######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0030866 #META# 000.BookURI :: AFTER1900 #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو المعالي محمود شكري بن عبد الله بن محمد بن أبي الثناء الألوسي (المتوفى: 1342هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1342 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: فصل الخطاب في شرح (مسائل الجاهلية، التي خالف فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الجاهلية لمحمد بن عبد الوهاب رحمه الله) #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: العقيدة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0030866 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-30866 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/30866 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1422هـ #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: 160 #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | مقدمة الطبعة الأولى # مسائل الجاهلية # التي خالف فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الجاهلية # PageV00P000 # بسم الله الرحمن الرحيم # مقدمة الطبعة الأولى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله ~~من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا ~~هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله. # {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} ~~[آل عمران: 102] # {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث ~~منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان ~~عليكم رقيبا} [النساء: 1] # {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا - يصلح لكم أعمالكم ~~ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} [الأحزاب: 70 - ~~71] # أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه ~~وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في ~~النار. # وبعد أيضا: فعن جابر بن عبد الله قال: «كنا عند النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فخط خطا، وخط خطين عن يمينه، وخط خطين عن يساره، ثم وضع يده في الخط ~~الأوسط فقال: هذا سبيل الله، ثم تلا هذه الآية: {وأن هذا صراطي مستقيما ~~فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} [الأنعام: 153] # » وكان من عهده صلى الله عليه وآله وسلم إلى أصحابه رضوان الله تعالى ~~عليهم: «وسترون من بعدي اختلافا شديدا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ~~المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة» ~~، ومحدثات الأمور هي الأمور المخترعة في الدين التي يراد بها التقرب إلى ~~الله سبحانه، وكل محدثة فهي بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة فصاحبها في ~~النار، ولو كان قد رآها حسنة. # PageV01P003 # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «قد تركتكم على المحجة البيضاء ليلها ~~كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» . روى ms01 الأحاديث الثلاثة آنفة الذكر ~~ابن ماجه في أوائل سننه. # إن الاقتداء بالسلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم في أمور الدين لهو أمر ~~واجب، جاء التصريح به في مثل قوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين ~~له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} ~~[النساء: 115] # فالله سبحانه وتعالى قد ذكر في هذه الآية الكريمة تحذيرا شديدا عن مخالفة ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومشاققته، ثم عطف على ذلك فقال: {ويتبع ~~غير سبيل المؤمنين} [النساء: 115] ولا شك أن هذا السبيل هو سبيل الله الذي ~~حذر الله سبحانه المؤمنين أن يخالفوه، وهو ما كان عليه المهاجرون والأنصار، ~~والذين اتبعوهم بإحسان، وهم الذين أثنى الله سبحانه وتعالى عليهم في قوله: ~~{والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك ~~الفوز العظيم} [التوبة: 100] # إن على كل مسلم أن يعلم ما هو المنهج الصحيح من ضمن المناهج الكثيرة التي ~~تنتسب إلى الإسلام، هذا المنهج الذي طالما غفل عنه جماعات من المسلمين ~~قديما وحديثا، ولم يتنبهوا له، أو أنهم تنبهوا له ولم يرعوه حق رعايته. # هذا المنهج هو منهج الفرقة الناجية، التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم في الحديث الذي رواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة: «ألا وإن هذه ~~الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة في الأهواء، كلها في النار إلا واحدة ~~وهي الجماعة» . # وفي الحديث المروي في المسانيد والسنن تفسير لهذه الرواية وهي قوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم «حين سئل عن الفرقة الناجية: من هي يا رسول الله؟ قال ~~صلى الله عليه وآله وسلم: ما أنا عليه وأصحابي» . # فمن استمسك بهذا السبيل: سبيل المؤمنين الأوائل من المهاجرين والأنصار ~~كان من الناجين يوم القيامة {يوم لا ينفع مال ولا بنون - إلا من أتى الله ~~بقلب سليم} [الشعراء: 88 - 89] # PageV01P004 # وطالما أن الأمر كذلك فإنه لا بد للدعوة الإسلامية في هذا ms02 العصر خاصة من ~~أمرين: # أولهما: تصفية دين الإسلام مما هو غريب عنه مما هو مخالف للكتاب والسنة، ~~وما كان عليه سلف الأمة رضوان الله عليهم كالشرك، وجحد الصفات الإلهية ~~وتحريفها باسم التأويل، والاجتهادات الخاطئة، والأحاديث الضعيفة والموضوعة ~~والمنكرة وغير ذلك. # أما الأمر الثاني: فهو تربية الناس - والجيل الناشئ خصوصا - على هذا ~~الإسلام المصفى من كل شائبة تربية إسلامية صحيحة منذ نعومة أظفاره، ورأس ~~ذلك وأساسه وأسه: توحيد الله سبحانه، وإفراده بالعبادة وحده لا شريك له، ~~والكفر بما يعبد من دونه، فإن حاجة الخلق إلى ذلك وإلى العلم بالله وأسمائه ~~وصفاته فوق كل حاجة، وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة، فحاجتهم إليه فوق حاجتهم ~~للطعام والشراب، بل وإلى النفس الذي لا حياة إلا به. # هذا الأمر المهم العظيم الذي لأجله انقسم الناس إلى مؤمنين وكفار، ودخلوا ~~به الجنة أو النار، هو أجل ما يقضى فيه الأوقات، وتصرف في سبيله الأموال، ~~بل وتبذل النفوس الغالية رخيصة لأجل إعلاء كلمة الله، فحري بنا أن نحرص كل ~~الحرص على تعلم توحيد الله تعالى وتعليمه، والحرص على الابتعاد عما يناقضه ~~من الشرك واتخاذ الصالحين والأنبياء والملائكة وغيرها معبودات مع الله، كما ~~كان عليه أهل الجاهلية، الذين جاء نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~بمخالفتهم في هذا الأمر العظيم، وفي غيره؛ ذلك أن جميع الرسل والأنبياء ~~بعثوا بالتوحيد وهو إفراد الله بالعبادة، قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك ~~من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} [الأنبياء: 25] وقال عز ~~اسمه: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين} [الزمر: ~~2] وقال سبحانه: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا} [النساء: 36] # وقد بقي الناس بعد آدم عشرة قرون على التوحيد، ثم حدث الشرك بشبهة تعظيم ~~الصالحين، والدليل قول الله تعالى: {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ~~ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا} [نوح: 23] قال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~«أسماء رجال صالحين من # PageV01P005 # نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى ms03 مجالسهم التي ~~كانوا يجلسون أنصابا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك ~~أولئك وتنسخ العلم عبدت» (1) . # وهذا يدل على أهمية العلم الشرعي، والخسارة العظيمة بفقدانه، فلما حصل ~~هذا أرسل الله نبيه نوحا عليه السلام إلى قومه لما غلوا في الصالحين، ونسي ~~العلم، فأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهاهم عن الشرك، قال تعالى: ~~{لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني ~~أخاف عليكم عذاب يوم عظيم - قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين} ~~[الأعراف: 59 - 60] وقد ذكر الله في سورة نوح وغيرها قصته معهم، واستكبارهم ~~عن الإيمان، وإفراد الله بالعبادة، وأنه عليه السلام نوع الدعوة لهم؛ ليكون ~~أنجع فيهم، فلم يؤمن معه إلا قليل، ثم أغرقهم الله، فأدخلهم جهنم، أعاذنا ~~الله منها. # وقد أخبر سبحانه أنه أرسل إلى عاد أخاهم من القبيلة هودا، وإلى ثمود ~~أخاهم صالحا، وشعيبا إلى مدين، قال تعالى: {وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون} [الأعراف: 65] وقال: {وإلى ~~ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم ~~بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها ~~بسوء فيأخذكم عذاب أليم} [الأعراف: 73] وقال عز من قائل: {وإلى مدين أخاهم ~~شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم ~~فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد ~~إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين} [الأعراف: 85] فكل الأنبياء بعثوا ~~بالتوحيد كما تقدم. # ولما أرسل الله نبينا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم كسر تلك الأصنام ~~بعينها التي عبدها قوم نوح عليه السلام، والتي توارثها المشركون، وغيرها من ~~الأصنام، وقد أرسل إلى قوم يتعبدون PageV01P006 # ويحجون ويتصدقون، ويحبون الله ويذكرونه كثيرا، ولكنهم يجعلون بعض ~~المخلوقات وسائط بينهم وبين الله، يقولون: نريد منهم التقرب إلى الله، ~~ونريد شفاعتهم ms04 عنده مثل الملائكة وعيسى ومريم، وأناس غيرهم من الصالحين، ~~قال تعالى: {ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم ~~إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن ~~الله لا يهدي من هو كاذب كفار} [الزمر: 3] فجدد لهم نبينا محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم دين أبيهم إبراهيم عليه السلام، وأخبرهم أن هذا التقرب حق ~~لله وحده، ولا يصلح منه شيء لغير الله، لا لملك مقرب، ولا لنبي مرسل، ولا ~~غيرهما. # قال تعالى آمرا نبيه محمدا صلى الله عليه وآله وسلم: {قل إني أمرت أن ~~أعبد الله مخلصا له الدين - وأمرت لأن أكون أول المسلمين - قل إني أخاف إن ~~عصيت ربي عذاب يوم عظيم - قل الله أعبد مخلصا له ديني - فاعبدوا ما شئتم من ~~دونه قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو ~~الخسران المبين} [الزمر: 11 - 15] # وقد كان هؤلاء المشركون يقرون بأن الله هو الخالق وحده لا شريك له، وأنه ~~لا يرزق إلا هو، ولا يحيي ولا يميت إلا هو، ولا يدبر الأمر إلا هو، وأن ~~جميع السماوات السبع وما فيهن، والأرضين السبع وما فيهن، كلهم عبيده، وتحت ~~تصرفه وقهره. # والدليل على ذلك قول الحق تبارك وتعالى: {قل من يرزقكم من السماء والأرض ~~أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن ~~يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون} [يونس: 31] وقوله تعالى: {قل لمن ~~الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون - سيقولون لله قل أفلا تذكرون - قل من رب ~~السماوات السبع ورب العرش العظيم - سيقولون لله قل أفلا تتقون - قل من بيده ~~ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون - سيقولون لله قل فأنى ~~تسحرون} [المؤمنون: 84 - 89] وغير ذلك من الآيات. # فإذا تحققت أنهم مقرون بهذا، وأنه لم يدخلهم في الإسلام، وعرفت أن ~~التوحيد الذي جحدوه هو توحيد العبادة، بأن لا يعبد إلا الله، ويكفر بما ~~يعبد من دونه ms05 من # PageV01P007 # الأنبياء والملائكة والصالحين والمقبورين وغيرهم، وعرفت أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قاتلهم على هذا الشرك، ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله ~~وحده، قال تعالى: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} [الجن: 18] ~~وقال سبحانه: {له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا ~~كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ~~ضلال} [الرعد: 14] وتحققت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قاتلهم ~~ليكون الدعاء كله لله، والنذر كله لله، والذبح كله لله، والاستغاثة كلها ~~بالله، وجميع أنواع العبادة كلها لله، وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم ~~يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة أو الأنبياء أو الأولياء لا يريدون ~~إلا شفاعتهم، والتقرب إلى الله بذلك هو الذي أحل دماءهم وأموالهم، عرفت ~~حينئذ التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وأبى عن الإقرار به المشركون. # وهذا التوحيد هو معنى قولك (لا إله إلا الله) فإن الإله هو الذي يقصد ~~لأجل هذه الأمور سواء كان ملكا أو نبيا أو وليا صالحا، أو شجرة أو قبرا أو ~~جنيا، فإن مشركي العرب لم يريدوا أن الإله هو الخالق الرازق، فإنهم يعلمون ~~أن ذلك هو الله وحده كما تقدم، وإنما أرادوا بالإله: الذي يقصد بالعبادة، ~~فأتاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعوهم إلى كلمة التوحيد (لا إله إلا ~~الله) ، وأن يكفروا بما يعبد من دون الله، فأبوا عليه ذلك، وجرى ما هو ~~معروف من نصر الله نبيه عليهم، والتمكين لدينه في الأرض، كما بينت ذلك في ~~كتابي " سيرة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم " (1) . # إذا علمت ذلك، وعلمت الشرك بالله الذي حرمه الله أشد من تحريم الزنى، ~~وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والذي قال الله فيه: {إن الله لا يغفر ~~أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما ~~عظيما} [النساء: 48] وعرفت دين الرسل من أولهم إلى آخرهم، الذي لا يقبل ~~الله من أحد سواه، ms06 وعرفت ما وقع فيه فئام (2) من أمة محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم من الشرك، وضممت إلى ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تقوم ~~PageV01P008 # الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي ~~الأوثان» (1) . # وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~«لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة» وذو الخلصة: ~~طاغية دوس التي كانوا يعبدون في الجاهلية (2) وروى مسلم عن عائشة رضي الله ~~عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «لا يذهب الليل ~~والنهار حتى تعبد اللات والعزى» (3) . # إذا علمت ذلك أفادك فائدتين: # الأولى: الفرح بفضل الله وبرحمته، قال تعالى: {قل بفضل الله وبرحمته ~~فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون} [يونس: 58] # الثانية: الخوف العظيم من الشرك، فإن سادات الأولياء خافوا منه كمثل نبي ~~الله وخليله إبراهيم صلى الله عليه وآله وسلم فقد قال الله عنه أنه دعا ربه ~~بقوله: {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} [إبراهيم: 35] وقال نبي الله وخليله ~~محمد صلى الله عليه وآله وسلم: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، ~~وأستغفرك لما لا أعلم» (4) وخصوصا أن الله قص علينا في القرآن الكريم عن ~~قوم موسى عليه السلام مع صلاحهم وعلمهم، وأن الله فضلهم على أهل زمانهم، ~~بدليل قوله تعالى: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني ~~فضلتكم على العالمين} [البقرة: 47] مع ذلك طلبوا من نبيهم أن يجعل لهم إلها ~~غير الله يعبدونه، كما أن للمشركين آلهة يعبدونها، قال تعالى: {وجاوزنا ~~ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل ~~لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون} [الأعراف: 138] يعني: تجهلون ~~عظمة الله، وما ينبغي أن ينزه عنه من الشريك. # واعلم أن الله سبحانه من حكمته أنه جعل لكل نبي عدوا، والدليل قوله ~~تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض ~~زخرف القول ms07 غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون} [الأنعام: 112] ~~PageV01P009 # [الأنعام: 112] ، وقال تعالى في الحديث القدسي: «إني خلقت عبادي حنفاء ~~كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، ~~وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا» (1) إذا علمت ذلك كله عظم فرحك ~~بفضل الله وبرحمته، وزاد خوفك من طرائق الشياطين في صد الناس عن سبيل الله، ~~فقد قال إمامهم إبليس لربك عز وجل: {قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك ~~المستقيم - ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ~~ولا تجد أكثرهم شاكرين} [الأعراف: 16 - 17] فقد قعد إبليس وجنوده من ~~الشياطين على الطريق الموصلة إلى الله، ومعهم فصاحة وتزيين وشبه، فالواجب ~~عليك أن تتعلم من دين الله ما يصير سلاحا لك تقاتل به هؤلاء الشياطين. # ولا تخف ولا تحزن إذا أقبلت على الله، وتوكلت عليه، وأصغيت إلى حجته ~~وبيناته {إن كيد الشيطان كان ضعيفا} [النساء: 76] و {ومن يتوكل على الله ~~فهو حسبه} [الطلاق: 3] أي: كافيه، والموحد الواحد يغلب ألفا من علماء ~~المشركين، قال تعالى: {وإن جندنا لهم الغالبون} [الصافات: 173] فجند الله ~~هم الغالبون بالحجة واللسان، كما أنهم هم الغالبون بالسيف والسنان، وإنما ~~الخوف على المسلم الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح، وقد من الله تعالى علينا ~~بكتابه الذي جعله {تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين} [النحل: 89] ~~فلا يأتي صاحب باطل بحجة أو شبهة إلا وفي القرآن ما ينقضها ويبين بطلانها، ~~كما قال تعالى: {ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا} [الفرقان: ~~33] قال بعض المفسرين: هذه الآية عامة في كل حجة يأتي بها أهل الباطل إلى ~~يوم القيامة. # ومن ذلك أن تعلم ما كان عليه أهل الجاهلية من أمور خالفهم فيها رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم، فإن ذلك من أهم المهمات التي وردت في الكتاب ~~والسنة الصحيحة، وذلك PageV01P010 # لتحذر منها، ثم تحذر منها، وتكون معرفتها زادا لك وسلاحا في وجه ~~المشركين. # فلقد كان البشر قبل البعثة المحمدية في جاهلية وشر، ms08 ثم أتى الله سبحانه ~~بهذا الخير العظيم (دين الإسلام) كما روى البخاري ومسلم - واللفظ له- عن ~~حذيفة بن اليمان قال: «كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله إنا كنا ~~في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير شر؟ قال: " نعم ~~" فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: " نعم، وفيه دخن " قال: قلت: وما ~~دخنه؟ قال: " قوم يستنون بغير سنتي، ويهتدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر " ~~قلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: " نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم ~~إليها قذفوه فيها " فقلت: يا رسول الله، صفهم لنا، قال: " نعم، هم قوم من ~~جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا " قلت: فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال: " تلزم ~~جماعة المسلمين وإمامهم " فقلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: " ~~فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة، حتى يدركك الموت، وأنت ~~على ذلك» (1) وفي رواية أخرى لمسلم (4785) : «يكون بعدي أئمة لا يهتدون ~~بهداي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان ~~إنس» . # فالجاهلية كانت قبل البعثة، وقد يتلبس الإنسان المسلم بشيء من صفات ~~الجاهلية، فيقال فيه: «إنك امرؤ فيك جاهلية» (2) وكمثل الفخر بالأحساب، ~~والطعن في الأنساب، والنياحة على الميت، ويأتي الكلام على ذلك في أبواب ~~الكتاب بإذن الله، وهذه لا يكفر صاحبها، فهي من أبواب الكبائر، أما التي ~~يكفر صاحبها فمثل: دعاء غير الله، وطاعة العلماء والحكام في تحليل ما حرم ~~الله أو تحريم ما أحل الله. # ويأتي الكلام على هذا مفصلا بمشيئة الله، ويعرف كل من النوعين المكفر ~~وغير المكفر بالدليل الشرعي من كتاب وسنة، وما كان عليه سلف الأمة رضوان ~~الله عليهم. PageV01P011 # الأدلة على وجوب مخالفة أهل الجاهلية: الأدلة كثيرة، فمنها قوله تعالى: ~~{وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ~~فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من ms09 الحق لكل جعلنا ~~منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم ~~فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} ~~[المائدة: 48] وقوله تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع ~~أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما ~~يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون} [المائدة: ~~49] وقوله: {فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما ~~أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم ~~أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير} [الشورى: 15] ~~وقوله: {ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا ~~يعلمون} [الجاثية: 18] فنهى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن ~~يتبع أهواء الذين لا يعلمون، ويدخل فيه (كل من خالف شريعته، وأهواؤهم هو ما ~~يهوونه، وما عليه المشركون من هديهم الظاهر، الذي هو من موجبات دينهم ~~الباطل وتوابع ذلك، فهم يهوونه، وموافقتهم فيه اتباع لما يهوونه) (1) . # وقال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا ~~واسمعوا وللكافرين عذاب أليم} [البقرة: 104] (راعنا) : حافظنا، من راعيته ~~إذا تأملته وتعرفت أحواله، وكانت اليهود تقوله لرسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم تشبها بالمؤمنين، وهو بلغتهم سب بالرعونة، فينوونه، فنهى الله ~~عنه المؤمنين (2) . # بيان سوء عاقبة من اتبع أهل الجاهلية: جاءت أدلة صريحة في بيان العاقبة ~~الشنيعة التي أعدها الله تعالى لمن خالف أمره، وتشبه بأعدائه، مما يدل على ~~قبح الفعل، وشناعته، ومن هذه الأدلة: PageV01P012 # قوله تعالى: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى ~~الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ~~ولي ولا نصير} [البقرة: 120] ففي هذا تهديد شديد ووعيد أكيد للأمة عن اتباع ~~طرائق اليهود والنصارى بعدما علموا من القرآن والسنة، والخطاب مع الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم، والمراد ms10 أمته (1) . # وقوله: {ولئن اتبعت أهواءهم} [البقرة: 120] ولم يقل: دينهم؛ لأن ما هم ~~عليه مجرد أهواء نفس، ومن ترك الدين اتبع الهوى لا محالة (2) . # قال أبو العباس رحمه الله: (ومتابعتهم فيما يختصون به من دينهم وتوابع ~~دينهم اتباع لأهوائهم، بل يحصل اتباع أهوائهم بما هو دون ذلك) (3) . # قال الله تعالى: {كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا ~~وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم ~~بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم ~~الخاسرون} [التوبة: 69] # قال أبو العباس: (ثم قوله: فاستمتعتم وخضتم خبر عن وقوع ذلك في الماضي، ~~وهو ذم لمن يفعله إلى يوم القيامة، كسائر ما أخبر الله به عن الكفار ~~والمنافقين عند مبعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه ذم لمن حاله ~~كحالهم إلى يوم القيامة) (4) . # وصف المتشبهين بما يفيد شناعة فعلهم: كما في قوله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: «أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة ~~الجاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه» (5) . PageV01P013 # قاعدة كلية عامة: أن هذه الأمة ستتبع سنن من كان قبلها. ودليل ذلك قوله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون ~~قبلها: شبرا بشبر، وذراعا بذراع. " فقيل: يا رسول الله كفارس والروم؟ فقال: ~~" ومن الناس إلا أولئك؟» (1) وقوله: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا شبرا، ~~وذراعا ذراعا، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم» (2) . # وفي ذلك مسائل: # الأولى: العلم بذلك. # الثانية: الحذر الشديد من مشابهة المشركين في أي شيء. # الثالثة: الخوف الشديد من أن يتشبه بهم من غير قصد، ففيه: # الرابعة والخامسة: أهمية العلم، والخسارة العظيمة بفقدانه. # السادسة: أنه صلى الله عليه وآله وسلم يخاف على أمته اتباعهم، فلذلك قال ~~ما قال على جهة التعيير والتوبيخ. # السابعة: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «شبرا بشبر، وذراعا بذراع» كناية ~~عن شدة الموافقة لهم في الكفر والمعاصي، وهو خبر معناه النهي عن اتباعهم، ~~ومنعهم من الالتفات لغير ms11 دين الإسلام، وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: «من تشبه بقوم فهو منهم» (3) . # والتشبه يشمل كل شبه يكون في الأعياد والأخلاق والملابس والكلام وغير ~~ذلك. # وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «رأى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم علي ثوبين معصفرين فقال: " إن هذه من ثياب الكفار، فلا تلبسها» (4) ~~والأمر يطول في هذا، ولعل فيما ذكرنا كفاية إن شاء الله. PageV01P014 # إذا علمت هذا زاد حرصك على تعلم ذلك وتعليمه، وتفهمه وتفهيمه، خصوصا أن ~~علماء هذه الأمة الخاتمة حذروا من سلوك مسالك الجاهلية النكراء، بعدما رأوا ~~ما وقع فيه فئام الناس من البدع والمحدثات، والتشبه بأهل الجاهلية الجهلاء ~~من الأميين والكتابيين، ووقعوا فيما حذر منه رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، فكان من نتائج ذلك تأليف الكتب المحذرة من الوقوع في ذلك، فألفت في ~~ذلك مؤلفات عديدة، منها ما يتحدث عن البدع عموما، وفي ضمنه التحذير من ~~مشابهة الكفار، ومنها ما هو خاص بالتحذير من مشابهة الكفار. # ومن هذه المؤلفات هذا المؤلف الذي بين يديك، وهو " مسائل الجاهلية التي ~~خالف فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أهل الجاهلية " ألف أصله ~~الشيخ أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد رحمه الله، وتوسع فيها على هذا ~~النحو علامة العراق: الإمام أبو المعالي محمود شكري بن عبد الله الألوسي ~~رحم الله الجميع. # وقد كنت عزمت على طباعته سنة 1413 ه لكن ما يسر الله ذلك، ثم عزمت ثانية ~~هذا العام 1422 ه، فكانت هذه الطبعة، ومن رأى فيها شيئا من الخطأ فليبادر ~~إلى نصيحتي مشكورا، بأن يبينه لي، وليكن رائده في هذا المجال وغيره النصح ~~والإرشاد، والتواصي بالحق، ورحم الله عبدا دلني على خطئي، وأهدى إلي عيوبي، ~~وليكن النصح مقرونا بالدليل من كتاب وسنة، وما كان عليه سلف الأمة، وجزاه ~~الله خيرا. # هذا وصلى الله على عبده ونبيه محمد وعلى النبيين من قبله وسلم تسليما ~~كثيرا. # كتبه # علي بن مصطفى خلوف ms12 # الخميس 2 / 2 / 1432ه # عنوان المراسلات: دمشق: ص. ب 2625 # PageV01P015 ### | شيء من ترجمة العلامة الشيخ محمود شكري الألوسي رحمه الله # شيء من ترجمة العلامة الشيخ # محمود شكري الألوسي رحمه الله - هو أبو المعالي محمود شكري بن عبد الله ~~بن محمد بن أبي الثناء الألوسي. # - ولد رحمه الله في 19 / 9 / 1273 ه في بغداد من بلاد العراق. # - نشأ رحمه الله في بيت علم ودين، فقد كان كثير من أسرته علماء وأدباء، ~~فأبوه عبد الله (ت 1291) كان عالما، وكذلك جده أبو الثناء محمود صاحب " روح ~~المعاني "، وإن كان عنده شيء من البدع، فالله يسامحه، ومن هؤلاء عمه نعمان ~~خير الدين (1) صاحب " جلاء العينين "، فقد كان خيرا دينا عالما وقورا. # - بدأ أبو المعالي رحمه الله في طلب العلم في سن مبكرة جدا، فأخذ عن أبيه ~~مبادئ العربية والخط، ثم بعد وفاة أبيه كفله عمه خير الدين فأخذ عنه، كما ~~أخذ عن مشايخ بلده، ومنهم الشيخ إسماعيل بن مصطفى. # - ألف أبو المعالي رحمه الله مؤلفات كثيرة نافعة إن شاء الله، ومن هذه ~~المؤلفات: # * فتح المنان، وهو كتاب أتم به منهاج التأسيس في الرد على داود بن جرجيس ~~للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن. # * بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب. # * شرح مسائل الجاهلية، وهو كتابنا هذا. # * شرح منظومة عمود النسب. # - لقد كان الشيخ رحمه الله على عقيدة ومنهج السلف الصالح رضوان الله ~~عليهم، PageV01P016 # يظهر ذلك جليا في مؤلفاته، وخاصة في " شرح مسائل الجاهلية " و " فتح ~~المنان ". # - توفي أبو المعالي رحمه الله في اليوم الرابع من شهر شوال عام 1342 ه ~~على أثر مرض ألم به في أواخر شهر رمضان من العام نفسه، نسأل الله تعالى له ~~الرحمة والنجاة من النار، وجزاه على ما قدم للمسلمين خير الجزاء. # PageV01P017 ### | مقدمة العلامة الألوسي # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي هدانا للدين المبين، وأنار لنا الصراط المستقيم بأوضح ~~البراهين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، الذي أنقذ بشريعته ~~الغراء من جهل الجاهلين، وعلى آله وأصحابه ms13 الغر الميامين، الذين جاهدوا في ~~الله حتى أتاهم اليقين. # أما بعد: # فيقول العبد المفتقر إلى عفو الله وغفرانه: محمود شكري الألوسي البغدادي ~~- كان الله تعالى له، وأحسن عمله، وأناله من الخير أمله-: إني وقفت على ~~رسالة صغيرة الحجم، كثيرة الفوائد، تشتمل على نحو مائة مسألة من المسائل ~~التي خالف فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أهل الجاهلية من الأميين ~~والكتابيين، وهي أمور ابتدعوها ما أنزل الله بها من سلطان، ولا أخذت عن نبي ~~من النبيين، ألفها الإمام العالم العلامة، القدوة الفهامة محيي السنة ~~السنية، ومجدد الشريعة النبوية، محدث عصره، وحافظ دهره، تذكرة السلف، وعمدة ~~الخلف (1) تغمده الله تعالى برحمته، وأسكنه فسيح جنته. # بيد أن مسائل تلك الرسالة في غاية الإيجاز، بل كادت تعد من قبيل الألغاز، ~~قد عبر عن كثير منها بعبارة مجملة، وأتى فيها بدلائل ليست مشروحة ولا ~~مفصلة، حتى أن من ينظرها يظن أنها فهرس كتاب، قد عدت فيه المسائل من غير ~~فصول ولا أبواب، ولاشتمالها على تلك المسائل المهمة، الآخذة بيد المتمسك ~~بها إلى منازل الرحمة، أحببت أن أعلق عليها شرحا يفصل مجملها، وتكشف ~~معضلها، PageV01P018 # من غير إيجاز مخل، ولا إطناب ممل، مقتصرا فيه على أوضح الأقاويل، ومبينا ~~ما أورده من برهان ودليل، عسى الله أن ينفع بذلك المسلمين، ويهدي به من ~~يشاء من عباده المتقين، فيكون سببا للثواب، والفوز يوم العرض والحساب، ~~والأمن من أليم العذاب، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب. ### | الأولى التعبد بإشراك الصالحين في عبادة الله تعالى # قال المصنف رحمه الله تعالى: # بسم الله الرحمن الرحيم # هذه مسائل خالف فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما عليه أهل ~~الجاهلية الكتابيين والأميين، مما لا غناء لمسلم عن معرفتها. # والضد يظهر حسنه الضد ... وبضدها تتبين الأشياء # وأهم ما فيها وأشده خطرا عدم إيمان القلب بما جاء به الرسول صلى الله ~~عليه وآله وسلم، فإن انضاف إلى ذلك استحسان دين الجاهلية والإيمان به تمت ~~الخسارة والعياذ بالله تعالى، كما قال ms14 عز ذكره: {والذين آمنوا بالباطل ~~وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون} [العنكبوت: 52] # PageV01P019 # المسألة الأولى أنهم يتعبدون بإشراك الصالحين في عبادة الله تعالى، ويرون ~~ذلك من تعظيم الصالحين الذي يحبه الله، ويريدون - أيضا - بذلك شفاعتهم؛ ~~لظنهم أنهم يحبون ذلك # كما قال تعالى في أوائل " الزمر " [2 - 3] : {إنا أنزلنا إليك الكتاب ~~بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين - ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من ~~دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ~~ما هم فيه يختلفون} [الزمر: 2 - 3] # وقال تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله} [يونس: 18] # وهذه أعظم مسألة خالفهم فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأتى ~~بالإخلاص، وأخبرهم أنه دين الله الذي لا يقبل من أحد سواه، وأن من فعل ما ~~استحسنوا حرم الله عليه الجنة، ومأواه النار. # وهذه المسألة هي الدين كله، ولأجلها تفرق الناس بين مسلم وكافر، وعندها ~~وقعت العداوة، ولأجلها شرع الجهاد، كما قال تعالى في " البقرة " [193] : ~~{وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله} [البقرة: 193] # PageV01P020 ### | [الثانية أنهم متفرقون ويرون السمع والطاعة مهانة ورذالة] # الثانية # أنهم متفرقون، ويرون السمع والطاعة مهانة ورذالة # فأمرهم الله بالاجتماع، ونهاهم عن التفرقة: # فقال عز ذكره: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا ~~وأنتم مسلمون - واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله ~~عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا ~~حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون} [آل ~~عمران: 102 - 103] # يقال: أراد سبحانه بما ذكر ما كان بين الأوس والخزرج من الحروب التي ~~تطاولت مائة وعشرين سنة، إلى أن ألف سبحانه بينهم بالإسلام، فزالت الأحقاد، ~~قاله ابن إسحاق، وكان يوم بعاث آخر الحروب التي جرت بينهم، وقد فصل ذلك في ~~" الكامل " (1) . # ومن الناس من يقول: أراد ما كان بين مشركي العرب من التنازع الطويل ~~والقتال العريض، ومنه حرب البسوس، كما نقل ms15 عن الحسن رضي الله عنه. # وقال تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا} [التغابن: 16] # إلى غير ذلك من الآيات الناصة على النهي عن الاستبداد والتفرق وعدم ~~الانقياد والطاعة مما كان عليه أهل الجاهلية. PageV01P021 ### | الثالثة أن مخالفة ولي الأمر وعدم الانقياد له عندهم فضيلة # الثالثة أن مخالفة ولي الأمر، وعدم الانقياد له - عندهم - فضيلة، وبعضهم ~~يجعله دينا # فخالفهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك، وأمرهم بالصبر على جور ~~الولاة والسمع والطاعة والنصيحة لهم، وغلظ في ذلك، وأبدى وأعاد. # وهذه الثلاث هي التي ورد فيها ما في الصحيح عنه صلى الله عليه وآله وسلم: ~~«يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله ~~جميعا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم» . # وروى البخاري عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من كره ~~من أميره شيئا فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية» (1) . # وروى - أيضا - «عن جنادة بن أبي أمية، قال: دخلنا على عبادة بن الصامت ~~وهو مريض، فقلنا: أصلحك الله، حدث بحديث ينفعك الله به سمعته من رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم، قال: دعانا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فبايعنا، فكان فيما أخذ علينا: " أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ~~ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا ~~كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان» (2) . # والأحاديث الصحيحة في هذا الباب كثيرة، ولم يقع خلل في دين الناس أو ~~دنياهم إلا من الإخلال بهذه الوصية. PageV01P022 ### | الرابعة أن دينهم مبني على أصول أعظمها التقليد # الرابعة أن دينهم مبني على أصول: أعظمها التقليد، فهو القاعدة الكبرى ~~لجميع الكفار من الأولين والآخرين # كما قال تعالى: {وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال ~~مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون - قال أولو جئتكم ~~بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون} [الزخرف: 23 ~~- 24] # فأمرهم الله تعالى ms16 بقوله: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من ~~دونه أولياء قليلا ما تذكرون} [الأعراف: 3] # وقال تعالى: {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا ~~عليه آباءنا} [البقرة: 170] قال: {أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا ~~يهتدون} [البقرة: 170] # . . . إلى غير ذلك مما يدل على أن أهل الجاهلية كانوا في ربقة التقليد، ~~لا يحكمون لهم رأيا، ولا يشغلون فكرا؛ فلذلك تاهوا في أودية الجهالة، وهكذا ~~كل من سلك مسلكهم في أي عصر كان (1) . PageV01P023 ### | الخامسة الاقتداء بفسقة أهل العلم وجهالهم وعبادهم # الخامسة الاقتداء بفسقة أهل العلم وجهالهم وعبادهم فحذرهم الله تعالى من ~~ذلك بقوله: {يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون ~~أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله} [التوبة: 34] # وقال تعالى: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء ~~قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل} [المائدة: 77] # . . . إلى آيات أخر تنادي ببطلان الاقتداء بالفساق وأهل الضلالة والغي، ~~وذلك من سنن الجاهلية وطرائقهم المعوجة (1) . PageV01P024 ### | السادسة الاحتجاج بما كان عليه أهل القرون السالفة # السادسة الاحتجاج بما كان عليه أهل القرون السالفة من غير تحكيم العقل، ~~والأخذ بالدليل الصحيح وقد أبطل الله تعالى ذلك بقوله في " طه " [49 - 54] ~~: {قال فمن ربكما يا موسى - قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى - قال ~~فما بال القرون الأولى - قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى - ~~الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا ~~به أزواجا من نبات شتى - كلوا وارعوا أنعامكم} [طه: 49 - 54] إلخ. # وقال تعالى في " القصص " [36 - 37] : {فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات ~~قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين - وقال موسى ~~ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح ~~الظالمون} [القصص: 36 - 37] # وقال عز ذكره في سورة " المؤمنين " [23 - 25] : {ولقد أرسلنا نوحا إلى ~~قومه فقال يا ms17 قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون - فقال الملأ ~~الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء ~~الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين - إن هو إلا رجل به جنة ~~فتربصوا به حتى حين} [المؤمنون: 23 - 25] # وقال تعالى في " ص " [6 - 7] {وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على ~~آلهتكم إن هذا لشيء يراد - ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا ~~اختلاق} [ص: 6 - 7] # فجعلوا مدار احتجاجهم على عدم قبول ما جاءت به الرسل أنه لم يكن عليه ~~أسلافهم، ولا عرفوه منهم، فانظر إلى سوء مداركهم، وجمود قرائحهم، ولو كانت ~~لهم أعين يبصرون بها، وآذان يسمعون بها، لعرفوا الحق بدليله، وانقادوا ~~لليقين من غير تعليله، وهكذا أخلافهم ووراثهم، قد تشابهت قلوبهم. # PageV01P025 ### | السابعة الاعتماد على الكثرة والاحتجاج بالسواد الأعظم # السابعة الاعتماد على الكثرة، والاحتجاج بالسواد الأعظم، والاحتجاج على ~~بطلان الشيء بقلة أهله فأنزل الله تعالى ضد ذلك وما يبطله، فقال في " ~~الأنعام " [116 - 117] : {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن ~~يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون - إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو ~~أعلم بالمهتدين} [الأنعام: 116 - 117] # فالكثرة على خلاف الحق لا تستوجب العدول عن اتباعه لمن كان له بصيرة ~~وقلب، فالحق أحق بالاتباع وإن قل أنصاره كما قال تعالى: {قال لقد ظلمك ~~بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم} [ص: 24] فأخبر الله عن أهل الحق أنهم ~~قليل، غير أن القلة لا تضرهم: # تعيرنا أنا قليل عديدنا ... فقلت لها إن الكرام قليل # فالمقصود أن من له بصيرة ينظر إلى الدليل، ويأخذ ما يستنتجه البرهان وإن ~~قل العارفون به، المنقادون له، ومن أخذ ما عليه الأكثر، وما ألفته العامة ~~من غير نظر الدليل فهو مخطئ، سالك سبيل الجاهلية، مقدوح عند أهل البصائر. # PageV01P026 ### | الثامنة الاستدلال على بطلان الشيء بكونه غريبا ms18 # الثامنة الاستدلال على بطلان الشيء بكونه غريبا فرد الله تعالى ذلك بقوله ~~في " هود " [116] : {فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن ~~الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا ~~فيه وكانوا مجرمين} [هود: 116] # ومعنى الآية: {فلولا كان} [هود: 116] تحضيض فيه معنى التفجع، أي: فهلا ~~كان {من القرون} [هود: 116] أي: الأقوام المقتربة في زمان واحد {من قبلكم ~~أولو بقية} [هود: 116] أي: ذوو خصلة باقية من الرأي والعقل، أو ذوو فضل، ~~على أن يكون البقية اسما للفضل، والهاء للنقل، ومن هنا يقال: فلان من بقية ~~القوم أي: من خيارهم، ومنه قولهم: " في الزوايا خبايا، وفي الرجال بقايا "، ~~{ينهون عن الفساد في الأرض} [هود: 116] الواقع فيما بينهم حسبما ذكر في ~~قصصهم، وفسر الفساد بالكفر وما اقترن به من المعاصي، {إلا قليلا ممن أنجينا ~~منهم} [هود: 116] استثناء منقطع أي: ولكن قليلا ممن أنجيناهم؛ لكونهم كانوا ~~ينهون. # PageV01P027 ### | [التاسعة الاستدلال على المطلوب والاحتجاج بقوم أعطوا من القوة في الفهم والإدراك وفي القدرة والملك ظنا أن ذلك يمنعهم من الضلال] # فرد الله تعالى ذلك عليهم بقوله سبحانه في " الأحقاف " [24 - 26] : {فلما ~~رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح ~~فيها عذاب أليم - تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك ~~نجزي القوم المجرمين - ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا ~~وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ ~~كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} [الأحقاف: 24 - ~~26] # ومعنى الآية: {ولقد مكناهم} [الأحقاف: 26] أي: قوينا عادا وأقدرناهم، و " ~~ما " في قوله تعالى: {فيما إن مكناكم فيه} [الأحقاف: 26] موصولة أو موصوفة، ~~و " إن " نافية أي: في الذي، أو في شيء ما مكناكم فيه من السعة والبسطة ~~وطول الأعمار وسائر مبادي التصرفات، كما في قوله تعالى: {ألم يروا كم ~~أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم} [الأنعام: 6] ولم ms19 ~~يكن النفي بلفظ " ما " كراهة لتكرير اللفظ، وإن اختلف المعنى، {وجعلنا لهم ~~سمعا وأبصارا وأفئدة} [الأحقاف: 26] ليستعملوها فيما خلقت له، ويعرفوا بكل ~~منها ما نيطت به معرفته من فنون النعم، ويستدل بها على شؤون منعمها عز وجل، ~~ويداوموا على شكره جل ثناؤه، {فما أغنى عنهم سمعهم} [الأحقاف: 26] حيث لم ~~يستعملوه في استماع الوحي ومواعظ الرسل، {ولا أبصارهم} [الأحقاف: 26] حيث ~~لم يجتلوا بها الآيات الكونية المرسومة في صحائف الأعمال، {ولا أفئدتهم} ~~[الأحقاف: 26] حيث لم يستعملوها في معرفة الله تعالى {من شيء} [الأحقاف: ~~26] أي: شيئا من الأشياء، و" من " مزيدة للتوكيد، وقوله: {إذ كانوا يجحدون ~~بآيات الله} [الأحقاف: 26] تعليل للنفي، {وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} ~~[الأحقاف: 26] من العذاب الذي كانوا يستعجلونه بطريق الاستهزاء، ويقولون: ~~{فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين} [الأحقاف: 22] # فهذه الآية تبطل الاحتجاج بقوم أعطوا من القوة في الفهم والإدراك وفي ~~القدرة والملك؛ ظنا أن ذلك يمنعهم من الضلال، ألا ترى أن قوم عاد - لما ~~أخبر عنهم # PageV01P028 # التنزيل - كانوا من القوة والبسطة في الأموال والأبدان والإدراك وسعة ~~الأذهان وغير ذلك ما لم يكن مثله للعرب الذين أدركوا الإسلام، ومع ذلك ضلوا ~~عن سواء السبيل، وكذبوا الرسل بالأباطيل، فالتوفيق للإيمان بالله ورسله، ~~والإذعان للحق، وسلوك سبله، إنما هو فضل من الله - تعالى - لا لكثرة مال ~~ولا لحسن حال، ومن يرد الحق ويستدل بكون من هو أحسن حالا منه لم يقبله، ولم ~~يحكم عقله، ويتبع ما يوصل إليه الدليل، فقد سلك سبيل الجاهلية، وحاد عن ~~الحجة المرضية. # ومثل هذه الآية: قوله تعالى: {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ~~فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين} [البقرة: 89] # كان اليهود يعلمون من كتبهم رسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأن ~~الله سيرسل نبيا كريما من العرب، وكانوا من قبل يستفتحون على المشركين ~~ببعثته، ويقولون: يا ربنا أرسل النبي الموعود إرساله؛ حتى ننتصر على ~~الأعداء، فلما جاءهم ما عرفوا، وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم كفروا به؛ ms20 ~~حسدا منهم أن تكون النبوة في العرب، وهم - بزعمهم - أحسن أثاثا ورئيا، ولم ~~يعلموا أن النبوة والإيمان بها فضل من الله يؤتيه من يشاء. # ومثلها - أيضا - قوله تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ~~أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون - الحق من ربك فلا تكونن ~~من الممترين} [البقرة: 146 - 147] # الضمير في قوله: (يعرفونه) عائد على العلم في قوله: {ولئن اتبعت أهواءهم ~~من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين} [البقرة: 145] فكتمانهم ~~الحق، وعدم جريهم على مقتضى علمهم لما فيهم من الجاهلية، والاعتقاد أن فضل ~~الله مقصور عليهم، لا يتعداهم إلى غيرهم. # وآية " الأنعام " موافقة لهذه الآية لفظا ومعنى، وهي قوله تعالى: {قل أي ~~شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ~~ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله ~~واحد وإنني بريء مما تشركون - الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ~~أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون} [الأنعام: 19 - 20] # PageV01P029 ### | العاشرة الاستدلال بعطاء الدنيا على محبة الله تعالى # العاشرة الاستدلال بعطاء الدنيا على محبة الله تعالى قال سبحانه: {وما ~~أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون - وقالوا ~~نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين - قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ~~ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون - وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم ~~عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في ~~الغرفات آمنون - والذين يسعون في آياتنا معاجزين أولئك في العذاب محضرون - ~~قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له وما أنفقتم من شيء فهو ~~يخلفه وهو خير الرازقين} [سبأ: 34 - 39] # وقال في سورة " القصص " [46 - 50] : {وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن ~~رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون - ولولا أن ~~تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت ms21 إلينا رسولا فنتبع ~~آياتك ونكون من المؤمنين - فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ~~ما أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا ~~إنا بكل كافرون - قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم ~~صادقين - فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع ~~هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين} [القصص: 46 - 50] # وفي آيات أخرى في سورة " القصص " [76 - 78] يقول الله سبحانه: {إن قارون ~~كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة ~~أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين - وابتغ فيما ~~آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ~~ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين - قال إنما أوتيته على ~~علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة ~~وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون} [القصص: 76 - 78] # PageV01P030 # إلى آخر الآية. # فقد كفانا الله تعالى إبطال هذه الخصلة الجاهلية بقوله في الآية الأولى: ~~{قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء} [سبأ: 36] وفي الآية الأخرى بقوله: {أولم ~~يعلم أن الله} [القصص: 78] فعلمنا من ذلك أن محبة الله ورضى الله إنما يكون ~~بطاعته والانقياد لرسله، والإذعان للحق باتباع البرهان. # وأما كثرة المال، وسعة الرزق، وعيش الرخاء، فلا دليل فيه على نجاة المنعم ~~عليه بمثل ذلك، ولو كانت الدنيا وما فيها تعادل عند الله جناح بعوضة ما سقى ~~من عصاه شربة ماء. # قال سبحانه: {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن ~~لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون} [الزخرف: 33] # وعلى ذلك قول القائل: # كم عالم عالم أعيت مذاهبه ... وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا # ومما ينسب لبعض الأكابر: # رضينا قسمة الجبار فينا ... لنا علم وللأعداء مال # فإن المال يفنى عن قريب ... وإن العلم باق ms22 لا يزال # والشواهد كثيرة. # والمقصود أن ما كان عليه أهل الجاهلية من كون زخارف الدنيا من الأدلة على ~~قرب من حازها من الله وقبوله عنده، فقول بعيد عن الحق، ومذهب باطل لا ينبغي ~~لمن له بصيرة أن يعول عليه. # PageV01P031 ### | الحادية عشرة الاستدلال على بطلان الشيء بأخذ الضعفاء به # الحادية عشرة الاستدلال على بطلان الشيء بأخذ الضعفاء به، وضعف فهم من ~~أخذ به، على ما يدل عليه قول قوم نوح له كما حكاه عنهم الكتاب الكريم # قال تعالى في سورة " الشعراء " [105 - 115] : {كذبت قوم نوح المرسلين - ~~إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون - إني لكم رسول أمين - فاتقوا الله وأطيعون ~~- وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين - فاتقوا الله ~~وأطيعون - قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون - قال وما علمي بما كانوا يعملون ~~- إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون - وما أنا بطارد المؤمنين - إن أنا إلا ~~نذير مبين} [الشعراء: 105 - 115] # فانظر إلى قوم نوح كيف استنكفوا من اتباع نبيهم لسبب اتباع الضعفاء له، ~~وذلك لكون مطمح أنظارهم الدنيا، وإلا لو كانت الآخرة همهم لاتبعوا الحق ~~أينما وجدوه، ولكن لجاهليتهم أعرضوا عن الحق لاتباع شهواتهم. # وانظر إلى هرقل لما كان من العقل والبصيرة على جانب عظيم اعتقد اتباع ~~الضعفاء دليلا على الحق، «فقال في جملة ما سأل أبا سفيان عن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم. " وسألتك عن أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم، فذكرت أن ~~ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل» (1) . # ومثل ذلك قوله تعالى في سورة " هود " [25 - 27] : {ولقد أرسلنا نوحا إلى ~~قومه إني لكم نذير مبين - أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم ~~أليم - فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك ~~اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم ~~كاذبين} [هود: 25 - 27] الآيات. PageV01P032 ### | [الثانية عشرة رمي من اتبع الحق بعدم الإخلاص وطلب الدنيا] # الثانية عشرة من خصال أهل الجاهلية: رمي من ms23 اتبع الحق بعدم الإخلاص، وطلب ~~الدنيا # فرد الله عليهم بقول نبيهم الذي حكاه الله عن نوح في الآية الأولى ~~المذكورة في المسألة الحادية عشرة بقوله: {قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون ~~- قال وما علمي بما كانوا يعملون - إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون} ~~[الشعراء: 111 - 113] الشعراء: [111 - 113] . # ومقصودهم أن أتباعك فقراء، آمنوا بك؛ لينالوا مقصدهم من العيش، لا أن ~~إيمانهم كان لدليل يقتضي صحة ما جئت به؛ فلهذا رد عليهم بما رد. # PageV01P033 ### | الثالثة عشرة الإعراض عن الدخول في الحق الذي دخل فيه الضعفاء تكبرا وأنفة # الثالثة عشرة من خصال أهل الجاهلية: الإعراض عن الدخول في الحق الذي دخل ~~فيه الضعفاء؛ تكبرا وأنفة # فرد الله تعالى عليهم ذلك بقوله في سورة " الأنعام " [52 - 53] : {ولا ~~تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من ~~شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين - وكذلك فتنا ~~بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم ~~بالشاكرين} [الأنعام: 52 - 53] # ومثل ذلك قوله تعالى: {عبس وتولى - أن جاءه الأعمى} [عبس: 1 - 2] وغير ~~ذلك. # وحاصل الرد أن من آمن من هؤلاء الضعفاء إنما كان إيمانه عن برهان، لا كما ~~زعم خصومهم، ولست أنت بمسؤول عنهم، ولا هم مسؤولون عن حسابك، فطردهم عن باب ~~الإيمان من الظلم بمكان. # PageV01P034 ### | الرابعة عشرة الاستدلال على بطلان الشيء بكونهم أولى به لو كان حقا # الرابعة عشرة الاستدلال على بطلان الشيء بكونهم أولى به لو كان حقا قال ~~تعالى في سورة " الأحقاف " [11] : {وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان ~~خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم} [الأحقاف: ~~11] # بعد قوله: {قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني ~~إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} ~~[الأحقاف: 10] # PageV01P035 ### | الخامسة عشرة الاستدلال بالقياس الفاسد وإنكار القياس الصحيح وجهلهم بالجامع والفارق # الخامسة عشرة الاستدلال بالقياس الفاسد، وإنكار القياس الصحيح، وجهلهم ~~بالجامع والفارق قال تعالى ms24 في سورة " المؤمنين " [24 - 25] : {فقال الملأ ~~الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء ~~الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين - إن هو إلا رجل به جنة ~~فتربصوا به حتى حين} [المؤمنون: 24 - 25] # ومعنى الآية: {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه} [المؤمنون: 23] شروع في بيان ~~إهمال الناس، وتركهم النظر والاعتبار فيما عدد سبحانه من النعم قبل هذه ~~الآية، وما حاقهم من زوالها، وفي ذلك تخويف لقريش، وتقديم قصة نوح عليه ~~السلام على سائر القصص مما لا يخفى وجهه، فقال متعطفا عليهم، ومستميلا لهم ~~إلى الحق: {يا قوم اعبدوا الله} [المؤمنون: 23] أي: اعبدوه وحده، {ما لكم ~~من إله غيره} [المؤمنون: 23] استئناف مسوق لتعليل العبادة المأمور بها، ~~{أفلا تتقون} [المؤمنون: 23] الهمزة لإنكار الواقع واستقباحه، والفاء للعطف ~~على مقدر يقتضيه المقام، أي: أتعرفون