعام الذي لطخ أثوابهن الجميلة. # وفيما القوم على المائدة وقفت سيدة جميلة بكل استياء وعبوسة وتكلمت بغيظ كلاما عاليا، ~~فانقطع الجميع عن أكلهم ونظروا إليها ومنهم من وقف لوقوفها. ولماذا كان كل هذا؟ لأن أحد ~~الخدم - ومسكين هو - أراق بدون قصد ولا انتباه المرق على ثوبها الجميل. فهذه السيدة عوضا ~~عن أن تبتسم في وجهه بلطف وتنظر إلى اضطرابه مزيلة بأدبها ورفقها بعض خجله؛ وقفت توبخه ~~بعنف وغيظ وتعنفه بكلام قاس حتى أضحكت البعض منها وضاعفت خجل ذلك الخادم المسكين دون أن ~~ينتفع ثوبها بشيء ... # ومما استلفت أنظار الشاب قهقهة إحدى النساء، وهمس امرأة أخرى مع جارها على المائدة، ~~ونظرها إلى بعض الجلوس بطرف عينها مبتسمة، كأنها تتكلم عنهم أو تهزأ بهم. وكانت هذه السيدة ~~كلما وضع أمامها لون من الطعام تجد فيه علة وتنظر إليه باحتقار. والغريب من هذه السيدة ~~«المنتقدة» أنها لم تحسن انتقاد نفسها حينما قدمت الطعام لفمها بالسكين مع أن الشوكة ~~وجدت لذلك، ووجدت السكين لتقطيع اللحم. وانتبه أيضا لثقالة سيدة كانت تزيد على ~~رفيقتها «العزيمة» وتلح عليها بالأكل ms020 وتقدم لها الصحون، مع أن ذلك ليس من واجباتها بل من ~~واجبات خادمي المائدة. وفيما هو ينظر ويفتكر وينتقد ألف أمر وأمر، كان يجب على كل سيدة ~~استدراكه إن كان في ردهة الاستقبال أو في غرفة المائدة حيث تكون معرضة لانتقاد الجميع، طرق ~~أذنيه صوت سيدة تقول لرجل كان جالسا بينه وبينها: إنه لم يزل ينظر إلى الباب نظرة من ينتظر ~~أحدا وهو مشتت الأفكار. # فأجابها الرجل: ربما كان بانتظار أحد الضيوف أو بانتظار رفيق له لم يحضر. # فالتفت الشاب ليرى من هي تلك السيدة فتلاقى نظره بنظرها وهي تنظر إلى جارها نظرة معنوية، ~~وسمعها تقول مازحة: إنك أصبت الغرض؛ لأن رفيقه ينشر على وجهه الاصفرار والكمد إذا لم يحضر ~~ويمنعه عن الأكل إلا تظاهرا ... إنكم أيها الرجال تتظاهرون دائما بما ليس فيكم، وتتجاهلون ~~الأمور وما أنتم بجاهلين. # فقال لها مبتسما: وما عسى أن يكون أمره يا ترى؟ # وكانت لحظت بأن أحد الحضور ينظر إليهما، فأجابته أن ليس هذا مقام إيضاح. # وعرف الشاب بأن كلامهما كان عن فؤاد صاحب الوليمة؛ لأنه كان قد قرأ على وجهه ما جعله أن ~~يصدق قول تلك السيدة التي لما تكلمت أيقظت بكلامها أفكاره، فقال في نفسه: إنها صادقة ~~بقولها، إنه لا ينتظر «رفيقا» بل «رفيقة»؛ لأن تشتت أفكاره في ردهة الاستقبال واضطرابه ~~كلما دخل أحد وتغير لون وجهه من البشاشة للتعبس، دلائل ظاهرة على أن في الأمر ما هو أعظم ~~من الصداقة البسيطة، لا سيما وهو لم يأكل ولا تكلم إلا قليلا على المائدة. # ولما انتهى الناس من الطعام وأخذوا بالخروج سمع ضجة من السيدات، ورأى الناس يتراجعون ~~ليعرفوا ما صار، وإذا بسيدة مصفرة الوجه من الغيظ والاستياء؛ لأن جارتها وضعت كرسيها على ~~طرف ثوبها، فلما أرادت القيام قد ذلك الثوب النفيس وذهب ضحية الإهمال وقلة التهذيب. فضحك ~~الشاب من هذا الفصل الأخير ومضى إلى الردهة، ولما رجع المدعوون من غرفة المائدة ذهب ~~الشبان والشابات منهم إلى قاعة الرقص، وبقي الشيوخ وبعض الكهول ممن ms021 لم يتعلموا الرقص ~~الإفرنجي ولا أرادوا التفرج عليه، فقدمت لهم النراجيل وجلسوا يدخنون ويتحدثون. وكان ~~الشاب لم يزل واقفا حتى رسم بمخيلته هذه الصورة العربية القبيحة، ثم ذهب إلى قاعة الرقص ~~فرأى صورة العادة الأخرى القبيحة، فقال في نفسه: ماذا يضرنا يا ترى أن نعدل عن عوائدنا ~~القبيحة دون أن نضيف إليها ما هو مثلها من عوائد الإفرنج؟ أو بالحري ما كان أعدلنا لو رضينا ~~بواحدة فقط من الاثنتين؛ لأن الضرر المتأتي عنها كاف لإقناعنا! # | الفصل الرابع # نتيجة أول نظرة # ولما مثل ذلك الشاب دور انتقاده وانتهى من ملاحظاته، ذهب وهو يقول: إنني رأيت كل أعضاء ~~جسم العوائد المضرة بين الهيئة الاجتماعية في هذه الليلة، ولكن الحمد لله لم أر «رأسها» ~~الذي هو «لعب القمار»؛ فالفضل بهذا راجع إلى أصحاب البيت الأفاضل الذين لا يحبون أن يكون ~~بيتهم هيكلا يضحى على مذابحه شرف وعقل ومال الناس بسرور ورغبة. # حدثت كل هذه الأشياء وفؤاد لم يكترث لأكثرها؛ لأنه لم يكن موجودا بغير الجسد هناك. ومع ~~أنه كان في الوليمة بنات يخجلن بجمالهن زنابق حزيران الجميلة في الصباح، ويمثلن ضروبا ~~من الجمال والدلال؛ فإن الشاب لم يكترث لهن إلا من جهة الضيافة والقيام بواجب الملاطفة ~~المعتدلة، وكان كل فكره عند تلك الفتاة التي رآها حين دخوله الباب، وعلى ذلك الثوب البسيط ~~الذي ظهر جمال وجهها وقدها فيه بأبهى مظهريهما؛ إذ لا شيء يظهر الجمال الحقيقي كالبساطة ~~الطبيعية بكل شيء. وكان يفتكر في من عسى أن تكون تلك الفتاة التي لم يقدر على التمتع بمرآها ~~أكثر من دقائق معدودة والتي أوجدت في قلبه شوقا عظيما إلى نظرة ثانية منها لم يعرف ~~سببه. # وهذا التأمل صيره مشتت الأفكار وجعل وجوه أكثر الفتيات كالحة في تلك الليلة التي كان هو ~~فيها مطمح أبصارهن وأبصار أمهاتهن اللواتي كن يراقبنه ويطوقنه بأنظارهن كيفما ~~دار، وكل واحدة منهن تتوهم «أنه في قبضة يدها»؛ لأن بنتها أحسن من بنت فلانة أو أن نحلتها ~~«الدوطة» أكبر من نحلة فلانة. ولو ms022 كان لإصابة العين أثر من الصحة مع شدة اعتقاد بني وطننا ~~بها، لكان وقع فؤاد صريعا من عيون بعض الأمهات اللواتي كن يترقبنه كما تترقب الهرة ~~العصفور ... أما هو فقد كان - وا أسفاه - مشغولا عنهن بالنظر بلهفة إلى الباب كلما فتح أو ~~دخل منه أحد؛ لأنه كان يعلل النفس باستعادة النظر إلى تلك الصورة التي تركت في قلبه أثرا ~~لا يمحى، ولكنه كان يرجع نظره بالقنوط والخيبة إذ يرى بأن الداخل ليس من يريد، وانتبه ~~لأمره كل من كان حاضرا من أصحاب الذوق في تلك الليلة؛ لأن أفكاره كانت مرسومة على ~~جبينه. # وكان يسأل نفسه عن سبب حضور تلك الفتاة الحفلة ويود الاختلاء بوالدته ليسألها عنه، ~~ولكنه تصبر احتشاما إلى ما بعد ذهاب المدعوين. وعند منتصف الليل كان قد ذهب أكثرهم ~~وكانت السيدة مريم قد تعبت جدا من الجهد الذي قاسته بمقابلة الضيوف والقيام بواجباتهم ~~بتدقيق، ومن الحر الشديد في تلك الليلة، فنزلت إلى الحديقة وجلست على مقعد هناك للاستراحة ~~من عناء الأشغال، ولتنشق الهواء النقي الذي هو أحسن وسيلة للراحة وأعظم منعش للقلب في مثل ~~هذه الظروف. # وكان فؤاد ينتظر هذه الفرصة أيضا، فلما خرجت والدته تبعها ماشيا وراءها إلى أن وصلت إلى ~~ذلك المقعد وجلست، فأتى هو ووضع يده اللطيفة على كتفها فأحست بأن هذه اليد هي التي خففت ~~عناءها وليس النسيم العليل، وللحال أخذتها عن كتفها وأدنتها من فمها فقبلتها بحرارة والدية، ~~واجتذبت ولدها بلطف قائلة: اجلس بجانبي يا حبيبي لنريح نفسينا قليلا بالحديث. # وكانت السيدة مريم في الأربعين من عمرها، ولكن من ينظر إليها يظن أنها في الثلاثين فقط؛ ~~لأنها كانت اكتسبت الظهور بأقل من سنها بعشر سنوات، واستبقت جمالها على حاله من ~~اعتنائها بصحتها اعتناء زائدا، وهذا سر قد لا يفهمه جميع الناس ولكنه أصل سعادة ~~العائلة؛ لأن المرأة متى كانت قادرة على الاعتناء بصحتها وجمالها تبقى إلى ما بعد الخمسين ~~صبية، وتكون بذلك لم تزل «عروسا» محبوبة من زوجها ورفيقة عزيزة لبناتها وصبيانها؛ لأن ms023 ~~الأم الصبية تكون رفيقة للبنت قادرة على مسرتها والسرور بها، فتفهم احتياجاتها أكثر مما ~~لو كانت شيخة وبنتها صبية، ورب امرأة تلبس هي وابنتها فسطانا من قماش وتخريج واحد، ~~فتعيش بنتها سعيدة معها أكثر مما لو كانت غضنتها الأيام فأصبحت لا تكترث لشيء، وقد قيل: ~~«كل جيل مع جيله يلعب.» وأما منفعة الأم الشابة الجميلة للشاب فهي عظيمة جدا؛ إذ تكون له ~~مدربة ومحبة ورفيقة يسر بمعاشرتها واستشارتها بوقت واحد. # وكان فؤاد يشبه أمه أكثر مما يشبه أباه، فكان وهو جالس معها على ذلك المقعد يظن أنها ~~أخته لا والدته، ومن جهة أخرى يشعر بقوتها عليه وبوجوب طاعته لها لشعوره باللذة والسعادة ~~بمحادثتها. وفي خلال الحديث سألها بلطف قائلا: هل حضر كل مدعويك الوليمة يا أمي؟ فارتابت ~~والدته من سؤاله وقالت له: وما الذي حملك على هذا السؤال؟ أجاب: لا شيء سوى أنني أظن أن ~~البعض منهم ذهبوا بعد حضورهم لأسباب لا أعلمها. فتعجبت والدته من هذا السؤال الغريب، ~~وقالت: لم يذهب أحد من هنا على الإطلاق، ولكن عائلة واحدة لم تحضر؛ لأن أحد أعضائها مريض، ~~فما الذي دعاك لأن تقول بأن البعض حضروا ورجعوا؟ أجاب: ومن هي إذن تلك الفتاة الجميلة ~~التي نظرتها عند وصولي للبيت ولم أعد أنظرها فيما بعد البتة مع ضيوفك؟ # وكان الولد مخاطبا الوالدة وهو كما يقولون «فلذة كبدها»، فكانت أفكاره بعض أفكارها! فلما ~~سمعت كلامه اضطرب قلبها ولكنها ابتسمت وقالت في نفسها: إن التفات الشبان للفتيات الجميلات ~~أمر طبيعي، فما بالي أخشى منه؟ وأجابت الولد قائلة: أنت غلطان يا عزيزي؛ لأن الفتاة التي ~~رأيتها لم تكن من جملة الضيوف، بل هي خادمة عندنا. # ظنت الوالدة أن ولدها يشعر بقلبها، وأن مجرد قولها له بأن الفتاة خادمة يحقرها في عينه ~~ويوقفه عند حد السؤال عنها ثانية. أما هو فلم تؤثر به معرفة كونها خادمة شيئا، بل زادت ~~رغبته بالنظر إليها ثانية ومخاطبتها منفردا، وعظم سروره أنها قريبة منه وفي بيته. ومن حظ ~~تلك السيدة المتعظمة ms024 أنها لم تقدر على معرفة الدلائل التي ظهرت على وجه ولدها في ذلك ~~الليل. # وبعد أن سمع فؤاد كلام والدته وعرف ما عرفه عن الفتاة، حمله الشوق على التفتيش عنها في ~~تلك الساعة، ولم تدعه آدابه أن يترك والدته في ذلك المكان وحدها، فقال لها: إن الرطوبة ~~تضر برأسك يا سيدتي لا سيما وأنت تعبانة، فالأوفق أن نرجع. فأذعنت والدته وأخذت ذراعه إلى ~~قاعة الاستقبال حيث كان بعض المدعوين لا يزال باقيا. # أما هو فمضى يفتش عن بديعة، ولكنه رجع بالخيبة بعد أن ذهب إلى المطبخ وغرفة المائدة وكل ~~مكان يدخله الخدم؛ إذ إن بديعة كانت قد ذهبت إلى غرفتها قبل نصف الليل بساعتين؛ لأن النوم ~~قبل نصف الليل بساعتين أو ثلاث كان من القواعد الصحية التي لم تخالفها قط. # وفي غد اليوم الثاني رأت السيدة مريم أن تفي بوعدها لبديعة؛ لأنها كانت تعاملها معاملة ~~رفيقة، لا خادمة في البيت، فذهبت إليها، وكانت في ذلك الصباح كوردة نيسان المفتحة في الليل ~~والمستقبلة ندى الربيع صباحا. فأخذتها من يدها وهي تقول: إنني امرأة وأعشقها، فهل ألوم ~~فؤادا لأنه سأل عنها؟! وكان في غرفة السيدة مريم الخاصة زوجها وولدها وابن أختها نسيب ~~يدخنون ويشربون قهوة الصباح، فلما دخلت السيدتان انتصب الخواجة منصور واقفا لهما، فعجب ~~فؤاد ونسيب اللذان وقفا أيضا. أكان هذا الاحترام لامرأته أم لبديعة الخادمة؟ وأشرق على وجه ~~فؤاد نور غير عادي عند دخول بديعة لم تلحظه والدته لحسن حظها، ولا والده الذي كان ناظرا ~~إلى بديعة، ولا بديعة التي كانت منخفضة الرأس وعيناها كزهرتي نرجس أطبقهما النسيم. # ولكن لم يشأ الله أن يبقى سر الشاب مكتوما عن الجميع؛ لأن ابن خالته كان ينظر إليه ~~بتلك الساعة، وكأنه كان ينتظر أن يرى ما رأى من دلائل السرور على وجه فؤاد، فابتسم عن مكر. ~~واستأنفت السيدة مريم خطوها إلى ابن أختها، وعرفته ببديعة أولا، ثم نادت فؤادا وعرفته ~~بها ثانيا، وقالت له وهي تنظر ببديعة: إنها أتت إلينا بصفة خادمة، ولكنها ms025 قدرت بآدابها على ~~إيجاد مقام أسمى لنفسها حتى أصبحت لي رفيقة وصديقة. ثم حولت نظرها إلى فؤاد ورمته بسهم آخر ~~من الكلام؛ إذ قالت له بلطف: إن بديعة أديبة جدا يا فؤاد، وهي تستحق منك إكرام أخ لأخته ~~وليس سيد لخادمته. # ولكن هذين السهمين من نظر أمه وكلامها لم يصيبا منه مقتلا؛ لأنهما خرجا من القلب وفتشا ~~عن القلب فلم يجداه في صدر فؤاد؛ إذ إنه كان قد نزعه وسلمه لبديعة عند مصافحته لها، أما ~~بديعة فلم يخف عليها المعنى من كلام سيدتها ولكنها قدرت على إخفاء عواطفها في هذه المرة، ~~كما كانت قادرة كل وقت فلم يصبغ وجنتيها لون الورد. # جلست بديعة بين تلك العائلة المحبوبة منها وهي غاضة الطرف عن النظر إلى فؤاد ونسيب، ~~اللذين كانا إلى جانبها يرشقانها بسهام العيون بنظرات أحد من السهام، كانت تشعر بأنها ~~مصوبة إليها وهي لم تنظرها. وأما السيدة مريم فإنها بقيت واقفة وهي لا تدري؛ لأن عينيها ~~الحادتين كانتا محدقتين إلى ولدها الذي كانت تقرأ على وجهه فصولا حسبتها من مقدمة ~~الليلة البارحة. # ولم تصدق بديعة أن أتى وقت الانصراف حتى خرجت من ذلك السجن الذي لم تقدر فيه على تحريك ~~يديها وعينيها ولسانها؛ إذ كان الاضطراب سائدا عليها فيه لأسباب لا تعلمها، وأسرعت إلى ~~غرفتها حيث جلست على كرسي هزاز أمام النافذة وأطلقت لما سجنته في صدرها من الأنفاس ~~العنان، وبعد أن تنفست طويلا وأدخلت لرئتيها الهواء النقي شعرت براحة في فكرها وقلبها ~~وجسمها، وقالت: آه ... ما أجمل الحرية الحقيقية بكل شيء! # اشتغلت بديعة كل شغلها طول ذلك النهار، ولم تنظر أحدا من أصحاب البيت الذين كانوا ~~مهتمين باستقبال المسلمين والزائرين، وكانت ترى في وسط أشغالها صورة مع أنها لم تعرف ~~ما هي جليا، فهي حقيقية لا وهمية؛ لأنها كانت تشعر بها. وكانت تشعر من جهة بسرور زائد ومن ~~أخرى بانقباض شديد، ولا تعرف لهما معنى. وكان في نفسها شوق إلى مرأى فؤاد بكل دقيقة، حتى ~~إنها كانت تتصوره قادما ms026 إليها أو أنه يخاطبها. ومع أنها لم ترغب بهذا الشعور نحو ابن ~~سيدها، فإنها لم تقدر على غلق أبواب قلبها دونه إلى أن غلبها على أمرها. وكان شوقها يزداد ~~يوما عن يوم حتى رأته خطرا عليها، فاستعدت لمحاربته، وكانت مسرورة؛ لأنها لم تر فؤادا ~~من أيام لاجتنابها الالتقاء به، وكان هو مشغولا برد الزيارات. وكما أن بديعة كانت تفتكر ~~في فؤاد هكذا كان فؤاد يفتكر فيها، والفرق بينهما أنها هي كانت ترى الاسترسال بالافتكار ~~خطرا عظيما يجب ملافاته، وما ذلك إلا للفاصل الذي يفصل بينهما لعدم المناسبة، أما هو فلم ~~يكن هذا الفكر فكره؛ لأنه كان يسعى جهده لإنهاء أعماله والتفرغ لمحادثة بديعة وتعليمها ~~حبه واستمالتها إليه، مع غض النظر عن مقامها الذي لم يقدم ولم يؤخر معه شيئا. # | الفصل الخامس # صعود أول درجة من سلم الحب # وكانت بديعة تحب المطالعة كثيرا؛ لأنها تربت تربية حقيقة وكان لها من نفسها مساعد على ~~طلب كل كمال بدون نظر إلى المقام والإمكان، وكانت تشتغل كل أشغالها الكثيرة، ومع ذلك تجد ~~لنفسها فرصة من يومها تطالع بها كتبا أدبية وتاريخية وتهذيبية، وكان لها نصيب كبير من ~~الاستعارة، فالكتاب الذي تعجز عن شرائه تستعيره من سيدتها وسيدها أو من الجيران الذين لا ~~يضنون عليها به؛ نظرا لاعتنائها بالكتب، وإرجاعها إلى أصحابها نظيفة كما أخذتها ~~منهم. # وكانت تحافظ على قول الحكيم العربي بأنها متى طالعت كتابا تطالعه بتدقيق، حتى إذا أرجعته ~~تكون قد وعت معناه بفكرها، فيصبح وجوده وعدمه على حد سواء عندها، ولم تكن تطالع سوى الكتب ~~التي تعرفها مفيدة مغذية للعقل والقلب بغذاء التهذيب والفضيلة لا تلك المزيلة لهما؛ لأنها ~~كانت فتاة تعرف نصائح الأم وتجد في طلب تلك النصائح من كل سيدة فاضلة، ففي أحد أيام ذلك ~~الأسبوع ذهبت إلى جارة فاضلة لها لتستعير كتابا، فقالت لها السيدة إنه أدبي؛ لأنها هي ~~قرأته قبل أن تسمح لأولادها بقراءته كما تفعل بكل كتاب، حتى لا يعلق بقلوب الفتيات ~~الطاهرات أثر لا تعود قادرة ms027 على إزالته من كتاب ضار يقرؤه أولادها بدون علمها. # وكانت تلك الرواية مؤثرة للغاية، فجلست بديعة في غرفتها تقرؤها بتمعن، ولم يكن عليها شغل ~~في البيت في ذلك النهار؛ لأنها كانت قد قضت شغل الصباح، وكان سيداها ونسيب قد ذهبوا للنزهة ~~وفؤاد ذهب لزيارة أحد أصدقائه خارج المدينة. وفيما هي مخصصة كل أفكارها لقراءة تلك ~~الرواية سمعت وقع أقدام قرب الباب، ثم طرق باب غرفتها، وكان الطارق فؤاد؛ لأنه رجع في وقت ~~لم يكن أحد يستنظره به، وسر برجوعه إذ رأى الجميع في الخارج وبديعة وحدها في البيت، وإذ ~~رأى الفرصة مناسبة لبث أفكاره لها، وكان يقدم قدما ويؤخر أخرى بقصد الذهاب إلى غرفتها؛ ~~لأنه لم يكن له معرفة كافية تكفل له هذه الدالة من قبل، ومن جهة أخرى كان يخاف أن تعد ~~بديعة عمله وقاحة واحتقارا، وبعد أن افتكر في الأمر برهة غلب دافع الشوق في قلبه على دافع ~~الخجل، فمشى نحو غرفتها بقدم مرتجفة، ولما أتت لتفتح الباب اضطربت اضطرابا لم يخف على ~~الشاب، وقالت له بصوت متهدج: سيدي! ... إننا لم نكن نفتكر برجوعك هذا الغريب، وهذا ما حمل ~~سيدتي والدتك وسيدي والدك والخواجة نسيب على الذهاب إلى الحرج وتمضية بقية النهار هناك. ~~فابتسم فؤاد ونظر إليها بلطف قائلا: إنني أنا نفسي لم أحسب بأن رجوعي يكون بهذا المقدار ~~قريبا، ولكنني لم أجد صديقي في البيت، ففضلت الرجوع على انتظاره. # فقالت بديعة ببساطة: لم يمض على خروج أهل البيت أكثر من نصف ساعة، فإن تبعتهم تقدر على ~~اللحاق بهم. # فنظر إليها فؤاد نظرة ملؤها معان وقال بصوت منخفض: هل من ضرر في بقائي في البيت؟ ~~- كلا يا سيدي. ~~- إذن لماذا تفضلين أن تريني معهم على أن تريني معك؟ # فلم تجب بديعة على هذا الكلام، ولكنها أحنت رأسها خجلا. أما هو فلحظ خجلها وأعجبه ~~أدبها. فقال: أود أن تسمحي لي بالبقاء هنا؛ لأني أفضله على كل شيء آخر. # فأجابته متظاهرة بجهل معناه تماما، وقالت: إن البيت بيتك يا سيدي ms028 ، وأنت مخير في البقاء ~~وعدمه، ومن أنا حتى تطلب السماح مني؟! # فقال فؤاد مكررا: إني أعني أن ... أن تسمحي لي بالبقاء هنا في هذه الغرفة. # عند ذلك رأت الفتاة بأن وقت المناضلة والوقوف بوجه هجمات التجارب قد أتى، فاستجمعت كل قوى ~~نفسها، ونظرت إليه نظرة من وقف مناضلا عن النفس وذائدا عن الشرف والواجب بكل قواه وقالت ~~بصوت رزين: كلا يا سيدي، إن هذا ما لا أقدر عليه؛ لأن مقامي كخادمة في البيت لا يسمح لي ~~باستقبالك في غرفتي وبانفراد وبغياب سيدي والديك ... لأن هذا ما يحمل سائر الخدام على الشك ~~والظنون، ويدعو إلى تغيظ والديك صاحبي الفضل علي وخرق حرمة شرفي وخيانتي بواجب إعطاء ~~المثل الصالح لغيري من الخدم. # ولم يخف على بديعة ما أحدثه كلامها بقلب الشاب من اليأس والقنوط؛ إذ نظر إليها وقال: إن ~~طلبي لم يظهر لي بالخطارة والعظمة كما ظهر لك، ولو افتكرت بأنني سأزعجك بكلامي وأسبب لك ~~إساءة الظن لما تكلمت قط، ولكنني قلت ما قلت بقصد سليم؛ إذ أي بأس على فتاة عزباء مثلك ~~إذا خاطبت شابا أعزب مثلي سواء كان على انفراد أم أمام الناس؟! ~~- لا بأس من هذا يا سيدي مع من كانت في غير مقامي، فهل نسيت بأنني خادمتك؟ # ولم تنته بديعة من كلامها حتى رجع أمل الشاب إليه؛ إذ ظن أن بديعة تتخذ كلامها هذا حيلة ~~للتوصل إلى معرفة مقاصد الشاب وامتحانه. أما هي فلم تفتكر في هذا قط، بل إنها تكلمت كما ~~افتكرت، وأكثر البلايا تأتي من الصدق وحرية الضمير وبساطة القلب، فقال: إنني أخاطب شخصك ولم ~~أفتكر أبدا في مقامك؛ لأن المقام لا يصير الشخص، بل الشخص يصير المقام، وأنت بآدابك ~~وفضيلتك «سيدة» بكل معنى الكلمة، وبالرغم عن هذا المقام الذي لا أحب أن يكون حجر عثرة في ~~سبيل صداقتنا. وكلامك يدل على أنك لا تثقين بشرفي ولا باعتبار الناس لشرفك، مع أنه من ~~الخطأ أن نحل الحقيقة محل الوهم يا سيدتي. # فحركت هذه الكلمة الأخيرة كامن ms029 الألم في قلب الفتاة؛ لأنها لم تكن سمعتها من رجل قبله، ~~وعرفت صدق كلامه من وجهه فأجابته: إن لطفا كهذا نحو فتاة خاملة مثلي قد يخدعها بنفسها لو ~~كانت غير خبيرة بالأحوال، أما أنا فأقول بأنك إن أجزت هذا وحللته لي فأبواك والناس وأنا ~~ذاتي نحرمه، ونحرمه بحق. # فعجب الشاب من محافظتها على واجبات الحشمة والأمانة والأدب، وعوضا عن أن يخفف امتناعها ~~من حبه أو يغيظه، زاده رغبة بمحادثتها ولطفا معها فقال مبتسما: إذا كنت لا تسمحين لي ~~بدخول غرفتك فاسمحي لي بمحادثتك على تلك الشرفة؛ لأن لي ما أقوله لك، ولعمري أي بأس من ~~وقوفنا هنا منظورين من كل الخدم؟! # فقالت له: إن هذا الأمر كذلك يا سيدي، فإذا كان لك ما تقوله لي فعليك أن تبلغه لوالدتك ~~وهي تقوله لي؛ لأنني شديدة الحرص على واجب الأمانة بكل شيء، وأنت شريف فلا تظلمني. # فنظر إليها متعجبا من قولها: «بلغه لوالدتك.» وقال في نفسه: أهي جاهلة أم متجاهلة يا ~~ترى؟! وانثنى راجعا بدون جواب. # رجعت بديعة إلى غرفتها وأغلقت وراءها الباب وفتحت كتابها ثانية لتقرأ فيه، فلم تقدر على ~~ذلك؛ لأن أفكارها كانت اتخذت لها مجرى آخر، وقد يلحظ القارئ اللبيب عظم التضحية التي ضحتها ~~بديعة حبا بواجب الأمانة؛ إذ لا شيء في العالم يمنعها عن محادثة الشاب الذي تحبه وهو أعزب ~~مثلها، غير افتكارها في أن عملها ربما جر عليها غيظ سيديها، وجرح قلبيهما، وهي لا تريد ~~ذلك لهما مكافأة على أفضالهما عليها، فرمت الكتاب من يدها وقالت: سعيد هو القوي الذي يقدر ~~على الوقوف بوجه كل شيء من شأنه أن يخرق حرمة الشرف والواجب. # أما فؤاد فإنه لم ييأس كل اليأس من محادثة بديعة في ذلك النهار، فلما ذهب من عندها خطر له ~~خاطر فذهب حالا إلى الحديقة وهو يقول: لا يجب أن تخضع قوة الرجل لقوة المرأة، فإن خذلت من ~~مخاطبتها يجب أن أستعمل معها الحيلة وأكون بذلك «دفعت لإحدى النساء من عملتهن»، وكان يعرف ~~شدة حرص ms030 بديعة ووالدته على زهور الحديقة وأشجارها التي كانتا تعتنيان بها بنفسيهما، ولما ~~عرف هذا ضحك في سره وذهب مفتشا عن أكبر غرسة فيها، فوقعت عينه على شجرة من الفل المكبس ~~ومن أكبرها في الحديقة، وللحال اقتلعها ورمى بها إلى الأرض وصاح بصوت عال إلى أحد الخدم ~~وكان غلاما «مجذوبا» يصح أن يكون أعمى بصر البصيرة لا ينظر ولا يفهم، ولما أقبل الغلام ~~قال له فؤاد بغضب وهو مقطب حاجبيه: من فعل هذا يا سليم؟ ومن اقتلع شجرة الفل؟ # فأجاب الغلام متلجلجا: لا علم لي بذلك يا سيدي؛ إذ إنني لا أدخل هذه الحديقة مع أغلب ~~الخدم بتنبيه من سيدتي والدتك ومن بديعة. # فقال فؤاد بغضب أيضا وهو يكاد يضحك من تظاهره الذي أرجف ذلك الخادم المسكين: إذن اذهب ~~وأخبر بديعة بأنك وجدت هذه الفلة مقلوعة ومرمية، وإياك أن تذكر لها عن وجودي هنا. # فذهب الغلام وردد كلام سيده من أنه رأى شجرة الفل مقلوعة على أذني بديعة، فلم تنتبه ~~لهذه الحيلة، ولشدة أسفها على تلك الفلة أسرعت إلى الحديقة ووقفت فوقها مبهوتة ~~حزينة. # وبينما هي واقفة فوق تلك الفلة تتأمل بها، كان فؤاد مختبئا وراء شجرة ينظر إليها متأملا ~~أيضا، ويقول في نفسه: إن كثيرين من الرجال المجانين قد قتلوا نفوسهم وغيرهم انغلابا من ~~حبهم، فلا تحزني يا عزيزتي على هذه الفلة وإن كانت عزيزة عليك، فهي ليست أعز من حديثك على ~~قلبي. وبسرعة عجيبة مشى بهدوء إلى أن وصل إليها، وقال بلطف: من يا ترى فعل هذا الفعل بهذه ~~الفلة؟ # إذ ذاك عرفت بديعة الحيلة؛ لأنه كان بصوت ووجه فؤاد ما دلها على ذلك، فرشقته بنظرة عرف ~~منها بأنها قالت له: «أنت هو الفاعل.» ولما ضحك همت بالرجوع فمسك بيدها وقال: أرجو أن لا ~~يغيظك هذا الأمر؛ لأنه وإن يك عظيما فالدافع عليه أعظم. # فقالت بديعة بأسف: يا ليتك استعملت غير هذه الحيلة واتخذت غير هذه الفلة الجميلة واسطة ~~للتوصل إلى رغباتك، أما الآن فاسمح لي بالرجوع يا سيدي ms031 ؛ لأن سبب امتناعي عن محادثتك لم يكن ~~من المكان، بل من الشيء الذي يصير في المكان، وحيث إن الشيء هو ذاته فأنا غير قادرة على ~~إجابة سؤالك. # فقال لها: أرجوك أن تقلعي عن هذا العناد؛ لأن كل قصدي منك هو محادثتك بأمر ذي بال وطلب ~~رأيك فيه، وأنت بعنادك هذا تزيدينني في الأمر رغبة وتزيدين نفسك احتقارا، فما هو الداعي يا ~~ترى؟! # إذ ذاك افتكرت الفتاة في أمرها مع الشاب، فعرفت بأنه سيتابع هذا العمل إلى النهاية، ~~ولربما حدث من سعيه وراء محادثتها ما لم يحدث من المحادثة نفسها، فقالت: إني أعرف ما سوف ~~يحدثني به وأرى من نفسي قوة على الرفض؛ فلا يجب إذن أن أرفض مخاطبته، بل أسمع حديثه الذي ~~يكون فصل الخطاب لأني أقدر على إقناعه بالبرهان الصادق بأن الأمر الذي يطلبه مستحيل؛ لأن ~~اقتراننا - وهذا ما سيطلب - مجلبة للتعاسة والكدر لجميع العائلة ولنا أيضا؛ لأنه من العبث ~~أن يعيش الإنسان بين من يكون قد كدرهم وقد أصبحوا لأجله تعيسين، ولا سيما متى كان هؤلاء ~~ممن يسأل عنهم كالوالدين. وعلى أمل أنها «تقنعه» بالعدول عن عزمه نوت أن تسمح له بقص ~~حديثه عليها، ولا غرو إذا غلطت بديعة هذه الغلطة التي تكون باب الحب الذي متى فتحه الإنسان ~~لا يعود أمر إغلاقه سهلا كما يظن؛ لأنها كانت فتاة طاهرة القلب لم تذق الصعوبات لتعرف ~~طعمها، ولطالما فعلت فعلها كثيرات من النساء الفتيات النقيات القلوب؛ إذ يتعرض سبيل ~~معيشتهن شخص فيرين ميلا منه إليهن، ويعرفن بأن الخطر محدق بهن من هذا الميل، ولكنهن ~~يتساهلن ويقلن: لا بأس من هذه الملاطفات، لا بأس من هذه الابتسامات، لا خوف من هذه ~~الكلمات؛ لأننا قديرات على «إقناع» هذا الرجل متى حدثنا بأمر الحب. ولكن وا أسفاه! فإنهن ~~يكن قطعن نصف الطريق تقريبا وهن لا يدرين، فإذا دنا الوقت الذي يحسبن من نفوسهن المقدرة ~~على محاربة ذلك الميل الذي يبدو صغيرا تقدر المرأة على ملافاته، ولكنه لا يلبث أن يكبر ~~بتساهلها، فتصبح ms032 المقدرة دونه، وتعرف غلطها وتندم عليه ولات ساعة مندم. لتحذر الفتيات من ~~هذا؛ لأن المرأة التي لا تحب أن ترى ميلا من شاب أو رجل ما أو التي ترى خطرا ما عليها أو ~~عليه أو على سواهما من ذلك الميل، يجب أن تقطع أول أمل منه لئلا يكبر وينمو ويمتد ~~ويصبح شجرة بل دوحة عظيمة تظل كثيرين بأغصان التعاسة المتفرعة منهما، ولا يعود قلعها ~~بالإمكان. # ومن هذا النوع كان فكر بديعة بإقناع فؤاد، ولذلك التفتت إليه وقالت بلطف: أرجوك إذن أن ~~تتكلم إذا كان لا مفر من استماع هذا الكلام. قالت هذا وتقدمت نحو غرسة من الورد، وبدت ~~تنقيها لتشغل نفسها عن النظر إليه، فتبعها هو ووقف بجانبها لينظر إليها بلهفة ويتأمل بيديها ~~الناعمتين اللتين كانتا تشتغلان الأشغال الشاقة في البيت. # وسكت كل منهما يتفكر برهة، ثم تكلم فؤاد أولا فقال: إنني كنت أحفظ مجلدا لأقوله لك من ~~ساعة، أما الآن وقد وقفت بجانبك ودعيت منك للكلام فلا أقدر عليه، فهل لك بتنشيطي بكلمة رضى ~~واحدة عما أقوله تكون لي مقويا على الكلام؟ # فقالت بديعة: إن سؤالك لغريب، إذ أنى لفتاة مثلي أن تعلم الغيب لترى بكلامك رأيها ~~وعما إذا كان يستحق الرضى أو الرفض. # فقال فؤاد وقد استبشر من جوابها خيرا: إنني أعشق جرأتك الأدبية يا بديعة؛ لأننا نحن ~~الرجال نعتبر ما لنا بغيرنا إذا لم نكن نظن أن ذلك الغير قادر عليه مثلنا، ولكن ألم ينبئك ~~قلبك بما سأقوله لك؟ فقد كنت أظن أن اللبيب من الإشارة يفهم. ~~- إن الفهم من الإشارة شأن اللبيب يا سيدي، أما أنا فلست لبيبة ولا قلبي ينبئني بشيء، ~~وهب أنه فعل فليس من الممكن أن يكون صدى أفكاري؛ لأن القلوب تختلف بأميالها ~~وشواعرها. ~~- إذن لقد كذبت الأمثال القائلة: «من القلب إلى القلب دليل.» # إذ ذاك سكتت بديعة؛ لأنها لم تقدر أن تكذب، أما فؤاد فإنه بقي صامتا ينتظر جوابها، ~~فلما لحظ بأن لا جواب على كلامه خطا نحوها بضع خطوات وقال لها ms033 بصوت متهدج: أيمكنك التصديق ~~بشرفي والوثوق بصدقي يا بديعة؟ # فنظرت إليه الآن وقالت بجرأة: لا يمكنني الجزم بهذين الأمرين؛ لأنني لم أختبرهما فيك، ~~ولكن يمكنني القول بأني أظنهما فيك إذا اقتفيت أثر والديك الكريمين. # فنظر إليها الشاب بإعجاب وقال: سواء كنت تقصدين أم لا، فإنك بكل كلمة تكبلينني بقيود ~~الإعجاب بك والهيام بأخلاقك، فلله درك ودر صديقك يا بديعة الشريفة، فاعلمي يا ~~عزيزتي بأنني سوف أجعلك على يقين من شرفي وصدقي متى قلت لك الآن بأن حبي لك عظيم وبأنني ~~أتوسل إليك بأن لا ترفضي تضرعاتي الحارة وآمالي العظيمة بالاقتران بك، فتعلمي في ~~الاستقبال إن كنت شريفا وصادقا أم لا. # ولزيادة دهشته نظرت إليه بديعة بكل رزانة مقابلة اضطرابه بهدوء وعدم اكتراث، ليس لأنها ~~كانت أقوى منه أو لأنها لم تحبه، كلا، فقد كانت دونه في الأمرين، بل لأنها كانت تنظر إلى ~~الأمر بغير العين التي كان ينظر بها هو. هي كانت تحسبه «ضد الواجب»، وهو كان يحسب حبها ~~«واجبا»، وهذا ما جعلها تقابله بغير حفول رغما عنها وتقول له بهدوء: إن طلبك يا سيدي شرف ~~أكبر لهذه الفتاة الخاملة؛ ولذلك لا أقدر على إجابته لأن الأمر فوق طاقتي. ~~- فوق طاقتك! إذن أنت مقيدة. ~~- نعم بواجب الأمانة نحو البيت الذي أنا فيه، وله فضل علي ونحو الشخصين الكريمين اللذين ~~أدعوهما سيدي واللذين لا أخونهما، وأكسر قلبيهما ولو اضطررت أن أموت. ~~- هل هذا هو المانع الوحيد الذي يمنعك عن إجابة طلبي؟ وهل ليس من موانع أخرى سواه؟ ~~- نعم إن هناك مانعا آخر وهو عدم المناسبة، ووجود التفاوت بيننا كما سبقت وقلت. فقال ~~فؤاد بابتسام: أما المانع الأول فسهل زواله؛ لأن والدي يحبانني، ومتى عرفا أن سعادتي ~~الوحيدة هي أنت فلا يحرمانني منك، ولا سيما بعد أن يتحققا بأن العناد لا يجدي نفعا وأن ~~الرضا أوفق في أمر لا بد منه. أما الثاني فلا أراه يستحق الجواب عنه، إذن لقد زال المانعان، ~~وليس هذا ما يهمني، بل كل همي هو أن أعرف ms034 ما إذا كنت تحبينني، وعما إذا كنت غير مقيدة ~~بعهد ما مع أحد، فهل لك أن تزيلي هذين المانعين من جهتك كما أزلت أنا ذينك من جهتي؟ # وكان يتكلم والصدق والجد ظاهران في عينيه، ولهما نغمة في صوته اهتزت لها أوتار قلب ~~بديعة التي خافت من لهجته أكثر مما خافت من أمر آخر، ولم يعد لها هم بغير التخلص ~~منه، ولو مهما كلفها الأمر. وفيما هي مفكرة في ماذا تجيبه سمعت صوت عربة آتية نحو البيت، ~~فقالت لفؤاد بلهفة: إنني أسمع خرير دواليب العربة فأظنهم قد أتوا، فأرجوك أن لا تدع ~~والدتك تعرف بشيء إلى الغد. # فقال فؤاد: لا أقدر أن أعدك قبل أن أسمع جوابك. فقالت: ستسمعه في الغد، فأتوسل إليك أن لا ~~تطلع والدتك على شيء، وهذا هو أول الأوقات التي أقدر بها على اختبار «صدقك وشرفك»، عدني ~~... # فابتسم فؤاد؛ لأنه لم يكن يحسب رضا بديعة صعبا، وقال لها: لك ما تريدين، ولكن لا تنسي ~~بأنني اعتدت أن آخذ أثمان أعمالي غالية، وثمن وعدي الآن سيكون أغلاها منك، فلا تنسي هذا ~~... قال هذا وبديعة مارة من أمامه مرور العصفور في الهواء، فلم تسمع كل كلامه. # ولم تكد تدخل غرفتها حتى رن في أذنيها صوت سيدتها وهي تقول لفؤاد: ما الذي رجع بك بهذه ~~السرعة يا فؤاد؟! # وقبل أن يجيب فؤاد على كلام والدته سمعت صوتا آخر يقول: أرجعه شوقه إلينا! فتأثرت بديعة ~~من هذه الكلمات لأنها خرجت من فم نسيب، واضطرب قلبها من هذا الشاب الذي لم تحب أن تنظر إليه ~~أو تكلمه من حين رأته لسبب لا تعلمه، وظلت واقفة وقلبها يخفق وهي منتظرة لترى جواب ~~فؤاد الذي قال: إني لم أجد صديقي، ففضلت الرجوع على انتظاره. # فعجبت بديعة في كيف لم يجب فؤاد نسيبا على كلامه «المبطن»، وقالت في نفسها: كأنه لم ~~ينتبه. ولكنها أخطأت؛ لأن فؤادا كان أدرى بأخلاق ابن خالته منها، كان يعرف كم هو شديد ~~الغيرة منه ولكنه كان يداويه بدواء ناجع، هو ms035 أن يسكت ولا يجيب على كلامه حتى لا يفتح له ~~بابا للتشفي، وكان يعمل العمل الذي يريد عمله والذي يقهر نسيبا ولا يكترث لما يقوله، ~~أو أنه يتهكم عليه به إلى أن يتم ذلك العمل فيدعه يحارب نسيبا بما لا يقدر هو عليه ~~بالكلام. # اختفى أثر أصوات الجميع من الدار إذ دخلوا الغرفة، ولكنه بقي يرن في أذني بديعة التي ~~انطرحت على كرسيها تحارب أفكارها، ووضعت يديها على قلبها لتهدئ نبضاته المتتابعة عند سماع ~~كلام سيدتها التي حسبتها تعني به شيئا، وسواء ارتابت السيدة مريم برجوع فؤاد أم لا فإن ~~بديعة حسبتها هكذا؛ لأن المذنب كثيرا ما يجلب الهم لذاته وكثيرا ما يفشي سره بأخذه ~~كلام الناس المنطبق عليه تأنيبا له وبظهور التأثر عليه منه، وقد قيل: «من تحت إبطه مسلة ~~تنخسه.» والحق يقال بأن بديعة لم تكن مذنبة إلا بعين نفسها؛ لأن ما حسبته هي ذنبا تستحق ~~عليه القصاص الكثير لم يكن ذنبا على الإطلاق، بل هو أمر طبيعي يقع بالرغم عن ~~الإرادة. # أي ذنب اقترفته تلك الفتاة الطاهرة باستماعها كلام فؤاد الذي أحبها حبا طاهرا هو ربيع ~~حياة النفوس الشريفة؟! وأي أمر فظيع أتته بالشعور بحبه وهو أمر طبيعي أو بالأحرى ثمرة ~~النفوس الشريفة التي لا بد منها مرة واحدة بالحياة؟ ماذا عملت حتى بكت وتنهدت ووبخت ~~نفسها؟ وبعد أن كفرت أو ظنت أنها كفرت عن ذنبها عزمت على أن تتم التضحية بشجاعة؛ ~~ولذلك صممت على أن تذهب في تلك الساعة إلى والدة فؤاد وتقص عليها قصتها، وتطلب منها أن تسمح ~~لها بالذهاب من بيتها تلافيا للأخطار من بقائها فيه وهربا من ويلات مقبلة، ولهذا القصد ~~كانت قد طلبت من فؤاد أن يكتم الأمر عن والدته إلى الغد، أي إلى بعد أن تكون ذهبت ~~هي. # هذا ما خطر لبديعة أن تعمله في تلك الساعة المظلمة؛ قياما بواجب الأمانة وتخلصا من ~~اللوم في المستقبل واجتنابا لتكدير صفاء عائلة كانت تحبها، ولم تفتكر قط لا في نفسها ولا ~~في سعادتها ms036 ، فهل أشرف من تلك النفس؟ وهل أنقى وأطهر من ذلك القلب؟ # وفيما هي تمسح دموعها وبقصدها الذهاب إلى غرفة سيدتها، طرق الباب فعرفت بأن الطارق هو ~~سيدتها، وللحال سقط في يدها لتصورها من ستقابل وكيف يجب أن تقابلها، وتصورت محبة تلك ~~السيدة لها وحنوها عليها، وكيف قضت في خدمتها أياما سعيدة كانت تعاملها في أثنائها ~~معاملة أم لبنتها، فذمت الحب الذي اضطرها إلى مفارقة ذلك البيت السعيد وخسارة حب تلك ~~الوالدة الكريمة. ومجرد افتكارها هذا أضعفها، فذرفت الدموع ثانية ووقفت مكانها وقد سها ~~عن بالها أمر الباب إلى أن طرق ثانية، فأسرعت إلى فتحه، فرأت واقفة عليه تلك السيدة ~~المتعظمة، ورأت وجهها الذي ظهر باردا باسرا وقد كان قبل تلك الساعة مملوءا من الحنو ~~والحب واللطف. ولم تقو بديعة على ذلك المشهد، فاقشعر بدنها، وأحست بحمى داخلية أحرقت ~~قلبها وصعدت إلى أذنيها وخديها. # ومن الغريب أنه لم يكن قد ظهر شيء يدل على حدوث ما من شأنه أن يجعل كل هذا الاضطراب في ~~ذلك البيت، وما أحدثه إلا الوهم فقط؛ لأن السيدة مريم كانت قد ارتابت في رجوع ولدها إلى ~~البيت بدون انتظار، وفي حين غيابهم ظنت أن في الأمر حيلة أو سرا وزادها افتكارا وتصديقا ~~لظنونها ما رأته على وجه فؤاد من دلائل السرور والفرح، فأرادت أن تتحقق الخبر فأتت إلى غرفة ~~بديعة وهي لا تعرف شيئا، ولكن هل لولدها علاقة مع غير بديعة؟ كلا. وكان منظرها البارد ~~مسببا عن انقباض طبيعي في النفس مما مر عليها، فلما لحظته بديعة خافت وظنته نتيجة ~~معرفتها بالأمر، فاضطربت وبكت، فزاد هذا في ارتياب السيدة مريم. ولما رأتها على تلك الصورة ~~دخلت غرفتها وقد تحقق ظنها بأن وراء الأكمة ما وراءها، فأخذتها بيدها ومشت معها إلى مقعد ~~هناك فجلستا. كان منظر تينك السيدتين مؤثرا للغاية؛ لأن بديعة كانت محمرة العينين مطأطئة ~~الرأس يظهر في عينيها ووجهها انكسار قلبها وموت نفسها، والسيدة مريم تنظر إليها ببرودة ~~وبكره، إن لم يكن «بغضا» فهو أول ms037 درجات البغض، وكل منهما تريد أن تتكلم ولا تحب أن تكون ~~البادئة بالكلام، وبعد أن ساد بينهما السكوت عدة دقائق رأت بديعة من نفسها ضعفا على ~~الصبر، فارتمت من مجلسها على قدمي سيدتها وقالت: أشكر الله على مجيئك يا سيدتي، فقد وفرت ~~علي الذهاب إلى غرفتك وعرض همومي الظاهرة بوجهي وتعاستي على الغير. # فقالت سيدتها بهدوء وشيء من عدم الاكتراث: وماذا تريدين مني؟ # فاضطربت بديعة، وفي هذه المرة لم تمسك دموعها عن الانصباب، فسالت من عينيها كالوبل، وقالت ~~بصوت أضعفه البكاء: سامحيني يا سيدتي على أمر وقع بالرغم عني. # وكان هذا قصد السيدة مريم أن تعلم «ماذا صار»، فقالت لها متظاهرة باللطف: اجلسي وأخبريني ~~القصة كما هي يا بديعة. # فشعرت بديعة بأن الحين قد حان، ولكنها لم تبال كثيرا؛ لأنها كانت قد قطعت مسافة من ~~الطريق، وصممت النية على شرب تلك الكأس مهما كانت مرة، فجلست ثانية وسردت لها حديثها ~~مع فؤاد كما وقع، ولما انتهت من كلامها قالت: يصعب علي يا سيدتي أن أترك من كانت لي كأم ~~حنون، من أنا مديونة لها بأيام سعيدة، ولكنه يهون علي هذا الأمر كثيرا، وكل أمر آخر ~~متى عرفت بأنني سأترك قياما بواجب الأمانة وحبا بعدم تكدير صفاء معيشتك، فاسمحي لي بأن ~~أذهب في هذا الليل إلى حيث لا يعلم بي أحد، ومتى ذهبت يسلوني ولدك وترتاح أفكارك وأكون ~~أنا قمت بواجب نحوك، فأرجوك الآن أن ... أن تصفحي عن ذنبي الغير مقصود، وأن تعتبري هذه ~~التضحية التي قد ضحيتها لأجلك. # فقالت لها تلك السيدة بغضب خفي: إذن أنت تحبين فؤادا كما هو يحبك! # أجابت بديعة: ماذا يهمك من هذا الأمر يا سيدتي متى كان قولي لك بأني سأغادر بيتك إلى ~~مكان لا يعلم به ولدك؟! # لم تكن السيدة مريم خالية من الهموم، بل كانت قد نالت نصيبا وافرا منها لأن أختها ~~الوحيدة أم نسيب ماتت في عنفوان صباها، ومات لها ولدان أكبر من فؤاد، ولكن الهم الذي ~~اعتورها من سماع قصة بديعة ms038 كان أعظم الهموم التي مرت عليها إلى ذلك الحين، فاضطربت لأجله ~~كل حواسها وبقيت صامتة نحوا من نصف ساعة تفتكر في ما يجب أن تفعله، فقالت في نفسها: إذا ~~سمحت لها بالذهاب بدون علمه ربما يغضب ويتبعها. وما يقدران على فعله وهما بعيدان عني لا ~~يقدران عليه الآن. # وبعد هنيهة نظرت إلى بديعة وقالت: لا يجب أن تذهبي اليوم، بل اصبري إلى أن ننظر في الأمر، ~~ولا تسمحي لفؤاد بمخاطبتك. ثم قامت وخرجت من الغرفة ولم تعد تنظر وراءها لترى تلك الفتاة ~~الطاهرة بديعة، من كيف أنها جثت على ركبتيها وصلت بحرارة كلية لله تعالى كي يهبها قوة ~~النفس والجسد ويهديها إلى الصراط المستقيم. ومن البديهي أن بديعة تضرعت إلى الله كي يفرج ~~همها ويخلصها منه، اللهم حتى لا يكون بتكدير أو ضرر الغير؛ لأنها لم تحب أن تبني قلعة ~~سعادتها الخاصة على أنقاض سعادة الغير العامة، وهذا هو الشرف الحقيقي. # | الفصل السادس # الخيانة # وبات فؤاد ووالدته وبديعة ينتظرون الغد بصبر مزعج ويحلمون به، ففؤاد كان ينتظر الغد ~~ليفاتح والديه بأمر حبه ويطلب رضاهما، فإن رضيا عنه كان خيرا، وإلا فإنه يقترن ببديعة على ~~كل حال تبعا للمثل القائل: «لهما المشورة وليس الرضى.» وأم فؤاد كانت تنتظر الغد ولكن ~~ليس بفرح وسرور كما كان ينتظره فؤاد، بل بهم وخوف لأنها كانت تعلم بما سيجلب لها ذلك الغد ~~وتمنت لو لم تره. # ومع أن بديعة كانت تخاف من «الغد» أيضا، فإنها كانت أقل خوفا وأكثر أملا من سيديها؛ ~~لأنها كانت تنتظر به أمرين سيتم أحدهما، وهما: إما رضى والدي فؤاد عنه وعدم معارضته ~~بالاقتران بها، وإما عدم رضاهما وذهابها هي من ذلك البيت؛ فبالأول كانت سعادتها إذ تجتمع ~~بحبيبها وتستريح من مشاق الحياة برضى من والديه، وتعيش طول حياتها سعيدة. وبالثاني كانت ~~سعادتها بالتخلص من مرأى فؤاد الذي ربما كان سبب تعاستها؛ إذ تكون معه ما بين عاملين ~~يتنازعانها دائما: عامل الحب الذي مصدره القلب وعامل الواجب الذي كانت تعتبره كثيرا ms039 بكل ~~شيء، ولكنها رجحت الأمر الثاني لأنها علمت ما هي أخلاق الأغنياء وكبرياؤهم، وكيف أنهم ~~يحسبون من هو من غير طبقتهم خارجا عن جبلة بني آدم ... فلذلك استعدت بكل قواها ~~لتلقي الخبر الذي يقضي بذهابها وبقيت طول ذلك الليل تفتكر فيه. # فلما أصبح الصباح على الثلاثة وأتى بقليل من الفرج الذي لا يعرفه المهموم والمريض في ظلمة ~~الليل، كانت بديعة أقل اكتراثا للأمر كيف أتى، ولا غرو فقد ميزت أن الافتكار في المصيبة ~~يضعف من قوتها. # وبعد أن مضى على ترك السيدة مريم لغرفة بديعة ساعة تقريبا كانت ترى مرتدية ثوب النوم ~~وشعرها الأسود الطويل مرسل على كتفيها، وهي واقفة على باب غرفة ابن أختها تطرقه؛ لأنها عجزت ~~عن النوم في تلك الليلة وغلب عليها الأرق فلم تر لها من مغيث سوى نسيب الذي كانت ترتاح ~~إلى محادثته وتعجبها نصائحه، لا سيما وأنها لم تحب أن يطلع زوجها على الأمر لترى كيف وعلى ~~أي وجه تنتهي المسألة. # ولم يكن شيء يشغل بال نسيب؛ لأن ذلك الشاب لم يمر عليه هم في زمانه، ليس لعدم وجود ~~الهموم، بل لقلة اكتراثه لها؛ فهو قد كان محبا لذاته أكثر من كل شخص ومن كل شيء، ولهذا لم ~~يكدر صفاءه أمر من الأمور لأن الأمور كلها لم تكن تستحق التفاته واكتراثه، ومع أنه كان قد ~~لحظ بأن لرجوع فؤاد سببا، وكان يرقب دائما ميل فؤاد إلى بديعة والتغير الذي طرأ عليه ~~بمدة قصيرة، لم يعبأ بالأمر كثيرا شأنه في كل شيء؛ ولذلك لم يكن ما يقلقه فنام براحة. ~~ولما سمع تلك القرعات الخفيفة على باب غرفته ولم يكن منتظرا لها، نزل من سريره مسرعا إلى ~~الباب، ولما رأى خالته واقفة فيه قال لها: خير إن شاء الله يا سيدتي! # فلم تجبه بشيء بل دخلت وجلست على سريره والاضطراب باد على وجهها، فجلس هو إلى جانبها ~~وطوقها بذراعيه وقال: بالله عليك يا خالة أخبريني عن سبب مجيئك إلي بهذه الساعة؛ فإن ~~أفكاري قلقة جدا لأن ms040 قلبي يحدثني بأنك مصابة بأمر ذي بال. # عند ذلك تنهدت خالته وقالت: صدقت يا نسيب، فأنا مصابة بمصاب ليس أعظم منه. ~~- وما هو يا سيدتي؟ ~~- ما هو! آه يا نسيب، إنني لا أقدر على قصه عليك؛ لأنني لم أكن لأصدق بأنه يمر علي ~~فينطق به لساني. # فنظر إليها الشاب وكان يعرف ما هي عليه من العظمة والكبرياء، ولما قالت الكلام الأخير ~~تجسمت له كبرياؤها وعرف بأنها مجروحة، وأن هذا الجرح لا يبعد أن يكون من القصة التي افتكر ~~فيها كثيرا، ولم يتمالك نفسه أن انتصب أمامها قائلا: أنا لك يا سيدتي بما أقدر ~~عليه. # فأجابته هي بصوت أدنى إلى الغضب منه إلى الانكسار: إنني لهذا الغرض أتيت إلى غرفتك في هذا ~~الوقت؛ إذ إنني لم أجد معينا سواك، فاجلس لأقص عليك قصتي المؤثرة. # ولما انتهت السيدة مريم من كلامها رفع نسيب نظره إليها وقال بهدوء: هذا ما كنت أخشاه، وقد ~~عرفته تماما إذ رأيتك على باب غرفتي. # فقالت خالته وصوتها يرتجف من الغضب: إنك قد عرفت الداء وانتظرته قبلي، فلربما تكون أقدر ~~مني على وصف الدواء، فما هو رأيك الآن؟ وما هو الجواب الأنسب الذي يجب أن أجيب به فؤادا في ~~الغد على سؤاله العظيم الذي أفضل الموت على مجاراته عليه؟ # فأطرق نسيب برأسه إلى الأرض يفتكر، ثم حوله إلى خالته قائلا: وهل عرف العم منصور ~~بالخبر؟ # فأجابت بتنهد: هذا ما دعاني إلى الإتيان إليك؛ لأنني لا أحب أن يعلم إلا إذا حدث ما ~~يضطرني إلى إطلاعه على الخبر بعد الليلة. ~~- لقد فعلت حسنا؛ لأن العم مزمع على السفر إلى مصر للنظر في شئونه التجارية في ~~الأسبوع القادم، وهو سيقضي هناك أسابيع، والفرصة مناسبة، ولا سيما وأنا قد أنهيت دروسي هذه ~~السنة وسوف لا أرجع إلى المدرسة، بل أساعد العم في التجارة، ويمكننا أن نقضي هذه المسألة ~~بغيابه. فالتفتت إليه خالته مدهوشة وقالت: أتعني أننا لا نطلع عمك على الأمر مطلقا؟ ~~- هذا ما أعنيه تماما. ~~- ولكن إذا لم نفعل نحن ms041 ربما فعل فؤاد. فالأوفق أن نكون السابقين. ~~- ولكن لم تطلعيني على ما ستقولينه لفؤاد متى فاتحك بالأمر. ~~- هذا ما سألتك عنه؛ لأن الهموم قد استولت على عقلي ورشادي ولا رأي لي، فمدني بنصائحك إذ ~~لا مخلص لي أتكل عليه في حراجة هذا الموقف إلاك. # وكأن ضمير نسيب وبخه على أمر ما، فقال لخالته: وهل تقبلين نصائحي المخلصة المنزهة عن كل ~~غاية إلا غاية راحتك؟ ~~- هذا ما أفعله بسرور لأنني أثق كل الوثوق بحبك لي. ~~- فنصيحتي إذن هي أن تتظاهري بالرضى عن طلب فؤاد، وتطمئني خاطره وتطلبي منه أن لا يخبر ~~والده بالأمر، ولا أن يتظاهر به أمام أحد، وقصدي من هذا هو أن يطمئن الشاب بمدة العطلة ~~ويعاشر الفتاة لأجل التسلية إلى أن يرجع إلى المدرسة، وإذ ذاك يكون لكل مقام مقال، أظهري ~~لفؤاد الرضى التام وقولي له بأن كلامك لوالده بهذا الخصوص يكون أكثر قبولا من كلامه هو. ~~فقاطعته خالته وقالت: إنك لم تصرح بشيء يا نسيب، فكيف يمكنني أن لا أكترث لأمر هذه ~~أهميته؟ ~~- هذا هو أسد رأي يا سيدتي؛ لأنك إن طردت الفتاة أو تهددت الشاب فسيفعلان الأمر بالرغم ~~عنك، فاللطف أحسن دواء لهذا الداء. ~~- ولكن بعد هذا اللطف ماذا يصير؟ ~~- بعد هذا اللطف يرجع فؤاد إلى المدرسة فيتم دروسه، وهو لا يفعل هذا ما لم يكن آمنا من ~~جهة بديعة، ولما يرجع ندبر نحن حيلة هنا لطرد بديعة وحيلة أخرى لإقناع فؤاد بأن بديعة ذهبت ~~برضاها أو كانت مدفوعة بأمر آخر ... ~~- نسيب نسيب، ماذا تقول؟ هل أذنك بهذا المقدار بعيدة عن فمك؟ ألم تنتبه لعاقبة ومعنى ~~كلامك؟ # أنت تطلب مني أمرا هو أصعب من الأمر الذي نحن بصدده الآن، نعم مائة مرة أصعب لأنني إن ~~فعلته أكون قاتلة وخائنة وكاذبة بوقت واحد. # إذ ذاك عزم نسيب على أن يمثل دور غاياته الشريرة على مسرح الخديعة، ورام أن يجرب مكره ~~ليرى مقدارها، فقال ببرود: إنني لم أفهم كلامك يا خالتي، فأنت قد طلبتي مشورتي وأنا قد ~~أشرت ms042 عليك بما أعرف أنه يعود عليك وعلى ولدك بالسعادة، ولا أدري كيف تصيرين قاتلة وخائنة ~~وكاذبة من إتيانك أمرا مفيدا لك ولسواك. # فقالت تلك السيدة وهي تبكي لأول مرة من حين دخولها غرفته: نعم، نعم، إنني آتي الثلاثة ~~أمور متى أطلعتك؛ لأنني متى وعدت فؤادا بالرضى وأخلفت أكون خائنة، ومتى تظاهرت برضاي عن ~~طلبه وأنا لم أكن - ولن أكون - راضية؛ أكن كاذبة، ومتى تساهلت معه ومع تلك الفتاة المسكينة ~~حتى إذا امتدت جذور الحب في قلبيهما وصار استئصالها منها يعني الهلاك وحاولت اقتلاعها؛ ~~أكن قاتلة. وأنا لا أقدر على هذا العمل؛ لأن لي ضميرا يوبخني ولأنني امرأة مسيحية أخاف ~~الله. ~~- هذا كله وهم باطل؛ لأن حب ابنك للفتاة ليس ذلك الحب الذي «يميت القلب»؛ لأن فؤادا لم ~~يصل بعد إلى عمر الرجال ليقدره قدره، بل هو حب يشعر به كل شاب أي وقت رأى وجها جميلا، ~~وهو يبتدئ كبيرا جدا ثم لا يلبث أن يتضاءل إلى أن يزول أثره، ولعمري إنه خير لك ولابنك ~~وللفتاة أن يمر عليكم طارئ هذا الحب وابنك غير مقيد من أن يكون مقيدا، فأنا أؤكد لك ~~بأن حب فؤاد لبديعة لا يدوم أكثر من شهر، وهو وقت ذهابه إلى المدرسة. وأما بديعة فلا يجب ~~أن تهتمي لأجلها؛ لأنها فتاة لا تحب شخص ابنك بل ماله، وأي قدر من المال يغنيها عن الخدمة ~~يسليها عن حب ولدك ... فأنت لا تكونين كاذبة إذن لأن «الغاية تبرر الواسطة»، ولا تكونين ~~خائنة؛ لأن بذلك الوقت الذي تخلفين فيه وعدك تكونين ترحمين الشاب والفتاة معا، لا قاتلة؛ ~~لأن الحب الذي تظنينه عظيما ليس كذلك، ولا هو حب ابنك لبديعة ولا حب بديعة لابنك. # فمسحت السيدة مريم دموعها وقالت لابن أختها: إن هذا أمر لا أفعله ولو مت. # فقال الشاب بهدوء: إذن إنني أتأسف لعدم تمكني من مساعدتك. ~~- ولكن أليس من أمر آخر أقدر فيه على حفظ شرف نفسي ومبدئي؟ ~~- كلا، إلا إذا سمحت لابنك بالاقتران أو طردت الفتاة من بيتك ms043 ، ولكنك ستندمين على فعل ~~الأمرين؛ إذ إنك بالأول تشترين التعاسة والمذلة مختارة، وبالثاني تجلبينها عليك بالرغم ~~عنك؛ لأن الغضب يحمل فؤادا على اللحاق بالفتاة والاقتران بها، فيجب أن تكوني شجاعة وتصرفي ~~المسألة بالتي هي أحسن. ~~- ولكن يا نسيب إنني لا أرى من نفسي قوة على الشر! ~~- قوة على الشر! إنك مخطئة يا خالة؛ لأن ما ستفعلينه هو عين الخير نحو الفتاة ونحو ولدك ~~ونحو نفسك أيضا؛ لأن عدم المساواة تقضي بمنع هذا الاقتران كيف كان الحال. ~~- دع هذه الكلمة «عدم المساواة»؛ فإنها تؤلمني، ولولا ذلك لكنت سعيدة باقتران فؤاد ~~ببديعة؛ إذ إنني اختبرت الفتاة وعرفت بأنها عزيزة جدا بآدابها وفضائلها بين النساء، ~~ولكنها خادمة واقترانها بولدي يجلب علي عارا لا يمحى ... فأنا أذعن لنصائحك مرغمة لأنها ~~أحسن واسطة، وإنني أضحي بكل شيء لأجل سعادة ولدي، فلتكن مشيئتك يا رب، وساعدني إذا كان ~~الأمر لأجل مساعدة فؤاد وسعادته. # ولم يدر غير الله بما خامر قلب ذلك الشاب الذي كان غيورا جدا، ولطالما دفعته ~~غيرته على أتفه الأمور إلى ارتكاب أعظم الجرائم، فكيف وهو يغار الآن على أعظمها؟ ولما ~~قالت خالته الكلام الأخير تحركت في قلبه نيران تلك الغيرة الفاسدة، فنظر إليها مبتسما ~~ابتسامة الظفر، وقال بسرور وراءه غاية لم تدرك كنهها خالته: لم تسلكي غير أقرب الطرق ~~الموصلة إلى السعادة؛ لأن هذا النوع من الحب لا يلبث أن يتحول إلى بغض، وهناك البكاء ~~وصريف الأسنان، فعملك هذا عن حكمة، وهو ليس لسعادة فؤاد وحده بل لسعادة الفتاة أيضا، التي ~~هي لا تعرف ماذا تعمل الآن، ومتى تحققت التفاوت العظيم الذي هو مجلبة التعاسة بينها وبين ~~فؤاد بعد الزواج تجد تعاستها ولا تعود ترى منفذا للخلاص منها، ولكن الشيء يطلب تمامه يا ~~سيدتي، فيجب عليك أن لا تنسي الفتاة من مكافأتك المادية؛ لأنها قد تعودت الراحة ويجب أن ~~يدفع ثمن ضحيتها حسنا. # هذا ما لا أنساه؛ لأنني مديونة لبديعة بغير هذا الدين أيضا. # قالت هذا وهي خارجة من الباب وهي تشعر براحة ms044 من هذا القبيل، وبتعب كثير من جهة أخرى لم ~~تفهم له معنى. # | الفصل السابع # السعادة الوهمية أو معيشة الأحلام # بزغت شمس النهار، فاستقبلها الثلاثة أو بالحري الأربعة بقلوب تخفق اضطرابا، وبعد ~~الفطور ونزول الخواجة منصور ونسيب إلى السوق كما هي العادة، وبقاء فؤاد عند والدته؛ فاتحها ~~بأمر نفسه فلم يظهر عليها القلق الذي كان يتوقع ظهوره لو كان كاشفها بالأمر مباشرة، ولما ~~سمعت كلامه جاوبته بما كانت تحلم به وتدرسه طول ليلها من أنها لا تجد أعظم سرورا من ~~اقترانه ببديعة إذا كان يحبها حقيقة؛ لأن الفتاة متهذبة وهي تستحقه ... ولكن يجب أن يبقى ~~الأمر سرا مكتوما عن والده اتقاء لغضبه، ومن بعد أن يرجع فؤاد من المدرسة تكون هي بتلك ~~الفرصة قد سعت لديه بالأمر واستعطفت خاطره. # ولجهل فؤاد ما مر على والدته في ذلك اليوم، ولنقاوة قلبه، لم يرتب قط في صدقها، ~~فرضي ولكن بعد أن تذهب معه بنفسها إلى بديعة وتطمئنها، فمانعت والدته بادئ بدء؛ لأنها ~~اضطربت من مقابلة الفتاة بهذه النية، ولكن ولدها أصر على عزمه وقال: إن بديعة لا تصدق ما ~~لم تذهبي أنت بنفسك إليها. فذهبت معه إتماما لحيلتها وتقيدا بقولها، ولما دخلا غرفة ~~الفتاة وجداها متهيئة ولابسة ثياب السفر ومنتظرة جواب سيدتها وهي ذابلة العينين منهوكة ~~القوى، يظهر عليها أنها كانت في عراك قوي طوال ليلها، ولما فتحت الباب لهما كادت تقع من ~~الاضطراب عند دخولهما مع أنها رأت على وجه فؤاد ما يدل على سرور. # ولم يخف على فؤاد منظر بديعة واستعدادها، فترك يد والدته واقترب منها مستغربا وقال: ما ~~لي أراك بهذه الحالة يا بديعة؟ وماذا جرى؟ فها هي والدتي، قد أتت معي لتبرهن لك عن عزمها ~~على الرضى باقتراننا وعن احتقارها لما حسبته «سببا» لعدم الاقتران، وهو «المقام» الذي هو ~~مقام العقل فقط، وستكونين منذ الآن «ابنة» لا «خادمة» لها. # فاحمر وجه بديعة خجلا، وجوابا عن كلامه نظرت إلى سيدتها نظرة استفهام، فابتسمت هذه ~~قائلة: إن فؤاد صادق في ما ms045 يقوله؛ لأن إرادته هكذا تقضي، ثم اقتربت من الفتاة، وإذ ألقت ~~شفتيها الباردتين على جبهة الفتاة لتقبلها اضطرمت بقلب الفتاة نار لم تكن نار السرور ولا ~~السعادة، فخافت ورجعت إلى الوراء بضع خطوات. # وشكت بديعة في إخلاص سيدتها؛ لأن منظرها والرضى العاجل في مسألة كهذه دلا الفتاة على ~~أن في الأمر ريبة، ولكنها لم تحسب قط أن القصد هو الإيقاع بها؛ لأنها وثقت بشرف سيدتها، ~~وزين لها قلبها النقي أن ترضخ غير مترددة وتسلم أمرها لله. # وكان فؤاد قد ارتاب من نظر المرأتين المعنوي الواحدة إلى الأخرى، فدنا من بديعة وقال: ~~ما بالك صامتة لا تجيبين؟ # أما هي فبقيت على سكوتها ولم تجب، فقال ثانية: هل من مانع عن الجواب وقد كان عذرك الوحيد ~~رضى والدي، وهل والدتي الآن تنوب عن والدي وعن نفسها بهذا الأمر؟ # إذ ذاك سقطت من عيني بديعة دمعتان كحبتي لؤلؤ أثر منظرهما في قلب سيدتها أكثر مما أثر ~~في قلب ابنها، فلم يعد بإمكانها الوقوف ولا تصور قلبين طاهرين محبين يحومان كفراشتين حول ~~نور تلك السعادة المزعومة، ولا يعلمان بأنهما قريبا يسقطان على نار محرقة لا على نور ~~مضيء من قصدها الشرير، وخوفا من افتضاح أمرها وحبا بالتخلص من ذلك الموقف المزعج قالت: ~~يظهر أن بديعة تخجل من الكلام في حضوري فسأذهب عنكما. # وظنت مريم أن ذهابها من أمامها ينسيها مقاصدها، ولكنها نسيت بأنه ولو احتجب النظر عن مرأى ~~نتيجة الأعمال فإن الضمير لا يموت عن الشعور ولو مهما كان مصابا. # فسر فؤاد لذهاب والدته التي أخلت له الجو لمخاطبة بديعة؛ الأمر الذي حقق له صدق ~~رضاها عنه، وكان الأمر بالعكس مع بديعة التي مع خوفها من وجود سيدتها، فضلت بقاءها على ~~تركها إياها مع فؤاد بوقت هذا الاضطراب، ولم تكن بعد على استعداد لمقابلته. # وكان الشاب والفتاة لا يزالان واقفين، فلما أقفل الباب وراء الذاهبة تقدم هو إليها، ~~وقال بصوت مرتجف: بديعة ارفعي نظرك إلي. # عند ذلك نظرت إليه الفتاة قائلة: ماذا تريد يا ms046 سيدي؟ # فقال متنهدا: ماذا أريد؟ آه ... ما أحلى هذا السؤال وما أمره! وما ألطفه وما أقساه! ~~فكأنك لم تفهمي للآن مرادي. # عند ذلك شعرت الفتاة بوجود التصريح، وعرفت أن السكوت لا يعد في ذلك الوقت حشمة بل ~~جبانة؛ لأن للكلام أوقاتا لا ينفع فيها السكوت، كما أن للسكوت أوقاتا يعز فيه الكلام. ~~وقالت بصوت مرتجف: آه يا سيدي إن قلبي قد اضطرب لصوت والدتك وهيئة وجهها؛ لأني لا أقدر أن ~~أتصور أنها تحبني الآن كما كانت تحبني قبلا. # فقال الشاب بفرح: إنك مخطئة يا حبيبتي؛ لأن والدتي تحبك الآن أكثر من قبل. ~~- هذا ما تظنه أنت ولا أصدقه أنا؛ لأنني قد ذقت طعم حبها على الحالين، وأقدر ~~على معرفة الحقيقي من الوهمي منه. # فقال فؤاد بشيء من الحزن: وماذا يهمك إذا كانت محبتها قد تناقصت قليلا الآن؟ أليس رضاها ~~وحده الذي يهمنا ومحبتها تأتي تدريجيا مع الأيام؟ فأرجوك يا بديعة أن لا تكدري سماء ~~أفكاري الصافية بأوهامك هذه؛ فإنني أحسب نفسي أسعد الناس الآن، فدعيني أبقى هكذا. # فأصاب هذا الكلام مكان الجرح من قلب الفتاة، ولكنها أظهرت عدم الاكتراث؛ اندفاعا بعوامل ~~الحشمة وحب الاعتدال، إذ إنها كانت تعلم بأن الحشمة وجدت لترافق المرأة في أعمالها ~~وأقوالها وأفكارها، وأنه متى وجد الاعتدال في الحالتين لا تكون قط أسيرة الكبرياء والقنوط، ~~بل هما يصبحان أسيرين لها. وبعد أن سكتت برهة أرادت أن تحول مجرى حديثه إلى موضوع تقدر على ~~التكلم فيه، فقالت: لم تذكر شيئا عن سيدي والدك. # فأجاب الشاب: إن والدي مسافر إلى مصر في الأسبوع المقبل، ومن رأي والدتي أن نكتم الأمر ~~عنه الآن؛ لأنه حاد الطبع، ويجب أن نحصل على رضاه بالتأني. # وكانت أقل كلمة أو إشارة تدل على التفاوت الذي بينهما تؤلم بديعة وتجرح نفسها، فلما سمعت ~~كلامه تنهدت وافتكرت في كيف أنها مضطرة إلى أن تحصل عليه بهوان وتذلل. # وأدرك الشاب موضوع أفكارها فقال: إن أمر والدي لا يهمك شيئا يا بديعة، فكما أنه لا يهمني ~~أنا ms047 سوى رضاك والحصول على قولك بأنك «تحبينني»، فكلميني وقولي إن نعم فنعم، وإن لا فلا؛ ~~لأني أريد الجواب وأريده الآن. # قالت بديعة بخضوع: وهل مثلي من تقابل الفضل بالنكران، والنعمة بالغموط، والسعادة ~~برفضها؟! ~~- هذه هي النقطة التي اتخذتها محورا تدور عليه أقوالك. فما هذا الكلام يا عزيزتي الذي ~~تشتم منه رائحة العبودية وعدم الاستحقاق؟ ما هذه الأوهام التي لم أقدر إلى الآن على نزعها ~~من أفكارك، فهل أنت عبدة وقد تحرر العبيد؟! أو أنت حرة وكل روح من الله حرة؟! كيف جاز ~~لك أن تحسبي حبي «فضلا» عليك مع أنه واجب مقدس؟! ومن يا ترى ينظر إلى هذا الوجه الجميل ~~ولا يحبه؟! ومن يسمع هذه الألفاظ العذبة ويقدر على الاستغناء عن سماعها؟! أو من يعرف حقيقة ~~هذه النفس المضيئة بالفضائل وراء هذا الوجه الجميل ويرى السعادة بدونهما؟! فمن هو منا ~~بعد هذا التصريح ممنون للآخر، ومن هو منا عبد للآخر، إذا كانت العبودية جائزة وهي محرمة بكل ~~شيء؟! أأنا لأنني أقدم لك قلبا لم يخامره الحب قبل أن رآك وعقلا لم يقدر فضل النساء ~~الحقيقي حق قدره قبل أن أختبرك، ومالا زائلا مقابل ما هو أبدي من فضائلك؟! أم أنت من ~~تبادلني هذه الأمور الحقيرة بأطهر وأشرف وأذكى قلب اختلج في صدر امرأة في العالم؟! # فلم يسع بديعة إلا الابتسام من كلامه هذا، وتطرفه في الوصف، فقالت: أشكر الله أني ثقيلة ~~الجسم «والدم أيضا»، ولولا هذا لكنت أنت واقفا مدهوشا الآن إذ تراني طائرة في الجو من ~~كلامك، ألا تعرف بأن هذه مغالاة كثيرة وبأنني لا أستحق هذا الوصف؟ # فقال لها الشاب: أرجو أن تعرفيني أكثر وأن لا تخفى عليك عواطف قلبي؛ لأن أعظم سعادة ~~للمحبين أن يفهم كل منهما حقيقة الآخر وجوهره، فأنا يا بديعة لم أقل مثل هذا الكلام ~~لامرأة في العالم، كما أنني سوف لا أقوله فيما بعد، ولو أنني عرفتك جاهلة لما قلته لك ~~ولو كنت أعتقده، ولكن ثقتي بعقل وشرف نفسك حملتني على التلفظ به ms048 وهو لا يزيدك إلا رزانة ~~وكمالا؛ لأنه من خصائص المرأة العاقلة أن تزين ذاتها بميزان الحكمة والعدل، فإن قيل ما هو ~~فيها فلا يدهشها الأمر؛ لأنها تكون تنتظره، وإن وصفت بأكثر مما فيها تحتقر الفضول من ~~القول وتبقي على ثقتها بنفسها، بعكس المرأة الجاهلة التي لا تعرف نفسها، وأقل ثناء من الرجل ~~سواء كان جدا أم هزلا يجعل لها جناحين فتطير، ولكنها لا تلبث أن تسقط بعد طيرانها؛ لأن ~~جناح الوهم مكسور لا محالة. # وكان قد سكن روع بديعة قليلا وارتاحت إلى مخاطبة الشاب بعد جلوسها، فقالت له: يظهر لي ~~أنك خبير بأحوال النساء، فيا للعجب من شاب مثلك لم يختبرهن ويعرف كثيرا عن طباعهن! ~~- لا تعجبي من هذا أيتها العزيزة؛ فإن الله سبحانه قد جعل في الرجل خاصة هي الحب لمعرفة ~~أخلاق النساء بأسهل طريقة طبيعية، فلا تظني أن الرجل مهما يكن عاجزا وجاهلا يعجز عن ~~درس أخلاق المرأة بعد معاشرتها، وأما الذكي فإنه يقرؤها بعينيها من أول وقوع نظره عليها، ~~وأنا ذو استعداد كاف للدرس الذي تسنى لي من أول نظرة إلى وجهك الجميل. ثم اقترب منها وأراد ~~أن يدني إليه وجهها ليقبلها، فأجفلت منه وأفلتت بنزق ثم رمته بسهم من نظرها الحاد تأكد منه ~~بأن للمرأة قدرة كافية متى استعملتها عند شعورها بالواجب تنسها ذلك الظرف والدلال ~~والنعومة، ولظنه أنه لم يأت منكرا لأن هذا أمر شائع «ودارج» بين الشبان والشابات الخاطبين ~~حسب بأن الفتاة لا تحبه، وإلا لما كانت مانعته فيه. # كأن بديعة لحظت ما يخامر قلبه، فأرادت أن تمنع الالتباس من أفكاره فقالت: أرجو أن لا يكون ~~قد أغاظك نفوري يا فؤاد، فأنا أعرف ما هو الحب الطاهر وأجله وأقدسه، وقد كان ظني ~~أن تحسبه لغة الملائكة وأن شرفه وكماله لا يكونان بغير صيانته. وأما القبلة التي يحسبها ~~بعض الشبان والشابات اليوم موضة، فأنا لا أعتبرها كما أنني لا أعتبر أكثر الأزياء المضرة ~~بالآداب، بل إنني أحسبها للحشمة احتقارا وعلى الحب عارا. # فقال الشاب بحزن ms049 : إن طباعك تحيرني يا بديعة؛ فإنك بالأمس منعتني من محادثتك بدعوى أني ~~غريب عنك، فما هو عذرك الآن وقد خطبتك وصرت لك وأنت لي؟! # فقالت: صحيح أننا قد تعاهدنا على الحب وصرنا خطيبين، ولكنا لا نزال غريبين الواحد عن ~~الآخر، ومن حقي أنا أن أحافظ على شيء هو خاصتي، وأرى سلبه مني عارا لا يمحى، كما أنه من ~~حقك أنت إن كنت شريفا أن تعتبر هذه المحافظة وتجلها. # فنظر إليها خطيبها ورآها واقفة بعزم ثابت وهيئتها تدل على أنها تعني ما تقول، ولا أثر ~~للتصنع على وجهها وفي كلامها، فقال: وهل أنت في شك من صدق حبي؟! ~~- كلا، غير أنني أكرر القول بأنك غريب عني إلى أن يتم اقتراننا، وأنني بعد الآن لا أحب أن ~~أحدثك إلا على مرأى من والديك أو أحد غيرهما، كما وأنني لا أوافقك إلى مكان ما؛ لأن هذا من ~~شروط الحب الطاهر التي يجب أن تحافظ عليها الفتاة وهي في بيت أبيها. # فابتسم الشاب وقد تعجب من محافظتها على قواعد الحشمة النسائية، وقال: قد رضيت بكل شيء ~~تريدينه. وقد حسب أن بديعة تكون أكثر تساهلا في المستقبل مما هي الآن، غير أنها لم تزد ~~إلا تعصبا، بل كانت اجتماعاتهما مقتصرة على الحديث الطاهر بحضور والدتهما أو على مرأى ~~منها كما أحبت بديعة. أما فؤاد فإن غيظه تحول إلى سرور، وصار أشد محافظة على هذه الأمور ~~من بديعة؛ لأن الرجل متى رأى من المرأة ميلا إلى شيء وتحقق صوابيته، يميل معها إليه ~~مهما يكن يبغضه في أول الأمر. # وكان حبهما ينمو مع الأيام، وهما كملاكين يرتعان في رياض الطهر والسعادة غير مباليين ~~بشيء، حتى وبمراقبة نسيب والسيدة مريم لهما، وفي أحد الأيام كان الأربعة يتمشون في ~~الحديقة بعد ذهاب الخواجة منصور إلى مصر، وبأثناء التمشي انحاز فؤاد إلى جانب بديعة ~~ونسيب إلى جانب خالته، ومشى كل اثنين معا، فقال فؤاد لبديعة: لما وقفت معك أول مرة في ~~هذه الحديقة ظننت أن الحب يأتي دفعة واحدة كما ms050 يعتقد البعض، ولكني الآن عرفت غير هذا، عرفت ~~أن ذلك البعض مخطئ لأن الحب أول ما يكون دخوله إلى القلب، فهو وإن يكن عظيما فلا يتخذ له ~~مسكنا إلا قرنة واحدة من ذلك القلب، وبعد المعاشرة إما أن يملأ ذلك القلب فلا يعود من سبيل ~~إلى الزيادة أو النقصان، وإما يتناقص فيزول أثره من القلب بعد حين قصير. # وكانت والدة فؤاد تنظر إليه وهو يحدث بديعة، وترى دلائل السرور واللهفة بادية على وجهه ~~المحول إلى حبيبته، بينما وجه هذه مبرقع ببرقع من الحشمة الحقيقية، وهي مطرقة بعينيها إلى ~~الأرض. فقالت لنسيب: انظر إلى وجهيهما. وإذ نظر هذا أحس بحربة طعنت أحشاءه، فأرجع نظره إلى ~~خالته متظاهرا بالتجاهل وقال: لأي سبب كان هذا السؤال يا سيدتي؟ # فقالت له خالته: لترى الفرق بين نقاوة النية وفسادها، وليتبين لك ولي عظم عملنا ~~الشرير. # فضحك ذلك الشاب وقال: المرأة ضعيفة ولو افتتحت الممالك. # | الفصل الثامن # نتيجة الخيانة # وبقيت بديعة بمعاشرة فؤاد تتقدم إلى الاطمئنان والوثوق بإخلاص سيدتها يوميا، حتى زال من ~~فكرها كل ريب إلا في سعادتها المستقبلية، وكأنها نسيت الدنيا كلها ما عدا هذا الأمر، ~~وكان نسيب يظهر لها كل اعتبار ولطف وإخلاص، ويعاملها معاملة سيدة أو معاملة ربة بيت مقبلة، ~~ولم يعلم أحد بالأمر الذي كان مكتوما حتى عن الخدم نفوسهم، ولما انقضت تلك الأيام السعيدة، ~~وما أقصر أيام السعادة بالحياة! ودنا حلول وقت رجوع فؤاد إلى المدرسة، رجعت إلى بديعة ~~همومها وشعرت بما يقلقها ويزعجها بدون أن تدري لذلك سببا، وكانت تخشى بعاده عنها، ولكنها ~~لم تظهر له هذا لئلا يمتنع عن الرجوع لإتمام دروسه واستحصال الشهادة النهائية بتلك ~~السنة. أما فؤاد فإنه بأول الأمر تردد عن الذهاب، ولكنه ما لبث أن اقتنع بوجوب هذا الأمر ~~الذي لا مفر منه، وجرأته بديعة بقولها له إنها تحب العلوم فوق كل شيء وإنها ستكون ~~سعيدة مع والدته وستذهبان لزيارته مرارا. # وفي صباح أول يوم من أيلول قبل فؤاد والدته وصافح يد بديعة، ونزل ms051 هو ونسيب إلى حيث ~~كانت العربة بانتظارهما، فذهبا إلى المدرسة وبقيت السيدة مريم وبديعة تنظران إليهما، ~~فلما توارت تلك العربة عن أنظارهما رجعتا إلى الدار، وفي تلك الدقيقة وما بعد شعرت بديعة أن ~~زمن اضطراباتها قد أقبل؛ لأن معاملة أم فؤاد لها تغيرت بالكلية. # وبعد مرور أسابيع على رجوع فؤاد وقرب مجيء والده من مصر اشتغل طبخ الكيميا بين أم فؤاد ~~ونسيب الذي كان يحثها على إنهاء كل شيء قبل قدوم عمه. # وفي أيام تشرين أول، الجميل بطقسه والمعتدل ببرده وهوائه، كانت بديعة في غرفتها تقرأ ~~كتابا كان قد وصلها من فؤاد في ذلك النهار، وهي تبكي تأثرا لأسباب مقبلة يوحي بها إليها ~~قلبها، فسمعت غير دقات قلبها الداخلية دقات مثلها خارجية عرفت أنها على الباب، فقامت ~~لتفتحه ودموعها منهملة على خديها، ولم تنس بديعة قط تلك السيدة الطويلة القامة التي رأتها ~~واقفة على الباب، واضطرب منها قلبها للمرة الثانية. وكان لبديعة الآن دالة على سيدتها لم ~~تكن لها من قبل، فسألتها بلهفة عن سبب اضطرابها الظاهر، أجابت تلك السيدة: ادخلي يا ~~عزيزتي؛ لأنني أتيتك بخبر هام جدا لا أدري كيف أفاتحك به. # وشعرت بديعة بقشعريرة في جسمها، فقالت: قولي ما شئت يا سيدتي فقد تعودت استماع الأمور ~~الهامة فألفتها. # وبدون كلام تناولت السيدة مريم من جيبها كتابا وناولته لبديعة، فأخذته بديعة، وكانت تنظر ~~فيه وترتجف وسيدتها تنظر في الأرض ولا تقدر أن تنظر إليها. وارتجفت السيدتان لما وقع ~~المكتوب من يد بديعة إلى الأرض، فانحنت السيدة مريم وتناولته. # حمل الغيظ وعزة النفس بديعة على الكلام العاجل، فقالت لتلك السيدة التي خفضت الآن من ~~كبريائها مقابل تلك الفتاة الطاهرة، إما لأن الرذيلة لا تكون سوى رذيلة أمام الفضيلة، ~~وإما لأنها اتخذت هيئة التذلل والخضوع لإتمام حيلتها. ~~- وماذا تريدين مني الآن؟ ~~- فأجابتها: ألم تقرئي الكتاب؟ ~~- نعم قرأته ورأيت فيه أن سيدي قد خطب لفؤاد فتاة «غنية جميلة مهذبة»، وأن مراده ~~استصحابها معه، وأنه لا يشك في سعادة فؤاد معها؛ لأن الفتاة ms052 تناسبه، ولكني لم أعلم ما قصدت ~~من عرض الكتاب علي. ~~- قصدت إطلاعك عليه لتري فيه رأيك، ولتتحققي تعاستي وظلمي، فإن زوجي رجل متشبث برأيه ~~غضوب، إذا عرف بالأمر يغضب علي وعلى فؤاد، وربما يطردنا ويحرم ابني من إرثه! # فقاطعتها بديعة قائلة، وقد عرفت مرادها: كفى كفى يا سيدتي! فإنني سأكفيك مئونة هذه الأمور ~~كلها بذهابي من بيتك في هذه الليلة، وبذلك أفكك من قيود عهودك وأهبك ولدك الذي قد وهبته ~~قلبي وسعادتي على غير أمل الاسترجاع، ولكن اسمحي لي يا سيدتي بأن أوضح لك أفكاري وأكلمك ~~بحرية تامة للمرة الأخيرة في بيتك؛ فإن ضميرك سوف لا يريحك دقيقة واحدة لأنك خدعت وأقلقت ~~حياة فتاة يتيمة ليس لها من يطالب بحقوقها غير الله، وهو أعظم المطالبين! إن حيلتك لم ~~تنطل علي يا سيدتي، ولكنني رضخت لأحكام القدر التي نفذت في الآن، فإنك لم ترضي عن ~~اقتراني بولدك قط، بل إنك تظاهرت بهذا الأمر خوفا على ولدك من مخالفة إرادتك والاقتران بي ~~بالرغم عنك، فقلت: وأي بأس إذا سر ولدي نشر بمعاشرة الفتاة وبعد ذهابه أطردها ...؟ لأن هذا ~~أمر جائز عند بعضكم أيها الأغنياء أن تكون أرواح وأموال وسعادة الفقراء والتعساء مسخرة لكم. ~~أنت تجهلين بأنك أضررت بولدك وبنفسك كما أضررت بي؛ لأنك تلاعبت بقلبين طاهرين وحرمت شخصين ~~سعادتهما الوحيدة، وخدعتني أنا الفتاة اليتيمة، ورمت طردي من بيتك وعلى منكبي حمل ثقيل ~~من الهموم والتعاسة يعيقني عن إتيان أمور كثيرة مفيدة لمستقبلي، فلو سمحت لي بالذهاب من ~~بيتك قبل أن خدعتني بإظهار حبك لي وقبل أن تعلقت بحب ابنك، لكان ذهابي منه ألف مرة أهون ~~مما هو الآن، ففي ذاك الوقت كنت أتركه مسرورة بقيامي بواجب الأمانة نحو أصحابه. أما الآن ~~فإن الحالة تفرق كثيرا؛ لأنني بحق أمكث فيه ولو كانت فتاة غيري مكاني لما كانت تخرج ~~مطلقا، بل كانت تذهب إلى خطيبها وتقترن به بالرغم عن الجميع، ولكنني لا أفعل هذا؛ لأنني ~~أقوم بواجب الشرف نحو أعدائي كما أفعل نحو أصدقائي ms053 ، فأنا سأخرج من بيتك أسيرة النفس كسيرة ~~القلب، وقد دخلت إليه حرة، وليس من حقك أنت أسرهما، غفر الله لك يا سيدتي وصفح عن عملك معي. ~~فهل أنت بدون قلب يا سيدتي حتى لا تشعري بألم القلوب المتوجعة؟! أم أن شواعر قلوب الأغنياء ~~تفرق عن شواعر قلوب الفقراء؟! إن بعضكم يحسب هذا ويدعي الشرف له دون الفقراء، ولكن عملي ~~وعملك يكذبان هذا ويقولان بصوت خفي: «إن الشرف الحقيقي إنما هو ثمرة القلوب لا الجيوب.» ~~فأنا قد ضحيت وسأضحي لأجلك سعادتي، وأما أنت فقد ضحيت الشرف والشهامة والدين والذمة لأجل ~~كبريائك، سامحك الله سامحك الله، ومد في عمرك وعمر عائلتك؛ لأنني لا أحب أن أجرح قلبك ~~كما جرحت قلبي. # ولا حاجة إلى القول بأن كل كلمة من كلام بديعة كانت حربة تطعن قلب السيدة مريم، ولكنها ~~تجلدت وأظهرت الصبر؛ لأن رجوعها عن عزمها كان مستحيلا في ذلك الوقت. ونظرت إلى بديعة ~~قائلة: إنك تظلمينني بكلامك الآن يا بديعة؛ لأن الذنب ليس ذنبي، ولو كنت أنت مكاني لما كنت ~~تفعلين غير ما فعلت أنا الآن، فإني امرأة أحب المحافظة على سعادة ولدي، التي لا تكون من ~~الحب فقط متى حرمه والده إرثه وغضب عليه. ولو عرفت من هي تلك الفتاة التي ذكر عنها والده ~~لما كانت تلومينه أيضا بل كنت تقولين: «إن الطيور على أشكالها تقع.» # عند ذلك حمي وطيس الغضب بقلب بديعة فقالت: إذا كنت سمحت لك بخداعي والتلاعب بي قبل ~~الآن، فأنا لا أسمح لك بإهانتي الآن لأنني لم أضح ما ضحيت لأجلك «خوفا من سطوتك»، بل ~~اندفاعا مع واجب الشرف والمروءة. وسواء استحققت هذا العمل أم لا فحسبي أنني قويت على عمله. ~~أما الآن فإنني أستودعك الله؛ لأنني أخرج من بيتك في هذه الساعة. ثم نزعت من يدها خاتمين من ~~الألماس الثمين وتركت بيدها واحدا قائلة: أرجوك أن تسلمي هذين الخاتمين لولدك عند رجوعه، ~~وقد أبقيت معي هذا الخاتم تذكارا لحبه ولهذه القصة التي حدثت لي منك. # فقالت سيدتها ms054 وقد فرحت: لا أحب أن أفارقك على هذه الصورة يا بديعة، وأريد أن نفترق ~~صديقتين كما كنا، وأن تقبلي مني هذه الهدية الصغيرة، وتتناسي الماضي، ثم وضعت أمامها ~~كيسا مملوءا من الذهب. # فنظرت بديعة إلى ذلك الكيس الملقى على ذلك الكرسي وقالت بحنق: ما هذا؟! # هذا شيء حقير أرجو أن تحسبيه هدية تافهة، وأن تقبليها تذكارا كما قبلت أنا منك ~~الخاتمين، وسوف أحفظهما لنفسي وليس لفؤاد. فلما سمعت الفتاة اسم خطيبها ابتسمت ابتسامة ~~الغضب وقالت: لا عجب من هذا الأمر، لأن أمورك كلها معجبة ... فإنك تعنين بهذا المال ثمن ~~حبي لولدك، ولا شك أنه «قيمتك»؛ لأن حبي الطاهر لا يباع ولا يشترى، فأنت مخطئة أيتها السيدة ~~المعتبرة بظنك بي؛ لأنني وإن كنت فقيرة فأنا شريفة، ولو كنت أفضل الذهب على المروءة والشرف ~~لما كنت أذهب من بيتك، ولكنت أمكث فيه وأحصل على حب ابنك وذهبه معا؛ لأن تهديدك إياي بقطع ~~الميراث لا يهولني، وأنا أعرف كم يطول تهديد الوالدين مع حنوهما. # فأنا حرة الضمير وصادقة في كل شيء، وهذا ما يحملني على القول بأنني لا أحتاج من مالك ~~إلا إلى عشرين ذهبا أستعين بها على السفر إلى أمريكا حيث أستريح وأريح. # وفي تلك الساعة فقط عرفت السيدة مريم مقدار شرف بديعة، فبكت من كلامها، وقالت لها بإخلاص: ~~أكرر عليك الرجاء بأن تصفحي عن ذنبي وتقبلي تقدمتي الحقيرة. # فأجابت بديعة بصبر: متى صفحت عن ذنبك بعد أخذ مالك أكون بعت صفحي بما هو أقل منه قيمة، ~~ومتى صفحت بدون المال أكون صفحت لأن الصفح واجب وأنال مكافأتي من الله، وحيث إنني أرغب في ~~كل ما هو حسن فإنني أفضل الأمر الأخير. # | الفصل التاسع # بعد أن أكملت بديعة معدات سفرها خطر لها أمر، هو أن تكتب إلى فؤاد قبل مفارقتها البيت، ~~فجلست على منضدة صغيرة كانت في غرفتها، ولما مسكت القلم لتكتب تواردت عليها الأفكار، فصار ~~من الصعب انتقاء الأفضل منها، وكان كل قصد بديعة من الكتابة إلى فؤاد أن تجعله في ms055 ثقة من ~~أمانتها، وتشير إليه بطرف خفي بأنها ذهبت مضطرة، ولم تحب قول الحقيقة له في هذا الظرف ~~الوحيد؛ لأنها عرفت الضرر الذي يتأتى من ذلك. وأي ضرر أعظم من بغض الشاب لوالديه والمعيشة ~~التعيسة من بعد ذهابها! فقالت: إنني برضى واختيار قد قدمت سعادتي على مذبح الواجب بشجاعة، ~~فلا يصح أن أضعف وأوهن عزمي الآن. وكانت بديعة ذات تهذيب كاف، تحافظ كل المحافظة على قواعد ~~المراسلة، فأخذت ورقة بيضاء كقلبها، نظيفة كأفكارها؛ لعلمها بأن نظافة الورق من أول قواعد ~~المكاتبة، وبعد أن أرخت كتابها واستهلته وضعت أمامها هاتين الآيتين: «إذا كتبت فاكتب ما ~~يقضي به واجب الكتاب، وليس كل ما ترغب نفسك بثه، واكتب ما لا تخجل أن تراجع قراءته أو قراءة ~~غيرك له.» وابتدأت بما يأتي، بخط واضح جميل: # سيدي العزيز # بعدما رجعت إلى المدرسة نظرت نظرة مدققة في ما جرى بيننا، فوجدت أن لحمة حبنا ~~كانت الطياشة وسداه الغرور، وأننا وإن نكن خلقنا لبعضنا، بنظرنا الخاص، ~~فلسنا كذلك بالنظر العام الذي له أكبر تأثير سيئ على السعادة في مستقبل ~~الأيام. # ولهذا فبعد أن حدث لي ما حقق عندي هذا الظن، وبعد أن رأيت ذاتي مضطرة إلى ~~المحافظة على حقوق وسعادة غيري أكثر من سعادتي، رأيت من أول واجباتي ترك بيتكم ~~العزيز مع البقاء على محبتك إلى الأبد. وها أنا الآن على أهبة السفر الذي يكون ~~بعد إتمام هذا الكتاب. أقول لك بأن محبتك لوالديك هي أوجب من محبتك لي؛ لأنهما ~~أحباك قبل أن عرفتك أنا بعشرين سنة، ولعمري إن هذا العمل العظيم لا يكافأ بغير ~~الطاعة والوداد. # فلا تزعج نفسك لجهتي يا عزيزي، واعلم بأنني أخرج من بيتكم وأنا أسعد من اليوم ~~الذي دخلت إليه فيه، ليس لأنني أخرج منه مختارة، بل لأنني أوثر سعادتك على سعادتي، ~~وهذا لا يكون بغير خروجي منه. # إن ذكرك سيكون عندي مقدسا في الحياة، فأرجو أن لا تنساني متى كنت سعيدا مع من ~~تحب ومن هي مناسبة لك. # لا أعلم إلى ms056 أين يكون ذهابي ولكنه لمكان بعيد، فلا تطمع باللحاق بي لأنك سوف لا ~~تجدني. # إنني أكتب الآن بيد ثابتة مع أن موقفي يقلقل الجبال، فأرجو أن تكون أنت عند قراءة ~~هذا الكتاب ثابتا أيضا، وأن تكون قادرا على تصور الواجب بعين مجردة، وتعرف ~~بأنني بقوة غير اعتيادية قد فضلته على ما هو أعظم من الحياة نفسها، وإنما لا أعظم ~~منه على حبك. # ولما كان وراء كل شيء غاية، فغايتي من إرسال هذا الكتاب إليك هي لأمرين مهمين؛ ~~الأول: وهو لكي تتأكد بأنني كما أنا أناجيك في آخر دقيقة في بيتكم، هكذا سأناجيك ~~إلى وفي آخر دقيقة من حياتي. وأما الأمر الثاني: فهو أن تعتبر جميلك علي وتعرف ~~بأن حبك هو الذي يقويني، وهو الذي سيجعل مني فتاة نافعة في الحياة؛ لأن للحب ~~تأثيرين عظيمين: أحدهما جيد، والآخر سيئ. فمن الأول ينتج حب عمل الخير الذي تتجلى ~~وتنبسط به صورة الحب الشريف الطاهر، التي تمثل الفضائل وتوجد في حبها تعزيزا للحب. ~~وعن الثاني ينتج حب الانتقام، والميل إلى الشرور والمعاصي، والانحياز إلى جانب كل ~~رذيلة، كالبغض والانتقام والغيرة والحسد وسواها. وإذ إنني لا أستطيع أن أكون إلا من ~~النوع الأول الذي يظهر بأنني خلقت لأجله، فالفضل بقوتي راجع إليك. # متى رجعت من المدرسة مضفورة على رأسك أكاليل الفخر ولم أكن أنا في البيت من أول ~~المهنئين، فاذكرني واسأل قلبك عني، وهو يدلك بأن في العالم قلبا كان وكائن وسيكون ~~مخلصا لك، والله يحفظك. # للمخلصة بديعة ... # طوت بديعة الكتاب وهي ثابتة كما قالت لفؤاد؛ لأن الهدوء عند مساورة المصائب أعظم مساعد ~~على إزالتها بحكمة وتدبير، وخرجت من بيت سيدها إلى أحد بيوت الجيران حيث سلمته لفتاة كانت ~~لها صديقة ورفيقة، وأوصتها أن تسلمه لفؤاد عند رجوعه من المدرسة. ولم ترجع بديعة إلى تلك ~~الدار الفخيمة التي كانت تحسبها في الأمس ملكها، وقد خرجت منها اليوم، وبعد أن تأملت في كل ~~ما مر بها ظنت نفسها كأنها كانت بحلم وقد استيقظت وذهب كل ms057 شيء إلى عالم الغيب، ثم ~~استحضرت عربة وركبتها. # وكانت وهي جالسة وحدها في زاوية العربة تحارب الهموم والأكدار بقدر استطاعتها؛ حتى لا ~~تجعل للمراقبين سبيلا إلى التأويل. وكانت الخيل تجري بسرعة كلية ولكنها وقفت بغتة، وسمعت ~~بديعة السائق: تفضل ادخل يا سيدي نسيب. ولما سمعت بديعة هذا الاسم اختلج قلبها وأطلت من ~~العربة لترى إن كان المخاطب هو نسيب ابن خالة فؤاد، فلما وقع عليه نظرها أرجعته مضطربة. أما ~~هو فلما دخل العربة أحسن التظاهر بأن التقاءهما كان صدفة، وهو لم يكن كذلك؛ لأن هذا الشاب ~~كان عارفا بما حل ببديعة وإن يكن غائبا عن البيت بحيلة منه. # ولما استوى جالسا ووضع رجلا على رجل، التفت إلى بديعة مبتسما، وقال: إلى أين ~~بالسلامة؟ # فقالت الفتاة، وقد اجتهدت في أن تظهر هادئة غير مضطربة: إلى القرية الفلانية ... # أجابها هازلا: إذن ليس ذهابك إلى عينطورة كما ظننت؟ # فقالت بديعة، وقد عبس وجهها من كلامه حتى حسبها نسيب غير تلك الخادمة الحقيرة التي كان ~~يقول لخالته عنها بأنها خالية من الشرف والمروءة: إنني لم أجعل لك سبيلا بكلامي إلى ~~المزاح، فأرجوك أن تعدل عما أنت عليه. ~~- أرجو المغفرة منك على مزاحي، فهل لك أن تقولي لي الجد من أمر ذهابك وإلى أين ~~هو؟ ~~- هو إلى القرية التي قلت لك عنها، حيث لي صديقة ودودة من أيام المدرسة وبودي أن أسافر ~~برفقتها إلى أمريكا. # فملق الشاب فيها بعينيه وقال: إذن أنت ذاهبة من بيت خالتي ولا تعودين إليه، فهل اطلعت ~~... ~~- يظهر بأنك عالم بكل شيء. نعم لقد اطلعت على مكتوب سيدي، وتركت بيته مختارة قياما بواجب ~~الشرف. # فسر نسيب في قلبه إذ عرف بأن حيلته كادت تتم، وقال: لا أعني مكتوب العم منصور، بل ~~... ~~- بل ماذا؟ ~~- بل كتاب فؤاد نفسه. ~~- كتاب فؤاد! لا علم لي به، وبأي معنى هو إذا كنت قد اطلعت عليه. # إذ ذاك ناولها الشاب من جيبه كتابا، فلم تكد تنتهي من قراءته حتى ظهرت على وجهها الجميل ~~علائم البأس والحنق ms058 ؛ إذ نظرت خط فؤاد وقرأت كلامه، وهو الشخص الوحيد الذي ضحت لأجل سعادته ~~ما ضحت، وهي تحسبه لذلك الوقت محبا لها، وأهمه ما يأتي: «ولم أعرف مقدار نصائح الوالدة ~~يا سيدتي الحنونة إلا بعد أن بعدت عن البيت، وتحققت بأن أتعس الناس من لا ينظر إلى المساواة ~~في أمر زواجه، فالآن قد ألقيت عليك اتكالي فخلصيني من تلك الفتاة بتدبيرك ورأيك.» وكانت ~~بديعة تقرأ هذه الكلمات وكل كلمة منها تحدث في وجهها لونا مختلفا عما قبله، ونسيب ينظر ~~إليها نظرة الفائز وهو يعلل النفس بالظفر. # وقد انشغل بأفكاره عنها فلم يكترث لها إذ كاد يغمى عليها، واتقاء لذلك اتكأت على زاوية ~~العربة وسترت عينيها بيديها كأنها تغطيهما، حتى لا تنظر إلى صورة ذلك الحزن المخيف الذي ~~تمثل أمامها، وقد نسيت بأن مصدره قلبها. # وكان نسيب جالسا في الجهة الثانية من العربة مقابل الفتاة، فلما انتبه لها ورآها على هذه ~~الحالة قام من مكانه وجلس بجانبها وأراد أن يمسك يدها ليعزيها. ولما فعل أحست بديعة أن ~~قوة جديدة قد ملأت قلبها، وبعد أن كانت قريبة من الإغماء استوت جالسة وأفلتت يدها من يد ~~الشاب، وجوابا على كلامه «اللطيف» قالت: إنه كان بإمكانك إخفاء هذا الكتاب عني يا خواجة ~~نسيب؛ لأنك ولا شك عرفت بأنه قد كفاني ما لاقيت، وأنا قد تركت ذلك البيت غير آسفة على ما ~~يحل به بغيابي مما يتعلق بي. # فقال الشاب متظاهرا بالكآبة الزائدة: لقد كان أحب إلي أن أخسر حياتي يا بديعة ولا ~~أزعجك لو لم أحسب الأمر لمصلحتك؛ لأن الحقيقة وإن جرحت فإنها تقي من جراحات كثيرة بجراحة ~~واحدة. # وكان نسيب جالسا في تلك العربة بجانب بديعة، وهو ذو جمال بارع قل في الرجال وجوده؛ ~~لأنه كان أكبر من فؤاد سنا وأجمل منه وجها وأذلق لسانا، لكن الفرق كان بين الاثنين في ~~جمال القلب فقط. # ولو كانت بديعة من الفتيات اللواتي يخدعهن الجمال الجسدي ويفرحهن اللطف في أي وقت ومن أي ~~شخص، لكان جمال نسيب ms059 ولطفه الكثير لها خلبا لبها وأنسياها حب فؤاد، ولو لوقت، ولا سيما ~~بعد أن قرأت مكتوب خطيبها وحسبته محتقرا حبها الشريف بعد أن قرع بتذلل باب قلبها وتوسل بكل ~~وسيلة للحصول عليه. ولكن لطف نسيب وإظهار الغيرة على سعادتها لم يزيداها إلا حزنا على ~~حزنها؛ لأنها كانت أغزر عقلا وأشرف نفسا من أن تسلو رجلا أحبته حبا شريفا طاهرا ~~وتستبدله بآخر لا تعرف عنه شيئا. فأين عمل بديعة هذا من أعمال بعض النساء اللواتي يبحن ~~بأسرار رجالهن ويتكلمن عنهم وعن أعز الناس إليهن لأي كان وقت الغيظ. ومتى رجعت المياه ~~إلى مجاريها يعرفن بأن ذلك السر المقدس - الذي كان يجب أن يكون مصونا بين الزوجين حتى عن ~~الوالدين أنفسهم - قد أصبح معروفا من الناس، ولربما مدوسا بأقدامهم فيندمن ولات ساعة ~~مندم، ولكنهن قد يعدن إلى الأمر نفسه متى غضبن وحقدن ولا يذكرن ما جرى في الأمس. # وشعرت بديعة كأن حربة طعنت قلبها من كلام نسيب إذ ناداها: «يا بديعة» باسمها مجردا، ~~وكانت بديعة شديدة التأثر من أقل إهانة تلحقها؛ لأن مناداة المرأة باسمها مجردا ليست من ~~الآداب والتهذيب، إلا إذا كان المنادي زوجها أم شقيقها أم والدها. وكل رجل ينادي امرأة ~~باسمها مجردا ولا يكون من الثلاثة المار ذكرهم يكون إما جاهلا غبيا يستحق النبذ ~~والاحتقار، وإما محتقرا لتلك المرأة مع أن أمه وأخته وبنته نساء، وهو يستحق الاحتقار ~~والمقابلة بالمثل. وخطر في فكر بديعة خاطر، فقالت: لا هذا ولا ذاك ما دعاه إلى مناداتي ~~باسمي مجردا، بل هو أمر آخر، هو لأن من كان مثله من الناس لا يحسب ما أحسبه أنا شرفا ~~واجبة رعايته، بل يعده عارا وهو «أمر الخدمة»، فيحتقر الخدام، ولو كانوا يفوقون أسيادهم ~~أحيانا علما وشرفا وتهذيبا وفضلا؛ لأنهم خدام ... وهل للخدام لقب؟! ولم يكن لبديعة مآرب ~~بكل هذه الأفكار الآن، فصممت النية على مجاوبة نسيب، ولكن بحذر كلي حتى لا يصدر منها ما ~~تندم عليه، ولا شيء ليستدعي الندم مثل الكلام الفارط متى كان ms060 منه ضرر ما. # ولما أجابته على كلامه الأخير قالت: إني أشكرك كثيرا على غيرتك، ولكن ماذا يهم فتاة مثلي ~~قد تركت ذلك البيت على غير قصد الرجوع إليه غير الافتكار بأنها معتبرة من أصحابه كما هي ~~تعتبرهم. # ووجد هو للحديث الذي يريده مجالا، فقال: إنني لم أعد أصدق بأن السماء خالية من النساء ~~الجميلات كما يقولون. ~~- ولكن ما الذي حملك على تكذيب القول؟ ~~- هو نقاوة ضميرك وحسن ظنك اللذين ستدخلين لأجلهما السماء وتخرقين نظامها ... ~~- إذا كان الأمر كذلك كان الله يكافئ الخير خيرا ويجازي الشرير شرا وهو فاعل، فمن ~~صميم فؤادي أطلب أن يعكس هذين الأمرين لأكون سعيدة بتحملي كل مشقة عمن أحب. قالت بديعة ~~هذا بقصد مجازاة الشاب على تهكمه. # فأثار كلامها في قلبه كامن الغيرة والحقد، ولكنه عرف من هي التي يخاطبها، فلم يتظاهر ~~بشيء بل تبسم متصنعا، وقال: «هذه حالة الدنيا»، فإنها شاءت وتشاء أن تهب بعض ~~أبنائها ما لا يستحقون، بينما ... # ثم غير موضوع الحديث وقال: لا أكتمك يا بديعة أنني أشبه السعادة بجوهرة ثمينة، قد ~~توجد عند من لا يعرف لها قيمة، إما لحصوله على كثير مثلها، وإما لجهله نفاستها، بينما يكون ~~سواه متحسرا عليها وهي لكل غني في الدنيا، فيا سبحان الله! # فعرفت بديعة معناه، وقالت برزانة: وهب أن الأمر كما قلت حضرتك، فهل عدم معرفة صاحبها ~~بقيمتها تذهب من هذه القيمة شيئا؟ وهل يبخسها الناس قدرها لأجل ذلك؟ # فأجاب هو مسرورا برضاها عن الحديث قائلا: كلا، كلا، إن الجوهرة جوهرة أينما كانت، ~~ولكن أليس الفرق بين وجودها في التراب أو وجودها على الجسم عظيما؟ إنها في المكان الأول ~~جوهرة غير معروفة، وفي المكان الثاني معروفة من الناظرين. وهل من العدل أن يذهب نورها البهي ~~الذي ربما خفي في حياة شخص قد لا يحتاج إليها وله من غيرها أضواء؟ وهل مكانها على الصدر مثل ~~مكانها في الصندوق؟ كلا! ~~- إن المعنى من كلامك معروف، وكلامك عنه مصيب، ولكن بعد التحقيق عما إذا كان الأمر كما ms061 ~~قلت. ~~- وهل من شك في ذلك وقد ظهرت لك الحقيقة التي لا ريب فيها؟! # فعرفت بديعة عند هذا الحد أنها قد تطرفت بالحديث الذي ربما لا تكون عاقبته حميدة، ~~وقالت: اعذرني يا خواجة نسيب على تطرفي بالحديث؛ فإنه ليس من شأني أن أتكلم عن أمر تركته ~~ورائي وبعد شهر أكون بعيدة عنه ألوفا من الأميال. # فنظر إليها الشاب بلهفة وكآبة حقيقيتين وقال: هل صحيح ما تقولين؟ وهل ذهابك إلى أمريكا ~~مقرر أم هو نتيجة الغيظ؟ ~~- إنه نتيجة الغيظ ومقرر أيضا. ~~- آه يا بديعة! أرجو أن لا تفعلي؛ لأنه إذا لم يكن فؤاد - لسوء حظه - قدرك، ففي هذا ~~العالم من يفعل ومن يحبك حبا لم يمنعه عن إظهاره لك قبل الآن غير الشرف؛ إذ لم يكن له حق ~~بذلك، وأنت مقيدة. فهل تحتقرين حبي يا عزيزتي ولا تضيعين حياتك سدى بذكر من خانك! إن ~~حياتك ثمينة، ومن الجهالة أن لا تنتشليها من وهدة الشقاء مع حياة أخرى لا تكوني شيئا ~~بدونها. # ومن العجب أن هذا الكلام لم يؤثر في قلب بديعة شيئا؛ لأنه كان قد مات عن كل عاطفة حب ~~نحو أحد بعد أن كلمها فؤاد لأول مرة، فأجابته عنه بكل هدوء قائلة: لا لزوم لأن تغتاب ~~ابن خالتك بالكلام يا سيدي. أما كلامك فهو صادق وشرف عظيم لي، ويا حبذا لو كنت قادرة على ~~مجاوبتك عليه بغير القول بأني مقيدة لا حرة. ~~- ولكن أليس من التشبث المضر أن تقولي عن ذاتك هذا القول بعد أن فعل معك فؤاد ووالدته ~~ما فعلا؟ إن هذا من الجنون! ~~- ربما حسبته أنت هكذا أما أنا فإني أحسبه «عقلا»؛ لأن موقفي موقف تحذر لا تهور الآن ~~إلى أن أتحقق الأمر من فؤاد نفسه. # لا أعلم كيف أجيبك على حديثك الذي يناقض بعضه بعضا، ألم تقولي الآن بأنك مسافرة إلى ~~أمريكا وسوف لا ترين فؤادا فيما بعد، أم أنك تنوين زيارته بالمدرسة؟ ~~- كلا، إن هذا لا يكون أبدا، وأما مشاهدته فقد تكون بعد رجوعي من أمريكا ms062 إذا حييت «وإن ~~غدا لناظره قريب». فعرف الشاب بأنها تكتم عنه حقيقة أفكارها، وأنها تهزل، وأراد زيادة ~~امتحانها فقال: لا غرو أن تبعث جولة جنسك؛ فإن المرأة يعميها الحب فلا تعود تنظر الحقيقة من ~~الوهم فيه، وتصم أذنيها عن نصيحة كل مخلص؛ لأنها تضم بما تحب ثقة عمياء، فلا تعود تصدق فيه ~~كلام أحد، ومن قال بأن «عين الحب عمياء» فهو صادق. # فاغتاظت بديعة من كلامه ونظرت إليه نظرة ملؤها التوبيخ قائلة: لا يحلو للرجل شيء مثل ~~التهكم على المرأة حتى في وسط كلامه الحبي لها، ولو كانت أقرب الناس إليه، فقد أصابنا بكم ~~أيها الرجال كما جاء في ذلك المثل من أنه إذا أكلت الفأرة الجبنة يقولون: أكلتها الفئران؛ ~~كأن النساء بعقل ومبدأ وطبع واحد، وما هكذا هم الرجال. وأنا مع أنني لا أنكر قولك عن ثقة ~~المرأة بمن تحب، فكواحدة من هذا الجنس أفتخر بهذا القول وأقسمه إلى ثلاثة أقسام: # القسم الأول: # هو أولئك النساء اللواتي إذا أحببن رجلا شريفا طاهرا يسلمنه قلوبهن ~~بكل عواطفها لحسن طويتهن، ويحسبن بأن الرجال لا يجهلون المثل ~~القائل: «كما تعطي أطلب.» ولذلك فلثقتهن بمبادلة الرجال فهن هذا الأمر لا ~~يصدقه فيهم قول قائل، وهذا نوع من ثقة المرأة. # والقسم الثاني: # هو أولئك النساء اللواتي تتخذن كل واسطة من التحذر والاختبار لاختيار من ~~يصادقن سواء كان رجلا أم امرأة، ومتى فعلن هذا عن اختيار وروية يعرفن ~~من يحببن أكثر من الغير، فيضحكن من قول ذلك الغير فيه لعلمهن بأن مصدر ~~القول إما فساد وإما جهل. # والقسم الثالث: # هو النساء اللواتي إذا سمعن قول أحد في من يحببن لا يكترثن له إلا بعد ~~تحققه، فإن كان صادقا لا يعلمن غير نفوسهن به خوف الشماتة، وإن كان ~~كاذبا نبذنه. ففي المظهر الأول تتجلى المرأة على سور البساطة الطبيعية ~~طاهرة القلب نقيته، ذات ثقة شريفة وإن خدعت أحيانا جزاء نقاوة قلبها. وفي ~~النوع الثاني تظهر بمظهر التعقل والرزانة والنشاط والاستقلال. وفي النوع ~~الثالث تتجلى المرأة بأجمل ms063 الفضائل، وهي المعرفة والأمانة والشجاعة، فتسمع ~~وشاية الوشاة، ومتى اختبرته فإن رأته صادقا عرفت كيف تتحذر بدون ~~أن تعلم أحدا، وإن وجدته كاذبا احتقرته وبقيت على حالها. وعلى ~~الحالين يجب حفظ عهد الصداقة؛ لأنه شريف في حالي الرضى والسخط. # فقال نسيب معجبا بقوة عارضة وشجاعة تلك الفتاة: ومن أي قسم أنت؟ ~~- من القسم الأخير بدون شك. إنني، وإن يكن كلامك كحراب من الاحتقار والتهكم تطعن قلبي، ~~فأنا أصفح عنه راضية مختارة؛ لأنه صوابي وطلي وحلو. # ولما وصل إلى هذا الحد صرخ الحوذي: الضبية، يا سيدي نسيب. # فقال له: «حاسب» إذن. والتفت إلى بديعة وقال: لا أتجرأ على سؤالك للنزول والاستراحة ~~قليلا. ولكنني أتجرأ على القول بأنه إذا تبين لك كل شيء واختبرت صدق كلامي، فهل أكون ~~سعيدا بالأمل بأنك ... بأنك تحبينني ... # فأجابته بديعة بهدوء: لكل مقام مقال يا خواجة نسيب، فأستودعك الله الآن. ثم جرت العربة ~~ببديعة التي جلست براحة وحدها، وتنهدت كأن عبئا ثقيلا قد أنزل عن قلبها، ولم تكترث ~~لكلام نسيب الحبي أبدا؛ لأنه لم يؤثر بها، وما لا يؤثر بالنفس لا يعيره الإنسان ~~التفاتا. ولكنها كانت تشعر بكره داخلي لذلك الشاب، وكانت صورته مرافقة لصورة فؤاد التي ~~كانت أمام نظرها دائما وهي لم تعرف للأمر سببا. # | الفصل العاشر # جرت تلك العربة تقطع الوديان والسهول، وبديعة جالسة فيها تتنازعها الأفكار، حتى إنها ~~لعظم همها نسيت ما هو ذلك الهم، ولم تعد تشعر إلا بثقل وطأته عليها. ولم تسمع - ~~لشدة استغراقها في الهم - خرير دواليب عربة أخرى كانت تتبع عربتها وفيها نسيب الذي لم يكن ~~نزوله إلى الضبية إلا مكرا؛ إذ لم يلبث أكثر من دقائق معدودة فيها. وركب عربة وتبع بديعة ~~وبقصده مراقبتها واللحاق بها إلى أي جهة كانت من العالم؛ ليسرد على سماعها حديث حبه الممقوت ~~منها، وليحول بينها وبين فؤاد. # كان ذلك الشاب يحب بديعة حبا مفرطا، حبا يجعل العاقل مجنونا، وهذا ما يغفر له ~~تثقيله عليها. ولكن ما هو العذر عن خيانته لخالته التي ربته ms064 طفلا وعلمته ولم تفرقه ~~بشيء عن ولدها. وتسبيبه العذابات لفؤاد الذي عرفه كأخ له؟ وأي شيء في العالم يغفر له ~~إساءاته نحو ذلك البيت الذي كان مأوى صالحا عاش فيه بسعادة ورغد؟ # وعرف الشاب أمر خيانته، لكنه قال: وأي بأس من هذا وعلى الإنسان واجب نحو نفسه وقلبه ويقوم ~~به ولو أضر بكثيرين غيره، حتى ولو أضر بالعالم أجمع؟ ولا غرو، فالأنانية موجودة عند كل ~~إنسان، وكل آدمي يحب نفسه قبل غيره. # ولكن الفرق هو في نوع المحبة وفي مطالبة تلك النفس ذاتها. فالشريف النفس يرى أنه بطلبه كل ~~شرف وفضل، وبفعله كل خير يحب نفسه ويقوم بواجبه نحوها؛ لأن حياته هي الشرف. وهذا يفعل نحو ~~غيره من الخير ويضحي لأجلهم من المصالح أكثر مما يفعل نحو نفسه ذاتها، ولكن النفس تسر ~~بهذا؛ لأنه مطلبها. وذاك يحب نفسه وتكون هذه «وحشية» كل مطالبها سرورها الخاص ولو بالوقوف ~~دون سرور الناس والإضرار بمصلحتهم. وهذا يحب نفسه ويطلب سرورها دائما ولو من وسط الشرور ~~وهضم حقوق الغير المقدسة. كلا الحبين حب ذاتي أو ما ندعوه أنانية، ولكن الفرق هو أن أحدهما ~~يحب نفسه، ولكن يحبها أن تكون شريفة. والآخر يحب نفسه ولا فرق عنده إن كانت شريرة أو صالحة، ~~بشرط أن تكون مسرورة. وهذان النوعان من الحب يمثلان لنا بأعمال بديعة التي ضحت سعادتها ~~لأجل غيرها، وبأعمال نسيب الذي ضحى شرفه لأجل سروره، والفرق بين الاثنين عظيم جدا. # لا يشعر الإنسان عادة بعاقبة عمله إلا بعد مضي مدة عليه. ويتضاعف هذا الشعور متى ~~اختلى بنفسه وتجسمت له صورة ذلك العمل بمنظرها الهائل. وهذا ما كان للسيدة مريم في اليوم ~~الثاني من طردها بديعة من بيتها. # فإنها بقيت في تلك الدار الكبيرة وحدها، وابتدأت الأفكار تقلبها على أحر من جمر ~~الغضا، فلم تدر كيف تعمل؛ لأنها لم تحب أن تزور أحدا ولا أن تزار من أحد في وسط ~~أحزانها، لئلا تكون معرضة للسؤال عن سبب همومها. ومجانبة الناس أحسن واسطة لاجتناب فضح ~~سر ms065 الإنسان متى شاء كتمانه. وفي أصل ذلك النهار نزلت إلى الحديقة لتسلي أفكارها بين زهورها ~~ورياضها. وفيما هي غارقة في أوقيانوس الافتكار بمصيبتها سمعت صوتا يناديها قائلا: مساء ~~الخير يا خالتي. # فنظرت إليه بعينين خائرتين من الأرق وصاحت: نسيب! لماذا تأخرت؟ فقد انتظرت رجوعك الليلة ~~البارحة. # أجاب الشاب: إنني كنت آيبا إلى البيت كما وعدت، فالتقيت ببديعة ذاهبة إلى القرية ~~الفلانية ... فتبعتها إلى هناك ثم رجعت معها إلى هذه المدينة. # فنظرت إليه خالته وقالت مضطربة: إلى هذه المدينة؟ ~~- نعم لأنها مزمعة على السفر مع رفيقة لها إلى أمريكا في الباخرة التي تترك الثغر ~~غدا مساء. ولكن هل علمت يا سيدتي بأنني سأسافر في ذات الباخرة معها؟ اصبري اصبري. دعيني ~~أتم الحديث، أجل إلى أمريكا حيث أقدر على مساعدتك هناك أكثر مما أقدر هنا. # فصرخت خالته فيه قائلة: كفى تعذيبا لخالتك المسكينة يا نسيب، فكلامك مهم ولا أفهم لذهابك ~~سببا، وهب أن الأمر كان كذلك، فهل تراني قادرة على احتمال كل هذه المصائب؟ إنك عندي مثل ~~ولدي فؤاد، وأنا لا أنسى وصية أمك المرحومة لي بك عند ساعة موتها. فهل تراني أسمح لك ~~بالبعاد عني؟ أمريكا؟ كلا. كلا. # قال الشاب: إن معنى سفر بديعة إلى أمريكا هو هلاك ابنك لا محالة؛ لأن الفتاة الماكرة تعرف ~~بأن فؤادا يحبها وأنه متى عرف بذهابها يتبعها لا محالة، وبهذا تكون سعادتها به مزدوجة ~~وظفرها عليك باهرا، فوالله إنني لا أسمح لها بهذا أبدا؛ لأني سوف أتبعها وأجعل لك سببا ~~للعذر لدى فؤاد لتحويل أفكاره عن اللحاق بها بقولك: إنني أنا أحببتها وسافرت معها ... # فمحت خالته المسكينة دموعها وهي تقول: يا حبيبي يا نسيب، ما أشرف عواطفك وأكثر مروءتك! ~~فأنت تريد أن تحتمل كل هذه المشاق وتقاسي هذه العذابات لأجل راحة خالتك التعيسة. # وكانت تتكلم وهي تشعر بسرور لبعد بديعة عنها، ولأن ابن أختها سوف «يفدي» ولدها وهذا أمر ~~طبيعي في الأمهات؛ يفرحن ولو تظاهرن بالغم متى رأين الغير يتحمل العذاب عن أولادهن. أما ~~نسيب ms066 فإنه سر بانطلاء حيلته الأولى وتأمل نجاح الثانية فقال بلطف: كل شيء ممكن تحت ~~السماء لا أجد عمله صعبا لأجل سعادتك وسعادة الحبيب فؤاد يا خالتي. # فقالت: «تقبر خالتك» ما أرق قلبك وأشرف نفسك! # ولكن يا نسيب، هل تظن أن حيلتك هذه تنجح؟ وأن فؤادا يعدل عن السفر وراءها متى ~~صدق؟ ~~- لا شك في ذلك؛ لأن فؤادا أبي النفس عزيزها، لا يلحق بفتاة يعتقد فيها الخيانة، ولكن ~~فلنفرض أنه يذهب، فما هو أفضل أن أكون أنا هناك أقيه أخطار الغربة والهوى من أن يكون ~~وحده؟ # فأثر هذا الكلام في قلب تلك السيدة المتعظمة، وللحال وقعت إلى الأرض تبكي بكاء شديدا؛ ~~ذلك لما تصورت المستقبل بتعاسته ورأت فيه ولدها الحبيب الوحيد راجعا من المدرسة يعاتبها ~~على خيانتها ويطالبها بوعودها، وهو يريد أن يلحق ببديعة وهي عاجزة عن ردعه؛ لأن سلاحها صدئ ~~ولا قدرة لها على محاربة مقاصده بالحق. ثم تصورت بديعة واقفة وهي كالزنبقة الذابلة تقول ~~لها: انظري الفرق بين عملك معي وعملي معك الذي أطلب من الله ألا يجازيك عنه. ثم نظرت على ~~قدميها قلبين قد مزقهما النوى بسببها؛ لأنها هي علمتهما الانضمام بالمحبة، ثم ~~أجبرتهما على الافتراق فأماتتهما بعملها هذا البربري. وآخر ما كان من تصوراتها وداعها ~~لابنها وهو مسافر لبلاد غريبة تبعد عنها ألوف الأميال لأجل فتاة خادمة حقيرة. فودت لو ~~أنها قادرة على رتق ذلك الخرق، ولكن كيف يتم هذا وهي لا تريد أن تكون كاذبة وذليلة ولو خسرت ~~ابنها وكل مقتناها. # ولو نظرها الآن صاحبنا ذلك الشاب الذي كان معجبا بآدابها ويراقبها ليلة الوليمة، لقال: ~~يا للعجب! هل هذه هي تلك السيدة؟ هل هذه تلك المرأة التي كانت تحافظ أتم المحافظة على آداب ~~السلوك وقواعد التهذيب؟ فإن كان هذه هي فكيف توفق بين أعمالها الماضية والحاضرة؟ هل أن من ~~كانت مثال الأدب والشرف أصبحت إناء الشر والكبرياء؟ فما هو السبب يا ترى؟ أهو لأن حبها ~~لولدها الوحيد هون عليها خنق صوت الضمير الحي؟ أو أن تلك ms067 الآداب والأخلاق لم تكن ~~طبيعية بل كانت تأتيها بدون أن تعرف لها معنى كالببغاء، تعتبرها واجبا يتم في العموميات ~~وينبذ في الخصوصيات؟ أو أن عواطف النفس ونقاوتها وأعمالها لا علاقة لها قط ببعض عادات ~~اصطلاحية مكتسبة لا غريزية ومدفوعا إليها لا مرغوبا فيها؟ # وبعد أن همرت دموعا كثيرة غسلت بها قليلا من همها؛ إذ لا شيء يفرج القلب من الهم ~~كالدموع التي كأنها هي ذلك الهم ذاته، يعصر فيصير ماء وتقذفه العينان من القلب، قامت ~~كاللبؤة وجلست بجانب ابن أختها تصغي إلى تعزيته. وبعد أن مسحت دموعها قالت: لقد نفذ ~~المقدور، فليس علي غير الصبر والتدرع بدرع القوة لأنهي أعمالي بشجاعة. وأما أنت فإنك ~~تحتاج إلى مال يعينك في السفر والغربة، فتعال معي إلى غرفتي فأعطيك ما هو متيسر الآن وإذا ~~احتجت إلى أكثر فاكتب إلي. # وبعد ساعات كان نسيب مكبا على عنق خالته يقبلها بحرارة كأن الدافع عليها سروره ~~بالمال، وهو الأربعمائة وثمانون ليرة التي رفضتها بديعة. وكانت خالته تقبله بشوق وحب ~~وتشكر له مساعدته لها كأنه أتى نحوها خدمة عظيمة. # فلنذهب بالقارئ إلى ظهر باخرة من بواخر مساجري ماريتيم، حيث كانت بديعة ولوسيا واقفتين مع ~~جمهور من الركاب تودعان بيروت على ظهر أول شيء من «عجائب أمريكا». ولما توارت المدينة عن ~~النظر وأسدل الليل برقعه الكثيف من الظلام، رجع كل إلى مكانه، ولحظت لوسيا ما رابها من ~~أمر رفيقتها بديعة التي كانت مضطربة مصفرة الوجه تتكلم بدون فكر. ولما كانت تجهل كل ~~شيء من أمرها، ظنت أن هذا مسبب من دوار البحر. ولم تدر لوسيا بأن دوار بديعة كان ~~اضطرابا فكريا لا جسديا، سببه تركها تلك المدينة المحبوبة «جوليت» وليس وجودها على ~~تلك الباخرة. # وباتت الفتاتان تلك الليلة على طرفي نقيض من الأفكار؛ لوسيا تحلم مسرورة بأنها تركت بيت ~~أبيها وتركت الفقر والتعب وراءها فيه، وتخلصت من مرأى وجه خالتها العبوس وحديثها ~~الخشن. # وبديعة تحارب أفكارها وترى بأن كل أمل لها في السعادة قد غاب عنها منذ غابت ms068 بيروت، وهي ~~أرقة لا تقدر على النوم بعد أن دفنت كل مطامعها بالسعادة في تلك المدينة السورية ~~العظيمة. # وكان الليل قد حجب عن نظر بديعة الناقد كل مناظر المكان الذي كانت فيه، فلما أفاقت ~~صباحا ذهلت مما رأته حولها من أشكال الناس المختلفي اللغة والجنس ولكن أكثرهم من ~~بني وطنها. ثيابهم رثة بالية، ومضاجعهم قذرة، والمكان الذي ينامون فيه محاط بالأوساخ ~~التي تنبعث منها رائحة كريهة لا تحتمل، وتجلب الأمراض من جهة ودوار البحر من أخرى، وتورثهم ~~أمراضا تزيد تعاستهم تعاسة، ولا يعودون قادرين على تنشق الهواء النقي والخروج من تلك ~~الجهنم الأرضية. ونظرت بديعة فرأت لوسيا تتأمل في تلك المناظر المؤلمة، فسألتها قائلة: ~~ما بالك يا لوسيا حزينة؟ # قالت لوسيا: آه يا بديعة إذا كان السوريون يتعذبون في أمريكا ويعيشون كهذه المعيشة ~~بسفرهم؛ فإنني لا أكون كسبت شيئا، وأكون انتقلت من «المقلى إلى النار»، بل أفضل البقاء في ~~وطني على هذه الحالة من أن أكون فيها في بلاد الغربة. ~~- إنها حالة مضنكة يا عزيزتي، ولكن ما هو ذنب أمريكا يا ترى؟ أليس الذنب كله علينا نحن ~~السوريين؛ لأننا نمشي كالنمل على طريق واحدة؟ انظري بين هؤلاء المسافرين يا لوسيا تري ~~ثلثهم قد هاجر إلى أمريكا من قبل، وأتى بمال كثير فذهب إلى الوطن واشترى ببعضه أرزاقا ~~وبنى بالبعض الآخر بيوتا للسكن جميلة، وأدان قسما بالفائض وهو راجع اليوم إلى أمريكا، إما ~~مع عائلته وإما وحده طمعا بالزيادة من الربح. والثلث الثاني هو من الناس الذين يسمونهم ~~«مستورين» في وطننا، وغيره من إخوانهم سافروا لأمريكا طمعا بالربح الكثير أيضا. والثلث ~~الباقي هو من أولئك الفقراء مثلنا الذين ليس لهم إلا مال قليل يكاد يكفي للقيام بأودهم ~~ولنفقات سفرهم إلى أمريكا، ومنهم من ليس لهم كفاية لهذا الأمر. فالثلث الأول من هؤلاء مجرم ~~يا لوسيا؛ لأنه قد هاجر وعرف ما هي المعيشة، ومعه مال كثير، وترينه لا يزال على مثل ~~ما كان من الجهل، يسافر هذه المرة إلى أمريكا على «ظهر ms069 البابور» كما سافر في المرة الأولى ~~عندما كان فقيرا، وهو الآن قادر على اجتناب كل هذه القذارة والأمراض ببذل القليل من المال ~~زيادة. والثلث الثاني مجرم في الدرجة الثانية؛ لأنه قادر على الاستراحة ولا يستريح، ولكنه ~~يعذر أكثر من الثلث الأول الذي هو مجرم في الدرجة الأولى؛ لأنه أكثر اختبارا ومعرفة. وأما ~~الثلث الأخير فهو معذور ويستحق الرحمة لأنه يمد رجليه على قدر بساطه. # ومن هنا يتضح لك بأن ليس لأمريكا يد «ببهدلتنا»؛ بل نحن نسعى بضرر نفسنا بنفسنا. # ولم تنته بديعة من كلامها حتى أمسكت لوسيا بذراعها وقالت: انظري انظري، فهل هذا ذنبنا ~~أيضا؟ # فالتفتت بديعة، وإذا بأحد النوتية يهين رجلا سوريا بالكلام، والسوري ساكت لا يبدي ~~حراكا. فتأسفت بديعة لهذا الأمر وقالت: إن هذا الرجل يهان إما لأنه سبب الإهانة لنفسه، ~~وإما لأن غيره سببها له بأعماله المغايرة حتى صار الجميع عند الإفرنج سواء. وفيما هما ~~بالكلام حانت من بديعة التفاتة، فرأت نوتيا آخر وهو مار بجانب إحدى الفتيات ضربها بيده ~~على خدها ضربة لطيفة تدل على المداعبة، فضحكت الفتاة ومر النوتي ضاحكا أيضا. وعند هذا ~~المنظر تحركت عوامل الشرف في قلب بديعة وتمزق فؤادها الطاهر لهذا الأمر، ولشدة غيرتها ~~على شرف جنسها لم تقف لتفتكر فيما إذا كان تداخلها بالأمر واجبا أم لا. وللحال قامت من ~~مكانها وذهبت توا إلى تلك الفتاة التي كانت لا تزال واقفة مكانها. وكانت بديعة تشعر بأن ~~الرجل لئيم، وقد أهان فتاة من جنسها. وبأن تلك الإهانة موجهة إليها نفسها؛ لأن المرأة ~~الشريفة متى أهينت امرأة غيرها تتحمس لمعرفتها بأن الإهانة لحقت بكل امرأة على السواء ~~وليس بامرأة واحدة فقط. # وكانت الفتاة قد عرفت الغرض من قدومها إليها فقالت: اعذريني يا أختي؛ فإنني لم أتجرأ ~~على ردع هذا النوتي؛ لأنني أخافه، فاستري ما رأيت مني. # فقالت بديعة: إن السترة واجبة علي، وأنا لا أنكر لؤم ووقاحة كل رجل خال من الشهامة، ~~ولكن كان يجب عليك يا أختي أن تقابلي تلك القوة الشريرة ms070 بالمقاومة؛ لأن ما لا يأتي باللطف ~~يأتي بالعنف. # فقالت: وأنى لي ذلك وأنا امرأة ضعيفة، وهو رجل قوي، وقد التقيت به بهذا المكان المنفرد ~~ولا قدرة لي على ردعه؟! # فأجابتها بديعة: إن الموت عند فتاة عذراء طاهرة نظيرك خير لها ألف مرة من أطماع رجل لئيم ~~ساقط فيها واحتقاره لشرفها، فلو كنت أنا مكانك لكنت تناولت حذاء وضربت به ذلك الرجل ~~وشتمته على مسمع من الناس حتى يعرف بأن للنساء قوة للمحاماة عن شرفهن، وحتى يرتدع عن ~~معاملتك ومعاملة فتاة غيرك بمثل هذا فيما بعد. # فقالت تلك الفتاة المسكينة وهي تبكي تأثرا وخجلا: شكرا لك على نصيحتك يا أختي، ~~وسأعمل بنصيحتك فيما بعد. # ولما رجعت بديعة مسرورة من قبول الفتاة لنصيحتها، قالت لها لوسيا: وهل هذا سببه ضعفنا كما ~~قلت أو وقاحة هؤلاء النوتية القليلي الشرف. # قالت: إن هذا سببه ضعفنا وجهلنا وحبنا للمال الذي نطلبه بإغضاء الطرف عن أي الطرق ~~يأتي منها. فإني سمعت بأذني والدة تقول لابنتها نهار أمس: «لا بأس إذا كلمك ذلك البحري ~~وضحك معك؛ فإن مالنا قليل ونحن نحتاج إلى طعام.» وهكذا يا أختي يقول بعض الرجال لنسائهم ~~كلاما يحرق شفتي لفظه، ولكنني مضطرة إلى قوله لأبين لك إلى أي درجة يصل الطمع ~~بصاحبه ... آه يا أختي، إن بعض الناس يحسبون أن كل القصد من المهاجرة هو الكسب والكسب وحده، ~~وبأي طريقة أتى لا يهمهم فيبتدئون بالتساهل وعدم الاكتراث من «ظهر الوابور»، فما بعد إنما ~~نشكر الله أن هذا البعض قليل جدا ولكن ضرره كثير؛ لأنه يحقرنا في عيون الأجانب، ولأنه ~~يكون مثلا قبيحا للمغفلين والجهلاء منا من نساء ورجال، ولأنه يجعل من يجهل أحوال ~~المهاجرة أن يسبها ويذمها وهو لا يعرف عنها سوى أعمال هذا البعض. كما أنه يدعو الناس الذين ~~نخالطهم إلى ذمنا وسبنا متى رأوا هذه الأعمال من بعضنا ولم يروا سواها. وكل ~~قبح منته إليه ... إنني لا أعرف بعد شيئا عن أحوال أمريكا، ولكنني سمعت عنها كثيرا من ~~بني وطني بأنها ms071 معدن الشرور ومعمل الرذائل وقلة الأدب. ولكنني لا أصدق هذا وأقول بأن نفس كل ~~إنسان معمل أخلاقه. # | الفصل الحادي عشر # ابتداء مهمة بديعة التي وقفت حياتها لأجلها وهي عمل الخير # واستفاقت بديعة من نومها في ثاني يوم قبل لوسيا، فلم تشأ أن توقظها فتركتها نائمة، ~~وصعدت إلى «ظهر الباخرة» وجلست هناك تنظر إلى ذلك البحر الواسع وصفائه ورونقه، وتود لو ~~كان بحر أفكارها هادئا مثله إذ ذاك. # وفيما هي تنظر إليه، وتتذكر قصتها من الأول إلى الآخر، وتحسبها لغرابتها بأنها حلم لا ~~يقظة، وفيما هي هكذا طرق أذنها صوت وقع أقدام بعيدة عنها، فنظرت لترى من ذا الذي يمشي، وإذا ~~بفتاة تمشي الهويناء على ظهر تلك الباخرة، وهي تنظر يمينا وشمالا لترى إذا كانت منظورة، ~~ولحسن حظها لم تر بديعة وهي جالسة تراقبها. ولما وصلت إلى طرف الباخرة تناولت من صدرها ~~شيئا يشبه الصورة وتأملت فيه مليا وهي تذرف الدموع الغزيرة، ثم أرجعته لمكانه فوق قلبها ~~ورسمت على وجهها إشارة الصليب، وصلت ودموعها تنهمل من عينيها بغزارة. وكانت بديعة لحظت من ~~الفتاة بأنها تنوي إتيان أمر ما فلبثت تلاحظها إلى حين انتهائها من صلاتها، وإذ ذاك قامت من ~~مكانها وأسرعت نحوها وأمسكتها بذراعيها وأرجعتها إلى الوراء؛ ذلك لأن الفتاة رامت أن تلقي ~~بنفسها في البحر. # وكانت لما اقتربت منها قد سمعتها تقول: ما أرهب الموت، وما أمر الحياة! إنني قبل أن ~~أقدمت عليه ظننته من أسهل الأمور التي يأتيها الإنسان تخلصا من عذابات الأرض. ولكنني لما ~~عزمت عليه حقيقة وجدته من أصعب تلك الأمور، فكيف أعمل؟ فهل أرجع للبيت لأراه سعيدا معها ~~وأنا أتقلى على مقالي الغيرة؟ أو أسافر إلى أمريكا ولا مال معي يوصلني؟ أو أموت غير مأسوف ~~علي ولا معروف أين هو قبري؟ نعم، نعم، أموت لأن الموت ختم من ذهب على العذابات الأرضية. ~~فارحمني يا إلهي يا من سددت بوجهي كل منافذ السعادة في الحياة ولم تفتح سوى باب الأبدية، ~~ارحمني على هذا الموت الذي يقولون بأن ms072 من يموته يخسر الدنييين معا، ارحمني وساعدني واغفر ~~لمن كان سبب موتي، وهب والدي التعيسين سلوى بعد موتي. # ولما انتهت من هذا الكلام وهمت بإلقاء نفسها لم تقدر؛ لأن يدا بديعة القويتين ~~أرجعتاها إلى الوراء كما تقدم، وصوتها العذب ناداها قائلا: كلا، إنك لا تموتين هذه الميتة ~~التي هي ميتة المجانين، ومن تكلم كلامك لا يكون مجنونا. # فأجفلت تلك الفتاة من كلام بديعة أكثر مما أجفلت من إرجاعها إياها عن عزمها، وللحال ~~وقعت إلى الأرض هي وبديعة التي لم تتركها مغمى عليها. ولما استفاقت وجدت رأسها المملوء ~~هموما على ركبة بديعة، وعينا هذه تنظران إليها وملؤهما الدموع. فنظرت إلى ذلك البحر الهادئ ~~الواسع أمامها، وتبين لها ما كانت مزمعة أن تفعل. ثم حولت نظرها منه إلى وجه ~~بديعة الجميل الذي حال بينها وبين السكن في قعره العميق. # وكانت الفتاة ذكية، فقرأت حالا على وجه بديعة سور الرحمة والمحبة والحنو، وعرفت كم هو ~~مفيد للإنسانية التعيسة ذلك النور الباهر الذي كان ينبثق من عيني بديعة. ومن الغرابة ~~بمكان أن وجه الناظرة كان ما يسمونه «بسيطا»، بينما وجه المنظورة كان جميلا فتانا ~~يستخرج الغيرة من قلب كل امرأة، إلا قلب تلك الفتاة التي شعرت من تلك الساعة بحب خفي ~~وامتنان زائد لذلك الوجه الذي نجاها من الغرق، وهل ليست محبة هذه الفتاة لتلك من العجائب، ~~وبينهما حاجز عظيم هو كل ما ترنو إليه المرأة وهو الجمال؟ نعم، ولكن هناك سرا خفيا لا ~~يتبينه إلا كل ناقد، وهو مساواة تينك الفتاتين بجمال النفس، وإن اختلفتا بجمال الجسد. فبعين ~~الجمال من النفسين نظرت جميلة بديعة فأحبتها؛ لأن نفسها جميلة مثلها، ولم تكترث لجمال وجهها ~~لأن من يعتبر الجوهر يحتقر العرض. # تحدثت نفسا الفتاتين وقلباهما قبل تبادل لسانيهما الكلام، وبعد برهة من التأمل قالت ~~الفتاة جميلة لبديعة: إنني أشكرك على معروفك يا أختي، ولكن قد كان هذا المعروف مضاعفا لو ~~تركتني أموت؛ لأن الموت خير من الحياة عندي. # فأجابتها بديعة بصوت حنون، وهي تمر يدها ms073 على رأس الفتاة الذي كان لم يزل على ~~ركبتها: ولماذا كل اليأس يا صديقتي؟ ~~- إن لذلك سببا يا عزيزتي لو عرفته لما لمت من تروم إبدال الراحة بالعذاب. # فعرفت بديعة ذكاء الفتاة، وأنها لم تقدم على الموت انتحارا إلا بعد أن قطعت كل رجاء من ~~الحياة السعيدة. وقالت: ما عسى أن يكون أمرها غير أنها مصابة بداء كدائي؛ إذ ما هو الذي ~~يعكر صفاء راحة فتاة بهذا العمر غير الحب، وهو أول صعوبة تمر عليها في الحياة وأعظم صعوبة. ~~إن الداء متشابه ولكن الدواء مختلف. ثم نظرت إليها وقالت بحنو: لو كنت أعرف بأن ~~انتحارك تعقبه راحة لا عذاب مزدوج، لكنت تركتك تتصرفين بنفسك كيف تشائين. ولكن كما أنني لا ~~أجهل مرارة الهموم، فأنا لا أجهل بأن نفسنا ليست لنا وقتلنا إياها يعني الهلاكين في ~~الدنيا والآخرة. ~~- قد كنت أعلم كل هذا لما كنت بهناء من العيش، ولكن لما تواترت علي المصائب لم ~~أفتكر إلا بإغماض العين عنها في هذه الدنيا ولم أكترث لما يحل بي بتلك. ~~- مهما يكن مصابك عظيما ففي الدنيا مثله وأعظم منه، وأنا لا أشك الآن في ~~عظمته؛ لأنني عرفت مقدار ما أنت عليه من الذكاء والفضل من حديثك، فعرفت بأن: # أفاضل الناس أغراض لدى الزمن # يخلو من الهم أخلاهم من الفطن # ومن اعتقادي أن الله بعدل يخص فضلاء الناس بكثير من المصائب؛ وذلك ليكونوا قدوة ~~لسواهم من الناس. وقد قيل بأن الإنسان «خلق ليكون تعيسا إن كان عاقلا، وسعيدا إن كان ~~جاهلا.» والسر بهذا أن الإنسان كلما كثر شعوره كثرت مطالبه، وكلما كثرت مطالبه ~~وعظمت مقاصده كثر همه. # ولكن العقل الذي هو سلاح الإنسان يجب أن يحارب الهموم مع النفس، وليس النفس مع الهموم. ~~ومن جنى على نفسه وهو جاهل يعذره الناس، أما العاقل فلا عذر له لمعرفة ماهية الأمور. ~~ومن العار أن تحاربي نفسك أنت بسلاح الجبناء الذي هو الانتحار. ~~- ولكن لو حكيت لك قصتي لعذرتني. # فلم تسألها بديعة أن تحكي لها قصتها؛ تأدبا ms074 وإبعادا لها عن الافتكار بما يؤلمها. أما ~~الفتاة فقد لحظت منها هذا، وقالت: اسمعي قصتي واحكمي علي: إنني فتاة وحيدة والدي، ولما ~~كنت في الثانية عشرة من عمري خطبني شاب من أسرتنا لئلا يذهب الميراث للخارج، فبعد خروجي ~~من المدرسة أحببت الشاب حبا أقل ما يقال فيه إنه صادق، ومن مدة وجيزة أعلن وقت زفافنا ~~وأخذت أنا بالاستعداد، وفي وسط هذا الاستعداد وجد الشاب من هي أجمل مني وجها فأحبها، ~~واقترن بها ولم يكتف بما فعل كأن حبي له كان ذنبا عظيما يستحق قصاصا أكبر من هذا، فصار ~~يجعل لي سبيلا للغيرة بأعماله وأقواله، حتى كاد يمزق قلبي وأنا لم أتكلم كلمة. ولما عيل ~~صبري وازداد هو تماديا بعذابي تركت أبي وأمي الشيخين وجئت لبيروت، ومنها سافرت على ظهر ~~هذه الباخرة لأرمي بنفسي في البحر حيث يبقى أمر انتحاري مكتوما عن كل إنسان، فأتيت أنت ~~وخلصتني. # وكانت بديعة تسمع حديث الفتاة وتبكي لبكائها، فلما انتهت منه قالت لها: اسمحي لي يا أختي ~~أن أقول لك بأنك ضعيفة للغاية. ~~- وهل تكون قوية من تكون في مركزي؟ ~~- نعم وألف نعم، متى انتصبت أمامها ثلاثة واجبات: أولها واجبها نحو نفسها بأن ~~تخلصها لا تهلكها، وواجبها نحو والديها بأن لا تنغص حياتهما، وواجبها نحو بنات ~~جنسها بأن لا تكون لهن مثلا قبيحا. ~~- إن واجب الحب يفوق على كل ما ذكرت، وكأني بك لم تعانيه ولم يطعنك رجل بحربة الخيانة ~~لتعرفي ما في. # فقالت بديعة: آه لو عرفت! ثم قالت بلطف وحماسة معا: إنني امرأة مثلك يا أختي، ~~وغيرتي على بنات جنسي تدفعني للقول بأن المرأة التي تشقى حيث بوسعها أن تسعد، وتضر ~~بنفسها وهي تقدر على نفعها لأجل رجل خائن، تكون ضعيفة جبانة وعارا على الجنس. # فتحركت لكلامها آلام الفتاة، وقالت: وبخيني ما شئت فأنا ممنونة، ولكن لا تقولي إن ~~المرأة متى أحبت رجلا حبا حقيقيا تعود قادرة على نزع ذلك الحب من قلبها، ولو عرفت ~~بأنه أكبر الخونة الأشقياء؛ فإن التحذر يكون قبل ms075 دخول الحب قلب المرأة وليس بعده. # فتأثرت بديعة لشرف عواطفها وقالت: إن هذا من الشرف، ولكن المرأة تحب من الرجل ما يكون ~~بنفسها، فإن كانت شريفة تحب الرجل لشرفه، ولكن متى تبين لها خلاف هذا يجب أن تساعد على ~~زوال هذا الحب من قلبها بالصبر وليس بالانتحار، وقد ذكرت لك ثلاثة واجبات تربط المرأة بحبل ~~الصبر، وها أنا أذكر لك ما هو أعظم من جميعها - وهو الواجب الحقيقي - واجب الدين الذي يحرم ~~علينا الانتحار لئلا نهلك نفوسنا. # أفلأجل رجل كالذي ذكرته تدوسين كل هذه الواجبات بقدمك وتذهبين ضحية جنونك، وهو باق ~~يتنعم بالحياة ويضحك منك؟ يا لها من فظاعة عظيمة وعار لا يمحى! # ولما سمعت الفتاة كلام بديعة الأخير أطرقت في الأرض برهة وقالت: قد صارت تحلو لي المعيشة ~~في الأرض بعد أن رأيت فتاة مخلصة مثلك فيها؛ فإن كلامك وإن يكن جارحا لأنه حق، فهو بلسم ~~لجروح قلبي المضنى. فأنا أحببتك يا أختي حبا مخلصا قبل أن أعرف اسمك الذي سيكون ~~جميلا كوجهك أو قلبك. # وبعد أن تعارفت الفتاتان وصرحت كل واحدة للأخرى باسمها، قالت بديعة لجميلة: رأيتك ~~تتأملين بشيء قبل أن هممت بإغراق نفسك ... # قالت: نعم، إنه رسم «ل»، ثم مدت يدها إلى صدرها وتناولت الرسم منه وناولته لبديعة. وفيما ~~هي تتأمل فيه قاطعتها جميلة الكلام قائلة: إنك ستعرفين سبب تركه لي وحبه لتلك الفتاة ~~الجميلة بدون شك. ولكن عذري هو أنني قسته على نفسي إذ وثقت بعقله وأنه يفضل جمال النفس على ~~جمال الجسد، ولكن بعدما وقع كل شيء تحققت فساد ظني، وعلمت بأنه لا شيء كالمساواة كفيلا ~~للسعادة إلا ما ندر، والنوادر لا يقاس عليها. # فازداد إعجاب بديعة برفيقتها، وكيف أنها نطقت بجنانها بهذه الكلمات: «حيث لا مساواة لا ~~حب على الأغلب.» وكان جواب بديعة على هذا الكلام أن قبلت الفتاة بحرارة زائدة، وقالت ~~لها: هل لك أن تضعي ثقتك بي وتتخذيني لك أختا في الحياة لأكون لك مساعدة على مداناة ~~الحياة السعيدة! # فقالت جميلة: كيف ms076 لا يكون هذا وقلبي قد تعلق بحبك، وأنا شديدة الوثوق بأنك سوف لا ~~تخونينني لأن الجمال لا يهمك ... قالت هذا وابتسمت لأول مرة ربما من حين مفارقتها ~~بيتها. # فسرت بديعة بابتسامتها التي جاءت دليلا على بعض السرور، وقالت وهي تبتسم أيضا: إن ~~الجمال هو أحد أركان السعادة، ولا غنى عنه في الصداقة بين النساء والرجال، وأنت بنظري ~~حاصلة على أكمله؛ لأنني أنظر إليك بعين النفس وليس بعين الجسد كما نظر إليك ذلك ~~الجاهل. # قالت جميلة: إنني بعد أن سمعت كلامك انفتح أمامي باب كان مقفلا من قبل، وهو باب ~~معرفة واجبي نحو والدي على الأخص؛ لأن موتي على هذه الصورة كان يعني موتهما أيضا. ولما ~~ذكرت الفتاة والديها أجهشت في البكاء، فساعدتها بديعة التي ذكرت بأنه كان لها والدان ~~أيضا وقد كانا يحبانها. # وبعد أن غسلتا بعض الهموم بدموعهما الطاهرة تخابرتا بشأن السفر، فقر رأي جميلة على ~~أن تذهب إلى أمريكا برفقة بديعة، وتخبر والديها بالأمر من مرسيليا، وأنها متى راقت الأحوال ~~نوعا ترجع إليهما. # وقالت بديعة لرفيقتها بأن لها رفيقة أخرى يجب أن تذهبا إليها. فقالت جميلة: وهل من الواجب ~~أن نخبرها بالقصة؟ # قالت بديعة: كلا. لأنه قد قيل: # إذا ضاق صدر المرء عن كتم سره # فصدر الذي يستودع السر أضيق # وهذا الشعر وإن كان لا ينطبق على الجميع فهو صوابي؛ لأن في العالم خمسة أشخاص ~~يؤتمنون على السر، وهم الوالدان والزوج العاقل المخلص والأخ والصديق الودود بعد امتحانه، ~~وما عدا هؤلاء فالسر يكون معهم بين الشك واليقين. # ولما نزلتا إلى حيث كانت لوسيا، نظرت إليهما هذه شزرا وقالت لبديعة بغضب: ما هذا الإبطاء ~~وأين كنت؟ فقالت بديعة بلطف: اعذريني يا عزيزتي؛ لأنه أتيح لي التعرف برفيقة جديدة ~~ستكون لنا ثالثة، وخير الرفيقات الثلاث. ثم عرفتها بجميلة فلم تكترث لها لوسيا كثيرا، ~~وكلمتها ببرودة كلية، ولا غرو فإن القلب أكبر دليل؛ لأن جميلة لما نظرت بوجهها عرفت ~~الفرق بين النساء. # واستأنفت بديعة رحلتها العقلية، ولكن بتغيير قليل؛ لأنها بعد ms077 أن عرفت مصيبة جميلة صغرت ~~مصيبتها قليلا في عينيها، ولا شيء يخفف المصاب إلا المصاب على حد ما قيل: # ولكل شيء آفة من جنسه # حتى الحديد سطا عليه المبرد # ومن جهة أخرى كان وداد وذكاء جميلة أكبر مساعدين على تسليتها، كما أن إخلاصها وحبها ~~لجميلة كانا يهدئان روع تلك الفتاة وينسيانها شيئا من مصائبها وأحزانها. ولنتركهما ~~الآن ينمو حبهما بانحلال الأيام وعين لوسيا تنظر إليهما بغيرة كلية. # راجعين إلى نسيب، فإنه لما صعد إلى الباخرة وذهب إلى الدرجة الأولى فأضيف إلى ركابها نظر ~~بديعة ولوسيا معها فتحقق ما عند الفتاة الأخيرة من الجمل الرائع، وقال: إن هذا من حسن الحظ، ~~فإذا يئست من إقناع بديعة فيمكنني اجتذاب هذه الفتاة نحوي؛ لأنه يظهر من حركاتها ونظراتها ~~بأن بين بديعة وبينها بونا شاسعا من الرزانة والتعقل، بل أكثر من ذلك؛ لأن دلائل ~~الافتخار بالجمال تظهر على وجهها، ومن كانت كهذه يقدر الرجل على اجتذابها بأسهل طريقة، ~~ولميلها إلى التدليس والإطراء، اللذين وإن يكونا آفة بعض الفتيات الخفيفات، فهما سلاح بعض ~~الرجال لمحاربة أولئك النساء اللواتي لم يختبرن بعد العالم. # على هذا الفكر وعلى فكر آخر هو أن لا يظهر ذاته لبديعة في البحر، سافر نسيب مع الفتيات ~~ولم يشعرن به. # ولما وصلت الفتيات إلى مدينة نيويورك العظمى لم يجدن أقل اعتراض على الدخول؛ لأنهن كن ~~صحيحات الأجسام جميلات الصورة مرتبات الملابس مهذبات، وعيونهن سالمة من المرض الذي هو ~~سبب إرجاع أكثر المهاجرين، وأحيانا يكون موجودا حقيقة وأحيانا لا يكون له أصل، بل ~~يتخذونه واسطة لمنع دخول السوريين الذي لا حاجة لأمريكا إليهم؛ لأنهم قوم لا ينفعون البلاد ~~بشيء كما قال مرة أحد المتوظفين بإدارة المهاجرة لأحد الأفاضل من السوريين. وهذا المرض ~~يسمونه «التراخوما»، ويقول الأطباء بأنه مسبب عن وجود الرمال الناعمة بوطننا، وبعضهم يقول ~~بأن من أسبابه «إهمال النظافة». وعلى كل حال فمن كان به علة جسدية خطرة لا يدخل، وخصوصا ~~متى كان مصابا بعينيه. # | الفصل الثاني عشر # في مدينة سنسيناتي - من ms078 أمهات مدن هذه البلاد - محل فيه من جميع الأقمشة والقواطع وكل ما ~~يتجر به السوري المهاجر من البضائع والسلع، جلس شاب عند الساعة العاشرة صباحا على إحدى ~~الطاولات الموضوعة بذلك المحل لعرض البضائع، واتكأ على رزمة من طقومة الرجال الموضوعة ~~إلى جانبه، ورمى من يده جريدة عربية كان قد أتم قراءتها، ثم رفع نظره إلى سقف المحل وغاب في ~~فضاء الأفكار؛ لأنه كان وحده، وكان المتعاطون معه من النساء والرجال قد ذهبوا ولا يرجعون ~~إلا عند المساء. # وكان يظهر من عبوس ذلك الشاب بأن أفكاره تستدعي الاهتمام، وهي كانت هكذا صحيحة؛ لأنه كان ~~قد مضى عليه العشر سنوات متغربا، وهو الآن في الخامسة والثلاثين من عمره، ولم يزل ~~أعزب، ولماذا؟ ألأنه كان يعتقد كما يعتقد بعض الشبان العصريين بأن الزواج يخرب البيوت ويهدم ~~أساس السعادة، وأنه مهما بلغ الأعزب من الشقاء لا يبلغ مبلغ المتزوج الذي يشقى ~~بامرأته؟ # كلا! إن هذا لم يكن ظنه؛ لأنه كان لا يحسب على الأرض سعادة أتم وأكمل من السعادة ~~الزوجية. وكان يعتقد بأن العائلة أشرف شيء على الأرض، وأنها أكمل وأفضل وأجمل ما يوجد في ~~الجنس البشري، وأنها إرادة الله الأولى على الأرض؛ إذ إنه جل جلاله لم يرض بأن يعيش ~~جدنا آدم وحده، فخلق له امرأة وإنها أقدم وأعظم المدارس المعروفة للإنسان. بل هي تلك ~~الكلية الكبرى التي تكون علمته القراءة فيها ركبة الأم وجعلت كتاب دروسه عينيها. # وكيف يكره شاب مهذب عالم فاضل كذلك الشاب، الذي عرفه القارئ جالسا في محله وهو يفتكر بأن ~~البيت هو أحلى الأمور، وبأنه لا يكون قط حلوا بلا ربة هي ملكته، ورعية صغيرة فيه ~~هي الأولاد. كان يعرف بأن البيت مهد أعظم الفضائل، وهو مكتشف الحب، وأساس الكنيسة. وهو ممثل ~~لبيت أبينا السماوي على الأرض. وأن حب الوالدة الذي لا يعرف إلا به هو السلك الوحيد الذي ~~يصل قلب الأولاد بالفضيلة والشرف وحسن الذكرى، بل هو الشيء العذب الحلو الذي يتسلسل معنا ~~وينمو بقلوبنا بنمو الأيام ms079 ، وهو الذي يجعل الوطنيين ويولد الشرف ويقوي على الفضيلة ~~إذا كان شريفا جيدا، والعكس بالعكس. # وإذ عرف كل هذا وتشوق إليه، فلأي سبب كان بقاؤه أعزب إلى اليوم الذي كثرت عليه ~~الأفكار فيه، وهو لا يعلم لها سببا؟ ذلك لأنه لا يعجبه فتاة في أمريكا كلها ولا في الوطن ~~أيضا. ولماذا؟ لأنه كان يطلب الكمال النسائي التام فلا يجده، فتنقبض نفسه لذلك، ويحول ~~نظره عن طلب يد أية فتاة كانت ومهما كانت صفاتها. # وكان هو يلوم نفسه كثيرا على تشديده بمطالبه، ويقول: إن هذا من الجنون، هل أنتظر أنا ~~لآخر عمري ما أنتظره في امرأة ما وأنا أعرف بأنني عاجز عن الحصول عليه؟ إنني أطلب امرأة ~~كاملة نفسا وجسما، وهذا محال على الأرض. # فإذن يجب أن أخفف مطالبي وأرى بما هو غير محال. # ثم حول نظر فكره إلى فتاتين كانتا أكثر مناسبة من الجميع له، فقال: إن حنة جميلة الصورة ~~ذات قد أهيف وخصر نحيل وحديث ظريف، تتكلم الإنكليزية وتقرؤها وتكتبها جيدا، وهي ذكية ~~لطيفة تحسن الضرب على البيانو، وتقدر على دخول الجمعيات العالية ومخالطة الأمريكان وتكون ~~مثلهم بينهم، وهم مسرورون منها ولكن ... إنها تطلب تغيير موضة ثوبها وحليها في رأس كل ~~شهر، وإذا لم تفعل هذا إما أنها تغضب وإما تحزن. ولا تشتغل في البيت؛ لأن يديها الناعمتين ~~لم تخلقا لهذه الأشغال البيتية الشاقة، وثوبها الناعم القشيب لم يعتن بخياطته ليقابل ~~الوجاق ويجر ذيله الطويل على أرض المطبخ. # ولأنها لا تقدر على ذلك وهي لابسة المشد، ولا تقدر أن تنزعه عنها حتى في البيت، ولا تخيط ~~بيدها؛ لأن خمسة وعشرة ريالات للخياطة لا تساوي «تعب فكرها ساعة»، ولا تساعد زوجها في ~~الشغل؛ لأنها لم تخلق للتعب بل للراحة. ولا تنظر لمقدرته أو رضاه عندما تروم مشترى بعض ~~قطع من الحلي أو بعض أثواب نفيسة تكون زوجها أقداما إلى الوراء. ولا تتنازل عن الزيارات ~~حتى ولو كان أحد أعضاء العائلة مريضا. ولأن الزوج متى سعد بتسميتها زوجة أصبح غريبا عن ms080 ~~بيته، بل أكثر بكثير من ذلك أصبح «أسيرا فيه»، حيث يجب أن يكون مطلق الحرية. فالباب مغلق ~~بوجه أصحابه إذا لم يكونوا مقبولين عند سيدته، بينما هو مفتوح بوجه أصدقائها سواء رضي أم لم ~~يرض، حتى ولو كان بعضهم من أعدائه. أمه مطرودة ومساء إليها في المعاملة ولو لم تكن ~~تستحق. وأمها مقبولة مكرمة وهي وإياها على «رأس وقلب» ذلك المسكين. وإذ افتكر بكل هذه ~~الأمور وكثير سواها، قال: أف لهذه المعيشة؛ فإن حلاوة بعض أخلاق هذه الفتاة لا تقاس ~~بمرارتها، وعلى رأي المثل العامي: هي كالخرنوب «درهم حلو على قنطار خشب». # ثم قال: فلنر منة. إنها فتاة تختلف عن حنة تمام الاختلاف لأنها ليست «متأمركة» قط، بل هي ~~لم تزل على أطباعها وأخلاقها السورية المحضة. هي جميلة الوجه جمالا طبيعيا، قامتها لم ~~تزل كقامة أمنا حواء لم يضغط عليها المشد، ولم يرفعها ويغلظها اللبس بحسب تفصيله. هي ~~متعصبة في الدنيا، حتى إنها تكره كل شيء غريب، ولا تنظر إلى شيء غريب، ولا تفعل شيئا ~~غريبا، وتحسب بأن كل شيء غير سوري هو نجس منتن قبيح. ومتعصبة في الدين، فإذا ذكر ~~أحد من غير دينها تقول بأنه «كافر» وتجل الناس عن ذكر اسمه. وتعتقد كما علمتها أمها ~~بأن كل إنسان خارج عن دينها لا مكان له بغير جهنم، ولو مهما عمل من الأعمال الشريفة ~~الصالحة. هي محتشمة، نعم، ولكن إلى حد أن لا تنظر إلى أحد ولا تكلم أحدا ولا تلج ~~مجلسا، وإذا دخلته ترتجف من اضطرابها كورقة الشجر في الهواء. وأحيانا تبكي من الخجل. تصلي ~~كثيرا، ولكن بدون أدنى معرفة بما تقول. لا ترتب شعرها ولا تنظف ثوبها لئلا تقول عنها ~~العجائز بأنها «خفيفة»، تشتغل في البيت كثيرا ولكنها لا تحسن الطبخ جيدا؛ لأنها لم تتعلمه ~~وليس لها به ذوق. ولا تحسن الاقتصاد المنزلي؛ لأنها لم تقرأ عنه شيئا، ولم تعاشر من يعرف ~~هذا الأمر؛ لأن معاشرتها مقتصرة على النساء اللواتي مثلها. تضحي سعادتها لأجل سعادة أولادها ~~وتخدمهم وتسهر ms081 عليهم بحنو عجيب، مما لا يوجد بقلوب ذوات الدلال مثله. ولكنه لا يأتي ~~بالفوائد المطلوبة؛ لأن الحب من الوالدة وحده لا يكفي لحياة الولد الأدبية والمادية حياة ~~مفيدة نافعة له وللوطن. تحب زوجها، تطيعه، تثق به، تعترف سرا وجهرا بأنه رأسها كما كان ~~المسيح رأس كنيسته، وتضحي راحتها وسرورها لأجل راحته وسروره، وتقف منتظرة أوامره «ككلب ~~الشمعة» مهما عمل يكون جائزا عندها لأنه «الرجل»، ولا يجوز في عرفها أن تعمل شيئا هي؛ ~~لأنها «المرأة». ولكنها لا تكون قط له رفيقة وصديقة كما هي له زوجة ولأولاده أم. لا تقدر أن ~~تشاطره أفكاره إذا كان لبيبا أديبا. ولا يقدر أن يستشيرها أشغاله إذا كان تاجرا أو ~~صانعا. ولا يجد لذة بمعاشرتها إن كان ذكيا حاذقا. هي محبة لكنها عبدة، وزوجة ولكنها ~~أسيرة، تشتغل آناء الليل وأطراف النهار في بيتها، ولكنه لا يكون قط مضيئا كما تضيء ~~بأهلها وفرشها وكل ما فيها بيوت الغير. ولما افتكر بهذا أيضا وقابل هذه الفتاة بتلك، زاد ~~كلوح وجهه ونزل عن تلك الطاولة وابتدأ يروح ويجيء بالمحل ويقول: إننا انتقلنا من «الدلفة ~~لتحت الميزاب»، فإحداهما لينة تعصر والأخرى صلبة تكسر. الاثنتان متطرفتان. للاثنتين ~~فضائل ونقائص، ولكن النقائص أضر وأزيد. فما تراه كان يصير لو وقفت المرأة «المتأمركة» عند ~~حد الاعتدال، ولو تقدمت المحافظة نحو المعرفة والتمدن والعلم والذكاء خطوات؟ ماذا كان ~~يضر لو كانت تخفض قليلا من كبريائها وتزيل شيئا من جهلها، مستعملة معرفتنا لإتقان ~~واجباتها النسائية والزوجية والعائلية بمعرفة وإدراك كما تتقن ذاتها وثوبها ووجهها؟! وما ~~كان أسعدني لو كانت منة تبقى على الفضائل الطبيعية التي لها وتحسنها بالعلم والتهذيب، وتنزع ~~عنها رداء بعض العوائد السخيفة والاصطلاحات الذميمة الفاسدة المتلفحة بها من أم رأسها ~~إلى أخمص قدميها، فتحجب بذلك جمالها الطبيعي وبعض فضائلها الغراء. # ولما وصل بتمشيه إلى الباب نظر موزع البريد آتيا فخرج لملاقاته لاستلام بريد ~~الصباح، وبعد أن فض كتابا وأخذ يقرؤه ظهرت على شفتيه ابتسامة عدم الاكتراث والضجر؛ ذلك لأن ~~عميله النيويوركي ms082 كان سائله في كتابه أن يذهب إلى المحطة في ذلك المساء ويلاقي ثلاث فتيات ~~قد أرسلهن إليه ليقمن عنده ويشترين من محله بضائع ويبعنها. # ولما جاءت الساعة المعينة خرج أديب لملاقاة الفتيات متضجرا؛ لأنه كثيرا ما كان ~~يخرج لملاقاة الكثيرين من السوريين القادمين من الوطن، ولا علاقة غير العلاقة التجارية له ~~معهم. # وكان وهو ذاهب يحسب بأن أولئك الفتيات مثل كثيرات منهن يأتين في كل سنة، وهن بدون شك سوف ~~لا يحصل له منهن نتيجة سوى النتيجة التجارية. # | الفصل الثالث عشر # الانتقاد # وصل أديب إلى المحطة، فوجد القطار متأخرا عن ميعاد وصوله، فأخذ يمشي ذهابا وإيابا في ~~المحطة بانتظاره، ورجعت إليه أفكاره؛ لأنه كان قد سئم معيشة العزوبة الناشفة المنفردة، ~~وتاقت نفسه إلى محل يستريح فيه بعد عناء شغله المستمر، ويرى فيه وجها ضاحكا يستقبله، ~~ويلمس يدا لطيفة تشتغل لراحته وسروره، ويناجي قلبا مخلصا طاهرا ينفتح له كلما دخل وخرج ~~من ذلك المكان الذي هو البيت. فقال: يعود كثير من الشبان إلى وطننا لأجل الزواج، فلا ~~يصلون إليه حتى يبتدئوا بالمراقبة من أول يوم، ولا تنقضي عليهم أيام حتى يخطبوا وبعد ~~شهور يتزوجون، وبأقل من سنة، ويرجعون إلى أمريكا فيكونون قد عقدوا زواجهم على الطيش والعجلة ~~قبل أن يختبروا أخلاق الفتاة أو تختبر هي أخلاقهم، وبعد أن يأتوا إلى هذه البلاد حيث زوابع ~~وعواصف التمدن العصري تهب وتزعزع أسس قلاعهم التي لا تكون مبنية على صخر، وهذا ما لا أفعله؛ ~~لأن الزواج حكمة وتبصر لا متاجرة ومضاربة. # ثم إن كثيرين هنا يتزوجون ولا يسعدون؛ لأن أساس زواجهم لا يبنى على المساواة والحب بل ~~على مال الشاب والفتاة، أو على النظر باضطرار الشاب إلى الاقتران بامرأة؛ إما لتشتغل معه، ~~وإما لتساعده وتوفر عليه باقتصادها، وإما لأنه يريد أن يتزوج وهو يجهل الزواج. فلعمري إنني ~~لا أفعل هذا قط؛ لأن الزواج أصعب الأمور التي يأتيها الإنسان والمستوجبة للتحذر ~~والروية. فسوف لا أتزوج غير الفتاة التي تصلح أن تكون زوجة فاضلة، وذلك بعد ms083 اختبارها؛ ~~لأنني لا أطيق الافتكار بأنني بسعيي وراء هذا الائتلاف المقدس يجب أن أميت قلبي وقلب ~~فتاة غريبة وقلوب أولاد في المستقبل. # وفيما هو على ذلك صفر القطار مقتربا حتى وقف، فتقدم إليه، ولما خرج الركاب كان ~~كله عيونا تراقب، فلم ينظر القادمات، فقال في نفسه: إنهن لم يأتين. # ونزل من القطار بعد أن فتش كل عربة فيه فانزوى على الرصيف منتظرا مرور الركاب، ولكنه لم ~~ير أحدا، فهم بالذهاب، وإذا بصوت عذب قد رن في أذنيه وجاء من ورائه خارقا أعماق ~~قلبه، وكان الصوت صوت بديعة التي قالت: أظنه لم يأت. فنظر الشاب يمينا وشمالا ليرى من ~~أين صدر ذلك الصوت العذب الذي تزيده عذوبة تلك اللغة العربية المحبوبة التي لفظ بها. وحانت ~~منه التفاتة فرأى في زاوية أخرى ثلاث فتيات واقفات، ومنظرهن يدل على القلق وجهل المكان، فظن ~~أنهن فتياته ولكنه ما لبث بعد أن نظر إليهن مليا أن حول وجهه وقال: كلا، إن هؤلاء ~~أمريكيات أم أوروبيات؛ لأن ملابسهن لا تدل على أنهن سوريات في أول دخولهن لأمريكا. ولشدة ~~انذهاله سمع ذلك الصوت مرة أخرى، وكانت المتكلمة الآن جميلة، فقالت: أظن أن ذاك هو الخواجة ~~أديب ... فنظر أديب بغتة وإذ ذاك تحقق بأن هؤلاء الفتيات هن اللواتي يطلب. فمشى نحوهن بقدم ~~ثابتة وهو معجب بهن. ولم تتم جميلة كلامها حتى نظرت الفتيات إلى أديب الذي وقف أمامهن ~~مسلما منذهلا؛ إذ رأى ترتيب ملابسهن ونظافتهن وظرفهن، مع أن كل تلك الملابس كانت من ~~الأقمشة المعتدلة الثمن ولكن ترتيبها ونظافتها صيراها تظهر نفيسة جميلة. # أمر أديب نظره على الفتيات الثلاث، فحسب ذات اللون الأبيض الأحمر والعينين السوداوين ~~والشعر الأسود والقد الأهيف - وهي بديعة - أجمل الثلاث، وحسب لوسيا التي كانت أطول من بديعة ~~قامة وأكثف منها لونا، أو أن لونها كان حنطيا مشربا بالحمرة وعيناها كستناويتين بلون ~~شعرها ثانيتهن بالحسن. وأما جميلة فلم يحسبها جميلة أبدا؛ لأنه لم يكن فيها ما يروق سوى ~~عينيها السوداوين اللتين زادهما ذلك الهم الداخلي ms084 ذبولا مؤثرا يفوق تصور البشر. ومع أن ~~أديبا أعجب كثيرا بجمال الفتاتين وببساطة بديعة وهيئتها المحزنة، فلم يجزم بالحكم على ~~أيهن أجمل حتى يجربهن ويرى من هي التي تفوق الكل بجمال نفسها فتكون أجملهن لا محالة. # وفيما هم جالسون في العربة عند ذهابهم إلى بيت التاجر بدا لبديعة من حديث أديب ما أقلقها؛ ~~لأن الشباب أظهر لها التفاتا خاصا، وظهر منه إليها ميل لم يكن لرفيقتيها مثله. # ولا شيء يظهر كرم السوري المفرط وبذله المشكور مثل وقت الاجتماع والفرح؛ فإن أديبا ~~في تلك الليلة دعا جميع أصدقائه والمتعاطين معه من السوريين، الذين حسب العادة تجمعوا ~~ليسلموا على بنات وطنهم، وكانوا بدون استثناء معجبين بجمال وتهذيب بديعة ولوسيا، وانكسار ~~وحزن جميلة التي لم تكن تقوى على إخفائهما بل كانت الأفراح تزيدها انقباضا. # واندفاعا بأمر خفي هو غير حب الربح المقبل من الفتيات أو القيام بواجب الضيافة، أظهر ~~أديب في تلك الليلة جودا فائقا، وأحضر كثيرا من براميل الجعة وقناني المشروبات الروحية، ~~وكان يدور بها على الجمع تكرارا وهو جذل مسرور؛ مما جعل العيون متجهة إليه وألسنة بعض ~~الناس تلذعه بكلام التلميح، وهو يبتسم لكل هذا كأن شيئا أسمى من كل ما سواه كان يحقر ~~الأمور في عينيه. # ونظرت بديعة بعين نفاذة، فرأت أن أكثر النساء الشابات - ولا سيما العزب منهن - ينظرن ~~إليهن شزرا، وفي وسط ذلك الاجتماع كان شاب يكلم آخر باللغة الإنكليزية وينظر إلى الفتيات ~~بطرف عينه ويبتسم، وآخر يتفنن جذلا ويتلوى يمينا وشمالا وينظر إليهن، وثالث يتكلم كلام ~~خفة وطيش وينظر إليهن أيضا كأنه يتوقع «رأيهن في تهذيبه»، وهذا ما جعل بديعة تنفر من ~~هؤلاء، وفي ذلك الوقت تلاقى نظرها بنظر جميلة صدفة، فعرفت كل واحدة ما تفتكر فيه الأخرى، ~~وتخاطب القلبان؛ إذ لم يكن سبيل لتخاطب اللسانين، ولم تدريا أن قلبا ثالثا كان يخاطبهما ~~في تلك الساعة؛ إذ نظر إليهما وعرف ما افتكرتا فيه، وقال: هل من الممكن أن تكون تلك الفتاة ~~هي التي ينتظرها فراغ قلبي لتملأه ms085 ؟ وكان يعني بديعة ... # أما هذه فكانت منشغلة بمحادثة الناس والإصغاء إلى أحاديثهم، وكانت آيتها الذهبية أن تحدث ~~الناس بما يسرهم لا بما يسر نفسها. وهذا ما كان يزيد حديثها طلاوة ويزيد الناس إعجابا ~~ورغبة بمحادثتها ومجالستها، حتى دعيت فيما بعد «ملكة المجالس»، وبهذا كانت تفيد نفسها ~~كثيرا؛ إذ إنها بنظرها لما يسر الناس من الكلام كانت تفتش عن أنفعه وأصحه، وكانت تمحصه ~~وتزنه بفكرها قبل التلفظ به، فكان يأتي سالما من الغلط طليا مفيدا. وكانت لوسيا ~~تلاحظ أثواب النساء «وموضهن»، وتنظر وتراقب الرجال لعلها تطلع على أخلاقهم مراقبة من تروم ~~الاقتداء وترغب الزيادة. أما جميلة فقد رجعت بأفكارها المؤلمة إلى لبنان، حيث تجلت لها صورة ~~والديها وصورة من خانها؛ لأنها رأت شابا هناك يشبهه فذكرها به. # وكان أديب يلاحظ بديعة وقلبه في عينيه، وأول دلالة رآها على آدابها هو أنها لحظت بأنها ~~جرحت سيدة بكلامها على غير قصد منها، فغيرت حديثها بلطف حالا ولم تكمله دائسة إحساسات ~~الغير بخشونة، أو تستعذر فستلفت أنظار الناس بغلاظة؛ لأن بديعة لم تكن كالنساء اللواتي ~~يحسبن أن جرح إحساسات الغير بالكلام «عياقة وشطارة»، بل كانت تنسب هذا الأمر إلى قلة الأدب ~~والخشونة وإلى النقص في التربية والأخلاق. # ومع أن بديعة كانت زعيمة الأحاديث في تلك الليلة لإصغاء الناس إلى أحاديثها الطرفة؛ فإنها ~~لم تستأثر بالحديث، بل كانت تشارك وتصغي أكثر مما تتكلم أحيانا. # وما دهشت منه بديعة هو أن امرأة كانت تكثر من طرح الأسئلة على المحدث بشأن الحديث الذي ~~كانت تسمعه، وتتكلم وتضحك بصوت عال جدا، وتستعمل لغة غير أدبية، وتنادي زوجها: «يا حبي ~~ويا روحي»، وهو كلام وإن يكن جميلا بين الزوجين متى كانا منفردين فهو قبيح متى كان ~~بينهما في المجالس. ثم إن تلك المرأة كانت تنادي الرجال بأسمائهم مجردة، مع أن هذا وإن ~~يكن من الألفة والصلة الجنسية التي بيننا نحن السوريين، فهو يخالف التهذيب ويحمل على ~~الاحتقار والريب. # وفيما هي تتأمل هذه السيدة أجفلت؛ إذ سمعت سيدة أخرى تقول ms086 بصوت عال لرجل أراد أن يحدث عن ~~قصة: «إنني أعرفها.» فقال الرجل: إذا كنت تعرفينها فغيرك يجهلها يا سيدتي. # وسيدة أخرى أرادت أن تحدث عن شخص ما ولم تكن تعرف اسمه، فقالت: هذا ... شو ما بعرف اسمه ... ~~وكانت هذه السيدة أيضا تتكلم بصوت منخفض لا يسمعه أحد، وهذا كالصوت العالي تماما في عدم ~~لياقته. # وأنسى بديعة كل ما مر وجود فتاة بارعة الجمال في المجلس، عليها حلي وملابس ثمينة تبهر ~~النظر، وكأن هذه الفتاة وجدت هناك لتظهر للناس كبرياءها وسوء تصرفها فقط، فلم يتكلم ~~أحد إلا ضحكت منه وأصلحت له كلامه بدعوى أنه «غلط»، فكان حديثها كله نميمة في الغير ~~واغتيابا لهم وضحكا من الحاضرين وإظهار الاشمئزاز منهم. وكان كلامها كله «مغلقا» أو ~~«مبطنا» ذا معنيين. وكانت تبدي رأيها في كل أمر بدون أن يسألها أحد أن تفعل ذلك. ولم يكن ~~شيء يدل على جهلها ويبرهن عن عدم تهذيبها وانحطاط آدابها عن الذين تذمهم إلا عملها ~~هذا. # وبعد انقضاء تلك الليلة الساهرة أعدت للفتيات غرفة فذهبن إليها لينمن، ولما نزعن ~~عنهن ثياب النهار وغسلن وجوههن جيدا ارتدين بثياب النوم، وطاب لهن الحديث على انفراد، ~~والتحدث بما يراه الإنسان غريبا عنه طبيعي، وكانت البادئة به لوسيا التي قالت لبديعة: كيف ~~رأيت هذه الليلة يا بديعة؟ # فقالت بديعة: لماذا خصصتني بالسؤال دون جميلة؟ # فقالت: لأنني أعرف طباعك وأنك خلقت لتلاحظي كل من وكل ما ترينه، فكأن دقائق حياتك ~~معدودة عليك، وإذا لم تصرفيها بالأشغال فإنك تصرفينها بالأفكار. # أجابت بديعة بافتخار: صدقت يا عزيزتي؛ لأن الوقت ثمين والعمر قصير، ولكن أي بأس من ~~الانتقاد العادل يا ترى، إذا لم يكن نميمة بل نصيحة وإرشادا أو ذكرى للغافلين ~~الوناة؟! # قالت لوسيا: هذا ما حزرته، فإنك انتقدت أكثر من كان في المجلس، ولكن بماذا انتقدتني أنا ~~وجميلة؟ # قالت بديعة: صدقت في ما قلت؛ لأنني انتقدت البعض لإتيانهم ما أعرفه مغايرا للتهذيب ~~والآداب، وانتقدتك وانتقدت جميلة ونفسي أيضا. # إذ ذاك قالت جميلة بهدوء: بما انتقدتنا وانتقدت ms087 نفسك. # قالت بديعة بجد: انتقدتك أنت يا لوسيا؛ لأن جلوسك على الكرسي لم يعجبني قط؛ إذ إنك كنت ~~تتحركين وتضطربين دائما. وهذا ما تعاب عليه الفتاة الجميلة مثلك. وقد كنت تحركين يديك ~~دائما وتلعبين بخواتمك وأساورك. # وأما أنت يا جميلة، فقد أتيت أمرا كان يجب اجتنابه، وهو أنك أظهرت حزنا وانكسارا ~~فائقين مما جعل الناس يتساءلون عن السبب، وقد كان يجب عليك فعل أمرين: إما أن تتغلبي على ~~حزنك فتخفيه، وإما أن لا تحضري المجلس أبدا حتى لا تجعلي لمن فيه سبيلا للتأويل. أما أنا ~~فقد عملت ما هو أردأ من هذا، فقد قاطعت أحد الرجال بحديثه، ولم أتدارك الأمر إلا بعد أن فرط ~~مني. # فاغتاظت لوسيا من كلامها، وقالت متهكمة: لو كنت معلمة أولاد لما وجدت تلميذا ~~تعلمينه لصرامة قوانينك. # أجابتها بديعة بلطف. الشيء بالشيء يذكر، فإنني لو كنت معلمة أولاد لكنت أجتهد بأول الأمر ~~أن يحبوني ويثقوا بي ويصدقوا كلامي. ثم أجعل همي الأول تعليمهم آداب السلوك وحسن التصرف ~~ومعرفة المداخلة بين الناس بأدب وفهم وجرأة، وبعد هذا أعلمهم العلوم التي هي في درجة ثانية ~~عن الآداب والتهذيب. فاعلمي يا عزيزتي بأنه لو كل معلمة ومعلم عرفا ما هي وظيفتهما في ~~المجتمع الإنساني، وعرفا بأنهما وضعا بذلك المقام ليسدا أبواب السجون ومعاهد القمار ~~ومداخل الحانات، وقاما بوظيفتهما حق قيام، لكان الناس يعيشون بنعيم وهناء على الأرض. ولكن ~~بأسف أقول لك: إن أكثر المعلمين والمعلمات - وأعني في بلادنا السورية - لا يحسبون بأنه ~~يطلب منهم إلا انتظار آخر الشهر لقبض أجرتهم وتدريس الأولاد ما درسوه هم على أساتذتهم، مع ~~أن المعلمين والأساتذة خلقوا لأسمى الوظائف، وهي تربية الشعب وهو صغير وإعداده ليكون ~~كبيرا، فتأملي بعظم هذه الكلمات وانظري إن كنت تفقهين معناها الحقيقي. وقد لحظت غيظك من ~~انتقادي إياك، فعلى هذا أقول بأن «من قاسك لنفسه ما ظلمك»، وأي ذنب على مخلصة مثلي تمرن ~~النفس على أمور مسلم بها من العموم أنها عماد المعيشة الحقيقية، ثم تبرزها نصيحة مجانية ~~لأخوات ms088 تحبهن، فإن قبلنه وإن لم يقبلنه تكون هي قد قامت بواجباتها نحوهن؟ # وعند هذا الكلام نهضت جميلة من فراشها وأقبلت نحو بديعة فقبلتها، وقالت: أما أنا فإنني ~~أشكرك يا عزيزتي؛ لأنك بملاحظتك أنقذتني من عار كبير، ومن ملاحظات الكثيرين من الناس، ~~وسأجتنب من الآن وصاعدا كل ما أعرفه أو يعرفه غيري بي ماسا للآداب والصيت. # فاغتاظت لوسيا من كلام جميلة؛ لأن الذي لا يحب قبول النصيحة يحظر على الناس قبولها إذا ~~قدر ذلك ليكون كما جاء في الأمثال: «لا يحب الخير ولا يريده في الغير.» وللحال أدارت إلى ~~الفتاتين ظهرها ونامت وتبعتها الفتاتان، وعند هذا الحد انقطع الحديث. # | الفصل الرابع عشر # أول درجة من سلم الحرية # وفي صباح اليوم الثاني قرعت عليهما الباب عجوز كانت تخدم الخواجة أديب، وابنها كان يشتغل ~~بمحله أيضا. # ولما استفقن قالت لهن تلك العجوز: ما مرادكن أن تفعلن يا عزيزاتي؟ # فقالت بديعة: مرادنا نشتغل بما نحصل منه معاشنا؛ لأننا لهذه الغاية هاجرنا. # فتنهدت العجوز وقالت: وهل عرفت ما هو الشغل الذي يشتغل به أكثر المهاجرين؟ # قالت بديعة: كلا. # قالت العجوز: إذن دعوني أن أخبركن عنه، هو ما يسمونه «بيع الكشة» يا بناتي، وهو الشغل ~~الوحيد تقريبا للسوري في أول دخوله إلى هذه البلاد، ثم أشارت بيدها إلى صندوقة من خشب ~~وحقيبة كبيرة فيها أقمشة كانتا موضوعتين في إحدى زوايا تلك الغرفة، وقالت: إن هذه ~~الصندوقة الصغيرة فعلها كبير يا عزيزاتي، وهذه بالحقيقة قد ركبت ظهور أكثر السوريين، ~~وقليلون منهم الذين لم يحملوها، ولا سيما بأول عهد المهاجرة. ففي هذه الصندوقة يضع البائع ~~من كل أنواع الحلي والمجوهرات الكاذبة البراقة. # وفي هذه الحقيبة يضع من كل أنواع الأقمشة والملبوسات، وهذه يسمونها «كشة» يحملونها ~~ويتجولون في المدن، وأحيانا كثيرة في الأحراج حيث يضطرون أن يقطعوا أميالا كثيرة ~~ولا ينظرون فيها لا دارا ولا ديارا، وأحيانا كثيرة يضطرون للمبيت في الخارج حيث ~~يفترشون الغبراء ويتلحفون السماء، يكدون ويجتهدون ويتعبون ويشقون ويتصبب عنهم العرق الكثير، ~~ويطوفون أسابيع وشهورا في ms089 الغابات والبراري معرضين لخطر القتل والسلب والنهب، ولكنهم ~~يربحون. وثلاثة أرباح المال الذي دخل بلادنا - وقد سمعتن به، وهو الذي ربما جركن إلى هذه ~~البلاد - هو من هذه الصندوقة ومن الحقيبة. هذا هو بيع الكشة أو المهنة السورية الأمريكية ~~باختصار. # فالتفتت بديعة إليها، وقالت بتفكر: إن التعب والنصب لا يهماننا؛ لأننا خلقنا ~~لنأكل خبزنا بعرق جبيننا، ولكن ما يهمني هو الجولان في الأحراج والبلدان كما قلت. # قالت العجوز: اللواتي يكن مثلكن ذوات وجوه جميلة وثياب نظيفة يقدرن على التجول في ~~المدينة براحة؛ لأن الأمريكية لا تغلق الباب بوجوهكن كما تفعل بوجه بياعة قذرة ~~الثياب. # ولما نزلن إلى المحل في ذلك النهار لأجل «الاستبضاع» أو شراء البضائع اللازمة وترتيبها ~~والجولان بها لاصقتهن نساء كثيرات كن «يتبضعن» أيضا وسردن لهن حديث العجوز تقريبا، ~~فعند ذلك احمر وجه لوسيا غيظا، وقالت بنزق: إذا لم يكن للمرأة شغل غير هذا، فأنا ~~أفضل الموت جوعا على أن أدور على البيوت وبيدي وعلى ظهري هذه الأحمال كالشحاذة، فإن ~~المرأة لم تخلق لتكون دابة ... # فابتسمت بديعة وقالت للوسيا: «ما أهون القول عند العمل!» يا عزيزتي لوسيا أفلست أنت ~~القائلة بأن هذه الأيام أيام بخار لا يهم المراكب فيها الريح بل تجري بالرغم عنها؟ فما ~~بالك يوهن عزمك عند أقل صعوبة؟! # قالت لوسيا: إنني لم أحلم بأنني عند وصولي إلى أمريكا أمسخ دابة ... # وكان أولئك النساء قد اجتمعن هناك ينظرن إلى لوسيا، وقد «احمرت عيونهن منها» وأحببن ~~مجاوبتها بكلام أحد من السهام، ولكن قاطعهن صوت أديب الذي التفت إلى بديعة وقال باحترام: ~~وما هو رأيك أنت أيتها الآنسة بديعة؟ # فأجابت بديعة باحتشام وصدق: رأيي أن العمل شرف وواجب، ويتضاعف شرفه إن كان لا بد منه، ~~وإذا كان بطريقة أدبية مرتبة. فلعمري أي عار ببيع الكشة الذي هو تجارة متى تعاطته المرأة ~~وهي مرتبة نظيفة الثياب، وإذا كان معها من يحمل لها تلك الكشة إذا كانت تقدر على ذلك، ~~وإلا فتحمل هي «جزدانا» صغيرا جميلا في يدها؛ لأنه ليس ms090 العمل الذي يجلب الإهانة على ~~صاحبه، بل الوسائط التي توصل إليه والتصرف الذي يرافقه، ولا أرى ماذا نعمل الآن ونحن ~~غريبات نجهل اللغة وليس لدينا مال نستعين به على المعيشة إذا كنا لا نتعاطى بيع الكشة، فإن ~~أصعب المشقات وأثقل الأحمال هو خير للمرأة من أن تكون عالة على سواها، وهي كطير مقصوص ~~الجناحين يعتمد بمعيشته على سواه ممن لا يكون مطالبا به وبها. # وكان تأثر لوسيا من بديعة؛ الآن أضعاف ما كان من جميلة في تلك الليلة؛ لأن بديعة ~~«أهانتها» - كما اعتقدت - أمام جماعة من نساء شامتات وشبان منتقدين، بينما كلام جميلة كان ~~خصوصيا. وعوضا عن أن ترضخ لأحكام الحق وتقبل النصيحة أضمرت للفتاتين الشر وأكثره ~~لبديعة. # حملت بديعة الكشة مختارة؛ لأنها لم تجد شغلا أنسب ولأنها - كما قالت - كانت تحسب شرف ~~الأعمال بشرف الوسائط، وحملتها لوسيا مضطرة مرغمة، وحملتها جميلة غير مكترثة إلا ~~لما يحول أفكارها عن همومها. # مضت شهور على أولئك الفتيات كن فيها على أتم اتفاق؛ لأن لوسيا كانت لم تظهر بعد ~~عداوتها لرفيقتيها، وكن يذهبن إلى التجول والبيع من الصباح إلى المساء، وفي المساء يمكثن ~~في غرفتهن يقرأن أم يطرزن، وعلى رأي بديعة يشغلن إما عقولهن بالمطالعة وإما أيديهن بالخياطة ~~والتطريز وشغل البيت؛ حتى لا يتركن لألسنتهن وقتا للاشتغال بالنميمة واغتياب الناس. وعند ~~الساعة التاسعة أو العاشر يذهبن للنوم لعلمهن بأن ساعة واحدة ينامها الإنسان قبل نصف ~~الليل تهبه قوة لا تحصل له من خمس ساعات ينامها بعده. # وكثيرا ما كان أديب يراقب بديعة بانتباه زائد؛ إذ تجلس بعد رجوعها من شغلها وبيدها إما ~~إبرة رقيقة تحركها بخفة ولباقة، وإما كتاب مفيد تنظر إليه وتطالعه، وكأن كل فكرها في عينيها ~~حتى تضيع معنى من بين سطوره، وحتى يشرب دماغها فحواه فإذا فقدته لا تعود تأسف عليه؛ لأنها ~~تكون قد وعته بفكرها على رأي أحد حكماء العرب. وكان ذلك الشاب المحب يتعجب من إيجاد بديعة ~~شغلا لكل دقيقة من دقائق حياتها، وكيف أنها مع اشتغالها الزائد ms091 تجد فرصة في كل مساء ~~للتمشي مع جميلة وأحيانا لوسيا أيضا - ومتى كان لها خاطر - مقدار ساعة أو ساعتين، وهذا ~~مما كان يجعل وجهها نضيرا وصحتها جيدة دائما بالرغم عن مواثبة الهموم لها. # وبعد مرور تلك الشهور الصافية على الفتيات الثلاث ابتدأت أيام كدرهن؛ لأن لوسيا أخذت ~~بإظهار البغض لبديعة ولجميلة، وكان أحب الأشياء إليها يصبح ممقوتا منها متى تكلمتا عنه أو ~~فعلتاه. # وفي أول ابتداء داء «التأمرك المضر» في لوسيا ظهرت عليها أعراض «المعرفة أو التفلسف»، ~~فكانت تروح بشيء وتجيء بآخر من أطباع وعوائد الأمريكان. وتخبر رفيقتيها عن أزياء وعوائد ~~واصطلاحات تجري عليها الطبقة المنحطة من هذا الشعب العظيم، وهي معجبة بها ومستحسنة لها، ~~وكانت بديعة تتعجب من كثرة اطلاعها على هذه الأمور في حين أنها هي مع جميلة تجهلها، ولم ~~تدر بأن كلا يذهب مفتشا عما يناسبه ... # وكانت لوسيا تتكلم بأول الأمر عن تلك العوائد، وكأنها لما عرفتها وأحبت اتباعها أخرجت ~~كلامها من حيز القول إلى حيز الفعل، فصارت تأتيها مسرورة حتى تبدلت أخلاقها تمام ~~التبدل، وصارت تروح وتجيء أي وقت شاءت، وإذا عاتبتها بديعة تقول لها: «إن أمريكا حرية»، ~~كلمة نقلتها من فتيات جاهلات من الشعب العظيم، وهذه آفته، وهي لا تدري بأن خرق حرمة ~~الآداب وإتيان ضروب الخلاعة ليسا حرية حرية بالاعتبار؛ لأن من لم يكن ~~مقيدا بقواعد الآداب لا يكون قط إنسانا نافعا. # وكانت بديعة تحاذر سوء عاقبة «تأمرك» لوسيا، وهي تحرق الأرم غيظا من بعض أعمالها، ~~ولكنها بحكمة عرفت بأن الخشونة والغضب والبغض لا تجدي نفعا، وبأنه ليس كاللطف والمعاملة ~~الحسنة لردع من ضل، وكانت كلما زادت لوسيا تمردا زادت بديعة معها لطفا وعليها ~~أسفا. # ولم يكن لها من معين سوى جميلة الفتاة الحلوة التي كانت بسيطة الوجه حقيقة، ولكنها كانت ~~«بارعة الجمال» عند من يفضل الجوهر على العرض؛ لأن التي تحصل كجميلة على نفس جميلة، تضيء ~~من وراء ذلك الجسد الزائل وتبعث أشعتها من تينك العينين الفتانتين، لا تكون قط ~~قبيحة. # ومع أنها ms092 لم تكن بعد بسمو مدارك وعقل وتهذيب بديعة، فإنها كانت قد اكتسبت منها ~~كثيرا؛ لأنها عرفت كيف تستفيد من نصائح وآداب رفيقة مخلصة. # وما كان يثير غضب وحقد لوسيا بزيادة هو اعتبار العقلاء وثناؤهم على بديعة، وعوضا عن أن ~~تنافسها كانت تجري على طريقة مناقضة لها وتحسدها وتضمر لها الشر. # وهذه آفة السوريين؛ فإن الحسد وإن يكن عاطفة غريزية في النفس، فإن له مجريين أحدهما ~~لخير الحاسد والمحسود معا، بمنافسة الأول للثاني والكد والجد بالسير على طريقه ... والآخر ~~ضار بالاثنين بمناقضة الحاسد لأعمال المحسود ثم السعي وراء أذيته، فيصطدم الاثنان ~~مرارا ويسقط الحاسد في أكثر الأحيان، ويكونان بهذا اتبعا آية شمشون الجبار القائلة: ~~«علي وعلى أعدائي يا رب.» # | الفصل الخامس عشر # السير على الطريق السهلة # ابتدأ داء الكسل في لوسيا فكانت تفضل أن تذهب للتنزه أو تنام على أن تشتغل، والكسل ~~باب الشرور، متى دخل قلب المرأة أضعفه عن كل نشاط وتقدم، وجرد بيتها أو كنسه من كل ~~«جمال». # ولامتها بديعة على ذلك قائلة: يا عزيزتي إننا في بلاد تربتها نشيطة، فلا تتعب من إنماء ~~المزروعات الجيدة وإعطاء الغلال والخيرات الكثيرة، وسماؤها جوادة فلا تمل من إنزال الأمطار ~~صيفا وشتاء لإنماء المزروعات وإرواء الأرض لتعطي الخيرات والبركات للبشر، وعالمها عزوم ~~نشيط حتى أصبح الشغل عنده هو الشرف، ولما كان لا يبغض أحد الشرف فلا يبغض الشغل في هذه ~~البلاد التي يجب أن نحافظ فيها على آدابنا ونكسب منها نشاط أهلها ونحن الغانمون. # ولكن جواب لوسيا على كل نصيحة من بديعة كان «أن أمريكا حرية» وضاعف اغترارها بنفسها ~~تهافت الشبان على مرضاتها. وكثيرا ما يكون الجمال سبب تعاسة المرأة التي ليس لها عقل ~~يفوقه. # وفي المهاجرين تختلف حالة السوريين عنها في وطنهم؛ فبينما في الوطن يرقص الشبان بدور ~~«غنجهم وترمقهم» عيون البنات، نرى في أمريكا الحالة بالعكس؛ لأن البنات في هذا المرسح ~~راقصات، فالشاب السوري المهاجر يكاد لا يصدق أن يرى أية بنت ليقترن بها، وقلما يهتم ~~بالحسب والنسب و«جاه العم ms093 والخال» مما هو رائج السوق في الوطن، وأقل من ذلك المال الذي صار ~~يطلب من الشاب لا من البنت، ويمكن لبنت جميلة مثل لوسيا أن «تغمض عينيها وتكمش»، فأي شاب ~~«طلع في يدها» يرضى بها إذا رضيت هي به، وهذا ما زاد الفتاة اغترارا بحالها وافتخارا ~~بجمالها، لا سيما بعد أن تحول التفات الشبان كلهم إليها لعلمهم بأن لا نتيجة ~~من بديعة وجميلة لتجنبهما الزائد. # وساعدت «السيدة موضة» على انتفاخ لوسيا إذ أمرت عليها يد التحسين والتجميل، فغدت بهجة ~~للعين ونسيت تلك اليد التي ودعت بها رفيقاتها على «العين» فلم تعد تذكرهن ولا تذكرها ... ~~كما أنها نسيت «بيت أبيها» ومعاملة خالتها لها، وكيف أنها كانت تحملها على الذهاب وراء ~~المعزى لإيرادها ورعيها ... ولم تفتكر إلا في حاضرها إذا رأت ذاتها ملكة الدلال وربة الظرف ~~وإلهة الجمال. # وكانت بديعة تنظر إليها بقلب ملؤه الإخلاص؛ لأنها كانت تخشى العاقبة إذ رأت بأن لوسيا ~~«تقيس» أولئك الشبان وتقول عن هذا بأنه قصير وذاك قبيح، بينما الآخر جميل ولكنه فقير، وغيره ~~حقير، وعلى هذا النسق حتى إنه لم يكن يعجبها أحد، ولكنها كانت تبتسم في وجوه الجميع ~~وتقبل زياراتهم على السواء، وهي بسرها «تضحك عليهم»، وتفتخر بانتصارها على كل منهم وتسلط ~~جمالها على عقولهم. # وغدا الشبان كما هي العادة يتسابقون إلى إهداء الهدايا النفيسة، والتنافس في أيهم تكون ~~هديته أحسن من الآخر. ولعبت الغيرة بقلوب جميعهم حتى أوجدت التنافر فالتباغض بعدما ~~كانوا أصدقاء أوفياء. ولا بغض كالذي يتسلط على قلب شاب يزاحمه آخر في حب فتاة. ولم تكن ~~لوسيا تشعر بعظم وخطارة عملها الضار؛ لأنها لم تكن تعرف «الواجب» كبديعة، التي كانت تقول ~~لجميلة عند اختلائها: لا شيء تفعله الفتاة أضر على الهيئة الاجتماعية من الأمر الذي تفعله ~~لوسيا الآن، وهو ضار بالرجال والنساء؛ ضار بالأولين لأنه يعلم بعضهم الكسل والإسراف، ومن ~~البديهي أن ذلك الشاب الذي يطمع بحبها ويلتذ معاشرتها لا يقدر أن يشتغل ما زالت هي منقطعة ~~عن العمل، ولا يهمه المال ms094 بل يصرفه جزافا إكراما لذبول عينيها ومنافسة لغيره من الشبان ~~الذين ينحون نحوه ويعم الضرر الكثيرين. وضار بالنساء لأنها تعطيهن المثل القبيح، ولا سيما ~~لأولئك الفتيات اللواتي يكن أصغر منها سنا، إذ إنهن أول ما يفتحن عيونهن على العالم ~~ينظرن برغبة ودهشة إلى أعمال الفتيات اللواتي يكن أكبر منهن سنا، ويحسبنها مرايا يجب ~~أن تنعكس أشعتهن عليها. # ومن هنا تعلمين يا جميلة تأثير المرأة على الهيئة الاجتماعية إن في الخير وإن في الشر. ~~فإن عمل امرأة واحدة يحسبه البعض لا يؤثر شيئا، هو بالحقيقة شبه حبة صغيرة تبذرها في عقول ~~كثيرات من بنات جنسها، فتنمو ولا تلبث أن تصير شجرة كبيرة ويكبر نفعها أم ضررها بحسب ~~طبيعتها. # وفي مساء أحد الأيام رجعت بديعة من شغلها قبل جميلة، فوجدت لوسيا في البيت تستعد للذهاب ~~إلى حفلة رقص عمومية، وقد ارتدت بثوب لو رأته عليها إحدى وريثات الأمريكان لحسدتها عليه. ~~فقالت لها مبتسمة وهي تكاد تتميز غضبا: لا مبالغة إذا شبهتك بالقمر؛ لأنك بهذا الثوب ~~الناصع البياض، وهذا الوجه الجميل الفتان أبهى منه ضياء، فهل تنوين الذهاب إلى حفلة ~~ما؟ # فأجابت لوسيا بإعجاب: إنني ذاهبة إلى حفلة رقص حافلة مع سليم. # فاضطرب قلب بديعة من جوابها، وقالت لها بحزن وهي تقدم كرسيا لتجلس عليه بجانبها: آه يا ~~لوسيا، إنني لو علمت بأن محبتنا - والتي هي ثمرة خمس عشرة سنة من المعاشرة - ستتحول إلى بغض ~~في أمريكا لما دخلتها قط. # فرفعت لوسيا نظرها إليها وقالت ببرودة: ما دعاك إلى هذا الكلام يا بديعة؟ # أجابت بديعة بحزن شديد: دعاني إليه ما أراه في كل يوم، من نفورك مني وإعراضك عني ~~واشمئزازك من نصائحي التي كنت ترتاحين إليها قبل الآن. # فأجابت لوسيا بكبرياء ونفور: إنني لا أبغضك قط، ولكنني أعرض عن استماع نصائحك؛ لأنني ~~فتاة قد علمتني أمريكا الاستقلال والحرية فصرت بغنى عنها، ولا يخفى عليك يا بديعة أن ~~حكم نفس على نفس من أصعب الأمور ... # فتنهدت بديعة وقالت: إن النصيحة خدمة لا حكم يا ms095 عزيزتي، ولعمري إنه من المدهش انقلابك ~~حتى صرت ترين الصداقة وما ينتج عنها من الغيرة عبودية؛ ولذلك ترومين الاستقلال ~~كما قلت. وما هكذا تفعل جميلة التي تقبل نصائحي وأقبل نصائحها، وتحبني من عشرة شهور أكثر ~~مما تحبينني أنت من عشر سنين. # فقالت لوسيا مبتسمة باستخفاف: إنني أهنئك بمحبتها، أما أنا فمع أنني لا أبغضك فلا أرى ~~نفسي محتاجة إلى إرشادك؛ لأنني أعرف مثلك كيف أسلك الطريق القويمة. # فأثار هذا الكلام غضب بديعة، ولكنها تسلطت بقوة عقلها على إرادتها وكظمت غيظها، وقالت ~~للوسيا بلطف بعد أن تقدمت إليها لئلا يسمعها أحد: وهل ذهابك في هذه الليلة مع شاب غريب - ~~ليس لك في عشرته غير أيام - إلى حفلة «عمومية»، وكل من فيها غريب عنك، برهان على سلوك ~~«الطريق القويمة»؟ # فابتسمت لوسيا وهي تنظر إلى مروحتها الثمينة، وقالت: وأي بأس من هذا وأنا فتاة عزباء وهو ~~شاب عزب؟ أوليست هذه هي العادة في هذه البلاد؟ # وكانت برودة هذه الفتاة الجاهلة تزيد في حدة وغيظ بديعة أكثر من كلامها، ولكنها كظمت ~~غيظها هذه المرة أيضا وقالت بلطف كالأول: هلا من بأس على فتاة جميلة نظيرك تذهب مع شاب ~~غريب ليلا وتختلط بأناس لا تعرف أحدا منهم، ولا تعرف عن المحل شيئا، وهلا من بأس من ~~تقولات الناس، لا سيما نحن السوريين الذين نحافظ على قاعدة الحشمة ونأبى ضم بعض هذه ~~العوائد المتطرفة إلى آدابنا! أوليس من بأس عليك متى أحدثت للناس شكوكا وكنت حجر عثرة ~~في سبيل حشمة الفتيات نظيرك، قلت بأن هذه العادة المتطرفة هي من عوائد الأمريكان! ولكن أنا ~~أقول لك بأنها من عوائد الطبقات المنحطة منهم؛ لأن المرأة المهذبة من هذا الشعب لا تذهب إلى ~~محل رقص عمومي ما لم تعرف عنه شيئا، ولا تذهب بدون أمها أو أبيها أو أخيها أو زوجها أو ~~الشاب الذي تكون خطبته لها معروفة ومقررة. فأين أنت من كل هذا يا لوسيا؟ وما بالك قد ~~ارتحلت إلى الأمور التي كنت تنكرينها في الوطن وكنت مصيبة؟ ms096 فإذا كنت قد ألفت الحرية ~~الضارة حتى لا تكترثين لهذه الأمور التي تقتلع أصول الحشمة والصيانة من قلب المرأة؛ فإن بني ~~وطنك يرونها بصورتها القبيحة، وسوف تندمين يا عزيزتي على إضاعة أيام الصبا بأمور هي ~~مرارة أيام الشيخوخة. # ثم تنهدت أخذا للراحة واقتربت منها قائلة بصوت لا يكاد يسمع: إنني على ثقة من نقاوة ~~قلبك يا لوسيا، وهذا ما يحملني على الغيرة عليك؛ لأن أنقى الناس قلبا أشدهم انخداعا بمكر ~~الأشرار، فاسمحي لي بأن أقول لك بأنك إن بقيت على إهمالك وتساهلك وانخداعك بظواهر ~~ومظاهرات بعض هؤلاء الشبان فأنت هالكة لا محالة؛ لأن هؤلاء وإن أظهروا لك اعتبارا ~~واحتراما فهم ليسوا هكذا في الباطن؛ لأن الفتاة التي لا تصون آدابها وحشمتها عن الشاب لا ~~يعتبرها هو ولا يصون لها ما هي أحق بصونه، وإذا أحب معاشرتها فلا يجب الاقتران بها إلا إذا ~~كان جاهلا أو كان يرجو أن تغير سلوكها، وهذا نادر. # وقبل أن تنتهي بديعة من كلامها طرق الباب ودخل منه شاب طويل القامة جميل المحيا حسن ~~البزة، فحيا بديعة ودنا من لوسيا التي وقفت له حالا، إلا أنها كانت متهيئة فأخذت بيده ~~وخرجت من الباب وهي تقول لبديعة: «خاطرك.» ولما وصلت إلى حيث كانت العربة بانتظارهما ضحكت ~~ضحكة عالية سمعتها بديعة فقالت: إنها تفضل هذه المعيشة التي فيها «السرور والبسط» على ~~المعيشة الحقيقية، ولكن سيأتي يوم لا تعود هذه الأمور لذيذة لها كما هي الآن، وتصير تطلب ~~مؤنة ذلك اليوم فلا تجدها، ويصح فيها مثل «الزيز والنملة». # وكانت ضحكتها لم تزل ترن في أذني بديعة، فقالت: ما معنى هذه الضحكة ... ثم ذكرت أمرا فقالت ~~إنها ستخبر ذلك الشاب بالكلام الذي قلته لها ويشاركها هو في ضحكها مني، فمن الجهل أن ينهى ~~الإنسان فتاة جاهلة غبية عن أمر صار يتعلق بشاب ما؛ لأنه بذلك يعرض نفسه لعداوتين بدل ~~العداوة الواحدة: عداوة الفتاة وعداوة الشاب. # خرجت لوسيا مستندة إلى ذراع ذلك الشاب وهو يردد على مسامعها جملا ربما رددها على ms097 ~~مسامع الكثيرات من الفتيات مثلها، وكل واحدة يقول لها ما هو قائل الآن للوسيا: «إنني أحببت ~~قبلا ولكنني لم أعرف ما هو الحب الحقيقي حتى عرفتك.» كلام تغتر به تلك الفتاة الجاهلة ~~وتصدقه، وهو ربما قاله لغيرها في اليوم الثاني. ومشت دائسة بقدميها الصغيرتين نصائح ~~صديقتها المختبرة المخلصة، ولم تفتكر في أنها بذهابها أتت أمرا، وإن يكن جائزا عند ذوي ~~التسامح والتغاضي من الأمريكان فهو غير جائز عند عليتهم ولا عند بني وطنها. ومن العجائب أن ~~هذه الفتاة التي أتت ما يضر بنفسها لم تبال كبديعة التي وقفت تنظر إليها بأسف ~~وحسرة. # ولحسن حظها وصلت جميلة في تلك الساعة مع امرأة كانت ترافقها واعتذرت كثيرا لبديعة عن ~~تأخرها الاضطراري، وبعد أن ذهبت تلك المرأة إلى غرفتها نظرت جميلة إلى بديعة فوجدتها ~~مضطربة جدا. ولما عرفت السبب قالت لها بقنوط: يجب أن نتركها وشأنها؛ لأنها قد تمادت في ~~الغواية، ونصائحك لا تجديها نفعا، وهي فتاة متكبرة. # فقالت بديعة متنهدة: يا ليتها تعرف كيف تتكبر يا جميلة لأن من الكبرياء ما هو مفيد، كما ~~لو تكبرت على معاشرة بعض الشبان وهي لا تحب الاقتران بأحدهم، وكما لو تكبرت على قبول ~~هداياهم، والآداب تحظر على المرأة قبول هدية نفيسة من رجل غريب ... آه يا جميلة! إنني بقدر ~~ما كنت سعيدة حين أنقذتك من الغرق أكون تعيسة إذا افترقت عن لوسيا بهذه الصورة. # فقالت جميلة بحزن: لا أدري ما الذي غير أخلاقها، فهل من دواء لدائها يا ترى؟ # فقالت بديعة: لم يغير عقلها شيء، بل إنه قابل لهذه الأمور، وما كان «يقصرها عن صعود الجبل ~~إلا الحفا»، أما الآن وقد لبست حذاء بخمسة ريالات ... فقد صارت قادرة على السير بسرعة كلية ... ~~لأن ريح حرية أمريكا العاصفة لا تحرك الجبال الراسية بل تحرك العشب وتلويه ... فإنني أنا ~~أفضل ألف مرة موت الجسد على موت النفس؛ لأنه إذا مات الجسد وكانت النفس طاهرة فإنها ~~تبقي ذكرا حسنا على الأرض، وأما إذا ماتت النفس وبقي الجسد حيا ms098 فهناك الأثر ~~القبيح. # | الفصل السادس عشر # اللقاء وابتداء المصائب # ولبثت الفتاتان بانتظار لوسيا إلى قرب نصف الليل، فلما لم تأت ذهبتا إلى فراشهما ونامتا، ~~وكان ثاني يوم الأحد يوما جميلا من أيام الصيف، فأحست بديعة بثقل وطأة الهموم عليها ~~وأرادت أن تختلي بنفسها لتناجيها، وإذ علمت بأن هذا لا يتأتى لها بين الجماهير التي تجتمع ~~في ذلك البيت نهار الأحد؛ لبست ثيابها النظيفة البسيطة وذهبت إلى حديقة البلدة لتريح ~~أفكارها وتناجي نفسها. # لما صعدت بديعة إلى مركبة الترامواي لم تر شابا غريبا اشترى جوازا وصعد إلى المركبة ~~الثانية التي كانت معلقة بمركبتها. # ولما وصلت إلى تلك الحديقة الجميلة انفردت عن جماهير المتنزهين وذهبت إلى مكان بجانب ~~حوض الماء، وجلست على مقعد بجانب جذع شجرة من السنديان، وللحال تبادر إلى ذهنها ذكر تلك ~~الحديقة التي كلمها فيها فؤاد بأمر الحب لأول مرة، وجر عليها هذا ذكر مصائبها الماضية ~~والحاضرة كلها، فجلست تفتكر، ولما تمادت بالأفكار أحست بانقباض في النفس وضعف في ~~العزيمة، وكانت تتوصل إلى الندم على ما فعلت وكيف أنها تركت الوطن بدون أن تشاهد فؤادا، ~~ولما وصلت إلى هذا الحد رجع إليها رشادها وقالت لنفسها: يا له من ضعف معيب! إنني قد فعلت ~~ما فعلت قياما بواجب الشرف، فما لي أخون هذا الواجب بالأسف الذي يوليني ضعفا، وأنا في ~~بلاد غريبة تحتاج فيها المرأة إلى القوة النفسية لتحارب التجارب أكثر من احتياجها إلى كل ~~شيء سواها. # وبينما هي جالسة وقلبها ينتعش وينقبض لهذه الأفكار لم تسمع وقع أقدام من ورائها، ولم تنظر ~~إلى شخص كان ينسل ما بين تلك الأشجار بقدومه إليها. لكنها لم تلبث أن استفاقت من سبات ~~أفكارها، ونظرت مبهوتة إلى ذلك الشخص الواقف أمامها، ولولا تعقلها ومعرفتها بأنها تعرض ~~بنفسها لانتقاد الناس لصرخت بأعلى صوتها عند رؤيته. أما هو فنظر إليها مبتسما وقال: صباح ~~الخير. # فأجابت بديعة قائلة: هل أنا في يقظة أم في حلم يا خواجة نسيب؟ # قال الشاب: في يقظة؛ لأن لحاق محب هائم ms099 بك ليس من المعجزات، وهجره بلادا هجرها كل سرور ~~لمهاجرتها ليس إلا أمرا طبيعيا بسيطا. # فاحمر وجه بديعة من كلامه، ليس خجلا أم حياء كما يقولون، بل حنقا وغيظا من قحته ~~التي لم يدفعه إليها عهد سابق منها، ولكنها تجلدت وقالت بهدوء: ومتى قدمت هذه ~~البلاد؟ # قال كاذبا: من ثلاثة أسابيع. ولم يقل لها بأنه كان مسافرا معها وأن تأخره في نيويورك ~~كان لغاية خبيثة منه. # فقالت له وهي مطرقة إلى الأرض بصوت المضطرب الخجل الذي يريد أن يقول مضطرا كلاما يخجل ~~من قوله: إذن لم يمض على مفارقتك الوطن وقت طويل ... فكيف هو وكيف من فيه؟ # فسر نسيب لهذا السؤال الذي جاء مطابقا لجوابه، وقال: إنه زاهر بهم ... وهم فيه بخير ~~وهناء وسعادة ... # وعندما قالت بديعة: «هذا ما أرجوه.» صبغت وجهها هذه المرة الحمرة الحقيقية التي فيها ~~بعض دم القلب يصعد إلى الوجنتين والأذنين. # ورأى هو مجالا للكلام والتلميح، فقال: إذن أنت لا تغارين. وحيث الأمر كذلك - وهو غير ما ~~ظننت - فدعيني أخبرك بأن فؤادا رجع من المدرسة ووجد والده بانتظاره مع العروس فعقد خطبته ~~عليها وأنا تركتهم على أهبة العرس وأتيت لكي ... # فقاطعته بديعة قائلة، وقد ظهر على وجهها ما كذب قول نسيب من أنها لا تغار: لكي تخبرني ~~بالأمر وتجهز على قلبي الذي طعنته مرة من قبل، فمن صميم فؤادي أرجو لهما السعادة ~~الملازمة؛ لأن هذا الأمر هو سعادة ومشتهى قلبي. # فنظر إليها مستفهما وقال: أصحيح ما تقولين؟ تتمنين السعادة لمن خانك؟ # فقالت بديعة بهدوء: إذا كان هو خانني كما قلت أنت فأنا لم أخنه، بل إنني أحبه اليوم كما ~~أحببته من قبل، وهذا الحب يحملني على طلب السعادة له؛ لأن معنى الحب الحقيقي هو إرادة ~~الخير للغير. # فكان كلامها حرابا على قلب ذلك الشاب الخائن، وقال في نفسه: إنها خدمت في بيتهم شهورا ~~فضحت لأجلهم أعظم ثروة وأكبر سعادة، وأما أنا فإنني لاعبت فؤادا طفلا وعاشرته يافعا ~~ولازمته شابا «وأكلت معه بالصحن»، وخالتي ربتني بعد موت ms100 والدي، وزوجها علمني وأحبني، ~~وهذا صنيعي معهم مقابل صنيع هذه الفتاة، ولكن ما لي ولهذه الأفكار الآن فقد بدأت ويجب أن ~~أتمم. # ثم تأمل بعين فكره في هذه الجملة فقال: إن هذه الجملة هي آفة الكثيرين؛ لأن الإنسان الذي ~~يسلك طريق الشر يعرف بأنه سالكها حين يكون في أولها أو منتصفها، ولكنه يقول: «ما عدت قادرا ~~على الرجوع.» أو أن رجوعي لا يجدي نفعا؛ لأنني قد لبست ثوب العار، وهذا خطأ فاضح وضرر ~~كبير؛ لأن الرجوع من أول أو نصف الطريق خير من متابعة السير على البصير المرعوي. # وبينما كان فؤاد يفتكر كانت بديعة تفكر أيضا، وقد جلست مطرقة تتصوره سعيدا بمن يحبها، ~~فانفطر قلبها من الغيرة التي متى كانت معتدلة ولسبب حقيقي تكون بنت الحب الصادق. # ولكنها لم تلبث أن قالت لنفسها كما قالت لها قبل وصول نسيب: إن هذا هو الضعف يا نفس، فيجب ~~أن تكوني قوية وتعرفي بأن الإنسان العاقل لم يخلق لذاته أيضا، بل للإنسانية حق فيه لأنه ~~عضو منها ويطالب بالقيام بواجباته نحوها بقدر إمكانه. وما هي هذه الواجبات؟ # هي مساعدة الفقراء بقليل من المال، وإذا لم يكن المال موجودا فبالكلام المعزي ~~اللطيف. وقد قال أحد الحكماء: إننا لا نشعر بالسعادة التي يشعر بها الغير من كلامنا اللطيف ~~لهم. فهذه السعادة قد ترجع الضال إلى حظيرة الآداب والفضيلة. وقد تشبع جائعا فينسى ~~احتياجه إلى الخبز. وتسلي حزينا فينسى حزنه ولو لوقت. هذه مساعدة الإنسانية يأتيها الإنسان ~~مهما كان خاملا ولا سيما المرأة. ومن يظن أنه لا يخدم الإنسانية إذا لم يخدمها كأكابر محيي ~~الإنسانية يكون إما جاهلا لا يعرف بأن كل جزء صغير هو من كل كبير، وإما بخيلا لا يقدر على ~~إتيان العظائم في الخير - وإن قدر لا يفعلها - ولا يعمل ما هو دونها ادعاء بأنها لا تحسب ~~شيئا، وفلس الأرملة أكبر برهان على خطئه لو اعتبر. # وبعد أن مرت هذه الأفكار بمخيلة بديعة وهبتها قوة جديدة لمقاومة الهموم؛ لأن الذي يحب عمل ~~الخير ms101 ويرغب فيه يجد به سلوى عن كل غم وهم في الحياة. # وكان نسيب وبديعة شعرا باحتياج كل منهما إلى سريح الأفكار في فضاء الماضي، فأعطيا ~~لبعضهما فرصة، وكان أول من انتهى نسيب الذي التفت إلى بديعة وقال: قلت لك ما جرى باختصار، ~~وقلت بأنني أتيت إلى هنا لكي ... فهل تعلمين لماذا؟ # قالت: إنني أجبتك قبل الآن. # قال: لم يكن شيء من ذلك، بل مجيئي هو كي أطالبك بوعدك. # فقالت بلطف: لم أعلم بأنني مديونة لك بوعد ما، فهل لك أن تصرح؟ # فقال: هل نسيت؟ هل ذهب عن فكرك ذكر تلك المرافقة إلى الضبية؛ إذ فتحت لي طريق العذابات، ~~ولولا أملي بالسعادة المقبلة لما قدرت على تحملها. # وهذه المرة الثانية التي كذب عليها فيها؛ لأنه إذ أراد أن يوهمها بأنه كان في الوطن يقاسي ~~العذابات لأجلها كان، في نيويورك مع رفيق له ينتقل من حانة إلى أخرى، ولما يمتلئ رأسه من ~~الخمور يأخذ القلم ويكتب إلى خالته وإلى فؤاد مكاتيب الوشاية ببديعة ليمنع فؤادا عن اللحاق ~~بها، حتى يكون قد أتم حيلته وفاز بالاقتران بها. ومع أن قصد نسيب كان حسنا من بديعة؛ ~~لأنه رآها جوهرة فلم يرد أن يخسرها، وقال: المرأة الفاضلة لمن يجدها؛ لأن ثمنها يفوق ~~اللآلئ. # وقد جعل واسطته شريرة قصير الغاية شريرة. # فظهرت على وجه بديعة لوائح التبصر والارتباك بغتة، وكأنها لم تفطن قط بأن ذلك الشاب ~~يحبها وأنه خاطبها مرة بأمر الحب؛ لأنها هي لم تكن تحبه ولا يلازم فكر الإنسان إلا الشيء ~~الذي يشعر به. فقالت له بجد: أجل إنني أذكر تلك المقابلة جيدا، ولكنني لا أذكر صدور وعد ما ~~مني فيها. # فلحظ الشاب وتجاهل بأنه عرفه إذ قال: إذا كنت نسيت فأنا أذكرك بوعدك الذي كان قولك «بأن ~~لكل مقام مقالا.» # وها أنا أطالبك بهذا القول؛ لأن مقال هذا المقام هو غير مقام ذاك. بديعة ... بديعة ... إن كل ~~شيء تغير الآن، فإن فؤادا قد خطب وقد يكون تزوج الآن، وأنا قد هاجرت إلى هذه ms102 البلاد لأجلك ~~- لأجلك فقط - وعلى كلمة من شفتيك يتوقف هنائي أو شقائي. فهل من العدل أن تحبي رجلا لا ~~يحبك وقد خانك، وتنبذي محبة رجل كل غايته من الحياة أن يجتهد بجعلك سعيدة فيها؟ # فقالت بديعة بغير تأثر: أنت يا سيدي صادق وأنا قد قلت بأن لكل مقام مقالا، وقد ظننت أن ~~عقلي يتغير، أما وأنا لم أزل على مبدئي الأول فزواج فؤاد يزيدني ثباتا. وتراني الآن أصبحت ~~أقوى على الثبات من ذي قبل؛ لعلمي بأن فؤادا قد تزوج وقد سلاني. # فصدقني يا خواجة نسيب إنني أفضل العزوبة على الزواج؛ لأنني لا أرى به إلا الشقاء، ~~لأن الحب نور الحياة الزوجية وبدونه تكون الحياة مظلمة، وأنا قد مات قلبي عن الحب؛ لأنني ~~أحببت حبا صادقا طاهرا، ولا أقدر أن أحب مثل هذا الحب غيره. هذا ما أشعر به في الوقت ~~الحاضر، فلذلك أرى من التعاسة والخيانة معا أن أقترن برجل يحبني ولا أحبه؛ لأن الاحترام ~~شيء والحب شيء آخر. فحياتي منفردة أناجي نفسي وأقوم بواجباتي نحوها ونحو القريب، وذلك خير ~~لي من أن أكون مع رجل يقدم لي كل شيء ولا أقدر أن أقدم له شيئا؛ لأن كل شيء ما عدا الحب في ~~الحياة الزوجية باطل. # فنزل كلامها على رأس الشاب نزول الصاعقة ومر عليه مرور البرق، فقال في نفسه: إن هذه ~~الفتاة تجازيني على خيانتي وهي لا تدري، وهذا فعل العناية. ثم غاب هذا الفكر ورجعت أفكاره ~~الأولى وقد خامر قلبه حب الانتقام من بديعة إذا أصرت على عنادها، ولكنه رغما عن هذه ~~الانفعالات قدر على إحسان التظاهر. # فقال بلطف: إنك فتاة مخلصة وشريفة النفس، وحيث إن معنى الحب هو إنكار الذات كما قلت، فيا ~~ليتني أكون قادرا على جمع شملك بفؤاد إحياء لقلبك العظيم بحبه وشواعره، ولو مات بذلك ~~قلبي، ولكن هذا مستحيل، وأنا أسألك بشرفك أنك لو سئلت إبداء رأيك بفتاة قصتها كقصتك، ~~وماذا يجب أن تفعل: تعيش بذكر حبيبها وحده، أم تتزوج برجل آخر تعتاض بحبه ms103 عن الأول، فماذا ~~تجيبين؟ # أجابت بديعة: أقول بأنها يجب أن تتغلب على الحب القديم إذا كان بالإمكان، وتعتاض عنه ~~بالحب الجديد؛ لأن ما فات مات، وعلى رأي أحد شعراء الإنكليز: «الطاحون لا تطحن بالماء التي ~~جرت بل التي تجري.» # فقال: إذن كيف لا تصفين دواء غيرك لنفسك وأنت أحوج من سواك إليه؟ # قالت: لأنني لا أقدر ولا أظن بأنني أقدر فيما بعد على حب رجل آخر، كما أنني لا أظن أن ~~كل فتاة تقدر على هذا الأمر أو كل فتاة مثلي تحب بأن يتزوجها رجل لا تحبه مختارة تكون أتت ~~خداعا ومكرا. # فقال: غيري فكرك يا بديعة وارحمي قلبي الذي أضعه على أقدامك الآن وارتضي بالاقتران ~~بي، فمتى تم اقتراننا وجربت حبي واعتباري وتفاني في مرضاتك تحبينني، وأنا أرضى بهذا ~~الأمر لأنني أعلم بأن الفتاة الشريفة مثلك تكافئ الشيء بمثله. # فقالت بديعة مبتسمة: كثيرا ما سمعت هذا القول من الشبان للبنات، ولكنه قول باطل وإذا صح ~~أحيانا فذلك نادر؛ لأن لا أمل بإحياء القلب الميت والمراد إحياؤه حياة جديدة تامة. والمرأة ~~أو الرجل اللذين يرضيان بهذا الامتحان يكونان يسحبان ورقة «يا نصيب»؛ لأنه قد تحب الفتاة ~~شابا حبا صادقا، فتفترق عنه وتتزوج بآخر «فتحترمه»، وتكون تحفظ لذلك الرجل زبدة الحب ~~رغما عنها. أما أنا فلا أفعل هذا؛ لأنني لا أشرك بحبي، ولأنني إذا لم أقدر أن أمحو الحب ~~الأول من قلبي فلا أحب ثانية، وأكون خائنة لزوجي بحفظي ذكر رجل آخر. # فقال: أما تتزوجين أبدا؟ # قالت: هذا ما لا أعلم، إن المستقبل لله، ولكنني أتزوج متى رأيت رجلا يقدر أن يمحو حب ~~فؤاد من قلبي، وليس قبل ذلك. # قال بحنق: إذن أنت لا تحبينني، وقد تحبين غيري؟ # فعرفت هي ما ينوي، ولكنها لم تبال، بل قالت بصدق وجرأة: نعم إنني لا أقدر أن أحبك مع ~~أنني أعتبر إخلاصك، وأود لو كان بإمكاني إجابة طلبك، لكن على رأي أحد كتبة السوريين: إن ~~الحب ليس بغرسة يغرسها الإنسان أي وقت شاء ويقتلعها ms104 متى شاء. # فعند هذا الكلام وقف أمامها وتهيأ للذهاب، ورمقها بنظرة أحد من السهام قائلا: لا ~~تستخفي بحبي يا بديعة ولا تضحكي من تذللي، بل اعلمي أن الحب قد يتحول إلى بغض، ويكون في ~~هذا الوقت تأثيره أشد من الأول، فاحذري. قال هذا وتركها فريسة الأفكار وذهب. # | الفصل السابع عشر # الإخلاص الحقيقي # وبعد ذهاب الشاب سقطت من عينيها دمعتان ربما كانتا شكرا لله على ذهاب ذلك الشاب عنها، ~~أكثر مما كانتا حزنا على حالتها، ومع وفرة عقلها وصبرها قالت منقادة بغريزة الإنسان الذي ~~يمل من التشكي: يا رب هل أنا مستحقة كل هذا؟ أعيش يتيمة فقيرة لا أحظى بحب الوالدين، ولا ~~أعرف حنوهما، ولا يدفأ قلبي من حرارة تعزيتهما، ثم أسعد بحب شاب كنت أظنه محبا فأحرمه، ~~وإذا بشاب وقح كهذا يتوعدني أو يعذبني وأنا في بلاد غريبة. أواه! إنني لا آمن من الذهاب ~~للبيع وحدي فيما بعد، ولا أحب أن يطلع أحد على أسراري. وهذا الرجل سوف يلازمني ملازمة ~~ظلي لي، وأي مكان رآني فيه سوف يردد على مسامعي جمله الحبية الباردة فكيف العمل؟ # ثم تذكرت قولها لجميلة على ظهر تلك الباخرة من أن الإنسان خلق ليكون تعيسا إن كان ~~فهيما عاقلا وسعيدا إن كان غبيا جاهلا. # ولم تحس بديعة بوجود شخص ثالث بالقرب منها يحجبه عن نظرها جذع دوحة عظيمة، وهو قد كان ~~في ذلك المكان من مدة وقد سمع معظم حديثها مع نسيب، ومع أنه عرف بأن التنصت في غير محله ~~من قلة الأدب فإنه فعل ما فعل متعمدا؛ غيرة على من يفديها بالروح واندفاعا بوحي خفي كان ~~يدله على الحاجة إليه في ذلك الوقت. ومع أنه سمع تهديد الشاب للفتاة فلم يظهر نفسه له لئلا ~~يجعل له سبيلا للغيرة الممقوتة. ولكنه بعد أن سمع تأوه بديعة ونظر إلى ارتباكها لم ~~تطاوعه نفسه على ملازمة الحياد كما فعل في المرة الأولى بل مشى نحوها وقلبه يختلج في صدره، ~~ولما وصل إليها قال بصوت ضعيف: لا تخافي يا ms105 بديعة فإنك لست وحدك. # فاضطرب قلب الفتاة وأجفلت كثيرا من كلامه؛ لأنها لم تكن بانتظاره، وهذه المباغتة كثيرا ~~ما تؤلم الإنسان ولا سيما متى كان متحول الفكر إلى أمر مهم. ولم تقدر بديعة على المجاوبة ~~حالا؛ لأن قلبها كان يختلج في صدرها اختلاج الطائر المذبوح، ولأنها كانت حزينة جدا ~~لئلا يكون أديب قد سمع كلامها وكلام الشاب واطلع على سرها. وبعد أن هدأ روعها قليلا ~~قالت لأديب بصوت مضطرب: وهل مضى على وجودك في هذه الحديقة وقت طويل؟ # فعرف الشاب ما خامر قلبها حالا وقال، وهو لا يقدر على الكذب: من نحو نصف ساعة. # فاصفر وجه بديعة، واستأنف الشاب حديثه مطمئنا لها فقال: لما ذهبت ضيوفي أتيت إلى ~~غرفتكن لأقضي الشطر السعيد من الوقت، فرأيت جميلة وحدها، وكنت نظرت لوسيا ذهبت مع سليم إلى ~~النزهة ... فسألت جميلة عنك فقالت لي بأنك خرجت على غير عادتك ولم تعلميها بشيء، فلبست ~~ثيابي واندفعت بعامل خفي للحاق بك، وسألت أحد الجيران الأمريكان عنك فقال لي بأنك أخذت ~~الترامواي الفلاني، ولما وصلت إلى هنا وجدتك مع الشاب فهممت بأن أبعد كي لا أسمع الحديث ~~لكنني لم أقدر؛ لشعوري بما يضطرني إلى البقاء، وبعد ذهاب الشاب سمعت تأوهك فكاد ينفطر ~~قلبي، وأتيت لمساعدتك فعسى أن لا تحسبيني متطفلا. # فقالت بديعة بصوت مضطرب، وقد أثر بها كلام ذلك الشاب الأديب: إذن قد سمعت ما دار بيننا من ~~الكلام! # فشعر أديب بأنها توبخه لإتيانه أمرا محرما في شريعة الأدب، ولكنه لم يقدر على غير ~~ما فعل لما وجد بديعة في خطر، لا سيما وأنه رأى على وجه بديعة عند أول وصوله علائم الاضطراب ~~والقلق وعلى وجه الشاب دلائل المكر والشر، فخاف عليها منه. وكان أديب قد شك بخروج بديعة ~~وحدها على غير سابق عادة، فلما وجدها مع ذلك الشاب ظن أن خروجها كان لسبب، ولكنه لم يسئ ~~الظن بفضيلتها قط، بل أحسنه، وقال: ربما كان هذا اللقاء لفصم عرى ودادية قديمة أو ما أشبه. ~~وما يهم أن ms106 يكون لفتاة عاقلة شريفة كبديعة سر تكتمه وذلك السر خير لا شر. # ولكنه بعد أن جلس وسمع أكثر الحديث عرف سبب انقباض بديعة، ورأى له «باب فرج» من كلامها ~~لنسيب بأنها لا تحبه وقد تحب سواه. # وقال أديب بصدق: نعم إنني سمعت أكثره فاصفحي عن ذنبي؛ لأن القصد كان حسنا. # فاضطربت بديعة من جهة لافتضاح سرها، وسرت من أخرى؛ لأن أديبا أتى في وقت مصائبها، وهي ~~تشعر بحاجة إلى مساعدته، وكانت قد عزمت على طلب مساعدة جميلة وإفشاء سرها لها. ولكنها فطنت ~~أن جميلة مع إخلاصها الذي لا شك فيه ليست سوى امرأة مثلها لا تقدر على غير التعزية والتسلية ~~بالكلام. وذلك الموقف كان موقف عمل لا كلام. فاحتارت وشعرت بأنها بحاجة إلى مساعدة شخص أقوى ~~من جميلة، أو إلى مساعدة رجل ضد رجل آخر؛ إذ لا يفل الحديد إلا الحديد. وكما أن جميلة كانت ~~بإخلاصها وحبها بلسما لجراحات قلبها وقت التعزية، كذلك كان لا غنى لها عن مساعد يحارب معها ~~ويذود عنها وقت الظلم والتجارب. # ولكن من يكون ذلكم الرجل؟ إن المهمة التي تطلب منه القيام بها عظيمة، فما هي مكافأتها له؟ ~~وللحال تمثلت له تلك المكافأة بوجه أديب الذي كان أمامها يطفح حبا وعيناه تبرقان بأشعة ~~الأمل. فعرفت بأنها واحدة وهي طلب يدها للاقتران؛ إذ لا يعقل بأن الشاب الذي يجرد سيفه ~~للمحاماة عن فتاة ويوقف كل قواه لصيانتها يكون يحامي ويصون من لا تكون له، ومع شدة احتياج ~~بديعة إلى هذا الشخص، ومع معرفتها بأنه لا يكون غير أديب؛ لأنها لم تر غيره أهلا لهذا ~~الأمر، اضطربت وفضلت أن تموت موتا ولا تطلب مساعدة إنسان لا تقدر أن تكافئه المكافأة ~~التي يريد، وهذه المكافأة مستحيلة بالوقت الحاضر؛ لأنها كانت تثق بشرف أديب وتعجب ~~بآدابه وتحترم إخلاصه كثيرا وترتاح إليه كما ترتاح إلى جميلة، ولكنها كانت تميز بين ~~الاعتبار والحب، فعرفت أن صداقتها له صداقة أخوية شريفة ولكنها ليست حبا على ~~الإطلاق. # ثم تصورت أمرا فقالت لنفسها : إنني ms107 أكون جبانة لئيمة إذا اقترنت بأديب وأنا لا أحبه؛ ~~احتماء به من نسيب، فإن هذه متاجرة بالقلوب وخيانة عظيمة. # وكان أديب ينظر إليها باحترام، وبقي واقفا وهي جالسة لزيادة في احترامها، ومع أنه لم ~~يعرف ما هي أفكارها تماما فإنه عرف بأنها مضنكة للغاية تستدعيها الظروف الحاضرة، ولو عرفت ~~بديعة كم هي شريفة نفس ذلك الشاب وكم هي مخلصة عواطفه لما تأخرت قط عن طلب حمايته التي ~~كان يبذلها لها بدون مكافأة؛ قياما بواجب مروءة الرجل نحو المرأة. # ولما انتهت بديعة من أفكارها نظرت إلى أديب وقالت: إنك قد سمعت معظم القصة، فأرجو أن تجلس ~~لأسردها لك. # ولما سمع الشاب قصتها حزن حزنا شديدا؛ لأنها كانت موضوع آماله الحاضرة ونجمة حياته ~~المقبلة، وكان يود أن تكون له معها فرصة ليبوح بما في ضميره من حبها، ولم يستطع ذلك ~~لتباعدها عنه وهربها من مخاطبته على حدة مخافة من هذا الأمر. # ولم يكن أديب يظهر حبه للفتاة في حركاته وكلامه ونظراته أمام الناس؛ لأنه أديب كاسمه ~~ويعتقد بأن الحب مقدس لا يجوز عرضه للنواظر في كل ساعة ووقت، بل يجب أن يصان في القلب ~~ليبقى على بهائه، وبهذا يكون الحب صادقا لا كاذبا، ويكون كقطعة نفيسة يخاف الناس عليها ~~فيحتفظون بها، ولا يظهرونها إلا وقت اللزوم، وكان أديب دائما يقول: على الشاب العاقل كتم ~~سر حبه في قلبه وامتلاك عواطفه متى كان مع من يحبه في مجلس ما، ويجب أن ينسى ذلك الحب ~~قطعيا، فلا يظهره في عينيه وحديثه وأحيانا «تنهداته». # قال: هذه الأمور من الخفة والطيش وهي شائنة إن صدرت عن محبين سواء كان بعد الزواج أم ~~قبله؛ لأن الزوج أو المحب الذي يعامل خطيبته أم زوجته معاملة متطرفة في خصوصيتها أمام الناس ~~يكون يحتقرها، وهو مطالب باحترامها سواء كان بالنظر أم القول أم الفعل. # ولذلك لم يظهر عليه ميل إلى بديعة أمام الناس قط؛ لأنه كان يعاملها كما يعامل غيرها ولكن ~~بأفضلية هي لها، من حيث أدبها وعقلها وإعطاء كل ms108 ذي حق حقه من التعقل، مع أن أديبا كان ~~يحفظ لبديعة حبا ساميا عظيما قدرته هي قدره، وإن لم تشعره به. وكان لم يزل لأديب ~~بارقة أمل فلما هدأ روعها قليلا قال لها بلطف: سمعتك تقولين لنسيب بأنك متى أحببت رجلا ~~كما أحببت فؤادا تقترنين به، وأظن أن هذا ما حرك فيه ساكن الغضب. # فاضطرب قلب بديعة لإدراكها ما وراء كلامه من المعاني وقالت إذ عجزت عن السكوت: إنني قلت ~~ذلك. # قال أديب: كم يكون سعيدا من بين رفقائه ذلك الذي يحظى بجوهرة يتيمة بين النساء. ورمقها ~~بنظره ليقرأ أفكارها، أما هي فلم تدر بما تجيب، وللحال سقطت دموعها، وقالت بزفير: كفى كفى ~~يا خواجة أديب؛ فإن ما بي يكفيني ولا أقدر على تصور الصديق الوحيد فالشرف في العالم يغلق ~~بوجهي آخر أبواب الفرج ... # قال أديب: كأنك ترين بحب الناس لك ظلما؟ فإن كان هذا فلم لا تعاتبين ربك يا بديعة إذ ~~جعلك بهذه الصورة النفسية والجسدية؛ حتى أصبح حب الناس لك أمرا مقررا؟! ولكن الحب الصادق ~~والشريف منه ليس ظلما. قالت: نعم هو ظلم؛ لأني تعيسة جدا في الساعة الحاضرة وأرى بأن كل ~~معروف لا أقدر على مكافأته لا يزيدني إلا تعاسة. # إذ ذاك قال أديب بلطف: إن كلامك يشف عن اعتقاد تام بصداقتي وثقة بشرفي، فدعينا نترك أمر ~~الحب جانبا يا بديعة واسمحي لي بإلقاء خدماتي ومساعداتي على قدميك؛ فإن الصديق لوقت الضيق ~~وأنت في أشد الأوقات ضيقا الآن، وتحتاجين إلى مساعدة، أنا لا أزعجك، أنا أحبك حبا عظيما ~~صادقا وهذا الحب يدفعني إلى مناصرتك بما في الطاقة، فإن بدا لي وميض أمل كما أرجو فتكون ~~سعادتي تامة، وإلا فحسبي أن أكون خادمك المخلص وأن تكون خدمتي لمنفعة من أحب، وأنا أرضى ~~بالقليل إذا لم أحصل على الكثير يا بديعة، أنا أخدمك وأساعدك بكل أمانة ولا أقول بأن حبك ~~ليس غايتي الوحيدة. كلا، بل أقول بأنني إذا لم أحصل عليه في المستقبل فلا أتهدد ولا أتوعد ~~بل أرضى ms109 أن أكون خادمك المطيع وأخاك الصادق المحب. # وكانت بديعة تسمع كلامه الشريف وتبكي فلما انتهى لم تقدر إلا على الوثوق به، وقالت: إن ~~اللسان أحقر من الجنان بكل شيء؛ فهو لا يقدر على بث عواطف الشكر عنه. فالله وحده يقدرني ~~على مكافأتك. # قال أديب بفرح: آمين، لأن بمكافأتك حياتي ... # وكان الوقت إذ ذاك أصيلا فلحظ أديب تلبك وقلق بديعة الظاهرين، وقال: إنك لا تحبين ~~الرجوع برفقتي خوفا من لغط الألسنة، ولكنني لا أتركك تذهبين وحدك ولو مهما حدث. # فقالت بديعة: إنك تقدر على قراءة أفكاري بسهولة؛ لأن فينا عادة - نحن السوريين - هي أن ~~نحمل كل ما نراه على محمل سيئ، وذلك لعدم الفرق بين الناس ومعرفة عقولهم لنعرف منها أعمالهم ~~ونحكم عليها. وكما أخاف من الذهاب معك أخاف من الذهاب وحدي؛ لأنهم سيشكون على كل حال وهذا ~~ما يؤلمني؛ إذ إني أكره أن أكون مسببة للناس الشكوك. # فأجاب: إنهم بدون ريب سيعرفون بأمرنا وأننا التقينا مع بعضنا بسبب خروجنا من البيت كل ~~بمفرده. فدعينا نذهب سوية وذلك ينجينا من خطر الطريق وخطر المكر. # | الفصل الثامن عشر # تأثير المحبة # وكانت بديعة باستعداد تام لازورار الأعين والتلميح بالكلام، فلم تبال بهما كثيرا عند ~~وصولها، والذي زاد بعدم مبالاتها هو ابتسامات جميلة الحلوة لها وقبلاتها الحارة. # ومن العجائب كان حب الواحدة للأخرى من هاتين الفتاتين، فقد يحتار الإنسان بما يدعوه إلا ~~«حب الأم»؛ لأن هذا هو الحب الوحيد الذي تضحى فيه المصلحة الذاتية بسرور تام، والذي ليس ~~للغيرة من أثر فيه. وهذا الحب عمومي تقريبا في الأمهات ونادر جدا في الأزواج والزوجات، ~~وغير موجود ما بين الإخوان والأخوات، فلهذا كان يحسب كل ما يرى هاتين الفتاتين ويعرف ما هو ~~حبهما لبعضهما أن كل واحدة منهما بنت الأخرى ... لأن كل واحدة منهما كانت تحب السرور للأخرى ~~وإن كانت هي حزينة، وقد يظن القارئ أن كلام هذه المؤلفة تصور وهمي إذا قالت بأن جميلة مع ~~أنها كانت بسيطة الخلقة فإنها كانت تسر من النظر إلى ms110 جمال بديعة الفتان؛ لأنها كانت عاقلة ~~فلا تبغض أختها لأمر لم تكن صنعته إحداهما، وبديعة كانت تعيسة جدا بذلك الوقت ولكن لو ~~قدر لها أن ترى جميلة سعيدة لسرت وتسلت بسعادتها عن تعاستها هي؛ لأن الغيرة ~~لم تخامر قلبي هاتين الفتاتين. وكانت إذا فقدت الواحدة منهن شيئا حلوا ولذيذا في ~~الحياة تسر ولا تحزن إذا وجدته مع أختها، وتشعر معها بالتلذذ فلا تحسدها لأجله، كما ~~هي الحالة حتى بين الشقيقات أحيانا. # وقد يسمى هذا الحب «حب الأمهات»؛ لأنه وإن يكن عظيما ومعجبا بين فتاتين صديقتين، فهو ~~تافه وبسيط عند الأمهات اللواتي يحببن التنازل عن كل شيء حسن لهن لأولادهن، ويكن ~~سعيدات، فكأنهن لا يكن سعيدات، ولا تتمثل صورة آمالهن جميلة بأعينهن إلا في الأولاد، ~~فيا ما أعظم هذا الحب من الأمهات! ويا ما أحقر ما يقابله به الأولاد! # فإن المثل القائل: «إن الجزاء من جنس العمل.» لا يمكن أن يتم بولد نحو والديه؛ لأنه ~~مستحيل لولد مهما فعل أن يكافئ والديه وخصوصا أمه. # وبناء على هذا الحب سرت جميلة لما رأت بأن بديعة آتية مع أديب؛ لأنها كانت تعرف ما ~~هو عليه الشاب من الأدب والغنى والشرف والجمال، فقالت: «إنه يليق ببديعة.» ولما جلست بديعة ~~على الكرسي وهي مصفرة اللون من الانزعاج، لم تعرف جميلة ما جد لها، فصارت تلمح بالكلام ~~وهي تكاد تطير فرحا لظنها أن أديبا قد خطب بديعة، ولحظت بديعة فشكرت حب هذه الفتاة في ~~قلبها، ولكن الليل لم يأت جميلة بالأحلام السارة، بل أبدلها بالأحلام المزعجة؛ لأن بديعة ~~قصت عليها قصتها بتمامها. # لما خرج نسيب من الحديقة تاركا فيها بديعة، حمله الغيظ إلى أول مركبة بانتظار الركاب، ~~فركب فيها ولم ينظر وراءه إلى أحد. # وفيما هو جالس تتقاذفه أمواج الأفكار سمع ضحكة عالية، وكان الضاحك امرأة فقال في نفسه: ~~ما أشد جهل الذين يقولون بأن في أمريكا تمدنا! ولكنه لم يلبث أن كذب نفسه؛ لأنه سمع ~~الضاحكة تتكلم اللغة العربية مع رفيق لها فقال: يا للعجب! ms111 كيف أن هذه الفتاة تتكلم اللغة ~~العربية وهي لا تخجل بها؟ فإن التكلم بهذه اللغة قد أصبح «موضة قديمة» حتى في بلاد العربية ~~ذاتها. وبعد برهة تحقق السبب الذي من أجله تكلمت الفتاة هذه اللغة؛ ذلك لأن حديثها كان ~~سريا، فقال في نفسه: إن السوري لا يتكلم اللغة العربية إلا إذا كان في سر يريد كتمه أو في ~~كلام يخجل أن يقوله على مسمع من الأمريكان، وربما كان هذا رأيه؛ لأنه كان حديث العهد في ~~أمريكا. # وبقي الشاب مصغيا لحديث الرفيقين، فسمع اسم «بديعة» و«أديب» مرارا وسمع النم ~~والاغتياب في كثيرين، وهكذا بقي صامتا حتى عرف أسرارا كثيرة لو عرف أصحابها بإفشائها ~~لفدوها بما عز وغلا. فهز رأسه وقال: ما أجهل هذين الشخصين اللذين يتكلمان مثل هذا الكلام ~~في الأماكن العمومية، وهما لا يدريان من الحضور فهم لغتهما. وكان لذلك الوقت لم يلتفت وراءه ~~ليرى من هما، فلما فعل عرف الفتاة التي رافقت بديعة في البحر ونظرها معها للمرة الثانية وهي ~~لم تنظره. # وكان نسيب قد أعجب بجمال لوسيا من قبل كما مر، فلما رآها هذه المرة رأى بأن ذلك ~~الجمال قد صار مزدوجا الآن؛ لأن لوسيا كانت مرتدية بأجمل ثيابها في ذلك اليوم «والصقل ~~برداخ المادة» فلما نظر إليها قال في نفسه إذا لم أقدر على إقناع بديعة - وهذا ما لا يكون - ~~فسأختبر هذه الفتاة فإن كانت مثل بديعة وقدرت أن أحبها أقترن بها، وإلا فإنني أرمي لها شراك ~~حبي فأصطادها بها وأسلب منها مالها؛ لأن المال نفد مني ولا أقدر على الشغل. والعجيب أن ذلك ~~الشاب مع كثرة شروره رام «اختبار لوسيا» ولم ينخدع بظواهرها مما يدل على أن في الرجل أمرين؛ ~~الأول: أنه وإن يكن شريرا فهو يقدر على معرفة المرأة الفاضلة، والثاني: هو أن الرجل يحترم ~~المرأة التي تحترم نفسها، وإن كانت عدوته اللدودة، فيا حبذا لو اعتبر بعض النساء هذا، ~~واعتبر أيضا أن الرجل لا يسأل على نقصه، وإنما يطلب الكمال في المرأة ، وقد قيل ms112 إن المرأة ~~خلقت لتكمل نقص الرجل. # وكان نسيب ينظر إلى لوسيا من تلك الساعة بتدقيق وهو يقول في نفسه: إنني رجل نبذت الفضل ~~ولكنني أعرفه، والذي أراه هو أن هذه الفتاة خلقت لتكون زهرة ذات رائحة تنعش القلب ~~ولكنها لا تهتم قط بأن تكون ثمرة، وهي لا تعلم بأن الزهرة يشم الإنسان رائحتها فقط وبعد ~~حين تزول هذه الرائحة، وأما الثمرة فإنه يأكلها وتتحول في معدته إلى دم يتوزع من قلبه ~~إلى كل جسمه. # ولما نزل الرفيقان أمام مرسح خارج البلدة - لأن الوقت كان صيفا - تبعهما نسيب ولم يلبث ~~أن عرفهما بنفسه، فلما عرفا بأنه سوري مثلهما طلبا إليه قبول ضيافتهما والدخول معهما إلى ~~المرسح ففعل، وكان ما بين كل فصل وفصل يلقي شباك مكره للوسيا التي عرف حالا بأن صيدها سهل ~~للغاية. # ظنت الفتاة في أول الأمر أنها تلاطف نسيبا شأنها مع كل الشبان نظيره، الذين كانت تقبل ~~هداياهم وتذهب نهارا معهم إلى المتنزهات، وليلا إلى المراسح، وهي لم تحسب عملها مغايرا ~~للأدب قط؛ لأنها في بلاد تفعل عادات أهلها، ولكنها بالحقيقة كانت لا تميل إلى واحد من أولئك ~~الشبان أكثر من الآخر، ولا تفضل واحدا منهم على سواه. # ولم تكن تنتهي تلك الليلة حتى شعرت لأول مرة بما لم تشعر به من قبل؛ بسرور زائد من ~~محادثة نسيب وارتياح زائد إليه. ولما فارقهما وذهب إلى المنزل، أحست بأن بعضها قد فارقها ~~وحزنت لفراقه. # وأول شيء فعله نسيب في صباح اليوم الثاني هو ذهابه إلى شارع السوريين وتعرفه بهم؛ لأنه ~~كان له في تلك المدينة أيام لم يعرف أحد به وهو يترقب خروج بديعة وحدها ليراها، وثاني شيء ~~كان تقربه الزائد من لوسيا واجتهاده بفصلها عن السكن مع بديعة وجميلة وعن معاشرة ~~الشبان. # واندفاعا بالحب الذي أسر لوسيا بعد أن كانت آسرة استأجرت غرفة مع عائلة سورية وسكنت بها ~~وحدها، وصار نسيب يأتي آكلا شاربا عندها، ولما يخرج تضع لوسيا في جيبه بعض الدولارات ~~«لأجل الخرجية». # وهنا انقلبت الأحوال ms113 مع لوسيا انقلابا تاما؛ فإنها بعد أن كانت ملكة على كل الشبان ~~أصبحت عبدة لهذا الشاب، وبعد أن كانت تهدى إليها الهدايا النفيسة أصبحت تهدي ما لديها ~~لمالكها بعد أن أهدته أعظم الأشياء عندهما وهما «حريتها وقلبها». # وكانت مسرورة لأنها كانت تحبه، وهو يعدها بالاقتران بها حتى توفر المال الكافي ~~لذلك. # وهكذا فإن هذه الفتاة رجعت إلى نشاطها الأول وكانت تشتغل دائما إرضاء لحبيبها. # | الفصل التاسع عشر # المرض # وكان جل مقاصد نسيب من لوسيا آلة لمحاربة بديعة والانتقام منها بها، وكانت لوسيا مستعدة ~~لهذا الأمر؛ لأن بديعة «عدوة حبيبها». # ولكن ما هو السلاح الذي استعانا به لمحاربة بديعة؟ هو سلاح الجبناء، هو اللسان الشرير ~~الذي أداراه بالاختلاق والنميمة والكذب، والذي صورا به قصة بديعة عارا عليهما، وليس ~~شرفا لهما كما زعما دون مراعاة للحقيقة، وهذه هي الحالة مع الأشرار في كل وقت؛ فإنهم إذ ~~يعجزون عن إلحاق أقل أذى بمن هم شرفاء يتكلمون عنهم بما في ذواتهم. # أثر تواتر المكايد والشدائد ببديعة تأثيرا عظيما، وبالرغم عن تعقلها وصبرها أصيبت ~~بمرض؛ لأنها كانت شديدة التأثر رقيقة العواطف. # مرض قلب بديعة فمرض لمرضه جسدها؛ لأنهما تآخيا بالنقاوة والطهر، وكان ما يشعر به الأول ~~يشعر به الثاني، ولم تحرم بديعة إبان مرضها تعزية وتسلية أصدقاء كثيرين كانوا يوفونها ~~دينها؛ لأنه «بالكيل الذي تكيلون يكال لكم وأزيد.» # وكان العقلاء من نساء ورجال السوريين يعزونها؛ لأنها كانت مثال اللطف والوداعة مع الفقراء ~~والفضلاء، كما كانت صورة الترفع والأنفة على الجهلاء وذوي اللؤم، فنالت من كل منهم ~~مكافأتها ... # والذي كان يخفف عنها بعض الألم هو وجود أديب وجميلة بجانب سريرها، فكانت تقول: إن المصائب ~~لا بد منها بحياة الإنسان ولكن كم يكون الإنسان سعيدا وكم يكون الله يحبه متى كان له ~~بمصائبه صديقان مخلصان وأخوان عزيزان كأديب وجميلة. # وكان أديب يحافظ على صحتها محافظة على أنفس شيء في الحياة، فأهمل في اشتداد مرضها ~~شغله، وكان يتبادل مع جميلة قراءة الكتب لها والاعتناء بتمريضها ليلا ونهارا. # وكان ms114 أديب يكاد ينفطر القلب كلما رأى بديعة بهذه الحالة؛ لأنها كانت تذبل ذبول الزهرة كل ~~يوم عن يوم، وهي باسمة صابرة، وكان أديب - وهو يعرف السبب - يتمنى لو قدر على لم شملها مع ~~فؤاد، ويكون أول الفارحين مع حبه العظيم لها الذي لم تتغلب عليه الأنانية. ولكثرة ملازمة ~~أديب لجميلة في مرض بديعة قدر على معرفتها أكثر من الأول، فإنه رأى بها صورة نفس بديعة ~~وأخلاقها وأطباعها تماما وإن يكن بعضها أنقص مما هو في بديعة، فقد كان قريبا من المماثلة، ~~ولو كان لجميلة وجه بديعة لكانت مثلها تماما ولكن ... قال أديب إن جمال النفس ثلثا المرأة ~~وجمال الجسد الثلث الباقي، فإذا خير الرجل بينهما فإنه يطلب الأكثر لا محالة، ولكن إذا ~~جمع الثلاثة في امرأة كما هي الحالة مع بديعة فتكون المرأة بالغة حد الكمال الممكن، وهذه ~~نعمة ولكنها نادرة، فإذن يجب على المرأة أن تطلب أولا «الكمال» فإن عجزت عنه فلترض ~~«بثلثيه» اللذين هما أفضل من الثلث، وهذا لا يهم وحده سوى الجاهلات. # ولكن جميلة لم تكن «قبيحة» ولم تكن «جميلة»، بل كانت «بين بين»، وكانت ذات عينين فتانتين ~~تنبعث منهما أشعة الذكاء والفضيلة من فوق ذلك الوجه البسيط، الذي ارتاح إليه أديب أكثر من ~~ذي قبل إذ رأى اعتناء صاحبته الزائد ببديعة، ولربما كان هذا ما دعاه إلى محبة جميلة على حد ~~ما قيل: «حبيب إلى قلبي حبيب حبيبي.» # وكان من الناس الموجود منهم في كل مكان من يحسبون بأن ذكر لوسيا ونسيب «ضمة زهور» يهدونها ~~إلى بديعة في مرضها. فيأتونها قائلين: قال نسيب كذا وقالت لوسيا كذا «ليربحوها جميلة» فكان ~~جوابها: إنني لا آسف على اغتيابهما إياي بل أسفي هو على خسارة صداقتهما. # | الفصل العشرون # السفر # في أحد الأيام أتى أديب إلى غرفة بديعة وأدلة السرور بادية على وجهه، ولما اقترب من ~~سريرها وجدها مبرقعة بهيئة محزنة ومفرحة معا. # محزنة لأنها صفراء كالموتى، ومفرحة لأن هذه الصفرة ذاتها كانت مثال هيئة ملائكية وجمال ~~غريب وهي مغمضة ms115 العينين، وقطرات العرق كحب من اللؤلؤ المنثور على جبهتها، ولما لم يشأ ~~إزعاجها مشى بهدوء مفتشا عن جميلة التي وجدها في المطبخ تعد لها طعاما. # فقال مبتسما: قد أتيت لبديعة ببشارة حسنة فوجدتها نائمة. فقالت هذه بلهفة: وما ~~هي؟ # أجاب: إن نسيبا ولوسيا قد غادرا هذه المدينة إلى نيويورك لأجل السكن هناك. # فخرت تلك الفتاة المسكينة عند قدمي الشاب وقبلت الأرض قائلة: أشكرك يا الله فإن عزيزتنا ~~قد أبلت مرضها. # فقال وهو معجب بإخلاصها: لا عدم هذا الإخلاص الشريف من البشر. # أجابت: إنني لا أكافئ بديعة بأضعاف أضعاف هذا الإخلاص لو كان لي. # فقال: لا غرابة فإن الجزاء الحق من جنس العمل، وبديعة مخلصة، وكلتاكما أهل لهذا ~~الحب. # قالت: أطلب من الله أن يستجيب قولك فيقدرني على إنقاذ بديعة من المرض كما أنقذتني هي من ~~الموت غرقا. فظهرت على وجه أديب لوائح الاندهاش وقال لها: من الموت غرقا؟ # قالت: نعم. وقصت عليه قصتها بتمامها، فلما فرغت قال الشاب متأسفا: إن مصيبتك ومصيبة ~~بديعة متشابهتان، ومن الظلم أن يكون هذا جزاء فتاتين شريفتين من البشر. # فتنهدت جميلة وسكتت؛ لأنها كانت تسكت أكثر مما تتكلم في أغلب الأحيان، وفي برهة سكوتها ~~سمعت صوت بديعة تناديها فهرولت مسرعة إليها وتبعها أديب والفرح باد على وجه الاثنين، ولم ~~تقدر جميلة على كتمان ذلك الأمر المفرح عن بديعة فأكبت على عنقها وقبلتها قائلة: قد ~~أتاك أديب ببشارة تسرك وتشفيك إن شاء الله. # فتنهدت بديعة وقالت: ما هي يا ترى؟ ولكن قبل أن تقصاها علي دعاني أخبركما بحلم مزعج ~~حلمت به، هو أنني كنت سائرة في طريق مقفرة وحدي، وكانت الأرض موحلة فسقطت رجلي في حفرة هناك ~~إلى ركبتي والتصق بها الوحل، فعانيت كثيرا في سحبها منه ومشيت مسرورة. وبعد قليل وقعت في ~~حفرة أعمق من الأولى بكثير، وإذ رأيت نفسي فيها خفت وصرت أصرخ إليكما وأقول: لتكن مشيئتك ~~يا رب فإنني لا أكاد أخلص من حفرة في الحياة حتى أقع في أعمق منها ، ولولا أنني ms116 انتبهت الآن ~~لكنت جننت لا محالة من الخوف. # عند ذلك اقترب أديب من سريرها قائلا: أبشري يا بديعة فإن حلمك قد صدق من جهة وكذب من ~~أخرى؛ لأن نسيبا ولوسيا قد سافرا إلى نيويورك وسوف لا يرجعان، وهذه هي الوحلة التي خلصت ~~منها، أما البئر فلم تقعي بها وحلمك من هذه الجهة كاذب. # فأغمضت بديعة عينيها عند سماع كلام أديب، وكأنها أرادت بهذا أن تحجب عن نظرها إخلاصه وحبه ~~العظيمين، واللذين لا تقدر أن تبادله أحدهما كما يريد. # ومع أن بديعة لم تسترح كل الاستراحة من جهة حلمها، فإنها فرحت بذهاب نسيب كثيرا ورضيت ~~بالحاضر مسلمة المستقبل لله. # ولا حاجة للكلام بأن بديعة أخذت تتقدم إلى الصحة؛ لأن الأمراض مهما كانت يؤثر بها الهم ~~كثيرا، فكيف متى كانت مسببة عن الهم ذاته! ولما أخذ ذلك الهم بالتناقص، أخذ مرضها بالزوال ~~شيئا فشيئا. # | الفصل الحادي والعشرون # رأي بديعة في المهاجرة وبيع الكشة # وفي أحد الأيام دخل أديب إلى غرفة الفتاتين فوجدهما مشغولتين بخياطة ثوب لبديعة، فنظر إلى ~~وجه هذه فرآه لم يزل مصفرا وعليه من الوهن والضعف أدلة، وكان أديب يحب محادثة بديعة ~~كثيرا لأنه يرى لها إلماما ومعرفة بكل أنواع الأحاديث الأدبية المفيدة، فقال لها وهو ينظر ~~في يديها الناحلتين بدون ملل: أي شغل أحب إليك من الثلاثة: الخياطة أم بيع الكشة أم ترتيب ~~البيت؟ # فأجابت بديعة، وكان لها رغبة وشوق إلى الحديث في ذلك اليوم: إن لذتي ليست بجنس وطبيعة ~~العمل بل بالعمل الواجب عمله؛ فشغل البيت من واجبات المرأة الأولى، وهو أشرف أعمالها، ~~والمرأة التي لا تقوم بأشغال بيتها بمعرفة وترتيب وأمانة لا تكون امرأة كاملة ولو كانت ~~ملكة؛ لأن المرأة إذا لم تشتغل في بيتها بيديها يجب أن تشتغل بعينيها ولسانها، وذلك بملاحظة ~~الخدم وإرشادهم. والمرأة على كل حال ملكة وبيتها هو مملكتها الصغيرة، وكيف نشكر هذه ~~الملكة إذا لم تكن عارفة بأحوال مملكتها؟ أم إذا كانت عارفة وترى من العار إدارة هذه ~~المملكة بذاتها ، ولعمري إن ms117 المرأة التي تلتهي عن شغل بيتها بشغل الناس تجد من أولئك الناس ~~احتقارا ولا تكون إلا متطفلة. # وأما الخياطة فهي واجب المرأة الثاني، وهي إن تكن من شغل البيت أيضا فإنها فرع مستقل ~~بذاته، فالمرأة يجب أن يكون لها إلمام بكل المعارف والعلوم، ولا سيما البيتية والاجتماعية ~~منها. وهي أحوج إلى تعلم فن الخياطة الآن منها قبل سنين وأجيال؛ لأن «السيدة موضة» مسرفة ~~للغاية وتوجب هذا الإسراف على رعاياها، وهي تأتينا كل يوم بفن لا بد لبعض النساء منه، ~~فإذا لم تقدر المرأة على الاقتصاد في أثمان الملابس وأثمان تخريجها فلا أقل من الاقتصاد ~~بأجرة الخياطة، وهذا الكلام يعم الغنية والمتوسطة الحال والفقيرة؛ لأن الثلاث سائرات على ~~طريق واحدة تقريبا في هذه الأيام. فالأولى لا يضرها إن اقتصدت قليلا في أجور الخياطة ~~بعمل ثياب أولادها وثيابها البسيطة إذا لم نقل غيرها، وينفعها إذا وزعت هذا المال الذي ~~تكون سلت نفسها باجتنائه أو توفيره على الفقراء المعوزين بدون أن تمس مالها أو مال زوجها. ~~والوسطى ينفعها هذا الاقتصاد كثيرا؛ لأن حالتها مكربة بالتشبه بالغنية التي لا يهمها ~~الاقتصاد كما يهمها هي. وأما الفقيرة فهي مطالبة شرعا بتعلم فن الخياطة حتى تكون قادرة ~~على لبس أثواب جميلة هي وأولادها؛ لأنها إذا كانت تخيط وترتب ثوبها تقدر على مشترى الأقمشة ~~المعتدلة الثمن وجعلها جميلة صالحة للبس وخياطتها «على الموضة»؛ وبهذا توفر المال الذي ~~يجب إنفاقه على الغذاء، وتصون ماء الوجه إذا كانت تضطر أن تذهب إلى عند فلانة وفلانة ~~لتفصل لها هذا. # ومن واجبات المرأة البيتية القراءة أيضا؛ لأن المرأة التي تكون أمية تشتغل في بيتها ~~بيدين فقط، وأما متى كانت تقرأ فإن أيادي كثيرة وعقولا كبيرة تساعدها على الشغل والاقتصاد ~~والصبر وحسن إدارة البيت. ورب امرأة تقرأ مجلات مفيدة فتقدر على إدارة بيتها على نسق لا ~~يكون في بلدتها أو وطنها أيضا، وتقدر أن تطبخ ألوانا من الطعام لم يكن أحد من أهلها أو ~~بني وطنها ذاقها، وتكون قرأت هي عنها في ms118 كتاب طبخ. # وفضلا عن هذا فإن القراءة صابون الهموم، والمرأة البيتية أحوج الناس إلى غسل القلب ~~والرأس بعد الاستراحة من شغل البيت؛ فالجريدة تسليها بأخبارها عن أتعابها وتسبح بها في عالم ~~كبير لا تقدر أن تدخله وتعرف ما فيه، والمجلة تعلمها كيف تطبخ، وكيف تربي أولادها وكيف تهذب ~~نفسها وتهذبهم، والخلاصة أن الجرائد والكتب والمجلات المفيدة تعلمها كيف تدنو من الكمال، ~~وكيف ترى بعين فكرها غير جدران منزلها وبيت جارتها وكيف تقدر على مشاركة زوجها بآرائه ولذته ~~متى أتى ليصرف وقت الراحة في البيت، وكيف تجعل له ذلك البيت جميلا ومبهجا وهادئا، وتكون ~~هي فيه لصرف ساعات سعيدة بعد مجيء زوجها من أشغاله وانصرافها هي من أتعابها. # أما بيع الكشة فهو تجارة، وهو «جائز ومحرم» بحسب الظروف. جائز لأنه تجارة غير محرمة على ~~المرأة متى كانت مضطرة إلى تحصيل معيشتها بذاتها. وهذا الأمر يتم بواسطتين هما ~~التجارة والخدمة. والواسطة الأولى هي أشرف وأنفع للمرأة إذا قدرت عليها؛ لأنها تكون ~~لائقة بها. وأما الثانية فإنها تأتي بعد الأولى، وبيع الكشة في هذه البلاد تجارة للمرأة ~~وللرجل السوري على السواء، فإذا اضطرت المرأة إلى البيع وتعاطته بشرف وأدب تكون قامت ~~بواجب العمل الشريف، وعرفت بأنه خير وألف خير للمرأة الفاضلة أن تكد وتتعب بالعمل الشريف ~~لتحصل منه خبزها، من أن تأكل بكسل وخمول، أو تلقي اتكالها على أحد غريب عنها فتعيش ~~ذليلة مهانة وهذا ما هو محرم. # إنني بكل حرية أقول وأنا آسفة بل حزينة: إن بعض نسائنا يتعاطين بيع الكشة إما دناءة ~~وطمعا في جمع الكثير من المال والرجوع به إلى الوطن كيفما كان الأمر، وبعضهن يفضلن التجول ~~والدوران والتنقل من بلد إلى بلد متاجرات، على ملازمة البيت والقيام بالواجبات التي ~~خلقت لها المرأة، وقد رأيت بعيني سيدة لا تحب أن تأتي إلى البيت إلا أياما في السنة ~~وترجع، وأخرى تقول: إن صدرها يضيق متى دخلت بيتها ووجدت زوجها مقطب الحاجبين عابسا ~~وأولادها سيئي التربية قليلي الأدب وبيتها قذرا قبيح الفرش، ms119 وهذه النقطة التي أردت الوصول ~~إليها؛ فما الذي صير وجه زوجها عابسا إلا أنه كان يأتي إلى ذلك البيت فلا يجد فيه من ~~يعلمه اللطف والبشاشة؟ وما الذي صير أولادها قليلي الأدب سيئي التربية غير تركها إياهم ~~وإهمالها لهم، يدخلون ذلك البيت يأكلون ويشربون فيه ويخرجون منه إلى الأزقة والشوارع ~~التي ليست في عيونهم أقبح بل أجمل منه. وماذا يرون فيه يسرهم ويرغبهم في البقاء ضمن ~~جدرانه؟ أهناك لطف الأم وحنوها وحبها الذي هو أعظم مسل ومرغب للأولاد في البيت؟ أم ~~ترتيبها واعتناؤها بأجسادهم ونفوسهم اللذين يجعلانهم أغراسا نضرة تسر العين، وفيها أثمار ~~لذيذة من الأدب تغذي القلب؟ إنهم لا يرون هذا ومتى خرجوا فإلى أين يخرجون؟ إلى الشوارع ~~الملآنة بأولاد الطيش وعشراء السوء؟! إلى الحانات وطاولات القمار؟! وعلى هذا يشبون، فمتى ~~تزوجوا بنساء كأمهاتهم جاهلات يبقون على حالهم، ولسان حالهم يقول: «من الدلفة لتحت ~~الميزاب.» وإن بلا الله بهم نساء فاضلات من بيوت عامرة لا يقدرونهن قدرهن، ويعشن معهم بظلم ~~وهم لا يلامون بل تلام أمهاتهم اللواتي هن نساء اليوم؛ لأنهن لم يجعلن بيوتهن كما قال أحد ~~الحكماء: معامل للفضيلة. وقد كن منشغلات عنها بجمع المال الذي كان يقدر الرجل على جمعه وهو ~~لهذه الغاية خلق ولم يخلق ليتبادل مع المرأة الصنائع والحرف فتذهب هي متاجرة بينما هو ~~ملازم البيت مع الأولاد، أو متخلف في الوطن «عند الرزقات»، ومرسل امرأته الضعيفة لتحارب ~~التجارب والمصاعب ببلاد أصغر ولاية من ولاياتها هي أكبر من وطنه. # هذا هو بيع الكشة يا سيدي، فهو خير وشر على الوطن وأبنائه، وكل الأشياء تتمشى على هذا ~~النمط متى وضعت في غير مواضعها. # فعجب أديب من إصابة رأي بديعة وذكائها، فقال لها: أظن أن المرأة السورية في سورية أوفر ~~راحة منها في أمريكا. أجابت: نعم ولكنها أقل نفعا وتهذيبا بوجه العموم، وغاية ما أقدر على ~~قوله عن المرأة السورية المهاجرة والسورية المقيمة في وطنها هو أن الطبقة الأولى من نساء ~~المهاجرات مجتهدات ويشتغلن في بيوتهن أكثر ms120 من نساء الطبقة الأولى في الوطن، وأما هؤلاء ~~فإنهن ذوات رفعة وجاه وعظمة وخيلاء أكثر من أخواتهن المهاجرات، ولكن المهاجرات يفضلهن بأمر ~~مهم هو نظافة بيوتهن من «اللعب»، وبكلمة أوضح، خلو أكثرها من موائد القمار التي دخلت كل بيت ~~كبير في بلادنا تقريبا. وأما الطبقة الوسطى من المهاجرات فهي أكثر تهذيبا وتمدنا وأهدأ ~~بالا من مثلها في وطننا، هي مجتهدة نافعة تكسب الوطن فضلا عن الأرباح المادية أرباحا ~~أدبية عظيمة. # وأما الطبقة الفقيرة فقد جعلت نفسها وصيرتها والنساء فيها نشيطات مجتهدات فاضلات، وقد ~~أخذن أن يتهذبن، ولولا المهاجرة لما كان لهن اسم يذكر، أما الآن فقد «خلقتهن المهاجرة» ~~خلقة جديدة، ولها كل الفضل على تقدمهن المادي والأدبي، وما هن كذلك في الوطن بل هن ~~هناك كالإماء. # ولما انتهت بديعة من كلامها أخرج أديب من جيبه خاتمين من الألماس، وتقدم نحو جميلة ~~فوضع أحدهما بإصبعها قائلا: «هذا جزاء اعتنائك ببديعة.» ثم تقدم بالآخر نحو بديعة وقال: ~~«وهذا جزاء مساعدتك نفسك على الشفاء العاجل.» وكان وهو يلبسها ينظر إليها بعين ملؤها الحب ~~والإخلاص. # وفيما هو يضع الخاتم بيدها سمع صرخة قوية ورجلا يقول: يا خائنة! فنظرت بديعة وإذا بفؤاد ~~داخلا من الباب وهو يزأر كالأسد، ونسيب من ورائه، فوقعت للحال مغمى عليها. ولما استفاقت ~~وجدت نفسها تحت عناية جميلة، وفؤاد ونسيبا قد انصرفا. وبعد برهة نهض أديب الذي عرف من منظر ~~فؤاد بأنه حبيبها ذاته، وخرج مسرعا وراءه وبقصده أن يلحق به فيخبره بقصة بديعة، ويسعى جهده ~~للجمع بينهما، مع أنه كان يحبها المحبة المفرطة، ولكنه لم يجد فؤادا فرجع إلى حيث بديعة ~~وأخبرها بالأمر. # | الفصل الثاني والعشرون # رجوع الخواجة منصور إلى البيت # نترك الآن بديعة في أمريكا تتقدم إلى الصحة يوما فيوما، وجميلة وأديبا مسرورين من ذلك، ~~بينما الأخير يلاحظها بعين يزيد بها الحب كل يوم. ونرجع إلى الوطن ... لما رست الباخرة التي ~~تقل بديعة ولوسيا ونسيبا في مياه الإسكندرية مخرت من تلك الميناء باخرة تقل رجلا له ~~علاقة كبيرة بالحادثة ms121 التي جرت لبديعة وحملتها على السفر، ولكنه كان جاهلا مجرى الأمور ~~تماما ولذلك وصل إلى البيت مطمئنا. # ولما رست تلك الباخرة في ميناء بيروت نزل ذلك المسافر منها، وهو الخواجة منصور، ولما دخل ~~بيته وقابل امرأته ارتاب في منظرها الذي كان يدل على تغير كبير، فسألها عما إذا كانت ~~مريضة فأجابته: كلا. وهذا ما زاد قلقه؛ لأن امرأته كانت قلقة البال ومصفرة اللون وعلى ~~وجهها وفي حديثها دلائل الانزعاج والاضطراب. # ولم يصدق أن انتهى من أشغاله، فدخل غرفة زوجته فرآها جالسة تفتكر في أمر هام، وكأنها ~~اضطربت من قدومه. # أما هو فوقف بجانبها وألقى إحدى يديه على كتفها ووضع اليد الأخرى في جيبه، وقال: ما بالك ~~مضطربة ومتغيرة يا مريم؟ فإنني منشغل وأظن أنه قد طرأ بغيابي ما ضعضع أحوالك وأحوال البيت ~~والشغل. فقد أخبرني الكاتب بأن نسيبا لم يذهب إلى المحل من سبعة أيام والأشياء على غير ~~انتظام هناك، كذلك قد أخبروني الخدم بأنك قد طردت بديعة من البيت، فلماذا هذا كله؟! ماذا ~~حدث؟ أخبريني. ولما رآها تبكي من كلامه مسح دموعها بمنديله وقال: لماذا البكاء؟ هل أصاب ~~فؤادا سوء؟! # قال هذا بلهفة واضطرب فأحوج زوجته إلى سرد القصة له بتمامها، وكان هو يسمعها ولونه يتغير ~~من الاصفرار إلى الاحمرار ومنهما إلى الاخضرار، ولما انتهت نظر إليها نظرة كأنها كانت ~~تنتظرها، فقابلتها بهدوء تام، وقال: جرى كل هذا ولم تعلميني بشيء يا مريم؟! # قالت: نعم؛ لأنني خشيت إزعاجك وغضبك. # فقال وقد ابتسم ابتسامة الغضب: لو كانت أمامي امرأة غيرك لكنت قلت لها: «يا خائنة» وأما ~~أنت فلا أدري بماذا أكلمك ولا إلام أنسب سلوكك واستقلالك بهذا الأمر. # فبكت وقالت: ارحمني يا منصور؛ لأنني لم أكتم ما كتمت عنك إلا خوفا من غضبك، وظنا مني ~~أن النساء أقدر على احتمال الهموم من الرجال. فقال لها بحدة: ولكنك لم تظني قط أن النساء ~~الفاضلات لا يأتين حتى التافه من الأمور بدون علم رجالهن، فكيف والأمر عائلي محض للرجل كما ~~للمرأة حق ms122 الاطلاع عليه وإبداء الرأي فيه إذا لم أقل أكثر؟ وقد نسيت على ما أظن بأن ~~الزوجين يجب أن يتشاركا في هذا الأمر، ويكون لكل منهما رأي فيه فإن اتفق الرأيان كان الشيء ~~أتم وأنفع وإن اختلفا ينظر بحكمة وعدل في الرأي الأصح، ومتى كان الأمر برأي الاثنين يرتفع ~~الملام عن أحدهما ولا سيما عن الزوجة. # ولما كان هذا الجرح الوحيد الذي جرح قلبها به بحربة الكلام آلم السيدة مريم كثيرا، فرفعت ~~نظرها الذي كان منخفضا إليه وكأنها ظنته يمزح، ولكنها لم تلبث أن رجعت فأطرقت إلى الأرض ~~ثانية؛ لأن سهام عينيه كانت أحد من سهام كلامه. # وبعد أن ساد السكوت بينهما عدة دقائق قالت له بصوت أضعفه البكاء: إنني مخطئة يا منصور، ~~وعذري لديك هو ظني أنني أنهي المسألة بدون علمك اتقاء لغضبك وتوفيرا عليك. # فقال لها باللهجة الأولى: نعم هذا ما ظننت، ولكن الظن فاسد. ولو نظرت إذ ذاك إلى الواجب ~~لا المراعاة لعرفت بأن واجبك الأول هو الذهاب إلى زوجك في أوقات ضيقك، وليس إلى ابن أختك؛ ~~لأنه إذا حدث أمر على غير علم الزوج فأول من يطلع عليه يجب أن يكون ذلك الزوج، وأما إذا ~~كان الأمر مع الزوج فإن أول من يطلع عليه من المرأة الفاضلة الوالدان، فما الذي منعك عن ~~الإتيان إلي عوضا عن الذهاب إلى نسيب وأنت تعلمين حبي وحنوي؟ وما الذي سول لك ~~كتمان الأمر عني وفؤاد ولدي كما هو ولدك؟ # قالت: لا كلام لي أقوله إلا الكلام السابق، وما ترى كنت تفعل أنت لو كنت مكاني غير ما ~~فعلت أنا؟ # فقال بأنفة: لو كنت علمت بالأمر قبل ذهاب بديعة لكنت رضيت عن اقترانها بفؤاد. فنظرت إليه ~~امرأته باستطلاع، ولما قرأت الجد بعينيه ووجهه وجدت حجة عليه فقالت: وهل ترضى بزواج فؤاد ~~بفتاة فقيرة يتيمة ... بخادمة؟! # قال بهدوء: إن الخدمة ليست عارا؛ لأنها عمل محلل وكل عمل محلل شريف، فأنت وأنا وكل ~~إنسان في العالم خادم لسواه. وأما اليتم فهو أمر يدعو إلى ms123 الاحترام لأنه مشيئة الله، وأما ~~الفقر فهو أحقر هذه الأمور شأنا؛ لأن ثروة المرأة جمالها، وبديعة جميلة النفس والجسد، وقد ~~أحبها فؤاد وأحبته والحب يبارك كل شيء، وتحلله في الحياة الزوجية المساواة الأدبية. # فقالت إذ ذاك ببرودة وقد نشفت دموعها: إنني لم أعرف قط بأنك غيرت مبدأك من أن عدم ~~المساواة يجعل الزواج تعيسا. قال: إنني لم أزل على هذا المبدأ، أقول بأن الزواج بدون ~~مساواة لا يكون قط سعيدا، ولكنني لم أقل بأن المساواة بالمال؛ لأن السعادة بنت الحب ~~الصادق، وهذا ينتج عن المساواة بالأخلاق والمشارب والأذواق، ولا أظنك تنكرين هذا ولما ~~تزوجتك كنت مع أمك وأختك تشتغلن لمعيشتكن، ولكني لم أبال بهذا؛ لأنني أحببتك ورأيت بأن ~~ثروة تهذيبك وجمالك تفوق ثروة مالي، فلم تفضليني ولم أفضلك بشيء وكانت حياتنا أسعد من كل ~~حياة بين أصدقائنا كما تعلمين. # ولما سمعت كلامه نسيت موقفها وأنها مذنبة وقالت له بغضب: إنك تحتقرني بتشبيهك إياي ~~ببديعة! # فقال ببرودة: إن بديعة فتاة مهذبة شريفة النفس، فإذا شبهتك بها لا أكون احتقرتك، ولكنني ~~رمت أن أذكرك بالآية الذهبية التي هي: «اعمل بالناس كما تريد أن يعمل الناس بك.» وأنها ~~ليست معروفة حتى عند سيدة تدعي التهذيب والفضل نظيرك. قال هذا وخرج من غرفتها غاضبا، ~~وبقيت هي تنظر إليه ولا تتجرأ على أن تتبعه أم ترجوه الرجوع. # بقيت تلك السيدة المتعظمة طول ذلك المساء وحدها بدون عشاء وبعد أن راجعت قصتها وجدت ~~نفسها مخطئة نحو زوجها وولدها ونحو نفسها أيضا، فمشت بقدم مرتجفة إلى مكتبة زوجها، فوجدته ~~جالسا على كرسي يقرأ جريدة، ولما دخلت لم يكترث لها قط فجلست على كرسي آخر بدون كلام، وبعد ~~أن انقضت على دخولها دقائق قامت وتقدمت إليه وجثت على ركبتيها طالبة الصفح ~~والمساعدة. # فقال لها: إنك تطلبين مساعدتي الآن لأن نسيبا غائب، وما كنت تهتمين بالأمر لو كان ~~موجودا، ولكن الحق أقول لك بأن نسيبا خائن، وقد حثك على طرد بديعة وإبعادها عن فؤاد؛ لأنه ~~هو يحبها . # فسكتت عندما ms124 سمعت هذا الكلام، وفطنت لاجتهاد نسيب في الأمر وأن حبه الزائد لفؤاد لم يكن ~~حبا مجردا، فلامت نفسها كيف أنها لم تترو أكثر، وكتمت عن زوجها خبر إعطاء المال لنسيب ~~وكانت لم تخبره به بعد، وقد قصدت أن تخبره في ذلك الوقت لولا كلامه. # وبعد دموع غزيرة وتوسلات كثيرة استرضت مريم زوجها؛ إذ لا قوة على الأرض تقف في وجه غاية ~~المرأة متى كان سلاحها خضوعها ودموعها، ولما وثقت من صفح زوجها ورضاه قالت له: من الضروري ~~أن نزور فؤادا في المدرسة ونخبره بالمسألة. # فقال: إن هذا الخبر يكسر قلب الغلام، ولا أعلم بأية واسطة تقدرين على إبلاغه إياه. # فابتسمت إذ ذاك ابتسامة الظافر وقالت: أرجو أن تترك الأمر لي يا حبيبي حتى يكون انتهاء ~~المسألة كابتدائها على يدي. # فقال هو مبتسما أيضا: أحب أن تخبريني كيف تقابلين الشاب، وما الذي تقولينه له، وهل ~~تنوين قول الحقيقة أم ترومين خداعه هذه المرة أيضا. # فاصفر وجه مريم إذ رأت زوجها قد رجع «إلى الجد» في كلامه وقالت له بحزن: إن الصدق لا ~~يجدي نفعا الآن؛ لأن ما فات مات، وأما إظهار الحقيقة لفؤاد فإنه يزيد في أشجانه وأشواقه ~~إلى الفتاة وهي بعيدة، ويحدث في قلبه النفور مني وأصبح محتقرة عنده، ولا أظنك يا منصور ~~بهذا المقدار قاسيا حتى تظهر مكري وخداعي لولدي الوحيد فيبغضني. # فقال زوجها بحنو وقد رق لكلامها: إنني لا أريد هذا قط، كما لا أريد أن أرى زوجتي ~~المحبوبة الفاضلة موصومة بوصمة الخيانة والمكر، ومكتوبة على وجهها الجميل آيات ~~الغدر. # فلما سمعت كلامه الصادق صاحت قائلة: كفى، كفى يا منصور! فإنني مذنبة ومن أقر بذنبه فلا ~~ذنب عليه، ولو كنت أرى بالإقرار مغنما لكنت أقر، لكن الأمر قد صار ماضيا الآن، وأنا فعلت ~~ما فعلت ليس لأجل نفسي بل لأجل من يفدى بالنفس - لأجل ولدي - والوالدة المحبة تشتهي كل ~~شيء وعمل في سبيل سعادة ولدها، أنا ضحيت شرفي وذمتي لأجل ولدي، ويجب أن أكمل الضحية الآن ~~وأموت. أنا ms125 قد بليت يا منصور، فإذا لم تساعدني على التخلص من هذه الورطة شريفة محبوبة من ~~ولدي، فيمكنك أن تساعد ولدي علي وتلطخ اسمي بالعار عنده، ولكنني سوف لا أتركك ترى نتيجة ~~عملك هذا؛ لأني أنتحر وأتركك ورائي خائنا قاتلا! ثم انطرحت على الأرض تبكي بكاء ~~مرا. # أما هو فقام عن كرسيه يتمشى في الغرفة ذهابا وإيابا وهو مبلبل الأفكار، لا يريد أن يسلم ~~مع امرأته بأمر يحسب قلة دين وعارا وكذبا، ولا يريد أن يرى امرأته محتقرة مبغوضة من ولدها ~~كما قالت، وهو يخاف من أكثر من ذلك من أن تتمم وعيدها فعلا وتقتل نفسها؛ لأنها كانت ذات ~~كبرياء شديدة تستهون كل شيء عند جرح كبريائها. وبعد أن تمشى نحوا من نصف ساعة وهو يطلب من ~~الله المساعدة، خطر له أن يجاري امرأته على أفكارها ولا يخبر فؤادا بشيء، حتى إذا رجع من ~~المدرسة يسفره إلى أمريكا ليجتمع ببديعة، وبهذا يكون قد قضى الواجبين بوقت واحد. ورجع إلى ~~زوجته فأنهضها عن الأرض ومسح دموعها وطيب خاطرها، ولكنه نسي أن يسألها عن فحوى الكلام الذي ~~ستقوله لفؤاد. # | الفصل الثالث والعشرون # مواجهة فؤاد # في ردهة الاستقبال في مدرسة عينطورة الشهيرة جلس الخواجة منصور والسيدة مريم زوجته ~~بانتظار مجيء فؤاد إليهما، وكان رئيس المدرسة يصف لهما حسن أخلاق وتهذيب فؤاد وسروره ~~بنجابته وذكائه، وهو غافل عما يخامر قلبيهما وعن سبب زيارتهما؛ إذ ذاك وبعد برهة دخل فؤاد ~~وهو يكاد يرقص فرحا من قدومهما إليه، ولكنه لم يلبث أن تراجع خطوات إلى الوراء بعد أن أدار ~~نظره في الغرفة ولم ير بها سوى والديه، وحالا زالت عنه تلك الدلائل السارة، وبدت ~~مكانها هيئة الكآبة والحزن، وكان والده ينظر إليه وهو عارف سبب حزنه، أما والدته فقد عرفت ~~ذنبها ولكن كبرياءها التي كانت في حرب دائم مع حنوها وحبها منعتها عن إظهار الشفقة ~~والحنان إذ ذاك، ولما سألها ولدها عن بديعة سرا أجابته إنها تخبره متى خرجا من ~~القاعة. # وبعد أن استراحوا وقدمت لهم المرطبات، ms126 طلبت السيدة مريم من ولدها أن يخرج معها إلى ~~حديقة المدرسة، وبقي والده مع الرئيس يتحدثان، فمشت تلك الوالدة مع ولدها ولا قدرة لها على ~~مباشرة الحديث؛ لأنه كان مؤلما، وكان هو ينتظر بفارغ الصبر ابتداء ذلك الحديث، ولا يحب أن ~~يسألها تأدبا. وكانا قد قطعا نصف الحديقة تقريبا والوالدة لم تتكلم بعد، ففرغ صبر الشاب ~~وقال: إنني أخشى امتناعك عن الكلام يا أمي، فماذا جرى لبديعة فلم تأت معكما؟ قال هذا ونظر ~~إليها ليسمع جوابها. أما هي فلبثت مطرقة إلى الأرض بدون كلام، فقال الغلام ثانية وقد زاد ~~انشغال باله: أستحلفك بالحنو الوالدي يا أماه إلا صدقتني الخبر؛ لأن قلبي يكاد يتقطع من ~~سكوتك. # فرفعت نظرها إليه وقالت: لو لم تكن مهذبا لما تجرأت على إبلاغك الخبر بنفسي ولكن ... ~~فقاطعها ولدها الكلام وقال بتضجر: أرجوك أن تحذفي المقدمة وتقرئي الفصل، أخبريني الخبر ~~مجردا؛ لأن حشاشتي قد ذابت ولو كنت تشعرين بقلبي لرحمتني. أخبريني ماذا جرى ~~لبديعة؟ # ولما قال هذا الكلام شعرت هي بتمزق أحشائها أيضا، ولكن تلك العدوة اللدودة بثوب ~~الصديقة المخلصة - وهي «الكبرياء» - كانت واقفة لها بالمرصاد فلم تكد تهن حتى استرجعت ~~قواها وقالت: «إن بديعة سافرت إلى أمريكا.» وكان إذ ذاك قد أشرفا على مقعد من حجر، فارتمى ~~الشاب على ذلك المقعد وقال بصوت عال: «بديعة سافرت!» # أجابت والدته بهدوء: نعم إنها سافرت. # فقال الشاب بانكسار، ونظر إلى والده نظرة تفتت كل قلب إلا قلبها: قولي ماتت يا أماه ولا تخافي؛ إذ إن سفرها من المحال، فلماذا سافرت؟ ومع من سافرت؟ # أجابت برزانة: لماذا سافرت؟ ذلك لأنها خائنة! ومع من سافرت؟ مع ذلك الخائن مثلها ابن ~~خالتك نسيب! # فانتصب فؤاد واقفا، وقال غاضبا بصوت متهدج: ماذا تقولين؟! إنني لم أفهم كلامك فأرجو ~~التصريح؛ لأن قلبي يتفتت. ولو كان الصخر مكان قلبها لتفتت فلم يكن انفجار ينابيع دموعها ~~شيء كثير إذن وهي واقفة أمام ابنها تنظر إلى حزنه الشديد الذي سببته له إشباعا ~~لكبريائها، التي ساعدتها على التجلد ms127 الآن فقالت له: لا أقدر أن أقول غير أنه بعد مجيئك ~~إلى هنا ابتدأ تاريخ محبة نسيب وبديعة، وإذ لم يقدرا على الاقتران هنا سافرا إلى أمريكا ~~مقترنين أو غير مقترنين لا أعلم ... # فكرر الشاب قوله: سافرت إلى أمريكا، هي ونسيب! إنني لا أفهم كل هذا. # قالت والدته: لا غرو إذا كنت لا تفهمه يا ولدي؛ لأنك لم تزل حديث العهد بمعرفة النساء، ~~ولم تبل بعد بمكرهن وخداعهن، ولكن أرجو أن تكون هذه الأمثولة كافية لأن تعلمك التحذر ~~منهن مرة ثانية وعدم الوثوق بهن بشيء «ولو قلن نزلن من السماء». # فقال: إنني أسمع هذا من كثيرين، ولكن صدوره عن واحدة من هذا الجنس يجعلني أن أصدقه ولكن ... ~~هل بديعة ماكرة ومخادعة؟ إنني لا أصدق هذا ... إذ ليس كل النساء سواء. # قالت والدته مبتسمة: هنيئا لقلبك الطاهر وطوبى له! وبعد أن استرجع الشاب قوى نفسه عرف ~~بأن والدته تحتقر بديعة باغتيابها، فقال في نفسه: إنني لا أطيق هذا ومع أنني أحب الانتقام ~~من بديعة، فأحب أن يكون هذا الانتقام مني لا من سواي ولو كان «أعز الناس إلي». ثم نظر إلى ~~والدته وقد أخذ لون وجهه الأصلي يرجع إليه وهو يتجلد: إنني أخطأت إذ قلت بأن الضربة قاضية؛ ~~لأنني أرى من نفسي قوة عظيمة على الصبر واعتبار هذه المسألة من التوافه. فكادت والدته تطير ~~من فرحها عند سماع هذا الكلام؛ لأنه غير ما كانت تنتظر، وظنت أن الولد رضي الرضى التام ~~واقتنع، ولكنها - وا أسفاه - قدرت تحكم على الظواهر ولم يخرق نظرها الحاد ما وراء تينك ~~العينين المضيئتين بالذكاء، ولا ذلك الوجه الهادئ لتعلم ما خبأ لها الدهر هناك من المصائب ~~والويلات. وحالا طوقته بذراعيها قائلة وهي تقبله بحرارة: استعمل عقلك كسلاح ~~لمحاربة هذا الأمر التافه يا عزيزي الذي هو لأجل سعادتك. ثم خطر في بالها فأمسكت بيده ~~قائلة: فؤاد، لا أظنت تفعل شيئا من مثل اللحاق ببديعة أو الاضطراب والحزن إلى حد فقد ~~صحتك وعلومك. # أجاب الشاب بسكينة : إنني قادر ms128 على قبر هذه الأفكار في صدري يا أمي إلى ما بعد انتهاء ~~أيامي المدرسية، وإذ ذاك أرى ما يوافق الظروف؛ لأنني أفرد لكل عمل وقتا خاصا ~~به. # فهلع قلبها لهذا الكلام الذي عرفت بأنه صائر لا محالة، ولكنها كتمت ما بها «لوقته» ~~وأطاعت ولدها؛ إذ قال لها: يجب أن نرجع إلى حيث والدي لأنني مشتاق إليه. # فحزنت الوالدة لحب الولد لوالده وقالت في نفسها: ماذا يقول لو عرف؟ وهل أعود أستحق هذه ~~الكلمة عنده يا ترى؟ ولم يخف على والده بأن تأثره من كلام والدته كان شديدا، فعندما ~~ضمه إلى صدره وقبله همس في أذنه قائلا: إنني عرفت بكل شيء فلا تخف يا حبيبي؛ ~~لأنني سأكون عضدك وأساعدك بالشيء الذي يشتهيه قلبك. # وبالحقيقة إن صبر فؤاد كان عجيبا نظرا لجيوش الأفكار التي كانت تحاربه، فإنه قضى باقي ~~أيامه في المدرسة هادئا ساكتا؛ وذلك لأنه كان شجاعا يستصغر المصائب مع الصبر والعقل، وقد ~~صدق فيه قول القائل من أن المصيبة تزيد العاقل قوة والجاهل ضعفا، وقد رأى بعين بصيرة أن ~~احتياجه كان إلى الصبر والتجلد والتؤدة كثيرا، ومع أن عاطفة الحب كانت متربعة ~~على دست الرئاسة في قلبه؛ فإنه أنزلها إذ ذاك وأجلس عاطفة الواجب مكانها، وما ذلك إلا لأنه ~~يعرف قيمة الوقت وأن كل شيء يجب أن يعمل بوقته. # وما ترى كان يجديه الهم والجزع لو استسلم لهما؟ إنهما كانا يفقدانه قسما من صحته وربما ~~كلها، ويعيقانه عن إتمام دروسه إن لم ينسياه الماضية منها فإنه كان يشعر بالحب ويحب ~~معرفة أمر بديعة كما هو، ولكنه ترك هذه الأشياء لوقتها أي إلى ما بعد خروجه من المدرسة؛ ~~فكان له من هذه الفكرة قوة على الصبر عظيمة. # | الفصل الرابع والعشرون # في البيت ومكتوب بديعة # وفي آخر تلك السنة أحرز فؤاد الشهادة المدرسية ورجع إلى البيت مكلل الرأس بإكليل ~~الفخر والمجد، ومكلل القلب بإكليل الهموم والأحزان التي كانت تستنزف دمه. # جارى والديه رغما عنه بإقامة حفلة أعظم من كل حفلة سواها إكراما ms129 لرجوعه ونجاحه، ولم ~~يظهر عليه شيء من الهم أو الحزن لأنه كان يعرف كيف يقوم بواجبات الضيوف، ولو اضطر إلى ~~إزعاج نفسه والضغط على عواطفه. # فجاء هذا العمل دليلا على وفرة أدبه، ومبعدا لشك الناس، ومنعشا لقلبي والديه ~~الحزينين. # كانت تلك الحفلة مجلى الأبهة والجمال؛ لأن كل حفلة كانت تقام في بيت الخواجة منصور كانت ~~تفوق على ما سواها، فكيف والحفلة هذه كانت إكراما لرجوع فؤاد من المدرسة وعلى رأسه إكليل ~~الفخر والفوز، والذي زادها رونقا وجمالا هو استعداد البنات التام للظهور بأبهى حلل ~~الزينة والجمال؛ لأن فؤادا كان قد أتم علومه في تلك السنة ... وكان في الحفلة فتاتان على ~~طرفي نقيض: إحداهما جميلة جدا حتى إنها حجبت بجمالها الفتان النظر عن كل فتاة موجودة إذ ~~ذاك، وأخرى قبيحة المنظر جدا ولكن الذي كان ينقص هذه من ضياء الوجه والعنق والزندين كانت ~~تعوضه عليها الحلي الثمينة التي كانت كالكواكب المتلألئة على صدرها، وفي عنقها ويديها ~~ورأسها، وما كان ينقص تلك من نور هذه الجواهر كان يعوضه عليها وجهها، وشتان ما بين الطبيعي ~~والاصطناعي من الأشياء ... لذلك كانت الفتاة الجميلة مع بساطة ملابسها تستلفت الأنظار أكثر من ~~الفتاة القبيحة مع نفاسة الملابس والحلي التي عليها. # وكان مع الأخيرة قريبتها التي كانت تجلس بجانبها دائما، والتي كانت ترتاح إليها بإفشاء ~~أسرارها أكثر من والدتها نفسها. فبعد أن رقصت مع أحد الشبان رجعت إلى تلك المربية التي فتحت ~~المروحة وأخذت تهوي لها، وهي متكئة بجانبها، ولما انتهت نظرت إليها قائلة: ما أبلد هذا ~~الشاب! وأومأت برأسها إلى فؤاد. # قالت المربية: إنه ليس بليدا، ولكنه متكبر على ما أرى. فنظرت إليها الفتاة نظرة ~~الاستخفاف وقالت: متكبر! إن هذا عذر جميل ... فهل تعلمين يا آدال ما أخبرني عنه بعض ~~أصدقائه؟ # قالت المربية: كلا. # قالت: قال لي بأنه يكره «الدوطة». وأنه قال عنها بأنها جدار عال يقام فاصلا دون رغبة ~~الشاب في الأهلية بالفتاة، وأنها ضرر اجتماعي كبير في هذه الأيام بعد أن صار الشاب يطلبها ms130 ~~قبل أن يطلب العروس، وبعد أن صارت تهمه هي أكثر مما تهمه العروس، ويرتاح إلى النظر إليها ~~قبل اختبار أهلية العروس، وأنها كثيرا ما تدوس على الحب الحقيقي الذي هو أساس السعادة، ~~فكأن الشاب الآن يعشقها دون الفتاة؛ ولهذا فإن أكثر الفتيات ييأسن من الراحة في الحياة إذا ~~لم يكن لهن دوطات. ولكن مهما قال هذا الشاب الجاهل لحقيقة الأمور الآن فسيرى نور منفعتها ~~من بعيد ويسرع إليه؛ لأن الأغنياء يتهافتون على «الدوطة» في هذه الأيام أكثر من الفقراء، ~~فهي الكل في الكل. وأنا أفضل أن يكون والد كل فتاة رحوما كوالدي، فعوضا عن أن يبذل ~~ماله لتعليم ابنته وتهذيبها «يصمد» لها هذا المال فيضيفه إلى دوطتها؛ لأن الفتاة متى كان ~~لها دوطة كبيرة فإلى أي شيء آخر تكون حاجتها؟ # فقالت تلك المربية بتدليس: لا بد منه للفقراء من الأغنياء، إن فؤادا لا يكون بهذا ~~المقدار جاهلا يا سيدتي حتى يترك عشرة آلاف ليرة ... رغبة في وجه جميل أو طرف كحيل ... # ولما قالت المربية هذا نظرت تلك الفتاة بوجه الفتاة الجميلة وكانت جالسة بجانب والدتها، ~~وتنهدت دلالة على أن كلامها عن الدوطة كان «فشه كربه»، وأنها هي ذاتها تعتقد بصوابيته، ~~وقالت في نفسها: ما أجملها! # وكانت أم تلك الفتاة تقول لها إذ ذاك: إن فؤادا كان ينظر إليك وأنت ترقصين؟ # فصبغ احمرار الخجل وجه الفتاة وأطرقت في الأرض من كلام والدتها. وبالحقيقة إن فؤادا كان ~~ينظر إليها دائما، ولكن السبب هو أنها كانت تشبه بديعة؛ فهو كان ينظر إلى صورة بديعة ~~وليس إليها. # ولم تحب والدة الفتاة قطع الحديث عند هذا الحد فقالت: إن الغني أول ما ينظر إلى ~~الجمال؛ لأن لديه المال الكثير والجاه العريض وكل ما يشتري المال له. وعنده الخدم تطبخ ~~وتربي الأولاد وتعتني بتدبير المنزل، والذي ينقصه هو شمس تضيء في منزله، وتنير فضاء بيته، ~~وتكون بهجة عينه. وكم أنا سعيدة؛ لأنك أبهى وأنور من الشمس يا عزيزتي مرتا ... ماذا تهم ~~الدوطة عند الجمال ؟! # فضحكت مرتا ms131 - في عبها - من كلام والدتها، ورفعت نظرت إلى فؤاد، وصادف أن هذا الشاب كان ~~ينظر إليها الآن ويفتكر في بديعة، فاحمر وجهها وامتلأ قلبها سرورا ... # ولكن - وا أسفاه - أن جسم فؤاد كان في تلك القاعة حقيقة، ولكن فكره وقلبه كانا بعيدين ~~ألوف الأميال عنها. # ولم يصدق فؤاد أن انقضت تلك الليلة؛ لأن الأنوار المضيئة ما كانت إلا لتزيد ظلمة قلبه ~~ظلاما، وألحان الموسيقى وأصوات المدعوين ما كانت إلا لتزيد شجونه وتذكره بأنه قد خسر ما ~~هو ألذ وأشهى إلى قلبه من كل هذه الأمور، وأنه حزين لأجلهم وهم فرحون. ومن الطبع أن حزين ~~النفس لا تسره الأفراح؛ لأنها تزيد في حزنه وتؤلمه بتذكاراتها، وأما ما يسره فهو الجلوس مع ~~من هم مصابون بمصابه يبادلهم الشكوى ويحسبهم رفاقه ويمزج دموعه بدموعهم فيغسل بها صدأ ~~الأحزان عن قلبه، وكل يميل إلى جنسه؛ ولذلك لم يصدق أن انتهت تلك الحفلة التي كان كل من ~~فيها - حتى والديه العزيزين - غير محبوب إليه. # ولما ذهب إلى غرفته جلس على كرسي ليستريح من العناء والأفكار بعد أن أوصد الباب، وكان ~~جلوسه بجانب النافذة فأطل رأسه منها قليلا يتنشق النسيم العليل بكثرة عله ينتعش، ~~ولما فعل رأى القمر مضيئا أمامه فنظر إليه متنهدا وحسده على ضيائه؛ إذ تذكر بأنه في مثل ~~تلك الأيام من السنة الماضية كان قلبه منارا بما هو أبهى من نوره. # وبينما هو سابح في فضاء الأفكار، وسائر بنظره مع القمر، سمع طرقا خفيفا على باب غرفته، ~~فنهض متعجبا من هذا الأمر، وفتح الباب، وإذا بخادمهم الأمين يوسف يقول: هل كنت نائما يا ~~سيدي؟ قال فؤاد: كلا، فلماذا سؤالك؟ قال: لأنني واقف منذ دقائق على هذا الباب أطرقه ولم ~~يجبني أحد. # فابتسم فؤاد وقال: إنني لم أكن نائما يا يوسف فما هو غرضك؟ فتناول الخادم من جيبه ~~كتابا ونظر يمينا وشمالا ليرى إن كان أحد ينظر إليه، ثم ناوله إياه وقال بصوت منخفض: أتت ~~اليوم فتاة وأعطتني هذا الكتاب، واستحلفتني بشرف أسيادي أن أسلمك ms132 إياه في هذه ~~الليلة. # فأخذ فؤاد المكتوب منه، ولما قرأ العنوان كاد يرميه من يده المرتجفة، لكنه تجلد أمام ~~الخادم، وصرفه عنه بعد أن شكره ورجع فأوصد الباب ثانية وذهب إلى كرسيه. # قرأ فؤاد كتاب بديعة فارتجف كالورقة، وكان وهو يقرؤه يشعر بنار محرقة من الكلام الذي جاء ~~فيه، وباضطراب داخلي عظيم، وبعد أن أتم قراءته تضاربت أفكاره، وتكاثرت فلم يقدر أن يحكم: ~~أكانت والدته صادقة وبديعة خائنة، أم كانت بديعة صادقة وقد ذهبت مرغمة كما دل فحوى كتابها؟ ~~ولكنه على كل حال لم يقدر أن يصدق كلمة «خائنة»؛ لأنها كانت نارا محرقة تكاد تلتهم ~~قلبه. # وراجع قراءة مكتوب بديعة مرارا فصدق إذ ذاك بأنه صادق وصادر عن قلبها؛ إذ قد قيل إن ~~الكلام الصادر عن القلب يذهب إلى القلب، وأما الصادر عن اللسان فلا يتعدى الآذان. # وكان يردد في فكره جملة أخيرة جاءت في كتابها وهي: # متى رجعت إلى البيت واستلمت هذا الكتاب فاذكرني واسأل عني قلبك فهو يدلك. # فوضع يده على قلبه وقال: نعم، إنه يدلني بأنك بريئة يا حبيبتي، ولكن آه لو كنت أقدر الآن ~~على معرفة سبب ذهابك. ولما ذكر «سبب ذهابها» ذكر قول والدته فيه، فاضطرب وقال: لا يبعد أن ~~تكون بديعة كاذبة؛ إذ في النساء طبع هو أنهن يظلمن نفوسهن نفوس الغير، وينادين مستغيثات ~~قائلات: «لله يظلم من ظلمنا!» ولهذا ارتاب في كلام بديعة. ولا يلام فؤاد إذا شك بصدق بديعة ~~وهو رجل من الرجال يبدي رأيه في «امرأة» من النساء، وكل رجل يحسب «كل امرأة» مهما بلغت من ~~الكمال النسائي لا بد لها من إتيان بعض الأمور الذميمة الموصوفة بها بنات جنسها، ولو كانت ~~تخالف مبدأها، وهو يحسب بأن «العادة طبيعة» ولو كان مصدرها الجهل، وأن العقل يدني الإنسان ~~من الكمال سواء كان امرأة أو رجلا، وأنه حيث وجد العقل مرشدا وجدت الفضائل الغراء ~~السامية، ولا فرق بين المرأة والرجل بهذا؛ لأنهما من جبلة واحدة، ولكن ما يجعل المرأة ~~تنقص الرجل في بعض ms133 الأمور هو جهلها، وهو كثير عندها، وقليل عنده وما عدا ذلك فالمرأة ~~كالرجل بكل شيء. # فرحماكم أيها الرجال بالمرأة، وإذا قلتم عن البعض من هذا الجنس إنه «ماكر أو نمام أو ~~ثرثار» قبلنا قولكم بشرط أن لا تقولوا: «كل الجنس»، وبودكم أن تبرهنوا بأن العلم والجهل عند ~~هذا الجنس سيان؛ لأنه كما خلق يموت ولا يؤثر فيه شيء، وما هذا هو الحق؛ لأن المرأة ~~مادة كمادة الرجل قابلة للتعقل والتهذيب، فمتى جربناها فيها كالرجل تماما يعرف إذا كان ~~من فرق بينهما، ومتى فعلتم ذلك فلوموا نفوسكم على رذائل المرأة ولا تلوموها هي. # ولو كان فؤاد يقرأ كتابا من رجل إذ ذاك لصدقه وقال: «إن الرجل شجاع وصادق.» أما وهو من ~~امرأة فقد قال عنها وهو حبيبها بأن مكر النساء مشهور ... # فهل هو العدل أن نسلم سرنا لأشقى رجل معروف ونكتمه عن أفضل امرأة مثلا، ونقول: إن الرجل ~~يكتم السر لأنه رجل والمرأة تفشيه لأنها امرأة؟! ما أضل هذا الوهم الذي يماثله اعتقاد بعض ~~الجهلاء من كل طائفة بأن الرجل الذي من طائفتهم يجب أن يعتبر ويحترم ويعترف له بالفضل رغما ~~ولو كان من أشقى الأشقياء، كما يجب أن يحتقر رجل آخر ولو كان فاعلا الخير فاضلا صالحا ... ~~والسبب هو أن الأول من مذهبهم والآخر من غير مذهبهم! اعتقاد فاسد سداه الغباوة والجهل ~~ولحمته التعصب والمكابرة. # ولما ذهب فؤاد إلى سريره قال: «قبح الله مكر بعض الرجال والنساء!» لأن الشر يكون مشتركا ~~بين الجنسين دائما، ولا يكون نصيب أحدهما منه أقل أو أكثر من نصيب الآخر، وهذه قصة بديعة ~~وما شاكلها أكبر شاهد، إنما قضت الضرورة بأن يستقل الجنس الغالب بالخير وينسب الشر إلى ~~الآخر، وأن ينصت الجنس المغلوب عن عجز وضعف. وما كان الله ظالما وجائرا فهو لم يخص ~~النساء بالشر والرجال بالخير، بل خلق الجنسين وخلق الفضائل والرذائل متساوية بينهما. # | الفصل الخامس والعشرون # سفر فؤاد ووصية أبيه والتقاؤه ببديعة # وفي صباح اليوم الثاني تناول فؤاد القهوة مع والديه حسب ms134 العادة، وذهب مع والده إلى المحل، ~~وفيما هما في العربة قال فؤاد لوالده: أنسيت قولك لي في المدرسة يا سيدي من أن ~~تساعدني؟ # أجاب الوالد ببشاشة: كلا، وأية مساعدة تريد مني؟ # قال: إنني اعتزمت السفر إلى أمريكا بقصد مشاهدة بديعة، فإن وجدتها بريئة أنصفها، وإن ~~وجدتها مذنبة أشعرها بأنني قد عرفت بخيانتها. ومساعدتك لي تكون رضاك عن ذهابي لا غير. قال ~~والده: إن وعد الحر دين عليه، وأنا لا أمانعك بالذهاب بشرط أن تعرف بأن تساهلي معك هو ~~من حبي لك، وأن هذا الحب يطلب المكافأة، التي تكون برجوعك إلي وإلى والدتك بأقرب فرصة ~~ممكنة. # فقال الولد: إنني أطيع يا سيدي، ولكن هل تفتكر بأن بديعة خائنة كما قالت والدتي؟ # فقال الوالد: وكيف أقدر أن أحكم على أمر حدث بغيابي؟! عند ذلك ناوله ولده المكتوب وقال: ~~إن والدتي قد أخبرتك بالقصة، وهذا مكتوب بديعة فاحكم بين الاثنين. # وبعد أن قرأ الوالد الكتاب وعجب من شهامة بديعة أرجعه إلى ولده وهو يقول: وهل أنت في ريب ~~من صدق كلام والدتك يا فؤاد؟ # وكان قصد الوالد أن يعرف أفكار ابنه. أما هذا فظن أنه مذنب بكلامه وأن والده يوبخه، ~~فقال بلطف: كلا يا سيدي فإنني أصدق كلام والدتي الشريفة، ولكنني افتكرت بحدوث سوء تفاهم ~~فقط. # فقال والده متنهدا: إن كلامك في موضعه؛ لأن ما استنتجته من كلام الفتاة هو أنها شريفة ~~النفس تعرف الواجب، وقد يكون ذلك الغادر نسيب فعل ما فعل وموه على عقل والدتك بأن بديعة ~~مذنبة أو غير ذلك، فلا تحفل بأمر قبل أن تتحققه بنفسك. # سمع فؤاد هذا الكلام من والده فنسي بأن المتكلم عنها هي تلك الفتاة التي كانت مبغوضة ~~منه من ساعة، وبرهانا على فرحه الزائد من كلامه أخذ يده عن ركبته وقبلها قائلا: إنني ~~أشكر حسن ظنك بالفتاة يا سيدي، فأنت تحبني أكثر من والدتي؛ لأنك لم تجرح قلبي كما فعلت ~~هي. # ولا عجب إذا ارتاح فؤاد إلى كلام والده؛ لأن الإنسان متى كان مرتابا ms135 في أمر أو بشخص ما ~~يكون فرحه شديدا متى سمع تبرئته من سواه، وحزنه أشد متى سمع تذنيبه. # وأحدث كلام فؤاد في قلب أبيه تأثيرا عظيما، فقال له وهو يريد رتق ما فتقته امرأته ~~بدون أن يشعر الغلام: سر يا عزيزي بحراسة الله، ولا تطل غيابك علينا؛ لأن والدتك المحبوبة ~~تموت من بعادك هما، وإذ إن سفرتك بعيدة والمخاطر التي سوف تعترض طريقك كثيرة فأود منك ~~أن تقبل مني وصية واحدة لها أكبر علاقة بأمرك، هي أن تتحذر من أربعة من الناس في سفرك هذا ~~وأن لا تأخذ من أفواههم الشهادة ببديعة، بل اختبر أمرها أنت بنفسك؛ لأنه قد قيل: # ما حك جلدك مثل ظفرك # فتول أنت جميع أمرك # وهؤلاء الأربعة الذين ذكرت لك عنهم هم حجارة عثرة في سبيل السعادة والراحة، وهم أولا: ~~الحسود؛ فإن هذا لا يحارب المحسود منه بغير الاختلاق والذم ظانا أنهما يسقطان من ~~قدره ويذلانه أمام الناس، وإن يكن هذا الظن فاسدا؛ لأن البريء تظهر براءته بعد التهمة ~~بأكثر جلاء ونورها يكون أشد ضياء، فالحساد يقفون في سبيل المحسودين لوقت أحيانا ثم ~~يضمحلون. والثاني: هو الرجل الذي خلق ليفتئت الناس وربي على النم بهم والتكلم ~~بحقهم بكلام رديء، فهذا لا يقدر على الاشتغال بغير الشغل الذي خلق له، وكأنه لا يقدر على ~~الكلام الحسن بالناس فيعمد إلى الكلام القبيح بهم؛ فكأن لسانه يا ولدي لا يعرف الكلام ~~الجيد، فاحذر من أن تجرئه على الثلب في حق أي كان. وأما الثالث: فإنه لتعاسته يكون ذا ~~سيرة رديئة وأعمال قبيحة، فهذا وإن عرف أعمال الغير الحسنة واعتبرها في قلبه فإنه لا ~~يقدر على إظهارها بهذا المنظر أمام الناس، بل إنه يفصل للناس من ذات النسيج الذي يصنع منه ~~أثواب عمله ويلبسهم مثلها، وقد قيل: من كان بيته خرابا يدعو على بيوت الناس كلها بالخراب. ~~والرابع: لا يعرف ما هو العدل ولا يسمع باسم الشرف الحقيقي والصدق الشريف، فهو إن صادق ~~إنسانا وكانت عيوبه كثيرة نسيها أو تناساها، ms136 وهذا ما لا يهم كثيرا؛ لأن ستر عيوب ~~الناس أحسن من إظهارها إذا لم يكن من هذا الإظهار فائدة لذوي العيوب وغيرهم. ولكنه إذا ~~عادى إنسانا لأشياء خصوصية وكان هذا الإنسان من أشرف وأفضل خلق الله يتهمه بكل قباحة ~~وشناعة وخيانة. فهؤلاء الأربعة يجب أن تتحذر منهم؛ لأنهم كالمعاول والعتلات الهادمة لبنيان ~~الصداقة والسعادة والظن الحسن بالناس، وليس أسعد من الإنسان الذي يقدر أن يفتكر بكل أحد ~~حسنا لا قبيحا. # وإياك إن جمعت بأحد الأربعة أن تصدق كلامه عن بديعة سواء كان قبيحا أم حسنا، والسبب ~~أنه ربما كان صديق بديعة فيتكلم عنها بحسب هواه ومأربه، وربما كان عدوها فيتكلم عنها هكذا ~~أيضا، وإياك أيضا أن تصدق كلام أحد عنها قبل أن تختبرها بنفسك؛ لأن الصديق ينظر بعين ~~الصداقة إلى الحسنات فقط، والعدو مثله ينظر إلى السيئات، وقليلون هم الذين يعرفون العدل ~~وينظرون إلى الحسنات والسيئات في حالتي الصداقة والعداوة فيشكرون ما يجب شكره ويذمون ما ~~يجب ذمه. # وهناك يا عزيزي وصايا أخرى أدبية كثيرة هي للمسافر مثلك زاد النفس، كما أن الطعام زاد ~~الجسد، وأنا أقدر على ذكر كل هذه الأمور لك بجملة واحدة هي «أنه يجب على الغريب أن يكون ~~أديبا»، واللبيب من الإشارة يفهم. وكان فؤاد يسمع كلام والده وهو يبكي من حنوه ومن ~~هم نفسه، ولما انتهى قال له بصوت حزين: أطلب من الله يا سيدي أن يحقق آمالك بي وآمالي ~~ببديعة. وكأنه ذكر أمرا اصفر له وجهه؛ إذ قال لوالده: أتظن يا سيدي أن نسيبا ... # فقاطعه والده قائلا: لا تذكر اسم هذا الشاب أبدا؛ فإنني أؤكد لك بأن بديعة لا تحبه ولا ~~تهتم به، ولكنه هو قد سعى بإبعادها وتبعها ووشى لوالدتك بها فصدقته والدتك، وإن فكري ~~يدلني بأنك متى رأيت بديعة تنجل لك الحقيقة وتتحقق برؤيتها، فاقترن بها وتنزها بأمريكا ~~وتفرجا على عظمتها قبل رجوعكما بالسلامة، ولا تهتم بأمر نسيب متى تحققت خيانته، أو تنتقم ~~منه؛ لأنه إذا كان الانتقام أرضيا فالصفح سماوي. # فقال ms137 الشاب فرحا وهو معانق والده: إن كلامك أكبر منشط لي يا سيدي؛ لأن فكري ببراءة بديعة ~~هو غيره بخيانتها فأنا مديون لك بهذا الحب العظيم لي، وبديعة مديونة لك بظنك الحسن بها الذي ~~غير أفكاري فيها فأنت «أم» يا سيدي؛ لأن لك حنو الأمهات لأولادهن، ووالدتي «أب» لأنها ~~عاملتني بقساوة كثيرا ما تصدر عن الآباء وليس عن الأمهات، فالله يحفظك لي أبا مرشدا ~~وعضدا في الحياة، ويحفظني لك لكي أقوم بواجب الخدمة نحوك وأسر قلبك ولكن ألا تظن أن ~~والدتي تمانع جدا بذهابي؟ # أجاب الوالد: لا بد من إقناعها بذهابك؛ لأن الواجب نحو تلك الفتاة الطاهرة يضطرك إلى ~~الذهاب. # فابتسم فؤاد إذ ذاك وقال: إنك تذكر بديعة بالطاهرة والشريفة والبريئة، فهل أنت متأكد من ~~هذا؟ # أجاب والده: هكذا يدلني فكري، والفكر الصادق أكبر دليل. # وبعد أن رجعت أم فؤاد من وداعه وهي محمرة العين وحزينة القلب ندمت على فعلها لما رأت ~~من نتائجه، والبلوى هي بأن البعض لا يتوبون إلا عن فشل وعجز. # سافر فؤاد مسرورا لأن كلام والده كان رفيقه كما قال، ولما وصل إلى مدينة نيويورك ونظر ~~إليها عند نزوله من البحر أحس بأن مدينته مع عظمتها لا تعادل شارعا واحدا من هذه ~~المدينة، وبما أن «الغريب أعمى ولو كان بصيرا» وقف الشاب مبهوتا وقد هم بمناداة أحد ~~سائقي العربات وإذا بصوت من ورائه يقول: هل هذا أنت في أمريكا يا خواجة فؤاد أم أنا في حلم؟ ~~فالتفت فؤاد ليرى من ذا الذي يخاطبه بلغته بين تلك الجماهير الغريبة، وقد ارتاح لسماع ~~الصوت، وإذا بشاب جميل الصورة حسن البزة طويل القامة واقفا أمامه فلم يعرفه فؤاد، وقال ~~للمخاطب: إن اسمي فؤاد يا سيدي، ولكنك لا تعرفني على ما أظن؛ لأنني لم أسعد بمعرفتك من ~~قبل. # فابتسم الشاب إذ مد يده إلى فؤاد مصافحا وقال: أظنك نسيتني فأنا وديع ... وإنني أعرفك ~~وأعرف بيتكم وأباك وأمك، وسرد له أشياء كثيرة عنه وعن والديه كان قد تلقنها من نسيب لهذه ~~الغاية. ms138 # وكان الفتى لطيفا جدا، «كما هي العادة عند الغاية»، فظن فؤاد أن لطفه كان أدبا ~~ونعومته تهذيبا، وسر به جدا؛ لأنه أنس منه صداقة وهو مفتقر إلى صديق ودليل في بلاد هو ~~غريب فيها، وكان فؤاد نقي القلب طيب السريرة، وعهد دخوله بمدرسة العالم حديثا، وكان يقيس ~~الناس كلهم على نفسه، وهذا الأمر كثيرا ما يكون آفة الأفاضل، ولكنهم يأتونه انقيادا ~~بالغريزة. # وبعد أن تصافح الشابان وتعارفا استأجرا عربة أقلتهما إلى نزل سوري في شارع واشنطون أو ~~«شارع السوريين»، وفي ذات الساعة التي وصل فيها فؤاد أرسل وديع تلغرافا إلى نسيب ينبئه فيه ~~بوصوله، فأتى نسيب وتبعته لوسيا التي لم تشأ مفارقته. # ومع أن نسيبا لم يكن يحب لوسيا ولا مرافقتها؛ «لأن كل شيء يبتذل يهان» ولوسيا كانت قد ~~«رخصت» نفسها بعين نسيب؛ لأنها هي خطبته لا هو، وسعت وراءه بخفة، وكل شيء يكون من واجبات ~~الرجل وتغير عليه المرأة بأمور كهذه يحتقرها لأجله، فكلما ترفعت الفتاة عن الشاب كلما ~~أحبها وكلما تساهلت معه كلما زاد احتقاره لها. # ولما وصل إلى نيويورك أنزلها في نزل وذهب وحده لملاقاة فؤاد، وكان هذا في قهوة مع بعض ~~الرفاق، فلما وصل نسيب إليه انطرح على عنقه يقبله ويبكي، فبهت الحضور لبكائه؛ لأن بكاء ~~الرجال عزيز، لذلك هو يلذ ولا ندري إن كان ذلك البكاء عن حب أو عن شعور بالذنب أو حيلة ~~للجذع، والأصح أنه الأخير؛ لأن نسيبا عزم على إحكام عمله الشرير لا على فصم ~~عراه. # ولم يكن فؤاد بانتظار هذا الملتقى، فاضطرب وخفق قلبه وتصور نسيبا أمامه خائنا ~~ومناظرا له في حب بديعة، فلعبت نار الحقد في قلبه، ولكنه تذكر كلام والده له، وكان لم يزل ~~يحفظه، فصافح نسيبا لأجل ذلك وتأدبا أمام الحاضرين. # وبعد برهة من الزمن خرجا من تلك القهوة، وذهبا إلى غرفة فؤاد، وكان نسيب يلاطف فؤادا في ~~الطريق، وهذا غير مكترث له؛ لأنه إن لم يكن عليه حاقدا فلم يكن له محبا. # | الفصل السادس والعشرون # الالتقاء ببديعة ms139 # ولما دخل الغرفة قدم فؤاد لابن خالته كرسيا وهو متعبس الوجه، فجلس هذا عليه وأخذ ~~يستعد لما يحامي به عن نفسه، أما فؤاد فأخذ يتمشى في الغرفة وهو مضطرب البال قلق الفكر، ~~وبعد هنيهة اقترب من نسيب وقال له بصوت منكسر: إنك شجاع يا نسيب! # فأثرت هذه الكلمة بنسيب وأطرق في الأرض بدون كلام، فاقترب منه فؤاد وقال له متهكما: ما ~~بالك أطرقت يا ابن الخالة؟! فإن الذي خاض معركة الخيانة نظيرك لا يهوله مرأى سيف الحق حتى ~~ولا يؤلمه جرحه ... # عند ذلك رفع نسيب نظره وقال بصوت خافت تظاهرا بالحزن: كفى كفى يا فؤاد، فمن الظلم أن ~~نتعادى ونحن كأخوين لأجل امرأة خائنة لا تستحق كل هذا ... # أجاب فؤاد: لا تتهمها بالخيانة يا أيها الأمين! فإنني لا أسمح لك بذلك قط ما لم أتحقق ~~الخبر بنفسي ... ولنفرض أنها خائنة فخيانتها لا تعد شيئا مقابل خيانتك. فتنهد نسيب وقال: ~~نعم، نعم أنا أعرف هذا، ولكنني قد نلت جزاء خيانتي من خيانتها فأنت وأنا متساويان؛ لأنها ~~قد كالت لي بالكيل الذي كلت لك أنا به وأزيد ... إنها بعد أن أغرتني على الفرار على الفرار ~~معها وسلبت مني مالي أحبت غيري وخانتني أيضا ... وهكذا قد سقتني تلك الخائنة بذات الكأس التي ~~ساعدتني بها على تجريعك الجحود والخيانة منها وأنت أخي وحبيبي ... فأواه يا فؤاد إن ظلمي منها ~~هو عذري عندك! وأنت قادر على الصفح لأنك كريم. وانطرح على قدميه وهو يتظاهر بالحزن ~~الحقيقي. # وكان فؤاد واقفا وقد أحس بأن نارا محرقة تذيب أحشاءه، وبعد قليل جلس على كرسي كان ~~بجانبه، وقال لنسيب وهو يكاد يقطع آخر خيط أمل من براءة بديعة: أخبرني عن القصة ~~تماما. # فقال: إنها كما أخبرتك والدتك. # قال فؤاد: إن والدتي اكتفت بذكر سفركما فقط. # قال نسيب: بعد ذهابك إلى المدرسة كان شغل بديعة الوحيد طرح الشباك لي؛ لأنها فتاة لا تحب ~~لأجل الحب نفسه فإنها كانت تريد أن تكون محبوبة من كل رجل، وبهذا كان افتخارها وسعادتها؛ ~~لأنها ms140 امرأة. ولما رمت شباكها لأول مرة لم تكتف بذلك العصفور، ولم تلك الشباك، بل أبقتها ~~مرمية وزادت من الحب حتى وقع هذا العصفور الثاني، وإنك لا تلومني يا فؤاد؛ لأنني رجل ~~وأحب الجمال والحب جنون. وبعد أن صار هذا وظننت أنها تحبني طلبت منها الاقتران فلم ترض ~~وطلبت مني أن أسافر معها ففعلت، ولما أتينا إلى هذه البلاد أحبت شابا غيري، وهي تعده ~~بالاقتران الآن، ولا أعلم ما يكون نصيبه معها. # وكان فؤاد يسمع هذا الكلام وهو يرتجف كورقة الشجر في الهواء، ولكنه تجلد وقال: وأين هي ~~الآن؟ # قال: هي الآن في مدينة سنسيناتي. وبعد أن صدق فؤاد كلام نسيب مر بخاطره كلام والده فشعر ~~بشيء من الراحة، ومد يده إلى جيبه فأخذ كتاب بديعة وناوله لنسيب قائلا: هل تصدق بأن اليد ~~التي سطرت هذا الكتاب تخضب عمدا بدم قلبين نقيين ...؟ # ولما انتهى نسيب من قراءة الكتاب اصفر لون وجهه؛ لأن الرذيلة تخاف الفضيلة في كل وقت، ~~ولكنه ضحك ضحكة عالية اقشعر منها جسم فؤاد وقال: أظنك نسيت قول القائل بأن مكر النساء ~~ودموعهن سلاحان لا يحاربان ... # قال فؤاد: لم أنس هذا، ولكن في كتاب بديعة ما يدعو إلى الريب. # عند ذلك أخرج نسيب من جيبه رزمة من الرسائل وناولها لفؤاد قائلا: اقرأ هذا ولا تعد ترتاب ~~فيما بعد بمكر النساء. # وكان أول كتاب فتحه فؤاد بخط بديعة إلى نسيب وفيه هذه الجملة التي لم يقرأ سواها ورمى ~~التحرير وهي: # ولا حق لك بمعاتبتي لأنني لم أحب سواك أبدا الحب الذي أحببتك حتى استهنت بكل ~~شيء في سبيله ... # وكان فؤاد بعد أن رمى الكتاب يرتجف ويقول: إنني لا أقدر على التصديق بأن اليد التي سطرت ~~هذا الكتاب قد سطرت ذاك، وأكاد أكذب نظري وعقلي وفكري. # فقال نسيب: لله در ذلك الحكيم العربي إذ قال: «رأيت أفعى تسقى سما» إذ رأى امرأة ~~تتعلم، فالمرأة أفعى يا عزيزي وسمها يتضاعف بالعلم؛ لأنها بهذا تفتكر بفكرين وتشتغل بيدين ~~وتكون أقوى على الشر وهي ms141 مسلحة مما هي عليه بدون سلاح. # وكان قد هدأ روع فؤاد نوعا الآن فأجاب نسيبا بلهجة تفرق عن لهجته؛ لأنه كان رجلا يعتبر ~~جنس النساء الذي والدته منه؛ فسلام عليك أيها الحب الشريف الأدبي المنزه الذي يربط قلب ~~الولد بالوالدة ويوجب عليه احترامها والنضج عنها واحترام كل امرأة سواها؛ لأنها من جنسها. ~~سلام عليك أيها الحب السماوي الذي نطقت بلسان فؤاد إذ قال لنسيب: إنك باحتقارك بديعة تحتقر ~~كل النساء ومعهن أمك، فجرب أن تلطف حديثك وتنبذ كلام فيلسوفك العربي؛ إذ تعرف بأن المرأة ~~هي نصف الهيئة الاجتماعية، ومن الجهل والخمول والظلم أن يكون نصف هذه الهيئة مظلما ونصفها ~~الآخر مضيئا، وإنه متى حرمت المرأة من التنور والعلم حرم العالم نصف الجمال وفائدة ~~الهيئة، وهو النصف اللطيف فيها، فالعلم الصحيح هو الذي يصغر الشر لا يكبره، ومتى كانت امرأة ~~شريرة وعالمة لا يكون الذنب على علمها بل على غريزتها التي قويت على العلم وغلبته، وفي أكثر ~~الأحيان نجد أن سبب هذا «الجهل» هو الذي يتحدر من أم جاهلة. وأكبر برهان حسي على ~~فائدة العلم للمرأة هو تقدم الأمم وانحطاطنا، فمن كان ينظر ويتعامى يكون ذا غاية دنيئة، ~~ومن كان أعمى لا ينظر فلا يلام، فصدقني يا نسيب إنني أندب حالة النساء إذا كان رأي كل ~~الرجال كرأيك فيهن، فلو كانت النساء خلقن للشر كما قلت، سواء كن جاهلات أم عالمات ~~لكنا لا نرى في العالم الآن غير الشر والأشرار؛ لأن كل رجل تستلم زمام أموره امرأته ~~وهذا ظاهر، ومن المؤكد أن الذي تربيه امرأة وتعاشره امرأة طول حياته يتلقن عنها الشر ~~ويصبح العالم كله أشرارا «بنظرك». ولكنني أشكر الله أن الذين يذهبون مذهبك قلال، وأنت وهم ~~تستحقون أعظم القصاصات من النساء. فتظاهر نسيب بالضحك وقال: أرجو أن تتسلى ... ولكنني قلت ~~وأقول بأن النساء أصل كل شر على الأرض وسبب كل تعاسة، وأما قصاصي فقد نلته منهن وهذا ما ~~حملني على مثل قولي لك. # فقال له فؤاد: أنت قلت بأنك «انخدعت» ms142 من بديعة وأطعتها بالهرب معها، فإن كنت فعلت هذا ~~مختارا؛ تكون شريكا في الجرم، وأنت وهي متساويين، وإن كنت أتيت الأمر مضطرا؛ لأنك لم ~~تقو على المدافعة تكون ضعيفا جبانا وتستحق أن تقودك امرأة كيف شاءت، ولكن إذا خدعت من ~~امرأة فلا يحق لك ذم الجنس كله. # فقال نسيب: إذا كان علم وتهذيب بديعة لم ينتجا غير عملها هذا، فأنا أشك بوجود امرأة فاضلة ~~وبأن العلم مفيد للمرأة. # وإذ ذاك نهض فؤاد عن كرسيه وكان خائر القوى ونظر إلى نسيب شزرا وقال: أرجو أن لا تلفظ ~~اسمها فيما بعد وأن تتركني لأنام قليلا. # ذهب نسيب ولم يحضر لبعد ثلاثة أيام، لا هو ولا ذلك الدليل الذي ظنه فؤاد من ~~أصدقائه. # | الفصل السابع والعشرون # الالتقاء ببديعة # وبعد انقضاء أربعة أيام على مشاهدة فؤاد لنسيب، نزل الشابان في محطة سنسيناتي، فوجدا فيها ~~شابا كان يعرفه نسيب، وهو من أصدقائه، فسر بالالتقاء به ودعاه إلى ركوب العربة ~~معهما. # وفيما هما في العربة كان نسيب يسأل الشاب قائلا: كيف حال صاحبتك بديعة يا يوسف؟ وهل عهد ~~اقترانها بأديب قريب. # فقال يوسف: هذا ما أسمعه، وقد مرضت بديعة مرضة قوية ولكنها في طور الإبلال الآن وتتقدم ~~إلى الصحة. فاضطرب قلب فؤاد من سماع الجملة الأخيرة كما اضطرب من الأولى؛ لأنه كان لا يزال ~~يحب الفتاة بالرغم عن كل ما صار. وسمع حديثهما الباقي بصبر غريب، واستأنف نسيب حديثه قائلا ~~ليوسف، وقد غمزه بطرف عينه: يظهر بأن بديعة تحب أديبا كثيرا. # أجاب الشاب: كيف لا وهو لم يفارق سريرها كل وقت مرضها، وكنت تراه آتيا من السوق كل صباح ~~وسلة الفاكهة في يد وضمة الزهور في أخرى ... # وعند هذا الحد من الكلام فرغ صبر فؤاد، فقال لنسيب وهو ينظر من النافذة: ألم نزل ~~بعيدين عن محل قصدنا؟ # فقال هذا: كلا. وبعد برهة وقفت العربة بهم أمام نزل شهير، فنزل فؤاد ونسيب وقيدا اسمهما ~~وصعدا إلى غرفتيهما. # وكان نسيب يترقب الفرص إلى أن علم من أحد أصدقائه ms143 بوجود أديب في غرفة بديعة، فذهب مع ~~فؤاد إلى هناك، وكانت تلك الغرفة من جهة السوق وبابها ونوافذها مفتوحة؛ لأن الفصل فصل الصيف ~~وأديب وبديعة وجميلة في داخلها. # وإذ وصلا وقفا إلى جانب الباب، وتوقع وصولها؛ إذ كان أديب يضع ذلك الخاتم في إصبع ~~بديعة، وهو ينظر إلى يدها نظرة لم تخف على فؤاد، فثارت به الغيرة وهجم على تلك الغرفة ~~بغتة كالأسد وصرخ بصوت عال: آه يا خائنة! ثم خرج حالا ونسيب وراءه يضحك في سره من هذا ~~الفوز الباهر. # وكان نسيب مسرورا جدا من إبعاد بديعة عن فؤاد، حتى نسي أنه هو خسرها أيضا. # وظن نسيب وهو راجع إلى نيويورك مع ابن خالته أن هذا ربما أحب لوسيا واقترن بها، فيكون ~~قد رمي عصفورين بوقت واحد، ولكن ظنه خاب بعد رجوعهما لأنه «لم يتبين عاطلا من مطوق» من ~~كل امرأة رآها بعد بديعة؛ إذ إن حبه الصادق كان قد خلق ومات فيها. # وبعد أن اختبر فؤاد بديعة بنفسه وتحقق خيانتها كما ظن صار هذا الفكر يحاربه في ~~ليله ونهاره حتى نحل جسمه، وسئم المعيشة فأذعن أخيرا «لنصيحة» نسيب له بإدمان الخمرة؛ ~~لأنها «تطرد الهموم». # وكان مع فؤاد مال كثير فكان يبذله على أصدقائه بغير شفقة؛ لأنه لم يتعود قبض الكف في مال ~~والده الكثير، وكان منعكفا على القصف والزهو مع رفقائه نسيب ووديع وآخر غيرهما. # وكان يخلص لهم الصداقة؛ لأنه كان خارجا حديثا من المدرسة، ولم يتعود غير الإخلاص مع ~~رفقائه التلامذة. وكان يظن أن معيشته الحاضرة هي كمعيشته السابقة في المدرسة وأن رفقاءه ~~هؤلاء هم كأولئك التلامذة، ولكن الفرق كان عظيما؛ لأنه بينما كان يعيش مع هؤلاء في عالم ~~عظيم مملوء من المصائب والتجارب والشرور، كان يعيش مع أولئك في عالم هادئ وتحت سماء المدرة ~~الصافية من غيوم الحسد والبغض والكبرياء والانتقام، فارتشاف كأس الخمرة المؤذية ~~المؤدية إلى الهلاك النفسي والجسدي هي غير ارتشاف كأس العلوم الصافية التي هي بلسم جروح ~~الشرور والجهل. # وبعد اتباع فؤاد نصيحة ms144 ابن خالته «المخلص» لم يتبين طرق هذه المعيشة من تلك، ولا عرف كم ~~أضافت إليه تلك النصيحة من الآلام والهموم؛ لأنه كان ثملا لا يفيق. # ولما مشى فؤاد على هذه الطريق نسي نصائح والده له تماما؛ لأنه كان قد نسيه معها، وأخذ ~~يكتب إليه كثيرا واعدا بقرب رجوعه وبإيقافه على قصته، وهذا ما كان يسلي ذلك الوالد ~~التعيس الذي أوقعه شرف مبدئه بهذه الوهدة، وتلك الوالدة المستحقة الرحمة التي أوصلها ~~كبرياؤها إلى هذه النتيجة الهائلة. # وكان فؤاد يمشي مع رفقائه على طريق الهلاك، ومن يراه يعرف بأنه مدفوع إلى سلوكها مرغما؛ ~~لأنه كان لا يعي على شيء ولا يصغي أو يفتكر، فكان إذا قدم له الناس كأسا يشربها ~~وربما شرب عشرات مثلها ولا يرفض، ولكنه لم يذهب بنفسه ويشربها. ولم يتغير شيء من أحواله قط؛ ~~فإنه بقي كما كان دمث الأخلاق لطيف المعشر كثير الافتكار يحب الرحمة والإحسان، وكثيرا ما ~~يكون سكرانا ومتوكئا على ذراع أحد أصدقائه، فيمر بأحد الفقراء ولا ينساه، بل يأخذ من جيبه ~~مالا ويدفعه إليه. وكان يأتي أمورا كثيرة شريفة تدل على أن سلوكه كان إما رغما عنه وإما ~~عن غير انتباه. # وبينما كان فؤاد بهذه الحالة على موائد الخمور وبين أسباب السرور ويتعذب بنفسه وجسده ولا ~~يدري، كانت بديعة في أشد حالات العذاب وهي تتعذب وتدري لماذا هو عذابها. # | الفصل الثامن والعشرون # الكتاب # وكانت بديعة من حين سمعت كلمة «خائنة» من فم فؤاد لم تذق راحة، إلا أن ما كان يعذبها ~~كثيرا هو بطلان هذه التهمة التي لم تعرف ما دعا فؤادا إلى تصديقها، وقد جهلت تلك المساعي ~~الشريرة ضدها. # ولما كانت لم تزل ضعيفة الجسم انتكست وعادت إليها آلام المرض، فلم يجد حديث أديب ~~المسلي وحنوه وحبه الصادقان، ولا سهر واعتناء جميلة نفعا؛ لأن الضربة كانت عظيمة، وقد ~~كانت تظهر التسلي لما تكون بين الناس ولسان حالها ينشد: # لا تحسبوا رقصنا ما بينكم طربا # فالطير يرقص مذبوحا من الألم # وفي أحد الآحاد كانت جالسة ms145 على سريرها ومتكئة على صدر جميلة، وهذه ماسكة بيدها جريدة ~~كانت بديعة تقرؤها، فدخل أديب ورأى هذا المنظر فتأثر جدا، وبعد أن جلس هناك قليلا ناولها ~~كتابا معنونا باسمها وقال: هذا أول كتاب أتى باسمك. فلما تناولته قالت: هذا خط فؤاد. ~~وناولته لأديب قائلة: يجب أن يفض ويقرأ فأرجو أن تفعل أنت ما أعجز أنا عن عمله. ثم استلقت ~~على وسادتها وسترت عينيها بيديها فقرأ أديب بصوت متهدج ما يأتي: # أيتها الخائنة الماكرة! # ولم يقرأ غير هذه الجملة؛ لأنه عرف ما تكون عاقبة تأثير مكتوب كله شتم وذم كهذا على ~~بديعة فمزقه حالا. # وأما بديعة فقد قرأت المكتوب بفكرها؛ ولذلك فما جاء تمزيق أديب له بنفع؛ لأن حالتها ~~ازدادت خطرا. # وفي أحد الأيام جلس أديب بجانب سريرها حسب العادة، وجلست مقابلة جميلة وهي منكسرة القلب ~~لحالة صديقتها، فقال أديب لبديعة: إنك تضرين بنفسك وبنا بهذا العمل يا بديعة، فهل ~~مرادك أن تنتحري انتحارا بطيئا أو تريدين أن تقوي على أفكارك المزعجة وترجعي إلى صحتك ~~دائسة على الهموم؟ # أجابت بديعة متنهدة: إنني أفتكر بهذا الأمر؛ فإن المرض الذي سببه همي العظيم يكاد يذهب ~~بعقلي وجسدي ويضنيكما أنتما اللذين تستحقان أعظم مثوبة من الله عني، ولكن كيف العمل؟ إنني ~~محتاجة إلى حبكما الذي يساعدني على احتمال كلام الناس وكلام من هو أعظم من كل الناس ~~عندي. # قال أديب: أما الكلام فلا يهمك قط؛ لأن الناس تنطق من فضلات قلوبها، والأوعية تنضح بما ~~فيها، وقد قال أحد حكماء الغرب: # يتحامل الأشرار على النفوس الشريفة، ولكنهم لا يستطيعون أن ينالوها بأذى، فهي ~~كالصخور الصوانية على الشواطئ، تصدمها الأمواج عند هبوب العواصف فيظن أنها ~~أغرقتها وصدعتها وتكون غسلتها فقط، فتعود أجمل للنواظر وأبهج للخواطر. # قالت بحزن: هذا ما يعرفه الأدباء وحدهم، أما اللئام فإنهم يستعملون ألسنتهم الحادة ~~حرابا يطعنون بها القلوب ويمزقون الصيت والسمعة، ويتوهمون بذلك الفوز المبين لهم. # فابتسم أديب وقال: وهل أنت تطلبين شهادة غير العقلاء فيك؟ # قالت: كلا؛ لأن الذي يطلب شهادة ms146 حسنة من شخص قبيح الأعمال يكون كمن يطلب شهادة إسكاف في ~~فن الطب إذ أنى للإنسان أن يعرف ما يجهله؟ # قال: إذن أنت تطلبين شهادة العقلاء الذين «يشهدون بما يعرفون» ويعتبر الناس شهادتهم، ~~وهي لك فما ينقصك يا ترى؟ # وكأن مكتوب فؤاد وكلام أديب قد ساعدا على تقوية بديعة، فأخذت تطرد عنها جيوش أفكارها ~~بالتمادي، ولهذه علاقة كبيرة بالمرض؛ لأن الهم نصف المرض. فلما هدأ اضطراب فكرها قليلا ~~تقدمت نحو الصحة وأخذت باسترجاع بعض قواها. # ولما عادت قوتها إليها عادت هي إلى شغلها رغما عن توسلات أديب إليها بالاستراحة وذلك ~~لسببين؛ الأول: لأنها كانت باحتياج كلي إلى العمل لتسلية أفكارها؛ إذ لا يوجد ما يذهب ~~الهموم مثله. والثاني: لأنها أبت لعزة نفسها أن تكون تنفق من مال أديب. # ومن الشغل والمشي واستنشاق الهواء النقي يوميا، عاد لون بديعة إلى وجهها الشاحب وسرى ~~دم النشاط في جسمها الناحل. # وعرفت بديعة واجب نفسها فتشددت، ثم ذكرت بأنها هي تسلي الناس، فمن العار إذن أن تقول ما ~~لا تفعل، فعزمت على أن تمرن النفس على عمل كل ما تود إلى الناس عمله لتقوم الأفعال ~~مقام الأقوال، وذلك خير وأبقى. # | الفصل التاسع والعشرون # قول بديعة عن النساء وحبهن لبعضهن # وفي أحد الأيام رجعت من البيع قبل جميلة، فجلست وحدها تفتكر، ولما قاست مصيبتها بمصيبة ~~جميلة وجدت بأن هذه أسعد منها. ذلك لأنها هي لم تعرف بزمانها موئلا تذهب إليه إبان ~~المصائب والعذابات، وهذا لا يكون على غير ركبتي الأم، ولم تتدرع بدرع تتقي بها رميات ~~النوائب وتهجمات الأشرار؛ لأنها لم تناد بكلمة «أبي» بحياتها، فأخذت في البكاء ~~والشهيق وقد نسيت كل همومها الحديثة عن هذا العالم الماضي وهو حاضر دائما. وفي ذاك ~~الوقت وصلت جميلة فلما وجدتها بهذه الحالة هلع فؤادها وقبلتها قائلة: تعزي يا ~~بديعة يا عزيزتي، فإن الفجر ينبثق دائما بعد الظلمة، ولا بد لظلمة حياتك من فجر يضيئها؛ إذ ~~لا ظلام بغير سواد ولا نور بغير ظلام. # فابتسمت بديعة عن عجز ms147 وقالت لرفيقتها: سبحان الله يا جميلة! كيف أنك تكافئينني الآن بذات ~~الشيء الذي باديتك به، أجل يا حبيبة قلبي، إنه لا بد للإنسان من مرأى النور والظلام في ~~حياته، ولكن ألا تعرفين بأنه يوجد أقطار في العالم لا تشرق فيها الشمس إلا أياما قليلة في ~~السنة؟ هكذا أنا يا عزيزتي فإن شمس حياتي نادرة البزوغ، وإذا بزغت فمن تحت غيوم متلبدة ~~تجعل نورها ضئيلا، وعلى كل حال فإن كلامي هو عن الماضي والحاضر، وأما المستقبل فتعليل ~~وأمل، ومن كانت مثلي حصلت على صديقين عزيزين هما أنت وأديب لا يجب أن تشتكي من دنياها ~~أبدا، وهل تكون الدنيا باردة قاسية متى وجدت فيها حرارة كحرارة حبكما وإخلاصكما لي؟ ~~كلا. # فقالت جميلة: إنني أفتكر بأمر يا بديعة. # قالت: ما هو يا عزيزتي. # فقالت: يقولون بأنه من المحال أن يخلص النساء المودة لبعضهن، أو أن تكون محبتهن ~~حارة، وأن المرأة يمكنها مصادقة الرجل وحبه وتضحية كل شيء لأجله مما لا يكون منها لأختها في ~~الجنس، وكثيرا ما سمعت بأن بعض الفتيات يكن عبوسات خشنات مع أترابهن وبالعكس مع ~~الرجال الذين ينالون منهن كل لطف، فهن يهربن من محبة المرأة إذا لم أقل يبغضنها، ~~ويفرغن جهدهن بالتقرب من الرجل، مع أن اعتقادي هو أن محبة المرأة للمرأة واجبة؛ لأنها من ~~جنسها. # قالت بديعة بتفكر: إنك محقة يا جميلة؛ لأن الصداقة الحقيقية متى عرفت من الناس يجب أن ~~تكون بين المرأة والمرأة على الأكثر؛ لأن الصلة الجنسية أكبر واسطة لذلك. خذي لك مثلا على ~~هذا من أعظم شخصين على وجه الأرض وهما الوالدان؛ فإنك ترين البنت دائما منحازة إلى والدتها ~~والصبي إلى أبيه؛ لأن الأولى تحب اكتساب معرفة واجبات الجنس من أمها فتصادقها إذ تكون ~~مطاليبهما وأعمالهما متساوية، وكذلك يكون الصبي مع أبيه، وهكذا يجب أن يكون بين جميع طبقات ~~البشر، أن تبذل المرأة لأختها الصداقة كما تبذلها للرجل، وفي ظروف مخصوصة يجب أن تخصها بها ~~دون الرجل؛ لأن ما تقدر أن تساعد المرأة صديقتها ms148 به وفيه لا يقدر عليه الرجل، ورب صديقة ~~غريبة تكون للمرأة أنفع من زوجها وابنها؛ لأنها من جنسها. ولكن صداقة الرجل التي أشرت عنها ~~يا أختي هي التي تحول دون هذه الصداقة النفيسة، بل هي كثيرا ما تحولها إلى بغض ~~وانتقام كما نرى غالبا؛ إذ كثيرا ما تبغض الأخت أختها والبنت أمها والأم ابنتها لأجل محبة ~~رجل، وهذا أمر يظهر بأنه طبيعي يا أختي لا يزايله إلا «الواجب»، وهذا غير معروف من كثيرين ~~لسوء الحظ؛ لأن كلمة هائلة قد طردته من قلوب أكثر الناس وتولت مكانه وهي «الأنانية». # وأما فيما خلا هذا الظرف فلا أرى من مانع يمنع المرأة عن مصادقة إخوتها في الجنس، ولكن ~~هناك أيضا ثلاثة حوائل هي كالحائل الذي تقدم ذكره، بل هي مشتبكة ببعضها، وكل واحد سبب ~~الآخر، وهي أولا حب الذات وثانيا الحسد وثالثا الضعف. # فحب الذات يا أختي يطرأ في النفس وفي سواها؛ فنحن النساء محبات لذواتنا كثيرا ولكن ~~الغريب هو أننا مع هذا كثيرا ما نضحي ذواتنا لأجل الرجال، ومع تساهلنا الكثير لأجل من ~~يحسبون الأمر منا «خفة» أحيانا. فنحن ضنينات وحريصات بالتنازل عن أتفه الحقوق لبنات جنسنا؛ ~~مثلا لو أحبت المرأة رجلا تقدر أن تضحي حتى محبة أمها وأختها لأجله، وأن تتنازل عن رضى ~~أمها النفيس لأجل رضاه، ومع هذا فهي لا تتنازل لتضحية ساعة بتعزية أو تسلية امرأة مثلها ~~تكون محتاجة إلى التعزية أكثر مما هو محتاج إلى ابتسامتها الحلوة إذا كانت هذه الساعة من ~~الوقت له فتأملي. # أما الحسد فحدثي عنه ولا حرج في جنسنا، المرأة يا جميلة تحسد أختها متى رأت لها شيئا ~~أحسن منها، ولو كانت من أعز الناس إليها. والحسد والحب لا يتفقان يا عزيزتي؛ لأنه أسهل ~~على الإنسان أن يذهب مفتشا بين الذئاب الضارية عن صديق من أن يطلب هذه الصداقة من قلب حاسد ~~وإن تظاهر بها، فالحسد هو أساس الشرور؛ لأنه عاطفة وحشية لا يسأل الإنسان معها عن دين أو ~~ذمة أو شرف ، وعمل الحاسد ms149 الوحيد متى تبع هواه هو إلحاق الضرر بالمحسود منه؛ لأن هذه مهنة ~~الحاسد الوحيدة متى كان لئيما، وأنت تعرفين بأن أعظم الجرائم التي يمكن للإنسان اقترافها ~~هي جريمة القتل أو الإضرار بالغير، سواء كان بمادياتهم أو أدبياتهم، وهذه رغبة الحاسد، ~~وأما الضعيف فإنه سبب هذين الحائلين ولكنني ذكرته بعدهما فإن المرأة ضعيفة، ومع أنها تعرف ~~ضعفها فهي لا تقدر على مداواته أحيانا وكثيرا ما يجرها هذا الضعف إلى إتيان أمور لا ~~تريدها لنفسها وبعد فوات الوقت تندم، ولكن متى كان الضعف قابضا بيده الحديدية على قلبها ~~تكون ندامتها أشبه بتوبة السكران لما يرى غيره سكرانا، أو لما يأتي أمرا قبيحا من ~~السكر، ولكنه لا يلبث أن يتناسى كل ذلك ويطلب من هذه الخمرة الطيبة في يد غيره، فهل ~~تحسبين ترك المرأة للبيت الذي ربيت وعاشت فيه كل أيامها الحلوة وذهابها مع رجل - ربما ~~لا تعرف عنه شيئا - غير ضعف. وهل تحسبين بأن ميل الفتاة إلى شاب ما يكون مخطوبا ~~لسواها وانتزاعه من غيرها لنفسها غير ضعف؟ هذا الضعف المشين الذي يتسلط على جنسنا في أكثر ~~الأحيان، ولأجله يدعو الرجل «المرأة ناقصة العقل والدين»، الرجل الذي تضحي المرأة لأجله كل ~~هذه الأمور وسواها من مثل سعادة وواجب وحب والدي يضحك منها ويحتقرها، فتأملي! ~~تأملي! # | الفصل الثلاثون # الشتاء والربيع وحوادثهما # انقضت الأيام والشهور على بديعة وهي تكلف نفسها التجلد والصبر والقوة تبعا لمثل ~~الأمريكان القائل: «من لا يساعد نفسه لا يساعده الله.» حتى عادت إليها قوتها كما كانت قبل ~~مجيء فؤاد وليس قبل تعرفها به، فقنعت بحالتها الحاضرة وارتاحت أفكارها نوعا؛ لأنها لم ~~تسمع عن فؤاد شيئا كل تلك المدة. # وأتى الشتاء بهدوئه في برده وزمهريره فاستراحت بديعة به من الشغل واسترجعت ورد خديها؛ لأن ~~الشتاء يعين على الصحة. # ولشدة عجب بديعة لم يذكر لها أديب طول ذلك الشتاء باجتماعاته الطويلة كلمة عن الزواج، ولا ~~أظهر شيئا من رغبته في الاقتران بها، إلا أنه لم يكن باردا في معاملته التي كانت حرارتها ms150 ~~محرقة حتى في أيام البرد القارس، وكان يغار على شرفها وصحتها وسعادتها غيرة صادقة ~~تشف عن شرف ذلك الشاب الوافر. # وأقبل الربيع بثوب من الأزهار يبهج النظر ويسر القلب، وهو مفاخر إخوته الفصول الثلاثة ~~باعتدال طقسه واعتلال هوائه وبرودة مائه. ولما بلغ منتصفه أخذ يعتذر إلى السيدات بمنعه ~~إياهن ثلاثة شهور عن لبس أثوابهن الشفافة الجميلة، التي هي من شباك الشرور ومجلبة أمراض ~~الصدور، فقبلن عذره وخرجن كطوائف الغزلان يتمشين في آصال نهاراته وأوائل لياليه وهن أجمل ~~وأنضر منظرا من أزهاره. # وكانت بديعة تخرج بصحبة جميلة كل ليلة للتمشي، وأحيانا متى كان الجمهور كبيرا ~~يرافقهما أديب وليس في غير وقت، ولم يكن شيء يسر أديبا مثل نظره إلى بديعة وهي تتنقل ~~بهذه الأيام الربيعية أمامه؛ لأن مشية بديعة الطبيعية كانت تسر النظر، فقد كانت تنتقل ~~بمشيتها تنقلا طبيعيا لا تصنع ولا «غندرة» فيه، وكأنه وهي تمشي تطير على الأرض ~~طيرانا لا تدوسها برجليها، وكانت لا تهز يديها وهي ماشية بل تحمل بيد واحدة مظلتها، ~~وباليد الأخرى طرف ثوبها فترفعه عن الأرض إلى ما فوق الكاحل فقط، وكانت تمشي وهي هادئة ~~رصينة لا تنظر إلا إلى أمامها، ولم تكن تجر رجليها على الأرض جرا كأنها «نعسانة أم ~~نشوانة»، ولا تمشي ببطء حتى يظنها الناس غير قادرة على المشي، أو تركض في الشوارع ركضا. ~~ولم تكن تقف في الشارع للتفرج على شيء - ولا شيء يوقف المرأة المتهذبة في وسط الشارع مهما ~~يكن غريبا - ولا تدير عينيها في المارة وتحدق بهم. # وبينما كانت ماشية مع جميلة مرة قالت لها هذه: أتذكرين استياء لوسيا منك في السنة ~~الماضية في مثل هذه الأيام، وكيف أنها تركتنا ومشت وحدها؛ لأنك نصحتها بأمر؟ # قالت بديعة متنهدة: نعم إنني أذكره، وأذكر أيضا ذلك الكلام الذي اغتاظت منه، وسأعيده ~~عليك لعل في الإعادة إفادة، وهو أنني قلت لها: يا عزيزتي لوسيا إن الرجال إجمالا وبعض ~~النساء المتهذبات خلقوا ليلاحظوا وينتقدوا من يرونهم، ولا سيما النساء منهم؛ لأن في ~~الرجال ms151 رغبة خاصة بملاحظة النساء وحبا شديدا للحشمة لا تعرف مقداره إلا المرأة المهذبة ~~العاقلة، وقد يكون الحامل لهم على حب «الحشمة النسائية» إن هذه الحشمة ليست لهم بالمقدار ~~الذي هي فيه للنساء، والإنسان خلق ليعتبر ما هو لسواه وليس له، فكما أن النساء يحببن في ~~الرجال شجاعتهم هكذا الرجال يحبون في النساء حشمتهن. والرجل مع حبه الزائد للجمال لا يكترث ~~له متى تجرد من الحشمة واللطف؛ لأن الجمال يجب أن يكون مصونا وسياجه الحشمة، والأمكنة التي ~~يقصد الرجل اختبار «حشمة المرأة وأخلاقها» فيها هي الشوارع والمحال العمومية، فالويل لها ~~إذا أتت في هذه الأمكنة ما يخالف قواعد الحشمة والآداب الحقة. قلت «الويل لها» لأنني لا ~~أعرف ويلا في السماء أو على الأرض أشد من انتقاد الرجل لها أو ضحكه منها، واحتقار الرجل ~~للمرأة ويل وطلب المرأة لاعتبار الرجل أمر طبيعي محلل إذا كان منه طلب اعتبار الفضيلة ~~والأدب. فانظري إذن ما هي الشباك التي يطرحها الرجل للمرأة في الشوارع، واعتبري كم هي ~~رغبتها بمرضاته، واحذري كل الحذر من أن يفرط منك ما تؤاخذين عليه في الأماكن العمومية. هذا ~~ما كنت أقوله، فهل هو يغضب؟ # قالت بديعة: كلا. إنه لا يغضب الفتاة العاقلة، ولكن - وا أسفاه - إنه لم يؤثر شيئا؛ لأن ~~رأس لوسيا الجميل كان كأنه مركب فوق جسدها «برفاص» فهو أبدا يتحرك من اليمين إلى الشمال. ~~وعيناها الناعستان فيه كأنهما ركبتا فوق زئبق، فلا يستقران على حالة، وشفتاها ~~العنابيتان قد أقسمتا بمواصلة الافتراق بابتسامات تكشف عن أسنان منسقة كاللؤلؤ تسبح تلك ~~اليد التي صنعتها، كما قال أحد الكتاب. # هيئة فاتنة، جمال رائع، صورة مبهجة للنواظر، ولكنها لا تكون قط معتبرة عند محبي الجمال ~~الحقيقي من العقلاء، ما لم تكن تسدل الحشمة عليها برقعا، ولا سيما في الأماكن العمومية حيث ~~تتكسر النظرات التي بعضها سهام. # وبعد أن مشتا قليلا قالت لبديعة: لم أنس قولك منذ هنيهة بأن كلامي لم يؤثر بلوسيا ~~شيئا، فالحق أقول لك يا عزيزتي بأنه إذا لم يكن ms152 أثر في الماضي والحاضر فإنه سيؤثر في ~~المستقبل؛ لأن الشعور به لم يذهب من ذهنها قط، إذ ذهب صداه. ثم قالت: والذي كان يغيظني ~~منها أكثر من الكل هو تكلمها بصوت عال في الشوارع، وضحكها بصوت أعلى، ثم وقوفها مع ~~من تعرفه من الناس ولا سيما الرجال في الأسواق لمحادثتهم مما يجعل للناس شكا وهو أمر ~~تؤاخذ عليه المرأة أكثر من كل أمر سواه. # ولما كانت تصورات الشبان والشابات جميلة في أيام الربيع، فإن بديعة كانت ترى مسرورة أكثر ~~من كل وقت؛ مما جعل أديبا وجميلة يسران أيضا. وكانت أحيانا تنسى همومها بالكلية ~~وتضحك وتسر كثيرا، فإذا سألها أديب وجميلة عن السبب تجيب: إنني أشعر بسرور لم أشعر به من ~~قبل وهذه مقدمة إما لحادث سار وإما للموت. فيقول لها أديب بحزن: وهل مثلك من يشتهي الموت ~~يا بديعة؟ فتجيبه: نعم، متى كان بإرادة الله فهو خاتمة العذابات الأرضية، ويدني النفس من ~~السعادة الأبدية فهو سار. # | الفصل الحادي والثلاثون # السر # نترك بديعة في تصوراتها الجميلة في أمريكا ونرجع إلى الوطن مرة ثانية، حيث نأخذ القارئ ~~بالفكر إلى أحد قصور دمشق الشاهقة، فهناك في ذلك القصر الفخيم غرفة داخلية غطتها ظلمة هي ~~ظلمة الموت الهائلة، وفي إحدى زوايا تلك الغرفة سرير وثير الفرش نظيفه، وعليه شبح امرأة ~~عجوز لم تبق منها الأيام غير العظام، وعند رأسها امرأة متشحة بثياب سوداء بلون شعرها ~~وعينيها، يظهر من بينها وجهها الأبيض بغضونه الكثيرة، وقد كان جميلا فتانا في الماضي، ~~وكان يستدل من منظرها أنها في الخامسة والأربعين من عمرها مع أنها لم تتجاوز الثانية ~~والثلاثين. # ولو دقق أحد الذين يحلو لهم التهكم على جنس النساء في نقد تلك السيدة لقال: إن آثار الهم ~~الظاهرة على وجهها قبل أوان ظهورها ومذبلة لجمالها، وهي بهذا العمر هي «لأنها اهتمت بإزالة ~~هذا الجمال قبل الأوان فكان هذا الهم سبب ذلك» لأن المرأة من حين تولد إلى أن تلحد تكون ~~في هم مستمر من الحزن على زوال جمالها، ms153 وهذا ما يساعد على ظهورها أكبر من سنها، ولكن ~~مهلا يا أيها المتهكم اللطيف، فإن «هم» هذه السيدة لم يكن خوفا من خسارة «جمالها»؛ ~~لأنها لم تكترث لذلك الجمال من حين صباها، بل همومها كانت لأجل سواها، وقد زادت الآن هذه ~~الهموم إذ جلست إلى سرير والدتها حزينة على موتها، وإن تكن مسببة لها الهم وأمرت ~~نظرها بتلك الغرفة المظلمة، وتصورت تلك الدار الفخيمة خاوية خالية ولا مسلي فيها بعد موت ~~والدتها، ولم يبق فكرها عند هذا الحد بل بعد كثيرا عن تلك الغرفة، وخرج من تلك الدار ~~منفكا من قيود الوحدة وسابحا في فضاء. فاضطربت، ولشدة اضطرابها وقعت من يدها المروحة ~~التي كانت تهوي لوالدتها بها. # وكأن المريضة أحست بالحر حتى في نومها، ففتحت عينيها ونادت بصوت ضعيف: جميلة ... أين ~~أنت؟ # فانتبهت السيدة جميلة للأمر، وللحال تناولت مروحتها عن الأرض، وأخذت تهوي لوالدتها وهي ~~تقول: إنني بجانبك يا أمي. # قالت المريضة بصوت لا يكاد يسمع: إنني أعرق عرقا باردا ... فما هو هذا الظلام في هذه ~~الغرفة؟ آه يا جميلة إن الغرفة مظلمة، وثوبك مظلم، وخيال الموت الذي يتمايل فوق رأسي مظلم، ~~وأفكاري أشد ظلاما من الكل. # قالت ابنتها بيأس وحزن: لا تتصوري الظلمة يا أماه؛ فإن مرضك غير خطر كما يقول ~~الأطباء. # فتنهدت الوالدة وقالت: إن مرضي غير خطر ...! آه يا عزيزتي إنها أفكار مريحة، ولكن سوف لا ~~تتم؛ لأن كل أطباء العالم لا تقدر أن تطمئنني وأنا أعرف بنفسي منهم، وإنني سوف لا ~~أنظر شمس الغد، وليس هذا ما يزعجني. ليس هذا ما يؤلمني؛ لأن عجوزا مثلي لا تطلب غير ~~الراحة الأخيرة ولكن ... # ولكن ماذا؟ قالت السيدة جميلة: إنك سليمة يا أمي ولا يوجد ما يزعجك قط. # أجابت المريضة: لا يوجد ما يزعجني قط! ما أجمل هذه التعزية لو لم يكن الشعور خلاف الكلام، ~~ولكن هل أنت مصرة على عزمك يا جميلة؟ وهل تقدرين على المعيشة المنفردة وعلى البقاء وحيدة ~~بعد موتي إكراما لذكر كان يجب أن يمحى ms154 من تصوراتك. # حينئذ نظرت السيدة جميلة إلى والدتها برزانة وكلمتها ببرودة قائلة: إنني سوف لا أعيش ~~وحيدة بعون الله يا أماه، فلا تزعجي نفسك لأجلي. # قالت وهي تتنهد وقد ضعف صوتها أكثر من الأول: قلت لك بأنني لا أعيش إلى بزوغ شمس الغد ~~... # أجابت السيدة: وهب أن الأمر كان كذلك لا سمح الله، فسوف لا أعيش وحدي. # وكأن هذا الكلام من الابنة أنسى الوالدة آلامها فأبرقت أسرتها سرورا، وأدارت وجهها ~~بضعف وجهد نحو ابنتها، وقالت همسا: هل أذعنت لكلامي وسوف تقترنين بحنا؟ # فاشمأزت الابنة من ذكر هذا الاسم، وقالت لها: أرجو ألا تذكري هذا الاسم على مسمعي مرة ~~أخرى. # فأرجعت تلك المريضة الحزينة رأسها كما كان على الوسادة، وقالت بصوت يخنقه البكاء: إذن ~~كيف تقولين بأنك لا تكونين بعد موتي وحدك؟ # فقالت جميلة: إنك تطلبين سعادتي أليس كذلك؟ # قالت: نعم يا عزيزتي وأنت تعلمين ذلك؟ # فقالت: إن هذه لا تكون باقتراني برجل لا أحبه لا هو ولا سواه من الرجال؛ لأنني قد قطعت ~~مراحل الصبا ولم أفتكر في الزواج، فكيف أتزوج الآن برجل له أولاد أضطر أن أربيهم ... بعد ~~... بعد ... الخلاصة أرجوك يا والدتي أن تتركيني أشعر بقلبي لا بقلبك هذه المرة. قالت هذا وخرجت ~~من الغرفة لاستنشاق الهواء؛ لأنها خافت أن يغمى عليها، وكانت تسمع أمها تقول: إنني أتعس ~~الأمهات؛ لأنني جلبت تعاستي وتعاستها بيدي. # وهذا كان آخر كلام سمعته الابنة من والدتها؛ لأنها لما رجعت ثانية إلى غرفتها وجدتها ~~جاحظة العينين، ووجدت جسمها باردا، فتجسم للابنة ذنبها بالخروج من غرفة أمها وهي في نزع ~~الموت وسجدت أمام سريرها تبكي وتقول: اغفري لي ذنبي يا أماه اغفري لي خطئي العظيم، ولا ~~تذهبي غضبانة علي فإن عذابي يكفيني ... # ولكن وا أسفاه أن صوت هذه السيدة كان قد رن صداه في الأبدية، حيث كانت بالروح وجسدها ~~هامد بارد أمامها. # | الفصل الثاني والثلاثون # سفر ميخائيل # وبعد أن دفنت والدة السيدة جميلة ذاقت هذه من مرارة الوحدة ما كاد ينسيها عذاباتها ~~الماضية، وفي ms155 أحد الأيام كانت جالسة في المكان الذي رأيناها فيه أول تعرفنا بها، وأمامها ~~على كرسي آخر امرأة عجوز هي مربيتها. وكان السيدة جميلة مطرقة إلى الأرض تفتكر، فأرادت هذه ~~المرأة أن تحول أفكارها بالحديث فقالت: ألم يأتك خبر من ميخائيل للآن؟ قالت السيدة: كلا، ~~آه يا أم سمعان، إن نفسي حزينة حتى الموت وأنا أشعر بعظم ذنبي. # قالت أم سمعان: يجب أن تصبري يا سيدتي، فالذنب لم يكن ذنبك بل ذنب والديك رحمهما ~~الله. # قالت: نعم، نعم، ولكن قد مضى والداي إلى مقر الراحة وبقيت أنا أتعذب من أجل غيري، ~~وغيري، وغيري من هو أعز من الحياة يتعذب من أجلي. # فكررت أم سمعان قولها: تصبري يا سيدتي فإن اجتماعك بها قريب؛ لأن العقبات قد زالت ~~كلها. # إذ ذاك أطرقت السيدة إلى الأرض وأجابتها بصوت حزين: بل إن جبلا شامخا قد قام في وجهي ~~الآن؛ لأنه لم يجدها! # فصرخت المربية: لم يجدها؟ # قالت السيدة: نعم ليتم شقائي، فأنا مستحقة هذا العقاب الشديد؛ لأنني بعد أن كان العصفور ~~بيدي أفلته ورجعت أفتش عليه وأتعذب لاصطياده ولكنه قد طار ... قد طار ... وهذا جزاء التهامل ~~والخيانة. # وإذ لم تجد أم سمعان ما تتكلم به سكتت. وبعد قليل قامت تفتح الباب فرأت بأن الطارق هو ~~ميخائيل، فصرخت بملء صوتها: ميخائيل! أهلا وسهلا. # ولما سمعت السيدة الجالسة هذا الاسم نسيت همها ونهضت تستقبله وتصافحه، فدخل الغرفة وجلس ~~بدون كلام شأن من معه خبر مزعج ولا يريد أن يقصه. # ولحظت السيدة منه ذلك فقالت وقد فرغ صبرها: أرجوك أن تقول الصدق كيفما كان يا ~~ميخائيل. # فنظر الرجل إليها بوجه وقور يزيده بياض الشعر كإكليل من الكمال والتعقل وقارا وقال: ~~الحقيقة هي أن الفتاة سافرت إلى أمريكا. # فلما سمعت السيدة جميلة هذا الكلام صرخت صرخة من أعماق قلبها ووقعت على كرسيها. # فقال الرجل: إن الخبر مع هوله لا يستحق اضطراب سيدتي؛ لأن السفر إلى أمريكا والرجوع منها ~~اليوم كالسفر إلى بيروت والرجوع منها. # قالت تلك السيدة بحنق: تسلية، ms156 اطمئنان، وهم. ولكن الحقيقة هي أنه قد كتب لي أن أعيش تعيسة ~~طول عمري ولا مفر من إرادة الله. # قال: إنك تظهرين ضعفا في غير محله يا سيدتي؛ فإنك الآن بعد أن توفي والديك هان عليك ~~كل أمر، ومن أراد أن يبلغ المراد من أمر كهذا لا يقتضي له إلا المال وهو متوفر لديك. # أجابت: نعم، أنا لا أجهل هذا، ولكن ألا تعرف بأن أكبر قصاص لخائنة مثلي هو أنه لا شيء ~~لدي يكفل لي الفوز؛ فالفتاة تجهلني تمام الجهل، ومن المحال أن تسلم ذاتها على هذه ~~الطريقة. # قال: لا تقرني كلمة الخيانة باسمك يا سيدتي؛ لأنك قد ضحيت كل عزيز لأجل والديك وهذه أمانة ~~لا خيانة. # قالت: نعم، أمانة لأناس وخيانة لآخرين. # ورأى الرجل تأثرها فقال محولا أفكارها عن تلك النقطة: إن الوقت ثمين يا سيدتي، ومن ~~الواجب أن ننظر في الأمر. # قالت: لم تخبرني القصة بإيضاح، فمن أين عرفت بأنها سافرت؟ وهل لديك عنوانها؟ # قال الرجل: لدي كل التعليمات اللازمة؛ لأنني أخذتها من عائلة كانت تخدم عندها ... # فلم تدعه يكمل كلامه بل صرخت قائلة: كفى يا ميخائيل لا تذكر لي شيئا لئلا تتجدد آلامي. ~~إنها كانت تخدم ... أواه، إن عندي عددا من الخدم وهي اضطرت أن تخدم لتعيش! آه يا ربي ~~ماذا يكون قصاصي عندك؟! إنني نسيتها في هذه الأيام يا ميخائيل ولم أرسل إليها مالا من ~~مدة ثلاث سنوات، ذلك من اضطراباتي الداخلية في البيت، أنا ... أنا القاسية التي أتيت بها إلى ~~هذا العالم لكي أعذبها فيه، فهي تتعذب بتحصيل معيشتها وأنا في راحة ورخاء لا أعمل عملا، ~~فهلا أتى الوقت الذي يجب أن أكفر فيه عن ذنوبي؟ # وعند هذا الحد خرجت أم سمعان، وما بقي من الكلام بين جميلة وميخائيل كان سرا، وفي ~~ثاني أسبوع كانت واقفة في باب الدار وبيدها صرة تناوله إياها وتدعو له بالسفر ~~الميمون. # | الفصل الثالث والثلاثون # أديب في نيويورك # في عصر يوم الأحد من شهر آيار الجميل، كان أديب ماشيا في ms157 شارع واشنطون في نيويورك، ~~فالتقى بصديقه القديم ورفيقه في المدرسة وابن بلدته سليم، ففرح كل منهما بهذا اللقاء ~~فرحا لا مزيد عليه وتصافحا ودخلا قهوة هناك، وأخذا يتشاكيان مر الفراق، ولم يطل ~~عليهما الوقت حتى فتح سليم ساعته وقال لصديقه: أرجوك يا عزيزي أن تنتظرني هنا مقدار ساعة؛ ~~لأذهب فأودع صديقا لي عائدا إلى الوطن وأرجع إليك. # فقال أديب: إنني أفضل الذهاب على البقاء إذا لم يكن من بأس بذلك. # قال سليم: كلا، بل إن ذهابك معي يزيد في سروري. وفيما هما في الطريق سأله سليم عن سبب ~~قدومه إلى نيويورك الآن مما لم يفعله من قبل، فقال له: عادة هذه الأيام هي أن يأتي تجار ~~الداخلية إلى نيويورك لشراء بضائع محالهم، وهم يفتكرون بأن هذه القيمة التي يصرفونها ~~بإتيانهم يتوفر عليهم أضعافها من الأرباح التي لم يفتكروا بها من قبل، وهم يرون من هذا ~~إفادة على ما أظن. # وسأله أديب عن اسم صديقه فقال: اسمه ميخائيل، وهو شيخ في الستين من عمره، ولكن له نشاط ~~الشباب وقوتهم. وقد أتى إلى هذه البلاد للتفتيش على فتاة ولكنه وجدها قد ماتت، وتراه الآن ~~بهم زائد لأنه سيرجع بخفي حنين، وقد قال لي بأنه على لقاء الفتاة وعدم لقائها يتوقف ~~أمران: إما سعادته وإما تعاسته. # فقال أديب: وما اسم الفتاة؟ # أجاب: لا أعلم وسنسأل صاحبنا عنه. # ولما وصلا إلى الرصيف وجدا ميخائيل واقفا مع عدد من الأصحاب، وهو وقور يخامر وقاره ~~الحزن العميق. وحينما رآه شعر بميل إليه واعتبار له، ولكنه لما صافحه شعر بكهربائية الحب ~~تتصل إليه من ذلك الشخص الوقور ولم يدر لهذا سببا. # وشعر أديب بدافع إلى السؤال عن الفتاة، فانحاز هو وسليم إلى جهة مع الشيخ، وسأله عنها ~~لعله يستطيع مساعدته. # فقال الرجل اسمها بديعة وقد كنت أتيتها ببشارة عظيمة كانت ولا شك سعادتها وسعادة شخص ~~آخر وسعادتي أنا؛ لأنني أكون الجامع بينهما، ولكن صديقة بديعة أخبرتني بأنها ماتت وقطعت ~~بهذا الخبر آخر خيط من حبال آمالي. # فلما ms158 سمع أديب هذا الاسم اضطرب قلبه وسأل الرجل قائلا: من هي صديقة بديعة؟ وهل تعرف ~~اسمها؟ # أجاب الشيخ: هي لوسيا رفيقة الفتاة من الوطن، وتسكن في الشارع الفلاني من هذه ~~المدينة. # فقال أديب: هل لك أن تصف لي ملامح الفتاة؛ فإنني أعرف واحدة بهذا الاسم. # قال الشيخ: لا يمكن أن تكون فتاتي التي هي واثقة من موت صديقتها؛ لأنها أسلمت الروح بين ~~يديها كما أخبرتني. # ولما سمع أديب كلامه عن بديعة وهيئتها احمر وجهه، وقال للشيخ: إنني أعرف الفتاة وهي ~~بمحلي الآن. # فشهق الشيخ من الفرج وقال: يا للبشارة يا للسعادة! فكيف إذن قالت لي تلك الفتاة إنها ماتت ~~من ستة شهور. # قال أديب: كأنك أخبرتها بأنك تحمل لبديعة بشائر حسنة؟ # قال: نعم. # قال: هذا هو سبب «موتها» فلا تعبأ به، وإذا كنت لم تزل على عزمك من طلب بديعة فلا تأسف ~~على خسارة جواز السفر. # فقال الشيخ وهو يلتفت إلى الجواز الذي بيده ويهز رأسه: مائة مثل هذا لا تهم لأنني ~~لغاية الالتقاء بالفتاة قد تركت بيتي وعائلتي وأتيت، وأؤكد لك بأن الموت أهون علي من ~~الرجوع بدونها. # | الفصل الرابع والثلاثون # البشارة # ولما رجع أديب من نيويورك وذهب لغرفة بديعة مسلما، رأت هذه بوجهه سرورا، ولم يكن من ~~قبل باديا. أما هو فقال لها: إن في غرفتي رجلا بانتظارك يحمل إليك بشارة حسنة، فتعالي ~~آخذك إليه وأعود فأحادث جميلة. # وفيما هما سائران نحو الغرفة، نظرت بديعة في وجهه وابتسمت، فقال لها: ليس كما ظننت ~~... # وبالحقيقة إن أديبا كان صادقا؛ لأن الرجل لم يكن فؤادا كما ظنت هي، بل كان شيخا ~~وقورا لا تعرفه. # فاحتارت بديعة فيمن يكون هذا الرجل، وما هي هذه البشارة التي يحملها إليها؟ أما هو فلم ~~يحتج إلى من يعرفه بها؛ لأنه كان قد رأى تينك العينين وهذا الوجه من قبل. نعم إنه عرفها ~~ذابلة من الهموم، وهو يراها نضيرة وفي ربيع الحياة الآن، ولكن الهيئة هي ذاتها. # فبقي أديب في باب الغرفة وهو يقول: إن ms159 السيدة بديعة أقدر من على تقديم نفسها إليك. وخرج، ~~فدخلت بديعة الغرفة بقلب واجف وصافحت الشيخ وهي تتساءل عما يكون غرضه. # ولم تطل بديعة جلوسها حتى مد ذلك الشيخ يده إلى جيبه وناولها كتابا، ففضته بيد ~~مرتجفة، وأخذت تقرؤه وقد شعرت بأن نفسها صعدت إلى ما فوق هذا العالم، إلى عالم لم تكن ~~تحلم به من قبل؛ لأن الكتاب كان كما يلي: # يا بنيتي المحبوبة # إنني والدة لا أستحق أن ألفظ كلمة «ولدي»؛ لأنني احتقرت هذا الاسم الشريف العزيز ~~كثيرا، فصرت أستحق خسرانه. وهذا أخف قصاص على ذنبي العظيم، لولا أنني أثق برحمة ~~الله الغزيرة، وأؤكد صفحك عن والدة هي التي أتت بك إلى هذا العالم، وهي التي تركتك ~~تتحملين برودته وقساوته، وأنت كل أمل لها في الحياة وكل سعادة. ولكن قد يفعل ~~الإنسان أحيانا يا عزيزتي ما يظنه «واجبه» ويكون بالحقيقة مصدر شقائه. وإنك من ~~أولئك الناس الذين جلبوا على نفوسهم وعلى غيرهم معهم التعاسة إكراما لقوم آخرين ~~وقياما بالواجب. # أنا يا حبيبتي قد ضحيت سعادة تربيتك وضمك إلى صدري لأجل والدي، فهل لك أن تصفحي ~~أنت عني قياما بواجب الأمومة عليك أيضا؟ وذلك رحمة بقلب والدة تعيسة لا ترى سعادة ~~بغير صفحك عنها ورجوعك إليها، واحتراما لعظام أب شريف كان محبا في ~~حياته! # إنك سوف تتعجبين من هذه الكتابة؛ لأنك يا ابنتي لم تفتحي عينك على عين والدة ~~حنونة، ولم تسمعي كلامها الحبي يرن في أذنيك؛ ذلك لأن حب العظمة والكبرياء ~~العالمية قد حال دون الحنو الوالدي وأماته في صدري إلى هذا الوقت، حيث نشر ~~من قبره وأتى صارخا نحوك يطالبك بالغفران والرجوع إليه بعد زوال العقبات؛ لأنك له ~~وهو لك. # وإن سألتني: من أنت التي تخاطبينني بلغة لم أسمعها فلذلك لا أعرفها؟ أجيبك: إنني ~~أنا هي تلك المرأة التي زارتك في المدرسة مرارا. ألا تذكرين هذا يا بديعة ~~المحبوبة؟ أذهب عن بالك ذكر تلك السيدة التي كانت تزورك كل سنة بثوب أسود؟ ألا ~~تذكرين الوقت الذي أعطيتك ms160 فيه صورتي وأخذت صورتك وقلت لك بأنني صديقة والدتك ~~المرحومة؟! # فإن كنت تذكرين هذا، وإن كنت تثقين بكلامي، وإن كنت ترجعين إلي غير طالبة زيادة ~~إيضاح إلا لحين المشاهدة؛ فاسألي الخواجة ميخائيل صديقي الأمين، وهو يخبرك بما ~~يعرفه عني ويسلمك ثلاث صور؛ الأولى: هي رسمك المحبوب، والثانية: هي رسمي من خمس ~~سنوات، والثالثة: هي رسمي بحالتي الحاضرة التي ليس أتعس منها لبعدك عني. # هذا كفاية الآن، فلا تخيبي أملي ولا تجازيني على عملي بالموت الأكيد إذا رفضت ~~الرجوع، وألف قبلة قلبية من والدتك الحزينة المحبة. # جميلة # روفيه # فأخذت بديعة الكتاب، وأخذت تنظر إلى الرجل الذي كان بانتظار جوابها، وكانت دموعها تتساقط ~~من عينيها كالوبل؛ لأن كلام والدتها كان مؤثرا للغاية. ثم إنها تذكرت تلك السيدة التي كانت ~~تزورها في كل سنة كما قالت، وكم كانت لطيفة معها ومحبة لها، وكيف أنها هي كانت تحبها ~~لأسباب لا تعلمها، وكيف كانت تبكي عند مفارقتها، وكيف أن تلك السيدة كانت تعطيها مالا ~~لتصرفه هي ولوسيا تلك الفتاة الجحود، وذكرت أيضا قول الفتيات لها بأن تلك السيدة تشبهها ~~وبأن أمرهما يدعو إلى الريب ... # ذكرت كل هذا وراجعت قراءة المكتوب، فشعرت بأن قلبها يكاد يطير إلى تلك اليد التي سطرته، ~~ولكنها بعد هذا السرور من تلك التذكارات الحلوة مر ببالها خاطر أزعجها، وقالت: ما هو ~~الداعي إلى كل هذه الأسرار في حياتي يا ترى؟! فبكت، وكان الرجل ينظر إليها بحنو، ولم يقدر ~~أن يمنع دموعه عن السقوط. وبعد أن قبلت بديعة الكتاب نظرت إلى الشيخ قائلة: إنني أجهل معنى ~~هذا الكتاب، فهل لك أن تتكرم بالصور لعلي أعرف منها ما لم أتبينه من الخط؟ # فدفع إليها الصور، وناولته هي الكتاب لكي يقرأه. # ولما وقع نظرها على الصور أخذت تقترب من التصديق، وكان أحد تلك الرسوم للسيدة التي كانت ~~تعرفها جيدا، والآخر رسمها الذي أعطته لتلك السيدة مرة وعليه هذه الجملة: # من بديعة لصديقة والدتها. # فوضعت رسم والدتها على شفتيها، وأخذت تقبله بحب، وتبلله بدموعها، ثم ms161 ضمته إلى قلبها، ~~ووضعت يديها فوقه، ونظرت إلى الرجل قائلة: هل انتهيت من قراءة الكتاب يا سيدي؟ # أجاب: نعم. # قالت: إنني أقبل هذه الصورة، ليس لأنني صدقت بأنها والدتي، بل لأن لها علي فضلا لا ~~ينكر حينما كنت في المدرسة. # قال: وهل أنت في ريب من أنها والدتك؟ # قالت: نعم؛ لأنني أجهل هذا قبل الآن. # قال: أؤكد لك بشرفي بأنها والدتك، وهي من شريفات دمشق الشام، وما كان كتمها هذا الأمر ~~عنك إلا رغما عنها، وإنني صرفت في خدمتها عشر سنوات ولم أعرف قصتها إلا من شهور ~~فقط. # قالت بحزن: وما هو السبب الذي حملها على كتمان حقيقة الخبر عني؟ # قال: ألم تقرئي شرطها عليك في الكتاب؟ فهي لا تقدر على إفشاء هذا السر إلا مشافهة، وأنت ~~شريفة يا عزيزتي ويجب أن تثقي بكلام والدتك الشريفة. # فأطرقت بديعة إلى الأرض تفكر، ثم قبلت صورة والدتها ثانية وقالت لميخائيل: إنني أثق ~~بكلام والدتي وبكلامك يا سيدي؛ لأنك رسول أمين لا تقول إلا الصدق. ثم تنهدت وقالت: إنني ~~أشكر الله الذي شاء أن يمحو بعض عذاباتي الماضية. # فقال الشيخ ناظرا إليها: وهل تعذبت كثيرا يا سيدتي؟ # أجابت: نعم لأن زوايا الدنيا مشحونة بالمصائب، وقد نلت نصيبا وافرا منها. # فتنهد الشيخ، وقام من مكانه متقدما إليها، وقال: إنني خدمت جدك يا سيدتي من حين ~~كنت في العاشرة من عمري، ولي عشر سنين في خدمة والدتك الخاصة، فاسمحي لي أن أقبلك ~~عنها كما أوصتني؛ لأنني سأكون لك والدا بعد والدك. # فاقتربت بديعة منه وقبلت يده باحترام، أما هو فقبل جبهتها بحنو وجلس بجانبها، ~~وأخذ يقص عليها ما يعرفه عن والدتها، عن غناها وأخلاقها وعذاباتها الماضية وفضائلها الجمة، ~~فكانت نفس بديعة تنقبض مرة وتنبسط أخرى لسماع كلامه. ولما وصل بحديثه إلى كلام لوسيا عنها ~~بأنها ماتت، تنهدت بديعة وقالت: أرجو أن يكون هذا الأمر آخر سعاياتها. # ولكنها لم تحزن؛ لأن سعاية لوسيا بضررها لم تقف عند ذاك الحد. # | الفصل الخامس والثلاثون # الخبر الجديد # وبعد أن ms162 صرفت بديعة مع ميخائيل ساعتين تركته ينام ويأخذ قليلا من الراحة، وذهبت إلى ~~غرفتها فوجدت أديبا وجميلة واقفين أمام الباب، وهيئة الأول تدل على السرور، بينما ~~الثانية مطرقة إلى الأرض وهيئتها تنبئ عن اضطراب داخلي لكنه سار أيضا. # فلحظت بديعة أمرا، ولكنها لم تصدقه لأنها لم تحلم به من قبل، ولفرط فرحها لم تنتظر ~~زوال اضطراب جميلة، بل ذهبت توا إليها، وطوقت عنقها قائلة: إن اسم «جميلة» حلو لذيذ، ~~ولكنه أصبح بعد اليوم خلاصة الحلاوة واللذة والجمال؛ لأنه اسم والدتي المحبوبة. فشهقت جميلة ~~ونسيت موقفها إذ قالت بفرح: اسم والدتك المحبوبة! # قالت بديعة: نعم. بعد أن نظرت إلى أديب، ومدت إليه يدها فصافحها. # وقال: ما هو الخبر السار؟ # وكانت بديعة تقص عليهما قصتها، وهي تكاد تطير فرحا، ولما انتهت منها شد أديب على يد ~~جميلة أيضا وقال لبديعة: إنك أفرحتنا بقصتك، فيجب أن نكافئك بأن نبشرك بخطبتنا. # فنظرت بديعة في وجه جميلة لعلها تقرأ بعينيها الخبر، فلم تقدر لأن تينك العينين كانت ~~ناظرتين إلى الأرض، فحولت نظرها نحو أديب الذي قرأ من نظرتها مجلدا. # وكان جوابه عن «سؤالها» بتلك النظرة أن قال أديب: نعم يا بديعة، إن هذا الأمر صحيح؛ لأنني ~~أحب جميلة لأجل نفسي كما أحبها لأجل نفسها؛ لأن نتائج فضائل وآداب المرأة مرجعها إلى خير ~~الرجل أكثر من خير المرأة، فإذا أحب الرجل فتاة لأجلها وتزوجها يكون أحب خير نفسه أكثر مما ~~أحبها، ولا شك أن جميلة تغفر لي هذه الأنانية بعد أن عرفت القصد منها. قال هذا وحول نظره ~~إلى جميلة ليقرأ جوابها في عينيها كما فعلت بديعة، فكان حظه من هذا كحظ بديعة؛ لأن جميلة ~~كانت لم تزل مطرقة، أما هو فقال بحرارة: «إن جمال المرأة حشمتها، وحشمتها جمالها.» # وكانت بديعة بذلك الموقف المفرح تنظر من جميلة إلى أديب ومن أديب إلى جميلة، فليتصور ~~القارئ سرورها بحب أديب لجميلة واقترانه بها وسلوه لها هي التي كانت مزمعة أن تتركه، ثم ~~سعادة جميلة بحب هذا الرجل الفاضل. ms163 # وعرفت بديعة بعد أيام من أديب بأنه كان يحب سعادتها أكثر من سعادته، فلذلك لم يزعجها ~~بكلامه الحبي، ولما عرف من ميخائيل عزمه على إرجاعها معه حول مجاري حبه كلها إلى جميلة، ~~التي لم تكن تنقص بديعة في غير جمال الوجه، وهذا كان أمرا ثانويا عنده، فقال: إنني أحببت ~~جميلة لما رأيت بها المرأة التي كنت أنتظرها بشوق في بلاد هجرتي؛ امرأة محتشمة حشمة طبيعية ~~معناها فعل كل شيء شريف أدبي بجرأة، والابتعاد عن كل شيء قبيح، والخوف منه كالخوف من الموت، ~~امرأة تعرف واجباتها نحو زوجها فتطلب أن تكون شريكته في كل شيء، ولكن بعد إعداد ذاتها ~~لتصير أهلا لهذه المشاركة، تطيعه لا عن خوف وجبن في الظاهر وبغض ونفور الباطن، بل عن رغبة ~~أكيدة ومحبة واحترام ومعرفة كونه رأس العائلة ويجب له الطاعة، كما أنها هي قلب تلك العائلة ~~ويجب لها الحب والإكرام، امرأة تحب الجمال ولكن المحلل منه الذي مصدره الترتيب والنظافة ~~وليس التصنع والتطرئة، تحب التنزه ولكن بوقته وبعد الأشغال البيتية والواجبات ~~العائلية، تحب اللبس ولكنها تلبس دائما دون قدرتها لا فوقها حتى لا تستلفت أنظار الناس إلى ~~خفتها وإسرافها. # هذه كانت صفات جميلة كما وصفها أديب الرجل العاقل، اتبعت بها آثار بديعة الغراء، فأضاءت ~~في بلاد الهجرة، بينما بديعة كانت تضيء بها في بلاد الآباء ومواطن الأجداد وكل فائدة في ~~واحدة من البلدين مرجعها إلى الاثنين. # فهل «جميلة» جميلة أم قبيحة؟ وهل أديب عاقل أم جاهل؟ # ولم تبرح بديعة هذه الولايات قبل أن وقفت مع الشيخ ميخائيل إشبينة لعزيزيها. # وكانت تهنئتها لهما أن جمعت ما لديها من المال الذي أجهدت نفسها في تحصيله، واشترت لهما ~~به هدية كتبت عليها: # هذه هدية مشتراة بمال كد وجد تنوب لدى أخلص صديقين عزيزين من أثبت ~~صديقة. # بديعة # | الفصل السادس والثلاثون # التقاء بديعة بفؤاد مرة ثانية # وكان زاد بديعة على الطريق ذكرى إخلاص وسعادة ووداع أديب وجميلة، وكانت كثيرا ما تنفرد ~~وحدها وهي تنظر من نافذة القطار وتفتكر. وبم ms164 تفتكر؟ تفتكر بإخلاص أديب لها وبخدمته ~~النصوحة، وكيف أنه لم يتذمر عندما قالت له بكل صراحة إنها لا تحبه، ولم ينتقم ولم يمنن ~~ولا حال دون ذهابها على أمل إبقائها بالقرب منه تعللا بتغيير فكرها من جهته، بل بذل جهده ~~بجمعها بفؤاد «بمن تحبه دونه»، ثم عاد فسعى لإرجاعها إلى الوطن بعد بعدها عنه؛ كل ذلك رغبة ~~بسعادتها. # ولما مرت بمخيلتها كل هذه الأفكار قالت: هل كل شبان هذا العصر يفعلون كما فعل أديب؟ أما ~~أن كثيرين هم الذين يقفون في سبيل الفتيات الطاهرات إذا أردن التزوج بسواهم؟ أوليس منهم ~~من يتهددون ويتوعدون فلانة؛ لأنها رفضتهم وقبلت بفلان فيثلمون صيتها ويلحقون بها الأذية ~~أدبيا وماديا؟ # نعم إنهم يفعلون ... يفعلون لأن أكثرهم يحسبون بأن الزواج عبودية وأسر، فإذا رضي الرجل عد ~~رفض المرأة جريمة تقاص عليها؛ لأنه في عرفهم أن كل شيء وجد للرجل وليس للمرأة شيء، وقد ~~فات مثل هؤلاء أن الزواج إن لم يكن برضى الفريقين التام فهو عذاب وشقاء؛ لأن السعادة كالنار ~~لا تشعل بقطعة واحدة من الخشب، فعسى يعتبر هذا بعض الرجال وأن يعتبروه الوالدون أيضا؛ لأن ~~الزواج الإجباري هو منتهى الظلم، تكون الفتاة فيه معرضة لأمرين إذا لم تكن سعيدة؛ ~~فإما موت النفس الأبدي عن الفضائل وانحيازها إلى جانب الرذائل، وإما موتها عن كل سرور ولذة ~~في العالم محافظة على الفضائل، والأمران من أفظع نتائج الظلم. # وكان ميخائيل يعجب من افتكارها الكثير ولا يعرف له سببا؛ لأنه كان لم يطلع على حبها ~~لفؤاد. ولما وصلا إلى نيويورك طلبت منه بديعة أن يبقى معها أياما لتتفرج على تلك المدينة ~~العظيمة فرضي. # وعجبت بديعة من أمر، هو أنها كانت دائما في سوق واشنطون الذي هو مجتمع تجار السوريين، ~~وكلهم تقريبا فيه أو في جواره، ومع ذلك لم تسمع عن فؤاد شيئا. # وكانت بديعة اندفاعا بالغريزة البشرية تشتاق كثيرا إلى مشاهدة فؤاد، ونسيب ولوسيا قبل ~~سفرها، وكانت تقول بأنها لو رأتهم لما حقدت عليهم قط، وإذا اضطرت إلى الكلام ms165 معهم ~~تكلمهم بكل بساطة وحب؛ إذ إنها لم تكن حقودة تقول: «إذا نظرتهم عيني أقلعها.» # وكانت الفتاة تؤخر سفرها يوما عن يوم رغبة بهذا الأمر، فلما يئست منه اقتنعت بالسفر ~~لإلحاح ميخائيل بالعود السريع إلى والدتها. # وفي ذلك اليوم بينما كانت في أحد المطاعم مع ميخائيل سمعت من ورائها حديثا، فأصغت ~~بكليتها إليه، فقال أحد المتحادثين إن أصحابه تركوه الآن؛ لأن «جيبه ملتهب»، وهو ملقى على ~~سرير المرض، وقد قيل والقول صادق: # إن قل مالي فلا خل يصاحبني # أو زاد مالي فكل الناس خلاني # فكم عدو لبذل المال صاحبني # وصاحب عند فقد المال خلاني # فقال له الآخر: إذن لماذا تتمثل أنت بقول الشاعر وأنت صديقه؟ وكانت امرأة واقفة في باب ~~المطبخ الداخلي تسمع حديثهما، فاقتربت منهما وقالت: عمن تتكلمان؟ أليس عن فؤاد؟ # أجاب أحدهما: نعم! # فقالت: «يا ولدي عليه» كيف صحته اليوم؟ # قال: إنه بحالة خطرة من المرض. # فتأوهت تلك المرأة ورجعت لمكانها؛ لأنها كانت طاهية، وسمعتها بديعة تقول: الله يساعد ~~والدته ... # وكأن هذا الكلام أفقد بديعة رشادها، فقامت عن المائدة بدون انتباه، ولكنها عادت فانتبهت ~~واعتذرت عن عملها إلى ميخائيل. # وفي هذه المرة لم يلحظ ميخائيل تغيرها أيضا ولا استغربه؛ فإنه كان قد قطع من السنين ما ~~أنساه تلك الأيام التي ربما كانت شواعره فيها كشواعر بديعة الآن. # وكم تشوقت بديعة للذهاب لمشاهدة فؤاد قبل سفرها كي تظهر له براءتها من كل ما اتهمها به ~~ظلما، وتريه محبتها وأمانتها ومقدرتها على الصفح وتناسي الإساءة شأن المرأة الفاضلة، ومع ~~كل هذا فقد كانت تفتكر فيما إذا كانت هذه العيادة لا تمس بآدابها، ولكن موقفها لم يسمح لها ~~بزيادة التفكر؛ لأنها بعد أن عرفت بأن فؤادا مريض وأنها قريبة منه ويجب أن تراه ولو ~~دقيقة واحدة قبل سفرها، استعدت لعيادته فلبست ثيابها وأوصت السيدة صاحبة النزل بأن تقول ~~لميخائيل عن ذهابها وأنها ترجع عما قريب. وذهبت إلى مستشفى «سانت جيمس» كما كانت سمعت من ~~المتحدثين. ولما قرعت جرس الباب أتت امرأة ms166 عليها ثياب بيضاء ومشمرة عن ساعدين أبيضين وعلى ~~قبعة بيضاء أيضا، فعرفت بديعة من ملابسها أنها إحدى الممرضات في ذلك المعهد الخيري العظيم، ~~وللحال شعرت بكهربائية الحب لتلك الفتاة تجري في بدنها كجريان الدم، ولم تعلم بديعة أكان ~~ذلك الحب الذي شعرت به نحو تلك الممرضة مسببا عن افتكارها بأن فؤادا تحت عناية إحدى ~~الممرضات، فهي تحب جميعهن؟ أم أن المرأة الفاضلة تشعر بحب وامتنان نحو إخوتها في الجنس ~~خادمات الإنسانية التعيسة؟ ولما كانت بديعة تمشي وراءها إلى حيث هو فؤاد تدافعت عليها ~~الأفكار، فقالت في نفسها: لو أتى بعض أولئك الرجال الذين يقولون بأن المرأة خلقت للشر ~~فقط، ونظروا معي إلى هذه المرضة؛ لعرفوا ضلالهم. إذ يرون هذه الفتاة الحلوة مشمرة عن ~~ساعد الجد والعزيمة لتمريض المساكين الفقراء وطرد جيوش الهموم والوحدة، ومثلها جيوش ~~الأمراض والآلام عنهم، وهي جالسة عند رءوسهم تغسل بيدها اللطيفة عن جباههم أحيانا غبار ~~الموت، وأخرى جراثيم المرض القتالة بمعرفة وحكمة، لقالوا: إن هذه القبعة البيضاء هي رمز عن ~~إكليل الفخر والمجد، نعم إكليل الفخر والمجد الحقيقيين وإن اعترض على قولي البعض؛ لأن الفخر ~~والمجد لم يخلقا إلا لمساعدة الإنسانية التعيسة، فمسح دمعة واحدة من عين باكية، وتخفيف ~~ألم عن فقير مريض، وتسلية منفرد مستوحش، والنظر بلطف وحنو إلى متألم منازع؛ أعظم ما في ~~العالم من الأمجاد. # نعم إن الفتاة التي تقوم بكل هذه الخدمات نحو المصابين من بني جنسها - مقابل أجرة زهيدة ~~لا توازي سهرها على مريض ليلة واحدة أو الخوف من موته بين يديها - لهي صاحبة المجد الحقيقي ~~وإن لم يفتكر بهذا ويعظمها العالم كما يعظم أحد الأبطال الذي يكون قد أتى أمورا خشنة، ~~وربما كثيرة بحياته، وهرق دماء كثيرين من إخوانه في الجنس، بينما هذه الفتاة تساعدهم بقدر ~~إمكانها في المرض وتحاول إنقاذهم من الموت؛ فهي تنال مجدها الخالد من الله، وتدعى بطلة ~~الرحمة وتنال ثناءها من الإنسانية المتألمة التي تصرخ طالبة من الله مكافأتها، فهنيئا لك ~~أيتها الممرضة التي تخففين آلام ms167 البؤساء، وتمسحين دموع التعساء، وتساعدين المرضى الضعفاء، ~~وتخدمين عيال الله الفقراء. طوبى لك؛ لأنك تقومين بوصية سيدك، وتستحقين مثوبته؛ لأنه قال: ~~مهما تفعلوه مع إخوتي الصغار، فإنكم معي تفعلوه، وطوبى لنا نحن النساء؛ لأنه إذا لم يوجد ~~منا غير المربيات والممرضات والراهبات، لكفانا ذلك فخرا. # وعند هذا الحد نادتها الممرضة قائلة: هو ذا المريض! فنظرت بديعة إلى ذلك «المريض» الذي ~~كان ملقى على سرير بين كثيرين من المرضى غيره، وهيئة المرضى في المستشفيات العمومية تجرح ~~القلب، وأي قلب لا ينجرح من مرأى مرضى كثيرين يتقلبون على فرش الأوجاع، وإذا لم يخف ~~الواحد منهم من مرضه نفسه، يخاف وينزعج من مرض رفيقه الذي يكون يتوجع أمامه. # فطوباك يا بديعة على مقدرتك وشجاعتك وصبر قلبك المحب على مرأى حبيبه ملقى على ذلك الفراش ~~في مكان غير لائق به، وهل إذا قلنا إنها بكت نكون وفيناها حقها؟ كلا! لأنها شعرت بما هو ~~أعظم من البكاء عند ذلك المشهد، شعرت بأن قلبها يتقطع ونفسها تتوجع. # فقدمت لها الممرضة كرسيا، ووقفت تنظر إليها وإلى الشاب، وتفتكر فيما عسى أن يكون الواحد ~~للآخر منهما. # وكانت بديعة تنظر إلى فؤاد من خلال دموعها وهو مغمض العينين خائر القوى يلهث بخور وضعف، ~~فأمرت يدها اليمنى على وجهه الجميل لأول مرة في حياتها، وأبعدت بها شعره الجعدي الطويل ~~عنه، وكأن هذه اليد كانت اليد الأولى التي مرت على جبهته بهذه الصورة في وقت مرضه هذا، أو ~~أنه شعر بأنها يد بديعة؛ لأنه حينما شعر بها فتح عينيه بدهشة، ونظر حوله وعاد فأطبقهما كأنه ~~لم ير أحدا. # إذ ذاك التفتت الممرضة إلى بديعة وقالت لها: إنه لم يعرفك لأنه لم يع على أحد منذ ثلاثة ~~أيام، وقد أتى شاب لعيادته نهار البارح فلم يعرفه، والشاب ابن خالته ورفيقه كما قال ~~لي. # فقالت بديعة بحزن وحسرة: كم له بهذا المستشفى؟ أجابت الممرضة: عشرون يوما. # فتنهدت بديعة من أعماق قلبها وقالت: وهل ابن خالته يعوده في كل يوم؟ # قالت الممرضة : كلا، بل ms168 في كل أسبوع، وقد عاده مرة وبرفقته سيدة جميلة يظهر من ملابسها ~~الثمينة وحلاها النفيسة أنها من الغنيات، وقد تأففت كثيرا من عيادتها له؛ لأنها تكره مرأى ~~المريض أو كما قالت «تقرف منه»، وتخجل أن تدخل مستشفى الفقراء، لئلا يظن الناس أن أحد ~~أقاربها فيه ... فإن الشاب غير ذي قرابة لها كما صرحت، بل هو صديق لخطيبها الذي رافقته ~~لعيادة صديقه، وستكون هذه العيادة الأخيرة. # ولو علمت تلك الممرضة اللطيفة بما كان يفعل كلامها بقلب بديعة لأشفقت عليها. # وكانت بديعة تقول في نفسها: صار له عشرون يوما وحيدا فريدا يقاسي آلام الداء ... وابن ~~خالته لا يزوره إلا مرة في الأسبوع! آه ماذا يهم ابن خالته إذا مات؛ فإنه يرثه لأن خالته ~~تحبه ... ثم قالت: أف لي ما أضعفني! إنني أفتح بابا لا أحب الدخول فيه الآن ... ولكي ~~تتناسى هذه الأفكار قالت للممرضة: أرجوك أن تخبريني عن أسباب مرضه وهل من أمل ~~بشفائه؟ # فقالت هذه: إن سبب مرضه هو إدمان الخمرة، وأما شفاؤه فلا أقدر أن أتكلم بأمره؛ لأنه قد ~~قيل: «طالما يوجد حياة يوجد أمل.» # فكان حزن بديعة لقول الممرضة بأن مرضه من الإفراط في شرب الخمر أكثر من حزنها على المرض ~~ذاته، وعرفت بأن جالب المرض نسيب الذي أوصله بعشرته إلى هاوية الضلال، فقالت: عشرة ~~الأشرار أشد خطرا من ركوب البحر! # ودفع دافع الحب والشوق بديعة، فأمرت يدها على جبين الشاب ثانية، وفي هذه المرة نادته ~~فلم يجبها، فكررت النداء ففتح عليها عينين غائرتين كأنه من أهل القبور، فقالت له بلطف ~~وحنو: هما طبيعيان فيها والدمع يترقرق من عينيها: ألم تعرفني يا فؤاد؟ أنا بديعة. # وكأن صوتها هذا اللطيف أرجع الشاب إلى صوابه دفعة واحدة، فحملق فيها عينيه كمن يريد ~~ابتلاعها، وقال لها بصوت ضعيف: اذهبي عني أيتها الخائنة الماكرة ودعيني أموت غير منزعج من ~~منظرك. ماذا أتى بك إلي؟ وأين هو حبيبك الذي فضلته علي وأوصلتني بمكرك إلى هذه الحالة ~~التعيسة؟ أين هو ذلك الشاب الذي نظرته يلبسك ms169 الخاتم بعيني؟ أين هو؟ أين ... آه من أعمالك ... ~~آه من غدرك ومكرك ... آه! # فقاطعته بديعة الكلام وهي تقول بهدوء وتجلد: يجب أن تتكلم بهدوء يا فؤاد؛ لأن التأثر ~~يضرك، فإنني لم أكن ولن أكون خائنة، بل أمينة على حبك، ولو قدرت على مخاطبتك بذلك الوقت ~~لكنت برهنت لك عن أمانتي بصدق وشجاعة. أما الآن فقد مررت بهذه المدينة وأنا عائدة إلى ~~الوطن، فلم يطاوعني قلبي بعد أن سمعت بمرضك أن أتركك وأسافر دون أن أعودك. # فقال المريض متنهدا: عائدة إلى الوطن! # فآنست منه بعض الارتياح، ولذلك قالت: نعم لأنني الآن بحالة غير حالتي الأولى؛ لأني لست ~~يتيمة كما كنت أظن، بل إن والدتي حية، وقد أرسلت في طلبي شيخا فاضلا ليرجعني ~~إليها. # فقال فؤاد بغضب: آه يا خائنة ... إنك تطعنين قلبي بحربتين الآن ولا تبالين: حربة مكرك وغدرك ~~وحربة الشماتة، فأنت ستذهبين إلى أمك سالمة بعد أن تتركيني أموت في بلاد الغربة وتخسر أمي ~~ولدها بسببك ... وهو يموت في مستشفى الفقراء ... # وبالحقيقة أن بديعة كانت شجاعة؛ لأنها ثبتت غير متزعزعة أمام غضبه لأن سلاح الحق معها، ~~وما كان بكاؤها إلا تأثرا من كلامه الجارح ودموعه الغزيرة، ومن تألم الروح فأجابته ~~قائلة: بالله عليك يا فؤاد لا تظلمني؛ لأنني لست مذنبة، وأنا أبتهل إلى الله أن تعيش مائة ~~سنة بعد اليوم، وتندم في كل يوم من أيامها على إساءة الظن بي. # فقال: إساءة الظن بك! # إنني بعد أن تحققت الأمر بنفسي لم تعد خيانتك «ظنا»، بل أضحت أمرا مقررا. # قالت: قلت لك وأقول تكرارا بأنني لست خائنة، ولكن في الأمر سوء تفاهم وغدرا أوصلانا إلى ~~حالتنا الحاضرة من الافتراق، وعلى كل حال إنني لم أعدك لاسترجاع حبك الآن، بل أتيت قياما ~~بواجبي نحوك؛ فإن قبلت عيادتي كرجل شريف كان خيرا، ومتى شفيت تتحقق من منا المذنب نحو ~~الآخر، وأظن أن الذنب ليس على واحد منا، بل إننا قد ذهبنا فريسة الغدر وإن ... # وقبل أن تتم بديعة كلامها سمعت صوتا من ورائها ms170 اقشعر له بدنها يقول: أنت هي المذنبة، ~~أنت هي الخائنة الماكرة نحوي ونحوه؛ لأنك بعد أن حملتني على الهرب معك كتبت ذلك الكتاب ~~الكاذب إلى فؤاد، فكان سبب لحاقه بك ووصوله إلى هذه الجالية. # فلم تقدر بديعة على المجاوبة؛ لأنها لم تجد ما تجاوب به، وكان موقفا حرجا جدا، وهي ~~بين قساوة وبغض فؤاد ومكر ونفاق نسيب، فقامت وتركت المستشفى حالا. # | الفصل السابع والثلاثون # مرض بديعة # ولم تحتج بديعة أن تكذب على ميخائيل «بتمارضها» لتبقى في نيويورك إلى ما بعد شفاء فؤاد، ~~بل إنها مرضت حقيقة وغابت عن وعيها ثلاثة أيام، وبقيت مريضة زمنا والأفكار تزعجها. # ولما أبلت من مرضها ذهبت إلى المستشفى وقابلت الممرضة وسألتها عن حالة فؤاد، فقالت لها ~~هذه: إنه يتقدم نحو الصحة بسرعة غريبة، ولكن ما ينقصه الآن هو الطعام الجيد؛ لأنه يجد شهية ~~للأكل ولا يحب أكل المستشفى، ولا مقدرة له على شراء المأكولات التي يرغبها. واستأنفت ~~الممرضة قولها بأنه لو كان لديه مال يشتري به الغذاء الذي يريده، لكان يتقدم للصحة بأسرع ~~مما يتقدم الآن؛ لأن ثلاثة أرباع مرضه في الوقت الحاضر من ضعف القوى، والاحتياج إلى الغذاء ~~الجيد الذي يفيده أكثر من الأدوية. # فليتصور القارئ تألم بديعة لدى سماعها هذا الكلام عن حبيبها الذي قد تربى بالدلال ~~والترف، ثم إنها هي التي احتملت ما احتملت لأجله قريبة منه تقدر على مساعدته وتسليته لو ~~أراد، ولكنه لا يريد لأن مكر نسيب كان مستوليا على قلبه ومحققا له خيانتها، ولم يكن لدى ~~بديعة مال إلا بعض دولارات قليلة؛ لأن ميخائيل كان يقوم بالمصروف. # ولم يكن عليها حلي يذكر أيضا؛ لأن بديعة كانت تعتبر حلي الآداب والفضائل مغنية عن ~~المجوهرات، وكأنها في ذلك الموقف نسيت بأن في يديها خاتمين من الألماس الثمين، ولكن لم يكن ~~ذلك لأنها نسيتهما، بل لأنها لا تحسبهما حليا؛ لأن لبسهما لم يكن لأجل الزينة بل لأجل ~~الذكرى. وبعد هنيهة نظرت في يديها، فرأت في كل منهما خاتما، فاحتارت في أيهما تضحي ms171 في سبيل ~~هذا الواجب: أخاتم اليد اليمنى الذي ألبسها إياه أديب في ذلك اليوم الرهيب الذي تغيرت بسببه ~~حياتها؟ أم خاتم اليد اليسرى الذي وضعه فيها فؤاد في أول يوم من بزوغ شمس حياتها المظلمة ~~الآن بعد الكسوف! فخاتم اليد اليمنى كان مذكرا لها دائما بلطف وحب وإخلاص ذلك الأخ ~~الصادق الذي لو وجد مثله كثيرون لما وجدت قلوب منكسرة، أم خاتم اليد اليسرى الذي أعار قلبها ~~ضياء من قلبه في أول الأمر، ثم عاد فاسترجعه منه وتركه في ظلام كأن جواهر القلوب ليست ~~مستحقة للنور في أيام غلب فيها الظلام عليه. # وبعد التفكر هنيهة قالت: كلاهما عزيز وكلاهما يصعب علي فراقه، فبينما أحدهما يذكرني ~~بحب شريف لا بد من دخوله قلب كل فتاة طاهرة فيسعدها أو يتعسها، أرى الآخر يدل ببهائه على حب ~~عزيز جدا، ولذلك فهو نفيس جدا على حب لا تكدره الغيرة؛ لأنه أشرف نوع من الحب يشعر به ~~قلب امرأة نحو رجل أو امرأة، هو عاطفة النفس الشريفة يهزأ بالغاية ولا غاية منه سوى غاية ~~عمل الخير مع الغير ومشاطرته السراء والضراء، ويضحك من الزوال لأنه أبدي لا يزول؛ إذ ~~إنه لم يدخل القلب قبل أن ينظفه من صغائر العواطف، فلا يبطره الفرح بل يزيده رزانة وهدوءا، ~~ولا يوهنه الحزن بل يزيده بشاشة وقوة وثباتا. ثم قالت: إن هذا الخاتم لا حق لفؤاد به؛ لأن ~~له من يطالب به، وأما هذا - وأشارت إلى خاتم فؤاد - فهو حقه، ومع أنه يصعب علي تضحيته ~~فإنني سأفعل وتكون هذه آخر ضحية مني على مذبح الواجب، ولكن فؤادا لم يعتبر أو يعرف كل هذه ~~الضحايا ... ومن أشد بلايا الإنسان أن يعمل كثيرا مع من يحبهم، ولا يطلب جزاء إلا اعتبارهم ~~لأعماله ولا يحصل عليه. # ثم نزعت الخاتم من يدها ودموعها تتساقط كحب اللؤلؤ وقالت: أنت يا أيها الخاتم العزيز ~~أول هدية منه إلي في أيام سعادتي، وستكون الآن آخر هدية مني إليه في أوقات تعاسته، فإذا ~~حرمت النظر إلى تذكار ms172 حبه فيك، فلا أحرم الفكر بأنك ستفيده وتعزيه وتغذيه. ثم ~~ناولته الممرضة التي كانت واقفة تنظر إليها مدهوشة وقالت: أرجوك قبول هذا الخاتم كرهن عندك، ~~فهو يساوي ثلاثمئة ريال، فأتيه بكل ما يطلبه من كساء وغذاء، ومتى شفي وعرف بأنني تركت هذه ~~البلاد، أخبريه بقصتي وقصة هذا الخاتم الذي هو لك إلا إذا دفع لك ثمنه. # فأخذت الممرضة الخاتم، وكانت عرفت من النظر إليها ما كلفها أمر نزعه من يدها من الحسرة، ~~وأقسمت لها بالصلة التي بينهما من الجنس والعمر أنها تعامل فؤادا معاملة أخ لها وتعتني ~~به. # | الفصل الثامن والثلاثون # السفر # وبعد ثلاثة أيام كان موعد سفر الباخرة التي تقل ميخائيل وبديعة إلى سورية، وكانت ~~بديعة قد اعتمدت على السفر هذه المرة؛ إذ لم يعد لها بالبقاء مأرب بعد تحققها شفاء ~~فؤاد. # وفي اليوم المعين لسفرهما طلب منها رفيقها الشيخ أن تذهب معه لزيارة عائلة من أصدقائه، ~~وقال لها: إن في تلك العائلة فتاتين كريمتين أديبتين تودان مشاهدتي وقد طلبتا مني ذلك. ~~فسرت بديعة لهذا الأمر، وربما كان هذا ما رغبها بالزيارة؛ لأنها كانت تعشق ذكر كل ~~امرأة أديبة، ولا سيما إذا كانت سورية وتشعر باحتياج السوريات إلى الأدب، فإذا رأته فيهن ~~تسر وتفرح فلا تغار ولا تستصغر؛ لأن الفضل يعرفه ذووه، ولأن بديعة لم تكن فتاة جاهلة ~~تبغض كل امرأة أديبة، ويكون عذرها بذلك جهلها. ومن جهل شيئا عاداه. # ولم يستريحا بعد دخولهما حتى أحضرت المرطبات والحلوى والقهوة، أو بالحري «حضرت ~~الضيافة السورية» عادة؛ إذ لم يكن لنا غيرها وغير الحشمة، فكفانا بها فخرا عند ~~الأمريكان الذين يعجبون بهما وإن كنا لا نعتبرهما لأنهما من «عوائدنا». # ولم يطل الجلوس ببديعة أو يتم سرورها بمحادثة الفتاتين، حتى سمعت وقع أقدام في الخارج. ~~ولما دخل الزائران لم يكونا سوى نسيب ولوسيا، فاضطرب قلب بديعة واحمر وجهها، ولكنها تجلدت ~~ولم تظهر شيئا. # ولحظت من ربة البيت انقباضا حين دخولهما، وكأن تلك السيدة المعتبرة خجلت أن ترى فتاة ~~متأمركة تأمركا معيبا زائرة ms173 مع شاب غريب عنها، ونظرت إلى ابنتيها اللتين كانتا كزنبقتين ~~نضيرتين أو كبرعمتي ورد إحداهما أكبر من الأخرى؛ لأن إحداهما كانت في السابعة عشرة، ~~والثانية في الثانية عشرة، وكانت تربيتهما سورية محضة. وكانتا لم تزالا بظل عناية ~~والدتهما، فلا تدخلان مجلسا أو تذهبان إلى مكان إلا بصحبتها. # وكانتا إذا دخلتا مجلسا جلستا فيه على جانبي والدتهما، فتظهر هذه بينهما كالقمر بين ~~نجمتين، وهكذا كانتا الآن إلى جانبي بديعة التي أحبتاها كثيرا. # ومع أن أهل البيت لم يحفلوا بلوسيا كثيرا «لأنهم كانوا يعرفونها»، فلم يؤثر هذا الأمر ~~فيها شيئا، وابتدأت تتكلم كلاما «مبطنا» أو ذا معنيين، وقصدها أن تقهر بديعة؛ لأن سلاح ~~الجبان القاصر مغامز لسانه، بينما سلاح العاقل الفاضل أدبه ورزانته وصبره على الشر، وهذا ~~ما يخفض الأول ويرفع الثاني. # وكان نصيب لوسيا من تلك العائلة المتهذبة الازدراء، وكانت سيدة البيت تارة تضحك من ~~كلامها، وطورا تعرض عنه، وأحيانا تزجرها وتنظر بعين ملؤها الاعتبار لبديعة الهادئة، وفي ~~الأمثال العامية: «ما أحد عقل وندم.» وهذا حق لأن الذي «يعقل» لا ينال من صبره وتجلده على ~~الأشرار وزجره وحشية نفسية إلا الصيت الحسن، وهو أعظم شيء على الأرض، والعكس بالعكس. # وخرجت لوسيا من ذلك المجلس وهي تكاد تتميز غيظا، زاده فيها قول نسيب لها بأن أعمالها ~~تجلب لها الاحتقار؛ لأن هذه الفتاة المغرورة كانت تظن بأن حبيبها يعتبرها، وأن اعتباره وحده ~~كاف لسرورها ولحمل الناس على اعتبارها، وقد خاب ظنها؛ لأن نسيبا كان يعرفها كما هي، وهكذا ~~كل رجل، ولم يكن ثناؤه عليها إلا «ليضحك عليها» ويسلب مالها في بعض الأحيان. # وهب أن نسيبا كان يعتبرها حقيقة؛ فإن عين الحب عمياء في أغلب الأحيان، وشهادة المحب ~~وحده على الخلال لا تكفي، وأعظم شهادة للمرأة هي شهادة العقلاء من نساء ورجال فيها. # ولو سمعت لوسيا كلام صاحبة المنزل بحقها لازداد غضبها؛ فإنها بعد خروجها قالت أمام ~~أصحابها الذين تثق بشرفهم: إنني لا أحب أن أرى فتياتنا بهذه الحالة، كما أنني لا أحب أن ms174 ~~تنظر بنتاي إلى هذه الفتاة؛ لأنها حجر عثرة في سبيل نفسها وسبيل سائر الفتيات نظيرها، ~~فالله يهديها. # وجرح هذا الكلام قلب بديعة؛ لأنه بحق فتاة أحبتها كثيرا ولم تزل تحبها بالرغم من ~~أعمالها، ولما خرجت من ذلك البيت قالت ربة المنزل: إن هذه الفتاة الأديبة تستحق كل اعتبار ~~وثناء من الأمهات الفاضلات؛ لأنها بأعمالها تكون مثلا صالحا لبناتهن يؤثر في ~~عقولهن أكثر مما تؤثر تربية الأم ذاتها أحيانا؛ لأن الفتيات شديدات الرغبة بالاقتداء ~~بأترابهن. # وفي عصاري ذلك النهار تركت بديعة نيويورك، ولما صعدت إلى الباخرة نظرت إلى وجه السماء، ~~فرأته مكفهرا مكمدا وهو مثقل بالغيوم، كما أن قلبها مثقل بالهموم، فتنهدت وقالت: إن ~~الفلك مهموم الآن، ولا أدري أمن همي مشتق همه أم من هم نفسه. # | الفصل التاسع والثلاثون # اللقاء السعيد وإفشاء السر # لا غرو إذا تعجبت بديعة من مرأى ذلك البناء الفخيم الذي كانت عتيدة أن تدعوه «بيتها» ~~لأنها لم تسكن في بيت «لها» من حين أفاقت لنفسها، فقالت في سرها: إذا كانت هذه مجازاة ~~الله للصالحين الصابرين على الأرض، فكيف هي في السماء يا ترى حيث الجمال والبهجة أتم ~~وأكمل؟! # هذا كان سؤال بديعة لنفسها إذ دخلت تلك الدار معتمدة على ذراع ميخائيل، فوجدت في صدرها ~~تلك السيدة التي كانت تزورها في المدرسة بثوبها الأسود، وهي كما كانت منذ خمس سنوات، كأن ~~الهموم أتتها دفعة واحدة فأوقفتها عند حد الكبر، وكانت الآن واقفة بانتظار ابنتها ~~ودموعها متساقطة كالوبل، وهي فاتحة ذراعيها تترحب بدخول بديعة إلى بيتها وقلبها ~~معا. # لم تنظر بديعة بدهشة إلى تلك الدار حين وصولها إليها، بل ظهرت عليها علائم عدم الاكتراث؛ ~~لثلاثة أمور الأول: لأنها كانت رأت مثلها من قبل؛ وإذ عرفت بوجودها في الدنيا قل ~~اعتبارها لها، وإن تكن تلك التي رأتها لم تكن ملكها. والثاني: لأنها كانت تنظر إلى قلب ~~الدار لا إلى جسمها، إلى داخلها لا إلى خارجها؛ حيث رأت «بناء» أفخر وأجمل وأكمل عندها من ~~ذلك البناء الحجري، بناء جسم والدتها. ms175 والثالث: لأن رزانة بديعة كانت عجيبة، واندهاشها من ~~الأشياء كان نادرا، ولكن إذا رأت ما يدهشها لا تكترث له، وهي بذلك على حد ما قيل: # وتعظم في عين الصغير صغارها # وتحقر في عين العظيم العظائم # ولا حاجة إلى وصف الفرح الذي استولى على ذينك القلبين الحزينين من اللقاء بعد ذاك ~~الفراق؛ لأن كل والدة وابنة من القارئات تعرف وتشعر بهذا، فتكفينا مؤنة الوصف له. وغاية ما ~~نقول أن فرحهما كان مزدوجا؛ لأنه أتى بعد عذابات أليمة وفراق طويل، وكل شيء بعد الشقاء ~~واليأس والعناء حلو لذيذ. # وبعد أن استراحت بديعة من التعب أخذتها والدتها بيدها، وأدخلتها غرفة خاصة يظهر من منظرها ~~أنها كانت غير مأهولة. ولما استقر بهما المكان وكانت كل واحدة منهما تنظر إلى الأخرى ~~بتفكر، الأم تتصور ذاتها لما كانت بعمر البنت، وكان لها الحب والصبا والجمال، وتسر ~~ولو بالفكر، والبنت تصور نفسها بعد عشرين سنة؛ إذ تصير كوالدتها وتفتكر بما تكون الحالة ~~إذ ذاك - نظرت الوالدة إلى صورة معلقة على حائط تلك الغرفة، وأشارت بيدها إليها قائلة: ~~أتعلمين صورة من هذه يا بديعة؟ # أجابت الفتاة بحزن: أظن أنها صورة والدي. # فتنهدت الوالدة وقالت: أليس جميلا؟ # قالت البنت: أجمل رجل رأيته بحياتي. # وكان كلام بديعة صادقا؛ لأنها قبل أن رأت هذه الصورة كانت تقول هذا القول عن صورة فؤاد، ~~ولكنها لم ولن تنظر بالرجال أحسن من صورة والدها، ولا بالنساء أجمل من صورة والدتها؛ لأنها ~~شريفة. وأثر كلامها بقلب والدتها أكثر مما أثر منظر الصورة، فبكت وبكت بديعة معها. # ولما استراحتا قليلا قالت الوالدة: دعيني أقص عليك تاريخ صاحب هذه الصورة الذي هو أبوك ~~وتاريخي. # إنني يا عزيزتي لما كنت بسنك كنت مثلك في الهيئة تماما، أما الأخلاق فلا أقدر أن ~~أقول عنها شيئا؛ لأنه كثيرا ما تمحو المعاشرة والتربية ما يكون قد علق بأخلاق الإنسان ~~بالإرث. وإذ كنت في الخامسة عشرة من عمري مرت علي العاصفة التي تمر على كل فتاة في ~~هذه الحياة، والتي أرجو أن ms176 لا تكون مرت عليك بعد؛ لأن مرورها وأنت بحجر والدتك يكون ~~أصلح وآمن، فهي عاصفة الحب التي تحتمل الفتاة، فإما أن تنزلها في مكان أمين، وإما أن تطرحها ~~في هاوية خطرة. # وكنت يا بنيتي جميلة وغنية وعزيزة عند والدي وأصدقائي، أرى أمامي من جهة مالا كثيرا ~~يشتري كل ما يباع بمال، ومن جهة أخرى سعادة وخدما ووالدين وأصدقاء يحبونني، وأنا أسكن في ~~دار، فخيمة تحفني فيها كل أنواع العظمة والجمال، وتحسدني عليها أكثر النساء؛ إذ يحسبنها ~~سعادتهن. وأما أنا فلم أكن أحسبها كذلك، بل كنت دائما أشعر بفراغ في قلبي ولا أعرف له ~~سببا، وكنت أنفر من كل هذه الأشياء لأنني أميل إلى المعيشة الروحية، ولذلك أحسب هذه ~~العظمة وهمية، والشيء الذي يسرني ويملأ فراغ قلبي لم أكن قد وجدته بعد. # ومعلوم أن شبان المدينة كانوا يتسابقون إلى طلب يدي، فمنهم حبا بمالي ومنهم بجمالي ~~وأشياء غير هذه متعددة، ومع ذلك فإن قلبي لم يحب أحدا منهم. ومع أنني كنت أعرف اضطراري ~~للاقتران يوما ما إتماما لرغائب والدي، فلم أحب أن أظهر ميلا خاصا إلى أحد أولئك ~~الطلاب، وكنت أفضل الانتظار. # وكنت مولعة بالرياضة الجسدية كثيرا، ففي أحد الأيام بينما كنت مع جماعة من الأتراب نتنزه ~~في الخرج مر بنا رجل لابس اللباس الإفرنجي وعلى رأسه قبعة. وبما أن الثياب الإفرنجية لم ~~تكن زي تلك الأيام كما هي اليوم بكثرة، عرفنا بأن الرجل غربي ثم فرنساوي؛ لأنه خاطبنا ~~باللغة الفرنساوية سائلا عن الطريق الأقرب إلى المدينة، وإذ لم يكن بين الفتيات من تفهم ~~هذه اللغة غيري دللته على الطريق. وبعد أن شكرني ومشى بضع خطوات، رجع إلي ثانية وطلب ~~مني جرعة ماء. وكان معنا زاد وماء، فسقيته، فظهر لي من هيئته بأنه تعبان، وكانت ثيابه بالية ~~وحذاؤه مرقعا، والخلاصة أن هيئته كانت فقرية ولكنها جميلة للغاية. وكان وراء ذلك المنظر ~~الفقري قلب يتحرك بالعينين، فشغف به قلبي، وبكل جرأة سألته ما إذا كان يريد طعاما، والذي ~~حملني على سؤال رجل ms177 إفرنجي غريب هو وجود خادم وخادمة كهلين كانا قد خرجا معنا لأجل الخدمة، ~~فنظر إلي الشاب عند هذا السؤال نظرة شكر لا أنساها قط وجلس حالا؛ لأنه كان جائعا ~~فأتيته بطعام، ولما انتهى قام وذهب بعد أن رفع قبعته وقال: شكرا لك يا سيدتي إنني سوف لا ~~أنسى طعم جميلك وطعامك ما حييت. # ولم أعد أنظر الشاب بعد ذلك، ولكن ذكره لم يفارقني، وكنت دائما أؤاخذ نفسي على الافتكار ~~بشاب غريب فقير كهذا، ولكن نزوع هذا الفكر إليه كان فوق مقدرتي. # وذهبنا لقضاء فصل الصيف بعد أيام، ولما رجعنا سمعنا بذكر مصور شهير أتى دمشق، وقد أصبح ~~ذكره بها كذكر روفائيل في العالم. # ورأينا من تصويره ما أدهشنا نحن أيضا، فقالت لي جدتك: يجب أن تتصوري عنده، فبعثنا ~~نستحضره، ولا تسلي عن خفقان قلبي واضطرابي يا بديعة؛ إذ دخل المصور وعرفته بأنه نفس ذلك ~~الشاب الذي كانت صورته في قلبي، أما هو فبغت أيضا وخاطبني بلغته التي لا تفهمها والدتي ~~قائلا: إنني سعيد يا سيدتي لأنني قدرت على أن أشكرك مرة ثانية. # ولما كان يصورني خاطبني قائلا: إذا كان أحد يقدر على فهم الجمال الحقيقي وتصوره، فهم ~~المصورون يا سيدتي. ومن تلك الدقيقة عرف كل منا ما عند الآخر، وتدرجنا في المحبة إلى الوعد ~~بأن كلا منا هو للآخر، وعملا بالعهد فاتحت والدتي بالأمر فحزنت جدا، وأخبرت والدي الذي ~~غضب وأخذا يتهدداني، أما أنا فلم يثبط كل ذلك عزمي، فهربت مع الشاب من دمشق إلى بيروت حيث ~~اقترنا وسكنا هناك. # وقد كنت أظن أنني متى اقترنت به أحصل على كل سعادة ويمتلئ فراغ قلبي، ولكن قلبي التعيس ~~امتلأ من جهة وفرغ من أخرى؛ لأنني بعد أن ظننت أن الحب هو كل سعادة في الحياة، اختبرت وعرفت ~~أن الحب الذي يداس به على الواجب المقدس لا تكون سعادته خالصة، بل مشوبة بوخز الضمير ~~الحي. # وكنت يا بنيتي سعيدة مع أبيك وهو سعيد بي، ومع أننا قاسينا مضض الفقر والهم ، فإنني لم ms178 أكن ~~أبالي بشيء ولا يزعجني غير مثول وجهي والدي الغاضبين دائما أمامي. # وكان أبوك يذهب إلى القرى يصور مع رفيق له، ولكن مهنته لم تكن تأتي بمال كثير؛ لأنها مع ~~شرفها لم تكن معتبرة في تلك الأيام كما هي الآن، لذلك كنا يوما في نعيم وآخر في جحيم من ~~جهة الماديات. # وكان أبوك ذا إحساس وشرف غريبين، فكان يقول لي دائما بأنه مذنب نحوي؛ لأنه انتزعني من ~~بين ذراعي والدتي ووالدي وجلب علي نقمتهما، وأتى بي من بين العظمة والرفاه إلى حيث لا ~~يقدر أن يعوض علي شيئا منهما. # فكنت أقول له بأنه إذا كان من ذنب فكلانا مشتركان به، وأظهر له سعادتي دائما لئلا أزعجه، ~~ولكنه لم يقتنع بمظاهراتي وعرف ما أنا عليه من الهم. وكان يرى دائما مهموما ويقول بأن ~~ضميره لا يريحه، ويكد ويجتهد لأجل سعادتي، حتى ضعف جسمه فاعترته حمى خبيثة لم يقو عليها ~~ذلك الجسم الناحل، فمات - وا حسرتاه - إذ كنت في الشهر الأول من عمرك، وذقت أنا بموته أمر ~~وأشد حسرة في حياتي، لم تزل تعذبني لليوم، وكنت بغاية الفقر إذ ذاك؛ لأن ما كان معنا ~~صرفناه على مرض وموت والدك، فعزمت أن أحصل رزقي بيدي، وفي تلك الأثناء أتت جدتك تزورني؛ ~~لأنها عرفت بموت والدك، وبعد جدال ورجاء طويلين أغرتني - سامحها الله - وأنا إذ ذاك صغيرة ~~السن بوضعك في العازارية وإخفاء المسألة والرجوع معها، وإلا فهي لا تقر بي ولا تقر ~~بي مع والدي. # وكأن وطأة الهموم كانت قد أضعفت عقلي حتى رضيت معها بهذا الأمر، فنزعتك عن صدري وقلبي، ~~وأرسلتك إلى دير العازارية، ورجعت مع والدتي إلى البيت، وكنا أرضينا رفيق والدك الذي هو أبو ~~لوسيا التي كانت في المدرسة معك لإخفاء الأمر بمال كثير، وقلنا له أن يدعوك ابنة أخته حتى ~~لا ترتابي في نفسك. # وهكذا يا حبيبتي تركتك ورجعت، ولكن ظن والدي خاب في؛ لأنني لم أقبل معهما ~~بالزواج، إذ إن ذكر والدك وذكرك كانا كافيين لأن يمنعاني عن هذا ms179 الأمر. # وكنت ظننت وأملت أن والدي يرقان لي ويسمحان باسترجاعك بعد زوال عاصفة غضبهما، فكان ~~قلبهما صخريا، والذي كان يساعدني على الصبر هو زيارتك في المدرسة. وفي أوائل هذه السنة ~~مات جدك وماتت بعده جدتك، فأرسلت صديقي ميخائيل ليفتش عنك، فأتى وأخبرني بأنك في ~~أمريكا، وما بقي فأنت تعلمينه. فهل أنا مستحقة الصفح عندك ابنتي؟ # قالت هذا وانطرحت على ركبتي ابنتها، فارتعدت فرائص بديعة، وحاولت أن ترفعها عن الأرض، ~~فلم تقدر فانطرحت بجانبها وهي تبكي وتقول: أمن كانت مثلك تحملت كل هذه العذابات والمشقات ~~لأجل والدي ولأجلي تعد مذنبة يا أمي؟ وهل والدة مثلك قد أعدت لابنتها هذا المستقبل العظيم ~~مخطئة وتطلب الصفح؟! إنني أنا المذنبة يا أمي؛ لأنني لم أقدر أن أشاطرك همومك فيما مضى، ~~ولكنني أعدك بكل ما عندي من الاعتبار لشرفك أنني أعوض عليك في المستقبل ما قد خسرته في ~~الماضي، بأن أكون لك بنتا محبة ومطيعة وفاضلة، وهذا ما يفرح ويسر قلبك الشريف. # وخرجت جميلة وابنتها من تلك المعركة الفكرية منهوكتي قوى النفس والجسد. # | الفصل الأربعون # إعجاب الأم بالبنت # وبعد اجتماع السيدة جميلة أعلنت قصتها. فتناقلتها ألسنة الناس والجرائد في كل أنحاء ~~سوريا، وكانت تبتدئ وتنتهي دائما بذكر الوالدة وعذابها وحبها، وبأدب وتهذيب وفضل الابنة ~~التي جاءت كجزاء عادل من الله لتلك السيدة التعيسة بعد صبرها على العذاب، والله يكافئ ~~الصابرين. # ومعلوم بأنه لو كانت هذه السيدة فقيرة، لكان اكتفى أصحاب الجرائد بسرد قصتها «تفكهة ~~للقراء»، ولكان اكتفى «قراء التفكهة» بقراءتها. أما والحالة تفرق كثيرا، فإن مقالات ~~الجرائد كانت كسلسلة متصلة الحلقات لمدة شهور. # وكان إعجاب الوالدة بابنتها عظيما بعد أن اختبرتها؛ لأنها لم تكن تنتظر ما رأته من العلم ~~والآداب والتهذب والفضائل في الفتاة التي «نزعتها عن صدرها»، وباتت في شك من اكتسابها ~~شيئا حسنا وهي بعيدة عنها. # وآخر مرة نظرت الوالدة ابنتها في المدرسة لم تحلم قط بأنها ستصل إلى هذه الدرجة من جمال ~~النفس والجسد، وأظهرت ذلك لبديعة مرة إذ قالت : إنك بأخلاقك ms180 وطباعك وجمالك كما أريد يا بديعة ~~وفوق ما أريد، وكم تمنيت ذلك فلم يخيب الله آمالي، وأنا أراك بهذه الصورة الكمالية ~~الآن أصدق قول القائل: # الابن ينشا على ما كان والده # إن الأصول عليها ينبت الشجر # وقد كنت أشك في صدق هذا البيت أحيانا كثيرة؛ لما أراه مناقضة الولد لوالديه بأخلاقه، فما ~~هو رأيك أنت؟ # قالت بديعة: أنا أعتقد بأن للدم أكبر تأثير يظهر في أخلاق وصحة وطباع الولد، ولهذا ~~فقد حكم الأطباء والحكماء بأنه يجب على الإنسان أن ينظر إلى نقاوة دم العائلة قبل الزواج؛ ~~لأن آثار هذا الدم تظهر في الولد. فتأثير الدم أكيد، ولكن التربية إما تزيله وإما تزيده. ~~مثلا لو كان رجلا سكيرا وولد ولدا، فإن حب المسكر يولد معه، ولكن إذا سعد بمن يربيه ~~تربية قويمة ويهذبه تهذيبا حقيقيا من صغره؛ فإنه يزيل بعنايته هذا الميل إلى السكر إذ ~~يبغضه به ويبرهن له عن أضراره، فيتلاشى هذا الميل مع الأيام إلى أن يزول. وبالعكس، فإنه ~~ينمو به كلما أنماه إذا لم يحسن تهذيبه وتربيته، أو إذا ترك لنفسه، فإنه يرث أخلاق والده، ~~ويمثل هذا بصدق قول القائل: «إن الأصول عليها ينبت الشجر.» لأن تأثير الدم ينمو فيه ولا ~~ينقص. # وقد يحدث مع كل إنسان تقريبا أن يأخذ بذرة من ثمرة جيدة ويغرسها، ولما تنبت وتأخذ في ~~النمو يتركها ولا يعود يكترث بها فتأتي بغير الثمر الذي يكون ينتظره، ليس لأنها غير جيدة ~~الأصل، بل لأن جودة أصلها وحدها لا تكفي إذا لم يحول البستاني إليها عنايته والتفاته، وهذا ~~القول يناقض ذاك المعنى: أن للدم تأثيرا، ولكن التربية إما تلطفه وإما تمحوه كما ~~قلت. # فازداد إعجاب الوالدة بابنتها، وقالت وهي ترغب الاستزادة من هذا الحديث الذي طالما تاقت ~~نفسها إليه. ومن يا ترى كان بستاني بذرتي الجيدة حتى مطابقة لأصلها، بل زادت عليه ~~جودة؟ # فابتسمت بديعة وأجابت: إن بستاني المفضل علي هو أمريكا. # أمريكا! قالت الوالدة بدهشة: إنني لم أحلم بهذا من قبل لأنني أسمع دائما ms181 بأن أمريكا بلاد ~~متى دخلتها المرأة السورية تترك وراءها حشمتها وآدابها وكل فضيلة نسائية، كأن لا حاجة لها ~~إليها في تلك الأقطار الشاسعة. ومتى رجعت إلى وطنها ثانية تصير تجدها عوائد قديمة خلقة، فلا ~~تعود تفتكر بها. # قالت بديعة: إنني لا ألومك يا أماه على ظنك هذا بأمريكا؛ لأنك تبنين قولك على جهة واحدة، ~~وأما أنا فأقدر أن أبين لك حالة أمريكا مع النساء السوريات بكلمات قليلة وهي: أن المرأة ~~القابلة للتهذيب تزيدها أمريكا تهذيبا وعقلا وفضلا، أما المرأة الغير أديبة أو الجاهلة ~~فأمريكا تزيدها قلة أدب وجهلا. # فالتفتت إليها والدتها وابتسمت، وقبل أن تتكلم سبقتها بديعة وقالت: إنني أعرف ما يخامر ~~ضميرك يا أمي، ولكن ليس هذا ادعاء، بل افتخارا؛ لأني قد عرفت بأنه من واجبات المرأة أن ~~تكون أديبة وفاضلة، وكنت أسعى جهدي لأصبر كذلك فلا أكون إلا عارفة معنى الواجب ومستعدة ~~للقيام به، وليس هذا من الادعاء بشيء. # عند ذلك قالت لها والدتها: ما أقدرك على النطق بلساني والافتكار بجناني! فدعيني أعترف لك ~~بأفضليتك على نفسي بأنك تجدين لكل دقيقة من دقائق حياتك شغلا لائقا بها، وتأتين كل شيء ~~بضبط ونظام، فكيف تأتين هذا بكل هذه السهولة؟ # أجابت بديعة بحنو: ذلك من حين عرفت كم هو ثمين الوقت، وفهمت بأن الترتيب شريعة الله ~~الأولى؛ لأنه تبارك اسمه مرتب، وقد حفظت عن أحد الكتب التهذيبية أربع قواعد مفيدة، وهي: # أولا: # أن أرتب لكل شيء محلا مناسبا، وأن أضع كل شيء بمحله. # ثانيا: # أن أعين وقتا موافقا لكل شيء، وأن أعمل كل شيء بوقته. # ثالثا: # أن أحفظ اسم كل شيء جيدا، وأن أدعو كل شيء باسمه. # رابعا: # أن أستعمل كل شيء بوقته المعلوم، وأن أعرف كيف أستعمله. # وإذ سمعت والدتها منها هذا الكلام اقتربت وقبلتها بحرارة قائلة: حفظك الله لي ابنة نافعة ~~فاضلة؛ فإن عذاباتي الماضية كلها لا تحسب عندي شيئا مقابل سعادتي بك الآن. # | الفصل الحادي والأربعون # رأي بديعة مخالف لرأي والدتها # ومع سرور بديعة بوالدتها ، لم تنس ms182 قط همها العظيم وحزنها لجهة فؤاد، وكانت معذبة ~~القلب من حمل همها وحدها، وتريد مشاركة والدتها به؛ لأنها كانت فتاة بالغة حد الكمال ~~الممكن، ولا تحب أن يفوتها واجب من واجبات الفضيلة، وكانت تعرف بأنه لا سر في الحياة تقدر ~~أن تكتمه البنت عن أمها متى كانت في بيتها، ولا عن زوجها متى انتقلت إلى بيته، ولا تعد ~~مخطئة لأن الوالدين أصدق الأصدقاء، ولعمري أي صديق أو حبيب في العالم يضحي لأجل شخص ما، ما ~~تضحيه الأم لأجل ولدها؟ # فإفشاء الأسرار للأم ومشاركتها بها واجبان لثلاثة أسباب؛ الأول: لأن المهم يجد دائما ~~بأنه عاجز عن حمل همومه وحده، ويشعر إبان هذه الوحدة باحتياجه إلى تسلية وإرشاد، وإذ إنه من ~~التعقل والفائدة أن لا يسلم الإنسان أسرار نفسه إلا لمن يعتقد بحبهم، ويعرف بأن هذه ~~الأسرار متعلقة بهم كما في المشتكى، لا يرى الولد غير الأم ذات علاقة أولى واهتمام صادق ~~به. والثاني: لأن الفتاة متى كانت لم تزل تحت سلطة والدتها تكون مطالبة بالأمانة نحوها، ~~وواجب هذه الأمانة يقضي على الفتاة بأن لا تأتي أمرا بغير علم والدتها به. والثالث: لأن ~~المثل العامي يقول: «من هو أكبر منك بيوم أعلم منك بسنة.» وهذا صواب متى تساوى الاستعداد ~~وتقابلت الوسائط إلا في ظروف نادرة حيث يسبق الصغير بالمعرفة الكبير. # ولعمري أين هي معرفة الفتاة التي تكون حديثة عهد السير على طريق مجهولة منها من معرفة ~~الأم التي قطعت نصفها بل كلها؛ لأن أعظم عقبة تعترض الفتاة في طريقها هي عقبة «الحب ~~والزواج»، والوالدة تكون مرت عليها واختبرنها. وأية فتاة لا تسلم بالقول بأن البنت التي ~~تكون تجهل طريقا ما ولا تسأل من قد سلكها قبلها عنها إما حياء وإما كبرياء وإما استقلالا ~~بالرأي، تكون تعيسة وجاهلة؟ هذه كانت أفكار بديعة بهمومها، ولكنها كانت فتاة محبة لوالدتها، ~~وعرفت بأن قصتها محزنة، فمن الحكمة أن تصبر عن مفاتحتها بها إلى بعد انقشاع بعض غيوم ~~تعاستها. # وفي أحد الأيام جلست بديعة في نافذة الغرفة ms183 التي كانت أجمل ما في القصر برياشها وترتيبها، ~~ولما أدارت وجها في تلك الغرفة تنهدت قائلة: يا له من فرق عظيم بين الفقر والغنى ... إن ~~السيد المسيح له المجد لما قال: «لا تعبدوا ربين الله والمال.» أراد أن يذكر الإنسان بما سيقدم عليه من حبه للمال حتى ينسيه عبادة خالقه، فلو كنت أنا ~~بحالتي الحاضرة حينما خطبني فؤاد، أكانت فعلت والدته ما فعلت بي وأنا خادمة؟ كلا! مع أنها ~~صرحت باعتبارها لآدابي إذ ذاك، وبحبها لي، ولكن كل ذلك لم يهم لأنني لم أكن غنية، فلو ~~رأتني الآن لكانت تدعي بأن القرب مني مفخرة ... وأنا لم أزل كما كنت ولكن هو المال ... هو ~~المال الذي يهب الخامل شرفا ويجر بواسطته الجاهل ذيولا من المعرفة والعلم يدعيها ~~لنفسه، ويصادق على ادعائه الناس وإن لم يروها ويشهدون زورا بما لا يعرفون! المال، ~~يصير القبيح جميلا والغبي ذكيا والشرس صالحا؛ لأن خطاياه مغفورة بقوة المال. ولكن ليس ~~هذا ما يسرني؛ فإنني أحب كل شيء طبيعي - كل شيء جميل - كل جوهر لا عرض. ولما أحبني فؤاد ~~وأنا خادمة اعتبرت محبته جدا، وكنت سعيدة بها ذلك لأنني عرفت صدقها. ولكن لو كنت ~~بحالتي الحاضرة إذ ذاك لكنت في شك دائم من تلك المحبة ولم أصدقها، ولكنت في خوف من ~~حبه لمالي أكثر مما هو لحالي، وعند هذا فتح الباب ودخلت والدتها ودلائل الفرح بادية على ~~وجهها. # قالت الوالدة بسرور: إن عائلة من الأصدقاء تكون هنا بعد وقت، فيجب أن تستعدي لملاقاتهم يا ~~بديعة وناولتها علبة صغيرة مغلفة بالمخمل الأحمر الجميل. فقالت بديعة: ما هذه يا أمي؟ أجابت ~~الوالدة: هذه هي العلبة التي أعطتني إياها والدتي حينما رجعت من المدرسة، وفيها كثير من ~~الحلي النفيسة، فاختاري منها ما يعجبك؛ لأن قاعة الاستقبال ستكون ملآنة من الضيوف الليلة، ~~ويجب أن تظهري بأجمل مظاهرك. # فتناولت بديعة العلبة، ووضعتها على طاولة بالقرب منها، وقالت لوالدتها مبتسمة: إنك غير ~~مصيبة يا سيدتي؛ لأن الحلي للسيدات المتزوجات وليس للفتيات مثلي، وكل ms184 ما أطلبه لأظهر «بأجمل ~~مظاهري» كما ترغبين هو ثوب أبيض بسيط وزهرة واحدة جميلة، وباعتقادي أنني إذا كنت جميلة ~~حقيقة فمن الخطأ أن أطلب زيادة عن صنع الله من صنع يد الإنسان، وإذا لم أكن جميلة فكل ~~الدنيا وجواهرها لا تجعلني جميلة. ومن العبث أن أطلب الجمال المتأتي عن الحلي والذي هو ~~جمال يكشف القبح الطبيعي. # فنظرت والدتها إليها بشيء من النفور لأول مرة وقالت لها: ما هذه الطباع يا بديعة؟ فإن أول ~~شروط الموضة اليوم الإكثار من الحلي، وبالحقيقة إنها أجمل ما تتزين به المرأة. # فقالت بديعة: أرجوك أن تسمحي لي بالجري على الخطة التي أريدها؛ لأن موضة لبس الحلي ~~للفتيات العزب موضة قبيحة لا أحبها، وعلى كل حال لا أريد أن أكون سيدة الموضة ولا ~~عبدتها. # وبعد جدال طويل أقنعت بديعة والدتها بأن لا جمال بغير البساطة الطبيعية. # ولبست بديعة ثوبا من الكتان الأبيض بسيط الخياطة والتخريج، ووضعت في شعرها الأسود ~~الجميل زهرة من الورد الأبيض، فظهرت صنعة يد الله العظيمة في وجهها وعينيها وثغرها ونحرها ~~وقامتها ويديها. # ولا غرو إذا كانت بساطة الملابس تزيد الجمال وضوحا؛ لأن الألماسة الثمينة يركبها الصائغ ~~دائما فوق ذهب بسيط الصنع فيظهر جمالها جيدا، وأجمل ما يكون القمر متى ظهر في سماء بسيطة ~~ولم يكن محاطا بالغيوم الكثيرة ... # ولم تكمل وضع ملابسها حتى دخلت والدتها، وهي تقول: إن صديقتي مشتاقة جدا إلى مشاهدتك، ~~وستحبينها وتحبك لأنها من أجمل وأذكى سيدات بيروت. # ولما سمعت بديعة اسم «بيروت» خفق قلبها، فكانت تمشي متثاقلة بقدم مضطربة ولم تعرف لذلك ~~سببا. # | الفصل الثاني والأربعون # اللقاء العجيب # ولكنها لم تلبث أن عرفت السبب؛ لأنها أول ما وضعت قدما في باب القاعة أرجعتها وهي مضطربة ~~لا تدري أفي يقظة هي أم في منام. وكانت عيون الضيوف متجهة نحو الباب بشوق لمرأى بديعة؛ ~~لأنهم كانوا سمعوا عنها شيئا كثيرا ولد فيهم شوقا عظيما إلى مشاهدتها، ولما وضعت ~~قدمها في باب القاعة كما ذكر أسرعت السيدة مريم نحو الباب وهي ms185 تصرخ بصوت عال: بديعة بديعة! ~~أهذه أنت؟! # وكان زوجها قد تبعها للباب أيضا، أما ولدهما فقد كان ضعيفا للغاية، وإذ أتته تلك الضربة ~~القلبية عجز عن الوقوف، ولما رأى ذلك الوجه وسمع والدته تنادي بذلك الاسم، انطرح على المقعد ~~لا يقدر على الجلوس، وكأنه لم يقدر على مشاهدة ذلك المشهد أيضا فغطى وجهه بيديه. # وكانت السيدة جميلة أشد اضطرابا من الجميع؛ لأنها وقفت هناك تشاهد ذلك المشهد المحزن ~~ولا تعرف السبب. أما بديعة فلبثت واقفة كالصنم بدون حراك ولا كلام، وإذ ذاك اقترب الخواجة ~~منصور فضمها إلى صدره وقبلها قائلا: «إنني أسعد الجميع بلقائك؛ لأن محبتي لك لم يشبها كدر ~~أو غدر، فالشكر لله ثم الشكر لله على نعمته.» وكأن كلام هذا الرجل المحب أعان بديعة فارتمت ~~على كتفه وذرفت الدموع السخنة. # وشعرت السيدة مريم بهذا الجزاء من بديعة التي تبعت وحي قلبها بحب الخواجة منصور، ونسيت ~~بأن مكتوبه هو الذي أخرجها من البيت، فنظرت إلى ولدها لتقابل نظره وتقرأ أفكاره، ولسعادتها ~~كان لم يزل ساترا وجهه، فتنهدت من أعماق قلبها تنهد من تخلص من أمر صعب. # وبعد أن هدأ روع الجميع جلست بديعة ما بين والدتها والخواجة منصور، وقص هذا على السيدة ~~جميلة القصة بصدق، وكانت بديعة مطرقة فلم تعر فؤادا ووالدته التفاتا. # ولما أتم منصور حديثه التفتت جميلة إلى مريم وقالت معاتبة: وهل كان كلامك لي عن تلك ~~«الخائنة» موجها لحشاشة قلبي الطاهرة يا صديقتي؟ # فقالت السيدة مريم - وكانت زهرة كبريائها قد ذابت الآن: أرجو أن تكتفي بقصاصي الماضي ولا ~~تزيدي يا عزيزتي. # إذ ذاك تحركت في قلب بديعة عاطفة «عمل الخير» التي كانت تفوق جميع العواطف بنفسها، وللحال ~~دنت السيدة مريم وجثت أمامها كملاك طاهر قائلة: إذا كان الصفح سماويا، فلنكن كلنا ملائكة ~~بقلوب نقية، ولتصفح الواحدة عن الأخرى لأن الذنب مشترك بين الجميع ... # وبعد أن قبلت تلك السيدة الباكية انتقلت منها إلى فؤاد وقلبها خانق، وكان هذا لم يزل كما ~~شاهده القارئ عند دخول بديعة وهيئته ms186 محزنة. وحزنه هذا اضطر بديعة للابتداء بملاطفته؛ لأنها ~~رأت هذا من واجباتها. أما هو فلما سمع وقع خطاها المقتربة إليه رفع يديه عن عينيه وجرب ينظر ~~إليها، فلم يقدر أن يقابل نظرها وأنى له ذلك. وهو عجز عن النظر إلى صورتها الوهمية بعدما ~~تحقق براءتها، فكيف الآن وهو ينظر إلى الصورة الحقيقية. # لم يبك فؤاد لما اقتربت بديعة منه كما فعلت والدته؛ لأنه قل من يبكي من الرجال بوقت ~~المصائب، وهذا دليل على أن سلاح الرجل شجاعته وسلاح المرأة دموعها، أو أن المرأة أشد حنوا ~~من الرجل. على أن الشجاعة لم تظهر على وجه فؤاد مكان دموعه؛ لأنه كان مطرقا أصفر يرتجف ~~كالورق. آثر منظره هذا في بديعة فوهبها شجاعة، فاقتربت منه واضعة يدها على رأسه المنخفض ~~وقالت بصوت مضطرب: إن الموقف مفرح لا محزن، فما الذي يزعجك يا فؤاد بعد أن سمعت القصة من ~~فم والدك؟ يجب أن تفرح وتصفح. # وكأن هذه الكلمة الأخيرة أحرقت قلبه، فصعدت الحرارة إلى خديه المصفرين وقال ناظرا إليها: ~~أصفح! عمن؟! # أجابت بهدوء: اصفح عن الظروف التي سببت ما سببت لأجل سعادتنا بدون شك. # وكان الوالدون قد التهوا عنهما بالحديث، فجلست هي بجانبه وقالت بلطف: إن التقاءنا هنا ~~مدهش عجيب، فيظهر بأنك بعد شفائك رجعت من أمريكا حالا، ولكن يا فؤاد هل علمت ببراءتي قبل ~~الآن؟ # فقال: هل تظنين أنني لو لم أعلم هذا الخبر من أمريكا كنت رجعت منها إلى حيث أنت؟ # فابتسمت لكلامه الدال على عظم حقده الماضي عليها، وقالت بلطف: ولكن من أخبرك؟ # قال: إن الله تمجد اسمه أوجد الموت وأوجد في قلب الإنسان رهبة منه، وجعله مهما يكن شريرا ~~أن يشعر بافتقاره إلى تنقية الضمير والقلب قبل ذهابه من هذه الدنيا إلى حيث هي الطهارة ~~والنقاوة؛ فإن الذي كان مسبب متاعبنا الماضية لما خاف من ملك الموت الرهيب أقر بخيانته ~~وصرح ببراءتك. فعرفت بديعة بأنه لم يكن غير نسيب، ولكنها قالت: ومن هو؟ # فأجاب فؤاد: هو ذاك الخائن نسيب! # فعلا ms187 وجهها بعض الاصفرار وقالت بحزن: وهل مات نسيب يا فؤاد؟ # فابتسم وقال: وهب أنه مات فهل تأسفين على من كان سبب عذاباتنا يا بديعة؟ # قالت: نعم آسف لأنني أصفح عنه من كل قلبي، وإذا كان قد مات حقيقة فأنا أحزن عليه لأنه قد ~~أتى ما أتى مدفوعا ... ثم رفعت منديلها ومسحت به دمعتين طاهرتين سقطتا لأجل رجل لا ~~يستحقهما. # فقال فؤاد: أرجو ألا تبكي عليه؛ لأنه لا يستحق هذه الدموع الطاهرة. # قالت: ولوسيا؟ # أجاب: هي في أسوأ حالة من جراء عمله معها وعملها مع نفسها. # فتنهدت تلك الفتاة المحبة، ولم تمنع دموعها عن السقوط الآن، فسقطت بغزارة. وأراد فؤاد أن ~~يحول فكرها عن هذه النقطة فقال: ألا تحبين سماع القصة؟ # أجابت: بدون شك. # | الفصل الثالث والأربعون # قصة فؤاد واعتراف نسيب # قال: من بعد زيارتك لي صرت أتقدم إلى الصحة كأن خيالك الطاهر وهبني القوة التي كنت رفضتها ~~إذ ذاك، فصرت أطلب الأكل فلا أحصل عليه كما أخبرتك الممرضة. وكان نسيب يزورني مرة في ~~الأسبوع وكل مرة يكون سكران، وكأنه عرف بأن يدي فارغة من المال، فصار يحتال علي لأطلب ~~مالا من والدي أو من أحد معارفه في نيويورك لكي يسلبه هو مني. أما أنا فلم أكترث لقوله؛ ~~لأن المرض كان قد علمني أمثولة حسنة، إذ إني لم أكن بهذا المقدار شريرا حتى أتابع سيري في ~~طريق الضلال التي فتحها أمامي نسيب، وساعدني على دخولها همي من فراقك، ونويت أنني متى خرجت ~~من المستشفى لا أرجع إلى الوطن ما لم أسلك، ولكنني سوف لا أرجع لأعمالي الأولى، بل ~~أشتغل وأحصل معاشي من الكد. والذي كان يعيقني عن الخروج حالا من ذلك السجن المؤلم، هو ضعفي ~~الزائد واحتياجي إلى الغذاء الجيد. # ولفرط عجبي غيرت تلك الممرضة خطتها معي بعد عيادتك؛ فإنها كانت تعاملني معاملة خصوصية، ~~وتأتيني بكل ما أشتهيه من المآكل والمشارب سرا. # فمر بخاطري حالا أنها بعد أن أبللت تحققت ما أنا عليه من الجمال فوقعت بهواي ... # وكانت بديعة قد ابتسمت ms188 الآن من خلال دموعها الغزيرة، فابتسم هو أيضا وقال لها: ساعديني ~~على الكلام بابتساماتك الحلوة يا بديعة؛ لأن هذه أمور ماضية لا تحزن. ثم استأنف الكلام ~~فقال: ومع أنني لم أبال بغرام تلك الفتاة الذي حسبته سبب معاملتها الحسنة لي، فقد سررت به ~~لأمرين؛ الأول: لأني مثل كل إنسان فرحت لأنني حتى في حالتي من المرض والضعف والفقر لم ~~أعدم من تحبني من السيدات. والثاني لأني كنت باحتياج إلى مثل هذا الغرام الذي يجلب المنفعة ~~في أشد أوقات الحاجة إليها. لا تنظري إلي شزرا يا بديعة؛ فإنني وإن كنت إذ ذاك ميت القلب ~~عن كل حب، فقد كنت ميت الجسم أيضا. ومن الجهل أن أرفض قبول ما حسبته نعمة وقد كنت أحسبه ~~قبل الآن نقمة. # ذلك لأن الأيام علمتني أن أكون مع الظروف لا ضدها، فلا تغتاظي إذن متى قلت لك بأنني كنت ~~أوهم تلك الفتاة بنظراتي وملاطفاتي أنني أحبها. ولكن لم ألبث أن عرفت كم هي أفكاري ساقطة ~~مقابل شرف نفسها؛ لأن تلك الفتاة اللطيفة لم تكن تفتكر بما افتكرت به، بل كانت تقوم نحوي ~~بواجب لم أعلم سببه. # ولما لحظت هذا سررت لأنها وفرت علي مئونة التعب بما أظنه أنا يسرها، وهو بالحقيقة لا ~~يهمها. ولما عرفت بأن معاملتها «واجب تقضيه» استرحت من إظهار الحب لها مسرورا. # وفي أحد الأيام قبل خروجي من المستشفى بيومين أتت تلك الصديقة، وأخبرتني القصة تماما ~~وقالت لي بأنها رهنت الخاتم تحت مبلغ من النقود، وأنها لم تصرف علي أكثر من ثلاثين ~~ريالا، فمتى وفيتها آخذ الخاتم. وأردفت بقولها: لأنني أعلم كم هو عزيز على قلبك ... # فتأملي كم كان شكري وإعجابي بأمانة هذه الفتاة الشريفة على الواجب الذي فضلته على خاتم ~~يسوي ثلاثمائة ريال. # ولم يمض على خروجي من المستشفى غير أيام حتى دعيت إلى بيت لوسيا بالعجل، ولما وصلت ~~وجدتها تبكي بكاء مرا فوق رأس نسيب الذي كان يسيل دمه، فأخذتني الرعبة من منظره وحزنت ~~لأجله. وبعد الفحص وجدت أن أحد أصدقائه ms189 طعنه في صدره لأسباب كثيرة الحدوث على موائد القمار. ~~ولما فتح عينيه ورآني فوق رأسه صرخ بأعلى صوته: أهذا أنت يا فؤاد؟ آه ... ما أشرفك وما ~~أشرني! ما أسعدك وما أشقاني! ما أودعك وما أغلظني! فأبشر يا ابن خالتي بالسعادة التي ~~تنتظرك لأنك عن قريب تلتقي ببديعة وتقترن بها وتعيشان سعيدين، بينما أنا أكون نلت جزاء ~~خيانتي وذهبت نفسي إلى خالقها؛ لتقف أمامه ذليلة من ذنوبها الماضية التي أعظمها خيانتي لك ~~ولبديعة. # وكنت أنا أسمع كلامه وأظنه يهذي. ولما انتهى ارتبت في أمره واقتربت منه قبل فوات الفرصة. ~~ولما دنوت منه ووضعت يدي على رأسه قال لي: ادن مني لأن عندي أخبارا تهمك، ودع هذه ~~المرأة وهؤلاء الناس يخرجون. فأومأت أنا إلى لوسيا والحاضرين فخرجوا، وأخذ يسرد علي ~~مؤامراته عليك مع والدتي، وتزويره التحارير عن لساني ولسان والدي إليك، ثم عن لسانك إلي. ~~وأخبر بديعة ما بالقصة كما صارت وأخبره عنها نسيب ثم قال فؤاد، وهذا أخبرني به ذلك الخبيث ~~الماكر. # فثبت لبديعة ما كان عندها من قبل ظنا وقالت لفؤاد بحزن: لا تقل عنه هكذا؛ لأنه يجب ~~علينا اعتبار الموتى مهما كانوا أشرارا، وفضلا عن هذا فهو ابن خالتك وقد ربيتما ~~معا، وإنني لمتعجبة كيف قدرت أن تخيب قصته ولم تبك وهو قد مات تائبا. # فابتسم فؤاد وقال: لو كان مات تائبا لكنت حزنت وسررت معا، ولكنه لم يمت بل شفي ورجع ~~إلى مرسح أعماله الأول يمثل عليه أفظع رواياته الشريرة. فهو لم يتب إلا حينما شعر بأن يد ~~الموت الحديدية تقبض على روحه. ولما أحس بأنه أفلت منها أفلت نفسه من عقال توبته ورجع إلى ~~ما كان عليه، ولكن الله رحوم؛ فإن خوفه من الموت خلص قلوبا دامية محبة ... # فقالت بفرح: إذن هو لم يمت؟ ولكن هل قابلت الشر بمثله يا فؤاد أم أنك تبعت وحي نفسك ~~الشريفة الآمرة بالمغفرة؟ # أجاب: فعلت الأمر الأخير لأني استدنت خمسمائة ريال، صرفت أكثرها عليه لأنه فقير، وكل ~~المال الذي تحصله تلك ms190 الفتاة الجاهلة يصرفه على القمار، وقد دفعت مائة ريال إلى تلك الممرضة ~~الصديقة، واسترجعت منها الخاتم بألف جهد؛ لأنها أبت إلا أخذ المبلغ الذي صرفته فقط. # وبقيت معتنيا به إلى حين شفائه، فبحثت عنك فقيل لي بأنك سافرت إلى الوطن، فرجعت إليه ~~مطمئنا مسرورا لأنني لم أشك بالحصول على صفحك، ولكن دوار البحر والحزن من ~~المصائب الماضية والأسف على تركي ذلك الأثر القبيح لنفسي في أمريكا؛ كل هذه أمور ساعدت على ~~انحطاط قواي كما ترين. # ولما وصلت البيت وجدت والدي الحزينين بحالة يرثى لها من التعاسة لفقدي، فلم يطاوعني ~~قلبي على معاتبة والدتي، ولكنها هي أخبرتني بالقصة نادمة، وطلبت صفحي فصفحت عنها بشرط أن ~~تسعى لاجتماعنا كما سعت لافتراقنا. # ونهار البارحة طلبت مني والدتي أن أرافقها لزيارة والدتك، فقبلت مضطرا ولكنني غير نادم ~~الآن كما أظن ... # وإنما يا بديعة! ما هذا الاتفاق الغريب والصدفة السعيدة المدهشة؟! فأخبرته هي عن قصتها ~~تماما، فبات كل منهما متعجبا من تلك الخيانة التي أبعدتهما وجعلت كلا منهما يصدق بخيانة ~~الآخر له. # ولما حكت بديعة لفؤاد عن إخلاص وحب أديب له، وكيف أنه سعى جهده لجمعها به، وعن خدمة ~~واعتناء جميلة بها، وعن فضل الاثنين عليها في مرضها؛ قال فؤاد مبتسما: آه لو كنت أقدر على ~~الوصول إلى ذلك الشاب الشريف لأصافحه وأشكره وأجثو أمام تلك الفتاة الجميلة القلب وأقبل ~~الأرض شكرا لها أيضا! وحقيقة يا بديعة إنني لا أغار من الاثنين على محبتهما لك الآن؛ ~~لأنهما فعلا ما يمحو هذه الغيرة من قلبي. # فضحكت بديعة لكلامه وقالت: إنك تقول هذا ما زلت بعيدا عنهما، ولكن متى قربت تتغير الحالة ~~... # فنظر إليها بنظرة التوسل وقال لبديعة: أنت تعرفين بأن الغيرة الشريفة هي بنت الحب ~~الصادق، فهلا غيرت الأيام من اعتقادك بحبي؟ # أجابت: كلا؛ لأنني كنت أحسب دائما أن في الأمر خيانة، وكنت أعتقد بأنك لا تعاملني هذه ~~المعاملة بدون سبب. # قال: إذن أنا غير أهل لك؛ لأنني حقدت عليك واتهمتك بالخيانة، وكنت أشك ببراءتك لأنني ms191 ~~حسبت لضعف الجنس تأثيرا عليك. # فقالت: والآن؟ # أجاب: الآن. لا أقدر أن أعبر عن أفكاري؛ لأنني ضعيف القلب والجسم. عند ذلك سمعا صوت والدة ~~بديعة تناديها، فقالت بديعة: ماذا تريدين يا أماه؟ قالت الوالدة: أريد معاتبتك؛ لأنك لم ~~تخبريني بأمر حبك لفؤاد. فشكت لها عذرها. # ورأت السيدة جميلة بأن من واجباتها ملاطفة فؤاد، فأتت إليه وقبلته قائلة: ليت الله ~~سمح لي بأن أناديك «ولدي» قبل الآن. # فقال الشاب: وهل أنت تحبينني يا سيدتي؟ أولم تحقدي علي لأنني سببت لبديعة كل هذه ~~العذابات؟! # فقبلته ثانية قائلة: إن عذابات بديعة الماضية وإن تكن مؤلمة، فقد علمتها أمثولة حسنة، وهي ~~أعظم معين لها على سعادتها المقبلة؛ لأن كل شيء يحصل بعد العناء يكون لذيذا ونافعا. ~~وسعادة بديعة الآن لذيذة جدا؛ لأنها دفعت ثمنها باهظا. # وبعد ساعات تبادلت العائلتان القبلات وانصرفوا إلى غرفهم. # | الفصل الرابع والأربعون # بديعة وفؤاد في الحديقة مرة ثانية # مضت تلك السهرة وبديعة وفؤاد يتخاطبان بالنظر أمام الضيوف؛ لأن السيدة مريم رغبت ببقاء ~~الأمر سرا، وهكذا أحبت بديعة إكراما لمن هي عتيدة أن تصير لها والدة ثانية، ولمن هي ~~مضطرة أن تتعود محبتها لتتم سعادتها. # ولم تقدر بديعة على إغماض جفنها طول ذلك الليل لشدة فرحها، بل كانت تمشي في غرفتها مصلية ~~لله وشاكرة له على نعمه التي لا تستحقها. وقبل انبثاق الفجر لبست ثيابها، ونزلت إلى الحديقة ~~قبل أن يفيق أحد، وقصدها أن تشارك الطيور بتغريدها وتسبح الله معها. وفيما هي صاعدة ~~بالفكر إلى ما فوق الأرضيات، وقلبها ثمل من صوت الموسيقى الطبيعية التي كانت مؤلفة من تغريد ~~الطيور وحفيف ورق الأشجار وخرير الماء من أنبوبة كانت أمامها، سمعت وقع أقدام تقترب منها، ~~فخافت لأن الفجر كان لم ينبثق بعد تماما. وبعد ثوان قليلة طردت ذلك الخوف بابتسامة حلوة ~~كشفت عن شيء مضيء كالماس في تلك الظلمة؛ ذلك لأن القادم كان فؤادا، ولما وصل إليها بهتت ثم ~~قالت: كيف أفقت وما أدراك بأنني في هذه الحديقة ولست في غرفتي في ms192 مثل هذا الوقت؟ # فأجابها بفرح: أتظنين أن الله خصك بالسعادة وحدك وأنك قد سهرت تتلذذين بهذا السرور ~~وتشكرين الله على نعمته، بينما أنا غارق في بحر النوم العميق ولي نفس الحق الذي لك بالسهر. ~~كلا إن هذا لم يتم يا سيدتي؛ لأن الشعور كان متبادلا، وكلانا عرف واجبه نحو خالقه ونفسه، ~~فسهر شاكرا ربه وسعيدا بذكرى اجتماعه، كأنه خاف أن ينام فلا تغنيه الأحلام عن اليقظة ~~شيئا «وشتان ما بين الحقيقة والوهم». وأظنك نسيت بأن غرفتي مطلة على الحديقة، وقد رأيتك ~~إذ أتيت إلى هنا، فتبعتك لأنني لا أحب أن تكوني وحدك دقيقة واحدة بعد اليوم، وأنا أخاف ~~عليك من الوحدة ... # فقالت بديعة: قد نسيت بأن غرفتك هذه - وأومأت برأسها إليها - ولا غرو إذا كنت تخاف علي ~~من الوحدة الآن ولم تفعل هذا من قبل؛ لأنني بحالة يخشى فيها علي منها في هذه الحالة، ولم ~~أعد خاملة فقيرة كما كنت من قبل! # فنظر فؤاد إليها نظرة توبيخ وقال: مهما دنت المرأة من الكمال النسائي ومهما تقدمت في ~~العقل والتهذيب، تبقى على بعض أخلاق مختصة بالنساء؛ من مثل حب النكاية وجرح إحساسات الرجل. ~~فإنك يا بديعة الحبيبة تعلمين بأنني لم أتركك إذ ذاك برغبة مني بل إتماما لرغائبك أنت، ولو ~~علمت بأنه سيحدث ما حدث لفضلت أن أخسر علمي - حتى وحياتي - على أن أفقدك سعادة يوم من ~~حياتك. وأرى بأن لتغير الأحوال تأثيرا عليك، وأنك سوف تضعين ذكر «المال» أمامك في كل ~~أحاديثك. فإذا كان الأمر هكذا وكنت لا تنسين كل شيء، ما عدا أنني أنا ذلك الشاب الذي نظرته ~~في مستشفى الفقراء في نيويورك، وأنك تلك الخادمة التي تعرفت عليها في بيروت؛ فاطرديني من ~~أمام وجهك. قال هذا وتظاهر بأنه يروم الابتعاد عنها، فضحكت وقالت: اصبر يا فؤاد، فقد فاتك ~~بأن في النساء عادة هي تفقد حبهن في قلوب الرجال دائما، وطبيعي فيهن استخراج مديح الرجال ~~بذم نفوسهن، فدع الماضي حتى والمستقبل أيضا، ودعنا نتلذذ الآن بجمال هذه الطبيعة ~~المحتفية ms193 بنا. اسمع اسمع! إنا نسر باستماع أصوات الطيور الجميلة. أما يلذ لك ويطربك صوت ~~خرير الماء وحفيف أوراق الشجر. فكل هذه أنغام طبيعية سماوية، أين منها الألحان الاصطناعية ~~وهي تذكرنا الآن بأن حبنا ابتدأ صادقا وطاهرا لا أثر للأثرة فيه، وهكذا يجب أن ينتهي. ~~فاجلس ولا تفتكر بغير الحاضر، وانس الماضي حتى والمستقبل أيضا. # فأطاعها فؤاد وهو يقول: إنني أقدر على تناسي الحاضر، ولكنني شديد الافتكار بالمستقبل ~~لأنني لا أتصور به غير السعادة، أعني أن سعادتي هي باجتماعي بك، وكل مصائب العالم لا ~~تعد شيئا إذا كنت بالقرب مني، كما أن كل سعادة لا تكون شيئا بدونك. والشيء بالشيء ~~يذكر؛ فأي متى تريدين أن يكون وقت اقتراننا يا بديعة؟ # أجابت بديعة: إنك لا تطلب تعجيل هذا الأمر بعد يا فؤاد؛ لأن لوالدتي حقا بي، وأرى من ~~واجباتي أن أخصص لها كل التفاتي وذاتي مدة أعوض عليها بها ما خسرته في الماضي. # وكان إذ ذاك جيش الظلام قد ابتدأ بالانهزام، وانبثق نور الفجر على الزهور الباسمة بقطرات ~~الندى من ثغورها. فقدرت بديعة أن ترى وجه فؤاد المكفهر عند استماع جوابها، فقال: ليس هذا ~~عذرا يا بديعة؛ لأن والدتك ستكون معنا دائما قبل اقتراننا وبعده، وهي لا شك ترضى ~~باقتراننا العاجل. ~~- إنني أترك الأمر لها ولك ولوالديك - قالت بديعة - وكما تحبون أجري. # | الفصل الخامس والأربعون # العرس # وفي اليوم الثاني كانت بديعة مع والدتها تودع فؤادا ووالديه على محطة القطار. وبعد هنيهة ~~جرى ذلك القطار مقلا فؤادا بدون قلب، إلا إذا جاز أن نسمي قلب بديعة قلبه. # وشاع الخبر بمدينة دمشق الشام بقرب موعد اقتران بديعة الفتاة الجميلة الغنية المهذبة ~~بفؤاد الشاب المناسب لها. # وبهذا الاقتران اسودت وجوه وابيضت وجوه، وصرمت حبال آمال كثيرين من الشبان والبنات في ~~المدينتين. # واجتهد والدو العريسين بجعل العرس بهجة ذلك العام. أما العريسان نفساهما فلم يكترثا لهذا ~~الأمر كثيرا، ويستدل على هذا من قول بديعة لفؤاد مرة: لو لم يكن حبنا العظيم يشدد ربط ~~الزواج المقدس، هل ms194 كانت كل هذه الفخفخة تسرنا يا ترى؟ # فقال لها فؤاد: عرس العريسين بقلبيهما وليس ثيابهما. # وبعد مضي شهرين على تلك الاستعدادات كانت بديعة في بيت فؤاد، ولم ترهب دخول بيت غريب عنها ~~لأنها كانت قد استعدت لهذا من قبل؛ إذ كانت قد خالفت بنفسها تلك القاعدة المصطلح عليها عند ~~بني وطننا، من أنه من الحشمة أن لا يقال شيء عن البيت الجديد المزمعة أن تدخله الفتاة. ولما ~~كانت بديعة «خادمة» كانت تعتبر العمل أشرف شيء على الأرض، فلما أصبحت «سيدة» على بيتين ~~عظيمين لم يقلل هذا من حبها للعمل شيئا، وكانت تشتغل بيديها وتعمل كل شيء تقدر عليه، وما ~~لا تقدر على عمله تناظر على الخدم الذين يكونون يعملونه. # ولما ولدت بديعة بنتها البكر لم تحتج إلى من يعلمها الاعتناء بها؛ لأنها كانت قد تعلمت كل ~~هذا وهي عزباء، وكانت تقول للخادمة متى طلبت منها أن تلبس وتغسل لها الصغيرة: إنها لا تشعر ~~باللطف والحنو حين مرور يدك على جسمها اللطيف، كما تشعر بهما من يدي فتطلب من الله مجازاتي ~~على ذنبي العظيم. # ومعلوم أن هذه الوالدة التي قضت كل أيامها الماضية تدرس واجبات المرأة الفاضلة، كانت ~~والدة وسيدة وخادمة وزوجة وملكة بجمالها ووجاهتها وآدابها بوقت واحد، وكانت تقوم بكل هذه ~~الواجبات بأمانة وتسعى نحو الكمال النسائي بقدم ثابتة؛ لأنها عرفت واجباتها نحو نفسها ~~ونحو الغير: نحو نفسها «بأن تثقفها وتهذبها دائما، ونحو غيرها بأن تعمل بذلك الغير كما ~~تريد أن يعمل بها»، وهذه قاعدة كل دين وأدب وفضل. # وبعد ولادة الصغيرة بأيام دخل فؤاد غرفة زوجته فوجدها تلاعبها وتقبلها وهي مسرورة بها، ~~فاقترب منها مظهرا الغيرة وقال: هل أنت سعيدة بها يا بديعة؟ # فنظرت إليه وابتسمت تلك الابتسامة التي كان يحسبها كل سعادة وحلاوة في الحياة، وقالت: إن ~~سؤالك معجب يا حبيبي؛ إذ ما هو يا ترى الشيء الذي يسر قلب الأم كالولد؟ # قال: ولكن الأب يخسر قسما من حب زوجته؛ إذ يعطى للولد فيغار منه. # وكان جواب بديعة ms195 أن ناولته ذلك الملاك وقالت ضاحكة: ذكرني كلامك بما كنت أسمعه في ~~أمريكا من أن بعض الناس يقتلون زوجاتهم وأولادهم أحيانا، أو يهجرونهم من هذه الغيرة ~~الحيوانية. # فقبل فؤاد الطفلة وضحك أيضا. ولما تأمل فيها قال: إنها تشبهك كثيرا يا بديعة، ويؤدي أن ~~أتبع خطة الإفرنج وأدعوها باسمك؛ لأنني أحب هذا الاسم كثيرا وأحب أن أسمي به كل ~~مولودة. # فقالت بديعة ضاحكة: إذن تدعو الهرة والكلبة بديعة كما يفعل الإفرنج؟! لا! فؤاد، أنا أحب ~~كل شيء عربي متى كان جيدا، كما أحب كل شيء إفرنجي متى كان جيدا أيضا، ولذلك أفضل طريقة ~~الأسماء العربية على الإفرنجية، لا سيما وأن في هذه شاعرة حب نحو اللغة والوطن. # قال فؤاد: إذن ماذا نسميها؟ # قالت: أحب أن أدعوها «مريم»؛ لأن هذا أشرف وأطهر وأجمل اسم ما بين الأسماء. وهو اسم ~~والدتك الذي هو عزيز عندنا. # ففرح فؤاد في قلبه من محبة امرأته لأمه وتناسيها الإساءة الماضية، وقال: الأمر لك. # ولما نظرها ترضع الطفلة قال: إن المرضعة تأتي بعد ثلاثة أيام، فلا يجب أن ترضعيها بعد ~~حضورها. # فقالت له بلهفة: ماذا تقول؟ لا يجب أن أرضع مريم! # لماذا يا فؤاد؟ هل أنا مذنبة حتى استحققت هذا القصاص منك، أن أحرم بنتي من قوتها الخاص ~~إلا إذا حال ما يمنعه عنها، وأحرم طفلا آخر من قوته أيضا! وما هي فائدة من هذا العمل غير ~~حرمان الفتاة من حبي وحنيني الذين يجب أن تتغذاهما مع اللبن، وحرماني أنا من حبها الخالص ~~متى شركت في تغذيتها امرأة أخرى، امرأة لا أعرف عن ماضيها وأخلاقها شيئا. وعلى كل حال فهي ~~سوف لا تكون متهذبة التهذيب الذي أريده؛ لأنها ليست من الطبقة الأولى أو الثانية، بل هي ~~الطبقة الثالثة التي دعي عليها بالجهل في بلادنا السورية. إنك لا تجهل هذا كله يا عزيزي، ~~فلا أعرف ما حملك على هذا القول. # فقال زوجها بتفكر: إنني لا أجهل هذا يا عزيزتي، ولكنك مضطرة إلى حضور الحفلات والولائم ~~وإقامة مثلها في هذا ms196 الفصل، وإذا أرضعت ابنتك تقصرين بواجبات أصدقائك وبواجبي أنا أيضا؛ ~~لأنني أريدك معي في كل وقت مفرح، فأجابت تلك الوالدة الفاضلة بحب: إنني من حين أفقت لحالي ~~لا أذكر أني ضحيت واجبا واحدا لأجل مسرة ما، فكيف تطلب مني الآن يا عزيزي أن أضحي ~~أعظم الواجبات لأجل المسرات؛ فإن كان لأصدقائي حق علي يا فؤاد، فذلك من بعد حق أولادي، وأنا ~~لا أقدر على ترك فلذة كبدي في حجر امرأة غريبة كما وصفتها، وأذهب لحضور الحفلات والولائم. ~~إنني أفضل خسارة هذه الأمور لمدة وجيزة من عمري على خسارة أدبية ربما سببتها نقطة حليب ~~واحدة في أخلاق طفلتي. # وكان فؤاد يطيع امرأته بكل ما يكون الحق فيه بجانبها. وكانت بديعة كما قال أحد وجهاء ~~لبنان مرة: «للمطبخ وللصالون.» فكانت تلبس لكل حالة لبوسها وتقوم بواجباتها على الوجاق ~~وبين «الطناجر» والخدم كما تقوم بها في القاعة وعلى البيانو وبين الضيوف. # ولا مشاحة بأنها لم تكن محبوبة من كثيرات من النساء اللواتي كن يحسدنها ويبغضنها ~~بقلوبهن، ولا يظهرن لها ذلك لأنها لم تأت بحيلتها ما يغضب أحدا. وكانت لطيفة وأديبة ~~مع الجميع. ولكن مداخلاتها كانت مع من هم على مبدئها فقط مع النساء والرجال، أما من لا ~~يكونون على مبدئها فإنها كانت تكرمهم ولا تهتم بهم أو تتداخل معهم بشيء. # وأما بغض بعض النساء الشابات لها فكان لثلاثة أمور؛ أولا: لأنها كانت جميلة وغنية وذكية. ~~ثانيا: لأن اعتبار الرجال الأفاضل لها كان عظيما، حتى إنهم كانوا يعنونها إذ يقولون: ~~«المرأة الفاضلة.» وثالثا: لأنها لم تكن تلعب البوكر وأمثاله، ولا تحب اللهو والقصف، وكانت ~~بعيدة عن الكبرياء والخفة. وبهذا لم تكن تجاريهن بأعمالهن؛ لأن عليها واجبات أسمى. وتظهر ~~بفعلها قبح أعمالهن، وقد قيل: «الضد يظهر حسنه الضد.» # وكانت بديعة لا تنكر هذا الميل عليهم، إلا أنها تضحك في سرها من إهمال التثقيف الأول ~~غير مظهرة شيئا. وهذا ما كان يحولها عن مصادقة ومعاشرة أكثر النساء الشابات، ويوجه ~~كل أفكارها إلى معاشرة الكهلات والشيخات من ms197 السيدات بعد أن رأت بأنها تستفيد من نصائحهن ~~واختبارهن ما لا تقدر عليه من معاشرة بعض لداتها، وقد صرفهن حب اللهو والأزياء عن ~~اكتساب كل شيء حسن والالتفات إلى كل واجب شريف. # وكانت قاعدة بديعة الرئيسية في الحياة عمل الخير وحب القريب والغريب؛ لأن هذه المبادئ ~~الشريفة كانت غريزية في قلبها، فكانت تأتيها بكل سهولة وبدون عناء. ولم تنس قط صديقيها ~~المحبوبين أديبا وجميلة؛ لأن ذكر حبهما الماضي لها وسعادتهما الحاضرة كانا يساعدانها على ~~السعادة والسرور، كما أن ذكر لوسيا التعيسة كان يلبد سماء أفكارها بغيوم الهموم؛ لأنها ~~كانت تشفق ولا تحقد. # وكانت رسائلها إلى أديب وجميلة متواصلة، وفي كل كتاب يرد منهما تقرأ هذه الكلمات من جميلة: # إنني مديونة لك بالحياة؛ لأنك خلصتني من الغرق نفسا وجسدا، ومديونة لك بما ~~أعرفه من الواجبات النسائية؛ لأنني لا أرى كمالا وفضلا وسعادة للمرأة بدونها، ~~ومديونة لك بالحياة السعيدة والحب الصحيح؛ لأنك علمتني كيف يجب أن أعيش وكيف أعامل ~~الناس، فاتبعت نصائحك وعرفت أكثر أسرار الحياة، فعشت براحة، وراحتي الآن مزدوجة ~~بوجود والدي معي. # ثم تختم كتابها بهذه الكلمة: # وأظن أديبا الذي هو واقف على يدي وأنا أكتب إليك الآن يشركني بما مر، فكيف ~~تظنين أنت؟ # | الفصل السادس والأربعون # كتاب لوسيا # وعاشت بديعة ثلاث سنوات تحت سماء السعادة الصافية، ولم يكدر صفاء هذه المعيشة شيء إلا ما ~~كانت تراه في كل يوم من تعاسة بعض الناس وفقرهم، ولكنها كانت ترى بهذا سعادة أيضا؛ لأنه ~~كان يذكرها بواجبها نحو أولئك المساكين الذين لهم حق شرعي من الله في مال الأغنياء الذين ~~يكونون مذنبين نحوه تعالى ما لم يشاركوا الفقراء المستحقين ببعضه. فكانت لا تنسى عمل ~~الإحسان اليومي، كما أنها لا تنسى واجبها نحو زوجها وولديها مريم ويوسف، ووالدتها وأصدقائها ~~الكثيرين. # وفي ذات يوم دخل فؤاد غرفتها، فبغت من مشاهدتها تبكي. فاقترب منها ليعلم السبب، فوجد ~~بيدها رسالة قد فرغت من قراءتها وهي تبللها بدموعها، فحزن، وبعد أن مسح تلك الدموع سألها عن ~~سبب ms198 بكائها، فناولته تلك الرسالة التي قرأ بها ما يأتي: # يا صديقة الفضيلة وحبيبة الرحمة # إن اليد التي تسطر هذا الكتاب هي غير يدي المرتجفة، ولكن القلب الذي يملي هو قلبي ~~الذي وإن كان قد مات عن الفضيلة، فهو لم يزل يذكر أصحابها. # أما بعد فأنا هي أيتها السيدة السعيدة، تلك الصديقة التعيسة التي كانت تضحك وهي ~~برفقتك مما حسبته تعاستك وسعادتها. وقد كان أول طريق الهلاك لها. أنا هي لوسيا، تلك ~~الفتاة الناكرة الجميل، الجاحدة الفضل، التي لم تعرف قيمتك، ولم تقبل نصائحك ~~لجهلها، حتى بلتها الأيام بما حذرتها منه. # إنني بأعظم حالات الشقاء الآن يا بديعة؛ لأن مالي وشرفي وصيتي وجمالي وصحتي قد ~~ذهبت فريسة خداع نسيب، وهو بعد أن أغراني على الزواج المدني تركني إذ رأى من هي ~~أفيد له مني، تركني أقاسي آلام المرض والفقر والهم، ولي ولد جميل قد قسم له النحس ~~أن يولد ليشاطر أمه شقاءها وتعاستها ويرثهما بعد موتها. # فالآن يا سيدتي الآن ... ترينني منطرحة على فراش الآلام، وقد بعت كل الأثواب ~~الجميلة والحلي النفيسة التي كنت أحسبها كل مجد العالم، بعتها لأقتات بثمنها ... ~~والآن قد تذكرت نصائحك الثمينة التي احتملها تيار جهلي وغروري، والتي لو قبلتها ~~لكنت بغير حالتي الحاضرة من الشقاء، الآن قد علمتني المصائب بأن طريق الفضيلة وإن ~~تكن ضيقة والداخلون منها قليلين، فهي هي وحدها التي تكفل للمرأة حياة سعيدة دائمة. ~~هي التي تجعل العذابات حلوة؛ إذ لا تكون مسببة من النفس بل من خالقها، وتضاعف عنده ~~السعادة وتدعيها لخلوها من التذكارات المرة ... وبعدل قد خلق الله المصائب على الأرض، ~~التي إن لم تكن إلا لتذكير بعض الفتيات المغرورات مثلي بواجباتهن وردعهن عن ~~الأعمال الباطلة الضارة، فكفى بها نفعا! # فهل تقبلين توسلاتي يا أيتها الجوهرة التي كانت خسارة صداقتها قصاصا مؤلما على ~~عذابي؟! وهل تقبلينني على باب رحمتك وصداقتك ثانية مع ولدي. أم تطردينني عنه لأقاسي ~~برودة وقساوة هذا العالم، كما فعل معي من ضحيت كل شيء في الحياة لأجله! ms199 # إنني متعللة بانعطافك علي، وعلى هذه التعلة وحدها أعيش إلى أن يأتيني ~~جوابك؛ لأن الصفح من شيم النفوس الشريفة، وهذا ما يزيد بقيمته، وهل أشرف من ~~نفسك؟! # فانظري يا أختي بواجبك نحوي الآن؛ لأن التعساء - ولا سيما التعيسات مثلي - هم ~~عيال الله، وضيوف ذوي الفضل متى تابوا واهتدوا. خلصيني، خلصيني من عذاباتي وأرجعيني ~~إلى تخوم ظل صداقتك المنعشة يا بديعة المحبوبة، لأنك تعلمين كل الأمر؛ إذ إن الله ~~لم يهبك فضلك وشرفك لتكوني فيها على بعض بنات جنسك فقط ولا لتكون فائدتهما راجعة ~~إليك وحدك، بل لتساعدي بواسطتهما الفتيات من أخواتك في الجنس وأولهن أنا صديقتك ~~القديمة. وغاية ما أطلبه الآن أن تخلصيني من وهاد الشرور وتسترجعيني إليك لأكون ~~أمينة في خدمتك بعد الآن، وأربي ولدي في حمى أولادك، والله يحفظك مساعدة لمن هي ~~أتعس صديقاتك. # لوسيا # فلما انتهى فؤاد من قراءة هذا الكتاب نظر إلى امرأته وقال: إنني أشكر الله قبل كل شيء؛ ~~لأنه أوجد في عاطفة حب الخير، وبعده لأنه أوجد عندي ما أقدر أن أستعين به على عمل الخير، ~~ثم لأنه جل جلاله بين لنا نور الفضيلة؛ لأن عافية الضلال وخيمة. فماذا يجب أن نفعل الآن ~~يا بديعة؟ # قالت بديعة: يجب أن نري الكتاب لوالدينا كي يساعدونا في الرأي، وأن نكتب لأديب كي يزور ~~لوسيا، فإن وجدها كما كتبت يسفرها إلينا، وإلا لا يكترث بها لأنني أخاف من أن يكون الكتاب ~~من نسيب حيلة لخداعنا. # فقبل فؤاد رأي زوجته وقال: ما هذا إلا لأنني أقدر فضائل زوجتي المحبوبة قدرها. # وبعد شهور وصلت لوسيا إلى بيت بديعة، ومن مجرد نظر هذه إليها عرفت كم قاست المسكينة، ~~وأنها دفعت ثمن تطرفها من دم قلبها وحياتها. # ولم تنظر بديعة إلى شيء في لوسيا ولا عاتبتها بشيء، بل كان كل اهتمامها الاعتناء بها ~~وبولدها المريض حتى شفي الاثنان تماما. # وأفردت بديعة للوسيا غرفة جميلة في الدار لسكناها. ms200