######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0009637 #META# 000.BookURI :: AFTER1900 #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو المعالي محمود شكري بن عبد الله بن محمد بن أبي الثناء الألوسي (المتوفى: 1342هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1342 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: فصل الخطاب في شرح مسائل الجاهلية (مطبوع مع رسالة قطف الثمر لصديق حسن خان) #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: العقيدة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0009637 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-9637 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/9637 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1421هـ #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - المملكة العربية السعودية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | مقدمة محمود شكري الألوسي البغدادي # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي هدانا للدين المبين، وأنار لنا الصراط المستقيم والصلاة ~~والسلام على سيد الأولين والآخرين، وعلى آله وأصحابه الغر الميامين. # أما بعد فيقول العبد المفتقر إلى عفو الله وغفرانه محمود شكري الألوسي ~~البغدادي كان الله تعالى له، وأحسن عمله: إني قد وقفت على رسالة صغيرة ~~الحجم كثيرة الفوائد تشتمل على نحو مائة مسألة من المسائل التي خالف فيها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الجاهلية من الأميين والكتابيين، وهي ~~أمور ابتدعوها ما أنزل الله بها من سلطان ولا أخذت عن نبي من النبيين، ~~ألفها الإمام محيي السنة، ومجدد الشريعة النبوية، أبو عبد الله محمد بن عبد ~~الوهاب النجدي الحنبلي، تغمده الله تعالى برحمته. فرأيتها في غاية الإيجاز، ~~بل كادت تعد من قبيل الألغاز، قد عبر عن كثير منها بعبارة مجملة، وأتى فيها ~~بدلائل ليست بمشروحة ولا مفصلة. حتى إن من ينظرها ليظن أنها فهرس كتاب، قد ~~عدت فيه المسائل من غير فصول ولا أبواب، ولاشتمالها على تلك المسائل المهمة ~~الآخذة بيد المتمسك بها إلى منازل الرحمة، أحببت أن أعلق عليها شرحا يفصل ~~مجملها ويكشف معضلها من غير إيجاز مخل ولا إطناب ممل. # مقتصرا فيه على أوضح الأقوال، ومبينا ما أورده من برهان ودليل، عسى الله ~~أن ينفع بذلك المسلمين، ويهدي به من يشاء من عباده المتقين. فيكون سببا ~~للثواب، والفوز يوم العرض والحساب، والأمن من أليم العذاب، وما توفيقي إلا ~~بالله، عليه توكلت وإليه أنيب. # PageV01P210 # بسم الله الرحمن الرحيم # قال المصنف رحمة الله تعالى عليه: هذه مسائل خالف فيها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ما عليه أهل الجاهلية الكتابيين والأميين، مما لا غنى لمسلم ~~عن معرفتها. فالضد يظهر حسنه الضد وبضدها تتميز الأشياء وأهم ما فيها وأشده ~~خطرا، عدم إيمان القلب بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن انضاف ~~إلى ذلك استحسان دين الجاهلية والإيمان به، تمت الخسارة والعياذ بالله ~~تعالى، كما قال تعالى [العنكبوت: 52] :. . {والذين ms01 آمنوا بالباطل وكفروا ~~بالله أولئك هم الخاسرون} [العنكبوت: 52] ### | دعاء الصالحين # دعاء الصالحين (المسألة الأولى) : أنهم يتعبدون بإشراك الصالحين في دعاء ~~الله تعالى وعبادته، ويرون ذلك من تعظيم الصالحين الذي يحبه الله، ويريدون ~~بذلك شفاعتهم عند الله لظنهم أنهم يحبون ذلك كما قال تعالى في أوائل ~~[الزمر2-3] : {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين - ~~ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا ~~إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون} [الزمر: 2 - 3] ~~وقال تعالى [يونس: 18] : {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ~~ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله} [يونس: 18] وهذه أعظم مسألة خالفهم فيها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى بالإخلاص، وأخبرهم أنه دين الله الذي ~~لا يقبل من أحد سواه وأن من فعل ما يستحسنونه، حرم الله عليه الجنة، ومأواه ~~النار. # وهذه المسألة هي الدين كله، ولأجلها تفرق الناس بين مسلم وكافر، وعندها ~~وقعت العداوة، ولأجلها شرع الجهاد؛ كما قال تعالى في [البقرة: 193] : ~~{وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله} [البقرة: 193] # PageV01P211 ### | التفرق # التفرق (الثانية) : أنهم متفرقون، ويرون السمع والطاعة مهانة ورذالة. ~~فأمرهم الله بالاجتماع، ونهاهم عن التفرقة فقال عز ذكره [آل عمران: 102 ~~-103] {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون - واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ ~~كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من ~~النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون} [آل عمران: 102 ~~- 103] # يقال: أراد سبحانه بما ذكر ما كان بين الأوس والخزرج من الحروب التي ~~تطاولت مائة وعشرين سنة، إلى أن ألف سبحانه بينهم بالإسلام، فزالت الأحقاد، ~~قاله ابن إسحاق، وكان يوم بعاث آخر الحروب التي جرت بينهم، وقد فصل ذلك في ~~"الكامل " ومن الناس من يقول: أراد ما كان بين مشركي العرب من التنازع ~~الطويل والقتال العريض، ومنه حرب البسوس، كما نقل عن ms02 الحسن رضي الله عنه. ~~وقال تعالى [التغابن: 16] : {فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا} ~~[التغابن: 16] إلى غير ذلك من الآيات الناصة على النهي عن الاستبداد ~~والتفرق وعدم الانقياد والطاعة مما كان عليه أهل الجاهلية. ### | مخالفة ولي الأمر # مخالفة ولي الأمر (الثالثة) أن مخالفة ولي الأمر، وعدم الانقياد له عندهم ~~فضيلة، وبعضهم يجعله دينا. فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، ~~وأمرهم بالصبر على جور الولاة والسمع والطاعة والنصيحة لهم، وغلظ في ذلك ~~وأبدى وأعاد. وهذه الثلاث هي التي ورد فيها ما في الصحيح صلى الله عليه ~~وسلم: «يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل ~~الله جميعا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم» . وروى البخاري عن ابن عباس ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كره من أميره شيئا، فليصبر، فإنه من ~~خرج من السلطان شبرا، مات ميتة جاهلية» وروى # PageV01P212 # أيضا عن جنادة بن أبي أمية، قال: دخلنا على عبادة بن الصامت وهو مريض، ~~فقلنا: أصلحك الله، حدث بحديث ينفعك الله به سمعته من النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قال: «دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعنا، فكان فيما أخذ علينا: ~~أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، ~~وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان» ~~. والأحاديث الصحيحة في هذا الباب كثيرة، ولم يقع خلل في دين الناس أو ~~دنياهم إلا من الإخلال بهذه الوصية. ### | التقليد # التقليد (الرابعة) : أن دينهم مبني على أصول أعظمها التقليد، فهو القاعدة ~~الكبرى لجميع الكفار من الأولين والآخرين: كما قال تعالى في [الزخرف: 23- ~~24] : {وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا ~~آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون - قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم ~~عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون} [الزخرف: 23 - 24] فأمرهم ~~الله تعالى بقوله في [الأعراف: 3] : {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا ~~تتبعوا من دونه أولياء قليلا ms03 ما تذكرون} [الأعراف: 3] # وقال تعالى: [البقرة: 170] : {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل ~~نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون} ~~[البقرة: 170] إلى غير ذلك مما يدل على أن أهل الجاهلية كانوا في ربقة ~~التقليد، لا يحكمون لهم رأيا، ولا يشغلون فكرا؛ فلذلك تاهوا في أودية ~~الجهالة. وهكذا كل من سلك مسلكهم في أي عصر كان. ### | الاقتداء بالعالم الفاسق أو العابد الجاهل # الاقتداء بالعالم الفاسق، أو العابد الجاهل. (الخامسة) : الاقتداء بفسقة ~~أهل العلم وجهالهم وعبادهم فحذرهم الله تعالى من ذلك بقوله [التوبة: 34] : ~~{يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس ~~بالباطل ويصدون عن سبيل الله} [التوبة: 34] وقال تعالى [المائدة: 77] : {قل ~~يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من ~~قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل} [المائدة: 77] # PageV01P213 # إلى آيات أخر تنادي ببطلان الاقتداء بالفساق وأهل الضلالة والغي، وذلك من ~~سنن الجاهلية وطرائقهم المعوجة. ### | الاحتجاج بما كان عليه الآباء بلا دليل # الاحتجاج بما كان عليه الآباء بلا دليل (السادسة) : الاحتجاج بما كان ~~عليه أهل القرون السالفة، من غير تحكيم العقل، والأخذ بالدليل الصحيح. وقد ~~أبطل الله تعالى ذلك بقوله في [طه: 49-54] : {قال فمن ربكما يا موسى - قال ~~ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى - قال فما بال القرون الأولى - قال ~~علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى - الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك ~~لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى - كلوا ~~وارعوا أنعامكم} [طه: 49 - 54] إلخ. # وقال تعالى في [القصص: 36-37] : {فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما ~~هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين - وقال موسى ربي أعلم ~~بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون} ~~[القصص: 36 - 37] وقال عز ذكره في سورة [المؤمنون: 23-25] : {ولقد أرسلنا ~~نوحا إلى قومه فقال يا ms04 قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون - ~~فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ~~ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين - إن هو إلا ~~رجل به جنة فتربصوا به حتى حين} [المؤمنون: 23 - 25] # وقال تعالى في [ص: 6-7] : {وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على ~~آلهتكم إن هذا لشيء يراد - ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا ~~اختلاق} [ص: 6 - 7] # فجعلوا مدار احتجاجهم على عدم قبول ما جاءت به الرسل أنه لم يكن عليه ~~أسلافهم، ولا عرفوه منهم، فانظر إلى سوء مداركهم، وجمود قرائحهم، ولو كانت ~~لهم أعين يبصرون بها، وآذان يسمعون بها، لعرفوا الحق بدليله، وانقادوا ~~لليقين من غير تعليله، وهكذا أخلافهم ووراثهم، قد تشابهت قلوبهم. # PageV01P214 ### | الاحتجاج على الحق بقلة أهله # الاحتجاج على الحق بقلة أهله (السابعة) : الاعتماد على الكثرة، والاحتجاج ~~بالسواد الأعظم والاحتجاج على بطلان الشيءبقلة أهله. فأنزل الله تعالى ضد ~~ذلك وما يبطله، فقال في [الأنعام: 116-117] : {وإن تطع أكثر من في الأرض ~~يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون - إن ربك هو أعلم ~~من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} [الأنعام: 116 - 117] # فالكثرة على خلاف الحق لا تستوجب العدول عن اتباعه لمن كان له بصيرة ~~وقلب، فالحق أحق بالاتباع، وإن قل أنصاره؛ كما قال تعالى [ص: 24] : {قال ~~لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض ~~إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم} [ص: 24] فأخبر الله عن أهل ~~الحق أنهم قليلون. غير أن القلة لا تضرهم. # تعيرنا أنا قليل عديدنا ... فقلت لهم إن الكرام قليل (1) # فالمقصود أن من له بصيرة ينظر إلى الدليل، ويأخذ ما يستنتجه البرهان، وإن ~~قل العارفون به، المنقادون له، ومن أخذ ما عليه الأكثر، وما ألفته العامة ~~من غير نظر لدليل فهو مخطئ، سالك سبيل الجاهلية، مقدوح عند أهل البصائر. ### | [الاستدلال على بطلان الشيء ms05 بكونه غريبا] # الاستدلال على بطلان الشيء بكونه غريبا. (الثامنة) الاستدلال على بطلان ~~الشيء بكونه غريبا. فرد الله تعالى ذلك بقوله في [هود: 116] : {فلولا كان ~~من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن ~~أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين} [هود: 116] ~~ومعنى الآية: (فلولا كان) تحضيض فيه معنى التفجع، أي: فهل كان (من القرون) ~~أي الأقوام المقتربة في زمان واحد {من قبلكم أولو بقية} [هود: 116] أي ذوو ~~خصلة باقية من الرأي والعقل، أو ذوو فضل، على أن يكون البقية اسما للفضل، ~~والهاء (2) . PageV01P215 # للنقل، ومن هنا يقال: فلان من بقية القوم، أي: من خيارهم، ومنه قولهم في ~~الزوايا خبايا، وفي الرجال بقايا، {ينهون عن الفساد في الأرض} [هود: 116] ~~الواقع فيما بينهم حسبما ذكر في قصصهم، وفسر الفساد بالكفر وما اقترن به من ~~المعاصي، {إلا قليلا ممن أنجينا منهم} [هود: 116] استثناء منقطع، أي ولكن ~~قليلا منهم أنجينا لكونهم كانوا ينهون. ### | انخداع أهل القوة والحيلة بقوتهم وحيلتهم # انخداع أهل القوة والحيلة بقوتهم وحيلتهم (التاسعة) : الاستدلال على ~~المطلوب، والاحتجاج بقوم أعطوا من القوة في الفهم والإدراك، وفي القدرة ~~والملك؛ ظنا أن ذلك يمنعهم من الضلال. فرد الله تعالى ذلك عليهم بقوله ~~سبحانه في [الأحقاف: 24-26] : {فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا ~~عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم - تدمر كل شيء بأمر ~~ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين - ولقد مكناهم ~~فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ~~ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما ~~كانوا به يستهزئون} [الأحقاف: 24 - 26] ومعنى الآية: {ولقد مكناهم} ~~[الأحقاف: 26] أي: قوينا عادا وأقدرناهم، و "ما" في قوله تعالى: فيما إن ~~مكناكم فيه موصولة أو موصوفة و "إن" نافية، أي: في الذي، أو في شيء ما ~~مكناكم فيه من السعة والبسطة وطول الأعمار وسائر مبادئ التصرفات، كما في ~~قوله تعالى ms06 [الأنعام: 6] : {ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في ~~الأرض ما لم نمكن لكم} [الأنعام: 6] ولم يكن النفي بلفظ "ما" كراهة لتكرير ~~اللفظ، وإن اختلف المعنى، {وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة} [الأحقاف: 26] ~~ليستعملوها فيما خلقت له، ويعرفوا لكل منها ما نيطت به معرفته من فنون ~~النعم، ويستدل بها على شؤون منعمها عز وجل، ويداوموا على شكره جل ثناؤه ~~{فما أغنى عنهم سمعهم} [الأحقاف: 26] حيث لم يستعملوه في استماع الوحي ~~ومواعظ الرسل، {ولا أبصارهم} [الأحقاف: 26] حيث لم يجتلوا بها الآيات ~~التكونية المرسومة في صحائف العالم، {ولا أفئدتهم} [الأحقاف: 26] # PageV01P216 # حيث لم يستعملوها في معرفة الله تعالى {من شيء} [الأحقاف: 26] أي: شيئا ~~من الأشياء، و"من" مزيدة للتوكيد. وقوله: {إذ كانوا يجحدون بآيات الله} ~~[الأحقاف: 26] تعليل للنفي، {وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} [الأحقاف: 26] ~~من العذاب الذي كانوا يستعجلونه بطريق الاستهزاء، ويقولون: {فأتنا بما ~~تعدنا إن كنت من الصادقين} [الأحقاف: 22] فهذه الآية تبطل الاحتجاج بقوم ~~أعطوا من القوة في الفهم والإدراك وفي القدرة والملك؛ ظنا أن ذلك يمنعهم من ~~الضلال. # ألا ترى أن قوم عاد كما أخبر عنهم التنزيل كانوا من القوة والبسطة في ~~الأموال والأبدان والإدراك وسعة الأذهان وغير ذلك مما لم يكن مثله للعرب ~~الذين أدركوا الإسلام، ومع ذلك ضلوا عن سواء السبيل، وكذبوا الرسل ~~بالأباطيل، فالتوفيق للإيمان بالله ورسله، والإذعان للحق، وسلوك سبيله إنما ~~هو فضل من الله تعالى لا لكثرة مال ولا لحسن حال. # ومن يرد الحق ويستدل بكون من هو أحسن حالا منه لم يقبله، ولم يحكم عقله، ~~ويتبع ما يوصله إليه الدليل، فقد سلك سبيل الجاهلية، وحاد عن المحجة ~~المرضية. ومثل هذه الآية قوله تعالى [البقرة: 89] : {وكانوا من قبل ~~يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على ~~الكافرين} [البقرة: 89] كان اليهود يعلمون من كتبهم رسالة محمد صلى الله ~~عليه وسلم، وأن الله سيرسل نبيا كريما من العرب، وكانوا من قبل يستفتحون ~~على المشركين ببعثته، ويقولون. يا ربنا أرسل النبي الموعود إرساله؛ ms07 حتى ~~ننتصر على الأعداء، فلما جاءهم ما عرفوا، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، ~~كفروا به؛ حسدا منهم أن تكون النبوة في العرب، وهم بزعمهم أحسن أثاثا ~~ورئيا، ولم يعلموا أن النبوة والإيمان بها فضل من الله يؤتيه من يشاء. ~~ومثلها أيضا قوله تعالى [البقرة: 146-147] : {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه ~~كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون - الحق من ربك ~~فلا تكونن من الممترين} [البقرة: 146 - 147] الضمير في قوله: (يعرفونه) ~~عائد على العلم في قوله [145] : {ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من ~~العلم إنك إذا لمن الظالمين} [البقرة: 145] فكتمانهم الحق، وعدم جريهم على ~~مقتضى # PageV01P217 # علمهم لما فيهم من الجاهلية، والاعتقاد أن فضل الله مقصور عليهم، لا ~~يتعداهم إلى غيرهم وآية [الأنعام: 19- 20] موافقة لهذه الآية لفظا ومعنى، ~~وهي قوله تعالى: {قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي ~~هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا ~~أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون - الذين آتيناهم الكتاب ~~يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون} [الأنعام: ~~19 - 20] ### | انخداع أهل الثروة بثروتهم # انخداع أهل الثروة بثروتهم (العاشرة) : الاستدلال بعطاء الدنيا على محبة ~~الله تعالى قال سبحانه [سبأ: 34-39] : {وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال ~~مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون - وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما ~~نحن بمعذبين - قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون - وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل ~~صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون - والذين ~~يسعون في آياتنا معاجزين أولئك في العذاب محضرون - قل إن ربي يبسط الرزق ~~لمن يشاء من عباده ويقدر له وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين} ~~[سبأ: 34 - 39] وقال في سورة "القصص" [46-50] : {وما كنت بجانب الطور إذ ~~نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر ms08 قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم ~~يتذكرون - ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت ~~إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين - فلما جاءهم الحق من عندنا ~~قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا ~~سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون - قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى ~~منهما أتبعه إن كنتم صادقين - فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون ~~أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم ~~الظالمين} [القصص: 46 - 50] وفي آيات أخرى في سورة [القصص 76 - # PageV01P218 ### | 78 - # ] يقول الله سبحانه {إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من ~~الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن ~~الله لا يحب الفرحين - وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من ~~الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب ~~المفسدين - قال إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من ~~قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون} ~~[القصص: 76 - 78] # فقد كفانا الله تعالى إبطال هذه الخصلة الجاهلية بقوله في الآية الأولى ~~[سبأ: 36] : {قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء} [سبأ: 36] وفي الآية الأخرى ~~بقوله [القصص: 78] : {أولم يعلم أن الله} [القصص: 78] إلخ، فعلمنا من ذلك ~~أن محبة الله ورضاء الله إنما يكون بطاعته والانقياد لرسله، والإذعان للحق ~~باتباع البرهان. # وأما كثرة المال، وسعة الرزق، وعيش الرخاء، فلا دليل فيه على نجاة المنعم ~~عليه بمثل ذلك، ولو كانت الدنيا وما فيها تعادل عند الله جناح بعوضة ما سقى ~~من عصاه شربة ماء. قال سبحانه [الزخرف: 33] : {ولولا أن يكون الناس أمة ~~واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون} ~~[الزخرف: 33] وعلى ذلك قول القائل: (1) . # كم عالم عالم أعيت مذاهبه ... وجاهل جاهل ms09 تلقاه مرزوقا (2) # ومما ينسب لبعض الأكابر: # رضينا قسمة الجبار فينا ... لنا علم وللأعداء مال # فإن المال يفنى عن قريب ... وإن العلم باق لا يزال # والشواهد كثيرة. والمقصود أن ما كان عليه أهل الجاهلية من كون زخارف ~~الدنيا من الأدلة على قرب من حازها من الله وقبوله عنده فقول بعيد عن الحق، ~~ومذهب باطل لا ينبغي لمن له بصيرة أن يعول عليه. PageV01P219 ### | الاستخفاف بالحق لضعف أهله # الاستخفاف بالحق لضعف أهله (الحادية عشرة) : الاستدلال على بطلان الشيء ~~بأخذ الضعفاء به، وضعف فهم من أخذ به، على ما يدل عليه قول قوم نوح له كما ~~حكاه عنهم الكتاب الكريم. قال تعالى في سورة [الشعراء: 105- 115] : {كذبت ~~قوم نوح المرسلين - إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون - إني لكم رسول أمين - ~~فاتقوا الله وأطيعون - وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ~~- فاتقوا الله وأطيعون - قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون - قال وما علمي ~~بما كانوا يعملون - إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون - وما أنا بطارد ~~المؤمنين - إن أنا إلا نذير مبين} [الشعراء: 105 - 115] # فانظر إلى قوم نوح كيف استنكفوا من اتباع نبيهم لسبب اتباع الضعفاء له، ~~وذلك لكون مطمح أنظارهم الدنيا، وإلا لو كانت الآخرة همهم، لاتبعوا الحق ~~أينما وجدوه، ولكن لجاهليتهم أعرضوا عن الحق لاتباع شهواتهم، وانظر إلى ~~هرقل لما كان من العقل والبصيرة على جانب عظيم، اعتقد اتباع الضعفاء دليلا ~~على الحق. فقال في جملة ما سأل أبا سفيان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~"وسألتك عن أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم ~~أتباع الرسل". # ومثل ذلك قوله تعالى في سورة [هود: 25-27] : {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه ~~إني لكم نذير مبين - أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم - ~~فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا ~~الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين} ~~[هود: 25 ms10 - 27] ### | وصم أنصار الحق بما ليس فيهم # وصم أنصار الحق بما ليس فيهم (الثانية عشرة) من خصال أهل الجاهلية: رمي ~~من اتبع الحق بعدم الإخلاص، وطلب الدنيا. فرد الله عليهم بقول نبيهم الذي ~~حكاه الله عن نوح في الآيات المذكورة في المسألة الحادية عشرة، بقوله ~~[الشعراء: 111- 115] # PageV01P220 # {قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون - قال وما علمي بما كانوا يعملون - إن ~~حسابهم إلا على ربي لو تشعرون - وما أنا بطارد المؤمنين - إن أنا إلا نذير ~~مبين} [الشعراء: 111 - 115] ومقصودهم أن أتباعك فقراء، آمنوا بك؛ لينالوا ~~مقصدهم من العيش، لا أن إيمانهم كان لدليل يقتضي صحة ما جئت به؛ فلهذا رد ~~عليهم بما رد. ### | التكبر عن نصرة الحق لأن أنصاره ضعفاء # التكبر عن نصرة الحق لأن أنصاره ضعفاء (الثالثة عشرة) من خصال الجاهلية ~~الإعراض عن الدخول في الحق الذي دخل فيه الضعفاء؛ تكبرا وأنفة. فرد الله ~~تعالى عليهم ذلك بقوله في سورة [الأنعام 52-53] : {ولا تطرد الذين يدعون ~~ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك ~~عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين - وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا ~~أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين} [الأنعام: 52 - ~~53] ومثل ذلك قوله تعالى: {عبس وتولى - أن جاءه الأعمى} [عبس: 1 - 2] وغير ~~ذلك. # وحاصل الرد أن من آمن من هؤلاء الضعفاء، إنما كان إيمانه عن برهان، لا ~~كما زعم خصومهم، ولست أنت بمسئول عنهم، ولا هم بمسئولين عن حسابك، فطردهم ~~عن باب الإيمان من الظلم بمكان. ### | استدلالهم على بطلان الشيء بكونهم أولى به لو كان حقا # استدلالهم على بطلان الشيء بكونهم أولى به لو كان حقا (الرابعة عشرة) : ~~الاستدلال على بطلان الشيء بكونهم أولى به لو كان حقا. قال تعالى في سورة ~~[الأحقاف11] {وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذ ~~لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم} [الأحقاف: 11] بعد قوله [10] {قل ~~أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل ms11 على مثله ~~فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} [الأحقاف: 10] # PageV01P221 ### | جهلهم بالجامع والفارق # جهلهم بالجامع والفارق (الخامسة عشرة) : الاستدلال بالقياس الفاسد، ~~وإنكار القياس الصحيح، وجهلهم بالجامع والفارق. قال تعالى في سورة ~~[المؤمنين 24-25] {فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم ~~يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا ~~الأولين - إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين} [المؤمنون: 24 - 25] ~~وقبل الآية [23] : {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه} [المؤمنون: 23] شروع في ~~بيان إهمال الناس، وتركهم النظر والاعتبار فيما عدد سبحانه من النعم قبل ~~هذه الآية، ومن خلفهم من زوالها، وفي ذلك تخويف لقريش، وتقديم قصة نوح عليه ~~السلام على سائر القصص مما لا يخفى وجهه، فقال متعطفا عليهم، ومستميلا لهم ~~إلى الحق {يا قوم اعبدوا الله} [الأعراف: 65] أي: اعبدوه وحده، {ما لكم من ~~إله غيره} [الأعراف: 65] استئناف مسوق لتعليل العبادة المأمور بها، {أفلا ~~تتقون} [الأعراف: 65] الهمزة لإنكار الواقع واستقباحه، والفاء للعطف على ~~مقدر يقتضيه المقام، أي: أتعرفون ذلك، أي مضمون قوله تعالى: {ما لكم من إله ~~غيره أفلا تتقون} [الأعراف: 65] عذابه تعالى الذي يستوجبه ما أنتم عليه من ~~ترك عبادته سبحانه وحده، وإشراككم به عز وجل في العبادة ما لا يستحق الوجود ~~- لولا إيجاد الله إياه- فضلا عن استحقاق العبادة، فالمنكر عدم الاتقاء، مع ~~تحقق ما يوجبه، {فقال الملأ} [المؤمنون: 24] أي الأشراف {الذين كفروا من ~~قومه} [المؤمنون: 24] وصف الملأ بالكفر مع إشراك الكل فيه للإيذان بكمال ~~عراقتهم وشدة شكيمتهم فيه، وليس المراد من ذلك إلا ذمهم، دون التميز عن ~~أشراف آخرين آمنوا به عليه السلام أو لم يؤمن به أحد من أشرافهم، كما يفصح ~~عنه قوله: {وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا} [هود: 27] وهذا القول صدر ~~منهم لعوامهم، {ما هذا إلا بشر مثلكم} [المؤمنون: 24] أي: في الجنس والوصف، ~~من غير فرق بينكم وبينه، وصفوه عليه السلام بذلك مبالغة في وضع رتبته ~~العالية، وحطها عن مخصب النبوة، ووصفوه بقوله سبحانه ms12 وتعالى: {يريد أن ~~يتفضل عليكم} [المؤمنون: 24] إغضابا # PageV01P222 # للمخاطبين عليه عليه السلام وإغراء لهم على معاداته، والتفضل: طلب الفضل، ~~وهو كناية عن السيادة، كأنه قيل يريد أن يسودكم ويتقدمكم بادعاء الرسالة، ~~مع كونه مثلكم، {ولو شاء الله لأنزل ملائكة} [المؤمنون: 24] بيان لعدم ~~رسالة البشر على الإطلاق على زعمهم الفاسد، بعد تحقيق بشريته عليه السلام. ~~أي ولو شاء الله تعالى إرسال الرسل، لأرسل رسلا من الملائكة، وإنما قيل ~~"لأنزل" لأن إرسال الملائكة لا يكون إلا بطريق الإنزال، {ما سمعنا بهذا في ~~آبائنا الأولين} [المؤمنون: 24] هذا إشارة إلى الكلام المتضمن الأمر بعبادة ~~الله عز وجل، خاصة والكلام على تقدير مضاف أي ما سمعنا بمثل هذا الكلام في ~~آبائنا الماضين قبل بعثته عليه السلام. وقدر المضاف لأن عدم السماع لكلام ~~نوح المذكور لا يصلح للرد فإن السماع بمثله كان في القبول {إن هو إلا رجل ~~به جنة} [المؤمنون: 25] أي ما هو إلا رجل به جنون أو جن يخبلونه ولذلك يقول ~~ما يقول، {فتربصوا به حتى حين} [المؤمنون: 25] فاحتملوه واصبروا عليه ~~وانتظروا لعله يفيق مما هو فيه محمول على مرامي أحوالهم في المكابرة ~~والعناد، وإضرابهم عما وصفوه عليه السلام به من البشرية، وإرادة التفضل، ~~إلى وصفه بما ترى، وهم يعرفون أنه عليه السلام أرجح الناس عقلا، وأرزنهم ~~قولا، وهو محمول على تناقض مقالاتهم الفاسدة، قاتلهم الله تعالى أنى يؤفكون ~~والقياس الفاسد والصحيح، والجامع والفارق، مفصلا في كتب الأصول (1) فبين ~~الرسل عليهم السلام وسائر الناس مشابهة من جهة البشرية ولوازمها الضرورية، ~~فيصح حينئذ قياس الرسل على غيرهم فيها، وعليه قوله تعالى [الكهف: 110، ~~فصلت: 6] : {قل إنما أنا بشر مثلكم} [فصلت: 6] وبين الرسل والأنبياء عليهم ~~السلام وغيرهم من البشر فروق كثيرة منها أن الله تعالى اصطفاهم على الناس ~~برسالاته وبكلامه ووحيه وخصهم بذلك، فلا يقاس أحد من الناس بهم حينئذ من ~~هذه الجهة، كما لا يصح قياس غيرهم بهم في سائر PageV01P223 # خصائصهم التي فصلت في غير هذا الموضع، فالجاهلية لم يميزوا بين القياس ~~الصحيح والفاسد، ولا عرفوا الجامع ms13 ولا الفارق، كما سمعت من قياسهم الرسل ~~على غيرهم، وهكذا أتباعهم اليوم ومن هو على شاكلتهم. ### | الغلو في الصالحين # الغلو في الصالحين (السادسة عشرة) : الغلو في الصالحين من العلماء ~~والأولياء، كقوله تعالى في سورة [التوبة 30- 32] : {وقالت اليهود عزير ابن ~~الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين ~~كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون - اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من ~~دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو ~~سبحانه عما يشركون - يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن ~~يتم نوره ولو كره الكافرون} [التوبة: 30 - 32] فاتخاذ أحبار الناس أربابا ~~يحللون ويحرمون، ويتصرفون في الكون وينادون في دفع ضر أو جلب نفع من جاهلية ~~أهل الكتابيين، ثم سرى إلى غيرهم من جاهلية العرب، ولهم اليوم بقايا في ~~مشارق الأرض ومغاربها، تصديقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لتتبعن سنن ~~من كان قبلكم» الحديث، حتى نرى غالب الناس اليوم معرضين عن الله، وعن دينه ~~الذي ارتضاه، متوغلين في البدع، تائهين في أودية الضلال، معادين للكتاب ~~والسنة ومن قام بهما، فأصبح الدين منهم في أنين، والإسلام في بلاء مبين. ~~وحسبنا الله، ونعم الوكيل. ### | الاعتذار بعدم الفهم # الاعتذار بعدم الفهم (السابعة عشرة) : اعتذارهم عن اتباع الوحي بعدم ~~الفهم، قال تعالى في # PageV01P224 # سورة: [البقرة: 87-88] : {ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل ~~وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا ~~تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون - وقالوا قلوبنا غلف بل ~~لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون} [البقرة: 87 - 88] وفي سورة ~~[النساء155] ، {فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير ~~حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا} ~~[النساء: 155] الغلف: جمع أغلف، كأحمر وحمر، وهو الذي لا يفقه. وأصله ذو ~~القلفة: الذي لم يختن، أو جمع غلاف، ويجمع على غلف بضمتين أيضا. وأرادوا ~~على الأول: قلوبنا مغشاة بأغشية خلقية مانعة ms14 عن نفوذ ما جئت به فيها. وهذا ~~كقولهم [فصلت: 5] : {قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه} [فصلت: 5] قصدوا به ~~إقناط النبي صلى الله عليه وسلم عن الإجابة، وقطع طمعه عنهم بالكلية. # ومنهم من قال معنى غلف: مغشاة معلوم من التوراة تحفظها أن يصل إليها ما ~~تأتي به، أو بسلامة من الفطرة كذلك. وعلى الثاني أنها أوعية العلم، فلو كان ~~ما تقوله حالا وصدقا لوعته. # قال ابن عباس وقتادة والسدي: أو مملوءة علما، فلا تسع بعد شيئا، فنحن ~~مستغنون بما عندنا عن غيره. ومنهم من قال: أرادوا أنها أوعية العلم؛ فكيف ~~يحل لنا اتباع الأمي، ولا يخفى بعده. وقال تعالى في سورة [هود: 89- 91] : ~~{ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو ~~قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد - واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي ~~رحيم ودود - قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ~~ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز} [هود: 89 - 91] وهذه الآية بمعنى ~~الآية الأولى، وقد كذبهم الله تعالى في دعواهم هذه في الناس كثيرة، وذكر أن ~~السبب في عدم الفهم إنما هو الطبع على القلوب بكفرهم، لا القصور في البيان ~~والتفهيم. وما أحسن قول القائل (1) : # والنجم تستصغر الأبصار صورته ... والذنب للطرف لا للنجم في الصغر ~~PageV01P225 ### | إنكارهم الحق الذي لا تقول به طائفتهم # إنكارهم الحق الذي لا تقول به طائفتهم (الثامنة عشرة) : من خصال ~~الجاهلية: أنهم لا يقبلون من الحق إلا ما تقول به طائفتهم. قال تعالى ~~[البقرة: 91] ، {وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل ~~علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء ~~الله من قبل إن كنتم مؤمنين} [البقرة: 91] # ومعنى {نؤمن بما أنزل علينا} [البقرة: 91] أي: نستمر على الإيمان ~~بالتوراة ومما في حكمها، ومرادهم مما أنزل في تقرير حكمها، ومرادهم بضمير ~~المتكلم إما أنبياء بني إسرائيل- وهو الظاهر، وفيه إيماء إلى أن عدم ~~إيمانهم بالقرآن كان بغيا ms15 وحسدا على نزوله على من ليس منهم، وإما أنفسهم، ~~ومعنى الإنزال عليهم: تكليفهم بما في المنزل من الأحكام. # وذموا على هذه المقالة لما فيها من التعريض بشأن القرآن، ودسائس اليهود ~~مشهورة، أو لأنهم تأولوا الأمر المطلق العام، ونزلوه على خاص هو الإيمان ~~بما أنزل عليهم، كما هو ديدنهم في تأويل الكتاب بغير المراد منه. {ويكفرون ~~بما وراءه وهو الحق} [البقرة: 91] أي: هم مقارنون لحقيقته، أي: عالمون بها ~~{مصدقا لما معهم} [البقرة: 91] لأن كتب الله يصدق بعضها بعضا، فالتصديق ~~لازم لا ينتقل، وقد قررت مضمون الخبر، لأنها كالاستدلال عليه، ولهذا تضمنت ~~رد قولهم: {نؤمن بما أنزل علينا} [البقرة: 91] حيث أن من لم يصدق بها بما ~~وافق التوراة، لم يصدق بها. # {قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين} [البقرة: 91] أمر ~~للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقول ذلك تبكيتا لهم، حيث قتلوا الأنبياء مع ~~ادعاء الإيمان بالتوراة، وهي لا تسوغه. ### | التمسك بخرافات السحر # التمسك بخرافات السحر (التاسعة عشرة) من خصالهم: الاعتياض عن كتاب الله ~~تعالى بكتب السحر، كما قال تعالى في سورة "البقرة" [101 - 102] : {ولما ~~جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب ~~الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون - واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك ~~سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل ~~على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة ~~فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من ~~أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما ~~له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون} [البقرة: ~~101 - 102] # PageV01P226 # والكلام على هذه الآية في التفاسير مشهور، وهذه الخصلة الجاهلية موجودة ~~اليوم في كثير من الناس، لا سيما من انتسب إلى الصالحين وهو عنهم بمراحل، ~~فيتعاطى الأعمال السحرية من إمساك الحيات، وضرب السلاح، والدخول في ~~النيران، وغير ms16 ذلك مما وردت الشريعة بإبطاله، فأعرضوا، ونبذوا كتاب الله ~~وراء ظهورهم، واتبعوا ما ألقاه إليهم شياطينهم، وادعوا أن ذلك من الكرامات، ~~مع أن الكرامة لا تصدر عن فاسق، ومن يتعاطى تلك الأعمال فسقهم ظاهر للعيان، ~~ولذا اتخذوا دينهم لعبا ولهوا، وفي مثلهم قال تعالى [الكهف: 104] : {الذين ~~ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} [الكهف: 104] ### | التناقض في الانتساب # التناقض في الانتساب (العشرون) : تناقضهم في الانتساب. فينتسبون إلى ~~إبراهيم عليه السلام وإلى الإسلام، مع إظهارهم ترك ذلك، والانتساب إلى ~~غيره. ### | صرف النصوص عن مدلولاتها # صرف النصوص عن مدلولاتها (الحادية والعشرون) : تحريف كلام الله من بعد ما ~~عقلوه وهم يعلمون. ولكم في هذا العصر من هو على شاكلتهم، تراه يصرف النصوص، ~~ويؤولها إلى ما يشتهيه من الأهواء. # PageV01P227 ### | تحريف كتب الدين # تحريف كتب الدين (الثانية والعشرون) : تحريف العلماء لكتب الدين. قال ~~الله تعالى [البقرة: 78-79] : {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن ~~هم إلا يظنون - فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند ~~الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون} ~~[البقرة: 78 - 79] ومن نظر إلى قضاة هذا الزمان (1) وما تلاعبوا به من ~~الأحكام، وصرف التصرف إلى ما تهواه أنفسهم، وتبديل الحق وإبطاله، بما ~~ينالونه من الرشى وغير ذلك مما هم عليه اليوم، تبين له من ذلك بحر لا ساحل ~~له وهكذا بعض المبتدعة وغلاة القبور، وقد بين حالهم في غير هذا الموضع. ### | الانصراف عن هداية الدين إلى ما يخالفها # الانصراف عن هداية الدين إلى ما يخالفها (الثالثة والعشرون) : وهي من ~~أعجب المسائل والخصال معاداة الدين الذي انتسبوا إليه أشد العداوة، ~~وموالاتهم لمذهب الكفار الذين فارقوهم أكمل الموالاة، كما فعلوا مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما أتاهم بدين موسى، واتبعوا كتب السحر، وهو من دين آل ~~فرعون ومثل هؤلاء في الأمة الإسلامية كثير، هجروا السنة، وعادوها، ونصروا ~~أقوال الفلاسفة وأحكامهم. ### | كفرهم بما مع غيرهم من الحق # كفرهم بما مع غيرهم من ms17 الحق (الرابعة والعشرون) : أنهم لما افترقوا، وكل ~~طائفة لا تقبل من الحق إلا ما قالته طائفتهم، وكفروا بما مع غيرهم من الحق، ~~قال تعالى في [سورة البقرة: 113] : {وقالت اليهود ليست النصارى على شيء ~~وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا ~~يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} ~~[البقرة: 113] ولا شك أن هذه من خصال PageV01P228 # الجاهلية، وعلية القوم وكثير من الناس، لا يعتقد الحق إلا معه، لا سيما ~~أرباب المذاهب، يرى كل أهل مذهب أن الدين معه لا يعدوه إلى غيره، وكل حزب ~~بما لديهم فرحون. # وكل يدعي وصلا بليلى ... وليلى لا تقر لهم بذاكا # والحزم أن ينظر إلى الدليل، فما قام عليه الدليل، فهو الحق الحري أن ~~يتلقى بالقبول، وما ليس عليه برهان ولا حجة ينبذ وراء الظهور، وكل أحد يؤخذ ~~من قوله ويرد إلا من اصطفاه الله لرسالته. ### | ادعاء كل طائفة حصر الحق فيها # ادعاء كل طائفة حصر الحق فيها (الخامسة والعشرون) : أنهم لما سمعوا قوله ~~صلى الله عليه وسلم في حديث الافتراق: «وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة، ~~كلها في النار إلا واحدة» ادعى كل فرقة أنها هي الناجية كما حكى الله عن ~~اليهود والنصارى في قوله تعالى [البقرة: 113] : {وقالت اليهود ليست النصارى ~~على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء} [البقرة: 113] مع أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم بين في آخر الحديث المراد من الفرقة الناجية، فقال: «وهم ما ~~كنت أنا عليه وأصحابي» أو كما قال. ورد الله تعالى عليهم بقوله [البقرة: ~~111-112] : {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل ~~هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين - بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره ~~عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [البقرة: 111 - 112] والمقصود أنهم ~~ليس لهم برهان على هذه الدعوى، بل الدليل على خلاف ذلك. وأبو العباس تقي ~~الدين تكلم على حديث الفرق في كتابه (منهاج السنة) بما ms18 لا مزيد عليه، حيث ~~استدل به الرافضي على حقية مذهبه وبطلان مذهب أهل السنة، فراجعه إن أردته ~~(1) . PageV01P229 ### | إنكار ما أقروا أنه من دينهم # إنكار ما أقروا أنه من دينهم (السادسة والعشرون) : أنهم أنكروا ما أقروا ~~أنه من دينهم، كما فعلوا في حج البيت، فتعبدوا بإنكاره والبراءة منه مع ذلك ~~الإقرار كما قال تعالى في سورة [البقرة: 125] {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس ~~وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} [البقرة: 125] إلى أن قال [130- 132] ~~: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه ~~في الآخرة لمن الصالحين - إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين - ~~ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن ~~إلا وأنتم مسلمون} [البقرة: 130 - 132] # يقال: إن سبب نزول قوله: {ومن يرغب} [البقرة: 130] إلخ ما روي أن عبد ~~الله بن سلام دعا ابني أخيه: سلمة ومهاجرا إلى الإسلام، فقال: قد علمتما أن ~~الله تعالى قال في التوراة: إني باعث من ولد إسماعيل نبيا اسمه أحمد، فمن ~~آمن به، فقد اهتدى ورشد، ومن لم يؤمن به، فهو ملعون. فأسلم سلمة، وأبى ~~مهاجر، فنزلت. انتهى. ### | المجاهرة بكشف العورات # المجاهرة بكشف العورات (السابعة والعشرون) : المجاهرة بكشف العورات، قال ~~تعالى في سورة [الأعراف: 28-29] {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها ~~آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما ~~لا تعلمون - قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين ~~له الدين كما بدأكم تعودون} [الأعراف: 28 - 29] قال بعض المفسرين: الفاحشة ~~هنا: الفعلة القبيحة المتناهية في القبح، والتاء إما لأنها مجراة على ~~الموصوف المؤنث، أي: فعلة فاحشة. وإما للنقل من الوصفية إلى الاسمية، ~~والمراد بها هنا: عبادة الأصنام وكشف العورة في الطواف، ونحو ذلك. وعن ~~الفراء تخصيصها بكشف العورة. وفي الآية حذف، أي: وإذا فعلوا فاحشة فنهوا ~~عنها قالوا: وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها، محتجين بأمرين: بتقليد ~~الآباء، والافتراء على الله. وكان من سنة ms19 الحمس أنهم لا يخرجون أيام الموسم ~~إلى عرفات. إنما يقفون بالمزدلفة، # PageV01P230 # وكانوا لا يسلأون، ولا يأقطون، ولا يرتبطون عنزا ولا بقرة، ولا يغزلون ~~صوفا ولا وبرا، ولا يدخلون بيتا من الشعر والمدر، وإنما يكتنون بالقباب ~~الحمر في الأشهر الحرم، ثم فرضوا على العرب قاطبة أن يطرحوا أزواد الحل إذا ~~دخلوا الحرم، وأن يتركوا ثياب الحل، ويستبدلوها بثياب الحرم، إما شراء وإما ~~عارية وإما هبة، فإن وجدوا ذلك فيها، وإلا طافوا بالبيت عرايا. وفرضوا على ~~نساء العرب مثل ذلك. غير أن المرأة كانت تطوف في درج مفرج القوادم ~~والمآخير. قالت امرأة (1) وهي تطوف بالبيت: # اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله # أختم مثل القعب باد ظله ... كأن حمى خيبر تمله # وكلفوا العرب أن يفيضوا من مزدلفة، وقد كانوا يفيضون من عرفة، إلى غير ~~ذلك من الأمور التي ابتدعوها وتشرعوها، مما لم يأذن به الله. ومع ذلك كانوا ~~يدعون أنهم على شريعة أبيهم إبراهيم عليه السلام وما ذلك إلا لجاهليتهم. # وغالب من ينتمي إلى الإسلام اليوم ابتدعوا في الدين ما لم يأذن به الله: ~~فمنهم من اتخذ ضرب المعازف وآلات اللهو عبادة يتعبدون بها في بيوت الله ~~ومساجده، ومنهم من اتخذ الطواف على القبور والقصد إليها والنذور أخلص ~~عبادته وأفضل قرباته، ومنهم من ابتدع الرهبانية والحيل الشيطانية، وزعم أنه ~~سلك سبيل الزهاد وطريق العباد، ومقصده الأعلى شهواته الحيوانية، والفوز ~~بهذه الدنيا الدنية، إلى غير ذلك مما يطول، ولا يعلم ماذا يقول: # إلى ديان يوم الدين نمضي ... وعند الله تجتمع الخصوم. ### | التعبد بتحريم الحلال # التعبد بتحريم الحلال (الثامنة والعشرون) : التعبد بتحريم الحلال، فرد ~~الله تعالى ذلك عليهم بقوله في سورة [الأعراف: 31-33] ، {يا بني آدم خذوا ~~زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين - قل من ~~حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في ~~الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون - قل إنما ~~حرم ربي الفواحش ما ms20 ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا ~~بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [الأعراف: ~~31 - 33] ومعنى الآيات. PageV01P231 # {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد} [الأعراف: 31] أي ثيابكم لمواراة ~~عوراتكم عند طواف أو صلاة. وسبب النزول: أنه كان أناس من الأعراب يطوفون ~~بالبيت عراة، حتى أن كانت المرأة لتطوف بالبيت وهي عريانة، فتعلق على سفلها ~~سيورا مثل هذه السيور التي تكون على وجه الحمر من الذباب، وهي تقول: # اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله # فأنزل الله تعالى هذه الآية: {وكلوا واشربوا} [الأعراف: 31] قال الكلبي: ~~كان أهل الجاهلية لا يأكلون من الطعام إلا قوتا، ولا يأكلون دسما في أيام ~~حجهم، يعظمون بذلك حجهم، فقال المسلمون: يا رسول الله، نحن أحق بذلك، فأنزل ~~الله تعالى الآية. # وفيه يظهر وجه ذكر الأكل والشرب هنا. {ولا تسرفوا} [الأعراف: 31] بتحريم ~~الحلال، كما هو المناسب لسبب النزول، {إنه لا يحب المسرفين} [الأعراف: 31] ~~بل يبغضهم، ولا يرضى أفعالهم. # {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده} [الأعراف: 32] من الثياب وكل ما ~~يتجمل به وخلقه لنفعهم من الثياب كالقطن والكتان والحيوان كالحرير والصوف ~~{والطيبات من الرزق} [الأعراف: 32] أي: المستلذات - وقيل المحللات- ومن ~~المآكل والمشارب كلحم الشاة وشحمها ولبنها {قل هي للذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا} [الأعراف: 32] أي هي لهم بالأصالة لمزيد كرامتهم على الله تعالى ~~والكفرة وإن شاركوهم فيها فبالتبع، فلا إشكال في الاختصاص {خالصة يوم ~~القيامة} [الأعراف: 32] أي: لا يشاركهم فيها غيرهم {كذلك نفصل الآيات لقوم ~~يعلمون} [الأعراف: 32] أي: مثل تفصيلنا هذا الحكم، نفصل سائر الأحكام لمن ~~يعلم ما في تضامينها من المعاني الرائقة {قل إنما حرم ربي الفواحش} ~~[الأعراف: 33] أي ما تزايد قبحه من المعاصي، ومنه ما يتعلق بالفروج، {ما ~~ظهر منها وما بطن} [الأعراف: 33] بدل من الفواحش، أي جهرها وسرها. وعن ~~البعض: "ما ظهر" الزنا علانية، "وما بطن" الزنا سرا وكانوا يكرهون الأول، ~~ويفعلون الثاني، فنهوا عن ذلك مطلقا. # وعن مجاهد: "ما ms21 ظهر" التعري في الطواف، "وما بطن" الزنا. والبعض يقول: ~~الأول طواف الرجال بالنهار، والثاني طواف النساء بالليل عاريات. {والإثم} ~~[الأعراف: 33] أي: ما يوجب الإثم، وأصله الذم، ثم أطلق على ما يوجبه من ~~مطلق الذنب، وذكر للتعميم بعد التخصيص بناء على ما