ذلك، أي: مضمون قوله تعالى: {ما لكم ~~من إله غيره} [المؤمنون: 23] فلا تتقون عذابه تعالى الذي يستوجبه ما أنتم ~~عليه من ترك عبادته سبحانه وحده، وإشراككم به عز وجل في العبادة ما لا ~~يستحق الوجود لولا إيجاد الله إياه، فضلا عن استحقاق العبادة، فالمنكر عدم ~~الاتقاء مع تحقق ما يوجبه، {فقال الملأ} [المؤمنون: 24] أي: الأشراف الذين ~~كفروا من قومه، وصف الملأ بالكفر مع اشتراك الكل فيه: للإيذان بكمال ~~عراقتهم وشدة شكيمتهم فيه، وليس المراد من ذلك إلا ذمهم دون التميز عن ~~أشراف آخرين آمنوا به عليه السلام، أو لم يؤمن به أحد من أشرافهم، كما يفصح ~~عنه قوله: {وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا} [هود: 27] وهذا القول صدر ~~منهم لعوامهم، {ما هذا إلا بشر مثلكم} [المؤمنون: 24] أي: في الجنس والوصف ~~من غير فرق بينكم وبينه، وصفوه عليه السلام بذلك مبالغة في وضع رتبته ~~العالية، وحطها عن منصب النبوة، ووصفوه بقوله سبحانه وتعالى: {يريد أن ~~يتفضل عليكم} [المؤمنون: 24] إغضابا للمخاطبين عليه عليه السلام، وإغراء ~~لهم على معاداته، والتفضل: طلب الفضل، وهو كناية عن السيادة، كأنه قيل: ~~يريد أن يسودكم # PageV01P036 # ويتقدمكم بادعاء الرسالة ms25 مع كونه مثلكم، {ولو شاء الله لأنزل ملائكة} ~~[المؤمنون: 24] بيان لعدم رسالة البشر على الإطلاق على زعمهم الفاسد بعد ~~تحقيق بشريته عليه السلام. # أي: ولو شاء الله تعالى إرسال الرسل لأرسل رسلا من الملائكة، وإنما قيل: ~~لأنزل لأن إرسال الملائكة لا يكون إلا بطريق الإنزال، {ما سمعنا بهذا في ~~آبائنا الأولين} [المؤمنون: 24] هذا إشارة إلى الكلام المتضمن الأمر بعبادة ~~الله عز وجل، خاصة والكلام على تقدير مضاف، أي: ما سمعنا بهذا الكلام في ~~آبائنا الماضين قبل بعثته عليه السلام، وقدر المضاف لأن عدم السماع بكلام ~~نوح المذكور لا يصلح للرد؛ فإن السماع بمثله كاف في القبول، {إن هو إلا رجل ~~به جنة} [المؤمنون: 25] أي: ما هو إلا رجل به جنون أو جن يخبلونه؛ ولذلك ~~يقول ما يقول، {فتربصوا به حتى حين} [المؤمنون: 25] أي: فاحتملوه، واصبروا ~~عليه، وانتظروا لعله يفيق مما هو فيه: محمول على مرامي أحوالهم في المكابرة ~~والعناد، وإضرابهم عما وصفوه عليه السلام به من البشرية، وإرادة التفضل، ~~إلى وصفه بما ترى، وهم يعرفون أنه عليه السلام أرجح الناس عقلا، وأرزنهم ~~قولا، وهو محمول على تناقض مقالاتهم الفاسدة - قاتلهم الله تعالى أنى ~~يؤفكون -. # والقياس الفاسد والصحيح، والجامع والفارق مفصل في كتب الأصوليين. # فبين الرسل عليهم السلام وسائر الناس مشابهة من جهة البشرية ولوازمها ~~الضرورية، فيصح حينئذ قياس الرسل على غيرهم فيها، وعليه قوله تعالى: {قل ~~إنما أنا بشر مثلكم} [الكهف: 110] # وبين الرسل والأنبياء عليهم السلام وغيرهم من البشر فروق كثيرة: # منها: أن الله تعالى اصطفاهم على الناس برسالاته وبكلامه ووحيه، فلا يقاس ~~أحد من الناس بهم حينئذ من هذه الجهة، كما لا يصح قياس غيرهم بهم في سائر ~~خصائصهم التي فصلت في غير هذا الموضع، فالجاهلية لم يميزوا بين القياس ~~الصحيح والفاسد، ولا عرفوا الجامع ولا الفارق، كما سمعت من قياسهم الرسل ~~على غيرهم، وهكذا أتباعهم اليوم ومن هو على شاكلتهم. # PageV01P037 ### | السادسة عشرة الغلو في الصالحين من العلماء والأولياء # السادسة عشرة الغلو في الصالحين من العلماء والأولياء كقوله تعالى ms26 في ~~سورة " التوبة " [30 - 32] : {وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى ~~المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم ~~الله أنى يؤفكون - اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن ~~مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون - ~~يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره ~~الكافرون} [التوبة: 30 - 32] # فاتخاذ أحبار الناس أربابا يحللون ويحرمون، ويتصرفون في الكون (1) ~~وينادون في دفع ضر أو جلب نفع من جاهلية الكتابيين، ثم سرى إلى غيرهم من ~~جاهلية العرب، ولهم اليوم بقايا في مشارق الأرض ومغاربها؛ تصديقا لقول ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لتتبعن سنن من كان قبلكم. . .» الحديث (2) ~~حتى نرى غالب الناس اليوم معرضين عن الله، وعن دينه الذي ارتضاه، متوغلين ~~في البدع، تائهين في أودية الضلال، معادين للكتاب والسنة ومن قام بهما، ~~فأصبح الدين منهم في أنين، والإسلام في بلاء مبين، وحسبنا الله ونعم ~~الوكيل. PageV01P038 ### | السابعة عشرة اعتذارهم عن اتباع الوحي بعدم الفهم # السابعة عشرة اعتذارهم عن اتباع الوحي بعدم الفهم قال تعالى في سورة " ~~البقرة " [87 - 88] : {ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل ~~وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا ~~تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون - وقالوا قلوبنا غلف بل ~~لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون} [البقرة: 87 - 88] # وفي سورة " النساء " [155] : {فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله ~~وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا ~~يؤمنون إلا قليلا} [النساء: 155] # الغلف: جمع أغلف، كأحمر وحمر، وهو الذي لا يفقه، وأصله ذو القلفة: الذي ~~لم يختن، أو جمع غلاف، ويجمع على غلف بضمتين أيضا. # وأرادوا على الأول: قلوبنا مغشاة بأغشية خلقية مانعة عن نفوذ ما جئت به ~~فيها. # وهذا كقولهم: {قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه} [فصلت: 5] قصدوا به إقناط ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الإجابة، وقطع طمعه عنهم ms27 بالكلية. # ومنهم من قال: معنى غلف: مغشاة بعلوم من التوراة تحفظها أن يصل إليها ما ~~تأتي به، أو بسلامة من الفطرة كذلك. # وعلى الثاني: أنها أوعية العلم، فلو كان ما تقوله حالا وصدقا لوعته. # قال ابن عباس (1) وقتادة والسدي (2) أو مملوءة علما، فلا تسع بعد شيئا، ~~فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره. PageV01P039 # ومنهم من قال: أرادوا أنها أوعية العلم؛ فكيف يحل لنا اتباع الأمي؟ (1) ~~ولا يخفى بعده (2) . # وقال تعالى في سورة " هود " [89 - 91] : {ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن ~~يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد ~~- واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود - قالوا يا شعيب ما نفقه ~~كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا ~~بعزيز} [هود: 89 - 91] # وهذه الآية بمعنى الآية الأولى، وقد كذبهم الله تعالى في دعواهم هذه في ~~الناس كثيرة، وذكر أن السبب في عدم الفهم إنما هو الطبع على القلوب بكفرهم، ~~لا القصور في البيان والتفهيم. # وما أحسن قول القائل: # والنجم تستصغر الأبصار صورته ... والذنب للطرف لا للنجم في الصغر ~~PageV01P040 ### | الثامنة عشرة أنهم لا يقبلون من الحق إلا ما تقول به طائفتهم # الثامنة عشرة من خصال الجاهلية: أنهم لا يقبلون من الحق إلا ما تقول به ~~طائفتهم # قال تعالى: {وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ~~ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من ~~قبل إن كنتم مؤمنين} [البقرة: 91] # ومعنى: {نؤمن بما أنزل علينا} [البقرة: 91] أي: نستمر على الإيمان ~~بالتوراة وما في حكمها مما أنزل في تقرير حكمها، ومرادهم بضمير المتكلم إما ~~أنبياء بني إسرائيل - وهو الظاهر فيه - إيماء إلى أن عدم إيمانهم بالقرآن ~~كان بغيا وحسدا على نزوله على من ليس منهم، وإما أنفسهم، ومعنى الإنزال ~~عليهم: تكليفهم بما في المنزل من الأحكام. # وذموا على هذه المقالة لما فيها من التعريض بشأن القرآن، ودسائس اليهود ~~مشهورة، ms28 أو لأنهم تأولوا الأمر المطلق العام، ونزلوه على خاص هو الإيمان ~~بما أنزل عليهم، كما هو ديدنهم في تأويل الكتاب بغير المراد منه. # {ويكفرون بما وراءه وهو الحق} [البقرة: 91] أي: هم مقارنون لحقيته، أي: ~~عالمون بها. # {مصدقا لما معهم} [البقرة: 91] لأن كتب الله يصدق بعضها بعضا، فالتصديق ~~لازم لا ينتقل، وقد قررت مضمون الخبر؛ لأنها كالاستدلال عليه، ولهذا تضمنت ~~رد قولهم: {نؤمن بما أنزل علينا} [البقرة: 91] حيث إن من لم يصدق بما وافق ~~التوراة لم يصدق بها. # {قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين} [البقرة: 91] أمر ~~للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول ذلك تبكيتا لهم، حيث قتلوا الأنبياء ~~مع ادعاء الإيمان بالتوراة، وهي لا تسوغه. # PageV01P041 ### | التاسعة عشرة الاعتياض عن كتاب الله تعالى بكتب السحر # التاسعة عشرة من خصالهم: الاعتياض عن كتاب الله تعالى بكتب السحر # كما قال تعالى في سورة " البقرة " [101 - 102] : {ولما جاءهم رسول من عند ~~الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم ~~كأنهم لا يعلمون - واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ~~ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت ~~وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ~~ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ~~ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من ~~خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون} [البقرة: 101 - 102] # والكلام على هذه الآية في التفاسير مشهور. # وهذه الخصلة الجاهلية موجودة اليوم في كثير من الناس، لا سيما من انتسب ~~إلى الصالحين وهو عنهم بمراحل، فيتعاطى الأعمال السحرية من إمساك الحيات، ~~وضرب السلاح، والدخول في النيران، وغير ذلك مما وردت الشريعة بإبطاله، ~~فأعرضوا ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، واتبعوا ما ألقاه إليهم شياطينهم، ~~وادعوا أن ذلك من الكرامات، مع أن الكرامة لا تصدر عن فاسق، ms29 ومن يتعاطى تلك ~~الأعمال فسقهم ظاهر للعيان، ولذا اتخذوا دينهم لعبا ولهوا، وفي مثلهم قال ~~تعالى: {الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} ~~[الكهف: 104] # PageV01P042 ### | العشرون تناقضهم في الانتساب # العشرون تناقضهم في الانتساب فينتسبون إلى إبراهيم عليه السلام وإلى ~~الإسلام مع إظهارهم ترك ذلك، والانتساب إلى غيره. ### | الحادية والعشرون تحريف كلام الله من بعد ما عقلوه وهم يعلمون # الحادية والعشرون تحريف كلام الله من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ولكم في ~~هذا العصر من هو على شاكلتهم، تراه يصرف النصوص ويؤولها إلى ما يشتهيه من ~~الأهواء. # PageV01P043 ### | الثانية والعشرون تحريف العلماء لكتب الدين # الثانية والعشرون تحريف العلماء لكتب الدين قال الله تعالى: {ومنهم أميون ~~لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون - فويل للذين يكتبون الكتاب ~~بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما ~~كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون} [البقرة: 78 - 79] # ومن نظر إلى قضاة هذا الزمان وما تلاعبوا به من الأحكام، وصرف النصوص إلى ~~ما تهواه أنفسهم، وتبديل الحق وإبطاله، بما ينالونه من الرشا وغير ذلك مما ~~هم عليه اليوم، تبين لهم من ذلك بحر لا ساحل له. # وهكذا بعض المبتدعة وغلاة القبور، وقد بين حالهم في غير هذا الموضع. ### | الثالثة والعشرون معاداة الدين الذي انتسبوا إليه أشد العداوة وموالاتهم لمذهب الكفار # الثالثة والعشرون وهي من أعجب المسائل والخصال: معاداة الدين الذي ~~انتسبوا إليه أشد العداوة، وموالاتهم لمذهب الكفار الذين فارقوفم أكمل ~~الموالاة # كما فعلوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما أتاهم بدين موسى، ~~واتبعوا كتب السحر، وهو من دين آل فرعون. # ومثل هؤلاء في الأمة الإسلامية كثير، هجروا السنة، وعادوها، ونصروا أقوال ~~الفلاسفة وأحكامهم. # PageV01P044 ### | الرابعة والعشرون عدم قبولهم من الحق إلا ما قالته طائفتهم والكفر بما مع غيرهم من الحق # الرابعة والعشرون أنهم لما افترقوا - وكل طائفة لا تقبل من الحق إلا ما ~~قالته طائفتهم - كفروا (1) بما مع غيرهم من الحق # قال تعالى في " سورة البقرة ms30 " [113] : {وقالت اليهود ليست النصارى على ~~شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا ~~يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} ~~[البقرة: 113] # ولا شك أن هذه من الخصال الجاهلية، وعليه اليوم كثير من الناس، لا يعتقد ~~الحق إلا معه، لا سيما أرباب المذاهب، يرى كل أهل مذهب أن الدين معه لا ~~يعدوه إلى غيره، و {كل حزب بما لديهم فرحون} [المؤمنون: 53] # وكل يدعي وصلا لليلى ... وليلى لا تقر لهم بذاكا (2) # والحزم أن ينظر إلى الدليل، فما قام عليه الدليل فهو الحق الحري أن يتلقى ~~بالقبول، وما ليس عليه برهان ولا حجة ينبذ وراء الظهور، وكل أحد يؤخذ من ~~قوله ويرد إلا من اصطفاه الله لرسالته. PageV01P045 ### | الخامسة والعشرون ادعاء كل فرقة أنها هي الناجية # الخامسة والعشرون أنهم لما سمعوا قوله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث ~~الافتراق: «وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة» ~~ادعى كل فرقة أنها هي الناجية # كما حكى الله عن اليهود والنصارى في قوله: {وقالت اليهود ليست النصارى ~~على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء} [البقرة: 113] # مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين في آخر الحديث المراد من الفرقة ~~الناجية، فقال: «وهم ما كنت أنا عليه وأصحابي» أو كما قال (1) . # ورد الله تعالى عليهم بقوله: {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو ~~نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين - بلى من أسلم وجهه لله ~~وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [البقرة: 111 - ~~112] # والمقصود أنهم ليس لهم برهان على هذه الدعوى، بل الدليل على خلاف ذلك. # وأبو العباس تقي الدين تكلم على حديث الفرق في كتابه " منهاج السنة " بما ~~لا مزيد عليه، حيث استدل به الرافضي على حقية (2) مذهبه وبطلان مذهب أهل ~~السنة، فراجعه إن أردته (3) . PageV01P046 ### | السادسة والعشرون أنهم أنكروا ما أقروا أنه من دينهم # السادسة والعشرون أنهم أنكروا ما ms31 أقروا أنه من دينهم كما فعلوا في حج ~~البيت، فتعبدوا بإنكاره والبراءة منه مع ذلك الإقرار. # كما قال تعالى في سورة " البقرة " [125] : {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس ~~وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} [البقرة: 125] إلى أن قال: {ومن يرغب ~~عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة ~~لمن الصالحين - إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين - ووصى بها ~~إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون} [البقرة: 130 - 132] # يقال: إن سبب نزول قوله: {ومن يرغب} [البقرة: 130] ) إلخ ما روي أن عبد ~~الله بن سلام دعا ابني أخيه: سلمة ومهاجرا إلى الإسلام، فقال: قد علمتما أن ~~الله تعالى قال في التوراة: إني باعث من ولد إسماعيل نبيا اسمه أحمد، فمن ~~آمن به فقد اهتدى ورشد، ومن لم يؤمن به فهو ملعون، فأسلم سلمة، وأبى مهاجر، ~~فنزلت (1) انتهى (2) . PageV01P047 ### | السابعة والعشرون التعبد بكشف العورات # السابعة والعشرون التعبد بكشف العورات قال تعالى في سورة " الأعراف " [28 ~~- 29] : {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن ~~الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون - قل أمر ربي بالقسط ~~وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون} ~~[الأعراف: 28 - 29] # قال بعض المفسرين: الفاحشة هنا: الفعلة القبيحة المتناهية في القبح، ~~والتاء إما لأنها مجراة على الموصوف المؤنث، أي: فعلة فاحشة، وإما للنقل من ~~الوصفية إلى الاسمية، والمراد بها هنا: عبادة الأصنام، وكشف العورة في ~~الطواف، ونحو ذلك. # وعن الفراء تخصيصها بكشف العورة. # وفي الآية حذف، أي: {وإذا فعلوا فاحشة} [الأعراف: 28] فنهوا عنها {قالوا ~~وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها} [الأعراف: 28] محتجين بأمرين: بتقليد ~~الآباء، والافتراء على الله. # وكان من سنة الحمس (1) أنهم لا يخرجون أيام المواسم إلى عرفات، إنما ~~يقفون بالمزدلفة، وكانوا لا يسلأون، ولا يأقطون، ولا يرتبطون عنزا ولا ~~بقرة، ولا يغزلون صوفا ولا وبرا، ولا يدخلون بيتا من الشعر والمدر، وإنما ms32 ~~يكتنون بالقباب الحمر في الأشهر الحرم، ثم فرضوا على العرب قاطبة أن يطرحوا ~~أزواد الحل إذا دخلوا الحرم، وأن يتركوا ثياب الحل، ويستبدلوها بثياب ~~الحرم، إما اشتراء، وإما عارية، وإما هبة، فإن وجدوا ذلك فيها وإلا طافوا ~~بالبيت عرايا. PageV01P048 # وفرضوا على نساء العرب مثل ذلك، غير أن المرأة كانت تطوف في درج مفرج ~~القوائم والمواخير. # قالت امرأة وهي تطوف بالبيت: # اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله # أختم مثل القعب باد ... ظله كأن حمى خيبر تمله # وكلفوا العرب أن يفيضوا من مزدلفة، وقد كانوا يفيضون من عرفة، إلى غير ~~ذلك من الأمور التي ابتدعوها وشرعوها مما لم يأذن به الله. # ومع ذلك كانوا يدعون أنهم على شريعة أبيهم إبراهيم عليه السلام، وما ذلك ~~إلا لجاهليتهم. # وغالب من ينتمي إلى الإسلام اليوم ابتدعوا في الدين ما لم يأذن به الله، ~~فمنهم من اتخذ ضرب المعازف وآلات اللهو عبادة يتعبدون بها في بيوت الله ~~ومساجده، ومنهم من اتخذ الطواف على القبور والقصد إليها والنذور أخلص ~~عبادته وأفضل قرباته، ومنهم من ابتدع الرهبانية والحيل الشيطانية، وزعم أنه ~~سلك سبيل الزهاد وطريق العباد، ومقصده الأعلى نيل شهواته الحيوانية، والفوز ~~بهذه الدنيا الدنية، إلى غير ذلك مما يطول، ولا يعلم ماذا يقول. # إلى ديان يوم الدين نمضي ... وعند الله تجتمع الخصوم (1) . PageV01P049 ### | الثامنة والعشرون التعبد بتحريم الحلال # الثامنة والعشرون التعبد بتحريم الحلال فرد الله تعالى ذلك عليهم بقوله ~~في سورة " الأعراف " [31 - 33] : {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ~~وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين - قل من حرم زينة الله التي ~~أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة ~~يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون - قل إنما حرم ربي الفواحش ما ~~ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به ~~سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [الأعراف: 31 - 33] # ومعنى الآيات: {يا بني آدم خذوا زينتكم عند ms33 كل مسجد} [الأعراف: 31] أي: ~~ثيابكم لمواراة عوراتكم عند طواف أو صلاة. # وسبب النزول: أنه كان أناس من الأعراب يطوفون بالبيت عراة، حتى إن كانت ~~المرأة لتطوف بالبيت وهي عريانة، فتعلق على سفلها سيورا مثل هذه السيور ~~التي تكون على وجه الحمر من الذباب، وهي تقول: # اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله # فأنزل الله تعالى هذه الآية: {وكلوا واشربوا} [الأعراف: 31] مما طاب لكم ~~(1) . # قال الكلبي: كان أهل الجاهلية لا يأكلون من الطعام إلا قوتا، ولا يأكلون ~~دسما في أيام حجهم، يعظمون بذلك حجهم، فقال المسلمون: يا رسول الله نحن أحق ~~بذلك، فأنزل الله تعالى الآية. # وفيه يظهر وجه ذكر الأكل والشرب هنا. PageV01P050 # {ولا تسرفوا} [الأعراف: 31] بتحريم الحلال، كما هو المناسب لسبب النزول. # {إنه لا يحب المسرفين} [الأعراف: 31] بل يبغضهم، ولا يرضى أفعالهم. # {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده} [الأعراف: 32] من الثياب وكل ما ~~يتجمل به، وخلقها لنفعهم من الثياب كالقطن والكتان والحيوان كالحرير ~~والصوف. # {والطيبات من الرزق} [الأعراف: 32] أي: المستلذات، وقيل: المحللات من ~~المآكل والمشارب كلحم الشاة وشحمها ولبنها. # {قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا} [الأعراف: 32] أي: هي لهم بالأصالة ~~لمزيد كرمهم على الله تعالى والكفرة - وإن شاركوهم فيها - فبالتبع، فلا ~~إشكال في الاختصاص. # {خالصة يوم القيامة} [الأعراف: 32] أي: لا يشاركهم فيها غيرهم. # {كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون} [الأعراف: 32] أي: مثل تفصيلنا هذا الحكم ~~نفصل سائر الأحكام لمن يعلم ما في تضامينها من المعاني الرائقة. # {قل إنما حرم ربي الفواحش} [الأعراف: 33] أي: ما تزايد قبحه من المعاصي، ~~ومنه ما يتعلق بالفروج. # {ما ظهر منها وما بطن} [الأعراف: 33] بدل من الفواحش، أي: جهرها وسرها. # وعن البعض: {ما ظهر} [الأعراف: 33] الزنى علانية، {وما بطن} [الأعراف: ~~33] الزنى سرا (1) وكانوا يكرهون الأول، ويفعلون الثاني، فنهوا عن ذلك ~~مطلقا. # وعن مجاهد: {ما ظهر} [الأعراف: 33] التعري في الطواف، {وما بطن} ~~[الأعراف: 33] الزنى. # والبعض يقول: الأول: طواف الرجال بالنهار، والثاني: طواف النساء بالليل ~~عاريات. # {والإثم} [الأعراف: 33] أي: ما يوجب الإثم، وأصله ms34 الذم، ثم أطلق على ما ~~يوجبه من مطلق الذنب، وذكر للتعميم بعد التخصيص بناء على ما تقدم من معنى ~~الفواحش. PageV01P051 # ومنهم من قال: إن الإثم هو الخمر، وعليه أهل اللغة (1) وأنشدوا له قول ~~الشاعر: # نهانا رسول الله أن نقرب الزنى ... وأن نشرب الإثم الذي يوجب الوزرا # وقول الآخر: # شربت الإثم حتى ضل عقلي ... كذاك الإثم يذهب بالعقول ### | التاسعة والعشرون الإلحاد في أسمائه وصفاته # التاسعة والعشرون الإلحاد في أسمائه وصفاته قال سبحانه في سورة " الأعراف ~~" [180] : {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه ~~سيجزون ما كانوا يعملون} [الأعراف: 180] # تفسير هذه الآية: {ولله الأسماء الحسنى} [الأعراف: 180] تنبيه للمؤمنين ~~على كيفية ذكره تعالى، وكيفيه المعاملة مع المخلين بذلك الغافلين عنه ~~سبحانه، وعما يليق بشأنه إثر بيان غفلتهم التامة، وضلالتهم الطامة. # {فادعوه بها} [الأعراف: 180] إما من الدعوة بمعنى التسمية كقولهم: دعوته ~~زيدا، أو بزيد، أي: سميته، أو الدعاء بمعنى النداء كقولهم: دعوت زيدا، أي: ~~ناديته. # {وذروا الذين يلحدون في أسمائه} [الأعراف: 180] أي: يميلون وينحرفون فيها ~~عن الحق إلى الباطل، يقال: ألحد إذا مال عن القصد والاستقامة، ومنه: لحد ~~القبر لكونه في جانبه بخلاف الضريح، فإنه في وسطه. # والإلحاد في أسمائه سبحانه أن يسمى بلا توقيف فيه، أو بما يوهم معنى ~~فاسدا، كما في قول أهل البدو: يا أبا المكارم، يا أبيض الوجه، يا سخي، ونحو ~~ذلك، فالمراد بترك المأمور به الاجتناب عن ذلك، وبأسمائه ما أطلقوه عليه ~~تعالى وسموه به على زعمهم، لا أسماؤه تعالى حقيقة، وعلى ذلك يحمل ترك ~~الإضمار بأن PageV01P052 # يقال: يلحدون بها (1) . # وقال تعالى: {كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي ~~أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه ~~متاب} [الرعد: 30] # وهذه الآية في سورة " الرعد ". # عن قتادة وابن جريج ومقاتل أن الآية نزلت في مشركي مكة لما رأوا كتاب ~~الصلح يوم الحديبية، وقد كتب فيه علي رضي الله عنه: " بسم الله الرحمن ~~الرحيم "، فقال سهيل بن ms35 عمرو: ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة. # ومنهم من قال: «سمع أبو جهل قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " يا ~~الله يا رحمن "، فقال: إن محمدا ينهانا عن عبادة الآلهة وهو يدعو إلهين، ~~فنزلت» (2) . # وعن بعضهم أنه لما قيل لكفار قريش: {اسجدوا للرحمن} [الفرقان: 60] قالوا: ~~{وما الرحمن} [الفرقان: 60] فنزلت (3) . # وقيل غير ذلك مما يطول. # وقال تعالى: {وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق ~~كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون - وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم ~~سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون ~~- وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين} [فصلت: 21 - ~~23] # وهذه الآية إخبار أن أهل الجاهلية كانوا يلحدون في صفاته، كما كانوا ~~يلحدون في أسمائه تعالى. PageV01P053 # أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وجماعة عن ابن مسعود، قال: ~~«كنت مستترا بأستار الكعبة، فجاء ثلاثة نفر: قرشي وثقفيان، أو ثقفي ~~وقرشيان، كثير لحم بطونهم، قليل فقه قلوبهم، فتكلموا بكلام لم أسمعه، فقال ~~أحدهم: أترون الله يسمع كلامنا هذا؟ فقال الآخر: إذا رفعنا أصواتنا يسمعه، ~~وإذا لم نرفع لم يسمع، فقال الآخر: إن سمع منه شيئا سمعه كله. قال: فذكرت ~~ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فأنزل الله تعالى: {وما كنتم تستترون أن ~~يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا ~~مما تعملون} [فصلت: 22] ) إلى قوله: {من الخاسرين} [فصلت: 23] » (1) . # فهذا هو الإلحاد في الصفات. # وأنت تعلم أن ما عليه أكثر المتكلمين المسلمين من الإلحاد في الأسماء ~~والصفات فوق ما كان عليه أهل الجاهلية، فسموا الله بأسماء ما أنزل الله بها ~~من سلطان، ومنهم من قال: ليس لله صفات قامت به، ومنهم من قال: صفاته ليست ~~عين ذاته ولا غيره، ومنهم من قال: إن صفاته غيره، ومنهم من قال: إن الله لم ~~يتكلم بالكتب التي أنزلها، وأثبتوا له الكلام النفسي، وأنه لم يكلم أحدا من ~~رسله، إلى غير ذلك من الإلحاد ms36 الذي حشوا به كتبهم، وملؤوها من الهذيان، ~~وظنوا أن الآية مختصة بأهل الجاهلية، وما دروا أنهم الفرد الكامل لعمومها ~~(2) على العرش استوى [طه: 5] ؟ لا حول ولا قوة إلا بالله. . # ومن بصره الله تعالى ونور قلبه أعرض عن أخذ عقائده من كتب هؤلاء الطوائف، ~~وتلقى معرفة إلهه من كتب السلف المشتملة على نصوص الكتاب والسنة. ~~PageV01P054 ### | الثلاثون نسبة النقائص إليه سبحانه كالولد والحاجة # الثلاثون نسبة النقائص إليه سبحانه كالولد والحاجة فإن النصارى قالوا: ~~{المسيح ابن الله} [التوبة: 30] وطائفة من العرب قالوا: الملائكة بنات ~~الله، وقوم من الفلاسفة قالوا بتوليد العقول، وقوم من اليهود قالوا: العزير ~~ابن الله (1) إلى غير ذلك. # وقد نزه الله نفسه عن كل ذلك ونفاه بقوله: {قل هو الله أحد - الله الصمد ~~- لم يلد ولم يولد - ولم يكن له كفوا أحد} [الإخلاص: 1 - 4] # وقوله: {ألا إنهم من إفكهم ليقولون - ولد الله وإنهم لكاذبون} [الصافات: ~~151 - 152] # وقوله: {وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم ~~سبحانه وتعالى عما يصفون - بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن ~~له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم} [الأنعام: 100 - 101] # وهذا يعم جميع الأنواع التي تذكر في هذا الباب عن بعض الأمم، كما أن ما ~~نفاه من اتخاذ الولد يعم - أيضا - جميع أنواع الاتخاذات، لا اصطفاؤه. # كما قال تعالى: {وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم ~~يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك ~~السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير} [المائدة: 18] # قال السدي: قالوا: إن الله تعالى أوحى إلى إسرائيل: أن ولدك بكري من ~~الولد، فأدخلهم النار، فيكونون فيها أربعين يوما حتى تطهرهم، وتأكل ~~خطاياهم، ثم ينادي مناد: أخرجوا كل مختون من بني إسرائيل. PageV01P055 # وقد قال الله تعالى: {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله} ~~[المؤمنون: 91] # وقال: {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم ~~يكن له ولي من الذل} ms37 [الإسراء: 111] # وقال تعالى: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا - ~~الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق ~~كل شيء فقدره تقديرا} [الفرقان: 1 - 2] # {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون - لا يسبقونه بالقول وهم ~~بأمره يعملون - يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم ~~من خشيته مشفقون - ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي ~~الظالمين} [الأنبياء: 26 - 29] # وقال سبحانه وتعالى: {وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد ~~فإياي فارهبون - وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا} [النحل: 51 - ~~52] إلى قوله: {ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا} [النحل: 56] إلى قوله: ~~{ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون} [النحل: 57] # وقال الله تعالى: {ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا ~~- أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما ~~- ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا - قل لو كان معه ~~آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا} [الإسراء: 39 - 42] # وقال: {فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون - أم خلقنا الملائكة إناثا وهم ~~شاهدون - ألا إنهم من إفكهم ليقولون - ولد الله وإنهم لكاذبون - أصطفى ~~البنات على البنين - ما لكم كيف تحكمون - أفلا تذكرون - أم لكم سلطان مبين ~~- فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين - وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت ~~الجنة إنهم لمحضرون - سبحان الله عما يصفون - إلا عباد الله المخلصين - ~~فإنكم وما تعبدون - ما أنتم عليه بفاتنين - إلا من هو صال الجحيم} ~~[الصافات: 149 - 163] # PageV01P056 # وقال: {أفرأيتم اللات والعزى - ومناة الثالثة الأخرى - ألكم الذكر وله ~~الأنثى - تلك إذا قسمة ضيزى - إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما ~~أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ~~ربهم الهدى} [النجم: 19 - 23] إلى قوله: {إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~ليسمون الملائكة تسمية الأنثى} [النجم: 27] # وقال تعالى: {وجعلوا له ms38 من عباده جزءا} [الزخرف: 15] # قال بعض المفسرين: {جزءا} [الزخرف: 15] أي: نصيبا وبعضا. # وقال بعضهم: جعلوا لله نصيبا من الولد. # وعن قتادة ومقاتل: عدلا. # وكلا القولين صحيح، فإنهم يجعلون له ولدا، والولد يشبه أباه. # ولهذا قال: {وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا} [الزخرف: ~~17] أي: البنات. # كما قال في الآية الأخرى: {وإذا بشر أحدهم بالأنثى} [النحل: 58] # فقد جعلوها للرحمن مثلا، وجعلوا له من عباده جزءا، فإن الولد جزء من ~~الوالد، قال صلى الله عليه وآله وسلم: «إنما فاطمة بضعة مني» (1) . # وقوله في " الأنعام " [100] : {وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له ~~بنين وبنات بغير علم} [الأنعام: 100] # قال الكلبي: " نزلت في الزنادقة، قالوا: إن الله وإبليس شريكان، فالله ~~خالق النور والناس والدواب والأنعام، وإبليس خالق الظلمة والسباع والحيات ~~والعقارب ". # وأما قوله: {وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا} [الصافات: 158] # فقيل: هو قولهم: الملائكة بنات الله، وسمي الملائكة جنا؛ لاختفائهم عن ~~الأبصار، وهو قول مجاهد وقتادة. PageV01P057 # وقيل: قالوا لحي من الملائكة يقال لهم: الجن، ومنهم إبليس: هم بنات الله ~~(1) . # وقال الكلبي: قالوا - لعنهم الله -: بل بذور يخرج منها الملائكة. # وقوله: {وخرقوا له بنين وبنات بغير علم} [الأنعام: 100] # قال بعض المفسرين: هم كفار العرب، قالوا: الملائكة والأصنام بنات الله، ~~واليهود قالوا: عزير ابن الله، والذين كانوا يقولون من العرب: إن الملائكة ~~بنات الله، وما نقل عنهم من أنه صاهر الجن، فولدت له الملائكة، فقد نفاه ~~عنه بامتناع الصاحبة، وبامتناع أن يكون منه جزء، فإنه صمد. # وقوله: {ولم تكن له صاحبة} [الأنعام: 101] وهذا لأن الولادة لا تكون إلا ~~من أصلين، سواء في ذلك توالد الأعيان - وتسمى الجواهر - وتوالد الأعراض (2) ~~والصفات، بل ولا يكون تولد الأعيان إلا بانفصال جزء من الوالد، فإذا امتنع ~~أن تكون له صاحبة امتنع أن يكون له ولد، وقد علموا كلهم أن لا صاحبة له، لا ~~من الملائكة، ولا من الجن، ولا من الإنس، فلم يقل أحد منهم: إن له صاحبة؛ ~~فلهذا احتج بذلك عليهم، وما حكي عن بعض كفار العرب أنه ms39 صاهر الجن فهذا فيه ~~نظر، وذلك إن كان قد قيل فهو مما يعلم انتفاؤه من وجوه كثيرة، وكذلك ما ~~قالته النصارى من أن المسيح ابن الله، وما قاله طائفة من اليهود أن العزير ~~ابن الله، فإنه قد نفاه سبحانه بهذا وهذا. # وتمام الكلام في هذا المقام في كتاب " الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ~~" (3) و" تفسير سورة الإخلاص " (4) وغيرهما من كتب شيخ الإسلام تقي الدين ~~قدس الله روحه. PageV01P058 ### | الحادية والثلاثون تنزيه المخلوق عما نسبوه للخالق # الحادية والثلاثون تنزيه المخلوق عما نسبوه للخالق مثل: تنزيه أحبارهم عن ~~الولد والحاجة؛ لأنهم يقولون: إن الراغبين في استحصال الكمالات كالرهبان ~~وأضرابهم يترفعون عن أن يتدنسوا بدناءة التمتع بالنساء، اقتداء بالمسيح ~~عليه السلام. # فانظر إلى سخافة العقول، وما قادهم إليه ضلالهم حتى اعترضوا على سيدنا ~~ومولانا محمد صلى الله عليه وآله وسلم في زواجه. # ومن أحسن ما قاله الفاروقي ردا على بعض أحبار النصارى: # قل للفرسنل قدوة الرهبان ... الجاثليق (1) البترك الرباني (2) # أنت الذي زعم الزواج نقيصة ... ممن حماه الله عن نقصان # ونسيت تزويج الإله بمريم ... في زعم كل مثلث نصراني (3) # ومن جعل من العرب الملائكة بنات الله كان يأنف منهن، وسن وأدهن وقتلهن، ~~ونسبوا لله ما يكرهون. # والمقصود أن هذه المقالات وأشباهها منشؤها الجهل بما جاءت به الرسل، وعدم ~~تحكيم العقل، وإلا فأهل البصائر لا يتطرق إليهم هذا الخلل، والله الموفق. ~~PageV01P059 ### | الثانية والثلاثون القول بالتعطيل # الثانية والثلاثون القول بالتعطيل، كما كان يقوله آل فرعون والتعطيل: ~~إنكار أن يكون للعالم صانع (1) كما قال فرعون لقومه: {ما علمت لكم من إله ~~غيري} [القصص: 38] ونحو ذلك. # ولم يخل العالم عن مثل هذه الجهالات في كل عصر من العصور، وأبناء هذا ~~الزمان إلا النادر على هذه العقيدة الباطلة، ولو نظروا بعين الإنصاف ~~والتدبر لعلموا أن كل موجود في العالم يدل على خالقه وبارئه: # وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد # ومن أين للطبيعة إيجاد مثل هذه الدقائق التي نجدها في الآفاق والأنفس، ~~وهي عديمة الشعور لا علم ms40 لها ولا فهم - تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا ~~-. PageV01P060 ### | الثالثة والثلاثون الشركة في الملك # الثالثة والثلاثون الشركة في الملك، كما تقوله المجوس والمجوس أمة تعظم ~~الأنوار والنيران والماء والأرض، ويقرون بنبوة زرادشت، ولهم شرائع يصيرون ~~إليها. # وهم فرق شتى: # منهم المزدكية أصحاب مزدك الموبذ، والموبذ - عندهم -: العالم القدوة، ~~وهؤلاء يرون الاشتراك في النساء والمكاسب كما يشترك في الهواء والطرق ~~وغيرها. # ومنهم الخرمية: أصحاب بابك الخرمي، وهم شر طوائفهم، لا يقرون بصانع ولا ~~معاد ولا نبوة ولا حلال ولا حرام. # وعلى مذهبهم طوائف (1) يجمعهم هذا المذهب، ويتفاوتون في التفصيل. # فالمجوس شيوخ هؤلاء كلهم، وأئمتهم وقدوتهم، وإن كان المجوس قد يتقيدون ~~بأصل دينهم وشرائعهم، وهؤلاء لا يتقيدون بدين من ديانات العالم، ولا بشريعة ~~من شرائعه. PageV01P061 ### | الرابعة والثلاثون إنكار النبوات # الرابعة والثلاثون إنكار النبوات وكانوا يقولون: ما حكى الله عنهم بقوله: ~~{أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ~~ذكرى للعالمين - وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من ~~شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس} [الأنعام: 90 - ~~91] (يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون) (1) {كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ~~ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون} [الأنعام: 91] # تفسير هذه الآية: {وما قدروا الله} [الأنعام: 91] شروع في تقرير أمر ~~النبوة، بعدما حكى الله سبحانه عن إبراهيم عليه السلام أنه ذكر دليل ~~التوحيد وإبطال الشرك، وقرر سبحانه ذلك بأوضح الدليل وبأوضح وجه. # {حق قدره} [الأنعام: 91] أي: حق معرفته (2) . # وعن بعضهم: ما عظموا الله حق تعظيمه (3) {إذ قالوا} [الأنعام: 91] منكرين ~~لبعثة الرسل وإنزال الكتب، كافرين بنعمة الله الجليلة فيهما: {ما أنزل الله ~~على بشر من شيء} [الأنعام: 91] أي: شيئا من الأشياء. # واختلف في قائلي ذلك القول الشنيع: فعن مجاهد أنهم مشركو قريش، والجمهور ~~على أنهم اليهود، ومرادهم من ذلك الطعن في رسالته صلى الله عليه وآله وسلم ~~على سبيل المبالغة. # فقيل لهم على سبيل الإلزام: {قل من أنزل الكتاب ms41 الذي جاء به موسى} ~~[الأنعام: 91] فإن المراد أنه تعالى قد أنزل التوراة على موسى صلى الله ~~عليه وآله وسلم، ولا سبيل لكم إلى إنكار ذلك، فلم لا تجوزون إنزال القرآن ~~على محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟ PageV01P062 # والكلام في إثبات النبوة مفصل في غير هذا الموضع. # والمقصود أن إنكارها من سنن الجاهلية ومعارفهم، وفي الناس كثير ممن هو ~~على شاكلتهم ومعوج طريقتهم. ### | الخامسة والثلاثون جحود القدر والاحتجاج به على الله تعالى # الخامسة والثلاثون جحود القدر، والاحتجاج به على الله تعالى، ومعارضة شرع ~~الله بقدر الله وهذه المسألة من غوامض مسائل الدين، والوقوف على سرها عسر ~~إلا على من وفقه الله تعالى. # ولابن القيم كتاب جليل في هذا الباب سماه " شفاء العليل في القضاء والقدر ~~والحكمة والتعليل ". # وقد أبطل الله سبحانه هذه العقيدة الجاهلية بقوله تعالى: {سيقول الذين ~~أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين ~~من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا ~~الظن وإن أنتم إلا تخرصون - قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين} ~~[الأنعام: 148 - 149] # تفسير هذه الآية: {سيقول الذين أشركوا} [الأنعام: 148] حكاية لفن آخر من ~~أباطيلهم. # {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا} [الأنعام: 148] لم يريدوا ~~بهذا الكلام الاعتذار عن ارتكاب القبيح؛ إذ لم يعتقدوا قبح أفعالهم، بل هم ~~كما نطقت به الآيات - {يحسبون أنهم يحسنون صنعا} [الكهف: 104] وأنهم إنما ~~يعبدون الأصنام ليقربوهم إلى الله زلفى، وأن التحريم إنما كان من الله عز ~~وجل، فما مرادهم بذلك إلا الاحتجاج على أن ما ارتكبوه حق ومشروع ومرضي عند ~~الله تعالى على أن المشيئة والإرادة تساوي الأمر، وتستلزم الرضى كما زعمت ~~المعتزلة (1) فيكون حاصل PageV01P063 # كلامهم أن ما نرتكبه من الشرك والتحريم وغيرهما تعلقت به مشيئته سبحانه ~~وإرادته، فهو مشروع ومرضي عند الله تعالى. # وبعد أن حكى سبحانه وتعالى ذلك عنهم، رد عليهم بقوله - عز من قائل -: ~~{كذب الذين من قبلهم} [الأنعام: 148] وهم ms42 أسلافهم المشركون. # وحاصله: أن كلامهم يتضمن تكذيب الرسل عليهم السلام، وقد دلت المعجزة على ~~صدقهم. # أو نقول: حاصله: أن ما شاء الله يجب، وما لم يشأ يمتنع، وكل ما هذا شأنه ~~فلا تكليف به؛ لكونه مشروطا بالاستطاعة، فينتج: أن ما ارتكبه من الشرك ~~وغيره لم يتكلف بتركه، ولم يبعث له نبي، فرد الله تعالى عليهم بأن هذه كلمة ~~صدق أريد بها باطل؛ لأنهم أرادوا بها أن الرسل عليهم السلام في دعواهم ~~البعثة والتكليف كاذبون، وقد ثبت صدقهم بالدلائل القطعية، ولكونه صدقا أريد ~~به باطل ذمهم الله تعالى بالتكذيب. # ووجوب وقوع متعلق المشيئة لا ينافي صدق دعوى البعثة والتكليف؛ لأنهما ~~لإظهار المحجة وإبلاغ الحجة. # {حتى ذاقوا بأسنا} [الأنعام: 148] أي: نالوا عذابنا الذي أنزلناه عليهم ~~بتكذيبهم، وفيه إيماء إلى أن لهم عذابا مدخرا عند الله تعالى؛ لأن الذوق ~~أول إدراك الشيء. # {قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا} [الأنعام: 148] أي: هل لكم من علم بأن ~~الإشراك وسائر ما أنتم عليه مرضي لله تعالى فتظهروه لنا بالبرهان؟ # وهذا دليل على أن المشركين أمم استوجبوا التوبيخ على قولهم ذلك؛ لأنهم ~~كانوا يهزؤون بالدين، ويبغون رد دعوة الأنبياء عليهم السلام، حيث قرع ~~مسامعهم من # PageV01P064 # شرائع الرسل عليهم السلام تفويض الأمور إليه سبحانه وتعالى، فحين طالبوهم ~~بالإسلام، والتزام الأحكام، احتجوا عليهم بما أخذوه من كلامهم مستهزئين بهم ~~- عليهم الصلاة والسلام -، ولم يكن غرضهم ذكر ما ينطوي عليه عقدهم، كيف لا ~~والإيمان بصفات الله تعالى فرع الإيمان به - عز شأنه - وهو عنهم مناط ~~العيوق (1) ؟ # {إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون} [الأنعام: 148] أي: تكذبون على ~~الله تعالى. # {قل فلله الحجة البالغة} [الأنعام: 149] أي: البينة الواضحة التي بلغت ~~غاية المتانة والقوة على الإثبات، والمراد بها في المشهور: الكتاب والرسول ~~والبيان. # {فلو شاء لهداكم أجمعين} [الأنعام: 149] بالتوفيق لها، والحمل عليها، ~~ولكن شاء هداية البعض الصارفين اختيارهم إلى سلوك طريق الحق، وضلال آخرين ~~صرفوه إلى خلاف ذلك. # ومن الناس من ذكر وجها آخر في توجيه ما في الآية، وهو ms43 أن الرد عليهم إنما ~~كان لاعتقادهم أنهم مسلمون اختيارهم وقدرهم، وأن إشراكهم إنما صدر منهم على ~~وجه الاضطرار، وزعموا أنهم يقيمون الحجة على الله تعالى ورسوله عليه الصلاة ~~والسلام بذلك، فرد الله تعالى قولهم في دعواهم عدم الاختيار لأنفسهم، ~~وشبههم بمن اغتر قبلهم بهذا الخيال، فكذب الرسل، وأشرك بالله عز وجل، ~~واعتمد على أنه إنما يفعل ذلك بمشيئة الله تعالى، ورام إفحام الرسل بهذه ~~الشبهة. # ثم بين سبحانه أنهم لا حجة لهم في ذلك، وأن الحجة البالغة له تعالى لا ~~لهم، ثم أوضح سبحانه أن كل واقع واقع بمشيئته، وأنه لم يشأ منهم إلا ما صدر ~~عنهم، وأنه تعالى لو شاء منهم الهداية لاهتدوا أجمعين. # والمقصود أن يتمحض وجه الرد عليهم، وتتخلص عقيدة نفوذ المشيئة وعموم ~~PageV01P065 # تعلقها (1) بكل كائن عن الرد، وينصرف الرد إلى دعواهم سلب الاختيار ~~لأنفسهم، وأن إقامتهم الحجة بذلك خاصة. # وإذا تدبرت الآية وجدت صدرها دافعا لصدور الجبرية، وعجزها معجزا ~~للمعتزلة، إذ الأول مثبت أن للعبد اختيارا وقدوة على وجه يقطع حجته وعذره ~~في المخالفة والعصيان، والثاني مثبت نفوذ مشيئة الله تعالى في العبد، وأن ~~جميع أفعاله على وفق المشيئة الإلهية، وبذلك تقوم الحجة لأهل السنة على ~~المعتزلة، والحمد لله رب العالمين. # ومنهم من وجه الآية بأن مرادهم رد دعوة الأنبياء عليهم السلام على معنى ~~أن الله تعالى شاء شركنا، وأراده منا، وأنتم تخالفون إرادته، حيث تدعونا ~~إلى الإيمان، فوبخهم سبحانه وتعالى بوجوه عدة: # منها: قوله سبحانه: {فلله الحجة البالغة} [الأنعام: 149] فإنه بتقدير ~~الشرط، أي: إذا كان الأمر كما زعمتم {فلله الحجة البالغة} [الأنعام: 149] # وقوله سبحانه: {فلو شاء} [الأنعام: 149] بدلا منه على سبيل البيان، أي: ~~لو شاء لدل كلا منكم ومن مخالفيكم على دينه، لو كان الأمر كما تزعمون لكان ~~الإسلام - أيضا - بالمشيئة، فيجب أن لا تمنعوا المسلمين من الإسلام، كما ~~وجب بزعمكم ألا يمنعكم الأنبياء عن الشرك، فيلزمكم أن لا يكون بينكم وبين ~~المسلمين مخالفة ومعاداة، بل موافقة وموالاة. # وحاصله: أن ما خالف مذهبكم من النحل ms44 يجب أن يكون عندكم حقا؛ لأنه بمشيئة ~~الله تعالى، فيلزم تصحيح الأديان المتناقضة. # وفي سورة " النحل " [35] : {وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من ~~دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من ~~قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين} [النحل: 35] PageV01P066 # الكلام على هذه الآية كالكلام على الآية السابقة، ولا تراهم يتشبثون ~~بالمشيئة إلا عند انخذال الحجة، ألا ترى كيف ختم بنحو آخر مجادلاتهم في ~~سورة " الأنعام " في الآية السابقة، وكذلك في سورة " الزخرف " [19 - 22] ، ~~وهو قوله تعالى: {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ~~ستكتب شهادتهم ويسألون - وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من ~~علم إن هم إلا يخرصون - أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون - بل ~~قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون} [الزخرف: 19 - 22] # ويكفي في الانقلاب ما يشير إليه قوله سبحانه: {قل فلله الحجة البالغة} ~~[الأنعام: 149] والمراد بما حرموه: السوائب والبحائر وغيرها. # وفي تخصيص الاشتراك والتحريم بالنفي لأنهما أعظم وأشهر ما هم عليه، ~~وغرضهم من ذلك تكذيب الرسول - عليه الصلاة والسلام - والطعن في الرسالة ~~رأسا؛ فإن حاصله: أي: ما شاء الله يجب، وما لم يشأ يمتنع، فلو أنه سبحانه ~~وتعالى شاء أن نوحده، ولا نشرك به شيئا، ونحلل ما أحله، ولا نحرم شيئا مما ~~حرمنا - كما تقول الرسل وينقلونه من جهته تعالى - لكان الأمر كما شاء من ~~التوحيد، ونفي الإشراك، وتحليل ما أحله، وعدم تحريم شيء من ذلك، وحيث لم ~~يكن كذلك ثبت أنه لم يشأ شيئا من ذلك، بل شاء ما نحن عليه، وتحقق أن ما ~~يقوله الرسل عليهم السلام من تلقاء أنفسهم. # فرد الله تعالى عليهم بقوله: {كذلك كذب الذين من قبلهم} [الأنعام: 148] ~~من الأمم، أي: أشركوا بالله تعالى، وحرموا من دونه ما حرموا، وجادلوا رسلهم ~~بالباطل ليدحضوا به الحق. # {فهل على الرسل إلا البلاغ المبين} [النحل: 35] أي: ليست وظيفتهم إلا ~~البلاغ للرسالة، الموضح طريق الحق، والمظهر ms45 أحكام الوحي التي منها تحتم ~~تعلق مشيئته تعالى باهتداء من صرف قدرته واختياره إلى تحصيل الحق؛ لقوله ~~تعالى: # PageV01P067 # {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت: 69] # وأما إلجاؤهم إلى ذلك، وتنفيذ قولهم عليه شاؤوا أو أبوا - كما هو مقتضى ~~استدلالهم - فليس ذلك من وظيفتهم، ولا من الحكمة التي يتوقف عليها التكليف، ~~حتى يستدل بعدم ظهور آثاره على عدم حقية الرسل عليهم السلام، أو على عدم ~~تعلق مشيئته تعالى بذلك، فإن ما يترتب عليه الثواب والعقاب من الأفعال لا ~~بد في تعلق مشيئته تعالى بوقوعه من مباشرتهم الاختيارية، وصرف اختيارهم ~~الجزئي إلى تحصيله، وإلا لكان الثواب والعقاب اضطراريين. # والكلام على هذه الآية ونحوها مستوفى في تفسير " روح المعاني " (1) ~~وغيره. # فجحود القدر، والاحتجاج به على الله، ومعارضة شرع الله بقدره، كل ذلك من ~~ضلالات الجاهلية. # والمقصود أنه لا جبر ولا تفويض، ولكن أمر بين أمرين، فمن زلت قدمه عن هذه ~~الجادة كان على ما كان عليه أهل الجاهلية، وهي الطريقة التي رد عليها الله ~~سبحانه ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم. PageV01P068 ### | السادسة والثلاثون مسبة الدهر # السادسة والثلاثون مسبة الدهر كقولهم في سورة " الجاثية " [24] : {وما ~~يهلكنا إلا الدهر} [الجاثية: 24] # وذلك أن الله تعالى أراد بيان أحكام ضلالهم، والختم على سمعهم وقلوبهم، ~~وجعل غشاوة على أبصارهم، فحكى عنهم ما صدر عنهم بقوله سبحانه وتعالى: ~~{وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا} [الجاثية: 24] التي نحن فيها {نموت ~~ونحيا} [الجاثية: 24] أي: تموت طائفة، وتحيا طائفة، ولا حشر أصلا. # ومنهم من قال: إن كثيرا من عباد الأصنام كان يقول بالتناسخ، وعليه ~~فالمراد بالحياة: إعادة الروح لبدن آخر. # {وما يهلكنا إلا الدهر} [الجاثية: 24] أي: طول الزمان. # وإسنادهم الإهلاك إلى الدهر إنكار منهم لملك الموت وقبضه الأرواح بأمر ~~الله تعالى، وكانوا يسندون الحوادث مطلقا إليه؛ لجهلهم أنها مقدرة من عند ~~الله تعالى، وأشعارهم لذلك مملوءة من شكوى الدهر (1) . # وهؤلاء معترفون بوجود الله تعالى، فهم غير الدهرية، فإنهم - مع إسنادهم ~~الحوادث إلى الدهر - لا يقولون بوجوده، سبحانه وتعالى عما يقولون علوا ~~كبيرا. PageV01P069 # والكل ms46 يقول باستقلال الدهر بالتأثير. # وقد جاء النهي عن سب الدهر. # أخرج مسلم: «لا يسب أحدكم الدهر، فإن الله هو الدهر» (1) . # وفي رواية لأبي داود والحاكم (2) «قال الله عز وجل: يؤذيني ابن آدم يقول: ~~يا خيبة الدهر، فلا يقل أحدكم: يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر، أقلب ليله ~~ونهاره» (3) . # وروى الحاكم (4) - أيضا -: «يقول الله عز وجل: استقرضت عبدي فلم يقرضني، ~~وشتمني عبدي وهو لا يدري، يقول: وادهراه! وأنا الدهر» . # وروى البيهقي (5) «لا تسبوا الدهر، قال الله عز وجل: أنا الأيام ~~والليالي، أجددها وأبليها، وآتي بملوك بعد ملوك» . # ومعنى ذلك أن الله تعالى هو الآتي بالحوادث، فإذا سببتم الدهر على أنه ~~فاعل وقع السب على الله عز وجل. # {وما لهم بذلك من علم} [الجاثية: 24] أي: ليس لهم بما ذكر من قصر الحياة ~~على ما في الدنيا، ونسبة الإهلاك إلى الدهر علم مستند إلى عقل أو نقل. # {إن هم إلا يظنون} [الجاثية: 24] أي: ما هم إلا قوم قصارى أمرهم الظن ~~والتقليد من غير أن يكون لهم ما يصح أن يتمسك به في الجملة. # وقد ذكرنا في غير هذا الموضع ما يتعلق بالدهريين. PageV01P070 # والمقصود أن من يقول بإسناد الحوادث إلى غير الله تعالى كالدهر، فليس له ~~مستند عقلي ولا نقلي، بل هو محض جهل، وقائله جاهل في أي عصر كان. ### | [السابعة والثلاثون إضافة نعم الله إلى غيره] # السابعة والثلاثون إضافة نعم الله إلى غيره قال الله تعالى في سورة " ~~النحل " [83] : {يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون} [النحل: ~~83] # وقد عدد الله تعالى نعمه على عباده في هذه السورة إلى أن قال: {وجعل لكم ~~من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم ~~نعمته عليكم لعلكم تسلمون - فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين - يعرفون ~~نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون} [النحل: 81 - 83] # {يعرفون نعمت الله} [النحل: 83] إلخ، استئناف لبيان أن تولي المشركين ~~وإعراضهم عن الإسلام ليس لعدم معرفتهم نعمة الله سبحانه وتعالى أصلا، فإنهم ~~يعرفون أنها من الله تعالى، ثم ينكرونها ms47 بأفعالهم، حيث لم يفردوا منعمها ~~بالعبادة، فكأنهم لم يعبدوه سبحانه وتعالى أصلا، وذلك كفران منزل منزلة ~~الإنكار. # وأخرج ابن جرير وغيره عن مجاهد أنه قال: " إنكارهم إياها قولهم: ورثناها ~~من آبائنا " (1) . # وأخرج هو وغيره - أيضا - عن عون بن عبد الله أنه قال: " إنكارهم إياها أن ~~يقول الرجل: لولا فلان أصابني كذا وكذا، ولولا فلان لم أصب كذا وكذا " (2) ~~. PageV01P071 # وفي لفظ: " إنكارها: إضافتها إلى الأسباب ". # وبعضهم يقول: إنكارهم: قولهم: هي بشفاعة آلهتهم عند الله تعالى. # ومنهم من قال: النعمة - هنا - محمد صلى الله عليه وآله وسلم (1) أي: ~~يعرفون أنه - عليه الصلاة والسلام - نبي بالمعجزات، ثم ينكرون ذلك، ~~ويجحدونه عنادا. # {وأكثرهم الكافرون} [النحل: 83] أي: المنكرون بقلوبهم، غير المعترفين بما ~~ذكر، والتعبير بالأكثر إما لأن بعضهم لم يعرف الحق؛ لنقصان عقله، وعدم ~~اهتدائه إليه، أو لعدم نظره في الأدلة نظرا يؤدي إلى المطلوب، أو لأنه لم ~~تقم عليه الحجة؛ لكونه لم يصل إلى حد المكلفين لصغر ونحوه، وإما لأنه يقام ~~مقام الكل، فإسناد المعرفة والإنكار المتفرع عليها إلى ضمير المشركين على ~~الإطلاق من باب إسناد حال البعض إلى الكل. # ومما يجري هذا المجرى قوله تعالى في سورة " الواقعة " [81 - 82] : ~~{أفبهذا الحديث أنتم مدهنون - وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} [الواقعة: 81 - ~~82] أي: تقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا. # روى مسلم وغيره عن ابن عباس، قال: «مطر الناس على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم، فقال - عليه الصلاة والسلام -: أصبح من الناس شاكر، ومنهم ~~كافر، قالوا: هذه رحمة وضعها الله، وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا، فنزلت هذه ~~الآية: {فلا أقسم بمواقع النجوم} [الواقعة: 75] حتى بلغ: {وتجعلون رزقكم ~~أنكم تكذبون} [الواقعة: 82] » . # إلى غير ذلك من الآثار. # وقد ذكرنا مذهب العرب في الأنواء في غير هذا الموضع، وفصلناه تفصيلا، ~~وذكرنا شعرهم الدال على مذهبهم هذا، والله الموفق. PageV01P072 ### | الثامنة والثلاثون الكفر بآيات الله # الثامنة والثلاثون الكفر بآيات الله والنصوص الدالة على ذلك في القرآن ~~كثيرة: # منها قوله تعالى في " الكهف " [105 - 106] : {أولئك الذين كفروا بآيات ~~ربهم ولقائه ms48 فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا - ذلك جزاؤهم ~~جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا} [الكهف: 105 - 106] بعد قوله ~~سبحانه: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا - الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ~~وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا - أولئك} [الكهف: 103 - 105] إلخ. # فقوله: {أولئك} [الكهف: 105] كلام مستأنف منه مسوق لتكميل تعريف ~~الأخسرين، وتبيين خسرانهم وضلال سعيهم وتعيينهم، بحيث ينطبق التعريف على ~~المخاطبين، أي: أولئك المنعوتون بما ذكر من ضلال السعي والحسبان المذكور. # {الذين كفروا بآيات ربهم} [الكهف: 105] بدلائله سبحانه الداعية إلى ~~التوحيد، الشاملة للسمعية والعقلية. # {ولقائه} [الكهف: 105] هو كناية عن البعث والحشر وما يتبع ذلك من أمور ~~الآخرة، أي: لم يؤمنوا بذلك على ما هو عليه. # {فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} [الكهف: 105] أي: فنزدري ~~بهم، ونحتقرهم. # ومن النصوص ما يدل على أن منهم من كان ينكر بعض الآيات، ومنهم من كان ~~معرضا عنها، وهاجرا لها. # ولا يخفاك أن من الناس اليوم من هو أدهى وأمر مما كان عليه أهل الجاهلية ~~في هذا الباب. # PageV01P073 ### | التاسعة والثلاثون اشتراء كتب الباطل واختيارها على الآيات # التاسعة والثلاثون اشتراء كتب الباطل، واختيارها عليها، أي: على الآيات # قال تعالى: {ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون - ~~أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون - ولما جاءهم رسول ~~من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ~~ظهورهم كأنهم لا يعلمون - واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان} ~~[البقرة: 