######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0036091 #META# 000.BookURI :: NOAUTHOR #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: NOTGIVEN #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: مختصر التحفة الاثني عشرية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: العقيدة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0036091 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-36091 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/36091 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محب الدين الخطيب #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: المطبعة السلفية، القاهرة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1373 هـ #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | مقدمة المختصر السيد محمود شكري الآلوسي # الحمد لله الذي ثبت أركان الدين بأئمة أهل السنة وأعلامهم، وجعل خلفاء ~~نبيه أتباعه في الدنيا ويوم يدعى كل أناس بإمامهم. وسلك بهم مسلك السداد، ~~ومهد لهم طرق الهدى والرشاد. وعصمهم باتباع سنن رسوله - عليه الصلاة ~~والسلام - من الزيغ والضلال والشبه والأوهام. والصلاة والسلام على سيدنا ~~محمد صاحب الشريعة الغراء، الواضحة البيضاء. وعلى آله أئمة الدين، وصحابته ~~الهادين المهديين. # وبعد فيقول المفتقر إلى الله، الملتجئ إلى ركن فضله وعلاه. خادم العلوم ~~الدينية، في مدينة دار السلام المحمية. محمود شكري ابن السيد عبد الله ~~الحسيني الآلوسي البغدادي، كان الله تعالى له خير معين وأحسن هادي: # إن علماء الشيعة لم يزالوا قائمين على ساق المناظرة، واقفين في ميادين ~~المنافرة والمكابرة. مع كل قليل البضاعة، ممن ينتمى إلى مذاهب أهل السنة ~~والجماعة. لا سيما في الديار العراقية، وما والاها من ممالك الدولة العلية ~~العثمانية. حتى اغتر بشبههم من الجهلة الألوف، وانقاد لزمام دعواهم ممن لم ~~يكن له على معرفة الحق وقوف. فلما رأيت الأمر اتسع خرقه، والشر تعددت طرقه. ~~شمرت عن ساعد الجد والاجتهاد، في الذب عن مسلك ذوي الرشاد. ورأيت أن أؤلف ~~في هذا الباب، كتابا مشتملا على فصل الخطاب، به يتميز القشر عن اللبان، ~~ويتبين الخطأ من الصواب. # وقد ألف العالم العلامة والنحرير الفهامة الشيخ غلام محمد أسلمي الهندي، ~~تغمده الله تعالى بغفرانه الأبدى. ترجمة التحفة الاثني عشرية، في الرد على ~~فرق الشيعة الإمامية. # PageV01P001 # (1) # فوجدته كتابا انكشفت شبه المناظرين بأنوار دلائله، واندفعت شكوك ~~المعاندين بمسلم براهينه وجلي مسائله. قد انسد فيه دون الناقد البصير كل ~~باب، وانهد به ركن الباطل والارتياب. فلا يستطيع الخصم أن يفوه ببنت شفة ~~حيث ألجم بلجام الإلزام. ولا يطيق العنود أن يفتح فمه لما حاك عليه من لثام ~~العجز والإفحام. غير أن مؤلفه عليه الرحمة قد أطنب فيه وأطال، وكرر كثيرا ~~من المسائل والأقوال. بعبارات ليس لها حظ من فصاحة الكلام، ولا نصيب من ~~السلاسة والانسجام. حيث أنه ممن يتكلم ms001 بالهندية، ولم يمارس التحاطب باللغة ~~العربية. فحداني التوفيق الإلهي إلى تلخيص ذلك الكتاب، وهداني التأييد ~~الرباني إلى إبراز غواني معانيه بأبهى جلباب. مع ضم ما يؤدي إليه المقام، ~~مما أفاده العلماء الأعلام. بعبارات سهلة موجزة مشتملة ينتفع بها الخاص ~~والعام، ويتلقاها بالقبول ذوو الإنصاف من الأنام. # ولما يسر الله تعالى ما طلبته، وأجابني فيما رجوته ودعوته. سميت الكتاب ~~(المنحة الإلهية، تلخيص ترجمة التحفة الاثني عشرية) وقدمته لأعتاب خليفة ~~الله في أرضه، ونائب رسوله - عليه الصلاة والسلام - في إحياء سنته وفرضه. ~~الذي راعي رعاياه بجميل رعايته، ودبرهم بصائب تدبيره وواسع درايته. وسلك ~~أحسن المسالك في استقامة أمورهم، وصيانة نفوسهم، وحراسة جمهورهم. وخص من ~~بينهم علماء دولته وصلحاء ملته بحسن ملاحظته وفضل محافظته، تمييزا لهم ~~بالعناية، وتخصيصا بما يجب من الرعاية. ووضعا للأمور في مواضعها، وغصابة ~~مواقعها. ألا وهو أمير المؤمنين، الواجب طاعته على الخلق أجمعين. سلطان ~~البرين وخاقان البحرين، السلطان ابن السلطان السلطان الغازي عبد الحميد خان ~~ابن السلطان الغازي عبد المجيد خان. اللهم أيده بنصرك وانصره لتأبيد ذكرك. ~~واطمس شر سويداء قلوب أعدائه وأعدائك، ودق أعناقهم بسيوف قهرك وسطوتك. ~~اللهم واجعل رايات أنعمه منشورة بأيدي جنوده، واحجبهم بحجب حولك وقوتك من ~~لحظات لمعات أبصار عدوه وحسوده. وصب عليهم ميازيب التوفيق آناء ليلك وأطراف ~~نهارك، PageV01P002 # فإنهم حماة حرم دينك وحراس أبواب شريعتك وأعظم جنودك وأنصارك. وغرضي من ~~عرض ذلك الكتاب إلى ساحته الرفيعة العتاب، أن يذر إكسير نظره عليه، ليحل ~~محل القبول لديه. فهناك إن شاء الله تعالى يحصل الأمل، وأحظى بما رجوته من ~~قبول العمل وقد رتبته على تسعة أبواب، وإلى الله الزلفى وحسن المآب. ### | الباب الأول في ذكر فرق الشيعة وبيان أحوالهم وكيفية حدوثهم وتعداد مكائدهم # اعلم أن الشيعة الذين يدعون مشايعة الأمير كرم الله نعالى وجهه ومتابعته، ~~وحبه الذي افترضه الله تعالى على عباده، أربع فرق: ### | (فرق الشيعة) ### | (الشيعة المخلصون) # الفرقة الأولى: الشيعة الأولى ويسمون «الشيعة المخلصين» أيضا، وهم عبارة ~~عن الذين كانوا في وقت خلافة الأمير كرم ms002 الله وجهه من المهاجرين والأنصار ~~والذين تبعوهم بإحسان، كلهم عرفوا له حقه، وأحلوه من الفضل محله ولم ~~ينتقصوا أحدا من إخوانه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فضلا عن ~~إكفاره وسبه. بيد أن منهم من قاتل معه على تأويل القرآن كما قاتلوا مع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - على تنزيله، فقد كان معه - رضي الله تعالى عنه ~~- في حرب صفين (1) من أصحاب بيعة الرضوان ثمانمائة صحابي، وقد استشهد منهم ~~تحت رايته هناك ثلاثمائة. ومنهم من تقاعد عن القتال تورعا واحتياطا لشبهة ~~عرضت له، لكنه مع ذلك كان قائما بمحبته وتعظيمه ونشر فضائله، وذلك لا يقصر ~~بكثير عن القتال معه. ومن مشهوري هذا الصنف عبد الله بن عمر - رضي الله ~~عنهما -. وقد زالت شبهته بعد ذلك فندم غاية الندم على قعوده وتخلفه عن ~~الأمير كرم الله تعالى وجهه، لكن فات ذاك، وتعذر الاستدراك. وحالت المنية، ~~دون الأمنية. وهذا يشبه من وجه ما كان من محمد بن الحنفية - رضي الله تعالى ~~عنه - من التوقف يوم الجمل حتى قال له الأمير كرم الله تعالى وجهه: ويحك ~~أتتوقف وأبوك سابقك؟ (2) ومنهم من غلب عليه القضاء والقدر فوقع منه ما أدى ~~إلى قتاله، PageV01P003 # كطلحة والزبير وأم المؤمنين - رضي الله تعالى عنهم -، فهم - وإن وقع ~~بينهم وبين الأمير ما وقع يوم الجمل - محبون له عارفون له فضله، كما أنه - ~~رضي الله تعالى عنه - في حقهم كذلك، وليس بين ذلك وبين القتال الواقع في ~~البين تناف، لأن القتال لم يكن مقصودا، بل وقع عن غير قصد، لمكر من قتلة ~~عثمان - رضي الله تعالى عنه - الذين كانوا بعشائرهم في عسكر الأمير، إذ غلب ~~على ظنهم من خلوته بطلحة والزبير أنه سيسلمهم إلى أولياء عثمان، فأطاروا من ~~نيران غدرهم شرارا، ومكروا مكرا كبارا، فأوقعوا القتال بين الفريقين، فوقع ~~ما وقع إن شاء وإن أبى أبو الحسنين فكل من الفريقين كان معذورا، وكان أمر ~~الله قدرا مقدورا. وسيأتي تفصيل ذلك كله في باب المطاعن إن شاء الله تعالى ms003 ~~(1) قال الجد روح الله تعالى روحه في كتاب (نهج السلامة (2)) بعد ذلك ~~الكلام على أن القتال لو فرض أنه كان قصدا فهو بشبهة قوية عند المقاتل ~~أوجبت عليه أن يقاتل. فهو بزعمه من الدين ونصرة المسلمين، وليس من الغي ~~والاستهانة بالأمير في شيء. ومتى كان كذلك فهو لا ينافي المحبة، ولا يدنس ~~رداء الصحبة. وقد صرح بعض العلماء أن شكوى الولد على أبيه لدين له عليه ~~قادر على أدائه ومماطل فيه ليس من العقوق، ولا يخل بما للوالد من واجب ~~الحقوق. # وإن أبى تعصبك هذا قلنا: إن القوم - رضي الله تعالى عنهم - كانوا من قبل ~~ما وقع من الشيعة المخلصين الأبرار، لكن لعدم الإثم وقع منهم ما غسلوه ببرد ~~التوبة وثلج الاستغفار، ويأبى الله تعالى أن يذهب صحابي إلى ربه، قبل أن ~~يغسل بالتوبة والاستغفار دون ذنبه. وبنحو هذا يجاب عن أصحاب صفين، من رؤساء ~~الفرقة الباغية على علي أمير المؤمنين. فالمتلوثة سيوفهم في تلك الفتنة من ~~الصحابة أقل قليل، ولولا عريض PageV01P004 # الصحبة وعميق المحبة لدلع أفعوان القلم لسانه الطويل. فقف عند مقدارك، ~~فما أنت وإن بلغت الثريا إلا دون ثرى نعال أولئك. نعم يلزمك أن تقول: إن ~~الحق فيما وقع كان مع زوج البتول. انتهى ما قال، عليه رحمة المتعال. وهو ~~كلام موجز يغني عن المطولات، ويكفي عن كثير من العبارات. # هذا واعلم أن ظهور هذا اللقب (1) كان عام سبع وثلاثين من الهجرة والله ~~تعالى أعلم. ### | (الشيعة التفضيلية) # الفرقة الثانية الشيعة التفضيلية: وهم عبارة عن الذين يفضلون الأمير كرم ~~الله وجهه على سائر الصحابة من غير إكفار واحد منهم ولا سب ولا بغض، كأبي ~~الأسود الدؤلي الذي اشتهر - وهو الأصح بل الصحيح - أنه واضع النحو بأمر باب ~~مدينة العلم كرم الله تعالى وجهه، وكتلميذه أبي سعيد يحيى بن يعمر أحد قراء ~~البصرة، وكسالم بن أبي حفصة راوي الحديث عن الإمامين الباقر وابنه الصادق - ~~رضي الله تعالى عنهما -، وكعبد الرزاق صاحب المصنف في الحديث، وكأبي يوسف ~~يعقوب بن إسحاق المعروف ms004 بابن السكيت صاحب (إصلاح المنطق) في اللغة وكخلق ~~آخرين، ولبعض متأخري الصوفية قدست أسرارهم كالفاضل الجامي كلمات ترشح ~~بالتفضيل، وانسلاكهم في هذا القبيل، وكثير من العلماء يصرفها عن ذلك صيانة ~~لأولئك الأجلة عن أن ينسب إليهم الابتداع (2) والانخزال عن «الشيعة ~~المخلصين» من الأتباع. وقد ظهرت هذه الفرقة بعد الأولى بنحو عامين أو ~~ثلاثة، وصح أن الأمير كرم الله تعالى وجهه أحس أيام خلافته بقوم يفضلونه ~~على الشيخين، فكان ينهى عن ذلك حتى قال «لئن سمعت أحدا يفضلني على الشيخين ~~- رضي PageV01P005 # الله تعالى عنهما - لأحدنه حد الفرية» (1) وهو على ما في (التحفة) ثمانون ~~جلدة وقيل عشر، والله تعالى أعلم. ### | (الشيعة السبية) # الفرقة الثالثة الشيعة السبية: ويقال لها «التبرئية» وهم عبارة عن الذين ~~يسبون الصحابة، إلا قليلا منهم كسلمان الفارسي وأبي ذر والمقداد وعمار بن ~~ياسر - رضي الله تعالى عنهم -، وينسبونهم - وحاشاهم - إلى الكفر والنفاق، ~~ويتبرأون منهم، ومنهم من يزعم والعياذ بالله تعالى ارتداد جميع من حضر غدير ~~خم (2) يوم قال - عليه الصلاة والسلام - «من كنت مولاه فعلي مولاه» الحديث، ~~ولم يف بمقتضاه من بيعة الأمير كرم الله تعالى وجهه بعد وفاته - عليه ~~الصلاة والسلام - بل بايع غيره. وهذه الفرقة حدثت في عهد الأمير - رضي الله ~~تعالى عنه - بإغراء عبد الله بن سبأ اليهودي الصنعاني (3) كما سيأتي. وليس ~~هو هيان بن بيان، (4) وزعم ذلك مكابرة وإنكار للمتواتر. ولما ظهرت أظهر ~~الأمير كرم الله تعالى وجهه البراءة منها، وخطب عدة خطب في قدحها وذمها. ~~وقد روى الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة الزيدي (5) في آخر كتابه (طوق ~~الحمامة في مباحث الإمامة) (6) # عن سويد بن غفلة أنه قال: مررت بقوم ينتقصون أبا بكر وعمر - رضي الله ~~عنهما -، فأخبرت عليا كرم الله وجهه وقلت: لولا أنهم يرون أنك تضمر ما ~~أعلنوا ما اجترأوا على ذلك، منهم عبد الله بن سبأ. فقال علي - رضي الله ~~تعالى عنه - «نعوذ بالله، رحمهما الله» (7) ثم نهض وأخذ بيدي وأدخلني ~~المسجد فصعد المنبر ثم قبض على لحيته وهي بيضاء فجعلت ms005 دموعه تتحادر عليها، ~~وجعل ينظر للقاع حتى اجتمع الناس، ثم خطب فقال: «ما بال أقوام يذكرون أخوي ~~رسول الله ووزيريه وصاحبيه وسيدي قريش وأبوي المسلمين، وأنا برئ مما ~~يذكرون، وعليه معاقب. صحبا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحب والوفاء ~~والجد في أمر الله، يأمران وينهيان ويغضبان في أمر الله، فقبض وهو عنهما ~~راض، والمسلمون راضون، فما تجاوزا في أمرهما وسيرتهما رأي رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وأمره في حياته وبعد موته، فقبضا على ذلك رحمهما الله، ~~PageV01P006 # فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة لا يحبهما إلا مؤمن فاضل، ولا يبغضهما إلا ~~شقي مارق. وحبهما قربة، وبغضهما مروق» (1) الخ وفي رواية «لعن الله من أضمر ~~لهما إلا الحسن الجميل». (2) ثم أرسل إلى ابن سبأ فسيره إلى المدائن وقال: ~~لا تساكني في بلدة أبدا. (3) وهذا مما يفت بأعضاد هذه الفرقة أعني الشيعة ~~السبية لا المخلصين. ولما ظهرت ما ارتضى الشيعة المخلصون بلقب «الشيعة» ~~فتركوه تحرزا عن الالتباس، وكراهة للاشتراك الاسمي مع أولئك الأرجاس، ~~ولقبوا أنفسهم بأهل السنة والجماعة. فما وقع في بعض الكتب كتاريخ الواقدي ~~(4) والاستيعاب (5) من أن فلانا كان من الشيعة مثلا لا ينافي ما وقع في ~~غيرها من أنه من رؤساء أهل السنة والجماعة، حيث أن المراد بالشيعة هناك ~~الشيعة الأولى، وكان أهل السنة منهم. وكيف لا وهم يرون فرضية حب أهل البيت، ~~وعلي كرم الله تعالى وجهه عمادهم، ويروون في ذلك عدة أحاديث منها ما رواه ~~البيهقي وأبو الشيخ والديلمي أن رسول الله قال «لايؤمن أحدكم حتى أكون أحب ~~إليه من نفسه، وتكون عترتي أحب إليه من نفسه» (6) وعن ابن عباس قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه، ~~وأحبوني لحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي» (7) إلى غير ذلك مما لا يكاد يحصى ~~أو يحصر. # وقد نسب للإمام الشافعي - وموضعه من أهل السنة موضع الواسطة من العقد - ~~نظم كثير يشهد بما ذكرناه عن أهل السنة، ويرد به على من أنكر ذلك من ms006 جهلة ~~الشيعة، كقوله - رضي الله تعالى عنه -: # يا أهل بيت رسول الله حبكم ... فرض من الله في القرآن أنزله # يكفيكم من عظيم الفخر أنكم ... من لم يصل عليكم لا صلاة له (8) # وقوله: # إن فتشوا قلبي رأوا وسطه ... سطرين قد خطا بلا كاتب # العلم والتوحيد في جانب ... وحب أهل البيت في جانب (9) # وقوله: # إذا ذكروا عليا أو نبيه ... وجاءوا بالروايات العليه (10) PageV01P007 # يقال تجاوزوا يا قوم عنه ... فهذا من حديث الرافضية # برئت إلى المهيمن من أناس ... يرون الرفض حب الفاطمية (1) # وقوله: # يا راكبا قف بالمحصب من منى ... واهتف بساكن خيفها والناهض # سحرا إذا فاض الحجيج إلى منى ... فيضا كما علم الفرات الفائض # إن كان رفضا حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أني رافضي (2) # وقوله: # إلام ألام وحتى متى ... أعاتب في حب هذا الفتى # فهل زوجت غيره فاطم ... وفي غيره هل أتى «هل أتى» (3) # إلى غير ذلك مما هو مذكور في كتب الشيعة، صحت نسبته إليه أم لا. وهذا أبو ~~حنيفة - رضي الله تعالى عنه - وهو هو بين أهل السنة كان يفتخر ويقول بأفصح ~~لسان: لولا السنتان لهلك النعمان، يريد السنتين اللتين صحب فيهما لأخذ ~~العلم الإمام جعفر الصادق - رضي الله تعالى عنه -. وقد قال غير واحد أنه ~~أخذ العلم والطريقة من هذا ومن أبيه الإمام محمد الباقر ومن عمه زيد بن علي ~~بن الحسين - رضي الله تعالى عنهم -. وللأعمش وهو أحد مجتهدي أهل السنة سفر ~~كبير في مناقب الأمير كرم الله وجهه. ويكفي في هذا الباب أن معظم طرائق أهل ~~السنة موصولة بأهل البيت، ولا يكاد ينكر هذا الأمر إلا من ينكر الفرق بين ~~الحي والميت. ومن الشبه من يزعم أنه لا يعد محبا لعلي وسائر أهل البيت - ~~رضي الله عنهم - من أحب الشيخين وأضرابهما من الصحابة الذين لم يبايعوا ~~الأمير كرم الله تعالى وجهه يوم وفاته - عليه الصلاة والسلام - حيث يزعمون ~~أنهم أعداء الأمير، وينشدون في ذاك قول من قال: # إذا صافى صديقك من تعادي ... فقد عاداك وانقطع الكلام PageV01P008 # وقوله: # صديق صديقي ms007 داخل في صداقتي ... عدو صديقي ليس لي بصديق # ولا يخفى كذب مبناه، ويشير إلى كذبه الخبر الذي قدمناه عن يحيى بن حمزة ~~المؤيد بالله وكذا غيره من الأخبار، التي ملئت منها بطون الأسفار. ورحم ~~الله تعالى امرءا أنصف وعرف الحق فاعترف. ### | (الشيعة الغلاة) # الفرقة الرابعة الشيعة الغلاة: وهم عبارة عن القائلين بألوهية الأمير كرم ~~الله تعالى وجهه، ونحو ذلك من الهذيان. قال الجد روح الله روحه: وعندي أن ~~ابن أبي الحديد (1) في بعض عباراته - وكان يتلون تلون الحرباء - كان من هذه ~~الفرقة، وكم له في قصائد السبع الشهيرة من هذيان، كقوله يمدح الأمير كرم ~~الله تعالى وجهه: # ألا إنما الإسلام لولا حسامه ... كعفطة عنز أو قلامة ظافر (2) # وقوله: # يجل عن الأعراض والأين والمتى ... ويكبر عن تشبيهه بالعناصر (3) # إلى غير ذلك. وأول حدوثهم قيل في عهد الأمير بإغواء ابن سبأ أيضا، وقد ~~قتل كرم الله تعالى وجهه من صح عنده أنه يقول بألوهيته، فلم ينحسم بذلك عرق ~~ضلالتهم ولم ينصرم حبل جهالتهم، بل استمر الفساد، وقوي العناد {ومن يضلل ~~الله فما له من هاد} وهذه الفرقة على قلتها بالنسبة إلى الفرق الأخرى ~~انقسمت على ما في (التحفة) إلى أربع وعشرين فرقة: PageV01P009 ### | (فرق الشيعة الغلاة) ### | ### | (السبئية) # # الأولى السبئية: أصحاب عبد الله بن سبأ الذين قالوا: إن عليا هو الإله ~~ولما استشهد الأمير كرم الله تعالى وجهه زعم ابن سبأ أنه لم يمت وأن ابن ~~ملجم (1) إنما قتل شيطانا تصور بصورة علي، وأنه مختف في السحاب وأن الرعد ~~صوته، والبرق سوطه، وأنه ينزل إلى الأرض بعد هذا ويملأها عدلا وينتقم من ~~أعدائه. ولهذا أن هذه الفرقة إذا سمعت صوت الرعد قالوا «عليك السلام أيها ~~الأمير». (2) ولا يخفى أن الأمير لو كان كما زعموا لكان مقتدرا على إهلاك ~~أعدائه بصوت شديد من الرعد وإلقاء الصواعق، فلأي شيء هذا الانتظار، مع وجود ~~الاستطاعة والاقتدار؟ (3) ### | (المفضلية) # الثانية المفضلية: أصحاب المفضل الصيرفي وقد زادوا على السبئية بقولهم إن ~~نسبة الأمير لله تعالى كنسبة المسيح، فمثله كمثله، ms008 فقد وافقوا النصارى في ~~قولهم باتحاد اللاهوت بالناسوت، (4) وفي زعمهم أن النبوة والرسالة لا تنقطع ~~أبدا، فمن اتحد به اللاهوت فهو نبي، فإن دعا الناس إلى الهدى فهو رسول. ~~ولذا ترى أن كثيرا منهم ادعى النبوة والرسالة. (5) ### | (السريغية) # الثالثة السريغية: أصحاب السريغ بفتح السين وكسر الراء المهملتين وفي ~~آخره معجمة. ومذهبهم كمذهب المفضلية، إلا أنهم حصروا حلول اللاهوت في ~~الناسوت في خمسة، وهم النبي والعباس وعلي وجعفر وعقيل. ### | (البزيعية) # الرابعة البزيعية: أصحاب بزيع بن يونس (6) الذي قال بألوهية جعفر الصادق ~~وأنه ظهر في شخص (7) وإلا فهو في الحقيقة منزه عنه، وقالوا: إن الأئمة ~~الآخرين لم يكونوا آلهة ولكن أوحي إليهم، وأثبتوا لهم المعراج. (8) # (السبئية) # الخامسة الكاملية: أصحاب أبي كامل، وهم يقولون إن الأرواح تتناسخ وتنتقل ~~من بدن إلى بدن بعد خراب البدن الأول، وأن روح الله تعالى كانت في آدم ثم ~~في شيث ثم صارت إلى الأنبياء. وهؤلاء القوم يكفرون جميع الصحابة بتركهم ~~البيعة لعلي، ويكفرون عليا أيضا بتركه طلب حقه. (9) ### | (المغيرية) # السادسة المغيرية: أصحاب المغيرة بن سعد العجلي، (10) زعموا أن الله ~~تعالى جسم، PageV01P010 # وأن صورته صورة رجل من نور وعلى رأسه تاج من نور وله قلب تنبع منه ~~الحكمة، وأنه لما أراد خلق العالم تكلم بالاسم الأعظم فطار ووقع تاجا على ~~رأسه، ثم إنه كتب على كتفه أعمال الدنيا، فغضب من المعاصي حتى عرق فاجتمع ~~من عرقه بحران أحدهما ملح مظلم والثاني عذب نير، ثم اطلع في البحر النير ~~فأبصر ظله فانتزع بعض ظله وخلق منه الشمس والقمر وأفنى باقي ظله وقال: لا ~~ينبغي أن يكون معي إله غيري. ثم إنه خلق الخلق كله من البحرين: الكفر من ~~البحر المظلم، والإيمان من البحر النير، ثم أرسل إلى الناس محمدا وهم ضلال، ~~ثم عرض الأمانة على السموات والأرض والجبال وهي أن يمنعن عليا من الإمامة ~~فأبين ذلك، (1) ثم عرضها على الناس فأمر عمر بن الخطاب أبا بكر أن يتحمل ~~منعه من ذلك، وضمن له أن يعينه على الغدر به، بشرط ms009 أن يجعل الخلافة له من ~~بعده فقبل منه، وأقدما على المنع متظاهرين عليه. وقوله تعالى {فحملها ~~الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} يعني أبا بكر. (2) وزعم هؤلاء أن قوله تعالى ~~{كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر، فلما كفر قال إني برئ منك} نزلت في حق ~~عمر وأبي بكر، وهؤلاء يزعمون أن الإمام المنتظر محمد بن عبد الله بن الحسن ~~بن الحسن بن علي بن أبي طالب، (3) وأنه حي لم يمت، وهو مقيم في جبال حاجر ~~إلى أن يؤمر بخروجه. ومنهم من يقول إن الإمام المنتظر هو المغيرة، كذا في ~~«أبكار الأفكار» لسيف الدين الآمدي. (4) ولم يكن هذا التفصيل في الأصل. (5) ### | (الجناحية) # السابعة الجناحية: أصحاب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ذي ~~الجناحين، (6) يزعمون أن الرواح تتناسخ، وأن روح الإله تعالى كانت في آدم ~~ثم في شيث، ثم صارت إلى الأنبياء والأئمة، حتى انتهت إلى علي وأولاده ~~الثلاثة من بعده ن ثم صارت إلى عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ~~وأنه حي لم يمت وأنه يجبل من جبال أصبهان، وكفروا بالقيامة واستحلوا ~~المحرمات من الخمر والميتة وغيرها. (7) ### | (البيانية) # الثامنة البيانية: أصحاب بيان بن سمعان التميمي، (8) زعموا أن الإله ~~تعالى على صورة إنسان، وأنه يهلك كله إلا وجهه لقوله {كل شيء هالك إلا ~~وجهه} وأن روح PageV01P011 # الإله تعالى حلت في علي ثم بعده في ابنه محمد بن الحنفية ثم بعده في ابنه ~~أبي هاشم ثم بعده في بيان. (1) ### | (المنصورية) # التاسعة المنصورية: أصحاب أبي منصور العجلي، وهؤلاء يقولون: إن الرسالة ~~لاتنقطع أبدا، والعلم قديم، وأحكام الشريعة كلها مخترعات العلماء والفقهاء، ~~ولا جنة ولا نار، وأن أبا منصور هو الإمام بعد الإمام الباقر - رضي الله ~~تعالى عنه -. (2) ### | (الغمامية) # العاشرة الغمامية: ويقال لها «الربيعية» أيضا، وهم يعتقدون أن صانع ~~العالم ينزل إلى الأرض في فصل الربيع في حجاب السحاب، ويطوف حول الدنيا ثم ~~يصعد إلى السماء، فالأزهار والرياحين والأثمار ونحو ذلك مما يظهر في الربيع ~~بسبب ذلك النزول. (3) ### | (الأموية) # الحادية ms010 عشرة الأموية: (4) وهم يقولون: إن الأمير كان شريكا للنبي - عليه ~~الصلاة والسلام - في نبوته ورسالته. (5) ### | (التفويضية) # الثانية عشر التفويضية: وهم يقولون: إن الله تعالى خلق محمدا وفوض غليه ~~خلق الدنيا، وأنه الخلاق لها بما فيها. ومنهم من قال مثل هذه المقالة في ~~علي كرم الله وجهه ومنهم من قال باشتركهما في ذلك. (6) ### | (الخطابية) # الثالثة عشر الخطابية: أصحاب أبي الخطاب الأسدي، (7) زعموا أن الأئمة ~~أنبياء، وأن أبا الخطاب كان نبيا، وأن الأنبياء فرضوا على الناس طاعته. ثم ~~زادوا وزعموا أن الأئمة آلهة، وأن أبناء الحسن والحسين أبناء الله وأحباؤه، ~~وأن جعفرا إله، وأن أبا الخطاب أفضل منه ومن علي بن أبي طالب، ويستحلون ~~شهادة الزور لموافقيهم على مخالفيهم. ثم افترق هؤلاء بعد قتل أبي الخطاب، ~~فمنهم من قال: الإمام بعد أبي الخطاب معمر، وعبدوه كما عبدوا أبا الخطاب، ~~وزعموا أن الجنة هي ما ينالهم من خير في الدنيا ونعيم فيها، وأن ~~PageV01P012 # النار ما يصيبهم فيها من المشاق والهدم، واستباحوا المحرمات وترك ~~الفرائض. ومنهم من قال: الإمام بعد أبي الخطاب بزيع، وأن كل مؤمن يوحى ~~إليه، تمسكا بقوله تعالى: {وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله} أي يوحى من ~~الله. وزعموا أن فيهم خيرا من جبرائيل، وميكائيل، وأنهم لا يموتون، وأن ~~الواحد منهم إذا بلغ النهاية ارتفع إلى الملكوت. ومنهم من قال: الإمام بعد ~~أبي الخطاب عمر بن بيان العجلي، إلا أنهم يموتون. كذا في (أبكار الأفكار). ~~(1) ### | (المعمرية) # الرابعة عشرة المعمرية: أصحاب المعمر، القائلون بنبوة الإمام جعفر ~~الصادق، وأن أبا الخطاب بعده نبي، وأن أحكام الشرع مفوضة إلى المعمر، وأن ~~المعمر آخر الأنبياء، وقد أسقط الأحكام ورفع التكاليف. وهم قسم من ~~الخطابية. (2) ### | (الغرابية) # الخامسة عشر الغرابية: وهم القائلون إن عليا كان أشبه بمحمد من الغراب ~~بالغراب والذباب بالذباب، وأن الله تعالى بعث جبرائيل إلى علي فغلط وأدى ~~الرسالة إلى محمد لمتشابهته به، (3) ولذلك يعنون صاحب الريش أي جبرائيل، ~~وقد قال شاعرهم «غلط الأمين فجازها عن حيدر». (4) ### | (الذبابية) # السادسة عشرة الذبابية: وهم ms011 قسم من الغرابية إلا أنهم زادوا عليهم بقولهم ~~بنبوة محمد وأنه أشبه بالإله من الذباب بالذباب. قاتلهم الله تعالى. (5) ### | (الذمية) # السابعة عشر الذمية: وإنما لقبوا ذلك لأنهم يرون ذم محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -، ويزعمون أن عليا إله، وأنه بعث محمدا ليدعو إليه فادعى الأمر ~~لنفسه. ومنهم من قال بإلهية محمد وعلي إلا أن منهم من يقدم عليا في أحكام ~~الإلهية، ومنهم من يقدم محمدا، ومنهم من قال بإلهية خمسة أشخاص وهم أصحاب ~~العبا (محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين) وأن خمستهم شيء واحد، وأن الروح ~~حالة فيهم بالسوية، ولا فضل لواحد على لآخر، ولم يسموا فاطمة بالتأنيث بل ~~«فاطم» (6) ولذلك قال شاعرهم: # توليت بعد الله في الدين خمسة ... نبيا وسبطيه وشيخا وفاطما (7) ~~PageV01P013 ### | (الاثنينية) # الثامنة عشرة الاثنينية: وهم فرقة من الذمية الذين يعتقدون إلهية محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - بالتفصيل السابق. (1) ### | (الخمسية) # التاسعة عشر الخمسية: وهم أيضا فرقة من الذمية الذين يعتقدون إلهية خمسة ~~أشخاص على ما سبق، وقد تبعنا في هذا العد صاحب الأصل، وإلا فغيره لم يذكر ~~هاتين الفرقتين بالاستقلال. (2) ### | (النصيرية) # العشرون النصيرية: (3) القائلون بحلول الإله في علي وأولاده، ولكن يخصون ~~الحلول بالأئمة، وقد يطلقون لفظ الإله على الأمير مجازا من باب إطلاق اسم ~~الحال على المحل. (4) ### | (الإسحاقية) # الحادية والعشرون الإسحاقية: وهم يقولون: لم تخل الأرض ولا تخلو عن نبي ~~وأن الباري حل في علي. ووقع الاختلاف بينهم في من حل الإله بعد علي. (5) ### | (العلبائية) # الثانية والعشرون العلبائية: أصحاب علباء بن اروع الأسدي، وقيل الأوسي، ~~وهم قائلون بألوهية الأمير وأنه أفضل من محمد وأن محمد بايع عليا. (6) ### | (الرزامية) # الثالثة والعشرون الرزامية: وهم الذين ساقوا الإمامة إلى محمد بن ~~الحنفية، ثم إلى ابنه، (7) ثم إلى علي بن عبد الله بن العباس، (8) ثم ~~ساقوها في ولده إلى (9) المنصور، ثم ادعوا حلول الإله تعالى في أبي مسلم ~~وأنه لم يقتل، واستحلوا المحارم، ومنهم من ادعى الإلهية في المقنع. (10) ### | (المقنعية) # الرابعة والعشرون المقنعية: أصحاب المقنع (11) الذين يعتقدون أن المقنع ~~إله بعد الإمام الحسين ms012 - رضي الله تعالى عنه -، (12) تعالى الله عن ذلك ~~علوا كبيرا، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. PageV01P014 ### | (فرق الشيعة الإمامية) # ثم اعلم أن أكثر الفرق الأربع الشيعة السبية، فقد انتشرت في جميع الربع ~~المعمور، فلا تكاد ترى بلدا إلا وهو بها مغمور، والإمامية فرقة منها، وهي ~~أيضا فرقة كبيرة وطائفة كثيرة، وقد انقسمت إلى تسع وثلاثين فرقة. ### | (الحسنية) # الأولى الحسنية يقولون: إن الحسن المجتبى هو الإمام بعد أبيه علي ~~المرتضى، والإمام من بعده الحسن المثنى بوصية له، ثم ابنه عبد الله، ثم ~~ابنه محمد الملقب بالنفس الزكية، (1) ثم أخوه إبراهيم بن عبد الله، (2) ~~وهذان خرجا في عهد المنصور الدوانيقي (3) ودعوا الناس إلى متابعتهما ~~فتبعهما خلق كثير. واستشهدوا بعد حرب شديد على يد بعض أمراء الدوانقي رحمة ~~الله عليهما. وقد ظهرت هذه الفرقة ستة مائة وخمس وتسعين. ### | (النفسية) # الثانية النفسية: وهي طائفة من الحسنية يقولون إن النفس الزكية لم يقتل ~~بل غاب واختفى وسيظهر بعد. (4) ### | (الحكمية) # الثالثة الحكمية: ويقال لها (الهشامية) أيضا، وهم أصحاب هشام بن الحكم ~~(5) يقولون بإمامة الحسين بعد أخيه الحسن، ثم بإمامة أولاده على الترتيب ~~المشهور إلى الصادق، وقد ظهرت سنة مائة وتسع. (6) ### | (السالمية) # الرابعة السالمية: ويقال لها أيضا «الجواليقية» وهم أصحاب هشام بن سالم ~~الجواليقي (7) وهم في الإمامية كالحكمية، وفي الاعتقاد مختلفون: فالحكمية ~~يقولون: إن الله عزوجل جسم طويل عريض عميق متساوى الأبعاد غير مصور بالصور ~~المتعارفة، وهم يقولون جسم مصور بصورة الانسان، تعالى الله عما يقولون علوا ~~كبيرا. وقد ظهرت سنة مائة وثلاث عشرة. (8) ### | (الشيطانية) # الخامسة الشيطانية: ويقال لها «النعمانية» أيضا أصحاب محمد بن نعمان ~~الصيرفي PageV01P015 # الملقب بشيطان الطاق، (1) وهم يقولون بالإمامة على الترتيب المشهور إلى ~~موسى الكاظم (2) وبالتجسيم كالسالمية. وقد ظهرت سنة مائة وثلاث عشرة أيضا. ~~(3) ### | (الزرارية) # السادسة الزرارية: أصحاب زرارة بن أعين الكوفي. وهم في الإمامية كالحكمية ~~وخالفوهم في زعمهم أن صفاته تعالى حادثة لم تكن في الأزل وقد ظهرت سنة مائة ~~وخمس وأربعين. ### | (البدائية، المفوضة، اليونسية) # السابعة والثامنة والتاسعة البدائية، والمفوضة، واليونسية: أصحاب يونس ms013 بن ~~عبد الرحمن القمي، (4) وكلهم متفقون على إمامة الأئمة الستة بالترتيب ~~المشهور وزعمت اليونسية منهم أن الله سبحانه على العرش بالمعنى المعروف ~~تحمله الملائكة. (5) والبدائية أن الله سبحانه قد يريد بعض الأشياء ثم يبدو ~~له ويندم لكونه خلاف المصلحة، وحملت خلافة الثلاثة ومدحهم في الآيات على ~~ذلك. (6) والمفوضة منهم من يزعم أن الله تعالى فوض خلق الدنيا إلى محمد - ~~عليه الصلاة والسلام -، ومنهم من يقول: إلى علي كرم الله تعالى وجهه. ومنهم ~~من يقول إلى كليهما. (7) وقد ظهرت البدائية والمفوضة سنة ظهور الزرارية. ### | (الباقرية) # العاشر الباقرية: يقول إن الإمام محمد الباقر لم يمت وهو المنتظر. (8) ### | (الحاصرية) # الحادية عشرة الحاصرية: (9) يقولون: إن الإمام بعد محمد الباقر ابنه ~~زكريا، وهو مختف في جبل الحاصر (10) لا يخرج حتى يؤذن له. (11) ### | (الناووسية) # الثانية عشر الناووسية: أصحاب عبد الله بن ناووس البصري، يقولون: إن ~~الإمام جعفر الصادق حي غائب وهو المهدي المنتظر. (12) PageV01P016 ### | (العمارية) # الثالثة عشر العمارية: أصحاب عمار يقولون: إن الصادق قد مات والإمام بعده ~~ابنه محمد، وقد ظهرت سنة مائة وخمس وأربعين. (1) ### | (المباركية) # الرابعة عشر المباركية: من الإسماعيلية أصحاب المبارك، يعتقدون أن الإمام ~~بن جعفر ابنه الأكبر إسماعيل ثم ابنه محمد وهو خاتم الأئمة والمهدي ~~المنتظر. (2) ### | (الباطنية) # الخامسة عشر الباطنية: من الإسماعيلية أيضا يرسلون الإمامة بعد إسماعيل ~~من جعفر في أولاده بنص السابق على اللاحق، ويزعمون وجوب العمل بباطن الكتاب ~~دون ظاهره. (3) ### | (القرامطة) # السادسة عشرة القرامطة: من الإسماعيلية أيضا وهم أصحاب قرمط، وهو المبارك ~~في قول، (4) وقال بعض العلماء اسم رجل آخر من أهل سواد الكوفة اخترع ما ~~عليه القرامطة، وقيل هو اسم أبيه، وأما المخترع نفسه فاسمه حمدان، وكان ~~ظهوره سنة سبعين ومائتين. وقيل إن قرمط اسم لقرية من قرى واسط منها حمدان ~~المخترع، وهو قرمطي وأتباعه قرامطة، وكان ظهوره فيها، وقيل غير ذلك. ~~ومذهبهم أن إسماعيل بن جعفر خاتم الأئمة وهو حي لا يموت، ويقولون بإباحة ~~المحرمات. (5) ### | (الشمطية) # السابعة عشرة الشمطية: أصحاب يحيى بن أبي الشمط (6) يزعمون أن الإمامة ~~تعلقت بعد الصادق ms014 بكل من أبنائه الخمسة بهذا الترتيب: إسماعيل ثم محمد ثم ~~موسى الكاظم ثم عبد الله الأفطح ثم إسحاق. (7) ### | (الميمونية) # الثامنة عشرة الميمونية: أصحاب عبد الله بن ميمون القداح الأهوازي، (8) ~~وهم قائلون بإمامة إسماعيل، ويزعمون أن العمل بظواهر الكتاب والسنة حرام، ~~ويجحدون المعاد. (9) ### | (الخلفية) # التاسعة عشرة الخلفية: أصحاب خلف، وهم قائلون بإمامة إسماعيل ونفى المعاد ~~كالميمونية، إلا أنهم يقولون: كل ما في الكتاب والسنة من الصلاة والزكاة ~~ونحوها محمول على المعنى اللغوي لا غير. (10) ### | (البرقعية) # العشرون البرقعية: أصحاب محمد بن علي البرقعي، (11) وهم في الإمامة كمن ~~سمعت PageV01P017 # آنفا، وينكرون أيضا المعاد، ويؤولون النصوص بما تهوى أنفسهم، وينكرون ~~نبوة بعض الأنبياء، ويوجبون لعنهم والعياذ بالله تعالى. (1) ### | (الجنابية) # الحادية والعشرون الجنابية: أتباع أبي طاهر الجنابي، وهم كالقرامطة في ~~الإمامة، وينكرون المعاد والأحكام بأسرها، ويوجبون قتل من يعمل بها ولذا ~~قتلوا الحجاج، وقلعوا الحجر الأسود، (2) وعدهم غير واحد فرقة من القرامطة، ~~كما أنهم عدوا القرامطة فرقة من الإسماعيلية. (3) ### | (السبعية) # الثانية والعشرون السبعية: وهم أيضا من الإسماعيلية، يقولون: إن الأنبياء ~~الناطقين بالشرائع سبعة: آدم وأولو العزم الخمسة والمهدي، وأن بين كل ~~رسولين سبعة رجال آخرين يقيمون الشريعة السابقة إلى حدوث اللاحقة، وإسماعيل ~~بن جعفر كان أحد هؤلاء السبعة، وهم المقيمون للشريعة بين محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - والمهدي المنتظر وهو آخر الرسول بزعمهم. وزعموا أنه لا يخلو ~~الزمان عن واحد من أولئك الرجال. (4) ### | (المهدوية) # الثالثة والعشرون المهدوية: زعموا أن الإمامة بعد إسماعيل لابنه محمد ~~الوصي، (5) ثم لابنه أحمد الوفي، (6) ثم لابنه محمد التقي، وفي بعض الكتب: ~~قاسم التقي، (7) ثم لابنه عبيد الله (8) الرضي، (9) ثم لابنه أبي القاسم ~~عبد الله، (10) # ثم لابنه محمد الذي لقب نفسه بالمهدي، (11) وقد PageV01P018 # صار واليا بالمغرب، واستولى على بلاد إفريقية، وملك بنوه مصر وما حولها. ~~ثم لابنه أحمد (1) القائم بأمر الله، ثم لابنه إسماعيل المنصور بقوة الله، ~~(2) ثم لابنه معد المعز لدين الله، (3) ثم لابنه المنصور نزار العزيز ~~بالله، (4) ثم لابنه أبي علي الحاكم بأمر الله، (5) ثم لأبي الحسن الظاهر ~~بدين ms015 الله، (6) # ثم لمعد المستنصر بالله، (7) وذلك بنص الآباء بترتيب الولادة. وهذا ~~الترتيب إلى هنا مجمع عليه عندهم. # واختلفوا بعد المنتصر لما أنه نص أولا على إمامة ابنه (8) نزار، وثانيا ~~على إمامة ابنه أبي القاسم المستعلي بالله، (9) فبعضهم تمسك بالنص الثاني ~~وقال إنه ناسخ للأول، فقال بإمامة المستعلي فسموا المهدوية (المستعلية) ~~(10) ثم بإمامة ابنه المنصور الآمر بأحكام الله، (11) ثم بإمامة أخي ~~المنصور هذا عبد المجيد الحافظ لدين الله، (12) ثم بإمامة ابنه أبي المنصور ~~محمد الظافر بأمر الله، (13) ثم بإمامة ابنه أبي القاسم الفائز بنصر الله، ~~(14) ثم بإمامة ابنه محمد العاضد لدين الله، (15) # وقد خرج على هذا أمراء الشام واستولوا عليه فسجنوه حتى مات وما بقي بعده ~~أحد من أولاد المهدي داعيا للإمامة. # وبعضهم تمسك بالنص الأول وألغى الثاني فقال بإمامة نزار ويقال للقائلين ~~بذلك «النزارية» وقد يقال لهم «الصباحية» و «الحميرية» نسبة للحسن ابن صباح ~~الحميري (16) حيث قام بالدعوة لطفل سماه الهادي زاعما أنه ابن نزار، (17) ~~فهو الإمام عندهم بعد أبيه، ثم ابنه الحسن، (18) وزعم هذا أنه يجوز للإمام ~~أن يفعل ما شاء، وأن يسقط التكاليف الشرعية. وقد قال لأصحابه: إنه أوحي إلي ~~أن أسقط عنكم التكاليف الشرعية، وأبيح لكم المحرمات، بشرط أن لا تنازعوا ~~بينكم ولا تعصوا إمامكم. ثم ابنه محمد، (19) وكان متخلقا بأخلاق أبيه، وكذا ~~ابنه علاء الدين محمد. (20) # وأما ابنه جلال الدين حسن ابن محمد بن الحسن (21) فقد كان متصلبا في ~~الإسلام منكرا مذهب آبائه حسن الأخلاق آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر. وأما ~~ابنه علاء الدين (22) فقد صار ملحدا بعد أبيه الحسن، وكذا ابنه ركن الدين. ~~(23) وقد ظهر في زمن هذا جنكيزخان (24) فخرب مملكته وكان إذ ذاك بالري (25) ~~وتحصن في قلعة ألموت (26) من قلاع طبرستان، (27) ولم يتم له ذلك، بل كان ~~آخر أمره من أتباع PageV01P019 # جنكيزخان، وقد انطلق معه جين عاد إلى وطنه فمات في الطريق، ثم خرج ابنه ~~الملقب نفسه بجديد الدولة، فلما سمع به ملوك التاتار فرقوا جمعه فاختفى في ~~قرى طبرستان حتى مات، فلم يبق ms016 من أولاده أحد مدعيا الإمامة. (1) وهذه ~~الفرقة هي الرابعة والعشرون وكان ظهور المهدوية الجامعة للفرقتين سنة ~~مائتين وتسع وتسعين. (2) ### | (الأفطحية) # الخامسة والعشرون الأفطحية: ويقال لها العمارية أيضا لأنهم كانوا أصحاب ~~عبد الله بن عمار وهم قائلون بإمامة عبد الله الأفطح أي عريض الرجلين ابن ~~جعفر الصادق شقيق إسماعيل معتقدين موته ورجعته إذ لم يترك ولدا حتى ترسل ~~سلسلة الإمامة في نسله. (3) ### | (المفضلية) # السادسة والعشرون المفضلية: أصحاب مفضل بن عمرو ويقال لهم القطعية أيضا ~~لأنهم قاطعون بإمامة موسى الكاظم، قاطعون بموته. (4) ### | (الممطورية) # السابعة والعشرون الممطورية: وهم قائلون بإمامة موسى معتقدون أنه حي وأنه ~~المهدي الموعود، متمسكين يقول الأمير كرم الله نعالى وجهه: سابعهم قائمهم ~~سمي صاحب التوراة. وقيل لهم: «ممطورية» لقول يونس بن عبد الرحمن رئيس ~~القطعية لهم اثناء مناظرة وقعت بينهما «أنتم أهون عندنا من الكلاب ~~الممطورة» أي المبلولة بالمطر. (5) ### | (الموسوية) # الثامنة والعشرون الموسوية: يقطعون بإمامة موسى، ويترددون في موته وحياته ~~ولذا لا يرسلون سلسلة الإمامة بعده في أولاده. (6) ### | (الرجعية) # التاسعة والعشرون الرجعية: وهم قائلون بإمامة موسى أيضا لكنهم يقولون ~~بموته ورجعته. وهذه الفرق الثلاث يقال لها «الواقفية» أيضا لوقفهم الإمامة ~~على موسى الكاظم وعدم إرسالها في أولاده. ### | (الإسحاقية) # الثلاثون الإسحاقية: يعتقدون بإمامة إسحاق بن جعفر، (7) وكان في العلم ~~والتقوى على جانب عظيم، وقد روى عنه ثقات المحدثين من أهل السنة ك سفيان بن ~~عيينة وغيره. (8) PageV01P020 ### | (الأحمدية) # الحادية والثلاثون الأحمدية: يقولون بإمامة أحمد بن موسى الكاظم (1) بعد ~~وفاة أبيه. (2) ### | (الاثنا عشرية) # الثانية والثلاثون الاثنا عشرية: وهذه في المتبادرة عند الإطلاق من لفظ ~~الإمامية. وهم قائلون بإمامة علي الرضا (3) بعد أبيه موسى الكاظم، ثم ~~بإمامة ابنه محمد التقي المعروف بالجواد، (4) ثم بإمامة ابنه علي النقي ~~المعروف بالهادي، (5) ثم بإمامة ابنه الحسن العسكري، (6) ثم بإمامة ابنه ~~محمد المهدي، (7) معتقدين أنه المهدي المنتظر، ولم يختلفوا في ترتيب ~~الإمامة على هذا الوجه. نعم اختلفوا في وقت غيبة المهدي وعامها وسنه يوم ~~غاب، بل قال بعضهم بموته وأنه سيرجع إلى الدنيا إذ عم الجور وفشا، ms017 والعياذ ~~بالله تعالى من الحور بعد الكور. (8) # وقد ظهرت هذه الفرقة سنة مائتين وخمس وخمسين، وهي قائلة بالبداء (9) ولذا ~~تراها تنادي بأعلى صوت عند زيارة روضة موسى الكاظم: (10) أنت الذي بدا الله ~~فيه، يعنون ما كان بزعمهم من نصب أخيه إسماعيل إماما بعد أبيه وموته من قبل ~~أن ينال الإمامة ونصب أبيه إياه إماما، وكأنهم تبعوا في ذلك البداية وأنهم ~~قالوا بالبداء بمعنى، وقالت البدائية به بمعنى آخر. ### | (الجعفرية) # الثالثة والثلاثون الجعفرية: يرتبون الإمامة نحو ترتيب الاثني عشرية، بيد ~~أنهم يقولون: إن الإمام بعد الحسن العسكري أخوه جعفر، ه (11) وقد اتفقوا ~~على ذلك، واختلفوا في أنه هل ولد ولد للعسكري اسمه محمد أم لا، فقال بعضهم ~~بأنه لم يولد له، وقال آخرون ولد وعاش بعد أبيه لكنه مات صغيرا أو قتله سرا ~~من كان في زمانه من خلفاء بني العباس، وقد علم بذلك عمه جعفر فادعى إرثه ~~فلقبه الاثنا عشرية بالكذاب. (12) # هذا ولعل ما سمعت من اختلاف بعض الفرق يجعل كل طائفة من المختلفين فرقة، ~~وبذلك تتم فرق الإمامية تسعا وثلاثين، فليراجع وليتأمل. PageV01P021 # قال الجد (1) روح الله روحه في كتابه (نهج السلامة) بعد عده فرق ~~الإمامية: ثم اعلم أن الاثني عشرية المعروفين اليوم على علاتهم في ~~الاعتقادات أهون شرا بكثير من كثير من فرق الإمامية وسائر الشيعة، فهم في ~~معظم الاعتقاديات متطفلون على المعتزلة (2) وقول الخواجة نصير الدين الطوسي ~~(3) المتكلم - على ما نقله عنه تلميذه ابن المطهر الحلي (4) - أنهم مخالفون ~~لجميع الفرق في ذلك مما يتعجب منه المطلع على اعتقاداتهم، وأعجب من ذلك ~~جعله تلك المخالفة دليلا على أنهم الفرقة الناجية. ### | (الشيخية أو الأحمدية) # ثم قال العلامة الجد عليه الرحمة: قد ظهرت في هذه الأعصار من الاثني ~~عشرية طائفة يقال لهم الشيخية، وقد يقال لهم «الأحمدية»، وهم أصحاب الشيخ ~~أحمد الأحسائي، ترشح كلماتهم بأنهم يعتقدون في الأمير كرم الله تعالى وجهه ~~نحو ما يعتقد الفلاسفة في العقل الأول، بل أدهى وأمر. (5) ### | (الرشتية الكشفية) # وطائفة أخرى يقال له الرشتية، وكثيرا ما ms018 يقال لها «الكشفية»، وهو لقب ~~لقبهم به بعض وزراء الزوراء (6) أعلى الله تعالى درجته في أعلى عليين، وهم ~~أصحاب السيد كاظم الحسيني الرشتي، (7) وهو تلميذ الأحسائي وخريجه، لكن ~~خالفه في بعض المسائل، وكلماته ترشح بما هو أدهى وأمر مما ترشح به كلمات ~~شيخه، حتى إن الاثنى عشرية يعدونه من الغلاة، وهو يبرأ مما تشعر به ظواهر ~~كلماته. قال عليه الرحمة: وقد عاشرته كثيرا فلم أدرك فيه ما يقول فيه ~~مكفروه من علماء الاثني عشرية. نعم عنده على التحقيق غير ما عندهم في ~~الأئمة وغيرهم مما يتعلق بالمبدأ والمعاد. ولقد وجدت أكثر ما يقرره ويحرره ~~مما لا برهان له سوى سراب شبه يحسبه الظمآن ماء، ولا أظن أن مخالفاته لشيخه ~~تجعله وأصحابه القائلين بقوله فرقة غير الشيخية. PageV01P022 ### | (البابية) # ثم قال عليه الرحمة: وقد ظهرت أيضا طائفة أخرى يقال لها البابية، (1) وهم ~~أصحاب ميرزا علي محمد الملقب بالباب، والباب واحد الأبواب، وهم أحد الأقسام ~~السبعة لمن لا بد منه في بناء المذهب: الأول (الإمام) الذي يصل إليه علم ~~الغيب بلا واسطة، والثاني (الحجة) الذي يقرر علم الإمام على وفق مذاق ~~المخاطبين وقدر عقولهم وفهومهم بالبرهان والخطابة، الثالث (ذو المصة) الذي ~~يمتص العلم من ثدي الحجة، الرابع الأبواب ويقال لهم الدعاة ولهم مراتب، ~~وأكبرهم من يرفع درجات المؤمنين عند الإمام والحجة، وهذا الأكبر هو رابع ~~السبعة، الخامس (الداعي المأذون) الذي يأخذ العهود والمواثيق من الناس ~~ويفتح للطالب باب العلم والمعرفة، السادس (المكلب) الذي شأنه البحث ~~والاحتجاج والترغيب في صحبة الداعي وليس له الإذن بالدعوة، وسمي بذلك على ~~التشبيه بالكلب المعلم. السابع (المؤمن المتبع) الذي يؤمن بالإمام بمساعي ~~المكلب والداعي. # ثم قال عليه الرحمة: وقد أظهر هذا الباب شنائع كثيرة، منها زعمه ارتفاع ~~فرضية الصلوات الخمس، وأنه سترفع فرضية الحج، وأنه يوحى إليه. وألف كتابا ~~زعم أنه تفسير سورة يوسف، مع أنه ليس فيه تفسير شيء من آياتها، وقد حشاه ~~هذيانات، وحرف فيه آيات، وزعم التحدي به، وذكر فيه أنه تحرم كتابته بالحبر ~~الأسود ms019 المعروف، وأنه يحرم مسه لغير متظهر، إلى أمور أخرى شنيعة ينكرها ~~عليه سائر الشيعة. وقد أرسل بعض دعاته بكتابه إلى قصبة كربلاء فزمر فيها ~~بنغم شنائع تؤد أذن المؤمن من لو كانت عنها صماء، فرقص على زمره في المقام ~~الحسيني جملة من جهلة شيعة العراق، وصبا إليه غير واحد من ذوي الشقاء ~~والشقاق. # فلما سمعت عرضت ذلك لوزير الزوراء، فانتهض لإطفاء تلك الثائرة بهمته ~~الشماء، وعقد لحل ما عقد من المحنة مجلسا عظيما فيه علماء الاثني عشرية ~~وعلماء أهل السنة، فكنت أنا والحمد لله تعالى المباحث ذلك الداعي إلى مهاوي ~~الحين، فلم يتفرق ذلك الجمع حتى أجمع على كفر تلك الفرقة علماء الفرقتين، ~~فكتبوا بذلك محضرا للدولة العلية العثمانية، فبعد أيام حضر الأمر بنفي ذلك ~~الداعي إلى PageV01P023 # الديار الرومية (1)، فنفي وأثبت محبوسا في تكرلي طاغ، وأرغم بموته هناك ~~أنف كل طاغ. # وأما الباب ففتح باب البغي والخروج على شاه إيران، وأمر بعض مردته بقتله ~~غيلة ليتم له ما أضمره من الإضلال والعدوان، فلم يتيسر له ما أراد، وقتل في ~~تبريز مع جملة من أتباعه ذوي الفساد، ولم يزل الشاه يتتبع قتل أتباع الباب ~~بعد تعذيبهم بأنواع العذاب، والعجب أنهم يرون العذاب عذبا، فترى أحدهم يضحك ~~والعذاب يصب على رأسه صبا. ### | (القرتية) # وقال عليه الرحمة أيضا: وطائفة أخرى يقال لها القرتية: أصحاب امرأة اسمها ~~هند، وكنيتها أم سلمة، ولقبها قرة العين، لقبها بذلك السيد كاظم الرشتي في ~~مراسلاته لها إذ كانت من أصحابه، وهي ممن قلدت الباب بعد موت الرشتي، ثم ~~خالفته في عدة أشياء منها التكاليف، فقيل أنها كانت تقول بحل الفروج ورفع ~~التكاليف بالكلية، وأنا لم أحس منها بشيء من ذلك مع أنها حبست في بيتي نحو ~~شهرين، وكم بحث جرى بيني وبينها رفعت فيه التقية من البين. # والذي تحقق عندي أن البابية والقرتية طائفة واحدة، يعتقدون في الأئمة نحو ~~اعتقاد الكشفية فيهم، ويزعمون انتهاء زمن التكليف بالصلوات الخمس، وأن ~~الوحي غير منقطع فقد يوحى للكامل لكن لا وحي ms020 تشريع، بل وحي تعليم لما شرع ~~قبل ولنحو ذلك، وهو رأي لبعض المتصوفة. # وأخبرني بعض من خالطهم أنهم يوجبون على من نظر أجنبية من غير قصد التصدق ~~بمثقال من الذهب، وعلى من نظرها بقصد التصدق بمثقالين منه، وأن منهم من ~~يحيي الليل بكاء وتضرعا، وأنهم يخالفون الاثني عشرية في كثير من الفروع، ~~وأنا حققت أن الاثني عشرية يكفرونهم ويبرؤن منهم، ثم إني أرى أنهم شرارة من ~~نيران الكشفية والأحسائية، وأعظم أسباب ضلالتهم النظر في كلام الرشتي وشيخه ~~الأحسائي مع عدم فهم مقاصدهما منه، وحمله على ما هو بعيد عن الدين المحمدي ~~بمراحل، ولذا أكفرهم أصحاب هذين الرجلين أيضا على ما سمعته بأذني من ~~كبارهم. # وقد قتلت هذه المرأة أيضا بعد أن بغت وخرجت على الشاه ناصر الدين في ~~PageV01P024 # طهران، (1) وتتبع أصحابها بالقتل، فقتلوا إلا قليلا منهم تحصن بالتقية، ~~والانسلاك ظاهرا في سلك الاثني عشرية، وفي قرى العراق بقية يسيرة منهم، وكم ~~من شنيعة تروى عنهم؟ ثم إنه لا يبعد أن تظهر فرق أخرى من الإمامية بعد، ~~نسأل الله تعالى العافية في الدين والدنيا والآخرة. # انتهى كلامه الشريف ولفظه الظريف، وهذا التفصيل مما لا تجده في كتاب، ولا ~~تراه في باب من الأبواب، فتوجه بهمه إليه، وأقبل بجميع شراشرك (2) عليه. ### | مكائد الرافضة # وإذ فرغنا من عد الفرق فقد آن أن نشرع في ذكر شيء من مكائدهم، التي ~~توصلوا بها إلى ترويج مذهبهم الباطل وإضلال العباد، وهي كثيرة جدا لا تدري ~~اليهود بعشرها، وهذا الكتاب يضيق عن حصرها: ### | الأولى # فمن مكائدهم أنهم يقولون: إن أهل السنة يخالفون القرآن المجيد، فإنهم ~~يغسلون الأرجل بدل المسح، والكتاب يدل ظاهرا على المسح. (3) # والجواب أن آية الوضوء تواترت إلينا كسائر القرآن بالقراءات السبع ~~المتواترة، تواتر القراءتين منها ثابت بإجماع الفريقين، بل بإجماع المسلمين ~~وهما قراءتا النصب والجر في الأرجل، وقد ثبت في أصول الفريقين أن القراءتين ~~إذا تعارضتا في آية واحدة فهما في حكم الآيتين، وأن الجمع بين الدليلين ~~أولى من إلغاء أحدهما، وههنا كذلك إذ ms021 يمكن الجمع بينهما حسب قواعدنا ~~بوجهين: # الأول: بحمل المسح على الغسل، قال أبو زيد الأنصاري وغيره من أئمة اللغة: ~~إن المسح في كلام العرب قد يكون بمعنى الغسل، يقال للرجل إذا توضأ: تمسح، ~~ومسح الله ما بك أي أزال عنك المرض، (4) فإن قال الشيعة: يلزم من ذلك الجمع ~~بين الحقيقة والمجاز وهو ممتنع، (5) قلنا لا يلزم ذلك، فإنا نقدر لفظ ~~امسحوا قبل أرجلكم أيضا، وإذا تعدد اللفظ فلا بأس بتعدد المعنى، فالمسح ~~الذي يتعلق بالرؤوس حقيقي، والمتعلق بالأرجل مجازي. # الثاني: إن الجر بالجوار، وهو في التنزيل كثير الوقوع، فتأول قراءة الجر ~~إلى قراءة النصب، وجوز سيبويه والأخفش وأبو البقاء (6) وسائر المحققين من ~~النحاة جر الجوار في النعت والعطف، أما النعت فكقوله تعالى: {عذاب يوم أليم ~~} فقد جر (أليم) بمجاورة (يوم) مع أنه نعت PageV01P025 # للعذاب. (1) وأما العطف فكقوله تعالى: {وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون} ~~على قراءة حمزة والكسائي، فإنه مجرور بمجاورة: {بأكواب وأباريق} مع أنه ~~معطوف على: {ولدان مخلدون}. (2) وقد وقع هذا الجر في كلام العرب العرباء ~~أيضا، فمن ذلك قول النابغة: (3) # لم يبق غير أسير (4) غير منفلت ... وموثق في حبال القد مكبول # بجر (موثق) و (مكبول) بجوار (منفلت) مع أنهما معطوفان على أسير، فلا ~~يلتفت إلى إنكار الزجاج وقوع جر الجوار في المعطوف. (5) # وقد ذكر الشيعة في الجمع بين القراءتين وجهين أيضا: الأول أن تعطف قراءة ~~النصب على محل رؤوسكم لا على المنصوب السابق لاستلزامه الفصل بين المعطوف ~~والمعطوف عليه بجملة أجنبية، فحينئذ حكم الأرجل حكم الرؤوس المعطوف عليه في ~~المسح، الثاني أن الوارد فيه بمعنى مع، كقولهم «استوى الماء والخشبة». (6) # هذا وفي كلا الوجهين نظر من وجوه: أما الأول فلأن العطف على المحل خلاف ~~الظاهر بإجماع الفريقين، وإن استدلوا على خلاف الظاهر بقراءة الجر فقد سبق ~~وجه رجوعها إلى قراءة النصب، على أنها لا تدل على مدعاهم لوجود احتمال جر ~~الجوار، وأما ثانيا فلأن استلزام الفصل بجملة أجنبية إنما يخل إذا لم تكن ~~جملة {وامسحوا برءوسكم} لها تعلق بما ms022 قبلها. وأما إذا قلنا إن المعنى ~~وامسحوا بعد الغسل (برءوسكم)، فلا فصل كما هو مذهب أكثر أهل السنة من جواز ~~المسح ببقية الغسل، ومع ذلك فلم يذهب أحد من أئمة العربية إلى امتناع الفصل ~~بين الجملتين المتعاطفين، بل نقل أبو البقاء إجماع النحاة على جوازه. نعم ~~توسيط الأجنبي في كلام البلغاء لا بد أن يكون لنكتة، وفائدة النكتة ههنا ~~التنبيه على أنه لا ينبغي أن يقتصد في صب الماء على الأرجل وتغسل غسلا يقرب ~~من المسح، وتخصيصها بالتنبيه لكونها مظنة للإسراف، وللإيماء إلى وجوب ~~الترتيب. وأما ثالثا فلأنه لو عطف (وأرجلكم) على محل (برءوسكم)، جاز لنا أن ~~نفهم منه معنى الغسل؛ لأن من القواعد المقررة في العربية أنه إذا اجتمع ~~فعلان متقاربان بحسب المعنى جاز حذف أحدهما وعطف متعلق المحذوف على متعلق ~~المذكور، ومن ذلك قول لبيد بن ربيعة العامري: PageV01P026 # فعلا فروع الأيهقان وأطفلت ... بالجلهتين ظباؤها ونعامها # أي وباضت نعامها، فإن النعام لا تلد بل تبيض، إذ هي من الطيور وهي لا تلد ~~إلا الخفاش. # ومنه قول الآخر: (1) # إذا ما الغانيات برزن يوما وزججن الحواجب والعيونا # أي وكحلن العيون. ومنه قول الآخر: (2) # تراه كأن الله يجدع أنفه ... وعينيه إن مولاه ثاب له وفر # ومنه قول الأعرابي: علفتها تبنا وماء باردا، أي وسقيتها. (3) # وأما رابعا: فلأن حمل الواو على معنى مع بدون قرينة لا يجوز، ولا قرينة ~~ههنا، بل القرينة على خلافه لما تبين من وجوه التطبيق. # هذا ولما حصل الجمع بين الفريقين ولزم الترجيح رجع المحققون إلى سنة خير ~~الورى - صلى الله عليه وسلم - إذ هي المبينة لمعاني القرآن المجيد، وهذه ~~واقعة جلية فقد كان - عليه الصلاة والسلام - يتوضأ في اليوم والليلة خمس ~~مرات على رؤوس الأشهاد لأجل التعليم، ولم يرو أحد - ولو بطريق الآحاد - أنه ~~- عليه الصلاة والسلام - مسح الرجلين، وقد روى الجميع غسلها بروايات ~~متواترة، وقد اعترف بذلك الشيعة إلا أنهم يقولون قد روي لنا المسح عن ~~الأئمة، وما روى أهل السنة الغسل عن أولئك محمول على التقية. ms023 هذا مع أن ~~روايات غسل الرجلين عن الأئمة ثابتة في كتب الإمامية الصحيحة المعتبرة بحيث ~~لا مجال للتقية فيها، فرواية الغسل متفق عليها ورواية المسح مختلف فيها عند ~~الشيعة مع قطع النظر عن أهل السنة، فإن بعضهم قد روى تلك الرواية وبعضهم لم ~~يروها، وفعله - عليه الصلاة والسلام - سالم عن المعارض عند الفريقين؛ لأنه ~~لم يرو أحد المسح عنه - عليه الصلاة والسلام -، وظاهر أن فهم معاني القرآن ~~كما هو مراد الله تعالى لم يكن لغير الرسول - صلى الله عليه وسلم - ففهمنا ~~حينئذ مطابق لفهمه - عليه الصلاة والسلام -. # ولنذكر ما روي في كتبهم من روايات غسل الرجلين التي لم يصل أحد منهم ~~للطعن فيها: # فقد روى العياشي عن علي بن أبي حمزة قال: «سألت أبا إبراهيم (4) عن ~~القدمين، فقال PageV01P027 # تغسل غسلا». (1) # وروى محمد بن نعمان (2) عن أبي بصير (3) عن أبي عبد الله - عليه السلام ~~-: «إذا نسيت مسح رأسك حتى تغسل رجليك فامسح رأسك حتى تغسل رجليك، فامسح ~~رأسك ثم اغسل رجليك»، (4) وهذا الحديث أيضا رواه الكليني وأبو جعفر الطوسي ~~بأسانيد صحيحة، ولا يمكن حملها على التقية، إذ المخاطب شيعي خاص. # وروى محمد بن الحسن الصفار (5) عن زيد بن علي عن أبيه عن جده أمير ~~المؤمنين قال: «جلست أتوضأ فأقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما ~~غسلت قدمي قال: يا علي خلل بين الأصابع» (6) إلى غير ذلك من الأخبار ~~الثابتة في كتبهم الصحيحة. (7) # وأما ما روي عن عباد بن تميم عن عمه بروايات ضعيفة أنه توضأ ومسح على ~~قدميه فهو شاذ منكر لتفرده ومخالفته للجمهور. (8) وما روي عن أمير المؤمنين ~~أنه مسح وجهه بيديه ومسح على رأسه ورجليه وشرب فضل طهوره قائما وقال، وقال: ~~«إن الناس تزعم أن الشرب قائما لا يجوز وقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - صنع ما صنعت فهذا وضوء من لم يحدث»، (9) فلا يجدي للشيعة نفعا ولا ~~يكون لهم به تمسك، لأن الكلام في الوضوء من الحدث لا في مجرد التنظيف بمسح ~~الأطراف. # وبعض الشيعة ms024 ادعوا أن المسح مذهب لجمع من الصحابة مثل عبد الله بن عباس ~~وأبي ذر وأنس بن مالك، وهذا كذب مفترى عليهم، فإنه لم يرو عن أحد منهم ~~بطريق صحيح أنه جوز المسح إلا عن ابن عباس فإنه قال: «لم نجد في كتاب الله ~~إلا المسح ولكنهم أبوا إلا الغسل»، (10) يعني ظاهر الكتاب يوجب المسح على ~~قراءة الجر التي كانت قراءته، ولكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ~~لم يعملوا إلا الغسل، فقوله هذا دليل صريح على أن قراءة الجر مؤولة متروكة ~~الظاهر بعمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصحابة - رضي الله تعالى ~~عنهم -، وهكذا كل ما يروونه في هذه المسألة عن أحد أئمة السنة فهو إفك ~~وزور، فقد تبين أن هذا الكيد صار في نحرهم ودل بمخالفتهم النصوص القولية ~~على كفرهم، {وكفى الله المؤمنين القتال}، والحمد لله على كل حال، سوى الكفر ~~والضلال. ### | الثانية # ومن مكائدهم أنهم يقولون: إن أهل السنة يشرعون أحكاما من عند أنفسهم، كما ~~جعلوا القياس دليلا شرعيا ويثبتون كثيرا من الأحكام به، # والجواب أن هذا الطعن يعود حينئذ على أهل البيت، فإن الزيدية وأهل السنة ~~يرون القياس عن الأئمة، وقد قال PageV01P028 # أبو نصر هبة الله بن الحسين أحد علماء الإمامية بحجية القياس، وتبعه على ~~ذلك جماعة منهم، وقد ثبت ذلك في كتبهم أيضا بطرق صحيحة. # فمن ذلك ما روى أبو جعفر الطوسي في (التهذيب) عن أبي جعفر محمد بن علي ~~الباقر قال: «جمع عمر بن الخطاب أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ~~ما تقولون في رجل يأتي أهله ولا ينزل؟ فقالت الأنصار: الماء من الماء، وقال ~~المهاجرون: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل، فقال عمر لعلي - رضي الله ~~عنهما -: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: توجبون عليه الجلد ولا توجبون عليه ~~صاعا من الماء؟» (1) فقاس - رضي الله تعالى عنه - ههنا الغسل على الحد ~~بالصراحة. وأجاب بعض علماء الشيعة عن هذا القياس بأن ما قال الأمير ليس ~~بقياس، بل هو استدلال بالأولوية، يقابله في عرف ms025 الحنفية (دلالة النص) ~~كدلالة {فلا تقل لهما أف} على حرمة الشتم والضرب، وهما سواء في مهمة ~~المجتهد وغيره، وحاصل هذا التقرير أن تأثير المجامعة بلا إنزال لما ثبت في ~~أقوى المشقتين وهو الحد كان ثبوته في أضعفهما وهو الغسل بالطريق الأولى. # وفيه خبط ظاهر لأن المساحقة موجبة للتعزير عند أهل السنة وللحد عند ~~الإمامية، ولا توجب الغسل بالإجماع، وكذا اللواطة إن كانت بطريق الإيلاج ~~فهي موجبة للحد عند بعض أهل السنة والإمامية وموجبة للتعزير عند غيرهم، ولا ~~غسل على مرتكبها عند الإمامية، (2) وكذا المباشرة الفاحشة مع الأجنبية توجب ~~التعزير ولا توجب الغسل بالاتفاق، فلم يثبت تأثير هذه الأمور في الغسل ~~بدلالة النص أصلا فضلا عن الطريق الأولى كما ترى. # وشارح (مبادئ الأصول) (3) مع تشيعه وفرط عناده لأنه ابن المطهر الحلي (4) ~~اعترف بان القياس كان جاريا في زمن الصحابة، وسيجيء إن شاء الله تعالى ذكر ~~إجازة الأئمة كالباقر والصادق وزيد الشهيد أبا حنيفة بالقياس، وأما دلائل ~~تجويز القياس وإبطال قول منكريه فمذكورة في كتب أصول أهل السنة فارجع إليها ~~إن أردت. (5) ### | الثالثة # ومن مكائدهم أنهم يقولون: إن مذهب الاثني عشرية حق لأنهم أقل من أهل ~~السنة وأذل منهم قال تعالى: {وقليل ما هم} و {وقليل من عبادي الشكور}. (6) ~~PageV01P029 # والجواب أنه لا يخفى على العاقل أن في هذا التقرير تحريفا لكلام الله ~~تعالى، فإن الله قال في حق أصحاب اليمين: {ثلة من الأولين وثلة من ~~الآخرين}، والثلة هي الجم الغفير، (1) وليس في الآية الكريمة المذكورة بيان ~~حقيقة المذاهب أو بطلانها، بل إنما هي لبيان قلة الشاكرين وكثرة غيرهم، ~~وكذا في قوله تعالى: {وقليل ما هم} بيان قلة العاملين بجميع الأعمال ~~الصالحة، كما يدل الكلام السابق على ذلك وهو قوله تعالى: {إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات} وليس فيها بيان حقية العقائد أو بطلانها. # وعلى تقدير تسليم كون القلة والذلة موجبة للحقية يلزم أن يكون النواصب ~~(2) والخوارج والزيدية والأفطحية وغيرهم أحق من الاثني عشرية لأنهم أقل ~~منهم بكثير وأذل، نعم إن العزة للمؤمنين لقوله ms026 تعالى: {ولله العزة ولرسوله ~~وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون} وقوله تعالى: {ولقد سبقت كلمتنا ~~لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون} وقوله تعالى: ~~{ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} وقوله ~~تعالى: {فإن حزب الله هم الغالبون} وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«اتبعوا السواد الأعظم» (3) إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على ~~كثرة أهل الحق، فبان كيدهم وخسر هنالك المبطلون. ### | الرابعة # ومن مكائدهم أنهم يقولون: إن كبار أهل السنة وأئمتهم كأبي بكر وعمر ~~وعثمان حرفوا القرآن، (4) وأسقطوا كثيرا من الآيات والسور التي نزلت في ~~فضائل أهل البيت، PageV01P030 # والأمر باتباعهم والنهي عن مخالفتهم وإيجاب محبتهم، وأسماء أعدائهم ~~والطعن فيهم واللعن عليهم، فشق عليهم ذلك ونبض عرق الحسد منهم فتجاسروا على ~~ذلك. (1) # ومن جملة ما أسقطوه من سورة ألم نشرح (وجعلنا عليا صهرك)، وهو يدل على ~~تخصيص علي بكونه صهرا دون عثمان، (2) ومنها (سورة الولاية) ويزعمون أنها ~~سورة طويلة قد ذكر فيها فضائل PageV01P031 # أهل البيت. (1) # والجواب أن الله تعالى قال: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} فما ~~كان في حماية الباري عز اسمه كيف يمكن للبشر تنقيصه وتحريفه، سبحانك اللهم ~~هذا بهتان عظيم، ونعوذ بك من الشيطان الرجيم. ### | الخامسة # ومن مكائدهم أن جماعة من علمائهم اشتغلوا بعلم الحديث أولا وسمعوا من ~~ثقات المحدثين من أهل السنة فضلا عن العوام، ولكن الله سبحانه وتعالى قد ~~تفضل على أهل السنة فأقام لهم من يميز بين الطيب والخبيث، وصحيح الحديث ~~وموضوعه، حتى إنهم لم يخف عليهم وضع كلمة واحدة من الحديث الطويل. (2) ### | السادسة # ومن مكائدهم أنهم ينظرون في أسماء الرجال المعتبرين عند أهل السنة، فمن ~~وجدوه موافقا لأحد منهم في الاسم واللقب أسندوا رواية حديث ذلك الشيعي ~~إليه، فمن لا وقوف له من أهل السنة يعتقد أنه إمام من أئمتهم فيعتبر بقوله ~~ويعتد بروايته، كالسدي فإنهما رجلان أحدهما السدي الكبير، (3) والثاني ~~السدي الصغير، (4) فالكبير من ثقات أهل السنة، والصغير من الوضاعين ~~الكذابين وهو رافضي ms027 غال، وعبد الله بن قتيبة رافضي غال، وعبد الله بن مسلم ~~بن قتيبة (5) من ثقات أهل السنة، وقد صنف كتابا سماه بالمعارف، فصنف ذلك ~~الرافضي كتابا وسماه بالمعارف أيضا قصدا للإضلال. PageV01P032 ### | السابعة # ومن مكائدهم أنهم ينسبون بعض الكتب لكبار علماء السنة مشتملة على مطاعن ~~في الصحابة وبطلان مذهب أهل السنة، وذلك مثل كتاب (سر العالمين) فقد نسبوه ~~إلى الإمام محمد الغزالي (1) عليه الرحمة وشحنوه بالهذيان، (2) وذكروا في ~~خطبته عن لسان ذلك الإمام وصيته بكتمان هذا السر وحفظ هذه الأمانة، وما ذكر ~~في هذا الكتاب فهو عقيدتي، وما ذكر في غيره فهو للمداهنة، فقد يلتبس ذلك ~~على بعض القاصرين، نسأل الله عز وجل العصمة من مثل هذا الزلل ### | الثامنة # ومن مكائدهم أنهم يذكرون أحد علماء المعتزلة أو الزيدية أو نحو ذلك، ~~ويقولون إنه من متعصبي أهل السنة، ثم ينقلون عنه ما يدل على بطلان مذهب أهل ~~السنة وتأييد مذهب الإمامية الاثني عشرية ترويجا لضلالهم، كالزمخشري (3) ~~صاحب (الكشاف) الذي كان معتزليا تفضيليا، والأخطب الخوارزمي (4) فإنه زيدي ~~غال، وابن قتيبة صاحب المعارف الذي هو رافضي عنيد (5)، وابن أبي الحديد ~~شارح (نهج البلاغة) الذي هو من الغلاة على قول، ومن المعتزلة على قول آخر، ~~وهشام الكلبي (6) الذي هو من الغلاة، وكذلك المسعودي (7) صاحب (مروج الذهب) ~~وأبو الفرج الأصفهاني (8) صاحب (الأغاني) وغيرهم، وقصدوا بذلك إلزام أهل ~~السنة بما لهم من الأقوال، مع أن حالهم لا تخفى حتى على الأطفال. ### | التاسعة # ومن مكائدهم أنهم يقولون: نحن أتباع أهل البيت الذين قال تعالى فيهم ~~{إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} (9) وغير ~~الشيعة تابعون لغير أهل البيت، فلزم كون الشيعة هي الفرقة الناجية، (10) ~~ويؤكدون ذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح ~~من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق». (11) # والجواب أن هذا الكلام قد اختلط فيه الحق بالباطل، والرائج من القول ~~بالعاطل: فإنا نسلم أن أتباع أهل البيت PageV01P033 # ناجون، وأن مقلديهم هم المصيبون، ولكن أين الشيعة الطغام، من أولئك ~~السادات ms028 الكرام والأئمة العظام؟ كما سيأتي من بيان ما لهم من الأحوال، وذكر ~~ما اعتقدوه من الكفر والضلال، فهيهات هيهات، وقد فات عنهم ما فات، بل الحق ~~الحقيق بالقبول أن أهل السنة هم أتباع بيت الرسول، وهم السالكون طريقتهم ~~والمجيبون دعوتهم، والأئمة الأطهار كانوا على ما عليه أهل السنة الأخيار، ~~كيف لا وأبو حنيفة ومالك وغيرهما من العلماء الأعلام، قد أخذوا العلم عن ~~أولئك الأئمة العظام، والحمد لله تعالى على ذلك الإنعام. ### | العاشرة # ومن مكائدهم أنهم يؤلفون في الفقه كتابا وينسبونه إلى أحد أئمة أهل ~~السنة، ويذكرون فيه بعض المفتريات مما يوجب الطعن على أهل السنة، كالمختصر ~~المنسوب إلى الإمام مالك الذي صنفه أحد الشيعة فذكر فيه أن مالك العبد يجوز ~~له أن يلوط به لعموم قوله تعالى: {أو ما ملكت أيمانكم} وقد فات ذلك صاحب ~~(الهداية) فنسب حل المتعة إلى الإمام مالك، (1) مع أنه كذب وبهتان، بل قيل ~~إنه [لا] يوجب الحد عليها بخلاف الأئمة الثلاثة. (2) ### | الحادية عشر # ومن مكائدهم أنهم يزيدون بعض الأبيات في شعر أحد أئمة أهل السنة مما يؤذن ~~بتشيعه، كما فعلوا في ديوان حافظ الشيرازي (3) وديوان مولانا الرومي (4) ~~والشيخ شمس الدين التبريزي (5) (قدس سرهم)، وقد ألحق بعض الشيعة المتقدمين ~~بما نسب للإمام الشافعي - رضي الله تعالى عنه - من الأبيات الثلاثة السابقة ~~التي أولها: # يا راكبا قف بالمحصب من منى ... واهتف بساكن خيفها والناهض # ثلاثة أبيات أخرى تشير بتشيعه وحاشاه من ذلك وهي هذه: # قف ثم ناد بأنني لمحمد ... ووصيه وبنيه لست بباغض PageV01P034 # وأخبرهم أني من النفر الذي ... لولاء أهل البيت ليس بناقض # وقل ابن إدريس بتقديم الذي ... قدمتموه على علي ما رضي (1) # والفرق بين تلك الثلاثة وهذه مما لا يخفى على صغار المتعلمين، إذ هذه ~~الثلاثة في غاية من الركاكة فلا يتصور صدورها عن مثل ذلك الإمام البليغ ~~الذي له اليد الطولى في العربية، وقد نسبوا له أيضا أبياتا أخر غير التي ~~ذكرناها سابقا مثل قولهم: # شفيعي نبي والبتول وحيدر ... وسبطاه والسجاد والباقر المجدي # وجعفر والثاوي ms029 ببغداد والرضا ... وفلذته والعسكريان والمهدي (2) # ولا يخفى بطلان ما نسب إلى ذلك الإمام على من تصفح كتب التاريخ، لأن ~~ولادة الإمام علي ابن محمد التقي كانت سنة أربع عشر ومائتين، وولادة الإمام ~~حسن العسكري بعد ذلك بزمن طويل، ووفاة الإمام الشافعي سنة أربع ومائتين في ~~عهد المأمون العباسي. (3) نعم إن الإمام الشافعي قد ذكر فضائل من أدركه من ~~أئمة أهل البيت، وهكذا شأن جميع علماء أهل السنة ولله تعالى الحمد كما سبق. ~~(4) ### | الثانية عشر # ومن مكائدهم أنهم يفترون على النبي - صلى الله عليه وسلم - في أنه قال: ~~«لا تسأل شيعة علي يوم القيامة عن صغيرة ولا كبيرة، بل تبدل سيئاتهم ~~بالحسنات»، (5) وأنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «قال الله تعالى: لا أعذب ~~أحدا والى عليا وإن عصاني». (6) # فاغتر بهذا بعض الجهال فهاموا في أودية الضلال، مع أنه قال تعالى: {فمن ~~يعمل مثقال ذرة خيرا يره}، فقد كذبوا على النبي المختار، فليتبوءوا مقعدهم ~~من النار. PageV01P035 # ومن مكائدهم أنهم يقولون: إن فضائل أهل البيت وما روى في إمامة الأمير ~~متفق عليه عند الفريقين، بخلاف فضائل الخلفاء الثلاثة فهي مختلف فيها، ~~فينبغي للعاقل أن يختار ما اتفق عليه بموجب «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». ~~(1) # والجواب أن شبهتهم هذه كشبهة اليهود والنصارى في قولهم: إن نبوة موسى ~~وعيسى متفق عليها عند الفريقين، بخلاف نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -. ~~والذى يزيل هذه الشبهة هو أن الأخذ بالمتفق عليه وترك المختلف فيه إنما ~~يكون بمقتضى العقل لو لم يوجد دليل آخر، فإن وجد فلا التفات للاتفاق ~~والاختلاف. على أن هذه الشبهة تتقلب عليه ويعود وبالها وبلاؤها على رءوسهم، ~~كيف لا وقد تقرر عندهم من القواعد أن الروايتين عن الأئمة إن وافقت أحداهما ~~العامة دون الأخرى فالتمسك إنما هو بالمخالفة ولو كانت ضعيفة، وهذا مصرح به ~~في أصولهم. (2) # ومن مكائدهم أنهم ينسبون إلى الأمير من الروايات ما هو برئ منه ويحرفون ~~ما ورد عنه، فمن ذلك (نهج البلاغة) الذي ألفه الرضي (3) وقيل أخوه المرتضى، ms030 ~~(4) فقد وقع فيه تحريف كثير وأسقط كثير من العبارات حتى لا يكون به متمسك ~~لأهل السنة، مع أن ذلك أمر ظاهر، بل مثل الشمس زاهر. # ومن مكائدهم أنهم ينظمون بعض الأبيات على لسان اليهود أو النصارى مما ~~يؤذن تحقيقه مذهب التشيع، فمن ذلك ما ينسبونه إلى ابن فضلون اليهودي: # على أمير المؤمنين عزيمة ... وما لسواه في الخلافة مطمع # له النسب العايى وإسلامه الذي ... تقدم، بل فيه الفضائل أجمع # ولو كنت أهوى ملة غير ملتي ... لما كنت إلا مسلما أتشيع (5) # وكذا ينسبون إليه هذه الأبيات: # حب علي في الورى جنة ... فامح بها يا رب أوزاري # لو أن ذميا نوى حبه ... حصن في النار من النار (6) # إلى غير ذلك، وسيجئ منه إن شاء الله في آخر الكتاب. # ومن مكائدهم أنهم يقولون: إن الشيعة أمنون من عذاب يوم القيامة ودخول ~~النار PageV01P036 # وكل ما في القرآن من الوعيد فهو لغيرهم. (1) ولا يخفى أن عقيدتهم هذه ~~تشبه عقيدة اليهود حيث قالوا {لن تمسنا النار إلا أياما معدودة}، {نحن ~~أبناء الله وأحباؤه} ويردهم قوله تعالى {من يعمل سوءا يجز به} وغير ذلك من ~~الآيات والأحاديث المتفق على صحتها عند الفريقين. (2) # ومن مكائدهم أنهم يقولون: إن أهل السنة يختارون مذهب أبي حنيفة والشافعي ~~ومالك وأحمد ويؤثرونه على مذهب الأئمة الأطهار مع أنهم أحق بالأتباع، لأنهم ~~تربوا في حجر النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأهل البيت أدرى بما فيه، وأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «إنى تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بها ~~لن تضلوا بعدي: كتاب الله وعترتي أهل بيتي» (3) وقال - صلى الله عليه وسلم ~~- «مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق» (4) ~~ولأن كمالهم وعلمهم وتقواهم من المتفق عليه عند الفريقين، فهم بالاتباع ~~أحق، وبالاقتداء أليق. والجواب أن الإمام نائب النبي وخليفة لا صاحب ~~المذهب، لأن المذهب طريق الذهاب الذي فتح على بعض الأمة فهم أحكام الشريعة ~~من أصولها، ولذا احتمل الصواب والخطأ، والإمام عندكم معصوم عن الخطأ كالنبي ms031 ~~فلا يتصور نسبة المذهب إليه، ومن ثم كان نسبة المذهب إلى الله تعالى والرسل ~~الكرام عليهم الصلاة والسلام من فضول الكلام، ومعدودا من جملة الأوهام. بل ~~فقهاء الصحابة رضى الله تعالى عنهم أفضل عند أهل السنة من الأئمة الأربعة، ~~ومع ذلك لا يعدونهم أصحاب مذاهب، بل إنما يجعلون أقوالهم وأفعالهم مدارك ~~الفقه ودلائل الحكام، وواسطة في أخذ شريعة الرسول - عليه الصلاة والسلام -. # على أن أهل السنة هم المقتدون بالأئمة الأطهار، فإن أئمة مذاهبهم قد ~~أخذوا العلم من أولئك الأخيار، فرتبتهم عند أهل السنة رتبة النبي والأصحاب ~~الكبار، ولكن لا ينسبون أنفسهم إليهم، ولا يدعون أخذ العلم عنهم كما هو ~~حالهم مع الصحابة. وتحقيق هذا المطلب أن منصب الإمام إصلاح العالم في أمر ~~المعاش والمعاد كما هو شأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فالأئمة في ~~زمنهم اشتغلوا في ألهم من بيان ما يحصل به الشفاء من PageV01P037 # الأمراض النفسانية ورفع المهلكات، وأحالوا الأحكام الشرعية إلى تلاميذهم ~~وأصحابهم. فتوجهوا إلى إقامة تلك الأحكام، كما توجه الأئمة إلى العبادات ~~والرياضات وتصفية القلوب وتعيين الأذكار وتعليم الأدعية وتهذيب الأخلاق، ~~وإرشادهم إلى المعارف الإلهية بأخذها من كلام الله تعالى وكلام رسوله - صلى ~~الله عليه وسلم -، ولهذا نقل عنهم دقائق علم الطريقة وغوامض أسرار الحقيقة، ~~ويشير حديث الثقلين إلى ذلك، لأن كتاب الله تعالى يكفى في تعليم ظاهر ~~الشريعة، ولا حاجة لمن له معرفة بالأصول والفقه في فهم الأحكام الشرعية منه ~~إلى إرشاد إمام، وإنما الحاجة إليه لتعليم الأسرار الإلهية، ولهذا لم نر ~~أحدا منهم صنف كتابا في أصول أو فروع باتفاق الفريقين، بل انتشرت روايات ~~المسائل والأحكام عنهم في أصحابهم وصارت قواعد الاستنباط مهجورة فلابد لها ~~من يجمعها ويحرزها ويمهد قواعد الاجتهاد ومراسمه. # والشيعة وإن كانوا يدعون ظاهرا أتباع الأئمة ولكنهم في الحقيقة يقلدون في ~~المسائل غير المنصوصة عن الأئمة علماءهم ومجتهديهم كابن عقيل (1) والسيد ~~المرتضى والشيخ (2) والشهيد (3) ويأخذون بأقوالهم ولو كانت مخالفة للروايات ~~الصحيحة عن الأئمة كما سيجئ إن شاء الله تعالى من ذلك في المسائل ms032 الفقهية. # فإذا جاز عندهم تقليد مجتهديهم فيما يخالف الروايات الثابتة عن الأئمة ~~فأي محذور يلزم أهل السنة في أخذهم بأقوال المذاهب الأربعة والاقتداء بهم ~~مع موافقتهم لما عليه الأئمة من الأصول والقواعد، ولا محذور في المخالفة في ~~بعض الفروع، كما أن محمد بن الحسن (4) وأبا يوسف (5) قد خالفا مقتداهما أبا ~~حنيفة في كثير من المسائل، ومع ذلك فهما من أتباعه، وما قاله ابن الأثير ~~الجزري (6) صاحب (جامع الأصول) أن الإمام على الرضا كان مجددا لمذهب ~~الإمامية في القرن الثالث فمراده أن الإمامية يوصلون إليه مذهبهم المدون في ~~ذلك القرن ويعلمونه مأخذ مذهبهم، كما ان ابن مسعود من الصحابة وعلقمة من ~~التابعين كانا بانيين لمذهب أبي حنيفة، وأن نافعا والزهري من التابعين وابن ~~عمر من الصحابة كانوا بانين لمذهب مالك، مع أن ما ذكره ابن الأثير بناه على ~~زعم الإمامية ومعتقدهم بناء على ما صرح به من أنه PageV01P038 # يذكر مجددي كل مذهب على زعم أصحابه ومعتقدهم والله تعالى أعلم. # ومن مكائدهم أنهم يذكرون في كتب التواريخ حكايات موضوعة وخرافات شنيعة ~~مما يؤيد عقائدهم الفاسدة ويروج مذاهبهم الكاسدة. فمن ذلك حكاية حليمة ~~السعدية (1) مرضعة النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قالوا: إنها قدمت على ~~الحجاج الثقفي (2) في العراق فقال لها الحجاج: جاء بك الله إلي وقد كنت ~~أردت أن أكلفك بالحضور لأنتقم منك. فسألته حليمة عن السبب، فقال: سمعت أنك ~~تفضلين عليا على أبي بكر وعمر، فأطرقت رأسها ساعة ثم رفعته وقالت: أيها ~~الحجاج، والله إنى لا أفضله على أبي بكر وعمر وحدهما إذ أي كمال وفضل ~~لهما!؟ بل أفضله على آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلاة والسلام. ~~فاشتد إذ ذاك غضب الحجاج وقال: لئن لم تثبتي هذه الدعوى لأقطعنك إربا إربا ~~لتكوني عبرة لمن يعتبر. فقالت حليمة: أصغ إلى مقالتي واسمع دليلي وحجتي. ~~فقال لها الحجاج: فيم تفضلين عليا على آدم وقد خلقه الله تعالى بيده ونفخ ~~فيه من روحه وأسكنه الجنة وأمر الملائكة بالسجود له وكرمه بانواع الكرامات؟ ~~فقالت ms033 حليمة بما قال الله تعالى {وعصى آدم ربه فغوى} وقد وصف عليا وأثنى ~~عليه في سورة «هل أتى» بقوله تعالى {إنما وليكم الله ورسوله} الآية، ولم ~~يسبقه أحد بالتصديق في الصلاة حيث أعطي الفقير خاتمه وهو فيها. (3) # فقال الحجاج صدقت، فبأي دليل تفضلين عليا على نوح؟ فقالت: لأن زوجة علي ~~فاطمة البتول سيدة نساء العالمين بضعة خير الخلق أجمعين زوجت تحت سدرة ~~المنتهى بشهادة الملائكة المكرمين وإخبار الروح الأمين، وزوجة نوح كانت ~~كافرة كما نطق به القرآن! فقال الحجاج: بما تفضلين عليا على إبراهيم خليل ~~الرحمن؟ فقالت: إن إبراهيم قال {رب أرني كيف تحيي الموتى. قال أولم تؤمن؟ ~~قال بلى ولكن ليطمئن قلبي} وقال علي على رءوس الأشهاد: لو كشف لي الغطاء ما ~~ازددت يقينا. (4) ثم قالت سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان ~~جالسا وحوله المؤمنون والمنافقون فقال: أيها المؤمنون قد وضع لي المنبر ~~ليلة أسرى بي فجلست عليه وجاء أبي إبراهيم فصعد المنبر وجلس عليه دون درجة ~~PageV01P039 # واحدة من مجلسي، وجاء الأنبياء الآخرون أيضا وسلموا علي، حتى جئ بابن عمى ~~علي ابن أبي طالب راكبا على ناقة من نوق الحنة وفي يده لواء الحمد وكان ~~حوله جماعة وجوههم كالبدر مشرقة منورة فسألتي إبراهيم عن هذا الفتى أهو من ~~النبيين؟ قلت: ما هو نبي بل هو ابن عمي علي بن أبي طالب، فسأل إبراهيم: من ~~هؤلاء القوم الحافون من حوله؟ قلت: أولئك شيعته ومحبوه. فدعا إبراهيم ~~حينئذ: رب أجعلني من شيعة علي، يدلك على ذلك قوله تعالى {وإن من شيعته ~~لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم} فقال الحجاج: صدقت. فبم تفضلينه على ~~سليمان. فقالت حليمة: إن سليمان طلب من ربه الملك والجاه والدنيا حيث قال ~~{رب هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب} والأمير قد طلق ~~الدنيا حيث قال: إليك عني يا دنيا، طلقتك ثلاثا لا رجعة بعدها، حبلك على ~~غاربك، غري غيري، ولا حاجة لي فيك». (1) قال الحجاج: صدقت، فيم تفضلينه على ~~موسى؟ ms034 فقالت: إن موسى قد فر من مصر إلى مدين خوفا من فرعون، قال تعالى ~~{فخرج منها خائفا يترقب} والأمير قد رقد ليلة الهجرة على فراش رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بقلب مطمئن، ولو كان معه شئ من الخوف لما نام. فقال: ~~صدقت. # ففيم تفضلينه على عيسى؟ فقالت: إن عيسى يحبس يوم الحشر في موقف الحساب ~~فيسأله الله تعالى: هل إنه كان السبب في اتخاذ إله غير الله وعبادة غيره ~~سبحانه ليعتذر حينئذ بما يعتذر؟ يدل على ذلك قوله تعالى {أأنت قلت للناس ~~اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لى ~~به علم إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت ~~علام الغيوب. ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم} ~~الآية، والأمير لما قالت السبئية إنه إله غضب عليهم وأجلاهم وهددهم حتى ~~اشتهر في مشارق الأرض ومغاربها وأظهر منهم البراءة فقال الحجاج: صدقت. وأمر ~~لها بألف دينار وقرر لها وظيفة في كل سنة. ثم قالت يا حجاج استمع نكتة ~~ولطيفة أخرى. إن مريم لما أخذها المخاض وقد كانت في بيت المقدس أمرها الله ~~تعالى PageV01P040 # بخروجها عنه إلى الصحراء ووضع حملها تحت جذع النخلة كي لا يتلوث بيت ~~المقدس بنفاسها. ولما أخذ المخاض أمير المؤمنين فاطمة بنت أسد (1) أوحى ~~إليها الله: ادخلي في الكعبة وشرفي بيتي بولادة هذا المولود الشريف. فأنصف ~~الأن، من الأفضل والأشرف من هذين المولودين؟ فدعا الحجاج لحليمة بالخير، ~~وودعها معززة محترمة. (2) انتهت هذه الحكاية المكذوبة والقصة الأعجوبة. # ولا يخفى ما فيها من بطلان حتى على الصبيان، حيث إن حليمة كما لا يخفى ~~على من تصفح كتب التواريخ والسير لم تدرك زمن الخلفاء الراشدين، بل قد ~~اختلف المؤرخون في كونها أدركت زمن البعثة وآمنت بالنبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، وأيضا إن الحجاج مشهور بسفك الدماء ظلما ولا سيما أهل البيت ومن له ~~تعلق بهم لأنه كان من ms035 النواصب المظهرين لعداوة الأمير كرم الله تعالى وجهه ~~وذريته الطاهرين - رضي الله تعالى عنهم -، ولذا قتل كثيرا من علماء أهل ~~السنة بسبب محبتهم لأولئك الكرام، وقد أهان كثيرا من الصحابة الكرام وأهان ~~أنس بن مالك خادم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (3) ولا يتمكن أحد من ~~الحضور لديه من غير أن يطلب حضوره، فعلى فرض أن حليمة أدركت زمنه كيف ~~يمكنها الوصول إليه حتى تشد الرحال للحضور بين يديه؟ ومع ذلك لم ينقل عن ~~أحد رجوع ذلك الظالم عن بغض الأمير الذي يرى ذلك سببا لنيله الجاه الخطير. ~~ثم إنا إذا رجعنا إلى ما نسبوه إلى حليمة من الشبهات، وهاتيك الدلائل ~~الواهيات، وجدناها كسراب بقيعة، لا يخفى ما فيها من الأمور الشنيعة، وذلك ~~من وجوه: أما أولا فلأن تفضيل الأمير على الأنبياء، ولا سيما على أولي ~~العزم خلاف ما عليه العقلاء من سائر ملل الأنام فضلا عن ملة الإسلام، فإن ~~المولى لا يصل إلى مرتبة النبي في كل شريعة من الشرائع، ونصوص الكتاب تنادى ~~على تفضيل الأنبياء على جميع خلق الله. (4) # وأما ثانيا: فإن تلك الاحتجاجات مبنية على ملاحظة مناقب الأمير مع زلات ~~الأنبياء، ولو لوحظت مع كمالاتهم ومناقبهم لخفيت على الناظرين، وغابت عن ~~أعين المبصرين. ويلزم عليهم أن الأمير بل وأبا ذر وعمارا وسلمان وغيرهم من ~~الصحابة الكرام أفضل من النبي - عليه الصلاة والسلام - إذا نظر ما ورد في ~~حقهم من الآيات المشعرة بمدحهم مع ما ورد من معاتباته - عليه PageV01P041 # الصلاة والسلام - في عدة مواضع، ولا يقول ذلك عاقل فضلا عن فاضل. وأما ~~ثالثا فلأن آدم أبو البشر وأصل لنوع الإنسان، فكل ما يحصل لأولاده من ~~الفضائل والأعمال الصالحة فهي عائدة إليه. نعم إن بعض أولي العزم كنبينا ~~ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، فضلوا عليه لخصوصيات ~~أكرمهم الله تعالى بها ذكرها سبحانه في كتابه العزيز وخطابه الوجيز. وأما ~~رابعا فلأن الأزواج لا دخل لهن في المفاضلة، لأن الأمور العارضة لا دخل لها ~~في الفضل الذاتي والكمال الحقيقي، ms036 وإنما المناط الأمور الذاتية والصفات ~~الحقيقية، فتفضيل زوجة علي كرم الله تعالى وجهه على زوجة نوح - عليه الصلاة ~~والسلام - غير مستلزم لتفضيل علي عليه. ألا ترى أن زوجة فرعون كانت أفضل من ~~زوجة نوح ولوط، وكذا زوجة الأمير أفضل من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، ولا قائل بالتفضيل. وأما خامسا فلأن حديث «لو كشف لي الغطاء ما أزددت ~~يقينا» موضوع لا أصل له في كتب الحديث الصحيحة عند الفريقين. وعلى فرض ~~تسليم صحته فهو غير مفيد للتفضيل أيضا لأن معناه: لو رفعت الأحجبة وسبحات ~~الجلال عن وجه الواجب جل شأنه لا أزداد على اليقين الحاصل لي بوجوده وصفاته ~~الكاملة بملاحظة الآيات على وحدانيته وكمال قدرته وإحاطة علمه. والخليل - ~~عليه السلام - كان أعلى كعبا من الأمير في ذلك. وفي تفسير هذه الآية عدة ~~أجوبة عن ذلك، ولا سيما في تفسير العلامة الجد عليه الرحمة عند الكلام على ~~هذه الآية، فراجعه. (1) # وأما سادسا: فلأن عروج الأمير غير ثابت في كتبهم الصحيحة، بل الثابت ~~خلافه، فقد روى ابن بابويه القمي (2) في كتاب (المعراج) (3) في ضمن حديث ~~طويل عن أبي ذر أن ملائكة السماء قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إذا ~~رجعت إلى الأرض فأقرأ على علي منا السلام. (4) وقال أيضا في الكتاب ~~المذكور: والصحيح أن أمير المؤمنين ما كان ليلة المعراج مع النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بل كان في الأرض، ولكن ارتفعت الأحجبة عن بصره فرأى وهو ~~في الأرض ما رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في السماء. (5) # وأما سابعا: فلأن الأمير كان يعلم أنه صبي، وعداوة الكفار له ليست بالذات ~~فلا طمع لهم في قتله ومع ذلك فقد أخبره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ~~الكفار لن يضروه، (6) فزيادة إيمانه بذلك القول كانت PageV01P042 # سببا لأطمئنانه، بخلاف موسى فإنه ما كان له شئ من ذلك، بل كان الغالب على ~~ظنه حسب العادة أن فرعون يقتله بدل القبطي إذا رآه، وأنه أحس بمشاورة رؤساء ~~القبط على قتله بإخبار العدول ولم يوح ms037 إليه ما يزيل خوفه، ولما تكفل له جل ~~شأنه من مكر فرعون ذهب إليه وقال ما قال مما تعجز عنه الأبطال، وأقام مع ~~ذلك الكافر أربعين عاما في بلدة واحدة. أما ثامنا: فلأن سليمان - عليه ~~السلام - كما صرح به المرتضى في كتابه (تنزيه الأنبياء والأئمة) (1) إنما ~~طلب ذلك الملك ليكون معجزة على نبوته، وشرط المعجزة أن لا يكون للغير قدرة ~~عليها، ولأنه يمكن أن يكون الله تعالى قد أخبره بأن حصول ذلك الملك له يكون ~~أصلح في الدين بكثرة الطاعات والمبرات وفعل الخيرات، وإذا كان الأمر كذلك ~~فلا منقصة ولا محذور على سليمان - عليه السلام -، ولا مزية عليه للأمير في ~~تطليقه الدنيا. على أن طلب على أن طلب الملك لا ينافي التطليق ألا ترى إلى ~~الأمير كرم الله وجهه أنه طلب الخلافة بعد ذلك وسعى لها سعيها حتى وقعت ~~حروب كثيرة بسبب ذلك لأن مثل هؤلاء الرجال إنما يطلبون المال والملك للجهاد ~~في الدين وقتال أعدائه سبحانه وقصد استئصالهم وترويج أحكام الشريعة، فإن ~~ترك الدنيا مطلقا ليس بمحمود في الدين المحمدي ولو كان على إطلاقه موجبا ~~للتفضيل يلزم أن يكون الرهبان وأمثالهم أفضل من سليمان ويوسف عليهما السلام ~~معاذ الله تعالى من ذلك. # وأما تاسعا فلأن تعزير الأمير للغالين في محبته لا يوجب تفضيله على عيسى ~~- عليه السلام - لأن المغالين في محبة الأمير كرم الله تعالى وجهه قد ~~أظهروا الكفر والفسوق بمرأى منه ومسمع فتمكن من الانتقام منهم فعمل ما عمل ~~به، وغلاة عيسى - عليه السلام - الذين كانوا قائلين بالتثليث ظهروا بعد أن ~~رفع إلى السماء ولا إشكال في قوله تعالى {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو ~~المسيح بن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من ~~يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار} ~~لأنه - عليه السلام - قد رد عليهم ما زعموه ووبخهم غاية التوبيخ على ما ~~اعتقدوه، ومن أين لهم أن عيسى - عليه السلام - يسأل والأمير كرم الله ms038 تعالى ~~وجهه لا يسأل وقد قال تعالى {ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول ~~PageV01P043 # أأنتم أضللتم عبادي أم هم ضلوا السبيل} فيجيبون الله تعالى على ما يدل ~~عليه قوله سبحانه: {قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك أولياء} ~~ولا يلحقهم نقص من ذلك السؤال إذ القصد تبكيت الكفرة وإلزام أهل الضلال. ~~وقد سأل سبحانه الملائكة مثل ذلك مع أنهم معصومون ليسوا بمحل للعتاب، قال ~~تعالى {ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون ~~قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون}. ~~وأما عاشرا فلأن ما ذكر في ولادة عيسى غلط محض وكذب صريح لأن الأصح أن ~~مولده بيت لحم وفلسطين وقيل مصر وقيل دمشق ولم يقل أحد المؤرخين إن مريم قد ~~جاءها المخاض في المسجد الأقصى ولئن سلم ذلك فمن أين علم أنها أخرجت ~~بالوحي؟ بل إنها لما حملت بعيسى - عليه السلام - من غير أب كرهت إظهار ~~الولادة منفردة ولذا تمنت الموت كما قال تعالى: {فأجاءها المخاض إلى جذع ~~النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا} وأما القول بأنه قد أوحي ~~إلى فاطمة بنت أسد بأن تضع في الكعبة فقول يضحك الثكلى وتضع منه الحبلى، ~~والصحيح في ذلك أن عادة الجاهلية أن يفتح باب الكعبة في البوم الخامس عشر ~~من رجب ويدخلون جميعهم للزيارة وكانت العادة أن النساء يدخلن قبل الرجال ~~بيوم أو يومين وقد كانت فاطمة قريبة الوضع فاتفق أن ولدت هناك لما أصابها ~~من شدة المزاحمة والمجاذبة وقد ورد في كتب الشيعة أن أبا طالب لما يئس من ~~ولادتها لما زادت المدة المعلومة لما عراها من المرض أدخلها الكعبة ~~للاستشفاء فرحمها الله تعالى بالولادة فيها ورووا عن زين العابدين أنه قال: ~~أخبرتني زيدة بنت عجلان الساعدية عن أم عمارة بنت عباد الساعدية أنها قالت: ~~كنت ذات يوم في نساء من العرب إذ أقبل أبو طالب كئيبا فقلت له: ما شأنك؟ ~~قال إن فاطمة بنت ms039 أسد في شدة من الطلق وإنها لا تضع ثم إنه أخذ بيدها وجاء ~~بها إلى الكعبة فدخل بها وقال: اجلسي على اسم الله فجلست وطلقت طلقة فولدت ~~غلاما نظيفا فسماه أبو طالب عليا. (1) انتهى. # على أن ولادة الأمير في الكعبة لو أوجبت تفضيله على عيسى - عليه السلام - ~~لأوجبت تفضيله على النبي - صلى الله عليه وسلم - PageV01P044 # ولا قائل بذلك من الفريقين ولأوجبت تفضيل حكيم بن حزام بن خويلد (1) ابن ~~أخي أم المؤمنين خديجة - رضي الله تعالى عنها - على سائر الأنبياء إذ قد ~~ولد في الكعبة أيضا. (2) وبطلان ذلك غير خفي على أحد والله يبدي الحق ويهدي ~~إلى سواء السبيل. # ومن مكائدهم أنهم يقولون: أهل السنة رووا في كتبهم الصحيحة ما يزري بشأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - من تركه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~وعدم الغيرة حيث يروون عن عائشة أنها قالت «رأيت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون بالدرق والحراب يوم ~~العيد». (3) فإن في هذه الرواية إراءة اللعب وتقرير الحبشة عليها في المسجد ~~ونظر زوجة الرسول إلى غير المحارم وأن أهل السنة يروون أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال «أتعجبون من غيرة سعد وأنا أغير منه والله أغير مني» ~~(4) وأدنى الناس لا يرضى برؤية زوجته إلى الأجانب ونظرها إلى لعبهم ولهوهم ~~فضلا عن سيد الكونين - صلى الله عليه وسلم -. # والجواب أن هذه القصة وقعت قبل نزول آية الحجاب، وكان النساء من أمهات ~~المؤمنين وغيرهن يخرجن إذ ذاك بلا حجاب ويخدمن الأزواج ولو بحضور الأجانب ~~باتفاق الفريقين حتى روي أن فاطمة - رضي الله تعالى عنها - كانت تغسل ~~الجراح التي أصابته - عليه الصلاة والسلام - في غزوة أحد بمحضر سهل وجماعة ~~من الصحابة والشيء قبل تحريمه لا يكون فعله موجبا للطعن فقد صح عند ~~الفريقين أن سيد الشهداء حمزة وأبا طلحة الأنصاري وجماعة من الصحابة - رضي ~~الله تعالى عنهم - شربوا الخمر قبل تحريمها وسكروا ووقع بينهم ما وقع ورآهم ~~رسول الله - صلى الله عليه ms040 وسلم - على تلك الحالة وسكت ولم ينكر عليهم. ~~وأيضا أن عائشة - رضي الله تعالى عنها - إذ ذاك صبية غير مكلفة فلو نظر ~~مثلها إلى لهو فأي محذور؟ ولا سيما إذا كانت متسترة وأيضا أن لهو الحبشة ~~ولعبهم كان لتعلم الحرب والقتال حتى روي أن الملائكة يحضرون مثل هذا اللعب ~~فالنظر إليه ليس بحرام. وأما ما نقل من زجر عمر بن الخطاب الحبشة عن ذلك ~~لما ظن أن فعل ذلك بحضور النبي - عليه الصلاة والسلام - من سوء الأدب ولهذا ~~قال - صلى الله عليه وسلم - له «دعهم يا عمر» امتنع عن الإنكار. والعجب من ~~الشيعة أنهم يعدون أمثال ذلك من قلة الغيرة والعياذ بالله تعالى ~~PageV01P045 # وهم يرون عن الأئمة المعصومين وأهل البيت الطاهرين حكايات تقشعر منها ~~جلود المؤمنين وتمجها أسماع المسلمين فقد ثبت في كتبهم الصحيحة أن أبا عبد ~~الله - عليه السلام - قال لأصحابه وشيعته: «إن خدمة جوارينا لنا، وفروجهن ~~لكم حلال» وذكر مقداد (1) صاحب كنز العرفان (2) الذي هو أجل المفسرين عندهم ~~في تفسير قوله تعالى {هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين} أن لوطا النبي - عليه ~~السلام - أراد بذلك الإتيان من غير الطريق المعهود بين الناس. (3) فيا ~~ويلهم من هذا الافتراء وسحقا لهم بسبب هذه المقالة الشنعاء. # ومن مكائدهم أنهم يقولون: إن أهل السنة يجوزون اللعب بالشطرنج مع أن كل ~~لعب ولهو مذموم في الشرع. (4) # الجواب أن الأئمة الثلاثة أعني أبا حنيفة (5) ومالكا (6) وأحمد (7) كلهم ~~قائلون بحرمته مطلقا ويروون آثارا على حرمته. وللإمام الشافعي فيه قولان: ~~قول أنه مكروه بشرط أن لا يؤخر الصلاة عن الوقت المستحب ولا تترك السنن ~~والآداب لأجله وأن لا يكون اللعب على شيء وأن لا يفوت ما يجب من خدمة ~~الوالدين وتفقد أحوال العيال وعيادة المرضى واتباع الجنائز وأن لا يقع في ~~اللعب نزاع وجدال وأيمان كاذبة وأن لا يكون ما يلعب به مصورا بصور ~~الحيوانات فإن فقد شيء من هذه الشروط فهو حرام قطعا فمن أصر على فعله مع ~~حرمته فقد ارتكب الكبيرة. (8) والقول الثاني أنه حرام ms041 كما عليه الجمهور وقد ~~صح عن الشافعي أن رجع كما نص عليه الغزالي (9) ولكن في شروح المنهاج (10) ~~وفتح الوهاب (11) والأنوار (12) وفتح المعين (13) وغيرهما الفتوى على القول ~~الأولى من كونه مكروها بالشروط وحراما بفقد شرط منها. على أن لو سلمنا أن ~~أهل السنة يجوزون اللعب به فهو من القسم المباح، إذ فيه تشحيذ الذهن، ~~وتعليم بمخادعات الحرب وطرق الاحتراز عن مكائد الأعداء، فحكمه حكم الملاعب ~~المباحة كالمسابقة بالخيل ورمي السهام، ونحو ذلك. والله أعلم. # ومن مكائدهم أنهم يقولون إن أهل السنة يجوزون التغني، مع أنه قد ورد ~~النهي عنه في أحاديث كثيرة. # والجواب أن هذا محض أفتراء، وكلام أشبه شئ بالهراء. فإن الغناء عند جميع ~~أهل السنة حرام، قال سيد الطائفة جنيد البغدادي قدس سره: إنه بطالة. ~~PageV01P046 # وقال الشيخ المرزوقي الفاسي: السماع حرام كالميتة، اللهم إلا إذا كان فيه ~~تشويق إلى العبادة وترغيب إلى الطاعة وترهيب عن النيران وعذاب الله تعالى ~~فهو جائز عند البعض. وإن أردت تحقيق الحق في هذا المقام فارجع إلى (روح ~~المعاني) تفسير جدنا روح الله تعالى روحه عند الكلام على قوله تعالى {وإذا ~~رأوا تجارة أو لهوا أنفضوا إليها} الآية. فإنك ترى فيه ما يروى الغليل ~~ويشفي العليل. (1) على أن الشيخ المقتول من الشيعة ذكر في كتاب (الدروس) ~~أنه يجوز الغناء بشروطه في العرس، وتلك الشروط هي أن يكون المسمع أمرأة، ~~وأن يكون شعرا في الهجاء. كذا في شرح القواعد). وهذا مما يقضى منه العجب ~~ويزيد الطرب، وقد طعنوا أنفسهم وأصابهم سهمهم، وكفى الله المؤمنين والحمد ~~لله سبحانه في كل حين. # ومكائدهم لا تحصى ولا تعد، ولا ترسم ولا تحد. والذى ذكرناه عشر من معشار ~~وقطرة من بحار. وقد تركت كثيرا مما ذكر في أصل الكتاب، استغناء بذكر ذلك في ~~بقية الأبواب. ### | الباب الثاني في بيان أقسام أخبار الشيعة وأحوال رجال أسانيدهم وطبقات أسلافهم وما يتبع ذلك في بيان أقسام أخبار الشيعة وأحوال رجال أسانيدهم وطبقات أسلافهم وما يتبع ذلك ### | في ذكر أقسام أخبارهم # أما أقسام ms042 (أخبارهم) فاعلم أن أصولها عندهم أربعة: صحيح وحسن وموثق ~~وضعيف. # أما (الصحيح) فكل ما اتصل رواته بالمعصوم بواسطة عدل إمامي، (2) وعلى هذا ~~فلا يكون المرسل والمنقطع داخلا في الصحيح لعدم اتصالهما وهو ظاهر، مع إنهم ~~يطلقون عليها لفظ الصحيح، كما قالوا: روى ابن عمير (3) في الصحيح كذا وكذا. ~~ولا يعتبرون «العدالة» في إطلاق الصحيح، فإنهم يقولون: رواية مجهول الحال ~~(4) صحيحة كالحسين بن الحسن بن أبان (5) فإنه مجهول الحال نص عليه الحلي في ~~(المنتهى) (6) مع أنها مأخوذة في تعريفه. وكذا PageV01P047 # لا يعتبر عندهم كون الراوي إماميا في إطلاق الصحيح فقد أهملوا قيود ~~التعريف كلها. # وأيضا قد حكموا بصحة حديث من دعا عليه المعصوم بقول أخزاه الله وقاتله ~~الله، (1) أو لعنه (2) أو حكم بفساد عقيدته أو أظهر البراءة منه. (3) ~~وحكموا أيضا بصحة روايات المشبهة والمجسمة ومن جوز البداء عليه تعالى، (4) ~~مع أن هذه الأمور كلها مكفرة، ورواية الكافر غير مقبولة فضلا عن صحتها، ~~فالعدالة غير معتبرة عندهم وإن ذكروها في تعريف الصحيح، لأن الكافر لا يكون ~~عدلا البتة. # وحكموا أيضا بصحة الحديث الذي وجدوه في الرقاع (5) التى أظهرها ابن ~~بابويه (6) مدعيا أنها من الأئمة. ورووا عن الخطوط التي يزعمون أنها خطوط ~~الأئمة ويرجحون هذا النوع على الروايات الصحيحة الإسناد عندهم. هذا حال ~~حديثهم الصحيح الذي هو أقوى الأقسام الأخرى وأعلاها. (7) # وأما (الحسن) فهو عندهم «ما اتصل رواته بواسطة إمامي ممدوح من غير نص ~~PageV01P048 # على عدالته» (1) وعلى هذا فلا يكون المرسل والمنقطع داخلين في تعريف ~~الحسن أيضا، مع أن إطلاقه عليهما شائع عندهم حيث صرح فقهاؤهم بأن رواية ~~زرارة (2) في مفسد الحج إذا قضاه في عام آخر حسن، مع أنها منقطعة. ويطلقون ~~لفظ الحسن على غير الممدوح (3) حيث قال ابن المطهر الحلي: «طريق الفقيه إلى ~~منذر بن جيفر حسن» (4) مع أنه لم يمدحه أحد من هذه الفرقة. # وأما (الموثق) ويقال له «القوي» أيضا فكل ما دخل في طريقة من نص الأصحاب ~~على توثيقه، مع فساد عقيدته وسلامة باقي الطريق عن الضعف. (5) مع أنهم ms043 ~~أطلقوا الموثق أيضا على طريق الضعيف، كالخبر الذي رواه السكوني (6) عن أبي ~~عبد الله عن أمير المؤمنين. (7) وكذا أطلقوا القوي على رواية نوح بن دراج ~~(8) وناجية بن أبي عمارة الصيداوي (9) وأحمد بن عبد الله جعفر الحميري (10) # مع أنهم إمامية ولكنهم ليسوا بممدوحين ولا مذمومين. # أما (الضعيف) فكل ما اشتمل طريقه على مجروح بالفسق ونحوه أو مجهول الحال. ~~(11) # واعلم أن العمل بالصحيح واجب عندهم اتفاقا، مع أنهم يروون بعض الأخبار ~~الصحيحة ولا يعملون بموجبها، كما روى زرارة عن أبي جعفر قال: إن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - قال «أطعموا الجدة السدس ولم يفرض الله لها شيئا» ~~(12) وهذا خبر موثق. وروى سعد بن أبي خلف (13) عن أبي الحسن الكاظم - عليه ~~السلام - قال: سألته عن بنات الابن والجدة فقال «للجدة السدس، والباقي ~~لبنات الابن» (14) وهذا خبر صحيح عندهم، فهم يقولون ما لا يفعلون. # ثم اعلم أن أكثر علماء الشيعة كانوا يعملون سابقا بروايات أصحابهم بدون ~~تحقيق وتفتيش، ولم يكن فيهم من يميز رجال الإسناد ولا من ألف كتابا في ~~الحرج والتعديل، حتى صنف الكشي سنة أربعمائة تقريبا كتابا في أسماء الرجال ~~وأحوال الرواة، وكان مختصرا جدا لم يزد الناظر فيه إلا تحيرا، لأنه أورد ~~فيه أخبارا متعارضة في الحرج والتعديل ولم يمكنه ترجيح أحدها على الآخر. ثم ~~تكلم الغضائري (15) في الضعفاء والنجاشي (16) وأبو جعفر الطوسي في الحرج ~~وصنفوا فيه كتبا طويلة، ولكن أهملوا فيها توجيه التعارض بالمدح والقدح ولم ~~يتيسر لهم ترجيح أحد الطرفين، ولهذا منع صاحب (الدراية) (17) تقليدهم في ~~PageV01P049 # باب الحرج والتعديل. وفي هذا المقام فوائد تتعلق بالرواة تركناها لطولها، ~~فراجع الأصل. (1) ### | (الأدلة عند الشيعة) # (تتمة): اعلم أن الأدلة عندهم أربعة: كتاب، وخبر، وإجماع، وعقل. # أما (الكتاب) فهو القرآن المنزل الذي لم يبق حقيقا بأن يستدل به بزعمهمم ~~الفاسد، لأنه لا اعتماد على كونه قرآنا إلا إذا أخذ بواسطة الإمام المعصوم، ~~وليس القرآن المأخوذ من الأئمة موجودا في أيديهم، والقرآن المعروف غير معتد ~~به عند أئمتهم بزعمهم، (2) وأنه لا يليق بالاستدلال ms044 به لوجهين: # الأول لما روى جماعة من الإمامية عن أئمتهم أن القرآن المنزل وقع فيه ~~تحريف في كلماته عن مواضعها، بل قد أسقط منه بعض السور وترتيبه هذا أيضا ~~غير معتد به لكونه متغيرا عن أصله، (3) وما هو موجود الآن في أيدي المؤمنين ~~هو مصحف عثمان الذي كتبه وأرسل منه سبع نسخ إلى أطراف العالم وألجأ الناس ~~على قبوله وقراءته على ما رتبه وآذى من خالف ذلك، فلا يصح التمسك به ولا ~~يعتمد على نظمه من العام والخاص والنص ونحوها، لأنه يجوز أن يكون هذا ~~القرآن الذي بين أيدينا كله أو أكثره منسوخا بالآيات أو السور التي أسقطت ~~منه أو مخصوصا بها. # الثاني أن نقله هذا القرآن مثل ناقلي التوراة والأنجيل، لأن بعضهم كانوا ~~منافقين كالصحابة العظام والعياذ بالله تعالى، وبعضهم كانوا مداهنين في ~~الدين كعوام الصحابة فإنهم تبعوا رؤساءهم أي بزعمهم طمعا في زخارف الدنيا، ~~فارتدوا عن الدين كلهم إلا أربعة أو ستة، فغيروا خطاب الله تعالى، (4) ~~فجعلوا مثلا مكان «من المرافق»: {إلى المرافق} (5) ومكان «أئمة هي أزكى»: ~~{أمة هي أربى من أمة} (6) فكما أن التوراة والإنجيل لا يعمل بهما أصلا ~~فكذلك هذا القرآن، وكما أن التوراة والإنجيل نسخا بالقرآن المجيد فكذلك ~~القرآن نسخت أشياء كثيرة منه ولا يعلم نواسخها إلا الأئمة الثلاثة. (7) # وأما (الخبر) فقد مر بيانه مفصلا فتذكر. ثم إن ناقل الخبر إما من الشيعة ~~أو غيرهم، ولا اعتبار لغيرهم أصلا لأن الصدر الأول من غيرهم الذي هو منتهى ~~الأسانيد كانوا PageV01P050 # مرتدين ومحرفين كتاب الله تعالى ومعادين أهل بيت النبوة. (1) فلا بد أن ~~يكون من الشيعة وبين الشيعة اختلاف كثير في أصل الإمامية وتعيين الأئمة ~~وعددهم، ولا يمكن إثبات قول من أقوالهم إلا بالخبر، لأن كتاب الله تعالى لا ~~اعتماد عليه، ومع ذلك فهو ساكت عن هذه الأمور، فلو توقف ثبوت الخبر وحجته ~~على ثبوت ذلك القول لزم الدور الصريح وهو محال. # وأما (الإجماع) فباطل أيضا، لأن كونه حجة ليس بالأصالة بل لكون قول ~~المعصوم في ضمنه، ms045 فمدار حجيته على قول المعصوم لا على نفس الإجماع، وثبوت ~~عصمة المعصوم وتعيينه إما بخبره أو بخبر معصوم آخر، فقد جاء الدور الصريح ~~أيضا. (2) # وأيضا إجماع الصدر الأول والثاني - يعني قبل حدوث الاختلاف في الأمة - ~~غير معتبر، لأنهم أجمعوا على: خلافة أبي بكر وعمر، وحرمة المتعة، وتحريف ~~الكتاب، ومنع ميراث النبي - صلى الله عليه وسلم -، وغضب فدك من البتول. (3) ~~وبعد حدوث الاختلاف في الأمة وتفرقهم بفرق مختلفة كيف يتصور الإجماع، ولا ~~سيما في المسائل الخلافية المحتاجة إلى الاستدلال وإقامة الحجة القاطعة. # وأما (العقل) فهو باطل أيضا لأن التمسك به إما في الشرعيات أو غيرها، فإن ~~كان في الشرعيات فلا يصح التمسك به عند هذه الفرقة أصلا، لأنهم منكرون أصل ~~القياس ولا يقولون بحجيته. وأما غير الشرعيات فيتوقف العقل على تجريجه عن ~~شوائب الوهم والإلف والعادة والاحتراز عن الخطأ في الترتيب والفكر في صورة ~~الأشكال، وهذه الأمور لا تحصل إلا بإرشاد إمام، لأن كل فرقة من طوائف بني ~~أدم يثبتون بعقولهم أشياء وينكرون أشياء اخر، وهم متخالفون فيما بينهم ~~بالأصول والفروع، ولا يمكن الترجيح بالعقل فقط، فالتمسك إذن بقول الإمام، ~~ومع ذلك لا يمكن إثبات الأمور الدينية بالعقل الصرف لأنه عاجز عن معرفتها ~~تفصيلا بالإجماع. نعم يمكنه معرفتها إذا كان مستمدا من الشريعة. ~~PageV01P051 # وههنا فائدة جليلة لها مناسبة مع هذا المقام، وهي أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال «إني تارك فيكم الثقلين، فإن تمسكتم بهما لن تضلوا ~~بعدى أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله وعترتي أهل بيتي» وهذا الحديث ثابت ~~عند الفريقين أهل السنة (1) والشيعة، وقد علم منه أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أمرنا في المقدمات الدينية والأحكام الشرعية بالتمسك بهذين ~~العظيمى والقدر والرجوع إليهما في كل أمر، فمن كان مذهبه مخالفا لهما في ~~الأمور الشرعية اعتقادا وعملا فهو ضال، ومذهبه باطل وفاسد لا يعبأ به. ومن ~~جحد بهما فقد غوى، ووقع في مهاوي الردى. # وليس المتمسك بهذين الحبلين المتينين إلا أهل السنة، لأن كتاب الله ساقط ms046 ~~عند الشيعة عن درجة الاعتبار كما سبق قريبا بيانه، وقد روى الكليني (2) عن ~~هشام بن سالم عن أبي عبد الله «إن القرآن الذي جاء به جبريل إلى محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - سبعة عشر الف آية» (3) وروى عن محمد بن [أبي] نصر (4) عنه ~~أنه قال: «كان في {لم يكن} (5) اسم سبعين رجلا من قريش بأسمائهم وأسماء ~~أبائهم». (6) وروى عن سالم بن سلمة (7) قال: «قرأ رجل على أبي عبد الله ~~وأنا أسمعه حروفا من القرآن ليس مما يقرأه الناس فقال أبو عبد الله: مه، ~~اكفف عن هذه القراءة واقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم فإذا قام القائم ~~اقرأ كتاب الله على حده» (8) # وروى الكليني وغيره عن الحكم بن عتيبة (9) قال: قرأ علي بن الحسين (10) ~~«وما أرسلنا قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث» قال: وكان علي بن أبي طالب ~~محدثا. وروى عن [زيد] بن الجهم الهلالي (11) وغيره عن أبي عبد الله أن {أمة ~~هي أربى من أمة} ليس كلام الله، بل محرف عن موضعه، والمنزل «أئمة هي أزكى ~~من أئمتكم» # وقد تقرر عندهم أن «سورة الولاية» سقطت، وكذا أكثر سورة الأحزاب فإنها ~~كانت مثل سورة الأنعام فأسقط منها فضائل أهل البيت وأحكام إمامتهم. (12) ~~وأسقط لفظ «ويلك» قبل قوله تعالى {لا تحزن PageV01P052 # إن الله معنا} (1) وكذا أسقط لفظ «بعلي بن أبي طالب» بعد قوله تعالى ~~{وكفى الله المؤمنين القتال} (2) وكذا لفظ «آل محمد» الواقع بعد «ظلموا» من ~~قوله تعالى {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} (3) إلى غير ذلك من ~~الهذيانات والأقوال الترهات. # وأما العترة الشريفة فهي بإجماع أهل اللغة تقال لأقارب الرجل، (4) ~~والشيعة ينكرون نسبة بعض العترة كرقية وأم كلثوم ابنتي رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، (5) ولا يعدون بعضهم داخلا العترة كالعباس عم رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وأولاده وكالزبير بن صفية عمة الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم -، بل يبغضون أكثر أولاد فاطمة رضى الله تعالى عنهم ويسبونهم ~~كزيد بن علي بن الحسين الذي كان عالما كبيرا متقيا واستشهد ms047 على يد ~~المروانية، وكذا يحيى ابنه وكذا إبراهيم وجعفر ابني موسى الكاظم، (6) ~~ولقبوا الثاني بالكذاب مع أنه كان من كبار أولياء الله تعالى وأخذ منه أبو ~~يزيد البسطامي الطريقة، وأخذه إياها من جعفر الصادق غلط. (7) # ولقبوا أيضا جعفر بن علي أخا الإمام الحسن العسكري بالكذاب، (8) ويعتقدون ~~أن الحسن بن الحسن المثنى (9) وابنه عبد الله المحض وابنه محمدا الملقب ~~بالنفس الزكية ارتدوا وحاشاهم من كل سوء. وكذلك يعتقدون في إبراهيم بن عبد ~~الله وزكريا بن محمد الباقر ومحمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن (10) ~~ومحمد بن القاسم بن الحسن (11) ويحيى بن عمر (12) الذي كان من أحفاد زيد بن ~~علي بن الحسين، وكذلك يعتقدون في جماعة حسنيين وحسينيين كانوا قائلين ~~بإمامة زيد بن علي بن الحسين، إلى غير ذلك من الأمور الشنيعة التي ~~يعتقدونها في حق العترة المطهرة مما هو مذكور في الأصل، نعوذ بالله من جميع ~~ذلك، ونبرأ إليه جل شأنه من سلوك هاتيك المسالك. فقد بان لك أن الدين عند ~~هذه الطائفة الشنيعة قد انهدم بجميع أركانه وانقض ما تشيد من محكم بنيانه، ~~حيث أن كتاب الله تعالى قد سبق لك واعتقادهم فيه وعدم اعتمادهم على ظاهره ~~وخافيه، ولا يمكنهم أيضا التمسك بالعترة المطهرة بناء على زعمهم الفاسد من ~~أن بعضهم كانوا كفرة، وسيأتي إن شاء الله تعالى في الأبواب الآتية بيان ~~مخالفتهم للثقلين في كل مسألة PageV01P053 # من العقائد والفروع بحيث لا يبقى لهم مجال للإنكار، ولا يجدون سبيلا ~~للفرار. والله يحق الحق وهو يهدي السبيل. ### | (في ذكر أحوال رجالهم وطبقاتهم) # وأما أحوال رجال أسانيدهم وطبقات أسلافهم، فاعلم أن أسلاف الشيعة وأصول ~~الضلالات كانوا عدة طبقات: ### | الطبقة الأولى # هم الذين استفادوا هذا المذهب بلا واسطة، من رئيس المضلين إبليس اللعين ~~وهؤلاء كانوا منافقين، جهروا بكلمة الإسلام وأضمروا في بطونهم عداوة أهله، ~~وتوصلوا بذلك النفاق إلى الدخول في زمرة المسلمين والتمكن من إغوائهم ~~وإيقاع المخالفة والبغض والعناد فيما بينهم، ومقتداهم على الإطلاق (عبد ~~الله بن سبأ اليهودي الصنعاني) الذي كان ms048 شرا من أبليس وأعرف منه في الإضلال ~~والتضليل، وأقدم منه في المخادعة والغرور بل شيخه في المكر والشرور، وقد ~~مارس زمانا في اليهودية فنون الإغواء والإضلال وسعى مجتهدا في طرق الزور ~~والاحتيال فأضل كثيرا من الناس واستزل جما غفيرا فأطفأ منهم النبراس، وطفق ~~يغير عقائد العوام ويموه عليهم الضلالات والأوهام، فأظهر أولا محبة كاملة ~~لأهل البيت النبوي، وحرض الناس على ذلك الأمر العلي، ثم بين وجوب لزوم جانب ~~الخليفة الحق وأن يؤثر على غيره، وأن ما عداه من البغاة، فاستحسنه جم من ~~العوام غفير، وقبله ناس من الجهلة كثيرون، فأيقنوا بصلاحه واعتقدوا بإرشاده ~~ونصحه. (1) # ثم فرع على ذلك فروعا فاسدة وجزيئات كاسدة فقال: إن الأمير كرم الله وجهه ~~هو وصي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأفضل الناس بعده وأقربهم إليه، ~~واحتج على ذلك بالآيات الواردة في فضائله والآثار المروية في مناقبه، وضم ~~إليها من موضوعاته وزاد عليها من كلماته وعباراته. فلما رأى أن ذلك الأمر ~~قد استقر في أذهان أتباعه واستحكمت هذه العقيدة في نفوس أشياعه ألقى إلى ~~بعض هؤلاء ممن يعتمد عليه أن الأمير وصي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وأن النبي - عليه الصلاة والسلام - استخلفه بنص صريح، وهو قوله تعالى {إنما ~~وليكم الله ورسوله والذين أمنوا} الآية، ولكن الصحابة قد ضيعوا وصيته - صلى ~~الله عليه وسلم - وغلبوا PageV01P054 # الأمير بالمكر والزور وظلموه فعصوا الله ورسوله في ذلك وارتدوا عن الدين ~~- إلا القليل منهم - محبة في الدنيا وطمعا في زخرفها. (1) # واستدل على ذلك بما وقع بين فاطمة - رضي الله تعالى عنها - وبين أبي بكر ~~- رضي الله تعالى عنه - في مسألة فدك (2) إلى أن انتهى الأمر إلى الصلح ثم ~~أوصى أتباعه بكتمان هذا الأمر وعدم نسبته إليه وقال: لا تظهروا للناس أنكم ~~أتباعي لأن غرضي إظهار الحق والهداية إلى الطريق المستقيم دون الجاه ~~والشهرة عند الناس. فمن تلك الوسوسة ظهر القيل والقال ووقع بين المسلمين ~~التفرق والجدال، وانتشر سب الصحابة الكرام وذاع الطعن فيهم من أولئك ~~الطغام، حتى إن ms049 الأمير كرم الله تعالى وجهه قد خطب فوق المنبر خطبا في ذم ~~هؤلاء القوم وأظهر البراءة منهم وأوعد بعضهم بالضرب والجلد. فلما رأى ابن ~~سبأ أن سهمه هذا أيضا قد أصاب هدفا واختلت بذلك عقائد أكثر المسلمين اختار ~~أخص الخواص من أتباعه وألقى إليهم أمرا أدهى من الأول وأمر، وذلك بعد أن ~~أخذ عليهم ميثاقا غليظا أن الأمير كرم الله تعالى وجهه يصدر منه ما لا يقدر ~~عليه البشر من قلب العيان، والأخبار المغيبات، وإحياء الموتى، وبيان ~~الحقائق الإلهية والكونية، وفصاحة الكلام، والتقوى، والشجاعة، والكرم، إلى ~~غير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، فهل تعلمون منشأ هذه الأمور؟ فلما ~~أظهروا العجز عن ذلك قال لهم: إن هذه كلها من خواص الألوهية التي تظهر في ~~بعض المظاهر ويتجلى اللاهوت في كسوة مثل أنا حي لا يموت أنا باعث من في ~~القبور أنا مقيم الساعة ونحوها مما صدر عنه - رضي الله تعالى عنه - في غلبة ~~الحال كما هو شأن أولياء الله (3) فلما وصلت هذه المقالة إلى PageV01P055 # حضرة الأمير كرم الله تعالى وجهه أهدر دماء تلك الطائفة وتوعدهم بالإحراق ~~في النار واستتابهم فأجلاهم إلى المدائن، فلما وصلوا إليها أشاعوا تلك ~~المقالة الشنيعة. # وأرسل ابن سبأ بعض أتباعه إلى العراق وأذربيجان، ولما لم يستأصلهم الأمير ~~كرم الله تعالى وجهه بسبب اشتغاله بما هو أهم من ذلك من محاربة البغاة ~~ومهمات الخلافة راج مذهبه واشتهر وذاع وانتشر، فقد بدأ أولا بتفضيل الأمير، ~~وثانيا بتكفير الصحابة، وثالثا بألوهية الأمير ودعا الناس على حسب ~~استعدادهم، وربط رقاب كل من كان أتباعه من حبال الغواية، فهو قدوة لجميع ~~الفرق الرافضة، وإن كان أكثر أتباعه وأشياعه من تلك الفرق يذكرونه بالسوء ~~لكونه قائلا بألوهية الأمير ويعتقدون أنه مقتدى الغلاة فقط، ولذا ترى أخلاق ~~اليهود وطبائعهم موجودة في جميع فرق الشيعة، وذلك مثل الكذب، والبهتان، وسب ~~أصحاب الرسول وكبار أئمة الدين وحملة كلام الله وكلام الرسول، (1) وحمل ~~كلام الله والأحاديث على غير ظاهرها، وكتم عداوة أهل الحق في ms050 القلب، وإظهار ~~التملق خوفا وطمعا، واتخاذ النفاق شعارا ودثارا، وعد التقية من أركان ~~الدين، ووضع الرقاع ونسبتها إلى النبي والأئمة وإبطال الحق وإحقاق الباطل ~~لأغراض دنيوية. وهذا الذي ذكر قطرة من بحر وذرة من جبل. وإذا تفكرت في سورة ~~البقرة وحفظت ما ذكر الله تعالى فيها من صفات اليهود الذميمة ترى جميعها ~~مطابقة لصفات هذه الفرقة مطابقة النعل بالنعل. ### | الطبقة الثانية # جماعة ممن ضعف إيمانهم من أهل النفاق، وهم قتلة عثمان وأتباع عبد الله بن ~~سبأ الذين كانوا يسبون الصحابة الكرام، وهم الذين انخرطوا في عسكر الأمير ~~وعدوا أنفسهم من شيعته خوفا من عاقبة ما صدر منهم من تلك الجناية العظمى، ~~وبعض منهم تشبثوا بأذيال الأمير طمعا في المناصب العالية ورفعة المراتب ~~فحصل لهم بذلك مزيد PageV01P056 # الأمنية وكمال الطمأنينة، ومع ذلك فقد أظهروا للأمير كرم الله تعالى وجهه ~~ما انطووا عليه من اللؤم والخبائث فلم يجيبوا لدعوته وأصروا على مخالفته، ~~وظهرت منهم الخيانة على ما نصبوا عليه، واستطالت أيديهم على عباد الله وأكل ~~أموالهم، وأطالوا ألسنتهم في الطعن على الصحابة. (1) # وهذه الفرقة هم رؤساء الروافض وأسلافهم ومسلمو الثبوت عندهم. فإنهم وضعوا ~~بناء دينهم وإيمانهم في تلك الطبقة على رواية هؤلاء الفساق المنافقين ~~ومنقولاتهم، فلذا كثرت روايات هذه الفرقة عن الأمير كرم الله تعالى وجهه ~~بواسطة هؤلاء الرجال. وقد ذكر المؤرخون سبب دخول أولئك المنافقين في هذا ~~الباب، وقالوا إنهم قبل وقوع التحكيم كانوا مغلوبين لكثرة الشيعة الأولى في ~~عسكر الأمير وتغلبهم (2) ولما وقع التحكيم وحصل اليأس من انتظام أمور ~~الخلافة وكادت المدة المعينة للخلافة تتم وتنقرض وتخلفها نوبة العضوض رجع ~~الشيعة الأولى من دومة الجندل التي كانت محل التحكيم إلى أوطانهم لحصول ~~اليأس من نصرة الدين وشرعوا بتأييده بترويج أحكام الشرعية والإرشاد ورواية ~~الأحاديث وتفسير القرآن المجيد، كما أن الأمير كرم الله تعالى وجهه دخل ~~الكوفة واشتغل بمثل هذه الأمور، ولم يبق في ركاب الأمير إذ ذاك من الشيعة ~~الأولى إلا القليل ممن كانت له في دار الكوفة. فلما رأت ms051 هاتيك الفرقة ~~الضالة المجال في إظهار ضلالتهم أظهروا ما كانوا يخفونه من إساءة الأدب في ~~حق الأمير وسب أصحابه وأتباعه الأحياء منهم والأموات. ومع هذا كان لهم طمع ~~في المناصب أيضا لأن العراق وخراسان وفارس والبلاد الأخرى الواقعة في تلك ~~الأطراف كانت باقية بعد في تصرف الأمير وحكومته، والأمير كرم الله تعالى ~~وجهه عاملهم، كما عاملوه، كما وقع ذلك لموسى - عليه السلام -، ولنبينا - ~~عليه الصلاة والسلام -، PageV01P057 # مع المنافقين. ولما كانت الروايات من أهل السنة في هذا الباب غير معتد ~~بها مزيد عداوتهم لفرق الشيعة على زعمهم، وجب النقل من كتب الشيعة المعتبرة ~~مما صنفه الإمامية والزيدية. وقد سبق في أول الكتاب عند ذكر الفرقة السبيئة ~~خطبة منقولة عن الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة الزيدي المذكورة في آخر ~~كتابه المسمى (طوق الحمامة في مباحث الإمامة) فلا حاجة بنا إلى إعادتها. ~~ولما نعي الأمير بخبر قتل محمد بن أبي بكر (1) في مصر كتب كتابا إلى عبد ~~الله بن عباس، فإنه كان حينئذ عامل البصرة، وهو كما هو مذكور في كتاب (نهج ~~البلاغة) الذي هو عند الشيعة أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى: (2) # «أما بعد فإن مصر قد افتتحت، ومحمد ابن أبي بكر قد استشهد، فعند الله ~~نحتسبه ولدا ناصحا وعاملا كادحا وسيفا قاطعا وركنا دافعا. وكنت قد حثثت ~~الناس على لحاقه، وأمرتهم بغياثه قبل الوقعة، ودعوتهم سرا وجهرا وعودا ~~وبدءا، فمنهم الآتي كارها ومنهم المتعلل كاذبا، ومنهم القاعد خاذلا. أسأل ~~الله تعالى أن يجعل لي منهم فرجا عاجلا. فوالله لولا طمعي عند لقاء العدو ~~في الشهادة، وتوطيني نفسي على المنية، لأحببت أن لا أبقى مع هؤلاء يوما ~~واحدا ولا ألتقي بهم أبدا». (3) # وكذا لما أخبر بقدوم سفيان بن عوف الذي كان من بني غامد وأمير أمراء ~~معاوية (4) وركبانه ببلد الأنبار وقتلهم أهله، خطب خطبة مندرجة فيها هذه ~~العبارة المشيرة للإرشاد وهي: «والله يميت القلب ويجلب الهم ما نرى من ~~اجتماع PageV01P058 # هؤلاء على باطلهم وتفرقكم عن حقكم، فقبحا لكم وترحا (1) حين صرتم ms052 غرضا ~~يرمى: يغار عليكم ولا تغيرون، وتغزون ولا تغزون، ويعصى الله وترضون. فإذا ~~أمرتكم بالمسير إليهم في أيام الحر قلتم هذه حمارة (2) القيظ أمهلنا حتى ~~ينسلخ عنا الحر. وإذا أمرتكم بالسير إليهم في أيام البرد فلتم هذه صبارة ~~(3) القر أمهلنا حتى ينسلخ عنا البرد. كل هذا فرارا من الحر والقر، فإذا ~~كنتم من الحر والقر تفرون فأنتم والله من السيف أفر، يا أشباه الرجال ولا ~~رجال، لكم حلوم الأطفال وعقول ربات الحجال، (4) لوددت أني لم أركم ولم ~~أعرفكم، معرفة والله جرت ندما، وأعقبت سدما (5)». (6) # وأيضا يقول في هذه الخطبة: «قاتلكم الله، لقد ملأتم قلبي قيحا، وشحنتم ~~صدري غيظا، وجرعتموني نغب (7) التهمام (8) أنفاسا. فأفسدتم على رأيي ~~بالخذلان والعصيان، حتى قالت قريش إن ابن أبي طالب رجل شجاع ولكن لا علم له ~~بالحرب. لله أبوهم، وهل أحد أشد لها مراسا وأقدم فيها مقاما مني، حتى لقد ~~نهضت فيها وما بلغت العشرين وها أنا ذا ذرفت على الستين، ولكن لا رأي لمن ~~لا يطاع». (9) # ويقول في خطبة أخرى: «أيها الناس المجتمعة أبدانهم، المختلفة أهواؤهم، ~~كلامكم يوهي الصم الصلاب، وفعلكم يطمع فيكم الأعداء. تقولون في المجالس كيت ~~وكيت، فإذا حضر القتال قلتم حيدي حياد. ما عزت دعوة من دعاكم، ولا استراح ~~قلب من قاساكم. أعاليل بأضاليل» إلخ. (10) # ويقول: «المغرور والله من غررتموه، ومن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب. (11) ~~ومن رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل. أصبحت والله لا أصدق قولكم، ولا أطمع في ~~نصركم، ولا أوعد العدو بكم». (12) # وأيضا يقول في خطبة أخرى إذ استنفر الناس إلى أهل الشام: «أف لكم، لقد ~~سئمت عتابكم، أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة عوضا، وبالذل من العز خلفا؟ ~~إذا دعوتكم إلى جهاد أعدائكم دارت أعينكم كأنكم من الموت في غمرة، ومن ~~الذهول في سكرة، PageV01P059 # يرتج (1) عليكم حواري فتعمون، وكأن قلوبكم مألوسة (2) فأنتم لا تعقلون، ~~ما أنتم لي بثقة سجيس (3) الليالي، وما أنتم بركن يمال بكم، ولا زوافر عز ~~يفتقر إليكم، وما أنتم إلا كإبل ضل رعاتها، فكلما جمعت ms053 من جانب انتشرت من ~~جانب آخر، وبئس لعمر الله سعر نار الحرب أنتم، تكادون ولا تكيدون، وتنقص ~~أطرافكم ولا تمتعضون، ولا ينام عنكم وأنتم في غفلة ساهون». (4) # وأيضا يقول في خطبة أخرى «منيت بمن لا يطيع إذا أمرت، ولا يجيب إذا دعوت. ~~لا أبا لكم، ما تنظرون بنصركم ربكم؟ لا دين يجمعكم ولا حمية تحمشكم. أقوم ~~فيكم مستصرخا، وأناديكم متغوثا، فلا تسمعون لي قولا، ولا تطيعون لي أمرا، ~~حتى تكشف الأمور عن عواقب المساءة، فما يدرك بكم ثأر، ولا يبلغ بكم (5) ~~مرام. دعوتكم إلى نصر إخوانكم فجرجرتم جرجرة (6) الجمل الأسر، (7) وتثاقلتم ~~تثاقل النضو الأدبر. (8) ثم خرج إلى منكم جنيد متدائب (9) ضعيف {كأنما ~~يساقون إلى الموت وهو ينظرون}. (10) # وأيضا يقول في ذم هؤلاء الفرقة: كم أدار يكم كما تدارى البكار العمدة ~~(11) والثياب المتداعية إن حيضت من جانب تهتكت من جانب آخر، وكلما أطل ~~عليكم منسر من ناسر الشام (12) أغلق كل رجل منكم بابه وانحجر انحجار الضبة ~~في جحرها والضبع في وجارها (13) # وأيضا يقول في خطبة أخرى: من رمى بكم فقد رمى بأفوق ناص، إنكم والله ~~لكثير في الباحات، قليل تحت الرايات. (14) # وهذه الخطب كلها ذكرها الرضي في نهج البلاغة، وغيره من الإمامية أيضا ~~رووها في كتبهم. PageV01P060 # وقال علي بن موسى بن طاوس (1) سبط محمد بن الحسن الطوسي شيخ الطائفة: إن ~~امير المؤمنين كان يدعو الناس على منبر الكوفة إلى قتال البغاة، فما أجابه ~~إلا رجلان، فيتنفس الصعداء وقال: أين يقعان! ثم قال ابن طاوس: إن هؤلاء ~~خذلوه مع اعتقادهم فرض طاعته وأنه صاحب الحق، وأن الذين ينازعونه على ~~الباطل. وكان - عليه السلام - يداريهم ولكن لا تجديه المداراة نفعا. وقد ~~سمع قوما من هؤلاء ينالون منه في مسجد الكوفة ويستخفون به فأخذ بعضادتي ~~الباب وأنشد متمثلا: (2) # هنيئا مريئا غير داء مخامر ... لعزة من أعراضنا ما استحلت # فيئس منهم كلهم، ودعا على هؤلاء الذين يدعون أنهم شيعة بقوله «قاتلكم ~~الله وقبحا لكم وترحا» ونحوها. وكذا حلف على أن لا يصدق قولهم أبدا. ووصفهم ms054 ~~في مواضيع كثيرة بالعصيان لأوامره وعدم استماعهم وقبولهم لكلامه، وأظهر ~~البراءة من رؤيتهم. وهؤلاء لم يكن لهم وظيفة سوى الحط على حضرة الأمير كرم ~~الله تعالى وجهه وذمهم له وحاشاه. وقد علم أيضا أن شيعة ذلك الوقت كانوا ~~كلهم مشتركين في هذه الأحوال، وداخلين في هذه المساوئ إلا رجلين منهم، فإذا ~~كان حال الصدر الأول والقرن الأفضل الذين هم قدوة لمن خلفهم من بعدهم وأسوة ~~لأتباعهم ما سمعت ذكره، فكيف بأتباعهم! فويل لهم ما يكسبون ### | الطبقة الثالثة # هم الذي تبعوا السيد المجتبى السبط الأكبر وقرة عين التبول الإمام الحسن ~~- رضي الله تعالى عنه -، بعد شهادة الأمير كرم الله تعالى وجهه، وبايعه ~~منهم قدر أربعين ألفا على الموت، ورغبوه في قتال معاوية وخرجوا إلى خارج ~~الكوفة، وكان قصدهم إيقاعه في ورطة الهلاك، وقد أزعجوه في اثناء الطريق ~~بطلب وظائفهم منه، وظهر منهم في حقه من سوء الأدب ما ظهر، كما فعل المختار ~~الثقفى من جر مصلاه من تحت قدمه المباركة، وهو الذي كان يعد نفسه من اخص ~~شيعته، وكطعن آخر بالسنان فخذ الإمام - رضي الله تعالى عنه - حتى تألم منه ~~ألما شديدا. فلما قامت الحرب على ساق وتحققت المقاتلة، PageV01P061 # رغبوا إلى معاوية لدنياه، وتركوا نصرة الإمام، مع أنهم كانوا يدعون أنهم ~~من شيعته المخصوصين، وشيعة أبيه، وأنهم احدثوا مذهب التشيع وأسسوه. ذكر ذلك ~~السيد المرتضى في كتابه (تنزيه الأنبياء والأئمة) عند ذكر عذر الإمام الحسن ~~عن صلح معاوية وخلع نفسه من الخلافة وتفويضها إليه. (1) # وذكر أيضا نقلا عن كتاب (الفصول) (2) للإمامية أن رؤساء هذه الجماعة ~~كانوا يكاتبون معاوية خفيا على الخروج للمحاربة مع الإمام، بل بعضهم أراد ~~الفتك به - رضي الله تعالى عنه -. فلما تحققت هذه الأمور عنده رضي بالصلح ~~مع معاوية وخلع الخلافة عن نفسه. (3) ### | الطبقة الرابعة # هم أكثر أهل الكوفة الذين طلبوا حضرة السبط الأصغر وريحانة سيد البشر ~~الإمام الحسين - رضي الله تعالى عنه -، وكتبوا إليه كتبا عديدة في توجيه ~~إلى طرفهم، فلما قرب من ديارهم مع الأهل والأقارب ms055 والأصحاب وأخذت الأعداء ~~تؤجج نيران الحرب في مقابلته، تركه أولئك الكذابون وتقاعدوا عن نصرته ~~وإعانته، مع كثرة عدد الأعداء وقوة شوكتهم. بل رجع اكثرهم مع الأعداء خوفا ~~وطمعا، وصاروا سببا لشهادته وشهادة كثير ممن معه وآذوه أكثر مما آذى ~~المشركون الأنبياء، حتى مات الأطفال والصبيان الرضع من شدة العطش، وأعروا ~~ذوات الخدر والمستورات بالحجب من بيت النبوة وأطافوهم في البلاد والقرى ~~والبوادى، وقد نشا ذلك من غدرهم وعدم وفائهم ومخادعتهم {وسيعلم الذين ظلموا ~~أي منقلب ينقلبون}. ### | الطبقة الخامسة # هو الذين كانوا في زمن استيلاء المختار (4) على العراق والبلاد الأخر من ~~تلك الأقطار، وكانوا معرضين عن الإمام السجاد لمافقته المختار، وينطقون ~~بكلمة محمد بن الحنفية ويعتقدون إمامته، مع أنه لم يكن من أولاد الرسول ولم ~~يقم دليل على إمامته. وهذه الفرقة قد خرجت في آخر الأمر على الدين وحادت عن ~~جادة المسلمين بما قالوا من نبوة المختار ونزول الوحي إليه. (5) ### | الطبقة السادسة # هم الذين حملوا زيدا الشهيد على الخروج، وتعهدوا بنصرته PageV01P062 # وإعانته، فلما جد الآمر وحان القتال أنكروا إمامته بسبب أنه لم يتبرأ من ~~الخلفاء الثلاثة، فتركوه في أيدي العداء ودخلوا به الكوفة فاستشهد وعاد رزء ~~الحسين، وكنا بواحد فصرنا باثنين، ولبئس ما صنعوا معه. (1) ولو فرضنا أنه ~~لم يكن إماما أفلم يكن من أولاد الإمام، مع أن من علم صحة نسبه وإن كان من ~~العصاة يجب على الأمة إعانته ونصرته ولا سيما إذا كان على الحق، ولم يلزمه ~~من عدم التبرى ذنب ولم تلحقه منه نقيصة. وقد نقل الكشي (2) روايات صحيحة عن ~~الأئمة الأطهار تدل على أن سب الخلفاء الثلاثة لا يحتاج إليه في النجاة ~~ودخول الجنة، وقد كان مظلوما وإعانة المظلوم واجبة وفرض عين مع القدرة ~~عليها. ### | الطبقة السابعة # هم الذين كانوا يدعون صحبة الأئمة والأخذ عنهم، مع أن الأئمة كانوا ~~يكفرونهم ويكذبونهم. ولنذكر لك نبذة يسيرة من عقائد أسلافهم حيث أن هذا ~~الكتاب لا يسع على سبيل الاستقصاء، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك كله. ~~فنقول: إن ms056 منهم من كان يعتقد أن الله تعالى جسم دو أبعاد ثلاثة، كالهشامين ~~(3) وشيطان الطاق. (4) ومنهم من اعتقد أن الله تعالى مجوف من الرأس إلى ~~السرة، ومنها إلى القدم مصمت، كهشام بن سالم والمثيمي. (5) ومنهم من اعتقد ~~أنه عز اسمه لم يكن عالما في الأزل كزرارة بن أعين وبكير أعين (6) وسليمان ~~الجعفري ومحمد بن مسلم الطلحان وغيرهم. ومنهم من أثبت له تعالى مكانا وحيزا ~~وجهه وهو الأكثرون منهم. ومنهم من PageV01P063 # كفر بالله تعالى فلم يعتقد بالصانع القديم ولا بالأنبياء. ولا بالبعث ~~والمعاد كديك الجن الشاعر وغيره. ومنهم من كان من النصارى ويعلن بذلك جهارا ~~ويتربي بزيهم، ومع ذلك لم يترك صحبة قومة كزكريا بن إبراهيم النصراني (1) ~~الذي روى عنه شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي في كتابه (التهذيب) ومنهم من قال ~~في حقهم الإمام جعفر الصادق - رضي الله تعالى عنه -: يروون عنا الأكاديب ~~ويفترون علينا أهل البيت كالتبان (2) المكنى بأبي أحمد. # ومنهم من حذر الأئمة الناس منهم وهم نقلة الأخبار ورواة الآثار عن الأئمة ~~العظام، روى الكليني عن إبراهيم بن محمد الخراز (3) ومحمد بن الحسين (4) ~~قالا دخلنا على أبي الحسن الرضا فقلنا: إن هشام بن سالم والمثيمي وصاحب ~~الطاق يقولون إن الله تعالى أجوف من الرأس إلى السرة والباقي مصمت! فخر لله ~~ساجدا ثم قال «سبحانك، ما عرفوك ولا وحدوك، فمن أجل ذلك وصفوك» (5) وقد دعا ~~الإمام الصداق على هؤلاء المذكورين وعلى زرارة بن أعين فقال: أخزاهم الله. ~~وروى الكليني أيضا عن علي بن حمزة (6) قال قلت لأبي عبد الله - عليه السلام ~~-: سمعت هشام بن الحكم يروي عنكم أن الله جسم صمدي نوري معرفته ضرورية يمن ~~بها على من يشاء من عباده. فقال: سبحان من لا يعلم أحد كيف هو، ليس كمثله ~~شئ وهو السميع البصير، ولا يحد ولا يحسن ولا يحيط به شئ ولا جسم ولا صورة ~~ولا تخطيط ولا تحديد. (7) # ومنهم من كان منكرا لموت الإمام الصادق معتقدين بانه هو المهدى الموعود ~~به وينكرون إمامة الأئمة الباقين. وأكثر رواة الإمامية ms057 كانوا واقفيه كما لا ~~يخفى على من راجع أسماء رجالهم حيث يقولون في مواضع شتى: إن فلانا كان من ~~الواقفية. فهاتان الفرقتان منكرتان لعدد الأئمة وتعيين أشخاصهم، ومنكر ~~الإمامة عند الشيعة كمنكر النبوة كافر، ومع هذا يروى علماء الشيعة عنهم في ~~صحاحهم. (8) # ومنهم من لم يعلم إمام وقته وقضى عمره في التردد والتحير، فدخل في هذا ~~الوعيد «من مات ولم يعرف إمام زمنه مات PageV01P064 # ميتة جاهلية» (1) كالحسن بن سماعة (2) وابن فضال (3) وعمرو بن سعيد (4) ~~وغيرهم من رواة الأخبار. # ومنهم من اخترع الكذب وأصر على ذلك كأبي عمرو بن خرقة البصري. (5) ومنهم ~~من طرده الإمام جعفر الصادق عن مجلسه ثم لم يجوز له مجيئه إليه كابن مسكان ~~(6) # ومنهم من أقر بكذبه كأبي بصير. (7) # ومنهم من كان من البدائية الغالية كدرام بن الحكم وزياد ابن الصلت وابن ~~هلال الجهمي وزرارة بن سالم. ومنهم من كان يكذب بعضهم بعضا في الرواية ~~كالهاشمين وصاحب الطاق والمثيمي. ### | (ادعاء كل فرق الشيعة أنهم على مذهب أهل البيت) # واعلم أن جميع فرق الشيعة يدعون أخذ علومهم من أهل البيت، وتنسب كل فرقة ~~منهم إلى إمام أو ابن إمام، ويروون عنهم أصول مذاهبهم وفروعه، ومع ذلك يكذب ~~بعضهم بعضا ويضل أحدهم الآخر مع ما بينهم من التناقض في الاعتقادات ولا ~~سيما في الإمامة، فذلك أوضح دليل واقوى برهان على كذب تلك الفرق كلها. وذلك ~~لأن هذه الروايات المختلفة والأخبار المتناقضة لا يمكن ورودها من بيت واحد ~~وإلا يلزم كذب بعضهم، وقد قال تعالى {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت ويطهركم تطهيرا} وقد علم أيضا من التواريخ وغيرها أن أهل البيت ولا ~~سيما الأطهار من خيار خلق الله تعالى بعد PageV01P065 # النبيين وأفضل سائر عبداه المخلصين والمقتفين لآثار جدهم سيد المرسلين، ~~فلا يمكن صدور الكذب عنهم، فعلم أنهم بريئون مما ترويه عنهم تلك الفرق ~~المضلة بعضهم بعضا، بل قد وضعها كل فرقة من هذه الفرق ترويحا لمذهبهم. ولذا ~~وقع فيها التخالف. قال تعالى {ولو كان من عند غير ms058 الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا}. ### | (اختلاف أهل السنة) # وأما الاختلاف الواقع عند أهل السنة فليس كذلك لوجهين: # الأول: أنه اختلاف اجتهادي، فإنهم يعلمون من زمن الصحابة إلى زمن الفقهاء ~~الأربعة أن كل عالم مجتهد ويجوز للمجتهد العمل برأيه المستنبط من دلائل ~~الشرع فيما ليس فيه نص. واختلاف الآراء طبيعي لنوع الإنسان، وليس ذلك ~~اختلاف الرواية حتى يدل على الكذب والآفتراء. # الثاني: أن اختلافهم كان في فروع الفقه لا في أصول الدين، واختلاف الفروع ~~للأجتهاد جائز فلا يكون دليلا لبطلان المذهب، وذلك كاختلاف المجتهدين من ~~الإمامية في المسائل الفقهية كطهارة الخمر ونجاسته وتجويز الوضوء بماء ~~الورد وعدمه. # ولننبهك على كيفية أخذ الشيعة من أهل البيت، فاعلم أن الغلاة - وهم أقدم ~~من جميع الفرق الشيعية وأضلهم - قد أخذوا مذهبهم عن عبد الله بن سبأ حيث ~~موه عليهم قصدا لإضلالهم أنه أخذ ذلك عن الأمير كرم الله تعالى وجهه، وزعمت ~~المختارية والكيسانية أنهم قد أخذوه عن الأمير والمحسنين وعن محمد بن علي ~~وعن أبي هاشم ابنه، والزيدية عن الأمير والحسنين، وزين العابدين وزيد بن ~~على ويحيى بن زيد، والباقرية عن خمسة أعني الأمير إلى الباقر، والناووسية ~~عن هؤلاء الخمسة والإمام الصادق، والمباركة عن هؤلاء الستة وإسماعيل بن ~~جعفر، والقرامطة عن هؤلاء السبعة ومحمد بن إسماعيل، والشميطية عن هؤلاء ~~الثمانية ومحمد بن جعفر وموسى وعبد الله وإسحاق أبناء جعفر، والمهدية عن ~~اثنين وعشرين وهم كانوا يعتقدون أن جميع سلاطين مصر والمغرب الذين خلوا من ~~نسل محمد الملقب بالمهدي # PageV01P066 # أئمة معصومون، ويزعمون ان العلم المحيط بجميع الأشياء كان حاصلا لهم، ~~وهؤلاء السلاطين أيضا كانوا يدعون ذلك كما تشهد لذلك تواريخ مصر والمغرب. ~~والنزارية عن ثمانية عشر أولهم أمير المؤمنين وآخرهم المستنصر بالله. # والإمامية الاثنا عشرية عن اثني عشر أولهم الأمير وآخرهم الإمام محمد ~~المهدي. ولا حد لعلمائهم في الكثرة، وقدمائهم المشاهير سليم بن قيس ~~الهلالي، (1) وأبان (2) وهشام بن سالم، وصاحب الطاق، وأبو الأحوص (3) وعلي ~~بن منصور، (4) وعلي بن جعفر، (5) وبيان بن سمعان المكنى بأبي أحمد ms059 المشهور ~~بالجزري، وابن أبي عمير وعبد [الله] بن المغيرة (6) والنصري (7) # وأبو البصير، (8) ومحمد بن حكيم، (9) ومحمد بن فرج الرخجي، (10) وإبراهيم ~~الخزاز، (11) ومحمد بن الحسين، (12) وسليمان الجعفري، (13) ومحمد بن مسلم ~~وبكير بن أعين وزرارة بن أعين وأبنائهما، (14) وسماعة بن مهران وعلي بن أبي ~~حمزة وعيسى وعثمان وعلي، وهؤلاء الثلاثة بنو فضال، (15) وأحمد بن محمد بن ~~أبي نصر البزنطي، (16) ويونس بن عبد الرحمن القمي، وأيوب بن نوح، (17) وحسن ~~بن العباس بن الحريش، (18) # وأحمد بن إسحاق، (19) وجابر الجعفي، (20) ومحمد بن جمهور العمي، (21) ~~والحسين بن سعيد، (22) وعبد الله (23) وعبيد الله (24) ومحمد (25) # وعمران (26) وعبد الأعلى (27) كلهم بنو علي بن أبي شعبة وأولادهم وجدهم. # وأما المصنفون من الاثني عشرية فصاحب (معالم الأصول) (28) فخر المحققين، ~~(29) ومحمد بن على الطرازي، (30) ومحمد بن عمر الجعابي، (31) وأبو الفتح ~~محمد بن على الكراجكي (32) والكفعمي، (33) وجلال الدين حسن بن أحمد (34) ~~شيخ الشيخ المقتول، ومحمد بن الحسن الصفار، وأمان بن بشر البغال وعبد ~~الكريم الخشعي، (35) PageV01P067 # وفضل بن شاذان القمي، (1) ومحمد بن يعقوب الكليني الرازي، وعلي [بن ~~الحسين] بن بابويه القمي، والحسين ابنه أيضا. # وهذا القمي غير القمي (2) الذي استشهد به الإمام البخاري في رواية حديث ~~«الشفاء في ثلاث: شرطه محجم، وشربة عسل، وكية بنار» (3) وذلك في كتاب الطب ~~من صحيحه وقال: رواه القمي عن ليث (4) عن مجاهد (5) في سند الحديث. لأن ~~بابويه القمي الرافضي من أهل القرن الرابع وليث من أهل القرن الثاني فلا ~~يمكن أن يرى ليثا ويروي عنه، ولو حملنا كلمة «رواه عن ليث» على الإرسال ~~بالواسطة دون الاتصال مع خلاف دأب البخاري ومتعارفه فكيف نستشهد به مع أنه ~~متأخر عن البخاري بزمن طويل. ولنعم ما قيل في تاريخ ولادة البخاري - رضي ~~الله تعالى عنه - ومدة عمره: # كان البخاري حافظا ومحدثا ... جمع الصحيح مكمل التحرير # ميلاده «صدق» (6) ومدة عمره ... فيها «حميد» (7) وانقضى في «نور» (8) # وهذه جملة وقعت في البين لا تخلو عن فائدة: # ولنرجع إلى عد بقية مصنفيهم فمنهم: عبيد الله بن علي الحلبي، (9) وعلي بن ~~مهزيار الأهوازي، (10) وسلار (11) وعلي بن ms060 إبراهيم القمي، (12) وابن براج، ~~(13) وابن زهرة، (14) وابن إدريس (15) المفتري على الشافعي المشهور، والذى ~~جرأه على ذلك مشاركته له في الكنية، ومعين الدين المصري، (16) # وابن جنيد، (17) وحمزة (18) وأبو الصلاح، (19) وابن المشرعة الواسطي (20) ~~وابن عقيل (21) والغضائري والكشي والنجاشي والملا حيدر العاملي (22) ~~والبرقي ومحمد بن جرير الطبري الآملي (23) وابن هشام الديلمي، ورجب بن محمد ~~بن رجب البرسي، (24) إلى غير ذلك مما هو مذكور في (الترجمة العبقرية) وكذا ~~إن أردت أسماء كتبهم فراجعها. PageV01P068 # واعلم أن جميع فنونهم في الكلام والعقائد والتفسير ونحوها مستمدة من كتب ~~غيرهم. والمعتمد من كتب أخبارهم الأصول الأربعة: أحدها (الكافي) المشهور ~~بالكليني، وثانيها (من لا يحضره الفقيه) وثالثها (التهذيب) ورابعها ~~(الاستبصار). وصرح علماؤهم بأن العمل بكل ما في هذه الأربعة واجب، وكذلك ~~صرحوا بأن العمل برواية الإمامي الذي يكون دونه أصحاب الأخبار أيضا واجب ~~بهذا الشرط كما نص على ذلك أبو جعفر الطوسي والشريف المرتضى وفخر الدين ~~الملقب بالمحقق الحلي، (1) مع أنه يوجد في تلك الكتب الأربعة من رواية ~~المجسمة كالهشامين وصاحب الطاق، ورواية من اعتقد أن الله تعالى لم يكن ~~عالما في الأزل كزرارة وأمثاله كالأحولين (2) وسليمان الجعفري، ورواية من ~~كان فاسد المذهب ولم يكن معتقدا بإمام أصلا كبني فضال وابن مهران وغيرهم، ~~ورواية بعض الوضاعين الذين لم يخف حالهم على الشيعة كجعفر الأودي (3) وابن ~~عياش (4) وكتاب (الكافي) مملوء من رواية ابن عياش وهو بإجماع هذه الفرقة ~~كان وضاعا كذابا. # والعجيب من الشريف مع علمه بهذه الأمور كان يقول: إن أخبار فرقتنا وصلت ~~إلى حد التواتر، (5) وأعجب من ذلك أن جمعا من ثقاتهم رووا خبرا وحكموا عليه ~~بالصحة، وآخرين كذلك حكموا عليه بأنه موضوع مفترى، وهذه الأخبار كلها في ~~صحاحهم كما أن ابن بابويه حكم بوضع ما روي في تحريف القرآن وآياته، ومع ذلك ~~فتلك الروايات ثابتة في (الكافي) بأسانيد صحيحة بزعمهم، إلى غير ذلك من ~~المفاسد، والله سبحانه يحق الحق وهو يهدي السبيل. PageV01P069 ### | الباب الثالث في الإلهيات # وفيها مطالب # الأول (1) أن النظر في معرفة الله تعالى واجب بالاتفاق، ms061 ولكنه قد وقع ~~الاختلاف في أن هذا الوجوب الوجوب هل هو عقلي أو شرعي، فذهب الإمامية إلى ~~الأول قائلين ما معناه: إنه فرض على كل مكلف بحكم العقل مع قطع النظر عن ~~حكم الله تعالى، وذلك بأن يحكم العقل على كل مكلف أن يتفكر في صفات الله ~~تعالى ويعرفه بتلك الصفات وجوبا. وذهب إلى الثاني أهل السنة قائلين: إن ~~الوجوب شرعي، بمعنى أن النظر في المقدمة غير واجب بدون حكم الله تعالى، ~~وليس للعقل حكم في امر من أمور الدين. (2) # ومذهب الإمامية مخالف أيضا للكتاب والعترة: أما مخالفته للكتاب فلأنه ~~قال: سبحانه {إن الحكم إلا لله} وقال {ألا له الحكم} وقال {لا معقب لحكمه} ~~وقال تعالى {يفعل ما يشاء} و {يحكم ما يريد} وقال تعالى {وما كنا معذبين ~~حتى نبعث رسولا}. إذ لو كان أمرا واجبا بحكم العقل لوقع العذاب بترك ذلك ~~الواجب قبل بعثة الرسل، واللازم باطل فكذا الملزوم. وأما مخالفته للعترة ~~فلأنه قد روى الكليني في الكافي عن الإمام أبي عبد الله - عليه السلام - ~~أنه قال: «ليس لله على خلقه أن يعرفوه، ولا للخلق على الله تعالى أن ~~يعرفهم». (3) فلو كانت المعرفة واجبة بحكم العقل لكانت معرفته تعالى واجبة ~~على الخلق قبل تعريفه جل شأنه وهو خلاف قول الصادق. # واعلم أن تحقيق هذه المسالة وبيان الاختلاف الواقع فيها يتوقف على تحقيق ~~مسألة الحسن والقبح والاختلاف الواقع فيها، فلا بد حينئذ من بيان ذلك. # فكل من الحسن والقبح يطلقان على ثلاثة معان: أحدهما كمال الشيء كالعلم ~~ونقصانه الجهل. # وثانيهما ملائمة الطبع كالعدل والعطاء ومنافرته كالظلم والمنع ويقال لهما ~~PageV01P070 # بهذا المعنى مصلحة ومفسدة. # وثالثهما استحقاق المدح والثواب والذم والعقاب عاجلا وأجلا. ولا نزاع ~~لأحد في كونهما عقليين بالمعنيين الأولين، وإنما النزاع في كونهما عقليين ~~أو شرعيين بالمعنى الثالث فقط، فقالت الأشاعرة إن الحسن والقبح بهذا المعنى ~~لا غير، بمعنى أن الشرع ما لم يرد بأن هذا الفعل حسن أي مستحق فاعله للمدح ~~والثواب، وذلك الفعل قبيح مستبدا فاعله للذم والعقاب ms062 عاجلا أو أجلا، لا ~~يوصفان بالحسن والقبح، إذ يحكم العقل مستبدا على الأفعال بهما بهذا المعنى ~~في خطاب الله، لعدم كون الجهة المحسنة والمقبحة في أفعال العباد عندهم ~~مطلقا، لا لذاتها ولا لصفاتها ولا لاعتبارات فيها، بل كل ما أمر به الشارع ~~فهو حسن وكل ما نهى عنه فهو قبيح، حتى لو انعكس الحكم لانعكس الحال كما في ~~النسخ من الوجوب إلى الحرمة، فليس للعقل حكم في حسن الفعال وقبحها، وفي كون ~~الفعل سببا للثواب والعقاب، بل إنما الحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه ~~الشرع، فالأمر والنهي أمارة موجبة للحسن والقبح لا غير، وتمسكوا على ذلك ~~بوجوه: # الأول أن الأفعال كلها سواء ليس شيء منها في نفسه يقتضي مدح فاعله وثوابه ~~ولا ذم فاعله وعقابه، لأن اقتضاءها لما ذكر إما أن يكون لذواتها، أو ~~لصفاتها، أو لاعتبارات فيها انفرادا واجتماعا، تعينا أو إطلاقا. فهذه ~~ثمانية احتمالات حاضرة كلها باطلة: أما بطلان الأول فلأن فعلا واحدا قد ~~يتصف بالحسن والقبح معا باعتبارين كلطم اليتيم ظلما أو تأديبا والقتل حدا ~~أو سفكا. فلو كان هذا الاتصاف لذات الفعل فقط - كما هو المفروض في هذا ~~الاحتمال - فإن كانت الذات مقتضية لهما معا لزم صدور الأثرين المتضادين من ~~مؤثر واحد واجتماع النقيضين، أو لأحدهما مطلقا لزم تخلف المعلول عن العلة ~~الموجبة في الآخر، وبالاطلاق تخلفهما جميعا ورجحان بلا مرجح في الاقتضاء، ~~واللوازم كلها باطلة. وأما بطلان الثاني فلأنه إن كانت تلك الصفات لازمة ~~للذات لزم اجتماع النقيضين مطلقا، والصدور والتخلف إن كانت العلة الموجبة ~~لهما صفة واحدة فهو ظاهر، وإن كانت من العرض المفارق فلأن عروضها إما لذات ~~الفعل أو لصفة أخرى لها، ولا سبيل إلى الثاني لبطلان الشبه، وكذا إلى الأول ~~لبطلان قيام العرض بالعرض، أو لمجموعهما فينقل الكلام إلى عروض تلك الصفة # PageV01P071 # الآخرى، فحينئذ يلزم هاهنا ما يلزم ثمة. (1) # وأما بطلان الثالث فلأن الاعتبارات أمر عدمي ولا يكفي في العلية وجود ~~المنشأ، والحسن والقبح بالمعنى فيه من الوجوديات، ولا يكون علة ms063 الوجودي ~~اللاوجودي، مع أن تضاف إليه تلك الإعتبارات أفعال أيضا فحسنها وقبحها إن ~~كان بالمعنى المتنازع فيه لزم الدور والتسلسل، (2) أو بمعنى غيره فلا يلزم ~~سراية الحسن والقبح بالمعنى المتنازع فيه باعتباره في المضاف للتباين. وأما ~~بطلان الاحتمالات الباقية فظاهر، إذ فساد أجزاء المجموع كلها يستلزم فساده ~~وفساد المعينات طرأ فساد المطلق ولا محالة بالضرورة. فقد تبين من هذا ~~البيان أن الأفعال في نفسها لا اقتضاء لها ما ذكر مطلقا (3) وإنما صارت ~~كذلك بواسطة أمر الشارع بها ونهيه عنها، (4) كما أن الأعيان كانت في العدم ~~فاختصاصها وتشخصاتها في الوجود بانحاء الحقائق والعوارض لا لذواتها ولا ~~لعوارضها ولا لاعتبارات فيها بل لجاعلها وإرادته الأزلية المرجحة فقط، على ~~أن تعلق الثواب والعقاب بالأفعال أمر مجهول غير معقول المعنى. # الثاني: أن الثواب والعقاب ليسا بواجبين على الله تعالى، بل هما تفضل ~~ورحمة وعدل وحكمة، فلو كانت الأفعال تقتضي الحسن والقبح لذاتها أو لجهة ~~واتعبار فيها لكانا واجبين وقد بين بطلان اللازم. # الثالث: أن العبد غير مستبد في إيجاد فعله، بل أفعاله مخلوقة لله تعالى ~~كما بينت، فلا يحكم العقل بالاستقلال على ترتب الثواب والعقاب عليها. # الرابع: أنه لو كان حسن الفعل وقبحه عقليين للزم تعذيب تارك الواجب ~~ومرتكب الحرام سواء ورد به الشرع أم لا، واللازم باطل لقوله تعالى {وما كنا ~~معذبين حتى نبعث رسولا} (5) ولقوله تعالى {وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث ~~في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا} وكذا عدم الحجة للناس على الله تعالى، ~~وكذا لزم عدم بقاء PageV01P072 # العذر قبل بعث الأنبياء، ولزم اللغو أيضا في سؤال الرب والملائكة عبادة ~~الكفار في الآخرة تبكيتا وإفحاما عن مجئ الرسل. واللوازم كلها باطلة بقوله ~~تعالى {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل}، (1) ~~{ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع ~~آياتك من قبل أن نذل ونخزى} {ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم ~~فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين}، ms064 {يا ~~معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء ~~يومكم هذا قالوا شهدنا} الآية، {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم ياتكم ~~نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير} الآية، {وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى ~~إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم ~~آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى} الآية. على أن قوله تعالى ~~{ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون} بعد قوله {يا معشر الجن ~~والإنس} الآية يدل بالصراحة على أن أهل القرى قبل إرسال الرسل يكونون ~~غافلين وإهلاكهم تعذيبا يكون ظلما، فلو كان حسن الأفعال وقبحها عقليين وكان ~~النظر في معرفته واجبا عقلا لما صح ذلك القول أصلا كما لا يخفى. ولا يمكن ~~تعميم الرسل في هذه الآية حتى يشمل العقل أيضا بالضرورة. ألا ترى أن ~~التلاوة والقصة لآيات الله لا يصح إسنادها إلى العقل أصلا ومع هذا فإن ~~«الرسول» في اللغة هو المبلغ لكلام أو كتاب من أحد إلى آخر، وفي الشرع هو ~~إنسان بعثه الله تعالى إلى الخلق ليدعوهم إليه بشريعة مجددة، وهما معناه ~~الحقيقي - اللغوي والمفهوم الشرعي - ولم يثبت أصلا استعماله في العقل لا ~~لغة ولا شرعا حتى يقال بعموم المجاز، وإنما هو اختراع بعض المتكلمين من ~~المعتزلة لتأييد مذهبهم. وأيضا كان العقل للكفار حاصلا في الدنيا، فكيف يصح ~~اعتذارهم بعدم إرسال الرسل في الآخرة. # فثبت بهذه الوجوه أن الحسن والقبح ليسا إلا شرعيين، ولا يستقبل العقل في ~~إدراكهما بدون الشرع قطعا. قالت المعتزلة ومن تبعهم: إن الحسن والقبح ~~عقليان بمعنى أن الأفعال PageV01P073 # في نفسها - مع قطع النظر عن الشرع - فيها جهة حسن أو قبح تقتضي مدح فاعله ~~وثوابه أو ذمه وعقابه، لكن تلك الجهة قد تدرك بالضرورة كحسن الصدق النافع ~~وقبح الكذب الضار، وقد تدرك بالنظر كحسن الصدق الضار وقبح الكذب النافع ~~مثلا، وقد لا يدركها العقل بنفسه - لا بالضرورة - بالنظر إلا إذا ورد الشرع ~~به، فإذن يعلم أن ms065 فيها جهة محسنة أو مقبحة كما في صوم اليوم الآخر من رمضان ~~وصوم يوم العيد، فإدراك الحسن والقبح في هذا القسم موقوف على كشف الشرع ~~عنهما بالأمر والنهي، وأما انكشافهما بالقسمين الأولين فهو محض حكم العقل ~~بدون توقفه على الشرع. ثم اختلفوا بينهم فقال المتقدمون منهم: إن حسن ~~الأفعال وقبحها لذواتها فقط، وقال بعض المتأخرين منهم: إنما لصفة زائدة على ~~الذات دونها، وبعضهم قالوا: إن جهة القبح في القبيح مقتضية لقبحه دون ~~الحسن، إذ لا حاجة إلى صفة توجب الحسن بل يكفيه انتفاء صفة موجبة للقبح، ~~وقال الجبائي وأتباعه: ليس حسن الأفعال وقبحها لذواتها ولا لصفات حقيقية بل ~~لاعتبارات وأوصاف إضافية تختلف بحسب الاعتبار كما في لطم اليتيم للتأديب أو ~~الظلم. وقال بعض أتباع المعتزلة إنهما للمطلق الأعم، واستدلوا على ذلك ~~بوجوه: # (الأول) أن حسن مثل العدل والإحسان وقبح مثل الظلم والكفران مما اتفق ~~عليه العقلاء حتى الكفار كالبراهمة والدهرية وغيرهما حتى أنهم يستقبحون ذبح ~~الحيوانات بأنه إيلام، فلولا أنه ذاتي للفعل بحيث يعلم بالعقل لما كان ~~كذلك. (1) وأجيب عنه بأن هذا غير متنازع فيه، لأنه من قسم الحسن والقبح ~~اللذين هما بمعنى ملائمة الطبع ومنافرته وهو ليس بمتنازع فيه، والمتنازع ~~فيه هو بمعنى تعلق الثواب والمدح والعقاب والذم وهو غير لازم من الدليل، ~~فالتقريب غير تام. # (الثاني) أن من تساوى في تحصيل غرضه الصدق والكذب بحيث لا مرجح بينهما ~~ولا علم باستقرار الشرع على تحسين الصدق وتقبيح الكذب فإنه يؤثر الصدق قطعا ~~بلا تردد وتوقف، فلولا أن حسنه مركوز في عقله لما اختاره كذلك. وكذا إنقاذ ~~من أشرف على الهلاك حيث لا يتصور للمنقذ نفع ولا غرض ولو مدحا وثناء ~~كالمجنون والصبي وليس ثمة من يراه. PageV01P074 # والجواب عنه بأن إيثار الصدق فيه لتقرر كونه ملائما في النفوس لغرضه ~~العامة ومصلحة العالم وكون الكذب عكس ذلك، ولا يلزم من فرض التساوي تحققه، ~~فإيثاره الصدق لملائمته تلك المصلحة لا لكونه حسنا في نفسه، فلو فرضنا ~~الاستواء من كل وجه فإيثار الصدق ms066 قطعا ممنوع، وإنما القطع بذلك عند الفرض ~~والتقدير بتوهم أنه قطع عند وقوع المقدر المفروض، والفرق بينهما بين. وأما ~~إنقاذ الهالك فلرقة الجنسية المجبولة في الطبيعة، فكأنه يتصور تلك الحالة ~~لنفسه فيجره استحسان ذلك الفعل من غيره في حق نفسه إلى استحسانه من نفسه في ~~حق غيره، وبالجملة لا نسلم أن إيثار الصدق عند من لم يعلم استقرار الشرائع ~~على حسنها إنما هو لحسنهما عند الله تعالى على ما هو المتنازع فيه بل لأمر ~~آخر. # (الثالث) أنه لو كانا شرعيين لكانت الصلاة والزنا متساويين في نفس الأمر ~~قبل بعثة الرسول فجعل أحدهما واجبا والآخر حراما ليس أولى من العكس، بل ~~ترجيح من غير مرجح ومناف لحكمه الآمر وهو حكيم قطعا. والجواب عنه بأن ~~الأفعال قد بين سابقا تساويها في نفس الأمر بعدم الاقتضاء قبل ورود الشرع ~~بدليل واضح، فبطلان اللازم ممنوع، ثم جعل بعضها واجب وبعضها حرام لحكم ~~ومصالح من الآمر الحكيم، فالأولوية ترجع إلى تلك الحكم والمصالح بعد ورود ~~الشرع بالوجوب، لا للأفعال مطلقا من عدم اقتضائها تلك الأولوية، والإرادة ~~الأزلية مرجحة بعض الأفعال ببعض الصفات وبعضها ببعض، كما أنها مرجحة لتخصيص ~~الأعيان بالحقائق والعوارض المخصوصة من غير اقتضاء ذواتها لها، وإنما يلزم ~~المنافاة لحكمة الآمر الحكيم إذا لم يكن في ذلك التخصيص مراعاة للمصلحة ~~والحكمة وهو باطل بالاتفاق، فالترجيح بعير مرجح، والمنافاة للحكمة ممنوع ~~أيضا لما ذكرنا. # (الرابع) أنه لو كانا شرعيين لكان إرسال الرسل بلاء وفتنة لا رحمة، لأنهم ~~كانوا قبل ذلك في رفاهية لعدم صحة المؤاخذة بشئ مما يستلذه الإنسان، ثم بعد ~~مجئ الرسل صاروا ببعض تلك الأفاعيل في عذاب أبدي، فأية فائدة في إرسال ~~الرسل إلا التضييق وعذاب عبادة فصار بلاء، هذا خلف، لأنه رحمة يمن الله به ~~على عباده في كثير من مواضع تنزيله. # PageV01P075 # والجواب عنه أولا بالنقض بأنه لو تم دليلكم فكانا عقليين لكان العقل أيضا ~~بلاء وقتنة لا نعمة ورحمة ولو باعتبار بعض الأفعال كالشرك وكفران النعمة، ~~لأن المجنون والصبي في رفاهية ms067 لعدم صحة مؤاخذتهم بشئ مما يفعلونه، ثم بعد ~~حصول العقل لهم يصيرون في عذاب أبدي ببعض تلك الأفاعيل، فأية فائدة في ~~إعطائهم إلا الإهلاك والتعذيب، فصار العقل بلاء على الإنسان، هذا خلف، لأن ~~الله تعالى يمن بإعطائه على عباده في تنزيله حيث قال {والله أخرجكم من بطون ~~أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون} و ~~{قل هو الذي أنشاكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون} و ~~{علم الإنسان ما لم يعلم} (1) وغيرها من الآيات، فما هو جوابكم عن هذا فهو ~~جوابنا عن ذلك. ثانيا بالمعارضة بأنه لو لم يكونا شرعيين لكان إرسال الرسل ~~عبثا باعتبار بعض الأفعال الذي هو أعظم قدرا وأشد خطرا، وكان الأنبياء ~~يدعون الناس أولا إلى فعله وتركه لأن العقل يكون مستبدا في إدراك حسن بعض ~~الأفعال كالإيمان وقبح بعضها كالكفر بالضرورة أو بالنظر على هذا التقدير لا ~~محالة، والعاقل يمكنه العمل بما يقتضيه عقله بل يجب فلا فائدة معتدا بها في ~~إرسال الرسل إلا في بعض الأفعال التعبدية. وثالثا بمنع بطلان اللازم كون ~~إرسال الرسل بلاء وفتنة وهو باعتبار مشاق التكاليف لا ينافي كونه رحمة من ~~وجه آخر باعتبار تهذيب النفس وإصلاح المعاد والمعاش بما قال الله تعالى ~~{وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن} لأن تلك الكلمات وهي الخصال ~~الثلاثون المحمودة المذكورة في سورة براءة والمؤمنين والأحزاب مع كونها ~~رحمة وقع البلاء بها وبما قال الله تعالى {وبلوناهم بالحسنات والسيئات} أي ~~بالنعم والنقم {لعلهم يرجعون} إذ لو كان المنافاة بين البلاء والحسن لما صح ~~ابتلاؤهم بالحسنات. # ورابعا بمنع الملازمة لأن ما ذكر من صيرورة بعض العباد بعذاب أبدي بعد ~~مجئ الرسل إنما هو لتركهم اتباعهم دون الإرسال وهو شرط لتحقيق نفس الترك لا ~~موجب له، PageV01P076 # وإذا وجد الترك صار نقمة وبلاء عليهم لا الإرسال، إذ لا يلزم أن يتصف ~~الإرسال بصفة مشروطة بل هو باق على صفة الرحمة التي هي محط امتنانه تعالى ~~به على عباده، ومع هذا يرد عليهم ms068 قوله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ~~{وكذلك أوحينا إليك روحا من امرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان} يعني ~~قبل الوحي، ولو كان الأفعال وقبحها بالمعنى المتنازع فيه مدركا بالعقل قبل ~~ورود الشرع لكان الرسول أحق وأولى بإدراكه، وما كان يصح نفي درايته عنه ~~بالعقل قبل الوحي لأنه أعقل الناس، إذ الإيمان بمعنى الشرائع وهي مستلزمة ~~للحسن والقبح المتنازع فيه بحيث لا يوجدان بذلك إلا معها بالضرورة، ونفي ~~دراية الملزوم مستلزمة لنفي دراية اللازم المساوي، فقد تبين للمنصف مما ~~ذكرنا فساد شبهاتهم التي اتخذوها دلائل، وأن الحسن والقبح بذلك المعنى ليسا ~~إلا شرعيين وهو المطلوب. # ولما ثبت كون الأفعال وقبحها شرعيا وكان شكر المنعم من جملة تلك الأفعال ~~ولا يمكن شكره إلا بمعرفته ولا تحصل المعرفة إلا بالنظر صار في معرفة ~~المنعم واجبا شرعيا عند من قال بشرعية الحسن والقبح وهو الحق أو عقليا عند ~~من قال بعقلية الحسن والقبح. # واعلم أن علماء الأصول اختلفوا في أول ما يجب على المكلف. فقال الإمام ~~الأشعري: هي معرفة الله تعالى إذ يتفرع وجوب الواجبات وحرمة المنهيات. وقال ~~المعتزلة والأستاذ منا: هو النظر فيها إذ هي موقوفة عليه، ومقدمة الواجب ~~المطلق أيضا واجبة، وقيل هي الجزء الأول من النظر أي الحركة من المطالب إلى ~~المبادئ. وقال إمام الحرمين والقاضي أبو بكر وابن فورك: هو المقصد إلى ~~النظر لتوقف الأفعال الاختيارية وأجزائها على القصد، والنظر فعل اختياري. # ثم اعلم أن النظر في معرفة الله تعالى واجب شرعا عند الأشاعرة لقوله ~~تعالى {فانظروا إلى آثار رحمة الله} و {قل انظروا ماذا في السماوات والأرض} ~~ولقوله - صلى الله عليه وسلم - «تفكروا في آلاء الله» (1) والأمر هاهنا ~~للوجوب لقوله - صلى الله عليه وسلم - حين نزلت آية {إن في خلق السماوات ~~والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} الآية: «ويل لمن لاكها ~~بين لحييه PageV01P077 # ولم يتفكر فيها» فإنه - صلى الله عليه وسلم - أوعد بترك الفكر في دلائل ~~معرفة الله تعالى، ولا وعيد على ترك غير الواجب. ms069 وأيضا أن معرفة الله تعالى ~~واجبة إجماعا، وهي لا تتم إلا بالنظر وما لا يتم الواجب المطلق إلا به فهو ~~واجب أيضا كوجوبه. وعند المعتزلة واجب عقلا لأن شكر المنعم واجب عقلا عندهم ~~وهو موقوف على معرفة الله المنعم، ومقدمة الواجب المطلق واجبة أيضا هذا ~~بناء على قولهم بكون الحسن والقبح عقليين كما عرفت آنفا. # واحتجت المعتزلة على كونه واجبا عقلا بأنه لو لم يجب النظر إلا بالشرع ~~يلزم منه إفحام الأنبياء وعجزهم عن إثبات نبوتهم في مقام المناظرة، إذ يجوز ~~للمكلف حينئذ أن يقول إذا أمره النبي بالنظر في معجزة وغيرها مما تتوقف ~~عليه نبوته ليظهر له صدق دعواه: لا أنظر ما لم يجب النظر علي، ولا يجب ~~النظر على ما لم يثبت الشرع عندي، إذ المفروض عدم الوجوب إلا به، ولا يثبت ~~الشرع على الآخر وهو دور محال، ويكون كلامه هذا حقا لا قدرة للنبي على ~~دفعه، وهو معنى إفحامه. وأجيب عنه أولا بالنقض بأن ما ذكرتم مشترك بين ~~الوجوب الشرعي والعقلي معا، فما هو جوابكم فهو جوابنا. (1) وبيان الاشتراك ~~أن النظر لو وجب بالعقل لوجب بالنظر لأن وجوبه ليس معلوما بالضرورة بل ~~بالنظر فيه والاستدلال عليه بمقدمات مفتقرة إلى أنظار دقيقة من أن المعرفة ~~واجبة وأنها لا تتم إلا بالنظر وأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فيصح ~~للمكلف أن يقول حيئذ أيضا: لا أنظر أصلا ما لم يجب على النظر، ولا يجب ما ~~لم أنظر فيلزم الدور المحذور. لا يقال قد يكون وجوب النظر فطري القياس بأن ~~يضع النبي للمكلف مقدمات ينساق ذهنه إليها بلا تكليف وتفيده العلم بذلك ~~ضرورة، لأنا نقول: كونه فطري القياس مع توقفه على ما ذكرتموه من المقدمات ~~الدقيقة الأنظار باطل قطعا، ولو سلمناه بأن يكون هناك دليل آخر ولكن لا ~~يجوز للمكلف أن لا يصغي إلى كلام النبي الذي أراد به التنبيه ولا يستمع به ~~ولا يأثم بترك النظر والاستماع، إذ لم يثبت بعد وجوب شيء أصلا فلا يمكن ms070 ~~الدعوة وإثبات النبوة وهو المراد بالإفحام. وثانيا PageV01P078 # بالحل بأن قوله «لا يجب النظر على ما لم يثبت الشرع عندى» إنما يصح إذا ~~كان الوجوب المستفاد من العلم بثبوت الشرع ولكنه لا يتوقف، كذلك العلم ~~بالوجوب متوقف على نفس الوجوب، لأن العلم بثبوت شيء فرع لثبوته في نفسه ~~فإنه إذا لم يثبت في نفسه كان اعتقاد ثبوته جهلا مركبا لا علما، فلو توقف ~~الوجوب على العلم بالوجوب لزم الدور، وأن لا يجب شيء على الكافر أيضا، فليس ~~الوجوب في نفس الأمر موقوفا على العلم بالوجوب بل تقول: الوجوب في نفس ~~الأمر يتوقف على ثبوت الشرع في نفس الآمر، والشرع ثابت في نفس الأمر علم ~~مكلف ثبوته ونظر فيه أولا، وكذلك الوجوب، ولا يلزم من هذا تكليف الغافل لأن ~~الغافل إنما هو من لم يتصور التكليف لا من لم يصدق به، فإن قال المكلف: وما ~~أعرف الوجوب في نفس الأمر، وما لم أعرفه لم أنظر، قلنا: ماذا تريد بالوجوب؟ ~~فإن قال: أريد به ما يكون ترك ما اتصف به إثما وفعله ثوابا، قلنا له: فقد ~~ثبت الشرع حيث قلت بالثواب والإثم فبطل قولك ما أعرف الوجوب بقولك، فاندفع ~~الإفحام. # وإن قال: أردت به ما يكون ترك ما أتصف به قبيحا لا يستحسنه العقلاء، ~~ويترتب عليه المفسدة، قلنا له: فأنت تعرف الوجوب إذا رجعت إلى عقلك وتأملت ~~فيه به، إذ يعرف كل عاقل قبح ترك ما اتصف به ومفسدته، فبطل قولك «لم أنظر ~~ما لم أعرف الوجوب» واندفع الإفحام. وليس فيه لزوم القول بالحسن والقبح ~~العقليين لأنهما ليسا هاهنا بالمعنى المتنازع فيه بل بالمعنى المتفق عليه ~~كما لا يخفى، وإذا عرفت ما حققنا عرفت أن ما قال الأشاعرة هو الحق. (1) # ثم اعلم أن الماتريدية من أهل السنة وافقوا أهل الأعتزال في هاتين ~~المسألتين، وكذا الروافض مقتفون على آثارهم في ذلك، ولكن الفرق بين ~~الماتريدية وبين هاتين الفرقتين الضالتين أن الماتريدية لا يستلزم عندهم ~~كون الحسن والقبح عقليا حكما من الله تعالى في العبد، ms071 بل يصير موجبا ~~لاستحقاق الحكم من الحكيم الذي لا يرجح المرجوح، فالحاكم هو الله تعالى ~~فقط، والكاشف هو الشرع، فما لم يحكم الله تعالى بإرسال الرسل، وإنزال ~~PageV01P079 # الكتب ليس هناك حكم أصلا فلا يعاقب أهل زمان الفترة لترك الأحكام، بخلاف ~~المعتزلة والإمامية خذلهم الله تعالى، فإن كلا من الحسن والقبح يوجب الحكم ~~عندهم من الله تعالى، فلولا الشرع وكانت الأفعال بإيجاد الله تعالى لوجبت ~~كما فصلت في الشريعة. # الثاني منها (1) أن الله تعالى حي بالحياة وعالم بالعلم وقادر بالقدرة، ~~وعلى هذا القياس صفته ثابتة له كما تطلق الأسماء على الذات. وقال الإمامية ~~كلهم: ليس لله تعالى صفات أصلا، ولكن تطلق على ذاته تعالى الأسماء المشتقة ~~من تلك الصفات فيجوز أن يقال إن الله تعالى حي وسميع وبصير وقدير وقوي ونحو ~~ذلك، ويمتنع أن يقال أن له حياة وعلما وقدرة وسمعا وبصرا ونحوها، وأنت خبير ~~أن عقيدتهم هذه مع كونها خلاف المعقول لأن إطلاق المشتق على ذات لا يصح ~~بدون قيام مبدئه بها، إذ الضارب إنما يطلق على ذات قام الضرب بها، وبدون ~~قيامه لا يحمل المشتق ولا يطلق مخالفة للثقلين أيضا (2) أما الكتاب فيثبت ~~في آياته الكثيرة هذه الصفات له تعالى كقوله تعالى {ولا يحيطون بشئ من ~~علمه} وقوله تعالى {أنزله بعلمه} وقوله تعالى {وسعت كل شيء رحمة وعلما} ~~وقوله تعالى {يريدن أن يبدلوا كلام الله} - وأما العترة فلما ذكر في نهج ~~البلاغة في خطب الأمير في أكثر المواضع من هذه الصفات مثل «عزت قدرته، ووسع ~~سمعه الأصوات» (3) وعن الأئمة الآخرين مروي بالتواتر إثبات هذه الصفات له ~~تعالى. # الثالث منها صفاته تعالى الذاتية قديمة لم يزل موصوفا بها، قال زرارة بن ~~أعين وبكير ابن أعين وسليمان ومحمد بن مسلم الذين هم كانوا قدوة الإمامية ~~ورواة أخبارهم: إن الله تعالى لم يكن عالما في الأزل ولا سميعا ولا بصيرا ~~حتى خلق لنفسه علما وسمعا وبصرا كما خلقها لبعض المخلوقات فصار عالما ~~وسميعا وبصيرا. ومخالفة هذه العقيدة لكتاب الله أظهر من الشمس، ms072 فإنه وقع في ~~كثير من مواضعه {وكان الله عليما حكيما} و {عزيزا حكيما} PageV01P080 # و {سميعا بصيرا} ونحوها. # وأما مخالفتها للعترة الطاهرة فلما رواه الكليني عن أبي جعفر - عليه ~~السلام - أنه قال: كان الله ولم يكن شيء غيره ولم يزل عالما. (1) # وروى الكليني وجمع آخرون من الإمامية عليهم السلام أنهم كانوا يقولون: إن ~~الله سبحانه لم يزل عالما سميعا بصيرا. (2) # ومع هذا يرد عليهم أن يكون الله محلا للحوادث وهو باطل بالضرورة. # الرابع منها أن الله تعالى قادر على كل شيء، خالف الشيخ أبو جعفر الطوسي ~~والشريف المرتضى وجمع كثير من الإمامية في ذلك، فإنهم قالوا إن الله لا ~~يقدر على عين مقدور العبد. (3) ويكذبهم قوله تعالى {والله على كل شيء قدير} ~~وهو كاف لتكذيبهم. # الخامس منها أن الله تعالى عالم بكل شيء قبل وجوده، وهذا هو معنى ~~التقدير، يعنى أن كل شيء في علمه مقدر وكل شيء عنده بمقدار، بأن يكون كذا ~~وكذا ويوجد في وقته على وقفه. قالت الشيطانية - وهم أتباع شيطان الطاق -: ~~إنه تعالى لا يعلم الأشياء قبل كونها، وجماعة من الاثني عشرية من متقدميهم ~~ومتأخريهم منهم المقداد (4) صاحب (كنز العرفان) قالوا: إن الله لا يعرف ~~الجزئيات قبل وقوعها. وهذه العقيدة مخالفة للقرآن، قال تعالى {لا يعزب عنه ~~مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب ~~مبين} وقال {والله بكل شيء عليم} وقال {قد أحاط بكل شيء علما} وقال {ما ~~أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} وقال ~~{إنا كل شيء خلقناه} وقال {جعل الله الكعبة البيت الحرام - إلى قوله - ذلك ~~لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض} يعني أن الله جعل ~~الكعبة والشهر الحرام والهدي والقلائد شعائره ليجلب إليكم مصالحكم ويدفع ~~عنكم مضاركم، وتلك المصالح معلومة له قبل وقوعها. وقال {ولا رطب ولا يابس ~~PageV01P081 # إلا في كتاب مبين} وأخبر بوقعة الروم وفارس قبل وقوعها بقوله: {الم غلبت ~~الروم ms073 في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون} وقد أخبر الله رسوله ~~بالوقائع الجزئية الماضية والآتية والحاضرة في زمن الوحي وأخبارا كثيرة في ~~التنزيل، ومن يطلع عليها لا يشك فيها أصلا، وفيه كثير من الإخبار بأحوال ~~الجنة والنار ومكالمتهم كقوله تعالى {ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار - إلى ~~قوله - ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة} وقد وصل بالتواتر عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وأهل البيت أنهم أخبروا بالوقائع والفتن الأتية، وظاهر أن ~~علمهم كان مأخوذا من وحي الله وإلهامه. # وما يتمسك هؤلاء القائلون من القرآن المجيد بالآيات الدالة على حدوث علم ~~الله عند حدوث الأشياء كقوله {ويعلم الصابرين} وأمثال ذلك، أو الدالة على ~~الأختيار كقوله {وليبلوكم فيما آتكم} {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} ففاسد، إذ ~~المراد من هذا العلم كشف حالهم وتمييزها في الخارج لا المعنى الحقيقى. # وأما المخالفة للعترة فلما روى أهل السنة والشيعة عن أمير المؤمنين أنه ~~قال «والله لم يجهل ولم يتعلم، أحاط بالأشياء علما فلم يزدد بكونها علما، ~~علمه بها قبل أن يكونها كعلمه بها بعد تكوينها» (1) وروى على ابن إبراهيم ~~(2) القمي من الاثني عشرية عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله - عليه السلام ~~- قال: سألته هل يكون شيء اليوم لم يكن في علم الله بالأمس؟ قال: لا، من ~~قال هذا فأخزاه الله. قلت: أرأيت ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة أليس ~~في علم الله بالأمس؟ قال: بلى، قبل أن يخلق الخلق. (3) إلى غير ذلك من صحاح ~~الأخبار. # السادس منها أن القرآن المجيد هو كلام الله ولم يتطرق إليه تحريف ولا ~~تبديل ولا تغيير ولا زيادة ولا نقصان قط ولم يكن لهذه الأمور إليه من سبيل ~~أبدا. وقالت الاثنا عشرية ما هو موجود اليوم في أيدي المسلمين محرف ومبدل ~~ومزاد فيه ومحذوف منه، وقد تقدم في ذلك وقد خالفوا في عقيدتهم هذه قول الله ~~تعالى {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} وقال ~~تعالى {إنا نحن نزلنا PageV01P082 # الذكر وإنا ms074 له لحافظون} وكل ما يكون الله حافظا له كيف يمكن تبديله ~~وتغييره؟ أيضا تبليغ القرآن كما كان ينزل كان واجبا على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لقوله تعالى {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم ~~تفعل فما بلغت رسالته} ومعلوم باليقين أن من كان أسلم في عهده - عليه ~~السلام - اشتغل أولا بتعلم القرآن ثم بتعليمه حتى حفظه في عهده ألوف من ~~الرجال، ثم من بعد ذلك المسلمون في جميع البلاد والقرى مشغولون بتلاوته ~~آناء الليل وأطراف النهار في الصلاة وخارجها لعلمهم بأنها أعظم القربات، ~~ويعلمونه للأطفال قبل تعليم كل شيء، فإذا كان كذلك فكيف يتصور في القرآن ~~تغيير وتبديل لا يشعر به المشتغلون فيه! أما مخالفة هذه العقيدة للعترة ففي ~~كل روايات الإمامية مذكور أن أئمة أهل البيت كلهم يقرأون هذا القرآن ~~ويتمسكون بعامه وخاصه ويوردونه استشهادا ويفسرونه، والتفسير المنسوب إلى ~~الإمام الحسن العسكري إنما هو لهذا القرآن، (1) ويعلمونه أولادهم وخدامهم ~~وأهلهم ويأمرونهم بتلاوته في الصلاة، ومن ثمة قد أنكر شيخهم ابن بابويه في ~~كتاب اعتقاداته هذه العقيدة وتبرأ منها. (2) # السابع: منها أن الله تعالى مريد وإرادته أزلية، وما أراد وجوده في الأزل ~~وجعله معينا في وقته فيما لا يزال لا يمكن التقدم والتأخر فيه أبدا، فكل ~~شيء يوجد البتة في وقته بوفق تلك الإرادة، ويعتقد الإمامية أن إرادته تعالى ~~حادثة. وأيضا يقولون إن إرادته ليست عامة لجميع الكائنات، فإن كثيرا من ~~الموجودات يوجد بلا إرادته كالشرور والمعاصي والفسوق والكفر ونحوها، (3) ~~وهذه العقيدة يردها آيات كثيرة من الكتاب، منها قوله تعالى {ومن يرد الله ~~فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم} ~~أي فلو أراد إيمانهم لزم التناقض، وقوله {ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا} ~~الآية. وقوله {إن كان الله يريد أن يغويكم} وقوله {إنما يريد الله أن ~~يعذبهم في الدنيا} وقوله {وإذا أردنا أن نهلك قرية} الآية وقوله {من يشإ ~~الله يضلله} وقوله {واعلموا أن الله يحول ms075 بين المرء وقلبه} (4) وغيرها ~~PageV01P083 # من الآيات. وكذلك يكذب هذه العقيدة أقوال العترة أيضا: روى الكليني عن ~~محمد بن أبي نصر (1) قال: قلت لأبي الحسن الرضا إن بعض أصحابنا يقول بالجبر ~~وبعضهم يقول بالاستطاعة، فقال لي: اكتب «بسم الله الرحمن الرحيم. قال علي ~~بن الحسين قال الله تعالى بمشيئتي كنت أنت» (2) إلى آخر الحديث. وروى ~~الكليني عن سليمان بن خالد عن أبي عبد الله - عليه السلام -: إن الله تعالى ~~إذا أراد بعبد خيرا نكت في قلبه نكتة من نور وفتح مسامع قلبه ووكل به ملكا ~~يسدده، وإذا أراد الله بعبد سوءا نكت في قلبه نكتة سوداء وسد مسامع قلبه ~~ووكل به شيطانا يضله، ثم تلا قوله تعالى {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا} (3) وروى الكليني وصاحب ~~المحاسن (4) عن علي إبراهيم الهاشمي قال: سمعت أبا الحسن موسى - عليه ~~السلام - يقول: لا يكون شيء إلا ما شاء الله وأراد العبد. (5) وروى الكليني ~~عن الفتح بن يزيد الجرجاني (6) عن أبي الحسن ما ينص على أن إرادة العبد لا ~~تغلب إرادة الله سواء كانت إرادة عزم أو إرادة حتم. # وأيضا روى الكليني عن ثابت بن عبد الله عن أبي عبد الله - عليه السلام - ~~ما ينص على أن الله تعالى يريد ضلالة بعض عباده إرداة حتم، وروى عن ثابت عن ~~سعيد مثل ذلك. ولهذا الأصل فروع كثيرة: منها ما يقول الإمامية قاطبة أن ~~الباري لا يأمر إلا بما يريده (7) ولا ينهى إلا عما لا يريده. # وهذا أيضا مخالف للثقلين: أما الكتاب فقوله تعالى {ولو أرادوا الخروج ~~لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين} ~~فعلم أن إرادة خروج هذه الجماعة لم تكن له تعالى لأن الكراهة ضد الإرادة ~~وهم كانوا مأمورين بالخروج بلا شبهة وإلا فلا وجه للملامة والعتاب عليهم، ~~(8) وقوله تعالى {يريد الله أن لا يجعل لهم حظا في الآخرة} وقد كانوا ~~مأمورين بالإيمان. (9) ويوجد في القرآن ما يدل على عدم ms076 مشيئته تعالى بإيمان ~~الكفار من الآيات قدر مائة أو أزيد، ومع ذلك كانوا مأمورين بالإيمان. وأما ~~العترة فقد تواتر عنهم بروايات الشيعة ما يضاد ذلك بحيث لا مجال فيه ~~للتأويل PageV01P084 # ولا للإنكار، فمن ذلك ما روى البرقي في المحاسن والكليني في الكافي عن ~~على بن إبراهيم وقد سبق نقله قريبا. # ومنها ما رواه الكليني عن الحسن بن عبد الرحمن الحماني عن أبي الحسن موسى ~~بن جعفر أنه قال: إنما تكون الأشياء بإرادته ومشيئته. (1) # ومنها ما رواه الكليني وغيره عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله أنه ~~قال: أمر الله ولم يشأ وشاء ولم يأمر، أمر إبليس بالسجود لآدم وشاء أن لا ~~يسجد ولو شاء لسجد، ونهى آدم عن أكل الشجرة وشاء أن يأكل ولو لم يشأ لم ~~يأكل. (2) # ومن تلك الفروع قول الإمامية، إنه لا يقع بعض مراد الله تعالى ويقع ~~مرادات الشيطان وغيره من الكفار، وأهل السنة يقولون: لا تتحرك ذرة إلا بإذن ~~الله ولا تتقدم إرادة أحد مخالفة لإرادة الله تعالى، ولا يقع مراد غيره ~~بدون إرادته أصلا بل ما يشاء الله كان وما لم يشأ لم يكن {وما تشائون إلا ~~أن يشاء الله}. ومذهب الإمامية مأخوذ من زندقة المجوس، فإنهم قائلون ~~بالاثنين أحدهما خالق الشرور ويسمونه أهرمن والآخر خالق الخيرات ويسمونه ~~يزدان، ويسندون إليهما توزيعا وقائع العالم، وقد يعتقدون أن أحدهما غالب ~~على الآخر مغلوب، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ومنها ما يقول هؤلاء ~~المذكورون أن الله تعالى يريد شيئا يعلم أنه لا يقع. وهذا الاعتقاد الشنيع ~~مستلزم للسفه في حضرته تعالى عما يقول الظالمون. ومنها ما يقولون: إن الله ~~تعالى يريد أن يهدي بعض عباده ويضله الشيطان وأعوانه من أشرار بنى آدم، ولا ~~تتقدم إرادة الله بإزاء أولئك الملاعين! ويكذبهم في هذا نص القرآن {من يهد ~~الله فما له من مضل}. ومن أقوال العترة رواية الكليني عن ثابت بن سعيد عن ~~أبي عبد الله - عليه السلام - قال: يا ثابت ما لكم والناس، كفوا ms077 عن الناس ~~ولا تدعوا أحدا إلى أمركم، والله لو أن أهل السماوات وأهل الأرض اجتمعوا ~~على أن يهدوا عبدا يريد الله ضلاله ما استطاعوا أن يهدوه، ولو أن أهل ~~السماوات والأرض اجتمعوا على أن يضلوا عبدا يريد الله هدايته ما استطاعوا ~~أن يضلوه. (3) PageV01P085 # الثامن: منها ان الله تعالى لن يرضى بكفر أحد من عباده وضلالته، لقوله ~~تعالى {ولا يرضى لعباده الكفر} قال الاثنا عشرية: يرضى الله عن ضلالة غير ~~الشيعة، وكان الأئمة راضين بضلالة غيرهم أيضا. وروى صاحب (المحاسن) عن ~~الإمام موسى الكاظم أنه قال لأصحابه: لا تعلموا هذا الخلق أصول دينهم ~~وارضوا لهم بما رضي الله لهم من الضلال! (1) ولو صحت هذه الرواية لكانت ~~لأهل السنة بشارة عظيمة حاصلة في أيديهم، فإنهم يعيشون بحسب ما رضي الله ~~والحمد لله على ذلك وثبت لهم رضوان الله تعالى الذي هو غاية المنى لأهل ~~الدين بشهادة الأئمة. أما علماء الشيعة، فلا بد لهم أن يكذبوا هذه الرواية ~~لأنها مخالفة لأدلتهم القطعية وأصولهم الشرعية، إذ هي مناقضة لغرض الإمامة ~~لوجوب الأصلح واللطف وهادمة لأساس بنيان قاعدتهم المقررة أن الله تعالى لا ~~يريد الشرور والقبائح والكفر والمعاصي إذ الرضا فرع الإرادة وأخص منها، ~~فنفيها نفيه. # التاسع: منها أن الله تعالى لا يجب عليه شيء كما هو مذهب أهل السنة، ~~خلافا للشيعة فإنهم قاطبة متفقة كلمتهم بوجوب كثير من الأشياء عليه تعالى ~~بحكم عقولهم، (2) وليس هذا بملائم لمرتبة الربوبية والألوهية أصلا، وأية ~~قدرة للعبد أن يوجب على مالكه الحقيقي شيئا، فكل ما أعطى فهو من فضله ~~ورحمته وكل ما منع فهو من عدله وحكمته وهو المحمود في كل أفعاله، قال في ~~نهج البلاغة: ومن خطبة له خطبها بصفين «أما بعد فقد جعل الله لي عليكم حقا ~~بولاية أمركم، وجعل لكم على من الحق مثل الذي عليكم، والحق أوسع الأشياء في ~~التواصف، وأضيقها في التناصف، لا يجري لأحد إلا جرى عليه خالصا على أحد إلا ~~جرى له، ولو كان لأحد أن يجري له ولا يجرى عليه ms078 لكان ذلك خالصا لله تعالى ~~سبحانه دون خلقه، لقدرته على عباده ولعدله في كل ما جرت عليه صروف قضائه. ~~ولكنه سبحانه جعل حقه على العباد أن يطيعوه، وجعل جزاءهم عليه مضاعفة ~~الثواب تفضلا وتوسعا بما هو على المزيد أهله» انتهى بلفظه. قال جميع ~~الإمامية بوجوب التكليف عليه تعالى، (3) يعني يجب عليه تعالى أن يكلف ~~المكلفين بأن يأمرهم وينهاهم وأن يقرر لهم PageV01P086 # واجبات ومحرمات وأن يخبرهم بذلك بواسطة الرسل. ولا يقتضي العقل أصلا أن ~~يكلف الكافر بالإيمان والفاجر بالطاعة وترك العصيان، لأنه تعالى لا فائدة ~~له في هذا التكليف أصلا، بل هو منزه عن الفوائد والأغراض وغني عن العالمين، ~~وهو في حق العبد محض الخسران والضرر وموجب لهلاكه الأبدي، والله سبحانه ~~يعلم عاقبة الأمر لكل أحد هل يقبل أولا وهل يمتثل أم لا، فإلقاء العبد في ~~معرض التلف والهلاك عامدا من غير أن يعود إليه نفع ليس مقتضى العقل أصلا، ~~نعم لا يفعل عاقل أمرا يضر غيره وهو لا ينفع به خصوصا في حق الدين. (1) # وأيضا لو وجب التكليف لكان لابد أن برسل في كل قرية وبلدة الرسل متواليا، ~~ولم يقع زمن الفترة، ولم يخل قطر وناحية عن رسول، لأن العقل لا يكفي في ~~معرفة التكاليف بالإجماع، والحاجة للرسول ماسة بالضرورة. (2) # وأيضا كان على الله تعالى أن ينصب بعد موت النبي إماما غالبا غير خائف، ~~ويؤيده بالآيات والمعجزات حتى يبلغ الأحكام بلا خوف وهيبة، ولم يدع ~~المكلفين غافلين عن أحكام الشرع ويدعون سكان شواهق الجبال، ولم يفوض إمامه ~~بأيدي جماعة لم يكن لهم قدرة على إظهار الأحكام الشرعية! بل هم أيضا كانوا ~~يمضون بالتقية في لباس غيرهم من الكفرة والظلمة! # وأيضا يعتقدون أن (اللطف واجب على الله تعالى) ويبينون معنى اللطف أنه هو ~~ما يقرب العبد إلى الطاعة ويبعده عن المعصية بحيث لا يؤدي إلى الإلجاء. ~~وهذا أيضا باطل لأن اللطف لو كان واجبا لم يكن لعاص أن تتيسر أسباب عصيانه، ~~واجتمع لكل موجبات طاعاته، وشاهده محسوس في العالم أن أكثر ms079 الأغنياء ~~والموسرين يظلمون ويعصون ويبغون في الأرض بكثرة أموالهم وقوة عساكرهم، ~~وأكثر الفقراء يبغون بسبب أفلاسهم ويحرمون من العبادات. وكثير من أصحاب ~~العلم لا يحصل لهم معلم يعلمهم ولا تتأبى لهم الفراغة ولا تتيسر لهم القوة، ~~وكثير من أصحاب الشهوات والمفسدين يصل إليهم من كل جانب أسباب فسقهم بلا ~~كلفة وقصور، فلو كان اللطف واجبا لكان الأمر منعكسا. ومخالفة هذه العقيدة ~~للكتاب والعترة والعقل السليم أجلى من النهار: أما الكتاب فقوله تعالى ~~PageV01P087 # {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملان جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين}، و {ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي ~~من يشاء ولتسئلن عما كنتم تعملون}، {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى ~~أبصارهم غشاوة} والآيات الدالة على الاستدراج ومكر الله تعالى والإبعاد عن ~~الإيمان والطاعة مثل {فكره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين}، ~~{والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون}، {فلما نسوا ما ذكروا ~~به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم ~~مبلسون} وأمثال ذلك أزيد من أن يحصى. وأما العترة فقد سبق ما في الكليني عن ~~الصادق قال: إذا أراد الله بعبد سوءا نكت في قلبه نكتى سوداء، الحديث ~~المتقدم. # وأيضا يعتقدون (وجوب الأصلح عليه تعالى)، وهذا باطل بمثل ما مضى. (1) ~~وأيضا لو كان الأصلح واجبا لم يسلط الشيطان على بني آدم الذي هو عدو قوي من ~~غير جنسهم وهم لا يرونه حتى يحترزوا منه ويدفعوه عن أنفسهم وهو يراهم ~~ويتمكن من وسوستهم وقادر على إضلالهم بالإغواء ويصيبهم تصرفه في قلوبهم ~~فضلا عن الأعضاء الأخر، فإنه يجري منهم مجرى الدم. نعم خلق الشيطان ثم ~~إلقاء العداوة بينه وبين الإنسان ثم إبقاؤه وإنظاره القدرة على إغواء بني ~~آدم بالتصرف كل منهم يقلع أصل الأصلح ومارنه. وأيضا كان الأصلح في حق بني ~~إسرائيل أن السامري لم يكن يرى جبريل ولم يعلم أصلا خاصة ما مس حافر فرسه، ~~وإذ رآه وعلم خاصته ms080 فهو لم يكن يقدر على قبضه من ذلك التراب، وإذ أخذه فقد ~~كان ضاع منه. ولما وقع هذا كله خلافا لذلك فأين بقي الأصلح؟ وأيضا كان ~~الأصلح في حق الكافر المسكين المبتلى بالفقر والأحزان والآلام والأمراض أن ~~لا يخلق أصلا، وإن خلق مات صغيرا ليخلص من العذاب PageV01P088 # الأبدي الأخروي. وكان الأصلح في حق أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~وأمته أن ينص على خلافة أبي بكر صريحا لا على خلافة الأمير حتى يعملوا ~~بوفقه ولا يذهبوا إلى خلافه. وأيضا يقول الله تعالى في كتابه {بل الله يمن ~~عليكم أن هداكم للإيمان} فلو كانت الهداية إلى الإيمان واجبة عليه تعالى لم ~~يمن بها على عباده، إذ لا منة في أداء الواجب. # ويعتقدون أيضا أن (الأعواض واجبة عليه تعالى) يعني إذا أصاب الله عبدا ~~بألم أو نقصان في ماله وبدنه وجب عليه تعالى أن يعطيه نفعا يستحقه ذلك ~~العبد. (1) وعقيدتهم هذه بعد دراية ما بين العبد والرب من علاقة المالكية ~~والمملوكية باطلة. إذ العوض يجب إذا تصرف في ملك المالك، ولا ملك في العالم ~~لغيره تعالى. ونعيم الجنة في الحقيقة محض تفضل منه، لأن العبد لو صرف جميع ~~عمره في الطاعة والعبادة لا يمكن أن يؤدي شكر نعمة واحدة من نعمة الخفية ~~الدقيقة فضلا عن أن يستحق عليه عوضا به. فإن كل ما يفعله الإنسان لا يكافئ ~~نعمة الوجود وحدها، فكيف يكون حال ما يقتضي غيره من النعم الكثيرة: {وإن ~~تعدوا نعمة الله لا تحصوها}. ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما أحد ~~يدخل الجنة بعمله إلا برحمة الله، قيل: ولا أنت؟ قال: ولا أنا». (2) وقد صح ~~عند الشيعة ثبوت هذا المعنى بالتواتر من أحاديث الأئمة. روى ابن بابويه ~~القمي في (الأمالي) من طريق صحيح عن علي بن الحسين أنه كان يدعو بهذا ~~الدعاء «إلهي وعزتك وجلالك لو أني منذ أبدعت فطرتي من أول الدهر عبدتك دوام ~~خلود ربوبيتك لكل شعرة في طرفة عين سرمد الأبد بتحميد الخلائق وشكرهم ~~أجمعين لكنت مقصرا ms081 في بلوغ شكر أخفى نعمة من نعمك. ولو أني كربت معاول حديد ~~الدنيا بأنيابي وحرثت أرضها بأشفار عيني وبكيت من خشيتك مثل بحور السماوات ~~والأرض دما وصديدا لكان ذلك قليلا من كثير من وفاء حقك علي، ولو أنك إلهي ~~عذبنتي بعد ذلك بعذاب الخلائق أجمعين وعظمت للنار خلقي وجسمي وملأت جهنم ~~مني حتى لا يكون في النار معذب غيري ولا يكون لجهنم حطب سواي لكان هذا لك ~~علي قليلا من كثير ما استوجبت من عقوبتك». (3) وفي (نهج PageV01P089 # البلاغة) عن أمير المؤمنين قال «لا يأمن خير هذه الأمة من عذاب الله». ~~(1) # العاشر منها: كل ما يصدر من الإنسان أو الجنة أو الشياطين أو غيرهم من ~~المخلوقات من خير وشر وكفر وإيمان وطاعة ومعصية وحسن وقبح كلها من خلق الله ~~تعالى بإيجاده وليس للعبد قدرة على خلقه. نعم له كسبه والعمل به، وبهذا ~~الكسب والعمل سيجزى إن شرا فشر وإن خيرا فخير. هذا هو مذهب أهل السنة. # وقال الإمامية: إن العبد يخلق أفعاله ولا دخل لله تعالى في أقوالهم ~~وأفعالهم الإرادية، بل في جميع أفعال الطيور والبهائم والوحوش وسائر ~~الحيوانات التي تفعل بالإرادة. (2) وعقيدتهم هذه مخالفة للكتاب والعترة. # أما الكتاب فقوله تعالى {والله يخلقكم وما تعلمون} وقوله {خالق كل شيء لا ~~إله إلا هو} وقوله {ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا ~~الله} وقوله {ألم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن} ~~وغيرها من الآيات. # وأما العترة فقد روت الإمامية بأجمعهم عن الأئمة أن أفعال العباد مخلوقة ~~لله تعالى؛ ذكر تلك الروايات شارح العدة وغيره. (3) ومع هذا يعتقدون أن هذه ~~المسألة كذلك بزعمهم مخالفين للأئمة صريحا، ولا تمسك لهم في ذلك إلا بعده ~~شبهات اتخذوها ملجأ باتباع المعتزلة، قالوا لو كان الله تعالى خالقا لأفعال ~~عباده يلزم بطلان أمر الثواب والعقاب والجزاء كلها، لأنهم لا يكون لهم دخل ~~في أفعالهم، وتعذيب من لا دخل له في فعله ظلم صريح. # وأجاب أهل السنة بمنع الملائمة، وذلك ms082 أنهم قالوا إنا نثبت أمر الثواب ~~والعقاب والجزاء على أصول الشيعة وعلى وفق رواياتهم عن الأئمة، مع كونه ~~تعالى خالقا لأفعال عبداه بطريقين: (الأول) أن جزاء أفعال كل واحد مطابق ~~لعلمه وتقديره تعالى في حق كل واحد، مثلا ثبت في علم الله أن أفعالهم ~~وأعمالهم لو أحالها وفوض عملها إليهم يطيع فلان ويعصي فلان، يعني يخلق في ~~المطيع طاعته والعاصي معصيته والكافر كفره والمؤمن إيمانه، وقد قام شاهد ~~هذا التقرير والعلم في العباد أيضا وذلك ميلهم وهوى أنفسهم، فميل المؤمنين ~~PageV01P090 # إلى الإيمان وميل الكافرين إلى الكفر وميل أهل الطاعة إليها وميل أهل ~~الفسق إليه؛ كل يرجح في قلبه ما له ميل إليه ويخلقه الله تعالى على يده. ~~فجزاء الخير والشر بناء على علمه تعالى في إيجادهم لو فرض إليهم، فهم وإن ~~لم يكونوا خالقين لأفعالهم حقيقة ولكن لا شبه في خلقهم تقديرا، فلو جعل ~~الكافر قادرا على خلق أفعاله لخلق الكفر. وكذا لو كان المؤمن يعطى القدرة ~~على هذا الأمر لخلق الإيمان. وعلى هذا القياس في جميع الأفعال والأقوال. ~~(1) والجزاء المبني على علمه في حق كل ليس ظلما عند الشيعة لأن جزاء أطفال ~~المشركين بهذه الوتيرة عندهم بلا تفاوت. روى ابن بابويه عن عبد الملك بن ~~سنان قال: سألت أبا عبد الله - عليه السلام - عن أطفال المشركين يموتون قبل ~~أن يبلغوا الحنث، قال: الله أعلم بما كانوا عاملين يدخلون مداخل آبائهم. ~~(2) وروى عن وهب بن وهب (3) عن [جعفر بن محمد (4)] عن أبيه عن أبي عبد الله ~~أيضا أنه قال: أولاد الكفار في النار. (5) فإذا لم يكن عذاب الصبي غير ~~المكلف لكونه كافرا وعاصيا في علم الله تعالى من غير أن يوجد فيه شاهد هذا ~~العلم من ميل النفس وهواها ظلما، لم يكن ظلما تعذيب المكلف على فعله الذي ~~يوجده ويخلقه بوفق إرادته وهوى نفسه لأجل أنه يفعل هذا الفعل ويخلقه لو قدر ~~عليه. (6) # وهذا الوجه مصرح به ومبين في روايات الأئمة في كتب الشيعة: روى الكليني ~~وابن بابويه وآخرون منهم ms083 عن الأئمة أن الله خلق بعض عباده سعيدا وبعض عباده ~~شقيا لعلمه بما كانوا يعملون. (7) ليتأمل في لفظ «كانوا» فإنه يفيد صريحا ~~معنى الفرض والتقدير. وروى الكليني وغيره من الإمامية عن أبي بصير أنه قال: ~~كنت بين يدي أبي عبد الله - عليه السلام - جالسا فسأله سائل فقال: جعلت ~~فداك با ابن رسول الله، من أين لحق الشقاء بأهل المعصية حتى حكم لهم ~~بالعذاب على عملهم في علمه؟ فقال أبو عبد الله: أيها السائل، علم الله عز ~~وجل لا يقوم له أحد من خلقه بحقه، فلما حكم بذلك وهب لأهل المحبة القوة على ~~طاعته ووضع عنهم ثقل العمل بحقيقة ما هم أهله ووهب لأهل المعصية القوة على ~~معصيتهم بسبق علمه فيهم ومنعهم إطاقة القبول منه فوافقوا ما سبق لهم من ~~علمه تعالى ولم يقدروا أن يأتوا حالا PageV01P091 # تنجيهم من عذابه لأن علمه أولى بحقيقة التصديق وهو معنى شاء ما شاء وهو ~~سره. (1) وروى الكليني عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله - عليه السلام - ~~أن قال: إن الله خلق السعادة والشقاوة قبل أن يخلق خلقه فمن خلقه سعيدا لم ~~يبغضه أبدا وإن عمل سوءا أبغض عمله وإن خلقه شقيا لم يحبه أبدا وإن عمل ~~صالحا أحب عمله. (2) ولو كان الجزاء على خلق عمله من عنده الواقع موافقا ~~لهوى العبد ظلما يلزم أن يكون خلق نفسه وقواه مع تسليط الشيطان عليه ومنع ~~الألطاف وإطاقة القبول في حقه ظلما أيضا. وقد وقع صريحا في الروايات ~~المذكورة هذه الجمل: ووهب له قوة المعصية ومنع عنه إطاقة القبول ولم يقدروا ~~أن يأتوا حالا تنجيهم. وقد ورد أيضا في الروايات السابقة عن أبي عبد الله ~~أنه قال: إذا أراد الله بعبد سوءا نكت في قلبه نكنة سوداء الحديث المتقدم. ~~وظاهر أن العبد يكون على هذا مضطرا وملجئا بفعل المعصية لعدم قدرته على ~~الطاعة والعبادة بهذه المعاملة التي عامل الله بها في حق عبده. # (الطريق الثاني) أن الجزاء ليس على العمل حتى يكون دخل العبد ضرورة، بل ms084 ~~على ميل قلبه وهو نفسه الذي يقارن كل عمل من الخير والشر، ولهذا رفع عن ~~العباد السهو والنسيان والخطأ والإلزام، مع أن صدور سوء الفعل يكون من ~~العبد في هذه الحالات أيضا، ولكن لما لم يكن قلبه وهوى نفسه بذلك الفعل ~~يعفى عنه ذلك الصدور ولهذا يجزي على نية الخير والشر وإن لم يعمل ففي ~~الكافي للكليبي عن السكوني عن أبي عبد الله - عليه السلام - قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - «نية المؤمن خير من عمله ونية الكافر شر من ~~عمله». (3) ووجه كونها خيرا وشرا إنما هو مدار الجزاء عليها. وفيه أيضا عن ~~أبي بصير عن أبي عبد الله قال: إن العبد المؤمن الفقير ليقول يا رب ارزقني ~~حتى أفعل كذا وكذا من البر ووجوه الخير فإذا علم الله عز وجل ذلك منه بصدق ~~نيته كتب الله له من الأجر مثل ما يكتب لو عمله، ولهذا جعل الرياء والسمعة ~~محبطين لثواب العمل كما ذكره مفصلا في باب الرياء في الكافي. (4) من ذلك ما ~~روى عن يزيد بن خليفة PageV01P092 # قال: قال أبو عبد الله: كل رياء شرك، إنه من عمل للناس كان ثوابه على ~~الناس ومن عمل لله كان ثوابه على الله. (1) وأيضا قد ورد في الحديث المتفق ~~عليه (2) أن الندامة هي التوبة. (3) فقد علم أن مدار تأثير العمل على ميل ~~القلب وهوى النفس ولما ذهبت شهوة العمل في حالة الندامة ذهب أثرها أيضا ولو ~~بعد مدة وزمان طويل. وفي الكافي عن أبي جعفر - عليه السلام - قال: كفى ~~بالندم توبة. (4) وأيضا عن أبي عبد الله قال: إن الرجل ليذنب فيدخله الله ~~به الجنة. قلت: يدخله الله بالذنب الجنة؟ قال: إنه يذنب فلا يزال منه خائفا ~~ماقتا لنفسه فيرحمه الله ويدخله الجنة. (5) وإذا كان مدار الجزاء على النية ~~وميل النفس واستحسان القلب فإن خلق الله أفعالا على وفق إرادة العبد وميله ~~وهوى نفسه وجازى العبد على ذلك فلم يكن ظلما. نعم يتصور الظلم لو كان خلق ~~أفعال العبد ابتداء من ms085 دون تخلل إرادته وميله كأفعال الجمادات من نحو إحراق ~~النار وقتل السم وقطع السيف وكسر الحجر، وإذا كانت أفعال العباد تابعة ~~لإرادتهم وأهواء أنفسهم كان لهم دخل في تلك الأعمال فوجدوا منها حظا فذاقوا ~~جزاءها بحسب ذلك، وهذا هو معنى الكسب والاختيار عند التحقيق. (6) # هذا وإذا قيل إن ذلك الميل وهوى النفس من خلقه وإيجاده إذ ظاهر أن العبد ~~لا قدرة له على إيجاده والله سبحانه إذا خلق الميل والهوى فلم يؤاخذ العبد ~~على ذلك ويجازيه؟ فجوابه أن هذه الشبهة مع اعتقاد أن العباد خالقون ~~لأفعالهم أيضا واردة على الشيعة، لأن الدواعي الواردة على جميع الأسباب ~~والمبادئ لصدور الفعل من القدرة والقوة والحواس والجوارح بل وجود العبد ~~الذي هو أصل الأصول للأفعال كلها مخلوقة لله تعالى بالبداهة والإجماع ولا ~~دخل فيها للعبد أصلا. وتحقيق المقام أن الاختيار لما قارن الفعل وتوسط معه ~~صار ذلك الفعل اختياريا وخارجا من حريم الاضطرار وموردا للمدح والذم ومحلا ~~للثواب والعقاب وكون الاختيار باختياره ليس ضروريا بل هو محال للزوم التسلل ~~إذ ليس لأحد في المشاهدة قدرة على خلق الاختيار أصلا في غيره وصعب على ~~العقل فهم هذا المعنى بالقياس لفقدان النظر الجزئي، ولكنه إذا خلى نفسه حتى ~~يبعد عن شوائب الأوهام PageV01P093 # ومأخوذية المألوفات ويحصل له الصفوة بعد ذلك يجزم بأن مدار كون العقل ~~اختياريا على وجود الاختيار لا على إيجاد الفعل ولا على إيجاد الاختيار. ~~مثلا لو أراد عبد أحد أن يأبق، وأبلغه الآخر إلى مقصده بعد ما أطلع على ~~إرادة قلبه وميله بإظهاره أو بوجه آخر، يكون هذا الإباق منسوبا إلى ذلك ~~العبد عند العقل البتة، وإن كانت مباشرة الفعل حاصلة من الغير ومبنى قلب ~~العبد حاضر له من نفسه. # فإذن ظهر لك أن ليس الفرق في اعتقاد أهل السنة والشيعة بذلك إلا هذا ~~القدر: إن أهل السنة يعتقدون أن اختيار العبد محفوف من كلا الجانبين بفعل ~~الله تعالى: من الجانب الفوقاني بخلق الاختيار والإرادة والهوى وميل النفس، ~~ومن الجانب التحتاني بخلق الفعل. ms086 والشيعة يعتقدون أن اختياره من الجانب ~~الفوقاني بفعل الله تعالى لا من الجانب التحتاني وهو خلق الفعل فإنهم ~~يقولون إن خلق الفعل وظيفة العبد. وعلى العاقل هنا أن يتأمل، فإن الجانب ~~الفوقاني للاختيار إذا كان في يد الغير لزم الجبر ونشأ الإشكال في أمر ~~الجزاء والثواب والعقاب، فترك البديهة العقلية التي هي قاضية باستحالة صدور ~~الإيجاد من الممكن عن اليد مجانا ثم الانغماس في الدجل الشيطاني أي لطف ~~يكون له؟ (1) وقد نقل سابقا برواية صاحب المحاسن وهو البرقي (2) وبرواية ~~الكليني عن أبي الحسن الكاظم أنه قال لا يكون شيء إلا ما شاء الله وأراد. ~~وقد روي عن رئيس فقهاء أهل السنة أبي حنيفة الكوفي أنه قال: قلت لأبي جعفر ~~بن محمد الصادق: يا ابن رسول الله هل فوض الله الأمر إلى العباد؟ فقال: ~~الله أجل من أن يفوض الربوبية إلى العباد. فقلت: هل أجبرهم على ذلك؟ فقال: ~~الله أعدل من أن يجبرهم على ذلك. فقلت: وكيف ذلك؟ فقال: الله أعدل من أن ~~يجبرهم على ذلك. فقلت: كيف ذلك؟ فقال: بين بين، لا جبر ولا تفويض ولا إكراه ~~ولا تسليط. (3) وضع أهل السنة بناء مذهبهم على هذه الرواية في مسألة خلق ~~الأفعال، حيث يعتقدون نفي الخلق عن العباد ولا خلق إلا لله، ويثبتون الكسب ~~لهم مطابقا لإرشاد الإمام الصادق. وهذه PageV01P094 # الرواية بعينها في كتب الإمامية، فقد روى محمد بن يعقوب الكليني عن أبي ~~عبد الله أنه قال: لا جبر ولا تفويض ولكن بين أمرين. (1) وروى الكليني أيضا ~~عن إبراهيم عن أبي عبد الله مثل ذلك. (2) أيضا عن أبي الحسن محمد بن الرضا ~~نحوه. (3) وأول علماء الشيعة هذه الروايات المذكورة الموافقة لأهل السنة ~~صريخا فقالوا المراد من أمر بين أمرين خلق القوة والقدرة والتمكين على ~~الفعل لا الدخل في إيجاد الفعل. ولا يفهمون أن سؤال السائل عما إذا كان، ~~وأين يذهبون بجواب الإمام مجردا وأي عاقل سأل عن تفويض خلق القوة والقدرة ~~على العمل فإنه بديهي البطلان، وإنما البحث والنزاع إن كان ms087 ففي خلق الفعل ~~فجواب الإمام يجعلونه لغوا مهملا بتوجيههم هذا معاذ الله من ذلك. ومع هذا ~~لا يجدي هذا التوجيه نفعا لأن هذا التفويض يوجد في نفيه أيضا علة البحث ~~والاعتراض، ومع قطع النظر عن ذلك فإن أهل السنة في أيديهم روايات صريحة ~~مستخرجة من كتب الشيعة تحسم مادة التأويل. منها الرواية التي أوردها صاحب ~~(الفصول) من الإمامية فيه وصححها عن إبراهيم بن عياش أنه قال: سأل رجل ~~الرضا أيكلف الله العباد ما لا يطيقون؟ فقال: هو أعدل من ذلك. # قال: فيقدرون على الفعل كما يريدون؟ قال: هم أعجز من ذلك. (4) فقد نفى ~~الإمام القدرة صريحا في هذا الحديث الصحيح. ومنها ما في (نثر الدرر): سأل ~~الفضل بن سهل بن موسى الرضا في مجلس المأمون فقال: يا أبا الحسن، الخلق ~~يجبرون؟ قال: الله أعدل أن يجبر ثم يعذب. قال فمطلقون؟ قال: الله أحكم من ~~أن يهمل عبده ويكله إلى نفسه. (5) وإذ اتضح مخالفة علمائهم في عقيدتهم ~~للأئمة فاستمع ما لقبهم به الأئمة من الألقاب السيئة، فقد روى محمد بن ~~بابويه في كتاب التوحيد عن أبي عبد الله أنه قال: القدرية مجوس هذه الأمة ~~أرادوا أن يصفوا الله بعدله فأخرجوه عن سلطانه. وفيهم نزلت هذه الآية {يوم ~~يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر}. (6) ~~وروى الكليني عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله: شاء وأراد وقدر وقضى؟ ~~قال: نعم. قلت: وأحب؟ قال: لا. (7) # الحادي عشر منها: أن العبد ليس له اتصال مكاني وقرب جسماني بالله تعالى ~~ممكنا PageV01P095 # وما يتصور في حقه من القرب فإنما هو بالدرجة والمنزلة عنده تعالى ورضوانه ~~عنه فقط. وهذا هو مذهب أهل السنة. وقد ثبت في الأخبار الصحيحة المروية عن ~~العترة الطاهرة بروايات الشيعة أن الأئمة قد نفوا عن الله تعالى المكان ~~والاتصال والأين وغيرها. وقال أكثر فرق الإمامية بالقرب المكاني والصوري، ~~ويحملون المعراج على الملاقاة المتعارفة الجسمانية. روى ابن بابويه في كتاب ~~(المعراج) عن حمران بن أعين عن أبي ms088 جعفر - عليه السلام - أنه قال في تفسير ~~قوله تعالى {ثم دنى فتدلى} أدنى الله عز وجل نبيه - صلى الله عليه وسلم - ~~فلم يكن بينه وبينه إلا قفص من لؤلؤ فيه فراش يتلألأ من ذهب فأراه صورة ~~فقيل: يا محمد أتعرف هذه الصورة؟ قال: نعم هذه صورة علي بن أبي طالب. (1) # الثاني عشر منها: أن رؤية الله تعالى ممكنة عقلا وسيراه المؤمنون بعيون ~~رءوسهم جزما ويتشرفون في الجنة بهذه النعمة بحسب مراتبهم، (2) والكافرون ~~والمنافقون محرومون منها. وهذا هو مذهب أهل السنة. وتمسكهم على هذا المطلب ~~بالنقل والعقل: أما النقل فقوله تعالى حكاية عن موسى {رب أرني أنظر إليك ~~قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني} ووجه ~~الاستدلال به أمران: الأول أن سؤال موسى الرؤية يدل على إمكانها لأن العاقل ~~- فضلا عن النبي - لا يطلب المحال ولو بتكليف الغير، ولا مجال للقول بجهل ~~موسى - عليه السلام - بالاستحالة، فإن الجاهل بما لا يجوز على الله تعالى ~~لا يصلح من النبوة هداية الخلق إلى العقائد الحقة والأعمال الصالحة. ولا ~~ريب في نبوة موسى وأنه كبار الأنبياء وأولي العزم. وأيضا أن يقال إنما سأل ~~موسى الرؤية بتكليف القوم حيث قالوا {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} وقالوا ~~{أرنا الله جهرة} ولتبكيتهم إذ لو كانت الرؤية ممتنعة لوجب عليه أن يجهلهم ~~ويزيح شبهتهم كما فعل بهم لما قالوا {اجعل لنا إلها} الآية. وأيضا لو كان ~~سألها بتكليفهم لقال «رب أرهم ينظروا إليك». والثاني أنه تعالى علق الرؤية ~~على استقرار الجبل، وهو أمر ممكن في نفسه والمعلق على الممكن ممكن لأن معنى ~~التعليق الإخبار بوقوع المعلق عند PageV01P096 # وقوع المعلق به، والمحال لا يثبت على شيء من التقادير الممكنة. وأيضا ما ~~صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إنكم سترون ربكم عيانا يوم ~~القيامة كما ترون هذا القمر لا تضامون» (1) وهذه الرؤية متعدية إلى مفعول ~~واحد فهي من رأي العين لا من رأي القلب. ووجه الاستدلال به أن الرؤية لو ms089 ~~كانت محالا لما بشر النبي بها المؤمنين لأن بشارته متحتمة الوقوع والمحال ~~لا يمكن وقوعه، والتشبيه المذكور في الحديث تشبيه الرأي بالرأي (2) في ~~الحالتين دون المرئي بالمرئي. وقوله تعالى {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ~~ناظرة}. والنظر المتعدي بإلى هو بمعنى الرؤية و «إلى» ههنا حرف جر لا اسم ~~مفرد، وليس النظر متعديا إليه بنفسه فإن النظر يكون حينئذ بمعنى الانتظار ~~وهو غم ونقمة كما قيل «الانتظار موت أحمر» (3) لا نغمة ومسرة، وقد سبقت ~~الآية في بشارة المؤمنين بنعيم الجنة وسرورها، والانتظار يوجب الغم ولا ~~يناسب سياق الآية. # وأما العقل فهو أنا نرى الأعراض - كالألوان والأضواء وغيرهما - والجواهر ~~- كالطول والعرض - في الجسم فلا بد له من علة مشتركة بينهما بل من شيء ~~مشترك بينهما يكون المتعلق الأول للرؤية وذلك الأمر إما الوجود أو الحدوث ~~أو الإمكان، والأخيران عدميان لا يصلحان لتعلق الرؤية بهما فلم يبق إلا ~~الوجود وهو مشترك بين الواجب والممكنات فيجوز رؤيته عقلا، والمراد بالوجود ~~مفهوم مطلق الوجود الحقيقي وما به الموجودية. وبالجملة إن المعتمد في مسألة ~~الرؤية إجماع الأمة - قبل حدوث المبتدعين - على وقوعها، وهو مستلزم ~~لجوازها، وعلى كون الآية الكريمة محمولة على الظاهر المتبادر منها. # وقد أنكر الرؤية جميع فرق الشيعة - إلا المجسمة منهم - وقالوا يستحيل ~~رؤيته تعالى. وعقيدتهم هذه مخالفة للكتاب والعترة. (4) أما الكتاب فقوله ~~تعالى {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} وقوله تعالى في الكفار {كلا إنهم ~~عن ربهم يومئذ لمحجوبون} فعلم أن المؤمنين لا يكون لهم حجاب عن ربهم، وقوله ~~تعالى {إن الذين يشترون بعهد الله وإيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم ~~في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة PageV01P097 # ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم} فقد علم أن المؤمنين والصلحاء هؤلاء سيكون ~~لهم نظر وكلام من الله تعالى، إلى غير ذلك من الآيات. الثاني أن متمسك ~~هؤلاء المنكرين في نفي الرؤية ليس إلا الاستبعاد وقياس الغائب على الشاهد ~~واشتباه العاديات بالبديهيات، وغاية سوء الأدب ممن يؤول آيات الكتاب بمجرد ~~استبعاد عقله ms090 الناقص، ويصرفها عن الظاهر ولا يتفكر ولا يتأمل في معانيها. ~~وفي آية {لاتدركه الأبصار} (1) نفي للإدراك الذي هو بمعنى الإحاطة لا نفي ~~الرؤية. ولا يستلزم نفيه نفيها، لأن الإدراك والرؤية متباينان في الحقيقة. ~~وبملاحظة إسناده إلى الأبصار بوجه أخص منها فإنه إبصار وانكشاف المرئي ~~التام بالبصر. والإدراك في اللغة الإحاطة بدليل قوله تعالى {حتى إذا أدركه ~~الغرق} وقوله {قال أصحاب موسى إنا لمدركون} ونفي أحد المتباينين لا يستلزم ~~نفي الآخر، وكذا نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم. وأما ما يرادف العلم فهو ~~المصطلح لا غير، لأن الإدراك بمعنى العلم والإحساس ليس في اللغة أصلا، ولا ~~شك أن الإحاطة نقص له تعالى فنفيها مدح، والرؤية ليست كذلك. فعلى هذا معنى ~~الآية: إن الله تعالى لا تحاط ذاته المقدسة بحاسة البصر. ولو فرضنا كون ~~الإدراك بمعنى الرؤية لكان نفيها في الآية بناء على العادة. وظاهر أن رؤيته ~~تعالى بحيث كل ما أراد فيراه، ولا يمكن لأحد أن يراه ما لم يره الله ذاته ~~تعالى، وقد وقع في كلامه تعالى نفي العادة بالإطلاق كقوله تعالى {إنه يراكم ~~هو وقبيله من حيث لا ترونهم} وبالإجماع يجوز رؤية الجن والشياطين بطريق خرق ~~العادة، ولهذا استعظم واستبعد سؤال الكفار رؤية الملائكة مع أنهم يراهم ~~الأنبياء والصلحاء والمؤمنون. وأيضا ليس النفي في الآية عاما في الأوقات، ~~فلعله مخصوص ببعض الحالات، ولا في الأشخاص، فإنه في قوة قولنا لا كل بصر ~~يدركه، مع أن النفي لا يوجب الامتناع. # أما العترة فقد روى ابن بابويه عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله فقلت: ~~أخبرني عن الله عز وجل هل يراه المؤمنون يوم القيامة؟ قال: نعم. (2) إلى ~~غير ذلك من الأخبار. PageV01P098 ### | الباب الرابع في النبوة # العقيدة الأولى: اعلم أن الشيعة يعتقدون أن بعث الأنبياء واجب على الله ~~تعالى. (1) ولا يليق ذلك بمرتبة الربوبية والألوهية، فإن الله هو الحاكم ~~الموجب على عباده، فمن يحكم عليه بوجوب شيء؟ نعم تكليف العباد وبعثة ~~الأنبياء واقع حتما ولكن بمحض فضله وكرمه، بحيث لو ms091 لم يفعل ذلك لم يكن لهم ~~مجال شكاية، فإذا فعل فهو عين فضله ومحض رحمته، وهذا هو مذهب أهل السنة. ~~ولو كان بعث الأنبياء واجبا عليه تعالى لم يمتن ببعثهم في كثير من الآيات، ~~قال تعالى: {بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان} وقال تعالى {لقد من الله ~~على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم} الآية وغيرها من الأيات. وظاهر ~~أنه ليس في أداء الواجب منه. وأيضا لو كان واجبا لما سأله إبراهيم وطلب منه ~~البعث في ذريته وبناء على كونهم مكلفين ووجوب تكليفهم قال: {ربنا وابعث ~~فيهم رسولا منهم} الآية لأن الدعاء بما هو واجب الوقوع لغو لا معنى له، ~~والأنبياء منزهون عن اللغو. # واعلم أن الإمامية لا بد عندهم أن لا يخلو زمان من نبي أو وصي قائم ~~مقامه، وهو يعلمون أن بعث النبي أو نصب الوصي واجب عليه تعالى. (2) ولا ~~يعتقد أهل السنة وجوب شيء على البارى تعالى. # وعقيدة الشيعة هذه مخالفة للكتاب والعترة. أما الكتاب فلأن كثيرا من ~~آياته تدل على وجود زمن الفترة وخلوه عن النبوة وآثارها، كما قال الله ~~تعالى: {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل} وغيرها ~~من الآيات. وأيضا تدل آيات كثيرة بالصراحة على ختم النبوة كقوله تعالى ~~{ولكن رسول الله وخاتم النبيين}. PageV01P099 # وفي إنجيل يوحنا في الإصحاح الرابع عشر) قال عيسى للحواريين «وأنا أطلب ~~لكم من أبي أن يمنحكم ويعطيكم فارقليط ليكون معكم دائما إلى الأبد» ~~وفارقليط في اللغة العبرية بمعنى روح الحق واليقين، وهو لقب نبينا - صلى ~~الله عليه وسلم -. وأما أخبار الأئمة في هذا الباب فأزيد من الحد والإحصاء، ~~وقد تواتر عن الأمير في صفة الصلاة على النبي في كتب الإمامية هذه العبارة ~~«اللهم داحي المدحوات وفاعم المسموكات، اجعل شرائف صلواتك ونوامي بركاتك ~~على محمد عبدك ورسولك الخاتم لما سبق»، (1) وأيضا ورد في بعض خطب الأمير ~~المتواترة عند الشيعة هذه العبارة «أرسله على فترة من الرسل، وطول هجعه بين ~~الأمم» (2) إلى أن قال ms092 «وأمين وحيه وخاتم وبشير رحمته ونذير نقمته». (3) ~~وهذه الخطبة كما تدل على ختم النبوة كذلك تدل على وقوع الفترة أيضا، ومعنى ~~الفترة إنما هي ان لا يكون نبي ولا قائم مقامه في الزمان، ولو أريد في معنى ~~الفترة عدم نبي في الزمان فقط يلزم أن يكون زمن الأمير بعد وفاة النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أيضا زمان الفترة، وأنت تعلم أن حكم زمان الفترة بنبي ~~آخر الزمان لدوام شريعته إلى يوم القيامة فلا يصح أن يقال بالفترة بعد ~~وفاته - صلى الله عليه وسلم -. # العقيدة الثانية: أن الأنبياء أفضل من جميع خلق الله حتى الملائكة ~~المقربين، (4) ولا يمكن أن يستوي غير النبي في الثواب والقرب والمنزلة عند ~~الله تعالى، فضلا عن أن يكون أفضل منه. وهذا هو مذهب أهل الحق وجميع فرق ~~الإسلام إلا المعتزلة في الملائكة المقربين، والإمامية في الأئمة الأطهار. ~~ولهم في هذه المسالة تنازع وتخالف كثير فيما بينهم، ولكنهم أجمعوا على أن ~~الأمير أفضل من غير أولي العزم من الرسل والأنبياء، وليس بأفضل من خاتم ~~النبيين عليه وعليهم السلام. (5) وأما غيره من سائر أولي العزم فقد توقف ~~فيه بعضهم كابن المطهر الحلي وغيره، ويعتقد بعضهم أنه مساو لهم وهذا مخالف ~~لما ورد عن الأئمة، وأن من قال غير ذلك فهو ضال. (6) وروى ابن بابويه عن ~~الصادق ما ينص على أن الأنبياء أحب PageV01P100 # إلى الله تعالى من علي. (1) ولكتاب الله لأنه يدل في جميع آياته على ~~اصطفاه الأنبياء وأختيارهم على جميع العالم، والعقل يدل صريحا على أن جعل ~~النبي واجب الإطاعة وجعله أمرا وناهيا وحاكما على الإطلاق والإمام نائبا ~~وتابعا له لا يعقل بدون فضيلة النبي عليه، ولما كان هذا المعنى موجودا في ~~حق كل نبي ومفقودا في حق كل إمام أفضل من نبي أصلا بل يستحيل، لأن النبي ~~متوسط بين العبد والرب في إيصال الفيضان إليهم فالذي يستفيض منه لو كان ~~أفضل منه أو مساويا له لزم أن يكون أرفع منه في إيصال الفيض، ومفيضا له أو ~~مشتركا ms093 معه في الإيصال، وهذا خلف. # وهم يقولون إن الإمامية نيابة النبوة، (2) ومعلوم أن مرتبة النيابة لن ~~تبلغ مرتبة الأصالة أبدا فضلا عن أن تفوقها، ومتمسكهم في هذا الباب عدة ~~شبهات واهية ناشئة من عدة أخبار أثبتها متقدموهم في كتبهم فحكموا بموجبها. ~~وقد تبين حال رواتهم ورجالهم وكيفية الحكم بصحة الخبار الصادرة من علمائهم ~~التي لا يستقيم الاحتجاج بها على وفق القواعد الأصولية لأنها معارضة ~~للإجماع القطعي قبل ظهور المخالف، فلا يجوز القول بظاهر تلك الروايات بل ~~يجب أن تؤول. وأيضا هي معارضة للروايات الآخر كرواية الكليني عن زيد بن علي ~~وابن بابويه عن الصادق المذكورة آنفا، وخبر الواحد - وإن كان بلا معارض ~~أيضا - ظني لا يتمسك به في أصول العقائد بل هو عند محققي الشيعة الإمامية ~~كابن زهرة (3) وابن أدريس (4) وابن البراج (5) والشريف المرتضى (6) وأكثر ~~قدمائهم غير صالح للاحتجاج به، (7) وقد اختار متأخروهم هذا المذهب، ولهذا ~~لم يعدوا أخبار الآحاد في الدلائل بل أوجبوا ردها خصوصا في الاعتقادات. قال ~~ابن المطهر الحلي في (مبادئ الوصول إلى علم الأصول): إن خبر الواحد إذا ~~اقتضى علما ولم يوجد في الأدلة القاطعة ما يدل عليه وجب رده. (8) وظاهر أن ~~مدلول هذه الروايات ليس موجودا في الدلائل PageV01P101 # القطعية، بل خلافه يوجد، ومع قطع النظر عن هذه الأمور كلها لا دلالة أيضا ~~لتلك الروايات على المدعى. # ولنذكر عدة من شبهاتهم ونبين عدم دلالتها على مدعاهم فنقول: # (الشبهة الأولى) أن الأئمة كانوا أزيد من الأنبياء علما فيكونون أفضل ~~منهم رتبة أيضا، لأة الله تعالى يقول: {قل هل يستوي الذين يعملون والذين لا ~~يعملون} وقد روى الراوندي عن أبي عبد الله قال: إن الله فضل أولي العزم من ~~الرسل على الأنبياء بالعلم، وورثنا علمهم وفضلنا عليهم، وعلم رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ما لا يعلمون، وعلمنا علم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، وتلا الآية المذكورة. (1) # (الجواب) عن هذه الشبهة بأن هذا الخبر بعد تسليم صحته يدل على زيادة ~~الأئمة في العلم واستيعابهم علوم المرسلين لأن ms094 المتأخر يكون مطلعا على علم ~~المتقدم وناظرا فيه فيحيط بعلمه، بخلاف المعاصر والمتقدم فإنه لا يمكن له ~~ذلك، مثاله أن النحوى في هذا العصر يكون مطلعا على مسائل (اللباب) (2) و ~~(الوافي) (3) وتصانيف ابن مالك (4) وابن هشام (5) والأزهري (6) وغيرهم ممن ~~سبقوا من النحاة، ويكون بلا شبهة علمه بمسائل النحو أزيد من علم كل هؤلاء ~~المذكورين، لأن كل واحد منهم لم يكن مطلعا على المسائل المستخرجة لغيره ~~والأفكار الناشئة من طبعه البتة، وقد تقرر أن الصناعات إنما تتكامل بتلاحق ~~الأفكار، وهذا النحوي المتأخر حصل له الوقوف على كل منها، ومع هذا لا تكون ~~رتبته في النحو مساوية لرتبة أحد من أولئك العلماء فضلا عن أن يتقدم عليهم، ~~لأن الرسوخ في العلم وتعمق النظر والغوص والفكر ومعرفة المسائل بدلائلها ~~ودراية المآخذ لكل دقيقة واستخراج المسائل النادرة بقوة الفحص والتتبع في ~~كلام العرب بالأصالة فضيلة لا يبلغها أصلا الاستيعاب والغوص بتلك المسائل. ~~وكذا المنطقي في هذا الزمان لا يكون مساويا في المرتبة للمعلم الأول ~~والمعلم الثاني والشيخ الرئيس فضلا عن أن يقال إنه أفضل منهم وسابقهم في ~~الدرجة، مع أنه يعلم مستخرجات كل منهم بحيث لم يكن لكل منهم الاضطلاع بها ~~أصلا. والذي قرأ العروض لا يفوق الخليل بن أحمد. سلمنا لا يلزم من كثرة ~~العلم كثرة الثواب، ومدار الفضل عند الله على كثرة PageV01P102 # الثواب لا على كثرة العلم، وإلا فيلزم تفضيل الخضر على موسى وهو خلاف ~~الإجماع. سلمنا ولكن كثرة العلم الموجبة لكثرة الثواب هو العلم الذي يكون ~~مدار الاعتقاد والعمل عليه لا العلوم الزائدة، وذلك العلم هو المراد في ~~الآية المذكورة، وكل نبي كان ذلك العلم حاصلا له بوجه أتم. ولو كان للأئمة ~~أو لغيرهم من العلماء فضل وزيادة في العلم يكون ذلك في العلوم الاخر. ~~والدليل على هذا المدعى أن كل نبي لو لم يكن العلم الذي عليه مدار الاعتقاد ~~والعمل حاصلا له بوجه أتم يخرج عن عهدة التبليغ وبيان الأحكام، وكيف يتم ~~غرض البعثة. # ومع قطع النظر عن هذه الأمور ms095 كلها لا يذهب عليك ما في هذه الرواية من ~~الخلل والفساد، فإن توريث الأئمة علم الأنبياء وتفضيلهم عليهم بذلك التوريث ~~كما ذكر فيها يلزم منه أن يكون الأئمة أفضل من نبينا - صلى الله عليه وسلم ~~- أيضا، إذ وجه التفضيل وهو توريث العلم ههنا أيضا، وهو فاسد البتة ~~بالإجماع. (1) # وثانيا علم الأئمة لتعلمهم علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تابع ~~وفرع لعلمه، وعلم الأنبياء أصل وأول وبالذات، وما بالتبع لا يبلغ درجة ما ~~بالذات، وحيث قال تعالى {وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي ~~من رسله من يشاء فآمنوا بالله ورسوله} وقال أيضا {عالم الغيب فلا يظهر على ~~غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول} الآية. يتبين منه أن غير الأنبياء ليس لهم ~~علم مثل علم الأنبياء، فبطل عنه التساوي والزيادة بالطريق الأولى. ومع هذا ~~فالاستشهاد بالآية المذكورة أغرب لأن معناها عدم الاستواء بين العالم ~~والجاهل كما هو الظاهر، والأنبياء ما كانوا جاهلين بالإجماع، وغاية ما في ~~الباب تسليما أن الأئمة كان علمهم زائدا على علم الأنبياء، لا أن الأئمة ~~علماء والأنبياء جهال، معاذ الله من ذلك. # (الشبهة الثانية) أنهم تمسكوا برواية الحسن بن كبش عن أبي ذر قال: نظر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى علي بن أبي طالب وقال: هذا خير الأولين ~~والآخرين من أهل السماوات والأرضين. (2) وأيضا برواية عن أبي وائل عن عبد ~~الله بن عباس قال حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: قال لي ~~جبريل: علي خير البشر، من أبى فقد كفر». (3) # الجواب عنها بأن هذه الروايات قد تفرد PageV01P103 # الإمامية بها، وحال رواتهم قد اتضح سابقا، (1) ومع هذا هاتان الروايتان ~~ساقطتان من الاعتبار عند الإمامية أيضا وليس لهما سند صحيح، لأن الحسن بن ~~كبش ومن بعده من الرواة كلهم مجاهيل وضعفاء كما نص عليه علماء رجالهم، (2) ~~ومع هذه كلها لا تنطبق على المدعى لأن التخصيص بغير الأنبياء في مثل هذه ~~العمومات شائع في كلام الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فلو لم يذكر ms096 في موضع ~~واحد اعتمادا على غيره مما ذكر فيه فيكون ذلك التقيد ملحوظا فيه أيضا قياسا ~~على ذلك الغير، والعام المخصوص لا يكون حجة في القطعيات لكونه ظنيا فلا ~~يعبأ به في الاعتقادات. سلمنا العموم في الأشخاص، ولكن لا نسلم العموم في ~~الأوقات، لأن الأمير لم تكن هذه الخيريات العامة حاصلة له في عهد النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - بلا نزاع، لكون النبي أفضل منه البتة، ولكونه داخلا ~~في البشر الأولين والآخرين، فالمراد غير ذلك الوقت، والمراد من الأولين ~~والآخرين والبشر من كانوا في وقته، وهو صحيح عند أهل السنة لأنه أفضل البشر ~~في زمن خلافته ولا نزاع لا حد فيه ولا محذور. # (الشبهة الثانية) أنهم تمسكوا برواية لسعد بن عبد الله بن أبي خلف ~~الأشعري القمي في كتاب (القصاص) عن أبي جعفر - عليه السلام -، وبرواية ~~الكليني في (الكافي) عن أبي عبد الله - عليه السلام - أنهما قالا في تفسير ~~قوله تعالى {قل الروح من أمر ربي} هو خلق أعظم من جبريل وميكائيل لم يكن مع ~~أحد ممن مضى غير محمد، وهو مع الأئمة يوفقهم ويسددهم. (3) # الجواب عنها بأن الحديث الأول قد وقع في سنده هشام بن سالم ومعلوم أنه ~~كان مجسما وملعونا من حضرات الأئمة. وفي سند الحديث الثاني أبو بصير وهو قد ~~اعترف بكذبه على الأئمة وإفشاء أسرارهم. سلمنا الصحة ولكن فحوى هذا الحديث ~~منافية لعصمة النبي والأئمة، لأن المحتاج إلى المؤدب والناصح إنما هو من لا ~~يكون معصوما، ولهذا ليست الملائكة محتاجة إلى المؤدب فلزم من تلك الرواية ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - والأئمة كان لهم نقصان PageV01P104 # ظاهر في العصمة بالنسبة إلى الأنبياء السابقين حاصلا فإنهم كانوا كاملين ~~في العصمة موفقين مسددين من أنفسهم غير محتاجين في ذلك إلى من سواهم من ~~المخلوقات، وما كان للنبي والأئمة افتقار إلى من يؤدبهم في كل وقت وينبههم ~~ويسدد بالصواب، معاذ الله من هذا الاحتمال الفاسد في جنابه. # وأيضا نقول كون الروح مع النبي هل هو شرط لعصمته أو لا؟ ms097 فعلى الأول يلزم ~~أن لا يكون الأنبياء السابقون الذين لم يكن الروح معهم معصومين، وهو باطل ~~بالإجماع. وعلى الثاني يلزم أن لا يكون النبي والأئمة معصومين في حد أنفسهم ~~فإنهم كانوا محتاجين إلى تأديب الروح إياهم ولزم تفضيل الأنبياء على النبي ~~والأئمة إذ كانوا معصومين بلا مصاحبة الروح وهؤلاء بمعيته. ولقد تناقض ~~شيخهم ابن بابويه فقال في كتاب (الاعتقاد): إن الله لم يخلق افضل من محمد ~~والأئمة، وهؤلاء أحب أحباء الله، وإن الله يحبهم أكثر من غيرهم من جميع ~~خلقه وبريته. (1) ثم هو قد روى في كتاب (الأمالي) برواية صحيحة في ضمن خبر ~~طويل في قصة تزويج سيدتنا فاطمة بالأمير - رضي الله عنهم - اعن الصادق عن ~~آبائه أن الله تعالى قال لسكان الجنة من الملائكة وأرواح الرسل ومن فيها: ~~ألا إني زوجت أحب النساء إلى من أحب الرجال إلي بعد النبيين. (2) وهذه ~~الرواية تنادى بأعلى صوت: إن الأنبياء أحب إلى الله من الأمير لكونه أحب ~~إليه بعدهم. ولا عذر لابن بابويه في هذا التناقض الصريح والتهافت القبيح ~~إلا أن يقول «ليس للكذاب حفظ» (3) لا غير. # العقيدة الثالثة: أن الأنبياء معصومون من التقول وقول الكذب والبهتان ~~مطلقا عمدا كان أو سهوا، قبل النبوة أو بعدها. وقال الإمامية: يجوز لهم ذلك ~~من البهتان وقول الكذب، بل يجب عليهم تقية، (4) مع أن الكذب لو جاز على ~~الأنبياء ولو تقية لم يبق الوثوق والاعتماد على قولهم وانتفض غرض البعثة. ~~ولو كانت التقية جائزة للأنبياء لما أمكن تبليغ أحكام الله تعالى للناس ~~بالضرورة، لأن الاحتياج إلى التقية في أول الأمر الذي لا يكون لهم فيه ممد ~~وناصر أكثر وأمس، ولو أظهروا في ذلك الوقت خلاف حكم الله تعالى PageV01P105 # مخافة إيذاء القوم متى يعلم حكم الله بعد ذلك؟ وكيف يتصور علمه؟ فيجب ~~عليهم أن يبلغوا كل ما أمرهم بتبيلغه لقوله تعالى {يا أيها الرسول بلغ ما ~~أنزل إليك} الآية ولو لحقهم مخافة، كما قال تعالى {الذين يبلغون رسالات ~~الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى ms098 بالله حسيبا} ولو كان الأنبياء ~~فعلوا بالتقية لما عاداهم الكفار وكذبوهم وآذوهم وجادلوا قومهم ليلا ونهارا ~~وصبروا على ما أصابهم من القتل والضرب والشتم وغير ذلك، فثبت أن التقية ~~ليست جائزة لهم أصلا. # العقيدة الرابعة: أن الأنبياء لابد لهم من معرفة الواجبات الإيمانية قبل ~~البعثة وبعدها بالضرورة، لأن الجهل بالعقائد موجب للكفر، ومعاذ الله أن ~~يكون هذا الجهل لجنابهم الأقدس. نعم إنهم لا يحصل لهم علم بوجود الحكام ~~الشرعية بدون ورود الوحي إليهم، وقد ورد باعتبار عدم هذا العلم قوله تعالى ~~{وعلمك ما لم تكن تعلم}، وقد أجمع على هذه العقيدة جماهير المسلمين واليهود ~~والنصارى، إلا الإمامية فإنهم قالوا لا تكون معرفة أصول العقائد حاصلة ~~للأنبياء حين البعثة بل وقت المناجاة والمكالمة، (1) معاذ الله من هذا ~~الاعتقاد الباطل الذي بطلانه بديهي لا يحتاج إلى دليل. # العقيدة الخامسة: أن الأنبياء معصومون من صدور ذنب يكون الموت عليه هلاكا ~~خلافا للإمامية فإنهم رووا في حق بعض الأنبياء صدور هذا الذنب منه. روى ~~الكليني عن أبن أبي يعفور أنه قال سمعت أبا عبد الله يقول وهو رافع يده إلى ~~السماء: رب لا تكلني إلى نفسى طرفة عين ولا أقل من ذلك، فما كان بأسرع من ~~أن تحدر الدمع من جوانب لحيته، ثم أقبل علي فقال: يا ابن أبي يعفور إن يونس ~~بن متى وكله الله إلى نفسه أقل من طرفة عين فأحدث ذلك، قلت: فبلغ به كفرا ~~أصلحك الله؟ فقال: ولكن الموت على تلك الحال كان هلاكا. (2) # واعلم أن ما يظهر من نص الكتاب في أمر يونس أنه ذهب عن قومه بلا إذن ربه ~~فعوتب على هذا الامر، وأيضا تعجل في الدعاء على قومه ولم يتحمل شدائد ~~إيذائهم وتكذيبهم كما ينبغي لأولي العزم. وظاهر أن هذين الأمرين ليسا بذنب ~~فضلا PageV01P106 # عن أن يكونا كبيرة فلأن يونس قد قامت عنده قرائن قوية على أن قومه لن ~~يؤمنوا به فدعا عليهم، وأيضا خاف بعد انكشاف العذاب عنهم أن يؤذوه إيذاء ~~شديدا ويكذبوه تكذيبا صريحا حيث ms099 لم يلحق العذاب على وفق وعده فلهذا هرب وفر ~~منهم ولم ينتظر حكم الله فيه. ولما كان منصب الأنبياء أعلى وأرفع عوتب على ~~هذا القدر عتابا شديدا وأدب ونبه، وما ورد في القرآن المجيد في حقه {فظن أن ~~لن نقدر عليه} فهو مشتق من القدر بمعنى التضييق والأخذ الشديد من قبيل قوله ~~تعالى {الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} لا من القدرة حيث يثبت فساد ~~عقيدته. (1) والدليل الصريح على هذا ما وقع بعده {فنادى في الظلمات} إذ لن ~~يصح تخريج الدعاء والنداء على معنى القدرة، بخلاف ذلك المعنى المذكور فإنه ~~ألصق به. فحاصل المعنى على ما قلنا أنه ظن أنا لن نضيق عليهم ولن نأخذهم ~~أخذا شديدا في العقاب فتاب واستغفر لما فعله رجاء للقبول، واعتراف يونس ~~بالظلم على نفسه حيث قال {إني كنت من الظالمين} إنما هو لهضم النفس والتضرع ~~في جنابه تعالى والعلم القليل كثير كما هو دأب الصالحين أو لأجل ترك الأولى ~~فانه في حق الأنبياء في حكم المعصية والظلم في حق عوام الناس. # العقيدة السادسة: أن آدم ابو البشر كان صفي الله بريئا من الحسد والبغض ~~معصوما من الإصرار على معصية الله تعالى. وهذا مذهب أهل السنة لقوله تعالى ~~{ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى} وقوله تعالى {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب ~~عليه إنه هو التواب الرحيم} وقوله تعالى {إن الله اصطفى أدم ونوحا وآل ~~إبراهيم وآل عمران على العالمين}. وقد وصفه الشيعة بالحسد والبغض وسائر ~~الخصال الذميمة وأنه مصر على عصيان الله تعالى، وما ثبت لإبليس من القبائح ~~كالحسد وترك امتثال الأمر بالسجود وغير ذلك مما حصل له بسبب آدم يثبته ~~الشيعة لآدم بسبب الأئمة، فإنه حسدهم ولم يقر بولايتهم. # روى ابن بابويه في عيون أخبار الرضا عن الإمام الرضا أنه قال إن آدم لما ~~أكرمه الله بسجود الملائكة له وإدخال الجنة قال في نفسه أنا أكرم الخلق، ~~فنادى عز وجل: ارفع رأسك يا آدم فانظر PageV01P107 # إلى ساق عرشي، فرفع رأسه فوجد فيه مكتوبا ms100 لا إله إلا الله محمد رسول الله ~~علي ولي الله أمير المؤمنين وزوجته فاطمة سيدة نساء العالمين والحسن ~~والحسين سيدا شباب أهل الجنة. فقال آدم: يا رب من هؤلاء؟ فقال عز وجل: ~~هؤلاء من ذريتك وهم خير منك ومن جميع خلقي، ولولاهم ما خلقتك وما خلقت ~~الجنة والنار ولا السماء ولا الأرض، فإياك أن تنظر إليهم بعين الحسد فأخرجك ~~عن جواري، فنظر إليهم بعين الحسد فسلط عليه الشيطان حتى أكل من الشجرة التي ~~نهى الله تعالى عنها. # وروى ابن بابويه أيضا في عيون الأخبار عن المفصل بن عمر أبي عبد الله ~~قال: لما أسكن الله عز وجل آدم وزوجته الجنة قال لهما {وكلا منها رغدا حيث ~~شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين} فنظرا إلى منزلة محمد وعلي ~~وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من بعدهم فوجداها أشرف المنازل التي في ~~الجنة فقالا: ربنا لمن هذه المنزلة؟ فقال الله عز وجل: ارفعوا رءوسكم إلى ~~ساق عرشي، فرفعا رأسهما فوجدا أسماء محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين ~~والأئمة مكتوبة على ساق العرش بنور من نور الجبار جل جلاله، فقالا: يا ربنا ~~ما أكرم هذه المنزلة عليك، وما أحبهم إليك، وما أشرفهم لديك. فقال الله ~~تعالى: لولاهم ما خلقتكما، هؤلاء خزنة علمي وأمنائي على سرى إياكم أن تنظرا ~~إليهم بعين الحسد وتتمنيا منزلتهم عندي ومحلهم من كرامتي فتدخلا من ذلك في ~~نهيى وعصياني فتكونا من الظالمين. فوسوس إليهما الشيطان فدلاهما بغرور ~~وحملهما على تمني منزلتهم، فنظرا إليهم بعين الحسد فخذلا. # لذلك ينبغي للعاقل أن يتامل في مدلول هذين الخبرين فإنهما - كما ذكر - ~~فيهما ما فيهما من إهانة آدم وتحقيره، إذ الحسد مطلقا من المذمومات ~~والقبائح وأمراض القلب وأسقام الروح بإجماع جميع أهل الملل والنحل، خصوصا ~~حسد الأكابر والأخيار من عباد الله فإنه كبيرة من عمدة الكبائر، وهم ~~ينسبونه إلى آدم خاصة بعد تقييد الله وتأكيده التام له في منعه. ففي مذهبهم ~~لم يبق فرق بين آدم وإبليس، فإن ما فعله إبليس في حقه فعله ms101 آدم في حق ~~أولاده، بل إن فعل آدم صار أقبح من فعل أبليس، فإن إبليس لم يكن له علاقة ~~بآدم من وجه بل كانت المباينة # PageV01P108 # بينهما بالكلية بخلاف آدم فإنه كان بينه وبين هؤلاء الكبار علاقة الأبوة ~~والنبوة، فلزم أن قطيعة رحم القريب وحسد الأولاد الذي هو من المحالات ~~العادية في سلامة الفطرة قد نسب إلى نبي هو أول الأنبياء وكان قبلة ~~الملائكة وساكن الجنة، معاذ الله من ذلك. فهذا هو حال آدم وفعله في حق ~~العباد عند الإمامية، وأما معاملته في حق الله تعالى فنشرحها على طبق ما ~~عندهم من الرواية الأخرى: روى محمد بن الحسن الصفار عن أبي جعفر: قال الله ~~تعالى لآدم وذريته التي أخرجها من صلبه: ألست بربكم وهذا محمد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وعلي أمير المؤمنين وأوصياؤه من بعده ولاة امري، وأن ~~المهدي أنتقم به من أعدائي وأعبد به طوعا وكرها؟ قالوا اأقررنا وشهدنا، ~~وآدم لم يقر ولم يكن له عزم على الإقرار به. ولا يخفى أن هذا الخبر قد ذكر ~~فيه كفر آدم صريحا، إذ لزمه كفر الجحود، وهو نوع أشد من أنواع الكفر ~~الأربعة. وتكفير نبي قد خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وقال في حقه {إن ~~الله اصطفى آدم} وأمر الملائكة بالسجود له، كم له بعد عن الدين والإيمان؟ ~~وقد أنكر الشريف المرتضى خير الميثاق في كتابه بالدرر والغرر حمية للإسلام ~~في الجملة، وحكم بوضع ذلك الخبر واختراعه، وأخرج ابن الصفار وشيوخه عن ~~دائرة الإيمان، ولله الحمد. # والعجب من علماء هذه الفرقة أنهم لا يتأملون في نظم الكتاب ولا يجدون أن ~~محل العتاب على آدم ليس إلا أكل الشجرة المنهي عنه فقط، وما هو كبيرة ~~بالإجماع، ولو أن هذه الأمور وقعت منه لكان على الله أن يجعل تلك الأمور ~~محل العتاب لا أكل الشجرة المنهي عنه، وكان يخبر بها دونه، ليكون لأبي بكر ~~وعمر وعثمان عبرة في ذلك فيجتنبوا أمثال هذه القبائح. (1) # وقد لوحظ في كتبهم رواية أخرى أيضا ms102 عن الإمامية في ترك العهد الذي كان ~~على آدم. وروى ابن الصفار المذكور في قوله تعالى {ولقد عهدنا إلى آدم} قال ~~عهد الله إلى آدم في محمد والأئمة من بعده، فترك ولم يكن له عزم أنهم كذا. ~~PageV01P109 # وأصل الحقيقة أن ابن الصفار هذا كان رجلا علجا من علوج المجوس، وكان اسم ~~جده فرخ، وهو كان يعد من موالي موسى بن عيسى الأشعري، وقد بقى في طينته ~~الخبيبثة المجوسية، غاية الأمر أنهم كانوا يتسترون بالتشيع. والدليل الصريح ~~على هذا أن ابن الصفار يروي عن الأئمة روايات تقدح بالحقيقة في الأئمة أيضا ~~كالأخبار المذكورة، لأن كل طائفة من طوائف المليين من اليهود والنصارى ~~والمسلمين قد أجمعوا على فضيلة أبي البشر آدم وكرامته على الله تعالى ~~واصطفائه على العالمين. وإذا انتشر مثل هذه الروايات عنه في العالم يعتقد ~~الناس قاطبة في حق الأئمة بطلان إمامتهم وعدم حقيتها، بل عدم ديانتهم، ~~وينفرون عنهم بهذه الكلمات، ويحدث في الإسلام ابتلاء عظيم، ويحصل للمجوس ~~مدعاهم وأماني قلوبهم من زوال نور الإسلام. وبحمد الله قد أطلع أهل السنة ~~على خباثة هؤلاء القوم وطرحوا رواياتهم، ولكن الشيعة لما اضلهم الشيطان عن ~~طريق الصواب وتركهم تبعا لهؤلاء الشيوخ المضلين، جعلوا دينهم وإيمانهم على ~~رواية هؤلاء الكفرة، وبدلوا إيمانهم في سبيل متابعة أولئك الأبالسة، ومن ~~يضلل فما له من هاد. # العقيدة السابعة: أن أحدا من الانبياء لم يستعف عن الرسالة قط ولم يعتذر ~~في أداء أحكام الله تعالى أصلا، وهذا هو مذهب أهل السنة. وقال الإمامية إن ~~بعض أولي العزم من الرسل استعفوا عن الرسالة وأظهروا الاعتلال وعدم ~~الموافقة وبينوا العذر، منهم موسى - على نبينا وعليه السلام - فإنه لما قال ~~له تعالى وناداه بلا واسطة أحد يا موسى أن ائت القوم الظالمين قوم فرعون، ~~قال موسى في جوابه: أعفني من هذا الأمر إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري من ~~المباحثة ولا ينطلق لساني أيضا لكونه العقدة فيه فيقصر في تقرير المطلب، ~~ولهم علي ذنب بما قتلت منهم نفسا فأخاف أن ms103 يقتلوني بدله، فأرسل هرون أخي هو ~~أفصح مني لسانا واجعله رسولا إلى فرعون. والإمامية يخرجون هذه المعاني من ~~آيات الكتاب ويفهمونها من كلام الله تعالى، مع أن الاستعفاء عن الرسالة ~~متضمن لرد الوحي ومستلزم لعدم الانقياد وترك الامتثال لأمر الله تعالى، ~~والأنبياء معصومون عن مثل هذه الأمور. وأنت تعلم أنهم لا محل لهم بالتمسك ~~في آيات الكتاب الوادرة في أحوال # PageV01P110 # موسى، بل تلك الآيات عند التأمل معجزة لهم ومكذبة لدعواهم هذه، لأن موسى ~~لم يقل عنه فيما حكي عنه في القرآن المجيد هذا القول ولو بمعناه «اعفني من ~~هذا الأمر» أصلا، ولم يذكر من قبله فيه قط، وكذا هذا القول «أرسل هرون ~~بالرسالة إليهم بدلا مني». وهذه كلها ناشئة من سوء فهم علماء هذه الفرقة ~~وشدة وقاحتهم. نعم قد بين سخافة تكذيب قوم فرعون وخوف قتلهم إياه قبل أداء ~~الرسالة وضيق صدره وقصور لسانه ولكن لا من جهة الاستعفاء والاعتلال بل لطلب ~~العون على امتثال الأمر وتمهيد العذر في طلب المعين، وهذا عين الحجة لقبوله ~~لا على رده ودفعه. وفي آية {واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري ~~وأشركه في أمري} ورد تفسير هذا بأن غرض موسى كان اشتراك أخيه بنفسه في أمر ~~الرسالة لا المدافعة عن نفسه ولا جعل هرون في مكانه. وكذا قوله أخاف أن ~~يكذبون وأخاف أن يقتلون إنما كان لمحض استدفاعه البلاء عن نفسه واستجلابه ~~الحفظ من رب الأرض والسماء لا دفع هذا المنصب العالي عن نفسه. نعوذ بالله ~~تعالى من سوء الفهم والظن لا سيما في حق الأنبياء وخصوصا أولي العزم. # العقيدة الثامنة: أن المبعوث من عند الله تعالى إلى الخلق كافة هو محمد ~~بن عبد الله ابن عبد المطلب بن هاشم - صلى الله عليه وسلم - لا على بن أبي ~~طالب بن عبد المطلب وأن جبريل أمين الله على وحيه الذي جاء به إلى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - من عند ربه لا من نفسه ولم يخن في أداء الرسالة قط. ~~وخالفت ms104 الغرابية إحدى فرق الشيعة في ذلك، ولا يمكن الاحتجاج عليهم بالكتاب ~~لأنه وصل النبي - صلى الله عليه وسلم - بواسطة جبرائيل وهو غير مقبول ~~عندهم، ولا بقول الأئمة لأن شهادتهم لجدهم وشرفه يعود إليهم، بل لا بد من ~~أن يحتج عليهم بالتوراة لأنها نزلت دفعة واحدة في الطور بلا واسطة أحد ~~مكتوب على الألواح ولم يكن فيها دخل لجبريل. قال الله تعالى في سفر التكوين ~~من التوراة لإبراهيم: إن هاجر تلد، ويكون # PageV01P111 # من ولدها من يده فوق الجميع ويد الجميع مبسوطة إليه بالخشوع (1) ولم يكن ~~ذلك الولد إلا محمد - صلى الله عليه وسلم - وحده لأن عليا كرم الله وجهه ~~كان في زمن الخلفاء الثلاثة مغلوبا خائفا مظلوما. (2) وفي سفر التثنية ~~منها: يا موسى إني مقيم لبني إسماعيل نبيا وأجرى قولي في فيه ويقول لهم ما ~~آمره به. (3) وهذا النبي لا بد أن يبعث في بني إسماعيل، وعلي بن أبي طالب ~~لم يبلغ قط ما أمر الله تعالى بل هو من أتباع نبي وقته فليس ذلك النبي إلا ~~محمد بن عبد الله. وفي الزبور: يا أحمد فاضت الرجمة على شفتيك من أجل ذلك ~~أبارك عليك فتقلد السيف فإنه بهاؤك وحمدك الغائب وبوركت كلمة الحق فإن ~~ناموسك وشرائعك مقرونة بهيبة يمينك سهامك مسنونة والأمم يجرون تحتك كتاب حق ~~الله من اليمن والتقديس من جبل فاران وامتلأت الأرض من تحميد أحمد وتقديسه ~~وملك الأرض ورقاب الأمم. (4) وفي موضع آخر منه لقد انكسفت السماء من بهاء ~~أحمد وامتلأت الأرض من حمده. (5) إلى غير ذلك من نصوص الإنجيل مما هو مذكور ~~في الترجمة. وعندي أن هذا مما لا حاجة إلى إقامة الحجة على بطلانه ومن أنكر ~~شمس الضحى فليترك مع شيطانه. (6) PageV01P112 # العقيدة التاسعة: أن معراج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى السماوات ~~بشخصه حق، وليس لأحد من أهل عصره مشاركة له في ذلك لقوله تعالى {سبحان الذي ~~أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى} وقوله تعالى {ولقد ~~رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى - إلى ms105 قوله تعالى - لقد رأى من آيات ربه ~~الكبرى}. وكتب الامامية مشحونة من كلام الأئمة في ذلك. وخالفت أكثر فرق ~~الشيعة في هذه المسألة فبعضهم أنكر - وهم الإسماعيلية والمعمرية والذمية - ~~أصل المعراج مستدلين بشبهات الفلاسفة من استبعاد الحركة السريعة وخرق ~~السماوات وقد برهن عليها في كتاب الكلام. وبعضهم، وهم المنصورية، أنكر ~~الاختصاص وقالوا إن أبا منصور العجلي قد صعد أيضا بجسده في اليقظة إلى ~~السماوات وشافه الله تعالى وكالمه ومسح الله تعالى بيده فوق رأسه، والعجلي ~~هذا هو الذي أخرجه الإمام الصادق من بيته وطرده ثم ادعى الإمامة لنفسه. ومن ~~الإمامية من يقول بمشاركة الأمير في المعراج ومنهم من قال لا لكن رأى وهو ~~في الأرض ما رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - على العرش - سبحانك هذا ~~بهتان عظيم! إذ لو كانت تلك الرؤية ممكنة من الأرض لم كلف النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى الصعود؟ فيلزم على هذا تفصيل الأمير على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وقد تبين بطلانه. # العقيدة العاشرة: نصوص الكتاب وسنن النبي - صلى الله عليه وسلم - كلها ~~محمولة على معانيها الظاهرة وأن التكاليف لم ترتفع. وذهب فرق كثيرة من ~~الشيعة كالسبعية والخطابية والمنصورية والمعمرية والباطنية والقرامطة ~~والرزامية إلى أن كل ما ورد في الكتاب والسنة من الوضوء والتيمم والصلاة ~~والصوم والزكاة والحج والجنة والنار والقيامة والحشر ونحوها غير محمولة على ~~ظاهرها بل هي إشارات إلى أشياء أخر لا يعلمها إلا الإمام المعصوم، كقول ~~السبعية # PageV01P113 # إن الوضوء موالاة الإمام، والتيمم الأخذ من المأذون في غيبة الإمام، ~~والصلاة عبارة عن الرسول الناطق بالحق بدليل أن الصلاة تنهى عن الفحشاء ~~والمنكر، والغسل عبارة عن تجديد العهد للإمام، والجنة هي سقوط التكاليف ~~الشرعية، والنار مشقة حمل التكاليف والعمل بالظواهر. وأما القائلون بارتفاع ~~التكاليف الشرعية بالكلية فهم المنصورية القائلون من لقي إمام الوقت سقط ~~عنه جميع التكاليف بنفسها فيفعل حينئذ ما يشاء، لأن الجنة عبارة عن الإمام، ~~وبعد الوصول لا يبقى تكليف. والحميرية (1) القائلون إن أمر الشيعة مفوض إلى ~~حجة الوقت، فإن ms106 شاء أو زاد أو نقص. # العقيدة الحادية عشرة: أن الله تعالى لم يرسل ملكا إلى أحد في الأرض من ~~البشر بعد خاتم النبيين - صلى الله عليه وسلم -. وقالت الإمامية كان الأمير ~~يوحى إليه، والفرق بين وحي الرسل وبين وحي الأمير أن الرسول كان يشاهد ~~الملك والأمير يسمع صوته فقط. روى الكليني في الكافي عن السجاد أن علي بن ~~أبي طالب كان محدثا وهو الذي يرسل الله إليه الملك فيكلمه ويسمع الصوت ولا ~~يرى الصورة. (2) وهذه الرواية كذب مع أنه يناقضها الروايات الأخر الثابتة ~~عندهم عن الأئمة. منها أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: أيها الناس ~~لم يبق بعدي من النبوة إلا المبشرات. ومنها ما كان الباري تعالى أنزله من ~~الكتاب المختوم بخواتم الذهب إلى نبي الزمان وهو أوصله إلى الأمير والأمير ~~أوصله إلى الإمام الحسن وهكذا إلى المهدي وكان السابق يوصى اللاحق أن يفك ~~خاتما واحدا من ذلك الكتاب ويعمل بما فيه، فإذا كان الأمر كذلك لم يكن حاجة ~~إلى إرسال الملك والإيحاء. وذهبت طائفة من الإمامية إلى PageV01P114 # أن سيدة النساء فاطمة غلبها السلام كان يوحى إليها بعد وفاة النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -. وقد جمع ذلك الوحي وسماه (مصحف فاطمة) (1) وأكثر الوقائع ~~الآتية وفتن هذه الأمة مذكورة فيه والأئمة إنما يخبرون الناس بأخبار الغيب ~~من ذلك المصحف، سبحانك هذا بهتان عظيم وقول وخيم. # العقيدة الثانية عشرة: أن الإمام لا يجوز له أن ينسخ حكما من الأحكام ~~الشرعية ولا يبدله. وذهبت الإمامية إلى جواز ذلك مستدلين بروايات مفتراة ~~على الأئمة، منها مارواه ابن بابويه القمي عن أبي عبد الله أنه قال: إن ~~الله تعالى آخى بين الأرواح في الأزل قبل أن يخلق الاجسام بألفي عام، فلو ~~قد قام قائم أهل البيت ورث الأخ من اللذين آخى بينهما في الأزل ولم يورث ~~الأخ من الولادة. ومما يدل على كذب هذه الرواية أن التكاليف الشرعية لما ~~كانت لازمة لعامة الناس لا بد أن تكون منوطة بالعلاقة الظاهرة والأمور ~~الجلية كالتوالد والقرابة ms107 ونحوهما مما يدركه البشر، والمؤاخاة الأزلية لا ~~يدركها العقل، ونص الإمام لا يمكن في كل فرد فرد. والحاصل أن هذه العقيدة ~~مخالفة لظاهر العقل لأن الإمام خليفة النبي في ترويج الشريعة وتعليمها، فإن ~~كان له دخل في تبديل الأحكام وتغييرها فقد خالفه، مع أنه ليس بشارع. وكذا ~~النبي لقوله تعالى {شرع لكم من الدين} وقوله تعالى {لكل جعلنا منكم شرعة ~~ومنهاجا}. نسأله تعالى أن يعصمنا من مثل هذا الزلل ويوفقنا إلى ما يحب من ~~القول والعمل. PageV01P115 ### | الباب الخامس في الإمامة # وفيه ست تنبيهات # التنبيه الأول: اعلم أن أول ما اختلف فيه من مسائل هذا الباب كون نصب ~~الإمام واجبا على العباد أو على الله تعالى. فأهل السنة على الأول، والشيعة ~~على الثاني. (1) والفطرة شاهدة للأول إذ كل فرقة تقرر لأنفسهم رئيسا من ~~بينهم، وكذا الشرع أيضا إذ الشارع قد أوضح شرائط الإمام وأوصافه ولوازمه ~~بوجه كلي كما هو شأنه في الأمور الجبلية كالنكاح ولوازمه مثلا. وأيضا لا ~~معنى للوجوب عليه تعالى بل هو مناف للألوهية والربوبية كما هو مقرر في ~~محله. (2) وأيضا كل ما يتعلق بوجود الرئيس من أمور المكلفين - من إقامة ~~الحدود والجهاد وتجهيز الجيوش إلى غير ذلك - واجب عليهم، فلا بد وأن يكون ~~نصب الرئيس واجبا عليهم، لأن مقدمة ما يجب على أحد واجبة عليه. ألا ترى أن ~~الوضوء وتطهير الثوب وستر العورة واجب على المصلي كالصلاة، لا عليه تعالى، ~~وهذا ظاهر. (3) وأيضا إن تأملنا علمنا أن نصب الإمام من قبل الباري يتضمن ~~مفاسد كثيرة، لأن آراء العالم مختلفة وأهواء نفوسهم متفاوتة، ففي تعيين رجل ~~لتمام العالم في جميع الأزمنة إلى منتهى بقاء الدنيا إيجاب لتهييج الفتن، ~~وجر لأمر الإمامة على التعطيل ودوام الخوف والتزام الاختفاء كما وقع ~~للجماعة الذين يعتقد الشيعة إمامتهم، فمع هذا قولهم «نصب الإمامة لطف» في ~~غاية السفاهة يضحك عليه، إذ لو كان لطفا لكان بالتأييد والإظهار لا بغلبة ~~المخالفين والانتصار، فإذا لم يكن التأييد في البين، لم يكن النصب لطفا كما ~~يظهر لذي ms108 عينين. # وما أجاب عنه بعض الإمامية - بأن وجود الإمام لطف، وتصرفه وتمكينه لطف ~~آخر، (4) وعدم تصرف الأئمة إنما هو من فساد العباد وكثرة الفساد، فإنهم ~~خوفوهم ومنعوهم بحيث تركوا من خوفهم على أنفسهم إظهار الأمامة، وإذا ترك ~~الناس نصرتهم لسوء اختيارهم فلا يلزم قباحة PageV01P116 # في كونه واجبا عليه تعالى، والاستتار والخوف من سنن الأنبياء فقد اختفى - ~~صلى الله عليه وسلم - في الغار خوفا من الكفار (1) - ففيه غفلة عن المقدمات ~~المأخوذة في الاعتراض، إذ المعترض يقول: الوجود بشرط التصرف والنصرة لطف، ~~وبدونه متضمن لمفاسد. فالواجب في الجواب التعرض لدفع لزوم المفاسد، ولم ~~يتعرض له كما لا يخفى. وأيضا يرد على القائل بكونه لطفا آخر ترك الواجب ~~عليه تعالى، وهذا أقبح من ترك النصب. وأيضا يقال عليه: هذا اللطف الآخر إما ~~من لوازم النصب أو لا، فعلى الأول لزم من تركه ترك النصب لن ترك اللازم ~~يستلزم ترك الملزوم. # وأيضا ما ذكره من تخويف الناس للأئمة غير مسلم، وهذه كتب التواريخ ~~المعتبرة في البين. وأيضا التخويف الموجب للاستتار إنما هو إذا كان بالقتل، ~~وهذا لا يتصور في حق الأئمة لأنهم يموتون باختيارهم كما أثبت ذلك الكليني ~~في الكافي وبوب له. (2) وأيضا لا يفعل الأئمة أمرا إلا بإذنه تعالى، فلو ~~كان الاختفاء بأمره تعالى وقد مضت مدة والخفاء هو الخفاء، فلا لطف بلا ~~امتراء. (3) # وأيضا إن كان واجبا للتخويف لزم ترك الواجب في حق الذين لم يكونوا كذلك ~~كزكريا (4) ويحيى (5) والحسين، (6) وإن لم يكن واجبا بأن كان مندوبا لزم ~~على من اختفى ترك الواجب الذي هو التبليغ لأجل مندوب، وهو فحش. وإن كان أمر ~~الله تعالى مختلفا بأن كان في حق التاركين بالندب مثلا وفي حق المستترين ~~بالفرض لزم ترك الأصلح الواجب بزعم الشيعة في أحد الفريقين، وهو باطل. (7) ~~ولا يمكن أن يقال الأصلح في حق كل ما فعل، لأنا نقول إن الإمام بوصف ~~الأمامة لا يصح اختلاف وصفه كالعصمة، لأن اختلاف اللوازم يستلزم اختلاف ~~الملزومات، فيلزم أن PageV01P117 # لا يكون أحد الفريقين إماما ms109 فلا يكون الأصلح في حقهم إلا أحد الحالين ~~وإلا لزم اجتماع النقيضين كما أن الموضوع إذا كان مأخوذا بالوصف العنواني ~~فثبوت المحمول له بالضرورة بشرط الوصف يكون لازما ويمتنع حمل نقيضه عليه ~~كما لا يخفى. وأيضا نقول: الاختفاء من القتل نفسه محال لأن موتهم ~~باختيارهم! وإن كان من خوف إيذاء البدن يلزم أن الأئمة فروا من عبادة ~~المجاهدة وتحمل المشاق في سبيل الله تعالى وهذا بعيد عنهم ومع هذا لا معنى ~~لاختفاء صاحب الزمان بخصوصه (1) # فإنه يعلم باليقين أنه يعيش إلى نزول عيسى ولا يقدر أحد على قتله وأنه ~~سيملك الأرض بحذافيرها، (2) فبأي شيء يتخوف ويختفي؟ ولماذا لم يظهر الدعوة ~~ويتحمل المشقة كما فعله سيد الشهداء؟ وما قاله المرتضي في كتابه (تنزيه ~~الأنبياء والأئمة) من أنه فرق بين آبائه الكرام فإنه مشار إليه بأنه مهدي ~~قائم صاحب السيف قاهر للأعداء منتقم منهم مزيل للدولة والملك عنهم فله ~~مخافة لا تكون لغيره (3) فكلام لا لب فيه لأن خوف القتل نفسه قد غلب عليه ~~ومع هذا معلوم له باليقين أن أحدا لن يقتله أبدا. وأيضا ألا يعلم أن ~~المخالفين لا يقبلون من أحد دعوى المهدوية PageV01P118 # قبل ألف سنة وأن المهدي يظله السحاب لا سقف السرداب، (1) وأنه يظهر في ~~مكة لا في سر من رأى، (2) ويدعو الناس بعد الأربعين من عمره لا في زمن ~~الطفولة ولا في الشيخوخة. (3) # على أن السيد محمد الجنفوري (4) في الهند ولم يقتل ولم يخوف وأيضا قد كثر ~~محبوه وناصروه في زمن الدولة الصفوية (5) أكثر من رمل الصحارى والحصى، ~~فالاختفاء مناف لمنصب الإمامة الذي مبناه على الشجاعة والجرأة فهلا خرج ~~وصبر واستقام إلى أن ظفر وهلا كان القوم الذين قال الله تعالى فيهم {وكأين ~~من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا ~~وما استكانوا والله يحب الصابرين} # ثم ما حكى أولا من قصة الغار واستتار سيد الأبرار من خوف الكفار (6) ~~فكلام واقع في غير موقعه لأن استتاره - عليه الصلاة والسلام - لم يكن ms110 ~~لإخفاء دعوى النبوة بل كان من جنس التورية في الحرب لأجل أن الكفار لا ~~يطلعون على مقصده ولا يسدون الطريق عليه وهذا أيضا كان ثلاثة أيام (7) ~~فقياس ما نحن فيه عليه غاية الحماقة والوقاحة ففرق واضح لا يخفى على من له ~~أدنى عقل بين الاختفاء الذي كان مقدمة لظهور الدين والغلبة على الكافرين ~~وبين الاختفاء الذي لازمه الخذلان وترك الدعوة وانتشار الطغيان. فالأول ~~تلوح مياه الهمة من أسرته (8) وتتبلج أقمار النصرة من تحت طرته (9) بخلاف ~~الثاني فغبار الجبن يلوح على خده والفرار عن الدعوة موسوم على حده فأي فرقة ~~سخرها الإمام لنفسه في هذه الغيبة وأي ملك ملكه؟ ولو ابتغى صاحب الزمان ~~فرصة ثلاثمائة سنة مكان ثلاث ليالي وعوض الغار سرداب سر من رأى وبدل ~~المدينة المنورة دار المؤمنين قم ودار الإيمان كاشان (10) وبدل الأنصار ~~شيعة فارس والعراق قائلا بأني في هذه الصورة أجمع الأسباب وأتخذ الأصحاب ثم ~~خرج لكشف الغمة وإصلاح حال الأمة لتحمل أهل السنة وغيرهم هذه الشرائط. وأنى ~~ذلك فليست هذه إمامة بل هي لعمرك قيامة. # وقد ترك الشيخ مقداد صاحب (كنز العرفان) من المتأخرين طريق القدماء وقال: ~~كان PageV01P119 # الاختفاء لحكمة استأثر بها الله تعالى في علم الغيب عنده. ويرد عليه أن ~~هذا الدعاء مجرد يمكن أن يقال مثله في كل أمر يكون مناقضا للطف، فلا يثبت ~~اللطف في شيء! وبه يفسد كلام الشيعة كله، لأن مبنى أدلتهم عليه، يقولون إن ~~أمر كذا لطف واللطف واجب عليه تعالى! فليتأمل. والله سبحانه يحق الحق وهو ~~يهدي السبيل. # التنبيه الثاني: اعلم أن قول الله تعالى {ابعث لما ملكا نقاتل في سبيل ~~الله} وقوله تعالى {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر} وقوله تعالى {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا ~~لما صبروا} إلى غير ذلك من الآيات يدل على أن هداية الناس والصبر على مشقة ~~مخالطتهم من لوازم الإمامة، وكذا الجهاد في سبيل الله، والعقل يحكم بذلك. ~~وقد قال أمير المؤمنين «لابد للناس من أمير ms111 بر أو فاجر. يعمل في إمرته ~~المؤمن ويستمع فيها الكافر، ويبلغ فيها الأجل وتأمن فيها السبل، ويؤخذ به ~~للضعيف من القوي، حتى يستريح بر ويستراح من فاجر» كذا في نهج البلاغة. ولا ~~يمكن حمله على التقية، لما ذكره في نهج البلاغة من أنه - رضي الله تعالى ~~عنه - قاله لما سمع قول الخوارج «لا إمارة» فلا محل للتقية في مقابلتهم، ~~فتأمل في هذا الكلام، وتفكر في هذا المقام تر الفلاح أوضح من الصباح، وأن ~~الحق عند أصحاب الجنة وأهل السنة. والله تعالى أعلم. # التنبيه الثالث: العدالة شرط الإمامة، لا العصمة بمعنى امتناع صدور الذنب ~~كما في الأنبياء، خلافا للشيعة ولا سيما الإمامية والإسماعيلية قالوا: لا ~~بد منها علما وعملا، وهو مخالف للكتاب والعترة. # أما الكتاب فقوله تعالى {إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا} فكان واجب ~~الطاعة بالوحي، ولم يكن معصوما بالإجماع. (1) وقوله تعالى {إني جاعل في ~~الأرض خليفة} فكان قبل النبوة إماما وخليفة، (2) وصدر منه ما صدر، ويدل على ~~ذلك قوله تعالى {فعصى آدم ربه فغوى} وقوله {ثم اجتباه ربه} والاجتباء في ~~قوله تعالى في حق يونس {فاجتباه ربه فجعله من الصالحين} الاصطفاء للدعاء ~~وعذره PageV01P120 # ورده إليه لا الاستنباء، إذ قد ثبت قبل بقوله تعالى {وإن يونس لمن ~~المرسلين إذ أبقى إلى الفلك المشحون} بخلاف ما نحن فيه، كذا قيل، فليتأمل. ~~وأما أقوال العترة فقد أسلفنا قول الأمير «لابد للناس» الخ وأيضا روى في ~~الكافي ما قال الأمير لأصحابه «لا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل، فإني ~~لست آمن أن أخطئ» (1) والحمل على المشورة الدنيوية يأباه الصدر كما لا ~~يخفى. وأيضا روى صاحب الفصول عن أبي مخنف (2) أنه قال: كان الحسين يبدي ~~الكراهة من صلح أخيه الحسن مع معاوية ويقول: لو جز (3) أنفي كان أحب إلي ~~مما فعله أخي. (4) وإذا خطأ أحد المعصومين الآخر ثبت خطأ أحدهما بالضرورة ~~لامتناع اجتماع النقيضين. # وأيضا في الصحيفة الكاملة (5) للسجاد «وقد ملك الشيطان عناني في سوء الظن ~~وضعف اليقين، وإني أشكو سوء محاورته ms112 لي وطاعة نفسي له» فظاهر أنه - على ~~الصدق والكذب - مناف للعصمة. (6) # ومن أدلتهم على العصمة أن الإمام لو لم يكن معصوما لزم التسلسل. بيان ~~الملازمة أن المحوج للنصب هو جواز الخطأ للأمة، فلو جاز الخطأ عليه أيضا ~~لافتقر إلى آخر وهكذا، فيتسلسل. (7) # ويجاب بمنع أن المحوج ما ذكر، بل المحوج تنفيذ الأحكام ودرء المفاسد وحفظ ~~بيضة الأسلام مثلا، ولا حاجة في ذلك إلى العصمة، بل الاجتهاد والعدالة ~~كافيان. ولما لم يكن إثم على التابع إذ ذاك استوى جواز الخطأ وعدمه. سلمنا ~~لكن التسوية ممتنعة بل تنتهى السلسلة إلى النبي. سلمنا لكنه منقوض بالمجتهد ~~النائب عن الإمام في الغيبة عند الإمامية، (8) وليس بمعصوم إجماعا فيلزم ما ~~لزم، والجواب هو الجواب. # ومن الأدلة أيضا أنه حافظ للشريعة (9) فكيف الخطأ؟ ويجاب بالمنع، بل هو ~~مروج، والحفظ بالعلماء لقوله تعالى {الربانيون والأحبار بما استحفظوا من ~~كتاب الله وكانوا عليه شهداء} (10) وقوله تعالى {كونوا ربانيين بما كنتم ~~تدرسون}. وأيضا إذا كان الحفظ بالعلماء زمن الفترة وفي الغيبة على ما في ~~كشكول الكرامة للحلي (11) ففي الحضور كذلك. سلمنا، لكن الحفظ بالكتاب ~~والسنة والإجماع، لا بنفسه، ويمتنع الخطأ في هذه الثلاثة، PageV01P121 # والآراء لا دخل لها في صلب الشريعة، فلا ضرورة في حفظها. سلمنا، ولكن ذلك ~~منقوض بالنائب. (1) وقد يقال بأن وجود المعصوم لو كان ضروريا للأمن من ~~الخطأ لوجب أن يكون في كل قطر بل في كل بلدة، إذ الواحد لا يكفي للجميع بل ~~هو مستحيل بداهة لانتشار المكلفين في الأقطار، والحضور مستحيل عادة، ونصب ~~نائب لا يفيد لجواز الخطأ وعدم إمكان التدارك لا سيما في الغيبة والوقائع ~~اليومية إذ الإطلاق ممنوع، وعلى تسليمه الإعلام إما برسول (2) ولا عصمة، أو ~~بكتاب والتلبيس جائز. على أن الفهم إنما هو استعمال قواعد الرأي وضوابط ~~القياس، والكل مظنة الخطأ، فلا يحصل المقصود إلا بنصب معصوم في كل قطر وهو ~~محال. # التنبيه الرابع: الإمام لا يلزم أن يكون منصوصا من الباري تعالى، لأن ~~نصبه واجب على العباد كما تقدم، فتعيين الرئيس ms113 مفوض إليهم، وهو الأصلح لهم. ~~وقالت الإمامية لا بد أن يكون منصوصا من قبله تعالى، كما أن نصبه واجب عليه ~~تعالى. (3) وهذا مخالف للعقل والنقل. أما الأول فقد مر، وأما الثاني فلقوله ~~تعالى {وجعلناهم أئمة}، {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم ~~أئمة}، {وهو الذي جعلكم خلائف في الأرض} إلى غير ذلك، ولم يكن في احد من ~~تلك الفرق نص بل كان برأي أهل الحد والعقد، فمعنى الجعل إلقاء اختياره في ~~قلوب مسموعي القول فينصبوه، فإن عدل فعادل وإلا فجائز. وقد قيس طالوت بعصا ~~الملوك فساواها فملك (4) كما لا يخفى على المتتبع فافهم، والله تعالى اعلم. # التنبيه الخامس: لا يلزم أن يكون الإمام أفضل أهل العصر عنده تعالى، إذ ~~قد خلف طالوت وداود وشمويل موجودان. نعم لا بد لأهل الحد والعقد من نصب ~~الأفضل رياسة وسياسة لا عبادة ودراسة. والشيعة على خلاف هذا. وقد علمت ردهم ~~إجمالا. واشترطوا ما اشترطوا لنفي الخلافة عن الثلاثة لعدم العصمة والنص، ~~وفي الأفضلية مجال بحث. وهذه نبذة يسيرة في الرد، وسيأتي التفصيل في إثبات ~~الخلافة إن شاء الله تعالى. PageV01P122 # التنبيه السادس: وهذا أهم التنبيهات: اعلم أن الإمام بعد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بلا فصل أبو بكر الصديق بإجماع أهل الإسلام، وقد تفردت ~~الشيعة بإنكار ذلك، (1) وقالوا الإمامة كذلك لعلي - رضي الله تعالى عنه -، ~~وعند أهل الحق له بعد الثلاثة، ثم لابنه الحسن - رضي الله تعالى عنه -، ~~والصلح لمصالح رآها وهو اللائق بذاته الكريمة لا لخوف من جند كما افترى ~~المفترون. إذ قد ورد في كتب الشيعة خطبة يقول فيها «إنما فعلت ما فعلت ~~إشفاقا عليكم» (2) وقد ثبت في أخرى أوردها المرتضى وصاحب الفصول أنه قال ~~لما انبرم الصلح بينه وبين معاوية «إن معاوية قد نازعني حقا لي دونه، فنظرت ~~الصلح للأمة وقطع الفتنة. وقد كنتم بايعتموني على أن تسالموا من سالمني ~~وتحاربوا من حاربني، ورأيت أن حقن دماء المسلمين خير من سفكها، ولم أرد ~~بذلك إلا صلاحكم» (3) فهاتان الخطبتان تدلان ms114 على أن الصلح للمصلحة لا للعجز ~~وعدم الناصر، والثانية أيضا تدل بالصراحة على إسلام الفريق الثاني، لأن ~~المصالحة لأهل الكفر والردة لمخافة الفتنة لا تجوز، بل ترك قتالهم وغلبتهم ~~هو الفتنة لقوله تعالى {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين له} وأيضا ~~قد سبق ما كان يقوله الحسين في صلح الحسن، أفنسي أن الضرورات تبيح ~~المحظورات. ثم إظهار الكراهة لخلاف المصلحة المعقولة للكارة لا تكون قبيحة، ~~وأيضا الاختلاف بين أكابر الدين في المصالح المنجر إلى عدم الرضا لا يقدح ~~في أحد الجانبين، فليحفظ. ثم لا يغتر بما يقوله أهل الزور على أهل السنة من ~~أنهم يقولونه بخلافة معاوية بعد الشهيد، وحاشا وكلا بل هم يقولون ~~PageV01P123 # بصحة خلافته بعد صلح الحسن إلا أنه غير راشد (1) # والراشدون هم الخمسة، (2) بل قالوا إنه باغ. (3) # فإن قلت إذا ثبت بغيه لم لا يجوز لعنه؟ جوابه: إن أهل السنة لا يجوزون ~~لعن مرتكب الكبيرة مطلقا، فعلى هذا لا تخصيص بالباغي لأنه مرتكب كبيرة ~~أيضا، على أنه إذا كان باغيا بلا دليل، وأما كان بغيه بالاجتهاد ولو فاسد ~~فلا إثم عليه فضلا عن الكبيرة ويشهد لهم قوله تعالى {واستغفر لذنبك ~~وللمؤمنين والمؤمنات}. والأمر بالشيء نهى عن ضده عند الإمامية، فالنهي عن ~~اللعن واضح. نعم ورد اللعن في الوصف في حق أهل الكبائر مثل قوله تعالى {ألا ~~لعنة الله على الظالمين} وقوله تعالى {فنجعل لعنة الله على الكاذبين} لكن ~~هذا اللعن بالحقيقة على الوصف لا على صاحبه، ولو فرض عليه يكون وجود ~~الإيمان مانعا والمانع مقدم كما هو عند الشيعة، (4) وأيضا وجود العلة مع ~~المانع لا يكون مقتضيا، فاللعن لا يكون مترتبا على وجود الصفة حتى يرتفع ~~الإيمان المانع، وقوله تعالى {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ~~ولأخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا إنك ~~رءوف رحيم} نص في طلب المغفرة وترك العداوة بحيث جعل على الإيمان من غير ~~تقييد، ويشهد لهم ما تواتر عن الأمير من نهي لعن أهل الشام، ms115 قالت ~~PageV01P124 # الشيعة والنهي لتهذيب الأخلاق وتحسين الكلام كما يدل قوله في هذا المقام ~~«إني أكره لكم أن تكونوا سبابين»، (1) وأهل السنة يقولون هو مكروه للإمام ~~فينبغي كراهته لنا وعدم محبوبيته وجعله قربة وإن لم نعلم وجه الكراهة. ~~وأيضا روي في نهج البلاغة عنه - رضي الله تعالى عنه - ما يدل صراحة على ~~المقصود، وهو أنه لما سمع لعن أهل الشام خطب وقال «إنما أصبحنا نقاتل ~~إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والإعوجاج والشبهة والتأويل». ~~(2) فإذا صحت الروايتان في كتب الإمامية حملنا الأولى على من كان يلعنهم ~~بالوصف وهو جائز، لا مطلقا بل لمن يبلغ الشريعة كالأنبياء، إذ قد يستعمل ~~لبيان قباحة تلك الصفات، وأما الغير في حقه مكروه، لأنه لو اعتاده لخشي في ~~حق من ليس أهلا له، وحملت الثانية على من يلعن أهل الشام بتعيين الأشخاص ~~غافلا عن منع الإيمان، فأعملنا الروايتين لأن الأصل في الدلائل الإعمال دون ~~الإهمال. # وقال بعض علماء الشيعة: البغي غير موجب للعن على قاعدتنا، لأن الباغي ~~آثم، لكن هذا الحكم مخصوص بغير المحارب للأمير، وأما هو فكافر عندنا بدليل ~~حديث متفق عليه عند الفريقين أنه - صلى الله عليه وسلم - قال للأمير: «حربك ~~حربي» (3) وأنه قال لأهل العبا: «أنا سلم لمن سالمتم حرب لمن حاربتم» (4) ~~وحرب الرسول كفر بلا شبهة فكذا حرب الأئمة. # قال أهل السنة هذا مجاز للتهديد والتغليط، بدليل ما حكم الأمير من بقاء ~~إيمان أهل الشام وإخوتهم في الإسلام، على أن قوله «حرب الرسول كفر» ممنوع، ~~إذ قد حكم على آكل الربا بحرب الله ورسوله معا قال تعالى {فإن لم تفعلوا ~~فأذنوا بحرب من الله ورسوله} وعلى قطاع الطريق كذلك قال تعالى {إنما جزاء ~~الذين يحاربون الله ورسوله} الآية فلم لم تحكم الشيعة بكفر هؤلاء؟ (5) # هذا ولنرجع إلى ما كنا فيه، ولنورد عدة آيات قرآنية وأخبار عن العترة تدل ~~على المرام، وتوضح المقام. وتفسد أصل الشيعة، وتبطل هذه القاعدة الشنيعة. ~~وبالله تعالى الاستعانة والتوفيق، ومنه يرجى الوصول إلى سواء الطريق. ms116 ~~PageV01P125 # فمن الآيات قوله تعالى {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ~~ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا بعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر ~~بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون}. (1) الحاصل أن الله تعالى وعد المؤمنين ~~الصالحين - الحاضرين وقت النزول - بالاستخلاف والتصرف، كما جعل داود - عليه ~~السلام - الوارد في حقه {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض} وغيره من ~~الأنبياء، وبإزالة الخوف من الأعداء الكفار والمشركين، وبأن يجعلهم في غاية ~~الأمن حتى يخشاهم الكفار ولا يخشون أحدا إلا الله تعالى، وبتقوية الدين ~~المرتضى بأن يروجه ويشيعه (2) كما ينبغي. ولم يقع هذا المجموع إلا زمن ~~الخلفاء الثلاثة لأن المهدي ما كان موجودا وقت النزول، والأمير وإن كان ~~حاضرا لكن لم يحصل له رواج كما هو حقه بزعم الشيعة، بل صار أسوأ وأقبح من ~~عهد الكفار كما صرح به المرتضى في (تنزيه الأنبياء والأئمة) (3) مع أن ~~الأمير وشيعته كانوا يخفون دينهم خائفين هائبين من أفواج أهل البغي دائما ~~(4). وأيضا الأمير فرد من الجماعة، ولفظ الجمع حقيقة في ثلاثة أفراد ففوق، ~~والأئمة الاخرون لم يوجد فيهم مع عدم قصورهم تلك الأمور كما لا يخفى، وخلف ~~الوعد ممتنع اتفاقا، فلزم أن الخلفاء الثلاثة كانوا هم الموعودين من قبله ~~تعالى بالاستخلاف وأخويه (5) وهو معنى الخلافة الراشدة المرادفة للإمامة. # وقال الملا عبد الله المشهدي في (إظهار الحق) بعد الفحص الشديد يحتمل أن ~~يكون «الخليفة» بالمعنى اللغوي و «الاستخلاف» الإتيان بأحد بعد آخر كما ورد ~~في حق بنى إسرائيل {عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض} والمعنى ~~الخاص مستحدث بعد الرحلة. جوابه: أن الاستخلاف غير مستعمل في الكلام ~~بالمعنى اللغوي، PageV01P126 # والقاعدة الأصولية للشيعة أن الألفاظ القرآنية ينبغي أن تحمل على المعاني ~~الاصطلاحية الشرعية حتى الإمكان، لا على المعاني اللغوية. وإلا فالشرعية ~~كلها تفسد ولا يثبت حكم كما لا يخفى. وأيضا كيف يصح تمسكهم بحديث «أنت مني» ~~الخ المنضم إليه {اخلفني في قومي} وكيف التمسك ms117 بحديثهم «يا علي أنت خليفتي ~~من بعدي» (1)؟ ولقد سعى المدققون من الشيعة في الجواب عن هذه الآية ~~وتوجيهها، وأحسن الأجوبة عندهم اثنان: الأول أن «من» للبيان لا للتعبيض، و ~~«الاستخلاف» الاستيطان. قلنا: حمل «من» الداخلة على الضمير على البيان ~~مخالف للاستعمال وبعيد عن المعنى في الآية الكريمة وإن قال به البعض، سلمنا ~~لكن لا يضرنا لأن المخاطبين هم الموعودون بتلك المواعيد وقد حصلت لهم، إلا ~~أن الاستخلاف غير معقول للكل حقيقة، فالحصول للبعض حصول للكل باعتبار ~~المنافع. وأيضا قيد «اعملوا الصالحات» وكذا «الإيمان» يكون عبثا إذ ~~الاستيطان يحصل للفاسق وكذا الكافر. وأيضا حاشا القرآن من العبث. الثاني أن ~~المراد الأمير فقط وصيغه الجمع للتعظيم أو مع أولاده خوف. قلنا يلزم تخلف ~~الوعد كما لا يخفى، إذ لم يحصل لأحد منهم تمكين دين وزوال خوف، والناس ~~شاهدة على ذلك. (2) # وانظر أيها المنصف الحصيف واللوذعي الشريف إلى ما قاله الإمام مما ينحسم ~~فيه الإشكال في هذا المقام؛ ذكر في (نهج البلاغة) للمرتضى الذي هو أصح ~~الكتب عندهم أن عمر بن الخطاب لما استشار الأمير عند انطلاقه لقتال فارس ~~وقد جمعوا للقتال، أجابه «إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا ~~قلة، وهو دين الله تعالى الذي أظهره، وجنده الذي أعده وأمده، PageV01P127 # حتى بلغ ما بلغ وطلع، ونحن على وعد من الله تعالى حيث قال عز اسمه {وعد ~~الله الذين أمنوا} وتلا الآية، والله تعالى منجز وعده وناصر جنده. ومكان ~~القيم بالأمر في الإسلام مكان النظام من الخرز فإن انقطع النظام تفرق ~~الخرز، ورب متفرق لم يجتمع، والعرب اليوم وإن كانوا قليلا فهم كثيرون ~~بالإسلام عزيزون بالاجتماع، فكن قطبا واستدر الرحى بالعرب وأصلهم دونك نار ~~الحرب، فإنك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها، ~~حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك مما بين يديك. إن الأعاجم إن ~~ينظروا إليك غدا يقولوا: هذا أصل العرب فإذا قطعتموه استرحتم، فيكون ذلك ~~أشد لكلبهم عليك وطمعهم فيك. فأما ms118 ما ذكرت من مسير القوم إلى قتال المسلمين ~~فإن الله سبحانه وتعالى هو أكرم لمسيرهم منك، وهو أقدر على تغيير ما يكرهه. ~~وأما ما ذكرت من عددهم فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة، وإنما كنا ~~نقاتل بالنصر والمعونة» (1) انتهى بلفظه. فتدبر فقد ارتفع الإشكال واتضح ~~الحال والحمد لله رب العالمين. # ومنها قوله تعالى {قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد ~~تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما ~~توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما} المخاطب بهذه الآية بعض القبائل ممن ~~تخلف عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - في غزوة الحديبية لعذر بارد وشغل ~~كاسد، (2) وقد أجمع الفريقان أنه لم يقع بعد نزول هذه الآية إلا غزوة تبوك، ~~ولم يقع فيها لا القتال ولا الإسلام، فتعين الغير. والداعي ليس جناب الرسول ~~- عليه الصلاة والسلام - لا محالة، فلا بد أن يكون خليفة من الخلفاء ~~الثلاثة الذين وقعت الدعوة في عهدهم كما في عهد الخليفة الأول لمانعي ~~الزكاة أولا وأهل الروم آخرا، وفي عهد الخليفة الثاني والثالث كما لا يخفى ~~على المتتبع. فقد صحت خلافة الصديق لأن الله تعالى وعد وأوعد، ورتب كلا على ~~الإطاعة والمعصية. فهلا يكون ذلك المطاع المنقاد له بالوجود إماما؟ المنصف ~~يعرف ذلك. # وقد تخبط ابن المطهر الحلي وقال: «يجوز أن يكون الداعي PageV01P128 # الرسول - عليه الصلاة والسلام - في تلك الغزوات التي وقع فيها القتال، ~~ولم ينقل لنا». وإذ فتح هذا الباب يقال كذلك: يجوز عزل الأمير بعد الغدير ~~ونصب أبي بكر وتحريض الناس على اتباعه، ولم ينقل لنا. فانظر وتعجب. وقال ~~بعضهم: الداعي هو الأمير، فقد دعا إلى قتال الناكثين والقاسطين والمارقين. ~~(1) ويقال فيه: إن قتل الأمير إياهم لم يكن لطلب الإسلام بل لانتظام أحوال ~~الإمام، ولم ينقل في العرف القديم والجديد أن يقال لإطاعة الإمام (إسلام) ~~ولمخالفته (كفر). ومع هذا نقل الشيعة روايات صحيحة عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في حق الأمير أنه قال: إنك يا علي تقاتل على ms119 تأويل القرآن كما ~~قاتلت على تنزيله. وظاهر أن المقاتلة على تأويل القرآن لا تكون إلا بعد ~~قبول تنزيله، وذلك لا يعقل بدون الإسلام، بل هو عينه، فلا يمكن المقاتلة ~~على التأويل على الإسلام بالضرورة وهو ظاهر. # ومنها قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي ~~الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في ~~سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع ~~عليم}. مدح الله تعالى في هذه الآية الكريمة الذين قاتلوا المرتدين بأكمل ~~الصفات وأعلى المبرات، وقد وقع ذلك من الصديق وأنصاره بالإجماع، لأن ثلاث ~~فرق قد ارتدوا في آخر عهده - عليه السلام -. (2) الأولى بنو مدلج قوم أسود ~~العنسي ذى الخمار الذي ادعى النبوة في اليمن وقتل على يد فيروز الديلمي، ~~الثانية بنو حنيفة أصحاب مسيلمة الكذاب المقتول في أيام خلافة الصديق على ~~يد وحشي، الثالثة بنو أسد قوم طليحة بنى خويلد المتنبئ، ولكنه آمن بعد أن ~~أرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - خالدا وهرب منه إلى الشام. وقد ارتد في ~~خلافة الصديق سبع فرق: بنو فرازة قوم عيينة بن حصن، وبنو غطفان قوم قرة بن ~~سلمة، وبنو سليم قوم ابن عبد ياليل، وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة، وبعض ~~بني تميم قوم سجاح بنت المنذر، وبنو كندة قوم أشعث بن قيس الكندي، وبنو بكر ~~في البحرين. وارتدت فرقة في زمن عمر - رضي الله تعالى عنه - والتحقت ~~بالنصارى إلى الروم. وقد استأصل الصديق كل فرقة وأزعجهم واستردهم ~~PageV01P129 # إلى الإسلام كما أجمع عليه المؤرخون كافة. ولم يقع للأمير ذلك، بل كان ~~متحسرا على ما هنالك، وكم قال «ابتليت بقتال أهل القبلة» كما رواه ~~الإمامية، وتسمية منكري الإمامة مرتدين مخالفة للعرف القديم والحديث. على ~~أن المنكر للنص غير كافر (1) كما قال الكاشي وصاحب الكافي. (2) وانظر إلى ~~ما قال الملا عبد الله صاحب (إظهار الحق) ما نصه: «فإن قيل فإن لم يكن النص ~~الصريح ثابتا كما في باب ms120 خلافة الأمير فالإمامية كاذبون، وإن كان لزم أن ~~يكون جماعة الصحابة مرتدين والعياذ بالله تعالى، أجيب أن إنكار النص الذي ~~هو موجب للكفر إنما هو اعتقاد أن الأمر المنصوص باطل وإن كذبوا في ذلك ~~التنصيص رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حاشا. أما لو تركوا الحق مع ~~علمهم بوجوبه للأغراض الدنيوية وحب الجاه فيكون ذلك من الفسوق والعصيان لا ~~غير» ثم قال «فالذين اتفقوا على خلافة الخليفة الأول لم يقولوا إن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - نص عليها لأحد أو قال بما لا يطابق الواقع فيها، معاذ ~~الله، بل منهم من أنكر بعض الأحيان تحقق النص، وأول بعضهم كلام الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - تأويلا بعيدا» انتهى كلامه. # وأيضا قال الأمير في بعض خطبه المروية عنه عندهم «أصبحنا نقاتل إخواننا ~~في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاج والشبهة والتأويل» (3) وأيضا ~~قد منع السب كما تقدم، وسب المرتد غير منهي عنه. قطعنا النظر وسلمنا أن ~~الأمير قاتل المرتدين، فالمقاتل لهم زمن الخليفة الأول شريك في المدح أيضا، ~~وإلا لزم الخلف لعموم من في الشرط والجزاء كما تقرر في الأصول. والمقاتل هو ~~(4) وأنصاره لا الأمير، إذ لم يدافع أحدا منهم ولا عساكره، إذ هم (5) غير ~~موصوفين بما ذكر، فلكم «أنبئت بسرا قد اطلع اليمن، وإني والله لا أظن هؤلاء ~~القوم سيدالون منكم (6) باجتماعهم PageV01P130 # على باطلهم وتفرقكم عن حقكم. وبمعصيتكم إمامكم في الحق، وطاعتهم إمامهم ~~في الباطل. وبأدائهم الأمانة إلى أصحابهم. وخيانتكم، وبصلاحهم في بلادهم ~~وفسادكم. فلو ائتمنت أحدكم على قعب (1) لخشيت أن يذهب بعلاقته. اللهم قد ~~مللنهم وملوني وسئمتهم وسئموني، فأبدلني خيرا منهم وأبدلهم بي شرا مني. ~~اللهم مث قلوبهم كما يماث الملح بالماء. لوددت والله لو أن لي بكم ألف فارس ~~من بني فراس بن غنم (2) # هنالك لو دعوت أتاك منهم ... فروارس مثل أرمية (3) الحميم (4) # ويقول في خطبة أخرى: أحمد الله على ما قضى من أمر، وقدر من فعل، وعلى ~~ابتلائي بكم أيتها الفرقة التي إذا أمرت لم تطع، ms121 وإذا دعوت لم تجب. ثم قال ~~بعد كلام: وإنى لصحبتكم قال وبكم غير كثير ... » (5) الخ. والنهج مملوء من ~~أمثال هذه الكلمات، ومحشو من مثل هذه الشكايات. فانظر هل يمكن تطبيق ~~الأوصاف القرآنية على هؤلاء الأقوام (6) وهل يجتمع النقيضان! (7) وكلام ~~الله كاذب، أم كلام الإمام؟ (8) # وأيضا يستفاد من سياق الآية وسباقها أن فتنة المرتدين تدفع بسعي القوم ~~الموصوفين ويتحقق صلاح الدين، إذ الآية سيقت لتسلية قلوب المؤمنين وتقويهم، ~~ولإزالة خوفهم من المرتدين وفتنتهم، ولم تنته مقاتلات الأمير إلا إلى الضد ~~كما لا يخفى. # هذا وبقيت آيات كثيرة وأدلة غزيرة تركناها اكتفاء بما ذكرناه، واعتمادا ~~على أن المنصف يكفيه ما سطرناه. # وأما أقوال العترة فمنها ما أورده المرتضى في (نهج البلاغة) عن أمير ~~المؤمنين من كتابه الذي كتبه إلى معاوية وهو: # «أما بعد فإن بيعتي يا معاوية لزمتك وأنت بالشام، فإنه بايعني القوم ~~الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان، وعلى ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد ~~أن يختار ولا PageV01P131 # للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل ~~وسموه إماما كان ذلك لله رضا، فإن خرج منهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما ~~خرج منه فإن آبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما ~~تولى.» (1) # ومنتهى ما أجاب الشيعة عن أمثال هذه أنه من مجاراة الخصم ودليل الزامي، ~~وهو تحريف لا ينبغي لعاقل ولا يليق بفاضل، إذ فيه غفلة وإغماض عن أطراف ~~الكلام الزائدة على قدر الإلزام، إذ يكفى فيه بيعة أهل الحل والعقد كما لا ~~يخفى. وأيضا الدليل الإلزامي مسلم عند الخصم، ومعاوية لا يسلم ما ذكر، ~~ويرشدك إلى ذلك كتبه إلى الأمير كما هو مذكور عند الإمامية وغيرهم، (2) ~~فمذهبه كما يظهر منها أن كل مسلم قرشي مطلقا إذا كان قادرا على تنفيذ ~~الأحكام وإمضاء الجهاد وحماية حوزة الإسلام وحفظ الثغور ودفع الشرور وبايعه ~~جماعة من المسلمين من أهل العراق أو من أهل الشام أو من المدينة المنورة ~~فهو الإمام. وإنما لم يتبع الأمير لاتهامه له ms122 بقتله عثمان (3) وحفظ أهل ~~الجور والعصيان، وكان يعتقده قادرا على تنفيذ الأحكام وأخذ القصاص الذي هو ~~من عمدة أمور شريعة سيد الأنام وذلك بزعمه ومقتضى فهمه. ومن أجلى البديهات ~~أن بيعة المهاجرين والأنصار التي لم تكن خافية على معاوية قط لو حسبها ~~معتدا بها لم يذكر في مجالسه ومكاتيبه قوادح الأمير، بل خطأ تلك البيعة ~~أيضا بالصراحة كما هو معروف من مذهبه على ما لا يخفى على الخبير. فما ذكر ~~في مقابلته من بيعة المهاجرين والأنصار دليل تحقيقي مركب من المقدمات الحقة ~~فيثبت المطلوب. # ومنها ما في (النهج) أيضا عن الأمير «لله بلاد أبي بكر لقد قوم الأود، ~~(4) وداوى العلل، وأقام السنة، وخلف البدعة، وذهب نقي الثوب قليل العيب، ~~أصاب خيرها واتقى شرها، أدى لله طاعة واتقاه بحقه، رحل وتركهم في طريق ~~متشعبة لا يهتدي فيها الضال، ولا يستيقن المهتدي». (5) # وقد حذف الشريف صاحب النهج حفظا لمذهبه لفظ PageV01P132 # (أبي بكر) وأثبت بدله (فلان) وتأبى الأوصاف إلا أبا بكر، ولهذا الإبهام ~~اختلف الشراح فقال البعض هو أبو بكر وبعض هو عمر، ورجح الأكثر الأول وهو ~~الأظهر فقد وصفه من الصفات بأعلى مراتبها، فناهيك به وناهيك بها. وغاية ما ~~أجابوا أن مثل هذا المدح كان من الإمام لاستجلاب قلوب الناس لاعتقادهم ~~بالشيخين أشد الاعتقاد، ولا يخفى على المنصف أن فيه (1) نسبة الكذب [إلى ~~المعصوم] (2) لغرض دنيوي مظنون الحصول، بل كان اليأس منه (3) وفي الحديث ~~الصحيح «إذا مدح الفاسق غضب الرب»، (4) وأيضا أية ضرورة تلجئه إلى هذه ~~التأكيدات والمبالغات؟ وكان يكفيه أن يقول: لله بلاد فلان قد جاهد الكفر ~~والمرتدين، وشاع بسعيه الإسلام، وقام عماد المسلمين، ووضع الجزية، وبنى ~~المساجد، ولم تقع في خلافته فتنة ولا بقي فيها معاند. ونحو ذلك. وفرق بين ~~هذا والسلوك في هاتيك المسالك. وأيضا في هذا المدح العظيم الكامل تضليل ~~الأمة وترويج للباطل، وذلك محال من المعصوم، (5) بل كان الواجب عليه بيان ~~الحال لمن بين يديه بموجب الحديث الصحيح «اذكروا الفاجر بما فيه يحذره ~~الناس» (6) فانظر وأنصف. وأجاب ms123 بعض الإمامية أن المراد من (فلان) رجل من ~~الصحابة مات في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - واختار هذا القول ~~الراوندي، (7) وانظر هل يمكن لغيره PageV01P133 # - صلى الله عليه وسلم - في زمنه الشريف تقويم الأود، ومداواة العلل ~~وإقامة السنة وغيرها؟ وهل يعقل أن رجلا مات وترك الناس فيما ترك والنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - موجود بنفسه وذاته الأنيسة؟ سبحانك هذا بهتان عظيم ~~وزور جسيم. (1) # وقال البعض: غرض الإمام من هذه العبارة توبيخ عثمان والتعريض به، فإنه لم ~~يذهب على سيرة الشيخين. وفيه: أما أولا فالتوبيخ يحصل بدون هذه الكذبات فما ~~الحاجة إليها؟ وأما ثانيا فسيرة الشيخين إن كانت محمودة فقد ثبتت إمامتها ~~وإلا فالتوبيخ على عثمان بتركها لا ينبغي، وأما ثالثا فهذه من خطبات ~~الكوفة، (2) فما الموجب لعدم الصراحة بالتوبيخ: «أنا الغريق فلا أخشى من ~~البلل». (3) # ومنها ما نقله علي بن عيسى الإربلي الاثنا عشري (4) في كتابه (كشف الغمة ~~في معرفة الأئمة) أنه «سئل الإمام أبو جعفر عن حلية السيف هل تجوز؟ فقال: ~~نعم، قد حلى أبو بكر الصديق سيفه بالفضة. فقال الراوي: أتقول هذا؟ فوثب ~~الإمام عن مكانه فقال: نعم الصديق، نعم الصديق، فمن لم يقل له الصديق فلا ~~صدق الله قوله في الدنيا والآخرة» (5) ومن الثابت أن مرتبة الصديقية بعد ~~النبوة، ويشهد لها القرآن، والآيات كثيرة، منها قوله تعالى {فأولئك مع ~~الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك ~~رفيقا} ولا أقل من كونها صفة مدح فوق الصالح، وإذا قال المعصوم (6) في رجل ~~إنه صالح ارتفع عنه احتمال الجور والفسق والظلم والغضب، وإلا لزم الكذب وهو ~~محال، فكيف يعتقد فيه غضب الإمامة وتضييع حق الأمة؟ ولعمرك المعتقد داخل في ~~عموم هذا الدعاء، ويكفيه جزاء. وغاية ما أجابوا أنه تقية (7) وأنت تعلم أن ~~وضع السؤال يعلم منه أن السائل شيعي، فلم التقية منه وهذا التأكيد؟ وبعضهم ~~أنكر هذا الكلام، والنسخ شاهدة لنا وإن لم يوجد في البعض فالبعض الآخر كاف، ~~والنسخ كثيرة والروايات في هذا الباب أكثر ms124 والله أعلم. PageV01P134 # ولنذكر بعض الأدلة المأخوذة من الكتاب وأقوال العترة الأنجاب مما يوصل ~~إلى المطلوب بأدنى تأمل: # الأول أن الله تعالى ذكر جماعة الصحابة الذين كانوا حاضرين حين انعقاد ~~خلافة أبي بكر الصديق وممدين له وناصرين له في أمور الخلافة ملقبا لهم في ~~مواضع من تنزيله قال تعالى {أولئك هم الفائزون} وقال تعالى {رضي الله عنهم ~~ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز ~~العظيم} (1) وقال تعالى {حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم ~~الكفر والفسوق والعصيان} (2) فإجماع مثل هؤلاء الأقوام على منشأ الجور ~~والآثام محال وإلا لزم الكذب وهو كما ترى. # الثاني أن الله تعالى وصف الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - بقوله عز اسمه ~~{ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق ~~والعصيان} فكيف يرتكبون ذلك فيلزم الخلف وهو محال. # الثالث أن الله تعالى قال في المهاجرين {أولئك هم الصادقون} بعد قوله ~~سبحانه {للفقراء المهاجرين} الآية (3) وجميعهم قائلون بخلافة الصديق، ولو ~~لم تكن حقة لزم الخلف في الآية وهو محال. # الرابع أن جماعة كثيرين من الصحابة قد وقع اتفاقهم على خلافة أبي بكر - ~~رضي الله تعالى عنه - وكل ما يكون متفقا عليه لجماعة الأمة فهو حق وخلافه ~~باطل بما ذكره الرضى في (نهج البلاغة) مرويا عن الأمير في كلام له «الزموا ~~السواد الأعظم فإن يد الله على الجماعة وإياكم والفرقة فإن الشاذ من الناس ~~للشيطان كما أن الشاذ من الغنم للذئب». (4) # الخامس أن قوما جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقتلوا آباءهم ~~وأبناءهم وإخوانهم وأقاربهم ولم يراعوا حقهم نصرة لله تعالى ورسوله - صلى ~~الله عليه وسلم - وقد حضروا هذه البيعة ولم يخالفوا فلا بليق بهم ما نسب. ~~وكيف يرضى بذلك العاقل. # السادس أن أمير المؤمنين لما سئل عن أحوال الصحابة الماضين وصفهم بلوازم ~~الولاية وقال كما في نهج البلاغة: «كانوا إذا ذكروا الله هملت (5) أعينهم ~~حتى تبل جباههم ومادوا PageV01P135 # كما يميد الشجر يوم الريح العاصف خوفا من العقاب ورجاء ms125 للثواب» وقال أيضا ~~«كان أحب اللقاء إليهم لقاء الله وإنهم يتقلبون على مثل الجمر من ذكر ~~معادهم» فالانكار من هؤلاء والإصرار على مخالفة الله والرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - من المحالات. # السابع ما ذكر في الصحيفة الكاملة للسجاد من الدعاء لهم ومدح متابعيهم ~~ولا احتمال للتقية في الخلوات وبين يدي رب البريات ونصه «اللهم وأوصل إلى ~~التابعين لهم بإحسان الذين يقولون {ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا ~~بالإيمان} خير جزائك الذين قصدوا سمتهم وتحروا وجهتهم ومضوا في قفو أثرهم ~~والائتمام بهداية منارهم يدينون بدينهم على شاكلتهم (1) لم يثنهم ريب في ~~بصيرتهم (2) ولم يختلج شك في صدورهم» إلى آخر ما قال. (3) # فالإصرار من هؤلاء الأخيار على كتمان الحق وتجويز الظلم والجور على عترة ~~سيد الخلق - صلى الله عليه وسلم - لا يقول به عاقل ولا يفوه به كامل. # الثامن ما أورده الكليني في الكافي في باب السبق إلى الإيمان (4) بروايات ~~أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد الله - عليه السلام - أنه قال «قلت له إن ~~الإيمان درجات ومنازل يتفاضل المؤمنون فيها عند الله. قال نعم. قلت صفه لي ~~رحمك الله حتى أفهمه، قال: إن الله سبق بين المؤمنين كما يستبق بالخيل يوم ~~الرهان ثم فضلهم على درجاتهم في السبق إليه فجعل كل امرئ منهم على درجة ~~سبقه ولا ينقصه فيها من حقه ولا يتقدم مسبوق سابقا ولا مفضول فاضلا تفاضل ~~بذلك أوائل الأمة وأواخرها. ولو لم يكن للسابق إلى الإيمان فضل على المسبوق ~~إذا للحق آخر هذه الأمة أولها، نعم ولتقدموهم إذ لم يكن لمن سبق إلى ~~الإيمان فضل على من أبطأ عنه ولكن بدرجات الإيمان قدم الله السابقين ~~وبالإبطاء عن الإيمان أخر الله المؤخرين، لأنا نجد من المؤمنين من الآخرين ~~من هو أكثر علما من الأولين وأكثرهم صلاة وصوما وحجا وزكاة وجهادا وإنفاقا ~~ولو لم تكن سوابق يفضل الله بها المؤمنين لكان الآخرون بكثرة العمل متقدمين ~~على الأولين ولكن أبى الله PageV01P136 # عز وجل أن يدرك آخر درجات الإيمان أولها ويقدم فيها من ms126 أخر الله أو يؤخر ~~فيها من قدم الله. قلت: أخبرني عما ندب الله عز وجل المؤمنين إليه من ~~الاستباق إلى الإيمان. فقال: قول الله عز وجل {سابقوا إلى مغفرة من ربكم ~~وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله} وقوله تعالى ~~{السابقون السابقون أولئك المقربون} وقوله تعالى {والسابقون الأولون من ~~المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه} (1) ~~فبدأ بالمهاجرين على درجة سبقهم ثم ثنى بالأنصار ثم ثلث بالتابعين لهم ~~بإحسان، فوضع كل قوم على قدر درجاتهم ومنازلهم عنده ثم ذكر ما فضل الله به ~~أولياءه بعضهم على بعض فقال عز من قائل {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ~~منهم من كلم الله ورفع بعضهم فوق بعض درجات} الآية وقال تعالى {ولقد فضلنا ~~بعض النبيين على بعض} وقال تعالى {انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض} وقال ~~تعالى {وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا} إلى آخر الحديث وقال في آخره ~~«فهذا ذكر درجات الإيمان ومنازله عند الله عز وجل». (2) فقد علم من هذا ~~الحديث أن المهاجرين والأنصار كانوا في أعلى الدرجات من الإيمان ولم يصل ~~غيرهم إلى ما وصلوا لقوله تعالى {أولئك المؤمنون حقا} وقوله تعالى {لا ~~يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل} الآية. فكيف يصدر ممن كانوا كذلك ~~الإصرار على ما لا يرضاه الله تعالى من المسالك؟ # التاسع أن الأمير كرم الله تعالى وجهه قد مدح الشيخين ودعا لهما حسبما ~~ثبت عند الفريقين وقد نقل شراح نهج البلاغة كتاب الأمير إلى معاوية وقد قال ~~فيه بعد ما ذكر أبا بكر وعمر «لعمري إن مكانيهما لعظيم وإن المصاب بهما ~~لجرح في الإسلام شديد رحمها الله تعالى وجزاهما بأحسن ما عملا» (3) فكيف ~~يتصور صدور مثل ذلك عن المعصوم لو كانا غاصبين ظالمين؟ معاذ الله من ذلك، ~~ونسأله سبحانه العصمة عما يعتقده أولئك. # هذا والكتب ملأى من أمثال هذه العبارات والأدلة القطعيات. وفيما ذكر ~~كفاية لمن حلت بقلبه الهداية. والسلام على من اتبع الهدى، وخشي عواقب ~~الردى. PageV01P137 ### | (في ms127 إبطال ما استدل به الرافضة على مذهبهم) ### | (الآيات القرآنية) # وههنا كلام مفيد شريف، وبحيث رائق لطيف: اعلم أن الشيعة استدلوا على ~~إثبات إمامة الأمير بلا فصل بدلائل كثيرة وتحقق بعد الفحص والتفتيش في ~~كتبهم أن أكثرها قائمة في غير محل النزاع، وأنها مسروقة من أهل السنة. ~~وتحقيق ذلك أن دلائلهم في هذا المطلب ثلاثة أقسام: # الأول الآيات والأحاديث الدالة على فضائل الأمير وأهل البيت، وقد ~~استخرجها أهل السنة في مقابلة الخوارج والنواصب الذين تجاسروا على الأمير - ~~رضي الله تعالى عنه - ونسبوا إليه ما هو بريء منه، وذكروها في معرض الرد ~~عليهم. والشيعة قد أوردوا تلك الدلائل في إثبات إمامة الأمير - رضي الله ~~تعالى عنه - بلا فصل، وقصدوا بذلك الرد على أهل السنة. ولما جاء المتأخرون ~~وقد أخذوا من أهل السنة والمعتزلة شيئا من علم الأصول والكلام وحصل لهم نوع ~~ما من الملكة والقدرة على الخصام، غيروا الأدلة التي كانت هدفا للاعتراضات ~~والأسئلة وأصلحوها بزعمهم بعض المقدمات وزيادة ما اشتهوه من موضوع ~~الروايات، وما دروا أن ذلك زاد في الفساد، وأبطل لهم المقصود والمراد، ~~ورجعوا إلى ما فروا منه، ووقعوا فيما انهزموا عنه، وأكثر دلائلهم من هذا ~~القبيل. # الثاني الدلائل الدالة على إمامة الأمير بكونه خليفة بالحق وإماما ~~بالإطلاق في حين من الأحيان، وقد أقامها أيضا أهل السنة في مقابلة ~~المذكورين المنكرين لإمامته، وما يستفاد منها إلا كون الأمير مستحقا ~~للخلافة الراشدة بلا تعيين وقت ولا تنصيص باتصال زمانها بزمان النبوة أو ~~انفصاله عنه. ولا ينبغي لأهل السنة أن يتصدوا لرد هذه الدلائل وجوابها ~~فإنها عين مذهبهم. # الثالث الدلائل الدالة على إمامته بلا فصل مع سلب استحقاق الإمامة عن ~~غيره من الخلفاء الراشدين، وهذه الحقيقة مختصة بمذهب الشيعة، وهم منفردون ~~باستخراجها، وهي مخدوشة المقدمات كلها، بحيث يكذب مقدماتها الثقلان: الكتاب ~~والعترة. فنحن نذكر في هذه الرسالة بعضها من القسمين الأولين، ونبين القسم ~~الأخير بالاستيعاب والاستيفتاء، وننبه فيها على منشأ الغلط وموقعه لتعلم ~~حقيقة دلائلهم. # PageV01P138 # ولا يخفى أن مقدمات تلك الدلائل ومبادئها ms128 لا بد أن تكون مسلمة الثبوت عند ~~أهل السنة، إذ الغرض من إقامتها إلزامهم، فعلى هذا إما أن تكون تلك الدلائل ~~من آيات الكتاب والأحاديث المتفق عليها أو الدلائل العقلية المأخوذة من ~~المقدمات المسلمة عند الفريقين، أو من مطاعن الخلفاء الثلاثة التي ~~يوردونها. # وأما المطاعن فسيأتي الكلام عليها في باب مفرد. # أما الأيات فمنها قوله تعالى {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين ~~يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهو راكعون} تقرير استدلالهم بهذه الأية ما ~~يقولون من أن أهل التفسير أجمعوا على نزولها في حق الأمير (1) إذ أعطى ~~السائل خاتمه في حالة الركوع (2) وكلمة (إنما) مفيدة للحصر، ولفظ (الولي) ~~بمعنى المتصرف في الأمور. وظاهر أن المراد PageV01P139 # ههنا التصرف العام في جميع المسلمين المساوي للإمام بقرينة ضم ولايته إلى ~~ولاية الله ورسوله فثبتت امامته وانتفت إمامة غيره للحصر المستفاد وهو ~~المدعى. (1) # أجاب عنه أهل السنة بوجوه: الأول النقض بأن هذا الدليل كما يدل على نفي ~~إمامة الأئمة المتقدمين كما قرر يدل كذلك على سلب الإمامة عن الأئمة ~~المتأخرين بذلك التقرير بعينه، فلزم أن السبطين ومن بعدهما من الأئمة ~~الأطهار لم يكونوا أئمة. فلو كان استدلال الشيعة هذا يصح لفسد تمسكهم بهذا ~~الدليل، إذ لا يخفى أن حاصل هذا الاستدلال بما يفيد في مقابلة أهل السنة ~~مبني على كلمة الحصر، والحصر كما يضر أهل السنة يكون مضرا للشيعة أيضا، لأن ~~إمامة الأئمة المتقدمين والمتأخرين كلهم تبطل به البتة. ومذهب أهل السنة ~~وإن بطل بذلك لكن مذهب أهل الشيعة ازداد في البطلان أكثر منه، فإن لأهل ~~السنة نقصان الأئمة الثلاثة، وللشيعة نقصان أحد عشر إماما، ولم يبق إماما ~~سوى الأمير. ولا يمكن أن يقال الحصر إضافي بالنسبة إلى من تقدمه، لأنا ~~نقول: إن حصر ولاية من استجمع هذه الصفات لا يفيد إلا إذا كان حقيقيا، بل ~~لا يصح لعدم استجماعها فيمن تأخر عنه كما لا يخفى. # وإن أجابوا عن هذا النقص بأن المراد حصر الولاية في جنابه في بعض الأوقات ~~- يعني في وقت إمامته ms129 لا وقت إمامة السبطين ومن بعدهما - قلنا فمذهبنا أيضا ~~هذا أن الولاية العامة محصورة فيه وقت إمامته لا قبله وهو زمن خلافة ~~الخلفاء الثلاثة. فإن قالوا إن الأمير لو لم يكن في عهد الخلفاء الثلاثة ~~صاحب ولاية عامة يلزمه نقص بخلاف وقت إمامة السبطين فإنه لم يكن حيا لم تصر ~~إمامة غيره موجبة للنقص في حقه، لأن الموت دافع لجميع الأحكام الدنيوية. ~~قلنا: هذا استدلال آخر غير ما هو بالآية، لأن مبناه على مقدمتين: الأولى أن ~~كون صاحب الولاية العامة في ولاية الآخر ولو في وقت من الأوقات نقص له، ~~الثانية أن صاحب الولاية العامة لا يلحقه نقص بأى وجه وأي وقت كان. وهاتان ~~المقدمتان أنى تفهمان من الآية؟ وتسمى هذه الصنعة في عرف المناظرة فرارا، ~~بأن ينتقل من دليل إلى دليل آخر من غير انفصال المناقشة في مقدمات الدليل ~~الأول فرارا أو إثباتا. PageV01P140 # سلمنا وأغمضنا عن هذا الفرار أيضا، ولكن نقول: إن هذا الاستدلال أيضا ~~منقوض بالسبطين، فإنهما في زمن ولاية الأمير لم يكونا مستقلين بالولاية بل ~~كانا في ولاية الآخر وأيضا منقوض بالأمير فإنه في عهد النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كان كذلك، فلا نقض لصاحب الولاية العامة بكونه في بعض الأوقات ~~في ولاية الآخر، ولو كان نقصا بالغرض للحق صاحب الولاية العامة أيضا فبطل ~~الاستدلال الذي فروا إليه بجميع المقدمات. # الجواب الثاني ذكره الشيخ إبراهيم الكردي (1) وغيره من أهل السنة أن ~~ولاية الذين آمنوا غير مرادة في زمان الخطاب البتة بالإجماع، لأن زمن ~~الخطاب عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - والإمامة نيابة للنبوة بعد موت ~~النبي، فلما لم يكن زمن الخطاب مرادا لا بد أن يكون ما أريد به زمانا ~~متأخرا عن موت النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا حد للتأخير سواء كان أربع ~~سنين أو بعد أربع وعشرين، فقام هذا الدليل في غير محل النزاع ولم يحصل منه ~~مدعى الشيعة وهو كون إمامة الأمير بلا فصل. وهذا بالنظر الإجمالي، وإن ~~نظرنا في مقدمات هذا الدليل بالتفصيل ms130 منعنا أولا إجماع المفسرين على نزولها ~~فيما قالوا، بل اختلف علماء التفسير في سبب نزول هذه الآية فروى أبو بكر ~~النقاش (2) صاحب التفسير المشهور عن محمد الباقر - عليه السلام - أنها نزلت ~~في المهاجرين والأنصار. وقال قائل نحن سمعنا أنها نزلت في علي بن أبي طالب ~~قال الإمام: هو منهم. (3) يعني أن أمير المؤمنين داخل أيضا في المهاجرين ~~والأنصار ومن جملتهم. وهذه الرواية أوفق بلفظ «الذين» وصيغ الجمع في صلات ~~الموصول وهي: {يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون}. وروى جمع من ~~المفسرين عن عكرمة أنها نزلت في شأن أبي بكر، ويؤيد هذا القول الآية ~~السابقة الواردة في قتال المرتدين. وأما القول بنزولها في حق علي بن أبي ~~طالب ورواية قصة السائل وتصدقه PageV01P141 # بالخاتم في حالة الركوع فإنما هو الثعلبي فقط وهو متفرد به (1) ولا يعد ~~المحدثون أهل السنة روايات الثعلبي قدر شعيرة، ولقبوه بحاطب ليل، فإنه لا ~~يميز بين الرطب واليابس، وأكثر رواياته في التفسير عن الكلبي (2) عن أبي ~~صالح، (3) وهي ما يروى في التفسير عندهم. (4) # وقال القاضي شمس الدين ابن خلكان (5) في حال الكلبي: إنه كان من أتباع ~~عبد الله بن سبأ الذي كان يقول إن علي بن أبي طالب لم يمت وإنه يرجع إلى ~~الدنيا. وينتهي بعض روايات الثعلبي إلى محمد بن مروان السدى الصغير وهو كان ~~رافضيا غاليا يعلمونه من سلسلة الكذب والوضع. وأورد صاحب (لباب التفسير) ~~أنها نزلت في شأن عبادة بن الصامت إذ تبرأ من حلفائه الذين كانوا هودا على ~~رغم عبد الله بن أبي وخلافه (6) فإنه لم يتبرأ منهم ولم يترك حمايتهم وطلب ~~الخير لهم. وهذا القول أنسب بسياق الآية فإن سياقها {يا أيها الذين آمنوا ~~لا تتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار ~~أولياء} لأن هذه الأية بعد تلك الآية. وقال جماعة من المفسرين إنها نزلت في ~~حق عبد الله بن سلام. (7) # ونقول ثانيا: إن لفظ «الولي» (8) تشترك فيه المعاني الكثيرة: المحب، ~~والناصر، والصديق، والمتصرف في الأمر. ولا يمكن أن ms131 يراد من اللفظ المشترك ~~معنى معين إلا بقرينة خارجة، والقرينة ههنا من السباق يعني ما سبق هذه ~~الآية (9) فهو مؤيد لمعنى الناصر، لأن الكلام في تقوية قلوب المؤمنين ~~وتسليتها وإزالة الخوف عنها من المرتدين، والقرينة من السياق - يعني ما بعد ~~هذه الآية - معينة لمعنى المحب والصديق وهو قوله تعالى PageV01P142 # {يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا} الآية المذكورة، لأن أحدا لم يتخذ اليهود ~~والنصارى والكفار أئمة لنفسه، وهم ما اتخذ بعضهم بعضا إماما، وكلمة «إنما» ~~المفيدة للحصر تقتضي هذا المعنى أيضا لأن الحصر إنما يكون فيما يحتمل ~~اعتقاد الشركة والتردد والنزاع من المظان، ولم يكن بالإجماع وقت نزول هذه ~~الآية تردد ونزاع في الإمامة وولاية التصرف، بل كان في النصرة والمحبة. ~~وثالثا إن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، وهي قاعدة أصولية متفق عليها ~~بين الفريقين، (1) فمفاد الآية حصر الولاية العامة لرجال معدودين داخل فيهم ~~الأمير أيضا لأن صيغ الجمع وكلمة «الذين» من ألفاظ العموم أو مساوية لها ~~باتفاق الإمامية كما ذكره المرتضى في (الذريعة) (2) وابن المطهر الحلي في ~~(النهاية)، فحمل الجمع على الواحد متعذر، وحمل العام على الخاص خلاف الأصل ~~ولا يصح ارتكابه بلا ضرورة. # فإن قالت الشيعة إن الضرورة متحققة ههنا إذ التصدق على السائل في حالة ~~الركوع لم يقع من أحد غيره (3) قلنا أين ذكرت في هذه الآية هذه القصة بحيث ~~يكون مانعا من حمل الموصول وصلاته على العموم؟ بل جملة {وهم راكعون} معطوفة ~~على الجمل السابقة، وصلة للموصول، أي الذين هم راكعون، أو حال من ضمير ~~يقيمون الصلاة. (4) وأيا ما كان معنى الركوع فهو الخشوع لا الركوع ~~الاصطلاحي. فإن قالت الشيعة حمل الركوع على الخشوع حمل لفظ على غير المعنى ~~الشرعي في كلام الشارع وهو خلاف الأصل، قلنا: لا نسلم، كيف والركوع بمعنى ~~الخشوع مستعمل في القرآن أيضا كقوله تعالى {واركعي مع الراكعين} مع أن ~~الركوع الاصطلاحي لم يكن بالإجماع في صلاة من قبلنا من أهل الشرائع، وقوله ~~تعالى {وخر راكعا} وظاهر أن الركوع المصطلح ليس فيه خرور ms132 وسقوط بل هو ~~انحناء مجرد ولا يمكن الخرور مع تلك الحالة بخلاف الخشوع. (5) وقوله تعالى ~~{وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون}، ولا يخفى أن المقصود من الآمر ليس مجرد ~~الانحناء الذي هو ركوع اصطلاحي. ولما كان الخشوع معنى مجازيا متعارفا لهذا ~~اللفظ جاز حمله عليه بلا ضرورة أيضا كما هو PageV01P143 # مقرر في محله. (1) وأيضا نقول حمل {يؤتون الزكاة} علي تصدق بالخاتم على ~~السائل كحمل لفظ الركوع على غير معناه الشرعي، فما هو جوابكم فيه فهو ~~جوابنا في الركوع، بل ذكر الركوع بعد إقامة الصلاة مؤيد لنا ومرجح لتوجيهنا ~~حتى لا يلزم التكرار، وذكر الزكاة بعد إقامة الصلاة مضر لكم إذ في عرف ~~القرآن حيثما وقعت الزكاة مقرونة بالصلاة يكون المراد منها زكاة مفروضة لا ~~التصدق مطلقا. (2) ولو حملنا الركوع على معناه الحقيقي لكان مع ذلك حالا من ~~ضمير «يقيمون» الصلاة أيضا وعاما لجميع المؤمنين لأنه احتراز عن صلاة ~~اليهود الخالية عن الركوع، (3) وفي هذا التوجيه غاية اللصوق بالنهي عن ~~موالاة اليهود الوارد بعد هذه الآية. # وأيضا لو كان حالا من {يؤتون الزكاة} لما بقي صفة مدح، بل يوجب في مفهوم ~~{يقيمون الصلاة} قصورا بينا، إذ المدح والفضيلة في صلاة كونها خالية عما لا ~~يتعلق بها من الحركات، لأن مبناه على السكون والوقار سواء كانت تلك الحركات ~~قليلة أو كثيرة، غاية الأمر أن الكثيرة مفسدة للصلاة دون القليلة ولكن تورث ~~قصورا في معنى إقامة الصلاة البتة، ولا يجوز حمل كلام الله تعالى على ~~التناقض والتخالف، ومع هذا لا دخل لهذا القيد بالإجماع لا طردا ولا عكسا في ~~صحة الإمامة، فيتعلق حكم الإمامة بهذا القيد يلزم منه اللغو في كلام الباري ~~تعالى كما يقال مثلا إنما يليق بالسلطنة من بينكم من له ثوب أحمر. ولو ~~تنزلنا عن هذه كلها لقلنا: إن هذه الآية إن كانت دليلا لحصر الإمامة في ~~الأمير تعارضها الآيات الأخر في ذلك، فيجب الاعتداد بها، كما يجب على ~~الشيعة أيضا اعتبار تلك المعارضات في إثبات الأئمة الأطهار الآخرين، ~~والدليل ms133 إنما يتمسك به غذ سلم عن المعارض، وتلك الآيات المعارضات هي الآيات ~~الناصة على خلافة الخلفاء الثلاثة المحررة فيما سبق. ومن العجائب أن صاحب ~~(إظهار الحق) قد أبلغ سعيه الغاية القصوى في تصحيح هذا الاستدلال بزعمه، ~~وليست كلماته في هذا المقام إلا قشورا بلا لب بالمرة، فمن جملة ما قال: إن ~~الأمر بمحبة الله ورسوله يكون بطريق الوجوب والحتم PageV01P144 # لا محالة، فالأمر بمحبة المؤمنين وولايتهم المتصفين بتلك الصفات المذكورة ~~أيضا بطريق الوجوب، إذ الحكم في كلام واحد موضوعه متحدا ومحموله متحدا أو ~~متعددا ومتعاطفا فيما بينهما، لا يمكن أن يكون بعضه واجبا وبعضه مندوبا، إذ ~~لا يجوز أخذ اللفظ في استعمال واحد بالمعنيين، فبهذا المقتضى تصير مودة ~~المؤمنين وولايتهم المتصفين بتلك الصفات واجبة أيضا، وتكون مودتهم ثالثة ~~لمودة الله ورسوله الواجبة على الإطلاق بدون قيد وجهة، فلو أخذ أن المراد ~~بالمؤمنين المذكورين كافة المسلمين وكل الأمة باعتبار أن من شأنهم الاتصاف ~~بتلك الصفات لا يصح، لأن معرفة كل منهم يكون متعذرا لكل واحد من المكلفين ~~فضلا عن مودتهم، وأيضا قد تكون المعاداة لمؤمن بسبب من الأسباب مباحة بل ~~واجبة. فالمراد به يكون المرتضى، انتهى كلامه. # وهو كما ترى يدل على مقدار فهم مدعيه، إذ مع تسليم مقدماته أين اللزوم ~~بين الدليل والمدعى؟ وأي استلزام له بالمطلوب؟ لأن الحاصل على تقدير تعذر ~~مودة الكل ثبوت مودة البعض مطلقا لا معينا، فكيف يتعين أن يكون الأمير ~~مرادا بذلك البعض؟ لأن هذا التعيين وهو المتنازع فيه لم يثبت بعد بدليل، ~~ولا يثبت بهذه المقدمات المذكورة بالضرورة، وثبوت ذلك لا يستلزم ثبوت ~~المتعين، فاستنتاج المتعين بدليل منتج للمطلق لا يكون إلا جهلا وحماقة ~~ظاهرة. نعم يريدون بهذه الترهات ترويج دعاويهم عند الجهلة السفهاء، ولنناقش ~~تلك المقدمات فنقول: لا يخفى على من له أدنى تأمل أن موالاة جميع المؤمنين ~~من جهة الإيمان عامة بلا قيد ولا جهة، وإنها في الحقيقة موالاة لإيمانهم ~~دون ذواتهم، ولو أنه يباح أو يجب عداوة بعض لبعض بسبب من الأسباب ms134 لم يكن ~~للموالاة الإيمانية مضرة أصلا لاختلاف الجهة. ونحن نحكم الشيعة في هذه ~~المسألة: إن أهل مذهبهم يتحابون فيما بينهم بجهة التشيع، وتلك المحبة عامة ~~بدون # PageV01P145 # قيد وجهة، ومع هذا قد يتباغضون ويعادي بعضهم بعضا للمعاملات الدنيوية، ~~فهل تبقى موالاة التشيع بحالها أو لا؟ ولو فهموا من هذه الآية كون هذا ~~المعنى محذورا ومحالا لأمكن لهم أن يغمضوا أعينهم عن القرآن كله، وما ~~يقولون في هذه الآية {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ~~ورسوله أولئك سيرحمهم الله} وأمثالها؟ ولو كانت الموالاة الإيمانية لجميع ~~المؤمنين العامة للمطيع والعاصي ثالثة لمحبة الله ولرسوله فأية استحالة ~~عقلية تلزمها؟ نعم إنما المحذور كون أنواع الموالاة الثلاثة في مرتبة واحدة ~~في الاصالة، وليس الأمر كذلك، إذ محبة الله تعالى هي أصل، ومحبة رسوله ~~بالتبع والمحبة العامة للمؤمنين بتبع التبع، لم يبق بينها مساواة أصلا، ~~واتحاد القضية في الموضوع والمحمول ههنا ليس متحققا، أما عدم الاتحاد في ~~المحمول فظاهر، وأما في الموضوع فلأن ما يصدق عليه وصفه بالأصالة غير ما ~~يصدق عليه وصفه بالتبعية بناء على أن الولاية من الأمور العامة، كما بين ~~آنفا، بل غرضه منه ترهيب عوام أهل السنة بمحض التكلم باصطلاح أهل الميزان ~~(1) لئلا يقدحوا في كلامه وليتحترزوا عن القدح بظن أنه منطقي، ولهذا قال هو ~~متنبها على قبحه «أو متعددا ومتعاطفا» ولكن لم يفهم من هذا القدر أن هذه ~~المقدمة القائلة بوجوب المولاة في صورة التعدد والعطف تكون ممنوعة، لأن ~~العطف موجب للتشريك في الحكم لا في جهة الحكم. مثاله من العقليات: إنما ~~الموجود في الخارج الواجب والجوهر والعرض. ومن الشرعيات قوله تعالى {قل هذه ~~سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} مع أن الدعوى على الرسول ~~واجبة وعلى غيره مندوبة ولهذا قال الأصوليون: القرآن في النظم لا يوجب ~~القرآن في الحكم، وعدوا هذا النوع من الاستدلال في المسالك المردودة. # وإن تنزلنا عن هذا أيضا فالأظهر أن اتحاد نفس وجوب ms135 المحبة ليس محذورا ~~وإنما المحذور الاتحاد في الرتبة والدرجة في الأصالة والتبعية وهو غير ~~لازم. وأيضا قد جعل محبة المؤمنين من حيث الإيمان موقوفة على معرفة كل ~~PageV01P146 # فرد منهم بخصوصه وليست كل كثرة تمنع أن تلاحظ بعنوان الوحدة ولو كانت غير ~~متناهية فضلا عن غيرها. مثلا إذا قلنا: كل عدد هو نصف مجموع حاشيتيه إما ~~فرد وإما زوج ففي هذا الحكم وقع التوجه إلى جميع مراتب الأعداد إجمالا ولا ~~شبهة أن مراتبها غير متناهية. وفي قولنا: كل حيوان حساس وقع الحكم على جميع ~~أفراد الحيوان مع أن أنواعه بأسرها غير معلومة لنا فضلا عن الأوصاف ~~والأشخاص. فلا شعور لهذا القائل بالملاحظة الإجمالية التي تكون حاصلة ~~للصبيان والعوام ولا يفرق بين العنوان والمعنون. ولو لم يقبل هذه التقريرات ~~ولم يضع إليها لكونها من العلم المعقول فنسأل عن المسلمات الدينية ونقول: ~~إن ترك الموالاة من الكفار بل عداوتهم كلهم أجمعين من حيث الكفر واجبة أم ~~لا؟ فإن اختار الشق الأول يلزمه ذلك المحذور بعينه إذ معرفة كل منهم غير ~~حاصلة فضلا عن عداوتهم وإن آثر الشق الثاني فكيف يثبت عداوة يزيد وابن زياد ~~وأمثالهما؟ وبماذا يجيب عن الآيات القرآنية مع أن فرقة المؤمنين يكون ~~معرفتهم وامتيازهم من جهة الإيمان حاصلة وأنواع الكفر ليست معلومة أصلا حتى ~~يمكن لنا أن نميز أنواع الكفار فضلا عن أشخاصهم؟ وأيضا منقوض بوجوب موالاة ~~العلوية الداخلة في اعتقادهم ومعرفة أشخاصهم وأعدادهم مع انتشارهم في مشارق ~~الأرض ومغاربها التي ليس تعذرها أقل من تعذر موالاة المؤمنين عموما. # ومن جملة ما قال إنه يظهر من بعض أحاديث أهل السنة أن بعض الصحابة ~~التمسوا من الرسول - صلى الله عليه وسلم - الاستخلاف كما ذكر في مشكاة ~~المصابيح عن حذيفة قال: «قالوا يا رسول الله لو استخلفت؟ قال: لو استخلفت ~~عليكم فعصيتموه عذبتم ولكن ما حدثكم حذيفة فصدقوه وما أقرأ كم عبد الله ~~فاقرأوه» (1) رواه الترمذي. وهكذا استفسروا منه - عليه السلام - عن الحري ~~بالإمامة عن علي قال: «قيل يا رسول الله من ms136 يؤمر بعدك؟ قال: إن تؤمروا أبا ~~بكر تجدوه أمينا في الدنيا راغبا في الآخرة وإن تؤمروا عمر تجدوه قويا ~~أمينا لا يخاف في الله لومة لائم وإن تؤمروا عليا ولا أراكم فاعلين تجدوه ~~هاديا مهديا يأخذ بكم الصراط المستقيم» (2) رواه أحمد، وهذا الالتماس ~~والاستفسار يقتضي كل منهما وقوع التردد في حضرته - صلى الله عليه وسلم - ~~عند نزول الآية فلم يبطل مدلول «إنما» انتهى كلامه. # ولا يخفى على PageV01P147 # العاقل ما فيه من الضعف والخروج عن الجادة إذ محض السؤال والاستفسار لا ~~يقتضي وقوع التردد. نعم لو وقع النزاع فيما بينهم بعد المشاورة في تعيين ~~ولي الأمر وبيانه - صلى الله عليه وسلم - لهم لتحقق مدلول «إنما» بأن ما ~~وفرق ما بينهما. وعلى تقدير تسليم التردد من أين لنا العلم بكونه قبل نزول ~~الآية أو بعده، ولو كان قبل النزول فهل هو متصل أو منفصل؟ ولو كان متصلا ~~فهل اتصاله اتفاقي أو سببي للنزول؟ وليس للاحتمالات دخل في أسباب النزول ~~لأنه ليس بأمر عقلي فلا يمكن إثباته إلا بخبر صحيح. على أنه لم يذكر أحد من ~~مفسري الفريقين كون التردد سببا للنزول فقد علم أنه لم يكن متصلا وهكذا ~~الحال لو كان بعد نزول الآية. والظاهر أن الحديث الوارد ينافي كلمة «إنما» ~~لأن جوابه - صلى الله عليه وسلم - حين الاستفسار عمن يليق للخلافة فكأنه ~~قال إن استحقاق الخلافة ثابت لكل من هؤلاء الثلاثة البررة الكرام ولكن أشار ~~- صلى الله عليه وسلم - إلى تقديم الشيخين بتقديمهما في الذكر فالسؤال ~~والجواب منه - صلى الله عليه وسلم - ينافيان كون «إنما» في الآية مفيدة حصر ~~الخلافة في المرتضى كرم الله تعالى وجهه. وإلا فإن كانت الآية متقدمة يلزم ~~الرسول للقرآن وإن كانت مؤخرة كون القرآن مكذوبا للرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - ولا يمكن أن يدعى ههنا أن أحدهما ناسخ للآخر لأن كلا من الحديث ~~والآية من باب الإخبار الذي لا يحتمل النسخ. وأيضا لا يعلم المتقدم منهما ~~والعلم بتأخر الناسخ شرط في النسخ. فحينئذ إذا لم يمكن ms137 الجمع بينهما لا ~~يعمل بهما معا. فإن قالوا إن الحديث من أخبار الآحاد فلا يصح التمسك به في ~~مسألة الإمامة نقول وكذلك لا يجوز التمسك به في إثبات التردد والنزاع أيضا ~~ومع هذا فإن التمسك بالآية موقوف على ثبوت التردد والنزاع فتمسك الشيعة ~~بهذه الآية كان باطلا أيضا لأن التمسك بالآية التي تتوقف دلالتها على خبر ~~الواحد لا يجوز في مسألة الإمامة أيضا. وأيضا قال - صلى الله عليه وسلم - ~~في الحديث الأول إن الاستخلاف ترك الأصلح في حق الأمة فلو كانت آية {إنما ~~وليكم الله} دالة على الاستخلاف الذي هو ترك الأصلح لزم صدور ترك الأصلح من ~~الله تعالى وهو محال. فالحديث الأول أيضا لتمسكهم بهذه الآية في هذا الباب. # PageV01P148 # ومنها (1) قوله تعالى {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~ويطهركم تطهيرا} قالت الشيعة في تقرير الاستدلال بهذه الآية: إن المفسرين ~~أجمعوا على نزول هذه الآية في حق علي وفاطمة والحسن والحسين - رضي الله ~~تعالى عنهم - وهي تدل عل عصمتهم دلالة مؤكدة، وغير المعصوم لا يكون إماما. ~~(2) # ولا يخفى أن المقدمات المذكورة ههنا مخدوشة كلها: # أما الأولى: - فكون (إجماع المفسرين) على ذلك ممنوعا روى ابن أبي حاتم عن ~~ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أنها نزلت في نساء النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. وروى ابن جرير عن عكرمة أنه كان ينادي في السوق: إن قوله ~~تعالى {إنما يريد الله ليذهب} الآية نزلت في نساء النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. (3) والظاهر من ملاحظة سياق الآية وسباقها إنما هو هذا لأن أولها ~~{يا نساء النبي لستن كأحد من النساء} إلى قوله {والحكمة} (4) خطاب للأزواج ~~المطهرات وأمر ونهي لهن، فذكر حال الآخرين بجملة معترضة بلا قرينة ولا ~~رعاية نكتة ومن غير تنبيه على انقطاع كلام سابق وافتتاح كلام جديد مخالف ~~لوظيفة البلاغة التي هي أقصى الغاية في كلام الله تعالى فينبغي أن يعتقد ~~تنزهه عن تلك المخالفة. وإضافة البيوت إلى الأزواج في قوله {بيوتكن} تدل ~~على أن المراد من {أهل البيت} في ms138 هذه الآية إنما هو الأزواج المطهرات، إذ ~~بيته - صلى الله عليه وسلم - لا يمكن أن يكون غير ما يسكن فيه أزواجه من ~~البيوت. وقال عبد الله المشهدي الشيعي: إن كون البيوت جمعا في بيوتكن ~~وإفراد أهل البيت يدل على أن بيوتهن غير بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ولو كن أهل البيت لوقع الكلام: اذكرن ما يتلى في بيتكن. انتهى كلامه. ولا ~~يخفى ركاكة هذا الكلام وفساده لأن إفراد البيت في أهل البيت الذي هو اسم ~~جنس ويجوز إطلاقه على كثير وقليل إنما هو باعتبار إضافته للنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فإن بيوت الأزواج المطهرات كلهن باعتبار PageV01P149 # هذه الإضافة بيت واحد وكون البيوت جمعا في {بيوتكن} باعتبار إضافتها إلى ~~الأزواج المطهرات اللائي كن متعددات. وما قال هذا القائل بعد ذلك لا يبعد ~~أن يقع بين المعطوف والمعطوف عليه فاصل وإن طال كما وقع قوله تعالى {قال ~~أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل} ثم قال بعد تمام ~~هذه الآية {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} قال المفسرون {وأقيموا الصلاة} ~~عطف على {أطيعوا} انتهى كلامه. فهو أرك وأسخف من كلامه السابق فإن وقوع ~~الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بأجنبي من حيث الإعراب الذي يتعلق بوظيفة ~~النحاة يجوز بلا شبهة ولكن لا يضرنا لأن المغايرة ووقوع الأجنبي باعتبار ~~موارد الآيات اللاحقة والسابقة تلزم فيما نحن فيه وهذا هو المنافي للبلاغة ~~لا ذلك وما نقل عن بعض المفسرين من أن أقيموا الصلاة معطوف على أطيعوا ~~الرسول فهو صريح الفساد إذ وقع لفظ وأطيعوا الرسول بعد أقيموا الصلاة أيضا ~~بالعطف فلزم عطف الشيء على نفسه، إذ لا احتمال للتأكيد أصلا لوجود حرف ~~العطف. # ثم قال كلاما أشد ركاكة من الأول وذلك قوله «إن بين الآيات مغايرة ~~إنشائية وخبرية، لأن آية التطهير جملة ندائية وخبرية وما قبلها وما بعدها ~~من الأمر والنهي جمل إنشائية وعطف الإنشائية على الخبرية لا يجئ فإنه ~~ممنوع» ألا ترى أن آية التطهير ليست جملة ندائية بل النداء وقع بينهما ms139 وهو ~~قوله سبحانه {أهل البيت} وعلى تقدير كونها ندائية كيف تكون خبرية لأن ~~النداء من أقسام الإنشاء دون الخبر كما لا يخفى، ومع هذا أين حرف العطف في ~~آية التطهير؟ كيف وهي تعليل للأمر بالإطاعة في قوله تعالى {وأطعن الله ~~ورسوله} ووقوع تعليل الإنشائية بالخبرية في كل القرآن والأحاديث الشريفة ~~وكلام البلغاء مشهور، مثل: اضرب زيدا إنه فاسق، أطعني يا غلام إنما أريد ~~أكرمك. وإن أراد عطف {واذكرن} فما عطف عليه وهو {أطعن} و {قرن}. والأوامر ~~الأخر السابقة كلها جمل إنشائية فلا يلزم عطف الخبر على الإنشائية. ومن هنا ~~قلة ممارسة علمائهم لعلم العربية. وأما إيراد ضمير جمع المذكر في {عنكم} ~~فبملاحظة لفظ الأهل، فإن العرب تستعمل صيغ التذكير في المؤنث التي ~~يلاحظونها بلفظ التذكير إذا أرادوا التعبير عنها بتلك # PageV01P150 # الملاحظة وهذه قاعدة لهم في محاوراتهم وقد جاء هذا الاستعمال في التنزيل ~~أيضا كقوله تعالى خطابا لسارة امرأة الخليل على نبينا وعليه الصلاة ~~والسلام: {أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد ~~مجيد} وقوله {قال لأهله امكثوا} حكاية لخطاب موسى - صلى الله عليه وسلم - ~~لامرأته. وما روي في سنن الترمذي والصحاح الأخر أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - دعا هؤلاء الأربعة وأدخلهم في عباءة ودعا لهم بقوله «اللهم هؤلاء ~~أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا» وقالت أم سلمة: أشركني فيهم ~~أيضا، قال «أنت على خير وأنت على مكانك». (1) فهو دليل صريح على أن نزولها ~~كان في حق الأزواج فقط وقد أدخل النبي - صلى الله عليه وسلم - هؤلاء ~~الأربعة - رضي الله تعالى عنهم - بدعائه المبارك في تلك الكرامة ولو كان ~~نزولها في حقهم لما كانت الحاجة إلى الدعاء، ولم كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يفعل تحصيل الحاصل؟ ومن ثمة يجعل أم سلمة شريكة في هذا الدعاء ~~وعلم في حقها هذا الدعاء تحصيل الحاصل؟ ولكن ذهب محققو أهل السنة إلى أن ~~هذه الآية وإن كانت واقعة في حق الأزواج المطهرات فإنه بحكم «العبرة لعموم ~~اللفظ ms140 لا لخصوص السبب» (2) # داخل في بشارتها هذه جميع أهل البيت وكان دعاؤه - صلى الله عليه وسلم - ~~في حق هؤلاء الأربعة نظرا إلى خصوص السبب، (3) ويؤيده ما ورد في الرواية ~~الصحيحة للإمام البيهقي من مثل هذه المعاملة بالعباس وأبنائه أيضا، ويفهم ~~منه أنما كان غرضه - صلى الله عليه وسلم - بذلك أن يدخل جميع أقاربه في ~~لفظة «أهل البيت» الواردة في خطاب الله تعالى: أخرج البيهقي عن أبي أسيد ~~الساعدي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للعباس بن عبد المطلب ~~«يا أبا الفضل لا ترم منزلك أنت وبنوك غدا حتى آتيك فإن لي بكم حاجة» ~~فانتظروه حتى جاء بعد ما أضحى فدخل عليهم فقال: السلام عليكم فقالوا: وعليك ~~السلام ورحمة الله وبركاته. قال: كيف أصبحتم؟ قالوا: بخير نحمد الله. فقال ~~لهم: تقاربوا. فزحف بعضهم إلى بعض حتى إذا أمكنوا اشتمل عليهم بملاءة ثم ~~قال «يا رب هذا عمي وصنو أبي وهؤلاء أهل بيتي استرهم من النار كستري إياهم ~~بملاءتي هذه» قال فأمنت أسكفة الباب وحوائط البيت وقالت: آمين آمين آمين. ~~(4) وروى ابن ماجه أيضا هذا الحديث مختصرا. (5) والمحدثون الآخرون أيضا ~~PageV01P151 # رووا هذه القصة بطرق متعددة في اعلام النبوة. وما قال عبد الله المشهدي ~~المذكور «إن البيت بيت النبوة، ولا شك في أن أهل البيت لغة شامل الأزواج بل ~~للخدام من الإماء اللاتي يسكن في البيت أيضا، وليس المراد هذا المعنى ~~اللغوي الوسعة بالاتفاق، فالمراد من أهل البيت خمسة آل العبا الذين خصصهم ~~حديث الكساء» انتهى كلامه. وفيه أن المعنى اللغوي لو كان مرادا بهذه الوسعة ~~لا يلزم محذورا إلا ذلك العموم في العصمة الثابتة عند الشيعة بهذه الآية، ~~ولما لم يتفق أهل السنة مع الشيعة في فهم العصمة من هذه الآية لم يتفقوا ~~معهم في نفي هذا العموم، ولتخصيص أهل السنة العصمة بالرسول أبدلت الخمسة ~~بالأربعة فتدبر. وأيضا عدم كون المعنى اللغوي مرادا بهذه الوسعة من أجل أن ~~القرائن الدالة من الآيات السابقة واللاحقة معينة للمراد، وأيضا يخصص العقل ~~هذا ms141 اللفظ باعتبار العرف والعادة بمن يسكنون في البيت لا بقصد الانتقال، ~~ولم يكن التحول والتبدل والتحول بانتقالهم من ملك إلى ملك في الهبة والبيع ~~والإجازة والإعتاق، وإنما يدل التخصيص فائدة أخرى ظاهرة وهي ههنا دفع مظنة ~~عدم كون هؤلاء الأشخاص في أهل البيت نظرا إلى أن المخاطبات فيها هن الأزواج ~~فقط. # وأما الثانية فلأن دلالة هذه الآية على العصمة مبنية على عدة أبحاث: ~~أحدها كون كلمة {ليذهب عنكم الرجس} أي محل لها من الأعراب: مفعول له ليريد ~~أو مفعول به؟ (1) الثاني معنى «أهل البيت» ما هو؟ (2) الثالث أي مراد من ~~«الرجس» (3). وفي هذه المباحث كلام كثير محله في كتب التفاسير. # وبعد اللتيا (4) والتي إن كان ليذهب مفعول به وأهل البيت منحصرين في ~~هؤلاء الأربعة والمراد من الرجس مطلق الذنوب فدلالة الآية على العصمة غير ~~مسلمة بل هي تدل على عدمها إذ لا يقال في حق من هو طاهر إني أريد أن أطهره ~~ضرورة امتناع تحصيل الحاصل. وغاية ما في الباب أنهم محفوظون من الذنوب بعد ~~تعليق الإرادة بإذهابها، قد ثبت ذلك بالآية على أصول أهل السنة لا على أصول ~~مذهب الشيعة، لأن وقوع مراد الله لزم إرادته تعالى عندهم: فرب أشياء يريد ~~الله PageV01P152 # وقوعها ويمنعه الشيطان من أن يوقع ذلك! ولو كانت إفادة معنى العصمة ~~مقصودة لقيل هكذا: إن الله أذهب عنكم الرجس أهل البيت، الآية. وأيضا لو ~~كانت هذه الكلمة مفيدة للعصمة ينبغي أن يكون الصحابة لا سيما الحاضرين في ~~غزوة بدر قاطبة معصومين لأن الله تعالى قال في حقهم في مواضع من التنزيل ~~{ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون} وقال {ليطهركم به ~~وليذهب عنكم رجس الشيطان} وظاهر أن إتمام النعمة في الصحابة كرامة زائدة ~~بالنسبة إلى ذينك اللفظين، ووقوع هذا الاتمام أدل على عصمتهم، لأن إتمام ~~النعمة لا يتصور بدون الحفظ عن المعاصي وشر الشيطان. فليتأمل فيه تأملا ~~صادقا لتظهر فيه حقيقة الملازمة وبيان وجهها وبطلان اللازم مع فرض صدق ~~المقدم، فالتخصيصات المحتملة في لفظ التطهير ms142 وإذهاب الرجس صارت هباء ~~منثورا. # أما الثانية فلأن «غير المعصوم لا يكون إماما» مقدمة باطلة يكذبها الكتاب ~~وأقوال العترة. سلمنا، ولكن ثبت من هذا الدليل صحة إمامة الأمير، أما كونه ~~إماما بلا فصل (1) فمن أين؟ إذ يجوز أن أحدا من السبطين يكون إماما قبله ~~ولا محذور فيه، والتمسك بالقاعدة التي لم يقل بها أحد دليل العجز، إذ ~~المعترض لا مذهب له. # ومنها (2) قوله تعالى {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} ~~فإنها لما نزلت قالوا: يا رسول الله من قرابتك الذين وجب علينا مؤدتهم؟ ~~قال: علي وفاطمة وأبناؤها. (3) فذكر الشيعة في تقديرها مقدمات فاسدة مؤيدة ~~لمطلبهم وهي «أهل البيت واجبة المحبة، وكل من كان كذلك فهو واجب الإطاعة، ~~فعلي واجب الإطاعة وهو معنى الإمام. وغير علي لا تجب فلا تجب إطاعته». (4) # وأجيب عن هذا القياس الفاسد بأن المفسرين اختلفوا في المراد من هذه الآية ~~اختلافا فاحشا، فالطبراني والإمام أحمد رويا عن ابن عباس هكذا، ولكن ردهما ~~المحدثون بأن سورة الشورى بتمامها مكية، (5) ولم يكن هنالك الإمامان الحسن ~~والحسين، وما كانت فاطمة - رضي الله تعالى عنها - متزوجة بعلي - رضي الله ~~تعالى عنه -. وقد وقع في سند هذه الرواية بعض الغلاة من الشيعة ولعله حرف ~~ذلك. والذي رواه البخاري عن ابن عباس أن PageV01P153 # القربى من بينه وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - قرابة، وجزم قتادة (1) ~~والسدي الكبير وسعيد بن جبير بأن معنى الآية: لا أسألكم على الدعوة ~~والتبليغ من أجر إلا المودة لأجل قرابتي بكم. (2) وهذه الرواية أيضا في ~~صحيح البخاري عن ابن عباس، (3) ومذكورة بالتفصيل أن قريشا لم يكن بطن من ~~بطونهم إلا وقد كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - قرابة بهم، فيذكرهم تلك ~~القرابة وأداء حقوقها بطلبه منهم لا أقل من ترك إيذائه وهو أدنى مراتب صلة ~~الرحم، فالاستثناء منقطع. وقد ارتضى جمع من المفسرين المتأخرين كالإمام ~~الرازي وغيره بهذا المعنى. (4) لأن المعنى الأول ليس مناسبا لشأن النبوة بل ~~هو من شيمة طالب الدنيا بأن يفعل شيئا ويسأل ms143 على ذلك ثمرة لأولاده وأقاربه، ~~ولو كان للأنبياء مثل هذه الأغراض لم يبق فرق بينهم وبين أهل الدنيا ويكون ~~ذلك موجبا لتهمتهم فيلزم نقص الغرض من بعثتهم. # وأيضا المعنى الأول مناف لقوله تعالى {قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن ~~أجري إلا على الله} وقوله تعالى {أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون} وقوله ~~تعالى {وما تسألهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين} وغير ذلك من ~~الآيات. (5) وأيضا حكى الله في سورة الشعراء عن أنبيائه المذكورين فيها نفي ~~سؤال الأجر، فلو سأل خاتم الأنبياء أجرا من الأمة تكون مرتبته دون مرتبة ~~أولئك الأنبياء، (6) وهو خلاف الإجماع. # وثانيا لا نسلم الكبرى وهي «كل واجب المحبة فهو واجب الإطاعة» وكذا لا ~~نسلم هذه المقدمة «كل واجب الإطاعة صاحب الإمامة التي هي بمعنى الرئاسة ~~العامة». فأما الأول فلأنه لو كان وجوب المحبة مستلزما لوجوب الإطاعة يلزم ~~أن يكون جميع العلويين واجبي الإطاعة، لأن شيخهم ابن بابويه ذكر في كتاب ~~(الاعتقادات) أن الإمامية «أجمعوا» على وجوب محبة العلوية. وأيضا يلزم أن ~~تكون سيدتنا فاطمة - رضي الله عنها - إمامة بهذا الدليل، وهو خلاف الإجماع. ~~وأيضا يلزم كون من هؤلاء الأربعة إماما في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، والسبطين إمامين في زمن خلافة الأمير، وهو باطل بالاتفاق. وأما الثاني ~~فلأن كل واجب الإطاعة لو كان صاحب الخلافة الكبرى يلزم أن يكون كل نبي في ~~زمنه صاحب الخلافة الكبرى، وهذا أيضا باطل، لأن شموئيل - عليه السلام - كان ~~نبيا واجب الإطاعة وكان طالوت صاحب الزعامة الكبرى بنص الكتاب. # وثالثا لا نسلم انحصار وجوب المحبة في الأشخاص PageV01P154 # الأربعة المذكورين، بل يجب في غيرهم أيضا. روى الحافظ أبو طاهر السلفي ~~(1) في مشيخته عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «حب أبي ~~بكر وشكره على كل أمتي». وروى ابن عساكر عنه نحوه. (2) ومن طريق آخر عن سهل ~~بن سعد الساعدي نحوه. (3) وأخرج الحافظ عن عمر بن محمد بن خضر الملا في ~~سيرته عن النبي ms144 - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله تعالى فرض عليكم حب ~~أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، كما فرض عليكم الصلاة والزكاة والصوم والحج» (4) ~~وروى ابن عدي عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «حب أبي بكر ~~وعمر من الإيمان وبغضهما كفر» (5) وروى الترمذي أنه أتي بجنازة رجل إلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يصل عليه وقال «إنه كان يبغض عثمان، ~~فأبغضه الله». (6) وهذه الروايات لم يسلمها الشيعة لكونها في كتب أهل السنة ~~فيثبت وجوب محبة الخلفاء الثلاثة بقوله تعالى {يحبهم ويحبونه} فإنه نزل في ~~حق المقاتلين لأهل الردة بالإجماع، والخلفاء الثلاثة كانوا سادة أولئك ~~المجاهدين وقادتهم، ومن كان الله يحبه فهو واجب المحبة. على أن قياسهم بعد ~~تسليم صحة مقدماته لا يستلزم النتيجة المذكورة جزما، لأن صغراه «أهل البيت ~~واجبو المحبة» وكبراه «وكل واجب المحبة واجب الإطاعة» وبعد ترتيبها على ~~الشكل الأول حصلت النتيجة هذه «أهل البيت واجبو الإطاعة» لا تلك النتيجة. ~~وهذه النتيجة عامة، وثبوت العام لا يستلزم ثبوت الخاص بخصوصه، والنتيجة ~~العامة المذكورة ليست مطلوبة للمستدل ولا مدعاة بل محتملة له، والمطلوبة ~~غير حاصلة من الدليل فالتقريب غير تام. ولو فرضنا الاستلزام لا يحصل مدعاه ~~أيضا لأن كون الأمير إماما بلا فصل غير حاصل من الدليل، والحاصل كونه إماما ~~مطلقا وهو غير مدعاه فلا يتم تقريبه أيضا. # ومنها آية المباهلة، وطريق تمسكهم بها أن قوله تعالى {فقل تعالوا ندع ~~أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم} الخ، لما نزل خرج النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - من منزله محتضنا الحسين آخذا بيد الحسن وفاطمة تمشى ~~خلفه وعلي خلفها وهو يقول: إذا أنا دعوت فأمنوا. (7) فقد علم بذلك أن ~~المراد بأبنائنا الحسن والحسين وبأنفسنا الأمير، وإذا صار الأمير نفس ~~الرسول. وظاهر أن المعنى الحقيقي مستحيل، فالمراد كونه مساويا له، فمن كان ~~مساويا لنبي الزمان فهو أفضل وأولى بالتصرف بالضرورة من غيره، لأن المساوي ~~للأفضل PageV01P155 # الأولى بالتصرف يكون مثله، فيكون إماما، إذ لا معنى للإمام إلا الأفضل ms145 ~~الأولى بالتصرف. (1) # وفي هذا التمسك خلل بوجوه: الأول - أنا لا نسلم أن المراد بأنفسنا ~~الأمير، بل المراد نفسه - صلى الله عليه وسلم -، وما قاله علماؤهم في ~~إبطاله «إن الشخص لا يدعو نفسه» فكلام مستهجن، إذ شاع وذاع في العرف القديم ~~والجديد أن يقال دعته نفسه إلى كذا، ودعوت نفسي إلى كذا، {فطوعت له نفسه ~~قتل أخيه}، وأمرت نفسي، وشاورت نفسي، إلى غير ذلك من الاستعمالات الصحيحة ~~الواقعة في كلام البلغاء، فكان معنى {ندع أنفسنا} نحضر أنفسنا. وأيضا لو ~~قررنا الأمير من قبل النبي لمصداق {أنفسنا} فمن نقرره من قبل الكفار لمصداق ~~{أنفسكم} في أنفس الكفار مع أنهم مشتركون في صيغة «ندعو» ولا معنى لدعوة ~~النبي إياهم وأبناءهم بعد قوله {تعالوا}. فعلم أن الأمير داخل في الأبناء ~~حكما، كما أن الحسنين داخلان في الأبناء كذلك لأنهما ليسا بابنين حقيقة، ~~ولأن العرف يعد الختن [ابنا] (2) من غير ريبة في ذلك. (3) # وأيضا قد جاء لفظ النفس بمعنى القريب والشريك في النسب والدين، كقوله ~~تعالى {يخرجون أنفسهم من ديارهم} أي أهل دينهم، {ولا تلمزوا أنفسكم}، {لولا ~~إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا} فلما كان للأمير اتصال ~~بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وسلم في النسب والقرابة والمصاهرة واتحاد في ~~الدين والملة وكثرة المعاشرة والألفة بحيث قال في حقه «علي مني وأنا من ~~علي» وهذا غير بعيد، فلا يلزم المساواة كما لا يلزم في الآيات المذكورة. # الثاني - أنه لو كان المراد مساواته في جميع الصفات يلزم اشتراكه في ~~خصائص النبوة وغيرها من الأحكام الخاصة به، وهو باطل بالإجماع لأن التابع ~~دون المتبوع. وأيضا لو كانت الآية دليلا لإمامته لزم كون الأمير إماما في ~~زمنه - صلى الله عليه وسلم - وهو باطل بالاتفاق، وإن قيدوا بوقت دون وقت ~~فالتقييد لا دليل عليه في اللفظ فلا يكون مفيدا للمدعى، إذ هو غير متنازع ~~فيه، لأن أهل السنة يثبتون أيضا إمامة الأمير في وقت دون وقت فلم يكن هذا ~~الدليل قائما في محل النزاع أيضا. PageV01P156 # ومنها قوله تعالى {إنما ms146 أنت منذر ولكل قوم هاد} قالت الشيعة في تقرير ~~الاستدلال بها: ورد في الخبر المتفق عليه عن ابن عباس عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال «أنا المنذر وعلي الهادى» (1) ولا يخفى ضعفه لأن هذه ~~رواية الثعلبي، ولا اعتبار لمراوياته في التفسير (2) فكيف يستدل بها على ~~الإمامة؟ وعلى تقدير الصحة فلا دلالة لهذه الآية على إمامة الأمير ونفيها ~~عن غيره أصلا، لأن كون رجل «هاديا» لا يستلزم أن يكون «إماما» ولا نفي ~~الهداية عن الغير، وإن دل بمجرد الهداية على الإمامة تكون الإمامة المصطلحة ~~لأهل السنة وهي بمعنى القدوة في الدين مرادة، وهو غير محل النزاع، قال الله ~~تعالى {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا} (3) وقال {ولتكن منكم أمة ~~يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} إلى غير ذلك. # ومنها قوله تعالى {وقفوهم إنهم مسئولون} قالت الشيعة (4) في الاستدلال ~~بها: روى عن أبي سعيد الخدري مرفوعا أنه قال: وقفوهم إنهم مسئولون عن ولاية ~~علي بن أبي طالب. (5) ولا يخفى أن نحو هذا التمسك في الحقيقة بالروايات لا ~~بالآيات، وهذه الرواية واقعة في فردوس الديلمي (6) الجامع للأحاديث الضعيفة ~~الواهية، ومع هذا قد وقع سندها الضعفاء والمجاهيل الكثيرون بحيث سقطت عن ~~قابلية الاحتجاج بها، لا سيما في هذه المطالب الأصولية. ومع هذا فإن نظم ~~الكتاب مكذب لها، لإن هذا الحكم في حق المشتركين بدليل {وما كانوا يعبدون ~~من دون الله} والكفار والمشركون يكون السؤال لهم أولا عن الشرك وعبادة غير ~~الله تعالى لا عن ولاية علي! وأيضا نظم الكتاب يدل على أن السؤال يكون لهم ~~بمضمون PageV01P157 # هذه الجملة الاستفهامية {ما لكم لا تناصرون} توبيخا وزجرا لا عن شيء آخر. ~~ولهذا أجمع القراء على ترك الوقف على {مسئولون}. ولئن سلمنا صحة الرواية ~~وفك النظم القرآني يكون المراد بالولاية المحبة، وهي لا تدل على الزعامة ~~الكبرى التي هي محل النزاع. ولو كانت الزعامة الكبرى مرادة أيضا لم تكن هذه ~~الرواية مفيدة للمدعى، لأن مفاد الآية وجوب اعتقاد إمامة الأمير في وقت من ms147 ~~الأوقات وهو عين مذهب أهل السنة، وقد أورد الواحدي في تفسيره هذه الرواية ~~وفيها المتن هكذا عن ولاية علي وأهل البيت، وظاهر أن جميع أهل البيت لم ~~يكونوا أئمة عند الشيعة،، فتعين حمل الولاية على المحبة إذ الولاية لفظ ~~مشترك ويتعين أحد المعنيين أو المعاني للمشترك بالقرائن الخارجية، وبالجملة ~~إن السؤال عن محبة الأمير وإمامته قائل به أهل السنة ولا نزاع فيه بين ~~الفريقين، وإنما النزاع في أن الأمير كان إماما بلا فصل ولم يكن أحد من ~~الصحابة مستحقا للإمامة، ولا مساس لهذه الآية بهذا المطلب، فالتقريب غير ~~تام. # ومنها {السابقون السابقون أولئك المقربون} قالت الشيعة: روى عن ابن عباس ~~مرفوعا أنه قال: السابقون ثلاثة، فالسابق إلى موسى يوشع بن نون، والسابق ~~إلى عيسى صاحب ياسين، والسابق إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي ~~طالب - رضي الله تعالى عنه -. (1) ولا يخفى أن هذا أيضا تمسك بالرواية، ~~ومدار إسناد هذه الرواية على أبي الحسن الأشقر وهو ضعيف بالإجماع، قال ~~العقيلي: وهو شيعي متروك الحديث، (2) ولا يبعد أن يكون هذا الحديث موضوعا ~~إذ فيه من إمارات الوضع أن صاحب ياسين لم يكن أول من آمن بعيسى بل برسله ~~كما يدل عليه نص الكتاب، وكل حديث يناقض مدلول الكتاب في الأخبار والقصص ~~فهو موضوع كما هو المقرر عند المحدثين. (3) وأيضا انحصار السباق في ثلاثة ~~رجال غير معقول فإن لكل نبي سابقا بالإيمان به لا محالة. وبعد اللتيا والتى ~~أية ضرورة أن يكون كل سابق صاحب الزعامة الكبرى وكل مقرب إماما؟ وأيضا لو ~~كانت هذه الرواية صحيحة لكانت مناقضة للأية صراحة، لأن الله تعالى قال في ~~حق السابقين {ثلة من الأولين وقليل من الآخرين} والثلة هو الجمع الكثير (4) ~~ولا يمكن أن يطلق على الاثنين جمع PageV01P158 # ولا على الواحد قليل أيضا، فعلم أن المراد بالسبق من الآية عرفى أو إضافى ~~شامل للجماعة الكثيرة لا حقيقي بدليل أن الآية الأخرى {السابقون الأولون من ~~المهاجرين والأنصار} والقرآن يفسر بعضه بعضا. وأيضا ثبت بإجماع أهل السنة ms148 ~~والشيعة أن أول من آمن حقيقة خديجة - رضي الله تعالى عنه -، (1) فلو كان ~~مجرد السبق بالإيمان موجبا لصحة الإمامة لزم أن تكون سيدتنا المذكورة حرية ~~بالإمامة، وهو باطل بالإجماع. # وإن قيل إن المانع كان متحققا في خديجة وهو الأنوثة قلنا كذلك في الأمير ~~فقد كان المانع متحققا قبل وصول وقت إمامته، ولما ارتفع المانع صار إماما ~~بالفعل، وذلك المانع هو إما وجود الخلفاء الثلاثة الذين كانوا أصلح في حق ~~الرياسة بالنسبة إلى جنابه عند جمهور أهل السنة، أو إبقاؤه بعد الخلفاء ~~الثلاثة وموتهم قبله عند التفضيلية فإنهم قالوا: لو كان إماما عند وفاة ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينل أحد من الخلفاء الإمامة وماتوا في ~~عهده وقد سبق في علم الله تعالى أن الخلفاء أربعة فلزم الترتيب على الموت. ~~وبالجملة تمسكات الشيعة بالآيات من هذا القبيل. ### | (الأدلة الحديثية) # وأما الأحاديث التي تمسك بها الشيعة على هذا المدعى فهي اثنا عشر حديثا: # الأول: حديث غدير خم المذكور عندهم بشأن عظيم ويحسبونه نصا قطعيا في هذا ~~المدعى، حاصله أن بريدة بن الحصيب الأسلمي روى أنه - صلى الله عليه وسلم - ~~لما نزل بغديرخم حين المراجعة عن حجة الوداع - وهو موضوع بين مكة والمدينة ~~- أخذ بيد علي وخاطب جماعة المسلمين الحاضرين فقال: يا معشر المسلمين ألست ~~أولى من انفسكم؟ قالوا بلى. قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من ~~والاه وعاد من عاداه. (2) قالت الشيعة في تقرير الاستدلال بهذا الحديث: إن ~~المولى بمعنى الأولى بالتصرف، وكونه أولى بالتصرف عين الإمامة. (3) # ولا يخفى أن أول الغلط في الاستدلال هو إنكار أهل العربية قاطبة ثبوت ~~ورود المولى بمعنى الأولى. بل قالوا لم يجئ قط المفعل بمعنى أفعل في موضع ~~ومادة أصلا فضلا عن هذه المادة بالخصوص، إلا أن أبا زيد اللغوي جوز هذا ~~متمسكا فيه بقول أبي عبيدة (4) في تفسير {هي مولاكم} أولى بكم. (5) لكن ~~جمهور أهل العربية خطاؤه في هذا التجويز PageV01P159 # والتمسك قائلين بأن هذا القول لو صح لزم أن يقال مكان فلان ms149 أولى منك مولى ~~منك، وهو باطل منكر بالإجماع. وأيضا قالوا: إن تفسير أبي عبيدة بيان الحاصل ~~لمعنى يعني النار مقركم ومصيركم والموضع اللائق بكم، لا أن اللفظ المولى ~~ثمة بمعنى الأولى. (1) الثاني أن المولى لو كان بمعنى الأولى أيضا لا يلزم ~~أن تكون صلته بالتصرف، كيف تقرر الصلة ومن أية لغة؟ إذ يحتمل أن يكون ~~المراد: أولى بالتصرف، كما في قوله تعالى {إن أولى الناس بإبراهيم للذين ~~اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا} وظاهر أن أتباع إبراهيم لم يكونوا أولى ~~بالتصرف في جنابه المعظم. الثالث أن القرينة البعدية تدل صراحة على أن ~~المراد من الولاية المفهومة من لفظ «المولى» أو «الأولى» المحبة، وهي قوله ~~«اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه»، ولو كان المراد من المولى المتصرف في ~~الأمور أو الأولى بالتصرف فقال: اللهم وال من كان في تصرفه وعاد من لم يكن ~~كذلك، وذكر المحبة والعداوة دليل صريح على أن المقصود إيجاب محبته والتحذير ~~عن عداوته، لا التصرف وعدمه. وظاهر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علم ~~الناس ولقنهم أدنى الواجبات بل السنن والآداب بحيث يفهم المعاني المقصودة ~~من ألفاظها الواردة في قوله الشريف كل من كان حاضرا أو غائبا بعد معرفته ~~بلغة العرب من غير تكلف، وهذا في الحقيقة هو كمال البلاغة، وهو المقتضى ~~لمنصب الإرشاد والهداية أيضا. ولو اكتفى في مثل هذه المقدمة العمدة بنحو ~~هذا الكلام الذي لا يحصل المعنى المقصود أصلا بطبق القاعدة اللغوية ووفقها ~~لثبت في حق النبي - صلى الله عليه وسلم - قصور البلاغة في الكلام بل ~~المساهمة في التبليغ والهداية وهو محال والعياذ بالله تعالى، فعلم أن ~~مقصوده - صلى الله عليه وسلم - بهذا يعني محبة علي فرض كمحبته - عليه ~~السلام -، وعداوته حرام كعداوته - عليه السلام -، وهذا هو مذهب أهل السنة ~~ومطابق لفهم أهل البيت في ذلك، كما أورد أبو نعيم عن الحسن PageV01P160 # المثنى ابن الحسن السبط الأكبر سألوه عن حديث «من كنت مولاه» هل هو نص ~~على خلافة علي؟ قال لو كان النبي - صلى ms150 الله عليه وسلم - أراد خلافته بذلك ~~الحديث لقال هكذا: يا أيها الناس هذا ولي أمري والقائم عليكم من بعدي ~~فاسمعوا وأطيعوا. ثم قال الحسن: أقسم بالله أن الله تعالى ورسوله لو آثرا ~~عليا لأجل هذا الأمر ولم يمتثل علي لأمر الله ورسوله به ولم يقدم على هذا ~~الأمر لكان أعظم الناس خطأ بترك امتثال ما أمر الله ورسوله به. # قال رجل: أما قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «من كنت مولاه فعلي ~~مولاه؟» قال الحسن: لا والله، إن رسول الله لو أراد الخلافة لقال واضحا ~~وصرح بها كما صرح بالصلاة والزكاة وقال: يا أيها الناس إن عليا ولي أمركم ~~من بعدي والقائم في الناس بأمري. (1) # وأيضا في هذا الحديث دليل صريح على اجتماع الولايتين في زمان واحد، إذ لم ~~يقع التقييد بلفظ «بعدي» بل سوق الكلام لتسوية الولايتين في جميع الأوقات ~~من جميع الوجوه كما هو الأظهر، وشركة الأمير للنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في التصرف ممتنعة فهذا أدل على أن المراد وجوب محبته، إذ لا محذور في ~~اجتماع محبتين، بل إحداهما مستلزمة للأخرى، وفي اجتماع التصرفين محذورات ~~كثيرة كما لا يخفى. (2) وإن قيدتموه بما يدل على إمامته في المآل دون الحال ~~فمرحبا بالوفاق، لأن أهل السنة أيضا قائلون بذلك في حين إمامته. وأما وجه ~~تخصيص الأمير بالذكر دون غيره فلما علمه النبي - عليه السلام - بالوحي من ~~وقوع الفساد والبغي في زمن خلافته وإنكار بعض الناس لإمامته. وكذلك فسر بعض ~~الشيعة «الأولى» الواقع في صدر الحديث بالأولى بالتصرف، وهو باطل، والمراد ~~الأولى في المحبة، يعني ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم في المحبة؟ لتتلائم ~~أجزاء الكلام، ولفظ الأولى قد ورد في غير موضع بحيث لا يناسب أن يكون معناه ~~الأولى بالتصرف أصلا كقوله تعالى {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه ~~أمهاتهم}، {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} فإن سوق هذا ~~الكلام لنفي نسب الأدعياء عمن يثبتونه، وبيانه أن زيد بن حارثة لا ينبغي أن ~~يقال في حقه زيد ms151 بن محمد لأن نسبة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى جميع ~~المسلمين كالأب الشفيق بل أزيد، وأزواجه أمهات أهل الإسلام، (3) والأقرباء ~~PageV01P161 # في النسب أحق وأولى من غيرهم، وإن كانت الشفقة والتعظيم للأجانب أزيد، ~~(1) ولكن مدار النسب على القرابة في الأدعياء، وهي مفقودة في الأدعياء، ~~وحكم ذلك في كتاب الله، ولا دخل ههنا لمعنى الأولى بالتصرف في المقصود ~~أصلا. (2) # وقد أورد بعض المدققين منهم دليلا على نفي المحبة، وهو أن محبة الأمير ~~أمر مفاد حيث كان ثابتا في ضمن آية {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} ~~فلو أفاد هذا الحديث ذلك المعنى أيضا كان لغوا، ولا يخفى فسداه، أولم ~~يفهموا أن بيان محبة أحد في ضمن عموم شيء وإيجاب محبته بخصوص أمر آخر فرق ~~بينهما لا يخفى على العقلاء. مثلا لو آمن أحد بجميع أنبياء الله ورسله، ولم ~~يتعرض لاسم محمد - صلى الله عليه وسلم - بخصوصه في الذكر، لم يكن إسلامه ~~معتبرا. وفي هذا تكون محبة الأمير بشخصية مقصودة بالوجوب، وفي الآية يكون ~~وجوبها مفادا بوصف الإيمان الذي هو عام. ولو فرضنا اتحاد مضمون الآية ~~والحديث لا يلزم اللغو أصلا لأن وظيفة النبي أن يؤكد مضامين القرآن لإلزام ~~الحجة وإتمام النعمة. (3) ومن تدبر الكتاب والسنة لا يتكلم بمثل هذا ~~الكلام. وإلا فتأكيدات النبي وتقريراته في أبواب الصلاة والزكاة وتلاوة ~~القرآن ونحو ذلك كلها تصير لغوا والعياذ بالله. وعند الشيعة أيضا دعوى ~~التنصيص على إمامة الأمير وتأكيده ثابتة، (4) فيلزم على تقدير صحة هذا ~~القول أن يكون ذلك كله حشوا. # وسبب هذه الخطبة الذي ذكره المؤرخون وأهل السير يدل على أن المقصود منها ~~كان إلزام المحبة للأمير، ولأن جماعة الصحابة الذين كانوا متغيبين مع ~~الأمير في سفر اليمن كبريدة الأسلمي وخالد بن الوليد وغيرهما من المشاهير ~~بعد ما رجعوا من سفرهم من الأمير، فتكلم النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~حقه هكذا، وقد أورد هذه القصة محمد بن إسحق وغيره من أهل السير مفصلة. # الحديث الثاني: روى البخاري ومسلم عن البراء بن عازب أنه ms152 - صلى الله عليه ~~وسلم - لما استخلف الأمير في غزوة تبوك على أهل بيته من النساء وتركه فيهن ~~وقد توجه هو إلى تلك الغزوة، قال الأمير: يا رسول الله أتخلفني في النساء ~~والصبيان؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - له: «أما ترضى أن تكون مني ~~بمنزلة هرون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي». (5) قالت الشيعة: إن ~~PageV01P162 # المنزلة اسم جنس مضاف إلى العلم فيعم جميع المنازل لصحة الاستثناء، وإذا ~~استثني مرتبة النبوة فثبت للأمير جميع المنازل الثابتة لهارون، ومن جملتها ~~صحة الإمامة، وافتراض الطاعة أيضا لو عاش هارون بعد موسى، لأن هارون كانت ~~له هذه المرتبة في عهد موسى، فلو زالت عنه بعد وفاته لزم العزل، وعزل النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - ممتنع للزومه الإهانة المستحيلة في حقه فثبتت هذه ~~المرتبة للأمير أيضا وهي الإمامة. (1) # والجواب عن ذلك بوجوه: الأول - أن اسم الجنس المضاف إلى العلم ليس من ~~ألفاظ العموم عند جميع الأصوليين، (2) بل هم صرحوا بأنه للعهد في غلام زيد ~~وأمثاله، (3) لأن تعريف الإضافة المعنوية باعتبار العهد أصل، وفيما نحن فيه ~~قرينة موجودة وهي قوله «أتخلفني في النساء والصبيان» يعني أن هارون كما كان ~~خليفة لموسى حين توجه هو إلى الطور كذلك صار الأمير خليفة للنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - إذ توجه إلى غزوة تبوك، والاستخلاف المقيد بهذه الغيبة لا يكون ~~باقيا بعد انقضائها كما لم يبق في حق هارون أيضا. ولا يمكن أن يقال انقطاع ~~هذا الاستخلاف عزل موجب للإهانة في حق الخليفة لأن انقطاع العمل ليس بعزل، ~~والقول بأنه عزل خلاف العرف واللغة، ولا تكون صحة الاستثناء دليلا للعموم ~~إلا إذا كان متصلا، وههنا منقطع بالضرورة، لأن قوله «إنه لا نبي بعدي» جملة ~~خبرية، وقد صارت تلك الجملة بتأويلها بالمفرد بدخول إن في حكم (إلا عدم ~~النبوة) وظاهر أن عدم النبوة ليس من منازل هارون حتى يصح استثناؤه لأن ~~المتصل يكون من جنس المستثنى منه وداخلا فيه والنقيض لا يكون من جنس النقيض ~~وداخلا فيه، فثبت أن هذا ms153 المستثنى منقطع جدا، ولأن من جملة منازل هرون كونه ~~أسن من موسى وأفصح منه لسانا وكونه شريكا معه في النبوة وكونه شقيقا له في ~~النسب، وهذه المنازل غير ثابتة في حق الأمير بالنسبة إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - إجماعا بالضرورة، فإن جعلنا الاستثناء متصلا وحملنا المنزلة ~~على العموم لزم الكذب في كلام المعصوم. # الثاني - أنا لا نسلم أن الخلافة بعد موت موسى كانت من جملة منازل هرون، ~~لان هرون كان نبيا مستقلا في التبليغ، ولو عاش بعد موسى أيضا لكان ولم تزل ~~عنه PageV01P163 # هذه المرتبة قط، وهي تنافي الخلافة لأنها نيابة للنبي ولا مناسبة بين ~~الأصالة والنيابة في القدر والشرف، فقد علم أن الاستدلال على خلافة الأمير ~~من هذا الطريق لا يصح أبدا. وأيضا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما شبه ~~الأمير بهارون - ومعلوم أن هارون كان خليفة في حياة موسى بعد غيبته، وصار ~~يوشع بن نون وكالب بن يوقنا (1) خليفة له بعد موت موسى - لزم أن يكون ~~الأمير أيضا خليفة في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد غيبته لا بعد ~~وفاته، بل يصير غيره خليفة بعد وفاته حتى يكون التشبيه على وجه الكمال، إذ ~~حمل التشبيه في كلام الرسول على النقصان غاية عدم الديانة والعياذ بالله. ~~ولو تنزلنا قلنا ليس في هذا الحديث دلالة على نفي إمامة الخلفاء الثلاثة، ~~غاية ما في الباب أن استحقاق الإمامة يثبت به للأمير ولو في وقت من ~~الأوقات، وهو عين مذهب أهل السنة، فالتقريب به أيضا غير تام. (2) # الحديث الثالث: رواه مرفوعا أنه قال «إن عليا مني وأنا من علي، وهو ولي ~~كل مؤمن بعدي» وهذا الحديث باطل، لأن في إسناده أجلح (3) وهو شيعي متهم في ~~روايته. وأيضا غير مقيد بالوقت المتصل بزمان وفاته - صلى الله عليه وسلم -، ~~ولفظ «بعدي» يحتمل الاتصال والانفصال (4) وهو مذهب أهل السنة القائلين بأن ~~الأمير كان إماما مفترض الطاعة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - في وقت من ~~الأوقات. # الحديث الرابع: رواه أنس بن مالك ms154 أنه كان عند النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- طائر قد طبخ له وأهدي إليه فقال «اللهم ائتني بأحب الناس إليك يأكل معي ~~هذا الطير» فجاءه علي. (5) وهذا الحديث قد حكم أكثر المحدثين بأنه موضوع، ~~وممن صرح بوضعه الحافظ شمس الدين الجزري، (6) وكذلك الذهبي في تلخيصه. (7) ~~ومع هذا فهو غير مفيد للمدعى أيضا، لأن القرينة تدل على أن المراد بأحب ~~الناس إلى الله في الأكل مع النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولا شك أن ~~الأمير كان أحبهم إلى الله في هذا الوصف، لأن أكل الولد ومن حكمه مع الأب ~~يكون موجبا لتضاعف اللذة بالطعام. وإن سلمنا أن يكون المراد بأحب الناس ~~مطلقا فإنه لا يفيد المدعى أيضا، إذ لا يلزم أن يكون أحب الخلق إلى الله ~~صاحب الرئاسة العامة، فكأين من أولياء PageV01P164 # وأنبياء كانوا أحب الخلق إلى الله ولم يكونوا ذوي رئاسة عامة، كزكريا ~~ويحيى وشمويل الذي كان طالوت في زمنه صاحب رئاسة عامة بنص إلهي، وأيضا ~~يحتمل أن أبا بكر لعله لم يكن في ذلك الحين حاضرا في المدينة المنورة ~~والدعاء كان خالصا بالحاضرين دون الغائبين بدليل قوله «اللهم ائتني» لأن ~~إحضار الغائب من مسافة بعيدة في آن قصير لا يعقل إلا طريق خرق العادة، ~~والأنبياء لا يسألون الله خرق العادة إلا في وقت التحدي، وإلا لما احتاجوا ~~في الحرب والقتال إلى تهيئة الأسباب الظاهرة. ويحتمل أن يراد التبعيض بذلك ~~كما في قولهم فلان أعقل الناس وأعلمهم وأفضلهم. وعلى تقدير دلالته على ~~المدعى لا يقاوم الأخبار الصحاح الدالة على خلافة أبي بكر وعمر، مثل ~~«اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر» (1) وغير ذلك. # الحديث الخامس: رواية جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«أنا مدينة العلم وعلي بابها» (2) وهذا الخبر أيضا مطعون فيه، قال يحيى بن ~~معين: لا أصل له، (3) وقال البخاري إنه منكر، وليس له وجه صحيح. (4) وقال ~~الترمذي إنه منكر غريب. (5) وذكره ابن الجوزي في الموضوعات. (6) وقال ابن ~~دقيق العيد: لم يثبتوه. (7) وقال النووي والذهبي والجزري ms155 إنه موضوع. (8) ~~فالتمسك بالأحاديث الموضوعة مما لا وجه له، إذ شرط الدليل اتفاق الخصمين ~~عليه. ومع هذا ليس مفيدا لمدعاهم إذ لا يلزم أن من كان باب مدينة العلم فهو ~~صاحب رئاسة عامة بلا فصل بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -، غايته أن شرطا ~~من شروط الإمامة قد تحقق فيه بوجه أتم، ولا يلزم من تحقيق شرط واحد وجود ~~المشروط بالشروط الكثيرة، مع أن ذلك الشرط كان ثابتا في غيره أيضا أزيد منه ~~برواية أهل السنة مثل «ما صب الله شيئا في صدرى إلا وقد صببته في صدر أبي ~~بكر» (9) ونحو «لو كان بعدي نبي لكان عمر» (10) فإذا اعتبرت روايات أهل ~~السنة فليتعبر كلها، وإلا فلا ينبغي أن يقصد إلزامهم برواية واحدة من ~~رواياتهم. # الحديث السادس: وهو ما رواه الإمامية مرفوعا أنه - صلى الله عليه وسلم - ~~قال «من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في تقواه، وإلى إبراهيم في ~~حلمه، وإلى موسى في بطشه، وإلى PageV01P165 # عيسى في عبادته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب». (1) وجه التمسك بهذا ~~الحديث أن مساواة الأمير للأنبياء في صفات قد علمت به، والأنبياء أفضل من ~~غيرهم، والمساوي للأفضل أفضل فكان علي أفضل من غيره، والأفضل متعين للإمامة ~~دون غيره. # ولا يخفى فساد هذه المقدمات والمبادئ الواقعة في الاستدلال من وجوه: # الأول - أن هذا الحديث أورده الحلي في كتبه وقد نسبه إلى البيهقي مرة إلى ~~البغوي أخرى وليس في تصانيفهما أثر منه. ولا يتأتى إلزام أهل السنة ~~بالافتراء. مع أن عند أهل السنة أن الأحاديث التي تذكر في كتبهم إذا لم ~~يصرح بصحتها لا يحتج بها. # الثاني - أن ما ذكر محض تشبيه لبعض صفات الأمير ببعض صفات أولئك ~~الأنبياء، والتشبيه كما يكون بأدواته المتعارفة كالكاف وكأن ومثل ونحوها، ~~وكذلك يكون بهذا الأسلوب كما تقرر في علم البيان أن من أراد أن ينظر القمر ~~ليلة البدر فلينظر إلى وجه فلان. فهذا القسم داخل أيضا في التشبيه ولو ~~تجاوزنا عن ذلك لكان استعارة مبناها على ms156 التشبيه، وفهم المساواة بين المشبه ~~والمشبه به من كمال السفاهة. وقد روي في الأحاديث الصحيحة لأهل السنة تشبيه ~~أبي بكر بإبراهيم وعيسى وتشبيه عمر بنوح وتشبيه أبي ذر بعيسى ولكن لما كان ~~لأهل السنة حظ عظيم من العقل لم يحملوا ذلك التشبيه على المساواة أصلا بل ~~أعطوا كلا مرتبته. # الثالث - أن المساواة بالأفضل في صفة لا تكون موجبة لأفضلية المساوي لأن ~~ذلك الأفضل له صفات أخر قد صار بسببها أفضل. وأيضا ليست الأفضلية موجبة ~~للزعامة الكبرى كما مر. # الرابع - إن تفضيل الأمير على الخلفاء الثلاثة من هذا الحديث يثبت إذا لم ~~يكن أولئك الخلفاء مساوين للأنبياء المذكورين في الصفات المذكورة أو في ~~مثلها ودون هذا خرط القتاد. ولو تتبعنا الأحاديث الدالة على تشبيه الشيخين ~~بالأنبياء لبلغت مبلغا لم يثبت مثله لمعاصريهما. ولهذا ذكر المحققون من أهل ~~التصوف أن الشيخين كانا حاملين لكمالات PageV01P166 # النبوة وكان الأمير حاملا لكمالات الولاية ومن ثمة صدر من الشيخين الأمور ~~التي تصدر من الأنبياء من الجهاد بالكفار وترويج أحكام الشريعة وإصلاح أمور ~~الدين بأحسن أسلوب وتدبير، وظهر من الأمير ما يتعلق بالأولياء من تعليم ~~الطريقة والإرشاد لأحوال السالكين ومقاماتهم والتنبيه على غوائل النفس ~~والترغيب بالزهد في الدنيا ونحوها أكثر من غيره. وقد دل على هذه التفرقة ~~حديث رواه الشيعة في كتبهم وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - «إنك يا علي ~~تقاتل الناس على تأويل القرآن كما قاتلتهم على تنزيله» لأن مقاتلات الشيخين ~~كلها كانت على تنزيل القرآن فكان عهدهما من بقية زمان النبوة وزمن خلافة ~~الأمير كان مبدأ لدورة الولاية وإليه تنتهي سلاسل جميع الفرق من أولياء ~~الله تعالى كما تصل سلاسل الفقهاء والمجتهدين في الشريعة بالشيخين ونوابهما ~~كعبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وأمثالهم - ~~رضي الله تعالى عنهم - ويكون فقه أولئك الفقهاء رشحة من بحار علومهم. وكان ~~معنى الإمامة التي بقيت في أولاد الإمام وجعل بعضهم بعضا وصيا له فيها هي ~~قطبية الإرشاد ولهذا لم يرو إلزام ms157 هذا الأمر من الأئمة الأطهار على كافة ~~الخلائق بل جعلوا بعض أصحابهم الممتازين المنتخبين مشرفين بذلك الفيض الخاص ~~ووهبوا لكل واحد منهم هذه الكرامة العظيمة بقدر استعداده. وهذه الفرقة ~~السفيهة قد أنزلوا تلك الإشارات كلها على الرئاسة العامة واستحقاق التصرف ~~في أمور الملك والمال فوقعوا في ورطة الضلال، ومن أجل ما قلنا يعتقد كل ~~الأمة الأمير وذريته الطاهرة كالشيوخ والمرشدين. # الحديث السابع: روي عن أبي ذر الغفاري أنه قال «من ناصب عليا في الخلافة ~~فهو كافر» (1) # وهذا الحديث لا أثر له بوجه في كتب أهل السنة أصلا بل نسب ابن المطهر ~~الحلي روايته إلى الأخطب الخوارزمي. والحلي خوان في النقل، والأخطب كان من ~~الغلاة الزيدية. ومع هذا لم يرو هذا الحديث في كتابه المؤلف في مناقب أمير ~~المؤمنين. (2) ولو فرضنا كونه في كتابه فلا اعتبار له لكونه مخالفا ~~للأحاديث الصحاح الموجودة في كتب الإمامية. منها قوله - عليه السلام - في ~~نهج البلاغة «أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من ~~PageV01P167 # الزيغ والاعوجاج». (1) ولئن اعتبرنا هذا الحديث لا يتحقق مضمونه أيضا إلا ~~إذا طلب الأمير الخلافة وانتزعها الآخر من يده. وهذا المعنى لم يقع في عهد ~~قط، لأن الأمير لم يطلب الخلافة في زمن الخلفاء الثلاثة، كما ذكر في كتب ~~الإمامية أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان وصى الأمير بالسكوت ما لم ~~يجد أعوانا فسكت الأمير في عهد الخلفاء الثلاثة لأجل هذه الوصية! وحين صار ~~طالبا لها لم يقصد أحد - من أم المؤمنين والزبير وطلحة - نزع الخلافة من ~~يده أصلا، بل إنما سأل هؤلاء الأمير تنفيذ حكم القصاص على قتلة عثمان - رضي ~~الله تعالى عنه - ثم انجر الأمر إلى القتال كما تشهد بذلك كتب السير (2) ~~وخطب الأمير - رضي الله تعالى عنه -. سلمنا، ولكن المراد من " الكافر " ~~كفران النعمة، إذ خلافة أمير المؤمنين كانت نعمة في زمنها يدل عليه لفظ ~~«الخلافة» إذ هي بالإجماع مشروطة بالتصرف في الأرض، وذلك لم يكن للأمير في ~~زمن الخلفاء الثلاثة ولهذا لم يقع في ms158 الحديث لفظ الإمامة. سلمنا، ولكن الله ~~تعالى قال في كتابه لمنكر خلافة الخلفاء الثلاثة في آية الاستخلاف كافر ~~أيضا كقوله تعالى {ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون} والمعنى أن من أنكر ~~خلافة أولئك المستخلفين بعد استماع هذه الآية الكريمة والعلم باستخلافهم ~~الصادر من الله تعالى فأولئك هم الكاملون في الفسق، والكامل فيه هو الكافر ~~كما لا يخفى. مع أن روايات الأخطب الزيدي عند أهل السنة كلها ضعيفة وكثير ~~منها موضوعة فكيف يحتج بها؟ (3) # الحديث الثامن: رواه الشيعة أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: «كنت ~~أنا وعلي بن أبي طالب نورا بين يدي الله قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف ~~عام، فلما خلق الله آدم قسم ذلك النور جزءين: فجزء أنا، وجزء علي بن أبي ~~طالب». (4) # وهذا الحديث موضوع قطعا بإجماع أهل السنة، وفي إسناده محمد بن خلف ~~المروزي (5) قال يحيى بن معين: هو كذاب. وقال الدارقطني: متروك ولم يختلف ~~أحد في كذبه. ويروي من طريق آخر وفيه جعفر بن أحمد (6) وكان رافضيا غاليا ~~كذابا وضاعا، وكان أكثر ما يضع في مدح الصحابة وسبهم. # وعلى PageV01P168 # تقدير صحته معارض بالأخبار الأخر نحو قوله «أول من خلق الله نوري» (1) ~~وقوله «أنا من نور الله وكل شيء من نوري» (2) فإنه إن كان الأمير من نوره ~~فلا وجه للتخصيص وإن كان مستقلا مثله فيلزم التكذيب. ومع هذا فقد ثبت ~~اشتراك الخلفاء الثلاثة معه - صلى الله عليه وسلم - في عالم الأرواح ~~بالرواية الأخرى التي هي أحسن من تلك الرواية إذ ليس في إسنادها متهمون ~~بالكذب والوضع. وهي ما روى الشافعي بإسناده إلى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: «كنت أنا وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي بين يدي الله قبل أن يخلق ~~آدم بألف عام فلما خلق أسكننا ظهره ولم نزل ننتقل في الأصلاب الطاهرة حتى ~~نقلني إلى صلب عبد الله ونقل أبا بكر إلى صلب أبي قحافة ونقل عمر إلى صلب ~~الخطاب ونقل عثمان إلى صلب عفان ونقل عليا إلى صلب أبي ms159 طالب» (3) ويؤيد هذه ~~الرواية حديث «الأرواح جنود مجندة: ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها ~~اختلف» (4) # وبعد اللتيا والتي لا يدل حديثهم على المدعي أصلا لأن اشتراك الأمير في ~~نور النبي لا يكون مستلزما لوجوب إمامته بلا فصل وأية ملازمة بينهما ~~فليبينوها بحيث لا يتوجه إليه المنع ودونه خرط القتاد. ولا بحث لنا في قرب ~~النسب وإلا لكان العباس أولى بالإمامة لكونه عم النبي والعم أقرب من ابن ~~العم عرفا وشرعا. فإن قالوا إن العباس لحرمانه من اتحاد النور لم يحصل له ~~لياقة للإمامة لأن نور عبد المطلب انقسم في عبد الله وأبي طالب ولم يصب ~~أبناؤه الآخرون، قلنا: إن كان مدار التقدم في الإمامة على قوة النور وكثرته ~~فالحسنان أحق بالإمامة من الأمير للقوة والكثرة معا. أما القوة فلأن النور ~~لما انقسم وصلت حصة الرسول إلى جنابه فانشعب من تلك الحصة السبطان الكريمان ~~بخلاف الأمير فإنه كان شريكا في أصل النور لا في حصة النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وحصة النبي - صلى الله عليه وسلم - من النور كانت أقوى من حصة غيره. ~~وأما الكثرة فلأن الحسنين كانا جامعين لنوري النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~والأمير معا والاثنان أكثر من الواحد قطعا. # الحديث التاسع: رواه عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال يوم خيبر «لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ~~ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه» (5) # وهذا PageV01P169 # الحديث أصح وأقوى من غيره، ولكن مدعى الشيعة غير حاصل منه إذ لا ملازمة ~~بين كونه محبا لله ورسوله ومحبوبا لهما وبين كونه إماما بلا فصل أصلا، على ~~أنه لايلزم من إثباتهما له نفيا عن غيره، كيف وقد قال الله تعالى في حق أبي ~~بكر ورفقائه {يحبهم ويحبونه} وقال في حق أهل بدر {إن الله يحب الذين ~~يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص} ولا شك أن من يحبه الله يحبه ~~رسوله ومن يحب الله من المؤمنين يحب رسوله، وقال في شأن أهل مسجد ms160 قبا {فيه ~~رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين} وقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لمعاذ «يا معاذ إني أحبك». (1) ولما سئل: من أحب الناس إليك؟ قال: ~~«عائشة» قيل: ومن الرجال؟ قال: «أبوها». (2) وإنما نص على المحبية ~~والمحبوبية في حق الأمير مع وجودهما في غيره لنكتة دقيقة تحصل من ضمن قوله ~~«يفتح الله على يديه» وهي أنه لو ذكر مجرد الفتح لربما توهم أن ذلك غير ~~موجب لفضيلته لما ورد «إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» (3) فأزال ~~ذلك التوهم بإثبات هاتين الصفتين له فصار المقصود منه تخصيص مضمون «يفتح ~~الله على يديه» وما ذكر من الصفات لإزالة ذلك التوهم. # الحديث العاشر: «رحم الله عليا، اللهم أدر الحق معه حيث دار» (4) # وهذا الحديث يقبله أيضا أهل السنة، ولكن لا مساس له بمدعى الشيعة وهو ~~الإمامة بلا فصل، وقد جاء في حق عمار بن ياسر «الحق مع عمار حيث دار» (5) ~~وفي حق عمر أيضا «الحق بعدي مع عمر حيث كان» (6) بل في هذين الحديثين إخبار ~~بملازمة الحق لعمر ولعمار، بخلاف الحديث عن الأمير فإنه دعاء في حقه، ~~والفرق بين الإخبار والدعاء غير خاف، خصوصا على ما قرره الشيعة من أن ~~استجابة دعاء النبي لازمة عندهم، فقد روى ابن بابويه القمي أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - دعا ربه أن يجمع أصحابه على محبة علي فلم يكن ذلك. ~~وزاد في حق عمر لفظ «بعدي» ليكون دليلا على صحة إمامته وإمامة من رآه عمر ~~إماما. وعلى مذاق الشيعة يكون هذا الحديث دليلا على عصمته، لكن مذهب أهل ~~السنة لا يكون غير النبي معصوما. وقد تمسك بعض ظرفاء أهل السنة بحديث علي ~~المذكور على صحة أبي بكر وعمر PageV01P170 # وعثمان، لأن عليا كان معهم وبايعهم وتابعهم وصلى معهم في الجمع والجماعات ~~ونصحهم في أمور تتعلق برئاستهم، فيصح قياس المساواة ههنا: الحق مع علي، ~~وعلي مع أبي بكر وعمر، فالحق معهما، لأن مقارن المقارن مقارن. وهذه المقدمة ~~الأجنبية التي هي مدار صحة النتيجة في هذا ms161 القياس صادقة لا محالة، وهذا ~~القياس لروايات الشيعة، فإنه ثبت في (نهج البلاغة) أن عمر بن الخطاب لما ~~أراد أن يخرج إلى دفع فتنة نهاوند استشار علي ابن أبي طالب فقال له الأمير: ~~«إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا بقلة وهو دين الله الذي ~~أظهره، وجنده الذي أوعده وأمده، حتى بلغ ما بلغ، وطلع حيث ما طلع، ونحن على ~~موعود من الله، والله منجز وعده، وناصر جنده. قال الله تعالى {وعد الله ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من ~~قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا}. ~~ومكان القيم من الإسلام مكان النظام من الخرز يجمعه ويضمه، فإن انقطع ~~النظام تفرق الخرز وذهب ثم لم يجتمع أبدا. والعرب وإن كانوا قليلا فهم ~~كثيرون بالإسلام، عزيزون بالاجتماع، فكن قطبا، واستدر الرحى بالعرب» إلى ~~آخر خطبته المذكورة في نهج البلاغة. (1) # فعلم بالصراحة أن الأمير كان معينا وناصرا وناصحا أمينا لعمر بن الخطاب، ~~ولو كان بينهما نفاق والعياذ بالله لأشار عليه بالذهاب إلى العجم، وإذا ~~اشتغل عمر وأهل عسكره بالقتال تصرف الأمير بالحجاز التي كانت دار الإسلام ~~واتبعه الناس طوعا أو كرها. وأيضا قد علم أن الأمير عد نفسه في زمرة أبي ~~بكر وعمر حيث أدخل نفسه فيهم وقال «نحن على موعد من الله». # وأيضا قد ذكر في (نهج البلاغة) أن الأمير قال لعمر بن الخطاب حين استشاره ~~في غزوة الروم «إنك متى تسير إلى هذا العدو بنفسك فتلقهم (2) وتنكب لا تكن ~~للمسلمين كأنفة (3) دون أقصى بلادهم، وليس بعدك مرجع يرجعون إليه. فأرسل ~~إليهم رجلا مجربا (4) واحفز معه أهل البلاء والنصيحة، فإن أظهره الله فذلك ~~ما تحمد، وإن تكن الآخرى كنت ردءا (5) للناس ومثابا للمسلمين» (6) # والعجب من الشيعة كيف يتركون مثل هذه الروايات الثابتة في أصح الكتب ~~عندهم كأنهم لو يروها ولم يسمعوها، ويذعنون بالمخالفة فيما بينهم بما شاع ~~عندهم من الروايات PageV01P171 # الموضوعة والمفتريات، ثم يتخبطون إذ يرون هذه الروايات الصحيحة، ms162 فقد ~~يقولون إن هذه كلها - من متابعة الأمير ومبايعته للشيخين - كانت لمحض قلة ~~الأعوان والأنصار، ثم يفحمون فيما قالوا بروايات ثقاتهم الدالة صراحة على ~~قوة الأمير وغلبة أعوانه وكثرة انصاره، كما روى أبان بن عياش (1) عن سليم ~~(2) بن قيس الهلالي وغيره أن عمر قال لعلي: والله لئن لم تبايع أبا بكر ~~لنقتلنك. قال له علي: لولا عهد عهده إلى خليلي لست أخونه لعلمت أينا أضعف ~~ناصرا وأقل عددا. (3) # فهذه الرواية تدل بالصراحة على أن سكوت الأمير كان بسبب أمر سمعه من ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو أن الخلافة حق أبي بكر بلا فصل ثم حق ~~عمر، وههنا البرهان العقلي الموافق لأصول الشيعة قائم على أن العهد المذكور ~~كان هذا، لأن الإمامة لو كانت حق الأمير وكان النبي أوصاه بترك المنازعة ~~للشيخين مع كثرة الأعوان والأنصار المستفادة من هذه الرواية صراحة للزم أن ~~النبي أوصاه بتعطيل أمر الله ونحوها، معاذ الله من ذلك. كيف وقد قال الله ~~تعالى {يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال} في زمان كان الواجب أن ~~يقاتل مسلم واحد عشرة كفار، فجاهد النبي وكلف الناس بالجهاد بهذه التأكيدات ~~مع كثرة المشقة والصعوبة، وفي زمان تم فيه الدين وكملت النعمة يأمر (4) مثل ~~هذا الذي هو أسد الله بالجبن والخوف وترك التبليغ لأحكام الله ويجوز الفتن ~~والفساد وتحريف كتاب الله وتبديل دينه {أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} ~~حاشاه ثم حاشاه، أولئك مبرأون مما يقولون، وشأن النبوة والرسالة مناف لهذه ~~الوصية أشد منافاة. # وقد يقول الشيعة إن ترك الأمير للمنازعة وإظهاره الموافقة والمناصحة مع ~~الخلفاء الثلاثة كان لمحض الاقتداء بأفعال الله تعالى وهي إمهال الجاني ~~والتأني في المؤاخذة، وقد استخرج هذا التوجيه ابن طاوس سبط أبي جعفر ~~الطوسي، وقد ارتضى به الآخرون من إخوانه غاية ارتضاء، مع أنه تأويل باطل، ~~لأن الاقتداء بأفعال الله تعالى فيما يخالف الشرع غير جائز للناس فضلا عن ~~أن يكون واجبا، إذ الباري تعالى قد ينصر الكفرة في بعض الأحيان ويخذل ~~المسلمين ويميت ms163 الصالحين ويحيى الفساق ويرزقهم بغير حساب ويقدر الرزق على ~~الصلحاء وغير ذلك على PageV01P172 # ما علمه من المصالح والحكم، ولا يجوز لأحد من العباد نصرة الكافر وقتل ~~المسلم بغير حق وإعانة الفاسق على فسقه وخذلان الصالح، بل لابد للعباد من ~~الامتثال لأوامر الله تعالى ونواهيه، وهذا هو شأن العبودية أن يتلقى ~~بالقبول حكم الله، ويعمل بالجد على وفقه، لا أنه يقتدى بأفعال المالك. وأما ~~ما قيل «تخلقوا بأخلاق الله» (1) فبابه المكارم دون الأحكام، وإلا فمن لم ~~يصل ولم يؤت الزكاة ولم يحج البيت مع الاستطاعة اقتداء بالله تعالى فهل ~~يعذر في الدنيا والآخرة؟ ومن قال إن التأني وترك العجلة محمود فليس مطلقا، ~~بل التأخير والتأني في الأمور الحسنة غير محمود البتة، لأن المالك إذا أمر ~~رسله وعباده بتعجيل أمر فإن لم يسارعوا إلى أمره يكونوا عصاة لا محالة كما ~~قال الله تعالى {وإن منكم لمن ليبطئن} وقال تعالى في مدح عباده المتعجلين ~~في امتثال أوامره {أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون} ولهذا صار ~~المثل المشهور «لا حاجة إلى الاستخارة في أمر الخير» و «خير الخير ما كان ~~عاجله». والإمام الذي له منصب هداية الخلق وإرشاد الضالين كيف يجوز له ~~التاني إذ يفوت منه فيه واجبات كثيرة، وأيضا يكون للتأني حد، وهل يمضى أحد ~~في التأني خمسة وعشرين عاما؟ ولو قال: إن تأني الأمير كان بأمر الله تعالى ~~قلا يلزم ترك الواجبات، قلنا: فقد علم أن إمامة الأمير لم تكن متحققة في ذا ~~الزمن، وإلا فنصبه للإمامة ثم أمره بالتأني وترك لوازم الإمامة متناقضان ~~فيما بينهما، ويشبه ذلك أن السلطان قلد أحدا القضاء وأمره بالاختفاء مدة ~~ذلك قائلا له: لا تظهر قضاءك في تلك المدة، وامتنع أن تقام قضية بحضورك، ~~ولا تتكلم بين المتخاصمين. فهذا يدل صريحا على أن السلطان يعده القضاء، لا ~~أنه نصبه بالفعل للقضاء. ولو حملنا على الظاهر يلزمه التناقض الصريح وتفويت ~~الغرض من نصب القاضي، بل هو محض السفاهة. ولا يخفى قبحه، والله تعالى منزه ~~عن ذلك. ms164 وأيضا إذا كان الأمير مأمورا من الله بالتأني وإخفاء الإمامة وترك ~~دعواها يكون المكلفون في ترك متابعته وإطاعة الأمر معذورين، فلو خالفوا ~~ونصبوا غيره لحفظ دينهم ودنياهم وتمشية مهماتهم في هذه المدة؛ لا يكون ~~للعقاب والعتاب عليهم محل أصلا إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها. ~~PageV01P173 # الحديث الحادي عشر: رواه أبو سعيد الخدري أنه قال: قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لعلي «إنك تقاتل علي تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله». (1) # ولا يخفى أن هذا الحديث لا مساس له بمدعاهم، إذ مفاده: إنك تقاتل في حين ~~من الأحيان على تأويل القرآن. وهذا هو مذهب أهل السنة أن الأمير في ~~مقاتلاته حين قاتل كان على الحق ومصيبا لا ريب فيه، ومخالفوه كانوا على ~~الخطأ ولو بالاجتهاد. ولا دلالة في هذا الحديث على أن الأمير إمام بلا فصل، ~~إذ لا ملازمة بين المقاتلة على تأويل القرآن والإمامة بلا فصل بوجه من ~~الوجوه، فإيراد هذا الحديث في مقابلة أهل السنة غاية الجهل، بل لو استدل به ~~على مذهب أهل السنة لأمكن، لأنه يفهم منه بالصراحة أن الأمير قد يكون إماما ~~في عصر يقاتل فيه على تأويل القرآن ووقت قتاله معلوم متى كان، وهو من دلائل ~~أهل السنة على أن الحق كان في جانب الأمير وكان مقاتلوه على الخطأ حيث لم ~~يفهموا معنى القرآن وأخطأوا في اجتهادهم. وإنكار تاويل القرآن ليس بكفر ~~إجماعا، (2) وإن أنكر أحد معنى القرآن الظاهر بسوء فهمه ففي كفره تأمل، ~~فضلا عن أن ينكر المعنى الخفي الذي هو التأويل. (3) وعقيدة الشيعة أن ~~محاربيه كفرة (4) كما ذكر في (تجريد العقائد) للطوسي. ولا وجه لكفرهم على ~~أصول الشيعة أيضا. # الحديث الثاني عشر: رواه زيد بن أرقم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «إني تارك فيكم الثقلين، فإن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي: أحدهما ~~أعظم من الآخر كتاب الله وعترتي» (5) # وهذا الحديث أيضا كالأحاديث السابقة لا مساس له بمدعاهم، وإذ لا يلزم أن ~~يكون المتمسك صاحب الزعامة الكبرى. سلمنا، ولكن قد ms165 صح الحديث أيضا «عليكم ~~بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها ~~بالنوجذ». (6) سلمنا، ولكن العترة في لغة العرب هم الأقارب، فلو دل الحديث ~~على الإمامة لزم أن يكون جميع أقاربه - صلى الله عليه وسلم - أئمة واجبي ~~الإطاعة وهو باطل. وأيضا قال - صلى الله عليه وسلم - «واهتدوا بهدي عمار، ~~وتمسكوا بعهد ابن أم عبد»، (7) «وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل» (8) ~~خصوصا قوله «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» البالغ درجة الشهرة ~~والتواتر المعنوي، فلزم من هذه الأحاديث أن يكون أولئك الأشخاص أئمة وأن ~~يدل هذا الحديث على إمامة PageV01P174 # العترة، فكيف يصح الحديث المروي عن الأمير بالتواتر عند الشيعة «إنما ~~الشورى للمهاجرين والأنصار» (1) وكذلك لا يدل حديث «مثل أهل بيتي فيكم مثل ~~سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق» (2) إلا على أن الفلاح والهداية ~~منوطان بمحبتهم ومربوطان باتباعهم والتخلف عن محبتهم وأتباعهم موجب الهلاك. ~~وهذا المعنى بفضل الله تعالى مختص بأهل السنة، لأنهم هم المتمسكون بحبل ~~وداد جميع أهل البيت، كالإيمان بكتاب الله كله لا يتركون حرفا منه، ~~وبالأنبياء أجمعين بحيث لا يفرقون بين أحد من رسله وأنبيائه، ولا يخصمون ~~بعضهم بالمحبة دون بعض، لأن الإيمان ببعض الكتاب بحكم {تؤمنون ببعض الكتاب ~~وتكفرون ببعض} وببعض الأنبياء بدليل {إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون ~~أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض} الآية كفر غليظ، ~~بخلاف الشيعة لأنهم ما من فرقة منهم إلا وهي لا تحب جميع أهل البيت، بل ~~يحبون طائفة ويبغضون أخرى. # ولبعض الشيعة ههنا تقرير عجيب حيث قال: تشبيه أهل البيت في هذا الحديث ~~يقتضى أن محبة أهل البيت واتباعهم كلهم غير ضروري في النجاة، لأن أحدا لو ~~تمكن من زاوية من السفينة تحصل له النجاة من الغرق بلا شبهة، بل كذلك ~~الدوران في السفينة بأن لا يجلس في مكان واحد، فالشيعة إذا كانوا متمسكين ~~ببعض أهل البيت ومتبعين لهم يكونون ناجين بلا شبهة فقد اندفع طعن أهل السنة ~~عليهم بإنكارهم ms166 لبعض أهل البيت. # وأجاب عنه أهل السنة بوجهين: الأول بطريق النقض بأن الإمامية لابد لهم أن ~~لا يعتقدوا على هذا التقرير أن الزيدية والكيسانية والناوسية والأفطحية ~~وأمثالهم من فرق الشيعة ضالون هالكون في الآخرة، بل ينبغي أن يعتقدوا ~~فلاحهم ونجاتهم، لأن كلا من هذه الفرق وأمثالهم آخذون زاوية من هذه السفينة ~~الوسيعة ومتخذون فيها مكانهم، والزاوية الواحدة من تلك السفينة كافية ~~للنجاة عن الغرق، بل التعيين بالأئمة الاثني عشر صار مخدوشا على هذا ~~التقرير، إذ الكفاية بزاوية واحدة من السفينة في النجاة من الغرق ~~PageV01P175 # مفروضة، ومعنى الإمام هو هذا أن اتباعه يكون موجبا للنجاة في الآخرة، ~~ففسد مذهب الاثني عشرية بل الإمامية كلهم فلا يصح لكل فرقة من فرق الشيعة ~~ذلك بل لا بد لهم أن يعلموا جميع المذاهب حقا وصوابا، مع أن بين مذاهبهم ~~كثير من التناقض والتضاد الواقع، والحكم في كلا الجانبين المتناقضين ~~بكونهما حقا في غير الاجتهادات قول باجتماع النقيضين وهو بديهي الاستحالة. # الثاني بطريق الحل: بأن التمكن في زاوية من زوايا السفينة إنما ينجي من ~~الغرق لو لم يخرق في زاوية أخرى منها، وإلا فيحصل الغرق قطعا. وما من فرقة ~~من فرق الشيعة متمكنين في زاوية من هذه السفينة إلا وهم يخرقون في زاوية ~~أخرى منها. نعم أهل السنة وإن كانوا يدورون في كل الزوايا المختلفة ويسيرون ~~فيها، لكنهم لم يخرقوها في زاوية منها ليدخلوا من ذلك الطرف موج البحر ~~فيغرقها. والحمد لله. ### | (الدلائل العقلية) # وأما الدلائل العقلية للشيعة فهي كثيرة جدا ولنذكر قاعدة يمكن الحل بها ~~لكل دلائلهم فنقول: إن الدليل على هذا المدعى لا يخلو عن ثلاثة أقسام: لأنه ~~إما جميع مقدماته عقلية، أو جميعها نقلية، أو بعضها عقلية وبعضها نقلية، ~~وهذا الاصطلاح غير الاصطلاح المشهور في الكلام، فإن الدليل العقلي يطلق فيه ~~على ما كان مركبا من العقليات الصرفة، والدليل النقلي يطلق على ما كانت ~~إحدى مقدماته موقوفة على النقل. وهذه الأقسام الثلاثة من الدليل لابد أن ~~تكون مأخوذة من شرائط الإمامة أو ms167 من توابعها أو من طريق تعينها. وأصل هذه ~~الدلائل كلها هي مباحث الإمامة، ومباحثها فرع لمباحث النبوة، لأن الإمامة ~~نيابة للنبوة، ومباحث النبوة فرع الإلهيات، لأن النبوة والرسالة من الله ~~تعالى. فإذا فسدت أصول الشيعة ومقرراتهم في هذه المباحث الثلاثة بمخالفة ~~الكتاب والعترة والعقل السليم صارت دلائلهم كأنها أخذت تحت المنع في ثلاث ~~مراتب. # ولنبين هذا الاجمال بمثال واضح: مثلا مقدماتهم المأخوذة في الدلائل ~~الكثيرة عندهم «الإمام يجب أن يكون منصوصا عليه» أصله «أن نصب الإمام واجب ~~على الله تعالى» وأصل # PageV01P176 # هذا الأصل إن بعث النبي واجب على الله» ولما أبطلنا مذهبهم في هذه ~~المباحث بشهادة العدول - الكتاب، والعترة، والعقل السليم - لم يبق شبهة ولا ~~شك في بطلانه. (1) # ولنذكر بعضا من دلائلهم العقلية، وإن كان يستغنى عن ذكرها بما ذكرنا. ~~فنقول: # الأول من دلائلهم أنهم قالوا: «إن الأمام يجب أن يكون معصوما، وغير ~~الأمير من الصحابة لم يكن معصوما، فكان هو إماما لا غيره»، (2) وهو المدعى. # ولا يخفى أن تقرير الاستدلال ناقص لا يفيد المدعى، لأن الدعوى مركبة من ~~ثبوت الإمامة للأمير وسلبها عن غيره. والدليل المذكور لا يلزم منه إلا سلب ~~مفهوم كل أحد غير الأمير من الصحابة عن ذات متصفة بالإمامة فقط، وهو غير ~~مطلوب، فالاستدلال الصحيح بعكس ترتيب هذا القياس المذكور، وضم قياس آخر ~~إليه من الشكل الأول فيفيد مجموعهما المدعى، وهو هكذا: «لم يكن أحد غير ~~الأمير من الصحابة معصوما، وكل إمام يجب أن يكون معصوما» على الضرب الثاني ~~من الشكل الثاني، ونتيجة هذا القياس سالبة كلية وهي «لم يكن أحد غير الأمير ~~منهم إماما» فيحصل منه سلب الإمامة عن غير الأمير من الصحابة. والقياس ~~الآخر «إن الأمير كان معصوما، وكل معصوم يكون إماما، فالأمير يكون إماما» ~~فيلزم منه ثبوت إمامته، فمجموع هذين القياسين تثبت به الدعوى وهو المطلوب. ~~(3) # ويجاب عن الأول بمنع الكبرى أعني «كل إمام يجب أن يكون معصوما» وبمنع ~~استثناء الأمير منهم في الصغرى، وإسنادهما أقوال الأمير الآتية، وبهذا ~~المعنى يرد المنع على ms168 الصغرى التي جعلها المستدل كبرى قياسه، وإلا فهي ~~مسلمة بالضرورة فلا يصح منعها، ويجاب عن الثاني بمنع الصغرى وسنده سند منع ~~الاستثناء، وبفوات بعض الشروط من كلية كبراه لأن المعصوم عام فإن الأنبياء ~~والملائكة وفاطمة معصومون وليسوا بأئمة بالمعنى المتنازع فيه، فحمل ~~«الإمام» على جميع أفراده لا يمكن، وعلى بعض أفراده يجعل القضية جزئية وهي ~~لا تصلح لكبروية الشكل الأول لاشتراط كليتها، فافهم. PageV01P177 # وقال المؤلف: (1) وفي هذا الدليل تكون الصغرى والكبرى ممنوعتين، أما ~~الصغرى فلأن الأمير نص بقوله «إنما الشورى للمهاجرين والأنصار» إلخ على أن ~~الشورى لهم فقط، وبديهي أن الجماعة الذين جعلهم المهاجرون والأنصار خلفاء ~~لم يكونوا معصومين، فعلم قطعا أن العصمة ليست بشرط في الإمامة أصلا. وأيضا ~~لما سمع الأمير ما قال الخوارج «لا إمرة» قال «لابد للناس من أمير بر أو ~~فاجر» كذا في (نهج اليلاغة). # سلمنا.، ولكن العلم بأنه معصوم لا يمكن حصوله لغير النبي، لأن أسباب ~~العلم كلها ثلاثة أشياء: الحواس السليمة، والعقل، وخبر الصادق. ولا سبيل ~~لأحد منها إلى تحصيله. أما الأول فظاهر إذ العصمة هي الملكة النفسانية ~~المانعة من صدور الذنوب والقبائح غير المحسوسة، وأما الثاني فلأن العقل ~~أيضا لا يدرك تلك الملكة إلا بطريق الاستدلال بالأفعال أحد بخصوصه وآثاره ~~خصوصا نيات القلب ومكنونات الضمائر - من العقائد الفاسدة والحسد والبغض ~~والعجب والرياء وغيرها من ذمائم الأخلاق - لا يمكن أولا حصوله، ولو سلمنا ~~أنه حاصل ولكن يجوز حصول ما هو حاضر من جميع الأفعال والآثار الحسنة ~~الباقية فإنها يمكن العلم بها، وأما ما مضى وما سيأتي من تلك الأفعال ~~والآثار فلا سبيل لأحد إلا الله إلى العلم بها، لأن أحوال بنى آدم كثيرا ما ~~تتغير آنا فآنا بمكر الشيطان وإغواء النفس وقرناء السوء فيصبح الرجل مؤمنا ~~ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا. أما سمعت قصة برصيصاء الراهب (2) ~~وبلعم بن باعورا (3) وهي كافية للعبرة في هذا الباب، والدعاء المأثور «يا ~~مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك وطاعتك» (4) دواء شاف لداء الشبهة والشك في ~~هذا الامر. ms169 ولو فرضنا أنها علمت، ولكن كيف تدرك حقيقة العصمة التي هي ~~امتناع صدور الذنب؟ غاية الأمر فيه أنا نعلم عدم الصدور منه وهي مرتبة ~~المحفوظية، ولا يجزئ هذا القدر من العلم في إدراك العصمة ما لم يوجد العلم ~~بالامتناع. واما الثالث فلأن خبر الصادق قسمان: إما متواتر، PageV01P178 # وإما خبر الله ورسوله. وظاهر أن المتواتر لا دخل له ههنا لأن المتواتر ~~يشترط انتهاؤه إلى المحسوس في إفادة العلم الضروري، (1) فلا يكون في غير ~~المحسوسات - مثل ما نحن فيه - مفيدا وإلا يكن خبر الفلاسفة بقدم العالم ~~مفيدا للعلم الضروري وهو باطل بالإجماع، وخبر الله ورسوله لا يكون موجبا ~~للعلم في هذا الباب على أصول الشيعة: أما أولا فلأن البداء في الإخبار جائز ~~عندهم، فيجوز أن يخبر في وقت بعصمة رجل ثم بفسقه في وقت آخر، وأحد الخبرين ~~وصل إلينا دون الآخر، وبجوز البداء في الإرادة أيضا بإجماع الشيعة (2) ~~فيحتمل أن تتعلق الإرادة في وقت بعصمة رجل وفي وقت آخر بفسقه، فارتفع ~~الاطمئنان بأن هذا الرجل يبقى على عصمته إلى آخر العمر. وأما ثانيا: فلأن ~~وصول خبر الله ورسوله إلى المكلفين إما بواسطة معصوم أو بواسطة تواتر، ففي ~~الشق الأول يلزم الدور الصريح، وفي الشق الثاني يلزم خلاف الواقع، لأن كل ~~تواتر ليس مفيدا للعلم القطعي عند الشيعة، (3) كتواتر المسح على الخف، وغسل ~~الرجلين في الوضوء، وإلى المرافق، وأمة هي أربى من أمة في كلمات القرآن، ~~(4) # وصيغة التحيات في قعدة الصلاة، (5) وأمثال ذلك. فلا بد من أن يعين تواتر ~~خاص. وذلك أيضا غير مفيد، إذ حصول العلم القطعي من التواتر يكون بناء على ~~كثرة الناقلين وبلوغهم إلى ذلك المبلغ فقط، ولما كذب الناقلون في مادة أو ~~مادتين ارتفع الاعتماد عن اقسامه كلها. # ولا يمكن أن تجزي هذه الوجوه في عصمة الأنبياء لأن ثبوتها بأخبارهم ~~الصادقة، وقد ثبت صدقهم في كل ما ادعوا بظهور المعجزات الباهرة، فلا يقاس ~~عليهم من عداهم من العباد ولو إماما فإنه أيضا تابع والتابع دون المتبوع لا ~~محالة، فلا ms170 يستقيم بها النقض على ما قاله السائل لاختلاف المادة، مع أنه ~~سند منع بصورة الاستدلال للاهتمام لا غير فافهم. # وأما كون الكبرى ممنوعة؛ فلأن الأمير قال لأصحابه: «لا تكفوا عن مقالة ~~بحق أو مشورة بعدل، فإنني لست بفوق أن اخطئ، ولا آمن من ذلك في فعلي» كذا ~~في (نهج البلاغة) وظاهر أن هذا القول لا يصدر من المعصوم، خصوصا إذا كانت ~~PageV01P179 # واقعة في آخر الكلام «إلا أن يلقي الله في نفسي (1) ما هو أملك به مني» ~~(2) فإنه دليل صريح على عدم العصمة. لأن المعصوم يملكه الله نفسه كما ورد ~~في الحديث «إنه كان أملكهم لأربه». (3) وأيضا مروي في دعاء الأمير «اللهم ~~اغفر لي ما تقربت به إليك ثم خالفه قلبي» كذا أورده الرضى في (نهج ~~البلاغة). (4) # الدليل الثاني: (5) أن الإمام لا بد من أن لا يرتكب الكفر قط، لقوله ~~تعالى {لا ينال عهدي الظالمين} والكافر ظالم لقوله تعالى {والكافرون هو ~~الظالمون} ولقوله تعالى {إن الشرك لظلم عظيم} وغير الأمير من الصحابة كلهم ~~كانوا عبدوا الأصنام في الجاهلية فيكون هو إماما دون غيره. (6) # ولا يذهب على العارف أن هذا الدليل - مع كونه ناقصا مثل ما مر - فاسدة ~~بالمرة، فلا بد أن يغير بوجه آخر صحيح. وذلك أن يقال: لم يكن أحد من ~~الصحابة غير الأمير مؤمنا من بدء التكليف، وكل إمام يجب أن يكون مؤمنا ~~كذلك. والقياس الآخر: إن الأمير كان مؤمنا كذلك، وكل من يكون مؤمنا كذلك ~~فهو إمام، ويجاب عن الأول بمنع الكبرى، وسنده الإجماع على عدم الاشتراط في ~~الإمامة بهذا الشرط، وعن الثاني بالنقض لأنه يلزم منه أن يكون كل من هو ~~كذلك من آحاد الأمة إماما، ولا أقل من لزوم إمامة نحو عبد الله بن عباس - ~~رضي الله عنهم - ا، لا يقال اشتراط العصمة يدفعه لأنا نقول إن ذلك الاشتراط ~~بعد تسليمه لا يعتبر في هذا الدليل فالتعدد باطل، بل الثاني يصير حشوا محضا ~~أولا فالانتقاض ضروري لا مرد له. # وقال المؤلف: وأجيب بأن هذا الشرط لم ms171 يذكره في بحث الإمامة أحد من أهل ~~السنة والشيعة، ولكن خرط الشيعة هذا الشرط حين عمدوا إلى نفي الخلافة عن ~~الخلفاء الثلاثة، ولهذا لم يذكر في آية ولا حديث، بل من أسلم بعد كفره مائة ~~سنة ومن كان مسلما من سبعين بطنا متساويان في الدين والإسلام، ولم يعتبر ~~هذا الشرط فإنه لغو وحشو، والتمسك بآية PageV01P180 # {لا ينال عهدي الظالمين} ههنا ليس إلا من المغالطة، إذ مفاد الاية أن ~~الرياسة الشرعية لا تنال الظالم، (1) لأن العدالة في جميع المناصب الشرعية ~~- من الإمامة الكبرى والقضاء والاحتساب والإمارة وغيرها - شرط لتحقيق فائدة ~~ذلك المنصب، ونصب الظالم في أي رياسة موجب لفسادها، فبين الكفر والظلم ~~والإمامة منافاة، ولا يجتمع التنافيان في وقت واحد في ذات أصلا، وهذا هو ~~مذهب جميع أهل السنة أن الإمام لا بد أن يكون وقت الإمامة مسلما عادلا، لا ~~أنه لم يكن قبل الإمامة كافرا وظالما، ومن كفر أو ظلم ثم تاب عنه من بعد ~~ذلك وأصلح فلا يصح أن يطلق عليه أنه كافر أو ظالم أصلا في لغة وعرف وشرع، ~~إذ قد تقرر في الأصول أن المشتق فيما قام به المبدأ في الحال حقيقة وفي ~~غيره مجاز، ولا تكون المجاز أيضا مطرودا بل حيث يكون متعارفا ينبغي أن يطلق ~~هنالك، كما تقرر في محله أن المجاز لا يطرد وإلا لجاز «نخلة» لطويل غير ~~الإنسان، و «صبي» لشيخ، وهي سفسطة قبيحة، (2) كذا النائم للمستيقظ والفقير ~~للغني والجائع للشبعان والحي للميت وبالعكس. وقد روى الزاهدي في حديث طويل ~~أن أبا بكر قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - بمحضر من المهاجرين والأنصار ~~«وعيشك يا رسول الله، إني لم أسجد للصنم قط، فنزل جبريل وقال: صدق أبو بكر» ~~وكذلك ذكر أهل السير والتواريخ في أحوال أبي بكر أنه لم يسجد لصنم قط، فصحت ~~إمامته بملاحظة هذا الشرط أيضا وصارت إجماعا والحمد لله. # الدليل الثالث: أن الإمام لابد أن يكون منصوصا عليه، ولا يوجد نص في غير ~~الأمير، فغيره لا يكون إماما بل هو ms172 الإمام. (3) # والجواب بعد أن نذكر ما اسلفنا في تصحيح الدليل الأول من عكس الترتيب وضم ~~قياس آخر معه أن المقدمتين ممنوعتان: أما منع الصغرى فلما مر من قول ~~الأمير: إنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اختاروا رجلا وسموه إماما كان ~~لله رضا. وأما منع الكبرى فلأنه لو وجد النص في علي، فإما في القرآن أو ~~الحديث فقد مر الأمران جميعا. PageV01P181 # ولأنه لو وجد النص لكان متواترا إذ لا عبرة للآحاد في الأصول، ولا أقل من ~~أن يعرفه أهل بيته، وهم قد أنكروه، (1) ولأنه لو وجد النص في الإمام لوجد ~~في كل الأئمة، وقد اختلف أولاد كل إمام بعد موته في دعوى الإمامة، (2) ~~ولأنه لو وجد النص لما وقع الاختلاف بينهم، ولأنه لو وجد النص فإما أن ~~يبلغه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى عدد التواتر أو لا، وعلى الأول إما ~~أن يكتموه عند الحاجة إلى إظهاره أو يظهروه، ولا سبيل إلى الثاني بالإجماع، ~~والأول يرفع الأمان عن التواتر ويستلزم كذب المتواترات، وإن لم يبلغه النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - إلى عدد التواتر لم تلزم الحجة فيه على المكلفين ~~فتنتفي فائدة النص، بل يلزم ترك التبليغ في حق النبي وهو محال. # الدليل الرابع: أن الأمير كان متظلما ومتشكيا من الخلفاء الثلاثة دائما ~~في حياته، وبين أنه مظلوم ومقهور، وما ذاك إلا لغصب الإمامة منه فتكون ~~الإمامة حقه دون غيره، إذ الأمير صادق بالإجماع. (3) # وأنت تعلم أن هذا الدليل غير مذكور بتمامه، فإن كبراه مطوية وهي «وكل من ~~كان كذلك فهو إمام» فيلوم من بعد تسليمه أن يكون كل من أوذوا وظلموا حقيقة ~~أئمة، وهذا خلف، واعتبار القيود الأخر يبطل التعدد ويجعله حشوا. # وأجيب عن هذا الدليل بمنع صحة تلك الروايات، لأن أهل السنة لم يثبت عندهم ~~إلا روايات الموافقة والمناصحة والثناء بالجميل ودعاء الخير فيما بينهم ~~والمعاونة والإمداد ونحوها. وأكثر روايات الإمامية في هذا الباب موافقة ~~لروايات كما تقدم نقله عن الأمير في نهج البلاغة في قصة عمر، ومن ثنائه ~~عليهم بالخير ms173 في حياتهم وبعد موتهم، وارتضائه بأعمالهم وشهادته لهم بالنجاة ~~والفوز. وروايات أهل السنة في هذا الباب أكثر من أن تحصى. ولنذكر منها هنا ~~رواية واحدة رواها الحافظ أبو سعيد ابن السمعان (4) في (كتاب الموافقة) ~~PageV01P182 # وغيره من المحدثين عن محمد بن عقيل بن أبي طالب أنه لما قبض أبو بكر ~~الصديق وسجي عليه ارتجت المدينة بالبكاء كيوم قبض رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، فجاء علي باكيا مسترجعا وهو يقول «اليوم انقطعت خلافة النبوة» ~~فوقف على باب البيت الذي فيه أبو بكر مسجى فقال «رحمك الله أبا بكر، كنت ~~إلف رسول الله وأنيسه ومستروحه وثقته وموضع سره ومشاورته، كنت أول قومه ~~إسلاما وأخلصهم إيمانا، وأشدهم يقينا، وأخوفهم لله، وأعظمهم غناء في دين ~~الله عز وجل، وأحوطهم لرسول الله وأشفقهم عليه، وأحدبهم الإسلام، وأمنهم ~~على أصحابه، وأحبهم صحبة، وأكثرهم مناقب، وأفضلهم سوابق، وأرفعهم درجة، ~~وأشبههم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - هديا وسمتا ورحمة وفضلا وخلقا، ~~وأشرفهم عنده منزلة وأكرمهم عليه، وأوثقهم عنده. جزاك الله عن الإسلام وعن ~~رسول الله وعن المسلمين خيرا. كنت عنده بمنزلة السمع والبصر، صدقت رسول ~~الله حين كذبه الناس فسماك الله في تنزيله صديقا فقال عز وجل {والذي جاء ~~بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون} فالذي جاء بالصدق محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -، وصدق أبو بكر. وأسيته حين بخلوا، وقمت معه عند المكاره حين عنه ~~قعدوا وصحبته في الشدة أحسن الصحبة ثاني الاثنين وصاحبه في الغار والمنزل ~~عليه السكينة ورفيقه في الهجرة وخليفته في دين الله عز وجل. أحسنت الخلافة ~~حين ارتد الناس وقمت بالأمر ما لم يقم به خليفة نبي. نهضت حين وهن أصحابك ~~وبرزت حين استكانوا وقويت حين ضعفوا ولزمت منهاج رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في أصحابه إذ كنت خليفته حقا ولم تنازع ولم تقذع برغم المنافقين ~~وكيد الكافرين وكره الحاسدين وضغن الفاسقين وزيغ الباغين قمت بالأمر حين ~~فشلوا ونظفت حين تعتعوا ومضيت نفوذا إذ وقفوا فاتبعوك فهدوا وكنت أخفضهم ~~صوتا وأعلاهم قوة ms174 وأقلهم كلاما وأصوبهم منطقا وأطولهم صمتا وأبلغهم قولا ~~وأكبرهم رأيا وأشجعهم وأعرفهم بالأمور وأشرفهم عملا. كنت والله للدين ~~يعسوبا حين نفر الناس عنه وآخرا حين فشلوا. كنت للمؤمنين أبا رحيما إذ ~~صاروا عليك عيالا تحملت أثقال ما ضعفوا عنه ورعيت ما أهملوه وحفظت ما ~~أضاعوا وعلوت إذ هلعوا وصبرت إذ جزعوا وأدركت أوطار # PageV01P183 # ما طلبوا ورجوا. أرشدتهم برأيك فظفروا ونالوا بك ما لم يحتسبوا وجليت ~~عنهم فأبصروا. # كنت على الكافرين عذابا واصبا وللمؤمنين رحمة وأنسا وخصبا، فطرت والله ~~بعبابها وفزت بجنابها وذهت بفضائلها وأدركت سوابقها لم تفلل حجتك ولم نضعف ~~بصيرتك ولم تجبن نفسك ولم يزغ قلبك كنت كالجبل لا تحركه العواصف ولا تزيله ~~القواصف. كنت كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمن الناس عليه في ~~صحبتك وذات بلدك. وكما قال ضعيفا في بدنك قويا في أمر الله متواضعا في نفسك ~~عظيما عند الله جليلا في أعين المؤمنين كبيرا في أنفسهم لم يكن لأحد فيك ~~مغمز ولا لقائل فيك مهمز ولا لأحد فيك مطمع. الضعيف الذليل عندك قوي عزيز ~~حتى تأخذ بحقه والقوي العزيز عندك ضعيف حتى تأخذ منه الحق. والقريب والبعيد ~~عندك سواء. أقرب الناس إليك أطوعهم لله وأتقاهم له شأنك الحق والصدق والرفق ~~وقولك حكم وجزم وأمرك حلم وحزم ورأيك علم وعزم حتى بلغت والله بهم السبيل ~~وسهلت العسير وأطفأت النيران واعتدل بك الدين وقوي الإيمان وثبت الإسلام ~~والمسلمون وظهر أمر الله ووكره الكافرون، فسبقت والله سبقا بعيدا وأتعبت من ~~بعدك إتعابا شديدا وفزت بالخير فوزا مبينا فجللت عن البكاء وعظمت رزيتك ~~وهدت مصيبتك الأنام فإنا لله وإنا إليه راجعون». (1) # وهذه خطبة واحدة من الأمير في مدح أبي بكر، ولو أحصينا جميع خطب الأمير ~~وكلماته في فضائل أبي بكر وعمر ومدحهما المروية في كتب أهل السنة بالطرق ~~الصحيحة لبلغت مفردا كنهج البلاغة بل أطول منه. # فإن قلت إن روايات الشيعة في باب تظلم الأمير وشكايته إن كانت كلها ~~موضوعة من رؤسائهم فإن مما يستبعده العقل أن ms175 جمعا كثيرا اجتمعوا على ~~الافتراء على الأمير فلا بد من منشأ للغلط فذلك المنشأ ما هو؟ قلت: إن ~~رواتهم كما كذبوا على الأئمة كانوا يكذبونهم كما ورد ذلك عنهم فيما تقدم، ~~وكذبوا عليهم أيضا في المطاعن على الصحابة. وغاية ما في الباب أن مكذبات ~~تلك الروايات وصلت إلى الشيعة أيضا بطرقهم الأخر ومكذبات روايات المطاعن ~~على الصحابة ما وصلت من PageV01P184 # طرق الشيعة إليهم أو وصلت ولم يفهموا منها التكذيب الصريح لتلك الروايات ~~كما نقل من الصحيفة الكاملة ونهج البلاغة. ولما اجتمعت فرق الشيعة على بغض ~~الصحابة واعتقاد السوء في حقهم لم يرووا ما يكذب تلك الروايات ولم يظهروه ~~بل قصدوا تأييد كذب أوائلهم حيث صار هذا التأييد أهم المطلوب عندهم فمن ثمة ~~صار هذا الكذب إجماعيا لهؤلاء الفرق وأما الأكاذيب الأخر التي في العقائد ~~الإلهية فرواها بعضهم وكذبها بعضهم. # الدليل الخامس: أن الأمير ادعى الإمامة وأظهر المعجزة على وفق دعواه كقلع ~~باب خيبر (1) وحمل الصخرة العظيمة ومحاربة الجن ورد الشمس بعد غروبها (2) ~~فكان في دعواه صادقا فكان إماما. (3) # وهذا الطريق في تقرير الكلام مأخوذ من استدلال أهل السنة في إثبات نبوته ~~- صلى الله عليه وسلم - ولكن بينهما مشابهة في صورة الكلام دون صحة ~~المقدمات فإنها ممنوعة منعا ظاهرا. أما أولا فلأن ذكر المعجزة في إثبات ~~الإمامة إنما هو خطأ محض فكيف يسلم؟ إذ المعجزة لإثبات النبوة دون الإمامة ~~وغيرها من المناصب الشرعية كالقضاء والإفتاء والاجتهاد وسلطنة الناحية ~~وإمارة العسكر والوزارة وأمثالها. ووجهه أن بعثة النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لما كانت من قبل الله تعالى بلا واسطة لم يمكن إثبات نبوته بدون ~~تصديق الله تعالى بخلق المعجزة على يده حين التحدي بخلاف هذه المناصب فإنها ~~تثبت بقول النبي أو بتفويضها إلى الأمة. وأيضا دلالة المعجزة منحصرة في حق ~~الأنبياء عليهم السلام فلو استدل أحد من غيرهم بها لم يكن استدلاله معتبرا ~~في الشرع. ولما كانت الإمامة متعينة بتعيين النبي أو باختيار أهل الحل ~~والعقد لم يجز أن تكون المعجزة دليلا ms176 عليها. على أن روايات الإمامية ~~PageV01P185 # مكذوبة لقول من يقول بادعاء الأمير للإمامة في خلافة الخلفاء الثلاثة ~~وكذلك ما يقولون من وجوب التقية ومن أن الرسول أوصى الأمير بالسكوت كما ~~تقدم. وظهور خوارق العادات والكرامات من الأمير مسلم الثبوت ولكن ليس ذلك ~~مخصوصا فيه لصدور مثل ذلك من الخلفاء الثلاثة والصحابة الآخرين وصلحاء ~~الأمة أيضا. (1) على أن قلعة لباب خيبر وقع في زمن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وإظهار المعجزة قبل الدعوى غير محتاج إليه ولا تثبت به الدعوى. ~~ومحاربة الجن لا أثر لها في كتب أهل السنة بل هي مروية بمحض رواية الشيعة ~~هكذا: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما خرج إلى غزوة بني المصطلق أخبره ~~جبريل في أثناء الطريق بأن الجن اجتمعت في البئر الفلانية وتريد أن تكيد ~~لعسكركم فأرسل النبي الأمير عليهم فقتلهم! (2) فلو صحت هذه الرواية يكون ~~ذلك من معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم -. وكذا رفع الصخرة العظيمة ليس ~~موجودا في كتب أهل السنة، بل ذكر في كتب الشيعة أن الأمير لما توجه إلى ~~صفين عطش يوما أصحابه في أثناء المرور بفقد الماء فأمر الأمير بأن يحفروا ~~موضعا قرب صومعة راهب فظهرت في أثناء الحفر صخرة عظيمة عجزوا عن نقلها ~~فأخبروا بها الأمير فنزل فرفعها من هنالك ورماها إلى مسافة بعيدة وظهرت تلك ~~الصخرة عين الماء فشرب أهل العسكر فلما شاهد راهب تلك الصومعة هذا الأمر ~~أسلم وقال: نحن وجدنا في الكتب القديمة أن رجلا كذا وكذا ينزل قرب هذا ~~الدير ويرفع هذه الصخرة ويكون على الدين الحق. (3) وبالجملة إن ثبتت هذه ~~الكرامة تكون كسائر كراماته - رضي الله تعالى عنه -، وليست دعوى الإمامة ~~مذكورة هنا، ولم تقع هذه القصة في مقابلة أهل الشام أيضا. وأما رد الشمس ~~فأكثر محدثي أهل السنة كالطحاوي وغيره صححوه وعدوه من معجزات النبي بلا ~~شبهة إذ أرجع الشمس بعد غروبها ليحصل وقت صلاة العصر للأمير بدعاء النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، ولتكون صلاته أداء. (4) وأين كانت في ذلك دعوى ~~الإمامة؟ ms177 ومن كان حينئذ منكرا ومقابلا له! PageV01P186 # (1) # الدليل السادس أن الشيعة قالوا: ما روى أحد من الموافق والمخالف ما يوجب ~~الطعن والقدح في الأمير، بخلاف الخلفاء الثلاثة فإن الموافق والمخالف رويا ~~القوادح الكثيرة في حقهم بحيث يسلب استحقاق الإمامة عنهم، فالأمير الذي هو ~~سالم عن قوادح الإمامة يكون متعينا لها. # ولا يخفى أن هذا الدليل - على ما بيناه في تصحيح دلائلهم سابقا - ليس على ~~ما ينبغي من طريق القياس الذي يستدل به على المطلوب، فإن ما ذكره المدعي ~~ههنا إنما هو بيان لإثبات الصغرى في كلا القياسين اللذين يستدل بمجموعهما ~~على المطلوب، وهما هذا: أن كلا من الخلفاء الثلاثة دون الأمير مقدوح فيه ~~ومطعون عليه بما يسلب عنهم استحقاق الإمامة، وكل من كان كذلك فليس إماما، ~~والأمير سالم من ذلك، وكل من كان كذلك فهو إمام، لأن كلا من الموافق ~~والمخالف روى في حقهم ولم يروا في حقه القوادح الموجبة لسلب استحقاق ~~الإمامة. # ويجاب بأنا لا نسلم السلامة من القوادح ولا الطعن بها في حقه وحقهم ~~مطلقا، ولا رواية الموافق تلك القوادح أيضا، ولا سلب ما روى المخالف ~~الاستحقاق عنهم، ولا كونها حقه، وكل ذلك ممنوع منعا ظاهرا، لأن الخلفاء ~~الثلاثة كما روى المخالفون (2) (وهم الشيعة وإخوانهم، لا الموافقون الذين ~~هم أهل السنة وأمثالهم) القوادح الباطلة في حقهم، كذلك رواها في حق الأمير ~~مخالفوه من الخوارج وغيرهم، دون من يوافقونه من أهل السنة والشيعة، فلا ~~سلامة ولا قدح من كل وجه، ولا ضير بالقوادح الباطلة من المخالف في ~~الجانبين، فقد تبين أن حالة كحالهم مطلقا. وأما كبرى القياسين PageV01P187 # فالأولى منقوضة بالأنبياء عليهم السلام لأنهم قد قدح فيهم وطعن عليهم ~~المبطلون، وكل ما يمنع تحقق العالم يمنع تحصل الخاص بالضرورة. والأخرى بمن ~~سلم منها باتفاق الفريقين كابن عباس وأبي ذر وعمار وأمثالهم، وإذا دريت هذا ~~فانظر أن الذين قالوا بإمامة الخلفاء الثلاثة وهم أهل السنة والمعتزلة لم ~~يرووا من قوادحهم قط، بل قرر الشيعة بسبب بغضهم وعنادهم للخلفاء الثلاثة ~~بعض الأشياء بطريق ms178 المطاعن والقوادح، ليست تلك الأشياء في الحقيقة محلا ~~لطعن وقدح أصلا كما سيأتي في المطاعن، ولو كانت محلا لها لكانت على ~~الأنبياء والأئمة أيضا مطاعن، بل من يطالع كتب الشيعة بالتأمل يجدها مملوءة ~~بالمطاعن في الأنبياء والأئمة، وما قالوا من أن أحدا من الموافق والمخالف ~~لم يرو ما يقدح في حق الأمير فخبط آخر، لأنهم إن أرادوا بالمخالف أهل السنة ~~فلا يجدي لهم نفعا، فإن أهل السنة لما كانوا معتقدين بصحة إمامته لم يرووا ~~قوادحه، وإن أرادوا به الخوارج وأمثالهم فكذب صريح فإنهم قد سودوا الدفاتر ~~الطويلة والزبر الكثيرة في هذا الباب. (1) ومن جملة من ذكر المطاعن الأمير ~~عبد الحميد المغربي الناصبي في كتابه، وقد دفع كثيرا منها ابن حزم من علماء ~~أهل السنة في كتابه (الفصل) (2) والشريف من علماء الشيعة في (تنزيه ~~الأنبياء والأئمة) وأعرضنا عن ذكر تلك المطاعن والجواب عنها، لأن ذكرها مما ~~لا يليق بنا في هذا الكتاب. ### | تتمة لبحث الإمامة # اعلم أن القدر المشترك في جميع فرق الشيعة المجمع عليه بينهم إنما هو كون ~~الأمير - رضي الله تعالى عنه - إماما بلا فصل، وإمامة الخلفاء الثلاثة ~~باطلة ولا أصل لها. وقد تبين بأوضح البيان إبطال أهل السنة عليهم هذا القدر ~~المشترك، واتضح حق الاتضاح مخالفة هؤلاء الفرق كلهم في ذلك القدر بجميع ~~وجوهه لنصوص الكتاب المجيد وأقوال العترة الطاهرة. وأما بعد هذا القدر ~~المشترك فلهم اختلاف كثير فيما بينهم PageV01P188 # بحيث أن بعضهم يضللون ويكفرون ويبطلون بعضا آخرين ويشنعون عليهم، وكفى ~~الله المؤمنين القتال، فقد سقط عن أهل السنة عبء تلك المجادلة الباطلة فلا ~~حاجة بذكر الاختلافات في هذا الكتاب الذي ألف لما بين أهل السنة والشيعة ~~خاصة. (1) ### | (كثرة اختلاف الشيعة) # ولنذكر قليلا من أقوالهم في شروط الإمامة ومعناها وتعيين الأئمة وعددهم ~~تنبيها على أن كثرة الاختلاف في شيء دليل على كذبه، لينقلب عليهم طعنهم ~~الوارد منهم على أهل السنة باختلاف الفروع، لأن اختلافهم في الأصول، وظاهر ~~أن أديان الأنبياء السابقين كانت مختلفة في الفروع فقط ومتفقة في ms179 الأصول ~~كما قال الله تعالى {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا} الآية. فالدين الذي ~~تكون أصوله مختلفا فيها هو أعجب الأديان بل هو باطل كملة الكفر، إذ هو ~~حينئذ لا يشبه بدين من أديان الأنبياء الماضيين فضلا عن دين الإسلام. # ثم لا يخفى ان معنى الإمامة عند الغلاة (2) محض الحكومة وإجراء الأحكام ~~والأوامر والنواهي وشأن من شؤون الألوهية، وعند غيرهم معناها نيابة عن ~~النبي في أمور الدين والدنيا. والزيدية قاطبة لا يشترطون العصمة في ~~الإمامة، ولا يحسبون النص في حقه ضروريا أيضا، بل الأفضلية عندهم لازمة ~~أيضا، وإنما معنى الإمامة عندهم الخروج بالسيف، ويعتقدون الإظهار من عمدة ~~شرائط الإمامة. والإسماعيلية - إلا النزارية - يشترطون العصمة، (3) وأما ~~النزارية فهم لا يثبتونها بل يقولون إن الإمام غير مكلف بالفروع، ويجوز له ~~كل ما أراد من السوء والفحشاء كاللواطة والزنا وشرب الخمر ونحوها. ~~PageV01P189 # (1) ونقل شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي في التهذيب (2) عن شيخه الملقب ~~بالمفيد أنه قال: إن أبا الحسين الهاروني كان أولا شيعيا قائلا بالإمامة ثم ~~لما التبس عليه أمر التشيع بسبب كثرة اختلاف الإمامية ووجد أخبارهم متناقضة ~~متعارضة بغاية الكثرة والشدة رجع عنه وصار شافعيا، ومن كانوا استفادوا ~~وتلمذوا منه في مدة عمره هذه اتبعوه في الرجوع وتبرأوا من المذهب. (3) ~~والحق أن من تأمل في هذا المذهب تأملا صادقا وعثر على أخبار أصحابه واختلاف ~~أقوالهم كا ينبغي فقد علم باليقين أن سبيل النجاة في هذا المذهب مسدود ~~وطريق الخلاص من مضيق التعارض فيه مفقود، فبالضرورة يتركه ويرجع إلى ~~المذاهب الأخرى إن كان من أهل الحق. وتفصيل ذلك أن الشيعة لهم روايات كثيرة ~~متعارضة عن أئمتهم، بحيث يررون عن كل إمام كلاما مخالفا للإمام الآخر ~~ومخالفا لكتاب الله وسنة رسوله، واحتمال النسخ هنا منتف البتة، إذ ناسخ ~~كلام النبي لا يكون إلا نبيا آخر، ولا يجوز للإمام أن ينسخ أحكاما إلهية أو ~~سنن النبي، وإلا فالإمام لا يكون إماما، إذ الظاهر أن الإمام نائب لا مخالف ~~له ولا نبي مستقل. # وأيضا ms180 لو قلنا بالنسخ لقلنا بالضرورة إن الإمام المتأخر ناسخ لكلام ~~الإمام المتقدم، فصار مدار العمل على روايات الإمام المتأخر مع أن هؤلاء ~~الفرقة قد أجمعوا في كثير من المواضع على العمل بروايات المتقدم. (4) وأيضا ~~يمتنع النسخ في الأحكام المؤبدة أيضا وإلا يلزم تكذيب المعصوم، مع أن ~~اختلاف رواياتهم قد وقع في الأحكام المؤبدة أيضا، فزال احتمال النسخ ~~بالكلية، ووجوه ترجيح أحد الخبرين على الأخر لتوثيق رواتهم مطلقا مسدودة، ~~لأن عدة كتب في مذهبهم قرروها كالوحي المنزل من السماء (5) وما أتى به أحد ~~يحسبه الآخر من تراب الأرض، فلو وثقناها كلها بزعم علمائهم لا يمكن ترجيح ~~بعضها على بعض، وإذا قلنا ما قال بعض الإخباريين PageV01P190 # في حق بعضهم وشرعنا في الطعن والجرح عليهم بناء على قولهم يصيرون كلهم ~~مطعونين ومجروحين فلم يظهر سبيل للترجيح أصلا، فبالضرورة لزم تساقط ~~رواياتهم، وانجر الأمر إلى تعطيل الاحكام. # وهذه كلها في روايات فرقة واحدة منهم كالاثني عشرية مثلا، إذ كل عالم ~~منهم يروي مخالفا لرواية الآخر. مثلا جمع منهم رووا بأسانيد صحيحة أن المذي ~~لا ينقض الوضوء، (1) وجمع أخرون رووا كذلك أنه ينقض الوضوء. (2) وجماعة روت ~~أن سجدة السهو لا تجب في الصلاة، وجماعة روت أنها تجب فيها، (3) والأئمة ~~أيضا سجدوا للسهو. (4) وبعضهم يروون أن إنشاد الشعر ينقض الوضوء، (5) ~~وبعضهم يروون أنه لا ينقضه (6) وجمع يروون أن المصلي إن لعب عبث بلحيته أو ~~بأعضائه الأخر لا تفسد صلاته، (7) وجمع يرون أن المصلي أن يلعب بخصيتيه ~~وذكره تجز صلاته. (8) وهذه الأحوال توجد في جميع أخبارهم كما يشهد بذلك ~~كتاب الفقيه. # ومن تصدى من علمائهم للجمع بين الروايات فقد أتى بأعمال عجيبة، وقد قدموا ~~في هذا الأمر شيخ طائفتهم صاحب التهذيب (9) وغاية سعيه هو الحمل على ~~التقية، (10) وقد حمل في بعض المواضع على التقية شيئا ليس ذلك مذهب أحد من ~~المخالفين أو كان مذهبا ضعيفا بأن المخالفين لم يذهبوا إليه إلا أحد أو ~~اثنان اختاروه، وظاهر أن الأئمة العظام لم يكونوا جبانين خائفين بهذا القدر ~~حتى يبطلوا ms181 عباداتهم بتوهم أنه لعل أحدا اختار هذا المذهب ويكون حاضرا في ~~هذا الوقت، معاذ الله من سوء الاعتقاد في جناب الأئمة! وفي بعض المواضع حمل ~~جملة من الخبر على التقية وترك مدلول الجملة الثانية منه الذي هو مخالف ~~لمذهب أهل السنة على حاله. ولو كانت التقية فلا معنى في اختيار التقية في ~~جملة غير مخالفة والإظهار في جملة أخرى هي مخالفة لمذهب أهل السنة. فهل هم ~~يعتقدون أن الأئمة كانوا - معاذ الله - براء من العقل والفهم؟ مثاله خبر ~~علي - رضي الله تعالى عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره بغسل ~~الوجه مرتين وبتخليل PageV01P191 # أصابع الرجلين حين غسلهما، (1) مع أن غسل الوجه مرتين مذهب الشيعة لا ~~مذهب أهل السنة (2) فإنهم قد أجمعوا على كون التثليث مسنونا فلزم الجمع بين ~~الإظهار والتقية! (3) وقد ارتكب في بعض المحال تأويلات ركيكة بحيث أسقط ~~كلام الإمام عن علو مرتبة البلاغة. # فمن تأويلهم لكلام السجاد الوارد عنه في دعائه أنه قال «إلهي عصيت وظلمت ~~وتوانيت» وهذا الدعاء عن الأئمة الآخرين أيضا في كتبهم الصحيحة، وعلى كل من ~~تقديري الصدق والكذب هو مناف للعصمة، وليس المحل محل التقية إذ حالة ~~المناجاة لا تسعها وهم يقولون إن مراد الأئمة أن شيعتنا عصوا وظلموا ~~وتوانوا ولكن رضينا بهم شيعة ورضوا بنا أئمة فحالنا حالهم وحالهم حالنا! ~~سبحان الله، لو ثبت هذا الاتحاد في الأحوال بين الشيعة والأئمة كيف سرى ~~عصيان الشيعة وظلمهم وتوانيهم في نفوس الأئمة ولم تسر طاعة الأئمة وعدلهم ~~وعباداتهم في ذوات الشيعة؟ فحينئذ يلزم أن تغلب أحوال الشيعة على أحوال ~~الأئمة وهي صارت مغلوبة، بل يلزم في ذوات الأئمة على هذا التقدير اجتماع ~~أمور متناقضة كالفسق والصلاح والعصمة والمعصية والظلم والعدل، ولا يمكن أن ~~تحمل أحوال الشيعة في حق الأئمة بالمجاز فإنه يمتنع في مثل هذه الأدعية ~~التي يكون الحقيقة فيا من الكلام مقصودة كما هو الأظهر معاذ الله من سوء ~~الاعتقاد! ولم يوجد قط في محاورة العرب والعجم نظير لنحو هذه التأويلات ~~أصلا. وما ms182 يلزم - باعتبار علم الإعراب - من ركاكة الألفاظ ههنا غير خاف ~~كحمل ضمير المتكلم الواحد على جمع الغائب وصيغة المتكلم على الغيبة. ~~وباعتبار فن البلاغة من قباحة المعاني كإضافة المتكلم فعل الغير إلى نفسه ~~من غير علاقة صارفة إلى المجاز من السببية والأمرية والمحلية والحالية وغير ~~ذلك مما ذكر في موضعه، ومع ذلك ينسبون مثل هذا الكلام الفاسد إلى من بلغ ~~الدرجة العليا من البلاغة. وما الذي يحمل الأئمة على أن ينسبوا ظلم شيعتهم ~~وعصيانهم إلى أنفسهم فيلوثوا أذيالهم الطاهرة بتلك النسبة حتى جعلوا لمنكري ~~عصمتهم سندا قويا وأضلوا جمعا كثيرا من الأمة بتلك الكلمات التي لم تكن ~~ضرورية لهم حاشاهم ثم حاشاهم. وأيضا الأظهر والأجلى أن المسائل الفروعية قد ~~وقعت فيها اختلافات القرون الأولى ولأهل السنة أيضا PageV01P192 # اختلافات فيما بينهم ولا يحسبونها في الفروع نقصانا للمختلفين فيها ولا ~~يطاعنون ولا يعاتب فيها بعضهم بعضا. وكان كل واحد منهم في الزمن الأول ~~يناظر ويحاجج في الفروع ويظهر مذهبه فيها ويقيم الدلائل عليه ويستنبط ~~ويجتهد بلا مخافة ويضعف دلائل مخالفه جهرا. فأي شيء كان حاملا للأئمة على ~~التقية في مسائل الفروع؟ ولقد ناظر الأمير في زمن الخليفة الثاني والثالث ~~مناظرات كثيرة في بيع أمهات الأولاد وتمتع الحج ومسائل أخر حتى انجر الأمر ~~من الجانبين إلى العنف ولم يتنفس أحد منهم ولا سيما الخليفة الثاني فإنه ~~كان بزعم الشيعة في هذا الباب أكثر انقيادا (1) بحيث إذا ذكر أحد دليلا من ~~الكتاب أو السنة بين يديه اعترف حتى ألزمته امرأة من نساء العوام في ~~المغالاة بالمهر وهو صار معترفا وقائلا «كل الناس أفقه من عمر حتى المخدرات ~~(2) في الحجال» (3) # وعد الشيعة هذه القصة في مطاعنه فالأمير لم يكن ليستعمل التقية في ~~المسائل الفروعية ويترك إظهار الحكم المنزل من الله الذي كان واجبا عليه ~~إظهاره في ذلك الحين. وأيضا إن الأئمة المتأخرين كالسجاد والباقر والصادق ~~والكاظم والرضا - رضي الله تعالى عنهم - كانوا قدوة أهل السنة وأسوة لهم، ~~وعلماؤهم كالزهري وأبي حنيفة ومالك أخذوا العلم منهم. ms183 وقد روى محدثو أهل ~~السنة عنهم في كل فن لا سيما في التفسير أحاديث كثيرة فأي حاجة لهؤلاء ~~الكرام أن يرتكبوا التقية مخافة هؤلاء الناس؟ وهذا الكلام وقع في البين ~~ولنرجع إلى ما كنا فيه فنقول: ### | (اختلاف الإمامية في أئمتهم) # اعلم أن الإمامية قائلون بانحصار الأئمة ولكنهم مختلفون في مقدارهم فقال ~~بعضهم خمسة (4) وبعضهم سبعة (5) وبعضهم ثمانية وبعضهم اثنا عشر (6) وبعضهم ~~ثلاثة عشر (7) وقالت الغلاة الأئمة آلهة أولهم محمد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى الحسين ثم من صلح من أولاد الحسين إلى جعفر بن محمد وهو ~~الإله الأصغر وخاتم الآلهة ثم من بعده نوابه وهم من صلح من أولاد جعفر. (8) ~~وذهبت فرقة منهم إلى أن الإمام في هذه الأمة اثنان: محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - وعلي بن أبي طالب، وغيرهما ممن كان لائقا لهذا الأمر من أولاد علي ~~فهم نوابهما. (9) وقالت الحلولية: إن الإمام من يحل فيه الإله وجرى بينهم ~~اختلاف فقال الكيسانية: إن الإمام بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - علي ثم ~~محمد بن الحنفية. (10) وقالت المختارية منهم: إن الإمام بعد علي ~~PageV01P193 # الحسن ثم الحسين ثم محمد بن الحنفية. (1) وكل فرقة من فرق الشيعة ينقلون ~~عن إمامهم المزعوم أخبارا وروايات في أحكام الشريعة ويدعون تواترها: ~~فالفرقة الأولى من الكيسانية تقول: إن محمد بن الحنيفة ادعى الإمامة بعد ~~موت أبيه وقد نص أبوه على إمامته. والفرقة الثانية أعني المختارية يقولون: ~~إن ادعاء محمد بن علي (2) للإمامة قد وقع بعد شهادة الإمام الحسين، ولكن ~~رجع في الآخر عن تلك الدعوى وأقر بإمامة ابن أخيه علي بن الحسين - رضي الله ~~تعالى عنهم - أجمعين. وروى الراوندي في (معجزات السجاد) (3) عن الحسين بن ~~أبي العلاء وأبي المعزي حميد بن المثنى جميعا عن أبي بصير عن أبي عبد الله ~~- عليه السلام - قال: جاء محمد بن الحنفية إلى علي بن الحسين فقال: يا علي ~~ألست تقر أني إمام عليك؟ فقال: يا عم لو علمت ذلك ما خالفتك وإن طاعتي عليك ~~وعلى الخلق مفروضة، يا ms184 عم أما علمت أن أبي وصى؟ وتشاجرا ساعة فقال علي بن ~~الحسين: بمن ترضى حتى يكون حكما بيننا؟ فقال محمد: بمن شئت. فقال: ترضى أن ~~يكون بيننا الحجر الأسود؟ فقال: سبحان الله! أدعوك إلى الناس وتدعوني إلى ~~حجر لا يتكلم؟ فقال علي: بلى يتكلم، أما علمت أنه يأتي يوم القيامة وله ~~عينان ولسان وشفتان يشهد على من أتاه بالموافاة، فندنو أنا وأنت فندعو الله ~~عز وجل أن ينطقه سبحانه لنا أينا حجة الله على خلقه فانطلقا ووقفا عند مقام ~~إبراهيم ودنيا من الحجر الأسود وقد كان محمد بن الحنفية قال: لئن لم يجبك ~~إلى ما دعوتني إليه إنك إذن لمن الظالمين فقال علي لمحمد: تقدم يا عم إليه ~~فإنك أسن مني. # فقال محمد للحجر: أسألك بحرمة الله وحرمة رسوله PageV01P194 # وحرمة كل مؤمن إن كنت تعلم أني حجة الله على علي بن الحسين إلا ما نطقت ~~بالحق فلم يجبه ثم قال محمد لعلي: تقدم فاسأله فتقدم علي فتكلم بكلام خفي ~~ثم قال: أسألك بحرمة الله وحرمة رسوله وحرمة أمير المؤمنين علي وبحرمة ~~الحسن والحسين وفاطمة بنت محمد إن كنت تعلم أني حجة الله على عمي إلا ما ~~نطقت بذلك وتثبت له حتى يرجع عن رأيه. فقال الحجر بلسان عربي مبين: يا محمد ~~بن علي اسمع وأطع لعلي بن الحسين لأنه حجة الله عليك وعلى جميع خلقه، فقال ~~ابن الحنفية عند ذلك: سمعت وأطعت وسلمت. (1) PageV01P195 # والكيسانية يصدقون هذه الدعوى ولكنهم ينكرون شهادة الحجر بل يقولون بوقوع ~~الشهادة على العكس. فإن الحجر شهد بدعاء محمد بن الحنفية واعترف علي بن ~~الحسين بإمامته ويؤيدون ذلك بسكوت علي بن الحسين عن الإمامة بعد هذه ~~الواقعة وشروع محمد ابن الحنفية بإرسال رسائله وكتبه إلى المختار وشيعة ~~الكوفة الذين كانوا مشتغلين بقتال المروانية وكانوا يرسلون الهدايا والتحف ~~والخمس إلى محمد بن علي لا إلى علي بن الحسين وما دعاهم علي بن الحسين إلى ~~نفسه (1) وذكر القاضي نور الله التستري في (مجالس المؤمنين) أن محمد بن ~~الحنفية لما ms185 مات اعتقد شيعته بإمامة ابنه أبي هاشم، وكان عظيم القدر، ~~والشيعة متبعين له وأوصى محمد بن الحنفية بإمامته، فقد علم صريحا أن محمد ~~بن الحنفية لم يرجع عن اعتقاده حتى فوض الإمامة إلى أولاده (2) وأيضا نقل ~~القاضي كتاب محمد بن الحنفية الذي كان أرسله إلى المختار وشيعته الكوفة ~~بهذه العبارة: أيها المختار اذهب أنت من مكة إلى الكوفة وقل لشيعتنا اخرجوا ~~واطلبوا ثأر الإمام الحسين، وخذ البيعة من أهل الكوفة. قالوا إن أكثر أهل ~~الكوفة قد تولوا عن سليمان بعد إظهار المختار كتاب محمد ابن الحنفية، فقال ~~سليمان لشيعته: إن خرجتم من قبل محمد بن الحنفية فلا بأس به، ولكن إمامي ~~علي بن الحسين. (3) انتهى كلامه. ويدل بالصراحة ما نقله القاضي من الكتاب ~~وقوله «تولوا عن سليمان» على أن محمد بن الحنفية لم يكن رجع عن اعتقاده. ~~وأيضا نقل القاضي (4) عن أبي المؤيد الخوارزمي الزيدي أن المختار أرسل إلى ~~محمد بن الحنفية رءوس أمراء الشام PageV01P196 # مع كتاب الفتح وثلاثين ألف دينار إلى الإمام علي بن الحسين، وقد صلى هو ~~ركعتين شكرا على هذه الموهبة، وأمر أن يعلقوا رءوس أهل الشام، وقد منعه ابن ~~الزبير من التعليق وأمر بدفنها فدفنوها. (1) انتهى كلامه. # فقد تبين أن المختار كان معتقدا بإمامة محمد بن علي، ولا يحمل اعتقاده ~~على التقية إذ لا ضرورة له عليها. وينبغي أن يستمع الآن كلام القاضي نور ~~الله الآخر، ويفهم منه المدعى، فإنه نقل في أحوال المختار عن العلامة الحلي ~~انه قال لا كلام للشيعة في حسن عقيدته، (2) غاية الأمر أنهم كانوا يعترضون ~~على بعض أعماله ويذكرونه بالسوء فاطلع الإمام الباقر على ذلك فمنع الشيعة ~~من التعرض للمختار وقال: «إنه قتل قتلتنا، وأرسل نقودا كثيرة» (3) فلا بد ~~للعاقل أن يتأمل ههنا إذ يعلم من هذا الكلام أن إنكار إمامة إمام الوقت (4) ~~لا يكون سببا للسب والشتم في حق ذلك المنكر. PageV01P197 # (1) بل يلاحظ محبته لأهل بيت الرسول، وجهاده أعداء الله، وإذلال الكفرة ~~والانتقام منهم (2) وإعلاء كلمة الله تنجيه وتوجب فلاحه، ms186 وما يصدر منه من ~~الشنائع يجب علينا أن نستره ونستغفر الله له. وهذا هو مذهب أهل السنة في حق ~~من ينكر إمامة إمام وقته ولكنه متصف بهذه الصفات المذكورة. # وقالت (الزيدية): إن الإمام بعد الإمام الحسين زيد بن علي، ولا يقولون ~~بإمامة علي بن الحسين لأن الخروج بالسيف شرط للإمامة عندهم، والسكوت ~~والتقية منافيان لها ويررون أن زيد بن علي نقل عن أبيه عن جده عن أمير ~~المؤمنين نصوصا وبشارات في حق إمامته، وكان زيد بن علي منكرا لجميع معتقدات ~~الإمامية كما روى الزيدية والإمامية معا إنكاره. (3) # و (الباقرية) يعتقدون أن الإمام الباقر مهدي موعود، وحي لا يموت. # وكذلك (الناووسية) في حق الإمام الصادق، ويروون نصا صريحا بزعمهم عن ~~الصادق وهو قوله «لو رأيتم رأسي تدهده - أي تدحرج - عليكم من هذا الجبل فلا ~~تصدقوا، فإن صاحبكم صاحب السنين». # وروى (المهدوية) من الإسماعيلية في حق إسماعيل بن جعفر نصه بالتواتر أن ~~هذا الأمر في الأكبر، ما لم تكن به عاهة. ويكذبون الإمام الكاظم في دعوى ~~الإمامة ويذكرونه بالسوء فإنه أنكر النص المتواتر بزعمهم كأبي بكر في حق ~~علي. # وقالت (القرامطة) صار محمد إماما بعد أبيه إسماعيل. PageV01P198 # و (الأفطحية) يعتقدون أن عبد الله بن جعفر إمام بلا فصل بعد أبيه لكونه ~~شقيقا لإسماعيل، ولما مات إسماعيل بحضور أبيه وكان النص في حقه بعد موت ~~أبيه أصاب ذلك الشقيق مضمون ذلك النص ميراثا لا غيره من بني العلات، (1) ~~وكانت أم إسماعيل وعبد الله فاطمة بنت الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن ~~أبي طالب، فهذان الأخوان كانا سيدين حسينين من الطرفين. # وقالت (الموسوية) إن الإمام بعد الصادق موسى الكاظم. # وقالت (الممطورية) هو حي لا يموت وهو القائم المنتظر، ويروون عن الأمير ~~نصا متواترا في هذا المدعى أنه قال «سابعهم قائمهم!». و (الاثنا عشرية) ~~معتقدون الإمامية إلى الإمام العسكري بالاتفاق. ثم اختلفوا فقالت ~~(الجعفرية) بإمامة جغفر بن علي، ويقولون: إن الإمام العسكري لم يخلف أبنا، ~~بدليل أن تركته قد ورثها أخوه جعفر كما ms187 ثبت بالإجماع، ولو كان له ولد لم ~~يصب جعفر ميراثه. وقيل كان للإمام العسكري ولد صغير مات في زمن أبيه. وروى ~~الكليني عن زرارة أبن أعين عن أبي عبد الله - عليه السلام - أنه قال لا بد ~~للغلام من غيبة. قلت: ولم؟ قال: يخاف! قلت: وما يخاف؟ فأومأ بيده إلى بطنه. ~~(2) وفهم بعض الاثني عشرية معنى الإشارة «أن الناس كانوا يشكون في ولادته: ~~سيقول بعض منهم سقط حمله، وبعض يقولون لم يكن حمل أيضا» (3) ولكن لا يخفى ~~على العاقل أن إشارة الإمام إلى بطنه في جواب «ما يخاف؟» تأبى هذا المعنى ~~صريحا، لأن الجنين لا يكون له خوف، ولو وجد الخوف لا يندفع باختلاف الناس. ~~(4) # هذا بالجملة، إنما المقصود من بيان اختلاف فرقتهم وادعاء كل منهم التواتر ~~على PageV01P199 # مزعوماتهم هو أن يستدل بذلك على كذبهم وافترائهم؛ إذ لو تواتر خبر إحدى ~~فرقهم أيضا لم يقع الاختلاف قط بينهم، ولم ينازع محمد بن الحنفية السجاد ~~ولم يحكما الحجر الأسود! ولم يقع تنازع بين زيد بن علي والإمام الباقر، ~~وبين جعفر بن علي وبين محمد المهدي، فإن أهل البيت أدرى بما فيه. ومن هذا ~~ينبغي للعاقل أن يتفطن لكذب جميع فرقهم، فإن هذه كلها افتراءات لهم قرروا - ~~على وفق مصلحة الوقت - إماما بزعمهم وأخذوا يدعون إليه ليأخذوا بهذه ~~الذريعة الخمس والنذور والتحف والهدايا من أتباعهم باسم إمامهم المزعوم ~~ويتعيشوا بها، ومتأخروهم قد قلدوا أوائلهم بلا دليل وسقطوا في ورطة الضلال ~~{إنهم ألفوا آباءهم ضالين، فهم على آثارهم يهرعون}. ### | الباب السادس في بعض عقائد الإمامية المخالفة لعقائد أهل السنة ### | العقيدة الأولى # مذهب أهل السنة أن الله تعالى لا يجب عليه بعث العباد بحيث يكون تركه ~~قبيحا عقليا. نعم ولكن البعث والحشر والنشر متحتم الوقوع ألبتة لوعده تعالى ~~بذلك حتى لا يلزم خلف الوعد. وقالت الإمامية بوجوب البعث عليه تعالى وجوبا ~~عقليا، والآيات الكثيرة التي هي دالة على أن البعث المعاد متعلقان بوعده ~~تعالى، وما وقع في آخر تلك الآيات من نحو قوله تعالى {إن ms188 الله لا يخلف ~~الميعاد} مكذبة تكذيبا صريحا لعقيدتهم هذه، وقد سبق أن الوجوب على الله ~~تعالى لا معنى له أصلا. ### | العقيدة الثانية # مذهب أهل السنة أن الأموات لا رجعة لهم في الدنيا قبل يوم القيامة. وقالت ~~الإمامية قاطبة وبعض الفرق الأخرى من الروافض أيضا برجعة بعض الأموات، (1) ~~فإنهم يزعمون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - والوصي والسبطين وأعداءهم - ~~يعني الخلفاء الثلاثة PageV01P200 # ومعاوية ويزيد ومروان وابن زياد وأمثالهم - وكذا الأئمة الآخرين وقاتليهم ~~يحيون بعد ظهور المهدي، ويعذب قبل حادثة الدجال كل من ظلم الأئمة ويقتص ~~منهم، ثم يموتون ثم يحيون يوم القيامة. # وهذه العقيدة مخالفة صريحا للكتاب، فإن الرجعة قد أبطلت في أيات كثيرة ~~منها قوله تعالى {قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت، كلا إنها كلمة ~~هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون} ولا يخفى أن مناط التمسك ومحطه ~~إنما هو قوله {من ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون} (1) فلا يمكن للشيعة أن ~~يقولوا إن الرجعة تستحيل للعمل الصالح لا للقصاص وإقامة الحد والتعزير لما ~~وقع المنع من الرجعة آخر الآية مطلقا. وقال الشريف المرتضى في (المسائل ~~الناصرية): (2) إن أبا بكر وعمر يصلبان على شجرة في زمن المهدي، قيل: إن ~~تلك الشجرة تكون رطبة قبل الصلب فتصير يابسة بعده، فهذا الأمر سيضل به جمع، ~~وهم يقولون: إن هذين البريئين قد ظلما، ولذا صارت الشجرة الخضراء يابسة. ~~وقيل تكون تلك الشجرة يابسة قبل الصلب ثم تصير رطبة خضراء بعد الصلب، وبهذا ~~السبب يهتدي خلق كثير. (3) # والعجب ان هؤلاء الكذابين مختلفون بينهم في هذا الكذب أيضا، فقال جابر ~~الجعفي (4) هو من قدماء هذه الفرقة: إن أمير المؤمنين يرجع إلى الدنيا ~~ودابة الأرض المذكورة في القرآن عبارة عنه. (5) معاذ الله من سوء الأدب. # والزيدية PageV01P201 # كافة منكرون للرجعة إنكارا شديدا، وقد ذكر في كتبهم رد هذه العقيدة ~~بروايات الأئمة وكفى الله المؤمنين القتال. وقد قال الله تعالى {وهو الذي ~~أحياكم} أي أنشأكم من العدم الفطري {ثم يميتكم} عند انقضاء آجالكم {ثم ~~يحييكم} أي ms189 يوم القيامة للجزاء. (1) وقال {وكنتم أمواتا فأحياكم} في الدنيا ~~{ثم يميتكم} بعد انقراض آجالكم {ثم إليه ترجعون}. (2) # والدليل العقلي الموافق لأصول الإمامية على بطلان هذه العقيدة أنهم لو ~~عذبوا بسوء أعمالهم بعد ما رجعوا في الحياة الدنيا ثم يعاد عليهم العذاب في ~~الأخرة لزم الظلم الصريح، فلا بد أن يكونوا في الآخرة معذبين، فحصل لهم ~~تخفيف عظيم عن العذاب المستمر الدائم وراحة أبدية، وذلك مناف لغلط الجناية ~~وعظم الجرم، قال الله تعالى {ولعذاب الآخرة أشد وأبقى}. والدليل الآخر على ~~بطلانها أن الخلفاء الثلاثة لم يرتكبوا ما يوجب تعذيبهم إلا غصب الخلافة ~~وبعض حقوق أهل البيت على زعم الشيعة، وذلك الغصب بعد تسليمه غايته أن يكون ~~فسقا كما عليه متأخروهم أو كفرا كما زعم متقدموهم، ولا شيء من الكفر والفسق ~~يوجب الرجعة في الدنيا بعد الموت قبل البعث، وإلا يلزمهم أن يعتقدوا رجعة ~~الكفرة والفسقة من أهل الأديان كلهم أجمعين، ولا اختصاص لهذا الكفر والفسق ~~بالرجعة، وإلا يلزمهم أن يقولوا بكونها أكبر من الشرك بالله تعالى والكفر ~~به - نعوذ بالله من ذلك - ومن تكذيب الأنبياء وقتلهم بغير حق وإيذائهم ~~ونحوها - معاذ الله من كلها. وهذه اللوازم باطلة محضا عندهم، فقد تبين ~~للعارف المنصف أن هذه العقيدة الخبيثة باطلة على أصولهم والقول بها ضلالة. ~~وأيضا لو كان المقصود من تعذيبهم في الدنيا إيلامهم وإيذائهم يكون ذلك ~~حاصلا لهم في عالم القبر أيضا، فالإحياء عبث والبعث قبيح يجب تنزيه الله ~~تعالى عنه. وإن كان المقصود إظهار جنايتهم عند الناس فقد كان الأولى بذلك ~~الإظهار لمن كانوا معتقدين بحقية خلافتهم وناصرين لهم في زمنهم، فكان لا بد ~~حينئذ أن يؤتى السبطان القدرة على الانتقام منهم حتى لا تضل بقية الأمة ~~ويتبرأوا من أفعالهم. وهذا القدر في تأخير الانتقام بعد ما يمضي أكثر ~~PageV01P202 # الأمة ويأتي آخرون لم يطلعوا على فساد أعمالهم وبطلان أحوالهم أصلا خلاف ~~الحكمة والصلاح، فقد لزم منه ترك الأصلح. وليت هذه الأمور تقع في اليوم ~~الآخر (1) حتى يطلع كل من الأولين والآخرين ms190 على هذا الجزاء والقصاص فيكون ~~لها وجه في الجملة، بخلاف وقوعها قبله إذا مضى أكثر عمر الأمة وبقيت الدنيا ~~قليلا فإن بعض الناس الذين يحضرون ذلك الوقت إن أطلعوا على جنايتهم وذنوبهم ~~فلا فائدة فيه، لأنه لم يكن في ذلك الوقت من يعرف أبا بكر وعمر ومعاوية ~~فيميز أحدهم عن الآخر، بل ينشأ الاحتمال عند كلهم أن عدة ناس سموهم ~~بأساميهم كيزيد وشمر (2) المجعولين في الأيام العشرة من المحرم للقتل توطئة ~~لتشفية قلوبهم. # ولو كان يكفي قول المهدي والأئمة الآخرين إن فلانا أبو بكر وفلانا عمر ~~فلماذا لا يقبل قولهم في بطلان أمر خلافتهم وغضبهم وظلمهم وتعذيبهم في ~~البرزخ - معاذ الله - حتى يحتاج إلى أحيائهم؟ وأيضا يلزم على هذا التقدير ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - والوصي والأئمة لابد لهم أن يذوقوا موتا ~~آخر زائدا على سائر الناس للزوم تعاقبه للحياة الدنيا، وظاهر أن الموت أشد ~~آلام الدنيا، فلم يجوز الله سبحانه إيلام أحبائه عبثا؟ وأيضا إذا أحيي ~~هؤلاء الظلمة سيعلمون بالقرائن أنهم أحيوا للتعذيب والقصاص، وأنهم كانوا ~~على الباطل والأئمة على الحق فيتوبون بالضرورة توبة نصوحا إذ التوبة مقبولة ~~في الدنيا ولو بعد الرجعة فكيف يمكن حينئذ تعذيبهم؟ وأيضا يلزم على هذا ~~التقدير إهانة الأمير والسبطين، فإنهم كانوا عند الله أذل من كل ذليل حتى ~~أن الله تعالى لم ينتقم من أعدائهم ولم يجعلهم قادرين عليهم إلا بعد مضي ~~ألف وعدة مئات من السنين إذ يظهر المهدي لإغاثتهم بواسطته وينتقم من ~~أعدائهم ويجعلهم قادرين عليهم! وبالجملة فإن مفاسد هذه العقيدة أزيد من أن ~~تحيط بها الكتابة والعبارة. PageV01P203 ### | العقيدة الثالثة # مذهب أهل السنة أن الله يعذب من يشاء ويرحم من يشاء من العصاة. ويعتقد ~~الإمامية أن أحدا منهم لا يعذب بأي ذنب من صغيرة أو كبيرة لا يوم القيامة ~~ولا في القبر. (1) وهذه العقيدة إجماعية لهم ومسلمة الثبوت عندهم، ويستدلون ~~عليها بأن «حب علي كاف في الخلاص والنجاة» (2) كما تقدم في المقدمة. ولا ~~يفهمون أن حب الله تعالى وحب رسوله ms191 - صلى الله عليه وسلم - لما لم يكن ~~كافيا في النجاة والخلاص من العذاب - بلا إيمان وعمل صالح - كيف يكون حب ~~علي كافيا؟ إن هذه العقيدة خلاف أصولهم ورواياتهم أيضا، ولكن لما كان غرضهم ~~الإباحة والعذر لترك الطاعة وإسقاط التكاليف تلقوها بالقبول، وغلبت أنفسهم ~~الأمارة بالسوء على العلم والعقل وقهرتها. أما المخالفة للأصول فلأنه إذا ~~ارتكب إمامي الكبائر ولم يعاقبه الله على ذلك يلزم ترك الواجب على الله لأن ~~عقاب العصاة واجب على الله عندهم، وأما المخالفة للروايات فلأن الأمير ~~والسجاد والأئمة الآخرين قد روي عنهم في أدعيتهم الصحيحة البكاء والاستعاذة ~~من عذاب الله تعالى، وإذا كان مثل هؤلاء الكرام خاشين هائبين، فكيف يصح ~~لغيرهم أن يغتر بمحبتهم ويتكئ عليها في ترك العمل؟ # وفي الأصل هذه العقيدة مأخوذة من اليهود، حيث قالوا {لن تمسنا النار إلا ~~أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون * فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ~~ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} (3) وعمدة ما يتمسكون به في ~~هذا الباب روايات وضعها رؤسائهم الضالون المضلون. منها ما روى ابن بابويه ~~القمي عن المفصل بن عمر (4) قال: قلت لأبي عبد الله لم صار علي قسيم الجنة ~~والنار؟ قال: لأن حبه إيمان وبغضه كفر، وإنما خلقت الجنة لأهل الإيمان ~~والنار لأهل الكفر فهو قسيم الجنة والنار، لا يدخل الجنة إلا محبوه ولا ~~يدخل النار إلا مبغضوه.» (5) # والدليل على كذب هذه الرواية أن الأئمة ما كانوا ليقولوا بما يخالف ~~القرآن والشريعة أصلا، وإلا فقد كذبوا أنفسهم وآباءهم. PageV01P204 # وفي هذه الرواية مخالفة للقواعد المقررة في الشريعة بعدة وجوه: # (الأول) أن حب شخص أو بغضه لو كان إيمانا أو كفرا لا يلزم أن يكون ذلك ~~الشخص قسيما للجنة والنار، لأن سائر الأنبياء والمرسلين والأئمة والسبطين ~~لهم هذه الرتبة وليس أحد منهم قسيما لهما. # (الثاني) أن حب الأمير ليس كل الإيمان، وإلا يبطل التوحيد والنبوة ~~والإيمان بالمعاد، والعقائد الضرورية الآخر للشيعة كلها، ولا تمام المشترك ~~بينهما، لأن التوحيد والنبوة أصل أقوى ms192 وأهم، وعليه مناط تحصيل الإيمان. ~~وأيضا يلزم على ذلك التقدير أن يجوز سب الأئمة الآخرين وإيذائهم - معاذ ~~الله من ذلك - فلما لم يكن كل الإيمان ولا تمام المشترك بينهما، بل يثبت ~~أنه جزء من أجزاء الإيمان لم يكن ليكفي وحده في دخول الجنة، وهذا هو ~~الأظهر. # (الثالث) أن قولهم «لا يدخل النار إلا مبغضوه» يدل صراحة على أنه لا يدخل ~~النار أحد من الكافرين الذين لم يبغضوه كفرعون وهامان وشداد ونمرود وعاد ~~وثمود وأضرابهم، لوجود الحصر في العبارة، لأن أولئك المذكورين لم يبغضوا ~~عليا بل لم يعرفوه، وهو باطل بالإجماع. # (الرابع) أنا لو أسلمنا ذلك كله فليس لتلك العبارة مساس بمدعاهم، لأن ~~حاصلها أنه لا يدخل الجنة من لا يجب عليا، لا أن كل من يحبه يدخلها. والفرق ~~بينهما واضح، لأن الأول يكون دخول الجنة مقصورا على المحبين بخلاف الثاني ~~فإن فيه كون المحب مقصورا على الدخول فلا يوجد بما سواه ومدعاهم هذا دون ~~الأول. # (الخامس) لو تجاوزنا عن هذه كلها يلزم أن يكون جميع فرق الروافض ناجين، ~~وهو خلاف مذهب الإمامية. ولما لم تنطبق هذه الرواية على غرضهم روى ابن ~~بابويه رواية أخرى عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - «جاءني جبريل وهو مستبشر فقال: يا محمد، إن الله الأعلى يقرئك ~~السلام وقال: محمد نبيي ورحمتي، وعلي حجتي، لا أعذب من والاه وإن عصاني، ~~ولا أرحم من عاداه وإن أطاعني» (1) والدليل على كذب هذه الرواية أن معنى ~~النبوة ههنا قد ثبت في الحقيقة لعلي لأن حبوط الطاعات إنما هو في حق منكر ~~الأنبياء خاصة، ولزم تفضيل علي على النبي لأنه لم يثبت له رتبة الحجية، إذ ~~منكره يكون من جملة العصاة والمقر به من جملة المطيعين، ومع هذا لا خوف على ~~العاصي ولو كان منكرا للرسول إذا كان PageV01P205 # محبا لعلي، ولا منفعة ولو كان مؤمنا بالنبي إذا كان يبغض عليا. ولا يخفى ~~أن ذلك مخالف لقوله تعالى {ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا ms193 عظيما} وقوله ~~{ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا} وقوله {ومن يعص الله ورسوله فإن ~~له نار جهنم خالدا فيها أبدا} وكل الروايات تخالف النصوص فهي موضوعة جزما ~~كما تقرر عند أصحاب الحديث. وأيضا لزم منها نسخ الصلاة والصوم والطاعة ~~والعبادة وحرمة المعاصي، ولم يبق غير حب علي وبغضه مدار الجزاء، ولزم أن ~~نزول القرآن يكون لضلالة الخلق لا لهدايتهم، إذ لم يذكر فيه حب علي وبغضه ~~مع أنه لا بد منه، ولو كان مذكورا يكون بنوع لا بفهمه كل أحد من المكلفين ~~البتة، وتكليف فهم اللغز لا يتحمله كل أحد، فالقرآن كله يدعو إلى أمر لا ~~يحتاج إليه في الآخرة أصلا، وما ينفع في الآخرة لا أثر له فيه، معاذ الله ~~من ذلك. # هذا وقد رويت روايات أخر في كتبهم المعتبرة مناقضة لهذه الروايات، منها ~~ما روى سيدهم وسندهم حسن بن كبش عن أبي ذر قال: نظر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - إلى علي ابن أبي طالب فقال «هذا خير الأولين وخير الأخرين من أهل ~~السماوات وأهل الأرض، هذا سيد الصديقين، هذا سيد الوصيين وإمام المتقين ~~قائد الغر المحجلين. إذا كان يوم القيامة كان على ناقة من نوق الجنة قد ~~أضاءت عرصهة القيامة من ضوئها، على رأسه تاج مرصع من الزبرجد والياقوت. ~~فنقول الملائكة: هذا ملك مقرب، ويقول النبيون: هذا نبي مرسل. فينادي ~~المنادي من تحت بطنان العرش: هذا الصديق الأكبر، هذا وصي حبيب الله علي بن ~~أبي طالب، فيقف على متن جهنم فيخرج منها من يحبه ويدخل فيها من يبغضه، ~~ويأتي أبواب الجنة فيدخل فيها من يشاء بغير حساب». (1) ولا يخفى أن هذه ~~الرواية ناصة صريحا على أن بعض العصاة ممن يحب الأمير يدخلون النار ثم ~~يخرجهم الأمير ويدخلهم الجنة بعد ما يعذبون بقدر أعمالهم، وبينها وبين ~~الرواية الأولى تناقض صريح. ومنها ما روى ابن بابويه القمي عن جابر بن عبد ~~الله - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- «إن عبدا ms194 مكث في النار سبعين خريفا كل خريف سبعون سنة، ثم إنه سأل الله ~~تعالى بحق محمد وآله أن يرحمه فأخرجه من النار وغفر له» (2) فإن كان الرجل ~~محبا PageV01P206 # للأمير فلم عذب في النار هذه المدة المديدة؟ وإن كان مبغضا له فلم يدخل ~~الجنة مغفورا له؟ والأظهر أن محبة الأمير لن تفيد أبدا من خالف عقيدته وترك ~~طريقته. # وقد يورد على ذلك أن من كان منكرا لولاية السبطين والبتول والأئمة ~~الأخرين ومحبا للأمير أن يكون من أهل الجنة ولا يمسه عذاب النار أصلا، مع ~~أن ابن المعلم الملقب بالمفيد روى في كتاب (المعراج) له أن الله تعالى قال ~~«يا محمد، لو أن عبدا عبدني حتى يصير كالشن البالي [ثم] (1) أتاني جاحدا ~~لولاية محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين ما أسكنته جنتي» (2) فالكيسانية مع ~~جحودهم بولاية السبطين والغلاة مع مخالفتهم عقيدة الأمير لا بد أن يكونوا ~~ناجين من أهل الجنة على ما رواه ابن بابويه. فإن قالت الإمامية: إن هذه ~~الرواية ذكر فيها الجحود بولاية كل واحد من الخمسة فولاية الأمير من جملتها ~~فلعل رد عبارات ذلك الرجل لكونه جحد ولاية الأمير بناء على كون النجاة بناء ~~على كون منوطة بالولاية المطلقة فجحود إحدى الولايات مناف لها: قلنا فعلى ~~هذا جحود ولاية محمد - صلى الله عليه وسلم - المستلزم للكفر يكون كافيا ~~بالإجماع في حبوط الأعمال من غير أن يكون لجحود ولاية علي دخل فيه، فعلم أن ~~المقصود ههنا جحود ولاية كل واحد منهم منفردة وبه يثبت المدعى. # ولما انجر الكلام لزم أن نبين أن الاثني عشرية يعتقدون أن جميع فرق ~~الشيعة - سوى فرقتهم - مخلدون في النار وهم ناجون. (3) # قال ابن المطهر الحلي في (شرحه للتجريد): إن علماءنا لهم اختلاف في حق ~~هؤلاء الفرق، قال بعضهم مخلدون في النار لعدم استحقاقهم الجنة وقال بعضهم ~~يخرجون من النار ويدخلون الجنة وقال ابن نوبخت (4) والعلماء الآخرون يخرجون ~~من النار لعدم الكفر ولا يدخلون الجنة لعدم الإيمان الصحيح الذي يوجب ~~استحقاق ثواب الجنة بل يمكثون في الأعراف ms195 خلودا. (5) # وقال صاحب (التقويم) (6) الذي هو من أجل علماء الإمامية: إن الشيعة ~~المحضة قد تفرقت على اثنين وسبعين فرقة والناجية منهم الاثنا عشرية ~~والباقون يعذبون في النار مدة ثم يدخلون الجنة. فهم يثبتون جزما في حق من ~~يحب الأمير إما تعذيبا دائما أو منقطعا. وأيضا قال صاحب التقويم: وأما سائر ~~PageV01P207 # الفرق الإسلامية فكلهم مخلدون في النار فمن ههنا علم أن أهل السنة أيضا ~~مخلدون في النار عندهم مه أنهم يحبون الأمير ويعتقدون أن حبه جزء الإيمان ~~فانتقضت قاعدة محبة الأمير طردا وعكسا. ويخالف ذلك أيضا ما رواه ابن بابويه ~~عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «والذي بعثني لايعذب ~~بالنار موحد أبدا» (1) وروى الطبرسي في (الاحتجاج) عن الحسن بن علي أنه ~~قال: من أخذ بما عليه أهل القبلة الذي ليس فيه اختلاف ورد علم ما اختلف فيه ~~إلى الله سلم ونجا من النار ودخل الجنة. (2) وروى الكليني بإسناده صحيح عن ~~زرارة قال: قالت لأبي عبد الله: أصلحك الله (3) أرأيت من صام وصلى وحج ~~واجتنب المحارم وحسن ورعه ممن لا يعرف ولا ينصب؟ قال: إن الله يدخله الجنة ~~برحمته. (4) # فهذه الأخبار الثلاثة دالة بالصراحة على نجاة أهل السنة. وكذلك تدل على ~~إبطال قول الجمهور من الروافض وقول صاحب التقويم. وكلام ابن نوبخت المنجم ~~الذي كان في الأصل مجوسيا ولم يطلع على قواعد الإسلام بعد أيضا باطل لا أصل ~~له لأن الأعراف ليس دار الخلد بل أهله يمكثون فيه مدة قليلة ثم يدخلون ~~الجنة كما هو الأصح عند المسلمين. ### | الباب السابع في الأحكام الفقهية # اعلم أن المؤلف (5) قدم بعض بدعهم وأحكامهم الشنيعة قبل أن يشرع في ~~أحكامهم الفقهية على قبح حالهم فقال: # أول أحكامهم إحداثهم عيد غدير خم في اليوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة ~~وتفضيله على عيدي الفطر والأضحى وتسميته بالعيد الأكبر، (6) كل ذلك صريح ~~المخالفة للشريعة. (7) # الثاني إحداثهم عيد أبيهم (8) (بابا شجاع الدين) الذي لقبوا به (أبا ~~لؤلؤة المجوسي) (9) PageV01P208 # القاتل لعمر بن الخطاب - رضي الله ms196 عنه - في اليوم التاسع من ربيع الأول ~~بزعمهم. (1) روى علي بن مظاهر الواسطي (2) عن أحمد بن إسحاق (3) أنه قال: ~~هذا اليوم يوم العيد الأكبر ويوم المفاخرة، ويوم التبجيل، ويوم الزكاة ~~العظمى، ويوم البركة، ويوم التسلية. (4) وهذا أحمد (5) أول من أحدث في ~~الإسلام هذا العيد وتبعه إخوانه، ثم نسبوا هذا العيد للأئمة كذبا وافتراء ~~كما هو دأبهم في كل المذهب، مع أن هذا العيد في الأصل من اعيد المجوس، وهم ~~فرحوا فيه حين استمعوا خبر شهادة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله ~~عنه - على يد أخيهم المجوسي المذكور. (6) مع أن شهادته كانت في اليوم ~~الثامن والعشرين من ذي الحجة بلا اختلاف، ودفنه غرة المحرم، (7) فلو كان ~~الأئمة يتعبدون بهذا العيد لم يبدلوا اليوم. والشيعة معترفون بأن هذا العيد ~~لم يكن في زمن الأئمة وإنما أحدثه أحمد المذكور. # الثالث: تعظيمهم (يوم النيروز) الذي هو من أعياد المجوس. (8) قال ابن فهد ~~في (المهذب) إنه أعظم الأيام، وقد صح عن أمير المؤمنين أن أحدا قد جاءه يوم ~~النيروز بالحلوى والفالوذج فسأله: لم أتيت به؟ فقال: اليوم يوم النيروز، ~~قال - رضي الله عنه -: نيروزنا كل يوم ومهرجاتنا كل يوم. (9) وهذه إشارة ~~إلى نكتة لطيفة أن حسن النيروز إنما هو الشمس تتوجه من معدل النهار بحركتها ~~الخاصة على سكان العروض الشمالية وتقربهم، وبهذا تظهر PageV01P209 # الحرارة في الأبدان والأجسام وتثور النامية وتحصل للنفس النباتية نضارة. ~~وهذا المعنى متحقق في طلوعها كل يوم لأن الشمس إذا تمر بالحركة الأولى - ~~التي هي أسرع الحركات وأظهرها - من دائرة الأفق وتنفض على سكان الأرض نورها ~~وتجلي قوة البصر وتجعل الروح منتعشا وتقع الارتفاقات الخاصة بالإنسان من ~~الزراعة والتجارة والصناعة والحرفة بسببها أحسن وأكثر وتبدو الحياة بعد ~~الموت كقوله تعالى {وجعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا} ~~وقوله تعالى {وجعلنا نومكم سباتا وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا} ~~فهذا الوقت أحق وأولى بالتعبد، بل إن تأمل العاقل يمكن أن يدري أن الفصول ~~الأربعة تتحقق في مدة دورة ليلة ونهار، ms197 فمن وقت الصباح إلى نصف النهار فصل ~~الربيع فحينئذ تكون الخضروات في الطراوة والأزهار وتكون الورود والأزهار ~~منكشفة ناضرة ضاحكة ومزاج الحيوانات في النشاط، وإذا بلغت الشمس قريب دائرة ~~نصف النهار فكأنما وصلت بالحركة الخاصة رأس السرطان فيبرز الصيف حيث يظهر ~~اليبس والعطش في الأجسام ويذبلها حرها، وإذا قربت إلى الغروب صار حكمها ~~كحكم الخريف، وإذا مضى نصف الليل وانتقلت الشمس من الانحطاط إلى الارتفاع ~~فكأنما وصلت رأس الجدي فيبدو حكم الشتاء ويتقاطر الطل كالبرد. # الرابع: تجوز علمائهم السجود للسلاطين الظلمة، فإن باقرا المجلسي (1) ~~وعلماءهم الآخرين (2) قرروها لهم، وهو صريح المخالفة للقواعد الشرعية، (3) ~~لأن السجدة لغير الله تعالى على وجه العبادة أو التعظيم كفر وشرك بدليل ~~قوله تعالى {لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم ~~إياه تعبدون} وقوله تعالى {ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات ~~والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون} وغيرها من الآيات الدالة على انحصار ~~السجدة في حق الخالق العليم بالغيب والشهادة خصوصا في الشريعة المحمدية. ~~والتمسك بسجدة الملائكة لآدم ههنا في غاية الفساد، إذ لا يمكن أن تقاس ~~أحكام البشر على أحكام الملك، وبسجود إخوة يوسف فإنه لم يكن أولا سجودا ~~مصطلحا، (4) وثانيا إنما يصلح التمسك PageV01P210 # بشرائع من قبلنا إذا لم يأت في شريعتنا نسخها وهذا الحكم منسوخ في ~~شريعتنا قطعا. وإلا لكان الحق بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # ولنشرع الآن في المسائل الفقهية: # منها أنهم يقولون بطهارة الماء الذي استنجي به ولم يطهر المحل واختلطت ~~أجزاء النجاسة بالماء حتى زاد وزن الماء بذلك، قال ابن المطهر الحلي في ~~(المنتهى): إن طهارة ماء الاستنجاء وجواز استعماله مرة أخرى من إجماعيات ~~الفرقة. (1) # وهذا الحكم مخالف لقواعد الشريعة لقوله تعالى {ويحرم عليهم الخبائث} أي ~~أكلها وأخذها واستعمالها. ولا شك في كون هذا الماء نخسا خبيثا؛ ولروايات ~~الأئمة، فقد روى صاحب (قرب الإسناد) (2) وصاحب كتاب (المسائل) (3) عن علي ~~بن جعفر أنه قال سألت أخي موسى بن جعفر عن جرة فيها ألف رطل ms198 من ماء وقع فيه ~~أوقية بول هل يصح شربه أو الوضوء منه؟ قال: لا، النجس لا يجوز استعماله. ~~(4) # والعجب أن مذهب الاثني عشرية في الماء إذا كان أقل من كر ينجس بوقوع ~~النجاسة فيه، (5) فتنجيس مثل هذا الماء القليل جدا بطريق الأولى. # ومنها حكمهم بطهارة الخمر (6) كما نص عليه ابن بابويه (7) والجعفي (8) ~~وابن عقيل. (9) # وهذا الحكم مخالف لصريح الآية {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس ~~من عمل الشيطان} والرجس في اللغة أشد النجاسة وأغلظها، كما ورد في حق ~~الخنزير فإنه رجس. ولروايات الأئمة الموجودة في كتب الشيعة. فقد روى صاحب ~~(قرب الإسناد) وصاحب كتاب (المسائل) وأبو جعفر الطوسي عن أبي عبد الله - ~~عليه السلام - أنه قال: لا تصل في الثوب قد أصابه الخمر. PageV01P211 # ومنها الحكم بطهارة المذي. (1) وهو مخالف للحديث الصحيح المتفق عليه. (2) ~~روى الراوندي عن موسى بن جعفر عن آبائه عن علي أنه قال: سألت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - عن المذي فقال «يغسل طرف ذكره». (3) وفي الصحيحين روى عن ~~علي قال: كنت رجلا مذاء فكنت أستحي أن أسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لمكان أبنته، فأمرت المقداد فسأله فقال «يغسل ذكره ويتوضأ» وكذا روى ~~الترمذي عنه قال: سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - أي بواسطة المقداد - ~~عن المذي فقال «من المذي الوضوء، ومن المني الغسل» (4) وقد أورد أبو جعفر ~~الطوسي أيضا روايات صريحة في نجاسة المذي، ولكن ليس له العمل والفتوى على ~~ذلك. # ومنا القول بعدم انتقاض الوضوء بخروج المذي، (5) مع أنهم يروون عن الأئمة ~~خلاف ذلك. روى الطوسي عن [علي] (6) بن يقطين عن أبي الحسن أنه قال: المذي ~~منه الوضوء. (7) روى الراوندي عن علي قال لأبي ذر أسأل النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - عن المذي فسأل فقال: «يتوضأ وضوءه للصلاة» (8) # ومنها قولهم الودي، وهو بول غليظ جزما. والبول نجس بإجماع الشرائع. (9) # ومنها حكمهم بعد انتقاض الوضوء من خروج الودي (10) مع أنه مخالف لرواية ~~الأئمة روى الراوندي عن علي مرفوعا: الودي فيه الوضوء. (11) روى غيره عن ~~أبي عبد ms199 الله مثل ذلك. (12) # ومنها حكمهم بأن للذكر الاستبراء بعد ثلاث مرات بالتحريك، فما خرج بعد ~~ذلك فطاهر وغير ناقض للوضوء أيضا. (13) وهذا الحكم مخالف لصريح الشرع إذ ~~الخارج من السبيلين نجس وناقض للوضوء، والاستبراء لا دخل له في الطهارة ~~اللاحقة وعدم انتقاض الوضوء ولا تأثير له في ذلك. وأيضا مخالف لروايات ~~الأئمة. روى ابن عيسى عن أبي جعفر أنه كتب إليه: هل يجب الوضوء إذا خرج من ~~ذكر بعد الاستبراء؟ قال: نعم. (14) # ومنها أن زرق الديك والدجاج طاهر عندهم، (15) مع أن نجاسته ثبتت بنصوص ~~الأئمة في كتبهم المعتبرة. روى محمد بن الحسن الطوسي عن فارس أنه كتب رجل ~~إلى PageV01P212 # صاحب العسكر يسأله عن زرق الدجاج يجوز الصلاة فيه؟ فكتب: لا. وأيضا مخالف ~~لقاعدتهم الكلية أن زرق الحلال من الحيوان نجس، نص عليه الحلي في المنتهى. ~~(1) ### | صفة الوضوء والغسل والتيمم # ليس عندهم غسل كل الوجه فرضا، مع أن نص الكتاب يدل على غسله كله، قال ~~تعالى {فاغسلوا وجوهكم} والوجه ما يواجه به، وهو من منبت قصاص الجبهة غالبا ~~إلى آخر الذقن، ومن إحدى شحمتي الأذن إلى الأخرى. وقد قدروا حد الفرض في ~~غسل الوجه ما يدخل بين الإبهام والوسطي إذا انجرت اليد من الجبهة إلى ~~الأسفل، (2) وليس لهذا التقدير أصل في الشرع اصلا، ولم تجئ فيه رواية عن ~~الأئمة. والدليل على بطلانه أن الإبهام والوسطى لو جررناهما ممتدتين من ~~الأعلى إلى الأسفل فإذا اتصلتا إلى الذقن لابد أن تحيطا من الحلق ببعضه من ~~الطرفين، فيلزم أن يكون غسل ذلك القدر من الحلق فرضا أيضا، مع أن الحلق لم ~~يعده أحد داخلا في الوجه، ولو بسطنا الإصبعين المذكورتين بمحاذاة الجبهة ~~وقبضناهما بالتدريج فحد القبض لا يعلم أصلا، والتقديرات الشرعية تكون ~~لإعلام المكلفين لا لتجهيلهم. # وأيضا يقولون: إن الوضوء مع غسل الجنابة حرام! (3) وهذا الحكم مخالف ~~لصريح السنة النبوية فإنه - صلى الله عليه وسلم - كان يتوضأ في غسل الجنابة ~~ابتداء دائما، ثم كان يصب الماء على البدن كما ثبت. (4) ولروايات الأئمة: ~~روى الكليني ms200 عن محمد بن مبشر عن أبي عبد الله - عليه السلام - والحسن بن ~~سعيد (5) عن الخضرمي عن أبي جعفر أنهما قالا: توضأ ثم تغتسل، حين سئلا عن ~~كيفية غسل الجنابة. (6) # وأيضا يقولون غسل النيروز سنة (7) كما قاله ابن فهد. وهذا الحكم محض ~~ابتداع في الدين، إذ لم ينقل في كتبهم أيضا عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- والأمير والأئمة أنهم اغتسلوا يوم النيروز، بل لم يكن العرب يعلمون يوم ~~النيروز لأنه من الأعياد الخاصة بالمجوس. # وأيضا يقولون: يجزئ غسل الميت الذي كان واجب القتل حدا أو قصاصا إذا غسل ~~نفسه قبل قتله ولا يعاد عليه الغسل بعد القتل (8) كما نص عليه بهاء الدين ~~العاملي (9) في جامعه. (10) وأنت خبير بأن علة الحكم قبل القتل غير متحققة ~~البتة فكيف يترتب الحكم؟ PageV01P213 # وإذا وجدت كيف لا يترتب؟ فحينئذ لزم الانفكاك بينهما. والحال أن العلل ~~الشرعية كالعقلية في ترتب ما يتوقف عليها ويحتاج إليها وجودا وعدما. # وأيضا قرروا للتيمم ضربة واحدة، (1) وروايات الأئمة فيه ناطقة بخلافه. ~~روى العلاء (2) عن محمد بن مسلم عن أحدهما (3) قال سألته عن التيمم فقال: ~~«مرتين: مرة للوجه ومرة لليدين» (4) وروى ليث المرادي عن أبي عبد الله ~~نحوه، (5) وإسماعيل بن همام الكندي عن الرضا نحوه. (6) وزادوا في التيمم ~~مسح الجبهة ولا أصل له في الشرع. (7) # وأيضا يقولون: إن الخف والقلنسوة والجوارب والنطاق والعمامة والتكة (8) ~~وكل ما يكون على بدن المصلي إن تلطخ بالنجاسة - سواء كانت مخففة أو مغلظة ~~كبراز الإنسان - يجوز معها الصلاة ولا فساد لها. (9) وهذا الحكم صريح ~~المخالفة للكتاب: أعني قوله تعالى {وثيابك فطهر} ولا شك أن هذه الأشياء ~~يطلق عليها لفظ الثياب شرعا وعرفا، ولهذا تدخل هي في يمين ينعقد بلفظ ~~الثياب نفيا وإثباتا. # وأيضا يقولون: إن ثياب بدن المصلي كالإزار والقميص والسراويل إن تلطخت ~~بدم الجرح والقروح يجوز بها الصلاة ولا ضير، (10) مع أن الدم والصديد ~~ونحوهما سواء كانت من جرحه أو من جرح غيره نجس بلا شبهة. وأنت تعلم أن هذا ~~في حق غير من أبتلي ms201 بهما، وأما في حقه فمعفو. وكل من الدم والصديد والقيح ~~ونحوهما مما يتعسر الاحتراز عنه ويشق عليه معفو لعموم البلوى وعدم الحرج في ~~الشرع. # وأيضا يقولون: يجوز في صلاة النافلة قائما كان المصلي أو قاعدا وكذا في ~~سجدة التلاوة استقبال غير جهة القبلة، (11) وهذا إحداث صريح في الدين وأمر ~~لم يؤذن به. وأما حالة الركوب والسفر فمخصوصة (12) البتة من عموم وجوب ~~الاستقبال إلى القبلة بروايات الرسول - صلى الله عليه وسلم - والأئمة، (13) ~~وبدون هذا العذر لم يثبت ترك الاستقبال قط، قال تعالى: {ومن حيث خرجت فول ~~وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم PageV01P214 # شطره} وكل ما خصصه الشارع من هذا العموم فهو على الرأس والعين، وليس ~~لغيره جواز التخصيص بأن يستثنى بعقله ما ورد في الشرع عاما. ولقد أنصف في ~~هذه المسألة شيخهم المقداد في كنز العرفان وحكم بمخالفة هذا الحكم للقرآن ~~واعترف به. (1) # وأيضا يقولون: إن المصلي لو قام في مكان وكانت فيه نجاسة يابسة من براز ~~الإنسان لا تلتصق ليبسها ببدنه وثوبه في السجود والقعود إن لاقته جازت ~~الصلاة، (2) مع أن وجوب طهارة مكان الصلاة ضروري الثبوت في جميع الشرائع. # وأيضا يقولون: لو أن أحدا غمس قدميه إلى الركبة ويديه إلى المرفقين في ~~صهاريج بيت الخلاء الممتلئة بعذرة الإنسان وبوله ثم أزال عين ما التصق عن ~~بدنه المذكور بالفرك والدلك بعد اليبس بلا غسل وصلى تصح صلاته. وكذلك إن ~~غمس جميع بدنه في بالوعة مملوءة بالبول والعذرة وليس على بدنه جرم النجاسة ~~يجوز الصلاة بلا غسل، (3) مع أن التطهير في هذه الحالات من غير غسل وبزوال ~~العين لا يتحقق به زوال الآثر. # وأيضا يقولون: لو وجد المصلي بعد الفراغ من الصلاة في ثوبه براز الإنسان ~~أو الكلب أو الهرة اليابس أو المني أو الدم صحت صلاته ولا يجب عليه إعادتها ~~كما ذكره الطوسي في # التهذيب وغيره، (4) مع أن طهارة الثوب من شرائط الصلاة والجهل والنسيان ~~في الحكم الوضعي ليس بعذر. # وأيضا يقولون: إن كان رجلا عاريا وطين ms202 ذكره وخصيتيه بطين قليل من غير ~~ضرورة وصلى صحت صلاته، (5) مع أن ستر العورة واجب على القادر شرعا ولا سيما ~~في حال الصلاة. ولهذا خالف جماعة من الإمامية جمهورهم في هذه المسألة ~~مستدلين بالآثار المروية عن أهل البيت على بطلانه. (6) # وأيضا يقولون: إن لطخ رجل لحيته وشاربه وبدنه وثوبه بذرق الدجاج أو أصاب ~~لحيته وشاربه أو وجهه أو خده قطرات من بوله بعد ما استبرأ ثلاث مرات تصح ~~صلاته بلا غسل. (7) PageV01P215 ### | (مسائل تتعلق بالصلاة) # يقولون يجوز للمصلي المشي في صلاته لوضع عجينه في محل لا يصل إليه كلب أو ~~هرة ولو كان ذلك المحل بعيدا عن مصلاه مسافة عشرة أذرع شرعية، (1) مع ان ~~العمل الكثير ولا سيما إذا لم يكن مما لا يتعلق بالصلاة مبطل لها لقوله ~~تعالى {وقوموا لله قانتين فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا ~~الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون}. # وأيضا يقولون: من قرأ في الصلاة «وتعالى جدك» (2) تفسد صلاته، (3) مع أن ~~قوله تعالى {وأنه تعالى جد ربنا} في سورة الجن تصح قراءتها في الصلاة. # وأيضا يقولون: تفسد الصلاة بقراءة بعض السور من القرآن كسورة حم تنزيل ~~السجدة وثلاث سور أخرى، (4) مع أن قوله تعالى {فاقرأوا ما تيسر من القرآن} ~~يدل بمنطوقه على العموم. وهؤلاء الفرقة هم يرروون عن الأئمة أن الصلاة تصح ~~بقراءة كل سورة من القرآن. والعجب أنهم يحكمون بجواز الصلاة بقراءة ما ~~يعلمه المصلي أنه ليس من القرآن المنزل، بل هو بزعمهم محرف عثمان وأصحابه، ~~مثل {أن تكون أمة هي أربى من أمة}. # وأيضا يجوز بعضهم الأكل والشرب في عين الصلاة كما صرح به فقيههم المعتبر ~~صاحب (شرائع الأحكام) في كتابه هذا، (5) مع أن الأخبار المتفق عليها مروية ~~في المنع من الأكل والشرب في الصلاة، وهذا المقدر هو مجمع عليه بين هذه ~~الفرقة أن شرب الماء في صلاة الوتر جائز لمن يريد أن يصوم غدا وعطش في تلك ~~الصلاة. (6) # وأيضا يقولون: لو باشر المصلي مباشرة فاحشة بامرأة حسناء وضمها إلى نفسه ms203 ~~وألصق رأس ذكره بما يحاذى قبلها وسال المذي الكثير ولو إلى الساق جازت ~~صلاته. وكذا ذكره الطوسي أبو جعفر وغيره من مجتهديهم. (7) ولا يخفى أن هذه ~~الحركات صريحة المخالفة لمقاصد الشرع ومنافية لحالة المناجاة بالبداهة. # وأيضا قالوا: إن لعب وعبث المصلي في عين الصلاة بذكره وأنثييه بحيث سال ~~منه المذي فلا ضرر بذلك في الصلاة أصلا. (8) PageV01P216 # وبعضهم جوزوا الصلاة إلى جهة قبور الأئمة بنية مزيد الثواب، (1) مع أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد». (2) # وأيضا يجوزون الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء من غير عذر ~~وسفر، (3) وذلك مخالف لقوله تعالى {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} ~~وقوله تعالى {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا}. # وأيضا عندهم أداء الصلوات الأربع - يعني الظهر والعصر والمغرب والعشاء - ~~متصلة بينها لانتظار خروج المهدي. # وأيضا يحكمون بعدم جواز قصر الصلاة في سفر التجارة دون إفطار الصوم، مع ~~أنه ليس فرق بين الصلاة والصوم في الشرع، وقد نص على الفرق ابن ادريس (4) ~~وابن المعلم (5) والطوسي (6) وغيرهم. (7) مع أن روايات عدم الفرق بين ~~الأئمة موجودة في كتبهم الصحيحة. روى معاوية بن وهب (8) عن أبي عبد الله ~~أنه قال «وإذا قصرت أفطرت وإذا أفطرت قصرت». (9) # وأيضا يقولون: من كان سفره أكثر من الإقامة كالمكاري والملاح والتاجر ~~الذي يتردد بفحص الأسواق فليقصروا صلاة النهار وليتموا صلاة الليل ولو أقام ~~خمسة ايام في أثناء سفره أيضا، نص عليه القاضي ابن البراج (10) وابن زهرة ~~(11) وأبو جعفر الطوسي في (النهاية) PageV01P217 # و (المبسوط) (1) مع أن روايات الأئمة وردت عندهم بخلاف هذا الحكم ولم ~~تفرق بين الليل والنهار. روى محمد بن بابويه في الصحيح عن أحدهما أنه قال ~~«المكاري والملاح إذا جد بهما سفر فليقصرا». (2) وروى محمد بن مسلم (3) عن ~~الصادق نحوه. (4) # وأيضا يخصصون القصر في صلاة السفر بالأسفار الأربعة: السفر إلى المسجد ~~الحرام، وإلى طيبة المنورة، وإلى الكوفة، (5) وإلى كربلاء. (6) وهذا عند ~~الجمهور. وأما المختار لجمع منهم المرتضى فهو أن جميع مشاهد الأئمة لها ms204 هذا ~~الحكم، (7) مع أن نص الكتاب {وإذا ضربتم في الأرض} الآية وقع مطلقا، وكان ~~الأمير أيضا يقصر صلاته في جميع أسفاره. والرواية المذكورة عن ابن بابويه ~~دالة أيضا على الإطلاق. # وأيضا يحكمون بترك الجمعة في غيبة الإمام (8) بل بزعمهم أهل أخبارهم أنها ~~حرام (9) وقد قال الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله} الآية من غير تقييد فيها بحضور الإمام. # وأيضا يجوزون للمرء أن يشق جيبه وثوبه في عزاء الأب والابن والأخ، (10) ~~وللمرأة مطلقا على كل ميت. (11) مع أن الصبر في جميع الشرائع واجب في ~~المصائب، والجزع حرام. (12) وقد وقع في الأخبار الصحيحة «ليس منا من حلق ~~وسلق وخرق» (13) وأيضا ورد «ليس منا من شق الجيوب ولطم الخدود» (14) وورد ~~«من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا». (15) PageV01P218 ### | مسائل الصوم والاعتكاف # يحكمون بفساد الصوم بانغماس الصائم في الماء، مع أن م (1) فسداته إنما هي ~~الأكل والشرب والجماع بالإجماع. ولهذا قد رجع عن هذه المسألة جمع منهم ~~واختاروا عدم الفساد لصحة الأثار بخلافها. (2) # والعجب أن الصوم لا بفسد عند هم بالإيلاج في دبر الغلام على مذهب اكثرهم، ~~(3) وقد روى عن الأئمة خلافه. (4) أجمع الأمة كلهم على أن كل ما يوجب ~~الإنزال مفسد للصوم سوء كان الوطء في القبل أو الدبر. # وأيضا يجوز عند بعضهم أكل جلد الحيوان للصائم ولا ضرر لصومه، وقال بعضهم ~~أكل أوراق الأشجار لا يفسد الصوم، وقال بعضهم لا يضر الصوم أكل ما لا يعتاد ~~أكله، (5) ومع هذا لو انغمس في الماء يجب عليه القضاء والكفارة معا وإن لم ~~يدخل شيء من الماء في حلقه وأنفه. (6) سبحان الله أى إفراط وتفريط هذا؟ # وأيضا يقولون: يستحب صوم عاشوراء من الصبح إلى العصر دون الغروب. (7) مع ~~أن الصوم ليس متجزئا في شريعة أصلا، بل يفسد جزء منه لقوله تعالى {ثم أتموا ~~الصيام إلى الليل}. # وأيضا يقولون: صوم اليوم الثامن عشر من ذي الحجة سنة مؤكدة، (8) مع أن ~~كلا من النبي - صلى الله ms205 عليه وسلم - والأئمة لم يصوموا في هذا اليوم ~~بالخصوص ولم يبينوا ثوابه. (9) # وأيضا يقولون: لا يجوز الاعتكاف إلا في مسجد أقام الجمعة فيه النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أو الوصي، (10) وهذا مخالف لقوله تعالى {وأنتم عاكفون في ~~المساجد}. ويحرمون استعمال الطيب للمعتكف، (11) مع أنه مسنون بالإجماع لمن ~~يدخل المسجد. PageV01P219 ### | مسائل الزكاة # يقولون: لا تجب الزكاة في التبر من الذهب والفضة. (1) # وأيضا يقولون: لو كان عند رجل في ملكه نقود كثيرة مسكوكة واتخذ منها ~~الحلي أو آلات اللهو سقط عنه زكاتها، (2) وإن احتال بهذا قبل يوم من حولان ~~الحول. (3) # وكذلك تسقط زكاة تلك النقود إذا كسد رواجها في هذه المدة وراجت نقود أخر ~~مكانها (4). فليتأمل في مخالفة هذه المسائل لقوله تعالى {والذين يكنزون ~~الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم} وحيثما ذكر ~~وجوب الزكاة في كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - والأئمة جاء بلفظ ~~الدراهم والدنانير الرائجة في الوقت. (5) # وأيضا يقولون لا تجب الزكاة في أموال التجارة مالم تصر نقدين بعد التبدل ~~والتجول. (6) # وأيضا يحكمون بعدم وجوب الزكاة في مال رجل أو امرأة ملكه وجعله اثاثا ~~لنفسه أو اشترى به متاعا بنية الاكتساب أو الزينة وجعلها أثاثا أو بالعكس، ~~(7) وقد قال الشارع «أدوا زكاة أموالكم» (8) ولا شبهة في كون هذه الأشياء ~~مالا. # وأيضا يحكمون باسترداد المزكي مال الزكاة من المستحق إذا زال فقره بعد ما ~~تملكه وتصرف فيه، (9) مع أن الصدقات لا تسترد ولا يصح الرجوع عنها بعد ~~القبض، وأخذ مال الغير بدون إجازته لا يجوز في الشريعة اصلا، والاستحقاق ~~لأخذ الزكاة شرط في وقت الأخذ لا في تمام عمره. ### | مسائل الحج # يقولون: لو ملك رجل مالا يحصل به الزاد والرحلة ونفقة العيال مدة الذهاب ~~والإياب ولكن يظن أنه إذا رجع من الحج إلى البيت لا يكفيه نفقته أكثر من ~~شهر واحد لا يحب عليه الحج، نص عليه أبو القاسم (10) في (الشرائع) وغيره. ~~وقد أوجب الشارع الحج على من يستطيع إليه سبيلا، وهو الاستطاعة بالزاد ~~والراحلة ونفقة العيال ms206 في مدة الذهاب والرجوع وصحة البدن وأمن الطريق فقط، ~~فانصرام النفقة بعد المجيء لا يوجب نقصا في معنى الاستطاعة إذ ظاهر أن كلا ~~من العقلاء المستطيعين يقوم بوجه معاشه ولا يضيع عمره في البطالة، وعلى هذا ~~يمكن أن يكتسب معاشه بعد قدومه إلى بيته ولا يكون PageV01P220 # متعطلا، والهدايا والتحف والإنعام والإحسان من الناس في حقه بعنوان كونه ~~حاجا فتوح زائدة عليه. (1) # وأيضا يقول بعضهم: لا يجب ستر العورة في الحج وقد قال الله تعالى {خذوا ~~زينتكم عند كل مسجد} والروايات الصريحة عن الأئمة ناصة على خلاف ذلك، (2) ~~ويجوزون الطواف عراة كرسم الجاهلية، ولكن يشترطون أن المرء يطين سوأتيه ~~بطين بحيث يغطي لون البشرة ولو كانت تلك الأعضاء محكيه، ولا مناسبة لذلك ~~بالملة الحنيفية أصلا. (3) # والعجب أن الزنا عند طائفة منهم لو وقع بعد الإحرام في الحج لا يفسده. ~~(4) وهذا القبح ثمرة تجويزهم كشف العورة فيه، وكيف يكون ذلك والله تعالى ~~يقول {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} ولا رفث فوق الزنا في العالم. # وأيضا يقولون: لو اصطاد في الإحرام متعمدا مرة يجب عليه الكفارة، ثم إذا ~~فعل مرة أخرى فلا تجب. مع أن الجناية في المرة الأخرى تكون أزيد من المرة ~~الأولى، ونص الكتاب قاض بالكفارة على العامد مطلقا؛ قال تعالى {ومن قتله ~~منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم}. (5) ### | مسائل الجهاد # يخصون الجهاد بمن كان في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - أو في زمن ~~خلافة الأمير أو الإمام الحسن قبل صلحه مع معاوية أو مع الإمام الحسين أو ~~من سيكون مع الإمام المهدي. (6) ولا يجوز الجهاد عندهم في غير هذه الأوقات ~~الخمسة، مع أن الجهاد ماض إلى يوم القيامة، والآيات النازلة في تأكيد ~~الجهاد غير مقيدة بزمان، بل تدل على أن الجهاد في جميع الأوقات عبادة ~~ومستوجب للأجر العظيم، مثل {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن ~~PageV01P221 # دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على ~~الكافرين يجاهدون في سبيل الله ms207 ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء والله واسع عليم}، فإنها نزلت في حق رفقاء الخليفة الأول، (1) و {قل ~~للمخلفين من الأعراب ستدعو ن إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون} ~~إذ هي نازلة في حق عساكر الخليفة الثاني، (2) وما وقع من الجهاد في غير ~~الأوقات المذكورة فهو فاسد عندهم، وليس تقسيم الغنائم في الجهاد الفاسد ~~بوجه مشروع، فلا بد أن تكون الجواري المأسورة مملوكة لأحد ولا يصح التمتع ~~بهن. (3) وقد استخرجوا فتوى عجيبة لتسهيل هذا العسير، ونسبها صاحب الرقاع ~~المزورة (4) ابن بابويه إلى صاحب الزمان أن تلك الجواري كلها مملوكة ~~للإمام. (5) وقد حلل الأئمة جواريهم لشيعتهم، فبهذه الحيلة يجوز التسرى ~~بالجوارى المأسورة في الجهاد الفاسد للشيعة. # سبحان الله، أية كلمات خبيثة ثقيلة في السوء يكتبونها في كتبهم الفقهية ~~التي هي محل تنقيح الدين، وإذا قال أهل السنة بإزائهم: إن الأمير - رضي ~~الله عنه - تسرى خولة بنت جعفر اليمامية الحنفية (6) التي جاء بها خالد بن ~~الوليد مأسورة في عهد الخليفة الأول وولد للأمير منها محمد بن الحنفية، فلو ~~كان جهاد ذلك الوقت فاسدا ولم يكن تقسيم غنائمه للخليفة صحيحا فلماذا تصرف ~~الأمير بالتسري في الغنائم؟ يجيبون بأنه قد صح عندنا رواية أن الأمير ~~أعتقها PageV01P222 # أولا ثم تزوجها. (1) أولا يفقهون أن الإعتاق لا يتصور بدون الملك؟ فلزم ~~أنه ملكها أولا ثم أعتقها، مع أن الإعتاق أيضا نوع من التصرف وبه يثبت ~~المدعى. ### | مسائل النكاح والبيع # لا يجوزون النكاح والبيع إلا بلغة العرب، (2) مع أن اعتبار اللغات في ~~المعاملات الدنيوية لم يأت في شريعة قط، ولا أن الأمير كلف أهل خراسان ~~وفارس في عهد خلافته بأن يعقدوا معاملاتهم بلسان العرب، بل نفذ أنكحتهم ~~وبيوعهم المنعقدة بلغتهم. وأي دخل للسان العرب في صحة العقود والمعاملات ~~كالنكاح والبيع والإجازة والطلاق؟ إذ المقصود فيها إظهار ما في الضمير، وهو ~~معين لكل قوم بلغتهم. # وأيضا يقولون: إن الجد مختار في بيع مال الصغير وله الولاية عليه مع وجود ~~الأب. وقد تقرر في ms208 الشرع عدم دخول الولي الأبعد عند وجود الأقرب في كل باب، ~~وسقوط المدلي عن المدلى به في الولاية والميراث. ### | مسائل التجارة # يقولون إن أخذ الربح من المؤمن في التجارة مكروه، (3) وقد قال الله تعالى ~~{وأحل الله البيع} وقال {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} والمؤمن وغيره ~~سيان في هذا الباب، إذ مبنى التجارة والبيع على تحصيل النفع، وما توارث ~~جميع الأمة في كل الأعصار والأمصار على خلاف هذه المسألة، فلو اتجر مؤمن في ~~دار الإسلام تجارة مع المؤمنين لا تجوز له عندهم فتصير ديار كثيرة كإيران ~~وخراسان والعراق واليمن محرومة من هذه الفائدة، وقد أقر الأنبياء والأئمة ~~المؤمنين على تجارتهم فيما بينهم مع أخذ الربح. ### | مسائل الرهن والدين # يقولون بجواز الرهن من غير قبض المرتهن المرهون، وقد جعل القبض في الشرع ~~من لوازم الرهن، قال تعالى {فرهان مقبوضة} ولا تتحقق الفائدة المقصودة من ~~الرهن بدون القبض لأن المرتهن لا حق له في رقبة المرهون ولا يجوز له ~~الانتفاع بمنافعه بلا إذن الراهن وليس له إلا القبض حتى يحصل دينه من ~~المرهون عند الحاجة فإذا لم يكن هذا أيضا فاية فائدة فيه للمرتهن، ومع هذا ~~قد خالفوا في هذه المسألة الروايات الصحيحة عن الأئمة، روى محمد بن قيس عن ~~الباقر والصادق أنهما قالا «لا رهن إلا مقبوض». (4) PageV01P223 # وأيضا يقولون: يجوز للمرتهن الانتفاع بالمرهون. (1) وهو ربا محض. # وأيضا يقولون: إن ارتهن أحد أمة آخر يجوز له وطؤها، وهو محض الزنا. وأيضا ~~إن رهن أحد أم ولده جاز، ومع هذا إن أجاز للمرتهن الوطء منها قبلا أو دبرا ~~جاز أيضا، (2) ولا تخفى شناعة هذه المسألة ومخالفتها لقواعد الشرع. # وأيضا يقولون: لو أحال دينه على آخر وهو لا يقبل لزمت الحوالة، نص عليه ~~أبو جعفر الطوسي وشيخه ابن النعمان. (3) وفي هذا الحكم غاية الغرابة، ولم ~~يأت في باب من أبواب الشريعة أن يلزم دين أحد أحدا بلا التزامه، ولو جرى ~~العمل على هذه المسألة لترتب عليه فساد عجيب، إذ يمكن لكل فقير أن ms209 يحيل ~~دينه على الأغنياء والتجار في كل بلدة ويبرئ ذمته ويكون من ذلك أمر عجاب. ### | مسائل الغصب والوديعة # يقولون: لو غصب رجل مال غيره أو أودعه عند احد يجب على المودع إنكار تلك ~~الوديعة بعد موت المودع. مع أن الله تعالى شدد في إنكار الأمانة، وإن كان ~~ذلك المودع غاصبا فعليه ذنب غصبه، ولكن كيف يجوز لهذا الأمين إنكار أمانته ~~والحلف بالكذب؟ # وأيضا يقولون: إن لم يظهر مالك ذلك المغصوب بعد التفحص سنة واحدة يتصدق ~~به على الفقراء، مع أن التصدق من مال الغير بلا إذنه لا يجوز في الشرع. قال ~~تعالى {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} وقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك» (4) وهو خبر صحيح ~~نص عليه ابن المطهر الحلي. (5) # وأيضا يقولون: إن غصب أحد مال غيره وخلطه بماله بحيث لا يمكن التمييز ~~بينهما كاللبن المخلوط باللبن والسمن بالسمن والبر بالبر ونحوها يرد الحاكم ~~ذلك المال كله إلى المغصوب منه، وهذا ظلم صريح، لأن المغصوب منه لا حق له ~~في مال الغاصب، ولا يعالج الظلم بالظلم. # وأيضا إن أودع رجل أمته عند آخر وأجاز له وطئها متى شاء جاز للأمين أن ~~يطأها متى شاء. PageV01P224 ### | مسائل العارية # لو قال رجل لآخر حللت لك جميع منافع هذه الأمة يكون وطئها له حلالا طيبا، ~~وإعارة فروج النساء بالخصوص أو عموما في ضمن جميع المنافع جائزة عندهم. (1) # وأيضا يجوز إعارة أم ولده للوطء. وهذه الأحكام كلها مخالفة لقوله تعالى ~~{والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ~~ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون}. ### | مسائل اللقيط # يقولون إن وجد رجل طفلا مميزا ضل عن ورثته لا يجوز له التقاطه ولا حفظه ~~في بيته. (2) ولا شبهة في أن ترك التقاطه موجب لهلاكه، لأنه لصغره عاجز عن ~~دفع المؤذين عن نفسه، وغير قادر على كسب نفقته، فالتقاطه أوكد من التقاط ~~الحيوانات. ### | مسائل الإجارة والهبة والصدقة والوقف # يقولون ms210 لا تنعقد الإجارة بغير لسان العرب. وأيضا يقولون من استؤجر لجهاد ~~الكفار ولحراسة الطريق والشوارع من قطاع الطريق في زمن غيبة الإمام المهدي، ~~لا يكون الأجير مستحقا للأجرة، لأن الجهاد في زمن غيبة الإمام فاسد فلا تصح ~~إجارته. # وأيضا يقولون: إن جعل شيعي أم ولده أجيرا لخدمة رجل ولتدبير البيت وأحل ~~فرجها لآخر، تكون خدمتها للأول ووطؤها للثاني. # وأيضا يقولون: لا تصح الهبة بغير لسان عربي، فلو قال رجل ألف مرة باللسان ~~الفارسي مثلا «بخشيدم، بخشيدم» لا تكون هبة. # ويقولون: إن هبة وطء مملوكته فقط صحيحة ويكون الفرج عارية. # وأيضا يقول أكثرهم: يجوز الرجوع عن الصدقة. (3) وقد قال تعالى {لا تبطلوا ~~صدقاتكم} وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «العائد في صدقته كالكلب يعود ~~في قيئه». (4) # وقالوا: وقف الهرة يجوز. (5) اللهم أية فائدة في وقفها، وأي انتفاع بها ~~كي يجوز وقفها؟ PageV01P225 # وأيضا يقولون إجماعا: إن وقف فرج الأمة صحيح، فتلك الأمة تخرج إلى الناس ~~ليستمتعوا بها، وأجرة هذه المتعة حلال طيب لمن وقفت له. (1) فلم يبق فرق ~~بين الشريعة وبين أسلوب الكفار الذين لا دين لهم. ### | مسائل النكاح # يقولون يستحب ترك النكاح مع التوقان وخوف الفتنة، مع انه خلاف سنة ~~الأنبياء والأوصياء. نعم لم يكن الأنبياء والأوصياء يعلمون أن شبق الجماع ~~يمكن أن يدفع بالمتعة، وبالفروج المعارة. (2) # وأيضا يقولون: النكاح مكروه إذا كان القمر في العقرب (3) أو تحت الشعاع ~~وفي المحلق (4) وهذا مخالف لمقاصد الشرع الذي جاء لإبطال النجوم. # وأيضا يقولون: إن وطء جارية لم يكمل لها تسع سنين حرام، وإن كانت ضخمة ~~تطيق الجماع. (5) ولا أصل لهذا الحكم في الشرع. # وأيضا يقولون: يجوز في النكاح المباح أن يشترط الناكح مرات الجماع في ~~زمان معين ويكون لكل منهما مطالبة الآخر على وفق الشروط، (6) وقد قال تعالى ~~{ولا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا}. # وأيضا يجوزون الوطء في دبر المنكوحة أو المملوكة أو الأمة المعارة أو ~~الموقوفة أو المودعة أو المستمتع منها، (7) وقد قال الله تعالى {قل هو أذى ~~فاعتزلوا النساء ms211 في المحيض} وإذا حرم الله تعالى الفرج لنجاسة الحيض، فكيف ~~لا يكون الدبر الذي هو معدن النجاسة حراما لتلك العلة؟ وقد قال - صلى الله ~~عليه وسلم - «ملعون من أتى امرأة في دبرها» (8) وقال «اتقوا محاش النساء» ~~(9) أي ادبارهن، وهو خبر صحيح متفق عليه نص عليه المقداد. # وقد تعرض ههنا شبهة لبعض الجهلة بفن التشريح أن الفرج أيضا محل البول ~~والنجاسة فلم أحل دون الدبر؟ وتدفع هذه الشبهة بأن المقرر في فن التشريح أن ~~الفرج مشتمل على PageV01P226 # ثلاث تجويفات: تجويف فوق الكل يتصل بالمثانة وهو ميزاب البول، وتجويف ~~دونه أضيق متصل بالأمعاء تخرج منه الريح أحيانا، وتجويف تحت الكل يدخل ~~الذكر فيه وقت الجماع وهو متصل بفم الرحم يخرج منه الحيض والنفاس والولد، ~~فلا تكون في هذا التجويف نجاسة أصلا إلا في أيام الحيض والنفاس، وحينئذ ~~يكون الجماع حراما، بخلاف الدبر فإن له تجويفا واحدا متصلا ببعض الأمعاء ~~التي هي معدن البراز والنجاسة الغليظة. ### | مسائل المتعة # إنهم يحسبون متعة النساء خير العبادات وأفضل القربات، (1) ويوردون في ~~فضائلها أخبارا كثيرة موضوعة مفتراة. (2) وعندهم متعة الخلية جائزة ~~بالإجماع، ومتعة المشركة والمجوسية سواء كانت خلية أو محصنة جائزة إذا ~~تحركت ألسنتهن بقول لا إله إلا الله وإن لم يكن في قلوبهن من معناها شيء ~~(3). # وكذلك يجوزون المتعة الدورية، وإن كان الاثنا عشرية ينكرون هذا التجويز، ~~ولكن يقول محققوهم إنها ثابتة في كتبنا لا يجوز إنكارها، وصورتها أن يستمتع ~~جماعة من امرأة واحدة ويقرروا الدور والنوبة لكل منهم، فيجامعها من له ~~النوبة من تلك الجماعة في نوبته، مع أن خلط الماءين في الرحم لا يجوز في ~~شريعة من الشرائع إذ لا يثبت حينئذ نسب العلوق إلى أحد منهم. والحال حفظ ~~النسب مما به الامتياز بين الإنسان والحيوان. # وإذا تأمل العاقل في أصل المتعة يجد فيها مفاسد مكنونة كلها تعارض الشرع، ~~منها تضييع الأولاد، فإن أولاد الرجل إذا كانوا منتشرين في كل بلدة ولا ~~يكونون عنده فلا يمكنه أن يقوم بترتيبهم فينشأون من غير تربية كأولاد ms212 ~~الزنا، ولو فرضنا أولئك الأولاد إناثا يكون الخزي أزيد، لأن نكاحهن [أن ~~يكون] (4) لا يمكن بالأكفاء أصلا. # ومنها احتمال وطء موطوءة الأب بالمتعة أو النكاح أو بالعكس بل وطء البنت ~~وبنت البنت وبنت الابن والأخت وبنت الأخت وغيرهن من المحارم في بعض الصور ~~خصوصا في مدة طويلة، وهو أشد المحظورات، لأن العلم بحبل امرأة المتعة في ~~مدة PageV01P227 # شهر واحد أو أزيد لا يكون حاصلا لا سيما إن وقعت المتعة في السفر ويكون ~~السفر أيضا طويلا ويتفق في كل منزل الشغل بالمتعة الجديدة ويتعلق الولد في ~~كل منها وتولد جارية من بعد العلوقات ويرجع هذا الرجل إلى ذلك الطريق بعد ~~خمسة عشر عاما مثلا أو يمر إخوته أو بنوه في تلك المنازل فيفعلون بتلك ~~البنات متعة أو ينكحونهن. # ومنها عدم تقسيم ميراث مرتكب المتعة مرات كثيرة، إذ لا يكون ورثته ~~معلومين ولا عددهم ولا أسماؤهم ولا أمكنتهم فلزم تعطيل أمر الميراث. وكذلك ~~لزم تعطيل ميراث من ولد بالمتعة فإن آباءهم وإخوتهم مجهولون، ولا يمكن ~~تقسيم الميراث ما لم يعلم حصر الورثة في العدد، ويمتنع تعيين سهم من الأسهم ~~ما لم تعلم صفات الورثة من الذكورة والأنوثة والحجب والحرمان. # وبالجملة فالمفاسد المترتبة على المتعة مضرة جدا ولا سيما في الأمور ~~الشرعية كالنكاح والميراث، فلهذا حصر الله سبحانه أسباب حل الوطء في شيئين: ~~النكاح الصحيح وملك اليمين؛ لأن الاختصاص التام الحاصل بين المرء وزوجته ~~بسبب هذين العقدين ليحفظ الولد ويعلم الإرث، قال تعالى {إلا على أزواجهم أو ~~ما ملكت أيمانهم} وعقب هذا في الموضعين بقوله {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك ~~هم العادون} وظاهر أن امرأة المتعة ليست بزوجة - وإلا تحققت لوازم الزوجية ~~فيها من الإرث والعدة والطلاق والنفقة والكسوة وغيرها - وليست هي أيضا بملك ~~يمين وإلا لجاز بيعها وهبتها وإعناقها. وقد اعترف فقهاء الشيعة بأن الزوجية ~~بين المرء وامرأة المتعة لا تكون متحققة، وقال ابن بابويه في كتاب ~~(الاعتقادات) (1) إن أسباب حل المرأة عندنا أربعة: النكاح وملك اليمين، ~~والمتعة، والتحليل. (2) وقال تعالى {وليستعفف ms213 الذين لا يجدون نكاحا حتى ~~يغنيهم الله من فضله} فلو كانت المتعة والتحليل جائزين لم يأمر بالاستعفاف. ~~وقال تعالى {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فما ملكت ~~أيمانكم - إلى قوله - ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم} فلو جازت ~~المتعة والتحليل لما كان خوف العنت (3) والحاجة إلى نكاح الإماء وإلى الصبر ~~في ترك نكاحهن متحققا. # وما قالت الشيعة إن قوله تعالى {فما استمعتم به منهن فآتوهن PageV01P228 # أجورهن فريضة} نزل في حل المتعة (1) فغلط محض، ونسبة روايته إلى ابن ~~مسعود وغيره من الصحابة محض افتراء، وإن نقل في تفاسير أهل السنة (2) غير ~~المعتبرة أيضا فإنه خلاف نظم القرآن وكل تفسير كذلك ليس بمسموع ولا مقبول ~~ولو كان من رواية صحابي، لأنه سبحانه بين أولا المحرمات بقوله تعالى {حرمت ~~عليكم أمهاتكم - إلى قوله - والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} ثم ~~قال {وأحل لكم ما وراء ذلكم} أى غير المحرمات المذكورة، ولكن بشرط أن ~~تبتغوا بأموالكم من المهور والنفقات، فبطل بهذا الشرط تحليل الفروج ~~وإعارتها، فإنها منفعة محضة بلا حرج، ثم قال {محصنين غير مسافحين} (3) يعني ~~في حال كونكم مخصصين أزواجكم بأنفسكم ومحافظين لهن لكي لا يرتبطن بالأجانب ~~ولا تقصدوا بهن محض قضاء شهوتكم وصب مائكم واستبراء أوعية المني. فبطلت ~~المتعة بهذا القيد أصلا، لأن امرأة المتعة كل شهر تحت صاحب، بل كل يوم في ~~حجر ملاعب. # ثم فرع على النكاح قوله {فما استمتعتم به منهن} الآية، يعني إذا قررتم ~~الصداق في النكاح فإن تمتعتم به منهن بالدخول والوطء يلزمكم تمام المهر ~~وإلا فنصفه، فقطع هذه الآية عما قبلها وحملها على الاستئناف باطل صريح ~~باعتبار العربية، لأن الفاء تأبى القطع والابتداء، بل تجعل ما بعدها مربوطا ~~بما قبلها. (4) # وما يروون أن عبد الله بن مسعود كان يقرأ هذه الآية مع ضم «إلى أجل» بعد ~~{منهن} فغير صحيح لأن هذه الرواية لم توجد في كتاب من كتب أهل السنة ~~المعتبرة، (5) ولو سلمنا ثبوتها في قراءة منسوخة فهي لا ms214 تستعمل في إثبات ~~الأحكام مع كون القراءة المشهورة المتواترة تخالفها. (6) ولو سلمنا ذلك لا ~~نسلم دلالتها على المتعة أيضا لأن لفظ {إلى أجل مسمى} متعلق بالاستمتاع لا ~~بنفس العقد، والمدة المتعينة في المتعة إنما تكون متعلقة بنفس العقد لا ~~بالاستمتاع، فصار معنى الآية هكذا: فإن تمتعتم بالمنكوحات إلى مدة معينة ~~فأدوا مهورهن تماما. وفائدة زيادة هذه العبارة دفع ما عسى أن يتوهم أن وجوب ~~تمام المهر معلق بمضي تمام مدة النكاح كما اشتهر في العرف أن ثلث المهر ~~يعجل والثلثين يجعلان مؤجلين إلى بقاء النكاح، فهذا التأجيل يحصل بتصرف ~~المرأة واختيارها، PageV01P229 # وإلا فلها المطالبة بعد الوطء مرة تمام المهر في الشرع. ولو كان {إلى أجل ~~مسمى} قيد العقد لم تصح المتعة إلى مدة العمر وأبدا، مع أنها صحيحة كذلك ~~بإجماع الشيعة، وسياق قوله تعالى {ومن لم يستطع منكم طولا} الآية أيضا في ~~باب النكاح، يعني إن لم يستطع منكم أحد أن يؤدي مهر الحرائر ونفقتهن فلينكح ~~الإماء المسلمات، فحمل العبارة المتوسطة على المتعة بقطع الكلام من السياق ~~والسباق تحريف صريح لكلام الله تعالى. (1) # بل إن تأمل عاقل في سياق هذه الآية يجد حرمة المتعة صريحة، لأن الله أمر ~~فيها بالاكتفاء بنكاح الإماء في عدم الاستطاعة بطول الحرائر، فلو كان أحل ~~المتعة في الكلام السابق لما قال بعده {ومن لم يستطع منكم طولا} لأن المتعة ~~في صورة عدم الاستطاعة بنكاح الحرة ليست قاصرة على قضاء حاجة الجماع، بل ~~كانت بحكم «لكل جديد لذة أطيب وأحسن». وأية ضرورة كانت داعية إلى تحليل ~~نكاح الإماء بهذا التقييد والتشديد وإلزام الشروط والقيود {انظر كيف نبين ~~لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون}. وبالجملة إن هذه الآيات صريحة الدلالة على ~~تحريم المتعة، وقد تبين عدم دلالة الآية التي استدل بها الشيعة على مدعاهم ~~بل على خلافه. ### | مسائل الرضاع والطلاق # يقولون إن شرب الطفل اللبن خمس عشرة مرة متوالية يشبع الطفل بكل منها ~~يثبت الحرمة، (2) وإن لم تكن متوالية لا يثبت الحرمة، وإن شبع الطفل بكل. ~~(3) مع ms215 أن الحكم كان في الابتداء أن عشر رضعات يحرمن، ثم نسخ (4) وثبت ذلك ~~بإجماع الأمة. (5) وأما قيد التوالي وزيادة الخمس على العشر فلم يكن في ~~كلام الله تعالى أصلا، وإنما هذه الزيادة والقيد المذكور من مخترعاتهم، ~~وإبقاء الحكم المنسوخ تشريع من عند أنفسهم ومخالفة لحكم الله تعالى. وهم ~~يروون عن الأئمة أن شرب اللبن مطلقا سواء كان عشر رضعات أو أقل موجب ~~للحرمة، (6) لأن المقام مقام احتياط، فإنه باب حرمة النكاح حتى يثبت براءة ~~الذمة يقينا. وصرح شيخهم المقداد في (كنز العرفان) في بحث كفارة اليمين ~~بوجوب العمل بالأحوط في أمثال هذه المواضع. (7) # ويقولون أيضا: لا يقع الطلاق إلا بلسان عربي. (8) وبطلان هذا القول أظهر ~~من الشمس. PageV01P230 # وإن الرجل إذا قال لامرأته «أنت طالق» أو «طلاق» ولو ألف مرة لا يقع ~~الطلاق عندهم أبدا ما لم يقل «طلقتك». وقد عد الشارع هاتين الصيغتين من ~~الطلاق الصريح أيضا، وإن كان أصل وضعها للإخبار بالطلاق، كما أن «طلقتك» ~~كذلك. وهذه الألفاظ كلها مستعارة من الإخبار للإنشاء مثل «أنت حر» أو ~~«عتيق» مع أنهم قائلون بوقوع الطلاق فيما إذا سأل رجل آخر: هل طلقت فلانة؟ ~~فقال: نعم. مع أن الصريح فيه كون معنى الإخبار مرادا به الإنشاء، (1) وإلا ~~فكيف يقع في جواب الاستفهام؟ # ويقولون أيضا: لا يصح الطلاق إلا بحضور شاهدين كالنكاح، (2) مع ان ~~المعلوم قطعا من الشرع أن الإشهاد في الرجعة والطلاق مستحب لمحض قطع النزاع ~~المتوقع، لا أن حضور الشاهدين شرط في الطلاق أو الرجعة كما في النكاح. وكان ~~توارث جميع الأمة في حضور النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى زمان الأئمة ~~على هذا، وهو أنهم لم يطلبوا حضور الشهود عند الطلاق قط. والفرق بين النكاح ~~والطلاق بين، إذ الإعلان في النكاح ضروري حتى يميز عن الزنا ولا يتهم بها، ~~فأقل حد الإعلان يثبت شاهدين كما تقرر في الشرع، بخلاف الطلاق إذ لا حاجة ~~فيه إلى الإعلان لعدم التباسه بشيء حتى يميز، ولعدم التهمة في ترك الصحبة ~~والجماع، فالطلاق كالبيع والإجارة ms216 وسائر العقود في إحضار الشهود لمخافة ~~الإنكار. # ويقولون أيضا: لا يقع الطلاق بالكنايات إن كان الزوج حاضرا، مع أنه لا ~~خلاف بين حضوره وغيبته، (3) بل هو خلاف قاعدة الشرع، فإن الشارع لم يعتبر ~~في إيقاع الطلاق حضور الزوج وغيبته قط، بل في كل باب. فالفرق تشريع جديد من ~~قبلهم. # ويقولون أيضا: إذا نكح المجبوب - وهو مقطوع الذكر فقط - امرأة ثم طلقها ~~بعد الخلوة الصحيحة لا تجب العدة عليها، مع أنهم قائلون بثبوت نسب الولد ~~بهذا الرجل إن ولد منها. (4) فاحتمال العلوق من هذا الرجل ثبت أيضا عندهم، ~~فكيف لا تجب عليها العدة؟ فإن وجوبها إنما هو لمعرفة العلوق، ويمكن حصوله ~~من هذا الرجل بناء على القواعد PageV01P231 # الطبية، لأن محل المني ووعاءه الأنثيان لا الذكر فيحتمل أن يخرج منيه من ~~منفذ الذكر عند المساحقة ويدخل في الفرج فيجذبه الرحم بسرعة فيتعلق الولد ~~منه، لأن الرحم أشد اشتياقا للمني لعدم النضج التام بسبب انتفاء المحل. # ويقولون أيضا: لا يقع الظهار إذا أراد الزوج بإيقاعه إضرار زوجته بترك ~~الوطء، (1) مع أن الشارع قصد سد باب الإضرار بإيجاب الكفارة على المظاهر، ~~فلو لم يقع الظهار ولم يجب شيء في الإضرار لزم المناقضة في مقصود الشارع. ~~ومع ذلك فقولهم مخالف لنص الكتاب والأحاديث وآثار الأئمة، فإنها واقعة بلا ~~تقييد ومروية بروايات مصححة في كتبهم. (2) # ويقولون أيضا: إن عجز المظاهر عن أداء خصال الكفارة - من تحرير رقبة ~~وصيام شهرين متتابعين وإطعام ستين مسكينا - فليصم ثمانية عشر يوما، وهذا ~~القدر من الصوم يكفيه. (3) ولا يخفى أن هذا الحكم تشريع جديد من قبلهم ~~بخلاف ما أنزل الله. # ويقولون أيضا: يشترط في اللعان كون المرأة مدخولا بها، (4) مع أن لحوق ~~العار بتهمة الزنا أكثر من غير الدخول بها، وقد تقرر أن اللعان لدفع عار ~~التهمة، وأنه أيضا مخالف لقوله تعالى {والذين يرمون المحصنات ولم يكن لهم ~~شهداء إلا أنفسهم} الآية فقد ورد بغير تقييد الدخول. (5) ### | مسائل الإعتاق والأيمان # يقولون لا يقع العتق بلفظ العتق. (6) سبحان الله ما أغرب هذا ms217 الحكم حتى ~~إنه ليضحك الثكلى ويسخر منه الصبيان. # ويقولون أيضا: لا يقع العتق بلفظ فك الرقبة أيضا، (7) مع أنه قد وقع في ~~عدة مواضع من القرآن التعبير بهذا اللفظ عن العتق وصار حقيقة شرعية فيه ~~كقوله تعالى {فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة} الآية. PageV01P232 # ويقولون أيضا: لا يصح عتق عبد أو امة ذاهب بمذهب أهل الحق أو غيرهم مما ~~هو مخالف لمذهب الاثني عشرية، (1) مع أنه لا دليل لهم على هذا لا من الكتاب ~~ولا من السنة، وما ذاك إلا محض عناد وجهل بالمراد. ألا ترى أن عتق العبد ~~الكافر صحيح فضلا عن أن يكون له مذهب، وقد ثبت إيمان أهل السنة في كتبهم. ~~(2) # ويقولون أيضا: لو صار العبد مجذوما أو أعمى أو زمنا يعتق بنفسه من غير ~~إعتاق مالكه. (3) وهذا العتق بخلاف قواعد الشرع، إذ لا يخرج مال أحد عن ~~ملكه بنفسه بمعيوبيته، ولأن سبب تشريع العتق هو نفع العبد وقد صار ههنا ~~لمحض ضرره وهلاكه؛ لأنه حينئذ لا اقتدار له على الكسب ولا نفقة له على ~~سيده. فإن قالوا قد يحصل للعبد نفع بذلك بسبب استراحته عن الخدمة، قلنا لا ~~يجوز على المالك تكليف مثل هؤلاء. # ويقولون أيضا: إن خرجت نطفة السيد من بطن الأمة صارت أم ولد، (4) فعلى ~~هذا يلزم صيرورة كل جارية موطوءة أم ولد لأن عادة النساء ذلك. ومما علم ~~بالتجربة أنه يبقى في الرحم من النطفة قدر الانعلاق ويخرج ما زاد عليه، ~~فحينئذ لو كان خروج النطفة دليلا لكان على عدم الانعلاق، فكيف تصير الأمة ~~أم ولد بخروجها؟ # ويقولون أيضا: لو رهن رجل أمته ووطئها المرتهن مطلقا وجاءت بولد من ~~المرتهن صارت أم ولد له. (5) مع أن وطء المرتهن محض الزنا إذ لا ملك له ولا ~~تحليل، مع أن التحليل أيضا لا يوجب كونها أم ولد عند الفرقة أيضا. (6) # ويقولون أيضا: لا ينعقد يمين الولد بغير إذن الوالد في غير فعل الواجب ~~وترك القبيح، وكذلك يمين المرأة بغير إذن الزوج فيهما. (7) مع ms218 أن ذلك مخالف ~~لصريح قوله تعالى {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما ~~كسبت قلوبكم} وقوله سبحانه {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان}. PageV01P233 # ويقولون أيضا: إن نذر أحد أن يمشى إلى الكعبة راجلا وحج يسقط عنه هذا ~~النذر، نص عليه أبو جعفر الطوسي. (1) مع أنه مخالف لقوله تعالى {وليوفوا ~~نذورهم} وقوله تعالى {يوفون بالنذر}. # ويقولون أيضا: يلزم النذر بقصد القلب من غير ان يتلفظ بلفظ النذر سرا ~~وجهرا، ويسمونه نذر الضمير. (2) مع أنه لا يلزم في الشرع شيء بقصد القلب من ~~جنس ما لا بد فيه من القول كاليمين والنذر والنكاح والطلاق والعتاق والرجعة ~~والبيع الإجارة والهبة والصداقة وغيرها. ### | مسائل القضاء # يقولون لا ينفذ قضاء القاضي في الحدود، بل لابد فيها من الإمام المعصوم. ~~(3) فيلزم تعطيل الحدود في زمن غيبة الإمام أو عدم تسلط الائمة كما كانت في ~~الأزمنة الماضية كذلك. ولو كان موجودا في محل فمن يقيم الحدود في محل آخر؟ ~~مع أن جميع العبادات والمعاملات والكفارات ليست موقوفة على حضور الإمام، ~~فلتكن إقامة الحدود أيضا من ذلك. # ويقولون أيضا: يشترط في القضاء علم الكتابة. (4) مع أنه لا دليل عليه، بل ~~إن الدليل قائم على خلافه، فإن خاتم النبيين - صلى الله عليه وسلم - كان له ~~منصب القضاء بلا ريب لقوله تعالى {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين ~~الناس بما أراك الله} ولم يتصف بالكتابة لقوله تعالى {وما كنت تتلو من قبله ~~من كتاب ولا تخطه بيمينك} مع أنه لم يلحقه قصور من ذلك. ### | مسائل الدعوى # يقولون تقبل دعوى امرأة ماتت ابنتها بانها تركت عند ابنتها المتوفاة ~~متاعا أو خادما بالأمانة وذلك من غير بينة ولا شهود؛ نص عليه ابن بابويه. ~~مع أنه مخالف لقوله تعالى {لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذا لم ياتوا ~~بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون} ولقوله - صلى الله عليه وسلم - ~~«البينة على المدعي واليمين على من أنكر». (5) وأيضا لو قبلت الدعاوى من ~~غير بينة لفسد الدين واختل نظام المسلمين. PageV01P234 # ويقولون أيضا: لو ادعى ms219 أحد على عدوه بالزنا وليس عنده شهود على إثبات هذه ~~الدعوى يحلف ولا يحد بالقذف؛ نص عليه شيخهم المقتول في (المبسوط). (1) مع ~~أن الحلف لا اعتبار له في الحدود، ويجب حد القذف على مدعيه إذا عجز عن ~~إقامة البينة، وكيف لا ينظر إلى العداوة التي هي سبب ظاهر للاتهام والكذب؟ ### | مسائل الشهادة والصيد والطعام # ويقولون: تقبل شهادة الصبي غير البالغ في القصاص. (2) مع أن الطفل ليس له ~~أهلية الشهادة، لقوله تعالى {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} ولا سيما باب ~~القصاص الذي فيه إتلاف النفس. # ويقولون أيضا: صيد أهل الكتاب حرام، (3) وذبيحة أهل السنة ميتة، (4) وكذا ~~ذبيحة من لم يستقبل القبلة عند الذبح. (5) وكل ذلك مخالف لقوله تعالى ~~{فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين}. # ويقولون أيضا: لو اصطاد أحد بغير المعتاد من الآلة لا يصير الصيد مملوكا. ~~(6) مع أنه لا فرق بين الآلة المعتادة وغيرها. # ويقولون أيضا: إن لبن الميتة وما لا يؤكل من الحيوان حلال. (7) # ويقولون أيضا: إن الخبز الذي عجن دقيقه بماء نجس طاهر؛ كما ذكر الحلي في ~~(التذكرة). (8) # وأيضا يقولون: إن الطعام الذي وقع فيه زرق الدجاج واضمحل فيه طاهر جائز ~~أكله، (9) وكذا لو طبخ المرق أو نحوه بماء الاستنجاء أو وقع شيء من زرق ~~الدجاج، وكذا ماء الغدير الذي استنجى فيه كثير من الناس ووقع فيه دم حيض أو ~~نفاس أو مذي وودي وبال فيه الكلب فإنه طاهر يجوز استعماله للشرب وطبخ شيء ~~به، (10) وكذا إذا طبخ شيء بماء وكان قدر نصفه دم مسفوح أو بول حمار أو ~~فرس. مع أن كل ذلك مخالف لقوله تعالى {ويحرم عليهم الخبائث}. # ويقولون أيضا: إن من كان جائعا ولو غنيا فنهب طعاما من مالكه الذي يطلب ~~عليه أزيد من الثمن المتعارف فأكله جائز. (11) PageV01P235 ### | مسائل الفرائض والوصايا # يقولون: إن ابن الابن لا يرث مع وجود الأبوين، مع أن هذا مخالف (1) لقوله ~~تعالى {يوصيكم الله في أولادكم} وولد الابن داخل في الأولاد بلا شبهة لقوله ~~تعالى {أبناءنا وأبناؤكم} وقوله ms220 تعالى {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي ~~أنعمت عليكم} وقوله تعالى {يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم ~~من الجنة} الآية، ومخالف أيضا لما ثبت عندهم من الأخبار الصحيحة. (2) # ويقولون أيضا: لا يرث أولاد الأم من دية المقتول، (3) وكذا لا ترث الزوجة ~~من العقار. (4) مع أن النصوص عامة. # ويقولون أيضا: إن أكبر أولاد الميت (5) يخصص من تركة أبيه بالسيف والمصحف ~~والخاتم ولباسه بدون عوض، (6) مع أن ذلك أيضا مخالف لنص الكتاب. وبعضهم ~~يجعل الجدات والأعمام وأبناءهم محرومين من الأرث. (7) # ويقولون في مسائل الوصايا: إن المظروف تابع للظرف، فلو أوصى لآخر بصندوق ~~يدخل في الوصية ما فيه من النقود والمتاع. (8) # ويقولون أيضا: تصح الوصية بتحليل فرج الأمة لرجل إلى سنة أو سنتين. (9) ### | مسائل الحدود والجنابات # ويقولون في مسائل الحدود: يجب الحد على المجنون لو زنى بامرأة غافلة. ~~(10) وهو مخالف لما ثبت عندهم من قوله - صلى الله عليه وسلم - «رفع القلم ~~عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق ... » الحديث. (11) # ويقولون أيضا: يجب الرجم على امرأة جامعها زوجها ثم ساحقت تلك المرأة ~~بكرا وحملت تلك البكر، تحد البكر مائة جلدة، مع أن السحاق لم يقل أحد إنه ~~زنا. (12) # ويقولون أيضا: يجب حد القذف على مسلم قال لآخر با ابن الزانية وكانت أم ~~المقذوف كافرة، (13) مع أن نص القرآن يخصص حد القذف بالمحصنات والكافرة ~~ليست بمحصنة، بل يجب تعزيره لحرمة ولدها المسلم. # ويقولون أيضا: لو قتل الأعمى مسلما معصوما لا يقتص منه، (14) مع أن آية ~~القصاص عامة للأعمى وغيره. PageV01P236 # ويقولون أيضا: لو جاع شخص وعند آخر طعام لا يعطيه لجائع يجوز للجائع أن ~~يقتله ويأخذ طعامه ولا يجب عليه شيء من القصاص والدية، مع أن عدم الإطعام ~~للجائع ليس مجوزا للقتل في شريعة من الشرائع. # ويقولون أيضا: لو قتل ذمي مسلما يعطى ورثة المقتول مال القاتل كله، ~~والورثة مخيرون في جعل الذمي عبدا لهم وفي قتله. وكذا إن كان للذمي أولاد ~~صغار يجوز لورثة المقتول أن يتخذوهم عبيدا وإماء. (1) مع أن الآية تدل ms221 على ~~القصاص فقط، ولا يجوز الجمع بين القصاص والدية فضلا عن أن يصير القاتل عبدا ~~أو ورثته، وقد قال تعالى {ولا تزر وازرة وزر أخرى}. # ولنكتف بهذا المقدار لأن هذياناتهم في مسائل الدين لا تسع أسفار، فنسبتها ~~إلى العترة المطهرة محض بهتان، لا يخفى على ذوي العرفان. ### | الباب الثامن مطاعنهم في الخلفاء الراشدين وسائر الصحابة المكرمين وحضرة الصديقة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهم أجمعين # أعلم أولا أنه لم يسلم أحد من الكلام عليه وإلقاء التهمة بين يديه. ولله ~~در من قال ممن وقف على حقيقة الحال: # قيل إن الإله ذو ولد ... قيل إن الرسول قد كهنا # ما نجا الله والرسول معا ... من لسان الورى فكيف أنا؟ # ومع هذا لا يخفى على ذوي الألباب أن مطاعن هؤلاء لفرقة الضالة أشبه شيء ~~ينبح الكلاب، بل لعمري إنه لصرير أو طنين ذباب. # وإذا أتتك نقيصتي (2) من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني كامل PageV01P237 # فدونك فانظر فيها، وتأمل بظواهرها وخافيها. ### | المطاعن الأولى في حق الصديق الأجل # فمنها أنه صعد يوما على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال له ~~السبطان «انزل منبر جدنا» (1) فعلم أن ليس له لياقة الإمامة. # والجواب - على فرض التسليم - أن السبطين كانا إذ ذاك صغيرين، فإن الحسن ~~ولد في الثالثة من الهجرة في رمضان والحسين في الرابعة منها في شعبان، ~~والخلافة في أول الحادية عشرة، فأفعالهما إن اعتبرت بحيث تترتب عليها ~~الأحكام لزم ترك التقية الواجبة، وإلا فلا نقص ولا عيب. فمن دأب الأطفال ~~أنهم إذا رأوا أحدا في مقام محبوبهم ولو برضائه يزاحمونه ويقولون له قم عن ~~هذا المقام، فلا يعتبر العقلاء هذا الكلام، وهم وإن ميزوا عن غيرهم لكن ~~للصبي أحكاما، ولهذا اشترط في الاقتداء البلوغ إلى حد كمال العقل. ألا ترى ~~أن الأنبياء لم يبعثوا إلا على رأس الأربعين إلا نادرا كعيسى، والنادر ~~كالمعدوم. # ومنها أنه درأ الحد عن خالد بن الوليد أمير الأمراء عنده ولم يقتص منه ~~أيضا، ولهذا أنكر عليه عمر لأنه قتل مالك ms222 بن نويرة مع إسلامه ونكح امرأته ~~في تلك الليلة ولم تمض عدة الوفاة. # وجوابه أن في قتله شبهة، إذ قد شهد عنده أن مالكا وأهله أظهروا السرور ~~فضربوا بالدفوف وشتموا أهل الإسلام (2) عند وفاة النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، (3) بل وقد قال في حضور PageV01P238 # خالد في حق النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «رجلكم أو صاحبكم كذا». (1) ~~وهذا التعبير إذ ذاك من شعار الكفار والمرتدين. وثبت أيضا أنه لما سمع ~~بالوفاة رد صدقات قومه عليهم وقال: قد نجوت من مؤنة هذا الرجل، فلما حكى ~~هذا للصديق لم يوجب على خالد القصاص ولا الحد إذ لا موجب لهما. (2) فتدبر. ~~(3) وعدم الاستبراء بحيضة لا يضر أبا بكر، وخالد غير معصوم، على أنه لم ~~يثبت أنه جامعها في تلك الليلة في كتاب معتبر. (4) وقد أجيب عنه بأن مالكا ~~كان قد طلقها وحبسها عن الزواج على عادة الجاهلية مدة مضي العدة، فالنكاح ~~حلال. ثم إن الصديق قد حكم في درء القصاص حكم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إذ قد ثبت في التواريخ أن خالدا هذا أغار على قوم مسلمين (5) فجرى ~~على لسانهم «صبأنا صبأنا» أى صرنا بلا دين، وكان مرادهم أنا تبنا عن ديننا ~~القديم ودخلنا الصراط المستقيم فقتلهم خالد، حتى غضب عبد الله بن عمر فأخبر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فآسف وقال: «اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع ~~خالد»، ولم يقتص منه، (6) [ولم يؤدهم] (7) فالفعل هو الفعل. على أن الصديق ~~أداهم الدية. ويجاب أيضا أنه لو توقف الصديق في القصاص طعنا لكان توقف ~~الأمير في قتلة عثمان أطعن. وليس، فليس. وأيضا استيفاء القصاص إنما يكون ~~واجبا لو طلبه الورثة. وليس، PageV01P239 # فليس. بل ثبت أن أخاه متمم بن نويرة (1) # اعترف بارتداده في حضور عمر مع عشقه له ومحبته فيه محبة تضرب بها ~~الأمثال، وفيه قال: # وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصعدها # فلما تفرقنا كأني ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا (2) # ثم إن عمر ندم على ما كان ms223 من إنكاره زمن الصديق. (3) والله ولي التوفيق. # ومنها أنه تخلف عن جيش اسامة المجهز للروم مع أنه - صلى الله عليه وسلم - ~~أكد غاية التأكيد عليه حتى قال: جهزوا جيش أسامة، لعن الله من تخلف. (4) # وجوابه: إن كان الطعن (5) من جهة عدم التجهيز فهذا افتراء صريح لأنه جهز ~~وهيأ. وإن كان من جهة التخلف (6) فله عدة أجوبة: # الأول أن الرئيس إذا ندب رجلا مع جيش ثم أمره بخدمة من خدمات حضوره فقد ~~استثناه وعزله. (7) والصديق لأمره بالصلاة كذلك، فالذهاب إما ترك الأمر أو ~~ترك الأهم وهو محافظة المدينة المنورة من الأعراب. # الثاني أن الصديق قد انقلب له المنصب بعد وفاة النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لأنه كان من آحاد المؤمنين فصار خليفة النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فانقلبت في حقه الأحكام، ألا ترى كيف انقلبت أحكام الصبي إذا بلغ والمجنون ~~إذا افاق والمسافر إذا أقام والمقيم إذا سافر، إلى غير ذلك. والنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لو عاش لما ذهب في جيش أسامة، فالخليفة لكونه قائما مقامه ~~يكون كذلك. # الثالث أن الأمر عند الشيعة ليس مختصا بالوجوب كما نص عليه المرتضى في ~~(الدرر والغرر) فلا ضرر في المخالفة. (8) وجملة "لعن الله من تخلف" مكذوبة ~~لم تثبت في كتب السنة. (9) # الرابع أن مخالفة آدم ويونس لحكم الله تعالى بلا واسطة قد ثبت عند ~~الشيعة، فالإمام لو خالف أمرا واحدا لاضير، فتدبر. # ومنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر أبا بكر قط أمرا مما ~~يتعلق بالدين فلم يكن حريا بالإمامة. # الجواب أن هذا كذب محض تشهد على ذلك السير والتورايخ. فقد ثبت تأميره ~~PageV01P240 # لمقاتلة أبي سفيان بعد أحد، وتأميره أيضا في غزوة بني فزارة كما رواه ~~الحاكم عن سلمة بن الأكوع، وتأميره في العام التاسع ليحج بالناس أيضا ~~ويعلمهم الأحكام من الحلال والحرام، (1) وتأميره أيضا بالصلاة قبيل الوفاة، ~~(2) إلى غير ذلك من مما يطول. # ويجاب أيضا - على فرض التسليم - بأن عدم ذلك ليس لعدم اللياقة بل لكونه ~~وزيرا ومشيرا على ما ms224 هي العادة. روى الحاكم عن حذيفة بن اليمان أنه قال ~~سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إني أريد أن أرسل الناس إلى ~~الأقطار البعيدة لتعليم الدين والفرائض كما كان عيسى أرسل الحواريين. فقال ~~بعض الحضار: يا رسول الله مثل هؤلاء الناس موجودون فينا كأبي بكر وعمر، ~~قال: إنه لا غنى لي عنهما، إنهما من الدين كالسمع والبصر. (3) وأيضا قال - ~~صلى الله عليه وسلم -: أعطاني الله أربعة وزراء وزيرين من أهل السماء ~~ووزيرين من أهل الأرض، فأما وزيراي من أهل السماء فجبريل وميكائيل، وأما ~~وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر وعمر. (4) # وأيضا لو كان عدم الإرسال موجبا لسلب اللياقة يلزم عدم لياقة الحسنين - ~~معاذ الله تعالى من ذلك. # ومنها أن أبا بكر ولى عمر أمور المسلمين، مع أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ولاه على أخذ الصدقات سنة ثم عزله، فالتولية مخالفة. # ويجاب بأن محض الجهالة أن يقال لانقطاع العمل عزل. وعلى تقدير العزل فأين ~~النهي عن توليته كي تلزم المخالفة بالتولية؟ فافهم. # ومنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعله وعمر وتابعين لعمر بن العاص ~~وأسامة أيضا، ولو كانا لائقين لأمرهما. # ويجاب بأن ذلك لا يدل على الأفضلية ونفي اللياقة، (5) إذ المصلحة ربما ~~اقتصت ذلك، فإن عمرا كان ذا خديعة في الحرب ودهاء وحيلة عارفا بمكايد ~~الأعداء، ولم يكن غيره فيها كذلك، كما يولى مثل هذا لقمع السارقين وعسس ~~الليل ونحوهما من لا يولى لذلك من الأكابر. وأسامة استشهد أبوه على أيدي ~~كفار الشام والروم فكان ذلك تسلية له وتشفية. وأيضا مقصود النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - من ذلك إطلاع أبي بكر وعمر على حال التابع والمتبوع كما هو شأن ~~تربية الحكيم خادمه، فلا تغفل. PageV01P241 # ومنها أن أبا بكر استخلف والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستخلف، (1) ~~فقد خالف. (2) # ويجاب بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أشار بالاستخلاف، والإشارة إذ ~~ذاك كالعبارة. وفي زمن الصديق كثر المسلمون من العرب، وهم حديثو عهد ~~بالإسلام وأهله فلا معرفة لهم بالرموز ms225 والإشارات، فلا بد من التنصيص ~~والعبارات، حتى لا تقع المنازعات والمشاجرات. وفي كل زمان رجال، ولكل مقام ~~مقال. وأيضا عدم استخلاف النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما كان لعلمه ~~بالوحي بخلافة الصديق كما ثبت في صحيح مسلم، ولا كذلك الصديق إذ لا يوحى ~~إليه ولم تساعده قرائن فعمل بالأصلح للأمة، ونعم ما عمل، فقد فتح الفاروق ~~البلاد، ورفع قدر ذوي الرشاد، وأباد الكفار (3) وأعان الأبرار. # ومنها أن أبا بكر كان يقول «إن لي شيطانا يعتريني، فإن استقمت فأعينوني، ~~وإن زغت فقوموني». (4) ومن هذا حاله لا يليق للإمامة. (5) # ويجاب بأن هذا غير ثابت عندنا، فلا إلزام. بل الثابت أنه أوصى عمر قبل ~~الوفاة فقال: «والله ما نمت فحلمت، وما شبهت فتوهمت، وإني لعلى السبيل ما ~~زغت، ولم آل جهدا. وإني أوصيك بتقوى الله تعالى» (6) الخ. نعم قال في أول ~~خطبة خطبها على ما في مسند الإمام أحمد: «يا أصحاب الرسول أنا خليفة الرسول ~~فلا تطلبوا مني الأمرين الخاصين بالنبي - صلى الله عليه وسلم -: الوحي ~~والعصمة من الشيطان» ... وفي آخرها: «إني لست معصوما فإطاعتي فرض عليكم ~~فيما وافق الرسول وشريعة الله تعالى من أمور الدين، ولو أمرتكم بخلافها فلا ~~تقبلوه مني ونبهوني عليه». وهذا عين الإنصاف. ولما كان الناس معتادين عند ~~المشكلات الرجوع إلى وحي إلهي وإطاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~لازما على الخليفة التنبيه على الاختصاص بالجناب الكريم. وأيضا روي في ~~الكافي للكليني في رواية صحيحة عن جعفر الصادق أن لكل مؤمن شيطانا يقصد ~~إغواءه. (7) وفي الحديث المشهور ما يؤيد هذا أيضا فقد قال - صلى الله عليه ~~وسلم - «ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن» فقالت الصحابة: حتى ~~أنت يا رسول الله؟ قال «نعم، ولكن الله غلبني عليه لأسلم وآمن من شره». (8) ~~فأي طعن فيما ذكروه؟ والمؤمن يعتريه الشيطان بالوسوسة PageV01P242 # فينتبه، قال تعالى {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا ~~هم مبصرون}. نعم إن النقصان في اتباع الشيطان، وهو بمعزل عنه. (1) # ومنها ms226 أنه روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: «ألا إن بيعة أبي بكر كانت فلتة ~~وقي الله المؤمنين شرها، فمن عاد بمثلها فاقتلوه» (2) قالوا: ويؤيد هذه ~~الرواية رواية البخاري في صحيحه فقد دلت صراحة على بيعة أبي بكر قد وقعت ~~بغتة بلا تأمل ولا مشورة، وإنها غير تمسك بدليل، فلم يكن إماما بحق. # والجواب أن هذا الكلام صدر من عمر في زجر رجل كان يقول إن مات عمر أبايع ~~فلانا وحدي أو مع آخر كما كان في مبايعة أبي بكر ثم استقر الأمر عليها، ~~فمعنى كلام الفاروق في رده لهذا القول أن بيعة رجل أو رجلين شخصيا من غير ~~تأمل سابق ومراجعة أهل الحل والعقد ليست بصحيحة، وبيعة أبي بكر وإن كانت ~~فجأة بسبب مناقشة الأنصار وعدم وجود فرصة للمشورة فقد حلت محلها وصادفت ~~أهلها للدلائل على ذلك والقرائن على ما هنالك كإمامة الصلاة ونحوها. وهذا ~~معنى «وقي الله المؤمنين شرها» فلا يقاس غيره به. (3) وفي آخر هذه الرواية ~~التي رواها الشيعة «وأيكم مثل أبي بكر» أي في الأفضلية والخبرية وعدم ~~الاحتياج إلى المشورة. على أنه قد ثبت عند أهل السنة وصح أن سعد بن عبادة ~~وأمير المؤمنين عليا والزبير قد بايعوه بعد تلك المناقشة واعتذروا له عن ~~التخلف أول الأمر. # ومنها أن أبا بكر كان يقول للصحابة: «إني لست بخير منكم وعلي فيكم». (4) ~~فإن كان صادقا في هذا القول لم يكن لائقا للإمامة البتة، إذ المفضول لا ~~يليق مع وجود الفاضل. وإن كان كاذبا فكذلك إذ الكاذب فاسق والفاسق لا يصلح ~~للإمامة. # والجواب على فرض التسليم بما يجاب من قبلهم عما يثبت في الصحيفة الكاملة ~~(5) وهي من الكتب الصحيحة عندهم من قول الإمام السجاد - رضي الله عنه - ~~«أنا الذي أفنت الذنوب عمره» ... الخ. فإن كان صادقا بهذا الكلام لم يكن ~~لائقا للإمامة أن الفاسق المرتكب للذنوب لا يصلح للإمامة، وكذا إن كان ~~كاذبا لما مر. فما هو جوابهم فهو جوابنا. # وزاد بعض الشيعة PageV01P243 # على قول «إني لست بخير منكم» ms227 لفظ «أقيلوني أقيلوني» (1) فاعترض على هذا ~~البهتان بأن أبا بكر قد استعفى عن الإمامة فلا يكون قابلا لها. (2) # والجواب - على فرض تسليمه - بما يجاب عما صح في كتب الشيعة من أن الأمير ~~لم يكن يقبل الخلافة بعد شهادة عثمان إلا بعد أن كثر إلحاح المهاجرين ~~والأنصار، (3) على أنه لو صح ذلك عن أبي بكر لكان دليلا على عدم طمعه وحبه ~~للرياسة والإمامة بل إن الناس قد أجبروه على قبولها. (4) # ومنها أن أبا بكر لم يعط فاطمة رضي الله عنها من تركة أبيها - صلى الله ~~عليه وسلم - حتى قالت: يا ابن قحافة أنت ترث أباك وأنا لا أرث أبي؟ (5) ~~واحتج أبو بكر على عدم توريثها بما رواه هو فقط من قوله - صلى الله عليه ~~وسلم - «نحن معاشر الأنبياء لا نورث» مع أن هذا الخبر مخالف لصريح قوله ~~تعالى {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} فإنه عام للنبي ~~وغيره، ومخالف أيضا لقوله تعالى {وورث سليمان داود} وقوله تعالى {فهب لي من ~~لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب} (6) # وجوابه أن أبا بكر لم يمنع فاطمة من الإرث لعداوة وبغض، بدليل عدم توريثه ~~الأزواج المطهرات حتى ابنته الصديقة، بل السبب في ذلك سماعه للحديث بأذنه ~~منه - صلى الله عليه وسلم -، وقد روى علماء السنة هذا الحديث عن حذيفة بن ~~اليمان والزبير بن العوام وأبي الدرداء وأبي هريرة والعباس وعلي وعثمان ~~وعبد الرحمن ابن عوف وسعد بن أبي وقاص، فقولهم إن هذا الحديث رواه أبو بكر ~~فقط غير مسلم عند أهل السنة. وروى الكليني في الكافي عن أبي البختري عن أبي ~~عبد الله جعفر الصادق - عليه السلام - قال «إن العلماء ورثة الأنبياء لم ~~يرثوا ولم يورثوا درهما ولا دينارا، وإنما أورثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن ~~أخذ بشيء منها فقد أخذ بحظ وافر» (7) وكلمة «إنما» تفيد الحصر لما هو مسلم ~~عندهم، فثبت المدعى برواية المعصوم عندهم. # أما كون هذا الحديث مخالفا للآيات فجهل عظيم، لأن الخطاب في {يوصيكم} لما ~~عدا النبي - صلى الله ms228 عليه وسلم -، فهذا الخبر مبين لتعيين الخطاب لا مخصص، ~~بل لو كان مخصصا للآية فأي ضرر فيه، فقد خصص من الآية الولد الكافر والرقيق ~~والقاتل. ومما يدل على صحة هذا الخبر لدى أهل البيت أن تركة النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لما وقعت في أيديهم أخرجوا العباس وأولاده PageV01P244 # ولم يورثوهم مما ترك - صلى الله عليه وسلم -، وكذا لم يورثوا أمهات ~~المؤمنين. (1) # وأما قوله تعالى {ورث سليمان داود} (2) فالمراد النبوة. فقد روى الكليني ~~عن أبي عبد الله «أن سليمان ورث داود وأن محمدا ورث سليمان»، (3) فقد علم ~~أن هذه وراثة العلم والنبوة، وإلا فوراثة نبينا مال سليمان لا يتصور لا ~~شرعا ولا عقلا، ولو كان المراد وراثة سليمان مال داود فما وجه تخصيصه ~~بالذكر مع أنه كان لداود - عليه السلام - تسعة عشر ابنا (4) بإجماع ~~المؤرخين، وعلى ما ذكرنا يحمل قوله تعالى {يرثني ويرث من آل يعقوب} إذ لا ~~يتصور أن يكون يحيى وراثا لجميع بني إسرائيل بل هو وارث زكريا فقط فما ~~فائدة ذكر {ويرث} الخ. (5) # هذا وأما إبقاء الحجرات في أيدي الأزواج المطهرات فلأجل كونها مملوكة لهن ~~لا لكونها ميراثا، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنى كل حجرة لزوجة من ~~أزواجه ووهبها لهن فتحققت الهبة بالقبض وهي موجبة للملك كحجرة فاطمة ~~وأسامة، ولذا أضاف الله تعالى البيوت لهن في حياة النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في قوله عز اسمه {وقرن في بيوتكن}. # ومنها قولهم أن أبا بكر لم يعط فاطمة رضي الله تعالى عنها فدكا (6) وقد ~~كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وهبها لها ولم يسمع دعواها الهبة ولم ~~يقبل شهادة علي (7) وأم أيمن (8) لها فغضبت فاطمة - رضي الله عنه - وهجرته، ~~وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في حقها: (9) من أغضبها أغضبني. (10) # الجواب أن ليس له أصل عند أهل السنة، بل ذكر البخاري في رواية عروة بن ~~الزبير (11) عن عائشة رضي الله عنها: طلبت فاطمة رضي الله عنها فدكا من أبي ~~بكر لا بطريق دعوى الهبة بل بطريق ms229 الميراث، (12) وعلى تقدير تسليم روايتهم ~~فإن الهبة لا تتحقق إلا بالقبض، ولا يصح الرجوع عنها بعد تصرف المتهب في ~~الموهوب، ولم تكن فدك في عهده - صلى الله عليه وسلم - في تصرف فاطمة رضي ~~الله عنها، بل كانت في يده - صلى الله عليه وسلم - يتصرف فيها تصرف المالك ~~فلم يكذبها أبو بكر في دعوى الهبة ولكن بين لها أن الهبة لا تكون سببا ~~للملك ما لم يتحقق القبض فلا حاجة حينئذ إلى شهود، وما زعموا أنه صدر من ~~علي كرم الله تعالى وجهه وأم أيمن محض إخبار، وأبو بكر لم يقض، لا أنه لم ~~يقبل شهادتهما. على انه لو لم يقبلها وردها لكان له وجه، فإن نصاب الشهادة ~~في غير الحدود والقصاص رجلان PageV01P245 # أو رجل وامرأتان. وأما إغضابه إياها فلم يتحقق منه، إذ الإغضاب إنما هو ~~جعل أحد غضبانا بالفعل أو القول قصدا، وكيف يقصد الصديق إغضاب تلك البضعة ~~الطاهرة وقد كان يقول لها مرارا «والله با ابنة رسول الله إن قرابة رسول ~~الله أحب إلي أن أصل من قرابتي» وليس الوعيد على غضبها، كيف لا وقد غضبت ~~على الأمير زوجها مرارا كغضبها يوم سمعت بخطبة الأمير بنت أبي جهل لنفسه ~~حتى أتت أباها - صلى الله عليه وسلم - باكية فخطب إذ ذاك رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وقال «ألا إن فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها ويربيني ما ~~رأبها، فمن أغضبها أغضبني». (1) وكغضبها يوم ذهب الأمير إلى المسجد ونام ~~على التراب ولذلك لقب بأبي تراب، فقد أتاها النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وقال لها: أين ابن عمك؟ قالت: غاضبني فخرج ولم يقل عندي. (2) # ومع ذلك فقد ثبت عند الفريقين أن غضب فاطمة قد شق على الصديق حتى رضيت ~~عنه، فقد روى صاحب (محجاج السالكين) وغيره من الإمامية أن أبا بكر لما رأى ~~أن فاطمة انقبضت عنه وهجرته ولم يتكلم بعد ذلك في أمر فدك كبر ذلك عنده ~~فأراد استرضاءها فأتاها فقال لها صدقت با ابنة رسول الله فيما ادعيت، ولكني ms230 ~~رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقسمها فيعطي الفقراء والمساكين ~~وابن السبيل بعد أن يؤتي منها قوتكم والصانعين بها. فقالت: افعل فيها كما ~~كان أبي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل فيها. فقال: ولك الله على ~~أن افعل ما كان يفعل ابوك. فقالت: والله لتفعلن؟ فقال: والله لفعلن ذلك. ~~فقال: اللهم اشهد. فرضيت بذلك وأخذت العهد عليه. وكان أبو بكر يعطيهم منها ~~قوتهم ويقسم الباقي على من ذكر. انتهى والله الهادي للصواب. (3) # ومنها أن أبا بكر ما كان يعلم بعض المسائل الشرعية، فقد أمر بقطع يد ~~السارق اليسرى، وأحرق لوطيا، ولم يعلم مسألة الجدة والكلالة، فلا يكون ~~لائقا للإمامة إذ العلم بالأحكام الشرعية من شروط الإمامة بإجماع الفريقين. ~~(4) # الجواب عن الأمر الأول أن قطع يد السارق اليسرى في السرقة الثالثة موافق ~~للحكم الشرعي. فقد روى الإمام محيي السنة البغوي في (شرح السنة) عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حق السارق «إن سرق ~~فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فاقطعوا يده، PageV01P246 # ثم إن سرق فاقطعوا رجله». (1) قال البغوي: اتفق أهل العلم على أن السارق ~~أول مرة تقطع يده اليمنى، ثم إذا سرق ثانيا تقطع رجله اليسرى، ثم إذا سرق ~~ثالثا تقطع يده اليسرى بناء على قول الأكثر، ثم إذا سرق رابعا تقطع رجله ~~اليمنى ثم إذا سرق بعده يعزر ويحبس. والذى قطع أبو بكر يده اليسرى كان في ~~المرة الثالثة فحكمه موافق لحكمة - صلى الله عليه وسلم -. (2) # والجواب عن الثاني أن الصديق لم يحرق أحدا في حال الحياة، لأن الرواية ~~الصحيحة إنما جاءت عن سويد عن أبي ذر أنه أمر بلوطي فضربت عنقه ثم أمر به ~~فأحرق، (3) وإحراق الميت لعبرة الناس جائز كالصلب، ولذلك فإن الميت لا ~~تعذيب له بمثل هذه الأمور لعدم الحياة. وعلى فرض تسليم روايتهم فالذى ~~يجيبون به عن إحراق علي بعض الزنادقة فهو جوابنا، وقد ثبت ذلك في كتبهم، ~~فقد روى المرتضى الملقب عندهم بعلم ms231 الهدى في كتاب (تنزيه الأنبياء والأئمة) ~~أن عليا أحرق رجلا أتى غلاما في دبره. (4) # والجواب عن الثالث أن هذا الطعن لا يوجب إلزام أهل السنة، إذ العلم بجميع ~~الأحكام بالفعل ليس شرطا في الإمامة عندهم، بل الاجتهاد. ولما لم تكن ~~النصوص مدونة في زمنه ولا روايات الأحاديث مشهورة في أيام خلافته استفسر من ~~الصحابة. قال في (شرح التجريد) أما مسألة الجدة والكلالة فليست بدعا من ~~المجتهدين، (5) إذ يبحثون عن مدارك الأحكام ويسألون من أحاط بها علما، ~~ولهذا رجع علي في بيع أمهات الأولاد إلى قول عمر، (6) وذلك لا يدل على عدم ~~علمه، بل هذا التفحص والتحقيق يدل على أن أبا بكر الصديق كان يراعي في ~~أحكام الدين كمال الاحتياط ويعمل في قواعد الشريعة بشرائط الاهتمام التام. ~~ولهذا لما أظهر المغيرة مسألة الجدة سأله: هل معك غيرك؟ (7) وإلا فليس ~~التعدد شرطا في الرواية، فهذا الأمر في الحقيقة منقبه عظمى له. وقد روى عبد ~~الله بن بشر أن عليا سئل عن مسألة فقال «لا علم لي بها». (8) جازى الله ~~تعالى هذه الفرقة الضالة بعدله حيث يجعلون المنقبة منقصة. # فرصاص من أحببته ذهب كما ... ذهب الذي لم ترض عنه رصاص PageV01P247 ### | المطاعن الثانية في حق الفاروق رضي الله عنه # فمنها وهو عمدة مطاعنهم ما روى البخاري ومسلم عن ابن عباس أنه - صلى الله ~~عليه وسلم - قال في مرض موته يوم الخميس قبل الوفاة بأربعة أيام للصحابة ~~الحاضرين في حجرته المباركة: «ائتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده ~~أبدا» فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبي تنازع. فقالوا: ما له أهجر؟ استفهموه. ~~فقال: «ذروني، فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه» فأمرهم بثلاث قال: ~~«أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم». ~~والثالثة إما أن سكت عنها، وإما أن قالها فنسيتها. (1) # وهذه رواية أهل السنة الصحيحة وزعموا أنه يستفاد منها الطعن على عمر ~~بوجوه: # الأول أنه رد قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وأقواله كلها وحي لقوله ~~تعالى {وما ينطق عن الهوى إن ms232 هو إلا وحي يوحى} ورد الوحي كفر لقوله تعالى ~~{ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} (2) # والجواب على فرض تسليم أن هذا القول صدر من الفاروق فقط أنه لم يرد قوله ~~- صلى الله عليه وسلم - بل قصد راحته ورفع الحرج عنه - صلى الله عليه وسلم ~~- في حال شدة المرض، إذ كل محب لا يرضى أن يتعب محبوبه ولا سيما في المرض، ~~مع عدم كون ذلك الأمر ضروريا، ولم يخاطب بذلك الرسول - صلى الله عليه وسلم ~~- بل خاطب الحاضرين تأدبا. وأثبت الاستغناء عن ذلك بقوله تعالى {اليوم ~~أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} وقد نزلت ~~الآية قبل هذه الواقعة بثلاثة أشهر، وقد انسد باب النسخ والتبديل والزيادة ~~والنقصان في الدين، فيتمنع إحداث شيء. وتأكيد المتقدم مستغني عنه لا سيما ~~في تلك الحالة. ولو كان بيان المصلحة رد الوحي وقول الرسول للزم ذلك على ~~الأمير أيضا، فقد روى البخاري الذي PageV01P248 # هو أصح الكتب عند أهل السنة بعد القرآن بطرق متعددة أن الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - ذهب إلى بيت الأمير والبتول ليلة وأيقظها من مضجعها وأمرهما ~~بصلاة التهجد مؤكدا، فقال الأمير: والله ما نصلي إلا ما كتب الله علينا أي ~~الصلاة المفروضة، وإنما أنفسنا بيد الله، يعني لو وفقنا الله لصلاة التهجد ~~لصلينا. فرجع النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يضرب على فخذيه ويقول {وكان ~~الإنسان أكثر شيء جدلا} فقد رد الأمير قول الرسول، ولكن لما كانت القرائن ~~الحالية دالة على صدق الأمير واستقامته لم يلمه النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-. وروى البخاري أيضا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما تصالح مع قريش ~~في الحديبية كتب الأمير كتاب الصلح وزاد لفظ «رسول الله» فامتنع الكفار عن ~~قبوله وقالوا: لو سلمنا بهذا اللقب لما حاربناه وصددناه عن طواف البيت، ~~فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عليا أن يمحو هذا اللفظ وأكد ذلك، فلم ~~يمحه الأمير لكمال الإيمان وخالف الرسول في ذلك حتى محاه النبي - صلى الله ms233 ~~عليه وسلم - بيده الشريفة. وقد ثبتت مخالفة الأمير أيضا في كتبهم، فقد روى ~~محمد بن بابويه في (الأمالي) والديلمي (1) في (إرشاد القلوب) أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - أعطى فاطمة سبعة دراهم وقال: أعطيها عليا ومريه أن ~~يشتري لأهل بيته طعاما فقد غلب عليهم الجوع، فأعطتها عليا وقالت: إن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أمرك أن تبتاع لنا طعاما. فأخذها علي وخرج من ~~بيته ليبتاع طعاما لأهل بيته فسمع رجلا يقول: من يقرض الملي الوفي؟ فأعطاه ~~درهم. (2) فقد خالف قول الرسول، وتصرف في مال الغير. # ومع ذلك فأهل السنة لا يطعنون على الأمير بمثل هذه المخالفات، بل لا ~~يعدون ذلك مخالفة. فكيف يطعنون على عمر بما هو أخف منها. (3) # وأما قولهم إن أقوال الرسول كلها وحي فمردود، لأن أقواله - صلى الله عليه ~~وسلم - لو كانت كلها وحيا فلم قال الله تعالى {عفا الله عنك لم أذنت لهم} ~~وقال تعالى {ولا تكن للخائنين خصيما} وقال تعالى {ولا تجادل عن الذين ~~يختانون أنفسهم} وقال تعالى في المعاتبة عن أخذ الفدية من أسارى بدر (4) ~~{لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} وأيضا يلزمهم أن ~~الأمير أيضا قد رد PageV01P249 # الوحي حين أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتهجد ومحو اللفظ وابتياع ~~الطعام مع أنهم لا يقولون بذلك. # الثاني من وجوه الطعن أنه قال «أهجر» مع أن الأنبياء معصومون من هذه ~~الأمور فأقوالهم وأفعالهم في جميع الأحوال والأوقات كلها معتبرة وحقيقة ~~بالاتباع. # والجواب عن هذا أنه من أين يثبت أن قائل هذا القول عمر؟ مع أنه قد وقع في ~~أكثر الروايات «قالوا» بصيغة الجمع «استفهموه» على طريق الإنكار، فإن النبي ~~لا يتكلم بالهذيان البتة وكانوا يعلمون أنه - صلى الله عليه وسلم - ما خط ~~قط بل كان يمتنع صدور هذه الصنعة منه - صلى الله عليه وسلم - لقوله تعالى ~~{وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخط بيمينك} ولذا قالوا فاسئلوه. وتحقيق ~~ذلك أن الهجر في اللغة هو اختلاط الكلام بوجه ms234 غير مفهم، وهو على قسمين: قسم ~~لا نزاع لأحد في عروضه للأنبياء عليهم السلام وهو عدم تبيين الكلام لبحة ~~الصوت وغلبة اليبس بالحرارة على اللسان كما في الحميات الحارة، وقد ثبت ~~بإجماع أهل السير أن نبينا - صلى الله عليه وسلم - كانت بحة الصوت عارضة له ~~في مرض موته - صلى الله عليه وسلم -. والقسم الآخر جريان الكلام غير ~~المنتظم أو المخالف للمقصود على اللسان بسبب الغشي العارض بسبب الحميات ~~المحرقة في الأكثر. وهذا القسم وإن كان ناشئا من العوارض البدنية ولكن قد ~~اختلف العلماء في جواز عروضه للأنبياء، فجوزه بعضهم قياسا على النوم، ومنعه ~~آخرون، فلعل القائل بذلك القول أراد القسم الأول؛ يعني أن هذا الكلام خلاف ~~عادته - صلى الله عليه وسلم - فلعلنا لم نفهم كلامه بسبب وجود الضعف في ~~ناطقته، فلا إشكال. (1) # الثالث من وجوه الطعن أنه رفع الصوت وتنازع في حضرة النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وقد قال تعالى {يأيها الذين أمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت ~~النبي}. (2) # والجواب أنه من أين يثبت أن عمر أول من رفع الصوت؟ وعلى تقديره فرفع صوته ~~إنما كان على صوت غيره من الحاضرين لا على صوت النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- المنهي عنه في الآية، والأول جائز والآية تدل عليه حيث قال {كجهر بعضكم ~~لبعض}، وقوله - صلى الله عليه وسلم - في إحدى الروايات «قوموا عني» من قبيل ~~قلة الصبر العارضة للمريض، فإنه يضيق صدره إذا وقعت منازعة في حضوره، وما ~~يصدر PageV01P250 # من المريض في حق أحد لا يكون محلا للطعن عليه، مع أن الخطاب كان لجميع ~~الحاضرين المجوزين والمانعين. # الرابع من أوجه الطعن أنه أتلف حق الأمة، إذ لو كتب الكتاب المذكور لحفظت ~~الأمة من الضلالة ولم ترهم في كل واد يهيمون، ووبال جميع ذلك على عمر. (1) # والجواب أنه إنما يتحقق الإتلاف لو حدث حكم من الله تعالى نافع للأمة ~~ومنعه عمر. وقوله تعالى {اليوم أكملت لكم دينكم} الاية تدل على عدم الحدوث، ~~بل لم يكن الكتاب إلا لمصالح الملك وتأكيد ما ms235 بلغه، وإلا فلا يتصور منه - ~~صلى الله عليه وسلم - أن يقول أو يكتب في هذا الوقت الضيق ما لم يكن قاله ~~قط مع أن زمن نبوته امتد ثلاثا وعشرين سنة. وكيف يمتنع عن ذلك بمجرد منع ~~عمر، ولم يقله لأحد بعد ذلك مع عدم وجود عمر. فإنه - صلى الله عليه وسلم - ~~قد عاش بعد ذلك خمسة أيام باتفاق الفريقين. (2) # فإن قيل: لو لم يكن ما يكتب أمرا دينيا فلم قال «لن تضلوا بعدي»؟ قلنا: ~~للضلال معان، والمراد ههنا عدم الخطأ في تدبير الملك وهو إخراج المشركين من ~~جزيرة العرب، وإجازة الوفد بنحو ما كان يجيزهم، وتجهيز جيش أسامة منه، لا ~~الضلالة والغواية عن الدين. فقد تبين لك بطلان ما طعنوا به، وأظهر لك فساده ~~وقبيح كذبه. والحمد لله رب العالمين. (3) PageV01P251 # ومنها أن عمر قصد إحراق بيت سيدة النساء، وضربها على جنبها الشريف بقبضة ~~سيفه حتى وضعت حملها بسبب ذلك. (1) # والجواب أن هذه القصة محض هذيان وزور من القول وبهتان. ولذا قد أنكر ~~صحتها أكثر الإمامية وأن روايتها عندهم غير صحيحة ولا مرضية. (2) مع أن فعل ~~عمر هذا لو فرض وقوعه فهو أقل مما فعله الأمير كرم الله تعالى وجهه مع أم ~~المؤمنين عائشة الصديقة، مع أنه لم يلحقه طعن من ذلك عند الفريقين بناء على ~~حفظ الانتظام في أمور الدنيا والدين: # وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا (3) # ومنها أن عمر أنكر موت الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحلف أنه لم يمت، ~~حتى قرأ أبو بكر قوله تعالى {إنك ميت وإنهم ميتون}. (4) # والجواب أن ذلك من شدة دهشته بموت الرسول وكمال محبته له - صلى الله عليه ~~وسلم - حتى لم يبق له في ذلك الحين شعور بشيء، وكثيرا ما يحصل الذهول بسبب ~~تفاقم المصائب وتراكم الشدائد، لأن النسيان والذهول من اللوازم البشرية. ~~ألا ترى أن يوشع - مع كونه نبيا معصوما - نسي أن يخبر موسى بفقد الحوت مع ~~المكتل. بل إن موسى - عليه السلام - مع كونه من أولي ms236 العزم - قد نسي ~~معاهدته مع الخضر على عدم السؤال ثلاث مرات. وقال تعالى في حق آدم {فنسي ~~ولم نجد له عزما} # وقد روى أبو جعفر الطوسي عن عبيد الله الحلبي (5) أن الإمام أبا عبد الله ~~- عليه السلام - كان يسهو في صلاته ويقول في سجدتي السهو «بسم الله وبالله، ~~وصلى الله على محمد وآله وسلم» (6) فأي ذنب لابن الخطاب بدهشته من هذا ~~الأمر العظيم وأي طعن عليه بسبب ما حصل له من فقد محبوبه - صلى الله عليه ~~وسلم -؟ فتبا لكم أيها الفرقة الضالة فقد نال الشيطان من عقولكم حتى صرتم ~~شياطين أمثاله. # ومنها أن عمر كان لا يعلم بعض المسائل الشرعية التي هي شرط في الإمامة ~~والخلافة؛ كأمره برجم الحامل من الزنا، فرده الأمير وقال له: إن كان لك ~~عليها سبيل فليس لك على ما في بطنها، فندم حينئذ وقال: «لولا علي لهلك ~~عمر.» (7) وكما أراد رجم أمرأة مجنونة PageV01P252 # فرده الأمير بقوله - صلى الله عليه وسلم - «رفع القلم عن ثلاثة: عن ~~النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق»، وكإتمامه ~~عدد الضربات في حد ابنه أبي شحمة بعد أن مات في أثناء الحد، مع أن الميت ~~غير معقول، وكعدم علمه بحد شرب الخمر حتى قرره بمشورة الصحابة ورأيهم. # والجواب عن الأول أن عمر - رضي الله عنه - لم يكن على علم بحمل المرأة ~~لأن هذا أمر لا يدرك بالبصر إلا بعد تمام مدة الحمل وما يقاربه، والأمير ~~كان مطلعا على ذلك وأخبر بحملها فنبه عمر إلى ذلك فشكره، والقضاء على ظاهر ~~الحال لا يوجب النقص في الإمامة، بل ولا في النبوة. ألا ترى أن موسى - عليه ~~السلام - أخذ برأس أخيه الكبير ولحيته مع أنه نبي وأهانه حين لم يطلع على ~~حقيقة الآمر، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «إنما أنا بشر، وإنكم ~~تختصمون إلي، وإن بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه فإنما ~~أقطع له قطعة من نار»، (1) وقد روي عند الفريقين أن النبي - صلى الله ms237 عليه ~~وسلم - أمر عليا بإقامة الحد على امرأة حديثة بنفاس فلم يقم عليها الحد ~~خشية أن تموت، فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أحسنت، دعها ~~حتى ينقطع دمها» (2) فقد تبين أن عدم الاطلاع على حقيقة الحال غير الجهل ~~بالمسائل الشرعية. وعن الثاني أن عمر - رضي الله عنه - لم يكن واقفا على ~~جنونها أيضا، فقد روى الإمام أحمد عن عطاء بن السايب عن أبي ظبيان الحصين ~~بن جندب الجنبي أن امرأة أتوا بها مأخوذة إلى عمر بجريمة الزنا فحكم برجمها ~~بعدما ثبت، فقادوها للرجم، فإذا علي لاقاهم في الطريق فسألهم: أين تذهبون ~~بهذه المرأة؟ فقالوا: إن الخليفة أمر برجمها لثبوت الزنا عنده، فأخذها ~~الأمير من أيديهم وجاء بها إلى عمر وقال: هذه المرأة مجنونة من بني فلان ~~أنا أعلمها كما هي، وقال «رفع القلم عن المجنون حتى يفيق» فمنع عمر من ~~رجمها. (3) فقد علم أن عمر كان يعلم أن المجنونة لا ترجم، ولكن لم يكن له ~~علم بجنونها. # وعن الثالث: بأنه كذب وبهتان ولم يصح عند الفريقين، بل الثابت في ~~الروايات الصحية أن المحدود بقى حيا بعد الحد، نعم قد غشي عليه أثناء الحد، ~~ولذا توهم الناس موته. (4) # وعن الرابع أن عدم العلم بشيء لم يحدث من قبل ولم يعين في الشرع حكمه ليس ~~محلا للطعن، لأن العلم تابع المعلوم، وحد شارب الخمر لم يكن في عهده - صلى ~~الله عليه وسلم - معينا ومقررا، بل كانوا يضربون PageV01P253 # الشارب بالنعال والجرائد والأسواط، وقد خمن الصحابة ذلك من زمن أبي بكر ~~بأربعين ضربة، (1) وقد تعدد شرب الخمر في خلافة عمر فجمع الصحابة كلهم ~~وشاورهم في ذلك فقال الأمير وعبد الرحمن بن عوف ينبغي أن يكون كحد القذف ~~ثمانين جلدة، لأن السكران يزول عقله بالسكر فربما يسب أحدا ويشتمه، فارتضى ~~جميع الصحابة ذلك الاستنباط وأجمعوا عليه، وقد ذكر هذه القصة ابن المطهر ~~الحلي أيضا في (منهاج الكرامة) (2) وبما ذكرنا من أن عمر زاد حد الخمر بقول ~~الأمير اندفع الخامس. # هذا مع أن معرفة ms238 جميع الأحكام الشرعية بالفعل ليست شرطا للإمامة، بل ولا ~~النبوة، فقد كانت توحى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - الأحكام الشرعية ~~على حسب الوقائع، والإمام يعلم بعض الأحكام بالاجتهاد، وربما يخطئ فيه، كما ~~روى الترمذي عن عكرمة أن عليا أحرق قوما ارتدوا عن الإسلام، فبلغ ذلك ابن ~~عباس فقال: «لو كنت أنا لقتلتهم»، فبلغ ذلك عليا فقال: «صدق ابن عباس»، (3) ~~والله تعالى الهادي. # ومنها أن عمر درأ حد الزنا عن المغيرة بن شعبة مع ثبوته بالبينة وهي ~~أربعة رجال، ولقن الرابع كلمة تدرأ الحد فقد قال له لما جاء للشهادة: أرى ~~وجه رجل لا يفضح الله به رجلا من المسلمين. (4) # والجواب أن درء الحد إنما يكون بعد ثبوته، ولم يثبت لعدم شهادة الرابع ~~كما ينبغي، وتلقينه الشاهد كذب وبهتان من أهل العدوان، إذ قد يثبت في ~~التواريخ المعتبرة كتاريخ البخاري وابن الأثير وغيرهما أنه لما جاء الرابع ~~وهو زياد ابن ابيه قالوا له: أتشهد كأصحابك؟ قال: أعلم هذا القدر، إني رأيت ~~مجلسا ونفسا حثيثا وانتهازا ورأيته مستبطنها - أى مخفيها تحت بطنه - ورجلين ~~كأنهما أذنا حمار، فقال عمر: هل رأيت كالميل في المكحلة؟ قال: لا. (5) وقد ~~وقع ذلك بمحضر الأمير وغيره من الصحابة. فأين التلقين يا أرباب الزور ~~المفترين؟ ولفظ «أرى وجه رجل لا يفضح الله به رجلا من المسلمين» (6) إنما ~~قاله المغيرة في ذلك الحين كما هو حال الخصم مع الشهود، ولا سيما إذا كان ~~يترتب عليه PageV01P254 # حكم موجب لهلاكه. # على أن عمر لو درأ الحد لكان فعله لفعل المعصوم، (1) فقد روى ابن بابويه ~~في (الفقيه) أن رجلا جاء إلى أمير المؤمنين - عليه السلام - وأقر بالسرقة ~~إقرارا موجبا للقطع، فلم يقطع يده، (2) والله تعالى الهادي. # ومنها أن عمر لم يعط أهل البيت سهمهم من الخمس الثابت بقوله تعالى ~~{واعلموا إنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذى القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل} فقد خالف حكم الله تعالى. (3) # والجواب أن فعل عمر موافق لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم -. وتحقيقه ms239 أن ~~أبا بكر وعمر كانا يخرجان سهم ذوي القربى من الخمس ويعطيانه لفقرائهم ~~ومساكينهم (4) كما كان ذلك في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وعليه ~~الحنفية (5) وجمع كثير من الإمامية. (6) وذهب الشافعية إلى أن لهم خمس ~~الخمس يستوى فيه غنيهم وفقيرهم، ويقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، ويكون ~~بين بني هاشم والمطلب دون غيرهم. (7) والأمير أيضا عمل كعمل عمر فقد روى ~~الطحاوي والدارقطني عن محمد بن إسحق أنه قال: سألت أبا جعفر محمد [بن علي] ~~بن الحسين [بن علي بن أبي طالب] (8): إن أمير المؤمنين على بن أبي طالب لما ~~ولى أمر الناس كيف كان يصنع في سهم ذوي القربى؟ فقال: سلك به والله مسلك ~~أبي بكر وعمر. (9) إلى غير ذلك من رواياتهم، فإذا كان فعل عمر موافقا لفعل ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - والأمير كيف يكون محلا للطعن؟ ومن يضلل الله ~~فلا هادي له، نسأله تعالى السلامة من الغباوة والوله. # ومنها أن عمر أحدث في الدين ما لم يكن منه كصلاة التراويح وإقامتها ~~بالجماعة، فإنها بدعة كما اعترف هو بذلك، وكل بدعة ضلالة. وقد روى عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد عليه». ~~(10) # والجواب أنه قد ثبت عند أهل السنة بأحاديث مشهورة متواترة أنه - صلى الله ~~عليه وسلم - صلة التراويح بالجماعة مع الصحابة ثلاث ليالي من رمضان جماعة ~~ولم يخرج في الليلة الرابعة وقال «إني خشيت أن تفرض عليكم» (11) فلما زال ~~هذا المحذور بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - أحيى عمر هذه السنة السنية. ~~(12) وقد ثبت في أصول الفريقين أن «الحكم إذا PageV01P255 # كان معللا بعلة نص الشارع يرتفع ذلك الحكم إذا زالت العلة» (1) وأعترف ~~عمر بكونها بدعة حيث قال «نعمت البدعة هي» فمراده أن المواظبة عليها ~~بالجماعة شيء حديث لم يكن في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وما ثبت في ~~زمن الخلفاء الراشدين والأئمة المطهرين مما لم يكن في زمنه - صلى الله عليه ~~وسلم - لا يسمى بدعة، ولو سميت ms240 بدعة فهي حسنة، والحديث مخصوص بإحداث ما لم ~~يكن له أصل في الشرع. (2) # ومعلوم أن الشيعة لم يعتقدوا بدعية صلاة الشكر يوم قتل عمر - رضي الله ~~عنه -، وهو اليوم التاسع من ربيع الأول، وتعظيم النيروز، (3) وتحليل فروج ~~الجواري، وحرمان بعض الأولاد من بعض التركة، (4) إلى غير ذلك من الأمور ~~التي لم تكن في زمنه - صلى الله عليه وسلم - بناء على زعمهم أن الأئمة ~~أحدثوها. أما أن لا يعتقد أهل السنة بدعية ما أحدثه عمر فلأنه عندهم ~~كالأئمة عند الشيعة لقوله - صلى الله عليه وسلم - «ومن يعش منكم بعدي فسيرى ~~اختلافا كثيرا، فعليك بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها ~~بالنواجذ» والله سبحانه الهادي. # ومنها أن عمر منع من متعة النساء ومتعة الحج، مع أن كلتا المتعتين كانتا ~~في زمنه - صلى الله عليه وسلم -، فنسخ حكم الله تعالى وحرم ما أحله سبحانه، ~~بدليل ما ثبت عند أهل السنة من قوله «متعتان كانتا على عهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وانا أنهى عنهما». (5) # والجواب أن أصح الكتب عند أهل السنة الصحاح الست، وأصحها البخاري ومسلم، ~~وقد روى مسلم في صحيحه عن سلمة بن الأكوع وسبرة بن معبد الجهني أنه - صلى ~~الله عليه وسلم - قد حرم PageV01P256 # هو المتعة بعد ما كان أحلها ورخصها لهم ثلاثة أيام، (1) وجعل تحريمها إذ ~~حرمها مؤبدا إلى يوم القيامة. ومثل هذه الرواية في الصحاح الأخر، وقد ثبت ~~في الصحيحين وغيرهما من كتب أهل السنة رواية الأئمة عن الأمير بتحريمها. ~~(2) فإن ادعت الشيعة أن ذلك كان في غزوة خيبر ثم أحلت في غزوة الأوطاس (3) ~~فمردود، لأن غزوة جيبر كانت مبدأ تحريم لحوم الحمر الأهلية لا متعة النساء، ~~فقد روى جمع من أهل السنة عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنفية عن ~~أبيهما عن الأمير كرم الله تعالى وجهه أنه قال: «أمرني رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أن أنادي بتحريم المتعة» (4) فقد علم أن تحريم المتعة كان ~~في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرة ms241 أو مرتين، فالذى بلغه النهي ~~امتنع عنها ومن لا فلا، ولما شاع في عهد عمر ارتكابها أظهر حرمتها وأشاعها ~~وهدد من كان يرتكبها. وآيات الكتاب شاهدة على حرمتها وقد سبق ذلك في ~~المسائل الفقهية فتذكر فما في العهد من قدم. # والجواب عن متعة الحج - أعنى تأدية أركان العمرة مع الحج في سفر واحد في ~~أشهر الحج قبل الرجوع إلى بيته - أن عمر لم يمنعها قط، ورواية التحريم عنه ~~افتراء صريح. نعم إنه كان برى إفراد الحج والعمرة أولى من جمعها في إحرام ~~واحد وهو القران، أو في سفر واحد وهو التمتع، وعليه الإمام الشافعي وسفيان ~~الثوري وإسحاق بن راهويه وغيرهم لقوله تعالى {وأتموا الحج والعمرة لله - ~~إلى قوله - فمن تمتع بالعمرة إلى الحج} الآية، فأوجب سبحانه الهدى على ~~المتمتع لا على المفرد جبرا لما فيه من النقصان، كما أوجبه تعالى في الحج ~~إذا حصل فيه قصور ونقص، لأنه - صلى الله عليه وسلم - حج في حجة الوداع ~~مفردا واعتمر في عمرة PageV01P257 # القضاء (1) وعمرة جعرانة (2) كذلك ولم يحج فيها بل رجع إلى المدينة مع ~~وجود المهلة. # وأما ما رووا من قول عمر «وأنا أنهى عنهما» فمعناه أن الفسقة وعوام الناس ~~لا يبالون بنهي الكتاب وهو قوله تعالى {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم ~~العادون} وقوله تعالى {وأتموا الحج والعمرة لله} إلا أن يحكم عليهم الحاكم ~~والسلطان ويجبرهم على مراعاة ما أمروا به وما نهوا عنه فلذلك أضاف النهي ~~إلى نفسه، فقد تبين لك ولله تعالى الحمد زيف أقوالهم وظهر لك مزيد ضلالهم، ~~والحق يعلو وكلمة الصدق تسمو. ### | المطاعن الثالثة في حق ذى النورين وثالث العمرين - رضي الله عنه - # فمنها أن عثمان ولى وأمر من صدر منه الظلم والخيانة وارتكاب الأمور ~~الشنيعة كالوليد ابن عقبة (3) الذي شرب الخمر وأم الناس في الصلاة وهو ~~سكران وصلى الصبح أربع ركعات PageV01P258 # ثم قال: هل أزيدكم؟ وولى معاوية الشام التي هي عبارة عن أربع ممالك فتقوى ~~حتى أنه نازع الأمير وبغى عليه في أيام خلافته. (1) وولى عبد ms242 الله بن سعد ~~مصر فظلم أهلها ظلما شديدا حتى اضطرهم إلى الهجرة إلى المدينة وخرجوا عليه. ~~وجعل مروان وزيره وكاتبه فمكر في حق محمد بن أبي بكر وكتب مكان اقبلوه ~~اقتلوه. (2) ولم يعزلهم بعد الاطلاع على أحوالهم حتى تضجرت الناس منه فآل ~~أمره إلى أن قتل، ومن كان في هذا حاله فهو غير لائق بالإمامة. (3) # والجواب أن الإمام لابد له أن يفوض بعض الأمور إلى من يراه لائقا لما ~~هنالك بحسب الظاهر، إذ ليس له علم الغيب، فإنه ليس بشرط في الإمامة عند أهل ~~الحق. وقد كان عماله ظاهرا مطيعين له منقادين لأوامره. (4) وقد ثبت في ~~التاريخ أنهم خدموا الإسلام وشيدوا الدين، فقد فتحوا بلادا كثيرة حتى وصلوا ~~غربا إلى الأندلس وشرقا إلى بلخ (5) وكابل، (6) وقاتلوا برا وبحرا، ~~واستأصلوا أرباب الفتن والفساد من عراق العجم وخراسان. وقد عزل بعض من تحقق ~~لديه بعد ذلك سوء حاله كما عزل الوليد. (7) ومعاوية PageV01P259 # لم يبلغ في زمنه حتى يستحق العزل، بل قد أجرى خدمات كثيرة، كما غزا الروم ~~وفتح منها بلادا متعددة. (1) # وأما الشكايات التي وقعت على عبد الله بن سعد فمن تزوير عبد الله ابن سبأ ~~وتسويلاته. وبالجملة لم يكن لعثمان قصور مما هنالك، وحاله مع عماله كحال ~~الأمير مع عمله، إلا أن عمال عثمان كانوا منقادين لأوامره ومطيعين له بخلاف ~~عمال الأمير. ومن راجع ما سلف منا من خطب الأمير في حق أتباعه وجنده ~~وأشياعه تبين له صدق هذا الكلام، وأن لا عتب على ذى النورين في ذلك ولا ~~ملام. وقد كتب الأمير كرم الله تعالى وجهه إلى المنذر بن الجارود العبدي ~~«أما بعد فصلاح أبيك غرني وظننت أنك تتبع هداه وتسلك سبيله، فإذا أنت - ~~فيما نما إلي عنك - لا تدع لهواك انقيادا، ولا تبقى لآخرتك عتادا. تغمر ~~دنياك بخراب آخرتك، وتصل عشيرتك بقطيعة دينك» إلى آخر ما قال. (2) ومثل هذا ~~كثير في ذلك الكتاب. فكما أن الأمير لا يلحقه طعن بسبب ما وقع PageV01P260 # من عماله، كذلك عثمان. وإلا فما الفرق؟ ms243 والله سبحانه الموفق للهداية وبه ~~نستعيذ من الضلالة والغواية. # ومنها أن عثمان أدخل الحكم (أبا مروان) بن العاص (1) المدينة وقد أخرجه ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # والجواب أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - إنما أخرجه لحبه المنافقين ~~وتهيجه الفتن بين المسلمين ومعاونته الكفار، (2) ولما زال الكفر والنفاق ~~بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - وقوي الإسلام في خلافة الشيخين لم يبق ~~محذور من إرجاعه إليها. وقد سبق مما هو مقرر عند الفريقين أن الحكم إذا علل ~~بعلة ثم زالت زال. وعدم إرجاع الشيخين إياه لما حصل عندهما من ظن بقائه ~~PageV01P261 # على ما كان عليه في زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقد ارتفع ذلك عن ~~عثمان زمن خلافته لأن الحكم كان ابن أخيه. على أن عثمان قال اعترضوا عليه ~~بذلك: إني كنت أخذت الإذن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مرض موته ~~على دخول الحكم المدينة وعدم قبول أبي بكر ذلك مني لطلبه شاهدا آخر على ~~إذنه - صلى الله عليه وسلم - له بالدخول المدينة، وكذلك عمر، ولما أدت ~~النوبة إلى عملت بما علمت. (1) وأيضا قد ثبت أن الحكم قد تاب في آخر عمره ~~من النفاق ومما كان يفعله من التزوير والاختلاق، والله تعالى الهادي إلى ~~طريق السداد، ومنه التوفيق والرشاد. # ومنها أن عثمان وهب لأهل بيته وأقاربه كثيرا من المال، وصرف من بيت المال ~~مصارف كثيرة في غير محلها مما يدل على إسرافه، كما اعطى الحكم مائة ألف ~~درهم (2) وأعطى مروان خمس إفريقية (3) [وسعيد بن] العاص (4) ثلاث مائة ألف ~~درهم وذلك لما جاء من مكة، (5) إلى غير ذلك من الإسراف الوافر والبذل ~~المتكاثر، ومن كان بهذه الأحوال كيف يستحق الإمامة من بين الرجال. (6) # والجواب - على فرض التسليم - أن عثمان - رضي الله عنه - بذل ذلك من كيسه ~~لا من بيت المال، فإنه كان من المتمولين قبل أن يكون خليفة، ومن راجع كتب ~~السير أقر بهذا الأمر، فقد كان - رضي الله عنه - يعتق في كل جمعة رقبة، ~~ويضيف المهاجرين والأنصار، ms244 ويطعمهم في كل يوم. وقد روي عن الإمام الحسن ~~البصري أنه قال: إنى شهدت منادي عثمان ينادي «يا أيها الناس اغدوا على ~~أعطياتكم، فيغدون فيأخذونها وافرة، يا أيها الناس اغدوا على أرزاقكم، ~~فيغدون فيأخذونها وافية حتى والله لقد سمعته أذناي يقول: اغدوا على كسوتكم، ~~فيأخذون الحلل» (7) ومن راجع كتب التواريخ PageV01P262 # علم درجة سخائه رضي الله تعالى عنه، ولم ينقل عن أحد الإنفاق في سبيل ~~الله تعالى موجب للطعن، (1) والله تعالى الهادي. (2) # ومنها أن عثمان قد عزل في خلافته جمعا من الصحابة عن مناصبهم كما عزل أبا ~~موسى الأشعري عن البصرة (3) ونصب مكانه عبد الله بن عامر، (4) وعزل عمرو بن ~~العاص (5) عن مصر PageV01P263 # ونصب مكانه عبد الله بن سعد (1) مع أنه قد ارتد في عهد الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - ولحق بمشركي مكة وأباح - صلى الله عليه وسلم - دمه يوم الفتح ~~حتى تكفله عثمان فأسلم. (2) وعزل عمار بن ياسر (3) عن الكوفة وعبد الله بن ~~مسعود عن قضائها. (4) # والجواب أن عزل العمال ونصبهم من وظيفة الخلفاء والأئمة، ولا يلزمهم ~~إبقاء العمال السابقين على حالهم. نعم لا ينبغي العزل من غير سبب وعزل ~~هؤلاء كان لسبب، وقد فصل ذلك في كتب التواريخ فراجعها. # ومنها أن عثمان درأ القصاص (5) عن عبيد الله بن عمر وقد قتل الهرمزان ملك ~~الأهواز الذي أسلم في زمن عمر بعد ان اتهمه في مشاركة من قتل عمر، (6) مع ~~أن القاتل كان أبا لؤلؤة فقط وقد قتل أيضا جنيفة النصراني لاتهامه بذلك. ~~وقد اجتمع الصحابة عليه ليقتص من عبيد فلم يوافقوهم وأدى ديتهم عنه فخالف ~~حكم الله فليس يليق PageV01P264 # للإمامة. # والجواب أن القصاص لم يثبت في تلك الصور، لأن ورثة الهرمزان لم يكونوا في ~~المدينة بل كانوا في فارس، ولما أرسل عليهم عثمان لم يحضروا المدينة خوفا ~~كما ذكر المرتضى في بعض كتبه. (1) وشرط حضور جميع ورثة المقتول كما ذهبت ~~إليه الحنفية، فلم يبق إلا الدية، وقد أعطاها من بيت المال لا من القاتل، ~~ولأن بنت أبي لؤلؤة كانت مجوسية ms245 وجفنة كان نصرانيا وقد قال - صلى الله عليه ~~وسلم - «لا يقتل مسلم بكافر» (2) وهذا ثابت عندهم. (3) على أنه لو اقتص ~~عثمان من عبيد الله لوقعت فتنة عظيمة لأن بني تيم وبني عدي كانوا مانعين من ~~القتل، وكانوا يقولون لو اقتص عثمان من عبيد الله لحاربناه، ونادى عمرو بن ~~العاص وهو رئيس بني سهم فقال: أيقتل أمير المؤمنين أمس ويقتل ابنه اليوم؟ ~~لا والله لا يكون هذا أبدا. (4) وهذا كما ثبت عندهم من أن الأمير لم يقتص ~~من قتله عثمان خوفا من الفتنة. (5) # ومنها أن عثمان غير سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنه صلى اربع ~~ركعات في منى مع أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقصر الصلاة الرباعية في ~~سفره دائما. وقد أنكر عليه الجماعة من الصحابة ذلك الفعل. (6) # والجواب أن عثمان ما كان إذ ذك مسافرا لأنه تزوج في مكة وتبوأ منزلا فيها ~~وأقام في تلك البقعة المباركة، ولما طلع الأصحاب على حقيقة الحال زال عنهم ~~الإنكار والإشكال. (7) # ومنها أن عثمان قد وهب لصحابه ورفقائه كثيرا من أراضى بين المال وأتلف ~~حقوق المسلمين. # والجواب أنه كان يأذن لهم بإحياء أراضي الموات، ومن يحيى الموات فهي له ~~لقوله عليه الصلاة والسلام: «موتان الأرض لله ولرسوله فمن أحيا منها شيئا ~~فهو له» (8) ولم يهب لأحد أرضا معمورة مزروعة كا يعلم ذلك من التاريخ. (9) ~~PageV01P265 # ومنها أن الصحابة كلهم كانوا راضين بقتله ويتبرأون منه حتى تركوه بعد ~~قتله ثلاثة أيام بلا دفن. (1) # والجواب أن هذا كله كذب صريح وبهتان فضيح على الصبيان فضلا عن ذوي ~~العرفان، (2) ألا ترى أن طلحة والزبير وعائشة الصديقة ومعاوية وعمرو بن ~~العاص رضي الله عنهم قد قاتلوا لأجل طلب القصاص لعثمان، وقد ثبت في ~~التواريخ عند الفريقين أن الصحابة كلهم لم يألوا جهدا في دفع البلوى عنه ~~حتى استأذنوا منه في قتال المحاصرين فلم يجوز لهم، (3) وكانوا مهما تمكنوا ~~يوصلون إليه الماء ويفرجون عنه. PageV01P266 # وجاء زيد بن ثابت الأنصار وقال شبابهم له: إن شيء ت كنا أنصار ms246 الله ~~مرتين. (1) وجاء عبد الله بن عمر مع المهاجرين وقال: إن الذين خرجوا عليك ~~قد أمنوا سيوفنا، واستأذنه لقتالهم فلم يؤذن له. (2) وكان السبطان (3) وعبد ~~الله بن عمر (4) وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عامر بن ربيعة (5) وأبو ~~هريرة (6) وغيرهم من الصحابة معه في دار وكانوا يدافعون عنه كلما هجم عليه ~~أهل البغي والعدوان ولم يأذن لهم ولا لأحد بقتالهم. # وقد ثبت في نهج البلاغة من كلام الأمير أنه قال «والله قد دفعت عنه» (7) ~~إلى غير ذلك. (8) وقد شيع جنازته جماعة من الصحابة والتابعين ودفنوه بثيابه ~~الملطخة بالدم ليلا ولم يؤخروه. وقد حضرت الملائكة جنازته لما روى الحافظ ~~الدمشقي مرفوعا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «يوم موت عثمان ~~تصلي عليه ملائكة السماء» قال الراوي: قلت يا رسول الله عثمان خاصة أو ~~الناس عامة؟ قال: عثمان خاصة. (9) # ونسبة هجوه وبغضه إلى الصحابة كذب وزور، وذلك في غاية الظهور. فقد روى ~~الديلمي وهو من المعتبرين عند الشيعة في (المنتقى) عن الحسن بن علي قال «ما ~~كنت لأقاتل بعد رؤيا رأيتها: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واضعا ~~يده على العرش، ورأيت أبا بكر واضعا يده على منكب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، ورأيت عمر واضعا يده على منكب أبي بكر، ورأيت عثمان واضعا يده ~~على منكب عمر، ورأيت دما دونه، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: دم عثمان يطلبه الله ~~تعالى به». (10) # وروى ابن السمان عن قيس بن عباد قال سمعت عليا يوم الجمل يقول «اللهم إنى ~~أبرأ إليك من دم عثمان، ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان، وأنكرت نفسي، وجاءوني ~~PageV01P267 # للبيعة فقلت: ألا أستحي من الله أن أبايع قوما قتلوا رجلا قال له رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة، إني ~~لأستحي من الله أن أبايع وعثمان قتيل في الأرض لم يدفن بعد، فانصرفوا. فلما ~~دفن رجع الناس يسألون البيعة فقلت: اللهم إني مشفق مما أقدم عليه. ثم جاءت ~~عزيمة فبايعت. ms247 قال: فقالوا «يا أمير المؤمنين» فكأنما صدع قلبي» (1) # وروى ابن السمان أيضا عن محمد بن الحنفية أن عليا قال يوم الجمل «لعن ~~الله قتلة عثمان في السهل والجبل» وعنه أن عليا بلغه أن عائشة تلعن قتلة ~~عثمان فرفع يديه حتى بلغ بهما وجهه فقال «وأنا ألعن قتلة عثمان، لعنهم الله ~~في السهل والجبل» مرتين أو ثلاثا. (2) إلى غير ذلك من أقوال أهل البيت ~~وسائر الصحابة مما يدل على مزيد حبهم له وتأسفهم على مصيبته. # وهذا الكتاب لا يحتمل ذكر ذلك على سبيل التفصيل، وتأخير دفنه إلى ثلاثة ~~ايام زور وبهتان كما يعلم مما ذكرنا من البيان. كيف وقد أجمع المؤرخون على ~~أن شهادته - رضي الله عنه - بعد العصر يوم الجمعة لعشر خلون من ذي الحجة، ~~ودفن في البقيع ليلة السبت - رضي الله عنه - وأرضاه، وجعل الغرف العالية ~~مستقرة ومثواه، ونسأله تعالى أن يحشرنا في زمرتهم، ويميتنا على محبتهم. ### | المطاعن الرابعة في حق أم المؤمنين وحبيبة حبيب رب العالمين عائشة الصديقة وزوج مفخر العوالم على الحقيقة # منها أنها خرجت من المدينة إلى مكة (3) ومنها إلى البصرة ومعها ما يزيد ~~عل ستة عشر ألف رجل من العسكر. وقد قال تعالى في الأزواج المطهرات {وقرن في ~~بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} فأمرهن بالسكون في البيوت، ونهاهن ~~عن الخروج من بيوتهن. (4) # والجواب أن الأمر باستقرارهن في البيوت والنهي عن الخروج منها ليس بمطلق، ~~ولو كان مطلقا لما أخرجهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد نزول الآية ~~إلى الحج والعمرة PageV01P268 # والغزوات ولا رخص لهن بزيارة الوالدين وعيادة المريض وتعزية أقاربهن. ~~واللازم باطل فكذا الملزوم. والمراد من هذا الأمر والنهي تأكيد التستر ~~والحجاب بأن لا يدرن ولا يتسكعن في الطرق والأسواق كنساء العوام، ولا ~~منافاة بين السفر وبين التستر والحجاب، ألا ترى أن المخدرات من نساء ~~الأمراء والملوك يخرجن من بلد إلى بلد ومعهن جمع من الخدم والأتباع. ولا ~~سيما إذا كان السفر متضمنا لمصلحة دينية ودنيوية كالجهاد والحج والعمرة. ~~وسفر أم المؤمنين كان ms248 من هذا القبيل، لأنها خرجت لإصلاح ذات البين وأخذ ~~القصاص من قتلة عثمان - رضي الله عنه - المقتول ظلما وعدوانا، وذلك لا يعد ~~تبرجا. # ويجاب أيضا بأن ما طعنوا به أم المؤمنين وجد في فاطمة - رضي الله عنه - ~~أيضا لما ثبت في كتبهم بطريق التواتر أن الأمير قد أركب فاطمة على مطية ~~وطاف بها (1) في محلات المدينة ومساكن الأنصار طالبا منهم الإعانة على ما ~~غصب من حقها زمن خلافة الصديق - رضي الله عنه -. (2) # ويجاب أيضا بأن جميع رجال المؤمنين أبناء لأزواج النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بالاتفاق، (3) وجميع من كان مع الصديقة في سفرها فهم أبناؤه. ولذا ~~طلبت القصاص من القتلة، فلا إشكال ولا قيل ولا قال. وسيأتي قريبا بيان هذه ~~القصة مفصلا إن شاء الله تعالى. # ومنها أن عسكر عائشة لما أتوا البصرة نهبوا بيت المال وأخرجوا عامل ~~الأمير عثمان بن حنيف الأنصاري مهانا، مع أنه من صحابة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -. # والجواب أن هذه الأمور لم تقع برضاء عائشة ولا علمت بذلك، حتى أنها لما ~~علمت ما جرى في حق عثمان بن حنيف اعتذرت له واسترضته. (4) ومثل هذا وقع ~~لعسكر الأمير مع أبي موسى الأشعري فقد أحرقوا بيته ونهبوا متاعه لما دخلوا ~~الكوفة (5) ومنهم مالك الأشتر. (6) # ومنها أن عائشة أفشت سر النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال تعالى {وإذ ~~أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه ~~وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير}. ~~(7) # والجواب أن إفشاء السر وقع من حفصة PageV01P269 # لا غير بإجماع المفسرين، وذلك أنها رأت النبي - صلى الله عليه وسلم - مع ~~مارية في فراشها من ثقب الباب، وقال لها إني حرمت مارية على نفسي فاكتميه ~~ولا تفشيه، فذهبت حفصة وبشرت عائشة بذلك. (1) ومن مزيد فرحها اشتبه عليها ~~الأمر فظنت أن الذي أمرت بكتمانه هو ما رأته من الشق لا التحريم. وقد عد ~~ذلك الإفشاء من حفصة معصية وقد تابت عنها، وقد ms249 ثبت ذلك في تفاسير الشيعة ~~كمجمع البيان للطبرسي. (2) # ومنها أن عائشة قالت: ما غرت على أحد من نساء النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- ما غرت على خديجة (3) وما رأيتها قط ولكن كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يكثر ذكرها. (4) # والجواب أن الغيرة محبوبة في النساء، ولا مؤاخذة على الأمور الجبلية. نعم ~~لو صدر قول أو فعل مخالف للشرع للغيرة تتوجه الملامة. وفي الحديث الصحيح إن ~~بعض أمهات المؤمنين غارت على الأخرى حين أرسلت إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - طعاما لذيذا وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ ذاك في بيت ~~من تغار وأخذت الطبق من يد خادمها فضربت به على الأرض حتى انكسر [الإناء] ~~(5) وانصب الطعام فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك الطعام ~~بنفسه فاجتناه وجمعه من الأرض وقال «قد غارت أمكم» (6) ولم يعاتبها ولم ~~يوبخها، فكيف يسوغ لأفراد الأمة أن يجعلوا أمهات المؤمنين هدفا لسهام ~~مطاعنهم؟ والله الموفق. # ومنها أن عائشة كانت تقول في آخر الحال: قاتلت عليا ووددت أني كنت نسيا ~~منسيا. (7) # والجواب أن هذه الرواية ما صحت بهذا اللفظ، والذى صح أنها تذكر يوم الجمل ~~وتبكي بكاءا شديدا حتى يبتل محجرها (8) المبارك بالدموع لاستعجالها وترك ~~التأمل ولم تحقق من قبل أن ماء الحوأب (9) واقع في أثناء السبيل أم لا. ~~وعلى تقدير صدور ذلك PageV01P270 # منها فلا ضير، إذ قد صح عند أهل السنة صدور مثل هذا اللفظ عن الأمير كرم ~~الله تعالى وجهه لما طاف على القتلى من الطرفين فقال «يا ليتني مت قبل هذا ~~وكنت نسيا منسيا» وهو يضرب فخذيه. # ومنها أنها زينت يوما جارية كانت عندها وقالت: لعلنا نصطاد بها شابا من ~~شباب قريش بأن يكون مشغوفا بها. (1) # والجواب أن هذه الرواية وردت عن وكيع بن الجراح [عن العلاء بن عبد ~~الكريم] (2) عن عمار بن عمران عن امرأة من غنم عن عائشة رضي الله عنها، ~~وعمار بن عمران والامرأة مجهولان فلا تقبل هذه الرواية. (3) والحاصل أن هذا ~~الخبر لا صحة ms250 له عند أهل السنة بل لا ورود له. وعلى تقدير وروده عند الشيعة ~~فبمقتضى قواعد الأصول عند الفريقين أنه غير مقبول لما ذكرنا. ولا يخفى على ~~من يعرف ما لهم في هذا الباب من المصنفات أن جميع مطاعنهم واعتراضاتهم من ~~قبيل هذه الهذيانات. نسأل الله تعالى التوفيق والهداية، والعصمة من الضلالة ~~والغواية. ### | مطاعنهم في الصحابة رضي الله تعالى عنهم على سبيل العموم # منها أن أكثر الصحابة انفضوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ~~العير التي جاءت من الشام وتركوه وحده في خطبة الجمعة وتوجهوا إلى اللهو ~~واشتغلوا بالتجارة، وذلك دليل على عدم PageV01P271 # الديانة. (1) # والجواب أن هذه القصة إنما وقعت في بدء زمن الهجرة، ولم يكونوا إذ ذاك ~~واقفين على الآداب الشريعة كما ينبغي، وكان للناس مزيد رغبة في الغلة، ~~وظنوا أن لو ذهبت الإبل يزيد الغلاء ويعم البلاء، ولم يخرجوا جميعهم بل ~~كبار الصحابة كأبي بكر وعمر كانوا قائمين عنده - صلى الله عليه وسلم - كما ~~ثبت في الأحاديث الصحيحة، ولذا لم يشنع عليهم ولم يوعهم سبحانه بعذاب ولم ~~يعاتبهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - أيضا. (2) # ومنها أن أهل السنة رووا في صحاحهم عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - «سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: ~~أصحابي أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول كما قال العبد ~~الصالح: وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم ~~وأنت على كل شيء شهيد. فيقال: إنهم لن يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ ~~فارقتهم». (3) # والجواب أنا لا نسلم أن المراد بالأصحاب ما هو المعلوم في عرفنا، بل ~~المراد بهم مطلق المؤمنين به - صلى الله عليه وسلم - المتبعين له، وهذا كما ~~يقال لمقلدي أبي حنيفة أصحاب أبي حنيفة ولمقلدي الشافعي أصحاب الشافعي ~~وهكذا وإن لم يكن هناك رؤية واجتماع. وكذا يقول الرجل للماضين الموافقين له ~~في مذهب أصحابنا، مع أن بينه وبينهم عدة من السنين. ومعرفته - صلى الله ~~عليه وسلم ms251 - لهم مع عدم رؤيتهم في الدنيا بسبب أمارات تلوح عليهم، فقد جاء ~~في الخبر أن عصاة هذه الأمة يمتازون يوم القيامة من عصاة غيرهم كما أن ~~طائعيهم يمتازون عن طائعي غيرهم، وجذبهم إلى ذات الشمال كان تأديبا لهم ~~وعقابا على معاصيهم. ولو سلمنا أن المراد بهم ما هو معلوم في العرف فهم ~~الذين ارتدوا من الأعراب على عهد الصديق - PageV01P272 # رضي الله عنه -. (1) وقوله - صلى الله عليه وسلم - «أصحابي أصحابي» لظن ~~أنهم لم يرتدوا كما يؤذن به ما قيل في جوابه من أنك لا تدري ما أحدثوا ~~بعدك. (2) # فإن قلت: إن «رجالا» في الحديث كما يحتمل أن يراد منه من ذكرت من مرتدي ~~الأعراب يحتمل أن يراد ما زعمته الشيعة. # أجيب: إن ما ورد في حقهم من الآيات والأحاديث وأقوال الأئمة مانع من ~~إرادة ما زعمته الشيعة. أما الآيات فكقوله تعالى {إن الذين آمنوا وهاجروا ~~وجاهدوا في سبيل الله أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم} وقوله ~~تعالى {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم ~~درجة عند الله وأولئك هم الفائزون يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم ~~فيها نعيم مقيم خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم} وقوله تعالى ~~{والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه} وقال تعالى {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت ~~الشجرة} إلى غير ذلك من الآيات التي لا تحصى. وأما الأحاديث فقوله - صلى ~~الله عليه وسلم - «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» (3) وقوله - صلى ~~الله عليه وسلم - «الله الله في أصحابي» (4) الحديث، إلى غير ذلك من ~~الأخبار التي يضيق عنها المقام، وأما أقوال الأئمة فقد مر لك شيء منها، ولا ~~مساغ للتخصيص الذي يزعمه الشيعة بوجه من الوجوه. # ومنها أن كثيرا من الصحابة فر من الزحف في غزوتي أحد وحنين، والفرار من ~~الزحف من أكبر الكبائر. (5) # والجواب أن الفرار يوم أحد كان قبل النهي، ولئن قلنا كان بعده فهو معفو ~~عنه بدليل قوله تعالى ms252 {ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم} (6) وأما ~~الفرار يوم حنين فبعد تسليم أنه كان فرارا في الحقيقة معاتبا عليه، لم يصر ~~عليه أولئك المخلصون بل انقلبوا وظفروا بدليل قوله تعالى PageV01P273 # {ثم أنزل الله سكينته على رسول الله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها ~~وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين}. (1) # ومنها ما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا فتحت عليكم خزائن فارس والروم أي قوم ~~أنتم؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: كما أمرنا الله تعالى. فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: كلا بل تتنافسون ثم تتدابرون ثم تتباغضون ثم تنطلقون إلى ~~مساكن المهاجرين فتحملون بعضهم على رقاب بعض» (2) فإن هذا صريح في وقوع ~~التنافس والتدابر والتباغض فيما بين الصحابة. # والجواب أن الخطاب وإن كان للصحابة لكن باعتبار وقوع ذلك فيما بينهم وهو ~~لا يستدعي أن يكون منهم. ويدل على ذلك أن الصحابة إما مهاجرون أو أنصار، ~~والحديث صريح في أن أولئك الفرقة ليسوا مهاجرين، والواقع ينفي كونهم من ~~الأنصار لأنهم ما حملوا المهاجرين على التحارب. فتعين أنهم من التابعين، ~~وقد وقع ذلك منهم، فإنهم حملوا المهاجرين على التحارب بينهم كمالك الأشتر ~~وأضرابه، ولا كلام لنا فيهم. # ومنها أن الصحابة قد آذوا عليا وحاربوه، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - ~~«من آذى عليا فقد آذاني». (3) # والجواب أن تلك المحاربات كانت لأمور اجتهادية فلا يلحقهم طعن من ذلك. ~~ولا بد ههنا من التفصيل، ليتبين من هو على الحق ممن سلك التضليل فأقول: ~~اعلم أن أعظم ما تداولت الألسن من الاختلاف الواقع بين الصحابة رضي الله ~~تعالى عنهم ما وقع في زمن الأمير كرم الله تعالى وجهه، فنشأ منه وقعتان ~~عظيمتان: وقعة الجمل، ووقعة PageV01P274 # صفين. والأصل الأصيل لذلك قتل عثمان. - رضي الله عنه -، وأنكر الهشامية ~~(1) تلك الوقعتين، وإنكار ذلك مكابرة لا يلقى لها سمع، لأن الخبر متواتر في ~~جميع مراتبه. ### | (وقعة الجمل) # وتلخيص الأولى أنه لما قتل ms253 عثمان - رضي الله عنه - عنه صبرا توجع ~~المسلمون، فسار طلحة والزبير وعائشة - وكان قد لقيها الخبر وهي مقبلة من ~~عمرتها - نحو البصرة، (2) فلما علم علي كرم الله وجهه بمخرجهم اعترضهم من ~~المدينة لئلا يحدث ما يشق عصا الإسلام، ففاتوه، وأرسل ابنه الحسن وعمارا ~~يستنفران أهل المدينة وأهل الكوفة، ولما قدموا البصرة استعانوا باهلها وبيت ~~مالها، حتى إذا جاءهم الإمام كرم الله تعالى وجهه حاول الصلح واجتماع ~~الكلمة وسعى الساعون بذلك، فثار قتلة عثمان وكان ما كان. (3) وانتصر علي ~~كرم الله تعالى وجهه، وكان قتالهم من ارتفاع النهار يوم الخميس إلى صلاة ~~العصر لعشر خلون من جمادى الآخرة. (4) ولما ظهر علي - رضي الله عنه - جاء ~~إلى أم المؤمنين - رضي الله عنه - فقال «غفر الله لك» قالت «ولك. وما أردت ~~إلا الإصلاح» (5) ثم أنزلها دار عبد الله بن خلف وهي أعظم دار في البصرة ~~على صفية (6) بنت الحارث أم طلحة الطلحات. (7) # وزارها بعد ثلاث ورحبت به وبايعته وجلس عندها فقال رجل: يا أمير المؤمنين ~~إن بالباب رجلين ينالان من عائشة فأمر القعقاع بن عمر أن يجلد كل واحد ~~منهما مائة جلدة وأن يجردهما من ثيابهما ففعل. (8) ولما أرادت الخروج من ~~البصرة بعث إليها بكل ما ينبغى من مركب وزاد ومتاع وأذن لمن نجا من الجيش ~~أن يرجع إلا أن يحب المقام، وأرسل معها PageV01P275 # أربعين امرأة وسير معها أخاها محمدا. ولما كان اليوم الذي ارتحلت فيه جاء ~~علي كرم الله تعالى وجهه فوقف على الباب في الهودج فودعت الناس ودعت لهم ~~وقالت: «يا بني لا يغتب (1) بعضكم بعضا، إنه ما كان بيني وبين علي بن أبي ~~طالب - رضي الله عنه - في القديم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وإنه ~~لمن الأخيار» فقال علي كرم الله تعالى وجهه «صدقت، والله ما كان بيني ~~وبينها إلا ذلك، وإنها زوجة نبيكم - صلى الله عليه وسلم - في الدنيا ~~والآخرة» (2) وسار معها مودعا أميالا، وسرح بنيه معها بقية ذلك اليوم. (3) ~~وكانت رضي الله تعالى عنها بعد ذلك إذا ms254 ذكرت ما وقع تبكي حتى تبل خمارها. ~~(4) # ففي هذه المعاملة من الأمير كرم الله تعالى وجهه دليل على خلاف ما تزعمه ~~الشيعة من كفرها (5) - وحاشاها رضي الله عنها - وفي ندمها وبكائها على ما ~~كان دليل على أنها لم تذهب إلى ربها إلا وهي نقية من غبار المعركة، على أن ~~في كلامها ما يدل على أنها كانت حسنة النية في ذلك. وقال غير واحد إنها ~~اجتهدت ولكنها أخطات في الاجتهاد ولا إثم على المجتهد المخطئ بل أجر على ~~اجتهاده وكونها رضي الله تعالى عنها من أهل الاجتهاد مما لا ريب فيه. (6) ~~نعم قالت الشيعة إنه يبطل اجتهادها أنه - صلى الله عليه وسلم - قال يوما ~~لأزواجه كأني بإحداكن تنبحها كلاب الحوأب، (7) فإياك أن تكوني أنت يا ~~حميراء. (8) والحوأب كجعفر منزل بين PageV01P276 # البصرة ومكة قيل نزلته عائشة ونبحتها كلابه فتذكرت الحديث وهو صريح في ~~النهي ولم ترجع. # والجواب عن ذلك أن الثابت عندنا أنها لما سمعت ذلك وتحقيقه من محمد بن ~~طلحة همت بالرجوع إلا أنها لم توافق عليه ومع هذا شهد لها مروان بن الحكم ~~مع ثمانين رجلا من دهاقين تلك الناحية أن هذا المكان مكان آخر وليس الحوأب، ~~(1) على أن «إياك أن تكوني يا حميراء» ليس موجودا في الكتب المعول عليها ~~عند أهل السنة. (2) فليس في الخبر نهي صريح ينافي الاجتهاد، على أنه لو كان ~~فلا يرد محذورا أيضا لأنها اجتهدت فسارت حين لم تعلم أن في طريقها هذا ~~المكان، ولو أنها علمت لم يمكنها الرجوع لعدم الموافقة عليه. وليس في ~~الحديث بعد هذا النهي أمر بشيء لتفعله، فلا جرم مرت على ما قصدته من إصلاح ~~ذات البين المأمورة به بلا شبهة. # وأما طلحة والزبير رضي الله عنهما فلم يموتا إلا على بيعة الإمام كرم ~~الله تعالى وجهه. أما طلحة فقد روى الحاكم (3) عن ثور بن مجزأة أنه قال: ~~مررت بطلحة يوم الجمل في آخر رمق فقال لي: من أنت؟ قلت: من أصحاب أمير ~~المؤمنين علي - رضي الله عنه -، فقال: ابسط ms255 يدك أبايعك، فبسطت يدي فبايعني ~~وقال: هذه بيعة علي، وفاضت نفسه. فأتيت عليا - رضي الله عنه - فأخبرته ~~فقال: الله أكبر صدق الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - أبى الله ~~سبحانه أن يدخل طلحة الجنة إلا وبيعتي في عنقه. (4) وأما الزبير - رضي الله ~~عنه - فقد ناداه علي كرم الله تعالى وجهه وخلا به وذكره قول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - له: لتقاتلن عليا وأنت له ظالم، فقال: لقد أذكرتني شيئا ~~أنسانيه الدهر، لا جرم، لا أقاتلك أبدا، (5) فخرج من العسكرين نادما وقتل ~~بوادي السباع مظلوما قتله همرو بن جرموز. (6) وقد ثبت عند الفريقين أنه (7) ~~جاء بسيفه واستاذن على الأمير كرم الله تعالى وجهه فلم يأذن له، فقال: أنا ~~قاتل الزبير، فقال: أبقتل ابن صفية تفتخر؟ سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول «بشر قاتل ابن صفية بالنار». (8) # وأما عدم قتله فلقيام الشبهة PageV01P277 # على ما قيل، ونظيره ما أخرجه ابن أبي حاتم والبيهقي عن الحسن أن أناسا من ~~الصحابة - رضي الله عنه - ذهبوا يتطرقون، (1) فقتل واحد منهم رجلا قد فر ~~وهو يقول: إني مسلم، فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غضبا شديدا ولم ~~يقتل القاتل. (2) وكذا قتل أسامة - رضي الله عنه - فيما أخرجه السدي رجلا ~~يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فلامه رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - جدا ولم يقبل عذره وقال له: كيف أنت ولا إله إلا الله؟ ونزل قوله ~~تعالى {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا} الآية. (3) # وأجاب آخرون بأن العلماء اختلفوا في أنه هل يجب على الحاكم القصاص إذا لم ~~يطلبه الولي أم لا؟ ولعل الأمير كرم الله تعالى وجهه ممن لا يرى الوجوب ~~بدون طلب ولم يقع. وروي أيضا أن الأمير - رضي الله عنه - قال لما جاءه عمر ~~بن طلحة بعد موت أبيه «مرحبا بابن أخي، إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة ~~والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم: {ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا ~~على سرر متقابلين}» (4) وهذا ms256 ونحوه يدل على أنهما رضي الله تعالى عنهما لم ~~يذهبا إلا طاهرين متطهرين. ### | (وقعة صفين) # وأما تلخيص الواقعة الثانية فقد ذكر المؤرخون أن معاوية - رضي الله عنه - ~~كان قد استنصره ابنا عثمان - رضي الله عنه - ووكلاه في طلب حقهما من قتلة ~~أبيهما، فلما بلغه فراغ علي كرم الله تعالى وجهه من وقعة الجمل ومسيره إلى ~~الشام خرج عن دمشق حتى ورد صفين في نصف المحرم فسبق إلى سهولة المنزل وقرب ~~من الفرات، فلما ورد الأمير - رضي الله عنه - دعاهم إلى البيعة فلم يفعلوا، ~~وطلبوا منه قتلة عثمان - وكانوا قد انحازوا PageV01P278 # إلى عسكره، ولهم عشائر وقبائل ومع هذا لم يمتازوا بأعيانهم - فمال - رضي ~~الله عنه - إلى التأخير حتى يمتازوا ويتحقق القاتل من غيره، فأبى معاوية ~~إلا تسليم من يزعمونه قاتلا. (1) وكثر القيل والقال حتى اتهم بنو أمية ~~الأمير كرم الله تعالى وجهه بأنه الذي دلس على قتلة عثمان - رضي الله عنه ~~-، وكان كرم الله تعالى وجهه قد تصرف بسلاح عثمان فقال لذلك قائلهم: (2) # ألا ما لليلى لا تغور كواكبه ... إذا غار نجم لاح نجم يراقبه # بني هاشم ردوا سلاح ابن أختكم (3) ... ولا تنهبوه لا تحل مناهبه # بني هاشم لا تعجلونا فإنه ... سواء علينا قاتلوه وسالبه # وإنا وإياكم وما كان منكم ... كصدع الصفا لا يرأب الصدع شاعبه (4) # بني هاشم كيف التقاعد بيننا ... وعند علي سيفه وحرائبه # لعمرك لا أنسى ابن أروى (5) وقتله ... وهل ينسين الماء ما عاش شاربه # هم قتلوه كي يكونوا مكانه ... كما فعلت يوما بكسرى مرازبه # وكان الأمير كرم الله تعالى وجهه يلعن القتلة ويقول «يا معاوية، لو نظرت ~~بعين عقلك دون عين هواك لرأيتني أبرأ الناس من قتلة عثمان». (6) وتصرفه - ~~رضي الله عنه - بسلاحه لأنه كان من الأشياء الراجعة إلى بيت المال، وحكمه ~~إذ ذاك كحكم المدافع في زماننا في أن حق التصرف في ذلك للإمام. ثم إنه قد ~~وقع الحرب بينهم مرارا وبقى كرم الله تعالى وجهه بصفين ثلاثة أشهر وقيل ~~سبعة وقيل تسعة، وجرى ما تشيب منه ms257 الرءوس وتهون معه حرب البسوس، (7) وليلة ~~الهرير أمرها شهير، (8) وآل الأمر إلى التحكيم، وحدث من ذلك ما أوجب ترك ~~القتال مع معاوية والاشتغال بأمر الخوارج، وذلك تقدير العزيز العليم. (9) ~~PageV01P279 # وأهل السنة إلا من شذ يقولون: إن عليا كرم الله تعالى وجهه في كل ذلك على ~~الحق لم يفترق عنه قيد شبر، وإن مقاتليه في الوقعتين مخطئون باغون وليسوا ~~بكافرين خلافا للشيعة، ولا فاسقين خلافا للعمرية أصحاب عمر بن عبيد من ~~المعتزلة. # وأما أن الحق مع علي كرم الله تعالى وجهه فغني عن البيان، وأما كون ~~المقاتل باغيا فلأن الخروج على الإمام الحق بغي، وقد صح عنه - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: ويح عمار تقتله الفئة الباغية. (1) وقد قتله عسكر ~~معاوية. وقوله حين أخبر بذلك «قتله من أخرجه» (2) مما لا يلتفت إليه، وإلا ~~لصح أن يقال إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاتل حمزة وأضرابه ممن ~~قاتل معه - صلى الله عليه وسلم -. وكذا قول من قال: المراد من الفئة ~~الباغية الفئة الطالبة أي لدم عثمان، فلا يدل الخبر على البغي بالمعنى ~~المذموم. (3) # وأما كونه ليس بكافر فلما في نهج البلاغة أن عليا كرم الله تعالى وجهه ~~خطب يوما فقال: «أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ ~~والإعوجاج والشبهة» (4)، وقوله تعالى {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ~~فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى ~~أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يجب المقسطين} ~~فسمى الله تعالى الطائفتين المقتتلين (مؤمنين) وأمر بالإصلاح بينهما. # وأجاب بعض الشيعة عن الآية بأنها في قتال المؤمنين بعضهم مع بعض دون ~~القتال مع الإمام والنعي عليه، والخطاب فيها للأئمة أمروا أن يصلحوا بين ~~طائفتين PageV01P280 # من المؤمنين اقتتلوا فيما بينهم، وأن يقاتلوا إذا بلغت إحداهما حتى تفيء. ~~(1) # ولا يخفى ما في هذا الجواب من الوهن وعدم نفعه للمجيب أصلا، لأن الأمر ~~الثاني يستدعي أن يكون القتال مع الإمام ضرورة فافهم. ومما يدل على أن ~~المحارب ms258 غير كافر صلح الحسن - رضي الله عنه - مع معاوية، وهو مما لا مجال ~~لإنكاره. (2) # وقد روى المرتضى وصاحب (الفصول المهمة) من الإمامية أنه لما أبرم الصلح ~~بينه - رضي الله عنه - وبين معاوية خطب (3) فقال: «إن معاوية نازعني حقا لي ~~دونه، فنظرت الصلاح للأمة وقطع الفتنة، وقد كتنم بايعتموني على أن تسالموا ~~من سالمني وتحاربوا من حاربني، ورأيت أن حقن دماء المسلمين خير من سفكها ~~ولم أرد بذلك إلا صلاحكم» (4) انتهى. # وفي هذا دلالة ظاهرة على إسلام الفريق المصالح وأن المصالحة لم تقع إلا ~~اختيارا، ولو كان المصالح كافرا لما جاز ذلك ولما صح أن يقال «فنظرت الصلاح ~~للأمة وقطع الفتنة» أه. فقد قال سبحانه وتعالى {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ~~ويكون الدين كله لله}. # ويدل على وقوع ذلك أختيارا أيضا ما رواه صاحب (الفصول) عن أبي مخنف (5) ~~من أن الحسين - رضي الله عنه - كان يبدي كراهة الصلح ويقول لو جز أنفي كان ~~أحب إلى مما فعله أخي. (6) فإنه لا معنى لهذا الكلام لو لم يكن وقوع الصلح ~~من أخيه رضي الله عنهما اختيارا فإن الضرورات تبيح المحظورات وهو ظاهر. # وبعد هذا كله قد ثبت عند جمع أن معاوية - رضي الله عنه - ندم على ما كان ~~منه في المقاتلة والبغي على الأمير كرم الله تعالى وجهه واتفق أن بكى عليه ~~كرم الله تعالى وجهه. فقد أخرج ابن الجوزي عن أبي صالح قال: قال معاوية ~~لضرار: صف لي عليا. فقال: أوتعفيني. قال: بل تصفه. فقال: أوتعفيني. قال: لا ~~أعفيك. قال: أما ولابد فإنه كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، ~~ويحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من ~~الدنيا وزهرتها، ويستأنس PageV01P281 # بالليل وظلمته. كان والله غزير الدمعة، طويل الفكرة، يقلب كفه ويخاطب ~~نفسه. يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما خشن. كان والله كأحدنا يجيبنا ~~إذا سألناه، ويبتدئنا إذا أتيناه، ويأتينا إذا دعوناه - إلى أن قال - لا ~~يطمع القوى في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله، ms259 فأشهد بالله لقد رأيته في ~~بعض مواقفه وقد أرخى الليل سجوفه، وغارت نجومه، وقد مثل في محرابه قابضا ~~على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين، فكأني أسمعه يقول: يا ~~دنيا يا دنيا ألي تعرضت أم بي تشوقت؟ هيهات هيهات، غري غيري قد بتتك ثلاثا ~~لا رجعة لي فيك، فعمرك قصير، وعيشك حقير، وخطوك كبير، آه من قلة الزاد وبعد ~~السفر ووحشة الطريق. قال: فذرفت دموع معاوية، فما يملكها وهو ينشفها بكمه، ~~وقد اختنق القوم بالبكاء. ثم قال معاوية: رحم الله تعالى أبا الحسن، كان ~~والله كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ فقال: حزن من ذبح ولدها في حجرها فلا ~~ترقأ عبرتها ولا يسكن حزنها. (1) انتهى. # وما يذكره المؤرخون من أن معاوية - رضي الله عنه - كان يقع في الأمير كرم ~~الله تعالى وجهه بعد وفاته ويظهر ما يظهر في حقه ويتكلم بما يتكلم في شأنه ~~مما لا ينبغي أن يعول عليه أو يلتفت إليه، لأن المؤرخين ينقلون ما خبث ~~وطاب، ولا يميزون بين الصحيح والموضوع والضعيف، وأكثرهم حاطب ليل لا يدرى ~~ما يجمع. (2) فالاعتماد على ذلك في مثل هذا المقام الخطر والطريق الوعر ~~والمهمة القفر الذي تضل فيه القطا وتقصر دونه الخطا مما لا يليق بشان عاقل ~~فضلا عن فاضل، وما جاء من ذلك في بعض روايات صحيحة وكتب معتبرة رجيحة ~~فينبغي أيضا التوقف عن قبوله والعمل بموجبه، لأن له معارضات مسلمة في الصحة ~~والثبوت. على أن من سلم من داء التعصب بما يندفع به الطعن عن أولئك السادة ~~الأماثل، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل وهو حسبنا ونعم الوكيل. ~~PageV01P282 ### | الباب التاسع في ذكر ما اختص بهم ولم يوجد في غيرهم من فرق الإسلام ### | (في ذكر بعض خرافاتهم) # فمن ذلك إنكارهم كرامات الأولياء، وإقامتهم حفلات العزاء والنياحة ~~والجزع، وتصوير الصور، وضرب الصدور وما أشبه ذلك مما يصدر في العشرة الأولى ~~من المحرم. ويعتقدون أن ذلك مما يقرب به إلى الله تعالى وتكفر به سيئاتهم ~~وما يصدر عنهم من الذنوب في ms260 السنة كلها، وما دروا أن ذلك موجب لطردهم من ~~رحمة الله تعالى، كيف لا وفيه هتك لبيت النبوة واستهزاء بهم، ولله تعالى در ~~من قال: (1) # هتكوا الحسين بكل عام مرة ... وتمثلوا بعداوة وتصوروا # ويلاه من تلك الفضيحة إنها ... تطوى وفي أيدي الروافض تنشر # ومن ذلك أنهم يجعلون من الدقيق شبح إنسان، ويملآون جوفه دبسا أو عسلا، ~~ويسمونه باسم عمر، ثم يمثلون حادث قتله ويشربون ما فيه من عسل بزعم أنه دم ~~عمر. ويتشاءمون من يوم الاثنين، (2) وكذا من عدد الأربعة لئلا يذهب الوهم ~~إلى أن الخلفاء أربعة. ويتفاءلون بعدد الاثني عشر. ولكن خواصهم يظهرون عدم ~~الاستحسان لمثل هذه الأمور فلا حاجة بنا إلى صرف المداد في ردها. # ومن ذلك مزيد أوهامهم وكثرة خطإهم باعتقاد أن كل مخالف عدو مع أن المخالف ~~أعم من العدو مطلقا. فإنه إذا قصد شخصان مقصدا واحدا واختلفا في الطريق ~~إليه كيف يحكم بكون أحدهما عدوا للآخر. وأيضا قد ثبت في كتب الشيعة أن أبا ~~مخنف يروي عن الإمام الحسين في باب صلح الإمام الحسن مع معاوية أنه كان ~~ينكر على هذا الصلح، وكان يقول لو جدع أنفي كان أحب إلي مما فعله أخي. فلو ~~كانت المخالفة موجبة للعداوة يلزم أن يكون الإمام الحسين عدوا للإمام ~~الحسن، معاذ الله من ذلك الاعتقاد الفاسد والكفر الصريح. PageV01P283 # وكاعتقادهم عدم وجود المتنافيين في شيء في وقتين، ولذا قالوا إن الخلفاء ~~الثلاثة ليسوا بمؤمنين، بناء على أنهم كانوا كافرين فلا يليقون للإمامة. ~~(1) وهذا غلط ظاهر، إذ عدم اجتماع المتنافيين مشروط باتحاد الزمان وغير ذلك ~~من الوحدات الثماني المذكورة في المنطق. وكاعتقادهم أن الفرع مشارك للأصل ~~في الأحكام، ولذا اعتقدوا العصمة في الأئمة بناء على أنهم خلفاء المعصوم، ~~واعتقدوا أن الأئمة أفضل من الأنبياء بناء على أنهم نواب أفضل الأنبياء، مع ~~أن النبي مبلغ بالذات، والعصمة من خواص المبلغ، ولا يلزم أن يكون نائب شخص ~~مثله في جميع صفاته، وإلا لزم مساواة التابع للمتبوع. # وكاعتقادهم أن من سمي بغيره فله مثله ms261 في الحكم، ولذا تراهم يسمون شخصا ~~بيزيد أو شمر فيهينونه ويظهرون له العداوة، قال تعالى {إن هي إلا أسماء ~~سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان} والنار حارة وليس لفظها ~~كذلك، وهو يتحاشون من التسمية بعبد الله وعبد الرحمن، ويستحسنون التسمية ~~بكلب علي وكلب حسين وما أشبه ذلك. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - إن ~~أحسن الأسماء إلى الله تعالى عبد الله وعبد الرحمن. (2) # وكتوهم بطلان ما لا دليل عليه، كما أنكروا فضائل الصحابة بناء على عدم ~~ثبوتها في كتبهم. (3) مع أن نفس الأمر غير تابع للعلم والجهل، ولو تليت ~~عليهم آيات الله لولوا {وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما ~~يؤمنون} # ومن ذلك مزيد تعصبهم كترجيحهم الرواية لضعيفة على القوية التي توافق ~~مخالفهم. (4) # وكزعمهم أن من في قلبه حب علي يدخل الجنة ولو كان يهوديا أو نصرانيا أو ~~مشركا، وأن من يحب الصحابة يدخل النار ولو كان صالحا وفي قلبه محبة أهل ~~البيت. ولذا حكم رضي الدين اللغوي (5) أحد كبار الشيعة بكون زنينا بن إسحاق ~~النصراني من أهل الجنة بسبب مدحه الأمير وأهل البيت بقوله: # عدي وتيم لا أحاول ذكرهم ... بسوء ولكني محب لهاشم # وما تعتريني في علي وأهله ... إذا ذكروا في الله لومة لائم PageV01P284 # يقولون ما بال النصارى تحبهم ... وأهل النهي من عربهم الأعاجم # فقلت لهم إنى لأحسب حبهم ... سرى في قلوب الخلق حتى البهائم (1) # وجميع فرق الشيعة يترضون على ابن فضلون اليهودي (2) لقوله: # رب هب لي من المعيشة سؤلي ... واعف عني بحق آل الرسول # واسقني شربة بكف علي ... سيد (الأوصياء) بعل البتول # مع أن حب آل البيت غاية الأمر أنه عبادة، وقد اشترط لقبولها الإيمان ~~لقوله تعالى {ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلا كفران ~~لسعيه وإنا له لكاتبون} وأيضا إن نجاة الكفار ودخولهم الجنة عند الشيعة ~~محال كما سبق في العقائد، وقوله تعالى {ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}. # وكتعصبهم في تسمية أمة محمد - صلى الله عليه ms262 وسلم - «الأمة الملعونة» (3) ~~ولم يلتفتوا إلى قوله تعالى {كنتم خير أمة أخرجت للناس} ويلزمهم من ذلك ~~أنهم ليسوا من أمة محمد، وإلا يلزمهم لعن أنفسهم وإخراج أهل البيت من ~~الأمة. # وكترجيحهم لعن عمر وسائر الصحابة والعياذ بالله على ذكر الله وسائر ~~العبادات، (4) وقد ثبت في كتبهم أن لعن الشيخين - في كل صباح ومساء - موجب ~~لسبعين حسنة. (5) وقد قال تعالى {ولذكر الله أكبر}. PageV01P285 # وكإنكارهم كون رقية وأم كلثوم زوجتي عثمان بنتي النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وأن خديجة أمهما. (1) مع أنه مخالف لقوله تعالى {يا أيها النبي قل ~~لأزواجك وبناتك} ولما ذكر في (نهج البلاغة) من معاتبة الأمير لعثمان على ~~تغييره سيرة الشيخين بقوله «قد بلغت من صهره ما لم ينالا» (2) أي الشيخين. ~~وروى أبو جعفر الطوسي في (التهذيب) عن الإمام جعفر الصادق أنه كان يقول في ~~دعائه «اللهم صل على رقية بنت نبيك، اللهم صل على أم كلثوم بنت نبيك». (3) ~~وروى الكليني أيضا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تزوج خديجة وهو ابن ~~بضع وعشرين سنة فولد منها قبل مبعثه - صلى الله عليه وسلم - «القاسم ورقية ~~وزينب وأم كلثوم، وبعد المبعث الطيب والطاهر وفاطمة». (4) وأورد في رواية ~~أخرى أنه لم يولد له بعد المبعث إلا فاطمة وأن الطيب والطاهر ولدا قبل ~~المبعث. # وكقولهم إن أبا بكر وعمر وعثمان منافقون، مع أن الأمير اقتدى بهم في ~~الأوقات الخمسة زمن خلافتهم، وقال تعالى {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما ~~أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب}. # وكقولهم إن الآيات المشعرة بمدح الصحابة من المهاجرين والأنصار وأم ~~المؤمنين كلها متشابهات لا يعلم تأويلها إلا الله. (5) # وكقولهم إن أهل السنة شر من اليهود والنصارى، ذكر ذلك ابن المعلم وغيره. ~~(6) {إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} فيا ليت شعري أين ~~ذهب إيمان أهل السنة بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر، ومحبتهم ~~لأهل البيت الطاهرين والأئمة الزاكين وصلاتهم وزكاتهم حجهم وجهادهم، وكيف ~~يكون من أشرك بالله تعالى وكفر برسوله ms263 - صلى الله عليه وسلم - أرجح من ~~هؤلاء؟ وما أشبه قولهم بقول اليهود في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - إن ~~الكافرين أهدى من المؤمنين؛ قال تعالى {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين ~~آمنوا سبيلا}. PageV01P286 # ومن تعصباتهم أن أهل السنة عندهم أنجس من اليهود والنصارى، حتى لو أصاب ~~البدن شيء منهم غسلوه، مع أن المتلطخ بالغائط والعذرة عندهم ليس بنجس. # ومن تعصباتهم أنهم يرون أن الإبتداء بلعن أبي بكر وعمر بدل التسمية في كل ~~أمر ذي بال أحب وأولى. ويقولون: كل طعام لعن عليه الشيخان سبعين مرة كان ~~فيه زيادة البركة. (1) ولا يخفى على من له بصيرة أن هؤلاء لا إيمان لهم ولا ~~دين، بل هم من زمرة الشياطين، {وكذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما ~~هم بخارجين من النار} ### | (القول بالتقية) # ومن خصائصهم القول بالتقية بالمعنى الذي لا يريده أهل السنة من قوله ~~تعالى {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك ~~فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة} (2) # وتحقيق ذلك على وجه البسط أن التقية محافظة النفس أو العرض أو المال من ~~شر الأعداء. (3) والعدو قسمان: الأول من كانت عداوته مبنية على أغراض ~~دنيوية كالمال والمتاع والملك والإمارة، ومن هنا صارت (التقية) قسمين: أما ~~القسم الأول في العداوة المبنية على اختلاف الدين فالحكم الشرعي فيه أن كل ~~مؤمن وقع في محل لا يمكن له أن يظهر دينه لتعرض المخالفين وجب عليه الهجرة ~~إلى محل يقدر فيه على إظهار دينه، ولا يجوز له أصلا أن يبقى هناك ويخفي ~~دينه ويتشبث بعذر الاستضعاف، فإن أرض الله واسعة. نعم إن كان ممن له عذر ~~شرعي في ترك الهجرة كالصبيان والنساء والعميان والمحبوسين والذين يخوفهم ~~المخالفون بالقتل أو قتل الأولاد أو الآباء أو الأمهات تخويفا يظن معه ~~إيقاع ما خوفوا غالبا، سواء كان هذا القتل بضرب العنق أو بحبس القوت أو ~~بنحو ذلك، فإنه يجوز ms264 له المكث مع المخالف والموافقة بقدر الضرورة، ويجب ~~عليه أن يسعى في الحيلة للخروج والفرار بدينه. وإن كان التخويف بفوات ~~المنفعة أو بلحوق المشقة التي يمكنه تحملها كالحبس مع القوت والضرب غير ~~المهلك فإنه لا يجوز له موافقتهم، وفي صورة PageV01P287 # الجواز أيضا فإن موافقتهم رخصة، وإظهار مذهبه عزيمة، فلو تلفت نفسه بذلك ~~فإنه شهيد قطعا. ومما يدل على أنها رخصة ما روي عن الحسن أن مسيلمة الكذاب ~~أخذ رجلين من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لأحدهما: أتشهد ~~أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم، فقال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم. ثم ~~دعا الآخر فقال له أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم. قال: أتشهد أني ~~رسول الله؟ قال: إنى أصم، قالها ثلاثا وفي كل يجيبه بأني أصم، فضرب عنقه. ~~فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أما هذا المقتول فقد مضى ~~على صدقه ويقينه وأخذ بفضله، فهنيئا له، وأما الآخر فقد رحمه الله تعالى ~~فلا تبعة عليه. (1) # وأما القسم الثاني في العداوة المبينة على الأغراض الدنيوية فقد اختلف ~~العلماء في وجوب الهجرة وعدمه، فقال بعضهم: تجب لقوله تعالى {ولا تلقوا ~~بأيديكم إلى التهلكة} وبدليل النهي عن إضاعة المال. وقال قوم: لا تجب إذ ~~الهجرة عن ذلك المقام مصلحة من المصالح الدنيوية. ولا يعود من تركها نقصان ~~في الدين لاتحاد الملة، وعدوه القوي المؤمن لا يتعرض له بالسوء من حيث هو ~~مؤمن. وقال بعضهم: الحق أن الهجرة هنا قد تجب أيضا إذا خاف هلاك نفسه أو ~~أقاربه أو هتك حرمته بالإفراط، ولكن ليست عبادة وقربة حتى يترتب عليها ~~الثواب، فإن وجوبها محض مصلحة دنيوية لذلك المهاجر لا لإصلاح الدين فيترتب ~~عليها الثواب، وليس كل واجب يثاب عليه لأن التحقيق أن كل واجب لا يكون ~~عبادة، بل كثير من الواجبات لا يترتب عليه ثواب كالأكل عند شدة الجوع ~~والاحتراز عن المضرات المعلومة أو المظنونة في المرض، فهذه الهجرة في مصالح ~~الدنيا ليست كالهجرة إلى الله تعالى ورسوله ms265 - صلى الله عليه وسلم - فتكون ~~مستوجبة لفضل الله تعالى وثواب الآخرة. وعد قوم من باب التقية مداره الكفار ~~والفسقة والظلمة وإلانة الكلام والتبسم في وجوههم والانبساط معهم وإعطائهم ~~لكف أذاهم وقطع لسانهم وصيانة العرض منهم، ولا يعد ذل من باب الموالاة ~~المنهي عنها، بل هي سنة وأمر مشروع، فقد روى الديلمي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال «إن الله أمرني بمداراة الناس، كما أمرني بإقامة ~~الفرائض» (2) وفي رواية «بعثت بالمداراة» (3) وفي الجامع «سيأتيكم ركب ~~مبغضون، PageV01P288 # فإذا جاءوكم فرحبوا بهم» (1) وروى ابن أبي الدنيا (2) «رأس العقل بعد ~~الإيمان بالله تعالى مداراة الناس» (3) وفي رواية البيهقي «رأس العقل ~~المداراة» (4) وأخرج الطبراني «مداراة الناس صدقة» (5) وفي رواية له «ما ~~وقى به المؤمن عرضه فهو صدقة» (6) وأخرج ابن عدي وابن عساكر «من عاش مداريا ~~مات شهيدا، قوا بأموالكم أعراضكم، وليصانع أحدكم بلسانه عن دينه» (7) وعن ~~عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: استأذن رجل على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وأنا عنده، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «بئس ابن العشيرة ~~أو أخو العشيرة» ثم أذن له فألان له القول، فلما خرج قلت: يا رسول الله قلت ~~ما قلت ثم ألنت له القول، فقال: «يا عائشة إن من شر الناس من يتركه الناس - ~~أو يدعه الناس - اتقاء فحشه» (8) وفي البخاري عن أبي الدرداء «إنا لنكشر في ~~وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم» وفي رواية الكشميهني «وإن قلوبنا لتقليهم» ~~وفي رواية ابن أبي الدنيا وإبراهيم الحرمي بزيادة «ونضحك إليهم» إلى غير ~~ذلك من الأحاديث. # ولكن لا ينبغي المداراة إلى حيث يخدش الدين ويرتكب المنكر ويسيء الظنون. ~~هذا كله على مذهب أهل السنة، وبقي قولان لفئتين متباينتين من الناس وهم ~~الخوارج والشيعة: # أما الخوارج فذهبوا إلى أنه لا تجوز التقية بحال، ولا يراعى المال وحفظ ~~النفس والعرض في مقابلة الدين أصلا. ولهم تشديدات في هذا الباب عجيبة، منها ~~أن احدا لو كان يصلي وجاء سارق أو غاصب ليسرق أو يغصب ماله الخطير لا يقطع ms266 ~~الصلاة بل يحرم عليه قطعها، وطعنوا على بريدة الأسلمي صاحب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه كان يحافظ على فرسه في صلاته كيلا يهرب. (9) ولا يخفى ~~أن هذا المذهب من التفريط بمكان. # وأما الشيعة فكلامهم مضطرب في هذا المقام، فقال بعضهم إنها جائزة في ~~الأقوال كلها عند الضرورة، وربما وجبت فيها لضرب من اللطف والاستصلاح، ولا ~~تجوز في الأفعال كقتل المؤمن ولا يكون فيما يعلم أو يغلب على الظن أنه فساد ~~في الدين. وقال المفيد: إنها قد تجب أحيانا، وقد يكون فعلها في وقت افضل من ~~تركها، وقد يكون تركها افضل من فعلها. وقال أبو جعفر الطوسي: إن ظاهر ~~الروايات يدل على أنها واجبة عند الخوف على النفس. (10) وقال غيره: إنها ~~واجبة عند الخوف على المال أيضا، (11) ومستحبة لصيانة العرض PageV01P289 # حتى يسن لمن اجتمع مع أهل السنة أن يوافقهم في صلاتهم وصيامهم وسائر ما ~~يدينون به. ورووا عن بعض ائمة أهل البيت «من صلى وراء سني تقية فكأنما صلى ~~وراء نبي». (1) وفي وجوب قضاء تلك الصلاة عندهم خلاف. وكذا في وجوب قضاء ~~الصوم على من أفطر تقية حيث لا يحل الإفطار قولان أيضا. (2) وفي أفضلية ~~التقية من سني واحد صيانة لمذهب الشيعة عن الطعن خلاف أيضا. وأفتى كثير ~~منهم بالأفضلية، ومنهم من ذهب إلى جواز - بل وجوب - إظهار الكفر لأدنى ~~مخافة أو طمع، ولا يخفى أنه من الإفراط بمكان. وحملوا أكثر أفعال الأئمة - ~~مما يوافق مذهب أهل السنة ويقوم به الدليل على رد مذهب الشيعة - على ~~التقية، وجعلوا هذا أصلا أصيلا واستوى عليه دينهم وهو الشائع الآن فيما ~~بينهم. (3) حتى نسبوا ذلك للأنبياء عليهم السلام، (4) وجل غرضهم من ذلك ~~إبطال خلافة الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم، ويأبى الله تعالى ذلك، ~~ففى كتبهم ما يبطل كون أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه ونبيه - رضي ~~الله عنه - ذوى تقية، بل ويبطل أيضا فضلها الذي زعموه. # ففي كتاب (نهج البلاغة) الذي هو في زعمهم أصح الكتب بعد كتاب الله أن ms267 ~~الأمير كرم الله تعالى وجهه قال: «علامة الإيمان إيثارك الصدق حيث يضرك على ~~الكذب حيث ينفعك» (5) وأين هذا من تفسيرهم قوله تعالى {إن أكرمكم عند الله ~~أتقاكم} بأكثركم تقية؟ (6) وفيه أيضا أنه كرم الله تعالى وجهه قال «إني ~~والله لو لقيتهم واحدا وهم طلاع الأرض (7) كلها ما بليت ولا استوحشت، وإني ~~من ضلالتهم التي هم فيها والهدى الذي أنا عليه لعلى بصيرة من نفسي ويقين من ~~ربي، وإلى لقاء الله وحسن ثوابه لمنتظر راج» (8) وفي هذا دلالة على أن ~~الأمير لم يخف وهو منفرد من حرب الأعداء وهم جموع، PageV01P290 # ومثله لا يتصور أن يتأتى منه ما فيه هدم الدين. وروى العياشي عن زرارة بن ~~أعين عن أبي بكر بن حزم أنه قال توضأ رجل ومسح على خفيه فدخل المسجد [فصلى] ~~(1) فجاء علي كرم الله تعالى وجهه فوجأه على رقبته فقال: ويلك تصلى وأنت ~~على غير وضوء؟ فقال: أمرني عمر، فأخذ بيده فانتهى إليه ثم قال: انظر ما ~~يقول هذا عنك - ورفع صوته على عمر - فقال عمر: أنا أمرته بذلك. (2) فانظر ~~كيف رفع الصوت ولم يتاقه. # وروى الراوندي شارح نهج البلاغة ومعتقد الشيعة في كتاب الخرائج والجرائح ~~(3) عن سلمان الفارسي أن عليا بلغه عن عمر أنه ذكر شيعته فاستقبله في بعض ~~طرق بساتين المدينة وفي يد علي قوس فقال يا عمر بلغني عنك ذكرك لشيعتي، ~~فقال: أربع على صلعتك. فقال علي: إنك ههنا؟ ثم رمى بالقوس على الأرض فإذا ~~هي ثعبان كالبعير فاغرا فاه وقد أقبل نحو عمر ليبتلعه، فقال عمر: الله الله ~~يا أبا الحسن، لا عدت بعدها في شيء، فجعل يتضرع، فضرب بيده على الثعبان ~~فعادت القوس كما كانت، فمضى عمر إلى بيته. قال سلمان: فلما كان الليل دعاني ~~علي فقال: سر إلى عمر، فإنه حمل إليه مال من ناحية المشرق، وقد عزم أن ~~يخبئه فقل له: يقول لك علي: أخرج ما حمل إليك من المشرق ففرقه على من هو ~~لهم ولا تخبئه فأفضحك. قال سلمان: فمضيت إليه وأديت ms268 الرسالة، فقال: أخبرني ~~عن أمر صاحبك من أين علم به؟ فقلت: وهل يخفى عليه مثل هذا؟ فقال: يا سليمان ~~اقبل عني ما أقول لك، ما علي إلا ساحر، والصواب أن تفارقه وتصير من جملتنا. ~~قلت: ليس كما قلت، لكنه PageV01P291 # ورث من أسرار النبوة ما قد رأيت منه، وعنده أكثر من هذا. قال: ارجع إليه ~~فقل: السمع والطاعة لأمرك. فرجعت إلى علي، فقال: أحدثك عما جرى بينكما؟ ~~فقلت: أنت أعلم مني. فتكلم بما جرى بيننا ثم قال: إن رعب الثعبان في قلبه ~~إلى أن يموت. (1) # وفي هذه الرواية ضرب عنق التقية أيضا، إذ صاحب هذه القوس تغنيه قوسه عنها ~~ولا تحوجه أن يزوج ابنته أم كلثوم (2) من عمر خوفا منه وتقية. (3) # وروى الكليني عن معاذ بن كثير (4) عن أبي عبد الله أنه قال: إن الله عز ~~وجل أنزل على نبيه - صلى الله عليه وسلم - كتابا، فقال جبريل: يا محمد هذه ~~وصيتك إلى النجباء فقال: ومن النجباء يا جبريل؟ فقال: علي بن أبي طالب ~~وولده. وكان على الكتاب خواتم من ذهب، فدفعه رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إلى علي وأمره أن يفك خاتما منه فيعمل بما فيه، ثم دفعه إلى الحسن ~~ففك منه خاتما فعمل بما فيه، ثم دفعه إلى الحسين ففك خاتما فوجد فيه أن ~~أخرج قومك إلى الشهادة فلا شهادة لهم إلا معك واشتر نفسك من الله تعالى، ~~ففعل. ثم دفعه إلى علي بن الحسين ففك خاتما فوجد فيه أن اطرق واصمت والزم ~~منزلك واعبد ربك حتى يأتيك اليقين، ففعل. ثم دفعه إلى ابنه محمد بن علي ففك ~~خاتما فوجد فيه: حدث الناس وأفتهم وانشر علوم أهل بيتك وصدق آباءك الصالحين ~~ولا تخافن أحدا إلا الله تعالى فإنه لا سبيل لأحد عليك. ثم دفعه إلى جعفر ~~الصادق ففك خاتما فوجد فيه: حدث الناس وأفتهم ولا تخافن إلا الله تعالى ~~وانشر علوم أهل بيتك وصدق آباءك الصالحين فإنك في حرز وأمان، ففعل. ثم دفعه ~~إلى موسى وهكذا إلى المهدي. (5) رواه ms269 من طريق آخر عن معاذ أيضا عن أبي عبد ~~الله وفي الخاتم الخامس: وقل الحق في الأمن والخوف، ولا تخش إلا الله ~~تعالى. (6) وهذه الرواية أيضا PageV01P292 # صريحة بأن أولئك ليس دينهم كما تزعمه الشيعة. # وروى سليم بن قيس الهلالي الشيعي من خبر طويل أن أمير المؤمنين قال: «لما ~~قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومال الناس إلى أبي بكر فبايعوه حملت ~~فاطمة وأخذت بيد الحسن والحسين ولم تدع أحدا من أهل بدر وأهل السابقة من ~~المهاجرين والأنصار إلا ناشدتهم الله تعالى حقي ودعوتهم إلى نصرتي، فلم ~~يستجب لي من جميع الناس إلا أربعة: الزبير وسلمان وأبو ذر والمقداد.» (1) ~~وهذه تدل على أن التقية لم تكن واجبة على الإمام، لأن هذا الفعل عند من ~~بايع أبا بكر - رضي الله عنه - فيه ما فيه. # وفي كتاب أبان بن عياش أن أبا بكر بعث قنفدا (2) إلى علي حين بايعه الناس ~~ولم يبايعه علي وقال: انطلق إلى علي وقل له أجب خليفة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -. فانطلق فبلغه، فقال له: ما أسرع ما كذبتم على رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وارتددتم والله ما استخلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- غيري. (3) # وفيه أيضا: «أنه لما لم يجب علي غضب عمر وأضرب النار بباب علي وأحرقه ~~ودخل فاستقبلته فاطمة وصاحت: يا أبتاه، يا رسول الله. فرفع عمر السيف وهو ~~في غمده فوجأ به جنبها المبارك ورفع السوط فضرب به درعها فصاحت: يا أبتاه. ~~فأخذ علي بتلابيب عمر وهزه ووجأ أنفه ورقبته». (4) # وفيه أيضا أن عمر PageV01P293 # قال لعلي: بايع أبا بكر، قال: إن لم أفعل ذلك؟ قال: إذا لأضربن عنقك. ~~قال: كذبت والله يا ابن صهاك (1) لا تقدر على ذلك، أنت ألأم وأضعف من ذلك. ~~(2) # فهذه الروايات تدل صريحا أن التقية بمراحل من ذلك الإمام، إذ لا معنى ~~لهذه المناقشة والمسابة مع وجوب التقية. # وروى محمد بن سنان (3) أن أمير المؤمنين قال لعمر: يا مغرور، إنى أراك في ~~الدنيا قتيلا بجراحة عبد ms270 أم معمر، (4) تحكم عليه جورا فيقتلك، ويدخل بذلك ~~الجنان على رغم منك» (5) # ورورى أيضا أنه قال مرة لعمر: «إن لك ولصاحبك الذي قمت مقامه هتكا وصلبا، ~~وتخرجان من جوار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتصلبان على شجرة يابسة ~~فتورق فيفتتن بذلك من ولاكما، ثم يؤتى بالنار التي أضرمت لإبراهيم ويأتي ~~جرجيس (6) ودانيال (7) وكل نبي وصديق فتصلبان فيها فتحرقان وتصيران رمادا، ~~ثم تأتى ريح فتنسفكما في اليم نسفا». (8) # فانظر بالله عليك من يروي هذه الأكاذيب (9) عن الإمام كرم الله تعالى ~~وجهه، هل ينبغي له أن يقول بنسبة التقية إليه؟ سبحان الله! إن هذا لهو ~~العجب العجاب والداء العضال. # ومما يرد قولهم أن زكريا ويحيى والحسين ليس لهم عند الله كرامة وفضل ~~لأنهم لم يفعلوا التقية، ويلزم أن يكون جميع المنافقين في عهده - صلى الله ~~عليه وسلم - في أعلى المراتب من الكرامة. PageV01P294 # سبحانك هذا بهتان عظيم. {ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من ~~قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون} # وأيضا أن التقية لا تكون إلا لخوف، والخوف قسمان: # الأول الخوف على النفس وهو منتف في حضرات الأئمة بوجهين: أحدهما أن موتهم ~~الطبيعي باختيارهم كما أثبت هذه المسألة الكليني في (الكافي) وعقد لها بابا ~~وأجمع عليها سائر الإمامية. (1) وثانيهما أن الأئمة يكون لهم علم بما كان ~~ويكون، (2) فهم يعلمون آجالهم وكيفيات موتهم وأوقاته بالتفصيل والتخصيص، ~~فقبل وقته لا يخافون على أنفسهم، ولا حاجة بهو إلى أن ينافقوا في دينهم ~~ويغروا عوام المؤمنين. # القسم الثاني خوف المشقة والإيذاء البدني والسب والشتم وهتك الحرمة، ولا ~~شك أن تحمل هذه الأمور والصبر عليها وظيفة الصلحاء، فقد كانوا يتحملون ~~البلاء دائما في امتثال أوامر الله تعالى، وربما قابلوا السلاطين الجبابرة. ~~وأهل البيت النبوي أولى بتحمل الشدائد في نصرة دين جدهم - صلى الله عليه ~~وسلم -. (3) وأيضا لو كانت التقية واجبة فلم توقف إمام الأئمة كرم الله ~~تعالى وجهه عن بيعة خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ستة اشهر؟ ~~وماذا منعه من أداء الواجب أول وهلة؟ (4) # ومما ms271 يرد قولهم في نسبة التقية إلى الأنبياء عليهم السلام بالمعنى الذي ~~أرادوه قوله تعالى في حقهم {الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون ~~أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا} وقوله سبحانه لنبيه - صلى الله عليه وسلم ~~- {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ~~والله يعصمك من الناس} وقوله تعالى {وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما ~~وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يجب الصابرين} ~~إلى غير ذلك من الآيات. # نعم لو أرادوا بالتقية المداراة التي أشرنا إليها لكان لنسبتها إلى ~~PageV01P295 # الأنبياء والأئمة وجه، وهذا أحد محملين لما أخرجه عند بن حميد عن الحسن ~~أنه قال: التقية جائزة إلى يوم القيامة. (1) والثاني حمل التقية على ظاهرها ~~وكونها جائزة إنما هو على التفصيل الذي ذكرناه. وإنما ذكرت لك ما ذكرت، ~~وحررت في هذا المقام ما حررت، من الدلائل القطعية والبراهين الجلية، لينقطع ~~عرق التقية التي هي أساس مذهب الشيعة وعماد كل قبيحة وشنيعة. ### | (الأنبياء وولاية علي) # ومن تعصباتهم انهم يقولون إن الله تعالى أرسل جميع الأنبياء والرسل ~~الكرام عليهم الصلاة والسلام لولاية علي. (2) وكان علي من جميع الأنبياء ~~سرا، ومع نبينا - صلى الله عليه وسلم - جهرا، كما رواه ابن طاوس وغيره. (3) ~~وانه لولا علي لم تخلق الأنبياء كما رواه ابن المعلم عن محمد بن الحنفية. ~~(4) وأن درجة علي فوق درجة الأنبياء والرسل يوم القيامة، (5) وأنهم يحشرون ~~مع شيعته، (6) # وأنهم متدينون بمحبته كما رواه ابن طاوس أيضا. (7) ومن اعتقد خلاف ذلك ~~فهو كافر بزعمهم. وأنت تعلم أن هذا مخالف لجميع الشرائع، وبداهة العقل، ~~وآيات الكتاب. (8) نسأل الله تعالى السلامة من مثل هذه العقائد الباطلة لدى ~~أولي الألباب. # ومن تعصباتهم أنهم يقولون: إن الله تعالى قد أمر الكرام الكاتبين يوم قتل ~~عمر أن يرفعوا الأقلام ثلاثة أيام عن جميع الخلائق فلا يكتبون ذنبا على ~~أحد، كما رواه علي ابن مظاهر الواسطي عن أحمد بن إسحاق القمي عن العسكري عن ~~النبي ms272 - صلى الله عليه وسلم - فيما حكاه عن ربه جل جلاله. (9) ولا يخفى كذب ~~هذه الرواية وبطلانها، إذ يلزم أن من زنى بأمه أو سب الأمير أو عبد الأوثان ~~في تلك الأيام ومات فيها دخل الجنة بلا حساب وفاز بالنعيم PageV01P296 # من غير عقاب وقد قال تعالى {ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ~~ذرة شرا يره} وكثير من روايات الأئمة توافق هذه الآية، ولكن من أضله الله ~~تعالى لا تنفعه الهداية. # ومن تعصباتهم أنهم يقولون: إنما أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا ~~بكر معه حين هاجر من مكة لئلا يعلم كفار قريش بخروجه وطريق ذهابه. (1) ~~ويرده قوله تعالى {إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا} فقد حكى الله ~~تعالى حزنه على الرسول وتسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - له. وقال عبد ~~الله المشهدي أحد روساء الشيعة: الحق أن هذا الاحتمال، أي إخراج الرسول له ~~لئلا يعلم كفار قريش بخروج النبي - صلى الله عليه وسلم - بعيد جدا ولعل ~~النبي ألف صحبته لسبقه في الإسلام وملازمته للرسول - صلى الله عليه وسلم -. ~~وقال المفسر النيسابوري: (2) ثم إننا لا ننسى أن اضطجاع علي على فراشه - ~~صلى الله عليه وسلم - طاعة وفضيلة، إلا أن صحبة أبي بكر أعظم، لأن الحاضر ~~أعلى من الغائب، ولأن عليا ما تحمل المحنة إلا ليلة واحدة وأبو بكر مكث في ~~الغار أياما، وإنما اختار عليا للنوم في فراشه لأنه كان صغيرا لم تظهر منه ~~دعوة بالدليل والحجة وجهاد بالسيف والسنان، بخلاف أبي بكر فإنه دعا في ~~جماعة إلى الدين، وقد ذب عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالنفس والمال، ~~وكان غضب الكفار على أبي بكر أشد من غضبهم على علي، ولهذا لم يقصدوا عليا ~~بضرب وألم لما عرفوا أنه مضطجع. انتهى. PageV01P297 # ومن هذيانتهم أنهم يقولون: المراد من دابة الأرض في القرآن أمير ~~المؤمنين، وقد فسر الكليني بذلك قوله تعالى {وإذا وقع القول عليهم اخرجنا ~~لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون}. ويزعم أنه ms273 ~~روى ذلك عن أبي جعفر عن أمير المؤمنين أنه قال «أنا الدابة التي تكلم ~~الناس» (1) مع أن الدابة حسبما تدل عليه الآية ستخرج قبل قيام الساعة، (2) ~~ورجعة الأمير التي يزعمونها في عهد الإمام المهدي، وبينه وبين قيام الساعة ~~أمد بعيد وزمان مديد، (3) وبالله تعالى العجب، وما أجرأ هؤلاء الكفرة على ~~سوء الأدب! (4) ### | (في مشابهتهم لليهود والنصارى) # ولنذكر لك ههنا فائدة تتعلق بحالهم وتزيد بصيرة في ضلالهم. # إن مذهب الشيعة له مشابهة تامة ومناسبة عامة مع فرق الكفرة والفسقة ~~الفجرة؛ أعني اليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين. ### | (مشابهتهم لليهود) # أما مشابهتهم لليهود فلأن اليهود قالت: لا تصلح الإمامة إلا لرجل من آل ~~داود عليه السلام، وقالت الرافضة: لا تصلح الإمامة إلا لردل من ولد علي بن ~~أبي طالب - رضي الله عنه -. (5) وقالت اليهود: لا جهاد في سبيل الله حتى ~~يخرج المسيح الدجال وينزل بسبب من السماء، وقالت الرافضة: لا جهاد في سبيل ~~الله حتى يخرج المهدي وينادي مناد من السماء. (6) واليهود تؤخر صلاة المغرب ~~حتى تشتبك النجوم، وكذلك الرافضة يؤخرونها. (7) واليهود تنود في الصلاة، ~~وكذلك الرافضة. (8) واليهود لا ترى على النساء عدة، وكذلك الرافضة. (9) ~~واليهود حرفوا التوراة، وكذلك الرافضة حرفوا القرآن. (10) واليهود يبغضون ~~PageV01P298 # جبريل - عليه السلام - ويقولون هو عدونا من الملائكة، وكذلك صنف من ~~الروافضة يقولون: غلط جبريل - عليه السلام - بالوحي إلى محمد - صلى الله ~~عليه وسلم -، وإنما بعث علي كرم الله تعالى وجهه. (1) واليهود كانوا يبغضون ~~الصحابة، وكذلك الرافضة. (2) إلى غير ذلك. ### | (مشابهتهم للنصارى) # وأما مشابهتهم للنصارى فلأن النصارى أحدثوا كثيرا من الأعياد، وكذلك ~~الرافضة. كيوم مقتل عمر وعثمان وما أشبه ذلك. (3) والنصارى يصورون صورة ~~عيسى ومريم ويضعون ذلك في كنائسهم ويعظمونها ويسجدون لها، فكذلك الرافضة ~~فإنهم يصورون صور الأئمة ويعظمونها بل يسجدون لها ولقبورهم وما جرى مجرى ~~ذلك. (4) ### | (مشابهتهم للصابئين) # وأما مشابهتهم للصابئين فلن الصابئين كانوا يحترزون عن أيام يكون القمر ~~بها في العقرب أو الطرف أو المحاق، وكذلك الرافضة. (5) وكانت الصابئة ~~يعتقدون أن جميع الكواكب فاعلة مختارة، وأنها هي ms274 المدبرة للعالم السفلي، ~~وكذلك الرافضة. (6) PageV01P299 ### | (مشابهتهم للمشركين) # وأما مشابهتهم للمشركين فلأنهم يعظمون قبور الأئمة ويطوفون حولها، بل ~~ويصلون إليها مستدبرين القبلة، إلى غير ذلك من الأمور التي يستقل لديها فعل ~~المشركين مع أصنامهم. (1) وإن حصل لك ريب من ذلك فاذهب يوم السبت (2) إلى ~~مرقدي موسى الكاظم ومحمد الجواد - رضي الله عنه - فانظر ماذا ترى، ومع ذلك ~~فهذا معشار ما يصنعون عند قبر الأمير كرم الله تعالى وجهه ومرقد الإمام ~~الحسين - رضي الله عنه -، ومما لا يشك ذو عقل في إشراكهم والعياذ بالله ~~تعالى. ### | (مشابهتهم للمجوس) # وأما متشابهتهم للمجوس فلأن المجوس يزعمون أن خالق الخير يزدان وخالق ~~الشر أهرمن وكذلك الروافض يزعمون [أن] الله تعالى خالق الخير فقط، والإنسان ~~والشيطان خالقان الشر. ولهذا قال الأئمة في حقهم «إنهم مجوس هذه الأمة» كما ~~مر في الإلهيات. وكذلك تعظيمهم للنيروز (3) وغير ذلك، أعاذنا الله تعالى من ~~سلوك هاتيك المسالك. ### | ( ### | خاتمة # ) # ومن استكشف عن عقائدهم الخبيثة وما انطووا عليه، علم أن ليس لهم في ~~الإسلام نصيب، وتحقق كفرهم لديه ورأى منهم كل أمر عجيب، واطلع على كل أمر ~~غريب، وتيقن أنهم قد أنكروا الحسي، وخالفوا البديهي الأولي. ولا يخطر بالهم ~~عتاب ولا يمر على أذهانهم عذاب أو عقاب. فإن جاءهم الباطل أحبوه ورضوه، ~~وإذا جاءهم الحق كذبوه وردوه: {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما ~~حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم بكم عمي فهم لا يرجعون} ~~ولقد غشى على PageV01P300 # قلوبهم الران فلا يعون ولا يسمعون، فإنا لله وإنا إليه راجعون. # ولقد تعنتوا بالفسق والعصيان في فروع الدين وأصوله، فصدق ظن إبليس ~~فاتبعوه من دون الله ورسوله. فيا ويلهم من تضييعهم الإسلام ويا خسارتهم مما ~~وقعوا فيه من حيرة الشبه والأوهام. فلو التفت إلى ما هم عليه في هذا ~~الزمان، لوجدتهم في صريح من الضلال والخسران، لأنهم إلى الحق لا يلتفتون، ~~ولا بمثل ذلك يعبأون، بل هم بالدين يستهزئون. # ولو أنك ذكرت لهم شيئا من مثالبهم، وصرحت بشيء من ms275 عيوبهم، أخذتهم العزة ~~بالإثم، وصار ذلك عندهم من أنكر المناكر، حيث إنهم قد فرحوا بما عندهم من ~~الجهل، وما انطووا عليه من خبث السرائر، حتى كأنهم للدنيا خلقوا، فهم لها ~~في جميع أحوالهم يعملون، وعلى دقائق شيء ونها بأفكارهم يغوصون، وبالمتاعب ~~وتحمل المشاق فيها إلى الموت يترددون، لبئس ما كانوا يصنعون. # فالاشتغال بعلومهم، ورد ما ادعوه في كتبهم من أصولهم وفروعهم، أولى ممن ~~خالف أهل الحق بإعداد العدد، وأحق من هؤلاء بما نستمده من كل برهان وسند. ~~كيف لا وهم قد وافقونا في لباسنا، وزاحمونا في أملاكنا، ونفثوا بسحرهم في ~~أسلاكنا، بحيث ما ألقوه من الدسائس في عباراتهم، ويذهب على كثير من الناس ~~ما يصدر عنهم من لحن القول في محاوراتهم، حتى أن كثيرا منهم يبرأ من بدعته، ~~ويلتزم ما التزمه أهل السنة في طريقته، بحيث تخفى حاله على كل أحد، ولا ~~يتبين أمره إلا لمن عرف ونفذ، فيتوصل بذلك إلى شبه ودسائس يلقيها في كلامه ~~لجل إضلال مخاطبه من حيث لا يشعر بمقصوده ولا يدرى بمرامه. # فمنهم من ألف كتابا في مناقب الإمام الشافعي وأودع فيه من الدسائس ~~الرافضية ما يخفى إلا على المتبحر. ومنهم من ألف في مذاهب المجتهدين وذكر ~~فيا ما يخالف مذهبهم قصدا إلى ترويج مذهبه وإبطال مذهب أئمة الدين. فهم ~~أعداء أنبياء الله تعالى ورسله، والمحرفون لكلام الشريعة عن موضعه ومحله. ~~ولعمر الله إن هؤلاء الطغام الحيارى أضر على عوام المسلمين من اليهود ~~والنصارى. فالحذر الحذر منهم، والفرار الفرار منهم. # والزم أيها الأخ الطالب للنجاة من الارتباك في ورطة الشبه والتمويه، ~~وعليك بالسلوك في طريق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلال ~~وشبه # PageV01P301 # المبتدعين ولا تغتر بتوافر الملحدين، وكثرة الهالكين. وكن حريصا على ~~التفتيش عما كان عليه الصحابة من الأحوال متبعا ما كانوا يتحرونه من ~~الأعمال، فهم السواد الأعظم، الواقفون من الهداية المحمدية على ما لم نعلم. ~~ومنهم يعرف الحسن من القبيح، والمرجوح من الرجيح. فمن اتبع غير سبيل ~~المؤمنين (1)، فهو الحقيق بوعيد رب ms276 العالمين. قال تعالى تعليما لعباده ~~وتذكيرا {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا}. # ومن نظر بعين بصيرته، وأمعن الفكر في طريق الاتباع وحقيقته، فحاد وابتدع، ~~وللهوى والأطماع اتبع، كان كحاطب ليل أو متحير يدعو على نفسه بالثبور ~~والويل، وقال تعالى في بيان طريق الهدى وتفضيله {وأن هذا صراطي مستقيما ~~فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} فحث سبحانه على اتباع سبيله ~~الذي هو الكتاب والسنة، ونهى جل شانه عن اتباع السبل مبينا بأن ذلك سبب ~~للتفرق والمحنة. # ولذلك ترى أهل السنة قد لزموا سبيلا واحدا، ولم تر منهم زائغا عما به ~~وحائدا. وأما أهل البدع والأهواء وذوو الضلال والافتراء فقد افترقوا في ~~سبلهم على حسب معتقداتهم الفاسدة، وتشتتوا على مقتضى آرائهم الكاسدة، فهم ~~على ما زعموه مصرون، وكل حزب بما لديهم فرحون. # فإذا الواجب علينا معاشر أهل السنة اتباعه - صلى الله عليه وسلم - في ~~جميع اقواله، والتأسي به في سائر أفعاله وأحواله، والاقتداء بما كان عليه ~~أصحابه، فإنهم المبلغون عنه - صلى الله عليه وسلم - وأحبابه، لأن من اقتدى ~~بأولئك الأعلام، فقد اقتدى به - صلى الله عليه وسلم -. وما أخبث رجلا ترك ~~سبيل السنة الشارحة للكتاب، واستبدل بالنعيم المقيم العذاب {فليحذر الذين ~~يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة في الدنيا أو يصيبهم عذاب أليم}. # روى البخاري في صحيحه عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - أنه قال: «كان ~~الناس يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الخير، وكنت أسأله عن ~~الشر مخافة أن يدركني، فقلت يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا ~~الله بهذا الخير، فهل PageV01P302 # بعد هذا الخير من شر؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: نعم. قلت: وهل بعد ذلك ~~الشر من خير؟ قال نعم، وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي، ~~وتعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب ~~جهنم، من أجابهم ms277 إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله صفهم لنا. قال: هم من ~~جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة ~~المسلمين وإمامهم. قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك ~~الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك». # فيا له من حديث اشتمل على علوم أخبر بها الصادق الأمين، وأبان عن فوائد ~~جليلة تفيد العلم اليقين: منها حرص الصحابة - رضي الله عنه - على علم ما ~~يستقيم به دينهم المتين، ومنها أن أول خير يقع في أمته فيه كدورة تذهب ~~بصفائه، وفيه تغيير يغاير ما أمروا باقتفائه. ومنها أن يكون بعد ذلك دعاة ~~من الأشرار، من أجابهم قذفوه والعياذ بالله تعالى في النار، فهم كذابون ~~دجالون، ضالون مضلون. # روى أبو هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ~~«يكون في آخر الزمان دجالون كذابون يأتوكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ~~ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم لا يضلونكم» أخرجه الإمام مسلم وغيره. ولقد صدق ~~عليهم قوله تعالى {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على ~~سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون} # ومنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر من أدرك الزمان أن يلزم جماعة ~~المسلمين وإمامهم، وهم الذين اتبعوا سنته ولازموا طريقته، فإن لم يكن لهم ~~جماعة وكانوا غرباء فالواجب عليهم العزلة عن تلك الفرق كلها. ثم حرض - صلى ~~الله عليه وسلم - على هذا الاعتزال الذي فيه سلامة الدين بقوله على سبيل ~~المبالغة «ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يأتيك الموت» وأنت على هذا العمل، معرض ~~عن كل ما يفسد عليك دينك الذي هو رأس مالك، صابر على تلك المعاطب والمهالك. # وروى أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه عن العرباض بن ~~سارية - رضي الله عنه - قال: وعظنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موعظة ~~وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون. فقلنا يا ms278 رسول الله كأنها موعظة ~~مودع، فأوصنا. قال «أوصيكم # PageV01P303 # بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، ومن يعش منكم فسيرى ~~اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها ~~بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة» # فقد أوصانا - صلى الله عليه وسلم - بلزوم سنته وسنة الخلفاء الراشدين ~~الذين هم على طريقته. إلى غير ذلك من الأحاديث الصحيحة والأخبار الرجيحة ~~التي تحث على اتباع الكتاب وسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فإنهما إلى ~~سبيل العليم العلام. # {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطانا، ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما ~~حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا ~~واغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} # وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد النبي الأمي وآله وصحبه أجمعين # تم بحمد الله هذا المختصر # وقد سماه علامة العراق السيد محمود شكري الألوسي رحمه الله # المنحة الإلهية # تلخيص ترجمة التحفة الاثني عشرية # والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات # PageV01P304 ### | خاتمة # : حملة رسالة الإسلام الأولون وما كانوا عليه من المحبة والتعاون على ~~الحق والخير وكيف شوه المغرضون جمال سيرتهم # روى الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه (ك 62 ب 1) عن ~~عمران بن حصين رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم (قال عمران بن حصين: ~~فلا أدرى أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثا، (1) ثم إن بعدكم قوما يشهدون ولا ~~يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن». # وروى البخاري مثله بعده عن عبد الله بن مسعود عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. وحديث هذا عند الإمام أحمد أيضا في مسنده، وفي صحيح مسلم، وفي سنن ~~الترمذي. وروى مسلم مثله في صحيحه عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها. ~~PageV01P305 # فالهدى كل الهدى، مما لم تر الإنسانية مثله - قبله ولا بعده - هو الذي ~~تلقاه الصحابة عن معلم الناس الخير. وكان الصحابة ms279 به خير أمة محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - بشهادته هو لهم وصدق رسول الله. أما الذين يدعون خلاف ذلك ~~فهم الكاذبون. # إن الخير كل الخير فيما كان عليه أصحاب رسول الله، وإن الدين كل الدين ما ~~اتبعهم عليه صالحو التابعين، ثم مشى على آثارهم فيه التابعون لهم بإحسان. # ومن أحط أكاذيب التاريخ زعم الزاعمين أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يضمر العداوة بعضهم لبعض. بل هم كما قال الله سبحانه في سورة ~~الفتح - 29: {أشداء على الكفار رحماء بينهم}. وكما خاطبهم ربنا في سورة ~~الحديد 10: {ولله ميراث السماوات والأرض * لا يستوى منكم من انفق من قبل ~~الفتح وقاتل، أولئك أعظم درجة من الذين انفقوا من بعد وقاتلوا، وكلا وعد ~~الله الحسنى} ولا يخلف الله وعده. وهل بعد قول الله عز وجل في سورة آل ~~عمران 110: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} يبقى مسلما من يكذب ربه في هذا، ثم ~~يكذب رسوله في قوله: «خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم ... »؟!. في صدر هذه ~~الأمة حفظ الله كتابه بحفظته أمينا عن امين، حتى أدوا أمانة ربهم بعناية لم ~~يسبق لها نظير في أمة من الأمم، فلم يفرطوا في شيء من ألفاظ الكتاب على ~~اختلاف الألسنة العربية في تلاوتها ونبرات حروفها، تنوع مدودها وإمالاتها، ~~إلى أدق ما يمكن أن يتصوره المتصور. فتم بذلك وعد الله عز وجل في سورة ~~الحجر 9: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}. # ومن صدر هذه الأمة تفرغ فريق من الصحابة فالتابعين وتلاميذهم لحمل أمانة ~~السنة فكانوا يمحصون أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويذرعون ~~أقطار الأرض ليدركوا الذين سمعوها من فم النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فيتلقوها عنهم كما يتلقون أثمن كنوز الدنيا. بل كانت دار الإمارة في ~~المدينة المنورة منتدى الفقهاء الأولين في صدر الإسلام يجتمعون إلى أميرهم ~~مروان # PageV01P306 # ابن الحكم، فإذا عزيت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سنة غير الذي ~~كان معروفا عندهم أرسل مروان في تحقيق ذلك إلى من نسبت تلك ms280 السنة إليه من ~~أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أو أزواجه، حتى يرد الحق إلى نصابه ~~(انظر مسند الإمام أحمد: الطبعة الأولى 6: 299 و 306). # وبينما كان حفظه القرآن وحملة السنة المحمدية يجاهدون في حفظ أصول ~~الشريعة الكاملة، كان آخرون من أبناء الصحابة وأبطال التابعين يحملون أمانة ~~الإمامة والرعاية والجهاد والفتوح، ويعملون على نقل الأمم إلى الإسلام: ~~يعربون ألسنتها، ويطهرون نفوسها، ويسلكونها في سلك الأخوة الإسلامية ~~لتتعاون معهم على توحيد الإنسانية تحت راية الهدى وتوجيهها إلى أهداف ~~السعادة. # وقد بارك الله لهؤلاء وأولئك في أوقاتهم، وأتم على أيديهم في مائة سنة ما ~~يستحيل على غيرهم - من أهل الطرائق والأساليب الأخرى - أن يعملوه في آلاف ~~السنين. # هؤلاء هم الذين أخبر عنهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأنهم خير ~~أمته، وقد صح ما أخبر به قبل الإسلام إنما رأى الخير على أيديهم، فبهم حفظ ~~الله أصوله، وبهم هدى الله الأمم. والبلاد التي دخلت في الإسلام على أيديهم ~~نبغ منها في ظل طريقتهم وعلى أساليبهم كبار الأئمة كالإمام البخاري والإمام ~~أبي حنيفة والليث بن سعد وعبد الله بن المبارك، فكانت الأمم تقبل على هذه ~~الهداية بشغف وتقدير وإخلاص - لما ترى من إخلاص دعاتها وصدقهم وإيثار ~~الآجلة على العاجلة - والأمة التي تولت الدعاية لهذه الهداية تستقبل نوابغ ~~المهتدين بصدر رحب، وتبوى المستأهلين منهم المكانة التي هم أهل لها. # هكذا كانت الحال في البطون الثلاثة الأولى التي امتدحها رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ووصفها بأنها خير أمته. أما العصور التي أتت بعدهم فإن ~~المسلمين يتميزون فيها بمقدار اتباعهم للصدر الأول فيما كان عليه من حق ~~وخير. وهم كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهم: «مثل أمتي مثل ~~المطر: لا يدرى أوله خير أم آخره» رواه الإمام أحمد في مسنده والترمذي في ~~سننه عن أنس، ورواه ابن حبان والإمام أحمد في مسنده أيضا من حديث عمار، ~~ورواه أبو ليلى # PageV01P307 # في مسنده عن علي بن أبي طالب، ورواه الطبراني في معجمه الكبير عن عبد ms281 ~~الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص، كل هؤلاء الصحابة رووه ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. فأمة محمد إلى خير في كل زمان ومكان ما ~~تحرت الطريق الذي مشى فيه هداة القرون الثلاثة الأولى وتابعوهم فيه. بل ~~يرجى لمن يقيم الحق في أزماننا كما أقامه الصحابة والتابعون في أزمنتهم أن ~~يبلغوا منزلتهم عند الله ويعدوا في طبقتهم، ولعلهم المعنيون بقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فيما رواه الإمام أحمد والدارمي والطبراني من حديث ~~أبي جمعة قال: قال أبو عبيدة «يا رسول الله أأحد خير منا؟ أسلمنا معك، ~~وجاهدنا معك» فقال - صلى الله عليه وسلم -: «قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ~~ولم يروني» وإسناده حسن، وصححه الحاكم. واحتج الحافظ الأندلسي أبو عمر بن ~~عبد البر بأن السبب في كون القرن الأول خير القرون أنهم كانوا غرباء في ~~إيمانهم لكثرة الكفار في الأرض وصبرهم على الهدى وتمسكهم به، إلى أن عم بهم ~~في أرجائها. قال ابن عبد البر: فكذلك أواخرهم إذا أقاموا الدين وتمسكوا به ~~وصبروا على الطاعة حين ظهور المعاصي والفتن، كانوا أيضا عند ذلك غرباء، ~~وزكت أعمالهم في ذلك الزمان كما زكت أعمال أولئك. ويشهد له ما رواه مسلم عن ~~أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «بدأ الإسلام غريبا، ~~وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء». # ومن غرابة الإسلام بعد البطون الثلاثة الأولى مؤلفين شوهوا التاريخ تقربا ~~للشيطان أو الحكام، فزعموا أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم ~~يكونوا إخوانا في الله، ولم يكونوا رحماء بينهم، وإنما كانوا أعداء يلعن ~~بعضهم بعضا، ويمكر بعضهم ببعض، وينافق بعضهم لبعض، يتآمر بعضهم على بعض، ~~بغيا وعدوانا. # لقد كذبوا. وكان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي أسمى من ذلك وأنبل، وكانت بنو ~~هاشم وبنو أمية أوفى من ذلك لإسلامها ورحمها وقرابتها وأوثق صلة وأعظم ~~تعاونا على الحق والخير. # حدثني بعض الذين لقيتهم في ثغر البصرة لما كنت معتقلا في سجن الإنجليز ~~سنة 1332ه أن رجلا ms282 من العرب كان ينتقل بين بعض قرى إيران فقتله القرويون # PageV01P308 # لما علموا اسمه (عمر). قلت: وأي باس يرونه باسم (عمر)؟ قالوا: حبا بأمير ~~المؤمنين علي. قلت: وكيف يكونون من شيعة علي وهم يجهلون أن عليا سمى أبناءه ~~- بعد الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية - بأسماء أصدقائه وإخوانه في الله ~~(أبي بكر) و (عمر) و (عثمان) رضوان الله عليهم أجمعين، وأم كلثوم الكبرى ~~بنت علي بن أبي طالب كانت زوجة لعمر ابن الخطاب ولدت له زيدا ورقية، وبعد ~~مقتل عمر تزوجها ابن عمها محمد بن جعفر ابن أبي طالب ومات عنها فتزوجها ~~بعده أخوه عون بن جعفر فماتت عنده. وعبد الله بن جعفر ذي الجناحين ابن أبي ~~طالب سمى أحد بنيه باسم (أبي بكر) وسمى ابنا آخر له باسم (معاوية)، ومعاوية ~~هذا - أي بن أبي طالب - كان من نسله عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن ~~علي أبن أبي طالب اشتهر بالمبارك العلوي وكان يكنى (أبا بكر). والحسن السبط ~~بن علي أبن أبي طالب سمى أحد بنيه (أبا بكر) وآخر باسم (عمر) وثالثا باسم ~~(طلحة). وزين العابدين علي بن الحسين سمى أحد أولاده أمير المؤمنين (عمر) ~~تيمنا وتبركا. ولعمر هذا ذرية مباركة منهم العلماء والشعراء والشرفاء. ~~والحسن السبط كان مصاهرا لطلحة بن عبيد الله. وإن أم إسحاق بنت طلحة هي أم ~~فاطمة بنت الحسين بن علي. وسكينة بنت الحسين السبط كانت زوجا لزيد بن عمر ~~بن عثمان بن عفان الأموي. وأختها فاطمة بنت الحسين السبط بن عبد العزيز بن ~~مروان بن الحكم الأموي. وأختها فاطمة بنت الحسين السبط بن علي بن أبي طالب ~~كات زوجة عبد الله الأكبر بن عمرو بن عثمان بن عفان. وكانت قبل ذلك زوجة ~~الحسن المثنى، وله منها جدنا عبد الله المحض. وأم أبيها بنت عبد الله بن ~~جعفر ذي الجناحين بن أبي طالب كانت زوجة لأمير المؤمنين عبد الملك بن مروان ~~ثم تزوجها علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب. وأم كلثوم بنت ms283 جعفر ذي ~~الجناحين كانت زوجة الحجاج بن يوسف وتزوجها بعد ذلك أبان بن عثمان بن عفان. ~~والسيدة نفيسة المدفونة في مصر (وهي بنت حسن الأنوار زيد بن الحسن السبط) ~~كانت زوجة لأمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك وولدت له. وعلي الأكبر ابن ~~الحسين السبط # PageV01P309 # ابن علي بن أبي طالب أمه ليلى بنت مرة بن مسعود الثقفي وأمها ميمونة بنت ~~أبي سفيان ابن حرب الأموي. والحسن المثنى ابن الحسن السبط أمه خولة بنت ~~منظور الفزارية وكانت زوجة لمحمد بن طلحة بن عبيد الله، فلما قتل عنها يوم ~~الجمل ولها منه أولاد تزوجها الحسن السبط فولدت له الحسن المثنى. وميمونة ~~بنت أبي سفيان بن حرب جدة علي الأكبر ابن الحسين بن علي لأمه. ولما توفيت ~~فاطمة بنت النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج علي بعدها أماة بنت أبي العاص ~~بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن أمية. # فهل يعقل أن هؤلاء الأقارب المتلاحمين المتراحمين الذين يتخيرون مثل هذه ~~الأمهات لأنسالهم، ومثل هذه الأسماء لفلذات أكبادهم، كانوا على غير ما ~~أراده الله لهم من الأخوة في الإسلام، والمحبة في الله، والتعاون على البر ~~والتقوى؟!. # لقد تواتر عن أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه أنه كان يقول على ~~منبر الكوفة «خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر» روي هذا عنه من أكثر ~~من ثمانين وجها، ورواه البخاري وغيره، ولا يوجد تاريخ في الدنيا، لا تاريخ ~~الإسكندر المقدوني، لا تاريخ نابليون، صحت أخباره كصحة هذا القول - من ~~الوجهة العلمية التاريخية - عن علي بن أبي طالب. وكان كرم الله وجهه يقول: ~~«لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا ضربته حد المفتري» أي أن هذه ~~الفرية توجب على صاحبها الحد الشرعي، ولهذا كان الشيعة المتقدمون متفقين ~~على تفضيل أبي بكر وعمر. نقل عبد الجبار الهمداني في كتاب (تثبيت النبوة) ~~أن أبا القاسم نصر بن الصباح البلخي قال في (كتاب النقض على ابن الراوندي): ~~سأل سائل شريك بن عبد الله فقال ms284 له: أيهما أفضل: أبو بكر أو علي؟ فقال له: ~~أبو بكر. فقال السائل: تقول هذا وأنت شيعي؟ فقال له: نعم: من لم يقل هذا ~~فليس شيعيا. والله لقد رقى هذه الأعواد علي فقال: «ألا إن خير هذه الأمة ~~بعد نبيها أبو بكر ثم عمر» فكيف نرد قوله وكيف نكذبه؟ والله ما كان كذابا. ~~وفي ترجمة يحيى بن يعمر العدواني من (وفيات الأعيان) للقاضي ابن خلكان أن ~~يحيى # PageV01P310 # ابن يعمر كان عداده في بني ليث لأنه حليف لهم، وكان شيعيا من الشيعة ~~الأولى القائلين بتفضيل أهل البيت من غير تنقيص لذي فضل من غيرهم. ثم ذكر ~~قصة له في الحجاج وإقامته الحجة على أن الحسن والحسين من ذرية رسول الله ~~بآية {ووهبنا له - أي لإبراهيم - إسحاق ويعقوب} إلى قوله: {وزكريا ويحيى ~~وعيسى}. قال يحيى بن يعمر: وما بين عيسى وإبراهيم أكثر مما بين الحسن ~~والحسين ومحمد - صلى الله عليه وسلم -، فأقره الحجاج على ذلك وكبر في نظره ~~وولاه القضاء على خراسان مع علمه بتشيعه. وأنت تعلم أن الحجاج هو ما هو، ~~ومع ذلك فقد كان - مع فاضل متجاهر بشيعيته المعتدلة محتج للحق بالحق - أكثر ~~إنصافا من هؤلاء الكذبة الفجرة الذين جاءوا في زمن السوء فصاروا كلما ~~تعرضوا لأهل السابقة والخير في الإسلام، ومن فتحت اقطار الأرض على أيديهم، ~~ودخلت الأمم في الإسلام بسعيهم ودعوتهم وبركتهم وكلهم من أهل خير القرون ~~بشهادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم، وما منهم إلا من يتصل ببني ~~هاشم وال البيت بالخؤولة أو الرحم أو المصاهرة، وبالرغم من كل ذلك يتعرضون ~~لسيرتهم بالمساءة كذبا وعدوانا، ويرضون لأنفسهم بأن يكونوا أقل إنصافا ~~وإذعانا للحق حتى من الحجاج بن يوسف. وإني أخشى عليهم لو أنهم كانوا في مثل ~~مركز الحجاج بن يوسف لكانت فيهم كل مآخذ الصالحين عليه، مع التجرد من كل ~~مزاياه وفضائله وفتوحه التي بلغت تحت رايات كبار قواده وضغائر إلى أقصى ~~أقطار السند، وغشيت جبال الهند وما صاقبها. # وإن خطبة الأمير علي بن أبي ms285 طالب في نعت صديقه وإمامه خليفة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أبي بكر يوم وفاته من بليغ ما كان يستظهره الناس في ~~الأجيال الماضية. وفي خلافة عمر دخل علي في بيعته أيضا وكان من أعظم أعوانه ~~على الحق، وكان يذكره بالخير ويثني عليه في كل مناسبة، وقد علمت أنه بعد ~~أخيه وصهره عمر سمى ولدين من أولاده باسميهما ثم سميى ثالثا باسم عثمان ~~لعظيم مكانته عنده، ولأنه كان إمامه ما عاش، ولولا أن عثمان - بعد أن قام ~~الحجة على الذين ثاروا عليه بتحريض أعداء الله رجال عبد الله بن سبأ ~~اليهودي - منع الصحابة من الدفاع عنه حقنا لدماء المسلمين، وتضييقا لدائرة ~~الفتنة، ولما يعلمه من # PageV01P311 # بشارة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له بالشهادة والجنة، لولا كان ~~ذلك لكان علي في مقدمة من في المدينة من المهاجرين والأنصار الذين كانوا عل ~~استعداد للدفاع عنه ولو ماتوا في سبيل ذلك جميعا. ومع ذلك فإن عليا جعل ~~ولديه الحسن والحسين على باب عثمان، وأمرهما بأن يكونا كوع إشارته في كل ما ~~يأمرهما به ولو أدى إلى سفك دمهما، وأوعز إليهما يخبرا أباهما بكل ما يحب ~~عثمان أن يقوم له به. وكذب على الله وعلى التاريخ كل ما اخترعه الكاذبون ~~مما يخالف ذلك ويناقض وقوف الحسن والحسين في بابه واستعدادهما لطاعته في كل ~~ما يامر. وقد كان من عادة سلفنا أن يدونوا أخبار تلك الأزمان منسوبة إلى ~~رواتها، ومن أراد معرفة قيمة كل خبر على طريقة (أنى لك هذا؟) فرجع إلى ~~ترجمة كل راو في كل سند لتمحصت له الأخبار، وعلم أن الأخبار الصحيحة التي ~~يرويها أهل الصدق والعدالة هي التي تثبت أن أصحاب رسول الله كانوا كلهم من ~~خيرة من عرفت الإنسانية من صفوة أهلها، وأن الأخبار التي تشوه سيرة الصحابة ~~وتوهم انهم كانوا صغار النفوس هي التي رواها الكذبة من المجوس الذين تسموا ~~بأسماء المسلمين. # ولعلك تسألني: إذن ما هو اصل التشيع، وهل لم يكن لعلي شيعة في الصدر ~~الأول؟ ms286 وما هي قصة وقعة الجمل، وما الباعث على وقوعها؟ وما هي حقيقة ~~التحكيم؟. # إن الجواب على هذه الأسئلة بالأسانيد إلى ترتاح إليها قلوب المنصفين مهما ~~اختلفت مشاربهم ومذاهبهم، يحتاج إلى كتابة تاريخ المسلمين من جديد، وإلى ~~أخذه - عند كتابته - من ينابيعه الصافية، ولا سيما في المواطن التي شوهها ~~أهل الذمم الخربة من ملفقي الأخبار. وأعيد هنا ما قلته غير مرة، وهو أن ~~الأمة الإسلامية أغنى أمم الأرض بالمادة السليمة التي تستطيع أن تبني كيان ~~تاريخها، إلا أنها لا تزال أقل أمم الأرض عناية ببناء تاريخها من تلك ~~المواد السليمة، والناس الآن بين قارئ لكتب قديمة أراد مؤلفوها أن يتداركوا ~~الأخبار قبل ضياعها فيها كل ما وصلت إليه أيديهم من عث وسمين، ومنبهين على ~~مصادر هذه الأخبار وأسماء رواتها ليكون القارئ على بينة # PageV01P312 # من صحيحها وسقيها، ولكن لبعد الزمن وجهل أكثر القراء بمراتب هؤلاء الرواة ~~ودرجاتهم في الصدق والكذب، وفي الوفاء للحق أو الميل مع الهوى، تراهم لا ~~يستفيدون من هذه المصادر ولا من الكتب التي اعتمدت عليها بلا تمحيص وتحقيق. ~~(1) وهنالك كتب قديمة أيضا ولكنها دون هذه الكتب، لأن أصحابها من أهل ~~الهوى، وممن لهم صبغات حزبية يصبغون أخبارهم بألوانها، فهي أعظم ضررا، ~~ولعلها أوسع من تلك انتشارا. أما الكتب الحديثة كمؤلفات جرجي زيدان، ~~والبحوث التي يستقيها حملة الأقلام من مؤلفات المستشرقين على غير بصيرة ~~بدسائسهم، فإنها ثالثة الأثافي والعظائم، ولذلك باتت هذه الأمة محرومة أغزر ~~ينابيع قوتها وهو الإيمان بعظمة ماضيها، في حين أنها سليلة سلف لم ير ~~التاريخ سيرة أطهر ولا أبهر ولا أزهر من سيرته. # إلا أن من نعم الله علينا عناية علماء الحديث بتحقيق أحوال رواة الأخبار ~~ومبلغ أمانتهم في حملها وقد صنفوا في ذلك كتبا ومعاجم عظيمة النفع لمن ~~يراجعها عند التأليف، ولهم تحقيقات جليلة في جميع المسائل التي يترتب عليها ~~اتجاه الحق في الحكم على الأحداث الكبرى في تاريخ الإسلام. # ومع أن كثيرا من أمهات الكتب النفيسة فقدت في كارثة هولاكو، (2) ثم في ~~الحروب ms287 الصليبية واكتساح الأندلس، وما تلا ذلك كله من انحطاط المستوى ~~العلمي في القرون الأخيرة، إلا أن كثيرا من تحقيقات المحققين لا تزال منبثة ~~في مطاوي الكتب الإسلامية. والأمل عظيم في قيام نهضة جديدة لبعث ماضي هذه ~~الأمة المجيد على ضوء ما تركه علماؤها من نصوص وتوجيهات. PageV01P313 # وأعود بعد هذه الأسئلة التي تقدمت آنفا عن أصل الفتن والتشيع، فقد زعم ~~الزاعمون لعلي - كرم الله وجهه - ما لم يكن له علم به: زعموا أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - عينه للخلافة بعده يوم استخلفه على المدينة وهو متجه ~~إلى الشام في غزوة تبوك، وقال له يومئذ «أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا ~~أنه لا نبي بعدي». ورجال الحديث مختلفون في درجة هذا الخبر من الصحة، ~~فبعضهم يراه صحيحا، وبعضهم يراه ضعيفا، وذهب الإمام أبو الفرج بن الجوزي ~~إلى أنه موضوع مكذوب، ونحن إذا رجعنا إلى الظروف التي قالوا إنها لابست هذا ~~الحديث نرى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أراد الله له أن يتوجه نحو ~~تبوك - أمر عليا بأن يتخلف في المدينة، وكان رجالها والقادرون عل الحرب من ~~الصحابة قد خرجوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فوجد علي في نفسه وقال ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم -: «أتجعلني مع النساء والأطفال والضعفة!» فقال ~~له النبي - صلى الله عليه وسلم - تطيبا لنفسه: «أما ترضى أن تكون مني ~~بمنزلة هارون من موسى؟» أي في استخلاف موسى أخاه هارون لما ذهب إلى الجبل ~~ليعود بالألواح فهذا استخلاف لم يكن له في نظر سيدنا علي كرم الله تعالى ~~وجهه هذا المعنى الوهمي الذي اخترعه المتحزبون فيما بعد، بل هو على عكس ذلك ~~كان يراه حرمانا له من مكانة أعلى وهي مشاركة إخوانه الصحابة في ثوب الجهاد ~~لتكوين الكيان الإسلامي المنشود. زد على ذلك أن هذا النوع من الاستخلاف لم ~~ينفرد به علي كرم الله وجهه، بل تكرر من النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~استخلاف ابن أم مكتوم على المدينة نفسها، وكان ابن أم مكتوم ms288 يتولى الإمامة ~~بالناس في المدينة مدة خلافته عليها، وقد ناظر كبار الشيعة في هذا الحديث ~~علامة العراق السيد عبد الله السويدي عندما جمعه بهم نادر شاه في النجف سنة ~~1156ه فأفحمهم السويدي وخذل باطلهم كما ترى ذلك فيما دونه رحمه الله بقلمه ~~عن هذه الواقعة وأثبتناه في رسالة طبعناها بعنوان (مؤتمر النجف). # فالإمام علي كرم الله تعالى وجهه كان يعلم أن الخلافة الحقة هي التي ~~انضوى فيها إلى جماع إخوانه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم ~~قدر الله لها بحكمته ما شاء، وقضى فيها بعدله ما أراد وما كان لمسلم من ~~عامة المسلمين - فضلا عن مثل علي في تعظيم مكانته في الأولين # PageV01P314 # والآخرين - أن يسخط قدر الله، أو يتمرد على قضائه، أو يرضى غير الذي ~~ارتضاه إخوانه من الصحابة، أو يداجي معهم على ما فيه صلاح المسلمين. ومن ~~الافتئات عليه والانتقاص من قدره والتشويه لجمال الإسلام وتاريخه الشك في ~~إخلاص علي أو في اغتباطه بما بايع عليه خليفة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أبا بكر الصديق وصاحبيه بعده عمر وعثمان رضوان الله عليهم أجمعين. # ومن المزايا التي تنفرد بها على وطبقته ممن ولي الخلافة أو دخل في بيعتها ~~في الصدر الأول أنهم كانوا يرون ولاية هذا الأمر (واجبا) يقوم به الواحد ~~إذا وجب عليه كما يقوم بسائر واجباته، ولا يرونها (حقا) لأحدهم يعادي عليه ~~المسلمين، ويعرض دماءهم للخطر والشر، ليستأثر بها على غيره. # وجميع الوقائع - إذا جردت من زيادات أهل الأهواء - تدل على هذه المكانة ~~السامية لعلي وإخوانه، فلما شوهت الوقائع وأخبارها بما دسه فيها المتزايدون ~~من أكاذيب لا مصلحة فيها لعلي وآله وبنيه صورة قبيحة لا تنطبق على الحقيقة ~~والواقع وظن المخدوعون بها أن تلك الطبقة - الممتازة على جميع أمم الأرض ~~بعفتها وطهارة نفوسها وترفعها عن الصغائر - إنما كانت على عكس ذلك: تنازع ~~كالأطفال والرعاع على توافه الدنيا وسفاف العاجلة. فالخلافة كانت في نظر ~~الراشدين (عبئا) يتولى الواحد منهم حمله بتكليف من المسلمين أداء الواجب، ~~ولم ms289 تكن عند أحد منهم (متاعا) ولا (مأكله) حتى ينازع غيره عليها. ولما ~~تآمرت المجوسية واليهودية على سفك دم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، أبقى ~~الله من حياته بقية يدبر فيها للمسلمين أمرهم بعده، جعل الأمر شورى، واقترح ~~عليه بعض لصحابة أن يريح المسلمين من ذلك فيعهد إلى ابنه عبد الله بن عمر - ~~ولم يكن عبد الله بن عمر دون أبيه في علم أو حزم أو بعد نظر أو إخلاص لله ~~ورسوله والمؤمنين - رفض عمر ذلك وقال: «بحسب آل الخطاب أن يليها واحد منهم، ~~فإن كان خيرا قد أصبنا منه وإن كان زرءا فقد قمنا بنصيبنا فيه». وعبد الله ~~بن عمر نفسه عرضت # PageV01P315 # عليه الإمامة فيمن عرضت عليهم عند مقتل عثمان في ذي الحجة سنة 35 فهرب ~~منها كما كان يهرب منها طلحة والزبير وعلي، ولم يتولها علي إلا قياما ~~بواجب، ولم يستمدها من خرافات المنحرفين وسخافاتهم، بل من إرادة الأمة في ~~ذينك اليومين (الخميس 24 ذي الحجة، والجمعة 25 منه) كما أعلن ذلك على رءوس ~~الأشهاد وهو واقف على أعواد منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فعلي ~~إلى تلك الساعة لم تكن له شيعة خاصة به يعرفها وتتصل به، ولم يخطر قط على ~~باله أن يجعل أحدا من الناس شيعة له، لأنه هو نفسه وسائر إخوانه من الصحابة ~~كانوا شيعة الإسلام الملتفة حول خلفاء نبيها - صلى الله عليه وسلم - أبي ~~بكر ثم عمر ثم عثمان. ولو حدثته نفسه باتخاذ شيعة خاصة به عند جمهور الأمة ~~الذي يتشيع للبيعة العامة لكان ذلك نقصا منه لما عقد عليه صفقة يمينه ~~لإمامه، وما طوق به من بيعة الإسلام لأصحابها، ولا شك أنه استمر على ذلك ~~إلى عشية الخميس 24 من ذي الحجة سنة 35 للهجرة، كان أهلا لأن يستمر علي ذلك ~~بأمانة وإخلاص. ولو لم يكن علي كذلك لما كان في هذه المنزلة السامية عند ~~الله والناس. ومن الثابت عنه في عشية ذلك اليوم أنه كان يدافع الخلافة عن ~~نفسه، ويحاول أن ms290 يقنع أخاه طلحة بن عبيد الله - أحد العشرة المبشرين بالجنة ~~- بأن يتولى هو هذا الأمر عن المسلمين، بينما طلحة أيضا كان يدافعها عن ~~نفسه ويحاول إقناع علي بان يكون هو حامل هذا العبء، القائم عن المسلمين ~~بهذا الواجب. وانظر الحوار بينهما في ذلك كما رواه عالم من كبار علماء ~~التابعين وهو الإمام محمد بن سيرين على ما أورده أبو جعفر الطبري في تاريخه ~~(6: 156 طبعة مصر و 1: 3075 طبعة هولندا) فيقول علي لطلحة «ابسط يدك يا ~~طلحة لأبايعك» فيقول له طلحة «أنت أحق، فأنت امير المؤمنين، فابسط يدك». # وكاد الثائرون من جماعة الفسطاط والكوفة والبصرة يثبون بعلي وطلحة ~~والزبير فيقتلونهم لهربهم من ولاية الأمر وتعففهم جميعا عن قبول الخلافة، ~~فانتهى الأمر بقبول علي، وارتقى منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~اليوم التالي (الجمعة 25 من ذي الحجة سنة 35) فخطب خطبة حفظ لنا الطبري ~~نصها (6: 157 و 1: 3077) فقال: «أيها الناس عن ملأ وأذن إن هذا أمركم، وليس ~~لأحد فيه حق إلا من أمرتم. وقد افترقنا بالأمس على أمر (أي على # PageV01P316 # البيعة له) فإن شيء تم قعدت لكم، وإلا فلا أجد على أحد» وبذلك أعلن أنه ~~لا يستمد الخلافة من شيء سبق، بل يستمدها من البيعة إذا ارتضتها الأمة. # ومن مزايا الطبقة الاولى التي صحبت النبي - صلى الله عليه وسلم - وتأدبت ~~بأدبه وتشبعت بسنته أنها كانت ترى (الاعتدال) ميزان الدين، (والرفق) جمال ~~الإسلام، لأن نبيها - صلى الله عليه وسلم - كان يقول لها: «إن الرفق ما كان ~~في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه» وكان يقول لها: «من يحرم الرفق ~~يحرم الخير كله» ويقول: «إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق» ويقول: «إياكم ~~والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو فيه». فلما نشأت الطبقة ~~الثانية في حياة الطبقة الأولى أدب الأباء بينهم بهذا الأدب. ولكن أكثر ما ~~كانت هذه الطريقة ناجحة في الحجاز ونجد والشام. وكان في ناشيء ة الكوفة ~~والبصرة والفسطاط من أخذ بهذه الطريقة، ms291 كما أن فيهم من شب على العفو في ~~الدين. ومن أكبر المصائب في الإسلام في ذلك الحين تسلط إبليس من أبالسة ~~اليهود على الطبقة الثانية من المسلمين فتظاهر لها بالإسلام وادعى الغيرة ~~على الدين والمحبة لأهله، وبدأ برمي شبكته في الحجاز والشام فلم تعلق بشيء ~~بسبب تشيعهم بفطرة الإسلام في أعتداله ورفقه، وحذرهم من طرفي الإفراط ~~والتفريط. فذهب الملعون يتنقل بين الكوفة والبصرة والفسطاط ويقول لحديثي ~~السن وقليلى التجربة من شبابها: عجبا لمن يزعم أن عيسى يرجع ويكذب بأن ~~محمدا يرجع. وقد قال عز وجل {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد} ~~فمحمد أحق بالرجوع من عيسى. وكان يقول لهؤلاء الشبان «كان فيما مضى ألف ~~نبي، ولكل نبي وصي، وإن عليا وصي محمد» ويقول لهم: «محمد خاتم الأنيباء، ~~وعلى خاتم الأوصياء» (1) ثم يقول لهم محرضا على عثمان، وكان ذلك في أواخر ~~خلافة عثمان سنة 30: PageV01P317 # «ومن أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله، وممن يثب على علي وصي رسول الله ~~وينزع منه أمر الأمة» ويقول لهم «إن عثمان أخذ الخلافة بغير حق، وهنالك علي ~~وصي رسول الله فانهضوا فحركوه وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~تستميلوا الناس» ... .. # إن هذا الشيطان هو عبد الله بن سبأ من يهود صنعاء، وكان يسمى ابن السوداء ~~وكان يبث دعوته بخبث وتدرج ودهاء. واستجاب له ناس من مختلف الطبقات، فاتخذ ~~بعضهم دعاة فهموا أغراضه وعولوا على تحقيقها. واستنكر أتباعه بآخرين من ~~البلهاء الصالحين المتشددين في الدين المتنطعين في العبادة ممن يظنون الغلو ~~فضيلة والاعتدال تقصيرا. فلما انتهى ابن سبأ من تربية نفر من الدعاة الذين ~~يحسنون الخداع ويتقنون تزوير الرسائل واختراع الأكاذيب ومخاطبة الناس من ~~ناحية أهوائهم، بث هؤلاء الدعاة في الأمصار - ولا سيما الفسطاط والكوفة ~~والبصرة - وعنى بالتأثير على أبناء الزعماء من قادة القبائل وأعيان المدن ~~الذين اشترك آباؤهم في الجهاد والفتح، فاستجاب له من بلهاء الصالحين وأهل ~~الغلو من المتنطعين جماعات كان على رأسهم في الفسطاط الغافقي بن حرب العكي ~~وعبد الرحمن بن ms292 عديس البلوي التجيبي الشاعر وكنانة بن بشر بن عتاب التجيبي ~~وسودان ابن حمران السكوني وعبد الله بن زيد بن ورقاء الخزاعي وعمرو بن ~~الحمق الخزاعي وعروة بن النباع الليثى وقتيرة السكوني. وكان على رأس من ~~استغواهم ابن سبأ في الكوفة عمرو أبن الأصم وزيد بن صوحان العبدي والأشتر ~~مالك بن الحارث النخعي وزياد بن النضر الحارثي وعبد الله بن الأصم. ومن ~~البصرة حرقوص بن زهير السعدي وحكيم بن جبلة العبدي وذريح بن عباد العبدي ~~وبشر بن شريح الحطم بن ضبيعة القيسي وابن المحرش ابن عبد عمرو الحنفي. أما ~~المدينة فلم يندفع في هذا الآمر من أهلها إلا ثلاثة نفر وهم: محمد بن أبي ~~بكر ومحمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس وعمار بن ياسر. ومن ~~دهاء ابن سبأ ومكره أنه كان يبث في جماعة الفسطاط الدعوة لعلي (وعلي لا ~~يعلم ذلك)، وفي جماعة الكوفة الدعوة لطلحة، وفي جماعة البصرة الدعوة ~~للزبير. وليس هنا موضع # PageV01P318 # تحليل نفسيات المخدوعين بدعوة هذا الشيطان، ولا نريد أن ننقل ذم علي ~~وطلحة والزبير لهم وما قالوه فيهم يوم نزل الثائرون في ذي خشب والأعوص وذي ~~المروة، وكيف زور ابن سبأ وشياطينه رسالة على لسان علي بدعوة جماعة الفسطاط ~~إلى الثورة في المدينة، فلما واجهوا عليا بذلك قالوا له: أنت الذي كتبت ~~إلينا تدعونا، فأنكر عليهم أنه كتب لهم، وكان ينبغي أن يكون ذلك سببا ~~ليقظتهم ويقظة علي أيضا إلى أن بين المسلمين شيطانا يزور عليهم الفساد لخطة ~~مرسومة تنطوي على الشر الدائم والشر المستطير، وكان ذلك كافيا لإيقاظهم إلى ~~أن هذه اليد الشريرة هي التي زورت الكتاب على عثمان إلى عامله بمصر بدليل ~~أن حامله كان يتراءى لهم متعمدا ثم يتظاهر بأنه يتكتم عنهم ليثير ريبتهم ~~فيه، فراح المسلمون إلى يومنا هذا ضحية سلامة قلوبهم في ذلك الحين. إن ~~دراسة هذا الموضوع الآن على ضوء القرائن القليلة التي بقيت لنا بعد مضي ~~ثلاثة عشر قرنا تحتاج إلى من يتفرغ لها من ms293 شباب المسلمين، وسيجدون مستندات ~~الحق في تاريخهم كافية لوضع كل شيء في موضعه إن شاء الله. # فأول فتنة وقعت في الإسلام هي فتنة المسلمين بمقتل خليفتهم وصهر نبيهم ~~الإمام العادل الكريم الشهيد ذي النورين عثمان بن عفان رضوان الله عليه. ~~وقد علمت أن الذين قاموا بها وجنوا جنايتها فريقان: خادعون ومخدوعون. وقد ~~وقعت هذه الكارثة في شهر الحج، وكانت عائشة أم المؤمنين قد خرجت إلى مكة مع ~~حجاج بيت الله ذلك العام، فلما علمت بما حدث في مدينة الرسول أحزنها بغي ~~البغاة على خليفة نبيهم. وعلمت أن عثمان كان حريصا على تضييق دائرة الفتنة، ~~فمنع الصحابة من الدفاع عنه، بعد أن أقام الحجة على الثائرين في كل ما دعوه ~~عليه وعلى عماله، وكان الحق معه في كل ذلك وهم على الباطل، وكان هو المثل ~~الإنساني الأعلى في العدل وكرم النفس والنزول على قواعد الإسلام واتباع ~~سننه وكان في مدة خلافته أكرم وأصلح وأكثر إنصافا وقياما بالحق واتباعا ~~للخير مما كان هو عليه في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. واجتمعت ~~عائشة بكبار الصحابة، وتداولت الرأي معهم فيما ينبغي عمله - وقد عرف القراء ~~ما كانوا عليه من نزاهة، وفرار من الولاية، وترفع عن شهوات النفس - فرأوا ~~أن يسيروا مع عائشة إلى العراق ليتفقوا مع أمير المؤمنين علي على # PageV01P319 # الاقتصاص من السبإيين الذين اشتركوا في دم عثمان وأوجب الإسلام عليهم ~~الحد فيه، ولم يكن يخطر على بال عائشة وكل الذين كانوا معها - وفي مقدمتهم ~~طلحة والزبير المشهود لهما من النبي - صلى الله عليه وسلم - بالجنة - أنهم ~~سائرون ليحاربوا عليا، ولم يكن يخطر ببال علي أن هؤلاء أعداء له وأنهم حرب ~~عليه. وكل ما في الأمر أن أولئك المتنطعين الغلاة لاذين انخدعوا بدعوة عبد ~~الله بن سبا واشتركوا في قتل عثمان انغمروا في جماعة علي، وكان فيهم الذين ~~تلقنوا الدعوة له وتتلمذوا على ذلك الشيطان اليهودي في دسيسة أوصياء ~~الأنبياء ودعوى خاتم الأوصياء، فجاءت عائشة ومن معها للمطالبة بإقامة الحد ~~على الذين ms294 اشتركوا في جناية قتل عثمان، وما كان علي - وهو ما هو في دينه ~~وخلقه - ليتأخر عن ذلك، إلا أنه كان ينتظر أن يتحاكم إليه أولياء عثمان. ~~وقبل أن يتفق الفريقان على ذلك شعر قتلة عثمان بأن الدائرة ستدور عليهم، ~~وهم على يقين بأن عليا لن يحميهم من الحق عند ظهوره، فأنشب هؤلاء حرب ~~الجمل، فكانت الفتنة الثانية بعد الفتنة الأولى. قال الحافظ ابن حجر في فتح ~~الباري (13: 41 - 42 و 44) معتمدا على كتاب (أخبار البصرة) لعمر بن شبة، ~~وعلى غيره من الوثائق القديمة التي جاء فيها عن ابن بطال قول الملهب: « ... ~~.. إن أحدا لم ينقل أن عائشة ومن معها نازعوا عليا في الخلافة، ولا دعوا ~~إلى أحد منهم ليولوه الخلافة وإنما أنكرت هي ومن معها على علي منعه من قتل ~~قتلة عثمان وترك الاقتصاص منهم. وكان علي ينتظر من أولياء عثمان أن ~~يتحاكموا إليه، فإذا ثبت على أحد بعينه أنه ممن قتل عثمان اقتص منه. ~~فاختلفوا بحسب ذلك وخشي من نسب إليهم القتل أن يصطلحوا على قتلهم، فأنشبوا ~~الحرب بينهم (أى بين فريقي عائشة وعلي) إلى أن كان ما كان». # ونجح قتلة عثمان في إثارة الفتنة بوقعة الجمل، فترتب عليها نجاتهم وسفك ~~دماء المسلمين من الفريقين، وإنك لتجد الأسماء التي سجلها التاريخ في فتنة ~~عثمان بقي يتردد كثير منها في وقعة الجمل، فيما بين الجمل وصفين، ثم في ~~وقعة صفين وحادثة التحكيم، وفي هذه الحادثة الأخيرة اتسعت دائرة الغلو في ~~الدين، فكثر المصابون بوبائه، وتفتننوا في مذهبه، إلى أن انتهى أمرهم ~~بانشقاق (الخوارج) عن علي، وتميز فريق من المتخلفين مع علي # PageV01P320 # باسم (الشيعة)، ولم يقع نظري على اسم للشيعة في حياة علي كلها إلا في هذا ~~الوقت سنة 37ه. ومن الظواهر التي تسترعي الأنظار في تاريخ هذه الفترة أن ~~الغلاة من الفريقين - فريق الشيعة وفريق الخوارج - كانوا سواء في الحرمة ~~للشيخين أبي بكر وعمر - رضي الله عنه -، تبعا لما كان عليه أمير المؤمنين ~~علي نفسه، وما كان يعلنه على منبر ms295 الكوفة من الثناء عليهما والتنويه ~~بفضلهما. أما الخوارج فإنهم والإباضية ظلوا على ذلك لم يتغيروا أبدا، فأبو ~~بكر وعمر كانا عندهم أفضل الأمة بعد نبيها، استرسالا منهم فيما كانوا عليه ~~مع علي قبل أن يفارقوه. وأما الشيعة فإنهم عند ما جددوا بيعتهم لعلي بعد ~~خروج الخوارج إلى حروراء والنهروان قالوا له أولا: «نحن أولياء من واليت ~~وأعداء من عاديت». فشرط لهم كرم الله تعالى وجهه سنة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: أى أن بوالوا من والى على سنة رسول الله ويعادوا من عادى على ~~سنته - صلى الله عليه وسلم -. فجاءه ربيعة بن أبي شداد الخثعمي - وكان صاحب ~~راية خثعم في جيش علي أيام الجمل وصفين - فقال له علي: «بايع على كتاب الله ~~وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -» فقال ربيعة: «وعلى سنة أبي بكر وعمر» ~~فقال علي: «ولو أن أبا بكر وعمر عملا بغير كتاب الله وسنة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - لم يكونا على شيء من الحق» أي أن سنة أبي بكر وعمر إنما ~~كانت محمودة ومرغوبا فيها لأنها قائمة على العمل بكتاب الله وسنة رسوله، ~~فبيعتكم الآن على كتاب الله وسنة رسوله تدخل فيها سنة أبي بكر وعمر. # هكذا كان أمير المؤمنين علي من أخويه وحبيبه خليفتي رسول الله أبي بكر ~~وعمر في حياته كلها، وهكذا كانت شيعته الأولى: من خرج منهم عليه، ومن جدد ~~البيعة له بعد التحكيم. # وحكاية التحكيم هذه كانت مادة دسمة للمغرضين من مجوس هذه الأمة أتاحت لهم ~~دس السموم في تاريخنا على اختلاف العصور، وأول من شمر عن ساعديه للعبث بها ~~وتشويه وقائعها أبو مخنف لوط بن يحيى، ثم خلف خلف بعد أبي مخنف بلغوا من ~~الكذب ما جعل أبا مخنف في منزلة الملائكة بالنسبة إلى هؤلاء الأبالسة، وأبو ~~مخنف معروف عند ممحصي # PageV01P321 # الأخبار وصيارفة الرجال بانه أخباري تالف لا يوثق به. نقل الحافظ الذهبي ~~في (ميزان الاعتدال) عن حافظ إيران ورأس المحققين من رجالها أبي حاتم ~~الرازي رحمه الله أنه ms296 تركه وحذر الأمة من أخباره، وأن الدارقطني أعلن ضعفه، ~~وأن ابن معين حكم عليه بأنه ليس بثقة، وان ابن عدي وصفه بأنه «شيعي محترق». # ومن براعة هؤلاء المغرضين في تحريف الوقائع ودس أغراضهم فيها، وتوجيهها ~~بحسب أهؤائهم، لا كما وقعت بالفعل، أنهم كانوا يعمدون إلى حادثة وقعت ~~بالفعل فيرددون منها ما كان يعرفه الناس، ثم يلصقون بها لصيقا من الكذب ~~والإفك يوهمون أنه من أصل الخبر ومن جملة عناصره، فيأتي الذين بعدهم فيجدون ~~الخبر القديم مختصرا فيحكمون عليه أنه ناقص، ويقولون «من حفظ حجة على من لم ~~يحفظ» ويتناولون الخبر ما لصق به من لصيق مفترى، حتى تكون الرواية الجديدة ~~وما في بطنها من جنين الإثم هي المتداولة بين الناس. وقد يعمد هؤلاء ~~المغرضون إلى موهبة من مواهب النبوغ عرف بها أحد أبطال التاريخ الإسلامي ~~وعظماء الدعاة الفاتحين، لم يعرف عنه استعمالها إلا في سبيل الحق والخير، ~~فيطلعون على الناس بأكاذيب يرتبونها على تلك الوهبة، ويوهمون أن رجل الحق ~~والخير الذي حلاه الله بتلك الموهبة ولم يستعملها إلا في نشر دين الله ~~وتوسيع نطاق الوطن الإسلامي، وقد انقلب بزعمهم مع الزمن، وسخر نبوغه للباطل ~~والشر، فإذا أخذ المحققون في تمحيص ذلك وتحري مصادر هذه التهم التي لا ~~تلتئم مع ما تقدمها من سيرة ذلك البطل المجاهد، وجدوها من بضاعة الكذابين ~~ومفترياتهم، ولكن قلما يجدى ذلك بعد أن يكون «قد قيل ما قيل إن صدقا وإن ~~كذبا». # هذا أبو عبد الله عمرو بن العاص بن وائل السهمي بطل أجنادين، وفاتح مصر، ~~وأول حاكم ألغى نظام الطبقات فيها، وكان السبب الأول في عروبتها وإسلام ~~أهلها وشريك مسلميها في حسناتهم من زمنه إلى الآن لأنه الساعي في دخولهم في ~~الإسلام - هذا الرجل العظيم عرفه التاريخ بالدهاء ونضوج العقل وسرعة ~~البادرة، وكان نضوج عقله سبب انصرافه # PageV01P322 # عن الشرك ترجيحا لجانب الحق واختيارا لما دله عليه دهاؤه من سبيل الخير، ~~فجاء مزيفو الأخبار من مجوس هذه الأمة وضحاياهم من البلهاء فاستغلوا ما ~~اشتهر به عمرو ms297 من الدهاء استغلالا تقر به عين عبد الله بن سبأ في طبقات ~~الجحيم. # يقول قاضي قضاه إشبيلية بالأندلس الإمام أبو بكر محمد بن عبد الله بن ~~العربي المعافري (المولود في أشبيلية سنة 468 والمتوفى بالمغرب سنة 543) في ~~كتابه (العواصم من القواصم) ص 177 بعد أن ذكر ما شاع بين الناس في مسألة ~~تحكيم عمرو وأبي موسى، وما زعموه من أن أبا موسى كان أبله وأن عمرا كان ~~محتالا: «هذا كله كذب صراح، ما جرى منه حرف قط، وإنما هو شيء أخبر عنه ~~المبتدعة، ووضعته التاريخية للملوك، فتوارثه أهل المجانة والجهارة بمعاص ~~الله والبدع، وإنما الذي روى الأئمة الثقات الأثبات أنهما - يعني عمرا وأبا ~~موسى - لما اجتمعوا للنظر في الأمر، في عصبة كريمة من الناس منهم ابن عمر، ~~عزل عمرو معاوية. ذكر الدارقطني بسنده عن حضين بن المنذر أنه لما عزل عمرو ~~معاوية جاء (أي حضين) فضرب فسطاطه قريبا من فسطاط معاوية، فبلغ نبأه معاوية ~~فأرسل إليه فقال: إنه بلغني عن هذا (يعني عمرو بن العاص) كذا وكذا (يعني ~~اتفاقه مع أبي موسى على عزل الأميرين المتنازعين حقنا لدماء المسلمين وردا ~~للأمر إليهم يختارون من يكون به صلاح أمرهم). فاذهب فانظر ما هذا الذي ~~بلغني عنه - فقال حضين -: فأتيته فقلت: أخبرني عن الأمر الذي وليت أنت وأبو ~~موسى كيف صنعتما فيه؟ قال: قد قال الناس في ذلك ما قالوا، والله ما كان ~~الأمر على ما قالوا، ولقد قلت لأبي موسى: ما ترى في هذا الأمر؟ قال: أرى ~~أنه في النفر الذي توفى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو عنهم راض. ~~قلت: فأين تجعلني أنا ومعاوية؟ فقال: إن يستعن بكما ففيكما معونة، وإن ~~يستعن عنكما فطالما استغنى أمر الله عنكما. قالت: فكانت هي التي قتل معاوية ~~منها نفسه. فأتيته (أي أن حضينا أتى معاوية) فأخبرته أن الذي بلغه عنه كما ~~بلغه. أي أن الذي بلغ معاوية من أن عمرا وأبا موسى عزلاه هو كما بلغه، ~~وأنهما رأيا أن يرجع في الاختيار ms298 من جديد إلى النفر الذي توفي رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وهو عنهم راض. ثم ذكر القاضي أبو بكر بن العربي # PageV01P323 # بقية خبر الدارقطني عن إرسال معاوية رسولا - وهو أبو الأعور الذاكواني - ~~إلى عمرو بن العاص يعاتبه، وأن عمرا أتى معاوية وجرى بينهما حوار وعتاب، ~~فقال عمرو لمعاوية: «عن الضجور قد تحليت العلبة» وهو مثل معناه أن الناقة ~~الضجور التي لا تسكن للحالب قد ينال الحالب من لبنها ما يملأ العلبة. فقال ~~له معاوية «ونربذ الحالب فتدق أنفه وتكفأ إناءه». # فرواية الدارقطني هذه - وهو من أعلام الحديث - عن رجال عدول معروفين ~~بالتثبت ويقدرون مسئولية النقل، هي التي تتناسب مع ماضي عمرو وأبي موسى ~~وأيامهما في الإسلام ومكانتهما من النبي - صلى الله عليه وسلم - وموضوعهما ~~من ثقة الفريقين بهما واختيارهما من بين السادة القادة المجربين. وأما ~~الافتئات على أبي موسى والإيهام بأنه كان أبله فهو أشبه بالرقعة الغربية في ~~ردائه السابغ الجميل. يقول القاضى أبو بكر بن العربي (ص 174): «وكان أبو ~~موسى رجلا تقيا ثقفا فقيها عالما أرسله النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ~~اليمن مع معاذ، وقدمه عمر ابن الخطاب وأثنى عليه بالفهم. (1) وزعمت الطائفة ~~التاريخية أنه كان أبله ضعيف الرأي مخدوعا في القول» ثم رد هذه الأكاذيب ~~وأحال في تفصيل الرد على كتاب له اسمه (سراج الدين). # وبعد فإن صحائف أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت كقلوبهم ~~نقاء وسلامة وطهرا. وما نتمناه من تمحيص التاريخ أول ما يشترط له فيمن ~~يتولاه أن يكون سليم الطوية لأهل الحق والخير، عارفا بهم كما لو كان معاصرا ~~لهم، بارعا في التمييز بين حملة الأخبار: من عاش منهم بالكذب والدس والهوى، ~~ومن كان منهم يدين لله بالصدق والأمانة والتحرز عن تشويه صحائف المجاهدين ~~الفاتحين الذين لولاهم لكنا نحن وأهل أوطاننا جميعا لا نزال كفرة ضالين. ~~(2) PageV01P324 ms299