تقدم من معنى الفواحش. # ومنهم من قال: إن الإثم هو الخمر، وعليه أهل اللغة، وأنشدوا له قول ~~الشاعر: # نهانا رسول الله أن نقرب الزنى ... وأن نشرب الإثم الذي يوجب الوزرا # وقول الآخر: # شربت الإثم حتى ضل عقلي ... كذلك الإثم يذهب بالعقول # {والبغي بغير الحق} [الأعراف: 33] وهو الظلم والاستطالة على الناس، وأفرد ~~بالذكر بناء على التعميم فيما قبله، أو دخوله في الفواحش للمبالغة في الزجر ~~عنه {وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا ~~تعلمون} [الأعراف: 33] بالإلحاد في صفاته والافتراء عليه كقولهم [الأعراف: ~~28] {والله أمرنا بها} [الأعراف: 28] ولا يخفى أن متصوفة زماننا على هذه ~~الخصلة الجاهلية: فقد حرموا على أنفسهم زينة الله والطيبات من الرزق ليعتقد ~~الناس صلاحهم، وابتدعوا الخلوات والرياضات وغير ذلك من شعائرهم في المأكل ~~والملبس وسائر شئونهم، وما دروا أنهم بذلك من القوم الذين ضل سعيهم في ~~الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. ### | الإلحاد في أسماء الله سبحانه وصفاته # الإلحاد في أسماء الله سبحانه وصفاته (التاسعة والعشرون) : الإلحاد في ~~أسمائه وصفاته، قال سبحانه في سورة [الأعراف: 180] : {ولله الأسماء الحسنى ~~فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون} ~~[الأعراف: 180] تفسير هذه الآية: {ولله الأسماء الحسنى} [الأعراف: 180] ~~تنبيه للمؤمنين على كيفية ذكره تعالى، وكيفية المعاملة مع المخلين بذلك ~~الغافلين عنه سبحانه، وعما يليق بشأنه، إثر بيان غفلتهم التامة، وضلالتهم ~~الطامة. # {فادعوه بها} [الأعراف: 180] إما من الدعوة بمعنى التسمية، كقولهم: دعوته ~~زيدا، أو يزيد أي: سميته، أو الدعاء بمعنى النداء، كقولهم: دعوت زيدا، أي: ~~ناديته. # {وذروا الذين يلحدون في أسمائه} [الأعراف: 180] أي يميلون وينحرفون فيها ~~عن الحق إلى الباطل، يقال: ألحد، إذا مال عن القصد والاستقامة، ومنه لحد ~~القبر لكونه ms22 في جانبه بخلاف الضريح، فإنه في وسطه. # والإلحاد في أسمائه سبحانه أن يسمى بلا توقيف فيه، أو بما يوهم معنى ~~فاسدا، كما في قول أهل البدو: يا أبا المكارم، يا أبيض الوجه، يا سخي، ونحو ~~ذلك، فالمراد بترك المأمور به الاجتناب عن ذلك، وأسمائه ما أطلقوه عليه ~~تعالى # PageV01P232 # وسموه به على زعمهم، لا أسماؤه تعالى حقيقة، وعلى ذلك يحمل ترك الإضمار، ~~بأن يقال: يلحدون بها. وقال تعالى: {كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها ~~أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا ~~هو عليه توكلت وإليه متاب} [الرعد: 30] وهذه الآية في سورة [الرعد: 30] عن ~~قتادة وابن جريج ومقاتل أن الآية نزلت في مشركي مكة لما رأوا كتاب الصلح ~~يوم الحديبية وقد كتب فيه علي رضي الله عنه: " بسم الله الرحمن الرحيم "، ~~فقال سهيل بن عمرو: ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة. # ومنهم من قال: سمع أبو جهل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا الله ~~يا رحمن» ، فقال: إن محمدا ينهانا عن عبادة الآلهة وهو يدعو إلهين، فنزلت ~~وعن بعضهم أنه لما قيل لكفار قريش: اسجدوا للرحمن قالوا: وما الرحمن، ~~فنزلت، وقيل غير ذلك مما يطول. وقال تعالى: {وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا ~~قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون - وما ~~كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن ~~الله لا يعلم كثيرا مما تعملون - وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم ~~فأصبحتم من الخاسرين} [فصلت: 21 - 23] من سورة حم [السجدة: 21-23] ، وفي ~~هذه الآية إخبار أن أهل الجاهلية كانوا يلحدون في صفاته، كما كانوا يلحدون ~~في أسمائه تعالى. أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وجماعة عن ~~ابن مسعود، قال: كنت مستندا بأستار الكعبة، فجاء ثلاثة نفر- قرشي وثقفيان، ~~أو ثقفي وقرشيان- كثير لحم بطونهم؛ قليل عفة قلوبهم، فتكلموا بكلام لم ~~أسمعه، فقال أحدهم: أترون الله يسمع كلامنا هذا؟ فقال الآخر: إذا رفعنا ~~أصواتنا ms23 يسمعه، وإذا لم نرفع لم يسمع، فقال الآخر: إن سمع منه شيئا سمعه ~~كله. قال: فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: {وما ~~كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن ~~الله لا يعلم كثيرا مما تعملون - وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم ~~فأصبحتم من الخاسرين} [فصلت: 22 - 23] فهذا هو الإلحاد في الصفات. وأنت ~~تعلم أن ما عليه أكثر المتكلمين المسلمين من الإلحاد في الأسماء والصفات ~~فوق ما كان عليه أهل الجاهلية، فسموا # PageV01P233 # الله بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان، ومنهم من قال: ليس لله صفات قامت ~~به، ومنهم من قال: صفاته ليست عين ذاته ولا غيره، ومنهم من قال: إن صفاته ~~غيره، ومنهم من قال: إن الله لم يتكلم بالكتب التي أنزلها، وأثبتوا له ~~الكلام النفسي، وأنه لم يكلم أحدا من رسله، إلى غير ذلك من الإلحاد الذي ~~حشوا به كتبهم ملؤوها من الهذيان، وظنوا أن الآية مختصة بأهل الجاهلية، وما ~~دروا أنهم الفرد الكامل لعمومها. ومن بصره ونور قلبه، أعرض عن أخذ عقائده ~~من كتب هؤلاء الطوائف، وتلقى معرفة إلهه من كتب السلف المشتملة على نصوص ~~الكتاب والسنة. ### | نسبة النقائص إلى الله سبحانه # نسبة النقائص إلى الله سبحانه (الثلاثون) : نسبة النقائص إليه سبحانه ~~كالولد والحاجة. فإن النصارى قالوا: المسيح ابن الله، وطائفة من العرب ~~قالوا: الملائكة بنات الله، وقوم من الفلاسفة قالوا بتوليد العقول، وقوم من ~~اليهود قالوا: العزير ابن الله، إلى غير ذلك. # وقد نزه الله نفسه عن كل ذلك ونفاه عنه بقوله: {قل هو الله أحد - الله ~~الصمد - لم يلد ولم يولد - ولم يكن له كفوا أحد} [الإخلاص: 1 - 4] وبقوله ~~[الصافات: 151- 152] : {ألا إنهم من إفكهم ليقولون - ولد الله وإنهم ~~لكاذبون} [الصافات: 151 - 152] وقوله [الأنعام: 100- 101] : {وجعلوا لله ~~شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون ~~- بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو ~~بكل شيء عليم} ms24 [الأنعام: 100 - 101] وهذا يعم جميع الأنواع التي تذكر في ~~هذا الباب عن بعض الأمم، كما أن ما نفاه من اتخاذ الولد يعم أيضا جميع ~~أنواع الاتخاذات، لا اصطفاؤه. كما قال تعالى [المائدة: 18] : {وقالت اليهود ~~والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن ~~خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما ~~وإليه المصير} [المائدة: 18] قال السدي: قالوا: إن الله تعالى أوحى إلى ~~إسرائيل إن ولدك # PageV01P235 # بكري من الولد فأدخلهم النار، فيكونون فيها أربعين يوما حتى تطهرهم وتأكل ~~خطاياهم، ثم ينادي منادي: أخرجوا كل مختون من بني إسرائيل. وقد قال الله ~~تعالى [المؤمنون: 91] : {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله} ~~[المؤمنون: 91] وقال [الإسراء: 111] : {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ~~ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل} [الإسراء: 111] وقال ~~تعالى [الفرقان: 1- 2] : {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين ~~نذيرا - الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في ~~الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا} [الفرقان: 1 - 2] {وقالوا اتخذ الرحمن ~~ولدا سبحانه بل عباد مكرمون - لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون - يعلم ~~ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون - ~~ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين} ~~[الأنبياء: 26 - 29] وقال سبحانه وتعالى [النحل: 51-57] {وقال الله لا ~~تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون - وله ما في السماوات ~~والأرض وله الدين واصبا} [النحل: 51 - 52] إلى قوله {ويجعلون لما لا يعلمون ~~نصيبا} [النحل: 56] إلى قوله: {ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون} ~~[النحل: 57] # وقال الله تعالى [الإسراء: 39-42] : {ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في ~~جهنم ملوما مدحورا - أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم ~~لتقولون قولا عظيما - ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا ~~نفورا - قل لو كان معه آلهة كما يقولون ms25 إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا} ~~[الإسراء: 39 - 42] # وقال [الصافات: 149-163] {فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون - أم خلقنا ~~الملائكة إناثا وهم شاهدون - ألا إنهم من إفكهم ليقولون - ولد الله وإنهم ~~لكاذبون - أصطفى البنات على البنين - ما لكم كيف تحكمون - أفلا تذكرون - أم ~~لكم سلطان مبين - فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين - وجعلوا بينه وبين الجنة ~~نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون - سبحان الله عما يصفون - إلا عباد الله ~~المخلصين - فإنكم وما تعبدون - ما أنتم عليه بفاتنين - إلا من هو صال ~~الجحيم} [الصافات: 149 - 163] وقال [النجم: 19 -27] # PageV01P236 # {أفرأيتم اللات والعزى - ومناة الثالثة الأخرى - ألكم الذكر وله الأنثى - ~~تلك إذا قسمة ضيزى - إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله ~~بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم ~~الهدى} [النجم: 19 - 23] إلى قوله: {إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون ~~الملائكة تسمية الأنثى} [النجم: 27] # وقال تعالى [الزخرف: 15] {وجعلوا له من عباده جزءا} [الزخرف: 15] قال بعض ~~المفسرين: (جزءا) ، أي: نصيبا وبعضا. وقال بعضهم: جعلوا لله نصيبا من ~~الولد. وعن قتادة ومقاتل: عدلا. وكلا القولين صحيح، فإنهم يجعلون له ولدا، ~~والولد يشبه أباه. # ولهذا قال [الزخرف: 17] {وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه ~~مسودا} [الزخرف: 17] وهو كظيم أي البنات، كما قال في الآية الأخرى [النحل: ~~58] {وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم} [النحل: 58] فقد ~~جعلوها للرحمن مثلا، وجعلوا له من عباده جزءا، فإن الولد جزء من الوالد، ~~قال صلى الله عليه وسلم: «إنما فاطمة بضعة مني» . # وقوله [الأنعام: 100] : {وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين ~~وبنات بغير علم} [الأنعام: 100] قال الكلبي: "نزلت في الزنادقة، قالوا: إن ~~الله وإبليس شريكان، فالله خالق النور والناس والدواب والأنعام، وإبليس ~~خالق الظلمة والسباع والحيات والعقارب. وأما قوله: {وجعلوا بينه وبين الجنة ~~نسبا} [الصافات: 158] فقيل: هو قولهم: الملائكة بنات الله، وسمى الملائكة ~~جنا؛ لاختفائهم عن الأبصار، وهو قول مجاهد وقتادة. # وقيل: قالوا لحي من الملائكة يقال لهم: الجن، ms26 ومنهم إبليس: هم بنات الله. ~~وقال الكلبي: قالوا لعنهم الله: بل بذور يخرج منها الملائكة. وقوله: ~~{وخرقوا له بنين وبنات بغير علم} [الأنعام: 100] قال بعض المفسرين: هم كفار ~~العرب، قالوا: الملائكة والأصنام بنات الله، واليهود قالوا: عزير ابن الله، ~~والذين كانوا يقولون من العرب: إن الملائكة بنات الله، وما نقل عنهم من أنه ~~صاهر الجن، فولدت له الملائكة، فقد نفاه عنه بامتناع الصاحبة، وبامتناع أن ~~يكون منه جزء، فإنه صمد. وقوله: {ولم تكن له صاحبة} [الأنعام: 101] وهذا ~~لأن الولادة لا تكون إلا من # PageV01P237 # أصلين، سواء في ذلك تولد الأعيان - التي تسمى الجواهر- وتولد الأعراض ~~والصفات، بل ولا يكون تولد الأعيان إلا بانفصال جزء من الولد، فإذا امتنع ~~أن تكون له صاحبة، امتنع أن يكون له ولد، وقد علموا كلهم أن لا صاحبة له لا ~~من الملائكة، ولا من الجن، ولا من الإنس، فلم يقل أحد منهم إن له صاحبة؛ ~~فلهذا احتج بذلك عليهم. # وما حكي عن بعض كفار العرب أنه صاهر الجن، فهذا فيه نظر. وذلك إن كان قد ~~قيل فهو مما يعلم انتفاؤه من وجوه كثيرة، وكذلك ما قالته النصارى من أن ~~المسيح ابن الله وما قاله طائفة من اليهود أن العزير ابن الله، فإنه قد ~~نفاه سبحانه بهذا وهذا. وتمام الكلام في هذا المقام في كتاب (الجواب الصحيح ~~لمن بدل دين المسيح) و (تفسير سورة الإخلاص) وغيرهما من كتب شيخ الإسلام ~~تقي الدين قدس الله روحه. ### | تنزيههم المخلوق عما نسبوه للخالق # تنزيههم المخلوق عما نسبوه للخالق (المسألة الحادية والثلاثون) : تنزيه ~~المخلوق عما نسبوه للخالق مثل: تنزيه أحبارهم عن الولد والزوجة لأنهم ~~يقولون: إن الراغبين في استحصال الكمالات كالرهبان وأضرابهم يترفعون عن أن ~~يتدنسوا بدناءة التمتع بالنساء، اقتداء بالمسيح عليه السلام، فانظر إلى ~~سخافة العقول وما قادهم إليه ضلالهم حتى اعترضوا على سيدنا ومولانا محمد ~~صلى الله عليه وسلم في زواجه. وما أحسن ما قال الفاروقي (1) ردا على بعض ~~أحبار النصارى بقوله: # قل للفرسنل قدوة الرهبان ... الجائليق البترك الرباني # أنت ms27 الذي زعم الزواج نقيصة ... ممن حماه الله عن نقصان # ونسيت تزويج الإله بمريم ... في زعم كل مثلث نصراني # ومن جعل من العرب الملائكة بنات الله، كان يأنف منهن، وسن وأدهن وقتلهن، ~~ونسبوا لله ما يكرهون. والمقصود أن هذه المقالات وأشباهها منشؤها الجهل بما ~~جاءت به الرسل، وعدم تحكيم العقل، وإلا فأهل البصائر لا يتطرق إليهم هذا ~~الخلل، والله الموفق. PageV01P238 ### | قولهم بالتعطيل # قولهم بالتعطيل (الثانية والثلاثون) : القول بالتعطيل، كما كان يقوله آل ~~فرعون. والتعطيل: إنكار أن يكون للعالم صانع، كما قال فرعون لقومه [القصص: ~~38] {ما علمت لكم من إله غيري} [القصص: 38] ونحو ذلك، ولم يخل العالم عن ~~مثل هذه الجهالات في كل عصر من العصور، وأبناء هذا الزمان إلا النادر على ~~هذه العقيدة الباطلة، ولو نظروا بعين الإنصاف والتدبر، لعلموا أن كل موجود ~~في العالم يدل على خالقه وبارئه: # وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد # ومن أين للطبيعة إيجاد مثل هذه الدقائق التي نجدها في الآفاق والأنفس، ~~وهي عديمة الشعور لا علم لها ولا فهم تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. ### | الشركة في الملك # الشركة في الملك (الثالثة والثلاثون) : الشركة في الملك، كما تقوله ~~المجوس، والمجوس أمة تعظم الأنوار والنيران والماء والأرض، ويقرون بنبوة ~~زرادشت، ولهم شرائع يصيرون إليها. وهم فرق شتى: منهم المزدكية أصحاب مزدك ~~الموبذ، والموبذ عندهم العالم القدوة، وهؤلاء يرون الاشتراك في النساء ~~والمكاسب كما يشترك في الهواء والطرق وغيرها. # ومنهم الخرمية أصحاب بابك الخرمى. وهم شر طوائفهم، لا يقرون بصانع ولا ~~معاد ولا نبوة ولا حلال ولا حرام، وعلى مذهبهم طوائف القرامطة والإسماعيلية ~~والنصيرية والكيسانية والزرارية والحكمية وسائر العبيدية الذين يسمون ~~أنفسهم الفاطمية، فكل هؤلاء يجمعهم هذا المذهب، ويتفاوتون في التفصيل، ~~فالمجوس شيوخ هؤلاء كلهم، وأئمتهم وقدوتهم، وإن كان المجوس قد يتقيدون بأصل ~~دينهم وشرائعهم، وهؤلاء لا يتقيدون بدين من ديانات العالم ولا بشريعة من ~~الشرائع. # PageV01P239 ### | إنكار النبوات # إنكار النبوات (الرابعة والثلاثون) : إنكار النبوات. وكانوا يقولون: ما ~~حكى الله عنهم بقوله في [الأنعام: 90- 91] : {أولئك ms28 الذين هدى الله فبهداهم ~~اقتده قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين - وما قدروا الله حق ~~قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به ~~موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم ~~تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون} [الأنعام: 90 - ~~91] # تفسير هذه الآية: {وما قدروا الله} [الأنعام: 91] شروع في تقرير أمر ~~النبوة، بعد ما حكى الله سبحانه عن إبراهيم عليه السلام أنه ذكر دليل ~~التوحيد وإبطال الشرك، وقرر سبحانه ذلك بأفصح الدليل بأوضح وجه. # {حق قدره} [الأنعام: 91] أي: حق معرفته وعن بعضهم: ما عظموا الله حق ~~تعظيمه إذ قالوا منكرين لبعثة الرسل وإنزال الكتب، كافرين بنعمة الله ~~الجليلة فيهما: {ما أنزل الله على بشر من شيء} [الأنعام: 91] أي: شيئا من ~~الأشياء. # واختلف في قائل ذلك القول الشنيع: فعن مجاهد أنهم مشركو قريش، والجمهور ~~على أنهم اليهود، ومرادهم من ذلك الطعن في رسالته صلى الله عليه وسلم على ~~سبيل المبالغة. # فقيل لهم على سبيل الإلزام: {قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى} ~~[الأنعام: 91] فإن المراد أنه تعالى قد أنزل التوراة على موسى عليه السلام ~~ولا سبيل لكم إلى إنكار ذلك، فلم لا تجوزون إنزال القرآن على محمد صلى الله ~~عليه وسلم.؟ والكلام في إثبات النبوة مفصل في غير هذا الموضع، والمقصود أن ~~إنكارها من سنن الجاهلية، وفي الناس كثير ممن هو على شاكلتهم ومعوج طريقهم. ### | جحودهم القدر واحتجاجهم به على الله # جحودهم القدر، واحتجاجهم به على الله (الخامسة والثلاثون) : جحود القدر، ~~والاحتجاج به على الله تعالى ومعارضة شرع الله بقدر الله. وهذه المسألة من ~~غوامض مسائل الدين، والوقوف على سرها عسر إلا على من وفقه الله تعالى. ~~ولابن القيم كتاب جليل في هذا الباب سماه (شفاء العليل في القضاء والقدر ~~والحكمة والتعليل) . وقد أبطل الله # PageV01P240 # سبحانه هذه العقيدة الجاهلية بقوله تعالى في آخر سورة [الأنعام: 148-149] ~~: {سيقول الذين أشركوا ms29 لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ~~كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ~~إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون - قل فلله الحجة البالغة فلو شاء ~~لهداكم أجمعين} [الأنعام: 148 - 149] تفسير هذه الآية: (سيقول الذين ~~أشركوا) : حكاية لفن آخر من أباطيلهم. {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ~~ولا حرمنا} [الأنعام: 148] لم يريدوا بهذا الكلام الاعتذار عن ارتكاب ~~القبيح، إذ لم يعتقدوا قبح أفعالهم، بل هم كما نطقت به الآيات يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا، وأنهم إنما يعبدون الأصنام ليقربوهم إلى الله زلفى، وأن ~~التحريم إنما كان من الله عز وجل، فما مرادهم بذلك إلا الاحتجاج على أن ما ~~ارتكبوه حق ومشروع ومرضي عند الله تعالى على أن المشيئة والإرادة تساوي ~~الأمر، وتستلزم الرضى، كما زعمت المعتزلة، فيكون حاصل كلامهم أن ما نرتكبه ~~من الشرك والتحريم وغيرهما تعلقت به مشيئة الله تعالى وإرادته، وكل ما ~~تعلقت به مشيئته سبحانه وإرادته فهو مشروع ومرضي عند الله تعالى. # وبعد أن حكى سبحانه وتعالى ذلك عنهم، رد عليهم بقوله عز من قائل {كذلك ~~كذب الذين من قبلهم} [الأنعام: 148] وهم أسلافهم المشركون. وحاصله أن ~~كلامهم يتضمن تكذيب الرسل عليهم السلام، وقد دلت المعجزة على صدقهم. # أو نقول حاصله أن ما شاء الله يجب، وما لم يشأ يمتنع، وكل ما هذا شأنه ~~فلا تكليف به لكونه مشروطا بالاستطاعة، فينتج أن ما ارتكبه من الشرك وغيره، ~~لم يتكلف بتركه ولم يبعث له نبي. فرد الله تعالى عليهم بأن هذه كلمة صدق ~~أريد بها باطل، لأنهم أرادوا بها أن الرسل عليهم السلام في دعواهم البعثة ~~والتكليف كاذبون. وقد ثبت صدقهم بالدلائل القطعية، ولكونه صدقا أريد به ~~باطل، ذمهم الله تعالى بالتكذيب. ووجوب وقوع متعلق المشيئة لا ينافي صدق ~~دعوى البعثة والتكليف؛ لأنهما لإظهار المحجة وإبلاغ الحجة {حتى ذاقوا ~~بأسنا} [الأنعام: 148] أي نالوا عذابنا الذي أنزلناه عليهم بتكذيبهم، # PageV01P241 # وفيه إيماء إلى أن لهم عذابا مدخرا ms30 عند الله تعالى؛ لأن الذوق أول إدراك ~~الشيء {قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا} [الأنعام: 148] أي هل لكم من علم ~~بأن الإشراك وسائر ما أنتم عليه مرضي عند الله تعالى فتظهروه لنا بالبرهان؟ ~~وهذا دليل على أن المشركين أمم استوجبوا التوبيخ على قولهم ذلك؛ لأنهم ~~كانوا يهزءون بالدين، ويبغون رد دعوة الأنبياء عليهم السلام، حيث قرع ~~مسامعهم من شرائع الرسل عليهم السلام تفويض الأمور إليه سبحانه وتعالى، ~~فحين طالبوهم بالإسلام، والتزام الأحكام، احتجوا عليهم بما أخذوه من كلامهم ~~مستهزئين بهم عليهم الصلاة والسلام، ولم يكن غرضهم ذكر ما ينطوي عليه ~~عقدهم، كيف لا والإيمان بصفات الله تعالى فرع الإيمان به عز شأنه وهو عنهم ~~مناط العيوق. # {إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون} [الأنعام: 148] أي تكذبون على ~~الله تعالى {قل فلله الحجة البالغة} [الأنعام: 149] أي البينة الواضحة التي ~~بلغت غاية المتانة والقوة على الإثبات، والمراد بها في المشهور: الكتاب ~~والرسول والبيان. {فلو شاء لهداكم أجمعين} [الأنعام: 149] بالتوفيق لها، ~~والحمل عليها، ولكن شاء هداية البعض الصارفين اختيارهم إلى سلوك طريق الحق، ~~وضلال آخرين صرفوه إلى خلاف ذلك. ومن الناس من ذكر وجها آخر في توجيه ما في ~~الآية، وهو أن الرد عليهم إنما كان لاعتقادهم أنهم مسلمون اختيارهم ~~وقدرتهم، وأن إشراكهم إنما صدر منهم على وجه الاضطرار وزعموا أنهم يقيمون ~~الحجة على الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام بذلك، فرد الله تعالى ~~قولهم في دعواهم عدم الاختيار لأنفسهم، وشبههم بمن اغتر قبلهم بهذا الخيال، ~~فكذب الرسل، وأشرك بالله عز وجل، واعتمد على أنه إنما يفعل ذلك بمشيئة الله ~~تعالى ورام إفحام الرسل بهذه الشبهة، ثم بين سبحانه أنهم لا حجة لهم في ~~ذلك، وأن الحجة البالغة له تعالى لا لهم، ثم أوضح سبحانه أن كل واقع واقع ~~بمشيئته، وأنه لم يشأ منهم إلا ما صدر عنهم، وأنه تعالى لو شاء منهم ~~الهداية لاهتدوا أجمعين. والمقصود أن يتمحض وجه الرد عليهم، وتتخلص عقيدة ~~نفوذ السنة وعموم تغلغلها بكل # PageV01P242 # كائن عن ms31 الرد، وينصرف الرد إلى دعواهم سلب الاختيار لأنفسهم، وأن إقامتهم ~~الحجة بذلك خاصة. وإذا تدبرت الآية وجدت صدرها دافعا لصدور الجبرية، وعجزها ~~معجزا للمعتزلة، إذ الأول مثبت أن للعبد اختيارا وقدرة على وجه يقطع حجته ~~وعذره في المخالفة والعصيان، والثاني مثبت نفوذ مشيئة الله تعالى في العبد، ~~وأن جميع أفعاله على وفق المشيئة الإلهية، وبذلك تقوم الحجة البالغة لأهل ~~السنة على المعتزلة، والحمد لله رب العالمين. ومنهم من وجه الآية بأن ~~مرادهم رد دعوة الأنبياء عليهم السلام على معنى أن الله تعالى شاء شركنا، ~~وأراده منا، وأنتم تخالفون إرادته، حيث تدعونا إلى الإيمان، فوبخهم سبحانه ~~وتعالى بوجوه عدة: منها قوله سبحانه: {فلله الحجة البالغة} [الأنعام: 149] ~~فإنه بتقدير الشرط، أي إذا كان الأمر كما زعمتم {فلله الحجة البالغة} ~~[الأنعام: 149] # وقوله سبحانه: {فلو شاء} [الأنعام: 149] بدل منه على سبيل البيان، أي لو ~~شاء لدل كلا منكم ومن مخالفيكم على دينه، لو كان الأمر كما تزعمون، لكان ~~الإسلام أيضا بالمشيئة، فيجب أن لا تمنعوا المسلمين من الإسلام، كما وجب ~~بزعمكم ألا يمنعكم الأنبياء عن الشرك. فيلزمكم أن لا يكون بينكم وبين ~~المسلمين مخالفة ومعاداة، بل موافقة وموالاة. وحاصله أن ما خالف مذهبكم من ~~النحل يجب أن يكون عندكم حقا؛ لأنه بمشيئة الله تعالى، فيلزم تصحيح الأديان ~~المتناقضة. # وفي سورة [النحل: 35] {وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه ~~من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم ~~فهل على الرسل إلا البلاغ المبين} [النحل: 35] الكلام على هذه الآية ~~كالكلام على الآية السابقة، ولا تراهم يتشبثون بالمشيئة إلا عند انخذال ~~الحجة. ألا ترى كيف ختم بنحو آخر مجادلاتهم في سورة