99 - 102] # إلى قوله: {ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في ~~الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون} [البقرة: 102] # ومعنى قوله: {ولقد علموا لمن اشتراه} [البقرة: 102] أي: استبدل ما تتلو ~~الشياطين بكتاب الله. # {ما له في الآخرة من خلاق} [البقرة: 102] أي: نصيب. # {ولبئس ما شروا به أنفسهم} [البقرة: 102] أي: والله لبئس شيئا شروا به ~~حظوظ أنفسهم، أي: باعوها أو شروها في زعمهم ذلك الشراء. # {ولو أنهم ms49 آمنوا} [البقرة: 103] أي: بالرسول أو بما أنزل إليه من الآيات ~~أو بالتوراة. # {واتقوا} [البقرة: 103] أي: المعاصي التي حكيت عنهم. # {لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون} [البقرة: 103] أي: أن ثواب ~~الله تعالى خير لهم. # وبمعنى هذه الآية قوله تعالى: {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني ~~وإن هم إلا يظنون - فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند ~~الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون} ~~[البقرة: 78 - 79] البقرة: [78 - 79] . # وهذه الآية نزلت في أحبار اليهود الذين خافوا أن تذهب رئاستهم بإبقاء صفة ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم على حالها، فغيروها. # PageV01P074 ### | الأربعون القدح في حكمته تعالى # الأربعون القدح في حكمته تعالى أقول: من خصال أهل الجاهلية: القدح في ~~حكمته تعالى، وأنه ليس بحكيم في خلقه، بمعنى أنه سبحانه يخلق ما لا حكمة له ~~فيه، ويأمر وينهى بما لا حكمة فيه. # وقد حكى الله تعالى ذلك بقوله في سورة " ص " [27] : {وما خلقنا السماء ~~والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار} ~~[ص: 27] # وقال سبحانه في سورة " المؤمنين " [115 - 116] : {أفحسبتم أنما خلقناكم ~~عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون - فتعالى الله الملك الحق} [المؤمنون: 115 - ~~116] # وفي سورة " الدخان " [38 - 39] : {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما ~~لاعبين - ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون} [الدخان: 38 - 39] # وفي سورة " الأنبياء " [16 - 17] : {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما ~~لاعبين - لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين} ~~[الأنبياء: 16 - 17] # وفي سورة " الحجر " [85] : {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا ~~بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل} [الحجر: 85] # إلى غير ذلك من الآيات الناصة على أن الله تعالى لم يخلق شيئا من غير ~~حكمة ولا علة، على خلاف ما يعتقده أهل الباطل من الجاهليين، ومن نحا نحوهم ~~من هذه الأمة ممن نفى الحكمة عن أفعاله سبحانه وتعالى. # وهذه مسألة طويلة الذيل، قد كثر فيها الخصام بين فرق المسلمين، والحق ms50 ما ~~كان عليه السلف من إثبات الحكمة والتعليل. # PageV01P075 # وقد أطنب الكلام عليهما الحافظ ابن القيم في كتابه " شفاء العليل في ~~مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل "، وعقد بابا مفصلا في طرق إثبات ~~حكمة الرب تعالى في خلقه وأمره، وإثبات الغايات المطلوبة والعواقب الحميدة ~~التي فعل وأمر لأجلها. # ومن جملة ما قال في هذا الباب: " إنه سبحانه وتعالى أنكر على من زعم أنه ~~لم يخلق الخلق لغاية ولا بحكمة كقوله: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا} ~~[المؤمنون: 115] وقوله: {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين - ما ~~خلقناهما إلا بالحق} [الدخان: 38 - 39] والحق: هو الحكم والغايات المحمودة، ~~التي لأجلها خلق ذلك كله، وهو أنواع كثيرة: # منها: أن يعرف الله بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وآياته. # ومنها: أن يحب، ويعبد، ويشكر، ويطاع. # ومنها: أن يأمر، وينهى، ويشرع الشرائع. # ومنها: أن يدبر الأمر، ويبرم القضاء، ويتصرف في المملكة بأنواع التصرفات. # ومنها: أن يثيب ويعاقب، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، فيكون ~~أثر عدله وفضله موجودا مشاهدا، فيحمد على ذلك ويشكر. # ومنها: أن يعلم خلقه أنه لا إله غيره، ولا رب سواه. # ومنها: أن يصدق الصادق فيكرمه، ويكذب الكاذب فيهينه. # ومنها: ظهور آثار أسمائه وصفاته على تنوعها وكثرتها في الوجود الذهني ~~والخارجي، فيعلم عباده ذلك علما مطابقا لما في الواقع. # ومنها: شهادة مخلوقاته كلها بأنه وحده ربها وفاطرها ومليكها، وأنه وحده ~~إلهها ومعبودها. # ومنها: ظهور آثار كماله المقدس، فإن الخلق والصنع لازم كماله، فإنه حي # PageV01P076 # قدير، ومن كان كذلك لم يكن إلا فاعلا مختارا. # ومنها: أن يظهر أثر حكمته في المخلوقات بوضع كل منها في موضعه الذي يليق ~~به، ومجيئه على الوجه الذي تشهد العقول والفطر بحسنه، فتشهد حكمته الباهرة. # ومنها: أنه سبحانه يحب أن يجود وينعم، ويعفو ويغفر ويسامح، ولا بد من ~~لوازم ذلك خلقا وشرعا. # ومنها: أنه يحب أن يثنى عليه، ويمدح ويمجد، ويسبح ويعظم. # ومنها: كثرة شواهد ربوبيته ووحدانيته وإلهيته. # إلى غير ذلك من الحكم التي تضمنها الخلق، فخلق مخلوقاته بسبب الحق، ولأجل ~~الحق، وخلقها ملتبس بالحق، وهو ms51 في نفسه حق، فمصدره حق، وغايته حق، وهو ~~يتضمن الحق. # وقد أثنى على عباده المؤمنين حيث نزهوه عن إيجاد الخلق، لا لشيء ولا ~~لغاية، فقال تعالى: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ~~لآيات لأولي الألباب - الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ~~ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك} [آل ~~عمران: 190 - 191] # وأخبر أن هذا ظن أعدائه، لا ظن أوليائه، فقال: {وما خلقنا السماء والأرض ~~وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا} [ص: 27] # وكيف يتوهم أنه عرفه من يقول: إنه لم يخلق الخلق لحكمة مطلوبة له، ولا ~~أمر لحكمة، ولا نهى لحكمة، وإنما يصدر الخلق والأمر عن مشيئة وقدرة محضة، ~~لا لحكمة ولا لغاية مقصودة؟! # وهل هذا إلا إنكار لحقيقة حمده؟! # PageV01P077 # بل الخلق والأمر إنما قام بالحكم والغايات، فهما مظهران لحمده وحكمته. # فإنكار الحكمة إنكار لحقيقة خلقه وأمره، فإن الذي أثبته المنكرون من ذلك ~~ينزه عنه الرب، ويتعالى عن نسبته إليه، فإنهم أثبتوا خلقا وأمرا لا رحمة ~~فيه ولا مصلحة ولا حكمة، بل يجوز عندهم - أو يقع - أن يأمر بما لا مصلحة ~~للمكلف فيه البتة، وينهى عما فيه مصلحة، والجميع بالنسبة إليه سواء. # ويجوز - عندهم - أن يأمر بكل ما نهى عنه، وينهى عن جميع ما أمر به، ولا ~~فرق بين هذا وهذا إلا بمجرد الأمر والنهي. # ويجوز - عندهم - أن يعذب من لم يعصه طرفة عين، [بل أفنى عمره في طاعته ~~وشكره] (1) ويثيب من عصاه، بل أفنى عمره في الكفر به والشرك والظلم ~~والفجور، فلا سبيل إلى أن يعرف خلاف ذلك منه إلا بخبر الرسول، وإلا فهو ~~جائز عليه. # وهذا من أقبح الظن وأسوئه بالرب سبحانه، وتنزيهه عنه كتنزيهه عن الظلم ~~والجور، بل هذا هو عين الظلم الذي يتعالى الله عنه. # والعجب العجاب أن كثيرا من أرباب هذا المذهب ينزهونه عما وصف به نفسه من ~~صفات الكمال ونعوت الجلال، ويزعمون أن إثباتها تجسيم وتشبيه، ولا ينزهونه ~~عن هذا الظلم والجور، ويزعمون أنه ms52 عدل وحق، وأن التوحيد - عندهم - لا يتم ~~إلا به، كما لا يتم إلا بإنكار استوائه على عرشه، وعلوه فوق سماواته، ~~وتكلمه وتكليمه، وصفات كماله! فلا يتم التوحيد عند هذه الطائفة إلا بهذا ~~النفي وذلك الإثبات، والله ولي التوفيق " (2) . # انتهى المقصود من نقله، وتمام الكلام في هذا الباب من ذلك الكتاب، وإليه ~~سبحانه المآب. PageV01P078 ### | الحادية والأربعون الكفر بالملائكة والرسل والتفريق بينهم # الحادية والأربعون الكفر بالملائكة والرسل والتفريق بينهم قال تعالى: ~~{ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم ~~البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ~~ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون - وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم ~~فقليلا ما يؤمنون - ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من ~~قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على ~~الكافرين - بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل ~~الله من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب ~~مهين - وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ~~ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من ~~قبل إن كنتم مؤمنين} [البقرة: 87 - 91] # إلى أن قال: {قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا ~~لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين - من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل ~~وميكال فإن الله عدو للكافرين - ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها ~~إلا الفاسقون} [البقرة: 97 - 99] # فقد تبين من هذه الآيات أن بعض الكتابيين كانوا يكفرون بالملائكة والرسل، ~~يفرقون بينهم، أي: يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، وهم طائفة من جاهلية اليهود، ~~ولهذا أمرنا الله تعالى بالإيمان بهم وعدم التفرقة بينهم، فقال: {آمن ~~الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} ~~[البقرة: 285] # PageV01P079 ### | الثانية ms53 والأربعون الغلو في الأنبياء والرسل عليهم السلام # الثانية والأربعون الغلو في الأنبياء والرسل عليهم السلام قال تعالى في ~~سورة " النساء " [171] : {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على ~~الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم ~~وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله ~~إله واحد سبحانه أن يكون له ولد} [النساء: 171] # والغلو في المخلوق أعظم سبب لعبادة الأصنام والصالحين، كما كان في قوم ~~نوح من عبادة نسر وسواع ويغوث ونحوهم، وكما كان من عبادة النصارى للمسيح ~~عليه السلام. # ومثل ذلك القول على الله بغير الحق. ### | الثالثة والأربعون الجدال بغير علم # الثالثة والأربعون الجدال بغير علم كما ترى كثيرا من أهل الجهل يجادلون ~~أهل العلم عند نهيهم عما ألفوه من البدع والضلالات، وهي صفة جاهلية، نهانا ~~الله تعالى عن التخلق بها. # قال تعالى في سورة " آل عمران " [65 - 66] : {يا أهل الكتاب لم تحاجون في ~~إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون - ها أنتم ~~هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم ~~وأنتم لا تعلمون} [آل عمران: 65 - 66] # أخرج ابن إسحاق وابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: # PageV01P080 # «اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديا، وقالت النصارى: ~~ما كان إبراهيم إلا نصرانيا، فأنزل الله فيهم هذه الآية» المنادية على ~~جهلهم وعنادهم، كما لا يخفى على من راجع التفسير. # قال الشيخ: ### | الرابعة والأربعون الكلام في الدين بلا علم # الرابعة والأربعون الكلام في الدين بلا علم أقول: أجمل الشيخ رحمه الله ~~تعالى الكلام في هذه المسألة كل الإجمال، كما فعل مثل ذلك في كثير من ~~المسائل، وما أحقها بالتفصيل. # وذلك أن أهل الجاهلية من العرب وغيرهم من الكتابيين شرعوا في الدين ما لم ~~يأذن به الله: # أما العرب فقد كان الكثير منهم ms54 على دين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ~~إلى أن ظهر فيهم الخزاعي فغير وبدل، وابتدع بدعا كثيرة، وأغرى العرب على ~~عبادة الأصنام، وبحر البحيرة، وحمى الحام، واستقسم بالأزلام، إلى غير ذلك ~~مما فصلناه في غير هذا الموضع (1) . # وإن شئت أن تعرف جهل العرب، وما ابتدعوه فاقرأ سورة " الأنعام " فإن فيها ~~كثيرا من ضلالاتهم ومبتدعاتهم. PageV01P081 # وأما الجاهليون من اليهود والنصارى، فقد {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا ~~من دون الله والمسيح ابن مريم} [التوبة: 31] وذلك أن أحبارهم ورهبانهم ~~ابتدعوا لهم في الدين بدعا، وحللوا وحرموا ما اشتهته أنفسهم، فقبلوا ذلك ~~منهم وأطاعوهم عليه، مع أن الدين إنما يكون بتشريع الله ووحيه إلى أنبيائه ~~ورسله، ولا يكون بآراء الرجال وبحسب أهوائهم، فكل ما لا دليل عليه من كتاب ~~ولا سنة مردود على صاحبه (1) . # وقد ذم الله تعالى اليهود على مثل ذلك، فقال - عز اسمه - في سورة " آل ~~عمران " [78] : {وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب ~~وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على ~~الله الكذب وهم يعلمون} [آل عمران: 78] # فمن أول نصوص الكتاب والسنة على حسب شهواته وبمقتضى هواه فهو - أيضا - من ~~قبيل الذين يلوون ألسنتهم بالكتاب. # وأنت تعلم ما اشتمل عليه - اليوم - كثير من كتب الشريعة من الآراء التي ~~ليس لها مستند من دلائل الشريعة (2) فإلى الله المشتكى من صولة الباطل، ~~وخمول الحق. PageV01P082 ### | الخامسة والأربعون الكفر باليوم الآخر والتكذيب بلقاء الله وبعث الأرواح # الخامسة والأربعون الكفر باليوم الآخر، والتكذيب بلقاء الله، وبعث ~~الأرواح، وببعض ما ذكرته الرسل من صفات الجنة والنار # قال تعالى في سورة " الكهف " [103 - 105] : {قل هل ننبئكم بالأخسرين ~~أعمالا - الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا - ~~أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه} [الكهف: 103 - 105] الآية، وقد مر ~~الكلام عليها قريبا. # وقال تعالى في سورة " النحل " [38 - 39] : {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا ~~يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون - ليبين ~~لهم الذي ms55 يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين} [النحل: 38 - ~~39] # إلى غير ذلك من النصوص الواردة في ذلك كله. # ولقوم عصرنا من هذا الاعتقاد الجاهلي حظ وافر، ونصيب كامل، و {من يضلل ~~الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون} [الأعراف: 186] نسأله تعالى ~~التوفيق للهداية. # PageV01P083 ### | السادسة والأربعون التكذيب بقوله تعالى مالك يوم الدين # السادسة والأربعون التكذيب بقوله تعالى: {مالك يوم الدين} [الفاتحة: 4] # وهو اليوم الذي يدين الله تعالى العباد فيه بأعمالهم، فيثيبهم على ~~الخيرات، ويعاقبهم على المعاصي والسيئات. # والتكذيب بهذا اليوم متفرع على إنكار البعث والحساب والجنة والنار. # PageV01P084 ### | السابعة والأربعون التكذيب بقوله تعالى لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة # السابعة والأربعون التكذيب بقوله تعالى: {لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة} ~~[البقرة: 254] # من قوله سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي ~~يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون} [البقرة: 254] # والخلة: المودة والصداقة. # ومعنى {ولا شفاعة} [البقرة: 254] أي: لا أحد يشفع لأحد إلا من بعد أن ~~يأذن الرحمن لمن يشاء ويرضى. # وأراد بذلك يوم القيامة. # والمراد من وصفه بما ذكر: الإشارة إلى أنه لا قدرة لأحد فيه على تحصيل ما ~~ينتفع به بوجه من الوجوه؛ لأن من في ذمته حق - مثلا - إما أن يأخذ بالبيع ~~ما يؤديه به، وإما أن يعينه أصدقاؤه، وإما أن يلتجئ إلى من يشفع له في حطه ~~(1) والكل منتف، ولا مستعان إلا بالله عز وجل. PageV01P085 ### | الثامنة والأربعون التكذيب بقوله تعالى ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون # الثامنة والأربعون التكذيب بقوله تعالى في سورة " الزخرف " [86] : {ولا ~~يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} [الزخرف: ~~86] # قوله: {ولا يملك الذين يدعون} [الزخرف: 86] أي: ولا يملك آلهتهم الذين ~~يدعونهم من دونه الشفاعة، كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله عز وجل. # {إلا من شهد بالحق} [الزخرف: 86] الذي هو التوحيد. # {وهم يعلمون} [الزخرف: 86] أي: يعلمونه، والمراد بهم: الملائكة وعيسى ~~وعزير وأضرابهم. ms56 # وأنت ترى الناس اليوم عاكفين على أصنام لهم يدعونهم من دون الله، وعذرهم ~~عند توبيخهم أن هؤلاء شفعاؤهم - تعالى الله عما يشركون -. # PageV01P086 ### | التاسعة والأربعون قتل أولياء الله وقتل الذين يأمرون بالقسط من الناس # التاسعة والأربعون قتل أولياء الله، وقتل الذين يأمرون بالقسط من الناس. ~~قال تعالى في سورة " البقرة " [61] : {وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا ~~بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ~~ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} [البقرة: 61] # وقال في سورة " آل عمران " [183] : {قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات ~~وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين} [آل عمران: 183] # إلى آيات أخر في هذا المعنى صرحت بما لاقاه الأنبياء والرسل عليهم السلام ~~وأتباعهم المخلصون ودعاة الحق، وبما كابدوه من أعداء الله والجهلة الطغاة، ~~مما تنهد له الصياصي، وتبيض منه النواصي. # هؤلاء أكابر الأمة المحمدية وعلماؤها الأعلام، قد صادفوا عند دعوتهم إلى ~~الحق والمحافظة عليه ما يسود منه وجه القرطاس، وتشيب منه لمم المداد. # والأنبياء - صلوات الله عليهم - وأتباعهم المؤمنون - وإن كانوا يبتلون في ~~أول الأمر - فالعاقبة لهم، كما قال تعالى لما قص قصة نوح: {تلك من أنباء ~~الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة ~~للمتقين} [هود: 49] # وفي الحديث المتفق على صحته «لما أرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~رسولا إلى ملك الروم، فطلب من يخبره بسيرته - وكان المشركون أعداءه، لم ~~يكونوا آمنوا به - فقال: " كيف الحرب بينكم وبينه؟ قالوا: الحرب بيننا ~~وبينه سجال، يدال علينا المرة، وندال عليه الأخرى. فقال: كذلك الرسل تبتلى، ~~وتكون لها العاقبة» (1) . PageV01P087 # فإنه كان يوم بدر نصر الله المؤمنين، ثم يوم أحد ابتلي المؤمنون، ثم لم ~~ينصر الكفار بعدها، حتى أظهر الله تعالى الإسلام. # فإن قيل: ففي الأنبياء من قد قتل، كما أخبر الله تعالى في الآيات السابقة ~~أن بني إسرائيل يقتلون النبيين بغير الحق، وفي أهل الفجور من يؤتيه الله ~~ملكا وسلطانا، ويسلطه على المتدينين كما سلط بخت نصر على بني ms57 إسرائيل، وكما ~~سلط كفار المشركين وأهل الكتاب - أحيانا - على المسلمين. # قيل: أما من قتل من الأنبياء فهم كمن يقتل من المؤمنين في الجهاد شهيدا. # قال تعالى: {وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في ~~سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين - وما كان قولهم إلا ~~أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على ~~القوم الكافرين - فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب ~~المحسنين} [آل عمران: 146 - 148] # ومعلوم أن من قتل من المؤمنين شهيدا في القتال كان حاله أكمل من حال من ~~يموت حتف أنفه. # قال تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ~~ربهم يرزقون} [آل عمران: 169] # ولهذا قال تعالى: {قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين} [التوبة: 52] أي: ~~إما النصر والظفر، وإما الشهادة والجنة. # ثم إن الدين الذي قاتل عليه الشهداء ينتصر ويظهر، فيكون لطائفته السعادة ~~في الدنيا والآخرة، من قتل منهم كان شهيدا، ومن عاش منهم كان منصورا سعيدا، ~~وهذا غاية ما يكون من النصر، إذ كان الموت لا بد منه، فالموت على الوجه ~~الذي تحصل به سعادة الدنيا والآخرة أكمل، بخلاف من يهلك هو وطائفته، فلا ~~يفوز لا هو ولا هم بمطلوبهم، لا في الدنيا ولا في الآخرة. # PageV01P088 # والشهداء من المؤمنين قاتلوا باختيارهم، وفعلوا الأسباب التي بها قتلوا ~~كالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فهم اختاروا هذا الموت، إما أنهم قصدوا ~~الشهادة، وإما أنهم قصدوا به ما يصيرون شهداء، عالمين بأن لهم السعادة في ~~الدنيا والآخرة، وفي الدنيا بانتصار طائفتهم، وببقاء لسان الصدق لهم ثناء ~~ودعاء، بخلاف من هلك من الكفار، فإنهم هلكوا بغير اختيارهم هلاكا لا يرجون ~~معه سعادة الآخرة، ولم يحصل لهم ولا لطائفتهم شيء من سعادة الدنيا، بل ~~أتبعوا {في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين} [القصص: 42] ~~وقيل فيهم: {كم تركوا من جنات وعيون - وزروع ومقام كريم - ونعمة كانوا فيها ~~فاكهين - كذلك وأورثناها قوما آخرين - فما ms58 بكت عليهم السماء والأرض وما ~~كانوا منظرين} [الدخان: 25 - 29] # وقد أخبر سبحانه أن كثيرا من الأنبياء قتل معه ربيون كثير، أي: ألوف ~~كثيرة، وأنهم ما ضعفوا ولا استكانوا لذلك، بل استغفروا من ذنوبهم التي كانت ~~سببا لظهور (1) العدو، وأن الله تعالى آتاهم ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة، ~~فإذا كان هذا قتل المؤمنين فما الظن بقتل الأنبياء؟ ففيه لهم ولأتباعهم من ~~سعادة الدنيا والآخرة ما هو من أعظم الفلاح. # وظهور الكفار على المؤمنين - أحيانا - هو بسبب ذنوب المسلمين كيوم أحد، ~~فإن تابوا انتصروا على الكفار، وكانت العاقبة لهم، كما قد جرى مثل هذا ~~للمسلمين في عامة ملاحمهم مع الكفار. # وهذا من آيات النبوة وأعلامها ودلائلها، فإن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم إذا قاموا بعهوده ووصاياه نصرهم الله، وأظهرهم على المخالفين له، فإذا ~~ضيعوا عهوده ظهر أولئك عليهم. # فمدار النصر والظهور مع متابعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجودا ~~وعدما من غير سبب يزاحم ذلك، ودوران الحكم مع الوصف وجودا وعدما من غير ~~مزاحمة وصف آخر يوجب PageV01P089 # العلم بأن المدار علة للدائر، وقولنا: " من غير وصف آخر": يزيل النقوض ~~الواردة. # فهذا الاستقراء والتتبع يبين أن نصر الله وإظهاره هو بسبب اتباع النبي، ~~وأنه سبحانه يريد إعلاء كلمته ونصره ونصر أتباعه على من خالفه، وأن يجعل ~~لهم السعادة، ولمن خالفهم الشقاء، وهذا يوجب العلم بنبوته، وأن من اتبعه ~~كان سعيدا، ومن خالفه كان شقيا. # ومن هذا ظهور بخت نصر على بني إسرائيل، فإنه من دلائل نبوة موسى؛ إذ كان ~~ظهور بخت نصر إنما كان لما غيروا عهود موسى، وتركوا اتباعه، فعوقبوا بذلك، ~~وكانوا - إذ كانوا متبعين لعهود موسى - منصورين مؤيدين، كما كانوا في زمن ~~داود وسليمان وغيرهما. # قال تعالى: {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ~~ولتعلن علوا كبيرا - فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس ~~شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا - ثم رددنا لكم الكرة عليهم ~~وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا - إن ms59 أحسنتم أحسنتم لأنفسكم ~~وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما ~~دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا - عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم ~~عدنا} [الإسراء: 4 - 8] # فكان ظهور بني إسرائيل على عدوهم تارة، وظهور عدوهم عليهم تارة من دلائل ~~نبوة موسى صلى الله عليه وسلم وآياته، وكذلك ظهور أمة محمد صلى الله عليه ~~وآله وسلم على عدوهم تارة، وظهور عدوهم عليهم تارة هو من دلائل رسالة محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم وأعلام نبوته. # وكان نصر الله لموسى وقومه على عدوهم في حياته وبعد موته، كما جرى لهم من ~~يوشع وغيره من دلائل نبوة موسى، وكذلك انتصار المؤمنين مع محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم في حياته وبعد مماته مع خلفائه من أعلام نبوته ودلائلها. # وهذا بخلاف الكفار الذين ينتصرون على أهل الكتاب أحيانا، فإن أولئك لا ~~يكون مطاعهم إلى نبي، ولا يقاتلون أتباع الأنبياء على دين، ولا يطلبون من ~~أولئك # PageV01P090 # أن يتبعوهم على دينهم، بل قد يصرحون بأنا نصرنا عليكم بذنوبكم، وأن لو ~~اتبعتم دينكم لم ننصر عليكم. # وأيضا فلا عاقبة لهم، بل الله يهلك الظالم بالظالم، ثم يهلك الظالمين ~~جميعا، ولا قتيلهم يطلب بقتله سعادة بعد الموت، ولا يختارون القتل ليسعدوا ~~بعد الموت. # فهذا وأمثاله مما يظهر الفرق بين انتصار الأنبياء وأتباعهم، وبين ظهور ~~بعض الكفار على المؤمنين، أو ظهور بعضهم على بعض، ويبين أن ظهور محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم وأمته على أهل الكتاب: اليهود والنصارى، هو من جنس ~~ظهورهم على المشركين: عبدة الأوثان، وذلك من أعلام نبوته ودلائل رسالته، ~~ليس هو كظهور بخت نصر على بني إسرائيل، وظهور الكفار على المسلمين. # وهذه الآية مما أخبر به موسى، وبين أن الكذاب المدعي للنبوة لا يتم أمره، ~~وإنما يتم أمر الصادق. # فإن من أهل الكتاب من يقول: محمد وأمته سلطوا علينا بذنوبنا مع صحة ديننا ~~الذي نحن عليه، كما سلط بخت نصر وغيره من الملوك. # وهذا قياس فاسد، فإن بخت نصر لم ms60 يدع نبوة، ولا قاتل على دين، ولا طلب من ~~بني إسرائيل أن ينتقلوا عن شريعة موسى إلى شريعته، فلم يكن في ظهوره إتمام ~~لما ادعاه من النبوة ودعا إليه من الدين، بل كان بمنزلة المحاربين قطاع ~~الطريق إذا ظهروا على القوافل، بخلاف من ادعى نبوة ودينا، ودعا إليه، ووعد ~~أهله بسعادة الدنيا والآخرة، وتوعد مخالفيه بشقاوة الدنيا والآخرة، ثم نصره ~~الله، وأظهره، وأتم دينه، وأعلى كلمته، وجعل له العاقبة، وأذل مخالفيه. # فإن هذا من جنس خرق العادات المقترن بدعوى النبوة، فإنه دليل عليها. # وقد تغرق في البحر أمم كثيرة، فلا يكون ذلك دليلا على نبوة نبي، بخلاف ~~غرق فرعون وقومه فإنه كان آية بينة لموسى. # PageV01P091 # وهذا موافق لما أخبر به موسى - عليه الصلاة والسلام - من أن الكذاب لا ~~يتم أمره، وذلك بأن الله حكيم لا يليق به تأييد الكذاب على كذبه من غير أن ~~يبين كذبه. # ولهذا أعظم الفتن: فتنة الدجال الكذاب، لما اقترن بدعواه الألوهية بعض ~~الخوارق، كان معه ما يدل على كذبه من وجوه: # منها: دعواه الألوهية، وهو: «أعور، والله ليس بأعور» ، «مكتوب بين عينيه: ~~كافر» ، يقرؤه كل مؤمن قارئ وغير قارئ، والله تعالى لا يراه أحد حتى يموت، ~~وقد ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذه العلامات الثلاث في الأحاديث ~~الصحيحة (1) . # فأما تأييد الكذاب، ونصره، وإظهار دعوته دائما، فهذا لم يقع قط، فمن ~~يستدل على ما يفعله الرب سبحانه بالعادة والسنة فهذا هو الواقع على ذلك - ~~أيضا - بالحكمة، فحكمته تناقض أن يفعل ذلك، إذ الحكيم لا يفعل هذا. # وقد قال تعالى: {ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ~~ولا نصيرا - سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا} ~~[الفتح: 22 - 23] # فأخبر أن سنة الله التي لا تبديل لها: نصر المؤمنين على الكافرين. # والإيمان المستلزم لذلك يتضمن طاعة الله ورسوله، فإذا نقص الإيمان ~~بالمعاصي كان الأمر بحسبه، كما جرى يوم أحد. # وقال تعالى: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ms61 ليكونن أهدى من ~~إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا - استكبارا في الأرض ومكر ~~السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنت الأولين فلن تجد ~~لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا} [فاطر: 42 - 43] PageV01P092 # فأخبر أن الكفار لا ينظرون إلا سنة الأولين، ولا يوجد لسنة الله تبديل، ~~لا تبدل بغيرها، ولا تتحول، فكيف النصر للكفار على المؤمنين الذين يستحقون ~~هذا الاسم؟ # وكذلك قال في المنافقين - وهم الكفار في الباطن دون الظاهر - ومن فيه ~~شعبة نفاق: {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في ~~المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا - ملعونين أينما ثقفوا ~~أخذوا وقتلوا تقتيلا - سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله ~~تبديلا} [الأحزاب: 60 - 62] # والسنة هي العادة، فهذه عادة الله المعلومة، فإذا نصر من ادعى النبوة ~~وأتباعه على من خالفه، إما ظاهرا وإما باطنا نصرا مستقرا، فإن ذلك دليل على ~~أنه نبي صادق، إذ كانت سنة الله وعادته نصر المؤمنين بالأنبياء الصادقين ~~على الكافرين والمنافقين، كما أن سنته تأييدهم بالآيات البينات، وهذه منها. # ومن ادعى النبوة وهو كاذب فهو من أكفر الكفار وأظلم الظالمين: # قال تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح ~~إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله} [الأنعام: 93] # وقال تعالى: {فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه} [الزمر: ~~32] # وقال تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه} ~~[العنكبوت: 68] # وقال تعالى: {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن ~~الله لا يهدي القوم الظالمين} [الأنعام: 144] # PageV01P093 # ومن كان كذلك كان الله يمقته، ويبغضه، ويعاقبه، ولا يدوم أمره، بل هو كما ~~قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح عن أبي هريرة قال: «إن ~~الله يملي للظالم، فإذا أخذه لم يفلته "، ثم قرأ: {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ ~~القرى وهي ظالمة إن ms62 أخذه أليم شديد} [هود: 102] » (1) [هود: 102] ، وقال - ~~أيضا - في الحديث الصحيح عن أبي موسى أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: «مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع، تفيؤها الرياح، تقيمها تارة ~~وتميلها أخرى، ومثل المنافق كمثل شجرة الأرز، لا تزال ثابتة على أصلها حتى ~~يكون انجعافها مرة واحدة» (2) . # فالكاذب الفاجر وإن عظمت دولته فلا بد من زوالها بالكلية، وبقاء ذمه ~~ولسان السوء له في العالم، وهو يظهر سريعا، ويزول سريعا كدولة الأسود ~~العنسي، ومسيلمة الكذاب، والحارث الدمشقي، وبابك الخرمي ونحوهم. # وأما الأنبياء فإنهم يبتلون كثيرا ليمحصوا بالبلاء، فإن الله تعالى يمكن ~~للعبد إذا ابتلاه، ويظهر أمره شيئا فشيئا كالزرع، قال تعالى: {محمد رسول ~~الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا ~~من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ~~ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه} [الفتح: 29] أي: فراخه {فآزره} [الفتح: ~~29] أي: قواه {فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد ~~الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما} [الفتح: 29] # ولهذا كان أول من يتبعهم ضعفاء الناس باعتبار هذه الأمور. # وسنة الله في أنبياء الله وأوليائه الصادقين وفي أعداء الله والمتنبئين ~~الكذابين مما يوجب الفرق بين النوعين، وبين دلائل النبي الصادق ودلائل ~~المتنبي الكذاب. # وقد ذكر ابتلاء النبي والمؤمنين ثم كون العاقبة لهم في غير موضع: ~~PageV01P094 # كقوله تعالى: {ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى ~~أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين} [الأنعام: ~~34] # وقال تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من ~~قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى ~~نصر الله ألا إن نصر الله قريب} [البقرة: 214] # قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم ~~يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير ~~للذين اتقوا أفلا تعقلون - حتى ms63 إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم ~~نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين - لقد كان في قصصهم ~~عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل ~~شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} [يوسف: 109 - 111] # والمقصود أن إيذاء القائمين بالحق، والناصرين له من سنن أهل الجاهلية، ~~وكثير من أهل عصرنا على ذلك، والله المستعان. # PageV01P095 ### | الخمسون الإيمان بالجبت والطاغوت وتفضيل المشركين على المسلمين # الخمسون الإيمان بالجبت والطاغوت، وتفضيل المشركين على المسلمين قال ~~تعالى في سورة " النساء " [51] : {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ~~يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا ~~سبيلا} [النساء: 51] # هذه الآية نزلت في حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف في جمع من يهود، وذلك أنهم ~~خرجوا إلى مكة بعد وقعة أحد؛ ليحالفوا قريشا على رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وينقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، فنزل كعب على أبي سفيان، فأحسن مثواه، ونزلت اليهود في دور قريش، ~~فقال أهل مكة: أنتم أهل كتاب ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم صاحب كتاب، فلا ~~يؤمن هذا أن يكون مكرا منكم، فإن أردت أن نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين ~~وآمن بهما، ففعل، ثم قال كعب: يا أهل مكة ليجئ منكم ثلاثون ومنا ثلاثون، ~~فنلزق أكبادنا بالكعبة، فنعاهد رب البيت لنجهدن على قتال محمد، ففعلوا ذلك، ~~فلما فرغوا قال أبو سفيان لكعب: إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم، ونحن أميون لا ~~نعلم، فأينا أهدى طريقا وأقرب إلى الحق: أنحن أم محمد؟ قال كعب: اعرضوا علي ~~دينكم، فقال أبو سفيان: نخن ننحر للحجيج الكوماء (1) ونسقيهم اللبن، ونقري ~~الضيف، ونفك العاني، ونصل الرحم، ونعمر بيت ربنا، ونطوف به، ونحن أهل ~~الحرم، ومحمد فارق دين آبائه، وقطع الرحم، وديننا القديم، ودين محمد ~~الحديث، فقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلا مما عليه محمد، فأنزل الله في ذلك ~~الآيات (2) . # والجبت في الأصل: اسم صنم، فاستعمل في كل ms64 معبود غير الله. PageV01P096 # والطاغوت: يطلق على كل باطل من معبود أو غيره. # ومعنى الإيمان بهما: إما التصديق بأنهما آلهة، وإشراكهما بالعبادة مع ~~الله تعالى، وإما طاعتهما وموافقتهما على ما هما عليه من الباطل، وإما ~~القدر المشترك بين المعنيين كالتعظيم مثلا. # والمتبادر المعنى الأول، أي أنهم يصدقون بألوهية هذين الباطلين، ~~ويشركونهما في العبادة مع الإله الحق، ويسجدون لهما (1) . PageV01P097 ### | الحادية والخمسون لبس الحق بالباطل وكتمانه # الحادية والخمسون لبس الحق بالباطل، وكتمانه قال تعالى في سورة " آل ~~عمران " [71] : {يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم ~~تعلمون} [آل عمران: 71] # وفي المراد أقوال: # أحدها: أن المراد تحريفهم التوراة والإنجيل. # ثانيها: أن المراد إظهارهم الإسلام، وإبطانهم النفاق. # ثالثها: أن المراد الإيمان بموسى وعيسى، والكفر بمحمد عليه السلام. # ورابعها: أن المراد ما يعلمونه في قلوبهم من حقيقة رسالته صلى الله عليه ~~وآله وسلم، وما يظهرونه من تكذيبه (1) . PageV01P098 ### | الثانية والخمسون التعصب للمذهب والإقرار بالحق للتوصل إلى دفعه # الثانية والخمسون التعصب للمذهب، والإقرار بالحق للتوصل إلى دفعه قال ~~تعالى في سورة " آل عمران " [72 - 74] : {وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا ~~بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون - ولا ~~تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ~~أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم - ~~يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم} [آل عمران: 72 - 74] # قال الحسن والسدي: تواطأ اثنا عشر رجلا من أحبار يهود خيبر وقرى عرين، ~~وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أول النهار باللسان دون الاعتقاد، ~~واكفروا آخر النهار، وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا، وشاورنا علماءنا، فوجدنا ~~محمدا ليس بذاك، وظهر لنا كذبه، وبطلان دينه، فإذا فعلتم ذلك شك أصحابه في ~~دينهم، وقالوا: إنهم أهل كتاب، وهم أعلم به، فيرجعون عن دينهم إلى دينكم ~~(1) . PageV01P099 ### | الثالثة والخمسون تسميه اتباع الإسلام شركا # الثالثة والخمسون تسميه اتباع الإسلام شركا قال تعالى: {ما كان لبشر أن ~~يؤتيه ms65 الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون ~~الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون - ولا ~~يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم ~~مسلمون} [آل عمران: 79 - 80] # أخرج ابن إسحاق بسنده: «حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل ~~نجران عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ودعاهم إلى الإسلام، قالوا: ~~أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل من أهل ~~نجران نصراني يقال له الرئيس: أوذاك تريد منا يا محمد؟ فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: " معاذ الله أن نعبد غير الله، أو نأمر بعبادة غيره، ~~وما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني "، فأنزل الله تعالى هذه الآية» (1) . ~~PageV01P100 ### | [الرابعة والخمسون تحريف الكلم عن مواضعه ولي الألسنة بالكتاب] # الرابعة والخمسون تحريف الكلم عن مواضعه، ولي الألسنة بالكتاب قال تعالى ~~في سورة " آل عمران " [78] : {وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب ~~لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند ~~الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} [آل عمران: 78] # روي أن الآية نزلت في اليهود والنصارى جميعا، وذلك أنهم حرفوا التوراة ~~والإنجيل، وألحقوا بكتاب الله تعالى ما ليس منه. # واختلف الناس في أن المحرف هل كان يكتب في التوراة أم لا؟ فذهب جمع إلى ~~أنه ليس في التوراة سوى كلام الله تعالى، وأن تحريف اليهود لم يكن إلا ~~تغييرا وقت القراءة، وتأويلا باطلا للنصوص، وأما أنهم يكتبون ما يرومون في ~~التوراة على تعدد نسخها فلا. # واحتجوا لذلك بما روي أن التوراة والإنجيل كما أنزلهما الله تعالى لم ~~يغير منهما حرف، ولكنهم يضلون بالتحريف والتأويل وكتب كانوا يكتبونها من ~~عند أنفسهم، ويقولون: إن ذلك من عند الله، وما هو من عند الله، فأما كتب ~~الله تعالى فإنها محفوظة لا تحول. # وبأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم «كان يقول لليهود إلزاما لهم: " ~~ائتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم ms66 صادقين» ، وهم يمتنعون عن ذلك، فلو كانت ~~مغيرة إلى ما يوافق مرامهم ما امتنعوا، بل وما كان يقول لهم ذلك رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه يعود على مطلبه الشريف بالإبطال. # وذهب آخرون إلى أنهم بدلوا، وكتموا ذلك في نفس كتابهم، واحتجوا على ذلك ~~بكثير من الظواهر. # PageV01P101 # ولا يمنع من ذلك تعدد النسخ؛ لاحتمال التواطؤ، أو فعل ذلك في البعض دون ~~البعض، وكذلك لا يمنع منه قول الرسول لهم ذلك؛ لاحتمال علمه ببقاء بعض ما ~~يفي بغرضه سالما عن التغيير، إما لجهلهم بوجه دلالته، أو لصرف الله تعالى ~~إياهم عن تغييره. # وتمام الكلام في تفسير الجد عند الكلام على هذه الآية، وكذا في " الجواب ~~الصحيح " (1) لشيخ الإسلام. # وكثير من الأمة المحمدية سلكوا مسلك الكتابيين في التحريف، والتأويل، ~~واتباع شهواتهم. # وقال تعالى في سورة " النساء " [46] : {من الذين هادوا يحرفون الكلم عن ~~مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في ~~الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن ~~لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا} [النساء: 46] # والكلام على هذه الآية - أيضا - مستوفى في التفسير. PageV01P102 ### | الخامسة والخمسون تلقيب أهل الهدى بالصابئة والحشوية # الخامسة والخمسون تلقيب أهل الهدى بالصابئة والحشوية فقد كان أهل ~~الجاهلية يلقبون من خرج عن دينهم بالصابئ، كما كانوا يسمون رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم بذلك، كما ورد في عدة أحاديث من " صحيح البخاري " و" ~~مسلم " (1) وغيرهما (2) ؛ تنفيرا للناس عن اتباع غير سبيلهم. # وهكذا تجد كثيرا من هذه الأمة يطلقون على من خالفهم في بدعهم وأهوائهم ~~أسماء مكروهة للناس. # والصابئة أمة قديمة على مذاهب مختلفة، قد تكلم عليها أهل المقالات بما لا ~~مزيد عليه. # وأما الحشوية فهم قوم كانوا يقولون بجواز ورود ما لا معنى له في الكتاب ~~والسنة كالحروف في أوائل السور، وكذا قال بعضهم، وهم الذين قال فيهم الحسن ~~البصري لما وجد قولهم ساقطا، وكانوا يجلسون في حلقته أمامه: " ردوا هؤلاء ~~إلى حشا الحلقة "، أي: جانبها. ms67 # وخصوم السلفيين يرمونهم بهذا الاسم؛ تنفيرا للناس عن اتباعهم والأخذ ~~بأقوالهم، حيث يقولون في المتشابه: {وما يعلم تأويله إلا الله} [آل عمران: ~~7] # وقد أخطأت استهم الحفرة، فالسلف لا يقولون بورود ما لا معنى له لا في ~~الكتاب ولا في السنة، بل يقولون في الاستواء مثلا: " الاستواء غير مجهول، ~~والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر ". PageV01P103 # وقد أطال الكلام في هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية في كثير من كتبه ~~(1) ولخص ذلك في كتابه " جواب أهل الإيمان في التفاضل بين آيات القرآن ". # ومن الناس من فرق بين مذهب السلف ومذهب الحشوية، بأن مذهب الحشوية ورود ~~ما يتعذر التوصل إلى معناه المراد مطلقا، فالاستواء - مثلا - عندهم له معنى ~~يتوصل إليه بمجرد سماعه كل من يعرف الموضوعات اللغوية، إلا أنه غير مراد؛ ~~لأنه خلاف ما يقتضيه دليل العقل والنقل، ومعنى آخر يليق به - تعالى - لا ~~يعلمه إلا هو عز وجل. # وكيف يكون مذهب السلف هو مذهب الحشوية وقد رأى الحسن البصري الذي هو من ~~أكابر السلف سقوط قول الحشوية، ولم يرض أن يقعد قائله تجاهه؟! # والمقصود أن أهل الباطل من المبتدعة رموا أهل السنة والحديث بمثل هذا ~~اللقب الخبيث. # قال أبو محمد عبد الله بن قتيبة في " تأويل مختلف الأحاديث ": " إن أصحاب ~~البدع سموا أهل الحديث بالحشوية، والنابتة، والمتجبرة، والجبرية، وسموهم ~~الغثاء، وهذه كلها أنباز لم يأت بها خبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم كما أتى: # في القدرية (2) «أنهم " مجوس هذه الأمة، إن (3) مرضوا فلا تعودوهم، وإن ~~ماتوا فلا تشهدوا جنائزهم» (4) . # وفي الرافضة: «يكون قوم في آخر الزمان يسمون الرافضة، يرفضون الإسلام، ~~PageV01P104 # ويلفظونه، فاقتلوهم، فإنهم مشركون» (1) . # وفي المرجئة: «صنفان من أمتي لا تنالهم شفاعتي، لعنوا على لسان سبعين ~~نبيا: المرجئة والقدرية» (2) . # وفي الخوارج (3) «يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية» (4) و ~~«كلاب أهل النار» (5) . # هذه أسماء من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتلك أسماء مصنوعة " ~~(6) انتهى. # وفي " الغنية " أن الباطنية تسمي أهل الحديث " حشوية " لقولهم ms68 بالأخبار ~~وتعلقهم بالآثار (7) . # وفي كتاب " حجة الله البالغة ": " واستطال هؤلاء الخائضون على معشر أهل ~~PageV01P105 # الحديث، وسموهم مجسمة، ومشبهة، وقالوا: هم المتسترون بالبلكفة (1) وقد ~~وضح لدي (2) وضوحا بينا أن استطالتهم هذه ليست بشيء، وأنهم مخطئون في ~~مقالتهم (3) رواية ودراية، وخاطئون في طعنهم أئمة الهدى " (4) انتهى. # وقد قال العلامة ابن القيم في " كافيته الشافية ": " فصل في تلقيبهم أهل ~~السنة بالحشوية، وبيان من أولى بالوصف المذموم في هذا اللقب من الطائفتين، ~~وذكر أول من لقب به أهل السنة من أهل البدع: # ومن العجائب قولهم لمن اقتدى ... بالوحي من أثر ومن قرآن # حشوية يعنون حشوا في الوجو ... د وفضلة في أمة الإنسان # ويظن جاهلهم بأنهم حشوا ... رب العباد بداخل الأكوان # إذ قولهم فوق العباد وفي السما ... ء الرب ذو الملكوت والسلطان # ظن الحمير بأن في للظرف والرح ... من محوي بظرف مكان # والله لم يسمع بذا من فرقة ... قالته في زمن من الأزمان # لا تبهتوا أهل الحديث به فما ... ذا قولهم تبا لذي البهتان # بل قولهم: إن السماوات العلى ... في كف خالق هذه الأكوان # حقا كخردلة ترى في كف مم ... سكها تعالى الله ذو السلطان # أترونه المحصور بعد أم السما ... يا قومنا ارتدعوا عن العدوان # كم ذا مشبهة وكم حشوية ... فالبهت لا يخفى على الرحمن # تدرون من سمت شيوخكم به ... ذا الاسم في الماضي من الأزمان PageV01P106 # سمى به ابن عبيد عبد الله ذا ... ك ابن الخليفة طارد الشيطان (1) # فورثتم عمرا كما ورثوا لعب ... د الله أنى يستوي الإرثان # تدرون من أولى بهذا الاسم وه ... PageV01P107 # وأعداء الحق في عصرنا هذا على هذا المسلك الجاهلي، فتراهم يرمون كل من ~~تمسك بالكتاب والسنة بكل لقب مذموم بين المسلمين، والله المستعان على ما ~~يصفون. ### | السادسة والخمسون افتراء الكذب على الله والتكذيب بالحق # السادسة والخمسون افتراء الكذب على الله، والتكذيب بالحق وشواهد هذه ~~المسألة من الكتاب والسنة كثير، وهذا دأب المخالفين للدين المبين كاليهود ~~والنصارى، يدعون أن ما هم عليه هو الحق، وأن الله أمرهم بالتمسك به، وأن ~~الدين المبين ms69 ليس بحق، وأن الله تعالى أمرهم بتكذيبه، كل ذلك لاتباع ~~أسلافهم، لا ينظرون إلى الدليل، وهكذا أهل البدع والضلالات يعتقدون بدعهم ~~الحق، وأن الله أمرهم بها، وأن ما عليه أهل الحق مفترى، لا يصدقون به (1) . ~~PageV01P108 # وكل يدعي وصلا لليلى ... وليلى لا تقر لهم بذاكا ### | السابعة والخمسون رمي المؤمنين بطلب الغلو في الأرض # السابعة والخمسون رمي المؤمنين بطلب الغلو في الأرض قال تعالى في سورة " ~~يونس " [78] : {قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما ~~الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين} [يونس: 78] # هذا الكلام مسوق لبيان أن موسى عليه السلام ألقمهم الحجر، فانقطعوا عن ~~الإتيان بكلام له تعلق بكلامه عليه السلام فضلا عن الجواب الصحيح، واضطروا ~~إلى التشبث بذيل التقليد الذي هو دأب كل عاجز محجوج، وديدن كل معالج لجوج. # على أنه استئناف وقع جوابا عما قبله من كلامه عليه السلام على طريقة: قال ~~موسى، كأنه قيل: فماذا قالوا لموسى عليه السلام حين قال لهم ما قال؟ فقيل: ~~قالوا عاجزين عن المحاجة: {أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون ~~لكما الكبرياء في الأرض} [يونس: 78] أي: الملك. # كما روي عن مجاهد (1) وعن الزجاج أنه سمي الملك كبرياء، لأنه أكبر ما ~~يطلب من أمر الدنيا (2) . # فكل من دعا إلى الحق رماه من كان على المسلك الجاهلي أن قصده من الدعوة ~~طلب الرئاسة والجاه، من غير أن ينظروا إلى ما دعا إليه، وما قام عليه من ~~البراهين. PageV01P109 ### | الثامنة والخمسون رمي المؤمنين بالفساد في الأرض # الثامنة والخمسون رمي المؤمنين بالفساد في الأرض شاهد هذه المسألة آيات ~~كثيرة، حاصلها أن المخالفين لهم من المؤمنين مفسدون في الأرض. # انظر إلى قولهم في أوائل سورة " البقرة " [الآية: 11] ، كيف ادعوا أنهم ~~هم مصلحون، وقد رد الله عليهم بقوله: {ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا ~~يشعرون} [البقرة: 12] # وهكذا من هو على شاكلة أولئك من الذين استحلوا غيهم، وتمكنت بدعهم من ~~قلوبهم. # ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرا به الماء الزلالا # نسأله تعالى أن يثبت قلوبنا على دينه ms70 القويم، وأقدامنا على الصراط ~~المستقيم (1) . PageV01P110 ### | التاسعة والخمسون رمي المؤمنين بتبديل الدين # التاسعة والخمسون رمي المؤمنين بتبديل الدين قال تعالى في سورة " غافر " ~~[26] : {إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد} [غافر: 26] # اعتقدوا أن ما هم عليه من الضلال هو الدين الحق، ومن أراد تحويلهم عن ~~اعتقادهم الكاسد، وصرفهم عما هم عليه من الغي، فقد أراد إخراجهم من الدين، ~~وإفسادا في الأرض. # وهكذا ديدن أعداء الحق في كل عصر. ### | [الستون كونهم إذا غلبوا بالحجة فزعوا إلى السيف والشكوى إلى الملوك] # الستون كونهم إذا غلبوا بالحجة فزعوا إلى السيف والشكوى إلى الملوك، ~~ودعوى احتقار السلطان، وتحويل الرعية عن دينه # قال تعالى في سورة " الأعراف " [127] : {أتذر موسى وقومه ليفسدوا في ~~الأرض} [الأعراف: 127] # فانظر إلى شكوى آل فرعون وقومه إليه، وتحريشهم إياه على مقاتلة موسى عليه ~~السلام وتهييجه، وما ذكر في آخر الآية من احتقار ما كانوا عليه (1) . ~~PageV01P111 ### | الحادية والستون تناقض مذهبهم لما تركوا الحق # الحادية والستون تناقض مذهبهم لما تركوا الحق قال تعالى في سورة " ق " [4 ~~- 5] : {قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ - بل كذبوا بالحق ~~لما جاءهم فهم في أمر مريج} [ق: 4 - 5] # فقوله: {بل كذبوا بالحق} [ق: 5] إلخ إضراب أتبع الإضراب الأول للدلالة ~~على أنهم جاؤوا بما هو أفظع من تعجبهم، وهو التكذيب بالحق، الذي هو النبوة ~~الثابتة بالمعجزات في أول وهلة من غير تفكر ولا تدبر. # {فهم في أمر مريج} [ق: 5] مضطرب، وذلك بسبب نفيهم النبوة عن البشر ~~بالكلية تارة، وزعمهم أن اللائق بها أهل الجاه والمال كما ينبئ عنه قولهم: ~~{لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} [الزخرف: 31] تارة أخرى، ~~وزعمهم أن النبوة سحر مرة أخرى، وأنها كهانة أخرى، حيث قالوا في النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم مرة: ساحر، ومرة: كاهن، أو هو اختلاف حالهم ما بين ~~تعجب من البعث واستبعاد له، وتكذيب وتردد فيه، أو قولهم في القرآن: هو شعر ~~تارة، وهو سحر أخرى (1) . # وقال تعالى في سورة " الذاريات ms71 " [7 - 11] : {والسماء ذات الحبك - إنكم ~~لفي قول مختلف - يؤفك عنه من أفك - قتل الخراصون - الذين هم في غمرة ساهون} ~~[الذاريات: 7 - 11] # (الحبك) : جمع حبيكة كطريقة، أو حباك كمثال ومثل، والمراد بها إما الطرق ~~المحسوسة التي تسير فيها الكواكب، أو المعقولة التي تدرك بالبصيرة، وهي ما ~~يدل على وحدة الصانع وقدرته وعلمه وحكمته إذا تأملها الناظر. # وقوله: {إنكم لفي قول مختلف} [الذاريات: 8] أي: متخالف، متناقض في أمر ~~الله عز وجل، حيث تقولون: إنه جل شأنه خلق السماوات والأرض، وتقولون بصحة ~~عبادة الأصنام PageV01P112 # معه سبحانه، وفي أمر الرسول، فتقولون تارة: إنه مجنون، وأخرى: إنه ساحر، ~~ولا يكون الساحر إلا عاقلا، وفي أمر الحشر، فتقولون تارة: لا حشر ولا حياة ~~بعد الموت أصلا، وتزعمون أخرى أن أصنامكم شفعاؤكم عند الله تعالى يوم ~~القيامة إلى غير ذلك من الأقوال المتخالفة فيما كلفوا بالإيمان به. # وقوله: {يؤفك عنه من أفك} [الذاريات: 9] أي: يصرف عن الإيمان بما كلفوا ~~الإيمان به. # {قتل الخراصون} [الذاريات: 10] أي: الكذابون من أصحاب القول المختلف. # {الذين هم في غمرة ساهون} [الذاريات: 11] الغمرة: الجهل العظيم يغمرهم ~~ويشملهم شمول الماء الغامر لما فيه، والسهو: الغفلة. # وقال تعالى في أواخر سورة " الأنعام " [159] : {إن الذين فرقوا دينهم ~~وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا ~~يفعلون} [الأنعام: 159] # هذه الآية استئناف لبيان أحوال أهل الكتابين إثر بيان حال المشركين، بناء ~~على ما روي عن ابن عباس وقتادة: أن الآية نزلت في اليهود والنصارى. # أي: بددوا دينهم، وبعضوه، فتمسك بكل بعض منه فرقة منهم. # {وكانوا شيعا} [الأنعام: 159] أي: فرقا تشايع كل فرقة إماما، وتتبعه، أي: ~~تقويه، وتظهر أمره. # أخرج أبو داود والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، كلهم في الهاوية إلا ~~واحدة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، كلهم في الهاوية إلا واحدة، ~~وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلهم في الهاوية إلا واحدة» . # واستثناء الواحدة من فرق كل ms72 من أهل الكتابين إنما هو بالنظر إلى العصر ~~الماضي قبل النسخ، وأما بعده فالكل في الهاوية، وإن اختلفت أسباب دخولهم. # {لست منهم في شيء} [الأنعام: 159] أي: من السؤال عنهم، والبحث عن تفرقهم، ~~أو من عقابهم، أو أنت بريء منهم. # PageV01P113 # {إنما أمرهم إلى الله} [الأنعام: 159] تعليل للنفي المذكور، أي: هو يتولى ~~وحده أمرهم: أولاهم وأخراهم، ويدبره حسبما تقتضيه الحكمة. # ومن الناس من قال: المفرقون: أهل البدع من هذه الأمة: # فقد أخرج الحكيم الترمذي وابن جرير والطبراني وغيرهم «عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله سبحانه: {إن الذين فرقوا} [الأنعام: ~~159] إلخ: " هم أهل البدع والأهواء من هذه الأمة» (1) . # فيكون الكلام - حينئذ - استئنافا لبيان حال المبتدعين إثر بيان حال ~~المشركين، إشارة إلى أنهم ليسوا منهم ببعيد. # والمقصود أن أهل الجاهلية سواء كانوا أميين أو كتابيين قد فرقوا دينهم، ~~وتغايروا في الاعتقاد، فكان عباد الأصنام كل قوم لهم صنم يدينون له، ولهم ~~شرائع مختلفة في عبادتها، ومنهم من كان يعبد كوكبا، ومنهم من كان يعبد ~~الشمس، ومنهم، ومنهم، وكذلك الكتابيون على ما بينا. # فالافتراق ناشئ عن الجهل، وإلا فالشريعة الحقة في كل زمان لا تعدد فيها ~~ولا اختلاف، ولذلك ترى القرآن يوحد الحق ويعدد الباطل: PageV01P114 # قال تعالى: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين ~~كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات} [البقرة: 257] # فانظر كيف أفرد النور الذي هو الحق، وجمع الظلمات التي هي الباطل والزيغ، ~~فتفرقة الآراء، والاختلاف في الاعتقاد من خصال الجاهلية وما كان عليه أهل ~~الباطل، والاتفاق على العقيدة الحقة هو من دأب أتباع الرسل والمتمسكين بما ~~شرعه الله تعالى. ### | الثانية والستون دعواهم العمل بالحق الذي عندهم # الثانية والستون دعواهم العمل بالحق الذي عندهم كما قال تعالى في سورة " ~~البقرة " [91] : {وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل ~~علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء ~~الله من قبل إن كنتم مؤمنين} [البقرة: 91] # أي: نستمر ms73 على الإيمان بالتوراة وما في حكمها مما أنزل لتقرير حكمها، ~~ومرادهم بضمير المتكلم إما أنبياء بني إسرائيل - وهو الظاهر، وفيه إيماء ~~إلى أن عدم إيمانهم بالقرآن كان بغيا وحسدا على نزوله على من ليس منهم - ~~وإما أنفسهم، ومعنى الإنزال عليهم: تكليفهم بما في المنزل من الأحكام. # وذموا على هذه المقالة لما فيها من التعريض بشأن القرآن، ودسائس اليهود ~~مشهورة، وتمام الكلام في التفسير (1) . PageV01P115 ### | الثالثة والستون الزيادة في العبادة # الثالثة والستون الزيادة في العبادة