الأنعام في الآية ~~السابقة، وكذلك في سورة [الزخرف: 19-22] : وهو قوله تعالى: {وجعلوا ~~الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون - ~~وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون - أم ~~آتيناهم كتابا من قبله فهم ms32 به مستمسكون - بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على ~~أمة وإنا على آثارهم مهتدون} [الزخرف: 19 - 22] ويكفي في الانقلاب ما # PageV01P243 # يشير إليه قوله سبحانه: {قل فلله الحجة البالغة} [الأنعام: 149] والمراد ~~بما حرموه السوائب والبحائر وغيرها. وفي تخصيص الاشتراك والتحريم بالنفي؛ ~~لأنهما أعظم وأشهر ما هم عليه. وغرضهم من ذلك تكذيب الرسول عليه الصلاة ~~والسلام والطعن في الرسالة رأسا، فإن حاصله أي ما شاء الله يجب، وما لم يشأ ~~يمتنع، فلو أنه سبحانه وتعالى شاء أن نوحده، ولا نشرك به شيئا، ونحلل ما ~~أحله، ولا نحرم شيئا مما حرمنا كما تقول الرسل وينقلونه من جهته تعالى لكان ~~الأمر كما شاء من التوحيد ونفي الإشراك، وتحليل ما أحله، وعدم تحريم شيء من ~~ذلك، وحيث لم يكن كذلك، ثبت أنه لم يشأ شيئا من ذلك بل شاء ما نحن عليه. # وتحقق أن ما يقوله الرسل عليهم السلام من تلقاء أنفسهم. فرد الله تعالى ~~عليهم بقوله {كذلك فعل الذين من قبلهم} [النحل: 33] من الأمم، أي: أشركوا ~~بالله تعالى، وحرموا من دونه ما حرموا، وجادلوا رسلهم بالباطل ليدحضوا به ~~الحق {فهل على الرسل إلا البلاغ المبين} [النحل: 35] أي: ليست وظيفتهم إلا ~~البلاغ للرسالة، الموضح طريق الحق والمظهر أحكام الوحي التي منها تعلق ~~مشيئته تعالى باهتداء من صرف قدرته واختياره إلى تحصيل الحق؛ لقوله تعالى: ~~{والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت: 69] وأما إلجاؤهم إلى ذلك، ~~وتنفيذ قولهم عليه شاءوا أو أبوا كما هو مقتضى استدلالهم فليس ذلك من ~~وظيفتهم، ولا من الحكمة التي يتوقف عليها التكليف، حتى يستدل بعدم ظهور ~~آثاره على عدم حقيقة الرسل عليهم السلام أو على عدم تعلق مشيئته تعالى ~~بذلك، فإن ما يترتب عليه الثواب والعقاب من الأفعال لا بد في تعلق مشيئته ~~تعالى بوقوعه من مباشرتهم الاختيارية، وصرف اختيارهم الجزئي إلى تحصيله، ~~وإلا لكان الثواب والعقاب اضطراريين، والكلام على هذه الآية ونحوها مستوفى ~~في تفسير (روح المعاني) وغيره. فجحود القدر والاحتجاج به على الله ومعارضة ~~شرع الله بقدره، كل ذلك من ضلالات ms33 الجاهلية. # والمقصود أنه لا جبر ولا تفويض، ولكن أمر بين أمرين، فمن زلت قدمه عن هذه ~~الجادة كان على ما كان عليه أهل الجاهلية، وهي الطريقة التي رد عليها الله ~~سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم. # PageV01P244 ### | مسبة الدهر # مسبة الدهر (السادسة والثلاثون) : مسبة الدهر: كقولهم في سورة [الجاثية: ~~24] {وما يهلكنا إلا الدهر} [الجاثية: 24] وذلك أن الله تعالى أراد بيان ~~أحكام ضلالهم والختم على سمعهم وقلوبهم وجعل غشاوة على أبصارهم، فحكى عنهم ~~ما صدر عنهم بقوله سبحانه وتعالى: {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا} ~~[الجاثية: 24] التي نحن فيها {نموت ونحيا} [الجاثية: 24] أي تموت طائفة، ~~وتحيا طائفة، ولا حشر أصلا. ومنهم من قال: إن كثيرا من عباد الأصنام كان ~~يقول بالتناسخ، وعليه فالمراد بالحياة: إعادة الروح لبدن آخر {وما يهلكنا ~~إلا الدهر} [الجاثية: 24] أي طول الزمان. # وإسنادهم الإهلاك إلى الدهر إنكار منهم لملك الموت وقبضه الأرواح بأمر ~~الله تعالى، وكانوا يسندون الحوادث مطلقا إليه؛ لجهلهم أنها مقدرة من عند ~~الله تعالى، وأشعارهم لذلك مملوءة من شكوى الدهر (1) وهؤلاء معترفون بوجود ~~الله تعالى، فهم غير الدهرية. فإنهم مع إسنادهم الحوادث إلى الدهر لا ~~يقولون بوجوده سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا والكل يقول باستقلال ~~الدهر بالتأثير. # وقد جاء النهي عن سب الدهر، أخرج مسلم: «لا يسب أحدكم الدهر، فإن الله هو ~~الدهر» وفي رواية لأبي داود والحاكم "قال الله عز وجل: «يؤذيني ابن آدم ~~يقول: يا خيبة الدهر، فلا يقل أحدكم يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر، أقلب ~~ليله ونهاره» وروى الحاكم أيضا: «يقول الله عز وجل: استقرضت عبدي فلم ~~يقرضني، وشتمني عبدي وهو لا يدري، يقول: PageV01P245 # وادهراه! وأنا الدهر» . وروى البيهقي: «لا تسبوا الدهر، قال الله عز وجل: ~~أنا الأيام والليالي، أجددها وأبليها، وآتي بملوك بعد ملوك» . ومعنى ذلك أن ~~الله تعالى هو الآتي بالحوادث، فإذا سببتم الدهر على أنه فاعل، وقع السب ~~على الله عز وجل. # {وما لهم بذلك من علم} [الجاثية: 24] أي: ليس لهم بما ذكر من قصر الحياة ~~على ms34 ما في الدنيا ونسبة الإهلاك إلى الدهر علم مستند إلى عقل أو نقل {إن هم ~~إلا يظنون} [الجاثية: 24] أي ما هم إلا قوم قصارى أمرهم الظن والتقليد من ~~غير أن يكون لهم ما يصح أن يتمسك به في الجملة. وقد ذكرنا في غير هذا ~~الموضع ما يتعلق بالدهريين، والمقصود أن يقول بإسناد الحوادث إلى غير الله ~~تعالى كالدهر، فذلك ليس له مستند عقلي ولا نقلي، بل هو محض جهل، وقائله ~~جاهل في أي عصر كان. ولأهل زماننا حظ وافر من هذا الاعتقاد الباطل. والله ~~المستعان. ### | إضافة نعم الله إلى غيره # إضافة نعم الله إلى غيره (السابعة والثلاثون) : إضافة نعم الله إلى غيره، ~~قال الله تعالى في سورة [النحل: 83] : {يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها ~~وأكثرهم الكافرون} [النحل: 83] وقد عدد الله تعالى نعمه على عباده في هذه ~~السورة [78: 80] إلي أن قال {وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم ~~بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون - فإن تولوا فإنما عليك البلاغ ~~المبين - يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون} [النحل: 81 - 83] ~~فقوله {يعرفون نعمت الله} [النحل: 83] إلخ استئناف لبيان أن تولي المشركين ~~وإعراضهم عن الإسلام ليس لعدم معرفتهم نعمة الله سبحانه وتعالى أصلا، فإنهم ~~يعرفون أنها من الله تعالى، ثم ينكرونها بأفعالهم، حيث لم يفردوا منعمها ~~بالعبادة، فكأنهم لم يعبدوه سبحانه وتعالى أصلا، وذلك كفران منزل منزلة ~~الإنكار. وأخرج ابن جرير وغيره عن مجاهد أنه قال: إنكارهم إياها قولهم: ~~ورثناها من آبائنا وأخرج هو وغيره أيضا عن عون بن عبد الله أنه قال: ~~إنكارهم إياها أن يقول الرجل: لولا فلان أصابني # PageV01P246 # كذا وكذا، ولولا فلان لم أصب كذا وكذا. وفي لفظ: إنكارها: إضافتها إلى ~~الأسباب، وبعضهم يقول: إنكارهم: قولهم: هي بشفاعة آلهتهم عند الله تعالى. ~~ومنهم من قال: النعمة هنا محمد صلى الله عليه وسلم أي: يعرفون أنه- عليه ~~الصلاة والسلام- نبي بالمعجزات، ثم ينكرون ذلك، ويجحدونه عنادا {وأكثرهم ~~الكافرون} [النحل: 83] أي المنكرون بقلوبهم، غير المعترفين بما ذكر. ~~والتعبير بالأكثر إما لأن بعضهم لم يعرف ms35 الحق لنقصان عقله وعدم اهتدائه ~~إليه، أو لعدم نظره في الأدلة نظرا يؤدي إلى المطلوب، أو لأنه لم تقم عليه ~~الحجة؛ لكونه لم يصل إلى حد المكلفين لصغر ونحوه، وإما لأنه يقام مقام ~~الكل، فإسناد المعرفة والإنكار المتفرع عليها إلى ضمير المشركين على ~~الإطلاق من باب إسناد حال البعض إلى الكل. # ومما يجري هذا المجرى قوله تعالى في سورة [الواقعة: 81-82] {أفبهذا ~~الحديث أنتم مدهنون - وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} [الواقعة: 81 - 82] أي: ~~تقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا. # روى مسلم وغيره عن ابن عباس قال: «مطر الناس على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام" أصبح من الناس شاكر، ومنهم كافر، ~~قالوا: هذه رحمة وضعها الله" وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا، فنزلت هذه الآية ~~{فلا أقسم بمواقع النجوم} [الواقعة: 75] حتى بلغ {وتجعلون رزقكم أنكم ~~تكذبون} [الواقعة: 82] » إلى غير ذلك من الآثار. والمقصود أن إسناد النعم ~~إلى غير منعمها الحقيقي كفران لها. وقد ذكرنا مذهب العرب في الأنواء في غير ~~هذا الموضع، وفصلناه تفصيلا، وذكرنا شعرهم الدال على مذهبهم هذا. والله ~~الموفق. ### | الكفر بآيات الله # الكفر بآيات الله (الثامنة والثلاثون) : الكفر بآيات الله. والنصوص ~~الدالة على ذلك في القرآن كثيرة: منها قوله تعالى في [الكهف: 105- 106] : ~~{أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم ~~القيامة وزنا - ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا} ~~[الكهف: 105 - 106] بعد قوله سبحانه [الكهف: 103- 104] : {قل هل ننبئكم ~~بالأخسرين أعمالا - الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا} [الكهف: 103 - 104] # PageV01P247 # فقوله (أولئك) كلام مستأنف منه مسوق لتكميل تعريف الأخسرين، وتبيين ~~خسرانهم وضلال سعيهم وتعيينهم، بحيث ينطبق التعريف على المخاطبين. أي أولئك ~~المنعوتون بما ذكر من ضلال السعي والحسبان المذكور {الذين كفروا بآيات ~~ربهم} [الكهف: 105] بدلائله سبحانه الداعية إلى التوحيد الشاملة للسمعية ~~والعقلية {ولقائه} [الكهف: 105] هو كناية عن البعث والحشر وما يتبع ذلك من ~~أمور الآخرة، أي لم يؤمنوا بذلك على ما هو عليه {فحبطت أعمالهم ms36 فلا نقيم ~~لهم يوم القيامة وزنا} [الكهف: 105] أي: فنزدري بهم، ونحتقرهم. ومن النصوص ~~ما يدل على أن منهم من كان ينكر بعض الآيات، ومنهم من كان معرضا عنها ~~وهاجرا لها، ولا يخفى عليك أن من الناس اليوم من هو أدهى وأمر مما كان عليه ~~أهل الجاهلية في هذا الباب. ### | اختيار كتب الباطل ونبذ آيات الله # اختيار كتب الباطل، ونبذ آيات الله (التاسعة والثلاثون) : اشتراء كتب ~~الباطل واختيارها عليها، أي على الآيات. قال تعالى [البقرة: 99-103] : ~~{ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون - أوكلما عاهدوا ~~عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون - ولما جاءهم رسول من عند الله ~~مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم ~~لا يعلمون - واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان} [البقرة: 99 - 102] ~~إلى قوله: {ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في ~~الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون - ولو أنهم آمنوا ~~واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون} [البقرة: 102 - 103] # ومعنى قوله: {ولقد علموا لمن اشتراه} [البقرة: 102] أي استبدل ما تتلوا ~~الشياطين بكتاب الله. {ما له في الآخرة من خلاق} [البقرة: 102] أي: نصيب ~~{ولبئس ما شروا به أنفسهم} [البقرة: 102] أي: والله لبئس شيئا شروا به حظوظ ~~أنفسهم، أي: باعوها أو شروها في زعمهم ذلك الشراء {ولو أنهم آمنوا} ~~[البقرة: 103] أي بالرسول أو بما أنزل إليه من الآيات أو بالتوراة {واتقوا} ~~[البقرة: 103] أي المعاصي # PageV01P248 # التي حكيت عنهم. {لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون} [البقرة: 103] ~~أي أن ثواب الله تعالى خير لهم، وبمعنى هذه الآية قوله تعالى [البقرة: ~~78-79] {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون - فويل ~~للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا ~~قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون} [البقرة: 78 - 79] # وهذه الآية نزلت في أحبار اليهود الذين خافوا أن ms37 تذهب رياستهم بإبقاء صفة ~~النبي صلى الله عليه وسلم على حالها، فغيروها. ### | القدح في حكمة الله تعالى # القدح في حكمة الله تعالى (الأربعون) : القدح في حكمته تعالى. أقول: من ~~خصال الجاهلية: القدح في حكمته تعالى، وأنه ليس بحكيم في خلقه. بمعنى أنه ~~سبحانه يخلق ما لا حكمة له فيه، ويأمر وينهى بما لا حكمة فيه. وقد حكى الله ~~تعالى ذلك بقوله في سورة [ص: 27] : {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما ~~باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار} [ص: 27] وقال سبحانه ~~في سورة [المؤمنين: 115-116] : {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ~~ترجعون - فتعالى الله الملك الحق} [المؤمنون: 115 - 116] وفي سورة [الدخان: ~~38-39] ، {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين - ما خلقناهما إلا ~~بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون} [الدخان: 38 - 39] وفي سورة [الأنبياء: ~~16-17] ، {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين - لو أردنا أن نتخذ ~~لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين} [الأنبياء: 16 - 17] # وفي سورة [الحجر: 85] {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق ~~وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل} [الحجر: 85] إلى غير ذلك من الآيات ~~الناصة على أن الله تعالى لم يخلق شيئا من غير حكمة ولا علة، على خلاف ما ~~يعتقده أهل الباطل من الجاهلين، ومن نحا نحوهم من هذه الأمة ممن نفى الحكمة ~~عن أفعاله سبحانه وتعالى. وهذه مسألة طويلة الذيل، قد كثر فيها # PageV01P249 # الخصام بين فرق المسلمين، والحق ما كان عليه السلف من إثبات الحكمة ~~والتعليل. وقد أطنب الكلام عليها الحافظ ابن القيم في كتابه (شفاء العليل ~~في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل) وعقد بابا مفصلا في طرق إثبات ~~حكمة الرب تعالى في خلقه وأمره، وإثبات الغايات المطلوبة والعواقب الحميدة ~~التي فعل وأمر لأجلها. # ومن جملة ما قال في هذا الباب: إنه سبحانه وتعالى أنكر على من زعم أنه لم ~~يخلق الخلق لغاية ولا لحكمة، كقوله: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا} ~~[المؤمنون: 115] وقوله: {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين - ما ~~خلقناهما إلا بالحق} ms38 [الدخان: 38 - 39] والحق: هو الحكم والغايات المحمودة، ~~التي لأجلها خلق ذلك كله وهو أنواع كثيرة منها أن يعرف الله بأسمائه، ~~وصفاته، وأفعاله، وآياته. ومنها: أن يحب، ويعبد، ويشكر، ويطاع ومنها: أن ~~يأمر، وينهى، ويشرع الشرائع. # ومنها: أن يدبر الأمر، ويبرم القضاء، ويتصرف في المملكة بأنواع التصرفات. ~~ومنها: أن يثيب ويعاقب، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، فيكون أثر ~~عدله وفضله موجودا مشاهدا، فيحمد على ذلك ويشكر. # ومنها: أن يعلم خلقه أنه لا إله غيره، ولا رب سواه. ومنها: أن يصدق ~~الصادق فيكرمه، ويكذب الكاذب فيهينه. ومنها: ظهور آثار أسمائه وصفاته على ~~تنوعها وكثرتها في الوجود الذهني والخارجي، فيعلم عباده ذلك علما مطابقا ~~لما في الواقع. ومنها: شهادة مخلوقاته كلها بأنه وحده ربها وفاطرها ~~ومليكها، وأنه وحده إلهها ومعبودها. ومنها: ظهور آثار كماله المقدس، فإن ~~الخلق والصنع لازم كماله، فإنه حي قدير، ومن كان كذلك لم يكن إلا فاعلا ~~مختارا. ومنها أن يظهر أثر حكمته في المخلوقات بوضع كل منها في موضعه الذي ~~يليق به، ومجيئه على الوجه الذي تشهد العقول والفطر بحسنه، فتشهد حكمته ~~الباهرة ومنها: أنه سبحانه يحب أن يجود وينعم ويعفو ويغفر ويسامح، ولا بد ~~من لوازم ذلك خلقا وشرعا. ومنها: أنه يحب أن يثنى عليه، ويمدح ويمجد، ويسبح ~~ويعظم ومنها: كثرة # PageV01P250 # شواهد ربوبيته ووحدانيته وإلهيته. إلى غير ذلك من الحكم التي تضمنها ~~الخلق، فخلق مخلوقاته بسبب الحق. ولأجل الحق، وخلقها ملتبس بالحق، وهو في ~~نفسه حق: فمصدره حق، وغايته حق، وهو يتضمن الحق. وقد أثنى على عباده ~~المؤمنين حيث نزهوه عن إيجاد الخلق، لا لشيء ولا لغاية، فقال تعالى [آل ~~عمران: 190- 191] : {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ~~لآيات لأولي الألباب - الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ~~ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك} [آل ~~عمران: 190 - 191] وأخبر أن هذا ظن أعدائه، لا ظن أوليائه فقال: {وما خلقنا ~~السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا} [ص: 27] # وكيف يتوهم أنه عرفه ms39 من يقول: إنه لم يخلق لحكمة مطلوبة له، ولا أمر ~~لحكمة، ولا نهى لحكمة، وإنما يصدر الخلق والأمر عن مشيئة وقدرة محضة، لا ~~لحكمة ولا لغاية مقصودة. # وهل هذا إلا إنكار لحقيقة حمده بل الخلق والأمر إنما قام بالحكم ~~والغايات، فهما مظهران لحمده وحكمته. فإنكار الحكمة إنكار لحقيقة خلقه ~~وأمره، فإن الذي أثبته المنكرون من ذلك لنزه عنه الرب، ويتعالى عن نسبته ~~إليه، فإنهم أثبتوا خلقا وأمرا لا رحمة فيه ولا مصلحة ولا حكمة، بل يجوز ~~عندهم أو يقع أن يأمر بما لا مصلحة للمكلف فيه ألبتة، وينهى عما فيه مصلحة، ~~والجميع بالنسبة إليه سواء ويجوز عندهم أن يأمر بكل ما نهى عنه، وينهى عن ~~جميع ما أمر به، ولا فرق بين هذا وهذا إلا بمجرد الأمر والنهي. # ويجوز عندهم أن يعذب من لم يعصه طرفة عين، ويثيب من عصاه بل أفنى عمره في ~~الكفر به والشرك والظلم والفجور، فلا سبيل إلى أن يعرف خلاف ذلك منه إلا ~~بخبر الرسول، وإلا فهو جائز عليه. وهذا من أقبح الظن وأسوئه بالرب سبحانه، ~~وتنزيهه عنه كتنزيهه عن الظلم والجور، بل هذا هو عين الظلم الذي يتعالى ~~الله عنه. والعجب العجاب أن كثيرا من أرباب هذا المذهب ينزهونه عما وصف به ~~نفسه من صفات الكمال ونعوت الجلال، ويزعمون أن إثباتها تجسيم وتشبيه، ولا ~~ينزهونه عن هذا الظلم والجور، ويزعمون أنه عدل وحق، وأن # PageV01P251 # التوحيد عندهم لا يتم إلا به، كما لا يتم إلا بإنكار استوائه على عرشه، ~~وعلوه فوق سماواته، وتكلمه وتكليمه، وصفات كماله فلا يتم التوحيد عند هذه ~~الطائفة إلا بهذا النفي وذلك الإثبات، والله ولي التوفيق. انتهى المقصود من ~~نقله، وتمام الكلام في هذا الباب من ذلك الكتاب (1) وإليه سبحانه المآب. ### | الكفر بالملائكة والرسل، والتفريق بينهم # الكفر بالملائكة والرسل، والتفريق بينهم (الحادية والأربعون) : الكفر ~~بالملائكة والرسل والتفريق بينهم. قال تعالى [البقرة: 87- 99] {ولقد آتينا ~~موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه ~~بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما ms40 لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم ~~وفريقا تقتلون - وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون ~~- ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على ~~الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين - بئسما ~~اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على ~~من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين - وإذا قيل لهم ~~آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق ~~مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين} [البقرة: ~~87 - 91] إلى أن قال: {قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله ~~مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين - من كان عدوا لله وملائكته ورسله ~~وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين - ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما ~~يكفر بها إلا الفاسقون} [البقرة: 97 - 99] فقد تبين من هذه الآيات أن بعض ~~الكتابيين كانوا يكفرون بالملائكة والرسل، يفرقون بينهم، أي يؤمنون ببعض ~~ويكفرون ببعض، وهم طائفة من جاهلية اليهود. ولهذا أمرنا الله تعالى ~~بالإيمان بهم وعدم PageV01P252 # التفرقة بينهم، فقال [البقرة: 285] {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه ~~والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله ~~وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} [البقرة: 285] ### | الغلو في الأنبياء والرسل # الغلو في الأنبياء والرسل (الثانية والأربعون) : الغلو في الأنبياء ~~والرسل عليهم السلام، قال تعالى في سورة [النساء: 171] {يا أهل الكتاب لا ~~تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم ~~رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ~~ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد} [النساء: ~~171] والغلو في المخلوق أعظم سبب لعبادة والغلو في المخلوق أعظم سبب لعبادة ~~الأصنام والصالحين، كما كان في قوم نوح من عبادة نسر وسواع ms41 ويغوث ونحوهم، ~~وكما كان من عبادة النصارى للمسيح عليه السلام، ومثل ذلك القول على الله ~~بغير الحق. ### | الجدال بغير علم # الجدال بغير علم (الثالثة والأربعون) : الجدال بغير العلم كما ترى كثيرا ~~من أهل الجهل يجادلون أهل العلم عند نهيهم عما ألفوه من البدع والضلالات. ~~وهي صفة جاهلية نهانا الله تعالى عن التخلق بها. # قال تعالى في سورة [آل عمران: 65-66] {يا أهل الكتاب لم تحاجون في ~~إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون - ها أنتم ~~هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم ~~وأنتم لا تعلمون} [آل عمران: 65 - 66] # أخرج ابن إسحاق وابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «اجتمعت ~~نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتنازعوا عنده، ~~فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديا، وقالت النصارى: ما كان إبراهيم ~~إلا نصرانيا، فأنزل الله فيهم هذه الآية» المنادية على جهلهم وعنادهم، كما ~~لا يخفى على من راجع التفسير. # PageV01P253 ### | الكلام في الدين بلا علم # الكلام في الدين بلا علم قال الشيخ: (الرابعة والأربعون) الكلام في الدين ~~بلا علم، أقول: أجمل الشيخ رحمه الله تعالى الكلام في هذه المسألة كل ~~الإجمال كما فعل مثل ذلك في كثير من المسائل، وما أحقها بالتفصيل. وذلك أن ~~أهل الجاهلية من العرب وغيرهم من الكتابيين شرعوا في الدين ما لم يأذن به ~~الله، أما العرب فقد كان الكثير منهم على دين إبراهيم وإسماعيل عليهم ~~السلام إلى أن ظهر فيهم الخزاعي (1) فغير وبدل، وابتدع بدعا كثيرة، وأغرى ~~العرب على عبادة الأصنام، وبحر البحيرة، وحمى الحام، واستقسم بالأزلام، إلى ~~غير ذلك مما فصلناه في غير هذا الموضع. وإن شئت أن تعرف جهل العرب، وما ~~ابتدعوه فاقرأ سورة الأنعام فإن فيها كثيرا من ضلالاتهم ومبتدعاتهم. # وأما الجاهليون من اليهود والنصارى، فقد اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا ~~من دون الله والمسيح ابن مريم، وذلك أن أحبارهم ورهبانهم ابتدعوا لهم في ~~الدين بدعا، وحللوا ms42 وحرموا ما اشتهته أنفسهم، فقبلوا ذلك منهم وأطاعوهم ~~عليه، مع أن الدين إنما يكون بتشريع الله ووحيه إلى أنبيائه ورسله عليهم ~~السلام، ولا يكون بآراء الرجال وبحسب أهوائهم، فكل ما لا دليل عليه من كتاب ~~ولا سنة مردود على صاحبه. وقد ذم الله تعالى اليهود على مثل ذلك فقال عز ~~اسمه في سورة [آل عمران: 78] ، {وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب ~~لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند ~~الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} [آل عمران: 78] فمن أول نصوص ~~الكتاب والسنة على حسب شهواته وبمقتضى هواه فهو أيضا من قبيل الذين يلوون ~~ألسنتهم بالكتاب. وأنت تعلم ما اشتمل عليه اليوم كثير من كتب الشريعة من ~~الآراء التي ليس لها مستند من دلائل الشريعة. فإلى الله المشتكى من صولة ~~الباطل وخمول الحق. PageV01P254 ### | الكفر باليوم الآخر # الكفر باليوم الآخر (الخامسة والأربعون) : الكفر باليوم الآخر، والتكذيب ~~بلقاء الله، وبعث الأرواح، وببعض ما ذكرته الرسل من صفات الجنة والنار. قال ~~تعالى في سورة [الكهف: 103-105] ، {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا - الذين ~~ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا - أولئك الذين ~~كفروا بآيات ربهم ولقائه} [الكهف: 103 - 105] الآية. وقد مر الكلام عليها ~~قريبا. وقال تعالى في سورة [النحل: 38-39] ، {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا ~~يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون - ليبين ~~لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين} [النحل: 38 - ~~39] إلى غير ذلك من النصوص الواردة في ذلك كله. ولقوم عصرنا من هذا ~~الاعتقاد الجاهلي حظ وافر، ونصيب كامل، ومن يضلل الله فلا هادي له ويذرهم ~~في طغيانهم يعمهون، نسأله تعالى التوفيق للهداية. ### | [التكذيب بآية مالك يوم الدين] # التكذيب بآية {مالك يوم الدين} [الفاتحة: 4] # (السادسة والأربعون) : التكذيب بقوله تعالى: {مالك يوم الدين} [الفاتحة: ~~4] وهو اليوم الذي يدين الله تعالى العباد فيه بأعمالهم، فيثيبهم على ~~الخيرات ويعاقبهم على المعاصي والسيئات. والتكذيب بهذا اليوم ms43 متفرع على ~~إنكار البعث والحساب والجنة والنار. ### | [التكذيب بآية لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة] # التكذيب بآية {لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة} [البقرة: 254] (السابعة ~~والأربعون) : التكذيب بقوله تعالى [البقرة: 254] {لا بيع فيه ولا خلة ولا ~~شفاعة} [البقرة: 254] من قوله سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما ~~رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم ~~الظالمون} [البقرة: 254] والخلة: المودة والصداقة، ومعنى ولا شفاعة أي لا ~~أحد يشفع لأحد إلا من بعد # PageV01P255 # أن يأذن الرحمن لمن يشاء ويرضى. وأراد بذلك يوم القيامة. والمراد من وصفه ~~بما ذكر: الإشارة إلى أنه لا قدرة لأحد فيه على تحصيل ما ينتفع به بوجه من ~~الوجوه، لأن من في ذمته حق مثلا إما أن يأخذ بالبيع ما يؤديه به، وإما أن ~~يعينه أصدقاؤه، وإما أن يلتجئ إلى من يشفع له في حطه، والكل منتف، ولا ~~مستعان إلا بالله عز وجل. ### | الخطأ في معنى الشفاعة # الخطأ في معنى الشفاعة (الثامنة والأربعون) : التكذيب بقوله تعالى في ~~سورة [الزخرف: 86] {ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق ~~وهم يعلمون} [الزخرف: 86] قوله: {ولا يملك الذين يدعون} [الزخرف: 86] أي ~~ولا يملك آلهتهم الذين يدعونهم من دونه الشفاعة، كما زعموا أنهم شفعاؤهم ~~عند الله عز وجل {إلا من شهد بالحق} [الزخرف: 86] الذي هو التوحيد. # {وهم يعلمون} [الزخرف: 86] أي: يعلمونه. والمراد بهم: الملائكة وعيسى ~~وعزير وأضرابهم. وأنت ترى الناس اليوم عاكفين على أصنام لهم يدعونهم من دون ~~الله، وعذرهم عند توبيخهم أن هؤلاء شفعاؤهم. تعالى الله عما يشركون. ### | قتل أولياء الله # قتل أولياء الله (التاسعة والأربعون) : قتل أولياء الله، وقتل الذين ~~يأمرون بالقسط من الناس، قال تعالى في سورة [البقرة: 61] {وضربت عليهم ~~الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ~~ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} [البقرة: 61] وقال ~~في سورة [آل عمران: 183] {قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم ~~فلم قتلتموهم ms44 إن كنتم صادقين} [آل عمران: 183] إلى آيات أخر في هذا المعنى ~~صرحت بما لاقاه الأنبياء والرسل عليهم السلام وأتباعهم المخلصون ودعاة الحق ~~(1) وبما كابدوه من أعداء الله والجهلة الطغاة مما تنهد له الصياصي ~~PageV01P256 # وتبيض منه النواصي. هؤلاء أكابر الأمة المحمدية وعلماؤها الأعلام، قد ~~صادفوا عند دعوتهم إلى الحق والمحافظة عليه ما يسود منه وجه القرطاس، وتشيب ~~منه لمم المداد. والأنبياء- صلوات الله عليهم- وأتباعهم المؤمنون- وإن ~~كانوا يبتلون في أول الأمر- فالعاقبة لهم، كما قال تعالى لما قص قصة نوح ~~[هود: 49] : {تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك ~~من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين} [هود: 49] وفي الحديث المتفق على ~~صحته «لما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم رسولا إلى ملك الروم، فطلب من ~~يخبره بسيرته، وكان المشركون أعداءه، لم يكونوا آمنوا به فقال: "كيف الحرب ~~بينكم وبينهم قالوا: الحرب بيننا وبينه سجال، يدال علينا المرة، وندال عليه ~~الأخرى. فقال: كذلك الرسل تبتلى، وتكون لها العاقبة» . فإنه كان يوم بدر ~~نصر الله المؤمنين، ثم يوم أحد ابتلي المؤمنون، ثم لم ينصر الكفار بعدها، ~~حتى أظهر الله تعالى الإسلام. فإن قيل: ففي الأنبياء من قد قتل، كما أخبر ~~الله تعالى في الآيات السابقة أن بني إسرائيل يقتلون النبيين بغير الحق، ~~وفي أهل الفجور من يؤتيه الله ملكا وسلطانا ويسلطه على المتدينين كما سلط ~~بخت نصر على بني إسرائيل، وكما سلط كفار المشركين وأهل الكتاب- أحيانا- على ~~المسلمين قيل: أما من قتل من الأنبياء فهم كمن يقتل من المؤمنين في الجهاد ~~شهيدا. قال تعالى [آل عمران: 146-148] : {وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير ~~فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب ~~الصابرين - وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في ~~أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين - فآتاهم الله ثواب الدنيا ~~وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين} [آل عمران: 146 - 148] ومعلوم أن من ~~قتل من المؤمنين شهيدا في القتال، كان حاله أكمل من ms45 حال من يموت حتف أنفه ~~قال تعالى [آل عمران: 169] : {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ~~بل أحياء عند ربهم يرزقون} [آل عمران: 169] ولهذا قال تعالى [التوبة: 52] : ~~{قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين} [التوبة: 52] أي: إما النصر والظفر، ~~وإما الشهادة والجنة. # ثم إن الدين الذي قاتل عليه الشهداء # PageV01P257 # ينتصر ويظهر، فيكون لطائفته السعادة في الدنيا والآخرة، من قتل منهم كان ~~شهيدا، ومن عاش منهم كان منصورا سعيدا، وهذا غاية ما يكون من النصر، إذ كان ~~الموت لا بد منه، فالموت على الوجه الذي تحصل به سعادة الدنيا والآخرة ~~أكمل، بخلاف من يهلك هو وطائفته، فلا يفوز لا هو ولا هم بمطلوبهم، لا في ~~الدنيا ولا في الآخرة. والشهداء من المؤمنين قاتلوا باختيارهم، وفعلوا ~~الأسباب التي بها قتلوا، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهم اختاروا ~~هذا الموت، إما أنهم قصدوا الشهادة، وإما أنهم قصدوا به ما يصيرون شهداء، ~~عالمين بأن لهم السعادة في الآخرة وفي الدنيا بانتصار طائفتهم وببقاء لسان ~~الصدق لهم ثناء ودعاء، بخلاف من هلك من الكفار، فإنهم هلكوا بغير اختيارهم، ~~هلاكا لا يرجون معه سعادة الآخرة، ولم يحصل لهم ولا لطائفتهم شيء من سعادة ~~الدنيا، بل أتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين، وقيل ~~فيهم [الدخان: 25-29] : {كم تركوا من جنات وعيون - وزروع ومقام كريم - ~~ونعمة كانوا فيها فاكهين - كذلك وأورثناها قوما آخرين - فما بكت عليهم ~~السماء والأرض وما كانوا منظرين} [الدخان: 25 - 29] وقد أخبر سبحانه أن ~~كثيرا من الأنبياء قتل معه ربيون كثير، أي: ألوف كثيرة، وأنهم ما ضعفوا ولا ~~استكانوا لذلك، بل استغفروا من ذنوبهم التي كانت سببا لظهور العدو، وأن ~~الله تعالى آتاهم ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة، فإذا كان هذا قتل ~~المؤمنين، فما الظن بقتل الأنبياء؟ ففيه لهم ولأتباعهم من سعادة الدنيا ~~والآخرة ما هو من أعظم الفلاح. وظهور الكفار على المؤمنين- أحيانا- هو بسبب ~~ذنوب المسلمين، كيوم أحد، فإن تابوا انتصروا على الكفار، وكانت العاقبة ~~لهم، كما قد جرى مثل ms46 هذا للمسلمين في عامة ملاحمهم مع الكفار. وهذا من آيات ~~النبوة وأعلامها ودلائلها، فإن النبي، صلى الله عليه وسلم إذا قاموا بعهوده ~~ووصاياه، نصرهم الله، وأظهرهم على المخالفين له، فإذا ضيعوا عهوده ظهر ~~أولئك عليهم. # فمدار النصر والظهور مع متابعة النبي صلى الله عليه وسلم وجودا وعدما من ~~غير سبب # PageV01P258 # يزاحم ذلك، ودوران الحكم مع الوصف وجودا وعدما من غير مزاحمة وصف آخر ~~يوجب العلم بأن المدار علة للدائر، وقولنا: "من غير وصف آخر": يزيل النقوض ~~الواردة. فهذا الاستقراء والتتبع يبين أن نصر الله وإظهاره هو بسبب اتباع ~~النبي، وأنه سبحانه يريد إعلاء كلمته ونصره ونصر أتباعه على من خالفه، وأن ~~يجعل لهم السعادة ولمن خالفهم الشقاء، وهذا يوجب العلم بنبوته، وأن من ~~اتبعه كان سعيدا، ومن خالفه كان شقيا. ومن هذا ظهور بخت نصر على بني ~~إسرائيل، فإنه من دلائل نبوة موسى؛ إذ كان ظهور بخت نصر إنما كان لما غيروا ~~عهود موسى، وتركوا اتباعه، فعوقبوا بذلك، وكانوا- إذ كانوا متبعين لعهود ~~موسى - منصورين مؤيدين، كما كانوا في زمن داود وسليمان وغيرهما. قال تعالى ~~[الإسراء: 4-8] : {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ~~ولتعلن علوا كبيرا - فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس ~~شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا - ثم رددنا لكم الكرة عليهم ~~وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا - إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم ~~وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما ~~دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا - عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم ~~عدنا} [الإسراء: 4 - 8] فكان ظهور بني إسرائيل على عدوهم تارة، وظهور عدوهم ~~عليهم تارة من دلائل نبوة موسى صلى الله عليه وسلم وآياته، وكذلك ظهور أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم على عدوهم تارة، وظهور عدوهم عليهم تارة، هو من ~~دلائل رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وأعلام نبوته. وكان نصر الله لموسى ~~وقومه على عدوهم في حياته وبعد موته، كما جرى لهم من ms47 يوشع وغيره من دلائل ~~نبوة موسى، وكذلك انتصار المؤمنين مع محمد صلى الله عليه وسلم في حياته ~~وبعد مماته مع خلفائه من أعلام نبوته ودلائلها. وهذا بخلاف الكفار الذين ~~ينتصرون على أهل الكتاب أحيانا، فإن أولئك لا يكون مطاعهم إلى نبي، ولا ~~يقاتلون أتباع الأنبياء على دين، ولا يطلبون من أولئك أن يتبعوهم على ~~دينهم، بل قد يصرحون بأنا نصرنا عليكم بذنوبكم، وأن لو اتبعتم دينكم لم ~~ننصر عليكم. # PageV01P259 # وأيضا فلا عاقبة لهم، بل الله يهلك الظالم بالظالم، ثم يهلك الظالمين ~~جميعا، ولا قتيلهم يطلب بقتله سعادة بعد الموت، ولا يختارون القتل ليسعدوا ~~بعد الموت. فهذا وأمثاله مما يظهر الفرق بين انتصار الأنبياء وأتباعهم، ~~وبين ظهور بعض الكفار على المؤمنين، أو ظهور بعضهم على بعض، ويبين أن ظهور ~~محمد صلى الله عليه وسلم وأمته على أهل الكتاب: اليهود والنصارى، هو من جنس ~~ظهورهم على المشركين: عبدة الأوثان، وذلك من أعلام نبوته ودلائل رسالته، ~~ليس هو كظهور بخت نصر على بني إسرائيل وظهور الكفار على المسلمين. وهذه ~~الآية مما أخبر به موسى، وبين أن الكذاب المدعي للنبوة لا يتم أمره، وإنما ~~يتم أمر الصادق. فإن من أهل الكتاب من يقول: محمد وأمته سلطوا علينا ~~بذنوبنا مع صحة ديننا الذي نحن عليه، كما سلط بخت نصر وغيره من الملوك. ~~وهذا قياس فاسد، فإن بخت نصر لم يدع نبوة، ولا قاتل على دين، ولا طلب من ~~بني إسرائيل أن ينتقلوا عن شريعة موسى إلى شريعته، فلم يكن في ظهوره إتمام ~~لما ادعاه من النبوة ودعا إليه من الدين، بل كان بمنزلة المحاربين قطاع ~~الطريق إذا ظهروا على القوافل، بخلاف من ادعى نبوة ودينا، ودعا إليه، ووعد ~~أهله بسعادة الدنيا والآخرة، وتوعد مخالفيه بشقاوة الدنيا والآخرة، ثم نصره ~~الله، وأظهره، وأتم دينه، وأعلى كلمته، وجعل له العاقبة، وأذل مخالفيه. فإن ~~هذا من جنس خرق العادات المقترن بدعوى النبوة، فإنه دليل عليها. وقد تغرق ~~في البحر أمم كثيرة، فلا يكون ذلك دليلا على نبوة نبي، ms48 بخلاف غرق فرعون ~~وقومه، فإنه كان آية بينة لموسى. وهذا موافق لما أخبر به موسى - عليه ~~الصلاة والسلام- من أن الكذاب لا يتم أمره، وذلك بأن الله حكيم لا يليق به ~~تأييد الكذاب على كذبه من غير أن يبين كذبه. # ولهذا أعظم الفتن: فتنة الدجال الكذاب، لما اقترن بدعواه الألوهية بعض ~~الخوارق، كان معه ما يدل على كذبه من وجوه: منها: دعواه الألوهية، وهو ~~أعور، والله ليس # PageV01P260 # بأعور، مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن قارئ وغير قارئ، والله تعالى ~~لا يراه أحد حتى يموت، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذه العلامات ~~الثلاث في الأحاديث الصحيحة. فأما تأييد الكذاب، ونصره، وإظهار دعوته ~~دائما، فهذا لم يقع قط، فمن يستدل على ما يفعله الرب سبحانه بالعادة ~~والسنة، فهذا هو الواقع على ذلك- أيضا- بالحكمة، فحكمته تناقض أن يفعل ذلك، ~~إذ الحكيم لا يفعل هذا. وقد قال تعالى [الفتح: 22-23] : {ولو قاتلكم الذين ~~كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا - سنة الله التي قد خلت من ~~قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا} [الفتح: 22 - 23] فأخبر أن سنة الله التي لا ~~تبديل لها: نصر المؤمنين على الكافرين. والإيمان المستلزم لذلك يتضمن طاعة ~~الله ورسوله، فإذا نقص الإيمان بالمعاصي كان الأمر بحسبه، كما جرى يوم أحد. ~~وقال تعالى [فاطر: 42-43] : {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ~~ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا - استكبارا ~~في الأرض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنت ~~الأولين فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا} [فاطر: 42 - ~~43] فأخبر أن الكفار لا ينظرون إلا سنة الأولين، ولا يوجد لسنة الله تبديل، ~~لا تبدل بغيرها، ولا تتحول، فكيف النصر للكفار على المؤمنين الذين يستحقون ~~هذا على الأمم؟ وكذلك قال في المنافقين وهم الكفار في الباطن دون الظاهر ~~ومن فيه شعبة نفاق [الأحزاب: 60-62] : {لئن لم ينته المنافقون والذين في ~~قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك ms49 بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا ~~قليلا - ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا - سنة الله في الذين خلوا ~~من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا} [الأحزاب: 60 - 62] والسنة هي العادة، ~~فهذه عادة الله المعلومة، فإذا نصر من ادعى النبوة وأتباعه على من خالفه، ~~إما ظاهرا وإما باطنا نصرا مستقرا، فإن ذلك دليل على أنه نبي صلى الله عليه ~~وسلم، إذ كانت سنة الله وعادته نصر المؤمنين بالأنبياء الصادقين على ~~الكافرين والمنافقين، كما أن سنته تأييدهم بالآيات البينات، وهذه منها. # ومن ادعى النبوة وهو كاذب، فهو # PageV01P261 # من أكفر الكفار وأظلم الظالمين، قال تعالى [الأنعام: 93] : {ومن أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ~~ما أنزل الله} [الأنعام: 93] وقال تعالى [الزمر: 32] : {فمن أظلم ممن كذب ~~على الله وكذب بالصدق إذ جاءه} [الزمر: 32] وقال تعالى [العنكبوت: 68] : ~~{ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه} [العنكبوت: 68] ~~وقال تعالى [الأنعام: 144] : {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس ~~بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} [الأنعام: 144] ومن كان كذلك، ~~كان الله يمقته، ويبغضه، ويعاقبه، ولا يدوم أمره، بل هو كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عن أبي هريرة قال: «إن الله يملي للظالم، ~~فإذا أخذه لم يفلته "، ثم قرأ [هود: 102] : {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى ~~وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد} [هود: 102] » ، وقال- أيضا- في الحديث الصحيح ~~عن أبي موسى أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمن كمثل ~~الخامة من الزرع، تفيؤها الرياح، تقيمها تارة وتميلها أخرى، ومثل المنافق ~~كمثل شجرة الأرز، لا تزال ثابتة على أصلها، حتى يكون انجعافها مرة واحدة» . ~~فالكاذب الفاجر وإن عظمت دولته، فلا بد من زوالها بالكلية، وبقاء ذمه ولسان ~~السوء له في العالم، وهو يظهر سريعا، ويزول سريعا، كدولة الأسود العنسي، ~~ومسيلمة الكذاب، والحارث الدمشقي، وبابك الخرمي ونحوهم. وأما الأنبياء، ~~فإنهم يبتلون كثيرا ليمحصوا بالبلاء، فإن ms50 الله تعالى يمكن للعبد إذا ~~ابتلاه، ويظهر أمره شيئا فشيئا، كالزرع، قال تعالى [الفتح: 29] : {محمد ~~رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون ~~فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ~~ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه} [الفتح: 29] (أي فراخه) {فآزره} [الفتح: ~~29] (أي قواه) {فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد ~~الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما} [الفتح: 29] ~~ولهذا كان أولى من يتبعهم ضعفاء الناس باعتبار هذه الأمور. وسنة الله في ~~أنبياء الله وأوليائه الصادقين وفي أعداء الله والمتنبئين الكذابين مما ~~يوجب الفرق بين النوعين، وبين دلائل النبي الصادق ودلائل المتنبي # PageV01P262 # الكذاب. وقد ذكر ابتلاء النبي والمؤمنين ثم كون العاقبة لهم في غير موضع ~~كقوله تعالى [الأنعام: 34] : {ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا ~~وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين} ~~[الأنعام: 34] وقال تعالى [البقرة: 214] : {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما ~~يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول ~~الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب} [البقرة: 214] ~~قال تعالى [يوسف: 109- 111] : {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من ~~أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ~~ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون - حتى إذا استيئس الرسل وظنوا ~~أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين - ~~لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي ~~بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} [يوسف: 109 - 111] # والمقصود أن إيذاء القائمين بالحق، والناصرين له من سنن أهل الجاهلية، ~~وكثير من أهل عصرنا على ذلك، والله المستعان. ### | الإيمان بالجبت والطاغوت # الإيمان بالجبت والطاغوت (الخمسون) : الإيمان بالجبت والطاغوت، وتفضيل ~~المشركين على المسلمين. قال تعالى في سورة [النساء: 51] : {ألم تر إلى ~~الذين أوتوا ms51 نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا ~~هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا} [النساء: 51] هذه الآية نزلت في حيي بن ~~أخطب وكعب بن الأشرف في جمع من يهود، وذلك أنهم خرجوا إلى مكة بعد وقعة ~~أحد؛ ليحالفوا قريشا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينقضوا العهد الذي ~~بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل كعب على أبي سفيان، فأحسن ~~مثواه، ونزلت اليهود في دور قريش، فقال أهل مكة: أنتم أهل كتاب، # PageV01P263 # ومحمد صلى الله عليه وسلم صاحب كتاب، فلا يؤمن هذا أن يكون مكرا منكم، ~~فإن أردت أن نخرج معك، فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما، ففعل، ثم قال كعب: ~~يا أهل مكة! ليجيء منكم ثلاثون ومنا ثلاثون، فنلزق أكبادنا بالكعبة، فنعاهد ~~رب البيت لنجهدن على قتال محمد، ففعلوا ذلك، فلما فرغوا قال أبو سفيان ~~لكعب: إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم، ونحن أميون لا نعلم، فأينا أهدى طريقا ~~وأقرب إلى الحق: أنحن أم محمد؟ قال كعب: اعرضوا علي دينكم، فقال أبو سفيان: ~~نخن ننحر للحجيج الكوماء، ونسقيهم اللبن، ونقري الضيف، ونفك العاني، ونصل ~~الرحم، ونعمر بيت ربنا، ونطوف به، ونحن أهل الحرم، ومحمد فارق دين آبائه، ~~وقطع الرحم، وديننا القديم، ودين محمد الحديث، فقال كعب: أنتم والله أهدى ~~سبيلا مما عليه محمد، فأنزل الله في ذلك الآيات. والجبت في الأصل: اسم صنم، ~~فاستعمل في كل معبود غير الله. والطاغوت: يطلق على كل باطل من معبود أو ~~غيره. ومعنى الإيمان بهما: إما التصديق بأنهما آلهة، وإشراكهما بالعبادة مع ~~الله تعالى، وإما طاعتهما وموافقتهما على ما هما عليه من الباطل، وإما ~~القدر المشترك بين المعنيين كالتعظيم- مثلا. والمتبادر المعنى الأول، أي ~~أنهم يصدقون بألوهية هذين الباطلين، ويشركونهما في العبادة مع الإله الحق، ~~ويسجدون لهما. ### | لبس الحق بالباطل # لبس الحق بالباطل (الحادية والخمسون) : لبس الحق بالباطل، وكتمانه، قال ~~تعالى في سورة [آل عمران: 71] : {يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل ~~وتكتمون الحق وأنتم تعلمون} [آل عمران: 71] وفي المراد أقوال: أحدها: ms52 أن ~~المراد تحريفهم التوراة والإنجيل. ثانيها: أن المراد إظهارهم الإسلام، ~~وإبطانهم النفاق. ثالثها: أن المراد الإيمان بموسى وعيسى، والكفر بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم. ورابعها: أن المراد ما يعلمونه في قلوبهم من حقيقة رسالته ~~صلى الله عليه وسلم، وما يظهرونه من تكذيبه. ### | الإقرار بالحق للتوصل إلى دفعه # الإقرار بالحق للتوصل إلى دفعه (الثانية والخمسون) : التعصب للمذهب، ~~والإقرار بالحق للتوصل إلى دفعه. # PageV01P264 # قال تعالى في سورة [آل عمران: 72-74] : {وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا ~~بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون - ولا ~~تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ~~أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم - ~~يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم} [آل عمران: 72 - 74] قال الحسن ~~والسدي: تواطأ اثنا عشر رجلا من أحبار يهود خيبر وقرى عرين، وقال بعضهم ~~لبعض: ادخلوا في دين محمد أول النهار باللسان دون الاعتقاد، واكفروا آخر ~~النهار، وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا، وشاورنا علماءنا، فوجدنا محمدا ليس ~~بذاك، وظهر لنا كذبه، وبطلان دينه، فإذا فعلتم ذلك شك أصحابه في دينهم، ~~وقالوا: إنهم أهل كتاب، وهم أعلم به، فيرجعون عن دينهم إلى دينكم. ### | اتخاذ النبيين أربابا # اتخاذ النبيين أربابا (الثالثة والخمسون) : تسميتهم اتباع الإسلام شركا. ~~قال تعالى [آل عمران: 79- 80] : {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم ~~والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما ~~كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون - ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة ~~والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} [آل عمران: 79 - 80] ~~أخرج ابن إسحاق بسنده: حين «اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل ~~نجران عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاهم إلى الإسلام، [قالوا] : ~~أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل من أهل ~~نجران نصراني يقال له الرئيس: أو ذاك تريد منا يا ms53 محمد؟ فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "معاذ الله أن نعبد غير الله، أو نأمر بعبادة غيره، وما ~~بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني» ، فأنزل الله تعالى هذه الآية. ### | تحريف الكلم عن مواضعه # تحريف الكلم عن مواضعه (الرابعة والخمسون) : تحريف الكلم عن مواضعه، ولي ~~الألسنة بالكتاب. # PageV01P265 # قال تعالى في سورة [آل عمران: 78] : {وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم ~~بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو ~~من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} [آل عمران: 78] روي أن ~~الآية نزلت في اليهود والنصارى جميعا، وذلك أنهم حرفوا التوراة والإنجيل، ~~وألحقوا بكتاب الله تعالى ما ليس منه. واختلف الناس في أن المحرف هل كان ~~يكتب في التوراة أم لا؟ فذهب جمع إلى أنه ليس في التوراة سوى كلام الله ~~تعالى، وأن تحريف اليهود لم يكن إلا تغييرا وقت القراءة، وتأويلا باطلا ~~للنصوص، وأما أنهم يكتبون ما يرومون في التوراة على تعدد نسخها فلا. ~~واحتجوا لذلك بما روي أن التوراة والإنجيل كما أنزلهما الله تعالى لم يغير ~~منهما حرف، ولكنهم يضلون بالتحريف والتأويل وكتب كانوا يكتبونها من عند ~~أنفسهم، ويقولون: إن ذلك من عند الله، وما هو من عند الله، فأما كتب الله ~~تعالى فإنها محفوظة لا تحول. وبأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ~~لليهود إلزاما لهم: «ائتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين» ، وهم يمتنعون ~~عن ذلك، فلو كانت مغيرة إلى ما يوافق مرامهم ما امتنعوا، بل وما كان يقول ~~لهم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه يعود على مطلبه الشريف ~~بالإبطال. وذهب آخرون إلى أنهم بدلوا، وكتموا ذلك في نفس كتابهم، واحتجوا ~~على ذلك بكثير من الظواهر (1) . ولا يمنع من ذلك تعدد النسخ؛ لاحتمال ~~التواطؤ، أو فعل ذلك في البعض دون البعض، وكذلك لا يمنع منه قول الرسول لهم ~~ذلك؛ لاحتمال علمه ببقاء بعض ما يفي بغرضه سالما عن التغيير، إما لجهلهم ~~بوجه دلالته، أو لصرف الله تعالى إياهم عن ms54 تغييره. وتمام الكلام في تفسير ~~الجد عند الكلام على هذه الآية، وكذا في (الجواب الصحيح) لشيخ الإسلام. ~~وكثير من الأمة المحمدية سلكوا مسلك الكتابييين في التحريف، والتأويل، ~~واتباع شهواتهم. وقال تعالى في سورة [النساء: 46] : PageV01P266 # {من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير ~~مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا ~~واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا ~~قليلا} [النساء: 46] والكلام على هذه الآية- أيضا- مستوفى في التفسير. ### | تلقيب أهل الهدى بألقاب غريبة # تلقيب أهل الهدى بألقاب غريبة (الخامسة والخمسون) : تلقيب أهل الهدى ~~بالصابئة والحشوية. فقد كان أهل الجاهلية يلقبون من خرج عن دينهم بالصابىء، ~~كما كانوا يسمون رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، كما ورد في عدة أحاديث ~~من صحيح البخاري ومسلم وغيرهما تنفيرا للناس عن اتباع غير سبيلهم وهكذا تجد ~~كثيرا من هذه الأمة يطلقون على من خالفهم في بدعهم وأهوائهم أسماء مكروهة ~~للناس. والصابئة أمة قديمة على مذاهب مختلفة، قد تكلم عليها أهل المقالات ~~بما لا مزيد عليه. وأما الحشوية، فهم قوم كانوا يقولون بجواز ورود ما لا ~~معنى له في الكتاب والسنة؛ كالحروف في أوائل السور، وكذا قال بعضهم، وهم ~~الذين قال فيهم الحسن البصري لما وجد قولهم ساقطا، وكانوا يجلسون في حلقته ~~أمامه: "ردوا هؤلاء إلى حشا الحلقة"، أي: جانبها. وخصوم السلفيين يرمونهم ~~بهذا الاسم؛ تنفيرا للناس عن اتباعهم والأخذ بأقوالهم، حيث يقولون في ~~المتشابه: {وما يعلم تأويله إلا الله} [آل عمران: 7] وقد أخطأت أستهم ~~الحفرة، فالسلف لا يقولون بورود ما لا معنى له لا في الكتاب ولا في السنة، ~~بل يقولون في الاستواء مثلا: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ~~والإقرار به إيمان، والجحود به كفر. وقد أطال الكلام في هذه المسألة شيخ ~~الإسلام ابن تيمية في كثير من كتبه، ولخص ذلك في كتابه (جواب أهل الإيمان) ~~في التفاضل بين آيات القرآن (1) . PageV01P267 # ومن الناس من فرق بين مذهب السلف ومذهب الحشوية، بأن ms55 مذهب الحشوية ورود ~~ما يتعذر التوصل إلى معناه المراد مطلقا، فالاستواء- مثلا- عندهم له معنى ~~يتوصل إليه بمجرد سماعه كل من يعرف الموضوعات اللغوية، إلا أنه غير مراد؛ ~~لأنه خلاف ما يقتضيه دليل العقل والنقل، ومعنى آخر يليق به- تعالى- لا ~~يعلمه إلا هو عز وجل. وكيف يكون مذهب السلف هو مذهب الحشوية، وقد رأى الحسن ~~البصري الذي هو من أكابر السلف سقوط قول الحشوية، ولم يرض أن يقعد قائله ~~تجاهه؟! والمقصود أن أهل الباطل من المبتدعة رموا أهل السنة والحديث بمثل ~~هذا اللقب الخبيث. قال أبو محمد عبد الله بن قتيبة في "تأويل مختلف ~~الأحاديث ": "إن أصحاب البدع سموا أهل الحديث بالحشوية، والنابتة، ~~والمتجبرة، والجبرية، وسموهم الغثاء، وهذه كلها أنباز لم يأت بها خبر عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أتى في القدرية أنهم «مجوس هذه الأمة، ~~فإن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوا جنائزهم» . وفي الرافضة: ~~«يكون قوم في آخر الزمان يسمون الرافضة، يرفضون الإسلام ويلفظونه، ~~فاقتلوهم، فإنهم مشركون» وفي المرجئة: «صنفان من أمتي لا تنالهم شفاعتي، ~~لعنوا على لسان سبعين نبيا: المرجئة والقدرية» . وفي الخوارج: «يمرقون من ~~الإسلام كما يمرق السهم من الرمية» ، و «كلاب أهل النار» . هذه أسماء من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلك أسماء مصنوعة انتهى. وفي "الغنية" (1) ~~أن الباطنية تسمي أهل الحديث "حشوية" لقولهم بالأخبار وتعلقهم بالآثار. وفي ~~كتاب "حجة الله البالغة" (2) "واستطال هؤلاء الخائضون على معشر أهل الحديث، ~~وسموهم مجسمة، ومشبهة، وقالوا: هم المتسترون بالبلكفة (3) وقد وضح لدي ~~وضوحا بينا أن استطالتهم هذه ليست بشيء، وأنهم مخطئون في مقالتهم رواية ~~ودراية، وخاطئون في طعنهم أئمة الهدى انتهى. # وقد قال العلامة ابن القيم في "كافيته الشافية": "فصل في تلقيبهم أهل ~~السنة بالحشوية، وبيان من أولى بالوصف المذموم PageV01P268 # في هذا اللقب من الطائفتين، وذكر أول من لقب به أهل السنة من أهل البدع: # ومن العجائب قولهم لمن اقتدى ... بالوحي من أثر ومن قرآن # حشوية يعنون حشوا في الوجو ... د وفضلة في أمة الإنسان # ويظن ms56 جاهلهم بأنهم حشوا ... رب العباد بداخل الأكوان # إذ قولهم فوق العباد وفي السما ... ء الرب ذو الملكوت والسلطان # ظن الحمير بأن "في" للظرف وال ... رحمن محوي بظرف مكان # والله لم يسمع بذا من فرقة ... قالته في زمن من الأزمان # لا تبهتوا أهل الحديث به فما ... ذا قولهم تبا لذي البهتان # بل قولهم: إن السماوات العلا ... في كف خالق هذه الأكوان # حقا كخردلة ترى في كف ... ممسكها تعالى الله ذو السلطان # أترونه المحصور بعد أم السما؟ ... يا قومنا ارتدعوا عن العدوان # كم ذا مشبهة وذا حشوية ... صرف بلا جحد ولا كتمان # تدرون من سمت شيوخكم ... بهذا الاسم في الماضي من الأزمان # سمى به عمرو لعبد الله (1) ذا ... ك ابن الخليفة طارد الشيطان # فورثتم عمروا كما ورثوا لعبد الله ... أنى يستوي الإرثان # تدرون من أولى بهذا الاسم ... وهو مناسب أحواله بوزان # من قد حشا الأوراق والأذهان من ... بدع تخالف مقتضى القرآن # هذا هو الحشوي لا أهل الحديث ... أئمة الإسلام والإيمان # وردوا عذاب مناهل السنن التي ... ليست زبالة هذه الأذهان # ووردتم القلوط (2) مجرى كل ذي ال ... أوساخ والأقذار والأنتان # وكسلتم أن تصعدوا للورد من ... أثر الشرائع خيبة الكسلان PageV01P269 # وحاصل هذه الأبيات أن أعداء الحق وخصوم السنة وأضداد الكتاب والسنة ~~يلقبون سلف الأمة المتمسكين بالكتاب والسنة بلقب "الحشوية" فالخواص منهم ~~يقصدون بهذا الاسم أن المسمى به حشو في الوجود وفضلة في الناس، لا يعبأ ~~بهم، ولا يقام لهم وزن؛ إذ لم يتبعوا آراءهم الكاسدة، وأفكارهم الفاسدة. ~~وأما العوام منهم فيظنون أن تسمية السلف بالحشوية لقولهم بالفوقية، وكون ~~الإله في السماء، بمعنى أنهم اعتقدوا- وحاشاهم- أن الله تعالى حشو هذا ~~الوجود، وأنه داخل الكون تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وهذا ~~بهتان عظيم على أهل الحديث. على أن هذا القول لم يقل به أحد. وأعداء الحق ~~في عصرنا هذا على هذا المسلك الجاهلي، فتراهم يرمون كل من تمسك بالكتاب ~~والسنة بكل لقب مذموم بين المسلمين، والله المستعان على ما تصفون. ### | التكذيب بالحق # التكذيب بالحق (السادسة والخمسون) ms57 : افتراء الكذب على الله، والتكذيب ~~بالحق. وشواهد هذه المسألة من الكتاب والسنة كثير، وهذا دأب المخالفين ~~للدين المبين، كاليهود والنصارى، يدعون أن ما هم عليه هو الحق، وأن الله ~~أمرهم بالتمسك به، وأن الدين المبين ليس بحق، وأن الله تعالى أمرهم ~~بتكذيبه، كل ذلك لاتباع أسلافهم، لا ينظرون إلى الدليل، وهكذا أهل البدع ~~والضلالات يعتقدون بدعهم الحق، وأن الله أمرهم بها، وأن ما عليه أهل الحق ~~مفترى، لا يصدقون به. # وكل يدعي وصلا لليلى ... وليلى لا تقر لهم بذاكا ### | الافتراء على المؤمنين # الافتراء على المؤمنين (السابعة والخمسون) : رمي المؤمنين بطلب العلو في ~~الأرض. قال تعالى في سورة [يونس: 78] : {قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا ~~عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين} [يونس: ~~78] هذا الكلام مسوق لبيان أن موسى عليه السلام ألقمهم الحجر، فانقطعوا عن ~~الإتيان بكلام له تعلق بكلامه عليه السلام فضلا عن الجواب الصحيح، واضطروا ~~إلى التشبث بذيل التقليد الذي هو دأب كل عاجز محجوج، وديدن كل معالج لجوج. ~~على أنه استئناف وقع جوابا عما قبله من كلامه عليه السلام على طريقة: قال ~~موسى، كأنه قيل: فماذا قالوا لموسى عليه # PageV01P270 # السلام حين قال لهم ما قال؟ فقيل: قالوا عاجزين عن المحاجة: {أجئتنا ~~لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض} [يونس: 78] ~~أي: الملك. كما روي عن مجاهد، وعن الزجاج أنه سمي الملك كبرياء، لأنه أكبر ~~ما يطلب من أمر الدنيا. فكل من دعا إلى الحق رماه من كان على المسلك ~~الجاهلي أن قصده من الدعوة طلب الرئاسة والجاه، من غير أن ينظروا إلى ما ~~دعا إليه، وما قام عليه من البراهين. ### | رمي المؤمنين بالفساد في الأرض # رمي المؤمنين بالفساد في الأرض (الثامنة والخمسون) : رمي المؤمنين ~~بالفساد في الأرض. شاهد هذه المسألة آيات كثيرة، حاصلها أن المخالفين لهم ~~من المؤمنين مفسدون في الأرض. انظر إلى قولهم في أوائل سورة "البقرة" ~~الآية: 11، كيف ادعوا أنهم هم مصلحون، وقد رد الله عليهم بقوله: {ألا إنهم ~~هم المفسدون ms58 ولكن لا يشعرون} [البقرة: 12] البقرة: 12. وهكذا من هو على ~~شاكلة أولئك، من الذين استحلوا غيهم وتمكنت بدعهم من قلوبهم: # ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرا به الماء الزلالا # نسأله تعالى أن يثبت قلوبنا على دينه القويم، وأقدامنا على الصراط ~~المستقيم. ### | رمي المؤمنين بتبديل الدين # رمي المؤمنين بتبديل الدين (التاسعة والخمسون) : رمي المؤمنين بتبديل ~~الدين. قال تعالى في سورة [غافر: 26] : {إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر ~~في الأرض الفساد} [غافر: 26] اعتقدوا أن ما هم عليه من الضلال هو الدين ~~الحق، ومن أراد تحويلهم عن اعتقادهم الكاسد، وصرفهم عما هم عليه من الغي، ~~[فقد أراد] إخراجهم من الدين، وإفسادا في الأرض. وهكذا ديدن أعداء الحق في ~~كل عصر". ### | اتهام أهل الحق بالفساد في الأرض # اتهام أهل الحق بالفساد في الأرض (الستون) : كونهم إذا غلبوا بالحجة، ~~فزعوا إلى السيف والشكوى إلى الملوك، ودعوى احتقار السلطان، وتحويل الرعية ~~عن دينه. قال تعالى في سورة [الأعراف: 127] : {أتذر موسى وقومه ليفسدوا في ~~الأرض} [الأعراف: 127] فانظر إلى شكوى # PageV01P271 # آل فرعون وقومه إليه، وتحريشهم إياه على مقاتلة موسى عليه السلام ~~وتهييجه، وما ذكر في آخر الآية من احتقار ما كانوا عليه. ### | [تناقض مذهبهم لما تركوا الحق] # تناقض مذهبهم لما تركوا الحق (الحادية والستون) : تناقض مذهبهم لما تركوا ~~الحق. قال تعالى في سورة [ق: 4-5] : {قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا ~~كتاب حفيظ - بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج} [ق: 4 - 5] فقوله: ~~{بل كذبوا بالحق} [ق: 5] إلخ، إضراب أتبع الإضراب الأول للدلالة على أنهم ~~جاءوا بما هو أفظع من تعجبهم، وهو التكذيب بالحق، الذي هو النبوة الثابتة ~~بالمعجزات، في أول وهلة، من غير تفكر ولا تدبر، {فهم في أمر مريج} [ق: 5] ~~مضطرب، وذلك بسبب نفيهم النبوة عن البشر بالكلية تارة، وزعمهم أن اللائق ~~بها أهل الجاه والمال كما ينبئ عنه قولهم: {لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم} [الزخرف: 31] تارة أخرى، وزعمهم أن النبوة سحر مرة أخرى، ~~وأنها كهانة ms59 أخرى، حيث قالوا في النبي صلى الله عليه وسلم مرة: ساحر، ومرة: ~~كاهن، أو هو اختلاف حالهم ما بين تعجب من البعث واستبعاد له، وتكذيب وتردد ~~فيه، أو قولهم في القرآن: هو شعر تارة، وهو سحر أخرى. وقال تعالى في سورة ~~[الذاريات: 7-11] : {والسماء ذات الحبك - إنكم لفي قول مختلف - يؤفك عنه من ~~أفك - قتل الخراصون - الذين هم في غمرة ساهون} [الذاريات: 7 - 11] الحبك: ~~جمع حبيكة، كطريقة، أو حباك، كمثال ومثل، والمراد بها إما الطرق المحسوسة ~~التي تسير فيها الكواكب، أو المعقولة التي تدرك بالبصيرة، وهي ما يدل على ~~وحدة الصانع وقدرته وعلمه وحكمته إذا تأملها الناظر. وقوله: {إنكم لفي قول ~~مختلف} [الذاريات: 8] أي: متخالف، متناقض في أمر الله عز وجل، حيث تقولون: ~~إنه جل شأنه خلق السماوات والأرض، وتقولون بصحة عبادة الأصنام معه سبحانه، ~~وفي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فتقولون تارة: إنه مجنون، وأخرى: إنه ~~ساحر، ولا يكون الساحر إلا عاقلا، وفي أمر الحشر، فتقولون تارة: لا حشر ولا ~~حياة بعد الموت أصلا، وتزعمون أخرى أن أصنامكم # PageV01P272 # شفعاؤكم عند الله تعالى يوم القيامة، إلى غير ذلك من الأقوال المتخالفة ~~فيما كلفوا بالإيمان به. وقوله: {يؤفك عنه من أفك} [الذاريات: 9] أي: يصرف ~~عن الإيمان بما كلفوا الإيمان به. {قتل الخراصون} [الذاريات: 10] أي: ~~الكذابون من أصحاب القول المختلف. {الذين هم في غمرة ساهون} [الذاريات: 11] ~~الغمرة: الجهل العظيم يغمرهم ويشملهم شمول الماء الغامر لما فيه، والسهو: ~~الغفلة. وقال تعالى في أواخر سورة [الأنعام: 159] : {إن الذين فرقوا دينهم ~~وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا ~~يفعلون} [الأنعام: 159] هذه الآية استئناف لبيان أحوال أهل الكتابين إثر ~~بيان حال المشركين، بناء على ما روي عن ابن عباس وقتادة: أن الآية نزلت في ~~اليهود والنصارى. أي: بددوا دينهم، وبعضوه، فتمسك بكل بعض منه فرقة منهم. ~~{وكانوا شيعا} [الأنعام: 159] أي: فرقا تشايع كل فرقة إماما، وتتبعه، أي: ~~تقويه، وتظهر أمره. أخرج أبو داود والترمذي عن أبي هريرة قال، ms60 قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، كلهم في ~~الهاوية إلا واحدة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، كلهم في ~~الهاوية إلا واحدة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلهم في الهاوية ~~إلا واحدة» . واستثناء الواحدة من فرق كل من أهل الكتابين إنما هو بالنظر ~~إلى العصر الماضي قبل النسخ، وأما بعده؛ فالكل في الهاوية، وإن اختلفت ~~أسباب دخولهم. {لست منهم في شيء} [الأنعام: 159] أي: من السؤال عنهم، ~~والبحث عن تفرقهم، أو من عقابهم، أو أنت بريء منهم. {إنما أمرهم إلى الله} ~~[الأنعام: 159] تعليل للنفي المذكور، أي: هو يتولى وحده أمرهم: أولاهم ~~وأخراهم، ويدبره حسبما تقتضيه الحكمة. ومن الناس من قال: المفرقون: أهل ~~البدع من هذه الأمة: فقد أخرج الحكيم الترمذي وابن جرير والطبراني وغيرهم ~~عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله سبحانه: {إن الذين ~~فرقوا} [الأنعام: 159] إلخ: «هم أهل البدع والأهواء من هذه الأمة» فيكون ~~الكلام- حينئذ - استئنافا لبيان حال المبتدعين، إثر بيان حال المشركين، ~~إشارة إلى أنهم ليسوا منهم ببعيد. # والمقصود أن أهل الجاهلية سواء كانوا أميين أو كتابيين قد فرقوا دينهم، ~~وتغايروا في الاعتقاد، فكان عباد الأصنام كل قوم لهم صنم يدينون له، ولهم # PageV01P273 # شرائع مختلفة في عبادتها، ومنهم من كان يعبد كوكبا، ومنهم من كان يعبد ~~الشمس، ومنهم، ومنهم، وكذلك الكتابيون على ما بينا. فالافتراق ناشئ عن ~~الجهل، وإلا فالشريعة الحقة في كل زمان لا تعدد فيها ولا اختلاف، ولذلك ترى ~~القرآن يوحد الحق ويعدد الباطل: قال تعالى [البقرة: 257] : {الله ولي الذين ~~آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم ~~من النور إلى الظلمات} [البقرة: 257] فانظر كيف أفرد النور الذي هو الحق، ~~وجمع الظلمات التي هي الباطل والزيغ، فتفرقة الآراء، والاختلاف في الاعتقاد ~~من خصال الجاهلية وما كان عليه أهل الباطل، والاتفاق على العقيدة الحقة هو ~~من دأب أتباع الرسل والمتمسكين بما شرعه الله تعالى. ### | [دعواهم العمل بالحق الذي عندهم] # دعواهم العمل بالحق الذي ms61 عندهم (الثانية والستون) : دعواهم العمل بالحق ~~الذي عندهم. كما قال تعالى في سورة [البقرة: 91] : {وإذا قيل لهم آمنوا بما ~~أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما ~~معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين} [البقرة: 91] أي: ~~نستمر على الإيمان بالتوراة وما في حكمها مما أنزل لتقرير حكمها، ومرادهم ~~بضمير المتكلم إما أنبياء بني إسرائيل- وهو الظاهر، وفيه إيماء إلى أن عدم ~~إيمانهم بالقرآن كان بغيا وحسدا على نزوله على من ليس منهم- وإما أنفسهم، ~~ومعنى الإنزال عليهم: تكليفهم بما في المنزل من الأحكام، وذموا على هذه ~~المقالة لما فيها من الشرعي بشأن القرآن، ودسائس اليهود مشهورة، وتمام ~~الكلام في التفسير. ### | [الزيادة في العبادة] # الزيادة في العبادة (الثالثة والستون) : الزيادة في العبادة، كفعلهم يوم ~~عاشوراء. ### | النقص من العبادة # النقص من العبادة (الرابعة والستون) : النقص منها، كتركهم الوقوف. قال ~~تعالى [البقرة: 199] ، # PageV01P374 # {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس} [البقرة: 199] أي: من عرفة، لا من مزدلفة. ~~والخطاب عام، والمقصود إبطال ما كان عليه الحمس من الوقوف بجمع. فقد أخرج ~~البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كانت قريش ومن دان دينها ~~يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس، وكانت سائر العرب يقفون بعرفات، فلما ~~جاء الإسلام، أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأتي عرفات، ثم يقف بها، ~~ثم يفيض منها، فذلك قوله سبحانه: {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس} [البقرة: ~~199] » ومعناها: ثم أفيضوا أيها الحجاج من مكان أفاض جنس الناس منه قديما ~~وحديثا، وهو عرفة، لا من مزدلفة. ### | تعبدهم بترك الطيبات من الرزق # تعبدهم بترك الطيبات من الرزق (الخامسة والستون) : تعبدهم بترك أكل ~~الطيبات من الرزق، وترك زينة الله التي أخرج لعباده. قال تعالى في سورة ~~[الأعراف: 31-32] : {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا ~~تسرفوا إنه لا يحب المسرفين - قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ms62 ~~كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون} [الأعراف: 31 - 32] وسبب النزول- على ما روي ~~عن ابن عباس - أنه كان أناس من الأعراب يطوفون بالبيت عراة، حتى إن كانت ~~المرأة لتطوف بالبيت وهي عريانة، فتعلق على سفلها سيورا مثل هذه السيور ~~التي تكون على وجه الحمر من الذباب، وهي تقول: # اليوم يبدو بعضه أوكله ... وما بدا منه فلا أحله # فأنزل الله تعالى هذه الآية: {يا بني آدم} [الأعراف: 31] إلخ. {وكلوا ~~واشربوا} [الأعراف: 31] مما طاب لكم، قال الكلبي: "كان أهل الجاهلية لا ~~يأكلون من الطعام إلا قوتا، ولا يأكلون دسما في أيام حجهم، يعظمون بذلك ~~حجهم، فقال المسلمون: يا رسول الله! نحن أحق بذلك، فأنزل الله تعالى ~~الآية". ومنه يظهر وجه ذكر الأكل والشرب هنا {ولا تسرفوا} [الأعراف: 31] ~~بتحريم الحلال، كما هو المناسب لسبب النزول أو بالتعدي إلى الحرام. {قل من ~~حرم زينة الله التي أخرج لعباده} [الأعراف: 32] من الثياب وكل ما يتجمل به # PageV02P275 # {والطيبات من الرزق} [الأعراف: 32] أي: من المستلذات، وقيل: المحللات من ~~المآكل والمشارب، كلحم الشاة وشحمها ولبنها. {قل هي للذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا} [الأعراف: 32] أي: هي لهم بالأصالة لمزيد كرامتهم على الله تعالى، ~~والكفرة- إن شاركوهم فيها- فبالتبع، {خالصة يوم القيامة} [الأعراف: 32] لا ~~يشاركهم فيها غيرهم. ### | تعبدهم بالمكاء والتصدية # تعبدهم بالمكاء والتصدية (السادسة والستون) : تعبدهم بالمكاء والتصدية. ~~قال تعالى في سورة "الأنفال" [35] : {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء ~~وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} [الأنفال: 35] تفسير هذه الآية: ~~{وما كان صلاتهم عند البيت} [الأنفال: 35] أي: المسجد الحرام، الذي صدوا ~~المسلمين عنه، والتعبير عنه بالبيت للاختصار مع الإشارة إلى أنه بيت الله، ~~فينبغي أن يعظم بالعبادة، وهم لم يفعلوا. {إلا مكاء} [الأنفال: 35] أي: ~~صفيرا. {وتصدية} [الأنفال: 35] أي: تصفيقا، وهو ضرب اليد باليد بحيث يسمع ~~له صوت. والمراد بالصلاة: إما الدعاء، أو أفعال أخر كانوا يفعلونها، ~~ويسمونها صلاة، وحمل المكاء والتصدية عليها بتأويل ذلك بأنها لا فائدة ~~فيها، ولا معنى لها، كصفير الطيور، وتصفيق اللعب. وقد يقال: المراد أنهم ~~وضعوا المكاء والتصدية موضع الصلاة ms63 التي يليق أن تقع عند البيت. يروى أنهم ~~كانوا إذا أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي، يخلطون عليه بالصفير ~~والتصفيق. ويروى أنهم يصلون أيضا. ويرون أنهم كانوا يطوفون عراة: الرجال ~~والنساء مشبكين بين أصابعهم، يصفرون فيها، ويصفقون. وباقي الآية معلوم. ~~والمقصود أن مثل هذه الأفعال لا تكون عبادة، بل من شعائر الجاهلية. فما ~~يفعله اليوم بعض جهلة المسلمين في المساجد من المكاء والتصدية يزعمون أنهم ~~يذكرون الله، فهو من قبيل فعل الجاهلية، وما أحسن ما يقول القائل فيهم: # أقال الله صفق لي وغن ... وقل كفرا وسم الكفر ذكرا؟ # وقد جعل الشارع صوت الملاهي صوت الشيطان، قال تعالى [الإسراء: 64] : # PageV02P276 # {واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في ~~الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا} [الإسراء: 64] ### | النفاق في العقيدة # النفاق في العقيدة (السابعة والستون) : دعواهم الإيمان عند المؤمنين، ~~فإذا خرجوا خرجوا بالكفر الذي دخلوا به. ### | دعاؤهم الناس إلى الضلال بغير علم # دعاؤهم الناس إلى الضلال بغير علم (الثامنة والستون) : دعاؤهم الناس إلى ~~الضلال بغير علم. ### | دعاؤهم إلى الكفر مع العلم # دعاؤهم إلى الكفر مع العلم (التاسعة والستون) : دعاؤهم الناس إلى الكفر ~~مع العلم. ### | المكر الكبار # المكر الكبار (السبعون) : المكر الكبار: كفعل قوم نوح قال تعالى في سورة ~~"نوح" عليه السلام [22-24] : {ومكروا مكرا كبارا - وقالوا لا تذرن آلهتكم ~~ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا - وقد أضلوا كثيرا} [نوح: 22 ~~- 24] ومعنى الكبار: الكبير. والمكر الكبار: احتيالهم في الدين، وصدهم ~~للناس عنه، وإغراؤهم وتحريضهم على أذية نوح عليه السلام. وهكذا فعل أخلاف ~~هؤلاء من مردة الدين، وأتباع الهوى وعبدة الدنيا، يفعلون مع دعاة الحق كما ~~فعل قوم نوح عليه السلام معه، قد تشابهت قلوبهم، نسأله تعالى أن يعيذ رجال ~~الحق من كيد مثل هؤلاء الفجرة، ويصونهم من مكرهم. # وقد جربتهم فرأيت منهم ... خبائث بالمهيمن نستجير ### | حالة علمائهم # حالة علمائهم (الحادية والسبعون) : أئمتهم: إما عالم فاجر، وإما عابد ~~جاهل. قال تعالى: # PageV02P277 # [البقرة: 75- 79] {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم ms64 وقد كان فريق منهم يسمعون كلام ~~الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون - وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا ~~آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم ~~به عند ربكم أفلا تعقلون - أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون - ~~ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون - فويل للذين ~~يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا ~~فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون} [البقرة: 75 - 79] فذكر في ~~الآية أن فريقا من أسلاف اليهود- وهم الأحبار- كانوا يسمعون التوراة ~~ويؤولونها تأويلا فاسدا حسب أغراضهم، بل كانوا يحرفونها بتبديل كلام من ~~تلقائهم، كما فعلوا ذلك في نعته صلى الله عليه وسلم، فإنه روي أنه من صفاته ~~فيها أنه أبيض ربعة، فغيروه بأسمر طويل، وغيروا آية الرجم بالتسخيم وتسويد ~~الوجه، كما في البخاري. {ومنهم} [البقرة: 78] فريق {أميون لا يعلمون ~~الكتاب} [البقرة: 78] إلا بالدعاوى الكاذبة، والمراد بهم جهلة مقلدة، لا ~~إدراك لهم، وتمام الكلام في هذا المقام يطلب من التفسير. والمقصود أن تحريف ~~الكلم، واتباع الهوى، والقول على الله من غير علم من خصال الجاهلية. وأنت ~~تعلم حال أحبار السوء اليوم والرهبان الذين يقولون على الله ما لا يعلم قد ~~تجاوزوا الحد في اتباع الهوى، وتأويل النصوص، وما أشبه ذلك، مما يستحي منه ~~الإسلام، والأمر لله. ### | زعمهم أنهم أولياء الله # زعمهم أنهم أولياء الله (الثانية والسبعون) : زعمهم أنهم أولياء لله من ~~دون الناس. دليل هذه المسألة قوله تعالى في سورة [الجمعة: 6- 8] : {قل يا ~~أيها الذين هادوا} [الجمعة: 6] أي: تهودوا، أي: صاروا يهودا. {إن زعمتم ~~أنكم أولياء لله} [الجمعة: 6] أي: أحباء له سبحانه، ولم يضف أولياء إليه ~~تعالى كما في قوله سبحانه: {ألا إن أولياء الله} [يونس: 62] ليؤذن بالفرق ~~بين مدعي الولاية ومن يخصه بها. {من دون الناس} [الجمعة: 6] أي: متجاوزين ~~عن # PageV02P278 # الناس {فتمنوا الموت} [الجمعة: 6] أي: فتمنوا من الله أن يميتكم، وينقلكم ~~من دار البلية إلى محل ms65 الكرامة {إن كنتم صادقين} [الجمعة: 6] في زعمكم، ~~واثقين بأنه حق، فتمنوا الموت فإنه من أيقن أنه من أهل الجنة أحب أن يتخلص ~~إليها من هذه الدار التي هي قرارة الإنكار والأكدار. وأمر صلى الله عليه ~~وسلم أن يقول لهم ذلك إظهارا لكذبهم، فإنهم كانوا يقولون: {نحن أبناء الله ~~وأحباؤه} [المائدة: 18] ويدعون أن الآخرة لهم عند الله خالصة، ويقولون: {لن ~~يدخل الجنة إلا من كان هودا} [البقرة: 111] كما أخبر تعالى عن الكتابيين في ~~كتابه، فقال جل شأنه [البقرة: 111-112] : {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان ~~هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين - بلى من أسلم ~~وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [البقرة: ~~111 - 112] وروي أنه لما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كتبت يهود ~~المدينة ليهود خيبر: إن اتبعتم محمدا أطعناه، وإن خالفتموه خالفناه، ~~فقالوا: نحن أبناء خليل الرحمن، ومنا عزير ابن الله والأنبياء، ومتى كانت ~~النبوة في العرب؟ نحن أحق بها من محمد، ولا سبيل إلى اتباعه، فنزلت ~~[الجمعة: 6- 7] : {قل يا أيها الذين هادوا} [الجمعة: 6] الآية {ولا يتمنونه ~~أبدا} [الجمعة: 7] إخبار بحالهم المستقبل، وهو عدم تمنيهم الموت، وذلك خاص ~~بأولئك المخاطبين. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: «والذي ~~نفسي بيده لا يقولها أحد منكم إلا غص بريقه» ، فلم يتمنه أحد منهم، وما ذلك ~~إلا لأنهم كانوا موقنين بصدقه صلى الله عليه وسلم، فعلموا أنهم لو تمنوا ~~لماتوا من ساعتهم، ولحقهم الوعيد، وهذه إحدى المعجزات. {بما قدمت أيديهم} ~~[الجمعة: 7] أي: بسببه، كأنه قيل: انتفى تمنيهم بسبب ما قدمت، والمراد بما ~~قدمته أيديهم: الكفر والمعاصي الموجبة لدخول النار، ولما كانت اليد من بين ~~جوارح الإنسان مناط عامة أفعاله، عبر بها تارة عن النفس وأخرى عن القدرة ~~{والله عليم بالظالمين} [الجمعة: 7] أي: بهم، وإيثار الإظهار على الإضمار ~~لذمهم، والتسجيل عليهم بأنهم ظالمون في كل ما يأتون ويذرون من الأمور التي ~~من جملتها ادعاء ما هم ms66 عنه بمعزل، أي: والله عليم بما # PageV02P279 # صدر منهم من فنون الظلم والمعاصي، وبما سيكون منهم، فيجازيهم على ذلك. ~~{قل إن الموت الذي تفرون منه} [الجمعة: 8] ولا تجسرون على أن تمنوه مخافة ~~أن تؤخذوا بوبال أفعالكم. {فإنه ملاقيكم} [الجمعة: 8] ألبتة، من غير صارف ~~يلويه، ولا عاطف يثنيه. {ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة} [الجمعة: 8] ~~الذي لا تخفى عليه خافية. {فينبئكم بما كنتم تعملون} [الجمعة: 8] من الكفر ~~والمعاصي بأن يجازيكم بها. وهذا ديدن الزائغين، وشأن الملحدين، كما قال ~~تعالى عن اليهود: {نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم ~~بشر ممن خلق} [المائدة: 18] وقد ورث هذه الخصلة كثير ممن ينتمي إلى الملة ~~الإسلامية، بل كل من الفرق يقول: نحن أولياء الله، مع أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال في حديث الفرق في بيان الفرقة الناجية: «وهم ما أنا عليه ~~وأصحابي» . ### | دعوى محبة الله مع ترك شرعه # دعوى محبة الله، مع ترك شرعه (الثالثة والسبعون) : دعواهم محبة الله مع ~~ترك شرعه. فطالبهم سبحانه بقوله في سورة [آل عمران: 31] : {قل إن كنتم ~~تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم} [آل ~~عمران: 31] قال الحسن وابن جريج: "زعم أقوام على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنهم يحبون الله، فقالوا: يا محمد إنا نحب ربنا، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية". وروى الضحاك عن ابن عباس قال: «وقف النبي صلى الله عليه ~~وسلم على قريش في المسجد الحرام، وقد نصبوا أصنامهم، وعلقوا عليها بيض ~~النعام، وجعلوا في آذانها الشنوف (1) وهم يسجدون لها، فقال: "يا معشر قريش، ~~لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم وإسماعيل، ولقد كانا على الإسلام "، فقالت ~~قريش: يا محمد، إنما نعبد هذه حبا لله؛ لتقربنا إلى الله زلفى، فأنزل الله ~~تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله} [آل عمران: 31] إلخ» . وفي رواية أبي صالح ~~أن اليهود لما قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه أنزل الله هذه الآية، فلما ~~نزلت عرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على اليهود، PageV02P280 # فأبوا أن ms67 يقبلوها. وروى محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير قال: ~~"نزلت في نصارى نجران، وذلك أنهم قالوا: إنما نعظم المسيح، نعبده حبا لله، ~~وتعظيما له، فأنزل الله تعالى هذه الآية ردا عليهم. وبالجملة إن من تلبس ~~بالمعاصي لا ينبغي له أن يدعي محبه الله، وما أحسن قول القائل: # تعصي الإله وأنت تظهر حبه ... هذا لعمري في القياس بديع # لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع ### | [تمنيهم على الله تعالى الأماني الكاذبة] # تمنيهم على الله تعالى الأماني الكاذبة (الرابعة والسبعون) : تمنيهم على ~~الله تعالى الأماني الكاذبة. قال تعالى في سورة [آل عمران: 23-24] : {ألم ~~تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم ~~يتولى فريق منهم وهم معرضون - ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما ~~معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون} [آل عمران: 23 - 24] أخرج ابن ~~إسحاق وجماعة عن ابن عباس قال: «دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت ~~المدراس على جماعة من يهود، فدعاهم إلى الله تعالى، فقال النعمان بن عمرو ~~والحارث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟ فقال: "على ملة إبراهيم ودينه "، ~~قالا: "فإن إبراهيم كان يهوديا"، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"فهلما إلى التوراة، فهي بيننا وبينكم، فأينا عليه "، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية» . وفي البحر: "زنى رجل من اليهود بامرأة، ولم يكن بعد في ديننا ~~الرجم، فتحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تخفيفا على الزانيين ~~لشرفهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما أحكم بكتابكم» ، ~~فأنكروا الرجم، فجيء بالتوراة، فوضع جرهم بن صوريا يده على آية الرجم، فقال ~~عبد الله بن سلام: جاوزها يا رسول الله، فأظهرها، فرجما، فغضبت اليهود، ~~فنزلت. ومعنى قوله: {ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات} ~~[آل عمران: 24] أي: المذكور من التولي والإعراض حاصل لهم بسبب هذا القول ~~الذي رسخ اعتقاهم به، وهونوا به الخطوب، ولم يبالوا معه بارتكاب المعاصي ms68 ~~والذنوب. والمراد بالأيام المعدودات: أيام عبادتهم العجل {وغرهم في دينهم ~~ما كانوا يفترون} [آل عمران: 24] أي: غرهم افتراؤهم وكذبهم، أو الذي كانوا ~~يفترونه من قولهم: {لن تمسنا النار} [آل عمران: 24] أو من قولهم: {نحن ~~أبناء الله وأحباؤه} [المائدة: 18] # PageV02P281 # أو مما يشمل ذلك ونحوه من قولهم: إن آباءنا الأنبياء يشفعون لنا، وأن ~~الله تعالى وعد يعقوب أن لا يعذب أبناءه إلا تحلة القسم. فرد عليهم سبحانه ~~بقوله: {فكيف إذا جمعناهم} [آل عمران: 25] إلخ. روي أن أول راية ترفع لأهل ~~الموقف من رايات الكفار راية اليهود، فيفضحهم الله تعالى على رؤوس الأشهاد، ~~ثم يأمر بهم إلى النار. وهكذا رأينا كثيرا من أهل زماننا يفعلون ما يفعلون ~~من المنكرات، اعتمادا على الشفاعة، أو على علو الحسب وشرف النسب، والله ~~المستعان. وفي سورة [البقرة: 80-81] : {وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما ~~معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما ~~لا تعلمون - بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون} [البقرة: 80 - 81] ### | اتخاذ قبور الصالحين مساجد # اتخاذ قبور الصالحين مساجد (الخامسة والسبعون) : اتخاذ قبور أنبيائهم ~~وصالحيهم مساجد. هذه المسألة من خصال الكتابيين أيام الجاهلية. وفي ذلك ورد ~~الحديث الصحيح: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ، ~~ثم قال: «فلا تتخذوها مساجد» . وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: «قاتل الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم ~~مساجد» . وفي لفظ لمسلم: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم ~~مساجد» . وفي الصحيحين عن عائشة وابن عباس، قالا: «لما نزل برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، طفق يطرح خميصة على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، ~~فقال - وهو كذلك-: "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم ~~مساجد"، يحذر ما صنعوا".» وفي الصحيحين- أيضا- عن عائشة أن أم سلمة وأم ~~حبيبة ذكرتا لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأينها بأرض الحبشة يقال ~~لها: "مارية"، وذكرتا من حسنها وتصاوير فيها، فقال رسول ms69 الله صلى الله عليه ~~وسلم: «أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره ~~مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله» وعن ابن عباس ~~قال: «لعن # PageV02P282 # رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد ~~والسرج» ، رواه أهل السنن الأربعة فهذا التحذير منه، واللعن عن مشابهة أهل ~~الكتاب في بناء المسجد على قبر الرجل الصالح صريح في النهي عن المشابهة. ~~وفي هذا دليل على الحذر عن جنس أعمالهم، حيث لا يؤمن في سائر أعمالهم أن ~~يكون من هذا الجنس. ثم من المعلوم ما قد ابتلي به كثير من هذه الأمة من ~~بناء القبور مساجد، واتخاذ القبور مساجد بلا بناء، وكلا الأمرين محرم، ~~معلون فاعله بالمستفيض من السنة، وليس هذا موضع استقصاء ما في ذلك من سائر ~~الأحاديث والآثار، ولهذا كان السلف يبالغون في المنع. ### | اتخاذ آثار الأنبياء مساجد # اتخاذ آثار الأنبياء مساجد (السادسة والسبعون) : اتخاذ آثار أنبيائهم ~~مساجد، كما ورد عن عمر رضي الله عنه فإن هذه المسألة من بدع جاهلية ~~الكتابيين، كانوا يتخذون آثار أنبيائهم مساجد، فورثهم الجاهلون من هذه ~~الأمة، فتراهم يبنون على موضع اختفى به النبي صلى الله عليه وسلم، أو وصل ~~قدمه المبارك إليه، أو تعبد فيه، فهذا ليس يحمد في الشريعة؛ لجره إلى ~~الغلو. وفي العراق مواضع كثيرة بنوا عليها مباني، كالمقام الذي زعموا أن ~~الشيخ الكيلاني تعبد فيه، وكأثر الكف الذي زعم الشيعة أنه أثر كف الإمام ~~علي لما وضعه على الصخرة فأثر فيها، فبنوا عليها مسجدا، وكعدة أماكن زعموا ~~أن الخضر رئي فيها، ولا أصل له، إلى غير ذلك مما لا يستوعبه المقام. فينبغي ~~لمن يدعي الإسلام أن يتجنبها، وينهى عن حضورها، وإن رمي بالإنكار، وعداوة ~~الأشرار، وكيد المارقين الفجار. وفي المسألة تفصيل لا بأس بذكره: قال شيخ ~~الإسلام: أما مقامات الأنبياء والصالحين- وهي الأمكنة التي قاموا فيها أو ~~أقاموا، أو عبدوا الله سبحانه- لكنهم لم يتخذوها مساجد- فالذي بلغني في ذلك ~~قولان عن العلماء المشهورين: أحدهما ms70 النهي # PageV02P283 # عن ذلك، وكراهته، وأنه لا يستحب قصد بقعة للعبادة، إلا أن يكون قصدها ~~للعبادة مما جاء به الشرع، مثل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قصدها ~~للعبادة كما قصد الصلاة في مقام إبراهيم، وكما كان يتحرى الصلاة عند ~~الاسطوانة، وكما تقصد المساجد للصلاة، ويقصد الصف الأول، ونحو ذلك. القول ~~الثاني: أنه لا بأس باليسير من ذلك، كما نقل عن ابن عمر أنه كان يتحرى قصد ~~المواضع التي سلكها النبي صلى الله عليه وسلم، وأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم سلكها اتفاقا لا قصدا (1) . وسئل الإمام أحمد عن الرجل يأتي هذه ~~المشاهد، ويذهب إليها، ترى ذلك؟ قال: أما على حديث ابن أم مكتوم أنه سأل ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي في بيته حتى يتخذ ذلك مصلى، وعلى ما كان ~~يفعله ابن عمر، يتتبع مواضع النبي صلى الله عليه وسلم وأثره، فليس بذلك بأس ~~أن يأتي الرجل المشاهد، إلا أن الناس قد أفرطوا في هذا جدا، وأكثروا فيه ~~(2) . وكذلك نقل عنه أحمد بن القاسم أنه سئل عن الرجل يأتي هذه المشاهد ~~التي بالمدينة وغيرها يذهب إليها؟ فقال: أما على حديث ابن أم مكتوم أنه سأل ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيه، فيصلي في بيته، حتى يتخذه مسجدا، وعلى ~~ما كان يفعل ابن عمر، كان يتتبع مواضع سير النبي صلى الله عليه وسلم، حتى ~~أنه رئي يصب في موضع ماء، فسئل عن ذلك، فقال: «رأيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم يصب ههنا ماء» ، قال: أما على هذا فلا بأس به. قال: ورخص فيه، ثم قال ~~ولكن قد أفرط الناس جدا، وأكثروا في هذا المعنى. فذكر قبر الحسين وما يفعل ~~الناس عنده. رواهما الخلال في كتاب الأدب. فقد فصل أبو عبد الله في المشاهد ~~وهي الأمكنة التي فيها آثار الأنبياء والصالحين من غير أن تكون مساجد لهم ~~كمواضع بالمدينة بين القليل الذي لا يتخذونه عيدا، أو الكثير الذي يتخذونه ~~عيدا كما تقدم. وهذا التفصيل جمع فيه بين الآثار وأقوال ms71 الصحابة: فإنه قد ~~روى البخاري في صحيحه عن موسى بن عقبة قال: "رأيت سالم بن عبد الله يتحرى ~~أماكن من الطريق، ويصلي فيها، ويحدث PageV02P284 # أن أباه كان يصلي فيها، وأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في تلك ~~الأمكنة"، فهذا كما رخص الإمام أحمد. وأما كراهته، فقد روى سعيد بن منصور ~~في سننه قال: حدثنا أبو معاوية قال: حدثنا الأعمش عن المعرور بن سويد عن ~~عمر قال: خرجنا معه في حجة حجها، فقرأ بنا في الفجر ب {ألم تر كيف فعل ربك ~~بأصحاب الفيل} [الفيل: 1] و {لإيلاف قريش} [قريش: 1] في الثانية، فلما رجع ~~من حجته رأى الناس ابتدروا المسجد، فقال: ما هذا؟ فقالوا: مسجد صلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فيه، فقال: "هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم، اتخذوا ~~آثار أنبيائهم بيعا، من عرضت له منكم الصلاة فيه فليصل، ومن لم تعرض له ~~الصلاة فليمض". فقد كره عمر اتخاذ مصلى النبي صلى الله عليه وسلم عيدا، ~~وبين أن أهل الكتاب إنما هلكوا بمثل هذا، كانوا يتبعون آثار أنبيائهم، ~~ويتخذونها كنائس وبيعا (1) . وروى محمد بن وضاح وغيره: "أن عمر بن الخطاب ~~أمر بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي صلى الله عليه وسلم لأن الناس كانوا ~~يذهبون تحتها، فخاف عمر الفتنة عليهم. وما ذكره عمر هو الحري بالقبول، وهو ~~مذهب جمهور الصحابة، غير - ابنه- وهو الذي يجب العمل به، ويعول عليه. ### | اتخاذ السرج على القبور # اتخاذ السرج على القبور (السابعة والسبعون) : اتخاذ السرج على القبور. ~~دليل حرمة ذلك ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديث الذي سبق ~~ذكره من لعن من يفعل ذلك. وليتك رأيت ما يوقد في ترب أئمة أهل البيت ونحوها ~~من الشموع، ولا سيما في ليالي رمضان والليالي المباركة، وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا. ### | اتخاذ القبور أعيادا # اتخاذ القبور أعيادا (الثامنة والسبعون) : اتخاذها أعيادا. اعلم أن العيد ~~اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد عائدا ما تعود السنة أو يعود ~~الأسبوع أو الشهر ms72 أو نحو ذلك (2) فالعيد يجمع أمورا منها: يوم عائد، كيوم ~~الفطر، ويوم الجمعة. ومنها PageV02P285 # اجتماع فيه. ومنها: أعمال تجمع ذلك من العبادات أو العادات. وقد يختص ~~العيد بمكان بعينه، وقد يكون مطلقا. هؤلاء مسلمو أهل العراق، لكل تربة ولي ~~يوم مخصوص يجتمعون فيه للزيارة، كزيارة الغدير، ومرد الرأس. ومنهم من خص له ~~يوم من أيام الأسبوع، فالجمعة لفلان، والسبت لفلان، والثلاثاء لفلان، ~~وهكذا. ومن ذلك بعض الأيام والليالي المباركة، كليلة القدر، وأيام الأعياد، ~~وليلة النصف من شعبان، وغير ذلك، مما لم ينزل الله به من سلطان. ### | الذبح عند القبور # الذبح عند القبور (التاسعة والسبعون) : الذبح عند القبور. قال الله تعالى ~~[الأنعام: 162-163] : {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين - ~~لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} [الأنعام: 162 - 163] أمره الله ~~تعالى أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله، ويذبحون له، أي أنه أخلص ~~لله صلاته وذبيحته؛ لأن المشركين يعبدون الأصنام ويذبحون لها، فأمره الله ~~تعالى بمخالفتهم، والانحراف عما هم فيه، والانقياد بالقصد والنية والعزم ~~على الإخلاص لله تعالى، فمن تقرب لغير الله تعالى ليدفع عنه ضيرا، أو يجلب ~~له خيرا، تعظيما له، من الكفر الاعتقادي والشرك الذي كان عليه الأولون. ~~وسبب مشروعية التسمية تخصيص مثل هذه الأمور العظام بالإله الحق المعبود ~~العلام، فإذا قصد بالذبح غيره، كان أولى بالمنع. وصح نهيه صلى الله عليه ~~وسلم عمن استأذنه بالذبح ببوانة، وأنه قد نذر ذلك، فقال له صلى الله عليه ~~وسلم: «أكان فيها صنم؟ "، قال: "لا"، قال: "فهل كان فيها عيد من أعياد ~~المشركين؟ "، قال: " لا"، قال: "فأوف بنذرك» . أخرج ذلك أبو داود في سننه. ~~وهذا السائل موحد مقرب لله سبحانه وتعالى وحده، لكن المكان الذي فيه معبود ~~غير الله، وقد عدم، أو محل لاجتماعهم يصلح مانحا، فلما علم النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن ليس هناك شيء من ذلك، أجازه، ولو علم شيئا مما سأل عنه، ~~لمنعه، صيانة لحمى التوحيد، وقطعا لذريعة الشرك. وصح- أيضا- عنه صلى الله ~~عليه وسلم ms73 أنه قال: «دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب "، ~~قالوا: كيف ذلك يا رسول الله؟ # PageV02P286 # قال: "مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجاوزه أحد حتى يقرب له شيئا، قالوا ~~له: قرب ولو ذبابا، فقرب ذبابا، فخلوا سبيله، فدخل النار، وقالوا للآخر: ~~قرب، قال: ما كنت أقرب شيئا لأحد دون الله عز وجل، فضربوا عنقه، فدخل ~~الجنة» . ففي هذا الحديث من الفوائد: كون المقرب دخل النار بالسبب الذي لم ~~يقصد، بل فعله تخلصا من شرهم، وأنه كان مسلما، وإلا لم يقل: دخل النار. ~~وفيه ما ينبغي الاهتمام به من أعمال القلوب، التي هي المقصود الأعظم والركن ~~الأكبر. فتأمل في ذلك، وانظر إلى فؤادك في جميع ما قالوه، وألق سمعك لما ~~ذكروه، وانظر الحق، فإن الحق أبلج والباطل لجلج، فبالنظر التام إلى ما كان ~~عليه المشركون من تقربهم لأوثانهم؛ لتقربهم إلى الله؛ لكونهم شفعاء لهم عند ~~الله، وشفاعتهم بسبب أنهم رسل الله أو ملائكة الله أو أولياء الله، يتبين ~~لك ما عليه الناس الآن، والله المستعان. ### | التبرك بآثار المعظمين # التبرك بآثار المعظمين (الثمانون) : التبرك بآثار المعظمين، كدار الندوة، ~~وافتخار من كانت تحت يده بذلك. كما قيل لحكيم بن حزام: بعت مكرمة قريش، ~~فقال: "ذهبت المكارم إلا التقوى". هذه الخصلة قد امتدت عروق ضلالها في ~~أودية قلوب جهلة المسلمين، وزادوا في الغلو بها على ما كان عليه جاهلية ~~العرب والكتابيين. ولا بدع من حكيم بن حزام القريشي الأسدي إذا ما رد على ~~من قال له: بعت مكرمة قريش؟ وقد باعها من معاوية بمائة ألف درهم: "ذهبت ~~المكارم إلا التقوى". كيف لا وقد كان عاقلا سريا، فاضلا تقيا، سيدا بماله ~~غنيا، أعتق في الجاهلية مائة رقبة، وحمل على مائة بعير، وحج في الإسلام ~~ومعه مائة بدنة قد جللها بالحبرة، وكفها عن أعجازها، وأهداها، ووقف بمائة ~~وصيف بعرفة في أعناقهم أطواق الفضة منقوش فيها: "عتقاء الله عن حكيم بن ~~حزام "، وأهدى ألف شاة، وهو الذي عاش في الجاهلية ستين سنة، وفي ms74 الإسلام ~~ستين سنة، وولد في الكعبة. # PageV02P287 ### | [الفخر بالأحساب] # (الحادية والثمانون) : الفخر بالأحساب. ### | [الاستسقاء بالأنواء] # (الثانية والثمانون) : الاستسقاء بالأنواء. ### | [الطعن في الأنساب] # (الثالثة والثمانون) : الطعن في الأنساب. ### | [النياحة] # (الرابعة والثمانون) : النياحة. أقول: هذه المسائل الأربع دليل بطلانها ~~حديث واحد، وهو ما رواه البخاري ومسلم، واللفظ لمسلم، بسنده إلى أبي مالك ~~الأشعري: أن النبي، صلى الله عليه وسلم حدثه قال: «أربع في أمتي من أمر ~~الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء ~~بالنجوم، والناحبة- أو قال: النائحة- إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم ~~القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب» . الفخر في الأحساب: افتخارهم ~~بمفاخر الآباء. والطعن في الأنساب: إدخالهم العيب في أنساب الناس، تحقيرا ~~لآبائهم، وتفضيلا لآباء أنفسهم على آباء غيرهم، والاستسقاء بالنجوم: ~~اعتقادهم نزول المطر بسقوط نجم في المغرب مع الفجر، وطلوع آخر يقابله من ~~المشرق، فقد كانوا يقولون: مطرنا بنوء كذا، وقال تعالى: {وتجعلون رزقكم ~~أنكم تكذبون} [الواقعة: 82] وهذا مفصل في كتب الأنواء بما لا مزيد عليه. ~~ومعنى قوله في النائحة: «وعليها سربال من قطران» : أن الله تعالى يجازيها ~~بلباس من قطران لأنها كانت تلبس الثياب السود. وقوله: «درع من جرب» ، يعني: ~~يسلط على أعضائها الجرب والحكة، بحيث يغطي بدنها تغطية الدرع- وهو القميص-؛ ~~لأنها كانت تجرح بكلماتها المحرقة قلوب ذوي المصيبات. فهذا الحديث دل على ~~بطلان ما كان عليه أهل الجاهلية من هذه الخصال الرديئة. وورثتهم اليوم من ~~هذه الأمة، تجاوزوا فيها أسلافهم، وزادوا في الطنبور نغمات، فتراهم يفتخرون ~~بمزايا آبائهم وهم بمراحل عنهم، فهذا يقول: كان جدي الشيخ الفلاني، وهذا ~~يقول: جدي العالم الرباني، إلى غير ذلك. وكذلك الطعن في الأنساب، فهذا ~~يقول: إن آباء فلان لم يكونوا من العترة الطاهرة، وذاك يقول: إن آباء فلان ~~لم يكونوا من ذوي الأحساب الباهرة، وكذلك الاستسقاء بالأنواء، ولم يعتقد ~~كثير من # PageV02P288 # الناس أن ما كان [إنما هو] من فعل رب الأرض والسماء. وهكذا النوح على ~~الأموات، فقد اتخذه كثير من الناس من أفضل الأعمال، وسبب الوصول إلى ms75 مرضاة ~~ذي الجلال، لا سيما من اتخذ المآتم الحسينية في كل عام، فهناك من البدع ما ~~تكل عن نقله ألسنة الأقلام، والويل كل الويل لمن أنكر شيئا من ذلك، فإنهم ~~يوردونه موارد العطب والمهالك، والأمر لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ### | تعيير الرجل بفعل أمه وأبيه # تعيير الرجل بفعل أمه وأبيه (الخامسة والثمانون) : تعيير الرجل بفعل ~~غيره، لا سيما أبوه وأمه. فخالفهم صلى الله عليه وسلم، وقال: «أعيرته بأمه؟ ~~إنك امرؤ فيك جاهلية» . والحديث في صحيح الإمام البخاري في باب "المعاصي من ~~أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك لقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «إنك امرؤ فيك جاهلية» ، وقول الله تعالى في سورة [النساء: 48] ~~: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48] ~~وهذا الباب في كتاب الإيمان من صحيحه، ثم قال: "حدثنا سليمان بن حرب، قال: ~~حدثنا شعبة عن واصل عن المعرور، قال: لقيت أبا ذر بالربذة، وعليه حلة وعلى ~~غلامه حلة، فسألته عن ذلك، فقال: «إني ساببت رجلا، فعيرته بأمه، فقال لي ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "يا أبا ذر، أعيرته بأمه؟! إنك امرؤ فيك جاهلية، ~~إخوانكم خولكم، جعلهم الله تعالى تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، ~~فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم، ~~فأعينوهم» . وقد أطنب شراح الحديث في شرحه، وليس هذا موضع استقصائه، ~~والمقصود منه أن تعيير الرجل بفعل غيره ليس من شأن كامل الإيمان والمعرفة، ~~فإن أبا ذر رضي الله تعالى عنه قبل بلوغه المرتبة القصوى من المعرفة تساب ~~هو وبلال الحبشي المؤذن، فقال له: "يا ابن السوداء"، فلما شكا بلال إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «شتمت بلالا، وعيرته بسواد أمه! "، ~~قال: "نعم"، قال: "حسبت أنه بقي فيك # PageV02P289 # شيء من كبر الجاهلية» ، فألقى أبو ذر خده على التراب، ثم قال: "لا أرفع ~~خدي حتى يطأ بلال خدي بقدمه ". والناس اليوم- والأمر لله- قد كثرت فيهم ~~خصال الجاهلية، فتراهم يعيرون ms76 أهل البلد كلهم بما صدر عن واحد منهم، فأين ~~ذلك من خصال الجاهلية؟ ### | الافتخار بولاية البيت # الافتخار بولاية البيت (السادسة والثمانون) : الافتخار بولاية البيت. ~~فذمهم الله تعالى بقوله: {مستكبرين به سامرا تهجرون} [المؤمنون: 67] وهذه ~~الآية في [سورة المؤمنين: 66- 67] وهي بتمامها قوله تعالى: {قد كانت آياتي ~~تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون - مستكبرين به سامرا تهجرون} ~~[المؤمنون: 66 - 67] ومعنى الآية على ما في التفسير: {قد كانت آياتي تتلى ~~عليكم} [المؤمنون: 66] تعليل لقوله قبل [65] : {لا تجأروا اليوم إنكم منا ~~لا تنصرون} [المؤمنون: 65] أي: دعوا الصراخ، فإنه لا يمنعكم منا، ولا ~~ينفعكم عندنا، فقد ارتكبتم أمرا عظيما، وإثما كبيرا، وهو التكذيب بالآيات، ~~فلا يدفعه الصراخ، فكنتم عند تلاوتها: {على أعقابكم تنكصون} [المؤمنون: 66] ~~أي: معرضون عن سماعها أشد الإعراض، فضلا عن تصديقها والعمل بها، والنكوص: ~~الرجوع، والأعقاب: جمع عقب وهو مؤخر الرجل، ورجوع الشخص على عقبه: رجوعه في ~~طريق الأول، كما يقال: رجع عوده على بدئه. {مستكبرين به} [المؤمنون: 67] ~~أي: بالبيت الحرام، والباء للسببية وسوغ بهذا الإضمار، مع أنه لم يجر ذكر ~~اشتهار استبكارهم، وافتخارهم بأنهم خدام البيت وقوامه. {سامرا} [المؤمنون: ~~67] أي: تسمرون بذكر القرآن والطعن فيه، وذلك أنهم كانوا يجتمعون حول البيت ~~يسمرون، وكانت عامة سمرهم ذكر القرآن وتسميته سحرا أو شعرا {تهجرون} ~~[المؤمنون: 67] من الهجر- فتح فسكون - بمعنى القطع والترك، والجملة في موضع ~~الحال، أي: تاركين الحق والقرآن أو النبي صلى الله عليه وسلم على تقدير عود ~~الضمير (به) له، وجاء الهجر بمعنى الهذيان، وجوز أن يكون المعنى عليه، أي. ~~تهذون في شأن القرآن أو النبي صلى الله عليه وسلم أو أصحابه، أو ما يعم ~~جميع ذلك، ويجوز أن يكون # PageV02P290 # من الهجر- بضم فسكون- وهو الكلام القبيح. فأنكر الله تعالى عليهم بقوله ~~[68] : {أفلم يدبروا القول} [المؤمنون: 68] ليعلموا- بما فيه من وجوه ~~الإعجاز- أنه الحق من ربهم، فيؤمنوا به {أم جاءهم ما لم يأت آباءهم ~~الأولين} [المؤمنون: 68] أي: بل جاءهم إلخ. والمقصود أن من خصال الجاهلية ~~التكبر بسبب الرئاسة على المواضع المقدسة، كما هو- اليوم- حال كثير ممن ~~يدعي الشرف ms77 بسبب ذلك، فمنهم من ادعى الشرف على المسلمين بسبب رئاسته على ~~مكة والمدينة، ومنهم من ادعاه بسبب الرئاسة في المشاهد أو مقامات الصالحين، ~~وهؤلاء الذين يدعون انتسابهم إلى عبد القادر الجيلاني في بغداد يدعون الشرف ~~بسبب رياستهم على قبر عبد القادر، واستيلائهم على النذور والصدقات والذبائح ~~والقرابين الشركية، التي يتعبدها بها جهلة المسلمين من الهنود والأكراد ~~ونحوهم، وهم (1) أفسق خلق الله، وأدناهم نفسا، وأرذل خلق الله مسلكا، فما ~~يفيدهم ذلك عند الله شيئا، وما ينجيهم من مقت الله وعذابه، وإن ظن بهم ~~العوام ما ظنوا، فهم عند الله وعند عباده الصالحين أحقر من الذر، وأبعدهم ~~عن رحمته يوم القيامة. ### | [الافتخار بكونهم من ذرية الأنبياء] # الافتخار بكونهم من ذرية الأنبياء (السابعة والثمانون) : الافتخار بكونهم ~~من ذرية الأنبياء عليهم السلام. فرد الله عليهم بقوله: {تلك أمة قد خلت لها ~~ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون} [البقرة: 134] هذه ~~الآية في آخر الجزء الأول من [سورة البقرة: 134- 141] وتفسيرها: {تلك أمة ~~قد خلت} [البقرة: 134] الإشارة إلى إبراهيم صلى الله عليه وسلم وأولاده في ~~قوله [130] : {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في ~~الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين} [البقرة: 130] إلخ. و"الأمة" أتت ~~لمعان، والمراد بها- هنا- الجماعة، من "أم "، بمعنى قصد، وسميت كل جماعة ~~يجمعهم أمر ما: إما دين واحد، أو زمان واحد، أو مكان، بذلك؛ لأنهم يؤم ~~بعضهم بعضا، ويقصده. والخلو: المضي؛ وأصله الانفراد. {لها ما كسبت ولكم ما ~~كسبتم} [البقرة: 134] والمعنى: إن انتسابكم إليهم لا يوجب انتفاعكم ~~بأعمالهم، وإنما PageV02P291 # تنتفعون بموافقتهم واتباعهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: «يا معشر قريش، ~~إن أولى الناس بالنبي المتقون، فكونوا بسبيل من ذلك فانظروا أن لا يلقاني ~~الناس يحملون الأعمال، وتلقوني بالدنيا، فأصد عنكم بوجهي» . وهذا الحديث ~~بمعنى قوله تعالى [الحجرات: 13] : {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ~~وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم ~~خبير} [الحجرات: 13] ومعنى قوله: {ولا تسألون عما كانوا يعملون} ms78 [البقرة: ~~134] لا تؤاخذون بسيئاتهم، كما لا تثابون بحسناتهم. وهذه الخصلة موجودة ~~اليوم في كثير من المسلمين، ورأس مالهم الافتخار بالآباء، فمنهم من يقول: ~~أنا من ذرية عبد القادر الجيلاني، ومنهم من يقول: أنا من ذرية أحمد ~~الرفاعي، ومنهم من يقول: أنا بكري، ومنهم من يقول: أنا عمري، ومنهم من ~~يقول: أنا علوي أو حسني أو حسيني، ولا فضيلة لهم ولا تقوى، وكل ذلك لا ~~ينفعهم {يوم لا ينفع مال ولا بنون - إلا من أتى الله بقلب سليم} [الشعراء: ~~88 - 89] ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لفاطمة: «يا فاطمة بنت محمد، ~~لا أغني عنك من الله شيئا» وما قصد أولئك المفتخرين بآبائهم- وهم عارون عن ~~كل فضيلة - إلا أكل أموال الناس بالباطل، وفي المثل: "كن عصاميا، ولا تكن ~~عظاميا". # إن الفتى من يقول ها أنا ذا ... ليس الفتى من يقول كان أبي # ولله در من قال يرد على المفتخر بذلك: # أقول لمن غدا في كل يوم ... يباهينا بأسلاف عظام # أتقنع بالعظام وأنت تدري ... بأن الكلب يقنع بالعظام # وقال آخر: # وما الفخر بالعظم الرميم وإنما ... فخار الذي يبغي الفخار بنفسه ### | الافتخار بالصنائع # الافتخار بالصنائع (الثامنة والثمانون) : الافتخار بالصنائع، كما افتخر ~~أهل الرحلتين على أهل الحرث. يريد بالرحلتين: رحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة ~~الصيف إلى الشام، وهي # PageV02P292 # عادة كانت لقريش، كما ذكر في سورة الإيلاف. والمقصود أنه لا ينبغي للتاجر ~~أن يفتخر بتجارته على أهل الحرث، ولا أهل كل حرفة على المحترفين بحرفة ~~أخرى، فإن كل ذلك من المكاسب الدنيوية التي يوصل بها إلى عبادة الله، ~~وطاعته، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ليتوصل بذلك إلى النجاة الأبدية، ~~وهي مدار الفخر. وأما ما سوى ذلك فكله ظل زائل ونعيم غير مقيم، فلا ينبغي ~~للعاقل أن يفخر بزخارف الدنيا الدنيئة، ولا يعلم متى يفارقها. نسأله تعالى ~~التوفيق، والعمل الصالح الذي يرضيه. ### | عظمة الدنيا في قلوبهم # عظمة الدنيا في قلوبهم (التاسعة والثمانون) : عظمة الدنيا في قلوبهم. ~~كقولهم: {وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} ms79 [الزخرف: ~~31] أي: من خصال الجاهلية مراعاة الدنيا، وعظمتها في قلوبهم، كما حكى الله ~~عنهم ذلك بقوله: {ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون - وقالوا ~~لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم - أهم يقسمون رحمت ربك نحن ~~قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ ~~بعضهم بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون} [الزخرف: 30 - 32] هذه الآية ~~في [الزخرف: 30-32] ، وموضع الاستشهاد فيها قوله: {وقالوا لولا نزل هذا ~~القرآن على رجل من القريتين عظيم} [الزخرف: 31] المراد من القريتين: مكة ~~والطائف. قال ابن عباس: "الذي من مكة: الوليد بن المغيرة المخزومي، والذي ~~من الطائف: حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي، وكل منهما كان عظيما، ذا جاه ~~ومال، وكان الوليد بن المغيرة يسمى "ريحانة قريش "، وكان يقول: لو كان ما ~~يقول محمد حقا لنزل علي أو على أبي مسعود، يعني عروة بن مسعود، وكان يكنى ~~بذلك. وهذا باب آخر من إنكارهم للنبوة، وذلك أنهم أنكروا أولا أن يكون ~~النبي بشرا، ثم لما بكتوا بتكرير الحجج، ولم يبق عندهم تصور رواج لذلك، ~~جاءوا بالإنكار من وجه آخر، فحكموا على الله سبحانه أن يكون الرسول أحد ~~هذين. وقولهم: {هذا القرآن} [الزخرف: 31] ذكر له على وجه الاستهانة، # PageV02P293 # لأنهم لم يقولوا هذه المقالة تسليما، بل إنكارا، كأنه قيل: هذا الكذب ~~الذي يدعيه، لو كان حقا، لكان الحقيق به رجل من القريتين عظيم. وهذا منهم ~~لجهلهم بأن رتبة الرسالة إنما تستدعي عظيم النفس بالتخلي عن الرذائل ~~الدنية، والتحلي بالكمالات والفضائل القدسية، دون التزخرف بالزخارف ~~الدنيوية. فأنكر سبحانه عليهم بقوله: {أهم يقسمون رحمت ربك} [الزخرف: 32] ~~وفيه تجهيل وتعجيب من تحكمهم بنزول القرآن العظيم على من أرادوا. {نحن ~~قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا} [الزخرف: 32] قسمة تقتضيها مشيئتنا ~~المبنية على الحكم والمصالح، ولم نفوض أمرها إليهم، علما منا بعجزهم عن ~~تدبيرها بالكلية. {ورفعنا بعضهم فوق بعض} [الزخرف: 32] في الرزق وسائر ~~مبادئ العيش. {درجات} [الزخرف: 32] متفاوتة بحسب القرب والبعد حسبما تقتضيه ~~الحكمة، فمن ms80 ضعيف وقوي، وغني وفقير، وخادم ومخدوم، وحاكم ومحكوم. {ليتخذ ~~بعضهم بعضا سخريا} [الزخرف: 32] ليستعمل بعضهم بعضا في مصالحهم، ويستخدموهم ~~في مهنهم، ويسخروهم في أشغالهم، حتى يتعايشوا، ويترافدوا، ويصلوا إلى ~~مرافقهم، لا لكمال في الموسع عليه، ولا لنقص في المقتر عليه، ولو فوضنا ذلك ~~إلى تدبيرهم لضاعوا وهلكوا، فإذا كانوا في تدبير خويصة أمرهم، وما يصلحهم ~~من متاع الدنيا الدنية وهو على طرف الثمام بهذه الحالة، فما ظنهم بأنفسهم ~~في تدبير أنفسهم، وفي تدبير أمر الدين، وهو أبعد من مناط العيوق، ومن أين ~~لهم البحث في أمر النبوة، والتخير لها من يصلح لها، ويقوم بأمرها. وفي قوله ~~تعالى: {نحن قسمنا} [الزخرف: 32] إلخ ما يزهد في الانكباب على طلب الدنيا، ~~ويعين على التوكل على الله عز وجل، والانقطاع إليه جل جلاله. # فاعتبر "نحن قسمنا بينهم " ... تلقه حقا وبالحق نزل # {ورحمت ربك خير مما يجمعون} [الزخرف: 32] أي: النبوة وما يتبعها من سعادة ~~الدارين خير مما يجمعونه من حطام الدنيا الدنية، فالعظيم من رزق تلك الرحمة ~~دون ذلك الحطام الدنيء الفاني. وأنت تعلم أن كثيرا من الناس اليوم على ما ~~كان عليه أهل الجاهلية في هذه الخصلة، فتراهم لا يعتبرون العلم إذا كان ~~صاحبه فقير الحال، # PageV02P294 # وينظرون إلى الغني، ويعتبرون أقواله. ولله در من قال (1) . # رب حلم أضاعه عدم الما ... ل وجهل غطى عليه النعيم ### | ازدراء الفقراء # ازدراء الفقراء (التسعون) : ازدراء الفقراء. فأنزل سبحانه قوله: {ولا ~~تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} [الأنعام: 52] أقول: ~~هذه الآية في أوائل [سورة الأنعام: 52] ، وبيان معناها يتعلق بما قبلها، ~~وهو قوله تعالى: {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من ~~دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون - ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ~~يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم ~~فتكون من الظالمين} [الأنعام: 51 - 52] فلما أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بإنذار المذكورين لعلهم ينتظمون في سلك المتقين، نهي عن كون ذلك بحيث يؤدي ms81 ~~إلى طردهم. ويفهم من بعض الروايات أن الآيتين نزلتا معا، ولا يفهم ذلك من ~~البعض الآخر. فقد أخرج الإمام أحمد والطبراني وغيرهما عن ابن مسعود رضي ~~الله عنه قال: «مر الملأ من قريش على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده صهيب ~~وعمار وبلال وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد، رضيت هؤلاء ~~من قومك، أهؤلاء من الله عليهم من بيننا؟ ، أنحن نكون تبعا لهؤلاء؟ اطردهم ~~عنك، فلعلك إن طردتهم أن نتبعك. فأنزل الله تعالى فيهم القرآن: {وأنذر به ~~الذين} [الأنعام: 51] إلى قوله سبحانه: {فتكون من الظالمين} [الأنعام: 52] ~~» . وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ والبيهقي في "الدلائل" وغيرهم عن خباب قال: ~~«جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري، فوجدا النبي، صلى الله ~~عليه وسلم قاعدا مع بلال وصهيب وعمار وخباب في أناس ضعفاء من المؤمنين، ~~فلما رأوهم حوله حقروهم، فأتوه، فخلوا به، فقالوا: نحب أن تجعل لنا منك ~~مجلسا تعرف لنا العرب به فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك، فنستحي أن ترانا ~~قعودا مع هؤلاء الأعبد، فإذا نحن جئناك، فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا، فاقعد ~~معهم إن شئت، قال: نعم. PageV02P295 # قالوا: فاكتب لنا عليك بذلك كتابا، فدعا بالصحيفة، ودعا عليا ليكتب- ونحن ~~قعود في ناحية - إذ نزل جبريل بهذه الآية: {ولا تطرد الذين} [الأنعام: 52] ~~إلخ، ثم دعانا، فأتيناه وهو يقول: {سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة} ~~[الأنعام: 54] فكنا نقعد معه، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزل الله ~~تعالى: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا ~~تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ~~واتبع هواه وكان أمره فرطا} [الكهف: 28] فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقعد معنا، فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم» . وأخرج ~~ابن المنذر وغيره عن عكرمة قال: "مشى عتبة وشيبة ابنا ربيعة وقرظة بن عبد ~~عمرو بن نوفل، والحارث بن عامر بن نوفل، ومطعم بن عدي في أشراف الكفار من ~~عبد ms82 مناف إلى أبي طالب، فقالوا: لو أن ابن أخيك طرد عنا هؤلاء الأعبد ~~والحلفاء، كان أعظم له في صدورنا، وأطوع له عندنا، وأدنى لاتباعنا إياه ~~وتصديقه، فذكر ذلك أبو طالب للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال عمر بن الخطاب: ~~لو فعلت يا رسول الله حتى ننظر ما يريدون بقولهم، وما يصيرون إليه من ~~أمرهم، فأنزل الله سبحانه: {وأنذر به الذين يخافون} [الأنعام: 51] إلى قوله ~~سبحانه: {أليس الله بأعلم بالشاكرين} [الأنعام: 53] وكانوا بلالا وعمار بن ~~ياسر وسالما مولى حذيفة وصبيحا مولى أسيد، والحلفاء: ابن مسعود والمقداد بن ~~عمرو وواقد بن عبد الله الحنظلي وعمرو بن عبد عمرو ومرثد بن أبي مرثد ~~وأشباههم، ونزل في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء: {وكذلك فتنا ~~بعضهم ببعض} [الأنعام: 53] فلما نزلت أقبل عمر، فاعتذر من مقالته، فأنزل ~~الله تعالى: {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا} [الأنعام: 54] وقوله {ما ~~عليك من حسابهم من شيء} [الأنعام: 52] جملة معترضة بين النهي وجوابه، ~~تقريرا له، ودفعا لما عسى أن يتوهم كونه مسوغا لطرد المتقين من أقاويل ~~الطاعنين في دينهم، كدأب قوم نوح حيث قالوا: {وما نراك اتبعك إلا الذين هم ~~أراذلنا بادي الرأي} [هود: 27] والمعنى: ما عليك شيء ما من حساب إيمانهم ~~وأعمالهم الباطنة، كما يقوله المشركون، حتى تتصدى له، وتبني على # PageV02P296 # ذلك ما تراه من الأحكام، وإنما وظيفتك- حسبما هو شأن منصب الرسالة- النظر ~~إلى ظواهر الأمور، وإجراء الأحكام على موجبها، وتفويض البواطن وحسابها إلى ~~اللطيف الخبير، وظواهر هؤلاء دعاء ربهم بالغداة والعشي. وروي عن ابن زيد أن ~~المعنى ما عليك من شيء من حساب رزقهم، أي: من فقرهم، والمراد لا يضرك فقرهم ~~شيئا ليصح لك الإقدام على ما أراده المشركون منك فيهم. وقوله: {ما عليك من ~~حسابهم من شيء} [الأنعام: 52] عطف على ما قبله، وجيء به- مع أن الجواب قد ~~تم بذلك- مبالغة في بيان كون انتفاء حسابهم عليه ينظمه في سلك ما لا شبهة ~~فيه أصلا، وهو كون انتفاء حسابه صلى الله عليه وسلم عليهم، فهو على طريقة ~~قوله سبحانه [الأعراف: ms83 34، النحل: 61] {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ~~ولا يستقدمون} [النحل: 61] وهذا في رأي. وقال الزمخشري: "إن الجملتين في ~~معنى جملة واحدة يؤدي مؤدى [الأنعام: 164، الإسراء: 15، فاطر: 18، الزمر: ~~7] {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الزمر: 7] كأنه قيل: لا تؤاخذ أنت ولا هم ~~بحساب صاحبه، وحينئذ لا بد من الجملتين، وتعقب بأنه غير حقيق بجلالة ~~التنزيل. وقوله: {فتكون من الظالمين} [الأنعام: 52] جواب للنهي. ### | إنكارهم الملائكة والوحي والرسالة والبعث # إنكارهم الملائكة والوحي والرسالة والبعث (الحادية والتسعون) : عدم ~~الإيمان بملائكة الله وكتبه ورسله واليوم الآخر، والكلام على ذلك مفصل في ~~التفسير وكتب الحديث والعقائد. والآيات في ذلك كثيرة، منها قوله تعالى ~~[التغابن: 7] : {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم ~~لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير} [التغابن: 7] ومن الشعر الجاهلي في ~~إنكار البعث والنشور: # وماذا بالقليب قليب بدر ... من الشيزى تزين بالسنام # وماذا بالقليب قليب بدر ... من القينات والشرب الكرام # تمنينا السلامة أم بكر ... فهل لي بعد قومي من سلام # يحدثنا الرسول بأن سنحيا ... وكيف حياة أصداء وهام # PageV02P297 # وقال آخر: # حياة ثم موت ثم نشر ... حديث خرافة يا أم عمرو # ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى [الصافات: 16-17، والواقعة: 47- ~~48] : {أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون - أوآباؤنا الأولون} ~~[الواقعة: 47 - 48] وقد تكلمنا على معتقدات الجاهلية وأديانهم في غير هذا ~~الموضع. ### | إيمانهم بالجبت والطاغوت # إيمانهم بالجبت والطاغوت (الثانية والتسعون) : الإيمان بالجبت والطاغوت، ~~وتفضيل دين المشركين على دين المسلمين. قال تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا ~~نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من ~~الذين آمنوا سبيلا} [النساء: 51] وقد تقدم الكلام على ذلك مفصلا. والمقصود- ~~هنا- أن جهلة الكتابيين كانوا يقولون للمشركين: أنتم أهدى من المسلمين، وما ~~عندكم خير مما عليه محمد وأصحابه، وترى المتصوفة والغلاة اليوم على هذا ~~المنهج، يقولون: إن دعاة أهل القبور والغلاة خير ممن يمنع عن ذلك من أهل ~~التوحيد وحفاظ السنة. ### | كتمان الحق مع العلم به # كتمان الحق مع العلم به (الثالثة والتسعون) : كتمان الحق ms84 مع العلم به. ~~كما حكى الله ذلك عن أحبار بني إسرائيل من اليهود والنصارى، فقد كتموا ما ~~ورد في كتبهم من البشائر المحمدية، وهم يعلمون بورودها وذكرها في كتبهم. ~~والكلام على هذا الباب مفصل في (الجواب الصحيح) لشيخ الإسلام، فعليك به، ~~فإنه كتاب لم يؤلف مثله. ### | القول على الله بلا علم # القول على الله بلا علم (الرابعة والتسعون) : القول على الله بلا علم. ~~وهو أساس كل فساد وأصل الضلال. وأكثر الناس حظا من هذه الخصلة الجاهلية ~~مبتدعة المتكلمين، فقد تكلموا في الصفات الإلهية بما لم ينزل الله به من ~~سلطان، وأولوا نصوص # PageV02P298 # الشريعة بما تهواه أنفسهم، كما فعله الرازي في كتابه: "أساس التقديس ". ~~وجزى الله شيخ الإسلام خيرا، فقد رد عليه، ونقض أساسه، وسجل ضلاله وجهله، ~~وضيق أنفاسه، {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} [البقرة: 251] ### | التناقض # التناقض (الخامسة والتسعون) : التناقض الواضح، قال تعالى: {بل كذبوا ~~بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج} [ق: 5] وهكذا أهل البدع من الغلاة وغيرهم ~~يدعون الإسلام، ويعملون أعمالا تناقض ما هم عليه من الدين. ### | الكهانة وما في حكمها # الكهانة وما في حكمها (السادسة والتسعون - والسابعة والتسعون - والثامنة ~~والتسعون - والتاسعة والتسعون - والمائة) : العيافة، والطرق، والطيرة، ~~والكهانة، والتحاكم إلى الطاغوت، ونحو ذلك. وقد تكلمنا على هذه الأمور في ~~كتابنا "بلوغ الأرب في أحوال العرب " بما لا مزيد عليه، وذكرنا هناك ~~أوابدهم وخرافاتهم وسائر ضلالاتهم، وكل ذلك من أعمال جهلة المسلمين اليوم، ~~وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. وغالب مسائل الأصل رؤوس مسائل في كتاب ~~"اقتضاء الصراط المستقيم " ومن أراد التفصيل فليرجع إليه. وهذا آخر ما ~~أردنا شرحه من المسائل التي أبطلها الإسلام، والحمد لله ولي الإنعام، ~~والصلاة والسلام على خير الأنام، ومصباح الظلام، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم ~~بإحسان. # في 5 ذي الحجة وهو يوم الخميس بعد الظهر من سنة 1325 ه. PageV02P299 ms85