كفعلهم يوم عاشوراء (1) . ~~PageV01P116 ### | الرابعة والستون النقص من العبادة # الرابعة والستون النقص منها كتركهم الوقوف قال تعالى: {ثم أفيضوا من حيث ~~أفاض الناس} [البقرة: 199] أي: من عرفة، لا من مزدلفة (1) . # والخطاب عام، والمقصود إبطال ما كان عليه الحمس من الوقوف بجمع. # فقد أخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كانت قريش ومن دان ~~دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس، وكانت سائر العرب يقفون ~~بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يأتي ~~عرفات، ثم يقف بها، ثم يفيض منها، فذلك قوله سبحانه: {ثم أفيضوا من حيث ~~أفاض الناس} [البقرة: 199] » (2) . # ومعناها: ثم أفيضوا أيها الحجاج من مكان أفاض جنس الناس منه قديما ~~وحديثا، وهو عرفة، لا من مزدلفة. ### | [الخامسة والستون تعبدهم بترك أكل الطيبات من الرزق وترك زينة الله التي أخرج لعباده] # الخامسة والستون تعبدهم بترك أكل الطيبات من الرزق، وترك زينة الله التي ~~أخرج لعباده قال تعالى في سورة " الأعراف " [31 - 32] : PageV01P117 # {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا ~~يحب المسرفين - قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل ~~هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم ~~يعلمون} [الأعراف: 31 - 32] # وسبب النزول - على ما روي عن ابن عباس - أنه كان أناس من الأعراب يطوفون ~~بالبيت عراة، حتى إن كانت المرأة لتطوف بالبيت وهي عريانة فتعلق على سفلها ~~سيورا مثل هذه السيور التي تكون على وجه الحمر ms74 من الذناب، وهي تقول: # اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله # فأنزل الله تعالى هذه الآية: {يا بني آدم} [الأعراف: 31] إلخ. # {وكلوا واشربوا} [الأعراف: 31] مما طاب لكم. # قال الكلبي: " كان أهل الجاهلية لا يأكلون من الطعام إلا قوتا، ولا ~~يأكلون دسما في أيام حجهم، يعظمون بذلك حجهم، فقال المسلمون: يا رسول الله ~~نحن أحق بذلك، فأنزل الله تعالى الآية ". # ومنه يظهر وجه ذكر الأكل والشرب هنا. # {ولا تسرفوا} [الأعراف: 31] بتحريم الحلال، كما هو المناسب لسبب النزول ~~أو بالتعدي إلى الحرام. # {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده} [الأعراف: 32] من الثياب وكل ما ~~يتجمل به. # {والطيبات من الرزق} [الأعراف: 32] أي: من المستلذات، وقيل: المحللات من ~~المآكل والمشارب كلحم الشاة وشحمها ولبنها. # {قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا} [الأعراف: 32] أي: هي لهم بالأصالة ~~لمزيد كرامتهم على الله تعالى، والكفرة - إن شاركوهم فيها - فبالتبع. # {خالصة يوم القيامة} [الأعراف: 32] لا يشاركهم فيها غيرهم. # PageV01P118 ### | [السادسة والستون تعبدهم بالمكاء والتصدية] # السادسة والستون تعبدهم بالمكاء والتصدية قال تعالى في سورة " الأنفال " ~~[35] : {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم ~~تكفرون} [الأنفال: 35] # تفسير هذه الآية: {وما كان صلاتهم عند البيت} [الأنفال: 35] أي: المسجد ~~الحرام، الذي صدوا المسلمين عنه، والتعبير عنه بالبيت للاختصار مع الإشارة ~~إلى أنه بيت الله، فينبغي أن يعظم بالعبادة، وهم لم يفعلوا. # (إلا مكاء) أي: صفيرا. # (وتصدية) أي: تصفيقا، وهو ضرب اليد باليد بحيث يسمع له صوت. # والمراد بالصلاة: إما الدعاء، أو أفعال أخر كانوا يفعلونها، ويسمونها ~~صلاة، وحمل المكاء والتصدية عليها بتأويل ذلك بأنها لا فائدة فيها، ولا ~~معنى لها كصفير الطيور، وتصفيق اللعب. # وقد يقال: المراد أنهم وضعوا المكاء والتصدية موضع الصلاة التي يليق أن ~~تقع عند البيت. # يروى أنهم كانوا إذا أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يصلي يخلطون ~~عليه بالصفير والتصفيق (1) . # ويروى أنهم يصلون - أيضا -. # ويروى أنهم كانوا يطوفون عراة: الرجال والنساء مشبكين بين أصابعهم، ~~PageV01P119 # يصفرون فيها، ويصفقون (1) . # وباقي الآية ms75 معلوم. # والمقصود أن مثل هذه الأفعال لا تكون عبادة، بل من شعائر الجاهلية. # فما يفعله اليوم بعض جهلة المسلمين في المساجد من المكاء والتصدية يزعمون ~~أنهم يذكرون الله، فهو من قبيل فعل الجاهلية، وما أحسن ما يقول القائل ~~فيهم: # أقال الله صفق لي وغن ... وقل كفرا وسم الكفر ذكرا # وقد جعل الشارع صوت الملاهي صوت الشيطان، قال تعالى: {واستفزز من استطعت ~~منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما ~~يعدهم الشيطان إلا غرورا} [الإسراء: 64] ### | السابعة والستون دعواهم الإيمان عند المؤمنين فإذا خرجوا خرجوا بالكفر الذي دخلوا به # السابعة والستون دعواهم الإيمان عند المؤمنين، فإذا خرجوا خرجوا بالكفر ~~الذي دخلوا به (2) . PageV01P120 ### | الثامنة والستون دعاؤهم الناس إلى الضلال بغير علم # الثامنة والستون دعاؤهم الناس إلى الضلال بغير علم (1) . ### | التاسعة والستون دعاؤهم الناس إلى الكفر مع العلم # التاسعة والستون دعاؤهم الناس إلى الكفر مع العلم (2) . PageV01P121 ### | [السبعون المكر الكبار] # السبعون المكر الكبار: كفعل قوم نوح قال تعالى في سورة " نوح " عليه ~~السلام [22 - 24] : {ومكروا مكرا كبارا - وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ~~ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا - وقد أضلوا كثيرا} [نوح: 22 - 24] # ومعنى الكبار: الكبير. # والمكر الكبار: احتيالهم في الدين، وصدهم للناس عنه، وإغراؤهم وتحريضهم ~~على أذية نوح عليه السلام. # وهكذا فعل أخلاف هؤلاء من مردة الدين، وأتباع الهوى، وعبدة الدنيا، ~~يفعلون مع دعاة الحق كما فعل قوم نوح عليه السلام معه، قد تشابهت قلوبهم، ~~نسأله تعالى أن يعيذ رجال الحق من كيد مثل هؤلاء الفجرة، ويصونهم من مكرهم. # وقد جربتهم فرأيت منهم ... خبائث بالمهيمن نستجير # PageV01P122 ### | الحادية والسبعون أئمتهم إما عالم فاجر وإما عابد جاهل # الحادية والسبعون أئمتهم: إما عالم فاجر، وإما عابد جاهل قال تعالى: ~~{أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من ~~بعد ما عقلوه وهم يعلمون - وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا ~~بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم ~~أفلا تعقلون ms76 - أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون - ومنهم أميون ~~لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون - فويل للذين يكتبون الكتاب ~~بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما ~~كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون} [البقرة: 75 - 79] # فذكر في الآية أن فريقا من أسلاف اليهود - وهم الأحبار - كانوا يسمعون ~~التوراة ويؤولونها تأويلا فاسدا حسب أغراضهم، بل كانوا يحرفونها بتبديل ~~كلام من تلقائهم، كما فعلوا ذلك في نعته صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه روي ~~أنه من صفاته فيها أنه أبيض ربعة، فغيروه بأسمر طويل، وغيروا آية الرجم ~~بالتسخيم وتسويد الوجه كما في البخاري. # (ومنهم) فريق {أميون لا يعلمون الكتاب} [البقرة: 78] إلا بالدعاوى ~~الكاذبة، والمراد بهم جهلة مقلدة، لا إدراك لهم. # وتمام الكلام في هذا المقام يطلب من التفسير. # والمقصود أن تحريف الكلم، واتباع الهوى، والقول على الله من غير علم من ~~خصال الجاهلية. # وأنت تعلم حال أحبار السوء اليوم والرهبان الذين يقولون على الله ما لا ~~يعلم قد تجاوزوا الحد في اتباع الهوى، وتأويل النصوص، وما أشبه ذلك مما ~~يستحيي منه الإسلام، والأمر لله. # PageV01P123 ### | الثانية والسبعون زعمهم أنهم أولياء لله من دون الناس # الثانية والسبعون زعمهم أنهم أولياء لله من دون الناس دليل هذه المسألة ~~قوله تعالى في سورة " الجمعة " [6] : {قل يا أيها الذين هادوا} [الجمعة: 6] ~~أي: تهودوا، أي: صاروا يهودا. # {إن زعمتم أنكم أولياء لله} [الجمعة: 6] أي: أحباء له سبحانه، ولم يضف ~~(أولياء) إليه تعالى كما في قوله سبحانه: {ألا إن أولياء الله} [يونس: 62] ~~ليؤذن بالفرق بين مدعي الولاية ومن يخصه بها. # {من دون الناس} [البقرة: 94] أي: متجاوزين عن الناس. # {فتمنوا الموت} [البقرة: 94] أي: فتمنوا من الله أن يميتكم، وينقلكم من ~~دار البلية إلى محل الكرامة. # {إن كنتم صادقين} [البقرة: 94] في زعمكم، واثقين بأنه حق، فتمنوا الموت؛ ~~فإنه من أيقن أنه من أهل الجنة أحب أن يتخلص إليها من هذه الدار التي هي ~~قرارة الأنكاد والأكدار. # وأمر صلى الله عليه ms77 وآله وسلم أن يقول لهم ذلك إظهارا لكذبهم، فإنهم ~~كانوا يقولون: {نحن أبناء الله وأحباؤه} [المائدة: 18] ويدعون أن الآخرة ~~لهم عند الله خالصة، ويقولون: {لن يدخل الجنة إلا من كان هودا} [البقرة: ~~111] كما أخبر تعالى عن الكتابيين في كتابه، فقال جل شأنه: {وقالوا لن يدخل ~~الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم ~~صادقين - بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون} [البقرة: 111 - 112] # وروي «أنه لما ظهر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كتبت يهود المدينة ~~ليهود خيبر: إن اتبعتم # PageV01P124 # محمدا أطعناه، وإن خالفتموه خالفناه، فقالوا: نحن أبناء خليل الرحمن، ~~ومنا عزير ابن الله والأنبياء، ومتى كانت النبوة في العرب؟! نحن أحق بها من ~~محمد، ولا سبيل إلى اتباعه، فنزلت: {قل يا أيها الذين هادوا} [الجمعة: 6] » ~~الآية (1) . # {ولا يتمنونه أبدا} [الجمعة: 7] إخبار بحالهم المستقبل، وهو عدم تمنيهم ~~الموت، وذلك خاص بأولئك المخاطبين. # وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لهم: «والذي نفسي بيده لا ~~يقولها أحد منكم إلا غص بريقه» (2) فلم يتمنه أحد منهم، وما ذلك إلا لأنهم ~~كانوا موقنين بصدقه صلى الله عليه وآله وسلم، فعلموا أنهم لو تمنوا لماتوا ~~من ساعتهم، ولحقهم الوعيد، وهذه إحدى المعجزات. PageV01P125 # {بما قدمت أيديهم} [البقرة: 95] أي: بسببه، كأنه قيل: انتفى تمنيهم بسبب ~~ما قدمت، والمراد بما قدمته أيديهم: الكفر والمعاصي الموجبة لدخول النار، ~~ولما كانت اليد من بين جوارح الإنسان مناط عامة أفعاله عبر بها تارة عن ~~النفس وأخرى عن القدرة. # {والله عليم بالظالمين} [البقرة: 95] أي: بهم، وإيثار الإظهار على ~~الإضمار لذمهم، والتسجيل عليهم بأنهم ظالمون في كل ما يأتون ويذرون من ~~الأمور التي من جملتها ادعاء ما هم عنه بمعزل، أي: والله عليم بما صدر منهم ~~من فنون الظلم والمعاصي، وبما سيكون منهم، فيجازيهم على ذلك. # {قل إن الموت الذي تفرون منه} [الجمعة: 8] ولا تجسرون على أن تمنوه مخافة ~~أن تؤخذوا بوبال ms78 أفعالكم. # {فإنه ملاقيكم} [الجمعة: 8] البتة، من غير صارف يلويه، ولا عاطف يثنيه. # {ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة} [الجمعة: 8] الذي لا تخفى عليه ~~خافية. # {فينبئكم بما كنتم تعملون} [الجمعة: 8] من الكفر والمعاصي بأن يجازيكم ~~بها. # وهذا ديدن الزائغين، وشأن الملحدين، كما قال تعالى عن اليهود: {نحن أبناء ~~الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق} [المائدة: 18] # وقد ورث هذه الخصلة كثير ممن ينتمي إلى الملة الإسلامية، بل كل من الفرق ~~يقول: نحن أولياء الله، مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في حديث ~~الفرق في بيان الفرقة الناجية: «وهم ما أنا عليه وأصحابي» (1) . ~~PageV01P126 ### | الثالثة والسبعون دعواهم محبة الله مع ترك شرعه # الثالثة والسبعون دعواهم محبة الله مع ترك شرعه فطالبهم سبحانه بقوله في ~~سورة " آل عمران " [31] : {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ~~ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم} [آل عمران: 31] # قال الحسن وابن جريج: «زعم أقوام على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنهم يحبون الله، فقالوا: يا محمد إنا نحب ربنا، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية» (1) . # وروى الضحاك عن ابن عباس قال: «وقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ~~قريش في المسجد الحرام، وقد نصبوا أصنامهم، وعلقوا عليها بيض النعام، ~~وجعلوا في آذانها الشنوف (2) وهم يسجدون لها، فقال: " يا معشر قريش، لقد ~~خالفتم ملة أبيكم إبراهيم وإسماعيل، ولقد كانا على الإسلام "، فقالت قريش: ~~يا محمد إنما نعبد هذه حبا لله؛ لتقربنا إلى الله زلفى، فأنزل الله تعالى: ~~{قل إن كنتم تحبون الله} [آل عمران: 31] إلخ» (3) . # وفي رواية أبي صالح «أن اليهود لما قالوا: {نحن أبناء الله وأحباؤه} ~~[المائدة: 18] أنزل الله هذه الآية، فلما نزلت عرضها رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم على اليهود، فأبوا أن يقبلوها» (4) . # وروى محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير قال: " نزلت في نصارى ~~نجران، وذلك أنهم قالوا: إنما نعظم المسيح، نعبده حبا لله، وتعظيما له، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية ردا ms79 عليهم" (5) . # وبالجملة: من تلبس بالمعاصي لا ينبغي له أن يدعي محبة الله، وما أحسن قول ~~القائل: PageV01P127 # تعصي الإله وأنت تظهر حبه ... هذا لعمري (1) في القياس بديع # لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع ### | [الرابعة والسبعون تمنيهم على الله تعالى الأماني الكاذبة] # الرابعة والسبعون تمنيهم على الله تعالى الأماني الكاذبة قال تعالى في ~~سورة " آل عمران " [23 - 24] : {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ~~يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون - ذلك ~~بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا ~~يفترون} [آل عمران: 23 - 24] # أخرج ابن إسحاق وجماعة عن ابن عباس قال: «دخل رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم بيت المدراس على جماعة من يهود، فدعاهم إلى الله تعالى، فقال ~~النعمان بن عمرو والحارث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟ فقال: " على ملة ~~إبراهيم ودينه "، قالا: " فإن إبراهيم كان يهوديا "، فقال لهما رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم: " فهلما إلى التوراة، فهي بيننا وبينكم، فأينا ~~عليه "، فأنزل الله تعالى هذه الآية» . # وفي البحر: «زنى رجل من اليهود بامرأة، ولم يكن بعد في ديننا الرجم، ~~فتحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تخفيفا على الزانيين ~~لشرفهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إنما أحكم بكتابكم "، ~~فأنكروا الرجم، فجيء بالتوراة، فوضع حبرهم ابن صوريا يده على آية الرجم، ~~فقال عبد الله بن سلام: جاوزها يا رسول الله، فأظهرها، فرجما، فغضبت ~~اليهود، فنزلت» (2) . PageV01P128 # ومعنى قوله: {ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات} [آل ~~عمران: 24] أي: المذكور من التولي والإعراض حاصل لهم بسبب هذا القول الذي ~~رسخ اعتقاهم به، وهونوا به الخطوب، ولم يبالوا معه بارتكاب المعاصي ~~والذنوب. # والمراد بالأيام المعدودات: أيام عبادتهم العجل. # {وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون} [آل عمران: 24] أي: غرهم افتراؤهم ~~وكذبهم، أو الذي كانوا يفترونه من قولهم: {لن تمسنا النار} [آل عمران: 24] ~~أو من قولهم: {نحن ms80 أبناء الله وأحباؤه} [المائدة: 18] # PageV01P129 # ، أو مما يشمل ذلك ونحوه من قولهم: إن آباءنا الأنبياء يشفعون لنا، وإن ~~الله تعالى وعد يعقوب أن لا يعذب أبناءه إلا تحلة القسم. # فرد عليهم سبحانه بقوله: {فكيف إذا جمعناهم} [آل عمران: 25] إلخ. # روي أن أول راية ترفع لأهل الموقف من رايات الكفار راية اليهود، فيفضحهم ~~الله تعالى على رؤوس الأشهاد، ثم يأمر بهم إلى النار. # وهكذا رأينا كثيرا من أهل زماننا يفعلون ما يفعلون من المنكرات، اعتمادا ~~على الشفاعة، أو على علو الحسب وشرف النسب، والله المستعان. # وفي سورة " البقرة " [80 - 82] : {وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما ~~معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما ~~لا تعلمون - بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون - والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} ~~[البقرة: 80 - 82] # PageV01P130 ### | الخامسة والسبعون اتخاذ قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد # الخامسة والسبعون اتخاذ قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد هذه المسألة من ~~خصال الكتابيين أيام جاهليتهم. # وفي ذلك ورد الحديث الصحيح: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد» (1) ثم قال: «فلا تتخذوها مساجد» (2) . # وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ~~«قاتل الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (3) . # وفي لفظ لمسلم: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ~~(4) . # وفي الصحيحين عن عائشة وابن عباس قالا (5) «لما نزل برسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم طفق يطرح خميصة على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، ~~فقال - وهو كذلك -: " لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم ~~مساجد» ، يحذر ما صنعوا " (6) . # وفي الصحيحين - أيضا - عن عائشة «أن أم سلمة وأم حبيبة ذكرتا لرسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم كنيسة رأينها بأرض الحبشة يقال لها: " مارية "، ~~وذكرتا من حسنها وتصاوير PageV01P131 # فيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " أولئك قوم إذا مات فيهم ~~العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا، ms81 وصوروا فيه تلك الصور، ~~أولئك شرار الخلق عند الله» (1) . # وعن ابن عباس قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زائرات القبور ~~والمتخذين عليها المساجد والسرج» ، رواه أهل السنن الأربعة (2) . ~~PageV01P132 # فهذا التحذير منه، واللعن عن مشابهة أهل الكتاب في بناء المسجد على قبر ~~الرجل الصالح صريح في النهي عن المشابهة. # وفي هذا دليل على الحذر عن جنس أعمالهم، حيث لا يؤمن في سائر أعمالهم أن ~~يكون من هذا الجنس. # ثم من المعلوم ما قد ابتلي به كثير من هذه الأمة من بناء القبور مساجد، ~~واتخاذ القبور مساجد بلا بناء، وكلا الأمرين محرم، معلون فاعله بالمستفيض ~~من السنة، وليس هذا موضع استقصاء ما في ذلك من سائر الأحاديث والآثار، ~~ولهذا كان السلف يبالغون في المنع. # PageV01P133 ### | السادسة والسبعون اتخاذ آثار أنبيائهم مساجد # السادسة والسبعون اتخاذ آثار أنبيائهم مساجد كما ورد عن عمر رضي الله عنه ~~فإن هذه المسألة من بدع جاهلية الكتابيين، كانوا يتخذون آثار أنبيائهم ~~مساجد، فورثهم الجاهلون من هذه الأمة، فتراهم يبنون على موضع اختفى به ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو وصل قدمه المبارك، أو تعبد فيه، فهذا ~~ليس يحمد في الشريعة؛ لجره إلى الغلو. # وفي العراق مواضع كثيرة بنوا عليها مباني كالمقام الذي زعموا أن الشيخ ~~الكيلاني تعبد فيه، وكأثر الكف الذي زعم الشيعة أنه أثر كف الإمام علي لما ~~وضعه على الصخرة فأثر فيها، فبنوا عليها مسجدا، وكعدة أماكن زعموا أن الخضر ~~رئي فيها، ولا أصل له، إلى غير ذلك مما لا يستوعبه المقام. # فينبغي لمن يدعي الإسلام أن يتجنبها، وينهى عن حضورها، وإن رمي بالإنكار، ~~وعداوة الأشرار، وكيد المارقين الفجار. # وفي المسألة تفصيل لا بأس بذكره: # قال شيخ الإسلام: " أما مقامات الأنبياء والصالحين - وهي الأمكنة التي ~~قاموا فيها أو أقاموا، أو عبدوا الله سبحانه - لكنهم لم يتخذوها مساجد - ~~فالذي بلغني في ذلك قولان عن العلماء مشهورين: # أحدهما: النهي عن ذلك، وكراهته، وأنه لا يستحب قصد بقعة للعبادة إلا أن ~~يكون قصدها للعبادة مما جاء ms82 به الشرع، مثل أن يكون النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قصدها للعبادة كما قصد الصلاة في مقام إبراهيم، وكما كان يتحرى ~~الصلاة عند الأسطوانة، وكما تقصد المساجد للصلاة، ويقصد الصف الأول، ونحو ~~ذلك. # PageV01P134 # القول الثاني: أنه لا بأس باليسير من ذلك، كما نقل عن ابن عمر أنه كان ~~يتحرى قصد المواضع التي سلكها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإن كان ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم سلكها اتفاقا لا قصدا. # وسئل الإمام أحمد عن الرجل يأتي هذه المشاهد، ويذهب إليها، ترى ذلك؟ قال: ~~أما على حديث ابن أم مكتوم أنه سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يصلي ~~في بيته حتى يتخذ ذلك مصلى (1) وعلى ما كان يفعله ابن عمر، يتتبع مواضع ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأثره، فليس بذلك بأس أن يأتي الرجل ~~المشاهد، إلا أن الناس قد أفرطوا في هذا جدا، وأكثروا فيه. # وكذلك نقل عنه أحمد بن القاسم أنه سئل عن الرجل يأتي هذه المشاهد التي ~~بالمدينة وغيرها يذهب إليها؟ فقال: أما على حديث ابن أم مكتوم أنه سأل ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يأتيه، فيصلي في بيته، حتى يتخذه مسجدا، ~~وعلى ما كان يفعل ابن عمر، «كان يتتبع مواضع سير النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم، حتى إنه رئي يصب في موضع ماء، فسئل عن ذلك، فقال: " رأيت النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم يصب هاهنا ماء» (2) قال: أما على هذا فلا بأس به. قال: ~~ورخص فيه، ثم قال: ولكن قد أفرط الناس جدا، وأكثروا في هذا المعنى، فذكر ~~قبر الحسين وما يفعل الناس عنده. رواهما الخلال في كتاب الأدب. # فقد فصل أبو عبد الله في المشاهد - وهي الأمكنة التي فيها آثار الأنبياء ~~والصالحين من غير أن تكون مساجد لهم كمواضع بالمدينة - بين القليل الذي لا ~~يتخذونه عيدا، أو الكثير الذي يتخذونه عيدا كما تقدم. # وهذا التفصيل جمع فيه بين الآثار وأقوال الصحابة: # فإنه قد روى البخاري في صحيحه «عن ms83 موسى بن عقبة قال: " رأيت سالم بن ~~PageV01P135 # عبد الله يتحرى أماكن من الطريق، ويصلي فيها، ويحدث أن أباه كان يصلي ~~فيها، وأنه رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي في تلك الأمكنة» (1) . # فهذا كما رخص الإمام أحمد. # وأما كراهته، فقد روى سعيد بن منصور في سننه قال: حدثنا أبو معاوية قال: ~~«حدثنا الأعمش عن المعرور بن سويد عن عمر قال: خرجنا معه في حجة حجها، فقرأ ~~بنا في الفجر ب {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل} [الفيل: 1] و {لإيلاف ~~قريش} [قريش: 1] في الثانية، فلما رجع من حجته رأى الناس ابتدروا المسجد، ~~فقال: ما هذا؟ فقالوا: مسجد صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه، ~~فقال: " هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم، اتخذوا آثار أنبيائهم بيعا، من عرضت له ~~منكم الصلاة فيه فليصل، ومن لم تعرض له الصلاة فليمض» (2) . # فقد كره عمر اتخاذ مصلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عيدا، وبين أن أهل ~~الكتاب إنما هلكوا بمثل هذا، كانوا يتبعون آثار أنبيائهم، ويتخذونها كنائس ~~وبيعا. # وروى محمد بن وضاح وغيره: " أن عمر بن الخطاب أمر بقطع الشجرة التي بويع ~~تحتها النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن الناس كانوا يذهبون تحتها، فخاف ~~عمر الفتنة عليه " (3) . # وما ذكره عمر هو الحري بالقبول، وهو مذهب جمهور الصحابة، غير ابنه (4) ~~وهو الذي يجب العمل به، ويعول عليه. PageV01P136 ### | [السابعة والسبعون اتخاذ السرج على القبور] # السابعة والسبعون اتخاذ السرج على القبور دليل حرمة ذلك ما ورد عن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم من الحديث الذي سبق ذكره من لعن من يفعل ذلك ~~(1) . # وليتك رأيت ما يوقد في ترب أئمة أهل البيت ونحوها من الشموع، ولا سيما في ~~ليالي رمضان والليالي المباركة، {وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} [الكهف: ~~104] ### | الثامنة والسبعون اتخاذ القبور أعيادا # الثامنة والسبعون اتخاذها أعيادا اعلم أن العيد اسم لما يعود من الاجتماع ~~العام على وجه معتاد عائدا ما تعود السنة أو يعود الأسبوع أو الشهر أو نحو ~~ذلك، فالعيد ms84 يجمع أمورا. # منها: يوم عائد كيوم الفطر، ويوم الجمعة. # ومنها: اجتماع فيه. # ومنها: أعمال تجمع ذلك من العبادات أو العادات. # وقد يختص العيد بمكان بعينه، وقد يكون مطلقا. # هؤلاء مسلمو أهل العراق، لكل تربة ولي يوم مخصوص يجتمعون فيه للزيارة ~~كزيارة الغدير، ومرد الرأس. # ومنهم من خص له يوم من أيام الأسبوع، فالجمعة لفلان، والسبت لفلان، ~~والثلاثاء لفلان، وهكذا. PageV01P137 # ومن ذلك بعض الأيام والليالي المباركة كليلة القدر، وأيام الأعياد، وليلة ~~النصف من شعبان (1) وغير ذلك، كل ذلك مما لم ينزل الله به من سلطان، ومن ~~مكايد الشيطان. ### | التاسعة والسبعون الذبح عند القبور # التاسعة والسبعون الذبح عند القبور قال الله تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ~~ومحياي ومماتي لله رب العالمين - لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} ~~[الأنعام: 162 - 163] الأنعام: [162 - 163] . # أمره الله تعالى أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله، ويذبحون له، ~~أي: أنه أخلص لله صلاته وذبيحته؛ لأن المشركين يعبدون الأصنام ويذبحون لها، ~~فأمره الله تعالى بمخالفتهم، والانحراف عما هم فيه، والانقياد بالقصد ~~والنية والعزم على الإخلاص لله تعالى، فمن تقرب لغير الله تعالى ليدفع عنه ~~ضيرا، أو يجلب له خيرا، تعظيما له، من الكفر الاعتقادي والشرك الذي كان ~~عليه الأولون. # وسبب مشروعية التسمية تخصيص مثل هذه الأمور العظام بالإله الحق المعبود ~~العلام، فإذا قصد بالذبح غيره كان أولى بالمنع. # «وصح نهيه صلى الله عليه وآله وسلم عمن استأذنه بالذبح ببوانة، وأنه قد ~~نذر ذلك، فقال له صلى الله عليه وآله وسلم: " أكان فيها صنم؟ "، قال: " لا ~~"، قال: " فهل كان فيها عيد من أعياد المشركين؟ "، قال: " لا "، قال: " ~~فأوف بنذرك» . أخرج ذلك أبو داود في سننه (2) . PageV01P138 # وهذا السائل موحد مقرب لله سبحانه وتعالى وحده، لكن المكان الذي فيه ~~معبود غير الله، وقد عدم، أو محل لاجتماعهم يصلح مانعا، فلما علم النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم أن ليس هناك شيء من ذلك أجازه، ولو علم شيئا مما سأل ~~عنه لمنعه؛ صيانة لحمى التوحيد، وقطعا لذريعة الشرك. # وصح - أيضا ms85 - عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «دخل الجنة رجل في ~~ذباب، ودخل النار رجل في ذباب "، قالوا: " كيف ذلك يا رسول الله؟! " قال: " ~~مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجاوزه أحد حتى يقرب له شيئا، قالوا له: قرب ~~ولو ذبابا، فقرب ذبابا، فخلوا سبيله، فدخل النار، وقالوا للآخر: قرب، قال: ~~ما كنت أقرب شيئا لأحد دون الله عز وجل، فضربوا عنقه، فدخل الجنة» . # ففي هذا الحديث من الفوائد: كون المقرب دخل النار بالسبب الذي لم يقصده، ~~بل فعله تخلصا من شرهم، وأنه كان مسلما، وإلا لم يقل: دخل النار. # وفيه ما ينبغي الاهتمام به من أعمال القلوب، التي هي المقصود الأعظم ~~والركن الأكبر. # فتأمل في ذلك، وانظر إلى فؤادك في جميع ما قالوه، وألق سمعك لما ذكروه، ~~وانظر الحق، فإن الحق أبلج، والباطل لجلج، فبالنظر التام إلى ما كان عليه ~~المشركون من تقربهم لأوثانهم؛ لتقربهم إلى الله؛ لكونهم شفعاء لهم عند ~~الله، وشفاعتهم بسبب أنهم رسل الله أو ملائكة الله أو أولياء الله، يتبين ~~لك ما عليه الناس الآن، والله المستعان. # PageV01P139 ### | [الثمانون التبرك بآثار المعظمين كدار الندوة] # الثمانون التبرك بآثار المعظمين كدار الندوة (1) وافتخار من كانت تحت يده ~~بذلك # كما قيل لحكيم بن حزام: بعت مكرمة قريش؟! فقال: «ذهبت المكارم إلا ~~التقوى» (2) . # هذه الخصلة قد امتدت عروق ضلالها في أودية قلوب جهلة المسلمين، وزادوا في ~~الغلو بها على ما كان عليه جاهلية العرب والكتابيين. # ولا بدع من حكيم بن حزام القريشي الأسدي إذا ما رد على من قال له: بعت ~~مكرمة قريش؟ وقد باعها من معاوية بمائة ألف درهم: " ذهبت المكارم إلا ~~التقوى ". # كيف لا وقد كان عاقلا سريا، فاضلا تقيا، سيدا بماله غنيا، أعتق في ~~الجاهلية مائة رقبة، وحمل على مائة بعير، وحج في الإسلام ومعه مائة بدنة قد ~~جللها بالحبرة، وكفها عن أعجازها، وأهداها، ووقف بمائة وصيف بعرفة في ~~أعناقهم أطواق الفضة منقوش فيها: " عتقاء الله عن حكيم بن حزام "، وأهدى ~~ألف شاة، وهو الذي ms86 عاش في الجاهلية ستين سنة، وفي الإسلام ستين سنة، وولد ~~في الكعبة. PageV01P140 ### | الفخز بالأحساب والاستسقاء بالأنواء والطعن في الأنساب والنياحة # الحادية والثمانون الفخز بالأحساب الثانية والثمانون الاستسقاء بالأنواء ~~الثالثة والثمانون الطعن في الأنساب الرابعة والثمانون النياحة أقول: هذه ~~المسائل الأربع دليل بطلانها حديث واحد، وهو ما رواه البخاري ومسلم، واللفظ ~~لمسلم، بسنده إلى أبي مالك الأشعري: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ~~(1) «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن ~~في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، [والنياحة] "، و [قال: "] النابحة - أو ~~قال: النائحة - إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من ~~قطران، ودرع من جرب» (2) . # الفخر في الأحساب: افتخارهم بمفاخر الآباء. # والطعن في الأنساب: إدخالهم العيب في أنساب الناس؛ تحقيرا لآبائهم، ~~وتفضيلا لآباء أنفسهم على آباء غيرهم. PageV01P141 # والاستسقاء بالنجوم: اعتقادهم نزول المطر بسقوط نجم في المغرب مع الفجر، ~~وطلوع آخر يقابله من المشرق، فقد كانوا يقولون: مطرنا بنوء كذا، وقال ~~تعالى: {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} [الواقعة: 82] # وهذا مفصل في كتب الأنواء بما لا مزيد عليه. # ومعنى قوله في النائحة: " وعليها سربال من قطران ": أن الله تعالى ~~يجازيها بلباس من قطران؛ لأنها كانت تلبس الثياب السود. # وقوله: " درع من جرب " يعني: يسلط على أعضائها الجرب والحكة، حيث يغطي ~~بدنها تغطية الدرع - وهو القميص -؛ لأنها كانت تجرح بكلماتها المحرقة قلوب ~~ذوي المصيبات. # فهذا الحديث دل على بطلان ما كان عليه أهل الجاهلية من هذه الخصال ~~الرديئة. # ووراثهم (1) اليوم من هذه الأمة تجاوزوا فيها أسلافهم، وزادوا في الطنبور ~~نغمات، فتراهم يفتخرون بمزايا آبائهم وهم بمراحل عنهم، فهذا يقول: كان جدي ~~الشيخ الفلاني، وهذا يقول: جدي العالم الرباني، إلى غير ذلك. # وكذلك الطعن في الأنساب، فهذا يقول: إن آباء فلان لم يكونوا من العترة ~~الطاهرة. # وكذلك الاستسقاء بالأنواء، ولم يعتقد كثير من الناس أن ما كان من فعل رب ~~الأرض والسماء. # وهكذا النوح على الأموات، فقد اتخذه كثير من الناس من أفضل الأعمال، وسبب ~~الوصول إلى مرضاة ms87 ذي الجلال، لا سيما من اتخذ المآتم الحسينية في كل عام، ~~فهناك من البدع ما تكل عن نقله ألسنة الأقلام، والويل كل الويل لمن أنكر ~~شيئا من ذلك، فإنهم يوردونه موارد العطب والمهالك، والأمر لله، ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله. PageV01P142 ### | الخامسة والثمانون تعيير الرجل بفعل غيره لا سيما أبوه وأمه # الخامسة والثمانون تعيير الرجل بفعل غيره، لا سيما أبوه وأمه فخالفهم صلى ~~الله عليه وآله وسلم، وقال: «أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية» . # والحديث في صحيح الإمام البخاري في باب " المعاصي من أمر الجاهلية، ولا ~~يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ~~«إنك امرؤ فيك جاهلية» ، وقول الله تعالى في سورة " النساء " [48] : {إن ~~الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48] # وهذا الباب في كتاب الإيمان من صحيحه، ثم قال: «حدثنا سليمان بن حرب، ~~قال: حدثنا شعبة عن واصل عن المعرور، قال: لقيت أبا ذر بالربذة (1) وعليه ~~حلة وعلى غلامه حلة، فسألته عن ذلك، فقال: " إني ساببت رجلا، فعيرته بأمه، ~~فقال لي النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " يا أبا ذر، أعيرته بأمه؟! إنك ~~امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خولكم، جعلهم الله [تعالى] تحت أيديكم، فمن كان ~~أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، ~~فإن كلفتموهم فأعينوهم» (2) . # وقد أطنب شراح الحديث في شرحه، وليس هذا موضع استقصائه، والمقصود منه أن ~~تعيير الرجل بفعل غيره ليس من شأن كامل الإيمان والمعرفة، «فإن أبا ذر رضي ~~الله تعالى عنه قبل بلوغه المرتبة القصوى من المعرفة تساب هو وبلال الحبشي ~~المؤذن، فقال له: " يا ابن السوداء "، فلما شكا بلال إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال له: " شتمت بلالا، وعيرته بسواد أمه؟! "، قال: " ~~نعم "، قال: " حسبت أنه بقي فيك شيء من كبر الجاهلية "، فألقى أبو ذر خده ~~على التراب، ثم قال: " لا أرفع خدي حتى يطأ بلال خدي بقدمه» . # والناس اليوم - والأمر لله - قد كثرت ms88 فيهم خصال الجاهلية، فتراهم يعيرون ~~أهل البلد كلهم بما صدر عن واحد منهم، فأين ذلك من خصال الجاهلية؟! ~~PageV01P143 ### | السادسة والثمانون الافتخار بولاية البيت # السادسة والثمانون الافتخار بولاية البيت فذمهم الله تعالى بقوله: ~~{مستكبرين به سامرا تهجرون} [المؤمنون: 67] # وهذه الآية في سورة المؤمنين، وهي بتمامها قوله تعالى: {قد كانت آياتي ~~تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون - مستكبرين به سامرا تهجرون} ~~[المؤمنون: 66 - 67] # ومعنى الآية على ما في التفسير: # {قد كانت آياتي تتلى عليكم} [المؤمنون: 66] تعليل لقوله قبل: {لا تجأروا ~~اليوم إنكم منا لا تنصرون} [المؤمنون: 65] أي: دعوا الصراخ، فإنه لا يمنعكم ~~منا، ولا ينفعكم عندنا، فقد ارتكبتم أمرا عظيما، وإثما كبيرا، وهو التكذيب ~~بالآيات، فلا يدفعه الصراخ، فكنتم عند تلاوتها: {على أعقابكم تنكصون} ~~[المؤمنون: 66] أي: معرضون عن سماعها أشد الإعراض، فضلا عن تصديقها والعمل ~~بها، والنكوص: الرجوع، والأعقاب: جمع عقب وهو مؤخر الرجل، ورجوع الشخص على ~~عقبه: رجوعه في طريق الأول كما يقال: رجع عوده على بدئه. # {مستكبرين به} [المؤمنون: 67] أي: بالبيت الحرام، والباء للسببية وسوغ ~~بهذا الإضمار، مع أنه لم يجر ذكر اشتهار استبكارهم، وافتخارهم بأنهم خدام ~~البيت وقوامه. # {سامرا} [المؤمنون: 67] أي: تسرون بذكر القرآن، والطعن فيه، وذلك أنهم ~~كانوا يجتمعون حول البيت يسمرون، وكانت عامة سمرهم ذكر القرآن، وتسميته ~~سحرا أو شعرا. # و {تهجرون} [المؤمنون: 67] من الهجر - فتح فسكون - بمعنى القطع والترك، ~~والجملة في موضع الحال، أي: تاركين الحق والقرآن أو النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم على تقدير عود الضمير (به) له، وجاء الهجر بمعنى الهذيان، وجوز ~~أن يكون المعنى عليه، أي: تهذون في شأن القرآن أو النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أو أصحابه، أو ما يعم جميع ذلك، ويجوز أن يكون من الهجر - بضم فسكون - ~~وهو الكلام القبيح. # PageV01P144 # فأنكر الله تعالى عليهم بقوله: {أفلم يدبروا القول} [المؤمنون: 68] ~~ليعلموا - بما فيه من وجوه الإعجاز - أنه الحق من ربهم، فيؤمنوا به {أم ~~جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين} [المؤمنون: 68] أي: بل جاءهم. . إلخ. # والمقصود أن من خصال الجاهلية ms89 التكبر بسبب الرئاسة على المواضع المقدسة، ~~كما هو - اليوم - حال كثير ممن يدعي الشرف بسبب ذلك، فمنهم من ادعى الشرف ~~على المسلمين بسبب رئاسته على مكة والمدينة، ومنهم من ادعاه بسبب الرئاسة ~~في المشاهد أو مقامات الصالحين، وهؤلاء الذين يدعون انتسابهم إلى عبد ~~القادر الجيلي في بغداد يدعون الشرف بسبب رئاستهم على قبر عبد القادر، ~~واستيلائهم على النذور والصدقات والذبائح والقرابين الشركية، التي يتعبدها ~~جهلة المسلمين من الهنود والأكراد ونحوهم، وهم أفسق خلق الله، وأدنؤهم ~~نفسا، وأرذل خلق الله مسلكا، فما يفيدهم ذلك عند الله شيئا، وما ينجيهم من ~~مقت الله وعذابه، وإن ظن بهم العوام ما ظنوا، فهم عند الله وعند عباده ~~الصالحين أحقر من الذر، وأبعد عن رحمته يوم القيامة. ### | السابعة والثمانون الافتخار بكونهم من ذرية الأنبياء عليهم السلام # السابعة والثمانون الافتخار بكونهم من ذرية الأنبياء عليهم السلام فرد ~~الله عليهم بقوله: {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون ~~عما كانوا يعملون} [البقرة: 141] # هذه الآية في آخر الجزء الأول من سورة " البقرة " وتفسيرها: # {تلك أمة قد خلت} [البقرة: 141] الإشارة إلى إبراهيم عليه السلام وأولاده ~~في قوله: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في ~~الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين} [البقرة: 130] إلخ. # والأمة أتت لمعان، والمراد بها - هنا - الجماعة، من " أم " بمعنى قصد، ~~وسميت # PageV01P145 # كل جماعة يجمعهم أمر ما: إما دين واحد، أو زمان واحد، أو مكان بذلك؛ ~~لأنهم يؤم بعضهم بعضا، ويقصده. # والخلو: المضي، وأصله الانفراد. # {لها ما كسبت ولكم ما كسبتم} [البقرة: 141] والمعنى: أن انتسابكم إليهم ~~لا يوجب انتفاعكم بأعمالهم، وإنما تنتفعون بموافقتهم واتباعهم، كما قال صلى ~~الله عليه وآله وسلم: «يا معشر قريش إن أولى الناس بالنبي: المتقون، فكونوا ~~بسبيل من ذلك فانظروا أن لا يلقاني الناس يحملون الأعمال، وتلقوني بالدنيا، ~~فأصد عنكم بوجهي» . # وهذا الحديث بمعنى قوله تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ~~وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} ms90 [الحجرات: 13] # ومعنى قوله: {ولا تسألون عما كانوا يعملون} [البقرة: 141] لا تؤاخذون ~~بسيئاتهم، كما لا تثابون بحسناتهم. # وهذه الخصلة موجودة اليوم في كثير من المسلمين، ورأس مالهم الافتخار ~~بالآباء، فمنهم من يقول: أنا من ذرية عبد القادر الكيلاني، ومنهم من يقول: ~~أنا من ذرية أحمد الرفاعي، ومنهم من يقول: أنا بكري، ومنهم من يقول: أنا ~~عمري، ومنهم من يقول: أنا علوي أو حسني أو حسيني، ولا فضيلة لهم ولا تقوى، ~~وكل ذلك لا ينفعهم {يوم لا ينفع مال ولا بنون - إلا من أتى الله بقلب سليم} ~~[الشعراء: 88 - 89] ورسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول لفاطمة: «يا فاطمة ~~بنت محمد، لا أغني عنك من الله شيئا» (1) . # وما قصد أولئك المفتخرين بآبائهم - وهم عارون عن كل فضيلة - إلا أكل ~~أموال الناس بالباطل، وفي المثل: " كن عصاميا، ولا تكن عظاميا ". ~~PageV01P146 # إن الفتى من يقول ها أنا ذا ... ليس الفتى من يقول كان أبي # ولله در من قال يرد على المفتخر بذلك: # أقول لمن غدا في كل يوم ... يباهينا بأسلاف عظام # أتقنع بالعظام وأنت تدري ... بأن الكلب يقنع بالعظام # وقال آخر: # وما الفخر بالعظم الرميم وإنما ... فخار الذي يبغي الفخار بنفسه ### | الثامنة والثمانون الافتخار بالصنائع # الثامنة والثمانون الافتخار بالصنائع كما افتخر أهل الرحلتين على أهل ~~الحرث يريد بالرحلتين: رحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى الشام، وهي ~~عادة كانت لقريش، كما ذكر في سورة الإيلاف. # والمقصود أنه لا ينبغي للتاجر أن يفتخر بتجارته على أهل الحرث، ولا أهل ~~كل حرفة على المحترفين بحرفة أخرى، فإن كل ذلك من المكاسب الدنيوية التي ~~يتوصل بها إلى عبادة الله، وطاعته، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ليتوصل ~~بذلك إلى النجاة الأبدية، وهي مدار الفخر. # وأما ما سوى ذلك فكله ظل زائل ونعيم غير مقيم، فلا ينبغي للعاقل أن يفخر ~~بزخارف الدنيا الدنيئة، ولا يعلم متى يفارقها. # نسأله تعالى التوفيق، والعمل الصالح الذي يرضيه. # PageV01P147 ### | التاسعة والثمانون عظمة الدنيا في قلوبهم # التاسعة والثمانون عظمة الدنيا في قلوبهم كقولهم: {لولا نزل هذا ms91 القرآن ~~على رجل من القريتين عظيم} [الزخرف: 31] # أي: من خصال الجاهلية مراعاة الدنيا، وعظمتها في قلوبهم، كما حكى الله ~~عنهم ذلك بقوله: {ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون - وقالوا ~~لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم - أهم يقسمون رحمت ربك نحن ~~قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ ~~بعضهم بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون} [الزخرف: 30 - 32] # هذه الآية في سورة " الزخرف "، وموضع الاستشهاد فيها قوله: {وقالوا لولا ~~نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} [الزخرف: 31] # المراد من القريتين: مكة والطائف. # قال ابن عباس: " الذي من مكة: الوليد بن المغيرة المخزومي، والذي من ~~الطائف: حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي، وكل منهما كان عظيما، ذا جاه ومال، ~~وكان الوليد بن المغيرة يسمى " ريحانة قريش "، وكان يقول: لو كان ما يقول ~~محمد حقا لنزل علي أو على أبي مسعود، يعني عروة بن مسعود، وكان يكنى بذلك " ~~(1) . # وهذا باب آخر من إنكارهم للنبوة، وذلك أنهم أنكروا أولا أن يكون النبي ~~بشرا، ثم لما بكتوا بتكرير الحجج، ولم يبق عندهم تصور رواج لذلك، جاؤوا ~~بالإنكار من وجه آخر، فحكموا على الله سبحانه أن يكون الرسول أحد هذين. # وقولهم: {نزل هذا} [الزخرف: 31] ذكر له على وجه الاستهانة؛ لأنهم لم ~~يقولوا هذه المقالة PageV01P148 # تسليما، بل إنكارا، كأنه قيل: هذا الكذب الذي يدعيه لو كان حقا لكان ~~الحقيق به رجل من القريتين عظيم. # وهذا منهم لجهلهم بأن رتبة الرسالة إنما تستدعي عظيم النفس بالتخلي عن ~~الرذائل الدنية، والتحلي بالكمالات والفضائل القدسية، دون التزخرف بالزخارف ~~الدنيوية. # فأنكر سبحانه عليهم بقوله: {أهم يقسمون رحمت ربك} [الزخرف: 32] وفيه ~~تجهيل وتعجيب من تحكمهم بنزول القرآن العظيم على من أرادوا. # {نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا} [الزخرف: 32] قسمة تقتضيها ~~مشيئتنا المبنية على الحكم والمصالح، ولم نفوض أمرها إليهم، علما منا ~~بعجزهم عن تدبيرها بالكلية. # {ورفعنا بعضهم فوق بعض} [الزخرف: 32] في الرزق وسائر مبادئ العيش. # {درجات} [الزخرف: 32] متفاوتة بحسب ms92 القرب والبعد حسبما تقتضيه الحكمة، ~~فمن ضعيف وقوي، وغني وفقير، وخادم ومخدوم، وحاكم ومحكوم. # {ليتخذ بعضهم بعضا سخريا} [الزخرف: 32] ليستعمل بعضهم بعضا في مصالحهم، ~~ويستخدموهم في مهنهم، ويسخروهم في أشغالهم، حتى يتعايشوا، ويترافدوا، ~~ويصلوا إلى مرافقهم، لا لكمال في الموسع عليه، ولا لنقص في المقتر عليه، ~~ولو فوضنا ذلك إلى تدبيرهم لضاعوا وهلكوا، فإذا كانوا في تدبير خويصة ~~أمرهم، وما يصلحهم من متاع الدنيا الدنية وهو على طرف الثمام (1) بهذه ~~الحالة، فما ظنهم بأنفسهم في تدبير أنفسهم، وفي تدبير أمر الدين، وهو أبعد ~~من مناط العيوق، ومن أين لهم البحث في أمر النبوة، والتخير لها من يصلح ~~لها، ويقوم بأمرها. # وفي قوله تعالى: {نحن قسمنا} [الزخرف: 32] إلخ ما يزهد في الانكباب على ~~طلب الدنيا، ويعين على التوكل على الله عز وجل، والانقطاع إليه جل جلاله. ~~PageV01P149 # فاعتبر " نحن قسمنا بينهم " ... تلقه حقا وبالحق نزل # {ورحمت ربك خير مما يجمعون} [الزخرف: 32] أي: النبوة وما يتبعها من سعادة ~~الدارين خير مما يجمعونه من حطام الدنيا الدنية، فالعظيم من رزق تلك الرحمة ~~دون ذلك الحطام الدنيء الفاني. # وأنت تعلم أن كثيرا من الناس اليوم على ما كان عليه أهل الجاهلية في هذه ~~الخصلة، فتراهم لا يعتبرون العلم إذا كان صاحبه فقير الحال، وينظرون إلى ~~الغني، ويعتبرون أقواله. # ولله در من قال: # رب حلم أضاعه عدم الما ... ل وجهل غطى عليه النعيم ### | التسعون ازدراء الفقراء # التسعون ازدراء الفقراء فأنزل سبحانه قوله: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم ~~بالغداة والعشي يريدون وجهه} [الأنعام: 52] # أقول: هذه الآية في أوائل سورة " الأنعام "، وبيان معناها يتعلق بما ~~قبلها، وهو قوله تعالى: {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم ~~من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون - ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء ~~فتطردهم فتكون من الظالمين} [الأنعام: 51 - 52] # فلما أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإنذار المذكورين لعلهم ينتظمون ~~في سلك المتقين ms93 نهي عن كون ذلك بحيث يؤدي إلى طردهم. # ويفهم من بعض الروايات أن الآيتين نزلتا معا، ولا يفهم ذلك من البعض ~~الآخر. # PageV01P150 # فقد أخرج الإمام أحمد والطبراني (1) وغيرهما عن ابن مسعود رضي الله عنه ~~قال: «مر الملأ من قريش على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعنده صهيب ~~وعمار وبلال وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد، رضيت هؤلاء ~~من قومك! {أهؤلاء من الله عليهم من بيننا} [الأنعام: 53] أنحن نكون تبعا ~~لهؤلاء؟! اطردهم عنك، فلعلك إن طردتهم أن نتبعك. فأنزل الله تعالى فيهم ~~القرآن: {وأنذر به} [الأنعام: 51] إلى قوله سبحانه: {فتكون من الظالمين} ~~[الأنعام: 52] » . # وأخرج ابن جرير (2) وأبو الشيخ والبيهقي في " الدلائل " وغيرهم عن خباب ~~قال: «جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري، فوجدا النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قاعدا مع بلال وصهيب وعمار وخباب في أناس ضعفاء من ~~المؤمنين، فلما رأوهم حوله حقروهم، فأتوه، فخلوا به، فقالوا: نحب أن تجعل ~~لنا منك مجلسا تعرف لنا العرب به فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك، فنستحيي أن ~~ترانا قعودا مع هؤلاء الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا ~~فاقعد معهم إن شئت، قال: نعم، قالوا: فاكتب لنا عليك بذلك كتابا، فدعا ~~بالصحيفة، ودعا عليا ليكتب - ونحن قعود في ناحية - إذ نزل جبريل بهذه ~~الآية: {ولا تطرد الذين} [الأنعام: 52] إلخ، ثم دعانا، فأتيناه وهو يقول: ~~{سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة} [الأنعام: 54] فكنا نقعد معه، فإذا ~~أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزل الله تعالى: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ~~ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة ~~الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا} ~~[الكهف: 28] فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقعد معنا، فإذا بلغ ~~الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم» . # وأخرج ابن المنذر وغيره عن عكرمة قال: " مشى عتبة وشيبة ابنا ربيعة، ~~وقرظة بن عبد عمرو بن نوفل، والحارث بن عامر ms94 بن نوفل، ومطعم بن عدي في ~~أشراف الكفار من عبد مناف إلى أبي طالب، فقالوا: لو أن ابن أخيك طرد عنا ~~هؤلاء الأعبد PageV01P151 # والحلفاء كان أعظم له في صدورنا، وأطوع له عندنا، وأدنى لاتباعنا إياه ~~وتصديقه، فذكر ذلك أبو طالب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال عمر بن ~~الخطاب: لو فعلت يا رسول الله حتى ننظر ما يريدون بقولهم، وما يصيرون إليه ~~من أمرهم، فأنزل الله سبحانه: {وأنذر به الذين يخافون} [الأنعام: 51] إلى ~~قوله سبحانه: {أليس الله بأعلم بالشاكرين} [الأنعام: 53] وكانوا بلالا ~~وعمار بن ياسر وسالما مولى حذيفة وصبيحا مولى أسيد، والحلفاء: ابن مسعود ~~والمقداد بن عمرو وواقد بن عبد الله الحنظلي وعمرو بن عبد عمرو ومرثد بن ~~أبي مرثد وأشباههم، ونزل في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء: {وكذلك ~~فتنا بعضهم ببعض} [الأنعام: 53] فلما نزلت أقبل عمر فاعتذر من مقالته، ~~فأنزل الله تعالى: {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا} [الأنعام: 54] # وقوله: {ما عليك من حسابهم من شيء} [الأنعام: 52] جملة معترضة بين النهي ~~وجوابه، تقريرا له، ودفعا لما عسى أن يتوهم كونه مسوغا لطرد المتقين من ~~أقاويل الطاعنين في دينهم، كدأب قوم نوح حيث قالوا: {وما نراك اتبعك إلا ~~الذين هم أراذلنا بادي الرأي} [هود: 27] والمعنى: ما عليك شيء ما من حساب ~~إيمانهم وأعمالهم الباطنة، كما يقوله المشركون، حتى تتصدى له، وتبني على ~~ذلك ما تراه من الأحكام، وإنما وظيفتك - حسبما هو شأن منصب الرسالة - النظر ~~إلى ظواهر الأمور، وإجراء الأحكام على موجبها، وتفويض البواطن وحسابها إلى ~~اللطيف الخبير، وظواهر هؤلاء دعاء ربهم بالغداة والعشي. # وروي عن ابن زيد أن المعنى ما عليك من شيء من حساب رزقهم (1) أي: من ~~فقرهم، والمراد لا يضرك فقرهم شيئا ليصح لك الإقدام على ما أراده المشركون ~~منك فيهم. # وقوله: {وما من حسابك عليهم من شيء} [الأنعام: 52] عطف على ما قبله، وجيء ~~به - مع أن الجواب قد تم بذلك - مبالغة في بيان كون انتفاء حسابهم عليه ~~ينظمه في سلك ما لا شبهة فيه أصلا، ms95 وهو كون انتفاء حسابه صلى الله عليه ~~وآله وسلم عليهم، فهو على طريقة قوله سبحانه: PageV01P152 # {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} [الأعراف: 34] في رأي. # وقال الزمخشري: " إن الجملتين في معنى جملة واحدة يؤدي مؤدى {ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى} [الإسراء: 15] كأنه قيل: لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه، ~~وحينئذ لا بد من الجملتين (1) وتعقب بأنه غير حقيق بجلالة التنزيل " (2) . # وقوله: {فتكون من الظالمين} [الأنعام: 52] جواب للنهي. ### | الحادية والتسعون عدم الإيمان بملائكة الله وكتبه ورسله واليوم الآخر # الحادية والتسعون عدم الإيمان بملائكة الله وكتبه ورسله واليوم الآخر ~~والكلام على ذلك مفصل في التفسير وكتب الحديث والعقائد. # والآيات في ذلك كثيرة، منها قوله تعالى: {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا ~~قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير} [التغابن: 7] # ومن الشعر الجاهلي في إنكار البعث والنشور: # وماذا بالقليب قليب بدر ... من الشيزى تزين بالسنام # وماذا بالقليب قليب بدر ... من القينات والشرب الكرام # تحيينا السلامة أم بكر ... فهل لي بعد قومي من سلام # يحدثنا الرسول بأن سنحيا ... وكيف حياة أصداء وهام (3) # وقال آخر: # حياة ثم موت ثم نشر ... حديث خرافة يا أم عمرو PageV01P153 # ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: {أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما ~~أئنا لمبعوثون - أوآباؤنا الأولون} [الصافات: 16 - 17] # وقد تكلمنا على معتقدات الجاهلية وأديانهم في غير هذا الموضع (1) . ### | [الثانية والتسعون الإيمان بالجبت والطاغوت وتفضيل دين المشركين على دين المسلمين] # الثانية والتسعون الإيمان بالجبت والطاغوت، وتفضيل دين المشركين على دين ~~المسلمين قال تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون ~~بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا} ~~[النساء: 51] # وقد تقدم الكلام على ذلك مفصلا (2) . # والمقصود - هنا - أن جهلة الكتابيين كانوا يقولون للمشركين: أنتم أهدى من ~~المسلمين، وما عندكم خير مما عليه محمد وأصحابه. # وترى المتصوفة والغلاة اليوم على هذا المنهج، يقولون: إن دعاة أهل القبور ~~والغلاة خير ممن يمنع عن ذلك من أهل التوحيد وحفاظ السنة. ### | الثالثة والتسعون ms96 كتمان الحق مع العلم به # الثالثة والتسعون كتمان الحق مع العلم به كما حكى الله ذلك عن أحبار بني ~~إسرائيل من اليهود والنصارى، فقد كتموا ما ورد في كتبهم من البشائر ~~المحمدية، وهم يعلمون بورودها وذكرها في كتبهم. PageV01P154 # والكلام على هذا الباب مفصل في " الجواب الصحيح " (1) لشيخ الإسلام، ~~فعليك به، فإنه كتاب لم يؤلف مثله. ### | الرابعة والتسعون القول على الله بلا علم # الرابعة والتسعون القول على الله بلا علم وهو أساس كل فساد وأصل الضلال. # وأكثر الناس حظا من هذه الخصلة الجاهلية مبتدعة المتكلمين، فقد تكلموا في ~~الصفات الإلهية بما لم ينزل الله به من سلطان، وأولوا نصوص الشريعة بما ~~تهواه أنفسهم، كما فعله الرازي في كتابه: " أساس التقديس ". # وجزى الله شيخ الإسلام خيرا، فقد رد عليه، ونقض أساسه، وسجل ضلاله وجهله، ~~وضيق أنفاسه (2) {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} [البقرة: ~~251] ### | الخامسة والتسعون التناقض الواضح # الخامسة والتسعون التناقض الواضح قال تعالى: {بل كذبوا بالحق لما جاءهم ~~فهم في أمر مريج} [ق: 5] # وهكذا أهل البدع من الغلاة وغيرهم، يدعون الإسلام، ويعملون أعمالا تناقض ~~ما هم عليه من الدين. PageV01P155 ### | [العيافة والطرق والطيرة والكهانة والتحاكم إلى الطاغوت] # السادسة والتسعون، والسابعة والتسعون # والثامنة والتسعون، والتاسعة والتسعون، والمائة العيافة، والطرق، ~~والطيرة، والكهانة، والتحاكم إلى الطاغوت، ونحو ذلك: # وقد تكلمنا على هذه الأمور في كتابنا " بلوغ الأرب في أحوال العرب " (1) ~~بما لا مزيد عليه، وذكرنا هناك أوابدهم وخرافاتهم وسائر ضلالاتهم، وكل ذلك ~~من أعمال جهلة المسلمين اليوم، {وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} [الكهف: 104] ~~(2) . PageV01P156 # وغالب مسائل الأصل رؤوس مسائل في كتاب " اقتضاء الصراط المستقيم " ومن ~~أراد التفصيل فليرجع إليه. # وهذا آخر ما أردنا شرحه من المسائل التي أبطلها الإسلام، والحمد لله ولي ~~الإنعام، والصلاة والسلام على خير الأنام، ومصباح الظلام، وعلى آله وصحبه ~~ومن تبعهم بإحسان إلى قيام الساعة وساعة القيام. # وكان ذلك في اليوم الخامس من ذي الحجة الحرام، وهو يوم الخميس بعد الظهر ~~من سنة خمس وعشرين وثلاثمائة وألف من هجرة النبي عليه ms97 أفضل الصلاة وأكمل ~~السلام. ### | 5 - # ذي الحجة سنة 1325 ه. # وقد فرغت من كتابته صباح الجمعة في اليوم السابع والعشرين من شهر شعبان ~~سنة أربع وأربعين وثلاثمائة وألف من هجرة خير الأنام - عليه الصلاة والسلام ~~- في بغداد دار السلام، في جامع الحيدرخانة، وأنا الفقير إليه - عز شأنه - ~~عبد الكريم بن السيد عباس الشيخلي غفر الله لهما ولجميع المسلمين. ### | 27 - # شعبان سنة 1344. PageV01P157 ms98